######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 609, 611, 1613 #META# المؤلف: باقر شريف القرشي #META# الناشر: دار البلاغة #META# المطبعة: دار البلاغة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٣ هـ.ق #META# الصفحات: ٥٣٢ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@018 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ). ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ). ( @QUR@020 قل لا أسئلكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور ). PageV01P001 ### | الإهداء # إليك .. يا علة الموجودات ، وسيد الكائنات # إليك .. يا منقذ الإنسانية من ظلمات الجهل ، وباعث الروح والعلم في ~~الأجيال. # إليك .. يا رسول الله ، وخاتم النبيين. # أرفع بكلتا يدي هذه الوريقات التي بحثت فيها عن سيرة سبطك الأكبر ، ~~وريحانتك الذي غذيته من كمال النبوة ، وأورثته هيبتك ، وسؤددك. وهي بضاعتى ~~المزجاة التي أعددتها ذخري يوم الوفادة عليك ، فعسى أن تقع من مقامكم ~~الرفيع موقع القبول وهو حسبى. PageV01P003 ### | تقديم ### | لامام المصلح كاشف الغطاء PageV01P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الإمام السبط أبو محمد الزكي أول الأسباط الأحد عشر من نسل محمد (ص) سيد ~~الأنبياء ونسل علي سيد البشر وأول من اجتمع فيه نور النبوة ونور الإمامة ~~فكان مجمع النورين وأحد النيرين وملتقى البحرين ( @QUR@03 مرج البحرين ~~يلتقيان @QUR@ * @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) علي بحر نور الإمامة وفاطمة بحر نور ~~النبوة والكرامة ، يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السم في السماء والمرجان ~~الأحمر بحمرة الأرض من الدماء. # الحسن أول الأئمة الامناء من صلب سيد الأوصياء ، الحسن الذي أظهر الحق ~~وأزهق الباطل وحقن بصلحه الدماء. # وقد كانت ولادته في ليلة النصف من رمضان على أشهر الأقوال وقد صادف ~~املائي لهذه الكلمات هذه الليلة التي هي ليلة النور وليلة الفرح PageV01P007 # والسرور لأهل البيت الذين يجب أن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم. فالى سيد ~~الكائنات ، وعلي وفاطمة صلوات الله عليهم أزف الأناشيد والتهاني والترانيم ~~مهنيا لهم بهذا المولود المبارك الذي يقول فيه علة الوجود ومرآة المعبود ~~وفي أخيه : « نعم الجمل جملكما ونعم الراكبان أنتما ». # وإني لا أحاول من هذه المقالة التي جرى بها القلم على العجالة أن أذكر ما ~~لأبي محمد الزكي (ع) من عظمة المآثر ومآثر العظمة وكبرياء الجبروت وجبروت ms001 ~~الكبرياء وعلو المفاخر والمناقب ومفاخر العلياء كلا ثم كلا فان صقر باعي ~~ونسر يراعي على سعة معرفتى واطلاعي ينحطان ويسقطان عن العروج إلى ذلك العرش ~~المتمرد بمناعته على العقول والذي لا تنال منه الأفكار مهما تعالت وتغالت ~~سوى الدهشة والذهول. # وإنما أريد أن أتعرض إلى ناحية من نواحي حياته وآية واحدة من آيات ~~معجزاته ومعجزات آياته ، وهي ناحية صلحه مع الطاغية ابن الغاوي والغاوية ~~معاوية ، فان هذه الناحية قد تعقدت ولبست أسمك جلابيب الغموض وساءت في ~~توجيهها الظنون وباءت بالفشل كل الفروض وسرى الشك وتضعضعت أركان الإيمان ~~حتى من أخص أصحابه وأصحاب أبيه عليه السلام ، والخلص من شيعته ومواليه فحمل ~~الغيظ والغضب ذلك الطود الأشم على إساءة الأدب فقال : السلام عليك .. وكان ~~الواجب أن يقول يا معز المؤمنين فقال عكسها. ولم يزل الغموض والالتباس يضفي ~~على القضية أسوأ لباس حتى على المعتقدين بامامته وعصمته. ولكن غلبت العاطفة ~~فيها وصدمة الرزية على التعقل والروية. ولو أمعنوا النظرة وفسحوا المجال ~~للفكرة لتجلى لهم جلاء الشمس ، ان كل الصلاح وصلاح الكل فيما فعله سلام ~~الله عليه لا من حيث التعبد والتسليم والخضوع للامر الواقع مهما كان خيرا ~~أو شرا ولا من حيث الاعتقاد بالعصمة ، وإن عمل المعصوم لا بد PageV01P008 # وأن يكون موافقا للحكمة ، كلا بل لو تدبرنا الواقعة ونظرناها من جميع ~~أطرافها وظروفها وملابساتها ونتائجها ومقدماتها لا تضح لنا على القطع ~~واليقين أن ما فعله سلام الله عليه هو المتعين ولا يصح غيره ، نعم هو الحزم ~~بعينه وهو الظفر بخصمه وهو عين الفتك بعدوه من حيث الفنون الحربية والسياسة ~~الزمنية فعل فعل القائد المحنك والحازم المجرب فحارب عدوه بالسلم وغلب عليه ~~بالصلح ، فاخمد ناره وهتك ستاره وابدى للناس عاره وعياره ، وما كان من ~~الصلاح إلا أن يحاربه بالصلح لا بالسلاح ويذبحه باعماله لا بقتاله ونباله ~~وهذا اتم للحجة واقطع للمعاذير وابلغ في دفع الريب والشبهة وإيضاح كل هذا ~~وانارته بحيث يرى بالعين ويلمس باليد يحتاج إلى فضل بيان وقوة جنان وسعة في ~~القول ms002 ولا يساعدني على شيء من ذلك جسمي العليل وبصرى الكليل وكثرة اشغالى ~~وبالى البالى وضيق مجالى وسوء حالى. وعسى أن يلطف جل شأنه فيسمح لى بانتهاز ~~فرصة أخرى استطيع أن اعطي البيان حقه في هذا المضمار واكشف عن هذا الغموض ~~الحجب والاستار حتى يظهر الحق وتسطع الانوار ، ولكن لا أجد بدا من أن اختم ~~كلمتى هذه بالحق المحض وزبدة المخض. # وهي على الجملة والطى أنه كما كان الواجب والمتعين الذي لا محيص عنه في ~~الظروف التي ثار بها الحسين سلام الله عليه على طاغوت زمانه أن يحارب ~~ويقاتل حتى يقتل هو واصحابه وتسبى عياله ودائع رسول الله كما كان هذا هو ~~المتعين في فن السياسة وقوانين الغلبة والكياسة مع قطع النظر عن الاوامر ~~الإلهية والمشيئة الازلية كذلك كان المتعين والواجب الذي لا محيص عنه في ~~ظروف الحسن (ع) وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه ولو لا صلح الحسن وشهادة ~~الحسين عليهما السلام لما بقى للاسلام أسم ولا PageV01P009 # رسم ولضاعت كل جهود محمد (ص) وما جاء به للناس من خير وبركة وهدى ورحمة ، ~~فان أبا سفيان ونغله معاوية وسخله يزيد دبروا كل التدابير واعملوا كل الحيل ~~لمحو الاسلام ورد الناس إلى جاهليتهم الاولى وعبادة اللات والعزى ولعل إلى ~~هذه النكتة الدقيقة اشار النبي (ص) بالحديث المشهور ، الظاهر بصحته ظهور ~~النور ، يقول صلى الله عليه وآلهوسلم « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا » ~~لعله يعنى أن الحسن إمام في قعوده كما أن الحسين إمام في قيامه ونهضته. # وكانت جمهرة المؤرخين وأرباب التراجم والسير تسرد قضية الحسن سلام الله ~~عليه وصلحه مع معاوية على سطحها الظاهر وشكلها البسيط من غير تحليل ولا ~~تعليل ولا تعمق وتحقيق ومن دون نظر إلى ظروف الواقعة وملابساتها ومباديها ~~وغاياتها ولذا قد يستبق إليها نوع من الاستنكار لعدم النظر إليها بنظر ~~التدبر والاعتبار. # ولكن بما أن الحق والحقيقة نور ، والنور إذا اشتد يشق الستور ويأبى إلا ~~الظهور قيض الله في هذا العصر بعض الافاضل من ذوى الاقلام البارعة والافهام ms003 ~~الفارعة والانظار السديدة والافكار الحرة فكشفوا بمؤلفاتهم عن حياة الحسن ~~(ع) وسيرته وصلحه الغموض والتعقيد وازاحوا لثام بعض الاوهام التي زلق فيها ~~بعض الكتبة من المعاصرين ومن الذين قبلهم. # وممن عرف فالف واجاد فيما جمع وصنف ، وترجم للحسن (ع) في حياته فاحسن ، ~~واتقن ، وجمع فبرع العالم الفاضل النجيب الاديب الشيخ باقر القرشي ايده ~~الله بروح العناية منه والتوفيق ، فقد رفع إلى بعض فصول الجزء الاول من ~~مؤلفه ( حياة الحسن ) فوجدت فيه روح الطموح PageV01P010 # وطموح الروح ووجدت فيه نفسا وثابة قد جرت في أشواط السباق ، وإذا كانت في ~~البداية فهي على وشك الوصول إلى الغاية. واحسن شاهد على فضل كتابه نفس كتابه. # ( سبوح لها منها عليها شواهد ) # شكر الله مساعيه وبلغه امانيه. # بدعاء ابيه الروحي # محمد الحسين آل كاشف الغطاء # صدر من مدرستنا العلمية بالنجف الاشرف # بتأريخ 20 شهر الصيام المبارك سنة 1373 هج. PageV01P011 ### ||| * مقدمة الطبعة الثانية PageV01P012 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * 1 # للامام أبي محمد الحسن (ع) تأريخ مشرق ، حافل بأروع صفحات البطولة ~~والجهاد ، وسيرة ندية تنبض بالعدل والتقوى ، وتتدفق بالقابليات الفذة ، ~~والنزعات الخيرة ، وتلتقي بها سجاحة الخلق ، واصالة الرأي ، وعمق التفكير ، ~~وقد اجمع المترجمون له أنه من احلم الناس ، واقدرهم على كظم الغيظ ، والصبر ~~على الأذى والمكروه ، فما عرف من سيرته أنه قابل مسيئا باساءته ، ولا جازى ~~مذنبا بذنبه ، وإنما كان يغدق عليهم بالاحسان ويقابلهم بالمعروف ، شأنه شأن ~~جده الرسول (ص) الذي وسع الناس باخلاقه وحلمه. # وحسبها شهادة تدل على عظيم حلمه ادلى بها الد خصومه ، واحقد اعدائه مروان ~~بن الحكم حينما بادر إلى حمل جثمانه الطاهر ، فاستغرب منه سيد الشهداء وقال ~~له : « اتحمل جثمانه ، وكنت تجرعه الغصص؟! » # فقال مروان : « كنت افعل ذلك بمن كان يوازي حلمه الجبال » وكما كان من ~~احلم الناس ، فقد كان من ابرز رجال الفكر في سداد الرأي وصواب التفكير ، ~~وقد تجلى ذلك في صلحه مع معاوية ، وتجنبه من فتح باب الحرب ، فان البلاد ~~كانت تضج بالحزبية ، وباع زعماء القبائل وقادة الجيش ذممهم على معاوية ، ~~وانحازوا ms004 إلى معسكره لا PageV01P013 # إيمانا بقضيته ، وانما طمعا بامواله ، واستجابة لرغباتهم النفسية التي ~~تطمع بالنفوذ والسيطرة ، والثراء العريض ، مضافا إلى ذلك خبث جنوده ، وشدة ~~خلافهم ، وايثارهم للسلم ، وغير ذلك من العوامل التي سنذكرها بالتفصيل في ~~غضون هذا الكتاب ، فاستسلم عليه السلام للامر الواقع ، وصالح معاوية ، وقد ~~صان بذلك الأمة ، وحفظ دماءها ، وجنبها من المضاعفات السيئة التي لا يعلم ~~مدى خطورتها الا الله ، واجمع الرواة أنه كان أندى الناس كفا ، واوصلهم ~~لعباد الله ، واعطفهم على الفقراء والمحرومين حتى لقب بكريم اهل البيت مع ~~أنهم اصول الكرم ومعدن السخاء والمعروف وكانت تترى عليه وفود من الفقراء ~~والمحتاجين فيفيض عليهم ببره ، ومعروفه وينقذهم بوافر عطاياه من ذل السؤال ~~والحاجة إلى السعة والبسط في العيش والاستغناء عما في أيدى الناس. # واتفقت كلمة المؤرخين أنه كان اعبد أهل زمانه ، وأتقاهم واكثرهم عبادة ، ~~وخوفا من الله ، وقد حج بيت الله الحرام خمسا وعشرين حجة وان النجائب تقاد ~~بين يديه ، وقد عمل جميع الوسائل التي يتقرب بها إلى الله ، وتجرد عن لهو ~~الحياة ، ونبذ جميع زخارفها ، وسنذكر ذلك بالتفصيل عند التحدث عن مثله ، ~~ومظاهر شخصيته العظيمة. # ان سيرة الامام (ع) في جميع صورها من اروع سير العظماء والمصلحين الذين ~~تعتز بهم الامة في جميع مجالاتها ، ويكفيها خلودا أنها شابهت سيرة النبي ~~(ص) وحكت كريم طباعه وسجاياه. ### ||| * 2 # ومشكلة تواجهنا في تأريخ الامام أبي محمد هي الاخبار الموضوعة التي ألصقت ~~بتأريخه النير ، فقد دسها في التأريخ الاسلامي بعض الرواة من PageV01P014 # اجراء السلطة الحاكمة فنسبوا له ما هو بعيد عنه ، اتهموا الامام انه كان ~~عثماني الهوى ، وانه كان يندد بموقف أبيه يوم الدار ، لأنه لم يقم بعمليات ~~النجدة ، ولم ينقذ عثمان ، وينجيه من أيدى الثوار ، كما أنه لم يكن من رأيه ~~كما رووا أن يستجيب أبوه إلى رغبة الجماهير الذين هتفوا باسمه واصروا على ~~ترشيحه لمنصب الخلافة ، وان امير المؤمنين عصاه على حد تعبيرهم واستجاب ~~لدعوة الثوار. # والصقوا بسيرته الوضاءة انه كان كثير الزواج ، والطلاق ، وقد بالغوا في ~~ذلك إلى ms005 حد بعيد فرووا أنه كان في اكثر أيامه يعقد على امرأة ويطلق أخرى ، ~~والسبب في ذلك كله هو الحط من شأنه ، والتقليل من أهميته وقد دون تلك ~~الروايات المؤرخون ، واستند إليها كتاب العصر وفي طليعتهم الدكتور طه حسين ~~(1) فقد مال إليها ، وارسلها إلى القراء ارسال المسلمات ، ولم يتثبت في ~~سندها ليتضح له أن رواتها قد وصموا بالوضع والانحراف عن أهل البيت ، وقد ~~فندنا القسم الكثير منها في بحوثنا ودللنا على مواضع الضعف الذي فيها سواء ~~أكان من ناحية السند أو من غيره. # إن اهم شيء تستدعيه ضرورة البحث هي غربلة الاخبار ، ومعرفة رواتها ~~والتوثق منهم فمن كان صحيحا في نقله بعيدا عن الكذب غير متهم في دينه فيؤخذ ~~بروايته ، ويعول عليها في بناء التأريخ الاسلامي ، ومن كان من الرواة ~~منزلقا في احضان السلطة ويكتب لأغراضها ، ويدون لتدعيم سلطانها وهو في نفس ~~الوقت غير متحرج ولا متأثم من الكذب والوضع فان الواجب أن ترد روايته ولا ~~يعتمد على نقله ، والإسلام قد PageV01P015 # أمرنا بصراحة بالتثبت في اخبار المتهمين في دينهم ، قال تعالى : ( ~~@QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (1) والآية صريحة الدلالة في وجوب ~~التثبت في اخبار الفساق ، واي أثم اعظم من ارتكاب الوضع وتعمد الكذب ، وهي ~~في عمومها شاملة للاخبار عن الموضوعات الخارجية ، ومنها الاخبار عن الحوادث ~~التأريخية وغيرها. # وعجيب وان كان خارجا عن الصدد أن تؤخذ بعين الرضا والقبول روايات شيخ ~~المضيرة أبو هريرة الدوسي (2) والجلاد سمرة بن جندب ، ويعول عليها في بناء ~~العقيدة الاسلامية مع أن في الكثير منها خروجا على سلطان العقل وحكمه ، ~~وخروجا على حكم الاسلام الذي ما آمن والحمد لله بالخرافات والاوهام. # ان تنقية الاخبار ضرورة ملحة لكل باحث سواء أكانت متصلة بشئون الدين أو ~~في غيره ولزوم طرح ما رواه المنحرفون واجراء السلطة فيما انفردوا بروايته. ### ||| * 3 # والشيء البارز في العصر الذي عاش فيه الامام الحسن (ع) انتشار الحزبية ، ~~وتفاعل تياراتها الهائلة ، فقد صمم ms006 الحزب القرشى الذي شكل قبل وفاة النبي ~~(ص) على صرف الخلافة الاسلامية عن أهل البيت (ع) PageV01P016 # لاسباب أهمها التهالك على الامرة والسلطان ، والحسد لعترة النبي (ص) على ~~ما منحها الله من الفضائل والمواهب ، وقد أثر عنهم « ان النبوة والخلافة لا ~~يجتمعان في بيت واحد » وهو كلام لا يعضده الدليل في جميع مناحيه ، وقد تعرض ~~ابن عباس الى تزييفه بمنطقه الرصين فى محاورته مع عمر بن الخطاب ، فقد قال ~~له عمر « بعد حديث طويل دار بينهما » : # « يا ابن عباس ، أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد (ص)؟ ». قال ابن عباس ~~: فكرهت أن اجيبه ، فقلت له : إن لم أكن ادرى فان امير المؤمنين يدرى : # فقال عمر : « كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم ~~بجحا ، بجحا ، فاختارت قريش لا نفسها فاصابت ، ووفقت. » وخاف ابن عباس من ~~شدة عمر وغلظته أن يجابهه بتزييف كلامه فطلب منه الاذن ليصارحه بالواقع ~~قائلا : « يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام ، وتمط عني الغضب تكلمت .. ». # « تكلم يا ابن عباس ». # « أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فاصابت ووفقت ، فلو ~~ان قريشا اختارت لانفسها من حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير ~~مردود ولا محسود ، واما قولك : انهم ابوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، ~~فان الله عز وجل ، وصف قوما بالكراهة ، فقال : « ذلك بأنهم كرهوا ما انزل ~~الله فأحبط اعمالهم ». # فثار عمر وقد لسعه قول ابن عباس : فقال له : # « هيهات يا بن عباس .. قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها ~~فتزيل منزلتك منى .. » وخاف ابن عباس من سطوته فاجابه بناعم القول : PageV01P017 # « ما هي يا أمير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، ~~وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه ،. » # وهدأت ثورة عمر فقال له : # « بلغني أنك تقول : إنما صرفوها اي الخلافة عنا حسدا وبغيا وظلما! » # فاجابه ابن عباس بمنطقه الفياض : # « أما قولك يا أمير المؤمنين : ظلما فقد تبين للجاهل والحليم ، واما قولك ~~حسدا فان آدم حسد ، ونحن ولده ms007 المحسودون!! » # فثار عمر ، وصاح به # « هيهات هيهات!! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول .. » # وانبرى ابن عباس فرد عليه مقالته : # « مهلا يا أمير المؤمنين!! لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا .. » (1) # وكشفت هذه المحاورة عما تكنه قريش في نفوسها من الموجدة والكراهية لآل ~~البيت فاختارت صرف الخلافة عنهم ، ويرى عمر أنها وفقت في ذلك ، ولكنها في ~~الحقيقة لم توفق ، ولم تصب الرأي والرشد ، فقد انتج اختيارها أن يفوز ~~الأمويون بالحكم ، وهم أعداء الاسلام وخصومه ، ومجزرة كربلا الرهيبة احدى ~~مظاهر عدائهم ونقمتهم من الاسلام ، فقد صدرت الأوامر المشددة من القيادة ~~العسكرية العليا إلى الجيش بإبادة اهل البيت واستئصال شأفتهم ، وأن لا يبقى ~~على مسرح الحياة أحد من نسل آل محمد (ص) فابيدت تلك الصفوة الطاهرة من عترة ~~الرسول (ص) PageV01P018 # وتقطعت أوصالها على صعيد كربلا ، وحملت ودائع النبوة وكرائم الوحي سبايا ~~تطوف بها ارذال العرب واجلافهم من بلد إلى بلد ، ولما انتهيت سبايا آل ~~النبي (ص) الى يثرب يلتفت عمرو بن سعيد عامل يزيد عليها وهو جذلان مسرور ~~الى قبر رسول الله (ص) فيخاطب جدثه الطاهر ويقول له : # « يوم بيوم بدر يا رسول الله. » (1) # ثم رقى منبر النبي ، وخاطب المسلمين فقال : ويا لهول ما قال « أيها ~~الناس. إنها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة ، حكمة بالغة فما ~~تغني النذر. » # وقبله قال يزيد : # لست من خندف إن لم انتقم %~% من بني أحمد ما كان فعل # هذا هو اختيار قريش الذي وفقت فيه كما يقولون قد اوجب هضم العترة الطاهرة ~~التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها والاحتفاء بها ، فانا لله ~~وإنا إليه راجعون ### ||| * 4 # وقد نظرنا الى الحوادث التي جرت في عصر الامام أبي محمد (ع) نظرة امعان ~~وتدبر ، فان التاريخ كما ذكرنا قد خلط بالموضوعات حتى اصبح من العسير أن ~~يخلص المؤرخ إلى الحق في أيسر الأمور ، وقد استلخصنا من تلكم الحوادث كثيرا ~~من الجوانب التي لها صلة في الكشف عن حياة ms008 الامام (ع) وبتصوير العصر الذي ~~نشأ فيه. # وقد نشر هذا الكتاب قبل احدى عشرة سنة ، ونفذت نسخه ، ولم PageV01P019 # يعد لها أي وجود في الأسواق ، وقد ترجمه إلى اللغة الاوردية فضيلة ~~العلامة الجليل السيد محمد باقر النقوي حفظه الله ، وقد طبع في الهند ~~بمطبعة ( اصلاح كجهو ابهار ) وإن كثيرا ممن تهمهم امثال هذه البحوث قد ~~رغبوا في اعادة طبع الكتاب بعد نفاذ نسخه ، وكنت أرجئ ذلك إلى وقت آخر أملا ~~في اعادة النظر فيه لأني اعتقد أن فيه بعض الفصول تحتاج إلى مزيد من البسط ~~والتفصيل وقد تفضل علي أخي العلامة التقي الشيخ هادي القرشي فابدى رغبته ~~الملحة في مراجعة الكتاب ومعاودة النظر فيه فلم أر بدا من اجابته فراجعت ~~الجزء الاول منه ، واضفت إليه كثيرا من البحوث ، ولعل القارئ يجد أن هذه ~~الطبعة غير الطبعة الأولى لما فيها من الاضافات ، واناقه الطبع ، وروعة ~~التنسيق ودقة الاخراج التي اشتهرت بها مطابع الآداب. # وقبل أن انهى هذا التقديم ارفع اعمق الامتنان ، وجزيل الشكر إلى حضرة ~~المحسن الوجيه الحاج محمد رشاد عجينة لتبرعه بطبعه سائلا من الله أن يوفقه ~~لكل مسعى نبيل وأن يتولى جزاءه عن ذلك انه ولي التوفيق. |النجف الأشرف 28 ذي القعدة سنة 1384|باقر شريف القرشي| PageV01P020 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * (1) # لريحانة الرسول (ص) وسبطه الأول الإمام الزكي الحسن بن المؤمنين علي (ع) ~~حياة مثالية وسيرة فواحة عطرة تتدفق بها طاقات الاسلام الثرة الندية ، ~~وتتمثل فيها سيرة النبي (ص) واخلاقه واتجاهاته ، وتتجسد فيها جميع عناصر ~~التربية الاسلامية الرفيعة فهي بحق من اروع الشخصيات الفذة التي لمعت في ~~سماء الأمة الإسلامية ، وفي طليعة الذوات الخيرة التي تحلى بها قاموس ~~الإنسانية ، وذلك لما اتصفت به من الحلم والعلم والخلق والسجاحة والسخاء ~~وغير ذلك من الصفات الرفيعة التي شابهت صفات الرسول وحكت اخلاقه. # وحفلت حياة الامام (ع) بالمصاعب والكوارث ، وامتحن امتحانا عسيرا ~~بالامويين الذين جرعوه اقسى الوان الخطوب والآلام فقد ابتلى بهم الامام كما ~~ابتلى بهم جده وأبوه من قبل ، فقد كان الامويون ms009 يكنون في دخائل نفوسهم ~~واعماق قلوبهم بغضا عارما للهاشميين ، ومصدر ذلك العداء يرجع الى التنافر ~~الذاتي بين الاسرتين واختلاف طباعهما وتباين اتجاههما ، فقد كان الهاشميون ~~يمثلون الاريحية والشمم والإباء والوفاء وحماية الضعيف وقرى الضيف ، وكانت ~~أندية العرب ومجالسهم تتحدث عن مكارمهم ولين طباعهم ، وعما تركوه فى ربوع ~~مكة من أنظمة للعدل واسباب للنعيم والتجارة ، وأما ( الامويون ) PageV01P021 # فقد عرفوا باللؤم والجفاء والغلظة والغدر والخيانة ، وعدم الاستجابة أو ~~المساهمة فى أي عمل من اعمال الخير ، وهم فى جاهليتهم واسلامهم سواء لم ~~تصدر منهم بادرة من بوادر الكرم أو ظاهرة من ظواهر الاصلاح والنفع العام ~~يقول فيهم الجاحظ : # « ليس لهم قدم مذكور ولا يوم مشهود فلا سابقة ولا جهاد ، وإذا كان شيء من ~~هذا فانما يكون فيما يضر الناس ». # ولما أسس الهاشميون فى الجاهلية حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة ~~المظلوم حتى يدفعوا عنه ظلامته ، ومنع القوي من ظلم الضعيف ، والقاطن من ~~الاعتداء على الغريب كان الامويون وحدهم قد تخلفوا عن مناصرة هذا الحلف ~~والانتماء إليه لدوافع أهمها ان هذا الحلف يتنافى مع ميولهم التي طبعت على ~~الظلم والاعتداء ، والغرور والحسد للهاشميين. ### ||| * (2) # ولما صدع الرسول الاعظم (ص) برسالته الخالدة الداعية الى يقظة الضمير ~~وتحرير العقول ثقل على الامويين هذا المجد الذي اختص بالهاشميين ، وعظم ~~عليهم الأمر فألهبت قلوبهم بالحقد والكراهية ، وقد تحدث الحكم ابن هشام مع ~~قرينه فى الشرك أبي جهل فاعرب له عما يكنه فى قرارة نفسه من البغض العارم ~~للهاشميين وعدم الاستجابة لدعوة الاسلام قائلا : # « تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فاطعمنا ، وحملوا فحملنا حتى ~~إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من ~~السماء فمتى ندرك مثل هذا ، واللات لا نؤمن به ولا نصدقه ». وقد اجمعت ~~كلمتهم على مكافحة الدعوة الاسلامية فألبوا على الرسول (ص) القبائل وقادوا ~~الجيوش لمناجزته ، ولكن الله رد كيدهم فى نحرهم PageV01P022 # ونصر الاسلام وأعز رسوله فقد تحطمت قوى الامويين ومن تابعهم من شذاذ ~~الآفاق وأعداء الاسلام ، واتجهت الجيوش الاسلامية الظافرة الى ms010 احتلال مكة ~~المكرمة ، وقد وقع أبو سفيان أسيرا هو والعباس بيد القوات الاسلامية ~~الزاحفة فأمر الرسول (ص) بحبسهما في المضيق ليشاهد أبو سفيان قوة المسلمين ~~وضخامة جيشهم ، واجتازت عليه القوات العسكرية الهائلة فوقف مذهولا مبهوتا ~~قد انهارت قواه وانطلق يقول للعباس : # « لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما!! » # فأجابه العباس : انها النبوة # فقال أبو سفيان بصوت خافض متحجر : نعم اذن # إنها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه فما كان مثل هذا القلب ليفقه ~~الا معنى الملك والسلطان ، كما يقول السيد قطب : (1) # واطلق رسول الله (ص) سراح أبي سفيان ، ومنحه العفو كما منح أهل مكة ~~فانطلق يهرول قد غمرته عظمة المسلمين وقوتهم وهو يهتف بين قومه. « من دخل ~~داره فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » # ولما سمعت هند زوجته ذلك وشعرت بخوفه وايثاره العافية وطلبه للسلم جعلت ~~تصيح وهي حانقة مغيضة « اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه ، قبح من ~~طليعة قوم ، هلا قاتلتم ، ودفعتم عن انفسكم وبلادكم!! » تحرض بذلك قريشا ~~على الحرب ، وتلهب فى نفوسهم نار الثورة ، وروح العصبية ، ودخل رسول الله ~~(ص) مكة فاتحا ، وقام بتطهير البيت الحرام من الاوثان والاصنام ، وقد حطمها ~~امير المؤمنين (ع) فكسر لاتهم وهبلهم ، وصعد بلال فوق ظهر الكعبة يؤذن ~~للصلاة فلما سمعه PageV01P023 # أبو سفيان انخلع قلبه وصرخ مناديا بلا اختيار. # « لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد ». ### ||| * (3) # ولما اندحرت قوى الإلحاد وانهارت معنوية المشركين لم يجد الامويون بدا من ~~الدخول في حظيرة الاسلام فدخلوا فيه وهم أذلاء صاغرون ، قد كسرت شوكتهم ، ~~واخمدت نارهم ، وقد ظلت قلوبهم مترعة بالحقد والكراهية للاسلام ، وقد شعر ~~الرسول (ص) بذلك فاصدر قراره الحاسم بابعاد رءوسهم عن يثرب عاصمة المسلمين ~~وحرم عليهم الدخول إليها ، وقابلهم بالاستهانة والتحقير ، فقد أقبل أبو ~~سفيان راكبا ومعه معاوية وأخوه أحدهما قائد ، والآخر سائق فلما رآهم النبي ~~(ص) قال : # « اللهم ، ألعن القائد والسائق والراكب » (1) # وأقبلت امرأة الى رسول الله (ص) أرادت التزويج ms011 بمعاوية فنهاها عن ذلك ~~وقال لها : # « إنه صعلوك » (2). # ومتى كان هذا الصعلوك كاتب الوحي أو مقربا عند النبي (3) كما يقولون PageV01P024 # لقد قابل الرسول (ص) عموم الامويين بالاستهانة والتحقير والحط من شأنهم ~~وذلك لأنه استشف من وراء المغيبات أنهم مصدر الفتن والاضطراب والقلق بين ~~المسلمين فباعدهم ، وقد رأى (ص) في منامه أنهم ينزون على منبره نزو القردة ~~والخنازير فانزل الله تعالى عليه قوله : ( @QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس ) وما رؤي بعد ذلك ضاحكا (1). ### ||| * (4) # ولما انقصم ظهر الاسلام وانحسرت روحه بموت الرسول (ص) انصبت الفتن على ~~المسلمين كقطع الليل المظلم حتى فقدوا الرشد والصواب فناصبوا عترة الرسول ~~(ص) الذين هم وديعة النبي فابعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وسلبوا ~~الخلافة الاسلامية من أيديهم ، وتهالكوا على الإمرة والسلطان ، وقد مهد ~~الخليفة الثاني الحكم للامويين فاستعمل معاوية واليا على الشام واطلق له ~~العنان فلم يحاسبه على إسرافه ، ولم يعاتبه على تبذيره وبذخه كما فعل مع ~~بقية عماله وقد قيل له في ذلك فاعتذر لنفسه ، واعتذر عنه قائلا : ذاك كسرى العرب؟ PageV01P025 # ولم يكتف بهذا المد للأمويين ، وبهذا الاحسان الذي أسداه إليهم فقد فتل ~~حبل الشورى الذي انتج فوزهم بالخلافة وتلاعبهم بمقدرات الأمة وامكانياتها ، ~~وجر الخطوب والويلات لها ، وانتهاك كرامة النبي (ص) في عترته وذريته. # ولما استولى الامويون على زمام الحكم كان هدفهم طوي هذا الدين ، وقلع ~~جذوره ، ومحو سطوره ، وابادة معالمه وآثاره ، ولو لا فيض عارم في مبادئه ، ~~وقوة كامنة في طاقاته ، وتضحيات العلويين لانتشاله ، وعناية قبل كل شيء فيه ~~من الله تعالى لا صبح الاسلام معدوم الأثر من دنيا الوجود لأنه حينما استتب ~~لهم الأمر وصفا لهم الجو ظهر مدى حقدهم البالغ على الاسلام ، وظهرت رغباتهم ~~فى الملك والسلطان فكانوا لا يفكرون الا بذلك ولا يحلمون الا بأن تكون دولة ~~المسلمين العوبة بأيدي ابنائهم وصبيانهم ، وقد ادلى بذلك أبو سفيان بكلمته ~~التي القاها أمام أسرته وذويه قائلا لهم : # « يا بني أمية ، تلاقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ms012 ما من ~~جنة ولا نار وما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة » (1). # قال هذه الكلمة أبو سفيان : بمرأى ومسمع من عثمان وهي صريحة في ارتداده ~~وظاهرة في الحاده والواجب الشرعي يحتم على عثمان أن يقيم عليه الحد ~~باعتباره خليفة المسلمين ، وهو مسئول عن تنفيذ احكام الدين وتطبيق حدوده ~~ولكنه اعار ذلك أذنا صماء ، واهمل ما وجب عليه. # وحينما نشبت اظفار معاوية بالملك اتضح عداؤه السافر للاسلام والمسلمين ، ~~وقد برز ذلك في أقواله وأعماله واتجاهاته فقد خطب في النخيلة وكانت نشوة ~~الظفر عليه بادية فقال : # « يا أهل العراق ، والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، PageV01P026 # ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطانى الله ذلك ~~.. » (1) # وأي قيمة للصلاة والصوم والزكاة والحج ، واي أثر لسائر الطقوس الدينية ~~عند ابن هند التي نهشت كبد سيد الشهداء حمزة ، انه ما قاتلهم من اجل ذلك ~~ولا من اجل المطالبة بدم عثمان الذي أقام الدنيا وأقعدها بسببه ، وانما ~~قاتلهم من اجل الظفر بالملك والسلطان. # لقد منيت البلاد الاسلامية أيام حكمه وسلطانه بالظلم والجور والاستبداد ، ~~ومني المسلمون بالاستعباد والاستغلال ، فقد قضت سياسته الارهابية الملتوية ~~بارسال الاخيار والمصلحين الى ساحات الاعدام وظلمات السجون ، فقد اعدم ~~الصحابى العظيم حجر بن عدي وإخوانه الصالحين لأنهم انكروا على ولاته سبهم ~~لامير المؤمنين وسيد المتقين. # إن البارز في سياسة معاوية نشر الارهاب والخوف ، واشاعة الفتن والاضطراب ~~، واباحة الغدر والخيانة ، والولوغ في دماء المسلمين فقد أسرف هو وعماله فى ~~ذلك حتى قتلوا الاطفال الصغار والشيوخ العاجزين بعد ما تجاوزوا الحد فى قتل ~~الرجال وسجن النساء ، وقد ارتطمت البلاد بالفتن وضج الناس من الظلم والجور. # وقد ساند سياسته فريق من المرتزقة وباعة الضمير الذين وضعوا دنياهم فوق ~~رءوسهم ودينهم تحت أقدامهم فراحوا يلقون عليه التقديس ، ويخلعون عليه ~~النعوت الحسنة ويبررون جرائمه وموبقاته ، وهم ما بين راو وخطيب وزعيم ~~فاخذوا يذيعون بين الشاميين قربه من الرسول وانه وارثه حتى انقضى ردح من ~~الزمن وهم لا يظنون ان هناك احدا أقرب إلى النبي ms013 (ص) من معاوية وبني أمية ، ~~كما افتعلوا الاحاديث الكثيرة في PageV01P027 # الثناء عليه وضرورة تكريمه وتقديره ، ومضافا لهذا الفريق المرتزق البطانة ~~التي ظفر بها كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه وأضرابهم من ~~دهاة العرب وابالسة الدنيا فقد اخذوا فى تسديده واحكام سلطانه وتخذيل ~~اعدائه حتى اصبحت مقاومة حكمه من الصعوبة بمكان ، فقد عجز أمير المؤمنين ~~(ع) عن مقاومته ومناجزته حيث افسد عليه جيشه وتركه في ارباض الكوفة يتمنى ~~النزوح عن هذه الدنيا ومفارقة ذلك المجتمع المصاب باخلاقه حتى قضى ~~عليه السلام شهيدا صابرا. ### ||| * (5) # ولما فجع الاسلام ونكب المسلمون بقتل وصي الرسول (ص)، وبايعت الحواضر ~~الاسلامية سبط النبي الامام الحسن اخذ معاوية وعملاؤه يدبرون نفس الخطة ~~التي دبروها مع أبيه من قبل فافسدوا عليه جيشه وخواصه بالمال تارة ~~وبالارهاب أخرى حتى بلغ بهم التخاذل والانحطاط مبلغا فظيعا فقد كاتبوا ~~معاوية بتسليم الامام له أسيرا سرا أو علانية إن شاء ذلك وانضمت إلى ذلك ~~عوامل أخرى سنذكرها مشفوعة بالتفصيل فى غضون هذا الكتاب ، فرأى عليه السلام ~~أنه إن قاوم معاوية قاومه بيد جذاء ولو ضحى بنفسه لذهبت تضحيته سدى وتعود ~~بالضرر الجسيم على الاسلام والمسلمين فوقف (ع) مع عدوه موقف الحازم اليقظ ~~والبصير المحنك فصالح معاوية وحفظ دمه ودم أهل بيته والبقية الصالحة من ~~المؤمنين ، وقد كشف ذلك عن سمو رأيه وعمق نظره ، ولم يترك (ع) بعد الصلح ~~جهاده المقدس فقد انبرى يعمل في تحطيم عروش الدولة الأموية ، ويبين اخطارها ~~على العقيدة الاسلامية ، وقد تصدى لمعاوية بالذات فذكر مثالبه وموبقاته في ~~بلاطه وذلك حين سافر (ع) الى الشام. PageV01P028 # وسيقف القارئ الكريم في بحوث هذا الكتاب على مدى الآلام المرهقة التي ~~تجرعها سبط الرسول (ص) وريحانته من معاوية ، ومن جلاوزته ، ويقف على ما ألم ~~به من المحن والبلوى ، والاستهانة به حتى من خلص أصحابه وأصحاب أبيه ، فقد ~~جابهوه بعد ابرام الصلح باقسى القول وأمره وكان أشد على نفسه من ضربات ~~السيوف ، وقد صبر سلام الله عليه على ما انتابه من الخطوب ms014 ، وبث حزنه ~~وشكواه الى الله. # وبحثنا في هذا الكتاب عن مظاهر شخصيته ، وعن سيرته الندية ، التي هي بحق ~~من اروع ما حفل به تأريخ المسلمين من المآثر والمفاخر ، كما ذكرنا الأدوار ~~التي اجتازت عليه ، وما في عصره من الظواهر الاجتماعية فان الاحاطة بذلك ~~فيما نعلم ضرورة ملزمة يقتضيها البحث ، وقد بحثنا عن ذلك كله ببحث حر جهد ~~ما توصل إليه تتبعنا ، ومن الله التوفيق وهو ولي القصد. # النجف الأشرف : 1 / صفر سنة 1373 ه # باقر شريف القرشي PageV01P029 ### ||| * اجتماع النورين PageV01P030 # نشأت الصديقة فاطمة سيدة بنات حواء في إبان الدعوة الاسلامية وترعرعت ~~والاسلام في مرحلة الارتقاء ، وقد قام بدور تربيتها منقذ الانسانية وسيد ~~ولد آدم الرسول محمد (ص) فغذاها من حكمه وكماله ، وأفرغ عليها أشعة من روحه ~~المقدسة ، واشبعها من مكرمات نفسه العظيمة ، لتكون قدوة لنساء أمته ، ~~ومثالا للكمال الانساني ، وعنوانا للطهر والعفاف. # وحمل الرسول (ص) في نفسه من الحب لها ما لم يحمله لغيرها ذلك لأنها ~~البقية الصالحة من زوجته الطاهرة أم المؤمنين خديجة (رض) (1) PageV01P031 # التي منحته بعطفها وحنانها ، وآمنت به قبل غيرها ، ورصدت جميع أموالها ~~وامكانياتها لتقويم دعائم الاسلام وتشييد دعوته حتى نفذ جميع ما عندها من ~~الثراء العريض ، ولم ينس الرسول (ص) تلك اليد البيضاء التي اسدتها على ~~الاسلام فقد قابلها بالشكر الجزيل والثناء العاطر ، فكان بعد موتها دوما ~~يترحم عليها ويذكر وفاءها واحسانها حتى وجدت عليها عائشة ، وانطلقت تقول له : # « ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين (1) قد أبدلك الله خيرا منها » فغضب ~~النبي (ص) من هذا التوهين فقال لها : # « ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي حين كذبني الناس ، وواستني بما لها ~~حين حرمني الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها .. » (2) PageV01P032 # لقد واسته خديجة حينما وجدت عليه جبابرة قريش ، فوقفت الى جانبه تحميه ~~وتصون دعوته بأموالها الضخمة كما رزق منها الولد ولم يرزقه من غيرها فقد ~~رزق منها سيدة نساء العالمين شبيهة القديسة مريم بنت عمران في عفافها ~~وطهارة ذيلها فاطمة الزهراء عليها السلام التي بتلها الله عن ms015 النظير وهو ~~السبب في تسميتها « بالبتول » كما ان السبب في تسميتها بفاطمة ان الله قد ~~فطمها وذريتها من النار (1) ### || سمو منزلتها : # وادلى الرسول (ص) بعظيم منزلة الزهراء عليها السلام وسمو مكانتها عند الله ~~فقال (ص) مخاطبا لها : # « إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك » (2) # وأخذ بيدها وقال للمسلمين : # « من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد (ص) وهي بضعة ~~مني ، وهي قلبي ، وهي روحي التي بين جنبي PageV01P033 # من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » (1) # لقد قرن الرسول راحتها براحته وسعادتها بسعادته ، وقد تظافرت الاخبار ~~التي أثرت عن النبي (ص) بذلك فقد قال (ص): # « إنما فاطمة شجنة مني (2) يبسطني ما يبسطها (3) ويقبضني (4) ما يقبضها » (5). # وروت عائشة عن مدى حفاوته (ص) وتكريمه للزهراء (ع) فقالت : إنها إذا دخلت ~~عليه قام إليها فقبلها ورحب بها وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه (6). # وسئلت عائشة فقيل لها : # أي الناس كان أحب الى رسول الله (ص)؟ # فقالت : فاطمة # فقيل لها ، ومن الرجال؟ # فقالت : زوجها إن كان ما علمت صواما قواما (7). # وأخرج الامام احمد بن حنبل في ( مسنده ) ان النبي (ص) قال : PageV01P034 # ( فداؤها أبوها ) قال ذلك ثلاث مرات (1). # وبلغ من حبه ، وتقديره لها أنه إذا سافر جعلها آخر الناس عهدا به ، وإذا ~~قدم من سفره جعلها أول من يقصده (2). # وروى أنس بن مالك أن رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج ~~لصلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت ، ويتلو قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) الآية. # لقد كان كلف النبي (ص) واشفاقه على بضعته الزهراء (ع) فوق كلف الآباء ~~واشفاقهم على أبنائهم (3) ومن المعلوم الذي لا ريب فيه ان الرسول (ص) لم ~~يمنحها هذا العطف ، ولم يفض عليها هذا التكريم لأنها ابنته ولا عقب له ~~سواها فان شأن النبوة بعيد كل البعد عن المحاباة والاندفاع بعاطفة الهوى ~~والحب ، وانما صنع ذلك لتشييد الفضيلة PageV01P035 # ورفع مستوى القيم الرفيعة فانه (ص) لم يجد في بنات المسلمين ونسائهم ms016 من ~~تضارع ابنته في كمالها وعفافها وطهارة ذيلها فقد تجسمت فيها جميع المثل ~~الخيرة من العلم والعبادة والتقوى وغير ذلك من الصفات التي عز وجود بعضها ~~في بنات حواء. ### || خطبة الامام لها : # ولما أشرفت كريمة الرسول (ص) على ميعة الشباب تشرفت مشيخة الصحابة ~~بمقابلة الرسول (ص) وعرضوا عليه رغبتهم في التشرف بمصاهرته فقد جاء أبو بكر ~~خاطبا فرده (ص) وقال له : « أنتظر بها القضاء » وأعقبه عمر فرده بمثل ما رد ~~به صاحبه (1)، ولما علم المسلمون أن أمر الزهراء بيد الله تعالى وليس ~~للنبي (ص) أن يبت فيه ، وجموا عن مذاكرته في ذلك ، ومضت فترة من الزمن ~~اجتمع في خلالها نفر من الصحابة بعلي فذكروا له قربه من الرسول (ص) وشدة ~~بلائه في الاسلام ومناصرته للنبي في جميع المواقف والمشاهد ، وحفزوه على ~~خطبة كريمته ليفوز بمصاهرته ويحوز الى شرف جهاده شرف المصاهرة ، فسار (ع) ~~بين احجام واقدام يمشي في خطو متمهل وئيد حتى دخل على النبي (ص) وقد أخذه ~~صمت رهيب (2) فالتفت (ص) إليه مستفسرا : PageV01P036 # « ما حاجة ابن أبي طالب؟ » # فغالبه الحياء برهة ثم اجاب : # « ذكرت فاطمة يا رسول الله » # فاجابه الرسول والسرور باد على وجهه ، وابتسامة ظاهرة على شفتيه قائلا : # « مرحبا إن الله أمرني أن أزوجك من ابنتي » (1) # وتغمر المسرات قلب الامام بما أراد له الخالق الحكيم من خير الدنيا ~~والآخرة فهو ابن عم الرسول (ص) وسيصبح له صهرا ، وورد في بعض التفاسير انه ~~هو المعنى بهذه الآية « وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا » (2) ~~ويلتفت النبي الى أصحابه فيخبرهم بما أمره الله به قائلا : # « لقد أتاني ملك ، فقال لي : يا نبي الله ، إن الله يقرئك السلام ، ويقول ~~لك : إني زوجت فاطمة من علي في الملأ الأعلى فزوجها منه في الأرض » (3). # ويدخل الرسول (ص) على ابنته ، وقد اترعت نفسه الشريفة بالافراح فيخبرها ~~بذلك قائلا لها « زوجتك خير أمتي اعلمهم علما وافضلهم PageV01P037 # حلما وأولهم سلما » (1). # ويقول لها مرة اخرى. # « يا فاطمة ، أما علمت أن الله عز وجل اطلع على ms017 اهل الارض ، فاختار منهم ~~أباك فبعثه نبيا ، ثم اطلع ثانية فاختار بعلك فاوحي إلي فانكحته ، واتخذته ~~وصيا .. » (2) # ويقول لها : # « إنه لأول أصحابي اسلاما أو أقدم أمتي سلما ، وأكثرهم علما وأعظمهم حلما ~~» (3). # ومع توفر هذه المثل الرفيعة والقيم العليا في شخصية الامام (ع) كيف لا ~~يزوجه الرسول (ص) من كريمته التي لا كفؤ لها في المسلمين سوى أمير المؤمنين ~~كما جاء بذلك الحديث الشريف « لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفؤ » (4). ### || المهر : # وأنبرى الرسول (ص) وقد غمرته موجات من السرور الى الامام قائلا له : # « ما عندك من المهر؟ » # اجابه الامام أنه لا يملك شيئا من متع الدنيا سوى فرسه ، ودرعه ، وكانت ~~الدرع مما أفاء الله بها عليه من غنائم بدر ، فقال له النبي (ص): PageV01P038 # « أما فرسك فلا بد لك منها ، وأما درعك فبعه ». # وانطلق الامام الى السوق فباع درعه باربعمائة وثمانين درهما ، وجاء ~~بالثمن معقودا في طرف ثوبه (1) فوضعه بين يدي الرسول (ص) وقد غلبه الحياء ~~حيث يعلم ان هذا المهر هو اقل ما يبذله الفقراء مهرا لازواجهم ولكن الرسول ~~(ص) أحب مصاهرته لا لشيء من حطام الدنيا ولا لغير ذلك مما يئول أمره الى ~~التراب بل انما خصه بهذه المكرمة لأنه الفرد الاول في أمته الذي امتاز على ~~غيره بسبقه الى الاسلام (2) وجهاده عن حياض هذا الدين بالاضافة الى ~~عبقرياته الاخرى التي لا تتوفر بعضها في أي انسان. ### || الجهاز : # وعند ما قبض الرسول (ص) المهر ناول بعضا منه بلالا ليشتري شيئا من الطيب ~~والروائح وناول بعضه الآخر سلمان وأم سلمة ليشتريا بقية الأثاث ، وما هي ~~إلا ساعة حتى تم جهاز العرس وكان إهاب كبش إذا ارادا أن يناما قلباه على ~~صوفه ، ووسادة من أدم حشوها ليف (3) PageV01P039 # وسريرا مشروطا (1) ورحيين وسقاء وجرتين (2) وغير ذلك مما هو زهيد في بادئ ~~الرأي ولكنه في نظر الاسلام أثمن من الجوهر واعلى من الأمتعة الثمينة التي ~~توجد عند الملوك وذوي الثراء العريض ، وقد استنتج المستشرق الانگليزي « ~~لامنس » من هذا الجهاز المقدس نتيجة معكوسة يقول ms018 : # « وبالاحرى أن هذا الجهاز الذي أمر به محمد (ص) دليل على الكراهية التي ~~في نفس محمد (ص) لابنته فاطمة ولزوجها وكانت كراهيته له لا تقل عنها » (3) # ولحقد « لامنس » على الاسلام وجهله بحكم تشاريعه استنتج ذلك فقد اعتقد أن ~~مظاهر الحب من الوالد تجاه ولده تتجلى فيما اذا اكثر له من ملاذ الحياة ~~ونعيمها ومباهجها ، ولم يعلم أن مقام الرسول (ص) اسمى من أن يخضع لعاطفة ~~الحب التي تجر إلى زخارف الحياة ، فانه في عمله هذا كان في مقام التشريع ~~والتأسيس لأهم نقطة حيوية في الاسلام تبتنى عليها سعادة المسلمين وهي تسهيل ~~الزواج وعدم تعقيده بزيادة المهر ، فان المهر الذي ارتضاه لابنته ، وهذا ~~الجهاز الزهيد الذي هيأه لها مع أنها أعز ابنائه وبناته انما هو سنة من ~~نظامه الرفيع الخالد الذي كره المغالاة في المهر فان PageV01P040 # زيادته تمنع الفقراء والبؤساء من الاقتران ، ولهذه الغاية النبيلة قال ~~(ص): « أفضل نساء امتي أقلهن مهرا » (1) ويقول الامام موسى بن جعفر ~~عليه السلام : كان الرجل على عهد رسول الله يتزوج المرأة على السورة من ~~القرآن وعلى الدرهم وعلى الحنطة ، القبضة (2) وقد زوج (ص) أحد أصحابه وجعل ~~صداق زوجه تعليم سورة من القرآن الكريم (3)، لقد حثت الشريعة الاسلامية ~~على الزواج وتساهلت في صداقه ، والغت التفاضل بين الزوجين ، وجعلت المسلم ~~كفء المسلمة ، والحكمة فى ذلك هو قمع الفساد والقضاء على البغاء ، وتكثير ~~النسل ، وقد خفيت هذه العلل والاسباب على « لامنس » الذي لا ينظر الى ~~الاشياء الا من زاوية المادة فاستنتج النتيجة السالفة على غير هدى جاهلا ~~بالنظم الاسلامية الداعية الى سعادة المجتمع ودفع الشقاء عنه. ### || خطبة العقد : # ولما تم شراء الجهاز دعا رسول الله (ص) جماعة من المهاجرين والانصار ~~لحضور مجلس العقد فلما مثلوا عنده اجرى (ص) خطبة النكاح وهذا نصها : # « الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المرهوب ~~من عذابه وسطواته ، النافذ أمره في سمائه وارضه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ~~وميزهم بأحكامه ، وأعزهم بدينه ، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وآلهوسلم ~~إن الله تبارك اسمه ms019 وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا PageV01P041 # او شج به الارحام والزمها الأنام ، فقال عز من قائل : ( @QUR@012 وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله يجري ~~الى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكل قضاء قدر ، ولكل قدر أجل ، ولكل ~~أجل كتاب ( @QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ثم ان الله ~~عز وجل أمرني أن ازوج فاطمة من علي ، وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على ~~اربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع ~~الله شملهما ، وبارك لهما ، وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن ~~الحكمة ، وأمن الأمة اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .. » # ولم يكن الامام حاضرا مجلس العقد ، وإنما كان في حاجة لرسول الله (ص) ~~وحينما انتهت خطبة العقد دخل امير المؤمنين على النبي (ص) فلما رآه تبسم ~~وقال له : # « يا علي ، إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة ، واني قد زوجتكها على اربعمائة ~~مثقال فضة » فقال أمير المؤمنين : رضيت ، وخر (ع) ساجدا لله شاكرا له ، ~~ولما رفع رأسه من السجود قال (ص): « بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما ~~واخرج منكما الكثير الطيب » (1) # وأمر الرسول (ص) أن يقدم للمدعوين وعاء فيه بسر ، وقال لهم : « انتهبوا ~~فتخاطف المدعوون منه (2) وبعد الفراغ تفرقوا وهم يدعون للزوجين بالسعادة ~~والهناء والذرية الطاهرة. PageV01P042 ### || الوليمة : # ولما حانت ليلة اقتران النورين قال رسول الله (ص) وقد غمرته الافراح : # يا علي : لا بد للعروس من وليمة # فانطلق سعد بن عبادة فتبرع بكبش وتبرع الانصار بأصوع من ذرة (1) ودعي ~~المسلمون لتناول طعام العشاء وتقول اسماء : ما كانت وليمة في ذلك الزمان ~~أفضل من وليمة علي (2) وقام المدعوون فتناولوا الطعام ، وبعد الفراغ منه ~~اقبلوا يهنئون الامام ويباركون له. ### || الزفاف : # وطلب النبي (ص) من أم سلمة أن تذهب بكريمته الى دار أمير المؤمنين فمضت ~~أم سلمة مع حفنة من النساء تقدمهن أمهات المؤمنين قد زففن الصديقة الطاهرة ~~الى بيت الامام وهن يرتلن الاهازيج والأشعار ، وبعد ما فرغ ms020 الرسول (ص) من ~~صلاة العشاء انطلق الى دار علي فاستقبلته أم أيمن فقال لها بصوت فياض ~~بالبشر : # « هاهنا أخي؟ » # وملكت الدهشة أم أيمن فراحت تقول : PageV01P043 # « بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ... فمن أخوك؟ » # « علي بن أبي طالب » # « وكيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك؟ » # « هو ذلك يا أم أيمن » # ودخل النبي (ص) فنهض الزوجان تكريما واجلالا له فالتفت إلى فاطمة وأمرها ~~بان تناوله ماء فاحضرت له قعبا فيه ماء فاخذه ومج فيه وقال لها : قومي فنضح ~~بعض ذلك الماء على ثدييها (1) ورأسها وهو يرفع صوته بالدعاء الى الله. # « اللهم ، إني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » # وقال لعلي : علي بماء ، فاحضره له فاخذ منه شيئا ثم مجه فيه وصبه على ~~رأسه وانطلق يدعو له : # « اللهم : إني اعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم » # ثم قال له ادبر فادبر وصب بقية ذلك الماء بين كتفيه ، ودعا له وقال له : ~~ادخل باهلك باسم الله والبركة (2) وانصرفت النسوة إلى منازلها وتخلفت أسماء ~~بنت عميس فقال لها (ص): « من أنت؟ » # « أنا التي أحرس ابنتك ، إن الفتاة ليلة بنائها لا بد لها من امرأة قريبة ~~منها ، إن عرضت لها حاجة أو ارادت أمرا أفضت بذلك إليها .. » # فشكر النبي (ص) ذلك منها وانطلق يوافي ابنته بدعائه : # « إني اسأل الهي أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من ~~الشيطان الرجيم ... » # وقام النبي (ص) فاغلق الباب بيده وانصرف وهو يدعو لهما خاصة PageV01P044 # لا يشرك أحدا في دعائه حتى توارى في حجرته (1) وكان تأسيس هذا البيت ~~الجديد في السنة الثانية من الهجرة (2). ويمتد الزمن بعد زواج الامام ~~عليه السلام والعيش هادئ ، والحياة البيتية كل يوم في سرور قد غمرتها المودة ~~والوداعة ، وبذل المعونة وترك الكلفة واجتناب هجر الكلام ومره ، فكان ~~الامام يشارك زوجته في شئونها البيتية ويعينها بما تحتاج إليه فكانت ~~حياتهما أسمى مثل للرابطة الزوجية الرفيعة. # وفي فترات تلك المدة السعيدة عرض للصديقة (ع) حمل وكان الرسول يبشر ~~بطلائعه وأنه غلام وذلك حينما جاءت إليه أم ms021 الفضل تطلب منه تفسير رؤياها ~~(3) قائلة له يا رسول الله (ص) إني رأيت PageV01P045 # في المنام أن عضوا من أعضائك سقط في بيتي ، فقال لها (ص): خيرا رأيت تلد ~~فاطمة غلاما فترضعيه بلبن قثم (1). # وكان المسلمون آنذاك ينتظرون بفارغ الصبر وخصوصا الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ساعة ولادة الصديقة شوقا الى المولود المبارك لتطيب به ~~للإمام (ع) ولزوجته الحياة وتظللهما السعادة ، ونختم الفصل لنستقبل الوليد ~~الجديد. |ما ولدت نجيبة من فحل||بجبل نعلمه وسهل| |كستة من بطن أم الفضل||اكرم بها من كهلة وكهل| |عم النبي المصطفى ذي الفضل||وخاتم الرسل وخير الرسل| PageV01P046 ### | الوليد الجديد PageV01P047 # أطل على العالم الاسلامي نور الامامة من بيت أذن الله أن يرفع ، ويذكر ~~فيه اسمه ، وانبثق من دوحة النبوة والإمامة فرع طيب زاك رفع الله به كيان ~~الاسلام ، وأشاد به صروح الايمان ، وأصلح به بين فئتين عظيمتين. # لقد استقبل حفيد الرسول (ص) وسبطه الاكبر سيد شباب أهل الجنة دنيا الوجود ~~في شهر هو أبرك الشهور وأفضلها حتى سمي شهر الله ، وهو شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن ، وكان ذلك في السنة الثانية ، أو الثالثة من الهجرة (1) وقد ~~شوهدت في طلعة الوليد طلعة الرسول (ص) وبدت فيه شمائل النبوة ومحاسن ~~الإمامة. # وما افاده صاحب « مرآة العقول » رافع للتعارض بين القولين واما ما افاده PageV01P049 # ولما أذيع نبأ ولادة الصديقة بالمولود المبارك غمرت موجات من السرور ~~والفرح قلب النبي (ص) فسارع إلى بيت ابنته أعز الباقين ، والباقيات عليه من ~~ابنائه ليهنئها بمولودها الجديد ويبارك به لاخيه امير المؤمنين ، ويفيض على ~~المولود شيئا من مكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم باسره ولما وصل (ص) الى ~~مثوى الامام نادى : # « يا أسماء : هاتيني ابني .. » # فانبرت أسماء ، ودفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها. # وقال : # « الم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ » # وقام (ص) فسره ، وألباه بريقه (1) وضمه إلى صدره ، ورفع يديه بالدعاء له. PageV01P050 # « اللهم : إني أعيذه بك ، وذريته من الشيطان الرجيم .. » (1) ### || سنن الولادة : # واخذ (ص) باجراء مراسيم الولادة وسننها ms022 على مولوده المبارك وهى : ### || 1 الأذان والإقامة : # وأذن (ص) في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى (2) وفي الخبر « ان ذلك عصمة ~~للمولود من الشيطان الرجيم » (3). # همسة رائعة همس بها خير بني آدم في أذن وليده ، ليستقبل عالم الوجود ~~باسمى ما فيه ، فاى بداية منح بها الانسان افضل من هذه البداية التي منح ~~بها السبط الاكبر؟! فان اول صوت قرع سمعه هو صوت جده الرسول (ص) علة ~~الموجودات ، وسيد الكائنات ، وأنشودة ذلك الصوت. # « الله اكبر لا إله إلا الله. » # بهذه الكلمات المنطوية على الإيمان بكل ماله من معنى يستقبل بها الرسول ~~(ص) سبطه فيغرسها في اعماق نفسه ، ويغذي بها مشاعره ، وعواطفه لتكون ~~انشودته في بحر هذه الحياة. ### || 2 التسمية : # والتفت (ص) إلى أمير المؤمنين ، وقد أترعت نفسه العظيمة بالغبطة والمسرات ~~فقال له : PageV01P051 # « هل سميت الوليد المبارك؟ » # فأجابه الامام : # « ما كنت لاسبقك يا رسول الله. » # وانطلق النبي (ص) فقال له : # « ما كنت لأسبق ربي .. » # وما هي الا لحظات وإذا بالوحي يناجى الرسول ، ويحمل له « التسمية » من ~~الحق تعالى يقول له جبرئيل : « سمه حسنا » (1). # وقريب من هذا ذكره العاملي ; في « اعيان الشيعة » وجاء في « اسد الغابة » ~~، وتأريخ الخميس ج 1 ص 470 ان اسم الحسن لم يكن معروفا فى الجاهلية وجاء في ~~تأريخ الخميس ان رسول الله اسماه بهذا الاسم في اليوم السابع من ولادته ، ~~وهذا القول بعيد لأن التسمية وقعت عقيب الولادة بلا فصل كما ذهب إليه كافة ~~المؤرخين ، وجاء فى الاستيعاب ج 1 ص 368 ، وفى الأدب المفرد ص 120 انه لما ~~ولد الحسن 7 جاء رسول الله «ص» فقال اروني ابني فما اسميتموه؟ قالوا حربا ، ~~فقال «ص» بل هو حسن ، فلما ولد الحسين قال اروني ابني فما اسميتموه؟ قالوا ~~حربا ، فقال «ص» بل هو حسين ، فلما ولد الثالث قال ما اسميتموه؟ قالوا حربا ~~، فقال «ص» بل هو محسن ، ثم قال 6 إني سميتهم باسماء ولد هارون شبر وشبير ، ~~ويمكن ان يقال إن هذه الرواية موضوعة ، اولا إن العداء بين الهاشميين وآل ms023 ~~حرب غير خفي فما هو المحبذ لآل البيت بتسمية ابنائهم باسم حرب الذي ينتمى PageV01P052 # حقا إنه اسم من أحسن الأسماء وكفى به جمالا وحسنا أن الخالق الحكيم هو ~~الذي اختاره ليدل جمال لفظه على جمال المعنى وحسنه. ### || 3 العقيقة : # (1) وانطوت سبعة أيام على ولادة حفيد الرسول (ص) فاتجه (ص) إلى بيت ~~الإمام (ع) ليقوم ببعض التكريم والاحتفاء فجاء بأقصى ما عنده من البر ~~والتوسعة فعق عنه بكبش واحد (2) واعطى القابلة منه الفخذ وصار فعله هذا سنة ~~لأمته من بعده. ### || 4 حلق رأسه : # وحلق (ص) رأس حفيده بيده المباركة ، وتصدق بزنته فضة على PageV01P053 # المساكين (1) وطلى رأسه بالخلوق (2) حقا لم نر حنانا مثل هذا الحنان ، ~~ولا عطفا يضارع هذا العطف. ### || 5 الختان : # واجرى (ص) عليه الختان في اليوم السابع من ولادته (3) لأن ختان الطفل في ~~ذلك الوقت اطيب له وأطهر (4). ### || 6 كنيته : # وكناه النبي (ص) أبا محمد (5) ولا كنية له غيرها ، وبهذا PageV01P054 # انتهت جميع مراسيم الولادة التي قام النبي (ص) بها لسبطه الأكبر. ### || ألقابه : # ولقب (ع) بالسبط ، والزكي ، والمجتبى ، والسيد ، والتقي. ### || ملامحه : # أما ملامحه ، فكانت تحاكي ملامح جده الرسول (ص) فقد حدث أنس ابن مالك قال ~~: لم يكن أحد أشبه بالنبى من الحسن بن علي (1) وقد صور رواة الأثر صورته ~~بما ينطبق على صورة جده (ص) فقالوا : إنه كان ابيض مشربا بحمرة ادعج ~~العينين (2) ذا وفرة (3) عظيم الكراديس (4) بعيد المنكبين (5) جعد الشعر ~~(6) كث اللحية (7) PageV01P055 # كأن عنقه إبريق فضة (1) وهذه الأوصاف تضارع أوصاف النبي (ص) حسب ما ذكره ~~الرواة من أوصافه (ص)، وكما شابه جده في صورته فقد شابهه وماثله في اخلاقه ~~الرفيعة (2). # رأى النبي (ص) أن سبطه الحسن (ع) صورة مصغرة عنه ، يضارعه في أخلاقه ، ~~ويحاكيه في سمو نفسه ، وانه قبس من سناه ، يرشد أمته من بعده الى طريق الحق ~~، ويهديها إلى سواء السبيل ، واستشف (ص) من وراء الغيب أن كل ما يصبو إليه ~~في هذه الحياة من المثل العليا سيحققه على مسرح الحياة ، فافرغ عليه أشعة ~~من روحه العظيمة ، وقابله بالعناية ms024 والتكريم ، وأفاض عليه حنانه وعطفه ، من ~~حين ولادته ونشأته ، وسنقدم عرضا مفصلا لإلوان ذلك التكريم والاحتفاء الذي ~~صدر من النبي (ص) تجاه الحسن في حال طفولته وصباه. PageV01P056 ### | ذكاء وعبقرية PageV01P057 # ومما لا شبهة فيه أن للتربية الصالحة أهمية كبرى في تكوين الطفل ، وتنمية ~~مداركه ، كما أن سلوك الوالدين لهما الأثر الفعال في نمو ذكائه ، وفي سلوكه ~~العام ، وطفولة الامام الحسن (ع) قد التقت بها جميع هذه العناصر الحية ، ~~فالرسول (ص) تولى تربية سبطه ، وافاض عليه بمكرمات نفسه ، والامام أمير ~~المؤمنين (ع) غذاه بحكمه ومثله ، والعذراء القديسة أفضل بنات حواء قد غرست ~~في نفس وليدها الفضيلة والكمال ، وبذلك سمت طفولته فكانت مثالا للتكامل ~~الانساني ، وعنوانا للسمو والتهذيب ، ورمزا للذكاء والعبقرية. # لقد ذهب بعض علماء النفس إلى أن الطفل في اصغر ما يلزمه من العادات ، وفي ~~أهم الخصائص العقلية ، والخلقية ، وفي الموقف العام الذي يقفه من الناس ، ~~وفي وجهة النظر العامة التي ينظر بها إلى الحياة أو العمل في كل هذه ~~الأشياء مقلد إلى حد كبير ، وقد يكون التقليد أحيانا شعوريا مقصودا ، ولكنه ~~في أغلب الحالات يكون لا شعوريا ، فاذا منح الطفل بتقليده الأشخاص المهذبين ~~ظل متأثرا باخلاقهم وعواطفهم ، وإن هذا التأثير في أول الأمر يعتبر تقليدا ~~، ولكنه سرعان ما يصبح عادة ، والعادة طبيعة ثانية ، والتقليد هو أحد ~~الطريقين اللذين تكتسب بهما الخصائص الفردية ، وتتكون بهما الأخلاق الشخصية (1). # إن الامام الحسن (ع) على ضوء هذا الرأي ، هو الفرد الاول في خصائصه ~~العقلية ، والخلقية لأنه نشأ في بيت الوحي ، وتربى في مدرسة التوحيد ، ~~وشاهد جده الرسول (ص) الذي هو اكمل انسان ضمه هذا الوجود ، يقيم في كل فترة ~~من الزمن صروحا للعدل ، ويشيد دعائم الفضيلة والكمال ، قد وسع الناس ~~باخلاقه ، وجمعهم على كلمة التوحيد وتوحيد PageV01P059 # الكلمة ، فتأثر السبط بذلك ، وانطلق يسلك خطى جده في نصح الناس وارشادهم ~~فقد اجتاز مع أخيه سيد الشهداء (ع)، وهما في دور الطفولة على شيخ لا يحسن ~~الوضوء ، فلم يدعهما السمو في النفس ، وحب الخير للناس أن يتركا الشيخ ms025 على ~~حاله لا يحسن وضوءه ، فاحدثا نزاعا صوريا أمامه ، وجعل كل منهما يقول للآخر ~~: أنت لا تحسن الوضوء ، والتفتا إلى الشيخ باسلوب هادئ وجعلاه حاكما بينهما ~~قائلين له : # « يا شيخ ، يتوضأ كل واحد منا أمامك ، وانظر أي الوضوءين أحسن؟ » فتوضآ ~~أمامه ، وجعل الشيخ يمعن في ذلك فتنبه إلى قصوره ، والتفت إلى تقصيره من ~~دون أن يأنف فقال لهما : # « كلاكما ، يا سيدي : تحسنان الوضوء ، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا ~~يحسن ، وقد تعلم الآن منكما ، وتاب على يديكما ... » (1) # وهذه البادرة ترينا بوضوح ان اتجاه الرسول (ص) في هداية الناس بالطرق ~~السليمة والاخلاق الرفيعة قد انطبعت في ذهن الامام الحسن عليه السلام وهو في ~~دور الصبا حتى صارت من خصائصه ومن طبائعه لقد ذهب بعض علماء النفس إلى ~~وراثة الخلق الفردي ، وان لها أثرا مهما في تكوين اخلاق الشخص وأنها لا تقل ~~أهمية عن التقليد ، يقول « هكسلي » : # « ما من أثر أو خاصة لكائن عضوي الا ويرجع كلها الى الوراثة ، أو إلى ~~البيئة ، فالتكوين الوراثي يضع الحدود ، لما هو محتمل ، والبيئة تقرر أن ~~هذا الاحتمال سيتحقق ، فالتكوين الوراثي ليس الا القدرة على التفاعل مع أية ~~بيئة بطريق خاص .. ». # وقد أيد هذه النظرية ( جنجز ) فقال : « إن كل انسان لديه PageV01P060 # قوى موروثة كامنة ، ولكن اظهار أية واحدة يقف على الظروف التي تحيط بهذه ~~القوى عند نموها ». # وقاعدة الوراثة تقضى ان الامام الحسن (ع) في طليعة من ظفر بهذه الظاهرة ~~فقد ورث ما استقر في نفس جده (ص) من القوى الروحية ، والثروة الاصلاحية ~~الهائلة يضاف إلى ذلك تأثره بالبيئة الصالحة التي تكونت من أسرته ومن خيار ~~المسلمين وصلحائهم. # وملك الامام الحسن (ع) بمقتضى ميراثه من الذكاء ، وسمو الادراك ما لا ~~يملكه غيره ، فقد حدث الرواة عن مدى نبوغه الباكر ، فقالوا : إنه كان لا ~~يمر عليه شيء إلا حفظه ، وكان يحضر مجلس جده (ص) فيحفظ الوحي فينطلق إلى ~~أمه فيلقيه عليها ، فتحدث به أمير المؤمنين (ع) فيتعجب ، ويقول : # « من أين لك هذا؟!! » # « من ولدك الحسن. » # واختفى ms026 الامام (ع) في بعض زوايا البيت ليسمع ولده ، ويقبل الحسن على ~~عادته ليلقي على أمه ما حفظه من آيات الوحي والتنزيل فيرتج عليه ، ولا ~~يستطيع النطق فتبادر البتول قائلة : # « يا بني ، لما ذا أرتج عليك؟!! » # « يا أماه .. لا تعجبي مما عراني ، فان كبيرا يرعاني!! » (1). # وهذه البادرة تدل بوضوح على مدى ادراكه الواسع ، الذي يبصر به الاشياء من ~~بعيد ، ويستشف به ما غاب عنه من وراء حجاب. PageV01P061 ### || حفظه للحديث : # وحفظ (ع) وعمره الشريف اربع سنين الشيء الكثير مما سمعه من جده (ص) ونشير ~~إلى بعض ما رواه عنه. # 1 قال (ع): علمنى رسول الله (ص) كلمات أقولهن في الوتر : ( اللهم ، ~~اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما ~~اعطيت ، وقنى شر ما قضيت ، فانك تقضى ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ~~، تباركت ربنا وتعاليت » (1) # 2 وروى عمير بن مأمون ، قال : سمعت الحسن بن علي (ع) يقول : ( من صلى ~~صلاة الغداة ، فجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس كان له حجاب من النار ، أو قال ~~: ستر من النار ) (2). # 3 وقال له بعض أصحابه : ما تذكر من رسول الله (ص)؟ فقال (ع): أخذت تمرة ~~من تمر الصدقة ، فتركتها في فمي فنزعها بلعابها ، فقيل يا رسول الله ، ما ~~كان عليك من هذه التمرة ، قال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (3). # 4 وسئل (ع) عما سمعه من رسول الله (ص)، فقال : سمعته يقول لرجل : « دع ~~ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فان الشر ريبة والخير PageV01P062 # طمأنينة » (1). # 5 وحدث (ع) أصحابه عن خلق جده الرسول (ص) وسيرته فقال : كان رسول الله ~~(ص) إذا سأله أحد حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. # 6 قال (ع): سمعت رسول الله (ص) يقول : « ادعوا لي سيد العرب يعنى عليا ~~فقالت له عائشة : الست سيد العرب؟ فقال لها أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ~~، فدعى له الإمام فلما مثل بين يديه أرسل خلف الأنصار ، فلما حضروا التفت ~~إليهم قائلا : # يا معشر ms027 الأنصار ألا ادلكم على شيء ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا ، ~~قالوا بلى يا رسول الله فقال : هذا علي فأحبوه بحبي واكرموه بكرامتى فان ~~جبرئيل أخبرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل (2) وقد PageV01P063 # نقل علماء الفقه ورواة السنة الشيء الكثير عنه (ع) مما سمعه وشاهده من ~~رسول الله (ص) فيما يتعلق بأحكام الشريعة المقدسة وآدابها وذلك يدل على ~~نبوغه وعبقريته وإدراكه الواسع ، والناظر في دور طفولته (ع) يهيم بها ~~إعجابا وإكبارا وتقديسا وذلك لما لها من آيات للكمال والفضيلة والذكاء ، ~~ولما أنيطت بلون من التربية الرفيعة التي لم يظفر بها إنسان فيما نحسب. PageV01P064 ### | تكريم وحفاوة PageV01P065 # واشاد كتاب الله العزيز بفضل اهل البيت واحتفى بهم رسول الله (ص) فقرنهم ~~بمحكم الكتاب ، وفرض على الأمة مودتهم وحبهم ، ولا بد لنا أن نشير إلى بعض ~~ما ورد في الكتاب ، والسنة في حق أهل البيت (ع) فان ذلك يرتبط ارتباطا ~~وثيقا بما نحن فيه ويكشف لنا عن مدى خطورة الامام الحسن (ع) وعظم شأنه ، ~~وسمو منزلته ، وإلى القراء ذلك : ### || الكتاب العزيز : # ونطق كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ~~بفضل أهل البيت ، وبسمو مكانتهم عند الله ، وحسبنا أن نشير إلى بعض آياته : ### || 1 آية المودة : # وفرض الله على المسلمين مودة أهل البيت (ع) وقد نطق القرآن بذلك قال ~~تعالى : ( @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) (1) وروى ~~ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قال بعض المسلمين : يا رسول الله من ~~قرابتك الذين أوجبت علينا طاعتهم؟ فقال (ص): علي وفاطمة وابناهما (2) وروى ~~أبو نعيم بسنده عن جابر ، قال جاء اعرابي إلى النبي PageV01P067 # (ص) فقال : يا محمد أعرض علي الاسلام ، فقال : تشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، قال : تسألني عليه أجرا؟ قال : ~~لا إلا المودة في القربى ، قال : قرباي أو قرباك؟ قال : قرباي ، قال هات ~~أبايعك ، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله ، قال ms028 (ص) آمين (1) وصرح ~~الامام الحسن (ع) أنه من المعنيين بهذه الآية فى بعض خطبه قال (ع): # « وأنا من أهل البيت الذين أفترض الله مودتهم على كل مسلم ، فقال تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@016 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت. » (2) # وإلى مضمون الآية الكريمة يشير الامام الشافعي فى قوله : # يا أهل بيت رسول الله حبكم %~% فرض من الله في القرآن أنزله (3) # وأفاد الفخر الرازي ما نصه : « وإذا ثبت هذا يعنى أنها نزلت في علي ~~وفاطمة وابناهما وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ، وتدل عليه وجوه « ~~الاول » قوله تعالى : ( @QUR@04 إلا المودة في القربى ) ووجه الاستدلال به ~~ما سبق ، وهو ما ذكره من قبل من أن آل محمد (ص) PageV01P068 # هم الذين يئول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم ~~الآل ، ولا شك ان فاطمة وعليا والحسن والحسين (ع) كان التعلق بينهم وبين ~~رسول الله (ص) أشد التعلقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن ~~يكونوا هم الآل « الثانى » لا شك ان النبي (ص) كان يحب فاطمة (ع) قال (ص): ~~« فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » وثبت بالنقل المتواتر عن محمد (ص) أنه ~~كان يحب عليا والحسن والحسين عليهم السلام ، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة ~~مثله ، لقوله تعالى : ( @QUR@03 واتبعوه لعلكم تهتدون ) ولقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ولقوله : ( @QUR@08 قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ولقوله سبحانه : # و ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) « الثالث » إن الدعاء ~~للآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وهو قوله ~~: اللهم صل على محمد وآل محمد ، وارحم محمدا وآل محمد » وهذا التعظيم لم ~~يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب » (1) # إن مودة أهل البيت من أهم الواجبات الاسلامية ، ومن أقدس الفروض الدينية ~~لأن فيها أداء لأجر الرسالة ، وصلة للرسول (ص)، وشكرا له على ما لاقاه من ms029 ~~عظيم العناء في سبيل انقاذ المسلمين من الشرك وعبادة الأوثان ، فحقه على ~~الأمة أن توالي عترته ، وتكن لها المودة والاحترام. ### || 2 آية التطهير : # ومن آيات الله البينات الدالة على عصمة اهل البيت من الذنوب ، وعلى ~~طهارتهم من الزيغ والآثام ، آية التطهير قال تعالى : ( @QUR@03 إنما يريد الله PageV01P069 # @QUR@07 ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (1) وهي صريحة ~~الدلالة في العصمة ، ويقع البحث في الآية من جهات : ### || أدلالتها على العصمة : # وكيفية الاستدلال بها على عصمة أهل البيت ، انه تعالى حصر إرادة إذهاب ~~الرجس أي المعاصي بكلمة انما ، وهي من أقوى أدوات الحصر وبدخول اللام في ~~الكلام الخبري وبتكرار لفظ الطهارة وذلك يدل بحسب الصناعة على الحصر ~~والاختصاص ، ومن المعلوم أن ارادة الله تعالى يستحيل فيها تخلف المراد عن ~~الارادة ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وبذلك ~~يتم الاستدلال بها على عصمة أهل البيت من كل ذنب ومعصية. ### || ب المختصون بها : # واجمع ثقاة الرواة أنها نزلت في رسول الله (ص) وفي أمير المؤمنين ~~عليه السلام وفاطمة ، والحسنين (ع) ولم يشاركهم أحد في هذه الفضيلة (2) فقد ~~روى الحاكم بسنده عن أم سلمة أنها قالت : في بيتي نزلت هذه الآية ( @QUR@08 ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قالت : فأرسل رسول الله (ص) ~~إلى علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، قالت أم ~~سلمة : يا رسول الله ما أنا من أهل PageV01P070 # البيت؟ قال « إنك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهل بيتي احق » (1). # وفي رواية أم سلمة الأخرى : « قالت في بيتي نزلت : « إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت » ، وفي البيت فاطمة وعلى والحسن والحسين ~~فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه ، ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا » (2) # وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) في قوله ~~تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » قال : ~~جمع رسول الله (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) ثم أدار ms030 عليهم الكساء ~~فقال : هؤلاء أهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأم سلمة على ~~الباب فقالت : يا رسول الله ألست منهم؟ فقال : إنك لعلى خير ، أو إلى خير » (3). # ويدل على اختصاص الآية بهم وعدم شمولها لغيرهم ما رواه ابن عباس قال : « ~~شهدت رسول الله (ص) تسعة أشهر يأتى كل يوم باب علي بن أبي طالب (ع) عند وقت ~~كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت « إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » الصلاة رحمكم الله ، كل ~~يوم خمس مرات » (4). # واخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال : حفظت من رسول الله (ص) ~~ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغد إلا أتى باب علي فوضع ~~يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاة ، PageV01P071 # الصلاة « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » (1) # وروى أبو برزة قال : صليت مع رسول الله (ص) سبعة أشهر فاذا خرج من بيته ~~أتى باب فاطمة (ع) فقال : السلام عليكم « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا » (2) # وروى أنس بن مالك قال : كان النبي (ص) يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج ~~لصلاة الفجر ، ويقول : الصلاة يا أهل البيت « إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس ويطهركم تطهيرا » (3) # وقال الامام الحسن (ع) في بعض خطبه : # « وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا ، ويصعد من عندنا ، وأنا ~~من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا. » (4) # لقد تواترت الاخبار الصحيحة التي لا مجال للشك في سندها ، وفي دلالتها ، ~~على اختصاص الآية الكريمة فى الخمسة من أهل الكساء عليهم السلام ، وعدم ~~تناولها لغيرهم من أسرة النبي (ص). ### || ج خروج نساء النبي : # وليس لنساء النبي (ص) نصيب في هذه الآية ، فقد اختص بها أهل الكساء ، ~~وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي : # 1 خروجهن موضوعا عن الأهل ، فإنه موضوع لعشيرة الرجل PageV01P072 # وذوى قرباه ، ولا يشمل الزوجة ، ويؤكد هذا المعنى ما صرح به زيد ابن ms031 ارقم ~~حينما سئل من أهل بيته اي النبي (ص) نساؤه؟ فقال لا وأيم الله ، إن المرأة ~~تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها ، وقومها ، أهل ~~بيته أصله ، وعصبته ، الذين حرموا الصدقة بعده (1). # 2 انا لو سلمنا أن الأهل يطلق على الزوج فلا بد من تخصيصه ، وذلك للاخبار ~~المتواترة التي تقدم ذكرها وهي توجب تقييد الاطلاق من دون شك. ### || د مزاعم عكرمة : # وزعم عكرمة أن الآية نزلت في نساء النبي (ص) وكان ينادى بذلك في السوق ~~(2) وبلغ من اصراره وعناده أنه كان يقول : ( من شاء باهلته أنها نزلت في ~~أزواج النبي ) (3) وعكرمة لا يعول على روايته ، ولا يوثق به ، وذلك لما يلي : # 1 انه من الخوارج (4) وموقف الخوارج من الامام أمير المؤمنين معروف ، من ~~ناحية النصب والعداء. # 2 انه قد عرف بالكذب واشتهر به فعن ابن المسيب « انه قال لمولى اسمه برد ~~لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس » (5) وعن عثمان بن مرة أنه قال ~~للقاسم : ان عكرمة حدثنا عن ابن عباس كذا : PageV01P073 # فقال القاسم : يا بن اخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثا يخالفه عشيا (1) ~~ومع اتهامه بالكذب كيف يمكن التعويل على حديثه. # 3 انه كان فاسقا يسمع الغناء ، ويلعب بالنرد ، ويتهاون في الصلاة وانه ~~كان خفيف العقل (2). # 4 إنه كان منبوذا عند المسلمين ، فقد جفوه ، وتجنبوه ، وبلغت من كراهيتهم ~~له أنه لما توفى لم يصلوا عليه ، ولم يشهدوا تشييع جنازته (3) ومع هذه ~~الطعون التي احتفت به كيف يمكن التعويل على روايته؟ مضافا إلى أنها من ~~أخبار الآحاد حتى لو لم تمن بالضعف فانها لا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة ~~المتواترة. ### || 3 آية المباهلة : # من آيات الله الباهرات التي أشادت بفضل أهل البيت (ع) آية المباهلة قال ~~تعالى : ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين ) (4) فقد روى الجمهور بطرق مستفيضة (5) أنها نزلت PageV01P074 # في أهل البيت (ع) وان ms032 ابناءنا اشارة إلى ( الحسنين )، ونساءنا الى فاطمة ~~، وانفسنا إلى علي. # وموجز قصة المباهلة ان وفدا من نصارى نجران قدموا على رسول الله (ص) ~~ليناظروه في دينه ، وبعد حديث دار بينهما اتفقا على « المباهلة » وهي أن ~~يبتهلوا أمام الله تعالى فيجعلوا لعنته الخالدة وعذابه المعجل على الكاذبين ~~، وعينوا زمانا خاصا لها. # وخرج رسول الله (ص) في اليوم الذي اتفقا عليه ، وقد اختار للمباهلة أعز ~~الناس لديه ، وأكرمهم عند الله ، وهم الحسن والحسين ، وسيدة النساء فاطمة ، ~~وأمير المؤمنين ، واحتضن (ص) الحسين وامسك بيده الأخرى الحسن ، وسارت خلفه ~~الزهراء وهي مغشاة بملاءة من نور الله ، وأمير المؤمنين يسير خلفها وهو باد ~~الجلال ، وخرج السيد والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل ، ومعهم نصارى ~~نجران وفرسان بني الحرث على خيولهم ، وهم على أحسن هيئة واستعداد ، وقد ~~اجتمعت الجماهير الحاشدة وهي تراقب الحادث الخطير ، ويسأل الناس بعضهم بعضا ~~، هل تباهل النصارى؟ أو تكف عن ذلك وبينما هم على هذا الحال إذ تقدم السيد ~~والعاقب إلى رسول الله (ص) وقد بدا عليهما الذهول والارتباك قائلين : # « يا أبا القاسم بمن تباهلنا؟. ». # فأجابهم (ص): # « أباهلكم بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله ، وأشار إلى علي وفاطمة ~~والحسنين. » # وقدما له سؤالا مقرونا بالتعجب : # « لم لا تباهلنا بأهل الكرامة ، والكبر ، وأهل الشارة ، ممن آمن PageV01P075 # بك ، وأتبعك؟!! » # فقال رسول الله (ص): # « أجل. أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض وأفضل الخلق. » # فذهلوا ، وذابت قلوبهم من الخوف والرعب ، ورجعوا قافلين الى الاسقف ~~زعيمهم يستشيرونه في الأمر قائلين : # « يا أبا حارثة. ما ذا ترى في الأمر؟ » # فأجابهم الاسقف ، وقد غمرته هيبة آل الرسول (ص) قائلا : # « أرى وجوها لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله » # ولا يكتفي بذلك بل يدعم قوله : بالبرهان واليمين التي تؤيد مقالته : # « أفلا تنظرون محمدا رافعا يديه ، ينظر ما تجيئان به ، وحق المسيح إن نطق ~~فوه بكلمة لا نرجع إلى أهل ، ولا إلى مال!! » # وجعل يصيح بهم : # « ألا ترون إلى الشمس ، قد تغير لونها ، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة ~~(1)، والريح تهب ms033 هائجة سوداء ، حمراء ، وهذه الجبال يتصاعد فيها الدخان ، ~~لقد أطل علينا العذاب ، أنظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها وإلى الشجر كيف ~~تتساقط أوراقها ، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا.!!! » # الله أكبر .. لقد غمرت المسيحيين عظمة تلك الوجوه المقدسة ، وآمنوا بما ~~لها من الكرامة والشأن عند الله ، ووقفوا خاضعين أمام النبي (ص) ونفذوا ~~طلباته ، وقال (ص): # « والذي نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران ، ولو لا عنوا لمسخوا ~~قردة وخنازير ، ولأضطرم عليهم الوادي نارا ، ولأستأصل الله PageV01P076 # نجران وأهله حتى الطير على الشجر ، وما حال الحول على النصارى كلهم ... » (1) # ودلت قصة المباهلة على عظيم منزلة أهل البيت ، وسمو مكانتهم ، وانهم افضل ~~خلق الله وأحبهم إلى رسول الله (ص)، ولا يداني فضلهم أحد من سائر ~~العالمين. ### || 4 سورة هل أتى : # ونزلت في أهل البيت (ع) سورة مباركة من سور القرآن الكريم وهي سورة « هل ~~أتى » فقد روى جمهور المفسرين والمحدثين أنها نزلت فيهم (2) والسبب في ~~نزولها ان الحسن والحسين (ع) مرضا فعادهما جدهما رسول الله (ص) مع بعض ~~الصحابة ، فقالوا للامام : لو نذرت لله إن عافى ولديك ، فنذر (ع) صوم ثلاثة ~~أيام شكرا لله إن برئا ، وتابعته الصديقة عليها السلام وجاريتها فضة في هذا ~~النذر ، ولما ابل الحسنان من المرض صاموا جميعا ، ولم يكن عند أمير ~~المؤمنين (ع) في ذلك الوقت شيء من الطعام ليجعله افطارا لهم فاستقرض ثلاثة ~~أصواع من الشعير ، فعمدت الصديقة (ع) في اليوم الاول إلى صاع فطحنته وخبزته ~~فلما آن وقت الإفطار ، وإذا بمسكين يستمنحهم من القوت شيئا ، فتبرع الامام ~~في افطاره ، وتابعه الجميع في صنعه ، وناولوا طعامهم إلى المسكين وقضوا ~~ليلتهم ، ولم يذوقوا من الطعام شيئا ، واصبحوا وهم صائمون ، PageV01P077 # فلما حل وقت الافطار ، والطعام بين أيديهم ، وإذا بيتيم على الباب يشكو ~~ألم الجوع ، فتبرعوا جميعا بقوتهم ، وطووا ليلتهم ، ولم يذوقوا سوى ماء ~~القراح ، وفي اليوم الثالث قامت سيدة النساء فطحنت ما فضل من الطعام وخبزته ~~، فلما حان وقت الافطار قدمت لهم الطعام ، وسرعان ما طرق الباب ms034 أسير يشكو ~~الجوع فسحبوا أيديهم من الطعام ، ومنحوه له ، سبحانك اللهم أي مبرة أعظم من ~~هذه المبرة ، وأي ايثار اعظم من هذا الايثار!!! # وفي اليوم الرابع جاء رسول الله (ص) لزيارتهم ، فرآهم ويا لهول ما رأى ، ~~رأى الصفرة بادية على الوجوه ، الارتعاش حل في أجسامهم من الضعف ، فتغير ~~حاله وانطلق يقول : # « وا غوثاه أهل بيت محمد يموتون جياعا!! ». # ولم ينته الرسول (ص) من كلامه حتى هبط عليه أمين الوحى ، وهو يرفع إليه ~~سورة « هل اتى » وفيها اجمل الثناء وعاطر الذكر لاهل البيت قال تعالى : ( ~~@QUR@043 إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا. ) # لقد شكر الله سعيهم على هذا الايثار الذي لا نظير له في عالم المبرات ~~والاحسان ، وأورثهم في دار الآخرة الفردوس يتقلبون في نعيمه ، وجعل ذكرهم ~~خالدا ، وحياتهم قدوة ، وجعلهم أئمة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها. # وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض الآيات التي نزلت في حق أهل البيت ~~عليهم السلام ، وهي من دون شك تتناول الامام الحسن (ع)، وتدل على خطورة ~~شأنه ، وسمو منزلته عند الله. PageV01P078 ### || السنة : # أما الأخبار التي أثرت عن النبي (ص) في سبطه الاكبر ، وأشادت بعظيم شأنه ~~، وبينت عما يكنه الرسول (ص) في نفسه من عميق الود ، وخالص الحب فهي على ~~طوائف ثلاثة « الاولى » إنها مختصة به « الثانية » وردت فيه وفي أخيه سيد ~~الشهداء (ع) « الثالثة » في أهل بيته ، ومن المعلوم ان الامام الحسن (ع) من ~~أبرارهم فتشمله بالضرورة تلك الأخبار وهذه المناحي قد تظافرت بها النصوص ~~وتواترت حتى افادت القطع واليقين ، وإلى القراء ذلك. ### || الطائفة الاولى : # اما ما أثر عن النبي (ص) فيما يخص سبطه فهى روايات عدة نقتصر منها على ما يلي : # 1 روى البراء بن عازب (1) قال : رأيت النبي (ص) والحسن على عاتقه ، يقول ~~: « اللهم ، إنى أحبه فاحبه ) (2) # 2 ms035 وروت عائشة قالت : إن النبي (ص) كان يأخذ حسنا ، فيضمه PageV01P079 # إليه ثم يقول : « اللهم ، إن هذا ابنى ، وأنا أحبه ، فأحبه ، وأحب من ~~يحبه .. » (1) # 3 وروى زهير بن الاقمر قال : بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي (ع) ~~إذ قام إليه رجل من الأزد آدم طوال ، فقال : لقد رأيت رسول الله (ص) واضعه ~~في حبوته ، يقول : ( من أحبني فليحبه ، فليبلغ الشاهد الغائب ) ولو لا عزمة ~~من رسول الله (ص) ما حدثتكم (2). # 4 وروى أبو بكرة قال : رأيت رسول الله (ص) على المنبر والحسن بن علي إلى ~~جنبه ، وهو يقبل على الناس مرة ، وعليه أخرى ، ويقول : ( إن ابني هذا سيد. ~~ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين PageV01P080 # من المسلمين » (1). # 5 وروى ابن عباس قال : اقبل النبي (ص) وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل ~~، فقال نعم المركب ركبت يا غلام ، فقال رسول الله (ص) ونعم الراكب هو. (2) # 6 وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير قال : أشبه أهل النبي (ص) ~~وأحبهم إليه الحسن رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال : ظهره فما ~~ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى ~~يخرج من الجانب الآخر (3) # 7 وروى ان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم صلى احدى صلاتي العشاء فسجد سجدة ~~أطال فيها السجود ، فلما سلم قال له الناس : في ذلك فقال : ( إن ابنى هذا ~~يعنى الحسن ارتحلنى فكرهت أن أعجله ) (4) PageV01P081 # 8 وصعد صلى الله عليه وآلهوسلم على المنبر ليخطب ، فجاء الحسن فصعد المنبر ، ~~فوضعه على رقبته حتى كان يرى بريق خلخاليه من اقصى المسجد ، وهما يلمعان ~~على صدر الرسول ، ولم يزل على هذه الحالة حتى فرغ صلى الله عليه وآلهوسلم من ~~خطبته (1) # 9 وقال صلى الله عليه وآلهوسلم : « من سره أن ينظر إلى سيد شباب اهل الجنة ~~فلينظر الى الحسن » (2) # 10 وقال صلى الله عليه وآلهوسلم : « الحسن ريحانتي من الدنيا » (3) 11 وروى ~~انس بن مالك قال دخل الحسن على النبي صلى الله ms036 عليه وآلهوسلم فأردت أن أميطه ~~عنه ، فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : « ويحك يا أنس دع ابنى ، وثمرة فؤادي ، ~~فان من آذى هذا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » (4) # هذه طائفة من الاخبار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في سبطه ~~الاكبر ، ويلمس فيها أسمى الوان التكريم والحفاوة والحب العميق. ### || الطائفة الثانية : # أما ما أثر عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في حق السبطين عليهما السلام ~~فكوكبة من الروايات الصحاح التي دونها الثقات والحفاظ ، وهي صريحة PageV01P082 # الدلالة في أنهما عليهما السلام من أعز الناس عند رسول الله صلى عليه وآله ~~ومن أحبهم له ، ونذكر منها ما يلي : # 1 روى سعيد بن راشد ، قال : جاء الحسن والحسين عليهما السلام يسعيان الى ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فأخذ أحدهما فضمه الى إبطه ، ثم جاء الآخر ~~فضمه إلى إبطه الاخرى ، وقال : ( هذان ريحانتي من الدنيا من أحبنى فليحبهما ~~) (1) وكان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم دوما يضفى عليهما هذا اللقب ، وقد ~~وردت بذلك روايات عديدة (2) # 2 وروى انس بن مالك قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم أي أهل بيتك ~~أحب إليك؟ قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « الحسن والحسين » وكان يقول : لفاطمة ~~ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه (3) # 3 وروى أسامة بن زيد قال : طرقت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ذات ليلد في ~~بعض الحاجة فخرج النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وهو مشتمل PageV01P083 # على شيء لا ادري ما هو؟ فلما فرغت من حاجتي ، قلت : ما هذا الذي أنت ~~مشتمل عليه؟ قال فكشفه فاذا هو حسن وحسين على وركيه ، فقال : ( هذان ابناي ~~، وابنا ابنتي ، اللهم ، إني احبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ) (1) # 4 وروى سلمان الفارسي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : ( ~~الحسن والحسين ابناي من احبهما احبني ، ومن احبني أحبه الله ، ومن أحبه ~~الله ادخله الجنة ، ومن أبغضهما ابغضني ومن ابغضني ابغضه الله ، ومن ابغضه ~~الله ادخله النار » (2) # 5 وروى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه ms037 وآلهوسلم : « الحسن ~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما » (3) # 6 واعتلى صلى الله عليه وآلهوسلم أعواد المنبر يخطب ، فجاء الحسن والحسين ~~وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران ، فنزل صلى الله عليه وآلهوسلم ~~عن المنبر فحملهما ، ووضعهما بين يديه ، وقال : صدق الله PageV01P084 # إذ يقول : ( @QUR@04 أنما أموالكم وأولادكم فتنة ) ( لقد نظرت إلى هذين ~~الصبيين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ) (1) # 7 وروى ابن عباس قال : بينا نحن ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وآلهوسلم إذ ~~أقبلت فاطمة سلام الله عليها تبكى ، فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : فداك أبوك ، ما يبكيك؟ قالت إن الحسن والحسين خرجا ، ~~ولا أدرى أين باتا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : لا تبكين ~~فان خالقهما ألطف بهما مني ومنك ، ثم رفع يديه ، فقال : اللهم احفظهما ~~وسلمهما ، فهبط جبرئيل ، وقال يا محمد ، لا تحزن فانهما في حظيرة بني ~~النجار ، نائمان ، وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما ، فقام النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ومعه أصحابه حتى أتى الحظيرة فاذا الحسن والحسين ~~عليهما السلام معتنقان نائمان ، وإذا الملك الموكل بهما قد جعل أحد جناحيه ~~تحتهما والآخر فوقهما ، يظلهما ، فأكب النبي صلى الله عليه وآلهوسلم عليهما ~~يقبلهما ، حتى انتبها من نومهما ، ثم جعل الحسن على عاتقه الايمن ، والحسين ~~على عاتقه الايسر ، فتلقاه أبو بكر ، وقال يا رسول الله : ناولني أحد ~~الصبيين أحمله عنك ، فقال صلى الله عليه وآلهوسلم نعم المطي مطيهما ، ونعم ~~الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما ، حتى أتى المسجد فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم على قدميه وهما على عاتقيه ثم قال : # « معاشر المسلمين ، ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة؟ # « بلى يا رسول الله » # « الحسن والحسين ، جدهما رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم خاتم المرسلين ، ~~وجدتهما خديجة بنت خويلد ، سيدة نساء أهل الجنة » PageV01P085 # ثم قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة؟ » ~~قالوا : بلى يا رسول الله # « الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب ، وعمتهما ms038 أم هاني بنت أبي طالب. » # ثم قال : « أيها الناس ، ألا أدلكم على خير الناس خالا وخالة؟ » قالوا : ~~بلى يا رسول الله # « الحسن والحسين ، خالهما القاسم بن رسول الله ، وخالتهما زينب بنت رسول ~~الله ». # ثم قال : اللهم ، انك تعلم أن الحسن والحسين في الجنة ، وعمهما ، في ~~الجنة ، وعمتهما في الجنة ، ومن أحبهما في الجنة ، ومن أبغضهما في النار. (1) # ودل الحديث على مدى حبه صلى الله عليه وآلهوسلم لسبطيه ، وانهما أحب أهل ~~بيته إليه ، وآثرهما عليه ، ومن المعلوم أن شأن النبوة بعيد عن الاندفاع ~~بعواطف الحب ، فانه صلى الله عليه وآلهوسلم لم يمنحهما هذا الحب الا لانهما ~~مصدرا كل فضيلة ، ومنبعا كل خير. # 8 وروى جابر ، قال دخلت على النبي صلى الله عليه وآلهوسلم والحسن والحسين ~~على ظهره ، وهو يقول : « نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما » (2) ~~وبهذا المضمون روى عمر قال رأيت الحسن والحسين عليهما السلام على عاتقي ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فقلت نعم الفرس تحتكما فقال النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ونعم الفارسان هما (3) وقد نظم ذلك PageV01P086 # شاعر العقيدة السيد الحميرى فى قوله : # اتى حسنا والحسين الرسول %~% وقد برزا ضحوة يلعبان فضمهما وتفداهما %~% وكانا لديه بذاك المكان ومرا وتحتهما عاتقاه %~% فنعم المطية والراكبان # 9 وروى يعلى بن مرة الثقفي (1) قال : جاء الحسن والحسين يستبقان الى رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم فضمهما إليه ، وقال : إن الولد مبخلة مجبنة (2) # 10 وقال صلى الله عليه وآلهوسلم : ( الحسن والحسين سبطان من الاسباط ) (3) # 11 وبلغ من مزيد حبه واشفاقه على سبطيه أنه كان يعوذهما خوفا عليهما من ~~الحسد ، فقد روى أبو نعيم بسنده عن عبد الله ، قال : كنا جلوسا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم إذ مر الحسن والحسين وهما صبيان ، فقال : هات ~~ابنى أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه اسماعيل ، واسحاق ، فقال : « ~~اعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة ، ومن PageV01P087 # كل شيطان وهامة » (1) وليس في سجل المودة الانسانية أجمل من هذا الحنان ، ~~ولا أكرم من هذا العطف. # 12 ومما اشتهر بين ms039 المسلمين قوله صلى الله عليه وآلهوسلم : « الحسن والحسين ~~إمامان إن قاما وان قعدا » (2) واضفى صلى الله عليه وآلهوسلم على حفيديه حلة ~~الامامة ، وهي من أهم الصفات الماثلة فيهما وذلك لما تستدعيه من المثل ~~العليا التي لا تتوفر إلا عند من اختاره الله واصطفاه من بين عباده ، فقد ~~خص الله بها خليله إبراهيم قال تعالى : ( @QUR@013 قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (3) وسنتحدث عن الامامة ، ~~وما يعتبر في الامام من المؤهلات ، والصفات عند عرض مثله عليه السلام . ### || الطائفة الثالثة : # وتواترت النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في لزوم مودة أهل ~~بيته ، وانه حرب لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، وقرنهم بمحكم الكتاب ، ~~وجعلهم سفن النجاة ، وأمان الأمة ، وإلى القراء بعض تلك السنن. PageV01P088 # 1 روى زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قال : لعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين عليهم السلام : ( أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم » (1) # 2 وعن أبي بكر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم خيم خيمة ، وهو ~~متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ~~فقال : « معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ~~وولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجد ، طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا ~~شقي الجد ردىء الولادة » (2) # 3 وروى احمد بن حنبل أن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم أخذ بيد الحسن والحسين ~~، وقال : « من احبني ، وأحب هذين وأباهما ، وامهما كان معي فى درجتي يوم ~~القيامة » (3) # 4 وروى جابر ، قال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : ذات يوم بعرفات ، ~~وعلى تجاهه « ادن منى يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها ، ~~والحسن والحسين أغصانها فمن تعلق بغصن منها ادخله الله الجنة » (4) # 5 وروى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ( النجوم أمان ~~لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأمتي من الاختلاف PageV01P089 # فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس ) (1) # 6 ms040 روى زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم « إني تارك ~~فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ، احدهما اعظم من الآخر كتاب الله حبل ~~ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتى ولن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (2) # إن حديث الثقلين من أوثق الأحاديث النبوية ، واكثرها ذيوعا ، وقد اهتم ~~العلماء به اهتماما بالغا لانه يحمل جانبا مهما من جوانب العقيدة الاسلامية ~~، كما انه من اظهر الأدلة التي تستند إليها الشيعة في حصر الامامة في اهل ~~البيت ، وفي عصمتهم من الاخطاء والاهواء لان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~قرنهم بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا ~~يفترق أحدهما عن الآخر ومن الطبيعي أن صدور آية مخالفة لاحكام الدين تعتبر ~~افتراقا عن الكتاب العزيز ، وقد صرح النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بعدم ~~افتراقهما حتى يردا عليه الحوض ، فدلالته على العصمة ظاهرة جلية ، وقد كرر ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم هذا الحديث في غير موقف من المواقف لأنه يهدف ~~الى صيانة الأمة والمحافظة على استقامتها وعدم انحرافها في المجالات ~~العقائدية ، وغيرها أن تمسكت باهل البيت ولم تتقدم عليهم ، ولم تتأخر عنهم. # واستيفاء البحث في جوانب الحديث يستدعى وضع كتاب خاص ، وقد كفانا مئونة ~~البحث عنه ما ذكره العلماء من التحقيق الرائع في جميع مناحى الحديث سواء ~~أكان من ناحية السند أم الدلالة وغيرها (3) PageV01P090 # 7 روى أبو سعيد الخدرى قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : « ~~إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ~~وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له .. » (1) # يقول الامام شرف الدين في مرجعاته القيمة في بيان الحديث ما نصه « وأنت ~~تعلم أن المراد من تشبيههم عليهم السلام بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في ~~الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار ، ومن تخلف ~~عنهم كان ms041 كمن آوى « يوم الطوفان » إلى جبل ليعصمه من أمر الله ، غير أن ذاك ~~غرق فى الماء وهذا في الحميم والعياذ بالله. والوجه في تشبيههم عليهم السلام ~~بباب حطة هو أن الله تعالى جعل ذلك الباب مظهرا من مظاهر التواضع لجلاله ~~والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سببا للمغفرة. # هذا وجه الشبه ، وقد حاوله ابن حجر إذ قال : بعد أن أورد هذه الاحاديث ~~وغيرها من أمثالها # « ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة مشرفهم وأخذ بهدي ~~علمائهم نجا ، من ظلمة المخالفات ، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، ~~وهلك في مفاوز الطغيان » إلى أن قال : ( وبباب حطة يعني ووجه تشبيههم بباب ~~حطة ان الله جعل دخول PageV01P091 # ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سببا ~~للمغفرة ، وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سببا لها » (1) # 8 قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد ~~جواز على الصراط ، والولاية لآل محمد أمان من العذاب. » (2) # 9 قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « من مات على حب آل محمد مات شهيدا ، ألا ~~ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان ، ألا ومن ~~مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ، ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات ~~على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها ألا ومن مات ~~على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل ~~محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا ~~بين عينيه : آيس من رحمة الله .. » (3) # 10 قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « واجعلوا أهل بيتى منكم مكان الرأس من ~~الجسد ، ومكان العينين من الرأس ms042 ، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين » (4) PageV01P092 # ان الواجب على المسلمين أن يجعلوا أهل بيت نبيهم مكان الرأس من الجسد ، ~~ومكان العينين من الرأس ، فيتمسكوا بأهدافهم ، ويأخذوا بأفعالهم وأقوالهم ، ~~ولو انهم حققوا ذلك لكانوا سادات الامم وهداة الشعوب ولكنهم ناصبوهم العداء ~~، واخروهم عن مراتبهم ، وأزالوهم عن مكانتهم ، فاصيبت الامة بالنكسات ، ~~وحفت بها الخطوب والاخطار فانا لله وإنا إليه راجعون. # 11 قال (ص): لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ، عن عمره ~~فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ، ومن أين اكتسبه ~~، وعن محبتنا أهل البيت » (1) # إن المسلمين مسئولون أمام الله عن مودة أهل البيت وعن حبهم ، ومن اظهر ~~ألوان الحب الأخذ بأقوالهم والاقتداء بهم في جميع المجالات. # 12 قال (ص): من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ~~ربي ، فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه وليقتد بأهل بيتى من بعدي فانهم ~~عترتي ، خلقوا من طينتى ورزقوا فهمي وعلمي فويل للمكذبين بفضلهم من امتي ، ~~القاطعين فيهم صلتى ، لا أنالهم الله شفاعتي » (2) # ونقتصر على هذه السنن التي أثرت عن الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم في أهل ~~بيته ، وهناك عشرات أمثالها ذكرت في كتب الحديث وهي تهتف بفضلهم ، وتلزم ~~المسلمين بالرجوع إليهم في جميع المجالات. PageV01P093 ### || احتفاء المسلمين به : # واحتفى المسلمون بالامام الحسن احتفاء بالغا فكان كبار الصحابة يقابلونه ~~بالتجلة والتكريم ، ويتسابقون الى القيام بخدمته ، فهذا عبد الله بن عباس ~~حبر الأمة كان إذا ركب الحسن والحسين عليهما السلام بادر فأمسك لهما الركاب ~~وسوى عليهما الثياب ، وقد لامه مدارك بن زياد على ذلك فنهره وقال له : # « يا لكع أو تدري من هذان؟! هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم أو ~~ليس مما أنعم الله به علي أن أمسك لهما الركاب ، وأسوي عليهما الثياب .. » (1) # وبلغ من تعظيم المسلمين وتكريمهم لهما انهما كانا يفدان الى بيت الله ~~الحرام ماشيين فما اجتازا على ركب الا ترجل ذلك الركب اجلالا واكبارا لهما ~~، وإذا طافا بالبيت الحرام بلغ زحام الناس عليهما ms043 مبلغا هائلا لم يشاهد ~~نظيره لاجل السلام عليهما والتبرك بزيارتهما (2) وكان أبو هريرة إذا رأى ~~الامام الحسن (ع) مقبلا قام إليه فقبله بسرته لأنه رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم يفعل ذلك (3) وحقا للمسلمين أن يكرموا حفيد نبيهم ~~ويقدسوه بعد ما كرمه النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ورفع من شأنه. PageV01P094 ### | الفاجعة الكبرى PageV01P095 # وقطع الحسن عليه السلام شوطا من طفولته مع جده الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ~~حتى توسعت مداركه ونمت ملكاته ، وهو ناعم البال قرير العين ، يستقبل الحياة ~~كل يوم بثغر باسم وبهناء وسعادة ، يرى من جده صلى الله عليه وآلهوسلم الحنان ~~والعطف ، ومن مشيخة الصحابة التعظيم والتكريم ، وقد رأى عليه السلام ما منح ~~به الاسلام من التوسع وكثرة الغزوات حتى دخل الناس في دين الله افواجا ~~افواجا ، فقد تحطمت عروش الشرك واندحرت قوى الالحاد ، وغزت الجيوش ~~الاسلامية مكة التي هي اعز بلد وامنعه في الجزيرة العربية ، وقام الاسلام ~~وهو عبل الذراع مفتول الساعد شامخ الكيان وسرت موجات فتحه الى أغلب شعوب ~~الأرض ، وقد غمرت قلوب المسلمين المسرات على هذا النصر الذي أعزهم الله ~~وأيدهم به وكان أشد المسلمين فرحا واعظمهم سرورا بهذه الانتصارات التي ~~حققها الاسلام أهل البيت. # ولكن لم تدم لهم الحالة الهانئة فقد عبس الزمن فى وجوههم ، واكفهر ، وغزا ~~قلوبهم بخوف غامض وحزن بهيم فقد آن للرسول صلى الله عليه وآلهوسلم أن يفد على ~~الله ، وينتقل الى حظيرة القدس ، وقد بدت له طلائع الرحيل وامارات الانتقال وهي : # 1 وكانت أول النذر بمغادرته لهذه الحياة نزول الوحي عليه بهذه الآية ( ~~@QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون ) وقد اثارت كوامن التوجس في نفسه فقد سمعه ~~المسلمون ينعى نفسه ويقول : # « ليتنى اعلم متى يكون ذلك؟ » # ونزلت عليه بعد هذه الآية سورة « النصر » فكان يسكت بين التكبير والقراءة ~~ويقول : # « سبحان الله وبحمده ، استغفر الله واتوب إليه » PageV01P097 # وقد ساور قلوب المسلمين الخوف والجزع فانطلقت قلوبهم قبل السنتهم تستفهم ~~عن هذه الحالة الرهيبة فاجابهم صلى الله عليه وآلهوسلم : # « إن نفسي قد نعيت لي » (1) # وحينما ms044 سمع المسلمون ذلك قدت قلوبهم وانهارت قواهم ، وغامت أبصارهم بفيض ~~من الدموع ، وأصابتهم رجفة هزت كيانهم واشاعت في نفوسهم الجزع والخوف. # 2 ونزل عليه القرآن الكريم في تلك السنة مرتين فاستشعر بذلك حضور الاجل ~~المحتوم (2) واخذ ينعى نفسه ، ويعلن مفارقته لهذه الحياة وقد تصدعت القلوب ~~لهذا النبأ وطافت بالمسلمين أمر الوان المحن والخطوب ### || حجة الوداع : # ولما علم الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم بانتقاله الى دار الخلود ، وهو قد ~~تحمل في سبيل ارشاد المسلمين وهدايتهم من العنت والعناء ما تنوء بحمله ~~النفوس رأى أن يتم النهاية لرسالته المقدسة ويضع الخطة السليمة التي تضمن ~~لامته من بعده السعادة والنجاح فحج صلى الله عليه وآلهوسلم من اجل ذلك حجته ~~الأخيرة الشهيرة بحجة الوداع ، في السنة العاشرة من الهجرة واشاع بين ~~الوافدين لبيت الله الحرام ان هذا الالتقاء هو آخر العهد بهم قائلا : # « انى لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ابدا .. » # وجعل يطوف على الجماهير ويعرفهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح « يا أيها ~~الناس ، اني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل PageV01P098 # بيتى .. » (1) # لقد قرن بين الكتاب والعترة الطاهرة وجعل التمسك بهما منجاة من الفتن ~~والزيغ ، ولو أن الامة تابعته في قوله ، وتمسكت بهما لما حلت بها الاهواء ~~والخطوب وما عراها الذل والهوان ، وما اختلفت كلمتها ، ولا تشعبت الى فرق ~~واحزاب ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) ### || غدير خم : # ولما فرغ النبي صلى الله عليه وآلهوسلم من أداء مناسك الحج اتجه الى يثرب ~~فلما وصل موكبه الى غدير خم هبط عليه أمين الوحي فأمره أن يحط رحله في ~~رمضاء الهجير ، وينصب الامام أمير المؤمنين خليفة من بعده ومرجعا لأمته ، ~~وكان أمر السماء يحمل طابعا مهما بالغ الخطورة ، فقد نزل عليه الوحي بهذه ~~الآية : # ( @QUR@019 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس ) (2) واضطرب النبي من هذا الانذار وهذا ~~التهديد ، إنه إن لم ينفذ ما أراد الله في تقليد أمير المؤمنين بهذا ms045 المنصب ~~الخطير فما بلغ رسالة الله وضاعت جميع اتعابه وجهوده ، فانبرى ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بعزم ثابت الى تنفيذ ذلك وإن اغضب الطامعين بالخلافة ~~والمنحرفين عن الامام عليه السلام ، فوضع صلى الله عليه وآلهوسلم اعباء المسير ~~وحط رحله في ذلك المكان القاحل وكان الوقت قائضا حتى كان الرجل يضع طرف ~~ردائه تحت قدميه ليتقى من الحر وامر صلى الله PageV01P099 # عليه وآله باجتماع الجماهير فلما اجتمعوا صلى بهم فلما انفلت من صلاته ~~أمر أن توضع حدائج الابل لتكون له منبرا فصنعوا له ما اراد فاعتلى عليها ~~وكان عدد الحاضرين مائة الف أو يزيدون ، وقد اتجهوا بقلوبهم قبل اسماعهم ~~الى الرسول ليسمعوا ما يلقى عليهم ، وانبرى صلى الله عليه وآلهوسلم فبين لهم ~~اولا جهاده المقدس واتعابه الشاقة فى سبيل ارشادهم وانقاذهم من حضيض الشرك ~~والعبودية ، وذكر لهم ثانيا جملة من الاحكام الاسلامية والآداب الدينية ~~فأمرهم بتطبيقها على واقع حياتهم ، وبعد ذلك قال لهم : # « فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين » # فناداه مناد من القوم # « وما الثقلان يا رسول الله؟ » # فاجابه صلى الله عليه وآلهوسلم : « الثقل الاكبر كتاب الله طرف بيد الله عز ~~وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ، والآخر الاصغر عترتي وان اللطيف ~~الخبير نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فسألت ذلك لهما ربي فلا ~~تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا » # ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما وعرفه القوم اجمعون وقال : # « أيها الناس ، من أولى الناس بالمؤمنين من انفسهم؟ # فاجابوه « الله ورسوله اعلم » # فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا ~~أولى بهم من انفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه قال ذلك ثلاث مرات او أربع ~~مرات ، ثم قال : # « اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، واحب من أحبه ، وابغض PageV01P100 # من ابغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وادر الحق معه حيث دار الا ~~فليبلغ الشاهد الغائب » (1) # ولما انهى صلى الله عليه وآلهوسلم خطابه الشريف الحافل بتكريم أمير المؤمنين ~~عليه السلام وتقليده للخلافة العظمى انبرى ms046 الى النبي (ص) حسان ابن ثابت ~~فاستأذنه ان يتلو احدى روائع نظمه ليصف بها هذه المناسبة الخالدة فاذن له ~~في ذلك فانطلق يقول : # يناديهم يوم الغدير نبيهم %~% بخم واسمع بالرسول مناديا فقال فمن مولاكم ونبيكم %~% فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت نبينا %~% ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له : قم يا على فانني %~% رضيتك من بعدى إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه %~% فكونوا له اتباع صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه %~% وكن للذى عادى عليا معاديا (2) # واقبل المسلمون على اختلاف طبقاتهم يبايعونه بالخلافة ويهنئونه بامرة ~~المؤمنين ، وأمر الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم أمهات المؤمنين أن يسرن إليه ~~ويهنئنه (3) وممن هنأه عمر بن الخطاب فقد صافحه وقال له : PageV01P101 # « هنيئا يا ابن أبي طالب اصبحت وامسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ... » (1) # وفي ذلك اليوم الخالد في دنيا الحق والفضيلة نزلت هذه الآية الكريمة : ( ~~@QUR@011 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (2) # لقد تمت النعمة الكبرى ، وكمل الدين بولاية أمير المؤمنين ، وامام ~~المتقين ، وقد خطا النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بذلك الخطوة الاخيرة للمحافظة ~~على المجتمع الاسلامي وعلى التشريع الاسلامي فلم يترك الامة حيرى تسودها ~~الفوضى والانحلال بل نصب لها علما وهاديا ومرشدا الى سواء السبيل. # ان بيعة الغدير من اوثق الادلة واكثرها وضوحا على اختصاص الخلافة ~~والامامة بالامام أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد احتج بها الامام الحسن ~~على احقية أبيه بالخلافة وذلك في خطابه الذي القاه بعد الصلح فقد جاء فيه : ~~« إنا أهل بيت أكرمنا الله بالاسلام ، واختارنا واصطفانا واذهب عنا الرجس ، ~~وطهرنا تطهيرا ، لم تفترق الناس فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما من آدم ~~الى جدي محمد صلى الله فلما بعثه الله للنبوة واختاره للرسالة وانزل عليه ~~كتابه ثم امره بالدعاء الى الله عز وجل فكان أبي اول من استجاب لله ولرسوله ~~، وأول من آمن وصدق الله ورسوله صلى الله عليه وآلهوسلم وقد قال الله في كتابه ~~المنزل على نبيه المرسل : ( @QUR@09 أفمن كان ms047 على بينة من ربه ويتلوه شاهد ~~منه ) فجدى الذي على بينة من ربه وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه « إلى أن ~~قال » وقد سمعت هذه الامة جدي PageV01P102 # يقول : ما ولت امة امرها رجلا ، وفيهم من هو اعلم منه الا لم يزل يذهب ~~أمرهم سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوه. وسمعوه يقول لابي : أنت منى بمنزلة ~~هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. وقد رأوه وسمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير ~~خم ، وقال لهم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وآل من والاه وعاد من ~~عاده ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب » (1) # لقد حفلت كتب التاريخ الاسلامي بذكر احتجاج أهل البيت عليهم السلام واعلام ~~شيعتهم ببيعة الغدير على أحقية الامام أمير المؤمنين بمنصب الخلافة ~~الاسلامية ، ولكن القوم أعرضوا عن الحديث وأولوه حسب ميولهم وأهوائهم. ### || استغفاره لاهل البقيع : # ولما رجع الرسول الله عليه وآله من حجه إلى يثرب اقام بها حفنة من الايام ~~، وقد احاطت به الهواجس والهموم وارق ليلة طال فيها أرقه فاستدعى أبا ~~مويهبة (2) في الليل البهيم فلما مثل عنده أمره بمصاحبته الى البقيع وقال له : # « لقد أمرت بالاستغفار لاهل البقيع فلذا بعثت إليك للانطلاق معى ... » # وسار الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم حتى انتهى الى البقيع فسلم على الاموات ~~وهنأهم بما هم فيه وأخذ يخبر عن الفتن السود التي ستنصب على أمته من بعده ~~قائلا : PageV01P103 # « السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئكم ما اصبح الناس فيه ، فقد اقبلت ~~الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها اولها ، الآخرة شر من الاولى .. » # وانطلق يحدث ابا مويهبة عن مغادرته لهذه الحياة قائلا له : # « إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة بعد ذلك ~~فاخترت لقاء ربي والجنة » # فقال له أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي ألا تأخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتكون ~~مخلدا فيها ثم الجنة بعد ذلك؟ .. » # فاجابه الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم عن رغبته الملحة في ملاقاة الله « لا ~~والله لقد اخترت لقاء ربي » ثم استغفر لاهل البقيع وانصرف الى منزله (1) ### || سرية ms048 اسامة : # ولما علم الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم أن لقاءه بربه لقريب أراد أن يعزز ~~خلافة أمير المؤمنين عليه السلام التي عقد أواصرها فى « غدير خم » وأن يقضي ~~على روح الشغب والتمرد ليتم الامر بعد وفاته بسهولة الى الامام عليه السلام ~~فرأى أن خير ضمان لتحقيق ذلك اخلاء عاصمته من جميع المناوئين للامام ~~عليه السلام وارسالهم الى ساحة الجهاد لغزو الروم فأمر أصحابه بالتهيؤ الى ~~ذلك ولم يبق احدا من أعلام المهاجرين والانصار كابي بكر وعمرو أبي عبيدة ~~وبشير بن سعد وامثالهم (2) وأمر PageV01P104 # عليهم اسامة بن زيد (1) وذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشر للهجرة ~~، وقال لاسامة : « سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش ~~، فاغز صباحا على أهل ابنى (2) وحرق عليهم ، واسرع السير لتسبق الاخبار ، ~~فان أظفرك الله عليهم فاقل اللبث فيهم ، وخذ معك الأدلاء ، وقدم العيون ~~والطلائع معك .. » # وفى اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر ألم المرض به فاصابته حمى ملازمة ~~وصداع شديد قيل انهما كانتا مسببين عن الطعام المسموم الذي ذاقه في خيبر ~~فكان يقول! « ما زلت أجد ألم الطعام الذي اكلته بخيبر (3) # ولما اصبح اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى أصحابه وقد دب فيهم التمرد ~~والتخاذل خرج بنفسه مع ما مني به من المرض فحثهم على PageV01P105 # المسير وحفزهم على الخروج ، وعقد اللواء بنفسه لأسامة وقال له : # « اغز بسم الله ، وفي سبيل الله ، وقاتل من كفر بالله » # فخرج بلوائه معقودا ودفعه الى بريدة ، وعسكر بالجرف ، وتثاقل القوم من ~~الالتحاق به واظهروا التمرد والتخاذل يقول عمر لاسامة : # « مات رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وأنت علي امير؟! » (1) # وانطلقت السنتهم بالنقد اللاذع والاعتراض المر على تأمير أسامة ، ~~وتثاقلوا من الالتحاق بالجيش فوصلت كلماتهم الى مسمع الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وقد ازدادت به الحمى المبرحة واخذ منه الصداع القاسي ~~مبلغا ليس بالقليل فغضب صلى الله عليه وآلهوسلم وخرج وهو معصب الرأس مدثر ~~بقطيفته وقد برح به الحزن لانه رأى أن الوسيلة التي مهدها لغايته ms049 ستبوء ~~بالفشل وعدم النجاح فصعد المنبر وذلك في يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول ~~، فاظهر سخطه البالغ وغضبه الشديد على عدم تنفيذهم لأوامره قائلا : # « أيها الناس ، ما مقالة بلغتنى عن بعضكم في تأميرى أسامة؟ ولئن طعنتم في ~~تاميرى اسامة لقد طعنتم في تأميرى أباه من قبله وايم الله إنه كان لخليقا ~~بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها » # ثم نزل عن المنبر ودخل بيته (2) وجعل يوصى بالالتحاق به وهو يقول : # « جهزوا جيش اسامة » # « نفذوا جيش اسامة » # « لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » PageV01P106 # ولم تثر حفائظ نفوسهم هذه الأوامر المشددة ، ولم يرهف عزيمتهم هذا ~~الاهتمام البالغ من النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وهو في ساعاته الأخيرة فقد ~~تثاقلوا عن الخروج ، وتخلفوا عن الجيش ، واعتذروا للرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بشتى المعاذير وهو بأبي وأمي لم يمنحهم العذر ، وأظهر ~~لهم الغيظ والسخط ، والمتأمل في هذا الحادث الخطير يستنتج ما يلي : # 1 إن اهتمام النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بشأن اخراج القوم من يثرب ولعنه ~~لمن تخلف من الالتحاق بجيش اسامة يدل بوضوح لاخفاء فيه على غايته المنشودة ~~وهي اخلاء عاصمته من الحزب المعارض لامير المؤمنين عليه السلام ليصفو له ~~الأمر بسهولة ، وتتم له الخلافة بهدوء وسلام. # 2 ان تخلف القوم عن الجيش وطعنهم في تأمير اسامة ما كان المقصود منه الا ~~الظفر بالسلطة والحكم ، واحكام قواعد سياستهم فانهم اذا انصرفوا الى الغزو ~~ونزحوا عن عاصمة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم فان الخلافة لا محالة تفوت من ~~أيديهم ، ولا مجال لهم حينئذ الى التمرد والخلاف. # 3 ان السبب في عدم تولية الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم قيادة الجيش لذوي ~~السن والموجهين من الصحابة انما هو للاحتياط على مستقبل الأمة ، وصيانتها ~~من الاضطراب والفتن من بعده ، فانه لو اسند القيادة إليهم لاتخذوها وسيلة ~~الى أحقيتهم بالخلافة ومطالبتهم بالحكم فسد صلى الله عليه وآلهوسلم عليهم هذه ~~النافذة لئلا يتصدع شمل الامة ، ويضطرب أمنها. # وأما الحكمة من تأميره صلى الله عليه وآلهوسلم لأسامة وهو ms050 حدث السن فقد كان ~~عمره آنذاك سبعة عشر عاما او يزيد عليها بيسير فهي ما يلي : # ( أ) سد جميع نوافذ الخلاف والطعن في خلافة امير المؤمنين عليه PageV01P107 # السلام لأنه حدث السن فان أسامة اصغر منه سنا وقد اسند إليه اهم الوظائف ~~العسكرية في جيشه. # ( ب ) الغاء التقدم في السن ، وعدم الاعتناء به في استحقاق المناصب ~~الرفيعة مع حرمان الشخص من القابليات والمواهب ، فان ادارة شئون الامة ~~وقيادتها انما يستحقها ذوو الكفاءات والحزم والادارة وقد صرح ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بهذه الفكرة الاصلاحية بقوله : # « من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان ~~الله ورسوله ، والمسلمين » (1) # وقال صلى الله عليه وآلهوسلم : « من استعمل عاملا من المسلمين ، وهو يعلم أن ~~فيهم أولى بذلك منه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين » (2) ان الاسلام ~~يحرص كل الحرص على تعيين خيرة الرجال واكثرهم كفاءة للعمل في جهاز الحكم ~~ليضعوا المصلحة العامة نصب اعينهم ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس ~~وفيما ينفقونه على المرافق العامة ، وان يسيروا بين الناس بسيرة قوامها ~~العدل الخالص ، ولا يكون ذلك بتقدم السن وانما يكون بالدراية والاطلاع على ~~ما تحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها العامة (3) # ( ج ) انه صلى الله عليه وآلهوسلم في تاميره لاسامة قد كبح جماح المناوئين ~~لأمير المؤمنين ، وكسر شوكتهم وحطم معنوياتهم ، واقصاهم الى حد بعيد ، وقد ~~فطنوا الى ما دبر صلى الله عليه وآلهوسلم فطعنوا في تأمير PageV01P108 # أسامة ، وتثاقلوا من الالتحاق بكتيبته ، ولم يبرحوا مقيمين بالجرف حتى ~~لحق الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم بالرفيق الاعلى. # هذه بعض البوادر التي تطل على المتأمل في سرية أسامة وهي صريحة الدلالة ~~على قصده صلى الله عليه وآلهوسلم من تمهيد الأمر للامام امير المؤمنين بعد ~~وفاته بهدوء وسلام (1) كما تدل بوضوح على وجود الموامرة الخطيرة التي دبرها ~~القوم ضد خليفته ووصيه كما ولعلنا سنذكر ذلك مفصلا فى بعض الفصول. ### || اشتداد مرضه : # واشتدت الحمى عليه حتى كأن به لهبا منها ، وكانت عليه قطيفة فاذا وضع ms051 ~~أزواجه وعواده أيديهم عليها شعروا بحرها (2) ووضعوا الى جواره إناء فيه ماء ~~بارد فما زال يضع يده فيه ويمسح به وجهه ، واقبل المسلمون يهرعون الى ~~عيادته وقد خيم عليهم الجزع والذهول فازدحمت حجرته بهم فنعى إليهم نفسه ~~واوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح قائلا : # « أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول ~~معذرة إليكم الا اني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتى أهل بيتي » # ثم اخذ بيد علي فرفعها وقال : # « هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض » (3) PageV01P109 # وكان الاجدر بالأمة أن تتابع الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وتواكب أرائه ~~فتتبع أمير المؤمنين وتسلم له قيأتها لانه يسير بمنهج القرآن ويحكم بما ~~انزل الله ، ولو انها حققت ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~لنجت من جميع النكسات وما اصيبت به من الفتن والخطوب ، ولتقدم الاسلام بخطى ~~ثابتة متزنة وسادت في العالم مبادئ الحق والعدالة. ### || اعطاء القصاص من نفسه : # وخرج علة الكائنات وسيد الموجودات وهو مثقل قد تعصب بعمامته ليعلن ~~المساواة العادلة التي جاء بها ، ويعطي القصاص من نفسه لو كان منه اعتداء ~~على اي انسان فاعتلى أعواد المنبر وبين للمسلمين مدى ما عاناه من الجهود في ~~سبيل ارشادهم وهدايتهم ثم قال : # « ان ربي عز وجل حكم واقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم ، فانشدكم بالله أي رجل ~~منكم كانت له قبل محمد مظلمة الا قام ليقتص مني فالقصاص في دار الدنيا أحب ~~الى من القصاص فى دار الآخرة على رءوس الملائكة والأنبياء .. » # ووجم الحاضرون عن الجواب ، وذهلوا حتى عن نفوسهم ، وساد فيهم صمت رهيب أى ~~واحد له ظلامة او حق عند الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وهو مشرع العدالة ~~الكبرى ومثال اللطف الالهي ، وقد خيم عليهم الجزع لأنهم عرفوا أن كلامه ~~كلام مودع لهذه الحياة ، وانبرى من اقصى القوم شخص يسمى سوادة بن قيس فادعى ~~ان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم اصابه بسوط في بطنه ، وهو ms052 يريد القصاص ~~منه فأمر صلى الله عليه وآلهوسلم بلالا أن يحضر له السوط ليقتص منه سوادة ~~وانطلق بلال وهو مبهور قد ملكت احاسيس نفسه هذه العدالة الكبرى فراح يجوب ~~في ازقة يثرب PageV01P110 # وهو رافع عقيرته قائلا : # « أيها الناس اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد ~~اعطى القصاص من نفسه » # ومضى الى دار النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فاخذ السوط ، وجاء به الى رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم فأمره أن يدفعه الى سوادة ليقتص منه وتوجه ~~المسلمون بقلوبهم قبل ابصارهم الى سوادة ينظرون هل يقتص من النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ؟ وهو بتلك الحالة قد فتك به المرض وأضناه السقام ، ~~وانبرى سوادة وهو مرتعش الخطا قد غمرته عظمة الرسول وهيبته فقال له : # « يا رسول الله اكشف لي عن بطنك .. » # فكشف صلى الله عليه وآلهوسلم عن بطنه فقال له سوادة بصوت خافض : # يا رسول الله ، أتاذن لي أن اضع فمي على بطنك؟ # فاذن له صلى الله عليه وآلهوسلم فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول : # « اعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار » # فقال له النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : اتعفو يا سوادة أم تقتص؟ # بل اعفو يا رسول الله # فرفع صلى الله عليه وآلهوسلم يده بالدعاء له قائلا : # اللهم ، اعفو عن سوادة كما عفا عن نبيك محمد (1) # وتصدعت قلوب المسلمين ، وبلغ بهم الحزن الى قرار سحيق ، وايقنوا بنزلة ~~القضاء المرهوب والرزء القاصم PageV01P111 ### || توجع الزهراء # واحاط الاسى بابنة الرسول وألم بها الخطب واضر الحزن بقلبها الرقيق ~~المعذب ، فقد شاهدت أباها يعاني اشد الألم والكرب وهو يقول : # ( وا كرباه ) # ويمتلئ قلبها باللوعة والحزن فتجيبه # « وا كربا لكربك يا أبتي » # فنظر إليها وقد غام بصرها بالدموع فاشفق عليها وقال لها : # « لا كرب على أبيك بعد اليوم .. » # ولما اشتدت حالته تغير وضع الزهراء (ع) فكانت شاحبة اللون خائرة القوى ~~ذاهلة اللب قد ساورتها الهواجس والهموم واحاطت بها الآلام ms053 والاحزان فلما ~~رآها تصدع قلبه وأراد أن يزيل عنها كابوس الحزن فاجلسها الى جنبه فاسر ~~إليها بحديث فلم تملك عند سماعه الا ان تجرى عيناها بالدموع ومال ~~صلى الله عليه وآلهوسلم إليها ثانية فالقى عليها كلاما قابلته ببسمات فياضة ~~بالبشر والرضا ، وعجبت عائشة من هذا الصنيع وراحت تقول : # « ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!! » # وسألتها عما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فامتنعت عن اجابتها ، ~~ولما تصرمت الايام اخبرت عن سبب ذلك البكاء والسرور فقالت أخبرني : # « ان جبرئيل كان يعارضني بالقرآن فى كل سنة مرة ، وانه عارضني هذا العام ~~مرتين ، وما اراه الا قد حضر أجلى » # فهذا سبب لوعتها وبكائها واما سبب سرورها فتقول أخبرني. PageV01P112 # « انك اول أهل بيتي لحوقا بي ، ونعم السلف انا لك .. ألا ترضين أن تكوني ~~سيدة نساء هذه الامة .. » # لقد دفع صلى الله عليه وآلهوسلم عن حبيبته الأسى باخبارها بعدم طول الفراق ~~بينها وبينه ، ولما علمت أن لقاء أبيها بربه لقريب انطلقت الى بيتها فجاءت ~~بولديها وهي تذرف من الدموع مهما ساعدتها الجفون فقالت له : « أبه هذان ~~والداك فورثهما منك شيئا .. » # فافاض عليهما الرسول من مكرمات نفسه ، وورثهما من كمالاته قائلا : # « اما الحسن فان له هيبتي ، وسؤددي ، وأما الحسين فان له جرأتى وجودي » (1) # ويقوم الحسن من عنده وقد ورث منه الهيبة والسؤدد ، وورث منه سيد الشهداء ~~الجرأة والجود ، وهل هناك مما تحويه البسيطة ميراث خير من هذا الميراث ~~الحاوي لكمالات النبوة وسؤددها ، وقد كان الحسن بحكم ميراثه رمزا للهيبة ~~الأحمدية ، ومثالا للسؤدد النبوي فقد روى ( أنه كان عليه سيماء الأنبياء ~~وبهاء الملوك. ) (2) ### || التصدق بما عنده # وكانت عند الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم قبل مرضه سبعة دنانير فخاف أن ~~يقبضه الله إليه وهي عنده فأمر أهله أن يتصدقوا بها ، ولكن انشغالهم ~~بتمريضه والقيام بخدمته انساهم تنفيذ أمره ، فلما افاق من مرضه سألهم ما ~~فعلوا بها؟ فاجابوه أنها ما تزال باقية عندهم فطلب منهم أن PageV01P113 # يحضروها فلما جيء بها إليه وضعها فى كفه وقال : # « ما ms054 ظن محمد بربه لو لقى الله وعنده هذه » (1) # ثم تصدق بها على فقراء المسلمين ، ولم يبق منها عنده شيء. ### || الرزية الكبرى # واستشف الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم من وراء الغيب أن امته من بعده سوف ~~تنصب عليها الفتن كقطع الليل المظلم وتتوالى عليها الخطوب السود فترتد على ~~اعقابها بعد الايمان كما اخبر صلى الله عليه وآلهوسلم فكبر ذلك وعظم عليه ، ~~وزاد في حزنه وأساه وهو في ساعاته الأخيرة اطلاعه على المؤامرة الكبرى التي ~~دبرت ضد وصيه وخليفته وباب مدينة علمه وذلك بتخلف القوم وتثاقلهم عن ~~الالتحاق بسرية أسامة فرأى صلى الله عليه وآلهوسلم أن يسلك طريقا آخر يصون ~~امته من الضلال ويحميها من الفتن والاخطاء فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : # « ائتوني بالكتف والدواة ، اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا .. (2) # ما اعظمها من نعمة ، واغلاها من فرصة لو استغلوها وسارعوا الى تنفيذها ~~وتحقيقها لوقوا انفسهم ووقوا الاجيال اللاحقة من الزيغ والانحراف ولكنهم ~~حرموا أنفسهم السعادة ، وسدوا نوافذ الرحمة والهداية عليهم وعلى من يليهم ~~من الاجيال ، فقد خدعتهم الدنيا وتهالكوا على الامرة وعلموا قصد الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وعرفوا غايته انه سيوصي بامير المؤمنين ويعزز بيعة يوم ~~الغدير فتفوت بذلك أهدافهم وتضيع مصالحهم فانبرى إليه أحدهم بكل وقاحة PageV01P114 # وصلافة رادا عليه قائلا : # « حسبنا كتاب الله » # والمتأمل في هذا الرد تنفتح أمامه الكوة التي تطل على تآمرهم وعلى ~~مخططاتهم في اقصاء أمير المؤمنين عن جهاز الحكم فانهم لو كانوا يحتملون ان ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لا يوصي بالخلافة إليه وانما يوصي بحماية ~~الثغور أو بالمحافظة على طقوسه الدينية لما قابلوه بهذه الجرأة وماردوا ~~رغبته ، ولكنهم علموا ما يريده فقاموا بعمليات التخريب والافساد ، وعلى اي ~~حال فقد كثر الخلاف والتشاجر فى ذلك ، وانطلقت النسوة من وراء الستر فقلن لهم : # « الا تسمعون ما يقول رسول الله :؟ » # فثار عمر وصاح فيهن لئلا يفسد عليهم الامر قائلا : # « انكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن اعينكن ، واذا صح ركبتن عنقه .. » # فرمقه الرسول صلى الله عليه ms055 وآلهوسلم بطرفه وقد ازعجه كلامه فقال له : # « دعوهن فانهن خير منكم » # وكادت أن تفوز الجبهة التي رغبت في تنفيذ ارادة الرسول فانبرى احد ~~المعارضين فسدد لهم سهما افسد عليهم أمرهم فقال : ويا لهول ما قال : # « إن النبي ليهجر .. » (1) PageV01P115 # اي خطب حل بالاسلام مثل هذا الخطب ، وأى رزية مني بها المسلمون مثل هذه ~~الرزية أفيحكم على علة الموجودات وسيد الكائنات بالهجر؟ لقد رجع القوم الى ~~جاهليتهم الاولى وتناسوا مقام النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فقابلوه بأمر ~~الكلام وأقساه ، فانا لله وإنا إليه راجعون. # إنها الرزية الكبرى ، والرزء القاصم الذي يذيب هوله القلوب ، فقد حيل بين ~~المسلمين وبين سعادتهم ، وأقصي عنهم الخير ، وكان ابن عباس اذا ذكر الحادث ~~المؤلم يتفجع ويبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ويتنهد ~~ويقول : يوم الخميس ، وما يوم الخميس! قال رسول الله : ائتوني بالكتف ~~والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا ان تضلوا بعده أبدا فقالوا ان ~~رسول الله يهجر (1) # ولم يسمعوا نصوص القرآن الكريم وهي تتلى عليهم آناء الليل ، وأطراف ~~النهار ، وقد دلت على عصمة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم قال تعالى : ( ~~@QUR@017 ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه ~~شديد القوى ) وقال تعالى : ( @QUR@016 إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ) الى غير ذلك من الآيات التي ~~نصت على عصمته من الهجر ، ولكن القوم قد غرتهم الدنيا ، وراقهم زبرجها ~~فانحرفوا عن طريق الحق ، ومالوا عن سنن العدل ، وتركوا الأمة تتردى فى ~~ميادين الجهالة والغواية ، وسدوا عليها نوافذ الرحمة والهداية. ### || الى الرفيق الاعلى # ولما قرب دنو النبي صلى الله عليه وآلهوسلم الى حظيرة القدس بعث الله PageV01P116 # إليه ملك الموت ليسمو بروحه الطاهرة الى جنة المأوى ، والى سدرة المنتهى ~~وجاء ملك الموت فاستأذن من أهل بيت الوحي بالدخول على رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فاخبرته الزهراء عليها السلام بأن النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في شغل عنه لأنه كان ms056 قد أغمي عليه من شدة المرض ، وبعد ~~برهة كرر الطلب فافاق الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم من اغمائه فقال لابنته : # أتعرفيه؟ # لا يا رسول الله # إنه معمر القبور ، ومخرب الدور ، ومفرق الجماعات # فانهد كيانها ، واحاط بها الذهول ، وارسلت ما في عينها من دموع وراحت ~~تقول بصوت خافت حزين النبرات « وا ويلتاه لموت خاتم الأنبياء وا مصيبتاه ~~لممات خير الاتقياء ، ولانقطاع سيد الاصفياء ، وا حسرتاه لانقطاع الوحي من ~~السماء ، فقد حرمت اليوم كلامك .. » # واشفق الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم على بضعته فارسل لها كلمة فيها سلوى ~~وعزاء فقال لها : # « لا تبكي فانك اول أهلي لحوقا بي .. » (1) # واذن صلى الله عليه وآلهوسلم لملك الموت بالدخول عليه فلما مثل عنده قال له : # « يا رسول الله ، إن الله ارسلني إليك وأمرني أن اطيعك فى كل ما تأمرني ~~إن أمرتني أن اقبض نفسك قبضتها ، وان امرتني أن أتركها تركتها ... » # فقال صلى الله عليه وآلهوسلم أتفعل يا ملك الموت؟ # بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني. PageV01P117 # ثم دخل جبرئيل فقال : يا احمد ان الله قد اشتاق إليك .. » (1) # ولما علم أهل البيت أن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم سيفارقهم فى هذه ~~اللحظات اذهلهم الخطب وبلغ بهم الحزن الى قرار سحيق ، وجاء الحسن والحسين ~~فالقيا بانفسهما على الرسول ليودعاه الوداع الأخير وهما يذرفان الدموع فجعل ~~صلى الله عليه وآلهوسلم يقبلهما وهما يقبلانه وأراد أمير المؤمنين أن ينحيهما ~~عنه فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : # « دعهما يتمتعان مني واتمتع منهما فستصيبهما بعدي أثرة ... » # ثم التفت الى عواده فقال لهم : # « قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع ~~لسنتي ، والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي انهما لن يفترقا حتى اللقاء على ~~الحوض .. » (2) # واستدعى وصيه وخليفته امير المؤمنين فقال له : # « ضع رأسي فى حجرك فقد جاء أمر الله فاذا فاضت نفسي فتناولها وامسح بها ~~وجهك ، ثم وجهنى الى القبلة وتولى أمرى ، وصل علي أول الناس ولا تفارقنى ~~حتى تواريني فى رمسي واستعن بالله عز وجل .. » # واخذ أمير المؤمنين رأس ms057 النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فوضعه في حجره ومد يده ~~اليمنى تحت حنكه ، واذن صلى الله عليه وآلهوسلم لملك الموت باستلام روحه ~~المقدسة ، واخذ صلى الله عليه وآلهوسلم يعاني آلام الموت وشدة النزع حتى فاضت ~~نفسه الزكية فمسح بها الامام وجهه (3) ونعاه الى الحاضرين PageV01P118 # لقد انطوت ألوية العدالة في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان ، واخمدت ~~مصابيح الكمال والفضيلة ، وما اصيبت الانسانية بكارثة كهذه الكارثة فقد مات ~~المنقذ العظيم ، واحتجب النور الذي اضاء الطريق للانسان وهداه الى سواء ~~السبيل. # وطاشت احلام المسلمين أمام هذا الخطب المريع فما بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم للناس عزاء ولا للأسى على فقده مدى ولا انتهاء ، لقد ~~ذهب محمد عن هذه الدنيا وغرب نور محياه فانطلقت الالسن نادبة والاعين باكية ~~، وعلى الصراخ والعويل من بيت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وكان اكثر أهل ~~بيته لوعة واشدهم مصابا هي بضعته الزهراء فقد وقعت على جثمانه وهي مذهولة ~~اللب من شدة الوله والحزن وهي تبكي امر البكاء وتقول : # « وا أبتاه ، الى جبرئيل انعاه! ... وا أبتاه جنة الفردوس مأواه! .. وا ~~أبتاه أجاب ربا دعاه!!. » (1) # وسرى النبأ المفجع الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم فتركها تمور في ~~الحزن واجتمع المسلمون وهم حيارى قد أخرسهم الخطب وألم بهم الحادث المريع ~~وهم ما بين وآجم وصائح ومشدوه ونائح ونتهوا الى PageV01P119 # واد من الالم ماله قرار. # وقام أمير المؤمنين وقد حفت به الآلام والاحزان فأخذ في تجهيز الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فغسله (1) وهو يقول : « بابي أنت وأمي طبت حيا وميتا ~~.. » (2) # وبعد الفراغ من تجهيزه وضعه على السرير ، فاول من صلى عليه هو الله من ~~فوق عرشه ثم جبرئيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم الملائكة زمرا زمرا (3) ودخل ~~المسلمون يلقون على الجثمان المقدس نظرة الوداع ، ويؤدون فريضة الصلاة (4) ~~وبعد الانتهاء قام الإمام فحفر القبر ولما فرغ منه PageV01P120 # القى المغيرة خاتمه في القبر ، وقال لأمير المؤمنين عليه السلام خاتمي ، ~~فقال عليه السلام لولده الحسن : أدخل فناوله خاتمه ، ففعل عليه السلام ms058 ذلك ، ~~وكان مقصد المغيرة من ذلك أن يدخل القبر الشريف بعد ما خرج منه أمير ~~المؤمنين ليفتخر على الصحابة بأنه آخر الناس عهدا برسول الله فالتفت أمير ~~المؤمنين الى مقصده ، فامر الحسن بدخول القبر ، فكان آخر الناس عهدا برسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم (1) # وقام الامام أمير المؤمنين فوارى الجسد العظيم في مقره الأخير ووقف على ~~القبر يرويه بماء عينيه ، وارسل كلمات تنم عن لواعج حزنه وثكله قائلا : # « ان الصبر لجميل الا عنك ، وان الجزع لقبيح الا عليك ، وان المصاب بك ~~لجليل ، وانه قبلك وبعدك لجلل ... » (2) # واذاب الهول العظيم ، والمصاب المؤلم قلب الامام الحسن (ع) وهو في سنه ~~المبكر فذبلت منه نضارة الصبا وروعته فقد رأى من يحدب عليه ويفيض عليه من ~~رقيق حنانه يوارى في الثرى ، ورأى أبويه وقد اضناهما الذهول واحاط بهما ~~الأسى على فقد الراحل العظيم فترك ذلك في نفسه شديد الألم ولاذع الحزن ... ~~لقد مضى الرسول (ص) الى الرفيق الاعلى وكان عمر PageV01P121 # الحسن سبع سنين (1) وهو دور تنمو فيه مدارك الطفولة ، وتكون فيه فكرة ~~الطفل كالعدسة اللاقطة تنقل الى دخائل النفس كثيرا من المشاهدات والصور ~~وينطبع فيها جميع ما يمر عليها من حزن وسعادة ، كما انه قد تكون لبعض ~~الاطفال النابهين اللياقة والاستعداد لأن يفهم الغاية من بعض الاعمال ~~والمواقف ، وقد رافق الامام الحسن فى ذلك الدور الاحداث الخطيرة التي وقعت ~~قبل وفاة جده الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم من امتناع القوم من الالتحاق ~~بسرية أسامة وعدم استجابتهم للنبي صلى الله عليه وآلهوسلم حينما امر باعطائه ~~الدواة والكتف ليكتب لأمته كتابا يقيها من الفتن والضلال فعرف من غير شك ~~الغاية من ذلك ، وعلم ما دبره القوم من المؤامرات ضد أبيه فترك ذلك في نفسه ~~كامن الحزن والوجد وانبرى ينكر على القوم غصبهم لحق أبيه كما سنبينه في عهد ~~الشيخين. PageV01P122 ### | فى عهد الشيخين PageV01P123 # وحينما مضى النبي (ص) الى جنة المأوى ، وسمت روحه الى الرفيق الاعلى ، ~~انثالت الفتن على المسلمين تترى كقطع الليل المظلم ، وعصفت بهم امواج عارمة ms059 ~~من الانشقاق والاختلاف زعزعت كيانهم وصدعت شملهم ، ومزقت وحدتهم ، وقد بين ~~تعالى ما يمنى به المسلمون بعد وفاة نبيه من الارتداد والاختلاف قال تعالى ~~: ( @QUR@016 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم .. ) (1) # فاي رزية اعظم من رزية الانقلاب؟ وأي كارثة اقسى من كارثة الارتداد بعد ~~الايمان!! لقد ترك القوم جثمان نبيهم لم يواروه في مقره الأخير وتهالكوا ~~على الامرة والسلطان ، وصمموا على صرف الخلافة الاسلامية عن أهل بيت النبوة ~~وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل ، وقد تحدث الامام ~~أمير المؤمنين عليه السلام عن غب ما فعلوه وسوء ما ارتكبوه يقول عليه السلام : # « حتى اذا قبض رسوله رجع قوم على الاعقاب ، وغالتهم السبل واتكلوا على ~~الولائج (2) ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته ، ونقلوا ~~البناء عن رص أساسه (3) فبنوه في غير موضعه معادن كل خطيئة ، وأبواب كل ~~ضارب في غمرة » (4) # لقد استأثروا بالامر ، ونقلوه عن اهله ومعدنه ، ووضعوه في غير محله ، وقد ~~فاجئوا أهل البيت (ع) والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر PageV01P125 # بصرف الامر عنهم والاعتداء عليهم ، وتركوهم يتجرعون الغصص ، ويتوسدون ~~الارق وتساورهم الهموم ، فما اعظم رزيتهم؟! وما اشد محنتهم وبلاءهم!! # لقد تسرع القوم الى عقد البيعة ، وانتهزوا الفرصة في انشغال امير ~~المؤمنين بتجهيز جثمان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فلم يمهلوه حتى يفرغ من ~~مواراته صلى الله عليه وآلهوسلم لئلا يفوت الامر منهم ، وتضيع امانيهم وآمالهم ~~فى الاستيلاء على زمام الحكم والسلطان .. وعلى أي حال فلا بدلنا من البحث ~~عن فصول تلك المأساة الكبرى بايجاز فانها ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة الامام ~~الحسن عليه السلام ، فان صرف الامر عن أهل البيت عليهم السلام كانت له ~~مضاعفاته السيئة ونتائجه الخطيرة ، واهمها طمع الطلقاء وابنائهم خصوم ~~الاسلام واعداء الله في الخلافة الاسلامية ، ومناجزتهم لاهل بيت النبوة ~~ومعدن الرحمة ، حتى اضطر سبط النبي صلى الله عليه وآلهوسلم الامام الحسن ~~عليه السلام في دوره الى الصلح مع معاوية وتسليم الامر له ، والى القراء ~~بيان ذلك. ms060 ### || السقيفة # وترك القوم النبي صلى الله عليه وآلهوسلم مسجى في فراش الموت ، لم يهتموا في ~~شيء من أمره فقد سارع الانصار الى سقيفة بني ساعدة (1) وعقدوا لهم اجتماعا ~~سريا أحاطوه بكثير من الكتمان والتحفظ ، واحضروا معهم شيخ الخزرج سعد بن ~~عبادة (2) PageV01P126 # فتداولوا في شئون الخلافة والسلطان ، وكان شيخ الخزرج قد ألم به المرض ~~فخطب في القوم فلم يتمكن أن يسمع كلامه للناس وانما كان يقول ويبلغ مقالته ~~بعض اقربائه ، وكان منطق خطابه ان الغنم بالغرم ، والانصار هم الذين غرموا ~~في سلسلة الحروب وحركات الجهاد التي قام بها الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ~~فهم احق بالأمر وأولى به من غيرهم وهذا هو نص خطابه : # يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين وفضيلة فى الاسلام ليست لقبيلة من ~~العرب ، ان محمدا صلى الله عليه وآلهوسلم لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم الى ~~عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه الا القليل ، وما ~~كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ولا أن يعزوا ~~دينه ، ولا أن يدفعوا عن انفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق ~~إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الايمان به وبرسوله والمنع له ~~ولاصحابه والاعزاز له ولدينه والجهاد لاعدائه ، فكنتم اشد الناس على عدوه ~~منكم ، وأثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها ، ~~واعطى البعيد المقادة صاغرا |نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة||ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده| PageV01P127 # داخرا ، حتى اثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب ~~وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير العين ، استبدوا بهذا الأمر دون سائر ~~الناس فانه لكم دون الناس ... » فاجابه الأنصار بالرضا والطاعة قائلين « ~~وفقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدوا ما رأيت نوليك هذا الامر فانك ~~فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى .. ، (1) # لقد القى الانصار المقادة والسمع لسيد الخزرج ، واعربوا له عن رغبتهم ~~الملحة في ترشيحه لمنصب الخلافة ، وهنا امور تدعو الى العجب ms061 وتبعث الى ~~التساؤل في أمر الانصار وهي : # 1 إنهم حضنة الاسلام ، واعضاد الملة ، وحماة الدين فلما ذا أسرعوا في شأن ~~الخلافة ، وتناسوا مبايعتهم لأمير المؤمنين في غدير خم ، وتنكروا لوصايا ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في أهل بيته وعترته؟!! # 2 لما ذا هذا التستر في مكان منزو عن الانظار والابصار؟! ولما ذا هذا ~~التكتم والحيطة في اخفاء الامر؟!! # 3 لما ذا لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة في شأن البيعة واستبدوا ~~بالأمر؟؟!! # واكبر الظن انهم وقفوا على المؤامرة الخطيرة التي دبرها كبار المهاجرين ~~ضد أمير المؤمنين فخافوا أن يفوز المهاجرون بالخلافة ، ويحرموا منها لذا ~~اسرعوا لانتهاز الفرصة وبادروا الى ترشيح سعد الى مركز الخلافة. ### || فذلكة عمر # ولم يكن أبو بكر في يثرب عند وفاة النبي (ص) وانما كان بالسنح (2) PageV01P128 # فخاف عمر بن الخطاب أن يفوز احد بالخلافة قبل مجيء أبي بكر فصنع فذلكة ~~دلت على سياسته النفسية وخبرته الفائقة باحوال المجتمع فقد اوقف حركة ~~البيعة ، وشغل الناس حتى عن تفكيرهم فقد راح يهز بيده السيف ويهتف بصوت عال. # « إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قد ~~مات. وإنه والله ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران .. والله ~~ليرجعن رسول الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجفوا بموته ... » # وجعل لا يمر باحد يقول : مات رسول الله الا خبطه بسيفه ، وتهدده وتوعده ~~(1) واستغرب المسلمون من هذه البادرة ، واستطابها السذج والبسطاء ، فقد ~~جاءهم بالأمل اللذيذ والحلم الجميل فان النفوس تأبى أن تذعن بموت العظيم ، ~~وتتمسك بحياته بالخيال والأوهام ، وقد ساق إليها عمر أطيب الاماني واروع ~~الآمال ، اخبرها بحياة عزيزها ومنقذها ، وأملها باظهار دينه على الدين كله ~~، واضاف الى كلامه اعنف الارهاب والتهديد وعزاه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بتقطيعه الايدي والارجل ممن ارجف بموته ، كما توعد هو ~~بالقتل لمن فاه بموت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم واستمر على هذا الحال يبرق ~~ويرعد ، ويتهدد ويتوعد حتى وصل أبو بكر إلى يثرب فاحتف به عمر ms062 وانطلقا إلى ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فكشف أبو بكر الرداء عن وجه النبي (ص) ~~وإذا بجثمانه الطاهر قد رحلت منه روحه الزكية ، فخرج وهو يفند مقالة عمر ~~والتفت إلى الجماهير الحائرة التي اذهلها الخطب فقال لها : # « من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان PageV01P129 # الله حي لا يموت ... وتلا قوله تعالى : ( @QUR@016 وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ). # وتلقى الجمهور مقالة أبي بكر بالإذعان ، وراحوا يلهجون بالآية واسرع عمر ~~الى تصديق مقالة أبي بكر ولم يبد اية معارضة له ، واحتف به ، وسار معه يشد ~~عضده ، ويحمي جانبه. # ولا بد لنا من وقفة قصيرة امام هذه البادرة الغريبة فانها تدعو إلى ~~التساؤل من عدة امور وهي : # 1 هل صحيح ان عمر قد خفي عليه موت الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ؟؟ والقرآن ~~الكريم قد أعلن أن كل انسان لا بد أن يتجرع كأس الحمام قال تعالى : ( ~~@QUR@07 كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) وقال تعالى في نبيه : ( ~~@QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال تعالى : ( @QUR@04 أفإن مات أو قتل ) ~~الآية ، بالاضافة الى أن الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم قد نعى نفسه غير مرة ~~الى المسلمين وأخبرهم بأنه يوشك أن يدعى فيجيب ، وكان عمر نفسه يقول لأسامة ~~قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : مات رسول الله وأنت علي أمير. # 2 ما هو السر في تهديده وتوعيده لمن أرجف بموت رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ؟ ولما ذا ينكل رسول الله المرجفين؟ فهل أن قولهم ~~ارتداد عن الدين او خروج عن حظيرة الاسلام كي يستحقون تقطيع الأيدي ~~والأرجل؟ # ان من امعن النظر في هذه الحادثة يتضح له المقصود من فعل عمر وهو اشغال ~~الناس عن مبايعة أي انسان قبل مجيء أبي بكر. إن عمر لم يكن من البلهاء ~~والأغبياء كي يخفى عليه موت الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وان حماسه البالغ ~~وقيامه بعمليات التهديد والتوعيد ، وسكون PageV01P130 # ثورته حينما ms063 جاء أبو بكر كل ذلك يدل بوضوح لا خفاء فيه على أن هذه ~~الحادثة جزء من المخطط المرسوم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في صرف ~~الخلافة عن أهل بيته واستئثارهم بها ، ويذهب المستشرق لامنس الى أنه كانت ~~بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة مؤامرة في صرف الخلافة عن أهل البيت ~~عليهم السلام قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : # « إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن ~~وضع حاضر ، ولا وليد مفاجأة أو ارتجال ، وانما كان وليد مؤامرات سرية مبرمة ~~حيكت أصولها وربت أطرافها بكل احكام ، وإن ابطال هذه المؤامرة ، أبو بكر ، ~~عمر بن الخطاب ، أبو عبيدة بن الجراح ، ومن اعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة ،. » # وهو رأي وثيق للغاية فان الامعان في تتبع خطوات القوم ، والتدبر في ~~افعالهم يقضي بقدم المؤامرة ، وانهم حاكوا اصولها منذ زمان بعيد ، فان ~~تثاقلهم من الالتحاق بسرية اسامة ، ومراسلة بعض ازواج النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم لآبائهن في التريث عن المسير ، وترشيحهن لآبائهن ~~لامامة الجماعة ، والرد على النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فيما رامه من ~~الكتابة وغير ذلك من القرائن والشواهد مما يدل بوضوح على قدم المؤامرة ، ~~وانهم بنوها على خطط وثيقة مدروسة احيطت بالامعان والتدبر ، وليست وليدة ~~الوقت الحاضر ، ولا وليدة المباغتة والمفاجأة. ### || مباغتة الانصار : # ولما عقد الانصار أمرهم على تولية سيد الخزرج سعد بن عبادة كان ابن عمه ~~بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي ، واسيد بن خضير زعيم الاوس ينافسانه في ~~السيادة ، وحسداه على ترشيحه لهذا المنصب الرفيع ، فاضمرا PageV01P131 # له الحقد وأجمع رأيهما على صرف الأمر عنه وانضم إليهما عويم بن ساعدة ~~الأوسي ، ومعن بن عدى حليف الانصار ، وكانا من حزب أبي بكر ومن اوليائه على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم بالاضافة الى ذلك انهما كانا يضمر ان ~~الحقد والشحناء لسعد بن عبادة فانطلقا الى أبي بكر وعمر مسرعين فاخبرهما ~~باجتماع الانصار في السقيفة وانهم قد اجمعوا على تولية سعد بن عبادة ms064 (1) ~~فذهل أبو بكر وقام مسرعا ومعه عمر وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح (2) وسالم ~~مولى أبي حذيفة ولحقهم آخرون من حزبهم من المهاجرين ، فكبسوا الانصار في ~~ندوتهم فغاض لون سعد واسقط ما في أيدي الانصار وساد عليهم الوجوم والذهول ، ~~واراد عمر أن يتكلم فمال إليه أبو بكر فهمس في أذنه قائلا : # « رويدك يا عمر حتى اتكلم .. » # وافتتح أبو بكر الحديث فقال : # « نحن المهاجرون أول الناس اسلاما ، وأكرمهم احسابا ، وأوسطهم دارا ، ~~وأحسنهم وجوها ، وأمسهم برسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم رحما وانتم اخواننا ~~في الاسلام ، وشركاؤنا في الدين نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا. فنحن ~~الأمراء وانتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا ~~على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ~~يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ... » (3) # ان أوثق الأدلة التي أقامها أبو بكر على احقية المهاجرين بالخلافة PageV01P132 # والإمرة هي ما يلي : # 1 إنهم أول الناس اسلاما # 2 إنهم أمس الناس رحما برسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم # ولم يفصح في استدلاله عن أول من آمن بالله ، واستجاب لدعوة نبيه ، ووقف ~~إلى جانبه يصد عنه الاعتداء ، ويحميه من جبابرة قريش وهو الامام أمير ~~المؤمنين عليه السلام ابن عم النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وزوج ابنته ، وأبو ~~سبطيه ، وباب مدينة علمه ، فقد تناساه أبو بكر ورشح أبا عبيدة ، وابن ~~الخطاب لمنصب الخلافة ، وهل كانت له ولاية على المسلمين حتى يرضى لهم ~~ويختار من يتولى قيادتهم ويدير شئونهم وقد علق الامام أمير المؤمنين على ~~احتجاجه بقوله : « احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة » وما ابلغ هذا القول!! ~~وما أروع هذا الاحتجاج!! فقد تمسك المهاجرون بقربهم للنبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم واستدلوا به على احقيتهم بالأمر ، وتغافلوا عن عترته ~~وذريته ووديعته وعدلاء كتاب الله ، وقد خاطب أمير المؤمنين أبا بكر بذلك ، ~~واستدل عليه بعين ما استدل به أبو بكر على الانصار فقال له : # فان كنت بالقربى حججت خصيمهم %~% فغيرك اولى بالنبي وأقرب وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم ms065 %~% فكيف بهذا والمشيرون غيب # وخاطب عليه السلام القوم مرة أخرى فقال لهم : « والله ، إني لأخوه اى أخ ~~الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ووليه وابن عمه ووارث علمه ، فمن احق به منى » ~~(1) لقد عدل القوم عن أبي الحسين وتناسوا فضائله ومآثره ووصايا النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فيه طمعا في الخلافة وتهالكا على الامارة. PageV01P133 ### || بيعة ابي بكر : # ولما انهى أبو بكر خطابه السالف الذي رشح فيه عمر وأبا عبيدة لمنصب ~~الخلافة اسرع إليه عمر فقال له : « يكون هذا وأنت حى؟! ما كان أحد ليؤخرك ~~عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (ص)... » # ولا نعلم متى أقامه الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم في مقامه الذي هو فيه ، ~~وقد أخرجه صلى الله عليه وآلهوسلم من يثرب مع بقية اصحابه جنودا مسلحين وولى ~~عليهم أسامة بن زيد وهو شاب حدث السن ، بمثل هذا اللف والدوران تمت البيعة ~~لأبي بكر ، وقد تسابق إلى بيعته عمر وبشير ، وتبارى إلى البيعة جميع اعضاء ~~حزبهم فبايعه اسيد بن حضير ، وعويم بن ساعدة ، ومعن بن عدى ، وأبو عبيدة بن ~~الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وخالد بن الوليد ، واشتد هؤلاء على حمل الناس ~~على البيعة ، وكان اشدهم حماسا عمر فقد لعبت درته شوطا في الميدان وارغم ~~الممتنعين على البيعة وقابلهم بالقسوة والعنف ، وقد سمع الانصار يقولون في سعد : # « قتلتم سعدا » # فاندفع يقول : # « اقتلوه ، قتله الله فانه صاحب فتنة » (1) # ولما تمت البيعة لابي بكر بهذه الصورة التي يحف بها الارهاب والتهديد ~~اقبل به حزبه يزفونه الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم زفاف العروس ~~(2) والنبي صلى الله عليه وآلهوسلم ملقى على فراش الموت ، قد PageV01P134 # انشغل أمير المؤمنين عليه السلام بتجهيزه ، فلما أخبر تمثل بقول القائل : # واصبح أقوام يقولون ما اشتهوا %~% ويطغون لما غال زيدا غوائل (1) # لقد بويع أبو بكر بمثل هذه العجالة والمباغتة ، وكان عمر يرى عدم مشروعية ~~هذه البيعة ووجه إليها لاذع النقد فقال فيها كلمته المشهورة : # « إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقى الله المسلمين شرها ، فمن دعاكم ms066 الى ~~مثلها فاقتلوه. » (2) # وحفلت هذه الكلمة باقسى الوان النقد والتشهير واحتوت على ما يلي : # 1 إن عمر وصم البيعة ( بالفلتة ) وسواء أكان معناها الشر والخطيئة والزلة ~~، أو المباغتة والمفاجأة فانها اعظم ما تكون في ميدان القدح والذم. # 2 إنه دعا الله أن ينقذ المسلمين من شرها ويقيهم من مضعفاتها السيئة. # 3 انه حكم بقتل من دعا لمثل هذه البيعة # وانما طعن عمر في انتخاب أبي بكر وقدح في بيعته لانها لم تعتمد على اسس ~~سليمة ، ولم تبتن على منطق رصين وحفلت بما يلي من المؤاخذات : # 1 إن القوم لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة فيها واستبدوا بالأمر وقد ~~تناسوا وصايا النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فيها ، واهملوا ما أمرهم الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم من الاقتداء والتمسك بذريته يقول الامام شرف الدين طيب ~~الله مثواه : PageV01P135 # « فلو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد صلى الله عليه وآلهوسلم ~~وفرض كونهم مع هذا غير مبرزين في حسب أو نسب او اخلاق أو جهاد ، أو علم ، ~~أو عمل ، او ايمان ، أو اخلاص ، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل ، بل ~~كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان مانع شرعي ، أو عقلي ، أو عرفي يمنع من ~~تأجيل عقد البيعة الى فراغهم من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ؟ ولو ~~بأن يوكل حفظ الامن الى القيادة العسكرية موقتا حتى يستتب أمر الخلافة؟ # أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق باولئك المفجوعين؟ وهم وديعة النبي ~~لديهم ، وبقيته فيهم. وقد قال الله تعالى : ( @QUR@014 لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ) أليس من حق هذا ~~الرسول الذي يعز عليه عنت الامة ويحرص على سعادتها ، وهو الرءوف بها الرحيم ~~لها أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به والجرح لما يندمل والرسول ~~لما يقبر » (1) # النبي صلى الله عليه وآلهوسلم مسجى على فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم ~~مثواه ، وراحوا بهلع وجشع يتسابقون الى الحكم والسلطان ، واهملوا عترته ms067 ، ~~واجمعوا على مجافاتهم ، وهضم حقوقهم ، وسلب تراثهم ، ومنذ ذلك اليوم واجهت ~~العترة الوانا قاسية من النكبات والخطوب فاريقت دماؤها ، وسبيت نساؤها ، ~~ولم ترع فيها قرابة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم التي هي اولى بالرعاية ~~والعطف من كل شيء. # 2 ومما يؤخذ على هذه البيعة انها لم تكن جامعة لاهل الحل والعقد الذي ~~يعتبرونه هم شرطا اساسيا فى حصول الاجماع وفي مشروعية الانتخاب ، فقد الغى ~~القوم استشارة الطبقة الرفيعة في الاسلام فلم يعتنوا PageV01P136 # بآرائها ولم يأخذوا موافقتها في الخليفة الجديد ، كما ان المكان الذي ~~اجرى فيه الانتخاب كان مخفيا الى ابعد الحدود يقول عبد الوهاب النجار # « يرى المطلع على الشكل الذي حصلت به بيعة أبي بكر ان الاستشارة فى أمرها ~~كانت ناقصة نقصا ظاهرا لان المعقول في مثل هذه الحال أن يتخذ المسلمون ~~مكانا يجتمعون فيه وان يؤذن الناس به من قبل .. » (1) # إن انتخاب أبي بكر كان مشوها الى أبعد الحدود ، فقد انسحبت عن اختياره ~~وانتخابه الشخصيات الفذة التي ساهمت في بناء كيان الاسلام وفي طليعتها ~~الامام أمير المؤمنين عليه السلام ومن يمت إليه من الهاشميين ووجوه الصحابة ~~كسلمان الفارسي ، وأبي ذر وعمار بن ياسر ، وأبي بن كعب ، ومن الهاشميين ~~الزبير وعتبة بن أبي لهب والعباس وغيرهم كما امتنع جميع الانصار أو بعضهم ~~عن البيعة ، وقالوا » لا نبايع الا عليا » (2) ومع انسحاب هذا العدد الضخم ~~من الانتخاب ، وفيهم الضروس ، والرءوس ، والاعلام من المهاجرين والانصار ~~كيف تكون البيعة مشروعة ، والانتخاب صحيحا؟!! # 3 ان المسلمين قد أرغموا على بيعة أبي بكر ، وأكرهوا عليها ولم تكن ناشئة ~~عن اختيارهم وارادتهم فقد لعبت درة عمر في تحقيقها وايجادها حتى ذهل ~~المسلمون ، ولم يشترطوا فى ضمن العقد أن يسير الخليفة على كتاب الله وسنة ~~نبيه كما اشترطوا ذلك على الخلفاء من بعده ولعل لهذه الاسباب حكم عمر بعدم ~~مشروعيتها ، وعدم مشروعية أساليبها ، كما حكم بالقتل لمن يعود لمثلها. PageV01P137 ### || امتناع امير المؤمنين عن البيعة : # وامتنع أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة ، واعلن سخطه البالغ على أبي ~~بكر ms068 لأنه نهب تراثه ، وسلب حقه ، وهو يعلم أن محله من الخلافة محل القطب من ~~الرحى ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير على حد تعبيره لذلك كان ~~عليه السلام لا يظن ان احدا يرقى منبر الخلافة غيره وقد اعلن ذلك بوضوح لما ~~جاء إليه عمه العباس وطلب منه أن يبايعه فقال له : # يا بن أخي امدد يدك أبايعك ، فيقول الناس : عم رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان. » # فاجابه الامام : # « ومن يطلب هذا الأمر غيرنا » (1) # لقد قلده النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بهذا المنصب الرفيع يوم غدير خم ، ~~واعلن له الولاية على ملأ من الناس ، بالاضافة الى وصاياه المتظافرة التي ~~حث فيها أمته على متابعته ، وتسليم قيادتها بيده ، يقول الدكتور طه حسين فى ~~هذا الموضوع ما نصه : # « نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة هذا السلطان لأنه ~~ربيب النبي ، وصاحب السابقة فى الاسلام ، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في ~~المشاهد كلها ، ولأن النبي كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن : ذات يوم ~~مداعبة تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك! ولأن النبي قال له : أنت مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا انه لا نبي بعدى. وقال للمسلمين يوما آخر : من كنت مولاه فعلى ~~مولاه. من أجل ذلك اقبل العباس PageV01P138 # بعد وفاة النبي على ابن اخيه فقال له : ابسط يدك ابايعك .. » (1) # لقد تخلف امير المؤمنين عن البيعة فلم يسالم القوم ، ولم يمنحهم الرضا ~~واعلن سخطه عليهم ، وحاججهم وناظرهم ، وقد حفل نهجه بتذمره البالغ وسخطه ~~الشديد على القوم لأنهم سلبوا تراثه ، وجحدوا ولايته وحقه. ### || احتجاج ومناظرات : # واحتج الامام أمير المؤمنين عليه السلام على القوم بأنه أولى بالامر واحق ~~به منهم ، وكذلك احتج عليهم من يمت إليه من الهاشميين ، وذوي السابقة في ~~الاسلام من اعلام المهاجرين والانصار ، والى القراء بعض تلك الاحتجاجات : ### || 1 الامام امير المؤمنين # ولما اخذ أمير المؤمنين عليه السلام قسرا ليبايع أبا بكر قال له القوم بعنف : # « بايع أبا بكر » # فاجابهم وهو ms069 رابط الجأش ثابت الجنان # « أنا احق بالأمر منكم ، لا أبايعكم وانتم اولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا ~~الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ، ألستم زعمتم للانصار أنكم اولى بهذا الامر ~~منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الامارة ، وأنا ~~احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار نحن اولى برسول الله حيا وميتا ~~، فانصفونا ان كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وانتم تعلمون .. » PageV01P139 # وسلك عليه السلام بهذا الاحتجاج الصارم الطريقة التي سلكها المهاجرون أمام ~~الانصار من انهم امس الناس رحما برسول الله ، وهذا الملاك الذي هتف به ~~المهاجرون واتخذوه وسيلة لتحطيم آمال خصومهم موجود فى الامام عليه السلام ~~على النحو الاكمل فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وختنه على ابنته ، ~~ومما وسع ابن الخطاب أمام هذا المنطق الا أن يسلك طريق العنف ، وهو طريق من ~~يعوزه الدليل والبرهان فقال له : # « إنك لست متروكا حتى تبايع » # فصاح به أمير المؤمنين # « احلب حلبا لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا .. » # وثار الامام وهتف يزأر # « والله ، يا عمر لا اقبل قولك ، ولا ابايعه .. » # وخاف ابو بكر ان يصل الأمر الى ما لا تحمد عقباه فاقبل على الامام يتلطف ~~به ويقول له بناعم القول. # « إن لم تبايع فلا أكره .. » # وحاول أبو عبيدة ارضاء الامام فقال له : # « يا بن عم إنك حدث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ~~ومعرفتهم بالامور ولا ارى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا ~~واضطلاعا به ، فسلم لأبي بكر هذا الأمر ، فانك إن تعش ويطل بك بقاء ، فانت ~~لهذا الامر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك ، وفهمك وسابقتك ، ونسبك ~~وصهرك .. » # وأثارت هذه المخادعة كوامن الالم والاستياء في نفس الامام فاندفع يخاطب ~~المهاجرين ويذكر لهم مآثر اهل البيت عليهم السلام قائلا : PageV01P140 # « الله الله يا معشر المهاجرين! .. لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن ~~داره ، وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم ms070 ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه فى ~~الناس وحقه؟ .. فو الله يا معشر المهاجرين لنحن احق الناس به لأنا أهل ~~البيت ونحن أحق بهذا الامر منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه ~~في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم ~~الامور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى ~~فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا .. » (1) # ودفع الامام باحتجاجه الرائع جميع شبه القوم فلم يترك لهم نافذة الا سدها ~~ببليغ حجته وقوة برهانه ، فان أبلغ ما تمسك به أبو عبيدة لاثبات ولاية أبي ~~بكر أنه اكبر سنا من امير المؤمنين وذلك عنده مقياس الصواب وفصل الخطاب ، ~~ولكنه منطق مفلوج فى نظر الاسلام ، فان المقياس عنده في قيم الرجال أن ~~تتوفر فيهم المواهب والكفآت والعبقريات فمن تمتع بها فهو الخليق بزعامة ~~الامة ، وبادارة شئونها ، ولهذه الجهة نظر الامام في احتجاجه فبين لهم ~~الصفات الرفيعة الماثلة فى أهل البيت عليهم السلام من الفقه بدين الله ، ~~والعلم بسنن رسوله والاضطلاع بامور الرعية ودفع الشر والمكروه عنها ، ~~والقسم بينها بالسوية ، وهذه الصفات التي اعتبر الاسلام مثولها في الحاكمين ~~والمسئولين لم تتوفر الا عند أهل البيت عليهم السلام فهم احق بالأمر وأولى ~~به من غيرهم. ### || 2 الزهراء # واحتجت سيدة نساء العالمين بحجج بالغة على القوم ، وبينت لهم سوء ما ~~فعلوا ، وعظيم ما ارتكبوا قالت سلام الله عليها : PageV01P141 # « ويحهم انى زحزحوها أي الخلافة عن رواسي الرسالة؟! وقواعد النبوة ، ~~ومهبط الروح الأمين ، الطبن (1) بأمور الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران ~~المبين ، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا والله منه نكير سيفه وشدة ~~وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله ، وتالله لو تكافئوا (2) على ~~زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، لاعتقله (3) وسار بهم سيرا ~~سجحا (4) لا يكلم خشاشه (5) ولا يتتعتع راكبه (6) ولأوردهم منهلا رويا ~~فضفاضا (7) تطفح ضفتاه (8) ولا يترنم جانباه (9) ولأصدرهم بطانة (10) ونصح ~~لهم سرا واعلانا ، غير متحل منهم بطائل الا بغمر الناهل (11) وردعة سورة ~~الساغب (12) ولفتحت ms071 عليهم بركات من السماء والارض ، وسيأخذهم الله بما ~~كانوا يكسبون ، الا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا!! وإن تعجب فقد اعجبك PageV01P142 # الحادث الى أي لجأ لجئوا؟! وبأى عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير ، ~~بئس للظالمين بدلا ، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم ، والعجز بالكاهل (1) ~~فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، الا أنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون ، يحهم أفمن يهدى الى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدي إلا ان يهدى فما ~~لكم كيف تحكمون ، أما لعمر إلهكن لقد لقحت ، فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوها ~~طلاع العقب دما عبيطا وذعافا ممقرا (2) هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف ~~التالون غب ما اسس الاولون ، ثم طيبوا عن انفسكم نفسا وطامنوا للفتنة جأشا ~~، وابشروا بسيف صارم ، وبقرح شامل يدع فيئكم زهيدا ، وجمعكم حصيدا ، فيا ~~حسرة لكم انلزمكموها وانتم لها كارهون .. » (3) # وشجبت بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم في خطابها الرائع البليغ الاعتداء ~~الصارخ على آل البيت عليهم السلام ، ونددت بمن غصب الخلافة الاسلامية منهم ، ~~فان القوم قد وضعوها في غير موضعها ، وضيعوا بذلك عترة نبيهم وهم رواسي ~~الرسالة ، وقواعد النبوة والامامة ، وفي بيوتهم هبط الروح الامين ، وتنزل ~~الذكر الحكيم ، وقد حفل خطابها القيم بامور بالغة الخطورة وهي : # 1 انها ذكرت اهم الاسباب الوثيقة التي من اجلها زهد القوم PageV01P143 # فى أبي الحسين ، ونقموا منه : # ( أ) نكير سيف الامام الذي حصد به رءوس المشركين والملحدين ونافح به عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم في جميع المواقف والمشاهد ، ووتر به ~~الاقربين والابعدين فى سبيل اقامة دعائم الدين ، ومن الطبيعي أن ذلك اولد ~~في نفوس القوم عظيم الحقد والكراهية. # ( ب ) شدة وطأته عليه السلام فقد كان حتف الكافرين ، وغيظ المنافقين ، لم ~~يصانع ، ولم يحاب ، ولم تأخذه في الله لومة لائم وهو القائل « وأيم الله ~~لانصفن المظلوم من ظالمه ، ولآخذن الظالم بخرامته ، حتى اورده منهل الحق ~~وان كان كارها » # ( ج ) تنمره في ذات الله ، فقد وهب عليه السلام نفسه لله ، ورصد جميع ~~طاقاته لاحياء دين الله ، واقامة سننه ، وقد ms072 قذف نفسه فى لهوات الحروب ، ~~وخاض الغمرات والأهوال ، ووطأ صماخ المشركين باخمصه حتى استقام امر هذا ~~الدين ، وقام على سوقه عبل الذراع كل ذلك ببركة جهوده ، وعظيم جهاده. # ان هذه الاسباب : هي التي أدت الى بغض القوم وحقدهم عليه ، بالاضافة الى ~~حسدهم على ما منحه الله من المواهب والكمالات ، والحسد يولد ضغنا وحقدا في ~~النفوس ، ويلقى الناس في شر عظيم. # 2 ان الامة لو قلدت امورها الى أمير المؤمنين ، وتابعت قول رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فيه لظفرت بما يلي : # 1 انه يسير فيهم بسيرة العدل والحق ، ويحكم بما انزل الله تعالى ولا يضام ~~في ظل حكمه احد ، ولا تهدر كرامة اي فرد منهم. # 2 انه يوردهم منهلا عذبا ، ويقود ركبهم الى شاطئ الامن والسلامة ويفيض ~~عليهم بالخير والبركات ، ويغدق عليهم بالنعم فلا يشكو PageV01P144 # احد في ظل عدله الحرمان والجوع والفقر. # 3 انه ينصح لهم في السر والعلانية ، ويهديهم الى سواء السبيل # 4 ان الامام سلام الله عليه لو تقلد زمام الحكم لما تحلى من دنياهم بطائل ~~، وما استأثر من اموالهم بشيء ، ولشاركهم في البأساء والضراء وقد حقق ذلك ~~حينما آلت إليه أمور المسلمين ، فقد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه ~~بقرصيه وما وضع لبنة على لبنة ، وواسى الفقراء والمحرومين وقد قال كلمته ~~الخالدة في المواساة. # « أأقنع من نفسي بان يقال أمير المؤمنين ، ولا اشاركهم في مكاره الدهر ~~وجشوبة العيش » # ولم يحفل تأريخ المسلمين بحاكم مثله في زهده ، وورعه ، وعدله ، وتجنبه عن ~~اموال الرعية ، وقد بقيت سيرته من اروع الامثلة التي يعتز بها المسلمون. # 5 ان الامام (ع) لو تولى الخلافة من بعد الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ~~لانتشرت الخيرات والبركات ، وعمت النعم جميع ارجاء البلاد ، واكل الناس من ~~فوق رءوسهم ومن تحت ارجلهم ، ولكن المسلمين حرموا انفسهم السعادة وحرموها ~~للاجيال اللاحقة من بعدهم ، فقد استبدلوا الذنابى بالقوادم ، والعجز ~~بالكاهل ، وتركوا من يهديهم الى الحق ويسير فيهم بسيرة العدل. # 3 واستشفت بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم من وراء ms073 الغيب النتائج ~~الفظيعة التي تترتب على ما ارتكبه القوم وهي كما يلي : # ( أ) انتشار الفتن بين المسلمين ، وانشقاق صفوفهم وتفلل وحدتهم # ( ب ) تنكيلهم وارهاقهم من قبل السلطات الجائرة. # ( ج ) استبداد الظالمين بشئونهم PageV01P145 # وقد تحققت هذه النتائج الخطيرة على مسرح الحياة حينما استولى الأمويون ~~على زمام الحكم ، فقد حكم معاوية رقاب المسلمين وولى عليهم جلاوزته ~~الجلادين امثال سمرة بن جندب ، وبسر بن ارطاة ، وزياد بن أبيه ، فامعنوا فى ~~ارهاق المسلمين والتنكيل بهم ، واذاعوا الخوف بين المسلمين ، وفي عهد زياد ~~كان الناس يقولون : « انج سعد فقد هلك سعيد » وتولى من بعده يزيد فاستعمل ~~على المسلمين ابن مرجانة ففعل الأفاعيل المنكرة التي سود بها وجه التاريخ ، ~~وهكذا اخذت الخلافة الاسلامية تنتقل من ظالم الى ظالم ، ومن جائر الى جائر ~~حتى ضجت البلاد من الظلم والجور والاستبداد. # ولهذه الاسباب الوثيقة التي بينتها فى خطابها ناهضت الحكم القائم ، ~~وناجزته بجميع امكانياتها ، وطالبت المسلمين بالقيام لقلب الحكم ، ودعتهم ~~الى الثورة لاستنقاذ الحق الغصيب فقد طاف بها زوجها المظلوم اربعين يوما ~~على بيوت المهاجرين والانصار تسألهم النجدة والنصرة فكانوا يقولون لها : # « يا بنت رسول الله .. قد مضت بيعتنا لهذا الرجل » # فتجيبهم مستنكرة # « افتدعون تراث رسول الله يخرج من داره الى غير داره؟ » # واخذوا يعتذرون لها قائلين : # « يا بنت رسول الله ... لو أن زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به » # ويجيبهم أمير المؤمنين # « أفكنت أدع رسول الله فى بيته لم ادفنه ، ثم أخرج انازع الناس سلطانه؟ » PageV01P146 # وتدعم بضعة الرسول قول أمير المؤمنين فتقول : # « ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له .. وقد صنعوا ما الله حسيبهم ~~عليه » (1) # وقد خطبت سلام الله عليها خطبتها الشهيرة واستنهضت في كثير من فصولها همم ~~المسلمين وحفزتهم على الثورة وطالبتهم بارجاع الخلافة الى أمير المؤمنين ~~فقد قالت مخاطبة بني قيلة : # « أيها بنى قيلة ، أأهضم تراث أبي وانتم بمرأى ، ومسمع تبلغكم الدعوة ، ~~وشملكم الصوت وفيكم العدة ، ولكم الدار والجنن ، وانتم نخبة الله التي ~~انتخبت وخيرته التي اختار. باديتم العرب ، وبادهتم الامور ms074 ، وكافحتم البهم ~~، حتى دارت بكم رحى الاسلام ، ودر حلبه وخبت نيران الحرب ، وسكنت فورة ~~الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخرتم بعد الاقدام ، ~~ونكصتم بعد الشدة ، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا أيمانهم من بعد عهدهم ~~، وطعنوا في دينكم ، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون .. » (2) # وقد اثارت حفائظ النفوس ، والهبت نار الثورة في خطابها الكبير إلا أن أبا ~~بكر استقبلها بالاعتذار ، واللين ، واظهر لها بالغ الاحترام والتقدير فاخمد ~~الثورة وشل حركتها ، فلم تجد سلام الله عليها مجالا لاسترجاع حق امير ~~المؤمنين عليه السلام واخذت تبث الشكوى والشجى الى أبيها وخلدت الى الصبر ~~على ما انتابها من المحن والخطوب. ### || 3 الامام الحسن # وما استقر في نفس أمير المؤمنين عليه السلام من اللوعة والأسى على PageV01P147 # ضياع حقه وغصب تراثه قد استقر فى نفس وليده الامام الحسن عليه السلام فقد ~~انطلق إلى مسجد جده صلى الله عليه وآلهوسلم فرأى أبا بكر على منبر المسجد يخطب ~~الناس فالتاع ووجه إليه لاذع النقد قائلا له : # « انزل ... انزل عن منبر أبي ، واذهب الى منبر أبيك!! » # وبهت ابو بكر ، وتطلعت ابصار الناس إلى القائل فاذا هو حفيد الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وريحانته ، فاخذتهم الحيرة والدهشة ، وساد عليهم ~~الوجوم ، واسترد أبو بكر خاطره فتدارك الموقف فقال له بناعم القول : # « صدقت والله. إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي .. » (1) # إن احتجاج الامام الحسن عليه السلام وهو في غضون الصبا انبعث عن نضوج ~~وطموح وذكاء ، وكشف عن آلام مرهقة كان يكنها في اعماق نفسه على ضياع حق أبيه. # كان يرى المنبر يرقاه جده الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وهو يدعو الناس الى ~~الله ، ويهديهم الى سواء السبيل ، وقد اختفى ذلك النور ، واحتجب ذلك الصوت ~~، وهو لا يجد أحدا خليقا بأن يخلفه سوى أبيه سيد الاوصياء الذي نافع عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم في جميع المواقف والمشاهد. PageV01P148 ### || 4 سلمان الفارسي # واندفع سلمان الفارسي ابن الاسلام البار ، ومنبع التقوى والصلاح ، الى ~~الانكار على القوم والاحتجاج عليهم ms075 فقد راح يتكلم مع أبي بكر قائلا له : # « يا أبا بكر .. الى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه؟! وإلى من تفزع ~~اذا سئلت عما لا تعلمه؟ وما عذرك في تقدم من هو اعلم منك ، واقرب الى رسول ~~الله ، واعلم بتأويل كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه ، ومن قدمه النبي في ~~حياته ، واوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله ، وتناسيتم وصيته ، واخلفتم ~~الوعد ، ونقضتم العهد ، وحللتم العقد ، الذي كان عقده عليكم ، من النفوذ ~~تحت راية أسامة بن زيد! » (1) ### || 5 عمار بن ياسر # وانطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر الى محاججة القوم فقال لهم : # « يا معاشر قريش .. ويا معاشر المسلمين ، إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا أن ~~أهل بيت نبيكم اولى به واحق بارثه ، وأقوم بامور الدين ، وآمن على المؤمنين ~~، واحفظ لملته ، وانصح لأمته فمروا صاحبكم فليرد الحق الى أهله قبل أن ~~يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شقاقكم ، وتعظم الفتنة بكم ، وتختلفون ~~فيما بينكم ، ويطمع فيكم عدوكم ، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الامر ~~منكم ، وعلي أقرب منكم الى نبيكم ، وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله ، ~~وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~أبوابكم التي كانت الى المسجد كلها غير بابه ، وايثاره اياه بكريمته فاطمة ~~، دون ساير من خطبها إليه منكم ، وقوله صلى الله عليه وآلهوسلم : انا مدينة ~~العلم ، وعلى بابها ، ومن PageV01P149 # أراد الحكمة فليأتها من بابها ، وانكم جميعا مضطرون فيما اشكل عليكم من ~~أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كل أحد منكم الى ما له من السوابق التي ~~ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون عنه ، وتبتزون عليا على حقه ، ~~وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، بئس للظالمين بدلا ، اعطوه ما جعله ~~الله له ، ولا تولوا عنه مدبرين ، ولا ترتدوا على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين .. (1) ### || 6 خزيمة بن ثابت # وانبرى الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت فقال : « أيها الناس ، الستم تعلمون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قبل شهادتي وحدى ، ولم ms076 يرد معي غيرى؟ ~~فقالوا بلى. قال : فاشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : ~~أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل ، وهم الأئمة الذين يقتدى بهم ، وقد قلت ~~ما علمت ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين .. » ### || 7 أبو الهيثم بن التيهان # وانطلق الصحابي الكبير أبو الهيثم بن التيهان فقال : « وأنا أشهد على ~~نبينا صلى الله عليه وآلهوسلم أنه أقام عليا يوم غدير خم ، فقالت الانصار ما ~~أقامه الا للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مولى له ، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا ~~رجالا منا الى رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فسألوه عن ذلك؟ فقال : قولوا ~~لهم : على ولي المؤمنين بعدي ، وانصح الناس لأمتى ، وقد شهدت بما حضرني فمن ~~شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، إن يوم الفصل كان ميقاتا .. » PageV01P150 ### || 8 سهل بن حنيف # واندفع سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي وآله ثم قال : # « يا معشر قريش ، اشهد على رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وقد رأيته في ~~هذا المكان يعنى في جامعه وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول ~~: أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي ، ووصيي فى حياتي؟ وبعد وفاتي ، وقاضي ~~ديني ، ومنجز وعدي ، وأول من يصافحنى على حوضي ، وطوبى لمن تبعه ، ونصره ، ~~والويل لمن تخلف عنه وخذله .. ». ### || 9 عثمان بن حنيف # وقام عثمان بن حنيف فقال : « سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : ~~أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم فهم الولاة من بعدي فقام إليه رجل فقال : ~~يا رسول الله ، وأي أهل بيتك؟ فقال : علي والطاهرون من ولده .. » ### || 10 أبو أيوب الانصاري # وقال أبو أيوب الانصاري : « اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ، ~~وردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم ، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في ~~مقام بعد مقام لنبينا عليه السلام ومجلس بعد مجلس يقول : أهل بيتى أئمتكم ~~بعدي ، ويومىء الى على ويقول : هذا ms077 أمير البررة ، وقاتل الكفرة مخذول من ~~خذله ، منصور من نصره فتوبوا الى الله من عملكم ، إن الله تواب رحيم ، ولا ~~تتولوا عنه مدبرين ، ولا تتولوا عنه معرضين .. » (1) PageV01P151 ### || 11 عتبة بن أبي لهب # وقام عتبة بن أبي لهب وهو يذرف الدموع وينشد : # ما كنت أحسب أن الامر منصرف %~% عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن عن أول الناس إيمانا وسابقة %~% واعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن %~% جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به %~% وليس في القوم ما فيه من الحسن (1) # الى غير ذلك من الاحتجاجات الصارمة التي اقامها كبار المسلمين وثقاتهم ~~على احقية الامام عليه السلام بالأمر ، ولكن القوم اعاروا ذلك أذنا صماء ~~واصروا على صرف الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام . ### || كبس دار الامام # وتخلف امير المؤمنين عليه السلام عن بيعة أبي بكر ، واحتج عليه بأنه اولى ~~بالخلافة منه ، واعلن سخطه البالغ على القوم ، وقد انضم إليه اعلام الاسلام ~~، ووجوه المسلمين كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، والزبير ، وخالد بن سعيد ، ~~وغيرهم ، فكانوا يعقدون الاجتماع في داره ، ويتداولون فيها الاحاديث ، وثقل ~~على أبي بكر ذلك ، وعظم عليه ، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الامام ، ويقابله ~~بالشدة والصرامة ، ويتخذ معه جميع الإجراءات الحاسمة ، فاصدر أوامره الى ~~عمر بكبس داره ، وحمله على البيعة قسرا ، فراح عمر يشتد ومعه الشرطة ~~والجنود ، وقد رأى ان خير وسيلة لحمل الامام على الطاعة ان يحرق داره ، ~~ويشعل فيها النار ، فحمل مشعلا من النار ، وحمل القوم حزمة الحطب وانطلقوا ~~مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا البيت الذي اذن الله أن يرفع ، ويذكر فيه ~~اسمه!! البيت الذي PageV01P152 # اذهب الله عن أهله الرجس ، وطهرهم تطهيرا!! وهجم عمر على الدار وهو مغيظ ~~محنق يصيح باعلى صوته. # « والذي نفس عمر بيده ليخرجن ، أو لأحرقنها على من فيها؟ » (1) فعذلته ~~طائفة ، وحذرته من عقوبة الله قائلة : # « ان فيها فاطمة .. » # فصاح فيها غير مكترث ولا مبال # « وإن! وإن! » # وطالعتهم حبيبة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وبضعته ، وقد علاها الرعب ms078 ، ~~واستولى عليها الذهول فوجهت إليهم لاذع القول : # « لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم جنازة بين أيدينا ، وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا ، ~~ولم تردوا لنا حقا ». # وتبدد جبروت القوم ، وذاب عنفهم ، واسرع عمر الى أبى بكر يحفزه على المضى ~~في حمل الامام على البيعة قائلا : |وقولة لعلي قالها عمر||اكرم بسامعها اعظم بملقيها| |حرقت دارك لا ابقى عليك بها||ان لم تبايع وبنت المصطفى فيها| |ما كان غير ابي حفص بقائلها||امام فارس عدنان وحاميها| PageV01P153 # « ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟! » # فارسل أبو بكر قنفذا خلف الامام فابى عليه السلام من الحضور ، فانطلق عمر ~~ومعه معاونوه الى بيت الامام فقرع الباب ، واقتحم على الاسد عرينه فانطلقت ~~بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وهي تهتف بابيها وتستغيث به قائلة : # « يا أبت ، يا رسول الله ... ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي ~~قحافة!!؟ » # وتصدعت القلوب ، وذابت النفوس من هول المصاب ، وانصرف القوم باكين ، وبقى ~~ابن الخطاب ومعه حزبه وبدا عليه الحنق والغضب ولم يجد معه تعنيف بضعة ~~الرسول ، فاخرج أمير المؤمنين بعنف وانطلق به إلى أبي بكر ، فقال له : # « بايع » # « وإن لم افعل؟ » » # فبادر القوم ، وقد اضلهم الهوى قائلين له : # « والله. الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك .. » # فصمت عليه السلام برهة ، ونظر الى القوم ، فاذا ليس له معين ولا ناصر فقال ~~بصوت حزين النبرات. # « إذا تقتلون عبد الله ، وأخا رسوله!! » # واندفع ابن الخطاب ، وهو مندلع الثورة فرد على الامام # « اما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا!! » # وتناسى عمر ان امير المؤمنين اخو النبي ، ونفسه وباب مدينة علمه ، والتفت ~~الى أبي بكر يحثه على الايقاع به ، قائلا : # « الا تأمر فيه بأمرك؟؟ » PageV01P154 # وحاذر أبو بكر من الفتنة ، وخاف ان تندلع نيران الثورة فقال : # « لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة الى جانبه .. » # واطلقوا سراح الامام فراح يهرول الى قبر النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~يستنجد به ويناجيه وهو يبكي أمر البكاء رافعا ms079 صوته. # ( @QUR@03 يا بن أم ).. ( @QUR@05 إن القوم استضعفوني ، وكادوا يقتلونني .. ) # لقد استضعفه القوم ، واستوحدوه ، واستباحوا حرمته ، وقفل عليه السلام الى ~~البيت راجعا وهو كئيب حزين قد أحاط به الهم والاسى ، واتضح له ما يكنه ~~القوم في نفوسهم من الحقد والكراهية له. ### || مصادرة فدك # ولما فتحت الجيوش الاسلامية حصون خيبر قذف الله الهلع والرعب في قلوب ~~أهالي فدك ، وخيم عليهم الذعر والخوف فهرعوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ونزلوا على حكمه ، وصالحوه على نصف اراضيهم فكانت ملكا ~~خالصا له لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ، ولما انزل الله ~~تعالى على نبيه قوله : ( @QUR@04 وآت ذا القربى حقه ) بادر ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فانحل فاطمة فدكا ، ووضعت يدها عليها وتصرفت فيها تصرف ~~الملاك في املاكهم ، وبعد وفاته صلى الله عليه وآلهوسلم اقتضت سياسة أبي بكر ~~أن يصادرها ، وينتزعها من يد الزهراء عليها السلام لئلا تقوى شوكة الامام ، ~~ويغلب جانبه ، وهو حرب اقتصادى باعثه اضعاف الروح المعارضة ، وشل الحركة ~~المعادية له ، وهذا ما عليه الدول قديما وحديثا أمام خصومها ، وقد مال الى ~~هذا الرأي علي بن مهنأ العلوي قال : # « ما قصد أبو بكر ، وعمر بمنع فاطمة عنها اي عن فدك إلا PageV01P155 # أن يقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة فى الخلافة .. » (1) # وبعد ما استولى أبو بكر على فدك ، واخرج منها عامل الزهراء انبرت سلام ~~الله عليها إليه فطالبته بردها فما اجابها الى ذلك ، وطلب منها إقامة ~~البينة على صدق دعواها ، وهو من الغرابة بمكان اولا ان ذلك لا ينطبق بحال ~~على ما قرر في الفقه الاسلامى من أن صاحب اليد لا يطالب بالبينة ، وانما ~~البينة على المدعي ومع عدم وجودها فلا حق له الا اليمين على المنكر ، ~~والزهراء سلام الله عليها هي صاحبة اليد ، فلا تطالب بالبينة وانما يطالب ~~بها أبو بكر ، ومع عدم وجودها عنده فلا حق له سوى اليمين عليها ، ولكنه ~~أهمل ذلك وصمم على أن تقيم البينة وثانيا ان فاطمة سيدة نساء هذه الأمة ، ~~وخير نساء العالمين ، على حد ms080 تعبير أبيها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~واجمع المسلمون على أنها ممن انزل الله فيهم آية التطهير ، وهي تدل على ~~طهارة ذيلها وعصمتها ، وهي اصدق الناس لهجة حسب قول عائشة (2) أفلا يكفى ~~ذلك كله في تصديقها ، واجابة قولها؟ # وعلى اي حال فقد مضت ريحانة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم فاحضرت أمير ~~المؤمنين ، وأم أيمن فشهدا عنده ان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم انحلها ~~فدكا ، فرد الشهادة واعتذر بأن البينة لم تتم ، وهذا لا يخلو أيضا من ~~المؤاخذات اولا انه لا يتفق مع القواعد الفقهية فانها صريحة في أن الدعوى ~~اذا كانت على مال أو كان المقصود منها المال فانها تثبت بشاهد ويمين فان ~~اقام المدعي شاهدا واحدا فان على الحاكم أن يحلفه بدلا من الشاهد الثاني ~~فان حلف اعطاه الحق ، وإن نكل رد الدعوى ، PageV01P156 # ولم يطبق ذلك أبو بكر فالغى الشهادة ورد الدعوى ، وثانيا انه رد شهادة ~~أمير المؤمنين ، وهو مع القرآن ، والقرآن معه لا يفترقان كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم (1) وثالثا انه رد شهادة السيدة الصالحة أم ايمن وقد ~~شهد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم بأنها من أهل الجنة (2) # وخرجت سيدة النساء من عند أبي بكر وهي تتعثر باذيالها من الخيبة قد انهد ~~كيانها والم بها الشجى والحزن يقول الامام شرف الدين نضر الله مثواه. # فليته اتقى فشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة ، ولو فعل ~~لكان ذلك أحمد في العقبى ، وابعد عن مظان الندم ، وأنأى عن مواقف اللوم ، ~~واجمع لشمل الامة واصلح له بالخصوص # وقد كان فى وسعه أن يربأ بوديعة رسول الله ووحيدته عن الخيبة ويحفظها عن ~~أن تنقلب عنه وهي تتعثر باذيالها ، وما ذا عليه ، إذ احتل محل أبيها لو ~~سلمها فدكا من غير محاكمة؟! فان للامام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وما ~~قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة ، ودفع هذه المفسدة؟ » (3) # إن أبا بكر لم يصنع الجميل ، ولم يفعل المعروف مع بضعة الرسول ~~صلى الله عليه ms081 وآلهوسلم فقد كان بوسعه أن يقر يدها على فدك ، ولا يستعمل معها ~~اللف والدوران ، ولا يواجهها بمثل هذه القسوة والجفوة ، ولكن الأمر كما ~~حكاه على بن الفارقي احد اعلام بغداد ومن المدرسين في مدرستها PageV01P157 # الغربية ، واحد شيوخ ابن أبي الحديد فقد سأله # أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟ # نعم # فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة؟ # قال ابن أبي الحديد : فتبسم ، ثم قال : كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه ، ~~وحرمته وقلة دعابته ، قال : لو اعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه ~~غدا ، وادعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكن حينئذ ~~الاعتذار بشيء ، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما ~~كان من غير حاجة الى بينة ولا شهود » # نعم لهذه الجهة اجمع القوم على هضمها ، وسلب تراثها ، واستباحوا رد شهادة ~~أمير المؤمنين ، وتركوا عترة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم يتقطعون حسرات ، ~~ويتصعدون زفرات قد خيم عليهم الهم والغم واخذهم من الحزن ما يذيب لفائف ~~القلوب ومن الوجل ما تميد به الجبال. ### || ندم ابى بكر # وندم أبو بكر أشد الندم على ما فرط مع بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ~~وأخذ يؤنبه ضميره على ما صدر منه من كبس دارها ، وحمل مشاعل النار لاحراقها فقال : # « وددت أني لم اكشف بيت فاطمة ، ولو انهم اغلقوه على الحرب. » (1) # وجزع جزعا شديدا على ما ارتكبه مع وديعة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~فانطلق مع صاحبه عمر الى بيتها ليطيبا خاطرها ويفوزا برضاها ، PageV01P158 # فاستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما ، ثم استأذنا ثانيا فأبت ، فسارا الى ~~أمير المؤمنين وطلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فانطلق عليه السلام الى الدار فالتمس من سيدة النساء أن ~~تأذن لهما فاجابته الى ذلك فأذن (ع) لهما ودخلا فسلما عليها فلم تجبهما ، ~~وتقدما فجلسا أمامها فازاحت بوجهها عنهما ، وراحا يلحان أن تسمع مقالتهما ، ~~فاذنت لهما فى ذلك فقال أبو بكر : « يا حبيبة رسول الله والله ان قرابة ms082 ~~رسول الله أحب الى من قرابتى ، وإنك لأحب الى من عائشة ابنتي ولوددت يوم ~~مات أبوك أني مت ، ولا ابقى بعده ... أفتراني اعرفك وأعرف فضلك وشرفك ~~وامنعك حقك وميراثك من رسول الله؟ الا أني سمعت رسول الله يقول : # « لا نورث ما تركناه فهو صدقة » # وقد فندت روايته بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم بما اقامته في خطابها ~~الكبير من اوثق الأدلة على بطلان قوله ومساواة النبي لعموم المسلمين في ~~الميراث ، والتفتت سلام الله عليها إلى أبي بكر وقد اشركت عمر معه فى ~~خطابها قائلة : # « ونشدتكما الله ... ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي وسخط ~~فاطمة من سخطي ، فمن احب فاطمة ابنتي فقد أحبنى ، ومن أرضى فاطمة فقد ~~أرضاني ، ومن اسخط فاطمة فقد أسخطني؟ » # فاجابا بالتصديق قائلين : # « اجل سمعناه يقول ذلك » # فرفعت كفيها إلى السماء وراحت تقول بفؤاد مكلوم # « فاني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ... ولئن ~~لقيت رسول الله لأشكو كما إليه! » PageV01P159 # وانطلق أبو بكر يبكي فقالت له : # « والله لأدعون عليك في كل صلاة اصليها .. » (1) # ( فما كان أشدها كلمات أخف من وقعها ضربات السيف! مادت الارض تحتهما ، ~~ودارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنحان. وغادرا الدار وقد خبا ~~أملهما في رضا زهراء الرسول ، وعلما مدى الغضب الذي أثاراه عليهما في قلبها ~~ومدى السخط الذي باءا به ) (2) # وحقا لأبي بكر أن يبكي ويحزن من غضب سيدة النساء عليه فقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم لها : # « إن الله يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك » (3) # لقد ضاقت الدنيا على أبي بكر ، ولاذ بدموعه ليخفف بها آلامه واحزانه فقد ~~فاته رضاء بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم الذي هو من رضاء الله # كل هذه الحوادث كانت بمرأى من الامام الحسن ومسمع فكان لها الاثر في موطن ~~شعوره فقد جعلته واجدا على من تقمص حق أبيه وناقما على من احتل مركزه ### || شجون الزهراء # وطافت بوديعة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم موجات من الهموم والاحزان PageV01P160 # وغشيتها سحب من الكدر واللوعة ، على ms083 ضياع حقها ، وعلى فقد أبيها ، فقد ~~حدثوا أنها لم تر ضاحكة ، ولا داخلها السرور بعده حتى لحقت به فكانت لا ~~تفكر الا به ، ولا تذكر اسمه إلا مقرونا بالتفجع والآلام. # وكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف به وهي حيرى فتبل أديمه المقدس بدموع سخية ~~، وتلقي بنفسها على القبر وهي ذاهلة اللب ، مصدوعة الجسم ، منهدة الكيان ~~فتأخذ من ثرى القبر قبضة فتضعها على عينيها ووجهها وتطيل من شمها وتقبيلها ~~وهي تبكي أمر البكاء وترفع صوتها الحزين النبرات قائلة : # ما ذا على من شم تربة أحمد %~% أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها %~% صبت على الأيام صرن لياليا (1) # ينظر الحسن عليه السلام الى هذا الحزن البهيم الذي حل بأمه الرؤم فينصدع ~~قلبه ، ويذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون ، يرى الحسن وهو في غضون الصبا ~~لوعة المصائب التي دهت أمه الحنون حتى وهت قوتها ولون الاسى وجهها كانها ~~صورة جثمان قد فارقته الحياة ، فيغرق في الدموع والشؤون. # أي حزن هذا الذي حل بابنة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وريحانته |قل للمغيب تحت اطباق الثرى||إن كنت تسمع صرختى وندائيا| |قد كنت ذات حمى بظل محمد||لا اختشي ضيما وكان جماليا| |فاليوم اخضع للذليل واتقي||ضيمي وادفع ظالمي بردائيا| |فاذا بكت قمرية في ليلها||شجنا على غصن بكيت صباحيا| |فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي||ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا| PageV01P161 # حتى ضربوا بها المثل في الحزن ، وعدوها من البكائين الخمس (1) الذين ~~مثلوا الحزن والاسى على مسرح الحياة؟؟ # وبلغ من عظيم حزنها ان أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الجليل ~~فاذنت له وكان ممن وسد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم في مقره الأخير فقالت. # « أنس بن مالك » # « نعم ، يا بنت رسول الله » # فقدمت له سؤالا مقرونا بالتفجع والآلام # « كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟. » (2) # وخرج أنس وقلبه كاد أن يقضي حسرة ، قد علا صوته بالبكاء ، وكانت سلام ~~الله عليها تطالب أمير المؤمنين بالقميص الذي غسل فيه رسول الله ~~صلى الله ms084 عليه وآلهوسلم فاذا رأته شمته ووضعته على عينيها ، ويذوب قلبها من ~~الم الحزن حتى يغشى عليها. # وهكذا بقيت بضعة الرسول بعد أبيها قد اضناها الحزن ، وزاد في احزانها جحد ~~القوم حقها وسلبهم لتراثها ، وبقي الحسن يشاهد ما منيت به أمه من الكوارث ~~والخطوب وهو مصدوع الجسم ، قد ذبلت نضارة صباه لا يعرف في نهاره إلا شجرة ~~الأراك حيث يمضي مع أمه ليساعدها في النوح ويخفف عنها اللوعة والحسرة ~~ويستمر معها طيلة النهار في حزن وكمد فاذا اوشكت الشمس أن تغرب تقدمها مع ~~أبيه وأخيه قافلين الى الدار فيجد الوحشة والهم قد خيما عليها ، PageV01P162 # وقلع القوم الشجرة التي كانت تستظل بها فكانت تبكي مع ولديها في حر الشمس ~~، فقام أمير المؤمنين فبنى لها بيتا أسماه بيت الاحزان فكانت تجلس فيه ~~وتبكي على أبيها وتناجيه وتبثه الشكوى. # وأحاطت بها الآلام ، وفتكت بها الامراض فلازمت الفراش ، ولم تتمكن من ~~النهوض والقيام وبادرت نساء المسلمين يعدنها فقلن لها : # « كيف اصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟. » # فرمقتهن بطرفها ، واعربت لهن عما تكنه في نفسها من الاسى قائلة « أجدني ~~كارهة لدنياكن ، مسرورة لفراقكن ، القى الله ورسوله بحسرات منكن فما حفظ لي ~~الحق ، ولا رعيت منى الذمة ، ولا قبلت الوصية ، ولا عرفت الحرمة. » (1) # وعدنها بعض نساء النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فقلن لها : # « يا بنت رسول الله ... صيرى لنا فى حضور غسلك حظا ... » # فأبت وقالت : # « اتردن أن تقلن في ، كما قلتن في أمي ، لا حاجة لي فى حضوركن » ### || الى الرفيق الاعلى # وبرح المرض بابنة الرسول ، وانهك الحزن جسمها النحيل ، واضر الأسى بقلبها ~~الرقيق المعذب ، حتى مشى إليها الموت وهي في فجر الصبا وروعة الشباب ... ~~فوا لهفتاه على حبيبة النبي وريحانته ، لقد دنا إليها الموت سريعا ، وحان ~~موعد اللقاء بينها وبين أبيها الذي اشتاقت إليه وتطلبت لقياه بفارغ الصبر. PageV01P163 # ولما علمت بدنو الاجل المحتوم منها استدعت امير المؤمنين فاوصته بوصيتها ~~، وأهم ما فيها أن يواري جثمانها فى غلس الليل البهيم ، وأن لا يصلي عليها ~~، ولا يقوم على ms085 قبرها أحد من الذين ظلموها وجحدوا حقها لأنهم اعداؤها ~~وأعداء أبيها على حد تعبيرها وانصرف الامام وهو غارق في البكاء ، قد استجاب ~~لأحاسيس نفسه الولهى الذي لم يترك الزمن فيها فراغا لغير الاسى والحزن. # واحبت ان يصنع لها نعش يواري جثمانها المقدس لان الناس كانوا يضعون الميت ~~على سرير تبدو فيه جثته فكرهت ذلك ، وما احبت أن ينظر إليها أحد فاستدعت ~~اسماء بنت عميس (1) واخبرتها بما ترومه فعملت لها سريرا يستر من فيه قد ~~شاهدته يوم كانت في الحبشة ، فلما نظرت إليه تبسمت وهي اول ابتسامة شوهدت ~~لها بعد وفاة أبيها (2) PageV01P164 # وفي اليوم الاخير من حياتها كانت فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بابيها الذي ~~بشرها انها تكون اول أهل بيته لحوقا به ، وعمدت لولديها فغسلت لهما ، ~~وأمرتهما ، بالخروج لزيارة قبر جدهما فخرجا وهما يفكران في الأمر هل ان ~~أمهما قد انهكتها العلة ، واضر الداء بها حتى لا تستطيع ان تمضي الى بيت ~~الاحزان الذي الفته؟! او انها تريد أن تبكي في هذا اليوم فى ثويها؟! كيف ~~البكاء وشيوخ المدينة قد منعوها من البكاء؟! وغرقا فى بحر من الهموم وتيار ~~من الهواجس. # والتفتت الى سلمى بنت عميس (1) وكانت تتولى خدمتها وتمريضها فقالت لها. # « يا أماه » # « نعم يا حبيبة رسول الله » # « اسكبي لي غسلا » # فانبرت وأتت لها بما طلبته من الماء فاغتسلت فيه ، وهي على احسن ما تكون ~~، وقالت لها : # « ايتني بثيابي الجدد » # فناولتها ثيابها ، وهتفت بها ثانية « اجعلي فراشي وسط البيت » # فذهلت المرأة وقامت تتعثر باذيالها فصنعت لها ذلك فاضطجعت على فراشها ، ~~واستقبلت القبلة والتفتت الى سلمى قائلة : # « يا أمه ... اني مقبوضة الآن ، وقد تطهرت ، فلا يكشفني احد » (2) PageV01P165 # وقبضت في وقتها وقد انطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان اروع صفحة ~~من صفحات الفضيلة والطهر والعفاف ، وانقطع بموتها آخر من كان في دنيا ~~الوجود من نسل رسول الله # وقفل الحسنان راجعين الى الدار فنظرا فاذا ليس فيها أمهم فبادرا الى سلمى فقالا. # « سلمى اين امنا؟ » # فبادرت إليهما ، وقد احاطت بها رعشة ms086 الذهول والارتباك ، وغامت عيناها ~~بالدموع فقالت : # « يا سيدى إن أمكما قد ماتت ... فاخبرا بذلك أباكما .. » # وا شرفا على الموت بهذا النبأ المريع فبادرا الى المسجد ، وقد علا منهما ~~البكاء فاستقبلهما المسلمون ، قائلين : # « ما يبكيكما يا بني رسول الله؟ لعلكما نظرتما الى موقف جدكما فبكيتما ~~شوقا إليه؟ » # فاجابا بصوت مشفوع بالاسى والعبرات # « أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة » # وسلبا شعور المسلمين بهذا النبأ المؤلم ، وتركا الالم يحز في قلوبهم ~~لانهم فقدوا بضعة نبيهم واعز ابنائه وبناته عنده ، وهم لم يحفظوا مكانتها ~~ولم يؤدوا حقها ، وهرعوا من كل جانب الى دار الامام ليفوزوا بتشييع بقية ~~النبوة ، القديسة الطاهرة ، وازدحموا على بيت الامام ، وقد علاهم الندم ~~والاسى على عدم قيامهم بمراعاة بضعة نبيهم صلى الله عليه وآلهوسلم الذي بر ~~بدينهم ودنياهم. # وامر الامام سلمان الفارسي أن يصرف الناس فخرج سلمان وصرفهم PageV01P166 # واقبلت عائشة فارادت الدخول الى بيت الامام فمنعتها اسماء وقالت لها : # « لقد عهدت الي فاطمة أن لا يدخل عليها أحد .. » (1) # وقام الامام الثاكل الحزين فغسل الجسد الطاهر وطيبه بالحنوط ، وادرجه في ~~الاكفان ودعا باطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان امهم فالقوا عليها نظرة ~~الوداع ، وقد علا منهم الصراخ والعويل ، وبعد الفراغ من ذلك انتظر الهزيع ~~الاخير من الليل فلما حل خرج مع حفنة من الرجال وهم يحملون الجثمان المقدس ~~الى مقره الاخير ، ولم يخبر امير المؤمنين احدا من الناس سوى الصفوة من ~~اصحابه تنفيذا لوصيتها (2) وحفر (ع) لها قبرا في البقيع على ما قيل (3) ~~ووسدها فيه واهال عليها التراب ، ولما انصرف من كان معه من المشيعين وقف ~~على حافة القبر ونار الحزن قد لسعت قلبه ، فجعل يناجى الرسول ، ويؤبن ~~زهراءه بكلمات تنم عن قلب افعم بالآلام والحسرات. PageV01P167 # « السلام عليك يا رسول الله ، عنى وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة ~~اللحاق بك ... قل يا رسول الله عن صفيتك صبرى ، ورق عنها تجلدي ... الا أن ~~في التأسي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ~~، وفاضت بين نحرى وصدرى نفسك ... إنا ms087 لله وإنا إليه راجعون ، لقد استرجعت ~~الوديعة ، وأخذت الرهينة ، أما حزني فسرمد وأما ليلى فمسهد (1) الى أن ~~يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على ~~هضمها فاحفها السؤال (2) واستخبرها الحال ... هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل ~~منك الذكر. والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم (3) فان انصرف فلا عن ~~ملالة ، وان اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين .. » (4) PageV01P168 # واعلن الامام (ع) بهذه المناجاة الحزينة عن تظافر الأمة على هضم وديعة ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في الوقت الذي لم يطل فيه غيابه ، ولم ينقطع ~~ذكره ويطلب منه أن يستقصي في السؤال من بضعته لتخبره بما جرى عليها بعده من ~~الشؤون والشجون ، وتعرفه بما لاقته من الظلم والاذى والاضطهاد يصغي الامام ~~الحسن عليه السلام الى هذه المناجاة الحزينة من أبيه فتلم به آلام مبرحة ، ~~ويحف به حزن مرهق ، وتضاعف حزنه وشجاه حينما رأى أعز ما في الحياة عنده أمه ~~الرءوم قد عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في ~~شبابها الغض الاهاب ، وقد حملت على الآلة الحدباء فى غلس الليل البهيم ولم ~~يحضر أحد من المسلمين تشييعها عدا نفر قليل ، وهي بضعة النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وريحانته ، ووديعته في امته واعز من أحب من أبنائه ~~وبناته ، وقد ذاق من هذه الكوارث وهو فى دوره الباكر مرارة الحياة ، وصار ~~قلبه موطنا للهموم ، ومركزا للاحزان والشجون. ### || اعتزال الامام # وانصرف امير المؤمنين عليه السلام بعد أن ودع بضعة الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في الثرى ، وهو يبكي أمر البكاء ، وعاد الى البيت وهو ~~كئيب حزين ، ينظر الى اطفاله وهم يندبون امهم ويبكون على فادح المصاب ، ~~فتهيج أحزانه ، وتزداد آلامه ، ويشاهد حقه وتراثه فيرى الرجال قد تناهبوه ~~فتلم به الكوارث والخطوب ، فآثر عليه السلام العزلة ، واحب الخلود الى ~~السكون في داره ، وقد اعتزل عليه السلام عن الناس فصار جليس بيته ، لا يجتمع ~~بالناس ، ولا يجتمعون به قد اعرض عن القوم ، واعرضوا عنه ، لا ms088 يراجعهم ، ~~ولا يراجعونه ، ولا يشار كونه فى جميع الامور اللهم إلا إذا حلت في ناديهم ~~مشكلة لا يعرفون جوابها ، ولا يهتدون لحلها ، فزعوا إليه ليكشف لهم الستار ~~عنها ، وكان عليه السلام تارة يتولى جواب ذلك PageV01P169 # بنفسه ، واخرى يحيله الى ولده الحسن للتدليل على فضله ومواهبه ، فمن ذلك ~~ما حدث به الرواة ان اعرابيا سأل أبا بكر فقال له : # « إني اصبت بيض نعام فشويته وأكلته ، وانا محرم فما يجب علي؟. » # فتحير ابو بكر ولم يطق جوابا ، واحال الجواب الى عمر فتحير أيضا ، واحال ~~الجواب الى عبد الرحمن فعجز عنه ، وفزعوا جميعا الى باب مدينة علم النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ليهديهم الى الجواب ، ووجه إليه الاعرابي السؤال ~~السالف فقال (ع): # « سل أي الغلامين شئت واشار الى الحسن والحسين » # ووجه الاعرابي سؤاله الى الامام الحسن فقال (ع) له # ألك إبل؟ # نعم # فاعمد الى ما أكلت من البيض نوقا فاضر بهن فى الفحول ، فما ينتج منها ، ~~اهده الى بيت الله العتيق ، الذي حججت إليه .. » # والتفت إليه أمير المؤمنين # « يا بني. إن من النوق السلوب ، وما يزلق (1)» # فاجابه الحسن عن اشكاله. # « يا ابة. إن يكن من النوق السلوب ، وما يزلق فان من البيض ما يمرق (2) ~~وكان جوابه عليه السلام على وفق ما قرر في الفقه الاسلامي في كفارة الاحرام ~~، واستحسن أمير المؤمنين جوابه فالتفت عليه السلام الى حضار مجلسه ، وهو ~~يشيد بمواهب ولده ، وغزارة علمه وفضله ، قائلا : # « معاشر الناس .. إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمه سليمان بن داود (3) PageV01P170 # لقد كان امير المؤمنين عليه السلام مرجعا للفتيا في حياة أبي بكر وعمر ~~ومفزعا للمسلمين إن حلت يناديهم مشكلة ، وقد اتفقت الكلمة انه اعلم الصحابة ~~بشئون الدين واحكام الشرع. ### || وفاة ابي بكر # وظل أبو بكر متقمصا للخلافة زمنا يسيرا يدير شئون الامة ، ويتصرف في ~~أمورها ، قد اعتمد على عمر وأسند إليه مهام الدولة ، ولما مرض مرضه الذي ~~توفي فيه وثقل حاله ادلى بالامر من بعده إليه وقد انكر عليه طلحة هذا ~~الاختيار فقال له ms089 : # « ما ذا تقول لربك ، وقد وليت علينا فظا غليظا؟ تفرق منه النفوس وتنفض ~~منه القلوب » (1) # فسكت أبو بكر ، واندفع طلحة قائلا : # « يا خليفة رسول الله ، إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حي تأخذ على يديه ، ~~فكيف يكون حالنا معه ، وأنت ميت وهو الخليفة .. » (2) # ولم ينفرد طلحة بهذا الانكار بل شاركه جمهور المهاجرين والانصار فقد ~~بادروا الى أبي بكر وقالوا له : # « نراك استخلفت علينا عمر ، وقد عرفته ، وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين ~~أظهرنا ، فكيف اذا وليت عنا ، وأنت لاق الله عز وجل فسائلك ، فما أنت قائل؟ .. » # فاجابهم أبو بكر بصوت خافض PageV01P171 # « لئن سألني الله لاقولن استخلفت عليهم خيرهم فى نفسي ... » (1) # وكون عمر خيرهم في نفسه ليس مبررا له في ترشيحه للخلافة ، فان الاجدر أن ~~يأخذ رأي المسلمين في ذلك ويستشير أهل الحل والعقد منهم عملا بقاعدة ( ~~الشورى ) ولكنه اهمل ذلك ، واستجاب لعواطفه ورغبته الملحة في أن يتولى زمام ~~الحكم من بعده خدنه وزميله ، وعلى أي حال فقد كان عمر الى جانبه يعزز ~~مقالته ورأيه فيه قائلا : # « أيها الناس ، اسمعوا ، واطيعوا قول خليفة رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم .. » (2) # ودعا أبو بكر عثمان بن عفان ، وامره أن يكتب له العهد في عمر وأملاه عليه ~~وهذا نصه : # « هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحا عنها. ~~وأول عهده بالآخرة داخلا فيها ، إني استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب ، فان ~~تروه عدل فيكم فذلك ظني به ورجائى فيه ، وإن بدل وغير فالخير أردت ، ولا ~~اعلم الغيب ( @QUR@06 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (3) # وتناول عمر الكتاب ، وانطلق يهرول الى الجامع ليقرأه على الناس فقال له رجل : # « ما في الكتاب يا أبا حفص.؟ » # « لا ادري. ولكني أول من سمع وأطاع .. » # فنظر الرجل إليه نظرة ريبه وانبرى قائلا : PageV01P172 # « ولكني والله أدرى ما فيه : أمرته عام أول ، وأمرك العام .. » (1) # لقد مهد أبو بكر الأمر الى عمر ، وعبد له الطريق ، وتناسى أمير المؤمنين ~~فلم يشاوره في الامر ، ولم يرع حقه ، وقد نطق عليه السلام ms090 بعد سنين عما يكنه ~~في نفسه من عميق الالم والحزن يقول في خطبته الشهيرة بالشقشقية : # فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الاول ~~لسبيله ، فادلى بها الى فلان بعده ، ثم تمثل بقول « الأعشى » : # شتان ما يومي على كورها %~% ويوم حيان أخي جابر # فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته (2) إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ~~ما تشطرا ضرعيها .. (3) # وهذه الكلمات قد عبرت عن عظيم الوجد ، وبالغ الاسى الذي استقر في نفس ~~الامام على ضياع حقه ، ويعتقد بعض كتاب العصر أن السبب في عدول أبي بكر عن ~~اختياره ، هو تخلفه عن بيعته ، واحتجاجه عليه بأنه أحق بالأمر منه لقرابته ~~من رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مما اوجب بغض أبي بكر له ، وحقده عليه. # وزاد المرض بأبي بكر ، وثقل حاله حتى وافاه الأجل المحتوم (4) PageV01P173 # فقام عمر في شئونه ، ودفنه في بيت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وفي جواره ، ~~وبيت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم لا يخلو اما أن يكون ميراثا كما تقول به ~~بضعة الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم أو يكون صدقة كما زعم أبو بكر فان كان ~~ميراثا فلا يحل دفنه فيه الا بعد ارضاء الورثة ، وان كان صدقة فلا بد من ~~ارضاء جماعة المسلمين ، ولم يتحقق كل ذلك. ### || خلافة عمر # وتولى عمر بن الخطاب أزمة الحكم بعد وفاة أبي بكر ، وتسلم قيادة الأمة ~~بهدوء وسلام ، فساس البلاد بشدة وعنف بالغين ، وقد تحامى لقاءه أكابر ~~الصحابة ، فلم يستطع أحد منهم أن يجاهر بآرائه ، أو ينقد الحكم القائم ، ~~فان درة عمر كما يقولون كانت أهيب في النفوس من سيف الحجاج ، حتى ان ابن ~~عباس لم يتمكن أن يصرح برأيه في جواز المتعة ، وحليتها الا بعد وفاة عمر ، ~~وقد وصف الامام أمير المؤمنين عليه السلام بعد اعوام سياسة عمر ، وشدة عنفه ~~يقول عليه السلام : # « فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، ~~والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن اشنق لها خرم وان اسلس لها ms091 ~~تقحم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون واعتراض .. » (1) # وهو وصف دقيق للسياسة العمرية التي انتهجت منهج الشدة والغلظة في جميع ~~مجالاتها حتى مني الناس بخبط وشماس وتلون واعتراض ، وبلغ من PageV01P174 # عظيم عنفها ان امرأة جاءت تسأله عن أمر ، وكانت حاملا ، ولشدة خوفها ~~اجهضت حملها (1) ويقول عثمان في شدة عمر وقسوته : « لقد وطئكم ابن الخطاب ~~برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه فخفتموه ، ورضيتم به » ويذهب الناقدون ~~الى هذه السياسة انها لا تمثل وجهة السياسة الاسلامية ، فانها لا تقر بحال ~~سياسة العنف والارهاب ، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~فأخذته هيبة النبي فارتعدت اعضاؤه فنهره صلى الله عليه وآلهوسلم وقال له : « ~~انما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » إن الاسلام بنى على الرفق ، ~~واللين ، والتسامح وليس لرئيس الدولة أن يسلك أي طريق يؤدي الى ارهاق ~~المواطنين وعنائهم. # ومما يؤخذ على السياسة العمرية انها كانت تنهج إلى ايجاد الطبقية في ~~الاسلام ، فقد التزم في سياسته المالية بتقديم بعض الطبقات على بعض في ~~العطاء ، فقدم امهات المؤمنين على غيرهن ، وقدم البدريين على من سواهم ، ~~والمهاجرين على الانصار (2) ومن الطبيعي أن ذلك يتنافى مع المساوات التي ~~جاء بها الاسلام. # ومما يرد على سياسة عمر أنه فرض الحصار على الصحابة في يثرب ولم يسمح لهم ~~بمغادرتها وذلك يجافي الحرية التامة التي اقرها الاسلام ، ومنحها لجميع ~~المواطنين. # ولعل لهذه الجهات وصف أمير المؤمنين عهد عمر بأن المجتمع قد منى فيه بخبط ~~وشماس وتلون واعتراض. PageV01P175 ### || اعتزال الامام # واعتزل الامام امير المؤمنين عليه السلام في دور الخليفة الثاني كما اعتزل ~~في عهد الخليفة الاول ، فلم يشترك في شأن من شئون القوم ، ولم يتدخل في أمر ~~من أمورهم ، حتى خفت صوته في جميع الحروب والمواقف اللهم الا رأيه الوثيق ~~اذا استفتي حتى اشتهرت كلمة عمر في ذلك : لو لا علي لهلك عمر » (1) فقد كان ~~عمر لا يستغنى عن الامام من ناحية الفتيا لأن معلومات الخليفة في الفقه ~~الاسلامي كانت ضئيلة للغاية فقد قضى في ms092 ميراث الجد مع الاخوة قضايا كثيرة ~~مختلفة ثم خاف في الحكم فى هذه المسألة فقال : من أراد أن يقتحم جرائيم ~~جهنم فليقل في الجد برأيه ، (2) وقال : لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها ~~صداق نساء النبي صلى الله عليه وآلهوسلم الا ارتجعت ذلك منها ، فقالت إليه ~~امرأة : # « ما جعل الله لك ذلك ، إنه تعالى قال : ( @QUR@011 وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) (3) # فانطلق عمر وهو يبدى للمسلمين عجزه قائلا : # « كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال! ألا تعجبون من إمام أخطأ ، ~~وامرأة اصابت فاضلت إمامكم ففضلته .. (4) PageV01P176 # وعلى أي حال فقد كان عمر قليل البضاعة في الفقه الاسلامي ليست له دراية ~~في كثير من مسائله ، فكان بطبيعة الحال مضطرا الى الرجوع الى باب مدينة علم ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ووصيه ليكشف له الستار عما أشكل عليه ، وقد تصدى ~~عليه السلام بسخاء لهذه الناحية ، ولم يظن على القوم بعلومه ومعارفه لئلا ~~تهمل أحكام الله وتتعطل حدوده ، وهو في نفس الوقت كان بعيدا عن القوم كل ~~البعد فلم يشترك في شأن من شئونهم قد خلد الى الانعزال ، والابتعاد عنهم ، ~~وأظهر لهم المسالمة حرصا منه على كلمة الإسلام ، وخوفا على كلمة المسلمين ~~من الانشقاق. # وقد قطع الامام الحسن عليه السلام في عهد عمر دور الصبا حتى أشرف على ميعة ~~الشباب ، وقد اقتضت سياسة عمر أن يجل السبطين ويجعل لهما نصيبا فيما يغتنمه ~~المسلمون ، ووردت إليه حلل من وشي اليمن فوزعها على المسلمين ونساهما ، ~~فبعث الى عامله على اليمن أن يرسل له حلتين ، فأرسلهما إليه فكساهما وقد ~~جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما ، وألحقهما بفريضة أهل بدر ، وكانت خمسة آلاف (1). # ولم تظهر لنا أي بادرة عن الامام الحسن عليه السلام ما عدا ذلك ، ويعود ~~السبب الى عدم تدخل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في شئون عمر وعدم ~~اشتراكه في أي جانب من الجوانب العامة. ### || اغتياله : # واغتاله أبو لؤلؤة غلام المغيرة فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي ~~التي قضت عليه ، وتعزو ms093 بعض المصادر سبب ذلك الى ان المغيرة جعل PageV01P177 # عليه خراجا ثقيلا فشكا حاله الى عمر فزجره وقال له : # « ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها .. » # فتأثر أبو لؤلؤة ، وأضمر له الشر في نفسه ، واجتاز عليه فى وقت آخر فسخر ~~منه عمر قائلا : # « بلغنى أنك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت .. » # فاندفع أبو لؤلؤة وقد لسعته سخريته فاخبره بما يبيت له من الشر قائلا : # لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها .. » # وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال (1) وقيل ان اغتياله كان وليد ~~مؤامرة دبرها الناقمون على سياسته التي انتهجت منهج الشدة والقسوة ، وخلقت ~~الطبقية بين المسلمين. # ومهما يكن من أمر فقد حمل عمر الى داره ، وجراحاته تنزف دما وبادر أهله ~~فأحضروا له طبيبا فقال له : # « أي الشراب أحب إليك؟. » # « النبيذ » # فسقوه منه ، فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : خرج صديدا ثم سقوه لبنا ~~فخرج من بعض طعناته ، فيئس منه الطبيب وقال له : # لا أرى أن تمسى (2) ولما أيقن ولده عبد الله بموته قال له : # « يا أبة. استخلف على امة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم فانه لو جاءك راعي ~~إبلك أو غنمك ، وترك إبله أو غنمه لا راعى لها لمته ، وقلت له : PageV01P178 # كيف تركت أمانتك ضائعة؟! فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم فاستخلف ~~عليهم .. » # فنظر إليه نظرة ريبة فقال له : # « إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر ، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم .. » (1) # وأقام عبد الله في حديثه برهانا تدعمه الفطرة على ضرورة نصب الوصي ، ~~وتعيين ولى العهد ، وان من أهمله يستحق اللوم والتقريع ، وهو أمر واضح لا ~~مجال للشك فيه ، والعجب من عمر وهو في ساعاته الأخيرة كيف يقول إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم ترك امته ولم يستخلف عليها أحدا من بعده!! وهو ~~صلى الله عليه وآلهوسلم الحريص على امته الذي يعز عليه عنتها واختلافها ، ~~وانشقاقها وقد لاقى في سبيل هدايتها أعظم العناء وأشقه ، ولعل ( الوجع ) قد ~~غلب على عمر فنسي ms094 النصوص المتضافرة من رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم في ~~أمير المؤمنين عليه السلام وأنه ولى عهده وخليفته من بعده ، وتناسى بيعته له ~~يوم غدير خم ، وقوله له : « بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة » ولكن إنا لله ، وإنا إليه راجعون. ### || الشورى : # ولما يئس عمر من الحياة ، وأيقن بنزول الأجل المحتوم أخذ يطيل التفكير ، ~~ويمعن النظر فيمن يتولى شئون الحكم من بعده ، وتذكر أقطاب حزبه الذين ~~شاركوه في تمهيد الأمر الى أبي بكر ، وصرفه عن أهل بيت PageV01P179 # النبوة فطافت به آلام مبرحة لأنه لم يكن أحد منهم إلا اختطفته يد المنون ~~فجزع عليهم وقال بنبرة الآسف : « لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لأنه أمين ~~هذه الامة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته لأنه شديد الحب لله ~~تعالى ... » # لقد اسف على هلاك أبي عبيدة وسالم ، ولو كانا حيين لرشحهما لمنصب الخلافة ~~، فهل لهما سابقة الجهاد في الاسلام؟ أو أنهما كانا أثيرين عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ليستحقا هذا المنصب الخطير. # لقد فتش عمر في سجل الاموات عمن هو أهل للخلافة ، ونسي أمير المؤمنين ~~عليه السلام الذي هو نفس النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وباب مدينة علمه ، وباب ~~دار حكمته ، وأقضى امته ، وأبو سبطيه ، وناصره في جميع المشاهد والمواقف ، ~~لقد نساه عمر فلم يذكره بقليل ولا بكثير ، وعلى اي حال فقد رأى عمر ان ~~يجعلها شورى في جماعة زعم أن الامام أحدهم ، وهي مؤامرة خطيرة دبرت ضد أمير ~~المؤمنين عليه السلام يقول الامام كاشف الغطاء رحمه الله : # « الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية ، وشورى صورية ، وهي مهارة ~~بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغما عليهم ولكن بتدبير بارع عاد على ~~الاسلام والمسلمين بشر ماله دافع .. » # ودعا عمر أعضاء الشورى فلما مثلوا عنده قال لهم : # « أكلكم يطمع بالخلافة بعدي؟ .. » # ووجموا عن الكلام ، فأعاد القول عليهم ثانيا فانبرى إليه الزبير فرد عليه ~~مقالته قائلا : # « وما الذي يبعدنا منها!! وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في PageV01P180 # قريش ، ولا ms095 في السابقة ولا فى القرابة .. » # والتفت إليهم فقال : # « أفلا أخبركم عن أنفسكم؟! » # « قل : فانا لو استعفيناك لم تعفنا .. » # وأخذنا يدلي برأيه فيهم ، ويخبر عن نفسياتهم واتجاهاتهم واحدا بعد واحد ~~فقال في الزبير : # « أما أنت يا زبير ، فوعق لقس (1) مؤمن الرضا كافر الغضب ، يوما انسان ، ~~ويوما شيطان ، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من ~~شعير!! أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعرى من يكون للناس يوم تكون شيطانا ، ~~ومن يكون يوم تغضب!! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة ، وأنت على هذه ~~الصفة. » # ومع علمه بنفسية الزبير ، وأنه يوم إنسان ، ويوم شيطان وأنه مبتل بالبخل ~~والشح ويلاطم بالبطحاء على مد من شعير كيف يرشحه للخلافة ، ويجعله من أعضاء ~~الشورى؟؟!! # وأقبل على طلحة فقال له : # « أقول أم أسكت؟. » # فزجره طلحة وقال له : # « إنك لا تقول من الخير شيئا .. » # « أما إني أعرفك منذ اصيبت إصبعك يوم أحد وائيا (2) بالذي حدث لك ، ولقد ~~مات رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ساخطا عليك بالكلمة PageV01P181 # التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب ... » # وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قد توفى وهو ساخط على طلحة كيف ~~يرشحه للخلافة الاسلامية التي هي نيابة عن الرسول؟ كما أنه يناقض ما قاله ~~أخيرا في أعضاء الشورى من أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مات وهو راض ~~عنهم ، يقول الجاحظ : « لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم مات وهو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة : إنه مات ~~عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها ، لكان قد رماه بمشاقصه (1) ولكن ~~من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا » # وأقبل على سعد بن ابي وقاص فقال له : # « إنما أنت صاحب مقنب (2) من هذه المقانب ، تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس ، ~~وأسهم ، وما زهرة والخلافة وأمور الناس!! » # فسعد بن أبي وقاص حسب فراسة عمر رجل حرب ، وقتال ، وصاحب قنص وقوس فلا ~~يصلح للخلافة ، وليس خليقا بها ms096 هو وأسرته فكيف يرشحه عمر لها ويجعله من ~~أعضاء الشورى الذين لهم الأهلية لتسلم قيادة الحكم؟! # والتفت الى عبد الرحمن بن عوف فقال له : # « وأما أنت يا عبد الرحمن ، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بايمانك لرجح ~~إيمانك به ، ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك وما زهرة وهذا ~~الامر!. » PageV01P182 # ان عبد الرحمن رجل إيمان وتقوى حسب رأي عمر ومن إيمانه الذي اضفاه عليه ~~الخليفة أنه عدل عن انتخاب العترة الطاهرة ، وسلم قيادة الامة ، ومقدراتها ~~بأيدى الامويين خصوم الاسلام واعداء الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ثم ان ~~الايمان بذاته كما يقول عمر لا يصلح لترشيح صاحبه للخلافة ما لم تكن له ~~دراية تامة بشئون المجتمع ، وخبرة وافرة بما نحتاج إليه الامة في جميع ~~مجالاتها ، وعبد الرحمن حسب اعتراف عمر رجل كيف لا يليق للخلافة فكيف يرشحه ~~لها ويجعله من أعضاء الشورى البارزين؟! وأقبل على أمير المؤمنين فقال له : # « لله أنت ، لو لا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق ~~الواضح ، والمحجة البيضاء .. » # ومتى كانت لأمير المؤمنين عليه السلام الدعابة والمزاح ، وهو الذي ما الف ~~في حياته لغير الجد في القول والعمل ، وعلى تقدير اتصافه بها ، فهى من خلق ~~الأنبياء ومن خلق الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم بالاخص ، فقد ورد أنه كان ~~صلى الله عليه وآلهوسلم يداعب الرجل ليسره بذلك. # وهل من الحيطة على الاسلام ، والمحافظة على وحدة الامة ، ورعاية صالحها ~~أن يفتل عمر حبل الشورى ويجعل أمير المؤمنين عليه السلام أحد أعضائها ، وهو ~~حسب اعترافه لو تولى زمام الحكم لحمل المسلمين على الحق الواضح والمحجة ~~البيضاء ، ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم ~~منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه ، ولا يترنم جانباه ، ولأصدرهم بطانا ، ونصح ~~لهم سرا واعلانا كما تقول بضعة الرسول ووديعته ويقول النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : « إن ولوا عليا فهاديا مهديا » (1) PageV01P183 # ان الامام أمير المؤمنين عليه السلام لو استولى على زمام السلطة لوفر ~~للمسلمين ما يحتاجون إليه من خيرات الحياة وأوجد ms097 لهم الفرص المتساوية ، ~~وصان المثل الاسلامية من التدهور والانحطاط ، فهل من الانصاف أن تصرف ~~الخلافة عنه وتجعل شورى بأسلوب يؤدي الى فوز الامويين بالحكم؟!! # وأقبل عمر على عثمان فقال له : # « هيها إليك!! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك فحملت بني ~~أمية ، وبني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفىء فسارت إليك عصابة من ~~ذؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحا. والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ~~ليفعلن ، ثم أخذ بناصيته ، فقال : فاذا كان ذلك فاذكر قولي .. » (1) # ومع علمه بأنه يحمل بنى أمية ، وبنى أبي معيط على رقاب الناس ، ويؤثرهم ~~بفىء المسلمين كيف يرشحه للخلافة ، ويمكنه من رقاب المسلمين ويعرض الامة ~~للويلات والخطوب!! # وبعد ما أدلى بحديثه التفت الى الجمهور قائلا : # إن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مات وهو راض عن هؤلاء الستة من قريش ، ~~وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم واحدا منهم .. » # ثم قال للمرشحين : « احضروا معكم من شيوخ الانصار ، وليس لهم من أمركم ~~شيء ، واحضروا معكم الحسن بن علي ، وعبد الله بن عباس فان لهما قرابة ، ~~وارجو لكم البركة فى حضورهما وليس لهما من PageV01P184 # أمركم شيء .. » (1) # وما هى البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الامام الحسن ، وعبد الله ~~بن عباس ، وهما لا يملكان من الامر شيئا ، قد جردهما من الادلاء بالرأي ، ~~كما جرد شيوخ الانصار من ذلك ، ولم يسمح لأحد منهم أن يبدي برأيه ، ثم ~~التفت الى أبي طلحة الانصاري (2) فقال له : # « يا أبا طلحة ، إن الله أعز الاسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الانصار ، ~~فالزم هؤلاء النفر بامضاء الامر وتعجيله .. » # والتفت الى المقداد بن الاسود فاوصاه بمثل ذلك ثم قال : # « اذا اتفق خمسة ، وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وان اتفق أربعة وأبى ~~اثنان فاضربوا عنقيهما ، وان اتفق ثلاثة منهم على رحل ، ورضي ثلاثة منهم ~~برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا ~~عما اجتمع عليه الناس .. » # وخرج الامام أمير المؤمنين المظلوم المهتضم ، وهو ملتاع حزين من الشورى ms098 ~~العمرية قد أيس من الامر فالتقى بعمه العباس فبادره قائلا : # « يا عم لقد عدلت عنا .. » PageV01P185 # ومن أعلمك بذلك؟! » # « لقد قرن بي عثمان .. وقال : كونوا مع الاكثر ، ثم قال : كونوا مع عبد ~~الرحمن ، وسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر لعثمان ، وهم ~~لا يختلفون فاما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن .. » (1) # لقد كشف عليه السلام عن المؤامرة التي دبرها الخليفة الراحل ضده فقد فتل ~~حبل الشورى بهذا الاسلوب ليصرف الامر عنه ، وقد كوت هذه الصور المؤلمة قلبه ~~فراح يقول بعد سنين : # « حتى اذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى ~~متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن الى هذه النظائر .. » # أجل والله ، متى اعترض الريب فيه مع أبي بكر حتى صار يقرن بطلحة وعثمان ~~وعبد الرحمن بن عوف فهل فى هؤلاء من هو كفؤ للامام فى دينه وعلمه ، وجهاده ~~، وسابقته للاسلام ، وإنما استجاب عليه السلام لئن يكون من أعضاء الشورى مع ~~وجود هذه المفارقات بينه ، وبين القوم ، فقد بينه في حديثه مع عبد الله بن ~~عباس ، وخلاصته أن عمر قد أهله للخلافة وكان من قبل يقول : لا تجتمع النبوة ~~والخلافة في بيت واحد فاراد أن يظهر أن أقواله تناقض أفعاله ، ولهذا السبب ~~الوثيق انضم مع أعضاء الشورى ### || نظرة في الشورى : # وتواجه الشورى العمرية عدة من المؤاخذات فقد ذكر الناقدون لها PageV01P186 # أنها لم تستند الى الاساليب الصحيحة ، ولم تبتن على الاسس الوثيقة ، ~~وانها لم تنشد بأي حال صالح الامة ، ولم تهدف الى حماية المجتمع وصيانته من ~~القلق والاضطراب ، وإنما الغرض منها صرف الخلافة عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام وحرمان الامة من التمتع فى ظل حكمه العادل ، فهي لم تكن شورى ~~واقعية ، وإنما كانت شورى صورية مشفوعة بالعصبية والاحقاد ، والى القراء ~~بعض تلك النقود التي ترد عليها : # 1 إن حقيقة الشورى ان تشترك الامة بجميع هيآتها فى الانتخاب والاختيار في ~~جو تتوفر فيه الحريات العامة لجميع الناخبين ، والشورى العمرية ms099 قد فقدت هذه ~~العناصر فقد حيل بين الشعب والاختيار فان عمر منح الاختيار الى ستة اشخاص ~~ومن الطبيعي أنهم لا يملكون إلا آراءهم الخاصة فلا يمثلون الامة ولا يحكون ~~ارادتها على أنه ضيق الدائرة فجعل المناط بآراء الثلاثة الذين ينضم إليهم ~~عبد الرحمن بن عوف ، وجعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الاسلامية ، وهذا ~~شكل من اشكال التزكية التي تستعملها بعض الحكومات التي تفرض ارادتها على ~~شعوبها ، لقد تصادمت هذه الشورى مع إرادة الشعوب الاسلامية ، وتنافت مع ~~حرياتهم ، وقد فرضت عليهم فرضا. # 2 إن هذه الشورى قد ضمت اكثر العناصر المعادية لأمير المؤمنين عليه السلام ~~والحاقدة عليه ففيها طلحة التيمي وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الامام على ~~الخلافة ، وكانت بين تيم والامام أشد المنافرة والخصومة وضمت الشورى عبد ~~الرحمن بن عوف ، وهو صهر عثمان ، بالاضافة الى أنه كان حقودا على امير ~~المؤمنين عليه السلام فهو من جملة الذين حملوا الحطب في بيعة أبي بكر لحرق ~~بيت الامام ، وضمت الشورى سعد بن أبي PageV01P187 # وقاص ، وكان يحقد على الامام من أجل اخواله الامويين فان أمه حمنة بنت ~~سفيان بن أمية ، وقد أباد الامام صناديدهم في سبيل الاسلام فكانت نفس سعد ~~مترعة بالحقد والعداء على الامام من أجلهم ، ولما بايع المسلمون الامام كان ~~سعد في طليعة المتخلفين عن بيعته ، واحتوت الشورى على عثمان وهو شيخ الاسرة ~~الاموية التي عرفت بالنصب لآل بيت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وقد ألب عمر ~~هذه القوى كلها ضد الامام ، لئلا تؤل الخلافة إليه ، وقد تحدث عليه السلام ~~بعد ان ولى الامر عن ضغن أعضاء الشورى وحقدهم عليه فقال : # « لكني اسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال ~~الآخر لصهره مع هن وهن » # لقد ألب عمر عن عمد جميع أحقاد قريش ، واضغانها ضد أخي رسول الله ووصيه ~~وباب مدينة علمه استجابة لأحقاد قريش التي وترها الامام في سبيل الاسلام. # 3 لقد عمد عمر الى اقصاء جميع العناصر الموالية للامام فلم يجعل لها ~~نصيبا في ms100 الشورى ولم يرشح أحدا من الانصار وهم الذين آووا النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ونصروه لأنه كان لهم هوى وميل للامام عليه السلام كما ~~لم يجعل نصيبا فيها لعمار بن ياسر الذي هو أحد المؤسسين في يناء الاسلام ، ~~وكذلك أقصى أبا ذر ، والمقداد وأمثالهم من أعلام الاسلام لأنهم كانوا شيعة ~~لعلي ، وقصر الشورى على القوى المنحرفة عن الامام والمعادية له. # 4 ومن عجيب أمر الشورى التي وضع برامجها عمر أنه يشهد بحق أعضائها ان ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مات وهو راض عنهم ثم يأمر PageV01P188 # بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب أحدهم فهل ان ذلك موجب للخروج عن الدين ~~، والمروق من الاسلام حتى تباح دماؤهم!!؟ # 5 ومن غريب أمر هذه الشورى ان عمر جعل الترجيح للكفة التي تضم عبد الرحمن ~~فيما اذا اختلف أعضاؤها ، وغض طرفه عن الجماعة التي تضم أمير المؤمنين ~~عليه السلام فلم يعرها أي اهتمام بل الزمها بالخضوع لرأي عبد الرحمن بن عوف ~~، وتقديمه على أمير المؤمنين وهو صاحب المواهب والعبقريات الذي لا ند له فى ~~علمه وورعه وتقواه فكيف يساويه بغيره ، والله تعالى يقول : ( @QUR@07 هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) أف لك يا زمان ، وتعسا لك يا دهر ~~أيكون أمير المؤمنين ندا لأعضاء الشورى ، ويرجح عليه عبد الرحمن ، ولكنها ~~الاحقاد والعصبيات التي أترعت نفوسهم بها قد أنستهم المقاييس ، وصدتهم عن ~~جادة العدل. # 6 ومما يؤخذ على هذه الشورى انها أوجدت التنافس بين أعضائها فقد رأى كل ~~واحد منهم أنه كفؤ للآخر ، ولم يكونوا قبلها على هذا الرأي فقد كان سعد ~~تبعا لعبد الرحمن ، وعبد الرحمن تبعا لعثمان ، والزبير من شيعة الامام ، ~~وهو القائل على عهد عمر : « والله لو مات عمر بايعت عليا » ولكن الشورى قد ~~نفخت فيه روح الطموح ففارق أمير المؤمنين وخرج عليه يوم الجمل ، وقد تولدت ~~في نفوسهم بسبب الشورى الاطماع والاهواء ، ورجا الخلافة وتطلبها من ليس ~~أهلا لها حتى ضجت البلاد بالفتن والاختلاف ، واضطربت كلمة المسلمين ، وتصدع ~~شملهم ، وقد صرح بهذا ms101 الواقع المرير معاوية بن ابي سفيان في حديثه مع ابن ~~حصين الذي أوفده زياد لمقابلته ، فقد قال له معاوية : # بلغنى ان عندك ذهنا ، وعقلا فاخبرني عن شيء أسألك عنه؟ PageV01P189 # سلنى عما بدا لك : # أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين ، وملأهم وخالف بينهم؟؟ # قتل الناس عثمان # ما صنعت شيئا # مسير علي إليك وقتاله اياك # ما صنعت شيئا # مسير طلحة ، والزبير ، وعائشة ، وقتال علي إياهم!! # ما صنعت شيئا # ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين # أنا أخبرك انه لم يشتت بين المسلمين ، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي ~~جعلها عمر الى ستة نفر ، وذلك ان الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون فعمل بما أمره الله به ، ثم قبضه الله إليه ~~، وقدم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم لأمر دينهم ، فعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~وسار بسيرته حتى قبضه الله ، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته ، ثم جعلها شورى ~~بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه ، وتطلعت ~~الى ذلك نفسه ، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك ~~خلاف .. » (1) # هذه بعض آفات الشورى التي فتحت باب الفوضى والنزاع بين المسلمين ، وتركت ~~الطلقاء وأبناءهم يتسابقون الى ميدان الخلافة الاسلامية وينزون على منابر ~~المسلمين ، ويستأثرون بالفيء وينكلون باخيار المسلمين PageV01P190 # وصلحائهم فانا لله وإنا إليه راجعون. ### || الانتخاب : # ولاقى عمر ربه ، ومضى الى مقره الأخير (1) فاحاط البوليس بأعضاء الشورى ، ~~وألزمهم بالاجتماع لينفذوا وصية عمر ، ويختاروا للمسلمين حاكما منهم ، ~~فاجتمع المرشحون في بيت المال ، وقيل في بيت مسرور بن محرمة وأشرف على ~~الانتخاب الامام الحسن عليه السلام وعبد الله بن عباس ، وازدلف عمرو بن ~~العاص ، والمغيرة بن شعبة الى محل الانتخاب فجلسا في الباب ، فعرف قصدهما ~~سعد بن أبي وقاص فنهرهما وقال : # « تريدان ان تقولا : حضرنا ، وكنا في أهل الشورى؟! » # وتداول الاعضاء الحديث فيما بينهم عمن هو أحق بالامر وأولى ms102 به وأكثرهم ~~قدرة وقابلية على ادارة شئون الحكم ، وانبرى إليهم أمير المؤمنين ~~عليه السلام فأقام عليهم الحجة ، وحذرهم مغبة ما يحدث في البلاد من الفتن ان ~~استجابوا لنزعاتهم ولم يؤثروا الحق فقال عليه السلام : # « لم يسرع أحد قبلي الى دعوة حق ، وصلة رحم ، وعائدة كرم فاسمعوا قولي ، ~~وعوا منطقى ، عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا اليوم PageV01P191 # تنتضى فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال ~~وشيعة لأهل الجهالة .. » (1) # ولم يعوا منطق الامام ، ولم يتأملوا فيه ، وانطلقوا مدفوعين وراء أطماعهم ~~وأهوائهم ، وكشف الزمن بعد حين صدق تنبؤ الامام ، فقد انتضوا السيوف ، ~~وخانوا العهود ليصلوا الى صولجان الحكم والسلطان وصار بعضهم أئمة لأهل ~~الضلالة ، وشيعة لأهل الجهالة # وعلى اي حال ، فقد كثر الجدال فى الموضوع ، وانفضت الجلسة ولم تنته على ~~محصل ، وكان الناس ينتظرون بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة التي تسفر عن ~~اجتماعهم ، فلم يظفروا بشيء ، وانعقد الاجتماع مرة أخرى ولكنه لم يسفر عن ~~اي نتيجة وأخذت فترة الزمن التي حددها عمر تضيق فأشرف أبو طلحة الانصارى ~~على الاعضاء وقال لهم : # « لا والذي نفس عمر بيده!. لا أزيدكم على الايام الثلاثة التي أمرتم .. » # واقترب اليوم الثالث ، فانعقد الاجتماع فانبرى طلحة ، ووهب حقه لعثمان ~~وانما فعل ذلك لعلمه بانحرافه عن أمير المؤمنين عليه السلام ، فاراد يقوي ~~جانبه ، ويضعف جانب الامام ، وانطلق الزبير فوهب حقه للامام لأنه رأى ~~الامام قد ضعف جانبه ، واندفع سعد فوهب حقه لعبد الرحمن ابن عوف لأنه ابن ~~عمه (2) أما عبد الرحمن الذي أناط به عمر أمر الشورى وجعل رأيه هو الفيصل ~~فكان يرى في نفسه الضعف وعدم القدرة على ادارة شئون الحكم ، فاتجه الى ~~ترشيح غيره ، وكانت ميوله مع عثمان ، PageV01P192 # واستشار القرشيين فزهدوه في أمير المؤمنين وحببوا له عثمان ، ودفعوه الى ~~اختياره وانتخابه. # وحلت الساعة الرهيبة التي تغير فيها مجرى التأريخ فقال عبد الرحمن لابن اخته : # « يا مسور .. اذهب فادع لي عليا وعثمان. # « بأيهما أبدأ يا خال؟ » # « بأيهما شئت. » # فانطلق مسور ، فاحضر الامام ، وعثمان وحضر ms103 المهاجرون والانصار وازدحمت ~~الجماهير في الجامع لتأخذ القرار الحاسم فقام عبد الرحمن وقال : # « أشيروا علي في هذين واشار الى سليل هاشم ، وشيخ الامويين » فانبرى إليه ~~الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فقال له : # « ان أردت ألا يختلف الناس فبايع عليا .. » # وأشار عليه بالرأي الصائب الذي يصون الامة من الاختلاف ، ويحميها من ~~النزاع والانشقاق ، وانطلق المقداد فأيد مقالة عمار ، فقال : # « صدق عمار .. وإن بايعت عليا ، سمعنا واطعنا .. » # فقام عبد الله بن ابي سرح أحد أعلام الامويين الذين ناهضوا النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وناجزوه فخاطب ابن عوف فقال له : # « إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان .. » # واندفع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فقال : # « صدق إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا .. » # وانبرى عمار بن ياسر فشتم ابن أبي سرح وقال له : # « متى كنت تنصح للإسلام؟؟! » PageV01P193 # وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح يقيم وقارا للاسلام ، او ينصح المسلمين ، ~~ويهديهم الى طريق الحق ، وقد كان من اعدى الناس الى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ولما فتح مكة أمر صلى الله عليه وآلهوسلم بقتله ولو كان ~~متعلقا باستار الكعبة (1)، أمثل هذا الوغد يتدخل في شئون المسلمين؟ ولكن ~~إنا لله وإنا إليه راجعون. # وتكلم بنو هاشم وبنو أمية ، واحتدم الجدال بين الاسرتين ، فانطلق ابن ~~الاسلام البار عمار بن ياسر فقال : # « أيها الناس إن الله اكرمكم بنبيه ، وأعزكم بدينه ، فالى متى تصرفون هذا ~~الامر عن اهل بيت نبيكم!!؟ » # لقد كان كلام عمار حافلا بمنطق الاسلام الذي وعاه قلبه فان قريشا وسائر ~~العرب إنما اعزها الله بدينه وأسعدها بنبيه ، فهو مصدر عزهم وشرفهم ومجدهم ~~، فليس من الانصاف ولا من العدل أن يصرفوا الامر عن أهله وعترته ويضعونه ~~تارة في تيم واخرى في عدي ، ويجهدون الآن ليضعونه في قبيلة اخرى وانبرى ~~إليه رجل من مخزوم فقطع عليه كلامه قائلا : # « لقد عدوت طورك يا ابن سمية .. وما أنت وتأمير قريش لأنفسها!!؟ » وقد ~~أترعت نفس الرجل بروح الجاهلية فراح يندد بابن سمية ، ويرى أنه عدا طوره ، ~~وتجاوز حده لتدخله ms104 فى شئون قريش ، وأي حق لقريش في هذا الامر؟! وهي التي ~~ناهضت النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وناجزته ، ووقفت في وجه دعوته ، وإنما ~~الامر للمسلمين يشترك فيه ابن سمية الذي أعزه الله بدينه وسائر الضعفاء ~~الذين ساندوا الرسول ، وحاموا عن دعوته فهؤلاء لهم الرأى ولهم الحكم وليس ~~لطغاة قريش أي رأي PageV01P194 # لو كان هناك منطق أو حساب # وعلى أي حال فبعد ما كثر النزاع بين القوى الاسلامية الواعية ، وبين ~~القوى المنحرفة عنه التفت سعد الى عبد الرحمن فقال له : # « يا عبد الرحمن .. افرغ من امرك قبل أن يفتتن الناس .. » » # فاسرع عبد الرحمن الى الامام : # « هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ، وفعل ابي بكر وعمر؟ : # فرمقه الامام بطرفه واجابه بمنطق الايمان ، ومنطق الاحرار قائلا « بل على ~~كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي .. » # ولا يتوقع من الامام عليه السلام غير ذلك فان مصدر التشريع في الاسلام ~~كتاب الله وسنة نبيه فعلى ضوئهما تسير الدولة ، وتعالج مشاكل الرعية ، وليس ~~فعل ابي بكر وعمر من مصادر التشريع ، وقد نهج أبو بكر في سياسته منهجا خاصا ~~لم يوافقه عمر فيه ويرى انه كان بعيدا عن سنن التشريع فقد كان لأبي بكر ~~رأيه الخاص في خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة (1) وزنى بزوجته فقد ~~رأى أبو بكر أن خالدا تأول فأخطأ |فقلت خذوا اموالكم غير خائف||ولا ناظر فيما يجيء من الغد| |فان قام بالدين المخوف قائم||اطعنا وقلنا الدين دين محمد| PageV01P195 # فلا يستحق أن يقام عليه الحد ، ويرى عمر أنه لا بد من اقامة الحد عليه ~~ولا مجال لاعتذار ابي بكر ، وسلك أبو بكر في سياسته المالية منهجا اقرب الى ~~المساواة من سياسة عمر التي انتهجت في كثير من شئونها منهج الطبقية وتقديم ~~بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وحرم عمر المتعتين وهما حسب اعترافه ~~كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ولعمر فتواه ~~المتعارضة فى ميراث الجدة وغيرها فعلى أي منهج منها يسير ابن أبي طالب رائد ms105 ~~العدالة الاجتماعية الكبرى في الارض ، ولو كان عليه السلام يروم الأمرة ~~والسلطان لالتزم لابن عوف بشرطه ، وبعد ذلك يسير برأيه الخاص في الحكم ، ~~ويعتقل المعارضين له ولكنه عليه السلام أبى ذلك وحجزه إيمانه الوثيق أن يقر ~~شيئا لا يراه مشروعا. # ولما يئس ابن عوف من الامام انبرى الى عثمان فشرط عليه ذلك فابدأ عثمان ~~الموافقة لأي شرط وأرسل يده فصفق عبد الرحمن بكفه عليها وقال : # « اللهم. إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .. » # وعلا الضجيج والصخب بين الناس ، فقد فاز عميد الامويين بالحكم وآلت إليه ~~امور الخلافة ، وانطلق أمير المؤمنين عليه السلام فقال لابن عوف : # « والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، PageV01P196 # دق الله بينكما عطر منشم » (1) # والتفت الى القرشيين فقال لهم : # « ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل ، والله المستعان على ~~ما تصفون. » # واندفع ابن عوف الى الامام يهدده # « يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلا » # وغادر الامام المسجد وهو يقول : # « سيبلغ الكتاب أجله. » # وانطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر ، وهو يخاطب ابن عوف : PageV01P197 # « يا عبد الرحمن .. أما والله لقد تركته ، وانه من الذين يقضون بالحق ، ~~وبه كانوا يعدلون .. » # وخرج المقداد ، وهو مثقل الخطا ويقول : # « تالله ما رأيت مثل ما أتى الى أهل هذا البيت بعد نبيهم!! واعجبا ~~لقريش!! لقد تركت رجلا ما اقول ولا أعلم أن أحدا أقضى بالعدل ولا اعلم ولا ~~اتقى منه أما لو أجد أعوانا .. » # وقطع عليه عبد الرحمن كلامه فقال له : # « اتق الله يا مقداد ، فاني خائف عليك الفتنة .. » (1) # واشرف الامام الحسن على الانتخاب فراعه ما رأى من انقياد القوم نحو ~~الاغراض الشخصية ، والمطامع ، واستبان له أن المهاجرين من قريش يحملون في ~~نفوسهم حقدا وضغنا على أبيه ، وان الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه حيث ما ~~درت معايشهم ، وقد تركت تلكم الصور التي اجتازت عليه في نفسه أشد الاستياء ~~والتذمر ، وعرفته ان القوم يسيرون وراء مصالحهم وأطماعهم ، ولا شأن لهم ~~بالمصلحة العامة ، وهنا ms106 نودع الامام الحسن لنلتقي معه في عهد الخليفة ~~الثالث. PageV01P198 ### | فى عهد عثمان PageV01P199 # نستقبل الحسن عليه السلام في عهد عثمان وهو في شرخ الشباب وعنفوانه فقد ~~كان عمره ينيف على عشرين عاما وهو دور يسمح لصاحبه أن يخوض معترك الحياة ، ~~وأن يعطي رأيا في الناحية الاجتماعية فدخل الامام عليه السلام في دوره هذا ~~على ما قيل ميدان الجهاد « والجهاد باب من أبواب الجنة » فانضم الى ~~المجاهدين حيث اتجهت ألويتهم الفاتحة الى احتلال افريقية ، سنة ست وعشرين ~~من الهجرة (1) وتذكر المجاهدون في حفيد الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم شخصية ~~جده ، فأبلوا بلاء حسنا حتى فتح الله على أيديهم وبعد ما وضعت الحرب ~~أوزارها اتجه الحسن عليه السلام الى عاصمة جده صلى الله عليه وآلهوسلم والنصر ~~حليفه وقلبه مفعم بالسرور والارتياح لتوسع النفوذ الاسلامى وانتشار دين جده ~~، ولما كانت سنة ثلاثين من الهجرة اتجهت الجيوش الاسلامية الفاتحة والتي ~~يرف النصر عليها PageV01P201 # الى احتلال طبرستان فانضم الحسن عليه السلام إليها (1) وببركته فتح الله ~~على أيديهم ورف لواء الاسلام عليها ، ففي سبيل المصلحة العامة وخدمة الدين ~~اللذين هما فوق سائر الاعتبارات دخل الامام الحسن عليه السلام في ميدان ~~الجهاد والكفاح ، والقى الستار على ما يكنه في نفسه من الاستياء على ضياع ~~حق أبيه ، وهو درس رائع يجب أن تستفيد منه الاحزاب السياسية القائمة في ~~البلاد من ان عنعنات الحزبية يجب ان تلغى أمام صالح البلاد والمجتمع. # وساس عثمان الامة حفنة من السنين فكانت سياسته بعيدة كل البعد عن سنة ~~الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وسيرة الشيخين وبعيدة كل البعد عن روح ذلك ~~العصر لأنها لم تتفق مع الناحية الدينية والاجتماعية لذلك كتب لها الفشل ~~والخذلان ، وسبب ذلك يرجع الى عدم قدرة الخليفة على ادارة شئون الامة وعجزه ~~من الناحية الادارية ، وضعف ارادته ضعفا يلمس في كافة أعماله ، وصدق « ~~امرسن » في قوله : # « إن قوة الارادة سر النجاح ، والنجاح غاية الوجود ، فان قوة إرادة ~~نابليون ، وكرنت ، والاسكندر وغيرهم من رجال التأريخ هي التي PageV01P202 # خلدت اسماءهم ، وإنا لنرى ms107 عددا كبيرا من رجال التأريخ لم ينتج انخذالهم ~~على ما اشتهروا به من الشجاعة والحنكة والذكاء إلا عن ترددهم ، وضعف ~~إرادتهم ، وان من المحال أن ندخل معترك الحياة ، ونرجو الفوز فيها دون أن ~~تكون لدينا إرادة قوية » (1) # إن قوة الارادة لها الاثر التام في تكوين الشخص وفي خلوده فى هذه الحياة ~~، وان الشخص الضعيف المغلوب على امره يستحيل أن يحقق أي هدف للامة أو يبني ~~لها كيانا ، وقد حرص الاسلام كل الحرص على ابعاد ضعيف الارادة عن قيادة ~~الامة ، ومنعه من مزاولة الحكم لأنه يعرض البلاد للاخطار ، ويجر لها ~~الويلات والخطوب ، ويذهب بهيبة الحكم ومعنويته ويغري ذوي القوة بالتمرد ~~والخروج من الطاعة. # إن عثمان كان فاقد الارادة الى حد بعيد ، فلم تكن له قدرة لمواجهة ~~الاحداث ، ولا قابلية له للتغلب عليها فقد او كل شئون الدولة الى مروان ~~يتصرف بها حسب ما يشاء ، ونقل ابن ابي الحديد عن بعض مشايخه ان الخليفة فى ~~الحقيقة والواقع مروان ، وعثمان له اسم الخلافة لا غير. # وعلى أي حال فلا بد لنا أن نتبين قصة عثمان ، ونقف على حقيقتها وواقعها ~~فان لها ارتباطا وثيقا بما نحن فيه ، فقد زعم غير واحد من المؤرخين أن ~~الامام الحسن عليه السلام كان عثمانى الهوى ، وانه وقف يوم الدار مدافعا عن ~~عثمان ، وحزن عليه بعد مقتله حزنا بالغا ، وانه كان يندد بأبيه لأنه لم يقم ~~بنجدته وحمايته ، وقد مال لذلك الدكتور طه حسين وأرسلها الى القراء ارسال ~~المسلمات من دون ان يتبين فيها ، ولا يعرف مدى واقعية ذلك إلا بعد التعرف ~~على سياسة عثمان وسيرته فانها هي التي PageV01P203 # تكشف عن زيف هذه الامور وعدم التقائها بواقع الامام عليه السلام الذي كان ~~يحمل هدي جده الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم وسيرة أبيه. # وقبل التحدث عن سياسة عثمان نود أن نبين أنا نلتقي في كثير من بحوثنا ~~الآتية مع الدكتور طه حسين فقد حاول تبرير عثمان ، وتنزيهه عن التهم التي ~~الصقت به بوجوه بعيدة خالية من التحقيق العلمي ، وقد تنصل ms108 في طليعة بحوثه ~~عن عثمان عن كل هوى وتعصب طائفى ، فليس هو شيعة لعثمان وليس شيعة لعلي ، ~~وانما يريد أن يخلص في بحوثه للحق ما وسعه اخلاصه للحق وحده (1) ولكنه لم ~~يلتزم بوعده فانطلق يتمسك بالاسباب الواهية لتصحيح أخطاء السياسة العثمانية ~~التي لم تساير فى اي مرحلة من مراحلها كتاب الله وسنة نبيه ، وسيرة الشيخين ~~، حتى نقم عليها خيار المسلمين وصلحاؤهم ، وثارت عليه الاقاليم الاسلامية ، ~~واحاطت به جماهير المسلمين يطالبونه أن يعتدل في سياسته وأن يسير على ~~الطريق الواضح والمحجة البيضاء فلم يستجب لذلك فاردوه صريعا ، قد شقيت ~~الامة بحكمه ، وامتحنت بعد مقتله. # إن الواجب يقضى بأن ننظر الى هذه الاحداث بدقة وأمانة ، ونتعمق فيها ، ~~ونبين معطياتها فانها ترتبط بواقعنا الدينى ، وليس لنا ان نلتمس المعاذير ~~لأي شخص كان فيما اذا جافت سيرته تعاليم الاسلام ، وتنافت مع مبادئه ~~واحكامه ، والى القراء بعض تلك المؤاخذات التي تواجه سياسة عثمان : PageV01P204 ### || عفوه عن عبيد الله # واستقبل عثمان خلافته بالعفو عن عبيد الله بن عمر الذي ثار لمقتل أبيه ~~فقتل بغير حق الهرمزان ، وجفينة ، وبنت أبي لؤلؤة ، وأراد قتل كل سبي ~~بالمدينة فانتهى إليه سعد بن أبي وقاص فساوره وقابله بناعم القول حتى أخذ ~~منه السيف ، وأودع في السجن حتى ينظر عثمان في امره ، ولما تمت البيعة ~~لعثمان اعتلى أعواد المنبر ، وعرض على المسلمين قصة عبيد الله فقال : # « وقد كان من قضاء الله ان عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان ، وكان ~~الهرمزان من المسلمين ، ولا وارث له إلا المسلمون عامة ، وأنا إمامكم وقد ~~عفوت أفتعفون؟ .. » # فانبرى جمع من الناس فاعلنوا الرضا ، والاقرار للعفو سوى الامام أمير ~~المؤمنين عليه السلام فقد انكر على عثمان ولم يرض بقضائه وقال له : # « أقد الفاسق فانه أتى عظيما ، قتل مسلما بلا ذنب .. » # وصاح الامام بعبيد الله « يا فاسق .. لئن ظفرت بك لأقتلنك بالهرمزان. » (1) # واندفع المقداد بن عمر فرد على عثمان قائلا : # « إن الهرمزان مولى لله ولرسوله ، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله .. » (2) # ولم يرض ثقات المسلمين وصلحاؤهم ms109 بهذا العفو واعتبروه تعديا على الاسلام ~~وخرقا لحدوده فكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيد الله يقول له : # ألا يا عبيد الله مالك مهرب %~% ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر PageV01P205 أصبت دما والله في غير حله %~% حراما وقتل الهرمزان له خطر على غير شيء غير أن قال قائل %~% أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة %~% نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته %~% يقلبه والامر بالامر يعتبر # وشكا عبيد الله الى عثمان فدعا زيادا فنهاه عن ذلك ، ولكنه لم ينته وقد ~~تناول بالنقد عثمان فقال فيه : # أبا عمرو عبيد الله رهن %~% فلا تشكك بقتل الهرمزان فانك ان غفرت الجرم عنه %~% وأسباب الخطا فرسا رهان لتعفو إذ عفوت بغير حق %~% فما لك بالذي تخلي يدان # وغضب عثمان على زياد فنهاه وزجره حتى انتهى (1) واخرج عبيد الله من يثرب ~~الى الكوفة ، وأنزله دارا فنسب الموضع إليه فقيل « كويفة ابن عمر » وروى ~~الطبري ان عثمان استشار الصحابة في شأن عبيد الله ، فاشار عليه قوم بالعفو ~~، وقالوا : يقتل عمر امس ويقتل ابنه اليوم ، وأشار عليه جماعة منهم الامام ~~أمير المؤمنين بالقود ، فقال له عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين ، ان الله ~~قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان ، إنما كان هذا ~~الحدث ، ولا سلطان لك ، فاستجاب عثمان لرأيه وقال : أنا وليهم وقد جعلتها ~~دية ، واحتملها في مالى (2) # وقد حفلت هذه البادرة بما يلي من المؤاخذات : # 1 ان الاسلام قد ألزم ولاة الامور باقامة الحدود وعدم التسامح PageV01P206 # والتساهل فيها للحفاظ على النظام العام ، وصيانة النفوس ، وحمايتها من ~~الاعتداء وليس للحاكم ان يقف موقف اللين والتسامح مع المعتدى مهما كانت له ~~من مكانة مرموقة في المجتمع ، وقد أعلن ذلك الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ~~وطبقه على واقع الحياة فقد سئل أن يعفو عن سارقة لشرف أسرتها فأجاب : # « انما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا أذنب الضعيف فيهم عاقبوه ، واذا ~~أذنب الشريف تركوه ، والله لو سرقت ms110 فاطمة بنت محمد لقطعت يدها .. » (1) # وجلد صلى الله عليه وآلهوسلم أصحاب الإفك ، وفيهم سطح بن اثاثة (2) وكان من ~~أهل بدر ، هذا ما يقتضيه العدل الاسلامى الذي لا يفرق بين الابيض والاسود ، ~~والضعيف والقوي ، والرئيس والمرءوس فهم سواسية أمام القانون ، وقد جافى ~~عثمان ذلك ، وخالف ما يقتضيه العدل فلم يفد عبيد الله لأنه ابن عمر ، وفتى ~~من فتيان قريش فآثر رضا آل الخطاب ورضا قريش فعفا عنه ، وابعده الى الكوفة ~~، ومنحه دارا يسكن فيها ، وقد فتح بذلك باب الفوضى والفساد ، ومكن ذوي ~~النفوذ أن ينالوا من الضعفاء ، الذين ليس لهم ركن يأوون إليه. # 2 ان عثمان قد الغى رأى أمير المؤمنين الذي الزم بالقود ، وهو من دون شك ~~أعلم بحدود الله واحكامه ، واستجاب لرأي ابن العاص الذي عرف ببغيه وحقده ~~على الاسلام. # 3 ان المصلحة العامة كانت تقضى بالقود وعدم العفو عنه لأنه PageV01P207 # لو قتله لكان اقطع للفساد ، وأنفى للقتل ، ولم يقدم أحد من ذوى النفوذ ~~على ارتكاب هذه الجريمة ، فان ابن الخليفة قد اقتص منه ولكن عثمان لم يرع ~~المصلحة العامة ، واستجاب الى الاغراض الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الامة. # 4 إن الولاية للامام إنما تثبت فيما اذا علم ان المقتول لا وارث له ~~والهرمزان من فارس فكان اللازم على عثمان أن يفحص عن وارثه ويتبين واقعيته ~~، ومع عدمه تثبت له الولاية ، ولكنه لم يفعل ذلك ، ولم يتحقق في أمره فاضفى ~~على نفسه أنه وارثه ووليه. # 5 وليس للحاكم ان يعفو عن الدية ، وإنما له ان يصالح عليها كما يرى ذلك ~~ملك العلماء الحنفى يقول : # « ان الامام له ان يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو ، لأن القصاص ~~حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم ، وإنما الامام نائب عنهم في الاقامة ، ~~وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لا يجوز ، ولهذا لا يملكه الاب والجد ~~وإن كانا يملكان استيفاء القصاص ، وله ان يصالح على الدية » (1). وعلى ضوء ~~هذه الفتيا الحنفية فليس لعثمان صلاحية العفو عن الدية ، وهذا الاشكال يسجل ~~على ms111 عثمان على ما رواه بعضهم من انه عفا عن الدية. هذه بعض المؤاخذات التي ~~تواجه عثمان في عفوه عن عبيد الله وعدم قوده. # دفاع طه حسين # وحاول الدكتور طه حسين تبرير عثمان ، ونفي المسئولية عنه ، وكان اعتذاره ~~لا يحمل طابعا علميا ، ونسوق الى القراء مواضع دفاعه : PageV01P208 # 1 فما كان عثمان ليستفتح خلافته بقتل فتى من فتيان قريش ، وابن من أبناء ~~عمر. وما كان عثمان ليهدر دم مسلم وذميين. وهو من أجل ذلك آثر العافية ، ~~فأدى دية القتلى من ماله الخاص الى بيت مال المسلمين وحقن دم عبيد الله بن ~~عمر ، وفي امضائه الحكم على هذا النحو سياسة رشيدة لو نظر الناس الى القضية ~~نظرة سياسية خالصة (1). # ان عثمان لو استفتح خلافته بقتل عبيد الله لوفى للمسلمين ما عاهدهم عليه ~~من السير على ضوء كتاب الله وسنة نبيه ، وتطبيق أحكام الشرع على واقع ~~الحياة ولكنه انطلق في ميدان السياسة فآثر العافية وأهمل أحكام الدين وقد ~~علق سماحة الامام كاشف الغطاء رحمه الله على هذا الاعتذار بقوله : # « هذا من الاغلاط الواضحة فان دم عبيد الله قد هدره الشرع ولم يحقنه هذا ~~أولا وثانيا ان القتل كان عن عمد وحكمه القصاص لا الدية وقد غلط الاولون ~~وجاء الآخرون يوجهون غلطهم بغلط آخر .. » (2) # 2 ونعود فنقول إن عثمان كان ولي أمر المسلمين وله بحكم هذه الولاية أن ~~يعفو ، ونزيد على ذلك أنه حين عفا لم يعطل حدا من حدود الله ، ولم يهدر دم ~~الهرمزان وصاحبيه ، وإنما ادى ديتهم من ماله لبيت مال المسلمين الذي كان ~~يرثهم وحده .. » (3) # وقد علق عليه سماحة المغفور له كاشف الغطاء قال ما نصه : PageV01P209 # « وهذا أيضا غلط ادهى وأمر فان واجب ولي أمر المسلمين اقامة حدود الله لا ~~تعطيلها ، واعطاء الدية في مورد القصاص من دون رضاء أولياء الدم تحكم في ~~احكام الشرع وتلاعب بالدين. » # 3 وقد أمر النبي ان تدرأ الحدود بالشبهات ، فلعل عثمان قد درأ هذا الحد ~~عن عبيد الله بالشبهة التي تأتي من غضبه لأبيه واندفاعه مع ms112 شهوته الجامحة. ~~والله قد حبب الى المسلمين العفو حين يقدرون وجزاهم عليه خيرا ... » # وهذا من الاغلاط الفظيعة فان الغضب لا يصلح أن تدرأ به الحدود وإلا لوجب ~~أن يدرأ الحد عن كل قاتل على نحو القتل على الاكثر إنما يصدر عن الغضب ~~والثورة الجامحة ، وقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات لا تنطبق على ما نحن فيه ~~فلها مواردها الخاصة والمورد ليس من مصاديقها ، ولو كان الغضب موجبا لسقوط ~~القود لاعتذر به عثمان ، ودافع به عن نفسه حينما أنكر عليه أمير المؤمنين ~~وغيره ، فهل الدكتور اعرف بمواقع السنة من عثمان؟! # إن دفاع الدكتور خال من التحقيق ، وليست له أي صبغة تشريعية ولا يمكن ان ~~يبرر عثمان ويقصى عنه المسئولية. # ومهما يكن من أمر فان عفو عثمان عن عبيد الله لم يكن المقصود منه إلا ~~تطييب قلوب آل الخطاب ، وارضاء القرشيين ، وليس فيه أي مصلحة للامة. ### || سياسته المالية # واحتاط الاسلام احتياطا شديدا في أموال الدولة ، وألزم الولاة PageV01P210 # والحكام ان ينفقوها على المرافق العامة وعلى اصلاح الحياة ، ومكافحة ~~الفقر ، واعالة الضعيف ، والانفاق على العاجزين كالارامل والايتام ، وليس ~~لهم ان يدخروا منها لأنفسهم ، ولا أن يصطفوا منها لذراريهم ، فليست طعمة ~~لهم ، ولا ملكا يتصرفون فيها حيثما شاءوا ، يقول الامام أمير المؤمنين لعبد ~~الله بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا : # « إن هذا المال ليس لي ولا لك ، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم ، ~~فان شركتهم في حرب كان لك مثل حظهم ، وإلا فجناة ايديهم لا تكون لغير ~~أفواههم .. » (1) # وكتب عليه السلام الى قثم بن العباس عامله على مكة : # « وانظر الى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه الى من قبلك من ذوي العيال ~~والمجاعة ، مصيبا به مواضع الفاقة والخلات ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا ~~لنقسمه فيمن قبلنا » (2) # ويقول رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : « ان رجالا يتخوضون في مال الله ~~بغير حق فلهم النار يوم القيامة » (3) # هذا هو نظر الاسلام بايجاز في الناحية المالية فهو يلزم المسئولين بصرف ~~أموال الدولة على انعاش ms113 المواطنين ، وانقاذهم من البؤس والحاجة ، وليس لهم ~~بأي حال أن يتاجروا بها في شراء الضمائر ، وصلة غير المحتاج ، ولكن عثمان ~~لم يطبق ذلك لا بكثير ولا بقليل ، فقد تسلط على الخزينة المركزية ، ووهب ~~الاموال الطائلة بسخاء الى الامويين والى آل أبي معيط لتقوية نفوذهم PageV01P211 # وتركيزهم في البلاد ، فقاموا بدورهم باستغلال المسلمين ، والتلاعب ~~بمقدراتهم والتحكم في مصيرهم ، كما منح الاموال الطائلة الى الوجوه ~~والاعيان الذين يخاف جانبهم ، ويحذر سطوتهم نظرا لنفوذهم السياسي فى البلاد ~~، وقد أدى ذلك الى تضخم الثراء وتكدس الاموال عند طائفة من الناس حاروا في ~~صرفها وفي انفاقها ، ومن الطبيعي أن ذلك يؤدي الى نشر الفاقة وذيوع الفقر ~~والبؤس بين الناس الامر الذي يتنافى مع اتجاه الاسلام الذي يحرص كل الحرص ~~على اسعاد المجتمع ، ونشر الرفاهية ، وبسط السعة بين الناس ونسوق بعض ~~البوادر للاستدلال بها على ما ذكرناه : ### || 1 هباته للأمويين # ومنح عثمان أموال المسلمين الى اسرته ، وذوي قرباه الذين تنكروا للإسلام ~~، وقابلوه ، وناجزوه الحرب ، فأوصلهم وبر بهم ، وحملهم على رقاب الناس ، ~~ووهبهم الثراء العريض يتمتعون فيه ، ويبالغون في البذخ والاسراف ، والى ~~القراء بعض اولئك الذين أغدق عليهم بهباته : ### || أأبو سفيان # ووهب عثمان الى أبي سفيان مائتى الف من بيت المال (1) أعطاه هذه المنحة ~~وهو رأس المشركين يوم أحد ، ويوم الاحزاب ، وفي طليعة الحاقدين على الاسلام ~~، والناقمين منه ، وما دخل الدين في قلبه ، ولا انتزعت روح الجاهلية من ~~نفسه ، وهو الذي انطلق الى قبر حمزة فركله برجله ، وقال : « يا أبا عمارة! ~~.. إن الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعبون به. » ثم ~~مضى مثلوج القلب ، ودخل على عثمان بعد أن فقد بصره فقال : PageV01P212 # « اللهم ، اجعل الامر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد ~~الارض لبني أمية .. » (1) # فهل من العدل والانصاف أن تمنح أموال المسلمين الى هذا المنافق الذي ~~اترعت روحه بالعداء والبغض للإسلام؟!! وهل تبيح الشريعة الاسلامية إعطاء ~~هذه الاموال الى شخص ما آمن بالله طرفة عين؟! ### || ب الحارث بن الحكم # وأجزل عثمان بالعطاء الى الحارث ms114 بن الحكم لأنه صهره من عائشة فقد أعطاه ~~ثلاثمائة الف درهم (2) ووردت ابل الصدقة الى المدينة فوهبها له (3) وأقطعه ~~سوقا في يثرب يعرف بتهروز بعد أن تصدق به رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~على جميع المسلمين (4) وبما ذا استحق الحارث أن يمنح هذه الاموال الطائلة؟ ~~فهل اسدى خدمة للاسلام او قام بعمل نفع به المسلمين حتى يستحق أن يوصل بهذه ~~الاموال؟! هذا مع ان ابل الصدقة يجب ان تنفق على الفقراء والمعوزين ، كما ~~أنه كيف خصه بصدقة رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم مع أنها لجميع المسلمين ، ~~فلا مبرر ولا مسوغ له في هذا العطاء الذي خالف أحكام الله ، وتنافى مع صالح الامة ### || ج عبد الله بن سعد # وأعطى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله به ~~من فتح إفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب الى طنجة ، ولم PageV01P213 # يشرك في عطائه أحدا من المسلمين (1) وهو أحد أعلام المشركين ، ومن الذين ~~تنكروا للإسلام ، وكفروا بقيمه ، وسنذكر ترجمته في البحوث الآتية ما يثبت ~~ذلك ، فكيف جاز لعثمان أن يوصله بهذه الاموال الهائلة ، ويمنحه هذا الثراء ~~العريض. ### || د الحكم بن أبي العاص # ويجدر بنا قبل أن نذكر هبات عثمان وصلاته للحكم أن نتعرف على واقعيته ، ~~وبعض شئونه ليتضح أنه كان خليقا بالقطيعة والاقصاء ، وجديرا بالتوهين ~~والاستخفاف ، وإن منحه أموال المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال والى القراء ذلك : ### || 1 محاربته للإسلام # ووقف الحكم فى وجه الدعوة الاسلامية فكان يحرض الناس على البقاء على ~~عبادة الاوثان ، ويمنعهم من الدخول في حظيرة الاسلام ، وقد التقى مروان ~~بحويطب فسأله عن عمره فأخبره به فقال له مروان : « تأخر اسلامك أيها الشيخ ~~حتى سبقك الاحداث؟! » # فقال حويطب : # « والله لقد هممت بالاسلام غير مرة ، كل ذلك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك ~~، وتدع دين آبائك ، لدين محدث ، وتصير تابعا .. » (2) # إن الحكم وبقية الاسرة الاموية ناهضت الاسلام ، وبذلت جميع امكانياتها في ~~صد الدعوة الاسلامية ومكافحتها بشتى الاساليب ، ولكن الله رد كيدهم ، ونصر ms115 ~~الاسلام واعز دينه. PageV01P214 ### || 2 استهزاؤه بالنبي # كان الحكم من ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ومن أحقدهم عليه ~~وقد بالغ في إيذائه والتوهين به ، والاستخفاف بمقامه الرفيع ، فكان يمر ~~خلفه فيغمز به ، ويحكيه ، ويخلج بأنفه وفمه (1) والتفت النبي فرآه يفعل ذلك ~~فقال : كذلك فلتكن ، فكان الحكم مختلجا يرتعش حتى مات ، وقد عيره بذلك عبد ~~الرحمن بن حسان بن ثابت فقال فى هجاء عبد الرحمن بن الحكم : # إن اللعين أبوك فارم عظامه %~% إن ترم ترم مخلجا مجنونا يمسي خميص البطن من عمل التقى %~% ويظل من عمل الخبيث بطينا (2) ### || 3 لعن النبي له # واستأذن هذا الخبيث الماكر على النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فقال ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا ~~المؤمنين ، وقليل ما هم ، ذوو مكر وخديعة يعطون الدنيا ، وما لهم في الآخرة ~~من خلاق (3) وأمر صلى الله عليه وآلهوسلم الامام عليا أن يقوده كما تقاد الشاة ~~ويأتي به إليه فأنطلق الامام وجاء به وهو آخذ بأذنه حتى أوقفه بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم فلعنه ثلاثا ، ثم قال : أحله ناحية حتى راح إليه ~~قوم من المهاجرين والانصار ، ثم دعا به ثانيا فلعنه ، وقال : إن هذا سيخالف ~~كتاب الله وسنة نبيه ، وستخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء ، فقال إليه ~~قوم هو أقل ، وأذل من أن PageV01P215 # يكون هذا منه ، فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : بلى وبعضكم يومئذ شيعته (1) ### || 4 نفيه الى الطائف # وكان هذا الرجس الخبيث يفشى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ويبالغ ~~فى ايذائه فنفاه الى الطائف ، وقال : لا يساكننى (2) ولم يزل منفيا هو ~~وأولاده طيلة خلافة الشيخين ، وقد توسط عثمان في شأنه عندهما فلم يستجيبا ~~له وظل مبعدا منفيا. ### || 5 رجوعه الى يثرب # ولما آل الامر الى عثمان أصدر عنه العفو فقدم الى يثرب ، وعليه فزر خلق ~~وهو يسوق تيسا والناس ينظرون الى رثة ثيابه ، وسوء حاله ، فدخل دار عثمان ~~ثم خرج وعليه جبة خز ms116 وطيلسان (3) وأوصله بمائة الف (4). ### || 6 توليته على الصدقات # وولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاث مائة الف درهم فوهبها له (5) وقد ادى ~~ذلك الى شيوع السخط والانكار عليه لأنه آوى طريد رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ومنحه أموال الصدقة التي جعلها الله للفقراء ~~والمحرومين وذوي الحاجة ، فكيف ساغ له أن يمنحها لهذا اللعين على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، والحكم في هذه المسألة للقراء. PageV01P216 ### || 5 سعيد بن العاص # ومنح عثمان سعيد بن العاص مائة الف درهم (1) وهو من فساق بني أمية ، ومن ~~فجارهم ، وكان أبوه من أعلام المشركين قتله الامام أمير المؤمنين يوم بدر ~~(2) وقد أثار ذلك السخط على عثمان فانكر عليه ثقات المسلمين وصلحاؤهم. ### || 6 الوليد بن عقبة # والوليد بن عقبة أخو عثمان من أمه ، وكان فاسقا ماجنا لا يرجو لله وقارا ~~كما سنبين ذلك عند التحدث عن ولاة عثمان وعماله قدم الكوفة فاستقرض من عبد ~~الله بن مسعود أموالا طائلة من بيت المال فأقرضه ، وطلبها منه عبد الله ~~فكتب الوليد الى عثمان بذلك ، فرفع عثمان مذكرة الى ابن مسعود جاء فيها ، ~~إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال ، فطرح ابن مسعود ~~المفاتيح وقال : كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما اذا كنت خازنا لكم فلا ~~حاجة لي في ذلك ، وأقام بالكوفة بعد ان استقال من منصبه (3) وكيف ساغ ~~لعثمان أن يبدد أموال المسلمين ، ويهبها الى أعداء الله وخصوم الاسلام ، ~~ولنترك الحكم في ذلك للقراء. ### || 7 مروان بن الحكم # ومروان بن الحكم هر الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وهو فى صلب ~~أبيه كما رواه الامام الحسن عليه السلام (4) ولما ولد جيء PageV01P217 # به الى رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فقال : هو الوزغ ابن الوزغ ، ~~الملعون ابن الملعون (1) ونظر إليه الامام أمير المؤمنين فقال له : # « ويل لك ، وويل لأمة محمد منك ومن بيتك إذا شاب صدغاك » (2) وكان رأسا ~~من رءوس المنافقين ، ووجها من وجوه أهل الضلال والباطل ، وكان يلقب خيط ~~باطل وفيه ms117 يقول الشاعر : # لعمرك ما أدرى واني لسائل %~% حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحى الله قوما أمروا خيط باطل %~% على الناس يعطي ما يشاء ويمنع (3) # وقد عرف بالغدر ، ونقض الوعد ، وخيانة العهد ، يقول الامام أمير المؤمنين ~~حينما كلمه السبطان في مبايعة مروان له : # لا حاجة لي في بيعته ، إنها كف يهودية لو بايعنى بيده لغدر بسبابته أما ~~إن له امرة كلعقة الكلب انفه ، وهو أبو الاكبش الاربعة ، وستلقى الامة منه ~~ومن ولده يوما أحمر .. » (4) # وهذا الوزغ الرجس قد بر به عثمان وأحسن إليه ، ومكنه من بيت المال يهب ~~منه لمن شاء ، ويمنع عنه من شاء ، ونسوق الى القراء الهبات الضخمة التي ~~منحها عثمان لمروان وهى : # 1 اعطاه خمس غنائم إفريقية ، وقد بلغت خمس مائة الف دينار وقد عيب عثمان ~~على ذلك وهجاه عبد الرحمن بن حنبل بقوله : # سأحلف بالله جهد اليمي %~% ن ما ترك الله أمرا سدى PageV01P218 ولكن خلقت لنا فتنة %~% لكي نبتلي لك أو تبتلى فان الامينين قد بينا %~% منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة %~% وما جعلا درهما في الهوى دعوت اللعين فأدنيته %~% خلافا لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العبا %~% د ظلما لهم وحميت الحمى (1) # 2 انه منحه الف وخمسين أوقية ولا نعلم انها من الذهب او الفضة وهي من ~~جملة الامور التي سببت النقمة على عثمان (2) # 3 اعطاه مائة الف من بيت المال ، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال ~~بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى فنهره عثمان وقال له : # « اتبكى إن وصلت رحمي؟ » # « ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته في سبيل ~~الله ، في حياة رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لو اعطيت مروان مائة درهم ~~لكان كثيرا .. » # فزجره عثمان وصاح به # « الق المفاتيح .. يا بن أرقم ، فانا سنجد غيرك. » (3) # 4 واقطعه فدكا ، ووهبها له (4) وهي على كل حال لا تصح هبتها لأنها إن ~~كانت نحلة لفاطمة عليها السلام كما تقول فهي لأبنائها ، وان كانت صدقة كما ~~زعم أبو ms118 بكر فهي لجميع المسلمين ، وليس لعثمان ان PageV01P219 # يتصرف فيها على كلا الوجهين. # وعلى اي حال ، فأي خدمة أسداها مروان للامة ، وأي مكرمة أو مأثرة صدرت ~~منه حتى يستحق هذا العطاء الجزيل ، ويمنح هذا الثراء العريض # هذه بعض اعطيات الخليفة ومنحه الى اسرته ، وذوى قرباه ، وهي من دون شك لا ~~تتفق مع كتاب الله وسنة نبيه فانهما الزما بالمساواة بين القريب والبعيد ، ~~وأهابا بالحاكمين ان لا يميزوا قوما على آخرين وأن يطبقوا العدل في جميع ~~المجالات. ### || الانكار على عثمان : # وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة سخط الاخيار ، والصلحاء والمتحرجين ~~في دينهم بل وسخط العامة الذين ينظرون الى بني أمية نظرة ريبة وشك في ~~اسلامهم ، ويرون في هذا العطاء امتدادا لهم وتقوية لنفوذهم وبسطا لسلطانهم ~~، حتى نقم من عثمان عبد الرحمن بن عوف الذي انتخبه وعينه حاكما على ~~المسلمين ، فكان يقول : عاجلوه قبل ان يتمادى في ملكه وكان يقول للإمام ~~أمير المؤمنين : خذ سيفك وآخذ سيفي فانه قد خالف ما اعطاني ، ولما حضرته ~~الوفاة اوصى أن لا يصلي عليه (1) # لقد شاع التذمر بين المسلمين من جراء هذه السياسة الملتوية ، وقد انكرت ~~عليه الخاصة والعامة حينما استأثر بالسفط الذي كان في بيت المال فأخذ منه ~~ما حلى به بعض أهله وصعد على أثر ذلك أعواد المنبر فقال : # « لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت به أنوف أقوام .. » # وقد اثار سخط الناس هذا الكلام فتصدى أمير المؤمنين الى رده فقال له : PageV01P220 # « إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه ». # واندفع الصحابي العظيم عمار بن ياسر فأيد مقالة الامام ، وأعلن نقمته على ~~عثمان فقال : # « أشهد ان أنفى أول راغم من ذلك .. » # ولما منح سعيد بن العاص مائة الف درهم ، انطلق الامام أمير المؤمنين مع ~~جماعة من اعلام الصحابة فعابوا عليه عمله ، وانكروا عليه هذا العطاء فقال لهم : # « إن له قرابة ورحما .. » # فردوا عليه حجته ، وقالوا له : # « أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة؟ .. » # فأجابهم : # « ان ابا بكر ، وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في ms119 اعطاء ~~قرابتى .. » (1) # لقد نقم المسلمون من عثمان ، وسخط عليه خيارهم لأنه استأثر بالفيء ، ومنح ~~أموال المسلمين الى بني أمية ، ولم يطبق فى سياسته العدل الاجتماعى الذي ~~جاء به الاسلام. ### || اعتذار عثمان # واعتذر عثمان للناقدين لسياسته بأنه أوصل رحمه ، وبر بذي قرباه وليس فى ~~ذلك مأثم عليه او مخالفة للشرع كما يراه ولا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا ~~الاعتذار لنعرف مدى واقعيته ، وصحته ، والذي PageV01P221 # يقتضيه النظر أنه منطق مفلوج لا يتفق مع الشرع ، ولا يلتقي بصالح الامة ~~وذلك أولا ان الاموال التي منحها لأسرته لم تكن من أمواله الخاصة لتكون له ~~مندوحة في انفاقها عليهم ، وانما هي أموال المسلمين فيجب انفاقها عليهم ، ~~وليس لرئيس الدولة أن يتصرف فيها بقليل ، ولا بكثير فقد ورد عقيل من يثرب ~~وهو بائس مضطر الى أخيه أمير المؤمنين عليه السلام فطلب منه وفاء دينه ، ~~فقال له الامام : # كم دينك؟ # أربعون الفا # ما هي عندي ، ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فادفعه إليك بيوت المال بيدك وأنت ~~تسوفنى بعطائك؟ # أتأمرني ان أدفع إليك أموال المسلمين ، وقد ائتمنوني عليها. (1) # هذا هو منطق الاسلام ، وهذا عدله ، وهذه مساواته إنه لا يفرق بين القريب ~~والبعيد فالجميع سواسية في العطاء وغيره. # وثانيا إن اسرته التي بر بها خليقة بالقطيعة وجديرة بأن لا توصل لأنها ~~ناهضت الاسلام وناجزته الحرب ، وهي الشجرة الملعونة في القرآن فقد أخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عمرو ان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم قال : رأيت ولد الحكم ~~بن ابي العاص على المنابر كأنهم القردة فانزل الله : وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة : يعنى الحكم وولده (2) وقالت ~~عائشة لمروان سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول PageV01P222 # لأبيك : « أبي العاص بن أمية » انكم الشجرة الملعونة في القرآن (1) وقد ~~نهى الله عن موادة المعادين له ، وحرم مواصلتهم قال تعالى : « لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم » (2) # لقد كان عثمان شديد ms120 الحب للامويين فقد قال : « لو أن بيدي مفاتيح الجنة ~~لأعطيتها بنى أمية حتى يدخلوا عن آخرهم .. » (3) وهذا الحب العارم لأسرته ~~هو الذي اجهز عليه ، وحفز القوى الاسلامية الى الثورة عليه والاطاحة بحكمه وقتله. ### || 2 منحه للاعيان # ووهب عثمان أموال المسلمين الى الوجوه والاعيان ، وذوي النفوذ السياسى ~~ممن يحذر جانبهم ، فوصل طلحة بمائتي الف دينار (4) وكانت له عليه خمسون ~~الفا ، فقال له طلحة : تهيأ مالك فاقبضه ، فوهبه له ، وقال : هو لك يا أبا ~~محمد على مروءتك (5) ووصل الزبير بستمائة الف ، ولما قبضها جعل يسأل عن خير ~~المال ليستغل صلته فدل على اتخاذ الدور فى الاقاليم والامصار (6) فبنى احدى ~~عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة PageV01P223 # ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر (1) ووهب أموالا طائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ ~~به الثراء انه لما توفى خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس غير ما خلف من ~~الاموال والضياع مائة الف دينار (2) ومنح أموالا أخرى الى السائرين في ~~ركابه ، والمؤيدين لسياسته ، وقد ذكر بالتفصيل تلك الهبات شيخ المحققين ~~الاميني في موسوعته الخالدة (3) # وبأي وجه تصحح هذه الهبات وهي أموال المسلمين وقد فرض فيها ان تصرف على ~~اصلاح المجتمع ، وانقاذ الفقير والمحروم من البؤس والفاقة ، لا أن يتاجر ~~بها في شراء الضمائر ، وتأييد الحكم القائم فان ذلك لا يقره الاسلام بحال ~~من الاحوال. ### || 3 استئثاره بالاموال # واستنزف عثمان بيوت الاموال فاصطفى منها ما شاء لنفسه وعياله ، وبالغ في ~~البذخ والاسراف فبنى دارا فى يثرب شيدها بالحجر والكلس ، وجعل أبوابها من ~~الساج والعرعر ، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة (4) وكان ينضد ~~اسنانه بالذهب ، ويتلبس بأثواب الملوك ، وانفق اكثر بيت المال في عمارة ~~ضياعه ودوره (5) ولما قتل كان عند خازنه ثلاثون الف الف درهم ، وخمسمائة ~~الف درهم وخمسون ومائة الف دينار ، وترك الف PageV01P224 # بعير وصدقات ببراديس وخيبر ، ووادي القرى قيمة مائتى الف دينار (1) # إن عثمان قد نهج منهجا خاصا في سياسته المالية ، فلم يتقيد بكتاب الله ، ~~ولا بسنة نبيه ، فتصرف في بيت المال تصرفا كيفيا فأخذ منه ما شاء ومنح من ms121 ~~أحب ، ووهب لمن سار في ركابه ، وقد وصف الامام امير المؤمنين هذه السياسة ~~الملتوية بقوله : # « الى ان قام ثالث القوم يعني عثمان نافجا حضنيه (2) بين نثيله ومعتلفه ~~(3) وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع .. » # وهذا أبدع ما توصف به السياسة المنحرفة التي تتخذ الحكم وسيلة للثراء ~~والتمتع بملاذ الحياة ، ولا تقيم وزنا للامة ، ولا تعتني بمصالحها ~~وأهدافها. # وقد أصدر الامام أمير المؤمنين قراره الحاسم بعد ان استولى على زمام ~~الحكم بمصادرة جميع الاموال التي استأثر بها عثمان لنفسه ، والتي وهبها ~~لخاصته وأقربائه ، وهذا نص قراره : # « الا ان كل قطيعة اقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود ~~في بيت المال ، فان الحق القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوج به ~~النساء ، وفرق في البلدان لرددته الى حاله فان في العدل سعة PageV01P225 # ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق .. » (1) # وكان هذا الاجراء الذي اتخذه الامام على وفق العدل الاسلامي الذي حدد ~~صلاحية المسئولين ، ولم يطلق لهم العنان فى التصرف بأموال الامة ، ~~والاستئثار بها ، فليس لهم أن يصطفوا منها لأنفسهم ولا لذراريهم فهذا رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم قد جاءته ابنته الوحيدة التي لا عقب له سواها ~~تطلب منه ان يبغي لها وصيفا يخدمها لأن يديها قد مجلت من الرحى ، فلم يجد ~~صلى الله عليه وآلهوسلم مجالا لأن يأخذ من بيت المال ما يشتري به وصيفا يعين ~~ابنته فردها ، وعلمها التسبيح الذي ينسب لها ، وقد سار على هذه السيرة وصيه ~~وباب مدينة علمه الامام امير المؤمنين عليه السلام فقد جاء أخوه عقيل ~~يستميحه البر ، ويطلب منه السعة والرفاهية فاحمى له حديدة كاد ان يحترق من ~~ميسمها ، هذا هو منطق الاسلام الذي جاء لاسعاد الشعوب واصلاحها وانقاذها من ~~البؤس والفقر والحرمان. # مع الدكتور طه حسين # وتناقضت أقوال الدكتور طه حسين تناقضا صريحا في تصوير السياسة المالية ~~التي انتهجها عثمان ، فتارة يسف في قوله فيزعم انه كان محافظا على سيرة عمر ~~فى سياسة المال فلم يخالفه ms122 فى ذلك ، ولم يشذ عنه فى جميع أعماله الادارية ~~والحربية ، وفيما كان يأخذ به عامة المسلمين من الامر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر ، والتزام السنة الموروثة ، واجتناب التكلف والابتداع (2) واخرى ~~يستقيم فى قوله فيذهب الى أنه انحرف عن سياسة عمر فى الابقاء على بيت المال ~~، وفى ألا ينفق منه إلا بمقدار الحاجة الى الانفاق ، وأنه PageV01P226 # كان ينكر تشدد عمر ، ويرى أن فى بيت المال ما يسع الناس اكثر مما وسعهم ~~أيام عمر فهو نقد غير مباشر لسيرة عمر فى سياسة بيت المال (1) ومعنى هذا ~~انه لم يتقيد بسيرة عمر ، ولم يطبق سياسته على واقع حكومته وهذا ينافى ما ~~ذكره أولا ، من انه كان يسير على وفق الاهداف التي سار عليها عمر. # وعلى أي حال فقد مال أخيرا الى تصحيح سياسته المالية وانها لم تخالف ~~السنة الموروثة ، ولم تخل من الخير ومراعاة الصالح العام ، ونسوق نص كلامه ~~فى ذلك مع مواقع النظر فيه وهو كما يلي : # أفاد الدكتور ما نصه : « الشيء المحقق هو ان عثمان لم يدهن في دينه ~~والشيء المحقق أيضا هو ان عثمان لم ير في سياسته تلك مخالفة خطيرة او غير ~~خطيرة لسيرة الشيخين ، فهو لم يعتمد الجور ولا المحاباة ، وإنما وسع على ~~الناس من أموالهم ، رأى فى بيت المال غنى فآثر الناس به ، ولم يغل فى ~~الادخار. وأي حرج فى أن يصل اصحاب النبي بشيء من هذا المال قليل او كثير ، ~~وهم أئمة الاسلام وبناة الدولة وأصحاب البلاء الحسن ايام النبي ، وهم قد ~~احتملوا من الشدة والحرمان شيئا كثيرا! وقد صدق الله وعده واكثر الخير ، ~~فأي الناس أحق من هؤلاء المهاجرين ان يستمتعوا بشيء من هذا الخير الكثير .. » (2) # ومواقع النظر فى كلامه ما يلي : # 1 انه ذهب الى أن عثمان لم يدهن فى دينه ، وأنه لم ير في سياسته مخالفة ~~خطيرة او غير خطيرة لسيرة الشيخين ، ولم يتعمد الجور ولا المحاباة. PageV01P227 # أما ان عثمان لم يدهن فى دينه فيزيفه اعلانه للتوبة ، وانه قد جافى العدل ~~، وانحرف عن الطريق ms123 القويم وهذا نص توبته : # « أما بعد : أيها الناس ، فو الله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله وما جئت ~~إلا وأنا أعرفه ، ولكني منتنى نفسي ، وكذبتني ، وضل عني رشدي ، ولقد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : من زل فليتب (1) ومن أخطأ فليتب ، ~~ولا يتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق ، فانا أول ~~من اتعظ ، استغفر الله عما فعلت وأتوب إليه » (2) # وهي صريحة في أنه سلك غير الجادة ، وشذ عن السنة الموروثة ، وأنه على ~~بصيرة من ذلك لم يجهله ، ولم يغب عنه علمه وانما ارتكب ما ارتكب من ~~المخالفات للسنة كهباته للأمويين ، وصلاته لآل أبى معيط ، وتنكيله باعلام ~~الصحابة الناقدين لسياسته ، وغير ذلك من الاحداث الجسام ، انما هو استجابة ~~لعواطفه ورغباته فان نفسه قد منته بذلك حتى ضل عنه رشده وفقد صوابه على حد ~~تعبيره ومع اعترافه بذلك ، وتسجيله على نفسه انه انحرف عن الطريق كيف يمكن ~~ان يقال إنه لم يدهن في دينه ، ولم يتعمد الجور والمحاباة. # 2 أما ما ذكره من أن عثمان وسع على الناس من أموالهم لأنه رأى فى بيت ~~المال غنى فآثر الناس به ، ولم يغل في الادخار .. فان هذا لا يمكن المساعدة ~~عليه بوجه فان عثمان لم يوسع على الناس ، ولم يبسط لهم فى العيش وإلا لما ~~ثاروا عليه ، وقتلوه ، وإنما وسع على نفسه وخاصته ، PageV01P228 # ووسع على بنى أمية والمؤيدين لسياسته فآثرهم بالفىء ، وخصهم بأموال ~~الدولة الامر الذي اوجب شيوع التذمر ، ونقمة المسلمين عليه في جميع اقطارهم ~~وأقاليمهم حتى أطاحوا بحكمه ، وأردوه قتيلا لم يواروه فى قبره حتى ندم خيار ~~المسلمين على عدم حرق جثته (1) # 3 وأما ما أفاده من أنه لا حرج ، ولا اثم على عثمان في صلته لأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بالاموال لأنهم أئمة المسلمين ، وأصحاب البلاء الحسن ، ~~فأي الناس احق منهم بالاستمتاع بشيء من هذا الخير. فانه ظاهر البطلان لأن ~~بيت المال كما ذكرنا غير مرة هو للمسلمين جميعا لا يختص به قوم ms124 دون آخرين ، ~~ويجب صرفه على مصالحهم ، واصلاح شئونهم ، وليس لطائفة مهما علا شأنها ان ~~تختص به ، وتحرم منه الاكثرية الساحقة ، على ان الاسلام فى ذلك الوقت احوج ~~ما يكون الى بسط عدله الاجتماعي بين الشعوب المتعطشة الى مساواته العادلة ~~التي لا تميز قوما على آخرين ، ولكن عثمان آثر بنى أمية في كل شيء آثرهم ~~بالاموال والوظائف وحملهم على رقاب الناس الامر الذي أدى الى تحطيم ~~المساواة التي جاء بها الاسلام. # وأما سبق المهاجرين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم الى الاسلام ~~ودفاعهم عن حياضه ، وتحملهم للعناء والبلاء فى سبيله فامر لا مجال للشك فيه ~~، وهم مشكورون عليه ، والله هو الذي يتولى جزاءهم عن ذلك ، ولكن منحهم ~~بالاموال والاغداق عليهم بالنعم فامر لا مساغ له لأن فيه إحياء للطبقية ~~التي حاربها الاسلام وشجب جميع مظاهرها. # ويمضى الدكتور فى تصحيح سياسة عثمان ، ومشروعية هباته للصحابة PageV01P229 # وانه لم يخالف بذلك السنة الموروثة ، وإنما جرى على طبعه السخي ، ولم ~~يذكر هباته الضخمة ، وعطاياه الوافرة للامويين وآل أبي معيط فقد اعرض ~~سيادته عن ذلك ولم يذكره بقليل ولا بكثير ، وهو فيما نحسب من أهم الاسباب ~~التي أدت الى الانكار عليه ، لقد أهمل الدكتور هذه الناحية أما لأنه لم يجد ~~مجالا للاعتذار عنها أو انه لا يرى بأسا في ذلك كما لا يرى بأسا في عطاياه ~~للصحابة ، ومن المؤسف ان يسف فى ذلك ، ويبرر ما خالف السنة. ### || ولاته على الامصار # ويحتم الاسلام على خليفة المسلمين ، وولي أمرهم أن يجهد نفسه في اختيار ~~ذوي القابليات والمواهب ممن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة من العدالة والتقوى ~~، والنزاهة ، والنصح للرعية ، والسهر على صالحها ، ورعاية شئونها بأمانة ~~واخلاص ليجعلهم ولاة على الامصار والاقاليم ، ولا يجوز ان يولي أي احد مهما ~~كان قريبا له محاباة او اثرة فان ذلك خيانة لله ولرسوله ، وللمسلمين لأن ~~الولاة يتحملون مسئولية الحكم ، والقضاء بين الناس ، وادارة شئونهم ~~والاصلاح فيما بينهم ، والائتمان على أموالهم ودمائهم فلا بد ان يكونوا من ~~خيرة الرجال ومن اكثرهم دينا ms125 ، ووقوفا في الشبهات ، وأبعدهم عن الطمع ~~والحرص ، واصبرهم على تكشف الامور هذا هو رأي الاسلام ، وهذه خطته التي حفل ~~بها نظامه الخالد ، وقد ابتعد عثمان عن ذلك فعمد الى توظيف اسرته وذوى ~~قرباه الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الارض فسادا فحملهم على رقاب ~~المسلمين وأسند إليهم اهم الوظائف فجعلهم أمراء على الامصار والاقاليم ، ~~ونشير الى بعضهم مع بيان تراجمهم وهم : ### || 1 الوليد بن عقبة PageV01P230 # وكان على الكوفة واليا سعد بن أبي وقاص الزهري فعزله عثمان عنها وولى ~~عليها الوليد بن عقبة بن ابي معيط ولم يعهد الى اهل الكفاية والقدرة من ~~المهاجرين والانصار الذين احسنوا البلاء فى الاسلام ليتولوا شئون هذا المصر ~~الذي هو من اعظم امصار المسلمين أهمية وأكثرها ثغورا. # وعلى أي حال فهل ان الوليد كان خليقا لأن يعهد إليه بهذا المنصب الخطير ~~الذي يوكل إليه القضاء بين الناس وإتمامهم به في الصلاة ، والائتمان على ~~بيت المال وغير ذلك من الشؤون التي تتوقف على العدالة والتقوى والحريجة فى ~~الدين ونقدم عرضا موجزا لبعض شئونه ليتضح حاله وهي : ### || أنشأته # نشأ فى مجتمع جاهلي ، وتربى تربية جاهلية ، ولم يدخل بصيص من نور الاسلام ~~فى قلبه ، كان ابوه من ألد اعداء رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم روت عائشة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قال : كنت بين شر جارين بين أبي لهب وبين ~~عقبة بن ابي معيط ، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى أنهم ~~ليأتون ببعض ما يطرحونه من الاذى فيطرحونه على بابي (1) وقد بصق هذا اللعين ~~فى وجه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وشتمه ، فقال له النبي : إن وجدتك ~~خارجا من جبال مكة اضرب عنقك صبرا ، فلما كان يوم بدر وخرج اصحابه امتنع من ~~الخروج فقال له اصحابه اخرج معنا ، قال وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من ~~جبال مكة ان يضرب عنقى صبرا ، فقالوا له : لك جمل احمر لا يدرك فلو كانت ~~الهزيمة طرت عليه فخرج معهم ، فلما هزم الله المشركين حمل به ms126 جمله في جدود ~~من الارض فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم PageV01P231 # أسيرا في سبعين من قريش فقدم إليه فقال عقبة أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال ~~نعم بما بزقت في وجهي ، ثم أمر عليا فضرب عنقه (1) وقد اترعت نفس الوليد ~~بالحقد والكراهية من النبي صلى الله عليه وآلهوسلم لأنه قد وتره بأبيه ، ولما ~~لم يجد بدا من الدخول فى الاسلام اسلم ولكن قلبه كان مطمئنا بالكفر ~~والنفاق. ### || ب فسقه # ونطق القرآن الكريم بفسقه ، وعدم ايمانه مرتين « الاولى » انه جرت بينه ~~وبين امير المؤمنين مشادة ، فقال الوليد له : اسكت فانك صبي وأنا شيخ ، ~~والله اني ابسط منك لسانا ، وأحد منك سنانا ، واشجع منك جنانا ، وأملأ منك ~~حشوا في الكثيبة ، فقال له علي : اسكت فانك فاسق فانزل الله تعالى فيهما ~~قوله : ( @QUR@06 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ) (2) وقد نظم ذلك حسان بن ~~ثابت بقوله : # أنزل الله والكتاب عزيز %~% في علي وفى الوليد قرانا فتبوا الوليد من ذاك فسقا %~% وعلي مبوأ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف الله %~% كمن كان فاسقا خوانا فعلي يلقى لدى الله عزا %~% ووليد يلقى هناك هوانا سوف يجزى الوليد خزيا ونارا %~% وعلي لا شك يجزى جنانا (3) # « الثانية » أنه غش النبي وكذب عليه وذلك حينما ارسله في بنى المصطلق ، ~~فعاد الى النبي يزعم انهم منعوه الصدقة ، فخرج النبي PageV01P232 # صلى الله عليه وآلهوسلم إليهم غازيا فتبين له كذب الوليد ، ونزلت عليه الآية ~~بفسقه قال تعالى : ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (1) # ومع اعلان القرآن بفسقه وأثمه كيف يجوز أن يجعل حاكما على المسلمين ~~واماما لهم ومؤتمنا على أموالهم ودمائهم. ### || ج ولايته على الكوفة # واستعمله عثمان واليا على الكوفة بعد عزله لسعد ، فسار فيها سيرة عبث ~~ومجون وتهتك ، ولم يرع للدين حرمة ووقارا ، وأخذ يعيث فسادا في الارض حتى ~~ضجت الكوفة من مجونه واستهتاره وتذمر الاخيار والصلحاء من سوء سيرته. ### || د شربه للخمر # واقترف الوليد افحش جريمة ، وافظع ذنب ms127 فقد ثمل وصلى بالناس صلاة الصبح ~~أربع ركعات ، وصار يقول : في ركوعه وسجوده : اشرب واسقنى. ثم قاء فى ~~المحراب وسلم ، وقال هل ازيدكم؟ فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيرا ، ~~ولا من بعثك إلينا ، وأخذ فردة نعله ، وضرب به وجه الوليد ، وحصبه الناس ~~فدخل القصر والحصباء تأخذه ، وهو مترنح (2) وفي فعله يقول الحطيئة جرول بن ~~أوس العبسي : # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه %~% إن الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم %~% أأزيدكم؟ ثملا ولا يدرى PageV01P233 ليزيدهم خيرا ولو قبلوا %~% منه لزادهم على عشر فأبوا أبا وهب ولو فعلوا %~% لقرنت بين الشفع والوتر حبسوا عنانك اذ جريت %~% ولو خلوا عنانك لم تزل تجري (1) # وقال الحطيئة فيه أيضا : # تكلم في الصلاة وزاد فيها %~% علانية وجاهر بالنفاق ومج الخمر عن سنن المصلي %~% ونادى والجميع الى افتراق أزيدكم على أن تحمدوني %~% فما لكم وما لي من خلاق (2) # وهذه البادرة قد دلت على تهتكه ، وتماديه فى الاثم والفسوق ، فلم يرع ~~حرمة للصلاة التي هي من اهم الشعائر الدينية ، واعظمها حرمة عند الله رأي ~~طه حسين # ويعتقد طه حسين ان صلاة الوليد بالمسلمين ، وهو ثمل وزيادته فيها قصة ~~مخترعة لا نصيب لها من الصحة قد وضعها خصوم الوليد والصقوها به ويستدل على ~~ذلك أنه لو زاد فيها لما تبعته جماعة المسلمين من اهل الكوفة ، وفيهم نفر ~~من اصحاب النبي ، وفيهم القراء والصالحون ، ولما رضى المسلمون من عثمان بما ~~اقام عليه من حد الخمر ، فان الزيادة في الصلاة والعبث بها اعظم خطرا عند ~~الله وعند المسلمين من شرب الخمر ، كما يذهب الى ان الشعر الذي هجي به ~~الوليد لم يقله الحطيئة ، وانما قال الحطيئة شعرا يمدح به الوليد مدح حب ~~حريص على رضاه ، وذكر أبياتا قالها في مدحه والثناء عليه (3) والذي ذكره ~~الدكتور لا يمكن المساعدة PageV01P234 # عليه بوجه وذلك أولا ان النصوص قد تضافرت بذلك ودونها الكثير ممن ترجم ~~الوليد أو تعرض لأحداث عثمان فقد قال ابو عمر في الاستيعاب : « ان صلاته اي ~~الوليد بهم وهو سكران ms128 ، وقوله ازيدكم؟ بعد ان صلى الصبح اربعا مشهورة من ~~رواية الثقات من أهل الحديث وأهل الاخبار » وقال ابن حجر في الاصابة : « ~~قصة صلاته بالناس الصبح وهو سكران مشهورة مخرجة » وحكى أبو الفرج في ~~الاغاني ( 14 / 178 ) عن ابى عبيد والكلبي والاصمعي ان الوليد بن عقبة كان ~~زانيا شريب خمر فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح فى المسجد الجامع ~~فصلى بهم اربع ركعات ثم التفت إليهم ، وقال لهم ازيدكم؟ وتقيأ في المحراب ، ~~وقرأ بهم في الصلاة : # علق القلب الربابا %~% بعد ما شابت وشابا # إن التشكيك في هذا الحادث والاعتقاد بأنه من الموضوعات انكار للضروريات ، ~~وتشكيك في البديهيات وفي الهامش ثبت الى المصادر التي دونت ذلك ، وهي توجب ~~القطع بصحته ، وعدم الريب فيه (1) وثانيا إن الله تعالى هو العالم بسرائر ~~عباده ونياتهم ، وقد اعلن في كتابه الكريم فسق الوليد وفجوره في آيتين فلا ~~يستبعد منه بعد ذلك أن تصدر منه افحش الموبقات واعظم الجرائم وثالثا ان ~~صلحاء المسلمين وخيارهم PageV01P235 # قد انكروا عليه ونقموا منه وثاروا في وجهه ، فقد ضربه عبد الله بن مسعود ~~بنعله ، وحصبه الناس كما تقدم وخرج رهط من الكوفة فاستجاروا باعلام الصحابة ~~، لينقذوهم من امارة الوليد واستهتاره كما سنذكر ذلك وما زعمه الدكتور طه ~~حسين ان جماعة من المسلمين من أهل الكوفة قد تبعته وفيهم من أصحاب النبي ~~والصالحين ، قد غالط بذلك الحقائق التأريخية التي نصت على ما ذكرناه ورابعا ~~ان الحطيئة وان كان قد مدح الوليد واخلص له فانه لا ينافي أنه نقم منه ~~وهجاه على ارتكابه هذه الجريمة النكراء التي سود بها وجه التأريخ الاسلامى ~~والعربي. # إن الحطيئة عرف بالهجاء والمدح فهو قد يمدح شخصا يأمل منه البر والخير ~~فاذا لم يعطه هجاه وذمه فقد قصد بنى ذهل يسترفدهم ، ويستميحهم العطاء ، ~~ويقول في مدحهم : # إن اليمامة خير ساكنها %~% أهل القرية من بني ذهل قوم اذا انتسبوا ففرعهم %~% فرعي وأثبت أصلهم اصلي # فلم يعطوه شيئا فقال يهجوهم : # ان اليمامة شر ساكنها %~% أهل القرية من بني ذهل # وكان ms129 اذا غضب على بنى عبس يهجوهم ويقول انا من بنى ذهل وإذا غضب على بنى ~~ذهل يهجوهم ويقول لهم : أنا من بنى عبس ، وقد غضب على أمه فهجاها بقوله : # تنحي فاجلسى منى بعيدا %~% أراح الله منك العالمينا أغربالا اذا استودعت سرا %~% وكانونا على المحدثينا حياتك ما علمت حياة سوء %~% وموتك قد يسر الصالحينا PageV01P236 # والتمس انسانا يهجوه فلم يجده فانشأ يقول : # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما %~% بشر فما ادري لمن انا قائله # وجعل يردد البيت ، ولا يرى انسانا حتى اذا طلع على حوض فرأى وجهه فقال : # أرى لي وجها شوه الله خلقه %~% فقبح من وجه وقبح حامله (1) # هذا هو الحطيئة فهل خفى حاله على الدكتور حتى يستبعد منه ان يمدح الوليد ~~ويهجوه؟ # وعلى أي حال فان طه حسين قد حاول تبرير الوليد ، وتنزيهه عن الموبقات ~~والآثام وإلحاقه بالامراء الصالحين الذين لم يجوروا عن القصد فى حكمهم وقد ~~قال فيه ما نصه : # « إن الوليد قد سار في اثناء ولايته على الكوفة سيرة فيها كثير جدا من ~~الغناء وحسن البلاء. فهو لم يقصر في سد الثغور والامعان فى الفتح ، وإنما ~~بلغ من ذلك غاية عرفت له وتحدث بها الناس في حياته وبعد موته وهو قد ساس ~~الكوفة سياسة حزم وعزم ومضاء ، فاقر الامن ، وضرب على ايدي المفسدين من ~~الاحداث والذين لا يرعون للنظام حرمة ، ولا يرجون للدين وقارا. » (2) # وهل يستطيع الدكتور ان يثبت ذلك ويدلنا على معالم تلك السياسة الرشيدة ~~التي سار عليها الوليد وتحدث الناس بها في حياته وبعد وفاته ، ولو كان ~~الامر كما ذكره لما قام سعيد بن العاص الذي عينه عثمان واليا على الكوفة ~~بعد عزله للوليد بغسل المنبر تحرجا من موبقات الوليد PageV01P237 # وآثامه. نعم لقد تحدث الناس ، ولا زالوا يتحدثون عن مهازل الحكم الاموي ~~الذي بنى على الاثرة والاستغلال والتحكم فى رقاب المسلمين ، وخيانة الامة ، ~~وقهرها واذلالها باستعمال الوليد وأمثاله من الماجنين والمستهترين حكاما ~~وولاة عليها وإنا لنأسف من الدكتور ان يدافع عن هؤلاء الخونة الذين هم صفحة ~~عار ms130 وخزي على الامة العربية والاسلامية. ### || ه اقامة الحد عليه # واسرع قوم من الكوفيين ممن يهمهم الاصلاح الى يثرب ليعرضوا على عثمان ~~جريمة الوليد ، وانتهاكه لحرمة الاسلام ، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي ~~انتزعوه منه وهو في حالة السكر ، ولما انتهوا الى يثرب قابلوا عثمان ، ~~وشهدوا عنده ان الوليد قد شرب الخمر فزجرهم عثمان وقال لهم : # « وما يدريكما أنه شرب خمرا؟. » # « هى الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية » # وأخرجوا له خاتمه الذي انتزعوه منه ، فثار عثمان ، وقام فدفع في صدورهم ، ~~وقابلهم بأمر القول ، فانطلقوا الى امير المؤمنين (1) وأخبروه بالامر فأقبل ~~الامام الى عثمان وقال له : PageV01P238 # « دفعت الشهود وأبطلت الحدود؟ » # « ما ترى؟ » # « أرى ان تبعث الى صاحبك فان اقاما الشهادة في وجهه ، ولم يدل بحجة أقمت ~~عليه الحد. » # ولم يجد عثمان بدا من الاذعان ، والاستجابة لقول الامام فكتب الى الوليد ~~يأمره بالشخوص إليه ، ولما وصلت رسالته إليه نزح عن الكوفة فانتهى الى يثرب ~~، ودعا عثمان الشهود فأقاموا عليه الشهادة ، ولم يدل الوليد بأي حجة يدافع ~~بها عن نفسه ، وامتنع حضار المجلس من القيام بحده نظرا لقربه من عثمان ، ~~فانبرى امير المؤمنين فأخذ السوط ودنا منه فسبه الوليد ، وقال : يا صاحب ~~مكس (1) فاندفع عقيل بن أبي طالب ، فرد على الوليد قائلا : # « إنك لتتكلم يا بن ابي معيط ، كأنك لا تدري من أنت ، وأنت علج من أهل ~~صفورية وهى قرية بين عكة واللجون من اعمال الاردن من بلاد طبرية ، كان ~~ذكوان اباه يهوديا منها # وجعل الوليد يروغ من الامام فاجتذبه ، وضرب به الارض وعلاه بالسوط ، فثار ~~عثمان ، وقد علاه الغضب فقال للامام : # « ليس لك ان تفعل به هذا .. » # « بلى وشر من هذا اذا فسق ومنع حق الله ان يؤخذ منه .. » (2) # واقام الامام عليه الحد وكان اللازم بعد هذا الحادث أن يبعده عثمان ولا ~~يقربه إليه حتى يرتدع هو وغيره من ارتكاب المنكر والفساد ولكنه PageV01P239 # لم يلبث ان رق عليه وولاه صدقات كلب ، وبلقين (1) وكيف يؤتمن هذا الخليع ~~الفاسق على صدقات المسلمين وأموالهم؟ # إن الامصار الاسلامية ms131 التي استجد تأسيس بعضها ، والتي لم يستجد تأسيسها ~~كان يقيم فيها العربي وغيره من النازحين عن أوطانهم لطلب الرزق والعيش ، ~~والاسرى الذين كانوا يقيمون مع الفاتحين وكل اولئك كانوا جديدى عهد ~~بالاسلام فكانوا ينتظرون من خليفة المسلمين وولي أمرهم ان يستعمل عليهم ~~رجالا اترعت نفوسهم بالتقوى والصلاح ، وتوفرت فيهم النزعات الخيرة ليكونوا ~~قدوة لهم وهداة قبل ان يكونوا حكاما وامراء ولكن عثمان آثر في الحكم بنى ~~أمية وآل أبي معيط وهم لا يمثلون إلا الترف والدعارة والبطالة والفراغ ~~والتهالك على اللذة والمجون. ### || 2 سعيد بن العاص # وبعد ان اقترف الوليد تلك الجريمة النكراء اقصاه عثمان عن امارة الكوفة ~~على كره منه ، وكان من المتوقع ان يسند الحكم الى أحد اعلام الصحابة من ~~الذين أبلوا فى الاسلام بلاء حسنا ، ولكنه عمد الى سعيد ابن العاص فولاه ~~هذا المصر العظيم ، وقد استقبله الكوفيون بالكراهية وعدم الرضا لأنه كان ~~شابا مترفا (2) لا يتحرج من الاثم ولا يتورع من الإفك روى ابن سعد أنه قال ~~مرة في فطر رمضان بعد أن ولي المصر من رأى منكم الهلال؟ فقال إليه هاشم بن ~~عتبة الصحابي العظيم « انا رأيته » # فوجه إليه لاذع القول وأقساه قائلا : # « بعينك هذه العوراء رأيته؟! » PageV01P240 # فالتاع هاشم واجابه # « تعيرني بعينى ، وإنما فقئت في سبيل الله وكانت عينه اصيبت يوم اليرموك ». # واصبح هاشم في داره مفطرا عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : « ~~صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته » وفطر الناس لإفطاره ، وبلغ ذلك سعيدا ، ~~فأرسل إليه وضربه ، وحرق داره ، وقد أثار حفائظ النفوس بهذا الاعتداء ~~الصارخ على علم من أعلام الاسلام. # وأثر عنه انه قال : إنما السواد اي سواد الكوفة بستان لقريش فقام إليه ~~الاشتر فقال له : أتجعل مراكز رماحنا ، وما أفاء الله علينا بستانا لك ~~ولقومك؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه ، وانضم الى الاشتر قراء ~~المصر وفقهاؤهم فأيدوا مقالته ، وغضب صاحب شرطة سعيد فرد عليهم ردا غليظا ~~فقاموا إليه فضربوه ضربا منكرا حتى اغمي عليه ، وقاموا من مجلسه وهم يطلقون ms132 ~~ألسنتهم بنقده ، ويذكرون مثالب عثمان ، وسيئات قريش ، وجرائم بنى أمية وكتب ~~سعيد الى عثمان بخبره بأمر هؤلاء ، فأجابه عثمان ان يسيرهم الى الشام ، ~~وكتب في نفس الوقت الى معاوية يأمره باستصلاحهم. # والمهم ان هؤلاء لم يرتكبوا اثما او فسادا ، ولم يقترفوا جرما حتى ~~يستحقوا هذا التنكيل والنفى وانما نقدوا اميرهم لأنه شذ عن الطريق ، وقال ~~غير الحق ، والاسلام قد منح الحرية التامة للمواطنين ، ومنها حرية النقد ~~للحاكمين إن سلكوا غير الجادة ، وعدلوا عن الطريق القويم ، فعلى اي وجه ~~يصحح نفيهم عن اوطانهم وهم لم يخلعوا يدا عن طاعة ولم يفارقوا جماعة .. ~~وعلى أي حال فقد اخرجهم سعيد بالعنف ، وأرسلهم الى الشام PageV01P241 # الى بلد لا يألفون الى اهلها ولا يسكنون الى من فيها ، وتلقاهم معاوية ~~فانزلهم في كنيسة ، واجرى عليهم بعض الرزق ، وجعل يناظرهم ، ويعظهم ولكنه ~~لم ينجح في اقناعهم ، فقد كان منطقهم منطق الاحرار ، فأي ، مزية تمتاز بها ~~قريش حتى يكون السواد ملكا لها ، وأي مأثرة صدرت لها حتى تمتاز على بقية ~~العرب والمسلمين ، ولما يئس منهم معاوية كتب الى عثمان يستعفيه من بقائهم ~~فى الشام خوفا من ان يفسدوا أهلها عليه ، فأعفاه عثمان وأمره ان يردهم الى ~~الكوفة ، فعادوا إليها وهم مصرون على نقد الحكم القائم وأطلقوا السنتهم في ~~ذكر مثالب سعيد ومعاوية وعثمان وأعاد سعيد الكتابة الى عثمان يطلب منه ~~ابعاد القوم عن مصرهم ، فأجابه عثمان الى ذلك ، وأمره ان ينفيهم الى حمص ~~والجزيرة فاخرجهم من وطنهم الى حمص ، فقابلهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ~~عامل معاوية على حمص اعنف لقاء وأشده ، وأخذ يسومهم سوء العذاب ، ويقابلهم ~~بأغلظ القول وأفحشه ، وكان اذا ركب أمر بهم فساروا حول ركابه ، ليظهر ~~هوانهم واذلالهم ، ويغري الناس بانتقاصهم ولما رأوا تلك القسوة اظهروا ~~الطاعة وأعلنوا التوبة ، وطلبوا منه ان يقيلهم من ذنوبهم فأقالهم ، وكتب ~~الى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله العفو عنهم فأجابه الى ذلك وردهم الى الكوفة ~~ونزح سعيد بن العاص الى يثرب في مهمة له فوجد القوم هناك يشكونه الى ms133 عثمان ~~ويسألونه عزله ، ولكن عثمان ابى وامتنع من اجابتهم ، وأمره ان يرجع الى ~~عمله فقفل القوم راجعين الى مصرهم قبله فاحتلوا الكوفة وأقسموا ان لا ~~يدخلها سعيد ما حملوا سيوفهم ، ثم خرجوا في جمع بقيادة الاشتر حتى بلغوا ~~الجرعة ، فانتظروا سعيدا فلما أقبل ردوه ومنعوه من دخول المصر ، وأجبروا ~~عثمان على عزله وتولية غيره فاستجاب عثمان على PageV01P242 # كره منه لذلك. (1) # والمهم ان عثمان قد نكل بالناقدين لسعيد بن العاص وهم قراء المصر وفقهاؤه ~~ونفاهم عن اوطانهم وبالغ في ارهاقهم من أجل شاب طائش لأنه من ذويه واسرته ~~الامر الذي أوجب شيوع التذمر وانتشار السخط عليه ، وكراهية الامة لحكمه. ### || 3 عبد الله بن عامر # وعزل عثمان أبا موسى الاشعري عن ولاية البصرة ، واختار لها ابن خاله عبد ~~الله بن عامر بن كريز (2) فولاها اياه وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة (3) ~~وبلغ ذلك ابا موسى فقال للناس : « يأتيكم غلام خراج ولاج ، كريم الجدات ~~والخالات والعمات يجمع له الجندان. (4) # والمهم أنه ولاه هذا المصر العظيم وهو شاب حدث السن ، وكان الاولى ان ~~يختار له من خيار الصحابة وثقاتهم ليستفيد الناس من هديه وصلاحه ، ولكنه ~~عمد الى اختيار هذا الفتى لأنه ابن خاله ، وقد سار في اثناء ولايته سيرة ~~ترف وبذخ ، فكان كما قال الاشعري ولاجا خراجا فهو أول من لبس الخز في ~~البصرة ، وقد لبس جبة دكناء فقال الناس : لبس الامير جلد دب ، فغير لباسه ~~ولبس جبة حمراء (5) وقد انكر عليه PageV01P243 # عامر بن عبد الله التميمي الزاهد العابد وعاب عليه سياسته كما عاب على ~~عثمان فقد روى الطبري : انه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان ، ~~وما صنع فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره باحداثه فارسلوا ~~إليه عامر بن عبد الله ، ولما التقى به قال له : # « إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في اعمالك فوجدوك قد ركبت امورا ~~عظاما ، فاتق الله عز وجل وتب إليه ، وانزع عنها. » # فاحتقره عثمان وقد لسعه قوله فقال لمن حوله : # « انظروا الى هذا فان الناس ms134 يزعمون انه قارة ثم هو يجيء فيكلمنى في ~~المحقرات ، فو الله ما يدري أين الله؟. » # فقال له عامر : أنا لا أدري اين الله؟ # نعم # اني لأدرى أن الله بالمرصاد # وارسل عثمان الى مستشاريه وعماله فعرض عليهم الامر فأشار عليه عبد الله ~~بن عامر فقال له : # « رأيي لك ، يا أمير المؤمنين ان تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وان تجمهرهم ~~فى المغازي حتى يذلوا لك ، فلا يكون همة احدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبر ~~دابته وقمل فروته .. » # واشار عليه آخرون بغير ذلك إلا انه استجاب الى رأى عبد الله فرد عماله ، ~~وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث ، كما عزم ~~على تحريم اعطياتهم ليطيعوه ، ويحتاجوا إليه. (1) # ولما وصل عبد الله بن عامر الى البصرة عمد الى التنكيل بعامر بن PageV01P244 # عبد الله ، فقد اوعز الى عملائه واذنابه أن يشهدوا عنده بأن عامرا قد ~~خالف المسلمين في امور أحلها الله فهو لا يأكل اللحم ، ولا يرى الزواج ولا ~~يشهد الجمعة (1) ورفع تقريرا الى عثمان فامره بنفيه الى الشام على قتب فحمل ~~إليها ، وانزله معاوية ( الخضراء ) وبعث إليه بجارية ، وأمرها ان تتعرف على ~~حاله وتكون عينا عليه ، فرأت أنه يقوم في الليل متعبدا ويخرج من السحر فلا ~~يعود إلا بعد العتمة ولا يتناول من طعام معاوية شيئا ، وكان يجىء بكسر من ~~الخبز وبجعلها فى ماء ، ويشرب من ذلك الماء ، فأخبرته الجارية بشأنه ، فكتب ~~معاوية الى عثمان بأمره ، فأوعز إليه بصلته (2) # وقد نقم المسلمون من عثمان لأنه نفى رجلا من صلحاء المسلمين (3) وأبعده ~~عن اهله ووطنه لأنه نقد عماله وعاب ولاته ، وليس لولي الامر الصلاحية في ~~هذا النفي فانه إنما شرع لمن حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا. # وعلى اي حال فان عبد الله بن عامر ظل واليا على البصرة الى أن قتل عثمان ~~فلما سمع بمقتله نهب ما في بيت المال ، وسار الى مكة فوافى بها طلحة ~~والزبير وعائشة فانضم إليهم ، وأمد المتمردين بالاموال ، وكان من عزمهم ان ~~يتوجهوا الى ms135 الشام إلا انه صرفهم عنه ، وأشار عليهم بالمسير الى البصرة (4) PageV01P245 ### || 4 معاوية بن أبي سفيان # ومعاوية بن أبي سفيان اكثر ولاة عثمان حظا ، وأعظمهم نفوذا ، واسبقهم ~~امرة كما ان شعبه من اكثر الشعوب طاعة واخلاصا له قد أحبه وأحبهم ، وقد ~~منحه عمر بالامارة ، وحباه بالولاية ، وأيده بجميع ألوان التأييد فرفع شأنه ~~، وأعلا قدره فكان في كل سنة يحاسب عماله ، ويشاطرهم أموالهم وان اكتسبوها ~~بالتجارة او ربحوها بسائر الوجوه المشروعة ، سوى معاوية فانه لم يحاسبه ، ~~ولم يشاطره ، ولم يتفقد اموره وانما كان يضفى عليه المديح والثناء ، ويبالغ ~~في تسديده والاعتذار عنه ، فكانوا يقولون له : إنه يلبس الديباج والحرير ~~وهو لباس محرم في الاسلام ، وانه يسرف ويبذخ وهو مجاف للنظم الادارية التي ~~جاء بها الاسلام فانها تلزم الولاة بالاقتصاد وعدم البسط في العيش من أموال ~~المسلمين. # كانوا يقولون لعمر ذلك : فيعتذر عنه ، ويقول : ذاك كسرى العرب ، ولو ~~فرضنا انه كان كذلك فهل يباح له أن يلبس المحرم ، ويسرف في أموال المسلمين؟ ~~ولم يكتف بهذا المد والتأييد ، فقد نفخ فيه روح الطموح ، وفتح له باب الامل ~~بالخلافة ، فقد قال لأعضاء الشورى : « ان تحاسدتم وتقاعدتم ، وتدابرتم ، ~~وتباغضتم ، غلبكم على هذا معاوية بن ابي سفيان ، وكان إذ ذاك أميرا على ~~الشام (1) وقد دفعه ذلك الى الاتجاه للخلافة ، واتخاذ جميع الوسائل للظفر ~~بالحكم ، واعلانه للتمرد على حكومة الامام أمير المؤمنين ، ومناجزته له ، ~~كما سنذكر ذلك بالتفصيل في غضون هذا الكتاب. # وعلى اي حال فقد ظل معاوية واليا على الشام والاردن طيلة خلافة PageV01P246 # عمر يتصرف حيثما شاء ، قد استأثر بالاموال فشرى بها الضمائر ، واحاط نفسه ~~بالاتباع لا رقيب عليه ، ولم توجه له اي مسئولية ، وانما يرى التسديد ، ~~والمديح والرضا بما يعمل ، وبعد وفاة عمر أقره عثمان على عمله ، وزاد في ~~سلطانه فضم إليه فلسطين بعد موت عاملها عبد الرحمن ابن علقمة الكناني ، كما ~~ضم إليه حمص بعد ان استعفاه عاملها عمير بن سعد الانصاري ، وبذلك خلصت له ~~ارض الشام كلها ، واصبح من اعظم الولاة قوة ، ومن اكثرهم ms136 نفوذا ، واصبح ~~قطره من اهم الاقطار الاسلامية وامنعها واكثرها هدوءا واستقرارا. # ومما لا شبهة فيه ان عثمان قد زاد في نفوذه ، ووسع رقعة سلطانه ، ومهد له ~~نقل الخلافة الاسلامية الى آل ابي سفيان ، وقد صرح بذلك الدكتور طه حسين ~~قال ما نصه : # « وليس من شك في ان عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة ~~ذات يوم الى آل أبي سفيان وتثبيتها في بنى أمية. فعثمان هو الذي وسع على ~~معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص ، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة ~~الارجاء ، وجمع له قيادة الاجناد الاربعة ، فكانت جيوشه أقوى جيوش ~~المسلمين. ثم مد له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر ، واطلق يده ~~فى امور الشام اكثر مما اطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر معاوية فاذا هو ~~أبعد الامراء بالولاية عهدا وأقواهم جندا وأملكهم لقلب رعيته. » (1) # إن عثمان قد عبد له الطريق ، وأتاح له الفرصة لمنازعة أمير المؤمنين ~~ومحاربته ، وارتكابه لفظائع المنكرات والموبقات ، وقتله صلحاء المسلمين PageV01P247 # وثقاتهم كحجر بن عدي واخوانه المؤمنين ، وغير ذلك من المآثم والجرائم ### || 5 عبد الله بن سعد # وحبا عثمان اخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح بولاية مصر ، ~~ومنحه إمارة هذا القطر العظيم فجعل بيده امر صلاته وخراجه (1) وقبل ذلك ~~منحه الاموال الطائلة ، ووهبه خمس غنائم إفريقية ، ولم يكن خليقا بذلك كله ~~لأن له تأريخا أسودا حافلا بالآثام والموبقات فقد ارتد مشركا بعد اسلامه ، ~~وصار الى قريش بمكة يسخر بالنبي ويقول لهم : اني اصرفه حيث اريد ، واهدر ~~النبي دمه يوم الفتح ، وان وجد متعلقا باستار الكعبة ، ففر الى عثمان ، ~~واستجار به فغيبه ، وبعد ما اطمأن أهل مكة أتى به الى النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فصمت طويلا ثم آمنه وعفا عنه فلما انصرف عثمان قال ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : ما صمت الا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ، ~~فقال له رجل من الانصار : هلا أومأت الي يا رسول الله؟ فقال : إن النبي لا ~~ينبغى ان تكون ms137 له خائنة الاعين (2) # ونزل القرآن الكريم بكفره وذمه قال تعالى : ( @QUR@022 ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله ) (3) واجمع المفسرون أنه هو المعنى بهذه الآية ، وسبب ذلك ~~انه لما نزلت الآية ( @QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) دعاه ~~النبي فأملاها عليه فلما انتهى الى قوله : ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر ) ~~عجب عبد الله فى تفصيل خلق الانسان فقال : تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال PageV01P248 # النبي : هكذا انزلت علي فشك عبد الله ، وقال : لئن كان محمد صادقا لقد ~~اوحي الي كما اوحى إليه ، وإن كان كاذبا لقد قلت كما قال : فارتد عن ~~الاسلام ولحق بالمشركين (1) # أمثل هذا المرتد الذي سخر بالنبي ورجع عن حظيرة الاسلام يكون واليا على ~~المسلمين وتسلم له قيادتهم ، ويكون مؤتمنا على أموالهم ، ودمائهم إن ذلك ~~والله هو الرزء القاصم الذي يذيب لفائف القلوب ، وتذوب النفوس من هوله اسى ~~وحسرات ، أتعطي امارة المسلمين ، وتمنح اقطارهم وامصارهم الى اعداء الاسلام ~~وخصومه الذين لم يألوا جهدا في البغى على الاسلام والكيد له فانا لله وإنا ~~إليه راجعون. # وعلى اي حال فقد مكث الرجل واليا على مصر سنين ، وكلف المصريين فوق ما ~~يطيقون ، وساسهم سياسة عنف وجور ، واظهر الكبرياء والغطرسة ، فضجر الناس ~~منه ، وسئموا حكمه فخف أخيارهم يشكونه الى عثمان فبعث إليه رسالة يتهدده ~~فيها ، ويتوعده بالعزل ان لم يئوب الى الرشاد ولكنه ابى أن ينزع عما نهاه ، ~~ونكل بمن شكاه الى عثمان حتى قتله فخرج سبع مائة رجل من مصر الى يثرب ~~فنزلوا الجامع ، وشكوا الى اصحاب النبي ما صنع بهم ابن ابي سرح ، فانبرى ~~طلحة الى عثمان فكلمه بكلام شديد ، وأرسلت إليه عائشة ان ينصف القوم من ~~عاملهم ، ودخل عليه أمير المؤمنين فقال له : # « إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل ، وقد ادعوا قبله دما فأعزله عنهم ، ~~واقض بينهم ، فان وجب عليه حق فانصفهم منه ». # فاستجاب لذلك ، وقال لهم : اختاروا رجلا اوليه عليكم مكانه ، PageV01P249 # فاشار الناس عليه ms138 بمحمد بن ابي بكر فكتب عهده الى مصر ، ووجه معه عدة من ~~المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن ابي سرح (1) ونزحوا عن يثرب ~~فلما بلغوا الى المحل المعروف ( بحمس ) وإذا بقادم من المدينة تأملوه فاذا ~~هو ورش غلام عثمان فتفحصوا عن حاله واذا يحمل رسالة الى ابن ابي سرح يأمره ~~التنكيل بالقوم ، تأملوا الكتاب فاذا هو بخط مروان ، فرجعوا الى يثرب ، ~~وصمموا على خلع عثمان او قتله. # إن عثمان قد سمى لحتفه بظلفه ، وجر البلاء لنفسه ، وعرض الامة للخطوب ~~والويلات في سبيل اسرته ، وتدعيم كيانها ، ولو أنه استجاب لرأي الامام ، ~~والناصحين له فاقصى بنى أمية عن مراكز الحكم لكان بمنجاة عن تلك الثورة ~~التي اودت بحياته ، وفتحت باب الفتن بين المسلمين ، وفرقت كلمتهم ، وجعلتهم ~~احزابا ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ~~عماله وولاته الذين ما استعملهم الا اثرة ومحاباة. ### || تنكيله بالصحابة : # ونكل عثمان بخيار المسلمين وثقاتهم من الذين أبلوا في الاسلام بلاء حسنا. ~~وساهموا فى بنائه ، لأنهم عابوا عليه سياسته ، وطلبوا منه أن يسير على ~~المحجة البيضاء ، ويهتدي بسنة الرسول ، ويقتفى اثره ، فلم يستجب لارشادهم ~~ولم يثب لنصحهم ، فشددوا عليه فى المعارضة والنكير فصب عليهم جام غضبه ، ~~وبالغ في اضطهادهم وارهاقهم ، وهم كما يلي : ### || 1 عبد الله بن مسعود # وعبد الله بن مسعود اشبه الناس هديا وسمتا برسول الله صلى الله PageV01P250 # عليه وآله (1) ويقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : « من سره ان ~~يقرأ القرآن غضا او رطبا كما انزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد » (2) ~~واثنى عليه قوم عند أمير المؤمنين فقال عليه السلام : أقول فيه مثل ما قالوا ~~: وهو أفضل من قرأ القرآن ، وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، فقيه فى الدين ، ~~عالم بالسنة (3) وهو ممن نزلت فيهم الآية الكريمة (4) ( @QUR@015 الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم ) (5) وهو أيضا ممن نزلت فيهم الآية (6) قال تعالى : ( @QUR@025 ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ms139 عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) (7) # ان عبد الله بن مسعود من أقطاب المسلمين فى هديه ، وصلاحه ، وورعه ، ~~وتحرجه فى الدين ، سيره عمر فى عهده الى الكوفة مع عمار بن ياسر ، وكتب ~~لأهل الكوفة كتابا جاء فيه : # « إني قد بعثت عمار بن ياسر اميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما ~~من النجباء من اصحاب رسول الله من اهل بدر فاقتدوا بهما ، واطيعوا PageV01P251 # واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى (1) # وبقى ابن مسعود فى الكوفة طيلة خلافة عمر وهو يفقه المسلمين فى دينهم ، ~~ويعلمهم كتاب الله ، ويغذيهم بمعارف الاسلام وهديه ويرشدهم الى سواء السبيل ~~، وكان في نفس الوقت خازنا لبيت المال ، ولما آل الامر الى عثمان وبعث ~~الوليد واليا على الكوفة جرت بينه وبين الوليد مشادة ذكرناها عند البحث عن ~~امارة الوليد على الكوفة أوجبت أن يستقيل من منصبه وبقى فى الكوفة وقتا ثم ~~غادرها فشيعه الكوفيون وحزنوا على فراقه ، وقالوا له عند وداعه : # « جزيت خيرا فلقد علمت جاهلنا ، وثبت عالمنا ، وأقرأتنا القرآن وفقهتنا ~~في الدين ، فنعم أخو الاسلام أنت ، ونعم الخليل » # ثم ودعوه وانصرفوا وواصل ابن مسعود المسير حتى انتهى الى يثرب وكان عثمان ~~على منبر رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يخطب فلما رآه قال للمسلمين وأشار ~~الى ابن مسعود « ألا انه قدمت عليكم دويبة سوء ، من يمشي على طعامه يقىء ~~ويسلح .. » # أيشتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم بهذا الكلام المر ، ويقابل ~~بمثل هذه الجفوة من أجل الوليد الذي خان الله ورسوله ونهب أموال المسلمين؟! ~~ورد عليه ابن مسعود قائلا : # « لست كذلك ، ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يوم بدر ، ويوم ~~بيعة الرضوان. » # وقد اثار كلام عثمان حفائظ النفوس فاندفعت عائشة تعلن انكارها وسخطها ~~عليه قائلة : PageV01P252 # « أي عثمان. اتقول هذا لصاحب رسول الله؟! » # وأمر عثمان جلاوزته فاخرجوا الصحابي العظيم من المسجد اخراجا عنيفا ، ~~وقام إليه عبد الله بن زمعة فضرب به الارض ، وقيل بل ms140 احتمله « يحموم » غلام ~~عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الارض فدق ضلعه. # وثار أمير المؤمنين فانبرى الى عثمان فقال له : # يا عثمان ، أتفعل هذا بصاحب رسول صلى الله عليه وآلهوسلم بقول الوليد بن عقبة؟؟ # ما بقول الوليد فعلت هذا ، ولكن وجهت زبيد بن الصلت الكندي الى الكوفة ، ~~فقال له ابن مسعود : إن دم عثمان حلال # احلت عن زبيد على غير ثقة!! (1) # وحمل امير المؤمنين ابن مسعود الى منزله فقام برعايته حتى أبل من مرضه ، ~~فقاطعه عثمان ، وهجره ، ولم يأذن له في الخروج من يثرب ، كما قطع عطاءه ، ~~ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفى فيه فدخل عليه عثمان عائدا فقال له : # ما تشتكي؟ # ذنوبي # فما تشتهي؟؟ # رحمة ربي # ألا ادعو لك طبيبا؟ # الطبيب امرضني PageV01P253 # آمر لك بعطائك # منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينه وأنا مستغن عنه # يكون لولدك # رزقهم على الله # استغفر لي يا ابا عبد الرحمن؟ # أسأل الله ان يأخذ لي منك بحقى # وانصرف عثمان ولم يظفر برضائه ولما ثقل حاله اوصى ان لا يصلي عليه عثمان ~~، وان يصلي عليه صاحبه عمار بن ياسر ، ولما انتقل الى دار الحق قامت الصفوة ~~من اصحابه بأمره فدفنوه بالبقيع ، ولم يخبروا عثمان فلما علم غضب وقال : ~~سبقتموني ، فرد عليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر قائلا : # « انه اوصى ان لا تصلي عليه .. » # وقال ابن الزبير : # لأعرفنك بعد الموت تندبني %~% وفى حياتي ما زودتني زادي (1) # لقد صب عثمان جام غضبه على ابن مسعود فاهانه وحقره وجفاه ، وقطع عطاءه ، ~~واوعز الى شرطته بضربه ، وفرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب ، ولم يرع شبهه ~~بالنبي فى هديه وسمته ، وماله من عظيم الجهاد وحسن البلاء في الاسلام ، لقد ~~نقم منه عثمان لأنه انكر عليه منحه للوليد أموال المسلمين وهو خازن لها ، ~~ولم يجد اي مبرر لهذا التلاعب في ميزانية الدولة ، فراح بوحى من دينه ~~وعقيدته ينكر عليه ويشجب تصرفاته PageV01P254 ### || 2 أبو ذر # وأبو ذر أعظم شخصية عرفها التأريخ الاسلامى فقد تجسدت فيه جميع طاقات ~~الاسلام ، وعناصره ومقوماته ms141 ، ووعى حقيقة الاسلام ، وتغذى بجوهره وواقعه ، ~~وهو اقدم من سبق الى اعتناقه والايمان به (1) وجهر بالشهادتين أمام قريش ~~فانبرت إليه عتاتهم فأوجعوه ضربا ، والهبوا جسمه بالسياط حتى كاد أن يتلف ~~(2) ولم يثنه ذلك فقد انطلق كالمارد الجبار يدعو قومه الى الاسلام ، وهجر ~~الاوثان ، وكان من ابرز الصحابة في علمه وورعه وتقواه وزهده وتحرجه في ~~الدين ، وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم أنه قال فيه : # « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر ، من ~~سره أن ينظر الى زهد عيسى بن مريم فلينظر الى ابي ذر .. » (3) # لقد كان ازهد الناس فى الدنيا ، وأقلهم احتفالا بمنافعها ، وأشدهم خوفا ~~من الله وانصرافا عن اباطيل الحياة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر الى احد (4) وهو أحد ~~الثلاثة الذي أحبهم الله ، وامر نبيه بحبهم (5) كما انه احد PageV01P255 # الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنة (1). # ولما حدثت الفتن ، واستأثر عثمان مع بني أمية بأموال المسلمين فكنزوا ~~لأنفسهم ، واكثروا من شراء الضياع وبناء القصور وقف أبو ذر عملاق الامة ~~الاسلامية فأخذ يندد ، ويهدد عثمان ، ويدعو المسلمين الى الثورة ، وقلب ~~الحكم ، واعادة النظام الاسلامي الحافل بكل مقومات النهوض والارتقاء وتطبيق ~~سياسته البناءة على واقع الحياة. # إن صيحة ابي ذر كانت صيحة رجل يقظ وعى الاسلام ، ووقف على اهدافه ، واحاط ~~بواقعه فانه ليس من الاسلام فى شيء أن تستغل أموال المسلمين ، وتمنح للوجوه ~~والاعيان ، فيمعنون في التلذذ والاسراف وقد اخذ الفقر بخناق المسلمين ، ~~وعمت في بلادهم المجاعة والفاقة والبطالة فانكر أبو ذر ذلك ، واندفع بوحي ~~من عقيدته الى تلك الصيحة التي دوخت عثمان وانكرها المستغلون من اتباعه. ~~يقول الاستاذ السيد قطب : « إن صيحة ابي ذر كانت دفعة من دفعات الروح ~~الاسلامى أنكرها الذين فسدت قلوبهم ولا يزال ينكرها امثالهم من مطايا ~~الاستغلال فى هذه الايام ، لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير لم تخدره الاطماع ~~امام تضخم فاحش فى الثروات يفرق الجماعة الاسلامية ms142 طبقات ، ويحطم الاسس ~~التي جاء هذا الدين ليقيمها .. » (2) # وانطلق أبو ذر يوالي انكاره ، ومعارضته للحكم القائم لا يعبأ به ، ولا ~~يبالي بشدة ارهابه وقسوته فكان يقف على اولئك الذين منحهم عثمان بهباته ~~فيتلو قوله تعالى : ( @QUR@06 والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها PageV01P256 # @QUR@06 في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) ورفع ذلك مروان بن الحكم الى ~~عثمان فارسل إليه ينهاه عن ذلك فقال أبو ذر : # « اينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله ... فو الله لأن ارضي الله بسخط ~~عثمان أحب الي وخير لي من أن اسخط الله برضاه .. » # فالتاع عثمان من ذلك ، ولكنه كظم غيظه ، وقد أعياه امر ابي ذر وضاق به ذرعا. ### || نفيه الى الشام # واستمر صاحب رسول الله في اداء رسالته الاصلاحية لم يصانع ولم يحاب ، ~~وانما يبغي الحق ويلتمس وجه الله ورضاه ، وقد وجد عليه عثمان وامر بنفيه ~~الى الشام ، ويقول الرواة : إن السبب في ذلك هو ان عثمان سأل حضار مجلسه ~~فقال لهم : # « أيجوز ان يأخذ من المال فاذا ايسر قضى؟ » # فانبرى كعب الاحبار فأجاب عن سؤاله فقال : # « لا ارى بذلك بأسا .. » # ولما رأى أبو ذر كعب الاحبار يتدخل في امور الدين وهو يهودي النزعة ، ~~ويشك في اسلامه غضب من ذلك ورد عليه قائلا : # « يا ابن اليهوديين. أتعلمنا ديننا؟ » # فثار عثمان وقال له : # « ما اكثر أذاك ، وأولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبك في الشام. » # وذهب أبو ذر الى الشام ، فلما انتهى إليها ورأى منكرات معاوية وبدعه جعل ~~ينكر على معاوية ويندد بالسياسة الاموية ، ويذيع مساوئ PageV01P257 # عثمان وبعد سيرته عن سيرة الرسول وسنته ، وقد نقم من معاوية حينما قال : ~~المال مال الله ، فقال له : المال مال المسلمين ، وانكر عليه بناء الخضراء ~~التي انفق عليها الاموال الطائلة من بيت المال فكان يقول له : # « يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وان كانت من ~~مالك فهذا الاسراف؟ » # واخذ يوقظ النفوس ، ويبعث روح الثورة على معاوية فكان يقول لأهل الشام : # « والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها. والله ما هي فى كتاب الله ms143 ولا في سنة ~~نبيه ، والله اني لأرى حقا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير ~~تقى ، وصالحا مستأثرا عليه .. » (1) # وكان الناس يسمعون قوله ، ويؤمنون بحديثه ، وخاف معاوية من دعوة أبي ذر ~~فكتب الى عثمان يخبره بخطره على الشام ، فكتب عثمان إليه ان يرسله على اغلظ ~~مركب وأوعره ، فارسله معاوية مع جماعة لا يعرفون مكانته ، ولا يحترمون ~~مقامه فساروا به ليلا ونهارا حتى تسلخت بواطن أفخاذه وكاد ان يتلف ، ولما ~~بلغ المدينة مضى في دعوته فكان ينكر على عثمان أشد الانكار ويقول له : # « تستعمل الصبيان ، وتحمى الحمى (2) وتقرب أولاد الطلقاء؟! » PageV01P258 # وانطلق يبين للمسلمين ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم في ذم ~~الامويين ، ومدى خطرهم على الاسلام يقول : قال رسول الله : # « اذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ، وعباد الله ~~خولا ودين الله دغلا .. » # واصدر عثمان اوامره بمنع مجالسة أبي ذر ، كما حرم الكلام معه ، والاختلاط به. ### || نفيه الى الربذة # وثقل أبو ذر على عثمان ، وضاق به ذرعا ، فقد ايقظ النفوس ، واوجد فيها ~~وعيا أصيلا يبعثها على الثورة العارمة ، والاجهاز على النظام القائم الذي ~~آثر الاغنياء بأموال الدولة ، وحجبها عن المصالح العامة ، الامر الذي أدى ~~الى فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية ، وشيوع الفقر والمجاعة في البلاد. # ورأى عثمان ان خير وسيلة له من الخطر الذي يتهدده ابعاد ابي ذر عن يثرب ~~ونفيه عن سائر الامصار الاسلامية الى بعض المجاهل والقرى التي لا تزدحم ~~بالسكان ، فأرسل خلفه فلما حضر بادره أبو ذر بالكلام فقال له : # « ويحك يا عثمان!! أما رأيت رسول الله ، ورأيت ابا بكر وعمر هل رأيت هذا ~~هديهم؟ إنك لتبطش بي بطش الجبارين. » # فقطع عثمان كلامه ، وصاح به # اخرج عنا من بلادنا # اتخرجني من حرم رسول الله؟ # نعم وانفك راغم PageV01P259 # اخرج الى مكة؟ # لا # الى البصرة؟ # لا # الى الكوفة # لا # الى اين اخرج؟ # الى الربذة حتى تموت فيها # وأوعز الى مروان باخراجه فورا من المدينة ، وهو مهان الجانب محقر الكيان ~~، وحرم على المسلمين ان يشايعوه ms144 ويخرجوا لتوديعه ، ولكن أهل الحق ، ومن ~~طبعوا على نصرته ابوا إلا مخالفة عثمان فقد خف الامام أمير المؤمنين ~~لتوديعه ، ومعه عقيل وعبد الله بن جعفر ، والحسن والحسين وبادر مروان الى ~~الحسن فقال له : # « إيه يا حسن!! ألا تعلم ان عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل؟ # فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك .. » # فحمل امير المؤمنين عليه ، وضرب أذنى راحلته بالسوط ، وصاح به : تنح نحاك ~~الله الى النار ، وولى مروان منهزما الى عثمان يخبره بالحال. # ووقف الامام أمير المؤمنين على أبي ذر فودعه والقى إليه كلمات كانت له ~~سلوى طيلة حياته في تلك البقعة الجرداء قال له : # « يا أبا ذر ، انك غضبت لله فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم ~~، وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب بما خفتهم عليه ~~، فما احوجهم الى ما منعتهم وما اغناك عما PageV01P260 # منعوك ، وستعلم من الرابح غدا ، والاكثر حسدا؟ ولو ان السموات والارض ~~كانتا على عبد رتقا ، ثم اتقى الله لجعل الله منهما مخرجا ، لا يؤنسنك إلا ~~الحق ، ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك ، ولو قرضت منها ~~لآمنوك .. » # وحدد الامام بهذه الكلمات الرائعة الموقف الرهيب الذي وقفه أبو ذر من ~~عثمان فانه لم يكن من اجل المادة ، ولا من اجل سائر الاعتبارات الاخرى التي ~~يئول امرها الى التراب ، وانما كان من أجل المبادئ الاصيلة والقيم العليا ~~التي جاء بها الاسلام وهي تهيب بالحاكمين والمسئولين أن لا يستأثروا بأموال ~~المسلمين ، وقد جافى عثمان ذلك ، وانتهج سياسة خاصة بنيت على الاستغلال ~~والإثرة ، فلهذا ثار أبو ذر في وجهه وناجزه ، وقد خافه عثمان على ملكه ~~وسلطانه ، وخافه أبو ذر على دينه وعقيدته ، وقد امره الامام ان يترك ما ~~بأيديهم ، ويهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم. # وبين عليه السلام فى كلماته اتجاه ابي ذر وميوله ، فانه لا يؤنسه إلا الحق ~~، ولا يوحشه إلا المنكر والباطل ولو انه غير اتجاهه فسالم القوم ووادعهم ~~لأحبوه واخلصوا له ، وأجزلوا له العطاء ، ومنحوه الثراء. ms145 # وبادر إليه الامام الحسن فصافحه وودعه ، وألقى عليه كلمات تنم عن قلب ~~موجع لهذا الفراق قائلا : # « يا عماه. لو لا انه ينبغي للمودع أن يسكت ، وللمشيع ان ينصرف لقصر ~~الكلام وإن طال الاسف ، وقد اتى القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكر ~~فراغها ، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتى تلقى نبيك ، وهو ~~عنك راض .. » PageV01P261 # لقد امره الامام الحسن عليه السلام بالصبر على ما انتابه من الكوارث ~~والخطوب التي صبها عليه القوم ليلقى رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وهو عنه راض. # والقى ابو ذر على أهل البيت نظرة مقرونة بالتفجع والاسى والحسرات وتكلم ~~بكلمات يلمس فيها ذوب قلبه على هذا الفراق المرير قال : # « رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ، اذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ما لي بالمدينة سكن ولا شجن (1) غيركم إني ثقلت على ~~عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن اجاور أخاه وابن خاله ~~بالمصرين (2) فأفسد الناس عليهما فسيرنى الى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع ~~إلا الله ، والله ما أريد إلا الله صاحبا ، وما اخشى مع الله وحشة .. » # وانصرف أبو ذر طريدا في فلوات الارض شريدا عن حرم الله وحرم رسوله قد ~~باعدته السياسة العمياء ، وفرقت بينه وبين اهل البيت الذين يكن لهم أعمق ~~الود وخالص الحب من أجل حبيبه وصاحبه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم . # لقد مضى أبو ذر الى الربذة ليموت فيها جوعا ، وفي يد عثمان ذهب الارض ~~يصرفه على بني أمية ، وعلى آل ابي معيط ، ويحرمه على شبيه المسيح عيسى بن ~~مريم في هديه وسمته. # ورجع الامام امير المؤمنين مع اولاده من توديع ابي ذر ، وقد علاه الاسى ~~والحزن فاستقبلته جماعة من الناس فاخبروه بغضب عثمان واستيائه منه PageV01P262 # لأنه خالف أمره وخرج لتوديع خصمه فقال عليه السلام : # « غضب الخيل على اللجم. » (1) # وبادر عثمان الى الامام فقال له : # ما حملك على رد رسولي؟ # اما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي ، وأما امرك ms146 فلم ارده # او لم يبلغك أني قد نهيت الناس عن تشييع ابي ذر؟ # أو كل ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة الله والحق في خلافه أتبعنا فيه ~~أمرك؟!! # أقد مروان # وما أقيده؟ # ضربت بين اذني راحلته # أما راحلتي فهي تلك ، فإن اراد ان يضربها كما ضربت راحلته فليفعل ، وأما ~~أنا فو الله لئن شتمني لأشتمنك أنت بمثلها بما لا اكذب فيه ولا أقول إلا حقا. # ولم لا يشتمك إذ شتمته ، فو الله ما أنت عندي بأفضل منه. # وغضب الامام من عثمان لأنه ساوى بينه وهو من النبي بمنزلة هارون من موسى ~~، وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله وهو في صلب ~~أبيه ، فقال عليه السلام له : # إلي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟!! فانا والله افضل منك وأبي افضل من ~~أبيك ، وأمي أفضل من أمك ، وهذه نبلي قد نثلتها .. » PageV01P263 # فسكت عثمان ، وانصرف الامام وهو ملتاع حزين منه لأنه لم يرع مقامه ، ولم ~~يلحظ جانبه وقرن بينه وبين مروان. ### || 3 عمار بن ياسر # وعمار بن ياسر فذ من أفذاذ الاسلام ، وعلم من أعلامه ، وقطب من أقطابه ، ~~وصاحب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وخليله لقي في سبيل الاسلام أعظم ~~الجهد ، وأمر البلاء ، وعذب مع أبويه اعنف التعذيب وأقساه ، فقد استضعفتهم ~~جبابرة قريش فصبت عليهم وابلا من العذاب الأليم فألهبت ابدانهم بمكاوى ~~النار ، وضربتهم ضربا موجعا ، ووضعت على صدورهم الاحجار الثقيلة ، وصبت ~~عليهم قربا من الماء ، وكان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم يجتاز عليهم فيرى ما ~~هم فيه من المحنة والعذاب فتذوب نفسه اسى وحزنا ، ويقول : # « اصبروا آل ياسر : موعدكم الجنة. » (1) # ويقول وقد اضناه الحزن « اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت .. » (2) # وبقيت هذه الاسرة التي وهبت حياتها لله تحت التعذيب والارهاق لم تحتفل ~~بما تعانيه من ألم التعذيب وشدته وأصرت على ايمانها بدعوة محمد ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وهي تسخر بأوثان قريش واصنامها فورم من ذلك أنف أبي ~~جهل ، وانتفخ سحره ، وجعلت عيناه تقدحان شررا وغيظا فعمد الى ms147 سمية فطعنها ~~في قلبها فماتت وهي اول شهيدة في الاسلام ، وعمد الاثيم بعد ذلك الى ياسر فقتله. # وظل عمار تحت التعذيب حتى اعياه ، وأرهقه فعرضت عليه قريش PageV01P264 # سب النبي والعدول عن دينه فاجابهم على كره فعفوا عنه ، فانطلق الى رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه ، وقال : إن ~~عادوا لك فعد لهم بما قلت ، وانزل الله تعالى فيه : # ( @QUR@012 من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان. ) (1) # وملئت نفس عمار بالايمان بالله فكان الدين قطعة من طبعه ، وعنصرا مقوما ~~لمزاجه ، وانزل الله فيه غير آية من القرآن كلها ثناء عليه وتمجيد له ، ~~واشادة به ، وقد عناه تعالى بقوله : ( @QUR@09 أمن هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ) (2) ونزلت فيه الآية الكريمة : ( @QUR@011 أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) (3) كما نزلت فى ~~الثناء عليه وفى ذم الوليد الآية المباركة وهي قوله تعالى : ( @QUR@017 ~~أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين. ) (4) # واهتم النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في شأن عمار اهتماما بالغا فكان يرفع من ~~شأنه ، ويشيد بذكره ، ويقدمه على غيره فقد رأى خالدا يغلظ له PageV01P265 # في القول فالتاع من ذلك وانبرى يقول : « من عادى عمارا عاداه الله ، ومن ~~أبغض عمارا ابغضه الله. » (1) وجرت بينه وبين شخص مشادة فقال لعمار : سأعرض ~~هذه العصا لأنفك ، فلما سمع ذلك رسول الله (ص) غضب واندفع يقول : « ما لهم ~~ولعمار يدعوهم الى الجنة ، ويدعونه الى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني ~~وأنفى فاذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه » (2) ويقول فيه : « ما خير عمار بين ~~امرين الا اختار ارشدهما » (3) # وظل عمار موضع عناية النبي وتبجيله وتقديره لما يرى فيه من الاخلاص ~~والزهد فى الدنيا ، والحب للحق وقد شهد مع النبي بدرا وأحدا والمشاهد كلها ~~، وشارك فى بناء المسجد النبوي فكان المسلمون يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة ~~، وهو يحمل لبنتين لبنتين ، وهو يقول : « نحن المسلمين ms148 نبتنى المساجد » ~~وكان النبي يرجع عليه بعض قوله فيقول « المساجد » وشارك كذلك في حفر الخندق ~~وكان يمسح التراب عنه ، وهكذا كان عمار فى طليعة أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في ايمانه واخلاصه وعظيم بلائه وعنائه في سبيل الاسلام ~~، ولما انتقل النبي الى حضيرة القدس لازم أمير المؤمنين وكان متفانيا في ~~حبه ، ولا يرى أحدا خليقا بالخلافة غيره ومن أجل ذلك تخلف عن بيعة أبي بكر ~~واحتج عليه ، وقد تقدم بيان ذلك ولما آل الامر الى عثمان ، وسلك غير الجادة ~~نقم منه عمار واشتد فى معارضته والانكار عليه ، وقد نكل به عثمان ، واعتدى ~~عليه ، وقابله بافحش القول وأمره ، وكان ذلك في مواضع عدة وهي : PageV01P266 # 1 انه لما استأثر بالسفط ، وحلى به بعض نسائه انكر عليه أمير المؤمنين ، ~~وايد عمار معارضته ، كما تقدم بيانه قال له عثمان : أعلي يا بن المتكاء (1) ~~تجترئ؟ واوعز الى شرطته بأخذه فأخذوه وأدخلوه عليه فضربه حتى غشي عليه ، ~~وهو شيخ قد علاه الضعف وحمل الى منزل السيدة أم سلمة زوج النبي ، ولم يفق ~~من شدة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين والمغرب ، فلما افاق توضأ وصلى العشاء ~~، وقال : الحمد لله ليس هذا اول يوم أوذينا فيه فى الله ، وغضبت من اجل ذلك ~~السيدة عائشة فاخرجت شعرا من شعر رسول الله وثوبا من ثيابه ، ونعلا من ~~نعاله ، ثم قالت ما اسرع ما تركتم سنة نبيكم ، وهذا شعره وثوبه ونعله لم ~~يبل بعد وغضب عثمان حتى لا يدري ما يقول ، ولا يعرف كيف يعتذر عن عمله؟ (2) # 2 ان أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها احداثه ، ومخالفة ~~سياسته للسنة ، وانهم يناجزونه إن لم يثب الى الرشاد ، ولم يغير خطته ، وقد ~~دفع إليه المذكرة عمار ، فأخذها عثمان وقرأ صدرا منها فثار واندفع وهو مغيظ ~~محنق فقال له : # أعلي تقدم من بينهم؟؟! # إني انصحهم لك # كذبت يا ابن سمية # أنا والله ابن سمية وابن ياسر # وأمر عثمان غلمانه فمدوا بيديه ورجليه ، ثم ضربه عثمان برجليه ، وهي PageV01P267 # في الخفين على مذاكيره فاصابه ms149 الفتق ، وكان ضعيفا فأغمي عليه (1) # 3 ولما نفى عثمان أبا ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم الى الربذة ~~، وتوفى فيها غريبا ، وجاء نعيه الى يثرب قال عثمان أمام جماعة من الصحابة : # « رحمه الله » # فاندفع عمار قائلا : # « نعم رحمه الله من كل أنفسنا .. » # فانتفخت اوداج عثمان ، وقال لعمار بافحش القول ، وأقساه : # « يا عاض أير أبيه ، أتراني ندمت على تسييره؟ » # وأمر غلمانه فدفعوا عمارا ، وأرهقوه ، كما أمر بنفيه الى الربذة ، فلما ~~تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم الى امير المؤمنين فسألوه ان يذاكر عثمان في ~~شأنه ، فانطلق الامام إليه ، وقال له : # اتق الله ، فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن ~~تريد ان تنفي نظيره؟ فثار عثمان وقال للامام : # أنت احق بالنفي منه # رم إن شئت ذلك # واجتمع المهاجرون فعذلوه ، ولاموه على ذلك فاستجاب لقولهم ، وعفا عن عمار (2). # لقد بالغ عثمان في اضطهاد عمار وارهاقه ، فضربه اعنف الضرب وأقساه ، ~~واغلظ له فى القول ، ولم يرع بلاءه فى الاسلام ، ونصرته للنبي PageV01P268 # في جميع المواقف والمشاهد ، واهتمام النبي بشأنه ، وتقديمه على غيره ، ~~وانه جلدة ما بين عينيه على حد تعبيره كل ذلك لم يلحظه فاعتدى عليه ، ونقم ~~منه لأنه أمره بالعدل ، ودعاه الى الحق الواضح ، والى الاعتدال في سياسته. # الى هنا ينتهي بنا الحديث عن تنكيله باعلام الصحابة من الذين سبقوا الى ~~الاسلام ، وجاهدوا اعظم الجهاد في سبيله ، وهم من دون شك لم يكونوا مدفوعين ~~بدافع الرغبة في الحكم أو الامرة على بعض الامصار والاقاليم الاسلامية ، او ~~الظفر بالمال ، كل ذلك لم يدفعهم الى الصيحة عليه ، وإنما رأوا أنه احدث من ~~الاعمال ما ليست في كتاب الله ، ولا في سنة نبيه ، رأوا حقا يطفأ ، وباطلا ~~يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى كما يقول أبو ذر من اجل ذلك اعلنوا ~~نقمتهم وانكارهم عليه ، وطالبوه بأن يسلك الجادة الواضحة ، ويسير على ~~الطريق القويم ، ويتبع هدي النبي ويقتفى اثره. ### || الافتراء على الامام الحسن # وافترى بعض المؤرخين على الامام الحسن فزعم أنه كان ms150 عثماني الهوى وانه ~~يكن له في دخائل نفسه أعمق الحب ومزيد الولاء والاخلاص ، وقد حزن عليه بعد ~~مقتله حزنا بالغا ، وقد ذهب الى ذلك الدكتور طه حسين قال ما نصه : # « ولم يفارق الحسن حزنه على عثمان ، فكان عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه ~~الكلمة ، إلا انه لم يسل سيفا للثأر بعثمان لأنه لم ير ذلك حقا له ، وربما ~~غلا في عثمانيته حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحب PageV01P269 # فقد روى الرواة أن عليا مر بابنه الحسن وهو يتوضأ فقال له : اسبغ الوضوء ~~فاجابه الحسن بهذه الكلمة المرة : « لقد قتلتم بالأمس رجلا كان يسبغ الوضوء ~~» فلم يزد علي على ان قال : لقد اطال الله حزنك على عثمان. » (1) # إن السياسة التي انتهجها عثمان ، والاحداث الجسام التي صدرت منه لم تترك ~~له أي حميم أو صديق في البلاد فقد سخط عليه عموم المسلمين ، وخافوه على ~~دينهم ، فكانت عائشة تخرج ثوب رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، وتقول ~~للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته ، ونقم ~~عليه حتى طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهم ممن اغدق عليهم بالنعم ~~والاموال ، ولم يعد له أي صديق أو مدافع عنه سوى بني أمية وآل ابي معيط ، ~~وبعد هذه الكراهية الشاملة فى نفوس المسلمين لعثمان كيف يكون الامام الحسن ~~الذي يحمل هدي جده الرسول عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة كما يقول طه ~~حسين لقد كان الحسن من جملة الناقمين على عثمان والناكرين عليه لأنه رأى ما ~~لاقاه أصحاب أبيه كأبي ذر وعمار ، وابن مسعود من الاضطهاد والارهاق ، وشاهد ~~ما لاقاه أبوه بالذات من الاستهانة بحقه ، والاعتداء عليه حينما خرج لتوديع ~~ابي ذر وبعد هذا كيف يكون الحسن عثمانيا ، او مغاليا في حبه له؟!! # وأي مظهر من مظاهر الكآبة والحزن بدت من الامام الحسن على عثمان بعد ~~مقتله ، أفي قيامه بالدور البطولي في بعث الجماهير ، واخراجها الى ساحة ~~الحرب في موقعة الجمل التي اثيرت للطلب بدم عثمان ، وقد كان معه في كثير من ~~تلك ms151 المواقف عمار بن ياسر ، وكان ينال من عثمان PageV01P270 # ويتهمه في دينه ، ويقول فيه : قتلنا عثمان يوم قتلناه وهو كافر (1) وكان ~~الحسن يسنده ، ويدعم أقواله ، أو أنه ظهر منه الاسى على عثمان في حرب صفين ~~الذي ثأر فيه معاوية للطلب بدم عثمان ، ففى أي موقف أظهر الامام حزنه وأساه ~~على عثمان؟؟ # وأما الرواية التي استند إليها الدكتور طه حسين لتدعيم قوله ، فقد رواها ~~البلاذري عن المدائني (2) الذي عرف بالنصب والعداء لأهل البيت وافتعال ~~الروايات الحسنة في بني أمية (3) والغرض من وضع هذه الرواية أن يضفي على ~~عثمان ثوب القداسة ، ويجعل له رصيدا من الحب في نفوس صلحاء المسلمين ، ~~ومضافا لضعف سندها فيرد عليها بعض المؤاخذات وهي # 1 إن الامام امير المؤمنين قد تلطف في خطابه مع ولده الحسن ، وبين له ~~الحكم الشرعي ، ولم يواجهه بلاذع القول فما الذي دعا الحسن ان يقابله بتلك ~~الكلمات المرة ، وهو وارث النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وشبيهه في سمو أخلاقه ~~وكريم طباعه. # 2 إن الامام الحسن كان من جملة المدافعين عن عثمان كما يقولون وكان ذلك ~~بأمر من أبيه فكيف يتهمه بقتل عثمان؟ # 3 إن الامام لم يكن له أي دخل في قتل عثمان ، ولا في التآمر عليه ، وإنما ~~قتلته أعماله ، وأجهزت عليه الاحداث التي ارتكبها ، فكيف يتهم الحسن أباه بقتله؟ # وبعد الاحاطة بما ذكرنا لا تبقى للرواية اي قيمة في سندها ولا في PageV01P271 # دلالتها ، والغريب من الدكتور أن يعتمد عليها ، ولا يمعن النظر فيها وفى ~~امثالها من الروايات التي تعمد وضعها ذوو النزعات الاموية وأجراء السلطة ### ||| ** الثورة # وأخذ المسلمون يتحدثون في أنديتهم عن مظالم عثمان ، وعن احداثه واستبداده ~~بشئونهم ، وتبديده لثرواتهم ، وتنكيله بأخيار الصحابة وأعلام الدين ، ~~وتلاعب مروان وبني أمية بشئون الدولة ، وغير ذلك من الاحداث الجسام ، وقد ~~انتشر التذمر ، وعم السخط والاستياء جميع انحاء البلاد ، فاجتمع أهل الحل ~~والعقد ، وذوو السابقة في الاسلام فكاتبوا الامصار يستنجدون بهم ، ويطلبون ~~منهم العون ، وارسال القوات المسلحة للقيام بقلب الحكم القائم وهذا نص ~~مذكرتهم لأهل مصر : # « من ms152 المهاجرين الاولين وبقية الشورى ، الى من بمصر من الصحابة والتابعين ~~، أما بعد : ان تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ~~، فان كتاب الله قد بدل ، وسنة رسوله قد غيرت ، واحكام الخليفتين قد بدلت ، ~~فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية اصحاب رسول الله والتابعين باحسان إلا ~~أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا ، وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا ان كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه ~~نبيكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقنا ، واستولى على فيئنا ، وحيل ~~بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ~~ملك عضوض ، من غلب على شيء أكله .. » (1) # وحفلت هذه الرسالة بذكر الاحداث الخطيرة التي ابتلي بها العالم PageV01P272 # الاسلامي من جراء الحكم القائم وهي : # 1 تبديل كتاب الله ، والغاء أحكامه العادلة # 2 تغيير سنة النبي صلى الله عليه وآلهوسلم واهمال ما اثر عنه في عالم الحكم ~~والسياسة # 3 الاعراض عن سيرة الشيخين # 4 استئثار السلطة بالفيء وصرفه على مصالحها الخاصة # 5 صرف الخلافة الاسلامية عن مفاهيمها البناءة ، وطاقاتها الثرة الى ملك ~~عضوض لا يعتني باهداف الامة ، ولا يرع مصالحها # وقد اوجبت هذه الاحداث زعزعة الكيان الاسلامي ، وتهديد الحياة الاسلامية ~~بالدمار ، وقد واصل الناقمون على عثمان جهادهم فبعثوا برسالة أخرى الى ~~المرابطين في الثغور من اصحاب النبي يطلبون منهم القدوم الى يثرب لإقامة ~~الخلافة ، وهذا نص رسالتهم : # « انكم انما خرجتم ان تجاهدوا في سبيل الله عز وجل ، تطلبون دين محمد ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فان دين محمد قد أفسده خليفتكم فاقيموه .. » # واستجابت الامصار الاسلامية لهذا النداء فارسلت وفودها الى يثرب للاطلاع ~~على الاوضاع الراهنة ودراسة الموقف ، وما يحتاجه من علاج ، والوفود التي ~~أقبلت هي : # أالوفد المصري # وأرسلت مصر وفدا عدده اربع مائة شخص ، وقيل اكثر من ذلك بقيادة محمد بن ~~أبي بكر ، وعبد الرحمن بن عديس البلوي # ب الوفد الكوفي # وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الاشتر ، وزيد بن صوحان PageV01P273 # العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن ms153 الاصم العامري ، وعلى ~~الجميع عمرو بن الاهثم # ج الوفد البصري # ونزح من البصرة حكيم بن جبلة في مائة رجل ، ولحقه بعد ذلك خمسون ، وفيهم ~~ذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحرش وغيرهم من الاعيان ~~والوجوه # ورحبت الصحابة بالوفود ، واستقبلتها بمزيد من الابتهاج والشكر وأخذت تذكر ~~لها احداث عثمان التي لا تتفق بظاهرها وواقعها مع الدين وحرضوها على ~~الايقاع به والاجهاز عليه لتستريح الامة من حكمه. # ورأى الوفد المصري قبل كل شيء أن يرفع مذكرة الى عثمان يدعوه فيها الى ~~التوبة والاستقامة في سياسته فكتبوا ذلك ، وهذا نصه : # « أما بعد فاعلم ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالله ~~الله ثم الله الله ، فانك على دنيا فاستتم معها آخرة ، ولا تنسى نصيبك من ~~الآخرة ، فلا تسوغ لك الدنيا ، واعلم انا لله ولله نغضب ، وفي الله نرضى ~~وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة ~~مبلجة (1) فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام .. » (2) # واضطرب عثمان من الامر ، وقرأ الرسالة بامعان ، وأحاط الثوار به فبادر ~~إليه المغيرة وطلب منه الاذن بالكلام معهم ، فاذن له وانطلق PageV01P274 # إليهم فلما رأوه صاحوا به # « يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك! » # فرجع خائبا ودعا عثمان عمرو بن العاص ، وطلب منه ان يكلم القوم فمضى ~~إليهم وسلم فما ردوا عليه السلام ، وقالوا له : # « ارجع يا عدو الله! ارجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين ولا مأمون » ~~وعلم عثمان ان لا ملجأ له إلا الامام أمير المؤمنين فاستغاث به ، وطلب منه ~~ان يدعو القوم الى كتاب الله وسنة نبيه ، فأجابه الامام الى ذلك ولكن شرط ~~عليه ان يعطيه عهد الله وميثاقه على الوفاء بما قال فأعطاه ذلك ومضى الامام ~~الى القوم فلما رأوه قالوا له : # وراءك! # لا. بل امامي ، تعطون كتاب الله ، وتعتبون من كل ما سخطتم وعرض عليهم ما ~~بذله عثمان لهم # أتضمن ذلك عنه؟ # نعم # رضينا # وأقبل وجوههم وأشرافهم مع أمير ms154 المؤمنين حتى دخلوا على عثمان ، فعاتبوه ~~على اعماله فاعتبهم من كل شيء ، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتابا يلتزم فيه ~~على نفسه بالعمل على كتاب الله وسنة نبيه وتوفير الفيء للمسلمين فأجابهم ~~الى ذلك ، وكتب لهم ما نصه : # « هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين ~~والمسلمين أن لكم أن اعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ، يعطى المحروم ويؤمن ~~الخائف ، ويرد المنفي ، ولا تجمر فى البعوث. ويوفر الفيء ، وعلي PageV01P275 # ابن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين ، على عثمان الوفاء بما في هذا ~~الكتاب » # وشهد فيه كل من الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد ابن مالك ~~أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، وأبو ايوب ~~خالد بن زيد ، وكتب ذلك في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين من الهجرة ، وأخذ ~~القوم الكتاب وانصرفوا (1)، وطلب منه الامام أمير المؤمنين ان يخرج الى ~~الناس ، ويعلن لهم أنه قد استجاب لهم ونفذ طلباتهم ، ففعل عثمان ذلك ، ~~واعطى الناس عهدا ان يسير فيهم على كتاب الله وسنة نبيه ، وأن يوفر لهم ~~الفيء ، ولا يؤثر به أحدا من أرحامه ، وذوي قرباه ، ورجع المصريون الى ~~بلادهم ، ودخل مروان على عثمان فقال له : # « تكلم واعلم الناس ان اهل مصر قد رجعوا ، وان ما بلغهم عن امامهم كان ~~باطلا ، فان خطبتك تسير في البلاد قبل ان يتحلب الناس عليك من امصارهم ~~فيأتيك من لا تستطيع دفعه .. » # لقد دعاه ان يعلن الكذب ، ويقول غير الحق فامتنع من اجابته اولا ولكنه ~~انصاع أخيرا لقوله فخرج ، واعتلى أعواد المنبر وقال : # « أما بعد : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن امامهم أمر فلما ~~تيقنوا أنه باطل ما بلغهم رجعوا الى بلادهم ... » # واندفع المسلمون الى الانكار عليه فناداه عمرو بن العاص # « اتق الله يا عثمان فانك قد ركبت نهابير (2) وركبناها معك فتب الى الله ~~نتب معك .. » PageV01P276 # فزجره عثمان وصاح به : # « وإنك هناك يا ابن النابغة؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل؟ ms155 .. » # وارتفعت من جميع جنبات المسجد أصوات الانكار وهي ذات لهجة واحدة # « اتق الله يا عثمان اتق الله. » # فانهارت قواه ، ولم يجد بدا من أن يعلن التوبة على هذا الإفك ، ونزل عن ~~المنبر ومضى الى منزله (1) # وهذه البادرة تدل على ضعفه ، وهزال ارادته ، وتلاعب مروان فى شئونه ، ~~وسيطرته على جميع اموره ، وأنه لا قدرة له على مخالفته ، والتغلب عليه. ### || استنجاده بالامصار # ولما ازداد نشاط الثوار ، وحاصروه فى داره استنجد بمعاوية ، واستغاث به ، ~~وكتب إليه هذه الرسالة : # « أما بعد : فان اهل المدينة قد كفروا ، وخلعوا الطاعة ، ونكثوا البيعة ، ~~فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول .. » (2) وتربص ~~معاوية حينما اطلع على الكتاب فلم يندفع الى نصرته واجابته وتنكر للأيادي ~~التي اسداها عليه ، وعلى اسرته. # ولما ابطأ معاوية على عثمان ، ولم يقم بنجدته بعث عثمان رسالة الى يزيد ~~بن اسد بن كرز وإلى أهل الشام يستفزهم ويحثهم على الخروج PageV01P277 # لنصرته ، ولما انتهى إليهم الكتاب نفروا للخروج تحت قيادة يزيد القسري ~~ولكن معاوية أمره أن يقيم بذي خشب ، ولا يتجاوزه ، فأقام الجيش هناك حتى ~~قتل عثمان ، والسبب في ذلك هو أن يتخذ من قتله وسيلة للمطالبة بدمه لتؤل ~~الخلافة الى بني أمية ، إن معاوية ممن دبر الحيلة في قتله ، والى ذلك يشير ~~أبو أيوب الانصاري بقوله لمعاوية : « إن الذي تربص بعثمان ، وثبط يزيد بن ~~اسد عن نصرته لأنت. » # وعلى اي حال فان عثمان قد كتب رسائل متعددة الى الامصار ، والى من حضر ~~الموسم في مكة يستنجد بهم ويطلب منهم القيام بنجدته. ### || يوم الدار # ورجع الوفد المصري من اثناء الطريق لما تبينت له المكيدة الخطيرة التي ~~دبرت ضده ، فاحاطوا بقصر عثمان وهم يهتفون بسقوطه ، ويطالبونه بالاستقالة ~~من منصبه ، وخرج إليهم مروان فشتمهم ونال منهم قائلا : # « ما شأنكم؟ كأنكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه. تريدون ان تنزعوا ملكنا من ~~ايدينا اخرجوا عنا. » # فألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفوسهم فاحاطوا بعثمان ، وعزموا على ~~قتله فاستنجد بالامام فاقبل إليه وقد نقلت له كلمات ms156 مروان فقال (ع): # « أما رضيت من مروان ، ولا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك ، مثل ~~جمل الضعينة يقاد حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي فى دينه ، ولا فى ~~نفسه ، وأيم الله لأراه سيوردك ثم لا يصدرك وما أنا بعائد بعد مقامى هذا ~~لمعاتبتك ، اذهبت شرفك ، وغلبت على امرك .. » # إن الذي اجهز على عثمان وقتله هو مروان وبنو أمية ، وقد صرحت PageV01P278 # بذلك نائلة زوج عثمان فقالت للامويين : # « أنتم والله قاتلوه وميتمو أطفاله .. » # ونصحت زوجها بأن لا يطيع مروان تقول له : « انك متى اطعت مروان قتلك .. » # إن عثمان يحمل قسطا ليس بالقليل فى الجناية على نفسه لأنه لما علم أنه ~~ضعيف الارادة ، ولا قابلية له للتغلب على الاحداث وان بني أمية قد استولوا ~~على اموره ، وهو يعلم من دون شك كراهية المسلمين لهم ، فكان اللازم عليه أن ~~يترك الامر لغيره ويستقيل من منصبه ، ولا ينكب الامة بقتله. وأيقن الثوار ~~أنه لا مجال لإصلاحه لأنه إن ابرم أمرا نقضه مروان فاصروا عليه أن يخلع ~~نفسه عن الخلافة فأبى وقال : « انما هي ثوب البسنيها الله. » وفي الحقيقة ~~انها ثوب كساه بها عمر ، وألبسها اياه عبد الرحمن بن عوف. # وعلى أي حال فقد اندلعت نيران الثورة ، واشتد أوارها حتى بلغ السيل الزبى ~~فقد صمم الثوار على قتله بعد إبائه عن الاستقالة من منصبه فمنع عنه طلحة ~~الماء ، واستولى على بيوت الاموال ، واحاط الثوار بقصره وتسلق بعضهم عليه ~~الدار فجعلوا يرمونه بالحجارة ، ويبالغون في سبه وشتمه وقذفه ### || موقف الامام الحسن # وزعم غير واحد من المؤرخين ان الامام الحسن وقف يوم الدار مدافعا عن ~~عثمان بايعاز من أبيه ، وقد أبلى في ذلك بلاء حسنا حتى خضب بدمائه ، وهذا ~~القول من دون شك من موضوعات الامويين PageV01P279 # ومن مفترياتهم فان الامام الحسن (ع) وسائر البقية الصالحة من المهاجرين ~~والانصار كانوا في معزل عن عثمان بل ومن الناقمين عليه ، ولم يحضر من يدافع ~~عنه فى حصاره سوى بني أمية وبعض المنتفعين منهم ولو كان له أي ms157 رصيد في ~~المجتمع لما تمكن الثائرون من قتله. # لقد اتفقت كلمة الصحابة على خذلانه ، ولم تظهر منهم بادرة من بوادر ~~المساعدة والمؤازرة له بل كانوا يمجدون الثورة ، ويبعثون روح الحماس في ~~نفوس الثوار ، وبعد هذا فكيف يمكن ان يخرق الامام الحسن الاجماع ويمضي ~~للدفاع عنه وعلى أى حال فقد تعرض المحقق الاميني الى تزييف تلك الاخبار ، ~~وعدها في سلسلة الموضوعات (1) ### || الاجهاز على عثمان # واجهز الثوار على عثمان ، وقد تولى قتله جماعة في طليعتهم محمد ابن ابي ~~بكر فكان من أحقدهم عليه فقد شهر السيف في وجهه وقال له : # على أي دين أنت يا نعثل؟ # على دين الاسلام ولست بنعثل ، ولكني أمير المؤمنين # غيرت كتاب الله # كتاب الله بيني وبينكم # وأخذ بلحيته فسحبه الى الارض وهو يقول : إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن ~~نقول : ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل. # وهجم القوم عليه فاردوه قتيلا يتخبط بدمائه ، وتركوه جثة PageV01P280 # هامدة (1) لم يواروه ، ولم يسمحوا لأحد بمواراته ، وتكلم بعض خواصه مع ~~الامام أمير المؤمنين في ذلك فتوسط في شأنه فأذنوا لهم في ذلك ولكنهم لم ~~يسمحوا لهم بدفنه في البقيع فدفنوه في حش كوكب (2) # لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في امر عثمان ، وقد أورثهم قتله عناء ~~أي عناء ، وقد تولدت في ايام حكومته وبعد مقتله أحزاب نفعية لا يهمها إلا ~~الوصول الى الحكم لتتخذ منه وسيلة الى الثراء ، وأخذت تلك الاحزاب تعيث ~~فسادا في الارض ، وتتآمر على مصالح المسلمين فأبادت وحدتهم ، وفرقت كلمتهم ~~، وخلقت في المجتمع أهم المصاعب والمشاكل حتى أصبح من المتعذر على الامام ~~أمير المؤمنين في دور حكومته أن يصلح الاوضاع الراهنة ، ويعيد سيرة الرسول ~~وسنته بين الناس ، واتسعت تلك المشاكل حتى بلغت الذروة فى دور الامام الحسن ~~، فرأى أن لا خطة له أفضل ولا أحسن من الاستسلام كما سنوضحه بالتفصيل في ~~البحوث الآتية. # وبهذا ينتهى بنا المطاف عن عهد عثمان ، وقد اسهبنا القول في امره واطلنا ~~الحديث فى تصوير سياسته التي أشعلت نار الفتنة الكبرى فى البلاد ms158 وفتحت باب ~~الخلاف والنزاع بين المسلمين ، ومهدت الطريق للامويين ان يتدخلوا في شئون ~~المسلمين ، ويختلسوا السلطة من أيديهم ، ويمعنوا في قتل الاخيار ومطاردة ~~المصلحين ، وإبادة جميع الاسس التي جاء هذا الدين ليقيمها وبسطنا القول في ~~ذكر بعض المؤاخذات التي تواجه بحوث الدكتور PageV01P281 # طه حسين فى عثمان ، وتبرير سياسته ، ولم نكن يعلم الله مدفوعين في ذلك ~~كله بدافع العصبية أو الحقد على عثمان ، وإنما رائدنا الاخلاص للحق وحده ، ~~وخدمة القضية الاسلامية ، فان الكثير من كتاب العصر قد حاول تصحيح تلكم ~~الاحداث بوجوه بعيدة لا يسندها منطق ، ولا يدعمها برهان ، ونحن في أمس ~~الحاجة الى دراسة التأريخ الاسلامي على واقعه ، والامعان في الحوادث التي ~~جرت في العصور الاسلامية الاولى ، لنقف على الذوات الخيرة التي خدمت ~~الاسلام ورفعت مناره ونتميز الذين خدعتهم السلطة ، وغرهم الثراء فتنكروا ~~لدينهم وأمتهم في سبيل مصالحهم الضيقة ، وعسى ان تكون هذه البحوث التي ~~رسمناها بدقة وامانة قد صورت لنا الواقع الذي جرى في تلكم العصور. PageV01P282 ### ||| * المثل العليا PageV01P283 # وتوفرت فى الامام أبي محمد الصفات الرفيعة والمثل الكريمة ، وتجسدت فيه ~~طاقات الاسلام وعناصره ومقوماته ، فهو بحكم قابلياته ونزعاته فذ من أفذاذ ~~العقل الانساني ، ومثل من امثلة التكامل البشري ، وعظيم من عظماء الاسلام. # لقد بلغ الامام الذروة في فضائله ، ومآثره ، واصالة رأيه ، وسمو تفكيره ، ~~وشدة ورعه ، وسعة حلمه ، ودماثة اخلاقه الى غير ذلك من ملكاته التي كان بها ~~موضع اعتزاز المسلمين وفخرهم ، ونشير الى بعضها ### || امامته # ومن أبرز الصفات الماثلة فيه هي الامامة وذلك لما تستدعيه من المثل ~~والقابليات التي لا تتوفر إلا عند من اصطفاه الله واختاره من بين عباده ، ~~وقد حباه تعالى بها ، وأعلن ذلك الرسول الكريم بقوله فيه وفي أخيه : « ~~الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا. » # ولا بد لنا من وقفة قصيرة لنتبين فيها معنى الامامة ، وبعض الشؤون التي ~~تتعلق بها فانها تكشف عن سمو مكانة الامام وعظيم شأنه والى القراء ذلك : ### || أمعنى الامامة # وحددها علماء الكلام فقالوا : « الامامة رئاسة عامة في امور الدين ~~والدنيا لشخص انساني. ms159 » فالامام حسب هذا التحديد هو الزعيم العام والرئيس ~~المتبع وله السلطة الشاملة على الناس في جميع شئونهم الدينية والدنيوية ### || ب الحاجة الى الامامة # والامامة ضرورة من ضروريات الحياة لا يمكن الاستغناء عنها بحال PageV01P285 # من الاحوال فبها يقام ما أعوج من نظام الدنيا والدين ، وبها تتحقق ~~العدالة الكبرى التي ينشدها الله في ارضه ، ويتحقق الامن العام والسلام بين ~~الناس ، ويدفع عنهم الهرج والمرج ، ويمنع القوي من أن يتحكم في الضعيف ، ~~ومن اهم الامور الداعية الى وجود الامام ايصال الناس الى عبادة الله ، ونشر ~~احكامه وتعاليمه ، وتغذية المجتمع بروح الايمان والتقوى ليبتعد الانسان ~~بذلك عن الشر ويتجه الى الخير ، ويجب على الامة كافة الانقياد إليه ، ~~والامتثال لأوامره ليقيم أودها ، ويلم شعثها ويهديها الى سواء السبيل. ### || ج واجبات الامام # إن على امام المسلمين وولي أمرهم ان يقوم بما يلي : # 1 حفظ الدين ، وحراسة الاسلام ، وصيانته من المستهترين بالقيم والاخلاق. # 2 تنفيذ الاحكام ، والقضاء على الخصومات ، وانصاف المظلوم من ظالمه. # 3 حماية البلاد الاسلامية من الغزو الخارجي سواء أكان الغزو عسكريا أم ~~فكريا كما في هذه العصور التي غزت بلادنا بعض المبادئ الهدامة التي تدعو ~~الى تحطيم الاسس التي أقامها الاسلام. # 4 اقامة الحدود ، والقضاء على كافة الجرائم التي توجب شقاء الانسان. # 5 تحصين الثغور # 6 الجهاد # 7 جباية الاموال كالزكاة والخراج وغيرها من الامور التي نص PageV01P286 # عليها التشريع الاسلامي. # 8 استخدام الامناء في جهاز الحكم ، وعدم استعمال الموظف محاباة او اثرة. # 9 النظارة على امور الرعية بالذات ، ولا يجوز له أن يعول على الغير لينظر ~~فيها لأن ذلك من حقوق الرعية (1) # 10 القضاء على البطالة ، ونشر الرفاهية الشاملة في ربوع الامة ، وانقاذها ~~من الفقر والحرمان. # هذه بعض الامور التي يجب على الامام أن يطبقها على مسرح الحياة العامة ، ~~وقد استوفينا البحث فى هذه الجهات في كتابنا « النظام الاداري فى الاسلام ». ### || د اوصافه # ولا بد في الامام ان تتوفر فيه الشروط الآتية وهي : # 1 العدالة على شروطها الجامعة وهي الامتناع من ارتكاب كبائر الذنوب ms160 ~~والاصرار على صغائرها # 2 العلم بما تحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها ، ومعرفة النوازل ~~والاحكام # 3 سلامة الحواس ، كالسمع ، والبصر ، واللسان ، ليصح معها مباشرة ما يدرك ~~كما يشترط سلامة الاعضاء الاخرى من أي نقص. # 4 الرأي المفضي الى سياسة الرعية وتدبير المصالح العامة. # 5 الشجاعة والنجدة ، والقدرة على حماية بيضة الاسلام وجهاد العدو # 6 النسب وهو ان يكون الامام من قريش PageV01P287 # وقد ذكر هذه الشروط والاوصاف كل من الماوردي وابن خلدون (1) # 7 العصمة ، وعرفها المتكلمون : بأنها لطف من الله يفيضها على اكمل عباده ~~وبها يمتنع من ارتكاب الجرائم والموبقات عمدا وسهوا ، وقد أجمعت الشيعة على ~~اعتبارها في الامام ، ويدل عليها حديث الثقلين ، فقد قرن الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بين الكتاب والعترة وكما ان الكتاب معصوم من الخطأ ~~والزلل فكذلك العترة الطاهرة وإلا لما صحت المقارنة والمساواة بينهما وقد ~~تقدم الكلام في بيان ذلك. # وهذه الاوصاف لم تتوفر إلا في أئمة أهل البيت حضنة الاسلام وحماته ، ~~والادلاء على مرضاة الله وطاعته ، وقد وصفهم الكميت شاعر العقيدة الاسلامية ~~بقوله : # القريبين من ندى والبعيدين %~% من الجور في عرى الاحكام والمصيبين ما أخطأ النا %~% س ومرسي قواعد الاسلام والحماة الكفاة في الحرب إن لف %~% ضرام وقوده بضرام والغيوث الذين ان أمحل النا %~% س فمأوى حواضن الايتام راجحي الوزن كاملي العدل في ال %~% سيرة طبين بالامور الجسام ساسة لا كمن يرى رعية النا %~% س سواء ورعية الاغنام (2) # إن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم قد دللوا بسيرتهم وهديهم على عصمتهم ~~من الخطأ والزيغ ، وقد برهنت الحوادث والوقائع على ذلك ، ودلت على أنهم ~~نسخة لا مثيل لها فى تأريخ الانسانية وذلك لما لهم من عظيم الفضل والتقوى ~~والحراجة في الدين. PageV01P288 ### || ه تعيينه # وذهبت الشيعة الى أن تعيين الامام ليس بيد الامة ، ولا بيد أهل الحل ~~والعقد منها ، والانتخاب فى الامامة باطل والاختيار فيها مستحيل ، فحالها ~~كحال النبوة فكما أنها لا تكون بايجاد الانسان وتكوينه كذلك الامامة لأن ~~العصمة التي هي شرط في الامامة لا يعرفها ms161 الله المطلع على خفايا النفوس ، ~~وقد اوضح ذلك واستدل عليه حجة آل محمد ومهدي هذه الأمة القائم المنتظر ~~عليه السلام في حديثه مع سعد بن عبد الله فقد سأل الامام عن العلة التي تمنع ~~الناس من اختيار امام لأنفسهم فقال عليه السلام له : # يختارون مصلحا او مفسدا؟ # بل مصلحا # فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد ان لا يعلم أحد بما يخطر ببال ~~غيره من صلاح او فساد # بلى # فهي العلة أوردها لك ببرهان يثق به عقلك ، اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم ~~الله ، وانزل الكتب عليهم ، وأيدهم بالوحي والعصمة ، إذ هم أعلام الامم ، ~~وأهدى الى الاختيار ، منهم مثل موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلهما ، ~~وكمال علمهما إذا هما بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن # لا # هذا موسى كليم الله مع وفور عقله ، وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من ~~أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن PageV01P289 # لا يشك في ايمانهم واخلاصهم ، فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله عز ~~وجل : ( @QUR@06 واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) الى قوله ( ~~@QUR@09 لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ) بظلمهم. » فلما ~~وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعا على الافسد دون الاصلح وهو ~~يظن أنه الاصلح علمنا ان الاختيار ليس إلا لمن يعلم ما تخفى الصدور ، وتكن ~~الضمائر .. » (1) # إن الطاقات البشرية قاصرة عن ادراك الاصلح الذي تسعد به الامة فليس ~~اختياره بيد الانسان وإنما هو بيد الله العالم بخفايا الامور ، هذه صورة ~~مجملة عن الامامة وتفصيل الكلام يجده المتتبع مستوفى في كتب الكلام. ### || اخلاقه الرفيعة # قال بعض علماء الاجتماع : إنما تتفاضل الامم في حال البداوة بالقوة ~~البدنية فاذا ارتقت تفاضلت بالعلم ، ثم اذا بلغت من الارتقاء غايته تفاضلت ~~بالاخلاق. فالاخلاق هي غاية ما يصل إليه الانسان في سموه وكماله وتهذيبه # إن الخلق الكامل اذا انطبع في النفس لا يمكن ان تنحرف عن الطريق القويم ، ~~أو تحل الانانية محل الايثار ، او تستولي عليها المغريات والنقائص ms162 من اجل ~~ذلك كانت الاخلاق من أهم العناصر التي تبتني عليها الحياة الاجتماعية ~~والفردية ، كما انها من اوثق الاسباب في بقاء الامم وفى دوام حضارتها ~~واصالتها. # إن من أقوى العلل في ظهور الشرائع السماوية ، وبقاء سلطانها الروحي ~~عنايتها بالخلاق واهتمامها بتهذيب النفوس وتربيتها بالنزعات الخيرة ، وقد PageV01P290 # اهتم النبي بها اهتماما بالغا واعتبرها من ابرز الاسباب التي بعث من ~~اجلها يقول صلى الله عليه وآلهوسلم « إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق » وقد ~~استطاع بمكارم اخلاقه أن يوقظ البشر من سباته ، ويؤسس معالم الحضارة فى ~~العالم ويغير مجرى التأريخ فقد الف ما بين القلوب ، ووحد المشاعر والعواطف ~~وجمع الناس على صعيد المحبة والاخاء. # كان النبي فى عظيم أخلاقه مثالا للرحمة الإلهية التي تملأ القلوب البائسة ~~الحزينة رجاء ورحمة ، كان يزور ضعفاء المسلمين ، ويعود مرضاهم ، ويشهد ~~جنائزهم ، ويجيب دعوة من دعاه ، ولا يرد دعوة مملوك ولا فقير (1) ومن جالسه ~~صابره حتى يكون جليسه هو المنصرف ، وما أخذ أحد بيده فجذبها منه حتى يكون ~~الآخذ هو الذي يرسلها ، وكان حريصا على تطييب النفوس واجتناب الإساءة لأي انسان. # وهذه الاخلاق الرفيعة قد تمثلت فى الامام الحسن بحكم ميراثه من جده ~~العظيم ، وقد ذكر التأريخ بوادر كثيرة من مكارم اخلاقه نسوق بعضها وهي : # 1 انه اجتاز على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الارض كسيرات من ~~الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق ، وهم يأكلون منها فدعوه الى مشاركتهم ~~فأجابهم الى ذلك وهو يقول : « إن الله لا يحب المتكبرين » ولما فرغ من ~~تناول الطعام دعاهم الى ضيافته فاطعمهم وكساهم (2) واغدق عليهم بنعمه ~~واحسانه. # إن التواضع دليل على كمال النفس وسموها وشرفها ، وفي الحديث PageV01P291 # « إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله » (1) # 2 ومن آيات أخلاقه أنه مر على صبيان يتناولون الطعام فدعوه لمشاركتهم ~~فاجابهم الى ذلك ثم حملهم الى منزله فمنحهم ببره ومعروفه وقال : « اليد لهم ~~لأنهم لم يجدوا غير ما اطعموني ونحن نجد مما اعطيناهم » (2) # 3 ومن مكارم اخلاقه أنه كان يغضي عمن اساء ms163 إليه ، ويقابله بالاحسان ، فقد ~~كانت عنده شاة فوجدها يوما قد كسرت رجلها فقال عليه السلام لغلامه : # من فعل هذا بها؟ # أنا # لم ذلك؟! # لأجلب لك الهم والغم # فتبسم عليه السلام ، وقال له : لأسرك ، فاعتقه وأجزل له في العطاء (3) # 4 ومن عظيم أخلاقه أنه كان جالسا في مكان فأراد الانصراف منه فجاءه فقير ~~فرحب به ولاطفه وقال له : # إنك جلست على حين قيام منا أفتأذن لي بالانصراف؟؟ # نعم يا ابن رسول الله (4) PageV01P292 # إن مراعاة حق الجليس من الآداب الاجتماعية التي توجب المحبة والإلفة ، ~~وتوجد التعاون والترابط بين الناس فلذا أمر الإسلام بها وحث عليها. # 5 واجتاز على الامام شخص من أهل الشام ممن غذاهم معاوية بالكراهية والحقد ~~على آل البيت فجعل يكيل للامام السب والشتم ، والامام ساكت لم يرد عليه ~~شيئا من مقالته ، وبعد فراغه التفت الامام فخاطبه بناعم القول وقابله ~~ببسمات فياضة بالبشر قائلا : # « أيها الشيخ : أظنك غريبا؟ لو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ~~ولو استحملتنا حملناك ، وإن كنت جائعا أطعمناك ، وإن كنت محتاجا أغنيناك ، ~~وإن كنت طريدا أويناك .. » وما زال (ع) يلاطف الشامي بهذا ومثله ليقلع روح ~~العداء والشر من نفسه حتى ذهل ولم يطق رد الكلام وبقي حائرا خجلا كيف يعتذر ~~للامام ، وكيف يمحو الذنب عنه؟ وطفق يقول : # ( @QUR@05 الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فيمن يشاء. » (1) # وهكذا كان عليه السلام مثالا للانسانية الكريمة ، ورمزا للخلق العظيم لا ~~يثيره الغضب ، ولا يزعجه المكروه قد وضع نصب عينيه قوله تعالى : ( @QUR@012 ~~ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. ) وقد قابل ~~جميع ما لاقاه من سوء وأذى ومكروه من الحاقدين عليه بالصبر والصفح الجميل ، ~~حتى اعترف الد خصومه مروان بن الحكم بسمو حلمه ، وعظيم خلقه ، وذلك حينما ~~انتقل الامام إلى الرفيق الاعلى PageV01P293 # فبادر مروان إلى حمل جثمانه فقال له سيد الشهداء : # تحمل اليوم سريره ، وقد كنت بالأمس تجرعه الغيظ؟!! # إني كنت افعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (1) # لقد كان الامام كجده الرسول في سعة حلمه ، وعظيم أخلاقه ، وصفحه ms164 عمن أساء ~~إليه ، وقد روى التأريخ بوادر كثيرة من أخلاقه دلت على أنه في طليعة ~~الأخلاقيين والمساهمين فى بناء الأخلاق والآداب في دنيا العرب والمسلمين. ### || كرمه وسخاؤه : # من كان ندى الكف مبسوط اليدين بالعطاء متمسكا بأهداب السخاء بعيدا عن ~~البخل وضروبه فاعظم به من خير عميم ، كبير الثقة بالله ، عظيم النفس ، شريف ~~الذات ، وقد تحدث رسول الله (ص) عن شرف هذه الظاهرة فقال : « خلقان يحبهما ~~الله وهما : حسن الخلق والسخاء » وقال : « السخاء من الايمان ». # إن السخاء ينم عن طيب القلب ، ويكشف عن الفضائل النفسية ، ويحكى عن رحمة ~~الانسان ورأفته ، ومن الطبيعي انه انما يكون كذلك فيما اذا كان بذله بداعي ~~الخير والمعروف لا بداعي السمعة والمديح والثناء وغير ذلك من الدواعي التي ~~لا تمت إلى الاحسان بصلة ، وقد حدث التأريخ عن أناس كانوا يهبون الألوف ~~للوافدين ، ويبذلون القرى للاضياف ، ولكن سرعان ما انكشف أنه تصنع لا اتصال ~~له بحقيقة الكرم والمعروف ، وذلك كعطاء معاوية بن أبي سفيان وهباته ~~للوافدين عليه فان ذلك لم يكن PageV01P294 # بداعي الاحسان وإنما كان لشراء الضمائر لأجل التمسك بزمام الحكم. # إن السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير ، وبذل الاحسان بداعي ~~الاحسان ، وقد تجلت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها ، واسمى معانيها في ~~الامام أبي محمد (ع) حتى لقب بكريم أهل البيت. # تلقى هذه المكرمة من سلفه الطاهر الذي عرف بالسخاء والمعروف ونجدة الضعيف ~~والاحسان إلى كل منقطع ومحروم وفى جده الاعلى يقول القائل : # عمرو العلى هشم الثريد لقومه %~% ورجال مكة مسنتون عجاف # وزاد الحسن على سلفه الطاهر فى ذلك فقد كان لا يعرف للمال قيمة ، ولا يرى ~~له أهمية سوى ما يرد به جوع جائع ، أو يكسو به عاريا ، أو يغيث به ملهوفا ، ~~أو يفي به دين غارم. # ان السخاء عنصر من عناصر ذاته ، ومقوم من مقومات مزاجه ، وقد أثر عنه أنه ~~ما قال لسائل لا قط (1) وقيل له لأي شيء لا نراك ترد سائلا؟ فأجاب : # « إني لله سائل ، وفيه راغب ، وأنا استحي أن أكون سائلا ms165 ، وأرد سائلا ، ~~وان الله عودني عادة أن يفيض نعمه علي ، وعودته أن أفيض نعمه على الناس ~~فأخشى ان قطعت العادة أن يمنعني العادة وأنشأ يقول : # إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا %~% بمن فضله فرض علي معجل ومن فضله فضل على كل فاضل %~% وأفضل أيام الفتى حين يسأل (2) PageV01P295 # ونسبت له أبيات نظمها في الجود والسخاء منها قوله : # إن السخاء على العباد فريضة %~% لله يقرأ في كتاب محكم وعد العباد الأسخياء جنانه %~% وأعد للبخلاء نار جهنم من كان لا تندى يداه بنائل %~% للراغبين فليس ذاك بمسلم # وله أيضا : # خلقت الخلائق من قدرة %~% فمنهم سخي ومنهم بخيل فأما السخي ففي راحة %~% وأما البخيل فحزن طويل (1) # وكانت الوفود من المرتزقة والمحتاجين تزدحم عليه فيغدق عليهم ببره ~~واحسانه ، ويجزل لهم المزيد من العطاء ، وقد ذكر التأريخ بوادر كثيرة من ~~كرمه وجوده نسوق إلى القراء بعضها. # 1 جاءه اعرابي سائلا فقال (ع): اعطوه ما في الخزانة ، وكان فيها عشرة ~~آلاف درهم فقال له الاعرابي : يا سيدي هلا تركتني أبوح بحاجتي ، وأنشر ~~مدحتي؟ فاجابه الامام : # نحن أناس نوالنا خضل %~% يرتع فيه الرجاء والأمل تجود قبل السؤال أنفسنا %~% خوفا على ماء وجه من يسل لو علم البحر فضل نائلنا %~% لغاض من بعد فيضه خجل (2) # 2 واجتاز عليه السلام على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع ~~لكلب كان عنده لقمة اخرى. # فقال له الامام : # ما حملك على ذلك؟ PageV01P296 # إني لأستحيي أن أكل ولا أطعمه. # رأى الامام فيه خصلة من أحب الخصال عنده ، فاحب أن يجازيه على صنعه ، ~~ويقابل إحسانه بإحسان فقال له : # لا تبرح من مكانك ، ثم انطلق فاشتراه من مولاه واشترى الحائط (1) الذي هو ~~فيه فاعتقه ، وملكه إياه (2). # 3 وأجتاز يوما فى بعض أزقة المدينة فسمع رجلا يسأل الله أن يرزقه عشرة ~~آلاف درهم ، فانطلق إلى بيته ، وأرسلها إليه بالوقت (3). # 4 وجاءه شخص يظهر الاعواز والحاجة فقال له (ع) ما هذا حق سؤالك ، يعظم ~~لدى معرفتي بما يجب لك ، ويكبر على ويدي تعجز عن نيلك ms166 بما أنت اهله ، ~~والكثير في ذات الله قليل ، وما في ملكى وفاء لشكرك ، فان قبلت منا الميسور ~~، ورفعت عنا مئونة الاحتفال والاهتمام فعلت ، فأجابه الرجل : يا بن رسول ~~الله (ص) أقبل القليل واشكر العطية ، واعذر على المنع ، فاحضر (ع) وكيله ~~وحاسبه وقال له : هات الفاضل ، وكان الفاضل خمسين الف درهم فدفعها إليه ولم ~~يكتف (ع) بذلك بل قال لوكيله ما فعلت بالخمس مائة دينار التي عندك؟ فقال له ~~: هي عندي ، فأمره باحضارها ثم دفعها إلى الرجل وهو يعتذر منه (4) PageV01P297 # إن قوله (ع) ( الكثير في ذات الله قليل ) ينم عن أن هذا العطاء إنما هو ~~في سبيل الله تعالى لا يبتغي من احد جزاء أو شكورا. # 5 ومن مكارمه (ع) انه خرج هو وأخوه الحسين (ع) وابن عمهما عبد الله بن ~~جعفر (1) وافدين إلى بيت الله الحرام ، وفى أثناء الطريق أصابهم جوع وعطش ~~وقد سبقتهم اثقالهم ، فانعطفوا على بيت قد ضرب أطنابه في وسط تلك البيداء ~~القاحلة ، فلما وصلوا إلى البيت لم يروا فيه إلا عجوزا فطلبوا منها شرابا ~~وطعاما ، فأجابت بما طبعت عليه نفس الكريم قائلة : # نعم. |وما كنت إلا كالأغر ابن جعفر||راى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا| |إنك يا ابن جعفر نعم الفتى||ونعم مأوى طارق إذا اتى| |ورب ضيف طرق الحى سرى||صادف زادا وحديثا ما اشتهى| # توفي سنة ثمانين من الهجرة ، وقد عرف ذلك العام الذي توفي فيه بعام ~~الجحاف لحدوث سيل كان ببطن مكة اجحف الحاج وذهب بالابل وعليها الحمولة جاء ~~ذلك فى الاصابة ج 2 ص 289 290. PageV01P298 # إنها النفس إذا جبلت على الخير وطبعت فيها الأريحية قدمت في سبيل العز ~~والمجد كل ما تملك ، لم يك عند العجوز سوى شاة هى كل ما تملك مما أظلته ~~الخضراء وأقلته الغبراء ، فتقدمت وبيدها الشاة قائلة لهم : # دونكم هذه الشاة فاحلبوها واشربوا لبنها ، فلما فعلوا ذلك تقدمت إليهم ~~مرة أخرى قائلة : # أقسم عليكم إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم الحطب لشيها ، ففعلوا ذلك ~~وهيأت العجوز ms167 الحطب ، وبعد الفراغ من تناول الطعام عزموا على الرحيل ~~فتقدموا إليها وعرفوها بشخصياتهم ليجازوها على صنعها خيرا إن رجعوا إلى ~~وطنهم ، قائلين : # « يا أمة الله إنا نفر من قريش نريد حج بيت الله الحرام ، فاذا رجعنا ~~سالمين فهلمي إلينا لنكافئك على هذا الصنع الجميل ». # ثم انصرفوا لشأنهم ، ولما عن غياب القرص عن السماء أقبل رب البيت على ~~عادته فأخبرته العجوز بالقصة ، فاستولى عليه الغضب ، ذلك لأن الشاة هي مصدر ~~القوت وإدرار الرزق عليهم ، فقال لها : ويحك أتذبحين الشاة لأناس لا ~~تعرفينهم؟ ثم تقولين إنهم نفر من قريش. # وطوى الدهر عجلته فمضت سنة وأقبلت أخرى فاعترت البادية أزمة شديدة لأن ~~السماء قد منعتها قطرها حتى قلت موارد العيش وانعدمت أسباب القوت ، فرحلا ~~عن البادية ونزلا المدينة ، ولم يجدا عملا يحيطان به خبرا سوى التقاط البعر ~~من الطرقات والشوارع ، فاتخذا ذلك مهنة لهما ، وفي يوم من الأيام وهما على ~~عملهما ارادت السعادة أن تحنو عليهما فلمح الحسن (ع) العجوز فعرفها ، وقد ~~حل وفاء الدين ، والمعروف في ذمة الأحرار دين فأمر (ع) غلامه أن يأتي بها ~~إليه ، فلما مثلت بين يديه PageV01P299 # قال (ع) لها : # أتعرفيني يا أمة الله؟ # لا .. # أنا أحد ضيوفك يوم كذا سنة كذا. # لست أعرفك. # إن لم تعرفيني فانا أعرفك ، ثم أمر (ع) غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ~~الف شاة وأعطاها الف دينار ، ثم أمر (ع) غلامه أن يذهب بها إلى أخيه الحسين ~~(ع) ويعرفه بها ، فأخذها الغلام فلما دخلت عرفها الحسين (ع)، فقال للغلام ~~: كم اعطاها أخي؟ فأخبره الغلام بعطائه ، فأوصلها (ع) بمثل ذلك ، ثم بعث ~~الحسين بها إلى عبد الله بن جعفر ، فلما دخلت عليه عرفها ، فأمر لها بألفي ~~شاة والفي دينار فأخذت ذلك جميعا وانصرفت (1) وفد تغير حالها من فقر مدقع ~~إلى غناء وثروة حسدها عليه كل من عرفها كل ذلك من بر الحسن وفضله ،. # 6 ومن آيات مكارمه (ع) أنه اشترى حائطا من الأنصار بأربعمائة الف فبلغه ~~أنهم قد احتاجوا إلى ما في أيدي الناس ms168 فرده إليهم (2) إن إنقاذ هؤلاء من ذل ~~السؤال ورد شرفهم إليهم من أفضل أنواع السخاء ومن أسمى مراتب الجود. # 7 ومن مكارمه (ع) أن جارية حيته بطاقة من ريحان ، فقال عليه السلام لها : ~~أنت حرة لوجه الله ، فلامه أنس على ذلك ، فأجابه عليه السلام : أدبنا الله ~~فقال تعالى : ( @QUR@06 إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ) PageV01P300 # وكان أحسن منها إعتاقها (1). # 8 ومن مكارمه (ع) أن مروان بن الحكم قال : إني لمشغوف ببغلة الحسن بن علي ~~فمن يأتيني بها؟ فأنبرى إليه ابن أبي عتيق قائلا : # أنا آتيك بها لكن بشرط أن تقضي لي ثلاثين حاجة؟ # التزم لك بذلك. # فقال ابن أبي عتيق لمروان : إذا اجتمع الناس عندك العشية فاني آخذ في ~~مآثر قريش وأمسك عن الحسن فلمنى على ذلك ، فلما اجتمع الناسى أخذ ابن أبي ~~عتيق في مآثر قريش وسكت عن ذكر فضائل الامام الحسن (ع)، فقال له مروان ألا ~~تذكر أولية أبي محمد ، وله فى هذا ما ليس لأحد منا ، فقال ابن أبي عتيق : ~~إنما كنا في ذكر الاشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لذكرنا فضائل أبي محمد ، ~~ولما خرج الامام (ع) تبعه ابن ابي عتيق فلما نظر إليه الحسن (ع) تبسم وعرف ~~الغاية من مديحه فقال (ع) له : ألك حاجة؟ فقال : نعم ذكرت البغلة ، فنزل ~~(ع) عنها ودفعها إليه (2). # 9 ومن جوده (ع) أن رجلا سأله أن يعطيه شيئا فقال له (ع) إن المسألة لا ~~تصلح إلا في غرم فادح (3) أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة (4) فقال ما جئت إلا ~~فى إحداهن ، فأمر (ع) له بمائة دينار ، PageV01P301 # ثم انعطف الرجل نحو الحسين (ع) فسأله مثل سؤال اخيه فأعطاه مائة دينار ~~سوى دينار لأنه كره أن يساوى أخاه في عطائه وانعطف الرجل بعد ذلك إلى عبد ~~الله بن عمر فسأله فأعطاه سبعة دنانير ، فقال الرجل : لعبد الله إني أتيت ~~الحسن والحسين وحكى له ما جرى له معهما فقال ابن عمر : ويحك أنى تجعلني ~~مثلهما؟! انهما غرا العلم (1). غرا المال (2). # 10 ومن مكارمه ms169 (ع) أنه ما اشترى من أحد حائطا ثم أفتقر البائع إلا ورده ~~عليه وأردفه بالثمن معه (3). # 11 وجاءه فقير يشكو حاله ولم يك عنده (ع) في ذلك اليوم شيء فعز عليه ~~الامر واستحى من رده فقال (ع) له : إني أدلك على شيء يحصل لك منه الخير ، ~~فقال الفقير يا بن رسول الله ما هو؟! قال عليه السلام اذهب إلى الخليفة فان ~~ابنته قد توفيت وانقطع عليها وما سمع من أحد تعزية بليغة فعزه بهذه الكلمات ~~يحصل لك منه الخير ، قال يا بن رسول الله حفظني إياها ، قال (ع) قل له ~~الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها ولم يهتكها بجلوسها على قبرك ، وحفظ ~~الفقير هذه الكلمات وجاء إلى الخليفة فعزاه بها ، فذهب عنه حزنه وأمر له ~~بجائزة وقال له : # أكلامك هذا؟ # لا : وإنما هو كلام الامام الحسن. # الخليفة : صدقت فانه معدن الكلام الفصيح وأمر له بجائزة أخرى (4). PageV01P302 # وذكر المترجمون للإمام صورا كثيرة من ألوان بره ومعروفه على الفقراء ~~وقيامه بانقاذهم من كابوس الحاجة والفقر الى الدعة والسعة فى العيش ، وجميع ~~تلك المبرات التي أسداها عليهم كانت خالصة لوجه الله ، ولم تكن مشفوعة بأي ~~غرض من الاغراض فإنه كان يمنحهم العطاء والبر قبل أن يبوحوا بحاجاتهم ، ~~ويذكروا مديحهم وثناءهم لئلا يظهر عليهم ذل السؤال والاحتياج. ### || عبادته وتقواه # ان الانسان كلما ازداد معرفة بالله ازداد إيمانا به ، وحبا له ، وانقيادا ~~لأوامره وطاعته ، وسعيا في جميع الوسائل التي تقربه إليه. # والامام الحسن قد تغذى بلباب المعرفة ، وبجوهر الايمان ، وبواقع الدين ~~وانطبعت مثله في دخائل نفسه واعماق ذاته ، فكان من اشد الناس إيمانا ، ومن ~~اكثرهم اخلاصا وطاعة لله ، وقد حدث الرواة عن مدى طاعته فقالوا : إنه لم ير ~~في وقت من الاوقات إلا وهو يلهج بذكر الله ، (1) وانه اذا ذكر الجنة والنار ~~اضطرب اضطراب السليم (2) فسأل الله الجنة وتعوذ من النار ، واذا ذكر الموت ~~وما يعقبه من البعث والنشور بكى بكاء الخائفين والمنيبين (3) واذا ذكر ~~العرض على الله شهق شهقة يغشى عليه منها (4)، وكان ms170 من اشد المعتبرين ~~بالموت فاذا حضر جنازة PageV01P303 # ظهرت عليه السكينة أياما ، واذا مات فى جواره ميت سمع منه النحيب والبكاء ~~كما يسمع من دار الميت (1) ودلت هذه الامور على عظيم طاعته وخوفه من الله ، ~~ونسوق الى القراء بعض مظاهر عبادته : ### || 1 وضوؤه وصلاته # كان الامام اذا اراد الوضوء تغير حاله ، وداخله خوف عميق حتى يصفر لونه ~~وترتعد فرائصه ، وسئل عن سر ذلك فقال : # « حق على من وقف بين يدي رب العرش أن ترتعد فرائصه ، ويصفر لونه .. » # واذا فرغ من الوضوء وأراد الدخول الى المسجد رفع صوته قائلا : # « إلهي : ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي ~~بجميل ما عندك يا كريم » (2) # واذا اقبل على صلاته بدا عليه الخضوع والخشوع ، وظهر عليه الخوف حتى ~~ترتعد جميع فرائصه واعضائه (3) واذا فرغ من صلاة الفجر لا يتكلم الا بذكر ~~الله حتى تطلع الشمس (4) ### || 2 حجه # ومن مظاهر عبادته وعظيم اخلاصه وطاعته لله تعالى انه حج بيت الله الحرام ~~خمسا وعشرين حجة ماشيا على قدميه وكانت النجائب (5)، PageV01P304 # تقاد بين يديه (1) وسئل عن كثرة حجه ماشيا فأجاب : « اني استحي من ربي أن ~~لا امضي الى بيته ماشيا على قدمي (2) ### || 3 تلاوته للقرآن # كان الامام يتلو الذكر الحكيم تلاوة امعان وتدبر فلا يمر بآية تشتمل على ~~نداء المؤمنين إلا قال : لبيك. اللهم لبيك (3) وكان يقرأ في كل ليلة سورة ~~الكهف (4) ### || 4 التصدق بأمواله # وقدم الامام في سبيل مرضاة الله كل غال ونفيس ، فقد خرج عن جميع ما يملك ~~مرتين ، وشاطر الله أمواله ثلاث مرات حتى أعطى نعلا وامسك اخرى (5) ### || زهده # ورفض الامام جميع مباهج الحياة ، وزهد في ملاذها ونعيمها ، واتجه الى ~~الدار الآخرة التي أعدها الله للمتقين من عباده ، وقد تحدث عليه السلام PageV01P305 # عن عزوفه عن الدنيا ، واقتناعه بالقليل منها يقول : # لكسرة من خسيس الخبز تشبعني %~% وشربة من قراح الماء تكفيني وطرة من دقيق الثوب (1) تسترني %~% حيا وان مت تكفيني لتكفيني (2) # ورسم على خاتمه بيتين من الشعر يلمس فيهما مدى زهده وهما ms171 : # قدم لنفسك ما استطعت من التقى %~% إن المنية نازل بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى %~% أحباب قلبك في المقابر والبلى (3) # وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت # يا اهل لذات دنيا لا بقاء لها %~% ان اغترارا بظل زائل حمق (4) # ومما ينسب له في ذم المغرور في الدنيا والمفتون بحبها قوله : # قل للمقيم بغير دار اقامة %~% حان الرحيل فودع الاحبابا ان الذين لقيتهم وصحبتهم %~% صاروا جميعا في القبور ترابا (5) # ومن مظاهر زهده ما حدث به مدرك بن زياد (6) قال : كنا في حيطان ابن عباس ~~فجاء الحسن والحسين ، وابنا العباس فطافوا فى تلك البساتين ثم جلسوا على ~~ضفاف بعض السواقي ، فقال الحسن : يا مدرك : هل عندك غذاء؟ فقلت له : نعم ثم ~~انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح PageV01P306 # مع طاقتين من بقل فأكل منه ، وقال يا مدرك ما أطيب هذا؟ # وجيء بعد ذلك بالطعام وكان في منتهى الحسن والجودة فالتفت عليه السلام الى ~~مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدم لهم الطعام ، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ~~ولم يأكل الامام منه شيئا فقال له مدرك : لما ذا لا تأكل منه؟ فقال ~~عليه السلام : ان ذاك الطعام أحب عندي (1) لأنه طعام الفقراء والمحرومين ، ~~ومما يدل على عظيم زهده أنه زهد في الملك طلبا لمرضاة الله ، وخوفا على ~~دماء المسلمين ، وقد الف فى زهده محمد ابن بابويه القمي (2) كتابا اسماه ~~زهد الحسن وأجمع المترجمون له انه كان أزهد الناس وأفضلهم بعد جده وأبيه ### || هيبته ووقاره # إن شخصية الامام كانت تملأ العيون وتهيمن على النفوس لأنه قد التقت بها ~~عناصر النبوة والامامة ، وتمثلت فيها هيبة النبي ، وقد حدث واصل بن عطاء ~~(3) قال : |ويجعل البر قمحا فى تصرفه||وخالف الراء حتى احتال للشعر| PageV01P307 # « كانت على الحسن سيماء الأنبياء وبهاء الملوك » (1) # وقال ابن الزبير : # « والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي في هيبته وسمو منزلته » (2) # وبلغ من عظيم هيبته انه كان يفرش له على باب البيت فاذا خرج وجلس انقطع ~~الطريق لأنه لا يمر أحد إلا ms172 جلس اجلالا واكبارا له ، فاذا علم ذلك قام ودخل ~~البيت (3) # ومن عظيم هيبته وسمو مكانته في نفوس المسلمين أنه ما أجتاز مع أخيه على ~~ركب في حال سفرهما إلى بيت الله الحرام ماشيين إلا ترجل ذلك الركب تعظيما ~~واكبارا لهما حتى ثقل المشي على جماهير الحجاج فكلموا سعد بن أبي وقاص في ~~ذلك فبادر إلى الامام وقال له : # « يا أبا محمد ، إن المشي قد ثقل على الحجاج لأنهم إذا رأوا كما لم تطب ~~نفوسهم بالركوب ، فلو ركبتما رحمة لهم .. » # فاجابه الامام بما ينم عن نفس قد عاهدت الله أن تبذل فى مرضاته |ولم يطق مطرا والقول يعجله||فعاذ بالغيث اشفاقا من المطر| PageV01P308 # كل غال ونفيس قائلا : # « لا نركب فقد عاهدنا الله أن نؤم بيته ماشيين ، ولكن نتنكب الطريق .. » (1) # وسار عليه السلام فى بعض طرق يثرب وقد لبس حلة فاخرة ، وركب بغلة فارهة ، ~~ووجهه الشريف يشرق حسنا وجمالا ، وقد حفت به خدمه ، وحاشيته فرآه بعض ~~اغبياء اليهود فبادر إليه وقال له : # يا بن رسول الله عندى سؤال؟ # ما هو؟ # إن جدك رسول الله (ص) يقول : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فأنت ~~المؤمن وأنا الكافر ، وما الدنيا إلا جنة لك تتنعم فيها ، وتستلذ بها وأنت ~~مؤمن ، وما أراها الا سجنا قد أهلكني حرها وأجهدني فقرها؟ # لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ، ~~ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر لعلمت أني قبل انتقالي إليها وأنا فى ~~هذه الحالة فى سجن ، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في دار الآخرة ~~من سعير نار جهنم ، ونكال العذاب الأليم المقيم لرأيت قبل مصيرك إليه أنك ~~في جنة واسعة ونعمة جامعة (2) وتركه الامام ، واليهودي يتميز من الغيظ ~~والحقد. # ورأى هيبة الامام ووقاره بعض الأغبياء من الحاقدين عليه فقال له إن فيك ~~عظمة فاجابه الامام ان في عزة ثم تلا قوله تعالى : ( @QUR@02 ولله العزة PageV01P309 # @QUR@02 ولرسوله وللمؤمنين ) (1) ان الحسن كان يحكى جده الرسول (ص) فى ~~هيبته ms173 وسؤدده وكريم طباعه. ### || فصاحته وبلاغته : # وكل ظاهرة من ظواهر الكمال قد تمثلت في الامام أبي محمد ، وتحلت بها ~~شخصيته الكريمة ، ومن أروع صفاته البلاغة والفصاحة في الكلام فقد كان (ع) ~~من أبرع البلغاء في اصابته للمناسبات ، ومن أقدرهم على الايجاز والاعجاز ~~والابداع فى الكلام ، وحقا أن يكون كذلك فقد تفرع من دوحة الفصاحة والبلاغة ~~وفصل الخطاب ، فالجد رسول الله (ص) أفصح من نطق بالضاد ، والأب علي (ع) سيد ~~البلغاء وامير البيان. # إن الحسن (ع) في فصاحته وبلاغته كأبيه ، وقد ترك (ع) تراثا رفيعا وحكما ~~بالغة تحتوى على أصول الآداب الاجتماعية والنصح والارشاد والوعظ الخالد ، ~~قد رصعت بجمال اللفظ وسمو المعنى وإلى القراء بعضها. ### || الآداب الاجتماعية : # وجه الامام علي (ع) الى الحسن اسئلة تتعلق بأصول الأخلاق والفضائل ، ~~فأجابه الحسن (ع) بما هو عفو البداهة والخاطر فكان الجواب آية من آيات ~~البلاغة والاعجاز : # الامام علي : يا بني ما السداد؟ # الحسن : يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف. # ما الشرف؟ # اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. # ما المروءة؟ PageV01P310 # العفاف واصلاح المرء ماله. # ما الدنيئة؟ # النظر في اليسير ومنع الحقير. # ما اللوم؟ # احتراز المرء نفسه وبذله عرسه (1). # ما السماحة؟ # البذل في العسر واليسر. # ما الشح؟ # أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا. # ما الاخاء؟ # الوفاء في الشدة والرخاء. # ما الجبن؟ # الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. # ما الغنيمة؟ # الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. # ما الحلم؟ # كظم الغيظ وملك النفس. # ما الغنى؟ # رضى النفس بما قسم الله وإن قل فانما الغنى غنى النفس. # ما الفقر؟ PageV01P311 # شره النفس في كل شيء. # ما المنعة؟ # شدة البأس ومقارعة أشد الناس. # ما الذل؟ # الفزع عند المصدوقية؟ # ما الجرأة؟ # موافقة الأقران. # ما الكلفة؟ # كلامك فيما لا يعنيك. # ما المجد؟ # أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم. # ما العقل؟ # حفظ القلب كل ما استرعيته. (1) # ما الحزق؟ # معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك. # ما الثناء؟ # اتيان الجميل وترك القبيح. # ما الحزم؟ # طول الأناة (2) والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الظن PageV01P312 # هو الحزم. ms174 # ما الشرف؟ # موافقة الاخوان. # ما السفه؟ # إتباع الدناة ومصاحبة الغواة. # ما الغفلة؟ # تركك المسجد وطاعتك المفسد. # ما الحرمان؟ # تركك حظك وقد عرض عليك. # ما السيد؟ # الأحمق في ماله المتهاون في ... ، يشتم فلا يجيب ، المتحزن (1) بأمر ~~العشيرة هو السيد (2). # إن النفس لتقف حائرة أمام هذا الاسترسال العجيب من الامام الحسن وعدم ~~تكلفه في الجواب واحاطته خبرا بمعانى هذه النقاط الحيوية ، فلن يسع النفس ~~إلا الاكبار والاعجاب والاعتراف بالعظمة والخضوع لتلك المواهب العلمية. ### || مكارم الأخلاق : # قال جابر : سمعت الحسن (ع) يقول : مكارم الأخلاق عشرة ، صدق اللسان ، ~~وصدق البأس ، واعطاء السائل ، وحسن الخلق ، والمكافاة PageV01P313 # بالصنائع ، وصلة الرحم ، والتذمم (1) على الجار ، ومعرفة الحق للصاحب ، ~~وقرى الضيف ، ورأسهن الحياء (2). # والتفت معاوية يوما إلى الامام (ع) قال له : يا أبا محمد ثلاث خلال لم ~~أجد من يجيبني عنها!!! # ما هي؟ # المروءة ، الكرم ، النجدة. # أما ( المروءة ) فاصلاح الرجل أمر دينه وحسن قيامه على ماله وإفشاء ~~السلام والتحبب إلى الناس. # ( الكرم ) العطية قبل السؤال ، والتبرع بالمعروف والاطعام في المحل. # ( النجدة ) الذب عن الجار ، والمحامات في الكريهة ، والصبر عند الشدائد. # وجاء إليه شخص فقال : يا بن رسول الله «ص» من أحسن الناس؟ # من أشرك الناس في عيشه. # من أشر الناس؟ # من لا يعيش فى عيشه أحد (3). ### || الجرائم الاخلاقية : # قال «ع» : هلاك الناس في ثلاث ، الكبر ، الحرص ، الحسد. # « الكبر » به هلاك الدين ، وبه لعن إبليس. PageV01P314 # « الحرص » عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة. # « الحسد » رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل (1). # لا شك ان هذه الرذائل الثلاث التي حرض الامام «ع» على اجتنابها واقام ~~الشواهد على اضرارها هي اصول الاجرام وامهات الرذائل. ### || التحريض على طلب العلم : # قال «ع» : لبنيه تعلموا العلم فانكم صغار القوم ، وكبارهم غدا ، ومن لم ~~يحفظ منكم فليكتب (2). # وقال «ع» علم الناس ، وتعلم علم غيرك فتكون قد اتقنت علمك وعلمت ما لم ~~تعلم (3). # وقال «ع» : حسن السؤال نصف العلم (4). ### || فضل العقل : # قال «ع» : لا أدب لمن لا عقل له ، ولا مودة لمن لا همة له ، ولا حياء لمن ms175 ~~لا دين له ، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل ، وبالعقل تدرك سعادة الدارين ~~، ومن حرم العقل حرمهما جميعا (5). ### || فضل القرآن الكريم : # قال «ع» : إن هذا القرآن فيه مصابيح النور ، وشفاء الصدور ، PageV01P315 # فليجل جال بضوئه ، وليلجم (1) الصفة قلبه ، فان التفكير حياة القلب ~~البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور (2). ### || الدعاء : # قال «ع» ما فتح الله عز وجل على أحد باب مسألة فخزن (3) عنه باب الاجابة ~~، ولا فتح على رجل باب عمل فخزن عنه باب القبول ، ولا فتح لعبد باب شكر ~~فخزن عنه باب المزيد (4). ### || السياسة : # سأله شخص عن رأيه في السياسة؟ فقال «ع» : هي أن ترعى حقوق الله ، وحقوق ~~الاحياء ، وحقوق الأموات ( فأما حقوق الله ) فأداء ما طلب ، والاجتناب عما ~~نهى « وأما حقوق الأحياء » فهي أن تقوم بواجبك نحو اخوانك ، ولا تتأخر عن ~~خدمة أمتك ، وأن تخلص لولى الأمر ما اخلص لأمته ، وأن ترفع عقيرتك في وجهه ~~إذا ما حاد عن الطريق السوى « وأما حقوق الأموات » فهي أن تذكر خيراتهم ، ~~وتتغاضى عن مساوئهم فان لهم ربا يحاسبهم (5). # وقال له معاوية : ما يجب لنا في سلطاننا؟ # الامام : ما قال سليمان بن داود!!! PageV01P316 # معاوية : وما قال سليمان؟ # الامام : انه قال لبعض أصحابه ، أتدري ما يجب على الملك فى ملكه وما لا ~~يضره إذا أدى الذي عليه منه ، إذا خاف الله في السر والعلانية وعدل في ~~الغضب والرضا ، وقصد في الفقر والغنى ، ولم يأخذ الأموال غصبا ، ولم يأكلها ~~إسرافا وتبذيرا ، ولم يضره ما تمتع به من دنياه إذا كان من خلته (1). # هذه هي السياسة الصحيحة التي لو سارت عليها الدول لدام لها البقاء وكان ~~الشعب والحكومة في راحة ونعيم ، وقد ادلى الامام «ع» بهذه الآراء القيمة ~~إلى عدوه لأجل المصلحة العامة عله أن يسير خصمه على ضوء الحق. ### || الصديق والصاحب : # قال «ع» : ألا اخبركم عن صديق كان لي من اعظم الناس في عيني ، وكان رأس ~~ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يتشهى ~~ما لا يحل ولا ms176 يكنز إذا وجد ، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يدا إلا ~~على ثقة لمنفعة ، كان لا يتشكى ولا يتبرم ، كان أكثر دهره صامتا فاذا قال ~~بذ (2) القائلين ، كان ضعيفا مستضعفا فاذا جاء الجد فهو الليث عاديا ، كان ~~إذا جامع العلماء على أن يسمع احرص منه على أن يقول ، كان إذا غلب على ~~الكلام لم يغلب على السكوت كان لا يقول ما يفعل ويفعل ما لا يقول كان إذا ~~عرض له أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر اقربهما من هواه فخالفه كان PageV01P317 # لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله ، كان لا يقول حتى يرى قاضيا ~~عدلا وشهودا عدولا (1) # وقال «ع» لبعض ولده : يا بني لا تواخ احدا حتى تعرف موارده ومصادره ~~القريب من قربته المودة والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه. # وسأله رجل أن يكون صديقا له وجليسا ، فقال له «ع» : إياك أن تمدحني فانا ~~اعلم بنفسي منك ، أو تكذبني فانه لا رأى لمكذوب ، أو تغتاب عندى أحدا ، ~~فقال الرجل : ائذن لي في الانصراف قال له : نعم إذا شئت (2). ### || السخاء والمعروف : # كان «ع» يطوف في بيت الله الحرام فسأله رجل عن معنى الجواد فقال له : إن ~~لكلامك وجهين ، فان كنت تسأل عن المخلوق فان الجواد الذي يؤدى ما افترض ~~عليه ، والبخيل الذي يبخل بما افترض عليه ، وإن كنت تسأل عن الخالق فهو ~~الجواد إن اعطى وهو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا اعطاه ما ليس له وإن ~~منع منع ما ليس له (3) وقال «ع» المعروف ما لم يتقدمه مطل ولا يتبعه من ، ~~والاعطاء قبل السؤال من اكبر السؤدد (4). PageV01P318 # البخل : # قال «ع» البخل جامع للمساوئ والعيوب ، وقاطع للمودات من القلوب. # وسئل «ع» عن البخل فقال : هو أن يرى الرجل ما انفقه تلفا وما امسكه شرفا (1). ### || التواضع : # قال «ع» : أعرف الناس بحقوق اخوانه واشدهم قضاء لها اعظمهم عند الله شأنا ~~، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن ~~أبي ms177 طالب «ع» (2). ### || التوكل على الله : # قيل له «ع» : إن أبا ذر كان يقول الفقر أحب إلى من الغنى ، والسقم أحب ~~إلى من الصحة. فقال : رحم الله أبا ذر ، أما أنا فأقول من اتكل على حسن ~~اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له (3). ### || ابطال الجبر : # ورفع أهالي البصرة إليه «ع» رسالة يطلبون منه رأيه في مسألة الجبر (4) ~~فأجابهم عليه السلام : PageV01P319 # من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر ، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر ، ~~إن الله لا يطاع استكراها ، ولا يعصى لغلبة لأنه المليك لما ملكهم والقادر ~~على ما أقدرهم فان عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا فاذا لم ~~يفعلوا فليس هو الذي أجبرهم على ذلك ، فلو اجبر الله الخلق على الطاعة ~~لأسقط عنهم الثواب ، ولو أجبرهم على المعاصي لاسقط عنهم العقاب ، ولو ~~اهملهم لكان عجزا فى القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم فان ~~عملوا بالطاعات كانت له المنة عليهم ، وإن عملوا بالمعصية كانت الحجة عليهم (1). ### || تقوى الله : # قال «ع» إن الله لم يخلقكم عبثا وليس بتارككم سدى ، كتب آجالكم وقسم ~~بينكم معايشكم ليعرف كل ذى منزلة منزلته وإن ما قدر له أصابه وما صرف عنه ~~فلن يصيبه قد كفاكم مئونة الدنيا وفرغكم لعبادته وحثكم على الشكر وافترض ~~عليكم الذكر وأوصاكم بالتقوى وجعل التقوى منتهى رضاه ، والتقوى باب كل توبة ~~ورأس كل حكمة وشرف كل عمل بالتقوى فاز من فاز من المتقين ، قال الله تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@02 إن للمتقين PageV01P320 # @QUR@01 مفازا ) وقال : ( @QUR@011 وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا ~~يمسهم السوء ولا هم يحزنون ) فاتقوا عباد الله واعلموا أن من يتق الله يجعل ~~له مخرجا من الفتن ويسدده في أمره ويهيأ له رشده ، ويفلحه بحجته ويبيض وجهه ~~ويعطيه رغبته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا » (1). ### || الوعظ والارشاد # قال عليه السلام : يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم ~~الله تكن غنيا ، واحسن جوار ms178 من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب أن ~~يصاحبوك به تكن عادلا ، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ~~ويأملون بعيدا اصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا ، يا ابن آدم ~~إنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك ، فجد بما في يديك فان المؤمن ~~يتزود والكافر يتمتع وكان يتلو عقيب كلامه هذا ، قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) (2). # وقال عليه السلام : اتقوا عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب وبادروا ~~العمل قبل مقطعات النقمات وهادم اللذات ، فان الدنيا لا يدوم نعيمها ولا ~~تؤمن فجيعتها ولا تتوقى في مساويها ، غرور حائل ، وسناد مائل فاتعظوا عباد ~~الله بالعبر واعتبروا بالأثر وازدجروا بالنعم وانتفعوا بالمواعظ ، فكفى ~~بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما وكفى PageV01P321 # بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا (1). # وعزى عليه السلام رجلا قد مات بعض ذويه فقال له. إن كانت هذه المصيبة ~~احدثت لك موعظة وكسبتك اجرا فهو ، وإلا فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ~~ميتك (2). # وجاءه رجل من الاثرياء فقال له : يا ابن رسول الله اني أخاف من الموت!!! # فقال له عليه السلام : ذاك لأنك أخرت مالك ولو قدمته لسرك أن تلحق به (3). # ومر عليه السلام على قوم يلعبون ويضحكون في يوم عيد الفطر فوقف عليه السلام ~~والتفت إليهم قائلا : إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه ~~بطاعته الى مرضاته فسبق قوم ففازوا ، وقصر آخرون فخابوا ، فالعجب كل العجب ~~من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون ، وأيم ~~الله لو كشف الغطاء لعلموا ان المحسن مشغول باحسانه والمسيء مشغول بإساءته. ~~ثم تركهم عليه السلام وانصرف (4) # وقال عليه السلام : اوصيكم بتقوى الله وادامة التفكر فان التفكر أبو كل ~~خير وأمه. # وقال عليه السلام : من عرف الله احبه ومن عرف الدنيا زهد فيها PageV01P322 # والمؤمن لا يلهو حتى يغفل واذا تفكر حزن (1). # ومر عليه السلام على ميت يراد دفنه فقال : إن امرا هذا آخره لحقيق بأن ~~يزهد ms179 في اوله ، وان امرا هذا اوله لحقيق أن يخاف من آخره (2). # وقال عليه السلام : الناس في دار سهو وغفلة يعملون ولا يعلمون فاذا صاروا ~~الى دار الآخرة صاروا الى دار يقين يعلمون ولا يعملون (3). ### || طلب الرزق # قال عليه السلام : لا تجاهد الطلب جهاد الغالب ولا تتكل على القدر اتكال ~~المستسلم فان ابتغاء الفضل من السنة والاجمال فى الطلب من العفة وليست ~~العفة بدافعة رزقا ولا الحرص بجالب فضلا فان الرزق مقسوم واستعمال الحرص ~~استعمال المآثم (4). ### ||| ** المساجد # قال عليه السلام : من ادام الاختلاف الى المسجد أصاب ثمان خصال آية محكمة ~~، وأخا مستفادا ، وعلما مستطرفا ، ورحمة منتظرة ، وكلمة تدله على هدى أو ~~تردعه عن ردى ، وترك الذنوب حياء او خشية (5). ### || آداب المائدة # قال عليه السلام : غسل اليدين قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفي PageV01P323 # الهم (1). # وقال عليه السلام : في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها ~~، أربع فيها فرض ، واربع سنة ، واربع تأديب. # الفرض : المعرفة ، الرضا ، التسمية ، الشكر. # السنة : الوضوء قبل الطعام ، الجلوس على الجانب الايسر ، الاكل بثلاثة ~~اصابع ولعق الاصابع. # التأديب : الاكل مما يليك ، تصغير اللقمة ، تجويد المضغ. قلة النظر فى ~~وجوه الناس ، (2) ### || ولاء اهل البيت # قال له رجل : يا ابن رسول الله إني من شيعتكم!!! # فقال عليه السلام : يا عبد الله إن كنت لنا فى أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد ~~صدقت ، وان كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من ~~أهلها ، لا تقل أنا من شيعتك ، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادى ~~اعدائكم وأنت في خير والى خير (3). ### || التحذير من المحرفين لكتاب الله # قال عليه السلام : أيها الناس إنه من نصح لله وأخذ قوله دليل هدى للتي هي ~~أقوم ، وفقه الله للرشاد وسدده للحسنى ، فان جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف ~~مخذول ، فاحترسوا من الله بكثرة الذكر واخشوا PageV01P324 # الله بالتقوى وتقربوا الى الله بالطاعة فانه قريب مجيب ، قال الله تعالى ~~: ( @QUR@017 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا ms180 بي لعلهم يرشدون ) فاستجيبوا لله وآمنوا به فانه لا ~~ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم ، فان رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن ~~يتواضعوا ، والذين يعرفون ما جلال الله ان يتذللوا وسلامة الذين يعلمون ما ~~قدرة الله ان يستسلموا له ولا ينكرون انفسهم بعد المعرفة ولا يضلون بعد ~~الهدى ، واعلموا علما يقينا انكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى ولن ~~تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى ~~تعرفوا الذي حرفه ، فاذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على ~~الله ورأيتم كيف يهوي من يهوي ولا يجهلنكم الذين لا يعلمون ، والتمسوا ذلك ~~عند أهله فانهم خاصة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم ، بهم عيش العلم وموت ~~الجهل وهم الذين اخبركم حلمهم عن جهلهم ، وحكم منطقهم عن صمتهم ، وظاهرهم ~~عن باطنهم لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه ، وقد خلت لهم من الله سابقة ~~ومضى فيهم من الله حكم ، إن في ذلك لذكرى للذاكرين ، واعقلوه اذا سمعتموه ~~عقل رعاية ، ولا تعقلوه عقل رواية فان رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله ~~المستعان (1). ### || الشاهد والمشهود # وجاء رجل الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ليسأل عن المراد من ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) فرأى في المسجد ثلاثة اشخاص قد احتف ~~بكل واحد منهم جمع من الناس وهم يحدثونهم عما سمعوه من PageV01P325 # رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم من الاحكام والآداب فقصد واحدا منهم فسأله ~~عن مسألته؟!!! # فقال له : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. ثم انعطف الى الثاني ، ~~فسأله عن مسألته؟!!! # فقال له : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. ثم انعطف نحو الشخص ~~الثالث فسأله عن مسألته؟!!! # فقال له : الشاهد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم والمشهود يوم القيامة ~~ودعم كلامه بالبرهان قائلا : أما سمعت الله يقول في كتابه العزيز : ( ~~@QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) وقال تعالى : ( ~~@QUR@03 وذلك يوم مشهود ) فسأل من هو الاول؟ قيل له هو عبد الله بن عباس (1) |إن يأخذ الله ms181 من عيني نورهما||ففي لساني وقلبى منهما نور| |قلبي ذكى وعقلى غير ذى دخل||وفي فمي صارم كالسيف مأثور| PageV01P326 # فسأل من هو الثاني؟ قيل له عبد الله بن عمر (1). # فسأل من هو الثالث؟ قيل له الحسن بن علي (2). ### || بعض خطبه : # وكان عليه السلام خطيبا مفوها من أبرع الخطباء واقدرهم على الارتجال ~~والابداع في القول وإليك أيها القارئ الكريم بعضا من خطبه : # قال عليه السلام : نحن حزب الله المفلحون ، وعترة رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم الاقربون ، وأهل بيته الطاهرون الطيبون ، وأحد الثقلين ~~اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، والثاني كتاب الله فيه ~~تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعول عليه في ~~كل شيء لا يخطئنا تأويله ، بل نتيقن حقائقه ، فاطيعونا فاطاعتنا مفروضة إذ ~~كانت بطاعة الله والرسول وأولي الامر مقرونة ( @QUR@020 فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم ) وأحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان إنه PageV01P327 # لكم عدو مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم : ( @QUR@024 لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) فتلقون للرماح أزرا ، وللسيوف جزرا ، ~~وللعمد خطأ ، وللسهام غرضا ، ثم لا ينفع نفسا إيمانها ما لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في ايمانها خيرا ، والله اعلم. # ومرض الامام علي عليه السلام يوما فأمر الحسن ان يصلي بالناس صلاة الجمعة ~~، فصعد عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله لم يبعث ~~نبيا إلا اختار له نفسا ورهطا وبيتا ، فو الذي بعث محمدا بالحق لا ينتقص من ~~حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله ، مثله ولا يكون علينا دولة إلا ~~وتكون لنا العاقبة ، ولتعلمن نبأه بعد حين (1) ### || كلماته الحكمية القصار : # فضح الموت الدنيا (2). # كن في الدنيا ببدنك وفى الآخرة بقلبك. # اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم ms182 يخطر ببالك. # ما تشاور قوم إلا هدوا الى رشدهم. # إن من طلب العبادة تزكى لها. # المزاح يأكل الهيبة وقد اكثر من الهيبة الصامت. # تجهل النعم ما أقامت فاذا ولت عرفت. # الوعد مرض في الجود والانجاز دواؤه. PageV01P328 # المسئول حر حتى يعد ومسترق بالوعد حتى ينجز. # لا تعاجل الذنب بالعقوبة ، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. # قطع العلم عذر المتعلمين. # اليقين معاذ السلامة. # لا يغش العاقل من استنصحه : # إذا أضرت النوافل بالفريضة فاتركوها. # الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود. # وسأله شخص عن الصمت؟ فقال «ع» : هو ستر العى وزين العرض وفاعله في راحة ~~وجليسه في أمن. # فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها. # أشد من المصيبة سوء الخلق. # من تذكر بعد السفر اعتد. # القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه ، والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه. # وقال «ع» : لرجل قد برىء من مرضه ، إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك ~~فاشكره. # إن لم تطعك نفسك فيما تحملها عليه مما تكره فلا تطعها فيما تحملك عليه ~~مما تهوى. # من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه. # العار أهون من النار. # قال «ع» لأصحابه : هل رأيتم ظالما أشبه بمظلوم؟ قالوا وكيف ذاك يا بن ~~رسول الله؟!! PageV01P329 # قال : الحاسد ، فانه فى تعب ومن حسده فى راحة. # مروءة القناعة والرضا أكثر من مروءة الاعطاء. # تمام الصنيعة خير من ابتدائها. ### || نظمه للشعر : # إما نظم الامام «ع» للشعر فقليل وقد تقدمت فى بحوث هذا الكتاب أبيات نسبت ~~له ولكن ابن رشيق قد عد الامام « ع ، من الشعراء واستشهد له ببيت واحد كان ~~الامام قد أنشده وهو مختضب بالسواد فقال «ع» : # نسود أعلاها وتأبى أصولها %~% فليت الذي يسود منها هو الأصل (1) # وجاء فى أعيان الشيعة أنه «ع» قال في الوعظ : # ذرى كدر الأيام ان صفاءها %~% تولى بأيام السرور الذواهب وكيف يغر الدهر من كان بينه %~% وبين الليالي محكمات التجارب # وجاء في المناقب أنه «ع» قال : # لئن ساءني دهر عزمت تصبرا %~% وكل بلاء لا يدوم يسير وإن سرني لم أبتهج بسروره %~% وكل سرور ms183 لا يدوم حقير # إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تراثه ومثله : PageV01P330 ### | فى عهد الإمام على «ع» PageV01P331 # واستقبل جمهور المسلمين خلافة الامام أمير المؤمنين بمزيد من السرور ~~والابتهاج واتساع الأمل والرجاء فقد أيقنوا أن الامام سيرجع لهم الحريات ~~المنهوبة. ويحطم عنهم أركان العبودية التي أقامها الحكم الأموي المهدوم ، ~~ويعيد لهم عهد النبوة الزاهر الذي انبسطت فيه الرحمة ، وعم فيه العدل ~~والرجاء ، وانهم سينعمون من دون شك في ظل حكمه العادل الذي لا يعرف الإثرة ~~والاستغلال ، ولا يميز قوما على آخرين لقد وثق الجمهور أن الامام سيحقق لهم ~~الأهداف النبيلة التي يصبون إليها من تحقيق العدل الاجتماعي والعدل السياسي ~~في البلاد ، وتطبيق المبادئ والنظم التي جاء بها الاسلام ، والقضاء على ~~جميع الفوارق والامتيازات التي خلفها عثمان ، وقد هبوا بجميع طبقاتهم إلى ~~الامام وهم يهتفون باسمه ، ويعلنون رغبتهم الملحة فى أن يلي أمورهم ليحملهم ~~على الحق الواضح والمحجة البيضاء ، ونضع بين يدي القراء صورة مجملة عن ~~البيعة وعن الأحداث التي رافقتها وهي : ### || البيعة : # واجتمع المهاجرون والأنصار ومعهم الثوار وبقية الجماهير ومن بينهم طلحة ~~والزبير فهرعوا إلى الامام أمير المؤمنين وهو معتزل بداره فأحاطوا به من كل ~~جانب وقالوا له : # « يا أبا الحسن. إن هذا الرجل قد قتل. ولا بد للناس من إمام. ولا نجد ~~اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك ، لا أقدم سابقة ، ولا أقرب قرابة من رسول ~~الله .. ». # فامتنع الامام من أجابتهم وقال لهم : # « لا حاجة لي فى أمركم فمن اخترتم رضيت به .. » # فهتفوا بلسان واحد PageV01P333 # « ما نختار غيرك .. » # وكثر اصرار الجماهير على الامام ولكنه لم يستجب لهم فخرجوا منه ولم ~~يظفروا بشيء ، وعقدت القوات المسلحة اجتماعا خاصا عرضت فيه الأحداث الخطيرة ~~التي تواجه الأمة إن بقت بلا إمام يدير شئونها ، وقد قررت على احضار ~~المدنيين وارغامهم على انتخاب إمام للمسلمين فقالوا لهم : # « أنتم أهل الشورى ، وأنتم تعقدون الإمامة. وحكمكم جائز على الأمة ~~فانظروا رجلا تنصبونه ، ونحن لكم تبع ، وقد أجلناكم يومكم ، فو الله لئن لم ~~تفرغوا لنقتلن عليا وطلحة والزبير وتذهب ms184 من أضحية ذلك أمة من الناس .. » (1) # وفزع المدنيون بعد هذا الانذار والتهديد إلى الامام أمير المؤمنين ، وهم ~~يهتفون بلسان واحد # البيعة. البيعة # أما ترى ما نزل بالاسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى # وأجابهم الامام بهدوء قائلا : # « دعوني والتمسوا غيري. » # ثم أعرب لهم عن السر في توقفه من قبول الخلافة قائلا : # « أيها الناس ، إنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ~~ولا تثبت عليه العقول .. » (2) # لقد علم عليه السلام بما دب في نفوس الأمة من الشر ، وبما ساد في نفوس ~~زعمائها من الأهواء لا سيما ولاة عثمان وأسرته ومن يمت إليه فانهم PageV01P334 # جميعا سيقفون أمامه ويحولون بينه وبين تحقيق أهدافه العريضة ، ولا بد أن ~~يخلقوا المشاكل والمصاعب في وجه حكومته لذلك أصر على الامتناع من قبول الأمر. # وفكر الامام فى الأمر فقال لهم : # « إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فانما أنا كأحدكم ألا ~~واني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه .. » # وصاحوا به هاتفين : # « ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك ». # وقد وصف عليه السلام مدى انثيالهم عليه وشدة اصرارهم واقبالهم عليه بقوله : # « فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلى (1) ينثالون علي من كل جانب حتى ~~لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي (2) مجتمعين حولي كربيضة الغنم (3)» وأجلهم ~~الامام إلى صباح اليوم الآخر لينظر فى الأمر فافترقوا على ذلك ، وقد خيم ~~الليل على سماء المدينة وبرك بحمله على بيوتها فبات المدنيون ولكن في غير ~~هدوء واطمئنان ، ولما أصبح الصبح اجتمع الناس فى الجامع الأعظم فاقبل ~~الامام ، واعتلى أعواد المنبر فخطب فيهم قائلا : PageV01P335 # « يا أيها الناس ، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد ~~افترقنا بالأمس وكنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وانه ليس ~~لي أن آخذ درهما دونكم فان شئتم قعدت لكم والا فلا آخذ على أحد .. » # وتعالى هتاف الجماهير بلهجة واحدة # « نحن على ما رقناك عليه بالأمس .. » # « اللهم اشهد عليهم. » # وتدافع الناس كالموج المتلاطم إلى البيعة ، وتقدم طلحة فبايع بتلك اليد ~~التي سرعان ms185 ما نكث بها عهد الله (1) وجاء بعده الزبير فبايع كما بايع رفيقه ~~وبايعه الوفد المصري والوفد العراقي ، وبايعه الجمهور العام ولم يظفر أحد ~~من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها ، وعمت المسرة جميع المسلمين وقد وصف ~~الامام مدى سرور الناس ببيعته بقوله : # « وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير ، وهدج إليها ~~الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب. » # لقد ابتهج المسلمون ببيعتهم إلى وصي رسول الله وباب مدينة علمه ، وعمت ~~الأفراح جميع أنحاء البلاد فقد أطلت على عالم الوجود حكومة العدل والمساواة ~~، وتقلد الخلافة امام الحق ، وناصر المظلومين ، وأبو الأيتام الذي واسى ~~الفقراء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل فى دور حكمه. # « أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم فى مكاره الدهر أو ~~أكون أسوة لهم في جشوبة العيش .. » PageV01P336 # لقد نشرت في ذلك اليوم الخالد ألوية العدالة الكبرى ، وتحققت الأهداف ~~الأصيلة التي ينشدها الإسلام فى عالم السياسة والحكم فلا استغلال ولا ~~مواربة ولا استبداد ولا انقياد للنزعات والعواطف كل ذلك حققه ابن أبي طالب ~~في دور خلافته وحكمه. ### || تأييد الصحابة : # وانبرى كبار الصحابة وأعلام الاسلام من الذين آمنوا بحق أمير المؤمنين ~~منذ وفاة النبي فأبدوا سرورهم البالغ بهذه البيعة ، وأعلنوا تأييدهم الشامل ~~لحكومة الامام وحثوا المسلمين إلى تدعيمها وهم : # 1 ثابت بن قيس # ووقف ثابت بن قيس خطيب الأنصار فخاطب الامام قائلا : # « والله يا أمير المؤمنين لئن كان قد تقدموك فى الولاية فما تقدموك في ~~الدين ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت لا يخفى ~~موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد ~~مع علمك .. » # 2 خزيمة بن ثابت # وانطلق الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال : # « يا أمير المؤمنين ، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ولا كان المنقلب إلا إليك ~~ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيمانا ، واعلم الناس بالله وأولى ~~المؤمنين برسول الله (ص) لك ما لهم وليس لهم مالك .. » # وجرت على لسانه أبيات من ms186 الشعر فخاطب الجماهير بها : # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا %~% أبو حسن مما نخاف من الفتن PageV01P337 وجدناه أولى الناس بالناس انه %~% أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا ما تشق غباره %~% إذا ما جرى يوما على الضمر البدن وفيه الذي فيهم من الخير كله %~% وما فيهم كل الذي فيه من حسن (1) # 3 صعصعة بن صوحان # وقام صعصعة بن صوحان فقال للامام : # « والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما ~~رفعتك ولهي إليك أحوج منك إليها ،. » (2) # 4 مالك الأشتر # واندفع الزعيم الكبير مالك الأشتر فخاطب المسلمين قائلا : # « أيها الناس هذا وصي الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء ~~الحسن العناء ، الذي شهد له كتاب الله بالايمان ورسوله بجنة الرضوان ، من ~~كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل .. » |وصي رسول الله من دون اهله||وفارسه قد كان في سالف الزمن| |واول من صلى من الناس كلهم||سوى خيرة النسوان والله ذو المنن| |وصاحب كبش القوم في كل وقعة||يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن| |فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه||امامهم حتى اغيب في الكفن| PageV01P338 # 5 عقبة بن عمرو # وقام عقبة بن عمرو فأشاد بفضل الامام قائلا : # « من له يوم كيوم العقبة ، وبيعة كبيعة الرضوان ، والامام الأهدى الذي لا ~~يخاف جوره ، والعالم الذي لا يخاف جهله .. » (1) # وتتابعت الصحابة وهي تشيد بفضائل أبي الحسين وتذكر مناقبه ومآثره وتدعوا ~~المسلمين إلى تأييد حكومته. ### || وجوم القرشيين : # واستقبلت قريش وسائر القوى المنحرفة عن الحق خلافة الامام أمير المؤمنين ~~فى كثير من الوجوم والقلق والاضطراب لأن الامام قد وترهم في سبيل الدعوة ~~الاسلامية وقضى على الكثير من عيونهم ووجوههم فقد قتل من أعلام بني أمية ~~عتبة بن ربيعة جد معاوية ، والوليد بن عتبة خاله ، وحنظلة أخاه وقتل غير ~~هؤلاء من أقطاب الشرك ودعائم الالحاد ما أوغر به الصدور وأثار الحفائظ عليه ~~ومضافا لذلك فان سياسة الامام تتصادم مع مصالحهم ومنافعهم فانها تحارب ~~الإثرة والاستغلال ، ولا تقر بأي حال من الأحوال سياسة النهب والإيثار ms187 التي ~~سار عليها عثمان لذلك أظهرت قريش تمردها على حكومته ، وقد أعرب عن هذه ~~المناحي بأسرها الوليد حينما حمل على البيعة ومعه الأمويون فقال للإمام : # « إنك وقد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر ، وأما سعيد ~~فقتلت أباه يوم بدر وكان أبوه من نور قريش ، وأما مروان فشتمت أباه وعبت ~~على عثمان حين ضمه إليه ، فنبايع على أن تضع عنا ما أصبنا PageV01P339 # وتعفي لنا عما في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا .. » # فرد عليه الامام مقالته وأجابه بمنطق الاسلام الذي لا تعيه قريش قائلا : # « أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم ، وأما وضعي عنكم عما فى أيديكم ~~فليس لي أن أضع حق الله ، وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله وللمسلمين ~~فالعدل يسعكم ، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم ~~غدا ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه فمن ضاق الحق فالباطل عليه ~~أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم .. » (1) # ان قريشا تريد المساومة من الامام على أموال الأمة ، وتريد منه أن ينحرف ~~عن خطته القويمة التي تنشد المصلحة العامة ، وحمل الناس على الحق الواضح ~~والمحجة البيضاء ، ولكن الامام قد عاهد الله وعاهد المسلمين أن يطبق أحكام ~~القرآن ويحيي معالم الإسلام ، ويسير على ضوء سنة النبي (ص) وأن لا ينصاع ~~للأحداث والظروف مهما كانت قاسية وشديدة ، وأن يقف بالمرصاد لكل ظالم ومعتد ~~على المسلمين ، لذا أظهرت قريش حقدها البالغ على حكومته ، وهبت بأحلافها ~~وأبنائها على اعلان التمرد والعصيان ، ويصف ابن أبي الحديد مدى اضطرابهم ~~وقلقهم بقوله : # « كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من اظهار ما في ~~النفوس وهيجان ما في القلوب حتى الأحلاف من قريش ، والأحداث والفتيان الذين ~~لم يشهدوا وقائعه ، وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا ما لو كانت الأسلاف ~~أحياء لقصرت عن فعله .. » # لقد امتحن الامام امتحانا عسيرا بهؤلاء العتاة الذين لم ينفث الاسلام إلى ~~قلوبهم ومشاعرهم ، وقد أترعت نفوسهم بالحقد عليه لأنه وقف إلى PageV01P340 # جانب النبي (ص) يحمي دعوته ms188 ، ويصد عنه اعتداء الغادرين والمعتدين وأطاح ~~برءوس الكافرين والملحدين منهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله : # « ما لي ولقريش لقد قتلتهم كافرين ، ولأقتلنهم مفتونين .. والله لأبقرن ~~الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته .. فقل لقريش فلتضج ضجيجها. » # لقد وجدت قريش على الامام وحالت بينه وبين حقه منذ وفاة النبي (ص) فصرفت ~~عنه الخلافة تارة إلى تيم وأخرى إلى عدي ، وثالثة إلى أمية ، وهي جادة على ~~أن تخلق الشغب والتمرد حتى تجهز على حكومته ، وقد ظهر ذلك منها في موقعة ~~الجمل وصفين. ### || القعاد : # وتخلف جماعة عن البيعة لأمير المؤمنين سماهم المسعودي ( بالقعاد ) (1) ~~وسماهم أبو الفداء « بالمعتزلة » (2) وسئل الامام عنهم فقال : « أولئك قوم ~~قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل » (3) وهم سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله ~~بن عمر ، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ~~ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج ، وفضالة ~~بن عبيد ، وكعب بن عجرة ، وعبد الله بن سلام وصهيب بن سنان ، وسلامة بن ~~سلامة ، وأسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون PageV01P341 # والمغيرة بن شعبة (1) وهؤلاء قد انحرفوا عن الحق وضلوا عن الطريق فان ~~بيعة الامام قد قام عليها الاجماع وليس لهم أي عذر في التأخر عن مبايعته ~~فتخلفهم كان خرقا للاجماع ، وخروجا على ارادة الأمة ، وقد فتحوا بذلك باب ~~البغي والتمرد على حكومة الامام ، وأشعلوا نار الفتنة في البلاد ، وقد ~~اعتذر سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة في الجنة كما يقولون عن سبب ~~اعتزاله عن الامام وعن بني أمية أيام الفتنة الكبرى فقال : إني لا أقاتل ~~حتى يأتوني بسيف مبصر عاقل ناطق ينبئني أن هذا مسلم وهذا كافر ، وهو اعتذار ~~مهلهل لا يدعمه منطق ولا برهان فان بيعة الامام كانت شرعية بالمعنى الدقيق ~~لهذه الكلمة فقد اصحر بها الامام وبايعه جمهور المسلمين ولم تكن بيعته فلتة ~~كبيعة أبي بكر ، ولا بادلاء شخص معين كبيعة عمر ، ولم تستند إلى جماعة ~~معينة كبيعة عثمان فالفئة التي خرجت عليه كانت ms189 باغية يجب قتالها كما أمر ~~الله بذلك قال تعالى : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله » ولكن ~~سعدا كان يحمل حقدا على الامام وهو الذي وهب صوته إلى عبد الرحمن بن عوف ~~لاضعاف كفة الامام كما بينا ذلك في حديث الشورى ، وأخيرا ندم على ما فرط في ~~أمره وود أن يكون مع الامام ، كما ندم عبد الله بن عمر فقال عند موته : إني ~~لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلا تخلفي عن علي ، وقد انتقم الله ~~منه فأراه الذل والهوان فى أواخر أيامه فقد عاش إلى زمن عبد الملك فجاء ~~الحجاج ليأخذ البيعة له فجاء عبد الله في آخر الناس لئلا يراه أحد فعرف ~~الحجاج ذلك فاحتقره واستهان به وقال له : # « لم لم تبايع أبا تراب وجئت تبايع آخر الناس لعبد الملك أنت أحقر PageV01P342 # من أن أمد لك يدي دونك رجلي فبايع .. » # ومد إليه رجله وفيها نعله فبايعها ، ان هؤلاء القعاد يعلمون من دون شك ان ~~الحق مع علي وانه أولى بالأمر من غيره لسابقته في الاسلام ولعلمه وفقهه ~~وتحرجه في الدين ولكن الأهواء ودواعي الغرور هي التي باعدت بينهم وبين ~~دينهم فناصبوا عترة نبيهم وأبعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون. ### || مصادرة الاموال المنهوبة : # وكانت فاتحة الأعمال التي قام بها الامام أمير المؤمنين أن أصدر قراره ~~الحاسم برد القطائع التي أقطعها عثمان ، وباسترجاع الأموال التي استأثر بها ~~والأموال التي منحها لذوي قرباه لأنها أخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت ~~أموال عثمان حتى سيفه ودرعه ، وفي ذلك يقول الوليد بن عقبة يخاطب بني هاشم : # بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم %~% ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم كيف الهوادة بيننا %~% وعند علي درعه ونجائبه بني هاشم : كيف التودد منكم %~% وبز ابن أروى فيكم وحرائبه بني هاشم : ألا تردوا فاننا %~% سواء علينا قاتلاه وسالبه بني هاشم إنا وما كان منكم %~% كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه %~% كما غدرت ms190 يوما بكسرى مرازبه # فرد عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها : # فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم %~% أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه وشبهته كسرى وقد كان مثله %~% شبيها بكسرى هديه وضرائبه PageV01P343 # وقد أثارت هذه الاجراءات العادلة سخط الذين استباحوا نهب أموال المسلمين ~~وتمرغوا بالدنيا فقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها « ما كنت ~~صانعا فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه ، كما تقشر عن العصا ~~لحاها » (1) # وأوجس خيفة كل من طلحة والزبير ومن شابهما ممن أقطعهم عثمان ووهبهم ~~الأموال الطائلة والثراء فخافوا على ما في أيديهم من أن يصدر الحكم ~~بمصادرته فأظهروا بوادر الشقاق والبغي وأعلنوا التمرد على الامام. ### || عزل الولاة : # ومضى أمير المؤمنين يؤسس معالم العدل في البلاد فأصدر أوامره بعزل ولاة ~~عثمان واحدا بعد واحد لأنهم أظهروا الجور والفساد في الأرض. وقد أبى الامام ~~أن يبقيهم في جهاز الحكم لحظة واحدة لأن في ابقائهم اقرارا للظلم والطغيان ~~، وقد عزل بالفور معاوية بن أبي سفيان ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له أن ~~يبقيه على عمله حتى تستقر الحال فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وقد دخل ~~عليه زياد بن حنظلة ليعرف رأيه فى معاوية فقال له الامام : # تيسر يا زياد # لأي شيء يا أمير المؤمنين؟ # لغزو الشام # الرفق والأناة أمثل # فأجابه الامام : # متى تجمع القلب الذكي وصارما %~% وأنفا حميا تجتنبك المظالم PageV01P344 # وعبأ جيوشه لغزو الشام والقضاء على الحكم الأموي الجاثم عليها الا انه ~~فوجئ بتمرد طلحة والزبير وعائشة فانشغل بهم وانصرف إلى القضاء على تمردهم ~~كما سنبينه بالتفصيل في البحوث الآتية ، ### || اعلان المساواة : # وانطلق رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الارض فاعلن المساواة العادلة ~~بين جميع المسلمين سواء فى العطاء أو في غيره ، وقد عوتب على خطته فاجاب : # « أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ، والله ما أطور به ما ~~سمر سمير ، وما أم نجم في السماء نجما ، لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف ~~وإنما المال مال الله! الا وإن ms191 اعطاء المال في غير حقه تبذير واسراف ، وهو ~~يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله .. ~~» (1). # إن المساواة التي اعلنها الإمام كانت تهدف إلى ايجاد مجتمع لا تطغى فيه ~~العنصريات والقوميات ، ولا يوجد فيه بائس ومحروم وعاطل ، وينعدم فيه الظلم ~~والطغيان والاستبداد والاستغلال. # ان المساواة التي طبقها الامام في دور حكمه كانت ترتكز على المفاهيم ~~الإسلامية البناءة التي تهدف إلى تطبيق العدل السياسي والعدل الاجتماعي في ~~الأرض ، والى القضاء على جميع افانين الظلم وضروب الجور والاستبداد وقد هبت ~~القوى النفعية الى معارضتها كما ناجزت الرسول في بدء دعوته ، وناهضت مبادئه ~~وأهدافه ، PageV01P345 ### || وصاياه لولده الحسن : # وللامام أمير المؤمنين وصايا تربوية لولده الحسن حافلة بالقيم العليا ~~والمثل الانسانية الكريمة ، وأهمها وصيته الخالدة التي كتبها بحاضرين (1) ~~حال انصرافه من صفين ، وقد حفلت بالدروس القيمة ، والآداب الاجتماعية ، ~~وحقا أن ترسم على صفحات القلوب ، وأن يجعلها المسلمون دستورا لهم في سلوكهم ~~الفردي والاجتماعي ، ونسوق الى القراء بعضا من فصولها : # « من الوالد الفان المقر للزمان (2) المدبر العمر ، المستسلم للدهر ، ~~الذام للدنيا ، الساكن مساكن الموتى ، والظاعن عنها غدا ، إلى المولود ~~المؤمل ما لا يدرك (3) السالك سبيل من قد هلك غرض الاسقام ، ورهينة الايام ~~، ورمية المصائب (4) وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا. وأسير ~~الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ونصب الآفات (5) وصريع الشهوات ، ~~وخليفة الاموات ... ». # لقد اعرب عليه السلام بهذه الكلمات الذهبية عن استسلامه للدهر وإدباره عن ~~الدنيا فقد كان عمره الشريف حين كتابته لهذه الوصية ينيف PageV01P346 # على ستين عاما ، وهو سن من يفارق الحياة ، ويقبل على الآخرة ، وقد وصف كل ~~من يولد في الدنيا بأنه يؤمل ما لا يدركه ، في الوقت الذي يسلك فيه سبيل ~~الهالكين ، وانه غرض للاسقام وحليف للهموم والاحزان وقد ذكر «ع» بعد هذا ~~الاسباب الوثيقة التي دعته لرسم هذه الوصية فيقول : # « .. أما بعد ، فان فيما تبينت من إدبار الدنيا عنى ، وجموح الدهر على ~~(1)، وإقبال الآخرة إلى ، ما يرغبني عن ذكر من سواى والاهتمام بما ورائى ~~(2) غير أنى حيث تفرد ms192 بي دون همموم الناس هم نفسى ، فصدقنى رأيى وصرفني عن ~~هوائي ، وصرح لى محض أمرى ، فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب ، وصدق لا ~~يشوبه كذب ، ووجدتك بعضي بل وجدتك كلى حتى كأن شيئا لو أصابك اصابني. وكأن ~~الموت لو أتاك أتاني فعنانى من أمرك ما يعنيني من امر نفسى ، فكتب إليك ( ~~كتابى ) مستظهرا به (3) إن أنا بقيت لك أو فنيت .. » # وبعد ما ذكر العوامل التي دعته لأن يرسم هذه الوصية شرع في بيان المثل ~~الكاملة التي ينبغي لولده أن يتمسك بها ويسير عليها فقال : # « .. فانى أوصيك بتقوى الله ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره والاعتصام ~~بحبله ، وأى سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟ # أحى قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهادة ، وقوه باليقين ، ونوره PageV01P347 # بالحكمة ، وذلله بذكر الموت ، وقرره بالفناء (1)، وبصره فجائع الدنيا ~~وحذره صولة الدهر ، وفحش تقلب الليالى والأيام ، وأعرض عليه أخبار الماضين ~~وذكره بما اصاب من كان قبلك من الأولين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر ~~فيما فعلوا ، وعما انتقلوا ، وأين حلوا ونزلوا ، فانك تجدهم قد انتقلوا عن ~~الأحبة وحلوا ديار الغربة ، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فاصلح مثواك. ~~ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلف ~~وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فان الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب ~~الأهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من ~~فعله بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، وخض ~~الغمرات (2) للحق حيث كان ، وتفقه في الدين ، وعود نفسك التصبر على المكروه ~~، ونعم الخلق التصبر ( فى الحق ) وألجئ نفسك فى الأمور كلها إلى إلهك فانك ~~تلجئها إلى كهف حريز (3)، ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فان بيده ~~العطاء والحرمان ، واكثر الاستخارة (4)، وتفهم وصيتي ، ولا تذهبن عنها ~~صفحا (5) فان خير القول ما نفع ، وأعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ، ولا ~~ينتفع بعلم لا يحق تعلمه (6). PageV01P348 # إن هذه الحكم التي تضمنها كلامه الشريف ms193 هى برامج السعادة وخلاصة الحكمة ~~والآداب والتهذيب ، ويعرب «ع» في كلماته الآتية عن بلوغه سن الشيخوخة وهو ~~يخاف أن يهجم عليه الموت دون أن يدلى بهذه الحكم إلى ولده فيقول : # « .. أى بنى ، إنى لما رأيتنى قد بلغت سنا (1) ورأيتنى أزداد وهنا بادرت ~~بوصيتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلى دون أن أفضى (2) إليك ~~بما في نفسى ، وأن انقص (3) في رأيي كما نقصت في جسمى ، أو يسبقنى إليك بعض ~~غلبات الهوى ، أو فتن الدنيا (4)، فتكون كالعصب النفور (5)، وإنما قلب ~~الحدث كالارض الخالية ، ما القى فيها من شيء قبلته. فبادرتك بالأدب قبل أن ~~يقسو قلبك ويشتغل لبك. لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب ~~بغيته (6) وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة ، ~~فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما اظلم علينا منه .. » # انه عليه السلام لما طعن في السن أراد أن يضع في نفس ولده ما استقر في ~~نفسه الشريفة من الآداب والكمال ، ويغذيه بأطرف الحكم ويلمسه PageV01P349 # أهم العبر التي حدثت في عالم الوجود والتي أخذ خلاصتها الحكماء وأهل ~~التجارب ، يضع كل ذلك أمام ولده ليستبين له كل شيء ، ويعرف خلاصة الأمور ~~واهمها ، ثم يسترسل الامام الحكيم في وصيته فيقول. # « .. أى بنى ، إنى وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلى فقد نظرت في أعمالهم ~~، وفكرت في اخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إلى ~~من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ~~ضرره ، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله (1) وتوخيت لك جميله ، وصرفت عنك ~~مجهوله ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت (2) عليه من ~~أدبك أن يكون (3) ذلك وأنت مقبل العمر ، ومقتبل الدهر ، ذو نية سليمة ونفس ~~صافية ، وأن ابتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الاسلام واحكامه ، ~~وحلاله وحرامه ، ( و) لا اجاوز لك إلى غيره (4) ثم اشفقت (5) أن يلتبس عليك ~~ما اختلف الناس فيه ms194 من اهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم ، فكان إحكام ~~ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلى من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به ~~الهلكة (6) ورجوت PageV01P350 # أن يوفقك الله لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك بوصيتى هذه .. » # سيدي أيها الخبير بأحوال الناس العارف بصفو الأمور وكدرها المحيط بجوهر ~~الاشياء ، حدثنا عن أحب الامور إليك وأهمها عندك فيقول # « .. واعلم يا بنى ، أن أحب ما أنت آخذ به إلى من وصيتي ، تقوى الله ~~والاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك ~~والصالحون من أهل بيتك فانهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر. ~~وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عما ~~لم يكلفوا فان أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك ~~بتفهم وتعلم ، لا بتورط الشبهات وعلو الخصوصيات ، وأبدأ قبل نظرك في ذلك ~~بالاستعانة بالهك ، والرغبة إليه في توفيقك ، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة ~~(1)، أو اسلمتك إلى ضلالة ، فاذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتم رأيك ~~فاجتمع ، وكان همك فى ذلك هما واحدا ، فانظر فيما فسرت لك ، وإن أنت لم ~~يجتمع لك ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء ~~(2) وتتورط الظلماء ، وليس طالب الدين من خبط أو خلط! والامساك عن ذلك امثل .. # فتفهم يا بني وصيتي ، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة ، وأن الخالق ~~هو المميت ، وأن المفنى هو المعيد » وأن المبتلى هو المعافي ، وأن PageV01P351 # الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء (1) ~~والابتلاء والجزاء في المعاد ، أو ما شاء مما لا نعلم فان أشكل عليك شيء من ~~ذلك فاحمله على جهالتك به فانك أول ما خلقت جاهلا ثم علمت ، وما اكثر ما ~~تجهل من الأمر » ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك فاعتصم ~~بالذى خلقك ورزقك وسواك ، وليكن له تعبدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك (2). # وبعد هذا ms195 شرع (ع) في توحيد الله وإقامة الادلة عليه وبعد فراغه من ذلك ~~أخذ في بيان الآداب الاجتماعية فقال : # يا بنى ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فاحبب لغيرك ما تحب ~~لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم واحسن كما تحب ~~أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من الناس بما ~~ترضاه لهم من نفسك (3) ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم ، ولا تقل ما لا ~~تحب أن يقال لك. # واعلم أن الاعجاب ضد الصواب ، وآفة الألباب (4) فاسع في كدحك (5) PageV01P352 # ولا تكن خازنا لغيرك (1) وإذا كنت هديت لقصدك فكن اخشع ما تكون لربك. # إن هذه الحكم القيمة لو سار عليها الانسان لكان اسمى مثل للتهذيب والسمو ~~والكمال ، فقد احتوت على اصول العدل واسس الفضيلة والكمال ومن جملة هذه ~~الحكم الخالدة قوله : # وأعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كان ~~قبلك فخفض في الطلب (2) وأجمل في المكتسب ، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب (3) ~~فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم ، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ~~ساقتك إلى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا (4) ولا تكن عبد ~~غيرك وقد جعلك الله حرا ، وما خير خير لا ينال إلا بشر (5) ويسر لا ينال ~~إلا بعسر؟! (6)، PageV01P353 # وإياك أن توجف بك مطايا الطمع (1) فتوردك مناهل الهلكة وإن استطعت أن لا ~~يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فانك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك! وإن ~~اليسير من الله سبحانه اعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه. # وتلا فيك (2) ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، وحفظ ما ~~في الوعاء بشد الوكاء ، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك (3) ~~ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس والحرفة مع العفة خير من الغنى مع ~~الفجور ، والمرء احفظ لسره (4) ورب ساع فيما يضره (5) من ms196 اكثر أهجر (6) ومن ~~تفكر أبصر! # قارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم! بئس الطعام الحرام ، ~~وظلم الضعيف افحش الظلم. إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا (7) ربما كان ~~الدواء داء والداء دواء ، وربما نصح غير PageV01P354 # الناصح وغش المستنصح (1) وإياك واتكالك على المنى فانها بضائع الموتى ~~والعقل حفظ التجارب. وخير ما جربت ما وعظك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ~~ليس كل طالب يصيب ، ولا كل غالب يؤوب ، ومن الفساد اضاعة الزاد ، ومفسدة ~~المعاد ، ولكل أمر عاقبة ، سوف يأتيك ما قدر لك ، التاجر مخاطر!! ورب يسير ~~أنمى من كثير ، ولا خير في معين مهين ولا في صديق ظنين ، ساهل الدهر ما ذل ~~لك قعوده (2) ولا تخاطر بشيء رجأ اكثر منه وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج!! ~~احل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة (3) وعند صدوده على اللطف والمقاربة ~~وعند جموده (4) على البذل وعند تباعده على الدنو ، وعند شدته على اللين ، ~~وعند جرمه على العذر ، حتى كأنك له عبد ، وكأنه ذو نعمة عليك ، وإياك أن ~~تضع ذلك في غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله ، لا تتخذن عدو صديقك عدوا ~~فتعادي صديقك ، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة ، وتجرع الغيظ فاني ~~لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة (5) ولن لمن غالظك فانه يوشك أن ~~يلين لك وخذ على عدوك بالفضل فانه أحلى الظفرين ، وان أردت قطيعة أخيك ~~فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك PageV01P355 # يوما ما ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك ~~وبينه فانه ليس لك بأخ من أضعت حقه ، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، ولا ~~ترغبن فيمن زهد عنك ، ولا يكونن أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته ، ولا ~~يكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان ، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فانه ~~يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسؤه. » # وهكذا يسترسل الامام «ع» فى كلامه فيضع جواهر ms197 الحكم القيمة واسمى الدروس ~~النافعة واثمن الآراء الصائبة في وصيته ، ونكتفي بهذا المقدار منها وبها ~~ينتهى بنا المطاف لنلتقي مع الامام فى البصرة. PageV01P356 ### | فى البصرة PageV01P357 # تمت البيعة للامام من جميع الحواظر الاسلامية سوى الشام ، وآمن المسلمون ~~بالأهداف الاصيلة التي ينشدها الحكم الجديد ، وايقنوا أن الامام سيعيد لهم ~~رحمة الاسلام وعدله ، وان حكمه امتداد لحكم النبي وسيرته ، وقد قام الامام ~~في اليوم الاول من خلافته بتطبيق العدالة الاسلامية الكبرى ، وتحقيق ~~المساواة الشاملة بين المسلمين سواء فى العطاء أو فى غيره من المجالات ~~العامة ، وحطم الفوارق والامتيازات التي اوجدها عثمان على مسرح الحياة ~~الاسلامية ، وقام بمصادرة الأموال المنهوبة التي منحها عثمان لأسرته ~~وأقاربه وقد قضى بذلك على الغبن الاجتماعي ، والظلم الاجتماعي ، كما قام ~~بحماية المسلمين من الاستغلال والاستبداد ، وصيانتهم من التدهور والانحطاط ~~، وقد أثارت هذه المبادئ والأهداف سخط النفعيين والمنحرفين فلم تمض أيام ~~قليلة حتى اظهروا بوادر البغي والشقاق ، واعلنوا التمرد والعصيان وقاموا ~~بعد وانهم المسلح لاجل الاطاحة بالحكم القائم واعادة سياسة النهب والتجويع ~~، وأبطال هذه المؤامرة عائشة وطلحة والزبير فقد أثاروها حربا شعواء من اجل ~~مطامعهم الرخيصة ، فكانت موقعة البصرة التي صدعت شمل المسلمين ، وأشاعت ~~الحزن والحداد فى ربوعهم ، وعلينا أن ننظر إلى فصول هذه المأساة الكبرى ~~التي نشرت الفتن والكوارث في أجواء العالم الاسلامي لنتبين بواعثها ~~ودوافعها. ### || تمرد طلحة والزبير # وتعرض كثير من المسلمين لأسباب الفتن ودواعي الغرور وطرأت عليهم من ~~الأحداث ما باعدت بينهم وبين دينهم وبين عهدهم الأول ، والسبب فى ذلك انهم ~~امتحنوا بالسلطة وبالثراء الواسع العريض ، ومن PageV01P359 # هؤلاء طلحة والزبير فقد انطلقا إلى الامام أمير المؤمنين فقالا له : # « هل تدرى على م بايعناك يا أمير المؤمنين؟؟ » # فرمقهما الامام بطرفه وقال لهما : # نعم على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان لا ~~ولكن بايعناك على أنا شريكاك فى الأمر # لا ولكنكما شريكان فى القول والاستقامة والعون على العجز والأود إن ~~بيعتهما للامام فى قرارة أنفسهما كانت مدفوعة بالدوافع المادية البحتة ، ~~فهما يريدان الحكم ، والمساومة على ms198 السلطة ، وهمها فى نظر الامام شريكان له ~~فى الاستقامة وفى تحقيق العدالة بين المسلمين ، ولما استبان لهما أنه لا ~~يوليهما شيئا اظهرا الشكاة واعلنا التمرد فقال الزبير فى ملأ من قريش : # « هذا جزاؤنا من علي ، قمنا له فى أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب ~~وسببنا له القتل ، وهو جالس فى بيته وكفى الأمر فلما نال بنا ما أراد جعل ~~دوننا غيرنا .. » # وقال طلحة : # « ما اللوم الا انا كنا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا (1)، وبايعناه ، ~~واعطيناه ما فى أيدينا ، ومنعنا ما فى يده فأصبحنا قد اخطأنا ما رجونا .. » # وانتهى حديثهما إلى الامام أمير المؤمنين فاستدعى عبد الله بن عباس فقال له : PageV01P360 # بلغك قول الرجلين؟ # نعم # أرى أنهما أحبا الولاية فول البصرة الزبير ، وول طلحة الكوفة وأنبرى ~~الامام يفند رأى ابن عباس ، ويبين له أن فى ولايتهما خطرا على الأمة قائلا : # « ويحك!! إن العراقين بهما الرجال والأموال ، ومتى تملكا رقاب الناس ~~يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القوى ~~بالسلطان ، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ~~ولو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي » (1) ودلت هذه ~~البادرة على مدى حرص طلحة والزبير على الامارة والسلطان ، وانهما إنما ~~أثارا سخط الناس على عثمان طمعا بالخلافة والولاية ولم يكونا مدفوعين بدافع ~~المصلحة العامة ، وحب النصح للمسلمين ، وقد خسرا الصفقة ، وذهبت مساعيهما ~~أدراج الرياح حينما آل الأمر إلى أمير المؤمنين لأن المحور الذي تدور عليه ~~رحى سياسته مسايرة الدين والعمل على وفق المبادئ الاسلامية وهي لا تقر بأي ~~حال من الأحوال أن تمنح الوظائف أثرة أو محاباة لأن ذلك خيانة للامة ، وقد ~~اعرب الامام عن الاسباب التي دعته أن لا يوليهما العراقين وهي : # 1 إنهما يستميلان السفهاء بالمنافع والاطماع. # 2 إنهما يصبان على الضعفاء وابلا من العذاب والبلاء. # 3 يستغلان النفوذ والسلطان ويقويان به على القوى. # ومع علمه بهذه الاتجاهات كيف يجعلهما ولاة وحكاما على المسلمين يتصرفان ~~في أموالهم ودمائهم .. وقد انتقد شفيق جبرى ms199 الامام في ذلك PageV01P361 # واعتبر أن حرمانهما من الولاية كان غلطة منه على حد تعبيره الرخيص (1) # ان شفيق جبري قد آمن بالسياسة الغربية التي تبيح جميع الوسائل فى سبيل ~~الوصول الى الحكم وان كانت غير مشروعة وهذه السياسة لا يقرها الاسلام بحال ~~فقد بنى سياسته الخلاقة على الايمان بحقوق الانسان وتجنب المكر والخداع وان ~~توقف عليهما النصر والظفر وعلى ضوء هذه السياسة العادلة سار ابن ابي طالب ~~رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض. # ان السياسة التي سار عليها الملوك ولا يزال يسيرون عليها عشاق الملك ~~والسلطان لا يلتقى معها الامام بصلة ، ولا تتفق مع أهدافه العليا ، وقد ~~اوضح عليه السلام اسباب ذلك بقوله : # « لو لا التقى والورع لكنت ادهى العرب » # ان التقى والورع والخوف من الله تقف امامه وتصده عن ارتكاب اى وسيلة لا ~~يقرها الشرع ، ومضافا لذلك فان المصلحة كانت تقضي ان لا يوليهما الكوفة ~~والبصرة لان لهما حزبين وشيعة بهما ولا يؤمن أن يتسرب نفوذهما يوما ما إلى ~~الدولة الاسلامية كافة # وعلى أي حال فلما استبان لطلحة والزبير ضياع املهما وعدم فوزهما بمقعد ~~الحكم انطلقا إلى الامام طالبين منه الاذن بالخروج قائلين : # ائذن لنا يا أمير المؤمنين. # إلى اين؟!! # نريد العمرة. # فرمقهما الامام هينهة وقد عرف حفايا نفوسهما فقال لهما برنة المستريب # والله ما العمرة تريدان!! بل الغدرة ونكث البيعة!! PageV01P362 # واقسما له بالايمان المغلظة انهما لا يخلعان البيعة ، وانهما يخرجان ~~ليعتمرا بالبيت الحرام ، وانهما يعلمان أنها قسم حانث ، ولكن لم يجدا وسيلة ~~يصلان بها إلى الغاية سوى اليمين الكاذب ، والتفت الامام لهما ونفسه مترعة ~~بالشك والريبة منهما قائلا : # « أعيدا البيعة لي ثانية ». # ففعلا دون تردد ، ومضيا منهزمين إلى مكة ، وكأنه قد اتيح لهما الخلاص من ~~سجن أو عقاب ، ولحقا بعائشة يستفزانها على الثورة فانهما على علم بما تكنه ~~من الحقد والعداء للامام. ### || خروج عائشة : # كانت عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان ، وقالت فيه أمر القول ~~وأقساه ، وما كان اسمه عندها الا نعثلا ، وتعزو بعض المصادر السبب ms200 في ذلك ~~إلى أنه نقصها مما كان يعطيها عمرو صيرها كغيرها من أزواج النبي (ص) (1) ~~وقد بالغت في التشهير به والتحريض على قتله ولما احاط الثوار به خرجت إلى ~~مكة وبعد ادائها لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب وهي تجد في السير لتنظر ~~ما آل إليه أمر عثمان فلما انتهت إلى سرف (2) لقيها رجل من أخوالها يقال له ~~عبيد بن أبي سلمة وكان قادما من المدينة فاستعجلت قائلة له : PageV01P363 # مهيم؟ (1). # قتلوا عثمان. # ثم صنعوا ما ذا؟ # اجتمعوا على بيعة علي فجازت بهم الأمور الى خير مجاز!! # فانهارت أعصابها ، وتحطمت قواها ، وبلغ بها الحزن إلى قرار سحيق ، وهتفت ~~وهي حانقة مغيظة وبصرها يشير إلى السماء ، ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة : # « والله ليت هذه انطبقت على هذه ، إن تم الأمر لابن أبي طالب قتل عثمان ~~مظلوما والله لأطلبن بدمه ». # فاجابها عبيد باستنكار وسخرية : # « ولم؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت!!! ولقد كنت تقولين اقتلوا ~~نعثلا فقد كفر! » لما ذا هذا الحزن والجزع من عائشة؟ # وقد عادت للاسلام نضارته بحكومة الامام ، وظفر المسلمون بما يصبون إليه؟؟ # وأجابت عائشة ابن خالها فقالت له : # « إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا؟ وقولي الأخير خير من قولي ~~الأول .. » # وهل كانت حاضرة حينما استتابوه؟ وهل لها دراية بكيفية توبته ، ولكنها ~~افتعلت دلك لتبرير موقفها وفد رد عليها عبيد فقال لها : # منك البداء ومنك الغير %~% ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام %~% وقلت لنا إنه قد كفر PageV01P364 فهبنا (1) اطعناك فى قتله %~% وقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السقف من فوقنا %~% ولم تنكسف شمسنا والقمر وقد بايع الناس ذا تدرإ %~% يزيل الشبا ويقيم الصعر (2) ويلبس للحرب أثوابها %~% وما من وفى مثل من قد غدر # فاعرضت عنه وانصرفت راجعة الى مكة (3) وقد علاها الحزن والاكتئاب ، واحاط ~~بها الاسى والذهول. ### || دوافع تمردها : # وليس شيء أو هى من القول بأن السبب في خروج عائشة هو المطالبة بدم عثمان ~~فانها هي التي حفزت المسلمين إلى الاجهاز عليه ودعتهم إلى ms201 الاطاحة بحكمه ~~يقول شوقي : # أثار عثمان الذي شجاها %~% أم غصة لم ينتزع شجاها ذلك فتق لم يكن بالبال %~% كيد النساء موهن الجبال # نعم تذرعت بدم عثمان واتخذته وسيلة إلى اعلان العصيان والتمرد وإلى اغراء ~~السذج والبسطاء فزجت بهم فى الحرب التي أثارتها ضد أمير المؤمنين وأخي رسول ~~الله (ص) وباب مدينة علمه. # إن دم عثمان لا يصلح باي حال ان يكون من بواعث ثورتها على النظام القائم ~~وانما بواعث ذلك ما يلي : # 1 إن نفسها كانت مترعة بالبغض والكراهية للامام ولزوجته سيدة PageV01P365 # النساء وأولادهما وسبب ذلك انها رأت اتجاه النبي واقباله عليهم وانه قد ~~خصهم بمزيد الحب والعطف على نحو لم يشاركهم فيه أحد (1) ولم تحض عائشة ~~بقليل ولا بكثير من تلك الرعاية وذلك الحنان بل كان يعاملها معاملة عادية ~~بل ويزدري بها فى كثير من الاحيان فقد وقف خطيبا على منبره فأشار إلى ~~مسكنها قائلا : « هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة هاهنا الفتنة حيث يطلع قرن ~~الشيطان (2) وقد هددها غير مرة بالطلاق نظرا لما كان يعانيه منها فقد قالت ~~له مرة فى كلام غضبت عنده أنت الذي تزعم أنك نبي (3) وكان اذا صلى تمد ~~رجلها في قبلته ثم لا ترفعها عن سجوده حتى يغمزها فاذا غمزها رفعتها ، حتى ~~يقوم فتمدها ثانية (4) لقد رأت عائشة اقبال النبي على فاطمة وعلى زوجها ~~واعراضه عنها الأمر الذي اثار كوامن الحقد في نفسها ، وقد جابهت رسول الله ~~(ص) بذلك فقد استأذن أبو بكر على رسول الله فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول ~~له : « والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومنى مرتين أو ثلاثا » (5) ~~وليس شيء يثير عواطف المرأة ويترك العقد النفسية فيها مثل ما ترى أحدا ~~أثيرا عند زوجها ، ومقدما عليها في الحنان والحب ، وزاد في تأثرها ~~وانفعالها انها حرمت الولد من PageV01P366 # النبي كما حرم من غيرها ، وقد تبنى ابناء ابنته الوحيدة فاقام لهم في ~~نفسه اعمق الحب والاخلاص ، وقد ترك ذلك كوامن الحسد فى نفسها من الامام ~~وزوجته ، وقد بذلت جميع ms202 طاقاتها في مقابلة أمير المؤمنين وصرف الخلافة عنه ~~فقد رشحت أباها للصلاة فى مرض رسول الله لئلا يصلي بالمسلمين الامام ، وبعد ~~وفاة النبي كان لها ضلع كبير في ترشيح ابيها للخلافة وحرمان الامام منها ، ~~وبلغ من عظيم حقدها ان بضعة النبي لما توفيت جئن نساؤه الى بني هاشم في ~~العزاء الا هي ونقل عنها كلام يدل على سرورها وفرحها (1) # ولما آل الأمر إلى الامام انهارت جميع قواها واندفعت إلى مقاومته وإلى ~~اعلان الثورة على حكومته ، وقد وصف عليه السلام مدى ضغنها وحقدها عليه بقوله : # « أما فلانة فقد أدركها ضعف رأي النساء ، وضعن غلا في صدرها كمرجل القين ~~(2) ولو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلى ما تفعل » (3) # ان من أقوى العوامل التي دفعتها إلى مقاومة الامام هي الاحقاد والضغائن ~~التي تكنها في نفسها حتى انها لم تستطع إلى كبتها واخفائها ، وقد ابدت بالغ ~~المسرات والأفراح حينما بلغها مقتله ، وقد تناسب أنه أخو النبي ووليه وانه ~~منه بمنزلة هارون من موسى ، واعرضت عما قال فيه : « اللهم وال من والاه ~~وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله .. » لقد سمعت ذلك ووعته ، ولم ~~يخف عليها شيء مما أثر عن PageV01P367 # النبي فيه وفي أبنائه. # 2 ومن بواعث ثورتها انها كانت تتوقع أن ترجع الخلافة إلى تيم ويتقلدها ~~ابن عمها طلحة كما يرى ذلك العقاد (1) وكانت تدعو له وتشيد به ولما بلغها ~~مقتل عثمان وهي في مكة بادرت قائلة : إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الأصبع ~~يعنى طلحة ثم اقبلت مسرعة إلى المدينة وهي لا تشك أنه هو صاحب الأمر ، ~~وكانت تقول : بعدا لنعثل وسحقا ، إيه ذا الأصبع ، إيه أبا شبل ، إيه ابن عم ~~لله أبوك ، أما انهم وجدوا طلحة لها كفؤا ، لكأني أنظر إلى إصبعه حثو الابل » (2) # وهي بذلك كانت مدفوعة بدافع العصبية القبلية فلم تنظر لصالح الأمة فقد ~~أرادت أن تعيد المجد ثانيا لأسرتها ، وأن تبسط نفوذها وتستأثر بالأموال ~~وذلك لا يتحقق الا بأن ترجع الخلافة إلى تيم. # 3 ويرى الاستاذ ms203 العلائلى ان السبب في خروجها من اجل الحزبية السائدة فى ~~ذلك العصر يقول : # « والتاريخ لا يحدثنا لما ذا خرجت على علي ولم تر بعد من سياسته شيئا ما ~~، ودعوى انها خرجت طلبا بدم عثمان توهيم لأنها لم تكن جاهلة بالشريعة التي ~~تقضي بترك الأمر إلى الحاكم المركزي فان لم يكن فلولي القتيل وليست من ~~اوليائه (3) # إذن فلم نخرج عائشة طلبا بدم عثمان بل لشيء آخر وهو ما لم PageV01P368 # يذكره التأريخ بصراحة ، والذي يستقيم عندي في هذا الأمر ان الحزبية بلغ ~~من نفوذها مبلغا عظيما حتى عدت إلى زوجات النبي فكانت أم سلمة من حزب ~~المحافظين « أي حزب علي » وعائشة من حزب طلحة والزبير كما ذكرت فى « مقدمة ~~الحلقة الاولى » وكانتا كذلك في عهد النبي فقد كانت أم سلمة زعيمة طائفة من ~~نسائه ، وعائشة زعيمة طائفة أخرى ، ولا ريب في أن هذه الحزبية ولدت في ~~نفسيهما حزازة تأريخية اتصلت بمسلكيهما العام .. » (1) # هذه بعض البواعث التي حفزتها على الخروج على حكومة الامام وقد فتحت بذلك ~~باب التمرد والعصيان ، ومهدت السيل للقوى المنحرفة عن الحق أن تتكتل وتجتمع ~~على حرب ابن أبي طالب فتغرق البلاد في المآسي والدموع ، وتجر للأمة الويلات ~~والخطوب. ### || اعلان العصيان : # واعلنت عائشة العصيان والخروج على الحكم القائم في خطابها الذي القته ~~بمكة فقد جاء فيه : # « أيها الناس .. إن الغوغاء من أهل الأمصار ، وأهل المياه ، وعبيد أهل ~~المدينة اجتمعوا إن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الأرب (2) واستعمال ~~من حدث سنه ، وقد استعمل أسنانهم قبله ومواضع من الحمى حماها لهم ، وهي ~~أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها ، فتابعهم PageV01P369 # ونزع لهم عنها استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا خلجوا (1) ~~وبادروا بالعدوان ، ونبا فعلهم عن قولهم ، فسفكوا الدم الحرام ، واستحلوا ~~البلد الحرام ، واستحلوا الشهر الحرام ، والله لأصبع عثمان خير من طباق ~~الأرض أمثالهم! .. فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم ويشرد من ~~بعدهم وو الله لو ان الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب ms204 ~~من خبثه او الثوب من درنه إذ ماصوه (2) كما يماص الثوب بالماء » (3) # وحفل خطابها بالمغالطات والتنكر للحقائق فقد جاء فيه ان الغوغاء عابوا ~~على عثمان وهو مجاف للواقع فان الذي عاب عليه ، وشهر به إنما هم كبار ~~المهاجرين والانصار ، وكانت هي بالذات اول من قدح زناد الثورة عليه فقد ~~قالت فيه كلمتها الشهيرة : اقتلوا نعثلا فقد كفر ، انها وغيرها من الاعلام ~~والرءوس هم الذين اجهزوا عليه ولا علاقة لغيرهم بدمه # وجاء فى خطابها أنه رجع عن احداثه ، وتابع الثوار استصلاحا لهم فلما لم ~~يجدوا حجة عليه استحلوا دمه وقتلوه ، وهذا أيضا لا يلتقى بالواقع فان عثمان ~~قد اعلن التوبة وأظهر الندم على الأحداث التي ارتكبها الا انه اعلن للناس ~~اخيرا انه إنما قال ذلك من أجل ضغط الثوار عليه وهو ماض على سياسته التي ~~رسمها لنفسه ، ولما قفل الثوار راجعين بعد المكيدة التي دبرها ضدهم طالبوه ~~بالاستقالة من منصبه فابى وامتنع من اجابتهم فلم يجدوا بدا من قتله ، كما ~~ذكرنا ذلك بالتفصيل وهو لا يتفق مع ما ذكرته عائشة في خطابها من انهم لم ~~يجدوا حجة لقتله. # وعلى أي حال فان خطاب عائشة كان أول اعلان للعصيان والتمرد PageV01P370 # والاختلاف يقول الاستاذ عبد الفتاح مقصود : « وتفرق الناس بعد حديثها هذا ~~شيعا ، وكان اولى بهم أن تتوحد كلمتهم في هذه المحنة الحازبة التي اصابت ~~الاسلام ، ففيم تدعوهم اليوم أم المؤمنين؟ وإلى أية غاية تريد أن تسير ~~بهم!. لحرب الغوغاء؟. للزحف على المدينة وفيها الأمير الشرعي للبلاد؟. » (1) # لقد احدثت عائشة في خروجها الشقاق والاختلاف بين المسلمين ، وغرست بذور ~~العداء والفتن فى جميع أنحاء البلاد. ### || مع أم سلمة : # واستنجدت عائشة بازواج النبي ودعتهن أن يخرجن معها لحرب وصي رسول الله ~~وباب مدينة علمه وأبي سبطيه واجتمعت بأم سلمة فجعلت تخادعها وتقول لها : # « يا بنت أبي أمية ، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (ص) وأنت كبيرة ~~أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما ~~يكون في منزلك .. » # فتريبت أم ms205 سلمة من كلامها وقالت لها : # « لأمر ما قلت هذه المقالة؟. » # فاجابتها عائشة بما تروم قائلة : # « إن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائما فى الشهر الحرام وقد ~~عزمت على الخروج إلى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة ، فاخرجى معنا لعل الله ~~يصلح هذا الأمر على أيدينا .. » PageV01P371 # وانبرت أم سلمة إلى تفنيد مقالتها وإلى تسديدها ونصحها قائلة : # « إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول وما كان ~~اسمه عندك الا نعثلا ، وانك لتعرفين منزلة علي عند رسول الله أما أذكرك؟ .. » # نعم # أتذكرين يوم أقبل ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال فخلا بعلي ~~يناجيه فأطال ، فاردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني وهجمت عليهما ، فما ~~لبثت أن رجعت باكية فقلت : ما شأنك؟ فقلت : أتيتهما وهما يتناجيان ، فقلت ~~لعلي : ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا ابن أبي ~~طالب ويومي؟ فاقبل رسول الله علي وهو محمر الوجه غضبا ، فقال ارجعي وراءك ~~والله لا يبغضه أحد الا وهو خارج من الايمان. فرجعت نادمة ساخطة. # نعم اذكر ذلك. # أو أذكرك. # نعم # كنت أنا وأنت مع رسول الله فقال لنا : أيتكن صاحبة الجمل الادب (1) ~~تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟ فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ~~ذلك ، فضرب على ظهرك فقال : إياك أن تكونيها يا حميراء. # نعم اذكر ذلك # أو أذكرك؟ PageV01P372 # نعم # كنت أنا وأنت مع رسول الله فى سفر له ، وكان علي يتعاهد نعل رسول الله ~~فيخصفها ، وثيابه ، فيغسلها ، فنقب نعله ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ~~ظل سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا ~~يحدثانه فيما أرادا ، ثم قالا يا رسول الله : إنا لا ندري قدر ما تصحبنا ، ~~فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا؟ فقال لهما : أما إني قد ~~أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون بن عمران ~~، فسكتا ثم خرجا فلما خرجا خرجنا إلى رسول الله فقلت له أنت وكنت أجرأ عليه ~~منا : يا ms206 رسول الله من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال : خاصف النعل. فنزلنا ~~فرأيناه عليا فقلت يا رسول الله ، ما أرى الا عليا ، فقال : هو ذاك. # نعم اذكر ذلك # فاي خروج تخرجين بعد هذا؟ # إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر # أنت ورأيك # وانصرفت أم سلمة وكتبت بالأمر الى الامام أمير المؤمنين (1) وقد أبدت لها ~~تمام النصح وذكرتها بما تناسته من فضائل أمير المؤمنين ومآثره ولكن عائشة ~~استسلمت لاحقادها وعواطفها فلم تستجب لذلك. PageV01P373 ### || الزعف الى البصرة : # واستجاب لدعوة عائشة جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان واقربائه وذوى ~~الاطماع الذين اعتقدوا أن حكومة الامام تبدد أحلامهم فى النفوذ السياسي ، ~~والمغرر بهم والسذج من الناس الذين تلونهم الدعاية كيف شاءت ، كل هؤلاء ~~جرفتهم دعوة عائشة ودعايتها وخضعوا لأوامرها وقد تداول زعماء الفتنة الآراء ~~في غزو أي بلد ، وعرضوا المدينة الا انهم عدلوا عنها لأن فيها الخليفة ~~الشرعي وهو يتمتع بالقوى العسكرية ولا قبل لهم بها ، وعرضوا ثانيا الشام ~~وفيها الرجال والأموال وعليها ابن عثمان واليا فهي اولى بلد واجدره ~~بالاجابة ولكن الأمويين لم يستجيبوا لذلك لأنهم جعلوا الشام في حوزتهم ~~وخافوا عليها من التصدع ، فاجمع الرأي على غزو البصرة لأن فيها أعوانا ~~وانصارا لهم ونادى المنادي فى مكة : # « أيها الناس ، إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان ~~يريد اعزاز الاسلام ، وقتال المحلين ، والطلب بثار عثمان ، ولم يكن عنده ~~مركب ولا جهاز فهذا جهازه وهذه نفقته .. » # وزودوا الجند بالسلاح والعتاد فاعان يعلى بن أمية (1) بأربعمائة الف PageV01P374 # وحمل سبعين رجلا ، واعتلت عائشة جملها المسمى ( بعسكر ) قد احتف بها بنو ~~أمية وهي تتقدم أمام الحشد الزاخر ، تقودهم إلى تمزيق الوحدة الاسلامية ~~والى محاربة الحكومة الشرعية ، ولما انتهت إلى ذى قار التقى بها سعيد ابن ~~العاص (1) فقال لها : # أين تريدين يا أم المؤمنين؟ # البصرة # وما تصنعين بها؟ # أطلب بدم عثمان # فضحك ساخرا وقال متبهرا : # هؤلاء قتلة عثمان يا أم المؤمنين # فازاحت بوجهها عنه إذ لا حجة لها تدافع بها عن نفسها ، وتركها وانصرف إلى ms207 ~~مروان فقال له : # وأنت أيضا تريد البصرة # نعم # ما تريد؟ # أطلب بدم عثمان # فهؤلاء قتلة عثمان معك وأشار الى طلحة والزبير فقال : إن PageV01P375 # هذين الرجلين قتلة عثمان ، وهما يريدان الأمر لأنفسهما ، فلما غلبا عليه ~~قالا : نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة (1) ولم تجد معهم هذه المحاورة ~~شيئا ، وانطلقوا مصممين على الغي والعدوان. ### || ماء الحوأب : # وانطلقت قافلة عائشة تطوى البيداء فاجتازت على مكان يقال له « الحوأب » ~~(2) فتلقت الركب كلاب الحي الساهرة بهرير وعواء فذعرت عائشة من ذلك النباح ~~الذي اطلقته الكلاب على القافلة ، فقالت لمحمد بن طلحة : (3). |ما هي الاشربة بالحوأب||فصعدى من بعدها او صوبى| PageV01P376 # أي ماء هذا؟ # ماء الحوأب. # فذعرت ، وذاب قلبها أسى وحسرات على ما فرطت في أمرها وقالت : # ما أراني إلا راجعة!! # لم يا أم المؤمنين؟ # سمعت رسول الله يقول لنسائه : كأني بإحداكن قد نبحتها كلاب الحوأب ، (1) ~~وإياك أن تكوني أنت يا حميراء. # تقدمي رحمك الله ودعى هذا القول ولم تقتنع عائشة واصرت على الانسحاب فعلم ~~ذلك طلحة والزبير فاقبلا يلهثان لأنها متى انفصلت عن الجيش ذهبت آمالهما ~~أدراج الرياح فتكلما معها في الامر فاصرت على |واشعث قوام بآيات ربه||قليل الاذى فيما ترى العين مسلم| |ضممت إليه بالقناة قميصه||فخر صريعا لليدين وللفم| |على غير ذنب غير ان ليس تابعا||عليا ومن لا يتبع الحق يظلم| |يذكرني حاميم والرمح شاجر||فهلا تلا حاميم قبل التقدم| PageV01P377 # الانسحاب فجاءوا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب ~~وهي اول شهادة زور تقام في الاسلام (1) وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن ~~يقلعوا رأيها وكان الواجب عليها بعد ما ذكرت قول الرسول أن ترجع إلى بيتها ~~فلا تقود الجيوش لمحاربة أخي رسول الله ### || في ربوع البصرة : # وسارت قافلة عائشة تطوي البيداء حتى اشرفت على البصرة فلما علم ذلك عامل ~~البصرة عثمان بن حنيف (2) أرسل إليها أبا الأسود الدئلى ليسألها عن قدومها ~~، ولما التقى بها قال لها : # ما أقدمك يا أم المؤمنين؟ # أطلب بدم عثمان # ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد!! ms208 PageV01P378 # صدقت ، ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة ~~لقتاله ، انغضب لكم من سوط عثمان ، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟ # فرد عليها بمنطقه الفياض قائلا : # ما أنت من السوط والسيف؟ إنما أنت حبيسة رسول الله (ص) أمرك أن تقري في ~~بيتك ، وتتلي كتاب ربك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهن الطلب بالدماء ، ~~وإن عليا لأولى منك وأمس رحما ، فانهما ابنا عبد مناف!! # لست بمنصرفة حتى امضي لما قدمت إليه ، افتظن أبا الأسود أن أحدا يقدم على ~~قتالي؟! # أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. # ثم تركها وانصرف عنها واقبل الى الزبير فذكره بماضي ولائه للامام أمير ~~المؤمنين قائلا : # يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك ، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك ~~، تقول : لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب ، واين هذا المقام من ذاك.؟؟ # نطلب بدم عثمام # أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا # وانصاع الزبير لمقالة أبي الاسود ورأى فيها النصح والرشاد إلا انه طلب ~~منه مواجهة طلحة ومذاكرته في الأمر ، فمضى أبو الاسود مسرعا وعرض عليه ~~الامر فلم يستجب له وأصر على الغي والعدوان (1) PageV01P379 # وأنطلق أبو الأسود الى ابن حنيف فأخبره بنية القوم ، واصرارهم على الحرب ~~فجمع أصحابه فخطب فيهم فقال في خطابه : # « أيها الناس ، إنما بايعتم الله ، يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فانما ~~ينكث على نفسه ، ومن أو فى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه الله أجرا عظيما ، ~~والله لو علم علي أحدا احق بهذا الامر منه ما قبله ، ولو بايع الناس غيره ~~لبايع وأطاع وما به الى أحد من صحابة رسول الله حاجة ، وما باحد عنه غنى ~~ولقد شاركهم في محاسنهم وما شاركوه في محاسنه ولقد بايع هذان الرجلان وما ~~يريدان الله ، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع. والرضاع قبل الولادة والولادة ~~قبل الحمل ، وطلبا ثواب الله من العباد ، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين ~~فان كانا استكرها قبل بيعتها وكانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا ~~يأمرا ، إلا وان الهدى ما كانت ms209 عليه العامة ، والعامة على بيعة على. فما ~~ترون أيها الناس؟ » # وانبرى إليه حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الايمان قائلا. # « نرى إن دخلا علينا قاتلناهما ، وإن وقفا تلقيناهما ، والله ما أبالي أن ~~أقاتلهما وحدي ، وإن كنت أحب الحياة ، وما أخشى في طريق الحق وحشة ، ولا ~~غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب الى بعث وانها لدعوة قتيلها شهيد وحيها فائز ، ~~والتعجيل الى الله قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا ، وهذه ربيعة معك .. » (1) # وصمم القوم بذلك على رد العدوان ، ومقابلتهم بالمثل إن اعتدوا عليهم ، ~~وعدم التعرض لهم إن لم يبدؤهم بقتال. PageV01P380 ### || عقد الهدنة : # وجرت بين الفريقين مصادمات عنيفة ادت الى قتل البعض وجرح الآخر منهما ، ~~وكان ابن حنيف يروم السلم ولا يحب مناجزة القوم قبل أن يأتيه أمر بذلك من ~~أمير المؤمنين ، فاوقف القتال وعقد هدنة موقتة حتى يستبين له رأى الامام ~~وهذا نصها. # « هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الانصاري ومن معه من المؤمنين من شيعة ~~أمير المؤمنين على بن أبي طالب. وطلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين ~~والمسلمين من شيعتهما. إن لعثمان بن حنيف دار الامارة والرحبة والمسجد وبيت ~~المال والمنبر ، وان لطلحة والزبير ومن معهما أن ينزلوا حيث شأوا من البصرة ~~ولا يضار بعضهم بعضا فى طريق ولا فرضة (1) ولا سوق ولا شريعة ، ولا مرفق ~~حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فان أحبوا دخلوا في ما دخلت فيه ~~الامة ، وان أحبوا لحق كل قوم بهواهم ، وما أحبوا من قتال او سلم أو خروج ~~أو إقامة وعلى الفريقين بما كتبوا عهد الله وميثاقه. واشد ما أخذه على نبي ~~من أنبيائه من عهد وذمة. » # ووقعها الفريقان ، ومضى ابن حنيف إلى دار الامارة ، وأمر اصحابه بالقاء ~~السلاح والالتحاق بمنازلهم. ### || غدر وخيانة : # وقام طلحة والزبير بمراسلة الوجوه والاشراف يدعونهم الى الطلب PageV01P381 # بدم عثمان وخلع أمير المؤمنين واخراج ابن حنيف ، فاستجابت لهم قبائل ~~الأزد وضبة وقيس عيلان ، وتابعهم كثير من البسطاء وذوى الاطماع ، ولما ~~استوثق لهم الأمر غدروا وخانوا ونقضوا ما ms210 اتفقوا عليه من الهدنة ، فقد ~~هجموا على ابن حنيف في غلس الليل وهو في دار الإمارة فاعتقلوه ونكلوا به ~~فأمروا بنتف شعر رأسه ولحيته وحاجبيه (1) ونهبوا ما في بيت المال ، ولما ~~حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير على الصلاة بالناس فجعل كل واحد منهما ~~يمنع صاحبه من التقدم عليه حتى فات وقت الصلاة فصاح الناس بهما ، فقطعت ~~عائشة النزاع فيما بينهما وقالت يصلي بالناس يوما محمد بن طلحة ، ويوما عبد ~~الله بن الزبير (2) فذهب ابن الزبير ليصلي بالناس فجذبه محمد بن طلحة وتقدم ~~محمد ليصلي بالناس فمنعه ابن الزبير ، ورأى الجميع أن خير وسيلة لفصل ~~الخصومة وقطع النزاع هي القرعة فاقترعا فخرج محمد بن طلحة فتقدم وصلى ~~بالناس وقرأ سأل سائل بعذاب واقع » (3) وفي ذلك يقول الشاعر : # تبارى الغلامان إذ صليا %~% وشح على الملك شيخاهما ومالي وطلحة وابن الزبير %~% وهذا بذي الجذع مولاهما فأمهما اليوم عزتهما %~% ويعلى بن منية دلاهما (4) PageV01P382 # ان القوم مدفوعون بدافع الملك والسلطان ، ولو تم الأمر لهما لأجهز كل ~~واحد منهما على صاحبه ، فانهما بعد في بداية الطريق وقد ظهرت منهما بوادر ~~الانشقاق والاختلاف. # إنهما لم يخرجا على حكم الامام الا من أجل المنافع المادية الضيقة وقد ~~اعترف بذلك الزبير فقد جاء إليهما رجل وهما في جامع البصرة فقال لهما : # « نشدتكما بالله في مسيركما أعهد إليكما فيه رسول الله شيئا؟ ... » # فسكت طلحة ولم يجبه بشيء فاجابه الزبير : # « لا ولكن بلغنا أن عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها ... » (1) # لقد حدد الزبير خروجهم على وصي رسول الله فهو انما كان من أجل الاطماع ~~والمنافع وليس فيه أى عهد من الرسول (ص). # وعلى أى حال فقد سقطت البصرة بايديهم واحتلت قواتهم جميع مواقعها وأمرت ~~عائشة بقتل عثمان بن حنيف الا ان احدى السيدات استعظمت هذا الأمر وقالت ~~لعائشة : # « نشدتك الله يا أم المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله » فعدلت عن ~~رأيها وأمرت بحبسه (2) وأمرت بقتل الشرطة وحراس بيت المال وعددهم سبعون ~~شخصا وهم من خيار المسلمين وصلحائهم فقتلوا صبرا (3) ولم تتحرج ms211 أم المؤمنين ~~فى إراقة دمائهم ، ولم تتأثم فى اشاعة الثكل والحزن والحداد بين أهليهم ، ~~قد أعرضت عما أمر الله به من الحريجة في الدماء وحرمة سفكها بغير الحق. PageV01P383 ### || مقتل حكيم بن جبلة : # ولما بلغ حكيم بن جبلة ما ارتكبه القوم بعثمان بن حنيف من التنكيل وما ~~قاموا به من قتل الشرطة وخزان بيت المال خرج في ثلاثمائة رجل من عبد القيس ~~(1) فخرج القوم وحملوا عائشة على جمل ، فسمى ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر ~~ويومها مع امير المؤمنين يوم الجمل الأكبر ، وتجالد الفريقان بالسيوف ، ~~وأبلى حكيم مع أصحابه المؤمنين بلاء حسنا ، وشد عليه رجل من الأزد من عسكر ~~عائشة فضرب رجله فقطعها ، وجثا حكيم فأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الأزدي ~~الذي قطعها فقتله ولم يزل يقاتل ورجله مقطوعة وهو يقول : # يا ساق لن تراعى %~% ان معى ذراعي |أحمي بها كراعي| # وما زال على مثل هذه الحالة التي ضرب بها الرقم القياسي في البطولة ~~والشجاعة ونكران الذات والدفاع عن المبدأ والعقيدة حتى نزف دمه ، فانطلق ~~إلى الرجل الذي قطع رجله فاتكأ عليه وهو قتيل فاجتاز عليه شخص فقال له : من ~~فعل بك هذا؟ فقال : وسادتي ثم قتله سحيم الحداني (2) وقتل معه اخوة له ~~ثلاثة كما قتل جميع أصحابه (3) ففى ذمة الله تلك الدماء الزكية التي أريقت ~~، والنفوس الكريمة التي أزهقت فى سبيل الذب عن دين الله ، والدفاع عن وصي ~~رسول الله. PageV01P384 ### || استنجاد الامام بالكوفة : # كان الامام أمير المؤمنين متهيأ لغزو الشام حيث اعلن معاوية التمرد على ~~حكومته ورفض بيعته وبينما هو جاد في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج ~~أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض طلحة والزبير وعائشة واتباعهم من الامويين ~~، فاشفق من انشقاق العصا واختلاف شمل المسلمين ، ورأى أن خطرهم أقوى من خطر ~~معاوية ، وشرهم أقوى من شره ، وإذا لم يبادر لاخماد هذه الفتنة فانها يوشك ~~أن تتسع ، ويكثر التمرد والاختلاف فتجهز للشخوص إليهم ، وخفت لنصرته البقية ~~الصالحة من المهاجرين والانصار وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا ~~مصرا من ms212 الامصار فيفسدوه فلما بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة ~~وبالحوادث التي جرت فيها فاقام الامام بالربذة أياما يحكم أمره ، وارسل إلى ~~جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ويدعوهم الى نصرته والقيام معه لاخماد نار ~~الفتنة ، وأوفد للقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر (1) وزودهما برسالة ~~جاء فيها # « إني اخترتكم على الامصار ، وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين PageV01P385 # الله أعوانا وانصارا ، وأيدونا وانهضوا إلينا ، فالاصلاح ما نريد لتعود ~~الأمة إخوانا ، ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق ، ومن ابغض ذلك فقد أبغض ~~الحق وأغمضه » (1). # وطوى الرسولان البيداء حتى وصلا الكوفة فعرضا رسالة الامام على أبي موسى ~~والي المصر إلا انهما لم يجدا منه أي اجابة أو انطلاق فى الامر وانما وجدا ~~منه موقفا غير طبيعي فقد كان يثبط العزائم ، ويوهن القوى ويمنع الناس من ~~الاستجابة لنداء الامام ، وتكلم معه الرسولان بشدة فاجابهما أبو موسى مبررا ~~لعناده قائلا : # « والله إن بيعة عثمان لفى عنقي وعنق صاحبكما ، فان لم يكن بد من القتال ~~، لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان .. » (2). # وبعث المحمدان الأنباء بالتفصيل إلى الامام ، وعرفاه بتمرد أبي موسى ~~وتثبيطه عزائم الناس ، فأوفد الامام للقياه هاشم المرقال وزوده برسالة جاء فيها : # « إني وجهت هاشما لينهض بمن قبلك من المسلمين إلي ، فاشخص الناس ، فاني ~~لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق .. ». # وسار هاشم حتى انتهى إلى الكوفة فرأى أبا موسى مصرا على تمرده وممعنا في ~~غلوائه وعدائه ، وكلما حاول اقناعه وارجاعه إلى طريق الحق لم يتمكن ، ~~واستدعى أبو موسى سائب بن مالك الأشقري ليستشيره فى الأمر فاشار عليه ~~بالنصيحة وملازمة الامام ، وتنفيذ أوامره الا انه لم يسترشد وبقي مصمما على ~~عصيانه وعناده ، فارسل هاشم إلى الامام رسالة يخبره فيها PageV01P386 # بفشله في مهمته ، واخفاقه في سفارته. ### || ايفاد الحسن : # وبعث الامام ولده الحسن ومعه عمار بن ياسر وارسل معه رسالة فيها عزل أبي ~~موسى عن منصبه وتعيين قرضة بن كعب (1) في وظيفته ، وهذا نص رسالته : # « أما بعد : فقد كنت أرى أن تعزب عن ms213 هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك ~~نصيبا منه ، بمنعك عن رد أمري ، وقد بعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر ~~يستفزان الناس ، وبعثت قرضة بن كعب واليا على المصر فاعتزل عملنا مذموما ~~مدحورا ، فان لم تفعل فاني قد أمرته أن ينابذك .. » # ووصل الامام الحسن إلى الكوفة فالتأم حوله الناس زمرا ، وهم يعربون له ~~الانقياد والطاعة ، ويظهرون له الولاء والاخلاص ، واعلن الامام الحسن ~~بالوقت عزل الوالي المتمرد عن منصبه ، وتعيين قرضة في محله ، ولكن أبا موسى ~~بقي مصمما على مكره وغيه ، فقد اقبل على عمار ابن ياسر يحدثه فى أمر عثمان ~~عله أن يجد في حديثه فرجة فيتهمه بدم عثمان ليتخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان ~~الناس عن الامام فقال له : PageV01P387 # « يا أبا اليقظان ، أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع ~~الفجار.؟ » # فاجابه عمار : # « لم أفعل ولم تسؤني؟. » # وعرف الحسن غايته فقطع حبل الجدال وقال له : # « يا أبا موسى ، لم تثبط عنا الناس؟ » # وأقبل الامام الحسن يحدثه برفق ولين ليقلع روح الشر والعناد من نفسه ~~قائلا : # « يا أبا موسى .. والله ما أردنا الا الاصلاح ، وليس مثل أمير المؤمنين ~~يخاف على شيء .. » # فبهت أبو موسى ، وضاقت به مكابرته ، وطغيانه فقال للامام : # « صدقت بأبي أنت وأمي! ... ولكن المستشار مؤتمن .. » # نعم # سمعت رسول الله يقول : إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ~~والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب!. وقد جعلنا الله عز وجل ~~اخوانا وحرم علينا أموالنا ودماءنا ، فقال : ( @QUR@024 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) (1) وقال عز وجل : ( @QUR@06 ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) (2)... » # فانبرى إليه عمار فرد عليه أباطيله وخداعه قائلا : PageV01P388 # « أنت سمعت هذا من رسول الله؟ ... » # « نعم وهذه يدى بما قلت. » # فالتفت عمار الى الناس قائلا : # « إنما عنى رسول الله بذلك أبا موسى ، فهو قاعد خير منه قائم؟ .. » # ولم يجد كلام عمار ولا ترفق الحسن ، وطول صبره وعظيم ms214 حلمه مع هذا الجلف ~~المتمرد الذي لا يخضع لغير الشدة والقسر ، فقد بقي شديد الاصرار على ما هو ~~عليه من تثبيط عزائم الناس وخذلانهم من الخروج مع الامام. # واخذ سبط النبي يوقظ الهمم ، ويبعث النشاط في النفوس ويحفزها للجهاد ، ~~وخطب فيهم قائلا : # « أيها الناس .. قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ما قد ~~بلغكم ، وقد أتيناكم مستنصرين لأنكم جبهة الانصار ، ورءوس العرب وقد كان من ~~طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم. وتعلمون أن وهن ~~النساء وضعف رأيهن الى التلاشي ، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوامين على ~~النساء ، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من ~~المهاجرين والانصار كفاية ، فانصروا الله ينصركم .. » # وقام عمار فاخذ يحفز الناس للجهاد ويبين لهم حقيقة الحال في شأن عثمان ~~قائلا : # « يا أهل الكوفة .. إن غابت عنكم انباؤنا فقد انتهت إليكم امورنا إن قتلة ~~عثمان لا يعتذرون من قتله الى الناس ولا ينكرون ذلك ، وقد جعلوا كتاب الله ~~بينهم وبين محاججتهم فيه أحيا الله من أحيى ، وأمات PageV01P389 # من أمات ، وان طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر ، وكانا أول من ~~بايع ، فلما اخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما من غير حدث! .. وهذا ابن بنت ~~رسول الله قد عرفتموه وقد جاء يستنصركم ، وقد دلكم علي في المهاجرين ~~والبدريين والانصار الذين تبؤوا الدار والايمان .. » # وقام على أثرهما قيس بن سعد فجعل يدعوهم الى القيام بالواجب ونصرة أمير ~~المؤمنين قائلا : # « .. إن الأمر لو استقبلنا به أهل الشورى لكان علي أحق الناس به ، وكان ~~قتال من أبى حلالا فكيف والحجة على طلحة والزبير ، وقد بايعاه طوعا ، ~~وخالفاه حسدا وقد جاءكم علي في المهاجرين والانصار. ثم أنشأ يقول : # رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا %~% عليا وأبناء الرسول محمد وقلنا لهم أهلا وسهلا ومرحبا %~% نمد يدينا من هوى وتودد فما للزبير الناقض العهد حرمة %~% ولا لأخيه طلحة اليوم من يد أتاكم سليل المصطفى ووصيه %~% وأنتم بحمد الله عار ms215 من الهد (1) فمن قائم يرجى بخيل الى الوغا %~% وصم العوالي والصفيح المهند يسود من أدناه غير مدافع %~% وإن كان ما نقضيه غير مسود فان يأتى ما نهوى فذاك نريده %~% وإن نخط ما نهوى فغير تعمد (2) # وقد بقى أبو موسى مصرا على طغيانه يثبط عزائم الناس ، ويدعوهم إلى ~~التخاذل وعدم الاجابة لنصرة الامام ، وقد جعل كلما سمعه من الحسن ومن ~~الخطباء دبر أذنيه حتى اعيى الامام الحسن حلمه فاندفع يصيح به في PageV01P390 # ثورة وعنف قائلا له : # « اعتزل عملنا أيها الرجل ، وتنح عن منبرنا لا أم لك!. » # وأخذ الحسن يجد في تحفيز الناس للجهاد ويحثهم على الخروج لنصرة أبيه ، ~~وقد قام فيهم خطيبا فقال لهم : # « أيها الناس .. أجيبوا دعوة أميركم ، وسيروا إلى إخوانكم ، فانه سيوجد ~~الى هذا الامر من ينفر إليه ، والله لئن يليه أولو النهي أمثل في العاجل ~~والآجل وخير في العاقبة ، فاجيبوا دعوتنا واعينونا على ما ابتلينا به ~~وابتليتم ، وان أمير المؤمنين يقول : قد خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما ~~واني اذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر ، فان كنت مظلوما اعانني ، وان ~~كنت ظالما أخذ. والله ان طلحة والزبير لاول من بايعني ، وأول من غدر فهل ~~استأثرت بمال او بدلت حكما ، فانفروا وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر .. » # فاجابه الناس بالسمع والطاعة ، والامتثال والانقياد لأمره ، والاجابة ~~لدعوته ، ولكن الزعيم مالك الاشتر رأى ان الامر لا يتم الا بإخراج أبي موسى ~~مهان الجانب محطم الكيان ، فاقبل مع جماعة من قومه فاحاطوا بالقصر فلما نظر ~~إليهم غلمانه اقبلوا يشتدون الى أبي موسى وقد خيم عليهم الخوف والذعر ~~فقالوا له : # « يا أبا موسى. هذا الاشتر قد دخل القصر فضربنا واخرجنا. » # فنزل الوغد من القصر وقد استولى عليه الذهول فصاح به الاشتر : # « أخرج من قصرنا لا أم لك .. » # وتردد الاشعرى برهة فصاح به مالك ثانيا : # « اخرج ... اخرج الله نفسك!. فو الله إنك لمن المنافقين!. » PageV01P391 # ونطق الاشعرى بصوت واهن ضعيف # أجلني هذه العشية. # هي لك ، ولا تبيتن فى القصر الليلة .. # ودخلت الجماهير تنهب امتعته ms216 وأمواله ، ولكن الاشتر لم يتنكر لعدوه ~~المهزوم فقد وقف معه موقف الكريم النبيل فحال وبين الجماهير وبين ما ابتغوه ~~من نهبه والتنكيل به ، فقال لهم : # « إني أجلته الليلة وقد أخرجته فكفوا عنه. » # فكف الناس عنه ، وفى الصباح خرج الباغي الأثيم وهو يجر سرابيل الخزي ~~والخيانة ، وقد صفا الجو للامام الحسن ، واقبل يتحدث الى الناس بالخروج ~~قائلا : # « أيها الناس. إني غاد ، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر (1) ومن شاء ~~فليخرج في الماء .. » # واستجابت الجماهير لدعوة الامام فلما رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الافراح ~~والمسرات وأنشأ يقول : # جزى الله اهل الكوفة اليوم نصرة %~% أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل وقالوا! علي خير حاف وناعل %~% رضينا من ناقضي العهد من بدل هما أبرزا زوج النبي تعمدا %~% يسوق بها الحادى المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم %~% وما هكذا الإنصاف اعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل %~% ألا قبح الله الاماني والعلل (2) # وعجت الكوفة بالنفار فقد نزحت منها آلاف كثيرة ، فريق منها PageV01P392 # ركب السفن ، وفريق آخر ركب المطي ، وقد بدا عليهم الرضا والقبول وقد ~~ساروا وهم تحت قيادة الحسن فانتهوا الى ذي قار (1) وقد التقوا بالامام أمير ~~المؤمنين حيث كان مقيما هناك فسر بنجاح ولده ، وشكر له جهوده ومساعيه ~~النبيلة. ### || الافتراء على الحسن : # وروى الطبرى في تأريخه حديثا موضوعا فيه افتراء على الامام الحسن نسوقه ~~الى القراء ثم نبين ما يثبت وضعه ، فقد ذكر أنه أقبل على أبيه بعد خروج ~~طلحة والزبير فقال له : # أمرتك فعصيتنى ، فانت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك! .. # لا تزال تحن حنين الجارية ، ما الذي أمرتني فعصيتك؟؟ # أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة ، فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك ~~يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود أهل الامصار والعرب وبيعة كل مصر. # ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فان ~~كان الفساد كان على يد غيرك ، فعصيتني في ذلك كله. # فرد أمير المؤمنين عليه قائلا ms217 : # « أي بني ، أما قولك : « لو خرجت من المدينة حين احيط بعثمان » لقد احيط ~~بنا كما أحيط بعثمان ، وأما قولك : « لا تبايع حتى تأتي بيعة الامصار » فان ~~الامر أمر أهل المدينة ، وكرهنا أن يضيع هذا الامر ، PageV01P393 # وأما قولك : « حين خرج طلحة والزبير » فان ذلك كان وهنا على أهل الاسلام ~~، وو الله ما زلت مقهورا منذ وليت ، منقوصا لا أصل الى شيء مما ينبغي. # وأما قولك : « اجلس في بيتك » فكيف لي بما قد لزمنى!! أو من تريدني؟ ~~أتريدني أن اكون مثل الضبع التي يحاط بها ، ويقال : دباب دباب (1) ليست ~~هاهنا حتى يحل عرقوباها (2) ثم تخرج ، وإذا لم انظر فيما لزمني من هذا ~~الامر ويعنيني فيمن ينظر فيه فكف عنك اي بنى » (3) # وهذا الحديث رواه الطبرى عن سيف بن عمر الاسدى التميمي وهو من موضوعاته ~~ومختلقاته ، وقد اجمع الثقات على ضعفه وعدم الاعتماد على احاديثه لانه عرف ~~بالكذب والوضع ، واختلاق الحديث ، وقد اتهمه بعضهم في دينه وقد بين حاله ~~وواقعه ، وعرض موضوعاته ومفترياته العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري في ~~كتابه « عبد الله بن سبأ » # ومما يزيد وضوحا في وضع الرواية وافتعالها أنه جاء فيها أن الامام الحسن ~~قال لأبيه : « أمرتك فعصيتني » وهذا من اسمج الكلام وأمره فكيف يستقبل ~~الحسن أباه بذلك وهو العارف بحقيقته والعالم بعظيم شأنه وقد قال فيه : إنه ~~لم يسبقه الأولون بعمل ولم يدركه الآخرون بعمل » ومما لا ريب فيه ان ذلك ~~يتنافى مع هدى الامام الحسن الذي تجنب الاساءة PageV01P394 # وهجر الكلام ومره حتى مع أعدائه ومناوئيه فكيف يخاطب أباه بذلك؟!! # وعلق عبد الوهاب النجار على هذا الحديث الموضوع فقال : « وكأني به يعنى ~~أمير المؤمنين في هذا الامر الاخير يقول بمقالة عثمان : « لا اخلع لباسا ~~البسنيه الله عز وجل » وهو اعتذار لا يقبله من يريد له وللمسلمين السلامة ، ~~أو هو مثل اعتذار دول الاستعمار بأنه لا مناص لهم من تحمل التبعة الملقاة ~~على عاتقهم بإزاء الامم التي يحتلون بلادها ويهيمنون عليها وعلى مرافقها ~~ومقومات حياتها » (1) # وعبد الوهاب النجار قد عرف ms218 بالتعصب لبني أمية والتنكر لاهل البيت ، ولم ~~يوفق في كثير من بحوثه فقد اعتمد على الموضوعات والمختلقات ولم يمعن النظر ~~فيها ، وقد تجرأ بهذه الكلمات القاسية على الامام امير المؤمنين فقد شبهه ~~بالدول الاستعمارية الظالمة التي نشرت الجور والظلم في الارض والامام أمير ~~المؤمنين هو الذي بسط العدالة والمساواة ونشر جميع القيم الانسانية فى دور ~~حكمه ، ولم يعهد في تأريخ الانسانية حاكم مثله في عدله وتحرجه وعدم انخداعه ~~بمظاهر الملك والسلطان ، فقد دخل عليه ابن عباس وهو يخصف نعله بيده فقال له : # يا ابن عباس ، ما قيمة هذا النعل؟ # لا قيمة له يا أمير المؤمنين # والله لهى أحب إلي من أمرتكم ، إلا أن أقيم حقا أو ادفع باطلا هذا هو نظر ~~الامام الى الحكم فهو عنده وسيلة لاقامة الحق ودحض الباطل ، ولو كان يروم ~~الحكم لما فاز بالخلافة عثمان كما ذكرنا ذلك في PageV01P395 # بحث الشورى ، فكيف يصح أن يشبه بالدول الاستعمارية الكافرة ، وهو نفس ~~النبي ووصيه وباب مدينة علمه؟!! ### || التقاء الفريقين : # وتحركت كتائب الامام من ذي قار تجد السير حتى انتهت الى الزاوية (1) فنزل ~~الامام فصلى فيها اربع ركعات ولما فرغ من صلاته جعل يعفر خده الشريف على ~~التربة وهو يبكي ، ثم رفع يديه بالدعاء الى الله قائلا : # « اللهم ، رب السموات وما أظلت ، والارضين وما أقلت ، ورب العرش العظيم ، ~~هذه البصرة أسألك من خيرها ، وأعوذ بك من شرها ، اللهم انزلنا فيها خير ~~منزل ، اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا علي ، ونكثوا بيعتي ، اللهم ~~احقن دماء المسلمين .. » (2) # ولما استقر الامام بعث بالوقت عبيد الله بن عباس ، وزيد بن صوحان الى ~~عائشة يدعوها إلى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين ، وقال لهما : # قولا لها : # « إن الله أمرك ان تقري في بيتك وأن لا تحرجي منه ، وانك لتعلمين ذلك غير ~~أن جماعة قد أغروك ، فخرجت من بيتك ، فوقع الناس لاتفاقك معهم في البلاء ~~والعناء ، وخير لك أن تعودي الى بيتك ولا تحومي حول الخصام والقتال ، وإن ~~لم تعودي ولم تطفئ هذه النائرة فانها ms219 سوف تعقب PageV01P396 # القتال ، ويقتل فيها خلق كثير فاتقي الله يا عائشة وتوبي الى الله فان ~~الله يقبل التوبة من عباده ويعفو. وإياك أن يدفعك حب عبد الله بن الزبير ~~وقرابة طلحة الى أمر يعقبه النار .. ». # ولو وعت عائشة هذه النصيحة وارتدعت عما هي عليه لعادت بخير عميم على ~~الأمة ، ولكنها جعلت ذلك دبر أذنيها ، وقالت للرسولين : # إني لا ارد على ابن ابي طالب بالكلام لأني لا أبلغه فى الحجاج » (1) # إنها لا ترده بالكلام لأنها ليست لها حجة تدلى بها في الدفاع عن نفسها ، ~~وبعث الامام برسالة الى طلحة والزبير يدعوهما فيها الى الوئام ونبذ الشقاق ~~وهذا نصها : # « أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ، ولم ~~أبايعهم حتى بايعوني وإنكما ممن أرادنى وبايعني ، وإن العامة لم تبايعني ~~لسلطان غالب ولا لعرض حاضر ، وان كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا الى ~~الله من قريب ، وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل ~~بإظهاركما الطاعة ، وإسراركما المعصية ، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين ~~بالتقية والكتمان ، وان دفعكما هذا الامر من قبل أن تدخلا فيه كان اوسع ~~عليكما من خروجكما منه بعد اقراركما به ، وقد زعمتما اني قتلت عثمان فبيني ~~وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما ~~احتمل ، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما ، فان الآن اعظم امركما العار من ~~قبل أن يجتمع العار والنار .. » (2) # ولم يستجيبا لنداء الحق واصرا على الفساد والتمرد والبغي ، واعلنا مقاومة ~~الامام ومناجزته. PageV01P397 ### || خطاب ابن الزبير : # وكان عبد الله بن الزبير من اشد المحرضين الى اثارة الفتنة ، واراقة ~~الدماء ، وقد افسد جميع الوسائل التي صنعها امير المؤمنين لتحقيق السلم ، ~~وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم الى الحرب ومناجزة الامام وهذا نص خطابه : # « أيها الناس ، ان علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحق عثمان ، ثم جهز ~~الجيوش إليكم ليستولي عليكم ، ويأخذ مدينتكم ، فكونوا رجالا تطلبون بثأر ~~خليفتكم ، واحفظوا حريمكم ، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم وأحسابكم وانسابكم ~~، أترضون لأهل الكوفة ان يردوا ms220 بلادكم ، اغضبوا فقد غوضبتم ، وقاتلوا فقد ~~قوتلتم ، ألا وإن عليا لا يرى معه في هذا الأمر أحدا سواه والله لئن ظفر ~~بكم ليهلكن دينكم ودنياكم .. » # وحفل خطابه بالمغالطات والاكاذيب ، واثارة النعرات والعصبيات ضد امير ~~المؤمنين ، وهو يعلم من دون شك كذب ما قاله ولكن نفسه سولت له ذلك طمعا ~~بالامرة والسلطان. ### || خطاب الحسن : # وبلغ الامام أمير المؤمنين خطاب ابن الزبير فاوعز الى ولده الحسن بالرد ~~عليه فقام الحسن خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : # « قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه : إنه قتل ، عثمان ، ~~وانتم يا معشر المهاجرين والانصار وغيرهم من المسلمين علمتم بقول الزبير في ~~عثمان ، وما كان اسمه عنده ، وما كان يتجنى عليه ، وان طلحة PageV01P398 # يومذاك ركز رايته على بيت ماله وهو حي ، فانى لهم أن يرموا أبى بقتله ~~وينطقون بذمه ، ولو شئنا القول فيهم لقلنا. # وأما قوله : إن عليا ابتز الناس أمرهم ، فان أعظم حجة لأبيه زعم أنه ~~بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه ، فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت على ما ~~ادعاه ببرهان وانى له ذلك؟ # وأما تعجبه من تورد أهل الكوفة على أهل البصرة ، فما عجبه من أهل حق ~~توردوا على أهل باطل. # أما انصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال ، ولكننا نحارب راكبة الجمل ~~واتباعها .. » (1) # واندفع عمرو بن أحيحة فابدى اعجابه البالغ بخطاب الامام فقال : # حسن الخير يا شبيه أبيه %~% قمت فينا مقام خير خطيب قمت بالخطبة التي صدع الل %~% ه بها عن أبيك أهل العيوب وكشفت القناع فاتضح الامر %~% وأصلحت فاسدات القلوب لست كابن الزبير لجلج في القو %~% ل وطأطأ عنان فسل مريب وأبى الله أن يقوم بما قا %~% م به ابن الوصي وابن النجيب # ان شخصا بين النبي لك الخير وبين الوصي غير مشوب (2) # لقد فند الامام ابو محمد مزاعم ابن الزبير ، ورد عليه اكاذيبه فان الذي ~~اشعل نار الفتنة على عثمان انما هو الزبير وطلحة وعائشة ، وليس للامام امير ~~المؤمنين ضلع في ذلك ، كما اوضحناه في البحوث المتقدمة ms221 PageV01P399 ### || الدعوة الى كتاب الله # وبذل الامام قصارى جهوده فى تدعيم السلم وعدم ايقاع الحرب والدعوة الى ~~العمل بما في كتاب الله فقد رفع المصحف بيمينه وجعل يطوف به بين أصحابه وفي ~~نفسه بقية امل في الصلح قائلا : # « أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه؟ .. فان قطعت يده أخذه بيده الأخرى ~~، وإن قطعت أخذه باسنانه ، وهو مقتول .. » # فنهض إليه فتى كوفي ونفسه تفيض حماسا ونبلا فقال له : # « أنا له يا أمير المؤمنين » # فأشاح الامام بوجهه عنه برهة ، وطاف في أصحابه ينتدبهم لمهمته فلم يجبه ~~أحد سوى ذلك الفتى النبيل فدفع له المصحف وقال له : # « اعرض عليهم هذا ، وقل هو بيننا وبينكم ... والله في دمائنا ودمائكم. » # وانطلق الفتى مزهوا لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب وهو يلوح بالمصحف أمام ~~عسكر عائشة يدعوهم الى العمل بما فيه ، ويدعوهم الى الأخوة والوئام ، ~~فتنكروا له ، فقد دفعتهم الانانية وكراهية الحق الى الفتك به فقطعوا يمناه ~~، فأخذ المصحف بيساره وهو يدعوهم الى العمل بكتاب الله فعدوا عليه ثانيا ~~فقطعوا يساره فأخذ المصحف باسنانه وقد اغرق في الدماء ، وهو يدعوهم فى آخر ~~مراحل حياته الى السلم والصلح وحقن الدماء قائلا : # « الله في دمائنا ودمائكم » # فانثالوا عليه وهم مصرون على الغي والعناد فرشقوه بنبالهم فوقع على الارض ~~جثة هامدة وانطلقت أمه ترثيه. # يا رب إن مسلما أتاهم %~% يتلو كتاب الله لا يخشاهم PageV01P400 فخضبوا من دمه لحاهم %~% وأمه قائمة تراهم (1) # ولم يجد الامام بعد هذا الاعذار وسيلة سوى الحرب فقال لاصحابه « الآن حل ~~قتالهم وطاب لكم الضراب. » (2) ### || اعلان الحرب : # ودعا الامام بعد مقتل سفيره قادة جيشه فأقامهم على أماكنهم ، وعبأ الجنود ~~للحرب وقد رسم لهم خطة تمثلت فيها الفضيلة والرحمة والعدل فقد قال لهم : # « أيها الناس .. إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيرا ، ~~ولا تتبعوا موليا ، ولا تطلبوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ~~ولا تهتكوا سترا ولا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في معسكرهم من سلاح ~~أو كراع أو عبد او امة ، وما ms222 سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله .. » # واعتلت عائشة جملها المسمى بعسكر ، وقد البسوه المسوح ، وجلود البقر ، ~~وجعلوا دونه اللبود (3) # ولها القيادة العامة فهي التي تنظم العساكر وتصدر الأوامر ، ووجه جيشها ~~النبل الى معسكر الامام فقتل بعض اصحابه ، فلم يجد بعد ذلك بدا من الحرب ~~فتقلد الامام سيفه ، ودفع الراية الى ولده محمد (4) وقال للحسن PageV01P401 # والحسين : انما دفعت الراية الى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله ~~وانطلق محمد الى ساحة الوغى بعزم ثابت ونفس جياشة وهو يطلب الظفر والنصر ، ~~ولكن سهام القوم قد مطرت عليه من كل جانب فتريث عن المسير برهة فلم يشعر ~~الا ويد أبيه تدفعه من الخلف وهو يقول له بنبرات تقطر حماسا : # « أدركك عرق من امك! » # ثم خطف الراية من يده وهزها في وجهه وهو يقول له : # اطعن بها طعن أبيك تحمد %~% لا خير في الحرب إذا لم توقد |بالمشرفي والقنا المسدد| # لم يكن موقف محمد خورا وجبنا وانما هو من دهاء القائد المحنك الذي أراد ~~أن يبلغ الغاية بعد أن تنكشف عنه سهام القوم ، ولم يرد أمير المؤمنين بفعله ~~الا ليرى أهل البصرة فى بداية الحرب الحزم والعزم والبسالة لعلهم عن غيهم ~~يرتدعون. # وحمل الامام على القوم وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر فى يمينه ذا الفقار ~~الذي حارب به الملحدين والمشركين على عهد رسول الله واليوم يحارب به ~~المارقين من الدين والمنحرفين عن الاسلام ، واحتف به اعلام المهاجرين ~~والانصار فكان العدو أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ### || مصرع الزبير : # وخرج أمير المؤمنين حاسرا بين الصفوف فنادى باعلا صوته : PageV01P402 # « أين الزبير.؟ » # فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه فلما رآه اعتنقه وقال له : # يا أبا عبد الله ما جاء بك هاهنا؟؟ # جئت أطلب دم عثمان # فرمقه بطرفه وقال له بنبرة المستريب. # تطلب دم عثمان؟!! # نعم # قتل الله من قتل عثمان # واقبل عليه يحدثه برفق ، ويذكره بما نساه قائلا : # « أنشدك الله يا زبير ، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله ~~صلى ms223 الله عليه وآلهوسلم وهو متكئ على يدك ، فسلم علي رسول الله وضحك إلي ، ثم ~~التفت إليك فقال لك : يا زبير إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم. » # فاطرق الزبير ، وقد غاض لونه ، وذاب قلبه أسى وحسرات ، وندم على ما فرط ~~من أمره وقال للامام : # اللهم نعم # فعلام تقاتلني؟ # نسيتها والله ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ، ولا قاتلتك (1) # ارجع # وكيف ارجع وقد التقت حلقتا البطان ، هذا والله العار الذي لا يغسل؟؟ # ارجع قبل أن تجمع العار والنار PageV01P403 # فانصرف وهو يقول : # اخترت عارا على نار مؤججة %~% ما إن يقوم لها خلق من الطين نادى على بأمر لست أجهله %~% عار لعمرك في الدنيا وفي الدين فقلت حسبك من عدل أبا حسن %~% فبعض هذا الذي قد قلت : يكفيني (1) # وعزم على الانسحاب من هذه الفتنة الا انه أراد أن يخرج منها بسلام فقال ~~لعائشة : # « يا أم المؤمنين ... إني والله ما وقفت موقفا قط إلا عرفت اين أضع قدمي ~~فيه إلا هذا الموقف؟ فاني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ..؟ » # عرفت عائشة خبيئته ، وما يرومه في حديثه من الانسحاب ، فالتفتت إليه ~~وكانت عارفة بما يثيره وينقض عزيمته فقالت له باستهزاء. # « يا أبا عبد الله .. خفت سيوف بنى عبد المطلب؟! » # وعاثت هذه السخرية في نفسه ، وزاد في اضطرابه وقلقه وارجاعه الى ساحة ~~التمرد ابنه المشوم عبد الله فقد قال له : # « إنك خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها ~~الموت فجبنت؟! » # لقد اتهمه ابنه بالحور والجبن وهو عار وذل ومنقصة عليه فالتفت إليه وقد ~~مشت الرعدة باوصاله فقال له : # ويحك إني قد حلفت له أن لا أقاتله؟ # كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس. # فاعتق غلامه (2) ثم انعطف يجول فى الميدان ليرى عائشة وابنه PageV01P404 # شجاعته وبسالته وعدم مبالاته بحتفه ، فشد في الميسرة ، ثم رجع فشد في ~~القلب ، ورجع الى ابنه وقال له : # « ايفعل هذا جبان؟؟ » # ومضى منصرفا حتى أتى ( وادي السباع ) وكان الاحنف بن قيس مع قومه مقيمين ~~فيه ، فقالوا له : هذا الزبير قد ms224 اجتاز فقال : ما اصنع بالزبير؟ وقد جمع ~~بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضا؟ ولحقه نفر من بنى تميم فسبقهم ~~إليه عمرو بن جرموز ، وقد نزل الزبير الى الصلاة فقال : أتؤمنى أو أؤمك؟ ~~فأمه الزبير ، فقتله عمرو بن جرموز وهو فى حال صلاته (1) # لقد كانت النهاية الأخيرة من حياة الزبير مشفوعة بالغدر والخيانة والتمرد ~~على الحق وهو مما يؤسف له ، فله ماضيه الزاهر الحافل بالمكرمات والفضائل ~~فهو صاحب حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم فما باله في هذه ~~المرحلة قد تنكر لأمير المؤمنين ونسيى ظلامته ، فقد ابتزت حقه تيم تارة ~~وعدى أخرى وأمية ثالثة ، وقد جاء هو لينتزع منه حقه. # انه مما يؤسف على الزبير أن تكون له هذه النهاية المؤلمة وهو صاحب |لم ار كاليوم اخا اخوان||اعجب من مكفر الايمان| |بالعتق من معصية الرحمن| |يعتق مكحولا لصون دينه||كفارة لله عن يمينه| |والنكث قد لاح على جبينه| PageV01P405 # المواقف الكريمة الذي جلى بسيفه الكرب عن وجه رسول الله (ص) ووقف من بعده ~~، مع أمير المؤمنين يحمي جانبه ويهتف بفضله ويقدمه على غيره فما الذي حداه ~~على الخروج عليه فهل استأثر ابن أبى طالب باموال المسلمين وهل ادخر وفرا ~~لنفسه ولعياله حتى يناجزه ويخرج عليه؟ ### || الاحتفاف بعائشة : # واستطابت الموت واستلذته بعض القبائل العربية في سبيل عائشة فقدموا لها ~~الضحايا والقرابين ، وبالغوا في حمايتها والدفاع عنها وهم : ### || أالأزد # وهامت الازد بحب عائشة ، وتفانت في ولائها ، فكانوا يأخذون بعر جملها ~~يشمونه ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك (1) وقد هبوا للدفاع عنها ~~مستميتين ، وقد انطلق شيخ في المعركة يستنجد بهم لما رأى من عظيم ولائهم ~~واخلاصهم لها فقد خاطبهم قائلا : # يا معشر الأزد عليكم امكم %~% فانها صلاتكم وصومكم والحرمة العظمى التي تعمكم %~% فاحضروها جدكم وحزمكم لا يغلبن سم العدو سمكم %~% إن العدو إن علاكم زمكم وخصكم بجوره وعمكم %~% لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم (2) # واحتفوا بهودجها ، وامسكوا بخطام « عسكرها » فبهرت عائشة وقالت! # من انتم؟ PageV01P406 # فاخذت تلهب في نفوسهم روح الحماس وتدفعهم ms225 الى الموت قائلة : # « إنما يصبر الأحرار .. ما زلت أرى النصر مع بني ضبة! » # واشعلت هذه الكلمات نار الثورة فى نفوسهم فاندفعوا إلى الموت ، وقاتلوا ~~أشد القتال في سبيلها (1) ### || ب بنو ضبة # وبنو ضبة من أرذال العرب وأوباشهم ، وكانوا غلاظ القلوب والطباع ، قد ~~أترعت نفوسهم بروح الجاهلية ومساوئها ، وقد وهبوا أرواحهم بسخاء لعائشة ، ~~وأحاطوا بجملها مستميتين وهم يقولون : # يا أمنا يا زوجة النبي %~% يا زوجة المبارك المهدي نحن بنو ضبة لا نفر %~% حتى نرى جماجما تخر |يخر منها العلق المحمر| # ووقفوا صامدين حتى قطعت أيديهم وبدرت رءوسهم ، واتخذوا في ذلك اليوم دم ~~عثمان شعارا لهم فكانوا يقاتلون اعنف القتال وأشده وشاعرهم يرتجز ويقول : # نحن بنو ضبة أصحاب الجمل %~% ننازل القرن اذا القرن نزل والقتل اشهى عندنا من العسل %~% نبغي ابن عفان بأطراف الأسل |ردوا علينا شيخنا ثم بجل| # وقتل حول خطامها اربعون رجلا منهم ، وكانت عائشة تقول : ما زال جملي ~~معتدلا حتى فقدت اصوات بني ضبة. ### || ج بنو ناجية PageV01P407 # ومن القبائل التي فتنت بحب عائشة بنو ناجية ، فقد انطلقوا الى ساحة الموت ~~في سبيلها فأخذوا بخطام جملها فسألت عنهم؟ فقيل لها بنو ناجية فأخذت تستفز ~~حميتهم ، وتقذف بهم فى لظى الحرب قائلة : # « صبرا يا بنى ناجية. فاني اعرف فيكم شمائل قريش .. » (1) # هذه بعض القبائل التي قدمت المزيد من الضحايا في سبيل عائشة ، قد غرتهم ~~امهم وفتنتهم في سبيل أطماعها واحقادها. ### || عقر الجمل : # واستمر اعنف القتال بين الفريقين يريد أصحاب أمير المؤمنين أن يحموا امام ~~المسلمين ووصيي نبيهم ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أمهم ويموتوا دونها حتى ~~شاعت المقتلة بينهما ، ورأى امير المؤمنين ان الحرب لا تنتهي ما دام الجمل ~~موجودا ، فدعا بعمار وبالاشتر فلما مثلا بين يديه قال لهما. # « اذهبا فاعقرا هذا الجمل فان الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حيا!!! فانهم ~~قد اتخذوه قبلة لهم. » # انطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد فوثب فتى يعرف بمعمر ابن عبد ~~الله (2) الى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى الى الارض وله عجيج منكر ms226 لم يسمع ~~مثله ، وتفرق اصحاب عائشة فقد تحطم الصنم الذي PageV01P408 # قدموا له القرابين ، وأمر الامام بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى ~~منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء وبعد ما فرغ من ذلك قال : # « لعنه الله من دابة. فما اشبهه بعجل بني اسرائيل!! » # ومد بصره الى الرماد الذي اخذه الريح فتلا قوله تعالى : « وانظر إلى إلهك ~~الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا » (1) ### || الصفح عن عائشة : # وقابل الامام عائشة بالاحسان والصفح الجميل فبعث إليها أخاها محمدا ~~يسألها عن حالها فانطلق إليها محمد فادخل يده في هودجها فجفلت مرعوبة منه ~~وصاحت به : # من أنت؟ # ابغض أهلك إليك # عرفته في الوقت فقالت له ونفسها مترعة بالكراهية له والحقد عليه : # ابن الخثعمية؟ # نعم أخوك البر # عقوق # وأزاحت بوجهها عنه ، والتفت إليها يسألها برفق ولين : # هل أصابك مكروه؟ # سهم لم يضرني # فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها ، وادخلها في الربع الأخير PageV01P409 # من الليل الى دار عبد الله بن خلف الخزاعي (1) على صفية بنت الحارث (2) ~~فاقامت هناك اياما. ### || العفو العام : # واصدر الامام اوامره بالعفو عن جميع اعدائه ، والمعارضين له ، وطلبت ~~عائشة ان يؤمن ابن اختها عبد الله بن الزبير وهو من ألد اعدائه فاجابها إلى ~~ذلك ، وتكلم معه الحسن والحسين فى شأن مروان فآمنه وعفا عنه ونادى مناديه : # « ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مول ، ولا يطعن في وجه مدبر ومن القى ~~سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن .. » # ثم آمن الاسود والأحمر على حد تعبير اليعقوبي (3) ولم ينكل بأحد من خصومه ~~، وبذلك فقد انتشر السلام وعم الهدوء في جميع ربوع البصرة ### || تسريح عائشة : # وبعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس الى عائشة لتخرج من البصرة الى يثرب ~~فتقر فى بيتها كما أمرها الله فانطلق إليها ابن عباس واستأذن PageV01P410 # منها فأبت أن تأذن له فدخل بغير أذن وهوى الى متاعها فأخرج منه وسادة ~~فجلس عليها ، فتأثرت منه وقالت له : # « تالله يا ابن عباس .. ما رأيت مثلك تدخل بيتنا وتجلس على وسادتنا ms227 بغير ~~أمرنا!! » # فانبرى إليها ابن عباس وهو فياض المنطق قائلا : # « والله ما هو بيتك ، ولا بيتك الا الذي أمرك الله أن تقرى فيه فلم تفعلي ~~، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي الى بلدك الذي خرجت منه. » # فاظهرت كوامن غيظها وبغضها للامام فقالت : # رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب. # نعم. وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب # أبيت ، أبيت # ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة (1) ثم صرت ما تحلين ولا تمرين ولا ~~تأمرين ولا تنهين. # فالتاعت من كلامه وأرسلت ما في عينيها من دموع ، ثم قالت له : # « نعم ارجع فان ابغض البلدان الي بلد انتم فيه. » # فثار ابن عباس من كلامها ورد عليها : # « أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما ، وجعلنا أباك ~~لهم صديقا. » # فاجابته باسخف القول PageV01P411 # « أتمن علي برسول الله؟!! » # وما ابعد هذا القول عن منطق الايمان فمن تكون هي لو لا رسول الله فبسببه ~~علا لها نجم وصار لها ذكر ، وقد انبرى ابن عباس فرد عليها منطقها الرخيص ~~قائلا : # « نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا!! » # وتركها وانصرف فاخبر الامام بحديثه معها ، وباستجابتها لقوله فشكره ~~الامام على ذلك (1) ولما عزمت على الخروج جهزها الامام باحسن جهاز واعد لها ~~قافلة كاملة لا ينقصها شيء ، وفي اليوم المقرر لسفرها دخل عليها ومعه الحسن ~~والحسين فلما رأينه النسوة بكين وصحن في وجهه ، والتفتت إليه صفية ربه ~~الدار فقالت له : # يا قاتل الأحبة. يا مفرق الجماعات. أيتم الله بنيك منك كما ايتمت بنى عبد ~~الله .. » # اجابها الامام : لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت ، وأشار الى ~~بيت فى دارها قد اختفى فيه فريق من أعدائه وخصومه ، وأراد من كان معه ~~الهجوم عليهم فمنعهم من ذلك ، وجرى بعد ذلك حديث بين الامام وعائشة فقالت ~~له : إني احب أن أقيم معك فاسير إلى قتال عدوك ، فابى الامام وأمرها أن تقر ~~في البيت الذي تركها فيه رسول الله ولو أراد السياسة الوقتية لأجابها ms228 إلى ~~ذلك ولكنه منبع التقوى والايمان أراد أن يسير معها على وفق الشريعة ~~الاسلامية التي تلزم المرأة بالحجاب وبالعمل لتهذيب نفسها واصلاح منزلها ، ~~وليس لها باي حال أن تدخل في المعمعات الحزبية والمعتركات السياسية ، ورحلت ~~عائشة من البصرة وقد PageV01P412 # اسكنت بيوتها الثكل والحزن والحداد ، وروعت المسلمين وأشاعت القتل فيما ~~بينهم فقد كان عدد الضحايا بسببها عشرة آلاف نصفهم من اصحابها والنصف الآخر ~~من أصحاب الامام (1) وقد دمرت بخروجها على الامام وشائج الصلات بين ~~المسلمين ، ونسفت أواصر الأخوة الاسلامية التي عقدها الرسول الكريم ، وفتحت ~~باب الفتن والشر بين أمة محمد (ص) كما مهدت العصيان لمعاوية وبني أمية ، ~~وعبدت لهم الطريق ليتخذوا من دم عثمان وسيلة الى الظفر بالحكم وإلى استعباد ~~المسلمين واذلالهم. # لقد اجمع أئمة المسلمين على تأثيم القائمين بهذا التمرد وانه لا مبرر له ~~بحال من الاحوال كما نعتوهم بالبغاة وان الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملا ~~بقوله تعالى : ( @QUR@08 فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) يقول ~~أبو حنيفة : # « وما قاتل أحد عليا الا وعلي أولى بالحق منه ، ولو لا ما سار علي فيهم ~~ما علم أحد كيف السيرة فى المسلمين. ولا شك ان عليا إنما قاتل طلحة والزبير ~~بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفى يوم الجمل سار على فيهم بالعدل ، وهو علم ~~المسلمين فكانت السنة في قتال أهل البغي » (2) # وقال ابن حجر : # « ان أهل الجمل وصفين رموا عليا بالمواطاة مع قتلة عثمان وهو برىء من ذلك ~~وحاشاه واضاف يقول : ويجب على الامام قتال البغاة لاجماع الصحابة عليه ولا ~~يقاتلهم حتى يبعث إليهم أمينا عدلا فطنا ناصحا يسألهم عما ينقمونه على ~~الامام تأسيا بعلي (ع) فى بعثه ابن عباس الى PageV01P413 # الخوارج بالنهروان » (1) # وقال امام الحرمين الحويني : « كان على بن أبي طالب امام حق في توليته ~~ومقاتلوه بغاة » (2) # ان الشريعة الاسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية لان في ~~خروجهم تصديعا لوحدة المسلمين ، وتدميرا لاخوتهم. # لقد مرت هذه الحادثة الرهيبة على الامام الحسن وقد عرفته باضغان القوم ~~وأحقادهم على أبيه ، وقد كان ms229 فى تلك الموقعة البطل الوحيد والقائد المحنك ~~الذي استطاع أن يحفز الجماهير ويجهزهم لقتال القوى الباغية على أبيه ، ~~وبهذا ينتهى بنا المطاف عن مشكلة البصرة لنلتقى به في موقعة صفين PageV01P414 ### | فى صفين PageV01P415 # تمر بعض الحوادث في دنيا الوجود وتذهب من دون أن تترك أثرا مهما يذكره ~~التأريخ وإن كان لها في وقتها من الخطورة شأن كبير ، وتمر بعض الحوادث ~~الأخرى في ميدان الحياة فتبقى خالدة خلود الدهر لأنها تركت أثرا اجتماعيا ~~عاد بالخير العميم على الانسان ، وتجتاز بعض الحوادث على مسرح الحياة فتملأ ~~الدنيا بالمآسي والخطوب وتعود بشقاء الانسان واستعباده ، من هذه الحوادث ~~المفجعة والرزايا المؤلمة حادثة صفين التي تجسم فيها الصراع بين الحق ~~والباطل ، وبين العدل والجور والظلام والنور وبين الخلافة الدينية التي ~~تنشد صالح الانسان واسعاده. وبين الحكم الفوضوي الذي لا يهدف إلا إلى ~~الإثرة والاستغلال والمتاجرة بمصالح الشعوب. # إن الشعوب الاسلامية لم تقرر مصيرها الحاسم في وقعة صفين فقادها ذلك الى ~~الاستعباد والاذلال والخضوع للظلم والجور ، وقد المع الى ذلك الاستاذ مالك ~~الجزائري في ايضاحه للاسس القويمة التي تبناها مؤتمر ( باندونج ) اذ يقول : # ولقد عرف التأريخ الاسلامي لحظة كهذه اي فى تقرير حق المصير في معركة ~~صفين تلك الحادثة الموسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار ، ~~الاختيار الحتم بين علي ومعاوية ، بين المدينة ودمشق ، بين الحكم ~~الديمقراطي الخليفي والحكم الاسري ، ولقد اختار المجتمع الاسلامي في هذه ~~النقطة الفاصلة في تأريخه الطريق الذي قاده اخيرا الى القابلية للاستعمار ~~والى الاستعمار » (1) # لقد انخذل المجتمع الاسلامى في حادثة صفين فلم يقرر مصيره الحاسم فانتج ~~ذلك خذلان الامام أمير المؤمنين وارغام الامام الحسن من بعده على PageV01P417 # الصلح ، وتسلم الامويين لقيادة الحكم في البلاد فامعنوا في قتل الاخيار ~~ومطاردة المصلحين واشاعة الظلم والجور في الأرض ، وعلينا أن نتبين فصول هذه ~~المأساة بايجاز وننظر الى متاركها الفظيعة وهي : ### || تمرد معاوية : # واعلن معاوية التمرد على حكومة الامام ، ورفض البيعة والدخول فيما دخل ~~فيه المسلمون اما بواعث عصيانه فهي ما يلي : # 1 لقد علم ms230 معاوية أن الامام لا يقره في منصبه ، ولا بد أن يجرده من جميع ~~امواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ولو كان يحتمل أنه يبقيه على ~~حاله ويقره على بذخه واسرافه لما اعلن العصيان والخروج عليه إن الامام لا ~~يداهن في دينه ، ولا يطلب النصر بالجور ، ولا يقر الظلم ، وهو حتف الظالمين ~~والمعتدين فكيف يبقى معاوية في جهاز الحكم ، وهو يعلم أنه لا واقعية له ولا ~~حريجة له في الدين ، وقد اصدر في اليوم الأول من خلافته عزله عن مقره ، وقد ~~كتب إليه معاوية يسأله أن يبقيه على حاله أو يجعله واليا على مصر فامتنع من ~~اجابته ، وقد لام عقبة بن أبي معيط معاوية على ذلك وكتب له رسالة جاء فيها. # معاوية إن الشام شامك فاعتصم %~% بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا فان عليا ناظر ما تجيبه %~% فأهد له حربا تشيب النواصيا وحام عليها بالصوارم والقنا %~% ولاتك مخشوش الذراعين واصيا والا فسلم ان فى الأمن راحة %~% لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا وان كتابا يا ابن حرب كتبته %~% على طمع جان عليك الدواهيا سألت عليا فيه ما لا تناله %~% ولو نلته لم تبق إلا لياليا PageV01P418 الى أن ترى منه الذي ليس بعدها %~% بقاء فلا تكثر عليك ~~الأمانيا ومثل علي تغترره بخدعة %~% وقد كان ما خربت من قبل بانيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة %~% فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا (1) # إن معاوية ومن يمت به يعلمون اتجاه الامام وأهدافه الرامية الى تحقيق ~~العدل في البلاد والقضاء على الغبن الاجتماعي واقصاء الظالمين عن مراكزهم ، ~~وانهم سيعودون في ظل حكومته نكرات لا امتياز لهم كما كانوا فى عهد الرسول ~~فلذا اعلنوا عليه البغي حفظا على مصالحهم الضيقة. # 2 ورأى معاوية أن له قوة على مقاومة الامام ومناجزته وذلك لما له من ~~النفوذ والمكانة في بلاده فانه لم يعمل فيها عمل وال يظل واليا طول حياته ~~ويقنع بهذا المنصب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه ولكنه عمل فيها عمل صاحب ~~الدولة التي يؤسسها ويدعمها ms231 له ولا بنائه من بعده فجمع الأقطاب ، واشترى ~~الانصار بكل ثمن في يديه وأحاط نفسه بالقوة والثروة واستعد للبقاء الطويل ~~(2) وقد حفزته هذه القوى التي يتمتع بها الى مناجزة الامام ومقاومته. # 3 ومما دفعه الى التمرد خروج عائشة وطلحة والزبير فقد فتحوا له الطريق ، ~~ومهدوا له السبيل فان واقعة صفين انما هي امتداد لحرب الجمل ، ونتيجة من ~~نتائجها فلو لا خروجهم واعلانهم للعصيان وتطبيلهم بدم عثمان لما استطاع ~~معاوية أن يشق الكلمة ويخرج على الامام ويناجزه الحرب. PageV01P419 # 4 وشيء آخر جدير بالاهتمام علل به معاوية عصيانه وخروجه على النظام ~~القائم وذلك في رسالته التي بعثها لمحمد بن أبي بكر وقد جاء فيها # « كان ابوك وفاروقه أول من ابتزه يعني عليا حقه وخالفاه على امره ، على ~~ذلك اتفقا واتسقا ثم دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به ~~الهموم واردا به العظيم ، ثم انه بايع لهما وسلم لهما ، وأقاما لا يشاركانه ~~في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله ... واضاف يقول : فان ~~يك ما نحن فيه صوابا فابوك استبد به ونحن شركاؤه ولو لا ما فعل أبوك من قبل ~~ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ~~واخذنا بمثله .. » (1) # وهو تعليل وثيق للغاية فانه لو لا منازعة الشيخين للامام وابتزازهما لحقه ~~لما استطاع معاوية ان يخالفه ويخرج عليه ولكنه احتذى حذوهما وسار على ~~طريقتهما فبغى على الامام وأفسد عليه جيشه وتركه في أرباض الكوفة يتمنى ~~الموت ليستريح مما ألم به من الشؤون والشجون. # 5 ومن الامور التي حفزته على العصيان والتمرد على الامام هو المطالبة بدم ~~عثمان فقد اتخذ قتله وسيلة الى نيل أهدافه وبلوغ أمانيه ، وقد ارصد جميع ~~أبواق دعايته لتهويل أمره والاشادة بذكره وتنزيهه عن كل ذنب حتى انقادت له ~~قلوب اهل الشام وأترعت نفوسهم بالحقد والكراهية للامام فاذا بهم يظهرون ~~الحزن والاسى اكثر مما يظهر وإذا بهم يحثونه ويستعجلونه على الحرب ~~والمطالبة بدمه اكثر مما يستعجل. # ولم يكن هناك ms232 ادنى مجال للشك في أن معاوية لا يهمه أمر عثمان ولا يقيم ~~لمقتله وزنا فقد استنجد به لما حوصر وضويق ، وطلب منه المعونة PageV01P420 # فلم يخف لنصرته ، ولم يستجب له ولم يسعفه بشيء ، ولو كان يروم المطالبة ~~بدمه لكان اولى الناس بالعقوبة والتنكيل مستشاره ووزيره عمرو بن العاص فهو ~~الذي سعر الدنيا نارا على عثمان وكان يقول : « والله لالفى الراعى فاحرضه ~~على عثمان فضلا عن الرؤساء والوجوه » (1) فمطالبته بدم عثمان ليست الا ~~وسيلة لتحقيق غايته والظفر بالملك الذي يحلم به. # هذه بعض الاسباب والبواعث التي دعت معاوية لمناجزة الامام واعلانه للحرب عليه. ### || ايفاد جرير : # ولما اعلن معاوية تمرده على حكومة الامام طلب أصحاب الامام أن ينهض بهم ~~لحربه بعد فراغهم من حرب الجمل وكأنهم أرادوا أن يحوزوا لنصرهم نصرا فابى ~~الامام لأن خطته كانت المسالمة وايثار العافية فرأى أن يبعث إليه السفراء ~~يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس فاوفد للقياه جرير بن عيد ~~الله البجلى (2) PageV01P421 # وزوده بهذه الرسالة : # « أما بعد فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لانه بايعني القوم ~~الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن ~~يختار ، ولا للغائب أن يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار فاذا اجتمعوا ~~على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فان خرج من امرهم خارج بطعن او رغبة ~~ردوه الى ما خرج منه ، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، ~~وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا ، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم ~~نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر ~~أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فان أحب الامور إلى فيك ~~العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء ، فان تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك. ~~وقد اكثرت فى قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم ~~إلى أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن ~~اللبن ، ولعمرى لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ ms233 قريش من دم عثمان. ~~واعلم أنك من الطلقاء (1) اللذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم ~~الشورى. وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله ، وهو من أهل ~~الايمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلا بالله (2) # وكانت هذه الرسالة رسالة حق داعية واعية. دعت الى الحق من PageV01P422 # أقصر سبله ، وبأوضح أساليبه. ووعت قصة الاستخلاف التي أثارت كل هذا ~~الخلاف ، بما سبقها وما لحقها من المقدمات والخواتيم. # وكانت فوق هذا وذاك عظة جارية ، وحكمة هادية لمن أراد الهداية وشرح الله ~~صدره وفجر في فؤاده ينبوع النور ، فلم يغفل الامام فيها أمرا جرت ألسن ~~الناس بذكره إلا بينه. ولم يدع ثغرة ينفذ منها خصمه إلا سدها دونه وما من ~~شيء كان معاوية يستطيع أن يحتال به ، أو يدعيه حجة تؤيد خلافه وتسند ~~انحرافه الا مد له الامام معولا من سطورها حديدا شديدا يدمر باطله ويقوض ~~معاقله ، كما قال الاستاذ السيد عبد الفتاح مقصود (1): # وطوى جرير البيداء حتى وصل الى بلاط معاوية ، فانطلق يتكلم معه قائلا : # أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين (2) ~~وأهل الحجاز وأهل اليمن ، وأهل العروض وعمان وأهل البحرين واليمامة ، فلم ~~يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من اوديته غرقها ~~وقد أتيتك أدعوك الى ما يرشدك ويهديك الى مبايعة الرجل (3) # ولما سمع معاوية ذلك خارت قواه وبقي مبهور النفس لم يفه بشيء ولكنه بقي ~~يطاوله ، ويسرف في مطاولته لا يجد لنفسه مهربا سوى الامهال والتسويف ، وقد ~~جمع في خلال تلك المدة وجوه أهل الشام وقادة الجيش فجعل يستشيرهم في PageV01P423 # الخضوع لحكومة الامام والاستجابة لسفيره أو اعلان التمرد والمطالبة بدم ~~عثمان فاظهروا له رغبتهم الملحة في الطلب بدم عثمان ، واعلان العصيان على ~~حكومة الامام. ### || مراسلة معاوية لعمرو : # وعلم معاوية أن الامر لا يتم له إلا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو ابن ~~العاص ليقوم بتسديده ويستعين به في مهامه ، فبعث إليه رسالة يطلب فيها ~~قدومه إليه وهذا نصها ms234 : # « أما بعد : فانه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط ~~إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة ، وقدم علينا جرير بن عبد الله ~~في بيعة علي ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا ... » # ولما قرأ الرسالة تحير في أمره فاستشار ولديه عبد الله ومحمدا فقال له ~~عبد الله وكان رجل صدق وصلاح. # « أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت ~~عنه غائب ، فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ، ولا تريد أن تكون حاشية ~~لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقى فيها .. » # وأشار عليه عبد الله بالنصيحة والورع والتقوى وعدم الاستجابة لدواعي ~~الفتن والغرور ، وأما ابنه محمد فقد فتنته الدنيا وطمع بالملك فقد قال له : # « أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وان تصرم هذا الامر وأنت فيه خامل ~~تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من ايديها وأطلب بدم عثمان ، ~~فانك قد استلمت فيه الى بني أمية .. » # وقد دفعه محمد الى هلاك آخرته واصلاح دنياه ، والتفت عمرو الى PageV01P424 # ولده عبد الله فقال له : أما أنت فأمرتني بما هو خير في ديني؟ وقال لولده ~~محمد : أما أنت أمرتني بما هو خير لي فى دنياى؟ ### || حيرة وذهول : # واعتركت الدنيا والآخرة في نفس عمرو وملأت الحيرة اهابه واحاطت به ~~الهواجس ، وقد انفق ليلا ساهرا يفكر فى الامر فهل يلتحق بمعسكر معاوية ~~فيناجز أخا رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه فيكون قد فرط في أمر دينه أو ~~يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر الناس له ما لهم وعليه ما عليهم ولكنه يضمن ~~بذلك آخرته ودينه ، وأطال التفكير فى الأمر وسمعه أهله يقول : # تطاول ليلى للهموم الطوارق %~% وخوف التي تجلو وجوه العوائق وإن ابن هند سائلي أن أزوره %~% وتلك التي فيها بنات البوائق أتاه جرير من على بخطة %~% أمرت عليه العيش ذات مضائق فان نال منى ما يؤمل رده %~% وإن لم ينله ذل ذل المطابق فو الله ما ادري وما ms235 كنت هكذا %~% اكون ومهما قادني فهو سائقي أخادعه إن الخداع دنية %~% أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة %~% لشيخ يخاف الموت في كل شارق وقد قال عبد الله قولا تعلقت %~% به النفس إن لم تقتطعني عوائقي وخالفه فيه أخوه محمد %~% وانى لصلب العود عند الحقائق # ودل هذا الشعر على تردده وحيرته إلا ان ابنه عبد الله فهم منه الاستجابة ~~لدعوة معاوية فقال : # « بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه!! » # ولما اندلع لسان الصبح دعا غلامه وردان وكان ذكيا يقرأ ما فى PageV01P425 # النفوس فقال له : « حط يا وردان ، ثم قال له : ارحل ، ثم قال له حط يا ~~وردان ». # فعرف غلامه حيرته وذهوله فقال له : # خلطت أبا عبد الله؟! أما إن شئت أنبأتك بما فى نفسك؟ # هات ويحك!! # اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : على معه الآخرة فى غير دنيا ، ~~وفى الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا ~~عوض الآخرة فانت واقف بينهما. # إنك والله ما أخطأت!! ما ترى؟ # أرى أن تقيم في بيتك فان ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل ~~الدنيا لم يستغنوا عنك. # ولم يستجب لنصحه وصمم على الالتحاق بمعاوية وهو يقول : # يا قاتل الله وردانا وفطنته %~% أبدى لعمرك ما فى النفس وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها %~% بحرص نفسى وفي الاطباع ادهان نفس تعف واخرى الحرص يغلبها %~% والمرء يأكل تبنا وهو غرثان (1) أما علي فدين ليس يشركه %~% دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا علي بصر %~% وما معي بالذي اختار برهان اني لاعرف ما فيها وأبصره %~% وفي أيضا لما أهواه الوان لكن نفسي تحب العيش في شرف %~% وليس يرضى بذل العيش انسان عمرو لعمر أبيه غير مشتبه %~% والمرء يعطس والوسنان وسنان # لقد استجاب لعاطفته فآثر الدنيا على الآخرة ، وعزم على الالتحاق PageV01P426 # بمعسكر معاوية ليحارب امير المؤمنين الذي هو نفس رسول الله ومن هو منه ~~بمنزلة هارون من موسى. ### || قدومه الى الشام : # وارتحل ms236 ابن العاص ومعه ابناه الى دمشق فلما بلغها جعل يبكي كما تبكي ~~المرأة وهو يقول : # « وا عثماناه انعى الحياء والدين!! » (1) # لقد اصطنع البكاء ليغري السذج ويظهر الاخلاص والطاعة لمعاوية ولما التقى ~~به تذاكر معه معاوية في الوسائل والطرق التي يسلكها في حربه مع الامام ، ~~فقال له ابن العاص : # « أما علي فو الله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الاشياء وإن له ~~في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش الا أن تظلمه .. » # وانطلق معاوية يبين له الدوافع في حربه وعصيانه قائلا : # « صدقت. ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ، ونلزمه قتلة عثمان!! » # إنه إنما يقاتل الامام من أجل السلطة والامرة والثراء العريض الذي اختلسه ~~من بيت المال ، واندفع ابن العاص يبين له وهن المطالبة بدم عثمان قائلا : # وا سوأتاه إن احق الناس أن لا يذكر عثمان!! # ولم ويحك؟!! # أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن اسد PageV01P427 # البجلي فسار إليه ، وأما أنا فتركته عيانا وهربت الى فلسطين!! (1) # فلم يلتفت معاوية الى قوله لأنه لم يجد وسيلة يتمسك بها في عصيانه سوى ~~المطالبة بدم عثمان. ### || المساومة الرخيصة : # وكان ابن العاص يحن الى مصر حنينا متصلا وقد باع دينه وضميره على معاويه ~~من اجلها فقد قال له معاوية : # أتحبني يا عمرو؟ # لما ذا؟ للآخرة فو الله ما معك آخرة ، أم للدنيا. فو الله لا كان حتى ~~أكون شريك فيها!! # أنت شريكي فيها # فاكتب لي مصر وكورها # لك ما تريد # فكتب له ولاية مصر وكتب في آخر الوثيقة وعلى عمرو السمع والطاعة فقال له عمرو : # إن السمع والطاعة لا ينقصان من الشرط شيئا. # نعم ، ولا ينظر الناس الى هذا. # ونفذ له ما أراد (2) وبذلك فقد باع دينه على معاوية ، وسمع وهو يقول : # معاوي لا اعطيك ديني ولم أنل %~% به منك دنيا فانظرن كيف تصنع PageV01P428 فان تعطنى مصر فاربح بصفقة %~% أخذت بها شيخا يضر. وينفع وما الدين والدنيا سواء وإنني %~% لآخذ ما أعطي ورأسي مقنع ولكنني أعطيك هذا وإنني %~% لأخدع نفسي ms237 والمخادع يخدع أأعطيك أمرا فيه للملك قوة %~% وأبقى له إن زلت النعل اضرع وتمنعني مصر وليست برغبة %~% وان ثرى القنوع يوما لمولع (1) # لقد ظفر معاوية بأهم سياسي ماكر مخادع يجيد اللعب على الحبل ويتغلب على ~~الأحداث وهو القائل عن دهائه أنا أبو عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها. ### || رد جدير : # ولما اجتمع لمعاوية امره واحكم وضعه رد سفير الامام ( جرير ) الى الكوفة ~~ولم يجبه الى شيء ، وأرسل معه رسالة الى الامام جاء فيها : # « اما بعد. لو بايعك الذين ذكرت وأنت برىء من دم عثمان لكنت كأبي بكر ~~وعمر وعثمان ، ولكنك اغريت بدم عثمان ، وخذلت الانصار فأطاعك الجاهل ، وقوى ~~بك الضعيف ، وقد أبى اهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فان ~~فعلت كانت شورى بين المسلمين وانما كان الحجازيون هم الحكام على الناس ~~والحق فيهم ، فلما فارقوه كان الحكام على الناس اهل الشام ، ولعمري ما حجتك ~~على اهل الشام كحجتك على طلحة والزبير إن كانا بايعاك فلم ابايعك انا ، ~~فأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله فلست ادفعه ... » PageV01P429 # وكانت هذه الرسالة حاملة للبهتان والاباطيل ففيها اتهام الامام بدم عثمان ~~، وهو يعلم أن الامام برىء منه ، ولكنه لم يجد حجة يتعلق بها سوى هذه ~~الاكاذيب. # وهبط جرير على الامام وهو خافق فى سفارته ، ومعه رسالة معاوية فاطلع ~~عليها الامام وعرف ما يرومه معاوية من البغي والخروج عليه ، وقد رأى أن ~~يقيم عليه الحجة مرة اخرى فبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة والدخول ~~فيما دخل فيه المسلمون فلم يجد ذلك شيئا وأصر على عناده. ### || زحف معاوية لصفين : # وأخذ معاوية البيعة من أهل الشام على المطالبة بدم عثمان والأخذ بثأره ، ~~وتوفرت لديه الامكانيات والقوى العسكرية ، وانضم إليه كل من لم تنطبع في ~~نفسه العقيدة الدينية من ذوى الاطماع والمنحرفين عن الحق والباغين على ~~الاسلام ، ولما تم أمره زحف بجيوشه الى صفين (1) لمحاربة السلطة الشرعية ~~والاطاحة بالحكم الاسلامي واعادة المثل الجاهلية ، ولما انتهى في مسيره الى ~~صفين نزل بها واحتل الفرات ms238 وعد هذا أول الفتح لانه حبس الماء على عدوه ، ~~وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح امرها ، وتنضم قواها لتستعد للحرب. PageV01P430 ### || تهيؤ الامام للحرب : # ولما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب بعد ~~ما علم أن خصمه قد زحف الى صفين لمناجزته ، وقد استدعى المهاجرين والانصار ~~الذين خفوا لنجدته فقال لهم : # « إنكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل ~~والامر ، وقد أردنا المسير الى عدونا فاشيروا علينا برأيكم؟ » # فانطلق هاشم بن عتبة فقال له : # « يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء وهم لمن ~~يطلب حرث الدنيا اولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك (1) لا يبقون جهدا ، مشاحة ~~على الدنيا ، وضنا بما في أيديهم منها وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون ~~به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان ، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون ، ولكن ~~الدنيا يطلبون فسر بنا إليهم ، فان اجابوا الى الحق فليس بعد الحق إلا ~~الضلال. وإن أبوا الا الشقاق فذلك الظن بهم والله ما أراهم يبايعون وفيهم ~~أحد ممن يطاع إذا نهى ويسمع إذا أمر .. » (2) # إن هاشما كان خبيرا بنفوس القوم ، وعالما باتجاههم وميولهم فانهم يطلبون ~~حرث الدنيا ، وهم يقاتلون الامام من اجل مطامعهم ، وقد تذرعوا بدم عثمان ~~واتخذوه وسيلة لعصيانهم ، ولا يتركون نفاقهم وغيهم ما دام لهم شاخص يتمتع ~~بالنفوذ والقوة ، فلا بد من مناجزتهم والزحف إليهم للقضاء على غيهم وتمردهم ~~وانبرى غير واحد من اعلام المهاجرين والانصار PageV01P431 # فاعلنوا تأييدهم لمقالة هاشم ، وأظهروا الطاعة والانقياد للامام ، وقد ~~اتجه بعد ذلك الى الاستعداد للحرب فراسل الوجوه وامراء القبائل وقادة ~~الجنود يستحثهم على نصرته والخروج معه لحرب البغاة ، واستجاب الجميع لنداء ~~الحق واعربوا عن استعدادهم الشامل لنصرته. ### || خطبة الحسن : # وأخذ الامام الحسن يوقظ الهمم ، ويبعث الحزم والنشاط في النفوس ويحثها ~~على الخروج لحرب معاوية كما فعل ذلك من قبل في معركة الجمل وقد قام خطيبا ~~بين الجماهير يدعوهم الى الجهاد وهذا نص خطابه. # « الحمد لله لا إله غيره ، وحده لا شريك له ، واثنى عليه ms239 بما هو أهله ، ~~ثم قال : # إن مما عظم الله عليكم من حقه ، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ، ~~ولا يؤدى شكره ، ولا يبلغه صفة ولا قول ونحن إنما غضبنا لله ولكم ، فانه من ~~علينا بما هو أهله ان نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه ، قولا يصعد الى الله ~~فيه الرضا ، وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا ، ونستوجب فيه ~~المزيد من ربنا ، قولا يزيد ولا يبيد ، فانه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد ~~إلا اشتد امرهم ، واستحكمت عقدتهم. فاحتشدوا فى قتال عدوكم معاوية وجنوده ، ~~فانه قد حضر. ولا تخاذلوا فان الخذلان يقطع نياط القلوب ، وإن الاقدام على ~~الاسنة نجدة وعصمة لأنه لم يمتنع (1) قوم قط الا رفع الله عنهم العلة ، ~~وكفاهم جوائح (2) الذلة ، وهداهم الى معالم الملة ، ثم انشد. PageV01P432 والصلح تأخذ منه ما رضيت به %~% والحرب يكفيك من انفاسها جرع (1) # وحفل خطابه البليغ بالدعوة الى الوحدة والتعاون ، وبذل الجهود لمحاربة ~~القوى الباغية ، وقد استجاب الناس لدعوته فخفوا سراعا لنصرة الحق والدفاع ~~عن الاسلام. ### || الحسن مع سليمان : # وكان بعض زعماء العراق قد اعتزل معركة الجمل ، ولم يقم بنجدة الامام ومن ~~بينهم سليمان بن صرد الخزاعي (2) وقد وجه الامام امير المؤمنين إليه بعد ~~انقضاء الحرب أعنف اللوم والتقريع فقد قال له : # « أرتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم فيما أظن ~~الى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ، وما زهدك في نصرهم؟؟ » PageV01P433 # وضاق سليمان ذرعا بتأنيب الامام له فقال له : # « يا أمير المؤمنين .. لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى ~~منها ، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي ، وقد بقيت امور تعرف فيها وليك من ~~عدوك .. » # ثم قام مسرعا إلى الامام الحسن ليعرض عليه حديث أبيه فقال له : # « ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ!! » ~~وانطلق الحسن فتكلم معه برفق ولين ليزيل ما في نفسه من وجد قائلا : # « إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته .. » # ولكن سليمان بقي على ثورته فقد ms240 لذعته مرارة العتب والتقريع فقال للامام ~~الحسن : # « إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا (1) وينتضى فيها السيوف ، ويحتاج ~~فيها الى اشباهي ، فلا تستغشوا عتبى ، ولا تهموا نصيحتي .. » # فهدأ الحسن روعه ، واعرب له عن ثقته به فقال له : # « رحمك الله : ما أنت عندنا بالظنين .. » (2) # وهدأت ثورة سليمان ، وسكن روعه لما قابله الامام الحسن بالرفق وسجاحة ~~الطبع ، وقد استطاع الحسن أن يزيل ما في نفسه من الم الوجد ويرجعه الى صفوف ~~المجاهدين. ### || المسير الى صفين : # ولما توفرت القوى العسكرية للامام تهيأ للخروج الى صفين ، وأمر PageV01P434 # الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة ~~فنادى فيهم بذلك فعجت الكوفة بالنفار ، وخرج الامام تحف به صحابة النبي وقد ~~زحفت معه الكتائب كأنها السيل وهي ما بين راكب وراجل ، وهم يعرفون القصد في ~~خروجهم فانهم خرجوا لنصرة الحق ومحاربة اعداء الاسلام وخصومه. # ولزمت جيوش الامام الفرات فى زحفها السريع فلما انتهت الى الانبار ~~استقبلها أهلها ثم جاءوا يهرعون إلى الامام فتنكر منهم وقال لهم : # « ما هذه الدواب التي معكم؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم؟ .. » # فقالوا وهم يبدون عظيم الولاء ومزيد التكريم. # « يا أمير المؤمنين. أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء ~~وأما هذه البراذين فهدية لك ، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما وهيأنا لدوابكم ~~علفا كثيرا .. » # فزجرهم الامام ونهاهم عن ذلك فقال : # « أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الامراء ، فو الله ما ينفع ~~هذا الامراء ، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم ، فلا تعودوا له. وأما ~~دوابكم هذه فان أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. ~~وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فانا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا الا بثمن .. » # هذا هو منطق العدل الذي سار عليه ابن أبي طالب فلم يسمح للمهرجانات ولا ~~لسائر المظاهر التي اعتادها الملوك والأمراء لأن فيها جهدا للرعية وتعظيما ~~للامراء وهم في نظر الاسلام لا ميزة لهم على بقية أفراد الشعب واندفع ~~الانباريون فقالوا له : PageV01P435 # « يا أمير المؤمنين نقومه اي ms241 الطعام ثم نقبل ثمنه » # « لا تقومونه قيمته » # ثم تركهم وانصرف عنهم (1) وسارت جيوشه تطوى البيداء حتى انتهت الى صفين ~~فانزلها الامام بإزاء اصحاب معاوية. ### || القتال على الماء : # ولم يجد أصحاب الامام على الفرات شريعة يستقون منها الماء إلا وعليها ~~الحرس الكثير وهم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه فاقبلوا الى ~~الامام يخبرونه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان وقال له : # « ائت معاوية فقل : إنا سرنا مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الاعذار ~~إليكم ، وإنك قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك ، وبدأتنا بالقتال ونحن من ~~رأينا الكف حتى ندعوك ، ونحتج عليك. وهذه اخرى قد فعلتموها ، حتى حلتم بين ~~الناس وبين الماء. فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم ، وفيما ~~قدمنا له وقدمتم. وان كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون ~~على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا .. » # وانطلق صعصعة الى معاوية فعرض عليه كلام الامام فاستشار اصحابه فقال له ~~الوليد بن عقبة : # « امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان : حصروه اربعين يوما يمنعونه برد ~~الماء ، ولين الطعام ، اقتلهم عطشا قتلهم الله ... » # وأشار عليه ابن العاص بالسماح لهم ولكن الوليد اعاد مقالته ، PageV01P436 # وانبرى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال له : # « امنعهم الماء الى الليل ، فانهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، وكان رجوعهم ~~هزيمتهم. امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة .. » # فثار صعصعة ولم يسعه السكوت فقال له : # « إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر ، ضربك وضرب هذا ~~الفاسق واشار الى الوليد .. » وتواثبوا عليه يشتمونه ويتهددونه ، فأمرهم ~~معاوية بالكف عنه ، ورجع صعصعة ولم تنتج سفارته شيئا ، فخف الى الامام ~~الأشعث بن قيس (1) فقال له : # « يا أمير المؤمنين. أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ومعنا السيوف PageV01P437 # خل عنا وعن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت. ومر الاشتر فليعل ~~بخيله فيقف حيث تأمره .. » # فمنحه الامام الأذن ، ولما ظفر الاشعث بذلك رجع الى قومه وهو يهتف بهم : # « من كان يريد الماء او الموت فميعاده الصبح ، فانى ms242 ناهض الى الماء .. ». # فأجابه اثنا عشر الفا ، فلما رآهم قام مزهوا يشد عليه لامة حربه وهو يقول : # ميعادنا اليوم بياض الصبح %~% هل يصلح الزاد بغير ملح لا لا ، ولا أمر بغير نصح %~% دبوا الى القوم بطعن سمح مثل العزالى بطعان نفح (1) %~% لا صلح للقوم واين صلحى |حسبي من الاقحام قاب رمح| # ولما اندلع لسان الصبح دبت جماهير العراقيين الى الاشعث فحمل بهم على أهل ~~الشام وهو يقول لقومه : # « بأبي أنتم وأمي تقدموا قاب رمحي .. » (2) # ولم يزل يهتف بقومه ، ويبعث في نفوسهم روح العزم والنشاط حتى خالطوا أهل ~~الشام ، وصاح بهم الاشعث : # « خلوا عن الماء .. » PageV01P438 # فأجابه أبو الأعور السلمي (1): بعدم السماح لهم ، وهجم الاشعث ومن معه ~~على صفوف أهل الشام فار الوهم عن الفرات والحقوا بهم خسائر فادحة في ~~الاموال والنفوس ، ولما ملك العراقيون الفرات سمح الامام لأهل الشام أن ~~يردوا منه ، ولم يكل لهم صاعا بصاع ولم يعمل معهم الا عمل المحسن الكريم. ### || ايفاد السفراء الى معاوية : # وقبل أن يدق جرس الحرب أوفد الامام رسل السلام الى معاوية كما اوفدهم من ~~قبل في معركة الجمل رجاء في الصلح وحقن الدماء ، والذين بعثهم للقياهم : ~~عدى بن حاتم ، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن حفصة ، فتكلم معه ~~عدى بن حاتم فقال له : # « أما بعد : فانا أتيناك لندعوك الى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ~~ويحقن به دماء المسلمين ، وندعوك الى افضلها سابقة واحسنها في الاسلام ~~آثارا (2) وقد اجتمع له الناس ، وقد ارشدهم الله بالذي رأوا ، فلم يبق احد ~~غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله واصحابك بمثل يوم ~~الجمل .. » PageV01P439 # وهي دعوة حق لو وعاها ابن هند واستجاب لها لحقن دماء المسلمين وجمع ~~كلمتهم ولكنه آثر مصالحه على ذلك فقال لعدى : # « كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا. هيهات يا عدي. كلا والله لابن حرب ~~ما يقعقع لي بالشنان (1) أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان ، وانك ~~لممن قتلته ، وإني لارجو أن تكون ممن يقتله ms243 الله. هيهات يا عدى قد حلبت ~~بالساعد الاشد .. » # لقد اظهر له الغي والتمرد والإيثار للحرب وذلك لما يتمتع به من القوى ~~العسكرية والقدرة على مناجزة الامام وتكلم معه يزيد بن قيس فقال له : # « إنا لم نأتك الا لنبلغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدى عنك ما سمعنا منك ، ~~لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة او أنه راجع بك ~~الى الالفة والجماعة. إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنه ~~يخفى عليك : إن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي ولن يميلوا بينك وبينه (2) ~~فاتق الله يا معاوية ، ولا تخالف عليا ، فانا والله ما رأينا رجلا قط اعمل ~~بالتقوى ، ولا ازهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه .. » # إن معاوية يعلم فضل أمير المؤمنين ولكن احقاده واطماعه يحولان بينه وبين ~~الحق فآثر حربه ومناجزته فاجاب القوم قائلا : # « أما بعد : فانكم دعوتم الى الطاعة والجماعة. فأما الجماعة التي PageV01P440 # دعوتم إليها فنعما هي. وأما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها. إن صاحبكم قتل ~~خليفتنا ، وفرق جماعتنا ، وآوى ثأرنا ، وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم ~~يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون انهم أصحاب ~~صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم الى الطاعة والجماعة .. » # وحفل كلام ابن هند بالاكاذيب والاغاليط فقد أتهم الامام بقتل عثمان وهو ~~يعلم ببراءته منه ، فقد قتله خيار المسلمين لما انحرف عن الحق وغير كتاب ~~الله كما ذكرنا ذلك عند عرض احداثه وقد انبرى إليه شبث بن ربعي (1) # فقال له : # « أيسرك بالله يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته؟ » # وقد عرض شبث لمعاوية اعظم شخصية اسلامية ثارت على عثمان وهو عمار بن ياسر ~~فهل يقتص منه إن ظفر به ، فقال له معاوية. # « وما يمنعني من ذلك؟ والله لو امكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته ~~بعثمان ، ولكن كنت اقتله بنائل مولى عثمان بن عفان .. » # وما الذي يمنع معاوية من قتل عمار لو ظفر به في سبيل الملك ms244 والبغي على ~~الاسلام ، وثار شبث حينما سمع مقالته فقال له : # « لا والله الذي لا إله إلا هو لا تصل الى قتل ابن ياسر حتى تنذر PageV01P441 # الهام عن كواهل الرجال ، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها .. » # ورجع القوم وهم خافقون في سفارتهم لم يستجب لهم معاوية فقد رأوا أنه مصمم ~~على الحرب وممعن في البغي والتمرد فجعلوا يدعون الناس للحرب ، ويحرضونهم ~~على مناجزة معاوية. ### || اعلان الحرب : # ولما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب ، ~~وقد اصدر تعاليمه الى عموم جيشه وقد جاء فيها : # « لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم ، فانتم بحمد الله على حجة ، وترككم قتالهم ~~حجة اخرى ، فاذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا ~~تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، فاذا وصلتم الى رجال القوم فلا تهتكوا ~~سترا ، ولا تدخلوا دارا إلا بأذني ، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما ~~وجدتم في معسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم ، وتناولن امراءكم ~~وصلحاءكم فانهن ضعاف القوى والانفس والعقول .. » # هذه خطته التي رسمها لجيشه وهي تمثل ما يكنه في نفسه من الرحمة والرأفة ~~وحب الخير حتى لاعدائه ومناوئيه. # وعقد الامام الالوية ، وأمر الأمراء فاستعمل على الخيل عمار بن ياسر ، ~~وعلى الرجالة عبد الله بن بديل ، ودفع اللواء الى هاشم المرقال ، وجعل على ~~الميمنة الاشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس ، وعقد ألوية القبائل ~~فاعطاها لأعيانهم ، وكذلك عبأ معاوية أصحابه على راياتهم فاستعمل عبيد الله ~~بن عمر على الخيل ، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المري PageV01P442 # وعلى الميمنة عبيد الله بن عمرو بن العاص وعلى الميسرة حبيب بن مسلم ~~الفهرى ، واعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وجعل على اهل دمشق ~~الضحاك بن قيس الفهرى. # وجعلت كتائب من جيش الامام نخرج الى فرق أهل الشام فيقتتل الفريقان نهارا ~~كاملا أو طرفا منه ، ولم يرغب الامام في أن تقع حرب عامة بين الفريقين رجاء ~~أن يجيب خصمه الى الصلح ، ويثوب الى الرشاد ، ودام على هذا الحال حفنة من ~~الايام ms245 حتى أطل شهر المحرم وهو من الاشهر التي يحرم القتال فيها في ~~الجاهلية والاسلام فتركوا القتال فيه ، وتوادعوا شهرهم كله وأتيح للقوم أن ~~يلتقوا فيه آمنين من دون أن تقع بينهم أي حرب ولكن كان بينهم أعنف الجدال ~~واشد الخصام يدعو العراقيون أهل الشام الى جمع الكلمة وإلى العمل بكتاب ~~الله ومبايعة وصي رسول الله (ص) ويدعوهم أهل الشام الى الطلب بدم عثمان ~~ورفض بيعة الامام ، ولما انقضى شهر المحرم مضى القوم على حربهم كما كانوا ~~قبله ، وجعل مالك الاشتر ينظر الى رايات أهل الشام ويتأملها فاذا هي رايات ~~المشركين التي خرجت لحرب رسول الله (ص) فاندفع يخاطب قومه قائلا : # « أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول الله ، ومع معاوية رايات كانت مع ~~المشركين على عهد رسول الله فما يشك فى قتال هؤلاء الا ميت القلب .. » # واندفع عمار بن ياسر فجعل يبين للمسلمين واقع معاوية ويحرضهم على قتاله ~~قائلا : # « يا أهل الاسلام (1) أتريدون أن تنظروا الى من عادى الله ورسوله PageV01P443 # وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين ، فلما أراد الله أن يظهر ~~دينه ، وينصر رسوله أتى النبي فأسلم وهو والله فيما يرى راهب غير راغب وقبض ~~الله رسوله وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم ، الا وانه ~~معاوية فالعنوه لعنه الله ، وقاتلوه فانه ممن يطفئ نور الله ويظاهر اعداء ~~الله .. » # إن معاوية قبل أن يسلم قد عادى الله ورسوله ، وبغى على المسلمين وما اسلم ~~الا خوفا من حد السيوف التي أخذت اسرته ، وقد اضمر الشرك والنفاق والبغي ~~على الاسلام والمسلمين فلما وجد أعوانا نهض بهم لمحاربة أخي رسول الله وباب ~~مدينة علمه. ### || الحسن مع عبيد الله # وحاول معاوية أن يلعب دورا مع الامام الحسن فبعث إليه عبيد الله ابن عمر ~~(1) يمنيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك أباه فانطلق عبيد الله فقال له : # لي إليك حاجة # نعم .. ما تريد؟ # إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا ، وقد شنئوه فهل لك ان تخلعه ونوليك هذا ~~الامر؟ نعم ان الامام قد وترهم ولكن فى سبيل ms246 الاسلام فقد حاولوا لف لوائه ، ~~فناجزهم الامام فقتل جبابرتهم ، وأباد طغاتهم PageV01P444 # وهزم جموعهم ، وهم من أجل ذلك يحملون له حقدا وعداء ، ولما سمع الامام ~~مقالته صاح به وقد لذعته عقرب الخيانة فقال له : # « كلا والله لا يكون ذلك!! » # والقى الامام الحسن عليه نظرة غضب واستياء ، وأخبره انه سيلاقي حتفه عما ~~قليل فقال له : # « لكأني انظر إليك مقتولا فى يومك أو غدك. أما ان الشيطان قد زين لك ، ~~وخدعك حتى اخرجك مخلقا بالخلوق (1) ترى نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك ~~الله ويبطحك لوجهك قتيلا .. » # ورجع عبيد الله الى معاوية وهو خائب حسير وقد اخفق في مهمته وأخبره بحديث ~~الامام فقال معاوية متبهرا : # « انه ابن أبيه!! » (2) # وخرج عبيد الله في ذلك اليوم الى ساحة الحرب يقاتل مع الجبهة المعادية ~~للاسلام فلاقى حتفه سريعا على يد فذ نبيل من همدان ، واجتاز الامام الحسن ~~فى ساحة المعركة فرأى رجلا قد توسد رجلا قتيلا وقد ركز رمحه في عينه وربط ~~فرسه في رجله ، فقال الحسن لمن حوله : انظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من ~~همدان ، وان القتيل عبيد الله بن عمر ، فسر بذلك وقال مبتهجا : الحمد لله ~~على ذلك (3) وقد قضى عبيد الله نهايته الأخيرة وهو معاد لله ورسوله ، وباغ ~~على الاسلام ، وخارج على امام المسلمين. PageV01P445 ### || الحرب العامة : # واستمرت المناوشات بين الفريقين أمدا غير يسير من دون أن تقع بينهما حرب ~~عامة ، وقد سئم كل منهما هذه المطاولة التي لم تكن تجدي شيئا فانه لم يكن ~~هناك أي أمل في الاصلاح والوئام وجمع الكلمة ، وإنما كانت هذه المطاولة ~~تزيد الفتنة امتداد والشر انتشارا ، فلما رأى الامام ذلك عبأ أصحابه وتهيأ ~~للحرب العامة ، ولما رأى معاوية ذلك فعل مثل فعله ، والتقى كل منهما بالآخر ~~، وبادر الحسن ليحمل على صفوف أهل الشام فلما بصر به الامام ذهل وأريع وقال ~~لمن حوله : # « املكوا عنى هذا الغلام لا يهدنى (1) فانني أنفس (2) بهذين يعنى الحسن ~~والحسين لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله .. (3) # واستعرت نار الحرب ، واشتد أوارها حتى جفل الناس وخيم ms247 عليهم الذعر والموت ~~، وقد انكشفت ميمنة الامام ، وتضعضع قلب الجيش وبدت الهزيمة فيه فدعا سهل ~~بن حنيف فلما مثل بين يديه أمره أن يلتحق بمن معه في الميمنة ، فامتثل ما ~~أمر به فحملت عليهم جيوش أهل الشام فكشفتهم ورجعوا منهزمين الى الميسرة ، ~~وانكشفت عن الميسرة مضر وثبتت ربيعة فيها ، وإن قائلهم ليقول : « يا معشر ~~ربيعة ، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم. » # تحالفت ربيعة على الموت وثبتت فى الميدان وهي رابطة الجاش لا تبالى PageV01P446 # بالحمام قد أخذت على عاتقها أن تقوم بنصرة الحق وتفدى ارواحها للامام ~~وكان الامام معهم يحمل على اعدائه وقد مطرت عليه سهام القوم ، وكان ابناؤه ~~يقونه بأنفسهم ولم يفارقه أحد منهم ، وبصر به حين اشتباك الأسنة مولى لبني ~~أمية يدعى بأحمر بن كيسان فجاء كالكلب نحو الامام وهو يقسم على قتل الامام ~~قائلا : # « ورب الكعبة قتلني الله ان لم أقتلك أو تقتلنى » # فانبرى إليه مولى للامام يدعى بكيسان فبدر إليه الكلب المهاجم فأرداه ~~صريعا على الارض يتخبط بدمه ، وجعل الخبيث يشتد نحو الامام فتناوله الامام ~~بيده وحمله على عاتقه ثم ضرب به الارض فكسر منكبه وعضديه وشد عليه الحسين ~~ومحمد فقتلاه. # ودنا الامام من جموع اهل الشام فخاف الحسن أن يغتال العدو أباه فقال له : # « لو سعيت حتى تنتهى الى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك ( يعني بهم ربيعة ) ~~من اصحابك. » # وعرف الامام مغزى كلام الحسن فقال له برفق ولين : # « يا بني .. إن لأبيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به ~~إليه المشي ، ان اباك والله ما يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه. » # واقبل الأشتر يركض وهو مذهول اللب مندهش الفكر لما انهزمت الكتائب وولت ~~على اعقابها خوفا من الموت ، فلما بصر الامام به قال له : # يا مالك. # لبيك. PageV01P447 # ائت هؤلاء القوم فقل لهم : اين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه الى ~~الحياة التي لا تبقى لكم. # مضى الاشتر الى المنهزمين فالقى عليهم رسالة الامام ms248 فهدأ روعهم ثم قال ~~معرفا لهم بشخصيته. # أنا مالك بن الحارث. أنا مالك بن الحارث. # وخطر له أن هذا الاسم غير كاف لهم فى تعريفه فقال معرفا نفسه بما اشتهر به. # أنا الأشتر. # فبادرت فصيلة من الناس إليه فهتف فيهم بنبرات تقطر حماسا وعزما قائلا : # « أيها الناس. عضضتم بهن آبائكم ، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم. » # ثم هتف ثانيا قائلا : # « أخلصوا لى مذحجا. » # فأنبرت إليه مذحج. فقال لها : # « عضضتم بصم الجندل ، ما ارضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك ~~وانتم ابناء الحروب ، واصحاب الغارات ، وفتيان الصباح ، وفرسان الطراد ، ~~وحتوف الأقران ، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل ~~دماؤهم ، ولا يعرفون في موطن بخسف ، وأنتم حد أهل مصركم واعد حي في قومكم ، ~~وما تفعلون فى هذا اليوم فانه مأثور بعد اليوم ، فاتقوا ماثور الاحاديث في ~~غد ، واصدقوا عدوكم اللقاء فان الله مع الصادقين ، والذي نفس مالك بيده ما ~~من هؤلاء ( وأشار لأهل الشام ) رجل على مثال جناح بعوضة من محمد (ص) أنتم ~~ما احسنتم PageV01P448 # القراع ، اجلوا سواد وجهي دمى ، عليكم بهذا السواد الأعظم ، فان الله عز ~~وجل ، لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه! » # لقد هيمن الزعيم مالك على النفوس واستولى عليها بخطابه الحماسي الرائع ~~فقد بعث روح العزم والنشاط في نفوس الجيش. وتعالت الاصوات من كل جانب تعرب ~~له الطاعة والانقياد. # خذ حيث احببت. # وسارعوا إليه يتسابقون نحو الموت صامدين امام العدو ، وكانت كتائب من ~~همدان قد أبيد فريق من زعمائها وقوادها الباسلين فى المعركة وكان آخر من ~~أخذ اللواء بيده وهب بن كريب فبادر إليه جمع من احبائه قائلين له : # « رحمك الله قد قتل أشراف قومك حولها اي حول الراية فلا تقتل نفسك ولا من ~~بقى من قومك. » # انصرف وهب ومن معه عن ساحة الحرب وهم يطلبون فئة قوية ينضمون إليها ~~وهتفوا امام الجموع بما يرومونه قائلين : # « ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ~~ننصرف ms249 حتى نقتل أو نظفر. » # واجتازوا على الاشتر فسمع نداءهم ، فرحب بفكرتهم وقال لهم. # « أنا أحالفكم واعاقدكم على ان لا نرجع ابدا حتى نظفر أو نهلك » وابتهجوا ~~بكلام الاشتر وانضمونا تحت لوائه ، وفي فعلهم هذا يقول كعب بن جعيل : « ~~وهمدان زرق تبتغي من تحالف » # وهجم الأشتر بمن معه من البهاليل على جموع أهل الشام فكانوا أمام بواترهم ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، وظهر الضعف في PageV01P449 # جيش معاوية وكاد اصحاب معاوية يبلغون فسطاطه وهم معاوية بالفرار لو لا أن ~~ذكر قول ابن الاطنابة : # أبت لى عفتي وحياء نفسي %~% وإقدامي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي %~% واخذى الحمد بالثمن الربيح وقولى كلما جشأت وجاشت %~% مكانك تحمدى أو تستريحي # فرده ذلك الشعر الى الصبر والثبات كما كان يتحدث بذلك ايام العافية. ### || مصرع عمار : # ولما رأى الصحابي العظيم عمار بن ياسر الرءوس تتساقط ، والارض قد صبغت ~~بالدماء أخذ يناجى نفسه قائلا : # « صدق رسول الله (ص) هؤلاء القاسطون ، إنه اليوم الذي وعدني فيه رسول ~~الله ، إني قد أربيت على التسعين فما ذا انتظر؟! رحماك ربي قد اشتقت الى ~~إخواني الذين سبقوني بالايمان إليك .. سأمشي الى لقاء ربي مجاهدا أعداءه ~~بين يدي وليه ووصيي رسوله وخليفته من بعده ، فاني أراه اليوم الذي وعدني به ~~رسول الله (ص)... » # وأطال النظر في رايات معاوية فانطلق يقول : « إن مراكزنا على مراكز رايات ~~رسول الله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين ، وإن هؤلاء على مراكز رايات ~~المشركين من الاحزاب .. » (1) # وتمثلت أمامه في ذلك اليوم صفحات من تأريخه البعيد والقريب ، فعرضت له ~~صورة أبويه ياسر وسمية وهما يعذبان أعنف التعذيب وأمره PageV01P450 # وهو شاب معهما يلاقى ما لاقياه من الارهاق على يد جبابرة قريش ففاضت روح ~~أبويه ، وأفلت هو من التعذيب ، وتذكر ما عناه فى شيخوخته من عثمان من ~~التنكيل والتعذيب كل ذلك في سبيل مبدئه وعقيدته ، وقد اودعت هذه الذكريات ~~في نفسه شوقا عارما الى ملاقاة الله فانفجر في البكاء وأخذ يناجي الله ~~قائلا : # « اللهم انك تعلم. أنى لو ms250 أعلم أن رضاك ان اضع ظبة سيفى (1) في صدري ثم ~~انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت ، ولو اعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي ~~في هذا البحر لفعلت ، ولو اعلم أن رضاك أن أرمى بنفسي من هذا الجبل فاتردى ~~واسقط فعلت ، وإني لا اعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ~~ولو أعلم من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته. » # ثم انعطف الى أمير المؤمنين ودموعه تتبلور على كريمته الشريفة فلما رأه ~~الامام قام إليه وعانقه واحتفى به فالتفت الى الامام. # يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال؟ # فقد قلب الامام وأريع من كلامه لانه ساعده الذي به يصول فقال له بصوت ~~راعش النبرات. # مهلا يرحمك الله! # انصرف عمار فلم يلبث الا قليلا حتى عرضت له تلك الذكريات فحفزته الى لقاء ~~الله فرجع الى الامام قائلا : # اتأذن لي فى القتال؟ # مهلا يرحمك الله PageV01P451 # ومضى فلم يمكث الا برهة حتى عاوده الشوق الى لقاء احبائه الذين سبقوه الى ~~الايمان فكر راجعا الى الامام فقال له : # « أتأذن لي بالقتال؟ فانى أراه اليوم الذي وصفه رسول الله (ص) وقد اشتقت ~~الى لقاء ربي والى اخواني الذين سبقوني. » # فلم يجد الامام بدا من اجابته فقام إليه وعانقه وقد ذابت نفسه اسى وحسرات ~~وقال له : # « يا أبا اليقظان. جزاك الله عنى وعن نبيك خيرا فنعم الاخ كنت ونعم ~~الصاحب. » # واجهش الامام بالبكاء وبكى عمار لبكائه وقال له : # « والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك الا ببصيرة فانى سمعت رسول الله يقول ~~يوم حنين : « يا عمار ستكون بعدي فتنة فاذا كان كذلك فاتبع عليا وحزبه ، ~~فانه مع الحق والحق معه ، وسيقاتل بعدي الناكثين والقاسطين » فجزاك الله يا ~~أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أديت ، وبلغت ونصحت .. » # ثم تقدم عمار الى ساحة الشرف وميدان القتال وهو جذلان مسرور بملاقاة الله ~~وقد استرد قوته ونشاطه ، وارتفع صوته عاليا وهو يقول : # « الجنة تحت ظلال العوالي ، اليوم القى الأحبة محمدا وحزبه .. » # وتبعه المهاجرون والانصار والشباب المؤمن ms251 فانعطف بهم الى القائد العام ~~هاشم بن عتبة المرقال (1) فطلب منه أن يتولى القيادة فاجابه إلى PageV01P452 # ذلك وحمل هاشم فجعل عمار يحثه على الهجوم وهو يقول له : # « احمل فداك أبي وأمي .. » # وجعل هاشم يزحف باللواء زحفا فضاق على عمار ذلك لأنه في شوق عارم لملاقاة ~~الله والوفود على حبيبه محمد فوجه لهاشم اعنف التقريع قائلا له : # « يا هاشم. أعور وجبان؟ » # وثقل على هاشم هذا العتاب المر فقال له : # « رحمك الله يا عمار. إنك رجل تأخذك خفة في الحرب ، وإني إنما أزحف ~~باللواء زحفا أرجو أن أنال بذلك حاجتي ، وإني إن خففت لم آمن الهلكة. » # وما زال عمار بهاشم يحرضه ، ويحثه على الهجوم حتى حمل وهو يرتجز : # قد أكثروا لومي وما أقلا %~% إني شريت النفس لن اعتلا أعور يبغى نفسه محلا %~% لا بد أن يفل أو يفلا قد عالج الحياة حتى ملا %~% أشدهم بذى الكعوب شلا # فجال هاشم فى ميد القتال ، وعمار يقاتل معه فنظر الى راية ابن العاص فجعل يقول : |يا هاشم الخير جزيت الجنة||قاتلت في الله عدو السنة| PageV01P453 # « والله إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن. » # وجعل يقاتل أشد القاتل وهو موفور النشاط خفيف الحركة وهو يرتجز ويقول : # نحن ضربناكم على تنزيله %~% واليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله |أو يرجع الحق الى سبيله| # لقد قاتل عمار قريشا مع النبي على الاقرار بكلمة التوحيد واليوم يقاتلهم ~~على الايمان بما في القرآن وعلى التصديق بما جاء به الاسلام. # وبعد كفاح رهيب سقط عمار الى الارض صريعا قد قتلته الفئة الباغية (1) ~~التي طبع على قلوبها بالزيغ ، ونسيت ذكر الله فسبحت في ظلام قاتم ، ولما ~~أذيع خبر مقتله انهد ركن الامام ، واحاطت به موجات وموجات من الهموم ~~والأحزان لأنه فقد بمقتله كوكبة من الاعوان والانصار ومشى لمصرعه حزينا ~~باكيا تحف به قواد الجيش وأمراء القبائل والبقية الصالحة من المهاجرين ~~والانصار ، وهم يهرقون الدموع وعلا منهم النحيب والبكاء ، ووقف الامام عليه ~~فلما رأه صريعا ms252 متخبطا بدمه انهارت قواه وجعل يؤبنه بكلمات تنم عن قلب موجع ~~قائلا : # « إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر ، وتدخل عليه المصيبة ~~الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم اسلم ، ورحم الله عمارا يوم قتل ، ~~ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا وما PageV01P454 # يذكر من أصحاب رسول الله أربعة الا كان رابعا ، ولا خمسة إلا كان خامسا. ~~وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في ~~غير موطن ولا اثنين. فهنيئا لعمار بالجنة .. » # وأخذ الامام رأس عمار ووضعه في حجره وجعل ينظم ذوب الحشا وهو يقول : # ألا أيها الموت الذي ليس تاركي %~% أرحنى فقد أفنيت كل خليل أراك بصيرا بالذين أحبهم %~% كأنك تسعى نحوهم بدليل # ووقف الامام الحسن واجما مستعبرا عند مصرع الشهيد العظيم الذي ساهم في ~~بناء الاسلام فأخذ يتلو على المسلمين ما سمعه من جده النبي (ص) في فضله ~~والاشادة بعظيم منزلته فقال (ع): ان رسول الله (ص) قال لاصحابه : « ابنوا ~~لى عريشا كعريش موسى » وجعل يتناول اللبن من قومه ، وهو يقول : اللهم لا ~~خير الا خير الآخرة ، فاغفر للانصار والمهاجرة ، وجعل يتناول اللبن من عمار ~~، وهو يقول : ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية. # وقال : إن جدى قال إن الجنة لتشتاق الى ثلاثة علي وعمار وسلمان » ولما ~~اذيع خبر مقتله حدثت الفتنة والانشقاق في صفوف أهل الشام فقد سمعوا ممن سمع ~~من رسول الله أنه قال : في عمار تقتله الفئة الباغية وقد حدثهم بذلك عمرو ~~بن العاص ، وقد اتضح لهم بعد مقتله انهم هم الفئة الباغية التي عناها ~~الرسول ، ولكن ابن العاص قد استطاع بمكره وأكاذيبه أن يزيل ذلك ، ويرجع ~~الحياة الى مجراها الطبيعي ، فقد القى المسئولية على الامام زاعما انه هو ~~الذي أخرجه وقتله ، واذعن جهال أهل الشام ، وصدقوا مقالته وراحوا يهتفون. PageV01P455 # « انما قتل عمارا من جاء به. » # وثقل على أمير المؤمنين مقتل عمار ، وأحاطت به المآسي والشجون ، فهتف ~~بربيعة وهمدان ، فاستجابوا له فقال ms253 لهم : # « انتم درعي ورمحي » # فأجابه اثنا عشر الفا منهم فحمل بهم وهو هائج غصبان ، فلم يبق صف لأهل ~~الشام الا انتقض ، وأبادوا كل فصيلة انتهوا إليها حتى قربوا من فسطاط ~~معاوية ، وكان الامام يرتجز ويقول في رجزه : # أضربهم ولا أرى معاوية %~% الجاحظ العين العظيم الحاوية # ووجه خطابه الى معاوية فقال له : # علام يقتتل الناس بيننا؟ هلم احاكمك الى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له ~~الامور. » # فانبرى ابن العاص الى معاوية مستهزءا به قائلا : # انصفك الرجل # ما انصفت ، وانك لتعلم أنه لم يبارزه أحد إلا قتله # وما يجمل بك الا مبارزته # طمعت فيها بعدى (1) # واستمر القتال عنيفا بين الفريقين وهم ماضون فى الحرب لا يريحون ولا ~~يستريحون ، وقد بان الضعف في جيش معاوية ، وتحطمت جميع كتائبه وتفللت جميع ~~قواه حتى هم بالفرار والانهزام. PageV01P456 ### || رفع المصاحف : # ولما رأى معاوية بسالة جيش الامام وخور جيشه ، وعجزه عن المقاومة ونهاية ~~أمره دعا وزيره الماكر عمرو بن العاص وقد مشت الرعدة باوصاله وخيم عليه ~~الخوف فقال له : # « إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل ، فما ترى؟. » # وقد اعرب عن قرب نهايته وعدم قدرته على مقاومة جيش الامام فقال له ابن ~~العاص : # « أرى رجالك لا يقومون برجاله ، ولست مثله فهو يقاتلك على امر وأنت ~~تقاتله على أمر آخر ، إن أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشام ~~لا يخافون من على إن ظفر بهم .. » # لقد حدد ابن العاص النزاع القائم بين الامام ومعاوية فالامام يقاتله من ~~اجل الاسلام والذب عن مثله ومعاوية يقاتله من اجل الملك والسلطان فكل واحد ~~منهما يقاتل على امر لا ينشده الآخر ، وقد اعرب له عن السر في بسالة جيش ~~الامام وخور جيشه فجيش الامام يدافع عن كرامته وحياته لأنه على علم بنفسية ~~معاوية واتجاهه ان تغلب عليهم فانه ينكل بهم ويصب عليهم وابلا من العذاب ~~الأليم فلذلك كان جادا في حربه وأما جيشه فانه يعرف اتجاه الامام إن ظفر ~~بهم فانه يقابلهم بالمعروف والاحسان وقد سمعوا عن عفوه واحسانه حينما ms254 ظفر ~~بخصومه في واقعة الجمل. فجيش الامام لا بد أن يحوز النصر والظفر ، وقد ادلى ~~له ابن العاص بفكرة كانت هي السبب فى تغلبه على الأحداث والسبب في تدمير ~~جيش الامام فقال له : PageV01P457 # « الق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا ، وإن ردوه اختلفوا ، ادعهم إلى كتاب ~~الله حكما فيما بينك وبينهم ، فانك بالغ حاجتك في القوم فاني لم أزل أؤخر ~~هذا الأمر لحاجتك إليه .. » # ورأى معاوية الصواب في رأي ابن العاص فبادره بالتصديق والاجابة وأمر ~~بالوقت أن ترفع المصاحف فرفعت زهاء خمس مائة مصحف على الرماح ، وارتفعت ~~الصيحة من أهل الشام وهم يهتفون بلهجة واحدة قائلين : # « هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته الى خاتمته ، من لثغور أهل الشام ~~بعد أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن ~~للترك؟ ومن للكفار؟ .. » # لقد رفعوا المصاحف حيلة ومكرا ، وتذرعوا بها لحقن دمائهم فانهم من دون شك ~~لا يؤمنون بما فيها ولا يحزنون على مصير الاسلام والمسلمين ولا يرجون لله ~~وقارا ، ولا يهمهم سوى الحكم والسلطان ، ولو كان في نفوسهم بصيص من نور ~~الاسلام لما فتحوا باب الحرب على وصيي رسول الله وأراقوا دماء المسلمين ~~بغير حق. ### || الفتنة الكبرى : # إن من أبشع المهازل وأسوئها في التأريخ الانساني هي حيلة رفع المصاحف فقد ~~افتتن بها الجيش العراقي ، وانقلب رأسا على عقب. فاذا بهم يخلعون الطاعة ~~ويعلنون العصيان والتمرد من دون تفكير ولا تدبر وهم قد أشرفوا على الفتح ~~والظفر بعدوهم الذي أراق سيلا عارما من دمائهم. PageV01P458 # يا للمصيبة والأسف لقد استعلى الباطل على الحق باسم الحق ، فقد عملت ~~مكيدة ابن العاص عملها الفظيع في قلب حكومة العدل والمساواة فقد اندفعت ~~كتائب منهم كالسيل فأحاطوا بالامام مرغميه على الاذعان والخضوع لدعوة ~~معاوية وهم يهتفون بلسان واحد. # « لقد اعطاك معاوية الحق ، دعاك الى كتاب الله فاقبل منه!! » # وكان في طليعة الهاتفين بدعوة التحكيم الأشعث بن قيس الذي كان سوسة تنخر ~~في المعسكر العراقي ، وأداة للشغب والتمرد ، أما بواعث ذلك فانه كانت له ms255 ~~رئاسة كندة وربيعة وقد عزله الامام عنها وجعلها لحسان ابن مخدوج ، وتكلم ~~جماعة مع الامام فى ارجاعه وعدم عزله فابى (1) وقد أثار ذلك كوامن الحقد في ~~نفسه على الامام وجعلته يتطلب الفرصة المواتية للانتقام وقد وجدها في تلك ~~الفترة الرهيبة ، ومن الخطأ أن يقال إنه انخدع بدعوة معاوية فانه ليس من ~~السذج والبسطاء حتى يخفى عليه الامر وعلى أي حال فقد جاء يشتد كأنه الكلب ~~نحو الامام وهو يقول : # « ما أرى الناس إلا قد رضوا ، وسرهم أن يجيبوا القوم الى ما دعوهم إليه ~~من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد؟ فنظرت ما يسأل. » # وأخذ يلح على الامام بان يوفده الى معاوية فامتنع من اجابته ولكنه اصر ~~عليه اصرارا شديدا فلم يجد «ع» بدا من إجابته ، فمضى وهو يحمل شارات الشر ~~والشقاء ، فقال لمعاوية : # « لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ » # فأجابه معاوية بالخداع والأباطيل قائلا : PageV01P459 # « لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عز وجل في كتابه ، تبعثون منكم رجلا ~~ترضون به ونبعث منا رجلا ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا ~~يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه. » # وانبرى مصدقا لمقالة معاوية : # « هذا هو الحق. » # وأغلب الظن ان معاوية مناه وارشاه لأنه كان يعلم بانحرافه عن أمير ~~المؤمنين ، وقد استجاب لدعوته وقفل راجعا الى الامام وهو ينادي بالتحكيم ، ~~فقال الامام (ع) له ولغيره من المعاندين الذين لا يجدون لذة سوى العناد ~~والتمرد : # « عباد الله ، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ، ولكن معاوية وعمرو بن ~~العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا ~~قرآن ، إني أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال ~~وشر رجال ، إنها كلمة حق يراد بها باطل. إنهم يعرفونها ولا يعملون بها ، ~~وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة ، اعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة ، ~~فقد بلغ الحق مقطعه ، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا. ». # لقد اعرب (ع) في كلامه كذب ما يدعيه معاويه من الانقياد ms256 إلى كتاب الله ، ~~وأبان لهم عن غيهم وتمردهم عن الدين فهو أدرى بهم من غيره ، ولكن ذلك ~~المجتمع الهزيل لم يذعن لكلام الامام واعار حديثه أذنا صماء ، فقد انبرى ~~إليه زهاء أثنى عشر الفا من الذين يظهرون القداسة والدين وهم لا يفهمون ~~منهما شيئا فخاطبوه باسمه الصريح منذرين ومتوعدين إن لم يخضع لما يرومونه ~~قائلين : PageV01P460 # « يا علي .. أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه ، وإلا قتلناك كما ~~قتلنا ابن عفان ، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم. » # فأجابهم عليه السلام # « ويحكم ، أنا أول من دعا الى كتاب الله ، وأول من أجاب إليه وليس يحل لى ~~ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله ، إني إنما أقاتلهم ~~ليدينوا بحكم القرآن ، فانهم قد عصوا الله فيما أمرهم ، ونقضوا عهده ونبذوا ~~كتابه ، ولكن قد اعلمتكم أنهم قد كادوكم ، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن ~~يريدون. » # وكلما حاول الامام إقناعهم وإفهامهم بشتى الاساليب بأنها خديعة بعد فشلهم ~~وعجزهم عن المقاومة فلم يتمكن ، وأخذوا يصرون عليه بأن يأمر قائده الأشتر ~~بالانسحاب عن ساحة الحرب. # ورأى الامام الشرفي وجوههم وقد اجمعوا على مناجزته واحاطوا به مهددين ~~ومنذرين فلم يجد (ع) بدا من إجابتهم فانفذ بالوقت الى الأشتر يزيد بن هانئ ~~يأمره بالانسحاب عن الحرب ، فلما انتهى الرسول الى الاشتر وبلغه رسالة ~~الامام ، انبرى الأشتر قائلا مقالة رجل تهمه مصلحة الأمة والنفع العام. # « قل لسيدى : ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، ~~إني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني. » # رجع الرسول الى الامام فأخبره بمقالة الحازم اليقظ ، وكانت إمارة الفتح ~~والظفر قد بدت على يده وأوشك أن ينتهى الأمر ، وارتفعت الأصوات من كتائب ~~جيشه معلنة بالفتح المبين ، فلما سمع هؤلاء المتمردون ذلك أحاطوا بالامام ~~قائلين له : PageV01P461 # والله ما نراك إلا امرته أن يقاتل. # أرأيتموني ساررت رسولى ( إليه )؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية ~~وانتم تسمعون. # فانطلقوا يهتفون بلسان واحد : # فابعث إليه فليأتيك ، وإلا فو الله اعتزلناك. # فأريع الامام منهم وقد ms257 أوشكوا أن يفتكوا به فقال (ع): # « ويحك يا يزيد ، قل له : اقبل إلى ، فان الفتنة قد وقعت!! » # فانطلق يزيد مسرعا إلى الأشتر فقال له : # « أقبل إلى أمير المؤمنين ، فان الفتنة قد وقعت. » # فقد قلب الأشتر فقال ليزيد والذهول باد عليه مستفهما عن مدرك هذه الفتنة ~~والانقلاب الذي وقع في الجيش : # الرفع هذه المصاحف؟ # نعم. # وقال الأشتر مصدقا تنبؤ نفسه وحدسها في وقوع هذا الانقلاب : « أما والله ~~لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة ، إنها مشورة ابن العاهرة ، ثم ~~التفت الى الرسول والألم يحز في نفسه. # « ألا ترى إلى الفتح ، ألا ترى الى ما يلقون ، ألا ترى الى الذي يصنع ~~الله لنا ، أينبغى أن ندع هذا وننصرف عنه؟. » # فانطلق يزيد يخبره بحراجة الموقف والاخطار التي تحف بالامام قائلا : # أتحب أنك ظفرت هاهنا ، وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ~~ويسلم الى عدوه؟ # سبحان الله. لا والله ما احب ذلك. PageV01P462 # فانهم قالوا : لترسلن الى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا ~~ابن عفان ، أو لنسلمنك الى عدوك. # فقفل الأشتر راجعا إلى الامام والحزن قد استولى عليه لضياع أمله المنشود ~~، فقد ظفر بالفتح واهريقت دماء جيشه حتى اشرف على النهاية وإذا بتلك ~~المتاعب والجهود تذهب سدى لمكر ابن العاص ، وخاطب اولئك الاراذل بشدة ~~وصرامه منددا بهم قائلا : # « يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا ~~المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة ~~من أنزلت عليه ، فلا تجيبوهم ، أمهلوني فواقا ، فاني قد أحسست بالفتح. » # فانطلق هؤلاء المتمردون مظهرين له الغي والعناد قائلين بلسان واحد « لا. لا. » # امهلوني عدوة الفرس ، فاني قد طمعت في النصر. # إذن ندخل معك في خطيئتك. # وانبرى الأشتر يحاججهم ويقيم لهم الأدلة على خطل رأيهم وبعدهم عن الصواب ~~حدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم متى كنتم محقين ، أحين كنتم ~~تقتلون أهل الشام ، فانتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون ، أم انتم الآن ~~فى إمساككم عن القتال ms258 محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا ~~خيرا منكم ، في النار. » # ولم يجد هذا الكلام المشفوع بالأدلة معهم شيئا فأجابوه : # « دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله ، إنا لسنا ~~نطيعك فاجتنبنا » PageV01P463 # فقال لهم الاشتر : # « خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم الى وضع الحرب فأجبتم ، يا اصحاب الجباه ~~السود ، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله فلا أرى ~~فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ، ألا فقبحا يا اشباه النيب الجلالة ما ~~أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. » # وما انهى الأشتر كلامه حتى اقبلوا عليه يكيلون له أصواعا من السب والشتم ~~، فقابلهم بالمثل والتفت الى الامام بحماس قائلا : # « يا أمير المؤمنين. احمل الصف على الصف يصرع القوم. » # ولم يجبه الامام وأطرق برأسه وهو يفكر فى العاقبة المرة التي جرها هؤلاء ~~المتمردون على الأمة ، وقد اتخذ هؤلاء سكوته رضى منه بالأمر فهتفوا : # « إن عليا أمير المؤمنين. قد رضى الحكومة ، ورضى بحكم القرآن » ولم يسع ~~الامام الا الرضا كما لم يسع الأشتر إلا الاذعان والقبول فقال : # « إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضى بحكم القرآن فقد رضيت بما رضى به ~~أمير المؤمنين. » # فانبروا يهتفون : # « رضى أمير المؤمنين. رضى أمير المؤمنين. » # والامام (ع) ساكت لا يجيبهم بشيء قد استولى عليه الهم والحزن لأنه ينظر ~~الى جيشه قد فتكت به ومزقته حيلة ابن العاص ، وليس بوسعه اصلاحهم وارجاعهم ~~إلى طريق الحق والصواب ، فانه لم يكن له نفوذ وسلطان عليهم كما أعرب (ع) عن ~~ذلك بقوله : # « لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا. وكنت أمس PageV01P464 # ناهيا فأصبحت اليوم منهيا » (1) ### || انتخاب الاشعرى : # ولم تقف محنة الامام وبلاؤه في جيشه على هذا التمرد ، وإنما أخذوا يسعون ~~جاهدين للاطاحة بحكومته فقد اصروا عليه في ترشيح عدوه الخبيث أبي موسى ~~الأشعرى ، وانتخابه للتحكيم ، وعدم الرضا بغيره ممن رشحه الامام كابن عباس ~~ومالك الأشتر وغيرهما من ذوي البصيرة والرأي ، والسبب في ذلك انهم يعلمون ~~بانحراف الاشعرى عن أمير المؤمنين فاذا تولى ms259 مهمة التحكيم فانه لابه أن ~~يختار للخلافة غير الامام ، ويذهب الدكتور طه حسين إلى ان اصرارهم لم يأت ~~مصادفة وانما كان عن مؤامرة وتدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب على وأصحاب ~~معاوية جميعا (2) وعلى أي حال فقد أحاطوا بالامام يهتفون : # « إنا رضينا بأبى موسى الاشعرى. » # فزجرهم الامام ونهاهم عن انتخابه قائلا : # « إنكم قد عصيتموني في أول الامر. فلا تعصوني الآن ، إني لا أرى أن أولى ~~أبا موسى!! » # ولم يجد معهم نصح الامام شيئا وانما أخذوا يلحون عليه قائلين : # « لا نرضى إلا به ، فما كان يحذرنا وقعنا فيه » # وأخذ الامام يبين لهم الوجه في كراهيته له قائلا لهم : # « إنه ليس لي بثقة ، قد فارقني وخذل الناس عني ، ثم هرب مني PageV01P465 # حتى آمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك .. » # فلم يقنعوا واصروا على غيهم وجهلهم قائلين : # « ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس ، لا نريد إلا رجلا هو منك ، ومن معاوية ~~سواء ليس الى واحد منكما بادنى منه الى الآخر .. » # فدلهم الامام على الاشتر فانه ليس رحما له فردوا عليه قائلين : # « وهل سعر الأرض غير الأشتر!! » # ولم يجد الامام بعد هذه المحاورة وسيلة يسلكها في اقناعهم فاطلق سراحهم ~~وخلى بينهم وبين جهلهم وأصبحت الأمور بيد هؤلاء العصاة المتمردين. ### || وثيقة التحكيم : # وتسابق القوم الى تسجيل ما يرومونه في وثيقة التحكيم وهذا نصها كما رواها ~~الطبرى : # بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ، ومعاوية ~~بن أبي سفيان ، قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين ~~والمسلمين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين ~~والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره ، وان ~~كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته الى خاتمته نحيي ما احيا ونميت ما امات ~~فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل. وهما أبو موسى الاشعرى عبد الله بن ~~قيس وعمرو بن العاص القرشي ، عملا به وما لم يجدا في كتاب الله عز ms260 وجل ~~فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة ، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن ~~الجندين من العهود والميثاق والثقة PageV01P466 # من الناس انهما آمنان على انفسهما وأهلهما ، والامة لهما انصار على الذي ~~يتقاضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله ~~وميثاقه ، إنا على ما في هذه الصحيفة وان قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان ~~الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم ~~وأموالهم وشاهدهم وغائبهم ، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله ~~وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا ، ~~وأجل القضاء الى رمضان ، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن ~~توفي أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة ~~والقسط ، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل ~~الشام وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكمان من ارادا ~~من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم انصار على من ترك ~~ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما ، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ~~ما في هذه الصحيفة » (1) # وسجل فريق من زعماء العراق والشام شهادتهم في هذه الوثيقة ، وتدل بنصها ~~الصريح على عدم اهتمام معاوية وحزبه بدم عثمان ولو كان لهم إرب في ذلك لجاء ~~ذكر قتله فيها صريحا أو ضمنا. # لقد أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل عثمان فنشروا ثيابه على منبر دمشق ، ~~وهم يبكون على مصابه وأثاروا هذه الحرب من أجل المطالبة بدمه ، فما بالهم ~~لم يتعرضوا له في وثيقة التحكيم ، ولم يذكروه بقليل ولا كثير. # وعلى أي حال فقد حفلت هذه الصحيفة بتحقيق رغبات الاشعث PageV01P467 # وسائر ذوي الاطماع والمنحرفين من قومه لأنه قد تم لهم ما أرادوا من تفلل ~~الجيش العراقي وانقلابه وتغلب القوى الباغية على قوى الحق والاسلام ### || انبثاق الفكرة الحرورية : # واعقبت مهزلة رفع المصاحف انبثاق الفكرة الثورية الهدامة وهي فكرة ~~الخوارج التي لم يكن الباعث لها الا ms261 التماس المصالح الدنيوية ، والسعي وراء ~~النفوذ والسلطان ، وتحقيق المطامع الشخصية الرخيصة ، وقد اتخذوا « الحكم ~~لله » شعارا لهم ، ولكنهم سرعان ما جعلوا الحكم للسيف وذلك بما أراقوه من ~~دماء الابرياء ونشر الذعر والخوف بين المسلمين ، وكان سمتهم الذي اتصفوا به ~~هو اعلان البغي والتمرد ، والحكم بالكفر على من لا يدين بفكرتهم واباحة ~~دماء المسلمين ، وقد تظافرت الاخبار الواردة عن النبي (ص) بكفرهم ومروقهم ~~من الاسلام قال (ص): « سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه هم ~~شر الخلق والخليقة » (1) وروى أبو سعيد الخدري ان رسول الله (ص) أتاه مال ~~فجعل يضرب بيده فيه فيعطي يمينا وشمالا وفيهم رجل مقلص الثياب ذو سيماء بين ~~عينيه أثر السجود فجعل رسول الله يضرب يده يمينا وشمالا حتى نفد المال ، ~~فلما نفد المال ولى مدبرا ، وقال والله ما عدلت منذ اليوم ، قال فجعل رسول ~~الله (ص) يقلب كفه ويقول : إذا لم أعدل فمن يعدل بعدي؟ أما إنه ستمرق مارقة ~~يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه حتى PageV01P468 # يرجع السهم على فوقه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يحسنون القول ~~ويسيئون الفعل ، فمن لقيهم فليقاتلهم فمن قتلهم فله أفضل الأجر ، ومن قتلوه ~~فله أفضل الشهادة ، برىء الله منهم تقتلهم أولى الطائفتين بالحق (1) إلى ~~غير ذلك من الاخبار التي رواها الفريقان عن النبي (ص) فى خروجهم من الدين ~~ومروقهم عن الاسلام وهي تعد من معاجزه (ص) ومن آيات نبوته وذلك لما فيها من ~~انباء الغيب التي تحققت بعده وعلى أي حال فقد تكتل هؤلاء المارقون وانحازوا ~~إلى جانب آخر وهم ينادون بفكرتهم ، ويعلنون تمردهم ، ولما نزح الامام من ~~صفين الى الكوفة ، لم يدخلوا معه إليها وانحازوا الى ( حروراء ) (2) فنسبوا ~~إليها وكان عددهم اثني عشر الفا وقد اذن مؤذنهم ان أمير القتال شبث بن ربعي ~~التميمي وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري والأمر شورى بعد الفتح ، ~~والبيعة لله عز وجل ms262 والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ### || احتجاج ومناظرات : # واضطرب الامام من هؤلاء المارقين عن الدين فأرسل إليهم عبد الله ابن عباس ~~وأمره أن لا يخوض معهم في ميدان البحث والخصومة حتى يأتيه ولما اجتمع بهم ~~ابن عباس لم يجد بدا من الدخول معهم في مسرح البحث فقال لهم : # « ما نقمتم من الحكمين؟ وقد قال الله عز وجل : ( @QUR@06 إن يريدا إصلاحا ~~يوفق الله بينهما ) (3) فكيف بأمة محمد (ص)». PageV01P469 # فأجابه الخوارج : # « أما ما جعل حكمه الى الناس وأمر بالنظر فيه والاصلاح له فهو إليهم كما ~~أمر به ، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه ، حكم في الزاني مائة ~~جلدة ، وفي السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا فيه » واندفع ابن عباس ~~يجيبهم : # إن الله عز وجل يقول : ( @QUR@05 يحكم به ذوا عدل منكم ) (1) أو تجعل ~~الحكم في الصيد ، والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ ~~وهذه الآية بيننا وبينك ، أعدل عندك ابن العاص؟ وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك ~~دماءنا ، فان كان عدلا فلسنا بعدول ونحن اهل حربه وقد حكمتم في أمر الله ~~الرجال وقد امضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا ~~وقبل ذلك دعوناهم الى كتاب الله عز وجل فأبوه ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا ~~وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة وقد قطع الله الاستفاضة والموادعة ~~بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت ( براءة ) إلا من أقر بالجزية. # وبقى ابن عباس يحاججهم ويحاججونه ، لم تغن معهم شيئا الأدلة القطعية ~~والبراهين الحاسمة التي أقامها على خطل رأيهم. # ورحل الامام إليهم تصحبه زمرة من اصحابه ليناظر هؤلاء المارقين فانتهى ~~(ع) الى فسطاط يزيد بن قيس فدخل فيه وتوضأ وصلى ركعتين ثم اقبل نحو القوم ~~فرأى ابن عباس يناظرهم فزجره قائلا : : انته عن كلامهم ، ألم انهك رحمك ~~الله؟ ثم التفت الى القوم قائلا : # « اللهم. إن هذا مقام من افلج فيه كان اولى بالفلج يوم PageV01P470 # القيامة ، ومن نطق فيه وأوعث فهو في الآخرة اعمى واضل سبيلا ثم قال لهم : # من زعيمكم؟ # ابن الكواء ms263 # فوجه (ع) خطابه إليه وإليهم : # ما اخرجكم علينا؟ # حكومتكم يوم صفين # انشدكم بالله أتعلمون انهم حيث رفعوا المصاحف ، فقلتم نجيبهم الى كتاب ~~الله ، قلت لكم إني اعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا باصحاب دين ولا قرآن ، اني ~~صحبتهم وعرفتهم اطفالا ورجالا فكانوا شر اطفال وشر رجال ، امضوا على حقكم ~~وصدقكم فانما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة فرددتم على رأيي ~~وقلتم لا. بل نقبل منهم ، فقلت لكم اذكروا قولى لكم ومعصيتكم اياى ، فلما ~~ابيتم الا الكتاب اشترطت على الحكمين ان يحييا ما أحيا القرآن ، وأن يميتا ~~ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في ~~القرآن ، وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء # فدحضت هذه الحجة النيرة جميع ما تمسكوا به لاثبات فكرتهم الواهنة ~~واندفعوا بلين لا عسف فيه نحو الامام قائلين له : # اتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ # لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين ~~دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال. # فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ PageV01P471 # ليعلم الجاهل ، ويثبت العالم ، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة. # ورأى الامام (ع) منهم اذعانا لكلامه ومقاربة شديدة له ، فقال لهم : # « ادخلوا مصركم رحمكم الله » # فاجابوا الى ذلك ورحلوا عن آخرهم معه الى الكوفة ، ولكنهم بقوا على ~~فكرتهم يذيعونها بين الكوفيين وينشرون الشغب ويدعون الى البغي وقد شاع ~~أمرهم وقويت شوكتهم واندفع بعضهم الى الامام وهو يخطب فقطع عليه خطابه ~~تاليا قوله تعالى ( @QUR@07 لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) ~~(1) فأجابه الامام بآية اخرى ( @QUR@010 فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون ) (2) # وجعل الأمر يمعن في الفساد بين الامام وبين هؤلاء المارقين ، فقد أخذوا ~~يتعرضون للآمنين ، وينشرون الرعب والفزع فى البلاد الأمر الذي أوجب اضطراب ~~الامن العام وشيوع الخوف بين جميع المواطنين. ### || اجتماع الحكمين : # واسترد معاوية قواه واحكم أمره بعد الانهيار الذي أصابه ، وقد أوفد الى ~~الامام رسله يستنجزه الوفاء بالتحكيم ، ويطلب ms264 منه المبادرة باجتماع الحكمين ~~، وانما بادر لذلك لعلمه بالفتن والخطوب التي منى بها الجيش العراقي حتى ~~تفرق الى طوائف وأحزاب يضاف الى ذلك علمه بانحراف ابي موسى الاشعرى عن ~~الامام ، وقد أراد أن يحوز بذلك الى PageV01P472 # نصره نصرا ، وقد اجابه الامام (ع) الى ذلك وانفذ اربع مائة رجل عليهم ~~شريح بن هانى الحارثي (1) ومعهم عبد الله بن عباس يصلى بهم ويلي أمورهم : ~~ومن بينهم ابو موسى الأشعرى المنتخب للتحكيم ، وكذلك فعل معاوية فأشخص عمرو ~~بن العاص ومعه اربع مائة شخص ، وزوده بدراسة وافية عن نفسية الخامل أبي ~~موسى قائلا : # « إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأى فلا ترمه بعقلك كله » (2) # وسارت الكتائب فانتهت الى أذرح (3) أو دومة الجندل (4) |ابوك تلافى الدين والناس بعد ما||تساءوا وبيت الدين منقطع الكسر| |فشد إصار الدين ايام اذرح||ورد حروبا قد لقحن الى عقر| PageV01P473 # فكان هناك الاجتماع والتحكيم ، واجتمع الماكر المخادع عمرو بن العاص ~~بضعيف العقل الخامل ابي موسى ، فأمهله ثلاثة ايام وافرد له مكانا خاصا به ~~وجعل يقدم له ما لذ من الطعام والشراب ولم يفتح معه الحديث حتى استبطنه ~~وارشاه ، ولما علم بأنه قد هيمن عليه وصار زمامه بيده أخذ يحدثه بانخفاض ~~ولين مبديا له الاكبار والتقديس والتعظيم قائلا له : # « يا أبا موسى .. انك شيخ اصحاب محمد (ص) وذو فضلها ، |رضينا بحكم الله فى كل موطن||وعمرو وعبد الله مختلفان| |فليس بهادى امة من ضلالة||بدومة شيخا فتنة عميان| |بكت عين من يبكى ابن عفان بعد ما||نفا ورق الفرقان كل مكان| |ثوى تاركا للحق متبع الهوى||ووارث حزنا لاحقا بطعان| |كلا الفتنتين كان حيا وميتا||يكادان لو لا القتل يشتبهان| PageV01P474 # وذو سابقتها ، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الامة من الفتنة العمياء التي لا ~~بقاء معها ، فهل لك ان تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها ، فانه ~~يقول : في نفس واحدة. ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا ، فكيف بمن احيا ~~انفس هذا الخلق كله. » # ومتى كان ابو موسى شيخ ms265 صحابة النبي ومن ذوي الفضائل والسوابق في الاسلام ~~،؟!! وقد لعبت هذه الكلمات في نفسه فطفق يسأل عن الكيفية التي يحسم بها ~~النزاع قائلا : كيف ذلك؟ # « تخلع أنت على بن ابي طالب ، واخلع انا معاوية بن ابي سفيان ونختار لهذه ~~الامة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة ولم يغمس يده فيها » فبادره ابو موسى ~~عن الشخص الذي يرشح لكرسى الخلافة قائلا : # « ومن يكون ذلك؟ » # وكان عمرو قد فهم ميول ابي موسى واتجاهه نحو عبد الله بن عمر فقال له : # « انه عبد الله بن عمر. » # واستر الاشعري بذلك اى سرور واندفع إليه يطلب منه المواثيق على وفائه بما ~~قال ، قائلا له : # كيف لى بالوثيقة منك؟ # يا أبا موسى .. الا بذكر الله تطمئن القلوب ، خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى. # ثم انبرى يكيل له العهود والمواثيق والايمان المغلظة ، حتى لم يبق يمين ~~او شيء مقدس إلا واقسم به على الوفاء والالتزام بما قال ، وبقى الشيخ ~~الكبير السن الصغير العقل مبهورا بهذه اللباقة التي ابداها ابن العاص ~~فأجابه بالرضا والقبول ، واذيع بين المجتمع اتفاقهما ، والوقت الذي يكون PageV01P475 # فيه الاجتماع. # وأقبلت الساعة الرهيبة التي تغير فيها مجرى التأريخ ، فاجتمعت الجماهير ~~لتأخذ النتيجة الحاسمة من هذا التحكيم المنتظر بفارغ الصبر ، فأقبل الخاتل ~~ابن العاص مع أبي موسى المخدوع الى منصة الخطابة ليعلنا للجماهير الصورة ~~التي اتفقا عليها ، فالتفت ابن العاص الى أبي موسى قائلا : # قم فاخطب الناس ، يا أبا موسى. # قم. أنت فاخطبهم. # سبحان الله أنا اتقدمك ، وأنت شيخ أصحاب رسول الله والله لا فعلت ذلك أبدا. # أفي نفسك شيء؟ # فزاده أيمانا مغلظة على الالتزام بالعهد الذي أعطاه له (1) وعرف ابن عباس ~~هذه المخادعة من ابن العاص وتجلت له الحيلة التي يرومها هذا الماكر فالتفت ~~الى الأشعري قائلا : # « ويحك والله ، إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه ~~فليتكلم بذلك الأمر قبلك ، ثم تكلم أنت بعده ، فان عمرو رجل غادر ولا آمن ~~من أن يكون قد اعطاك الرضا فيما بينك وبينه فاذا ms266 قمت فى الناس خالفك » (2). # فلم يلتفت الصعلوك الى كلام ابن عباس وراح يشتد كأنه الحمار نحو منصة ~~الخطابة فلما استوى عليها ، حمد الله واثنى عليه وصلى على النبي الكريم ، ~~ثم قال : PageV01P476 # « أيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن ~~والصلاح ولم الشعث وحقن الدماء وجمع الالفة ، خلعنا عليا ومعاوية وقد خلعت ~~عليا كما خلعت عمامتى هذه ( وأهوى الى عمامته فخلعها ) واستخلفنا رجلا قد ~~صحب رسول الله (ص) بنفسه وصحب أبوه النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فبرز في ~~سابقته وهو عبد الله بن عمر ». # وأخذ يثنى عليه بالثناء العاطر ويخلع عليه النعوت الحسنة والأوصاف ~~الشريفة. # وقد عدل الاشعري عن انتخاب الامام أمير المؤمنين وهو نفس النبي وباب ~~مدينة علمه فرشح عبد الله بن عمر وهو لا يحسن طلاق زوجته على حد تعبير أبيه ~~أف للزمان وتعسا للدهر أن يتحكم فى المسلمين ويفرض رأيه عليهم مثل هذا ~~الصعلوك النذل ، وعلى اى حال فقد انبرى ابن العاص فحمد الله واثنى عليه ~~وصلى على النبي (ص) ثم قال : # « أيها الناس ، إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليا واخرجه من هذا ~~الأمر الذي يطلب ، وهو اعلم به ، ألا وإنى خلعت عليا معه وأثبت معاوية على ~~وعليكم ، وإن أبا موسى قد كتب فى الصحيفة (1) إن عثمان قد قتل مظلوما شهيدا ~~وإن لوليه أن يطلب بدمه حيث كان ، وقد صحب معاوية رسول الله (ص) بنفسه ، ~~وصحب أبوه النبي وأخذ يفيض عليه بالثناء والمديح ، ثم قال : هو الخليفة ~~علينا ، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان. # وانطلق الخامل المخدوع أبو موسى الى ابن العاص قائلا : PageV01P477 # « ما لك؟ عليك لعنة الله! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث. » # فزجره ابن العاص بعد أن جعله جسرا فعبر عليه ، قائلا له : # « لكنك مثل الحمار يحمل اسفارا » (1) # نعم هما كلب وحمار وقد احسن كل منهما فى وصف صاحبه ، وانطلق أبو موسى الى ~~مكة يصحب معه الخزي والعار بعد ما أحدث هذه الفتنة العمياء والفتق الذي لا ms267 ~~يرتق وترك إمام الحق يئن من جراء حكمه المهزول ، وقد سجل للعراقيين بتحكيمه ~~عارا وخزيا لا ينساه التأريخ ، وقد اكثر الشعراء فى الهجاء المقذع لهم فمن ~~ذلك ما قاله أيمن بن خريم الأسدي (2): # لو كان للقوم رأي يعصمون به %~% من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل %~% ما مثله لفصال الخطب فى الناس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن %~% لم يدر ما ضرب اخماس لأسداس إن يخل عمرو به يقذفه في لجج %~% يهوى به النجم تيسا بين أتياس ابلغ لديك عليا غير عاتبه %~% قول امرئ لا يرى بالحق من باس ما الأشعري بمامون ، أبا حسن %~% فاعلم هديت وليس العجز كالراس فاصدم بصاحبك الادنى زعيمهم %~% إن ابن عمك عباس هو الآسى # لقد سجل العراقيون فى تأريخهم صفحات من الخزي بانتخابهم لأبي موسى الخامل ~~الرأي ، الضعيف العقل الذي لم يمتع به النظر ، ولا باصالة في التفكير ، ~~فكيف ينتخبونه ليقرر مصيرهم ومصير الاجيال اللاحقة؟ PageV01P478 ### || خطاب الامام الحسن : # ولما أذيع الخبر المؤلم بين العراقيين في خلع أبي موسى للامام زادت ~~الفتنة ، وكثر الاختلاف والانشقاق بينهم ، وجعل بعضهم يتبرأ من بعض ويشتم ~~بعضهم بعضا ، ورأى الامام أن خطورة الموقف تقضي بأن يقوم تفر من أهل بيته ~~فيخطب بين الناس ليوقفهم على حقيقة الحال ويبين لهم فساد التحكيم ، فقال ~~للحسن : قم يا بني. فقل في هذين الرجلين عبد الله ابن قيس ، وعمرو بن العاص ~~فقام الحسن فاعتلى أعواد المنبر فقال : # « أيها الناس. قد أكثرتم في هذين الرجلين ، وإنما بعثا ليحكما بالكتاب ~~على الهوى ، فحكما بالهوى على الكتاب ، ومن كان هكذا لم يسم حكما ولكنه ~~محكوم عليه ، وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله ابن عمر فأخطأ ~~في ثلاث خصال ، واحدة انه خالف ( يعني ابا موسى ) أباه ( يعني عمر ) إذ لم ~~يرضه لها ولا جعله من اهل الشورى واخرى إنه لم يستأمره في نفسه (1) وثالثها ~~: إنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الامارة ويحكمون بها ~~على الناس. وأما الحكومة فقد حكم ms268 النبي (ص) سعد بن معاذ (2) في بني قريضة ~~فحكم بما يرضى الله به ، PageV01P479 # ولا شك لو خالف لم يرضه رسول الله «ص» ثم نزل عن منصة الخطابة. |لبث قليلا يلحق الهيجا جمل||لا بأس بالموت إذا حان الاجل| # فالتفتت إليه أمه قائلة الحق يا بنى قد والله اخرت ، واصابه فى ذلك اليوم ~~سهم فقطع اكحله ، ولما اذعن بنو قريظة على النزول على حكم سعد جاء وهو جريح ~~، فقال النبي (ص) لاصحابه قوموا الى سيدكم او خيركم فلما حل بالمجلس قال ~~رسول الله له : يا سعد احكم فيهم فقال سعد حكمت فيهم ان تقتل مقاتلهم وتسبى ~~ذراريهم فقال (ص) حكمت فيهم بحكم الله : ولما فرغ من التحكيم انفجر جرحه ~~فاحتضنه رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فجعلت الدماء تسيل عليه وقبض من ~~جرحه ، وبكى عليه رسول الله ومشيخة الصحابة وقالت أمه راثية له : |ويل أم سعد سعدا||براعة ونجدا| |ويل أم سعد سعدا||صرامة وجدا| # فلما سمع النبي رثاءها قال : إن كل نادبة كاذبة إلا نادبة سعد ، جاء ذلك ~~فى اسد الغابة ج 2 ص 296. PageV01P480 # لقد ذكر الحسن في خطابه الرائع أهم النقاط الحساسة التي هي محور النزاع ~~ومصدر الفتنة فأشبعها بالتفصيل وبين جلية الحال للجموع الحاشدة حتى لم يترك ~~ثغرة ينفذ منها المتمردون إلا وسدها في وجوههم فأبان (ع) أن المختار ~~للتحكيم إنما يتبع قوله ويكون رأيه فيصلا للخصومة فيما إذا حكم بالحق ولم ~~يخضع للنزعات والأهواء الفاسدة ، وأبو موسى لم يكن في تحكيمه هذا خاضعا ~~للحق بل اتبع هواه وميوله فرشح عبد الله ابن عمر للخلافة مع أن أباه كان لا ~~يراه أهلها ولو كان يراه اهلا للخلافة لرشحه لها او جعله من اعضاء الشورى ~~مضا الى أن الشرط الأساسي في الانتخاب هو أن يجتمع على المنتخب المهاجرون ~~والأنصار ولم يحصل ذلك له ، وأعرب (ع) في خطابه عن مشروعية التحكيم الامر ~~الذي أنكرته الخوارج مستدلا على ذلك بتحكيم النبي (ص) لسعد بن معاذ في بني ~~قريظة ، ولو كان التحكيم ms269 غير مشروع لما ارتكبه الرسول الأعظم (ص). # وقام بعد الحسن عبد الله بن عباس فحمد الله واثنى عليه وقال : # « أيها الناس. إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا ، والناس بين راض به ~~، وراغب عنه وإنما سار أبو موسى يهدى الى ضلال ، وسار عمرو بضلال إلى هدى ، ~~فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ، ومضى عمر على ضلاله ، فو الله لو كانا ~~حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه ، ولئن كانا حكما بهواهما على القرآن ، ~~ولئن مسكا بما سارا به ، لقد سار أبو موسى وعلى إمامه وسار عمرو ومعاوية ~~إمامه ». # ولما انهى خطابه أمر الامام عبد الله بن جعفر أن يخطب فتقدم عبد الله ~~فصعد المنبر فقال : # « أيها الناس. هذا أمر كان النظر فيه لعلى. والرضا فيه الى غيره PageV01P481 # جئتم بأبي موسى ، فقلتم قد رضينا هذا فارض به ، وأيم الله ما أصلحا بما ~~فعلا الشام ، ولا أفسدا العراق ، ولا اماتا حق علي ، ولا أحييا باطل معاوية ~~، ولا يذهب الحق قلة رأى ، ولا نفخة شيطان ، وانا لعلى اليوم كما كنا أمس ~~عليه » ثم نزل عن المنبر (1) وقد استجاب الناس لندائهم وارتدع الكثيرون ~~منهم عن الغي والتمرد. ### || تمرد الخوارج : # ولما فشل أمر التحكيم ورجع الوفد الكوفي وهو يجر رداء الخيبة والفشل أخذ ~~الامام يبذل قصارى جهوده على إخراج الناس لمحاربة القوى الباغية عليه ~~فأجابه الناس الى ذلك ، ولكن الخوارج أخذوا يعيثون في الارض فسادا فقد ~~رحلوا عن الكوفة وعسكروا في النهروان (2) فاجتاز PageV01P482 # عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت (1) فأقبلوا إليه قائلين له : # من أنت؟ # رجل مؤمن. # ما تقول في على بن أبي طالب؟ # إنه أمير المؤمنين ، وأول المسلمين إيمانا بالله ورسوله. # ما اسمك؟ # عبد الله بن خباب بن الارت صاحب رسول الله. # أفزعناك؟ # نعم. # لا روع عليك. # حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله ، لعل الله أن ينفعنا به. PageV01P483 # نعم حدثني عن رسول الله (ص) أنه قال : ستكون فتنة بعدى يموت فيها قلب ~~الرجل كما يموت بدنه ، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا. ms270 # لهذا الحديث سألناك؟ والله لنقتلنك قتلة ما قتلنا بمثلها احدا. # ثم أوثقوه كتافا ، واقبلوا به وبامرأته وكانت حبلى قد اشرفت على الولادة ~~، فنزلوا بهما تحت نخل ، فسقطت رطبة منها فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه ~~، فأقبل إليه بعضهم منكرا عليه قائلا : # « بغير حل أكلتها!! » # فالقاها بالوقت من فيه ، واخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمة ~~فقتله ، فصاح بعضهم فيه : # « إن هذا من الفساد في الأرض. » # فبادر الرجل الى صاحب الخنزير فأرضاه ، فلما نظر الى ذلك عبد الله ابن ~~خباب قال لهم : # « لئن كنتم صادقين فيما أرى ، ما علي منكم بأس ، وو الله ما احدثت حدثا ~~في الاسلام ، وإني لمؤمن ، وقد آمنتموني ، وقلتم لا روع عليك » فلم يلتفتوا ~~الى قوله ، فجاءوا به وبامرأته ، فأضجعوه على شفير النهر ووضعوه على ذلك ~~الخنزير الذي قتلوه ، ثم ذبحوه ، وأقبلوا الى امرأته وهي ترتعد من الخوف ~~ترى شبح الموت قد خيم عليها وتنظر الى زوجها وهو جثة هامدة فقالت لهم ~~مسترحمة ومتضرعة : # « إنما أنا امرأة ، أما تتقون الله؟ » # فلم يعتنوا باسترحامها وتضرعها ، وأقبلوا عليها كالكلاب فقتلوها وبقروا ~~بطنها ، وانعطفوا على ثلاث نسوة فقتلوهن وفيهن أم سنان الصيداوية وكانت قد ~~صحبت النبي (ص)، ولم يقف شرهم عند هذا الحد بل أخذوا PageV01P484 # يستعرضون الناس ، ويذيعون الذعر بين المسلمين وينشرون الفساد في الارض ### || واقعة النهروان : # وأرسل الامام الى الخوارج الحارث بن مرة العبدى يسألهم عن ترويعهم ~~للآمنين ونشرهم للخوف وعن الفساد الذي أحدثوه فى الأرض ، فحينما انتهى ~~إليهم قتلوه ، ولما جاء خبر قتله الى الامام قام إليه فريق من اصحابه ~~فقالوا له : # « يا أمير المؤمنين ، علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في اموالنا وعيالنا ~~، سربنا الى القوم فاذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا الى عدونا من أهل ~~الشام ». # فاستصوب الامام رأيهم ورأى ان الخطر الناجم من هؤلاء أشد وأعظم من خطر ~~معاوية وذلك لقربهم من عاصمته وهم لا شك سيحدثون الاضطراب والقلق فيما لو ~~نزح لجرب معاوية فأزمع الامام على الرحيل إليهم ونادى مناديه في الجيش : # « الرحيل ، عباد ms271 الله ، الرحيل. » # وتحركت قوات الامام تحدوها العقيدة الى محاربة هؤلاء المارقين عن الدين ~~والعابثين بالأمن فلما انتهوا إليهم بعث الامام لهم رسولا يطلب منهم قتلة ~~عبد الله بن خباب ومن كان معه وقتلة رسوله الحارث بن مرة ، فاندفعوا مجيبين ~~بجواب واحد. # « إنا كلنا قتلناهم ، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم. » # فأقبل (ع) بنفسه إليهم فوجه لهم خطابا مشفوعا بالنصح والارشاد وحب الخير ~~قائلا : PageV01P485 # « أيتها العصابة ، إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا ، وانتم صرعى ~~بازاء هذا النهر بغير برهان ولا سنة ، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة ، ~~واخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة ، وانبأتكم ان القوم ليسوا بأصحاب دين ولا ~~قرآن ، وأني أعرف بهم منكم ، قد عرفتهم اطفالا ، وعرفتهم رجالا ، فهم شر ~~رجال ، وشر أطفال ، وهم أهل المكر والغدر ، وانكم إن فارقتموني ورأيى ~~جانبتم الخير والحزم ، فعصيتموني وأكرهتموني ، حتى حكمت ، فلما أن فعلت ~~شرطت واستوثقت ، واخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، وأن يميتا ما ~~أمات القرآن ، فاختلفا ، وخالفا حكم الكتاب والسنة ، وعملا بالهوى ، فنبذنا ~~أمرهم ، ونحن على أمرنا الاول ، فما نبؤكم ومن أين أتيتم؟ » # لقد بين (ع) فى خطابه اجبارهم وإكراههم له في بادئ الامر على التحكيم ، ~~وإنه ما قبله إلا وهو مكره مخاطر على حياته منهم ، وانه قد شرط على الحكمين ~~أن يحكما بما وافق كتاب الله وسنة نبيه ولما لم يحكما بذلك ولم يتبعا الحق ~~كان حكمهما مردودا ولكن هؤلاء العتاة الذين لم يفهموا من المنطق شيئا ~~اجابوا الامام بجواب دل على تماديهم في الجهل قائلين : # « .. إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك ، وكنا كافرين ، وقد تبنا من ذلك ~~، فان شهدت على نفسك بالكفر ، وتبت كما تبنا واشهدنا فنحن معك ومنك ، وإلا ~~فاعتزلنا ، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء » فأجابهم الامام منكرا عليهم ~~ذلك قائلا : # « أبعد إيماني بالله وهجرتي وجهادى مع رسول الله (ص)، أبوء وأشهد على ~~نفسي بالكفر ، لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ، ويحكم PageV01P486 # بم استحللتم قتالنا والخروج من جماعتنا إن اختار الناس رجلين ، فقالوا ms272 ~~لهما : انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل ، ويوضع آخر مكان آخر. أحل ~~لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم تضربون بها هامات الناس وتسفكون دماءهم ، ~~إن هذا لهو الخسران المبين » (1) # ولما علموا أنهم لا يستطيعون أن يناقشوا الامام في كلامه نادى بعضهم بعضا : # « لا تخاطبوهم ولا تكلموهم ، تهيئوا للقاء الحرب ، الرواح الرواح إلى ~~الجنة. » # ولما يئس الامام من ارشادهم وإرجاعهم الى طريق الحق عبأ جيشه وأمر بان لا ~~يبدءوهم بقتال حتى يقاتلوهم ، ولما نظر الخوارج الى هذا التهيؤ استعدوا ~~وتهيئوا ، وكانت نفوسهم مترعة بالشوق الى الحرب وقلوبهم تتحرق الى القتال ~~تحرق الظمآن الى الماء ، وهتف بعضهم فيهم : # « هل من رائح الى الجنة؟ » # فأجابوه جميعا الرواح الى الجنة ، ثم حملوا حملة منكرة وهم يهتفون ~~بشعارهم ( لا حكم إلا لله ) فانفرجت لهم خيل الامام فرقين ، فرق تمضي الى ~~الميمنة وفرق تمضي الى الميسرة ، والخوارج يندفعون بين الفريقين ، فتلقاهم ~~أصحاب الامام بالنبل وما هي إلا ساعة حتى قتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم الا ~~تسعة (2) PageV01P487 # ولما وضعت الحرب أوزارها طلب الامام من اصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية ~~(1) في القتلى فبحثوا عنه بحثا دقيقا فلم يظفروا به فعادوا إليه يخبرونه ~~بعدم ظفرهم به ، فأمرهم أن يلتمسوه له مرة اخرى قائلا : PageV01P488 # « ما كذبت ، ولا كذبت ، ويحكم!! التمسوا الرجل فانه في القتلى .. » # فانطلقوا يفتشون عنه ، فظفر به رجل من اصحابه بين القتلى ، فمضى يهرول ~~فأخبر الامام به فقال : « الله اكبر!! ما كذبت على محمد ، وإنه لناقص اليد ~~ليس فيها عظم في طرفها حلمة مثل ثدي المرأة عليها خمس شعرات أو سبع رءوسها ~~معقفة .. » # وأمر باحضار جثته ، فاحضرت له فتبين عضده فاذا على منكبه ثدى كثدي المرأة ~~وعليه شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الأخرى فاذا تركت عادت الى منكبه ، ~~فلما رأى ذلك خر لله ساجدا ، ثم قسم بين اصحابه سلاح الخوارج ودوابهم ، ورد ~~الأمتعة والعبيد الى أهليهم (1) وبذلك انتهت حادثة النهروان. ### || المتارك البغيضة : # واعقبت حادثة صفين والنهروان أعظم المحن والمشاكل واغرقت البلاد في ~~الاحداث ms273 والخطوب ، وقد اوجبت خذلان الامام وولده الحسن في دوره ، ونشير الى ~~بعضها : ### || 1 تمرد الجيش # لقد منى الجيش العراقي عقيب الحادثتين بالانشقاق والتمرد ، والضعف والسئم ~~من الحرب وسبب ذلك يرجع الى كثرة من قتل منه ، وان القتلى كانوا ينتمون الى ~~تلك الكتائب العسكرية فشاع فيها الحزن وانتشر الجزع والتذمر ، واصبح الجيش ~~على أثر ذلك يسأم من الحرب ، ويحب السلم ويؤثر العافية ، وقد ظهر ذلك بوضوح ~~حينما أراد الامام أن يزحف الى PageV01P489 # حرب معاوية عقيب حادثة النهروان فانهم لم يجيبوه الى ذلك ، وقد تصدى ~~الاشعث بن قيس الى جوابه فقال له : # « يا أمير المؤمنين .. نفذت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، ~~فارجع بنا الى مقرنا لنستعد بأحسن عدتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد فى ~~عددنا عدد من هلك منا ، فانه أوفى لنا على عدونا .. » # وعلى أثر كلام هذا الماكر الخبيث تسلل الجنود من معسكراتهم ، منهزمين ~~ولاذ من لاذ منهم بالمدن القريبة ، وأيقن الامام أنهم مارقون من يده ، ولا ~~طاعة له عليهم ، فاضطر الى الرجوع إلى عاصمته وبهذا نقف على مدى رغبة الجيش ~~في الاستسلام وسئمه من الحرب ، وكلما حاول الامام بعد ذلك بشتى الوسائل ~~والاساليب أن يقضى على هذا الانحلال والتمرد فلم يتمكن. ### || 2 فقده لأعلام أصحابه # وفقد الامام في صفين أهم أصحابه الذين يعتمد على اخلاصهم وايمانهم بقضيته ~~، وهم البقية الصالحة من المهاجرين والانصار الذين ناضلوا عن كرامة الاسلام ~~وشيدوا صروحه ، ولو كانوا في قيد الحياة لما حدث التفكك في جيشه ، وقد حزن ~~عليهم حزنا مرهقا ، وبكى عليهم أمر البكاء وقد تذكرهم وهو يخطب على منبر ~~الكوفة فصعد آهاته وبث زفراته وانطلق يقول : « ما ضر إخواننا الذين سفكت ~~دماؤهم بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص ويشربون الرنق (1)،! ~~قد والله لقوا الله فوفاهم اجورهم ، واحلهم دار الأمن بعد خوفهم ، اين ~~اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ، اين عمار ، واين ابن التيهان ~~(2) واين PageV01P490 # ذو الشهادتين (1) واين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على النية ، ~~وأبرد برءوسهم الى الفجرة؟! » # ثم وضع يده ms274 على كريمته الشريفة فأطال البكاء ثم قال : # « أوه (2) على إخواني الذين قرءوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا PageV01P491 # الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة ، وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ~~ووثقوا بالقائد فأتبعوه (1) # لقد ذابت نفسه أسى على فقده لهذه الصفوة التي عرفت مكانته ووعت أهدافه ، ~~وسارت على ضوء إرشاداته القيمة وتعاليمه الرفيعة حتى صارت أمثلة للكمال ~~والتهذيب والسمو ، ولما طحنت هؤلاء المثاليين حرب صفين صار الامام أعزلا لا ~~يجد أحدا في ذلك المجتمع الهزيل يسانده ويساعده على تحقيق ما يصبو إليه فى ~~هذه الحياة من إصلاح المجتمع ونشر ألوية العدالة والمساواة بين الناس ، .. ~~وأما خصمه معاوية فانه لم يخسر فى حرب صفين أحدا من بطانته والدهاة الذين ~~عنده بل انضم إليه جمع كثير من الذين باعوا ضمائرهم عليه حتى قوي أمره. ### || 3 الاحتلال والغزو # لقد درس معاوية نفسية الجيش العراقي ووقف على تخاذله وعدم انقياده للامام ~~فجعل يحتل الاقطار الاسلامية قطرا بعد قطر فبعث جيشا جرارا لاحتلال مصر ~~التي هي أمل ابن العاص وبغيته ، فاحتلها وقتل حاكمها الطيب محمد بن أبي بكر ~~قتلة مروعة ، والعراقيون متقاعسون عن إجابة الامام والنهوض معه الى رد هذا ~~العدوان. # وبعث جيشا آخر بقيادة الوغد الأثيم بسر بن أبي أرطاة (2) لاحتلال الحجاز ~~واليمن ، فتوجه القائد القاسي الى المدينة وكان حاكمها أبا أيوب PageV01P492 # الأنصاري (1) فهرب وقد استولى عليه الخوف ، ودخل بسر الى المدينة |أفي كل يوم فارس ليس ينتهي||وعورته وسط العجاجة باديه| |يكف لها عنه على سنانه||ويضحك منها فى الخلاء معاويه| |بدت امس من عمرو فقنع راسه||وعورة بسر مثلها حذو حاذيه| |فقولا لعمرو ثم بسر الا انظرا||سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه| |ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما||هما كانتا والله للنفس واقيه| |ولولاهما لم تنجوا من سنانه||وتلك بما فيها عن العود ناهيه| |متى تلقيا الخيل المشيحة صبحة||وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه| |وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا||نحور كما ان التجارب كافيه| # وقد خرف فى آخر عمره ومات بالمدينة ، وقيل بل مات بالشام في بقية ايام ms275 ~~معاوية الاستيعاب 1 / 154 163. PageV01P493 # فأدخل الرعب والخوف في القلوب ، وخطب الناس فكان خطابه حافلا بالجفاء ~~والغلظة والقسوة فمن جملة خطابه. # « يا أهل المدينة ، والله لو لا ما عهد الي معاوية ما تركت بها محتلما ~~إلا قتلته. » # ولما انهى هذا الأثيم أمر المدينة توجه إلى مكة فاحتلها ، وأخذ البيعة من ~~أهلها قسرا ، ثم انعطف بعد ذلك الى اليمن وكان واليها عبيد الله ابن العباس ~~فانهزم بنفسه ناجيا من شره قاصدا نحو الكوفة ليعرف الامام بذلك ولما دخل ~~بسر الى اليمن أخذ البيعة من أهلها ، وفتش عن طفلين لعبيد الله فلما ظفر ~~بهما قتلهما (1) ولما انتهى خبرهما الى امهما ضاقت بها الدنيا وأكلها الحزن ~~وبرى البكاء عينيها ، فكان الحزن والجزع لها غذاء وشرابا حتى فقدت شعورها ~~وقد رثتهما بذوب روحها قائلة : # يا من احس بابني اللذين هما %~% كالدرتين تشطى عنهما الصدف يا من أحس بابني اللذين هما %~% قلبي وسمعي ، فقلبي اليوم مختطف من ذل والهة حيرى مدلهة %~% على صبيين ذلا : إذ غدا السلف خبرت بسرا وما صدقت ما زعموا %~% من افكهم ومن القول الذي اقترفوا أنحى على ودجى ابني مرهفة %~% مشحوذة وكذاك الأثم يقترف (2) # ولما انتهت الأنباء المريعة الى الامام أقبل الى اصحابه وانمسه المقدسة ~~ملؤها اللوعة والاستياء على هذا التمرد الناشب فى جيشه فخطب فيهم فمن جملة ~~خطابه قوله : PageV01P494 # « أنبئت بسرا قد اطلع اليمن (1) وانى والله لأظن ان هؤلاء القوم سيدالون ~~(2) منكم ، باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم امامكم في ~~الحق ، وطاعتهم امامهم في الباطل ، وبأدائهم الامانة الى صاحبهم وخيانتكم ، ~~وبصلاحهم فى بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب (3) لخشيت أن يذهب ~~بعلاقته (4)! اللهم اني قد مللتهم وسئمتهم وسئموني فابدلني بهم خيرا منهم ~~وابدلهم بي شرا مني ، اللهم مث في قلوبهم كما يماث الملح في الماء (5) أما ~~والله لوددت ان لي الف فارس من بني فرس ابن غنم (6): # هنالك ، لو دعوت ، أتاك منهم %~% فوارس مثل أرمية الحميم # ثم نزل (ع) عن المنبر (7) وبهذا الخطاب نقف على مدى فساد جيشه وخيانته ms276 ، ~~ولا عجب في رفض الامام الحسن له والتخلية بينه وبين معاوية فان شعبا لا ~~يساند الحق ولا يدافع عن كرامته لجدير بأن يكون لقمة سائغة لذوي الأطماع ~~والأهواء. PageV01P495 # ولم يكتف معاوية بذلك فأرسل جيشا جرارا بقيادة سفيان بن عوف للاغارة على ~~أهل العراق في عقر دارهم فغزى جيشه هيت (1) والانبار (2) وقد أوقع بنفوس ~~اهليهما قتلا فظيعا ، وبأموالهم أضرارا جسيمة ، ولما انتهت الانباء الى ~~الامام بلغ منه الحزن أقصاه لأنه يرى الباطل قد قويت شوكته ولا يمكنه ~~تحطيمه والقضاء عليه ، وينظر الى اصحابه وقد امتلأت قلوبهم خوفا وذلا وجبنا ~~، فصعد عليه السلام على المنبر فخطبهم بخطاب رائع مثل ما في نفسه من هم مقيم ~~وأسى شديد ، وصور ما في نفوس اصحابه من خنوع وخور وتخاذل قائلا : # « ألا وإني قد دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا واعلانا ، ~~وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم فو الله ما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا ~~(3) فتواكلتم ، وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم ، وملكت عليكم الاوطان. ~~وهذا أخو غامد (4) وقد وردت خيله الانبار PageV01P496 # وقد قتل حسان بن حسان البكري ، وأزال خيلكم عن مسالحها (1) ولقد بلغني ان ~~الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، والاخرى المعاهدة فينتزع حجلها ~~وقلبها وقلائدها ورعاثها (2) ما تمنع منه الا بالاسترجاع (3) والاسترحام ثم ~~انصرفوا وافرين (4) ما نال رجلا منهم كلم (5) ولا أريق لهم دم ، فلو أن ~~امرأ مسلما مات من بعد هذا اسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندى جديرا ، ~~فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ~~وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا ، حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا ~~تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون فاذا امرتكم بالسير إليهم ~~في ايام الصيف قلتم هذه حمارة القيظ (6) امهلنا يسلخ عنا الحر (7) واذا ~~امرتكم بالسير إليهم فى الشتاء قلتم : هذه صبارة القر (8) امهلنا ينسلخ عنا ~~البرد ، كل هذا فرارا من الحر والقر ، فأنتم والله من السيف افر ، يا أشباه ~~الرجال ولا رجال! PageV01P497 # حلوم ms277 الأطفال ، وعقول ربات الحجال (1) لوددت اني لم اركم ولم اعرفكم ~~معرفة والله جرت ندما ، واعقبت سدما (2) قاتلكم الله!! لقد ملأتم قلبي قيحا ~~، وشحنتم صدرى غيظا ، وجرعتموني نغب التهمام انفاسا (3) وافسدتم علي رأيى ~~بالعصيان والخذلان ». # ولم يثر هذا الخطاب الحماسي الرائع حفائظ نفوسهم ولم يقلع روح الخور ~~والتمرد منهم ، قد اسلموا انفسهم للعداء المسلح ، يصيب معاوية من اموالهم ~~وانفسهم ما شاء ومتى اراد. ### || 4 فتنة الخريت # ولم يقف بلاء الامام ومحنته فى أصحابه ، وخصمه معاوية الى هذا الحد فقد ~~تجاوز البلاء والشر الى ما هو اعظم واشد ، تلك هي فكرة الخوارج التي لم يقض ~~عليها يوم النهروان وانما قضى على بعض معتنقيها وقد اخذت تتسع ويكثر ~~انصارها ، وقد خلقوا افظع المشاكل في الحقل الاسلامي فدعوا الى التمرد على ~~حكومة الامام وكان من اهمهم هو الخريت (4)، فقد خرج هو وفريق من اصحابه ~~وقد اعلنوا الحرب والعصيان ، فأرسل الامام إليهم جيشا لردهم الى الطاعة ~~وحربهم ان أبوا ذلك ، فلحق بهم الجيش PageV01P498 # فكانت بينهم أولا مناظرة وجدال ، ولما امتنع الخريت من الرجوع الى الطاعة ~~وقع بين الفريقين قتال عنيف ، ولكن لم يتغلب أحدهما على الآخر وهرب الخريت ~~بأصحابه نحو البصرة ، فرجع جيش الامام ولم يظفر بشيء فأرسل الامام له جيشا ~~آخر اكثر منه عدة وأعظم قوة وأمره بأن يتعقبهم وكتب الى عبد الله بن عباس ~~عامله على البصرة أن يمد الجيش ويزوده بما يحتاج إليه فامتثل عبد الله بن ~~عباس ذلك ، والتقى الفريقان فكان بينهما أشد القتال وأعنفه ، وبدت امارة ~~الانحلال والخور في جيش الخريت الا أنه استطاع أن ينهزم بأصحابه فى غلس ~~الليل البهيم ، فولى هاربا نحو الأهواز فأخذ يبذر الفتنة ويبشر بفكرته بين ~~اولئك البسطاء الذين لم يعوا المفاهيم الاسلامية ولم يتعقلوا أهدافها ~~وواقعها فاستجابوا له ، وقد أخذ يزهد الاسلام في نفوسهم ، فمنع العرب من ~~اعطاء الصدقة ، والنصارى من اعطاء الجزية ، حتى ارتد كثير من النصارى ممن ~~كان قد اسلم وقد التف حوله جمع كثير من اولئك الاغبياء حتى ظهر امره وقويت ms278 ~~شوكته ، ولكن جيش الامام قد تتبعهم الى ان ظفر بهم فكانت بينهما موقعة ادت ~~اخيرا الى قتل الخريت وفريق من حزبه ، واخذ قائد جيش الامام ما بقى من ~~اصحاب الخريت اسرى فمن اسلم منهم من عليه ، ومن ارتد استتابه ، فان اسلم من ~~عليه ، وان لم يسلم اخذه أسيرا معه. # وهكذا أخذت الفتن تتسع وتتزايد فى الحاضرة الاسلامية التي هي تحت سيطرة ~~حكم الامام حتى اوجبت خذلان الامام وقتله وخذلان ولده الحسن في دوره والحقت ~~اضرارا كثيرة في المجتمع الاسلامي جعلته غارقا فى المآسي والشجون. # ان حادثة صفين بما اعقبته من المتارك الفظيعة قد اوجبت تدهور PageV01P499 # المسلمين وانحطاطهم ، وتغلب قوى البغي على قوى الحق والاسلام ، ومهدت ~~الطريق للامويين أن يتحكموا في رقاب المسلمين ، وان يستأثروا باموالهم ~~وسائر امكانياتهم ، وان يسعوا جاهدين في محاربة الاصلاح وسائر النزعات ~~الخيرة حتى ضج المسلمون من جورهم واستبدادهم وظلمهم. PageV01P500 ### | مصرع الحق PageV01P501 # بقي الامام أمير المؤمنين بعد حادثة صفين في أرباض الكوفة وهو محزون ~~النفس مكلوم القلب يتلقى في كل فترة من زمانه الوانا مريعة من الرزايا ~~والخطوب ، ينظر الى العدل وهو مضام ، وإلى الخير مضيع ، والى البغي قد كثر ~~والى الجور قد طغى ، ويرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره قد تم ، وهو لا ~~يتمكن على مناجزته لأن جيشه اصبح متمردا عليه بأمره فلا يطيع ، ويدعوه فلا ~~يستجيب قد خلد الى الراحة ، وسئم التعب وكره الجهاد فى سبيل الله. # وتركت هذه الكوارث أسى مريرا فى نفسه فكان يتمنى الرحيل عن الدنيا في كل ~~آونة من الزمن ليستريح من مشاكلها وشرورها ، وقد انطلق يدعو الله ليعجل ~~انتقاله إليه قائلا : « اللهم عجل للمرادى شقاءه » ويقول مخاطبا لأهل ~~الكوفة : # « أما والله لوددت أن الله أخرجني من أظهركم ، وقبضني الى رحمته منكم .. » # لقد قرر « ماكس نورداو » بقاء الأحيل دون الأصلح لأن الأصلح لا يدوم ~~طويلا فى دنيا الاباطيل. وقد كان الامام أمير المؤمنين (ع) من المع ~~المصلحين في الدنيا فقد اجهد نفسه على اقامة العدل وبسط المساواة في الأرض ~~، فكيف يبقى ms279 فى عالم المنافع والاضاليل فقد حاربه النفعيون وقاومه طلاب ~~الجاه والسلطان ، وتنكر له ذلك المجتمع الذي لعبت به الاهواء ، وافسدته ~~الاطماع فكيف يدوم حكمه في ذلك المجتمع الهزيل؟!! # وزاد في أسى الامام وأحزانه فقده للبقية الصالحة من صحابة الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم من الذين عرفوا اتجاهه ودرسوا في مدرسته امثال عمار ~~ابن ياسر ، وهاشم المرقال وذى الشهادتين وامثالهم من عيون المؤمنين الذين PageV01P503 # يعتمد عليهم في إقامة الحق ودحض الباطل واحياء معالم الدين ، وبعد فقده ~~لهم اصبح غريبا في ذلك المجتمع لا ناصر له ولا صديق وأخذ يبتهل الى الله ~~ويتضرع إليه أن ينقله الى جواره ليستريح من آلام هذه الحياة التي ما وجد ~~فيها غير الارهاق والعناء. ### || المؤامرة الدنيئة : # وشهد موسم الحج جمع من الخوارج فتذاكروا من قتل من رفاقهم ومن قتل من ~~سائر المسلمين وقد جعلوا تبعة ذلك على ثلاث من الكفار في زعمهم وهم : ~~الامام أمير المؤمنين ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص فقال ابن ملجم : انا ~~أكفيكم على بن أبي طالب ، وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن ~~العاص ، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي أنا اكفيكم معاوية ، واتفقوا على ~~يوم معين يقومون فيه بعملية الاغتيال وهو اليوم الثامن عشر من شهر رمضان ~~سنة اربعين من الهجرة ، كما عينوا ساعة الاغتيال وهي ساعة الخروج الى صلاة ~~الصبح ، ثم تفرقوا وقصد كل واحد منهم الجهة التي عينها ، ووصل الأثيم ابن ~~ملجم الى الكوفة ، وهو يحمل معه الشر والشقاء لجميع سكان الأرض ، فقد جاء ~~ليخمد ذلك النور الذي اضاء الدنيا ، وقد قصد الماكرة الخبيثة ابنة عمه قطام ~~، وكان هائما بحبها ، وكانت تدين بفكرة الخوارج وقد قتل أبوها وأخوها فى ~~واقعة النهروان فكانت مثكولة بهم ، وقد خطبها ابن ملجم (1) فلم ترض به زوجا ~~إلا أن يشفى غليلها ، ويحقق اربها ، فقال لها : PageV01P504 # « ما تريدين شيئا الا أنفذته وحققه .. » # فعرضت عليه المهر الذي تريده وهو ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وقينة وقتل علي ~~، فقال لها الأثيم : # « ما سألت هو لك مهر الا ms280 قتل على فلا أراك تدركينه » وقد قصد إخفاء الأمر ~~عليها ، ولكن الاثيمة اندفعت تحبذ له قتل الامام وتشجعه على ارتكاب الجريمة ~~قائلة : # « إن أصبته شفيت نفسي ونفعك العيش ، وإن هلكت فما عند الله خير لك من ~~الدنيا » ولما عرف الأثيم الجد فى قولها عرفها بنيته ، وأنه ما جاء لهذا ~~المصر إلا لهذه الغاية ، وفى هذا المهر المشوم يقول الفرزدق : # ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة %~% كمهر قطام من فصيح واعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة %~% وضرب على بالحسام المسمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلى %~% ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم (1) # وقد أوجس أصحاب الامام الخوف عليه من اغتيال الخوارج فتكلموا معه في أن ~~يجعل له رصدا يحرسونه إن خرج لعبادة الله او في بعض مهامه ، فامتنع (ع) من ~~ذلك وقال لهم : # « إن علي من الله جنة حصينة (2) فاذا جاء يومي انفرجت عنى |ولا غرو للاشراف إن ظفرت بها||كلاب الأعادي من فصيح واعجم| |فحربة وحشى سقت حمزة الردى||وحتف علي من حسام ابن ملجم| PageV01P505 # واسلمتني ، فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم » (1) ### || الفاجعة الكبرى : # ولما أطل على الوجود شهر رمضان ، أفضل الشهور ، واعظمها حرمة وقدرا عند ~~الله حتى نسب إليه فقيل شهر الله ، كان الامام على علم بانتقاله إلى حضيرة ~~القدس في ظرف هذا الشهر العظيم ، فكان يتناول طعام الافطار الليلة عند ~~الحسن ، وأخرى عند الحسين ، ومرة عند عبد الله بن جعفر وهو لا يزيد فى ~~طعامه على ثلاث لقم ، ويحدث عن السبب فى قلة اكله قائلا : « أحب أن يأتيني ~~أمر الله ، وأنا خميص البطن » (2) # ولما أقبلت الليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان اضطرب الامام أشد الاضطراب ~~، فجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس خائر القوى ينظر إلى الكواكب ~~ويتأمل فيها فيزداد همه وحزنه ، وهو يقول متنبئا عن وقوع الحادث الخطير في ~~تلك الليلة : # « ما كذبت ، ولا كذبت ، إنها الليلة التي وعدت فيها » (3) # وبقي «ع» طيلة تلك الليلة ، قلقا حزينا يناجي ربه ويطلب منه المغفرة ~~والرضوان ، ويتلو ms281 آى الذكر الحكيم ، وقبل أن تشرق أنوار الفجر وينسلخ ظلام ~~الليل القاتم ، أقبل فسبغ الوضوء ، ولما عزم على الخروج من بيته الى مناجاة ~~الله وعبادته في بيته الكريم صاحت في وجهه وز (4) PageV01P506 # كانت قد أهديت الى الحسن ، فتنبأ «ع» من صياحهن وقوع الحادث العظيم ~~والرزء القاصم قائلا : # « لا حول ولا قوة إلا بالله ، صوائح تتبعها نوائح » (1) # وأقبل الحسن وهو مضطرب من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر فقال له : # ما أخرجك في هذا الوقت؟ # رؤيا رأيتها فى هذه الليلة أهالتني. # خيرا رأيت ، وخيرا يكون قصها على. # رأيت جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس ، فتناول منه حجرين ، ~~ومضى بهما الى الكعبة ، فضرب احدهما بالآخر فصارا كالرميم ، فما بقى بمكة ~~ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد شيء ما تأويل هذه الرؤيا؟ # إن صدقت رؤياي ، فان أباك مقتول ، ولا يبقى بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ~~ودخله الهم والحزن من أجلى. # فالتاع الحسن وذهل وانبرى قائلا بصوت خافت حزين النبرات : # متى يكون ذلك؟ # إن الله تعالى يقول ( @QUR@013 وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس ~~بأي أرض تموت ) (2) ولكن عهد الي حبيبي رسول الله (ص) أنه يكون في العشر ~~الأواخر من شهر رمضان ، يقتلني عبد الرحمن بن ملجم. PageV01P507 # إذا علمت ذلك فاقتله. # لا يجوز القصاص قبل الجناية والجناية لم تحصل منه. # وأقسم الامام على ولده الحسن أن يرجع الى فراشه ، فلم يجد الحسن بدا من ~~الامتثال (1) وخرج الامام الى بيت الله في السحر ، وقد جاء فى الأخبار أن ~~السحر وقت تجلى الله فينفح فيه الرحمات ويهب به البر والخير ويستجيب فيه ~~الدعاء. # ولما انتهى الامام الى بيت الله ، جعل على عادته يوقض الناس لعبادة الله ~~ومناجاته ، وحينما فرغ من ذلك شرع في صلاته ، وبينما هو ماثل بين يدي ~~الخالق الحكيم والصلاة بين شفتيه وقلبه مشغول بذكر الله إذ هوى عليه الوغد ~~الأثيم ابن ملجم (2) وهو يهتف بشعار الخوارج ( الحكم لله لا لك ) وضرب ~~الامام على رأسه فقد ms282 جبهته الشريفة التي طالما عفرها بالخضوع لله بكل ما ~~للخضوع من معنى ، وانتهت الضربة القاسية إلى دماغه المقدس الذي ما فكر إلا ~~فى نفع الناس وسعادتهم ورفع الشقاء عنهم ، ولما احس PageV01P508 # عليه السلام بلذع السيف في رأسه صاح : # « فزت ورب الكعبة » # لقد فاز الامام ، وأى فوز اعظم من فوزه؟ فقد جاءته النهاية المحتومة وهو ~~بين يدي الله وذكره بين شفتيه ، فى أقدس بيت ، واعظم شهر. # لقد فاز إمام الحق لأنه أرضى ضميره الحي فلم يوارب ولم يخادع منذ بداية ~~حياته حتى النهاية ، ولقد قتل على غير مال احتجبه ولا على دنيا أصابها ولا ~~سنة في الاسلام غيرها. # لقد فاز الامام ، وأى فوز أعظم من فوزه؟ فقد أفاض عليه الخلود لباس ~~البقاء ليكون مظهرا للعدالة وعنوانا للحق. ومثالا للانسانية الكاملة التي ~~ارتقت سلم الكمال حتى بلغت نهايته. # لقد فاز الامام ، وأى فوز اعظم؟ من أن يذكر قرينا للحق والعدل وتذكر ~~مبادئه المقدسة اعجوبة لقادة الفكر الانساني يسيرون على ضوئها للعمل في حقل ~~الاصلاح ، ولما وقع الامام صريعا في محرابه هتف معرفا بقاتله : # « قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم ، فلا يفوتنكم. » # فهرع الناس الى المسجد بجميع طبقاتهم وهم معولون نادبون قد اذهلهم الخطب ~~وروعهم المصاب وبلغ بهم الحزن الى قرار سحيق وفى مقدمتهم أولاد أمير ~~المؤمنين ، فوجدوا الامام طريحا في محرابه وجعدة ابن هبيرة (1) وجماعة ~~حافون به يعالجونه للصلاة وهو لا يستطيع ولما وقع نظره PageV01P509 # على ولده الحسن أمره أن يصلى بالناس (1) وصلى الامام وهو جالس والدم ينزف ~~منه ، ولما فرغ الحسن من صلاته أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره ودموعه تتبلور ~~على وجهه الشريف ، فقال له : # من فعل بك هذا؟ # ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم. # من أي طريق مضى؟ # لا يمض أحد فى طلبه ، إنه سيطلع عليكم من هذا الباب ، وأشار الى باب كندة ~~، فاشتغل الناس بالنظر إليها وما هي إلا فترات وإذا الصيحة قد ارتفعت فقد ~~ظفر بالأثيم المجرم ابن ملجم (2) فجيء به مكتوفا مكشوف الرأس ، فأوقف بين ms283 ~~يدى الحسن فقال له » : # « يا ملعون ، قتلت أمير المؤمنين ، وإمام المسلمين ، هذا جزاؤه حين آواك ~~وقربك حتى تجازيه بهذا الجزاء ». # والتفت الى أبيه قائلا : يا أبة هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكننا ~~الله منه. ففتح الامام عينيه وقال له بصوت خافت : # « لقد جئت شيئا إدا وأمرا عظيما ، ألم أشفق عليك واقدمك على PageV01P510 # غيرك في العطاء؟ فلما ذا تجازيني بهذا الجزاء؟ » وقال للحسن يوصيه ببره ~~والاحسان إليه. # « يا بني ارفق بأسيرك وارحمه ، واشفق عليه. » # فقال له الحسن : # « يا أبتاه ، قتلك هذا اللعين ، وفجعنا بك ، وأنت تأمرنا بالرفق به!! » # فاجابه أمير المؤمنين : # يا بني نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة ، أطعمه مما تأكل ، واسقه مما تشرب ، ~~فان أنامت فاقتص منه بأن تقتله ، ولا تمثل بالرجل فانى سمعت جدك رسول الله ~~(ص) يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور وإن أنا عشت فأنا أعلم ما افعل ~~به ، وأنا أولى بالعفو ، فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفوا ~~وكرما. » # وأمر (ع) بحمله الى الدار فحمل والناس تهرول خلفه قد اشرفت على الهلاك من ~~البكاء والعويل قد أخذتهم المائقة وهم يهتفون بذوب الروح : # قتل إمام الحق ، قتل إمام الحق. # واستقبلته بناته وعياله بالبكاء والعويل ولما استقر في ثويه ، التفت إليه ~~الحسن وقد حرق الهم والجزع قلبه قائلا : # « يا أبة ، من لنا بعدك؟ إن مصابنا بك مثل مصابنا برسول الله » فضمه ~~الامام وقال مهدا روعه : # يا بني ، اسكن الله قلبك بالصبر ، وعظم أجرك ، واجر اخوتك بقدر مصابكم بي. # وجمع الحسن لجنة من الاطباء لمعالجته وكان ابصرهم بالطب أثير بن PageV01P511 # عمرو السكوني (1) فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله ~~في جرح الامام ثم نفخ العرق فاستخرجه فاذا هو مكلل ببياض الدماغ ، لأن ~~الضربة قد وصلت الى دماغ الامام فارتبك أثير والتفت إلى الامام واليأس في ~~صوته قائلا : # « يا أمير المؤمنين ، اعهد عهدك ، فانك ميت » (2) # فالتفت الحسن الى ابيه ودموعه تتبلور على وجهه ، وشظايا قلبه يلفظها ~~بنبرات صوته قائلا : # « أبة. كسرت ظهري ، كيف ms284 استطيع أن أراك بهذه الحالة؟ » وبصر الامام فرأى ~~الأسى قد استوعب نفسه فقال له برفق : # « يا بنى لا غم على أبيك بعد هذا اليوم ولا جزع ، اليوم القى جدك محمد ~~المصطفى ، وجدتك خديجة الكبرى ، وامك الزهراء ، وإن الحور العين ينتظرن ~~أباك ويترقبن قدومه ساعة بعد ساعة ، فلا بأس عليك ، يا بني لا تبك. » # وتسمم دم الامام ، ومال وجهه الشريف الى الصفرة ، وكان في تلك الحالة ~~هادئ النفس قرير العين لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه وهو ينظر الى آفاق ~~السماء ، ويبتهل الى الله بالدعاء قائلا : # « إلهي. أسألك مرافقة الأنبياء ، والأوصياء وأعلى درجات الجنة » وغشى ~~عليه فذاب قلب الحسن وجعل يبكى مهما ساعدته الجفون ، فسقطت قطرات من دموعه ~~على وجه الامام فأفاق ، فلما رأه قال له : PageV01P512 # مهدأ روعه : # « يا بني ما هذا البكاء؟ لا خوف ولا جزع على أبيك بعد اليوم ، يا بني لا ~~تبك ، فأنت تقتل بالسم ، ويقتل أخوك الحسين بالسيف. » ### || وصاياه : # وأخذ الامام يوصى أولاده بمكارم الاخلاق ، ويضع بين أيديهم المثل الرفيعة ~~ويلقي عليهم الدروس القيمة ، وقد وجه «ع» نصائحه الرفيعة أولا لولديه الحسن ~~والحسين ، وثانيا لبقية اولاده ولعموم المسلمين. # قائلا : # « أوصيكما بتقوى الله ، وان لا تبغيا الدنيا وان بغتكما (1) ولا تأسفا ~~على شيء منها زوي عنكما ، وقولا للحق واعملا للاجر ، وكونا للظالم خصما ~~وللمظلوم عونا. # أوصيكما ، وجميع ولدى وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، ونظم أمركم ~~وصلاح ذات بينكم ، فاني سمعت جدكما صلى الله عليه وآلهوسلم يقول : صلاح ذات ~~البين افضل من عامة الصلاة والصيام. الله الله في الأيتام ، فلا تغبوا ~~أفواههم (2) ولا يضيعوا بحضرتكم ، والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية ~~نبيكم ، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم والله الله في القرآن ، لا ~~يسبقكم بالعمل به غيركم ، والله الله في الصلاة ، فانها عمود دينكم ، والله ~~الله في بيت ربكم ، لا تخلوه ما بقيتم فانه إن ترك PageV01P513 # لم تناظروا (1) والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم والسنتكم فى سبيل ~~الله ، وعليكم بالتواصل والتباذل (2) وإياكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا ms285 ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم. # ثم قال عليه السلام مخاطبا لآله وذويه : # يا بني عبد المطلب لا ألفينكم (3) تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل ~~أمير المؤمنين ، قتل امير المؤمنين ، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلى # انظروا إذا أنامت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يمثل بالرجل ، ~~فاني سمعت رسول الله (ص) يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور » (4) # وأخذ (ع) يوصى ولده الحسن خاصة بمعالم الدين وإقامة شعائره قائلا : # « أوصيك ، اى بني ، بتقوى الله ، وإقام الصلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة ~~عند محلها وحسن الوضوء ، فانه لا صلاة إلا بطهور ، واوصيك بغفر الذنب وكظم ~~الغيظ ، وصلة الرحم ، والحلم عن الجاهل والتفقه فى الدين ، والتثبت في ~~الامر ، والتعاهد للقرآن ، وحسن الجوار والأمر بالمعروف PageV01P514 # والنهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش » (1) # وفي اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الامام ~~طالبين الاذن لعيادته ، فاذن لهم اذنا عاما ، فلما استقر بهم المجلس التفت ~~لهم قائلا : # « سلوني قبل أن تفقدوني ، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم » # فاشفق الناس أن يسألوه ، نظرا لما ألم به من شدة الألم والجرح. ### || اقامة الحسن من بعده : # ولما علم أمير المؤمنين أنه مفارق لهذه الدنيا ، وان لقاءه بربه لقريب ~~عهد بالخلافة والامامة لولده الحسن فاقامه من بعده لترجع إليه الأمة في ~~شئونها كافة ، ولم تختلف كلمة الشيعة في ذلك فقد ذكر ثقة الاسلام الكليني ~~(2) ان أمير المؤمنين اوصى إلى الحسن ، واشهد على وصيته الحسين ومحمدا ~~وجميع ولده ، ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتب والسلاح ، وقال ~~له : يا بني. أمرني رسول الله (ص) أن أوصى إليك ، وأن ادفع إليك كتبي ~~وسلاحي كما اوصى الى رسول الله ، ودفع إلي كتبه وسلاحه PageV01P515 # وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها الى أخيك الحسين. » # وروى أيضا انه قال له : « يا بني أنت ولي الدم فان عفوت فلك وإن قتلت ~~فضربة مكان ضربة » (1) # وذهب جماعة من اهل السنة والجماعة الى أن أمير المؤمنين لم يعهد بالامر ms286 ~~الى ولده الحسن مستدلين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي (2) ان ~~عليا قيل له ألا تستخلف؟ فقال : إن يرد الله بالأمة خيرا يجمعهم على خيرهم. ~~وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره كما نص على ذلك ابن حجر (3) # ان الامام الحسن ريحانة رسول الله ، وسيد شباب أهل الجنة ، وهو امام إن ~~قام أو قعد على حد تعبير رسول الله وقد هذبه الله عن كل نقص ورجس كما دلت ~~على ذلك آية التطهير بالاضافة الى توفر جميع ما تتطلبه الخلافة من الصفات ~~الرفيعة في شخصيته كالعلم والتقوى والحزم والجدارة فكيف لا يرشد الامام ~~أمير المؤمنين الى مبايعته ولا يجعله علما من بعده؟!! # ان أمير المؤمنين من احرص المسلمين على جمع كلمتهم وتوحيد أمرهم فكيف ~~يترك الأمر فوضى من بعده ولا يجعل لهم مفزعا وملجأ يلجئون إليه لا سيما في ~~تلك الفترة الرهيبة التي احاطت بهم الاخطار والمشاكل؟!! PageV01P516 ### || الى الرفيق الاعلى : # ولما فرغ الامام امير المؤمنين من وصاياه اخذ يعاني آلام الموت وشدته ، ~~وهو يتلو آى الذكر الحكيم ويكثر من الدعاء والاستغفار ، ولما دنا منه الأجل ~~المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى ( @QUR@04 لمثل هذا فليعمل العاملون ~~) ثم فاضت روحه الزكية الى جنة المأوى وسمت الى الرفيق الاعلى (1) وارتفع ~~ذلك اللطف الإلهي الى مصدره فهو النور الذي خلقه الله ليبدد به غياهب ~~الظلمات. # لقد مادت اركان العدل وانطمست معالم الدين ، ومات عون الضعفاء وأخو ~~الغرباء وأبو الايتام. # سيدى : أبا الحسن لقد مضيت الى عالم الخلود وأنت مكدود مجهود مجهول حقك ~~وقدرك ، فقد قضيت حياتك في ذلك الجيل القاتم الذي لا يقيم وزنا للعلم ولا ~~للعدل ، ولا يعي ما تنشده من الأهداف الرامية الى بناء مجتمع تسوده العدالة ~~والرفاهية والخير ، ولو كان للانسانية حظ لثنيت لك الوسادة وتسلمت قيادة ~~الامة لتفيض على العالم بمعارفك وعلومك فانا لله وإنا إليه راجعون. PageV01P517 ### || تجهيزه ودفنه : # وأخذ الحسن (ع) في تجهيز أبيه فغسل الجسد الطاهر وطيبه بالحنوط ، وأدرجه ~~في اكفانه ، ولما حل الهزيع الأخير ms287 من الليل خرج ومعه حفنة من آله وأصحابه ~~يحملون الجثمان المقدس الى مقره الأخير فدفنه في النجف الأشرف حيث مقره ~~الآن كعبة للوافدين ومقرا للمؤمنين والمتقين ومدرسة للمتعلمين ، ورجع ~~الامام الحسن بعد أن وارى أباه الى بيته وقد استولى عليه الاسى والذهول ~~وأحاط به الحزن. ### || القصاص من ابن ملجم : # وفي صبيحة ذلك اليوم الخالد فى دنيا الأحزان طلب الامام الحسن احضار ~~المجرم الأثيم عبد الرحمن بن ملجم فلما مثل بين يديه قال له ابن ملجم : # ما الذي أمرك به أبوك؟ # أمرني أن لا أقتل غير قاتله ، وأن أشبع بطنك وانعم وطأك ، فان عاش اقتص ~~أو عفا وإن مات ألحقتك به. # فقال الأثيم متبهرا : # « إن كان أبوك ليقول الحق ، ويقضي به في حال الغضب والرضا!! » ثم ان ~~الامام الحسن ضربه بالسيف فاتقى اللعين الضربة بيده فبدرت ثم جهز عليه ~~فقتله ولم يمثل به (1) « وحلت على ابن ملجم لعنة الله ولعنة اللاعنين ومن ~~ولدوا ومن ماتوا ومن قال الله لهم : كونوا فكانوا!! لعنة PageV01P518 # تجفف النبع وتخضم الزرع ، وتحرق النبت في الارض وهو وسيم ، وجعل الله ~~زفير جهنم وشهيقها في أصول تكوينه! وأهلكه الف شيطان كبوه على وجهه في سواء ~~الجحيم وفيها لفح وفيها أفواه من اللهب ذات أجيج وذات صفير » (1) # وأما التمثيل به فقد ذهب إليه فريق من المؤرخين ولا شك انه من الموضوعات ~~وذلك لنهي أمير المؤمنين عنه ، مكررا لقول النبي (ص): « المثلة حرام ولو ~~بالكلب العقور » فكيف يسوغ لريحانة الرسول (ص) وسبطه أن يعرض عن وصية أبيه ~~، ويرتكب ما خالف الشريعة الاسلامية؟ وقد اختلف القائلون بذلك في الشخص ~~الذي مثل بابن ملجم : فالمحب الطبري ذكر ان الذي مثل به الامام الحسين ~~ومحمد بن الحنفية ، وقد نهاهما الحسن عن ذلك فلم يذعنا له (2) وذكر أبو ~~الفداء ان الذي قام بذلك عبد الله بن جعفر (3) وذكر ابن أبي الحديد ان ~~الحسن هو الذي قام به (4) # ان هذا الاختلاف يزيدنا وثوقا بافتعال ذلك وعدم صحته ، وجزم الدكتور طه ~~حسين بصدور التمثيل من اولياء ms288 الدم قال : # « والشيء المحقق هو ان ولاة الدم لم ينفذوا وصية علي في أمر قاتله فهو قد ~~امرهم أن يلحقوه به ، ولا يعتدوا ، ولكنهم مثلوا به أشنع التمثيل فلما مات ~~حرقوه بالنار » (5) PageV01P519 # ان الشيء المحقق على خلاف ما ذكره الدكتور وذلك لما ذكرناه من عدم اتفاق ~~المؤرخين على التمثيل به ، والذين اتفقوا عليه قد اختلفوا في ذلك كما ذكرنا ~~، بالاضافة الى أن أولياء الدم بعيدون كل البعد عن ارتكاب ما خالف الشريعة ~~الاسلامية. # وعلى أي حال فان الامام الحسن بعد ما فرغ من قتل ابن ملجم ، انثال الناس ~~على مبايعته كما سنذكر ذلك بالتفصيل وقد استقبل الحسن الخلافة بما لم ~~يستقبلها احد من الذين سبقوه فقد اصبحت الحاظرة الاسلامية الخاضعة لنفوذه ~~مهددة بخطر معاوية فقد قوى أمره ، واستحكم سلطانه ، وعظم شره ، وانضم إليه ~~كل من لم يع الاسلام من ذوي الاطماع والأهواء فعملوا جاهدين على إفساد امر ~~الامام وتقويض خلافته ، ومضافا لهذا الخطر الخارجي الفتن الداخلية التي ~~نشبت أظفارها في المجتمع العراقي وأهمها خطرا واعظمها محنة وبلاء هي فتنة ~~الخوارج التي كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي ، وخطرا مسلحا من أهم ~~الاخطار الفتاكة في الدولة الجديدة ، فقد انجرف بفكرتهم السذج والمغرر بهم ~~من البسطاء. # هذان الخطران معظم ما استقبله الامام الحسن في دور خلافته ، ولقد ابتلى ~~بهما أشد البلاء ، ولم يبتل وحده بهما ، فقد ابتلى بهما النظام الاسلامي ~~والخلافة الرشيدة فقد كان يرجى في دوره ان تنتشر مفاهيم الاسلام وتسود ~~العدالة الاجتماعية في الارض ويقضى على الغبن الاجتماعي والظلم الاجتماعي ~~وهنا ينتهي بنا المطاف عن الحلقة الأولى من هذا الكتاب ونستقبل الامام ~~الحسن في عهد خلافته لنقف على انبائها بالتفصيل. PageV01P520 ### ||| * محتويات الكتاب PageV01P521 # البسملة مع آي من الذكر ~~الحكيم.............................................. 5 # الاهداء............................................................... ~~....... 6 # تقديم لسماحة الامام كاشف ~~الغطاء............................................ 7 # تقديم الطبعة ~~الثانية.......................................................... 12 # تقديم الطبعة ~~الأولى.......................................................... 20 # اجتماع ~~النورين.............................................................. 29 # نشأة ~~الصديقة.............................................................. 31 # سمو ~~منزلتها................................................................. 33 # خطبة الامام ~~لها............................................................. 36 # المهر................................................................. ~~...... 38 # الجهاز................................................................ ~~..... 39 # خطبة ~~العقد................................................................ 41 # الوليمة ، ~~الزفاف........................................................... 43 # الوليد ~~الجديد................................................................ ms289 47 # ولادة الامام ~~الحسن......................................................... 49 # سنن ~~الولادة................................................................ 51 # (1) الأذان والاقامة (2) التسمية # (3) العقيقة (4) حلق رأسه (5) # الختان (6) كنيته ، ألقابه ، ملامحه PageV01P522 # ذكاء ~~وعبقرية................................................................ 57 # العوامل المؤثرة في نمو الذكاء ، التربية الصالحة ، ~~سلوك.......................... 59 # الوالدين ، الوراثة # حفظه ~~للحديث............................................................. 62 # تكريم ~~وحفاوة................................................................ 65 # اشادة الكتاب العزيز ~~بفضله.................................................. 67 # (1) آية ~~المودة.............................................................. 67 # (2) آية ~~التطهير............................................................ 69 # ( أ) دلالتها على العصمة ( ب ) المختصون بها ( ج ) # خروج نساء النبي ( د ) مزاعم عكرمة # (3) آية المباهلة ~~............................................................. 74 # قصة ~~المباهلة................................................................ 75 # (4) سورة هل ~~أتى......................................................... 77 # السنة ~~...................................................................... 79 # الطائفة الاولى في عرض الاخبار الواردة في فضل # الامام الحسن خاصة ، # الطائفة الثانية في ذكر الاخبار الواردة في الحسنين # الطائفة الثالثة. في عرض الأخبار الواردة في فضل # أهل البيت (ع) PageV01P523 # احتفاء المسلمين ~~به.......................................................... 94 # الفاجعة ~~الكبرى.............................................................. 95 # حجة ~~الوداع............................................................... 98 # غدير ~~خم.................................................................. 99 # استغفاره لأهل ~~البقيع...................................................... 103 # سرية ~~أسامة.............................................................. 104 # اهتمام النبي بها ، التخاذل من الالتحاق بالجيش السبب # في عدم تولية النبي قيادة جيشه لشيوخ الصحابة # الحكمة في تأمير أسامة # اعطاء القصاص من نفسه.................................................. 110 # توجع الزهراء ~~............................................................. 112 # التصدق بما ~~عنده.......................................................... 113 # الرزية الكبرى طلب النبي احضار الدواة ~~والكتف............................. 114 # امتناعهم من اجابته # الى الرفيق ~~الاعلى......................................................... 116 # في عهد الشيخين ~~........................................................... 123 # السقيفة ~~.................................................................. 126 # فذلكة عمر ، انكاره لموت النبي (ص) أسباب ذلك........................... 128 PageV01P524 # مباغتة ~~الانصار............................................................ 131 # بيعة أبي بكر ~~.............................................................. 134 # امتناع أمير المؤمنين عن ~~البيعة............................................... 138 # احتجاج ~~ومناظرات........................................................ 139 # (1) أمير المؤمنين (2) الزهراء (3) الامام الحسن # (4) سلمان الفارسي (5) عمار بن ياسر (6) خزيمة # ابن ثابت (7) أبو الهيثم بن التيهان (8) سهل بن حنيف (9) عثمان بن حنيف ~~(10) أبو أيوب # الانصاري (11) عتبة بن أبي لهب # كيس دار ~~الامام.......................................................... 152 # مصادرة ~~فدك............................................................. 155 # ندم أبي بكر ~~.............................................................. 158 # شجون الزهراء ~~........................................................... 160 # الى الرفيق ~~الاعلى......................................................... 163 # اعتزال ~~الامام............................................................. 169 # وفاة أبي ~~بكر............................................................. 171 # خلافة ~~عمر............................................................... 174 # اعتزال ~~الامام............................................................. 176 # اغتيال ~~عمر............................................................... 177 ~~الشورى................................................................. 179 # نظرة في ~~الشورى.......................................................... 186 PageV01P525 ~~الانتخاب................................................................ 191 # في عهد ~~عثمان............................................................... 199 # عفوه عن عبيد الله المؤاخذات التي ترد على ذلك ~~،............................ 205 # دفاع طه حسين # سياسته المالية ~~............................................................. 210 # هباته ~~للامويين............................................................ 212 # ( أ) أبو ms290 سفيان ( ب ) الحارث بن الحكم ( ج ) # عبد الله بن سعد ( د ) الحكم بن أبي العاص (1) # محاربته للاسلام (2) استهزاؤه بالنبي (3) لعن النبي له (4) نفيه الى ~~الطائف (5) رجوعه الى يثرب (6) توليته على الصدقات # ( ه ) سعيد بن العاص ( و) الوليد بن عقبة # ( ز ) مروان بن الحكم # الانكار على ~~عثمان........................................................ 220 # اعتذار ~~عثمان............................................................. 221 # منحه ~~للاعيان............................................................. 223 # استئثاره ~~بالأموال.......................................................... 224 # مع الدكتور طه حسين.................................................... 226 # ولاته على ~~الامصار........................................................ 230 # (1) الوليد بن عقبة ( أ) نشأته ( ب ) فسقه PageV01P526 # ( ج ) ولايته على الكوفة ( د ) شربه للخمر # رأى طه حسين ( ه ) اقامة الحد عليه # (2) سعيد بن ~~العاص...................................................... 240 # (3) عبد الله بن ~~عامر...................................................... 243 # (4) معاوية بن أبي سفيان ~~.................................................. 246 # (5) عبد الله بن ~~سعد...................................................... 248 # تنكيله ~~بالصحابة.......................................................... 250 # (1) عبد الله بن مسعود (2) أبو ذر ، نفيه الى # الشام ، نفيه الى الربذة (3) عمار بن ياسر # الافتراء على الامام ~~الحسن.................................................. 269 # الثورة ، الثوار ( أ) الوفد المصري ( ب ) الوفد ~~الكوفى....................... 272 # ( ج ) الوفد البصري # استنجاده ~~بالامصار........................................................ 277 # يوم ~~الدار................................................................. 278 # موقف الامام ~~الحسن....................................................... 279 # الاجهاز على ~~عثمان....................................................... 280 # المثل العليا # امامته ( أ) معنى الامامة ( ب ) الحاجة الى الامامة # ( ج ) واجبات الامام ( ه ) تعيينه # اخلاقه ~~الرفيعة............................................................ 290 PageV01P527 # كرمه ~~وسخاؤه............................................................ 294 # عبادته وتقواه (1) وضوؤه وصلاته (2) حجه................................ 303 # (3) تلاوته للقرآن (4) التصدق بأمواله ~~زهده.................................................................... 305 # هيبته ~~ووقاره.............................................................. 307 # فصاحته ~~وبلاغته.......................................................... 310 # الآداب الاجتماعية ، مكارم الاخلاق ، الجرائم # الاخلاقية ، التحريض على طلب العلم ، فضل العقل # فضل القرآن الكريم ، الدعاء ، السياسة ، الصديق # والصاحب ، البخل ، التواضع ، ابطال الجبر ، الوعظ # والارشاد ، طلب الرزق ، المساجد ، آداب المائدة # ولاء اهل البيت ، التحذير من المحرفين لكتاب الله # الشاهد والمشهود ، بعض خطبه ، كلماته الحكمية # القصار ، نظمه للشعر # في عهد الامام ~~على......................................................... 331 # البيعة................................................................ ~~.... 333 # تأييد ~~الصحابة............................................................ 337 # (1) ثابت بن قيس (2) خزيمة بن ثابت (3) # صعصعة بن صوحان (4) مالك (5) عقبة بن عمرو # وجوم ~~القرشيين........................................................... 339 PageV01P528 # القعاد................................................................ ~~.... 341 # مصادرة الاموال ~~المنهوبة.................................................... 343 # عزل ~~الولاة............................................................... 344 # اعلان ~~المساواة............................................................ 345 # وصاياه لولده ~~الحسن....................................................... 346 # في ~~البصرة.................................................................. 357 # تمرد طلحة ~~والزبير......................................................... 359 # خروج عائشة............................................................ 363 # دوافع ~~تمردها............................................................. 365 # اعلان ~~العصيان........................................................... 369 # مع أم ms291 ~~سلمة.............................................................. 371 # الزحف الى ~~البصرة........................................................ 374 # ماء ~~الحوأب............................................................... 376 # في ربوع ~~البصرة.......................................................... 378 # عقد ~~الهدنة............................................................... 381 # غدر ~~وخيانة.............................................................. 381 # مقتل حكيم بن ~~جبلة...................................................... 384 # استنجاد الامام ~~بالكوفة.................................................... 385 # ايفاد ~~الحسن.............................................................. 387 # الافتراء على ~~الحسن....................................................... 393 PageV01P529 # التقاء ~~الفريقين............................................................ 396 # خطاب ابن ~~الزبير......................................................... 398 # خطاب الحسن............................................................ 398 # الدعوة الى كتاب ~~الله...................................................... 400 # اعلان ~~الحرب............................................................. 401 # مصرع الزبير ~~............................................................. 402 # الاحتفاف بعائشة ( أ) الأزد ( ب ) بنو ~~ضبة................................ 406 # ( ج ) بنو ناجية # عقر ~~الجمل............................................................... 408 # الصفح عن ~~عائشة......................................................... 409 # العفو ~~العام................................................................ 410 # تسريح ~~عائشة............................................................ 410 # في صفين ~~................................................................... 415 # تمرد معاوية ، بواعث ~~ذلك................................................. 418 # ايفاد ~~جرير............................................................... 421 # مراسلة معاوية ~~لعمرو...................................................... 424 # حيرة ~~وذهول............................................................. 425 # قدومه الى ~~الشام........................................................... 427 # المساومة ~~الرخيصة......................................................... 428 # رد جرير ~~................................................................. 429 PageV01P530 # زحف معاوية لصفين...................................................... 430 # تهيؤ الامام ~~للحرب........................................................ 431 # خطبة ~~الحسن............................................................. 432 # الحسن مع ~~سليمان........................................................ 433 # المسير الى ~~صفين........................................................... 434 # القتال على ~~الماء........................................................... 436 # ايفاد السفراء الى ~~معاوية.................................................... 439 # اعلان ~~الحرب............................................................. 442 # الحسن مع عبيد ~~الله........................................................ 444 # الحرب ~~العامة............................................................. 446 # مصرع عمار............................................................. 450 # رفع ~~المصاحف............................................................ 457 # الفتنة ~~الكبرى............................................................. 458 # انتخاب ~~الاشعري......................................................... 465 # وثيقة ~~التحكيم............................................................ 466 # انبثاق الفكرة ~~الحرورية..................................................... 468 # احتجاج ~~ومناظرات........................................................ 469 # اجتماع ~~الحكمين.......................................................... 472 # خطاب الامام ~~الحسن...................................................... 479 # تمرد ~~الخوارج............................................................. 482 # واقعة ~~النهروان............................................................ 485 PageV01P531 # المتارك البغيضة ~~............................................................ 489 # (1) تمرد الجيش (2) فقده لاعلام أصحابه # (3) الاحتلال والغزو (4) فتنة الخريت # مصرع ~~الحق................................................................ 501 # المؤامرة ~~الدنيئة............................................................ 504 # الفاجعة ~~الكبرى........................................................... 506 # وصاياه................................................................ ~~... 513 # اقامة الحسن من ~~بعده...................................................... 515 # الى الرفيق ~~الاعلى......................................................... 517 # تجهيزه ~~ودفنه............................................................. 518 # القصاص من ابن ملجم.................................................... 518 # محتويات ~~الكتاب.......................................................... 521 PageV01P532 ![](https://books.rafed.net/Books/611_haiat-alemam-hasan-02/images/image001.gif) PageV02P001 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين ). ( @QUR@017 ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، ~~إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ). ( @QUR@09 أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ). # « القرآن الكريم » PageV02P003 ### | الاهداء # إليك. يا من لا تحصى مواهبه وملكاته وعبقرياته. # إليك يا من تمت بخلافته في يوم « عيد الغدير ms292 » النعمة الكبرى ، وكمل الدين. # إليك. يا وصى رسول الله «ص» وصهره ، وصاحبه وخليله إليك. يا أمير ~~المؤمنين. # أتقدم الى روحانيتك المقدسة ، وبيدى « الحلقة الثانية » من حياة الامام ~~الحسن ، كبير ولدك وشريكك في آية التطهير ، وولي عهدك ، الذي سكبت في نفسه ~~كمالك اللامتناهي ، وغذيته بأروع المثل العليا راجيا من مقامك الرفيع ~~قبولها واذا منحتني القبول وتلطفت علي بالرضا ، فهو غاية النجاح ومنتهى ~~الأمل والسعادة لعبدك. # المؤلف PageV02P005 ### | امام الكتاب # قدم الجزء الاول من هذا الكتاب سماحة الامام المغفور له الشيخ محمد ~~الحسين آل كاشف الغطاء نضر الله مثواه وقد وعد في تقديمه أن يعطي البيان ~~حقه ويكشف الحجب والغموض ، ويرفع الابهام والالتباس في صلح الامام الحسن مع ~~معاوية فيما اذا سمحت له ظروفه بذلك وعند ما انتهى الكتاب من الطبع وعرض ~~عليه كتب هذه الكلمة الرائعة ، وهو في أواخر أيام حياته ، وقد اشتملت على ~~مواضيع خطيرة ، وأبحاث مهمة ، وقد ابرز فيها دقائق التأريخ ، وهي تعد بحق ~~آية من آيات الفن من حيث العمق والتحليل وروعة الاسلوب وبما أن الكتاب هو ~~الباعث على تحريرها رأينا أن نتوج الجزء الثاني بها ، ونتحف القراء بهذه ~~الاضبارة الممتعة من بحوث الامام كاشف الغطاء. PageV02P007 ### | بنو هاشم ، وبنو أمية ### | والحسن ومعاوية # العداوات ، والتباغض بين الأفراد والقبائل ، والجماعات غريزة بعيدة المدى ~~في طبيعة البشر من أول عهده ، وبدء وجوده على هذه الكرة من عهد هابيل ~~وقابيل ، مستمرة في جميع الاجيال إلى هذا الجيل ، ومنشأ العداوة وبواعثها ~~غالبا هو التنافس والتعالي والانانية التي تدفع إلى حب الأثرة والغلبة ~~والسيطرة ، والاستيلاء على مال أو جاه ، أو ولاية وإمرة وانكى العداوات ~~العداوات التي تبعث عن ترة وطلب ثار وغسل عار وللتشفى والانتقام ، ولكن ~~اسوأ العداء أثرا ، وأبعده مدى ، والذي يستحيل تحويله ولا يمكن زواله هو ~~عداوة الضدية الذاتية ، والمباينة الجوهرية كعداوة الظلام للنور ، والرذيلة ~~للفضيلة ، والقبح للحسن. والشر للخير وامثال ذا ، فان هذا العداء والتنافر ~~يستحيل من أن يزول إلا بزوال احدهما إذ كل يضاد الآخر في اصل وجوده وطباع ~~ذاته ، وكل ms293 واحد يمتنع على الآخر فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، فالذوات ~~الشريرة بذاتها وفي جوهرها تضاد الذوات الخيرة وتعاديها ، وكل واحد من هذين ~~المتضادين المتعاندين يجد ويجتهد في ازالة الآخر ومحوه من الوجود كالنور ~~والظلام لا يجتمعان في محل واحد أبدا ، وكل منهما بطباعه يتنافى مع الآخر ~~ويعاديه وكالفضيلة والرذيلة في الانسان ، وعلى هذا الطراز ، ومن هذا النوع ~~عداوة بنى هاشم وبنى PageV02P009 # أمية عداوة جوهرية ذاتية يستحيل تحويلها ويمتنع زوالها عداوة الظلام ~~للنور والشر للخير ، والخبيث للطيب ، ويعرف كل واحد منهما بثماره وآثاره ، ~~وقديما قيل : « من ثمارهم تعرفونهم » الشجرة لا تعرف إلا من ثمرها أنها ~~خبيثة أم طيبة ، والانسان لا يعرف خبثه وطيبه إلا من أعماله وملكاته ~~وخصاله. # أولد عبد مناف هاشما ، وعبد شمس ، ونشب العداء بينهما منذ نشا وشبا لا ~~لشيء سوى اختلاف الجوهرين ، وتباين الذاتين ، ثم استشرى الشر واتسعت عدوى ~~العداء بين القبيلين بحكم الوراثة ، وكان لكل واحد من هذا القبيل ضد له من ~~القبيل الآخر ، فعدوه بالنسب ، هاشم وعبد شمس ، وعبد المطلب وأمية ، وأبو ~~طالب وحرب ، ومحمد «ص» وأبو سفيان ، ما اشرقت أول بارقة من اشعة الاسلام ، ~~وما اعلن البشير النذير بدعوة التوحيد إلا وثارت نعرة الشرك والوثنية لطمس ~~أنوار الاحدية وقام بحمل معاول المعارضة والهدم لما يبنيه ، ويتبناه منقذ ~~البشرية من مخالب الوحشية ، قام بها ثالوث الجبت والطاغوت ، أبو جهل وأبو ~~لهب وأبو سفيان ، وكان الثالث زعيم الحزب الأموى أشدهم مناوئة للاسلام ~~ومحاربة له ، نصبوا كل الحبائل ، وتوسلوا بجميع الوسائل لاخفات صوته واخماد ~~ضوئه ، واعملوا كل بأس ، وسطوة في مقاومة تلك الدعوة حتى الجأت جماعة ممن ~~تدين بها فهاجروا إلى الحبشة ، وتحمل النبي واصحابه من الاضطهاد والأذى ~~أكثر من عشر سنين حتى اضطر إلى الجلاء من وطنه ووطن آبائه ، ومركز عزه ، ~~فهاجر إلى يثرب فطارده أبو سفيان وتلاحقه إلى دار هجرته ، وما رفعت راية ~~حرب على الاسلام إلا وبنو أمية وزعيمهم أبو سفيان قائدها ورافعها يلهب ~~نارها ويثير غبارها ويتربص باخماد ذلك PageV02P010 # النور ، الدوائر ، ويهيج نعرة القبائل ، إلى ms294 أن فتح الله الفتح المبين ~~وأمكن الله نبيه من جبابرة قريش وملكهم عنوة ، فصاروا عبيدا وملكا بحكم ~~قوانين الحرب ، والاستيلاء على المحاربين ، بالقوة والسلاح ولكنه سلام الله ~~عليه أطلقهم وعفا عنهم ، وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء واكتفى منهم ~~بظاهر الاسلام واطلاق لسانهم بالشهادتين ، وقلوبهم مماوءة بالكفر والحقد ~~على الاسلام ، يتربصون الفرص لمحو سطوره. وقلع جذوره « ما اسلموا بل ~~استسلموا. ولما وجدوا اعوانا على الاسلام وثبوا » ما تغير شيء من نفسيات ~~أبى سفيان وبنى أميه بعد دخولهم في حظيرة الاسلام قلامة ظفر ، إنما تغير ~~وضع المحاربة ، وكيفية الكفاح والمقاومة ، دخل أبو سفيان ومعاوية في ~~الاسلام ، ليفتكوا في الاسلام ويكيدوا له ، والعدو الداخل أقدر على الكيد ~~والفتك من العدو الخارج وهذه العداوة ذاتية متأصلة ، والذاتي لا يزول وليست ~~هى من تنافس على مال ، أو تزاحم على منصب أو جاه ، بل هى عداوة المبادئ ~~عداوة التضاد الطبيعي ، والتنافر الفطري عداوة الظلام للنور ، والضلال ~~للهدى والباطل للحق والجور للعدل ، ولذا بقى بنو أمية على كفرهم الداخلي ~~ومكرهم الباطني مع عدادهم في المسلمين وتمتعهم بنعم الاسلام وبركاته لكن لم ~~يمس الاسلام شعرة من شعورهم ولا بل ريشة من اجنحتهم ، كالبط يعيش طول عمره ~~في الماء ولا يبل الماء ريشة منه ( فيما يقولون ) نعم أقروا باسلامهم حقنا ~~لدمائهم وتربصا لسنوح الفرصة لهدم عروش الاسلام وقواعده ، حتى إذا أدلى من ~~كانت له السلطة بالخلافة إلى أول خليفة منهم طاروا فرحا ، وأعلنوا ببعض ما ~~كانت تكنه صدورهم ، فجمعهم أبو سفيان وقال : « تلقفوها يا بنى أمية ، تلقف ~~الكرة ، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار ». PageV02P011 # ثم أخذوا زمام الخليفة الأموي بأيديهم ، وصاروا يقودونه « كالجمل الذلول ~~» حيث شاءوا ، فاتخذوا مال المسلمين دولا ، وعباد الله خولا ، وانتفضت بلاد ~~المسلمين من جميع أقطارها عليه وعليهم إلى أن حاصروه في داره ، وضايقوه على ~~أن يخلع نفسه من الخلافة ، ويجعلها شورى بين المسلمين فتقاعس وتصلب أولا ، ~~ثم لما اشتد الحصار عليه وحبسوا عنه حتى الماء والطعام تراخت اعصابه ، ~~ووهنت اطنابه ms295 ، وحاول أن يخمد نار الفتنة بخلع نفسه اجابة للثائرين الذين ~~شددوا الحصار فاحس بنو أمية وقيادتهم يومئذ بيد مروان في المدينة ، ومعاوية ~~في الشام ، بأن صاحبهم إذا خلع نفسه فسوف يفلت الحبل من ايديهم ، وقد غلط ~~الدهر أو غلط المسلمون غلطة يستحيل أن يعودوا لمثلها أبدا ، وبأي سابقة ، ~~أو مكرمة لبني أمية أو جهاد في الاسلام يستحقون أن تكون خلافة المسلمين في ~~واحد منهم ، وهم اعداء الاسلام وخصومه في كل موقف من مواقفه ، وفي كل يوم ~~من ايامه ، أدرك كل ذلك مروان ومن معه من حزبه فتواطئوا مع زعيمهم بالشام ~~أن يجهزوا على صاحبهم فيقتلوه قبل أن يخلع نفسه وقبل أن يفلت حبل الحيلة من ~~أيديهم ، نعم يقتلونه ويتخذون قتله ذريعة إلى مطالبة فئة من المسلمين بدمه ~~، ويتظاهرون لسائر المسلمين بأنه قتل مظلوما ولا بد من الأخذ بثاره فيكون ~~أقوى وسيلة إلى استرجاع الخلافة إليهم ، ولو لا قتل عثمان وقميص عثمان لما ~~صارت الخلافة إلى معاوية ومروان وابناء مروان ، ولكان من المستحيل أن ~~يحلموا بها في يقظة أو منام ولكن جاءت صاحبهم الاول من غير ثمن ، وقد دفعها ~~إليه من قبله دفعا نعم اراد السابق أن يحولها عن بني هاشم إلى خصومهم ~~الألداء بني أمية ففتل حبل الشورى ، وابرمه بحيث تصير الخلافة لا محالة إلى ~~عثمان ، وما اكتفى PageV02P012 # بذلك حتى نفخ روح الطموح إليها في نفس معاوية الطليق ابن الطليق ، وهو ~~وأبوه اكبر الاعداء الألداء للاسلام ، كان كل سنة يحاسب عماله ويصادر ~~أموالهم ، ويعاملهم بأشد الأحوال إلا معاوية ، تتواتر الاخبار لديه بأن ~~معاوية يسرف في صرف أموال المسلمين ويلبس الحرير والديباج فيتغاضى عنه بل ~~يعتذر له ، ويقول : « ذاك كسرى العرب » (1) مع أن معاوية كان من الضعة ~~والفقر والهوان باقصى مكان ، كان من الصعاليك الساقطين في نظر المجتمع حتى ~~أن أحد أشراف العرب وفد على النبي «ص». # ولما أراد الخروج أمر النبي «ص» معاوية أن يشيعه إلى خارج المدينة وكان ~~الحر شديدا والأرض يغلى رملها ويفور ومعاوية حافي القدمين فقال للوافد ms296 الذي ~~خرج في تشييعه : # اردفني خلفك. # أنت لا تصلح أن تكون رديف الأشراف والملوك!. # ألا فاعطني نعليك اتقى بهما حرارة الشمس. # أنت احقر من ان تلبس نعلى. # ما أصنع وقد احترقت رجلاى؟ # امشى في ظل ناقتي ولا تصلح لأكثر من هذا!!. PageV02P013 # تعسا لك يا زمان وأف لك يا دهر هذا الصعلوك النذل صار أو صيروه كسرى ~~العرب!!!. # نعم : معاوية ومروان هما اللذان دبرا الحيلة في قتل عثمان ، ومكنوا ~~الثائرين من قتله ، وقضية الجيش الذي أرسله معاوية من الشام إلى المدينة ~~ووصيته له بأن لا يدخل المدينة حتى يقتل عثمان تشهد لذلك وهي مشهورة # نعم : وقد اعانهم على قتله أيضا احدى زوجات النبي التي كانت تهرج على ~~عثمان وتصرخ في النوادى « اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا » ثم بعد أن امتثلوا ~~أمرها وقتلوه ، ثارت أو أثاروها إلى الطلب بدمه ، وكانت من جراء ذلك واقعة ~~الجمل التي ذهب ضحيتها عشرون الفا من المسلمين ، وفتحت باب الحروب بين أهل ~~القبلة ، وقال أحد شعراء ذلك العصر يخاطبها ويؤنبها # وأنت البلاء وأنت الشقاء %~% وأنت السحاب وأنت المطر وأنت أمرت بقتل الامام %~% وقلت لنا إنه قد كفر # وقال الآخر : # جاءت مع الأشقين في هودج %~% تزجى إلى البصرة أجنادها كأنها في فعلها هرة %~% من جوعها تأكل أولادها # وهذه النكات التي رشح القلم بها هنا وهي من أسرار دقائق التأريخ والتي قل ~~من تنبه لها إنما جاءت عفوا ، وما كانت من القصد في شيء ، إنما المقصود ~~بالبيان ان معاوية وأبا سفيان لما بهرهما الاسلام وقهرهما على الدخول فيه ~~حفظا لحوبائهما (1) من التلف ، أظهرا الاسلام صورة واضمرا الكيد والفتك به ~~سريرة ، وبقيا يتربصان فكلما سنحت فرصة لذلك ظهرت ركيزتهم في اقوالهم وفي ~~اعمالهم. PageV02P014 # وكان معاوية أدهى من أبيه الذي كبر وخرف في آخر عمره ومن دهائه وعزمه كان ~~يحتفظ بصورة الاسلام مدة إمرته بالشام عشرين سنة فلا يصطدم بشعيرة من ~~شعائره ، ولا يتطاول إلى اعتراض قاعدة من قواعده فلا يتجاهر بشرب الخمر ~~والاغاني ، ولا يقتل النفس المحرمة ولا يلعب بالفهود ms297 ، ولا يضرب على ~~المزمار والعود ، نعم : قد يلبس الحرير والديباج وطيلسان الذهب ولا بأس ~~بذلك فانه « كسرى العرب » وما احتفظ بشعائر الاسلام إلا لحاجة في نفس يعقوب ~~، ومن باب الهدوء قبل العاصفة والمشى رويدا لأخذ الصيد. # بقى على ظاهر الايمان المبطن بالكفر مدة مخالفته ومحاربته لامير المؤمنين ~~في صفين ، فلما استشهد سلام الله عليه ، تنفس الصعداء ، وغمرته المسرة ~~وامكنته الفرصة من اللعب على الحبل وتدبير الحيل ، ولكن بعد أن بويع الحسن ~~«ع» والتف عليه الأبطال من أصحاب أبيه. وشيعته ومواليه ، ومنهم الرءوس ، ~~والضروس ، والانياب ، والعديد ، والعدة ، والسلاح ، والكراع ، فوجد أنه وقع ~~في هوة أضيق وأعمق من الأولى ، فان الحسن سبط رسول الله ، وابن بنته ، ~~وريحانته ، وهو لوداعته ، وسلامة ذاته محبوب للنفوس لم يؤذ أحدا مدة عمره ، ~~بل كان كله خير وبركة ، ولم تعلق به تهمة الاشتراك بقتل عثمان ، بل قد يقال ~~إنه كان من الذابين عنه فكيف يقاس معاوية به وكيف يعدل الناس عن ابن فاطمة ~~بنت رسول الله «ص» إلى ابن هند آكلة الأكباد ، اقلق معاوية ، وأقض مضجعه ~~التفكير بهذه النقاط المركزة التي لا مجال فيها للنقاش والجدال ، ولكن ~~سرعان ما اهتدى بدهائه ومكره إلى حل عقدتها وكشف كربتها ، فلجأ إلى عاملين ~~قويين ، « أولهما » المال الذي يلوى اعناق الرجال ، ويسيل في لعبه PageV02P015 # لعاب الأبطال ، وبعث إلى اعظم قائد من قادة جيش الحسن الذين بايعوه على ~~الموت دونه ، وأمسهم رحما به وهو عبيد الله بن العباس الذي جعله أميرا حتى ~~على قيس بن سعد بن عبادة ذلك الزعيم العظيم الفارس المغوار المتفاني اخلاصا ~~في حب الحسن وأبيه ، نعم : بعث إليه معاوية باكثر من خمسين الفا ، ووعده ~~عند مجيئه إليه بمثلها ، فانسل إلى معاوية في جنح الظلام ، وأصبح الناس ولا ~~أمير لهم فصلى بهم قيس ، وهون عليهم ، هذه الفادحة التي أوهت عزيمة الجيش ، ~~وهيئتهم للهزيمة ، قبل النضال ، وقل ساعد الله قلبك يا أبا محمد كيف تحملت ~~هذه الرزايا التي أقبلت عليك متتابعة كقطع الليل ، وصار معاوية يعمل بهذه ~~الخطة مع كل ms298 بارز من الشيعة ورجالهم وأبطالهم فاستمالهم إليه جميعا ، ولم ~~يستعص عليه ويسلم من مكره وحبائله إلا عدد قليل لا يتجاوز العشرة كقيس بن ~~سعد ، وحجر بن عدى وأمثالهم ممن ناطحوا صخرة الظلم والضلال براسخ إيمانهم ، ~~وما اختلجهم الشك في كفر معاوية وأبيه وبنيه ، طرفة عين ، وكان قيس « أقسم ~~بالله أن لا يلقى معاوية إلا وبينهما الرمح أو السيف » في قضية معروفة ، ~~هذا أول تدبير أتخذه معاوية للغلبة على الحسن ، واستبداده بالأمر واغتصاب ~~الخلافة منه « الثاني » وهي حيلة تأثيرها أشد من الأولى استطابها السواد ~~الأعظم وانجرف إليها الرأي العام تلك دعوى معاوية الحسن إلى الصلح (1) نعم ~~: أشد ما فت في عضد الحسن طلب معاوية الصلح ، فقد كانت أفتك غيلة ، وأهلك ~~حيلة لأن المال كان يستميل به معاوية عيون الرجال ، والخواص منهم ، اما ~~العامة فلا ينالهم منه شيء ولكن الناس PageV02P016 # كانوا قد عضتهم أنياب الحروب حتى أبادت خيارهم ، وأخربت ديارهم في أقل من ~~خمس سنين ثلاثة حروب ضروس : الجمل ، وصفين ، والنهروان فاصبحت الدعوة الى ~~الحرب ثقيلة وبيلة ، والدعوة إلى الصلح والراحة لذيذة مقبولة ، وهنا تأزمت ~~ظروفه سلام الله عليه وحاسب الموقف حسابا دقيقا ، حساب الناظر المتدبر في ~~العواقب ، فوضع الرفض والقبول في كفتى الميزان ليرى لأيهما الرجحان ، فوجد ~~أنه لو رفض الصلح وأصر على الحرب ، فلا يخلو أما أن يكون هو الغالب ، ~~ومعاوية المغلوب وهذا وإن كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل ، ~~ولكن فليكن بالفرض هو الواقع ، ولكن هل مغبة ذلك إلا تظلم الناس لبني أمية ~~، وظهورهم باوجع مظاهر المظلومية ، بالامس قتلوا عثمان عين الامويين ، ~~وامير المؤمنين « كما يقولون » واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين ، وخال ~~المؤمنين ( يا لها من رزية ) ويتهيأ لبني أمية قميص ثانى فيرفعون قميص ~~عثمان مع قميص معاوية ، والناس رعاع ينعقون مع كل ناعق لا تفكير ولا تدبر ، ~~فما ذا يكون موقف الحسن إذا؟ لو افترضناه ، هو « الغالب ». # أما لو كان هو « المغلوب » فاول كلمة تقال من كل متكلم إن الحسن هو الذي ~~القى نفسه بالتهلكة ، فان معاوية ms299 طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فابى ~~وبغى ، وعلى الباغي تدور الدوائر ، وحينئذ يتم لمعاوية وأبى سفيان ما أرادا ~~من الكيد للاسلام وارجاع الناس الى جاهليتهم الأولى وعبادة اللات والعزى ، ~~ولا يبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة ، بل كان نظر الحسن «ع» فى قبول ~~الصلح أدق من هذا وذاك ، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله ، وما ستره في ~~قرارة نفسه قبل أن يكون غالبا أو مغلوبا ، وبدون أن يزج الناس في حرب ، ~~ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء. PageV02P017 # فقد ذكرنا أن معاوية المسلم ظاهرا العدو للاسلام حقيقة ، وواقعا كان ~~لوجود المزاحم يخدع الناس بغشاء رقيق من التزمت في ارتكاب الكبائر ~~والموبقات ، وما ينطوى عليه من معاداة الاسلام وتصميم العزيمة على قلع ~~جذوره واطفاء نوره ، يتكتم بكل ذلك خوفا من رغبة الناس إلى الحسن وأبيه من ~~قبل فاراد الحسن أن يخلى له الميدان ، ويسلم له الأمر ويرفع الخصومة ، حتى ~~يظهر ما يبطن ، ويبوح بكفره ، ويعلن ويرفع عن وجهه ذلك الغشاء الصفيق ويعرف ~~الناس حقيقة أمره ، وكامن سره ، وهكذا فعل ، وفور إبرام الصلح صعد المنبر ~~في جمع غفير من المسلمين ، وقال : # « إني ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد ~~اعطيت الحسن شروطا كلها تحت قدمي. » # أنظر الى القحة والصلف وعدم الحياء وضيق الوعاء وصفاقة الوجه ، أما وأيم ~~الله إنه لو لم يكن لقبول الصلح الا ظهور هذه الكلمات من معاوية لكفى بها ~~دليلا على افتضاح معاوية ، ومعرفة الناس بكفره ، فما ظنك به وقد استمر على ~~هذه الخطة الكافرة ، والخطيئة السافرة ، والتحدى للاسلام وهدم قواعده جهارا. # لو لا صلح الحسن لما استلحق معاوية زيادا بأبى سفيان ، وهو ولده من الزنا ~~، فضرب قول رسول الله «ص» « الولد للفراش وللعاهر الحجر » ضربها بالحجر ~~وبعرض الجدار بلا خيفة ، ولا حذر. # لو لا الصلح لما قتل حجر بن عدي سيد الأوابين ، وعشرة من أعلام خيار ~~الصحابة والتابعين ، قتلهم بمرج عذراء صبرا ، من دون أى سبب مبرر # لو لا الصلح لما ms300 قتل معاوية الصحابي الجليل عمرو بن الحمق ، وحمل رأسه ~~الى الشام ، وهو أول رأس حمل في الاسلام. # لو لا الصلح لما سقى معاوية الحسن السم على يد جعيدة بنت الاشعث PageV02P018 # لو لا الصلح لما أجبر معاوية البقية الصالحة من أولاد المهاجرين والانصار ~~على أخذ البيعة ليزيد ، وحاله في الفسق والفجور مشهور إلى كثير من أمثال ~~هذه المخازى ، والفظائع التي لا يبلغها الاحصاء. ولكن تأمل مليا وأنظر من ~~الغالب ومن المغلوب. # انظر ما صنع الحسن بمعاوية في صلحه وكيف هد جميع مساعيه وهدم كل مبانيه ~~حتى ظهر الحق وزهق الباطل ، وخسر هنالك المبطلون فكان الصلح في تلك الظروف ~~هو الواجب والمتعين على الحسن ، كما أن المحاربة والثورة على يزيد في تلك ~~الظروف كان هو الواجب والمتعين على أخيه الحسين ، كل ذلك للتفاوت بين ~~الزمانين ، والاختلاف بين الرجلين # ولو لا صلح الحسن الذي فضح معاوية ، وشهادة الحسين التي قضت على يزيد ، ~~وانقرضت بها الدولة السفيانية بأسرع وقت. # لو لا تضحية هذين السبطين لذهبت جهود جدهما بطرفة عين ، ولصار الدين دين ~~آل أبي سفيان دين الغدر والمكر ، دين الفسق والفجور ، دين الحانات والخمور ~~، دين العهار ، دين الفهود والقرود ، دين إبادة الصالحين واستبقاء الفجرة ~~الفاسقين. # فجزا كما الله يا سيدى شباب الجنة ويا سبطي رسول الله ، جزا كما الله عن ~~الاسلام وأهله أفضل الجزاء ، فو الله ما عبد الله عابد ولا وحده موحد. وما ~~حقت فريضة ولا أقيمت سنة ولا ساغت في الاسلام شريعة ولا زاغت من الضلال إلى ~~الهدى أمة إلا ولكما بعد الله ورسوله الفضل والمنة والحجة البالغة والمحجة. # جاء رسول الله بالهدى والنور والخير والبركة للانسانية أجمع من غير لون ~~ولون وعنصر وآخر وأمة دون أمة وقوم سوى آخرين جاء بالاسلام والنور المبين ~~فشيد قواعده وأحكمه وأقومه وأكمله وأتمه ولم يترك فيه أى PageV02P019 # نقص وأى عوج وجاء أبو سفيان والشجرة الملعونة في القرآن معاوية ويزيد ~~ومروان فحملوا معاول الكفر والشرك وتحاملوا على تلك الأسس والقواعد يقلعون ~~جذورها ويخمدون نورها « يريدون أن ms301 يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره ولو كره الكافرون » فوقف السبطان بما لهما من قوة وسلطان سدا ~~منيعا دون ذلك البنيان ، وما تم لهما ما أرادا من حفظ شريعة جدهما إلا ~~بالتضحية العظمى بانفسهم وأموالهم ورجالهم وأطفالهم وبكل ما في دنيا النعمة ~~والنعيم والعيش الوسيم ، بذلوا كل ذلك في سبيل الله ولحفظ دين الله ، ولو ~~لا هذه التضحية وتلك المفادات لأصبح دين الاسلام أسطورة من الاساطير لا ~~تجده إلا في الكتاب والقماطير يذكره التأريخ كما يذكر الحوادث العابرة ~~والأمم المنقرضة. # « سبحان الله والله أكبر ولله الحمد » من هنا تعرف ويجب أن تعرف السر في ~~حفاوة المنقذ الأعظم تلك الحفاوة البليغة والتعظيم الخارج عن نطاق العرف ~~والمعتاد بل وعن رواق التعقل والسداد ذلك النبي العظيم والشخصية الحبيبة ~~إلى المبدء الاعظم التي ملأها هيبة وعظمة ووقارا ، والذي لا تهزه العواصف ~~ولا تستميله العواطف ولا خامره في لحظة من عمره العبث واللهو واللعب الذي ~~كانت غريزته التي فطر عليها قوله : « ما أنا من دد ولا الددمني » والذي كان ~~من الوقار والهيبة والاتزان ربما يدخل عليه الرجل الذي مار آه من ذى قبل ~~فترتعد فرائصه من هيبته فيقول له النبي : « لا تفزع فاني ابن امرأة من قريش ~~كانت تأكل القديد » حذرا من أن يقول المسلمون فيه ما قالت النصارى في ~~المسيح ، هذا الطود العظيم ، يحمل الحسن والحسين وهما طفلان على كتفيه ، ~~ويمشي بهما وهما على متنيه في ملأ من المسلمين رافعا صوته ليسمعوا « نعم ~~الجمل جملكما ، ونعم الراكبان أنتما » ثم يأتي الحسين وهو غلام فيعلو على ~~ظهر النبي والنبي ساجد فلا يرفع رأسه حتى ينزل PageV02P020 # الحسين حسب إرادته ، النبي يخطب والحسين يدرج في المسجد فيعثر فيقطع ~~النبي خطبته ، ويعدو إليه ويحتضنه ويقول : « قاتل الله الشيطان ، الولد ~~فتنة لما عثر ولدى هذا أحسست أن قلبي قد سقط مني » الى كثير من أمثال هذا ~~مما صدر عنه سلام الله عليه في ولديه مما لست بصدد احصائه وجمعه ، ولكن ~~أقول : إن هذا الشغف ms302 ، والحب اللامتناهي ليس لكونهما ابني بنته فحسب فان ~~هذه النسبة لا تستوجب كل هذا العطف الخارق لسياج العرف والعادة ، ولكن لا ~~شك ان هناك أسرارا وأسبابا هي أدق وأعمق ، أسرار روحية هي فوق هذه الوشائج ~~الجسمية ، فهل ترى معى أن رسول الله (ص) لعله ارتفع عن أفق الزمان : وأشرف ~~بروحيته المقدسة من نافذة الدهر ، وأطل على صحيفة التكوين من ألفه إلى يائه ~~، فنظر الى الماضي والحاضر والآتى نظرة واحدة ، رأى الحوادث الآتية ممثلة ~~بعينها في صحيفة الوجود لا بصورها على شاشة التمثيل ، رأى ما كابد ولداه من ~~الدفاع عن دينه ، والحماية لشريعته والتضحية بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ، ~~وأنهم ارخصوا في المفادات كل غال وعزيز ، تجرع الحسن السم من معاوية مرارا ~~حتى قضى بالمرة الأخيرة التي تقيا بها كبده قطعة قطعة ، ثم ضرب الحسين ~~المثل الأعلى في التضحية والمفادات لحفظ شريعة جده ، فاستقبل السيوف ~~والرماح والسهام وجعل صدره ونحره ورأسه ورئته ، وقاية عن المعاول التي ~~اتخذها بنو أمية لهدم الاسلام ، وقلعه من اساسه ، ونصب نفسه وأولاده ~~وانصاره ، الغر الميامين هدفا وشبحا لوقاية الاسلام من أن تنهار دعائمه ، ~~وتنهد قواعده وقوائمه ، بهجمات الأمويين عليه ، حتى سلم الاسلام واشرقت ~~أنواره ، وعلمت أسراره ، وهلك الكافرون وخسر هنالك المبطلون ، وكانت كلمة ~~الله العليا ، وكلمة اعدائه السفلى ، وكل مسلم من أول اسلام الناس إلى ~~اليوم بل وإلى يوم القيامة مدين ورهين بالشكر والمنة لهذين الامامين ، ولو لا PageV02P021 # تضحيتهما التي ما حدث التأريخ بمثلها أبدا ، نعم لو لا تلك التضحية لعاد ~~الناس بمساعي الأمويين الى جاهليتهم الأولى بل اتعس إذا ، فهل تستغرب من ~~النبي (ص) تلك الحفاوة والتعظيم لهما وهما طفلان صغيران ، وقد عرف بل رأى ~~بعين بصره تلك الحوادث الفجيعة ، وذلك الكفاح المرير من أجله وفي سبيله ، ~~وكان يشمهما ويضمهما ويقول : « هما ولداى وريحانتاى » وباليقين انه كان ~~يتنسم منهما العبق الربوبي ، ويتوسم بهما الألق الالهي وبهذا نعرف ويجب ان ~~نعرف أن الحسن والحسين ، نور واحد لا يفضل احدهما على الآخر قدر عرض شعرة ~~كل واحد منهما قد ms303 قام بواجبه ، وأدى رسالته وعمل بالمنهاج المقرر له من جده ~~وأبيه ، والصك الذي تسلمه في أول يوم من إمامته ، إذا أردت التوسع في معرفة ~~عظمة الحسن سلام الله عليه وشجاعته ، وبسالته ، وقوة قلبه ، وشدة عارضته ، ~~وبليغ حجته ، وعدم أكتراثه بزخارف الملك ، وأبهة السلطان ، فانظر الى ~~كلماته واحتجاجاته في مجلس معاوية مع رءوس المنافقين ، وضروس الكفرة ~~الملحدين الذين كان معاوية يحرش بينهم وبين الحسن ليضحك على ذقونهم ، كابن ~~العاص وابن شعبة ومروان ونظرائهم من زبانية جهنم الذين ما آمنوا بالله طرف ~~عين ، انظرها واعجب بها ما شئت هناك تتمثل لك العظمة في أوج رفعتها وتتصور ~~لك البسالة في موج لجتها ، وإن شئت المزيد فانظر الى كلماته في ساعة الموت ~~، ويوم انطلاقه من هذا السجن ، الكلمات التي قالها لأخيه محمد بن الحنفية ~~فى حق أخيه الحسين ، هنالك تنفتح لك أغلاق أسرار الامامة ، ويتضح لديك ~~إشراق أنوار النبوة والزعامة ، وتعرف المرعوية النبوية ، والولاية الكلية ، ~~هنالك الولاية لله « والنبي أولى بالمؤمنين من انفسهم » ( ومن كنت مولاه ~~فعلى مولاه ) « وإنما وليكم الله ورسوله » الآية # وقد زحف القلم ، وخرج عن المحدد ، واشتمر عن قصد الجادة PageV02P022 # وجادة القصد ، إنما القصارى التي أردتها من كلمتى هذه ان العداوة بين بنى ~~هاشم وبنى أمية ذاتية متأصلة هى عداوة الهدى للضلال ، والنور للظلام ويشهد ~~لذلك انك لو استعرضت سيرة بنى أمية من اولهم من عبد شمس إلى آخرهم مروان ~~الحمار لم تجد في صحيفة الكثير بل الأكثر منهم إلا الغدر والمكر ونكث ~~العهود ، والفسق والفجور ، والعهر والخنا وانباء الزنا إلى كل ما يتحمله ~~لفظ الرذيلة من المعاني. # وإذا استعرضت سيرة بنى هاشم من أولهم ليومنا هذا لم تجد في صحيفة الكثير ~~بل الأكثر منهم إلا كلما يتحمله لفظ الفضيلة من الوفاء والصدق والشجاعة ~~والعفة ، وطهارة المولد ، وشرف النفس وعلو الهمة ، والتضحية في سبيل المبدأ ~~، وما الى ذلك من كرم الأخلاق ، وطهارة الأعراق ، وهب أن هناك من يعذر بنى ~~أمية في عداوتهم لبني هاشم ويقول : إنهم اتخذوها ذريعة ووسيلة الى الملك ms304 ~~والسلطان ، ولكن ما عذر الموالين لبني أمية في هذا العصر ما عذر الأموية ~~الحديثة ، التي لا تنال بذلك حظا من حظوظ الدنيا ولا نصيبا في الآخرة. # ( @QUR@023 قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين ). # والحمد لله الذي فقأ عيني الكفر والنفاق ، وأقر عينى الاسلام والإيمان ~~بالحسن والحسين ، والعترة الطاهرة ، ونسأله تعالى كما من علينا بمعرفتهم ~~وولايتهم أن يحشرنا في زمرتهم ، ويكرمنا بشفاعتهم والبراءة من اعدائهم ~~وعداوتهم : # أو إليكم ما دجت مزنة %~% وما اصطخب الرعد أو جلجلا وأبرأ ممن يعاديكم %~% فان البراءة شرط الولا PageV02P023 # وحقا إن الزكى أبا محمد سلام الله عليه في المدة القصيرة التي عاشها بعد ~~ابيه تحمل من الرزايا والمحن ما لم يحتملها نبي ، وما هي بأقل من المصائب ~~التي جرت على أخيه أبي عبد الله «ع» يوم الطف ، فان النكبة الأليمة ، ~~والضربة الأثيمة في الأخوين واحدة وإن اختلفت الأشكال والأساليب ، وكما أن ~~الحسين قابل رزاياه بالصبر الذي عجبت منه ملائكة السماوات ، فكذلك الحسن ~~قاتل عدوه ، وقابل الامة وارزائه بصبر عجيب. وصدر رحيب ما هان يوما ولا لان ~~، ولا تضرع ولا استكان ، وما أخذ من امواله التي اغتصبها معاوية منه وصارت ~~العوبة بايدى بنى أمية ، ما أخذ واحدا من آلاف بل من مئات الآلاف وكما لا ~~مساغ للتفاضل بين هذين النيرين ، كذلك لا يصح القول بأن صبر الحسن دون صبر ~~الحسين ، أو ان مصيبته اهون المصيبتين ، فسلام الله عليكما يا إمامى الهدى ~~وسليلى على والزهراء ما ازهرت الفضيلة واكفهرت الرذيلة. # واختم كلمتي بابيات من خاتمة قصيدة رثاء لسيد الشهداء نظمتها منذ مدة ~~تزيد على خمسين سنة استهلها : # حذوا الماء من عيني والنار من قلبي %~% ولا تحملوا للبرق منا ولا السحب # واختها : # بنى الشرف الوضاح والحسب الذي %~% تناهي فاضحى قاب قوسين للرب لئن عدت الأحساب للفخر اوغدت %~% تطاول بالأنساب سيارة الشهب فما نسبي إلا انتسابي إليكم %~% وما حسبي إلا بأنكم حسبى # حرر هذه الكلمة ms305 بانامله الرقيمة ، واقلامه السقيمة مرتجلا مترسلا في بضع ~~سويعات آخرها يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان يوم وفاة سيد الوصيين وإمام ~~الصديقين امير المؤمنين عليه آلاف السلام والتحية سنة 1373 ه # محمد الحسين آل كاشف الغطاء # بمدرسة العلمية بالنجف الاشرف PageV02P024 ### | البيعة PageV02P025 # واعتنى الاسلام بالخلافة (1) اعتناء بالغا فأناط بها المسئوليات الضخمة ~~فجلها مسئولة عن نهضة المسلمين وتطوهم وانطلاقهم في ميادين العلم ، ~~وتوجيههم نحو الخير وابعادهم عن مسالك الضلال والفساد ، والعمل على ايجاد ~~الوسائل السليمة لأسباب قوتهم ورخائهم ، كما أوكل إليها حراسة الدين ~~والحفاظ على شئونه ، وصيانة مثله فهي المحور الذي تدور عليه سياسته وسائر شئونه. # إن حقيقة الاسلام وفكرته شاملة لجميع المناحي الدينية والسياسية فقد الف ~~بينهما وحدة متسقة وجعلهما كلا لا يتجزأ ، وقد ادرك هذه الحقيقة جمهور كبير ~~من علماء المستشرقين يقول بعضهم : # ( إن الاسلام ليس ظاهرة دينية فقط ، وانما اتى بنظام سياسي ذلك ان مؤسسه ~~كان نبيا وكان حاكما مثاليا خبيرا بأساليب الحكم. ) # وقال جيت : ( ان الاسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية ، وانما استوجب ~~اقامة مجتمع مستقل له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه وانظمته الخاصة ~~به. ) (2) # إن الخلافة ترتبط بالاسلام ارتباطا وثيقا فهي جزء من برامجه وفصل من ~~فصوله فلا بد من اقامتها على مسرح الحياة يقول الشيخ محمد عبده : # ( الاسلام دين وشرع فقد وضع حدودا ، ورسم حقوقا وليس كل معتقد في ظاهر ~~أمره بحكم يجري عليه في عمله فقد يغلب الهوى وتتحكم PageV02P027 # الشهوة فيغمط الحق ، ويتعدى المعتدي الحد فلا تكمل الحكمة إلا إذا وجدت ~~قوة لاقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي وصون نظام الجماعة. ) (1) # إن الاسلام جاء بمجموعة كاملة من النظم والقوانين تهدف إلى تنظيم الحياة ~~وصيانة الحقوق والقضاء على الغبن والظلم ، وبسط الأمن والعدل فى البلاد ، ~~ومن الطبيعي انها تحتاج إلى قوة ودولة لتقوم بحمايتها وتطبيقها على واقع ~~الحياة. # أما من يتولى قيادة الحكم وإدارة شئون البلاد فقد تحدث الامام أمير ~~المؤمنين (ع) عما يعتبر فيه من الصفات بقوله : # ( وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون ms306 الوالى على الفروج ، والدماء ، ~~والمغانم ، والاحكام وإمامة ، المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته (2) ~~ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافى فيقطعهم بجفائه ، ولا الحائف للدول ~~(3) فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ويقف فيها ~~دون المقاطع (4) ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة ... ) (5) # إن من يلى امور المسلمين ويتولى ادارة شئونهم فى نظر الامام PageV02P028 # لا بد أن يكون ندي الكف بعيدا عن البخل عالما بما تحتاج إليه الامة غير ~~حائف للدول ، ولا مرتشي فى اعماله ، ولا معطل لحدود الله وسنة نبيه فانه ~~اذا تجرد من هذه الصفات واجهت الأمة فى عهده سيلا عارما من المحن وتعرضت ~~البلاد للازمات والنكبات. # وأعرب الذكر الحكيم فى قصة ابراهيم (ع) عمن يستحق الامامة من ذريته قال ~~تعالى : ( @QUR@012 إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين ) (1) وذكر المفسرون أن المراد بالعهد هو الامامة والإمامة هى ~~الخلافة (2) فلا ينالها من تلبس بالظلم فى أي مرحلة من حياته (3) سواء أكان ~~الظلم للنفس (4) أو للغير فانه لا يمنح بذلك اللطف. # لقد اهتم الاسلام اهتماما كثيرا فيمن يلى امور المسلمين فالزم ان يكون ~~مثالا للعدل وعنوانا للحق ورمزا للعدل والفضائل ليرعى مصالح الأمة ويحقق فى ~~ربوعها جميع ما تصبوا إليه من العزة والكرامة ولم نتوفر الصفات الرفيعة ~~التي يتطلبها الاسلام فى القيادة الرشيدة إلا فى أهل البيت (ع) الذين أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين قرنهم النبي (ص) PageV02P029 # بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجعلهم ~~سفنا للنجاة وأمنا للعباد ، ومن الطبيعي أن ذلك لم يكن ناشئا إلا عن مدى ~~أهميتهم ، وقد تحدث الامام أمير المؤمنين (ع) عما مثل فيهم من الصفات ~~والنزعات بقوله : # « هم عيش العلم ، وموت الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن ~~باطنهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم ~~الاسلام ، وولائج الاعتصام (1) بهم عاد الحق فى نصابه ، وانزاح الباطل عن ~~مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ms307 ورعاية (2) لا عقل ~~سماع ورواية فان رواة العلم كثير ورعاته قليل ... » (3) # وبالاضافة الى هذه القابليات والمواهب التي يتمتعون بها فان النبي (ص) نص ~~على اختصاص الخلافة فيهم وانهم أحق بالأمر من غيرهم ، وقد تواترت النصوص ~~(4) الواردة منه بذلك كقوله : # « لا يزال هذا الدين قائما حتى تقوم الساعة ، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة ~~.. كلهم من قريش ». # وقال (ص): « يكون بعدي اثنا عشر أميرا. وقال : كلهم من قريش .. » PageV02P030 # الى غير ذلك من الأحاديث الدالة بصراحتها وحصرها على اختصاص الخلافة فيهم ~~، وانهم سفن النجاة وهداة العباد. # ومن الأئمة الطاهرين الاثنى عشر الذين أقامهم الرسول (ص) خلفاء من بعده ~~وأمناء على تبليغ رسالته الامام الحسن ريحانته وسبطه الأكبر فقد نصبه اماما ~~على أمته وقال فيه وفي أخيه : « الحسن والحسين امامان إن قاما وإن قعدا ». ~~ونص على امامته الامام أمير المؤمنين (ع) وأقامه علما من بعده ، بعد أن ~~اغتاله ابن ملجم ، وقد فزع إليه المسلمون بعد موت أمير المؤمنين وأجمعوا ~~على مبايعته ، فقد اجتمعوا في جامع الكوفة سنة أربعين من الهجرة في صبيحة ~~احدى وعشرين من شهر رمضان المبارك ، وأقبل عليه السلام وقد احتفت به البقية ~~الباقية من صالحاء المهاجرين والأنصار فاعتلى منصة الخطابة فابتدأ بعد حمد ~~الله والثناء عليه بتأبين فقيد العدالة الكبرى الامام أمير المؤمنين وتعداد ~~بعض فضائله ومواهبه فقال : # « لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولم يدركه الآخرون ~~بعمل ، لقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه ، وكان رسول الله (ص) ~~يوجهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، لا يرجع حتى يفتح ~~الله على يديه ، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم (ع) ~~وقبض فيها يوشع بن نون وصي موسى (ع) وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة ~~درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ». # وتمثلت صورة أبيه أمامه فخنقته العبرة وأرسل ما في عينيه من دموع وكذلك ~~بكى جميع من حضر في جنبات الحفل ، وساد الحزن وعم ms308 الأسى ثم استأنف الامام ~~خطابه فأعرب للناس سمو مكانته وما يتمتع به من الشرف PageV02P031 # والمجد قائلا : # « أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي ، ~~وأنا ابن النبي ، وأنا ابن الوصي ، وأنا ابن البشير النذير ، وأنا ابن ~~الداعي الى الله باذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذي ~~كان جبرئيل ينزل إلينا ، ويصعد من عندنا ، وأنا من أهل البيت الذي أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأنا من أهل بيت افترض الله مودتهم على كل ~~مسلم فقال تبارك وتعالى لنبيه (ص): « قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى ، ومن يقترف حسنة نزد له منها حسنا » فاقتراف الحسنة مودتنا أهل ~~البيت ». # وحفل خطابه البليغ بما يلي : # 1 انه عرف الناس بجهاد ابيه وعظيم بلائه في الإسلام ووقايته لرسول الله ~~(ص) بنفسه في جميع المواقف والمشاهد وقد أبنه بكلمة تمثلت فيها بلاغة ~~الاعجاز وروعة الايجاز وهي قوله : « فهو لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه ~~الآخرون بعمل » ومن كان لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون كان أعظم شخصية ~~بزت جميع المصلحين والعظماء في جميع مراحل التاريخ وحقا انه كذلك ، فليس في ~~جميع فترات الزمن وآناته قديما وحديثا أحد فاق الامام أو يفوقه في مثله ~~وأعماله وجهاده وذبه عن حظيرة الإسلام. # 2 وأبان (ع) في خطابه الرائع قداسة الليلة التي رحل فيها أبوه الى جنان ~~الخلد. فلقد عرج فيها الى السماء المسيح عيسى بن مريم (ع) ورحل فيها إلى ~~جواره تعالى يوشع بن نون وصي موسى (ع). وفي هذه الليلة العظيمة انتقل الى ~~جوار الله سيد الأوصياء ، وعميد الأتقياء ، وحامى PageV02P032 # حوزة الإسلام الامام علي (ع) فهي بحق أشرف الليالي وأسماها عند الله. # 3 وأعرب (ع) لذلك الحفل الحاشد زهد أبيه وعدم اعتنائه بدنياه فلقد رحل ~~عنها ولم يخلف من حطامها شيئا ، وقد كان في استطاعته أن يسكن أفخم القصور ، ~~ويلبس الحرير والديباج ، ويأكل ما لذ من الطعام ويتخذ العبيد والاماء ولكنه ~~ترك كل ذلك رغبة فيما ms309 أعد الله له فى دار البقاء من النعيم والكرامة ~~والسعادة ، وما أفاض عليه في هذه الدنيا من خلود الاسم والثناء العاطر ~~والذكر الحسن المقرون بالاكبار والتقديس عند الناس جميعا!! لقد وافى الامام ~~عليا الأجل المحتوم وما خلف سوى ثمالة من المال يتركها أقل البائسين ~~والضعفاء ، وهو سلطان المسلمين وزعيمهم ، تجبى له الأموال الطائلة من شتى ~~الأقطار الإسلامية ولكنه (ع) أبى أن يأخذ منها شيئا. # 4 وتضمن خطابه (ع) دعوة الناس إلى مبايعته ، وقد كانت دعواه رائعة بكل ما ~~للروعة من معنى ، فلقد عرف نفسه إلى الجماهير بأنه ابن الداعي إلى الله ، ~~وابن السراج المنير ، وانه ممن أذهب الله عنهم الرجس والأباطيل ، وهل هناك ~~أحد أحق بالخلافة من شخص التقت به هذه الكمالات ، واجتمعت فيه هذه الفضائل. # ولما انهى (ع) خطابه الذي لم يرو التأريخ الا شطرا منه انبرى عبيد الله ~~بن العباس فحفز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلا : # ( معاشر الناس هذا ابن نبيكم ، ووصي إمامكم فبايعوه ). # واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة فهتفوا بالطاعة ، واعلنوا الرضا ~~والانقياد قائلين : PageV02P033 # ( ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا وأحقه بالخلافة ) (1). # وانثالوا على الامام يبايعونه وهم ( إنما يبايعون الله ورسوله ) # وأول من بايعه المؤمن الثائر والحازم اليقظ الزعيم قيس بن سعد الأنصاري ~~فقال له بنبرات تقطر حماسا وشوقا إلى حرب اعداء الله وخصوم الاسلام : # ( ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين ). # وثقل على الامام أن يعزب عن قيس من أن العمل على كتاب الله وسنة نبيه ~~والسير على أضوائهما يغني عن اشتراط قتال المحلين لأن فيهما تبيانا لكل شيء ~~، فقال له بلطف ولين : # ( على كتاب الله ، وسنة نبيه ، فانهما يأتيان على كل شرط ) (2) # وذكر ابن قتيبة أن الامام كلما قصدته كوكبة من الناس لتبايعه يلتفت إليها ~~قائلا : # ( تبايعون لى على السمع والطاعة ، وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت ). # ولما سمعوا هذا الشرط احجموا عن البيعة (3) وأمسكوا أيديهم عنها ، PageV02P034 # وقبض الحسن يده ، فانثالوا نحو الحسين ، وهم يهتقون : # ( ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه ms310 أباك ، وعلى حرب المحلين الضالين ~~أهل الشام ). # فردعهم الحسين قائلا : # ( معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حيا ). # وبعد ما رفض الحسين (ع) طلبهم أقبلوا نحو الحسن فبايعوه وهم مكرهون (1) ~~وهذا القول بعيد فانه يدل على رغبة الامام في السلم فى أول الأمر وهو مناف ~~لمواقفه العديدة فى إمضائه للحرب وعدم رغبته فى الموادعة والمسالمة مع خصمه ~~كما سنذكره بالتفصيل ولو سلمنا صحة ذلك فانما كان مع الخوارج الذين يريدون ~~خلق الاضطرابات والشغب في المجتمع العراقي واذاعة الخوف والارهاب بينهم ~~بعزم الامام على الحرب ويدل على ذلك إحجامهم عن البيعة فى أول الأمر وذلك ~~يكشف عن اضطراب نفوسهم وعدم ثقتهم وايمانهم بالخليفة الجديد ، وهذا مما ~~عرفت به الخوارج وأما شيعته وأصحابه وخواصه فان نفوسهم قد ملئت ايمانا وثقة ~~وحبا واخلاصا له. # ومهما يكن من شي ، فان هذا الحديث كما كان يتضمن السلم كذلك يتضمن إمضاء ~~الحرب والتصميم عليه ، فهو جامع بين الأمرين السلم لمن دخل في الطاعة ~~والحرب لمن خرج عنها سواء أكانوا من الخوارج أم من أهل الشام ولكن PageV02P035 # لم يرق ذلك للخوارج فلذا شاغبوا فى الأمر وأرادوا الحرب خاصة لأهل الشام ~~لا تتعداها الى غيرهم ، وقبل ان نسدل الستار على هذا الفصل نقدم إلى القارئ ~~الكريم أمورا تتعلق فى هذا الفصل وهي كما يلى : ### || 1 قبول الخلافة : # ويتساءل كثير من النقاد عن السبب في قبول الامام للخلافة مع ما منيت به ~~الحاضرة الاسلامية من اخطار وعواصف وفتن ، فكان الأجدر به أن يتريث فى ~~الأمر ولا يتسرع ( كما يقولون ) ولندع الجواب إلى سماحة المغفور له الحجة ~~آل ياسين قال نضر الله مثواه : ### || أما أولا : # فلما كان الواجب على الناس دينا ، الانقياد إلى بيعة الامام المنصوص عليه ~~كان الواجب على الامام مع قيام الحجة بوجود الناصر قبول البيعة من الناس. # أما قيام الحجة فيما نحن فيه فقد كان من انثيال الناس طواعية إلى البيعة ~~فى مختلف بلاد الاسلام ما يكفي بظاهر الحال دليلا عليه ولا مجال للتخلف عن ~~الواجب مع ms311 وجود شرطه. ### || وأما ثانيا : # فان مبعث هذا الانعكاس البدائي عن قضية الحسن عليه السلام هو النظر إليها ~~من ناحيتها الدنيوية فحسب بينما الأنسب بقضية ( إمام ) ان يستنطقها الباحث ~~من ناحيتها الدينية على الأكثر ، وكثير هو الفرق بين الدنيا والدين PageV02P036 # في نظر إمام ، والقضية من هذه الناحية ظفر لا خسارة كما سنأتي على توضيحه ~~في محله المناسب وهي وإن تكن معرض آلام ، ولكنها آلام في سبيل الاسلام ، ~~ومن أولى بالاسلام من الحسن (ع) وتحمل آلامه وإنما هو نبت بيته. ### || واما ثالثا : # فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين ، وفي نسبه الممتاز ~~ومركزه من العلم ، بالذي يستطيع الفراغ وإن أراده عن عمد ، ولا بالذي يتركه ~~الناس وإن أراد هو ان يتركهم ، وكان لا بد للرجات العنيفة في المجتمع ~~الاسلامي أن تتدافع إليه ، تستدعيه للوثوب إحقاقا للحق وانكارا للمنكر كما ~~وقع لأخيه الحسين عليه السلام في ظرفه (1). # ويأخذ شيخنا في الاستدلال على ضرورة قبول الامام للخلافة ، ولزوم تسرعه ~~لإجابة الجماهير الهاتفة باسمه ، وعلى كل فليس هناك مجال للشك في أنه (ع) ~~لو تقاعس عن الاعتلاء على العرش ، وترك الأمة حبلها على غاربها لوقعت في ~~محاذير ومصاعب لا يمكن حلها ، ثم ما هو المبرر له في عدم التسرع في الأمر ~~بعد ما أجمعت الأمة على مبايعته كما ذكر ذلك بالتفصيل سماحة المغفور له آل ياسين. ### || 2 عموم البيعة : # واجمع العالم الاسلامي من اقصاه إلى ادناه على مبايعة الامام والانقياد ~~لحكومته والخضوع لأمره ، فبايعه من الكوفة اثنان واربعون الفا على السمع PageV02P037 # والطاعة وكذلك بايعه أهل البصرة والمدائن ، وجميع أهل العراق وبايعته ~~فارس على يد زياد بن ابيه ، وبايعه الحجازيون واليمانيون ، على يد القائد ~~العسكري الحازم اليقظ جارية بن قدامة وما تخلف أحد عن البيعة سوى معاوية ~~ومن يمت به كما تخلف عن مبايعة الامام علي (ع) من قبل فكانت بيعته (ع) عامة ~~على غرار بيعة أبيه. ### || 3 احكام الدولة : # ولما تمت البيعة أخذ (ع) في إحكام دولته فرتب العمال ، ووظف المحنكين ~~والأشراف من ms312 عدول المؤمنين وصالحاء المسلمين واعطى الاوامر الحازمة إلى ~~الامراء وزاد في عطاء الجيش مائة مائة ، وكان الامام علي قد فعل ذلك يوم ~~الجمل ، هذه هي الخطة الاولى من الاحسان والبر والمعروف التي افاضها على ~~الجيش فملك بها القلوب والسيوف حتى قال ابن كثير : ( وأحبوه أشد من حبهم ~~لأبيه ) (1) وهكذا أخذ (ع) يعمل مجدا في اصلاح دولته ، وإحكامها وصيانتها ، ~~وقد خطب فيهم فكان منطق خطابه الحث على لزوم طاعته ووجوب الانقياد إليه ~~لأنه من العترة الطاهرة ومن حلقات الثقل الأكبر الذي خلفه رسول الله (ص) في ~~أمته وحذر (ع) رعيته من الاصغاء والانجراف بدعاية معاوية وبهتانه وكذبه ~~وأمرهم بالتكاثف والاتحاد والوحدة ، لرد العدوان الأموي الذي يهدد المجتمع ~~الاسلامي بالخطر ، وينذره بفقدان الحياة ، وقد تقدم نص هذا الخطاب في ~~الحلقة الأولى من هذا الكتاب (2). PageV02P038 ### || 4 اخطاء تأريخية : # ووقع فريق من المؤرخين وكتاب العصر في اخطاء حول بيعة الامام الحسن نشأت ~~من قلة التتبع رأينا من اللازم التنبيه عليها. ### || 1 المسعودي : # ذكر المسعودى : ( أن الامام بويع بعد وفاة أبيه بيومين ) (1) وهذا القول ~~لا يتفق مع ما ذكره جمهور المؤرخين من أنه بويع له في صبيحة الليلة التي ~~وارى فيها جثمان أبيه عليه السلام . ### || 2 فريد وجدي : # وذكر الاستاذ السيد محمد فريد وجدي أن الحسن (ع): ( بويع له في الخلافة ~~قبل وفاة والده ، ولما انتهت البيعة توفي والده ) (2) وهذا القول كالقول ~~السالف في مخالفته لاجماع المؤرخين ، فقد أجمعوا على أن البيعة كانت بعد ~~مقتل الامام بلا فصل ، ولم يذكر مؤرخ فيما نعلم أنه بويع للامام في حياة أبيه. ### || 3 الخضري : # ذكر الشيخ محمد الخضري في بيعة الامام ما نصه : ( نظر الحسن إلى بيعته في ~~انها ليست كبيعة أبيه لأنها ليست عامة ، ولكنها قاصرة على شيعتهم من أهل ~~العراق ) (3) وهذا القول مجاف للواقع فان بيعة الامام لم تكن قاصرة على أهل ~~العراق من الشيعة ، فان عمال الامام في جميع الاقطار الاسلامية قد أخذوا له ~~البيعة من المسلمين كما ذكرناه سابقا ولم PageV02P039 # تبق هناك أي حاظرة ms313 من الحواظر الاسلامية إلا بايعته سوى البلاد الخاضعة ~~لمعاوية. ### || 4 طه حسين : # قال الدكتور طه حسين في بيعة الامام الحسن : ( ومهما يكن من شيء فلم يعرض ~~الحسن نفسه على الناس ، ولم يتعرض لبيعتهم وانما دعا الناس إلى هذه البيعة ~~قيس بن عبادة فبكى الناس ، واستجابوا واخرج الحسن للبيعة .. ) (1) وما ذكره ~~بعيد عن الصحة كل البعد وذلك لما يلي # 1 إن قوله : ( إن الحسن لم يعرض نفسه على الناس ، ولم يتعرض لبيعتهم ) لا ~~واقعية له ويرده خطاب الحسن في تأبين أبيه ، فقد دعا الناس إلى مبايعته ~~وحفزهم إلى طاعته وذلك بذكره للفضائل النسبية والنفسية التي اختص بها فان ~~بيانها وهو في مقام تأبين أبيه ليس المقصود منه إلا إلا الدعوة لمبايعته ، ~~وارشاد المجتمع الإسلامى الى أحقيته بالخلافة دون غيره. # 2 وأما قوله : إن قيس بن سعد دعا الناس الى البيعة ولم يكن الإمام حاظرا ~~فاستجابوا له ، وأخرج فبويع. فانه اشتباه ظاهر وخلط غريب لأن الدعوة الى ~~البيعة إنما كانت بعد ما أنهى الإمام خطابه السالف ولم تكن قبل ذلك الوقت ~~والذي دعا إليها عبيد الله بن العباس وأول من بايعه قيس بن سعد كما بينا ~~ذلك فيما تقدم .. إن أغلب بحوث الدكتور فى الإمام الحس كانت خالية عن ~~التحقيق وبعيدة عن الصواب ، فقد مر فى صلح الإمام وفى سائر مناحي حياته ~~مرور منطلق فلم يقف على الحقيقة ولم يقرب من الواقع ، وسنشير الى مواضع ~~اشتباهه إن من الناحية التأريخية أو الاستنتاج التأريخي فى كثير من الجهات ~~التي تخص البحث PageV02P040 ### | الحرب الباردة PageV02P041 # وما أذيع مصير الخلافة الاسلامية إلى حفيد الرسول (ص) إلا وموجات من ~~الهموم والأحزان قد طافت بابن هند ، فملكته الحيرة واستولى عليه الجزع ~~والذهول ، وذلك لعلمه أن للامام مركزا عظيما في نفوس المسلمين ، ومكانة ~~مرموقة في جميع الأوساط ، لأنه سبط النبي العظيم وأعز الناس عنده وأقربهم ~~إليه ، وقد شاعت بين المسلمين الأحاديث المتواترة عنه (ص) في رفع كيانه ~~وتعظيم شأنه وتقديمه بالفضل على غيره فكيف يعدل الناس عنه إلى ابن ms314 هند وكيف ~~يقاس معاوية به وهو من الاسرة الملعونة في القرآن وقد عرف الجميع عداء أبيه ~~وأسرته للاسلام والمسلمين من يوم بزغ نوره # اضطرب معاوية وطارت نفسه شعاعا ، وأقض التفكير مضجعه لما ازدانت الخلافة ~~الاسلامية بالامام الحسن ، وذلك لعلمه ان الامام لا يتحول عن شريعة جده ~~وسيرة أبيه التي تقضي بلزوم محاربة الباغين والقضاء عليهم ومعاوية هو رافع ~~لوائهم وعميدهم ، فالحسن لا بد وأن يعمل كل جهوده ويبذل جميع مساعيه ~~لمناجزة معاوية والقضاء عليه ، مضافا إلى ذلك كله انه لم يجد منفذا وثغرا ~~يسلك فيه للطعن بشخصية الامام أو اتهامه بشيء ما فدم عثمان بريء منه ، بل ~~قد قيل إنه من الذابين والمدافعين عنه ، فبما ذا يتهم الامام اذا وقد نزه ~~من كل نقص ورذيلة كما تجرد هو من كل مكرمة وفضيلة. ### || المؤتمر الاموي : # وعقد معاوية على أثر ذلك اجتماعا مفاجئا في بلاطه دعا فيه خلص أتباعه ~~وأشياعه فاخبرهم بالموقف الرهيب ، والخطر المفاجئ الذي حل في مملكته ، ~~وأعلمهم ان الأمر إذا لم تتخذ فيه القرارات الحاسمة ، ولم تبذل الجهود ~~الجبارة لانتشاله فسوف يحدق بهم الخطر المنذر بالفناء ، وبعد مداولة PageV02P043 # الآراء والأفكار اجمعت كلمتهم على ما يلي : # 1 نشر الجواسيس ، وبث العيون في الأقطار الإسلامية الخاضعة لحكم الامام ، ~~خصوصا البصرة والكوفة ، ليعرفونه الأنباء بالتفصيل ويخبرونه باتجاه المجتمع ~~ونياته ومدى اخلاصه لآل البيت (ع) كما ويقومون بعمليات الذعر والخوف ~~والإرهاب بين المسلمين بقوة معاوية وضعف الحسن # 2 مراسلة الزعماء والوجوه والشخصيات البارزة وارشائهم بالأموال الطائلة ~~والوظائف المهمة في مناصب الدولة إن اتبعوه وانقادوا له وخذلوا الإمام ~~الحسن ، أما هذا الأمر فقد أرجئ تنفيذه بالاجماع إلى وقت آخر قريب ، واما ~~الأمر ( الأول ) فقد نفذ فورا فقد استدعى معاوية رجلين خبيرين يثق ~~بكفاءتهما ويطمئن بدرايتهما وحذاقتهما في عالم التجسس ، أما الرجلان ( ~~فاحدهما ) من حمير وقد ارسله إلى الكوفة ، وأما ( الآخر ) فمن بني القين ~~وقد بعثه إلى البصرة. # ولما وصل الحميري إلى الكوفة ، والقيني إلى البصرة ، اخذا بتنفيذ الخطط ~~المقررة لهما ، وبعد ما انتشر أمرهما ms315 قبضت عليهما الشرطة المحلية ، اما ~~الحميري فجيء به إلى الامام فأمر بقتله ، واما القيني فجيء به مخفورا إلى ~~عامل الامام على البصرة عبد الله بن عباس فأمر باعدامه أيضا. ### || مذكرة الامام : # وعلى أثر وقوع هذا الاعتداء الصارخ من معاوية رفع الامام إليه مذكرة ~~تهدده فيها وتوعده باعلان الحرب عليه وهذا نصها : # ( أما بعد : فانك دسست إلي الرجال ، كأنك تحب اللقاء ، لا شك في ذلك ~~فتوقعه إن شاء الله ، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذوو PageV02P044 # الحجى (1) وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول : # فانا ومن قد مات منا لكالذي %~% يروح فيمسي في المبيت ليغتدي فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى %~% تجهز لأخرى مثلها فكأن قد # ويلمس في هذه الرسالة مدى روح العزم والحزم والتصميم على الحرب إن اصر ~~معاوية على البغي ، والتمرد والتمادي في الاثم ، كما احتوت على الاستنكار ~~لما أظهره من السرور والغبطة بمقتل الامام أمير المؤمنين. ### || جواب معاوية : # ولما وردت رسالة الامام إلى معاوية فزع منها ، فانبرى يفتش في حقيبة مكره ~~عذرا يدفع به عن نفسه القبيح الذي ارتكبه ، والمنكر الذي فعله ، فلم بجد ~~عذرا إلا انكار ما أظهره من السرور بمقتل الامام ولا بأس عليه في الكذب ، ~~فقد استساغه واستحله وهو كل ما يملك في خزانة نفسه وأما بعثه العيون ~~والجواسيس فرأى أن يتغاضى عن ذكره ويعرض عن جوابه ويهمل الاعتذار منه وهذا نصه : # ( أما بعد : فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، ولقد علمت بما حدث ، فلم ~~أفرح ، ولم أحزن ، ولم أشمت ، ولم آس (2) وإن عليا PageV02P045 # أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة (1): # فأنت الجواد وأنت الذي %~% إذا ما القلوب ملأن الصدورا جدير بطعنة يوم اللقا %~% يضرب منها النساء النحورا وما مزبد من خليج البحا %~% ر يعلو الاكام ويعلو الجسورا (2) بأجود منه بما عنده %~% فيعطي الالوف ويعطي البدورا (3) |ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا||وبت كما بات السليم مسهدا| # ومنها : |أجدك لم تسمع وصاة محمد||نبي الإله حين أوصى وأشهدا| |إذا أنت لم ترحل بزاد ms316 من التقى||ولاقيت بعد الموت من قد تزودا| |ندمت على ألا تكون كمثله||وأنك لم ترصد بما كان أرصدا| # فلقيه أبو سفيان فى الطريق فأخبره بقصته فجمع له مائة من الابل ورده عن ~~قصده فلما صار بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله ومن شعره : |قد يترك الدهر فى خلقاء راسية||وهيا وينزل منها الأعصم الصدعا| |وكان شيء إلى شيء ففرقه||دهر تعود على تفريق ما جمعا| # الخلقاء : الصخرة الثابتة. الأعصم : الذي فى يده بياض. الصدع. الفتى من ~~الوعول جاء ذلك فى معجم الشعراء للمرزباني ( ج 2 ص 401 ) PageV02P046 # ويلمس في هذه الرسالة دهاء معاوية وخداعه ، كما يلمس خوره وضعف عزيمته ~~وفزعه من الامام الحسن وذلك لمدحه وثنائه على الامام علي (ع) وانكاره لما ~~اظهره من الفرح والسرور والغبطة بموته ولو لا ذلك لما سجل لخصمه هذا الثناء ~~العاطر. ### || مذكرة ابن عباس : # ورفع عامل الامام على البصرة عبد الله بن عباس مذكرة إلى معاوية يستنكر ~~فيها بعثه العيون والجواسيس إلى البصرة ويهدده على هذا الاعتداء السافر ، ~~وهذا نصها : # ( أما بعد : فانك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش ~~بمثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن أبي الصلت (1) # لعمرك إني والخزاعي طارقا %~% كنعجة غادت حتفها تتحفر (2) PageV02P047 اثارت عليها شفرة بكراعها %~% فظلت بها من آخر الليل تنحر (1) شمت بقوم هم صديقك أهلكوا %~% أصابهم يوم من الدهر أعسر (2) ### || جواب معاوية : # ولما وردت رسالة ابن عباس على معاوية انبرى إليها مجيبا بجواب تمثلت فيه ~~المواربة والخداع ، وهذه صورته : # ( أما بعد : فان الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به ، انبنى بما لم يحقق ~~سوء ظن ورأي في ، وانك لم تصب مثلي ومثلكم ، وإنما مثلنا كما قال طارق ~~الخزاعي يجيب أمية على هذا الشعر : # فو الله ما أدري ( وإني لصادق ) %~% إلى أي من يتظنني اتعذر (3) أعنف إن كانت زبينة أهلكت %~% ونال بني لحيان شر فأنفروا (4) # وهذا الجواب يضارع الجواب الذي بعثه إلى الامام فى انكاره لما أبداه من ~~السرور والفرح بموت ms317 الامام ، كما احتوى جوابه على الدهاء والمؤاربة ، فاما ~~قوله لابن عباس إن الحسن قد انبنى ، فالامام الحسن وإن أنبه ولامه على إظهاره PageV02P048 # للمسرات بمقتل الإمام إلا أنه تهدده وتوعده باعلانه للحرب لما هو أهم من ~~ذلك وأعظم وهو بعثه للعيون والجواسيس الى مملكته فان هذه الجهة قد أعرض ~~عنها لئلا يذاع نشاط الإمام وعزمه على إعلان الحرب فتخور عزائم جنده وتقوى ~~نفوس أصحاب الإمام. ### || رسالة ابن عباس للامام : # وعلى أثر ذلك بعث الحازم اليقظ عبد الله بن عباس رسالة الى الإمام ينشطه ~~فيها على إثارة الحرب ومقاومة معاوية ومناجزته ، حتى النفس الأخير وقد دلت ~~رسالته على درايته الواسعة واطلاعه الوافر بفنون السياسة ومعرفته التامة ~~بنفوس المجتمع ووقوفه التام على نفسيات الأمويين واتجاههم السيئ نحو ~~الإسلام والمسلمين وهذا نصها : # « أما بعد : فان المسلمين ولوك أمرهم بعد علي عليه السلام فشمر للحرب ~~وجاهد عدوك وقارب أصحابك ، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه (1) ~~وول (2) أهل البيوت والشرف تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة فان بعض ~~ما يكره الناس ما لم يتعد الحق ، وكانت عواقبه تؤدي (3) إلى ظهور العدل وعز ~~الدين خير من كثير مما يحبه الناس إذا كانت عواقبه تدعوا الى ظهور الجور ~~وذل المؤمنين وعز الفاجرين. واقتد بما جاء عن أئمة العدل فقد جاء عنهم أنه ~~لا يصلح الكذب إلا في حرب ، أو اصلاح PageV02P049 # بين الناس فان الحرب خدعة (1) ولك فى ذلك سعة إذ كنت محاربا ما لم تبطل حقا. # واعلم أن عليا أباك إنما رغب الناس عنه الى معاوية أنه آسى (2) بينهم فى ~~الفيء وسوى بينهم في العطاء ، فثقل عليهم ، واعلم أنك تحارب من حارب الله ~~ورسوله فى ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر الله. فلما وحد الرب ، ومحق الشرك ~~وعز الدين أظهروا الإيمان وقرءوا القرآن مستهزئين بآياته ، وقاموا الى ~~الصلاة وهم كسالى وأدوا الفرائض وهم لها كارهون ، فلما رأوا أنه لا يعز في ~~الدين إلا الأتقياء الأبرار توسموا بسيما الصالحين ليظن المسلمون بهم خيرا ~~فما زالوا بذلك ms318 حتى شركوهم فى أماناتهم وقالوا حسابهم على الله فان كانوا ~~صادقين فاخواننا في الدين وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ~~، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم ، والله ما زادهم طول العمر إلا غيا ~~، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا فجاهدهم ولا ترض دنية ولا تقبل خسفا ~~(3) فان عليا أباك لم يجب الى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب وإنهم يعلمون ~~أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل فلما حكموا بالهوى رجع الى ما كان عليه ~~حتى أتى عليه أجله ولا تخرجن من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك ~~والسلام (4) واحتوت هذه الرسالة على أمور بالغة الأهمية هي : # 1 أن ابن عباس عرض على الإمام أن يولي الأشراف وذوي PageV02P050 # النفوذ ، ويشرى من الظنين دينه ليقضي بذلك على روح التفرقة ، ويكون الناس ~~جماعة واحدة ، حتى يتمكن من مناجزة معاوية ومقاومته ، وغفل ابن عباس ان ذلك ~~يتنافى مع السياسية الرشيدة التي انتهجها أهل البيت فانها بنيت على الحق ~~الخالص ، وعلى شجب كافة الوسائل التي لا تتفق مع المبادئ الإسلامية وإن ~~توقف عليها الظفر والنصر ، وسنذكر ذلك بمزيد من التوضيح عند عرض أسباب الصلح. # 2 واشتملت هذه الرسالة على أهم الأسباب الوثيقة التي أدت الى خذلان ~~الإمام فى دور خلافته ونجاح معاوية فى عهد حكومته ، فان الإمام قد انتهج ~~سياسة العدل والمساواة فسوى بين المسلمين فى العطاء فلم يقدم أحدا على أحد ~~فى العطاء عملا بما أمر به الإسلام ونصت عليه مبادئه العادلة التي محت ~~التفاوت بين الأبيض والأسود وهدمت الحواجز بين الغني والفقير وجعلت ( الناس ~~سواسية كأسنان المشط كلهم من آدم وآدم من تراب ) لا ميزة لأحد على أحد إلا ~~بالتقوى ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل والكفاءة ، سار الإمام علي (ع) ~~على هذه السياسة العادلة ومشى على هذه الخطة الواضحة حتى ضرب الرقم القياسي ~~للمساواة والعدل فمن بوادر عدله انه ساوى بين سيدة قرشية ، وبين أمة في ~~العطاء فغاظ القرشية ذلك وأقبلت إليه وهي محنقة مغيظة تقول ms319 بحرارة : # « أتساوي فى العطاء بيني وبين هذه الأمة؟ » # فرمقها الإمام بطرفه وأخذ بيده قبضة من التراب وجعل يقلبه بيده وهو يقول : # « لم يكن بعض هذا التراب أفضل من بعض ». # لقد ثقل على الناس هذه المساواة وشق عليهم هذا العدل لأنهم PageV02P051 # لا يتطلبون إلا مصالحهم الخاصة ، فلذا زهدوا في حكومته وخضعوا لحكومة ~~الظلم حكومة معاوية الذي لا هدف له إلا إشباع شهواته ، وتحقيق رغباته. # 3 وأعرب ابن عباس في رسالته عن دراسته الوثيقة لنفسيات الأمويين ومعرفته ~~بما انطوت عليه قلوبهم ، فلقد بين أنهم مجموعة من الملحدين والمشركين « كما ~~هم كذلك » فاذا حاربهم الإمام فانما يحارب من حارب الله ورسوله حينما بزغ ~~نور الاسلام فانه لما كتب الله النصر لدينه وقهر سلطان الإسلام العرب دخلت ~~أمية فيه لكن لا إيمانا منهم بقضيته بل خوفا من حر السيف ، ورهبة الموت ، ~~فكانوا يتظاهرون باعتناق الإسلام فيقرءون آيات الذكر الحكيم ولكن قراءة ~~استهزاء وسخرية لا إيمانا واعتقادا به وكانوا يقيمون الصلاة ولكنهم يؤدونها ~~وهم كسالى ، ويقيمون فرائض الإسلام ولكن عن كره ونفاق ، ولما رأوا أن خطتهم ~~مغلوطة ولا تضمن لهم النجاح ، ولا تكفل لهم السعادة إذ لا يعز في هذا الدين ~~إلا الأبرار الصلحاء لقوله تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ~~(1). أظهروا تدليسا ورياء الصلاح والتقى والإيمان وأضمروا في دخائل نفوسهم ~~الشرك والنفاق والحقد على الإسلام ، وظلوا على هذا الحال يظاهرون الطاعة ~~لله والانقياد لأوامره وأحكامه حتى أشركهم المسلمون في امورهم وشئونهم ولكن ~~المسلمين مع ذلك كانوا مرتابين منهم شاكين في أمرهم على ريب من صدقهم. # 4 واحتوت هذه الرسالة على حث الإمام وتحريضه لمحاربة هؤلاء المنافقين ~~والمارقين من الدين ، ومواصلة حربهم حتى النفس الأخير لتستريح الأمة من ~~شرهم ، وتسلم من مكرهم وغوائلهم. ولا شك ان هذه PageV02P052 # الرسالة التي دبجتها يراعة هذا الحبر الجليل كان لها موقع حسن في نفس ~~الإمام فقد حفزته الى مناجزة معاوية ومقاومته ، وإعلان الحرب عليه. ### || رسالة الامام الى معاوية : # وأرسل الإمام رسالة أخرى الى معاوية يدعوه الى مبايعته ، وطاعته والدخول ms320 ~~فيما دخل فيه المسلمون. وقد أرسل هذه الرسالة بيد شخصين من عيون المؤمنين ~~وثقات الإسلام وهما الحارث بن سويد التميمي (1) وجندب الأزدي (2) وإليك نص ~~رسالته : # « من عبد الله الحسن أمير المؤمنين ، الى معاوية بن أبي سفيان. # أما بعد : فان الله بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين فأظهر به الحق ، وقمع به ~~الشرك ، وأعز به العرب عامة ، وشرف به قريشا خاصة ، PageV02P053 # فقال : ( @QUR@04 وإنه لذكر لك ولقومك ) (1)، فلما توفاه الله تنازعت ~~العرب في الأمر بعد ، فقالت قريش : نحن عشيرته وأولياؤه فلا تنازعونا ~~سلطانه فعرفت العرب لقريش ذلك وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب ، فهيهات ما ~~انصفتنا قريش ، وقد كانوا ذوي فضيلة في الدين ، وسابقة في الإسلام ، ولا ~~غرو إلا منازعتك إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف ، ولا أثر في الإسلام ~~محمود ، فالله الموعد ، نسأل الله معروفه أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ~~ينقصنا عنده في الآخرة. # إن عليا لما توفاه الله ولاني المسلمون الأمر بعده ، فاتق الله يا معاوية ~~وانظر لأمة محمد (ص) ما تحقن به دماءها وتصلح به أمرها والسلام » (2) # وتروى هذه الرسالة بصورة أخرى أبسط من هذه الصورة وأوفى نذكرها لما فيها ~~من مزيد الفائدة : # « من الحسن بن علي أمير المؤمنين ، الى معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك ~~فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فان الله جل جلاله بعث ~~محمدا رحمة للعالمين ، ومنة للمؤمنين ، وكافة للناس أجمعين ( @QUR@08 لينذر ~~من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) (3) فبلغ رسالات الله وقام بأمر الله ~~حتى توفاه الله غير مقصر ولا وان ، وبعد أن أظهر الله به الحق ، ومحق به ~~الشرك ، وخص به قريشا خاصة. فقال له : « وإنه لذكر لك ولقومك » ، فلما توفى ~~تنازعت سلطانه العرب ، فقالت قريش : نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحل ~~لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه ، PageV02P054 # فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم ~~أمر محمد ، فأنعمت لهم (1) وسلمت إليهم ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت ms321 ~~به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها ، إنهم أخذوا هذا الأمر دون ~~العرب بالإنصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه الى محاججتهم ~~وطلب النصف (2) منهم باعدونا ، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا (3) ~~والعنت منهم لنا ، فالموعد الله وهو الولي النصير. # ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا فى حقنا وسلطان بيتنا ، وإن كانوا ~~ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد ~~المنافقون والأحزاب (4) في ذلك مغمزا يثلمونه به ، أو يكون لهم بذلك سبب ~~الى ما أرادوا من إفساده ، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على ~~أمر لست من أهله. لا بفضل فى الدين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود ، ~~وأنت ابن حزب من الأحزاب ، وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه ، والله ~~حسيبك ، فسترد وتعلم لمن عقبى الدار ، وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ~~ليجزينك بما قدمت يداك ، وما الله بظلام للعبيد. PageV02P055 # إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ، ويوم من الله عليه ~~بالإسلام ويوم يبعث حيا ولاني المسلمون بعده ، فأسأل الله أن لا يؤتينا في ~~الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة ، وإنما حملني ~~على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل فى أمرك ولك في ذلك إن ~~فعلته الحظ الجسيم ، والصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل وادخل فيما ~~دخل فيه الناس من بيعتي ، فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند ~~كل أواب (1) حفيظ ومن له قلب منيب ، واتق الله ودع البغي ، واحقن دماء ~~المسلمين ، فو الله ما لك خير فى أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت ~~لاقيه به وادخل فى السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك ~~ليطفئ الله النائرة (2) بذلك ، ويجمع الكلمة ، ويصلح ذات البين ، وإن أنت ~~أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا ~~وهو خير الحاكمين » (3) # وحفلت هذه الرسالة على كلتا الروايتين بأمور مهمة : # 1 إن ms322 الإمام أعرب فيها عن شعوره تجاه الخلافة الإسلامية فهو فهو يرى أنها ~~من حقوق أهل البيت (ع) لا يشاركهم فيها أحد ، وان من ابتزها منهم فقد اعتدى ~~عليهم وسلب تراثهم ، وقد سلك الإمام في الاستدلال على رأيه الوثيق بعين ما ~~استدلت به قريش على العرب في أحقيتهم بالخلافة من أنهم أقرب الناس الى ~~النبي (ص) وأمس الناس رحما به ، فان هذا الشعار الذي هتفوا به موجود في أهل ~~البيت على النحو الأكمل PageV02P056 # فانهم فرع دوحته والصق الناس به وأقربهم إليه ، ومن الغريب ان العرب قنعت ~~بحجة قريش ، ولكن القرشيين لم يخضعوا لمقالة أهل البيت ، نعم يعود السبب فى ~~ذلك الى الأضغان والأحقاد التي أترعت نفوسهم بها فناصبوا عترة نبيهم ، ~~وبالغوا في ارهاقهم ، والتنكيل بهم ، فواجهت العترة الطاهرة ألوانا قاسية ~~من المحن والخطوب. # 2 وذكر الإمام الحسن السر في إمساكهم وإحجامهم عن المطالبة بحقهم وذلك ~~خوفا منهم على بيضة الإسلام وكلمة التوحيد من الأحزاب والمنافقين الذين ~~مردوا على النفاق ، فقد قويت شوكتهم بموت النبي (ص) وأخذوا ينتهزون الفرصة ~~لمحق الإسلام واستئصال شأفته ، فاثروا مصلحة الإسلام على ضياع حقهم ، وقد ~~صرح الإمام أمير المؤمنين (ع) بذلك في كتابه الذي بعثه الى أهل مصر وقد جاء فيه : # « فلما مضى عليه السلام ، تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو الله ما كان ~~يلقى فى روعي ، ولا يخطر ببالي ، ان العرب تزعج هذا الأمر من بعده ~~صلى الله عليه وآلهوسلم عن أهل بيته ، ولا انهم منحوه عني من بعده ، فما راعني ~~إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس عن ~~الإسلام يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيت إن لم انصر الإسلام وأهله أن أرى ~~فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوات ولايتكم التي إنما هي ~~متاع أيام قلائل يزول منها كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب ... » # فلأجل الحفاظ على الإسلام والاحتياط على مصلحة المسلمين أمسكوا عن ~~المطالبة بحقوقهم ، ولم يناجزوا القوم بالسيف ، وسلموا الأمر الى الله. ms323 # 3 وأعرب الإمام الحسن في رسالته عن استغرابه من نزاع معاوية PageV02P057 # وتطاوله عليه وهو من الحزب الذي سعر الدنيا حربا على رسول الله (ص) ~~وأثاروا عليه حفائظ الجاهلية وأحقادها ، فكيف ينازع حفيد النبي ووريثه على ~~منصبه ومقامه!! وهناك باعث آخر من بواعث استغراب الإمام على منازعة معاوية ~~له ، وهو أن معاوية ليس له فضل فى الدين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود ~~، وليست أي موهبة أو فضيلة حتى يستحق هذا المنصب العظيم في الإسلام. # 4 وذكر (ع) لمعاوية عموم البيعة له بعد وفاة أبيه وان الأمة قد أجمعت على ~~مبايعته وعلى الانقياد إليه وهي حجة بالغة لو وعاها معاوية ورجع الى منطق ~~الحق والصواب. ### || جواب معاوية : # ولما وصلت رسالة الإمام الى معاوية أجاب عنها بجواب يلمس فيه المكر ~~والخداع ، وهذه صورته : # « أما بعد : فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله (ص) وهو أحق الأولين والآخرين ~~بالفضل كله ، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده ، فصرحت بتهمة أبي بكر ~~الصديق وعمر وأبي عبيدة الأمين وصالحاء المهاجرين فكرهت لك ذلك إن الأمة ~~لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به ، فرأت قريش والأنصار وذوو ~~الفضل والدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها بالله وأخشاها له ~~وأقواها على الأمر فاختاروا أبا بكر ولم يألوا (1) ولو علموا مكان رجل غير ~~أبي بكر يقوم مقامه ، ويذب عن حرم الإسلام ذبه ، ما عدلوا بالأمر الى أبي ~~بكر ، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه PageV02P058 # فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، ~~وأكيد للعدو ، وأقوى على جمع الفيء ، لسلمت لك الأمر بعد أبيك ، فان أباك ~~سعى على عثمان حتى قتل مظلوما فطالب الله بدمه ، ومن يطلبه الله فلن يفوته ~~، ثم ابتز الأمة أمرها ، وفرق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة ~~والجهاد والقدم فى الإسلام ، وادعى أنهم نكثوا بيعته فقاتلهم فسفكت الدماء ~~، واستحلت الحرم ، ثم أقبل إلينا يدعي علينا بيعة ولكنه يريد أن يملكنا ~~اغترارا فحاربناه وحاربنا ، ثم صارت الحرب الى أن اختار ms324 رجلا واخترنا رجلا ~~ليحكما بما تصلح عليه الأمة ، وتعود به الجماعة والألفة ، وأخذنا بذلك ~~عليهما ميثاقا ، وعليه مثله ، وعلينا مثله على الرضا بما حكما ، فأمضى ~~الحكمان عليه الحكم بما علمت وخلعاه فو الله ما رضى بالحكم ، ولا صبر لأمر ~~الله ، فكيف تدعوني الى أمر إنما تطلبه بحق أبيك ، وقد خرج منه فانظر لنفسك ~~ولدينك والسلام » (1). # وروى هذا الجواب بصورة أخرى أوسع وأبسط من الأولى وهذا نصه : # « من عبد الله معاوية أمير المؤمنين الى الحسن بن علي : سلام عليك فاني ~~أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فقد بلغني كتابك وفهمت ما ~~ذكرت به محمدا رسول الله (ص) من الفضل وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله ~~قديمه وحديثه وصغيره وكبيره وقد والله بلغ وأدى ونصح وهدى حتى أنقذ الله به ~~من الهلكة ، وأنار به من العمى ، وهدى به من الجهالة والضلالة ، فجزاه الله ~~أفضل ما جزى نبيا عن أمته وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم قبض ويوم ~~يبعث حيا ، وذكرت وفاة PageV02P059 # النبي (ص) وتنازع المسلمين بعده وتغلبهم على أبيك فصرحت بتهمة أبي بكر ~~الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري (1) رسول الله (ص) وصالحاء ~~المهاجرين والأنصار فكرهت ذلك لك ، إنك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين ، ~~ولا المسيء ، ولا اللئيم ، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل. # إن هذه الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم ، ولا سابقتكم ، ولا ~~قرابتكم من نبيكم ، ولا مكانكم في الإسلام وأهله ، فرأت الأمة أن تخرج من ~~هذا الأمر لقريش لمكانتها من نبيها ، ورأى صالحاء الناس من قريش والأنصار ، ~~وغيرهم من سائر الناس وعوامهم ، أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما ~~، وأعلمها بالله ، وأحبها له ، وأقواها على أمر الله فاختاروا أبا بكر. ~~وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل ، والناظرين للأمة فأوقع ذلك فى صدوركم لهم ~~التهمة ، ولم يكونوا متهمين ولا فيما أتوا بالمخطئين ولو رأى المسلمون أن ~~فيكم من يغني غناءه (2)، ويقوم مقامه ، ويذب عن حريم الإسلام ذبه ما عدلوا ms325 ~~بالأمر الى غيره رغبة عنه ، ولكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام ~~وأهله ، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا وقد فهمت الذي دعوتني إليه من ~~الصلح ، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو ~~بكر بعد وفاة النبي (ص)، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية ، وأحوط على هذه ~~الأمة ، وأحسن سياسة ، وأقوى على جمع الأموال ، وأكيد للعدو لأجبتك الى ما ~~دعوتني إليه ، ورأيتك لذلك أهلا ، ولكن قد علمت اني أطول منك ولاية ، وأقدم ~~منك بهذه PageV02P060 # الأمة تجربة ، وأكبر منك سنا ، فأنت أحق أن تجيبني الى هذه المنزلة التي ~~سألتني ، فادخل في طاعتي ، ولك الأمر من بعدي ، ولك ما في بيت مال العراق ~~من مال بالغا ما بلغ ، تحمله الى حيث أحببت ، ولك خراج أي كور العراق شئت ~~معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها لك في كل سنة ، ولك أن لا يستولى ~~عليك بالإساءة ، ولا تقضى دونك الأمور ، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله ~~، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام » (1). # واشتملت هذه الرسالة بكلتا الروايتين على دجل معاوية ومراوغته ، وأغاليطه ~~كما يقول الدكتور « أحمد رفاعي » (2) ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فى ~~محتوياتها وهي : # 1 جاء فيها « أن هذه الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم ، ولا سابقتكم ~~للإسلام ، ولا قرابتكم من نبيكم. الخ » إن من تتبع الأحداث التي وقعت بعد ~~وفاة النبي (ص) عرف زيف هذا الكلام ومجافته للواقع ، فان العترة الطاهرة ~~واجهت بعد النبي (ص) أشق المحن والخطوب ، فان الجرح لما يندمل والرسول لما ~~يقبر استبد القوم بالأمر ، وعقدوا سقيفتهم متهالكين على الحكم ، وتغافلوا ~~عترة نبيهم فلم يأخذوا رأيهم ولم يعتنوا بهم ولما تم انتخاب أبي بكر خفوا ~~مسرعين الى بيت بضعته وريحانته وهم يحملون مشاعل النار لإحراقه ، وسحبوا ~~أخا النبي ووصيه أمير المؤمنين مقادا بحمائل سيفه ليبايع قسرا ، وهو يستجير ~~فلا يجار ، وخلد بعد ذلك الى العزلة يسامر همومه وشجونه ، وتتابعت عليهم ~~منذ ذلك اليوم ms326 المصائب والخطوب فلم يمض على انتقال النبي (ص) الى دار الخلد ~~خمسون عاما وإذا بالمسلمين PageV02P061 # في موكب جهير يجوب البيداء من بلد الى بلد وهم يحملون رءوس أبنائه على ~~أطراف الرماح ، وبناته سبايا « يتصفح وجوههن القريب والبعيد ، ويستشرفهن ~~أهل المناهل والمناقل ». وبعد هذه المحن التي ألمت بهم هل أدت الأمة حقهم ~~وعرفت مكانتهم ولم تجهل فضلهم. # 2 ومن محتوياتها : « ورأى صالحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم أن يولوا ~~الأمر من قريش الخ ». إن صالحاء المسلمين وخيارهم كانوا مع أمير المؤمنين ~~ولم يرتضوا بيعة أبي بكر ، وأقاموا على ذلك سيلا من الاحتجاج والإنكار ~~ذكرناه بالتفصيل فى الجزء الأول من هذا الكتاب. # لقد كانت مغبة اختيار قريش أن يحكم رقاب المسلمين معاوية ويزيد ومروان ~~والوليد وأمثالهم من أئمة الظلم والجور الذين أغرقوا البلاد في الماسي ~~والشجون وأمعنوا فى إذلال المسلمين وإرهاقهم حتى بايعوا في عهد يزيد انهم ~~خول وعبيد له هذا ما رآه صالحاء الناس من قريش في صرف الأمر عن عترة نبيهم ~~كما قال معاوية وقد وفقت فى اختيارها كما يقولون فانا لله وإنا إليه ~~راجعون. # 3 ومن غريب هذه الرسالة قوله : « فلو علمت أنك أضبط للرعية مني وأحوط على ~~هذه الأمة ، وأحسن سياسة. الخ » نعم تجلت حيطته على الإسلام وحسن سياسته ~~حينما تم له الأمر ، وصفا له الملك ، فانه أخذ يتتبع صالحاء المسلمين ~~وأبرارهم فيمعن في قتلهم ومطاردتهم وزجهم في السجون. ومن حيطته على الإسلام ~~استلحاقه لزياد بن أبيه ، وسبه لأمير المؤمنين على المنابر ، وفي قنوت ~~الصلاة ، ونصبه ليزيد حاكما على المسلمين وأمثال هذه الموبقات والجرائم ~~التي سودت وجه التاريخ. PageV02P062 ### || مذكرة معاوية : # وأرسل معاوية الى الإمام مذكرة يحذره فيها من الخلاف عليه ، ويمنيه ~~بالخلافة من بعده إن تنازل له عن الأمر وهذا نصها : # « أما بعد : فان الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه ، وهو سريع ~~الحساب ، فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس وأيس من أن تجد فينا ~~غميزة ، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه ، وبايعتني ms327 وفيت لك بما وعدت ، وأجريت ~~لك ما شرطت وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة : # وإن أحد أسدى إليك أمانة %~% فأوف بها تدعى إذا مت وافيا ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى %~% ولا تجفه إن كان في المال فانيا # ثم الخلافة لك من بعدي ، فأنت أولى الناس بها والسلام ». # وأكبر الظن ان هذه الرسالة المشتملة على مثل هذا اللون من التهديد ~~والتوعيد إنما بعثها معاوية الى الإمام بعد ما اتصل اتصالا وثيقا بزعماء ~~الجيش العراقي وقادته فضمنوا له تنفيذ مخططاته ، فانه لم يكتب ذلك إلا بعد ~~الاتصال بزعماء العراق وانقطاع أمله من إجابة الحسن له. ### || جواب الامام : # ولم يعتن الإمام بتهديد معاوية ، وأجابه بجواب يلمس فيه الحزم والإصرار ~~منه على الحرب وهذا نصه : # « أما بعد : فقد وصل إلي كتابك ، تذكر فيه ما ذكرت ، وتركت جوابك خشية ~~البغي عليك ، وبالله أعوذ من ذلك ، فاتبع الحق تعلم أني PageV02P063 # من أهله ، وعلي أثم أن أقول فأكذب والسلام ». # وكانت هذه الرسالة هي آخر الرسائل التي دارت بين الإمام ومعاوية وعلى ~~أثرها علم معاوية أنه لا يجديه خداعه وأباطيله ، ولا تنفع مغالطاته ~~السياسية ، وعرف أن الإمام مصمم على حربه فاتجه بعد ذلك الى الحرب وتهيئة ~~أسبابه ومقتضياته. PageV02P064 ### | اعلان الحرب PageV02P065 # وبعد ما فشلت أغاليط معاوية ومخططاته السياسية رأى أن خير وسيلة له ~~للتغلب على الأحداث أن يبادر الى اعلان الحرب لئلا يتبلور الموقف ، وتفوت ~~الفرصة وأكبر الظن انه بالإضافة الى ذلك إنما استعجل الحرب لأمور وهي : # 1 إنه اتصل اتصالا وثيقا بزعماء العراق ، وقادة الجيش ، ورؤساء القبائل ~~فاشترى ضمائرهم الرخيصة بالأموال ومناهم بالوظائف ، فأجابوه سرا الى خيانة ~~الإمام وتنفيذ أغراضه ، ويدل على ذلك مذكرته التي بعثها الى عماله وولاته ~~يطلب منهم النجدة والالتحاق به فانه أعرب فيها عن اتصالهم به. # 2 علمه بتفكك الجيش العراقي وتفلله وعدم طاعته للإمام وذلك مسبب عن أمور ~~نذكرها مشفوعة بالتفصيل عند عرض علل الصلح وأسبابه # 3 علمه بوجود الخطر الداخلي الذي مني به العراق ، وسلمت منه ms328 الشام ، وهي ~~فكرة الخوارج التي انتشرت مبادئها بين الأوساط العراقية ومن أوليات مبادئهم ~~اعلان التمرد والعصيان على الحكم القائم ، ونشر الفوضى في البلاد ليتسنى ~~لهم الإطاحة به واستلام قيادة الأمة. # 4 مقتل الإمام أمير المؤمنين (ع) الذي فقد به العراق قائدا وموجها وخطيبا ~~، يحملهم على الحق ويثيبهم الى الصواب ، وقد أصبح العراقيون بعد فقده ~~يسيرون فى ظلام قاتم ، ويتخبطون خبط عشواء قد فقدوا الرائد والدليل. # هذه الأمور فيما نعلم هي التي حفزت معاوية الى اعلان الحرب واستعجاله ، ~~فان العراق لو لم يمن بمثل هذه الكوارث والفتن لما وجد معاوية الى الحرب ~~سبيلا ، ولبذل جميع طاقاته في تأخير الحرب ، وعقد PageV02P067 # الهدنة المؤقتة كما فعل ذلك مع ملك الروم حتى يتبين له الأمر فانا لا ~~ننسى كلماته التي تنم عن خوفه وفزعه من العراقيين حينما كانوا صفا واحدا ~~غير مبتلين بالتفكك والانحلال فقد قال : « ما ذكرت عيونهم تحت المغافر (1) ~~بصفين إلا لبس على عقلي » ووصف اتحادهم بقوله : « إن قلوبهم كقلب رجل واحد ~~» فلولا اختلافهم وتشتتهم لما بادر معاوية الى اعلان الحرب واستعجاله. ### || مذكرة معاوية لعماله : # ورفع معاوية مذكرة ذات مضمون واحد الى جميع عماله وولاته ، يحثهم فيها ~~على الخروج الى حرب الإمام ويأمرهم بالالتحاق به سريعا بأحسن هيئة ، وأتم ~~استعداد وهذا نصها : # « من عبد الله معاوية أمير المؤمنين ، الى فلان ابن فلان ، ومن قبله من ~~المسلمين ، سلام عليكم ، فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد ~~: فالحمد لله الذي كفاكم مئونة عدوكم ، وقتلة خليفتكم ، إن الله بلطفه أتاح ~~لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين ~~، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم ، ~~فأقبلوا الي حين يأتيكم كتابي هذا بجاهدكم وجندكم ، وحسن عدتكم ، فقد أصبتم ~~بحمد الله الثأر ، وبلغتم الأمل ، وأهلك الله أهل البغي والعدوان ، والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته » (2). PageV02P068 # ولما وصلت هذه الرسالة الى عماله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثهم على ~~الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله وسبطه وفي أقرب وقت ms329 التحقت به قوى ~~هائلة منظمة لا ينقصها شيء من حيث الكراع والسلاح ، والعدد والعدة. # ولما توفرت له القوة الهائلة من الجند والعسكر وأصحاب المطامع الذين لا ~~يقدسون سوى المادة زحف بهم نحو العراق وتولى بنفسه القيادة العامة للجيش ، ~~وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري ، وقد كان عدد الجيش الذي نزح ~~معه ستين ألفا ، وقيل أكثر من ذلك ، ومهما كان عدده فقد كان مطيعا لقوله ، ~~ممتثلا لأمره ، منفذا لرغباته ، مذعنا له لا يخالفه ولا يعصيه. # وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرار فلما انتهى الى جسر منبج (1). |قيل بمنبج مثواه ونائله||فى الأفق يسأل عمن غيره سألا| |وليلة عين المرج زار خياله||فهيج لي شوقا وجدد أحزاني| |فأشرقت أعلى الدير أنظر طامحا||بألمح آماقي وأنظر انساني| |لعلي أرى أبيات منبج رؤية||تسكن من وجدي وتكشف أشجاني| PageV02P069 ### || فزع العراقيين : # وحينما أذيع خبر توجهه وبلوغه الى هذا المحل عم العراقيين الذعر والخوف ، ~~ولما علم الإمام بتوجهه أمر بعض أصحابه أن ينادى فى العاصمة « الصلاة جامعة ~~» ويقصد بذلك جمع الناس فى جامع البلد ، فنودي بذلك وما هي إلا فترة يسيرة ~~من الزمن حتى اكتظ الجامع بالجماهير الحاشدة فخرج (ع) فاعتلى المنبر ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال : # « أما بعد : فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ، ثم قال لأهل ~~الجهاد : اصبروا إن الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون ~~إلا بالصبر على ما تكرهون ، انه بلغنى أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على ~~المسير إليه فتحرك لذلك ، اخرجوا رحمكم الله الى معسكركم في النخيلة (1) ~~حتى ننظر وتنظرون ، ونرى وترون » (2). # ولما أنهى (ع) خطابه وجم الحاضرون ، وأخرست ألسنتهم ، واصفرت ألوانهم ~~كأنهم قد سيقوا الى الموت ، فلم يجب الإمام أحد منهم كل ذلك لخوفهم من أهل ~~الشام ، وحبهم للسلم ، وإيثارهم للعافية ، وكان هذا التخاذل في بداية ~~الدعوة الى جهاد العدو ينذر بالخطر ويدعو الى التشاؤم واليأس من صلاحهم. |إني أدين بما دان الشراة به||يوم النخيلة عند الجوسق الحرب| # جاء ذلك فى معجم ms330 البلدان 8 / 276. PageV02P070 # ولما رأى الصحابي العظيم والحازم اليقظ عدي بن حاتم (1) سكوت الجماهير ~~وعدم اجابتهم للإمام غاظه ذلك والتاع أشد اللوعة ، فانبرى إليهم PageV02P071 # منكرا سكوتهم وتخاذلهم المفضوح قائلا بنبرات تقطر حماسا وعزما : # « أنا عدي بن حاتم ، سبحان الله ما أقبح هذا المقام!!! ألا تجيبون إمامكم ~~، وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، ~~فاذا جد الجد راوغوا كالثعالب ، أما تخافون مقت الله ، ولا عيبها وعارها ». # ثم التفت الى الإمام مظهرا له الطاعة والامتثال قائلا : # « أصاب الله بك المراشد ، وجنبك المكاره ، ووفقك لما يحمد ورده وصدره ، ~~قد سمعنا مقالتك ، وانتهينا الى أمرك ، وسمعنا لك ، وأطعنا فيما قلت ورأيت ». # ثم أظهر الى المجتمع عزمه على الخروج لحرب معاوية فورا قائلا : # « وهذا وجهي الى معسكرنا ، فمن أحب أن يوافي فليواف ». # ثم خرج من المسجد وكانت دابته بالباب فركبها وخرج وحده من دون أن يلتحق ~~به أحد وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه ، فانتهى الى النخيلة فعسكر بها وحده (1). # وهكذا اضطرب غيظا وموجدة كل من الزعيم قيس بن سعد بن عبادة ، ومعقل بن ~~قيس الرياحي (2)، وزياد بن صعصعة التميمي لما رأوا PageV02P072 # سكوت الجماهير وعدم إجابتهم بشيء ، فلاموهم على هذا التخاذل وبعثوا فيهم ~~روح النشاط الى حرب عدوهم ومناجزته ثم التفتوا الى الامام وكلموه بمثل كلام ~~عدي فى الانقياد والطاعة والامتثال لأمره فشكرهم الامام على موقفهم المشرف ~~، وأثنى على شعورهم الطيب قائلا : # « ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والنصيحة فجزاكم الله خيرا ». # وخرج الامام (ع) من فوره لرد العدوان الأموي ، واستخلف فى عاصمته المغيرة ~~بن نوفل بن الحرث (1) وأمره بحث الناس الى الجهاد واشخاصهم إليه فى النخيلة ~~، وطوى (ع) البيداء بجيشه الجرار المتخاذل وسيأتي وصفه بعد قليل حتى انتهى ~~الى النخيلة فاستقام فيها فنظم جيشه (2) ثم ارتحل عنها وسار حتى انتهى الى ~~( دير عبد الرحمن ) فأقام PageV02P073 # به ثلاثة أيام ليلتحق به المتخلفون من جنده ، وعن له أن يرسل مقدمة جيشه ~~للاستطلاع على حال العدو وإيقافه فى محله لا يتجاوزه الى آخر ، واختار ms331 الى ~~مقدمته خلص أصحابه من الباسلين والماهرين ، وكان عددهم اثنى عشر الفا ، ~~واعطى القيادة العامة الى ابن عمه عبيد الله بن العباس ، وقبل أن تتحرك هذه ~~الفصيلة من الجيش دعا الامام قائدها العام عبيد الله فزوده بهذه الوصية ~~القيمة وهي : # « يا ابن العم! إني باعث معك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر ، ~~الرجل منهم يزيد الكتيبة ، فسر بهم ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، ~~وافرش لهم جناحك ، وادنهم من مجلسك ، فانهم بقية ثقات أمير المؤمنين ، وسر ~~بهم على شط الفرات ، ثم امضي حتى تستقبل بهم معاوية ، فان أنت لقيته ~~فاحتبسه حتى آتيك ، فاني على أثرك وشيكا ، وليكن خبرك عندي كل يوم ، وشاور ~~هذين قيس بن سعد وسعيد بن قيس وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان ~~فعل فقاتله ، وإن أصبت ، فقيس بن سعد على الناس ، فان اصيب ، فسعيد بن قيس ~~على الناس ». وحفلت هذه الوصية بما يلي : # 1 إنها دلت على اطلاعه الوافر في تدبير شئون الدولة ، فان التوصية بالجيش ~~بهذا اللون المشتمل على العطف والحنان ، والاطراء عليه بمثل هذا الثناء ، ~~من أنهم بقية ثقات أمير المؤمنين ، والزام القيادة العامة باللين والبسط ~~مما يزيد الجيش اخلاصا وإيمانا بدولته ، ومن الطبيعى ان الجيش إذا أخلص ~~لحكومته ، وآمن بسياستها ثبتت قواعدها ، وظفرت بسياج حصين يمنع عنها ~~العدوان الخارجي ، ويقيها من الشر والفتن الداخلية ، ويوجب لها المزيد من ~~الهدوء والاستقرار. PageV02P074 # 2 وأما أمره أن لا يعتدي عبيد الله على معاوية ، ولا يناجزه الحرب حتى ~~يكون هو المبتدي فليس ذلك لأن معاوية من مصاديق قوله تعالى : « وقاتلوا فى ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » (1) فان ~~معاوية لم يبق وليجة للاعتداء إلا سلكها ، فقد اعتدى في تخلفه عن بيعة أمير ~~المؤمنين ، ومحاربته له في صفين ، وفي بعثه السفاح بسر بن أبي أرطاة وفعله ~~بأمره ما فعل من المنكرات ، ولم يزل معتديا وخارجا على الاسلام الى حين ~~وفاة أمير المؤمنين ، ولكن إنما أمر الحسن (ع) أن لا يبتدي ms332 عبيد الله بحربه ~~لسد مراوغاته حتى لا يستطيع أن يدعي أنه ما جاء للحرب وإنما جاء للتداول في ~~اصلاح أمر المسلمين. # 3 ونصت وصية الامام على الزام عبيد الله بمشاورة قيس بن سعد وسعيد بن قيس ~~وترشيحهما للقيادة من بعده ، وفي ذلك الفات منه الى الجيش ان أمره المتبع ~~هو المقرون بمشاورة الرجلين ، كما فيه توثيق لهما ، والحق انه لم يكن في ~~جيش الامام من يضارعهما في نزعاتهما الخيرة وفي ولائهما لأهل البيت (ع)، ~~وأعظم بهما شأنا أنهما نالا ثقة الامام واهتمامه. # وقبل أن نطوي الحديث على هذا الموضوع نعرض بعض الجهات التي ترتبط فيه وهي : ### || 1 اختيار عبيد الله : # ويتساءل الكثير عن الحكمة التي رشح الامام من أجلها عبيد الله لقيادة ~~مقدمة جيشه مع أنه كان في ذلك الجيش من هو أصلب منه إيمانا وأقوى عقيدة ، ~~وأعظم اخلاصا كالزعيم قيس بن سعد ، وسعيد بن قيس PageV02P075 # واضرابهما من الثقات والمؤمنين. « والجواب عن ذلك » أولا ان الامام (ع) ~~أراد بذلك تشجيعه واخلاصه باسناد القيادة العامة إليه وثانيا ان له من ~~الكفاءة والقدرة والحزم ما يجعله أهلا لهذا المنصب الرفيع ، فهو قد تربى فى ~~مدرسة الامام أمير المؤمنين (ع) ولكفاءته وقدرته نصبه الامام (ع) واليا على ~~اليمن. وثالثا إنه حري بأن يخلص ويبذل قصارى جهوده في المعركة لأنه موتور ~~من قبل معاوية ، فلقد قتل ولديه بسر بن ارطاة. ورابعا ان الامام (ع) لم ~~يجعل القيادة العامة بيده بل جعلها ثلاثية بينه وبين قيس بن سعد ، وسعيد بن ~~قيس ، وقد أوفى المسألة حقها من جميع الوجوه سماحة المغفور له آل ياسين (1). ### || 2 عدد الجيش : # واضطربت كلمة المؤرخين في تحديد الجيش الذي نزح مع الامام الى مظلم ساباط ~~، فابن أبي الحديد ذكر أنه نزح مع الامام جيش عظيم ولم يحدده إلا أنه حدد ~~المقدمة التي تولى قيادتها عبيد الله فقال : « إن عددها كان اثنى عشر ألفا ~~من فرسان العرب وقراء المصر (2). وذكر الطبري وغيره انه كان اربعين ألفا ~~(3)، ويستفاد من مطاوي بعض الأحاديث التي ms333 دارت بين الامام وبعض أصحابه في ~~أمر الصلح أن عدد الجيش كان مائة ألف كقول سليمان بن صرد للامام (ع) وهو في ~~مقام التقريع له PageV02P076 # على امضائه وقبوله الصلح « أما بعد : فان تعجبنا لا ينقضي من بيعتك ~~معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق » (1)، كما يستفاد أيضا أنه كان ~~تسعين ألفا (2)، وقيل أنه سبعون ألفا (3) الى غير ذلك ، والذي نذهب إليه ~~أن عدد الجيش كان يربو على أربعين ألفا ، ويدل على ذلك ما حدث به نوف ~~البكالي (4) قال : لما عزم الامام على العودة الى حرب معاوية قبيل وفاته ~~باسبوع عقد للحسين على عشرة آلاف ، ولأبي أيوب على عشرة آلاف ، ولقيس بن ~~سعد على عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أخر PageV02P077 # وهو يريد الرجعة الى صفين ، فما دارت عليه الجمعة حتى ضربه ابن ملجم ~~بالسيف (1)، فهذا القول يروي لنا جيشا مسلحا كان متهيئا للحرب قد عد اسماء ~~جماعة من قادته لهم السلطة على ثلاثين ألف جندي مسلح ولم يذكر لنا أسماء ~~القادة الآخر الذين نصبهم الإمام على كتائب جيشه ولا كمية عدد الجيش الآخر ~~ولا شك بأنهم كانوا يربون على عشرة آلاف ، هؤلاء جميعا قد بايعوا الحسن ~~ونفروا معه الى حرب عدوه ، ويدل على ذلك ما رواه ( أبو الفداء ) ان الحسن ~~تجهز الى حرب معاوية بالجيش الذي بايع أباه (2) ويؤيده أيضا ما ذكره ( ابن ~~الأثير ) قال : # « كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت لما ~~ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام ، فبينما هو يتجهز للمسير قتل ~~عليه السلام ، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له ، فلما قتل وبايع الناس ولده ~~الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه فتجهز هو والجيش الذين كانوا ~~بايعوا عليا وسار عن الكوفة الى لقاء معاوية » (3). # ويؤكد ذلك حديث المسيب بن نجبة مع الامام في أمر الصلح قال له « ما ينقضي ~~عجبي منك صالحت معاوية ومعك أربعون ألفا » (4). # فعدد الجيش على هذه الروايات المتوافرة كان أربعين الفا ، وهو الذي يذهب ms334 ~~إليه ، وقد ناقش سماحة الحجة المغفور له آل ياسين الروايات PageV02P078 # المتقدمة واختار بعد التصفية والمناقشة ان عدده كان عشرين ألفا أو يزيد ~~قليلا (1). # ومهما كان الأمر فان الاختلاف في عدده ليس بذي خطر لأن الجيش مهما كان ~~عدده كثيرا وخطيرا إذا كان مختلف الأهواء والنزعات لا بد وأن ينخذل ولا ~~يحرز فتحا ونصرا ، لأن الاعتبار في النصر والظفر دائما إنما هو بالإخلاص ~~والإيمان والعقيدة ووحدة الكلمة ، لا بالكثرة وضخامة العدد فكم فئة قليلة ~~تضامنت فيما بينها ، واتحدت وتعاونت ، قد حازت النصر وفتحت فتحا مبينا ، ~~وسحقت القوى المقابلة لها وإن كانت أكثر منها عدة وأعظم استعدادا أوفر قوة ~~، والجيش العراقي مهما بلغ عدده وبولغ في كثرته فانه مصاب بالاختلاف ~~والتفكك والانحلال ومع ذلك فكيف يظفر بالنجاح وما ذا تفيده الكثرة؟ وضخامة ~~العدد؟. ### || 3 وصف الجيش : # لا شك أن الجيش هو العماد الذي يقوم عليه عرش الدولة ، ويبتنى عليه ~~كيانها ، وهو السياج الواقي للحكومة والشعب من الاعتداء ، وعليه المعول فى ~~حفظ النظام وسيادة الأمن ، لكن فيما إذا كان مخلصا فى دفاعه ومؤمنا بحكومته ~~، وأما إذا كان خائنا أو لا ينظر لدولته إلا بنظر العداء والانتقام ويترقب ~~الفرص للفتك بها وتمكين العدو منها ، فانها حتما لا تنجح في أي ميدان من ~~ميادين الصراع الداخلي والخارجي ولا تفوز بالنجاح حينما يتلبد جوها السياسى ~~بالغيوم القاتمة والأخطار الفاتكة ، وكان الجيش العراقي الذي زحف مع الإمام ~~لمحاربة معاوية قد ركس فى الفتنة وماج في الشقاء PageV02P079 # فكان خطره على الدولة أعظم من خطر معاوية ، وقد وصفه الشيخ المفيد ~~رحمه الله وقسمه الى عناصر وقد أجاد فى وصفه وأبدع في تقسيمه ، قال طيب الله ~~مثواه : # « واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ، ثم خفوا وخف معه أخلاط من الناس ~~بعضهم شيعة له ولأبيه ، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ، وبعضهم ~~أصحاب فتن وطمع بالغنائم ، وبعضهم شكاك ، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء ~~قبائلهم لا يرجعون الى دين » (1). # وأعرب الشيخ المفيد نضر الله مثواه في كلامه أولا عن كراهة الجيش للحرب ms335 ، ~~وإيثاره للعافية ، ورغبته في السلم ، وأفاد ثانيا في تقسيمه ان الجيش ينقسم ~~الى عناصر متباينة فى أفكارها ، مختلفة في عقائدها وهي كما يلي : ### || 1 الشيعة : # وهؤلاء فيما يظهر عدد قليل في الجيش العراقي ولو كانوا عددا كثيرا فيه ، ~~لما أجبر أمير المؤمنين (ع) على التحكيم في صفين ولما صالح الحسن معاوية ~~وهذا العنصر يخالف بقية العناصر في تفكيره وشعوره وإيمانه فهو يرى أن ~~الخلافة من حقوق أهل البيت وانهم أوصياء النبي وحضنة الإسلام وحماته ، ~~وطاعتهم مفروضة على جميع المسلمين. PageV02P080 ### || 2 المحكمة : # وهم الخوارج الذين ضمهم جيش الامام وكانوا يرومون قتال معاوية بكل حيلة ~~ووسيلة لا إيمانا منهم بقضية الحسن وباطل معاوية ، بل كانوا يرون الحسن ~~ومعاوية في صعيد واحد ، وإنهما لا يستحقان الخلافة وإنما كانوا يستعجلون ~~حرب معاوية ومناجزته لأنهم يعلمون انه أوفر قوة من الامام فرأوا أن ينضموا ~~الى جيشه مؤقتا حتى ينهوا أمره ، فان قضي عليه فيكون أمر الحسن سهلا لأن ~~اغتياله ليس بالعسير عليهم فقد اغتالوا أباه من قبل : ### || 3 اصحاب المطامع : # وضم جيش الإمام فصيلة من الجند لا تؤمن بالقيم الروحية ولا تقدس العدل ~~ولا تفقه الحق وإنما كانوا ينشدون مصالحهم وأطماعهم وكانوا يرقبون من كثب ~~أي الجهتين قد كتب لها النصر والظفر حتى يلحقوا بها. ### || 4 الشكاكون : # وأكبر الظن ان الشكاكين هم الذين أثرت عليهم دعوة الخوارج ودعاية ~~الأمويين حتى شككوا في مبدأ أهل البيت (ع)، وفي رسالتهم الإصلاحية ولو ~~اندلعت نيران الحرب لما ساعدوا الإمام بشيء ، لأنهم لم يكونوا مدفوعين ~~بدافع الإيمان والعقيدة. PageV02P081 ### || 5 اتباع الرؤساء : # وهم أكثر العناصر عددا ، وأعظمهم خطرا ، فهم يتبعون زعماءهم ورؤساءهم ~~اتباع أعمى لا إرادة لهم ولا تفكير ولا شعور بالواجب ، وهم المعبر عنهم ~~بالهمج الرعاع. وكان أغلب سواد العراق قد انتمى الى أحد الزعماء على غرار ~~العشائر العراقية في هذا الوقت ، وأكثر زعماء العراق ممن كاتب معاوية ~~بالطاعة والانقياد كقيس بن الأشعث ، وعمرو بن الحجاج وحجار بن أبجر ~~وأضرابهم من الخوارج والمنافقين الذين اشتركوا في أعظم مأساة سجلها ms336 التأريخ ~~وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين (ع). # هذه هي العناصر التي تكون منها الجيش العراقي ، بل العراق كله من نفر منه ~~الى الحرب ومن لم ينفر ينطبق عليه أحد هذه العناوين التي ذكرها شيخ الإسلام ~~المفيد رحمه الله في كلامه القيم ، وأكثر هؤلاء لا يؤمن من شرهم فى السلم ~~فضلا عن الحرب. ### || 4 أخطاء تاريخية : # وقع فريق من المؤرخين والكتاب فى أخطاء تتعلق فى هذا الفصل يجدر التنبيه ~~عليها وهي : ### || 1 الحاكم : # أفاد الحاكم النيسابوري أن الحسن (ع) أسند قيادة مقدمته إلى ابن عمه عبد ~~الله بن جعفر ، وضم إليه عشرة آلاف جندي (1) وفد تفرد PageV02P082 # الحاكم بهذا القول وهو مخالف لما اجمع عليه رواة الأثر من أن قيادة ~~المقدمة كانت لعبيد الله بن العباس باشراك قيس بن سعد وسعيد بن قيس ، كما ~~أن عدد المقدمة كان اثنى عشر الفا حسب ما ذكروه لا عشرة آلاف. ### || 2 اليعقوبى : # ذكر المؤرخ الشهير اليعقوبي : ان الإمام الحسن تجهز لحرب معاوية بعد ~~ثمانية عشر يوما من وفاة أبيه (1) وهو اشتباه لأن الإمام لم يتجهز لمحاربة ~~خصمه إلا بعد أن راسله بتلك الرسائل التي مر ذكرها فى الفصل السالف ، وعلى ~~الظاهر أن مدة المراسلة كانت تزيد على شهرين كما أن الإمام لم يستعد للحرب ~~إلا بعد ما فشلت جميع الوسائل التي اتخذها لأجل السلم والوئام ، وعلم أن ~~معاوية قد زحف إليه بجنده ففى ذلك الوقت تجهز للحرب لا قبله كما أجمع عليه ~~المؤرخون وإذا أردنا تصحيح ما ذكره اليعقوبي فان هذه المدة التي ذكرها كانت ~~فاتحة المراسلات التي دارت بينهما. ### || 3 ابن كثير : # قال ابن كثير : ولم يكن فى نية الحسن أن يقاتل أحدا ، ولكن غلبوه على ~~رأيه ، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله ، فأمر الحسن بن علي قيس بن ~~سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفا بين يديه. الخ (2). وهذا القول ~~ليس بوثيق لأن الإمام الحسن لو لم يكن من رأيه الحرب لما بعث الى معاوية ~~تلك المذكرات التي يتهدده ms337 فيها ويتوعده باعلان الحرب PageV02P083 # إن لم يدخل فى طاعته ، ولو لم يكن من نيته الحرب لما اعتلى المنبر وحفز ~~الناس الى الجهاد ، ودعاهم الى الحرب كما ذكرنا ذلك بالتفصيل ، وأما قوله : ~~ان الناس اجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله وهم يدعون الإمام الى الحرب. ~~فينافيه ويرده تقاعسهم ، وعدم اجابتهم له ، وسكوتهم لما دعاهم (ع) الى ~~الجهاد في خطابه السالف الذكر. ### || 4 طه حسين : # قال الدكتور طه حسين : « ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريبا من ذلك لا ~~يذكر الحرب ، ولا يظهر استعدادا لها ، حتى ألح عليه قيس بن سعد ، وعبيد ~~الله بن العباس ، وكتب إليه عبد الله بن عباس من مكة يحرضه على الحرب ويلح ~~عليه في أن ينهض فيما كان ينهض فيه أبوه » (1) ومواقع النظر في كلامه ما يلي : # 1 إن قوله : ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريبا من ذلك لا يذكر الحرب ~~ولا يظهر استعدادا لها. فانه بعيد عن الواقع ، وهو قريب مما ذكره ابن كثير ~~في كلامه المتقدم ، ولعل الدكتور استند إليه ، وتفنده رسائل الإمام التي مر ~~بيانها فانها صريحة في تصميمه وعزمه على الحرب ، وللاستدلال على ذلك نسوق ~~بعض فقراتها يقول (ع): « وإن أنت أبيت إلا التمادي فى غيك سرت إليك ~~بالمسلمين حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ». وهذه الفقرات واضحة ~~صريحة فيما ذكرناه ، ولعل الدكتور لم يلحظ هذه الجوانب من رسائل الإمام ~~فأرسل حكمه محفوفا بالخلط والاشتباه ، وبالاضافة الى ذلك فان الإمام ملزم ~~بمناجزة معاوية ، PageV02P084 # لأن الله أوجب حرب البغاة الذين يشقون عصا الطاعة ، ويخرجون على إمام ~~المسلمين ، قال تعالى : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله ». وقال ~~رسول الله (ص): « من دعا الى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة ~~الله فقاتلوه ». ومعاوية قد خرج على أمير المؤمنين من قبل وبغى عليه ، وقد ~~أغرق البلاد في الدماء ، وأشاع بين المسلمين الحزن والثكل والحداد ، ~~فمناجزته من أهم الواجبات الإسلامية ، فكيف يتخلف الإمام عنها وهو سبط ~~النبي وريحانته. # 2 وأما قوله ms338 : إن قيس بن سعد ، وعبيد الله بن العباس ألحا عليه فى أن ~~ينهض للحرب ، فان هذا من الوهم والخلط لأنا ذكرنا في أوائل هذا البحث ~~النصوص التأريخية التي دلت على أن الإمام نفر الى الحرب حينما علم أن ~~معاوية قد زحف إليه ، ولم يكن أحد قد ألح عليه في ذلك ، وإنما كانت حراجة ~~الموقف والضرورة البالغة تقضيان بخروجه ، فانه لو لم ينفر لحرب معاوية ورد ~~عدوانه لاحتل الكوفة ، وأخذ الإمام أسيرا ، فكان خروجه للدفاع والجهاد أمرا ~~لازما ، ولم يكن هناك أي أحد ألح عليه في ذلك. # إن بحوث الدكتور طه حسين فى هذه الجهات محفوفة بالإسفاف والخلط وفاقدة ~~للتحقيق الذي يتطلبه البحث العلمي الذي لا يخضع للعاطفة والأهواء ، فان ~~التاريخ كما يقول قد خلط بالموضوعات حتى أصبح من العسير أن يخلص المؤرخ ~~للحق في أبسط الامور وأيسرها فضلا عن أمثال هذه الجوانب التي لبست أسمك ~~جلابيب الغموض بسبب الروايات التي تعمد أصحابها على وضعها انتصارا للأمويين ~~وتقليلا لجانب أهمية أهل البيت (ع)، فيجب التثبت والوقف فى كثير مما ~~انفردوا بروايته ، PageV02P085 # وملاحظة أقوال المؤرخين الذين عرفوا بالاستقامة وعدم الانحراف ، وتحرجوا ~~من الوضع ، وليس من الحق أن يعتمد الدكتور على روايات ابن كثير وأمثاله ممن ~~جرفتهم العصبية ، ومالوا عن القصد فدونوا ما هو مجاف للواقع وبعيد عن الحق. # إن مصدر الخطأ والالتباس في بحوث المتأخرين إنما جاءت من الاعتماد على ~~أمثال هذه المصادر ، وعدم التحقيق والتدقيق فيما انفردوا بروايته انتصارا ~~للحكم القائم ، وليس شيء أدعى للمؤرخ الذي يريد أن يخلص للحق من التثبت فى ~~ذلك فانه مما يقتضيه البحث الحر الذي نحن في أمس الحاجة إليه. PageV02P086 ### | في المدائن PageV02P087 # فى سجل التاريخ حوادث مفجعة يذوب القلب من هولها أسى وحسرات ، وذلك بما ~~تتركه من الآثار المريعة ، والمضاعفات السيئة ، وبما تخلفه من المشاكل ~~والمصاعب كانتشار الظلم ، وذيوع الجور ، وهضم الحق ، وضياع العدل. ومن أفجع ~~هذه الحوادث وأقساها ، انتصار الظالمين وتغلبهم على أئمة الحق والعدل ، ~~فانه يؤدي حتما الى شل الحركة الإصلاحية ، وتدمير القيم الإنسانية ms339 ، وظهور ~~البغي والجور في البلاد. # وتمثلت هذه المأساة المحزنة بأبشع صورها على مسرح الزمن الهازل في صراع ~~الإمام الحسن (ع) مع معاوية ، وغلبة معاوية عليه ، وقد انتصرت بذلك القوى ~~الحاقدة على الإسلام ، والباغية على المسلمين ، واندحرت المبادئ العليا ~~التي جاء هذا الدين ليقيمها. # إن من نكد الدنيا غلبة معاوية وانتصاره على سبط النبي وريحانته ، ~~وابتزازه لحقه ، وفرضه حاكما على المسلمين باسم الإسلام ، وهو من ألد خصومه ~~وأعدائه. إن السر في انتصار معاوية يرجع الى أسباب كثيرة وعوامل متعددة ~~وأهمها الحوادث القاسية التي وقعت في « مسكن » (1) التي كانت تضم مقدمة جيش ~~الإمام ، والحوادث المؤسفة التي جرت فى « المدائن » التي استقرت فيها عامة ~~جيوشه ، وقد عانى الإمام منها ألوانا شاقة من PageV02P089 # المحن والخطوب حتى اضطر الى الصلح ، والتجأ الى مسالمة الخصم ، وعلينا أن ~~ننظر الى تلكم الأحداث ونتأملها فانها من أهم علل الصلح وأسبابه فيما نحسب ~~وهي كما يلي : ### || حوادث مسكن # وبعد ما أسند الإمام القيادة العامة في مقدمة جيشه الى عبيد الله بن ~~العباس ، انطلق عبيد الله يطوي البيداء مع الجيش حتى انتهى الى « سينور » ~~ومنها خرج الى « شاهي » (1)، فلزم الفرات والفلوجة حتى وصل الى مسكن ~~فاستقام فيها وقابل العدو وجها لوجه ، وقد قام معاوية بدوره بعمليات ~~التخريب والإفساد فسلك جميع الوسائل للقضاء على أصالة « المقدمة » وتمزيق ~~وحداتها ، واماتة نشاطها العسكري ، فنشر بها المخاوف والأراجيف ، وبث فيها ~~العصيان والتمرد ، ونقدم عرضا لبعضها : |فان كان الذي قد قلت حمقا||بأن قد أكرهوك على القضاء| |فما لك موضع فى كل يوم||تلقى من يحج من النساء| |مقيما فى قرى شاهي ثلاثا||بلا زاد سوى كسر وماء| PageV02P090 ### || بث الجواسيس # وكانت باكورة الدسائس الخطيرة التي قام بها معاوية فى إفساده « المقدمة » ~~، انه بعث الجواسيس ، ونشر العيون ليذيعون الذعر والإرهاب ويقومون بخذلان ~~الجيش ، وكانت دعايتهم ذات طابع واحد وهي : # « إن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم؟. » (1) # وتركت هذه الموجة من الافتراء اضطرابا فظيعا ، وخوفا بالغا فى النفوس ، ~~وأحدثت تمردا شاملا في جميع الوحدات العسكرية. ms340 ### || رشوة الوجوه # ولم يقتصر معاوية في عمليات التخريب على ذلك ، فقد صنع ما هو أفتك منها ~~وهو شراؤه الضمائر الرخيصة من قادة الجيش وزعمائه المقيمين في « مسكن » فقد ~~بذل لهم أموالا ضخمة ، ومناهم بالوظائف والمراتب ، فأجابوه الى ذلك ، ~~وتسللوا إليه ، والتحقوا بمعسكره في غلس الليل وفى وضح النهار ، وكتب عبيد ~~الله أنباءهم بالتفصيل الى الإمام الحسن «ع» (2) ### || اغراؤه لعبيد الله # ولما رأى معاوية ان عملية الرشوة قد نجح بها الى حد كبير راح يعمل بنشاط ~~فى اغرائه لذوي الضمائر القلقة ، والنفوس المريضة ، فمد أسلاك مكره الى ~~عبيد الله بن العباس ، فجذبه إليه ، وصار العوبة بيده ، وقد خان PageV02P091 # عبيد الله بذلك ثقل رسول الله ، وترك موكب الحق والهدى ، وانضم الى معسكر ~~الخيانة والجور ، أما نص رسالة معاوية التي خدعه بها فهي : # « إن الحسن قد راسلني فى الصلح ، وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت فى طاعتي ~~الآن كنت متبوعا ، وإلا دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ~~ألف درهم ، أعجل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر ... » (1) # وتمثل الكذب الصريح ، والمكر السافر في قوله : « إن الحسن قد راسلني في ~~الصلح. » إن الإمام متى راسله فى الصلح؟ أفي رسائله ومذكراته التي احتوت ~~على تهديده وتوعيده باعلانه للحرب عليه إن لم يثب لطاعته ، أم بخروجه ~~لمناجزته؟ مضافا الى أنه لم تجر أي اتصالات بينه وبين الإمام في ذلك الوقت. # وليس هناك أدنى مجال للشك فى أن عبيد الله كان يؤمن في قرارة نفسه بكذب ~~هذا الادعاء لأن الإمام لو كان قد راسله في الصلح فلأي شيء يمنيه معاوية ~~بهذه الأموال الطائلة ، وما قيمته إن أجابه الإمام إلى ذلك. ### || غدر وخيانة # وغزى معاوية برسالته مشاعر عبيد الله فقد أخذ يطيل التفكير فى ارتكاب ~~الجريمة والخيانة ، وتمثلت أمامه النقاط المغريات التي عرضها عليه معاوية وهي : # 1 مراسلة الحسن له في الصلح حسب الادعاء المزعوم. # 2 الدخول فى معسكر معاوية وهو متبوع خير له من أن يكون تابعا. PageV02P092 # 3 الحصول على ms341 مائة ألف درهم. # وانفق ليله ساهرا يفكر في الأمر ، قد ملأت الحيرة اهابه ، وتمثلت أمامه ( ~~المادة ) التي مناه بها معاوية وهو لم يظفر ببعضها فى ظل الحكومة الهاشمية ~~التي بنيت على بسط العدل والمساواة ، وأخيرا سولت له نفسه الأثيمة بالغدر ~~ونكث العهد ، فاستجاب لدنيا معاوية ، ومال عن الحق ، وانحرف عن الطريق ~~القويم ، وخان الله ورسوله ، وترك سبط النبي (ص) وريحانته ، والتحق بمعسكر ~~الظلم والجور ، وقد تسربل بثياب العار والخزي. # لقد تسلل عبيد الله الى معاوية فى غلس الليل البهيم ومعه ثمانية آلاف من ~~الجيش (1) من ذوي الأطماع والأهواء الذين لم ينطبع الدين في قلوبهم ففي عنق ~~عبيد الله الخائن الأثيم تقع المسئولية الكبرى ، فقد أدت خيانته الى زعزعة ~~الجيش وتفلل وحداته واضطرابه. # إن هذه الخطة التي سلكها معاوية كانت من أهم الأسباب التي مهدت نجاحه ، ~~وفوزه بالموقف وتغلبه على الأحداث ، فقد سببت اندحار جيش الإمام ، وقضت على ~~عزائمه ، وفتحت باب الخيانة ، والغدر على مصراعيهما. ### || اضطراب الجيش # وأصبحت البقية الباقية من الجيش تفتش عن قائدها ليصلي بها صلاة الصبح فلم ~~تجده ، ولما علمت خيانته وغدره والتحاقه بالعدو اضطربت أشد الاضطراب ، ~~وماجت فى الفتن ، وارتطمت بالنزاع والخلاف ، ولما رأى قيس بن سعد الرجات ~~العنيفة ، والفتن السود قد ضربت أطنابها على الجيش قام فصلى بهم صلاة الصبح ~~، وبعد الفراغ منها قام خطيبا فهدأ روعهم PageV02P093 # وأثابهم الى الصواب والرشاد ، وهذا نص خطابه. # « إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيرا قط ، إن أباه عم رسول الله (ص) ~~خرج يقاتله ببدر ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري (1) فأتى به رسول ~~الله (ص) فأخذ فداءه ، فقسمه بين المسلمين وإن أخاه ولاه علي على البصرة ~~فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال ، وإن ~~هذا ولاه علي على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطاة ، وترك ولده حتى قتلوا ، ~~وصنع الآن هذا الذي صنع » (2). # وملك قيس أحاسيس الجيش وشعورهم بخطابه المؤثر الرصين ، فقد رأوا في كلامه ~~منطق الحق ، وفي شخصيته صلابة الإيمان ms342 ، وتبين لهم أن عبيد الله خليق ~~بالخيانة ، ومظنة لكل سوء ، وانه لو كان عنده شعور نبيل أو عاطفة انسانية ~~لما هرب من اليمن وترك ولديه بيد الجزار بسر بن أبي أرطاة فقتلهما. PageV02P094 # وانبرى الجيش بجميع كتائبه فأعلن التأييد والخضوع لمقالته وهم يهتفون « ~~الحمد لله الذي أخرجه من بيننا. » (1) # وتسلم قيس القيادة بعد غدر عبيد الله بنص الإمام وبالترشيح من جميع ~~القوات المسلحة ، وحينما تسلم منصبه الجديد رفع للإمام مذكرة أخبره فيها ~~بوقوع الحادث المؤسف وبتسلمه مهام القيادة ، وهذا نصها : # « إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها ( الجنوبية ) بإزاء ( مسكن ) وان ~~معاوية أرسل الى عبيد الله بن العباس يرغبه فى المصير إليه ، وضمن له ألف ~~ألف درهم ، يعجل له منها النصف ، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة ، ~~فانسل عبيد الله في الليل الى معسكر معاوية في خاصته ، وأصبح الناس قد ~~فقدوا أميرهم ، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم ... (2) # وساعد الله قلب الإمام الحسن حينما انتهى إليه هذا النبأ المؤسف ، فقد ~~أترعت نفسه الشريفة بالآلام والهواجس ، ويئس من الظفر والنصر ، وعلم أن ~~أكثر من معه لا واقعية لهم ، وانهم يسلمونه عند الوثبة ويغدرون به عند ~~اندلاع نار الحرب. وأما جيشه الرابض معه فى « المدائن » فانه لما علم ~~بخيانة عبيد الله ، والتحاقه بمعسكر العدو ارتطم في الفتن ، وماج في الشر ، ~~واستولى عليه الذعر والخوف ، وأخذ أكثر قادته يلتمسون الطرق للاتصال ~~بمعاوية والظفر بأمواله. ### || اكاذيب واضاليل : # وبعد ما طعن معاوية الجيش العراقي في صميمه بعمليات الرشوة ، سلك PageV02P095 # طرقا أخرى في إفساده واماتة نشاطه ، فقد أرسل عيونه وخواصه ينشرون ~~الأكاذيب ، ويبثون الإرهاب في جميع كتائب الجيش سواء المقيمة في المدائن ، ~~أو فى مسكن ، وكانت تلكم الإشاعات ذات صور وهي : # أإذاعتهم في « المدائن » أن قيس بن سعد قد صالح معاوية ، وصار معه (1)، ~~ولم يشك الجيش في صدق هذه الدعاية ، فان عبيد الله بن العباس الذي هو أمس ~~الناس رحما بالإمام قد غدر به وخانه فكيف بغيره. # ب إشاعتهم في « مسكن » ان الإمام قد صالح معاوية ms343 وأجابه (2). # ج افتراؤهم على من في « المدائن » ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا (3). # ومزقت هذه الدعايات الكاذبة أعصاب الجيش ، وأماتت نشاطه العسكري ، وأصبح ~~متفككا تسوده الفتن والأهواء. ### || خلاصة الأحداث : # ومجمل ما تقدم من الفتن السود ، والخيانة المفضوحة التي منيت بها المقدمة ~~التي هي أقوى فصائل الجيش أمور : # 1 تسلل ذوي الوجاهة والنفوذ من ذوي البيوتات الشريفة والأسر البارزة الى ~~معاوية. # 2 غدر القائد العام عبيد الله بن العباس وخيانته لسبط النبي وريحانته. PageV02P096 # 3 خيانة ثمانية آلاف من الجيش ، والتحاقهم بمعسكر معاوية ، وناهيك بالضعف ~~والاختلال الذي منيت به المقدمة بعد انسحاب هذا العدد الخطير منها. # 4 اضطراب الجيش على الإطلاق سواء أكان في مسكن أو فى المدائن بسبب ~~الإشاعات الكاذبة التي أذاعها أتباع معاوية من أن الحسن قد صالح معاوية ، ~~وأن قيسا قد قتل. # هذه خلاصة الأخطار الفظيعة التي اصيبت بها « المقدمة » وقد أوجبت ~~انهيارها وأماتت نشاطها ، وأصبحت لا لياقة لها على مواجهة الأحداث ، ولا ~~قابلية لها على الدفاع ورد العدوان الأموي الذي يتمتع بأتم القابليات وأضخم ~~الطاقات. وبعد هذه الزعازع التي فتكت بالمقدمة هل يصح أن يقال إنها جبهة ~~قوية لها القدرة على مناجزة معاوية؟!! ### || حوادث المدائن : # ونزح الإمام الحسن عن عاصمته ، وقد نفر معه أخلاط من الناس ، وأخذ في ~~مسيره على حمام عمر حتى أتى دير كعب في « مظلم ساباط » (1) فاستقوا فيه ، ~~وأخذ معاوية يعيث فسادا فى جيش الإمام حقى ارتطم بالفتن والخطوب ، ونقدم ~~عرضا من النكبات التي مني بها ، والى الأحداث الهائلة |ألا أبلغا أبا حفص آية||وقولا له قول الكمي المغاور| |بأنا أثرنا آل طوران كلهم||لدى مظلم يهفو بحمر الطواهر| PageV02P097 # التي واجهها الإمام الحسن. ### || اذاعة الذعر : # وكانت أول بادرة فعلها معاوية لإفساد جيش الإمام أنه بعث عبد الله ابن ~~عامر ليبث الخوف والجزع فى نفوس العراقيين فانطلق عبد الله فنادى بأعلى ~~صوته بين صفوف الجيش العراقى : # « يا أهل العراق ، إني لم أر القتال ، وإنما أنا مقدمة معاوية وقد وافى ~~الأنبار في جموع أهل الشام ، فأقرءوا ms344 أبا محمد « يعني الحسن » عني السلام ~~وقولوا له : أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك ». # وحينما سمعوا ذلك داخلهم من الخوف والرهبة الى حد لا سبيل الى تصويره ، ~~وأخذ بعضهم يخذل بعضا ، وسئموا القتال ، وكرهوا الحرب. ### || رشوة الزعماء : # لا تزال الرشوة قديما وحديثا هي الثغرة الوحيدة التي يسلك فيها ~~المستعمرون للاستيلاء على الشعوب ، وسلب سيادتها ، والقضاء على أصالتها وقد ~~أمعن معاوية في استعمال الرشوة بنطاقها الواسع في شراء الضمائر والذمم ~~والأديان لأجل تدعيم ملكه ، والقضاء على حكومة الإمام ، استعمل في سبيل هذه ~~الغاية كل وسيلة ، وسلك كل طريق لأن « الغاية تبرر الواسطة » والرشوة التي ~~استعملها كانت ذات طوابع مختلفة وهي : # أمنح الوظائف المهمة ، والمناصب الخطيرة في الدولة كالولاية على قطر من ~~الأقطار أو القيادة العامة على جيش من جيوشه لمن غدر بالإمام الحسن ، ~~واستجاب له. # ب بذل الأموال الضخمة من المائة ألف فما فوق. PageV02P098 # ج الوعد بتزويج إحدى بناته ، ومن الغريب ان تتوصل خساسة الرشوة الى مثل ~~هذا اللون الذي ينم عن انحطاط النفس وتماديها في الرذائل والموبقات. # ودلت هذه الأساليب على دراسة معاوية لنفوس العراقيين ، فقد عرف الأشخاص ~~الذي تشترى ضمائرهم بالمادة فبذلها لهم بسخاء ، والأشخاص الذين لا يقيمون ~~وزنا للمادة مناهم بالوظائف والنفوذ ، والأشخاص الذين يحبون الاتصال والقرب ~~منه مناهم بزواج إحدى بناته ، وقد نص على هذه الجهات الصدوق رحمه الله فى ~~كلامه قال : # « وبعث معاوية لكل من عمرو بن حريث (1)، والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر ~~(2) عينا من عيونه يمنى كل واحد منهم بقيادة جند من PageV02P099 # جنوده ، أو بتزويج إحدى بناته ، أو بمائة ألف درهم إن هم قتلوا الحسن وقد ~~بلغه ذلك فاستلأم (1) ولبس درعا ، فكان لا يتقدم للصلاة إلا وعليه وقاية » (2). ### || تأثير الرشوة : # واستجابت النفوس المريضة التي لم يهذبها الدين الى دعوى معاوية ، وانجرفت ~~بدنياه الحلوة وانخدعت بوعوده المعسولة ، فأخذت تتهاوى على أعتابه ملبية ~~طلباته ، وممتثلة لأمره ، فراسله جمع من الأشراف والوجوه والبارزين برسائل ~~متعددة أعربوا فيها عن استعدادهم الى الفتك بالإمام متى طلب ms345 وأراد وهي ذات ~~مضمونين : # 1 تسليم الحسن له سرا أو جهرا. # 2 اغتياله وقتله متى أراد ذلك. # وقد بعث معاوية بتلكم الرسائل الى الإمام ليطلع فيها على خيانة جيشه ، ~~وعند ما عرضت عليه تلك الرسائل أيقن بفسادهم وتخاذلهم وسوء نياتهم (3). # ومن تأثير الرشوة على تلك النفوس المريضة التي انمحت عنها جميع النواميس ~~الإنسانية ، ان الإمام (ع) وجه قائدا من كندة فى أربعة آلاف وأمره أن يعسكر ~~بالأنبار وأن لا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره ، فلما نزل بها عرف معاوية فوجه ~~إليه رسولا وكتب معه « إنك إن أقبلت إلي أو لك بعض كور الشام والجزيرة غير ~~منفس عليك » وأرسل إليه بخمسمائة ألف PageV02P100 # درهم ، فقبض الكندي المال وانحاز الى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل ~~بيته ، فبلغ الحسن (ع) ذلك فتأثر وقام خطيبا وهو متذمر ومتألم أشد الألم من ~~ذلك المجتمع الذي جرفته الخيانة ، وصار فريسة للباطل والضلال فقال ~~عليه السلام : # « هذا الكندي توجه الى معاوية ، وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة ~~انه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا ، وأنا موجه رجلا آخر مكانه وإني أعلم ~~أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبكم ، ولا يراقب الله في ولا فيكم ». # وبعث عليه السلام رجلا آخر من مراد في أربعة آلاف ، وتقدم إليه بمشهد من ~~الناس وتأكد عليه ، ولكنه أخبره انه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان ~~الموثقة أنه لا يفعل ذلك ، فلم يطمئن منه الحسن وقال متنبئا : « إنه سيغدر ». # وسار حتى انتهى الى الأنبار ، فلما علم معاوية به أرسل إليه رسلا وكتب ~~إليه بمثل ما كتب الى صاحبه ، وبعث إليه بخمسة آلاف ولعلها خمسمائة ألف ~~درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة ، فقلب على الحسن وأخذ ~~طريقه الى معاوية ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود (1). # وارتكب هذه الخيانة جمع غفير من الأشراف والوجوه. وقد أدى ذلك الى زعزعة ~~كيان الجيش واضطرابه ، وتفلل جميع وحداته. ### || 4 نهب أمتعة الامام : # وانحطت نفوس ذلك الجيش انحطاطا فظيعا ، واستولت على ms346 ضمائره PageV02P101 # سحب قاتمة لا بصيص فيها من نور الكرامة والشرف ، فارتكبوا كل جريمة ~~وموبقة. ومن انحطاط نفوسهم ان بعضهم جعل ينهب بعضا ، ولم يكتفوا بذلك حتى ~~عدوا الى أمتعة الإمام وأجهزته فنهبوها ، وأكبر الظن أن للخوارج ضلعا كبيرا ~~في هذا الإجرام ، فانهم لا يرون حرمة للإمام ، ولا حرمة لأموال غيرهم ، فقد ~~أباحت خططهم الملتوية أموال من لا يدين بفكرتهم ولا يخضع لدينهم ، وقد وقعت ~~جريمة نهب الإمام فى موردين هما : # 1 حينما دس معاوية عيونه في جيش الإمام ليذيعون أن الزعيم قيس بن سعد قد ~~قتل فانهم حينما سمعوا ذلك نهب بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن (1) ~~وتنص بعض المصادر انهم نزعوا بساطا كان الإمام جالسا عليه واستلبوا منه ~~رداءه (2). # 2 لما أرسل معاوية المغيرة بن شعبة ، وعبد الله بن عامر ، وعبد الرحمن بن ~~الحكم الى الإمام ليفاوضونه في أمر الصلح ، فلما خرجوا من عنده أخذوا يبثون ~~بين صفوف الجيش لإيقاع الفتنة فيه قائلين : « إن الله حقن الدماء بابن بنت ~~رسول الله (ص) وقد أجابنا الى الصلح » ولما سمعوا بمقالتهم اضطربوا اضطرابا ~~شديدا ووثبوا على الإمام فانتهبوا مضاربه وأمتعته (3). ### || 5 تكفيره : # وخيم الجهل على قلوب ذلك الجيش المصاب بأخلاقه وعقيدته ، فراح يسرح في ~~ميادين الشقاء والغواية متماديا في الإثم والضلال ، وبلغ PageV02P102 # من طيشه وجهله أن بعضهم حكم بتكفير حفيد نبيهم ، فلقد انبرى له الجراح بن ~~سنان الذي أراد قتله قائلا : # « أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!! ». # إن مجتمعا يرى هذا الاعتداء الصارخ على حفيد نبيهم ولا يقومون بنجدته ~~لجدير بأن ينبذ ويترك لأنه لا ينفعه النصح ، ولا يثوب الى الحق والرشاد ، ~~وأغلب الظن أن الذين حكموا بكفر الإمام كانوا من الخوارج إذ لا يصدر هذا ~~الاعتداء إلا من هؤلاء الأشرار. ### || 6 اغتياله : # ولم تقف محنة الحسن وبلاؤه في جيشه الى هذا الحد فلقد عظم بلاؤه الى أكثر ~~من ذلك فقد قدم المرتشون والخوارج على قتله ، وقد اغتيل (ع) ثلاث مرات وسلم ~~منها وهي : # 1 انه كان يصلي فرماه ms347 شخص بسهم فلم يؤثر شيئا فيه. # 2 طعنه الجراح بن سنان في فخذه ، وتفصيل ذلك ما رواه الشيخ المفيد ~~رحمه الله قال : « إن الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له وليكون على ~~بصيرة من أمره ، فأمر (ع) أن ينادى ( بالصلاة جامعة ) فلما اجتمع الناس قام ~~عليه السلام خطيبا فقال : # « الحمد لله كلما حمده حامد ، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق وائتمنه على وحيه. # أما بعد : فإني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح ~~خلق الله لخلقه ، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ، ولا مريد له بسوء ، ~~ولا غائلة وإن ما تكرهون فى الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ~~ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفون أمري ، PageV02P103 # ولا تردوا علي رأيي ، غفر الله لي ولكم ، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة ~~والرضا ». # ونظر الناس بعضهم الى بعض وهم يقولون ما ترونه يريد؟ # واندفع بعضهم يقول : # « والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه!!! » # وما سمعوا بذلك إلا وهتفوا : # « كفر الرجل!!! » # وشدوا على فسطاطه فانتهبوه ، حتى أخذوا مصلاه من تحته ، وشد عليه الأثيم ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي ، فنزع مطرفه من عاتقه ، فبقى ~~الإمام جالسا متقلدا سيفه بغير رداء ، ودعا (ع) بفرسه فركبه ، وأحدقت به ~~طوائف من خاصته وشيعته محافظين عليه ، وطلب عليه السلام أن تدعى له ربيعة ~~وهمدان فدعيتا له ، فطافوا به ودفعوا الناس عنه ، وسار موكبه ولكن فيه ~~خليطا من غير شيعته ، فلما انتهى (ع) الى مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني ~~أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته ، وبيده مغول (1) فقال له : # « الله أكبر ، اشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل! ». # ثم طعن الإمام في فخذه فاعتنقه الإمام وخرا جميعا الى الأرض ، فوثب إليه ~~رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن حنظل الطائي ، فانتزع المغول من يده ~~فخضض به جوفه ، وأكب ms348 عليه شخص آخر يدعى بظبيان بن عمارة فقطع أنفه ، ثم حمل ~~الإمام (ع) جريحا على سرير الى المدائن في المقصورة البيضاء لمعالجة جرحه (2). PageV02P104 # 3 طعنه بخنجر فى أثناء الصلاة (1). # واتضحت للإمام (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة نوايا هؤلاء الأجلاف وانه ~~سيبلغ بهم الاجرام والشر الى ما هو أعظم من ذلك وهو تسليمه الى معاوية ~~أسيرا فتهدر بذلك كرامته أو يغتال ويضاع دمه الشريف من دون أن تستفيد الأمة ~~بتضحيته شيئا. ### || الموقف الرهيب : # وكان موقف الإمام الحسن عليه السلام من هذه الزعازع ، والفتن السود التي ~~تدع الحليم حيرانا ، موقف الحازم اليقظ ، فقد كان من حنكته وحسن تدبيره ، ~~وبراعة حزمه فى مثل الانقلاب الذي مني به جيشه أن جمع الزعماء والوجوه ، ~~فأخذ يبين لهم النتائج المرة والأضرار الجسيمة التي تترتب على مسالمة ~~معاوية قائلا : # « ويلكم ، والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي ، وإني أظن ~~أني إن وضعت يدي فى يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي ، وإني أقدر أن ~~أعبد الله عز وجل وحدي ، ولكن كأني أنظر الى أبنائكم واقفين على أبواب ~~أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون ، ~~فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ». # ولم تنفع جميع المحاولات التي بذلها الإمام من أجل استقامتهم وصلاحهم فقد ~~أخذ الموقف تزداد حراجته ، ويعظم بلاؤه ، وتشتد فيه الفتن والخطوب وقد وجد ~~زعماء الجيش انشغال الإمام بمعالجة جرحه فرصة إلى الاتصال PageV02P105 # المفضوح بمعاوية ، والتزلف إليه بكل وسيلة ، وقد علم الإمام (ع) جميع ما ~~صدر منهم من الخذلان والاتصال بالعدو. # حقا لقد كان موقف الإمام موقفا تمثلت فيه الحيرة والذهول ، ينظر الى ~~معاوية فيرى حربه ضروريا يقضي به الدين ويلزم به الشرع وينظر الى الانقلاب ~~والتفكك الذي أصيب به جيشه ، والى المؤمرات المفضوحة على اغتياله فينفض يده ~~منهم وييأس من صلاحهم ، ومع ذلك أراد عليه السلام أن يمتحنهم ليرى موقفهم من ~~الحرب لو اندلعت نارها ، فأمر (ع) بعض أصحابه أن ينادى في الناس ms349 ( الصلاة ~~جامعة ) فاجتمع الجمهور فقام فيهم خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء عليه : # « والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام ~~بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم فى مسيركم ~~الى صفين ودينكم أمام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وقد ~~أصبحتم بين قتيلين ، قتيل بصفين تبكون عليه ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره ~~، وأما الباقي فخاذل وثائر ». # وأعرب (ع) بهذا الخطاب البليغ عن بعض العوامل التي أدت الى تفككهم ~~وانحلالهم ، وعرض عليهم بعد هذا دعوة معاوية في الصلح قائلا : # « ألا وان معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ، ولا نصفة فان أردتم الموت ~~رددناه عليه وحاكمناه بظبات السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذناه ~~بالرضا ». # وما انتهى (ع) من هذه الكلمات إلا وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الجمع ~~وهي ذات مضمون واحد : PageV02P106 # البقية ، البقية (1). # ورأى (ع) بعد هذا الموقف أنه إن حارب معاوية حاربه بيد جذاء إذ لا ناصر ~~له ولا معين ، ولم يكن هناك ركن شديد حتى يأوي إليه ، واستبانت له الخطط ~~المفضوحة التي سلكها زعماء الجيش من تسليمه الى معاوية أسيرا أو اغتياله ، ~~رأى بعد هذا كله ان الموقف يقضي بالسلم واستعجال الصلح. # وحدث يزيد بن وهب الجهني عن مدى استياء الامام وتذمره من أجلاف الكوفة ~~وأوباشهم ، قال : دخلت عليه لما طعن فقلت له : # « يا ابن رسول الله ، ان الناس متحيرون ». # فاندفع الامام يقول بأسى بالغ وحزن عميق : # « والله أرى معاوية خيرا لي ، هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي ~~وانتهبوا ثقلي ، وأخذوا مالي ، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمى ~~وآمن به أهلي وشيعتي خير لي من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتى ، لو قاتلت ~~معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما ، والله لئن اسالمه وأنا عزيز ~~أحب من أن يقتلني وأنا أسير ، أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم الى آخر ~~الدهر ، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت ». # وأعرب الإمام فى حديثه عن مدى ما ms350 لاقاه من الاعتداء الغادر على حياته ~~وكرامته من هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم شيعة له ، وانه سيبلغ بهم ~~التفسخ الى أقصى حد فسيقتلونه أو يسلمونه أسيرا الى معاوية فيقتله أو يمن ~~عليه فيسجل له بذلك يدا على الإمام وتكون سبة وعارا على بني هاشم الى آخر الدهر. PageV02P107 # وأخذ (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة يجيل النظر ويقلب الرأي على وجوهه ، فى ~~حرب معاوية وتصور المستقبل الملبد بالزعازع والاضطرابات التي تقرر المصير ~~المخوف والنهاية المحتومة لدولته وحياته معا بل وعلى حياة الإسلام أيضا لأن ~~القلة المؤمنة التي يحويها جيشه كانت بين ذرية النبي الأعظم (ص) وبين حملة ~~الدين الإسلامى المقدس ، من بقايا الصحابة وتلامذة أمير المؤمنين (ع) ~~وهؤلاء إن طحنتهم الحرب تفنى معنويات الإسلام ، ويقضى على كيانه وتحطم ~~عروشه ، لأنهم هم القائمون بنشر طاقاته ، ومضافا الى ذلك ان الإسلام لا ~~يستفيد بتضحيتهم شيثا لأن معاوية بمكره سوف يلبسهم لباس الاعتداء ، ويوصمهم ~~بالخروج عن الطاعة والإخلال بالأمن العام والقضاء عليهم أمر ضروري حفظا ~~لحياة المسلمين من القلق والاضطراب. # حقا لقد تمثلت الحيرة والذهول في ذلك الموقف الرهيب والخروج من مأزقه ~~يحتاج الى فكر ثاقب والى مزيد من التضحية والإقدام ، رأى الامام عليه السلام ~~أن المصلحة التامة تقضي أن يصالح معاوية ويعمل بعد ذلك على تحطيم عروش ~~دولته ، ويعرب للناس عاره وعياره ، ويظهر لهم الصور الإجرامية التي تتمثل ~~فيه! لقد سالم (ع) وكانت المسالمة أمرا ضروريا يلزم بها العقل ويوجبها ~~الشرع المقدس ، وتقتضيها حراجة الموقف ، واضافة لهذه الأحداث سوف نقدم ~~أسبابا أخرى توضح المقام وترفع أثر الشك وترد شبهات الناقدين PageV02P108 ### | اسباب الصلح PageV02P109 # تحوم حول صلح الامام الحسن (ع) مع خصمه معاوية كثير من الظنون والأقوال ، ~~ويستفاد منها حكمان متباينان بكل ما للتباين من معنى والحق أن أحدهما خطأ ~~وبعيد عن الصواب كما هو الشأن في كل حكمين متباينين : # « الأول » من هذين الحاكمين تبرير موقف الامام في صلحه وموفقيته فيه الى ~~أبعد الحدود ، ويختلف مبنى التعليل فيه ، فطائفة من العلماء والبحاث عللته ~~بأنه إمام والإمام ms351 معصوم من الخطأ ، فلا يفعل إلا ما هو الصالح العام لجميع ~~الأمة ، وسنذكر في أواخر هذا البحث الذاهبين الى هذا القول وتعليل آخر يكشف ~~عن مناط القول الأول ، ويوضح مدركه وهو يستند الى العلل المادية التي اضطرت ~~الامام الى الصلح كخذلان جيشه ، وفساد مجتمعه ، وخيانة الزعماء والمبرزين ~~والوجهاء من شعبه وغير ذلك من العوامل ، # « الثاني » من هذين الحاكمين تعود خلاصته الى ضعف ارادة الامام وعدم ~~احاطته بشئون السياسة العامة وعجزه عن ادارة دفة الدولة ، وعدم تداركه ~~للموقف بالاعتماد على الأساليب السياسية وإن منع عنها الدين ، فان نال ~~الظفر فذاك وإلا فالشهادة في سبيل المجد التي هي شعار الهاشميين ، وهدف ~~المصلحين ، وهذا الرأي مبني على ظواهر لا تمت الى الواقع بصلة ولا تلتقي ~~معه بطريق وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الظروف المحيطة بالامام ، وعدم ~~الوقوف على اتجاه شعبه الذي اصيب بأخلاقه وعقيدته ، فلذا كان هذا الرأي ~~سطحيا وخاليا عن التحقيق وبعيدا عن الواقع ، أما الذاهبون لهذا الرأي فهم : # 1 الصفدي : # قال الصفدي فى شرحه لهذا البيت من لامية العجم : PageV02P111 حب السلامة يثني عزم صاحبه %~% عن المعالي ويغري المرء بالكسل # وقد رضى بالخمول جماعة من الرؤساء والأكابر المتقدمين في العلم والمنصب ~~وفارقوا مناصبهم ، وأخلوا الدسوت من تصديرهم ، ثم ذكر جماعة من الذين رضوا ~~بالخمول ونزعوا عن أنفسهم الخلافة ثم قال : # « وهذا الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) قال لمعاوية : إن علي دينا فأوفوه ~~عني وأنتم فى حل من الخلافة ، فأوفوا دينه وترك لهم الخلافة » (1). # 2 الدكتور فيليب حتى : # قال الاستاذ فيليب حتى : « وفي بدء حكم معاوية قامت حركة أخرى كان لها ~~شأن كبير في الأجيال التي تلت أعني اعلان أهل العراق الحسن بن علي الخليفة ~~الشرعي ، ولعلمهم هذا أساس منطقي لأن الحسن كان أكبر أبناء علي وفاطمة ابنة ~~النبي الوحيدة الباقية بعد وفاته ، ولكن الحسن الذي كان يميل الى الترف ~~والبذخ لا الى الحكم والادارة لم يكن رجل الموقف ، فانزوى عن الخلافة ~~مكتفيا بهبة سنوية منحه إياها » (2). # 3 العلائلي : # قال الاستاذ ms352 العلائلي : « ولكنه ( يعني الحسن ) كان قديرا على أن يعد ~~الجماعات المنحلة عن طريق الاستشارة والحماس ، وبث روح العزم والإرادة كما ~~رأينا في القادة الحديديين أمثال « نابليون » الذي تولى شعبا أنهكته الثورة ~~الطويلة كما أنهكت العرب ، وزاد هو فى انهاكه بالحروب PageV02P112 # المتتالية المستمرة التي اخذ بها أوربا ، ولكن القائد غمرته موجة السأم ~~التي غمرت الناس » (1). # 4 المستشرق « روايت م رونلدس » : # قال هذا المستشرق : « فان الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة ~~المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح » (2). # 5 لامنس : # قال هذا الإنگليزي المتهوس الأثيم الذي لم يفهم من التاريخ الإسلامى شيئا ~~: « وبويع للحسن بعد مقتل علي فحاول أنصاره أن يقنعوه بالعودة الى قتال أهل ~~الشام ، وقلب هذا الإلحاح من جانبهم حفيظة الحسن القعيد الهمة ، فلم يعد ~~يفكر إلا في التفاهم مع معاوية ، كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه وبين أهل ~~العراق ، وانتهى بهم الأمر إلى اثخان امامهم اسما لا فعلا بالجراح فتملكت ~~الحسن منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول الى اتفاق مع الأمويين ، وترك له ~~معاوية أن يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة ، ولم يكتف الحسن ~~بالمليوني درهم التي طلبها معاشا لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين ~~درهما أخرى ، ودخل كورة فى فارس طيلة حياته وعارض أهل العراق بعد ذلك في ~~تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق ، بيد انه اجيب إلى كل ما سأله حتى ان ~~حفيد النبي اجترأ فجاهر بالندم على أنه لم PageV02P113 # يضاعف طلبه وترك العراق مشيعا بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة » (1) # وهؤلاء الناقدون لصلح الامام كان بعضهم مدفوعا بدافع الحقد والعداء ~~للإسلام ، وبعضهم لم يكن رأيه خاضعا لحرية الفكر ولم يحتضن PageV02P114 # قولهم الدليل فى جميع أحواله ، وذلك لعدم وقوفهم على العوامل التي أحاطت ~~بالامام حتى دعته إلى مسالمة خصمه ، ويجب على الكاتب الذي يريد أن يمثل ~~للمجتمع صورة عن شخصية مهمة لها من الخطورة شأن كبير أن يحيط بأطرافها من ~~جميع النواحي ليكون رأيه قريبا الى الصواب وبعيدا عن الخطأ وبما أنا وقفنا ms353 ~~بعض الوقوف أو أقله على بعض العلل والعوامل التي دعت الامام لمسالمة عدوه ، ~~وهي تتلخص في أمور استنبطنا بعضها من الابحاث السالفة والبعض الآخر ~~استنتجناه من دراسة نفسية معاوية وملاحظة أعماله ، ومن الوقوف على أضواء ~~سيرة الامام الرفيعة ، ومعرفة سياسة أهل البيت (ع) التي لا تتذرع بالوسائل ~~التي شجبها الاسلام في سبيل الوصول الى الحكم وقبل أن نعرض أسباب الصلح نود ~~أن نبين انا قد نعيد نماذج بعض المواضيع السالفة لأجل الاستدلال على ما ~~نذهب إليه فان في الاعادة ضرورة ملزمة يقتضيها البحث ، فان تفصيل هذا ~~الموضوع والاحاطة به أهم من غيره ، ولعل نظر القراء إليه وهي كما يلي : ### || 1 تفلل الجيش : # إن أعظم ما تواجهه الدولة فى جميع مجالاتها مسبب على الأكثر من خبث الجند ~~، وشدة خلافه ، وعصيانه لقيادته العامة ، وقد مني الجيش العراقي آنذاك ~~بالتمرد والانحلال بما لم يبتل به جيش معاوية فانه ظل محتفضا بالولاء ~~لحكومته ولم يصب بمثل هذه الرجات والانتكاسات ، أما العلل التي أدت الى ~~اضطراب الجيش العراقي وانشقاقه فهي : ### || أتضارب الحزبية فيه : # إن الأحزاب إذا تضاربت في الجيش وكانت مدفوعة بالحقد للحكم PageV02P115 # القائم ، أو كان لها اتصال بدولة أجنبية تعمل بوحي منها ، وتستمد منها ~~التوجيهات للإطاحة به ، فان الدولة لا تلبث أن تلاقي النهاية المحتومة إن ~~عاجلا أو آجلا ، وقد ابتلي الجيش العراقي في ذلك الوقت بحزبين ليس فيهما ~~صديق للدولة الهاشمية ولا محافظ عليها ، وإنما كانا يبذلان المساعي والجهود ~~للقضاء عليها ، وهما : ### || الحزب الاموي : # وهؤلاء هم أبناء الأسر البارزة وذوو البيوتات الشريفة الذين لا يهمهم غير ~~الزعامة الدنيوية ، والظفر بالمال والسلطان وهم كعمر بن سعد ، وقيس ابن ~~الأشعث ، وعمرو بن حريث ، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج ، وأمثالهم من ~~الذين لا صلة لهم بالفضيلة والكرامة ، وكانوا أهم عنصر مخيف فى الجيش ، فقد ~~وعدوا معاوية باغتيال الامام أو بتسليمه له أسيرا كما قاموا بدورهم باعمال ~~بالغة الخطورة وهي : # 1 إنهم سجلوا كل ظاهرة أو بادرة فى الجيش فارسلوها الى معاوية للاطلاع عليها. # 2 كانوا ms354 همزة وصل بين معاوية وبقية الوجوه. # 3 قاموا بنشر الأراجيف والارهاب فى نفوس الجيش بقوة معاوية وضعف الحسن. # وأدت هذه الأعمال الى انهيار الجيش ، وزعزعة كيانه ، وضعف معنوياته في ~~جميع المجالات. PageV02P116 ### || الحزب الحروري : # وهذا الحزب قد أخذ على نفسه الخروج على النظام القائم ، ومحاربته بجميع ~~الوسائل ، وقد انتشرت مبادئه في الجيش العراقي انتشارا هائلا لأن المبشرين ~~بأفكارهم كانوا يحسنون غزو القلوب والأفكار ويجيدون الدعاية وقد وصف زياد ~~بن أبيه مدى قابلياتهم بقوله : « لكلام هؤلاء أسرع الى القلوب من النار الى ~~اليراع » (1) ووصف المغيرة بن شعبة شدة تأثر يهم في النفوس بقوله : « إنهم ~~لم يقيموا ببلد إلا أفسدوا كل من خالطهم » (2) وقد استولوا على عقول السذج ~~والبسطاء من الجيش بشعارهم الذي هتفوا به « لا حكم إلا لله » ولم يقصد بذلك ~~إلا حكم السيف كما يقول فان فلوتن (3) # لقد قضت خطط الخوارج الملتوية بوجوب الخروج على ولي أمر المسلمين إذا لم ~~ينتم إليهم وهو عندهم جهاد ديني تجب التضحية في سبيله وقد قاموا بأعنف ~~الثورات ضد الولاة حتى عسر عليهم مقاومتهم. وكان الخوارج يحملون حقدا بالغا ~~في نفوسهم على الحكومة الهاشمية لأنها قد وترتهم بأعلامهم ، وقضت على ~~الكثيرين منهم فى واقعة النهروان ، وقد فتكوا بالإمام أمير المؤمنين وتركوه ~~صريعا في محرابه انتقاما منه بما فعله فيهم ، كما اغتالوا الإمام الحسن (ع) ~~وطعنوه في فخذه ، وحكموا بتكفيره ، وكانت كمية هذه العصابة كثيرة للغاية ~~فقد نصت بعض المصادر أن أكثرية الجيش PageV02P117 # كانت من الخوارج (1). # وهذان الحزبان السائدان في العراق قد بذلا جميع الطاقات لإفساد الجيش ، ~~وبذر الخلاف والانشقاق في جميع وحداته حتى ارتطم في الفتن والأهواء ، ويضاف ~~لذلك أن هناك مجموعة كبيرة منه كان موقفها موقفا سلبيا في قضية الإمام ~~الحسن (ع) لأنها لا تفقه الأهداف الأصيلة التي ينشدها الامام ، ولضيق ~~تفكيرها ترى أن الامام كل من ارتقى دست الحكم من أي طريق كان فالحسن ~~ومعاويه سيان ، وإن حارب الحسن معاوية على الدين ، وحارب معاوية الحسن على ~~الدنيا. # ولم يعد بعد ذلك من يناصر ms355 الحكومة الهاشمية ، ويقف الى جانبها سوى الفئة ~~الشيعية التي ترى رأي العلويين في أحقيتهم بالخلافة وهم أمثال الزعيم قيس ~~بن سعد ، وسعيد بن قيس ، وعدي بن حاتم الطائي ، وحجر ابن عدي ، ورشيد ~~الهجري ، وحبيب بن مظاهر ، وأضرابهم من تلامذة أمير المؤمنين (ع) وهم ~~الأقلية عددا كما قال الله تعالى « وقليل ما هم » وليس باستطاعتهم أن ~~ينتشلوا الحكومة من الأخطار الحافة بها فانهم لو كانوا كثرة في الجيش لما ~~اضطر الامام أمير المؤمنين على قبول التحكيم ولما التجأ الامام الحسن الى الصلح. ### || ب السأم من الحرب : # ان من طبيعة الكوفة التي جبلت عليها نفوس أهلها السأم والملل « ولا رأي ~~لملول » ومضافا لهذه الظاهرة النفسية التي عرفوا بها أن هناك سببين أوجبا ~~زيادته ومضاعفته وهما : PageV02P118 ### || 1 الحروب المتتالية : # ومما سبب شيوع الملل والسأم فى نفوس الجيش العراقي الحروب المتتالية فان ~~الدولة كانت تستعمله فى الفتوحات والدفاع عنها ، وزاد في ضعف أعصابه ~~وانهياره حرب صفين والنهروان ، فقد طحنت الحرب فيها جمعا غفيرا منهم حتى ~~أصبحوا يكرهون الحرب ويؤثرون السلم ويحبون العافية. ### || 2 اليأس من الغنائم : # ولم يربح الجيش العراقي في حرب الجمل وصفين والنهروان شيئا من العتاد ~~والأموال ، لأن الامام أمير المؤمنين لم يعاملهم معاملة الكفار فيقسم ~~غنائمهم على المسلمين ، وإنما أمر بارجاع جميع الأموال التي اغتنمها جيشه ~~إلى أهلها بعد انتهاء حرب البصرة (1) وقد علم الجيش أن الامام الحسن (ع) لا ~~يتحول عن سيرة أبيه ونهجه ، فلم يثقوا بالأموال والغنائم إن حاربوا معاوية ~~فاعلنوا العصيان وأظهروا التمرد والسأم من الحرب. # إن كراهية الجيش العراقي للحرب وإيثاره للعافية لم يكن ناشئا في « مسكن » ~~وإنما كان عقيب رفع المصاحف وواقعة النهروان فقد خلد بجميع كتائبه إلى ~~السلم ، وقد ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا الكتاب صورا من الاعتداءات ~~الغادرة التي قامت بها قوات معاوية على الحدود العراقية وغزوهم لمدن العراق ~~، وترويعهم للآمنين ، وقتلهم الأبرياء ، وهم متخاذلون متقاعسون عن ردها لا ~~تحركهم العواطف الدينية ولا يهزهم الشعور الانساني لدفع الضيم والذل عنهم ، ~~يأمرهم الامام أمير ms356 المؤمنين بالجهاد فلا يطيعونه ، ويدعوهم إلى مناصرته ~~فلم يستجيبوا له ، وقد ترك ذلك أسى مريرا وشجى مقيما في نفسه ، وقد اندفع ~~فى كثير من خطبه إلى انتقاصهم وذمهم يقول (ع): PageV02P119 # « لقد سئمت عتابكم أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذل من ~~العز خلفا ، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ~~، ومن الذهول في سكرة ». # ويستمر في تقريعه ولومه لهم ، وإبداء تأثره على تخاذلهم ونكوصهم عن الحرب ~~فيقول : # « وما أنتم بركن يمال بكم ، وأيم الله إني لأظن أن لو حمس الوغى ، واستحر ~~الموت قد انفرجتم من ابن أبي طالب انفراج الرأس ... ». # ويصف (ع) فى خطاب آخر عدم اندفاعهم للجهاد في سبيل الله ، ومدى محنته ~~وبلائه فيهم فيقول : # « ودعوتهم سرا وجهرا ، وعودا وبدء فمنهم الآتي كرها ، ومنهم المعتل ~~كاذبا. ومنهم القاعد خاذلا ، واسأل الله أن يجعل منهم فرجا عاجلا والله لو ~~لا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة لا حببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ~~ولا ألتقي بهم أبدا » (1). # ويقول (ع) في خطاب آخر له : # « المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب ، ~~ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (2) أصبحت والله لا أصدق قولكم ، ولا أطمع ~~في نصركم ، ولا أوعد العدو بكم ، ما بالكم! ما دواؤكم PageV02P120 # ما طبكم ... » (1). # وقد احتوى « نهج البلاغة » على طائفة كبيرة من خطب الامام تدل على ~~استيائه البالغ ، وحزنه العميق من تخاذل جيشه وعدم استجابتهم لنصرته حتى ~~ملأوا قلبه غيظا وجرعوه نغب التهمام انفاسا على حد تعبيره وبقي سأمهم من ~~الحرب وكراهيتهم للجهاد مستمرا طيلة أيام أمير المؤمنين. ولما آل الأمر إلى ~~الحسن (ع) ظهر ذلك بأبشع الصور فانه لما عرض عليهم دعوة معاوية للصلح ~~ارتفعت أصواتهم وهم يهتفون : # « البقية البقية ». # ودل ذلك على مدى جزعهم من الحرب ، وكراهيتهم للجهاد ، وانهم لم يكونوا ~~بأي حال مع الإمام لو فتح باب الحرب مع معاوية. ### || ج فقد القوى الواعية : # ومما سبب تفلل الجيش العراقي فقده للقوى الواعية من ms357 أعلام الإسلام الذين ~~آمنوا بحق أهل البيت (ع) وعرفوا فضلهم ، وكان الجيش بجميع كتائبه يكن لهم ~~أعمق الولاء والتقدير لأنهم من خيار المسلمين ومن الذين أبلوا في الإسلام ~~بلاء حسنا ، وكان لهم شأن كبير فى تنظيم الحركة العسكرية ، وفي توجيه الجيش ~~في خدمة الأهداف الإسلامية ، وهم أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر ، ~~والقائد الملهم هاشم المرقال ، وثابت بن قيس ، وذو الشهادتين ونظائرهم من ~~الذين سبقوا إلى الإسلام والإيمان ، وقد طحنتهم حرب صفين وقد أحصى رواة ~~الأثر عدد البدرين منهم فكانوا ثلاثا وستين بدريا ، وهناك كوكبة أخرى من ~~أبرار الصحابة وخيارهم قد استشهدوا فى تلك الحروب التي أثارها الطامعون ~~والمنحرفون عن الإسلام ضد وصي رسول الله (ص) PageV02P121 # وباب مدينة علمه ، وقد ترك فقدهم فراغا هائلا في الجيش العراقي فقد خسر ~~الضروس والرءوس ، وبلي من بعدهم بالمنافقين والخوارج الذين كانوا سوسة تنخر ~~فى كيانه ، ولو ضم جيش الإمام أمثال أولئك الأبرار لما التجأ إلى الصلح ~~والموادعة مع خصمه. ### || د الدعوة إلى الصلح : # ومما سبب ضعف العزائم ، وإخماد نار الثورة في نفوس الجيش دعوة معاوية إلى ~~الصلح وحقن الدماء ، فقد كانت هذه الدعوى لذيذة مقبولة إلى حد بعيد ، فقد ~~استطابها البسطاء والسذج ورحب بها عملاء معاوية وأذنابه من الذين ضمهم جيش ~~الإمام ، ولم تكن الاكثرية الساحقة في الجيش تعلم بنوايا معاوية وما يبيته ~~لهم من الشر فانخدعوا بدعوته إلى الصلح كما انخدعوا من قبل في رفع المصاحف ~~، مضافا لذلك خيانة زعمائهم ، والتحاقهم بمعسكر معاوية. # وعلى أي حال فقد رحبت أكثرية الجيش بالدعوة إلى الصلح وآثرت السلم على ~~الحرب ، ولم يكن في استطاعة الامام أن يرغمهم على مناجزة معاوية ومقاومته. ### || ه خيانة عبيد الله : # ويعتبر خذلان عبيد الله بن العباس من العوامل المهمة التي سببت تفكك ~~الجيش وتخاذله ، فقد طعن بخيانته الجيش العراقي طعنة نجلاء ، وفتح باب ~~الخيانة والغدر ، ومهد السبيل للالتحاق بمعاوية ، وقد وجد ذوو النفوس ~~الضعيفة مجالا واسعا للغدر بخيانتهم للإمام ، فاتخذوا من غدر عبيد الله ~~وسيلة لذلك فهو ابن عم الامام ms358 وأقرب الناس إليه ، وقديما قد قيل : # إذا فاتك الادنى الذي أنت حزبه %~% فلا عجب إن أسلمتك الاباعد PageV02P122 # وقد أولد غدر عبيد الله في نفس الامام حزنا بالغا وأسى مريرا ، فانه لم ~~يرع « الدين ، ولا الوتر ، ولا العنعنات القبلية ، ولا الرحم الماسة من ~~رسول الله (ص)، ولا من قائده الاعلى ، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في ~~البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة ، ولا ~~الخوف من حديث الناس ، ونقمة التاريخ ». ### || ورشوات معاوية : # وبالأموال تشترى ذمم الرجال ، وتباع الأوطان ، وتخمد الافكار ، وتسيل لها ~~لعاب الابطال ، وقد عمد معاوية إلى بذلها بسخاء إلى الوجوه والاشراف ~~والزعماء فانه لم ير وسيلة للتغلب على الاحداث إلا بذلك ، فغدروا بالامام ، ~~وتسللوا إليه في غلس الليل وفى وضح النهار غير حافلين بالعار والخزي وعذاب ~~الله ، وقد أدت خيانتهم إلى اضطراب الجيش وتفلله ، وإعلانه للعصيان ~~والتمرد. # إن الاكثرية الساحقة من الجيش لم يكن لها أي هدف نبيل. وإنما كانت تسعى ~~نحو المنافع والاطماع ، وقد أدلى بعضهم بذلك في بعض المعارك فقال : # « من أعطانا الدراهم قاتلنا معه ». # وهجا بعض الشعراء شخصا قتل في تلك المعارك يقول لابنائه : # ولا فى سبيل الله لاقى حمامه %~% أبوكم ولكن في سبيل الدراهم (1) # إن الجيش إذا كان مدفوعا بالدوافع المادية فانه لا يخلص في دفاعه ، ولا ~~يؤمن من انقلابه ، وخطره على حكومته أعظم من الخطر الخارجي. # لقد بلغ من فساد العراقيين وجشعهم فى الحصول على أموال معاوية PageV02P123 # ان الإمام الحسن لما نزل بالمدائن للاستشفاء من جرحه في دار سعد بن مسعود ~~الثقفي (1) وكان واليا على المدائن من قبل أمير المؤمنين (ع) وأقره الإمام ~~الحسن عليها أقبل إليه ابن اخيه المختار على ما قيل وكان آنذاك غلاما فقال له : # « يا عم هل لك في الغنى والشرف؟ ». # « وما ذاك؟ ». # « توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية! ». # فانبرى إليه عمه وقد لسعه قوله قائلا : # « عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله فاوثقه بئس الرجل أنت » (2). # ولم يكن المختار وحده ms359 على تقدير صحة هذه الرواية قد غمره هذا الشعور ~~بالخيانة ، فقد غمر ذلك أكثرية الجيش الذي كان مع الإمام ، فقد تسابقوا إلى ~~مطامع الدنيا ، وليس ذلك في زمان الحسن (ع) وانما كان في زمان أمير ~~المؤمنين (ع) فقد قال الإمام زين العابدين (ع) « إن عليا كان يقاتله معاوية ~~بذهبه » (3) ان معاوية عرف نقطة الضعف في جيش PageV02P124 # الإمام فأغدف عليهم بالرشوات حتى استجابوا له وتركوا عترة نبيهم ووديعته ~~في أمته. ### || ز الاشاعات الكاذبة # ومما سبب انحلال الجيش الاشاعات الكاذبة التي أذاعها عملاء معاوية فى ( ~~المدائن ) بأن قيس بن سعد قد قتل ، واشاعوا أخرى بأنه قد صالح معاوية ، وقد ~~اعتقد الجيش بصحة هذه الأنباء فارتطم بالفتن والاختلاف وأعظم هذه الدعايات ~~بلاء وأشدها فتكا هي ما بثه الوفد الذي أرسله معاوية للإمام ، فانه لما خرج ~~منه أخذ يفتري عليه بأنه قد أجابهم إلى الصلح ، وحينما سمعوا بذلك اندفعوا ~~كالموج فنهبوا أمتعته ، واعتدوا عليه ، ولو كانت عند الزعماء والوجوه صبابة ~~من الانسانية والكرامة لقاموا بحماية الامام ، ورد الغوغاء عنه حتى يتبين ~~لهم الأمر ، ولكنهم أقاموا في ثكناتهم العسكرية ولم يقوموا بحمايته ونجدته. # إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن العوامل التي أدت إلى تفكك الجيش والقضاء ~~على اصالته ، ومن البديهي ان القوى العسكرية قلب الدولة ومصدر حمايتها فاذا ~~أصيبت بمثل هذه الزعازع والأخطار فهل يتمكن القائد الاعلى أن يحقق أهدافه ~~أو يفتح باب الحرب مع القوى المعادية له؟!. ### || 2 قوة العدو : # العامل الثاني الذي دعى الامام إلى المصالحة والمسالمة هو ما يتمتع به ~~خصمه من القوى العسكرية وغيرها التي لا طاقة للإمام على مناجزتها ، ولا ~~قابلية له للوقوف أمامها ، حتى استطاع معاوية أن يناجز أمير المؤمنين من ~~قبل ويرغم الامام الحسن على الصلح ، ونقدم عرضا لبعضها وهي : PageV02P125 ### || أطاعة الجيش : # وغرس معاوية حبه في قلوب جيشه ، وهيمن على مشاعرهم وعواطفهم فقد عرف ~~ميولهم واتجاههم فسايرها حتى أحبهم وأحبوه وصاروا طوع إرادته وقد اختمر في ~~أذهانهم بسبب دعايته وتمويهه أنه الحجة من بعد الخلفاء ، وان النبي (ص) ms360 ليس ~~له وارث شرعي غير بني أمية فقد نقل المؤرخون أن أبا العباس السفاح (1) لما ~~فتح الشام أقبلت إليه طائفة من الزعماء والوجوه فحلفوا له أنهم ما علموا ~~للرسول قرابة ، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حنى تولى بنو العباس ~~الخلافة ، وفى ذلك يقول ابراهيم بن المهاجر البجلي (2): # أيها الناس اسمعوا أخبركم %~% عجبا زاد على كل العجب عجبا من عبد شمس إنهم %~% فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا %~% دون عباس بن عبد المطلب كذبوا والله ما نعلمه %~% يحرز الميراث إلا من قرب (3) # ويعود السبب في ذلك إلى الروايات التي تعمد وضعها الرواة المستأجرون ~~وأشاعوها في أوساط دمشق من أن معاوية هو وارث النبي وأقرب الناس PageV02P126 # إليه وقد أفاضوا عليه وعلى الشجرة الملعونة من اسرته النعوت الحسنة ~~والاوصاف الشريفة حتى جعلوهم فى الرعيل الأول من المصلحين الاخيار وأصبحت ~~طاعتهم فرضا من فروض الدين ، واعتقدوا فيه وفي بني أمية أكثر من ذلك يقول ~~الاستاذ ( فان فلوتن ): « وكان السواد الاعظم يرى في حزب بني أمية حزب ~~الدين والنظام » وقال : « وكان معاوية فى نظر الحزب الاموي خليفة الله كما ~~كان ابنه يزيد إمام المسلمين ، وعبد الملك إمام الاسلام وأمين الله » (1) ~~وبلغ من ودهم وطاعتهم له أنه كان يسلك بهم جميع المسالك البعيدة التي ~~تتنافى مع الدين حتى استطاع أن يحقق بهم جميع ما يصبو إليه ، ونظرا لمزيد ~~طاعتهم له تمنى أمير المؤمنين أن يصارفه معاوية بأصحابه فيعطيه واحدا منهم ~~ويأخذ عشرة من العراقيين الذين عرفوا بالشغب والتمرد. ### || ب بساطة وسذاجة : # وأتاح الزمن الهزيل إلى معاوية أن يسيطر على جيش كان مثالا للسذاجة ~~والبساطة فلم يعرف الاكثر منهم أي طرفيه أطول وقد احتفظ التأريخ بصور كثيرة ~~من بلاهتهم تدل على مدى خمولهم وعدم نباهتهم ، فقد ذكر المؤرخون أن رجلا من ~~أهل الكوفة قدم على بعير له إلى دمشق حال منصرفهم من صفين فتعلق به رجل من ~~أهل دمشق قائلا له : # « هذه ناقتي أخذت مني بصفين ». # وحدث بينهما نزاع حاد فرفعا أمرهما إلى ms361 معاوية وأقام الدمشقي بينة على ~~دعواه تتألف من خمسين رجلا يشهدون انها ناقته فقضى معاوية على الكوفى وأمره ~~بتسليم البعير إليه فورا ، فالتفت إليه العراقي متعجبا من هذا PageV02P127 # الحكم قائلا : # « أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة! ». # « حكم قد مضى ». # ولما انفض الجمع أمر معاوية باحضار العراقي فلما مثل عنده سأله عن ثمن ~~البعير فاخبره به فدفع إليه ضعفه وبر به وأحسن إليه ثم قال له : # « أبلغ عليا أني أقابله بمائة الف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل » (1). # ان خمسين رجلا منهم لا يفرقون بين الناقة والجمل ، وليس من شك أن ~~الاكثرية الساحقة منهم لا يميزون بين الحق والباطل ولا يتدبرون الفرق بين ~~المحسوسات همج رعاع لا تفكير لهم ولا تدبر ، وأدل دليل على غفلتهم قصة ~~الصحابي العظيم عمار بن ياسر حينما نال الشهادة فوقع الاختلاف فيما بينهم ~~لقول النبي (ص) « ان ابن سمية تقتله الفئة الباغية » ولما رأى ابن العاص ~~الخلاف قد دب فيهم قال لهم إن الذي قتله من أخرجه فصدقوا قوله ورجعوا إلى ~~طاعة معاوية ومن الطبيعي ان الدولة إذا ظفرت بمثل هذا الجند المطيع الغافل ~~توصلت الى غاياتها وتحقيق أهدافها. # وأبقى معاوية أهل الشام على غفلتهم يتخبطون في دياجير الجهالة ويسرحون في ~~ميادين الشقاء رازحين تحت نير الاستعباد الاموي قد وضع بينهم وبين الناس ~~حجابا حديديا فلم يسمح للغير أن يتصل بهم ولم يسمح لهم بالاتصال بالغير ~~لئلا تتبلور أفكارهم ويقفون على الحقيقة فيتبين لهم باطل معاوية وابتزازه ~~للخلافة من أهلها. PageV02P128 ### || ج اتفاق الكلمة : # ذكرنا فى بحوثنا السابقة ما منى به العراق من الاختلاف والتفكك بسبب ~~الأحزاب التي كانت تعمل على زعزة كيان الدولة الهاشمية وتحطيم عروشها وعلى ~~العكس من ذلك كانت الشام فانها بجميع طبقاتها لم تبتل بتلك الأحزاب ولم تصب ~~بالافكار المعادية للحكم القائم فقد كان السلام والوئام والهدوء مخيما على ~~دمشق وجميع ملحقاتها ولم يكن في الجيش ولا في المملكة وكر للخوارج ولا دعاة ~~لهم ولا لغيرهم ممن يعملون على قلب الحكم ، وهذا ms362 الاتفاق الداخلي هو السبب ~~في قوة معاوية واتساع نطاقه ونفوذه. ### || د ضخامة القوى العسكرية : # وانفق معاوية جميع جهوده المعنوية والمادية فى إصلاح جيشه وتقويته فانه ~~لما منيت الشام بخطر الروم بادر فعقد هدنة مؤقتة مع ملكها ودفع إليه أموالا ~~خطيرة ولم يفتح معه باب الحرب لئلا تضعف أعصاب جيشه ومضافا إلى ذلك فانه لم ~~يستعمله في الفتوح والحروب ، فلم يكن قد ولج به حربا غير صفين فكان محتفظا ~~بنشاطه وقوته. # وبالإضافة لجيشه الذي كان مقيما معه في دمشق فانه لما عزم على حرب الإمام ~~الحسن كتب إلى عماله وولاته في جميع الأقطار يطلب منهم النجدة والاستعداد ~~الكامل لحرب ريحانة رسول الله (ص)، وفى فترات قصيرة التحقت به قوى هائلة ~~ضخمة فضمها إلى جيوش أهل الشام ، وزحف إلى العراق بجيش جرار كامل العدد حسن ~~الهيئة موفور القوة ، مطيع لأمره فرأى الإمام الحسن (ع) أنه لا يتمكن على ~~مقابلته ولا يستطيع أن يحاربه بجيشه المتخاذل الذي تسوده الخيانة والغدر. PageV02P129 ### || ه حاشيته : # ومضافا إلى ما كان يتمتع به معاوية من القوى العسكرية فقد ظفر بقوة أخرى ~~لها أثرها الفعال فى تقوية جبهته وتوجيهه وتدبير شؤنه وهي انضمام المحنكين ~~والسياسيين إليه طمعا بماله ودنياه ، وهم كالمغيرة بن شعبة الذي قيل في ~~حيلته ودهائه « لو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا ~~بالمكر والخداع لخرج المغيرة من أبوابها كلها. » وقيل فى عظيم مكره « كان ~~المغيرة لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا ، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر ~~الرأي في أحدهما » ومن حاشيته عمرو بن العاص الذي كان قلعة من المكر ~~والباطل ، وقد قيل في وصفه « ما رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون ~~من عمرو بن العاص » وهو في طليعة من رفع علم الثورة على عثمان لأنه عزله عن ~~منصبه ، وكان يثير عليه حفائظ النفوس ويحفز القريب والبعيد لمناجزته وقال ~~فى ذلك : « والله لألقى الراعي فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء والوجوه » ~~ولما بلغه مقتله قال : « أنا أبو عبد ms363 الله ما نكأت قرحة إلا أدميتها » وهو ~~الذي خدع الجيش العراقي برفع المصاحف ، فتركه ممزق الأوصال ، مختلف ~~الأهواء. # لقد جذب معاوية هؤلاء الدهاة الماكرين الذين يخلطون السم بالعسل ، ~~ويلبسون الباطل لباس الحق ، ولم يتحرجوا من الاثم والمنكر في سبيل نزعاتهم ~~الشريرة ، ولم يكن لهم هدف إلا القضاء على ذرية النبي (ص) ومن يمت إليهم من ~~صالحاء المسلمين ليتسنى لهم القضاء على الإسلام حتى يمعنوا في التحلل حيثما ~~شاءوا ، وقد وقف الإمام الحسن (ع) معهم في صلحه أحزم موقف يتخذه المفكرون ~~فقد حفظ ذرية رسول الله (ص) وحقن دماء المؤمنين من شيعته لأن التضحية في ~~ذلك الوقت لا يمكن بأي حال من الأحوال PageV02P130 # أن تعود بالصالح العام للمسلمين لأنهم يضفون عليها أصباغا من التمويه ~~والتظليل ما تفقد به معنويتها وأصالتها. ### || وضخامة الأموال : # ويسر لمعاوية من الثراء العريض الذي مهدته له بلاد الشام طيلة ملكه لها ~~فانه لم ينفقها فى صالح المسلمين وانما شرى بها الضمائر والاديان ، ليمهد ~~بذلك الطريق الموصل لفوزه بالإمرة والسلطان والتحكم في رقاب المسلمين. لقد ~~وجه معاوية الجباة السود إلى أخذ الضرائب من الشعوب الإسلامية التي احتلها ~~، وقد عمدوا إلى أخذ أموال المسلمين بغير حق ، حتى بالغوا في إرهاقهم ~~وإرغامهم على أدائها ، كما فرض عليهم من الضرائب ما لا يقره الإسلام كهدايا ~~النيروز وغيرها ، وقد امتلأت خزائنه بها فأنفقها بسخاء على حرب ريحانة رسول ~~الله (ص) والتغلب عليه ، وقد رأى السبط بعد هذه القوى التي ظفر بها ابن هند ~~أنه لا يمكن مناجزته ، ولا الانتصار عليه ، وان الموقف يقضي بالصلح ~~والمسالمة لا بالحرب والمناجزة فانها تجر للأمة من المضاعفات السيئة ما لا ~~يعلم خطورتها إلا الله. ### || 3 اغتيال أمير المؤمنين : # ومن العوامل التي دعت الإمام الى الصلح ما روع به من اغتيال أبيه ، فقد ~~ترك ذلك حزنا مقيما وأسى شديدا في نفسه لأنه قد قتل على غير مال احتجبه ولا ~~سنة في الإسلام غيرها ، ولا حق اختص به دونهم ، وكان يحيى بينهم حياة ~~الفقراء والضعفاء ، ويتطلب لهم حياة ms364 حافلة بالنعم والخيرات ، ويسعى جادا فى ~~اقامة العدل ، واماتة الجور ، ونصرة المظلومين واعالة الضعفاء والمحرومين ، ~~فعمدوا على اغتياله وتركوه صريعا في محرابه PageV02P131 # لم يحافظوا حرمته ، ولا حرمة رسول الله (ص) فيه وقد رأى الإمام الحسن (ع) ~~بعد ارتكابهم لهذه الجريمة النكراء أنه لا يمكن إصلاحهم ، وإرجاعهم الى ~~طريق الحق والصواب ، فتنكر منهم ، وزهد في ولايتهم ، وقد أدلى (ع) بذلك ~~بقوله : # « وقد زهدني فيكم اغتيالكم أبي ». # حقا أن يكون اغتيال الامام أمير المؤمنين (ع) رائد العدالة الاجتماعية ~~الكبرى من الأسباب الوثيقة التي زهدت الامام الحسن في ذلك الشعب الجاهل ~~الذي غمرته الفتن والأطماع ، وانحرف عن الطريق القويم. ### || 4 حقن الدماء : # ومن دواع الصلح رغبة الإمام الملحة في حقن دماء المسلمين ، وعدم اراقتها ~~، ولو فتح باب الحرب مع معاوية لضحى بشيعته وأهل بيته ، ويجتث بذلك الإسلام ~~من أصله ، وقد صرح (ع) بذلك في جوابه عن دوافع صلحه فقال : # « إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناعي ... » # وأجاب (ع) بعض الناقمين عليه من شيعته فى الصلح فقال : « ما أردت ~~بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل » (1). وأعرب في خطابه الذي ألقاه ~~في المدائن عن مدى اهتمامه في دماء المسلمين فقد جاء فيه. # « أيها الناس. إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق أتركه ~~لإصلاح أمر الأمة ، وحقن دمائها. » (2) PageV02P132 # ومن حيطته ورعايته لذلك أنه أوصى أخاه الحسين حينما وافاه الأجل المحتوم ~~أن لا يهرق في أمره ملء محجمة دما. » # إن أحب شيء للإمام (ع) الحفاظ على دماء المسلمين ، ونشر الأمن والوئام ~~فيما بينهم ، وقد بذل في سبيل ذلك جميع جهوده ومساعيه. ### || 5 منة معاوية : # لقد علم الإمام (ع) أنه إن حارب معاوية فان اجلاف العراقيين وأوباشهم سوف ~~يسلمونه أسيرا الى معاوية وأغلب الظن انه لا يقتله بل يخلي عنه ويسجل له ~~بذلك مكرمة وفضيلة ويسدي يدا بيضاء على عموم الهاشميين ويغسل عنه العار ~~الذي لحقه من أنه طليق وابن طليق ، وقد صرح الحسن (ع) بهذه الخاطرة قائلا ms365 : # « والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما ، والله لئن ~~أسالمه وأنا عزيز ، أحب إلي من أن يقتلنى وأنا أسير أو يمن علي فتكون سبة ~~على بني هاشم الى آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها هو وعقبه على الحي ~~منا والميت. » # وهذا السبب له مكانته من التقدير فان الإمام أراد أن لا يسجل لخصمه أي ~~فضيلة ومكرمة. ### || 6 حوادث المدائن : # ومن جملة الأسباب التي دعت الامام الى الصلح هي الحوادث القاسية التي ~~لاقاها في المدائن ، وقد ذكرناها مشفوعة بالتفصيل وخلاصتها. # أخيانة الزعماء والوجوه واتصالهم بمعاوية. PageV02P133 # ب الحكم عليه بالتكفير من قبل الخوارج. # ج اغتياله. # د نهب أمتعته. # هذه بعض العوامل التي أدت الامام الى السلم ، وفيما نعلم انها تلزم ~~بالصلح وعدم فتح أبواب الحرب. ### || 7 الحديث النبوي : # نظر النبي (ص) الى الحوادث الآتية من بعده فرآها بعينها وحقيقتها لا ~~بصورها وأشكالها ، رأى أمته ستخيم عليها الكوارث ، وتنصب عليها الفتن ~~والخطوب ، حتى تشرف على الهلاك والدمار ، وإن إنقاذها مما هي فيه من الواقع ~~المرير سيكون على يد سبطه الأكبر ، وريحانته من الدنيا الامام الحسن (ع) ~~فأرسل كلمته الخالدة قائلا : # « إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين » (1). # وانطبع هذا الحديث في أعماق الامام الحسن وفي دخائل ذاته منذ نعومة ~~أظفاره ، وتمثل أمامه في ذلك الموقف الرهيب ، « وإنه ليطمئن الى قول جده ~~كما يطمئن الى محكم التنزيل وها هو ذا جده العظيم يقول له : وكأن صوته ~~الشريف يرن بعذوبته المحببة في أذنه ، ويقول لأمه الطاهرة البتول ، ويقول ~~على منبره ، ويقول بين أصحابه ، ويقول ما لا يحصى كثرة : إن ابني هذا سيد ~~وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين ». # وزادت هذه الذكرى تفاعلا شديدا في نفسه فقد رأى ما عناه PageV02P134 # جده (ص) في ( المدائن ) رأى طائفتين : # ( إحداهما ) شيعته وهم من خيار المسلمين ، وصالحائهم من الذين وقفوا على ~~أهداف الاسلام ، وعرفوا حقيقته وواقعه. # ( الثانية ) اتباع معاوية من السذج والبسطاء والمنحرفين عن الاسلام ، ~~وهؤلاء وإن كانوا ms366 بغاة قد خرجوا على إمام زمانهم ولكنهم يدعون الاسلام ~~وهاتان الطائفتان إن دارت رحى الحرب فانها ستطحن الكثير منهم وبذلك يتضعضع ~~كيان الاسلام وتنهار قواه ، ومن يصد عن المسلمين العدو الرابض الذي يراقب ~~الأحداث ليثب عليهم ، ومن هو يا ترى حريص على رعاية الاسلام والحفاظ على ~~المسلمين غير سبط النبي ووارثه ، فاثر الصلح على ما فيه من قذى في العين ، ~~وشجى في الحلق ، ويذهب شمس الدين الصقلي ( المتوفى سنة 565 ه ) الى أن ~~الباعث لخلع الحسن نفسه عن الخلافة حديث النبي (ص) في ذلك (1). # وزعم الرواة ان النبي (ص) كان يحدث أصحابه عن عمر الخلافة الاسلامية فقال ~~لهم : « إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا. » ولاحظوا أن في ~~مصالحة الحسن لمعاوية قد كملت الثلاثون سنة حسب ما يقولون (2). PageV02P135 # نظر الحسن (ع) الى قول جده (ص) فعلم أن الأمر لا بد أن ينتقل الى معاوية ~~، ومضافا لذلك فقد أخبره أبوه بذلك كما حدث عنه فقال : # « قال لي أبي ذات يوم : كيف بك يا حسن إذا ولي هذا الأمر بنو أمية؟ ~~وأميرها الرحب البلعوم ، الواسع الاعفجاج ، يأكل ولا يشبع ، فيستولي على ~~غربها وشرقها ، تدين له العباد ، ويطول ملكه ، ويسن البدع والضلال ، ويميت ~~الحق وسنة رسول الله (ص)، يقسم المال في أهل ولايته ، ويمنعه عمن هو أحق ~~به ، ويذل في ملكه المؤمن ، ويقوى في سلطانه الفاسق ، ويجعل المال بين ~~أنصاره دولا ، ويتخذ عباد الله خولا ، ويدرس في سلطانه الحق ، ويظهر الباطل ~~، ويقتل من ناوأه على الحق .. » (1) # إن النبي والوصي قد استشفا من حجاب الغيب ما تمنى به الأمة الاسلامية من ~~المحن والبلاء بسبب تخاذلها عن مناصرة الحق ومناجزة الباطل وانها من جراء ~~ذلك سيتولى أمرها الأدعياء من الطلقاء وأبنائهم فيسومونها سوء العذاب ، ~~ويستأثرون بمال الله ، ويتخذون المسلمين عبيدا لهم وخولا. # وكان معاوية يعلم بمصير الأمر إليه في زمان أمير المؤمنين (ع) فقد صنع ~~فذلكة استعلم بها منه عما يؤول إليه أمره ، فبعث جماعة من أصحابه الى ~~الكوفة ليشيعون أن معاوية قد مات ms367 ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين ، وتكرر حديث ~~الناس حول هذه الاشاعة فقال (ع). # « قد أكثرتم من نعي معاوية ، والله ما مات ، ولا يموتن حتى يملك PageV02P136 # ما تحت قدمي. » (1) # ولما بلغه ذلك اعتقد به لعلمه أن الامام هو باب مدينة علم النبي (ص) ~~ومستودع سره ، وان قوله لا يتخلف عن الواقع ولا يخطئ الحق. # ومهما يكن الأمر فان الامام الحسن (ع) بصلحه مع معاوية قد لقبه المسلمون ~~بالمصلح العظيم ، وقد أفاض عليه هذا اللقب جده الرسول من قبل. ### || 8 العصمة : # وذكرت طائفة من العلماء الأعلام صلح الامام عليه السلام فعللته بالعصمة ~~وان الامام المعصوم لا يرتكب الخطأ ولا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح ~~لجميع الأمة ولعل الوجوه التي ذكرناها قد كشفت عن مناط هذا القول وأوضحت ~~حسنه وذلك للأسباب والعوامل التي أحاطت بالامام حتى دعته الى الصلح ، ونشير ~~الى بعض الذاهبين الى هذا القول وهم : # 1 الشريف المرتضى : # قال الشريف المرتضى علم الهدى (2) رحمه الله : « إنه ( يعني الحسن ) PageV02P137 # قد ثبت انه المعصوم المؤيد بالحجج الظاهرة ، والأدلة القاهرة ، فلا بد من ~~التسليم لجميع أفعاله وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ~~ظاهر نفرت منه النفوس » (1). # 2 السيد ابن طاوس : # وعلل نابغة الإسلام السيد الجليل ابن طاوس طيب الله مثواه (2) في وصيته ~~لولده صلح الإمام بالعصمة وببعض الأسباب التي ذكرناها قال رحمه الله يخاطب ولده : # « وليس بغريب من قوم عابوا جدك الحسن على صلح معاوية وهو كان بأمر جده ~~وقد صالح جده الكفار وكان عذره في ذلك أوضح |فهذا علي نجل موسى بن جعفر||شبيه علي نجل موسى بن جعفر| |فذاك بدست للامامة أخضر||وهذا بدست للنقابة أخضر| # يشير بذلك الى الامام الرضا (ع) لما ولى العهد فقد لبس لباس الخضرة توفى ~~السيد ابن طاوس يوم الاثنين خامس ذي العقدة سنة ( 664 هج ). PageV02P138 # الأعذار فلما قام أخوه الحسين بنصرهم وإجابة سؤالهم وترك المصالحة ليزيد ~~المارق كانوا بين قاتل وخاذل حتى ما عرفنا أنهم غضبوا في أيام يزيد لذلك ms368 ~~القتل الشنيع ولا خرجوا عليه ولا عزلوه عن ولايته وغضبوا لعبد الله ابن ~~الزبير وساعدوه على ضلالته وافتضحوا بهذه المناقصة الهائلة وظهر سوء ~~اختيارهم النازلة فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم؟ وقد بلغوا ~~الى هذا الحال السقيم العظيم الذميم » (1). # وعلل السيد رحمه الله صلح الامام ( أولا ) بالعصمة من الخطأ وقاس صلحه ~~بصلح جده الرسول (ص) مع المشركين في قصة الحديبية فكما ان صلح الرسول لا ~~يتطرقه الشك ولا يأتيه النقد نظرا لوجود المصلحة فيه فكذلك صلح الإمام مع ~~خصمه فانه محفوف بالمصلحة العامة لعموم المسلمين و ( ثانيا ) ببلاء الإمام ~~ومحنته بذلك المجتمع الضال الذي لم يقم وزنا للفضيلة ولم يفقه من القيم ~~الروحية شيئا فانه هو الذي اضطر الإمام الى الصلح والمسالمة. وأقام السيد ~~الدليل على تفسخ أخلاق ذلك المجتمع وتماديه في الشر وذلك بمتابعته ليزيد ~~شارب الخمور ، ومعلن الفسق والفجور ، ومناصرته والاشتراك معه في أفظع فظع ~~جريمة سجلها التأريخ وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين عليه السلام ولم ~~يظهر أحد منهم الأسف والحزن على هذه الجريمة ، وما ثاروا عليه ، ولا عزلوه ~~عن منصبه. وقد ذكرنا في الابحاث السالفة الأسباب التي أوجبت هذا الانحطاط ~~الهائل في جموع أهل العراق. ### || 9 ابراز الواقع الاموي : # كان معاوية قبل أن يستولي على زمام الحكم ملتزما بتعاليم الإسلام PageV02P139 # ظاهرا ، ويظهر الاهتمام بشئون المسلمين ، ولكن كان ذلك من دون شك رياء ~~منه ومكيدة من باب المشي رويدا لأخذ الصيد ، كان يبطن الكفر والنفاق ويضمر ~~السوء والعداء للمسلمين فأراد الإمام الحسن (ع) بصلحه أن يبرز حقيقته ، ~~ويظهر للناس عاره وعياره ، ويعرفه للذين خدعهم بمظاهره من أنه أعدى عدو ~~للإسلام ، فأخلى له الميدان ، وسلم له الأمر ، فاذا بكسرى العرب كما يقولون ~~تتفجر سياسته الجهنمية بكل ما خالف كتاب الله ، وسنة رسول الله (ص)، وإذا ~~به يعمد الى فصم عرى الإسلام وإلى نسف طاقاته ، وإلى الإجهاز على القوى ~~الواعية فيه ، فيصب عليها وابلا من العذاب الأليم ، فيعدم وينكل بمن شاء ~~منها ، ويرغم المسلمين على البراءة ms369 من عترة نبيهم ، واعلان سبهم وانتقاصهم ~~على الأعواد والمنابر وبذلك ظهرت خفايا نفسه ، وفهم المسلمون جميعا حقيقة ~~هذا الطاغية وما يبغيه من الغوائل لهم ، ولو لم تكن للصلح من فائدة إلا ~~إظهار ذلك لكفى بها كما نص على ذلك الامام كاشف الغطاء رحمه الله في مقدمته ~~لهذا الكتاب (1). # إن معاوية بعد أن آل إليه الأمر حمل معول الهدم على جميع الأسس الاسلامية ~~محاولا بذلك اطفاء نور الاسلام ، ولف لوائه ، ومحو أثره ، وقلع جذوره ، ~~واعادة الحياة الجاهلية الأولى ، وقبل أن نعرض بعض موبقاته ومردياته التي ~~سود بها وجه التأريخ نذكر ما أثر عن أبويه من الحقد والعداء للإسلام. وما ~~ورد من النبي (ص) من الأخبار فى انتقاصه وذمه لنرى هل كان خليقا بأن تسند ~~إليه الامارة ويفرض حاكما على المسلمين ويخلى بينه وبين الحكم يتصرف فيه ~~كيفما يشاء من دون أن يحاسب أو يراقب وإلى القراء ذلك. PageV02P140 ### || أبو سفيان وهند : # وأبو سفيان من ألد أعداء النبي (ص) فهو الذي قاد الأحزاب ، وظاهر اليهود ~~، وناصر جميع القوى المعادية للإسلام ، وتضاعف حقده على النبي (ص) حينما ~~وتره بأسرته وبسبعين رجلا من صناديد قريش ممن كانوا تحت لواء الشرك في غزوة ~~بدر الكبرى ، فأترعت نفسه الأثيمة بالحزن عليهم ، وظل يناجز الرسول (ص) ~~ويؤلب عليه الأحقاد ، ولكن الله رد كيده ، فنصر رسوله ، وأعز دينه ، وأذل ~~أبا سفيان وحزبه ، فقد فتح النبي (ص) مكة ودخل ظافرا منتصرا فحطم الأصنام ، ~~وكسر الأوثان ودخل أبو سفيان على كره منه في الاسلام ذليلا مقهورا يلاحقه ~~العار والخزي ، وظل بعد إسلامه محتفضا بجاهليته لم يغير الاسلام شيئا من ~~طباعه وأخلاقه ، وكان بيته وكرا للخيانة وكان هو كهفا للمنافقين (1). # ولما فجع المسلمون بالنبي (ص) وتقمص أبو بكر الخلافة أقبل أبو سفيان يشتد ~~إلى أمير المؤمنين (ع) يطلب منه الثورة ومناجزة أبي بكر لارجاع الخلافة ~~إليه ، ولم يكن ذلك منه إيمانا بحق أمير المؤمنين ، ولكن ليجد بذلك منفذا ~~يسلك فيه للتخريب والهدم ، ولم يخف على الامام نواياه الشريرة فأعرض عنه ~~وزجره ، وظل ms370 أبو سفيان بعد ذلك قابعا في زوايا الخمول ينظر إليه المسلمون ~~نظرة ريبة وشك في اسلامه ، ولما آل الأمر الى عثمان وقرب بني أمية ، وفوض ~~إليهم أمور المسلمين ، ظهر أبو سفيان وعلا نجمه ، وراح يظهر الأحقاد ، ~~والعداء الى النبي ، فوقف يوما قبال مرقد سيد الشهداء حمزة (ع) فألقى ببصره ~~المتغور على القبر ثم حرك شفتيه قائلا : PageV02P141 # « يا أبا عمارة! .. إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا ~~يلعبون به. » # ثم ركل القبر الشريف برجله ، ومضى مثلوج الصدر ، ناعم البال ، قرير العين ~~، كل ذلك بمرأى ومسمع من عثمان فلم يوجه له عتابا ولم ينزل به عقابا ( فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون ). # هذا واقع أبي سفيان في كفره وحقده على الإسلام ، وأما زوجته هند فانها لا ~~تقل ضراوة عن زوجها وكانت أحقد منه على رسول الله (ص) فكانت تحرض المشركين ~~على قتاله ومناجزته ، ولما انتهت واقعة بدر بقتل أهلها ومن يمت إليها من ~~المشركين ، لم تظهر الحداد والحزن (1) عليهم ، تحرض بذلك قريشا على الطلب ~~بثارهم وجاءتها نسوة قريش قائلات لها : # « ألا تبكين على أبيك ، وأخيك ، وعمك ، وأهل بيتك »؟ # فانبرت إليهن قائلة بحرارة : # « حلأني أن أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج لا ~~والله حتى أثأر محمدا وأصحابه ، والدهن علي حرام إن دخل رأسي حتى نغزوا ~~محمدا ، والله لو أعلم أن الحزن يذهب عن قلبي لبكيت ، ولكن لا يذهبه إلا أن ~~أرى ثأري بعينى من قتلة الأحبة. » # ومكثت على حالها لم تظهر الأسى ، ولم تقرب من فراش أبي سفيان |من كان مسرورا بمقتل مالك||فليأت نسوتنا بوجه نهار| |يجد النساء حواسرا يندبنه||يلطمن حر الوجه بالاسحار| PageV02P142 # ولم تدهن حتى صارت واقعة أحد (1) فأخذت ثارها من سيد الشهداء حمزة فمثلت ~~به ، وفعلت معه ذلك الفعل الشنيع ، فعند ذلك أظهرت السرور والفرح وأخذت ~~ترتجز قائلة : # شفيت نفسي بأحد %~% حين بقرت بطنه عن الكبد أذهب عني ذاك ما كنت أجد %~% من لوعة الحزن الشديد المعتمد والحرب تعلوكم بشؤبوب برد %~% نقدم إقداما عليكم ms371 كالأسد # ولما رأى رسول الله (ص) ما فعلته هند بعمه من التنكيل غاظه ذلك والتاع ~~أشد اللوعة ، وقال : # « ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا الموقف ». # وقال (ص) ثانيا : # « لن أصاب بمثل حمزة أبدا .. » (2) # ولما كان يوم الفتح ودخل المسلمون مكة قام أبو سفيان في أزقة مكة ~~وشوارعها مناديا على كره منه من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن ~~، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فلما سمعت هند منه ذلك لطمته على وجهه ~~وجعلت تصيح بلا اختيار : # « اقتلوا الخبيث الدنس ، قبح من طليعة قوم .. » # ثم التفت الى جماهير قريش محرضة لهم على الحرب قائلة بنبرات تقطر حماسا : ~~« هلا قاتلتم عن بلادكم ، ودفعتم عن أنفسكم .. » # تثير بذلك حفاظ النفوس ، وتلهب نار الثورة في قومها ، ولكن الله رد كيدها ~~، وخيب سعيها ، فنصر الاسلام وأهله. هذان أبوا معاوية PageV02P143 # وبقاعدة الوراثة نجزم بأن ما استقر في نفسيهما من الغل والحقد والبغض ~~والعداء للإسلام ولرسول الله (ص) قد انتقل إلى معاوية ، ومضافا إلى ذلك فان ~~رسول الله قد لاقى الأمويين عموما بالاستهانة والتحقير وذلك لما لاقى منهم ~~من العناء والآلام ، فأمر بابعادهم عن يثرب كالحكم وابنه مروان وسعيد بن ~~العاص والوليد ، وأمر المسلمين بالتجنب عنهم وسماهم بالشجرة الملعونة ، ~~وهذه الامور التي شاهدها معاوية قد أولدت في نفسه حقدا على النبي (ص) وعلى ~~أهل بيته. ### || ما أثر عن النبي في معاوية : # وتضافرت الأخبار الواردة عن النبي (ص) في ذم معاوية وفي الاستهانة به وهي : # 1 قال (ص) يطلع من هذا الفج رجل يحشر على غير ملتي. # فطلع معاوية (1). # 2 ورأى رسول الله (ص) أبا سفيان مقبلا على حمار ، ومعاوية يقود به ، ~~ويزيد ابنه يسوق به ، قال : لعن الله القائد والراكب والسائق (2). # 3 وروى البراء بن عازب قال : أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال PageV02P144 # رسول الله (ص): اللهم عليك بالأقيعس ، وسأل ابن البراء أباه عن الأقيعس ~~، فقال له : إنه معاوية (1). # 4 وجاءت الى النبي (ص) امرأة تستشيره في الزواج من معاوية فنهاها ، وقال ms372 ~~لها : إنه صعلوك. # 5 وروى أبو برزة الأسلمي (2) قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~فسمعنا غناء فتشرفنا له ، فقام رجل فاستمع له وذاك قبل أن تحرم الخمر ~~فأتانا وأخبرنا أنه معاوية وابن العاص يجيب أحدهما الآخر بهذا البيت : # يزال حواري تلوح عظامه %~% زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا (3) # فلما سمع بذلك رسول الله رفع يديه بالدعاء وهو يقول : # « اللهم اركسهم في الفتنة ركسا ، اللهم دعهم إلى النار دعا (4)» (5) PageV02P145 # واستشف رسول الله (ص) من وراء الغيب ان معاوية سوف يتولى شئون الحكم فحذر ~~المسلمين منه وأمرهم بقتله فقال (ص): # إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه (1). # وكان الحسن (ع) إذا حدث بهذا الحديث يقول والتأثر ظاهر عليه. # « فما فعلوا ولا أفلحوا .. » (2). # وهكذا كان معاوية في زمان النبي (ص) مهان الجانب ، محطم الكيان ، صعلوكا ~~ذليلا ، يلاحقه العار ، ويتابعه الخزي ، يتلقى من النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم اللعن ، ومن المسلمين الاستهانة والتحقير ، ولما آل ~~الأمر الى عمر جافى ما أثر عن النبي (ص) فيه فقربه وأدناه ، ورفعه بعد ~~الضعة والهوان ، فجعله واليا على الشام ، ومنحه الصلاحيات الواسعة ، وفوض ~~إليه أمر القضاء والصلاة ، وجباية الأموال ، وغير ذلك من الشؤون العامة ~~التي تتوقف على الوثاقة والعدالة ، وبلغ من عظيم حبه وتسديده له أنه كان في ~~كل سنة يحاسب عماله ، وينظر في أعمالهم إلا معاوية فانه لم يحاسبه ، ولم ~~يراقبه ، وقد قيل له إنه قد انحرف عن الطريق القويم فبدد في الثروات PageV02P146 # ولبس الحرير والديباج ، فلم يلتفت لذلك ، وأضفى عليه ثوب الأبهة والمجد ، ~~فقال : « ذاك كسرى العرب » ولما فتل حبل الشورى لأجل إقصاء عترة النبي (ص) ~~عن الحكم ، وجعله في بني أمية ، أشاد بمعاوية وهو في أواخر حياته ، ونفخ ~~فيه روح الطموح ، فقال لأعضاء الشورى : « إن تحاسدتم وتقاعدتم ، وتدابرتم ، ~~وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان ، وكان إذ ذاك أميرا على الشام ~~» (1). # وما أكثر عماله وولاته فلما ذا أشاد به دونهم؟! وكيف ساغ له أن يهدد ~~أعضاء الشورى بسطوته وهم ذوو ms373 المكانة العليا وقد مات رسول الله (ص) وهو ~~عنهم راض كما يقول وإذا كان يخاف عليهم منه فكيف أبقاه فى جهاز الحكم إن ~~هذه الأمور تدعو إلى التساؤل والاستغراب. # وعلى أي حال فان معاوية كان أثيرا عند عمر وعزيزا عليه ، ولما آل الأمر ~~إلى عثمان زاد في رقعة سلطانه وفي تقوية نفوذه كما أوضحنا ذلك في الجزء ~~الأول من هذا الكتاب (2) فصار يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، ~~ولما قتل المسلمون عثمان نظرا للأحداث الجسام التي ارتكبها ، اتخذ معاوية ~~قتله وسيلة لتحقيق مأربه وأهدافه ، فبغى على أمير المؤمنين بدعوة أنه رضى ~~بقتله وآوى قتلته ، وأعقبت ذلك من الخطوب والمحن ما بلي بها الإسلام ، ~~وتصدع بها شمل المسلمين فأدت الأحداث المؤسفة إلى انتصاره ، وخذلان الإمام ~~أمير المؤمنين ، وولده الإمام الحسن ، ولما صار الأمر إليه بعد الصلح أخذ ~~يعمل مجدا في إحياء جاهليته الأولى والقضاء على كلمة الإسلام وتحطيم أسسه ، ~~وإلغاء نصوصه ، وقد ظهرت منه تلك الأعمال PageV02P147 # بوضوح لما خلا له الجو وصفا له الملك ، فلم يخش أو يراقب أحدا في اظهار ~~نواياه ، وفي ابراز اتجاهه وعدائه للإسلام وللمسلمين ، وقد أوضح الإمام ~~الحسن في صلحه حقيقته وبين واقعه وسلبه ذلك الغشاء الرقيق الذي تستر به ~~باسم الدين ودونك أيها القارئ الكريم النزر اليسير من نواياه وأعماله : ### || 1 عداؤه للنبى : # كان معاوية يكن في نفسه بغضا عارما للنبى ولذريته ويحاول بكل جهوده ~~القضاء على كلمة الإسلام ومحو أثره وقد أدلى بذلك في حديثه مع المغيرة بن ~~شعبة فقد حدث عنه ولده مطرف قال وفدت مع أبي المغيرة على معاوية فكان أبي ~~يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلى فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه ، ~~وأقبل ذات ليلة فأمسك عن العشاء وهو مغتم أشد الغم ، فانتظرته ساعة وظننت ~~أنه لشىء حدث فينا أو في عملنا فقلت له : # مالي أراك مغتما منذ الليلة؟. # يا بني إني جئت من أخبث الناس!!. # وما ذاك؟. # خلوت بمعاوية فقلت له : إنك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين ms374 ، فلو أظهرت ~~عدلا وبسطت خيرا فانك قد كبرت ، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت ~~أرحامهم ، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه. # فقال لي : # « هيهات هيهات!! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فو الله ما عدا أن هلك ، ~~فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدى فاجتهد ، وشمر عشر ~~سنين ، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر ، ثم ملك ~~أخونا عثمان فملك ، رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، PageV02P148 # فعمل ما عمل وعمل به ، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به ، ~~وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات « أشهد أن محمدا رسول الله » فأي ~~عمل يبقى بعد هذا لا أم لك ، إلا دفنا دفنا » (1). # وهذه البادرة تدل بوضوح على كفره والحاده ، وعلى حقده البالغ على النبي ~~فقد أزعجه وساءه أن يذكر اسمه كل يوم خمس مرات في الأذان ولو وجد سبيلا ~~لمحا ذلك ولشدة بغضه وعدائه لذريته أنه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا ~~يصلي فيها على النبي (ص) وقد سئل عن ذلك فقال : # « لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بانافها » (2). ### || 2 تعطيله الحدود : # ولم يعتن معاوية بالحدود الإسلامية ولم يهتم باقامتها فقد عفا عمن ثبت ~~عليه الحد ، فقد جيء إليه بجماعة سارقين فقطع أيديهم ، وبقى واحد منهم فقال ~~السارق : # يميني أمير المؤمنين أعيذها %~% بعفوك أن تلقى مكانا يشينها يدى كانت الحسناء لو تم سترها %~% ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة %~% إذا ما شمالي فارقتها يمينها # وغزت هذه الأبيات قلب معاوية فقال له : # « كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك ». # فاجابته أم السارق : # « يا أمير المؤمنين اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها ». PageV02P149 # فخلى سبيله وأطلق سراحه ، فكان أول حد ترك في الإسلام (1). ### || 3 اباحته الربا : # ومنع الإسلام من الربا أشد المنع وجعله من الموبقات والكبائر ، فلعن ~~المعطي والآخذ والوسيط والشاهد ، ولم يعتن ms375 معاوية بتحريم الإسلام له فعن ~~عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب ، أو ورق بأكثر من وزنها فقال له ~~أبو الدرداء (2): « سمعت رسول الله (ص) ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل ». # فانبرى معاوية مظهرا له عدم اعتنائه بنهي رسول الله ، وتحريمه له قائلا : # « ما أرى بمثل هذا بأسا ». # فاستاء أبو الدرداء من هذه الجرأة واندفع وهو غضبان متألم قائلا : # « من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله (ص) ويخبرني عن رأيه ، لا ~~أساكنك بأرض أنت بها ». PageV02P150 # ثم ترك الشام وانصرف إلى عاصمة الرسول وهو ثائر غضبان واستقال من وظيفته (1). ### || 4 الأذان فى صلاة العيد : # وقضى الشرع الإسلامي باتيان الأذان والإقامة في خصوص الصلاة اليومية ~~الواجبة ، وأما ما عداها من الصلاة المندوبة كصلاة النوافل أو الواجبة ~~كصلاة العيدين والآيات فان الشرع قد حكم بتركهما ، فقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : # « ليس في العيدين أذان ، ولا إقامة » (2) وسار على هذه السنة الخلفاء من ~~بعد رسول الله (ص) (3) ولكن معاوية لم يبال بذلك فقد أحدث الأذان والإقامة ~~في صلاة العيد (4) وبذلك خالف رسول الله وجافى ما أثر عنه وكان مبدعا في ~~تشريعه. ### || 5 الخطبة قبل صلاة العيد : # والزمت السنة الإسلامية فى صلاة العيد بالخطبة بعد فراغ الإمام من الصلاة ~~فقد صلى النبي (ص) صلاة عيد الفطر وبعد الفراغ منها قام خطيبا بين أصحابه ~~وفعل النبي كقوله سنة يجب اتباعه ، وصلى من بعده الخلفاء على وفق صلاته (5) ~~ولكن معاوية لم يعتن بذلك فقد قدم الخطبة على الصلاة » PageV02P151 # واقتفي بفعله الأمويون (1) وبذلك فقد هجر سنة النبي. ### || 6 أخذه الزكاة من الأعطية : # وفرض الإسلام الزكاة في موارد مخصوصة ذكرها الفقهاء وما عداها فلا تجب ~~فيه الزكاة ، ولكن معاوية قد أعرض عن ذلك فأخذ الزكاة من الأعطية ولم تشرع ~~فيها الزكاة باجماع المسلمين وقد ارتكب معاوية ذلك (2). # أما جهلا منه بالحكم الشرعي أو تعمدا منه على مخالفة السنة والثاني أولى ~~بسيرته. ### || 7 تطيبه فى الإحرام : # ويجب على المحرم في الحج أن ms376 يترك الطيب ما دام محرما ، فاذا حل من إحرامه ~~جاز له استعماله ، ولكن معاوية خالف ذلك فتطيب في حال إحرامه (3) عنادا منه ~~للإسلام أو لجهله بتعاليمه وفروضه. ### || 8 استعماله أواني الذهب والفضة : # ويحرم استعمال أواني الذهب والفضة إلا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة ذلك ~~وأخذ يستعملها في مأكله ومشربه ، ولما تلي عليه قول رسول الله (ص) في ~~التحريم قال : # « لا أرى بأسا في ذلك » (4). ### || 9 لبسه الحرير : # وحرم الإسلام لبس الحرير على الرجال إلا في حال الحرب ولكن PageV02P152 # معاوية قد جافى ذلك فقد عمد إلى لبسه (1) غبر معتن بتحريم الإسلام ونهيه عنه. ### || 10 استحلاله أموال الناس : # وحرم الإسلام أموال الناس وأخذها بالباطل ، ولكن معاوية لم يلتزم بذلك ~~فقد استصفى أموال الناس من دون عوض (2). ### || 11 شراؤه الأديان : # وليس في سوق التجارة رذيلة أسوأ من شراء ضمائر الناس وأديانهم فانه ينم ~~عن سوء سريرة البائع والمشتري ، وقد مهر معاوية في هذه الصنعة وكان يتجاهر ~~بها من دون خيفة وحذر فقد ذكر الرواة أنه وفد عليه الأحنف بن قيس وجارية بن ~~قدامة والجون بن قتادة والحتات بن يزيد فأعطى معاوية كل واحد منهم مائة الف ~~، وأعطى الحتات سبعين الفا ، فلما كانوا فى الطريق ذكر كل منهم جائزته فرجع ~~الحتات مغضبا فالتفت إليه معاوية قائلا له : # « ما ردك؟ ». # فضحتني في بني تميم أما حسبى فصحيح ، أو لست ذا سن؟ # ألست مطاعا في عشيرتي؟ ». # فأجابه معاوية : # « بلى ». # واندفع الحتات قائلا : # « فما بالك خست بي دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن PageV02P153 # كان لك يريد الأحنف وجارية فهما كانا مع علي في حرب الجمل وهو قد اعتزل ~~القتال ». # فقال له معاوية بلا حياء ولا خجل. # إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك. # وأنا اشتري مني ديني. # فأمر له باتمام الجائزة (1). ### || 12 خلاعة ومجون : # واتسعت الدعارة وانتشر المجون في الحاظرة الإسلامية في عصر بني أمية ، ~~فكان الشعراء يتشببون ويتغزلون بالنساء ، وأول من فتح باب الدعارة معاوية ~~فقد حدثوا أن عبد الرحمن بن حسان ms377 بن ثابت (2) قد تشبب بابنة |فمن للقوافي بعد حسان وابنه||ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت| # ( قلت ) وإن يثبت أنه ولد في العهد النبوي وعاش إلى سنة 104 يكون عاش 98 ~~فلعل الأربعين محرفة ، جاء ذلك في الإصابة 3 / 67 وذكر الزمخشري في الكشاف ~~أن عبد الرحمن قال في معاوية قصيدة منها : |ألا أبلغ معاوية بن حرب||أمير الظالمين نثا كلامى| |معاوية بن هندو ابن صخر||لحاك الله من مرء حرامى| PageV02P154 # معاوية فبلغ ذلك يزيد فغضب ودخل على أبيه قائلا بنبرات تقطر ألما : # يا أبة أقتل عبد الرحمن بن حسان. # لم؟. # تشبب بأختي. # وما قال؟ # قال : # طال ليلي وبت كالمحزون %~% ومللت الثواء في جيرون # فأجابه معاوية باستهزاء وسخرية : # « يا بني وما علينا من طول ليله وحزنه ، أبعده الله ». # فالتفت يزيد إلى أبيه انه يقول : # فلذا اغتربت بالشام حتى %~% ظن أهلي مرجات الظنون # « يا بني وما علينا من ظن أهله ». # إنه يقول : # هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا %~% ص ميزت من جوهر مكنون # صدق يا بني هي كذلك. # إنه يقول : # وإذا ما نسبتها لم تجدها %~% في سناء من المكارم دون # صدق يا بني : # إنه يقول : |جشمنا بامرتك المنايا||وقد درج الكرام بنو الكرام| |أمير المؤمنين أبو حسين||مفلق رأس جدك بالحسام| |وإنا صابرون ومنظروكم||إلى يوم التغابن والخصام| PageV02P155 ثم خاصرتها إلى القبة الخض %~% راء تمشي في مرمر مسنون # : ولا كل هذا يا بني. # وما زال يزيد يذكر له ما قاله عبد الرحمن من التشبيب بأخته ، ومعاوية ~~يدافعه عن ذلك ، ويظهر براءته وعدم استحقاقه العقاب ، وانتشر تشبب عبد ~~الرحمن ، وافتضحت ابنة معاوية ، فأقبلت إليه طائفة فأكبروا هذه الجسارة على ~~ابنته وقالوا له : « لو جعلته نكالا » فامتنع معاوية من اجابتهم ، وقال لهم ~~: لا ولكن أداويه بغير ذلك ، واتفق أن عبد الرحمن وفد على معاوية فاستقبله ~~أحسن استقبال وأجلسه على سريره وأقبل عليه بوجهه ، ثم قال : # إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك. # في أي شيء؟ # في مدحك أختها وتركك إياها. # لها العتبى وكرامة أنا أذكرها. # وأخذ ms378 يتغزل بابنة معاوية فلما علم الناس ذلك قالوا : « قد كنا نرى أن ~~تشبب حسان بابنة معاوية لشيء فاذا هو على رأي معاوية وأمره » (1) # وهذه البادرة تدل على ميوعته وتفسخ أخلاقه وقد فتح بذلك باب الفساد ومكن ~~الماجنين من التعرض ببنات المسلمين حتى بلغ التهالك على اللذة منتهاه في ~~عصره وعصر بني أمية. # وتشبب أبو دهبل الجحمي (2) بابنته فعامله باللين وأوصله PageV02P156 # وأعطاه (1) وسار بنو أمية على هذه الخطة ، وقد حاولوا أن يقلبوا الدنيا ~~إلى مسارح للعبث والمجون ، فحببوا إلى الناس الفسق والدعارة وساقوهم إلى ~~الضلال والباطل والفساد. # ومن تهتك معاوية ومجونه أنه اشترى جارية بيضاء جميلة ، فادخلها عليه ~~مولاه ( خديج ) وهي مجردة عارية ليس عليها شيء ، وكان بيده قضيب فجعل يهوى ~~به إلى ( متاعها ) وهو يقول : # « هذا المتاع ، لو كان لي متاع » (2). # وأمر بها إلى يزيد ، ثم عدل عن ذلك ووهبها إلى عبد الله بن مسعدة الفزاري ~~(3) فقال له : |يا ليت من يمنع المعروف يمنعه||حتى يذوق رجال غب ما صنعوا| |وليت رزق أناس مثل نائلهم||قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا| |وليت للناس حظا في وجوههم||تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا| |وليت ذا الفحش لاقى فاحشا أبدا||ووافق الحلم أهل الجهل فارتدعوا| # جاء ذلك في معجم الشعراء 1 / 117 وقد نشر الشيء الكثير من شعره في مجلة ~~الآسيوية البريطانية. PageV02P157 # « دونك هذه الجارية الرومية فبيض ولدك » (1). # وذكر المؤرخون بوادر كثيرة من استهتاره ومجونه دلت على تحلله من جميع ~~القيم الإنسانية. ### || 13 افتعال الحديث : # قال الله تعالى في كتابه الكريم : « إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله وأولئك هم الكاذبون » (2) وقرب معاوية من يفترى الكذب على الله ~~ورسوله ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فقربهم إليه وأدناهم منه ومنحهم ~~الأموال الضخمة ، وأوعز إليهم أن يضعوا الأحاديث الكاذبة على رسول الله (ص) ~~فى فضله وفي فضل الأمويين والصحابة ، وفي الحط من كرامة العترة الطاهرة ~~وانتقاصها خصوصا سيدها الإمام أمير المؤمنين (ع)، وكتب مذكرة بذلك إلى ~~جميع عماله وولاته جاء فيها : # « أنظروا من قبلكم من ms379 شيعة عثمان الذين يرون فضله ، ويتحدثون بمناقبه ~~فاكرموهم ، وشرفوهم ، واكتبوا إلي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم ~~أبيه وممن هو ». # فامتثل عماله وولاته ذلك فأدنوا الرواة المستأجرين وأشادوا بهم ، ومنحوهم ~~الأموال الكثيرة ودونوا ما افتعلوه في فضل عثمان ، وأرسلوه إليه ، |أقم يا ابن مسعود قناة قويمة||كما كان سفيان بن عوف يقيمها| # ولما دخل على معاوية سأله عن الشعر ، فقال إن الشاعر ضمني إلى من لست له ~~بكفء وهو سفيان بن عوف جاء ذلك في الإصابة 2 / 359. PageV02P158 # ولما رأى الناس أن الحكومة تشجع الوضاعين وتقابلهم بالحفاوة والتكريم ، ~~وتمنحهم الأموال والثراء العريض بادر من غرته الدنيا إلى وضع الأحاديث وأخذ ~~عوضها من الجهة المختصة ، وقد رووا فى فضل معاوية طائفة كبيرة ، فمن جملة ~~ما وضعوه : أن النبي قال : « اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب ، ~~وادخله الجنة ». وأخرج الترمذي أن النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا. # وروى الحارث بن أسامة أنه (ص) قال : أبو بكر أرق أمتي ، وأرحمها ، ثم ذكر ~~مناقب الخلفاء الأربعة ، ومناقب جماعة آخرين من أصحابه ثم ذكر (ص) معاوية ~~فقال (ص): ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها (1). # ورووا أن النبي (ص) أشاد بفضل أصحابه ، ثم قال في معاوية : وصاحب سري ~~معاوية بن أبي سفيان (2). # وحكى القدسي أنه كان بجامع واسط وإذا برجل قد اجتمع عليه الناس فدنا منه ~~فإذا هو يروي حديثا بسنده عن النبي (ص) ان الله يدني معاوية يوم القيامة ~~فيجلسه إلى جنبه ويغلفه؟ بيده ثم يجلوه على الناس كالعروس PageV02P159 # فقال له المقدسي : بما ذا؟ قال بمحاربته عليا ، فأجابه المقدسي : كذبت يا ~~ضال!! فقال خذوا هذا الرافضي فتدافع الناس عليه للبطش به وأنقذه شخص كان ~~يعرفه (1) وحكى المقدسي أيضا أنه تعرض للقتل حينما أنكر على رجل قوله : ان ~~معاوية نبى مرسل (2). # وحدث بعضهم قال رأيت رسول الله (ص) وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~ومعاوية ، إذ جاء رجل فقال عمر يا رسول الله هذا ينتقصنا فكأنه انتهره رسول ~~الله (ص) فقال يا رسول ms380 الله : إني لا أنتقص هؤلاء ولكن هذا يعنى معاوية ~~فقال : ويلك أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثا ثم أخذ رسول الله (ص) حربة ~~فناولها معاوية ، فقال جابهه في لبته فضربه بها ، وانتبهت إلى منزلي فاذا ~~ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات وهو راشد الكندي (3). # وتعصب البسطاء والسذج لمعاوية ، وبالغوا في تقديره نظرا لهذه الأخبار ~~الموضوعة والدعايات الكاذبة ، فقد ذكر المؤرخون ان عبد الرحمن النسائي دخل ~~دمشق فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال : أما يرضى معاوية أن يخرج ~~رأسا برأس حتى يفضل؟ وفي رواية أنه قال : ما أعرف له فضيلة إلا « لا أشبع ~~الله له بطنا » فثاروا عليه وداسوه فحمل إلى الرملة فمات بسبب ذلك (4). # لقد أراد معاوية بهذه الأحاديث التي أصدرتها لجان الوضع أن يضفي PageV02P160 # على نفسه ثوب القداسة والإيمان لتمنحه الأمة ثقتها ، وتنقاد إليه بدافع ~~العقيدة ، ولكنها محاولة فاشلة لأن المسلمين ينظرون إليه نظرة ريبة وشك في ~~إسلامه لأنه من الشجرة الملعونة في القرآن التي ناجزت النبي (ص) وقادت ~~الجيوش لمحاربته ، بالاضافة إلى الأحداث الجسام التي ارتكبها كمناجزته لوصي ~~رسول الله (ص) وباب مدينة علمه ، وقتله الأخيار ، ومطاردته الصلحاء ، وبدعه ~~التي أحدثها في الإسلام ، وغير ذلك من الكبائر والموبقات التي سود بها وجه ~~التأريخ ، ومن الطبيعي أن هذه الدعايات والأكاذيب لا تمحو عنه العار ~~والخزي. # وعلى أي حال فقد كثرت الأحاديث التي وضعها الدجالون في فضل معاوية ، وفي ~~فضل عثمان بن عفان ، وقد خاف أن يفوت غرضه ، ويفتضح أمره ، ولا يصل إلى ~~هدفه من البغي على العترة الطاهرة ، فكتب مذكرة إلى عماله يأمرهم فيها بأن ~~يكف الوضاعون عن ذلك ، ويضعوا الأحاديث في فضل الشيخين ، لأن ذلك من أقرب ~~الطرق ومن أهم الوسائل فى محاربة ذرية النبي (ص) والحط من قيمتهم ، وهذا نص ~~ما كتبه : # « إن الحديث قد كثر في عثمان ، وفشا في كل مصر ، وفي كل ناحية ، فإذا ~~جاءكم كتابي فادعوهم إلى الرواية في أبي بكر وعمر ، فان فضلهما وسوابقهما ~~أحب إلي وأقر لعيني ، وأدحض ms381 لحجة أهل هذا البيت يعني أهل بيت النبي وأشد ~~عليهم من مناقب عثمان وفضله ». # وقرأ القضاة والأمراء كتابه على الناس ، فبادر الوضاعون إلى افتعال ~~الأحاديث فى مناقب أبي بكر وعمر ، وأمر معاوية بتدوينها وإنفاذ نسخ منها ~~إلى جميع العمال والولاة ليقرؤها على المنابر ، ويتلوها في الجوامع ، وأوعز ~~إليهم أن ينفذوها إلى المعلمين ليجعلوها من مناهج دروسهم ، ويرغموا PageV02P161 # الأطفال على حفظها ، وقد اهتمت الحكومات المحلية فى ذلك اهتماما بالغا ~~فالزمت الناشئة وسائر الطبقات بحفظ تلك الأخبار المفتعلة حتى حفظها الأولاد ~~وحفظتها النساء والخدم والحشم (1) وقد عرض الإمام الباقر عليه السلام بعض ~~تلك الأخبار الموضوعة في حديثه مع أبان ، وندد بها فقد قال له أبان : # « أصلحك الله ، سم لي من ذلك شيئا؟ ». # قال (ع) رووا : # « إن سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر » (2). # « إن عمر محدث بصيغة المفعول أي تحدثه الملائكة ». # « إن عمر يلقنه الملك ». # « إن السكينة تنطق على لسان عمر ». # « إن الملائكة لتستحي من عثمان » (3). # ثم استرسل (ع) في عرض الأخبار المفتعلة حتى عد أكثر من مائة PageV02P162 # رواية (1) يحسبها الناس أنها حق ، ثم قال (ع): والله كلها كذب وزور (2) # ويقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه (3) « إن أكثر الأحاديث الموضوعة ~~في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية ، تقربا إليهم بما يظنون أنهم ~~يرغمون به أنوف بني هاشم » (4). # ولم يكتف معاوية بتلك الأخبار الكثيرة التي وضعت في مناقب الشيخين فقد ~~عمد إلى تشجيع الوضاعين لاختلاق الحديث ضد أهل البيت (ع) وقد أنفق عليهم ~~الأموال الطائلة في سبيل ذلك ، فقد أعطى الجلاد سمرة بن جندب أربع مائة الف ~~على أن يخطب في أهل الشام ، ويذكر لهم أن الآية الكريمة وهي « ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث |قلبى أرق عليك من خديكا||وقواي أوهى من قوى جفنيكا| |لم لا ترق لمن يعذب نفسه||ظلما ويعطفه هواه عليكا| # هجاه أبو عبد الله الواسطي بقوله : |من ms382 سره أن لا يرى فاسقا||فليجتهد أن لا يرى نفطويه| |أحرقه الله بنصف أسمه||وصير الباقي صراخا عليه| # توفى في صفر (323) وفيات الأعيان 1 / 30. PageV02P163 # والنسل والله لا يحب الفساد » (1). # نزلت في علي ، فروى لهم سمرة ذلك (2) وأخذ العوض من بيت مال المسلمين ، ~~وقد الزم الإسلام بانفاقه على صالح المسلمين ، وإعالة ضعيفهم ومحرومهم ، ~~ولكن ابن هند أنفقه على حرب الإسلام وعلى الكيد والطعن في أعلامه الذين ~~نافحوا عن رسول الله (ص) في جميع المواقف والمشاهد وأرغموا معاوية وأباه ~~على الدخول في حظيرته. # وعلى أي حال فقد انطلق ذوو الأطماع والمنحرفون عن الإسلام إلى افتعال ~~الأحاديث في الحط من قيمة أهل البيت للظفر بالأموال والثراء العريض ، وروى ~~ابن العاص لأهل الشام أن النبي (ص) قال في آل أبي طالب : « إن آل أبي طالب ~~ليسوا لي بأولياء ، انما ولي الله وصالح المؤمنين » (3). # وهكذا أخذت لجان الوضع تفتعل أمثال هذه الأحاديث ضد عترة النبي (ص) الذين ~~أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، محاولة بذلك إطفاء نور الله ، وحجب ~~المسلمين عن قادتهم الواقعيين الذين نص عليهم النبي (ص) وجعلهم خلفاء من ~~بعده على أمته. # وتحدث الإمام الباقر (ع) عن زيف تلك الأخبار وكذبها فقال : « ويرون عن ~~علي أشياء قبيحة ، وعن الحسن والحسين ما يعلم الله أنهم قد رووا في ذلك ~~الباطل والكذب والزور » (4). PageV02P164 # وقال ابن أبي الحديد : « وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي أن معاوية وضع ~~قوما من الصحابة ، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ~~عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في ~~مثله فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن ~~شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير » (1). # إن هذه الإجرءات التي اتخذها معاوية ضد أهل البيت قد أشاعت الفرقة بين ~~المسلمين ، وفتحت باب الكذب على الله وعلى رسوله ، وقد أعرض خيار الصحابة ~~عن تلك الأخبار ، ولم يصغوا لرواتها ، فقد نقل الرواة ان بشير العدوى (2) ~~جاء إلى ابن عباس ، وجعل يحدثه ، ويقول له : قال ms383 رسول الله (ص): وابن عباس ~~لا يأذن لحديثه ، ولا ينظر إليه ، وقابله بالاستخفاف والاستهانة ، فاندفع ~~بشير قائلا : # « ما لي لا أراك تسمع الحديث؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع ». # فزجره ابن عباس قائلا : # « إنا كنا إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا ~~إليه باذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما ~~نعرفه » (3). PageV02P165 # إن الناس قد ركبوا الصعبة والذلول على حد تعبير ابن عباس وسلكوا جميع ~~المسالك التي تتنافى مع الدين فلم يتحرجوا من الكذب على الله ولم يتأثموا ~~من الوضع على رسول الله (ص) فلذا كان التوقف والتثبت في الأخبار أمرا ~~ضروريا. # والمحنة الكبرى التي امتحن المسلمون بها امتحانا عسيرا هو ان تلك الأخبار ~~التي افتعلتها لجان الوضع قد وصلت إلى الثقات والحفاظ فدونوها في كتبهم وهم ~~من دون شك لو علموا واقعها لأسقطوها وتبرءوا منها وما رووها ، وقد ألمع إلى ~~ذلك المدائني في حديثه عن الوضاعين في عصر معاوية ، ونسوق نص كلامه في ذلك قال : # « وظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة ~~والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون ، والمستضعفون ، ~~الذين يظاهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ~~ويقربوا مجلسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع ، والمنازل ، حتى انتقلت تلك ~~الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب ، والبهتان ، ~~فقبلوها ، ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ، ~~ولا تدينوا بها » (1). # وقد فاضت الكتاب بتلك الأخبار الموضوعة ، وامتلأت بالإسرائيليات (2) ~~وبخرافات أبي هريرة ، ومما لا شبهة فيه أنها أضرت بالإسلام فشوهت شريعته PageV02P166 # السمحاء ، وأفسدت عقائد المسلمين ، وفرقتهم شيعا وأحزابا. # وليس من شك في أن الخلفاء لو بادروا إلى تدوين ما أثر عن النبي (ص) من ~~الأحاديث لصانوا الأمة من الاختلاف ووقوها من الفتن والخطوب ، ولكنهم لم ~~يفعلوا ذلك فقد عمد أبو بكر إلى جمع بعض الأحاديث فأحرقها (1) وجاء بعده ~~عمر فاستشار الصحابة في تدوينها فأشار عليه عامتهم بذلك ، ولبث مدة يفكر في ~~الأمر ms384 ثم عدل عنه ، وقال لهم : « إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد ~~علمتم. ثم تذكرت ، فاذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله ~~كتبا فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء ~~أبدا. » ثم ترك ذلك وعدل عنه (2). # وهو تعليل لا يساعده الدليل لأن حديث النبي (ص) لا يشذ عن كتاب الله ، ~~ولا يخالفه بحال من الأحوال ، وليس تدوينه موجبا لهجر القرآن الكريم ، ولا ~~مستلزما للاعراض عنه ، وأكبر الظن أنهم إنما أبوا من تدوينه لأن شطرا كبيرا ~~منه يتعلق فى فضل العترة الطاهرة. وفي لزوم مودتها ، ووجوب الرجوع إليها في ~~جميع المجالات ، وليس من الممكن التبعيض في كتابة الحديث بأن تدون السنن ، ~~وتترك الأخبار الواردة في حق أهل البيت ، ومن الطبيعي أن تدوينها يتنافى مع ~~ابتزازهم حقهم واجماعهم على هضمهم ، واقصائهم عن مراتبهم التي رتبهم الله ~~فيها ، وقد بلغ من عظيم وجدهم وحقدهم عليهم ، أنهم لما شعروا أن النبي يريد ~~أن يعهد بالأمر إليهم ويكتب فى ذلك كتابا ردوا عليه وهو في ساعاته الأخيرة ~~فقالوا له : « حسبنا كتاب الله ». PageV02P167 # وأثر عنهم أنهم قالوا : « لا تجتمع النبوة والخلافة فى بيت واحد » وبعد ~~هذا فكيف يثبتون اخبار النبي (ص) في أهل بيته. # وعلى أي حال فان أعظم ما مني به المسلمون من الكوارث هي الروايات ~~المفتعلة التي عهد معاوية بوضعها فانها قد أوجبت تشتت المسلمين واختلافهم ~~في كل شيء ، وهي مما لا شبهة فيه من أعظم موبقات ابن هند. ### || 14 استلحاقه زيادا : # قال رسول الله (ص): « الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ». لقد ضرب معاوية ~~كلام رسول الله (ص) بعرض الجدار بلا خيفة ولا حذر. # فعاكس قوله ، ورد حكمه علانية لأجل تدعيم ملكه ، وإقامة سلطانه ، فاستلحق ~~به زياد بن أبيه طبقا لما كان عليه العمل قبل الإسلام! # يقول الله تعالى : « أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون » (1) لقد بغى معاوية حكم الجاهلية ، وأحيى سننها فألحق به زياد بن ~~أبيه وهو ابن ms385 بغية ، فان سمية كانت من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة ~~الى الحارث بن كلدة (2) من بغيها ، وكانت تنزل |ان اختياريك لا عن خبرة سلفت||ولا الرجاء ومما يخطئ النظر| |كالمستغيث ببطن السيل يحسبه||جزرا يبادره إذ بله المطر| |فقد رأيت بعبد الله واعظة||تنهى الحليم فما أناني الغرر| |إن السعيد له في غيره عظة||وفي التجارب تحكيم ومعتبر| |لأعرفنك إن أرسلت قافية||تلقى المعاذير إذ لا تنفع العذر| # جاء ذلك في معجم الشعراء ص 172. PageV02P168 # بالموضع الذي تنزل فيه البغايا خارجا عن الحضر في محلة يقال لها حارة ~~البغايا (1) هذه أم زياد في قذارتها وفجورها ولم يأنف معاوية من إلحاق هذا ~~الدعى به. # أما بواعث هذا الاستلحاق فيقول عنه المؤرخون ان أمير المؤمنين «ع» كان قد ~~ولى زيادا قطعة من أعمال فارس ، واصطنعه لنفسه ، فلما قتل «ع» بقى زياد في ~~مله وخاف معاوية جانبه ، وعلم صعوبة ناحيته ، وأشفق من ممالاته الحسن بن ~~علي «ع» فكتب إليه هذه الرسالة : # « من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ، إلى زياد بن عبيد ، أما بعد : ~~فانك عبد قد كفرت النعمة ، واستدعيت النقمة ، ولقد كان الشكر أولى بك من ~~الكفر وإن الشجرة لتضرب بعرقها ، وتتفرع من أصلها إنك لا أم لك ، بل لا أب ~~لك قد هلكت وأهلكت ، وظننت أنك تخرج من قبضتي ، ولا ينالك سلطاني ، هيهات ~~ما كل ذي لب يصيب رأيه ولا كل ذي رأي ينصح في مشورته ، أمس عبد واليوم أمير ~~خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية ، إذا أتاك كتابى هذا فخذ الناس بالطاعة ~~والبيعة واسرع الإجابة فانك إن تفعل فدمك حقنت ونفسك تداركت ، وإلا اختطفتك ~~بأضعف ريش ونلتك بأهون سعي ، وأقسم قسما مبرورا أن لا أوتى بك إلا في زمارة ~~(2) تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق وأبيعك عبدا ~~وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه والسلام ». # وفي هذه الرسالة قد نسب زيادا إلى عبيد ، واعترف برقيته ، وإنه إذا تمكن ~~منه يبيعه في أسواق دمشق ويرده إلى ms386 أصله ، ولما وصلت هذه PageV02P169 # الرسالة إلى زياد ورم أنفه من الغضب وأمر بجمع الناس وخطب فيهم فقال بعد ~~حمد الله والثناء عليه : # « ابن آكلة الأكباد ، وقاتلة أسد الله ، ومظهر الخلاف ، ومسر النفاق ، ~~ورئيس الأحزاب ، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب إلى يرعد ويبرق عن ~~سحابة جفل لا ماء فيها ، وعما قليل تصيرها الرياح قزعا (1) والذي يدلني على ~~ضعفه تهدده قبل القدرة ، أفمن اشفاق على تنذر وتعذر كلا؟ ولكن ذهب إلى غير ~~مذهب وقعقع لمن ربي بين صواعق تهامة ، كيف أرهبه وبينى وبينه ابن بنت رسول ~~الله (ص) وابن ابن عمه في مائة الف من المهاجرين والأنصار ، والله لو أذن ~~لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهارا ولأسعطنه ماء الخردل (2) دونه ~~الكلام اليوم ، والجمع غدا والمشورة بعد ذلك إن شاء الله ». # وقد أبرق زياد وأرعد وتهدد وأوعد وذلك لعدم علمه بما مني به جيش الإمام ~~من التخاذل والانحلال معتقدا بأن الجيش على وضعه الأول محتفضا بنشاطه وقواه ~~، وانه مائة الف من المهاجرين والأنصار ولم يعلم بما نكب به من الانحلال ~~والفتن التي مزقته وقضت على نشاطه ، وان أعلام المهاجرين والأنصار قد ~~طحنتهم حرب صفين وأبادتهم واقعة النهروان وأصبح الجيش لا يضم من أولئك ~~الرءوس والضروس إلا ما هو أقل من الصبابة ، وأقسم بالله إن الإمام لو ~~استدعى زيادا حينذاك لغدر به وما استجاب له ، وآية ذلك أنه لما علم بوهن ~~جيش الإمام انحاز إلى معاوية وغدر بالإمام ، وكيف لا ينخدع وهو من ذوي ~~الضمائر القلقة وقد أبان الزمان خبثه ، وكشف عن PageV02P170 # عدم طيب إنائه ، فقد عاد بعد الاستلحاق من ألد الأعداء إلى أمير المؤمنين ~~وذريته وشيعته. # ومهما يكن من شيء فان زيادا عقيب خطابه أجاب معاوية عن رسالته وهذا نص ~~جوابه : # « أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك يا معاوية ، وفهمت ما فيه فوجدتك كالغريق ~~يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب ويتعلق بأرجل الضفادع طمعا فى الحياة إنما يكفر ~~النعم ويستدعي النقم من حاد الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فاما ms387 سبك لي ~~فلولا حلم ينهاني عنك ، وخوفي أن أدعى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها ~~الماء ، وأما تعييرك لي بسمية فان كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة (1) وأما ~~زعمك انك تخطفنى بأضعف ريش وتتناولني بأهون سعي فهل رأيت بازيا يفزعه صغير ~~القنابر؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟ # فامض الآن لطيتك ، واجتهد جاهدك فلست أنزل إلا بحيث تكره ، ولا اجتهد إلا ~~فيما يسوؤك ، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه ، الطالع إليه والسلام » # ولما قرأ معاوية رسالة زياد طار قلبه رعبا وداخله فزع شديد فاستدعى داهية ~~العرب « المغيرة بن شعبة » فقال له : # « يا مغيرة إني أريد مشاورتك في أمر أهمنى فانصحنى فيه وأشر علي برأي ~~المجتهد ، وكن لي أكن لك ، فقد خصصتك بسري وآثرتك على ولدي ». # فقال له المغيرة : # « فما ذاك؟ والله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور ومن ذى الرونق ~~في كف البطل الشجاع ». PageV02P171 # ولما أظهر له المغيرة الانقياد والخضوع لطاعته عرض عليه مهمته قائلا : # « يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي (1) وهو رجل ~~ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى ، وقد خفت منه الآن ما ~~كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا ، وأخشى ممالأته حسنا : فكيف السبيل إليه؟ وما ~~الحيلة في إصلاح رأيه؟ ». # ولما عرف الداهية الماكر مهمة معاوية أشار عليه بأن يخدعه ويمنيه ، ويكتب ~~له بناعم القول وكان رأيه في ذلك مبنيا على دراسته لنفسية زياد ومعرفته ~~باتجاهه وميوله قائلا له : # « ان زيادا رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر ، فلو لاطفته المسألة ~~وألنت له الكتاب لكان لك أميل وبك أوثق ، فاكتب إليه وأنا الرسول » # واستجاب معاوية لنصيحة المغيرة ، فكتب إلى زياد رسالة تمثلت فيها ~~المواربة والخداع وهذا نصها : # « من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان ، أما بعد ~~: فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب ، وانك للمرء المضروب به المثل ~~قاطع الرحم ، وواصل العدو ، وحملك سوء ظنك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي ~~، وقطعت رحمي وبتت نسبى ms388 وحرمتي حتى كأنك لست أخي ، وليس صخر بن حرب أباك ~~وأبي ، وشتان ما بيني وبينك ، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني ، ولكن ~~أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء فكنت « كتاركة بيضها بالعراء ، وملحفة بيض ~~أخرى جناحها » وقد رأيت أن أعطف عليك ولا أؤاخذك بسوء سعيك ، وان أصل رحمك ~~، وأبتغي الثواب في أمرك ، فاعلم أبا المغيرة أنك PageV02P172 # لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم ~~إلا بعدا ، فان بني شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد ~~أوثق للذبح ، فارجع رحمك الله إلى أصلك ، واتصل بقومك ولا تكن كالموصول ~~يطير بريش غيره ، فقد أصبحت ضال النسب ، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج ~~فدعه عنك ، فقد أصبحت على بينة من أمرك ووضوح من حجتك ، فان أحببت جانبي ~~ووثقت بي فامرة بامرة وان كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل لا علي ولا ~~لي والسلام ». # وأخذ المغيرة الرسالة التي كتبت على وفق رأيه وهي لا تحمل جانبا من ~~الواقعية ، ولا بصيص فيها من نور الحق والصدق فغادر دمشق إلى فارس وأقبل ~~إلى زياد فلما رآه رحب به وأدناه من مجلسه وأخذ الداهية الماكر يكلم زيادا ~~بمختلف الطرق وشتى الأساليب حتى غزى قلبه وهيمن على مشاعره فأجابه إلى ما أراد. # وبعد ما وقع زياد في اشباك المغيرة غادر فارس إلى دمشق فلما انتهى إليها ~~ومثل عند معاوية رحب به وادناه ، وأمر أخته جويرية بنت أبي سفيان أن ~~تستدعيه ، فلما حضر عندها كشفت عن شعرها بين يديه ، وقالت له : « أنت أخي ~~أخبرني بذلك أبو مريم » ثم أخرجه إلى المسجد وجمع الناس ليعلن أمامهم أن ~~زيادا أخوه ، وقام أبو مريم السلولي الخمار أمام ذلك المجتمع الحاشد فادى ~~شهادته بزنا أبى سفيان بسمية شهادة أخزت أبا سفيان ومعاوية والحقت العار ~~بزياد وهذا نصها : # « أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمار فى الجاهلية ، فقال ~~أبغى بغيا. فاتيته وقلت : لم أجد إلا جارية الحرث بن كلدة ms389 ، PageV02P173 # سمية. فقال ائتني بها على ذفرها (1) وقذرها » وثار زياد فقطع على أبى ~~مريم شهادته قائلا له بصوت يقطر غضبا : # « مهلا يا أبا مريم ، إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما ». # فقال أبو مريم : # « لو كنتم أعفيتموني لكان أحب إلي ، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت ». # ثم استرسل فى بيان شهادته فقال : # « والله لقد أخذ بكم درعها ، وأغلقت الباب عليهما ، وقعدت دهشانا فلم ~~ألبث أن خرج علي يمسح جبينه ، فقلت ، مه يا أبا سفيان. فقال : ما أصبت ~~مثلها يا أبا مريم لو لا استرخاء من ثديها ، وذفر من فيها ». # هذه شهادة أبى مريم في فجور سمية وتندى لفضاعتها وخزيها وجه الإنسانية ~~ولكن معاوية ما خجل منها وما أنف ولا استحى ، وكيف يخجل ابن هند من هذه ~~المساوئ والمخازي وهو الذي جر ذيله على الرذائل والخداع كما يقول (2) حتى ~~صارت الرذيلة عنصرا من عناصره ومقوما من مقوماته. # لقد ألحق معاوية زياد بن أبيه به ليستريح من خصومته ، ويستعين به على ~~تحقيق أهدافه وتدعيم سلطانه. ### || الاستياء الشامل : # وأثر استلحاق معاوية لزياد استياء شاملا في نفوس المسلمين ، فقد PageV02P174 # رووا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة النبي (ص) والى هجر سنته ، وقد خافوه ~~على دينهم ، فاندفع جمع من الأحرار والمصلحين إلى إعلان سخطهم وإنكارهم ~~عليه وعلى زياد ونشير إلى بعض المنكرين والناقدين له وهم : ### || 1 الإمام الحسن : # ورفع الإمام الحسن رسالة إلى زياد بين فيها فساد استلحاقه بمعاوية ، ~~وأعرب له ان الإسلام لا يقر ذلك بحال من الأحوال ، وهذا نصها : # « من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية أما بعد : فان رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم قال الولد للفراش ، وللعاهر الحجر والسلام » (1) # وقال «ع» له في حضور معاوية وعمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم : « وما ~~أنت يا زياد وقريشا؟ لا أعرف لك فيها أديما صحيحا ، ولا فرعا نابتا ، ولا ~~قديما ثابتا ، ولا منبتا كريما ، بل كانت أمك بغيا تداولها رجال قريش وفجار ~~العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا يعنى معاوية بعد ممات ms390 ~~أبيه ، مالك افتخار ، تكفيك سمية ويكفينا رسول الله (ص)» (2). ### || 2 الإمام الحسين : # ولما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين معاوية قد حمل معول الهدم على جميع ~~الأسس الإسلامية اندفع (ع) ثائرا في وجهه ورفع له رسالة سجل فيها موبقاته ، ~~وقد عرض فيها استلحاقه لزياد ، وهذا نص ما كتبه في ذلك : # « أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن ~~أبيك ، وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر ، PageV02P175 # فتركت سنة رسول الله تعمدا واتبعت هواك بغير هدى من الله » (1). ### || 3 يونس بن عبيد : # وكان يونس بن عبيد ممن حضر هذه المأساة ، وشاهد فصولها ، فانطلق إلى ~~معارضة معاوية وإلى الإنكار عليه قائلا : # « يا معاوية قضى رسول الله (ص) ان الولد للفراش ، وللعاهر الحجر وقضيت ~~أنت أن الولد للعاهر مخالفة لكتاب الله تعالى ، وانصرافا عن سنة رسول الله ~~بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان ». # فانبرى إليه معاوية يتهدده ويتوعده بالقتل قائلا : # « والله يا يونس لتنتهي أو لأطيرن بك طيرة بطيئا وقوعها ». # فقال له يونس : « هل إلا إلى الله ، ثم أقع؟ ». # قال له معاوية : نعم (2). ### || 4 عبد الرحمن بن الحكم : # وما رضى بهذا الاستلحاق حتى بنو أمية ، فقد نقموا عليه ذلك فقد أقبل عبد ~~الرحمن بن الحكم ومعه جماعة من بني أمية فقال عبد الرحمن لمعاوية : # « يا معاوية ، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا يعني على بني ~~العاص قلة وذلة ». # فالتفت معاوية إلى مروان قائلا : # « اخرج عنا هذا الخليع ». # « أى والله إنه لخليع ما يطاق ». PageV02P176 # فقال معاوية : « والله لو لا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق ، ألم يبلغنى ~~شعره في وفي زياد ». # قال مروان وما ذا قال؟ : # إنه يقول : # ألا أبلغ معاوية بن حرب %~% لقد ضاقت بما يأتي اليدان أتغضب أن يقال أبوك عف %~% وترضى أن يقال أبوك زاني فاشهد أن رحمك من زياد %~% كرحم الفيل من ولد الأتان وأشهد انها حملت زيادا %~% وصخرا من سمية غير دان # وتألم معاوية حينما قرأها فقال : والله لا أرضى عنه ms391 حتى يأتي زيادا ~~فيترضاه ويعتذر إليه. # وخرج عبد الرحمن وقد غضب عليه معاوية ، فجاء إلى الكوفة وقصد زيادا يعتذر ~~منه فاستأذن عليه بالدخول فلم يأذن له ، وتوسط في شأنه وجهاء قريش فسمح له ~~بالدخول ، فلما دخل عليه أعرض عنه ، ثم التفت له قائلا : # « أنت القائل؟ ما قلت!! ». # ما الذي قلت؟. # قلت ما لا يقال!! # أصلح الله الأمير أنه لا ذنب لمن أعتب ، وإنما الصفح عمن أذنب فاسمع مني ~~ما أقول : # هات ما عندك. # إليك أبا المغيرة تبت مما %~% جرى بالشام من خطل اللسان وأغضبت الخليفة فيك حتى %~% دعاه فرط غيظ أن هجاني وقلت لمن لحاني فى اعتذاري %~% إليك أذهب فشأنك غير شاني PageV02P177 عرفت الحق بعد ضلال رأيى %~% وبعد الغي من زيغ الجنان زياد من أبي سفيان غصن %~% تهادى ناضرا بين الجنان أراك أخا وعما وابن عم %~% فما أدري بعيب ما تراني وإن زيادة في آل حرب %~% أحب إلي من وسطى بناني ألا بلغ معاوية بن حرب %~% فقد ظفرت بما تأتي اليدان # فقال زياد : # « أراك أحمق صرفا شاعرا صنع اللسان ، يسوغ لك ريقك ساخطا ومسخوطا ولكنا ~~قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك ، فهات حاجتك ». # تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عني. # نعم. # ثم دعا كاتبه فرسم له العفو والرضا ، فأخذ الكتاب ومضى إلى معاوية فلما ~~قرأ الأبيات قال : # « لحا الله زيادا ألم ينتبه لقوله : وإن زيادة في آل حرب؟ ». # ثم رضى عن عبد الرحمن ورده إلى حالته الأولى (1). ### || 5 أبو العريان : # وكان أبو العريان شيخا مكفوفا ذا لسان وعارضة شديدة فاجتاز عليه زياد فى ~~موكبه فقال أبو العريان : # « ما هذه الجلبة؟ ». # « إنه موكب زياد بن أبي سفيان ». # « والله ما ترك أبو سفيان إلا يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمدا ~~فمن أين جاء زياد؟ ». PageV02P178 # ونقل المتزلفون حديث أبي العريان إلى زياد فأشار عليه بعض خواصه أن يوصله ~~بالمال حتى يكف لسانه عنه ، فاستصوب الرأي وأمر له بمائتي دينار فجاء بها ~~الرسول إليه ، فقال له : # « يا أبا العريان ابن عمك زياد الأمير قد أرسل إليك ms392 مائتي دينار لتنفقها ~~» فلما سمع أبو العريان بذلك طار فرحا فقال : # « وصلته رحم أى والله ابن عمي حقا ». # واجتاز موكب زياد عليه في اليوم الثاني ، فسلم عليه زياد ، فبكى أبو ~~العريان ، فقيل له : # « ما يبكيك؟ ». # « عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد ». # هكذا تفعل المادة بالضمائر القذرة التي لم تنطبع فيها العقيدة ، وكان أبو ~~العريان عاريا من الإيمان فتغير بهذه الصلة الضئيلة ، ولما سمع حديثه ~~معاوية كتب إليه : # ما ألبثتك الدنانير التي بعثت %~% أن لونتك أبا العريان الوانا أمسى إليك زياد فى أرومته %~% نكرا فأصبح ما أنكرت عرفانا لله در زياد لو تعجلها %~% كانت له دون ما يخشاه قربانا احدث لنا صلة تحيا النفوس بها %~% قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا أما زياد فقد صحت مناسبه %~% عندي فلا أبتغي في الحق بهتانا من يسد خيرا يصبه حين يفعله %~% أو يسد شرا يصبه حيثما كانا (1) ### || 6 أبو بكرة : PageV02P179 # ومن جملة الناقمين على معاوية والناقدين لزياد على هذا الاستلحاق الفظيع ~~أبو بكرة (1) أخو زياد ، فقد أنكر على أخيه أشد الإنكار ، فقاطعه ولم يتصل ~~به ، ولما عزم زياد على السفر إلى بيت الله الحرام أقبل إليه أبو بكرة فلما ~~بصر به بعض الحرس أقبل مسرعا إلى زياد ، فقال له : # « أيها الأمير هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر ». # ويحك أنت رأيته؟. # ها هو ذا قد طلع!!. # أقبل أبو بكرة فوقف على رأس زياد وكان قد احتضن غلاما له فوجه أبو بكرة ~~خطابا إلى الغلام ولم يوجهه إلى زياد ترفعا واستحقارا له : # « يا غلام ، إن أباك ركب في الإسلام عظيما ، زنى أمه وانتفى من أبيه ، ~~ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط ، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو ~~أعظم من ذلك يوافى الموسم غدا ، ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي من ~~أمهات المؤمنين ، فان جاء ان يستأذن عليها فأذنت له فاعظم بها PageV02P180 # فرية على رسول الله (ص) ومصيبة وان هي منعته فاعظم بها على أبيك فضيحة ». # ثم تركه وانصرف ms393 ، فقال زياد : # « جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيرا ساخطا كنت أو راضيا » (1) ### || 7 يزيد بن المفرغ : # وهجا هذا الشاعر العبقرى زيادا ببيتين من الشعر كانتا وصما عليه وعارا ~~مدى الأجيال والأحقاب وهما : # فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر %~% هل نلت مكرمة إلا بتأمير عاشت سمية ما عاشت وما علمت %~% أن ابنها من قريش في الجماهير # وارتاع زياد وحزن من هذا الهجاء ، فقال : # « ما هجيت قط أشد علي من هذين البيتين » (2). # ولم يقتصر هذا الشاعر الفذ على ذلك فقد نظم أقسى الشعر والذعه نقدا وهجاء ~~لزياد ومعاوية على ارتكابهما هذه الجريمة التي انتهكت بها حرمة الإسلام ~~وإليك بعض ما جادت به قريحته وخياله الخصب : # شهدت بأن أمك لم تباشر %~% أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمر فيه لبس %~% على حذر شديد وارتياع إذا أودى معاوية بن حرب %~% فبشر شعب قعبك بانصداع # وقال أيضا : # إن زيادا ونافعا وأبا %~% بكرة عندي من أعجب العجب PageV02P181 هم رجال ثلاثة خلقوا %~% في رحم أنثى وكلهم لأب ذا قرشي كما تقول وذا %~% مولى وهذا ابن عمه عربي (1) # وذكر المسعودى في « مروج الذهب » ان هذه الأبيات إلى خالد النجاري وانه ~~قال في هجاء زياد لما استلحق به عبادا : # أعباد ما اللؤم عنك محول %~% ولا لك أم من قريش ولا أب وقل لعبيد الله مالك والد %~% بحق ولا يدري امرؤ كيف تنسب # لقد كان استلحاق زياد لعباد على غرار استلحاق معاوية له مخالفا لسنة رسول ~~الله وقد قال (ص): « من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام » ~~وما جرأ زيادا على ارتكاب هذه الموبقة إلا معاوية فهو الذي فتح باب الفساد ~~، وخالف أحكام الإسلام وتعاليمه وفروضه من دون خيفة ولا حذر. ### || 8 الحسن البصري : # ومن جملة الناقمين على معاوية والناكرين عليه الحسن البصري (2) فقد PageV02P182 # جعل هذا الاستلحاق إحدى موبقاته وسيئاته ومردياته فقال : « اربع خصال كن ~~في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة ~~بالسفهاء حتى ابتزها أمرها ( يعني الخلافة ms394 ) بغير مشورة منهم وفيهم بقايا ~~الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ~~والديباج ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله (ص): « ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر » ويلا له من حجر وأصحاب حجر مرتين » (1) # وهذه الجرائم الأربعة التي هي بعض موبقات معاوية تعد من أفظع فظع الكبائر ~~التي اقترفها ، وسيحاسب عليها حسابا عسيرا عند الله ، وذلك لما أحدثته من ~~المضاعفات السيئة التي مني بها المسلمون. ### || 9 السكتواري : # وقال العلامة السكتواري : « أول قضية ردت من قضايا رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم علانية دعوة معاوية زيادا ، وكان أبو سفيان تبرأ منه ~~وادعى أنه ليس من أولاده ، وقضى بقطع نسبه ، فلما تأمر معاوية قربه ~~واستأمره ، ففعل ما فعل زيادا بن أبيه يعني ابن زنية من الطغيان والإساءة ~~في حق أهل بيت النبوة » (2). # وهؤلاء بعض الناقمين على معاوية والمنكرين عليه في استلحاقه زيادا ، PageV02P183 # وهم من دون شك كانوا مدفوعين بدافع العقيدة والغيرة على الإسلام فقد رأوا ~~أن معاوية قد عمد بذلك إلى احياء سنن الجاهلية وبدعها ، واماتة ما فرضه ~~الإسلام ، استجابة لعواطفه ورغبته الملحة في السيطرة على المسلمين وإخضاع ~~القوى المعارضة له بشتى الوسائل والأساليب. # وعلى أي حال فان زيادا قد استخدم جميع الوسائل لإثبات نسبه وإلحاقه ~~بالعنصر الأموي فقد كتب إلى عائشة رسالة افتتحها بقوله : « من زياد بن أبي ~~سفيان » وقد ظن أنها ستقر نسبه فيتخذ من ذلك دليلا يستدل به على صحة نسبه ، ~~ولم يخف ذلك على عائشة فقد أجابته « من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زياد » ~~(1) وقد خاب بذلك سعيه ، وباء بالفشل والخزي ، ولما ولي الكوفة قال لأهلها : # قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. # أدعنا إلى ما شئت. # تلحقون نسبي إلى معاوية. # فاعلن الأحرار والمؤمنون عدم إجابتهم له قائلين : # « أما بشهادة الزور فلا!! » (2). # لقد أبت العرب من أن تلحق هذا الدعي بها ، ولكن السلطة الأموية سجلته في ~~ديوان قريش ، وظل على هذا الحال هو وأبناؤه ولما انقرضت الدولة الأموية ~~وجاءت دولة بني العباس الغى الخليفة المهدي ms395 هذا الاستلحاق وأمر باخراج آل ~~زياد من ديوان قريش ومن العرب وذلك في سنة 159 هج وبذلك فقد عادت ذرية زياد ~~إلى جدها الأول عبيد الرومي. PageV02P184 ### || 15 عماله وولاته : # وعانت الشعوب الإسلامية في أيام معاوية ألوانا مريعة من المحن والخطوب ~~لأن الحكم القائم فيها مبني على العنف والجبروت ، وعلى البطش والإرهاق ، ~~واستنزاف الثروات ، وعلى التنكر لجميع القيم الإنسانية ، حتى ضج المجتمع من ~~الظلم والجور والاستبداد ، فلم تبق حاضرة من الحضر الإسلامية إلا عمها ~~الخوف ، وساد فيها الإرهاب والاضطراب. # ومن مظاهر ذلك الظلم الاجتماعي أن معاوية سلط على المسلمين حثالة من شذاذ ~~الجلادين والسفاكين ، فاسرفوا في سفك الدماء ، وعمدوا إلى نهب امكانيات ~~البلاد ، وحكموا البلاد حكما كيفيا يستند إلى الأهواء والشهوات فلا عهد له ~~بالدعة والعدل ، وقد وصف الخوارج قسوة ذلك الحكم ومدى شذوذه وجوره ، فقالوا ~~: « إن بني أمية فرقة بطشهم بطش الجبارين ، يأخذون بالظنة ويقضون بالهوى ، ~~ويقتلون على الغضب » (1). # وهو وصف دقيق للسياسة الأموية الجائرة التي انتهجت منهج الشدة في جميع ~~مجالاتها ، فلم تؤمن بحقوق الإنسان ، ولا بكرامته ، واستحقاقه الحياة ، ~~فكانت تسوق المواطنين إلى المجازر والسجون ، وتقضي بالهوى والشهوات ، فلا ~~تستند فى حكمها إلى كتاب الله وسنة نبيه ، وتقتل على الغيظ والغضب في سبيل ~~مصالحها وأهدافها الضيقة. # وقد عبر عمرو بن العاص وزير معاوية ، وو الى مصر عما يكنه في نفسه ~~الشريرة من الاستهتار والاستهانة بحقوق المسلمين ، فقال : « إنما السواد ~~بستان لقريش » إن السواد الذي هو ملك للمسلمين ، وسائر الشؤون الاقتصادية PageV02P185 # الأخرى فى رأيه ملك لقريش ، وأي حق لها في ذلك وهي التي ناجزت النبي (ص) ~~وأعلنت الحرب على أهدافه ومبادئه ، ووقفت صامدة تدافع عن جاهليتها وأوثانها ~~، فأي حق لها بأموال المسلمين ، وأي حق لها في السيطرة على شئونهم. # وعلى أي حال فان كسرى العرب كما يقولون قد مكن المجرمين والسفاكين من ~~رقاب المسلمين ، فاسند لهم الحكم المطلق ، يتصرفون فى العباد والبلاد كيفما ~~شاءوا ، قد أقر جورهم ، وأمضى ظلمهم ، وحمى جانبهم فقاموا بدورهم على ~~استعباد المسلمين وإذلالهم وإرهاقهم ، ونذكر عرضا ms396 موجزا من تراجم هؤلاء ~~السفاكين مع بيان بعض ما صدر منهم من الأعمال البربرية ، وإلى القراء ذلك : ### || 1 سمرة بن جندب : # ومن سماسرة معاوية وأعوانه على نشر الظلم والجور سمرة بن جندب الشقي ~~الأثيم ، فقد سودت جرائمه وجه التأريخ وصحائف السير ، وقبل التحدث عن سيرته ~~فى زمن ولايته من قبل السلطة الأموية نذكر بايجاز سيرته أيام النبي (ص)، ~~لقد كان هذا الوغد في زمان النبي معروفا بالنفاق والتمرد ، فقد ذكر الرواة ~~انه زاحم أحد الأنصار في نخل وما أهونها كانت له في بستان ذلك الأنصاري ~~فشكا أمره إلى رسول الله (ص) فاستدعى سمرة فلما مثل بين يديه قال (ص) له : # « بع نخلك من هذا وخذ ثمنه ». # لا أفعل. # خذ نخلا مكان نخلك. # لا أفعل. PageV02P186 # فاشتر منه بستانه. # لا أفعل. # فاترك لي هذا ولك الجنة. # لا أفعل. # ولما رأى رسول الله (ص) عناد سمرة وشره وخبثه وضراوته وإضراره للأنصاري ~~التفت (ص) والاستياء بادي عليه إلى الأنصاري قائلا : # « اذهب فاقطع نخله فانه لا حق له فيه » (1). # وتدل هذه القصة على تمادي سمرة فى الأثم والشقاء ، وانعدام الانسانية ~~والمثل الكريمة من نفسه فقد ترجاه سيد النبيين وأشرف المخلوقين في حسم ~~النزاع والخصومة ، وضمن له عوض تلك النخيلات الزهيدة بقعة في الفردوس مقر ~~الأنبياء والصالحين يتنعم فيها فلم يجبه وأصر على تمرده وعصيانه فحرم نفسه ~~السعادة ورضى لها بالشقاء ، ومن موبقات سمرة ومردياته انه كان يبيع الخمر ~~بعد ما حرمها الإسلام فبلغ عمر بن الخطاب ذلك فقال : # « قاتل الله سمرة ان رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم PageV02P187 # الشحوم فباعوها » (1) هذا وضع سمرة في غلظته وجفائه وتمرده ولما آل الأمر ~~إلى معاوية استعمله زياد على البصرة نائبا عنه فاسرف في قتل الأبرياء ~~وإزهاق الأنفس بغير حق فقد حدث محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين (2): # « هل كان سمرة قتل أحدا؟ ». # فاندفع أنس بحرارة والتأثر بادى عليه قائلا : # « وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة ~~فجاء وقد ms397 قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له ( يعني زيادا ) « هل تخاف أن ~~تكون قد قتلت أحدا بريئا!! ». # فانبرى الأثيم معلنا عدم اهتمامه باراقة دماء المسلمين قائلا : # « لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت » (3). # وقال أبو سوار العدوي (4): قتل سمرة من قومى في غداة سبعة PageV02P188 # وأربعين رجلا قد جمع القرآن (1). وحدث عوف عن اجرام سمرة قال : أقبل ~~سمرة من المدينة فلما كان عند دور بنى أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففاجأ أول ~~القوم فحمل عليه رجل فاوجره الحربة « عبثا وعتوا » قال ثم مضت الخيل فأتى ~~عليه سمرة وهو متشحط بدمه فقال : # « ما هذا؟ ». # « أصابته أوائل خيل الأمير!! ». # فقال « عتوا واستكبارا » : « إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا (2) ~~وكان هذا الطاغي الظامئ إلى إراقة الدماء يقتل على الظنة والتهمة فقيل له : # « يا سمرة : ما تقول لربك غدا؟ تؤتى بالرجل فيقال لك هو من الخوارج فتأمر ~~بقتله ، ثم تؤتى بآخر فيقال لك ليس الذي قتلته بخارجي إنما وجدناه ماضيا في ~~حاجته فشبه علينا وإنما الخارجي هذا فتأمر بقتل الثاني!! » # فأجاب سمرة عما انطوت عليه نفسه من الوحشية والإجرام وما طبع عليه من ~~الزيغ والضلال قائلا : # « وأي بأس في ذلك؟!! إن كان من أهل الجنة مضى إلى الجنة وإن كان من أهل ~~النار مضى إلى النار » (3). # وحدث الحسن البصري قال جاء رجل من أهل خراسان إلى البصرة فزكى مالا كان ~~معه في بيت المال ، وأخذ براءة ثم دخل المسجد فصلى ركعتين ، فأخذه سمرة ~~واتهمه برأي الخوارج فقدمه فضرب عنقه فنظروا PageV02P189 # فيما معه فاذا البراءة أي البراءة من فكرة الخوارج بخط بيت المال فاندفع ~~أبو بكرة نحو سمرة وهو منكر عليه قائلا : # « يا سمرة أما سمعت الله تعالى يقول : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه ~~فصلى؟ ». # فقال سمرة : « أخوك ( يعني زيادا ) أمرني بذلك » (1). # وبقى سمرة ملازما لزياد فلما هلك صار بخدمة الأثيم الوغد ابنه ( عبيد ~~الله ) فكان مديرا لشرطته واشترك معه في أفظع جريمة سجلها التأريخ وهي : ~~قتل سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول ms398 (ص) الحسين عليه أفضل الصلاة ~~والسلام فكان يحرض الناس على حربه والخروج إلى قتله (2) ومن اجرامه ~~وموبقاته انه جيء إليه بجمهور من المسلمين فكان يقول للرجل ما دينك؟ فيقول ~~: أشهد أن لا إله إلا الله ، واني بريء من الحرورية ، فيأمر به فتضرب عنقه ~~حتى أعدم في جلسة واحدة ما يزيد على عشرين مسلما (3) وما فعل سمرة هذه ~~الموبقات إلا إرضاء لمعاوية وقد قال بعد ما عزله عن ولاية البصرة : « لعن ~~الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا » (4). PageV02P190 # ومهما يكن من شيء فان هذه الفظائع التي صدرت من سمرة تدل نفس تجردت منها ~~الإنسانية والرحمة وتمادت فى العقوق والإجرام والشر. ### || 2 بسر بن ارطاة : # ومن ولاة معاوية وأعوانه على تحقيق الظلم والجور والعسف والإرهاب بسر بن ~~ارطاة الوغد الأثيم الذي فعل الأفاعيل المنكرة فقتل الشيوخ الركع وذبح ~~الأطفال الرضع لتدعيم ملك معاوية وسلطانه ، فانه لما وجهه معاوية مع جيشه ~~إلى اليمن فعل الأفاعيل المنكرة التي لم يشاهد التأريخ نظيرا لها في ~~فظاعتها وقسوتها ، وقبل أن يتوجه هذا الأثيم إلى مهمته استدعاه معاوية ~~فزوده بوصيته النارية التي احتوت على ترويع المسلمين وقتلهم وهذا نصها : # « سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كل من ~~أصبت له مالا ممن لم يكن دخل فى طاعتنا فاذا دخلت المدينة فارهم أنك تريد ~~أنفسهم واخبرهم أنه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم ~~فاكفف عنهم ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد وارهب الناس عنك فيما ~~بين المدينة ومكة واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند فان لنا بها شيعة ~~وقد جاءني كتابهم » (1). # وقد امتثل هذا المجرم وصية ابن هند فروع المسلمين وأدخل الفزع والخوف ~~فيهم وأشاع القتل والفساد في الأرض ، فقد سبى نساء همدان وأقمن في الأسواق ~~فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت فكن أول مسلمات سبين في الإسلام (2) واجتاز ~~على قوم واقفين على بئر لهم فالقاهم مع غلمانهم PageV02P191 # في تلك ms399 البئر (1) ثم ولى عنهم وزحف إلى يثرب فدخلها بغير حرب وصعد المنبر ~~فاعرب عن طغيانه وكفره قائلا : « والله لو لا ما عهد إلي معاوية ما تركت ~~بها ( يعنى المدينة ) محتلما » واستقام فيها شهرا فهدم دور أهلها وجعل ~~يستعرض الناس فلا يقال له عن أحد أنه شرك في دم عثمان إلا قتله ثم زحف ~~بجيشه إلى اليمن فقتل جمهورا غفيرا. شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وطلب ~~طفلين لعبيد الله بن العباس فلما ظفر بهما أمر بقتلهما فقام إليه رجل من ~~كنانة فقال له : # « على م تقتل هذين؟ ولا ذنب لهما ، فان كنت قاتلهما فاقتلني » # فأمر بقتل الكناني ثم قتل الطفلين ، فانبرت إليه امرأة من كنانة وقد طاش ~~لبها من هذا العمل الفظيع فقالت بنبرات تقطر ألما وحزنا : # ( يا هذا قتلت الرجال ، فعلى م تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في ~~الجاهلية والإسلام ، والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل ~~الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء ) (2). # نعم والله إن سلطة معاوية لسلطة سوء فقد قامت على الظلم والجور وأسست على ~~إراقة الدماء وإدخال الرعب والفزع في نفوس الأبرياء. # وذكر الرواة أن هذا الأثيم قتل ثلاثين ألفا من المسلمين عدا من PageV02P192 # أحرقهم بالنار (1). ### || 3 أبو هريرة : # كان شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ذليل الجانب محطم الكيان نشأ في صباه ، ~~وهو عاشق للهرة ، مولع بحبها حتى لقب بها (2) قضى شطرا من حياته وهو بائس ~~فقير معدم يعيش على التسول فان لم يجده كان خادما فى البيوت يستأجر نفسه ~~لشبع بطنه (3) راضيا بهذه الضعة والهوان ، ولما انبثق نور الإسلام دخل فيمن ~~دخل في الإسلام فكان على وضعه الأول من الفقر والبؤس وقد أدرج نفسه بفقراء ~~الصفة (4) يعيش بفضلات البيوت وصدقات المسلمين ، وقد وصف فقره وسوء حاله ~~فقال : « كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة » (5) وكان يتصل برسول الله (ص) ~~ليشبع بطنه ويسد خلته (6) وهكذا بقى على هذا الحال المرير حفنة من السنين ~~وهو جائع عريان لا مأوى له ms400 ولا مال فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر تفضل عليه PageV02P193 # فأنقذه من هوة الفقر وحضيض البؤس فاستعمله واليا على البحرين سنة احدى ~~وعشرين من الهجرة فلما كانت سنة ثلاث وعشرين عزله لأنه ظهرت منه الخيانة ، ~~ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه ما اختلسه من أموال المسلمين فقال له : # « علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ثم بلغنى أنك ابتعت ~~أفراسا بألف دينار وستمائة دينار ». # فقال أبو هريرة وقد استولى عليه الخوف : # « يا أمير المؤمنين ، كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت ». # فقال له عمر وهو ثائر غضبان : « حسبت لك رزقك ومئونتك وهذا فضل فأده ». # ليس لك ذلك. # بلى والله وأوجع ظهرك. # ثم قام عليه بالدرة فضربه حتى أدماه ، ولما أخذ الألم منه مأخذا عظيما ~~وافق على إرجاعها وقال : # « ائت بها وأحتسبها عند الله ». # فانبرى إليه عمر مبطلا زعمه في هذا الاحتساب قائلا : # « ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا ، أجئت من أقصى حجر البحرين يجبي ~~الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة (1) إلا لرعية الغنم ». # ثم أخذ الأموال التي اختلسها (2) ورجع أبو هريرة إلى حاله الأول PageV02P194 # قابعا في زوايا الخمول قد وصم بالخيانة والاختلاس ولما انتهى الأمر إلى ~~عثمان انضم إليه وصار من أعوانه وأخذ يفتعل الأحاديث في فضله ، فقال قال ~~رسول الله (ص): # « إن لكل نبي خليلا من أمته وإن خليلي عثمان » (1). # « لكل نبى رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان » (2). # إلى غير ذلك من الأحاديث التي زورها على رسول الله (ص) فى فضل عثمان ~~والأمويين ، ولما انتفضت الأمة على عثمان وقتلته لسوء تصرفاته وعدم تدبيره ~~، وصارت الخلافة إلى أمير المؤمنين (ع) رجع أبو هريرة إلى الذبول بعد ~~النضارة ، فهاجر من يثرب إلى دمشق فعقد صلته بمعاوية وأخذ يتزلف إليه ويعمل ~~في إرضائه بكل طريق وجعل يروي لأهل الشام عن رسول الله قائلا لهم إن رسول ~~الله (ص) قال : # « إن الله ائتمن على وحيه ثلاثا أنا وجبرئيل ومعاوية!! ». # وقال لهم : « إن النبي (ص) ناول معاوية سهما ، فقال ms401 له : خذ هذا السهم ~~حتى تلقاني في الجنة » (3). # وهكذا أخذ أبو هريرة يفتعل الحديث تلو الحديث في فضل معاوية والأمويين ~~والصحابة يتقرب بذلك إلى معاوية لينال من دنياه وقد أغدق PageV02P195 # عليه بالأموال الطائلة ورفع من شأنه فكساه الخز والبسه الكتان المشيق (1) ~~ولما كان عام الجماعة قدم مع معاوية إلى العراق فلما رأى كثرة المستقبلين ~~له جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا وقال : # « يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله ، وأحرق نفسي ~~بالنار؟!! والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول : إن لكل نبي حرما ، وان ~~المدينة حرمى فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~، وأشهد أن عليا أحدث فيها .. ». # فلما بلغ معاوية ذلك أجازه وأكرمه ، وولاه إمارة المدينة (2) لقد استحق ~~أبو هريرة هذا المنصب العظيم لأنه افتعل الحديث ضد أمير المؤمنين تقربا ~~لمعاوية ، وسعيا وراء منافعه وأطماعه. # لقد فتك شيخ المضيرة بالإسلام فتكا ذريعا بسبب رواياته المفتعلة التي ~~شوهت الشريعة الإسلامية ، والصقت بها الخرافات والأوهام ، وأضافت الى الدين ~~ما ليس منه ، وشتت شمل المسلمين ، وتركتهم أشياعا وأحزابا مختلفين في أصول ~~الدين وفي فروعه وفي كل شيء ، وقد بحث سماحة الإمام المغفور له شرف الدين ~~عن موضوعات أبي هريرة في كتابه الخالد « أبو هريرة » وكذلك تناوله بالنقد ~~سماحة العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية في كتابه « شيخ المضيرة » وأثبت ~~أنه في طليعة الوضاعين والمحرفين للسنة الاسلامية المقدسة ، والمسلمون في ~~أمس الحاجة إلى أمثال هذه البحوث الحرة التي تكشف الغطاء عن هؤلاء الدجالين ~~الذين لم يألوا جاهدا فى الكيد للإسلام ، والبغي للمسلمين بما وضعوه من ~~الروايات التي لا واقعية ولا نصيب PageV02P196 # لها من الصحة. ### || 4 زياد بن أبيه : # ومن أخطر ولاة معاوية وأكثرهم جورا وظلما زياد بن أبيه ، فقد ذكر الرواة ~~أنه أول من شدد السلطة ، وأكد الملك لمعاوية فجرد سيفه ، وأخذ بالظنة ، ~~وعاقب على الشبهة (1) وهو أول من مشى بين يديه بالأعمدة الحديدية ، وأول من ~~جلس الناس بين يديه على الكراسي ، وأول من اتخذ العسس والحرس ms402 (2) وقد زاد ~~معاوية في ربقة سلطانه فولاه البصرة والكوفة وسجستان وفارس والسند والهند (3). # وقد ارتطمت هذه الأقطار الاسلامية الخاضعة لنفوذه بالبلاء والمحن والشقاء ~~وعم فيها الهرج والمرج وانتزعت منها جميع الحريات واضطربت أفكار أهلها ~~بالخوف والفزع من تلك السلطة الجائرة التي لم تعرف الرحمة والرأفة ، فقد ~~أخذت بالظنة والتهمة وقطعت الأيدي والأرجل ، وسملت الأعين ، حتى خيم الموت ~~على جميع الأحرار والنبلاء وبلغت الشدة والصرامة في الحكم إلى حد لا سبيل ~~إلى تصويره ، وقد عبر زياد عن سياسته العمياء وخطته الارهابية في خطبته ~~البتراء (4) فقد جاء فيها : # « وإني اقسم بالله لآخذن الولى بالولى ، والمقيم بالظاعن ، والمقبل ~~بالمدبر ، والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : أنج سعد ~~فقد هلك سعيد ». PageV02P197 # ومنها : # « وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقناه ، ومن حرق على قوم ~~حرقناه ، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنته حيا. ثم قال : ~~وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي » (1). # ومعنى هذا الخطاب أن ما بينه الله ورسوله للمسلمين من الحدود لم يكن في ~~رأي زياد كافيا لحمل أهل البصرة والكوفة على الجادة والرجوع بهم إلى الصراط ~~المستقيم ، فالاسلام لا يغرق من أغرق ، ولا يحرق من أحرق ولا ينقب عن قلب ~~السارق وإن نقب عن البيوت والاسلام لا يدفن الناس في القبور أحياء وإن ~~نبشوا عن الموتى في قبورهم والاسلام لا يقيم الحدود بالشبهة وإنما يدرؤها ~~بها فهذا من التشريع في الدين وهو أقل ما قام به زياد من الموبقات ، إن هذه ~~السياسة المنكرة التي أعلنها زياد لم يعرفها المسلمون ولم يألفوها ، وقد ~~دلت على أن صاحبها طاغية يريد أن يحكم الناس بالبغي ويملأ قلوبهم رعبا ~~ورهبا ويغتصب منهم الطاعة والخضوع للسلطان اغتصابا # لقد قضت سياسة زياد الملتوية بأخذ الصحيح بذنب السقيم والمقبل بذنب ~~المدبر وهو حكم كيفي يبرأ من العدل والرحمة ، وحينما القى خطابه القاسي قام ~~إليه أبو بلال مرداس بن أدية وهو يهمس ويقول : # « أنبأنا ms403 الله بغير ما قلت قال الله عز وجل ( @QUR@03 وإبراهيم الذي وفى ~~) (2) ( @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى ) (3) ( @QUR@04 وأن ليس للإنسان إلا PageV02P198 # @QUR@02 ما سعى ) (1) فأوعدنا الله خيرا مما وعدت يا زياد. # فانبرى إليه زياد قائلا بنبرات تقطر غضبا وانتقاما : # « إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى تخوض إليها الدماء » (2) # وسار زياد على هذه الخطة الارهابية الجائرة التي تحمل شارات الموت ~~والاعدام لجميع الأحرار والمفكرين حتى ضرب الرقم القياسي للسلطة الجائرة ~~وقد بلغ به الاجرام أنه كان يقتل بعض النفوس وهو يعلم ببراءتها وعدم تدخلها ~~واشتراكها فى أي أمر من الأمور السياسية ، فقد قبضت شرطته على أعرابي فجيء ~~به مخفورا إليه فقال له زياد : # هل سمعت النداء؟. # لا والله ، قدمت بحلوبة لي ، وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت ~~لأصبح ، ولا علم لي بما كان من الأمير. # أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة. # ثم أمر به فضربت عنقه صبرا (3) من دون أن يقترف أي ذنب ، وهكذا كان زياد ~~يلغ فى دماء المسلمين ، لا حرمة لها عنده ، ولا حريجة له في سفكها ، وقد ~~بالغ هذا الوغد الأثيم فى سفك دماء شيعة آل محمد (ص) فقتلهم تحت كل كوكب ، ~~وتحت كل حجر ومدر ، وقطع الأرجل والأيدي منهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، ~~وسمل أعينهم ، وطردهم وشردهم (4) ففي ذمة الله تلك الدماء الزكية التي سفكت ~~، والنفوس الكريمة PageV02P199 # التي روعت ، والنساء التي رملت ، والأطفال التي يتمت. # هؤلاء بعض ولاة معاوية وجلاديه الذين سلطهم على الأمة الاسلامية فذبحوا ~~أبناءها ، واستحيوا نساءها ، ونهبوا ثرواتها ، وعمدوا إلى اشاعة المنكرات ~~والفساد فيها. ### || الجور الشامل : # وعمد ولاة ابن هند إلى نشر الجور والظلم في جميع أنحاء البلاد فكانت ~~دوائرهم مصدرا للقلق والاضطراب وبابا من أبواب البلاء على الناس فما راجعها ~~أحد إلا اكتوى بنارها ، يقول عبد الملك في وصفها : « أنعم الناس عيشا من له ~~ما يكفيه ، وزوجة ترضيه ، ولا يعرف أبوابنا الخبيثة فتؤذيه » (1). # لقد بالغ الولاة فى ظلم المواطنين واضطهادهم فأخذوا ينهبون الاموال بغير ~~حق ، ويشددون في أمر ms404 الخراج ، ويرغمون الناس على أدائها يقول « فان فلوتن » ~~« وبدل أن يتخذ الخلفاء أي ملوك الأمويين التدابير لمحاسبة الولاة ، ومنعهم ~~من الظلم نجدهم يقاسمونهم فى فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق ~~المفضوحة ، وهذا معناه رضى الخلفاء بسوء تصرف العمال مع أهل البلاد ~~بالاضافة إلى أنه دليل على أن بعضهم كان يهمه مصالح الخزينة المركزية ~~بالدرجة الأولى » (2). # ان معاوية وسائر ملوك بنى أمية لم يحاسبوا واليا من ولاتهم ، ولم يمنعوهم ~~من الظلم والاعتداء على الناس ، يقول عاقبة بن هبيرة الأسدي لمعاوية PageV02P200 # منددا بطمع ولاته واستصفائهم أموال الرعية : # معاوي إننا بشر فاسجح %~% فلسنا بالجبال ولا الحديد (1) أكلتم أرضنا فجردتموها %~% فهل من قائم أو من حصيد فهبنا أمة ذهبت ضياعا %~% « يزيد » أميرها وأبو يزيد أتطمع في الخلافة إذ هلكنا %~% وليس لنا ولا لك من خلود ذروا خيل الخلافة واستقيموا %~% وتأمير الأراذل والعبيد وأعطونا السوية لا تزركم %~% جنود مردفات بالجنود (2) # ويقول الشاعر الراعي النميري لعبد الملك بن مروان : مبينا له جور عماله ~~واضطهادهم لقومه حتى افتقروا ، وهربوا في البيداء وليس معهم سوى إبل مهزولة ~~يقول الراعي : # أخليفة الرحمن إنا معشر %~% حنفاء نسجد بكرة وأصيلا إن السعاة عصوك يوم أمرتهم %~% وأتوا دواهي لو علمت وغولا أخذوا العرين فقطعوا حيزومه %~% بالأصبحية قائما مغلولا (3) حتى إذا لم يتركوا لعضامه %~% لحما ولا لفؤاده معقولا (4) جاءوا بصكهم واحدر أسأرت %~% منه السياط يراعه اجفيلا (5) أخذوا حمولته فأصبح قاعدا %~% لا يستطيع عن الديار حويلا PageV02P201 يدعو أمير المؤمنين ودونه %~% خرق تجر به الرياح ذيولا (1) كهداهد كسر الرماة جناحه %~% يدعو بقارعة الطريق هديلا أخليفة الرحمن إن عشيرتي %~% أمسى سوامهم عزين فلولا (2) قوم على الإسلام لما يتركوا %~% ما عونهم ويضيعوا التهليلا (3) قطعوا اليمامة يطردون كأنهم %~% قوم أصابوا ظالمين قتيلا شهرى ربيع ما تذوق لبونهم %~% إلا حموضا وخمة وذبيلا (4) وأتاهم يحيى فشد عليهم %~% عقدا يراه المسلمون ثقيلا (5) كتبا تركن غنيهم ذا عيلة %~% بعد الغنى وفقيرهم مهزولا فتركت قومي يقسمون أمورهم %~% إليك أم يتربصون قليلا (6) # وهذا الشعر طافع بالأسى والألم قد صور فيه الشاعر الجور والمظالم ms405 التي ~~صبها الولاة على الناس وقد استمر الجور حتى في دور عمر بن عبد العزيز الذي ~~هو أعدل ملوك بنى أمية كما يقولون فان عماله لم يألوا جاهدا قي نهب أموال ~~الناس وسلب ثرواتهم ، وفى ذلك يقول كعب الأشعري مخاطبا له : # إن كنت تحفظ ما يليك فانما %~% عمال أرضك بالبلاد ذئاب لن يستجيبوا للذي تدعو له %~% حتى تجلد بالسيوف رقاب PageV02P202 باكف منصلتين أهل بصائر %~% في وقعهن مزاجر وعقاب (1) # وانبرى لعمر رجل وهو على المنبر فقال له : # إن الذين بعثت في أقطارها %~% نبذوا كتابك وأستحل المحرم طلس الثياب على منابر أرضنا %~% كل يجور وكلهم يتظلم (2) وأردت أن يلي الأمانة منهم %~% عدل وهيهات الأمين المسلم (3) # لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا ، وأرهقوا إرهاقا شديدا من الحكم ~~الأموي الذي عمد إلى اماتة الحق ، ومناهضة العدل ، ونشر الفقر والبؤس في ~~جميع انحاء البلاد. # ومهما يكن الأمر فان هذه البوادر التي ذكرناها عن معاوية وعن بني أمية قد ~~شددت نقمة الناس عليهم في جميع مراحل التاريخ فقد أبرزت واقعهم الجاهلي ~~الذي لا التقاء له مع النواميس الدينية ، وكان هذا هو الانتصار الرائع الذي ~~أحرزه الإمام الحسن (ع) في صلحه ، فقد عاد الصلح بالنكاية ببنى أمية ، ~~وبالتشهير والقدح بمعاوية حيا وميتا ، وعاد الحكم الأموي مثالا للسلطة ~~الجائرة التي تحمل شعار الظلم والاستبداد ، والاستهانة بحقوق الناس. ونكتفي ~~بهذا العرض الموجز من موبقات معاوية التي سودت وجه التأريخ وقد ابرزها ~~الإمام الحسن (ع) في صلحه. ### || سياسة أهل البيت : # ويجدر بنا ونحن في بيان أسباب الصلح ، وفي إيضاح علله أن نعرض PageV02P203 # بعض الجوانب من سياسة أهل البيت (ع) لنتبين مدى اصالة سياستهم البناءة ، ~~ونقف على الأهداف الرفيعة التي ينشدون تحقيقها في ظلال الحكم فان إيضاح هذه ~~الجوانب فيما نحسب يعطينا أضواء عن صلح الإمام الحسن مع طاغية زمانه ، ~~ويكشف لنا عن الأسباب التي أدت إلى تظافر القوى الباغية على مناجزته ، ~~ومناجزة أبيه من قبل ، وإلى القراء ذلك. ### || السياسة البناءة : # إن السياسة التي يجب أن تسود جميع انحاء البلاد عند أهل ms406 البيت هي السياسة ~~البناءة التي تضمن مصالح المجتمع ، وتعمل على ايجاد الوسائل السليمة لرقيه ~~وبلوغ أهدافه وآماله ، وحمايته من الظلم والاعتداء ، وتحقيق المساوات ~~العادلة في ربوعه ، والفرص المتكافئة بين أبنائه لوقايتهم من البؤس ~~والحرمان. # إن سياسة أهل البيت قد تبنت العدل الخالص ، والحق المحض ، ومثلت وجهة ~~الإسلام وأهدافه في عالم السياسة والحكم ، فهي أرقى سياسة عرفها الناس ~~وأجدرها بتحقيق العدل السياسي ، والعدل الاجتماعي بين الناس لأنها في جميع ~~مجالاتها تنشد الاطمئنان الذي لا يشوبه قلق ، والأمن الذي لا يشوبه خوف ، ~~والعدل الذي لا يشوبه ظلم ، وهي بجميع مفاهيمها تباين السياسة الأموية ~~الجائرة التي رفعت شعار الظلم والجور ، وتذرعت بجميع وسائل المكر والخداع ~~للمساومة على مصالح الشعوب ، وابتزاز إمكانياتها والتغلب عليها. # إن السياسة الأصيلة عند أهل البيت هي التي لا تعتمد على المكر والمواربة ~~والخداع والتهريج والتضليل وغير ذلك من الأساليب التي لا تحمل جانبا من ~~الواقعية ، وانها لا بد أن تكون صريحة واضحة في جميع أهدافها ومعالمها ، ~~لتحقق العدل فى البلاد ، ولصلابة سياستهم فى الحق وصرامتها في العدل PageV02P204 # ثار عليهم النفعيون والمنحرفون ، وطالبوهم أن ينهجوا منهجا خاصا لا ~~يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم ، ولو أنهم استجابوا لهم لما آلت الخلافة الى ~~غيرهم ولكنهم سلام الله عليهم آثروا رضا الله وسلكوا الطريق الواضح ، ~~وابتعدوا عن الخطط الملتوية التي لا يقرها الدين ، ### || نظرهم الى الخلافة : # ان الخلافة عندهم هي ظل الله في الأرض فيجب أن يتحقق في ظلالها العدل ~~الشامل ، وتسود الرفاهية ، ويعم الأمن بين جميع المواطنين ، وإذا تجردت ~~السلطة من هذه الأهداف فلا طمع ولا ارب لهم بها يقول الإمام أمير المؤمنين ~~(ع) لابن عباس ، وكان يخصف نعله بذي قار : # يا ابن عباس ما قيمة هذا النعل؟. # لا قيمة له يا أمير المؤمنين. # والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا وأدفع باطلا. # إن حذاءه الذي كان من ليف أثمن عنده من الإمرة التي لا يقام فيها الحق ، ~~ولا يدفع فيها الباطل فضلا عن السلطة الجائرة التي تضيع العدل وتحي ms407 الجور ~~وتميت الحق ، وقد كشف (ع) في بعض كلماته السر في إحجامه عن مبايعة أبي بكر ~~في دور السقيفة قائلا : # « اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس ~~شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ~~فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطلة من حدودك (1)». # ولهذه الأسباب الوثيقة أعلن سخطه على أبي بكر ، وامتنع من مبايعته PageV02P205 # وأقام عليه سيلا من الأدلة على أحقيته بالخلافة دونه ، ولكنه لم يناجزه ~~الحرب لأنه يرى أن الأمة من واجبها أن تنقاد إليه كما أمره رسول الله (ص) ~~بذلك فقد قال له : # « يا علي أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ، ولا تأتي فان أتاك هؤلاء القوم ~~فسلموها إليك يعني الخلافة فاقبل منهم ، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك ~~» (1). # إن الواجب على المسلمين كان هو الانقياد لعترة نبيهم ، والرجوع إليهم ~~ليحكموا فيهم بما أنزل الله ، ويردوهم إلى الحق الواضح ، وإلى الطريق ~~المستقيم ، ولكن القوم قد غرتهم الدنيا ، وخدعتهم السلطة ، فانطلقوا وراء ~~أطماعهم وأهوائهم فصرفوا الأمر عن أهله ، ووضعوه في غير محله ، فأدى ذلك ~~إلى المحن الشاقة والخطوب السود التي منى بها المسلمون في جميع مراحل ~~تأريخهم. ### || المثل العليا : # أما الأهداف السليمة والمثل العليا التي رفع شعارها أهل البيت ، وتبنوها ~~في جميع المجالات فهي كما يلي. ### || أالعدل : # إن السياسة الإسلامية بجميع مفاهيمها قد تبنت العدل ، وآمنت به إيمانا ~~مطلقا ، وركزت جميع أهدافها على أضوائه ، فأهابت بالحكام والأمراء أن ~~يطبقوه على مسرح الحياة ، وأن لا يكون الحكم الصادر منهم مبعثه الهوى وسائر ~~الأغراض التي لا تمت بصلة للعدل قال تعالى : « وإذا حكمتم بين PageV02P206 # الناس أن تحكموا بالعدل » (1) وقال تعالى : « يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله » (2) # وقد أجمع المسلمون على أن الحاكم إذا انحرف في حكمه وجب عزله ، وقد عزل ~~أمير المؤمنين أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية بأنه قد ~~جار في حكمه فجعل الإمام يبكي ms408 ويقول : # « اللهم أنت الشاهد علي وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقك ». # ثم عزله في الوقت (3) ويقول الإمام الصادق : « اتقوا الله ، واعدلوا ~~فانكم تعيبون على قوم لا يعدلون » (4). # إن سعادة الأمة ورقيها بعدل حكامها ، فاذا جافى الحكام العدل وجاروا في ~~الحكم تعرضت البلاد للأزمات والنكسات وسادت فيها الفوضى والنزعات ، ومن ثم ~~فان الإسلام يحرص كل الحرص عل أن يكون الحكم بيد الصلحاء والثقات لأن للحكم ~~إغراء لا يفلت من ربقته إلا ذوو النفوس الزكية الكريمة وما أقل عددهم وقد ~~تحدثنا عن مظاهر العدل وبسطنا القول فيه في كتابنا « النظام السياسي في ~~الإسلام » ولا نرى أن هنا حاجة فى عرض تلك البحوث ، وانما نريد أن نقول إن ~~سياسة أهل البيت (ع) قد تركزت على العدل الشامل وبنت جميع أهدافها عليه. PageV02P207 ### || ب المساواة : # إن الإسلام أسبغ نعمة المساواة على الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل فى ~~تأريخ المجتمع العالمي ، فقد أعلن المساواة العادلة ما بين الأفراد ~~والجماعات وما بين الأجناس فلا فضل لأبيض على أسود ، ولا لعربي على أعجمي ، ~~فالناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى والعمل ~~الصالح يقول الأستاذ جيب : # « إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال في قدرته أن ينجح نجاحا باهرا ~~في تأليف العناصر والأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها ~~المساواة. وإذا وضعت منازعات الشرق والغرب موضع الدرس فلا بد من الالتجاء ~~إلى الإسلام » (1). # وقد طبق الامام أمير المؤمنين المساواة العادلة تطبيقا شاملا في دور حكمه ~~، فامر عماله وولاته أن يساووا بين الناس حتى فى اللحظة والنظرة فقد جاء في ~~بعض رسائله ما نصه : # « وأخفض للرعية جناحك وأبسط لهم وجهك وألن لهم جانبك ، وآس بينهم في ~~اللحظة والنظرة (2) والإشارة والتحية ، حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ~~ييأس الضعفاء من عدلك » (3). # وهذه السياسة العادلة هى التي أثارت عليه الأحقاد والضغائن وأدت إلى تكتل ~~القوى الباغية وتظافرها على مناجزته ، وقد نص على ذلك المدائنى بقوله : PageV02P208 # « إن من أهم الأسباب في تخاذل العرب ms409 عن علي بن أبي طالب (ع) كان أتباعه ~~لمبدإ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضل شريفا على مشروف ولا عربيا على ~~عجمي ولا يصانع الرؤساء والقبائل » (1). # إن طغاة قريش ، ومن سار في ركابهم من جبابرة العرب لم يكونوا بأي حال قد ~~وعوا الأهداف الأصيلة التي جاء بها الإسلام لتعميم المساواة وبسط العدل ~~والقضاء على الغبن ، إنهم يريدون الامتيازات والاستئثار بأموال المسلمين ، ~~والاستعلاء على الفقراء والضعفاء وكل ذلك يتنافى مع سيرة ابن أبي طالب رائد ~~العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض ، وقد سار الإمام الحسن على خطته ~~وسيرته ولم يتحول عن نهجه فأثار ذلك عليه الأحقاد والأضغان. ### || ج الحرية : # وتبنى الإسلام الحرية العامة لجميع المواطنين ، وألزم الدولة بحمايتها ، ~~وتطبيقها على مسرح الحياة سواء أكانت الحرية في العقيدة أو في التفكير ، ~~والتعبير عن الرأي ، أو في المناحي السياسية ، واعتبر الإسلام كل ذلك من ~~الحقوق الطبيعية للانسان التي لا غنى عنها بحال من الأحوال ، وقد طبق ~~الإمام أمير المؤمنين الحرية بأرحب مفاهيمها في دور خلافته ، فانه لم يرغم ~~القعاد على مبايعته ، ولم يكرههم على طاعته ، وإنما تركهم وشأنهم يتمتعون ~~بحريتهم من دون أن يتعرض لهم بأذى أو مكروه ، وكذلك عامل الخوارج فانه لم ~~يناجزهم الحرب حتى أنذرهم وأعذر فيهم ، وحاججهم فأبطل شبههم ولما صمموا على ~~فكرتهم ولم يتنازلوا عنها خلى سبيلهم ، وأطلق سراحهم ولكن لما عاثوا فسادا ~~في الأرض ، وأخلوا بالأمن العام ناجزهم عملا PageV02P209 # بقوله تعالى : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ». ولما فرغ من ~~حربهم كان في المجتمع العراقي جمهور غفير ممن يعتنق فكرتهم ، فلم يتعرض لهم ~~بمكروه ، ولم يمنعهم من الفيء ، ولم يرد أحدا منهم عن الخروج إن أراده ، ~~ومنحهم الحرية التامة ، فلم تراقبهم السلطة ، ولم تتبعهم أو تنكل بأحد منهم ~~، وكذلك أعطى الحرية الواسعة الى الحزب الأموي ، فلم يتعرض لهم بأذى أو ~~مكروه مع العلم أنهم كانوا من ألد خصومه وأعدائه. وهذه الحرية الواسعة التي ~~أعطاها الإمام للأحزاب المناوئة له كانت أوسع حرية عرفها التأريخ ، لقد قضت ~~سياسته ms410 البناءة على عدم استكراه الناس على الطاعة ، وعدم ارغامهم على ما لا يحبون. ### || د الصراحة والصدق : # ان السياسة الرشيدة التي رفع شعارها أهل البيت تسير على ضوء الصدق ~~والواقع فلا توارب ، ولا تنافق ، ولا تغري الشعوب بالوعود الكاذبة ، ولا ~~تمنيها بالأماني المعسولة ، رائدها في جميع مخططاتها الصراحة والصدق. # لقد حفلت سياستهم بالصراحة في جميع الميادين ، فليس من منطقها الخداع ~~والنفاق ، وقد صارح الإمام الحسين (ع) سبط النبي وممثل الإسلام الجماهير ~~التي صحبته من مكة والتي التحقت به فى أثناء الطريق حينما بلغه مقتل سفيره ~~وممثله فى العراق الشهيد العظيم مسلم بن عقيل (ع) صارحهم بمقتله ، وخيانة ~~أهل الكوفة به ، وغدرهم بعهودهم ومواثيقهم ، وانه متوجه فى سفره الى ساحة ~~الموت ، فتفرق ذوو الأطماع والأهواء عنه ، لقد أدلى (ع) في تلك الساعة ~~الرهيبة بالحقيقة الراهنة ، وكشف لهم الستار عن خطته وأهدافه ، ليكونوا على ~~بصيرة من أمرهم عملا بأوامر الإسلام التي PageV02P210 # تلزم بالصراحة والصدق ولا تبيح أي وسيلة من وسائل الغدر والخداع. # إن المواربة لو كانت سائغة فى الإسلام بأي شكل من الأشكال لما تغلب ~~معاوية بن أبي سفيان خصم الإسلام على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فكان ~~بامكانه أن يساومه بعد مقتل عثمان ويبقيه على ولايته في دمشق ، ثم يعزله ~~بعد ذلك عن منصبه ويتخلص من شره وتمرده ، ولكن الإسلام يأبى له تلك ~~المساومة الرخيصة فامتنع من بقائه في جهاز الحكم ولو زمنا قصيرا ، وهناك ~~أمر آخر هو أعمق أثرا ، وأبعد مدى في عالم الصراحة من ذلك هو امتناع الإمام ~~من اجابة عبد الرحمن بن عوف أحد أعضاء الشورى الذين رشحهم الخليفة الثاني ~~لانتخاب الخليفة الجديد من بعده ، فقد ألح عبد الرحمن على الإمام إلحاحا ~~بالغا أن يبايعه وينتخبه لمركز الخلافة الإسلامية العظمى ، ولكن شرط عليه ~~أن يسير بسيرة الشيخين ، ويقتفي بسياستهما فامتنع (ع) من اجابته على هذا ~~الشرط وأبى إلا أن يسير على كتاب الله ، ويقتدي بسنة نبيه في سياسته ~~وأعماله الإدارية وغيرها ، لقد كان بامكانه أن يوافق على ذلك الشرط ms411 ابتداء ~~ثم يعدل عنه ويسير فى سياسته على وفق الأهداف التي رسمها الإسلام ويعتقل كل ~~من يعارضه ويقف فى وجه حكومته ، ولكنه أبى إلا الصراحة والصدق فى القول ~~والفعل. # إن الإسلام يأمر بالتمسك بالصدق ، ولا يسيغ استعمال الطرق الملتوية التي ~~لا تمت بصلة الى الواقع في تثبيت الحكم ، وتدعيم السلطة. # يقول الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم : # « عليكم بالصدق ، فان الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ~~وما زال الرجل يصدق ، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم ~~والكذب ، فان الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور PageV02P211 # يهدي الى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله ~~كذابا » (1). # إن أهل البيت قد ركزوا سياستهم على الصدق والصراحة ، وجنبوها من المكر ~~والخداع. # يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): # « لو لا ان المكر والخداع في النار لكنت أمكر الناس ». # وكان (ع) كثيرا ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التي يلاقيها من ~~خصومه ويقول : # « وا ويلاه ، يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم ، وأعرف منهم بوجوه ~~المكر ، ولكني أعلم أن المكر والخديعة فى النار ، فأصبر على مكرهم ولا ~~أرتكب مثل ما ارتكبوا .. » (2) # ويقول فى الغدر : # « لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة » (3). # إن الغدر إنما ينبعث عن نفس لا تؤمن بالمثل الإنسانية ، والقيم الدينية ، ~~ويصف الإمام أمير المؤمنين الغادر بأنه قد نسخ من كيان نفسه الإيمان بالله يقول : # « ولا يغدر من علم كيف المرجع ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله ~~الغدر كيسا ، ونسبهم أهل الجهل فيه الى حسن الحيلة ، ما لهم قاتلهم الله!! ~~قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله PageV02P212 # ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له ~~في الدين .. » # وتحدث عمن قال فى دور حكومته من عبيد الشهوات والمناصب : # بأنه لا دراية له في شئون السياسة ، وإن معاوية خبير بها ، وخليق بادارة ~~دفة الحكم. قال (ع): # « والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولو لا كراهية الغدر لكنت ms412 ~~من أدهى الناس » (1). # ان سياسة الإمام أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت في جميع شئونها قد عبرت ~~عن جميع القيم السياسية الخيرة التي أعلنها الإسلام ، فهي لا تقر الغدر ، ~~ولا المكر ، ولا الخداع ، ولا تؤمن بأي وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي ~~وإن توقف عليها النجاح السياسي المؤقت ، لأن الخلافة الإسلامية من أهم ~~المراكز الحساسة في الإسلام ، فلا بد لها من الاعتماد على الخلق الرصين ~~والإيمان العميق بحق المجتمع والأمة. # وسار الإمام الحسن (ع) على مخططات أبيه ومقرراته فى عالم السياسة والحكم ~~، فلم يعتمد على أي وسيلة لا يقرها الدين ، وتجنب جميع الطرق الشاذة التي ~~لا تلتقي مع الواقع ، ولو أنه سلك بعض الأساليب التي سلكها معاوية لما تغلب ~~عليه ، وقد أدلى (ع) بذلك الى سليمان بن صرد فقال له : # « ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا ، وللدنيا أعمل ، وأنصب ، ما كان معاوية ~~بأبأس مني ، وأشد شكيمة ، ولكان رأيي غير ما رأيتم .. » # ودل ذلك على أنه لو كان يعمل للدنيا لكان أقوى عليها من خصومه ولكن ~~التغلب على الأحداث والظفر بالحكم يتوقف على اتخاذ الوسائل التي PageV02P213 # لا تتفق مع الدين وهو (ع) أحرص المسلمين على صيانة الاسلام ورعايته. ### || ه الولاة والعمال : # ويرى أهل البيت (ع) أن الموظفين في جهاز الحكم لا بد أن يكونوا من خيرة ~~الرجال في الجدارة والنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة شئون البلاد ، ~~ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم ، ويسيروا بين الناس سيرة قوامها العدل ~~الخالص ، والحق المحض ، ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه ~~على المرافق العامة ، وأن يكونوا قبل كل شيء بعيدين عن الرشوة ، وعما في ~~أيدي الناس ، فان الرشوة تؤدي الى انهيار الأخلاق وشيوع الباطل ، والفساد ~~في الأرض ، وقد بعث الامام أمير المؤمنين (ع) الى أمراء الأجناد بهذه ~~الرسالة : # « أما بعد : فانما هلك من كان قبلكم ، إنهم منعوا الناس الحق فاشتروه ، ~~وأخذوهم بالباطل فاقتدوه. » (1) # إن من أهم الأسباب التي تؤدي الى دمار الحكومة وزوالها هي أن تحجب ~~المواطنين عن الحق حتى يضطروا الى استنقاذه بالرشوة ، ومن الطبيعي ms413 ان ذلك ~~يؤدي الى فقدان الأمن ، واضطراب المجتمع ، وانتشار الظلم والجور. # وقد نظر أهل البيت (ع) الى ما هو أبعد من ذلك وأعمق بكثير ، فقد فرضوا ~~على ولاتهم أن يبتعدوا عن الناس بكل نحو من أنحاء الصلة ، ولو كانت موجبة ~~للربط الودي أو العاطفي لما عسى أن يكون لذلك أثر على مجرى العدل ، ولذلك ~~ان أمير المؤمنين (ع) لما بلغه ان عامله بالبصرة سهل بن حنيف قد دعي الى ~~مأدبة فأجاب إليها ، فكتب إليه يستنكر منه PageV02P214 # ذلك ، ويوبخه على ما صدر منه ، وهذا نص ما كتبه إليه : # « أما بعد : يا ابن حنيف فقد بلغنى أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك الى ~~مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنك ~~تجيب الى طعام قوم عائلهم مجفو (1)، وغنيهم مدعو ، فانظر الى ما تقضمه من ~~هذا المقضم (2) فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه (3) فنل ~~منه. » (4). # وأراد الأشعث بن قيس أن يتقرب الى أمير المؤمنين ويتصل به فصنع له حلوى ~~جيدة فقدمها إليه ، ولندعه (ع) يحدثنا عن موقفه تجاه هذا الأمر يقول : # « وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها (5)، ومعجونة شنئتها كأنما ~~عجنت بريق حية أو قيئها ، فقلت : أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرم علينا ~~أهل البيت ، فقال : لا ذا ولا ذاك ، ولكنها هدية ، فقلت : هبلتك الهبول (6) ~~أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط ، أم ذو جنة ، أم تهجر (7)؟ والله لو ~~أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها PageV02P215 # على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة (1) ما فعلت ، وإن دنياكم ~~عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعلي ولنعيم يفنى ، ولذة لا تبقى ~~، نعوذ بالله من سبات العقل (2)، وقبح الزلل وبه نستعين (3) # وبهذه السياسة البناءة تتحقق العدالة الاجتماعية ، ويسود الأمن والرخاء ~~ويقضى على جميع أفانين الظلم والغبن. ### || د الخدمة العسكرية : # ولم تقض سياسة أهل البيت بارغام الناس على الخدمة العسكرية ، فلم يؤثر ~~عنهم أنهم أكرهوا الناس على الخروج الى الحرب ، وإنما كانوا يدعون ms414 الى ~~الجهاد كفرض من فروض الله فمن شاء أن يخرج خرج مؤديا لما فرض عليه ، ومن ~~قعد فانما يقعد غير تمتثل لما أوجبه الله عليه من دون أن ينال عقوبة أو ~~يتعرض للسخط والارهاب ، وكانت هذه خطة الحسن (ع) لما أراد مناجزة معاوية ، ~~فانه لم يكره أحدا على ذلك ، وإنما ندبهم الى الجهاد ، وقد فعل ذلك أمير ~~المؤمنين من قبل في حرب الجمل وصفين ، والنهروان ، وقد أرادوا بذلك أن يكون ~~الناس مندفعين بدافع الايمان والعقيدة لما أوجبه الله عليهم من الفرض ، ~~وعلى عكس ذلك سار بنو أمية ، فانهم كانوا يفرضون أشد العقاب على من تخلف عن ~~الحرب ، كما يحدثنا التأريخ بذلك في سيرة عبيد الله بن زياد لما امر ~~بالخروج الحرب PageV02P216 # سيد الشهداء (ع) فقتل الشامى على أنه لم يكن ممن أمر بالخروج الى الحرب ~~وقتل الحجاج عمرو بن ضابي البرجمي لأنه لم يستجب للالتحاق بجيش المهلب ابن ~~أبي صفرة ، وفي ذلك يقول الشاعر : # تخير فأما ان تزور ابن ضابي %~% عميرا وأما أن تزور المهلبا # وأدت هذه الخطة الارهابية الى ارغام الناس على الاستجابة لهم عن كره ، ~~ولو أن الامام الحسن (ع) أجبر جيشه على الطاعة ، وأنزل العقاب الصارم ~~بالمتمردين والمتخاذلين ، وعاقب على الظنة والتهمة لما اصيب جيشه بتلك ~~الزعازع والانتكاسات ، ولكنه سلام الله عليه قد سلك الطريق الواضح الذي لا ~~تعقيد فيه ولا التواء ، وآثر رضاء الله في كل شيء. ### || ه السياسة المالية : # أما السياسة المالية التي انتهجها أهل البيت فكانت تلزم بصرف الخزينة ~~المركزية على المصالح العامة كانشاء المؤسسات ، وايجاد المشاريع الحيوية ~~التي تنتظم بها الحياة ، ويقضى بها على شبح الفقر والحرمان ، ولا يسوغ ~~عندهم صرف درهم واحد فيما لا تعود فيه منفعة أو فائدة للأمة ، وقد احتاطوا ~~فى هذه الجهة احتياطا بالغا ، فقد اطفأ الامام أمير المؤمنين سراج بيت ~~المال عن طلحة والزبير لما أرادا أن يفاوضاه في مصالحهما الشخصية ، فان ~~الضياء الذي في بيت المال ملك للمسلمين ، فلا يجوز استعماله إلا في ~~مصالحهم. # وقد أثارت عليه ms415 هذه السياسة الصارمة أحقاد العرب ، وأضغان قريش ، وأقبلت ~~إليه طائفة من أصحابه يطلبون منه أن يغير سياسته قائلين : # « يا أمير المؤمنين ، اعط هذه الأموال ، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب ~~وقريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من الناس ». PageV02P217 # فلذعه هذا المنطق الرخيص وانبرى قائلا : # « أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور .. » (1) # ان تفضيل العرب على الموالي ، ومنح الأموال للوجوه كل ذلك جور واعتداء ~~على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب رائد المساواة والعدالة الكبرى في الأرض. # ان أموال المسلمين يجب أن تنفق على مصالحهم ، وضمان عائلهم ومحرومهم ، ~~وليس لزعيم الدولة أن يصطفي منها ، أو يؤثر بها أقاربه ومن يمت إليه ، فان ~~ذلك خيانة لله وللمسلمين ، وقد طبق الامام أمير المؤمنين هذه السياسة ~~العادلة على واقع الحياة حينما آل إليه الأمر ، فانه لم يقتن الدور والضياع ~~، ولم يرفه على نفسه فيعير لبالي ثوبه اهتماما ، أو يأكل ما لذ من الطعام ، ~~أو يتمتع بشيء من متع الحياة ، وإنما كان يعيش عيشة الفقراء والبؤساء ، فقد ~~روى هارون عن أبيه عنترة قال دخلت على علي وهو بالخورنق ، وعليه خلق قطيفة ~~، وكان الوقت شديد البرد فقلت له : # « يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا ، وأنت ~~تفعل هذا بنفسك ». # فانبرى (ع) مجيبا له : # « والله ما أرزأكم شيئا وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة. » (2) # انه ليس عنده من اللباس ما يقيه من البرد سوى خلق قطيفة جاء بها من يثرب ~~، وفي استطاعته أن يلبس الحرير الموشى ، ولكنه أبى أن يصطفي من أموال ~~المسلمين شيئا ، كما انه لم يؤثر بها أحدا من أهل بيته وأبنائه ، PageV02P218 # فقد روى أبو رافع (1) وكان خازنا لبيت المال ، قال : دخل علي أمير ~~المؤمنين وقد أعطيت ابنته لؤلؤة من بيت المال ، فلما رآها عرفها ، وقد تغير ~~لونه ومشت الرعدة بأوصاله فقال : # « من أين لها هذه؟ والله لأقطعن يدها. » # فلما رأى أبو رافع جده في الأمر ، وعزمه على ذلك قال له : # « أنا والله يا أمير المؤمنين أعطيتها ms416 وهي عارية مضمونة » # فهدأ روعه ، وسكن غضبه ، واندفع قائلا : # « لقد تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ~~ناضحنا بالنهار ، وما لي خادم غيرها. » (2) # إن مثله الرفيعة لم تسمح له أن يؤثر ابنته على بنات المسلمين ، وهذا هو ~~منتهى العدل الذي لم يحققه أحد غيره ، ومن مساواته بين المسلمين ، واحتياطه ~~البالغ في أموالهم ما رواه عاصم بن كليب (3) عن أبيه قال : PageV02P219 # « قدم على علي مال من اصبهان فقسمه على سبعة أسهم ، فوجد فيه رغيفا فقسمه ~~على سبعة أقسام ، ودعا امراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطى أولا ... » (1) # إن هذا هو العدل الذي لم تحققه الانسانية فى جميع مراحل تأريخها فانها ~~على ما جربت من تجارب. وبلغت من رقي وابداع في فنون الحكم فانها لا تستطيع ~~بأي حال من الأحوال أن تنشئ نظاما سياسيا تتحقق فيه العدالة الكبرى كهذا ~~النظام الذي وضعه ابن أبي طالب ، وسار على منهاجه أبناؤه من بعده. # الى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا التي ينشدونها أهل البيت ~~فى ظلال الحكم ، ولو أن الامام الحسن (ع) انحرف عنها ، ونهج في سياسته منهج ~~من يعمل للدنيا ، وسلك مسلك من يبغي الملك والسلطان ، فراوغ وداهن ، وأنفق ~~المال في غير محله ، لما آل الأمر الى ابن هند الذي سلك جميع الوسائل في ~~سبيل الوصول الى الحكم ، ولكنه سلام الله عليه آثر صيانة الاسلام ، والحفاظ ~~على مقدراته ومعنوياته ، فسار بسيرة جده وأبيه التي لا تقر كل طريق يتصادم ~~مع الدين. # وبقي هنا شيء ذكره الناقدون للصلح ، وهو عدم استشهاد الامام فقد كان ~~الأجدر به أن يناجز معاوية حتى ينال الشهادة ، كما استشهد أخوه سيد الشهداء ~~الحسين (ع)، وسنذكر جواب ذلك مشفوعا بالتفصيل عند التحدث عن موقف الامام ~~الحسين عليه السلام من الصلح. PageV02P220 ### | بنود الصلح PageV02P221 # واختلف المؤرخون اختلافا كثيرا فيمن بادر لطلب الصلح فأبن خالدون وجماعة ~~من المؤرخين ذهبوا الى أن المبادر لذلك هو الامام الحسن عليه السلام بعد ما ~~آل أمره الى الانحلال (1)، وذهب ms417 فريق آخر الى أن معاوية هو الذي بادر لطلب ~~الصلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمنة للغدر والفتك به متى شاء ~~معاوية أو أراد (2)، وذكر السبط ابن الجوزي أن معاوية قد راسل الامام سرا ~~يدعوه الى الصلح فلم يجبه ، ثم أجابه بعد ذلك (3)، وأكبر الظن ان معاوية ~~هو الذي استعجل الصلح وبادر إليه وذلك خوفا من العراقيين أن ترجع إليهم ~~أحلامهم ، ويثوب إليهم رشدهم وذلك لما عرفوا به من سرعة الانقلاب وعدم ~~الاستقامة على رأي ، ومما يدل على ان معاوية هو الذي ابتدأ في طلب الصلح ، ~~خطاب الامام الحسن الذي ألقاه في المدائن فقد جاء فيه « ألا وإن معاوية ~~دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة ». PageV02P223 # ومهما يكن من شيء فان تحقيق ذلك ليس بذي أهمية ، لأن الامام إن كان هو ~~الذي استعجل الصلح فلا ضير عليه نظرا للمحن الشاقة التي أحاطت به حتى ~~ألجأته الى المسالمة ، وإن كان معاوية هو الذي استعجل الصلح فلا ضير على ~~الامام أيضا لما أوضحناه في أسباب الصلح ، والمهم البحث عن الشروط التي ~~اشترطها الإمام على خصمه. # فقد اختلف التأريخ فيها اختلافا فاحشا ، واضطربت كلمات المؤرخين فى ذلك ، ~~وفيما يلي بعض تلك الاقوال. # 1 ذكر بعض المؤرخين ان الامام أرسل سفيرين الى معاوية ، هما عمرو بن سلمة ~~الهمداني ، ومحمد بن الأشعث الكندي ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده. ~~فأعطاهما معاوية هذا الكتاب وهذا نصه : # « بسم الله الرحمن الرحيم : هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي ~~سفيان ، إني صالحتك على ان لك الأمر من بعدي ، ولك عهد الله وميثاقه وذمته ~~، وذمة رسوله محمد (ص)، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد ، ~~لا أبغيك غائلة ولا مكروها ، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت ~~المال ، وعلى أن لك خراج پسا ودارابجرد ، تبعث إليهما عمالك ، وتصنع بهما ~~ما بدا لك ». شهد بها عبد الله بن عامر ، وعمرو بن سلمة الكندي ، وعبد ~~الرحمن بن سمرة ، ومحمد ابن ms418 الأشعث الكندي ، كتب في شهر ربيع الآخر سنة ~~إحدى واربعين هجرية. # وتنص هذه الوثيقة على اعطاء معاوية للحسن ثلاثة أشياء : # 1 جعله ولي عهده. # 2 للإمام من بيت المال راتب سنوي ألف ألف درهم. # 3 منحه كورتين من كور فارس يرسل إليهما عماله ، ويصنع بهما ما شاء. PageV02P224 # واحتفظ الامام برسالة معاوية ، فأرسل إليه رجلا من بني عبد المطلب وهو ~~عبد الله بن الحارث بن نوفل وأمه اخت معاوية فقال له : ائت خالك وقل له إن ~~أمنت الناس بايعتك. # ولما انتهى عبد الله الى معاوية وعرض عليه مهمة الامام وهي طلب الأمن ~~العام لعموم الناس ، استجاب له وأعطاه طومارا وختم في أسفله وقال له : ~~فليكتب الحسن فيه ما شاء ، فجاء عبد الله بن الحارث بهذا التفويض المطلق ~~الى الامام ، فكتب (ع) ما رامه من الشروط ، وسنذكر نص ما كتبه عند التعرض ~~لبعض الروايات ، لأنه لا يختلف عنها ، وقد عول على هذه الرواية الدكتور طه ~~حسين (1). # 2 وروى كل من الطبري وابن الأثير صورة غير هذه وخلاصتها ان الامام راسل ~~معاوية فى الصلح واشترط عليه امورا فان التزم بها ونفذها أجرى الصلح وإلا ~~فلا يبرمه ، فلما وصلت رسالة الامام الى معاوية أمسكها واحتفظ بها ، وكان ~~معاوية قبل ورود هذه الرسالة عليه قد بعث للامام صحيفة بيضاء مختوما في ~~أسفلها ، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت وقد وصلت هذه الصحيفة ~~الى الامام بعد ما بعث الى معاوية الوثيقة التي سجل فيها ما أراده ، وسجل ~~الامام في تلك الصحيفة البيضاء اضعاف الشروط التي اشترطها أولا ثم أمسكها ، ~~فلما سلم له الأمر طلب منه الوفاء بالشروط التي اشترطها أخيرا ، فلم يف له ~~بها وقال له : « لك ما كنت كتبت إلي أولا تسألني أن أعطيكه فاني قد أعطيتك ~~حين جاءني كتابك ، فقال له الحسن (ع): وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك ~~وأعطيتني العهد على PageV02P225 # الوفاء بما فيه ، فاختلفا في ذلك ، فلم ينفذ للحسن من الشروط شيئا » (1). # وهذه الرواية لم تذكر لنا الشروط التي ms419 اشترطها الامام « أولا » ولا ما ~~سجله. « ثانيا » في الصحيفة البيضاء التي بعث بها معاوية إليه إلا أن أبا ~~الفداء في تأريخه نص على الشروط الاولى التي اشترطها الامام فقال : « وكتب ~~الحسن الى معاوية واشترط عليه شروطا وقال : إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع ، ~~فأجاب معاوية إليها ، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ~~، وخراج دارابجرد من فارس ، وأن لا يسب عليا ، فلم يجبه الى الكف عن سب علي ~~فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع فأجابه الى ذلك ، ثم لم يف له به » (2). # وعندي ان ما ذكره ابن الأثير والطبري بعيد عن الصحة كل البعد وذلك لأن ~~الشروط التي اشترطها الامام أخيرا إن كانت ذات أهمية بالغة فلما ذا أهملها ~~ولم ينص عليها في بداية الأمر؟ ولو اغمضنا النظر عن ذلك فأي فائدة فى ~~تسجيلها مع عدم اطلاع معاوية عليها وإقراره لها ، مضافا لذلك ان معاوية في ~~تلك المرحلة لو سأله الإمام أي شيء لأجابه إليه. # 3 وروى ابن عبد البر : « ان الإمام كتب الى معاوية يخبره أنه يصير الأمر ~~إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل ~~العراق بشيء كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا إلا أنه قال ~~: أما عشرة انفس فلا أؤمنهم ، فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول : إني قد ~~آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده ، فراجعه الحسن إني لا ~~أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا PageV02P226 # أو غيره بتبعة ، قلت : أو كثرت! فبعث إليه معاوية حينئذ برق أبيض وقال : ~~اكتب ما شئت فيه وأنا التزمه ، فاصطلحا على ذلك ، واشترط عليه الحسن أن ~~يكون له الأمر من بعده ، فالتزم ذلك كله معاوية » (1). # وقد احتوت هذه الرواية على أن أهم ما طلبه الامام الأمن العام لعموم ~~اصحابه واصحاب أبيه ، ولا شك ان هذا الشرط من أوليات الشروط وأهمها عند ~~الامام أما ان الصلح جرى بهذا اللون فأنا أشك في ذلك. # 4 وذكر ms420 جماعة من المؤرخين ان الإمام ومعاوية اصطلحا وارتضيا بما احتوته ~~الوثيقة الآتية وقد وقع عليها كل منهما وهذا نصها : ### | بسم الله الرحمن الرحيم # « هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ، معاوية بن أبي سفيان ، ~~صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على ان يعمل فيهم بكتاب الله ، ~~وسنة رسوله ، وسيرة الخلفاء الصالحين ، وليس لمعاوية بن ابي سفيان ان يعهد ~~الى احد من بعده عهدا ، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين ، وعلى ان ~~الناس آمنون حيث كانوا من ارض الله فى شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وعلى ~~ان اصحاب علي وشيعته آمنون على انفسهم واموالهم ونسائهم واولادهم ، وعلى ~~معاوية بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على احد من خلقه ~~بالوفاء ، وبما اعطى الله من نفسه ، وعلى ان لا يبغي للحسن بن علي ، ولا ~~لأخيه الحسين ، ولا لأحد من اهل بيت رسول الله (ص) غائلة سرا ولا جهرا ، ~~ولا يخيف احدا منهم في افق من الآفاق ، شهد عليه فلان ابن فلان بذلك ، وكفى PageV02P227 # بالله شهيدا » (1). # وهذه الصورة افضل صورة وردت مبينة لكيفية الصلح فقد احتوت على امور مهمة ~~يعود صالح الأكثر منها الى عموم المسلمين إلا انا نشك في ان ما احتوت عليه ~~هذه الوثيقة هو مجموع ما طلبه الإمام واراده ، ونذكر فيما يلي مجموع الشروط ~~التي ذكرها رواة الأثر وإن كان كل واحد منهم لم يذكرها بأسرها إلا ان بعضهم ~~نص على طائفة منها ، والبعض الآخر ذكر طائفة اخرى ، وقد اعترف الفريقان ان ~~ما ذكره كل واحد من الشروط ليس جميع ما اشترطه الإمام وإنما هي جزء من كل ، ~~وها هي : # 1 تسليم الأمر الى معاوية على ان يعمل بكتاب الله ، وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وآلهوسلم (2) وسيرة الخلفاء الصالحين (3). # 2 ليس لمعاوية ان يعهد بالأمر الى احد من بعده والأمر بعده للحسن (4) PageV02P228 # فان حدث به حدث فالأمر للحسين (1). # 3 الأمن العام لعموم الناس الأسود والأحمر منهم سواء فيه ، وان يحتمل ~~عنهم ms421 معاوية ما يكون من هفواتهم ، وان لا يتبع احدا بما مضى ، وان لا يأخذ ~~اهل العراق بإحنة (2). # 4 ان لا يسميه امير المؤمنين (3). # 5 ان لا يقيم عنده الشهادة (4). # 6 ان يترك سب امير المؤمنين (5) وان لا يذكره إلا بخير (6). # 7 ان يوصل الى كل ذي حق حقه (7). # 8 الأمن لشيعة امير المؤمنين وعدم التعرض لهم بمكروه (8). # 9 يفرق في أولاد من قتل مع ابيه في يوم الجمل وصفين الف الف درهم ، ويجعل ~~ذلك من خراج دارابجرد (9). PageV02P229 # 10 ان يعطيه ما في بيت مال الكوفة (1) ويقضي عنه ديونه ويدفع إليه في كل ~~عام مائة الف (2). # 11 ان لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأهل بيت رسول الله (ص) ~~غائلة سرا ولا جهرا ولا يخيف احدا منهم في افق من الآفاق (3). # هذه بنود الصلح ومواده التي ذكرها رواة الأثر اما ان الإمام قد اشترطها ~~كلها او بعضها فسوف نذكر ذلك عند دراسة الشروط وتحليلها ، وقبل ان نلقي ~~الستار على هذا الفصل لا بد لنا من التعرض الى انه فى اي مكان جرى الصلح ~~وفى اي زمان نفذ؟ ### || مكان الصلح : # اما المكان الذي جرى فيه الصلح فقد كان في مسكن حسب ما ذكرته اوثق ~~المصادر ، ففي تلك البقعة ابرم الصلح ونفذ امام جمع حاشد من الجيش العراقي ~~والشامى ، وذهب بعض المؤرخين إلى انه وقع في بيت المقدس (4)، وذهب بعض آخر ~~إلى انه وقع بأذرح من ارض الشام (5) وهذان القولان من الشذوذ بمكان فلا ~~يعول عليهما. PageV02P230 ### || عام الصلح : # وكما اختلف المؤرخون في المكان الذي وقع فيه الصلح فقد اختلفوا في الزمان ~~أيضا ، فقد قيل : إنه كان سنة 41 هجرية فى ربيع الأول ، وقيل : فى ربيع ~~الآخر ، وقيل : في جمادى الأولى ، وعلى الأول تكون خلافته خمسة أشهر ونصف ، ~~وعلى الثاني فستة أشهر وأيام ، وعلى الثالث فسبعة أشهر وايام (1)، وقيل : ~~وقع الصلح سنة اربعين من الهجرة فى ربيع الأول (2)، وقيل غير ذلك ، والأصح ~~ان مدة خلافته كانت ستة اشهر حسب ما ذكره ms422 اكثر المؤرخين. # وعلى أي حال فقد اصطلح بعض المؤرخين على تسمية ذلك العام الخالد في دنيا ~~الأحزان بتسميته بعام الجماعة ، نظرا لاجتماع كلمة المسلمين بعد الفرقة ، ~~ووحدتهم بعد الاختلاف ، ولكن الحق ان هذه التسمية من باب تسمية الضد باسم ~~ضده لأن المسلمين منذ ذلك العام قد وقعوا في شر عظيم ، وانصبت عليهم الفتن ~~كقطع الليل المظلم ، حتى تغيرت معالم الدين ، وتبدلت سنن الإسلام ، وآلت ~~الخلافة الإسلامية الى المصير المؤلم تنتقل بالوراثة من ظالم الى ظالم حتى ~~اغرقت البلاد فى الدماء والماسي والشجون ، يقول الجاحظ : « فعندها استوى ~~معاوية على الملك واستبد على بقية PageV02P231 # الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه ~~( عام الجماعة ) وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، ~~والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا ، والخلافة منصبا قيصريا » (1). # لقد انفتح باب الجور على مصراعيه منذ ذلك العام الذي تم فيه الملك الى ( ~~كسرى العرب ) فقد لا فى المسلمون وخصوصا شيعة آل محمد (ص) من العناء والظلم ~~والإرهاق ما لم يشاهد له التاريخ نظيرا فى فظاعته وقسوته يقول ابن أبي ~~الحديد عما جرى على المسلمين بعد عام الصلح : « ولم يبق أحد من المؤمنين ~~إلا وهو خائف على دمه أو مشرد في الأرض ، يطلب الأمن فلا يجده » ، وبعد هذا ~~الظلم الشامل والجور المرهق هل يصح أن يسمى ذلك العام عام الجماعة والألفة؟ ### || دراسة وتحليل : # ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فى تحقيق الشروط التي اشترطها الإمام على ~~معاوية ، كما لا بد من دراستها والإحاطة بها ولو إجمالا لأنها قد احتوت على ~~امور بالغة الأهمية ، فقد الغمت نصر معاوية ببارود ، وعادت عليه بالخزي ، ~~واخرجته من حكام العدل الى حكام الجور والظالمين. # اما الشروط التي ذكرت فانا نؤمن بجميعها سوى شرطين ، وهما : ان يكون ~~للإمام ما في بيت مال الكوفة ، ومنحه راتب سنوي له ، ولأخيه # اما ( الاول ) فهو بعيد لأن ما في خزانة الكوفة من الأمتعة والأموال قد ~~كانت تحت قبضة الإمام وبيده ، يتصرف فيها ms423 حيثما اراد ، ولم تكن PageV02P232 # محجوبة عنه أو ممنوعة عليه حتى يشترط على معاوية أن يمكنه منها ، على أنا ~~نشك ان خزانة الدولة قد احتوت على أموال كثيرة لأن سياسة أهل البيت تقضي ~~بصرف المال فورا على ما خصصه الإسلام لها. # وأما ( الثاني ) فهو بعيد لأن الإمام كان في غنى عن أموال معاوية ، وليس ~~بحاجة لها ، ولو سلمنا ذلك فانه لا ضير على الإمام من أخذها ، لأن انقاذ ~~أموال المسلمين من حكام الجور أمر لازم كما سنوضحه عند التعرض لسفر الإمام ~~الى دمشق ، والذي أراه أن معاوية قد أعطى الامام فى بداية الأمر هذين ~~الشرطين ، فتوهم بعض المؤرخين أنهما من جملة الشروط التي اشترطها الإمام عليه. # وعلى أي حال ، فان تلك الشروط كانت تهدف الى طلب الأمن العام ، والسلم ~~الشامل لجميع المسلمين ، وتدعوهم في نفس الوقت الى اليقظة والتحرر من ~~الاستعباد الأموي ، كما دلت على براعة الإمام في الاحتفاظ بحقه الشرعي ، ~~والتدليل على غصب معاوية له ، وإنه لم يتنازل له عن حقه ، اما محتويات ~~الشروط فهي كما يلي : ### || 1 العمل بكتاب الله : # ولم يخل الإمام بين معاوية وبين المسلمين يتصرف في شئونهم حيثما شاء ، ~~فقد أخذ عليه أن لا يعدو الكتاب والسنة في سياسته وسياسة عماله ، ولو كان ~~يراه يسير على ضوء القرآن ، ويسير على منهج الإسلام لما شرط عليه ذلك ، ~~وجعله من أهم الشروط الأساسية التي ألزمه بها. PageV02P233 ### || 2 ولاية العهد : # وعالج الإمام نقطة مهمة في تلك المعاهدة ، وهي مصير الخلافة الاسلامية ~~بعد هلاك معاوية ، فقد شرط عليه أن تكون الخلافة له ولأخيه من بعده ، وصرحت ~~بعض المصادر ان الامام اشترط عليه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعد ~~هلاك معاوية ، وعلى كلا القولين فقد أرجع الامام الخلافة الى كيانها الرفيع ~~، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه باتجاهاته السيئة ، وانه لا بد أن ينقل الخلافة ~~الاسلامية من واقعها الى الملك العضوض ، ويجعلها في عقبه من شذاذ الآفاق ~~والمجرمين ، فأراد الامام ايقاظ المجتمع ، وبعثه الى مناجزته إن قدم على ذلك. ### || 3 الأمن ms424 العام : # وأهم ما ينشده الإمام من تلكم الشروط هو بسط الأمن ، ونشر العافية بين ~~جميع المسلمين سواء الأسود منهم والأحمر ، وقد دل ذلك على مدى حنانه وعطفه ~~على جميع المسلمين ، كما نصت هذه المادة على أن لا يتبع أحدا بما مضى ، وأن ~~لا يأخذ أهل العراق بإحنة مما قد مضى ، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما ~~سيعاملهم به من الارهاق والتنكيل انتقاما لما صدر منهم فى أيام صفين. ### || 4 عدم تسميته بأمير المؤمنين : # وفي رفض الامام (ع) تسمية معاوية بأمير المؤمنين تجربد له من PageV02P234 # السلطة الدينية عليه وعلى سائر المسلمين ، ولم يلتفت معاوية الى هذه ~~الطعنة النجلاء ، فانه إذا لم يكن على الحسن أميرا لم تكن له بالطبع على ~~المسلمين امرة أو سلطان ، وكان بذلك حاكم جور وبغي ، وقد جرده بذلك من منصب ~~الامامة والخلافة ، وأثبت له الغصب لهذا المركز العظيم. ### || 5 عدم اقامة الشهادة : # وهذه المادة قد فضحت معاوية وأخزته ، ودلت على أنه من حكام الجور ، فان ~~اقامة الشهادة حسب ما ذكره الفقهاء إنما تقام عند الحاكم الشرعي ، فهي من ~~الوظائف المختصة به ، وإذا لم تصح إقامة الشهادة عند معاوية فهو ليس بحاكم ~~عدل وإنما هو حاكم جور ، وحكام الجور لا يكون حكمهم نافذا ، ولا تصرفهم ~~ماضيا عند الشرع ، ويجب على الأمة أن تزيلهم عن هذا المنصب الذي انيط به ~~حفظ الدماء ، وصيانة الاعراض ، وحفظ الأموال ، وفى هذا الشرط بين الامام ~~أنه صاحب الحق ، وان معاوية غاصب له ، ### || 6 ترك سب أمير المؤمنين : # وأظهر (ع) بهذا الشرط تمادي معاوية فى الاثم ، فقد علم أنه لا يترك سب ~~أمير المؤمنين والحط من كرامته ، فأراد (ع) أن يبين للمجتمع الاسلامى مدى ~~استهتاره ، وعدم اعتنائه بشئون الإسلام وتعاليمه ، فان سب المسلم وانتقاصه ~~قد حرمه الاسلام ، ولكن ابن هند لم يقم للإسلام وزنا ، فقد أخذ بعد إبرام ~~الصلح يسب أمير المؤمنين على رءوس الأشهاد PageV02P235 # كما سنبين ذلك عند التعرض لخرقه شروط الصلح. ولا يخفى أن الامام قد فضحه ~~بهذا الشرط وأماط عنه الستر ms425 الصفيق الذي تستر به باسم الدين. ### || 7 الامن العام للشيعة : # كان الامام (ع) حريصا أشد الحرص على شيعته وشيعة أبيه ، فقد صالح معاوية ~~حقنا لدمائهم ، وحفظا عليهم ، وقد اشترط على معاوية أن لا يتعرض لهم بمكروه ~~وسوء ، وهذا الشرط عنده من أهم الشروط وأعظمها قال سماحة المغفور له آل ~~ياسين : « واعتصم فيها أي في المعاهدة بالأمان لشيعته وشيعة أبيه وإنعاش ~~أيتامهم ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ، ووفائهم مع أبيه ، وليحتفظ بهم ~~امناء على مبدئه ، وانصارا مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه يوم يعود الحق ~~الى نصابه » (1). # إن أغلب الشروط التي اشترطها الامام كانت تهدف لصالح شيعته وضمان حقوقهم ~~وعدم التعرض لهم بأذى أو مكروه. ### || 8 خراج دارابجرد : # واشترط الامام على معاوية أموالا خاصة ينفقها على شيعته وشيعة أبيه وهي ~~خراج دارابجرد (2) والوجه في هذا التخصيص إن الذي يجلب الى الدولة من ~~الأموال يسمى بعضه بالفيء ، وهو المال المأخوذ من الأراضي PageV02P236 # المفتوحة عنوة ، وهذا يصرف على المصالح العامة ، وعلى الشؤون الاجتماعية ~~وذلك كتحسين الجيش ، وإنشاء المؤسسات وما شاكل ذلك من المشاريع الحيوية ، ~~وقسم من الأموال يسمى ( بالصدقة ) وهي الضرائب المالية التي فرضها الاسلام ~~في اموال مخصوصة وانواع من الواردات يدور عليها رحى سوق التجارة في العالم ~~فرضها على الأغنياء تجلب منهم وتدفع الى الفقراء لمكافحة الفقر وقلع بذور ~~البؤس ، فقد قال (ص): « أمرت في الصدقة ان آخذها من اغنيائكم واردها فى ~~فقرائكم » ، وقد كره الحسن ان يأخذ من هذه الأموال لنفسه أو لشيعته ، اما ~~له فانها محرمة عليه لأن الصدقة حرام على آل البيت ، واما كراهة اخذها ~~لشيعته فلأن اموال الصدقة لا تخلو من حزازة عليهم لأنها اوساخ الناس ، وقد ~~كره (ع) ان يأخذ منها لشيعته ، وخص ما يأخذه لهم من دارابجرد ، لأنها قد ~~فتحت عنوة ، وما فتح عنوة فهو ليس بصدقة ، وبذلك قد اختار لشيعته من ~~الأموال ما هو ابعد عن الشبهة الشرعية وهي خراج دارابجرد التي هي للمسلمين ~~وعلى الامام أن ينفقها على صالحهم. ### || 9 عدم البغى عليهم : # ومن مواد ms426 المعاهدة أن لا يبغي معاوية للحسن والحسين ، ولا لأهل بيت النبي ~~(ص) غائلة ، ولا يخيف أحدا منهم ، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما سيبغيه لهم ~~من الشر والمكر ، فكان من غوائله لهم أنه دس السم للإمام كما سنبينه فأراد ~~الإمام بهذا الشرط وبغيره من بنود الصلح أن يكشف الستار عن معاوية ، ويبدي ~~عاره وعياره ، وانه لا ذمة ولا حريجة له في الدين. PageV02P237 # هذه بعض بنود الصلح ، وقد حفلت بعناصر ذات أهمية بالغة دلت على براعة ~~الإمام ، وقابلياته الفذة فى التغلب على خصمه ، يقول سماحة المغفور له آل ~~ياسين فى هذه المعاهدة : # « ومن الحق أن نعترف للحسن بن علي على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير ~~هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه ~~بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا ~~الظرف ، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها لجاءت بصاحبها على رأس ~~القائمة من السياسيين المحنكين ، وحكام الاسلام اللامعين ، ولن يكون ~~الحرمان يوما من الأيام ، ولا الفشل في ميدان من الميادين بدوافعه القائمة ~~على طبيعة الزمان دليلا على ضعف أو منفذا الى نقد ، ما دامت الشواهد على ~~بعد النظر وقوة التدبير ، وسمو الرأي ، كثيرة متضافرة تكبر على الريب وتنبو ~~عن النقاش. # وللقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل ، مهما حد من تيارها ~~الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل ، وها هي من لدن هذا الرجل تستجد منذ الآن ~~ميدانها البكر القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة حياة أمة ~~بكاملها في حاضرها ومستقبلها ، بما تضعه المعاهدة من خطوط وبما تستقبل به ~~خصومها من شروط » (1). PageV02P238 ### | موقف الإمام الحسين PageV02P239 # كان موقف سيد الشهداء الامام الحسين (ع) من قضية الصلح كموقف أخيه الحسن ~~(ع)، فكان يرى ضرورة المهادنة ، ولزوم المسالمة ، وانه ليس من الحكمة ، ~~ولا من الصالح فتح باب الحرب مع معاوية ، فانه يعود بالمضاعفات السيئة على ~~الإسلام ، ويجر الويلات والخطوب للمسلمين وذلك لتفلل الجيش الذي نزح معهم ، ~~فقد ذكرنا ms427 فى البحوث السابقة الخيانات المفضوحة التي ظهرت من أغلب الأمراء ~~والوجوه ، والتحاقهم بمعسكر معاوية ، وضمانهم له الفتك بالامام الحسن ، أو ~~تسليمه أسيرا له ، فكيف يحاربه بهذه القوى الغادرة التي تبغي له الغوائل ، ~~وتتربص به الفرص للفتك به؟ # إن الإمام الحسين (ع) كان من رأيه أن يستجيب أخوه للصلح ، ولا يناجز ~~معاوية نظرا للعوامل المريرة التي أحاطت به حتى جعلت من المستحيل التغلب ~~على معاوية ، والانتصار عليه ، فما عمله الامام الحسن من الصلح كان أمرا ~~متعينا ، ولا سبيل لغيره كما أوضحنا ذلك في أسباب الصلح ، فكيف يخالف ~~الإمام الحسين أخاه في ذلك ، ولا يقره عليه. # وزعم بعض المؤرخين ان الإمام الحسين (ع) كان كارها لما فعله أخوه ، وانه ~~قال له : # « أنشدك الله أن تصدق احدوثة معاوية ، وتكذب احدوثة أبيك!! » فأجابه ~~الحسن : # « أنا أعلم بهذا الأمر منك » (1). # ورووا أيضا : « ان الحسن (ع) قال لابن عمه عبد الله بن جعفر : # « إني رأيت رأيا أحب أن تتابعني عليه » فانبرى إليه ابن جعفر قائلا : PageV02P241 # « ما هو »؟ # « رأيت أن أعمد الى المدينة فأنزلها ، وأخلي بين معاوية ، وبين هذا ~~الحديث ، فقد طالت الفتنة ، وسفكت فيها الدماء ، وقطعت الأرحام ، وعطلت ~~الفروج » (1). # فأيد ابن جعفر رأيه قائلا : # « جزاك الله عن أمة محمد خيرا ، وأنا معك ». # ثم بعث نحو الحسين ، فلما مثل بين يديه قال له : # « إني رأيت رأيا ، وأحب أن تتابعني عليه ». # « ما هو؟ » # فذكر له رأيه في ذلك. # فانبرى الحسين وهو غضبان قائلا : # « أعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره ، وتصدق معاوية ». # فتأثر الحسن من كلامه ، وقال له : # « والله ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه الى غيره ، والله لقد هممت أن ~~أقذفك فى بيت فأطينه عليك ، حتى أقضى أمري ». # فلما رأى الحسين غضب أخيه وجده في الأمر انسحب عن فكرته وتنازل عن رأيه ~~وقال له بصوت خافت : « أنت أكبر ولد علي ، وأنت خليفتي ، وأمرنا لأمرك متبع ~~، فافعل ما بدا لك » (2). # لا شك في افتعال ذلك كله وانه من الموضوعات لأن الامام الحسين عليه السلام ~~كان عالما بالعلل والأسباب ms428 التي الجأت أخاه الى الصلح والزمته PageV02P242 # بالمسالمة ، فان رأيه في الصلح كان موافقا لرأي أخيه لا يخالفه ولا يختلف ~~عنه ، ويدل على ذلك ان الإمام الحسن لما أبرم الصلح أقبلت الى الامام ~~الحسين طائفة من الزعماء والوجوه يطلبون منه أن ينقض ما أبرمه أخوه ويناجز ~~معاوية فأبى (ع) وامتنع ، ولو كان رأيه مخالفا لرأي أخيه لأجابهم الى ذلك ، ~~ولما انتقل الإمام الحسن (ع) الى حظيرة القدس رفعت إليه طوائف من زعماء ~~العراق عدة رسائل يطلبون منه اعلان الثورة على معاوية فامتنع من اجابتهم ~~وقال لهم : # « ما دام معاوية في قيد الحياة فلا اتحرك بكل شيء ، وإذا مات نظرت في ~~الأمر » (1). # إن امتناعه من القيام بالأمر ما دام معاوية حيا يدل بصراحة أنه كان يرى ~~ضرورة المهادنة والمسالمة المؤقتة ، فان الثورة لا تنتج ولا التضحية تجدي ~~شيئا مع وجود معاوية لأنه يلبسها ثوبا يخرجها عن اطار الإصلاح كما أوضحنا ~~ذلك فيما تقدم ، نعم لا شك ان الصلح قد ترك في نفس الحسين أسى مريرا وحزنا ~~مرهقا كما ترك في نفس الحسن أيضا لوعة وحزنا ، ولكنهما سلام الله عليهما ما ~~ذا يصنعان والظروف لم تكن مواتية لهما حتى يقوما بمناجزة معاوية. # ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته انه جاء في الرواية الثانية ان الإمام ~~قال لأخيه الحسين. # « ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه ». # ان هذا الكلام شاهد على الافتعال والوضع لأن الإمام الحسين عليه السلام ~~تصده مثله العليا عن مخالفة أخيه وعدم طاعته له فقد تربيا معا PageV02P243 # في حجر المشرع الأعظم ، وأفاض عليهما مثله وتهذيبه وهديه حتى صارا صورة ~~صادقة عنه ، فكيف يخالف أوامر أخيه ولا يطيعه فى أمر يعود بالصالح العام ~~لجميع المسلمين ، إن الامام الحسين كان يكبر أخاه ويجله ولا يخالف له أمرا. ~~فقد روى حفيده الإمام الباقر (ع) عن مدى اجلاله وتعظيمه له قال : # « ما تكلم الحسين بين يدي الحسن اعظاما له » (1). # وبعد هذا التقدير والإكبار هل يصح أن يقول الحسن لأخيه ما أردت أمرا إلا ~~خالفتني عليه. ms429 # وانجرف الدكتور طه حسين بهذه الرواية المفتعلة فقال : # « كره صلح أخيه وهم أن يعارض ، فأنذره أخوه بأن يشده في الحديد حتى يتم ~~الصلح ». # وقال : « وكان الحسين يعيب الصلح لأنه إنكار لسيرة أبيه ». # وقال أيضا : « رأى الوفاء لأخيه حقا فوفى له ، وأطاعه كما أطاع أباه من ~~قبله. وما أشك في أنه أثناء هذه السنين التي قضاها فى المدينة بعد صلح أخيه ~~كان يتحرق تشوقا الى الفرصة التي تتيح له استئناف الجهاد حيث تركه أبوه » (2). # أما قوله : « كره صلح أخيه وهم بالمعارضة ، فأنذره أخوه بأن يوثقه في ~~الحديد ، وانه كان يعيب عليه لأنه إنكار لسيرة أبيه » ، فيرده انه لو كان ~~كارها لذلك لأجاب الكوفيين الى مناجزة معاوية بعد ما جرى PageV02P244 # الصلح ، ولأعلن الثورة عليه بعد موت أخيه ، مضافا الى انه لو كان الصلح ~~مخالفا لسيرة أمير المؤمنين (ع) لما سكت الحسين لحظة واحدة لأن السكوت عن ~~الحق جبن ومعصية ، ولو كان مخالفا لسيرة أمير المؤمنين التي هي سيرة رسول ~~الله (ص) لما أبرم الحسن (ع) الصلح ونفذه ، نعم كان الحسين يتحرق شوقا الى ~~الجهاد تحرق الظمان الى الماء ، قد انطوى قلبه على شجى مكتوم وحزن مرهق ~~ولكنه لم ينفرد بذلك ، فقد شاركه أخوه في جميع محنه وأشجانه ، وكانا معا ~~يترقبان بفارغ الصبر الفرصة السانحة للثورة على حكومة أمية ، ولكن الفرصة ~~التي يؤمل بها النصر والفتح كانت معدومة ما دام معاوية حيا ، فان فتح باب ~~الحرب معه يعود بالضرر البالغ على الإسلام والمسلمين. # بقي هنا شيء لم نذكره في أسباب الصلح ، وهو انه لما ذا لم يفتح الإمام ~~الحسن باب الحرب مع معاوية ، وإن عدم الناصر والمعين فيستشهد كما استشهد ~~أخوه سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ، وهذه الشبهة قد ذهب إليها بعض ~~الناقدين للصلح ، ولندع الجواب الى إمام من أئمة المسلمين وهو آية الله ~~المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين فقد كشف الغطاء عنها في مقال عنوانه ~~( ثورة الحسين صدى لصلح الحسن ) وقد نشر في أغلب الصحف المحلية ، نذكره ~~بأسره لما ms430 فيه من مزيد الفائدة قال رحمه الله : # « كان بنفسي من قديم أن أعني ببحث هذه المسألة بحثا يدفع هذه الشبهة عن ~~أبي محمد ، فى نفوس غير المتمكنين فى فهم التأريخ فهما صحيحا وكثير من ~~هؤلاء لا يرجعون الى مصدر علمي في وزن هؤلاء النفر من أهل البيت ، واخضاع ~~حركاتهم في حالتي مدها وجزرها للمبدإ الأسمى ، PageV02P245 # الذي طوعهم لخدمته ، وأفنى ذواتهم في ذاته ، فكانوا ينقبضون حين يشاء لهم ~~الانقباض ، وينبسطون حين يشاء لهم الانبساط كذلك ... # كان بنفسي أن أرد هذه الشبهة عن أبي محمد السبط باقامة هذا الميزان ~~العلمي الذي يجلو هذه الحقيقة ، ويكشف خدرها ، غير أن واردا ثقيلا من ~~المشاغل التي تنتهي كان يصرفني عما بنفسي من ذلك ، .. فها أنا الآن أوجز ~~الإشارة الى هذه الشبهة ودفعها ، وعسى أن تعود هذه النواة غرسا أتعهده أنا ~~بما ينميه إن سنحت الفرصة أولا فينميه قلم من هذه الأقلام الصقيلة ، ~~المغموسة بقلوب الأحرار ، وعقول العلماء من خدام الحقائق. # أما الشبهة فقديمة كقدم النظر القاصر فيمن يأخذون من الأشياء بالظاهر ~~والملمون بتأريخ الحسن (ع) يعرفون أن قوما من صحابته أخذوا عليه قعوده عن ~~حرب معاوية ، ومناجزته إياه القتال ، حتى لأوشك أن يذهب يومئذ ضحية هذه ~~الفتنة ، وحتى دخل عليه خاصته بسلام غليظ يقولون فيه : « السلام عليك يا ~~مذل المؤمنين » ..! # وقد يكون لهؤلاء عذر بحماستهم التي نعرفها لذوي النجدة من فتيان الايمان ~~الذين تغلب فيهم عاطفة الحماسة ، واستقرار الروية وبعد النظر. # وقد يكون ذلك ولكنا لا نقصد الآن الى الاعتذار لهم بل نريد أن نثبت طرف ~~هذه الشبهة عن الأول لنراها تتسلسل منه فتظهر بين حين وآخر طورا على لسان ~~أوليائه ، وتارة على لسان أعدائه ، وهي هنا وهناك لا تظهر إلا لتدل على جهل ~~هؤلاء وأولئك. # فنحن حين نزن صلحه عليه السلام وحربه ترجح كفة الصلح من حيث اعتبرت ~~المعايير المرعية ، وكن إن شئت ( ماديا )، أو كن ( روحيا ) PageV02P246 # تتجاوز بايمانك وفهمك مدى المحسوسات المرئية. # كن أول الأمر ماديا وناقش حرب الحسن في جيش حكم على ms431 نفسه بالهزيمة ، قبل ~~أن يخوض المعركة ، وغزاه معاوية الذي ثبت لعلي من قبل ولعلي معنوية عسكرية ~~ترجف الأرض من خيفتها ، مضافا الى معنوياته الأخرى التي لم يكن الحس يتمتع ~~بمثلها فى نفوس معاصريه ، بحكم انضوائه الى لواء أبيه. # نعم لك أن تقول كان على الحسن أن يستشهد فيموت عزيزا ، ولكن أعد النظر في ~~تاريخ هذه الفترة لترى أن الاستشهاد فيها ينمسخ الى معنى من معاني ( الخروج ~~) فلم تكن يومئذ حقيقة وطنية ثابتة ، ولا روح مبدئية مستقرة لتكون التضحية ~~تضحية مقررة القواعد وليس أتفه فى هذه الحال من الموت يعين على صاحبه ~~ويميته مرة أخرى فى معناه. # كانت الحياة الإسلامية تنتكس حقا ، وتتحول الى ملك عضوض وكانت المطامع ~~تتجند في ركاب الملك هاربة من حواشي الخلافة ولكنها كانت ما تزال تحتفظ ~~بوسيلة الإسلام وظاهر مبادئه في ( وصولية ) صاغها معاوية بدهائه ، وكان هذا ~~وحده عذرا للحسن من ناحيتين. # 1 كان عذره في الصلح لأن ( الدنيا ) كانت تظاهر معاوية فتستلب منه ابن ~~عمه وقائد عسكره. # 2 ثم كان عذره في القعود عن الشهادة لأن ذلك بعينه ليس ظرف الشهادة ، ~~لأنه كان قادرا على مسخها. # فأي ربح مادي في الموت لو اختاره الحسن كما يريد هؤلاء ، غير انه يعين ~~معاوية على نفسه حيا وميتا. # إننى لا أرى شيئا أدل على عظمة الحسن من هذه السياسة المادية التي PageV02P247 # حددت موقفه على هذا النحو في أخطر دور مر به الإسلام. فكانت نواة لقلب ~~الحكم الأموي ، وفضح ، كما كانت مادة ذلك البارود الجبار الذي انفجر في ~~مصرع الحسين (ع) ذلك الانفجار ، ولو لم يكن موقف الحسن هذا لأتيح لمعاوية ~~سلطان لا يعرف الناس منطوياته ، ولما اتيح للحسين أن يكون الفداء الخالد ~~للمبدإ الخالد. # وبعد إن كنت ماديا فكن ( روحيا ) وناقش حرب الحسن لتجتمع لك الاعتبارات ~~كلها على رجحان كفة الصلح. # الحسن (ع) ليس من طلاب ( الامرة ) لذات الامرة ، بل هو ممن يريدون ~~الخلافة وسيلة للإصلاح ، وإقامة العدل والسلام بين الناس ، وما أظن هذه ~~العقيدة الروحية تعدم دليلها ms432 المادي ، فأبوه وجده أثبتا فى الإسلام انهما ~~كذلك ، وله قبل الإسلام إرث ينهض دليلا على انه من معدن مصلح لا يطلب ~~النفوذ إذا استغنى عن فعل الخير. # ومن هنا كان سهلا عليه أن يتنازل عن الخلافة لأنه في فترة لا تقدر هي على ~~ابداء الخير في ظل ذلك الجيل المكبوت المشتاق الى الشهوات يصيب منها فوق ~~كفايته على موائد معاوية ، بل لقد كان الواجب عليه أن يتنازل مع عدم القدرة ~~على تذليل العقبة من اخضاع ( الأموية ) المندفعة ، لأن تنازله يأتي وفق ~~الخطة التي رسمتها له مبادئه. # وليس عائبو تنازله أشد احساسا منه بالام التنازل وهو المجروح ، ولكنها ~~التضحية الضخمة فرضت عليه أن يتحمل آلام القعود التي كتبتها عليه مثله ~~العليا ، ومبادئه الحسنى. # وهي تضحية لا تقل قدرا إن لم تزد عن تضحية الحسين (ع) وكن الآن ما شئت ، ~~كن ماديا ، أو كن روحيا فستنتهي آخر الأمر PageV02P248 # الى نتيجة رائعة ، وهي ان صلح الحسن مصدر من أكبر مصادر ثورة الحسين ~~التحريرية ، والى أن جوهر التضحية واحد عند الاماميين وإن اختلف مظهرهما. # والحق ان يوم الطف كان صدى ليوم المدائن صلى الله على سيدي شباب أهل ~~الجنة ، ونفع المسلمين بذكرياتهما المجددة المتجددة ، ووفق العرب والمسلمين ~~الى الاهتداء بهديهما فى مرحلتهم الصعبة هذه » (1). # ورأي سماحة الامام شرف الدين رأي وثيق تعضده الأدلة ويسنده المنطق العلمي ~~من جميع جهاته ، والحق إنه (ع) لو ضحى بنفسه لذهبت تضحيته معدومة الأثر ، ~~لا تقيم حقا ، ولا تغير باطلا ، لأن معاوية بمكره وخداعه ، يلقي المسئولية ~~على الحسن ، ويبرئ نفسه عن ارتكاب الجريمة ، فيقول للناس : « إني دعوت ~~الحسن للصلح ، ولكن الحسن أبى إلا الحرب وكنت اريد له الحياة ، ولكنه أراد ~~لي القتل ، وأردت حقن الدماء ، ولكنه أراد هلاك الناس بينى وبينه ... » ~~ومعاوية له هذه القابليات التي يظهر بها نفسه مظهر العادل المنصف ، وبذلك ~~تكون التضحية مسلوبة الأثر معدومة الفائدة. # وأما الحسين (ع) فقد جاءت تضحيته الخالدة موافقة لظرفها الملائم ومنسجمة ~~مع مقتضيات الزمن ، لأن الأثيم يزيد ليس معه من ms433 يدير شئونه ويردعه عن طيشه ~~وغروره ، فقد هلكت تلك العصابة التي كان يعتمد عليها معاوية في تدبير شئونه ~~كابن العاص ، والمغيرة وأمثالهما من دهاة العرب ، PageV02P249 # ولم يبق منهم معه أحد ، فلذا نهض الامام الحسين عليه السلام بتلك النهضة ~~الموفقة التي جاءت بالنهاية المحتومة لدولة أمية. # وبالجملة إن مهادنة الحسن وشهادة الحسين عليهما السلام قائمتان على فكرة ~~عميقة منبعثة من وحي جدهما الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم ، ولو لا صلح الامام ~~الحسن ، وشهادة أخيه سيد الشهداء لما بقي للإسلام اسم ولا رسم ، وقد صرح ~~بهذا الامام كاشف الغطاء في مقدمته للجزء الأول من هذا الكتاب ، قال ~~رحمه الله : # « إنه كما كان الواجب والمتعين الذي لا محيص عنه في الظروف التي ثار بها ~~الحسين سلام الله عليه على طاغوت زمانه أن يحارب ويقاتل حتى يقتل هو ~~وأصحابه ، وتسبى عياله ودائع رسول الله (ص) كما كان هذا هو المتعين فى فن ~~السياسة ، وقوانين الغلبة والكياسة مع قطع النظر عن الأوامر الالهية ، ~~والمشيئة الأزلية ، كذلك كان المتعين والواجب الذي لا محيص عنه في ظروف ~~الحسن (ع) وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه ، ولو لا صلح الحسن ، وشهادة ~~الحسين عليهما السلام لما بقي للإسلام اسم ، ولا رسم ، ولضاعت كل جهود محمد ~~(ص) وما جاء به للناس من خير وبركة ورحمة ». # نعم : لو لا صلح الحسن ، وشهادة الحسين لقضي على الاسلام ولف لواؤه ، فإن ~~الحسن عليه السلام بصلحه فضح معاوية وأظهر عداءه السافر للإسلام والمسلمين ، ~~والحسين عليه السلام بتضحيته وشهادته فتك بدولة أمية وقضى عليها وعلى كل ~~ظالم مستبد ، وأعطى الدروس الخلاقة لكل مصلح يريد أن يثور على الظلم ~~والطغيان والاستغلال. PageV02P250 ### | اجتماع الإمام بمعاوية PageV02P251 # لعل أقسى محنة اجتازتها نفس أي انسان كان هي التي ألمت بالامام الحسن (ع) ~~حينما اجتمع بابن أبي سفيان ، فقد أودع ذلك الاجتماع ألما مرهقا ، وأسى مرا ~~، استوعب نفسه الشريفة ، ذلك لأنه رأى باطل معاوية قد استحكم وجوره قد ~~انتصر ، وزاد في أساه ما ستعانيه الأمة في دور هذا الطاغية من الماسي ms434 ~~والشجون ، فترك ذلك أعمق الألم والحزن في نفسه. # لقد اجتمع الامام على كره بمعاوية ، وكان الاجتماع بالنخيلة (1) وقيل ~~بالكوفة (2)، وقد حضرته جموع حاشدة من المسلمين ، تنتظر بفارغ الصبر ما ~~يفوه به الملك الظافر من الأمن والرفاهية وما يبسطه على الناس من العدل ، ~~وما عسى معاوية أن يفعل في هذه الساعة الرهيبة ، إنه اعتلى المنبر فأظهر ~~خبث ذاته ، وسوء سريرته ، واعلن ما يضمره للمسلمين من الشر والارهاق ، كما ~~أظهر لهم السر في الحرب التي أثارها على أمير المؤمنين وولده الحسن قائلا : # « أيها الناس ، ما اختلف أمر أمة بعد نبيها إلا وظهر أهل باطلها على أهل ~~حقها ». # ولما افتتح خطابه بهذا القول الذي حكى فيه الواقع التفت الى أنه قد عنى ~~به نفسه فندم على ذلك فاستدرك قائلا : # « إلا هذه الأمة ». # ثم وجه خطابه القاسي الى العراقيين معربا لهم عن حقيقة الحرب التي أثارها ~~عليهم ، وإن الهدف الأقصى الذي ينشده من وراء ذلك إنما هو PageV02P253 # الملك ، لا الطلب بدم عثمان قائلا : # « والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ، ولا لتزكوا ~~، إنكم لتفعلون ذلك ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك ~~وأنتم له كارهون ». # ثم صرح بعد ذلك بعدم التزامه ووفائه بالشروط التي أعطاها للإمام فقال : # « ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول ، وكل شرط شرطته فتحت قدمي ~~هاتين (1) ولا يصلح الناس إلا ثلاث : اخراج العطاء عند محله ، وإقفال ~~الجنود لوقتها ، وغزو العدو في داره ، فان لم تغزوهم غزوكم ». # حقا ان هذا هو التمادي في الإثم ، وكان عبد الرحمن بن شريك (2) إذا حدث ~~بذلك يقول : « والله هذا هو التهتك ». ويقول أبو اسحاق السبيعي ، وهو ممن ~~روى خطاب معاوية : « كان والله غدارا ». # وأخذ معاوية يكيل السب والشتم الى أمير المؤمنين (ع) وولده الحسن غير ~~مستأثم من ذلك ولا متحرج ، وقد خرق بذلك أبرز بنود المعاهدة التي وقع عليها. PageV02P254 ### || خطاب الامام الحسن : # وطلب معاوية من الإمام أن يعتلي منصة الخطابة ليبين للناس تنازله عن ~~الأمر. وقيل ان ابن العاص أشار ms435 عليه بذلك ليظهر للناس بحسب زعمه عي الإمام ~~وعدم مقدرته على الخطاب ، وقد أخطأ في ذلك ، فان الإمام قد خطب الناس غير ~~مرة في حياة أبيه ، وبعد وفاته ولم يعرف عنه العي والحصر ، لأنه من أهل بيت ~~كانوا معدن الفصاحة والبلاغة ، وفصل الخطاب ، وانبرى الإمام الى أعواد ~~المنبر والناس كلهم أذن صاغية وهم ما بين راغب وراغم ، فخطبهم خطبة طويلة ~~كانت فى منتهى الروعة والبلاغة ، وعظ فيها الناس ، ودعاهم الى الالفة ~~والمحبة ، وصور فيها الأحداث الرهيبة التي جرت على أهل البيت بعد وفاة ~~النبي (ص) وعزى ما جرى عليهم من المحن والخطوب الى الصدر الأول الذين نزعوا ~~الخلافة منهم ، ورد في آخر خطابه على معاوية ، وهذا نص خطابه : # « الحمد لله كلما حمده حامد ، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد ~~، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ، وائتمنه على الوحي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم . # أما بعد : فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح ~~خلق الله لخلقه ، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ، ولا مريدا له سوءا ، ~~ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا ~~وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم ، فلا تخالفوا أمري ، ولا تردوا علي ~~رأي غفر الله لي ولكم ، وأرشدني وإياكم لما فيه PageV02P255 # المحبة والرضا. » (1) # ثم التفت الى الجماهير فقال لها : # « أيها الناس ، إن أكيس الكيس التقى ، وأحمق الحمق الفجور ، والله لو ~~طلبتم ما بين جابلق (2) وجابرس (3) رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ~~ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وقد علمتم أن الله هداكم بجدي محمد (ص) ~~فأنقذكم به من الضلالة ، ورفعكم به من الجهالة ، وأعزكم به بعد الذلة ، ~~وكثركم به بعد القلة ، إن معاوية نازعني حقا هو لي دونه ، فنظرت لصلاح ~~الأمة ، وقطع الفتنة ، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالمون من سالمت ، ~~وتحاربون من حاربت ، فرأيت أن أسالم معاوية ، واضع الحرب بيني وبينه ، وقد ~~بايعته ، وقد رأيت أن ms436 حقن الدماء خير من سفكها ، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم ~~وبقاءكم ، وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع الى حين » (4). PageV02P256 # وأخذ (ع) يبين ظلامة أهل البيت فقال : # « وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا ، ~~فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل وعلى لسان نبيه ، ~~ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه ، فالله بيننا وبين من ظلمنا ~~، وتوثب على رقابنا ، وحمل الناس علينا ، ومنعنا سهمنا من الفيء ، ومنع ~~أمنا ما جعل لها رسول الله ، واقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين ~~فارقهم رسول الله لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولما طمعت فيها ~~يا معاوية ، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها ، فطمع فيها الطلقاء ~~وأبناء الطلقاء ، أنت وأصحابك. وقد قال رسول الله : ما ولت أمة أمرها رجلا ~~وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا الى ما ~~تركوا. فقد ترك بنو اسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم واتبعوا ~~السامري ، وتركت هذه الأمة أبي وبايعوا غيره ، وقد سمعوا رسول الله يقول له ~~: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة ، وقد رأوا رسول الله نصب أبي ~~يوم غدير خم ، وأمرهم أن يبلغ أمره الشاهد الغائب ، وهرب رسول الله من قومه ~~وهو يدعوهم الى الله حتى دخل الغار ، ولو انه وجد أعوانا لما هرب ، كف أبي ~~يده حين ناشدهم ، واستغاث فلم يغث. فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه ، ~~وكادوا يقتلونه ، وجعل الله النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعوانا. ~~وكذلك أبي وأنا في سعة من الله حين خذلتنا هذه الأمة. وإنما هي السنن ~~والأمثال يتبع بعضها بعضا. » (1) # والتفت الى حضار الحفل فقال لهم. PageV02P257 # « فو الذي بعث محمدا بالحق ، لا ينقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه ~~الله من عمله ، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة ولتعلمن نبأه ~~بعد حين. » # والتفت (ع) الى معاوية فرد عليه سبه لأبيه فقال ms437 له : # « أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر وأمى ~~فاطمة ، وأمك هند ، وجدي رسول الله ، وجدك عتبة بن ربيعة ، وجدتي خديجة ، ~~وجدتك فتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا ، وألأمنا حسبا ، وشرنا قديما وحديثا ~~، وأقدمنا كفرا ونفاقا!! » # وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل بقول : # « آمين آمين ». # وما سمع أحد هذا الخطاب إلا شاركهم بقول : آمين ونحن نقول : آمين آمين. # وهذه الخطبة أبلغ خطبة عرفها التأريخ ، فقد وضع الإمام فيها النقاط على ~~الحروف كما يقولون وصور الموقف الدقيق الذي هو فيه ، وربط بين الأحداث التي ~~واجهها ، وبين الأحداث التي جرت على أبيه وانها جميعا تستند الى من تقمص ~~الخلافة بعد وفاة النبي (ص)، فلولاهم لما طمع معاوية في الخلافة ونازعه فيها. ### || موقف الزعيم قيس : # ولما سمع الزعيم الحديدي قيس بن سعد بالنبإ المؤلم جمد دمه واستولت عليه ~~موجة من الهموم ، وغشيته سحب من الأحزان حتى تمنى مفارقة الحياة وجعل يردد ~~في دخيلة نفسه : # كيف سالم أمير الحق أمير الباطل؟!!! PageV02P258 # ووقف وهو حائر اللب ، خائر القوى يريد أن ينقل قدمه من الأرض فلم يتمكن ، ~~قد مشت الرعدة بأوصاله ، والحيرة بصدره ، وسرى الألم العاصف في محياه ، ثم ~~انفجر باكيا وهو ينظم ذوب الحشا قائلا : # أتاني بأرض العال من أرض مسكن %~% بأن إمام الحق أضحى مسالما فما زلت مذ بينته متلددا %~% أراعي نجوما خاشع القلب واجما (1) # والتفت الى الجيش وقد علاه الانكسار واستولى عليه الجزع والذهول قائلا ~~بصوت خافت حزين النبرات : # « اختاروا إحدى اثنتين ، اما قتال بغير إمام ، واما أن تبايعوا بيعة ~~ضلال؟!! » # فأجابوه وقد علاهم الذل والهوان قائلين : # « بل نقاتل بغير إمام ». # وزحفوا الى جموع أهل الشام فضربوهم حتى أرجعوهم الى مصافهم واضطرب معاوية ~~من ذلك أشد الاضطراب ، فراسل قيسا يمنيه ويتوعده # فأجابه قيس : # « لا والله ، لا تلقاني إلا وبيني وبينك السيف أو الرمح ». # ولما يئس منه معاوية أرسل إليه رسالة يشتمه فيها ويتوعده وهذا نصها : # « أما بعد : فإنك يهودي تشقى نفسك ، وتقتلها فيما ليس لك ، فإن ظهر أحب ~~الفريقين إليك ms438 نبذك وغدرك ، وإن ظهر أبغضهم إليك ، نكل بك وقتلك ، وقد كان ~~أبوك أوتر غير قوسه ، ورمى غير غرضه ، فأكثر الجذ ، وأخطأ المفصل ، فخذله ~~قومه ، وأدركه يومه ، فمات بحوران غريبا والسلام ». # فاجابه قيس : PageV02P259 # « أما بعد : فإنما أنت وثن ابن وثن ، دخلت في الإسلام كرها ، واقمت فيه ~~فرقا ، وخرجت منه طوعا ، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا ، لم يقدم إسلامك ، ~~ولم يحدث نفاقك ، ولم تزل حربا لله ولرسوله ، وحزبا من أحزاب المشركين ، ~~وعدوا لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده. وذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه ، ~~ولا رمى إلا غرضه ، فشغب عليه من لا تشق غباره ، ولا تبلغ كعبه ، وزعمت أني ~~يهودي ابن يهودي وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه ، ~~وانصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه والسلام ». # وحكت هذه الرسالة حقيقة معاوية وواقعه ، ولما قرأها انتفخت أوداجه ، وورم ~~أنفه ، فأراد أن يجيبه ، ولكن الداهية الماكر وزيره ابن العاص نهاه عن ذلك ~~قائلا له : # «!! فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا ، وإن تركته دخل فيما دخل فيه ~~الناس ». # واستصوب معاوية رأي ابن العاص فأعرض عن الشدة والعنف (1) وبعث إليه رسالة ~~جاء فيها : # « على طاعة من تقاتل؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك ». # ولم يقتنع قيس بذلك وبقي مصرا على رأيه ، ولكن معاوية خاف من الفتنة ومن ~~تطور الأحداث فبعث إليه طومارا ختم في أسفله ، وقال للرسول قل له فليكتب ~~فيه ما شاء وغاظ ذلك ابن العاص ، لأن فيه نوعا PageV02P260 # من التكريم والحفاوة بقيس ، فالتفت الى معاوية قائلا : # « لا تأته هذا وقاتله!! » # ولم يخف على معاوية حقد ابن العاص لقيس وعدم نصحه في مقاله فأجابه : # « على رسلك فانا لا نخلص الى قتلهم حتى يقتل اعدادهم من أهل الشام فما ~~خير في العيش بعد ذلك واني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا ». # وأوصل الرسول الطومار الى قيس ، وابلغه بمقالة معاوية ، فتأمل قيس وأطال ~~التفكير ، وأخيرا لم يجد بدا من الدخول فيما دخل فيه الناس إذ لم تكن ms439 عنده ~~قوة يستطيع بها على مناجزة معاوية ، ولم يكن هناك ركن شديد يأوى إليه حتى ~~يتخلص من بيعته ، فأجاب الرسول بالموافقة وسجل في الطومار الأمان له ~~ولشيعته ، ولم يسأل غير ذلك (1) ولكنه امتنع من الاجتماع معه لأنه قد عاهد ~~الله أن لا يجتمع معه إلا وبينهما السيف والرمح فلما علم معاوية ذلك أمر ~~باحضار سيف ورمح ليجعل بينهما حتى يبر قيس بيمينه ولا يحنث ، فعند ذلك ~~التجأ قيس الى الاجتماع به فأقبل وقد أحاطت به الجماهير ، وشخصت نحوه ~~الأبصار ، وهو مطأطئ الرأس ، مثقل الخطى لا يبصر طريقه من الأسى والذل ، ~~يتنفس فيلفظ شظايا قلبه مع أنفاسه ، ولما استقر به المجالس التفت الى ~~الجموع الحاشدة قائلا : # « يا معشر الناس ، لقد اعتضتم الشر من الخير ، واستبدلتم الذل من العز ، ~~والكفر من الإيمان ، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيد المسلمين ، وابن ~~عم رسول رب العالمين ، وقد وليكم الطليق ابن الطليق ، يسومكم الخسف ، ويسير ~~فيكم بالسيف ، فكيف تجهل ذلك أنفسكم ، أم PageV02P261 # طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون » (1). # ثم التفت الى الإمام (ع) وقد استولى عليه الذل والانكسار قائلا بصوت خفيض ~~وبنبرات مرتعشة. # « أفي حل أنا من بيعتك؟ » # والتاع الإمام أشد اللوعة من حديث قيس فأجابه بكلمة واحدة : # « نعم ». # ولم يكتف معاوية بذلك فقد دفعته الوقاحة وصفاقة الوجه ، وضيق الوعاء أن ~~يقول له : # « أتبايع يا قيس؟ » # فأجابه بصوت خافت حزين : # « نعم ». # ثم أطرق برأسه ووضع يده على فخذه لم يمدها إليه ، وقام معاوية من سريره ~~وأكب عليه ومسح يده ، وقيس لم يرفع يده. # الى هنا ينتهي بنا الحديث عن اجتماع الإمام بمعاوية ، وقد كان الاجتماع ~~من أعظم المحن وأقساها عليه ، وأقبل (ع) بعد ذلك يتهيأ للسفر الى يثرب ~~ليترك العراق الذي غدر به وبأبيه من قبل ، فلم يف لهما بعهد ووعد يتركه الى ~~معاوية ولبني أمية يتصرفون فيه حسبما شاءت لهم أهواؤهم الخاصة ، فقد أخرجوه ~~من الدعة والرفاهية والأمن ، الى الشدة والقسوة والعذاب ، وجعل العراقيون ~~بعد نزوح الإمام عنهم يذكرون أيام حياتهم تحت ظلال ms440 الحكومة الهاشمية ~~فيحزنون أشد الحزن ، ويندمون أشد الندم على تفريطهم في جنب أمير المؤمنين ، ~~وولده الإمام الحسن عليهما السلام . PageV02P262 ### | المنددون بالصلح PageV02P263 # ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه الخالدة على ما لاقاه من عظيم البلاء وشدة ~~المحنة في صلحه مع معاوية واجتماعه به ، فقد تجاوز بلاؤه الى ما هو أعظم من ~~ذلك وأشد أثرا في نفسه وهو كلام المنددين بصلحه من أعدائه وأصحابه فقد ~~جابهوه بكلام أشد عليه من وقع الحسام المهند ، فقد رأى منهم غلظة فى القول ~~وقسوة في الحديث وجفاء أي جفاء ، فاستاء (ع) من شيعته أكثر مما استاء من ~~اعدائه لأنهم على علم بالظروف السود ، والعوامل المرة التي ألجأته الى ~~الصلح والهدنة ، وفيما يلي كلام المنددين في ذلك مع جواب الإمام (ع) لهم. ### || 1 حجر بن عدي : # وأقبل بطل العقيدة ومثال الإيمان حجر بن عدي الى الامام وقد مشت الرعدة ~~بأوصاله ، واستولى عليه الحزن قائلا : # « أما والله ، لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم ، ~~فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبوا ». # ولا أدري كيف فاه حجر بهذا الكلام القاسي وهو أعلم بمركز الإمام وبواقعه ~~من غيره ، وأدرى بالظروف العصيبة والمصاعب الشديدة التي أحاطت به (ع) حتى ~~اضطرته الى الصلح ، ولكنه يعذر لأن لوعة المصاب وذهول النفس تخرج الإنسان ~~عن موازين الاعتدال والاستقامة ، وقام الإمام (ع) فأخذ بيد حجر واختلى به ~~في زاوية من زوايا البيت فبين له الحكمة التي من أجلها صالح معاوية قائلا : # « يا حجر ، قد سمعت كلامك في مجلس معاوية ، وليس كل انسان يحب ما تحب ، ~~ولا رأيه كرأيك ، وإني لم أفعل إلا إبقاء عليكم ، والله PageV02P265 # تعالى كل يوم فى شأن » (1). # وقد أبان (ع) عدم وجود المخلصين له فى الجيش العراقي ولو كان هناك أمثال ~~حجر فى عقيدته وايمانه ورأيه واخلاصه لما صالح معاوية ، كما بين (ع) انه ~~إنما صالح خصمه محافظة على حجر وأمثاله من المؤمنين. ### || 2 عدي بن حاتم : # وعدي بن حاتم هو الفذ المثالي الذي ضرب الرقم ms441 القياسي للعقيدة والايمان ~~والفداء فى سبيل الله ، وقد اندفع هذا الصحابي العظيم بثورة نفسية عارمة ~~الى انكار الصلح ، وكانت لهجة حديثه لهجة مؤدب كامل ، فقال للإمام وقد ذابت ~~حشاه من الحزن والمصاب : # « يا ابن رسول الله ، لوددت أني مت قبل ما رأيت ، أخرجتنا من العدل الى ~~الجور ، فتركنا الحق الذي كنا عليه ، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه ، ~~وأعطينا الدنية من أنفسنا ، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا ». # وترك كلام عدي في نفس الامام بالغ الأسى والحزن ، فانبرى (ع) مبينا له ~~العلة التي صالح من أجلها قائلا : # « يا عدي ، إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح ، وكرهوا الحرب فلم أحب أن ~~أحملهم على ما يكرهون ، فرأيت دفع هذه الحروب الى يوم ما فان الله كل يوم ~~هو في شأن ». # وأعرب (ع) في جوابه عن سأم جيشه من الحرب ، وحبه للعافية وايثاره للسلم ، ~~وإنه عازم على إثارة الحرب ومناجزة معاوية ، ولكن في PageV02P266 # وقت مناسب يضمن له النجاح والنصر ، ولم يقتنع عدي بكلام الامام ، فمضى ~~وهو مثقل الخطى نحو الإمام الحسين (ع) وقلبه يلتهب نارا وحماسا وكان معه ~~عبيدة بن عمر ، فلما انتهى الى الإمام قال له بنبرات تقطر حماسا وعزما الى ~~اثارة الحرب. # « يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير ، ~~أطعنا اليوم وأعصنا الدهر ، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح ، وأجمع إليك ~~شيعتك من أهل الكوفة وغيرها ، وولني وصاحبي هذه المقدمة ، فلا يشعر ابن هند ~~إلا ونحن نقارعه بالسيوف ». # فقال له (ع): # « إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا » (1). ### || 3 المسيب بن نجبة : # والمسيب بن نجبة (2) من عيون المؤمنين وخيار الصالحين الذين عرفوا ~~بالولاء والاخلاص لآل البيت (ع) وقد تأثر من الصلح وتألم بكل ما للتألم من ~~معنى فقد أقبل الى الامام وهو محزون النفس مكلوم القلب قائلا : « ما ينقضي ~~تعجبي منك!!! بايعت معاوية ومعك اربعون ألفا ، PageV02P267 # ولم تأخذ لنفسك وثيقة ، وعهدا ظاهرا ، أعطاك أمرا فيما بينك وبينه ، ثم ~~قال : ما قد سمعت ، والله ms442 ما أراد بها غيرك ». # فقال له الامام : « ما ترى؟ » # « أرى أن ترجع الى ما كنت عليه ، فقد كان نقض ما بينك وبينه » # فانبرى إليه الإمام مبينا له أن المصلحة كانت تقضي بالصلح قائلا : # « يا مسيب ، إني لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ~~، ولا أثبت عند الحرب مني ، ولكني أردت صلاحكم ، وكف بعضكم عن بعض » (1). # وأعرب الإمام (ع) في حديثه أنه لو كان من طلاب الدنيا وعشاق الملك ~~والسلطان ما كان معاوية بأصبر منه ، ولا أثبت في الحرب ، ولكن الانتصار ~~عليه يتوقف على الاعتماد على الطرق التي لا يقرها الدين كالمواربة ~~والمداهنة والخداع وما شاكل ذلك ، ولكنه (ع) أبى أن يسلك ذلك وسار على خطة ~~أبيه الداعية الى ملازمة الحق والعدل ، ومتابعة الشرع. ### || 4 مالك بن ضمرة : # ودخل على الإمام مالك بن ضمرة (2) فتكلم معه بكلام مر كان في PageV02P268 # منتهى الشدة فأجابه الامام (ع). # « إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض ، فأردت أن يكون للدين ناعي » (1). # وأدلى الامام (ع) في حديثه عن حرصه على دماء المسلمين وانه لو فتح باب ~~الحرب بينه وبين معاوية لما بقي مسلم على وجه الأرض ، فصالح حفظا على دماء ~~المسلمين وابقاء عليهم. ### || 5 سفيان بن أبي ليلى : # وسفيان بن أبي ليلى كان ممن يدين بفكرة الخوارج ، فقد دخل على الامام ~~وتكلم بكلمات تنم عن نفس مترعة بالجفاء والجهل قائلا : # « السلام عليك يا مذل المؤمنين » ، # فتأثر (ع) منه واندفع قائلا : # « ويحك أيها الخارجي ، لا تعنفني ، فان الذي أحوجني الى ما فعلت قتلكم ~~أبي ، وطعنكم إياي ، وانتهابكم متاعي ، وإنكم لما سرتم الى صفين كان دينكم ~~أمام دنياكم ، وقد أصبحتم اليوم ودنيا كم أمام دينكم ، ويحك أيها ~~الخارجي!!! إني رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم ، وما اعتز بهم إلا من ذل ~~، وليس أحد منهم يوافق رأي الآخر ، ولقد لقى أبي منهم امورا صعبة ، وشدائدا ~~مرة وهي أسرع البلاد خرابا ، وأهلها هم الذين PageV02P269 # فرقوا دينهم وكانوا شيعا » (1). ### || 6 بشير الهمداني : # ودخل بشير الهمداني ms443 على الامام وكان (ع) في يثرب فقال له : # « السلام عليك يا مذل المؤمنين ». # « وعليك السلام ، اجلس ». # فلما استقر به المجالس التفت (ع) له قائلا : # « لست مذلا للمؤمنين ، ولكني معزهم ، ما أردت بمصالحتي إلا أن أدفع عنكم ~~القتل عند ما رأيت تباطؤ أصحابي ونكولهم عن القتال » (2). ### || 7 سليمان بن صرد : # وسليمان بن صرد من صفوة أصحاب الامام في إيمانه وعقيدته وولائه لآل البيت ~~عليهم السلام ، ولم يكن حاضرا في المدائن حينما جرى الصلح فلما وافته ~~الأنباء المؤلمة توجه الى الامام وكان في يثرب فلما انتهى إليه اندفع قائلا : # « السلام عليك يا مذل المؤمنين ». # « عليك السلام ، اجلس ». # فلما جلس اندفع قائلا : # « إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية!! ومعك مائة ألف مقاتل من أهل ~~العراق وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوى شيعتك من أهل ~~البصرة وأهل الحجاز ، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ، ولا حظا من PageV02P270 # القضية ، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت ، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد ~~والميثاق كنت كتبت عليه بذلك كتابا ، وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق ~~والمغرب ، أن هذا الأمر لك من بعده ، كان الأمر علينا أيسر ، ولكنه أعطاك ~~هذا فرضيت به من قوله ، ثم قال وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت : إني كنت ~~شرطت لقوم شروطا ، ووعدتهم عدات ، ومنيتهم أماني ، إرادة إطفاء نار الحرب ، ~~ومداراة لهذه الفتنة ، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا ، فان كل ما هنالك ~~تحت قدمي هاتين ، والله ما أعنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه ، فأعد للحرب ~~خدعة ، واذن لي أشخص الى الكوفة ، فأخرج عامله منها ، وأظهر فيها خلعه ، ~~وأنبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين ». # وقد دل حديث سليمان على ولائه واخلاصه للإمام (ع) وقد حفزه الى الثورة ~~على حكومة معاوية ونقض البيعة لأنه لم يف بالعهد ولم يلتزم ببنود الصلح ، ~~كما أعلن ذلك أمام الرأي العام ، وصادف حديث سليمان هوى في نفوس من حضر ~~نادي الامام فهتفوا بالتأييد لمقالته قائلين : # « ابعث ms444 سليمان بن صرد ، وابعثنا معه ، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا ~~عامله ، وأظهرنا خلعه ». # ولما كانت المصلحة العامة للمسلمين لا تساعد على خلع معاوية ونقض ~~المعاهدة ، لأن ذلك غير ممكن نظرا لتلبد الجو بالفتن والاضطرابات ، ولقلة ~~الناصر ، وخذلان المحب ، وكثرة العدو ، فقد أمرهم (ع) بالسكون وهدأ ثورتهم ~~النفسية قائلا لهم بعد حمد الله والثناء عليه : # « أما بعد : فإنكم شيعتنا ، وأهل مودتنا ، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة ~~والاستقامة لنا ، وقد فهمت ما ذكرتم ، ولو كنت بالحزم في PageV02P271 # أمر الدنيا. وللدنيا أعمل وأنصب ، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا ، وأشد ~~شكيمة ، ولكان رأيي غير ما رأيتم ، ولكني أشهد وإياكم أني لم أرد بما رأيتم ~~إلا حقن دمائكم ، وإصلاح ذات بينكم ، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله ، ~~وسلموا الأمر لله ، والزموا بيوتكم ، وكفوا أيديكم ، حتى يستريح بر ، أو ~~يستراح من فاجر ، مع ان أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر ، فو الله لو ~~سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر إن الله لا معقب لحكمه ولا راد ~~لقضائه ، وأما قولك : يا مذل المؤمنين. فو الله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي ~~من أن تعزوا وتقتلوا ، فان رد الله علينا حقنا فى عافية قبلنا ، وسألنا ~~الله العون على أمره وان صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا ~~فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته ، ما دام معاوية حيا ، فان يهلك ونحن ~~وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا ، والمعونة على أمرنا ، وأن لا ~~يكلنا الى أنفسنا ، فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. » (1) # لقد أمر الامام شيعته بالخلود الى الصبر والسكون ما دام معاوية في قيد ~~الحياة ، وعلل صلحه بأمور تقدم بيانها بالتفصيل. ### || 8 عبد الله بن الزبير : # وعبد الله بن الزبير وغد خبيث عرف بالبغض والعداء لآل رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ، وقد عاب على الامام صلحه مع معاوية ، فأجابه (ع) ~~قائلا : # « وتزعم أني سلمت الأمر ، وكيف يكون ذلك ويحك كذلك وانا ابن أشجع العرب ، ~~وقد ولدتني فاطمة ms445 سيدة نساء العالمين ، لم أفعل PageV02P272 # ذلك ويحك جبنا ولا ضعفا ، ولكنه بايعني مثلك ، وهو يطلبني بترة ويداجيني ~~المودة ، ولم أثق بنصرته ». # لقد اتهم ابن الزبير الإمام بالجبن ، وحاشاه من ذلك ، فمن أين جاءه الجبن ~~« أمن أبيه أسد الله وأسد رسوله ، أم من جديه رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وشيخ البطحاء ، أم من عميه سيدي الشهداء العظمين حمزة ~~وجعفر ، أم من أخيه أبي الشهداء ، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين ~~، يوم الدار ، ويوم البصرة ، وفى مظلم ساباط ، وهو ذلك الرئبال الذي ( إذا ~~سار سار الموت حيث يسير ) على حد تعبير عدوه فيه؟؟ ». ### || 9 أبو سعيد : # وأقبل أبو سعيد إلى الإمام يعاتبه على صلحه ، ويؤنبه على ذلك قائلا : # « يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته ، وقد علمت أن الحق لك دونه ~~، وان معاوية ضال باغ؟ » # يا أبا سعيد ألست حجة الله على خلقه ، وإماما عليهم بعد أبي؟ # بلى. # يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبنى ضمرة وبني ~~أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية ~~وأصحابه كفار بالتأويل. # يا أبا سعيد ، إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي ~~فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا ، ~~ألا ترى الخضر لما خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، سخط موسى ~~فعله لاشتباه الحكمة عليه ، حتى أخبره فرضي. هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم وجه ~~الحكمة ، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على PageV02P273 # وجه الأرض أحد إلا قتل ... » # إن شأن الإمام كشأن النبي ، لا يفعل إلا ما فيه الصالح العام ، ولكن ~~المصلحة قد تخفى أحيانا على الناس فلا يعقلونها إلا بعد حين ، وقد شبه صلحه ~~بفعل الخضر (ع) لما خرق السفينة ، وهدم الجدار ، وقتل الغلام ، ولما لم ~~يفهم صاحبه المصلحة فى ذلك نقم عليه ، وراح يشتد في معارضته والإنكار عليه ~~، وحينما تبين له الحال أذعن له وأطاع ، وكذلك الإمام في صلحه ، فإن الحكمة ms446 ~~قد خفيت على كثير من شيعته فاندفعوا الى اعلان سخطهم وإلى الإنكار عليه. ### || 10 بعض أصحابه : # ودخل على الإمام بعض أصحابه ، وهو مندلع الثورة قد أخذ منه الوجد والأسى ~~مبلغا ليس بالقليل فقال له : # « يا ابن رسول الله ، أذللت رقابنا بتسليمك الأمر الى هذا الطاغية : » ~~فأجابه الإمام : # « والله ، إني ما سلمت الأمر إلا لأني لم أجد أنصارا ، ولو وجدت أنصارا ~~لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه ، ولكن عرفت أهل الكوفة ، ~~وبلوتهم ، ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا ، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في ~~قول ، ولا فعل ، إنهم لمختلفون ، ويقولون لنا : إن قلوبهم معنا ، وإن ~~سيوفهم لمشهورة علينا ... » # لقد بين (ع) انه لا ناصر له ولا معين ليناجز معاوية ، إذ لم يكن معه سوى ~~أهل الكوفة الذين لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل فكيف يحارب بهم ~~معاوية؟ # لقد رد عليه السلام شبه الناقدين ، وأوضح لهم الحكمة في ذلك ، وأجاب كلا ~~على عتابه ببراعة الحجة ، وروعة العرض واصالة الرأي. PageV02P274 ### | الى يثرب PageV02P275 # بقي الإمام (ع) فى الكوفة أياما وهو مكلوم القلب قد طافت به الهموم ~~والآلام يتلقى من شيعته مرارة الكلام ، وقسوة القول ، ومن معاوية وحزبه ~~الاستهانة بمركزه الرفيع وهو مع ذلك صابر محتسب ، قد كظم غيظه ، وأوكل أمره ~~الى الله ، وقد عزم على مغادرة العراق البلد الذي غدر به وبأبيه من قبل ~~والشخوص الى مدينة جده ، وقد أظهر عزمه ونيته الى أصحابه ، ولما أذيع ذلك ~~دخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري ، وظبيان ابن عمارة التميمي (1) ليودعاه ، ~~فالتفت لهما ونفسه الشريفة مترعة بالألم والحزن على ما آل إليه أمر ~~المسلمين قائلا : # « الحمد لله الغالب على أمره ، لو أجمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو ~~كائن ما استطاعوا ». # ويلمس في كلامه التسليم لقضاء الله وقدره والحزن واللوعة على ضياع حقه ~~الشرعي ولما رأى المسيب الشجا قد بدا على غصني النبوة ، وفرعي الإمامة ، ~~وذلك لخوفهم على شيعتهم من أن يضاموا في عهد هذا الطاغية التفت لهما ms447 مهدئا ~~روعهما قائلا : # « إنه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تضاموا وتنتقصوا ، فأما نحن ~~فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه ». # فانبرى إليه الإمام الحسين (ع) يشكره على ولائه وإخلاصه قائلا : # « يا مسيب ، نحن نعلم أنك تحبنا ». PageV02P277 # والتفت إليه الإمام الحسن (ع) فبشره بحبه لهم قائلا : # « سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله (ص) يقول : من أحب قوما كان معهم ». # وطلب منه المسيب وظبيان المكث في الكوفة فأمتنع (ع) من اجابتهم وقال : # « ليس الى ذلك من سبيل » (1). # وأخذ (ع) يعمل في تهيئة سفره ، وبعدها توجه هو وأهل بيته الى عاصمة جده ، ~~وقد خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم الى توديعه وهم ما بين باك وآسف (2) ~~يندبون حظهم التعيس وسعادتهم التي حطموها بأيديهم ، فقد نقلت الخلافة ومعها ~~بيت المال من بلدهم الى دمشق ، وقد أقض ذلك مضاجعهم ، ولكن بعد أن سبق ~~السيف العذل ، فقد كانوا أصحاب الدولة وإذا ببلدهم بعد غدرهم بالامام وعدم ~~مناصرته قد أصبحت مصرا من الأمصار ، وإذا القطع السورية من الجيش تدخل ~~مصرهم وتسيطر عليهم ويقام في بلدهم حكم ارهابي عنيف لا يعرف الرحمة ~~والرأفة. # لقد رحل (ع) عن الكوفة هو وأهل بيته ومعه أبو رافع خازن بيت المال ، وقد ~~غشيتها الكابة ، وخيم عليها الحزن ، وحل بها الشقاء والوبال والدمار ، فلقد ~~صب الله عليها بعد خروج الامام الطاعون فقضى على كثير من أبنائها ، وفر ~~منها المغيرة بن شعبة وإليها ثم بعد مدة عاد إليها فلما وصل جرفه الطاعون ~~فمات به (3). PageV02P278 # وسارت قافلة الامام تطوي البيداء ، فلما انتهت الى دير هند (1) القى ~~الامام (ع) على عاصمته نظرة ملؤها الأسى واللوعة ، ثم تمثل ببيت من الشعر ~~يلمس فيه مدى استيائه وحزنه قائلا : # ولا عن قلى فارقت دار معاشري %~% هم المانعون حوزتي وذماري (2) # لقد ودع الامام الكوفة بالأسى والحسرات ، ولم يذكر ما لاقاه من الغدر ~~والخيانة به ، فأي « نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن ~~بوائقها ما لقيت ، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر فلا تذكر من ms448 تاريخها ~~الطويل العريض ، إلا وفاء الأوفياء « المانعين الحوزة والذمار » ، وهم ~~الذين منعوا عنه من أراده في المدائن ، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة ~~في مسكن فكانوا اخوان صدق ، وخيرة الأنصار على قلتهم » وسار موكب الامام ~~ولكنه لم يبعد كثيرا حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يرده الى الكوفة ليقاتل ~~طائفة من الخوارج خرجت عليه ، فأبى عليه السلام أن يعود وكتب الى معاوية : # « لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك ، فإني تركتك لصلاح ~~الأمة وحقن دمائها » (3). # ثم مضى (ع) ولم يعتن بمعاوية ، وما اجتاز موكبه على حي أو قرية إلا وخف ~~من فيهما الى استقباله والتشرف بمقابلته ، وكان أول حديث يبدءون به السؤال ~~عما صار إليه أمره مع معاوية فيخبرهم (ع) بالحال PageV02P279 # فيظاهرون له الاستياء والتذمر وعدم الرضا وذلك لخوفهم من سلطة معاوية ~~ولكنه (ع) ما يصنع وقد مني جيشه وشعبه بالتمرد والخذلان حتى التجأ الى ~~الصلح والمسالمة. # وانتهت قافلة الامام الى يثرب فلما علم أهلها بتشريفه (ع) خفوا جميعا ~~لاستقباله فقد أقبل إليهم الخير وحلت في ديارهم السعادة والرحمة ، وعاودهم ~~الخير الذي انقطع عنهم منذ نزح أمير المؤمنين عليه السلام عنهم ، جاء الى ~~يثرب فاستقام فيها عشر سنين ، فملأ رباعها بعطفه المستفيض ، ورقيق حنانه ~~وحلمه ، ونقدم عرضا موجزا لبعض أعماله وشئونه حين مكثه فيها. ### || مدرسته : # وأنشأ الامام مدرسته الكبرى في يثرب ، وراح يعمل مجدا في نشر الثقافة ~~الاسلامية ، وتوجيه المجتمع الاسلامى نحو الدين ، وافهامه بالنظم الاسلامية ~~، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء ، وعظماء المحدثين والرواة ، وقد وجد بهم ~~خير عون لأداء رسالته الاصلاحية الخالدة التي بلورة عقلية المجتمع ، ~~وأيقظته بعد الغافلة والجمود ، وقد ذكر المؤرخون بعض أعلام تلامذته ورواة ~~حديثه وهم : # ابنه الحسن المثنى ، والمسيب بن نجبة ، وسويد بن غفلة ، والعلا ابن عبد ~~الرحمن ، والشعبي ، وهبيرة بن بركم ، والأصبغ بن نباتة ، وجابر ابن خلد ، ~~وأبو الجوزاء ، وعيسى بن مأمون بن زرارة ، ونفالة بن المأموم وأبو يحيى ~~عمير بن سعيد النخعي ، وأبو مريم قيس الثقفي ، وطحرب العجلي ، واسحاق بن ms449 ~~يسار ، والد محمد بن اسحاق ، وعبد الرحمن بن عوف PageV02P280 # وسفين بن الليل ، وعمرو بن قيس الكوفيون (1) وقد ازدهرت يثرب بهذه ~~الكوكبة من العلماء والرواة فكانت من أخصب البلاد الإسلامية علما ، وأدبا ، ~~وثقافة. # وكما كان يتولى نشر العلم في يثرب ، كان يدعو الناس الى مكارم الأخلاق ، ~~ومحاسن الأعمال ، والتأدب بسنة النبي (ص)، وقد رفع (ع) منار الأخلاق التي ~~جاء بها جده الرسول لإصلاح المجتمع وتهذيبهم فمن سمو أخلاقه انه كان يصنع ~~المعروف والاحسان حتى مع أعدائه ومناوئيه ، وقد بلغه أن الوليد بن عاقبة قد ~~ألم به السقم فمضى لعيادته مع ما عرف به الوليد من البغض والعداء لآل البيت ~~، فلما استقر المجالس بالإمام انبرى إليه الوليد قائلا : # « إني أتوب الى الله تعالى مما كان بيني وبين جميع الناس إلا ما كان بيني ~~وبين أبيك فاني لا أتوب منه. » (2) # وأعرض الإمام عنه ولم يقابله بالمثل ولعله أوصله ببعض ألطافه وهداياه. ### || عطفه على الفقراء : # وأخذ (ع) يفيض الخير والبر على الفقراء والبائسين ، وينفق جميع ما عنده ~~عليهم وقد ملأ قلوبهم سرورا باحسانه ومعروفه ، ومن كرمه انه جاءه رجل في ~~حاجة فقال له : « اكتب حاجتك في رقعة وادفعها إلينا » فكتبها ذلك الشخص ~~ورفعها إليه ، فأمر (ع) بضعفها له ، فقال بعض الحاضرين : PageV02P281 # « ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يا ابن رسول الله؟! » # فأجابه (ع): # « بركتها علينا أعظم ، حين جعلنا للمعروف أهلا. أما علمت أن المعروف ما ~~كان ابتداء من غير مسألة ، فأما من أعطيته بعد مسألة ، فإنما أعطيته بما ~~بذل لك من وجهه. وعسى أن يكون بات ليلته متململا أرقا يميل بين اليأس ~~والرجاء ، لا يعلم بما يرجع من حاجته ، أبكآبة أم بسرور النجح ، فيأتيك ~~وفرائصه ترعد ، وقلبه خائف يخفق ، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه ، ~~فان ذلك أعظم مما نال من معروفك. » # لقد كان موئلا للفقراء والمحرومين ، وملجأ للأرامل والأيتام ، وقد تقدم ~~في الجزء الأول من هذا الكتاب بعض بوادر جوده ومعروفه ، التي كان بها مضرب ~~المثل للكرم والسخاء. ### || الاستجارة به ms450 : # كان (ع) في عاصمة جده كهفا منيعا لمن يلجأ إليه ، وملاذا حصينا لمن يلوذ ~~به ، قد كرس أوقاته على قضاء حوائج الناس ، ودفع الضيم والظلم عنهم ، وقد ~~استجار به سعيد بن سرح من زياد فأجاره ، فقد ذكر الرواة انه كان معروفا ~~بالولاء لأهل البيت (ع) فطلبه زياد من أجل ذلك فهرب الى يثرب مستجيرا ~~بالإمام ، ولما علم زياد ذلك عمد الى أخيه وولده وزوجه فحبسهم ، ونقض داره ~~، وصادر أمواله ، وحينما علم الامام الحسن ذلك شق عليه الأمر ، فكتب رسالة ~~الى زياد يأمره فيها بأن يعطيه الأمان ، ويخلي سبيل عياله وأطفاله ، ويشيد ~~داره ، ويرد عليه أمواله ، وهذا نص كتابه : PageV02P282 # « أما بعد : فانك عمدت الى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، ~~فهدمت داره ، وأخذت ماله ، وحبست أهله وعياله ، فان أتاك كتابي هذا فابن له ~~داره ، واردد عليه ماله ، وشفعني فيه ، فقد أجرته والسلام ». # وقد أمر الامام زيادا في هذه الرسالة بالمعروف ونهاه عن المنكر ، فقد ~~أوصاه أن يرد على سعيد ما أخذه منه ، وأن لا ينكل به ، لأنه لم يحدث فسادا ~~في الأرض حتى يستحق العذاب والتنكيل ، ولما قرأ زياد هذه الرسالة ورم أنفه ~~من الغضب ، لأن الامام لم ينسبه الى أبي سفيان ، فأجاب الامام بجواب ينم عن ~~مدى خبثه ، ولؤم عنصره ، وهذا نصه : # « من زياد بن أبي سفيان الى الحسن بن فاطمة. # أما بعد : فقد أتاني كتابك ، تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا ~~سلطان ، وأنت سوقة وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته كتبت إلي في ~~فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي ، ورضا منك بذلك وأيم الله لا تسبقني ~~به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك غير رقيق بك ، ولا مرع عليك ، ~~فإن أحب لحم علي أن آكله اللحم الذي أنت منه ، فسلمه بجريرته إلى من هو ~~أولى به منك ، فان عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلا ~~لحبه أباك الفاسق والسلام ». # وقد أعرب زياد بهذه الرسالة عن صفاقته ms451 ، وعدم حيائه ونكرانه المعروف فقد ~~تناسى الأيادي البيضاء التي أسداها عليه أمير المؤمنين وولده الحسن (ع) في ~~توليته فارس ، فقابل ذلك المعروف بالاساءة ، والنعمة بالكفران. # أف لك يا زمان ، وتعسا لك يا دهر ، أمثل ابن سمية يتطاول على PageV02P283 # سبط النبي وريحانته ، وينال من كرامته ، إن الذي دعاه لأن يشمخ بأنفه ليس ~~إلا السلطة التي يتمتع بها ، وإلا فأي فضيلة أو مكرمة ماثلة فيه حتى يعتز ~~بها ويفتخر ، ولما وصلت رسالته الى الامام (ع) قرأها وتبسم وعلم سر غضبه ~~وثورته ، لأنه لم ينسبه الى أبي سفيان ، وانبرى (ع) فكتب الى معاوية كتابا ~~عرفه فيه بمهمته ، وأودع في جوفه رسالة زياد ، ورسم (ع) رسالة أخرى الى ~~زياد حطم بها كيانه ، ورد غلواءه ، وأفسد التحاقه بأبي سفيان ، وقد تقدم ~~ذكرها (1). # ولما وصلت رسالة الامام الى معاوية واطلع على جراءة زياد واستهتاره ~~واستخفافه بمركز الامام رفع من فوره رسالة الى زياد ، وهذا نصها : # « أما بعد : فان الحسن بن علي بعث إلي بكتابك إليه جوابا عن كتاب كتبه ~~إليك في ابن سرح ، فأكثرت العجب منك!!! وعلمت أن لك رأيين أحدهما من أبي ~~سفيان ، والآخر من سمية ، فأما الذي من أبي سفيان حلم وحزم ، وأما الذي من ~~سمية فما يكون رأي مثلها ، من ذلك كتابك الى الحسن ، تشتم أباه ، وتعرض له ~~بالفسق ، ولعمري انك أولى بالفسق من أبيه ، فأما ان الحسن بدأ بنفسه ~~ارتفاعا عليك ، فان ذلك لا يضعك لو عقلت ، وأما تسلطه عليك بالأمر فحق لمثل ~~الحسن أن يتسلط وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك الى ~~من هو أولى به منك ، فاذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن أبي سرح ~~وابن له داره ، واردد عليه ماله ، ولا تعرض له فقد كتبت الى الحسن ~~عليه السلام أن يخيره إن شاء أقام عنده ، وإن شاء رجع الى بلده ، ولا سلطان ~~لك عليه لا بيد ولا لسان ، وأما كتابك الى الحسن (ع) باسمه PageV02P284 # واسم أمه ولا تنسبه الى أبيه ، فان ms452 الحسن ويحك من لا يرمى به الرجوان ~~والى أي أم وكلته لا أم لك ، أما علمت أنها فاطمة بنت رسول الله (ص) فذاك ~~أفخر له لو كنت تعلمه وتعقله ». # ثم كتب في آخر الكتاب أبياتا في مدح الإمام من جملتها : # أما حسن فابن الذي كان قبله %~% إذا سار سار الموت حيث يسير وهل يلد الرئبال إلا نظيره %~% وذا حسن شبه له ونظير ولكنه لو يوزن الحلم والحجا %~% بأمر لقالوا يذبل وثبير (1) # وقد اعترف معاوية بهذه الرسالة بمواهب الإمام وملكاته وشرفه وعظيم شأنه ، ~~وإنه لو وزن حلمه بثبير لرجح عليه ، فتعسا للزمن الهزيل الذي جرأ زيادا أن ~~ينال من كرامته ، ويعتدي عليه. ### || مع حبيب بن مسلمة : # وحبيب بن مسلمة الفهري (2) من أوغاد قريش ومن عملاء معاوية الذين يحقدون ~~على آل البيت ، التقى به الإمام في الطواف فقال له (ع): # « يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله ». # فانبرى إليه حبيب بسخرية قائلا : # « أما مسيري من أبيك فليس من ذلك ». PageV02P285 # فرد عليه الإمام مقالته قائلا : # « بلى والله ، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة ، فلئن قام بك في ~~دنياك ، لقد قعد بك في آخرتك ، ولو كنت إذ فعلت قلت خيرا كان ذلك كما قال ~~الله تعالى : « وآخرون اعترفوا بذنبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا » (1). ~~ولكنك كما قال الله سبحانه : « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » ~~(2)، ثم تركه وانصرف (3). ### || رفضه لمصاهرة الامويين : # ورام معاوية أن يصاهر بني هاشم ليحوز بذلك الشرف والمجد ، فكتب الى عامله ~~على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبد الله بن جعفر على ~~حكم أبيها في الصداق ، وقضاء دينه بالغا ما بلغ ، وعلى صلح الحيين بني هاشم ~~وبني أمية ، فبعث مروان خلف عبد الله ، فلما حضر عنده فاوضه في أمر كريمته ~~، فأجابه عبد الله : # « إن أمر نسائنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه ». # فأقبل مروان الى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله ، فقال (ع): # اجمع من أردت ، فانطلق مروان فجمع الهاشميين والأمويين في ms453 صعيد واحد وقام ~~فيهم خطيبا قائلا : # « أما بعد : فان أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله ~~بن جعفر ليزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق ، وقضاء دينه PageV02P286 # بالغا ما بلغ ، وعلى صلح الحيين بني هاشم وبني أمية ، ويزيد بن معاوية ~~كفؤ من لا كفؤ له ، ولعمري لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبط يزيد بكم فيزيد ~~ممن يستسقى بوجهه الغمام ». # ومروان يرى أن قيم الرجال إنما هي بالإمرة والسلطان ، وقد أعرب بذلك عن ~~حماقته وجهله ، فرد الإمام عليه أباطيله ، وعلق على كل جملة من كلامه ، ~~فقال بعد حمد الله والثناء عليه : # « أما ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق ، فانا لم نكن لنرغب عن سنة رسول ~~الله (ص) فى أهله وبناته » (1). # « وأما قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا بمهورهن ديون آبائهن ». # « وأما صلح الحيين ، فنحن عادينا كم لله وفي الله ، فلا نصالحكم للدنيا ». # « وأما قولك يزيد كفؤ من لا كفؤ له ، فأكفاؤه اليوم أكفاؤه بالأمس لم ~~يزده سلطانه ». # « وأما قولك : من يغبطنا بيزيد أكثر ممن يغبطه بنا ، فان كانت الخلافة ~~قادت النبوة (2)، فنحن المغبطون ، وإن كانت النبوة قادت الخلافة فهو ~~المغبوط بنا ». # « وأما قولك : إن الغمام يستسقى بوجه يزيد ، فان ذلك لم يكن إلا لآل رسول ~~الله (ص)». # وقد فند (ع) بكلامه مزاعم مروان ، ورد عليه بهتاته ، ثم أخذ عليه السلام ~~في إحباط مساعيه ، وتحطيم آماله قائلا : # « وقد رأينا أن نزوجها ( يعني زينب ) من ابن عمها القاسم محمد بن PageV02P287 # جعفر ، وقد زوجتها منه ، وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة ، وقد ~~أعطاني بها معاوية عشرة آلاف دينار ». # ولما سمع ذلك مروان فقد شعوره وصاح بلا اختيار : # « أغدرا يا بني هاشم ». # إن مروان أولى بالغدر والخبث ، وقد صنع الإمام خيرا حيث لم يزوج العلوية ~~من يزيد الفاسق الفاجر. # ورفع مروان في الوقت رسالة الى معاوية أخبره بالحادث ، فلما وصلت إليه ~~قال متأثرا : # « خطبنا إليهم فلم يفعلوا ، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم » (1). # لقد كان (ع) يعلم بدوافع معاوية وبما يبغيه ms454 من تشييد أسرته فكان يسعى ~~لإحباط الوسائل التي يتخذها ويفسد عليه أمره وقد بلغه أنه قال : # « لا ينبغي أن يكون الهاشمي غير جواد ، ولا الأموي غير حليم ، ولا ~~الزبيري غير شجاع ، ولا المخزومى غير تياه ». # وعرف (ع) أن غرض معاوية بذلك إنما هو تحطيم هذه الأسر ، PageV02P288 # وتشييد أسرته ، فرد عليه مقالته وقال. # « قاتله الله ، أراد أن يجود بنو هاشم فينفذ ما بأيديهم ، ويحلم بنو أمية ~~فيتحببوا إلى الناس ، ويتشجع آل الزبير فيفنوا ، ويتيه بنو مخزوم فيبغضهم ~~الناس » (1). # وهكذا كان عليه السلام يندد بأعمال معاوية ويكشف الستار عن خبثه وسوء ~~سريرته ، غير مكترث بسلطته ، ولا هياب لسلطانه. ### || مع معاوية في يثرب : # وروى الخوارزمى أن معاوية سافر الى يثرب فرأى تكريم الناس وحفاوتهم ~~بالإمام وإكبارهم له ، فساءه ذلك فاستدعا أبا الأسود الدؤلي ، والضحاك بن ~~قيس الفهري ، فاستشارهم في أمر الحسن وأنه بما ذا يوصمه ليتخذ من ذلك وسيلة ~~الى الحط من شأنه ، والتقليل من أهميته أمام الجماهير فأشار عليه أبو ~~الأسود بالترك قائلا : # « رأي أمير المؤمنين أفضل ، وأرى ألا يفعل فان أمير المؤمنين لن يقول فيه ~~قولا إلا أنزله سامعوه منه به حسدا ، ورفعوا به صعدا ، والحسن يا أمير ~~المؤمنين معتدل شبابه ، أحضر ما هو كائن جوابه ، فأخاف أن يرد عليك كلامك ~~بنوافذ تردع سهامك ، فيقرع بذلك ظنوبك (2)، ويبدي به عيوبك ، فاذن كلامك ~~فيه صار له فضلا ، وعليك كلا ، إلا أن تكون تعرف له عيبا في أدب ، أو وقيعة ~~في حسب ، وإنه لهو المهذب ، قد أصبح من صريح العرب فى عز لبابها ، وكريم ~~محتدها ، وطيب عنصرها ، فلا تفعل يا أمير المؤمنين ». PageV02P289 # وقد أشار عليه أبو الأسود بالصواب ، ومنحه النصيحة ، فأي نقص أو عيب في ~~الإمام حتى يوصمه به ، وهو المطهر من كل رجس ونقص كما نطق بذلك الذكر ~~الحكيم ، ولكن الضحاك بن قيس قد أشار على معاوية بعكس ذلك فحبذ له أن ينال ~~من الإمام ويتطاول عليه قائلا : # « امض يا أمير المؤمنين فيه برأيك ولا تنصرف عنه بدائك ، فانك لو رميته ~~بقوارص ms455 كلامك ، ومحكم جوابك ، لذل لك كما يذل البعير الشارف (1) من الإبل ». # واستجاب معاوية لرأي الضحاك ، فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، ثم ذكر أمير المؤمنين وسيد المسلمين علي بن ~~أبي طالب (ع) فانتقصه ، ثم قال : # « أيها الناس ، إن صبية من قريش ذوي سفه وطيش ، وتكدر من عيش ، أتعبتهم ~~المقادير ، فاتخذ الشيطان رءوسهم مقاعد ، وألسنتهم مبارد فباض وفرخ فى ~~صدورهم ، ودرج في نحورهم ، فركب بهم الزلل ، وزين لهم الخطل ، وأعمى عليهم ~~السبل ، وأرشدهم الى البغي والعدوان ، والزور والبهتان ، فهم له شركاء وهو ~~لهم قرين ( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا )، وكفى لهم مؤدبا ، ~~والمستعان الله ». # فوثب إليه الإمام الحسن مندفعا كالسيل رادا عليه افتراءه وأباطيله قائلا : # « أيها الناس ، من عرفني فقد عرفنى ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي ~~بن أبي طالب ، أنا ابن نبي الله ، أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا وطهورا ، ~~أنا ابن السراج المنير ، أنا ابن البشير النذير ، أنا ابن خاتم النبيين ، ~~وسيد المرسلين ، وامام المتقين ، ورسول رب العالمين ، أنا ابن من بعث الى ~~الجن والأنس ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين ». PageV02P290 # وشق على معاوية كلام الإمام فبادر الى قطعه قائلا : # « يا حسن عليك بصفة الرطب ». فقال عليه السلام : الريح تلقحه ، والحر ~~ينضجه ، والليل يبرده ويطيبه ، على رغم أنفك يا معاوية ، ثم استرسل ~~عليه السلام فى تعريف نفسه قائلا : # « أنا ابن مستجاب الدعوة ، أنا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أول من ينفض ~~رأسه من التراب ، ويقرع باب الجنة ، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم ~~تقاتل مع نبي قبله ، أنا ابن من نصر على الأحزاب ، أنا ابن من ذلت له قريش ~~رغما ». # وغضب معاوية واندفع يصيح : # « أما انك تحدث نفسك بالخلافة ». # فأجابه الإمام عليه السلام عمن هو أهل للخلافة قائلا : # « أما الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنة نبيه ، وليست الخلافة لمن خالف ~~كتاب الله ، وعطل السنة ، إنما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكا فتمتع به ، وكأنه ~~انقطع عنه وبقيت ms456 تبعاته عليه ». # وراوغ معاوية ، وانحط كبرياؤه فقال : # « ما في قريش رجل إلا ولنا عنده نعم جزيلة ويد جميلة ». # فرد عليه الإمام قائلا : # « بلى ، من تعززت به بعد الذلة ، وتكثرت به بعد القلة ». # « من أولئك يا حسن؟ ». # « من يلهيك عن معرفتهم ». # ثم استمر (ع) في تعريف نفسه الى المجتمع فقال : # « أنا ابن من ساد قريشا شابا وكهلا ، أنا ابن من ساد الورى كرما PageV02P291 # ونبلا ، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق ، والفرع الباسق ، ~~والفضل السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الله ، وسخطه سخطه ، فهل لك أن تساميه ~~يا معاوية؟ ». فقال معاوية : أقول لا ، تصديقا لقولك. فقال الحسن : « الحق ~~أبلج ، والباطل لجلج ، ولم يندم من ركب الحق ، وقد خاب من من ركب الباطل ، ~~( والحق يعرفه ذوو الألباب )». # فقال معاوية على عادته من المراوغة : لا مرحبا بمن ساءك. ### || الحزب السياسي : # واعتقد الدكتور طه حسين ان الإمام أيام مكثه في المدينة قد شكل حزبا ~~سياسيا وتولى هو رئاسة الحزب ، ومن الخير سوق كلامه قال : # « واعتقد أنا ان اليوم الذي لقي الحسن فيه هؤلاء الوفد من أهل الكوفة ~~فسمع منهم ما سمع ، وقال لهم ما قال ، ورسم لهم خطتهم ، هو اليوم الذي أنشئ ~~فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة علي وبنيه. نظم الحزب في ذلك المجالس ، ~~وأصبح الحسن له رئيسا ، وعاد أشراف أهل الكوفة الى من وراءهم ينبئونهم ~~بالنظام الجديد والخطة المرسومة ، ويهيئونهم لهذا السلم الموقوت ولحرب يمكن ~~أن تثار حين يأتي الأمر باثارتها من الإمام المقيم في يثرب. # وكان برنامج الحزب في أول إنشائه كما ترى واضحا يسيرا ، لا عسر فيه ولا ~~تعقيد ، طاعة الإمام من بني علي والانتظار في سلم ودعة حتى يؤمروا بالحرب ~~فيثيروها. ورأى الدكتور رأي وثيق ويدل عليه سفر الإمام (ع) الى دمشق لنقد ~~معاوية واذاعة مساوئه ومخازيه في عاصمته وبلاطه ، فان من جملة أهداف ذلك ~~السفر التبشير بالحزب الذي عقده لقلب الحكم الأموي وارجاع الدولة الإسلامية ~~الى نظامها العادل. PageV02P292 ### | الى دمشق PageV02P293 # واتفق جمهور المؤرخين ان الإمام الحسن (ع) قد ms457 وفد على معاوية في دمشق ، ~~واختلفوا فى أن وفادته كانت مرة واحدة أو أكثر ، واطالة الكلام في تحقيق ~~هذه الجهة لا تغنينا شيئا ، وإنما المهم البحث عن سر سفره ، فالذي نذهب ~~إليه ان المقصود منه ليس إلا الدعاية لمبدإ أهل البيت وابراز الواقع الأموي ~~أمام ذلك المجتمع الذي ظلله معاوية وحرفه عن الطريق القويم ، أما الاستدلال ~~عليه فانه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية التي سنذكرها فانه قد هتك ~~بها حجابه. وأبدا عاره وعياره ، وفل بها عروش دولته ، ثم انه على تقدير أن ~~يكون سفره لأخذ العطاء من معاوية كما يقول به البعض فقد قيل إنه كيف جاز له ~~أن يأخذ صلاته مع أن جلها أموال مغصوبة ، وقد كفانا مئونة البحث عن هذه ~~المسألة علماء الفقه الإسلامى فقد ذكروا أن صلاة السلطان الجائر وهداياه ~~جائزة ما لم تشتمل على أموال مغصوبة يعلم غصبها على نحو التعيين ، فحينئذ ~~لا يجوز أخذها ، وإن أخذت وجب ردها الى أهلها (1)، وأكثر الأموال التي ~~كانت بيد معاوية إنما هي من أموال الخراج والزكاة وما شاكل ذلك من الأموال ~~التي تجبيها الدولة فان استيلاء معاوية عليها وإن كان غير مشروع لأنه من ~~حكام الظلم والجور إلا ان لخيار المسلمين الحق في استنقاذها وردها الى ~~أهلها ، فضلا عن الإمام الذي له الولاية العامة على جميع المسلمين. # أما الذاهبون الى أن سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا الى إحدى الروايات ~~الموضوعة فيما نحسب فقد روي أنه كان يفد فى كل سنة الى معاوية فيوصله بمائة ~~ألف ، فلم يمض في بعض السنين فنساه معاوية ولم يبعث له بصلة فهم الإمام أن ~~يكتب له فرأى رسول الله (ص) فى منامه PageV02P295 # وهو يقول له : # « يا حسن أتكتب الى مخلوق تسأله حاجتك وتدع أن تسأل ربك؟ » # فقال له : « ما أصنع يا رسول الله؟ » # فعلمه رسول الله (ص) بهذا الدعاء : « اللهم إني أسألك من كل أمر ضعفت عنه ~~حيلتي ، ولم تنته إليه رغبتي ، ولم يخطر ببالي ، ولم يجر على لساني من ~~الشيء الذي ms458 أعطيته أحدا من المخلوقين الأولين المهاجرين ، والآخرين ~~الأنصار. » # وانتبه الحسن من منامه وهو حافظ للدعاء ، فدعا به ، فلم يلبث معاوية أن ~~بعث إليه بصلته بعد ما نبهه بعض خواصه ان الإمام لم يفد عليه في تلك السنة ~~(1). وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأن الإمام قد عرف بالعزة ~~والإباء والشمم ، فكيف يتنازل لابن هند فيهم أن يكتب له ويسأله العطاء ، ~~فينهاه رسول الله (ص) عن ذلك ، على انه كان فى غنى عن صلاة معاوية لأن له ~~ضياعا كبيرة في يثرب كانت تدر عليه بالأموال الطائلة مضافا الى ما كان يصله ~~من الحقوق التي يدفعها خيار المسلمين وصالحاؤهم له ، على أن الأموال التي ~~كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه وعياله. فقد ~~ورد أنه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها (2)، ومع هذا فكيف ~~يكون سفره لمعاوية لأخذ العطاء منه؟!! PageV02P296 ### || مناظراته : # وضاق معاوية ذرعا بالإمام حينما كان في دمشق ، فقد رأى من اقبال الناس ~~واحتفائهم به ما ساءه فعقد عدة مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيت ~~والمعادية لهم كابن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم والوليد بن ~~عاقبة ، وزياد بن أبيه ، وعبد الله بن الزبير ، وأوعز لهم بالتطاول على ~~ريحانة الرسول ، والنيل منه ، ليزهد الناس فيه ، ويشفي نفسه من ابن فاتح ~~مكة ، ومحطم أوثان قريش ، وقد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول وبذاءة ~~الكلام ، وبالغوا في الاستهتار والاعتداء عليه ، وكان (ع) يسدد لهم سهاما ~~من منطقه الفياض فيرديهم صرعى ، يلاحقهم العار والخزي ، ويلمسهم مساوئهم ~~وما عرفوا به من الزيغ والانحطاط ، كان يجيبهم وهو مكره ، ويرد على بذاءتهم ~~وهو يقول : « أما والله لو لا أن بني أمية تنسبني الى العجز عن المقال ~~لكففت تهاونا » ، ولروعة كلامه ، وقوة حجته كان عبد الله بن عباس يقبل ما ~~بين عينيه ويقول له : « أفديك يا ابن العم والله ما زال بحرك يزخر وأنت ~~تصول حتى شفيتني من أولاد ... » # لقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر ms459 وخصومه الضعفاء ~~قد عرتهم الاستكانة والهزيمة والذهول ، وقد أوصاهم كبيرهم بعد ما شاهد ~~أشلاءهم مضرجة بطعناته ، أن يجتنبوا محاوراته (1). # وعلى أي حال فان « نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية ، وقيمها الأدبية ~~جديرة بالعرض ، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه ، وتعطينا بأسلوبه ~~وصياغته صورة عن ( أدب المشاجرات ) في عصره » PageV02P297 # وقد تركت نوادي دمشق ومحافلها مشغولة بها ترددها مقرونة بالإكبار ~~والتقدير للإمام ، وبالاستهانة والاحتقار لخصومه ، وفيما يلي نصوصها : # 1 وأقبل معاوية على الإمام (ع) فقال له : # « يا حسن ، أنا خير منك!! » # وكيف ذاك يا ابن هند؟!! # لأن الناس قد أجمعوا علي ، ولم يجمعوا عليك. # وحيث أن الامرة لم تكن في الإسلام موجبة للتمايز ، وإنما توجبه التقوى ~~وعمل الخير ، وقد انبرى (ع) مبطلا دعوى معاوية : # « هيهات!! لشر ما علوت به يا ابن آكلة الأكباد ، المجتمعون عليك رجلان ، ~~بين مطيع ومكره ، فالطائع لك عاص لله ، والمكره معذور بكتاب الله ، وحاشا ~~لله أن أقول أنا خير منك لأنك لا خير فيك ، فان الله قد بر أني من الرذائل ~~كما برأك من الفضائل » (1). # ان هذا هو منطق الثورة ، ومنطق الأحرار الذين يشجبون الظلم ، ويقاومون ~~المنكر ، وليس هذا هو منطق من يريد العطاء والأموال. # 2 ودخل الإمام على معاوية ، فلما رأى ابن العاص ما في الإمام من عظيم ~~الهيبة والوقار ساءه ذلك ، وتميز من الغيظ والحسد فاندفع قائلا : # « قد جاءكم الفهه العي ، الذي كأن بين لحييه عقله. » # وكان عبد الله بن جعفر حاضرا فلذعه قوله فصاح به : # « مه ، والله لقد رمت صخرة ململمة ، تنحط عنها السيول ، وتقصر دونها ~~الوعول ، ولا تبلغها السهام ، فإياك والحسن إياك ، فانك لا تزل راتعا في ~~لحم رجل من قريش ، ولقد رميت فما برح سهمك ، وقدحت PageV02P298 # فما أورى زندك ». # وسمع الإمام الحديث ، فلما اكتظ مجلس معاوية بالناس انبرى (ع) فوجه خطابه ~~الى معاوية ، فألقى عليه ذنب وزيره ابن العاص ، وتهدده باعلان الحرب عليه ~~إن لم ينته عن مكره وغيه ، وذكر له الصفات الرفيعة الماثلة في شخصيته ~~الكريمة قائلا : # « يا معاوية لا يزال ms460 عندك عبد راتعا في لحوم الناس ، أما والله لو شئت ~~ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الامور ، وتحرج منه الصدور ». # ثم أنشأ يقول : # أتأمر يا معاوي عبد سهم %~% بشتمي والملا منا شهود إذا أخذت مجالسها قريش %~% فقد علمت قريش ما تريد أأنت تظل تشتمني سفاها (1) %~% لضغن ما يزول وما يبيد فهل لك من أب كأبي تسامى (2) %~% به من قد تسامى أو تكيد ولاجد كجدي يا ابن حرب (3) %~% رسول الله إن ذكر الجدود ولا أم كأمي من قريش %~% إذا ما حصل الحسب التليد فما مثلي تهكم يا ابن حرب %~% ولا مثلي ينهنهه الوعيد (4) فمهلا لا تهج منا أمورا %~% يشيب لهولها الطفل الوليد (5) PageV02P299 # لقد عرض (ع) بعض فضائله ومآثره ، ونشر مساوئ معاوية ومخازيه بهذا الكلام ~~الرائع الذي تمثلت فيه بلاغة الإعجاز ، وروعة الإيجاز ، وسرعة البديهة ، ~~وقوة الحجة ، فحط به من غلواء معاوية ، وأصاب أبرز مقوماته من حسبه المعروف ~~، ونسبه الموصوف ، فأين الفهاهة والعي يا ابن العاص؟. # 3 وعظم أمر الإمام فى الشام ، فقد أقبلت الناس تترى لزيارته والى ~~الاستماع لحديثه ، فملك (ع) القلوب والمشاعر والعواطف ، وتحدثت الأندية ~~والمجالس بعظيم فضله ومواهبه ، ولما رأى ذلك أذناب معاوية وعملاؤه وهم : ~~عمرو بن العاص ، والوليد بن عاقبة ، وعتبة بن أبي سفيان ، والمغيرة ابن ~~شعبة ، فخافوا أن يحدث ما لا تحمد عقباه ، وينفلت الأمر من أيديهم ، وتندك ~~عروش الدولة الأموية ، فعقدوا في البلاط الأموي اجتماعا ، وذكروا لمعاوية ~~حفاوة الجماهير بالإمام ، وتكريمهم له ، وازدحامهم على زيارته ، وان وجوده ~~فى دمشق خطر على الدولة الأموية ، وقد رأوا أن خير وسيلة للحط من كرامته ، ~~ولإعراض الناس عنه ، أن يستدعوه فيتهمون أباه بقتل عثمان ، ويسبونه على ذلك ~~، وهذا نص حديثهم : # « إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصدق ، وأمر فأطيع ، وخفقت له ~~النعال ، وان ذلك لرافعه الى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما ~~يسوؤنا ». # فقال لهم معاوية : ما تريدون؟ # قالوا : « ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ، ونعيره ونوبخه ، ونخبره أن ~~أباه قتل عثمان ، ونقرره بذلك ، ولا يستطيع أن ms461 يغير علينا شيئا من ذلك. » PageV02P300 # ولم يخف على معاوية سخافة رأيهم ، وبعد تفكيرهم عن الصواب ، وذلك لعلمه ~~ان الإمام سوف يفلجهم ، ويخرج ظافرا بخزيهم ، فقال لهم : # « إني لا أرى ذلك ولا أفعله ». # « عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن ». # « ويحكم لا تفعلوا ، فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه ، ~~وعيبه لي. » # « ابعث إليه على كل حال ». # « إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. » # فقال ابن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يربى قوله على ~~قولنا؟. # ولما رأى معاوية إصرارهم عليه قال لهم : أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن ~~يتكلم بلسانه كله. # فقالوا له : مره بذلك. # وأجلبهم الى ما أرادوا ، وأمرهم أن يسلكوا خطة خاصة في حديثهم مع الإمام ~~قائلا : # « أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه ، وأبيتم إلا ذلك ، فلا تمرضوا له فى ~~القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار ولكن ~~اقذفوه بحجره ، تقولون له : إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من ~~قبله ». # ثم بعث خلف الإمام ، فقام (ع) واستدعى بثيابه فلبسها وعرف الغاية من هذه ~~الدعوى فخرج وهو يدعو بهذا الدعاء : # « اللهم إني أعوذ بك من شرورهم ، وأدرأ بك في نحورهم ، وأستعين PageV02P301 # بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت ، وأنى شئت ، بحول منك وقوة يا أرحم ~~الراحمين ». # ثم سار (ع) حتى انتهى الى معاوية ، فلما رآه مقبلا قابله بحفاوة وتكريم ~~ثم التفت إليه معتذرا : # « يا أبا محمد ، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني ». # فانبرى إليه الإمام مبينا له عدم واقعية هذا الاعتذار قائلا : # « سبحان الله!! الدار دارك ، والإذن فيها إليك ، والله إن كنت أجبتهم الى ~~ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش ، وإن كانوا غلبوك على ~~رأيك إني لأستحيى لك من الضعف ، فأيهما تقر وأيهما تنكر؟ أما أني لو علمت ~~بمكانهم لجئت بمثلهم من بني عبد المطلب ، ومالي أن أكون مستوحشا منك ومنهم ~~، إن وليي الله ، وهو يتولى الصالحين ». # فقال معاوية : « إني كرهت أن أدعوك ، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع ~~كراهتي ms462 له ، وإن لك منهم النصف ومني ، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل ~~مظلوما ، وان أباك قتله فاستمع منهم ثم أجبهم ، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم ~~أن تتكلم بكل لسانك ». # ولما سكت معاوية ابتدأ بالحديث أولا : # عمرو بن العاص : # واندفع ابن العاص فسب الإمام أمير المؤمنين ، واتهمه بسب أبي بكر وكراهته ~~لخلافته ، وانه شرك في دم عمر بن الخطاب ، وقتل عثمان ظلما ولا أبقى شيئا ~~من صفات الذم إلا وألصقها به ، ثم التفت الى الإمام الحسن قائلا : # « إنكم يا بني عبد المطلب ، لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم PageV02P302 # الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم ~~ما لا يحل ، ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك ~~عقل ذلك ولا لبه ، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك ، وترك أحمق قريش يسخر ~~منك ، ويهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك ، وإنما دعوناك لنسبك وأباك ، فأما ~~أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره ، وأما أنت فانك فى أيدينا نختار فيك ~~الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيب من الناس ، فهل ~~تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فان كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا ~~فيما قلنا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان ». # وليس في هذا الكلام سوى القذف والسب المنبعث عن نفس مترعة بالباطل ~~والعداء لآل البيت (ع) ثم انبرى من بعده. # الوليد بن عاقبة : # وانطلق هذا الأثيم قائلا : # « إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم وكنتم أصهاره فنعم ~~الصهر كان لكم ، يكرمكم فكنتم أول من حسده ، فقتله أبوك ظلما لا عذر له ولا ~~حجة ، فكيف ترون الله طلب بدمه وأنزلكم منزلتكم والله إن بني أمية خير لبني ~~هاشم من بني هاشم لبني أمية وإن معاوية خير لك من نفسك ». # ثم سكت وتكلم من بعده عتبة بن أبي سفيان : # وانبرى عتبة فأظهر خبث سريرته وعداءه لآل البيت قائلا : # « يا حسن ، كان أبوك شر قريش لقريش لسفكه لدمائها ، وقطعه لارحامها ، ~~طويل السيف ms463 واللسان ، يقتل الحي ويعيب الميت ، وانك ممن PageV02P303 # قتل عثمان ، ونحن قالموك به ، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا ~~ولا في ميراثها راجحا ، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، وإن في الحق أن ~~نقتلك وأخاك به ، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره ، وأقاد منه ، وأما أنت فو ~~الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان ». # واندفع من بعده المغيرة بن شعبة : # وابتدأ المغيرة أولا بشتم أمير المؤمنين (ع) ثم قال : # « والله ما أعيبه فى قضية يخون ، ولكنه قتل عثمان ». # ثم سكتوا عن الكلام ، فانبرى إليهم الإمام فوضعهم على طاولة التشريح ، ~~فنشر عيوبهم ومخازيهم ، وأشاد بفضل أبيه أمير المؤمنين (ع). # جوابه لمعاوية : # وقد وجه خطابه أولا الى معاوية قائلا : # « يا معاوية ، ما هؤلاء شتموني ، ولكنك شتمتني ، فحشا ألفته ، وسوء رأي ~~عرفت به ، وخلقا سيئا ثبت عليه ، وبغيا علينا عداوة منك لمحمد ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولن فيك وفيهم ما ~~هو دون ما فيكم. أنشدكم الله أيها الرهط ، أتعلمون ان الذي شتمتموه منذ ~~اليوم صلى القبلتين كلتيهما؟ وأنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة ، ~~وتعبد اللات والعزى غواية. وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين ~~كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان؟ وأنت يا معاوية باحداهما كافر ، ~~وبالأخرى ناكث. وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا؟ وإنك يا ~~معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم ، تسرون الكفر ، وتظهرون الإسلام ، ~~وتستمالون بالأموال. وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول ~~الله (ص) يوم بدر وإن راية المشركين كانت مع معاوية ومع PageV02P304 # أبيه ، ثم لقيكم يوم احد ، ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله (ص) ومع ~~أبيك راية الشرك ، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته (1)، وينصر دعوته ، ~~ويصدق حديثه ، ورسول الله (ص) في تلك المواطن كلها عنه راض ، وعليك وعلى ~~أبيك ساخط. وأنشدك بالله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت ~~تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله (ص) فقال : « اللهم العن ~~الراكب والقائد والسائق ms464 ». أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته الى أبيك لما ~~هم أن يسلم تنهاه عن ذلك؟. # يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا %~% بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا خالي وعمي وعم الأم ثالثهم %~% وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا لا تركنن الى أمر تكلفنا %~% والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول العداة لقد %~% حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا # والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت. وأنشدكم الله أيها الرهط ~~أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله (ص) فأنزل فيه : ~~« يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم » (2) وإن رسول ~~الله (ص) بعث أكابر أصحابه الى بني قريضة فنزلوا من حصنهم فهزموا ، فبعث ~~عليا بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله ، وفعل في خيبر مثلها ، ثم ~~قال : يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما قاله رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فيك لما أراد أن يكتب كتابا الى بني خزيمة فبعث إليك ~~فلم تأته فدعا عليك بالنهم الى أن تموت. وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله ألا ~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن PageV02P305 # لا تستطيعون ردها : # ( أولها ) يوم لقي رسول الله (ص) خارجا من مكة الى الطائف يدعو ثقيفا الى ~~الدين فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده وهم أن يبطش به فلعنه الله ~~ورسوله وصرف عنه. # ( الثانية ) يوم العير إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم وهي ~~جائية من الشام فطردها أبو سفيان ، وساحل بها فلم يظفر المسلمون بها ، ~~ولعنه رسول الله (ص) ودعا عليه فكانت واقعة بدر لأجلها. # ( الثالثة ) يوم احد حيث وقف تحت الجبل ورسول الله (ص) في أعلاه وهو ~~ينادي أعل هبل مرارا فلعنه رسول الله (ص) عشر مرات ، ولعنه المسلمون. # ( الرابعة ) يوم جاء بالأحزاب وغطفان اليهود فلعنه رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وابتهل. # ( الخامسة ) يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله (ص) عن ms465 المسجد ~~الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله يوم الحديبية فلعن رسول الله أبا سفيان ~~، ولعن القادة والأتباع ، وقال : ملعونون كلهم وليس فيهم من يؤمن ، فقيل : ~~يا رسول الله أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟ فقال : لا تصيب ~~اللعنة أحدا من الأتباع ، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد ( السادسة ) يوم ~~الجمل الأحمر. # ( السابعة ) يوم وقفوا لرسول الله (ص) في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا ~~اثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان ، فهذا لك يا معاوية ». # وأنزل (ع) بكلامه معاوية من قصره الى قبره ، ومن عرشه الى نعشه وتركه ~~والحزن يحز في نفسه. ثم التفت (ع) الى عمرو بن العاص فقال له : PageV02P306 # « وأما أنت يا ابن العاص فان أمرك مشترك ، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح ~~فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها ألأمهم حسبا ، وأخبثهم منصبا ، ~~ثم قام أبوك فقال : أنا شانئ محمد الأبتر ، فأنزل الله فيه ما أنزل. وقاتلت ~~رسول الله (ص) في جميع المشاهد ، وهجوته وآذيته بمكة ، وكدته كيدك كله ، ~~وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة ، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب ~~السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه الى أهل مكة ، فلما أخطأك ما رجوت ، وأرجعك ~~الله خائبا ، وأكذبك واشيا ، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به ~~الى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ، ففضحك الله وفضح صاحبك فأنت عدو ~~بني هاشم فى الجاهلية والإسلام ، ثم انك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون انك ~~هجوت رسول الله (ص) بسبعين بيتا من الشعر ، فقال رسول الله (ص): اللهم إني ~~لا أقول الشعر ولا ينبغي لي ، اللهم العنه بكل حرف الف لعنة ، فعليك إذا من ~~الله ما لا يحصى من اللعن. وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه ~~الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت : أنا أبو عبد الله إذا ~~نكأت قرحة أدميتها ثم حبست نفسك الى معاوية وبعت دينك بدنياه فلسنا نلومك ~~على بغض ، ولا نعاتبك على ود ، وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له ms466 ~~مقتولا ، ويحك يا ابن العاص ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة الى ~~النجاشي : # تقول ابنتى أين هذا الرحيل %~% وما السير مني بمستنكر فقلت ذريني فاني امرؤ %~% اريد النجاشي فى جعفر لأكويه عنده كية %~% اقيم بها نخوة الأصعر وشأني أحمد من بينهم %~% وأقولهم فيه بالمنكر PageV02P307 وأجرى الى عتبة جاهدا %~% ولو كان كالذهب الأحمر ولا أنثني عن بني هاشم %~% وما اسطعت في الغيب والمحضر فان قبل العتب مني له %~% وإلا لويت له مشفري # فهذا جوابك هل سمعته؟ # لقد ذكر (ع) ما هو ماثل في ابن العاص من الرذائل والمخازي ، ومن الحقد ~~العارم للإسلام والمسلمين ، واشتراكه في دم عثمان ، وانضمامه بعد ذلك الى ~~معاوية طمعا بدنياه. ثم التفت (ع) الى الوليد بن عاقبة فقال له : # « وأما أنت يا وليد فو الله ما ألومك على بغض علي ، وقد جلدك ثمانين جلدة ~~في الخمر ، وقتل أباك بين يدي رسول الله (ص)، وأنت الذي سماه الله الفاسق ~~، وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له : أسكت يا علي فأنا أشجع منك ~~جنانا ، وأطول منك لسانا. فقال لك علي : أسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق ~~فأنزل الله في موافقة قوله : ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون ) (1). ثم أنزل على موافقة قوله : ( @QUR@05 إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا ) (2) ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه ، ثم ~~ذكر (ع) الأبيات التي قيلت فيه : # ليس من كان مؤمنا عمرك %~% الله كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل %~% وعلي الى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا %~% ووليد يجزى بذاك هوانا # وما أنت وقريش إنما أنت علج من أهل صفورية ، وأقسم بالله لأنت PageV02P308 # أكبر في الميلاد واسن ممن تدعى إليه ». # ان السبب الداعي الى بغض الوليد وعدائه الى أمير المؤمنين (ع) ان الإمام ~~مثال للإيمان والوليد رمز للكفر ، ومن المعلوم ان التضاد بين الإيمان ~~والكفر تضاد ذاتي وتنافر طبيعي ، ومضافا الى ذلك فان أمير المؤمنين قد جلده ~~ثمانين جلدة لشربه الخمر ، وقد ms467 أولد ذلك في نفسه عداء لأمير المؤمنين أي ~~عداء ، وبعد ما أخزى (ع) الوليد. التفت الى عتبة بن أبي سفيان فقال له : # « وأما أنت يا عتبة ، فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك ، ولا عاقل فأحاورك ~~وأعاتبك ، وما عندك خير يرجى ، ولا شر يتقى ، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء ~~، وما يضر عليا لو سببته على رءوس الأشهاد ، وأما وعيدك إياي بالقتل فهلا ~~قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك. أما تستحيي من قول نصر بن الحجاج فيك : # يا للرجال وحادث الأزمان %~% ولسبة تخزي أبا سفيان نبئت عتبة خانه في عرسه %~% جنس لئيم الأصل من لحيان # وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه ، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل ~~فاضحك؟!! وكيف ألومك على بغض علي وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر ، ~~واشترك مع حمزة فى قتل جدك عتبة وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد؟!! ». # لقد بين (ع) سفاهة عتبة وعدم عقله ، وفقدانه الشرف ، وان أمير المؤمنين ~~(ع) قد حصد ببتاره رأس جده وخاله وأخيه يوم بدر ، فلهذا كان يكن في نفسه ~~الحقد والبغض له ، ثم التفت (ع) بعد ذلك الى المغيرة بن شعبة فقال له : PageV02P309 # « وأما أنت يا مغيرة ، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه ، وإنما مثلك ~~مثل البعوضة إذ قالت للنخلة : « استمسكي فاني طائرة عنك. فقالت النخلة : ~~وهل علمت بك واقعة علي فأعلم بأنك طائرة عنى ». والله ما نشعر بعداوتك ~~إيانا ، ولا اغتممنا إذ علمنا بها ، ولا يشق علينا كلامك وإن حد الله فى ~~الزنا لثابت عليك ، ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه ، ولقد سألت رسول ~~الله (ص) هل ينظر الرجل الى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال : لا بأس بذلك يا ~~مغيرة ، ما لم ينو الزنا لعلمه بأنك زان ، وأما فخركم علينا بالامارة فان ~~الله تعالى يقول : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )» (1). # وانتهى بذلك حديث الإمام مع خصومه ، وقد دلهم (ع) على عيوبهم ورذائلهم ~~النفسية ms468 والنسبية ، وكشف الستار عن مخازيهم ، وسلبهم ثوب الافتخار ، وترك ~~(ع) الكمد والحزن يحزان في نفوسهم ، فلما أراد الانصراف تعلق بطرف ثوبه ابن ~~العاص وهو يقول : # « يا أمير المؤمنين ، قد شهدت قوله فى قذف أمي ، وأنا مطالب له بحق القذف ». # فصاح به معاوية في غيظ : # « خل عنه لا جزاك الله خيرا ». # ثم التفت الى بطانته منددا بهم ولائما لهم على عصيانهم ومخالفتهم له ~~قائلا : # « قد أنبأتكم أنه ممن لا يطاق عارضته ، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني والله ~~ما قام حتى أظلم علي البيت ، قوموا عني ، فلقد فضحكم الله وأخزاكم PageV02P310 # بترككم الحزم وعدولكم عن رأي الناصح المشفق ، والله المستعان » (1). # 4 واجتمع معاوية مع بطانته فجعل بعضهم يفخر على بعض ويتطاولون فيما بينهم ~~، فأراد معاوية أن يضحك على ذقونهم فقال لهم : # « أكثرتم الفخر ، فلو حضركم الحسن بن علي (ع) وعبد الله بن عباس لقصرا من ~~أعنتكم ما طال ». # فاندفع زياد بن سمية فقال : # « وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ما يقومان لمروان بن الحكم فى غرب منطقه ~~(2)، ولا لنا فى بواذخنا (3)، فابعث إليهما فى غد حتى تسمع كلامنا ». # فالتفت معاوية الى وزيره ابن العاص يستشيره فى ذلك : # « ما تقول؟ ». # « ابعث إليهما فى غد ». # وبعث معاوية ابنه يزيد خلفهما ، فلما حضرا قال لهما معاوية : # « إني أجلكما وارفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد ~~فانك ابن رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة ». # فشكر الإمام وابن عباس مقالته ، واندفع ابن العاص قائلا : # « يا حسن ، إنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى ~~في الوغى ، وأوفى عهدا ، وأكرم خيما (4)، وأمنع لما وراء PageV02P311 # ظهورهم من بني عبد المطلب ». # ثم سكت ، وتكلم من بعده مروان بن الحكم فقال : # « وكيف لا نكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم ، وحاربناكم فملكناكم فان ~~شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا ». # وسكت مروان فتكلم زياد فقال : # « ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ، ويجحدوا الخير في سلطانه نحن أهل ~~الحملة في الحروب ، ولنا الفضل على سائر الناس قديما وحديثا ». # فانبرى ms469 إليهم الامام كالأسد محطما لكيانهم ، ومبيدا لفخرهم قائلا : # « ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة ، ولكن من الإفك أن ينطق ~~الرجل بالخنا ، ويصور الباطل بصورة الحق ، ثم وجه عليه السلام خطابه الى ~~عمرو بن العاص فقال له : # « يا عمرو ، افتخارا بالكذب ، وجرأة على الإفك ، ما زلت اعرف مثالبك ~~الخبيثة ، أبديها مرة وأمسك عنها اخرى ، فتأبى إلا انهماكا فى الضلالة ، ~~أتذكر مصابيح الدجى ، واعلام الهدى ، وفرسان الطراد ، وحتوف الأقران ، ~~وابناء الطعان ، وربيع الضيفان ، ومعدن النبوة ، ومهبط العلم؟ وزعمتم انكم ~~أحمى لما وراء ظهوركم ، وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال ، وتساورت ~~الأقران ، واقتحمت الليوث ، واعتركت المنية ، وقامت رحاها على قطبها ، وأ ~~فترت عن نابها ، وطار شرار الحرب ، فقتلنا رجالكم ، ومن النبي (ص) على ~~ذراريكم فكنتم لعمري في ذلك اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد ~~المطلب ». # ثم التفت (ع) الى مروان فقال له : # « وأما أنت يا مروان ، فما أنت والإكثار فى قريش وأنت طليق PageV02P312 # وأبوك طريد يتقلب من خزاية الى سوأة ، ولقد جيء بك الى أمير المؤمنين ~~فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه ، واشتبكت أنيابه كنت كما قال القائل : # ليث إذا سمع الليوث زئيره %~% بصبصن ثم قذفن بالأبعار (1) # فلما من عليك بالعفو وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك ، وغصصت بريقك لم تقعد ~~معنا مقعد أهل الشكر ، ولكن تساوينا وتجارينا (2) ونحن مما لا يدركنا عار ، ~~ولا تلحقنا خزاية ». # ثم وجه (ع) خطابه إلى زياد فقال له : # « وما أنت يا زياد وقريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا (3)، ولا فرعا ~~نابتا ، ولا قديما ثابتا ، ولا منبتا كريما ، بل كانت أمك بغيا تداولها ~~رجال من قريش ، وفجار العرب ، فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا ~~وأشار الى معاوية بعد ممات أبيه مالك افتخار ، تكفيك سمية ، ويكفينا رسول ~~الله (ص) وأبي علي بن أبي طالب (ع) سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه ~~وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة ». # وبعد ما القم ms470 الحجر أفواه خصومه التفت الى ابن عباس قائلا : # « يا ابن العم ، إنما هي بغاث الطير انقض عليها أجدل ». # وأراد ابن عباس أن يتكلم فخاف معاوية من حديثه فأقسم عليه أن يسكت فسكت ، ~~ثم خرج الإمام وابن عباس ، فالتفت معاوية الى بطانته مستهزئا بهم : PageV02P313 # « أجاد عمرو الكلام لو لا أن حجته دحضت ، وتكلم مروان : لو لا انه نكص ». # ثم التفت الى زياد فأنكر عليه هذا التدخل قائلا : # « ما دعاك الى محاورته ما كنت إلا كالحجل فى كف البازي ». # والتفت ابن العاص الى معاوية : # « ألا رميت من ورائنا؟ ». # « إذا كنت شريككم فى الجهل ، أفاخر رجلا رسول الله جده ، وهو سيد من مضى ~~ومن بقى ، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ». # ثم التفت الى ابن العاص : # « والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السواء ». # فقال عمرو : لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان وزيادا طحن الرحا بثفالها ، ~~ووطأهما وطىء البازل القراد بمنسمه. # واندفع زياد يؤيد مقالة ابن العاص في تحطيم الإمام لهم قائلا : # « قد والله فعل ، ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم ، لا جرم ~~والله لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما ». # وخلا ابن عباس بالإمام فقبل ما بين عينيه وأظهر له الإعجاب بحديثه ورده ~~على هؤلاء الأوغاد قائلا : # « أفديك يا ابن العم ، والله ما زال بحرك يزخر ، وأنت تصول حتى شفيتني من ~~أولاد البغايا ». # 5 وغاب الإمام عن دمشق أياما ثم رجع إليها فدخل على معاوية وكان في مجلسه ~~عبد الله بن الزبير ، فلما رأى معاوية الإمام قام إليه فاستقبله ، وبعد ما ~~استقر به المجالس التفت إليه قائلا : PageV02P314 # « يا أبا محمد ، إني أظنك تعبا نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه ». # وخرج الإمام من عنده ، والتفت معاوية الى عبد الله بن الزبير مغريا له : # « لو افتخرت على الحسن ، فانك ابن حواري رسول الله (ص) وابن عمته ، ~~ولأبيك في الإسلام نصيب وافر ». # فانخدع ابن الزبير بمقالة معاوية فأظهر له الاستعداد على مطاولة الإمام ~~ومفاخرته قائلا : # « أنا ، له ». # وانصرف ابن ms471 الزبير وقد انفق ليله ساهرا وهو يفكر بما ذا سيوصم به الإمام؟ ~~فلما أصبح جاء يشتد الى مجلس معاوية ليطاول الإمام ويعتدي عليه حتى يرضي ~~عواطف معاوية ، وأقبل الامام (ع) فقام إليه معاوية واحتفى به ، ولما استقر ~~به المجالس اندفع ابن الزبير قائلا : # « لو لا انك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر ، وكنت لا ~~تحتاج الى اختراق السهوب (1)، وقطع المفاوز ، تطلب معروفه وتقوم ببابه ، ~~وكنت حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي فى بأسه ونجدته فما أدري ما الذي ~~حملك على ذلك؟ أضعف في الرأي أم وهن نحيزة (2) فما أظن لك مخرجا من هاتين ~~الخلتين ، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير ، ~~وإني لا أنكص عن الأبطال ، وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب ، ~~وأبي الزبير من حواري رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، وأشد الناس بأسا ، ~~وأكرمهم حسبا فى الجاهلية ، PageV02P315 # وأطوعهم لرسول الله (ص)». # واندفع الامام فرد عليه أباطيله وبهتانه قائلا : # « أما والله ، لو لا أن بني أمية تنسبني الى العجز عن المقال لكففت عنك ~~تهاونا ، ولكن سأبين لك ذلك لتعلم أني لست بالعي ، ولا الكليل اللسان إياي ~~تعير ، وعلي تفتخر؟! ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوجته جدتي ~~صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها ، وشرف بمكانها ، فكيف تفاخر ~~من هو من القلادة واسطتها ، ومن الأشراف سادتها نحن اكرم أهل الأرض زندا؟ ~~لنا الشرف الثاقب ، والكرم الغالب ، ثم تزعم أني سلمت الأمر ، فكيف يكون ~~ذلك ويحك كذلك.؟ وأنا ابن أشجع العرب ، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء ~~العالمين (ع) وخيرة الاماء ، لم أفعل ذلك ويحك جبنا ولا ضعفا ، ولكنه ~~بايعني مثلك ، وهو يطلبني بترة ، ويداجيني المودة ، ولم أثق بنصرته ، لأنكم ~~أهل بيت غدر ، وكيف لا يكون كما أقول :؟ وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم ~~نكث بيعته ونكص على عقبيه ، واختدع حشية من حشايا رسول الله (ص) ليضل بها ~~الناس ، فلما دلف نحو الأعنة ورأى ms472 بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له ، وأتى ~~بك أسيرا ، قد وطأتك الكماة بأظلافها ، والخيل بسنابكها ، واعتلاك الأشتر ~~فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث ، فنحن ويحك نور ~~البلاد وأملاكها ، وبنا تفخر الأمة ، وإلينا تلقى مقاليد الأزمة ، أتصول ~~وأنت تخدع النساء!! ثم تفخر على بني الأنبياء ، لم تزل الأقاويل منا مقبولة ~~، وعليك وعلى أبيك مردودة ، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين ، ثم ~~بايعوا أمير المؤمنين (ع) فسار الى PageV02P316 # أبيك وطلحة حين نكثا البيعة ، وخدعا عرس رسول الله (ص) (1) فقتل أبوك ~~وطلحة وأتي بك أسيرا فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك ، ~~فأنت عتاقة أبي ، وأنا سيدك وسيد أبيك فذق وبال أمرك ». # وخجل ابن الزبير وندم على ما فرط في أمره ، فتقدم الى الإمام باسلوب لين ~~ناعم يلتمس فيه العفو والرضا ، معربا له ان معاوية هو الذي أغراه بذلك ~~قائلا : # « أعذر يا أبا محمد ، فإنما حملني على محاورتك هذا وأشار الى معاوية فهلا ~~إذ جهلت أمسكت عني ، فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو ». # والتفت الامام الى معاوية فقال له : # « انظر هل أكيع عن محاورة أحد؟ ويحك أتدري من أي شجرة أنا؟ والى من ~~أنتمي؟ انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان ». # فقال ابن الزبير : # « هو لذلك أهل ». # فالتفت معاوية الى ابن الزبير قائلا : # « أما انه قد شفى بلابل صدري منك ، ورمى مقتلك ، فصرت كالحجل في كف ~~البازي يتلاعب به كيف أراد ، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها » (2). PageV02P317 # 6 ومن مناظراته القيمة ، ومشاجراته مع خصومه التي حطم بها كيانهم انه (ع) ~~أقبل الى معاوية فلما بصر به حاجبه أسرع إليه فعرفه بتشريف الامام ، فالتفت ~~معاوية الى بطانته قائلا. # « إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه ». # فقال له مروان : « ائذن له ، فاني أسأله عما ليس عنده جواب ». # فنهره معاوية وقال له : « لا تفعل ، انهم قوم ألهموا الكلام ». # وأذن معاوية للإمام ، فلما دخل قام إليه فرحب به والتفت مروان قائلا ~~باستهزاء. # « أسرع الشيب الى ms473 شاربك يا حسن ، ويقال إن ذلك من الخرق » (1) # فأجابه الامام قائلا : # « ليس كما بلغك ، ولكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا ، فنساؤنا يقبلن ~~علينا بأنفاسهن ، وأنتم معاشر بني أمية فيكم بخر شديد (2) فنساؤكم يصرفن ~~أفواههن ، وأنفاسهن عنكم الى أصداغكم (3) فانما يشيب موضع العذار من أجل ذلك ». # فغضب معاوية وصاح بأصحابه : # « قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم ، وأفسد مجلسكم » # وخرج الامام من عندهم وقد ترك الكمد ملأ نفوسهم وهو يقول : # ومارست هذا الدهر خمسين حجة %~% وخمسا أرجى قائلا بعد قائل PageV02P318 فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها %~% ولا فى الذي أهوى كدحت بطائل وقد أسرعت في المنايا أكفها %~% وأيقنت أني رهن موت معاجل (1) # 7 وتحدث (ع) في مجلس معاوية عن عظيم فضله ، وشرف نسبه قائلا : # « قد علمت قريش بأسرها أني منها فى عز أرومتها ، لم أطبع على ضعف ، ولم ~~أعكس على خسف ، أعرف بشبهي ، وأدعى لأبي ». # وساء ذلك ابن العاص فانبرى قائلا : # « قد علمت قريش أنك من أقلها عقلا ، وأكثرها جهلا ، وإن فيك خصالا لو لم ~~يكن فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك (2) لعمر الله ، ~~لتنتهين عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط (3) أرميك من خلالها ~~بأحر من وقع الأثافي (4) أعرك منها أديمك عرك السلعة (5) فانك طالما ركبت ~~صعب المنحدر ، ونزلت في اعراض الوعر التماسا للفرقة ، وارصادا للفتنة ، ولن ~~يزيدك الله إلا فظاعة ». # فرد عليه الامام مقالته : # « أما والله لو كنت تسمو بحسبك ، وتعمل برأيك ، ما سلكت فج قصد ، ولا ~~حللت رابية مجد ، وأيم الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة PageV02P319 # العدو الكاشح (1)، فانه طال ما طويت على هذا كشحك ، وأخفيته في صدرك ، ~~وطمع بك الرجاء الى الغاية القصوى التي لا يورق لها غصنك ، ولا يخضر لها ~~مرعاك ، أما والله ليوشكن يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش ، ~~قوي ممتنع ، فروس ذي لبد ، يضغطك ضغط الرحا للحب ، لا ينجيك منه الروغان ~~(2) إذا التقت حلقتا البطان » (3). # لقد كان ابن العاص يتحرى في ms474 كل مناسبة انتقاص أهل البيت ، ويعلن عداءه ~~وبغضه لهم وما سبب ذلك إلا لخبث ذاته ، وعدم طهارة انائه ، وقد رأى الامام ~~في الطواف فجعل يشتد نحوه ، فلما انتهى إليه رفع عقيرته : # « يا حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك ، فلقد رأيت الله عز وجل ~~أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله ، وبينا بعد خفائه ، أفرضي الله قتل ~~عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقىء ~~البيض (4) وأنت قاتل عثمان ، والله إنه لألم للشعث وأسهل للوعث (5) أن ~~يوردك معاوية حياض أبيك ». # فوجه (ع) إليه سهاما من قوله قائلا : # « ان لأهل النار علامات يعرفون بها ، وهي الالحاد لأولياء الله ، ~~والموالاة لأعداء الله ، والله إنك لتعلم أن عليا (ع) لم يتريب في الأمر PageV02P320 # ولم يشك في الله طرفة عين ، وأيم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأقرعن ~~جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت ، فاياك والابراز علي فاني من قد عرفت ~~لست بضعيف الغميزة (1) ولا بهش المشاشة (2) ولا بمرئ المأكلة وإني من قريش ~~كاوسط القلادة ، يعرف حسبي ، ولا أدعى لغير أبي وقد تحاكمت فيك رجال من ~~قريش فغلب عليك ألأمهم نسبا وأظهرهم لعنة فاياك عنى فانك رجس ، وأما نحن ~~بيت الطهارة أذهب الله عنا الرجس ، وطهرنا تطهيرا » (3). # 8 ومما وقع للإمام في دمشق انه دخل على معاوية فلما رآه قام إليه واحتفى ~~به فساء ذلك مروان واضطرب غيظا وموجدة واندفع قائلا : # يا حسن ، لو لا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد ~~والعلا ما أقعدك هذا المقعد ، ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير # فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام ، وصناديد بني أمية ~~اذعنت بالطاعة ، واحتجزت بالبيعة ، وبعثت تطلب الأمان ، أما والله لو لا ~~ذلك لأريق دمك ، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى فاحمد الله اذا ~~ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى!. ». # فرد عليه الإمام قائلا : # ويحك يا مروان ، لقد تقلدت مقاليد ms475 العار في الحروب عند مشاهدتها ~~والمخاذلة عند مخالطتها ، نحن هبلتك الهوابل لنا الحجج البوالغ ، ولنا إن ~~شكرتم عليكم النعم السوابغ ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار ، فشتان ~~ما بين المنزلتين تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء PageV02P321 # ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد ~~المطلب أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم ~~يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت هاربا وأخذت ~~أسيرا فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوار ، أيراق دمى زعمت؟!! أفلا أرقت ~~دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل؟ وأنت تثغو ثغاء ~~النعجة!! وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت ~~عنه بسهم؟! لقد أرتعدت فرائصك!! وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد ~~بربه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحث معاوية على قتلي؟ ولو رام ذلك معك ~~لذبح كما ذبح ابن عفان ، أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن ~~تجسر على ذلك ثم تزعم أنى ابتليت بحلم معاوية أما والله لهو أعرف بشأنه ، ~~وأشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له ، فلا يغضين جفنه على القذى معك فو ~~الله لاعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك ~~عند ذلك الهرب والروغان ، ولا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام فنحن من لا يجهل ~~آباؤنا القدماء الأكابر ، وفروعنا السادة الأخيار ، أنطلق إن كنت صادقا ». # فقال ابن العاص مستهزا بمروان : # « ينطق بالخنا وتنطق بالصدق ». ثم أنشأ يقول : # قد يضرط العير والمكواة تأخذه %~% لا يضرط العير والمكواة في النار # « ذق وبال أمرك يا مروان ». # وصاح معاوية بمروان : # « قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا إنهما كما فيما لا يعنيك أربع ~~على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله ، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن PageV02P322 # رسول الله (ص) الكريم ، ولكن رب باحث عن حتفه وحافر عن مديته ». # وانتفخت أوداج مروان غضبا ms476 وحنقا فاندفع نحو معاوية قائلا : # « ارم من دون بيضتك ، وقم بحجة عشيرتك ». # ثم التفت إلى ابن العاص قائلا : # « وطعنك أبوه فوقيت نفسك بخصييك فلذلك تحذره ». # ثم قام وهو محطم الكيان قد أهين وحقر فقال معاوية : # « لا تجار البحور فتغمرك ، ولا الجبال فتبهرك » (1). # 9 ودخل الإمام على معاوية وكان في مجلس ضيق فجلس (ع) عند رجليه فتحدث ~~معاوية بما شاء أن يتحدث به ثم قال « عجبا لعائشة!! تزعم أني في غير ما أنا ~~أهله ، وان الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، مالها ولهذا يغفر الله لها ، انما ~~كان ينازعنى أبو هذا الجالس وأشار إلى الحسن وقد استأثر الله به ». # فقال (ع): « أوعجب ذلك يا معاوية!! ». # أي والله! :. # أفلا اخبرك بما هو أعجب؟!!. # ما هو؟ # جلوسك في صدر المجالس وأنا عند رجليك. # فضحك معاوية وراوغ على عادته وقال : # « يا ابن أخي بلغنى أن عليك دينا ، كم هو؟ ». # مائة الف. # أمرنا لك بثلاثمائة ألف ، مائة ألف منها لدينك ، ومائة ألف تقسمها PageV02P323 # في أهل بيتك خاصة ، ومائة ألف لخاصة نفسك ، فقم مكرما فاقبض صلتك. # وخرج الإمام من عنده وكان يزيد حاضرا في مجلس أبيه فلما رأى حفاوته ~~بالإمام ساءه ذلك وحينما انصرف من في المجالس اندفع قائلا : # « تالله ما رأيت رجلا مثلك ، استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له ~~بثلاثمائة ألف! » # يا بني ، إن الحق حقهم فمن جاءك منهم فاحث له (1). # وقد اعترف معاوية أن الخلافة الإسلامية لأهل البيت وانه قد غصبها منهم. # هذه بعض مناظرات الإمام مع خصومه ، قد روى أكثرها البيهقي والجاحظ ، ونص ~~عليها غيرهما من المؤرخين ، وقد فضح بها الإمام معاوية وأتباعه ، وأبدا ~~عارهم وعيارهم ، وأظهر لأهل الشام مخازي بنى أمية ، وعيوب آل أبي سفيان ، ~~فهي بحق ثورة على حكومة معاوية ، فقد حطمت كيانه ، وأنزلته من عرشه إلى قبره. # وشكك بعض أهل العلم فى بعض تلك المناظرات ، واحتمل فيها الوضع لأنها قد ~~اشتملت على تعيير الإمام لخصومه باسلوب يستبعد صدور منه وقد استدل على ذلك ~~بما روى من أن الإمام لم ms477 تسمع منه كلمة فحش قط إلا قوله لمروان : « ليس لك ~~عندي إلا ما رغم به أنفك » ومع هذا فكيف يصدر ذلك منه ، وهو احتمال موهوم ~~لأن خصومه الحقراء قد تجرءوا عليه وجابهوه بألفاظ قاسية بذيئة ، فرد عليهم ~~اعتداءهم ، ولكن لم يستعن بالكذب ، ولم يتذرع بالبذاء كما تذرعوا به. # وعلى أي حال فان معاوية بالرغم مما انزله الإمام به من الذل والهوان فانه ~~كان يحذر جانبه ويخشاه وذلك لما له من المكانة المرموقة في نفوس المسلمين ، ~~وتقديمهم له بالفضل على غيره ، وكانوا يعلنون ذلك أمام معاوية PageV02P324 # فقد ذكر رواة الأثر ان معاوية تحدث في مجلسه فقال : # « اخبروني بخير الناس أبا وأما ، وعما وعمة ، وخالا وخالة ، وجدا وجدة ». # وانما قال ذلك ليرى مدى انطباع المسلمين عن الإمام ، فقام إليه مالك بن ~~عجلان فقال له : « هذا وأشار إلى الحسن خير الناس أبوه علي بن أبي طالب ، ~~وأمه فاطمة بنت رسول الله (ص)، وعمه جعفر الطيار في الجنان ، وعمته أم ~~هاني بنت أبي طالب ، وخاله القاسم بن رسول الله ، وخالته زينب بنت رسول ~~الله ، وجده رسول الله (ص)، وجدته خديجة بنت خويلد ... ». # فسكت معاوية ولم يطق جوابا ، ولما انصرف الإمام انبرى ابن العاص الى مالك ~~فانكر عليه قوله ، قائلا له : # « أحب بني هاشم حملك على أن تكلمات بالباطل؟! ». # فرد عليه مالك قائلا : # « ما قلت إلا حقا : وما أحد من الناس يطلب مرضاة المخلوق بمعصية الخالق ، ~~إلا لم يعط أمنيته في دنياه ، وختم له بالشقاء في آخرته ، بنو هاشم أنضرهم ~~عودا ، واوراهم زندا ». # والتفت إلى معاوية فقال له : « أليس هم كذلك؟ » ولم يسع معاوية إلا ~~التصديق لكلامه (1). # ان معاوية كان يخشى من الإمام ويحذر من انتفاضته عليه ، ولا تزال ذكريات ~~صفين ماثلة امامه فيفزع منها ، ويخاف ان تعود عليه مرة اخرى ، ولهذا كان ~~يرعى عواطف الإمام ، وقد ذكر المؤرخون ان عمرو ابن عثمان بن عفان ، واسامة ~~بن زيد مولى رسول الله (ص) تخاصما عند PageV02P325 # معاوية في ارض فقال عمرو لأسامة : « كأنك تنكرني؟! » فرد عليه اسامة ms478 ~~مقالته ، وكثر التشاجر بينهما فهدده أسامة بالهاشميين ، ثم قام فجلس إلى ~~جانب الحسن (ع) وقام الهاشميون فجلسوا إلى جانبه ، ولما راى الأمويون ذلك ~~انضموا إلى ابن عثمان ، وخاف معاوية من اثارة الفتنة فبادر الى حسم النزاع ~~قائلا : # « لا تعجلوا أنا كنت شاهدا إذ أقطعها رسول الله (ص) اسامة ». # وقد حكم بذلك لأسامة وقدمه على عمرو ولما خرج الإمام اقبل الأمويون على ~~معاوية يلومونه على ذلك ، وقالوا له : « الا كنت اصلحت بيننا؟ » فأجابهم ~~معاوية بما ينم عن فزعه وخوفه قائلا : # « دعوني فو الله ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس علي عقلي ، ~~وإن الحرب اولها نجوى ، واوسطها شكوى ، وآخرها بلوى ». # ثم تمثل بأبيات لامرئ القيس قائلا : # الحرب اول ما تكون فتية %~% تدنو بزينتها لكل جهول حتى إذا حميت وشب ضرامها %~% عادت عجوزا غير ذات حليل شمطاء جزت راسها وتنكرت %~% مكروهة للثم والتقبيل # ثم قال : ما في القلوب يشب الحروب ، والأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير ، ~~وتمثل بقول الشاعر : # قد يلحق الصغير بالجليل %~% وإنما القرم من الأفيل # وتسحق النخل من الفسيل (1) # إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن سفر الإمام إلى دمشق ، وعن مناظراته فيها. PageV02P326 ### | خرق معاوية شروط الصلح PageV02P327 # والتزمت أغلب الأمم والشعوب على اختلاف عناصرها وأديانها بالوفاء بالعهود ~~، وتنفيذ الشروط ، وعدم مجافاتها لما تلتزم به ، وذلك حرصا منها على ~~الروابط الاجتماعية ، وحفظا على النظام العام ، وقد اهتم الإسلام بهذه ~~الناحية اهتماما بالغا فأكد رعاية العهود ، وضرورة الوفاء بها قال تعالى : ~~( @QUR@06 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) (1) وقال تعالى : ( @QUR@012 ~~وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) (2) ~~لقد دعا تعالى المسلمين بهذه الآية إلى أن يهبوا إلى نصرة إخوانهم في الدين ~~وإلى الاشتراك معهم في عمليات الحروب إذا دعوهم إلى ذلك وقد استثنى تعالى ~~المسلمين الذين بينهم وبين المشركين عهد وميثاق فانه لا يجوز لهم خرق ذلك ~~الميثاق ، وذلك لما للعهود من الأهمية عند الله ، يقول الرسول ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : « المؤمنون عند شروطهم ، وقال (ص): « المؤمن إذا ~~وعد ms479 وفى » ويقول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر : # « وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، أو ألبسته منك ذمة ، فحط عهدك بالوفاء ~~، وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت. # فانه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم ~~وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود. # وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استبلوا من عواقب ~~الغدر. فلا تغدرن بذمتك ، ولا تخيسن بعهدك ، ولا تختلن عدوك فانه لا يجترئ ~~على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد ~~برحمته ، وحريما يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى PageV02P329 # جواره .. ». # هذا هو موقف الإسلام تجاه المعاهدات والشروط فقد الزم بوفائها ورعايتها ، ~~وحرم نكثها ، ولنرجع بعد هذا إلى اتفاقية الصلح التي تمت بين الإمام ~~ومعاوية ، لنرى مدى الالتزام بها من الجانبين ، أما ما يخص الإمام الحسن ~~(ع) من الشروط التي اشترطها معاوية عليه فانه لم يكن سوى شرط واحد وهو أن ~~لا يخرج الإمام عليه ، وقد وفى له بذلك ، فقد خف إليه خلص شيعته بعد أن ~~أعلن معاوية نقضه للشروط التي أعطاها للإمام ، فعرضوا عليه أن يخرج على ~~معاوية ، ويناجزه فأبى (ع) أن ينقض ما أعطاه من العهد ، وبعد خروجه من ~~الكوفة وشخوصه إلى يثرب جاءه زعماء شيعته فطلبوا منه مناجزة معاوية ، ~~وضمنوا له احتلال الكوفة وإخلائها من عامل معاوية ، فامتنع (ع) من إجابتهم ~~وأمرهم بالخلود الى الصبر كما تقدم بيان ذلك . # وأما ما يخص معاوية فانه قد خان بعهده ، وحنث بيمينه ، وكذب بمواعيده ، ~~بالرغم من أنه الزم نفسه بالإيمان المغلظة والعهود المؤكدة على الوفاء بما ~~أعطاه للإمام من شروط فقد جاء فى ختام المعاهدة بتوقيعه : « وعلى معاوية بن ~~أبي سفيان ، عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء ، ~~وبما أعطى الله من نفسه. » فلم تمض أيام على امضاء المعاهدة حتى أعلن نقضها ~~فقال أمام المسلمين : « الا ان كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي هاتين ~~لا أفي به! » يقول ms480 الحصين بن نمير : « ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه ~~، قتل حجرا وأصحاب حجر ، وبايع لابنه وسم الحسن. » (1). PageV02P330 # إن جميع ما شملته بنود المعاهدة من شرط قد نقضها « كسرى العرب » فلم يف ~~بشيء منها ، وقد أسفر بذلك عن سياسته التي رفعت شعار الغدر ونكث الذمم ونقض ~~العهود ، وفيما بلي الشروط التي نقضها ولم يف بها. ### || 1 سبه لأمير المؤمنين : # إذا مات الإنسان وجب أن تموت معه الحزازات ، وتنطوي معه الأحقاد ، وسائر ~~المؤثرات ، وقد جرت سيرة الناس على ذلك منذ فجر التأريخ ، ولكن ابن هند قد ~~جافى ذلك ، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يعلن سب أمير المؤمنين عليه السلام ~~ويبالغ فى انتقاصه ، لم يمنعه عنه أنه قد اشترط عليه تركه فى اتفاقية الصلح ~~، ولم يمنعه عنه انتقال الإمام إلى جوار الله ، وقد قيل : # واحترام الأموات حتم وإن كا %~% نوا بعادا فكيف بالقرباء (1) # لقد اندفع معاوية بجميع طاقاته وقواه إلى النيل من الإمام وإلى الحط من ~~شأنه ، وقد سخر جميع أجهزة دولته فى ذلك حتى جعل سب العترة الطاهرة سنة من ~~سنن المسلمين يحتجون على تركها ، ويتنادون عليها ويأثمون على عدم أدائها. # ومما لا شبهة فيه أن سب أمير المؤمنين (ع) إنما هو سب للنبي (ص) وانتقاص ~~له فقد أثر عنه (ص) أنه قال : « من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب ~~الله » (2) وأثر عنه أنه قال : من آذى عليا فقد PageV02P331 # آذاني. » (1) وقال (ص): « اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من ~~نصره واخذل من خذله ». # وتواترت الأخبار عنه (ص) في أن الإمام أخوه ، ووصيه ، وخليله وباب مدينة ~~علمه ، ولو لا جهاده ودفاعه عن دين الله لما قام الإسلام ، وما عبد الله ~~عابد ، ولا وحده موحد ، وقديما قيل : # أعلى المنابر تعلنون بسبه %~% وبسيفه نصبت لكم أعوادها # أما بواعث سبه ، فان معاوية علم أنه لا يستقيم له الأمر إلا بانتقاص ~~الإمام والنيل منه وقد صرح بذلك مروان بن الحكم فقال : # « لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك أي بسب علي ». (2) # وعلى أي ms481 حال فان معاوية حينما رجع إلى دمشق بعد الصلح أمر بجمع الناس ~~فقام فيهم خطيبا فقال : # « أيها الناس ، إن رسول الله (ص) قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي ~~فاختر الأرض المقدسة فان فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب .. ». PageV02P332 # فأخذ الناس في لعنه وانتقاصه (1) ثم اتخذ سبه سنة جارية في خطب الجمعة ~~والأعياد ، فكان يخطب على الناس ويقول في آخر خطبته : # « اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك ، فالعنه لعنا وبيلا ~~وعذبه عذابا أليما » فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر (2) ثم كتب ~~إلى جميع عماله وولاته بلعن أخي رسول الله وسيد هذه الأمة. # فانبرت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنونه ويبرءون منه (3) PageV02P333 # وسار عماله على ذلك ، ومن أبى منهم عزله ، فقد عزل سعيد بن العاص عن ~~إمارة يثرب لأنه امتنع من سب الإمام ، وجعل في مكانه مروان بن الحكم ، وقد ~~بالغ هذا الوغد الخبيث في لعن الإمام وانتقاصه حتى امتنع الإمام الحسن (ع) ~~من الحضور فى الجامع (1) وكان المغيرة بن شعبة يبالغ فى كثرة السب حتى لم ~~يحص أحد كثرة سبه له (2) وكان زياد يحرض الناس على ذلك ، ومن أبى عرضه على ~~السيف (3). # لقد بالغ الولاة في لعن الإمام حتى جعلوا سبه من أجزاء صلاة الجمعة وبلغ ~~الحال أن بعضهم نسي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه ، وبنوا ~~مسجدا سموه « مسجد الذكر » (4) وخطب هشام بن عبد الملك بعرفة فلم يتناول ~~الإمام بسوء فانكر عليه عبد الملك بن الوليد قائلا : # « يا أمير المؤمنين ، هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب » # فقال له هشام : « ليس لهذا جئنا » (5) ولما ولي عبد الملك بن مروان جعل ~~في طليعة مهامه سب أمير المؤمنين ، وتعميم لعنه على جميع الحضر الإسلامية ، ~~وقد رمى بالفجور فى مجلسه ، وكان خالد بن عبد الله القسرى (6) وهو أحد ولاة ~~الأمويين على مكة والعراق يجاهر في لعن PageV02P334 # أمير المؤمنين والحسن والحسين فكان ينزو على المنبر ويقول : # « اللهم العن علي بن ms482 ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله (ص) ~~على ابنته ، وأبا الحسن والحسين ». # ثم يلتفت إلى الناس ويقول لهم : # « هل كنيت؟ » (1). # وذكر الحافظ السيوطى أنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين الف منبر ~~يلعن عليها ابن أبي طالب (ع) وذلك بما سنه لهم معاوية ، وفي ذلك يقول ~~العلامة أحمد حفظي مصطفى الشافعي في أرجوزته : # وقد حكى الشيخ السيوطي أنه %~% قد كان فيما جعلوه سنة سبعون الف منبر وعشرة %~% من فوقهن يلعنون حيدرة وهذه في جنبها العظائم %~% تصغر بل توجه اللوائم (2) # ولما رأى سواد الناس والطبقة الواطئة في الشعب أن أحب شيء |ألا قبح الرحمن ظهر مطية||أتتنا تهادى من دمشق بخالد| |وكيف يؤم الناس من كانت أمه||تدين بأن الله ليس بواحد| |بنى بيعة فيها الصليب لأمه||ويهدم من بغض منار المساجد| # وعزله هشام عن العراقين لأنه قد أكره امرأة مسلمة على الزنا ثم قتله في ~~أيام الوليد ، جاء ذلك فى وفيات الأعيان 5 / 152 162 وقريب منه ذكره ابن ~~كثير في البداية والنهاية 10 / 20 والعجب من ابن حبان حيث عد هذا المجرم ~~الأثيم من الثقات كما ذكر ذلك ابن حجر فى تهذيب التهذيب 3 / 101 قاتل الله ~~العصبية فانها تلبس الباطل لباس الحق. PageV02P335 # للسلطة الأموية وأقوى سبب للاتصال بها سب أمير المؤمنين (ع) وانتقاصه ~~أخذوا يتقربون إليها بذلك فقد أقبل بعض الأوغاد إلى الحجاج وهو رافع عقيرته ~~قائلا : # « أيها الأمير ، إن أهلي عقوني فسموني عليا ، وإني فقير بائس وأنا إلى ~~صلة الأمير محتاج ». # فأنس الحجاج بذلك وتضاحك وقال له : # « للطف ما توصلت به فقد وليتك موضع كذ » (1). # لقد انتشر سب أمير المؤمنين ولعنه في جميع الأقطار الإسلامية سوى سجستان ~~فانه لم يلعن على منابرها إلا مرة واحدة ولما أصر الأمويون على ذلك امتنعوا ~~عليهم حتى أضطر الأمويون أخيرا إلى موافقتهم (2) وبذلك فقد حاز أهل سجستان ~~الشرف والمجد وسجلت لهم هذه المأثرة بمداد من الشرف والنور. # وظل الأمويون مصرين على سب بطل الإسلام وحامى ms483 حوزته وقد بذلوا قصارى ~~جهودهم فى نشر ذلك إلى أن جاء دور عمر بن عبد العزيز فمنع السب وكتب بالمنع ~~إلى جميع عماله وولاته ، وأمر أن يجعل بدل اللعن فى خطبة الجمعة والأعياد ~~قوله تعالى : ( @QUR@018 ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ~~ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ) (3). # وقيل بل جعل مكان ذلك قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الله يأمر بالعدل PageV02P336 # @QUR@012 والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون ) (1). # وقيل بل جعلهما معا (2) وقد سجل بذلك مكرمة لا تنسى مدى الأجيال والأحقاب ~~، وقد مدحه شاعر العبقرية والنبوغ السيد الشريف الرضي رحمه الله على ذلك ~~وشكر له هذه اليد البيضاء التي أسداها على عموم المسلمين فقال : # يا ابن عبد العزيز لو بكت الع %~% ين فتى من أمية لبكيتك PageV02P337 غير أني أقول إنك قد طب %~% ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك أنت نزهتنا عن السب والقذ %~% ف فلو أمكن الجزاء جزيتك ولو اني رأيت قبرك لاستحيي %~% ت من أن أرى وما حييتك وقليل ان لو بزلت دماء ال %~% بدن ضربا على الذرى وسقيتك دير سمعان فيك مأوى أبي حفص %~% فبودي لو أنني آويتك دير سمعان لا أغبك غيث %~% خير ميت من آل مروان ميتك # (1) لقد قدم له السيد الشريف آيات الشكر والثناء بهذه الأبيات الرائعة ~~وشكره على محوه لهذه البدعة التي أثبتت جاهلية معاوية ، ومروقه من الدين ### || المنكرون ذلك : # وأثار سب الامام أمير المؤمنين سخط الأخيار والمتحرجين فى دينهم لأن ~~الامام نفس النبي (ص) وأخوه وأبو سبطيه ، وصاحب العناء فى الاسلام ، ولأن ~~سب المسلم من أفحش المحرمات ، فقد أثر عن النبي أنه PageV02P338 # « سباب المسلم فسوق » (1)، وقال (ص): « لا يكون المؤمن لعانا » (2) الى ~~غير ذلك من الأحاديث التي وردت عنه (ص) فى تحريم سب المسلم وقذفه ، فلذا ~~اندفعوا الى اعلان سخطهم والى الانكار عليه وعلى ولاته ، ونسوق نص كلامهم ~~في ذلك : ### || 1 سعد بن أبي وقاص : # وعز على سعد أن يسمع سب أمير المؤمنين وهو ms484 يعير ذلك أذنا صماء من دون أن ~~ينكر عليه ، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح قصد بيت الله الحرام ~~، وبعد فراغه من الطواف توجه الى دار الندوة فلما استقر به المجالس شرع فى ~~سب أمير المؤمنين فغضب سعد والتفت الى معاوية قائلا : # « يا معاوية أجلستني على سريرك ثم شرعت فى سب علي ، والله لان يكون في ~~خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، ~~والله لأن أكون صهرا لرسول الله (ص) ولي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن ~~يكون لي ما طلعت عليه الشمس والله لأن يكون رسول الله (ص) قال لي ما قال له ~~فيه يوم خيبر : « لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ، ويحب الله ~~ورسوله ليس بفرار ، يفتح الله على يديه » أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت ~~عليه الشمس ، والله لأن يكون رسول الله (ص) قال لي ما قال له فى غزوة تبوك ~~: « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » أحب ~~إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، وأيم الله PageV02P339 # ما دخلت لك دارا ما بقيت ، ثم نهض وهو غضبان ثائر » (1). ### || 2 السيدة أم سلمة : # وكانت السيدة أم سلمة عالمة بمنزلة أمير المؤمنين (ص) ولما له من المنزلة ~~الكريمة عند رسول الله (ص) ولما رأت أن معاوية يسبه علانية وجهرا اندفعت ~~الى انكار ذلك وقد رفعت الى معاوية مذكرة جاء فيها : « إنكم تعلنون الله ~~ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب (ع) ومن أحبه ، ~~وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله ». # ولكن انكارها لم يجد شيئا فقد بقي معاوية مصرا على غيه وإثمه (2). ### || 3 عبد الله بن عباس : # واجتاز حبر الأمة عبد الله بن عباس على قوم يسبون أمير المؤمنين فقال ~~لقائده : ادنني منهم فأدناه ، فانبرى إليهم وقد قد قلبه قائلا لهم بنبرات ~~تقطر غضبا وألما : # أيكم الساب رسول الله؟ # نعوذ بالله ms485 أن نسب رسول الله!! # أيكم الساب علي بن أبي طالب! # عن أبي عبد الله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي : أيسب رسول ~~الله صلى الله عليه وآلهوسلم فيكم؟ فقلت : معاذ الله ، أو سبحان الله ، أو ~~كلمة نحوها فقالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : من سب عليا فقد سبني. PageV02P340 # أما هذه فنعم. # أشهد لقد سمعت رسول الله (ص) يقول : « من سبني فقد سب الله ومن سب علي بن ~~أبي طالب فقد سبني ». # فأطرقوا برءوسهم الى الأرض خجلا لا يطيقون جوابا ثم تركهم وانصرف وقد ترك ~~الحزن يحز في نفوسهم والتفت الى قائده فقال له : # « كيف رأيتهم؟ » # فأجابه وهو جذلان بما فعله بهؤلاء المجرمين قائلا : # نظروا إليك بأعين محمرة %~% نظر التيوس الى شفار الجازر # فأنس ابن عباس وقال له : زدني فداك أبي وأمي!؟ # خزر العيون منكسي أذقانهم %~% نظر الذليل الى العزيز القاهر # زدني فداك أبي وأمي!؟ # ما عندي مزيد ، ولكن عندي : # أحياؤهم تجني على أمواتهم %~% والميتون فضيحة للغابر (1) # وجرت محاورة بين ابن عباس وبين معاوية ، وهي تكشف عن الخطط الرهيبة التي ~~سلكها معاوية في اخفاء مآثر الامام وفى حجب مناقبه وفضائله ، نسوق نصها لما ~~لها من الأهمية البالغة ، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح حج بيت ~~الله الحرام فاجتاز على جماعة من قريش فقاموا إليه سوى ابن عباس ، فبادره ~~معاوية قائلا : # يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي ~~إياكم يوم صفين؟ يا ابن عباس ، إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما. # فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما ، فسلم الأمر الى ولده ، وهذا PageV02P341 # ابنه وأشار الى عبد الله بن عمر . # إن عمر قتله مشرك. # فمن قتل عثمان؟ # قتله المسلمون. # فذلك أدحض لحجتك ، إن كان المسلمون قتلوه ، وخذلوه فليس إلا بحق!! # فانا كتبنا الى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فكف لسانك يا ~~ابن عباس. # فتنهانا عن قراءة القرآن؟ # لا. # فتنهانا عن تأويله؟ # نعم. # فنقرأه ، ولا نسأل عما عنى الله به؟ # نعم. ms486 # فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ # العمل به. # فكيف نعمل به ، حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟ # سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. # إنما أنزل القرآن على أهل بيتي ، فاسأل عنه آل أبي سفيان ، وآل أبي معيط؟؟ # فاقرءوا القرآن ، ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ، ومما قال رسول ~~الله ، وارووا ما سوى ذلك. PageV02P342 # قال الله تعالى « يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوافهم ، ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره ولو كره الكافرون ». # يا ابن عباس اكفني نفسك ، وكف عني لسانك ، وإن كنت فاعلا فليكن سرا ، ولا ~~تسمعه أحدا علانية (1). # ودلت هذه المحاورة على عمق الأساليب التي اعتمد عليها معاوية فى محاربة ~~أهل البيت ، وفي ستر فضائلهم ، وحجب المسلمين عنهم. ### || 4 الأحنف بن قيس : # ودخل الأحنف بن قيس على معاوية فلما استقر به المجالس قام وغد أثيم من ~~الشاميين خطيبا فافتتح خطابه بسب أمير المؤمنين وثقل ذلك على الأحنف ، ~~فالتفت الى معاوية وقد اسود الفضاء فى وجهه مما داخله من الحزن قائلا : # « إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك فى لعن المرسلين لعنهم ، فاتق الله يا ~~معاوية ، ودع عنك عليا فلقد لقى ربه ، وأفرد بقبره ، وخلي بعمله كان والله ~~مبرورا فى سبقه أي الى الإسلام طاهر الثوب ، ميمون النقيبة ، عظيم المصيبة ». # فالتاع معاوية من هذا التقريع ، وتألم من هذا الثناء العاطر على أمير ~~المؤمنين أمام أهل الشام ، فالتفت الى الأحنف قائلا : # « يا أحنف. لقد أغضيت العين على القذى وقلت ما ترى ، أما والله لتصعدن ~~المنبر وتلعن عليا كرها أو طوعا ». # فقال له الأحنف : إن تعفنى فهو خير لك ، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا ~~تجري شفتاي به أبدا. PageV02P343 # فلم يعتن معاوية بكلامه وقال له بشدة : # « قم فاصعد المنبر ». # أما والله لأنصفنك فى القول والفعل. # وما أنت قائل إن أنصفتني؟! # أصعد المنبر فأحمد الله وأثني عليه ، وأصلي على نبيه محمد (ص) ثم أقول ~~أيها الناس ، إن أمير المؤمنين معاوية أمر أن العن ms487 عليا ، وإن عليا ومعاوية ~~اختلفا واقتتلا فادعا كل واحد منهما أنه بغي عليه وعلى فئته ، فاذا دعوت ~~فأمنوا رحمكم الله ، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبيائك وجميع خلقك ~~الباغي منهما على صاحبه ، والعن الفئة الباغية ، اللهم ألعنهم لعنا كثيرا ، ~~أمنوا رحمكم الله ، يا معاوية لا ازيد على هذا ولا انقص حرفا ، ولو كان فيه ~~ذهاب روحي. # فراوغ معاوية وقال : « إذا نعفيك يا أبا بحر » (1). ### || 5 كثير بن كثير : # ومن جملة المنكرين لسب الإمام الشاعر العبقري كثير بن كثير السهمي (2) PageV02P344 # فقد دفعته عقيدته الدينية وشعوره الحي الى شجب ذلك ، واعلان سخطه وقد نظم ~~ذلك بأبيات تمثلت فيها الروعة والرقة : # لعن الله من يسب عليا %~% وحسينا من سوقة وإمام أيسب المطهرون جدودا %~% والكرام الأخوال والأعمام يأمن الطير والحمام ولا %~% يأمن آل الرسول عند المقام طبت بيتا وطاب أهلك أهلا %~% أهل بيت النبي والإسلام رحمة الله والسلام عليهم %~% كلما قام قائم بسلام (1) ### || 6 أنيس الأنصاري : # ولما أقام معاوية الخطباء يعلنون سب أمير المؤمنين (ع) وانتقاصه اندفع ~~أنيس الأنصاري وهو من أطائب الصحابة ، فأنكر على معاوية ذلك فقد خطب ، وقال ~~بعد حمد الله والثناء عليه : # « إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل يعني عليا وشتمه وإني أقسم بالله ~~إني سمعت رسول الله (ص) يقول : « إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على ~~الأرض من مدر وشجر » ، وأقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه ، أفترون شفاعته ~~تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته » (2). ### || 7 زيد بن أرقم : # ورأى الصحابي زيد بن أرقم المغيرة بن شعبة يعلن سب أمير المؤمنين PageV02P345 # فانبرى إليه منكرا سبه للإمام قائلا : # « يا مغيرة ، ألم تعلم أن رسول الله (ص) نهى عن سب الأموات؟ # فلم تسب عليا وقد مات؟ » (1). ### || 8 أبو بكرة : # وخطب بسر بن أبي ارطاة الأثيم المجرم في البصرة فشتم أمير المؤمنين ~~عليه السلام على المنبر ، ثم التفت الى الناس فقال لهم : # « ناشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني ». # فقال أبو بكرة : # « اللهم لا نعلمك ms488 إلا كاذبا!! ». # فطاش عقل بسر وأمر بأبي بكرة فخنق ثم أنقذوه منه (2). # وعلى أي حال ، فإن هؤلاء الناقمين على معاوية كانوا مدفوعين بدافع الحرص ~~على كرامة الإسلام المتمثلة في الإمام أمير المؤمنين ، فقد رأوا أن معاوية ~~قد عمد الى إبادة مآثر الإمام ، فاندفعوا الى الإنكار عليه. # لقد حاول معاوية وأتباعه القضاء على أمير المؤمنين ، وتحطيم شخصيته ~~الرفيعة ، ولكن الله بارادته الأزلية قد حكم ببقاء الحق وخلوده. وبزوال ~~الباطل وانعدامه ، وإنه وإن انتصر على الحق زمانا ، فان انتصاره لا بد أن ~~يتلاشى كما يتلاشى الدخان في الفضاء ، فها هو أمير المؤمنين قد استوعب ذكره ~~جميع لغات الأرض ، وعجت المحافل والنوادي بذكره ومدحه ، وبالافتخار ~~والاعتزاز بشخصيته المقدسة ، وها هو قبره الشريف قد أصبح كعبة للوافدين ~~وملجأ للملهوفين ، وملاذا للمؤمنين ، تؤمه الملايين من المسلمين PageV02P346 # كما تؤم بيت الله الحرام يتبركون بزيارته ، ويتقربون الى الله بالوفادة ~~عليه حقا هذا هو الظفر والفتح ، والعاقبة للمتقين. # وها هو معاوية لا يذكر إلا مع الاحتقار والاستخفاف وسوء المصير ووخز ~~الضمير ، وها هو قبره المحطم في مزبلة من مزابل الشام قد استولى عليه ~~الهوان ، وخيم عليه الذل ، حقا هذه هي الميتة ، وهذا هو الخزي والعار. # وقد وقف الشاعر الكبير محمد مجذوب السوري على قبر معاوية ، فرأى قذارة ~~ذلك القبر المهان ، ورأى الذباب تعربد فيه ، فاندفع الى نظم قصيدته العصماء ~~وقد جاء فيها : # هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه %~% لأسال مدمعك المصير الأسود كتل من الترب المهين بخربة %~% سكر الذباب بها فراح يعربد خفيت معالمها على زوارها %~% فكأنها في مجهل لا يقصد ومشى بها ركب البلى فجدارها %~% عار يكاد من الضراعة يسجد والقبة الشماء نكص طرفها %~% فبكل جزء للفناء بها يد تهمي السحائب من خلال شقوقها %~% والريح في جنباتها تتردد حتى المصلى مظلم فكأنه %~% مذ كان لم يجتز به متعبد # لقد مشى موكب الزمن ، وإذا بالإمام أمير المؤمنين هو عملاق الإنسانية ~~ورائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض ، وإذا بمعاوية قد عاد فى عرف ~~المسلمين وغيرهم هو الباغي الأثيم الذي تلاحقه ms489 النقمة والاحتقار. ### || 2 خراج دارابجرد : # ومن جملة الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية أن يعطيه خراج دارابجرد ~~ليرفه بذلك على الفقراء والمعوزين من شيعته ، ولكن معاوية قد PageV02P347 # خاس بذلك ولم يف به كما صرح بذلك أبو الفداء. وذكر الطبري ان أهل البصرة ~~حالوا بين الإمام وبين خراج دارابجرد. ونص ابن الأثير ان منعهم كان بايعاز ~~من معاوية ، والغرض منه لئلا تقوى شوكة الإمام ويعظم أمره. ### || 3 شيعة أمير المؤمنين : # ومن أهم الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه الأمن العام لشيعته وشيعة ~~أبيه وعدم التعرض لهم بسوء أو مكروه ولكن ابن أبي سفيان قد نقض عهده فلم يف ~~للإمام بذلك ، وجعل أهم أهدافه القضاء على هذه الطبقة المؤمنة التي آمنت ~~بحق أهل البيت (ع)، لقد أسرف معاوية فى ارهابها وارهاقها ، فأذاق بعضها ~~كأس الحمام ، وأودع البعض الآخر فى ظلمات السجون ، وقد وجد الشيعة من ~~العناء والمحن والخطوب ما تنوء بحمله الجبال ، وما نحسب أن أمة من الأمم ~~لاقت من الأذى والاضطهاد كما لاقته شيعة أهل البيت ، وكان أشدهم بلاء ~~وأعظمهم محنة وشقاء أهل الكوفة ، فقد استعمل عليهم معاوية زيادا بعد هلاك ~~المغيرة ، وكان بهم عالما ، فأشاع فيهم القتل والاعدام ، فقتلهم تحت كل حجر ~~ومدر ، وقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل عيونهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، ~~وشردهم وطردهم (1)، ورفع معاوية مذكرة الى جميع عماله وولاته جاء فيها : « ~~انظروا الى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان ~~وأسقطوا عطاءه ورزقه » ، ثم شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها : « ومن اتهمتموه ~~بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به وأهدموا داره ». PageV02P348 # وتحدث الامام الباقر (ع) عما جرى على أهل البيت وعلى شيعتهم من الاضطهاد ~~والأذى في زمن معاوية فقال : « وقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل ~~على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت ~~داره » (1). # انه منذ ولي الأمر ابن هند انفتح باب الظلم والجور على شيعة أمير ~~المؤمنين (ع) فلقد جابهوا من المشكلات السياسية والمعضلات الاجتماعية ~~ولاقوا من ms490 الهوان والعذاب والتنكيل الى حد لا سبيل الى تصويره في فضاعته ~~ومرارته ، فقد بلغ الحال أن حب أهل البيت (ع) أصبح عارا ومنقصة أو ذنبا ~~وخطيئة يقترفها الشخص ، وحكم بعضهم أن مودة أهل البيت كفر والحاد ومروق من ~~الدين ، وقد حكى لنا ذلك شاعر الإسلام والعقيدة الكميت بقوله : # يشيرون بالأيدي إلي وقولهم %~% ألا خاب هذا والمشيرون أخيب فطائفة قد كفرتني بحبكم %~% وطائفة قالوا مسيء ومذنب يعيبونني من خبهم (2) وضلالهم %~% على حبكم بل يسخرون وأعجب وقالوا ترابي هواه ورأيه %~% بذلك أدعى فيهم وألقب (3) # ويقول أبو الأسود الدؤلي : # أحب محمدا حبا شديدا %~% وعباسا وحمزة والوصيا (4) هوى أعطيته منذ استدارت %~% رحى الإسلام لم يعدل سويا (5) PageV02P349 بنو عم النبي وأقربوه %~% أحب الناس كلهم إليا فان يك حبهم رشدا أصبه %~% ولست بمخطئ إن كان غيا (1) # ويرد عبد الله بن كثير السهمي على من عابه على موالاة آل النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم بقوله : # إن امرأ أمست معايبه %~% حب النبي لغير ذي ذنب وبني أبي حسن ووالدهم %~% من طاب فى الأرحام والصلب أيعد ذنبا أن أحبهم!! %~% بل حبهم كفارة الذنب (2) # وقد سار على منهاج معاوية فى ظلم الشيعة واحتقارهم خلفاؤه الأمويون وملوك ~~بني العباس من بعدهم ، ولو أردنا أن نستعرض الى ما لاقوه من المحن والخطوب ~~السود لاحتجنا فى بيان ذلك الى مجلد ضخم. # ومهما يكن من شيء فان الشيعة لم يعتنوا بارهاب معاوية وتنكيله وتعذيبه ~~لهم ، فقد قدموا أنفسهم قرابين وضحايا لفكرتهم الدينية المقدسة وها نحن ~~نقدم أسماء بعض الشهداء الذين قتلهم معاوية صبرا لا لذنب اقترفوه ، سوى ~~مودتهم لأهل البيت وهم : ### || حجر بن عدي : # وحجر بن عدي من أهم الشخصيات الإسلامية الرفيعة فقد كان في طليعة صحابة ~~النبي (ص) في فضله وعلمه وقداسته وزهده وعبادته ، فقد بلغ من عظيم طاعته ~~الى الله انه ما أحدث إلا توضأ وما توضأ إلا صلى ، وكان يصلي فى اليوم ~~والليلة الف ركعة ، وكان مستجاب الدعوة فانه لما PageV02P350 # أخذ اسيرا الى معاوية اصابته جنابة في أثناء الطريق فقال للموكل ms491 به : ~~اعطني شرابي اتطهر به ، فأجابه الموكل به : اخاف ان تموت عطشا إذا اعطيته ~~لك فيقتلني معاوية ، فشق على حجر أن يبقى جنبا ، فدعا الله ان يمكنه من ~~الماء ، فاستجاب الله دعاءه ، فبعث سحابة اسكبت ماء غزيرا ، فأخذ منه ما ~~احتاجه (1)، إن فضائل حجر ومآثره أكثر من أن تحصى وعلينا ان نبحث عن سبب ~~شهادته : # بقي حجر بعد صلح الإمام الحسن (ع) ينسج من حيوط محنته بلواه الخالدة فى ~~التأريخ ، ويضرب الرقم القياسي لنكران السياسة الأموية العمياء التي تهدد ~~المجتمع الإسلامى بفقدان الحياة والتي تحيي العصبيات الجاهلية التي حطمها ~~الإسلام ، وتهدم الكفاءات والمواهب ، وتحتكر الصلاحيات وتنتهب الأقوات ، ~~وتروع المجتمع بعد أمنه وتفرقه بعد اجتماعه ، وتفقره بعد غناه ، وتذله بعد ~~عزه ، وتستعبده بعد حريته ، وتتجاهر بارتكاب الباطل والمنكر ، وقد رأى حجر ~~واصحابه الصفوة المؤمنون أن السكوت وعدم النقد لهذه السياسة المجرمة ما هو ~~إلا التمادي فى الباطل ، والتعزيز للمنكر والاستهانة بالحق ، وعلى المسلم ~~الذي فهم الإسلام حقا أن يسير على سنة الرسول (ص) الداعية الى مناجزة ~~الظالمين والمستبدين وأعداء الشعوب. # ان حجرا هو الذي فهم الإسلام حقا ، وعرف اهدافه ، واحاط بقيمه كان تلميذا ~~فى مدرسة النبي (ص) وخريجا من مدرسة الإمام ، فكيف لا ينكر باطل معاوية ، ~~ولا يقاوم ظلمه وظلم ولاته وعماله ، ولا يحارب بدعهم وأهواءهم. PageV02P351 # لقد رأى حجر المغيرة قد نزى على المنبر بجامع الكوفة وتعرض فى أثناء ~~خطابه الى سب أمير المؤمنين (ع) فلم يسعه السكوت فانبرى إليه منكرا عليه ~~قائلا : « كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون ~~لأحق بالفضل ، ومن تزكون اولى بالذم ... » # ووثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته فالتفت المغيرة الى حجر قائلا ~~: « يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك يا حجر اتق غضب السلطان ~~اتق غضبه وسطوته ، فإن غضبة السلطان مما تهلك أمثالك كثيرا .. » # ولم يزل حجر متحمسا على نكران السياسة الأموية ، حتى أشار على المغيرة ~~جمع من المرتزقين والمتزلفين الى السلطة بقتل حجر ، فامتنع من اجابتهم ms492 وقال : # « لا أحب أن يبتدأ أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، وسفك دمائهم فيسعدوا بذلك ~~، وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ، ويذل يوم القيامة المغيرة ». # ولم تزل بطانة المغيرة تلح عليه في أمر حجر ، فأجابهم جواب المنافق ~~الخبير : # « إني قد قتلته ». # « كيف ذاك؟ .. » # « إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي ~~فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة .. » # وهلك المغيرة ، وولي الكوفة من بعده زياد بن سمية فجعل حجر # ينكر عليه خططه الملتوية ، ويشدد النقمة على سياسته الإرهابية ، فقد نزى ~~زياد على المنبر يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة PageV02P352 # فانبرى إليه حجر منكرا عليه تأخير الفريضة قائلا : # « الصلاة ». # فلم يعتن ابن سمية بمقالة حجر ولم يعر للصلاة أي اهتمام ثم مضى في خطبته ~~، فانبرى إليه حجر ثانيا رافعا صوته « الصلاة » ولم يقم زياد وزنا لإنكار ~~حجر ، فاسترسل في خطابه فخشى حجر فوت الصلاة ، فضرب بيده الى كف من الحصا ، ~~وثار الناس معه ، فلما رأى ذلك زياد نزل عن المنبر وصلى بالناس ، وقد ~~انتفخت أوداجه غيظا وغضبا من حجر ، وعزم على التنكيل به ، وقد اعرب عن عزمه ~~السيئ فى خطابه الذي ألقاه فى الجامع قائلا فيه : # « ما انا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ، ويل ~~أمك يا حجر « سقط العشاء بك على سرحان » ثم تمثل بقول الشاعر : # ابلغ نصيحة أن راعي ابلها %~% سقط العشاء به على سرحان # وأرسل زياد الى جماعة من وجوه الكوفة وأشرافها فأمرهم أن يردوا حجرا عن ~~خطته ، فامتنع عليهم حجر ، وأخيرا أمر الشرطة أن يأتوه به فانطلقت الشرطة ~~للقبض عليه ، فحدثت بينهم وبين أصحابه مناوشات ، وأخيرا لم تستطع القبض ~~عليه ، فقد التفت حوله جموع من المؤمنين تمنعه وتمنع أصحابه من تسليمهم الى ~~زياد ، وكان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الحماس والثورة فى نفوس الكوفيين ~~فكان يقوم خطيبا فى المحافل والنوادي فيمجد حجرا وأصحابه ويدعو المسلمين ~~الى حمايته ونصرته وكان يرتجز ويقول : # يا قوم حجر ms493 دافعوا وصاولوا %~% وعن أخيكم ساعة فقاتلوا لا يلقين منكم لحجر خاذل %~% أليس فيكم رامح ونابل PageV02P353 وفارس مستلئم وراجل %~% وضارب بالسيف لا يزايل # وتحصن حجر وأصحابه فلم يتمكن عليهم زياد فخاف منهم فجمع الزعماء وأبناء ~~البيوت الذين تستعين بهم السلطة على تحقيق أهدافها فقال لهم : # « يا أهل الكوفة ، أتشجون بيد ، وتأسون بأخرى ، أبدانكم معي وأهواءكم مع ~~حجر الهجهاجة ، الأحمق المذبوب ، انتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع ~~حجر ، هذا والله من دحسكم (1) وغشكم والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم ~~بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم » (2). # فانبروا إليه يظاهرون له الطاعة والولاء قائلين : « معاذ الله سبحانه أن ~~يكون لنا فيما هاهنا رأى إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين يعني معاوية وكل ما ~~ظننا أن فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به ». # فقال لهم : « فليقم كل امرئ منكم الى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل ~~منكم اخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من ~~استطعتم أن تقيموه ... » # وقام هؤلاء الأجلاف بافساد أمر حجر وخذلان الناس عنه وأمر زياد مدير ~~شرطته العام شداد بن الهيثم الهلالي بالقبض على حجر وأصحابه ثم عرف أن مدير ~~شرطته لا يتمكن عليه فاستدعا محمد بن الأشعث الكندي (3) PageV02P354 # فقال له : # « يا أبا ميثاء أما والله لتأتيني بحجر ، أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ~~ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم حتى أقطعك إربا إربا ». # « أمهلني ثلاثا حتى أطلبه ». # « أمهلتك فان جئت به وإلا عد نفسك من الهلكى ». # وقام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبعوا حجرا واصحابه وبعد مصادمات عنيفة ~~جرت بين الفريقين استطاعت جلاوزة زياد القبض على حجر واصحابه فجيء بهم إليه ~~فأمر بايداعهم فى السجن. # وطلب زياد من اهل الكوفة ان يشهدوا على حجر واصحابه ، فشهد قوم بأنهم ~~تولوا عليا ، وعابوا عثمان ، ونالوا من معاوية ، فلم يرض زياد بهذه الشهادة ~~وقال : إنها غير قاطعة ، فانبرى ابو بردة بن ابي موسى الأشعري الوغد فكتب ~~شهادة هذا نصها : # « هذا ما شهد عليه ابو ms494 بردة بن أبي موسى الأشعري لله رب العالمين اشهد ان ~~حجر بن عدي خلع الطاعة ، وفارق الجماعة ، ولعن الخليفة ، ودعا الى الحرب ، ~~وجمع إليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء ». # فرضى زياد بهذا وطلب الى الناس ان يمضوا هذه الشهادة فأمضاها خلق كثير ~~حتى بلغ الشهود سبعين رجلا فيما قال المؤرخون : ورفع الوثيقة الى معاوية ، ~~فأمره بأن يحمله إليه ويشده موثوقا بالحديد ، وامر زياد باخراج حجر واصحابه ~~ليلا الى دمشق ، فاخرجوا ، ووقعت النياحة ، وعلا الصراخ المؤلم في دار حجر ~~، وصعدت ابنته ولا عقب له غيرها فوق سطح الدار تلقي على القافلة التي تسير ~~الى الموت نظرة الوداع وهي تبكي أمر PageV02P355 # البكاء واشجاه ، واخذت تناجي القمر وتبثه احزانها ولوعتها وتصوغ من ~~محنتها وبلواها ومصابها ابياتا يلمس فيها ذوب قلبها : # ترفع أيها القمر المنير %~% لعلك أن ترى حجرا يسير يسير الى معاوية بن حرب %~% ليقتله كذا زعم الأمير ويصلبه على بابي دمشق %~% وتأكل من محاسنه الطيور تجبرت الجبابر بعد حجر %~% وطاب لها الخورنق والسدير (1) الا يا حجر حجر بني عدي %~% تلقتك السلامة والسرور اخاف عليك ما اردى عليا %~% وشيخا فى دمشق له زئير الا يا ليت حجرا مات موتا %~% ولم ينحر كما نحر البعير فان تهلك فكل عميد قوم %~% الى هلك من الدنيا يصير (2) # وانتهت القافلة الى مرج عذراء فلما عرف حجر انه بهذه القرية قال : « ~~والله اني لأول مسلم نبحته كلابها ، واول مسلم كبر بواديها » (3)، وتقدم ~~البريد بأخبارهم الى معاوية ، فأنس وارتاح بذلك ، فأرسل إليهم رجلا PageV02P356 # اعور فأمره باعدامهم إن لم يتبرءوا من أمير المؤمنين ويسبوه ، فلما قدم ~~عليهم رآه بعضهم فقال متنبئا : # « ان صدق الزجر (1) فانه سيقتل منا النصف وينجو الباقون ». # « وكيف ذاك!!؟ » # « أما ترون الرجل المقبل مصابا بإحدى عينيه؟ » # وقدم عليهم الجلاد فالتفت الى حجر قائلا : # « إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، ومعدن الكفر والطغيان ، ~~والمتولي لأبي تراب ، وقتل أصحابك إلا ان ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم ~~وتتبرءوا منه ». # فانبرى إليه حجر ms495 مع الزمرة الصالحة التي آمنت بايمانه وهم يضربون أمثلة ~~للعقيدة وللفداء في سبيل الله قائلين بلسان واحد : # « إن الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه ثم القدوم على الله ~~وعلى نبيه وعلى وصيه احب إلينا من دخول النار ». # ورجع نصف من اصحاب حجر عن عقيدتهم والنصف الآخر بقوا على عقيدتهم وولائهم ~~لأمير المؤمنين (ع)، وصدق زجر من قال منهم انه يقتل منهم النصف ، ثم حفرت ~~قبورهم وقام الجلادون لتنفيذ حكم الاعدام فيهم فطلب منهم حجر حاجة قبل ~~تنفيذ اعدامه غالية عنده رخيصة عند القوم قائلا : # « اتركوني أتوضأ واصلي ، فأني ما توضأت إلا صليت ». # فسمحوا له بذلك فصلى حجر وأطال في صلاته وبعد الفراغ منها التفت الى ~~القوم قائلا : PageV02P357 # « والله ما صليت صلاة أخف منها ولو لا أن تظنوا في جزعا من الموت لاسكثرت ~~منها ». # وأخذ يناجي ربه ويبثه شكواه واحزانه من هذه الأمة التي اسلمته الى عدوه ~~الماكر قائلا : # « اللهم إنا نستعديك على امتنا فان اهل الكوفة شهدوا علينا وان اهل الشام ~~يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها فاني لأول فارس من المسلمين هلك في ~~واديها واول رجل من المسلمين نبحته كلابها ». # وانطلق إليه الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهرا سيفه فلما رآه حجر ~~ارتعدت اوصاله ، وخارت قواه فقالوا له : # « زعمت انك لا تجزع من الموت ، فابرأ من صاحبك وندعك!؟ » # فقال لهم حجر : # « وما لي لا اجزع وارى قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، وإني ~~والله إن جزعت من القتل لا اقول ما يسخط الرب » (1). # ثم اجري عليه الاعدام فكان آخر ما انطلق من حنجرته : # لا تطلقوا عني حديدا ، ولا تغسلوا عني دما ، فاني ملاق معاوية على الجادة ~~» (2)، والقي حجر الى الأرض جثة هامدة يتخبط بدمه مع ستة من اصحابه ~~الشهداء الأبرار ، ففي ذمة الله يا حجر أنت وأصحابك ، فقد مضيتم الى عالم ~~الخلود وانتم شهداء العقيدة ، وشهداء الانسانية الكاملة فأنتم من اروع ~~امثلة البطولة الفذة التي ثارت على الظلم والطغيان ، وقاومت جور الحاكمين ~~واستبداد الطغاة الظالمين. ms496 PageV02P358 ### || ضحايا العقيدة من اصحاب حجر : # ولم يذق حجر الحمام ويقتل صبرا وحده فقد قتل معه ومن بعده جماعة من ~~اصحابه المثاليين الذين ضحوا بحياتهم الغالية تجاه عقيدتهم الدينية ، ~~ومبدأهم المقدس غير مبالين بالموت ، وبهؤلاء وامثالهم من ابطال الخلود ، ~~وعظماء العالم ترتكز العقائد ، ويستقيم الحق ، ويعم العدل ويزول الظلم ، ~~وها نحن نذكر اسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف والتنكيل من قبل معاوية ~~وولاته : ### || أعبد الرحمن : # وكان عبد الرحمن بن حسان العنزي فى طليعة اصحاب حجر ، وأخذ معه مكبلا ~~بالحديد الى مرج عذراء ، فطلب من الجلاوزة مواجهة معاوية لعله ان يعفو عنه ~~فاستجابوا لقوله ، فجيء به إليه ، فلما مثل عنده قال له معاوية : # « إيه أخا ربيعة ، ما تقول في علي؟ » # دعني ولا تسألني ، فهو خير لك!! # والله لا ادعك. # أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ، والآمرين بالحق ، والقائمين ~~بالقسط ، والعافين عن الناس. # ولم يجد معاوية بعد هذا وسيلة يستبيح بها اراقة دمه ، فعرج الى دم عثمان ~~الذي بلى به المسلمون حيا وميتا فقال له : # ما قولك فى عثمان؟. # هو أول من فتح باب الظلم ، وارتج أبواب الحق. PageV02P359 # قتلت نفسك!! # بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي. # لقد ظن أن أسرته تتشفع به وتفك أسره ، وتدفع عنه ظلامته ، فلم يجبه أحد ، ~~وأشاح معاوية بوجهه عنه ثم رفع رسالة الى عامله زياد جاء فيها : # « أما بعد : فان هذا العنزي شر من بعثته فعاقبه عقوبته التي هو أهلها ~~وأقتله أشر قتلة ». # ولما وردت رسالته الى زياد بعث به الى قس الناطف (1) وأمر بدفنه حيا فيه ~~فدفن وهو حي (2). ### || ب صيفي بن فسيل : # وصيفي بن فسيل الشيباني من أبطال المسلمين وعباقرتهم وأفذاذهم ومن خيرة ~~أصحاب حجر سعى به الى زياد فبعث الدعي خلفه ، فلما حضر عنده بادره بالسؤال ~~عن أمير المؤمنين (ع) ليتخذ من ذلك وسيلة يستحل بها دمه فقال له بنبرات ~~تقطر غيظا وغضبا. # يا عدو الله!! ما تقول في أبي تراب؟ # ما أعرف أبا تراب. # ما أعرفك به!! # ما أعرفه ، # أما تعرف علي ms497 بن أبي طالب؟ # بلى. PageV02P360 # فذاك أبو تراب. # كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين (ع). # والتفت مدير شرطة زياد الى صيفي منكرا عليه مقاله ليتقرب الى ابن سمية ~~قائلا : # « يقول لك الأمير : هو ابو تراب ، وتقول أنت : لا؟!! » # فنهره صيفي ورد عليه وهو غير معتن به ولا بأميره قائلا : # « وإن كذب الأمير أتريد أن اكذب وأشهد له على باطل كما شهد! » # فثار ابن سمية وانتفخت اوداجه غضبا ، فقال له : # « وهذا أيضا مع ذنبك ». # والتفت الى شرطته وهو مغيظ فقال لهم : « علي بالعصا » فأتى بها فالتفت ~~الى صيفي : # « ما قولك؟ ». # فقال له بكل شجاعة وايمان : # « أحسن قول أنا قائله فى عبد من عباد الله المؤمنين. » # وأمر زياد جلاوزته بضرب عاتقه حتى يلصق بالأرض ، فبادروا إليه وضربوه ~~ضربا عنيفا حتى وصل عاتقه الى الأرض ، ثم أمرهم بالكف عنه والتفت إليه : # « إيه ما قولك فى علي؟ » # وأصر بطل العقيدة على ايمانه فقال : # والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني. # لتلعننه أو لأضربن عنقك! # إذا تضربها والله قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها. رضيت PageV02P361 # بالله وشقيت أنت! # « ادفعوا في رقبته ». # ثم أمر به ثانيا أن يوقر في الحديد ويلقى فى ظلمات السجون (1) وأخيرا ~~بعثه مع حجر فاستشهد معه في مرج عذراء. ### || ج قبيصة بن ربيعة : # ومن جملة أصحاب حجر الذين أرهقهم زياد قبيصة بن ربيعة العبسي فقد بعث ~~إليه مدير شرطته شداد بن الهيثم فهجم عليه خفية فلما أحس به قبيصة أخذ سيفه ~~ووقف للدفاع عن نفسه ولحق به فريق من قومه فقال مدير الشرطة الى قبيصة ~~مخادعا : # « أنت آمن على دمك ومالك ، فلم تقتل نفسك؟ » # ولما سمع بذلك اصحابه انخدعوا فلم يحاموا عنه ولم ينقذوه لأن خوفهم من ~~سلطة زياد كان اشد وقعا في نفوسهم من خطر الموت ، فاندفعوا قائلين : # « قد امنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك؟ » # ولم يذعن لمقالة اصحابه وذلك لعلمه بغدر الأمويين وعدم وفائهم بالعهد ~~والوعد فقال لهم : # « ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة ، والله لئن وقعت ms498 فى يده لا افلت ابدا ~~أو يقتلني ». # كلا. # ولما لم يجد بدا من ذلك وضع يده في ايديهم وأخذ اسيرا الى زياد فلما مثل ~~عنده قال له : # « أما والله لأجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء » PageV02P362 # إني لم آتك إلا على الأمان. # انطلقوا به الى السجن (1). # لقد نقض زياد الأمان وخاس بالميثاق ، ثم أمر به أن يحمل مع حجر وأصحابه ~~الى مرج عذراء ، فحمل معهم ، فلما انتهت قافلتهم الى جبانة ( عرزم ) وكانت ~~فيها داره ، نظر إليها وإذا بناته قد أشرفن من أعلا الدار ينظرن إليه ، وهن ~~يخمشن الوجوه ، ويخلطن الدموع بالدعاء ، قد أخذتهن المائقة ، ومزق الأسى ~~قلوبهن ، فلما نظر الى ذلك المنظر الرهيب طلب من الشرطة الموكلة بخفارته أن ~~يسمحوا له بالدنو من بناته ليوصيهن بما أراد ، فسمحوا له بذلك ، فلما دنا ~~منهن علا صراخهن فأمرهن بالسكوت والخلود الى الصبر ، وأرضاهن بوصيته التي ~~مثلت الإيمان والرضا بقضاء الله قائلا : # « اتقين الله عز وجل ، واصبرن ، فاني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى ~~الحسنيين إما الشهادة وهي السعادة ، وإما الانصراف إليكن في عافية ، وإن ~~الذي كان يرزقكن ويكفيني مئونتكن هو الله تعالى ، وهو حي لا يموت ، أرجو أن ~~لا يضيعكن ، وأن يحفظني فيكن ». # ثم ودعهن وانصرف ، ولما رأى من معه شجو بناته وما داخلهن من الفزع ~~والمصاب رقوا لهن ، ثم رفعوا أيديهم بالدعاء والابتهال الى الله تعالى ~~طالبين منه العافية والسلامة الى قبيصة فانبرى إليهم قائلا : # « إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي حيث لا ينصرونني » (2). PageV02P363 # أراد بذلك عدم نصرة قومه وخذلانهم له ، وان ذلك أشد وقعا على نفسه من ~~هلاكه ، وسار قبيصة مع حجر الى مرج عذراء فاستشهد معه ، وأما بقية اصحاب ~~حجر الذين استشهدوا معه فلم نعثر على معلومات وافية عنهم ، ونشير الى ~~أسمائهم وهم : ### || شريك بن شداد الحضرمي. ### || كدام بن حيان العنزي. ### || محرز بن شهاب التميمي. # وهؤلاء الحماة الذين قدموا نفوسهم ضحايا للعقيدة ، وقرابين للحق # كانوا من خيار المسلمين ومن صالحائهم ، قد ساقتهم ms499 السلطة الأموية الى ~~ساحة الإعدام ، فاستباحت دماءهم ، لا لذنب اقترفوه ، سوى مودتهم للعترة ~~الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها ومودتها. ### || صدى الفاجعة : # وذعر المسلمون لهذا الحادث الخطير ، وعم السخط جميع ارجاء البلاد لأن ~~حجرا من أعلام الإسلام ، ومن خيار صحابة النبي (ص)، وقد انتهكت في قتله ~~حرمة الإسلام ، لأنه لم يحدث فسادا في الأرض ، وإنما رأى منكرا فناهضه ، ~~وجورا فناجزه ، رأى زيادا يؤخر الصلاة فطالبه باقامتها ورآه يسب امير ~~المؤمنين فطالبه بالكف عنه ، فقتل من اجل ذلك ، وقد اندفعت الشخصيات ~~الرفيعة في العالم الإسلامى الى اعلان سخطها على معاوية والى الإنكار عليه ~~، ومن الخير ان نذكر بعضهم ونستمع الى نقدهم وهم : ### || أالإمام الحسين (ع). # ورفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى معاوية أنكر فيها PageV02P364 # اشد الإنكار على ما ارتكبه من قتل حجر واصحابه الأبرار وهذا نصها : # « الست القاتل حجرا اخا كندة ، والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون ~~الظلم ، ويستعظمون البدع ، ولا يخافون فى الله لومة لائم؟ قتلتهم ظلما ~~وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الإيمان المغلظة ، والمواثيق المؤكدة أن لا ~~تأخذهم بحدث ، كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في نفسك عليهم » (1). # لقد انكر الإمام (ع) برسالته على معاوية استباحته لدم حجر واصحابه ~~المثاليين الذين انكروا الظلم وناهضوا الجور ، واستعظموا البدع وقد قتلهم ~~ظلما وعدوانا ، بعد ما أكد على نفسه واعطاهم المواثيق المؤكدة ان لا يأخذهم ~~بحدث ولا بإحنة فيما مضى ، ولكن ابن هند قد خاس بذلك ولم يف به. ### || ب عائشة : # ومن جملة المنكرين على معاوية عائشة ، فقد دخل عليها في بيتها بعد منصرفه ~~من الحج فقالت له : # « أأمنت ان اخبأ لك من يقتلك؟ » # فقال لها مخادعا : # « بيت الأمن دخلت ». # اما خشيت الله في قتل حجر واصحابه؟ (2). # وكانت دوما تتحدث عن مصاب حجر فقد حدثت عما سمعته من رسول الله (ص) فى ~~فضله قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : PageV02P365 # سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء » (1) وقالت منددة بأهل ~~الكوفة : « أما والله لو علم معاوية أن ms500 عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على ~~أن يأخذ حجرا وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام ، ولكن ابن آكلة الأكباد ~~علم أنه قد ذهب الناس ، أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عزا ومنعة وفقها ~~ولله در لبيد حيث يقول : # ذهب الذين يعاش في أكنافهم %~% وبقيت في خلف كجلد الأجرب لا ينفعون ولا يرجى خيرهم %~% ويعاب قائلهم وان لم يشغب (2) ### || ج الربيع بن زياد : # ومن الناقمين على معاوية الربيع بن زياد البصري (3) عامله على خراسان ~~فانه لما سمع بالنبإ المؤلم طاش لبه وذهبت نفسه حسرات فقال والحزن باد عليه : # « لا تزال العرب تقتل صبرا بعده أي بعد مقتل حجر ولو نفرت عند قتله لم ~~يقتل واحد منهم صبرا. ولكنها أقرت فذلت!! » # إن أهل الكوفة لو منعوا السلطة الأموية من قتل حجر وأصحابه لما PageV02P366 # تمكن الأمويون من قتل أحرارهم وأخيارهم ، ولكنهم رضوا بالخمول والذل ~~وكرهوا الموت في سبيل الله ، فهان أمرهم وذلوا ، وعمل فيهم الأمويون ما ~~أرادوا من اخضاعهم للذل والهوان. # وبقي الربيع ذاهل النفس ، خائر القوى ، قد مزق الأسى قلبه ، فلما صار يوم ~~الجمعة صلى بالناس صلاة الجمعة ، وبعد الفراغ منها خطب الناس فقال فى خطابه : # « أيها الناس ، إني قد مللت الحياة وإني داع فأمنوا » ثم رفع يديه ~~بالدعاء فقال : # « اللهم ، إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل ». # فاستجاب الله دعاءه فما فارق المجالس حتى وافاه الأجل المحتوم (1). ### || د الحسن البصري : # وعد الحسن البصري قتل حجر إحدى الموبقات الأربعة التي ارتكبها معاوية ، ~~فقال فيما يخص حجرا : # « ويل له من حجر وأصحاب حجر مرتين » (2). ### || ه عبد الله بن عمر : # لقد ذعر ابن عمر حينما علم بمقتل حجر ، فقد أخبر بقتله وهو بالسوق وكان ~~محتبى فأطلق حبوته وولى وهو يبكي أشد البكاء وأمره (3). ### || ومعاوية بن خديج : PageV02P367 # وانتهى الخبر المؤلم الى معاوية بن خديج (1) وكان في افريقية مع الجيش ، ~~فقال لقومه الذين كانوا معه من كندة : # « ألا ترون أنا نقاتل لقريش ونقتل أنفسنا لنثبت ملكها ، وأنهم يثبون على ~~بنى عمنا فيقتلونهم ». # لقد كان ms501 قتل حجر من الأحداث الكبار وكان صدعا في الاسلام وبلاء على عموم ~~العرب ، وكان معاوية نفسه لا يشك فى ذلك فكان ينظر إليه شبحا مخيفا ويردد ~~ذكره في خلواته ، وقد ذكره كثيرا في مرضه الذي هلك فيه فكان يقول : « ويلي ~~منك يا حجر » وكان يقول : « يوم لي من ابن الأدبار يعني حجرا طويل » قال ~~ذلك ثلاث مرات (2). # نعم ، أن يومه لطويل من حجر وأمثاله من المؤمنين والصالحين الذين سفك ~~دماءهم لا لذنب اقترفوه ، سوى حبهم لأهل البيت ، وهنا ينتهي بنا الحديث عن ~~محنة حجر وأصحابه لنلتقي بزملاء له آخرين. ### || رشيد الهجري : # ورشيد الهجري يعد في طليعة رجال الإسلام ورعا وتقى وعلما وفضلا ، فقد ~~تتلمذ فى مدرسة أمير المؤمنين ونال الكثير من علومه ومعارفه فكان (ع) يسميه ~~( رشيد البلايا ) وحدثت ابنته قنو قالت : سمعت أبي يقول : PageV02P368 # « قال لي أمير المؤمنين ، يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية ~~فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ » # يا أمير المؤمنين آخر ذلك الى الجنة؟ # يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة. # وخرج رشيد مع أمير المؤمنين الى بستان فاستظلا تحت نخلة ، فقام صاحب ~~البستان الى نخلة ، فأخذ منها رطبا وقدمه الى أمير المؤمنين فأكل ~~عليه السلام منه ، فالتفت رشيد الى الإمام قائلا له : # « ما أطيب هذا الرطب!؟ » # أما انك ستصلب على جذعها!! # فكان رشيد بعد حديث الإمام يتعاهد تلك النخلة التي أكل من رطبها فيسقيها ~~ويتعبد تحتها واجتاز عليها يوما فرأى سعفها قد قطع فشعر بدنو أجله ، واجتاز ~~عليها مرة أخرى فرأى نصفها قد جعل زرنوقا يستسقى عليه فتيقن بدنو الأجل ~~المحتوم منه (1)، وفي فترات تلك المدة الرهيبة بعث خلفه ابن سمية ، فلما ~~حضر عنده قال له : # « ما قال لك خليلك إنا فاعلون بك؟ » # تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني. # أما والله لأكذبن حديثه ، خلوا سبيله. # فخلت الجلاوزة سراحه ، فلما خرج قال زياد لجلاوزته : ردوه ، فردوه إليه ، ~~فالتفت له قائلا : # « لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك ، إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن ~~بقيت ms502 ، اقطعوا يديه ورجليه » ، فامتثلت الجلاوزة أمره ، فقطعوا PageV02P369 # يديه ورجليه وهو يتكلم ، فغاظ كلامه زيادا ، فقال لجلاوزته : اصلبوه خنقا ~~، فقال رشيد لهم : « قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه أراد بذلك قطع ~~لسانه » فأمر ابن سمية بقطع لسانه ولما أرادوا قطع لسانه قال لهم : « نفسوا ~~عني حتى أتكلم كلمة واحدة » ، فأعطوه ذلك ، فقال : « هذا والله تصديق خبر ~~أمير المؤمنين (ع) أخبرني بقطع لساني » ، ثم قطع الجلاوزة لسانه (1). # أي ذنب اقترفه هذا العابد العظيم حتى يستحق هذا التنكيل ويمثل به بدلك ~~التمثيل الفظيع ، ولكن ابن سمية ومعاوية قد راما بذلك تصفية الحساب مع شيعة ~~أهل البيت والقضاء على روح التشيع. ### || عمرو بن الحمق الخزاعي : # وكان عمرو بن الحمق يحمل شعورا دينيا قويا حيا ، وكان من خيرة # الصحابة في ورعه وتقواه ، وهو الذي سقى النبي لبنا فدعا له (ص) بأن يمتعه ~~الله بشبابه ، فاستجاب الله دعاء نبيه فأخذ عمرو بعنق الثمانين عاما ولم تر ~~في كريمته شعرة بيضاء (2). # وكان من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) ومن خلص أصحابه ، وقد دعا ~~عليه السلام له فقال : « اللهم نور قلبه بالتقى ، واهده الى صراطك المستقيم ~~» (3)، وكان (ع) يكبره ويجله ويقدمه على غيره ، فقد قال PageV02P370 # له : « ليت في جندي مثلك مائة ». وقال لأمير المؤمنين معربا له عن ولائه ~~واخلاصه : # « يا أمير المؤمنين ، والله ما أحببتك للدنيا ولا للمنزلة تكون لي بها ، ~~وإنما أحببتك لخمس خصال ، إنك أول المؤمنين إيمانا ، وابن عم رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم ، وأعظم المهاجرين والأنصار ، وزوج سيدة النساء ~~عليها السلام ، وأبو ذريته الباقية من رسول الله (ص)، فلو قطعت الجبال ~~الرواسي ، وعبرت البحار الطوامي في توهين عدوك وتلقيح حجتك لرأيت ذلك قليلا ~~من كثير ما يجب علي من حقك » (1). # وقد دل حديثه على عقيدته وإيمانه وعظيم ولائه لأمير المؤمنين (ع) ولاء ~~يلتمس منه وجه الله ويبغي فيه الدار الآخرة. # ولما ولى زياد الكوفة وتتبع زعماء الشيعة ووجوههم خاف الخزاعي من سلطته ~~الغاشمة ففر الى المدائن ومعه رفاعة بن شداد فمكثا فيها ms503 برهة من الزمن ثم ~~هربا الى الموصل وقبل أن يصلا إليها مكثا في جبل هناك ليستجما فيه ، وبلغ ~~بلتعة بن أبي عبد الله عامل معاوية أن رجلين قد كمنا في جبل من جبال الموصل ~~فاستنكر شأنهما فسار إليهما مع فريق من أصحابه ، فلما انتهوا الى الجبل خرج ~~إليهما عمرو ورفاعة ، فأما عمرو فقد كان مريضا لأنه قد سقي سما وليس عنده ~~قوى يستطيع بها على خلاص نفسه فوقف ولم يهرب ، وأما رفاعة فقد كان في شرخ ~~الشباب فاعتلى فرسه ثم التفت الى عمرو فقال له : « أقاتل عنك؟ ». # فنهاه عن ذلك وقال له : # « وما ينفعني أن تقاتل انج بنفسك إن استطعت. » PageV02P371 # ومضى رفاعة فهجم على القوم فأفرجوا له ، ثم خرجوا فى طلبه فلم يتمكنوا ~~عليه لأنه كان راميا ، وأخذ عمرو أسيرا وطلبوا منه أن يعرفهم شخصيته فامتنع ~~وقال لهم : # « أنا من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر لكم ». # وأصروا عليه أن يعرفهم نفسه ، فأبى ، فارتابوا من أمره ، فأرسلوه مخفورا ~~الى عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي حاكم الموصل ، فلما رآه عرفه ورفع ~~بالوقت رسالة الى معاوية عرفه بالأمر ، فأجابه : # « إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص (1) كانت معه ، وإنا ~~لا نريد أن نعتدي عليه ، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان ». # فأخرجه عبد الرحمن وأمر بطعنه تسع طعنات فمات في الاولى أو الثانية منها ~~(2) ثم احتز رأسه وبعثه الى معاوية فأمر أن يطاف به في الشام وغيره فكان ~~أول رأس طيف به في الإسلام (3) ثم أمر به أن يبعث الى زوجته آمنة بنت ~~الشريد وكانت في سجنه فجيء به فوضع فى حجرها وهي غافلة لا تعلم من أمره ~~شيئا ، فلما بصرت به اضطربت حتى كادت أن تموت ثم قالت ودموعها تتبلور على ~~وجهها : # « وا حزناه لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمه سلطان ، نفيتموه عني طويلا ~~، وأهديتموه إلي قتيلا ، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية ، وأنا له اليوم ~~غير ناسية ». PageV02P372 # ثم التفتت الى الحرسي فقالت ms504 له : # « ارجع به أيها الرسول الى معاوية فقل له : ولا تطوه دونه ، أيتم الله ~~ولدك ، وأوحش منك أهلك ، ولا غفر لك ذنبك ». # ورجع الرسول الى معاوية فأخبره بمقالتها فغضب وغاظه كلامها فأمر باحضارها ~~في مجلسه ، فجيء بها إليه فقال لها : # « أنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغنى؟ » # فانبرت إليه غير مكترثة ولا هيابة لسلطانه قائلة : # « نعم ، غير نازعة عنه ، ولا معتذرة منه ، ولا منكرة له ، فلعمري لقد ~~اجتهدت فى الدعاء ان نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت ~~شيئا من جزائك وإن الله بالنقمة من ورائك!! » # فالتفت إياس بن حسل الى معاوية متقربا إليه : # « أقتل هذه يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما كان زوجها أحق بالقتل منها ». # فقالت له : « تبا لك ، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ، ثم أنت تدعوه الى ~~قتلي كما قتل زوجي بالأمس!!! إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد ~~أن تكون من المصلحين ». # فضحك معاوية وقال متبهرا : # « لله درك اخرجي!! ثم لا أسمع بك في شيء من الشام ». # فقالت له : « وأبي لأخرجن ثم لا تسمع لي في شيء من الشام فما الشام لي ~~بحبيب ولا اعرج فيها على حميم ، وما هي لي بوطن ، ولا أحن فيها الى سكن ، ~~ولقد عظم فيها ديني ، وما قرت فيها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا ~~حيث كنت بحامدة ». # وثقل كلامها على معاوية فأشار إليها ببنانه بالخروج ، فخرجت PageV02P373 # وهي تقول : # واعجبي لمعاوية يكف عنى لسانه ويشير الى الخروج ببنانه ، أما والله ~~ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافد الحديد ، أو ما أنا بابنة ~~الشريد ». # ثم خرجت من مجلسه (1) لقد كان قتل عمرو من الأحداث الجسام في الإسلام ~~لأنه من صحابة النبي (ص) وقد عمد معاوية الى اراقة دمه فخالف بذلك ما أمر ~~الله به من حرمة سفك دماء المسلمين إلا بالحق ، ولم يشف قتله غليل معاوية ~~فقد أمر بأن يطاف برأسه في بلاد المسلمين وبعث به الى زوجته فروعها وكادت ~~أن تموت من ألم ms505 المصاب ، وقد رفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى ~~معاوية انكر فيها ارتكابه لهذا الحادث الخطير وهذا نصها : # « أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي أبلته ~~العبادة فنحل جسمه ، واصفر لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ~~ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك ~~، واستخفافا بذلك العهد » (2). # لقد اشاد الإمام بفضل عمرو فذكر أنه صاحب رسول الله (ص) وانه قد أبلت ~~العبادة جسمه ، كما ذكر ان معاوية قد ابرم عهدا خاصا فى شأنه يتضمن أمنه ~~وعدم البغي عليه ولكنه قد خاس بعهده ولم يف به. PageV02P374 ### || أوفى بن حصن : # وكان أوفى بن حصن من المنددين بالسياسة الأموية ، ومن الناقدين لسلطتهم ، ~~وكان يذيع مساوئهم بين أوساط الكوفيين فبلغ ذلك زيادا فبعث في طلبه فاختفى ~~أوفى واستعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى فشك في أمره فقال لمن معه : # « من هذا؟ » # أوفى بن حصن. # علي به. # فجيء به إليه فقال متبهرا : « أتتك بخائن رجلاه تسعى ». ثم التفت إليه ~~قائلا : # ما رأيك في عثمان؟ # ختن رسول الله (ص) على ابنتيه. # ما تقول في معاوية؟ # جواد حليم. # ما تقول في؟ # بلغني أنك قلت بالبصرة : « والله لآخذن البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر » # قد قلت ذلك. # خبطتها خبط عشواء!! # ليس النفاخ بشر الزمرة. # ثم أمر بقتله (1)، إن نكران أوفى لسياسة زياد في ذلك الظرف PageV02P375 # العصيب من اعظم الأعمال التي قام بها ، ومن أفضل الجهاد الذي عناه رسول ~~الله (ص) بقوله : « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ، وأفضل الشهداء ~~حمزة بن عبد المطلب ، ورجل تكلم عند سلطان جائر ، فأمر به فقتل » (1). ### || جويرية بن مسهر العبدي : # وكان جويرية من خلص أصحاب الإمام أمير المؤمنين ومن حملة حديثه ومن ~~المقربين عنده فقد نظر إليه يوما فناداه : يا جويرية الحق بي فأني إذا ~~رأيتك هويتك ، ثم حدثه ببعض أسرار الإمامة وقال له : « يا جويرية أحب ~~حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه ، وابغض بغيضنا ما ابغضنا فاذا ms506 أحبنا ~~فأحبه » (2)، ودخل على أمير المؤمنين يوما وكان مضطجعا فقال له جويرية : # « أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك ». # فتبسم أمير المؤمنين (ع) وانبرى إليه فأخبره بما يجري عليه من بعده من ~~ولاة الجور قائلا : # « وأحدثك يا جويرية بأمرك ، أما والذي نفسي بيده لتعتلن (3) الى العتل ~~الزنيم ، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر » (4). # وما دارت الأيام حتى استدعى ابن سمية جويرية فأمر بقطع يده ورجله PageV02P376 # ثم صلبه على جذع قصير (1)، وقد ألف هشام بن محمد السائب كتابا فى فاجعة ~~جويرية ورشيد وميثم التمار (2). ### || عبد الله بن يحيى الحضرمي : # وكان عبد الله الحضرمى من أولياء أمير المؤمنين ومن صفوة أصحابه وكان من ~~شرطة الخميس (3) وقد قال (ع) له يوم الجمل : # « أبشر يا عبد الله فانك وأباك من شرطة الخميس حقا لقد أخبرني رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس (4). # ولما قتل أمير المؤمنين (ع) حزن عليه عبد الله حزنا مرهقا فترك الكوفة ~~وبنى له صومعة يتعبد فيها هو وأصحابه المؤمنون ، ولما علم ابن هند بجزعهم ~~وحزنهم على موت أمير المؤمنين (ع) أمر باحضارهم عنده ، فلما جيء بهم أمر ~~بقتلهم صبرا فقتلوا (5) ففي ذمة الله هؤلاء الصلحاء الأخيار الذين سفكت ~~دماؤهم ، وتقطعت أوصالهم ، ولم يرتكبوا ذنبا أو يحدثوا في الإسلام حدثا سوى ~~ولائهم لأمير المؤمنين (ع) امتثالا لرسول الله صلى الله PageV02P377 # عليه وآله الذي فرض وده على جميع المسلمين. # ولم يقتصر معاوية في عدائه للشيعة على قتل زعمائهم ، فقد قام بأمور بالغة ~~الخطورة وهي : ### || هدم دور الشيعة : # وبذل معاوية جميع جهوده في سبيل القضاء على شيعة أمير المؤمنين فأمر ~~عماله أن يهدموا دورهم ، فقامت جلاوزته بهدمها (1) وقد تركهم بلا مأوى ~~يأوون إليه كل ذلك لأجل القضاء على التشيع ومحو ذكر أهل البيت عليهم السلام . ### || عدم قبول شهادة الشيعة : # وعمل معاوية جميع ما يمكنه في اذلال الشيعة وفهرهم ، فقد كتب الى جميع ~~عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة أمير المؤمنين وأهل بيته شهادة ms507 (2) فامتثل ~~العمال أمره ، فلم تقبل شهادة الشيعة وهم من ثقات المسلمين وعدولهم ~~وأخيارهم. ### || اشاعة الارهاب والاعتقال : # وأذاع معاوية الرعب والإرهاب فى نفوس الشيعة فخلد بعضهم في السجون حتى ~~ماتوا ، وروع جمعا آخرين حتى تركوا أوطانهم وفروا هائمين على وجه الأرض ~~يطاردهم الخوف والرعب ، وقد قبضت شرطته PageV02P378 # على الكثيرين منهم فجيء بهم مخفورين إليه فقابلهم بالاستخفاف والاستهانة ~~والتحقير ونحن نذكر أسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف والظلم وهم : ### || 1 محمد بن أبي حذيفة : # محمد بن أبي حذيفة يعد في طليعة ثقات الإسلام ومن خيرة صالحاء المسلمين ~~فقد كان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وقد قال أمير المؤمنين (ع) ~~في حقه : « ان المحامدة تأبى أن يعصى الله » ثم عده منهم ، وكان ملازما ~~لأمير المؤمنين وفى خدمته ، ولما قتل (ع) وانتهى الأمر الى معاوية أراد ~~قتله ثم بدا له أن يسجنه فسجنه أمدا غير قصير ، والتفت يوما الى أصحابه ~~فقال لهم : « ألا نرسل الى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره ~~بضلاله ، ونأمره أن يقوم فيسب عليا » فأجابوه الى ذلك ، ثم أمر باحضاره ~~فلما مثل عنده التفت إليه قائلا : # « يا محمد ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي ~~طالب (ع) ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوما وان عائشة وطلحة والزبير خرجوا ~~يطلبون بدمه وان عليا هو الذي دس الناس في قتله ونحن اليوم نطلب بدمه ». # فأجابه محمد : « إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما وأعرفهم بك ». # فقال له معاوية : أجل. واندفع محمد فقال له : # « فو الله الذي لا إله غيره ما اعلم أحدا شرك في دم عثمان والب الناس ~~عليه غيرك لما استعملك ، ومن كان مثلك فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك ~~فأبى ففعلوا به ما بلغك ، والله ما أحد شرك فى قتله بدئا وأخيرا إلا طلحة ~~والزبير وعائشة فهم الذين شهدوا عليه بالعظمة وألبوا عليه الناس وشركهم في ~~ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعا ». PageV02P379 # فارتاع معاوية وقال منكرا عليه ms508 : # « قد كان ذلك؟!! » # « أي والله ، وإني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق ~~واحد ، ما زاد الإسلام فيك لا قليلا ولا كثيرا وإن علامة ذلك فيك لبينة ~~تلومنى على حبي عليا ، خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري وانصاري وخرج معك ~~ابناء المنافقين والطلقاء والعنقاء خدعتهم عن دينهم ، وخدعوك عن دنياك ، ~~والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت ، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ احلوا ~~انفسهم بسخط الله في طاعتك ، والله لا ازال احب عليا لله ولرسوله ، وابغضك ~~في الله ورسوله ابدا ما بقيت!! » # ففزع معاوية وقال : « إني اراك على ضلالك بعد ردوه الى السجن » # فردوه للسجن فمكث فيه مدة من الزمن حتى مات فيه (1). # لقد لاقى محمد حتفه وهو مروع في ظلمات السجون لأنه لم يرتض اعمال معاوية ~~ولم يقره على منكراته ومساوئه ، وهكذا كان مصير الأحرار والنبلاء المعارضين ~~لحكومة معاوية يلاقون التعذيب والتنكيل والتخليد في السجون. ### || 2 عبد الله بن هاشم المرقال : # ومن زعماء الشيعة وعيونهم الذين روعهم معاوية الزعيم المثالي عبد الله ~~ابن هاشم المرقال ، فقد كان معاوية يحمل فى نفسه كمدا وحقدا عليه وذلك ~~لولائه واخلاصه لأمير المؤمنين (ع) ولموقف ابيه هاشم في يوم صفين ذلك ~~الموقف الخالد الذي اخافه وارهبه حتى صمم على الهزيمة والفرار ، وللتشفي ~~والانتقام منه فقد كتب الى عامله زياد رسالة يطلب فيها القبض على عبد الله PageV02P380 # لينكل به ، وهذا نص كتابه : # « أما بعد : فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة فشد يده الى عنقه ثم ابعث به إلي ». # ولما وصلت رسالة معاوية الى زياد قام فى طلبه وحينما علم بذلك عبد الله ~~هرب واختفى منه ، وعلم به بعض الأوغاد فجاء الى معاوية ليتقرب إليه فأخبره ~~انه قد اختفى عند امراة مخزومية ، فكتب معاوية الى زياد ما يلي : # « أما بعد : فاذا اتاك كتابي هذا فاعمد الى حي بنى مخزوم ففتشه دارا دارا ~~حتى تأتي الى دار فلانة المخزومية فاستخرج عبد الله بن هاشم المرقال منها ، ~~فاحلق راسه والبسه جبة ms509 شعر وقيده وغل يده الى عنقه واحمله على قتب بغير ~~وطاء ولا غطاء واقدمه إلي ». # وقام زياد ففتش حي بنى مخزوم حتى ظفر بعبد الله فحمله إليه بالكيفية التي ~~ارادها وهو مهان الجانب ، محطم الكيان فوصل الى دمشق في يوم الجمعة وهو يوم ~~القبول الذي اعده معاوية لمقابلة اشراف قريش ووجوه العراقيين ولم يشعر ~~معاوية إلا وابن هاشم قد ادخل عليه فعرفه ولم يعرفه ابن العاص فالتفت ~~معاوية إليه قائلا : # « يا أبا عبد الله ، هل تعرف هذا الفتى؟ » قال : لا. # فقال معاوية هذا الذي يقول أبوه يوم صفين : # إني شريت النفس لما اعتلا %~% وأكثر اللوم وما أقلا أعور يبغي أهله محلا %~% قد عالج الحياة حتى ملا لا بد أن يفل أو يفلا %~% أسلهم بذي الكعوب سلا # لا خير عندي في كريم ولى PageV02P381 # فبهر ابن العاص وقال متمثلا : # وقد ينبت المرعى على دمن الثرى %~% وتبقى حزازات النفوس كما هيا # وتذكر ابن العاص مواقف أبيه يوم صفين فقال لمعاوية : # « دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب اوداجه على أثباجه ولا ترده ~~الى أهل العراق ، فانه لا يصبر على النفاق ، وهم أهل غدر وشقاق ، وحزب ~~ابليس ليوم هيجانه ، وإن له هوى سيوديه ، ورأيا سيطغيه ، وبطانة ستقويه ، ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها. # فانبرى إليه عبد الله كالأسد الغضبان مسددا له سهاما من القول غير هياب ~~له قائلا : # « يا عمرو ، إن أقتل فرجل اسلمه قومه ، وأدركه يومه ، أفلا كان هذا منك ~~إذ تحيد عن القتال ونحن ندعوك الى النزال ، وأنت تلوذ بشمال النطاف (1)، ~~وعقائق الرصاف (2) كالأمة السوداء ، والنعجة القوداء ، لا تدفع يد لامس؟ » # فالتاع ابن العاص ولم يستطع أن يقول شيئا سوى التهديد والتوعيد له قائلا : # « أما والله لقد وقعت في لهازم شدقم (3) للأقران ذي لبد ، ولا أحسبك ~~منفلتا من مخالب أمير المؤمنين ». # فأجابه ابن هاشم غير معتن بتهديده قائلا : PageV02P382 # « أما والله يا ابن العاص إنك لبطر فى الرخاء ، جبان عند اللقاء ، غشوم ~~إذا وليت ، هياب إذا لقيت ، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى ms510 ~~الشوك ، لا يستعجل في المدة ، ولا يرتجي في الشدة ، أفلا كان هذا منك إذ ~~غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا ، ولم يمزقوا كبارا لهم أيد شداد وألسنة حداد ، ~~يدعمون العوج ، ويذهبون الحرج ، يكثرون القليل ، ويشفون الغليل ، ويعزون ~~الذليل؟ » # فلم يطق ابن العاص جوابا وبقي يفتش في حقيبة مكره عيبا يوصم به عبد الله ~~فلم يجد شيئا سوى افتعال الكذب فقال : # « أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق احشاؤه (1) وتبق أمعاؤه وتضطرب ~~أصلاؤه (2) كأنما انطبق عليه ضمد ». # فانبرى إليه عبد الله مجيبا عن بهتانه وكذبه قائلا له : # « يا عمرو ، إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا ، خلوت ~~بأقوام لا يعرفونك ، وجند لا يساومونك ، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام ~~لجحظ عليك عقلك (3)، ولتلجلج لسانك ، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي ~~أثقله حمله ». # والتفت إليهما معاوية فقطع حديثهما قائلا : « إيها عنكما » ثم أمر باطلاق ~~سراح عبد الله ، فاستاء ابن العاص لهذا العفو ، وانبرى الى معاوية يحرضه ~~على الفتك والبطش به ويذكره مواقف أبيه هاشم في أيام صفين وقد نظم ذلك ~~بأبيات من الشعر قال : PageV02P383 أمرتك أمرا حازما فعصيتني %~% وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا معاوية الذي %~% أعان عليا يوم حز الغلاصم فلم ينثن حتى جرت من دمائنا %~% بصفين أمثال البحور الخضارم وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه %~% ويوشك أن تقرع به سن نادم # فأجابه عبد الله : # معاوي إن المرء عمرا أبت له %~% ضغينة صدر غشها غير نائم يرى لك قتلي يا ابن هند وإنما %~% يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على انهم لا يقتلون أسيرهم %~% إذا منعت منه عهود المسالم وقد كان منا يوم صفين نقرة %~% عليك جناها هاشم وابن هاشم قضى ما قضى منها وليس الذي مضى %~% ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم فان تعف عني تعف عن ذي قرابة %~% وإن تر قتلي تستحل محارمى # واندفع معاوية قائلا : # أرى العفو عن عليا قريش وسيلة %~% الى الله فى يوم العضيب القماطر ولست أرى قتل العداة ابن هاشم %~% بادراك ثاري في ms511 لؤي وعامر بل العفو عنه بعد ما بان جرمه %~% وزلت به إحدى الجدود العواثر فكان أبوه يوم صفين جمرة %~% علينا فأردته رماح نهابر (1) # لقد روع عبد الله وأفزعه معاوية وهو لم يقترف ذنبا سوى ولائه لأمير ~~المؤمنين (ع) الذي جعله ابن هند من أعظم الموبقات والجرائم ، وصرحت بعض ~~المصادر أنه لم يعفو عنه بل أودعه فى ظلمات السجون. ### || 3 عبد الله بن خليفة الطائي. # وعبد الله بن خليفة الطائي ممن عرف بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين PageV02P384 # فقد جاء إليه حينما توجه (ع) الى البصرة فقال له : # « الحمد لله الذي رد الحق الى أهله ، ووضعه في موضعه ، فان كره ذلك قوم ~~فقد والله كرهوا محمدا (ص) ونابذوه وقاتلوه ، فرد الله كيدهم في نحورهم ~~وجعل دائرة السوء عليهم ، والله لأجاهد معك في كل موطن تحفظا لحق رسول الله ~~(ص)» (1). # وقد دل حديثه على تبصره في دينه ، وعلى طيب عنصره ، وحسن رأيه ، ولعظيم ~~ايمانه ووفور عقله ، كان من المقربين عند الإمام ومن الذين يستشيرهم في ~~مهام اموره (2). # وفي محنة حجر كان عبد الله في طليعة أصحابه ومن المعارضين للسياسة ~~الأموية ، ومن المشتركين معه في ثورته ، ولما قبض زياد على حجر وأصحابه أمر ~~شرطته أن يأتوه بعبد الله ، ففتشوا عنه فوجدوه ، فناجزهم عبد الله ، وبعد ~~صراع جرى فيما بينهم لم يتمكن عبد الله على انقاذ نفسه منهم فاستولوا عليه ~~، فاستنجدت اخته النوار بقومها واسرتها فطلبت نصرة أخيها قائلة : # « يا معشر طيء أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة؟ » فثار ~~الطائيون على الشرطة فضربوهم وناجزوهم حتى انتزعوا منهم عبد الله فرجعت ~~الشرطة الى زياد وأخبرته بالأمر فاستدعا زعيم طيء وعميدها عدي ابن حاتم ~~فقال له : # « ائتني بعبد الله بن خليفة؟ » # وبعد حديث جرى بينهما أجابه ابن حاتم بمنطق الأحرار قائلا : # « لا والله لا أتاك به أبدا ، أجيئك بابن عمي تقتله؟ والله لو كان PageV02P385 # تحت قدمي ما رفعتهما عنه ». # فالتاع زياد وأمر به الى السجن ، ولم يبق بالكوفة يماني ولا ربعي إلا ~~أتوا زيادا فكلموه في شأن ms512 عدي ، وأخبروه بعظم شأنه وشرفه ، فاضطر زياد الى ~~اطلاق سراحه ، ولكنه شرط عليه أن يغيب ابن عمه عن الكوفة فوافق عدي على ذلك ~~، وأمر عبد الله أن يغادر الكوفة ويلحق با ( لجبلين )، فغادر عبد الله ~~الكوفة ، وقد سرى الألم العاصف في محياه على بعده عن وطنه وعلى فراقه ~~لأصحابه وأهله ، وقد أرسل الى عدي بعد نفيه قصيدة عصماء يرثي بها حجرا ~~وأصحابه ويذكر فيها ما يعانيه من ألم الفراق فيقول في رثاء حجر : # ولاقى بها (1) حجر من الله رحمة %~% فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ولا زال تهطال ملث وديمة %~% على قبر حجر أو ينادى فيحشرا فيا حجر من للخيل تدمى نحورها %~% وللملك المغزى إذا ما تغشمرا (2) ومن صادع بالحق بعدك ناطق %~% بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا فنعم أخو الإسلام كنت وانني %~% لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه %~% وتعرف معروفا وتنكر منكرا # ثم يسترسل فى رثاء حجر فيذكر صفاته ومواهبه وملكاته ويبكيه أمر البكاء ~~وينتهي في قصيدته الى وصف محنته وبلواه والى ما يلاقيه من الألم والأسى في ~~غربته فيقول : # فها أنا ذا آوي بأجبال طيء %~% طريدا فلو شاء الإله لغيرا نفاني عدوي ظالما عن مهاجري %~% رضيت بما شاء الإله وقدرا PageV02P386 وأسلمني قومى بغير جناية %~% كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا # وذكر الطبري وابن الأثير بقية قصيدته التي أعرب فيها عن شجونه وأحزانه ، ~~وظل عبد الله منفيا حتى مات بالجبلين قبل موت زياد (1). ### || 4 صعصعة بن صوحان : # وصعصعة بن صوحان من سادات العرب وفصحائهم النابهين وخطبائهم المفوهين كان ~~من ذوي الفضيلة والدين ، أسلم على عهد رسول الله (ص) وهو صغير ولم يجتمع به ~~لصغر سنه ، ووفد على عمر وكان يقسم أموال الغنائم وكان مقدارها ألف ألف ~~درهم ففضها على المسلمين وبقيت منها فضلة فاختلفت الصحابة فيها فقام فيهم ~~عمر خطيبا فقال في خطابه : # « أيها الناس ، قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس ، فما تقولون فيها؟ » # فانبرى إليه صعصعة منكرا عليه تحيره فى هذه ms513 المسألة البسيطة قائلا : # « يا أمير المؤمنين ، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل الله فيه قرآنا ، ~~وأما ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه فى مواضعه التي وضعه الله ~~تعالى ». # فاستحسن عمر رأيه وقال له : « صدقت أنت مني وأنا منك » ثم قسم المال بين ~~المسلمين » (2). # وكان صعصعة من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) ومن الملازمين له ، وقال ~~الإمام الصادق عليه السلام في حقه : « ما كان مع أمير المؤمنين من يعرف حقه ~~إلا صعصعة وأصحابه » (3). ومرض صعصعة فعاده (ع) فقال له : PageV02P387 # « يا صعصعة ، لا تتخذ عيادتي لك أبهة على قومك!! » # بلى والله أعدها منة من الله وفضلا علي. # إنك إن كنت على ما علمتك فأنت خفيف المؤنة حسن المعونة. # وأنت والله يا أمير المؤمنين بالله عليما وبالمؤمنين رءوفا رحيما (1). # ولحصافة رأيه ، وسداد منطقه كان الإمام (ع) يرسله فى مهامه فقد أرسله مرة ~~الى معاوية ومعه كتاب منه ، فلما انتهى إليه قال معاوية مشيدا بنفسه ومبررا ~~لأعماله : # « الأرض لله وأنا خليفة الله فما آخذ من مال الله فهو لي وما تركت منه ~~كان جائزا لي ». # وثقل على صعصعة هذا الكلام الملتوي فانبرى إليه مجيبا. # تمنيك نفسك ما لا يكو %~% ن جهلا معاوي لا تأثم # فتألم معاوية وقال منددا به : # « تعلمت الكلام؟ » # العلم بالتعلم ومن لا يعلم يجهل. # ما أحوجك الى أن أذيقك وبال أمرك. # ليس ذلك بيدك ، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها. # من يحول بيني وبينك؟ # الذي يحول بين المرء وقلبه. # اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير. # اتسع بطن من لا يشبع ، ودعا عليه من لا يجمع (2). PageV02P388 # ودلت هذه المحاورة على قوة جنان صعصعة وانه ليس بالرعديد ولا الهياب ، ~~فقد رد على معاوية مقالته بالمثل وقابله بالاستخفاف والاستهانة وهو غير ~~خائف من سلطانه. # وخطب معاوية بعد ما تم له الأمر ، فقام إليه صعصعة فعلق على كل جملة من ~~خطابه ، وفيما يلي خطاب معاوية مع رد صعصعة عليه. # قال معاوية : # لو أن أبا سفيان ، ولد الناس كلهم ms514 كانوا أكياسا .. # قد ولد الناس كلهم من هو خير من أبي سفيان آدم ، فمنهم الأحمق والكيس!! # إن أرضنا قريبة من المحشر. # إن المحشر لا يبعد على مؤمن ، ولا يقرب من كافر. # إن أرضنا أرض مقدسة. # إن الأرض لا يقدسها شيء ، ولا ينجسها ، إنما تقدسها الأعمال. # عباد الله اتخذوا الله وليا ، واتخذوا خلفاءه جنة تحرزوا بها. # كيف؟! وقد عطلت السنة ، واخفرت الذمة ، فصارت عشواء مطلخمة ، في دهياء ~~مدلهمة ، قد استوعبتها الأحداث ، وتمكنت منها الانكاث. # فثار معاويه وصاح به : # يا صعصعة ، لإن تقع على ضلعك خير لك من استبراء رأيك ، وإبداء ضعفك ، ~~تعرض بالحسن بن علي ، ولقد هممت أن أبعث إليه ، فأجابه صعصعة قائلا : # « أي والله ، وجدتهم أكرمكم جدودا ، وأحياكم حدودا ، وأوفاكم PageV02P389 # عهدا ، ولو بعثت إليه لوجدته في الرأي أديبا ، وفي الأمر صليبا ، وفى ~~الكرم نجيبا ، يلذعك بحرارة لسانه ، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره!! » # ولسع قوله معاوية فراح يهدده قائلا : # لأجفينك عن الوساد ، ولأشردن بك في البلاد. # والله إن فى الأرض لسعة ، وإن فى فراقك لدعة. # والله لأحبسن عطاءك. # إن كان ذلك بيدك فافعل ، إن العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفذ ~~خزائنه ، ولا يبيد عطاؤه ، ولا يحيف في قضيته. # لقد استقتلت!! # مهلا ، لم أقل جهلا ، ولم أستحل قتلا ، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ، ومن قتل مظلوما كان الله لقاتله مقيما ، يرهقه أليما ، ويجرعه ~~حميما ، ويصليه جحيما (1)... # وانصرف صعصعة وترك معاوية يتميز غيظا وكمدا ، وعمد بعد ذلك الى سجنه مع ~~جماعة من أصحابه ، وبقوا فى سجنه مدة من الزمن فدخل عليهم قائلا لهم : # « نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا ، أي الخلفاء رأيتموني؟ ». # فانبرى إليه عبد الله بن الكواء قائلا : # « لو لا انك عزمت علينا ما قلنا ، لأنك جبار عنيد ، لا تراقب الله فى قتل ~~الأخيار ، ولكنا نقول : قد علمنا أنك واسع الدنيا ضيق الآخرة قريب الثرى ، ~~بعيد المرعى ، تجعل الظلمات نورا والنور ظلمات!! » # فقال معاوية له : « إن الله أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن PageV02P390 # بيضته ، التاركين ms515 لمحارمه ، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين ~~لمحارم الله ، والمحلين ما حرم الله ، والمحرمين ما أحل الله ». # فأجابه ابن الكواء : « يا ابن أبي سفيان ، إن لكل كلام جوابا ونحن نخاف ~~جبروتك ، فان كنت تطلق السنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها ~~فى الله لومة لائم ، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه ». # فقال له معاوية : « لا والله لا يطلق لك لسان ». # وسكت عبد الله فتكلم صعصعة : # « تكلمات يا ابن أبي سفيان فأبلغت ، ولم تقصر عما أردت ، وليس الأمر كما ~~ذكرت ، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ، ودانهم كبرا واستولى بأسباب ~~الباطل كذبا ومكرا!! أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى وما كنت فيه ~~إلا كما قال القائل : « لا حلي ولا سيري » (1) ولقد كنت أنت وأبوك في العير ~~والنفير ممن أجلب على رسول الله (ص) وإنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول ~~الله (ص) فانى تصلح الخلافة لطليق؟ » # وامتلأ قلب معاوية غيظا وكمدا فالتفت إليهم : # « لو لا أني أرجع الى قول أبي طالب حيث يقول : # قابلت جهلهم حلما ومغفرة %~% والعفو عن قدرة ضرب من الكرم # لقتلتكم » (2). # وكان صعصعة من جملة الأشخاص الذين طلب لهم الإمام الحسن (ع) PageV02P391 # من معاوية الأمن وعدم التعرض لهم بسوء ومكروه (1) ولكن معاوية لم يف بذلك ~~فقد روعه وأفزعه وأودعه في سجنه كما روع غيره من زعماء الشيعة ، وصرحت بعض ~~المصادر ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة الى الجزيرة أو الى ~~البحرين أو الى جزيرة ابن كافان فمات بها معتقلا منفيا عن وطنه وبلاده وفي ~~رثائه يقول المرزباني (2): # هلا سألت بني الجارود أي فتى %~% عند الشفاعة والبان ابن صوحانا كنا وكانوا كأم أرضعت ولدا %~% عق ولم نجز بالإحسان إحسانا (3) ### || 5 عدي بن حاتم : # وعدي بن حاتم من أهم الشخصيات الرفيعة الفذة في العراق ، فقد كان قبل ~~الإسلام يتمتع بمجد أصيل وشرف أثيل ، فهو ابن حاتم مضرب المثل في الجود ~~والسخاء ، وبالإضافة الى مجده الموروث فقد كان في الإسلام ms516 من ابطال العقيدة ~~، ومن عيون المؤمنين ، ومن رجال الإسلام البارزين ، وقد تقدم في هامش هذا ~~الكتاب شيء موجز عن ترجمته ، والمهم التعرض الى ما لاقاه من الهوان ~~والاستخفاف من قبل ابن هند لأجل ولائه واخلاصه لأمير المؤمنين (ع) فقد دخل ~~يوما على معاوية فقال له متشمتا به : PageV02P392 # ما فعلت الطرفات؟ (1). # قتلوا مع علي. # ما أنصفك علي قتل أولادك وأبقى أولاده!!. # ما أنصفك علي إذ قتل وبقيت بعده. # فتألم ابن هند من مقال عدي وقال مهددا له : # « أما إنه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن ~~يعني به عديا ». # فانبرى إليه عدي وهو غير مكترث بتهديده قائلا له : # « والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن أسيافنا التي ~~قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فترا ، لندنين إليك ~~من الشر شبرا ، وإن حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم (2) لأهون علينا من أن نسمع ~~المساءة في علي ، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف ». # فراوغ معاوية على عادته وقال : # « هذه كلمات حكم فاكتبوها ». # ثم أقبل عليه يحدثه كأنه لم يخاطبه بشيء (3) ثم قال له : # « صف لي عليا ». # إن رأيت أن تعفيني. # لا أعفيك. # فأخذ عدي في وصف أمير المؤمنين فقال : PageV02P393 # « كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول عدلا ، ويحكم فصلا تتفجر ~~الحكمة من جوانبه ، والعلم من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس ~~بالليل ووحشته ، وكان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا ~~خلا ، ويقلب كفيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ، ومن المعاش الخشن ~~، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع ~~تقريبه لنا ، وقربه منا لا نكلمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، ~~فان تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويتحبب الى المساكين ، لا ~~يخاف القوي ظلمه ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل ~~فى محرابه وأرخى الليل سرباله ، وغارت نجومه ، ودموعه تتحادر على لحيته ، ~~وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني الآن ms517 أسمعه وهو يقول : # « يا دنيا ، إلي تعرضت أم إلي أقبلت؟ غري غيري لا حان حينك قد طلقتك ~~ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعيشك حقير ، وخطرك يسير ، آه من قلة الزاد ، وبعد ~~السفر ، وقلة الأنيس ». # فوكفت عينا معاوية ، وجعل ينشفهما بكمه وهو يقول : # « يرحم الله أبا الحسن ، كان كذلك ، فكيف صبرك عنه؟ » # كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها ، ولا تسكن عبرتها. # فكيف ذكرك له؟ # وهل يتركني الدهر أن أنساه؟ (1)، # وقد دل هذا الحديث على ولاء عدي لأمير المؤمنين ومن أجل ولائه PageV02P394 # واخلاصه فقد روع وأفزع ، وقد تقدم أن زيادا أودعه في السجن حفنة من ~~الأيام من أجل عبد الله بن خليفة الطائي ولم يراع شخصيته الكريمة ، ومكانته ~~الاجتماعية ، وعظم منزلته ، وإنما فعل ذلك به ليقضي على شيعة أمير المؤمنين ~~عليه السلام . ### || 6 جارية بن قدامة : # ووفد معاوية بن قدامة السعدي على معاوية ، فقال له معاوية : # أنت الساعي مع علي بن أبي طالب ، والموقد النار في شعلك ، تجوس قرى عربية ~~تسفك دماءهم؟ # يا معاوية دع عنك عليا ، فما أبغضنا عليا منذ أحببناه ، ولا غششناه منذ ~~صحبناه. # ويحك يا جارية!! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية!! # أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية (1)! # لا أم لك. # أم ما ولدتني (2)، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا. # إنك لتهددني؟ # إنك لم تملكنا قسرة ، ولم تفتحنا عنوة ، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق ، ~~فان وفيت لنا وفينا ، وإن ترغب الى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا ، ~~وأدرعا شدادا ، وأسنة حدادا ، فان بسطت إلينا PageV02P395 # فترا من غدر ، زلفنا إليك بباع من ختر. # لا كثر الله في الناس من أمثالك. # وتركه جارية والأسى ملأ اهابه (1)، لقد لقي جارية هذا الهوان ، والتبكيت ~~من أجل ولائه للعترة الطاهرة التي فرض الله مودتها على جميع المسلمين. ### || ترويع نساء الشيعة : # ولم يقتصر معاوية فى ارهابه واضطهاده على رجال الشيعة وزعمائهم فقد أخذ ~~يتحرى نساءهم فما ذكرت له امرأة منهم ذات مكانة ms518 مهمة إلا وبعث خلفها ~~فقابلها بالاستخفاف والاستهانة ، وأدخل الفزع والخوف فى نفسها ، وإذا وفدت ~~عليه امرأة منهم قابلها بالإذلال ، وأظهر لها ما يكنه في نفسه من الحقد ~~والبغض العارم للإمام أمير المؤمنين ولشيعته وها نحن نقدم الى القارئ ~~الكريم أسماء بعض السيدات اللاتي بعث خلفهن ، واللاتي وفدن عليه مع ما جرى ~~بينهن وبينه من الحديث : ### || 1 الزرقاء بنت عدي : # وكانت الزرقاء بنت عدي بن غالب ممن عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين ~~(ع)، وكانت من ربات البلاغة والفصاحة والرأي الصائب وكانت في واقعة صفين ~~تدعو الجماهير الى نصرة أمير المؤمنين (ع) وتحرضهم على قتال عدوه ، ولما ~~فجع الإسلام بقتل أمير المؤمنين وانتهى الأمر الى ابن هند كتب الى عامله ~~بالكوفة أن يحمل إليه الزرقاء بنت عدي فبعث بها إليه ، فلما دخلت عليه رحب ~~بها ثم قال لها : PageV02P396 # « هل تعلمين لم بعثت إليك؟ ». # سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم!! وهل يعلم ما فى القلوب إلا الله. # بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين ~~الحرب ، وتحرضين على القتال ، فما حملك على ذلك؟ # يا أمير المؤمنين ، إنه قد مات الرأس ، وبتر الذنب ، والدهر ذو غير ، ومن ~~تفكر أبصار ، والأمر يحدث بعده الأمر!!! # صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ # ما أحفظه. # ولكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين : أيها الناس إنكم فى فتنة ~~غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء تسمع ~~لناعقها ، ولا تسلس لقائدها ، إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكواكب لا ~~تنير مع القمر ، وإن البغل لا يسبق الفرس وان الزف (1) لا يوازن الحجر ، ~~ولا يقطع الحديد إلا الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا ~~أخبرناه ، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها ، فصبرا يا معشر المهاجرين ~~والأنصار ، فكان قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق ~~باطله ، فلا يعجلن أحد فيقول : كيف العدل وأنى؟ ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~، ألا إن خضاب النساء الحناء ، وخضاب الرجال ms519 الدماء ، والصبر خير عواقب ~~الأمور ، إيها الى الحرب غير ناكصين ، ولا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده. # وبعد ما تلى معاوية كلامها تأثر منه واندفع وهو مغيظ محنق فقال لها : PageV02P397 # « والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه ». # « أحسن الله بشارتك ، وأدام سلامتك ، مثلك من بشر بخير وسر جليسه ». # « وقد سرك ذلك؟ » # « نعم والله لقد سرني قولك فأنى لي بتصديق الفعل!؟ » # فتبهر معاوية من اخلاصها لأمير المؤمنين فقال : # « والله لوفاؤكم له بعد موته احب إلي من حبكم له فى حياته ، اذكري حاجتك؟ » # إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا ومثلك أعطى ~~من غير مسألة ، وجاد عن غير طلب. # صدقت. # ثم أقطعها ضيعة وأوصلها وردها الى أهلها (1). # إنه وإن أكرمها أخيرا ، وأجزل لها العطاء إلا أنه قد روعها وأفزعها أولا ~~وأظهر لها الظفر والغلبة والنصر عليها. ### || 2 أم الخير البارقية : # كانت أم الخير بنت الحريش البارقية من سيدات النساء ومن البليغات ~~البارعات ، وقد عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (ع)، وكانت في واقعة ~~صفين تحرض الجماهير على حرب ابن هند ، وتحفزهم الى الذب عن أمير المؤمنين ~~ونصرته ، وقد تألم معاوية من مواقفها ، وأضمر لها الحقد والعداء ، ولما ~~انحسرت روح الإسلام باستيلائه على زمام الحكم كتب الى واليه على الكوفة ~~يأمره بأن يحمل إليه أم الخير لينتقم منها ، فلما ورد PageV02P398 # الكتاب الى عامله بعثها إليه ، فلما دخلت على معاوية قالت : # « السلام عليك يا أمير المؤمنين ». # وعليك السلام ، وبالرغم والله دعوتنى بهذا الاسم. # مه يا هذا ، فان بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه. # صدقت يا خالة ، وكيف رأيت مسيرك؟ # لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت الى ملك جزل ، وعطاء بذل ، فأنا في عيش ~~أنيق ، عند ملك رفيق. # بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم. # مه يا هذا ، لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته. # ليس لهذا أردناك. # إنما أجرى فى ميدانك إذا أجريت شيئا أجريته ، فاسأل عما بدا لك؟ # كيف كان كلامك يوم قتل عمار ms520 بن ياسر؟ # لم أكن والله رويته قبل ، ولا زورته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني ~~حين الصدمة ، فان شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت؟ # لا أشاء ذلك!! # ثم التفت الى أصحابه فقال لهم : أيكم حفظ كلام أم الخير؟ فانبرى إليه ~~أحدهم فقال له : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد فقال له : ~~هاته ، فقال : كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية وعلى جمل أرمك (1) ~~وقد احيط حولها وبيدها سوط منتشر الضفر وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : # « يا أيها الناس ، اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، إن الله PageV02P399 # قد أوضح الحق ، وأبان الدليل ، ونور السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم فى ~~عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمة ، فإلى أين تريدون رحمكم الله! أفرارا عن ~~أمير المؤمنين؟ أم فرارا من الزحف؟ أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن ~~الحق؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول : « ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرون ونبلو أخباركم ». # ثم رفعت رأسها الى السماء وهي تقول : « اللهم قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ~~، وانتشر الرعب ، وبيدك يا رب أزمة القلوب ، فاجمع الكلمة على التقوى ، ~~والف القلوب على الهدى ، ورد الحق الى أهله ، هلموا رحمكم الله الى الإمام ~~العادل ، والوصي الوفي ، والصديق الأكبر ، إنها احن بدرية ، وأحقاد جاهلية ~~، وضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغافلة ، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس ». # ثم قالت : « قاتلوا أئمة الكفر انهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون » صبرا ~~معاشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم ، قد لقيتم أهل الشام ~~كحمر مستنفرة ، فرت من قسورة ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا ~~الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى ، وباعوا البصيرة بالعمى ، وعما ~~قليل ليصبحن نادمين حين تحل الندامة فيطلبون الاقالة إنه والله من ضل عن ~~الحق وقع فى الباطل ، ومن لم يسكن الجنة نزل النار ، أيها الناس إن الأكياس ~~استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها ، والله ~~أيها الناس لو لا أن تبطل الحقوق ، وتعطل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى ms521 ~~كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين ~~تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته وأبي ابنيه؟ خلق من ~~طينته ، وتفرع من PageV02P400 # نبعته. وخصه بسره ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبه المسلمين ، وأبان ~~ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيده بمعونته ، ويمضى على سنن استقامته لا ~~يرجع لراحة اللذات وهو مفلق الهام ، ومكسر الأصنام ، إذ صلى والناس مشركون ~~، وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ~~، وفرق جمع هوازن ، فيا لها وقائع زرعت فى قلوب قوم نفاقا ، وردة وشقاقا ، ~~وقد اجتهدت فى القول ، وبالغت فى النصيحة ، وبالله التوفيق وعليكم السلام ~~ورحمة الله وبركاته ». # فانتفخت أوداج معاوية غيظا وحنقا وقال لها بنبرات تقطر غضبا : # « والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلي ، والله لو قتلتك ما حرجت فى ذلك ». # فأجابته وهي غير خائفة منه : # « والله ما يسؤني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يد من يسعدني الله ~~بشقائه ». # هيهات يا كثيرة الفضول ، ما تقولين فى عثمان بن عفان؟ # وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم كارهون ، وقتلوه وهم راضون. # وبعد حديث جرى بينهما أطلق أخيرا سراحها وعفا عنها (1). ### || 3 سودة بنت عمارة : # وسودة بنت عمارة بن الأشتر الهمداني من سيدات نساء العراق ، ومن ربات ~~الفصاحة والبيان ، ورثت حب أمير المؤمنين من آبائها الكرام الذين عرفوا ~~بالحب والأخلاص له ، وفدت على معاوية تشتكي عنده جور عامله PageV02P401 # فلما دخلت عليه عرفها فقال لها : # ألست القائلة يوم صفين؟ : # شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة %~% يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليا والحسين ورهطه %~% واقصد لهند وابنها بهوان إن الإمام أخا النبي محمد %~% علم الهدى ومنارة الإيمان فقد الجيوش وسر أمام لوائه %~% قدما بأبيض صارم وسنان # قالت : « أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب ». # فما حملك على ذلك؟! # حب علي وإتباع الحق. # فو الله ما أرى عليك من أثر علي شيئا؟! # يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر ms522 الذنب ، فدع عنك تذكار ما قد نسي واعادة ~~ما مضى. # هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى ، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك. # صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام ، ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء : # وإن صخرا لتأتم الهداة به %~% كأنه علم فى رأسه نار # صدقت كان كذلك. # مات الرأس وبتر الذنب ، وبالله أسأل أمير المؤمنين اعفائي مما استعفيت منه. # قد فعلت فما حاجتك؟ # إنك أصبحت للناس سيدا. ولأمرهم متقلدا ، والله سائلك من PageV02P402 # أمرنا ، وما افترض من حقنا. ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك. ويبطش ~~بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ~~ويسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي ~~، ولو لا الطاعة لكان فينا عز ومنعة ، فأما عزلته عنا فشكرناك ، وإما لا ~~فعرفناك. # فتأثر معاوية من كلامها وقال لها : # « أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك ~~حكمه ». # فأطرقت الى الأرض وهي باكية العين حزينة القلب ثم أنشأت تقول : # صلى الإله على جسم تضمنه %~% قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا %~% فصار بالحق والإيمان مقرونا # ومن ذلك؟ # علي بن أبي طالب. # وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ # قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين ، ~~فأتيت عليا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع ، فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي ~~انفتل من صلاته ، ثم قال لي برأفة وتعطف : ألك حاجة؟ فأخبرته الخبر فبكى ثم ~~قال : « اللهم إنك أنت الشاهد علي وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا ~~بترك حقك » ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب ، فكتب فيها : « بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقية الله خير لكم ~~إن كنتم مؤمنين ، وما أنا PageV02P403 # عليكم بحفيظ ، إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من ms523 عملنا حتى يقدم عليك ~~من يقبضه منك والسلام » فأخذته منه ، والله ما ختمه بطين ولا حزمه بحزام. # فتبهر معاوية وتعجب من هذا العدل والإنصاف وقال : « أكتبوا لها بالانصاف ~~والعدل لها ». # فانبرت إليه قائلة : # « ألي خاصة أم لقومى عامة؟ » # وما أنت وغيرك؟ # هي والله إذن الفحشاء واللؤم ، إن لم يكن عدلا شاملا ، وإلا فأنا كسائر قومى. # هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله : # فلو كنت بوابا على باب جنة %~% لقلت لهمدان ادخلوا بسلام # ثم قال : « اكتبوا لها ولقومها بحاجتها » (1). ### || 4 أم البراء بنت صفوان : # وكانت أم البراء بنت صفوان بن هلال من سيدات النساء في عفتها وطهارة ~~ذيلها ، عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام ، وكان لها موقف ~~مشرف في صفين فكانت تحرض الجماهير الحاشدة على مناجزة معاوية وقتاله ، ولما ~~انتهى الأمر إليه وفدت عليه فقال لها : # « كيف أنت يا بنت صفوان؟ » # بخير يا أمير المؤمنين. # كيف حالك؟ PageV02P404 # ضعفت بعد جلد ، وكسلت بعد نشاط. # شتان بينك اليوم وحين تقولين : # يا عمرو دونك صارما ذا رونق %~% غضب المهزة ليس بالخوار أسرج جوادك مسرعا ومشمرا %~% للحرب غير معرد لفرار أجب الإمام ودب تحت لوائه %~% وافر العدو بصارم بتار يا ليتني أصبحت ليس بعورة %~% فأذب عنه عساكر الفجار # قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ، ومثلك عفا والله تعالى يقول : # « عفا الله عما سلف ». # هيهات أما انه لو عاد لعدت ، ولكن أخترم دونك فكيف قولك حين قتل؟ » فقالت نسيته. # فانبرى إليه بعض جلسائه فقال إنها تقول : # يا للرجال لعظم هول مصيبة %~% فدحت فليس مصابها بالهازل الشمس كاسفة لفقد إمامنا %~% خير الخلائق والإمام العادل يا خير من ركب المطي ومن مشى %~% فوق التراب لمحتف أو ناعل حاشا النبي لقد هددت قواءنا %~% فالحق أصبح خاضعا للباطل # فتألم ابن هند وقال لها : # « قاتلك الله يا بنت صفوان ، ما تركت لقائل مقالا اذكري حاجتك ». # ولما رأت بنت صفوان الاستهانة والتحقير من معاوية امتنعت أن تفوه بحاجتها ~~وتسأله بمسألتها فقالت له : # « هيهات بعد هذا والله لا سألتك شيئا ». # ولما ms524 قامت من مجلسه عثرت فقالت : « تعس شاءني علي » (1). PageV02P405 # وقد لاقت هذه المرأة النبيلة الكريمة المحتد والطيبة العنصر الاستهانة ~~والإذلال لحبها لأمير المؤمنين. ### || 5 بكارة الهلالية : # وبكارة الهلالية من سيدات النساء الموصوفات بالشجاعة والإقدام والفصاحة ~~والبلاغة ، كانت من أنصار أمير المؤمنين في واقعة صفين وقد خطبت فيها خطبا ~~حماسية دعت فيها جنود الحق للذب عن سيد المسلمين وأمير المؤمنين (ع) ولحرب عدوه. # وفدت بكارة على معاوية بعد أن تم له الأمر ، وقد كبرت ودق عظمها ، ومعها ~~خادمان وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز ، فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن ~~لها الرد وأذن لها بالجلوس ، وكان عنده مروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص ، ~~فعرفها مروان فالتفت الى معاوية قائلا : « أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ » # ومن هي؟ # هي التي كانت تعين علينا يوم صفين وهي القائلة : # يا زيد دونك فاستثر من دارنا %~% سيفا حساما فى التراب دفينا قد كان مذخورا لكل عظيمة %~% فاليوم أبرزه الزمان مصونا # واندفع ابن العاص قائلا : يا أمير المؤمنين وهي القائلة : # أترى ابن هند للخلافة مالكا %~% هيهات ذاك وما أراد بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة %~% أغراك عمرو للشقاء وسعيد فارجع بأنكد طائر بنحوسها %~% لاقت عليا أسعد وسعود # وانبرى بعدهما سعيد قائلا : يا أمير المؤمنين وهي القائلة : # قد كنت آمل أن أموت ولا أرى %~% فوق المنابر من أمية خاطبا PageV02P406 فالله أخر مدتي فتطاولت %~% حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم %~% وسط الجموع لآل أحمد عائبا # وسكت القوم ، فالتفتت بكارة الى معاوية قائلة له : # « نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني ، فقصرت محجتي وكثر عجبي ، ~~وغشي بصري ، وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب ، فامض لشأنك ، ~~فلا خير فى العيش بعد أمير المؤمنين » (1). # ثم انصرفت والألم يحز فى فؤادها ، قد نبحتها كلاب معاوية واحتوشها جلساؤه ~~الأوغاد. ### || 6 أروى بنت الحارث : # وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب من سيدات نساء المسلمين فى اقدامها ~~وشجاعتها وحسن منطقها ، قد عرفت بالولاء والحب لأمير المؤمنين عليه السلام ، ~~وفدت على معاوية ms525 فوجهت له سهاما من القول ، وعرضت في كلامها عن محنة أهل ~~البيت (ع) وما لاقوه بعد النبي (ص) من المحن والبلاء وهذا نص كلامها : # « أنت يا ابن أخي لقد كفرت بالنعمة ، وأسأت لابن عمك يعني عليا الصحبة ، ~~وتسميت بغير اسمك ، وأخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في ~~الإسلام ، ولقد كفرتم بما جاء به محمد (ص) فأتعس الله منكم الجدود ، وأصعر ~~منكم الخدود ، حتى رد الله الحق الى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ~~ونبينا محمد (ص) هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون ، فكنا أهل ~~البيت أعظم الناس فى الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه (ص) مغفورا ~~ذنبه ، مرفوعا PageV02P407 # درجته شريفا عند الله مرضيا فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل ~~فرعون يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم ~~بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : « يا ابن أم ان القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني » ، ولم يجمع بعد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لنا شمل ، ~~ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار ». # وكان ابن العاص حاضرا فلسعه كلامها فاندفع قائلا : # « أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك ، وغضي من طرفك ». # ومن أنت لا أم لك؟ # عمرو بن العاص. # يا ابن اللخناء النابغة ، أتكلمني؟!! أربع على ضلعك ، وأعن بشأن نفسك ، ~~فو الله ما أنت من قريش فى اللباب من حسبها ، ولا كريم منصبها ، ولقد ادعاك ~~ستة من قريش كل واحد يزعم أنه أبوك ، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل ~~عبد عاهر فأتم بهم فانك بهم أشبه. # والتفت لها مروان بن الحكم فقال لها : # « أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك مع ذهاب عقلك ، فلا تجوز شهادتك ». # فانبرت إليه قائلة : # « يا بني أتتكلم؟ فو الله لأنت الى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك ~~بالحكم ، وإنك لتشبهه فى زرقة عينيك ، وحمرة شعرك ، مع قصر قامته ، وظاهر ~~دمامته ، ولقد رأيت الحكم ماد القامة ، ظاهر الأمة ، سبط الشعر وما بينكما ~~من ms526 قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب PageV02P408 # فاسأل أمك عما ذكرت لك فانها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت ». # ثم التفتت الى معاوية فقالت له : # « والله ما عرضني لهؤلاء غيرك وإن أمك هند القائلة فى يوم أحد في قتل ~~حمزة رحمة الله عليه : # نحن جزيناكم بيوم بدر %~% والحرب يوم الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر %~% أبي وعمي وأخي وصهرى شفيت وحشي غليل صدري %~% شفيت نفسي وقضيت نذري فشكر وحشي علي عمري %~% حتى تغيب أعظمي في قبري # فأجبتها : # يا بنت رقاع عظيم الكفر %~% خزيت فى بدر وغير بدر صبحك الله قبيل الفجر %~% بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري %~% حمزة ليثي وعلي صقري إذ رام شبيب وأبوك غدري %~% أعطيت وحشي ضمير الصدر هتك وحشي حجاب الستر %~% ما للبغايا بعدها من فخر # فثار معاوية والتفت الى ابن العاص ومروان قائلا : # « ويلكما أنتما عرضتماني لها وأسمعتماني ما أكره ». # ثم التفت إليها فقال لها : # « يا عمة اقصدي حاجتك ودعي عنك أساطير النساء ». # تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار. # ما تصنعين بألفي دينار؟ # أشتري بها عينا خرخارة ، في أرض خوارة تكون لولد الحارث ابن عبد المطلب. PageV02P409 # نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار؟ # أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم. # نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار؟ # أستعين بها على عسر المدينة ، وزيارة بيت الله الحرام. # نعم الموضع وضعتها ، هي لك نعم وكرامة. # ثم التفت إليها بعد هذا العطاء الجزيل ليرى مدى اخلاصها لأمير المؤمنين ~~قائلا : # « أما والله لو كان علي ما أمر لك بها!! » # صدقت ، إن عليا أدى الأمانة ، وعمل بأمر الله وأخذ به ، وأنت ضيعت أمانتك ~~، وخنت الله فى ماله ، فأعطيت مال الله من لا يستحقه وقد فرض الله في كتابه ~~الحقوق لأهلها وبينها فلم تأخذ بها ، ودعانا علي الى أخذ حقنا الذي فرض ~~الله لنا فشغل بحربك عن وضع الأمور في مواضعها ، وما سألتك من مالك شيئا ~~فتمن به إنما سألتك من حقنا ، ولا نرى أخذ ms527 شيء غير حقنا ، أتذكر عليا فض ~~الله فاك وأجاهد بلاءك؟. # ثم بكت وقالت راثية لأمير المؤمنين : # ألا يا عين ويحك أسعدينا %~% ألا وابكي أمير المؤمنينا رزينا خير من ركب المطايا %~% وفارسها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال أو احتذاها %~% ومن قرأ المثاني والمئينا إذا استقبلت وجه أبي حسين %~% رأيت البدر راع الناظرينا ولا والله لا أنسى عليا %~% وحسن صلاته في الراكعينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا %~% بخير الناس طرا أجمعينا PageV02P410 # فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار فأخذتها وانصرفت (1) وقد أراد معاوية ~~بتكريمه لها استمالة قلبها وصرفها عن حب أمير المؤمنين (ع)، وقد خاب سعيه ~~، فان من طبع على حب أمير المؤمنين والإخلاص إليه كيف يغيره المال؟ وتقلب ~~عقيدته المادة ، وقد فاهت بهذا الشعور الطيب كريمة أبي الأسود الدؤلي فقد ~~بعث معاوية حلوى هدية الى أبيها ليستميله عن حب أمير المؤمنين (ع) فتناولت ~~ابنته قطعة من تلك الحلوى ووضعتها في فيها فقال لها أبوها : # « يا بنتي القيها فانها سم ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن ~~أمير المؤمنين ويردنا عن محبة أهل البيت!! » # فلما سمعت بذلك انبرت الى أبيها تعرب له عن شعورها الطيب وعن مدى حبها ~~لأمير المؤمنين قائلة : # « قبحه الله ، يخدعنا عن السيد المطهر بالشهد المزعفر ، تبا لمرسله ~~وآكله!! » # ثم قاءت ما أكلته وأنشأت تقول : # أبا لشهد المزعفر يا ابن هند %~% نبيع عليك أحسابا ودينا معاذ الله كيف يكون هذا %~% ومولانا أمير المؤمنينا (2) ### || 7 عكرشة بنت الأطرش : # وعكرشة بنت الأطرش سيدة جليلة تعد في طليعة نساء العرب فى شجاعتها ، وقوة ~~بيانها ، كانت فى صفين تدعو الناس الى نصرة الإمام ومناجزة عدوه ، ولما تم ~~الأمر الى معاوية وفدت عليه فسلمت عليه بالخلافة PageV02P411 # فتذكر موقفها في صفين فقال لها : # « يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين؟ » # فقالت له : # « نعم إذ لا علي حي ». # فلم يقتنع بذلك وأخذ يذكرها بموقفها وخطبها فى صفين قائلا : # « ألست صاحبة الكور المسدول ، والوسيط المشدود ، والمتقلدة بحمائل السيف ~~، وأنت واقفة بين الصفين تقولين : # « يا أيها الناس ، عليكم أنفسكم ، لا ms528 يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة ~~دار لا يرحل عنها من قطنها ، ولا يحزن من سكنها ، فابتاعوها بدار لا يدوم ~~نعيمها ، ولا تنصرم همومها ، كونوا قوما مستبصرين ، إن معاوية دلف إليكم ~~بعجم العرب ، غلف القلوب ، لا يفقهون الإيمان ، ولا يدرون ما الحكمة؟ دعاهم ~~بالدنيا فأجابوه ، واستدعاهم الى الباطل فلبوه ، فالله الله عباد الله في ~~دين الله!! وإياكم والتواكل ، فان فى ذلك نقض عروة الإسلام ، وإطفاء نور ~~الإيمان ، وذهاب السنة ، وإظهار الباطل هذه بدر الصغرى ، والعقبة الأخرى ، ~~قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم ، واصبروا على ~~عزيمتكم ، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة ، والبغال ~~الشحاجة تضفع ضفع البقر ، وتروث روث العتاق ». # وبعد ما تلى معاوية عليها خطابها قال لها بنبرات تقطر غضبا : # « فو الله لو لا قدر الله ، وما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد كان انكفأ ~~علي العسكران فما حملك على ذلك؟ » # فقابلته بناعم القول قائلة : PageV02P412 # « إن اللبيب إذا كره أمرا لم يحب إعادته ». # صدقت اذكري حاجتك. # إن الله قد رد صدقاتنا علينا ورد أموالنا فينا إلا بحقها ، وإنا قد فقدنا ~~ذلك ، فما ينعش لنا فقير ، ولا يجبر لنا كسير فان كان ذلك عن رأيك فما مثلك ~~من استعان بالخونة ، ولا استعمل الظالمين. # فما اعتنى معاوية باسترحامها وقال لها : # « يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم ، من بحور تنبثق ، وثغور ~~تنفتق ». # يا سبحان الله!! ما فرض الله لنا حقا جعل لنا فيه ضررا على غيرنا ما جعله ~~لنا وهو علام الغيوب. # ولم يجد حينئذ معاوية بدا من إجابتها فقال لها : # هيهات يا أهل العراق نبهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا. # ثم أمر لها بقضاء حاجتها وردها الى أهلها (1). ### || 8 الدارمية الحجونية : # ومن سيدات النساء وخيارهن الدارمية الحجونية ، عرفت بالصلاح والنسك ، ~~وبقوة الحجة ، وشدة العارضة ، قد والت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ~~ولما تم الأمر الى معاوية بعث خلفها وكان آنذاك في الحجاز فلما مثلت عنده ~~قال لها : # « كيف حالك يا ابنة ms529 حام » # بخير ، ولست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة ، ثمت من بني أبيك. PageV02P413 # صدقت ، هل تعلمين لم بعثت إليك؟ # لا ، يا سبحان الله!! وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ # بعثت إليك أن أسألك علام أحببت عليا (ع) وأبغضتيني؟ وعلام وأليتيه ~~وعاديتيني؟ # أو تعفيني من ذلك؟ # لا أعفيك ، لذلك دعوتك. # فأما إذا أبيت فإني أحببت عليا (ع) على عدله في الرعية ، وقسمه بالسوية ، ~~وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك ، وطلبك ما ليس لك ، وواليت عليا ~~على ما عقد له رسول الله (ص) من الولاية وحب المساكين ، واعظامه لأهل الدين ~~، وعاديتك على سفكك الدماء ، وشقك العصا. # فتأثر ابن هند من مقالها وقال فاحشا ومستهزئا : # « صدقت فلذلك انتفخ بطنك ، وكبر ثديك ، وعظمت عجيزتك » فردت عليه مقالته ~~بالمثل : # « يا هذا بهند والله يضرب المثل لا أنا ». # لا تغضبي فانا لم نقل إلا خيرا ، إنه إن انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها ، ~~وإذا كبر ثديها حسن غذاء ولدها ، وإذا عظمت عجيزتها وزن مجلسها. # فهدأ روعها ، وسكن غضبها ، ثم التفت لها : # هل رأيت عليا؟ # أي والله لقد رأيته. # كيف رأيته؟ PageV02P414 # لم ينفخه الملك ، ولم تصقله النعمة (1). # هل سمعت كلامه؟ # كان والله كلامه يجلو القلوب من العمى ، كما يجلي الزيت صداء الطست. # صدقت ، هل لك من حاجة؟ # أو تفعل إذا سألتك؟ # نعم. # تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. # ما تصنعين بها؟ # أغذو بألبانها الصغار ، وأستحيي بها الكبار ، واكتسب بها المكارم واصلح ~~بها بين العشائر. # فان أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ # سبحان الله!!! أو دونه أو دونه. # فتبهر معاوية وقال : # إذا لم أعد بالحلم مني عليكم %~% فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد %~% جزاك على حرب العداوة بالسلم # أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا. # لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (2). PageV02P415 # الى هنا يننهي بنا الحديث عما لاقته شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من ~~التنكيل ، والتعذيب ، والإعدام ، والعسف ms530 ، والإرهاب ، والإذلال ، والتحقير ~~من قبل معاوية وعامله زياد ، وبذلك فقد نقض معاوية أهم شروط الصلح ، وهو ~~عدم التعرض لشيعة آل البيت بسوء ومكروه وغائلة : ### || المؤتمر الحسيني : # ولما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) الإجرءات الحاسمة التي اتخذها ~~معاوية ضد العترة الطاهرة ، عقد (ع) مؤتمرا في مكة ، دعا فيه جمهورا غفيرا ~~ممن شهد موسم الحج من المهاجرين والأنصار ، والتابعين ، وغيرهم من سائر ~~المسلمين ، وعرض عليهم ما ألم بأهل البيت وبشيعتهم من المحن والخطوب من ~~جراء الحكم القائم الذي عمد الى اتخاذ جميع الوسائل للكيد لآل النبي (ص) ~~واخفاء فضائلهم ، وستر ما أثر عن الرسول فى حقهم وقد ألزم حضار مؤتمره ~~باذاعة ذلك بين المسلمين ، ونسوق ما رواه سليم ابن قيس فى ذلك قال : # « ولما كان قبل موت معاوية بسنة ، حج الحسين بن علي ، وعبد الله ابن عباس ~~، وعبد الله بن جعفر ، فجمع الحسين بني هاشم ، رجالهم ونساءهم ، ومواليهم ، ~~ومن حج منهم من الأنصار ، ممن يعرفه الحسين عليه السلام وأهل بيته ، ثم أرسل ~~رسلا وقال لهم : لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول الله (ص) المعروفين ~~بالصلاح والنسك إلا اجمعوهم لي ، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم ~~فى سرادقه. عامتهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فقام فيهم خطيبا : PageV02P416 # « فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فان هذا الطاغية قد فعل بنا ~~وبشيعتنا ما قد رأيتم ، وعلمتم وشهدتم. وإني أريد أن أسألكم عن شيء فان ~~صدقت فصدقوني ، وإن كذبت فكذبوني ، اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ~~ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم ، فمن أمنتم من الناس ، ووثقتم به فادعوهم الى ~~ما تعلمون من حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب ، والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون ». # « وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ، ولا شيئا ~~مما قاله رسول الله (ص) فى أبيه وأخيه وأمه وفى نفسه وأهل بيته إلا رواه .. ~~وكل ذلك يقول أصحابه اللهم نعم ، وقد سمعنا ms531 وشهدنا ، ويقول التابعي : اللهم ~~قد حدثني به من أصدقه وائتمنه من الصحابة ، فقال : أنشدكم الله إلا حدثتم ~~به من تثقون به وبدينه ... » (1) # وكان هذا المؤتمر الذي عقده الإمام أول مؤتمر عرفه العالم الإسلامى في ~~ذلك الوقت ، فقد شجب فيه الإمام سياسة معاوية ، ودعا المسلمين الى مناهضة ~~حكمه ، والى الإطاحة بسلطانه. ### || 4 البيعة ليزيد : # ومن أهم بنود الصلح إرجاع الخلافة الإسلامية الى الإمام الحسن ، ومن بعده ~~الى أخيه الحسين عليهما السلام بعد هلاك معاوية ، فقد كانت هذه المادة من ~~أهم شروط الصلح التي وقع عليها معاوية ، ولكنه بعد ما تم له الأمر ، وصفا ~~له الملك ، صمم على نقضها ، وعلى عدم الوفاء بها ، فقد أخذ يعمل مجدا في ~~جعل الخلافة وراثة في أهل بيته ، وهو بهذا الفعل PageV02P417 # كما يقول الاستاذ السيد قطب : « مدفوع بدافع لا يعرفه الإسلام ، دافع ~~العصبية العائلية والقبلية ، وما هي بكثيرة على معاوية ولا بغريبة عليه ، ~~فمعاوية بن أبي سفيان وابن هند بنت عتبة ، وهو وريث قومه وأشبه شيء بهم في ~~بعد روحه عن حقيقة الإسلام » (1). # لقد كان معاوية في فعله هذا مدفوعا بدافع الجاهلية العمياء ، وبدافع ~~العصبية القبلية التي شجبها الإسلام فقد اعتبر المواهب والكفاءة والعلم ~~والجدارة فيمن يتولى شئون الحكم ، والغى جميع الاعتبارات التي لا تمت لذلك ~~، فقد صح عن رسول الله (ص) أنه قال : « من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر ~~عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله ~~جهنم » (2) ولكن معاوية الذي برىء من الإسلام راح يعمل بوحي من جاهليته الى ~~الانتقام من الإسلام والى تمزيق صفوف المسلمين فعمد الى جعل الخلافة الى ~~ولده الفاسق الأثيم يزيد وقد صور فسقه ومجونه الشاعر العبقري الاستاذ ~~الكبير بولس سلامة بقوله : # وترفق بصاحب العرش مشغو %~% لا عن الله بالقيان الملاح ألف ( الله أكبر ) لا يساوي %~% بين كفي يزيد نهلة راح تتلظى في الدنان بكرا فلم %~% تدنس بلثم ولا بماء قراح (3) # وقال فيه عبد الله بن حنظلة الصحابي العظيم المنعوت بالراهب قتيل واقعة ms532 ~~الحرة : والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ، ~~إنه رجل ينكح الامهات ، والبنات ، والأخوات ، ويشرب الخمر PageV02P418 # ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء ~~حسنا » (1). وقال فيه المنذر بن الزبير لما قدم المدينة : « إن يزيد قد ~~أجازني بمائة الف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره ، والله إنه ليشرب ~~الخمر ، والله إنه ليسكر حتى يدع الصلاة » (2)، وقال ابن فليح إن أبا عمرو ~~بن حفص وفد على يزيد فأكرمه ، وأحسن جائزته ، فلما قدم المدينة قام الى جنب ~~المنبر وكان مرضيا صالحا فخطب الناس فقال لهم : « ألم أحب؟ ألم أكرم؟ والله ~~رأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة مسكرا ، (3). # لقد كان معاوية يعلم فسق ولده وارتكابه للموبقات ، وادمانه على شرب ~~المسكر ، وتركه للصلاة ، وقد أدلى بذلك في كتابه الذي ندد فيه بأفعاله فقد ~~جاء فيه ما نصه : # « بلغني أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى : « ~~أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخالدون » ، وأجهرت الفاحشة ~~حتى اتخذت سريرتها عندك جهرا. اعلم يا يزيد ، ان أول ما سلبكه السكر معرفة ~~مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة ، وآلائه المتواترة ، وهي الجرحة ~~العظمى ، والفجعة الكبرى : ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها ، وهو من أعظم ~~ما يحدث من آفاتها ، ثم استحسان العيوب ، وركوب الذنوب ، وإظهار العورة ، ~~وإباحة السر ، فلا تأمن نفسك على سرك ، ولا تعتقد على فعلك » (4). PageV02P419 # ومع علمه بمروق ولده عن الدين ، واستحلاله لما حرم الله ، واغراقه في ~~الشهوات ، كيف يمكنه من رقاب المسلمين ويفرضه حاكما عليهم ، إنه بذلك مدفوع ~~بدافع الحقد على الإسلام ، وبدافع العصبية الجاهلية التي أترعت بها نفسه ~~الشريرة. # لقد أجاهد معاوية نفسه في فرض يزيد حاكما على المسلمين ، فقد ظل سبع سنين ~~يروض الناس ، ويعطي الأقارب ، ويدني الأباعد من أجل ذلك (1)، ولما هلك ~~زياد وكان كارها لبيعة يزيد أظهر عهدا مفتعلا عليه فيه عقد الخلافة ليزيد ~~من بعده (2)، وهكذا اعتمد على جميع الوسائل التي لم يألفها المسلمون ، ولم ms533 ~~يقرها الدين فى سبيل جعل الملك في بني أمية وتحويل الخلافة عن مفاهيمها ~~الخلاقة الى الملك العضوض. وقد جرت تلك المقدمات التي عملها معاوية فى حياة ~~الإمام الحسن (ع) ولكنه لم يعلن البيعة الرسمية ليزيد إلا بعد اغتياله ~~للإمام ، وعلينا أن نعرض بعض الوسائل التمهيدية التي عملها معاوية من أجل ذلك. ### || دعوة المغيرة : # وأول من تصدى الى الدعوة لهذه البيعة المشومة المنافق الأثيم أعور ثقيف ~~المغيرة بن شعبة صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام (3) وسبب PageV02P420 # ذلك فيما يرويه المؤرخون أن معاوية أراد عزله عن الكوفة فبلغه ذلك ، فرأى ~~أن يسافر الى دمشق ويبادر بتقديم استقالته عن منصبه حتى لا تكون عليه حزازة ~~، وليرى الناس أنه كاره للإمارة والحكم ، ولما وصل الى دمشق عن له أن يلتقي ~~بيزيد قبل التقائه بمعاوية فيحبذ له الخلافة من بعد أبيه ليتخذ من اغرائه ~~وسيلة الى اقراره فى الحكم ، كما أدلى بذلك لأصحابه ولما التقى بيزيد قال له : # « إنه قد ذهب أعيان أصحاب محمد (ص) وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنما بقي ~~أبناؤهم وأنت من أفضلهم ، وأحسنهم رأيا ، وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا ~~أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟. » # ولما سمع ذلك يزيد الطائش المغرور طار لبه فرحا وسرورا فانبرى إليه قائلا : # « أو ترى ذلك يتم؟ » # « نعم ». # ومضى يزيد مستعجلا الى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة ، فارتاح معاوية بذلك ~~وبعث بالوقت خلفه فعرض عليه مقالته ليزيد فأجابه بصدور ذلك منه ثم انبرى ~~إليه يحفزه على تحقيق هذه الفكرة قائلا له مقال المنافق الذي لا يعرف الخير ~~ولا يفكر به : # « يا أمير المؤمنين ، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان. ~~وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فان حدث بك حدث كان كهفا للناس وخلفا منك ، ~~ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة!! » # وأصابت هذه الكلمات الهدف المقصود لمعاوية فقال له مخادعا ومستشيرا : # « ومن لي بهذا؟ » PageV02P421 # « أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين ~~أحد يخالفك. » # فاستحسن معاوية رأيه ، وأجازه على ذلك فأقره ms534 فى عمله ، ثم أمره بالخروج ~~الى الكوفة ليعمل على تحقيق ذلك ، ولما انصرف عنه اجتمع بقومه فبادروه ~~بالسؤال عن مصيره فأجابهم بما جلبه من البلاء والفتن لعموم المسلمين من أجل ~~غايته قائلا : # « لقد وضعت رجل معاوية فى غرز بعيد الغاية على أمة محمد (ص) وفتقت عليهم ~~فتقا لا يرتق أبدا » وتمثل : # بمثلي شاهد النجوى وغالى %~% بي الأعداء والخصم الغضابا # وسار المغيرة حتى انتهى الى الكوفة ، ففاوض بمهمته جماعة ممن عرفهم ~~بالولاء والإخلاص للبيت الأموي فأجابوه الى ما أراد فأوفد منهم عشرة الى ~~معاوية بعد أن أرشاهم بثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم عميدا ولده موسى ، ~~فلما انتهوا الى معاوية حبذوا له الأمر ودعوه الى انجازه فشكرهم معاوية ، ~~وأوصاهم بكتمان الأمر ، ثم التفت الى ابن المغيرة فساره قائلا : # « بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ » # بثلاثين ألف درهم. # فضحك معاوية وقال : # « لقد هان عليهم دينهم » (1). # لقد توصل معاوية الى تحقيق ذلك بشراء الأديان والضمائر والى الاعتماد PageV02P422 # على الوسائل التي لم يألفها المسلمون ، ولم يقرها الدين. ### || وفود الأمصار : # ووجه معاوية دعوة رسمية الى جميع الشخصيات الرفيعة فى العالم الإسلامى ~~يدعوهم الى الحضور في دمشق ليفاوضهم في أمر البيعة ليزيد ، فلما حضروا عنده ~~دعا الضحاك بن قيس الفهري سرا وقال له : # « إذا جلست على المنبر ، وفرغت من بعض موعظتي وكلامى ، فاستاذني للقيام ، ~~فاذا أذنت لك فاحمد الله تعالى ، واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك ، من ~~حسن الثناء عليه ، ثم ادعني الى توليته من بعدي فاني قد رأيت وأجمعت على ~~توليته ، فاسأل الله في ذلك ، وفى غيره الخيرة وحسن القضاء ». # ثم دعا فريقا آخر من الأذناب والعملاء الذين هان عليهم دينهم فباعوه ~~بأبخس الأثمان ، فأمرهم بتصديق مقالة الضحاك وتأييد فكرته ، وهم : عبد ~~الرحمن بن عثمان الثقفي ، وعبد الله بن مسعدة الفزاري ، وثور بن معن السلمي ~~، وعبد الله بن عصام الأشعري ، فاستجابوا لدعوته ، ونزى معاوية على المنبر ~~فحدث الناس بما شاء أن يتحدث به ، وبعد الفراغ من حديثه انبرى إليه الضحاك ~~فاستأذنه بالكلام فأذن له ms535 ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : « أصلح الله ~~أمير المؤمنين ، وأمتع به ، إنا قد بلونا الجماعة والألفة والاختلاف ، ~~والفرقة ، فوجدناها ألم لشعثنا ، وأمنة لسبلنا ، وحاقنة لدمائنا وعائدة ~~علينا فى عاجل ما نرجو ، وآجل ما نؤمل ، مع ما ترجو به الجماعة من الألفة ، ~~ولا خير لنا أن نترك سدى ، والأيام عوج رواجع والله يقول : « كل يوم هو في ~~شأن » ، ولسنا ندري ما يختلف به العصران ، وأنت PageV02P423 # يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه ، نسأل ~~الله بك المتاع ، وقد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين ، وحسن مذهبه ~~وقصد سيرته ، ويمن نقيبته ، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين ، ~~والشبه بأمير المؤمنين ، في عقله ، وسياسته وشيمته المرضية ، ما دعانا الى ~~الرضا به في امورنا ، والقنوع به في الولاية علينا ، فليوله أمير المؤمنين ~~أكرمه الله عهده ، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده ، نأوي إليه إن كان كون ، ~~فانه ليس أحد أحق بها منه ، فاعزم على ذلك عزم الله لك في رشدك ، ووفقك في ~~امورنا ». # ودل هذا الكلام على أن صاحبه رجل سوء ونفاق ، فقد عمد الى سحق جميع القيم ~~الإنسانية في سبيل أطماعه ومنافعه. # ولما فرغ الضحاك من مقالته انبرى من بعده زملاؤه فأيدوا مقالته ، وأخذوا ~~ينسبون ليزيد فضائل المحسنين ، ويضفون عليه مواهب العبقريين ، ويطلقون عليه ~~الألقاب الضخمة ، والنعوت الشريفة التي اتصف بعكسها ، وأخذوا يموهون على ~~المجتمع أنهم إنما تكلموا من صالحه واسعاده ، وهم يعلم الله إنما أرادوا ~~هلاكه وتحطيمه ، والقضاء على نواميسه ومقدساته وبعد ما انتهى حديث هؤلاء ~~التفت معاوية الى الوفد العراقي ليسمع رأيه وكان شخصية الوفد الأحنف بن قيس ~~حليم العرب وسيد تميم فطلب منه معاوية الرأي فى الأمر ، فقام الأحنف خطيبا ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم التفت الى معاوية قائلا : # « أصلح الله أمير المؤمنين ، ان الناس قد أمسوا فى منكر زمان قد سلف ، ~~ومعروف زمان مؤتنف ، ويزيد بن أمير المؤمنين ، نعم الخلف وقد حلبت الدهر ~~أشطره يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند ms536 إليه الأمر من PageV02P424 # بعدك ، ثم اعص أمر من يأمرك ، لا يغررك من يشير عليك ، ولا ينظر لك وأنت ~~أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا ~~يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا » : # لقد منح الأحنف النصيحة الى معاوية وأرشده الى الحق فأشار عليه بعدم سماع ~~أقوال المرتزقين الذين ينظرون الى صالح أنفسهم أكثر مما ينظرون لصالحه ، ~~وبين له أن العراقيين والحجازيين لا يرضون بهذه البيعة ما دام حفيد الرسول ~~وسبطه الأول حيا ، وقد اثارت هذه الكلمات غضب النفعيين والمرتشين الذين ~~تذرع معاوية بهم الى تحقيق هدفه فقام إليه الضحاك بن قيس فندد بمقالته وشتم ~~العراقيين وهذا نص كلامه : # « أصلح الله أمير المؤمنين ، إن أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في ~~أنفسهم الشقاق ، والفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحق على أهوائهم كأنما ~~ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلا وبطرا ، لا يرقبون من الله راقبة ، ولا ~~يخافون وبال عاقبة ، اتخذوا ابليس لهم ربا ، واتخذهم ابليس حزبا ، فمن ~~يقاربوه لا يسروه ، ومن يفارقوه لا يضروه ، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين ~~فى نحورهم ، وكلامهم في صدورهم ، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي ~~استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة ، ولا يحجب غير ~~الذكر العصبة ، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم ، وكاتب ~~نبيكم وصهره ، يسلم لكم العاجل ، وتربحوا من الآجل ». # ولم نحسب أن العراق قد ذم بمثل هذا الذم الفظيع ، أو وصم بمثل هذه الامور ~~، ولكن العراقيين هم الذين جروا لأنفسهم هذا البلاء وتركوا هذا الوغد ~~وأمثاله يحط من كرامتهم ، ويتطاول عليهم. PageV02P425 # وعلى أي حال ، فان الأحنف لم يذعن لمعاوية ولم يعتن بمقالة الضحاك فقد ~~انبرى يهدد معاوية باعلان الحرب إن أصر على تنفيذ فكرته قائلا : # « يا أمير المؤمنين ، إنا قد فررنا (1) عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا ، ~~وأشدها عقدا ، وأوفاها عهدا ، قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر ~~عليها قعصا ، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد ms537 علمت ليكون له ~~الأمر من بعدك ، فان تف فأنت أهل الوفاء وإن تغدر تعلم ، والله إن وراء ~~الحسن خيولا جيادا ، وأذرعا شدادا ، وسيوفا حدادا ، إن تدن له شبرا من غدر ~~، تجد وراءه باعا من نصر ، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ، ~~ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما ، وما نزل عليهم فى ذلك غير من السماء ، ~~وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم ، والقلوب التي ~~أبغضوك بها لبين جوانحهم ، وأيم الله إن الحسن لأحب لأهل العراق من علي ». # لقد بالغ الأحنف فى نصح معاوية ، وذكر له تمسك العراقيين بولاء أهل البيت ~~(ع) وان اخلاصهم للإمام الحسن أكثر من أبيه ، وهم على استعداد الى مناجزته ~~إن نفذ بيعة يزيد ، وانطلق عبد الرحمن بن عثمان فندد بمقالة الأحنف ، وحرض ~~معاوية على تنجيز مهمته قائلا له : # « أصلح الله أمير المؤمنين ، ان رأي الناس مختلف ، وكثير منهم منحرف ، لا ~~يدعون أحدا الى رشاد ، ولا يجيبون داعيا الى سداد ، مجانبون لرأي الخلفاء ، ~~مخالفون لهم في السنة والقضاء ، وقد وقفت ليزيد فى أحسن القضية وأرضاها ~~لحمل الرعية ، فاذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام فان يزيد أعظمنا ~~حلما وعلما ، وأوسعنا كنفا ، وخيرنا سلفا ، قد PageV02P426 # أحكمته التجارب ، وقصدت به سبل المذاهب فلا يصرفنك عن بيعته صارف ، ولا ~~يقفن بك دونها واقف ، ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص لسانه ملتو ، ~~وفي صدره داء دوى ، إن قال فشر قائل ، وإن سكت فذو دغائل ، قد عرفت من هم ~~أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق فاجعل ببيعته عنا ~~الغمة ، واجمع به شمل الأمة ، فلا تحد عنه إذا هديت له ، ولا تنش عنه إذا ~~وقفت له ، فان ذلك الرأي لنا ولك ، والحق علينا وعليك ، اسأل الله العون ~~وحسن العاقبة لنا ولك ». # وصورت لنا هذه الكلمات ضميرا قلقا ، ونفسا أثيمة ، قد اعتنقت الشر ، ~~وابتعدت عن الخير ، وانبرى معاوية يهدد من لا يوافقه على رغبته ليفرض على ~~المجتمع الخضوع لفكرته ms538 ، والرضا ببيعة يزيد قائلا : # « أيها الناس : إن لإبليس إخوانا وخلانا ، بهم يستعد ، وإياهم يستعين ، ~~وعلى ألسنتهم ينطق ، إن رجوا طمعا أو جفوا ، وإن استغنى عنهم أرجفوا ، ثم ~~يلحقون الفتن بالفجور ، ويشققون لها حطب النفاق ، عيابون مرتابون ، إن ولوا ~~عروة أمر حنقوا ، وإن دعوا الى غي أسرفوا وليسوا أولئك بمنتهين ، ولا ~~بمقلعين ، ولا متعظين ، حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل ، وتحل بهم قوارع أمر ~~جليل ، تجتث اصولهم كاجتثاث اصول الفقع (1) فأولى لأولئك ثم أولى ، فانا قد ~~قدما وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر ». # بمثل هذا الإرهاب الفظيع الذي لم يعهد له نظير تذرع معاوية الى تحقيق ~~فكرته ، ثم استدعى الضحاك بن قيس فولاه الكوفة جزاء لكلامه PageV02P427 # بعد هلاك المغيرة ، واستدعى عبد الرحمن فولاه الجزيرة ، وقام يزيد بن ~~المقفع رافعا عقيرته قائلا : # « أمير المؤمنين هذا وأشار الى معاوية ». # ثم قال : « فإن هلك ، فهذا وأشار الى يزيد ». # ثم قال : « فمن أبى ، فهذا وأشار الى السيف !!! » # فاستحسن معاوية كلامه وقال له : # « اجلس ، فأنت سيد الخطباء وأكرمهم!! » # بهذا اللون من الإرهاب فرض معاوية ابنه الفاسق الفاجر خليفة على المسلمين ~~، فلولا السيف لما وجد الى ذلك سبيلا. ولما رأى الأحنف بن قيس تصميم معاوية ~~على فكرته وعدم تنازله عنها انبرى إليه قائلا : # « يا أمير المؤمنين : أنت أعلمنا بليله ونهاره ، وبسره وعلانيته ، فان ~~كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه ، وإن كنت تعلم أنه شر لك ، فلا تزوده ~~الدنيا وأنت صائر الى الآخرة ، فانه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب ، واعلم ~~أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما ، ~~وإلى ما هما ، وإنما علينا أن نقول : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير » (1). # ولم يعتن معاوية بمقالة الأحنف ونصحه ، ولم يفكر في مصير المسلمين إذا ~~استخلف عليهم ولده قرين الفهود والمدمن على الخمور ، وأخذ معاوية ولده يزيد ~~فأجلسه فى قبة حمراء وبايعه بولاية العهد وأمر الناس بمبايعته ، وأقبل بعض ~~العملاء فسلم عليهما ثم أقبل على معاوية فقال له ms539 : # « يا أمير المؤمنين : اعلم انك لو لم تول هذا وأشار الى يزيد PageV02P428 # أمور المسلمين لاضعتها ». # فالتفت معاوية الى الأحنف : # « ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ » # أخاف الله إذا كذبت ، وأخافكم إذا صدقت. # جزاك الله على الطاعة خيرا. # وخرج الأحنف فلقيه ذلك الرجل بعد أن أجزل له معاوية بالعطاء فقال للأحنف ~~معتذرا من مقالته : # « يا أبا بحر : إني لأعلم ان شر من خلق الله هذا وابنه يعنى معاوية ويزيد ~~ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال ، فليس يطمع في ~~استخراجها إلا بما سمعت » (1). # لقد أحدث معاوية بهذه البيعة المشومة صدعا في الإسلام ، وقد صور لنا ~~الشاعر الموهوب عبد الله بن هشام السلولي بمقطوعته الرائعة جزعه وجزع خيار ~~المسلمين من خلافة يزيد بقوله : # فان تأتوا برملة أو بهند %~% نبايعها أميرة مؤمنينا إذا ما مات كسرى قام كسرى %~% نعد ثلاثة متناسقينا فيا لهفا لو أن لنا ألوفا %~% ولكن لا نعود كما عنينا إذا لضربتموا حتى تعودوا %~% بمكة تلعقون بها السخينا خشينا الغيظ حتى لو شربنا %~% دماء بني أمية ما روينا لقد ضاعت رعيتكم وأنتم %~% تصيدون الأرانب غافلينا (2) # لقد ذعر المسلمون في جميع أقطار الأرض من هذا الحادث الخطير PageV02P429 # لأن الخلافة عندهم ليست كسروية ولا قيصرية حتى تورث بل أمرها شورى بين ~~المسلمين يختارون لخلافتهم من أحبوا وذلك عند الجمهور من أبناء السنة ~~والجماعة ، وأما عند الشيعة فإنها حق شرعي لأمير المؤمنين وأولاده الطيبين ~~كما نص النبي (ص) على ذلك. # ومهما يكن من شيء فإن معاوية بعد ما أخذ البيعة ليزيد من أهل دمشق رفع ~~مذكرة الى جميع عماله يطلب فيها أخذ البيعة ليزيد من جميع المواطنين ، ~~واستجاب جميع عماله لذلك سوى مروان بن الحكم فإنه قد ورم أنفه لصرف الأمر ~~عنه وهو شيخ الأمويين بعد معاوية ، وتوجه فورا بحاشيته الى دمشق ، فلما مثل ~~عند معاوية انبرى إليه وهو مغيظ قائلا : # « أقم الامور يا ابن أبي سفيان ، واعدل عن تأميرك الصبيان ، واعلم أن لك ~~من قومك نظراء ، وأن لك على مناوءتهم وزراء ». # فاندفع ms540 إليه معاوية يخادعه قائلا له بناعم القول : # « أنت نظير أمير المؤمنين ، وعدته في كل شديدة ، وعضده ، والثاني بعد ولي ~~عهده. » # ثم أعطاه ولاية العهد حيلة منه ومكرا وأخرجه من عاصمته مكرما فلما وصل ~~الى يثرب عزله عن منصبه (1) وجعل مكانه سعيد بن العاص وقيل الوليد بن عاقبة ~~، وكتب إليه أن يأخذ البيعة من أهل المدينة لولده إلا انه فشل أخيرا فى ~~أداء مهمته فقد أصرت الجماهير على رفض دعوة معاوية وعدم طاعته في شأن ~~خليفته الجديد ، خصوصا الشخصيات الرفيعة من أبناء المهاجرين والأنصار فإنهم ~~قد شجبوا ذلك وأعلنوا سخطهم وإنكارهم على معاوية ، فإنهم كانوا يحقرون يزيد ~~ويأنفون أن يعد في مصافهم ، PageV02P430 # فضلا عن أن يكون خليفة عليهم. ### || سفرة معاوية الاولى بشرب : # ورأى معاوية بعد امتناع المدنيين عن بيعة يزيد واجماعهم على رفضها أن ~~ينطلق بنفسه الى المدينة ليفاوض أهل الحل والعقد ، وليشتري الذمم والضمائر ~~بالأموال ، ويتوعد ويرهب من لم يخضع للمادة ليفوز ولده بالخلافة وسافر من ~~أجل هذه الغاية الى يثرب وذلك سنة خمسين من الهجرة ، فلما انتهى إليها بعث ~~فورا نحو عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن عمر ، وعبد ~~الله بن الزبير. فلما حضروا عنده أمر حاجبه أن لا يسمح لأحد بالدخول عليه ~~حتى يخرج هؤلاء النفر من عنده ثم التفت إليهم قائلا : # « الحمد لله الذي أمرنا بحمده ، ووعدنا عليه ثوابه ، نحمده كثيرا كما ~~أنعم علينا كثيرا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا ~~عبده ورسوله. # أما بعد : فإني قد كبر سني ، ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن أدعى ~~فأجيب ، وقد رأيت أن أستخلف بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضا ، وأنتم عبادلة ~~قريش وخيارهم ، وأبناء خيارهم ، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما ~~أولاد أبيهما علي ، على حسن رأيي فيهما ، وشديد محبتي لهما فردوا على أمير ~~المؤمنين خيرا ، رحمكم الله ». # وقد احتوى كلامه على اللين والمدح والثناء ، ولكن هؤلاء الأبطال الذين هم ~~نخبة العرب والمسلمين رأيا وإقداما ، لم يذعنوا ms541 لمعاوية وردوا عليه مقاله ~~وعرفوه بمن هو أهل للخلافة وأول من تكلم منهم حبر الأمة عبد الله PageV02P431 # ابن عباس فقال : # « الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده ، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن ~~بلائه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ~~، وصلى الله على محمد وآل محمد. # أما بعد : فانك قد تكلمات فأنصتنا ، وقلت فسمعنا ، وإن الله جل ثناؤه ، ~~وتقدست أسماؤه اختار محمدا (ص) لرسالته ، واختاره لوحيه ، وشرفه على خلقه ، ~~فأشرف الناس من تشرف به ، وأولاهم بالأمر أخصهم به ، وإنما على الأمة ~~التسليم لنبيها ، إذا اختاره الله لها ، فإنه إنما اختار محمدا (ص) بعلمه ، ~~وهو العليم الخبير ، واستغفر الله لي ولكم ». # وتكلم من بعده عبد الله بن جعفر فقال : # « الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه : نحمده على إلهامنا حمده ، ونرغب إليه في ~~تأدية حقه ، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ~~، وأن محمدا عبده ورسوله (ص). # أما بعد : فان هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن ، فأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (ص) فأولو رسول الله ~~(ص)، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق ~~بهذا الأمر من آل الرسول؟ وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه ~~لحقه وصدقه ، ولأطيع الرحمن وعصي الشيطان ، وما اختلف في الأمة سيفان ، ~~فاتق الله يا معاوية ، فانك قد صرت راعيا ، ونحن رعية ، فانظر لرعيتك ، ~~فانك مسئول عنها غدا ، وأما ما ذكرت من ابني عمي ، وتركك أن تحضرهما ، فو ~~الله ما أصبت الحق ، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما ، وإنك لتعلم انهما معدن العلم PageV02P432 # والكرم ، فقل أودع واستغفر الله لي ولكم ». # وبين عبد الله بن جعفر استحقاق أهل البيت (ع) للخلافة على جميع الوجوه ~~فان كان مدرك استحقاقها القرآن الكريم فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ، وإن ~~كانت السنة المقدسة قال الرسول أولى بالأمر من غيرهم ، وإن كانت سنة ~~الشيخين قال ms542 الرسول (ص) أولى بالأمر وذلك لمواهبهم وكمالهم وتقدمهم على ~~غيرهم بالعلم والفضل ، ثم بين الأضرار الناجمة من ترك الأمة لهم وعدم ~~اتباعهم ، وانبرى من بعده عبد الله بن الزبير فقال : # « الحمد لله الذي عرفنا دينه ، وأكرمنا برسوله ، أحمده على ما أبلى وأولى ~~، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله. # أما بعد : فان هذه الخلافة لقريش خاصة ، تتناولها بمآثرها السنية ~~وأفعالها المرضية ، مع شرف الآباء وكرم الأبناء ، فاتق الله يا معاوية ~~وأنصف نفسك ، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (ص)، وهذا عبد ~~الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (ص)، وأنا عبد الله بن الزبير ~~ابن عمة رسول الله ، وعلي خلف حسنا وحسينا وأنت تعلم من هما ، وما هما ، ~~فاتق الله يا معاوية ، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك ». # وقد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة ، وحفزهم لمعارضة معاوية وإفساد ~~مهمته ، وانبرى من بعده عبد الله بن عمر فقال : # « الحمد لله الذي أكرمنا بدينه ، وشرفنا بنبيه (ص). # أما بعد : فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية ، ولا قيصرية ، ولا كسروية ~~يتوارثها الأبناء عن الآباء ، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي ، فو ~~الله ما أدخلنى مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست PageV02P433 # شرطا مشروطا ، وإنما هي في قريش خاصة ، لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه ~~المسلمون لأنفسهم ممن كان أتقى وأرضى ، فإن كنت تريد الفتيان من قريش ~~فلعمري إن يزيد من فتيانها ، واعلم انه لا يغني عنك من الله شيئا ». # لقد شجب ابن عمر بيعة يزيد ولكنه لم يلبث أن سمع وأطاع وبايع له لأن ~~معاوية قد أرشاه بمائة ألف دينار (1) وبذلك فقد باع عليه ضميره ودينه. # ومهما يكن من شيء فان معاوية قد ثقل عليه كلام هؤلاء النفر فلقد جابهوه ~~بعدم صلاحية ابنه للخلافة ، وانهم أولى بها منه ، وانبرى إليهم مجيبا : # « قد قلت وقلتم ، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء ، فابني أحب إلي من ~~أبنائهم ، مع ان ابني إن قاولتموه ms543 وجد مقالا ، وإنما كان هذا الأمر لبني ~~عبد مناف لأنهم أهل رسول الله (ص) فلما مضى رسول الله ولى الناس أبا بكر ~~وعمر من غير معدن الملك والخلافة ، غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع ~~الملك الى بني عبد مناف فلا يزال فيهم الى يوم القيامة وقد أخرجك الله يا ~~ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها ، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من ~~الرأي إن شاء الله ». # وعلى أي حال فقد فشل معاوية فى مهمته ونزح عن يثرب وولى الى عاصمته ، ~~وأعرض عن ذكر بيعة يزيد (2) فلقد عرف انها لا تتم ما دام الحسن حيا ، فأخذ ~~يطيل التفكير في كيفية اغتيال الإمام حتى يتم له الأمر وقد توصل الى ما ~~أراد ، فاغتاله بالسم كما سنبينه عند نهاية المطاف من هذا الكتاب. PageV02P434 # لقد اتخذ معاوية بعد اغتياله للإمام جميع التدابير ، واعتمد على جميع ~~الوسائل فى ارغام المسلمين على بيعة يزيد ، وفرضه حاكما عليهم ، وقد راسل ~~الوجوه من أبناء المهاجرين والأنصار يدعوهم الى ذلك ، وذكر المؤرخون نصوص ~~رسائله مع أجوبتهم له ، وقد كتب الى الإمام الحسين عليه السلام ما نصه : # « أما بعد : فقد انتهت إلي منك امور ، لم أكن أظنك بها رغبة عنها ، وإن ~~أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك ، في خطرك وشرفك ، ومنزلتك ~~التي أنزلك الله بها ، فلا تنازع الى قطيعتك ، واتق الله ، ولا تردن هذه ~~الأمة في فتنة ، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد ، ولا يستخفنك الذين لا ~~يوقنون .. » # وأجابه أبو الشهداء (ع) فذكر له الاحداث الجسام التي ارتكبها وعرض عليه ~~ما مني به المسلمون من الظلم والجور فى دوره ، وقد استشهدنا ببعض فصوله ~~للاستدلال به على شجب الإمام الحسين (ع) لموبقات معاوية وقد جاء فى آخر ~~جوابه ما لفظه : # « وقلت فيما قلت : لا ترد هذه الأمة في فتنة. وإني لا أعلم فتنة لها أعظم ~~من امارتك عليها. # وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ، ولأمة محمد ، وإني والله ما أعرف ~~أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنه قربة ms544 الى ربي ، وإن لم أفعل فأستغفر الله ~~لذنبي وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى. # وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري ~~لقديما يكاد الصالحون ، وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك ، ولا تمحق إلا عملك ~~، فكدني ما بدا لك. PageV02P435 # واتق الله يا معاوية ، واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها! واعلم أن الله ليس بناس لك ، قتلك بالظنة ، وأخذك بالتهمة وامارتك ~~صبيا يشرب الخمر ، ويلعب بالكلاب!! ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك ، وأهلكت ~~دينك ، وأضعت الرعية والسلام. » (1) # ولم يجد مع ابن هند النصح ، ولا التحذير من عقوبة الله ، فقد راح يعمل ~~بوحي من جاهليته الى ضرب الإسلام ، والى ارغام المسلمين على مبايعة يزيد ~~المستحل لجميع ما حرم الله. ### || سفره الثاني الى يثرب : # ولما رأى معاوية أن خيار الصحابة ، وأبناء المهاجرين والأنصار لم ~~يستجيبوا لدعوته ، وأصروا على رفض بيعة يزيد سافر مرة أخرى الى يثرب ، وقد ~~أحاط نفسه بالقوى العسكرية ليرغم الجبهة المعارضة على الاستجابة له ، وفي ~~اليوم الثاني من قدومه أرسل الى الإمام الحسين ، والى عبد الله بن عباس ، ~~وسبق ابن عباس فأجلسه معاوية عن يساره وشاغله بالحديث حتى أقبل الحسين (ع) ~~فأجلسه عن يمينه وسأله عن بني الحسن وعن أسنانهم فاخبره بذلك ، وخطب معاوية ~~خطبة أشاد فيها بيزيد ، وذكر علمه بالقرآن والسنة ، وحسن سياسته ، ثم دعاهم ~~الى بيعته والى الاستجابة لقوله. ### || خطبة الامام الحسين : # وقام أبي الضيم بعد خطاب معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : PageV02P436 # « أما بعد : يا معاوية ، فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول (ص) من ~~جميع جزءا ، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله (ص) من ايجاز الصفة ، ~~والتنكب عن استبلاغ النعت ، وهيهات هيهات يا معاوية ، فضح الصبح فحمة الدجى ~~، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت ، ~~ومنعت حتى بخلت ، وجرت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب ، ~~حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل. ms545 # وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد ، تريد أن توهم ~~الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوبا ، أو تنعت غائبا ، أو تخبر عما كان مما ~~احتويته بعلم خاص ، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما ~~أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لأترابهن ، ~~والقيان ذوات المعازف ، وضروب الملاهي تجده ناصرا. # ودع عنك ما تحاول!! فما أغناك أن تلقي الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت ~~لاقيه ، فو الله ما برحت تقدح باطلا في جور ، وحنقا في ظلم ، حنى ملأت ~~الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلا غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم ~~مشهود ، ولات حين مناص ، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن ~~آبائنا تراثا ، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول (ص) ولادة ، وجئت لنا بها ما ~~حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ، ورده الإيمان الى النصف ~~، فركبتم الأعاليل ، وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا ~~معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا اولي الأبصار. PageV02P437 # وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (ص) وتأميره له ، وقد كان ذلك ، ~~ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له ، وما صار لعمر الله ~~يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدوا عليه أفعاله ، ~~فقال (ص): لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري ، فكيف ~~تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول فى أوكد الأحكام ، وأولاها بالمجتمع عليه من ~~الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا ، وحولك من لا يؤمن في صحبته ، ولا يعتمد ~~فى دينه وقرابته وتتخطاهم الى مسرف مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد ~~بها الباقي فى دنياه ، وتشقى بها في آخرتك ، إن هذا لهو الخسران المبين ، ~~واستغفر الله لي ولكم. » # وذهل معاوية فنظر الى ابن عباس فقال له : # « ما هذا يا ابن عباس؟؟ » # « لعمر الله إنها لذرية الرسول ، وأحد أصحاب الكساء ، ومن البيت المطهر ، ~~قاله عما تريد ، فإن لك في الناس مقنعا حتى ms546 يحكم الله بأمره وهو خير ~~الحاكمين » (1). # وانصرف الإمام (ع) وترك الأسى يحر في نفس معاوية ، واعتمد معاوية بعد ذلك ~~على جميع وسائل العنف والإرهاب ، فقد روى المؤرخون أنه لما كان في مكة أحضر ~~الإمام الحسين ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن ابن أبي بكر ، وابن عمر ~~وقال لهم : إني أتقدم إليكم ، إنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب فيكم ، ~~فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رءوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح. وإني ~~قائم بمقالة ، فأقسم بالله لئن رد علي PageV02P438 # أحدكم كلمة فى مقامى هذا ، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى ~~رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه! # ودعا صاحب حرسه بحضورهم فقال له : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع ~~كل واحد سيف ، فان ذهب رجل يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه ~~بسيفيهما؟! # وخرج وخرجت الجماعة معه فنزى على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : # « إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، ولا يقضى ~~إلا عن مشورتهم ، وانهم قد رضوا وبايعوا يزيد ، فبايعوا على اسم الله » (1). # وبهذه الوسائل الرهيبة ، والكذب السافر حمل معاوية المسلمين على بيعة ~~يزيد وقد انتهك بذلك الحرمات ، والقى المسلمين فى الفتن والبلاء. ### || عائشة وبيعة يزيد : # ولم تعارض عائشة هذه البيعة المشومة ، ولم تعمل أي عمل إيجابي ضد هذه ~~الكارثة الكبرى التي روع بها المسلمون ، وانتهكت بها حرمة الإسلام ، فقد ~~كانت تدلي بالرأي لمعاوية في حمل المعارضين على الطاعة فقد أوصته بالرفق ~~بهم ، واللين معهم ليستجيبوا له قائلة : # « وارفق بهم أي بالمعارضين فإنهم يصيرون الى ما تحب إن شاء الله!! » (2) PageV02P439 # لقد وقفت عائشة هذا الموقف المؤسف من بيعة يزيد الماجن الخليع وهي من دون ~~شك تعلم بفسقه ، وبلعبه بالفهود والقرود ، واستباحته لما حرم الله ، إن ~~الفكر ليقف حائرا أمام موقفها هذا ، وموقفها من بيعة أمير المؤمنين (ع) ~~الذي هو أخو النبي وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، فإنها لما أخبرت ببيعته ~~انهارت أعصابها ، وهتفت وهي حانقة مغيظة ، وبصرها ms547 يشير الى السماء ثم ينخفض ~~فيشير الى الأرض قائلة : # « والله ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لابن أبي طالب!! » # وقفلت راجعة الى مكة تحفز الجماهير لحرب الإمام رائد العدالة الاجتماعية ~~الكبرى في الأرض ، فقادت الجيوش لمناجزته حتى أغرقت الأرض بالدماء ، وأشاعت ~~الثكل والحزن والحداد بين المسلمين للإطاحة بحكمه. # وعلى أي حال ، فإن موقف عائشة من بيعة يزيد ، وتأييد ابن عمر وسائر القوى ~~النفعية لها قد أخلد للمسلمين الفتن والمصاعب وجر لهم الويلات والخطوب ، ~~فقد سارت الخلافة الإسلامية تنتقل بالوراثة الى الطلقاء وأبنائهم الذين لم ~~يألوا جاهدا في الكيد للإسلام ، وفى نشر البغي والفساد في الأرض. PageV02P440 ### | أزواجه وعقبه PageV02P441 # وتساءل السائلون عن كثرة أزواج الإمام الحسن (ع) وأرجف المرجفون فى ذلك ، ~~وقد بلغ الحقد وسوء الظن ببعض الجاهلين أن قالوا إنه إنما تزوج بهذه الكثرة ~~اجابة لداعي الهوى واشباعا للشهوة ، وما عرفوا أن الإمام بعيد كل البعد عن ~~الانقياد لهذه الغرائز فهو سيد شباب أهل الجنة وممن نطق القرآن الكريم ~~بعصمته وطهارته ، وسنذكر نص كلام القائلين بذلك مشفوعا ببيان بطلانه وفساده ~~، وحيث أن الموضوع قد حامت حوله الشكوك والظنون ، وحفت به التهم والطعون ~~فلا بد من البحث عنه وبيان الواقع فيه ولو اجمالا ، فنقول : قد ذهب بعض أهل ~~العلم الى تصحيح ذلك والى عدم منافاته لسيرة الإمام وهديه ، وذهب بعض آخر ~~الى وضع ذلك وعدم صحته ، ومن الخير أن نسوق أدلة الطرفين ، أما المصححون ~~فقد استدلوا عليه بما يلي : # 1 انه لا مانع بحسب الشريعة الإسلامية المقدسة من كثرة الزواج فقد ندب ~~الإسلام إليه كثيرا ، وقد اشتهرت كلمة المنقذ الأعظم في الحث على ذلك فقد ~~قال صلى الله عليه وآلهوسلم : « تناكحوا تناسلوا حتى أباهي بكم الأمم يوم ~~القيامة ولو بالقسط ». وقال سفيان الثوري : « ليس فى النساء سرف ». وقال ~~الخليفة الثاني : « إني أتزوج المرأة ومالي فيها من أرب ، وأطؤها ومالي ~~فيها من شهوة » ، فقيل له : « فلما ذا تتزوجها؟ » فقال : « حتى يخرج مني من ~~يكاثر به النبي (ص)» وتزوج المغيرة بن شعبة ms548 بألف امرأة (1)، وقد كان ~~لأمير المؤمنين (ع) أربع نسوة ، وتسعة عشر وليدة (2) هذا في الإسلام. وأما ~~قبل الإسلام فقد كان لسليمان بن PageV02P443 # داود سبعمائة حرة وثلاثمائة سرية ، وتزوج أبوه داود (ع) بمائة حرة ~~وثلاثمائة سرية ، فكثرة التزويج لا مانع منها بحسب الشرع الإسلامى وغيره ، ~~وعليه فأي حزازة على الإمام في ارتكابه لذلك؟ # 2 إنما تزوج بهذه الكثرة لتقوى شوكته ، ويشتد أزره بالمصاهرة على ~~الأمويين الذين بذلوا جميع جهودهم للقضاء على الهاشميين وتحطيم كيانهم ومحو ذكرهم. # 3 إن أولياء النسوة كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ويلحون عليه بالتزويج ~~بهن لأجل التشرف به ، والتقرب إليه ، فهو حفيد النبي (ص) وسبطه الأكبر ، ~~وسيد شباب أهل الجنة ، ومضافا الى ذلك انهم رأوا أن عائشة بنت أبي بكر كان ~~أبوها من أواسط قريش شرفا وبسبب زواج النبي (ص) بابنته قد احتل مكانة ~~مرموقة فى العالم الإسلامى ، ولهذا الأمر كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ~~ويلحون عليه بالتزويج بهن ليحضوا بالعز والشرف بمصاهرة الإمام لهم ، هذا ما ~~استدل به المصححون للكثرة وأما النافون فقد استدلوا على ذلك بأمور : # 1 كراهة الطلاق شرعا. # لقد ثبت عند القائلين بالكثرة والملتزمين بها ان الإمام كان مطلاقا وانه ~~كان يفارق من تزوجها بأقرب وقت ، ومن المعلوم ان الطلاق من أبغض الأشياء في ~~الإسلام ، وقد تواترت الأخبار في كراهته وفي النهي عنه ، فقد أثر عن النبي ~~(ص) انه لما بلغه أن أبا أيوب يريد أن يطلق زوجه ، قال (ص) إن طلاق أم أيوب ~~لحوب أى أثم وقال أبو عبد الله الصادق (ع): إن الله يحب البيت الذي فيه ~~العرس ، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق ، وما من شيء أبغض الى الله عز وجل من الطلاق PageV02P444 # وقال أبو عبد الله (ع): ما من شيء مما أحله الله أبغض إليه من الطلاق ~~وإن الله عز وجل يبغض المطلاق الذواق ، وقال عليه السلام : تزوجوا ، ولا ~~تطلقوا ، فإن الطلاق يهتز منه العرش (1) ومع هذه الكراهة الشديدة كيف ~~يرتكبه الإمام ويبالغ فيه؟ # 2 منافاته لهدي الإمام. # وقد ثبت ms549 ان الإمام حليم المسلمين والمثل الأعلى للأخلاق الفاضلة ، ومن ~~المعلوم أن الطلاق ينافي الحلم إذ فيه كسر لقلب المرأة وإذلال لها وذلك لا ~~يتفق مع ما عرف به الإمام من الحرص على ادخال السرور على الناس واجتناب ~~المساءة ، والأذى لكل انسان. # 3 انشغاله عن ذلك. # لقد كان الإمام مشغولا عن أمثال هذه الأمور بعبادته واتجاهه نحو الله ~~وعمله المستمر في حقل الإصلاح وقضاء حوائج الناس وجلب الخير لهم ودفع الشر ~~والشقاء عنهم فلا تفكير له إلا بالأمور الإصلاحية ، وليس عنده مزيد من ~~الوقت ليقضيه فى ذلك. # هذا مجموع ما استدل به النافون ، وإن كان بعضه لا يخلو من ضعف. # أما أنا فبحسب تتبعي عن أحوال الإمام أرى أن هذه الكثرة موضوعة وبعيدة عن ~~الواقع كل البعد ، وبيان ذلك لا يتم إلا بعرض الروايات ، والبحث عن سندها ~~الذي هو شرط فى قبول الرواية فنقول : قد اختلف رواة الأثر فى ذلك اختلافا ~~كثيرا فقد روي أنهن : # 1 سبعون. # 2 تسعون. PageV02P445 # 3 مائتان وخمسون. # 4 ثلاثمائة. # وروي غير هذا إلا أنه من الشذوذ بمكان ، والمهم البحث عن سند هذه ~~الروايات فعليها يدور البحث نفيا واثباتا فنقول : # أما الرواية ( الأولى ): فقد ذكرها ابن أبي الحديد وغيره (1) وقد أخذوها ~~عن علي بن عبد الله البصري الشهير بالمدائني المتوفى سنة ( 225 هج ) وهو من ~~الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم ، فقد امتنع مسلم من الرواية عنه فى ~~صحيحه (2)، وضعفه ابن عدي فى الكامل فقال فيه : « ليس بالقوي الحديث ، وهو ~~صاحب الأخبار قل ماله من الروايات المسندة » (3) وقال له الأصمعي : والله ~~لتتركن الإسلام وراء ظهرك (4)، وكان من خلص أصحاب أبي اسحاق الموصلي ، وقد ~~رافقه من أجل أمواله وثرائه. فقد روى أحمد بن أبي خيثمة قال : كان أبي ~~ويحيى بن معين ، ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمر رجل على حمار فاره ~~، وبزة حسنة فسلم ، وخص بسلامه يحيى فقال له : يا أبا الحسن الى أين؟ قال : ~~الى دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم اسحاق الموصلي ، فلما ms550 ولى ~~قال يحيى : ثقة ، ثقة ، ثقة فسألت أبي من هذا؟ فقال : هذا المدائني (5) ~~وكان يروي عن عوانة بن الحكم المتوفى سنة ( 158 هج ) وهو عثماني وكان PageV02P446 # يضع الأخبار لبني أمية (1)، ولذا كان المدائني يشيد بالأمويين ويبالغ فى ~~تمجيدهم وبالإضافة لذلك ، فقد كان مولى لسمرة بن حبيب الأموي (2)، ~~والموالي على الأكثر تنطبع في نفوسهم ميول مواليهم وسائر نزعاتهم ، وقد ~~تأثر المدائني بنفسية سمرة ، فكان أموي النزعة ومن المنحرفين عن أهل البيت ~~وبعد هذا فلا يبقى لنا أي وثوق برواياته واحاديثه. # وأما الرواية ( الثانية ): فقد اقتصر على روايتها الشبلنجي (3) وقد ~~رواها مرسلة فلا يصح التعويل عليها نظرا لارسالها. # وأما الرواية ( الثالثة ) و ( الرابعة ): فقد رواهما المجلسي (4)، وابن ~~شهر اشوب (5)، وقد نص كل منهما انه قد أخذهما عن ( قوت القلوب ) لأبي طالب ~~المكي المتوفى سنة ( 380 هج )، وقد راجعنا هذا الكتاب فوجدناه قد ذكر ذلك ~~، وهذا نص ما جاء فيه : # « وتزوج الحسن بن علي (ع) مائتين وخمسين ، وقيل ثلاثمائة ، وكان علي يضجر ~~من ذلك ويكره حياء من أهلهن إذ طلقهن ، وكان يقول : ان حسنا مطلق فلا ~~تنكحوه ، فقال له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء ، ~~فمن أحب أمسك ، ومن كره فارق ، فسر علي بذلك وأنشأ يقول : PageV02P447 ولو كنت بوابا على باب جنة %~% لقلت لهمدان ادخلوا بسلام # وهذا أحد ما كان الحسن يشبه فيه رسول الله (ص) وكان يشبهه فى الخلق ~~والخلق ، فقد قال رسول الله (ص): اشبهت خلقي وخلقي وقال : حسن مني وحسين ~~من علي ، وكان الحسن ربما عقد له على أربعة وربما طلق أربعة » (1). # وأبو طالب المكي لا يعول على مؤلفه ، فقد ورد في ترجمته انه لما ألف ( ~~قوت القلوب )، كان طعامه عروق البردي حتى اخضر جلده من كثرة تناولها ، ~~وكان مصابا ( بالهستيريا )، قدم بغداد واعظا فاحتف به البغداديون فرأوا في ~~حديثه هذيانا وخروجا عن موازين الاستقامة فتركوه ونبذوه ، ومن هجره وشذوذ ~~قوله : « ليس على المخلوقين أضر من الخالق » وكان يبيح سماع الغناء فدعا ~~عليه عبد الصمد بن ms551 علي ودخل عليه معاتبا فقال له أبو طالب : # فيا ليل كم فيك من متعة %~% ويا صبح ليتك لم تقرب # فخرج منه عبد الصمد وهو ساخط عليه ، ومن شذوذه انه لما حضرته الوفاة دخل ~~عليه بعض أصدقائه فقال له أبو طالب : « إن ختم لي بخير فانثر على جنازتي ~~لوزا وسكرا » ، فقال له صديقه : وما علامة الغفران لك؟ قال : إن قبضت على ~~يدك. فلما حان موته قبض على يد صاحبه قبضا شديدا ، فامتثل زميله ذلك فنثر ~~على جنازته لوزا وسكرا (2)، ونص المترجمون له أيضا أنه ذكر في كتابه ~~أحاديث لا أصل لها. PageV02P448 # ومع هذا فكيف يعول على رواياته ويؤخذ بها ، ومن أخذ عنه فهو غير عالم ~~بحاله ، وعلى كل فالرقم القياسي لكثرة أزواج الإمام مستندة إليه ومأخوذة ~~عنه ، ونظرا لما هو فيه من الشذوذ والانحراف فلا يمكن التعويل على ما ذكره. # ومهما يكن من شيء فليس عندنا دليل مثبت لكثرة أزواج الإمام سوى هذه ~~الروايات ، وهي لا تصلح للاعتماد عليها نظرا للشبه والطعون التي حامت حولها ~~، ويؤيد افتعال تلكم الكثرة امور : # 1 انها لو صحت لكان للإمام من الأولاد جمع غفير يتناسب معها والحال أن ~~النسابين والرواة لم يذكروا للإمام ذرية كثيرة فان الرقم القياسي الذي ذكر ~~لها اثنان وعشرون ولدا ما بين ذكر وانثى وهذا لا يلتئم كليا مع تلك الكثرة ~~ولا يلتقي معها بصلة. # 2 ومما يزيد وضوحا في افتعال تلكم الروايات هي المناظرات التي جرت بين ~~الإمام الحسن (ع) وبين خصومه فى دمشق وغيره ، وقد أجهدوا نفوسهم ، وانفقوا ~~كثيرا من الوقت للتفتيش عما يشين الامام ليتخذوه وسيلة الى التطاول عليه ، ~~والنيل منه ، فلم يجدوا لذلك سبيلا ، كما تقدم بيانه عند عرض مناظراته ، ~~ولو كان الامام (ع) كثير الزواج والطلاق كما يقولون لقالوا له : أنت لا ~~تصلح للخلافة لأنك مشغول بالنساء ، ولطبلوا بذلك ، واتخذوه وسيلة للتشهير ~~به ، وجابهوه به عند اجتماعهم به فسكوتهم عنه وعدم ذكرهم له مما يدل على ~~عدم واقعيته وصحته. # 3 ومما يؤيد عدم صحة تلك الروايات ms552 أن أبا جعفر محمد بن حبيب المتوفى سنة ~~( 245 هج ) قد ذكر فى كتابه ( المحبر ) ثلاثة أصهار للإمام ، وهم : الامام ~~علي بن الحسين (ع) وعنده أم عبد الله ، وعبد الله بن الزبير PageV02P449 # وعنده أم الحسن ، وعمرو بن المنذر وعنده أم سلمة (1) ولم يزد على ذلك ولو ~~كان الامام (ع) كثير الأزواج لكان له من الأصهار ما يتناسب مع تلك الكثرة ، ~~ومضافا لذلك فان أبا جعفر من المعنيين بأمثال هذه البحوث فقد ذكر في ( ~~المحبر ) كثيرا من نوادر الأزواج ، ولو كان للإمام تلك الكثرة من الأزواج ~~لألمع لها في محبره. # 4 ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته ما روي أن الامام أمير المؤمنين (ع) ~~كان يصعد المنبر فيقول : « لا تزوجوا الحسن فانه مطلاق » كما روى ذلك أبو ~~طالب وغيره ، إن نهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو ~~إما أن يكون قد نهى (ع) ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر (ع) الى الجهر ~~به والى نهي الناس عن تزويجه ، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن ~~يعرف ولده الامام الحسن (ع) مبغوضية ذلك وكراهته لأبيه وكلا الأمرين بعيدان ~~كل البعد # أما « الأول » فهو بعيد لأن الامام الحسن من أهل البيت الذين أذهب الله ~~عنهم الرجس وممن باهل بهم النبي (ص) ومن المستحيل أن يخالف أباه ويعصي أمره. # وأما « الثاني » فبعيد أيضا لأن الاولى بالامام أمير المؤمنين أن يعرف ~~ولده بمبعوضية ذلك وكراهته له ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير ~~الحاشدة الأمر الذي لا يخلو من حزازة على ولده ووصيه وشريكه فى آية التطهير ~~، ومضافا الى ذلك أن الأمر إما أن يكون سائغا شرعا أو ليس بسائغ فان كان ~~سائغا فما معنى نهى الامام (ع) عنه ، وإن لم يكن سائغا فكيف يرتكبه الحسن؟ ~~إنا لا نشك في افتعال هذا الحديث ووضعه من PageV02P450 # خصوم الامام ليشوهوا بذلك سيرته العاطرة التي تحكي سيرة جده رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وسيرة أبيه أمير المؤمنين (ع). ms553 # 5 ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أن الامام الحسن ~~عليه السلام لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات ~~خلف جنازته ، وهن يقلن نحن أزواج الامام الحسن (1). ان افتعال ذلك صريح ~~واضح ، فانا لا نتصور ما يبرر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات ، ~~وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهن زوجات الامام ، فان كان الموجب لخروجهن ~~إظهار الأسى والحزن ، فما الموجب لهذا التعريف والسير فى الموكب المزدحم ~~بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن ، إن هذا الحديث ~~وأمثاله قد وضعه خصوم العلويين من الأمويين والعباسيين ، والغرض منه الحط ~~من قيمة الامام ، وتقليل أهميته. # ومن الأخبار الموضوعة التي تشابه تلك الأخبار ما رواه محمد بن سيرين ان ~~الامام الحسن (ع) تزوج بامرأة فبعث لها صداقا مائة جارية مع كل جارية الف ~~درهم (2) إنا نستبعد أن يعطي الامام هذه الأموال الضخمة مهرا لاحدى زوجاته ~~فان ذلك لون من ألوان الاسراف والتبذير ، وهو منهى عنه في الاسلام ، فقد ~~أمر بالاقتصار ، على مهر السنة ، وكره تجاوزه ، فقد أثر عن النبي (ص) أنه ~~قال : « أفضل نساء أمتي أقلهن مهرا » ، وتزوج (ص) نساءه بمهر السنة ، وكذلك ~~تزوج أمير المؤمنين به ولم يتجاوزه ، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون ~~فيه ارهاق وعسر PageV02P451 # على الناس ، ومن المقطوع به ان الامام الحسن (ع) لا يجافى سنة جده ولا ~~يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته. إن هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات فى ~~المقام تؤيد وضع كثرة الأزواج ، وتزيد فى الافتعال وضوحا وجلاء. # وعلى أي حال ، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الإمام سوى تلكم الروايات ~~، ونظرا لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلا للإثبات. ### || فرية المنصور : # وأكبر الظن أن أبا جعفر المنصور هو أول من افتعل ذلك ، وعنه أخذ المؤرخون ~~، وسبب ذلك هو ما قام به الحسنيون من الثورات التي كادت أن تطيح بسلطانه ، ~~وعلى أثرها القى القبض على عبد الله بن الحسن وخطب على الخراسانيين في ~~الهاشمية خطابا شحنه بالسب ms554 والشتم لأمير المؤمنين ولأولاده ، وافتعل فيه ~~على الحسن ذلك ، وهذا نص خطابه : # « إن ولد آل أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافة ، فلم نعرض ~~لهم لا بقليل ولا بكثير ، فقام فيها علي بن أبي طالب (ع)، فما أفلح وحكم ~~الحاكمين ، فاختلفت عليه الأمة ، وافترقت الكلمة ، ثم وثب عليه شيعته ~~وأنصاره وثقاته ، فقتلوه ، ثم قام بعده الحسن بن علي فو الله ما كان برجل ~~عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودس إليه معاوية أني أجعلك ولي عهدي ، فخلعه ، ~~وانسلخ له مما كان فيه وسلمه إليه ، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ، ~~ويطلق غدا أخرى ، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه » (1).. # وحفل خطابه بالمغالطات والأكاذيب فقد جاء فيه : PageV02P452 # 1 إن الإمام أمير المؤمنين (ع) قد حكم الحاكمين ، وهو افتراء محض ، فان ~~الذي حكم الحاكمين إنما هم المتمردون من جيش الإمام ، فقد أصروا على ذلك ، ~~وأرغموه على قبوله ، فاضطر (ع) الى اجابتهم كما بينا ذلك في الحلقة الأولى ~~من هذا الكتاب. # 2 وجاء في خطابه ان الإمام قد وثبت عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه ، ~~وقد جافى بذلك الواقع ، فان الذي قتله إنما هم الخوارج ، وهم ليسوا من ~~شيعته ، ولا من أنصاره ، وإنما كانوا من ألد أعدائه وخصومه. # 3 وذكر ان الإمام الحسن (ع) أقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ، ويطلق ~~غدا أخرى ، وهو بعيد كل البعد ولم يفه به أحد سواه. # وإنما عمد الى تلفيق هذه الأكاذيب لأجل تدعيم ملكه وسلطانه ، وقهر ~~الحسنيين والحط من شأنهم ، لأنه قد بايع محمدا ذا النفس الزكية مرتين ، ولم ~~يكن له أي أمل بالخلافة كما لم يكن له أي شأن في المجتمع فقد كان فقيرا ~~بائسا يجوب في القرى والأرياف وهو يمدح العترة الطاهرة فيتصدق عليه ~~المسلمون ، وليس له ولأسرته أي خدمة للمجتمع حتى يستحق هذا المنصب الخطير. # ومن مفتريات هذا الطاغية السفاك على سبط الرسول (ص) وريحانته ما جاء في ~~كتابه الى ذي النفس الزكية ، وهذا نصه : # « وأفضى أمر جدك يعني أمير المؤمنين (ع) الى ms555 الحسن فباعها الى معاوية ~~بخرق ودراهم ، ولحق بالحجاز ، وأسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأمر الى غير ~~أهله ، وأخذ مالا من غير ولائه ، ولا حله ، فان كان لكم فيها شيء فقد ~~بعتموه ، وأخذتم ثمنه. » (1) PageV02P453 # لقد عمد المنصور الى هذا التهريج ، والى هذه المغالطات ليبرر تقمصه ~~للخلافة فقد أخذها بغير حق لأن الثورة التي أطاحت بالحكم الأموي كانت من ~~أجل العلويين ، ولارجاع حقهم الغصيب ، وليس للعباسيين فيها أي نصيب. ### || مخاريو لامنس : # وطالما تحدى لامنس كرامة الإسلام ، فألصق به التهم ، وطعن برجاله وحماته ~~، وقد ذكرنا في أسباب الصلح شطرا من مفترياته على الإمام ، وقد كتب في بحثه ~~عن أزواج الإمام ما نصه : # « ولما تجاوز يعنى الإمام الحسن (ع) الشباب ، وقد انفق خير سني شبابه في ~~الزواج والطلاق فاحصي له حوالي المائة زوجة ، والصقت به هذه الأخلاق ~~السائبة لقب المطلاق ، وأوقعت عليا في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه ~~مبذر كثير السرف ، وقد خصص لكل من زوجاته مسكنا ذا خدم وحشم ، وهكذا نرى ~~كيف يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر .. » (1) # لقد اعتمد لامنس في قوله : إن الإمام كان كثير الزواج والطلاق على أقوال ~~المدائني وأمثاله من المؤرخين الذين تابعوا السلطة الحاكمة فكتبوا لها لا ~~للتاريخ ، وقد استقى المستشرقون الذين كادوا للإسلام في بحوثهم من منهل ~~المؤرخين الذين ساندوا تلك الدول الجائرة التي ناهضت أهل البيت ، وعملت على ~~تشويه واقعهم والحط من كرامتهم ، وقد زاد عليهم ( لامنس ) فذكر من المخاريق ~~والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره فقد قال : PageV02P454 # 1 إنه القى أباه بسبب كثرة زواجه وطلاقه في خصومات عنيفة ، ولم يشر أحد ~~ممن ترجم الإمام الى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها لامنس. # 2 وذكر ان الإمام خصص لكل من زوجاته مسكنا ذا خدم وحشم ، إن جميع ~~المؤرخين لم ينقلوا ذلك ، وهو من الكذب السافر والافتراء المحض. # إن لجان التبشير المسيحي التي حاربت الإسلام وبغت عليه هي التي تدفع هذه ~~الأقلام المأجورة وتزج بها للنيل من الإسلام ، والى تشويه واقعه والحط من ms556 ~~قيم رجاله واعلامه الذين أناروا الطريق للركب الإنساني ، ورفعوا منار ~~الحضارة في العالم. # الى هنا ينتهي بنا الحديث عن كثرة أزواج الإمام مع ما حف بها من الطعون ~~والشكوك ، وقد بقي علينا أن نشير الى أسماء أزواجه اللاتي ذكرهن المؤرخون ~~مع بيان ما عثرنا عليه من تراجمهن وإليك ذلك : ### || 1 خولة الفزارية : # وخولة بنت منظور الفزارية من سيدات النساء في وفور عقلها وكمالها تزوج ~~بها الإمام ، وفي ليلة اقترانه بها بات معها على سطح الدار فشدت خمارها ~~برجله ، وشدت الطرف الآخر بخلخالها فلما استيقظ وجد ذلك فسألها عنه فقالت ~~له معربة عن اخلاصها وحرصها على حياته : # « خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب ». # فلما رأى ذلك منها أحبها وأقام عندها سبعة أيام (1) وقد بقيت عنده حولا ~~لم تتزين ولم تكتحل حتى رزقت منه السيد الجليل ( الحسن ) فتزينت PageV02P455 # حينئذ ، فدخل عليها الامام فرآها متزينة فقال لها : « ما هذا؟ » فقالت له ~~: « خفت أن أتزين وأتصنع فتقول النساء تجملت فلم تر عنده شيئا ، فأما وقد ~~رزقت ولدا فلا أبالي » ، وبقيت عنده إلى أن توفي (ع) فجزعت عليه جزعا شديدا ~~فقال لها أبوها مسليا : # نبئت خولة أمس قد جزعت %~% من أن تنوب نوائب الدهر لا تجزعي يا خول واصطبري %~% إن الكرام بنوا على الصبر (1) # وذكرت السيدة زينب بنت علي العاملية في ترجمة خولة ما حاصله انها لما ~~بلغت مبالغ النساء خطبها جملة من وجهاء قريش وأشرافهم فأمتنع أبوها من ~~إجابتهم لأنهم ليسوا بأكفاء لها ، ثم انه طلق امها مليكة بنت خارجة فتزوجها ~~من بعده طلحة بن عبيد الله ، وتزوج ابنه محمد بخولة فأولدت له ابراهيم ~~وداود وأم القاسم ، وقتل زوجها محمد في واقعة الجمل فخطبها جماعة من الناس ~~فجعلت أمرها بيد الحسن (ع) فتزوجها ، ولما نزح الإمام الى يثرب حملها معه ، ~~فبلغ أباها ذلك ، فأقبل الى مسجد رسول الله (ص) وبيده راية فركزها في ~~المسجد فلم يبق قيسي إلا وانضم تحتها ، وهو يهتف بقومه ويستنجد بهم على أخذ ~~بنته ms557 من الامام ، فلما بلغه (ع) ذلك خلى سراحها فأخذها وخرج فجعلت خولة ~~تتوسل به على ارجاعها وتندد بعمله وتذكر له فضل الامام ، فندم على فعله ~~وقال لها : البثي هاهنا فان كان للرجل بك من حاجة سيلحق بك ، فلحقه الامام ~~مع أخيه الحسين ، وعبد الله بن عباس ، فلما انتهوا إليه قابلهم بحفاوة ~~وتكريم وأرجعها الى الامام ، وفي ذلك يقول جبير العبسي : # إن الندى في بني ذبيان قد علموا %~% والجود في آل منظور بن سيار PageV02P456 والماطرين بأيديهم ندى ديما %~% وكل غيث من الوسمى مدرار تزور جارتهم وهنا قواضبهم %~% وما فتاهم لها سرا بزوار ترضى قريش بهم صهرا لأنفسهم %~% وهم رضا لبني أخت وأصهار # ثم انها بقيت عند الإمام حتى أسنت ، ولما مات الإمام لم تتزوج من بعده. ~~وقيل انها تزوجت بعبد الله بن الزبير ودخلت عليها النوار زوج الفرزدق ~~مستشفعة بزوجها فأجابتها الى ذلك ، فكلمات عبد الله به فأجابها الى ذلك وفي ~~هذا يقول الفرزدق : # أما بنوه فلم تقبل شفاعتهم %~% وشفعت بنت منظور بن زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا %~% مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا (1) # وعندي ان هذه القصة ضرب من الخيال ولا نصيب لها من الواقع وذلك لأن زواج ~~الإمام بها من دون مراجعة أبيها أمر لا يتناسب مع كرامة الإمام ومحال أن ~~يقدم عليه من دون مراجعته وأخذ رأيه فى ذلك ، ومضافا لهذا فانه من المستبعد ~~عدم علم أبيها بقتل زوجها الأول في تلك المدة الطويلة من الزمن حتى تزوج ~~بها الإمام ، ويبعده أيضا نزوحه الى يثرب واستنجاده بأسرته ليأخذ ابنته من ~~الامام ، وقد كان يتطلب مصاهرة الأشراف ، ومناسبة العظماء ، فرد جماعة من ~~الأشراف الذين خطبوا ابنته لأنهم ليسوا أكفاء لها ، وبعد هذا فكيف لا يرضى ~~بمصاهرة الامام له وهو من ألمع الشخصيات في العالم الاسلامى ، إنا لا نشك ~~في افتعال ذلك وعدم صحته. ### || 2 جعدة بنت الأشعث : # واختلف المؤرخون في اسمها ، فقيل سكينة ، وقيل شعثاء ، وقيل PageV02P457 # عائشة ، والأصح انها جعدة حسب ما ذكره أكثر المؤرخين (1)، وسبب زواج ~~الامام بها ms558 أن أمير المؤمنين خطب من سعيد بن قيس الهمداني ابنته أم عران ~~لولده الحسن فقال له سعيد : أمهلني يا أمير المؤمنين حتى أستشير ثم خرج من ~~عنده فلقيه الأشعث فسأله عن مجيئه فأخبره بالأمر فقال له هذا المنافق ~~مخادعا : # « كيف تزوج الحسن وهو يفتخر عليها ولا ينصفها ويسيء إليها؟! فيقول لها : ~~أنا ابن رسول الله ، وابن أمير المؤمنين ، وليس لها هذا الفضل ولكن هل لك ~~فى ابن عمها فهي له وهو لها ». # ومن ذلك؟ # محمد بن الأشعث. # فانخدع هذا الغبي من مقالته وقال : « قد زوجته من ابنتي ». # وأخذ الأشعث يشتد نحو أمير المؤمنين ، فقال له : # « خطبت الى الحسن ابنة سعيد؟ » # نعم. # فهل لك فى أشرف منها بيتا ، وأكرم منها حسبا ، وأتم منها جمالا وأكثر مالا؟ # ومن هي؟ # جعدة بنت الأشعث بن قيس. # قد قاولنا رجلا يعني سعيدا الهمداني . # ليس الى ذلك الذي قاولته من سبيل. # إنه فارقني ليستشير أمها. PageV02P458 # قد زوجها من محمد بن الأشعث. # متى؟!! # قبل أن آتيك. # فوافق أمير المؤمنين ، ولما فهم سعيد باغراء الأشعث ومخادعته له أقبل ~~نحوه يشتد فقال له : « يا أعور خدعتني!! » # أنت أعور خبيث ، حيث تستشير في ابن رسول الله ألست الأحمق؟! # وأقبل الأشعث الى الامام فقال له : « يا أبا محمد ألا تزور أهلك » ~~مستعجلا فى الأمر خوفا من فواته ، ثم إنه فرش أبسطة من باب بيته الى بيت ~~الامام وزف ابنته إليه (1) بهذه الصورة كان زواج الامام بجعدة. ### || 3 عائشة الخثعمية : # ومن جملة أزواج الامام عائشة الخثعمية تزوجها في حياة أمير المؤمنين ولما ~~قتل (ع) أقبلت الى الامام الحسن فأظهرت الشماتة بوفاة أبيه فقالت له : # « لتهنك الخلافة ». ولما علم عليه السلام شماتتها قال لها : # « ألقتل علي تظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ». # فتلفعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث لها بقية صداقها وعشرة آلاف ~~درهم صدقة لتستعين بها على أمورها ، فلما وصلت إليها قالت : « متاع قليل من ~~حبيب مفارق » (2)، ولم يذكر التاريخ ان الإمام طلق زوجه سوى هذه وأم كلثوم ~~وامرأة من بني شيبان ms559 ، فأين كثرة الزواج والطلاق التي طبل بها بعض ~~المؤرخين؟ # وأما بقية أزواجه اللاتي لم نعثر على تراجمهن فهن : PageV02P459 # 4 أم كلثوم بنت الفضل بن العباس ، تزوجها (ع) ثم فارقها فتزوجها من بعده ~~أبو موسى الأشعري (1). # 5 أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي ، أولدت منه ولدا أسماه طلحة. # 6 أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري ، أولدت منه ولدا أسماه زيدا # 7 هند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. # 8 امرأة من بنات عمرو بن أهيم المنقري. # 9 امرأة من ثقيف ، أولدت له ولدا أسماه عمرا. # 10 امرأة من بنات زرارة. # 11 امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة # ، فقيل له إنها ترى رأي الخوارج فطلقها وقال : « إنى أكره أن أضم الى ~~نحري جمرة من جمر جهنم » (2). # 12 أم عبد الله # ، وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي. # 13 أم القاسم ، وهي أم ولد ، وقيل اسمها نفيلة ، وقيل رملة. # فمجموع ما تزوجه الامام من النساء هذا العدد المذكور لم يتجاوزه بقليل ، ~~وهو كما ترى لا يمت الى الكثرة المزعومة بصلة ، الى هنا ينتهي بنا الحديث ~~عن أزواج الامام # وقد بقي علينا الاشارة الى عدد أولاده ذكورا وأناثا ، وقد اختلف المؤرخون ~~في ذلك اختلافا كثيرا فقد روي أنهم : # 1 اثنا عشر ، ثمانية ذكورا وأربع اناث (3). PageV02P460 # 2 خمسة عشر ، الذكور احدى عشر ، والاناث أربع (1). # 3 ستة عشر ، الذكور احدى عشر ، والاناث خمس (2). # 4 تسعة عشر ، الذكور ثلاثة عشر ، والبنات ست (3). # 5 عشرون ، ستة عشر ذكرا ، وأربع بنات (4). # 6 اثنان وعشرون ، الذكور أربعة عشر ، والاناث ثمان (5). # وقيل غير ذلك ، وقد اتفق المؤرخون أنه لم يعقب أحد من أولاده سوى الحسن ~~وزيد ، اما أعلام أولاده فهم : PageV02P461 ### || 1 القاسم : # وفي طليعة أولاد الامام الحسن القاسم ، وقد استشهد مع عمه سيد الشهداء في ~~واقعة كربلا الخالدة في دنيا الأحزان ، وكان حينذاك فى ريعان الشباب وغضارة ~~العمر ، وكالقمر فى جماله ، وبهائه ، ونضارته ، برز يوم الطف حينما رأى ~~ريحانة النبي (ص) وحيدا ، قد أبيدت ms560 الصفوة من أهل بيته ، وعلا الصراخ ~~والعويل من ثقل النبوة ، فلم يتمكن أن يرى ذلك ، فانبرى الى عمه يقبل يديه ~~ورجليه يطلب منه الاذن للدفاع عنه ، فأذن له ، أما كيفية شهادته فتذوب لها ~~النفس لهولها أسى وحسرات ، وقد ذكرها المؤرخون وأرباب المقاتل والسير ~~بالتفصيل. ### || 2 أبو بكر : # واسمه عبد الله ، أمه أم ولد (1) يقال لها رملة (2) برز يوم الطف يحامى ~~عن دين الله ، ويذب عن ريحانة رسول الله (ص)، فاستشهد فى تلك الواقعة التي ~~وتر فيها رسول الله (ص). ### || 3 عبد الله : # استشهد مع عمه سيد الشهداء في كارثة كربلا ، وله من العمر احدى عشر سنة ، ~~نظر الى عمه الحسين وقد أحاطت به جيوش الأمويين ، فأقبل يشتد للدفاع عنه ، ~~وأهوى أبحر بن كعب بالسيف ليضرب الإمام الحسين فصاح به الغلام ، ويلك يا ~~ابن الخبيثة أتضرب عمي؟ واتقى الغلام الضربة بيده فأطنها الى الجلد فاذا هي ~~معلقة ، فاستنجد الغلام بعمه ، فانبرى إليه PageV02P462 # الإمام فضمه إليه (1)، وبينما هو في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل بسهم ~~فذبحه (2) وليس في تأريخ الإنسانية قديما ولا حديثا مثل أولئك الفتية من آل ~~النبي (ص) فى نخوتهم ونبلهم وبطولتهم. ### || 4 زيد : # وزيد أمه خزرجية كان جليل القدر ، كريم الطبع ، كثير البر والاحسان ، ~~قصده الناس من جميع الآفاق لطلب بره ومعروفه ، وكان يلي صدقات رسول الله ~~(ص) فلما ولي سليمان بن عبد الملك عزله عنها ، ولما هلك واستخلف عمر بن عبد ~~العزيز أرجعها إليه ، وقد مدحه محمد بن بشير الخارجي بقوله : # إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة %~% نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة %~% إذا اخلقت انواؤها ورعودها حمول لأشتات الديات كأنه %~% سراج دجى قد فارقته سعودها (3) # وكان يركب فيأتي سوق ( الظهر ) فيقف به فتزدحم الناس على النظر إليه ~~ويعجبون من خلقه ، ويقولون يشبه جده رسول الله (4) توفي سنة مائة وعشرين ~~وله من العمر تسعون سنة وقيل مائة ، ورثاه جماعة من الشعراء منهم قدامة بن ~~موسى الجحمي بقوله : # فان يك زيد غالت الأرض ms561 شخصه %~% فقد بان معروف هناك وجود وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى %~% به وهو محمود الفعال فقيد PageV02P463 سميع الى المضطر يعلم أنه %~% سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال وقد حط رحله %~% لملتمس المعروف اين تريد إذا قصر الوعد الذي قد نمى به %~% الى المجد آباء له وجدود مناديل للمولى محاشيد للقرى %~% وفي الروع عند النائبات أسود إذا مات منهم سيد قام سيد %~% كريم فيا بني مجدهم ويشيد (1) ### || 5 الحسن : # كان الحسن سيدا جليلا عظيم القدر ، وهو وصي أبيه ، ووالي صدقته (2)، حضر ~~مع عمه الحسين (ع) في واقعة كربلا ، فقاتل معه حتى سقط الى الأرض جريحا ، ~~ولما أقبل أجلاف أهل الكوفة على حز رءوس الشهداء وجدوا في الحسن رمقا فجاء ~~اسماء بن خارجة الفزاري ، وكان من أخواله فاستشفع به فشفعوه فيه فحمله معه ~~الى الكوفة وعالجه حتى بريء ثم لحق بالمدينة ، وكان يلي صدقات جده أمير ~~المؤمنين (ع) وقد تزوج بابنة عمه فاطمة بنت الحسين ، ولما مات جزعت عليه ~~جزعا شديدا فضربت على قبره فسطاطا سنة كاملة فكانت تصلي في الليل وتصوم في ~~النهار (3) توفي وعمره خمس وثلاثون سنة مسموما قد سقاه السم الوليد بن عبد ~~الملك (4). # الى هنا ينتهي بنا الحديث عن أولاده وقد بحثنا عنهم بحثا موجزا وعسى أن ~~يساعدني التوفيق فأتشرف بالبحث عن سيرتهم وثورات احفادهم الإصلاحية ضد ~~الظالمين والمستبدين من خلفاء الأمويين والعباسيين. PageV02P464 ### | نهاية المطاف PageV02P465 # وحقق معاوية جميع ما يصبو إليه فى هذه الحياة ونال من دنياه كل ما اشتهى ~~وأراد ولكن بقيت عنده فكرة واحدة تراوده في جميع أوقاته قد أقضت مضجعه ، لو ~~تمت لتم له كل شيء بحسابه وهي جعل الخلافة والملك العضوض وراثة في أبنائه ~~وذريته ، وقد بذل جميع جهوده ومساعيه في تحقيق ذلك ، فأدنى الأباعد ، وأنفق ~~الأموال الطائلة ، وسافر الى يثرب مع ما هو فيه من الشيخوخة والضعف ، فلم ~~يظفر بذلك ما دام الإمام الحسن حيا ، فعلم أنه لا يتمكن من انجاز مهمته إلا ~~باغتيال شخصية الإمام التي ينتظر دورها العادل جميع ms562 المسلمين لينتشر العدل ~~ويعم الخير والرفاهية في جميع أنحاء البلاد. # وأخذ معاوية يفكر في ذلك فيطيل التفكير ، ويقلب الرأي على وجوهه باي ~~وسيلة يتوصل الى تحقيق أمنيته ، فمثل أمامه قوله الذي ضربه مثلا للفتك ~~والغدر : « إن لله جنودا من عسل » ، وقد طبق ذلك فنجح به مع سعد بن أبي ~~وقاص ، والزعيم مالك الأشتر ، فانحصرت وسيلته بتطبيق ذلك فأرسل الى الإمام ~~غير مرة سما مميتا حين ما كان فى دمشق فلم ينجح به ، فراسل عاهل الروم يطلب ~~منه أن يبعث إليه سما فاتكا سريع التأثير فامتنع من إجابته قائلا له : « ~~انه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا » ان ملك الروم ~~لم يسمح له دينه أن يغتال بريئا ، ولكن معاوية قد استباح ذلك واعرب عن كفره ~~، فراسله مرة ثانية يخبره بمشروعية هذا الأمر قائلا : « إن هذا الرجل ابن ~~الذي خرج بأرض تهامة يعني رسول الله قد خرج يطلب ملك أبيه ، وأنا أريد إليه ~~السم ، فاريح منه العباد والبلاد » لقد استحل اغتيال الإمام لأنه ابن رسول ~~الله (ص) الذي حطم أوثان الجاهلية ، وقضى على الشرك ، وقد وجد ملك الروم ~~عند ذلك PageV02P467 # مجالا فبعث إليه سما مميتا (1)، ولما وصل السم الى معاوية جعل يفكر فى ~~إيصاله الى الإمام فاستعرض أقرباء الإمام ومن يمت إليه فلم يجد أحدا يعينه ~~على ارتكاب هذه الجريمة ، فاستعرض ثانيا أزواج الإمام فوجد في جعدة بنت ~~الأشعث طلبته فأبوها الذي أرغم أمير المؤمنين على قبول التحكيم وأفسد جيشه ~~ولعله يجد فى ابنته تحقيق اربه وبلوغ أمنيته فأرسل إليها السم بتوسط الأثيم ~~مروان بن الحكم وأمره أن يمينيها بزواج يزيد وأن يقدم لها مائة ألف درهم ~~(2) وحري بهذه الأثيمة أن تجيب نداء ابن هند فهي من اسرة انتهازية لها ~~تأريخها الأسود فقد جبلت على الطمع وعلى الاستجابة لجميع الدوافع المادية ، ~~وقد قال الإمام الصادق (ع) فيها : « ان الأشعث شرك فى دم أمير المؤمنين ، ~~وابنته جعدة سمت الحسن ، وابنه شرك فى دم الحسين » (3). ويضاف لذلك أن ms563 ~~جعدة كانت مصابة بالعقد النفسية لأنها لم ترزق من الامام ولدا ، وكانت ~~تعامل في بيتها معاملة عادية. # ولما وصل السم الى مروان حمله إليها فقدم لها الأموال ومناها بزواج يزيد ~~ان أجابت طلبته ، فأخذ الشيطان يوسوس لها فانخدعت وفرحت بالأموال ~~وباقترانها بيزيد ، فوافقت على ارتكاب الجريمة فأخذت منه السم وكان الامام ~~صائما في وقت شديد الحر فأخرجت له افطاره والقت السم في لبن فتناول منه ~~الامام جرعة فلما وصل الى جوفه تقطعت أمعاؤه ، PageV02P468 # فقال (ع) لما أحس بألمه الشديد : # « إنا لله وإنا إليه راجعون ، الحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين وأبي ~~سيد الوصيين ، وأمى سيدة نساء العالمين ، وعمي جعفر الطيار ، وحمزة سيد ~~الشهداء. » # ثم التفت الى جعدة فقال لها : # « يا عدوة الله ، قتلتيني قتلك الله ، والله لا تصيبين منى خلفا ، ولقد ~~غرك يعني معاوية وسخر منك يخزيك الله ويخزيه » (1). # لقد أخزاها الله فلقد أصبحت مضرب المثل للسوء والخزي والاثم والخيانة فقد ~~أصبحت عارا لذريتها وأبنائها من غير الامام فقد وصموا بابناء مسممة الأزواج ~~(2) ولقد سخر منها معاوية فلم يف لها بزواج يزيد حيث طلبت منه ذلك فقد ردها ~~بسخرية واستهزاء قائلا : # « أنا نحب حياة يزيد ، ولو لا ذلك لوفينا لك بتزويجه!! » (3). # واتفق أكثر المؤرخين ان الامام مات مسموما وان معاوية هو الذي دس إليه ~~السم فقتله (4)، وذهب فريق آخر أن يزيد هو الذي سم PageV02P469 # الإمام (1) ولو سلمنا ذلك فانه إنما كان بأمر من أبيه إذ لا يعقل أن ~~يرتكب مثل هذا الحادث الخطير من دون مراجعته واحراز موافقته ، ومن الغريب ~~جدا ما ذهب إليه ابن خالدون حيث حاول تبرير ساحة معاوية ونفي الجريمة عنه ، قال : # « وما ينقل من أن معاوية قد دس السم الى الامام الحسن على يد زوجته جعدة ~~بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة ، وحاشا لمعاوية ذلك » (2). # وابن خالدون مدفوع بدافع العصبية وهي داء خبيث قد القت الناس في شر عظيم ~~وقد منى بها هذا المؤرخ ، فهو لم يكتب فى أمثال هذه PageV02P470 # البحوث إلا ليرضي عصبيته وعاطفته ms564 وميوله وإنا لنسأله ما الذي يمنع معاوية ~~من ارتكاب هذه الجريمة في سبيل توطيد ملكه وسلطانه وقد ارتكب من أجل ذلك ~~افحش الموبقات واعظم الجرائم ، فحارب الخليفة الشرعي أمير المؤمنين وولده ~~الحسن وقتل الصحابي حجر بن عدي واصحابه المؤمنين ، وسم مالك الأشتر ، وسعد ~~بن أبي وقاص واستلحق به زياد بن ابيه إلى غير ذلك من جرائمه التي لا تحصى ~~وبعد هذا فما الذي يمنعه من اغتيال الامام وسمه وقد علم أن الأمر لا يتم ~~لولده إلا بذلك ، ### || أقوال غريبة : # ولا بأس بالاشارة الى بعض الاقوال الغريبة التي تضارع قول ابن خالدون في ~~عدم الصحة وفى البعد عن الواقع وهي : ### || 1 موته بالسل : # ذكر المستشرق ( روايت م. رونلدس ) ان الإمام الحسن (ع) مات بالسل عند ما ~~بلغ من العمر خمسا واربعين سنة (1)، وهذا القول من الغرابة بمكان ولم يذهب ~~إليه أحد من المؤرخين فقد أجمعوا أنه مات مسموما ولم يصب بداء السل ، وقد ~~كتب هذا المستشرق جميع بحوثه على هذا الطراز في الخلو عن التحقيق وفي ~~الاعتماد على الافتراء والكذب. ### || 2 سمه في العصا : # ذكر الاستاذ حسين واعظ : « أن الإمام الحسن قد ترك المدينة الى الموصل في ~~العراق بقصد الاستشفاء لأنه شعر بتأخر في صحته من بعد حوادث PageV02P471 # التسميم ، إلا أن شخصا فقيرا أعمى قد جاء يطلب منه أن يتصدق عليه وكان ~~(ع) جالسا على الأرض فرمى الأعمى عصاه على رجل الحسن ثم ضغطها على رجله ، ~~وكانت عصاه متسممة إلا أنه عولج على أيدي الأطباء هناك فبريء من ذلك » (1). # وهذا القول بعيد عن الصحة كل البعد إذ لم يصرح مؤرخ بما ذكره وهو افتراء ~~محض لا نصيب له من الصحة. ### || 3 سمه في الطواف : # ذكر المؤرخ الشهير أحمد بن سهل البلخي الشهير بالمقدسي : « أن الإمام كان ~~يطوف فى البيت الحرام فطعنه شخص بظهر قدمه بزج (2) مسموم فتوفى على أثر ذلك ~~» (3). # وهذا القول من الغرابة بمكان قد انفرد به هذا المؤرخ ولعله أراد تنزيه ~~معاوية ورفع المسئولية عنه بارتكابه هذه الجريمة ، ولم ms565 نحسب أن مؤرخا قد ~~ذهب الى ذلك. ### || 4 موته حتف أنفه : # ذكر الدكتور حسن ابراهيم أن بعض المؤرخين ذهب الى أن الإمام مات حتف أنفه ~~بعد رجوعه من العراق الى يثرب بأربعين يوما (4) وهذا PageV02P472 # القول ظاهر الفساد فان الإمام ( أولا ) لم يمت حتف أنفه ، و ( ثانيا ) انه ~~قد مكث فى يثرب حفنة من السنين بعد وصوله إليها حتى وافاه الأجل المحتوم ~~كما أجمع على ذلك المؤرخون. # ونعود بعد هذا الى تفصيل حالة الإمام فانه لما وصل السم الى جوفه أخذ ~~يعاني آلام الموت فبقي في فراش المرض أربعين يوما (1)، وقيل : شهرين (2) ~~وفي كل يوم تزداد فعالية السم في جسمه حتى ذاب قلبه الشريف من الألم ذلك ~~القلب الذي يضم الحب والعطف للناس جميعا ، ودخل عليه عائدا شقيقه الحسين ~~فلما رآه وهو خابئ اللون ، معصوب الرأس ، قد ذابت حشاه من السم التفت إليه ~~وقد أذهله المصاب ، وأفزعه الخطب قائلا : # « أخي من سقاك السم؟ » # وما تريد منه؟ # أريد أن أقتله. # « إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا ، وإن لم يكن هو فما أحب ~~أن يقتل بي بريء » (3). # وهكذا كان (ع) محتاطا في الدماء حريصا عليها ، لا يحب أن يهراق في أمره ~~ملأ محجمة دما ، وجيء له بطبيب ففحصه فحصا دقيقا وبعد الامعان في التشخيص ~~يئس منه فالتفت الى أهله قائلا لهم : PageV02P473 # « ان السم قد قطع أمعاءه » (1). # فعند ذلك يئس الإمام من حياته ودخل عليه عائدا الصحابي العظيم جنادة بن ~~أبي أمية فالتفت الى الإمام قائلا : # « عظني يا ابن رسول الله ». # فاجاب (ع) طلبته وهو في أشد الأحوال حراجة ، وأقساها ألما ومحنة فاتحفه ~~بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى وأثمن من الجوهر وقد كشفت عن أسرار ~~إمامته ، قائلا : # « يا جنادة ، استعد لسفرك ، وحصل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنك تطلب ~~الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ~~، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك ، ~~واعلم أن ms566 الدنيا في حلالها حساب ، وفى حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، ~~فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فان كان حلالا كنت قد زهدت ~~فيه ، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة ، وإن ~~كان العقاب فالعقاب يسير ، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا ، وإذا أردت عزا بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان ، فاخرج من ذل ~~معصية الله الى عز طاعة الله عز وجل ، وإذا نازعتك الى صحبة الرجال حاجة ~~فاصحب من إذا صحبته زانك ، وإذا أخذت منه صانك ، وإذا أردت منه معونة أعانك ~~وان قلت صدق قولك ، وان صلت شد صولتك ، وإن مددت يدك بفضل مدها ، وإن بدت ~~منك ثلمة سدها ، وإن رأى منك حسنة عدها وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ~~ابتدأك ، وإن نزلت بك إحدى PageV02P474 # الملمات واساك ، من لا تأتيك منه البوائق ، ولا تختلف عليك منه الطرائق ~~ولا يخذلك عند الحقائق ، وان تنازعتما منقسما آثرك » (1). # لقد اعطى (ع) لجنادة بهذه الوصية الخالدة الدروس النافعة ، والحكم ~~القيامة ، والآراء الصائبة التي استقاها من جده الرسول (ص) ومن أبيه أمير ~~المؤمنين ، فقد أرشده الى أفضل المناهج التي تضمن له النجاح في آخرته ~~ودنياه. # ودخل على الإمام عائدا عمير بن اسحاق فالتفت (ع) له قائلا. # « يا عمير سلني قبل أن لا تسلني! » # وثقل على عمير أن يسأله وهو بهذه الحالة فقال له : # « لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم أسألك » (2). # والتفت عليه السلام إلى أهل بيته معربا لهم عما يعانيه من ألم السم ، « ~~لقد القيت طائفة من كبدي ، واني سقيت السم مرارا ، فلم اسقه مثل هذه المرة ~~، لقد لفظت قطعة من كبدي (3)، فجعلت أقلبها بعود PageV02P475 # معي » (1). # ودخل عليه عائدا أخوه سيد الشهداء فلما نظر الى ما يعانيه من ألم السم ~~غامت عيناه بالدموع ، فنظر إليه الحسن فقال له : # ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ # أبكي لما صنع بك. # واستشف الإمام الحسن بما سيجري على أخيه من بعده فهان عليه ما هو فيه ms567 ، ~~وأرخى عينيه بالدموع وقال له بنبرات مرتعشة حزينة : # « إن الذي أوتي إلي سم اقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ~~ازدلف إليك ثلاثون ألفا ، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد (ص) وينتحلون دين ~~الإسلام ، فيجتمعون على قتلك ، وسفك دمك ، وانتهاك |إذا شاء منهم ناشئ مد كفه||الى كبد ملساء أو كلفل نهد| # قال : ومن المجاز الكبد الجنب ، وفي الحديث : فوضع يده على كبده وإنما ~~وضعها على جنبه من الظاهر ، وفى حديث مرفوع : « وتلقي الأرض أفلاذ كبدها » ~~أي تلقي ما خبئ في بطنها من الكنوز والمعادن فاستعار لها الكبد ، وجاء ذلك ~~أيضا في لسان العرب 4 / 378 ، وعلى ذلك فيكون المراد من الرواية انه القى ~~من جوفه قطعا من الدم المتخثر تشبه الكبد وبهذا ظهر عدم التنافي بين ~~الرواية وبين ما ذكره الأطباء فيما نحسب والله العالم. PageV02P476 # حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك .. » (1) # إن جميع ما واجهته العترة الطاهرة بعد وفاة النبي (ص) من الشجون والخطوب ~~لا يضارع كارثة أبي عبد الله (ع) فلا يوم كيومه فقد ذل فيه الإسلام ، ~~وانتهكت فيه كرامة المسلمين وحرمة النبي (ص) التي هي أولى بالرعاية والعطف ~~من كل شيء ، ويشتد الوجع به ويسعر عليه الألم فيجزع ، فيلتفت إليه بعض ~~عواده قائلا له : # « يا ابن رسول الله ، لم هذا الجزع؟ أليس الجد رسول الله (ص) والأب علي ~~والأم فاطمة ، وأنت سيد شباب أهل الجنة؟!! » # فاجابه بصوت خافت : # « أبكي لخصلتين : هول المطلع ، وفراق الأحبة » (2). ### || وصيته للحسين : # ولما ازداد ألمه وثقل حاله علم أنه قد قرب دنوه من دار الآخرة ، وبعده عن ~~هذه الدنيا ، فاستدعا أخاه سيد الشهداء فأوصاه بوصيته وعهد إليه بعهده ، ~~وقد روت الشيعة وصيته بلون لا يتفق مع ما روته أبناء السنة والجماعة. # أما ما روته الشيعة فهذا نصه : # « هذا ما أوصى به الحسن بن علي الى أخيه الحسين ، أوصى أنه يشهد أن لا ~~إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأنه يعبده حق عبادته ، لا شريك له فى ~~الملك ، ولا ms568 ولي له من الذل ، وأنه خلق كل شيء فقدره PageV02P477 # تقديرا ، وأنه أولى من عبد ، وأحق من حمد ، من أطاعه رشد ، ومن عصاه غوى ~~، ومن تاب إليه اهتدى ، فاني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل ~~بيتك ، أن تصفح عن مسيئهم ، وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفا ووالدا ، وأن ~~تدفنني مع رسول الله (ص) فاني أحق به وببيته ، فان أبوا عليك فأنشدك الله ~~وبالقرابة التي قرب الله منك ، والرحم الماسة من رسول الله (ص) أن لا يهراق ~~من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره بما كان من أمر ~~الناس إلينا » (1). # وقد اشتملت فقرات هذه الوصية على توحيد الله تعالى وتنزيهه عن المماثل ، ~~ونفي الشريك عنه ، وقد أمر فيها أخاه بالصفح عمن أذنب من أهل بيته ، ~~والإحسان لمن أساء منهم ، ومواراة جثمانه بجوار جده ، فهو أولى الناس به ~~فان عارضه المناوئون لهم بذلك فلا يهريق من أجل ذلك محجمة دم ، وقد عرف (ع) ~~بالمحافظة على هذه الجهات ، فقد أنفق جميع ما عنده في سبيل الله ، وقابل ~~جميع من أساء إليه بالصفح والإحسان ، وترك الخلافة محافظة على دماء ~~المسلمين. # وأما ما روته أبناء السنة والجماعة فهذا نصه : # « يا أخي إن أباك لما قبض رسول الله (ص) استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون ~~صاحبه فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها ~~أيضا ، فصرفت عنه الى عمر ، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم ، ~~فلم يشك أنها لا تعدوه ، فصرفت عنه الى عثمان ، فلما هلك عثمان بويع ثم ~~نوزع حتى جرد السيف وطلبها فما PageV02P478 # صفا له شيء منها ، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة ~~والخلافة فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك ، إني وقد كنت طلبت ~~الى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم فقالت نعم. وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء فاذا ~~أنا ms569 مت فأطلب ذلك منها فان طابت نفسها فادفني في بيتها ، وما أظن القوم إلا ~~سيمنعونك إذا أردت ذلك ، فان فعلوا فلا تراجعهم فى ذلك ، وادفني في بقيع ~~الغرقد فان لي فيمن فيه أسوة » (1). # وقد اشتملت هذه الوصية على الحط من كرامة أمير المؤمنين (ع) وانتقاصه ، ~~وهذا لا يتفق مع سيرة الإمام الحسن بحال من الأحوال ولكن فى التأريخ صورا ~~هزيلة أثبتت لأغراض غير خفية على النبيه. ### || وصيته لمحمد : # ومشى الموت الى الإمام عليه السلام فعلم انه على أبواب الآخرة ، فأمر ~~قنبرا أن يحضر أخاه محمد بن الحنفية ، فمضى إليه مسرعا فلما رآه محمد ذعر فقال : # « هل حدث إلا خير؟ » # فأجابه بصوت خافت : « أجب أبا محمد ». # فذهل محمد واندهش وخرج يعدو حتى انه لم يسو شسع نعله من كثرة ذهوله ، ~~فدخل على أخيه وهو مصفر الوجه قد مشت الرعدة بأوصاله فالتفت عليه السلام له : # « اجلس يا محمد ، فليس يغيب مثلك عن سماع كلام تحيى به الأموات PageV02P479 # وتموت به الأحياء ، كونوا أوعية العلم ، ومصابيح الدجى ، فان ضوء النهار ~~بعضه أضوأ من بعض ، أما علمت أن الله عز وجل جعل ولد ابراهيم أئمة ، وفضل ~~بعضهم على بعض ، وآتى داود زبورا ، وقد علمت بما استأثر الله به محمدا (ص) ~~يا محمد بن علي إني لا أخاف عليك الحسد ، وإنما وصف الله به الكافرين ، ~~فقال تعالى : « كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق » (1)، ~~ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطانا ، يا محمد بن علي ألا اخبرك بما سمعت من ~~أبيك فيك؟ » # بلى. # سمعت أباك يقول يوم البصرة : من أحب أن يبرني في الدنيا والآخرة فليبر ~~محمدا ، يا محمد بن علي لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك ، ~~يا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ، ومفارقة روحي ~~جسدي إمام بعدي ، وعند الله فى الكتاب الماضي وراثة النبي (ص) أصابها في ~~وراثة أبيه وأمه ، علم الله أنكم خير خلقه فاصطفى منكم محمدا ، واختار محمد ~~عليا ms570 ، واختارني علي للإمامة واخترت أنا الحسين. # فانبرى إليه محمد مظهرا له الطاعة والانقياد قائلا : # « أنت إمامي ، وأنت وسيلتي إلى محمد (ص)، والله لوددت إن نفسي ذهبت قبل ~~أن أسمع منك هذا الكلام ، ألا وإن فى رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء ، ولا ~~تغيره بعد الرياح ، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم ، أهم بابدائه فأجدني ~~سبقت إليه سبق الكتاب المنزل ، وما جاءت به الرسل وإنه لكلام يكل به لسان ~~الناطق ، ويد الكاتب ، ولا يبلغ فضلك ، وكذلك PageV02P480 # يجزي الله المحسنين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، إن الحسين أعلمنا علما ~~وأثقلنا حلما ، وأقربنا من رسول الله (ص) رحما ، كان إماما فقيها قبل أن ~~يخلق ، وقرأ الوحي قبل أن ينطق ، ولو علم الله أن أحدا خير منا ما اصطفى ~~محمدا منا ، فلما اختار محمد عليا إماما ، واختارك علي بعده واخترت الحسين ~~بعدك سلمنا ورضينا بمن هو الرضا » (1). # وذكر الدينوري : أن الإمام في ساعاته الأخيرة بعث خلف أخيه محمد وكان في ~~ضيعة له ، فلما مثل عنده فتح (ع) عينيه ، وكان مغمى عليه ، فالتفت الى أخيه ~~الحسين أولا موصيا له بمحمد قائلا له : # « يا أخي ، أوصيك بمحمد خيرا ، فانه جلدة ما بين العينين ». # ثم التفت إلى محمد : # « يا محمد ، وأنا أوصيك بالحسين كانفه ووازره » (2). ### || الى الرفيق الاعلى : # وثقل حال الإمام واشتد به الوجع فأخذ يعاني آلام الاحتضار فعلم أنه لم ~~يبق من حياته الغالية إلا بضع دقائق فالتفت إلى أهله قائلا : # « أخرجوني الى صحن الدار ، أنظر في ملكوت السماء ». # فحملوه الى صحن الدار فلما استقر به رفع رأسه الى السماء وأخذ يناجي ربه ~~ويتضرع إليه قائلا : # « اللهم إني احتسب عندك نفسي فإنها أعز الأنفس علي لم أصب بمثلها ، اللهم ~~آنس صرعتي ، وآنس في القبر وحدتي ». PageV02P481 # ثم حضر فى ذهنه غدر معاوية به ، ونكثه للعهود ، واغتياله إياه فقال : # « لقد حاقت شربته ، والله ما وفى بما وعد ، ولا صدق فيما قال » (1). # وأخذ يتلو آي الذكر الحكيم ويبتهل الى الله ويناجيه حتى فاضت نفسه الزكية ~~الى جنة المأوى ، وسمت الى ms571 الرفيق الأعلى ، تلك النفس الكريمة التي لم يخلق ~~لها نظير فيما مضى من سالف الزمن ، وما هو آت حلما وسخاء وعلما وعطفا ~~وحنانا وبرا على الناس جميعا. # لقد مات حليم المسلمين ، وسيد شباب أهل الجنة ، وريحانة الرسول وقرة عينه ~~، فاظلمت الدنيا لفقده ، وأشرقت الآخرة بقدومه (2). # وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين ، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب ، ~~وهرع أبو هريرة وهو باك العين ، مذهول اللب الى مسجد رسول الله (ص) وهو ~~ينادي بأعلى صوته : PageV02P482 # « يا أيها الناس ، مات اليوم حب رسول الله (ص) فابكوا » (1). # وصدعت كلماته القلوب ، وتركت الأسى يحز في النفوس ، وهرع من في يثرب نحو ~~ثوى الإمام وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح قد نخب الحزن قلوبهم على ~~فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذا لهم وملجأ ومفزعا إن نزلت بهم كارثة أو ~~حلت بهم مصيبة. ### || تجهيز الامام : # وأخذ سيد الشهداء في تجهيز أخيه وقد أعانه على ذلك عبد الله بن عباس ، ~~وعبد الرحمن بن جعفر ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، فغسله وكفنه وحنطه وهو ~~يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون ، وبعد الفراغ من تجهيزه أمر (ع) بحمل ~~الجثمان المقدس الى مسجد الرسول لأجل الصلاة عليه (2). ### || مواكب التشييع : # كان تشييع الإمام تشييعا حافلا لم تشهد نظيره عاصمة الرسول ، فقد بعث ~~الهاشميون الى العوالي والقرى المحيطة بيثرب من يعلمهم بموت الإمام فنزحوا ~~جميعا الى يثرب ليفوزوا بتشييع الجثمان العظيم (3) وقد حدث ثعلبة ابن مالك ~~عن كثرة المشيعين فقال : # « شهدت الحسن يوم مات ، ودفن في البقيع ، ولو طرحت فيه PageV02P483 # ابرة لما وقعت إلا على رأس انسان » (1)، # وقد بلغ من ضخامة التشييع أن البقيع ما كان يسع أحدا من كثرة الناس ، وحق ~~على المسلمين أن يخفوا لتشييع حفيد نبيهم الذي تكفل بصالحهم ، وعال بضعيفهم ~~وعاجزهم ، وأوقف نفسه على البر والمعروف إليهم. ### || الصلاة على الجثمانه : # وحمل الجثمان المقدس من ثوي الإمام الى مسجد النبي (ص) على أطراف الأنامل ~~قد حفت به الوجوه والأشراف ، فوضع في الجامع فتقدم الإمام الحسين (ع) فصلى ~~عليه ms572 وقد ائتمت به بقية الصحابة والناس على اختلاف طبقاتهم ، وذكر ابن أبي ~~الحديد : ان الإمام الحسين (ع) أمر سعيد بن العاص بالصلاة عليه وقال له : ~~لو لا انها سنة لما قدمتك (2) وهذا القول بعيد نظرا لتوتر العلاقات بين ~~الأمويين والهاشميين فكيف يقدم الإمام الحسين عميدهم للصلاة عليه؟ والصحيح ~~ما روي أنه لم يحضر أحد من الأمويين فى موكب التشييع سوى سعيد بن العاص (3). ### || الفتنة الكبرى : # واتجهت مواكب التشييع نحو المرقد النبوي ليجددوا بالجثمان الطاهر عهدا ~~عند جده ويوارونه بجواره ، ولما علم الأمويون ذلك تكتلوا وانضم PageV02P484 # بعضهم الى بعض فقد دفعتهم الأنانية والعداء للهاشميين الى إحداث المعارضة ~~والشغب في دفن الإمام بجوار جده ذلك لأنهم رأوا أن عميدهم عثمان قد دفن في ~~حش كوكب مقبرة اليهود ، ويدفن الحسن مع جده فيكون ذلك عارا عليهم وخزيا ، ~~وأخذوا يهتفون بلسان واحد : # « يا رب هيجاء ، هي خير من دعة ، أيدفن عثمان بأقصى المدينة ، ويدفن ~~الحسن عند جده!!؟ ». # وانعطف مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص نحو عائشة وهما يستفزانها ~~ويستنجدان بها في مناصرتهم ، وقد عرفا دخيلة نفسها وما تكنه من الموجدة ~~والغيرة والحسد لولد علي وفاطمة قائلين لها : # « يا أم المؤمنين ، إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله ~~والله لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك ، وصاحبه عمر الى يوم ~~القيامة ». # وألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفسها فاندفعت بغير اختيار لمناصرتهما ~~كما اندفعت قبل ذلك لحرب أمير المؤمنين (ع) لا على أساس وثيق ، بل للعاطفة ~~والميول التي طبعت المرأة نفسيا على الانقياد إليهما ، والتفتت الى مروان ~~قائلة : # « ما أصنع يا مروان؟ » # الحقي به ، وامنعيه من أن يدفن معه. # فقامت مسرعة مدهوشة ، فجيء لها ببغلة فامتطتها وأقبلت الى مواكب التشييع ~~الحاشدة ، وهي تصيح بلا اختيار قائلة : # « لا تدخلوا بيتي من لا أحب!! إن دفن الحسن في بيتي لتجز PageV02P485 # هذه وأومأت الى ناصيتها » (1). # وما علمت عائشة أن كلامها سيؤدي الى إراقة الدماء ، والى تفريق صفوف ~~المسلمين ، وهي من دون شك لا يهمها ms573 ذلك ، فقد أراقت يوم الجمل سيلا عارما ~~من دمائهم استجابة لعواطفها المترعة بالحقد تجاه أمير المؤمنين. # وإنا لنتساءل أولا : من أين جاء لها البيت الذي دفن فيه رسول الله (ص)؟ ~~ألم يزعم أبوها أن رسول الله (ص) قال : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ~~، ولا فضة ، ولا دارا ولا عقارا » فهل إن هذه الرواية اختصت بسيدة النساء ~~فاطمة سلام الله عليها فمنعت من ارثها ، وحرمت من حقها ، وإذا كانت عامة ~~فلما ذا لا تعمل بها أم المؤمنين؟ ولو سلمنا أنها ترث من البيت فما هو ~~مقدار حصتها منه ، لأنها لا تستحق إلا التسع من الثمن ، وقد قيل : # لك التسع من الثمن %~% وبالكل تملكت # وبالاضافة لذلك فان الزوجة لا ترث من الأرض ، وإنما ترث من العمارات ، ~~وسائر الأموال المنقولة. # ونتساءل ثانيا : لما ذا لا تحب ريحانة رسول الله (ص) وثمرة PageV02P486 # فؤاده ، وقد قال فيه : « اللهم إني أحبه ، وأحب من يحبه » لقد جافت عائشة ~~بذلك ما أثر عن رسول الله (ص) في سبطه وريحانته (1). # نعم استجابت عائشة لرغبات الأمويبن ، وانطلقت فى موكبهم فمنعت سبط النبي ~~أن يدفن مع جده ، وما راعت حرمة العترة الطاهرة التي فرض الله مودتها فى ~~كتابه الكريم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ### || اجازة عائشة لدفن عبد الرحمن : # ونص المؤرخون أن عائشة سمحت بأن يدفن عبد الرحمن بن عوف فى حجرة النبي ~~(ص) (2) وهو من الغرابة بمكان ، فهل ان عبد الرحمن أولى بالنبي (ص) من ~~الإمام الحسن الذي هو سبطه وريحانته ، رحماك يا رب!! أي موقف هذا الذي ~~وقفته عائشة ، فإنها تسمح لابن عوف أن يوارى مع رسول الله ، ويحضى بجواره ، ~~وتبعد عنه ريحانته ، وفلذة كبده ، فتحول بينه وبين أغلى أمانيه ، ولم ترع ~~عواطف النبي (ص) وشدة حبه له وتعلقه به ، # وعلق الاستاذ السيد سعيد الأفغاني على موقف عائشة فقال : ولعل آخر تعبير ~~عن موقفها يعنى عائشة السلبى من علي ، انقباضها عن ولديه الحسن والحسين ، ~~فلقد كانت تحتجب منهما وهما لها من المحارم ، انهما سبطا زوجها ولا تحل ~~لهما ms574 ، ولا يحلان لها ، ومن المعروف بداهة انه لا تحل امرأة الرجل لولده ~~ولا لولد ولده وأولاد بناتهم ، وهي تعرف PageV02P487 # ذلك حق المعرفة لكنها حجبتهما ، ولم تكن تأذن لهما إلا من وراء حجاب ~~مبالغة في مباعدتهما ، ولقد علق على هذا الحادث ابن عباس بقوله : ان ~~دخولهما عليها لحل (1) ثم كانت الأمنية الأخيرة للحسن بعد وفاة علي وتنازله ~~لمعاوية عن الخلافة أن يدفن عند جده رسول الله (ص) وهي أمنية حق ما كان ~~ينبغي أن يحرمها إذ كان أقرب الأحياء يومئذ من رسول الله (ص) وهو أمسهم به ~~رحما بعد ابنته وأزواجه ، ولكن للأهواء السياسية منحى لا يخضع لحق ولا منطق (2). # لقد ارتكبت عائشة في فعلها شططا ، وأوضحت عما تكنه من العداء لأمير ~~المؤمنين ولأولاده ، ونحن لا نجد ما يبرر فعلها ، ولما رأى محمد بن الحنفية ~~موقفها المرير انبرى إليها وقد قد قلبه قائلا بنبرات تقطر غضبا : « يا ~~عائشة ، يوما على جمل ، ويوما على بغل ، فما تملكين نفسك ، ولا تملكين ~~الأرض عداوة لبني هاشم ». # فأثارت هذه الكلمات الغضب في نفسها فأرادت أن تفصل محمدا عن الفاطميين ~~وتفرق بينهم وبينه قائلة له. # « هؤلاء بنو الفواطم لا يتكلمون ». # ولم يخف على الحسين ما ارادته عائشة من التفرقة وصدع الشمل فاندفع إليها ~~رادا عليها مقالها قائلا : # « وأنت تبعدين محمدا من الفواطم ، فو الله لقد ولدته ثلاث من الفواطم ، ~~فاطمة بنت عمران بن عائد بن مخزوم ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم ، وفاطمة بنت ~~زائدة ». PageV02P488 # فقالت عائشة وهي مغيظة حانقة : # « نحوا ابنكم واذهبوا به فإنكم قوم خصمون » (1). # وانعطف نحو عائشة ابن أخيها القاسم بن محمد الطيب ابن الطيب فزجرها ~~وردعها عن موقفها قائلا : # « يا عمة ، ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين أن يقال يوم ~~البغلة السهباء؟!! » (2) # وأقبل إليها ابن عباس وهو لا يبصر طريقه من الغضب فسدد لها سهما من منطقه ~~الفياض قائلا : # « وا سوأتاه ، يوما على بغل ، ويوما على جمل ، تريدين أن تطفئي نور الله ~~، وتقابلين أولياءه ». # ثم التفت الى مروان فقال له : # « ارجع ms575 يا مروان من حيث جئت ، فانا لا نريد دفن صاحبنا عند رسول الله ، ~~ولكن نريد أن نجدد به عهدا ، ثم ندفنه عند جدته فاطمة بنت أسد عملا بوصيته ~~، ولو أوصانا بدفنه عند جده لعلمت من هو أقصر باعا » (3). # ولما رأى ذلك أبو هريرة أخذ ينادي بأعلى صوته : # « أرأيتم لو مات ابن لموسى بن عمران ، أما كان يدفن مع أبيه؟ PageV02P489 # وإني سمعت رسول الله (ص) يقول : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. » # ولم يسجل التاريخ لأبي هريرة موقفا كريما سوى هذا الموقف ، وقد اغتاظ ~~مروان من مقالته وصاح به لقد ضاع حديث رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم (1). ~~وخرج أبان بن عثمان وهو رافع عقيرته قائلا : # « إن هذا لهو العجب يدفن ابن قاتل عثمان مع رسول الله وأبي بكر وعمر ، ~~ويدفن أمير المؤمنين الشهيد المظلوم ببقيع الغرقد » (2). # ولما رأى الهاشميون موقف بني أمية ومنعهم من دفن الإمام بجوار PageV02P490 # جده عزموا على مناجزتهم ، فانحاز كل منهما في جانب ، وهم بعضهم على بعضهم ~~بالهجوم ، فلما رأى الإمام الحسين (ع) ذلك بادر نحو الهاشميين فصاح بهم : # « الله الله يا بني هاشم ، لا تضيعوا وصية أخي ، واعدلوا به الى البقيع ، ~~فانه أقسم علي إن أنا منعت من دفنه مع جده أن لا أخاصم فيه أحدا وأن أدفنه ~~في البقيع مع أمه ». # ثم التفت الى الأمويين فقال لهم : # « والله لو لا عهد الحسن إلي أن لا أهريق في أمره محجمة من دم لعلمتم كيف ~~تأخذ سيوف الله منكم مأخذها ، وقد نقضتم العهد الذي بيننا وبينكم ، وأبطلتم ~~ما اشترطنا عليكم لأنفسنا » (1). # ثم أمر (ع) بحمل الجثمان المقدس الى البقيع ، فحمل على الأنامل قد حف به ~~الهاشميون والطالبيون وهم يذرفون الدموع ، ويصعدون من الحسرات ما يسعره ~~الألم ، قد أخذتهم المائقة ، وأذاب الحزن قلوبهم على PageV02P491 # فقيدهم العظيم ، وعلى ما ارتكبه الأمويون منهم. # وجيء بالجثمان الطاهر إلى البقيع فأودع في مقره الأخير بجوار جدته فاطمة ~~بنت أسد (1) لقد أودع في الثرى ريحانة الرسول وسبطه ، فاقبر معه الحلم ~~والكرم والفضل. ### || على ms576 حافة القبر : # ووقف سيد الشهداء على حافة القبر وهو شاخص العين لم يطرف له هدب ، ولم ~~يهدأ له قلب ، وأخذ يؤبن أخاه ، ويصوغ من حزنه كلمات : # « رحمك الله أبا محمد ، إن كنت لتباصر الحق مظانه ، وتؤثر الله عند ~~التداحض فى مواطن التقية بحسن الروية ، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها ~~حاقرة ، وتفيض عليها يدا طاهرة الأطراف ، نقية الأسرة ، وتردع بادرة غرب ~~أعدائك بأيسر المؤنة عليك ، ولا غرو فأنت ابن سلالة النبوة ، ورضيع لبان ~~الحكمة ، فالى روح وريحان ، وجنة ونعيم ، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ، ~~ووهب لنا ولكم حسن الأسى (2) عنه » (3). # ثم جلس على القبر وأخذ يروي أديمه بماء عينيه ، وينشد : # أأدهن رأسي أم تطيب محاسني %~% وخدك معفور وأنت سليب أأشرب ماء المزن من غير مائه %~% وقد ضمن الأحشاء منك لهيب أو أستمتع الدنيا لشيء أحبه %~% الى كل ما أدنى إليك حبيب PageV02P492 سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة %~% وما اخضر في دوح الحجاز قضيب غريب وأكناف الحجاز تحوطه %~% ألا كل من تحت التراب غريب فلا يفرح الباقي ببعد الذي مضى %~% فكل فتى للموت فيه نصيب وليس حريبا من أصيب بماله %~% ولكن من وارى أخاه حريب بكائي طويل والدموع غزيرة %~% وأنت بعيد والمزار قريب نسيبك من أمسى يناجيك طيفه %~% وليس لمن تحت التراب نسيب (1) # وأقبل أخوه ، الثاكل الحزين محمد بن الحنفية فوقف على حافة القبر كأنه ~~يعاني آلام الاحتضار قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى ، وقلبه المتصدع الذي ~~ليس فيه فراغ لغير الأسى والحزن وهو يصوغ من حزنه كلمات قائلا : # « رحمك الله يا أبا محمد ، فو الله لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ولنعم ~~الروح روح عمر بدنك ، ونعم البدن بدن تضمنه كفنك ، ولنعم الكفن كفن تضمنه ~~لحدك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى ، وحليف أهل التقى ، وخامس أصحاب ~~الكساء ، وجدك المصطفى ، وأبوك المرتضى ، وأمك فاطمة الزهراء ، وعمك جعفر ~~الطيار في جنة المأوى ، غذتك أكف الحق ، وربيت في حجر الإسلام ، وأرضعتك ~~ثدى الإيمان فطبت حيا وميتا ، وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ms577 ، ولا شاكة ~~في الخيار لك ، وإنك وأخاك لسيدا شباب أهل الجنة ، فعليك أبا محمد منا ~~السلام » (2). # وبعد الفراغ من دفن الإمام وتأبينه أقبلت الجماهير ترفع للإمام PageV02P493 # الحسين التعازي الحارة وتواسيه بمصابه الأليم وهو (ع) واقف يشكرهم على ~~مواساتهم وتعازيهم. ### || صدى الفاجعة : # وما أذيع النبأ المؤلم فى العالم الإسلامى إلا واهتز من أقصاه الى أدناه ~~حزنا ووجدا ، فلقد مات سيد المسلمين وإمامهم ، والملجأ الوحيد لهم ، وقد ~~أدخل موته ذلا على عموم العرب والمسلمين (1) وعلينا أن ننظر الى العواصم ~~الإسلامية التي غمرها الحزن وهي : ### || 1 يثرب : # أما يثرب عاصمة الإسلام فقد لبست الحزن والحداد على الفقيد الراحل فعطلت ~~أسواقها ومكاسبها (2)، وبكاه الرجال والنساء سبعة أيام واستمرت نساء بنى ~~هاشم فى النياحة عليه شهرا ، وأظهرن الحداد ، ولبسن السواد سنة كاملة (3). ### || 2 مكة : # وعم الحزن والأسى أهل مكة ، فانه لما انتهى إليهم النبأ المريع أغلقوا ~~حوانيتهم ، وعطلوا مكاسبهم ، واستمروا بالنياحة ، يبكون رجالا ونساء سبعة ~~أيام (4). PageV02P494 ### || 3 البصرة : # وحمل النبأ المؤلم الى البصرة عبد الله بن سلمة ، فأخبر به حاكمها زياد ~~بن أبيه ، وفهم بذلك الحكم بن أبي العاص الثقفي فخرج الى الناس فنعى إليهم ~~الإمام ، فلما سمعوا بذلك ، علا منهم البكاء والضجيج ، وسمع أبو بكرة أخو ~~زياد الصراخ والعويل وكان سقيما ، فقال لزوجه ميسة بنت سخام : # « ما هذا؟ » # مات الحسن بن علي ، والحمد لله الذي أراح الناس منه. # فقال لها بصوت خافت : # « اسكتي ويحك ، فقد أراحه الله من شر كثير ، وفقد الناس بموته خيرا كثيرا ~~، يرحم الله حسنا » (1). # ورثاه شاعر البصرة الجارود بن أبي سبرة فقال : # إذا كان شر سار يوما وليلة %~% وإن كان خيرا خرد السير أربعا إذا ما يريد الشر أقبل نحونا %~% باحدى الدواهي الربدسار وأسرعا (2) ### || 4 الكوفة : # وحينما أذيع النبأ المؤلم في الكوفة تصدعت القلوب وارجفت من هوله النفوس ~~، وأخذ الكوفيون بالبكاء والنحيب ، وهم يعددون مزايا الإمام ويذكرون خطأهم ~~وتقصيرهم تجاهه ، وقد رثاه شاعرهم الموهوب سليمان ابن قتة بقوله : # يا كذب الله من نعى حسنا %~% ليس لتكذيب نعيه ثمن PageV02P495 كنت خليلي ms578 وكنت خالصتي %~% لكل حي من أهله سكن أجول في الدار لا أراك وفي %~% الدار أناس جوارهم غبن بدلتهم منك ليت انهم %~% أضحوا وبيني وبينهم عدن (1) # ورثاه شاعر الكوفة الكبير قيس بن عمر الشهير بالنجاشي بأبيات ذكر فيها ~~جريمة بنت الأشعث وذكر فضل الإمام وجوده وسخاءه : # جعدة ابكيه ولا تسأمي %~% بعد بكاء المعول الثاكل لم يسبل الستر على مثله %~% في الأرض من حاف ومن ناعل كان إذا شبت له ناره %~% يرفعها بالسند الغاتل كيما يراهما يائس مرمل %~% وفرد قوم ليس بالآهل يغلى بنيء اللحم حتى إذا %~% أنضجه لم يغل من آكل أعنى الذي أسلمنا هلكه %~% للزمن المستحرج الماحل (2) # واجتمع زعماء الشيعة وشخصياتهم فى ثوي سليمان بن صرد الخزاعي فرفعوا الى ~~الإمام الحسين رسالة يعزونه بمصابه المؤلم ويعربون له الولاء والإخلاص ~~والطاعة لأمره وهذا نصها : # « بسم الله الرحمن الرحيم : للحسين بن علي ، من شيعته وشيعة أبيه أمير ~~المؤمنين عليه السلام ، سلام عليك ، فانا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. # أما بعد : فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي ، فسلام عليه يوم ولد ، ويوم يموت ~~، ويوم يبعث حيا ، غفر الله ذنبه ، وتقبل حسناته ، وألحقه بنبيه (ص)، ~~وضاعف لك الأجر فى المصاب به ، وجبر بك المصيبة PageV02P496 # من بعده فعند الله تحتسبه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أعظم ما ~~أصيبت به هذه الأمة عامة ، وأنت وهذه الشيعة خاصة ، بهلاك ابن الوصي وابن ~~بنت النبي ، علم الهدى ، ونور البلاد المرجو لإقامة الدين ، وإعادة سيرة ~~الصالحين ، فاصبر رحمك الله على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ، فان فيك ~~خلفا ممن كان قبلك ، وإن الله يؤتى رشده من يهتدي بهديك ، ونحن شيعتك ~~المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك ، المسرورة بسرورك ، السائرة بسيرتك ، ~~المنتظرة لأمرك ، شرح الله صدرك ، ورفع ذكرك ، وأعظم أجرك ، وغفر ذنبك ، ~~ورد عليك حقك ، والسلام » (1). ### || سرور معاوية : # كان معاوية يتشوف بفارغ الصبر أنباء يثرب ، ويترقب البريد ساعة فساعة ، ~~قد ألح على عامله أن يعرفه بأخبار الإمام في كل يوم ، ولما انتهى إليه ~~النبأ بموت الإمام ms579 لم يملك نفسه من السرور حتى خر ساجدا ، وكبر وكبر من كان ~~معه في الخضراء ، ولما سمعت ذلك زوجه فاختة بنت قرضة خرجت من خوخة لها فرأت ~~زوجها قد غمره الفرح والسرور فقالت له : # « سرك الله يا أمير المؤمنين ، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ » # موت الحسن. # فاستعبرت ، وقالت : « إنا لله وإنا راجعون ». ثم بكت وقالت : # « مات سيد المسلمين ، وابن بنت رسول الله (ص)» (2). PageV02P497 # وأخذ معاوية يتعجب من سرعة تأثير السم الذي بعثه للإمام قائلا : # « يا عجبا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه!! » (1). # وبلغ معاوية ما أراده الهاشميون من دفن الحسن في بيت النبي (ص) فقال : ما ~~أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسنا مع النبي وقد منعوا عثمان أن ~~يدفن إلا في أقصى البقيع ، إن يك ظنى بمروان صادقا لا يخلصون الى ذلك وجعل ~~يقول : ويها مروان أنت لها .. » (2) # ووفد عليه المقدام بن عدي بن كرب وكان من شيعة أمير المؤمنين فقال له ~~معاوية مظهرا له الشماتة بموت الإمام : # « يا مقدام ، أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ » # فاسترجع المقدام ، واستعبر ، فالتفت إليه معاوية والسرور باد على وجهه ، ~~وابتسامة ظاهرة على شفتيه قائلا له باستهزاء : # « أترى موت الحسن مصيبة؟!! » # ولم لا أراها مصيبة؟ وقد وضعه رسول الله (ص) فى حجره وقال : هذا مني ، ~~وحسين من علي (3). # لقد فرح معاوية بموت الإمام ، لأنه قد تمت بحسابه بوارق آماله وأحلامه ~~وتحقق عنده جعل الملك العضوض وراثة في أبنائه وذريته ، وقد وصف لنا الفضل ~~بن العباس مدى سرور معاوية وشماتته بموت الإمام بقوله : # أصبح اليوم ابن هند شامتا %~% ظاهر النخوة إذ مات الحسن PageV02P498 رحمة الله عليه إنه %~% طالما أشجى ابن هند وأرن استراح اليوم منه بعده %~% إذ ثوى رهنا لأحداث الزمن فارتع اليوم ابن هند آمنا %~% إنما يقمص بالعير السمن لست بالبافى فلا تشمت به %~% كل حي بالمنايا مرتهن يا ابن هند إن تذق كأس الردى %~% تك فى الدهر كشيء لم يكن (1) # وذكر المؤرخون أن ابن عباس دخل ms580 على معاوية فلما استقر به المجالس التفت ~~إليه معاوية وهو جذلان مسرور بموت الإمام قائلا : « يا ابن عباس هلك ~~الحسن!!! » # نعم هلك ، إنا لله وإنا إليه راجعون قال ذلك مكررا وقد بلغني الذي أظهرت ~~من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سد جسده حفرتك ، ولا زاد نقصان ~~أجله في عمرك ، ولقد مات وهو خير منك ، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان ~~خيرا منه جده رسول الله (ص) فجبر الله مصيبته ، وخلف من بعده أحسن الخلف ». # وشهق ابن عباس من الحزن ثم انفجر باكيا فبكى من حضر في بلاط معاوية ، ~~وتباكى معاوية رياء ، فلم ير أكثر باك في ذلك اليوم ، والتفت معاوية والفرح ~~والسرور باد على سحنات وجهه قائلا له : « يا ابن عباس إنه ترك بنين صغارا ». # ولم يخف على ابن عباس ما فى كلام معاوية من الشماتة فقال له : كلنا كنا ~~صغارا فكبرنا ». # كم أتى له من العمر؟ # أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده. PageV02P499 # وسكت معاوية برهة ثم التفت إليه ليعرف مدى اتجاهه نحو الحسين قائلا : « ~~يا ابن عباس ، أصبحت سيد قومك!؟ » # وعرف ابن عباس غايته فقال له : « أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا ». # فأجابه معاوية على عادته من المراوغة : « لله أبوك يا ابن عباس!! ما ~~استنبأتك إلا وجدتك معدا!! » # وبهذا ينتهي بنا المطاف عن حياة الإمام أبي محمد ، فسلام عليه يوم ولد ، ~~ويوم مات ، ويوم يبعث حيا ، فقد خسر المسلمون بفقده قيادته الروحية ~~والزمنية ، وأسلمهم فقده للخطوب والنكبات ، وجاهد الأمويون من بعده الى ~~اذلال المسلمين ، والى ارغامهم على ما يكرهون. # وأعرض الى القراء ان هذا الكتاب انما هو خلاصة ما توصلت إليه من الدراسة ~~لحياة الإمام الزكي أبي محمد ، وعن تراثه ومثله ، وعن عصره وخلافته ، وما ~~أحاط به من الظروف العصيبة التي ألجأته الى الصلح ، ولا أزعم أني قد وفقت ~~الى الكمال فيه ، فان الكمال لله ، ولكني لم أدع جاهدا في البحث والتنقيب ، ~~وفى عرض الأخبار وتحليلها ، ومناقشة بعضها ، وعسى أن أكون قد ms581 وفقت في جميع ~~ذلك الى اعطاء صورة حية عن الإمام وعن العصر الذي عاش فيه ، وقد توسعت ~~كثيرا في عرض الأحداث التي رافقت الإمام ، وفيما أحسب أن في عرض ذلك ضرورة ~~ملحة يقتضيها البحث. # وإني أرى من الحق وأنا في ختام البحث أن أرفع أعمق الشكر الى حضرة المحسن ~~النبيل الحاج محمد رشاد نجل الوجيه الحاج محمد جواد عجينة على تبرعه بطبع ~~هذا الكتاب رغبة منه في خدمة أهل البيت (ع)، وفي احياء مآثر هذا الإمام ~~العظيم سائلا من الله أن يعوضه المزيد من الأجر ويحسن له الصنيع إنه تعالى ~~ولي القصد والتوفيق. PageV02P500 ### | مصادر البحث PageV02P501 ### ||| * أهم المصادر ### ||| * التي ورد ذكرها في الجزء الاول والثاني |اسم الكتاب|اسم المؤلف| ### |||| * ( أ) |أحكام القرآن|لأبي اسحاق الرازي| |أنساب الأشراف|للبلاذري| |أسد الغابة|لابن الأثير| |الاصابة|لابن حجر العسقلاني| |الاستيعاب|لابن عبد البر المالكي| |الامامة والسياسة|لابن قتيبة| |اصول الكافي|للكليني| |أمالي الصدوق|للصدوق| |أمالي الزجاج|للزجاج| |الإرشاد|للشيخ المفيد| |أنباء نجباء الأبناء|لمحمد الصقلي| |الأخبار الطوال|للدينوري| |أحياء العلوم|للغزالي| |الأموال|لأبي عبيد| |الإمام علي|لعبد الفتاح عبد المقصود| PageV02P503 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |الإمام علي صوت العدالة الإنسانية|لجورج جرداق| |الإسلام والنصرانية|لمحمد عبده| |أسباب النزول|للواحدى| |الاصول العامة للفقه المقارن|لمحمد تقي الحكيم| |الإرشاد في اصول الاعتقاد|للجويني| |الأغاني|لابي الفرج الاصفهاني| |أبو الشهداء|للعقاد| |أبو هريرة|للإمام شرف الدين| |أعيان الشيعة|للسيد محسن العاملي| |الأذكياء|لابن الجوزي| |الإيضاح|لفخر المحققين| |الأدب المفرد|للبخاري| |اتعاض الحنفاء في أخبار الخلفاء|للمقريزي| |أعلام النساء|لكحالة| |الأعلام|للزركلي| |الأحكام السلطانية|للماوردي| |الهاشميات|للكميت| |أنوار التنزيل وأسرار التأويل|للبيضاوي| |اتمام الوفاء فى سيرة الخلفاء|للخضري| |الإسلام بين السنة والشيعة|لهاشم الدفتر| |اسعاف الراغبين|لمحمد الصبان| PageV02P504 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |إيضاح الكفاية|للمؤلف| |أعلام الورى في أعلام الهدى|للسيد المرتضى| |الاثنى عشرية|لمحمد بن قاسم الحسيني| |اتمام الوفاء|للخضري| |احتجاج الطبرسي|للطبرسي| ### |||| * ( ب ) |بحار الأنوار|للمجلسي| |بلاغات النساء|لأحمد بن أبي طاهر| |البدء والتاريخ|لأبي طاهر المقدسي ms582| |البداية والنهاية|لابن كثير| |البيان والتبيين|للجاحظ| |بدائع الصنائع|علاء الدين الكاشاني الحنفي| ### |||| * ( ت ) |تهذيب التهذيب|لابن حجر العسقلاني| |تهذيب الأسماء واللغات|للنووي| |تهذيب الأحكام|للطوسي| |تطهير الجنان واللسان|لابن حجر| |الترغيب والترهيب|لعبد العظيم المنذري| |التصوف الإسلامى|لزكي مبارك| |التنبيه والاشراف|للمسعودي| |تاريخ اليعقوبي|لأحمد بن أبي يعقوب| PageV02P505 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |تاريخ الخميس|للحسين بن محمد الديار بكري| |تاريخ بغداد|للخطيب أحمد بن علي| |تاريخ ابن خالدون|لعبد الرحمن بن محمد| |تاريخ ابن خلكان|لأحمد بن محمد بن خلكان| |تاريخ أبي الفداء|لإسماعيل بن علي عماد الدين| |تمام المتون|صلاح الدين الصفدي| |تحفة المحتاج|للنووي| |تذكرة الحفاظ|للذهبي| |تقييد العلم|| |تفسير ابن كثير|لإسماعيل بن كثير القرشي| |التاج|للجاحظ| |التعليقات|لمحمد باقر البهبهاني| |تنزيه الأنبياء|السيد المرتضى| |تاريخ الأمم والملوك|أبو جعفر محمد بن جرير| |تحف العقول|حسن بن شعبة| |تاريخ سينا|شقير نعوم| |تاريخ الخلفاء|عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي| |تفسير الفخر الرازي|للإمام الرازي| |تلخيص المستدرك|للذهبي| |تاريخ التمدن الإسلامى|جرجي زيدان| |تاريخ العرب العام|المستشرق ل. أ. سيديو| PageV02P506 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |تحفة الأنام|للفاخوري| |تاريخ دول الإسلام|لصدفي| |تذكرة الخواص|السبط ابن الجوزي| |تاريخ الأمة العربية|لمحمد سعد| |تاريخ الإسلام السياسي|الدكتور ابراهيم حسن| |تنقيح المقال|المامقاني| |تاريخ ايران|لبعض المستشرقين| ### |||| * ( ث ) |ثمرات الأوراق|أبو بكر بن علي الحموي| ### |||| * ( ج ) |جامع السعادات|للنراقي| |جامع أسرار العلماء|قاسم بن محمد الكاظمي| |جوهرة الكلام فى مدح السادة الأعلام|القراغولي| |جريدة الساعة|شرف الدين| |جمهرة رسائل العرب|أحمد زكى صفوت| |جمهرة الخطب|محمد رضا المدرس| |جنات الخلود|» » » | |جمهرة اشعار العرب|لأبي زيد القرشي| |جواهر الأحكام|لمحمد حسن| |جمع الجوامع|للسيوطي| |جامع البيان فى تفسير القرآن|لمحمد بن جرير الطبري| PageV02P507 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |الجامع لأحكام القرآن|للقرطبى| ### |||| * ( ح ) |حلية الأولياء|أبو نعيم الأصفهاني| |حياة الحيوان|الدميري| |حماة الإسلام|| |حياة الحسين|العلائلي| |حياة الإمام علي بن أبي طالب (ع) |محمد حبيب الله الشنقيطي| |حياة محمد (ص) |محمد ms583 حسين هيكل| |الحدائق الوردية|لحميد بن زيد اليمانى| ### |||| * ( خ ) |خطط المقريزي|المقريزي| |الخصائص الكبرى|للسيوطي| |خلاصة تهذيب الكمال|أحمد الخزرجي| |خزانة الأدب|للشيخ عبد القادر البغدادي| |الخرائج والجرائح|للراوندي| |الخراج|لأبي يوسف| |الخلفاء الراشدون|لعبد الوهاب النجار| ### |||| * ( د ) |دائرة المعارف|للبستاني| |دائرة معارف القرن العشرين|محمد فريد وجدي| |دائرة المعارف الإسلامية|لجماعة من المستشرقين| PageV02P508 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |دوائر المعارف|محمد مهدي الكاظمي| |ديوان الرصافي|شاعر العرب الرصافي| |درة الناصحين|عثمان بن حسن الخوبوي| |الدر المنثور|لجلال الدين السيوطي| |الدر المنثور في ربات الخدور|لزينب بنت علي العاملية| ### |||| * ( ذ ) |ذخائر العقبى|محب الدين الطبري| |ذخيرة الدارين|عبد المجيد| ### |||| * ( ر ) |روضات الجنات|محمد باقر الخونساري| |روضة الواعظين|أبو علي النيسابوري| |ربيع الأبرار|الزمخشري| |رجال الكشي|محمد الكشي| |روح المعاني|الآلوسي| |روض المناظر|لابن شحنة| |روضة الشهداء|حسين واعظ| ### |||| * ( ز ) |زهر الآداب|لإبراهيم القيروانى| |زينب والزينبات|العبيدلي| ### |||| * ( س ) |سنن ابن ماجة|ابن ماجة| PageV02P509 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |سنن أبي داود|أبو داود| |سفينة البحار|الشيخ عباس القمي| |سر السلسلة العلوية|أبو نصر البخاري| |سيرة ابن هشام|ابن هشام| |سيرة الحلبي|الحلبي| |سفر السعادة|الفيروزآبادي| |سليم بن قيس|لسليم بن قيس الهلالي العامرى| |السيادة العربية|لفان فلوتن| |السنن الكبرى|للبيهقي| ### |||| * ( ش ) |شرح نهج البلاغة|ابن أبي الحديد| |شرح نهج البلاغة|محمد عبده| |شعراء الغدير|الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي| |شذرات الذهب|ابن عماد الحنبلي| |شرح الشفاء|علي القاري| |شرح لامية العجم|الصفدي| |شيخ المضيرة|للشيخ محمود أبورية| ### |||| * (ص) |صحيح مسلم|مسلم| |صلح الحسن|الشيخ راضي آل ياسين| |صحيح الترمذي|الترمذي| PageV02P510 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |صبح الأعشى|القلقشندي| |صفة الصفوة|ابن الجوزي| ### |||| * ( ط ) |طبقات ابن سعد|لابن سعد| |طبقات فحول الشعراء|لابن سلام| |طبقات الشافعية|للسبكي| |طبقات القراء|لمحمد بن الجزري| |الطبقات الكبرى|للشعراني| ### |||| * (ع) |علل الشرائع|محمد بن على بن بابويه| |عيون الأخبار|ابن قتيبة| |عائشة والسياسة|سعيد الأفغاني| |علم النفس في الحياة|ماندر| |عبقرية الإمام علي|العقاد| |عصر المأمون|أحمد رفاعي| |عقيدة ms584 الشيعة|روايت م. رونلدس| |عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب|لابن المهنا| |العلم الشامخ|لصالح المقبلي| |العمدة|لابن رشيق| |العقد الفريد|لابن عبد ربه الأندلسي| |العدالة الاجتماعية|لسيد قطب| PageV02P511 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |العرب|لفيلب حتى| |العناصر النفسية|لشفيق جبري| ### |||| * ( غ ) |غرائب القرآن|للحسن بن محمد النيسابوري| ### |||| * ( ف ) |فكرة الافريقية الآسيوية|لمالك الجزائري| |الفتوحات الاسلامية|لأحمد دحلان| |الفتنة الكبرى|طه حسين| |الفصول المهمة|لابن الصباغ| |فضائل الأصحاب|أحمد مصطفى| |فاطمة وبنات محمد|لامنس| |فجر الإسلام|أحمد أمين| |فتح الباري في شرح صحيح البخاري|لابن حجر العسقلاني| |فيض القدير|للمناوي| |الفائق|للزمخشري| |الفصول المهمة|لشرف الدين| |الفوائد|لمحمد باقر البهبهاني| ### |||| * ( ق ) |قوت القلوب|أبو طالب المكي| |قوة الإرادة|اويسون سويت ماردن| |القاموس|للفيروزآبادي| PageV02P512 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| ### |||| * ( ك ) |كشف الخفاء الالتباس|العجلوني| |كنز العلوم|محمد فريد وجدي| |كشف الغمة|علي بن عيسى الأربلي| |كنوز الحقائق|للمناوي| |الكنى والأسماء|للدولابي| |كشف الغمة|عبد الوهاب الشعراني| |كنز العمال|لعلي المنقي الهندي الحناني| |كفاية الطالب|محمد القرشي الشافعي| |كشف المحجة|السيد ابن طاوس| |الكامل|للمبرد| |الكشاف عن حقائق التنزيل|للزمخشري| |الكامل|لابن الأثير| |الكنى والألقاب|للقمي| ### |||| * ( ل ) |لسان الميزان|ابن حجر| |لسان العرب|ابن منظور| |لباب التأويل|للخازن| |اللهوف|لابن طاوس| |اللباب في معرفة الأنساب|لابن الأثير| ### |||| * ( م ) |مجمع البيان|الفضل بن الحسن الطبرسي| PageV02P513 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |معجم البلدان|ياقوت الحموي| |الملل والأهواء|لابن حزم| |المستطرف|لشهاب الدين| |المنتظم|لابن الجوزي| |معجم الأدباء|ياقوت الحموي| |مجمع الزوائد ومنبع الفوائد|نور الدين الهيثمي| |مجمع الأمثال|أحمد بن محمد الميداني| |معجم الشعراء|محمد بن عبد المرزباني| |مشكل الآثار|للطحاوي| |المواهب اللدنية|لابن حجر| |الملل والنحل|للشهرستاني| |المجتبى|لابن دريد| |المحاسن والأضداد|للجاحظ| |مجمع البحرين|الطريحي| |محاضرات الأدباء|الراغب الاصفهانى| |ميزان الاعتدال|الذهبي| |مروج الذهب|المسعودي| |مقاتل الطالبيين|أبو الفرج الاصفهاني| |منهاج السنة|ابن تيمية| |مقتل الحسين|الخوارزمى| |مطالب السؤل|كمال الدين الشافعي| |المحبر|لمحمد بن حبيب| PageV02P514 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |المكاسب|للأنصاري| |مناقب أحمد ms585|لابن الجوزي| |مناقب أبي حنيفة|للخوارزمى| |مقتل الحسين|للمقرم| |المعارف|لابن قتيبة| |محاضرات الأوائل|للسكتواري| |المحاسن والمساوي|للبيهقى| |مجموعة ورام|لورام| |المجدي|لعلي بن محمد الصوفي| |محمد ابن الحنفية|السيد على الهاشمي| |مجلة العرفان|أحمد عارف الزين| |مجلة الأسيوية البريطانية|| |مجلة البيان|علي الخاقاني| |مجلة الغري|شيخ العراقين آل كاشف الغطاء| |مناقب ابن شهر اشوب|ابن شهر اشوب| |مسند حنبل|أحمد بن حنبل| |مرآة العقول|المجلسى| |من لا يحضره الفقيه|للطوسي| |مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار|السيد عبد الله شبر| |ملحمة الغدير|بولس سلامة| |مقدمة ابن خالدون|ابن خالدون| |مشارق الأنوار|الأجهوري| PageV02P515 |اسم الكتاب|اسم المؤلف| |المراجعات|للإمام شرف الدين| |المسالك|للشهيد الثاني| |الملاحم والفتن|للسيد ابن طاوس| ### |||| * ( ن ) |النزاع والتخاصم|للمقريزي| |النفحة العنبرية|لمحمد كاظم اليماني| |نور الأبصار|الشبلنجى| |نزهة المجالس|الصفوري| |نهاية غريب الحديث|ابن الأثير| |نهاية الأرب في فنون الأدب|أحمد النويري| |ناسخ التواريخ|محمد تقي| |النصائح الكافية|لمحمد بن عقيل| |نظام الحكم والادارة فى الإسلام|للمؤلف| |النظام السياسي فى الإسلام|للمؤلف| |النص والاجتهاد|للإمام شرف الدين| ### |||| * ( و) |وسائل الشيعة|للحر العاملي| |وقعة صفين|نصر بن مزاحم| |وفاء الوفاء|نور الدين السمهودي| |وفيات الأعيان|ابن خلكان| ### |||| * ( ي ) |ينابيع المودة|سليمان الحنفي| PageV02P516 ### ||| * محتويات الكتاب PageV02P517 ### ||| * محتويات الكتاب # البسملة مع آي من الذكر ~~الحكيم.............................................. 5 # الإهداء............................................................... ~~....... 6 # أمام الكتاب كلمة المغفور له الامام كاشف ~~الغطاء............................... 7 # البيعة ~~:...................................................................... 25 # خطاب الإمام ~~الحسن........................................................ 31 # مبايعته............................................................... ~~...... 34 # قبول ~~الخلافة............................................................... 36 # عموم ~~البيعة................................................................ 37 # إحكام ~~الدولة.............................................................. 38 # أخطاء ~~تاريخية.............................................................. 39 # المسعودي ، فريد وجدي ، الخضرى ، طه حسين # الحرب الباردة ~~:.............................................................. 41 # المؤتمر ~~الأموي.............................................................. 43 # مذكرة ~~الإمام............................................................... 44 # جواب ~~معاوية.............................................................. 45 # مذكرة ابن ~~عباس........................................................... 47 # جواب ~~معاوية.............................................................. 48 PageV02P519 # رسالة ابن عباس ~~للإمام...................................................... 49 # رسالة الإمام الى ~~معاوية...................................................... 53 # جواب ~~معاوية.............................................................. 58 # مذكرة معاوية ، جواب ~~الإمام................................................ 63 # اعلان الحرب ~~:.............................................................. 65 # مذكرة معاوية ~~لعماله........................................................ 68 # فزع ~~العراقيين.............................................................. 70 # اختيار عبيد ~~الله............................................................. 75 # عدد ~~الجيش................................................................ 76 # وصف الجيش ، ~~عناصره..................................................... 79 # الشيعة ، المحكمة ، أصحاب المطامع ، الشكاكون ، # أتباع الرؤساء # أخطاء تاريخية ms586 للحاكم ، اليعقوبي ، ابن كثير ، طه ~~حسين.................... 82 # فى المدائن ~~:.................................................................. 87 # حوادث ~~مسكن............................................................. 90 # بث الجواسيس ، رشوة الوجوه ، اغراؤه لعبيد الله # غدر ~~وخيانة................................................................ 92 # اضطراب ~~الجيش............................................................ 93 # أكاذيب ~~وأضاليل........................................................... 95 PageV02P520 # خلاصة ~~الأحداث........................................................... 96 # إذاعة الذعر ، رشوة الزعماء ، تأثير الرشوة # نهب أمتعة ~~الإمام.......................................................... 101 # تكفيره................................................................ ~~... 102 # اغتياله............................................................... ~~.... 103 # الموقف ~~الرهيب........................................................... 105 # أسباب الصلح ~~:............................................................ 109 # « الناقدون للصلح » الصفدي ، فيليب حتى ، العلائلي # روايت م رونلدس ، لامنس ، « علل الصلح » # (1) تفلل الجيش ناشئ من ( أ) تضارب الحزبية فيه ،...................... 115 # الحزب الأموي ، الحزب الحروري ، ( ب ) السأم # من الحرب ، سببه الحروب المتتالية ، والياس من # الغنائم ، ( ج ) فقد القوى الواعية ، ( د ) الدعوة # الى الصلح ، ( ه ) خيانة عبيد الله ، ( و) رشوات # معاوية ، ( ز ) الإشاعات الكاذبة # (2) قوة العدو ، ناشئة من ( أ) طاعة الجيش ،............................ 125 # ( ب ) بساطة وسذاجة ، ( ج ) اتفاق الكلمة ، # ( د ) ضخامة القوى العسكرية ، ( ه ) حاشيته ، # ( و) ضخامة الأموال # (3) اغتيال أمير ~~المؤمنين................................................. 131 PageV02P521 # (4) حقن ~~الدماء.......................................................... 132 # (5) منة معاوية ، (6) حوادث ~~المدائن....................................... 133 # (7) الحديث ~~النبوي....................................................... 134 # (8) ~~العصمة............................................................. 137 # (9) ابراز الواقع ~~الأموي................................................... 139 # أبو سفيان ~~وهند.......................................................... 141 # ما أثر عن النبي في معاوية ~~.................................................. 144 # عداؤه للنبي ، تعطيله الحدود ، إباحته للربا ~~،................................. 148 # الأذان في صلاة العيد ، الخطبة قبل صلاة العيد ، # أخذ الزكاة من الأعطية ، تطيبه في الاحرام ، استعماله # أواني الذهب والفضة ، لبسه الحرير استحلاله أموال # الناس ، شراؤه الأديان ، خلاعة ومجون ، افتعال # الحديث ، استلحاقه لزياد ، المنكرون ذلك ، الإمام # الحسن ، الإمام الحسين ، يونس بن عبيد ، عبد الرحمن # ابن الحكم ، أبو العريان ، أبو بكرة ، يزيد بن # المفرغ ، الحسن البصري ، السكتواري # عماله وولاته ، سمرة بن جندب ، بسر بن ~~أرطاة.............................. 185 # أبو هريرة ، زياد بن أبيه # الجور ~~الشامل............................................................. 200 # سياسة أهل البيت ~~......................................................... 203 # السياسة البناءة ، نظرهم الى الخلافة ، المثل العليا PageV02P522 # ( أ) العدل ، ( ب ) المساواة ، ( ج ) الحرية ، # ( د ) الصراحة والصدق ، ( ه ) الولاة والعمال ، # ( و) الخدمة العسكرية ، ( ز ) السياسة المالية # بنود الصلح : ~~.............................................................. 221 # وثيقة ~~الصلح.............................................................. 227 # مكان ~~الصلح............................................................. 230 # عام ~~الصلح............................................................... 231 # دراسة وتحليل ~~،........................................................... 232 # العمل بكتاب الله ، ولاية العهد ، الأمن العام ، # عدم تسميته بأمير المؤمنين ، عدم اقامة الشهادة ، ترك # سب أمير ms587 المؤمنين ، الأمن العام للشيعة ، خراج # دارابجرد ، عدم البغي عليهم # موقف الامام الحسين : ~~...................................................... 239 # اقرار الإمام الحسين للصلح ، افتعال الأخبار المنافية # لذلك ، السبب فى عدم استشهادة الإمام الحسن ، # جواب الإمام شرف الدين ، والإمام كاشف الغطاء # اجتماع الامام بمعاوية ~~:..................................................... 251 # خطاب معاوية ، خطاب الإمام الحسن ، موقف PageV02P523 # الزعيم قيس # المنددون بالصلح ~~:.......................................................... 263 # حجر بن عدي ، عدي بن حاتم ، المسيب بن نجبة # مالك بن ضمرة ، سفيان بن أبي ليلى ، بشير الهمداني # سليمان بن صرد ، عبد الله بن الزبير ، أبو سعيد ، # بعض أصحابه # الى يثرب : ~~................................................................. 275 # سفر الإمام الى يثرب ، مدرسته ، عطفه على الفقراء # الاستجارة به ، مع حبيب بن مسلمة ، رفضه # لمصاهرة الأمويين ، مع معاوية فى يثرب ، الحزب # السياسي # الى دمشق ~~:................................................................ 293 # مناظراته مع معاوية والحزب الأموي # خرق معاوية شروط الصلح ~~:................................................ 327 # أهمية الشروط في الاسلام ، خرق معاوية لاتفاقية ~~الصلح....................... 329 # (1) سبه لأمير ~~المؤمنين.................................................... 331 # المنكرون ذلك ، سعد بن أبي وقاص ، السيدة أم سلمة...................... 338 PageV02P524 # عبد الله بن عباس ، الأحنف بن قيس ، كثير بن كثير # أنيس الأنصاري ، زيد بن أرقم ، أبو بكرة # (2) خراج ~~دارابجرد....................................................... 347 # (3) شيعة أمير ~~المؤمنين.................................................... 348 # اضطهاد الشيعة ، حجر بن عدي ، سبب شهادته ، # ضحايا العقيدة من أصحاب حجر ، عبد الرحمن ، صيفى # ابن فسيل ، قبيصة بن ربيعة ، شريك بن شداد # الحضرمى ، كدام بن حيان العنزي ، محرز بن شهاب # التميمي # صدى ~~الفاجعة............................................................ 364 # الناقمون على معاوية من أجل قتله لحجر ( أ) الامام # الحسين ، ( ب ) عائشة ، ( ج ) الربيع بن زياد ، # ( د ) الحسن البصري ، ( ه ) عبد الله بن عمر ، # ( و) معاوية بن خديج # رشيد ~~الهجري............................................................ 368 # عمرو بن الحمق ~~الخزاعي................................................... 370 # أوفى بن ~~حصن............................................................ 375 # جويرية بن مسهر ~~العبدي.................................................. 376 # عبد الله بن يحيى ~~الحضرمى.................................................. 377 # هدم دور الشيعة ، عدم قبول شهادة الشيعة ، ~~اشاعة.......................... 378 # الارهاب والاعتقال ، المروعون من أعلام الشيعة PageV02P525 # محمد بن أبي حذيفة ، عبد الله بن هاشم المرقال ، # عبد الله بن خليفة الطائي ، صعصعة بن صوحان ، # عدي بن حاتم ، جارية بن قدامة # ترويع نساء ~~الشيعة........................................................ 395 # الزرقاء بنت عدي ، أم الخير البارقية ، سودة بنت ms588 # عمارة ، أم البراء بنت صفوان ، بكارة الهلالية ، # أروى بنت الحارث ، عكرشة بنت الأطرش ، # الدارمية الحجونية # المؤتمر الحسيني ~~............................................................ 416 # (4) البيعة ~~ليزيد.......................................................... 417 # دعوة المغيرة للبيعة ، وفود الأمصار ، سفرة معاوية # الأولى ليثرب ، سفره الثاني الى يثرب ، خطبة # الامام الحسين ، عائشة وبيعة يزيد # ازواجه وعقبه ~~:............................................................ 441 # المصححون لكثرة أزواجه ، النافون ، أدلة # الطرفين ، الأدلة المثبتة للافتعال والافتراء ، فرية # المنصور ، مخاريق لامنس ، ترجمة نسائه وأولاده # نهاية المطاف ~~:.............................................................. 265 # اغراء معاوية لجعدة بسم الامام ، كيفية سمه ، PageV02P526 # أقوال ~~غريبة.............................................................. 471 # موته بالسل ، سمه في العصا ، سمه في الطواف ، # موته حتف أنفه # وصيته ~~لجنادة............................................................. 474 # وصيته ~~للحسين........................................................... 477 # وصيته ~~لمحمد.............................................................. 479 # الى الرفيق ~~الأعلى......................................................... 481 # تجهيز الامام ، مواكب ~~التشييع.............................................. 483 # الصلاة على الجثمان ، الفتنة ~~الكبرى........................................ 484 # اجازة عائشة لدفن عبد ~~الرحمن............................................. 487 # على حافة ~~القبر........................................................... 492 # صدى الفاجعة ~~............................................................ 494 # يثرب ، مكة ، البصرة ، الكوفة # سرور ~~معاوية............................................................. 497 # مصادر البحث........................................................... 501 # محتويات ~~الكتاب.......................................................... 518 PageV02P527 ![](https://books.rafed.net/Books/1613_hayat-alimam-hussain-02/images/image001.gif) PageV03P001 ![](https://books.rafed.net/Books/1613_hayat-alimam-hussain-02/images/image002.gif) PageV03P003 ![](https://books.rafed.net/Books/1613_hayat-alimam-hussain-02/images/image003.gif) PageV03P005 ### || المقدمة ### |||| * 1 # وأثرت الأحداث الرهيبة التي عاصرها الإمام الحسين (عليه السلام) تأثيرا ~~هائلا في تغيير مناهج الحياة الفكرية والاجتماعية في الإسلام ، كما لعبت ~~دورها الخطير على مسرح الحياة السياسية على امتداد التاريخ ، وكان من أبرز ~~نتائج تلك الأحداث التناحر على السلطة ، والتنافس على الحكم ، والصراع على ~~الظفر بخيرات البلاد. # وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك الصراع السياسي بأقسى صوره وأبشع ألوانه ، ~~وأن يحتدم الجدال كأشد وأعنف ما يكون الجدال ؛ فقد سحرت عيون الكثيرين من ~~الصحابة والتابعين ما رأوه من ألوان الترف وخفض العيش ورقته ، وما شاهدوه ~~من جلال الملك الذي أزالوه من فارس ، وما احتلوه من بلاد الروم ، وهالتهم ~~الفتوحات التي تقوم بها الجيوش الإسلامية وما يفتح الله على أيديهم ، وما ~~يجلبونه من البلاد المحتلة من الرقيق وسائر الأموال التي لم يكونوا يحلمون ~~بالنظر إليها ، كل ذلك دفعهم إلى التهالك على السلطة ، وفتنهم عن دينهم. # واستشف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب ما تبلغه أمته ~~من المجد والسيادة على جميع شعوب الأرض ، وسقوط الدول الكبرى تحت PageV03P007 # وطأة الزحف الإسلامي المقدس ، فأذاع ذلك بين ms589 المسلمين وآمنوا به كجزء من ~~عقيدتهم ، كما استشف النبي (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب ما تمنى به ~~أمته من الفتنة والفرقة ، فاحتاط لها كأشد ما يكون الاحتياط ، فوضع لها ~~رصيدا يحسم كل داء ، ويقضي على كل خلاف ، فدلل على إمامة العترة الطاهرة من ~~أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ولم يكن بذلك مدفوعا ~~بدافع العاطفة أو الحب ؛ فإن شأن النبوة أسمى من أن يخضع لأي عامل من عوامل ~~الحب ، أو غيره من الاعتبارات المادية. # وبلغت أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) في فضل عترته حد التواتر ، ولم ~~يتطرق إليها الريب والشك عند أحد من المسلمين ؛ فقد قرنهم بمحكم التنزيل ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجعلهم سفن النجاة وأمن ~~العباد. وأما سيد العترة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنه حسب ~~النصوص النبوية أخو النبي ونفسه ، وباب مدينة علمه ، وأقضى أمته ، وأنه منه ~~بمنزلة هارون من موسى ، و «من كنت مولاه فهذا علي مولاه ...». ولكن القوم ~~كرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ؛ فتأولوا النصوص ، وزووا ~~الخلافة عن أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة ومهبط الوحي ، وحرموا الأمة من ~~التمتع بظلال حكمهم الهادف إلى نشر عدالة السماء في الأرض. # وأدت عملية الفصل إلى التطاحن الفظيع على كرسي الحكم بين الأسر البارزة ~~في الإسلام ؛ فمنيت الأمة من جراء ذلك بالكوارث والخطوب الني أحالت الحياة ~~في تلك العصور إلى جحيم لا يطاق ، فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد بين الناس. PageV03P008 ### |||| * 2 # وظهر الصراع السياسي بأبشع ألوانه حينما استولى الإمام أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) على زمام السلطة في البلاد ، فقد تحركت القوى الطامعة في ~~الحكم وهي تعلن العصيان المسلح ؛ محاولة بذلك إسقاط حكومته التي احتضنت ~~مصالح الشعوب الإسلامية ، وتبنت حقوق الإنسان ، وراحت تؤسس معالم العدل ~~والحق ، وتدك حصون الظلم ، وتنسف قلاع الباطل ، وترفع منار الكرامة ~~الإنسانية ، وتقضي على جميع أسباب التخلف والفساد التي تركها الحكم المباد. # لقد أوجد الإمام (عليه السلام) انقلابا جذريا ، وتحولا اجتماعيا ms590 في ~~الميادين السياسية والفكرية والاقتصادية التي كان منها العدالة في التوزيع ~~، وإلغاء الامتيازات التي منحتها حكومة عثمان لبني أمية وآل أبي معيط ، ~~ومصادرة الأموال التي اختلسوها بغير حق ، وعزل الولاة وسائر الموظفين الذين ~~اتخذوا الحكم وسيلة للإثراء والاستعلاء على الناس بغير حق. وقد أدت ~~التغييرات الاجتماعية التي أوجدتها حكومة الإمام (عليه السلام) إلى زيادة ~~الأزمات النفسية في نفوس القرشيين وغيرهم من الحاقدين على الإصلاح ~~الاجتماعي ؛ فأيقنوا أن حكومة الإمام ستدمر مصالحهم الاقتصادية وغيرها ، ~~فهبوا متضامنين إلى إعلان المعارضة. # ومن المؤسف حقا أن تضم المعارضة بعض أعلام الصحابة كطلحة والزبير ، وأن ~~يكون العضو البارز فيها السيدة عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن ~~المؤكد أنه لم تكن للمعارضين أية أهداف اجتماعية أو إصلاحية ، وإنما دفعتهم ~~الأنانية والأطماع حسب التصريحات التي أدلوا بها في كثير من المناسبات ، ~~وقد كان في طليعة القوى المتآمرة على الإمام الحزب الاموي ؛ فقد سخر جميع ~~أرصدته المالية التي حصل PageV03P009 # عليها أيام حكومة عثمان ، فجعلها تحت تصرف المعارضين ، فاشتروا جميع ~~أدوات الحرب ، ووهبوا الكثير من الأموال للمرتزقة ، وقد اندلعت بذلك نار ~~الحرب التي أسماها بعض المؤرخين بحرب الجمل ، وقد أسرع الإمام (عليه ~~السلام) إليها فأخمد نارها ، وقضى على معالمها ، إلا أنها أسفرت عن أفدح ~~الخسائر التي مني بها المسلمون ، فقد فتحت باب الحرب بين المسلمين ، ومهدت ~~الطريق إلى معاوية أن يعلن تمرده على الإمام (عليه السلام)، ويناجزه أعنف ~~الحروب وأشدها ضراوة. # وأخذت الأحداث الجسام يتصل بعضها ببعض ، ويتفرع بعضها على بعض حتى انتهت ~~بمقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخذلان ولده الحسن (عليه ~~السلام)، وانتصار القوى الحاقدة على الإسلام. ويتعرض هذا الكتاب إلى تفصيل ~~ذلك بصورة موضوعية بما لا تحيز فيه. ### |||| * 3 # ونجحت الاموية بأساليبها الماكرة ، وبما استخدمته من وسائل دبلوماسيتها ~~الغادرة في الاستيلاء على السلطة في البلاد ، وظهرت على الصعيد الإسلامي ~~دولة الامويين بقيادة زعيمهم معاوية بن أبي سفيان ؛ القائد الأول لجميع ~~عمليات الحروب التي ناهضت الإسلام حينما فجر المعلم والقائد الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) ms591 دعوته الخلاقة الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وتأسيس ~~مجتمع يقوم على العدل والمساواة. # ووقعت الأمة فريسة تحت أنياب الامويين ، واستسلمت لحكم إرهابي عنيف ~~تتصاعد فيه الأحقاد والأضغان على قيم الأمة ومكوناتها الفكرية PageV03P010 # والاجتماعية ، وإزالة ما حققه الإسلام من المكاسب على الصعيد الاقتصادي ~~والسياسي والتربوي. # واتجهت السياسية الاموية تضع المخططات الرهيبة للقضاء على مقومات الأمة ، ~~واستئصال أرصدتها الروحية والفكرية ، وكان من أفجع وأقسى ما اتخذته من ~~المقررات السياسية ما يلي : # أالحط من قيمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم مركز الوعي الاجتماعي ~~في الإسلام ، والعصب الحساس في جسم الأمة الذي يمدها بالنهوض والارتقاء. ~~وقد سخرت السلطة جميع أجهزتها السياسية والاقتصادية ، وسائر إمكانياتها ~~الاخرى لتحويل قلوب المسلمين عن أهل البيت (عليهم السلام)، وفرض بغضهم على ~~واقع الحياة الإسلامية ، وجعله جزءا لا يتجزأ من الإسلام. وقد استخدمت في ~~هذا السبيل أجهزة التربية والتعليم ، وأجهزة الوعظ والإرشاد وغيرها ، ~~واتخذت سب العترة على المنابر فرضا واجبا تحاسب عليه ، وتنزل أقصى العقوبات ~~على من يتهاون في أدائه. # ب إبادة العناصر الواعية في الإسلام ، والتي تربت على هديه وواقعه ؛ فقد ~~ساقت إلى ساحات المجازر أعلام الإسلام ، كحجر بن عدي ، وميثم التمار ، ~~ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وأمثالهم من الذين يملكون القدرة ~~على التوجيه الاجتماعي ، والقابلية على صيانة الأمة من الانحراف والسلوك في ~~المنعطفات ، وتذرعت السلطة في سفك دمائهم من أنهم خلعوا يد الطاعة ، ~~وفارقوا الجماعة ، ولم يكن لذلك أي نصيب من الصحة ، وإنما رأوا الاتجاه ~~السياسي يتصادم مع الدين ، ويتصادم مع مصالح الأمة فأمروا السلطة ~~بالاستقامة ، والخلود إلى التوازن ، ومجافاة الأضرار بمصالح المجتمع ، ~~فاستباحت من أجل ذلك دمائهم. # ج تغيير الواقع المشرق للإسلام ، وقلب جميع مفاهيمه ومقوماته ، PageV03P011 # وتدنيسه بالخرافات والأوهام حتى تشل طاقاته ، ويصبح عاجزا عن مسايرة ~~الحياة والانطلاق مع الإنسان لتنمية ملكاته وقدراته وتطوير وسائل حياته ؛ ~~ووضعت الحكومة لجان الوضع ، ورصدت لها الأموال الهائلة لتضع الأحاديث على ~~لسان المنقذ العظيم الرسول (صلى الله عليه وآله) لتكون من بنود التشريع ، ~~وتلحق بقافلة السنة التي هي من مدارك ms592 الأحكام. # وقد راح الوضاعون يلفقون الأكاذيب وينسبونها للنبي (صلى الله عليه وآله) ~~، وكثير مما وضعوه يتنافى مع منطق العقل ، ويتجافى مع سنن الحياة. ومن ~~المؤسف أنها دونت في كتب السنة ، ودرجت في كتب الأخبار ، مما اضطر بعض ~~الغيارى من علماء المسلمين أن يؤلفوا بعض الكتب التي تدلل على بعض تلك ~~الموضوعات ، وفيما أحسب أن هذا المخطط الرهيب من أفجع ما رزء به المسلمون ؛ ~~فإنه لم يكن الابتلاء به آنيا من الزمن ، وإنما ظل مستمرا مع امتداد ~~التاريخ ، فقد تفاعلت تلك الموضوعات مع حياة الكثير من المسلمين ، وظلوا ~~متمسكين بها على أنها جزء من دينهم ، وقد وضعت الحواجز في نمو المواهب ~~وانطلاق الفكر ، كما بقيت حجر عثرة في طريق التطور والإبداع الذي يريده ~~الإسلام لأبنائه. ### |||| * 4 # وعانى الإنسان المسلم في عهد معاوية ضروبا شاقة وعسيرة من المحن والبلوى ~~، فقد جهدت حكومة معاوية على نشر الظلم والجور في جميع أرجاء البلاد ، ~~وعهدت بأمور المسلمين إلى الجلادين والجزارين ، أمثال زياد بن أبيه ، وبسر ~~بن أبي أرطاة ، وسمرة بن جندب ، والمغيرة بن شعبة ، وأمثال هؤلاء من أرجاس ~~البشرية ، وقد صبوا على الناس وابلا من العذاب الأليم لم PageV03P012 # تشهد له الإنسانية مثيلا في كثير من مراحل تاريخه. # لقد كانت المظالم الاجتماعية في عهد معاوية بمرأى من الإمام الحسين (عليه ~~السلام) ومسمع ، فروعته وأفزعته إلى حد بعيد ، فقد كان بحكم قيادته الروحية ~~لأمة جده يحس بأحاسيسها ، ويتألم لآلامها ، ويحيا بحياتها ، وكان من أعظم ~~ما عاناه من المحن والخطوب تتبع الجزارين والجلادين من ولاة معاوية لشيعة ~~أهل البيت ؛ إمعانا في قتلهم ، وحرقا لبيوتهم ، ومصادرة لأموالهم ، لا ~~يبالون جهدا في ظلمهم بكل طريق. # وقد قام الإمام (عليه السلام) بدوره في شجب تلك السياسة الظالمة ، فبعث ~~المذكرات الصارخة لطاغية دمشق يشجب فيها الإجراءات الظالمة التي اتخذها ~~عماله وولاته لإبادة محبي أهل البيت (عليهم السلام) والعارفين بفضلهم ، وقد ~~جاء في بعض بنودها أنه نفى أن يكون معاوية من هذه الأمة ، وإنما هو عنصر ~~غريب ومعاد لها. # والحق إنه كذلك ؛ فقد ms593 أثبتت تصرفاته السياسية أنه من ألد أعدائها ، وأنه ~~كان يبغي لها الغوائل ، ويكيد لها في غلس الليل وفي وضح النهار ، قد جهد في ~~إذلالها وإرغامها على الجور. وكان من أفجع ما رزأ به معاوية الأمة أنه فرض ~~خليعه المهتوك يزيد القرود والفهود كما يسميه المؤرخون خليفة عليها ؛ يعيث ~~في دينها ودنياها ، ويجر لها الويلات والخطوب. ### |||| * 5 # وفقدت الأمة في عهد معاوية وخليعه يزيد جميع عناصرها ومقوماتها ، ولم تعد ~~خير أمة أخرجت للناس حسب ما يريده الله لها فقد عاث فيها معاوية فرباها على ~~الوصولية والانتهازية ، ورباها على الذل والعبودية ، PageV03P013 # وسلب عنها صفاتها ، وجرد عنها أخلاقها القويمة ، فلم تعد تهتم بتحقيق ~~أهدافها وآمالها ، ولا بما يضمن لها الحياة الكريمة ؛ فقد استسلمت للحكم ~~الاموي ، وقبعت ذليلة مهانة تحت وطأة سياطه ، وهو يسفك دماءها ، ويستنزف ~~ثرواتها ، ويشيع فيها الجور والفساد ، فقد تخدرت بشكل فظيع ، وأصبحت جثة ~~هامدة لا وعي فيها ولا حراك ، فلم تهب للدفاع عن كرامتها وعزتها ، ولم ~~تنطلق في ميادين الشرف والتضحية لتحمي نفسها من الظلم والاعتداء. # رأى الإمام الحسين (عليه السلام) وهو سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~وأمله الباسم الذي تجسدت فيه جميع طاقاته حالة المسلمين ، وما هم فيه من ~~الذل والهوان ، وإنهم لم يعودوا تلك الأمة العظيمة التي تبنت رسالة الإسلام ~~، وحملت مشعل الهداية والنور إلى جميع شعوب الأرض. واستوعب الألم القاسي ~~مشاعر الإمام (عليه السلام) وعواطفه ، وراح يطيل التفكير ، وينفق الليل ~~ساهرا في إنقاذ دين جده العظيم وحمايته من الردة الجاهلية ؛ فعقد المؤتمرات ~~تارة في مكة واخرى في يثرب ، وعرض على الصحابة وأبنائهم الحالة الراهنة ~~التي مني بها المسلمون ، وأخذ يدلي بمنكرات معاوية وموبقاته. # وقد استبان له أن هذه الطريقة لا تجدي بأي حال في ميادين الإصلاح ~~الاجتماعي ، ولا يمكن أن ترد شوارد الأهواء ، وترجع للأمة ما فقدته من ~~معنويات ، فرأى أنه بين أمرين لا ثالث لهما ، وهما : # 1 أن يسالم الامويين ويبايع ليزيد ، ويغض الطرف عما تقترفه السلطة من ~~الظلم والجور ، وما تعانيه الأمة من الأزمات ms594 في مجالاتها العقائدية ~~والاجتماعية ، ويكون بذلك على سبيل الاحتمال لا القطع قد ضمن سلامته وحياته ~~، ولكن هذا مما يأباه الله له ، ويأباه ضميره الحي المترع بتقوى الله ؛ فهو ~~بحسب مكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسؤول أمام الله عن صيانة الأمة PageV03P014 # وحماية أهدافها ومبادئها ، ومسؤول أمام جده الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~عن رعاية الإصلاح الاجتماعي ، وصيانة الإسلام من عبث العابثين وكيد ~~الفاجرين. # وقد أعلن (سلام الله عليه) هذه المسؤولية الخطيرة ، وما يفرضه الواجب ~~عليه في خطابه الذي ألقاه على الحر وأصحابه من شرطة ابن زياد ، قائلا : ~~«أيها الناس ، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : من رأى سلطانا ~~جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا عهده ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في ~~عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ~~أن يدخله مدخله ...». # لقد كان الواجب الشرعي حسبما أدلى به مما يحتم عليه القيام في مقارعة ~~الظلم ومناهضة الجور ، والضرب على أيدي المعتدين والظالمين. # 2 أن يعلن الثورة ويضحي بنفسه وأهل بيته وشيعته ، وهو على يقين بعدم نجاح ~~الثورة ، فقد درس أوضاع المجتمع وعرف أن الدين لعق على ألسنة الناس ، إلا ~~أنه أيقن أن تضحيته ستعود على المسلمين بالخير العميم ؛ فستتحرر إرادتهم ، ~~ويهبون إلى ميادين الجهاد ، ويرفعون أعلام الحرية ، وينزلون الجبابرة ~~الطغاة من بني أمية من عروشهم إلى قبورهم. واختار هذا الطريق المشرق على ما ~~فيه من مآسي وخطوب لا يطيقها أي كائن حي. ### |||| * 6 # ودرس الإمام (عليه السلام) أبعاد التضحية بعمق وشمول ، فرأى أن يزج بجميع ~~ثقله في المعركة ، ويقدم أروع التضحيات التي تهز الضمير الإنساني على ~~امتداد التاريخ ، ويعيد للأمة أصالتها ووعيها عبر أجيالها الصاعدة .... # لقد خطط الإمام (عليه السلام) فصول مأساته ، وفصول تضحيته على أسس عميقة PageV03P015 # من الوعي والإدراك بحيث تؤدي إلى النتائج المشرقة التي منها انتصار ~~القضية الإسلامية ، وإعادة الحياة الدينية إلى شرايين الأمة ، وإزالة ~~التخدير الذي بسطه الامويون على جميع أجزائه. وقد أعلن (سلام الله عليه) ما ms595 ~~صمم عليه ، وأذاع فصول مأساته الخالدة في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها : # 1 أدلى بمصرعه وهو بمكة في خطابه الذي أعلن فيه الثورة على بني أمية ، ~~فقد جاء فيه : «وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان ~~الفلوات بين النواويس وكربلاء ...». أليس في هذا الكلام دلالة على روعة ~~العزم والتصميم على التضحية؟ أليس فيه إخبار جازم عن مصرعه الكريم ، وأنه ~~في كربلاء؟ فهي التي تحظى بمواراة جثمانه الطاهر ، كما أذاع ذلك جده وأبوه ~~من قبل. # 2 وأعلن الإمام العظيم المآسي الأليمة ، والخطوب المفجعة التي تحل بأهل ~~بيته من القتل والسبي والأسر ، وذلك حينما أشار عليه ابن عباس بأن لا يحمل ~~معه مخدرات النبوة وعقائل الوحي إلى العراق ، ويتركهن في يثرب حتى تستقيم ~~له الامور ، فأجابه الإمام (عليه السلام) قائلا : «قد شاء الله أن يراهن ~~سبايا». # لقد صحب معه عياله وهو يعلم ما سيجري عليها من الأسر والسبي ؛ لأن بها ~~سوف تستكمل رسالته ، وتؤدي فعاليتها في القضاء على العرش الاموي ، وإعادة ~~الحياة الإسلامية إلى واقعها المضيء. # 3 كان الإمام (عليه السلام) يتحدث وهو في طريقه إلى العراق من أن رأسه ~~الشريف سوف يرفع على الحراب ، فيطاف به في الأقطار والأمصار ، ويهدى إلى ~~بغي من بغايا بني أمية كما صنع برأس أخيه يحيى بن زكريا ، حيث أهدي إلى بغي ~~من بغايا بني إسرائيل. PageV03P016 # لقد استهان بجميع ما يعانيه في سبيل إحقاق الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض. ### |||| * 7 # وفجر الإمام (عليه السلام) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، ~~وجعلها عبرة لاولي الألباب ، وهي بجميع مخططاتها جزء من رسالة الإسلام ، ~~وامتداد مشرق لثورة الرسول الأعظم ، وتجسيد حي لأهدافه وآماله ، ولولاها ~~لذهبت جهود النبي (صلى الله عليه وآله) وضاعت آماله ، ولم يبق للإسلام أثر ~~ولا عين. # لقد انتصر الإمام الحسين (عليه السلام) وفتح الله له الفتح المبين ؛ فقد ~~أشرقت سماء الإسلام بثورته الخالدة ، وتفاعلت تضحيته مع مشاعر الناس ~~وعواطفهم وامتزجت بقلوبهم ، وأصبحت أعظم مدرسة للإيمان بالله ؛ تبث روح ~~العقيدة والفداء في سبيل ms596 الحق والعدل ، وتغذي الناس بالقيم الكريمة والمثل ~~العليا ، وتعمل على توجيههم نحو الخير ، وتهديهم إلى سواء السبيل. # لقد أقبل الناس بلهفة على مأساة أبي الأحرار ، وهم يمعنون النظر في ~~فصولها ، ويقتبسون منها أروع الدروس عن الكرامة والتضحية ، والبطولات ~~الخارقة والعزة التي لا يلويها الظلم والجور. إن الإنسانية لتنحني إجلالا ~~وإكبارا للإمام العظيم الذي رفع راية الحق عالية خفاقة ، وتبنى حقوق ~~المظلومين ، ودافع عن مصالح المضطهدين ... # وإنها لتمجد ذكره أكثر مما تمجد أي مصلح اجتماعي في الأرض ، وقد أحرز ~~الإمام العظيم بذلك من النصر ما لم يحرزه غيره من المصلحين في العالم. PageV03P017 # لقد كان من أوليات النصر الذي حققه الإمام (عليه السلام) تحطيم الكيان ~~الاموي ؛ فقد وضعت ثورته الخالدة العبوات الناسفة في قصور الامويين ، ~~وألغمت طريقهم ، فلم يمض قليل من الزمن حتى تفجرت فأطاحت برؤوس الامويين ، ~~واكتسحت نشوة نصرهم ، وجعلتهم أثرا بعد عين. # ويعرض هذا الكتاب بصورة موضوعية إلى بعض ما قدمته الثورة من المعطيات ~~المشرقة على الصعيد الفكري والاجتماعي للعالم الإسلامي. ### |||| * 8 # ولن يستطيع التاريخ الإسلامي أن يأخذ حظه من الحياة إذا كان مثقلا ~~بالقيود والأغلال ، ولم يخضع للدراسة والنقد ، فلا بد أن تتسلط مجاهر البحث ~~العلمي النزيهة على أحداثه ، وتدرس بدقة وتجرد شأن غيره من تاريخ الأمم ~~الحية التي تتناول أحداثه أقلام المفكرين والباحثين بكثير من العمق ~~والتحليل ؛ فإن دراسة التاريخ عندهم تحتل الصدارة في دراساتهم الثقافية ~~والعلمية. # إنا إذا أردنا للتاريخ الإسلامي أن يزدهر ، ويساير النهضة الفكرية ، ~~والتطور العلمي في هذه العصور ، فلا بد من دراسته دراسة واعية تعتمد على ~~المناهج العلمية ، وعلى التجرد من النزعات المذهبية والتقليدية ، فننظر ~~بدقة إلى الأحداث الجسام التي دهمت المسلمين في عصورهم الأولى ؛ فإنها فيما ~~نعتقد مصدر الفتنة الكبرى التي أخلدت لهم المصاعب ، وجرت لهم الفتن والخطوب ~~على امتداد التاريخ. # إن البحث عن التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة الخاصة من الزمن إذا لم يعرض ~~لتلك الأحداث بالبسط والتحليل ، ولم يلق الأضواء على PageV03P018 # دوافعها ومجرياتها ، فإنه يكون بحثا تقليديا لا روح فيه ، ولا ms597 ثمرة تعود ~~فيه على القراء. # وقد ألمحنا في الحلقة الأولى من هذا الكتاب إلى الكثير من الأحداث ، ~~وعرضنا الأنظمة السياسية والاقتصادية التي وضع برامجها الخلفاء في العصر ~~الأول ، وقد تأملنا في كثير منها بتحفظ وتجرد ، شأن الباحث الذي يهمه ~~الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلا. وإني فيما اعتقد أن من الإثم ~~وتعمد الجهل أن نتكلف إخفاء أي ناحية من النواحي السياسية أو الاجتماعية في ~~ذلك العصر ؛ فإن إخفاء ذلك من ألوان التضليل والدجل على القراء. وليس في ~~دراسة التاريخ منهجية تغيير له ، أو قلب لمفاهيمه ، أو خروج عن موازين ~~البحث العلمي المجرد ، وإنما هي من صميمه كما هي من متطلبات الحياة ~~الثقافية في هذا العصر. # وعلى أي حال فإن هذه الدارسة ترتبط ارتباطا ذاتيا وموضوعيا بحياة الإمام ~~الحسين (عليه السلام)، فقد عاش تلك الحقبة الخاصة من الزمن ، المليئة ~~بالأحداث ، وقد نظر إليها بعمق وشمول ، ووقف على أهدافها وهي من دون شك قد ~~ساهمت مساهمة ايجابية في كثير من الأحداث التي فزع منها المسلمون ، والتي ~~كان منها كارثة كربلاء ؛ فإنها كانت إحدى النتائج المباشرة لذلك التخدير ~~الذي منيت به الأمة من جراء الحكم الاموي الذي جهد على شل الحياة الفكرية ~~والاجتماعية ، وإشاعة الانتهازية بين المسلمين. # وأنا آمل أن أكون في هذه الدراسة قد واكبت الواقع ، وابتعدت عن العواطف ~~التقليدية ، وآثرت الحق في جميع ما كتبته ، لا أبتغي بذلك إلا إبراز ~~التاريخ الإسلامي على واقعه من دون تحيز. وقبل أن أقفل هذا التقديم أرى من ~~الواجب علي أن أذكر بالوفاء والعرفان ما قام به سيادة المحسن PageV03P019 # الكبير الحاج محمد رشاد عجينة من التشجيع البالغ على الخوض والاستمرار في ~~خدمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ونشر مآثرهم التي هي من أفضل الخدمات ~~التي تقدم لهذه الأمة ، وقد قام سيادته بالإنفاق على نشر هذا الكتاب ، وقد ~~رغب أن تكون من الميراث التي أوصى بها المغفور له والده الحاج محمد جواد ~~عجينة المتوفى سنة (1391 ه)، أجزل الله له الثواب ، ووفقه لكل مسعى نبيل. ms598 |النجف الأشرف|باقر شريف القرشي| PageV03P020 ### | مع القاسطين والناكثين PageV03P021 # وفزعت القبائل القرشية كأشد ما يكون الفزع هولا من حكومة الإمام (عليه ~~السلام)، وأيقنت أن جميع مخططاته السياسية والاقتصادية إنما هي امتداد ~~ذاتي للاتجاهات الفكرية والاجتماعية عند الرسول الأعظم (صلى الله عليه ~~وآله) الذي أطاح بغلوائهم وكبريائهم ، وحطم حياتهم الاقتصادية القائمة على ~~الربا والاحتكار والاستغلال. ومما زاد في فزعهم القرارات الحاسمة التي ~~أعلنها الإمام (عليه السلام) فور انتخابه للحكم ، والتي كان منها إقصاء ~~ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة ، ومصادرة جميع ما نهبوه من الخزينة ~~المركزية ، كما اضطربوا من إعلان الإمام (عليه السلام) للمساواة العادلة ~~بين جميع الشعوب الإسلامية ، مساواة في الحقوق والواجبات ، ومساواة في كل ~~شيء ، وقد هالهم ذلك فكانوا يرون أن لهم التفوق على بقية الشعوب ، ولهم ~~امتيازات خاصة على بقية الناس. # لقد ورمت آناف القرشيين وسائر القوى المنحرفة عن الحق من حكومة الإمام ~~(عليه السلام)، فأجمع رأيهم على إعلان العصيان المسلح ، وإشعال نار الحرب ~~في البلاد للإطاحة بحكومته التي اتخذت الحكم وسيلة للإصلاح الاجتماعي ~~وتطوير حياة الإنسان. وأول الحروب التي أثيرت على الإمام (عليه السلام) هي ~~حرب الجمل ، وأعقبها حرب صفين ، ثم حرب النهروان ، وقد وضعت تلك الحروب ~~الحواجز والسدود أمام حكمه الهادف إلى رفع مستوى القيم الإنسانية ، والقضاء ~~على جميع ألوان التأخر في البلاد. # ويقول الرواة : إن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد أحاط الإمام (عليه ~~السلام) علما بما يمنى به في عهد خلافته من تمرد بعض الفئات عليه ، وقد عهد ~~إليه بقتالهم ، وقد أسماهم الناكثين والقاسطين والمارقين (1). ولا بد لنا ~~أن نعرض بإيجاز PageV03P023 # لهذه الحروب التي تصور لنا الحياة السياسية والفكرية في ذلك العصر الذي ~~أترعت فيه عواطف الكثيرين بحب الملك والسلطان ، كما تصور لنا الأحقاد التي ~~تكنها القبائل القرشية على الإمام (عليه السلام). ومن المقطوع به أن هذه ~~الأحداث قد ساهمت مساهمة ايجابية في خلق كارثة كربلاء ؛ فقد نشرت الأوبئة ~~الاجتماعية ، وخلقت جيلا انتهازيا لا ينشد إلا مطامعه الخاصة. وفيما يلي ذلك : ### || الناكثون : # وهم الذين نكثوا ms599 بيعتهم ، وخاسوا ما عاهدوا عليه الله في التضحية والطاعة ~~للإمام ، فانسابوا في ميادين الباطل وساحات الضلال ، وتمرسوا في الإثم. وقد ~~أجمع فقهاء المسلمين على تأثيمهم ؛ إذ لم يكن لهم أي مبرر في الخروج على ~~السلطة الشرعية التي تبنت المصالح العامة ، وأخذت على عاتقها أن تسير بين ~~المسلمين بالحق المحض والعدل الخالص ، وتقضي على جميع أسباب التخلف في ~~البلاد. # أما أعلام الناكثين فهم : طلحة والزبير ، والسيدة عائشة بنت أبي بكر ، ~~ومروان بن الحكم ، وسائر بني أمية ، وغيرهم من الذين ضاقوا ذرعا من عدل ~~الإمام (عليه السلام) ومساواته. ### || دوافع التمرد : # والشيء المحقق أنه لم تكن للناكثين أية أهداف اجتماعية ، وإنما دفعتهم ~~مصالحهم الخاصة لنكث بيعة الإمام (عليه السلام)؛ فطلحة والزبير قد خفا ~~إليه بعد أن تقلد الخلافة يطلبان منحهما ولاية البصرة والكوفة ، فلما خبا أملهما PageV03P024 # أظهرا السخط ، وخفا إلى مكة لإعلان الثورة عليه وتمزيق شمل المسلمين ، ~~وقد أدلى الزبير بتصريح أعرب فيه عن أهدافه ، فقد أقبل إليه وإلى طلحة رجل ~~فقال لهما : إن لكما صحبة وفضلا فأخبراني عن مسيركما وقتالكما أشيء أمركما ~~به رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وسكت طلحة ، وأما الزبير فقال : حدثنا ~~أن ها هنا بيضاء وصفراء يعني دراهم ودنانير فجئنا لنأخذ منها (1). فمن أجل ~~الظفر بالمنافع المادية أعلن الشيخان تمردها على حكومة الإمام (عليه ~~السلام). # وأما السيدة عائشة فإنها كانت تروم إرجاع الخلافة إلى أسرتها ، فهي أول ~~من قدح زناد الثورة على عثمان ، وأخذت تلهب المشاعر والعواطف ضده ، وكانت ~~تقول : اقتلوا نعثلا فقد كفر. وقد جهدت على ترشيح طلحة للخلافة ، وكانت ~~تشيد به في كل مناسبة ، إلا أنها أخيرا استجابت لعواطفها الخاصة المترعة ~~بالود والحنان لابن اختها عبد الله بن الزبير ، فرشحته لإمارة الصلاة ، ~~وقدمته على طلحة. وأما بنو أمية فقد طلبوا من الإمام (عليه السلام) أن يضع ~~عنهم ما أصابوا من المال في أيام عثمان ، فرفض الإمام (عليه السلام) أن يضع ~~عنهم ما اختلسوه من أموال الأمة ، فاظهروا له العداء ، وعملوا على إثارة ~~الفتنة والخلاف. # وعلى أي ms600 حال ، فإنه لم تكن للناكثين نزعة إصلاحية أو دعوة إلى الحق ، ~~وإنما كانت بواعثهم الأنانية والأطماع ، والأحقاد على الإمام (عليه السلام) ~~الذي هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه. PageV03P025 ### || خديعة معاوية للزبير : # وأيقن معاوية بأهداف الزبير وطلحة ، فقام بدوره في خديعتهما وإغرائهما ؛ ~~ليتخذهما سلما يعبر عليهما لتحقيق أهدافه ومآربه ، فقد كتب إلى الزبير ~~رسالة جاء فيها : لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان ~~سلام عليك. أما بعد ، فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما ~~يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب ؛ فإنه ~~لا شيء بعد هذين المصرين. وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك ، فأظهروا ~~الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجد والتشمير ، ~~أظفركما الله وخذل مناوئكم. # ولما وصلت هذه الرسالة إلى الزبير لم يملك أهابه من الفرح والسرور ، وخف ~~إلى طلحة فأخبره بذلك ، فلم يشكا في صدق نيته وإخلاصه لهما ، وتحفزا إلى ~~إعلان الثورة على الإمام (عليه السلام)، واتخذا دم عثمان شعارا لهما (1). ### || مؤتمر مكة : # وخف المتآمرون إلى مكة فاتخذوها وكرا لدسائسهم التخريبية الهادفة لتقويض ~~حكم الإمام (عليه السلام)، وقد وجدوا في هذا البلد الحرام تجاوبا فكريا مع ~~الكثيرين من أبناء القبائل القرشية التي كانت تكن في أعماق نفسها الكراهية ~~والحقد على الإمام (عليه السلام)؛ لأنه قد وتر الكثيرين منهم في سبيل ~~الإسلام. # وعلى أي حال ، فقد تداول زعماء الفتنة الآراء في الشعار الذي يتبنونه ، ~~والبلد التي يغزونها ، وسائر الشؤون الاخرى التي تضمن لثورتهم النجاح. PageV03P026 ### || قرارات المؤتمر : # واتخذ أعضاء المؤتمر بالإجماع القرارات التالية ، وهي : # 1 أن يكون شعار المعركة دم عثمان والمطالبة بثأره ؛ لأنه قتل مظلوما ، ~~واستباح الثوار دمه بعد توبته بغير حق. لقد رفعوا قميص عثمان شعارا لهم ، ~~فكان شعارا للتمرد ، وشعارا للرأسمالية القرشية التي طغت في البلاد. # 2 تحميل الإمام علي (عليه السلام) المسؤولية في إراقة دم عثمان ؛ لأنه ~~آوى قتلته ولم يقتص منهم. # 3 الزحف إلى البصرة واحتلالها ، واتخاذها ms601 المركز الرئيس للثورة ؛ لأن لهم ~~بها حزبا وأنصارا ، وقد أعرضوا عن الزحف إلى يثرب ؛ لأن فيها الخليفة ~~الشرعي ، وهو يتمتع بالقوى العسكرية التي لا قابلية لهم عليها ، كما أعرضوا ~~عن النزوح إلى الشام ؛ لأن الامويين لم يستجيبوا لهم ؛ لأنها كانت تحت ~~قبضتهم فخافوا عليها من التصدع والاحتلال. ### || تجهيز الجيش بالأموال المنهوبة : # وجهز يعلى بن أمية جيش عائشة بالأموال التي نهبها من بيت المال حينما كان ~~واليا على اليمن أيام عثمان. ويقول المؤرخون : إنه أمد الجيش بستمئة بعير ، ~~وستمئة ألف درهم (1)، وأمدهم عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة بمال ~~كثير (2) كان قد اختلسه من بيت المال ، ولم يتحرج أعضاء القيادة العسكرية ~~العامة في جيش عائشة من هذه الأموال المحرمة. PageV03P027 ### || الخطاب السياسي لعائشة : # وخطبت عائشة في مكة خطابا سياسيا حملت فيه المسؤولية في إراقة دم عثمان ~~على الغوغاء ، فهم الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام ، وقد قتلوا ~~عثمان بعد ما أقلع عن ذنوبه ، وأخلص في توبته ، ولا حجة لهم فيما اقترفوه ~~من سفك دمه (1). # وقد كان خطابها فيما يقول المحققون حافلا بالمغالطات السياسية ؛ فإن ~~الغوغاء لم يسفكوا دمه ، وإنما سفك دمه الذين رفعوا علم الثورة عليه ، وفي ~~طليعتهم كبار الصحابة ، كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، وعبد الله بن مسعود ، ~~وطلحة ، والزبير ، وكانت هي بالذات من أشد الناقمين عليه ؛ فقد اشتدت في ~~معارضته ، وأفتت في قتله وكفره ، فقالت : اقتلوا نعثلا فقد كفر. فأي علاقة ~~للغوغاء بإراقة دمه؟! وأما توبته فإن عثمان أعلن غير مرة عن تراجعه عن ~~أحداثه ، إلا أن بني أمية كانوا يزجونه في مخططاتهم السياسية فيعود إلى ~~سياسته الأولى ، ولم يقلع عنها حتى قتل. # وعلى أي حال ، فقد كان خطابها أول بادرة لإعلان العصيان المسلح على حكومة ~~الإمام (عليه السلام)، وكان الأولى بعائشة بحسب مكانتها الاجتماعية أن ~~تدعو إلى وحدة الصف وجمع كلمة المسلمين ، وأن تقوم بالدعم الكامل لحكومة ~~الإمام (عليه السلام) التي تمثل أهداف النبي (صلى الله عليه وآله)، وما ~~تصبوا إليه الأمة من العزة والكرامة. PageV03P028 ### || عائشة ms602 مع أم سلمة : # ومن الغريب حقا أن تخف عائشة إلى أم سلمة تطلب منها القيام بمناجزة ~~الإمام (عليه السلام)، مع علمها بما تكنه من الولاء والتقدير له ، الأمر ~~الذي دل على عدم خبرتها بالاتجاهات الفكرية لضراتها من أزواج النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، ولما قابلتها خاطبتها بناعم القول قائلة : يا بنت أبي ~~أمية ، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت ~~كبيرة امهات المؤمنين ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم من بيتك ~~، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك. # ورمقتها أم سلمة بطرفها ، وقالت لها بريبة : لأمر ما قلت هذه المقالة! ~~فأجابتها عائشة مخادعة : إن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائما ~~في الشهر الحرام. وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة ، ~~فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا. # وأسدت لها أم سلمة النصيحة ، وذكرتها بمواقفها مع عثمان ونقمتها عليه ، ~~وحذرتها من الخروج على ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلة : يا ~~بنت أبي بكر ، بدم عثمان تطلبين؟! والله ، لقد كنت من أشد الناس عليه ، وما ~~كنت تسميه إلا نعثلا ، فما لك ودم عثمان وعثمان رجل من بني عبد مناف ، وأنت ~~امرأة من بني تيم بن مرة؟ ويحك يا عائشة! أعلى علي وابن عم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) تخرجين ، وقد بايعه المهاجرون والأنصار؟! # وجعلت أم سلمة تذكر عائشة فضائل علي ومآثره ، وقرب منزلته من PageV03P029 # رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان عبد الله بن الزبير يسمع حديثها ~~فغاظه ذلك ، وخاف أن تصرف عائشة عن عزمها فصاح بها : يا بنت أبي أمية ، ~~إننا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير. # فنهرته أم سلمة وصاحت به : والله لتوردنها ، ثم لا تصدنها أنت ولا أبوك. ~~أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة ، وعلي بن أبي ~~طالب حي وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة؟! فقال لها ابن الزبير : ما سمعنا هذا من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساعة قط. فقالت ms603 أم سلمة : إن لم تكن أنت ~~سمعته فقد سمعته خالتك عائشة ، وها هي فاسألها قد سمعته (صلى الله عليه ~~وآله) يقول : «علي خليفتي عليكم في حياتي ومماتي ، من عصاه فقد عصاني». ~~أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا؟ فلم يسع عائشة الإنكار وراحت تقول : اللهم نعم. # ومضت أم سلمة في نصيحتها لعائشة قائلة : اتقي الله يا عائشة في نفسك ، ~~واحذري ما حذرك الله ورسوله ، ولا تكوني صاحبة كلاب الحوأب ، ولا يغرنك ~~الزبير وطلحة ؛ فإنهما لا يغنيان عنك من الله شيئا (1). # ولم تع عائشة نصيحة أم سلمة ، واستجابت لعواطفها ، وأصرت على مناجزة ~~الإمام (عليه السلام). PageV03P030 # وكتبت أم سلمة بجميع الأحداث التي جرت في مكة إلى الإمام (عليه السلام)، ~~وأحاطته علما بأعضاء الفتنة (1). ### || الزحف إلى البصرة : # وتحركت كتائب عائشة صوب البصرة ، ودق طبل الحرب ، ونادى المتمردون ~~بالجهاد ، وقد تهافت ذوو الأطماع والحاقدون على الإمام (عليه السلام) إلى ~~الالتحاق بجيش عائشة ، قد رفعوا أصواتهم بالطلب بدم عثمان الذي سفكه طلحة ~~والزبير وعائشة ، واتجهت تلك الجيوش لتشق كلمة المسلمين ، وتغرق البلاد ~~بالثكل والحزن والحداد. ### || عسكر : # وسار موكب عائشة في البيداء يجذ السير ، فصادفهم العرني صاحب عسكر فعرض ~~له راكب فقال له : # يا صاحب الجمل أتبيع جملك؟ # نعم. # بكم؟ # بألف درهم. # ويحك! أمجنون أنت ، جمل يباع بألف درهم؟! # نعم جملي هذا ، فما طلبت عليه أحدا قط إلا أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه ~~أحد قط إلا فته. PageV03P031 # لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعتا. # لمن تريده؟ # لأمك. # لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحا. # إنما اريده لأم المؤمنين عائشة. # هو لك خذه بغير ثمن. # ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهرية ، ونزيدك دراهم. # فقفل معهم فأعطوه الناقة وأربعمئة درهم ، أو ستمئة درهم ، وقدم العسكر ~~إلى عائشة فاعتلت عليه (1)، وقد أصبح كعجل بني إسرائيل ؛ فقطعت الأيدي ، ~~وأزهقت الأنفس ، وأريقت الدماء من حوله. ### || الحوأب : # وسارت قافلة عائشة فاجتازت على مكان يقال له (الحوأب)، فتلقت الركب كلاب ~~الحي بهرير وعواء ، فذعرت عائشة ، فالتفتت إلى محمد بن طلحة فقالت له ms604 : أي ~~ماء هذا يا محمد؟ # ماء الحوأب يا أم المؤمنين. # فهتفت وهي تلهث : ما أراني إلا راجعة. # لم يا أم المؤمنين؟! # سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لنسائه : «كأني بإحداكن قد نبحتها PageV03P032 # كلاب الحوأب ، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء» (1). # تقدمي رحمك الله ودع هذا القول. # فلم تبرح من مكانها ، وطاقت بها الهموم والآلام ، وأيقنت بضلالة قصدها ، ~~وذعرت القيادة العسكرية من توقف عائشة التي اتخذوها قبلة لهم يغرون بها ~~السذج والبسطاء ، فخفوا إليها في دهشة قائلين : يا أمه! فقطعت عليهم الكلاب ~~وراحت تقول بنبرات ملؤها الأسى والحزن : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب ... ~~ردوني ردوني. # وأسرع إليها ابن اختها عبد الله بن الزبير كأنه ذئب فانهارت أمامه ، ~~واستجابت لعواطفها ، ولولاه لارتدت على عقبيها إلى مكة ، فجاء لها بشهود ~~اشترى ضمائرهم فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحوأب ، وهي أول شهادة زور تقام ~~في الإسلام (2). فأقلعت عن فكرتها ، وأخذت تقود الجيوش لحرب وصي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، وباب مدينة علمه. ### || في ربوع البصرة : # ودهمت جيوش عائشة أهل البصرة فملئت قلوبهم ذعرا وفزعا PageV03P033 # وخوفا ؛ فقد أحاطت ببلدهم القوات العسكرية التي تنذر باحتلال بلدهم ، ~~وجعلها منطقة حرب وعصيان على الخليفة الشرعي ، وانبرى حاكم البصرة عثمان بن ~~حنيف وهو من ذوي الإدارة والحزم والحريجة في الدين ، فبعث أبا الأسود ~~الدؤلي إلى عائشة يسألها عن سبب قدومها إلى مصرهم ، ولما مثل عندها قال لها ~~: ما أقدمك يا أم المؤمنين؟ # أطلب بدم عثمان. # ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد. # صدقت ، ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة ~~لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟! # ورد عليها أبو الأسود قائلا : ما أنت من السوط والسيف! إنما أنت حبيسة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك ، ~~وليس على النساء قتال ، ولا لهن الطلب بالدماء ، وأن عليا لأولى منك وأمس ~~رحما ؛ فإنهما ابنا عبد مناف! # ولم تذعن لقوله ، وراحت مصرة على ms605 رأيها قائلة : لست بمنصرفة حتى أمضي لما ~~قدمت إليه ، أفتظن أبا الأسود أن أحدا يقدم على قتالي؟ وحسبت أنها تتمتع ~~بحصانة لعلاقتها الزوجية من النبي (صلى الله عليه وآله) فلا يقدم أحد على ~~قتالها ، ولم تعلم أنها أهدرت هذه الحرمة ، ولم ترع لها جانبا ، فأجابها ~~أبو الأسود بالواقع قائلا : أما والله ، لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. PageV03P034 # ثم انعطف أبو الأسود صوب الزبير فذكره بماض ولائه للإمام (عليه السلام) ~~وقربه منه قائلا : يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر ~~آخذا بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا ~~المقام من ذاك؟! فأجابه الزبير بما لم يؤمن به قائلا : نطلب بدم عثمان. ~~[فقال له : ] أنت وصاحبك وليتماه فيما بعد. # ولان الزبير ، واستجاب لنصيحة أبي الأسود ، إلا أنه طلب منه مواجهة طلحة ~~وعرض الأمر عليه ، فأسرع أبو الأسود تجاه طلحة وعرض عليه النصيحة فأبى من ~~الاستجابة ، وأصر على الغي والعدوان (1)، ورجع أبو الأسود من وفادته التي ~~أخفق فيها ، فأحاط ابن حنيف علما بالأمر ، فجمع أصحابه وخطب فيهم وقال : ~~أيها الناس ، إنما بايعتم الله ؛ يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما. # والله ، لو علم علي أحدا أحق بهذا الأمر منه ما قبله ، ولو بايع الناس ~~غيره لبايع وأطاع ، وما به إلى أحد من صحابة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حاجة ، وما بأحد عنه غنى. ولقد شاركهم في محاسنهم وما شاركوه في ~~محاسنه ، ولقد بايع هذان الرجلان وما يريدان الله ؛ فاستحلا الفطام قبل ~~الرضاع ، والرضاع قبل الولادة ، والولادة قبل الحمل ، وطلبا ثواب الله من ~~العباد ، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين ؛ فإن كانا استكرها قبل بيعتهما ، ~~وكانا رجلين من عرض قريش ، لهما أن يقولا ولا يأمرا ؛ ألا وأن الهدى ما ~~كانت عليه PageV03P035 # العامة ، والعامة على بيعة علي ، فما ترون أيها الناس؟ فقام إليه الفذ ~~النبيل حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الإيمان والحق والإصرار ms606 على الحرب (1). # وجرت مناظرات بين الفريقين إلا أنها لم تنته إلى خير ، وخطب طلحة والزبير ~~وكان خطابهما الطلب بدم عثمان ، فرد عليهما أهل البصرة ممن كانت تأتيهم رسل ~~طلحة بالتحريض على قتل عثمان ، وحملوه المسؤولية في إراقة دمه. # وخطبت عائشة خطابها الذي كانت تكرره في كل وقت ، وهو التحريض على ~~المطالبة بدم عثمان ؛ لأنه قد خلص من ذنوبه وأعلن توبته ، ولكنها لم تنه ~~خطابها حتى ارتفعت الأصوات ؛ فقوم يصدقونها ، وقوم يكذبونها ، وتسابوا فيما ~~بينهم وتضاربوا بالنعال ، واقتتل الفريقان أشد القتال وأعنفه ، وأسفرت ~~الحرب عن عقد هدنة بينهما حتى يقدم الإمام علي (عليه السلام). وكتبوا بينهم ~~كتابا وقعه عثمان بن حنيف وطلحة والزبير ، وقد جاء فيه بإقرار عثمان بن ~~حنيف على الإمرة ، وترك المسلحة وبيت المال له ، وأن يباح للزبير وطلحة ~~وعائشة ومن انضم إليهم أن ينزلوا حيث شاؤوا من البصرة. # ومضى ابن حنيف يقيم بالناس الصلاة ، ويقسم المال بينهم ، ويعمل على نشر ~~الأمن وإعادة الاستقرار في المصر ، إلا أن القوم قد خاسوا بعهدهم ومواثيقهم ~~، فأجمعوا على الفتك بابن حنيف. # ويقول المؤرخون : إن حزب عائشة انتهزوا ليلة مظلمة شديدة الريح ، فعدوا ~~على ابن حنيف وهو يصلي بالناس صلاة العشاء ، فأخذوه ثم عدوا إلى بيت المال ~~فقتلوا من حرسه أربعين رجلا واستولوا عليه ، وزجوا بابن حنيف في السجن ، ~~وأسرفوا في تعذيبه بعد أن نتفوا لحيته وشاربيه (2). PageV03P036 # وغضب قوم من أهل البصرة ، ونقموا على ما اقترفه القوم من نقض الهدنة ~~والنكاية بحاكمهم واحتلال بيت المال ، فخرجوا يريدون الحرب ، وكانت هذه ~~الفئة من ربيعة يرأسها البطل العظيم حكيم بن جبلة ، فقد خرج في ثلاثمئة رجل ~~من بني عبد القيس (1)، وخرج أصحاب عائشة وحملوها معهم على جمل ، وسمي ذلك ~~اليوم الجمل الأصغر (2)، والتحم الفريقان في معركة رهيبة ، وقد أبلى ابن ~~جبلة بلاء حسنا. # ويقول المؤرخون : إن رجلا من أصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت رجله ، فجثا حكيم ~~وأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الذي قطعها فقتله ، ولم يزل يقاتل حتى قتل (3). # لقد أضاف القوم إلى نقض بيعتهم ms607 للإمام (عليه السلام) نكثهم للهدنة التي ~~وقعوا عليها مع ابن حنيف ، وإراقتهم للدماء بغير حق ، ونهبهم ما في بيت ~~المال ، وتنكيلهم بابن حنيف. # ويقول المؤرخون : إنهم قد هموا بقتله لولا أنه هددهم بأخيه سهل بن حنيف ~~الذي يحكم المدينة من قبل علي (عليه السلام)، وأنه سيضع السيف في بني ~~أبيهم إن أصابوه بمكروه ، فخافوا من ذلك وأطلقوا سراحه ، فانطلق حتى التحق ~~بالإمام (عليه السلام) في بعض طريقه إلى البصرة ، فلما دخل عليه قال للإمام ~~(عليه السلام) مداعبا : أرسلتني إلى البصرة شيخا فجئتك أمردا. # وأوغرت هذه الأحداث الصدور ، وزادت الفرقة بين أهل البصرة ؛ فقد انقسموا ~~على أنفسهم ؛ فطائفة منهم تسللوا حتى التحقوا بالإمام (عليه السلام)، وقوم ~~انضموا إلى جيش عائشة ، وطائفة ثالثة اعتزلت الفتنة ولم يطب لها الانضمام ~~إلى أحد الفريقين. PageV03P037 ### || النزاع على الصلاة : # وليس من الغريب في شيء أن يتنازع كل من طلحة والزبير على إمامة الصلاة ؛ ~~فإنهما إنما نكثا بيعة الإمام (عليه السلام) طمعا بالحكم ، وسعيا وراء ~~المصالح المادية. # ويقول المؤرخون : إن كل واحد منهما كان يروم التقدم على صاحبه لإمامة ~~الناس والآخر يمنعه حتى فات وقت الصلاة ، فخافت عائشة من تطور الأحداث ، ~~فأمرت أن يصلي بالناس يوما محمد بن طلحة ، ويوما عبد الله بن زبير (1). ~~فذهب ابن الزبير ليصلي فجذبه محمد وتقدم للصلاة فمنعه عبد الله ، ورأى ~~الناس أن خير وسيلة لقطع حبل النزاع القرعة ، فاقترعا فخرج محمد بن طلحة ~~فتقدم وصلى بالناس ، وقرأ في صلاته : (سأل سائل بعذاب واقع). # وأثارت هذه الصور الهزيلة السخرية عليهم بين الناس ، واندفعوا إلى نقدهم ~~، وفي ذلك يقول الشاعر : # تبارى الغلامان إذ صليا %~% وشح على الملك شيخاهما وما لي وطلحة وابن الزبير %~% وهذا بذي الجذع مولاهما فأمهما اليوم غرتهما %~% ويعلى بن منبه ولاهما (2) # إن هذه البادرة تصور مدى تهالك القوم على الإمرة والسلطان وهم بعد في ~~بداية الطريق ، فلو كتب لهم النجاح في القضاء على حكم الإمام (عليه السلام) ~~لفتح بعضهم على بعض باب الحرب للاستيلاء على زمام الحكم. ### || رسل الإمام (عليه ms608 السلام) إلى الكوفة : # وأوفد الإمام (عليه السلام) رسله إلى أهل الكوفة يستنجد بهم ، ويدعوهم إلى PageV03P038 # نصرته ، والقيام معه لإخماد نار الفتنة التي أشعلها المتمردون. وأقبلت ~~الرسل إلى الكوفة فوجدوا عاملها أبا موسى الأشعري يدعو إلى الفتنة ، ويخذل ~~الناس عن نصرة إمامهم ويدعوهم إلى التمرد ، ويحبب لهم العافية. ولم تكن ~~لأبي موسى حجة في ذلك ، وإنما كان يعبر عن حقده وأضغانه على الإمام (عليه ~~السلام)، وكان فيما أجمع عليه المؤرخون عثماني الهوى. # وأقبلت رسل الإمام (عليه السلام) على أبي موسى يعنفونه ويلومونه ، إلا ~~أنه لم يعن بهم ، فبعثوا إلى الإمام (عليه السلام) رسالة ذكروا فيها تمرده ~~وعدم استجابته لنداء الحق ، وأرسل إليه الإمام (عليه السلام) هاشم المرقال ~~، وهو من خيرة أصحاب الإمام (عليه السلام)، وزوده برسالة يطلب فيها مجيء ~~أبي موسى إليه ، ولما انتهى إليه هاشم وعرض عليه رسالة الإمام (عليه ~~السلام) لم يستجب له وبقي مصمما على عناده وعصيانه ، فأرسل هاشم إلى الإمام ~~(عليه السلام) رسالة يخبره فيها بموقف أبي موسى وتمرده ، فبعث الإمام (عليه ~~السلام) ولده الحسن (عليه السلام) وعمار بن ياسر ومعهما رسالة بعزله وتعيين ~~قرضة بن كعب الأنصاري في مكانه. # ولما وصل الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الكوفة التام الناس حوله زمرا ~~وهم يظهرون له الطاعة والولاء ، وأعلن لهم عزل الوالي المتمرد وتعيين قرضة ~~في منصبه ، إلا أن أبا موسى بقي مصمما على غيه ؛ يثبط عزائم الناس ويدعوهم ~~إلى التخاذل والخروج عن الطاعة ، ولم يستجب للإمام الحسن (عليه السلام). ~~ورأى الزعيم الكبير مالك الأشتر أن الأمر لا يتم إلا بإخراج أبي موسى مهان ~~الجانب ، فجمع نفرا من قومه اولي بأس شديد فأغار بهم على قصر الإمارة ، ~~وأخذ الناس ينهبون أمتعته وأمواله ، فاضطر الجبان إلى الاعتزال عن عمله ، ~~ومكث ليلته في الكوفة ثم خرج هاربا حتى أتى مكة فأقام مع المعتزلين. # ودعا الإمام الحسن (عليه السلام) الناس إلى الخروج لنصرة أبيه (عليه ~~السلام)، وقد نفر معه آلاف كثيرة ؛ فريق منها ركب السفن ، وفريق آخر ركب ~~المطي ، وهم مسرورون ms609 كأشد ما يكون السرور بنصرتهم للإمام (عليه السلام). PageV03P039 # وطوت الجيوش البيداء تحت قيادة الإمام الحسن (عليه السلام)، فانتهوا إلى ~~ذي قار حيث كان الإمام (عليه السلام) مقيما هناك ، وقد سر (عليه السلام) ~~بنجاح ولده ، وشكر له مساعيه وجهوده. وانضمت جيوش الكوفة إلى الجيش الذي ~~كان مع الإمام (عليه السلام) والبالغ عدده أربعة آلاف ، وكان فيهم أربعمئة ~~ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد أسند الإمام ~~(عليه السلام) قيادة ميمنة جيشه إلى الحسن (عليه السلام)، وقيادة ميسرته ~~إلى الحسين (عليه السلام) (1)، كما كانت جيوشه مزودة بأحسن السلاح ، ويقول ~~المؤرخون : إن الحسين (عليه السلام) كان قد ركب فرس جده (صلى الله عليه ~~وآله) المسمى بالمرتجز (2). ### || التقاء الجيشين : # وتحركت قوات الإمام (عليه السلام) من ذي قار وهي على بينة من أمرها ، فلم ~~تكن مترددة ولا شاكة في أنها على الهدى والحق ، وقد انتهت إلى مكان يسمى ~~بالزاوية يقع قريبا من البصرة ، فأقام فيه الإمام (عليه السلام) وقد بادر ~~إلى الصلاة ، وبعدما فرغ منها أخذ يبكي ودموعه تسيل على سحنات وجهه الشريف ~~، وهو يتضرع إلى الله في أن يحقن دماء المسلمين ويجنبه ويلات الحرب ، ويجمع ~~كلمة المسلمين على الهدى والحق. ### || رسل السلام : # وأوفد الإمام (عليه السلام) رسل السلام للقاء عائشة ، وهم زيد بن صوحان ، PageV03P040 # وعبيد الله بن العباس ، ولما مثلا عندها ذكراها بما أمرها الله أن تقر في ~~بيتها ، وأن لا تسفك دماء المسلمين ، وبالغا في نصيحتها ، ولو أنها وعت ~~نصيحتهما لعادت على الناس بالخير العميم ، وجنبتهم كثيرا من المشاكل والفتن ~~، إلا أنها جعلت كلامهما دبر أذنيها ، وراحت تقول لهم : إني لا أرد على ابن ~~أبي طالب بالكلام ؛ لأني لا أبلغه في الحجاح (1). # وبذل الإمام (عليه السلام) قصارى جهوده في الدعوة إلى السلم وعدم إراقة ~~الدماء ، إلا أن هناك بعض العناصر لم ترق لها هذه الدعوى ، وراحت تسعى ~~لإشعال نار الحرب وتقويض دعائم السلم. ### || الدعوة إلى القرآن : # ولما باءت بالفشل جميع الجهود التي بذلها الإمام (عليه السلام) من أجل ~~حقن ms610 الدماء ، ندب الإمام (عليه السلام) أصحابه لرفع كتاب الله العظيم ودعوة ~~القوم إلى العمل بما فيه ، وأخبرهم أن من يقوم بهذه المهمة فهو مقتول ، فلم ~~يستجب له أحد سوى فتى نبيل من أهل الكوفة ، فانبرى إلى الإمام (عليه ~~السلام) وقال : أنا له يا أمير المؤمنين. # فأشاح الإمام (عليه السلام) بوجهه عنه ، وطاف في أصحابه ينتدبهم لهذه ~~المهمة فلم يستجب له أحد سوى ذلك الفتى ، فناوله الإمام (عليه السلام) ~~المصحف ، فانطلق الفتى مزهوا لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يلوح ~~بالكتاب أمام عسكر عائشة قد رفع صوته بالدعوة إلى العمل بما فيه ، ولكن ~~القوم قد دفعتهم الأنانية إلى الفتك به فقطعوا يمينه ، فأخذ المصحف بيساره ~~وهو يناديهم بالدعوة إلى العمل بما فيه ، فاعتدوا عليه وقطعوا يساره ، فأخذ المصحف PageV03P041 # بأسنانه وقد نزف دمه ، وراح يدعوهم إلى السلم وحقن الدماء قائلا : الله ~~في دمائنا ودمائكم. # وانثالوا عليه يرشقونه بنبالهم فوقع على الأرض جثة هامدة ، فانطلقت إليه ~~امه تبكيه وترثيه بذوب روحها قائلة : # يا رب إن مسلما أتاهم %~% يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه لحاهم %~% وامهم قائمة تراهم # ورأى الإمام (عليه السلام) بعد هذا الإعذار أن لا وسيلة له سوى الحرب ، ~~فقال لأصحابه : «الآن حل قتالهم ، وطاب لكم الضراب» (1). ودعا الإمام ~~(عليه السلام) حضين بن المنذر وكان شابا ، فقال له : «يا حضين ، دونك هذه ~~الراية ، فو الله ما خفقت قط فيما مضى ، ولا تخفق فيما بقي راية أهدى منها ~~إلا راية خفقت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)». # وفي ذلك يقول الشاعر : # لمن راية سوداء يخفق ظلها %~% إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها للموت حتى يزيرها %~% حياض المنايا تقطر الموت والدما (2) ### || الحرب العامة : # ولما استيأس الإمام (عليه السلام) من السلم عبأ جيشه تعبئة عامة ، وكذلك ~~فعل أصحاب عائشة وقد حملوها على جملها (عسكر)، وادخلت هودجها المصفح ~~بالدروع ، والتحم الجيشان التحاما رهيبا. يقول بعض المؤرخين : إن PageV03P042 # الإمام الحسين (عليه السلام) قد تولى قيادة فرقة من فرق الجيش ، وإنه كان ~~على ms611 الميسرة ، وخاض المعركة ببسالة وصمود (1). وكان جمل عائشة فيما يقول ~~بعض من شهد المعركة هو راية أهل البصرة ، يلوذون به كما يلوذ المقاتلون ~~براياتهم ، وقد حمل الإمام (عليه السلام) عليهم وقد رفع العلم بيسراه ، ~~وشهر في يمينه ذا الفقار الذي طالما ذب به عن دين الله ، وحارب به المشركين ~~على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله). واقتتل الفريقان كأشد ما يكون ~~القتال ضراوة ، يريد أصحاب عائشة أن يحرزوا النصر ويحموا أمهم ، ويريد ~~أصحاب علي (عليه السلام) أن يحموا إمامهم ويموتوا دونه. ### || مصرع الزبير : # وكان الزبير رقيق القلب ، شديد الحرص على مكانته من النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، إلا أن حب الملك هو الذي أغراه ودفعه إلى الخروج على الإمام (عليه ~~السلام)؛ يضاف إلى ذلك ولده عبد الله فهو الذي زج به في هذه المهالك ، ~~وباعد ما بينه وبين دينه ، وقد عرف الإمام (عليه السلام) رقة طبع الزبير ، ~~فخرج إلى ميدان القتال ورفع صوته : # «أين الزبير؟». # فخرج الزبير وهو شاك في سلاحه ، فلما رآه الإمام (عليه السلام) بادر إليه ~~واعتنقه ، وقال له بناعم القول : «يا أبا عبد الله ، ما جاء بك ها هنا؟». # جئت أطلب دم عثمان. # فرمقه الإمام (عليه السلام) بطرفه وقال له : PageV03P043 # «تطلب دم عثمان!». # نعم. # «قتل الله من قتل عثمان». # وأقبل عليه يحدثه برفق ، قائلا : «أنشدك الله يا زبير ، هل تعلم أنك مررت ~~بي وأنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو متكئ على يدك ، فسلم علي ~~رسول الله وضحك إلي ، ثم التفت إليك فقال لك : يا زبير ، إنك تقاتل عليا ~~وأنت له ظالم». # وتذكر الزبير ذلك ، وقد ذهبت نفسه أسى وحسرات ، وندم أشد ما يكون الندم ~~على موقفه هذا ، والتفت إلى الإمام (عليه السلام) وهو يصدق مقالته : اللهم نعم. # «فعلام تقاتلني؟». # نسيتها والله ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ولا قاتلتك (1). # «ارجع». # كيف ارجع وقد التقت حلقتا البطان؟! هذا والله العار الذي لا يغسل. # «ارجع قبل أن تجمع العار والنار». # وألوى عنان فرسه ، وقد ملكت الحيرة ms612 والقلق أهابه ، وراح يقول : # فاخترت عارا على نار مؤججة %~% ما إن يقوم لها خلق من الطين نادى علي بأمر لست أجهله %~% عار لعمرك في الدنيا وفي الدين فقلت حسبك من عذل أبا حسن %~% فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني (2) # وقفل الإمام (عليه السلام) راجعا إلى أصحابه ، فقالوا له : تبرز إلى زبير حاسرا PageV03P044 # وهو شاك السلاح ، وأنت تعرف شجاعته! فقال (عليه السلام): # «إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب ، غيلة في ~~غير ماقط (1) حرب ولا معركة رجال. ويل أمه أشقى البشر! ليود أن أمه هبلت ~~به. أما أنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن ...» (2). # واستجاب الزبير لنداء الإمام (عليه السلام) فاتجه صوب عائشة ، فقال لها : ~~يا أم المؤمنين ، إني والله ما وقفت موقفا قط إلا عرفت أين أضع قدمي فيه ~~إلا هذا الموقف ؛ فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر؟! # وعرفت عائشة تغيير فكرته وعزمه على الانسحاب من حومة الحرب ، فقالت له ~~باستهزاء وسخرية مثيرة عواطفه : يا أبا عبد الله ، خفت سيوف بني عبد ~~المطلب؟! وعاثت هذه السخرية في نفسه ، فالتفت إليه ولده عبد الله فعيره ~~بالجبن قائلا : إنك خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت ~~أن تحتها الموت فجبنت. # إنه لم يخرج على بصيرة ولا بينة من أمره ، وإنما خرج من أجل الملك ~~والسلطان. # والتاع الزبير من حديث ولده ، فقال له : ويحك! إني قد حلفت له أن لا ~~اقاتله. [فقال له ابنه : ] كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس. فأعتق غلامه وراح ~~يجول في ميدان الحرب ليري ولده شجاعته ، ويوضح له أنه إنما فر بدينه لا ~~جبنا ولا خورا ، ومضى منصرفا على وجهه حتى أتى وادي السباع. وكان الأحنف بن ~~قيس مع قومه مقيمين هناك ، PageV03P045 # فتبعه ابن جرموز فأجهز عليه وقتله غيلة ، وحمل مقتله إلى الإمام (عليه ~~السلام) فحزن عليه كأشد ما يكون الحزن ، ويقول الرواة : إنه أخذ سيفه وهو ~~يقول : «سيف طالما جلا الكروب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)». ~~وعلى أي ms613 حال ، لقد كانت النهاية الأخيرة للزبير تدعو إلى الأسف والأسى ؛ ~~فقد تمرد على الحق ، وأعلن الحرب على وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وباب مدينة علمه. ### || مصرع طلحة : # وخاض طلحة المعركة وهو يحرض جيشه على الحرب ، فبصر به مروان بن الحكم ~~فرماه بسهم ؛ طلبا بثار عثمان ، فوقع على الأرض يتخبط بدمه. وكان مروان ~~يقول لبعض ولد عثمان : لقد كفيتك ثأر أبيك من طلحة. وأمر طلحة مولاه أن ~~يأوي به إلى مكان ينزل فيه ، فأوى به بعد مشقة إلى دار خربة من دور البصرة ~~فهلك فيها بعد ساعة. ### || قيادة عائشة للجيش : # وتولت عائشة قيادة الجيش بعد هلاك الزبير وطلحة ، وقد تفانت بنو ضبة ~~والأزد وبنو ناجية في حمايتها. ويقول المؤرخون : إنهم هاموا بحبها ، فكانوا ~~يأخذون بعر جملها ويشمونه ، ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك. وكانوا ~~محدقين به لا يريدون فوزا ولا انتصارا سوى حمايتها ، وإن راجزهم يرتجز : # يا معشر الأزد عليكم أمكم %~% فإنها صلاتكم وصومكم PageV03P046 والحرمة العظمى التي تعمكم %~% فأحضروها جدكم وحزمكم لا يغلبن سم العدو سمكم %~% إن العدو إن علاكم زمكم وخصكم بجوره وعمكم %~% لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم (1) # وكانت تحرض على الحرب كل من كان على يمينها ، ومن كان على شمالها ، ومن ~~كان أمامها قائلة : إنما يصبر الأحرار. وكان أصحاب الإمام (عليه السلام) ~~يلحون على أصحاب عائشة بالتخلي عنها ، وراجزهم يرتجز : # يا أمنا أعق ام نعلم %~% والأم تغذو ولدها وترحم أما ترين كم شجاع يكلم %~% وتختلي منه يد ومعصم # وكان أصحاب عائشة يردون عليهم ويقولون : # نحن بني ضبة أصحاب الجمل %~% ننازل القرن إذا القرن نزل والقتل أشهى عندنا من العسل %~% نبغي ابن عفان بأطراف الأسل # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # واشتد القتال كأشد وأعنف ما يكون القتال ، وكثرت الجرحى ، وملئت أشلاء ~~القتلى وجه الأرض. ### || عقر الجمل : # ورأى الإمام (عليه السلام) أن الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا ، فصاح ~~(عليه السلام) بأصحابه : «اعقروا الجمل ؛ فإن في بقائه فناء العرب». وانعطف ~~عليه الحسن (عليه السلام) فقطع يده اليمنى ms614 ، وشد عليه الحسين (عليه السلام) ~~فقطع يده اليسرى (2)، فهوى إلى جنبه وله عجيج منكر لم يسمع مثله ، وفر ~~حماة الجمل في البيداء ؛ فقد تحطم صنمهم PageV03P047 # الذي قدموا له هذه القرابين ، وأمر الإمام (عليه السلام) بحرقه وتذرية ~~رماده في الهواء ؛ لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء. # وبعد الفراغ من ذلك ، قال : «لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني ~~إسرائيل!». ومد بصره نحو الرماد الذي تناهبه الهواء ، فتلا قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 وانظر إلى إلهك الذي ظللت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم ~~نسفا ). وبذلك فقد وضعت الحرب أوزارها ، وكتب النصر للإمام (عليه السلام) ~~وأصحابه ، وباءت القوى الغادرة بالخزي والخسران. # وأوفد الإمام (عليه السلام) للقيا عائشة الحسن والحسين (عليهما السلام) ~~ومحمد بن أبي بكر (1)، فانطلقوا إليها ، فمد محمد يده في هودجها فجفلت منه ~~، وصاحت به : من أنت؟ # أبغض أهلك إليك. # ابن الخثعمية؟ # نعم أخوك البر. # عقوق. # هل أصابك مكروه؟ # سهم لم يضرني. # فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها وأدخلها في الهزيع الأخير من الليل إلى ~~دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث ، فأقامت فيه أياما. ### || العفو العام : # وسار علي (عليه السلام) في أهل البصرة سيرة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) في أهل مكة PageV03P048 # كما قال (عليه السلام)، فأمن الأسود والأحمر على حد تعبير اليعقوبي (1) ~~ولم ينكل بأي أحد من خصومه ، وجلس للناس فبايعه الصحيح منهم والجريح ، ثم ~~عمد إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه على الناس بالسواء. # وسار (عليه السلام) إلى عائشة فبلغ دار عبد الله بن خلف الخزاعي الذي ~~أقامت فيه عائشة ، فاستقبلته صفية بنت الحارث شر لقاء ، فقالت له : يا علي ~~، يا قاتل الأحبة ، أيتم الله بنيك كما أيتمت بني عبد الله! وكانوا قد ~~قتلوا في المعركة مع عائشة ، فلم يجبها الإمام (عليه السلام) ومضى حتى دخل ~~على عائشة ، فأمرها أن تغادر البصرة وتمضي إلى يثرب لتقر في بيتها كما ~~أمرها الله. # ولما انصرف أعادت عليه صفية القول الذي استقبلته به ، فقال لها : «لو ms615 كنت ~~قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت». وهو يشير إلى أبواب الحجرات المقفلة ، ~~وكان فيها كثير من الجرحى وغيرهم من أعضاء المؤامرة [الذين] آوتهم عائشة ، ~~فسكتت صفية ، وأراد من كان مع الإمام (عليه السلام) أن يبطشوا بهم ، فزجرهم ~~زجرا عنيفا ؛ وبذلك فقد منح العفو لأعدائه وخصومه. # وسرح الإمام (عليه السلام) عائشة تسريحا جميلا ، وأرسل معها جماعة من ~~النساء بزي الرجال لتقر في بيتها حسب ما أمرها الله ، وقد رحلت عائشة من ~~البصرة ، وأشاعت في بيوتها الثكل والحزن والحداد. # يقول عمير بن الأهلب الضبي ، وهو من أنصارها : # لقد أورثتنا حومة الموت امنا %~% فلم تنصرف إلا ونحن رواء أطعنا بني تيم لشقوة جدنا %~% وما تيم إلا أعبد وإماء (2) # لقد أوردت أم المؤمنين أبناءها حومة الموت ، فقد كان عدد الضحايا من ~~المسلمين فيما يقول بعض المؤرخين عشرة آلاف ، نصفهم من أصحابها ، PageV03P049 # والنصف الآخر من أصحاب الإمام (عليه السلام) (1). وكان من أعظم الناس ~~حسرة الإمام (عليه السلام)؛ لعلمه بما تجر هذه الحرب من المصاعب والمشاكل. ### || متارك الحرب : # وأعقبت حرب الجمل أفدح الخسائر وأعظم الكوارث التي ابتلي بها المسلمون ، ~~ومن بينها ما يلي : # 1 إنها مهدت السبيل لمعاوية لمناجزة الإمام (عليه السلام)، والتصميم على ~~قتاله ، فقد تبنى شعار معركة الجمل وهو المطالبة بدم عثمان ، ولولا حرب ~~الجمل لما استطاع معاوية أن يعلن العصيان والتمرد على حكم الإمام (عليه ~~السلام). # 2 إنها أشاعت الفرقة والاختلاف بين المسلمين ، فقد كانت روح المودة ~~والألفة سائدة فيهم قبل حرب الجمل ، وبعدها انتشرت البغضاء بين أفراد الأسر ~~العربية ؛ فقبائل ربيعة واليمن في البصرة أصبحت تكن أعمق البغض والكراهية ~~لإخوانهم من ربيعة وقبائل اليمن في الكوفة ، وتطالبها بما أريق من دماء ~~أبنائها ، بل أصبحت الفرقة ظاهرة شائعة حتى في البيت الواحد ؛ فبعض أبنائه ~~كانوا شيعة لعلي والبعض الآخر كانوا شيعة لعائشة. # ويقول المؤرخون : إن البصرة بقيت محتفظة بولائها لعثمان حفنة من السنين ، ~~وإن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما لم ينزح إليها لما عرفت به من الولاء ~~لعثمان. # 3 إنها أسقطت ms616 هيبة الحكم وجرأت على الخروج عليه ؛ فقد تشكلت الأحزاب ~~النفعية التي لا هم لها إلا الاستيلاء على السلطة والظفر بخيرات البلاد ، ~~حتى كان التطاحن على الحكم من أبرز سمات ذلك العصر. PageV03P050 # 4 إنها فتحت باب الحرب بين المسلمين ، وقبلها كان المسلمون يتحرجون أشد ~~ما يكون التحرج في سفك دماء بعضهم بعضا. # 5 إنها عملت على تأخير الإسلام وشل حركته وإيقاف نموه ، فقد انصرف الإمام ~~(عليه السلام) بعد حرب الجمل إلى مقاومة التمرد والعصيان الذي أعلنه معاوية ~~وغيره من الطامعين في الحكم ، مما أدى إلى أفدح الخسائر التي مني بها ~~الإسلام. # يقول الفيلسوف (ولز): إن الإسلام كاد أن يفتح العالم أجمع لو بقي سائرا ~~سيرته الاولى لو لم تنشب في وسطه من أول الأمر الحرب الداخلية ؛ فقد كان هم ~~عائشة أن تقهر عليا قبل كل شيء (1). # 6 واستباحت هذه الحرب حرمة العترة الطاهرة التي قرنها النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بمحكم التنزيل ، وجعلها سفن النجاة وأمن العباد ، فمنذ ذلك ~~اليوم شهرت السيوف في وجه عترة النبي (صلى الله عليه وآله)، واستحل ~~الأوغاد إراقة دمائهم وسبي ذراريهم ، فلم يرع بنو امية في وقعة كربلاء أي ~~حرمة للنبي (صلى الله عليه وآله) في أبنائه ، وانتهكوا معهم جميع الحرمات. # هذه بعض متارك حرب الجمل التي جرت للمسلمين أفدح الخسائر في جميع فترات ~~التاريخ. ### || القاسطون : # ولم يكد يفرغ الإمام (عليه السلام) من حرب الناكثين كما اسماهم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) حتى جعل يتأهب لحرب القاسطين الذين أسماهم النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بذلك ، ورأى الإمام (عليه السلام) أن يغادر البصرة إلى ~~الكوفة ؛ ليستعد لحرب عدو عنيف هو معاوية بن أبي سفيان الذي حارب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وأبلى في حربه أشد PageV03P051 # البلاء وأقواه ، ولم يكن معاوية بأقل تنكرا للإسلام وبغضا لأهله من أبيه ~~، وكان المسلمون الأولون ينظرون إليهما نظرة ريبة وشك في إسلامهما ، وقد ~~استطاع بمكره ودهائه أن يغزو قلب الخليفة الثاني ، ويحتل المكانة المرموقة ~~في نفسه فجعله واليا على الشام ms617 ، وظل يبالغ في تسديده وتأييده ، وبعد وفاته ~~أقره عثمان وزاد في رقعة سلطانه. # وظل معاوية في الشام يعمل عمل من يريد الملك والسلطان ، فأحاط نفسه ~~بالقوة واشترى الضمائر ، وسخر اقتصاد بلاده في تدعيم سلطانه ، وبعد الأحداث ~~التي ارتكبها عثمان علم معاوية أنه مقتول لا محالة ، فاستغاث به عثمان ~~حينما حوصر فأبطأ في نصره ، وظل متربصا حتى قتل ليتخذ من قميصه ودمه وسيلة ~~للتشبث بالملك ، وقد دفعه إلى ذلك حرب الجمل التي كان شعارها المطالبة بدم ~~عثمان ، فاتخذه خير وسيلة للتذرع لنيل الملك. # ويقول المؤرخون : إنه استعظم قتل عثمان وهول أمره ، وراح يبني ملكه على ~~المطالبة بدمه. # وكان الإمام (عليه السلام) محتاطا في دينه كأشد ما يكون الاحتياط فلم ~~يصانع ولم يحاب ، وإنما سار على الطريق الواضح ، فامتنع أن يستعمل معاوية ~~على الشام لحظة واحدة ؛ لأن في إقراره على منصبه تدعيما للظلم وتركيزا للجور. # وعلى أي حال ، فإن الإمام (عليه السلام) بعد حرب الجمل قد غادر البصرة مع ~~قواته المسلحة ، واتجه إلى الكوفة ليتخذها عاصمة ومقرا له. واتجه فور قدومه ~~إليها يعمل على تهيئة وسائل الحرب لمناهضة عدوه العنيف الذي يتمتع بقوى ~~عسكرية هائلة أجمعت على حبه ونصرته ، وكان الشني يحرض الإمام (عليه السلام) ~~ويحفزه على حرب أهل الشام بعد ما أحرزه من النصر في وقعة الجمل ، وقد قال له : # قل لهذا الإمام قد خبت الحر %~% ب وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نكث العه %~% د وبالشام حية صماء PageV03P052 تنفث السم ما لمن نهشته %~% فارمها قبل أن تعض شفاء (1) ### || إيفاد جرير : # وقبل أن يعلن الإمام (عليه السلام) الحرب على غول الشام أوفد للقياه جرير ~~بن عبد الله البجلي يدعوه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون من ~~مبايعته ، وقد زوده برسالة (2) دعاه فيها إلى الحق من أقصر سبيله ، وبأوضح ~~أساليبه ، وفيها الحكمة الهادية لمن أراد الهداية ، وشرح الله صدره ، وفجر ~~في فؤاده ينبوع النور. وانتهى جرير إلى معاوية فسلمه رسالة الإمام (عليه ~~السلام)، وألح عليه في الوعظ والنصيحة ، وكان معاوية ms618 يسمع منه ولا يقول له ~~شيئا ، وإنما أخذ يطاوله ويسرف في مطاولته ، لا يجد لنفسه مهربا سوى ~~الإمهال والتسويف. ### || معاوية مع ابن العاص : # ورأى معاوية أنه لن يستطيع التغلب على الأحداث إلا إذا انضم إليه داهية ~~العرب عمرو بن العاص فيستعين به على تدبير الحيل ، ووضع المخططات التي تؤدي ~~إلى نجاحه في سياسته ، فراسله طالبا منه الحضور إلى دمشق. وكان ابن العاص ~~فيما يقول المؤرخون : قد وجد على عثمان حينما عزله عن مصر ، فكان يؤلب ~~الناس عليه ويحرضهم على الوقيعة به ، وهو ممن مهد للفتنة والثورة عليه ، ~~ولما أيقن بحدوث الانقلاب عليه خرج إلى أرض PageV03P053 # كان يملكها بفلسطين فأقام فيها ، وجعل يتطلع الأخبار عن قتله. # ولما انتهت رسالة معاوية إلى ابن العاص تحير في أمره ، فاستشار ولديه عبد ~~الله ومحمدا ؛ أما عبد الله فكان رجل صدق وصلاح فأشار عليه أن يعتزل الناس ~~، ولا يجيب معاوية إلى شيء حتى تجتمع الكلمة ويدخل فيما دخل فيه المسلمون ؛ ~~وأما ابنه محمد فقد طمع فيما يطمع فيه فتيان قريش من السعة والتقدم وذيوع ~~الاسم ، فقد أشار عليه بأن يلحق بمعاوية لينال من دنياه. # فقال عمرو لولده عبد الله : أما أنت فأمرتني بما هو خير لي في ديني. وقال ~~لولده محمد : أما أنت فأمرتني بما هو خير لي في دنياي. وأنفق ليله ساهرا ~~يفكر في الأمر هل يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر المسلمين له ما لهم وعليه ما ~~عليهم من دون أن ينال شيئا من دنياه ، ولكنه يضمن أمر آخرته ، أو يكون مع ~~معاوية فيظفر بتحقيق ما يصبو إليه في الدنيا من الثراء العريض ، وهو لم ينس ~~ولاية مصر فكان يحن إليها حنينا متصلا ، وقد اثر عنه تلك الليلة من الشعر ~~ما يدل على الصراع النفسي الذي خامره تلك الليلة. # ولم يسفر الصبح حتى آثر الدنيا على الآخرة ، فاستقر رأيه على الالتحاق ~~بمعاوية ، فارتحل إلى دمشق ومعه ابناه ، فلما بلغها جعل يبكي أمام أهل ~~الشام كما تبكي المرأة ، وهو يقول : وا عثماناه! أنعى الحياء والدين ms619 (1). # قاتلك الله يابن العاص! أنت تبكي على عثمان وأنت الذي أوغرت عليه الصدور ~~، وأثرت عليه الأحقاد ، وكنت تلفي الراعي فتحرضه عليه حتى سفك دمه! لقد بلغ ~~التهالك على السلطة في ذلك العصر مبلغا أنسى الناس دينهم ، فاقترفوا في ~~سبيل ذلك كل ما حرمه الله. # ولما التقى ابن العاص بمعاوية فتح معه الحديث في حربه مع الإمام (عليه ~~السلام)، فقال ابن العاص : PageV03P054 # أما علي فوالله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإن له في ~~الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش إلا أن تظلمه. # واندفع معاوية يبين دوافعه في حربه للإمام قائلا : صدقت ، ولكنا نقاتله ~~على ما في أيدينا ، ونلزمه قتلة عثمان. # واندفع ابن العاص ساخرا منه قائلا : وا سوأتاه! إن أحق الناس أن لا يذكر ~~عثمان أنت! # ولم ويحك؟! # أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه ~~، وأما أنا فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين (1). # واستيقن معاوية أن ابن العاص لا يخلص له ، ورأى أن من الحكمة أن يستخلصه ~~ويعطيه جزاءه من الدنيا ، فصارحه قائلا : أتحبني يا عمرو؟ # لماذا؟ للآخرة فوالله ما معك آخرة ، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون ~~شريكك فيها. # أنت شريكي فيها؟ # اكتب لي مصر وكورها. # لك ما تريد. # فسجل له ولاية مصر ، وجعلها ثمنا لانضمامه إليه (2) في مناهضته لوصي رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وقد ظفر بداهية من دواهي العرب ، وبشيخ من ~~شيوخ قريش قد درس أحوال الناس ، وعرف كيف يتغلب على الأحداث. PageV03P055 ### || رد جرير : # ولما اجتمع لمعاوية أمره وأحكم وضعه رد جرير ، وأرسل معه إلى الإمام ~~(عليه السلام) رسالة حمله فيها المسؤولية في إراقة دم عثمان ، وعرفه بإجماع ~~أهل الشام على حربه إن لم يدفع له قتلة عثمان ، ويجعل الأمر شورى بين ~~المسلمين. # وارتحل جرير إلى الكوفة فأنبأ عليا (عليه السلام) بامتناع معاوية عليه ، ~~وعظم له أمر أهل الشام ، ورأى الإمام أن يقيم عليه الحجة مرة أخرى ، فبعث ~~له سفراء آخرين يدعونه إلى الطاعة والدخول ms620 فيما دخل فيه المسلمون ، إلا أن ~~ذلك لم يجد شيئا ، فقد أصر معاوية على غيه وعناده حينما أيقن أن له القدرة ~~على مناجزة الإمام (عليه السلام) ومناهضته. ### || قميص عثمان : # وألهب معاوية بمكره وخداعه قلوب السذج والبسطاء من أهل الشام حزنا وأسى ~~على عثمان ، فكان ينشر قيمصه الملطخ بدمائه على المنبر فيضجون بالبكاء ~~والعويل ، واستخدم الوعاظ فجعلوا يهولون أمره ، ويدعون الناس إلى الأخذ ~~بثأره ، وكان كلما فتر حزنهم عليه يقول له ابن العاص بسخرية واستهزاء : حرك ~~لها حوارها تحن. # فيخرج إليهم قميص عثمان فيعود لهم حزنهم ، وقد أقسموا أن لا يمسهم الماء ~~إلا من الاحتلام ، ولا يأتون النساء ، ولا ينامون على الفراش PageV03P056 # حتى يقتلوا قتلة عثمان (1)، وكانت قلوبهم تتحرق شوقا إلى الحرب للأخذ ~~بثأره. وقد شحن معاوية أذهانهم بأن عليا هو المسؤول عن إراقة دمه ، وأنه قد ~~آوى قتلته ، وكانوا يستنهضون معاوية للحرب ويستعجلونه أكثر منه. ### || زحف معاوية لصفين : # وعلم معاوية أنه لا بد من الحرب ؛ لأن الإمام (عليه السلام) لا يحاب ولا ~~يداهن في دينه ، فلا يقره على ولاية الشام ، ولا يسند له أي منصب من مناصب ~~الدولة ، وإنما يقصيه عن جميع أجهزة الحكم ؛ لما يعرفه عنه من الالتواء في دينه. # وسار معاوية في جموع أهل الشام ، وقدم بين يديه الطلائع ، وقد أنزل ~~أصحابه أحسن منزل وأقربه إلى شريعة الفرات ، وقد احتل الفرات ، وعد هذا أول ~~الفتح ؛ لأنه حبس الماء على عدوه ، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح أمرها ~~وتنضم قواها استعدادا للحرب. ### || زحف الإمام (عليه السلام) للحرب : # وتهيأ الإمام (عليه السلام) للحرب ، وقام الخطباء في الكوفة يحفزون الناس ~~للجهاد ، ويحثونهم على مناجزة معاوية بعدما أحرزوه من النصر الكبير في ~~معركة الجمل ، وقد خطب فيهم الإمام الحسين (عليه السلام) خطابا رائعا ~~ومثيرا ، قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه : «يا أهل الكوفة ، أنتم ~~الأحبة الكرماء ، والشعار دون الدثار ، جدوا في PageV03P057 # إطفاء ما دثر بينكم ، وتسهيل ما توعر عليكم ؛ ألا إن الحرب شرها ذريع ، ~~وطعمها فظيع ، فمن أخذ لها أهبتها ، واستعد لها ms621 عدتها ، ولم يألم كلومها ~~قبل حلولها فذاك صاحبها ، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها ~~فذاك قمن ألا ينفع قومه ، وأن يهلك نفسه. نسأل الله بقوته أن يدعمكم ~~بالفيئة» (1). # وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى استعجال الحرب ، واستعداد الشام لها ، ~~والإمعان في وسائلها ؛ فإن ذلك من موجبات النصر ، ومن وسائل التغلب على ~~الأعداء ، وإن إهمال ذلك ، وعدم الاعتناء به مما يوجب الهزيمة والاندحار. ~~ودل هذا الخطاب على خبرة الإمام (عليه السلام) الواسعة في الشؤون العسكرية ~~والحربية. # وتهيأ الناس بعد خطاب سبط النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الحرب ، وأخذوا ~~يجدون في تنظيم قواهم ، ولما تمت عدتهم زحف بهم الإمام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) لحرب ابن أبي سفيان ، وقد قدم طلائعه ، وأمرهم أن لا يبدؤوا أهل ~~الشام بقتال حتى يدركهم. # وزحفت كتائب الجيش العراقي كأنها السيل ، وهي على يقين أنها إنما تحارب ~~القوى الباغية على الإسلام ، والمعادية لأهدافه. وقد جرت في أثناء مسيرة ~~الإمام (عليه السلام) أحداث كثيرة لا حاجة إلى إطالة الكلام بذكرها ، فإنا ~~لا نقصد بهذه البحوث أن نلم بها ، وإنما نشير إليها بإيجاز. ### || احتلال الفرات : # ولم يجد أصحاب الإمام (عليه السلام) شريعة على الفرات يستقون منها الماء ~~إلا وهي PageV03P058 # محاطة بالقوى المكثفة من جيش معاوية ؛ يمنعونهم أشد المنع من الاستسقاء ~~من الماء ، ولما رأى الإمام (عليه السلام) ذلك أوفد رسله إلى معاوية يطلبون ~~منه أن يخلي بينهم وبين الماء ليشربوا منه ، فلم تسفر مباحثهم معه أي شيء ، ~~وإنما وجدوا منه إصرارا على المنع يريد أن يحرمهم منه ، كما حرموا عثمان من الماء. # وأضر الظمأ بأصحاب الإمام (عليه السلام)، وانبرى الأشعث بن قيس يطلب ~~الإذن من الإمام (عليه السلام) أن يفتح باب الحرب ليقهر القوى المعادية على ~~التخلي عن الفرات ، فلم يجد الإمام (عليه السلام) بدا من ذلك فأذن له ، ~~فاقتتل الفريقان كأشد ما يكون القتال ، وكتب النصر لقوات الإمام (عليه ~~السلام) فاحتلت الفرات ، وأراد أصحاب الإمام (عليه السلام) أن يقابلوهم ~~بالمثل فيحرمونهم منه ، كما صنعوا ذلك معهم ، ولكن ms622 الإمام (عليه السلام) لم ~~يسمح لهم بذلك ، وعمل معهم عمل المحسن الكريم فخلى بينهم وبين الماء. # لقد كان اللؤم والخبث من عناصر الامويين وذاتياتهم ، فقد أعادوا على صعيد ~~كربلاء ما اقترفوه من الجريمة في صفين ، فحالوا بين الإمام الحسين (عليه ~~السلام) وبين الماء ، وتركوا عقائل الوحي ومخدرات الرسالة ، وصبية أهل ~~البيت (عليهم السلام) قد صرعهم العطش ، ومزق الظمأ قلوبهم ، فلم يستجيبوا ~~لأية نزعة إنسانية ، ولم ترق قلوبهم فيعطفوا عليهم بقليل من الماء. ### || رسل السلام : # وكان الإمام (عليه السلام) متحرجا كأشد ما يكون التحرج في سفك دماء ~~المسلمين ، فقد جهد على نشر السلام والوئام ، فأوفد إلى معاوية عدي بن حائم ~~، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن حفصة يدعونه إلى حقن دماء ~~المسلمين ، ويذكرونه الدار الآخرة ، ويحذرونه أن ينزل به ما نزل بأصحاب ~~الجمل ، ولكن ابن هند لم يستجب لذلك ، وأصر على الغي والتمرد ، وقد PageV03P059 # حمل الإمام (عليه السلام) المسؤولية في قتل عثمان بن عفان ، وقد دفعه إلى ~~العصيان ما يتمتع به من القوى العسكرية واتفاق كلمتها ، وإصرارها على الطلب ~~بدم عثمان. # ورجعت رسل السلام وقد أخفقت في سفارتها ، واستبان لها أن معاوية مصمم على ~~الحرب ، ولا رغبة له في الصلح ، وأحاطوا الإمام (عليه السلام) علما بذلك ، ~~فجعل يتهيأ للحرب ، ويدعو الناس إلى القتال. ### || الحرب : # وعبأ الإمام (عليه السلام) أصحابه على راياتهم واستعد للقتال ، وقد أمر ~~أصحابه أن لا يبدؤوهم بقتال ، كما عهد لهم في حرب الجمل ، وأن لا يقتلوا ~~مدبرا ، ولا يجهزوا على جريح ، ولا يمثلوا بقتيل ، ولا يهيجوا امرأة إلى ~~غير ذلك من الوصايا التي تمثل شرف القيادة العسكرية في الإسلام. # وجعلت فرق من جيش الإمام (عليه السلام) تخرج إلى فرق من جيش معاوية ~~فيقتتل الفريقان نهارا كاملا أو طرفا منه ، ثم يتحاجزان من دون أن تقع حرب ~~عامة بينهما ، وقد رجا الإمام (عليه السلام) بذلك أن يثوب معاوية إلى الصلح ~~وحقن الدماء. ودام الأمر على هذا حفنة من الأيام من شهر ذي الحجة ، فلما ~~أطل شهر الحرام ms623 ، وهو من الأشهر التي يحرم فيها القتال في الجاهلية ~~والإسلام توادعوا شهرهم كله ، واتيح للفريقين أن يقتلوا آمنين ، وقد آمن ~~بعضهم بعضا ولم تقع بينهم أي حرب ، وقد سعت بينهم سفراء السلم إلا أنها ~~أخفقت في سعيها. # وقد احتدم الجدال بين الفريقين ؛ فأهل العراق يدعون أهل الشام إلى جمع ~~الكلمة وحقن الدماء ، ومبايعة وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، وأهل الشام يدعون العراقيين إلى الطلب بدم ~~عثمان ورفض بيعة الإمام (عليه السلام)، وإعادة الأمر شورى بين المسلمين. PageV03P060 # ولما انقضى شهر محرم مضى القوم على الحرب ، ولكنها لم تكن عامة ، وإنما ~~كانت منقطعة تخرج الكتيبة للكتيبة ، والفرقة للفرقة. # وسئم الفريقان هذه الحرب المتقطعة ، وتعجلوا الحرب العامة ؛ فعبأ الإمام ~~(عليه السلام) جيوشه تعبئة عامة ، وكذلك فعل معاوية ، والتحم الجيشان ~~التحاما رهيبا واقتتلوا أبرح قتال وأعنفه ، وانكشفت ميمنة جيش الإمام (عليه ~~السلام) انكشافا بلغ الهزيمة ، فقاتل الإمام ومعه الحسن والحسين (عليهم ~~السلام) (1)، وانحاز الإمام (عليه السلام) إلى ميسرة جيشه من ربيعة ~~فاستماتت ربيعة دونه (عليه السلام)، وكان قائلهم يقول : لا عذر لكم بعد ~~اليوم عند العرب إن اصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو فيكم. # وتحالفت ربيعة على الموت وصمدت في الحرب ، ورجعت ميمنة الإمام (عليه ~~السلام) إلى حالها بفضل الزعيم مالك الأشتر ، واستمرت الحرب بأعنف ما يتصور ~~، وقد ظهر الضعف وبان الانكسار في جيش معاوية ، وهم معاوية بالفرار لولا ~~أنه تذكر قول ابن الأطنابة : # أبت لي همتي وأبى بلائي %~% وإقدمي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي %~% وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جشأت وجاشت %~% مكانك تحمدي أو تستريحي # وقد رده هذا الشعر إلى الصبر والثبات ، كما كان يتحدث بذلك أيام الملك ~~والسلطان. ### || منع الحسنين (عليهما السلام) من الحرب : # ومنع الإمام (عليه السلام) أمير المؤمنين سبطي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) من الاشتراك في عمليات الحروب ، فقال (عليه السلام): «املكوا عني ~~هذين الغلامين يعني PageV03P061 # الحسن والحسين (عليهما السلام) لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله ms624 ~~عليه وآله)» (1). # لقد حرص الإمام (عليه السلام) على ريحانتي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؛ لأن بهما امتدادا لنسله ، وإبقاء لذريته. ### || مصرع عمار : # وعمار بن ياسر من ألمع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وأكثرهم جهادا ~~وبلاء في الإسلام ، وقد شايع عليا ولازمه بعد وفاة النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، فقد أيقن أنه مع الحق والحق معه كما قال فيه النبي (صلى الله عليه ~~وآله). وكان في أيام صفين شيخا قد نيف على التسعين عاما ، ولكن قلبه ~~وبصيرته كانت بمأمن من الشيخوخة ؛ فقد كان في تلك المعركة كأنه في ريعان ~~الشباب ، وكان يحارب راية ابن العاص ، وهو يشير إليها قائلا : والله ، إن ~~هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن. وكان يقول لأصحابه لما رأى ~~انكشافهم في المعركة : والله ، لو ضربونا حتى يبلغونا سعفان هجر لعلمنا أنا ~~على الحق ، وأنهم على الباطل. # ويقول الرواة : إنه جلس مبكرا في يوم من أيام صفين ، وقد ازداد قلبه شوقا ~~إلى ملاقاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وملاقاة أبويه ، فخف إلى الإمام ~~مسرعا يطلب منه الإذن في أن يلج الحرب لعله يرزق الشهادة ، فلم يسمح له ~~الإمام (عليه السلام) بذلك ، وظل يعاود الإمام مستأذنا فلم تطب نفس الإمام ~~بذلك ، وراح يلح عليه فأذن له ، وأجهش الإمام (عليه السلام) بالبكاء حزنا ~~وموجدة عليه. # وانطلق عمار إلى ساحات الحرب وهو موفور القوى ، قد استرد نشاطه ، وهو ~~جذلان فرح بما يصير إليه من الشهادة ، وقد رفع صوته عاليا : PageV03P062 # «اليوم ألقى الأحبه محمدا وحزبه ..». # وكان صاحب الراية في الكتيبة التي يقاتل فيها عمار هو هاشم بن عتبة ~~المرقال ، وكان من فرسان المسلمين وخيارهم ، وأحبهم للإمام (عليه السلام) ~~وأخلصهم له ، وكان أعور ، فاتجه نحوه عمار فجعل تارة يدفعه بعنف إلى الحرب ~~، ويقول له : تقدم يا أعور. واخرى يرفق به أشد الرفق ويقول له : احمل فداك ~~أبي وامي! وهاشم يقول له : رحمك الله يا أبا اليقظان ، إنك رجل تستخف الحرب ~~، وإني إنما أزحف لعلي أبلغ ما اريد. # وضجر هاشم ms625 فحمل وهو يرتجز : # قد أكثروا لومي وما أقلا %~% إني شريت النفس لن اعتلا أعور يبغي نفسه محلا %~% لا بد أن يفل أو يفلا قد عالج الحياة حتى ملا %~% أشلهم بذي الكعوب شلا # وقد دل هذا الرجل على تصميمه على الموت وسئمه من الحياة ، وجال في ميدان ~~القتال ، وعمار معه يقاتل ويرتجز : # نحن ضربناكم على تنزيله %~% واليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبيله # لقد قاتل عمار بإيمان وإخلاص المشركين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~، وناضل كأشد ما يكون النضال دفاعا عن كلمة التوحيد ، وقاتل أعنف القتال مع ~~أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفاعا عن تأويل القرآن ، ودفاعا عن ~~إمام المسلمين ، فما أعظم عائدة عمار وألطافه على الإسلام! # والتحم عمار مع القوى الغادرة التحاما رهيبا ، وحمل عليه رجس من أرجاس ~~البشرية يسمى أبو الغادية ، فطعنه برمحه طعنة قاتلة ، فهوى إلى الأرض ذلك ~~الصرح الشامخ من العقيدة والإيمان يتخبط بدمائه الزكية ، PageV03P063 # وقد أضر به العطش ، فبادرت إليه امرأة بلبن ، فلما رآه تبسم وأيقن بدنو ~~أجله ، وراح يقول بنبرات هادئة مطمئنة : قال لي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): «آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن ، وتقتلك الفئة الباغية». ولم ~~يلبث قليلا حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ، وانطوت بموته أروع صفحة مشرقة من ~~الإيمان والجهاد ، وارتفع ذلك العملاق الذي أضاء الحياة الفكرية بإخلاصه ~~واندفاعه نحو الحق. # وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) برحا لم يقر له قرار حينما برز ~~عمار إلى ساحة الجهاد ، فكان يقول : «فتشوا لي عن ابن سمية». وانطلقت فصيلة ~~من الجند تبحث عنه ، فوجدوه قتيلا مضمخا بدم الشهادة ، فانبروا مسرعين إلى ~~الإمام (عليه السلام) فاخبروه بشهادته ، فانهد ركنه وانهارت قواه ، وسرت ~~موجات من الألم القاسي في محياه ؛ فقد غاب عنه الناصر والأخ. # ومشى الإمام (عليه السلام) لمصرعه كئيبا حزينا وعيناه تفيضان دموعا ، ~~وسار معه قادة الجيش وقد أخذتهم المائقة ؛ حزنا على البطل العظيم ، ولما ~~انتهى إليه ألقى ms626 بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلا ، وقد انفجر بالبكاء ، وجعل ~~يؤبنه بحرارة قائلا : «إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر ، ~~وتدخل عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم أسلم. رحم الله ~~عمارا يوم قتل. رحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا وما يذكر من ~~أصحاب رسول الله أربعة إلا كان رابعا ، ولا خمسة إلا كان خامسا ، وما كان ~~أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ~~ولا اثنين ، PageV03P064 # فهنيئا لعمار بالجنة». # وأخذ الإمام (عليه السلام) رأسه فجعله في حجره ودموعه تتبلور على خديه ، ~~وانبرى الإمام الحسن (عليه السلام) وغيره فأبنوا الشهيد العظيم بقلوب مذابة ~~من الحزن ، ثم قام الإمام (عليه السلام) فواراه في مقره الأخير. # ويقول المؤرخون : إن الفتنة وقعت في جيش معاوية حينما اذيع مقتل عمار ، ~~فقد سمعوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في فضل عمار إن الفئة ~~الباغية تقتله ، وقد اتضح لهم أنهم الفئة الباغية التي عناها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، ولكن ابن العاص استطاع أن يزيل الخلاف ، فقال لهم : ~~إن الذي أخرج عمارا هو الذي قتله ، وأذعن بسطاء أهل الشام لما قاله ابن العاص. # واشتد القتال بأعنفه بعد مقتل عمار ، وقد تفللت جميع قوى معاوية ، وبان ~~الضعف في جيشه. ### || مكيدة ابن العاص : # لعل أبشع مهازل التاريخ البشري في جميع فترات التاريخ هي مكيدة ابن العاص ~~في رفع المصاحف ، وقد وصفها (راو حوست ميلر) بأنها من أشنع المهازل وأسوئها ~~في التاريخ البشري (1). وأكاد أعتقد أن هذه المكيدة لم تكن وليدة المصادفة ~~أو المفاجئة ، فقد حيكت اصولها ووضعت مخططاتها قبل هذا الوقت ، فقد كان ابن ~~العاص على اتصال دائم أحيط بكثير من الكتمان مع جماعة من قادة الجيش ~~العراقي في طليعتهم الأشعث بن قيس ، فهما اللذان دبرا هذا الأمر ، وقد ذهب ~~إلى هذا الرأي الدكتور طه حسين ، قال : فما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس ~~وهو ماكر أهل PageV03P065 # العراق وداهيتهم ms627 ، قد اتصل بعمرو بن العاص ماكر أهل الشام وداهيتهم ، ~~ودبرا هذا الأمر بينهم تدبيرا ، ودبروا أن يقتتل القوم ؛ فإن ظهر أهل الشام ~~فذاك ، وإن خافوا الهزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف فأوقعوا الفرقة ~~بين أصحاب علي ، وجعلوا بأسهم بينهم شديدا (1). # وعلى أي حال ، فإن الهزيمة لما بدت بأهل الشام وتفللت جميع قواعدهم ، فزع ~~معاوية إلى ابن العاص يطلب منه الرأي ، فأشار عليه برفع المصاحف ، فأمر ~~بالوقت برفعها ، فرفعت زهاء خمسمئة مصحف على أطراف الرماح ، فعلت الأصوات ~~من أهل الشام بلهجة واحدة : هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى ~~خاتمته. من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل ~~العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار؟ # وكانت هذه الدعوى كالصاعقة على رؤوس الجيش العراقي ، فقد انقلب رأسا على ~~عقب ، فتدافعوا كالموج نحو الإمام (عليه السلام) وهم ينادون : لقد أعطاك ~~معاوية الحق ؛ دعاك إلى كتاب الله فاقبل منه. ودلهم الإمام (عليه السلام) ~~على زيف هذه الحيلة ، وأنها جاءت نتيجة فشلهم في العمليات العسكرية ، وأنها ~~لم يقصد بها إلا خداعهم ، وأنهم رفعوا المصاحف لا إيمانا بها وإنما هو من ~~الخداع والمكر. # ومما يؤسف له أنهم لم يقرروا حق مصيرهم ومصير الأمة في تلك الفترات ~~الحاسمة من تاريخهم التي أشرفوا فيها على الفتح والنصر ، ولم يبق من دك ~~حصون الظلم ونسف قواعد الجور إلا لحظات. # يا للمصيبة والأسف! لقد أصروا على التمرد والعناد ، فانحاز منهم اثنا عشر ~~ألفا وهم أهل الجباه السود ، فخاطبوا الإمام (عليه السلام) باسمه الصريح ~~قائلين : PageV03P066 # «يا علي ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت له ، وإلا قتلناك كما قتلنا ~~ابن عفان ، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم ...». # فكلمهم الإمام (عليه السلام) برقة ولطف ليقلع روح التمرد منهم ، إلا أن ~~كلام الإمام ذهب هباء ، وراح القوم في غيهم يعمهون وهم يصرون على إرغام ~~الإمام على إيقاف القتال ، وكان الأشعث بن قيس هو الذي يدفعهم إلى ذلك ~~وينادي بأعلى صوته بالرضاء والقبول لدعوة أهل الشام. # ولم ير ms628 الإمام (عليه السلام) بدا من إجابتهم ، فأصدر أوامره بإيقاف ~~عمليات الحروب ، وقلبه الشريف يتقطع ألما وحزنا ، فقد أيقن أن الباطل قد ~~انتصر على الحق ، وأن جميع متاعبه ودماء جيشه قد ذهبت سدى. وأصر المتمردون ~~على الإمام بسحب مالك الأشتر من ساحة الحرب ، وكان قد أشرف على الانتصار ، ~~ولم يبق بينه وبين الفتح إلا حلبة شاة ، فأرسل إليه الإمام (عليه السلام) ~~بالقدوم إليه ، فلم يعن بما أمر به ، وقال لرسول الإمام : قل لسيدي : ليست ~~هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، إني قد رجوت الله أن ~~يفتح لي فلا تعجلني. # ورجع الرسول فأخبر الإمام بمقالة القائد العظيم ، فارتفعت أصوات اولئك ~~الوحوش بالإنكار على الإمام (عليه السلام) قائلين : والله ، ما نراك إلا ~~أمرته أن يقاتل. وامتحن الإمام (عليه السلام) في أمرهم كأشد ما تكون المحنة ~~، فقال لهم : «أرأيتموني ساررت رسولي (إليه)؟ أليس إنما كلمته على رؤوسكم ~~علانية وأنتم تسمعون؟». # وأصروا على الغي قائلين : فابعث إليه فليأتيك ، وإلا فوالله اعتزلناك. ~~وأجمعوا على الشر ، وأوشكوا أن يفتكوا بالإمام (عليه السلام)، فأصدر ~~أوامره المشددة PageV03P067 # بانسحاب مالك من ساحة الحرب ، واستجاب الأشتر لأمر الإمام (عليه السلام) ~~، فقفل راجعا وقد تحطمت قواه ، وقال ليزيد الذي كان رسول الإمام : ألرفع ~~هذه المصاحف؟ يعني حدثت هذه الفتنة [فقال : ] نعم. # وعرف الأشتر مكيدة ابن العاص فقال : أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ~~ستوقع اختلافا وفرقة ، إنها مشورة ابن العاهرة. ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ~~إلى ما يلقون؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه؟! # وأحاطه يزيد علما بحراجة الموقف ، والأخطار الهائلة التي تحف بالإمام ~~قائلا : أتحب أنك إن ظفرت هاهنا ، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) بمكانه ~~الذي هو به يفرج عنه ويسلم إلى عدوه؟! فقال الأشتر مقالة المؤمن : سبحان ~~الله! لا والله ما احب ذلك. [قال : ] فإنهم قالوا : لترسلن إلى الأشتر ~~فليأتينك ، أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا ابن عفان ، أو لنسلمنك إلى عدوك. # وقفل الأشتر راجعا وقد استولى الحزن ms629 على إهابه ، فقد ذهبت آماله أدراج ~~الرياح ، فتوجه نحوهم يلومهم ويعنفهم ، ويطلب منهم أن يخلوا بينه وبين ~~عدوهم ، فقد أشرف على النصر والفتح. ولم يذعن اولئك الممسوخون لمقالة ~~الأشتر ، فقد أصروا على الذل والوهن قائلين له : # «لا لا». PageV03P068 # أمهلوني عدوة فرس فإني قد طمعت في النصر. # إذن ندخل معك في خطيئتك. # وانبرى الأشتر يحاججهم وينقد ما ذهبوا إليه قائلا : حدثوني عنكم وقد قتل ~~أماثلكم وبقي أرذالكم متى كنتم محقين؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام ، فأنتم ~~الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون؟! أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال ~~محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم ، وكانوا خيرا منكم في النار. # ولم يجد معهم هذا الكلام المشرق فقالوا له : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم ~~في الله ، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا. ورد عليهم الأشتر بعنف حينما يئس من ~~إصلاحهم ، وأخذ يحذرهم من مغبة هذه الفتنة ، وأنهم لا يرون بعدها عزا أبدا. ~~وحقا إنهم لم يروا عزا ، فقد أفلت من افقهم دولة الحق ، وآل أمرهم إلى ~~معاوية فأخذ يسومهم سوء العذاب. # وطلب مالك من الإمام (عليه السلام) أن يناجزهم الحرب فأبى ؛ لأن العارضين ~~كانوا يمثلون الأكثرية الساحقة في جيشه ، وفتح باب الحرب يؤدي إلى أفظع ~~النتائج ؛ فإن الامة تقع فريسة سائغة بأيدي الامويين. وأطرق الإمام (عليه ~~السلام) برأسه وقد طافت به موجات من الآلام ، وأخذ يطيل التفكير في العاقبة ~~المرة التي جرها هؤلاء العصاة للأمة. # ويقول المؤرخون : إنهم قد اتخذوا سكوته رضى منه بالتحكيم فهتفوا : إن ~~عليا أمير المؤمنين قد رضي الحكومة ، ورضي بحكم القرآن. والإمام غارق في ~~الهموم ، فقد أفلت منه الأمر ، وتمرد عليه جيشه ، وليس باستطاعته أن يعمل ~~شيئا ، وقد أدلى (عليه السلام) بما مني به ، بقوله : PageV03P069 # «لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم ~~منهيا». ### || التحكيم : # ولم تقف محنة الإمام وبلاؤه في جيشه المتمرد إلى هذا الحد من العصيان ~~والخذلان ، وإنما تجاوز الأمر إلى أكثر من هذا ، فقد أصر المتمردون بقيادة ~~الأشعث بن قيس على انتخاب ms630 أبي موسى الأشعري الذي هو من ألد أعداء الإمام ، ~~وأكثرهم حقدا عليه ، وألحوا على انتخابه لعلمهم بأنه سيعزل الإمام عن الحكم ~~، وينتخب غيره ممن يحقق أطماعهم ، وقد احتف هؤلاء العصاة بالإمام (عليه ~~السلام)، وهم يهتفون : إنا رضينا بأبي موسى الأشعري. # وزجرهم الإمام (عليه السلام)، ونهاهم عن انتخابه قائلا : «إنكم قد ~~عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن ، إني لا أرى أن اولي أبا موسى». ~~وأصروا على غيهم وعنادهم قائلين : لا نرضى إلا به ، فما كان يحذرنا وقعنا فيه. # وأخذ الإمام (عليه السلام) يدلي عليهم واقع أبي موسى وانحرافه عنه ، ~~قائلا : «إنه ليس لي بثقة ؛ قد فارقني وخذل الناس عني ، ثم هرب عني حتى ~~آمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس نوليه». # وامتنعوا من ترشيح ابن عباس ، فأرشدهم ثانيا إلى انتخاب مالك الأشتر ~~فرفضوه ، وأصروا على انتخاب الأشعري ، ولم يجد الإمام (عليه السلام) بعد ~~هذا بدا من الرضا والإذعان. PageV03P070 ### || وثيقة التحكيم : # واتفق الفريقان على أن يحكموا ابن العاص من قبل أهل الشام ، وأبا موسى ~~الأشعري من قبل العراقيين ، وقد كتبوا صحيفة سجلوا فيها ما اتفقوا عليه من ~~الأخذ بما يتفق عليه الحكمان ، وهذا نصها ، كما رواها الطبري : # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن ~~أبي سفيان ، قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين ~~والمسلمين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين ~~والمسلمين ، إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ، ولا يجمع بيننا غيره ، ~~وأن كتاب الله عز وجل من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ، ونميت ما أمات ، ~~فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل ، وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن ~~قيس ، وعمرو بن العاص القرشي عملنا به ، وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل ~~فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. # وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق ، والثقة من ~~الناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما ، والأمة لهما أنصار على الذي ms631 ~~يتقاضيان عليه ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله ~~وميثاقه العمل على ما في هذه الصحيفة ، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين ؛ ~~فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا ، على أنفسهم وأهليهم ~~وأموالهم وشاهدهم وغائبهم ، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله ~~وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ، ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا ، ~~وأجل القضاء إلى رمضان ، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على PageV03P071 # تراض منهما. وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه ، ولا ~~يألوا من أهل المعدلة والقسط ، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل ~~بين أهل الكوفة وأهل الشام ، وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ~~، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه ~~الصحيفة ، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادا ~~وظلما. اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة (1). # ووقع عليها طائفة من الفريقين ، وأصبحت نافذة المفعول ، وقد حققت آمال ~~معاوية ، وأنقذته من الأخطار التي كادت أن تطوي حياته وتقضي على أتباعه. # والشيء المهم في هذه الوثيقة إنها أهملت المطالبة بدم عثمان فلم تعرض لا ~~بقليل ولا بكثير ، وإنما كانت تنشد إيقاف الحرب ، ونشر السلم والعافية بين ~~الفريقين ، وفيما أعتقد إنها كتبت ولم يكن للإمام (عليه السلام) فيها أي ~~رأي ، فقد خلى بين جيشه وبين ما يريدون. ### || رجوع الإمام (عليه السلام) للكوفة : # وغادر الإمام صفين متجها إلى الكوفة ، ولا أعتقد أن يلم كاتب بتصوير ~~المحنة الكبرى التي ألمت بالإمام ، فقد رجع مثقلا بالهموم ، يرى باطل ~~معاوية قد استحكم ، وأمره قد تم ، وينظر إلى جيشه أصبح متمردا يدعوه فلا ~~يستجيب ، ويأمره فلا يطيع ، قد مزقت الفتنة جميع كتائبه ، فقد كانوا فيما ~~يقول المؤرخون : يتشاتمون ويتضاربون بالسياط ، ويبغي بعضهم على بعض. وأخطر ~~ما حدث فيه انبثاق الفكرة الحرورية التي سنتحدث PageV03P072 # عنها ، فإنها كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي ، وأهم من أي خطر داهم ms632 ~~عليه ، فقد أخذت تعمل على تفلل وحدة جيش الإمام (عليه السلام)، وتذيع ~~الفتنة والخوف بين صفوفه. # ودخل الإمام (عليه السلام) الكوفة فرأى لوعة وبكاء قد سادت في جميع ~~أرجائها ، وحزنا على من قتل منها في صفين ؛ فإن قتلى صفين بالقياس إلى قتلى ~~الجمل كانوا أضعافا أضعافا. ### || مع المارقين : # ويقول الرواة : إن النبي (صلى الله عليه وآله) سمى أهل النهروان ~~بالمارقين ، وأنه قد عهد إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتالهم ~~كما عهد إليه بقتال الناكثين والقاسطين من بعده. # والظاهرة البارزة في اتجاهات الخوارج هي الالتواء في السلوك ، والإصرار ~~على الجهل والعناد ، فقد بنوا واقعهم على التعصب ، وعدم التدبر والإمعان في ~~حقائق الأمور ، وقد كان شعارهم الذي تفانوا في سبيله وقدموا له المزيد من ~~الضحايا (لا حكم إلا لله)، ولكنهم لم يلبثوا أن جعلوا الحكم للسيف ، ~~فنشروا الإرهاب والخوف والفساد في الأرض ، كما سنذكر ذلك. # وعلى أي حال ، فإن الإمام (عليه السلام) لما نزح من صفين إلى الكوفة لم ~~يدخلوا إليه ، وإنما انحازوا إلى (حروراء) فنسبوا إليها ، وكان عددهم فيما ~~يقول المؤرخون : اثني عشر ألفا ، وقد جعلوا أميرهم على القتال شبث بن ربعي ~~، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري ، وخلعوا الإمام (عليه السلام) ~~عن الخلافة ، وجعلوا الأمر شورى بين المسلمين. # والتاع الإمام (عليه السلام) من تمردهم فأوفد للقياهم عبد الله بن عباس ، وأمره PageV03P073 # أن لا يخوض معهم في ميدان الخصومة والنزاع حتى يأتيه ، إلا أنه لم يجد ~~بدا من الحوار معهم ، وبينما هو يحاورهم إذ أطل عليهم الإمام (عليه السلام) ~~فنهى ابن عباس عن مناظرتهم ، وأقبل عليهم فقال لهم : «اللهم ، إن هذا مقام ~~من أفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة ، ومن نطق وأوعث فيه فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا». ثم قال لهم : «من زعيمكم؟». # ابن الكواء. # «ما أخرجكم علينا؟». # حكومتكم يوم صفين. # «أنشدكم بالله ، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب ~~الله ، قلت لكم : إني أعلم بالقوم منكم ؛ إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، ~~إني صحبتهم ms633 وعرفتهم أطفالا ورجالا ، فكانوا شر أطفال وشر رجال. امضوا على ~~حقكم وصدقكم ، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة ، فرددتم ~~علي رأيي وقلتم : لا ، بل نقبل منهم. فقلت لكم : اذكروا قولي لكم ومعصيتكم ~~إياي ، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ~~، وأن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما ~~يحكم بما في القرآن ، وإن أبيا فنحن من حكمها براء». # وأبطلت هذه الحجة النيرة جميع أوهامهم ، فهم المسؤولون عن التحكيم ، كما ~~هم مسؤولون عن كل ما حدث من الفتنة والفساد ، وليس للإمام (عليه السلام) ~~ظلع في ذلك ، وأيقنوا أن الذنب ذنبهم ، وليس على الإمام (عليه السلام) أي ~~تبعة في ذلك ، فقالوا له : أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ PageV03P074 # «لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور ~~بين دفتين لا ينطق ، وإنما يتكلم به الرجال». # خبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ # «ليعلم الجاهل ، ويثبت العالم ، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه ~~الأمة». # وسد عليهم الإمام (عليه السلام) كل نافذة ينفذون منها ، ووجد منهم تقاربا ~~وإذعانا لمقالته ، فخاطبهم بناعم القول : «ادخلوا مصركم رحمكم الله». ~~فأجابوه إلى ذلك ودخلوا عن آخرهم معه إلى الكوفة ، إلا أنهم بقوا مصرين على ~~فكرتهم يذيعونها بين البسطاء ، حتى شاع أمرهم وقويت شوكتهم ، وأخذوا ينشرون ~~الخوف والإرهاب ، ويدعون إلى البغي ، وعزل الإمام (عليه السلام)، وجعل ~~الأمر شورى بين المسلمين (1). ### || اجتماع الحكمين : # وانتهت المدة التي عينها الفريقان للتحكيم ، وقد استرد معاوية قواه التي ~~فقدها أيام صفين ، واستحكم أمره ، وقد أرسل إلى الإمام (عليه السلام) يطلب ~~منه الوفاء بالتحكيم ، وإنما سارع إلى ذلك لعلمه بما مني به جيش الإمام ~~(عليه السلام) من الفرقة والخلاف ، ثم هو على علم بأن النتيجة ستكون من ~~صالحه ؛ لأن المنتخب للتحكيم هو أبو موسى الأشعري ، وهو على علم بانحرافه ~~عن الإمام (عليه السلام). # وأشخص الإمام (عليه السلام) أبا موسى الأشعري إلى التحكيم ، وأرسل ~~أربعمئة من أصحابه جعل ms634 عليهم شريح بن هاني ، وعبد الله بن عباس يصلي بهم ، والتقى PageV03P075 # الحكمان الضالان على حد تعبير النبي (صلى الله عليه وآله) (1) في دومة ~~الجندل أو في أذرح. ويقول المؤرخون : إن ابن العاص لم يفتح الحديث مع ~~الأشعري ثلاثة أيام ، فقد أفرد له مكانا خاصا ، وجعل يقدم له أطائب الطعام ~~والشراب حتى استبطنه وأرشاه ، ولما أيقن أنه صار ألعوبة بيده أخذ يضفي عليه ~~النعوت الحسنة والألقاب الكريمة حتى ملك مشاعره وعواطفه ، فقد قال له : يا ~~أبا موسى ، إنك شيخ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وذو فضله ، وذو سابقته ~~، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها ، ~~فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها ، فإنه يقول في نفس ~~واحدة : (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). فكيف بمن أحيا هذا الخلق كله؟! # ومتى كان الأشعري شيخ صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن ذوي ~~الفضائل والسوابق في الإسلام؟! وانخدع الأشعري بهذه الكلمات المعسولة ، ~~فطفق يسأل ابن العاص عن سبل الإصلاح وحقن الدماء ، فأجابه ابن العاص : تخلع ~~أنت علي بن أبي طالب ، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ، ونختار لهذه الأمة ~~رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة ، ولم يغمس يده فيها. # فبادر أبو موسى يسأل عن الرجل الذي لم ينغمس في الفتنة قائلا : PageV03P076 # من يكون ذلك؟ # وكان ابن العاص قد عرف ميول الأشعري واتجاهاته نحو عبد الله بن عمر فقال ~~: إنه عبد الله بن عمر. وسر الأشعري بذلك واندفع يطلب منه العهود على ~~الالتزام بما قاله : كيف لي بالوثيقة منك؟ # يا أبا موسى ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. خذ مني العهود والمواثيق حتى ترضى. # ولم يبق يمينا إلا أقسم على الالتزام بما قاله ، وأيقن الأشعري بمقالة ~~ابن العاص ، فأجابه بالرضا والقبول ، وعينا وقتا خاصا يذيعان فيه ما اتفقا عليه. # وأقبلت الساعة الرهيبة التي كانت تنتظرها الجماهير بفارغ الصبر ، وأقبل ~~الماكر ابن العاص مع زميله الأشعري إلى منصة الخطابة ليعلنا للناس ما اتفقا ms635 ~~عليه ، واتجه ابن العاص نحو الأشعري فقال له : قم فاخطب الناس يا أبا موسى. # قم أنت فاخطبهم. # وراح ابن العاص يخادع الأشعري قائلا له : سبحان الله! أنا أتقدمك وأنت ~~شيخ أصحاب رسول الله! والله ، لا فعلت ذلك أبدا. # داخل الأشعري العجب بنفسه من هذه الألقاب الفخمة التي أضفاها عليه ابن ~~النابغة ، وطلب الخامل المخدوع من ابن العاص الأيمان أن يفي له بما قال ، ~~فأقسم له على الوفاء بما اتفقا عليه (1)، ولم تخف هذه PageV03P077 # الخديعة على حبر الأمة عبد الله بن عباس ، فالتفت إلى الأشعري يحذره من ~~مكيدة ابن العاص قائلا له : ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن اتفقتما على ~~أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك ، ثم تكلم أنت بعده ؛ فإن عمرا رجل غادر ~~لا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت في الناس خالفك. # ولم يعن الغبي بابن عباس ، وإنما راح يشتد نحو منصة الخطابة ، فلما استوى ~~عليها حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال ~~: أيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن ~~والصلاح ، ولم الشعث ، وحقن الدماء ، وجمع الألفة خلعنا عليا ومعاوية ، وقد ~~خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه وأهوى إلى عمامته فخلعها واستخلفنا رجلا قد ~~صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه ، وصحب أبوه النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، فبرز في سابقته وهو عبد الله بن عمر (1). # أف للزمان! وتعسا للدهر أن يتحكم في المسلمين أمثال هؤلاء الصعاليك الذين ~~ران الجهل على قلوبهم! # لقد عزل الأشعري الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حكيم هذه الأمة ، ~~ورائد العدالة الكبرى في الأرض ، الذي طوق الدين بعبقرياته ومواهبه. لقد ~~جعل الأشعري قيادة الأمة بيد عبد الله بن عمر وهو لا يحسن طلاق زوجته على ~~حد تعبير أبيه. إنها من مهازل الزمن التي تمثلت على مسرح الحياة العامة في ~~ذلك العصر الذي أخمدت فيه أضواء العقل ، وراح الإنسان يسير خلف رغباته ~~وميوله. # وعلى أي حال ms636 ، فقد انبرى الخاتل الماكر ابن العاص إلى منصة الخطابة PageV03P078 # فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : # أيها الناس ، إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليا ، وأخرجه من هذا ~~الأمر الذي يطلب وهو أعلم به ، ألا وإني خلعت عليا معه وأثبت معاوية علي ~~وعليكم. وإن أبا موسى قد كتب في الصحيفة (1) أن عثمان قد قتل مظلوما شهيدا ~~، وأن لوليه أن يطلب بدمه حيث كان ، وقد صحب معاوية رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بنفسه ، وصحب أبوه النبي (صلى الله عليه وآله). ثم أخذ يثني على ~~معاوية ويصفه بما هو ليس أهلا له ، ثم قال : هو الخليفة علينا ، وله طاعتنا ~~وبيعتنا على الطلب بدم عثمان (2). # واشتد الأشعري نحو ابن العاص بعد ما غرر به ونكث عهده ، فصاح به : ما لك ~~عليك لعنة الله! ما أنت إلا كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ، وإن تنركه ~~يلهث. فزجره ابن العاص : لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا. # وصدق كل منهما في وصف صاحبه ، لقد جر هذا التحكيم إلى الأمة كثيرا من ~~المصاعب والفتن ، وأخلد لها الخطوب والويلات. # وماج العراقيون في الفتنة ، وأيقنوا بضلال ما أقدموا عليه ، وانهزم ~~الأشعري نحو مكة يصحب معه العار والخزي له ولذريته (3)، فقد غدر في PageV03P079 # المسلمين غدرة منكرة ، وأكثر شعراء ذلك العصر في هجاء الكوفيين وهجاء ~~الأشعري. # يقول أيمن بن خريم الأسدي : # لو كان للقوم رأي يعصمون به %~% من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل %~% ما مثله لفصال الخطب في الناس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن %~% لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس إن يخل عمرو به يقذفه في لجج %~% يهوي به النجم تيسا بين أتياس أبلغ لديك عليا غير عاتبه %~% قول امرئ لا يرى بالحق من باس ما الأشعري بمأمون أبا حسن %~% فاعلم هديت وليس العجز كالراس فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم %~% إن ابن عمك عباس هو الآسي (1) # وظفر معاوية بالنصر ، فقد عاد إليه أهل الشام يسلمون عليه بإمرة المؤمنين ~~، وأما الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد أغرق ms637 جيشه في الفتنة ~~والفرقة والخلاف ، فجعل بعضهم يتبرأ من بعض ، وقد شاع فيهم الخلاف ، وعرفوا ~~وبال ما جنت أيديهم ، فخطب الإمام الحسن (عليه السلام) خطابا مسهبا دعاهم ~~فيه إلى الألفة والمودة ، وكذلك خطب فيهم عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن ~~جعفر ، وقد شجبا في خطابهما التحكيم ، ودعا الناس إلى الطاعة ونبذ الخلاف ~~(2)، وقد استجاب لهم بعض الناس ، وأصر آخرون على التمرد والعصيان. # ولما انتهى خبر التحكيم إلى الإمام (عليه السلام) بلغ به الحزن أقصاه ، ~~فجمع الناس وخطبهم خطابا مؤثرا ، صعد فيه آلامه وأحزانه على مخالفة أوامره ~~في إيقاف PageV03P080 # القتال ، والاستجابة لنداء عدوه الذي قضى فيه على ما أحرزوه من الفتح ~~والنصر. # يقول (عليه السلام): «الحمد لله ، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث ~~الجليل ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد ، فإن ~~معصية الناصح الشفيق ، العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة ، وقد كنت ~~أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر ~~فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح ~~بنصحه ، ون الزند بقدحه ، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن : # أمرتكم أمري بمنعرج اللوى %~% فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد # ألا إن الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما ~~، وارتأيا الرأي من قبل أنفسهما ، فأماتا ما أحيا القرآن ، وأحييا ما أمات ~~القرآن. # ثم اختانا في حكمهما ، فكلاهما لا يرشد ولا يسدد ، فبرئ الله منها ورسوله ~~وصالح المؤمنين ، فاستعدوا للجهاد ، وتأهبوا للمسير ، وأصبحوا في معسكركم ~~يوم الاثنين إن شاء الله» (1). # وتهيأت قواته المسلحة إلى السفر في الموعد الذي ضربه لها ، وكتب إلى أهل ~~البصرة يدعوهم إلى نصرته ، فالتحقت به كتائب من الجيش. ### || تمرد المارقين : # وسافر الإمام (عليه السلام) بأصحابه يريد الشام ، ولكنه لم يلبث حتى ~~وافته الأنباء بتمرد الخوارج وفسادهم ، وأنهم عادوا إلى فكرتهم. # ويقول المؤرخون : إن جماعة منهم خرجوا من الكوفة ، والتحق بهم إخوانهم من ~~أهل البصرة ، وساروا جميعا إلى النهروان فأقاموا فيها ، وأخذوا ms638 يعيثون في ~~الأرض فسادا ، PageV03P081 # فاستحلوا دماء المسلمين وقالوا بكفرهم. واجتاز عليهم الصحابي عبد الله بن ~~خباب بن الأرت ، فتصدوا له فسألوه عن اسمه فأخبرهم به ، ثم سألوه عن ~~انطباعاته الخاصة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأثنى عليه ، ~~فاستشاطوا غضبا ، فانبروا إليه فأوثقوه كتافا ، وأقبلوا به وبامرأته وكانت ~~حبلى قد أشرفت على الولادة فجاؤوا بهما تحت نخلة ، فسقطت رطبة منها فبادر ~~بعضهم إليها فوضعها في فيه ، فأنكروا عليه فالقاها من فمه. # واخترط بعضهم سيفا فضرب به خنزيرا لأهل الذمة فقتله ، فصاح به بعضهم : إن ~~هذا من الفساد في الأرض! فبادر الرجل إلى الذمي فأرضاه ، فلما نظر عبد الله ~~إلى احتياطهم في الأموال قال لهم : لئن كنتم صادقين فيما أرى ما علي منكم ~~بأس. والله ، ما أحدثت حدثا في الإسلام ، وإني لمؤمن ، وقد آمنتموني وقلتم ~~لا روع عليك. # فلم يعنوا به ، وعمدوا إليه فأقبلوا به إلى الخنزير الذي قتلوه فوضعوه ~~عليه وذبحوه ، وأقبلوا على امرأته وهي ترتعد من الخوف فقالت لهم مسترحمة : ~~إنما إنا امرأة ، أما تتقون الله؟! ولم تلن قلوبهم التي طبع عليها الزيغ ، ~~فذبحوها وبقروا بطنها ، وعمدوا إلى ثلاثة نسوة فقتلوهن (1)، وفيهن أم سنان ~~الصيداوية ، وكانت قد صحبت النبي (صلى الله عليه وآله)، وجعلوا يذيعون ~~الذعر وينشرون الفساد في الأرض. # وأوفد لهم الإمام (عليه السلام) الحرث بن مرة العبدي يسألهم عن هذا ~~الفساد الذي أحدثوه ، ويطلب منهم أن يسلموا إليه الذين استحلوا قتل الأنفس ~~التي حرم الله إزهاقها بغير حق ، ولم يكد الرسول يدنو منهم حتى قتلوه ، ولم ~~يدعوه يدلي بما جاء به. PageV03P082 ### || قتال المارقين : # وكره أصحاب الإمام (عليه السلام) أن يسيروا إلى الشام ، ويتركوا من ~~ورائهم الخوارج يستبيحون أموالهم وأعراضهم من بعدهم ، فطلبوا من الإمام ~~(عليه السلام) أن ينهض بهم لمناجزتهم ، فإذا فرغوا منهم تحولوا إلى حرب ~~معاوية ، فأجابهم الإمام (عليه السلام) إلى ذلك وسار بهم حتى أتى النهروان ~~، فلما صار بإزاء الخوارج ، أرسل إليهم يطلب منهم قتلة عبد الله بن خباب ~~ومن كان معه من النسوة ، كما ms639 طلب منهم قتلة رسوله الحرث بن مرة ، ليكف عنهم ~~ويمضي إلى حرب معاوية ، ثم ينظر في أمورهم ، فأجابوه : ليس بيننا وبينك إلا ~~السيف ، إلا أن تقر بالكفر وتتوب كما تبنا. # فالتاع الإمام (عليه السلام) منهم ، وانطلق يقول : «أبعد جهادي مع رسول ~~الله وإيماني أشهد على نفسي بالكفر؟! قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين» (1) ~~. وجعل الإمام (عليه السلام) يعظهم تارة ويراسلهم اخرى ، فجعل كثير منهم ~~يتسللون ويعودون إلى الكوفة ، وقسم منهم التحق بالإمام (عليه السلام)، ~~وفريق ثالث اعتزل الحرب ، ولم يبق إلا ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي ~~زعيم الخوارج ، ومعه ثلاث آلاف. # ولما يئس الإمام (عليه السلام) من إرشادهم عبأ جيشه ، وأمر بأن لا ~~يبدؤوهم بقتال حتى يقاتلوهم. ولما نظر الخوارج إلى تهيئة الإمام (عليه ~~السلام) تهيؤوا للحرب ، وكانت قلوبهم تتحرق شوقا إلى القتال تحرق الظمآن ~~إلى الماء ، وهتف بعضهم : هل من رائح إلى الجنة! فتصايحوا جميعا : الرواح ~~إلى الجنة. # ثم حملوا حملة منكرة على جيش الإمام (عليه السلام) وهم يهتفون بشعارهم : ~~(لا حكم إلا لله). فانفرجت PageV03P083 # لهم خيل الإمام (عليه السلام) فرقين ؛ فرق يمضي إلى الميمنة ، وفرق يمضي ~~إلى الميسرة ، والخوارج يندفعون بين الفرقين ، ولم تمض إلا ساعة حتى قتلوا ~~عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلا تسعة (1). # ولما وضعت الحرب أوزارها طلب الإمام (عليه السلام) من أصحابه أن يلتمسوا ~~له ذا الثدية في القتلى ، ففتشوا عنه فلم يظفروا به ، فعادوا إليه يخبرونه ~~بعدم ظفرهم به ، فأمرهم ثانيا أن يبحثوا عنه ، قائلا : «والله ما كذبت ولا ~~كذبت ، ويحكم! التمسوا الرجل فإنه في القتلى». فانطلقوا يبحثون عنه ، فظفر ~~به رجل من أصحابه وكان قد سقط قتيلا في ساقية فمضى يهرول فأخبر الإمام ~~(عليه السلام) به ، فلما سمع النبأ خر ساجدا هو ومن معه من أصحابه ، ثم رفع ~~رأسه وهو يقول : «ما كذبت ولا كذبت ، ولقد قتلتم شر الناس». وأخذ الإمام ~~(عليه السلام) يحدث أصحابه بما سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) فيه ، ~~أنه قال : «سيخرج قوم يتكلمون بكلام ms640 الحق لا يجاوز حلوقهم ، يخرجون من الحق ~~خروج السهم أو مروق السهم إن فيهم رجلا مخدج اليد ، في يده شعرات سود ، فإن ~~كان فيهم فقد قتلتم شر الناس». # وأمر الإمام (عليه السلام) بإحضار جثته فأحضرت له ، فكشف عن يده فإذا على ~~منكبه ثدي كثدي المرأة ، وعليها شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الاخرى ، ~~فإذا تركت عادت إلى منكبه ، فلما رأى ذلك خر لله ساجدا. ثم عمد الإمام ~~(عليه السلام) إلى القتلى من الفريقين فدفنهم ، وقسم بين أصحابه سلاح ~~الخوارج ودوابهم ، ورد الأمتعة والعبيد إلى أهليهم كما فعل ذلك بأصحاب الجمل. # وانتهت بذلك حرب النهروان التي تفرعت من واقعة صفين ، وقد PageV03P084 # أسفرت عن تشكيل حزب ثوري عنيف ظهر في الإسلام ، وهو حزب الحرورية الذي ~~أخذ على نفسه التمرد على الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية ، ومحاربتها ~~بشكل سافر ، مما أدى إلى إراقة الدماء وإشاعة الفتنة والخلاف في كثير من ~~تلك العصور. # لقد كان البارز في الأنظمة الدينية للخوارج هو الحكم بكفر كل من لا يدين ~~بفكرتهم من المسلمين ، واستباحة دمائهم وأموالهم. وفيما أحسب أن أكثر ~~الجرائم المريعة التي صدرت في معركة كربلاء تستند إلى هؤلاء الممسوخين ~~الذين سلبت عنهم كل نزعة إنسانية ؛ فقد تأثر الكثير من ذلك الجيش بأخلاقهم ~~، فاندفعوا إلى الجريمة بأبشع صورها وألوانها. ### || مخلفات الحرب : # وأعقبت تلك الحروب أعظم المحن وأشدها هولا ، ولم يمتحن الإمام (عليه ~~السلام) بها وحده وإنما امتحن بها العالم الإسلامي ؛ فقد أخلدت له الفتن ، ~~وجرت له الكثير من الويلات والخطوب ، ولعل أعظم ما عاناه منها ما يلي : ### ||| 1 انتصار معاوية : # وأتاحت الفرص لمعاوية بعد تلك الأحداث أن يعلن نفسه لأول مرة بأنه المرشح ~~للخلافة ، بعد أن كان حاكما على إقليم الشام ، وراح يعلن انتصاره على ~~الإمام (عليه السلام) وتغلبه عليه ، بقوله : لقد حاربت عليا بعد صفين بغير ~~جيش ولا عناء ، أو لا عتادا (1). # وأما الإمام (عليه السلام) فقد أصبح بمعزل عن السلطات السياسية PageV03P085 # والعسكرية ، فكان يدعو فلا يسمع لدعوته ، ويقول فلا يلتفت إلى قوله. # لقد ms641 أدت تلك الحروب إلى تحول الخلافة الإسلامية إلى حكم قيصري لا ظل فيه ~~لحكم الإسلام ومنطق القرآن ؛ فقد آل الأمر إلى معاوية ، فاتخذ مال الله ~~دولا ، وعباد الله خولا ، وأرغم المسلمين على ما يكرهون. ### ||| 2 تفلل جيش الإمام (عليه السلام): # وتفللت جميع القوات العسكرية في جيش الإمام (عليه السلام)، وشاعت الفرقة ~~والاختلاف فيما بينها خصوصا بعد واقعة النهروان ، فقد انحطت معنويات الجيش. # يقول البلاذري : إن معاوية أرسل عمارة بن عقبة إلى الكوفة ليتجسس له عن ~~حالة جيش الإمام (عليه السلام)، فكتب له : خرج على علي أصحابه ونساكهم ، ~~فسار إليهم فقتلهم ، فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ، ووقعت بينهم العداوة ، ~~وتفرقوا أشد الفرقة. # فقال معاوية للوليد بن عقبة : أترضى أخوك بأن يكون لنا عينا؟ وهو يضحك ~~فضحك الوليد وقال : إن لك في ذلك حظا ونفعا. وقال الوليد لأخيه عمارة : # فإن يك ظني يا ابن أمي صادقي %~% عمارة لا يدرك بذحل ولا وتر تضاحك أقتال ابن عفان لاهيا %~% كأنك لم تسمع بموت أبي عمرو يظل وأوتار ابن عفان عنده %~% مخيمة بين الحورنق والجسر (1) # لقد مني جيش الإمام (عليه السلام) بالفتنة والخلاف ، ولم يكن باستطاعة ~~الإمام (عليه السلام) بما يملك من طاقات خطابية هائلة أن يرجع إليهم حوازب ~~أحلامهم ، ويقضي على عناصر الشغب والتمرد التي أصبحت من أبرز ذاتياتهم. # ومما زاد في تمرد الجيش أن معاوية راسل جماعة من زعماء العراق PageV03P086 # البارزين كالأشعث بن قيس ، فمناهم بالأموال ، ووعدهم بالهبات والمناصب ~~إذا قاموا بعمليات التخريب في جيش الإمام (عليه السلام) وشعبه ، فاستجابوا ~~إليه ، فقاموا بدورهم في إشاعة الأراجيف وتضليل الرأي العام ، وبث روح ~~التفرقة والخلاف بين الناس (1)، وقد أثرت دعايتهم تأثيرا هائلا في أوساط ~~ذلك الجيش ، فقد خلعوا طاعة الإمام (عليه السلام) وعمدوا إلى عصيانه. # لقد كانت الأكثرية الساحقة في معسكر الإمام (عليه السلام) لهم رغباتهم ~~الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الدولة وغايات رئيسها ، في حين أن شعب الشام ~~كان على العكس من ذلك. # يقول الحجاج بن خزيمة لمعاوية : إنك تقوى بدون ما يقوى ms642 به علي ؛ لأن معك ~~قوما لا يقولون إذا سكت ، ويسكتون إذا نطقت ، ولا يسألون إذا أمرت ، ومع ~~علي قوم يقولون إذا قال ، ويسألون إذا سكت (2). ### ||| 3 احتلال مصر : # ولم تقف محنة الإمام (عليه السلام) وبلاؤه عند حد ، وإنما أخذت تتابع ~~عليه المحن ، وهي كأشد ما تكون هولا ، فإنه لم يكد ينتهي من مناجزة ~~المارقين حتى ابتلى في أمر دولته ؛ فقد أخذ معاوية يحتل أطرافها ، ويغير ~~على بعضها ، ويشيع فيها الخوف والإرهاب ، فقد أيقن بتخاذل جيش الإمام (عليه ~~السلام) وما مني به من الفرقة والاختلاف ، وقد أجمع رأيه على احتلال مصر ~~التي هي قلب البلاد العربية ، وقد جعلها طعمة إلى وزيره وباني دولته عمرو ~~بن العاص ؛ ليتمتع وحده بخيراتها. # وكان الإمام (عليه السلام) قد ولى على مصر الزعيم الكبير قيس بن سعد ~~الأنصاري ، PageV03P087 # الذي كان من ألمع الشخصيات الإسلامية في حسن سياسته وعمق تفكيره وبعد ~~نظره ، وقد ساس المصريين أيام المحنة سياسة عدل وحق ، وقضى على الاضطرابات ~~الداخلية ، ونشر المحبة والألفة فيها. وقد عزله الإمام (عليه السلام) عنها ~~وولى مكانه الطيب محمد بن أبي بكر ، فاضطرب أمر مصر ، وظهرت الدعوة ~~العثمانية فيها ، فعزل الإمام (عليه السلام) محمدا عنها وولى مكانه مالك ~~الأشتر النخعي الذي هو من أنصح الناس للإمام (عليه السلام) وأكثرهم إخلاصا ~~له ، إلا أنه لم يكد ينتهي إلى (القلزم) حتى مات. # وأجمع المؤرخون على أن معاوية قد أغوى صاحب الخراج في (القلزم) فدس إليه ~~سما في شربة من عسل فمات بها ، وكان معاوية وصاحبه ابن العاص يتحدثان بعد ~~ذلك ويقولان : إن لله جنودا من عسل. # وجهز معاوية جيشا لاحتلال مصر وأمر عليه ابن العاص ، ولما علم الإمام ~~(عليه السلام) ذلك أقر محمدا على مصر ، ووعده بأن يمده بالجيش والمال ، ~~وأخذ يدعو أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر فلم يستجيبوا له ، وجعل الإمام ~~(عليه السلام) يلح عليهم ويطلب منهم النجدة ، فاستجاب له جند ضئيل كأنما ~~يساقون إلى الموت ، فأرسلهم إلى مصر ، ولكنه لم يلبث أن وافته الأنباء بأن ~~ابن العاص ms643 قد احتل مصر ، وأن عامله محمدا قد قتل وأحرقت جثته في النار ، ~~فرد جنده وخطب أهل الكوفة خطابا مثيرا ندد بهم ، ونعى عليهم تخاذلهم وخور ~~عزائمهم. # وعلى أي حال ، فإن احتلال مصر قد قوى شوكة معاوية ، ودفعه إلى أن يغزو ~~أهل العراق في عقر دارهم. PageV03P088 ### ||| الغارات : # ولم يقنع معاوية بما أحرزه من النصر في احتلاله لمصر ، وإنما راح يشيع ~~الذعر والهلع في البلاد الخاضعة لحكم الإمام (عليه السلام)؛ ليشعر أهلها ~~بأن عليا قد ضعف سلطانه ، وأنه لا يتمكن من حمايتهم ورد الاعتداء عنهم ، ~~وقد شكل قطعا من جيوشه وعهد إليها أن تتوغل في البلاد ، وتشيع فيها الفساد ~~والقتل ، وقد ولى عليها جماعة من السفاكين الذين تمرسوا في الجرائم ، ~~وتجردوا من كل نزعة إنسانية ، وعهد لكل واحد منهم أن يقتل كل من كان شيعة ~~للإمام (عليه السلام)، ويغير على جهة خاصة بسرعة خاطفة. # ونعرض بإيجاز إلى بعض تلك الغارات : ### ||| الغارة على العراق : # وشكل معاوية أربع قطع للغارة على أطراف العراق وداخله ؛ ليملأ قلوب ~~العراقيين فزعا وخوفا حتى لا يستجيبوا للجهاد إذا دعاهم الإمام (عليه ~~السلام) إليه ، وهذه بعض المناطق العراقية التي غار عليها. ### ||| 1 عين التمر : # وأرسل معاوية النعمان بن بشير الأنصاري في ألف رجل إلى عين التمر ، وكان ~~فيها مالك بن كعب ، ومعه كتيبة من الجيش تبلغ ألف رجل ، إلا أنه لم يعلم ~~بغزو أهل الشام له ، فأذن لجنده بإتيان أهلهم في الكوفة ، وبقي في مئة رجل ~~، ولما دهمه جيش معاوية قاومه مقاومة باسلة ، وتوجهت PageV03P089 # له نجدة تبلغ خمسين رجلا ، فلما رآهم النعمان فزع وولى هاربا ، فقد ظن أن ~~لهم مددا ، ولما بلغت الإمام (عليه السلام) أنباء هذه الغارة قام خطيبا في ~~جيشه يدعوهم إلى نجدة عامله ، فقال (عليه السلام): «يا أهل الكوفة ، كلما ~~أطلت عليكم سرية ، وأتاكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه ، ~~وانجحر انجحار الضبة في جحرها ، والضبع في وجارها. الذليل والله من نصرتموه ~~، ومن رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل ، فقبحا لكم وترحا! ms644 وقد ناديتكم وناجيتكم ~~، فلا أحرار عند اللقاء ، ولا إخوان (1) عند النجا ، قد منيت منكم بصم لا ~~يسمعون ، وبكم لا يعقلون ، وكمه لا يبصرون» (2). ### ||| 2 هيت : # ووجه معاوية للغارة على هيت سفيان بن عوف وضم إليه ستة آلاف ، وأمره أن ~~يأتي بعد الغارة عليها إلى الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها ، وسار بجيشه إلى ~~هيت فلم يجد بها أحدا ، فانعطف نحو الأنبار ، فوجد بها مسلحة للإمام (عليه ~~السلام) تتكون من مئتي رجل فقاتلهم ، وقتل أشرس بن حسان البكري مع ثلاثين ~~رجلا من أصحابه ، ثم نهبوا ما في الأنبار من أموال ، وتوجهوا إلى معاوية ~~وهم مسرورون بما أحرزوه من النصر ، وبما نهبوه من الأموال (3). # وبلغت أنباء الأنبار عليا فأثارته إلى حد بعيد ، وبلغ به الغيظ أقصاه ، ~~وكان عليلا لا يمكنه الخطاب ، فكتب كتابا قرأ على الناس ، وقد أدني من ~~السدرة ليسمع القراءة (4)، وهذا نصه : PageV03P090 # «أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو ~~لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه ~~الله ثوب الذل ، وشمله البلاء ، وديث بالصغار والقماءة ، وضرب على قلبه ~~بالإسهاب ، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف. ألا وإني ~~قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وإعلانا ، وقلت لكم : ~~اغزوهم قبل أن يغزوكم ؛ فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ، ~~فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الأوطان. وهذا أخو ~~غامد قد وردت خيله الأنبار ، وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن ~~مسالحها ، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى ~~المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها ، وقلائدها ورعثها ، ما تمتنع منه إلا ~~بالاسترجاع وااسترحام ، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ، ولا أريق ~~لهم دم ، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان ~~به عندي جديرا. فيا عجبا! عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع ~~هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم! ms645 فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا ~~يرمى ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون! ~~فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ ~~عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم : هذه صبارة القر ~~أمهلنا ينسلخ عنا البرد. كل هذا فرارا من الحر والقر ، فإذا كنتم من الحر ~~والقر تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر. # يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال ، لوددت أني ~~لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما ؛ قاتلكم الله لقد ~~ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا ، ~~وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي طالب ~~رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراسا ، ~~وأقدم فيها مقاما مني؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين (1) وها أنا ذا قد ~~ذرفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع» (2). PageV03P091 # وقد صور هذا الخطاب ما في نفس الإمام (عليه السلام) من غيظ ممض ، ويأس ~~شديد من أصحابه الذين امتلأت قلوبهم خوفا وذلا من أهل الشام ، فتخاذلوا ~~وقبعوا في بيوتهم يطاردهم الفزع ، حتى فسد على الإمام (عليه السلام) أمره. ### ||| 3 واقصة : # ووجه معاوية الضحاك بن قيس الفهري إلى واقصة ليغير على كل من كان فيها من ~~شيعة الإمام (عليه السلام)، وضم إليه ثلاثة آلاف رجل ، فسار الضحاك فنهب ~~أموال الناس ، وقتل كل من ظن أنه على طاعة الإمام (عليه السلام)، وسار حتى ~~انتهى إلى القطقطانة وهو يشيع القتل والإرهاب ، ثم سار إلى السماوة ، ~~وبعدها ولى إلى الشام. # ولما وافت الأنباء الإمام (عليه السلام) قام خطيبا في جيشه ، وقد دعاهم ~~إلى صد هذا الاعتداء فلم يستجب له أحد ، فقال (عليه السلام): «وددت والله ~~أن لي بكل عشرة منكم رجلا من أهل الشام ، وإني صرفتكم كما يصرف الذهب ، ~~ولوددت أني لقيتهم على بصيرتي فأراحني الله من مقاساتكم ومداراتكم». وسار ~~الإمام (عليه السلام) وحده نحو ms646 الغريين لصد هذا الاعتداء ، فلحقه عبد الله ~~بن جعفر بدابة فركبها ، ولما رأى الناس ذلك خف إليه بعضهم ، فسرح (عليه ~~السلام) لطلب الضحاك حجر بن عدي في أربعة آلاف ، وسار في طلبه فلم يدركه ~~فرجع (1). # لقد أخذت غارات معاوية تتوالى على العراق من دون أن تتعرض لأي مقاومة ~~تذكر ، وقد أيقن معاوية بالنصر والظفر لما مني به أصحاب الإمام (عليه ~~السلام) من التخاذل. PageV03P092 ### ||| الغارة على الحجاز واليمن : # وبعث معاوية بسر بن أرطاة في ثلاثة آلاف للغارة على الحجاز واليمن ، ~~فاتجه نحو يثرب فلم يجد من أهلها أية مقاومة ، فصعد المنبر ورفع عقيرته ~~يندب عثمان ، وينشر الرعب والإرهاب بين الناس. # وأخذ البيعة من أهلها لمعاوية ، ثم سار إلى اليمن وكان عليها عبيد الله ~~بن عباس عاملا للإمام (عليه السلام)، فهرب منه حتى أتى الكوفة ، فاستخلف ~~الإمام (عليه السلام) عليها عبد الله الحارثي فقتله بسر وقتل ابنه ، وعمد ~~إلى طفلين لعبيد الله فقتلهما ، ولما انتهى خبرهما إلى امهما فقدت وعيها ، ~~وراحت ترثيهما بذوب روحها ، بأبياتها المشهورة (1). # لقد قام سلطان معاوية على قتل الأبرياء ، وذبح الأطفال ، وأشاع الرعب ~~والفزع في البلاد. # ولما انتهت الأنباء الأليمة إلى الإمام (عليه السلام) خارت قواه ، ومزق ~~الأسى قلبه ، وراح يخطب في جيشه ، يذكر ما عاناه من الخطوب والكوارث منهم ، ~~قائلا : «انبئت بسرا قد أطلع اليمن (2)، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم ~~سيدالون (3) منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم إمامكم ~~في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم ~~، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم ، فلو ائتمنت أحدكم على PageV03P093 # قعب (1) لخشيت أن يذهب بعلاقته (2). اللهم إني قد مللتهم وملوني ، ~~وسئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني. اللهم مث ~~في قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما والله لوددت أن لي ألف فارس من ~~بني فرس ابن غنم (3): # هنالك لو دعوت أتاك منهم %~% فوارس مثل أرمية الحميم # ثم نزل عن المنبر (4) وهو غارق بالهموم والأحزان ، قد استولى اليأس على ~~نفسه من أصحابه الذين أصبحوا ms647 أعصابا رخوة خالية من الشعور والإحساس. # هذه بعض الغارات التي شنها معاوية على العراق وخارجه من الأقاليم ~~الإسلامية الخاضعة لحكم الإمام (عليه السلام)، وكان المقصود منها زعزعة ~~هذه المناطق من إيمانها بمقدرة الإمام (عليه السلام) على حمايتها من ~~الاعتداء ، وإذاعة مقدرة معاوية وقوته العسكرية ، وتقوية الروح المعنوية في ~~جيشه ، وحزبه المنتشر في تلك البلاد. # وعلى أي حال ، فقد صورت هذه الغارات جانبا كبيرا من الضعف والتمرد في جيش ~~الإمام (عليه السلام)، حتى طمع معاوية في شن هجوم عام على العراق لاحتلاله ~~، والقضاء على حكومة الإمام (عليه السلام)، ومن المؤكد ، أنه لو فعل ذلك ~~لوجد الطريق سهلا ، ولم يجد أية صعوبة أو مقاومة تذكر ، فقد خلد القوم إلى ~~الراحة ، وسئموا من الجهاد. PageV03P094 ### || عبث الخوارج : # وتواكبت المحن الشاقة على الإمام (عليه السلام) يقفو بعضا ، فغارات ~~معاوية متصلة على العراق وخارجه ، وهي تنشر الرعب والهلع في قلوب المواطنين ~~، والإمام (عليه السلام) لا يتمكن على حماية الأمن وصيانة الناس من ~~الاعتداء ؛ فقد خلع جيشه يد الطاعة وأعلن العصيان والتمرد ، ولم يعد له أي ~~نفوذ أو سلطان عليه ، ومن تلك المحن الشاقة التي ابتلي بها الإمام (عليه ~~السلام) هي فتنة الخوارج ؛ فإنه لم يقض عليهم في النهروان ، وإنما قضى على ~~جماعة منهم ، وبقي أكثرهم يعيشون معه ، وهم يكيدون له ويتربصون به الدوائر ~~، ويحولون قلوب الناس عنه. قد أمنوا من بطشه ، واستيقنوا أنه لن يبسط عليهم ~~يدا ، ولا ينزل بهم عقوبة ، وقد أطمعهم عدله وأغراهم لينه ، فراحوا يجاهرون ~~بالرد والإنكار عليه ، فقد قطع بعضهم عليه خطبته تاليا قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ). فأجابه الإمام ~~(عليه السلام) بآية اخرى : ( @QUR@010 فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون ). # وجاءه الخريت بن راشد السامي في ثلاثين من أصحابه فقال له : يا علي ، ~~والله لا أطيع أمرك ، ولا اصلي خلفك ، وإني غدا مفارق لك. فلطف به الإمام ~~(عليه السلام) وحاججه ، وخلى بينه وبين حريته فلم يسجنه ، وإنما ترك له ~~الطريق مفتوحا. وولى الرجل إلى ms648 قومه من بني ناجية فأخبرهم بما كان بينه ~~وبين الإمام (عليه السلام)، ثم خرج في الليل يريد الحرب ، وجرت أحداث ~~كثيرة في خروج الخريت وتمرده ذكرها المؤرخون بالتفصيل. # وعلى أي حال ، فإن المسؤولية الكبرى في كثير من الأحداث المفزعة التي مني ~~بها العالم الإسلامي تقع على الخوارج ، فهم الذين قضوا على مصير PageV03P095 # الأمة في أهم الفترات الحاسمة من تاريخها حينما كتب النصر للإمام (عليه ~~السلام)، وباء معاوية بالهزيمة والفشل ، بحيث لم يبق من حياته إلا فترة ~~يسيرة من الزمن ، قدرها قائد القوات العسكرية في جيش الإمام (عليه السلام) ~~مالك الأشتر بحلبة شاة أو بعدوة فرس ، فأضاعوا ذلك النصر الكبير ، وأرغموا ~~الإمام (عليه السلام) على قبول التحكيم. ### || دعاء الإمام (عليه السلام) على نفسه : # وطاقت بالإمام (عليه السلام) موجات رهيبة ومذهلة من الأحداث والأزمات ، ~~فهو يرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره قد تم ، ويرى نفسه في أرباض الكوفة ~~، قد احتوشته ذئاب العرب الذين كرهوا عدله ، ونقموا عليه مساواته ، وعملوا ~~جاهدين على الحيلولة بينه وبين تحقيق آماله من القضاء على الإثرة ~~والاستعلاء والطغيان. # والشيء الوحيد الذي أقض مضجع الإمام (عليه السلام) هو تمزق جيشه ، وتفلل ~~جميع وحداته ، فقد أصبح بمعزل عن جميع السلطات ، وقد نظر (عليه السلام) إلى ~~المصير المؤلم الذي سيلاقونه من بعده ، فقال : «أما إنكم ستلقون بعدي ذلا ~~شاملا ، وسيفا قاطعا ، وإثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة ؛ فيفرق جماعتكم ، ~~ويبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم ، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني ~~فنصرتموني ، فستعلمون حق ما أقول لكم ، ولا يبعد الله إلا من ظلم وأثم» (1). # ولم يجد نصح الإمام (عليه السلام) معهم شيئا ، فقد تمادوا في الغي ، ~~وعادت لهم جاهليتهم الرعناء. وقد سئم الإمام (عليه السلام) منهم وراح يتمني ~~مفارقة حياته ، فكان كثيرا ما يقول PageV03P096 # في خطبة : «متى يبعث أشقاها؟». وأخذ يلح بالدعاء ، ويتوسل إلى الله بقلب ~~منيب أن يريحه منهم. # فقد روى البلاذري ، عن أبي صالح ، قال : شهدت عليا وقد وضع المصحف على ~~رأسه ، حتى سمعت تقعقع الورق وهو يقول : «اللهم ، إني سألتهم ما ms649 فيه ~~فمنعوني ذلك. اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني ~~على غير خلقي ، وعلى أخلاق لم تكن تعرف لي ، فأبدلني خيرا لي منهم ، ~~وأبدلهم بي شرا ، ومث قلوبهم ميث الملح» (1). # واستجاب الله دعاء وليه العظيم ، فنقله بعد قليل إلى حضيرة القدس مع ~~النبيين والصديقين ، وأراحه من ذلك المجتمع الذي كره الحق ونقم على العدل ، ~~وقد سلط الله عليهم أرجاس البشرية ، فأخذوا يمعنون في ظلمهم وإذلالهم ، ~~فيأخذون البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، ويقتلون على الظنة والتهمة ، ~~فاستيقظوا عند ذلك ، وأخذوا يندمون أشد الندم على ما اقترفوه من الإثم تجاه ~~الإمام (عليه السلام)، وما فرطوا به من عصيانه وخذلانه. # هذه بعض مخلفات تلك الحروب التي امتحن بها الإمام (عليه السلام) كأشد ما ~~يكون الامتحان قسوة وإرهاقا ، ولم يمتحن بها وحده ، وإنما امتحن بها العالم ~~الإسلامي بأسره ؛ فقد أخلدت للمسلمين المشاكل والخطوب ، وألقتهم في شر عظيم. # لقد واكب الإمام الحسين (عليه السلام) هذه الأحداث المفزعة التي جرت على ~~أبيه ، ووقف على واقعها ، وقد استبان له كراهية القوم لأبيه ؛ لأنه لم ~~يداهن في دينه ، وأراد أن يحمل الناس على الحق المحض ، والعدل الخالص ، ولا ~~يدع محروما ولا مظلوما في البلاد. # وعلى أي حال ، فإن هذه الحروب قد ساهمت مساهمة إيجابية في خلق كارثة ~~كربلاء التي لم تأت إلا بعد انهيار الأخلاق ، وإماتة الوعي الديني ~~والاجتماعي ، وإشاعة الانتهازية والتحلل بين أفراد المجتمع ، فقد سيطرت PageV03P097 # الرأسمالية القرشية على الشؤون الاجتماعية ، فأخذت تعيث فسادا في الأرض ، ~~وتنقض جميع ما أقامه الإسلام من صروح للفضيلة والأخلاق. وكان من أسوء ما ~~قامت به أنها عملت جاهدة على إشاعة العداء والكراهية لأهل البيت (عليهم ~~السلام)، الذين هم مصدر الوعي والإحساس في هذه الأمة. # فقد عمدت بشكل سافر إلى تقطيع أوصالهم على صعيد كربلاء ، وإبادتهم إبادة ~~جماعية بصورة رهيبة لم يحدث لها نظير في تاريخ الإنسانية. PageV03P098 ### | افول دولة الحق PageV03P099 # وليس في تاريخ هذا الشرق ولا في غيره حاكم كالإمام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في عدله ونزاهته ، وإيثاره للحق على كل شيء ms650 ، فقد كان فيما أجمع ~~عليه المؤرخون لم يخضع لأية نزعة عاطفية ، ولم يستجب لأي هوى مطاع ، وإنما ~~سار على الطريق الواضح والمنهج السليم الذي سلكه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فلم يحاب ولم يداهن في دينه ، وتبنى النصح الخالص لجميع المسلمين ، ~~وقد حاول جاهدا أيام حكومته أن يرفع راية الإسلام ويحقق مبادئه التي كان ~~منها رفع الحيف والظلم ، ومنع الاستغلال ، وإزالة الفوارق بين أبناء ~~المسلمين. # وكان من أعظم ما عنى به وضع أموال الدولة في مواضعها ، فلم ينفق أي شيء ~~منها إلا على مرافقها التي عينها الإسلام ، وما تاجر بها ، ولو اشترى بها ~~العواطف والضمائر كما كان يفعل معاوية لما تنكر عليه النفعيون في جيشه ، ~~كالأشعث بن قيس وغيره من أقطاب الخيانة والعمالة. لقد احتاط في أموال ~~الدولة كأشد ما يكون الاحتياط ، وأجهد نفسه وحملها من أمره رهقا من أجل أن ~~يبسط العدل الاقتصادي بين الناس. # يقول عبد الله بن رزين : دخلت على علي (عليه السلام) يوم الأضحى ، فقرب ~~إلينا حريرة ، فقلت له : أصلحك الله! لو قربت إلينا من هذا البط فإن الله ~~قد أكثر الخير. فقال : «يا بن رزين ، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول : لا يحل لخليفة من مال الله إلا قصعتان ؛ قصعة يأكلها هو وأهله ، ~~وقصعة يضعها بين يدي الناس» (1). # وقد نقم على سياسته كل من استسلم لدوافع المادة وشهواتها ، فراحوا يعملون ~~جاهدين للإطاحة بحكومته ، وتشكيل حكومة تضمن مصالحهم الاقتصادية والسياسية. ~~ومن المؤكد أن الإمام (عليه السلام) كان يعلم كيف يجلب له الطاعة ، وكيف يبسط PageV03P101 # سلطانه ونفوذه على اولئك الذين نقموا عليه ، ولكن ذلك لا يتم إلا بأن ~~يداهن في دينه ، فيوارب ويخادع ، ويعطي المال في غير حقه ، فيكون كبقية ~~عشاق الملك والسلطان. ومن الطبيعي إن الانحراف عن الحق والمتاجرة بمصالح ~~الأمة مما يأباه علي (عليه السلام)، وتأباه مثله العليا ، فلا السلطة ~~تغريه ، ولا اجتماع الناس حوله تزيده عزة ، ولا تفرقهم عنه تزيده وحشة كما ~~كان يقول. # لقد كان الإمام (عليه السلام) يؤمن إيمانا ms651 خالصا بالدين ، ويرى من ~~الضرورة أن يكون هو المسيطر على قلوب الناس وتفكيرهم ، وأن لا يكون هناك أي ~~ظل للمنافع والأهواء. ومما لا شك فيه أن هذا النوع الخالص من الإيمان لم ~~يتحقق إلا للقلة القليلة من أصحابه ، كحجر بن عدي ، ومالك الأشتر ، وعدي بن ~~حاتم ، وميثم التمار ونظرائهم ممن تغذوا بهديه ، وهم الذين قرؤوا القرآن ~~فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، وأحيوا السنة وأماتوا البدعة على حد ~~تعبيره. أما الأكثرية الساحقة من جيشه وشعبه ، فإنهم لم يعوا أهدافه ~~ومبادئه ، وجهلوا القيم العليا في سياسته المشرقة التي كانت تهدف إلى ضمان ~~حقوق المظلومين والمضطهدين. # لقد تحرج الإمام (عليه السلام) في سلوكه السياسي ، فأخضع سياسته العامة ~~للقيم الدينية والخلقية ؛ فبسط الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، ولم يعد أي ~~نفوذ للأقوياء ، ولا سلطان للرأسمالية القرشية التي كانت تعتبر السواد ~~بستانا لقريش. وقد هبت القوى المنحرفة عن الحق في وجه الإمام (عليه السلام) ~~فأشعلت نار الحرب ، وأوقفت مسيرة الإمام (عليه السلام) في تطبيق العدل ~~الاجتماعي ، ووضعت السدود والحواجز في طريقه. # وقد وقف الإمام العظيم ملتاعا حزينا ، قد احتوشته ذئاب الإثرة والاستغلال ~~، وتناهبت مشاعره الأحداث المفزعة التي تواكبت عليه ، وكان من أفجعها الفتن ~~الداخلية التي كانت تثيرها الخوارج ، الذين كانوا يعيشون معه ، وهم ~~يجاهرونه بالعداء ، وينشرون الفتن والاختلاف ، ويتربصون PageV03P102 # الفرص للخروج عليه. ### || مؤتمر مكة : # ونزح فريق من الخوارج إلى مكة فعقدوا فيها مؤتمرا ، عرضوا فيه مصارع ~~إخوانهم الذين قتلوا في النهروان ، كما عرضوا فيه الأحداث الجسام التي ~~يواجهها العالم الإسلامي والتي أدت إلى اختلافه وتفككه ، وعزوها إلى ثلاث ~~حسب ما يزعمون : الإمام علي ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص. # وقد عقدوا النية بعد تبادل الرأي على القيام باغتيالهم ، وانبرى لتنفيذ ~~هذا المخطط كل من. # 1 عبد الرحمن بن ملجم : تعهد بقتل الإمام علي (عليه السلام). # 2 الحجاج بن عبد الله الصريمي : تعهد بقتل معاوية. # 3 عمرو بن بكر التميمي : التزم بقتل ابن العاص. # وقد اتفقوا على القيام بعملية الاغتيال في ليلة الثامن عشر من رمضان ، ~~ساعة خروج هؤلاء الثلاثة ms652 إلى صلاة الصبح ، وقد أقاموا بمكة أشهرا ، ~~واعتمروا في رجب ، ثم تفرقوا وقصد كل واحد لتنفيذ ما عهد إليه. ### || رأي رخيص : # من الآراء الزائفة التي تحملها بعض الكتب ما ذهب إليه الدكتور (بديع ~~شريف) من اتهام الفرس بقتل علي (1)، وهل وقف الدكتور على نسب ابن ملجم ~~وأنه كان فارسيا؟! أليس هو من مراد إحدى القبائل PageV03P103 # العربية التي كانت تقطن في الكوفة؟! وعلق الدكتور نوري جعفر على هذا ~~الرأي بقوله : ومن يدري! فلعل حب الفرس لعلي هو الذي جعل هؤلاء الكتاب ~~يبغضونهم ، ويكيلون لهم التهم بغير حساب (1). ### || اشتراك الامويين في المؤامرة : # وذكر المؤرخون هذا الحادث الخطير بشيء كثير من التحفظ ، فلم يكشفوا ~~النقاب عن أبعاده ، والذي نراه في كثير من الترجيح أن المؤامرة لم تكن ~~مقتصرة على الخوارج ، وإنما كان للحزب الاموي ضلع كبير فيها ، والذي يدعم ~~ذلك ما يلي : # 1 أن أبا الأسود الدؤلي ألقى تبعة مقتل الإمام (عليه السلام) على بني ~~امية ، وذلك في مقطوعته التي رثا بها الإمام (عليه السلام)، فقد جاء فيها : # ألا أبلغ معاوية بن حرب %~% فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا %~% بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا %~% ورحلها ومن ركب السفينا (2) # ومعنى هذه الأبيات أن معاوية هو الذي فجع المسلمين بقتل الإمام (عليه ~~السلام)، الذي هو خير الناس ، فهو مسؤول عن إراقة دمه. ومن الطبيعي أن أبا ~~الأسود لم ينسب هذه الجريمة لمعاوية إلا بعد التأكد منها ، فقد كان الرجل ~~متحرجا أشد التحرج فيما يقول. # 2 أن القاضي نعمان المصري ، وهو من المؤرخين القدامى ، قد ذكر قولا في أن ~~معاوية هو الذي دس ابن ملجم لاغتيال الإمام (عليه السلام)، قال ما نصه : PageV03P104 # وقيل : إن معاوية عامله أي عامل ابن ملجم على ذلك أي على اغتيال الإمام ~~(عليه السلام) ودس إليه فيه ، وجعل له مالا عليه (1). # 3 ومما يؤكد اشتراك الحزب الاموي في المؤامرة هو أن الأشعث بن قيس قد ~~ساند ابن ملجم ، ورافقه أثناء عملية الاغتيال ، فقد قال له : النجا ms653 فقد ~~فضحك الصبح. ولما سمعه حجر بن عدي صاح به : قتلته يا أعور! وكان الأشعث من ~~أقوى العناصر المؤيدة للحزب الاموي ، فهو الذي أرغم الإمام (عليه السلام) ~~على قبول التحكيم ، وهدد الإمام (عليه السلام) بالقتل قبل قتله بزمان قليل ~~، كما كان عينا لمعاوية بالكوفة. # إن المؤامرة كما يقول الرواة قد أحيطت بكثير من السر والكتمان ، فما الذي ~~أوجب فهم الأشعث ودعمه لها لولا الإيعاز إليه من الخارج؟! # 4 إن مؤتمر الخوارج قد انعقد في مكة أيام موسم الحج ، وهي حافلة من دون ~~شك بالكثيرين من أعضاء الحزب الاموي الذين نزحوا إلى مكة لإشاعة الكراهية ~~والنقمة على حكومة الإمام (عليه السلام)، وأغلب الظن أنهم تعرفوا على ~~الخوارج الذين كانوا من أعدى الناس للإمام (عليه السلام)، فقاموا بالدعم ~~الكامل لهم على اغتيال الإمام (عليه السلام). # ومما يساعد على ذلك أن الخوارج بعد انقضاء الموسم أقاموا بمكة إلى رجب ، ~~فاعتمروا في البيت ، ثم نزحوا إلى تنفيذ مخططهم ، فمن المحتمل أن يكونوا في ~~طيلة هذه المدة على اتصال دائم مع الحزب الاموي ، وسائر الأحزاب الاخرى ~~المناهضة لحكم الإمام (عليه السلام). # 5 والذي يدعو إلى الاطمئنان في أن الحزب الاموي كان له الضلع الكبير في ~~هذه المؤامرة ، هو أن ابن ملجم كان معلما للقرآن (2)، PageV03P105 # وكان يأخذ رزقه من بيت المال ، ولم تكن عنده أية سعة مالية ، فمن أين له ~~الأموال التي اشترى بها سيفه الذي اغتال به الإمام (عليه السلام) بألف وسمه ~~بألف؟! ومن أين له الأموال التي أعطاها مهرا لقطام ، وهو ثلاثة آلاف وعبد ~~وقينة؟! كل ذلك يدعو إلى الظن أنه تلقى دعما ماليا من الامويين إزاء قيامه ~~باغتيال الإمام (عليه السلام). # 6 ومما يؤكد أن ابن ملجم كان عميلا للحزب الاموي هو أنه كان على اتصال ~~وثيق بعمرو بن العاص ، وزميلا له منذ عهد بعيد ؛ فإنه لما فتح ابن العاص ~~مصر كان ابن ملجم معه ، وكان أثيرا عنده ، فقد أمره بالنزول بالقرب منه (1). # وأكبر الظن أنه أحاط ابن العاص علما بما اتفق عليه ms654 مع زميليه من عملية ~~الاغتيال له وللإمام (عليه السلام) ومعاوية ؛ ولذا لم يخرج ابن العاص إلى ~~الصلاة ، وإنما استناب غيره ، فلم تكن نجاته وليدة مصادفة ، وإنما جاءت ~~وليدة مؤامرة حيكت اصولها مع ابن العاص. # هذه بعض الامور التي توجب الظن باشتراك الحزب الاموي في تدبير المؤامرة ~~ودعمها. ### || اغتيال الإمام (عليه السلام): # وأطل على المسلمين شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وقد كان الإمام ~~(عليه السلام) على يقين بانتقاله إلى حظيرة القدس في بحر هذا الشهر العظيم ~~، فكان يجهد نفسه ويرهقها على أن يفطر على خبز الشعير وجريش الملح ، وأن لا ~~يزيد على ثلاث لقم حسب ما يقوله المؤرخون ، وكان يحيي ليالي هذا الشهر ~~بالعبادة. # ولما أقبلت ليلة الثامن عشر أحس الإمام (عليه السلام) بنزول الرزء القاصم ، PageV03P106 # فكان برما تساوره الهموم والأحزان ، وجعل يتأمل في الكواكب ، وهي مرتعشة ~~الضوء كأنها ترسل أشعة حزنها إلى الأرض ، وطفق يقول : # «ما كذبت ولا كذبت ، إنها الليلة التي وعدت فيها». # وأنفق الإمام (عليه السلام) ليله ساهرا ، وقد راودته ذكريات جهاده وعظيم ~~عنائه في الإسلام ، وزاد وجيبه وشوقه لملاقاة ابن عمه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)؛ ليشكو إليه ما عاناه من أمته من الأود. وتوجه الإمام (عليه ~~السلام) بمشاعره وعواطفه إلى الله يطلب منه الفوز والرضوان ، وقبل أن تشرق ~~أنوار ذلك الفجر الذي دام في ظلامه على البؤساء والمحرومين انطلق الإمام ~~(عليه السلام) فأسبغ الوضوء ، وتهيأ إلى الخروج من البيت ، فصاحت في وجهه ~~وز ، كأنها صاحب ملتاعة حزينة ، تنذر بالخطر العظيم الذي سيدهم أرض العرب ~~والمسلمين. # وتنبأ الإمام من لوعتهن بنزول القضاء ، فقال : «لا حول ولا قوة إلا بالله ~~، صوائح تتبعها نوائح» (1). وخرج الإمام (عليه السلام) إلى بيت الله ، ~~فجعل يوقظ الناس على عادته إلى عبادة الله ، ثم شرع في صلاته ، وبينما هو ~~ماثل بين يدي الله وذكره على شفتيه إذ هوى عليه المجرم الخبيث عبد الرحمن ~~بن ملجم ، وهو يهتف بشعار الخوارج : (الحكم لله لا لك)، فعلا رأس الإمام ~~(عليه السلام) بالسيف فقد جبهته ms655 الشريفة التي طالما عفرها بالسجود لله ، ~~وانتهت الضربة الغادرة إلى دماغه المقدس الذي ما فكر فيه إلا في سعادة ~~الناس ، وجمعهم على صعيد الحق. ولما أحس الإمام (عليه السلام) بلذع السيف ~~انفرجت شفتاه عن ابتسامة ، وانطلق صوته يدوي في رحاب الجامع قائلا : «فزت ~~ورب الكعبة». # لقد كنت يا أمير المؤمنين أول الفائزين ، وأعظم الرابحين PageV03P107 # بمرضاة الله ، فقد سايرت الحق منذ نعومة أظفارك ، فلم تداهن في دينك ، ~~ولم تؤثر رضا أحد على طاعة الله ، قد جاهدت وناضلت من أجل أن تعلو كلمة ~~الله في الأرض ، ووقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسك ومهجتك. لقد ~~فزت ، وانتصرت مبادئك ، وبقيت أنت وحدك حديث الدهر بما تركته من سيرة مشرقة ~~أضاءت سماء الدنيا ، وغذت الأجيال بجوهر الحق والعدل. # وخف الناس مسرعين إلى الجامع حينما أذيع مقتل الإمام (عليه السلام)، ~~فوجدوه طريحا في محرابه وهو يلهج بذكر الله ، قد نزف دمه. ثم حمل إلى داره ~~والناس تعج بالبكاء ، وهم يهتفون بذوب الروح : قتل إمام الحق والعدل! قتل ~~أبو الضعفاء وأخو الغرباء! واستقبلته عائلته بالصراخ ، فأمرهن (عليه ~~السلام) بالخلود إلى الصبر. وغرق الإمام الحسن (عليه السلام) بالبكاء ، ~~فالتفت إليه الإمام (عليه السلام) قائلا : «يا بني ، لا تبك فأنت تقتل ~~بالسم ، ويقتل أخوك الحسين بالسيف». وتحقق تنبؤ الإمام (عليه السلام)، فلم ~~تمض حفنة من السنين وإذا بالحسن (عليه السلام) اغتاله معاوية بالسم فذابت ~~أحشاؤه ، وأما الحسين (عليه السلام) فتناهبت جسمه السيوف والرماح ، وتقطعت ~~أوصاله على صعيد كربلاء. # ويقول المؤرخون : إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن حاضرا بالكوفة ~~حينما اغتيل أبوه ، وإنما كان في معسكر النخيلة قائدا لفرقة من الجيش الذي ~~أعده الإمام (عليه السلام) لمناجزة معاوية ، وقد أرسل إليه الإمام الحسن ~~(عليه السلام) رسولا يعرفه بما جرى على أبيه ، فقفل راجعا إلى الكوفة وهو ~~غارق بالأسى والشجون ، فوجد أباه على حافة الموت ، فألقى بنفسه عليه يوسعه ~~تقبيلا ، ودموعه تتبلور على خديه. PageV03P108 # وأخذ الإمام العظيم يوصي أولاده بالمثل الكريمة والقيم الإنسانية ، وعهد ~~إليهم أن لا يقتلوا ms656 غير قاتله ، وأن لا يتخذوا من قتله سببا لإثارة الفتنة ~~وإراقة الدماء بين المسلمين ، كما فعل بنو امية حينما قتل عميدهم عثمان. ### || الى رفيق الاعلى : # وأخذ الإمام (عليه السلام) يعاني آلام الاحتضار وهو يتلو آيات الذكر ~~الحكيم ، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى : « @QUR@04 لمثل هذا فليعمل ~~العاملون ». ثم فاضت روحه الزكية تحفها ملائكة الرحمن ، فمادت أركان العدل ~~في الأرض ، وانطمست معالم الدين. لقد مات ملاذ المنكوبين والمحرومين ، الذي ~~جهد نفسه أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة تكتسح الإثرة والاستغلال ، وتقيم ~~العدل والحق بين الناس. # وقام سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتجهيز أبيهما ، فغسلا جسده ~~الطاهر وأدرجاه في أكفانه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوه إلى مقره ~~الأخير فدفنوه في النجف الأشرف ، وقد واروا معه العدالة الاجتماعية والقيم ~~الإنسانية. # ويقول المؤرخون : إن معاوية لما وافاه النبأ بمقتل الإمام (عليه السلام) ~~فرح ، واتخذ يوم قتله عيدا رسميا في دمشق ، فقد تمت بوارق آماله ، وتم له ~~اتخاذ الملك وسيلة لاستعباد المسلمين ، وإرغامهم على ما يكرهون. ### || متارك حكومة الإمام (عليه السلام): # وتركت حكومة الإمام (عليه السلام) آثارا بالغة الأهمية والخطورة في ~~المجتمع الإسلامي ، ولعل من أهمها ما يلي : PageV03P109 # 1 أنها أبرزت الواقع الإسلامي بجميع طاقاته في عالم السياسة والحكم ، فقد ~~كان الإمام (عليه السلام) يهدف في حكمه إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين ~~الناس ، وتحقيق الفرض المتكافئة بينهم على اختلاف قومياتهم وأديانهم ، ~~ومعاملة جميع الطوائف بروح المساواة والعدالة فيما بينهم من دون أن تتمتع ~~أي طائفة بامتياز خاص. وقد أوجدت هذه السياسة للإمام (عليه السلام) رصيدا ~~شعبيا هائلا ، فقد ظل علي (عليه السلام) قائما في قلوب الجماهير الشعبية ~~بما تركه من صنوف العدل والمساواة ، وقد هام بحبه الأحرار ، ونظروا إليه ~~كأعظم مصلح اجتماعي في الأرض ، وقدموه على جميع أعلام تلك العصور. # يقول أيمن بن خريم الأسدي مخاطبا بني هاشم ، وعلى رأسهم الإمام (عليه ~~السلام): # أأجعلكم وأقواما سواء %~% وبينكم وبينهم الهواء وهم أرض لأرجلكم وأنتم %~% لأرؤوسهم وأعينهم سماء (1) # 2 أن مبادئ الإمام ms657 (عليه السلام) وآراءه النيرة ظلت تطارد الامويين ~~وتلاحقهم في قصورهم ، فكانوا ينظرون إليها شبحا مخيفا يهدد سلطانهم ، مما ~~جعلهم يفرضون سبه على المنابر ؛ للحط من شأنه ، وصرف الناس عن قيمه ~~ومبادئه. # 3 أن حكومة الإمام (عليه السلام) التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية ~~الكبرى قد جرت لأبنائه كثيرا من المشاكل والمصاعب ، وألحقت بهم التنكيل ~~والقتل من حكام عصرهم ، وقد تنبأ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بذلك ، ~~فقد روى أبو جعفر الإسكافي أن النبي (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة ~~(عليها السلام) فوجد عليا (عليه السلام) نائما ، فذهبت لتوقظه ، فقال (صلى ~~الله عليه وآله): «دعيه ، فرب سهر له بعدي طويل ، ورب جفوة لأهل بيتي من ~~أجله». فبكت فاطمة (عليها السلام)، فقال لها : «لا تبكي فإنه معي ، وفي ~~موقف الكرامة عندي» (2). PageV03P110 # لقد أمعن الحكم الاموي والعباسي في ظلم أبناء الإمام (عليه السلام)؛ ~~لأنهم تبنوا حقوق المظلومين والمضطهدين ، وتبنوا المبادئ العليا التي رفع ~~شعارها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فناضلوا كأشد ما يكون النضال ~~في سبيل تحقيقها على مسرح الحياة. # وكان من أشد أبناء الإمام (عليه السلام) حماسا واندفاعا في حماية مبادئ ~~أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد انطلق إلى ساحات الجهاد عازما على ~~الموت ، آيسا من الحياة ؛ ليحمي مبادئ جده وأبيه ، ويرفع راية الإسلام ~~عالية خفاقة ، وينكس أعلام الشرك والإلحاد ، ويحطم قيود العبودية والذل. # 4 أوجد الإمام (عليه السلام) في أثناء حكمه القصير وعيا أصيلا في مقارعة ~~الظلم ومناهضة الجور ، فقد هب في وجه الحكم الاموي أعلام أصحابه كحجر بن ~~عدي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وعبد الله بن عفيف الأزدي وأمثالهم من ~~الذين تربوا بهدي الإمام (عليه السلام)، فدوخوا اولئك الظالمين بثورات ~~متلاحقة أطاحت بزهوهم وجبروتهم. لقد كان حكم الإمام (عليه السلام) حقا ~~مدرسة للنضال والثورة ، ومدرسة لبث الوعي الديني والإدراك الاجتماعي ، ~~وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مخلفات حكومة الإمام (عليه السلام). ### || خلافة الحسن (عليه السلام): # وتقلد الإمام الحسن (عليه السلام) أزمة الخلافة الإسلامية بعد أبيه ، ~~فتسلم قيادة حكومة شكلية عصفت ms658 بها الفتن ، ومزقت جيشها الحروب والأحزاب ، ~~ولم تعد هناك أية قاعدة شعبية تستند إليها الدولة ، فقد كان الاتجاه العام ~~الذي يمثله الوجوه والأشراف مع معاوية ، فقد كانوا على اتصال وثيق به قبل ~~مقتل الإمام (عليه السلام) وبعده ، كما كان لهم الدور الكبير في إفساد جيش ~~الإمام (عليه السلام) حينما مني جيش معاوية بالهزيمة والفرار. وعلى أي حال ~~، فإن الإمام الحسن (عليه السلام) PageV03P111 # بعد أن تقلد الخلافة أخذ يتهيأ للحرب ، وقد أمر بعقد اجتماع عام في جامع ~~الكوفة ، وقد حضرته القوات المسلحة وغيرها ، وألقى الإمام (عليه السلام) ~~خطابا رائعا ومؤثرا دعا فيه إلى تلاحم القوى ووحدة الصف ، وحذر فيه من ~~الدعايات التي تبثها أجهزة الحكم الاموي ، ثم ندب الناس لحرب معاوية ، فلما ~~سمعوا ذلك وجلت قلوبهم وكمت أفواههم ، ولم يستجب منهم أحد سوى البطل الملهم ~~عدي بن حاتم ، فانبرى يعلن دعمه الكامل للإمام (عليه السلام)، ووجه أعنف ~~اللوم والتقريع لأهل الكوفة على موقفهم الانهزامي ، واستبان للإمام وغيره ~~أن جيشه لا يريد الحرب ، فقد خلع يد الطاعة ، وانساب في ميادين العصيان ~~والتمرد. # وبعد جهود مكثفة قام بها بعض المخلصين للإمام (عليه السلام) نفر للحرب ~~أخلاط من الناس على حد تعبير الشيخ المفيد كان أكثرهم من الخوارج والشكاكين ~~وذوي الأطماع ، وهذه العناصر لم تؤمن بقضية الإمام (عليه السلام)، وقد ~~تطعمت بالخيانة والغدر. # ويقول الرواة : إن الإمام (عليه السلام) أسند مقدمة قيادة جيشه لعبيد ~~الله بن العباس الذي وتره معاوية بابنيه ليكون ذلك داعية إخلاص له ، وحينما ~~التقى جيشه بجيش معاوية مد إليه معاوية أسلاك مكره ، فمناه بمليون درهم ~~يدفع نصفه في الوقت ، والنصف الآخر إذا التحق به (1). وسال لعاب عبيد الله ~~فاستجاب لدنيا معاوية ، ومال عن الحق ، فالتحق بمعسكر الظلم والجور ومعه ~~ثمانية آلاف من الجيش (2)، غير حافل بالخيانة والعار ، ولا بالأضرار ~~الفظيعة التي ألحقها بجيش ابن عمه ؛ فقد تفللت جميع وحداته وقواعده. # ولم تقتصر الخيانة على عبيد الله ، وإنما خان غيره من كبار قادة ذلك PageV03P112 # الجيش فالتحقوا بمعاوية ، وتركوا الإمام (عليه السلام) ms659 في أرباض ذلك ~~الجيش المنهزم يصعد آهاته وآلامه. ولم تقتصر محنة الإمام (عليه السلام) ~~وبلاؤه في جيشه على خيانة قادة فرقه ، وإنما تجاوز بلاؤه إلى ما هو أعظم من ~~ذلك ، فقد قامت فصائل من ذلك الجيش بأعمال رهيبة بالغة الخطورة ، وهي : ### ||| 1 الاعتداء على الإمام (عليه السلام). # وقام الرجس الخبيث الجراح بن سنان بالاعتداء على الإمام (عليه السلام)، ~~فطعنه في فخذه بمغول (1)، فهوى الإمام (عليه السلام) جريحا ، وحمل إلى ~~المواني لمعالجة جرحه (2)، وطعنه شخص آخر بخنجر في أثناء الصلاة (3)، كما ~~رماه شخص بسهم في أثناء الصلاة إلا أنه لم يؤثر فيه شيئا (4)، وأيقن ~~الإمام (عليه السلام) أن أهل الكوفة جادون في قتله واغتياله. ### ||| 2 الحكم عليه بالكفر. # وأصيب ذلك الجيش بدينه وعقيدته ، فقد رموا حفيد نبيهم وريحانته بالكفر ~~والمروق من الدين ، فقد جابهه الجراح بن سنان رافعا عقيرته ، قائلا : أشركت ~~يا حسن كما أشرك أبوك (5). وكان هذا رأي جميع الخوارج الذين كانوا يمثلون ~~الأكثرية الساحقة في ذلك الجيش. ### ||| 3 الخيانة العظمى. # والخيانة العظمى التي قام بها بعض زعماء ذلك الجيش أنهم راسلوا PageV03P113 # معاوية ، وضمنوا له تسليم الإمام (عليه السلام) أسيرا ، أو اغتياله متى ~~رغب وشاء (1)، وأقض ذلك مضجع الإمام (عليه السلام)، فخاف أن يؤسر ويسلم ~~إلى معاوية فيمن عليه ، ويسجل بذلك يدا لبني امية على الأسرة النبوية ، كما ~~كان (عليه السلام) يتحدث بذلك بعد إبرام الصلح. ### ||| 4 نهب أمتعة الإمام (عليه السلام). # وعمد أجلاف أهل الكوفة إلى نهب أمتعة الإمام (عليه السلام) وأجهزته ، ~~فنزعوا بساطا كان جالسا عليه ، كما سلبوا منه رداءه (2). # هذه بعض الأحداث الرهيبة التي قام بها ذلك الجيش الذي تمرس في الخيانة ~~والغدر. ### || الصلح : # ووقف الإمام الحسن (عليه السلام) من هذه الفتن السود موقف الحازم اليقظ ، ~~الذي تمثلت فيه الحكمة بجميع رحابها ومفاهيمها ، فرأى أنه أمام أمرين : # 1 أن يفتح باب الحرب مع معاوية ، وهو على يقين لا يخامره أدنى شك أن ~~الغلبة ستكون لمعاوية ؛ فإما أن يقتل هو وأصحابه وأهل بيته الذين يمثلون ~~القيم الإسلامية ، ويخسر ms660 الإسلام بتضحيتهم قادته ودعاته من دون أن تستفيد ~~القضية الإسلامية أي شيء ؛ فإن معاوية بحسب قابلياته الدبلوماسية يحمل ~~المسؤولية على الإمام (عليه السلام)، ويلقي على تضحيته ألف حجاب ، أو أنه ~~يؤسر فيمن عليه معاوية فتكون سيئة على بني هاشم ، وفخرا لبني امية. # 2 أن يصالح معاوية فيحفظ للإسلام رجاله ودعاته ، ويبرز في PageV03P114 # صلحه واقع معاوية ، ويكشف عنه ذلك الستار الصفيق الذي تستر به ، وقد ~~اختار (عليه السلام) هذا الأمر على ما فيه من قذى في العين ، وشجى في الحلق. # ويقول المؤرخون : إنه جمع جيشه فعرض عليهم الحرب أو السلم ، فتعالت ~~الأصوات من كل جانب وهم ينادون : البقية البقية (1). # لقد استجابوا للذل ورضوا بالهوان ومالوا عن الحق ، وقد أيقن الإمام (عليه ~~السلام) أنهم قد فقدوا الشعور والإحساس ، وأنه ليس بالمستطاع أن يحملهم على ~~الطاعة ويكرههم على الحرب ، فاستجاب على كره ومرارة إلى الصلح. # لقد كان الصلح أمرا ضروريا يحتمه الشرع ، ويلزم به العقل ، وتقضي به ~~الظروف الاجتماعية الملبدة بالمشاكل السياسية ؛ فإن من المؤكد أنه لو فتح ~~باب الحرب لمني جيشه بالهزيمة ، ومنيت الأمة من جراء ذلك بكارثة لا حد ~~لأبعادها. # أما كيفية الصلح وشروطه وأسبابه ، وزيف الناقدين له فقد تحدثنا عنها ~~بالتفضيل في كتابنا حياة الإمام الحسن (عليه السلام). ### || موقف الإمام الحسين (عليه السلام): # والشيء المحقق أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد تجاوب فكريا مع أخيه في ~~أمر الصلح ، وأنه تم باتفاق بينهما ، فقد كانت الأوضاع الراهنة تقضي ~~بضرورته ، وأنه لا بد منه. # وهناك بعض الروايات الموضوعة تعاكس ما ذكرناه ، وأن الإمام الحسين (عليه ~~السلام) كان كارها للصلح ، وقد هم أن يعارضه فأنذره أخوه PageV03P115 # بأن يقذفه في بيت فيطينه عليه حتى يتم أمر الصلح ، فرأى أن من الوفاء ~~لأخيه أن يطيعه ولا يخالف له أمرا ، فأجابه إلى ذلك. وقد دللنا على افتعال ~~ذلك وعدم صحته إطلاقا في كتابنا حياة الإمام الحسن (عليه السلام). ### || عدي بن حاتم مع الحسين (عليه السلام): # ولما أبرم أمر الصلح خف عدي بن حاتم ومعه عبيدة بن ms661 عمر إلى الإمام الحسين ~~(عليه السلام) وقلبه يلتهب نارا ، فدعا الإمام إلى إثارة الحرب قائلا : يا ~~أبا عبد الله ، شريتم الذل بالعز ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير! أطعنا ~~اليوم واعصنا الدهر ؛ دع الحسن وما رأى من هذا الصلح ، واجمع إليك شيعتك من ~~أهل الكوفة وغيرها ، وولني وصاحبي هذه المقدمة ، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن ~~نقارعه بالسيوف. # فقال الحسين (عليه السلام): «إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض ~~بيعتنا» (1). ولو كان الحسين (عليه السلام) يرى مجالا للتغلب على الأحداث ~~لخاض الحرب وناجز معاوية ، ولكن قد سدت عليه وعلى أخيه جميع النوافذ والسبل ~~، فرؤوا أنه لا طريق لهم إلا الصلح. ### || تحول الخلافة : # وتحولت الخلافة الإسلامية من طاقتها الأصيلة ومفاهيمها البناءة إلى ملك ~~عضوض مستبد ، لا ظل فيه للعدل ، ولا شبح فيه للحق ؛ قد تسلطت الطغمة PageV03P116 # الحاكمة من بني أمية على الأمة ، وهي تمعن في إذلالها ونهب ثرواتها ~~وإرغامها على العبودية. يقول بعض الكتاب : ونجم عن زوال الخلافة الراشدة ~~وانتقال الخلافة إلى بني أمية نتائج كبيرة ، فقد انتصرت اسرة بني أمية على ~~الاسرة الهاشمية ، وهذا كان معناه انتصار الأرستقراطية القرشية وأصحاب رؤوس ~~المال والمضاربات التجارية على أصحاب المبادئ والمثل. # لقد كان نصر معاوية هزيمة لكل الجهود التي بذلت للحد من طغيان الرأسمالية ~~القرشية ، هزيمة لحلف الفضول ، وهزيمة للدوافع المباشرة لقيام الإسلام ~~وحربه على الاستغلال والظلم ، هزيمة للمثل والمبادئ ، ونجاح للحنكة ~~والسياسة المدعومة بالتجربة والمال ، ولقد كان لهذه الهزيمة وقع مفجع على ~~الإسلام وأجيال المسلمين. # ويقول نيكلسون : واعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسها معاوية ، ~~انتصارا للأرستقراطية والوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء ، والتي ~~جاهدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قضى عليها ، وصبر معه المسلمون ~~على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم الله ، وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام ~~، ذلك الدين السمح الذي جعل الناس سواسية في السراء والضراء ، وأزال سيادة ~~رهط كانوا يحتقرون الفقراء ، ويستذلون الضعفاء ، ويبتزون الأموال. # وعلى أي حال ، فقد فجع العالم الإسلامي بعد الصلح بكارثة كبرى ، فخرج من ~~عالم الدعة والأمن ms662 والاستقرار إلى عالم مليء بالظلم والجور ؛ فقد أسرع ~~الامويون بعد أن استتب لهم الأمر إلى الاستبداد بشؤون المسلمين ، وإرغامهم ~~على ما يكرهون. # وعانى الكوفيون من الظلم ما لم يعانه غيرهم ؛ فقد أخذت PageV03P117 # السلطة تحاسبهم حسابا عسيرا على وقوفهم مع الإمام (عليه السلام) في أيام ~~صفين ، وعهدت في شؤونهم إلى الجلادين أمثال المغيرة بن شعبة ، وزياد بن ~~أبيه ، فصبوا عليهم وابلا من العذاب الأليم ، وأخذ الكوفيون يندبون حظهم ~~التعيس على ما اقترفوه من عظيم الإثم في خذلانهم للإمام أمير المؤمنين ~~وولده الحسن (عليهما السلام)، وجعلوا يلحون على الإمام الحسين (عليه ~~السلام) بوفودهم ورسائلهم لينقذهم من ظلم الامويين وجورهم. إلا أن من ~~المدهش حقا أنه لما استجاب لهم شهروا في وجهه السيوف ، وقطعوا أوصاله ~~وأوصال أبنائه على صعيد كربلاء ... وبهذا ينتهي بنا المطاف عن افول دولة الحق. PageV03P118 ### | حكومة معاوية PageV03P119 # واستقبل المسلمون حكومة معاوية بعد الصلح بكثير من الذعر والفزع والخوف ، ~~فقد عرفوا واقع معاوية ووقفوا على اتجاهاته الفكرية والعقائدية ، فخافوه ~~على دينهم وعلى نفوسهم وأموالهم ، وقد وقع ما خافوه ؛ فإنه لم يكد يستولي ~~على رقاع الدولة الإسلامية حتى أشاع الظلم والجور والفساد في الأرض. # ويقول المؤرخون : إنه ساس المسلمين سياسة لم يألفوها من قبل ، فكانت ~~سياسته تحمل شارات الموت والدمار ، كما كانت تحمل معول الهدم على جميع ~~القيم الأخلاقية والإنسانية ، وقد انتعشت في عهده الوثنية بجميع مساوئها ~~التي نفر منها الناس. # يقول السيد مير علي الهندي : ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم ~~التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتل موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت ~~الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات وكأنها بعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة ~~والتبذل الخلقي لنفسها متسعا في كل مكان ارتادته رايات حكام الامويين من ~~قادة جند الشام (1). # والشيء المؤكد أن حكومة معاوية لم تستند إلى رضى الأمة أو مشورتها ، ~~وإنما فرضت عليها بقوة السلاح ، وقد اعترف معاوية بذلك اعترافا رسميا ~~بتصريح أدلى به أمام جمهور غفير من الناس ، فقال : والله ، ما وليتها أي ~~الخلافة بمحبة علمتها منكم ، ولا مسرة ms663 بولايتي ، ولكن جالدتكم بسيفي هذا ~~مجالدة ، فإن لم تجدوني أقوم مجتمعكم كله فاقبلوا مني بعضه. # ولما وقعت الأمة فريسة تحت أنيابه بعد الصلح خطب في (النخيلة) خطابا ~~قاسيا ، أعلن فيه عن جبروته وطغيانه على الأمة ، واستهانته بحقوقها ، فقد ~~جاء فيه : والله ، إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ولا ~~لتزكوا ؛ إنكم لتفعلون ذلك ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، PageV03P121 # وقد أعطاني الله ذلك وانتم له كارهون (1). # ومثل هذا الخطاب الاتجاهات الشريرة التي يحملها معاوية ، فمن أجل الإمرة ~~والسيطرة على العباد أراق دماء المسلمين ، وأشاع في بيوتهم الثكل والحزن ~~والحداد. # ولا بد لنا من دراسة موجزة للمخططات السياسية التي تبنتها حكومة معاوية ~~وما رافقها من الأحداث الجسام ؛ فإنها فيما نعتقد من ألمع الأسباب في ثورة ~~الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد رأى ما مني به المسلمون في هذا العهد من ~~الحرمان والاضطهاد ، وما أصيبوا به من الانحراف والتذبذب من جراء النقائص ~~الاجتماعية التي أوجدها الحكم الاموي ، فهب سلام الله عليه بعد هلاك معاوية ~~إلى تفجير ثورته الكبرى التي أدت إلى إيقاظ الوعي الاجتماعي الذي اكتسح ~~الحكم الاموي ، وأزال جميع معالمه وآثاره ... وهذه بعض معالم سياسة معاوية. ### || سياسته الاقتصادية : # ولم تكن لمعاوية أية سياسة اقتصادية في المال حسب المعنى المصطلح لهذه ~~الكلمة ، وإنما كان تصرفه في جباية الأموال وإنفاقها خاضعا لرغباته وأهوائه ~~؛ فهو يهب الثراء العريض للقوى المؤيدة له ، ويحرم العطاء للمعارضين له ، ~~ويأخذ الأموال ويفرض الضرائب ، كل ذلك بغير حق. # إن من المقطوع به أنه لم يعد في حكومة معاوية أي ظل للاقتصاد الإسلامي ~~الذي عالج القضايا الاقتصادية بأروع الوسائل وأعمقها ، فقد عنى بزيادة ~~الدخل الفردي ، ومكافحة البطالة ، وإذابة الفقر ، واعتبر مال PageV03P122 # الدولة ملكا للشعب يصرف على تطوير وسائل حياته وازدهار رخائه ، ولكن ~~معاوية قد أشاع الفقر والحاجة عند الأكثرية الساحقة من الشعب ، وأوجد ~~الرأسمالية عند فئة قليلة راحت تتحكم في مصير الناس وشؤونهم. # وهذه بعض الخطوط الرئيسة في سياسته الاقتصادية : ### || الحرمان الاقتصادي : # وأشاع معاوية الحرمان الاقتصادي في بعض الأقطار التي كانت تضم ms664 الجبهة ~~المعارضة له ، فنشر فيها البؤس والحاجة حتى لا تتمكن من القيام بأية معارضة ~~له ، وهذه بعض المناطق التي قابلها بالاضطهاد والحرمان : ### ||| 1 يثرب : # وسعى معاوية لإضعاف يثرب فلم ينفق على المدنيين أي شيء من المال ، وجهد ~~على فقرهم وحرمانهم ؛ لأنهم من معاقل المعارضة لحكمه ، وفيهم كثير من ~~الشخصيات الحاقدة على الاسرة الاموية الطامعة في الحكم. # ويقول المؤرخون : إنه أجبرهم على بيع أملاكهم فاشتراها بأبخس الأثمان ، ~~وقد أرسل القيم على أملاكه لتحصيل وارداتها فمنعوه عنها ، وقابلوا حاكمهم ~~عثمان بن محمد وقالوا له : إن هذه الأموال لنا كلها ، وإن معاوية آثر علينا ~~في عطائنا ولم يعطنا درهما فما فوقه حتى مضنا الزمان ، ونالتنا المجاعة ، ~~فاشتراها بجزء من مئة من ثمنها. فرد عليهم حاكم المدينة بأقسى القول وأمره. # ووفد على معاوية الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري فلم يأذن له ؛ ~~تحقيرا وتوهينا به ، فانصرف عنه ، فوجه له معاوية بستمئة درهم فردها جابر ، ~~وكتب إليه : # وإني لأختار القنوع على الغنى %~% إذا اجتمعا والماء بالبارد المحض PageV03P123 وأقضي على نفسي إذا الأمر نابني %~% وفي الناس من يقضى عليه ~~ولا يقضي وألبس أثواب الحياء وقد أرى %~% مكان الغنى ألا أهين له عرضي # وقال لرسول معاوية : قل له : والله يا بن آكلة الأكباد ، لا تجد في ~~صحيفتك حسنة أنا سببها أبدا. # وانتشر الفقر في بيوت الأنصار وخيم عليهم البؤس ، حتى لم يتمكن الرجل ~~منهم على شراء راحلة يستعين بها على شؤونه ، ولما حج معاوية واجتاز على ~~يثرب استقبله الناس ومنهم الأنصار ، وكان أكثرهم مشاة ، فقال لهم : ما ~~منعكم من تلقي كما يتلقاني الناس؟ فقال له سعيد بن عبادة : منعنا من ذلك ~~قلة الظهر ، وخفة ذات اليد ، وإلحاح الزمان علينا ، وإيثارك بمعروفك غيرنا. # فقال له معاوية باستهزاء وسخرية : أين أنتم عن نواضح المدينة؟ فسدد له ~~سعيد سهما من منطقه الفياض قائلا : نحرناها يوم بدر ، يوم قتلنا حنظلة بن ~~أبي سفيان (1). # لقد قضت سياسة معاوية بنشر المجاعة في يثرب ، وحرمان أهلها من الصلة ~~والعطاء. يقول عبد الله بن ms665 الزبير في رسالته إلى يزيد : فلعمري ، ما تؤتينا ~~مما في يدك من حقنا إلا القليل ، وإنك لتحبس عنا منه العريض. # وقد أوعز معاوية إلى الحكومة المركزية في يثرب برفع أسعار المواد ~~الغذائية فيها حتى تعم فيها المجاعة ، وقد ألمع إلى ذلك يزيد في رسالته ~~التي بعثها للمدينين ، ووعدهم فيها بالإحسان إن خضعوا لسلطانه ، وقد جاء فيها : # ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة كسعر الحنطة عندنا ، والعطاء PageV03P124 # الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي لهم وفرا كاملا (1). # وقد جعل معاوية الولاة على الحجاز تارة مروان بن الحكم ، وأخرى سعيد بن ~~العاص ، وكان يعزل الأول ويولي الثاني ، وقد جهدا في إذلال أهل المدينة ~~وفقرهم. ### ||| 2 العراق : # أما العراق فقد قابله معاوية بالمزيد من العقوبات الاقتصادية باعتباره ~~المركز الرئيس للمعارضة ، والقطر الوحيد الساخط على حكومته ، وكان واليه ~~المغيرة بن شعبة يحبس العطاء والأرزاق عن أهل الكوفة. وقد سار حكام ~~الامويين من بعد معاوية على هذه السيرة في اضطهاد العراق وحرمان أهله ، فإن ~~عمر بن عبد العزيز أعدلهم لم يساو بين العراقيين والشاميين في العطاء ، فقد ~~زاد في عطاء الشاميين عشرة دنانير ولم يزد في عطاء أهل العراق (2). # لقد عانى العراق في عهد الحكم الاموي أشد ألوان الضيق ؛ مما جعل ~~العراقيين يقومون بثورات متصلة ضد حكمهم. ### ||| 3 مصر : # ونالت مصر المزيد من الاضطهاد الاقتصادي ، فقد كتب معاوية إلى عامله : أن ~~زد على كل امرئ من القبط قيراطا. فأنكر عليه عامله وكتب إليه : كيف أزد ~~عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم! (3) وشمل الضيق الاقتصادي سائر الأقطار ~~الإسلامية ؛ ليشغلها عن معارضة حكمه. PageV03P125 ### || الرفاه على الشام : # وبينما كانت البلاد الإسلامية تعاني الجهد والحرمان نجد الشام في رخاء ~~شامل ، وأسعار موادها الغذائية منخفضة جدا ؛ لأنها أخلصت للبيت الاموي ، ~~وعملت على تدعيم حكمه ، فكان الرفاه يعد فيها شائعا ، أما ما يؤيد ذلك فهي ~~رسالة يزيد التي ذكرناها قبل قليل. # وقد حملوا أهل الشام على رقاب الناس كما ألمع إلى ذلك مالك بن هبيرة في ~~حديثه ms666 مع الحصين بن نمير ، يقول له : هلم فلنبايع لهذا الغلام أي خالد بن ~~يزيد الذي نحن ولدنا أباه ، وهو ابن اختنا ، فقد عرفت منزلتنا من أبيه ، ~~فإنه كان يحملنا على رقاب العرب (1). ### || استخدام المال في تدعيم ملكه : # واستخدم معاوية الخزينة المركزية لتدعيم ملكه وسلطانه ، واتخذ المال ~~سلاحا يمكنه من قيادة الأمة ورئاسة الدولة. يقول السيد مير علي الهندي : ~~وكانت الثروات التي جمعها معاوية من عمالته على الشام يبذرها هو وبطانته ~~على جنوده المرتزقة ، الذين ساعدوه بدورهم على إخفات كل همسة ضدهم (2). # وكانت هذه السياسة غريبة على المسلمين ، لم يفكر فيها أحد من الخلفاء ~~السابقين ، وقد سار عليها من جاء بعده من خلفاء الامويين ؛ فاتخذوا المال PageV03P126 # وسيلة لدعم سلطانهم. يقول الدكتور محمد مصطفى : وكان من عناصر سياسة ~~الامويين استخدام المال سلاحا للإرهاب ، وأداة للتقريب ، فحرموا منه فئة من ~~الناس ، وأغدقوه أضعافا مضاعفة لطائفة أخرى ؛ ثمنا لضمائرهم ، وضمانا ~~لصمتهم (1). # وجعل شكري فيصل المال أحد العاملين الأساسيين اللذين خضع لهما المجتمع ~~الإسلامي خضوعا عجيبا ، وكان من جملة الأسباب في فتن السياسة ، وسيطرة ~~الطبقة الحاكمة من قريش ، كما إنه أحد الأسباب في وقوع الخلاف ما بين العرب ~~والعجم ، بل وما بين العرب أنفسهم (2). ### || المنح الهائلة لأسرته : # ومنح معاوية الأموال الهائلة لاسرته ، فوهبهم الثراء العريض (3)؛ وذلك ~~لتقوية مركزهم ، وبسط نفوذهم على العالم الإسلامي ، في حين أشاع البؤس ~~والحرمان عند أغلب فئات الشعب. ### || منح خراج مصر لعمرو : # ووهب معاوية خراج مصر لابن العاص وجعله طعمة له ما دام حيا ؛ وذلك ~~لتعاونه معه على مناجزة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، رائد الحق ~~والعدالة في الأرض ، وقد ألمعنا إلى تفصيل ذلك في البحوث السابقة. PageV03P127 ### || هبات الأموال للمؤيدين : # وأغدق معاوية الأموال الهائلة على المؤيدين له والمنحرفين عن الإمام أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، وقد أسرف في ذلك إلى حد بعيد ، ويقول الرواة : إن ~~يزيد بن منبه قدم عليه من البصرة يشكو له دينا قد لزمه ، فقال معاوية لخازن ~~بيت المال : أعطه ثلاثين ألفا. ولما ولى قال : وليوم الجمل ثلاثين ألفا ms667 ~~أخرى (1). # لقد وهب له هذه الأموال الضخمة جزاء لمواقفه ، ومواقف أخيه الذي أمد ~~المتمردين في حرب الجمل بالأموال التي نهبها من بيت مال المسلمين ، وقد حفل ~~التاريخ ببوادر كثيرة من هبات معاوية للقوى المنحرفة عن الإمام (عليه ~~السلام)، والمؤيدة له. ### || شراء الأديان : # وفتح معاوية بابا جديدا في سياسته الاقتصادية وهي شراء الأديان وخيانة ~~الذمم ؛ فقد وفد عليه جماعة من أشراف العرب فأعطى كل واحد منهم مئة ألف ، ~~وأعطى الحتات عم الفرزدق سبعين ألفا ، فلما علم الحتات بذلك رجع مغضبا إلى ~~معاوية فقال له : فضحتني في بني تميم ؛ أما حسبي فصحيح ، أولست ذا سن؟ ألست ~~مطاعا في عشيرتي؟ # بلى. # فما بالك خست بي دون القوم ، وأعطيت من كان عليك أكثر ممن PageV03P128 # كان لك؟! # فقال معاوية بلا حياء ولا خجل : إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك. # أنا اشتري مني ديني. فأمر له بإتمام الجائزة (1). # لقد خسرت هذه الصفقة التي كشفت عن مسخ الضمائر ، وتحولها إلى سلعة تباع وتشرى. ### || عجز الخزينة المركزية : # ومنيت الخزينة المركزية بعجز مالي خطير نتيجة الإسراف في الهبات لشراء ~~الذمم والأديان ، ولم تتمكن الدولة من تسديد رواتب الموظفين ؛ مما اضطر ~~معاوية إلى أن يكتب لابن العاص راجيا منه أن يسعفه بشيء من خراج مصر الذي ~~جعله طعمة له ، فقد جاء في رسالته : أما بعد ، فإن سؤال أهل الحجاز وزوار ~~أهل العراق قد كثروا علي ، وليس عندي فضل من إعطيات الجنود ، فأعني بخراج ~~مصر هذه السنة. # ولم يستجب له ابن العاص وراح ينكر عليه ، ويذكره بأياديه التي أسداها ~~عليه ، وقد أجابه بهذه الآبيات : # معاوي إن تدركك نفس شحيحة %~% فما ورثتني مصر امي ولا أبي وما نلتها عفوا ولكن شرطتها %~% وقد دارت الحرب العوان على قطب ولولا دفاعي الأشعري وصحبه %~% لألفيتها ترغو كراغية السغب # ولما قرأ معاوية الأبيات تأثر منه ، ولم يعاوده بشيء من أمر مصر (2). PageV03P129 ### || مصادرة أموال المواطنين : # واضطر معاوية بعد إسرافه وتبذيره إلى مصادرة أموال المواطنين ؛ ليسد ~~العجز المالي الذي منيت به خزينة الدولة ، وقد صادر مواريث ms668 الحتات عم ~~الفرزدق ، فأنكر عليه الفرزدق وقال يهجوه : # أبوك وعمي يا معاوي أورثا %~% تراثا فيختار التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته %~% وميراث صخر جامد لك ذائبه فلو كان هذا الأمر في جاهلية %~% علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دين سوى ذا شنئتم %~% لنا حقنا أو غص بالماء شاربه ألست أعز الناس قوما واسرة %~% وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله %~% كمثلي حصان في الرجال يقاربه وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه %~% ومن دونه البدر المضيء كواكبه أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى %~% وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه وكم من أب لي يا معاوي لم يزل %~% أغر يباري الريح ما ازور جانبه نمته فروع المالكين ولم يكن %~% أبوك الذي من عبد شمس يقاربه (1) # ومعنى هذه الأبيات أن الأموال التي خلفها صخر جد معاوية قد انتقلت إلى ~~وراثه ، في حين إن ميراث عم الفرزدق قد صادره معاوية ، ولو كان ذلك في ~~الجاهلية لكان معاوية أقصر باعا من أن تمتد يده إليه ؛ فإن الفرزدق ينتمي ~~إلى اسرة هي من أعز الاسر العربية وأمنعها. PageV03P130 ### || ضريبة النيروز : # وفرض معاوية على المسلمين ضريبة النيروز ليسد بها نفقاته ، وقد بالغ في ~~إرهاق الناس واضطهادهم على أدائها ، وقد بلغت فيما يقول المؤرخون عشرة ~~ملايين درهم (1)، وهي من الضرائب التي لم يألفها المسلمون ، وقد اتخذها ~~الخلفاء من بعده سنة فأرغموا المسلمين على أدائها. ### || نهب الولاة والعمال : # وأصبحت الولاية في عهد معاوية مصدرا من مصادر النهب والسرقة ، ومصدرا ~~للثراء وجمع الأموال. يقول أنس بن أبي إياس لحارثة الغذاني صاحب زياد بن ~~أبيه حينما ولي على (سرق)، وهي إحدى كور الأهواز : # أحار بن بدر قد وليت إمارة %~% فكن جرذا فيها تخون وتسرق وباه تميما بالغنى إن للغنى %~% لسانا به المرء الهيوبة ينطق ولا تحقرن يا حار شيئا أصبته %~% فحظك من ملك العراقيين سرق (2) # ويصف عقبة بن هبيرة الأسدي ظلم الولاة واستقصائهم أموال الرعية بقوله : # معاوي إننا بشر فأسجح %~% فلسنا بالجبال ولا الحديد (3) أكلتم أرضنا ms669 فجردتموها %~% فهل من قائم أو من حصيد PageV03P131 فهبنا أمة ذهبت ضياعا %~% يزيد أميرها وأبو يزيد أتطمع في الخلافة إذ هلكنا %~% وليس لنا ولا لك من خلود ذروا خول الخلافة واستقيموا %~% وتأمير الأراذل والعبيد وأعطونا السوية لا تزركم %~% جنود مردفات بالجنود (1) # وقد عانى المسلمون ضروبا شاقة وعسيرة من جور الولاة وظلم الجباة ، فقد ~~تمرسوا بالسلب والنهب ، ولم يتركوا عند أحد من الناس فضلا من المال إلا ~~صادروه. ### || جباية الخراج : # أما جباية الخراج فكانت خاضعة لرغبات الجباة وأهوائهم ، وقد سأل صاحب ~~أخنا عمرو بن العاص عن مقدار ما عليه من الجزية ، فنهره ابن العاص وقال له ~~: لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ، ما عليك! إنما أنتم خزانة لنا ~~، إن كثر علينا كثرنا عليكم ، وإن خفف عنا خففنا عنكم (2). # وهدمت هذه الإجراءات الظالمة جميع قواعد العدل والمساواة التي جاء بها ~~الإسلام. ### || اصطفاء الذهب والفضة : # وأوعز معاوية إلى زياد بن أبيه أن يصطفي له الذهب والفضة ، فقام PageV03P132 # زياد مع عماله بإجبار المواطنين على مصادرة ما عندهم من ذلك وإرساله إلى ~~دمشق (1)، وقد ضيق بذلك على الناس وترك الفقر آخذا بخناقهم. ### || شل الحركة الاقتصادية : # وشلت الحركة الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد ، فخربت الزراعة والتجارة ، ~~وأصيب الاقتصاد العام بنكسة شاملة نتيجة تبذير معاوية وإسرافه ، وقد أعلن ~~ذلك عبد الله بن همام السلولي ، فقد كتب شعرا في رقاع وألقاها في المسجد ~~الجامع يشكو فيها الجور الهائل ، والمظالم الفظيعة التي صبها معاوية وعماله ~~على الناس ، وهذه هي الأبيات : # ألا أبلغ معاوية بن صخر %~% فقد خرب السواد فلا سوادا أرى العمال أقساء علينا %~% بعاجل نفعهم ظلموا العبادا فهل لك أن تدارك بالدنيا %~% وتدفع عن رعيتك الفسادا وتعزل تابعا أبدا هواه %~% يخرب من بلادته البلادا إذا ما قلت أقصر عن هواه %~% تمادى في ضلالته وزادا (2) # وقد صور السلولي بهذه الأبيات سوء الحالة الاقتصادية ، وتسلط الولاة على ~~ظلم الرعية ، ودعا السلطة إلى عزلهم وإقصائهم عن وظائفهم ؛ فقد جهدوا في ~~خراب السواد ، وامتصوا الدماء ، واتبعوا الهوى ، وظلوا عن الطريق القويم. ms670 PageV03P133 ### || حجة معاوية : # ويرى معاوية أن أموال الأمة وخزينتها المركزية ملك له يتصرف فيها حيث ما ~~شاء ، يقول : الأرض لله ، وأنا خليفة الله ، فما أخذ من مال الله فهو لي ، ~~وما تركته كان جائزا إلي (1). # وهذا المنطق بعيد عن روح الإسلام ، وبعيد عن اتجاهاته ، فقد قنن أسسه ~~الاقتصادية على أساس أن المال مال الشعب ، وأن الدولة ملزمة بتنميته ~~وتطويره ، وليس لرئيس الدولة وغيره أن يتلاعب باقتصاد الأمة وينفقه على ~~رغباته وأهوائه ؛ فإن ذلك يؤدي إلى إذاعة الحاجة ونشر البطالة ، ويعرض ~~البلاد للأزمات الاقتصادية. # لقد اعتبر الإسلام الفقر كارثة اجتماعية ، ووباء شاملا يجب مكافحته بكل ~~الطرق والوسائل ، وليس لرئيس الدولة أن يصطفي من مال الأمة أي شيء ، هذا هو ~~رأي الإسلام ، ولكن معاوية بصورة لا تقبل الجدل لم يع ذلك ، فتصرف بأموال ~~المسلمين حسب رغباته وأهوائه. # هذه بعض معالم سياسة معاوية الاقتصادية التي فقدت روح التوازن ، وأشاعت ~~البؤس والحرمان في البلاد. ### || سياسة التفريق : # وبنى معاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم ، وبث روح ~~التفرقة والبغضاء بينهم ؛ إيمانا منه بأن الحكم لا يمكن أن يستقر له إلا في PageV03P134 # تفلل وحدة الأمة ، وإشاعة العداء بين أبنائها. يقول العقاد : وكانت له أي ~~لمعاوية حيلته التي كررها وأتقنها وبرع فيها ، واستخدمها مع خصومه في ~~الدولة من المسلمين وغير المسلمين ، وكان قوام تلك الحيلة العمل الدائب على ~~التفرقة ، والتخذيل بين خصومه بإلقاء الشبهات بينهم ، وإثارة الإحن فيهم ، ~~ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه. كان لا يطيق أن يرى رجلين ذوي خطر ~~على وفاق ، وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار مما يعينه على الإيقاع بهم (1). # لقد شتت كلمة المسلمين ، وفصم عرى الأخوة الإسلامية التي عقد أواصرها ~~الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وبنى عليها مجتمعه. ### || اضطهاد الموالي : # وبالغ معاوية في اضطهاد الموالي وإذلالهم ، وقد رام أن يبيدهم إبادة ~~شاملة. يقول المؤرخون : إنه دعا الأحنف بن قيس ، وسمرة بن جندب ، وقال لهما ~~: إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت ، وأراها قد قطعت على السلف ، وكأني أنظر ~~إلى ms671 وثبة منهم على العرب والسلطان ، فقد رأيت أن أقتل شطرا منهم ، وأدع ~~شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق. # ولم يرتض الأحنف وسمرة هذا الإجراء الخطير ، فأخذا يلطفان به حتى عدل عن ~~رأيه (2). # لقد سن معاوية اضطهاد الموالي ، وأخذت الحكومات التي تلت من بعده تشيع ~~فيهم الجور والحرمان بالرغم من اشتراكهم في الميادين العسكرية PageV03P135 # وغيرها من أعمال الدولة. يقول شاعر الموالي شاكيا مما ألم بهم من الظلم : # أبلغ أمية عني إن عرضت لها %~% وابن الزبير وأبلغ ذلك العربا إن الموالي أضحت وهي عاتبة %~% على الخليفة تشكوا الجوع والحربا # وانبرى أحد الخراسانيين إلى عمر بن عبد العزيز يطالبه بالعدل فيهم قائلا ~~له : يا أمير المؤمنين ، عشرون ألفا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق ، ~~ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤدون الخراج! (1) # وكان الشعبي قاضي عمر بن عبد العزيز قد بغض المسجد حتى صار أبغض إليه من ~~كناسة داره حسب ما يقول ؛ لأن الموالي كانت تصلي فيه (2)، وقد اضطر ~~الموالي إلى تأسيس مسجد خاص لهم أسموه (مسجد الموالي)، كانوا يقيمون ~~الصلاة فيه (3). # ويميل (خودا بخش) إلى الظن أنهم إنما اضطروا إلى تأدية صلاتهم فيه بعدما ~~رؤوا تعصب العرب ضدهم ، وأنهم لم يكونوا يسمحون لهم بالعبادة معهم في مسجد ~~واحد (4). # وكان الموالي يلطفون بالرد على العرب ويدعونهم إلى الهدى قائلين : إننا ~~لا ننكر تباين الناس ، ولا تفاضلهم ، ولا السيد منهم والمسود ، والشريف ~~والمشروف ، ولكننا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم هو ليس بآبائهم ولا ~~بأحسابهم ، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم ، وشرف أنفسهم ، وبعد همهم ، فمن كان ~~دنيء الهمة ، ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ؛ إنما ~~الكريم من كرمت أفعاله ، والشريف من PageV03P136 # شرفت همته (1). # ولم يع الامويون ومن سار في ركابهم هذا المنطق المشتق من واقع الإسلام ~~وهديه ، الذي أمر ببسط المساواة والعدل بين جميع الناس من دون فرق بين ~~قومياتهم. # وعلى أي حال ، فقد أدت هذه السياسة العنصرية إلى إشاعة الأحقاد بين ~~المسلمين واختلاف كلمتهم ، كما أدت إلى تجنيد الموالي لكل ms672 حركة ثورية تقوم ~~ضد الحكم الاموي ، وكانوا بالأخير هم القوة الفعالة التي أطاحت بالامويين ، ~~وطوت معالمهم وآثارهم. ### || العصبية القبلية : # وتبعا لسياسة التحزب والتفريق التي سار عليها الامويون فقد أحيوا ~~العصبيات القبلية ، وقد ظهرت في الشعر العربي صورا مريعة ومؤلمة من ألوان ~~ذلك الصراع الذي كانت تخلقه السلطة الاموية ؛ لإشغال الناس بالصراع القبلي ~~عن التدخل في الشؤون السياسية ، وإبعادهم عما يقننه معاوية من الظلم ~~والجور. # ويقول المؤرخون : إنه عمد إلى إثارة الأحقاد القديمة ما بين الأوس ~~والخزرج ، محاولا بذلك التقليل من أهميتهم وإسقاط مكانتهم أمام العالم ~~العربي والإسلامي ، كما تعصب لليمنيين على المصريين ، وأشعل نار الفتنة ~~فيما بينهم حتى لا تتحد لهم كلمة تضر بمصالح دولته. # وسار عمال معاوية على وفق منهج سياسته التخريبية ، فكان زياد بن أبيه ~~يضرب القبائل بعضها ببعض ، ويؤجج نار الفتنة فيما بينها حتى تكون تحت مناطق ~~نفوذه يقول ولهاوزن : وعرف زياد كيف يخضع القبائل PageV03P137 # بأن يضرب إحداها بالأخرى ، وكيف يجعلها تعمل من أجله ، وأفلح في ذلك (1). # وحفلت مصادر التاريخ ببوادر كثيرة من ألوان التناحر القبلي الذي أثاره ~~معاوية وعماله ؛ مما أدى إلى انتشار الضغائن بين المسلمين ، وقد عانى ~~الإسلام من جراء ذلك أشد ألوان المحن ؛ فقد أوقف كل نشاط مثمر له ، وخولف ~~ما كان يدعو له النبي (صلى الله عليه وآله) من التآخي والتعاطف بين ~~المسلمين. ### || سياسة البطش والجبروت : # وساس معاوية الأمة سياسة بطش وجبروت ، فاستهان بمقدراتها وكرامتها ، وقد ~~أعلن بعد الصلح أنه إنما قاتل المسلمين وسفك دماءهم ليتأمر عليهم ، وأن ~~جميع ما أعطاه للإمام الحسن (عليه السلام) من شروط فهي تحت قدميه لا يفي ~~بشيء منها ، وقد أدلى بتصريح عبر فيه عن كبريائه وجبروته فقال : نحن الزمان ~~، من رفعناه ارتفع ، ومن وضعناه اتضع (2). # وسار عماله وولاته على هذه الخطة الغادرة ، فقد خطب عتبة بن أبي سفيان ~~بمصر فقال : يا حاملي آلام انوف ركبت بين أعين ، إني قلمت أظفاري عنكم ~~ليلين مسيئكم ، وسألتكم إصلاحكم إذا كان فسادكم باقيا عليكم ، فأما إذا ~~أبيتم إلا الطعن على السلطان ms673 والنقض للسلف ، فوالله لأقطعن بطون السياط على ~~ظهوركم ، فإن حسمت أدواءكم وإلا فإن السيف من ورائكم. فكم حكمة منا لم تعها ~~قلوبكم ، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم ، ولست أبخل PageV03P138 # بالعقوبة إذا جدتم بالمعصية (1). # وخاطب المصريين في خطاب آخر له فقال : يا أهل مصر ، إياكم أن تكونوا ~~للسيف حصيدا ؛ فإن لله ذبيحا لعثمان. لا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس ~~الحق بإحياء الفتنة وإماتة السنن ؛ فأطأكم والله وطأة لا رمق معها حتى ~~تنكروا ما كنتم تعرفون (2). # ومثلت هذه القطع من خطابه مدى أحقاده على الأمة وتنكره لجميع قيمها ~~وأهدافها. ومن اولئك الولاة الذين كفروا بالحق والعدل خالد القسري ؛ فقد ~~خطب في مكة وهو يهدد المجتمع بالدمار والفناء ، فقد جاء في خطابه : أيها ~~الناس ، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة ، وإياكم والشبهات ؛ فإني والله ما ~~اوتي لي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم (3). # وكانت هذه الظاهرة ماثلة عند جميع حكام الامويين وولاتهم ، يقول الوليد ~~بن يزيد : # فدع عنك إدكارك آل سعدى %~% فنحن الأكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا %~% نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا %~% وما نألوهم إلا خبالا (4) # وصورت هذه الأبيات مدى استهانته بالأمة ، فإنه مع بقية الحكام من أسرته ~~قد ملكوا الناس بالغلبة والقوة ، وإنهم يسومونهم الذل ويوردونهم حياض ~~الخسف. ومن اولئك الملوك عبد الملك بن مروان ، PageV03P139 # فقد خطب في يثرب أمام أبناء المهاجرين والأنصار فقال : # ألا وإني لا اداوي أمر هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم قناتكم ، وإنكم ~~تحفظون أعمال المهاجرين الأولين ، ولا تعملون مثل عملهم ، وإنكم تأمروننا ~~بتقوى الله وتنسون أنفسكم. والله ، لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا ~~إلا ضربت عنقه (1). # وحفل هذا الخطاب بالطغيان الفاجر على الأمة ، فهو لا يرى حلا لأزماتها ~~إلا بسفك الدماء وإشاعة الجور والإرهاب ، أما بسط العدل ونشر الدعة ~~والرفاهية بين الناس فلم يفكر به ، ولا دار بخلده ، ولا في خلد واحد من ~~حكام الامويين. ### || احتقار الفقراء : # وتبنى الحكم الاموي في جميع أدواره اضطهاد الفقراء واحتقار الضعفاء. يقول ~~المؤرخون ms674 : إن بني أمية كانوا لا يسمحون للفقراء بالدخول إلى دوائرهم ~~الرسمية إلا في آخر الناس. # يقول زياد بن أبيه لعجلان حاجبه : كيف تأذن للناس؟ # على البيوتات ، ثم على الأسنان ، ثم على الأدب. # من تؤخر؟ # الذين لا يعبأ الله بهم. # من هم؟ # الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف ، وكسوة الصيف في الشتاء (2). PageV03P140 # وهدمت هذه السياسة قواعد العدل والمساواة التي جاء بها الإسلام ؛ فإنه لم ~~يفرق بين المسلمين ، وجعلهم سواسية كأسنان المشط. ### || سياسة الخداع : # وأقام معاوية دولته على المخاتلة والخداع ، فلا ظل للواقع في أي تحرك من ~~تحركاته السياسية ، فما كان مثل ذلك الضمير المتحجر أن يعي الواقع أو يفقه ~~الحق ، وقد حفل التاريخ بصور كثيرة من خداعه ، وهذه بعضها : # 1 لما دس معاوية السم إلى الزعيم الكبير مالك الأشتر أقبل على أهل الشام ~~فقال لهم : إن عليا وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه. فكان أهل ~~الشام يدعون عليه في كل صلاة ، ولما أخبر بموته أنبأ أهل الشام بأن موته ~~نتج عن دعائهم ؛ لأنهم حزب الله ، ثم همس في أذن ابن العاص قائلا له : إن ~~لله جنودا من عسل (1). # 2 ومن خداع معاوية وأضاليله أن جرير البجلي لما أوفده الإمام (عليه ~~السلام) إلى معاوية يدعوه إلى بيعته ، طلب معاوية حضور شرحبيل الكندي ، وهو ~~من أبرز الشخصيات في الشام ، وقد عهد إلى جماعة من أصحابه أن ينفرد كل واحد ~~منهم به ، ويلقي في روعه أن عليا هو الذي قتل عثمان بن عفان. # ولما قدم عليه شرحبيل أخبره معاوية بوفادة جرير وأنه يدعوه إلى بيعة ~~الإمام ، وقد حبس نفسه في البيعة حتى يأخذ رأيه ؛ لأن الإمام قد قتل عثمان. ~~وطلب منه شرحبيل أن يمهله لينظر في الأمر ، فلما خرج التقى به القوم كل على ~~انفراده ، وأخبروه أن الإمام هو المسؤول PageV03P141 # عن إراقة دم عثمان ، فلم يشك الرجل في صدقهم ، فانبرى إلى معاوية وهو ~~يقول له : # يا معاوية ، أين الناس؟ ألا إن عليا قتل عثمان. والله إن بايعت لنخرجنك ~~من شامنا ولنقتلنك. فقال ms675 معاوية مخادعا له : # ما كنت لاخالف عليكم ، ما أنا إلا رجل من أهل الشام (1). # بمثل هذا الخداع والبهتان أقام دعائم سلطانه ، وبنى عليه عرش دولته. # 3 ومن ألوان خداعه لأهل الشام أنه لما راسل الزعيم قيس بن سعد يستميله ~~ويمنيه بسلطان العراقيين وبسلطان الحجاز لمن أحب من أهل بيته إن صار معه ، ~~فرد عليه قيس بأعنف القول ، فأظهر معاوية لأهل الشام أنه قد بايع ، وأمرهم ~~بالدعاء له ، واختلق كتابا نسبه إليه وقد قرأه عليهم ، وهذا نصه : أما بعد ~~، إن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما ، وقد نظرت لنفسي وديني فلم أر ~~بوسعي مظاهرة قوم قتلوا إمامهم ، مسلما محرما ، برا تقيا ، فنستغفر الله ~~لذنوبنا. ألا وإني قد ألقيت لكم بالسلام ، وأحببت قتال قتلة إمام الهدى ~~المظلوم ، فاطلب مني ما أحببت من الأموال والرجال أعجله إليك (2). # وبهذه الأساليب المنكرة خدع أهل الشام ، وزج بهم لحرب وصي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وباب مدينة علمه. # 4 لقد كان الخداع من ذاتيات معاوية ، ومن العناصر المقومة لسياسته ، وقد ~~بهر ولده يزيد حينما بويع ، وكان الناس يمدحونه ، فقال لأبيه : PageV03P142 # يا أمير المؤمنين ، ما ندري ، أنخدع الناس أم يخدعوننا؟! فأجابه معاوية : ~~كل من أردت خديعته فتخادع له حتى تبلغ منه حاجتك ، فقد خدعته (1). # لقد جر معاوية ذيله على الخداع ، وغذى به أهل مملكته حتى نشأ جيل كانت ~~هذه الظاهرة من أبرز ما عرف منه. ### || إشاعة الانتهازية : # وعملت حكومة معاوية على إشاعة الانتهازية والوصولية بين الناس ، ولم يعد ~~ماثلا عند الكثيرين منهم ما جاء به الإسلام من إيثار الحق ونكران الذات. ~~ومن مظاهر ذلك التذبذب ما رواه المؤرخون : أن يزيد بن شجرة الرهاوي قد وفد ~~على معاوية ، وبينما هو مقبل على سماع حديثه إذ أصابه حجر عاثر فأدماه ، ~~فأظهر تصنعا عدم الاعتناء به ، فقال له معاوية : لله أنت! ما نزل بك؟ # ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ # هذا دم وجهك يسيل. # إن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمز فكري ، فما شعرت بشيء حتى نبهني ~~أمير المؤمنين. ms676 # فبهر معاوية وراح يقول : لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء ، وأخرجك من ~~عطاء أبناء المهاجرين وكماة أهل صفين. وأمر له بخمسمئة ألف درهم ، PageV03P143 # وزاد في عطائه ألف درهم (1). # وكانت هذه الظاهرة سائدة في جميع أدوار الحكم الاموي ، فقد ذكر المؤرخون ~~: أن إسماعيل بن يسار كان زبيري الهوى ، فلما ظفر آل مروان بآل الزبير ~~انقلب إسماعيل عن رأيه وأصبح مروانيا ، وقد استأذن على الوليد فأخره ساعة ، ~~فلما أذن له دخل وهو يبكي ، فسأله الوليد عن سبب بكائه ، فقال : أخرتني ~~وأنت تعلم مروانيتي ومروانية أبي! وأخذ الوليد يعتذر منه ، وهو لا يزداد ~~إلا إغراقا في البكاء ، فهون عليه الوليد وأحسن صلته. فلما خرج تبعه شخص ~~ممن يعرفه ، فسأله عن مروانيته التي ادعاها متى كانت ، فقال له : بغضنا لآل ~~مروان ، وهي التي حملت أباه يسار في حال موته أن يتقرب إلى الله بلعن مروان ~~بن الحكم ، وهي التي دعت أمه أن تلعن آل مروان مكان ما تتقرب به إلى الله ~~من التسبيح (2). # ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من ألوان هذا الخداع الذي ساد في تلك العصور ، ~~وهو من دون شك من مخلفات سياسة معاوية الذي ربى جيله على التذبذب والانحراف ~~عن الحق. ### || الخلاعة والمجون : # وعرف معاوية بالخلاعة والمجون. يقول ابن أبي الحديد : كان معاوية أيام ~~عثمان شديد التهتك ، موسوما بكل قبيح ، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا ~~خوفا منه ، إلا إنه كان يلبس الحرير والديباج ، ويشرب في PageV03P144 # آنية الذهب والفضة ، ويركب البغلات ذوات السروج المحلات بها أي بالذهب ~~وعليها جلال الديباج والوشي ، وكان حينئذ شابا وعند نزق الصبا ، وآثر ~~الشبيبة وسكر السلطان والإمرة. ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنه كان يشرب ~~الخمر في أيام عثمان في الشام. # ولا خلاف في أنه سمع الغناء وطرب عليه ، ووصل عليه أيضا. وتأثر به ولده ~~يزيد فكان مدمنا خليعا مستهترا ، وتأثر بهذا السلوك جميع خلفاء بني أمية. ~~يقول الجاحظ : وكان يزيد يعني ابن معاوية لا يمسي إلا سكرانا ، ولا يصبح ~~إلا مخمورا ، وكان عبد ms677 الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرة حتى لا يعقل في ~~السماء هو أو في الماء ، وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوما ويدع يوما ، ~~وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليال ليلة ، وكان هشام يشرب في ~~كل جمعة ، وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشراب ؛ ~~فأما يزيد بن الوليد فكان دهره بين حالتي سكر وخمار ، ولا يوجد أبدا إلا ~~ومعه إحدى هاتين ، وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء وليلة السبت (1). # وولى هشام بن عبد الملك الوليد على الحج سنة (119 ه)، فحمل معه كلابا في ~~صناديق فسقط منها صندوق وفيه كلب ، وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ~~ليضعها عليها ، وحمل معه خمرا ، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها ~~، فخوفه أصحابه وقالوا له : لا نأمن الناس عليك وعلينا ، فترك (2). # ووفد علي بن عباس على الوليد بن يزيد في خلافته ، وقد اتي بابن شراعة من ~~الكوفة ، فبادره قائلا : # والله ، ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب الله وسنة رسوله. PageV03P145 # فضحك ابن شراعة وقال : إنك لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا. # أنا أرسلت إليك لأسالك عن القهوة أي الخمر ، أخبرني عن الشراب؟ # يسأل أمير المؤمنين عما بدا له. # ما تقول في الماء؟ # لا بد منه والحمار شريكي فيه. # وأخذ يسأله عن المشروبات حتى انتهى إلى الخمر فقال له : ما تقول في الخمر؟ # أوآه تلك صديق روحي. # أنت والله صديق روحي (1). # وأرسل الوليد إلى عامله على الكوفة يطلب منه أن يبعث إليه الخلعاء ~~والشعراء الماجنين ليستمع ما يلهو به من الفسق والمجون ، وقد سخر جميع ~~أجهزة دولته للذاته وشهواته ، وكتب إلى واليه على خراسان أن يبعث إليه ~~ببرابط وطنابير ، وقال أحد شعراء عصره ساخرا منه : # أبشر يا أمين الله %~% أبشر بتباشير بإبل يحمل المال %~% عليها كالأنابير (2) بغال تحمل الخمر %~% حقائبها طنابير فهذا لك في الدنيا %~% وفي الجنة تحبير (3) # وسادت اللذة واللهو في المجتمع العربي ، وتهالك الناس على الفسق PageV03P146 # والفجور. ومن طريف ما ينقل في ms678 هذا الموضوع : أنه اوتي بشيخ إلى هشام بن ~~عبد الملك وكان معه قيان وخمر وبربط ، فقال : اكسروا الطنبور على رأسه. ~~فبكى الشيخ ، فقال له أحد الجالسين : عليك بالصبر. فقال له الشيخ : أتراني ~~أبكي للضرب؟ إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا! (1). # لقد كانت سيرة الامويين في جميع أدوارهم امتدادا لسيرة معاوية الذي أشاع ~~حياة اللهو والخلاعة في البلاد ؛ للقضاء على أصالة الأمة ، وسلب وعيها ~~الديني والاجتماعي. ### || إشاعة المجون في الحرمين : # وعمد معاوية إلى إشاعة الدعارة والمجون في الحرمين ؛ للقضاء على قدسيتهما ~~، وإسقاط مكانتهما الاجتماعية في نفوس المسلمين. يقول العلائلي : وشجع ~~الامويون حياة المجون في مكة والمدينة إلى حد الإباحة ؛ فقد استأجر طوائف ~~من الشعراء والمخنثين من بينهم عمر بن أبي ربيعة لأجل أن يمسحوا عاصمتي مكة ~~والمدينة بمسحة لا تليق ، ولا تجعلهما صالحتين للزعامة الدينية. # وقد قال الأصمعي : دخلت المدينة فما وجدت إلا المخنثين ، ورجلا يضع ~~الأخبار والطرف (2)، وقد شاعت في يثرب مجالس الغناء ، وكان الوالي يحضرها ~~ويشارك فيها (3)، وانحسرت بذلك روح الأخلاق ، وانصرف الناس عن المثل ~~العليا التي جاء بها الإسلام. PageV03P147 ### || الاستخفاف بالقيم الدينية : # واستخف معاوية بكافة القيم الدينية ، ولم يعن بجميع ما جاء به الإسلام من ~~الأحكام ، فاستعمل أواني الذهب والفضة ، وأباح الربا ، وتطيب في الإحرام ، ~~وعطل الحدود (1)، وقد ألغيت معظم الأحكام الإسلامية في أغلب أدوار الحكم ~~الاموي ، وفي ذلك يقول شاعر الإسلام الكميت : # وعطلت الأحكام حتى كأننا %~% على ملة غير التي نتنحل أأهل كتاب نحن فيه وأنتم %~% على الحق نقضي بالكتاب ونعدل كأن كتاب الله يعني بأمره %~% وبالنهي فيه الكوذني المركل (2) فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم %~% فحتام حتام العناء المطول وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا %~% لأجور من حكامنا المتمثل (3) # واستخف معاوية بالمقدسات الإسلامية واحتقرها. يقول الرواة : إنه لما تغلب ~~قيل له : لو سكنت المدينة ؛ فهي دار الهجرة ، وبها قبر النبي (صلى الله ~~عليه وآله). فقال : (قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) (4). # واقتدى به في ذلك جميع بني أمية ، فقد انبرى يحيى بن الحكم إلى ms679 عبد الله ~~بن جعفر فقال له : كيف تركت الخبيثة؟ يعني مدينة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فأنكر عليه ابن جعفر وصاح به : PageV03P148 # سماها رسول الله (صلى الله عليه وآله) طيبة وتسميها خبيثة! قد اختلفتما ~~في الدنيا ، وستختلفان في الآخرة. # قال يحيى : والله ، لأن أموت وأدفن بأرض الشام المقدسة أحب إلي من أن ~~أدفن بها. فقال له : اخترت مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) والمهاجرين! (1). ### || استلحاق زياد : # ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الإسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي ~~وإلصاقه بنسبه من دون بينة شرعية ، وإنما اعتمد على شهادة أبي مريم الخمار ~~، وهو مما لا يثبت به نسب شرعي ، وقد خالف بذلك قول رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): «الولد للفراش وللعاهر الحجر». لقد قام بذلك انطلاقا وراء ~~أهدافه السياسية ، وتدعيما لحكمه وسلطانه. # ومن طريف ما ينقل في الموضوع : أن نصر بن حجاج خاصم عبد الرحمن بن خالد ~~بن الوليد عند معاوية في عبد الله مولى خالد بن الوليد ، فأمر معاوية حاجبه ~~أن يؤخرهما حتى يحتفل مجلسه ، فلما اكتمل مجلسه ، أمر بحجر فأدني منه وألقى ~~عليه طرفا من ثيابه ، ثم أذن لهما ، فترافعا عنده في شأن عبد الله ، فقال ~~له نصر : إن أخي وابن أبي عهد إلي أنه يعني عبد الله منه. وقال عبد الرحمن ~~: مولاي وابن عبد أبي وأمته ولد على فراشه. PageV03P149 # وأصدر معاوية الحكم في المسألة ، فقال : يا حرسي ، خذ هذا الحجر فادفعه ~~إلى نصر بن حجاج ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر». # وانبرى نصر فقال : أفلا أجريت هذا الحكم في زياد؟! فقال معاوية : ذلك حكم ~~معاوية ، وهذا حكم رسول الله (1). ### || إنكار الإمام الحسين (عليه السلام): # وأنكر الإمام الحسين (عليه السلام) على معاوية هذا الاستلحاق الذي خالف ~~به قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكتب إليه مذكرة تضمنت الأحداث ~~الجسام التي اقترفها معاوية ، وقد جاء فيها : «أولست المدعي زياد بن سمية ~~المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت ms680 أنه ابن أبيك وقد قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر. فتركت سنة رسول الله تعمدا ~~، واتبعت هواك بغير هدى من الله؟!». # لقد أثار استلحاق معاوية لزياد موجة من الغضب والاستياء عند الأخيار ~~والمتحرجين في دينهم ، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا (حياة الإمام ~~الحسن (عليه السلام». ### || الحقد على النبي (صلى الله عليه وآله): # وحقد معاوية على النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد مكث في أيام خلافته أربعين PageV03P150 # جمعة لا يصلي عليه ، وسأله بعض أصحابه عن ذلك ، فقال : لا يمنعني عن ذكره ~~إلا أن تشمخ رجال بآنافها (1). # وسمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فلم ~~يملك إهابه واندفع يقول : لله أبوك يا ابن عبد الله! لقد كنت عالي الهمة ، ~~ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين! (2). # ومن مظاهر حقده على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ما رواه مطرف بن ~~المغيرة قال : وفدت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يتحدث عنده ثم ينصرف إلي ~~وهو يذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه. وأقبل ذات ليلة وهو غضبان ، ~~فأمسك عن العشاء ، فانتظرته ساعة وقد ظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا ، ~~فقلت له : مالي أراك مغتما منذ الليلة؟ # يا بني ، جئتك من أخبث الناس. # ما ذاك؟! # خلوت بمعاوية فقلت له : إنك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت ~~عدلا وبسطت خيرا ؛ فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت ~~أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه. # فثار معاوية واندفع يقول : هيهات هيهات! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ~~، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر. ثم ملك ~~أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن ~~يقول قائل : عمر. ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، PageV03P151 # فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن ms681 هلك فهلك ذكره. وإن أخا هاشم يصرخ به ~~في كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأي ~~عمل يبقى بعد هذا لا أم لك إلا دفنا دفنا؟! (1). # ودلت هذه البادرة على مدى زعزعة العقيدة الدينية في نفس معاوية ، وإنها ~~لم تكن إلا رداء رقيقا يشف عما تحته من حب الجاهلية والتأثر بها إلى حد ~~بعيد. وكانت النزعة الإلحادية ماثلة عند أغلب ملوك الامويين. # يقول الوليد في بعض خمرياته منكرا للبعث والنشور : # أدر الكأس يمينا %~% لا تدرها ليسار اسق هذا ثم هذا %~% صاحب العود النضار من كميت عتقوها %~% منذ دهر في جرار ختموها بالأماوي %~% ه (2) وكافور وقار فلقد أيقنت أني %~% غير مبعوث لنار سأروض الناس حتى %~% يركبوا دين الحمار وذروا من يطلب ال %~% جنة يسعى لتبار (3) # وتأثر الكثيرون من ولاتهم بهذه النزعة الإلحادية ، فكان الحجاج يخاطب ~~الله أمام الجماهير الحاشدة قائلا : أرسولك أفضل أم خليفتك؟ يعني أن عبد ~~الملك أفضل من النبي العظيم (صلى الله عليه وآله) (4). وكان ينقم على ~~الذين يزورون قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقول : تبا لهم! إنما ~~يطوفون بأعواد PageV03P152 # ورمة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك! ألا يعلمون أن ~~خليفة المرء خير من رسوله؟! (1). # وهكذا كان جهاز الحكم الاموي في كثير من أدواره ، فقد تنكر للرسول الأعظم ~~(صلى الله عليه وآله) وازدرى برسالته. ### || تغيير الواقع الإسلامي : # وعمد معاوية إلى تغيير الواقع الإسلامي المشرق الذي تبنى الحركات ~~النضالية والقضايا المصيرية لجميع الشعوب ، فأهاب بالمسلمين أن لا يقروا ~~على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم. وقد تبنى هذا الشعار المقدس الصحابي العظيم ~~أبو ذر الغفاري الذي فهم الإسلام عن واقعه ، فرفع راية الكفاح في وجه الحكم ~~الاموي ، وطالب عثمان ومعاوية بإنصاف المظلومين والمضطهدين ، وتوزيع ثروات ~~الأمة على الفقراء والمحرومين. # لقد أراد معاوية إقبار هذا الوعي الديني ، وإماتة الشعور بالمسؤولية ، ~~فأوعز إلى لجان الوضع التي ابتدعها أن تفتعل الأحاديث على لسان المحرر ~~العظيم الرسول (صلى الله عليه وآله) في إلزام الأمة ms682 بالخضوع للظلم ، ~~والخنوع للجور ، والتسليم لما يقترفه سلطانها من الجور والاستبداد. وهذه ~~بعض الأحاديث : # 1 روى البخاري بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأصحابه ~~: (إنكم سترون بعدي إثرة وامورا تنكرونها). قالوا : فما تأمرنا يا رسول ~~الله؟ قال : (أدوا إليهم حقهم ، واسألوا الله حقكم) (2). # 2 روى البخاري بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال : (من PageV03P153 # رأى من أميره شيئا يكره فليصبر عليه ؛ فإنه من فارق الجماعة فمات مات ~~ميتة جاهلية) (1). # 3 روى البخاري بسنده عن مسلمة بن زيد الجعفي أنه سأل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)، فقال له : يا نبي الله ، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا ~~حقهم ويمنعونا حقنا ، فما ترى؟ فأعرض (صلى الله عليه وآله) عنه ، فسأله ~~ثانيا وثالثا والرسول معرض ، فجذبه الأشعث بن قيس ، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): (اسمعوا وأطيعوا ، فإن عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) (2). # 4 روى البخاري بسنده عن عجرفة قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول : (إنه ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جمع ~~فاضربوه بالسيف كائنا ما كان) (3). إلى غير ذلك من الموضوعات التي خدرت ~~الأمة ، وشلت حركتها الثورية ، وجعلتها قابعة ذليلة تحت وطأة الاستبداد ~~الاموي وجوره. # وقد هب الإمام الحسين (عليه السلام) الثائر الأول في الإسلام إلى إعلان ~~الجهاد المقدس ؛ ليوقظ الأمة من سباتها ، ويعيد للإسلام نضارته وروحه ~~النضالية التي انحسرت في عهد الحكم الاموي. ### || مع أهل البيت (عليهم السلام): # وسخر معاوية جميع أجهزته للحط من قيمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين ~~هم وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والعصب الحساس في هذه الأمة ، وقد PageV03P154 # استخدم أخطر الوسائل في محاربتهم وإقصائهم عن واقع الحياة الإسلامية ، ~~وكان من بين ما استخدمه في ذلك ما يلي : ### ||| 1 تسخير الوعاظ : # وسخر معاوية الوعاظ في جميع أنحاء البلاد ليحولوا القلوب عن أهل البيت ~~(عليهم السلام) (1)، ويذيعوا الأضاليل في انتقاصهم ؛ تدعيما للحكم الاموي. ### ||| 2 استخدام معاهد التعليم : # واستخدم ms683 معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغدية النشء ببغض أهل ~~البيت (عليهم السلام)، وخلق جيل معاد لهم (2)، وقد قامت تلك الأجهزة بدور ~~خطير في بث روح الكراهية في نفوس النشء لعترة النبي (صلى الله عليه وآله). ### ||| 3 افتعال الأخبار. # وأقام معاوية شبكة لوضع الأخبار تعد من أخطر الشبكات التخريبية في ~~الإسلام ، فعهد إليها بوضع الأحاديث على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)؛ ~~للحط من قيمة أهل البيت (عليهم السلام)، أما الأعضاء البارزون في هذه ~~اللجنة فهم : # 1 أبو هريرة الدوسي. # 2 سمرة بن جندب. # 3 عمرو بن العاص. # 4 المغيرة بن شعبة. # وقد افتعلوا آلاف الأحاديث على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وكانت ~~عدة طوائف مختلفة حسب التخطيط السياسي للدولة وهي : # الطائفة الأولى : وضع الأخبار في فضل الصحابة لجعلهم قبال أهل البيت ~~(عليهم السلام)، وقد عد الإمام الباقر (عليه السلام) أكثر من مئة حديث ، منها : PageV03P155 # أأن عمر محدث بصيغة المفعول أي تحدثه الملائكة. # ب أن السكينة تنطق على لسان عمر. # ج أن عمر يلقنه الملك. # د أن الملائكة لتستحي من عثمان (1). # إلى كثير من أمثال هذه الأخبار التي وضعت في فضل الصحابة. # يقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في ~~فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية ؛ تقربا إليهم بما يظنون أنهم ~~يرغمون بها انوف بني هاشم (2). كما وضعوا في فضل الصحابة الأحاديث ~~المماثلة للأحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة ، كوضعهم : (إن سيدي كهول ~~أهل الجنة أبو بكر وعمر)، وقد عارضوا بذلك الأحاديث المتواترة : «الحسن ~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (3). # الطائفة الثانية : وضع الأخبار في ذم العترة الطاهرة والحط من شأنها ، ~~فقد أعطى معاوية سمرة بن جندب أربعمئة ألف على أن يخطب في أهل الشام ، ~~ويروي لهم أن الآية الكريمة نزلت في علي ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@032 ومن ~~الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد ~~الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد ms684 ) (4). فروى لهم سمرة ذلك ، وأخذ العوض الضخم من بيت مال ~~المسلمين (5). ومما رووا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في آل PageV03P156 # أبي طالب : إن آل أبي طالب ليسوا بأولياء لي ، إنما ولي الله وصالح ~~المؤمنين (1). وروى الأعمش : أنه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام ~~الجماعة سنة (41 ه) جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من ~~الناس جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون ~~أني أكذب (2) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحرق نفسي بالنار؟! لقد ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «إن لكل نبي حرما ، وإن حرمي ~~بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيهما حدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين» ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها. فلما بلغ ~~معاوية قوله أجازه وأكرمه ، وولاه إمارة المدينة (3). # إلى كثير من أمثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة ، التي هي ~~مصدر الوعي والإحساس في العالم الإسلامي. # الطائفة الثالثة : افتعال الأخبار في فضل معاوية لمحو العار الذي لحقه ~~ولحق أباه وأسرته في مناهضتهم للإسلام ، وإخفاء ما أثر عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) في ذمهم. # وهذه بعض الأخبار المفتعلة : # 1 قال (صلى الله عليه وآله): معاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها (4). PageV03P157 # 2 قال (صلى الله عليه وآله): صاحب سري معاوية بن أبي سفيان (1). # 3 قال (صلى الله عليه وآله): اللهم علمه يعني معاوية الكتاب ، وقه ~~العذاب ، وأدخله الجنة (2). # 4 قال (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه ~~(3)؛ فإنه أمين هذه الامة (4). # إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة التي تعكس الصراع الفكري ضد الإسلام ~~عند معاوية ، وإنه حاول جاهدا محو هذا الدين والقضاء عليه. ### || حديث مفتعل على الحسين (عليه السلام): # من الأحاديث الموضوعة على الإمام الحسين (عليه السلام) ما روي : أنه وفد ~~على معاوية زائرا في يوم الجمعة ، وكان قائما على المنبر خطيبا ، فقال له ~~رجل من القوم : ائذن للحسين يصعد المنبر. ms685 فقال له معاوية : ويلك! دعني ~~افتخر. ثم حمد الله وأنثى عليه ، ووجه خطابه للحسين (عليه السلام) قائلا له ~~: سألكتك يا أبا عبد الله ، أليس أنا ابن بطحاء مكة؟ # إي والذي بعث جدي بشيرا. # سألتك يا أبا عبد الله ، أليس أنا خال المؤمنين؟ # إي والذي بعث جدي نبيا. PageV03P158 # سألتك يا أبا عبد الله أليس أنا كاتب الوحي؟ # أي والذي بعتث جدي نذيرا. # ثم نزل معاوية عن المنبر ، فصعد الحسين فحمد الله بمحامد لم يحمده ~~الأولون والآخرون بمثلها ثم قال : حدثني أبي عن جدي عن جبرائيل عن الله ~~تعالى أن تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس من خضراء مكتوب عليها : لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ، يا شيعة آل محمد لا يأتي أحدكم يوم القيامة إلا ~~أدخله الله الجنة. # فقال له معاوية : سألتك يا أبا عبد الله من شيعة آل محمد؟ # فقال (عليه السلام): الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر ، ولا يشتمون ~~عثمان ولا يشتمونك يا معاوية. # وعلق الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث بقوله : هذا حديث منكر ولا أرى ~~سنده متصلا إلى الحسين (1). # وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا بهذا الموضوعات التي دونت في كتب السنة ~~، وظن الكثيرون من المسلمين أنها حق ، فأضفوا على معاوية ثوب القداسة ، ~~وألحقوه بالرعيل الأول من الصحابة المتحرجين في دينهم وهم من دون شك لو ~~علموا واقعها لتبرؤا منها كما قال المدايني (2). # ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحط من شأن أهل البيت (عليهم ~~السلام) وإنما تدخلت في شؤون الشريعة فألصقت بها المتناقضات والمستحيلات ~~مما شوهت الواقع الإسلامي وأفسدت عقائد المسلمين. PageV03P159 ### || سب الإمام أمير المؤمنين : # وتمادى معاوية في عدائه للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلن سبه ~~ولعنه في نواديه العامة والخاصة وأوعز إلى جميع عماله وولاته أن يذيعوا سبه ~~بين الناس ، وسرى سب الإمام في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وقد خطب ~~معاوية في أهل الشام فقال لهم : أيها الناس ، إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض ms686 المقدسة يعني الشام ~~فإن فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب. # وعج أهل الشام بسب الإمام (1) وخطب في أولئك الوحوش فقال لهم : ما ظنكم ~~برجل يعني عليا لا يصلح لأخيه يعني عقيلا يا أهل الشام ، إن أبا لهب ~~المذموم في القرآن هو عم علي بن أبي طالب (2). # ويقول المؤرخون : إنه كان إذا خطب ختم خطابه بقوله : اللهم إن أبا تراب ~~ألحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا ، وعذبه عذابا إليما. # وكان يشاد بهذه الكلمات على المنابر (3) ولما ولي معاوية المغيرة بن شعبة ~~إمارة الكوفة كان أهم ما عهد إليه أن لا يتسامح في شتم الإمام (عليه ~~السلام) والترحم على عثمان ، والعيب لأصحاب علي وإقصاءهم ، وأقام المغيرة PageV03P160 # واليا على الكوفة سبع سنين وهو لا يدع ذم علي والوقوع فيه (1). وقد أراد ~~معاوية بذلك أن يصرف القلوب عن الإمام (عليه السلام) وأن يحول بين الناس ~~وبين مبادئه التي أصبحت تطارده في قصوره. # يقول الدكتور محمود صبحي : لقد أصبح علي جثة هامدة لا يزاحمهم في سلطانهم ~~، ويخيفهم بشخصه ، ولا يعني ذلك أي سب الإمام إلا أن مبادئه في الحكم ~~وآراءه في السياسة كانت تنغص عليهم في موتهم كما كانت في حياته (2). # لقد كان الإمام رائد العدالة الإنسانية والمثل الأعلى لهذا الدين ، يقول ~~الجاحظ : لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه ، ~~ومتى ذكر النخوة والذب عن الإسلام ، ومتى ذكر الفقه في الدين ، ومتى ذكر ~~الزهد في الأمور التي تناصر الناس عليها كان مذكورا في هذه الخلال كلها إلا ~~في علي (3). # ويقول الحسن البصري : والله ، لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما صائبا من ~~مرامي الله عز وجل ، رباني هذه الأمة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) وصاحب ~~شرفها وفضلها وذا القرابة القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير ~~مسؤم لأمر الله ، ولا سروقة لمال الله أعطى القرآن عزائمه فأورده رياضا ~~مونقة ، وحدائق مغدقة ذلك علي بن أبي طالب (4). # لقد عادت اللعنات التي كان يصبها معاوية وولاته ms687 على الإمام بإظهار فضائله ~~؛ فقد برز الإمام للناس أروع صفحة في تأريخ الإنسانية كلها ، وظهر للمجتمع ~~أنه المنادي الأول بحقوق الإنسان ، والمؤسس الأول للعدالة الاجتماعية PageV03P161 # في الأرض. لقد انطوت السنون والأحقاب واندكت معالم تلك الدول التي ناوئت ~~الإمام ، سواء أكانت من بني أمية أم من بني العباس ، ولم يبق لها أثر ، ~~وبقي الإمام (عليه السلام) وحده قد احتل قمة المجد فها هو رائد الإنسانية ~~الأول وقائدها الأعلى وإذا بحكمه القصير الأمد يصبح طغراء في حكام هذا ~~الشرق ، وإذا الوثائق الرسمية التي أثرت عنه تصبح منارا لكل حكم صالح ~~يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب ، وإذا بحكم معاوية أصبح رمزا ~~للخيانة والعمالة ورمزا لاضطهاد الشعوب واحتقارها. ### || ستر فضائل أهل البيت : # وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وستر ~~مآثرهم عن المسلمين ، وعدم إذاعة ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في فضلهم. # يقول المؤرخون : إنه بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة ~~فقاموا إليه تكريما ولم يقم إليه ابن عباس ، فبادره معاوية قائلا : يابن ~~عباس ما منعك من القيام؟ كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم ~~صفين! يابن عباس ، إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما! # فرد عليه ابن عباس ببليغ منطقه قائلا : فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما ، ~~فسلم الأمر إلى ولده ، وهذا ابنه وأشار إلى عبد الله بن عمر . # أجابه معاوية بمنطقه الرخيص : # إن عمر قتله مشرك. # فانبرى ابن عباس قائلا : # فمن قتل عثمان؟ PageV03P162 # قتله المسلمون. # وأمسك ابن عباس بزمامه فقال له : فذلك أدحض لحجتك إن كان المسلمون قتلوه ~~وخذلوه فليس إلا بحق. # ولم يجد معاوية مجالا للرد عليه ، فسلك حديثا آخر أهم عنده من دم عثمان ~~فقال له : إنا كتبنا إلى الآفاق ننهي عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكف لسانك ~~يابن عباس. # فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حجته يسدد سهاما لمعاوية قائلا : ~~فتنهانا عن قراءة القرآن؟ # لا. # فتنهانا عن تأويله؟ # نعم. # فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ms688 # نعم. # فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ # العمل به. # فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟ # سل عن ذلك ممن يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. # إنما نزل القرآن على أهل بيتي ، فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟! # فاقرؤوا القرآن ، ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ، ومما قاله رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فيكم ، وارووا ما سوى ذلك. PageV03P163 # وسخر منه ابن عباس ، وتلا قوله تعالى : ( @QUR@015 يريدون أن يطفئوا نور ~~الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ). # وصاح به معاوية : اكفني نفسك وكف عني لسانك ، وإن كنت فاعلا فليكن سرا ~~ولا تسمعه أحدا علانية (1). # ودلت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتخذها معاوية في مناهضته لأهل ~~البيت وإخفاء مآثرهم. # وبلغ الحق بمعاوية على الإمام أنه لما ظهر عمرو بن العاص بمصر على محمد ~~بن أبي بكر وقتله ، استولى على كتبه ومذكراته وكان من بينها عهد الإمام له ~~، وهو من أروع الوثائق السياسية فرفعه ابن العاص إلى معاوية فلما رآه قال ~~لخاصته : إنا لا نقول هذا من كتب علي بن أبي طالب ولكن نقول هذا من كتب أبي ~~بكر التي كانت عنده (2). ### || التحرج من ذكر الإمام : # وأسرف الحكم الأموي إلى حد بعيد في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) فقد عهد بقتل كل مولود يسمى عليا ، فبلغ ذلك علي بن رباح فخاف ، ~~وقال : لا أجعل في حل من سماني عليا فإن اسمي علي بضم العين (3). # ويقول المؤرخون : إن العلماء والمحدثين تحرجوا من ذكر الإمام علي ~~والرواية عنه خوفا من بني أمية فكانوا إذا أرادوا أن يرووا عنه يقولون : PageV03P164 # روى أبو زينب (1)، وروى معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله عز وجل منع بني إسرائيل قطر ~~السماء لسوء رأيهم في أنبيائهم ، واختلافهم في دينهم ، وإنه أخذ على هذه ~~الأمة بالسنين ، ومنعهم قطر السماء ببغضهم علي بن أبي ms689 طالب». # قال معمر : حدثني الزهري في مرضة مرضها ، ولم اسمعه يحدث عن عكرمة قبلها ~~ولا بعدها فلما أبل من مرضه ندم على حديثه لي وقال : يا يماني اكتم هذا ~~الحديث ، واطوه دوني فإن هؤلاء يعني بني أمية لا يعذرون أحدا في تقريض علي وذكره. # قال معمر : فما بالك عبت عليا مع القوم وقد سمعت الذي سمعت؟! # قال الزهري : حسبك يا هذا إنهم أشركونا مهامهم فاتبعناهم في أهوائهم (2). # وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في مودتهم للإمام وتحرجوا أشد التحرج ~~في ذلك ، يقول الشعبي : ماذا لقينا من علي إن أحببناه ذهبت دنيانا وإن ~~بغضناه ذهب ديننا. # ويقول الشاعر : # حب علي كله ضرب بر %~% جف من تذكاره القلب # هذه بعض المحن التي عاناها المسلمون في مودتهم لأهل البيت (عليهم السلام) ~~التي هي جزء من دينهم. PageV03P165 ### || مع الشيعة : # واضطهدت الشيعة أيام معاوية اضطهادا رسميا في جميع أنحاء البلاد ، ~~وقوبلوا بمزيد من العنف والشدة ، فقد انتقم منهم معاوية كأشد ما يكون ~~الانتقام قسوة وعذابا ، فقد قاد مركبة حكومته على جثث الضحايا منهم ، وقد ~~حكى الإمام الباقر (عليه السلام) صورا مريعة من بطش الأمويين بشيعة آل ~~البيت (عليهم السلام) يقول : «وقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي ~~والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ~~أو هدمت داره» (1). # وتحدث بعض رجال الشيعة إلى محمد بن الحنفية عما عانوه من المحن والخطوب ~~بقوله : فما زال بنا الشين في حبكم حتى ضربت عليه الأعناق ، وأبطلت ~~الشهادات ، وشردنا في البلاد ، وأوذينا حتى لقد هممت أن أذهب في الأرض قفرا ~~، فأعبد الله حتى ألقاه ، لولا أن يخفى علي أمر آل محمد (صلى الله عليه ~~وآله) وحتى هممت أن أخرج مع أقوام (2) شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا ~~فيخرجون فيقاتلون (3). # لقد كان معاوية لا يتهيب من الإقدام على اقتراف أية جرية من أجل أن يضمن ~~ملكه وسلطانه ، وقد كانت الشيعة تشكل خطرا على حكومته فاستعمل معهم أعنف ~~الوسائل وأشدها قسوة من أجل القضاء عليهم ، ومن بين الإجراءات القاسية ms690 التي ~~استعملها ضدهم ما يلي : PageV03P166 ### || القتل الجماعي # وأسرف معاوية إلى حد كبير في سفك دماء الشيعة ، فقد عهد إلى الجلادين من ~~قادة جيشه بتتبع الشيعة وقتلهم حيثما كانوا ، وقد قتل بسر بن أبي أرطأة بعد ~~التحكيم ثلاثين ألفا عدا من أحرقهم بالنار (1)، وقتل سمرة بن جندب ثمانية ~~آلاف من أهل البصرة (2)، وأما زياد بن أبيه فقد ارتكب أفظع المجازر فقطع ~~الأيدي والأرجل وسمل العيون ، وأنزل بالشيعة من صنوف العذاب ما لا يوصف ~~لمرارته وقسوته. ### || إبادة القوى الواعية : # وعمد معاوية إلى إبادة القوى المفكرة والواعية من الشيعة ، وقد ساق زمرا ~~منهم إلى ساحات الإعدام ، وأسكن الثكل والحداد في بيوتهم ، وفيما يلي بعضهم : ### ||| 1 حجر بن عدي : # لقد رفع حجر بن عدي علم النضال ، وكافح عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، ~~وسحق إرادة الحاكمين من بني أمية الذين تلاعبوا في مقدرات الأمة وحولوها ~~إلى مزرعة جماعية لهم ولعملائهم وأتباعهم. # لقد استهان حجر من الموت وسخر من الحياة ، واستلذ الشهادة في سبيل عقيدته ~~، فكان أحد المؤسسين لمذهب أهل البيت (عليه السلام). PageV03P167 # وامتحن حجر كأشد ما تكون المحنة قسوة حينما رأى السلطة تعلن سب الإمام ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وترغم الناس على البراءة منه فأنكر ذلك ، ~~وجاهر بالرد على ولاة الكوفة ، واستحل زياد بن أبيه دمه فألقى عليه القبض ، ~~وبعثه مخفورا مع كوكبة من إخوانه إلى معاوية ، وأوقفوا في (مرج عذراء) ~~فصدرت الأوامر من دمشق بإعدامهم ، ونفذ الجلادون فيهم حكم الإعدام فخرت ~~جثثهم على الأرض وهي ملفعة بدم الشهادة والكرامة وهي تضيء للناس معالم ~~الطريق نحو حياة أفضل لا ظلم فيها ، ولا طغيان. ### ||| مذكرة الإمام الحسين # وفزع الإمام الحسين حينما وافته الأنباء بمقتل حجر فرفع مذكرة شديدة ~~اللهجة إلى معاوية ذكر فيها أحداثه وبدعه ، والتي كان منها قتله لحجر ~~والبررة من أصحابه ، وقد جاء فيها : «ألست القاتل حجرا أخا كندة والمصلين ~~العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في الله ~~لومة لائم. قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كانت أعطيتهم الأيمان المغلظة ، ~~والمواثيق المؤكدة ms691 أن لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في ~~نفسك عليهم؟!» (1) # واحتوت هذه المذكرة على ما يلي : # 1 الإنكار الشديد على معاوية لقتله حجرا وأصحابه من دون أن يقترفوا أو ~~يحدثوا فسادا في الأرض. # 2 إنها أشادت بالصفات البطولية في هؤلاء الشهداء من إنكار الظلم ، PageV03P168 # ومقاومة الجور ، واستعظام البدع والمنكرات التي أحدثتها حكومة معاوية ، ~~وقد هبوا إلى ميادين الجهاد ، لإقامة الحق ، ومناهضة المنكر. # 3 إنها أثبتت أن معاوية قد أعطى حجرا وأصحابه عهدا خاصا في وثيقة وقعها ~~قبل إبرام الصلح أن لا يعرض لهم بأي إحنة كانت بينه وبينهم ، ولا يصيبهم ~~بأي مكروه ، ولكنه قد خاس بذلك فلم يف به ، كما لم يف للإمام الحسن بالشروط ~~التي أعطاها له ، وإنما جعلها تحت قدميه ، كما أعلن ذلك في خطابه الذي ~~ألقاه في النخيلة. # لقد كان قتل حجر من الأحداث الجسام في الإسلام ، وقد توالت صيحات الإنكار ~~على معاوية من جميع الأقاليم الإسلامية ، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا ~~(حياة الإمام الحسن (عليه السلام». ### ||| 2 رشيد الهجري : # وفي فترات المحنة الكبرى التي منيت بها الشيعة في عهد ابن سمية تعرض رشيد ~~الهجري لأنواع المحن والبلوى ، فقد بعث زياد شرطته إليه ، فلما مثل عنده ~~صاح به (ما قال لك خليلك يعني عليا أنا فاعلون بك؟). # فأجابه بصدق وإيمان : (تقطعون يدي ورجلي ، وتصلبوني)، وقال الخبيث ~~مستهزءا وساخرا : # (أما والله لأكذبن حديثه ، خلوا سبييله). وخلت الجلاوزة سراحه ، وندم ~~الطاغية فأمر بإحضاره فصاح به : # (لا نجد شيئا أصلح مما قال صاحبك : إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت ، ~~اقطعوا يديه ورجليه). # وبادر الجلادون فقطعوا يديه ورجليه ، وهو غير حافل بما يعانيه من الآلام. # ويقول المؤرخون : إنه أخذ يذكر مثالب بني أمية ، ويدعو إلى إيقاظ الوعي ~~والثورة ، مما غاظ ذلك زيادا فأمر بقطع PageV03P169 # لسانه (1) الذي كان يطالب بالحق والعدل ، وينافح عن حقوق الفقراء ~~والمحرومين. ### ||| 3 عمرو بن الحمق الخزاعي : # ومن شهداء العقيدة : الصحابي العظيم عمرو بن الحمق الخزاعي الذي دعا له ~~النبي (صلى الله عليه ms692 وآله) أن يمتعه الله بشبابه ، واستجاب الله دعاء نبيه ~~، فقد أخذ عمرو بن حمق الثمانين عاما ولم تر في كريمته شعرة بيضاء (2)، ~~وتأثر عمرو بهدي أهل البيت ، وأخذ من علومهم ، فكان من أعلام شيعتهم. # وفي أعقاب الفتنة الكبرى التي منيت بها الكوفة في عهد الطاغية زياد بن ~~سمية شعر عمرو بتتبع السلطة له ، ففر مع زميله رفاعة بن شداد إلى الموصل ، ~~وقبل أن ينتهيا إليه كمنا في جبل ليستجما فيه ، وارتابت الشرطة فبادرت إلى ~~إلقاء القبض على عمرو. # أما رفاعة ، ففر ولم تستطع أن تلقي عليه القبض ، وجيئ بعمرو مخفورا إلى ~~حاكم الموصل عبد الرحمن الثقفي ، فرفع أمره إلى معاوية ، فأمره بطعنه تسع ~~طعنات بمشاقص (3)، لأنه طعن عثمان بن عفان ، وبادرت الجلاوزة إلى طعنه ~~فمات في الطعنة الأولى ، واحتز رأسه الشريف ، وأرسل إلى طاغية دمشق ، فأمر ~~أن يطاف به في الشام. # ويقول المؤرخون : إنه أول رأس طيف به في الإسلام ، ثم أمر به معاوية أن ~~يحمل إلى زوجته السيدة آمنة بنت شريد ، وكانت في سجنه ، فلم تشعر إلا ورأس ~~زوجها قد وضع في حجرها ، فذعرت وكادت أن تموت ، وحملت من السجن إلى معاوية ~~، وجرت بينها وبينه محادثات دلت على ضعة معاوية ، واستهانته بالقيم العربية ~~والإسلامية ، القاضية بمعاملة المرأة معاملة كريمة ، ولا تؤخذ بأي ذنب ~~يقترفه زوجها أو غيره. PageV03P170 ### ||| مذكرة الإمام الحسين : # والتاع الإمام الحسين (عليه السلام) أشد ما تكون اللوعة حينما علم بقتل ~~عمرو ، فرفع مذكرة إلى معاوية عدد فيها أحداثه ، وما تعانيه الأمة في عهده ~~من الاضطهاد والجور ، وجاء فيما يخص عمرو : # «أو لست قاتل عمرو بن الحمق ، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~العبد الصالح ، الذي أبلته العبادة ، فنحل جسمه ، واصفر لونه ، بعدما أمنته ~~، وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس ~~الجبل ، ثم قتلته جراءة على ربك ، واستخفافا بذلك العهد» (1). # لقد خاس معاوية بما أعطاه لهذا الصحابي الجليل بعد الصلح من العهد ~~والمواثيق بأن لا يعرض له بسوء ولا مكروه. ### ||| 4 ms693 أوفى بن حصن : # وكان أوفى بن حصن من خيار الشيعة في الكوفة وأحد أعلامهم النابهين ، وهو ~~من أشد الناقمين على معاوية ، فكان يذيع مساوءه وأحداثه. # ولما علم به ابن سمية أوعز إلى الشرطة بإلقاء القبض عليه ، ولما علم أوفى ~~بذلك اختفى ، وفي ذات يوم استعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى ، فشك في ~~أمره ، فسأل عنه فأخبر باسمه ، فأمر بإحضاره ، فلما مثل عنده سأله عن ~~سياسته فعابها وأنكرها ، فأمر زياد بقتله ، فهوى الجلادون عليه بسيوفهم ~~وتركوه جثة هامدة (2). PageV03P171 ### ||| 5 الحضرمي مع جماعته : # وكان عبد الله الحضرمي من أولياء الإمام أمير المؤمنين ، ومن خلص شيعته ، ~~كما كان من شرطة الخميس ، وقد قال له الإمام يوم الجمل : # «أبشر يا عبد الله ، فإنك وأباك من شرطة الخميس ، لقد أخبرني رسول الله ~~باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس ، ولما قتل الإمام جزع عليه الحضرمي ، وبنى ~~له صومعة يتعبد فيها ، وانضم إليه جماعة من خيار الشيعة ، فأمر ابن سمية ~~بإحضارهم ، ولما مثلوا عنده أمر بقتلهم ، فقتلوا صبرا (1). # لقد كانت فاجعة عبد الله كفاجعة حجر بن عدي ، فكلاهما قتل صبرا ، وكلاهما ~~أخذ بغير ذنب ، سوى الولاء لعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ### ||| إنكار الإمام الحسين : # وفزع الإمام الحسين كأشد ما يكون الفزع ألما ومحنة على مقتل الحضرمي ~~وجماعته الأخيار ، فأنكر على معاوية في مذكرته التي بعثها له ، وقد جاء فيها. # «أو لست قاتل الحضرمي ، الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي (عليه ~~السلام)، فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي ، فقتلهم ومثل فيهم ~~بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمه (صلى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك ~~الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء ~~والصيف». # ودلت هذه المذكرة بوضوح على أن معاوية قد عهد إلى زياد بقتل كل من كان ~~على دين علي (عليه السلام)، الذي هو دين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~كما دلت على أن زيادا قد مثل بهؤلاء البررة بعد قتلهم ms694 ، تشفيا منهم لولائهم لعترة PageV03P172 # رسول الله (صلى الله عليه وآله). ### ||| 6 جويرية العبدي : # ومن عيون شيعة الإمام جويرية بن مسهر العبدي ، وفي فترات المحنة الكبرى ~~التي امتحنت بها الشيعة أيام ابن سمية ، بعث خلفه فأمر بقطع يده ورجله ، ~~وصلبه على جذع قصير (1). ### ||| 7 صيفي بن فسيل : # ومن أبطال العقيدة الإسلامية صيفي بن فسيل ، الذي ضرب أروع الأمثلة ~~للإيمان ، فقد سعي به إلى الطاغية زياد ، فلما جيء به إليه صاح به : # يا عدو الله ما تقول في أبي تراب؟ # ما أعرف أبا تراب (2) # ما أعرفك به؟ # أما تعرف علي بن أبي طالب؟ # بلى # فذاك أبو تراب. # كلا ذاك أبو الحسن والحسين. # وانبرى مدير شرطة زياد منكرا عليه : # يقول لك الأمير : هو أبو تراب ، وتقول : أنت ل :! ، فصاح به البطل العظيم ~~مستهزءا منه ، ومن أميره. # وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب؟ وأشهد على باطل ، كما شهد PageV03P173 # وتحطم كبرياء الطاغية ، فضاقت به الأرض ، وقال له : # وهذا أيضا مع ذنبك ، وصاح بشرطته علي بالعص ، فأتوه به ، فقال له : # ما قولك؟ ، وانبرى البطل بكل بسالة وإقدام غير حافل به قائلا : # أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين ... # وأوعز السفاك إلى جلاديه بضرب عاتقه حتى يلتصق بالأرض ، فسعوا إليه ~~بهراواتهم فضربوه ضربا مبرحا حتى وصل عاتقه إلى الأرض ، ثم أمرهم بالكف عنه ~~، وقال له : # إيه ما قولك في علي؟ # وحسب الطاغية أن وسائل تعذيبه سوف تقلبه عن عقيدته ، فقال له : # والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ، ما قلت إلا ما سمعت مني # وفقد السفاك إهابه ، فصاح به ، لتلعنه أو لأضربن عنقك ... # وهتف صيفي يقول : # إذا تضربها والله قبل ذلك ، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت ... # وأمر به أن يوقر في الحديد ، ويلقى في ظلمات السجون (1)، ثم بعثه مع حجر ~~بن عدي فاستشهد معه (2). ### ||| 8 عبد الرحمن : # وكان عبد الرحمن العنزي من خيار الشيعة ، وقد وقع في قبضة جلاوزة PageV03P174 # زياد ، فطلب منهم مواجهة معاوية ، لعله أن يعفو عنه ، فاستجابوا له ~~وأرسلوه مخفورا ms695 إلى دمشق ، فلما مثل عند الطاغية قال له : # (إيه أخا ربيعة ، ما تقول في علي؟) # (دعني ولا تسألني فهو خير لك). # (والله لا أدعك). # فانبرى البطل الفذ يدلي بفضائل الإمام ، ويشيد بمقامه قائلا : (أشهد أنه ~~كان من الذاكرين الله كثيرا ، والآمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، ~~والعافين عن الناس). # والتاع معاوية فعرج نحو عثمان ، لعله أن ينال منه فيستحل إراقة دمه ، ~~فقال له : (ما قولك في عثمان؟) # فأجابه عن انطباعاته عن عثمان ، فغاظ ذلك معاوية وصاح به : # (قتلت نفسك)، بل إياك قتلت ، ولا ربيعة بالوادي. # وظن عبد الرحمن أن أسرته ستقوم بحمايته وإنقاذه ، فلم ينبر إليه أحد ، ~~ولما أمن منهم معاوية بعثه إلى الطاغية زياد ، وأمره بقتله ، فبعثه زياد ~~إلى (قس الناطف) (1) فدفنه وهو حي (2). # لقد رفع هذا البطل العظيم راية الحق ، وحمل معول الهدم على قلاع الظلم ~~والجور ، واستشهد منافحا عن أقدس قضية في الإسلام. # هؤلاء بعض الشهداء من أعلام الشيعة ، الذين حملوا مشعل الحرية ، وأضاءوا ~~الطريق لغيرهم من الثوار الذين أسقطوا هيبة الحكم الأموي ، وعملوا على ~~إنقاضه. PageV03P175 ### || المروعون من أعلام الشيعة : # وروع معاوية طائفة كبيرة من الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة ، وفيما ~~يلي بعضهم : ### ||| 1 عبد الله بن هاشم المرقال. ### ||| 2 عدي بن حاتم الطائي. ### ||| 3 صعصعة بن صوحان. ### ||| 4 عبد الله بن خليفة الطائي. # وقد أرهق معاوية هؤلاء الأعلام إرهاقا شديدا ، فطاردتهم شرطته ، وأفزعتهم ~~إلى حد بعيد ، وقد ذكرنا ماعانوه من الخطوب في كتابنا (حياة الإمام الحسن). ### || ترويع النساء : # ولم يقتصر معاوية في تنكيله على السادة من رجال الشيعة ، وإنما تجاوز ~~ظلمه إلى السيدات من نسائهم ، فأشاع فيهم الذعر والإرهاب ، فكتب إلى بعض ~~عماله بحمل بعضهن إليه ، فحملت له هذه السيدات : # 1 الزرقاء بنت عدي. # 2 أم الخير البارقية. # 3 سودة بنت عمارة. # 4 أم البراء بنت صفوان. PageV03P176 # 5 بكارة الهلالية. # 6 أروى بنت الحارث. # 7 عكرش بنت الأطرش. # 8 الدارمية الحجونية. # وقد قابلهن معاوية بمزيد من التوهين والاستخفاف ، وأظهر لهن الجبروت ~~والقدرة على الانتقام ، غير حافل بوهن المرأة ms696 وضعفها ، وقد ذكرنا ما جرى ~~عليهن في مجلسه من التحقير في كتابنا (حياة الإمام الحسن) ### || هدم دور الشيعة : # وأوعز معاوية إلى جميع عماله بهدم دور الشيعة ، فقاموا بنقضها (1). # وتركوا شيعة آل البيت (عليه السلام) بلا مأوى يأوون إليه ، ولم يكن هناك ~~أي مبرر لهذه الإجراءات القاسية ، سوى تحويل الناس عن عترة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). ### || حرمان الشيعة من العطاء : # ومن المآسي الكئيبة التي عانتها الشيعة في أيام معاوية أنه كتب إلى جميع ~~عماله نسخة واحدة جاء فيها : (انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا ~~وأهل بيته فامحوه من الديوان ، واسقطوا عطاءه ورزقه) (2)، وبادر عماله في ~~الفحص في سجلاتهم ، فمن وجدوه محبا لآل البيت (عليه السلام) محوا اسمه ، ~~وأسقطوا عطاءه. PageV03P177 ### || عدم قبول شهادة الشيعة : # وعمد معاوية إلى إسقاط الشيعة اجتماعيا ، فعهد إلى جميع عماله بعدم قبول ~~شهادتهم في القضاء وغيره (1) مبالغة في إذلالهم وتحقيرهم. ### || إبعاد الشيعة إلى الخراسان : # وأراد زياد بن أبيه تصفية الشيعة من الكوفة ، وكسر شوكتهم فأجلى خمسين ~~ألفا منهم إلى خراسان المقاطعة الشرقية في فارس (2)، وقد دق زياد بذلك أول ~~مسمار في نعش الحكم الأموي ، فقد أخذت تلك الجماهير التي أبعدت إلى فارس ~~تعمل على نشر التشيع في تلك البلاد ، حتى تحولت إلى مركز للمعارضة ضد الحكم ~~الأموي ، وهي التي أطاحت به تحت قيادة أبي مسلم الخراساني. # هذا بعض ما عانته الشيعة في عهد معاوية من صنوف التعذيب والإرهاب ، وكان ~~ما جرى عليهم من المآسي الأليمة من أهم الأسباب في ثورة الإمام الحسين ، ~~فقد رفع علم الثورة لينقذهم من المحنة الكبرى التي امتحنوا بها ، ويعيد لهم ~~الأمن والاستقرار. ### || البيعة ليزيد : # وختم معاوية حياته بأكبر إثم في الإسلام ، وأفظع جريمة في التاريخ ، PageV03P178 # فقد أقدم غير متحرج على فرض خليعه يزيد خليفة على المسلمين يعيث في دينهم ~~ودنياهم ، ويخلد لهم الويلات والخطوب ، وقد استخدم معاوية شتى الوسائل ~~المنحطة في جعل الملك وراثة في أبنائه. ويرى الجاحظ أنه تشبه بملوك الفرس ~~البزنطيين فحول الخلافة إلى ملك كسروي ms697 وعصب قيصري. وقبل أن نعرض إلى تلك ~~البيعة المشومة ، وما رافقها من الأحداث ، نذكر عرضا موجزا لسيرة يزيد ، ~~وما يتصف به من القابليات الشخصية التي عجت بذمها كتب التاريخ من يومه حتى ~~يوم الناس هذا ، وفيما يلي ذلك : ### || ولادة يزيد : # ولد يزيد سنة (25) أو (26 ه) (1)، وقد دهمت الأرض شعلة من نار جهنم ~~وزفيرها ، تحوط به دائرة السوء وغضب من الله ، وهو أخبث إنسان وجد في الأرض ~~، فقد خلق للجريمة والإساءة إلى الناس وأصبح علما للانحطاط الخلقي والظلم ~~الاجتماعي ، وعنوانا بغيضا للاعتداء على الأمة وقهر إرادتها في جميع ~~العصور. # يقول الشيخ محمد جواد مغنية : أما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسما لابن ~~معاوية ، أما هي الآن عند الشيعة فإنها رمز للفساد والاستبداد والتهتك ~~والخلاعة ، وعنوان للزندقة والإلحاد ، فحيث يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد ~~، وحيثما يكون الخير والحق والعدل فثم اسم الحسين (2). # وقد أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه نظر إلى معاوية يتبختر في ~~بردة حبرة وينظر إلى عطفيه ، فقال (صلى الله عليه وآله): «أي يوم لأمتي ~~منك ، وأي يوم سوء PageV03P179 # لذريتي منك ، من جرو يخرج من صلبك ، يتخذ آيات الله هزوا ويستحل من حرمتي ~~ما حرم الله عز وجل» (1). ### || نشأته : # نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون ~~المسيحية قبل الإسلام ، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين فتأثر بسلوكهم ~~إلى حد بعيد ، فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب. # يقول العائلي : إذا كان يقينا أو يشبه اليقين أن تربية يزيد لم تكن ~~إسلامية خالصة ، أو بعبارة أخرى : كانت مسيحية خالصة ، فلم يبق ما يستغرب ~~معه أن يكون متجاوزا مستهترا مستخفا بما عليه الجماعة الإسلامية ، لا يحسب ~~لتقاليدها واعتقاداتها أي حساب ولا يقيم لها وزنا ، بل الذي نستغرب أن يكون ~~على غير ذلك (2). # والذي نراه أن نشأته كانت نشأة جاهلية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، ولا ~~تحمل أي طابع من الدين مهما كان ؛ فإن استهتاره في الفحشاء وإمعانه في ~~المنكر والإثم مما يوحي إلى ms698 الاعتقاد بذلك. ### || صفاته : # أما صفاته الجسمية : فقد كان شديد الأدمة بوجهه آثار الجدري (3) PageV03P180 # كما كان ضخما ذا سمنة كثير الشعر (1). وأما صفاته النفسية : فقد ورث ~~صفات جده أبي سفيان وأبيه معاوية من الغدر والنفاق والطيش والاستهتار. يقول ~~السيد مير علي الهندي : # وكان يزيد قاسيا غدارا كأبيه ، ولكنه ليس داهية مثله ؛ كانت تنقصه القدرة ~~على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة ، وكانت ~~طبيعته المنحلة وخلقه المنحط لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل. # كان يقتل ويعذب نشدانا للمتعة واللذة التي يشعر بها وهو ينظر إلى آلام ~~الآخرين ، وكان بؤرة لأبشع الرذائل ، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد ~~على ذلك ؛ لقد كانوا من حثالة المجتمع (2). # لقد كان جافي الخلق مستهترا ، بعيدا عن جميع القيم الإنسانية ، ومن أبرز ~~ذاتياته ميله إلى إراقة الدماء ، والإساءة إلى الناس. # ففي السنة الأولى من حكمه القصير أباد عترة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وفي السنة الثانية أباح المدينة ثلاثة أيام ، وقتل سبعمئة رجل من ~~المهاجرين والأنصار وعشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين. ### || ولعه بالصيد : # ومن مظاهر صفات يزيد : ولعه بالصيد فكان يقضي أغلب أوقاته فيه. # ويقول المؤرخون : كان يزيد بن معاوية كلفا بالصيد لاهيا به ، وكان يلبس كلاب PageV03P181 # الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه ، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه (1). ### || شغفه بالقرود : # وكان يزيد فيما أجمع عليه المؤرخون ولعا بالقرود ، فكان له قرد يجعله بين ~~يديه ويكنيه بأبي قيس ويسقيه فضل كأسه ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل ~~أصابته خطيئة فمسخ ، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة ~~السباق ، فحمله يوما فسبق الخيل فسر بذلك ، وجعل يقول : # تمسك أبا قيس بفضل زمامها %~% فليس عليها إن سقطت ضمان فقد سبقت خيل الجماعة كلها %~% وخيل أمير المؤمنين أتان # وأرسله مرة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزنا شديدا وأمر ~~بتكفينه ودفنه ، كما أمر أهل الشام أن يعزوه بمصابه الأليم ، وأنشأ راثيا له : # كم من كرام وقوم ذوو محافظه %~% جاؤوا لنا ليعزوا ms699 في أبي قيس شيخ العشيرة أمضاها وأجملها %~% على الرؤوس وفي الأعناق والريس لا يبعد الله قبرا أنت ساكنه %~% فيه جمال وفيه لحية التيس (2) # وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقبوه بها. ويقول رجل من تنوخ ~~هاجيا له : PageV03P182 يزيد صديق القرد مل جوارنا %~% فحن إلى أرض القرود يزيد فتبا لم أمسى علينا خليفة %~% صحابته الأدنون منه قرود (1) ### || إدمانه على الخمر : # والظاهرة البارزة من صفات يزيد إدمانه على الخمر ، وقد أسرف في ذلك إلى ~~حد كبير ، فلم ير في وقت إلا وهو ثمل لا يعي من السكر. # ومن شعره في الخمر : # أقول لصحب ضمت الكاس شملهم %~% وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة %~% فكل وإن طال المدى يتصرم (2) # وجلس يوما على الشراب وعن يمينه ابن زياد بعد قتل الحسين ، فقال : # اسقني شربة تروي شاشي %~% ثم مل فاسق مثلها ابن زياد صاحب السر والأمانة عندي %~% ولتسديد مغنمي وجهادي (3) # وفي عهده طرا تحول كبير على شكل المجتمع الإسلامي ؛ فقد ضعف ارتباط ~~المجتمع بالدين ، وانغمس الكثيرون من المسلمين في الدعارة والمجون ، ولم ~~يكن ذلك التغيير إقليميا ، وإنما شمل جميع الأقاليم الإسلامية ، فقد سادت ~~فيها الشهوات والمتعة والشراب ، وقد تغيرت الاتجاهات الفكرية التي ينشدها ~~الإسلام عند أغلب المسلمين. # وقد اندفع الأحرار من شعراء المسلمين في أغلب عصورهم إلى هجاء PageV03P183 # يزيد لإدمانه على الخمر. يقول الشاعر بن عرادة : # أبني أمية إن آخر ملككم %~% جسد بحوارين ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده %~% كوب وزق راعف مرثوم ومرنة تبكي على نشوانه %~% بالصنج تقعد تارة وتقوم (1) # ويقول فيه أنور الجندي : # خلقت نفسه الأثيمة بالمكر %~% وهامت عيناه بالفحشاء فهو والكاس في عناق طويل %~% وهو والعار والخناء في خباء # ويقول فيه بولس سلامة : # وترفق بصاحب العرش مشغو %~% لا عن الله بالقيان الملاح ألف (الله أكبر) لا تساوي %~% بين كفي يزيد نهلة راح تتلظى في الدن بكرا فلم %~% تدنس بلثم ولا بماء قراح (2) # لقد عاقر يزيد الخمر وأسرف في الإدمان حتى أن بعض المصادر تعزو سبب وفاته ~~إلى أنه شرب ms700 كمية كبيرة منه فأصابه انفجار فهلك منه (3). ### || ندماؤه : # واصطفى يزيد جماعة من الخلعاء والماجنين فكان يقضي معهم لياليه الحمراء ~~بين الشراب والغناء ، وفي طليعة ندمائه الأخطل الشاعر المسيحي الخليع PageV03P184 # فكانا يشربان ويسمعان الغناء وإذا أراد السفر صحبه معه (1)، ولما هلك ~~يزيد وآل أمر الخلافة إلى عبد الملك بن مروان قربه فكان يدخل عليه بغير ~~استئذان ، وعليه جبة خز وفي عنقه سلسلة من ذهب والخمر يقطر من لحيته (2). ### || نصيحة معاوية ليزيد : # ولما شاع استهتار يزيد واقترافه لجميع ألوان المنكر والفساد ، استدعاه ~~معاوية فأوصاه بالتكتم في نيل الشهوات ؛ لئلا تسقط مكانته الاجتماعية ، ~~قائلا : يا بني ، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمرؤتك ~~وقدرك ، ثم أنشده : # انصب نهارا في طلاب العلا %~% واصبر على هجر الحبيب القريب حتى إذا الليل أتى بالدجا %~% واكتحلت بالغمض عين الرقيب فباشر الليل بما تشتهي %~% فإنما الليل نهار الأريب كم فاسق تحسبه ناسكا %~% قد باشر الليل بأمر عجيب (3) ### || دفاع محمد عزة دروزة : # من الكتاب الذين يحملون النزعة الأموية في هذا العصر محمد عزة دروزة ؛ ~~فقد جهد نفسه مع الأسف على الدفاع عن منكرات الأمويين PageV03P185 # وتبرير ما أثر عنهم من الظلم والجور والفساد ، وقد دافع عن معاوية ونزهه ~~عما اقترفه من الموبقات التي هي لطخة عار في تاريخ الإنسانية. وقد علق على ~~هذه البادرة بقوله : نحن ننزه معاوية صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وكاتب وحيه ، والذي أثرت عنه مخافة الله وتقواه ، وحرصه عن أن يرضى من ابنه ~~الشذوذ عن هذه الحدود ، بل التشجيع ، بل نستبعد هذا عن يزيد (1). وهذا مما ~~يدعو إلى السخرية والتفكه ؛ فقد تنكر دروزة للواضحات التي لا يشك فيها أي ~~إنسان يملك عقله واختياره ، وقديما قد قيل : # وليس يصح في الأذهان شيء %~% إذا احتاج النهار إلى دليل # إن ما أثر عن معاوية من الأحداث الجسام كقتله حجر بن عدي ورشيد الهجري ، ~~وعمرو بن الحمق الخزاعي ونظرائهم من المؤمنين ، وسبه للعترة الطاهرة ~~ونكايته بالأمة بفرض يزيد خليفة عليها ، وغير ذلك من ms701 الجرائم التي ألمعنا ~~إلى بعضها في البحوث السابقة ، وهي مما تدل على تشويه إسلامه وانحرافه عن ~~الطريق القويم ، ولكن دروزة وأمثاله لا ينظرون إلى الواقع إلا بمنظار أسود ~~، فراحوا يقدسون الأمويين الذين أثبتوا بتصرفاتهم السياسية والإدارية أنهم ~~خصوم الإسلام وأعداؤه. ### || إقرار معاوية لاستهتار يزيد : # وهام معاوية بحب ولده يزيد فأقره على فسقه وفجوره ولم يردعه عنه. ويقول ~~المؤرخون : إنه نقل له أن ولده على الشراب فأتاه يتجسس عليه فسمعه ينشد : PageV03P186 أقول لصحب ضمت الكاس شملهم %~% وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة %~% فكل وإن طال المدى يتصرم ولا تتركوا يوم السرور إلى غد %~% فإن غدا يأتي بما ليس يعلم ألا إن أهنأ العيش ما سمحت به %~% صروف الليالي والحوادث نوم # فعاد معاوية إلى مكانه ولم يعلمه بنفسه ، وراح يقول : # والله لا كنت عليه ، ولا نغصت عليه عيشه (1). ### || حقد يزيد على النبي : # وأترعت نفس يزيد بالحقد على النبي (صلى الله عليه وآله) والبغض له ؛ لأنه ~~وتره بأسرته يوم بدر ، ولما أباد العترة الطاهرة جلس على أريكة الملك جذلان ~~مسرورا يهز أعطافه ، فقد استوفى ثأره من النبي (صلى الله عليه وآله) وتمنى ~~حضور أشياخه ليروا كيف أخذ بثأرهم ، وجعل يترنم بأبيات ابن الزبعرى : # ليت أشياخي ببدر شهدوا %~% جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من أشياخهم %~% وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا %~% خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم %~% من بني أحمد ما كان فعل (2) PageV03P187 ### || بغضه للأنصار : # وكان يزيد يبغض الأنصار بغضا عارما ؛ لأنهم ناصروا النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وقاتلوا قريش ، وحصدوا رؤوس أعلامهم ، كما كانوا يبغضون بني أمية ، ~~فقد قتل عثمان بين ظهرانيهم ولم يدافعوا عنه ، ثم بايعوا عليا وذهبوا معه ~~إلى صفين لحرب معاوية ، ولما استشهد الإمام كانوا من أهم العناصر المعادية ~~لمعاوية ، وكان يزيد يتميز من الغيظ عليهم وطلب من كعب بن جعيل التغلبي أن ~~يهجوهم فامتنع ، وقال له : أردتني إلى ms702 الإشراك بعد الإيمان ، لا أهجو قوما ~~نصروا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن أدلك على غلام منا نصراني كان ~~لسانه لسان ثور يعني الأخطل . # فدعا يزيد الأخطل وطلب منه هجاء الأنصار فأجابه إلى ذلك ، وهجاهم بهذه ~~الأبيات المقذعة : # لعن الإله من اليهود عصابة %~% ما بين صليصل وبين صرار (1) قوم إذا هدر القصير رأيتهم %~% حمرا عيونهم من المسطار (2) خلوا المكارم لستم من أهلها %~% وخذوا مساحيكم بني النجار إن الفوارس يعلمون ظهوركم %~% أولاد كل مقبح أكاز (3) ذهبت قريش بالمكارم كلها %~% واللؤم تحت عمائم الأنصار (4) PageV03P188 # لقد ابتدأ الأخطل هجاءه للأنصار بذم اليهود وقرن بينهم وبين الأنصار ، ~~لأنهم يساكنونهم في يثرب ، وقد عاب على الأنصار بأنهم أهل زرع وفلاحة وأنهم ~~ليسوا أهل مجد ولا مكارم ، واتهمهم بالجبن عند اللقاء ونسب الشرف والمجد ~~إلى القرشيين واللؤم كله تحت عمائم الأنصار. # وقد أثار هذا الهجاء المر حفيظة النعمان بن بشير الذي هو أحد عملاء ~~الأمويين ، فانبرى غضبانا إلى معاوية ، فلما مثل عنده حسر عمامته عن رأسه ~~وقال : يا معاوية ، أترى لؤما؟. # لا ، بل أرى خيرا وكرما ، فما ذاك؟! # زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائمنا! # واندفع النعمان يستجلب عطف معاوية قائلا : # معاوي ألا تعطنا الحق تعترف %~% لحق الأزد مسدولا عليها العمائم أيشتمنا عبد الأراقم ضلة %~% فماذا الذي تجدي عليك الأراقم فما لي ثأر دون قطع لسانه %~% فدونك من ترضيه عنه الدراهم (1) # قال معاوية : ما حاجتك؟ # لسانه. # ذلك لك. # وبلغ الخبر الأخطل فأسرع إلى يزيد مستجيرا به ، وقال له : هذا الذي كنت ~~أخافه! فطمأنه يزيد وذهب إلى أبيه فأخبره بأنه قد أجاره ، فقال معاوية : لا ~~سبيل إلى ذمة أبي خالد يعني يزيدا فعفى عنه. # وجعل الأخطل يفخر برعاية يزيد له ، ويشمت بالنعمان بقوله : PageV03P189 أبا خالد دافعت عني عظيمة %~% وأدركت لحمي قبل أن يتبددا وأطفأت عني نار نعمان بعدما %~% أغذ لأمر عاجز وتجردا ولما رأى النعمان دوني ابن حرة %~% طوى الكشح إذ لم يستطعني وعردا (1) # هذه بعض نزعات يزيد واتجاهاته ، وقد كشفت عن مسخه وتمرسه في الجريمة ، ~~وتجرده ms703 من كل خلق قويم. وإن من مهازل الزمن وعثرات الأيام أن يكون هذا ~~الخليع حاكما على المسلمين ، وإماما لهم. ### || دعوة المغيرة لبيعة يزيد : # وأول من تصدى لهذه البيعة المشؤومة أعور ثقيف المغيرة بن شعبة ، صاحب ~~الأحداث والموبقات في الإسلام (2)، وقد وصفه (بروكلمان) بأنه رجل انتهازي ~~، لا ذمة له ولا ذمام (3)، وهو أحد دهاة العرب الخمسة (4)، وقد قضى حياته ~~في التآمر على الأمة ، والسعي وراء مصالحه الخاصة. # أما السبب في دعوته لبيعة يزيد فيما يرويه المؤرخون فهو أن معاوية أراد ~~عزله من الكوفة ليولي عليها سعيد بن العاص (5)، فلما بلغه ذلك سافر إلى ~~دمشق ليقدم استقالته من منصبه حتى لا تكون حزازة عليه في عزله ، وأطال ~~التفكير في أمره ، فرأى أن خير وسيلة لإقراره في منصبه PageV03P190 # أن يجتمع بيزيد فيحبذ له الخلافة حتى يتوسط في شأنه إلى أبيه. والتقى ~~الماكر بيزيد فأبدى له الإكبار ، وأظهر له الحب ، وقال له : # قد ذهب أعيان محمد وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنما بقى أبناؤهم وأنت من ~~أفضلهم وأحسنهم رأيا ، وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير ~~المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟! # وغزت هذه الكلمات قلب يزيد ، فشكره وأثنى على عواطفه ، وقال له : أترى ~~ذلك يتم؟ # نعم. # وانطلق يزيد مسرعا إلى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة ، فسر معاوية بذلك ~~وأرسل خلفه ، فلما مثل عنده أخذ يحفزه على المبادرة في أخذ البيعة ليزيد ~~قائلا : يا أمير المؤمنين ، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد ~~عثمان ، وفي يزيد منك خلف فاعقد له ؛ فإن حدث بك حدث كان كهفا للناس ، ~~وخلفا منك ، ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة. # وأصابت هذه الكلمات الوتر الحساس في قلب معاوية ، فراح يخادعه مستشيرا في ~~الأمر قائلا : من لي بهذا؟ # أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالف. # واستحسن معاوية رأيه فشكره عليه ، وأقره على منصبه ، وأمره بالمبادرة إلى ~~الكوفة لتحقيق غايته. ولما خرج من عند معاوية قال لحاشيته : لقد وضعت رجل ~~معاوية في غرز بعيد الغاية ms704 على أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، PageV03P191 # وفتقت عليه فتقا لا يرتق. ثم تمثل بقول الشاعر : # بمثلي شاهد النجوى وغالى %~% بي الأعداء والخصم الغضابا # ففي سبيل المغنم فتق المغيرة على أمة محمد (صلى الله عليه وآله) فتقا لا ~~يرتق ، وأخلد لها الكوارث والخطوب. # وسار المغيرة إلى الكوفة وهو يحمل الشر والدمار لأهلها ولعموم المسلمين ، ~~وفور وصوله عقد اجتماعا ضم عملاء الامويين ، فعرض عليهم بيعة يزيد فأجابوه ~~إلى ذلك ، وأوفد جماعة منهم إلى دمشق وجعل عليهم ولده أبا موسى ، فلما ~~انتهوا إلى معاوية حفزوه على عقد البيعة ليزيد ، فشكرهم على ذلك وأوصاهم ~~بالكتمان ، والتفت إلى ابن المغيرة ، فقال له : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ # بثلاثين ألف درهم. # فضحك معاوية ، وقال ساخرا : لقد هان عليهم دينهم. ثم أوصلهم بثلاثين ألف ~~درهم (1). # لقد استجاب لهذه البيعة ورضي بها كل من يحمل ضميرا قلقا عرضه للبيع ~~والشراء. ### || تبرير معاوية : # ودافع جماعة من المؤلفين والكتاب عن معاوية ، وبرروا بيعته ليزيد التي ~~كانت من أفجع النكبات التي مني بها العالم الإسلامي ، وفيما يلي بعضهم : ### ||| 1 أحمد دحلان : # ومن أصلب المدافعين عن معاوية أحمد دحلان ، قال : فلما نظر PageV03P192 # معاوية إلى قوة شوكتهم يعني الامويين واستحكام عصبيتهم ، حتى إنهم لو ~~خرجت الخلافة عنهم بعده يحدثون فتنة ، ويقع افتراق للأمة ، فأراد اجتماع ~~الكلمة بجعل الأمر فيهم. ثم إنه نظر فيمن كان منهم أقوى شوكة فرآه ابنه ~~يزيد ؛ لأنه كان كبيرا ، وباشر إمارة الجيوش في حياة أبيه ، وصارت له هيبة ~~عند الأمراء ، وله تمكن ونفاذ كلمة ، فلو جعل الأمر لغيره منهم كان ذلك ~~سببا لمنازعته ، لا سيما وله تمكن واقتدار على الاستيلاء على ما في بيت ~~المال من الأموال ، فيقع الافتراق والاختلاف. فرأى أن جعل الأمر له بهذا ~~الاجتهاد يكون سببا للألفة وعدم الافتراق ، وهذا هو السبب في جعله ولي عهده ~~، ولم يعلم ما يبديه الله بعد ذلك (1). # حفنة من التراب على أمثال هؤلاء الذين دفعتهم العصبية الآثمة إلى تبرير ~~المنكر وتوجيه الباطل ، فهل إن أمر الخلافة التي هي ms705 ظل الله في الأرض يعود ~~إلى الامويين حتى يرعى معاوية عواطفهم ورغباتهم ؛ وهم الذين ناهضوا نبي ~~الإسلام وناجزوه الحرب ، وعذبوا كل من دخل في دين الإسلام ، فكيف يكون أمر ~~الخلافة بأيديهم؟! ولو كان هناك منطق ووعي ديني لكانوا في ذيل القافلة ، ~~ولا يحسب لهم أي حساب. ### ||| 2 الدكتور عبد المنعم : # ومن المبررين لمعاوية في بيعته ليزيد الدكتور عبد المنعم ماجد قال : ~~ويبدو أن معاوية قصد من وراء توريث يزيد الخلافة القضاء على افتراق كلمة ~~الأمة الإسلامية ووقوع الفتنة ، مثلما حدث بعد عثمان. # ولعله أيضا أراد أن يوجد حلا للمسألة التي تركها النبي (صلى الله عليه ~~وآله) دون حل ؛ وهي إيجاد سلطة دائمة للإسلام ، ومن المحقق أن معاوية لم ~~يكن له مندوحة من أن يفعل PageV03P193 # ذلك ؛ خوفا من غضب بني أمية الذين لم يكونوا يرضون بتسليم الأمر إلى ~~سواهم (1). وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التوازن ؛ فإن معاوية في بيعته ~~ليزيد لم يجمع كلمة المسلمين ، وإنما فرقها وأخلد لهم الشر والخطوب ؛ فقد ~~عانت الأمة في عهد يزيد من ضروب البلاء والمحن ما لا يوصف ؛ لفضاعته ~~ومرارته ، فقد جهد حفيد أبي سفيان على تدمير الإسلام وسحق جميع مقدساته ~~وقيمه ؛ فأباد العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم حسب النصوص ~~النبوية المتواترة ، وأنزل بأهل المدينة في واقعة الحرة من الجرائم ما يندى ~~له جبين الإنسانية ، فهل جمع بذلك معاوية كلمة المسلمين ووحد صفوفهم؟! ومما ~~يدعو إلى السخرية ما ذهب إليه من أن النبي (صلى الله عليه وآله) ترك مسألة ~~الخلافة بغير حل ، فجاء معاوية فحل هذه العقدة ببيعته ليزيد!! إن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) لم يترك أي شأن من شؤون أمته بغير حل ، وإنما وضع لها ~~الحلول الحاسمة ، وكان أهم ما عنى به شأن الخلافة ، فقد عهد بها إلى أفضل ~~أمته ، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد بايعه ~~كبار الصحابة وعموم من كان معه في يوم الغدير ، ولكن القوم كرهوا اجتماع ~~النبوة والخلافة في ببت واحد ، فزووا الخلافة ms706 عن أهل بيت نبيهم (صلى الله ~~عليه وآله)، فأدى ذلك إلى أن يلي أمر المسلمين يزيد وأمثاله من المنحرفين ~~الذين أثبتوا في تصرفاتهم أنهم لا علاقة لهم بالإسلام ، ولا عهد لهم ~~بالدين. ### ||| 3 حسين محمد يوسف : # ومن المدافعين بحرارة عن معاوية في ولايته ليزيد حسين محمد يوسف ، وقد ~~أطال الكلام بغير حجة في ذلك ، قال في آخر حديثه : وخلاصة القول في موقف ~~معاوية أنه كان مجتهدا في رأيه ، وأنه حين دعا PageV03P194 # الأمة إلى بيعة يزيد كان حسن الظن به ؛ لأنه لم يثبت عنده أي نقص فيه ، ~~بل كان يزيد يدس على أبيه من يحسن له حاله حتى اعتقد أنه أولى من أبناء ~~بقية الصحابة كلهم ؛ فإن كان معاوية قد أصاب في اختياره فله أجران ، وإن ~~كان قد أخطأ فله أجر واحد ، وليس لأحد بعد ذلك أن يخوض فيما وراء ذلك ؛ ~~فإنما الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى (1). # إن من المؤسف حقا أن ينبري هؤلاء لتبرير معاوية في اقترافه لهذه الجريمة ~~النكراء التي أغرقت العالم الإسلامي بالفتن والخطوب! ومتى اجتهد معاوية في ~~فرض ابنه خليفة على المسلمين؟! فقد سلك في سبيل ذلك جميع المنعطفات والطريق ~~الملتوية ، فأرغم عليها المسلمين ، وفرضها عليهم تحت غطاء مكثف من قوة ~~الحديد. إن معاوية لم يجتهد في ذلك وإنما استجاب لعواطفه المترعة بالحنان ~~والولاء لولده ، من دون أن يرعى أي مصلحة للأمة في ذلك. # هؤلاء بعض المؤيدين لمعاوية في عقده البيعة ليزيد ، وهم مدفوعون بدافع ~~غريب على الإسلام ، وبعيد كل البعد عن منطق الحق. ### || كلمة الحسن البصري : # وشجب الحسن البصري بيعة يزيد وجعلها من جملة موبقات معاوية ، قال : أربع ~~خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة : ابتزاؤه ~~على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا ~~الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلاف ابنه بعده سكيرا خميرا ، يلبس الحرير ~~ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زياد وقد PageV03P195 # قال رسول (صلى الله عليه وآله): «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله ~~حجرا وأصحابه ، ويل له من ms707 حجر وأصحابه (1)! ### || كلمة ابن رشد : # ويرى الفيلسوف الكبير ابن رشد أن بيعة معاوية ليزيد قد غيرت مجرى الحياة ~~الإسلامية ، وهدمت الحكم الصالح في الإسلام ، قال : إن أحوال العرب في عهد ~~الخلفاء الراشدين كانت على غاية من الصلاح ، فكأنما وصف أفلاطون حكومتهم في ~~(جمهوريته) الحكومة الجمهورية الصحيحة التي يجب أن تكون مثالا لجميع ~~الحكومات ، ولكن معاوية هدم ذلك البناء الجليل القديم ، وأقام مكانه دولة ~~بني أمية وسلطانها الشديد ؛ ففتح بذلك بابا للفتن التي لا تزال إلى الآن ~~قائمة حتى في بلادنا هذه (2) يعني الأندلس . # لقد نقم على معاوية في بيعة يزيد جميع أعلام الفكر وقادة الرأي في الأمة ~~الإسلامية ، منذ عهد معاوية حتى يوم الناس هذا ، ووصفوها بأنها اعتداء صارخ ~~على الأمة ، وخروج على إرادتها. ### || دوافع معاوية : # أما الدوافع التي دعت معاوية لفرض ابنه السكير خليفة على المسلمين ، فكان ~~من أبرزها الحب العارم لولده ؛ فقد هام بحبه ، وقد أدلى بذلك PageV03P196 # في حديثه مع سعيد بن عثمان حينما طلب منه أن يرشحه للخلافة ويدع ابنه ~~يزيد ، فسخر منه معاوية وقال له : والله ، لو ملأت لي الغوطة رجالا مثلك ~~لكان يزيد أحب إلي منكم كلكم (1). # لقد أعماه حبه لولده ، وأضله عن الحق ، وقد قال : لولا هواي في يزيد ~~لأبصرت رشدي (2). وكان يؤمن بأن استخلافه ليزيد من أعظم ما اقترفه من ~~الذنوب ، وقد صارح ولده بذلك فقال له : ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من ~~استخلافي إياك (3). # لقد اقترف معاوية وزرا عظيما فيما جناه على الأمة بتحويل الخلافة إلى ملك ~~عضوض لا يعنى فيه بإرادة الأمة واختيارها. ### || الوسائل الدبلوماسية في أخذ البيعة : # أما الوسائل الدبلوماسية التي اعتمد عليها معاوية في فرض خليعه على ~~المسلمين فهي : ### ||| 1 استخدام الشعراء : # أما الشعراء فكانوا في ذلك العصر من أقوى أجهزة الإعلام ، PageV03P197 # وقد أجزل لهم معاوية العطاء ، وأغدق عليهم الأموال ، فانطلقت ألسنتهم ~~بالمديح والثناء على يزيد ، فأضافوا إليه الصفات الرفيعة ، وخلعوا عليه ~~النعوت الحسنة ، وفيما يلي بعضهم : # أالعجاج : # ومدحه العجاج مدحا عاطرا ، فقال فيه : # إذ زلزل الأقوام ms708 لم تزلزل %~% عن دين موسى والرسول المرسل وكنت سيف الله لم يفلل %~% يفرع (1) أحيانا وحينا يختلي (2) # ومعنى هذا الشعر أن يزيد يقتفي أثر الرسول موسى والنبي محمد (صلى الله ~~عليه وآله)، وأنه سيف الله البتار ، إلا أنه كان مشهورا على أولياء الله ~~وأحبائه. # الأحوس : # ومدحه الشاعر الأحوس بقصيدة جاء فيها : # ملك تدين له الملوك مبارك %~% كادت لهيبته الجبال تزول يجبى له بلخ ودجلة كلها %~% وله الفرات وما سفى والنيل # لقد جاءته تلك الهيبة التي تخضع لها الجباه ، وتزول منها الجبال من ~~إدمانه على الخمر ، ومزاملته للقرود ، ولعبه بالكلاب ، واقترافه للجرائم ~~والموبقات! # مسكين الدارمي : # ومن الشعراء المرتزقة مسكين الدارمي ، وقد أوعز إليه معاوية أن يحثه على ~~بيعة يزيد أمام من كان عنده من بني أمية ، وأشراف أهل الشام ، PageV03P198 # فدخل مسكين على معاوية ، فلما رأى مجلسه حاشدا بالناس رفع عقيرته : # إن ادع مسكينا فإني ابن معشر %~% من الناس أحمي عنهم وأذود ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر %~% ومروان أم ماذا يقول سعيد بني خلفاء الله مهلا فإنما %~% يبوئها الرحمن حيث يريد إذا المنبر الغربي خلاه ربه %~% فإن أمير المؤمنين يزيد على الطائر الميمون والجد ساعد %~% لكل اناس طائر وجدود فلا زلت أعلى الناس كعبا ولم تزل %~% وفود تساميها إليك وفود ولا زال بيت الملك فوقك عاليا %~% تشيد أطناب له وعمود (1) # هؤلاء بعض الشعراء الذين مدحوا يزيد ، وافتعلوا له المآثر لتغطية ما ذيع ~~عنه من الدعارة والمجون. ### ||| بذل الأموال للوجوه : # وأنفق معاوية الأموال الطائلة بسخاء للوجوه والأشراف ؛ ليقروه على فرض ~~ولده السكير خليفة على المسلمين. ويقول المؤرخون : إنه أعطى عبد الله بن ~~عمر مئة ألف درهم فقبلها منه (2)، وكان ابن عمر من أصلب المدافعين عن بيعة ~~يزيد ، وقد نقم على الإمام الحسين (عليه السلام) خروجه عليه ، وسنذكر ذلك ~~بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية. PageV03P199 ### ||| مراسلة الولاة : # وراسل معاوية جميع عماله وولاته في الأقاليم الإسلامية بعزمه على عقد ~~البيعة ليزيد ، وأمرهم بتنفيذ ما يلي : # 1 إذاعة ذلك بين الجماهير الشعبية ، وإعلامها بما صممت ms709 عليه حكومة دمشق ~~من عقد الخلافة ليزيد. # 2 الإيعاز للخطباء وسائر أجهزة الإعلام بالثناء على يزيد ، وافتعال ~~المآثر له. # 3 إرسال الوفود إليه من الشخصيات الإسلامية حتى يتعرف على رأيها في ~~البيعة ليزيد (1). وقام الولاة بتنفيذ ما عهد إليهم ، فأذاعوا ما صمم عليه ~~معاوية من عقد البيعة ليزيد ، كما أوعزوا للخطباء وغيرهم بالثناء على يزيد. ### || وفود الأقطار الإسلامية : # واتصلت الحكومات المحلية في الأقطار الإسلامية بقادة الفكر ، فعرضت عليهم ~~ما عزم عليه معاوية من تولية ولده للخلافة ، وطلبوا منهم السفر فورا إلى ~~دمشق لعرض آرائهم على معاوية. وسافرت الوفود إلى دمشق وكان في طليعتهم : # 1 الوفد العراقي بقيادة زعيم العراق الأحنف بن قيس. # 2 الوفد المدني بقيادة محمد بن عمرو بن حزم (2). PageV03P200 # وانتهت الوفود إلى دمشق لعرض آرائها على عاهل الشام ، وقد قام معاوية ~~بضيافتهم والإحسان إليهم. ### || مؤتمر الوفود الإسلامية : # وعقدت وفود الأقطار الإسلامية مؤتمرا في البلاط الاموي في دمشق لعرض ~~آرائها في البيعة ليزيد ، وقد افتتح المؤتمر معاوية بالثناء على الإسلام ، ~~ولزوم طاعة ولاة الامور ، ثم ذكر يزيد وفضله وعمله بالسياسة ، ودعاهم ~~لبيعته. ### || المؤيدون للبيعة : # وانبرت كوكبة من أقطاب الحزب الاموي فأيدوا معاوية ، وحثوه على الإسراع ~~للبيعة ، وهم : # 1 الضحاك بن قيس # 2 عبد الرحمن بن عثمان # 3 ثور بن معن السلمي # 4 عبد الله بن عصام # 5 عبد الله بن مسعدة # وكان معاوية قد عهد إليهم بالقيام بتأييده ، والرد على المعارضين له. PageV03P201 ### || خطاب الأحنف بن قيس : # وانبرى إلى الخطابة زعيم العراق وسيد تميم الأحنف بن قيس ، الذي تقول فيه ~~ميسون ام يزيد : لو لم يكن في العراق إلا هذا لكفاهم (1). وتقدم فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم التفت إلى معاوية قائلا : # أصلح الله أمير المؤمنين ، إن الناس في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان ~~مؤتنف ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره. # يا أمير المؤمنين ، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ثم اعص أمر من ~~يأمرك ، ولا يغررك من يشير عليك ولا ينظر لك ، وأنت أنظر ms710 للجماعة ، وأعلم ~~باستقامة الطاعة ، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا ~~يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا. # وأثار خطاب الأحنف موجة من الغضب والاستياء عند الحزب الاموي ، فاندفع ~~الضحاك بن قيس منددا به ، وشتم أهل العراق ، وقدح بالإمام الحسن (عليه ~~السلام)، ودعا الوفد العراقي إلى الإخلاص لمعاوية والامتثال لما دعا إليه. ~~ولم يعن به الأحنف ، فقام ثانيا فنصح معاوية ودعاه إلى الوفاء بالعهد الذي ~~قطعه على نفسه من تسليم الأمر إلى الحسن (عليه السلام) من بعده ؛ حسب ~~اتفاقية الصلح التي كان من أبرز بنودها إرجاع الخلافة من بعده إلى الإمام ~~الحسن (عليه السلام)، كما أنه هدد معاوية بإعلان الحرب إذا لم يف بذلك. PageV03P202 ### || فشل المؤتمر : # وفشل المؤتمر فشلا ذريعا بعد خطاب الزعيم الكبير الأحنف بن قيس ، ووقع ~~نزاع حاد بين أعضاء الوفود وأعضاء الحزب الاموي ، وانبرى يزيد بن المقفع ~~فهدد المعارضين باستعمال القوة قائلا : أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية ~~، فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد ، ومن أبى فهذا وأشار إلى السيف . # فاستحسن معاوية قوله ، وراح يقول له : اجلس فأنت سيد الخطباء وأكرمهم. # ولم يعن به الأحنف بن قيس ، فانبرى إلى معاوية فدعاه إلى الإمساك عن بيعة ~~يزيد ، وأن لا يقدم أحدا على الحسن والحسين (عليهما السلام). وأعرض عنه ~~معاوية ، وبقي مصرا على فكرته التي هي أبعد ما تكون عن الإسلام. # وعلى أي حال ، فإن المؤتمر لم يصل إلى النتيجة التي أرادها معاوية ؛ فقد ~~استبان له أن بعض الوفود الإسلامية لا تقره على هذه البيعة ولا ترضى به. ### || سفر معاوية ليثرب : # وقرر معاوية السفر إلى يثرب التي هي محط أنظار المسلمين ، وفيها أبناء ~~الصحابة الذين يمثلون الجبهة المعارضة للبيعة ؛ فقد كانوا لا يرون يزيدا ~~ندا لهم ، وإن أخذ البيعة له خروج على إرادة الأمة ، وانحراف عن الشريعة ~~الإسلامية التي لا تبيح ليزيد أن يتولى شؤون المسلمين ؛ لما عرف به من ~~الاستهتار وتفسخ الأخلاق. PageV03P203 # وسافر معاوية إلى يثرب في زيارة رسمية ، وتحمل أعباء السفر لتحويل ~~الخلافة الإسلامية إلى ms711 ملك عضوض ، لا ظل فيه للحق والعدل. ### || اجتماع مغلق : # وفور وصول معاوية إلى يثرب أمر بإحضار عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن ~~جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعقد معهم اجتماعا مغلقا ~~، ولم يحضر معهم الحسن والحسين (عليهما السلام)؛ لأنه قد عاهد الحسن (عليه ~~السلام) أن تكون الخلافة له من بعده ، فكيف يجتمع به؟ وماذا يقول له؟ وقد ~~أمر حاجبه أن لا يسمح لأي أحد بالدخول عليه حتى ينتهي حديثه معهم. ### || كلمة معاوية : # وابتدأ معاوية الحديث بحمد الله والثناء عليه ، وصلى على نبيه ، ثم قال : ~~أما بعد ، فقد كبر سني ، ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن ادعى فأجيب ، ~~وقد رأيت أن استخلف بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضا. وأنتم عبادلة قريش وخيارهم ~~وأبناء خيارهم ، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما ~~علي ، على حسن رأي فيهما ، وشدة محبتي لهما ، فردوا على أمير المؤمنين خيرا ~~رحمكم الله. # ولم يستعمل معهم الشدة والإرهاب ؛ استجلابا لعواطفهم ، ولم يخف عليهم ذلك ~~، فانبروا جميعا إلى الإنكار عليه. PageV03P204 ### || كلمة عبد الله بن عباس : # وأول من كلمه عبد الله بن عباس ، فقال بعد حمد الله ، والثناء عليه : أما ~~بعد ، فإنك قد تكلمت فأنصتنا ، وقلت فسمعنا ، وإن الله جل ثناؤه وتقدست ~~أسماؤه اختار محمدا (صلى الله عليه وآله) لرسالته ، واختاره لوحيه ، وشرفه ~~على خلقه ، فأشرف الناس من تشرف به ، وأولاهم بالأمر أخصهم به ، وإنما على ~~الأمة التسليم لنبيها إذا اختاره الله له ؛ فإنه إنما اختار محمدا (صلى ~~الله عليه وآله) بعلمه ، وهو العليم الخبير ، واستغفر الله لي ولكم. # وكانت دعوة ابن عباس صريحة في إرجاع الخلافة لأهل البيت (عليهم السلام)، ~~الذين هم ألصق الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمسهم به رحما ؛ ~~فإن الخلافة إنما هي امتداد لمركز رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأهل ~~بيته أحق بمقامه وأولى بمكانته. ### || كلمة عبد الله بن جعفر : # وانبرى عبد الله بن جعفر ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أما بعد ، ~~فإن هذه الخلافة ms712 إن أخذ فيها بالقرآن فاولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله ، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاولوا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي ~~الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ وأيم ~~الله ، لو ولوها بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه ؛ لحقه وصدقه ، ولأطيع ~~الرحمن وعصي الشيطان ، وما اختلف في الأمة سيفان ، فاتق الله يا معاوية ، ~~فإنك قد صرت راعيا ونحن رعية ، فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غدا ، PageV03P205 # وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهم ، فوالله ما أصبت الحق ، ولا ~~يجوز ذلك إلا بهما ، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم ، فقل أو دع ، ~~واستغفر الله لي ولكم. # وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى الحق ، والإخلاص للأمة ، فقد رشح أهل البيت ~~(عليهم السلام) للخلافة وقيادة الأمة ، وحذره من صرفها عنهم كما فعل غيره ~~من الخلفاء ، فكان من جراء ذلك أن منيت الأمة بالأزمات والنكسات ، وعانت ~~أعنف المشاكل وأقسى الحوادث. ### || كلمة عبد الله بن الزبير : # وانطلق عبد الله بن الزبير للخطابة ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما ~~بعد ، فإن هذه الخلافة لقريش خاصة ، نتناولها بمآثرها السنية وأفعالها ~~المرضية ، مع شرف الآباء وكرم الأبناء ، فاتق الله يا معاوية وأنصف نفسك ؛ ~~فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا ~~عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي ~~خلف حسنا وحسينا ، وأنت تعلم من هما وما هما؟ فاتق الله يا معاوية ، وأنت ~~الحاكم بيننا وبين نفسك. # وقد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة ، وقد حفزهم بذلك لمعارضة معاوية ~~وإفساد مهمته. PageV03P206 ### || كلمة عبد الله بن عمر : # واندفع عبد الله بن عمر ، فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه : أما بعد ~~، فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية ، ولا قيصرية ، ولا كسروية ms713 يتوارثها ~~الأبناء عن الآباء ، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي ، فوالله ما ~~أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا ، ~~وإنما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلا ؛ ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ، ~~ممن كان أتقى وأرضى ، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري أن يزيد من ~~فتيانها ، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئا. # ولم تعبر كلمات العبادلة عن شعورهم الفردي ، وإنما عبرت تعبيرا صادقا عن ~~رأي الأغلبية الساحقة من المسلمين الذين كرهوا خلافة يزيد ، ولم يرضوا به. ### || كلمة معاوية : # وثقل على معاوية كلامهم ، ولم يجد ثغرة ينفذ منها للحصول على رضاهم ، ~~فراح يشيد بابنه فقال : قد قلت وقلتم ، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء ~~، فابني أحب إلي من أبنائهم ، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا ، وإنما ~~كان هذا الأمر لبني عبد مناف ؛ لأنهم أهل رسول الله ، فلما مضى رسول الله ~~ولى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة ، غير أنهما سارا بسيرة ~~جميلة ، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف ، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة ، وقد PageV03P207 # أخرجك الله يابن الزبير ، وأنت يابن عمر منه ، فأما ابنا عمي هذان فليسا ~~بخارجين من الرأي إن شاء الله (1). # وانتهى اجتماع معاوية بالعبادلة ، وقد أخفق فيه إخفاقا ذريعا ؛ فقد ~~استبان له أن القوم مصممون على رفض بيعة يزيد. وعلى إثر ذلك غادر يثرب ، ~~ولم تذكر المصادر التي بأيدينا اجتماعه بسبطي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فقد أهملت ذلك ، وأكبر الظن أنه لم يجتمع بهما. ### || فزع المسلمين : # وذعر المسلمون حينما وافتهم الأنباء بتصميم معاوية على فرض ابنه خليفة ~~عليهم ، وكان من أشد المسلمين خوفا المدنيون والكوفيون ، فقد عرفوا واقع ~~يزيد ، ووقفوا على اتجاهاته المعادية للإسلام. # يقول توماس آرنولد : كان تقرير معاوية للمبدأ الوراثي نقلة خطيرة في حياة ~~المسلمين الذين ألفوا البيعة والشورى ، والنظم الاولى في الإسلام ، وهم بعد ~~قريبون منها ؛ ولهذا أحسوا وخاصة في مكة والمدينة ، حيث كانوا يتمسكون ~~بالأحاديث ms714 والسنن النبوية الاولى أن الامويين نقلوا الخلافة إلى حكم زمني ~~متأثر بأسباب دنيوية ، مطبوع بالعظمة وحب الذات بدلا من أن يحتفظوا بتقوى ~~النبي وبساطته (2). # لقد كان إقدام معاوية على فرض ابنه يزيد حاكما على المسلمين تحولا خطيرا ~~في حياة المسلمين الذين لم يألفوا مثل هذا النظام الثقيل الذي فرض عليهم ~~بقوة السلاح. PageV03P208 ### || الجبهة المعارضة : # وأعلن الأحرار والمصلحون في العالم الإسلامي رفضهم القاطع لبيعة يزيد ، ~~ولم يرضوا به حاكما على المسلمين ، وفيما يلي بعضهم : ### ||| 1 الإمام الحسين (عليه السلام): # وفي طليعة المعارضين لبيعة يزيد الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان ~~يحتقر يزيد ويكره طباعه الذميمة ، ووصفه بأنه صاحب شراب وقنص ، وأنه قد لزم ~~طاعة الشيطان وترك طاعة الرحمن ، وأظهر الفساد ، وعطل الحدود ، واستأثر ~~بالفيء ، وأحل حرام الله وحرم حلاله (1). وإذا كان بهذه الضعة ، فكيف ~~يبايعه ويقره حاكما على المسلمين؟! # ولما دعاه الوليد إلى بيعة يزيد قال له الإمام (عليه السلام): «أيها ~~الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح ~~الله وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحترمة ، ~~معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله». # ورفض بيعة يزيد جميع أفراد الأسرة النبوية تبعا لزعيمهم العظيم ، ولم ~~يشذوا عنه. ### ||| الحرمان الاقتصادي : # وقابل معاوية الأسرة النبوية بحرمان اقتصادي ؛ عقوبة لهم لامتناعهم عن ~~بيعة يزيد ، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة (2)، ولكن ذلك لم يثنهم عن ~~عزمهم في شجب البيعة ورفضها. PageV03P209 ### ||| 2 عبد الرحمن بن أبي بكر : # ومن الذين نقموا على بيعة يزيد عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقد وسمها بأنها ~~هرقلية ، كلما مات هرقل قام مكانه هرقل آخر (1). وأرسل إليه معاوية مئة ~~ألف درهم ليشتري بها ضميره فأبى ، وقال : لا أبيع ديني (2). ### ||| 3 عبد الله بن الزبير : # ورفض عبد الله بن الزبير بيعة يزيد ، ووصفه بقوله : يزيد الفجور ، ويزيد ~~القرود ، ويزيد الكلاب ، ويزيد النشوات ، ويزيد الفلوات (3). ولما أجبرته ~~السلطة المحلية في يثرب على البيعة فر منها إلى مكة. ### ||| 4 المنذر بن الزبير : # وكره المنذر بن الزبير بيعة يزيد وشجبها ms715 ، وأدلى بحديث له عن فجور يزيد ~~أمام أهل المدينة ، فقال : إنه قد أجازني بمئة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي ~~أن أخبركم خبره. والله ، إنه ليشرب الخمر. والله ، إنه ليسكر حتى يدع ~~الصلاة (4). ### ||| 5 عبد الرحمن بن سعيد : # وامتنع عبد الرحمن بن سعيد من البيعة ليزيد ، وقال في هجائه : PageV03P210 لست منا وليس خالك منا %~% يا مضيع الصلاة للشهوات (1) ### ||| 6 عابس بن سعيد : # ورفض عابس بن سعيد بيعة يزيد حينما دعاه إليها عبد الله بن عمرو بن العاص ~~، فقال له : أنا أعرف به منك ، وقد بعت دينك بدنياك (2). ### ||| 7 عبد الله بن حنظلة : # وكان عبد الله بن حنظلة من أشد الناقمين على البيعة ليزيد ، وكان من ~~الخارجين عليه في وقعة الحرة ، وقد خاطب أهل المدينة ، فقال لهم : فو الله ~~، ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. # حياة الإمام الحسين # إن رجلا ينكح الأمهات والبنات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم ~~يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا (3). # وكان يرتجز في تلك الواقعة : # بعدا لمن رام الفساد وطغى %~% وجانب الحق وآيات الهدى # لا يبعد الرحمن إلا من عصى (4) PageV03P211 ### || موقف الأسرة الاموية : # ونقمت الأسرة الاموية على معاوية في عقده البيعة ليزيد ، ولكن لم تكن ~~نقمتهم عليه مشفوعة بدافع ديني أو اجتماعي ، وإنما كانت من أجل مصالحهم ~~الشخصية الخاصة ؛ لأن معاوية قلد ابنه الخلافة وحرمهم منها ، وفيما يلي بعض ~~الناقمين : ### ||| 1 سعيد بن عثمان : # وحينما عقد معاوية البيعة ليزيد أقبل سعيد بن عثمان إلى معاوية ، وقد رفع ~~عقيرته قائلا : علام جعلت ولدك يزيد ولي عهدك؟! فوالله لأبي خير من أبيه ، ~~وأمي خير من أمه ، وأنا خير منه ، وقد وليناك فما عزلناك ، وبنا نلت ما نلت! # فراوغ معاوية وقال له : أما قولك إن أباك خير من أبيه فقد صدقت ، لعمر ~~الله إن عثمان لخير مني ؛ وأما قولك إن أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون ~~في بيت قومها ، وأن يرضاها بعلها ، وينجب ولدها ؛ وأما قولك إنك ms716 خير من ~~يزيد ، فوالله ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة ذهبا مثلك ؛ وأما قولك إنكم ~~وليتموني فما عزلتموني ، فما وليتموني إنما ولاني من هو خير منكم عمر بن ~~الخطاب فأقررتموني. # وما كنت بئس الوالي لكم ؛ لقد قمت بثأركم ، وقتلت قتلة أبيكم ، وجعلت ~~الأمر فيكم ، وأغنيت فقيركم ، ورفعت الوضيع منكم ... PageV03P212 # وكلمه يزيد فأرضاه ، وجعله واليا على خراسان (1). ### ||| 2 مروان بن الحكم : # وشجب مروان بن الحكم البيعة ليزيد وتقديمه عليه ، فقد كان شيخ الامويين ~~وزعيمهم ، فقال له : أقم يابن أبي سفيان ، واهدأ من تأميرك الصبيان ، واعلم ~~أن لك في قومك نظراء ، وأن لهم على مناوئتك وزرا. # فخادعه معاوية ، وقال له : أنت نظير أمير المؤمنين بعده ، وفي كل شدة ~~عضده ، فقد وليتك قومك ، وأعظمنا في الخراج سهمك ، وإنا مجيرو وفدك ، ~~ومحسنو وفدك (2). # وقال مروان لمعاوية : جئتم بها هرقلية ، تبايعون لأبنائكم! (3). ### ||| 3 زياد بن أبيه : # وكره زياد بن أبيه بيعة معاوية لولده ؛ وذلك لما عرف به من الاستهتار ~~والخلاعة والمجون. # ويقول المؤرخون : إن معاوية كتب إليه يدعوه إلى أخذ البيعة بولايته العهد ~~ليزيد ، وإنه ليس أولى من المغيرة بن شعبة. فلما قرأ كتابه دعا برجل من ~~أصحابه كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا غيره ، فقال له : إني اريد أن ائتمنك ~~على ما لم ائتمن على بطون الصحائف ؛ ائت معاوية وقل له : يا أمير المؤمنين ~~، إن كتابك ورد علي بكذا ، فماذا يقول PageV03P213 # الناس إن دعوناهم إلى بيعة يزيد ، وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس ~~المصبغ ، ويدمن الشراب ، ويمسي على الدفوف ، ويحضرهم أي الناس الحسين بن ~~علي ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر؟! ولكن ~~تأمره أن يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين ، فعسانا أن نموه على الناس. ~~وسار الرسول إلى معاوية فأدى إليه رسالة زياد ، فاستشاط غضبا ، وراح يتهدده ~~ويقول : # ويلي على ابن عبيد! لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الأمير بعدي زياد. ~~والله ، لأردنه إلى أمه سمية وإلى أبيه عبيد (1). # هؤلاء بعض الناقدين لمعاوية من الأسرة الاموية وغيرهم ms717 في توليته لخليعه ~~يزيد خليفة على المسلمين. ### || إيقاع الخلاف بين الامويين : # واتبع معاوية سياسة التفريق بين الامويين حتى يصفو الأمر لولده يزيد ؛ ~~فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص واستعمل مكانه مروان بن الحكم ، ثم ~~عزل مروان واستعمل سعيدا مكانه ، وأمره بهدم داره ومصادرة أمواله ، فأبى ~~سعيد من تنفيذ ما أمره به معاوية فعزله وولى مكانه مروان ، وأمره بمصادرة ~~أموال سعيد وهدم داره ، فلما هم مروان بتنفيذ ما عهد إليه أقبل إليه سعيد ~~وأطلعه على كتاب معاوية في شأنه ، فامتنع مروان من القيام بما أمره معاوية. # وكتب سعيد إلى معاوية رسالة يندد فيها بعمله ، وقد جاء فيها : العجب مما ~~صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا له ، أن يضغن بعضنا PageV03P214 # على بعض! فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين ، وعفوه ~~وإدخاله القطيعة بنا والشحناء ، وتوارث الأولاد ذلك! (1). # وعلق عمر أبو النصر على سياسة التفريق التي تبعها معاوية مع أسرته بقوله ~~: إن سبب هذه السياسة هو رغبة معاوية في إيقاع الخلاف بين أقاربه الذين ~~يخشى نفوذهم على يزيد من بعده ، فكان يضرب بعضهم ببعض حتى يظلوا بحاجة إلى ~~عطفه وعنايته (2). ### || تجميد البيعة : # وجمد معاوية رسميا البيعة ليزيد إلى أجل آخر حتى يتم له إزالة الحواجز ~~والسدود التي تعترض طريقه. ويقول المؤرخون : إنه بعد ما التقى بعبادلة قريش ~~في يثرب ، واطلع على آرائهم المعادية لما ذهب إليه ، أوقف كل نشاط سياسي في ~~ذلك ، وأرجأ العمل إلى وقت آخر (3). ### || اغتيال الشخصيات الإسلامية : # ورأى معاوية أنه لا يمكن بأي حال تحقيق ما يصبوا إليه من تقليد ولده ~~الخلافة مع وجود الشخصيات الرفيعة التي تتمتع باحترام بالغ في نفوس ~~المسلمين ، فعزم على القيام باغتيالهم ؛ ليصفو له الجو ، فلا يبقى أمامه أي ~~مزاحم ، PageV03P215 # وقد قام باغتيال الذوات التالية : ### ||| 1 سعد بن أبي وقاص : # ولسعد المكانة العليا في نفوس الكثيرين من المسلمين ، فهو أحد أعضاء ~~الشورى ، وفاتح العراق ، وقد ثقل مركزه على معاوية فدس إليه سما فمات منه (1). ### ||| 2 عبد الرحمن بن خالد : # وأخلص ms718 أهل الشام لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وأحبوه كثيرا ، وقد ~~شاورهم معاوية فيمن يعقد له البيعة بعد وفاته ، فقالوا له : رضينا بعبد ~~الرحمن بن خالد ، فشق ذلك عليه ، وأسرها في نفسه. # ومرض عبد الرحمن ، فأمر معاوية طبيبا يهوديا كان مكينا عنده أن يأتيه ~~للعلاج فيسقيه سقية تقتله ، فسقاه الطبيب فمات على أثر ذلك (2). ### ||| 3 عبد الرحمن بن أبي بكر : # وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من أقوى العناصر المعادية لبيعة معاوية لولده ~~، وقد أنكر عليه ذلك ، وبعث إليه معاوية بمئة ألف درهم فردها عليه ، وقال : ~~لا أبيع ديني بدنياي. ولم يلبث أن مات فجأة بمكة (3). # وتعزو المصادر سبب وفاته إلى أن معاوية دس إليه سما فقتله. PageV03P216 ### ||| 4 الإمام الحسن (عليه السلام): # وقام معاوية باقتراف أعظم جريمة وإثم في الإسلام ، فقد عمد إلى اغتيال ~~سبط النبي (صلى الله عليه وآله) وريحانته الإمام الحسن (عليه السلام)، ~~الذي عاهده بأن يكون الخليفة من بعده. # ولم يتحرج الطاغية من هذه الجريمة في سبيل إنشاء دولة اموية تنتقل ~~بالوارثة إلى أبنائه وأعقابه ، وقد وصفه (الميجر اوزبورن) بأنه مخادع ، وذو ~~قلب خال من كل شفقة ، وأنه كان لا يتهيب من الإقدام على أية جريمة من أجل ~~أن يضمن مركزه ؛ فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبر تسميم ~~حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما تخلص من مالك الأشتر قائد علي بنفس ~~الطريقة (1). # وقد استعرض الطاغية السفاكين ليعهد إليهم القيام باغتيال ريحانة النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، فلم ير أحدا خليقا بارتكاب الجريمة سوى جعيدة بنت ~~الأشعث ؛ فإنها من بيت قد جبل على المكر ، وطبع على الغدر والخيانة ، فأرسل ~~إلى مروان بن الحكم سما فاتكا كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بأن يغري ~~جعيدة بالأموال وزواج ولده يزيد إذا استجابت له ، وفاوضها مروان سرا ففرحت ~~، فأخذت منه السم ودسته للإمام (عليه السلام)، وكان صائما في وقت ملتهب من ~~شدة الحر ، ولما وصل إلى جوفه تقطعت أمعاؤه ، والتفت إلى الخبيثة فقال لها ~~: «قتلتيني قتلك الله. ms719 والله لا تصيبن مني خلفا ، لقد غرك يعني معاوية وسخر ~~منك ، يخزيك الله ويخزيه». # وأخذ حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله) يعاني الآلام الموجعة من شدة السم ، PageV03P217 # وقد ذبلت نضارته ، واصفر لونه حتى وافاه الأجل المحتوم. وقد ذكرنا تفصيل ~~وفاته مع ما رافقها من الأحداث في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه ~~السلام». ### || إعلان البيعة رسميا : # وصفا الجو لمعاوية بعد اغتياله لسبط الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~وريحانته ، فقد قضى على من كان يحذر منه ، وقد استتبت له الامور ، وخلت ~~الساحة من أقوى المعارضين له ، وكتب إلى جميع عماله أن يبادروا دونما أي ~~تأخير إلى أخذ البيعة ليزيد ، ويرغموا المسلمين على قبولها. وأسرع الولاة ~~في أخذ البيعة من الناس ، ومن تخلف عنها نال أقصى العقوبات الصارمة. ### || مع المعارضين في يثرب : # وامتنعت يثرب من البيعة ليزيد ، وأعلن زعماؤهم وعلى رأسهم الإمام الحسين ~~(عليه السلام) رفضهم القاطع للبيعة ، ورفعت السلطة المحلية ذلك إلى معاوية ~~، فرأى أن يسافر إلى يثرب ليتولى بنفسه إقناع المعارضين ، فإن أبوا أجبرهم ~~على ذلك. واتجه معاوية إلى يثرب في موكب رسمي تحوطه قوة هائلة من الجيش ، ~~ولما انتهى إليها استقبله أعضاء المعارضة فجفاهم وهددهم. # وفي اليوم الثاني أرسل إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وإلى عبد الله ~~بن عباس ، فلما مثلا عنده قابلهما بالتكريم والحفاوة ، وأخذ يسأل الحسين ~~(عليه السلام) عن أبناء أخيه والإمام (عليه السلام) يجيبه ، ثم خطب معاوية ~~فأشاد بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأثنى عليه ، وعرض إلى بيعة يزيد ، ومنح ~~ابنه الألقاب الفخمة ، والنعوت الكريمة ، ودعاهما إلى بيعته. PageV03P218 ### || خطاب الإمام الحسين (عليه السلام): # وانبرى أبي الضيم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : «أما بعد يا معاوية ، ~~فلن يؤدي المادح وإن أطنب في صفة الرسول (صلى الله عليه وآله) من جميع جزءا ~~، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من إيجاز ~~الصفة ، والتنكب عن استبلاغ النعت ، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبح ~~فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ms720 ، واستأثرت ~~حتى أجحفت ، ومنعت حتى بخلت ، وجرت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حق من اسم حقه ~~من نصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل. # وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله)؛ تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوبا ، أو تنعت غائبا ، ~~أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص ، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه ~~، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، ~~والحمام السبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف ، وضروب الملاهي تجده ناصرا ~~، ودع عنك ما تحاول ؛ فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت ~~لاقيه ، فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور ، وحنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية ~~، وما بينك وبين الموت إلا غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ ، في يوم مشهود ، ~~ولات حين مناص. # ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا تراثا ، ولعمر الله ~~أورثنا الرسول (صلى الله عليه وآله) ولادة ، وجئت لنا بها ما حججتم به ~~القائم عند موت الرسول ، فأذعن للحجة بذلك ، ورده الإيمان إلى النصف ، ~~فركبتم الأعاليل ، وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم : كان PageV03P219 # ويكون ، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك ~~فاعتبروا يا اولي الأبصار. # وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتأميره ~~له ، وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له ، ~~وما صار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، ~~وعدوا عليه أفعاله ، فقال (صلى الله عليه وآله): لا جرم يا معشر المهاجرين ~~، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد ~~الأحكام وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا وحولك ~~من لا يؤمن في صحبته ، ولا يعتمد في دينه وقرابته ، وتتخطاهم إلى مسرف ~~مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه ، وتشقى بها في ~~آخرتك؟! إن هذا لهو الخسران المبين! ms721 واستغفر الله لي ولكم». # وفند الإمام (عليه السلام) في خطابه جميع شبهات معاوية ، وسد عليه جميع ~~الطرق والنوافذ ، وحمله المسؤولية الكبرى فيما أقدم عليه من إرغام المسلمين ~~على البيعة لولده. كما عرض للخلافة وما منيت به من الانحراف عما أرادها ~~الله من أن تكون في العترة الطاهرة (عليهم السلام)، إلا أن القوم زووها ~~عنهم ، وحرفوها عن معدنها الأصيل. # وذهل معاوية من خطاب الإمام (عليه السلام)، وضاقت عليه جميع السبل ، ~~فقال لابن عباس : ما هذا يابن عباس؟! # لعمر الله إنها لذرية الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأحد أصحاب الكساء ، ~~ومن البيت المطهر ، فاله عما تريد ؛ فإن لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله PageV03P220 # بأمره ، وهو خير الحاكمين (1). # ونهض أبي الضيم ، وترك معاوية يتميز من الغيظ ، وقد استبان له أنه لا ~~يتمكن أن يخدع الإمام الحسين (عليه السلام) ويأخذ البيعة منه. ### || إرغام المعارضين : # وغادر معاوية يثرب متجها إلى مكة وهو يطيل التفكير في أمر المعارضين ، ~~فرأى أن يعتمد على وسائل العنف والإرهاب ، وحينما وصل إلى مكة أحضر الإمام ~~الحسين (عليه السلام)، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، ~~وعبد الله بن عمر ، وعرض عليهم مرة أخرى البيعة إلى يزيد فأعلنوا رفضهم له ~~، فانبرى إليهم مغضبا ، وقال : إني أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر. كنت ~~أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ~~، وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ~~ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يسبقني رجل إلا على نفسه. # ودعا صاحب حرسه بحضرتهم ، فقال له : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ، ~~ومع كل واحد سيف ، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه ~~بسيفيهما. # ثم خرج وخرجوا معه ، فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن ~~هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، PageV03P221 # ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنهم رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على ms722 اسم الله. # فبايعه الناس ، ثم ركب رواحله وغادر مكة (1)، وقد حسب معاوية أن الأمر ~~قد تم لولده ، واستقر الملك في بيته ، ولم يعلم أنه قد جر الدمار على دولته ~~، وأعد المجتمع للثورة على حكومة ولده. ### || موقف الإمام الحسين (عليه السلام): # كان موقف الإمام الحسين (عليه السلام) مع معاوية يتسم بالشدة والصرامة ، ~~فقد أخذ يدعو المسلمين بشكل سافر إلى مقاومة معاوية ، ويحذرهم من سياسته ~~الهدامة ، الحاملة لشارات الدمار إلى الإسلام. ### || وفود الأقطار الإسلامية : # وأخذت الوفود تترى على الإمام (عليه السلام) من جميع الأقطار الإسلامية ~~وهي تعج بالشكوى إليه ، وتستغيث به مما ألم بها من الظلم والجور ، وتطلب ~~منه القيام بإنقاذها من الاضطهاد. # ونقلت الاستخبارات في يثرب إلى السلطة المحلية تجمع الناس واختلافهم على ~~الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان الوالي مروان ، ففزع من ذلك وخاف إلى ~~حد بعيد. PageV03P222 ### || مذكرة مروان لمعاوية : # ورفع مروان مذكرة لمعاوية سجل فيها تخوفه من تحرك الإمام (عليه السلام)، ~~واختلاف الناس عليه ، وهذا نصها : أما بعد ، فقد كثر اختلاف الناس إلى حسين ~~، والله إني لأرى لكم منه يوما عصيبا (1). ### || جواب معاوية : # وأمره معاوية بعدم القيام بأي حركة مضادة للإمام (عليه السلام)، فقد كتب ~~إليه : اترك حسينا ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويبد صفحته ، وأكمن عنه كمون ~~الثرى إن شاء الله ، والسلام (2). # لقد خاف معاوية من تطور الأحداث ، فعهد إلى مروان بعدم التعرض له بأي أذى ~~أو مكروه. ### || رأي مروان في إبعاد الإمام (عليه السلام): # واقترح مروان على معاوية إبعاد الإمام (عليه السلام) عن يثرب ، وفرض ~~الإقامة الجبرية عليه في الشام ؛ ليقطعه عن الاتصال بأهل العراق ، ولم يرتض ~~معاوية ذلك ، فرد عليه : أردت والله أن تستريح منه وتبتليني به ، فإن صبرت ~~عليه صبرت على ما أكره ، وإن أسأت إليه قطعت رحمه (3). PageV03P223 ### || رسالة معاوية للحسين (عليه السلام): # واضطرب معاوية من تحرك الإمام (عليه السلام) واختلاف الناس عليه ، فكتب ~~إليه رسالة ، وقد رويت بصورتين : # 1 رواها البلاذري ، وهذا نصها : أما بعد ، فقد أنهيت إلي عنك امور إن ~~كانت حقا فإني ms723 لم أظنها بك ؛ رغبة عنها ، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس ~~بمجانبتها ، وبحظ نفسك تبدأ ، وبعهد الله توفي ، فلا تحملني على قطيعتك ~~والإساءة إليك ؛ فإنك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتق الله يا ~~حسين في شق عصا الأمة ، وأن تردهم في فتنة (1). # 2 رواها ابن كثير ، وهذا نصها : إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير ~~بالوفاء ، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل ~~العراق من قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله واذكر الميثاق ؛ ~~فإنك متى تكدني أكدك (2). # واحتوت هذه الرسالة حسب النص الأخير على ما يلي : # 1 أن معاوية قد طالب الإمام (عليه السلام) بتنفيذ ما شرطه عليه في بنود ~~الصلح أن لا يخرج عليه ، وقد وفى له الإمام (عليه السلام) بذلك ، إلا أن ~~معاوية لم يف بشيء مما أبرمه على نفسه من شروط الصلح. # 2 أن معاوية كان على علم بوفود أهل الكوفة التي دعت الإمام (عليه السلام) ~~للخروج عليه ، وقد وسمهم بأنهم أهل الشقاق ، وأنهم قد غدروا بعلي والحسن ~~(عليهما السلام) من قبل. # 3 التهديد السافر للإمام (عليه السلام) بأنه متى كاد معاوية فإنه يكيده. PageV03P224 ### || جواب الإمام (عليه السلام): # ورفع الإمام (عليه السلام) إلى معاوية مذكرة خطيرة كانت جوابا لرسالته ، ~~حمله مسؤوليات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء ، وفقدان الأمن ، ~~وتعريض الأمة للأزمات ، وهي من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر ~~الأحداث التي صدرت من معاوية ، وهذا نصها : # «أما بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني امور أنت عنها ~~راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير ، وإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها ~~إلا الله تعالى. # أما ما ذكرت أنه رقي إليك عني ، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون ، المشاؤون ~~بالنميمة ، المفرقون بين الجمع ، وكذب الغاوون. ما أردت لك حربا ، ولا عليك ~~خلافا ، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الإعذار فيه إليك وإلى ~~أوليائك القاسطين حزب الظلمة. # ألست القاتل حجر بن عدي أخا ms724 كندة وأصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ~~ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ~~ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم ~~الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ؛ جرأة على الله واستخفافا بعهده؟! # أولست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~العبد الصالح الذي أبلته العبادة ، فنحل جسمه واصفر لونه ، فقتلته بعد ما ~~أمنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال؟! # أولست بمدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه ابن ~~أبيك ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش ، وللعاهر الحجر PageV03P225 # فتركت سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعمدا ، وتبعت هواك بغير هدى ~~من الله ، ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل ~~أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الأمة ، وليسوا منك؟! # أولست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي (عليه ~~السلام)، فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي. فقتلهم ومثل بهم ~~بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمه (صلى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك ~~الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين ؛ رحلة ~~الشتاء والصيف؟! # وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ودينك ولأمة محمد (صلى الله عليه وآله)، ~~واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة. وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه ~~الأمة من ولايتك عليها ، ولا أعظم لنفسي ولديني ولأمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله) أفضل من أن أجاهرك ؛ فإن فعلت فإنه قربة إلى الله ، وإن تركته فإني ~~استغفر الله لديني ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري. # وقلت فيما قلت : إنني إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني. فكدني ما بدا ~~لك ؛ فإني أرجو أن لا يضرني كيدك ، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك ؛ ~~لأنك قد ركبت جهلك ، وتحرصت على نقض عهدك. # ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر ms725 الذين قتلتهم بعد ~~الصلح والأيمان ، والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا ~~وقتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقنا ؛ مخافة أمر ~~لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا. PageV03P226 # فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أن لله تعالى كتابا ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وليس الله بناس لأخذك بالظنة ، وقتلك ~~أولياءه على التهم ، ونفيك إياهم من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك الناس ~~ببيعة ابنك الغلام الحدث ، يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلا قد ~~خسرت نفسك ، وتبرت دينك (1)، وغششت رعيتك ، وسمعت مقالة السفيه الجاهل ، ~~وأخفت الورع التقي ، والسلام» (2). # لا أكاد أعرف وثيقة سياسة في ذلك العهد عرضت لعبث السلطة ، وسجلت الجرائم ~~التي ارتكبها معاوية ، والدماء التي سفكها ، والنفوس التي أرعبها غير هذه ~~الوثيقة ، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد. # والله كم هي هذه الكلمة رقيقة شاعرة «كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك». ~~هذه الكلمة المشبعة بالشعور القومي الشريف ، وقديما قال الصابي : إن الرجل ~~من قوم ليست له أعصاب تقسو عليهم. وهو اتهام من الحسين لمعاوية في وطنيته ~~وقوميته ، واتخذ من الدماء الغزيرة المسفوكة عنوانا على ذلك (3). # لقد حفلت هذه المذكرة بالأحداث الخطيرة التي اقترفها معاوية وعماله ، ~~خصوصا زياد بن سمية الذي نشر الإرهاب والظلم بين الناس ؛ فقتل على الظنة ~~والتهمة ، وأعدم كل من كان على دين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~الذي هو دين ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أسرف هذا ~~الطاغية في سفك الدماء بغير حق. # ومن الطبيعي أنه لم يقترف ذلك إلا بإيعاز من معاوية ، فهو الذي عهد إليه بذلك. PageV03P227 ### || صدى الرسالة : # ولما انتهت رسالة الإمام (عليه السلام) إلى معاوية ضاق بها ذرعا ، وراح ~~يراوغ على عادته ، ويقول : إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسدا (1). ### || المؤتمر السياسي العام : # وعقد الإمام (عليه السلام) في مكة مؤتمرا سياسيا عاما ، دعا فيه جمهورا ~~غفيرا ممن شهد موسم الحج ؛ من المهاجرين والأنصار ، والتابعين وغيرهم من ms726 ~~سائر المسلمين ، فانبرى (عليه السلام) خطيبا فيهم ، وتحدث ببليغ بيانه بما ~~ألم بعترة النبي (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم من المحن والخطوب التي صبها ~~عليهم معاوية ، وما اتخذه من الإجراءات المشددة من إخفاء فضائلهم ، وستر ما ~~أثر عن الرسول الأعظم في حقهم ، وألزم حضار مؤتمره بإذاعة ذلك بين المسلمين ~~، وفيما يلي نص حديثه ، فيما رواه سليم بن قيس : # قال : ولما كان قبل موت معاوية بسنة حج الحسين بن علي ، وعبد الله بن ~~عباس ، وعبد الله بن جعفر ، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم ، ومن ~~حج من الأنصار ممن يعرفهم الحسين وأهل بيته ، ثم أرسل رسلا ، وقال لهم : ~~«لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~المعروفين بالصلاح والنسك إلا اجمعوهم لي». فاجتمع إليه بمنى أكثر من ~~سبعمئة رجل وهم في سرادق ، عامتهم من التابعين ، ونحو من مئتي رجل من أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام فيهم خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ~~قال : «أما بعد ، فإن هذا الطاغية يعني معاوية قد فعل بنا وبشيعتنا PageV03P228 # ما قد رأيتم ، وعلمتم وشهدتم ، وإني أريد أن أسألكم عن شيء ؛ فإن صدقت ~~فصدقوني ، وإن كذبت فكذبوني. اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا إلى ~~أمصاركم وقبائلكم ، فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من ~~حقنا ؛ فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب ، والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون». # وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القران إلا تلاه وفسره ، ولا شيئا ~~مما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته ~~(عليهم السلام) إلا رواه ، وكل ذلك يقول أصحابه : اللهم نعم ، قد سمعنا ~~وشهدنا. ويقول التابعي : اللهم قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة. ~~فقال (عليه السلام): «أنشدكم الله إلا حدثتم به من تثقون به وبدينه» (1). # وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر إسلامي عرفه المسلمون في ذلك الوقت ، وقد شجب ~~فيه الإمام (عليه السلام) سياسة معاوية ، ودعا المسلمين لإشاعة فضائل أهل ms727 ~~البيت (عليهم السلام)، وإذاعة مآثرهم التي حاولت السلطة حجبها عن ~~المسلمين. ### || رسالة جعدة للإمام (عليه السلام): # وكان جعدة بن هبيرة بن أبي وهب من أخلص الناس للإمام الحسين (عليه ~~السلام)، وأكثرهم مودة له ، وقد اجتمعت عنده الشيعة وأخذوا يلحون عليه في ~~مراسلة الإمام للقدوم إلى مصرهم ؛ ليعلن الثورة على حكومة معاوية. # ورفع جعدة رسالة للإمام (عليه السلام)، وهذا نصها : أما بعد ، فإن من ~~قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك ، لا يعدلون بك أحدا ، وقد كانوا عرفوا ~~رأي الحسن أخيك في الحرب ، وعرفوك باللين PageV03P229 # لأوليائك ، والغلظة على أعدائك ، والشدة في أمر الله ، فإن كنت تحب أن ~~تطلب هذا الأمر فاقدم علينا ؛ فقد وطنا أنفسنا على الموت معك. ### || جواب الإمام (عليه السلام): # ولم يكن من رأي الإمام الحسين (عليه السلام) الخروج على معاوية ؛ وذلك ~~لعلمه بفشل الثورة وعدم نجاحها ؛ فإن معاوية بما يملك من وسائل دبلوماسية ~~وعسكرية لا بد أن يقضي عليها ، ويخرجها من إطارها الإسلامي إلى حركة غير ~~شرعية ، ويوسم القائمين بها بالتمرد والخروج على النظام ، وقد أجابهم (عليه ~~السلام) بعد البسملة والثناء على الله بما يلي : # «أما أخي فإني أرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده ، وأما أنا فليس رأيي ~~اليوم ذلك ، فالصقوا رحمكم الله بالأرض ، واكمنوا في البيوت ، واحترسوا من ~~الظنة ما دام معاوية حيا ، فإن يحدث الله به حدثا وأنا حي كتبت إليكم برأيي ~~، والسلام» (1). # لقد أمر (عليه السلام) شيعته بالخلود إلى الصبر ، والإمساك عن المعارضة ، ~~وأن يلزموا بيوتهم خوفا عليهم من سلطان معاوية الذي كان يأخذ البريء ~~بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، ويقتل على الظنة والتهمة. وأكبر الظن أن هذه ~~الرسالة كانت في عهد زياد الذي سمل عيون الشيعة ، وصلبهم على جذوع النخل ، ~~ودمرهم تدميرا ساحقا. PageV03P230 ### || نصيحة الخدري للإمام (عليه السلام): # وشاعت في الأوساط الاجتماعية أنباء وفود أهل الكوفة على الإمام الحسين ~~(عليه السلام) واستنجادهم به لإنقاذهم من ظلم معاوية وجوره ، ولما علم أبو ~~سعيد الخدري بذلك خف مسرعا للإمام (عليه السلام) ينصحه ويحذره ، وهذا نص ~~حديثه : يا أبا ms728 عبد الله ، إني أنا ناصح ، وإني عليكم مشفق ، وقد بلغني أنه ~~قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونكم إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج إليهم ~~؛ فإني سمعت أباك يقول بالكوفة : «والله لقد مللتهم وأبغضتهم ، وملوني ~~وأبغضوني ، وما يكون منهم وفاء قط ، ومن فاز به فاز بالسهم الأخيب. والله ~~ما لهم ثبات ولا عزم على أمر ، ولا صبر على السيف» (1). # وليس من شك في أن أبا سعيد الخدري كان من ألمع أصحاب الإمام أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، وأكثرهم إخلاصا وولاء لأهل البيت (عليهم السلام) ~~، وقد دفعه حرصه على الإمام الحسين (عليه السلام) وخوفه عليه من معاوية أن ~~يقوم بالنصيحة له في عدم خروجه على معاوية. ولم تذكر المصادر التي بأيدينا ~~جواب الإمام الحسين (عليه السلام) له. ### || استيلاء الحسين (عليه السلام) على أموال للدولة : # وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة على تدعيم ملكه ، كما كان يهب ~~الأموال الطائلة لبني أمية لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي ، وكان الإمام ~~الحسين (عليه السلام) يشجب هذه السياسة ، ويرى ضرورة إنفاذ الأموال من ~~معاوية وإنفاقها على المحتاجين. وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن إلى ~~خزينة دمشق ، فعمد الإمام (عليه السلام) إلى الاستيلاء عليها ، ووزعها على PageV03P231 # المحتاجين من بني هاشم وغيرهم ، وكتب إلى معاوية : # «من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد ، فإن عيرا مرت بنا ~~من اليمن تحمل مالا وحللا ، وعنبرا وطيبا إليك ، لتودعها خزائن دمشق ، وتعل ~~بها بعد النهل بني أبيك ، وإني احتجت إليها فأخذتها ، والسلام». # وأجابه معاوية : من عبد الله معاوية إلى الحسين بن علي. أما بعد ، فإن ~~كتابك ورد علي تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا وحللا ، وعنبرا ~~وطيبا إلي لأودعها خزائن دمشق ، وأعل بها بعد النهل بني أبي ، وإنك احتجت ~~إليها فأخذتها ، ولم تكن جديرا بأخذها إذ نسبتها إلي ؛ لأن الوالي أحق ~~بالمال ، ثم عليه المخرج منها. وأيم الله ، لو تركت ذلك حتى صار إلي لم ~~أبخسك حظلك منها ، ولكنني قد ظننت يابن أخي أن في رأسك نزوة ms729 ، وبودي أن ~~يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك ، ولكنني والله ، أتخوف أن ~~تبلى بمن لا ينظرك فواق ناقة. # وكتب في أسفل كتابه هذه الأبيات : # يا حسين بن علي ليس ما %~% جئت بالسائغ يوما والعلل أخذك المال ولم تؤمر به %~% إن هذا من حسين لعجل قد أجزناها ولم نغضب لها %~% واحتملنا من حسين ما فعل يا حسين بن علي ذا الأمل %~% لك بعدي وثبة لا تحتمل وبودي أنني شاهدها %~% فإليها منك بالخلق الأجل إنني أرهب أن تصل بمن %~% عنده قد سبق السيف العذل (1) PageV03P232 # وفي هذا الكتاب تهديد للإمام بمن يخلف معاوية ، وهو ابنه يزيد ، الذي لا ~~يؤمن بمقام الحسين ومكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وعلى أي حال ، فقد قام الإمام بإنقاذ هذه الأموال من معاوية وأنفقها على ~~الفقراء ، في حين أنه لم يكن يأخذ لنفسه أي صلة من معاوية ، وقد قدم له ~~مالا كثيرا وثيابا وافرة وكسوة فاخرة ، فرد الجميع عليه (1). # وقد روى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أن الحسن والحسين كانا لا ~~يقبلان جوائز معاوية (2). ### || حديث موضوع : # من الأخبار الموضوعة ما روي أن الإمام الحسين وفد مع أخيه الحسن على ~~معاوية فأمر لهما بمئة ألف درهم ، وقال لهم : خذاها وأنا ابن هند ، ما ~~أعطاها أحد قبلي ، ولا يعطيها أحد بعدي. # فانبرى إليه الإمام الحسين قائلا : «والله ، ما أعطى أحد قبلك ولا بعدك ~~لرجلين أشرف منا». # ولا مجال للقول بصحة هذه الرواية ، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم ~~يفد على معاوية بالشام ، وإنما وفد عليه الإمام الحسن (عليه السلام) لا ~~لأجل الصلة والعطاء ، كما يذهب لذلك بعض السذج من المؤرخين ، وإنما كان ~~الغرض إبراز الواقع الاموي والتدليل على مساوئ معاوية ، كما أثبتت ذلك PageV03P233 # مناظراته مع معاوية وبطانته ، والتي لم يقصد فيها إلا تلك الغاية ، وقد ~~أوضحنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن). ### || الحسين مع بني أمية : # كانت العداوة بين الحسين وبين بني أمية ذاتية ، فهي عداوة الضد للضد ، ~~وقد سأل سعيد ms730 الهمداني الإمام الحسين عن بني أمية ، فقال (عليه السلام): ~~«إنا وهم الخصمان اللذان اختصما في ربهم» (1). # أجل ، إنهما خصمان في أهدافهم ، وخصمان في اتجاههم ، فالحسين (عليه ~~السلام) كان يمثل جوهر الإيمان بالله ، ويمثل القيم الكريمة التي يشرف بها ~~الإنسان ، وبنو أمية كانوا يمثلون مساوئ الجاهلية التي تهبط بالإنسان إلى ~~مستوى سحيق ، وكان الامويون بحسب طباعهم الشريرة يحقدون على الإمام الحسين ~~، ويبالغون في توهينه ، وقد جرت منازعة بين الحسين وبين الوليد بن عتبة بن ~~أبي سفيان في مال كان بينهما فتحامل الوليد على الحسين في حقه ، فثار ~~الإمام في وجهه ، وقال : «أحلف بالله لتنصفي من حقي أو لآخذن سيفي ، ثم ~~لأقومن في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأدعون بحلف الفضول». # لقد أراد أن يحيي حلف الفضلول الذي أسسه الهاشميون ، والذي كان شعاره ~~إنصاف المظلومين والأخذ بحقوقهم ، وقد حاربه الامويون في جاهليتهم ؛ لأنه ~~يتنافى مع طباعهم ومصالحهم. # وانبرى عبد الله بن الزبير فانضم للحسين وانتصر له ، وقال : PageV03P234 # وأنا أحلف بالله ، لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه ~~أو نموت جميعا. # وبلغ المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري الحديث فانضم للحسين وقال بمثل ~~مقالته ، وشعر الوليد بالوهن والضعف فتراجع عن غيه ، وأنصف الحسين (عليه ~~السلام) من حقه (1). # ومن ألوان الحقد الاموي على الحسين أنه كان جالسا في مسجد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فسمع رجلا يحدث أصحابه ، ويرفع صوته ليسمع الحسين ، وهو ~~يقول : إنا شاركنا آل أبي طالب في النبوة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها ~~من السبب والنسب ، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا فبم يفخرون علينا؟ # وكرر هذا القول ثلاثا ، فأقبل عليه الحسين ، فقال له : «إني كففت عن ~~جوابك في قولك الأول حلما ، وفي الثاني عفوا ، وأما في الثالث فإني مجيبك. ~~إني سمعت أبي يقول : إن في الوحي الذي أنزله الله على محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، إذا قامت القيامة الكبرى حشر الله بني أمية في صور الذر يطؤهم ~~الناس حتى يفرغ من ms731 الحساب ، ثم يؤتى بهم فيحاسبوا ويصار بهم إلى النار» (2) ~~. ولم يطق الاموي جوابا وانصرف وهو يتميز من الغيظ. # وبهذا ينتهي بنا الحديث عن موقف الإمام مع معاوية وبني أمية ، ونعرض فيما ~~يلي إلى وفاة معاوية وما رافقها من الأحداث. PageV03P235 ### || مرض معاوية : # ومرض معاوية وتدهورت صحته ، ولم تجد معه الوصفات الطيبة ، فقد تناهبت ~~جسمه الأمراض ، وقد شعر بدنو أجله ، وكان في حزن على ما اقترفه في قتله ~~لحجر بن عدي ، فكان ينظر إليه شبحا مخيفا ، وكان يقول : # ويلي منك يا حجر! إن لي مع ابن عدي ليوما طويلا (1)، وتحدث الناس عن ~~مرضه ، فقالوا : إنه الموت ، فأمر أهله أن يحشوا عينيه أثمدا ، ويسبغوا على ~~رأسه الطيب ويجلسوه ، ثم أذن للناس فدخلوا وسلموا عليه قياما ، فلما خرجوا ~~من عنده أنشد قائلا : # وتجلدي للشامتين أريهم %~% أني لريب الدهر لا اتضعضع # فسمعه رجل من العلويين فأجابه : # وإذا المنية أنشبت أظفارها %~% ألفيت كل تميمة لا تنفع (2) ### || وصاياه : # ولما ثقل حال معاوية عهد بوصيته إلى يزيد ، وقد جاء فيها : يا بني ، إني ~~قد كفيتك الشر والترحال ، ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء ، وأخضعت لك ~~رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك وأكرم ~~من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب ، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كل ~~يوم عاملا فافعل ؛ فإن عزل عامل PageV03P236 # أيسر من أن يشهر عليك مئة ألف سيف ، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك ~~وعيبتك ، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم ، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام ~~إلى بلادهم ؛ فإن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم. # وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش : ~~الحسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن ~~أبي بكر ؛ فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة ، فإذا لم يبق أحد غيره ~~بايعك ، وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ، ولن يترك أهل العراق حتى يخرجوه ~~، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه ؛ فإن ms732 له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من ~~محمد ، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليس له همة ~~إلا في النساء واللهو ، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك مراوغة ~~الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعلها بك فظفرت به ~~فقطعه إربا إربا ، واحقن دماء قومك ما استطعت (1). # وأكبر الظن أن هذه الوصية من الموضوعات ؛ فقد افتعلت لإثبات حلم معاوية ، ~~وإنه عهد إلى ولده بالإحسان الشامل إلى المسلمين وهو غير مسؤول عن تصرفاته. # ومما يؤيد وضعها ما يلي : # 1 إن المؤرخين رووا أن معاوية أوصى يزيد بغير ذلك ، فقال له : إن لك من ~~أهل المدينة يوما ، فإن فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة ، فإنه رجل قد عرفنا ~~نصيحته (2)، وكان مسلم بن عقبة جزارا جلادا لا يعرف الرحمة والرأفة ، وقد ~~استعمله يزيد بعهد من أبيه في واقعة الحرة فاقترف كل موبقة PageV03P237 # وإثم ، فكيف تلتقي هذه الوصية بتلك الوصية التي عهد فيها بالإحسان إلى ~~أهل الحجاز؟! # 2 إنه أوصاه برعاية عواطف العراقيين والاستجابة لهم إذا سألوه في كل يوم ~~عزل من ولاه عليهم ، وهذا يتنافى مع ما ذكره المؤرخون أنه عهد بولاية ~~العراق إلى عبيد الله بن زياد وهو يعلم شدته وصرامته وغدره ؛ فهو ابن زياد ~~الذي أغرق العراق بدماء الأبرياء ، فهل العهد إليه بولايته العراق من ~~الإحسان إلى العراقيين والبر بهم؟! # 3 إنه جاء في هذه الوصية أنه يتخوف عليه من عبد الله بن عمر وقد وصفه ~~بأنه قد وقذته العبادة ، وإذا كان كذلك فهو بطبيعة الحال منصرف عن السلطة ~~والمنازعات السياسية فما معنى التخوف منه؟! # 4 إنه جاء في هذه الوصية أنه يتخوف عليه من عبد الرحمن بن أبي بكر ، وقد ~~نص المؤرخون أنه توفي في حياة معاوية ، فما معنى التخوف عليه من إنسان ميت؟ # 5 إنه أوصاه برعاية الحسين (عليه السلام) وإن له رحما ماسة ، وحقا عظيما ~~وقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن المؤكد أن معاوية بالذات ~~لم يرع ms733 أي جانب من جوانب القرابة من رسول الله فقد قطع جميع أواصرها ، فقد ~~فرض سبها على رؤوس الأشهاد ، وعهد إلى لجان التربية والتعليم بتربية النشء ~~ببغض أهل البيت ، ولم يتردد في ارتكاب أي وسيلة للحط من شأنهم. # وقد علق الاستاذ عبد الهادي المختار على هذه الفقرات من الوصية بقوله : ~~وتقول بعض المصادر إن معاوية أوصى ولده يزيد برعاية الحسين ، والذي نعتقده ~~أنه لا أثر لها من الصحة ؛ فإن معاوية لم يتردد في اغتيال PageV03P238 # الإمام الحسن حتى بعد ما بايعه ، فكيف يوصي ولده بالعفو عن الحسين إن ظفر به. # لم يكن معاوية بالذي يرعى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حرمة أو قرابة ~~حتى يوصي ابنه برعاية آل محمد ، كلا أبدا ، فقد حارب الرسول في الجاهلية ~~حتى أسلم كرها يوم فتح مكة ، ثم حارب صهر الرسول وخليفته وابن عمه علي ، ~~ونزا على خلافة المسلمين وانتزعها قهرا ، وسم ابن بنت الرسول الحسن ، فهل ~~يصدق بعد هذا كله أن يوصي بمثل ما أوصى به؟! # قد يكون أوصاه أن يغتاله سرا ويدس له السم ، أو يبعث له من يطعنه بليل ، ~~ربما كان هذا الفرض أقرب إلى الصحة من تلك الوصية ، ولكن المؤرخين سامحهم ~~الله أرادوا أن يبرئوا ساحة الأب ويلقوا جميع التبعات على الابن ، وهما في ~~الحقيقة غرس إثم واحد وثمرة جريمة واحدة. # وأضاف يقول : ولو أن الوصية المزعومة كانت صحيحة لما كان يزيد لاهم له ~~بعد موت أبيه إلا تحصيل البيعة من الحسين وتشديده على عامله بالمدينة بلزوم ~~إجبار الحسين على البيعة (1). ### || موت معاوية : # واستقبل معاوية الموت غير مطمئن فكان يتوجع ويظهر الجزع على ما اقترفه من ~~الإسراف في سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم ، وقد وافاه الأجل في دمشق ~~محروما عن رؤية ولده الذي اغتصب له الخلافة ، وحمله PageV03P239 # على رقاب المسلمين ، وكان يزيد فيما يقول المؤرخون مشغولا عن أبيه في ~~أثناء وفاته برحلات الصيد ، وعربدات السكر ونغمة العيدان. # وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة معاوية وما رافقها من الأحداث الجسام. PageV03P240 ### | حكومة يزيد PageV03P241 # وتسلم ms734 يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الإسلامية وهو في غضارة العمر ، ~~لم تهذبه الأيام ولم تصقله التجارب ، وإنما كان فيما أجمع عليه المؤرخون ~~موفور الرغبة في اللهو والقنص ، والخمر والنساء وكلاب الصيد ، وممعنا كل ~~الإمعان في اقتراف المنكر والفحشاء ، ولم يكن حين هلاك أبيه في دمشق ، ~~وإنما كان في رحلات الصيد في حوارين الثنية (1)، فأرسل إليه الضحاك بن قيس ~~رسالة يعزيه فيها بوفاة معاوية ويهنئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى ~~دمشق ليتولى أزمة الحكم ، وحينما قرأ الرسالة اتجه فورا نحو عاصمته في ركب ~~من أخواله ، وكان ضخما كثير الشعر ، وقد شعث في الطريق وليس عليه عمامة ولا ~~متقلدا بسيف ، فأقبل الناس يسلمون عليه ويعزونه ، وقد عابوا عليه ما هو فيه ~~وراحوا يقولون : هذا الأعرابي الذي ولاه معاوية أمر الناس ، والله سائله ~~عنه (2). # واتجه نحو قبر أبيه فجلس عنده وهو باك العين ، وأنشأ يقول : # جاء البريد بقرطاس يخب به %~% فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في كتابكم %~% قال الخليفة أمسى مدنفا وجعا (3) # ثم سار متجها نحو القبة الخضراء في موكب رسمي تحف به علوج أهل الشام ~~وأخواله وسائر بني أمية. PageV03P243 ### || خطاب العرش : # واتجه يزيد نحو منصة الخطابة ليعلن للناس سياسته ومخططات حكومته ، فلما ~~استوى عليها ارتج عليه ولم يطق الكلام ، فقام إليه الضحاك بن قيس فصاح به ~~يزيد ما جاء بك؟ قال له الضحاك : كلم الناس وخذ عليهم ، فأمره بالجلوس (1) ~~، وانبرى خطيبا فقال : الحمد لله الذي ما شاء صنع ومن شاء منع ، ومن شاء ~~خفض ومن شاء رفع ، إن أمير المؤمنين يعني معاوية كان حبلا من حبال الله مده ~~ما شاء أن يمده ، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه ، وكان دون من قبله وخيرا مما ~~يأتي بعده ، ولا ازكيه عند ربه وقد صار إليه ؛ فإن يعف عنه فبرحمته ، وإن ~~يعاقبه فبذنبه. وقد وليت بعده الأمر ولست اعتذر من جهل ولا آتي على طلب علم ~~، وعلى رسلكم : إذا كره الله شيئا غيره ، وإذا أحب شيئا يسره (2). # ولم يعرض يزيد ms735 في هذا الخطاب لسياسة دولته ، ولم يدل بأي شيء مما تحتاج ~~إليه الأمة في مجالاتهم الاقتصادية والاجتماعية ، ومن المقطوع به أن ذلك ~~مما لم يفكر به ، وإنما عرض لطيشه وجبروته واستهانته بالأمة ، فهو لا يعتذر ~~إليها من أي جهل يرتكبه ولا من سيئة يقترفها ، وإنما على الأمة الإذعان ~~والرضا لظلمه وبطشه. PageV03P244 ### || خطابه في أهل الشام : # وخطب في أهل الشام خطابا أعلن فيه عن عزمه وتصميمه على الخوض في حرب ~~مدمرة مع أهل العراق ، وهذا نصه : يا أهل الشام ، فإن الخير لم يزل فيكم ~~وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد ، وقد رأيت في منامي كأن نهرا يجري ~~بيني وبينهم دما عبيطا ، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر ~~على ذلك حتى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه. # وانبرى أهل الشام فأعلنوا تأييدهم ودعمهم الكامل له ، قائلين : يا أمير ~~المؤمنين ، امض بنا حيث شئت واقدم بنا على من أحببت ، فنحن بين يديك ~~وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين. # فشكرهم يزيد وأثنى على إخلاصهم وولائهم له (1)، وقد بات من المقطوع به ~~عند أوساط الشام أن يزيد سيعلن الحرب على أهل العراق لكراهتهم لبيعته ~~وتجاوبهم مع الإمام الحسين. ### || مع المعارضة في يثرب : # ولم يرق ليزيد أن يرى جبهة معارضة لا تخضع لسلطانه ولا تدين بالولاء ~~لحكومته ، وقد عزم على التنكيل بها بغير هوادة ، فقد استتبت له الأمور ~~وخضعت له الرقاب وصارت أجهزة الدولة كلها بيده ، فما الذي يمنعه من إرغام ~~أعدائه ومناوئيه؟ # وأهم ما كان يفكر به من المعارضين الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنه يتمتع PageV03P245 # بنفوذ واسع النطاق ومكانة مرموقة بين المسلمين ، فهو حفيد صاحب الرسالة ~~وسيد شباب أهل الجنة ، أما ابن الزبير فلم تكن له تلك الأهمية البالغة في نفسه. ### || الأوامر المشددة إلى الوليد : # وأصدر يزيد أوامره المشددة إلى عامله على يثرب الوليد بن عتبة بإرغام ~~المعارضين له على البيعة ، وقد كتب إليه رسالتين : # الأولى : وقد رويت بصورتين وهما : # 1 رواها الخوارزمي وهذا ms736 نصها : أما بعد ، فإن معاوية كان عبدا من عباد ~~الله أكرمه واستخلصه ومكن له ، ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته. # عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عهد إلي وأوصاني أن الله تبارك وتعالى ~~منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛ لأنهم أنصار الحق وطلاب العدل ، فإذا ~~ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة (1). # وقد احتوت هذه الرسالة على ما يلي : # 1 نعي معاوية إلى الوليد. # 2 تخوف يزيد من الأسرة النبوية ؛ لأنه قد عهد إليه أبوه بالحذر منها ، ~~وهذا يتنافى مع تلك الوصية المزعومة لمعاوية التي جاء فيها اهتمامه بشأن ~~الحسين (عليه السلام)، وإلزام ولده بتكريمه ورعاية مقامه. # 3 الإسراع في أخذ البيعة من أهل المدينة. # 2 رواها البلاذري ، وهذا نصها : أما بعد ، فإن معاوية بن أبي سفيان كان ~~عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله PageV03P246 # ومكن له ، فعاش بقدر ومات بأجل فرحمة الله عليه ، فقد عاش محمودا ومات ~~برا تقيا ، والسلام (1). # وأكبر الظن أن هذه الرواية هي الصحيحة ؛ لأنها قد اقتصرت على نعي معاوية ~~إلى الوليد من دون أن تعرض إلى أخذ البيعة من الحسين وغيره من المعارضين ، ~~أما على الرواية الأولى فإنه يصبح ذكر الرسالة التالية التي بعثها يزيد إلى ~~الوليد لإرغام الحسين على البيعة لغوا. # الثانية : رسالة صغيرة وصفت كأنها أذن فأرة ، وقد رويت بثلاث صور : # 1 رواها الطبري والبلاذري ، وهذا نصها : أما بعد ، فخذ حسينا وعبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن الزبير أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا ، ~~والسلام (2). # 2 رواها اليعقوبي ، وهذا نصها : إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن علي وعبد ~~الله بن الزبير فخذهما بالبيعة ، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إلي ~~برأسيهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن ~~علي وعبد الله بن الزبير ، والسلام (3). # وليس في الرواية الثانية ذكر لعبد الله بن عمر ، وأكبر الظن أنه أضيف ~~اسمه إلى الحسين وابن الزبير لإلحاقه بالجبهة المعارضة وتبريره من التأييد ~~السافر لبيعة يزيد. # 3 رواها الحافظ ابن ms737 عساكر ، وهذا نصها : أن ادع الناس PageV03P247 # فبايعهم وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي ؛ فإن ~~أمير المؤمنين يعني معاوية عهد إلي في أمره الرفق واستصلاحه (1). # وليس في هذه الرواية ذكر لابن الزبير وابن عمر ، إذ لم تكن لهما أية ~~أهمية في نظر يزيد ، إلا إنا نشك فيما جاء في آخر هذه الرسالة من أن معاوية ~~قد عهد إلى يزيد الرفق بالحسين واستصلاحه ؛ فإن معاوية قد وقف موقفا ~~[سلبيا] يتسم بالعداء والكراهية لعموم أهل البيت (عليهم السلام)، واتخذ ~~ضدهم جميع الإجراءات القاسية كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث السابقة ، وأكبر ~~الظن أن هذه الجملة قد أضيفت إليها لتبرير معاوية ونفي المسؤولية عنه فيما ~~ارتكبه ولده من الجرائم ضد العترة الطاهرة. # بقي هنا شيء وهو أن هذه الرسالة قد وصفها المؤرخون كأنها أذن فأرة لصغرها ~~، ولعل السبب في إرسالها بهذا الحجم هو أن يزيد قد حسب أن الوليد سينفذ ما ~~عهد إليه من قتل الحسين وابن الزبير. # ومن الطبيعي أن لذاك كثيرا من المضاعفات السيئة ، ومن أهمها ما يلحقه من ~~التذمر والسخط الشامل بين المسلمين ، فأراد أن يجعل التبعة على الوليد وأنه ~~لم يعهد إليه بقتلهما ، وأنه لو أمره بذلك لأصدر مرسوما خاصا مطولا به. # وحمل الرسالتين زريق مولاه ، فأخذ يجذ في السير لا يلوي على شيء حتى ~~انتهى إلى يثرب (2)، وكان معه عبد الله بن سعد بن أبي سرح متلثما لا يبدو ~~منه إلا عيناه ، فصادفه عبد الله بن الزبير فأخذ بيده وجعل PageV03P248 # يسأله عن معاوية وهو لا يجيبه ، فقال له : أمات معاوية؟ فلم يكلمه بشيء ~~فاعتقد بموت معاوية ، وقفل مسرعا إلى الحسين وأخبره الخبر (1)، فقال له ~~الحسين : «إني أظن أن معاوية قد مات ، فقد رأيت البارحة في منامي كأن منبر ~~معاوية منكوسا ، ورأيت داره تشتعل نارا ، فأولت ذلك في نفسي بموته» (2). # وأقبل زريق إلى دار الوليد فقال للحاجب : استاذن لي ، فقال : قد دخل ولا ~~سبيل إليه ، فصاح به زريق : إني جئته بأمر ، فدخل الحاجب وأخبره بالأمر ms738 ~~فأذن له ، وكان جالسا على سرير فلما قرأ كتاب يزيد بوفاة معاوية جزع جزعا ~~شديدا ، وجعل يقوم على رجليه ويرمي بنفسه على فراشه (3). ### || فزع الوليد : # وفزع الوليد مما عهد إليه يزيد من التنكيل بالمعارضين ؛ فقد كان على يقين ~~من أن أخذ البيعة من هؤلاء النفر ليس بالأمر السهل حتى يقابلهم بالعنف ، أو ~~يضرب أعناقهم كما أمره يزيد. # إن هؤلاء النفر لم يستطع معاوية مع ما يتمتع به من القابليات الدبلوماسية ~~أن يخضعهم لبيعة يزيد ، فكيف يصنع الوليد أمرا عجز عنه معاوية؟ PageV03P249 ### || استشارته لمروان : # وحار الوليد في أمره فرأى أنه في حاجة إلى مشورة مروان عميد الأسرة ~~الاموية فبعث خلفه ، فأقبل مروان وعليه قميص أبيض وملأة موردة (1) فنعى ~~إليه معاوية فجزع مروان وعرض عليه ما أمره يزيد من إرغام المعارضين على ~~البيعة له وإذا أصروا على الامتناع فيضرب أعناقهم ، وطلب من مروان أن يمنحه ~~النصيحة ويخلص له في الرأي. ### || رأي مروان : # وأشار مروان على الوليد فقال له : ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى ~~البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم وإن أبوا قدمهم ~~واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ؛ فإنهم إن علموا ذلك وثب كل رجل ~~منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا ~~قبل لك به ، إلا عبد الله بن عمر فإنه لا ينازع في هذا الأمر أحدا ... مع ~~إني أعلم أن الحسين بن علي لا يجيبك إلى بيعة يزيد ولا يرى له عليه طاعة ، ~~ووالله ، لو كنت في وضعك لم اراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كان ~~في ذلك ما كان. # وعظم ذلك على الوليد وهو أحنك بني أمية وأملكهم لعقله ورشده ، فقال ~~لمروان : يا ليت الوليد لم يولد ولم يك شيئا مذكورا. PageV03P250 # فسخر منه مروان وراح يندد به قائلا : لا تجزع مما قلت لك! فإن آل أبي ~~تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم يزالوا ، وهم الدين قتلوا الخليفة عثمان ~~بن عفان ثم ساروا إلى ms739 أمير المؤمنين يعني معاوية فحاربوه. # ونهره الوليد فقال له : ويحك يا مروان عن كلامك هذا! وأحسن القول في ابن ~~فاطمة ، فإنه بقية النبوة (1). واتفق رأيهم على استدعاء القوم وعرض الأمر ~~عليهم ؛ للوقوف على مدى تجاوبهم مع السلطة في هذا الأمر. ### || أضواء على موقف مروان : # لقد حرض مروان الوليد على التنكيل بالمعارضين ، واستهدف بالذات الإمام ~~الحسين ، فألح بالفتك به إن امتنع من البيعة ، وفيما أحسب أنه إنما دعاه ~~لذلك ما يلي : # 1 أن مروان كان يحقد على الوليد ، وكانت بينهما عداوة متأصلة وهو على ~~يقين أن الوليد يحب العافية ولا ينفذ ما عهد إليه في شأن الإمام الحسين ، ~~فاستغل الموقف وراح يشدد عليه في اتخاذ الإجراءات الصارمة ضد الإمام ؛ ~~ليسبتين لطاغية الشام موقفه فيسلب ثقته عنه ويقصيه عن ولاية يثرب ، وفعلا ~~قد تحقق ذلك ، فإن يزيد حينما علم بموقف الوليد مع الحسين (عليه السلام) ~~غضب عليه وأقصاه عن منصبه. PageV03P251 # 2 أن مروان كان ناقما على معاوية حينما عهد بالخلافة لولده ولم يرشحه لها ~~؛ لأنه شيخ الامويين وأكبرهم سنا ، فأراد أن يورط يزيد في قتل الإمام ؛ ~~ليكون به زوال ملكه. # 3 كان مروان من الحاقدين على الحسين ؛ لأنه سبط رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الذي حصد رؤوس بني أمية ونفى أباه الحكم عن يثرب ، وقد لعنه ولعن من ~~تناسل منه ، وقد بلغ الحقد بمروان للأسرة النبوية أنه منع من دفن جنازة ~~الحسن (عليه السلام) مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله). # ويقول المؤرخون : إنه كان يبغض أبا هريرة ؛ لأنه يروي ما سمعه من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في فضل سبطيه وريحانتيه ، وقد دخل على أبي هريرة ~~عائدا له فقال له : يا أبا هريرة ، ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في ~~حبك الحسن والحسين. # فأجابه أبو هريرة : أشهد لقد خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فسمع الحسن والحسين يبكيان ، فقال : «ما شأن ابني؟» فقالت فاطمة : «العطش» ~~، يا مروان كيف لا أحب هذين وقد رأيت من ms740 رسول الله ما رأيت؟! (1) # لقد دفع مروان الوليد إلى الفتك بالحسين لعله يستجيب له فيروي بذلك نفسه ~~المترعة بالحقد والكراهية لعترة النبي (صلى الله عليه وآله). # 4 كان مروان على يقين أنه سيلي الخلافة ، فقد أخبره الإمام أمير المؤمنين ~~وصي النبي (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه حينما تشفع الحسنان به بعد ~~واقعة الجمل ، فقال : «إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه» ، وقد اعتقد بذلك ~~مروان ، وقد حرض الوليد على الفتك بالحسين ؛ ليكون PageV03P252 # ذلك سببا لزوال ملك بني سفيان ورجوع الخلافة إليه. # هذه بعض الأسباب التي حفزت مروان إلى الإشارة على الوليد بقتل الإمام ~~الحسين ، وإنه لم يكن بذلك مشفوعا بالولاء والإخلاص إلى يزيد. ### || استدعاء الحسين (عليه السلام): # وأرسل الوليد في منتصف الليل (1) عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث ~~خلف الحسين وابن الزبير ، وإنما بعثه في هذا الوقت لعله يحصل على الوفاق من ~~الحسين ولو سرا على البيعة ليزيد ، وهو يعلم أنه إذا أعطاه ذلك فلن يخيس ~~بعهده ولن يتخلف عن قوله. # ومضى الفتى يدعو الحسين وابن الزبير للحضور عند الوليد فوجدهما في مسجد ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فدعاهما إلى ذلك فاستجابا له وأمراه بالانصراف ~~، وذعر ابن الزبير ، فقال للإمام : # ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟ # «أظن أن طاغيتهم يعني معاوية قد هلك ، فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو ~~بالناس الخبر». # وأنا ما أظن غيره ، فما تريد أن تصنع؟ # «أجمع فتياني الساعة ثم أسير إليه ، وأجلسهم على الباب». # إني أخاف عليك إذا دخلت. # «لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع» (2). PageV03P253 # وانصرف أبي الضيم إلى منزله فاغتسل وصلى ودعا الله (1)، وأمر أهل بيته ~~بلبس السلاح والخروج معه ، فخفوا محدقين به ، فأمرهم بالجلوس على باب الدار ~~، وقال لهم : «إني داخل فإذا دعوتكم ، أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي ~~بأجمعكم». ودخل الإمام على الوليد فرأى مروان عنده وكانت بينهما قطيعة ، ~~فأمرهما الإمام بالتقارب والإصلاح وترك الأحقاد ، وكانت سجية الإمام (عليه ~~السلام) التي ms741 طبع عليها الإصلاح حتى مع أعدائه وخصومه. # فقال (عليه السلام) لهما : «الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ~~، وقد آن لكما أن تجتمعا ، أصلح الله ذات بينكما» (2). # ولم يجيباه بشيء فقد علاهما صمت رهيب ، والتفت الإمام إلى الوليد فقال له ~~: «هل أتاك من معاوية خبر ، فإنه كان عليلا وقد طالت علته ، فكيف حاله ~~الآن؟». # فقال الوليد بصوت خافت ، حزين النبرات : آجرك الله في معاوية ، فقد كان ~~لك عم صدوق ، وقد ذاق الموت ، وهذا كناب أمير المؤمنين يزيد. # فاسترجع الحسين (عليه السلام)، وقال له : «لماذا دعوتني؟». # دعوتك للبيعة (3). # فقال (عليه السلام): «إن مثلي لا يبايع سرا ولا يجتزئ بها مني سرا ، ~~فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة دعوتنا معهم ، وكان الأمر واحدا». PageV03P254 # لقد طلب الإمام تأجيل الأمر إلى الصباح ؛ حتى يعقد اجتماعا جماهيريا ~~فيدلي برأيه في شجب البيعة ليزيد ، ويستنهض همم المسلمين على الثورة ~~والإطاحة بحكمه ، وكان الوليد فيما يقول المؤرخون يحب العافية ويكره الفتنة ~~، فشكر الإمام على مقالته وسمح له بالانصراف إلى داره. # وانبرى الوغد الخبيث مروان بن الحكم وهو مغيظ محنق فصاح بالوليد : لئن ~~فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم ~~وبينه ، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه. # ووثب أبي الضيم إلى الوزغ بن الوزغ ، فقال له : «يابن الزرقاء ، أأنت ~~تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت» (1). # وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفض البيعة ليزيد قائلا : ~~«أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ومحل ~~الرحمة ، بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل ~~النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، ~~وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة؟» (2). # وكان هذا أول إعلان له على الصعيد الرسمي بعد هلاك معاوية في رفض البيعة ~~ليزيد ، وقد أعلن ذلك في بيت الإمارة ورواق السلطة بدون مبالاة ولا خوف ولا ذعر. # لقد جاء تصريحه بالرفض لبيعة يزيد معبرا عن تصميمه ، وتوطين نفسه حتى ~~النهاية على ms742 التضحية عن سمو مبدئه وشرف عقيدته ، فهو بحكم مواريثه الروحية ~~، وبحكم بيئته التي كانت ملتقى لجميع الكمالات الإنسانية PageV03P255 # كيف يبايع يزيد الذي هو من عناصر الفسق والفجور؟ ولو أقره إماما على ~~المسلمين لساق الحياة الإسلامية إلى الانهيار والدمار ، وعصف بالعقيدة ~~الدينية في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة. # وكانت كلمة الحق الصارخة التي أعلنها أبو الأحرار قد أحدثت استياء في نفس ~~مروان ، فاندفع يعنف الوليد ويلومه على إطلاق سراحه قائلا : عصيتني! لا ~~والله ، لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا. # وتأثر الوليد من منطق الإمام وتيقظ ضميره ، فاندفع يرد أباطيل مروان ~~قائلا : ويحك! إنك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي. والله ، ما أحب أن أملك ~~الدنيا بأسرها ، وإني قتلت حسينا. سبحان الله! أأقتل حسينا إن قال لا ~~أبايع؟! والله ، ما أظن أحدا يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان ، ~~لا ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولا يزكيه وله عذاب أليم. # وسخر منه مروان وطفق يقول : إذا كان هذا رأيك فقد أصبت (1). # وعزم الحسين على مغادرة يثرب والتوجه إلى مكة ؛ ليلوذ بالبيت الحرام ~~ويكون بمأمن من شرور الامويين واعتدائهم. ### || الحسين (عليه السلام) مع مروان : # والتقى أبي الضيم في أثناء الطريق بمروان بن الحكم في صبيحة تلك الليلة ~~التي أعلن فيها رفضه لبيعة يزيد ، فبادره مروان قائلا : PageV03P256 # «إني ناصح ، فأطعني ترشد وتسدد ..». # «وما ذاك يا مروان؟». # «إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد ؛ فإنه خير لك في دينك ودنياك». # والتاع كأشد ما تكون اللوعة واسترجع ، وأخذ يرد على مقالة مروان ببليغ ~~منطقه قائلا : «على الإسلام السلام ، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد. ويحك ~~يا مروان! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق؟! لقد قلت شططا من القول. لا ~~ألومك على قولك ؛ لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص». # وأضاف الإمام يقول : «إليك عني يا عدو الله! فإنا أهل بيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) والحق فينا ، وبالحق تنطق ألسنتنا ، وقد سمعت رسول ms743 الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول : الخلافة محرمة على آل أبي سفيان ، وعلى ~~الطلقاء وأبناء الطلقاء. وقال : إذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. ~~فوالله ، لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به». # وتميز الخبيث الدنس مروان غيظا وغضبا ، واندفع يصيح : والله ، لا تفارقني ~~أو تبايع ليزيد صاغرا ؛ فإنكم آل أبي تراب قد أشربتم بغض آل أبي سفيان ، ~~وحق عليكم أن تبغضوهم وحق عليهم أن يبغضوكم. # وصاح به الإمام : «إليك عني فإنك رجس ، وأنا من أهل بيت الطهارة الذين ~~أنزل الله فيهم على نبيه (صلى الله عليه وآله): إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا». # ولم يطق مروان الكلام وقد تحرق ألما وحزنا ، فقال له الإمام : «أبشر يابن ~~الزرقاء بكل ما تكره من الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم تقدم PageV03P257 # على ربك فيسألك جدي عن حقي وحق يزيد». # وانصرف مروان مسرعا إلى الوليد فأخبره بمقالة الحسين له (1). ### || اتصال الوليد بدمشق : # وأحاط الوليد يزيد علما بالأوضاع الراهنة في يثرب ، وعرفه بامتناع الحسين ~~(عليه السلام) من البيعة ، وأنه لا يرى له طاعة عليه ، ولما فهم يزيد بذلك ~~تميز غيظا وغضبا. ### || الأوامر المشددة من دمشق : # وأصدر يزيد أوامره المشددة إلى الوليد بأخذ البيعة من أهل المدينة ثانيا ~~، وقتل الحسين (عليه السلام) وإرسال رأسه إليه. # وهذا نص كتابه : من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ، ~~أما بعد ، فإذا ورد عليك كتابنا هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة ~~بتوكيد منك عليهم وذر عبد الله بن الزبير ؛ فإنه لن يفوت أبدا مادام حيا ، ~~وليكن مع جوابك إلي برأس الحسين بن علي ، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة ~~الخيل ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر والنعمة ، والسلام. ### || رفض الوليد : # ورفض الوليد رسميا ما عهد إليه يزيد من قتل الحسين ، وقال : لا والله ، ~~لا يراني الله قاتل الحسين بن علي. لا أقتل ابن بنت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) PageV03P258 # ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها (1)، وقد جاءته ms744 هذه الرسالة بعد ~~مغادرة الإمام يثرب إلى مكة. ### || وداع الحسين (عليه السلام) لقبر جده (صلى الله عليه وآله): # وخف الحسين (عليه السلام) في الليلة الثانية إلى قبر جده (صلى الله عليه ~~وآله) وهو حزين كئيب ؛ ليشكو إليه ظلم الظالمين له ، ووقف أمام القبر ~~الشريف بعد أن صلى ركعتين وقد ثارت مشاعره وعواطفه ، فاندفع يشكو إلى الله ~~ما ألم به من المحن والخطوب قائلا : «اللهم ، إن هذا قبر نبيك محمد وأنا ~~ابن بنت محمد ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللهم ، إني احب المعروف ~~وانكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق هذا القبر ومن فيه ~~إلا ما اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى». ### || رؤيا الحسين (عليه السلام) لجده (صلى الله عليه وآله): # وأخذ الحسين يطيل النظر إلى قبر جده وقد وثقت نفسه أنه لا يتمتع برؤيته ~~وانفجر بالبكاء ، وقبل أن يندلع نور الفجر غلبه النوم فرأى جده الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) قد أقبل في كتيبة من الملائكة ، فضم الحسين إلى صدره وقبل ~~ما بين عينيه ، وهو يقول له : «يا بني ، كأني عن قريب أراك مقتولا مذبوحا ~~بأرض كرب وبلاء ، بين عصابة من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن PageV03P259 # لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله من خلاق. # حبيبي يا حسين ، إن أباك وأمك وأخاك قد قدموا علي وهم إليك مشتاقون. إن ~~لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة». # وجعل الحسين يطيل النظر إلى جده (صلى الله عليه وآله) ويذكر عطفه وحنانه ~~عليه فازداد وجيبه. وتمثلت أمامه المحن الكبرى التي يعانيها من الحكم ~~الاموي. فهو إما أن يبايع فاجر بني أمية أو يقتل ، وأخذ يتوسل إلى جده ~~ويتضرع إليه قائلا : «يا جداه ، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ، فخذني ~~إليك وأدخلني معك إلى منزلك». # والتاع النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال له : «لا بد لك من الرجوع إلى ~~الدنيا حتى ترزق الشهادة ، وما كتب الله لك ms745 فيها من الثواب العظيم ؛ فإنك ~~وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا ~~الجنة» (1). # واستيقظ الحسين فزعا مرعوبا ، قد ألمت به تيارات من الأسى والأحزان ، ~~وصار على يقين لا يخامره أدنى شك أنه لا بد أن يرزق الشهادة ، وجمع أهل ~~بيته فقص عليهم رؤياه الحزينة ، فطافت بهم الآلام وأيقنوا بنزول الرزء ~~القاصم. # ووصف المؤرخون شدة حزنهم بأنه لم يكن في ذلك اليوم لا في شرق الأرض ولا ~~في غربها أشد غما من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أكثر ~~باكية وباك منهم (2). PageV03P260 ### || وداعه لقبر أمه وأخيه (عليهما السلام): # وتوجه الحسين في غلس الليل البهيم إلى قبر أمه وديعة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وبضعته ، ووقف أمام قبرها الشريف مليا وهو يلقي عليه نظرات ~~الوداع الأخير ، وقد ثمثلت أمامه عواطفها الفياضة وشدة حنوها عليه ، وقد ود ~~أن تنشق الأرض لتواريه معها ، وانفجر بالبكاء وودع القبر وداعا حارا ، ثم ~~انصرف إلى قبر أخيه الزكي أبي محمد ، فأخذ يروي ثرى القبر من دموع عينيه ~~وقد ألمت به الآلام والأحزان ، ثم رجع إلى منزله وهو غارق بالأسى والشجون (1). ### || فزع الهاشميات : # ولما عزم الإمام على مغادرة يثرب واللجوء إلى مكة اجتمعن السيدات من نساء ~~بني عبد المطلب ، وقد جاشت عواطفهن بالأسى والحزن ، فقد تواترت عليهن ~~الأنباء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مقتل ولده الحسين ، وجعلن ~~ينحن وتعالت أصواتهن بالبكاء وكان منظرا مفزعا ، وانبرى إليهن الحسين وهو ~~رابط الجأش ، فقال لهن : «أنشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ~~ولرسوله». # فذابت نفوسهن ، وصحن : لمن نستبقي النياحة والبكاء؟ فهو عندنا كيوم مات ~~فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن ، جعلنا الله فداك ~~يا حبيب الأبرار. PageV03P261 # وأقبلت عليه بعض عماته وهي شاحبة اللون ، فقالت بنبرات منقطعة بالبكاء : ~~لقد سمعت هاتفا يقول : # وإن قتيل الطف من آل هاشم %~% أذل رقابا من قريش فذلت # وجعل الإمام (عليه السلام) يهدئ أعصابها ويأمرها بالخلود إلى الصبر ، كما ~~أمر ms746 سائر السيدات من بني عبد المطلب بذلك (1). ### || مع أخيه ابن الحنفية : # وفزع محمد بن الحنيفة إلى الحسين ، فجاء يتعثر في خطاه وهو لا يبصر طريقه ~~من شدة الحزن والأسى ، ولما استقر به المجلس أقبل على الحسين فقال له ~~بنبرات مشفوعة بالإخلاص والحنو عليه : يا أخي ، فدتك نفسي ، أنت أحب الناس ~~إلي وأعزهم علي ، ولست والله ، أدخر النصيحة لأحد من الخلق ، وليس أحد أحق ~~بها منك ؛ فإنك كنفسي وروحي وكبير أهل بيتي ، ومن عليه اعتمادي وطاعته في ~~عنقي ؛ لأن الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة ، وإني ~~أريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني. # لقد عبر محمد بهذا الحديث الرقيق عن عواطفه الفياضة المترعة بالولاء ~~والإكبار لأخيه ، وأقبل عليه الإمام فقال له محمد : أشير عليك أن تتنح ~~ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث برسلك إلى الناس ~~، فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك ~~دينك ولا عقلك ، ولم تذهب مروءتك ولا فضلك ، وإني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه PageV03P262 # الأمصار فيختلف الناس بينهم ، فطائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول ~~الأسنة غرضا ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا. # وبادر الإمام الحسين فقال له : «أين أذهب؟». # تنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار وإلا لحقت بالرمال وشعب الجبال ، وخرجت من ~~بلد إلى آخر حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس ، فإنك أصوب ما تكون رأيا ~~وأحزمهم عملا حتى تستقبل الأمور استقبالا ، ولا تكون الأمور أبدا أشكل عليك ~~منها حتى تستدبرها استدبارا (1). # وانطلق الإمام وهو غير حافل بالأحداث ، فأخبره عن عزمه وتصميمه الكامل ~~على رفض البيعة ليزيد قائلا : «يا أخي ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى ~~لما بايعت يزيد بن معاوية». # وانفچر ابن الحنفية بالبكاء ، فقد أيقن بالرزء القاصم ، واستشف ماذا ~~سيجري على أخيه من الرزايا والخطوب ، وشكر الإمام نصيحته وقال له : «يا أخي ~~، جزاك الله خيرا ، لقد نصحت وأشرت بالصواب ms747 ، وأنا عازم على الخروج إلى مكة ~~، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ؛ أمرهم أمري ورأيهم رأيي. ~~وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا لا تخف عني شيئا من ~~امورهم» (2). PageV03P263 ### || وصيته لابن الحنفية : # وعهد الإمام بوصيته الخالدة إلى أخيه ابن الحنفية ، وقد تحدث فيها عن ~~أسباب ثورته الكبرى على حكومة يزيد ، وقد جاء فيها بعد البسملة : «هذا ما ~~أوصى به الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن الحنفية ، إن الحسين يشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده ، ~~وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث ~~من في القبور. # وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ، ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب ~~الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله)؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن ~~المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق ~~فالله أولى بالحق ، ومن رد علي أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير ~~الحاكمين. وهذه وصيتي إليك يا أخي ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب» (1). # من أجل هذه الأهداف النبيلة فجر الإمام ثورته الخالدة ، فهو لم يخرج أشرا ~~ولا بطرا ، ولم يبغ أي مصلحة مادية له أو لأسرته ، وإنما خرج على حكم الظلم ~~والطغيان ، يريد أن يقيم صروح العدل بين الناس ، وما أروع قوله : «فمن ~~قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي أصبر حتى يقضي الله بيني ~~وبين القوم وهو خير الحاكمين». # لقد حدد الإمام خروجه بأنه كان من أجل إحقاق الحق ، وإماتة الباطل PageV03P264 # ودعا الأمة باسم الحق إلى الالتفاف حوله ؛ لتحمي حقوقها وتصون كرامتها ~~وعزتها التي انهارت على أيدي الامويين ، وإذا لم تستجب لنصرته فسيواصل وحده ~~مسيرته النضالية بصبر وثبات في مناجزة الظالمين والمعتدين حتى يحكم الله ~~بينه وبينهم بالحق وهو خير الحاكمين. # كما حدد الإمام خروجه بأنه يريد أن يسير على منهاج جده ms748 وأبيه ، وليس على ~~منهاج أي أحد من الخلفاء. وهذه الوصية من البنود التي نرجع إليها في ~~دراستنا عن أسباب ثورته (عليه السلام). # وتهيأ الإمام بعد وصيته لأخيه محمد إلى السفر إلى مكة ؛ ليلتقي بحجاج بيت ~~الله الحرام وغيرهم ، ويعرض عليهم الأوضاع الراهنة في البلاد ، وما تعانيه ~~الأمة من الأزمات والأخطار في عهد يزيد. # وقبل أن يغادر الإمام (عليه السلام) يثرب متجها إلى مكة دخل مسجد جده ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو غارق في الأسى والشجون ، فألقى عليه نظرة ~~الوداع الأخير ، وقد نظر إلى محراب جده (صلى الله عليه وآله) ومنبره فطافت ~~به ذكريات ذلك العطف الذي كان يفيضه عليه جده (صلى الله عليه وآله) حينما ~~كان في غضون الصبا ، فلم ينس الحسين في جميع فترات حياته ذلك الحنان الذي ~~أغدقه عليه جده حينما يقول فيه : «حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب ~~حسينا. حسين سبط من الأسباط». # وتذكر كيف كان النبي (صلى الله عليه وآله) يفرغ عليه ما انطوت عليه نفسه ~~الكبيرة من المثل العليا التي كان بها خاتم النبين وسيد المرسلين ، وأيقن ~~أنه لم يكن يشيع ذلك في نفسه بمحض العاطفة ، بل بشعور آخر هو الإبقاء على ~~رسالته ومبادئه ، ورأى أنه لا بد أن يقدم التضحية الرهيبة التي تصون PageV03P265 # رسالة الإسلام من عبث الناقمين عليه. ويقول المؤرخون : إنه دخل المسجد ~~بين أهل بيته ، وهو يعتمد في مشيه على رجلين ، ويتمثل بقول يزيد بن مفرغ : # لا ذعرت السوام في فلق الصبح %~% مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم اعطي من المهانة ضيما %~% والمنايا ترصدنني أن أحيدا (1) # ويقول أبو سعيد : لما سمعت هذين البيتين قلت في نفسي : إنه ما تمثل بهما ~~إلا لشيء يريده ، فما مكثت إلا قليلا حتى بلغني أنه سار إلى مكة (2). لقد ~~صمم على التضحية والفداء ليغير مجرى الحياة ، ويرفع كلمة الله وفكرة الخير ~~في الأرض. # أما يثرب مهد النبوة فإنه حينما أذيع فيها مغادرة الحسين عنها علتها ~~الكآبة ، وخيم على أهلها الحزن والذعر ، فقد أيقنوا بالخسارة ms749 الفادحة التي ~~ستحل بهم ، فسيغيب عنهم قبس من نور الرسالة الذي كان يضيء لهم الحياة ، ~~وحزنت البقية الباقية من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) كأعظم ما يكون ~~الحزن ، فقد كانوا يرون في الحسين امتدادا لجده الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) الذي أنقذهم من حياة التيه في الصحراء. PageV03P266 ### | الثورة الحسينية ### | أسبابها ومخططاتها PageV03P267 # ولم يفجر الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته الكبرى أشرا ولا بطرا ، ولا ~~ظالما ولا مفسدا حسب ما يقول وإنما انطلق ليؤسس معالم الإصلاح في البلاد ، ~~ويحقق العدل الاجتماعي بين الناس ، ويقضي على أسباب النكسة الأليمة التي ~~مني بها المسلمون في ظل الحكم الأموي الذي ألحق بهم الهزيمة والعار. # لقد انطلق الإمام ليصحح الأوضاع الراهنة في البلاد ، ويعيد للأمة ما ~~فقدته من مقوماتها وذاتياتها ، ويعيد لشراينها الحياة الكريمة التي تملك ~~بها إرادتها وحريتها في مسيرتها النضالية لقيادة أمم العالم في ظل حكم ~~متوازن تذاب فيه الفوارق الاجتماعية ، وتقام الحياة على أسس صلبة من المحبة ~~والإخاء ، إنه حكم الله خالق الكون وواهب الحياة ، لا حكم معاوية الذي قاد ~~مركبة حكومته على إماتة وعي الإنسان وشل حركاته الفكرية والاجتماعية. # لقد فجر الإمام (عليه السلام) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، ~~وجعلها عبرة لأولي الألباب ، فأضاء بها الطريق وأوضح بها القصد وأنار بها ~~الفكر ، فانهارت بها السدود والحواجز التي وضعها الحكم الاموي أمام التطور ~~الشامل الذي يريده الإسلام لأبنائه ، فلم يعد بعد الثورة أي ظل للسلبيات ~~الرهيبة التي أقامها الحكم الاموي على مسرح الحياة الإسلامية ، فقد انتفضت ~~الأمة بعد مقتل الإمام كالمارد الجبار وهي تسخر من الحياة وتستهزأ بالموت ، ~~وتزج بأبنائها في ثورات متلاحقة حتى أطاحت بالحكم الاموي واكتسحت معالم زهوه. # ولم يقدم الإمام على الثورة إلا بعد أن انسدت أمامه جميع الوسائل ، ~~وانقطع كل أمل له في إصلاح الأمة ، وإنقاذها من السلوك في المنعطفات ، ~~فأيقن أنه لا طريق للإصلاح إلا بالتضحية الحمراء ، فهي وحدها التي PageV03P269 # تتغير بها الحياة ، وترتفع راية الحق عالية في الأرض. # وفيما أعتقد أن أهم ما يتطلبه ms750 القراء لأمثال هذه البحوث الوقوف على أسباب ~~الثورة الحسينية ومخططاتها ، وفيما يلي ذلك : ### || أسباب الثورة : # وأحاطت بالإمام (عليه السلام) عدة من المسؤوليات الدينية والواجبات ~~الاجتماعية وغيرها ، فحفزته إلى الثورة ودفعته إلى التضحية والفداء ، وهذه ~~بعضها : ### ||| 1 المسؤولية الدينية : # وأعلن الإسلام المسؤولية الكبرى على كل مسلم عما يحدث في بلاد المسلمين ~~من الأحداث والأزمات التي تتنافي مع دينهم ، وتتجافى مع مصالحهم ، فإنه ليس ~~من الإسلام في شيء أن يقف المسلم موقفا يتسم بالميوعة واللامبالات أمام ~~الهزات التي تدهم الأمة وتدمر مصالحها. # وقد أعلن الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه المسؤولية ، يقول (صلى الله ~~عليه وآله): «كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمسلم مسؤول أمام الله ~~عن رعاية مجتمعه ، والسهر على صالح بلاده والدفاع عن أمته. # وعلى ضوء هذه المسؤولية الكبرى ناهض الإمام جور الامويين ، وناجز ~~مخططاتهم الهادفة إلى استعباد الأمة وإذلالها ونهب ثرواتها. # وقد أدلى (عليه السلام) بما يحتمه الإسلام عليه من الجهاد لحكم الطاغية ~~يزيد ، أمام الحر وأصحابه قال (عليه السلام): PageV03P270 # «يا أيها الناس ، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : من رأى سلطانا ~~جائرا ؛ مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بقول ~~ولا فعل كان حقا على الله أن يدخله مدخله». # لقد كان الواجب الديني يحتم عليه القيام بوجه الحكم الاموي الذي استحل ~~حرمات الله ، ونكث عهوده وخالف سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد ~~صرح جماعة من علماء المسلمين بأن الواجب الديني كان يقضي على الإمام أن ~~ينطلق في ميادين الجهاد دفاعا عن الإسلام ، وفيما يلي بعضهم : # 1 الإمام محمد عبده ، وألمع الإمام محمد عبده في حديثه عن الحكومة ~~العادلة والجائرة في الإسلام إلى خروج الإمام على حكومة يزيد ، ووصفه بأنه ~~كان واجبا شرعيا عليه ، قال : إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع ~~وحكومة جائرة تعطله ، وجب على كل مسلم نصر الأولى وخذل الثانية. # ومن هذا الباب خروج الإمام ms751 الحسين (عليه السلام)، سبط الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) على إمام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمنكر ~~يزيد بن معاوية خذله الله ، وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب (1). # 2 محمد عبد الباقي ، وتحدث الاستاذ محمد عبد الباقي سرور عن المسؤولية ~~الدينية والاجتماعية اللتين تحتمان على الإمام القيام بمناهضة حكم يزيد ، قال : PageV03P271 # لو بايع الحسين يزيد الفاسق المستهتر الذي أباح الخمر والزنا ، وحط ~~بكرامة الخلافة إلى مجالسة الغانيات ، وعقد حلقات الشراب في مجلس الحكم ، ~~والذي ألبس الكلاب والقرود خلاخل من ذهب ومئات الآلوف من المسلمين صرعى ~~الجوع والحرمان. # لو بايع الحسين يزيد أن يكون خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على ~~هذا الوضع لكانت فتيا من الحسين بإباحة هذا للمسلمين ، وكان سكوته هذا أيضا ~~رضى ، والرضا من ارتكاب المنكرات ولو بالسكوت إثم وجريمة في حكم الشريعة ~~الإسلامية. والحسين بوضعه الراهن في عهد يزيد هو الشخصية المسؤولة في ~~الجزيرة العربية ، بل في البلاد الإسلامية كافة عن حماية التراث الإسلامي ~~لمكانته في المسلمين ، ولقرابته من رسول رب العالمين ، ولكونه بعد موت كبار ~~المسلمين كان أعظم المسلمين في ذلك الوقت علما وزهدا وحسبا ومكانة. فعلى ~~هذا الوضع أحس بالمسؤولية تناديه وتطلبه لإيقاف المنكرات عند حدها ، ولا ~~سيما إن الذي يضع هذه المنكرات ويشجع عليها هو الجالس في مقعد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) هذا أولا. # وثانيا : أنه (عليه السلام) جاءته المبايعات بالخلافة من جزيرة العرب ، ~~وجاءه ثلاثون ألفا من الخطابات من ثلاثين ألف من العراقيين من سكان البصرة ~~والكوفة يطلبون فيها منه الشخوص لمشاركتهم في محاربة يزيد بن معاوية ، ~~وألحوا تكرار هذه الخطابات حتى قال رئيسهم عبد الله بن الحصين الأزدي : يا ~~حسين سنشكوك إلى الله تعالى يوم القيامة إذا لم تلب طلبنا وتقوم بنجدة ~~الإسلام ، وكيف والحسين ذو حمية دينية ونخوة إسلامية ، والمفاسد تترى أمام ~~عينيه ، كيف لا يقوم بتلبية النداء؟ وعلى هذا الوضع لبى النداء كما تأمر به ~~الشريعة الإسلامية ، وتوجه نحو العراق (1). PageV03P272 # وهذا الرأي وثيق للغاية ms752 ؛ فقد شفع بالأدلة الشرعية التي حملت الإمام ~~مسؤولية الجهاد ، والخروج على حكم طاغية زمانه. # 3 عبد الحفيظ أبو السعود ، يقول الاستاذ عبد الحفيظ أبو السعود : ورأى ~~الحسين أنه مطالب الآن يعني بعد هلاك معاوية أن يعلن رفضه لهذه البيعة ، ~~وأن يأخذ البيعة لنفسه من المسلمين ، وهذا أقل ما يجب ؛ حفاظا لأمر الله ~~ورفعا للظلم ، وإبعادا لهذا العابث يعني يزيد عن ذلك المنصب الجليل (1). # 4 الدكتور أحمد محمود صبحي ، وممن صرح بهذه المسؤولية الدينية الدكتور ~~أحمد محمود صبحي ، قال : # ففي إقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من أصول الدين من حيث أن ~~السياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد وراثة الملك إلا بدعة ~~هرقلية دخيلة على الإسلام ، ومن حيث أن اختيار شخض يزيد مع ما عرف عنه من ~~سوء السيرة ، وميله إلى اللهو وشرب الخمر ومنادمة القرود ليتولى منصب ~~الخلافة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكبر وزر يحل بالنظام السياسي ~~للإسلام. يتحمل وزره كل من شارك فيه ورضى عنه ، فما بالك إذا كان المقدم ~~على ذلك هو ابن بنت رسول الله؟! # كان خروج الحسين إذا أمرا يتصل بالدعوة والعقيدة أكثر مما يتصل بالسياسة ~~والحرب (2). PageV03P273 # 5 العلائلي # يقول العلائلي : وهناك واجب على الخليفة إذا تجاوزه وجب على الأمة إسقاطه ~~، ووجبت على الناس الثورة عليه ؛ وهو المبالغة باحترام القانون الذي يخضع ~~له الناس عامة ، وإلا فأي تظاهر بخلافه يكون تلاعبا وعبثا ، ومن ثم وجب على ~~رجل القانون أن يكون أكثر تظاهرا باحترام القانون من أي شخص آخر ، وأكبر ~~مسؤولية من هذه الناحية ، فإذا فسق الملك ثم جاهر بفسقه وتحدى الله ورسوله ~~والمؤمنين لم يكن الخضوع له إلا خضوعا للفسق وخضوعا للفحشاء والمنكر ، ولم ~~يكن الاطمئنان إليه إلا اطمئنانا للتلاعب والمعالنة الفاسقة. # هذا هو المعنى التحليلي لقوله (عليه السلام): «ويزيد رجل فاسق ، وشارب ~~للخمر وقاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق» (1). # هذه بعض الآراء التي أدلى بها جماعة من العلماء في إلزام الإمام شرعا ~~بالخروج على حكم الطاغية يزيد ، وإنه ليس ms753 له أن يقف موقفا سليبا أمام ما ~~يقترفه يزيد من الظلم والجور. ### ||| 2 المسؤولية الاجتماعية : # وكان الإمام (عليه السلام) بحكم مركزه الاجتماعي مسؤولا أمام الأمة عما ~~منيت به من الظلم والاضطهاد من قبل الامويين. ومن هو أولى بحمايتها ورد ~~الاعتداء عنها غيره؟ فهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانته ، ~~والدين دين جده ، والأمة أمة جده ، وهو المسؤول بالدرجة الأولى عن ~~رعايتهما. PageV03P274 # لقد رأى الإمام أنه مسؤول عن هذه الأمة ، وأنه لا يجدي بأي حال في تغيير ~~الأوضاع الاجتماعية التزام جانب الصمت ، وعدم الوثوب في وجه الحكم الاموي ~~المليء بالجور والآثام. فنهض (عليه السلام) بأعباء هذه المسؤولية الكبرى ، ~~وأدى رسالته بأمانة وإخلاص ، وضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه ؛ ليعيد على ~~مسرح الحياة عدالة الإسلام وحكم القران. ### ||| 3 إقامة الحجة عليه : # وقامت الحجة على الإمام لإعلان الجهاد ، ومناجزة قوى البغي والإلحاد ، ~~فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أقوى حامية عسكرية في الإسلام وهي ~~الكوفة ، فكانت رسائل أهلها تحمله المسؤولية أمام الله إن لم يستجب ~~لدعواتهم الملحة لإنقاذهم من عسف الامويين وبغيهم. # ومن الطبيعي أنه لو لم يجيبهم لكان مسؤولا أمام الله ، وأمام الأمة في ~~جميع مراحل التاريخ ، وتكون الحجة قائمة عليه. ### ||| 4 حماية الإسلام : # ومن أوكد الأسباب التي ثار من أجلها حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~حماية الإسلام من خطر الحكم الاموي ، الذي جهد على محو سطوره وقلع جذوره ~~وإقبار قيمه ، فقد أعلن يزيد وهو على دست الخلافة الإسلامية الكفر والإلحاد ~~بقوله : # لعبت هاشم بالملك فلا %~% خبر جاء ولا وحي نزل PageV03P275 # وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التي كان يدين بها يزيد ، فهو لم ~~يؤمن بوحي ولا كتاب ولا جنة ولا نار ، وقد رأى السبط أنه إن لم يثأر لحماية ~~الدين فسوف يجهز عليه حفيد أبي سفيان ويجعله أثرا بعد عين ، فثار (عليه ~~السلام) ثورته الكبرى التي فدى بها دين الله ، فكان دمه الزاكي المعطر بشذى ~~الرسالة هو البلسم لهذا الدين ، فإن من المؤكد أنه لولا تضحيته لم يبق ~~للإسلام ms754 اسم ولا رسم ، وصار الدين دين الجاهلية ودين الدعارة والفسوق ، ~~ولذهبت سدى جميع جهود النبي (صلى الله عليه وآله) وما كان ينشده للناس من ~~خير وهدى. # وقد نظر النبي (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب واستشف مستقبل أمته ، ~~فرأى بعين اليقين ما تمنى به الأمة من الانحراف عن الدين ، وما يصيبها من ~~الفتن والخطوب على أيدي أغيلمة من قريش ، ورأى أن الذي يقوم بحماية الإسلام ~~هو الحسين (عليه السلام)، فقال (صلى الله عليه وآله) كلمته الخالدة : ~~«حسين مني وأنا من حسين» ، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) حقا من الحسين ~~؛ لأن تضحيته كانت وقاية للقرآن ، وسيبقى دمه الزكي يروي شجرة الإسلام على ~~ممر الأحقاب والآباد. ### ||| 5 صيانة الخلافة : # ومن ألمع الأسباب التي ثار من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) تطهير ~~الخلافة الإسلامية من أرجاس الامويين الذين نزوا عليها بغير حق ، فلم تعد ~~الخلافة في عهدهم كما يريدها الإسلام وسيلة لتحقيق العدل الاجتماعي بين ~~الناس ، والقضاء على جميع أسباب التخلف والفساد في الأرض. # لقد اهتم الإسلام اهتماما بالغا بشأن الخلافة ؛ باعتبارها القاعدة الصلبة ~~لإشاعة الحق والعدل بين الناس ، فإذا صلحت نعمت الأمة بأسرها ، PageV03P276 # وإذا انحرفت عن واجباتها فإن الأمة تصاب بتدهور سريع في جميع مقوماتها ~~الفكرية والاجتماعية ، ومن ثم فقد عنى الإسلام في شأنها أشد ما تكون ~~العناية ، فألزم من يتصدى لها بأن تتوفر فيه النزعات الخيرة والصفات ~~الشريفة من العدالة والأمانة ، والخبرة بما تحتاج إليه الأمة في مجالاتها ~~الاقتصادية والإدارية والسياسية ، وحرم على من فقد هذه الصفات أن يرشح نفسه ~~للخلافة ، # وقد تحدث (عليه السلام) في أولى رسائله إلى أهل الكوفة عن الصفات التي ~~يجب أن تتوفر فيمن يرشح نفسه إلى إمامة المسلمين وإدارة شؤونهم ، قال (عليه ~~السلام): «فلعمري ، ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، ~~والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات الله» (1). # فمن تحلى بهذه الصفات كان له الحق في تقديم نفسه لإمامة المسلمين ~~وخلافتهم ، ومن لم يتصف بها فلا حق له في التصدي لهذا المركز الخطير الذي ms755 ~~كان يشغله الرسول (صلى الله عليه وآله). # إن الخلافة الإسلامية ليست مجرد سلطة زمنية على الأمة ، وإنما هي نيابة ~~عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وامتداد ذاتي لحكومته المشرقة. وقد رأى ~~الإمام الحسين أن مركز جده قد صار إلى سكير مستهتر لا يعي إلا شهواته ~~ورغباته ، فثار (عليه السلام) ليعيد للخلافة الإسلامية كيانها المشرق ~~وماضيها الزاهر. PageV03P277 ### ||| 6 تحرير إرادة الأمة : # ولم تملك الأمة في عهد معاوية ويزيد إرادتها واختيارها ، فقد كانت جثة ~~هامدة لا وعي فيها ولا اختيار ، قد كبلت بقيود ثقيلة سدت في وجهها منافذ ~~النور والوعي ، وحيل بينها وبين إرادتها. # لقد عمل الحكم الاموي على تخدير المسلمين وشل تفكيرهم ، وكانت قلوبهم مع ~~الإمام الحسين ، إلا إنهم لا يتمكنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم ، فقد ~~استولت عليها حكومة الامويين بالقهر ، فلم يملكوا من أمرهم شيئا ، فلا ~~إرادة لهم ولا اختيار ولا عزم ولا تصميم ، فأصبحوا كالأنصاب لا وعي فيهم ~~ولا حراك ، قد قبعوا أذلاء صاغرين تحت وطأة سياط الامويين وبطشهم. # لقد هب الإمام إلى ساحات الجهاد والفداء ؛ ليطعم المسلمين بروح العزة ~~والكرامة ، فكان مقتله نقطة تحول في تاريخ المسلمين وحياتهم ، فانقلبوا ~~رأسا على عقب ، فتسلحوا بقوة العزم والتصميم ، وتحرروا من جميع السلبيات ~~التي كانت ملمة بهم ، وانقلبت مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت جاثمة عليهم ~~إلى مبادئ الثورة والنضال ، فهبوا متضامنين في ثورات مكثفة وكان شعارهم (يا ~~لثارات الحسين)، فكان هذا الشعار هو الصرخة المدوية التي دكت عروش ~~الامويين وأزالت سلطانهم. ### ||| 7 تحرير اقتصاد الأمة : # وانهار اقتصاد الأمة الذي هو شرايين حياتها الاجتماعية والفردية ، فقد ~~عمد الامويين بشكل سافر إلى نهب الخزينة المركزية ، والاستئثار بالفيء PageV03P278 # وسائر ثمرات الفتوح والغنائم ؛ فحازوا الثراء العريض ، وتكدست في بيوتهم ~~الأموال الهائلة التي حاروا في صرفها ، وقد أعلن معاوية أمام المسلمين أن ~~المال مال الله وليس مال المسلمين فهو أحق به. # ويقول سعيد بن العاص : إنما السواد بستان قريش ، وقد أخذوا ينفقون ~~الأموال على أغراضهم السياسية التي لا تمت بصلة لصالح الأمة. # أما موارد إنفاقهم البارزة ms756 فهي : # أشراء الضمائر والأديان : وقد تقدمت الشواهد المؤيدة لذلك عند البحث عن ~~سياسة معاوية الاقتصادية. # ب الإنفاق على لجان الوضع : لافتعال الأخبار التي تدعم الكيان الاموي ~~وتحط من قيمة أهل البيت ، وقد ألمعنا إلى ذلك بصورة مفصلة. # ج الهبات الهائلة ، والعطايا الوافرة للوجوه والأشراف : لكم أفواههم عما ~~تقترفه السلطة من الظلم للرعية. # د الصرف على المجون والدعارة : فقد امتلأت بيوتهم بالمغنين والمغنيات ، ~~وأدوات العزف وسائر المنكرات. # هذه بعض الموارد التي كان ينفق عليها الأموال ، في حين أن الجوع قد نهش ~~الأمة وعمت فيها المجاعة ، وانتشر شبح الفقر في جميع الأقطار الإسلامية سوى ~~الشام ، فقد رفه عليها ؛ لأنها الحصن المنيع الذي كان يحمي جور الامويين ~~وظلمهم. # وقد ثار الإمام الحسين (عليه السلام) ليحمي اقتصاد الأمة ويعيد توازن ~~حياتها المعاشية ، وقد صادر أموالا من الخراج كانت قد أرسلت لمعاوية ، كما ~~صادر أموالا أخرى أرسلت من اليمن إلى خزينة دمشق في أيام يزيد ، وقد أنفقها ~~على الفقراء والمعوزين ، وكان (عليه السلام) أكثر ما يعاني من الآلام هو ~~أنه يرى الفقر قد أخذ بخناق المواطنين ، ولم ينفق شيء من بيت المال على ~~إنعاش حياتهم. PageV03P279 ### ||| 8 المظالم الاجتماعية : # وانتشرت المظالم الاجتماعية في أنحاء البلاد الإسلامية ، فلم يعد قطر من ~~الأقطار إلا وهو يعج بالظلم والاضطهاد من جورهم ، وكان من مظاهر ذلك الظلم ~~ما يلي : # 1 فقد الأمن : وانعدم الأمن [وانعدامه] في جميع أنحاء البلاد ، وساد ~~الخوف والإرهاب على جميع المواطنين ، فقد أسرفت السلطة الاموية بالظلم ، ~~فجعلت تأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، وتعاقب على الظنة والتهمة ، ~~وتسوق الأبرياء بغير حساب إلى السجون والقبور ، وكان الناس في عهد زياد ~~يقولون : انج سعد فقد هلك سعيد ، ولا يوجد أحد إلا وهو خائف على دمه وماله ~~، فثار الإمام الحسين (عليه السلام) لينقذ الناس من هذا الجور الهائل. # 2 احتقار الأمة : وكان الخط السياسي الذي انتهجه الامويون العمل على ~~إذلال الأمة والاستهانة بها ، وكان من مظاهر ذلك الاحتقار أنهم كانوا ~~يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل ؛ علامة لاستعبادهم كما ms757 نقشوا على ~~أكف المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة (1). # وقد هب الإمام (عليه السلام) في ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب ~~العزة والكرامة ، ويحطم عنهم ذلك الكابوس المظلم الذي أحال حياتهم إلى ظلام ~~قاتم لا بصيص فيه من النور. PageV03P280 ### ||| 9 المظالم الهائلة على الشيعة : # وذهبت نفس الإمام الحسين أسى على ما عانته الشيعة في عهد معاوية من ضروب ~~المحن والبلاء ، فقد أمعن معاوية في ظلمهم وإرهاقهم. وفتك بهم فتكا ذريعا ، ~~وراح يقول للإمام الحسين : يا أبا عبد الله ، علمت أنا قتلنا شيعة أبيك ~~فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم (1). # وقد بذل قصارى جهوده في تصفية الحساب معهم ، وقد ذكرنا عرضا مفصلا لما ~~عانوه في عهد معاوية ، وخلاصته : # 1 إعدام أعلامهم : كحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وصيفي بن فسيل ~~وغيرهم. # 2 صلبهم على جذوع النخل. # 3 دفنهم أحياء. # 4 هدم دورهم. # 5 عدم قبول شهادتهم. # 6 حرمانهم من العطاء. # 7 ترويع السيدات من نسائهم. # 8 إذاعة الذعر والخوف في جميع أوساطهم. # إلى غير ذلك من صنوف الإرهاق الذي عانوه ، وقد ذعر الإمام الحسين (عليه ~~السلام) مما حل بهم ، فبعث بمذكرته الخطيرة لمعاوية التي سجل فيها جرائم ما ~~ارتكبه في حق الشيعة ، وقد ذكرناها في البحث عن حكومة معاوية. PageV03P281 # لقد كانت الإجراءات القاسية التي اتخذها الحكم الأموي ضد الشيعة من أسباب ~~ثورته ، فهب لإنقاذهم من واقعهم المرير وحمايتهم من الجور والظلم. ### ||| 10 محو ذكر أهل البيت (عليهم السلام): # ومن ألمع الأسباب التي ثار من أجلها أبو الشهداء (عليه السلام) هو أن ~~الحكم الاموي قد جهد على محو ذكر أهل البيت (عليهم السلام) واستئصال مآثرهم ~~ومناقبهم. وقد استخذم معاوية في هذا السبيل أخبث الوسائل ، وهي : # 1 افتعال الأخبار في الحط من شأنهم. # 2 استخدام أجهزة التربية والتعليم لتربية النشء على بغضهم. # 3 معاقبة من يذكر مناقبهم بأقصى العقوبات. # 4 سبهم على المنابر والمآذن وخطب الجمعة. # وقد عقد الإمام الحسين (عليه السلام) مؤتمره السياسي الكبير في مكة ~~المكرمة ، وأحاط المسلمين علما ms758 بالإجراءات الخطيرة التي اتخذها معاوية إلى ~~إزالة أهل البيت عن الرصيد الإسلامي ، وكان (عليه السلام) يتحرق شوقا إلى ~~الجهاد ، ويود أن الموت قد وافاه ولا يسمع سب أبيه على المنابر والمآذن. ### ||| 11 تدمير القيم الإسلامية : # وعمد الامويون إلى تدمير القيم الإسلامية ، فلم يعد لها أي ظل على واقع ~~الحياة الإسلامية ، وهذه بعضها : PageV03P282 # أالوحدة الإسلامية : # وأشاع الامويون الفرقة والاختلاف بين المسلمين فأحيوا العصبيات القبلية ، ~~وشجعوا الهجاء بين الأسر والقبائل العربية حتى لا تقوم وحدة بين المسلمين. # وقد شجع يزيد الأخطل على هجاء الأنصار الذين آووا النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وحاموا عن دينه أيام غربة الإسلام ومحنته. # لقد كانت الظاهرة البارزة في شعر ذلك العصر هي الهجاء المقذع ، فقد قصر ~~الشعراء مواهبهم الأديبة على الهجاء والتفنن في أساليب القذف ، والسب للأسر ~~التي كانت تنافس قبائلهم. # وقد خلا الشعر الاموي عن كل نزعة إنسانية أو مقصد اجتماعي ، وتفرد بظاهرة ~~الهجاء ، وقد خولف بذلك ما كان ينشده الإسلام من الوحدة الشاملة بين ~~أبنائه. # ب المساواة : # وهدم الامويون المساواة العادلة التي أعلنها الإسلام ، فقدموا العرب على ~~الموالي ، وأشاعوا جوا رهيبا من التوتر والتكتل السياسي بين المسلمين ، ~~وكان من جراء ذلك أن ألف الموالي مجموعة من الكتب في نقض العرب وذمهم ، كما ~~ألف العرب كتبا في نقض الموالي واحتقارهم ، وعلى رأس القائمة التي أثارت ~~هذا النحو من التوتر بين المسلمين زياد بن أبيه ، فقد كان حاقدا على العرب ~~، وقد عهد إلى الكتاب بانتقاصهم. # وقد خالفت هذه السياسة النكراء روح الإسلام الذي ساوى بين المسلمين في ~~جميع الحقوق والواجبات على اختلاف قومياتهم. PageV03P283 # ج الحرية : # ولم يعد أي مفهوم للحرية ماثلا على مسرح الحياة طيلة الحكم الاموي ، فقد ~~كانت السلطة تحاسب الشعب حسابا منكرا وعسيرا على كل بادرة لا تتفق مع ~~رغباتها ، حتى لم يعد في مقدور أي أحد أن يطالب بحقوقه ، أو يتكلم بأي ~~مصلحة للناس ، فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد في ذلك العصر. # لقد ثار أبو الأحرار لينقذ الإنسان المسلم وغيره من الاضطهاد ms759 الشامل ، ~~ويعيد للناس حقوقهم التي ضاعت في أيام معاوية ويزيد. ### ||| 12 انهيار المجتمع : # وانهار المجتمع في عصر الامويين ، وتحلل من جميع القيم الإسلامية. # أما أهم العوامل التي أدت إلى انهياره فهي : # 1 حرمان المجتمع من التربية الروحية : فلم يحفل بها أحد من الخلفاء سوى ~~الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد عني بها عناية بالغة ، إلا إنه ~~قد مني بالأحداث الرهيبة التي منعته من مواصلة مسيرته في إصلاح الناس ~~وتقويم أخلاقهم. # 2 إمعان الحكم الاموي في إفساد المجتمع وتضليله ، وتغديته بكل ما هو بعيد ~~عن واقع الإسلام وهديه. # إن هذين العاملين فيما نحسب من أهم العوامل التي أدت إلى انهيار ذلك ~~المجتمع. أما مظاهر ذلك التحلل والانهيار فهي : PageV03P284 ### |||| 1 نقض العهود : # ولم يتأثم أغلب أبناء ذلك المجتمع من نقض العهود والمواثيق ، فقد كان عدم ~~الوفاء بها أمرا عاديا ومتسالما عليه ، وقد شجعهم على ذلك (كسرى العرب)، ~~فقد أعلن في خطابه بالنخيلة أن كل ما شرطه على نفسه للإمام الحسن لا يفي به ~~، وعمد إلى نقض جميع الشروط التي أعطاها له. # وكانت هذه الظاهرة من أبرز ذاتيات الكوفيين ، فقد أعطوا للإمام الحسين ~~أعظم العهود والمواثيق على مناصرته ومناجزة عدوه ، إلا أنهم خاسوا ما ~~عاهدوا عليه الله فخذلوه وقتلوه. ### |||| 2 عدم التحرج من الكذب : # ومن الأمراض التي أصيب بها ذلك المجتمع عدم التحرج من الكذب ، وقد مني ~~الكوفيون بذلك بصورة خاصة ، فإنهم لما أحاطوا بالإمام الحسين (عليه السلام) ~~يوم الطف لقتله ، وجه (عليه السلام) سؤالا إلى قادة الفرق الذين كاتبوه ~~بالقدوم إليهم ، فقال : «يا شبث بن ربعي ، ويا حجار بن أبجر ، ويا قيس بن ~~الأشعث ، ويا زيد بن الحرث ، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار ، واخضر ~~الجناب ، وإنما تقدم على جند لك مجندة». # ولم تخجل تلك النفوس القذرة من تعمد الكذب ، فأجابوه مجمعين : لم نفعل. # وبهر الإمام فاندفع يقول : «سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم». PageV03P285 # وقد جروا إلى المجتمع بما اقترفوه من الآثام كثيرا من الويلات والخطوب ، ~~وتسلح بهم أئمة الظلم والجور ms760 إلى اضطهاد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون. ### |||| 3 عرض الضمائر للبيع : # وقد كان من أحط ما وصل إليه ذلك المجتمع من الانحراف والزيغ عرض الضمائر ~~والأديان لبيعها على السلطة جهارا ، وقد ألمعنا إلى ذلك بصورة مفصلة عند ~~البحث عن عهد معاوية. ### |||| 4 الإقبال على اللهو : # وأقبل المجتمع بنهم على اللهو والدعارة ، وقد شجع الامويون بصورة مباشرة ~~حياة المجون لزعزعة العقيدة الدينية من النفوس ، وصرف الناس عما ينشده ~~الإسلام من التوازن في سلوك الفرد. # هذه بعض الأمراض التي ألمت بالمجتمع الإسلامي ، وقد أدت إلى تسيبه ~~وانهيار قيمه. # وقد ثار الإمام الحسين (عليه السلام) ليقضى على التذبذب والانحراف الذي ~~منيت به الأمة. ### ||| 13 الدفاع عن حقوقه : # وانبرى الإمام الحسين (عليه السلام) للجهاد دفاعا عن حقوقه التي نهبها ~~الامويون واغتصبوها ، وأهمها فيما نحسب ما يلي : PageV03P286 ### |||| 1 الخلافة : # وآمن الإمام الحسين (عليه السلام) كأبيه أن العترة الطاهرة أولى بمقام ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحق بمركزه من غيرهم ؛ لأنهم أهل بيت ~~النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، بهم فتح الله وبهم ختم على حد ~~تعبيره وقد طبع على هذا الشعور وهو في غضون الصبا. فقد انطلق إلى عمر وكان ~~على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصاح به : «انزل عن منبر أبي ، ~~واذهب إلى منبر أبيك». # ولم ينفرد الإمام الحسين بهذا الشعور ، وإنما كان سائدا عند أئمة أهل ~~البيت (عليهم السلام)، فهم يرون أن الخلافة من حقوقهم ؛ لأنهم ألصق الناس ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكثرهم وعيا لأهدافه. # وهناك شيء آخر جدير بالاهتمام وهو أن الحسين (عليه السلام) كان هو ~~الخليفة الشرعي بمقتضى معاهدة الصلح التي تم الاتفاق عليها ، فقد جاء في ~~بنودها : ليس لمعاوية أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده ، والأمر بعده للحسن ~~، فإن حدث به حدث فالأمر للحسين (1). # وعلى هذا فلم تكن بيعة يزيد شرعية. فلم يخرج الإمام الحسين (عليه السلام) ~~على إمام من أئمة المسلمين كما يذهب لذلك بعض ذوي النزعات الاموية ، وإنما ~~خرج (عليه السلام) على ظالم ms761 مغتصب لحقه. ### |||| 2 الخمس : # والخمس حق مفروض لأهل البيت (عليهم السلام) نص عليه القرآن وتواترت به ~~السنة ، ولكن الحكومات السابقة تناهبته فلم تؤد لهم منه شيئا ؛ لشل حركة ~~المقاومة عند العلويين، وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ذلك في PageV03P287 # حديثه مع أبي هرة الذي نهاه عن الخروج على بني أمية ، فقال (عليه السلام) له : # «ويحك أبا هرة! إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت». # وأكبر الظن أن المال الذي أخذته بنو أمية منه هو الخمس ، وقد أعلن ذلك ~~دعبل الخزاعي في رائعته التي انشدها أمام الرضا (عليه السلام) في خراسان ~~بقوله : # أرى فيئهم في غيرهم متقسما %~% وأيديهم من فيئهم صفرات # والتاع الإمام الرضا (عليه السلام) فجعل يقلب يديه وهو يقول : «إنها ~~والله لصفرات». وقد أقض مضاجع العلويين منعهم من الخمس ؛ باعتباره أحد ~~المصادر الرئيسية لحياتهم الاقتصادية. # ولعل الإمام الحسين قد استهدف بنهضته ارجاع هذا الحق السليب لأهل البيت ~~(عليهم السلام). ### ||| 14 الأمر بالمعروف : # ومن أوكد الأسباب التي ثار من أجلها أبي الضيم (عليه السلام) إقامة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فإنهما من مقومات هذا الدين ، والإمام بالدرجة ~~الأولى مسؤول عنهما. # وقد أدلى (عليه السلام) بذلك في وصيته لأخيه ابن الحنفية التي أعلن فيها ~~عن أسباب خروجه على يزيد ، فقال (عليه السلام): «إني لم أخرج أشرا ولا ~~بطرا ، ولا ظالما ولا مفسدا ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ؛ أريد ~~أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». # لقد انطلق (عليه السلام) إلى ميادين الجهاد ليقيم هذا الصرح الشامخ الذي ~~بنيت عليه الحياة الكريمة في الإسلام ، وقد انهارت دعائمه أيام الحكم ~~الاموي ، فقد أصبح المعروف في عهدهم منكرا والمنكر معروفا ، وقد PageV03P288 # أنكر عليهم الإمام في كثير من المواقف ، والتي كان منها خطابه الرائع ~~أمام المهاجرين والأنصار ، فقد شجب فيه تخاذلهم عن نصرة الحق ودحض الباطل ~~وإيثارهم للعافية ، وقد ذكرناه في الحلقة الأولى من هذا الكتاب. # ومما قاله (عليه السلام) في هذا المجال أمام أصحابه وأهل بيته يوم الطف : ~~«ألا ترون إلى الحق لا ms762 يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن ~~في لقاء ربه». # لقد آثر الموت على الحياة ؛ لأنه يرى الحق قد تلاشى والباطل قد استشرى. ### ||| 15 إماتة البدع : # وعمد الحكم الاموي إلى نشر البدع بين المسلمين ، التي لم يقصد منها إلا ~~محق الإسلام وإلحاق الهزيمة به. وقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى ذلك في ~~رسالة بعثها لأهل البصرة ، يقول (عليه السلام): «فإن السنة قد اميتت ، ~~والبدعة قد احييت» (1). # لقد ثار (عليه السلام) ليقضي على البدع الجاهلية التي تبناها الاموييون ، ~~ويحيي سنة جده التي أماتوها ، فكانت نهضته الخالدة من أجل إماتة الجاهلية ~~ونشر راية الإسلام. PageV03P289 ### ||| 16 العهد النبوي : # واستشف النبي (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب ما يمنى به الإسلام من ~~الأخطار الهائلة على أيدي الامويين ، وإنه لا يمكن بأي حال تجديد رسالته ~~وتخليد مبادئه إلا بتضحية ولده الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فإنه هو الذي ~~يكون الدرع الواقي لصيانة الإسلام ، فعهد إليه بالتضحية والفداء. # وقد أدلى الحسين بذلك حينما عدله المشفقون عليه من الخروج إلى العراق ، ~~فقال (عليه السلام) لهم : «أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر وأنا ~~ماض إليه». # ويقول المؤرخون : إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد نعى الحسين إلى ~~المسلمين وأحاطهم علما بشهادته وما يعانيه من أهوال المصائب ، وكان ~~باستمرار يتفجع عليه ويلعن قاتله ، وكذلك أخبر الإمام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بشهادته وما يجري عليه ، وقد ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا الكتاب ~~الأخبار المتواترة بذلك. # وكان الإمام الحسين (عليه السلام) على علم وثيق بما يجري عليه ، فقد سمع ~~ذلك من جده وأبيه وقد أيقن بالشهادة ، ولم يكن له أي أمل في الحياة ، فمشى ~~إلى الموت بعزم وتصميم امتثالا لأمر جده الذي عهد إليه بذلك. ### ||| 17 العزة والكرامة : # ومن أوثق الأسباب التي ثار من أجلها أبو الأحرار هو العزة والكرامة ، ققد ~~أراد الامويون إرغامه على الذل والخنوع ، فأبى إلا أن يعيش عزيزا تحت ظلال ~~السيوف والرماح ، وقد أعلن سلام الله عليه ذلك يوم الطف بقوله ms763 : «ألا وإن ~~الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين : بين السلة والذلة ، PageV03P290 # وهيهات منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله ، ونفوس أبية وأنوف حمية من ~~أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام». وقال (عليه السلام): «لا أرى ~~الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما». # لقد عانق الموت بثغر باسم في سبيل إبائه وعزته ، وضحى بكل شيء من أجل ~~حريته وكرامته. ### ||| 18 غدر الامويين وفتكهم : # وأيقن الإمام الحسين (عليه السلام) أن الامويين لا يتركونه ، ولا تكف ~~أيديهم عن الغدر والفتك به حتى لو سالمهم وبايعهم ، وذلك لما يلي : # 1 إن الإمام كان ألمع شخصية في العالم الإسلامي ، وقد عقد له المسلمون في ~~دخائل نفوسهم خالص الود والولاء ؛ لأنه حفيد نبيهم وسيد شباب أهل الجنة ، ~~ومن الطبيعي أنه لا يروق للأمويين وجود شخصية تتمتع بنفوذ قوي ومكانة ~~مرموقة في جميع الأوساط ، فإنها تشكل خطرا على سلطانهم وملكهم. # 2 إن الامويين كانوا حاقدين على النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأنه وترهم ~~في واقعة بدر وألحق بهم الهزيمة والعار ، وكان يزيد يترقب الفرص للانتقام ~~من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)؛ ليأخذ ثاراث بدر منهم. # ويقول الرواة إنه كان يقول : # لست من خندف إن لم أنتقم %~% من بني أحمد ما كان فعل # ولما استوفى ثاره وروى أحقاده بإبادتهم ، أخذ يترنم ويقول : # قد قتلنا القرم من ساداتهم %~% وعدلناه ببدر فاعتدل PageV03P291 # 3 إن الامويين قد عرفوا بالغدر ونقض العهود ؛ فقد صالح الحسن معاوية ، ~~وسلم إليه الخلافة ومع ذلك فقد غدر معاوية به فدس إليه سما فقتله ، وأعطوا ~~الأمان لمسلم بن عقيل فخانوا به. # وقد ذكرنا في البحوث السابقة مجموعة من الشخصيات التي اغتالها معاوية ~~خشية منهم. # وقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) أن بني أمية لا يتركونه. يقول ~~(عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية : «لو دخلت في جحر هامة من هذه الهوام ~~لاستخرجوني حتى يقتلوني». # وقال (عليه السلام) لجعفر بن سليمان الضبعي : «والله ، لا يدعوني حتى ~~يستخرجوا هذه العلقة يعني قلبه الشريف من جوفي». ms764 واختار (عليه السلام) أن ~~يعلن الحرب ويموت ميتة كريمة تهز عروشهم ، وتقضي على جبروتهم وطغيانهم. # هذه بعض الأسباب التي حفزت أبا الأحرار إلى الثورة على حكم يزيد. ### || رأي رخيص : # ووصف جماعة من المتعصبين لبني أمية خروج الإمام على يزيد بأنه كان من أجل ~~الملك والظفر بخيرات البلاد ، وهذا الرأي ينم عن حقدهم على الإمام بما ~~أحرزه من الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة التي لم يظفر بمثل معطياتها ~~أي مصلح اجتماعي في الأرض ، وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة ~~الحسينية وعدم الوقوف على أسبابها. # لقد كان الإمام على يقين بإخفاق ثورته في الميادين العسكرية ؛ لأن خصمه ~~كان يدعمه جند مكثف اولوا قوة واولوا بأس شديد ، وهو لم تكن عنده أية قوة ~~عسكرية ليحصل على الملك ، ولو كان الملك غايته كما يقولون لعاد PageV03P292 # إلى الحجاز ، أو مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل وانقلاب ~~الكوفة عليه ، ويعمل حينئذ من جديد على ضمان غايته ونجاح مهمته. لقد كان ~~الإمام (عليه السلام) على علم بأن الأوضاع السائدة كلها كانت في صالح بني ~~أمية ، وليس منها مما يدعمه أو يعود لصالحه. # يقول ابن خلدون : إن هزيمة الحسين كانت أمرا محتما ؛ لأن الحسين لم تكن ~~له الشوكة التي تمكنه من هزيمة الامويين ؛ لأن عصبية مضر في قريش ، وعصبية ~~قريش في عبد مناف ، وعصبية عبد مناف في بني أمية ، فعرف ذلك لهم قريش وسائر ~~الناس لا ينكرونه (1). # لقد كانت ثورة الإمام من أجل غاية لا يفكر بها أولئك الذين فقدوا وعيهم ~~واختيارهم ، فقد كان خروجه على حكم يزيد من أجل حماية المثل الإسلامية ~~والقيم الكريمة من الامويين الذين حملوا معول الهدم. # يقول بعض الكتاب المعاصرين : ويحق لنا أن نسأل ماذا كان هدف الحسين (عليه ~~السلام)، وماذا كانت القضية التي يعمل من أجلها؟ # أما لو كان هدفه شخصيا يتمثل في رغبته في إسقاط يزيد ليتولى هو بنفسه ~~الخلافة التي كان يطمع إليها ، ما وجدنا فيه هذا الإصرار على التقدم نحو ~~الكوفة رغم وضوح تفرق الناس ms765 من حوله ، واستسلامهم لابن زياد وحملهم السلاح ~~في أعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه. # إن أقصر الناس نظرا كان يدرك أن مصيره لن يختلف عما آل إليه فعله ، ولو ~~كان الحسين بهذه المكانة من قصر النظر لعاد إلى مكة ليعمل من جديد للوصول ~~إلى منصب الخلافة. ولو كان هدفه في أول الأمر الوصول إلى منصب الخلافة ثم ~~لما بلغه مصرع ابن عمه وقرروا صلة السفر للثأر PageV03P293 # من قاتليه كما يزعم بعض الباحثين استجابة لقضية أهله وأقاربه. لو كان هذا ~~هدفه لأدرك أن جماعته التي خرجت معه للثأر وهي لا تزيد على التسعين ؛ رجالا ~~ونساء وأطفالا ، لن تصل إلى شيء من ذلك من دون أن يقضى على أفرادها جميعا ، ~~وبغير أن يضحي هو بنفسه ضحية رخيصة في ميدان الثأر. # ومن ثم يكون من واجبه للثأر أن يرجع ليعيد تجميع صفوف أنصاره وأقربائه ، ~~ويتقدم في الجمع العظيم من الغاصبين والموتورين. # فالقضية إذا ليست قضية ثأر ، والهدف ليس هدفا شخصيا ، وإنما الأمر أمر ~~الأمة ، والقضية كانت للحق ، والإقدام إقدام الفدائي الذي أراد أن يضرب ~~المثل بنفسه في البذل والتضحية ، ولم يكن إصرار الحسين على التقدم نحو ~~الكوفة بعد ما علم من تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد إلا ليجعل من استشهاده ~~علما تلتف حوله القلة التي كانت لا تزال تؤمن بالمثل ، وتلتمس في القادة من ~~ينير لها طريق الجد في الكفاح ، وتحريكا لضمائر المتخاذلين القاعدين عن ~~صيانة حقوقهم ورعاية صوالحهم. # وألم هذا القول بالواقع المشرق الذي ناضل من أجله الإمام الحسين ، فهو لم ~~يستهدف أي مصلحة ذاتية ، وإنما استهدف مصلحة الأمة وصيانتها من الامويين. ### || تخطيط الثورة : # ودرس الإمام الحسين (عليه السلام) أبعاد الثورة بعمق وشمول ، وخطط ~~أساليبها بوعي وإيمان ، فرأى أن يزج بجميع ثقله في المعركة ويضحي بكل شيء ؛ ~~لإنقاذ الأمة من محنتها في ظل ذلك الحكم الأسود الذي تنكر لجميع متطلبات الأمة. # وقد أدرك المستشرق الألماني (ماريين) تخطيط الإمام PageV03P294 # الحسين لثورته ، فاعتبر أن الحسين قد توخى النصر منذ اللحظة الأولى وعلم ~~النصر فيه ، فحركة ms766 الحسين في خروجه على يزيد كما يقول إنما كانت عزمة قلب ~~كبير عز عليه الإذعان ، وعز عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ذلك ~~الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها ~~بغير ذلك حياة. # لقد أيقن أبو الشهداء (عليه السلام) أن القضية الإسلامية لا يمكن أن ~~تنتصر إلا بفخامة ما يقدمه من التضحيات ، فصمم بعزم وإيمان على تقديم أروع ~~التضحيات ، وهذه بعضها : ### ||| 1 التضحية بنفسه : # وأعلن الإمام (عليه السلام) عن عزمه على التضحية بنفسه فأذاع ذلك في مكة ~~، فأخبر المسلمين أن أوصاله سوف تتقطع بين النواويس وكربلاء ، وكان في ~~أثناء مسيرته إلى العراق يتحدث عن مصرعه ، ويشابه بينه وبين أخيه يحيى بن ~~زكريا ، وأن رأسه الشريف سوف يرفع إلى بغي من بغايا بني أمية ، كما رفع رأس ~~يحيى إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. # لقد صمم على الموت ، واستهان بالحياة من أجل أن ترتفع راية الحق ، وتعلو ~~كلمة الله في الأرض ، وبقي صامدا على عزمه الجبار ، فلم يرتهب حينما أحاطت ~~به الجيوش الهائلة وهي تبيد أهل بيته وأصحابه في مجزرة رهيبة اهتز من هولها ~~الضمير الإنساني ، وقد كان في تلك المحنة الحازبة من أربط الناس جأشا ~~وأمضاهم جنانا ، فلم ير قبله ولا بعده شبيها له في شدة بأسه وقوة عزيمته ، ~~كما لا يعرف التاريخ في جميع مراحله تضحية أبلغ أثرا في PageV03P295 # حياة الناس من تضحيته (عليه السلام)، فقد بقيت صرخة مدوية في وجوه ~~الظالمين والمتسبدين. ### ||| 2 التضحية بأهل بيته (عليهم السلام): # وأقدم أبو الشهداء (عليه السلام) على أعظم تضحية لم يقدمها أي مصلح ~~اجتماعي في الأرض ، فقد قدم أبناءه وأهل بيته وأصحابه فداء لما يرتأيه ~~ضميره من تعميم العدل وإشاعة الحق والخير بين الناس. # وقد خطط هذه التضحية وآمن بأنها جزء من رسالته الكبرى ، وقد أذاع ذلك وهو ~~في يثرب حينما خفت إليه السيدة أم سلمة زوج النبي تعدله عن الخروج ، ~~فأخبرها عن قتله وقتل أطفاله. وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلح بهذا ms767 ~~الإيمان ، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه الذين هم من أنبل من عرفتهم ~~الإنسانية في ولائهم للحق وهم يتسابقون إلى المنية بين يديه ، ويرى الكواكب ~~من أهل بيته وأبنائه وهم في غضارة العمر وريعان الشباب وقد تناهبت أشلاءهم ~~السيوف والرماح ، فكان يأمرهم بالثبات والخلود إلى الصبر قائلا : «صبرا يا ~~بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي ، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا». # واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثل شرف العقيدة وسمو القصد ، ~~وعظمة المبادئ التي ناضل من أجلها ، وهي من دون شك ستبقى قائمة على ممر ~~القرون والأجيال تضيء للناس الطريق ، وتمدهم بأروع الدروس عن التضحية في ~~سبيل الحق والواجب. PageV03P296 ### ||| 3 التضحية بأمواله : # وضحى أبي الضيم بجميع ما يملك فداء للقرآن ووقاية لدين الله ، وقد هجمت ~~بعد مقتله الوحوش الكاسرة من جيوش الامويين على مخيمه فتناهبوا ثقله ومتاعه ~~حتى لم يتركوا ملحفة أو إزارا على مخدرات الرسالة إلا نهبوه ، ومثلوا بذلك ~~خسة الإنسان حينما يفقد ذاتياته ويمسخ ضميره. ### ||| 4 حمل عقائل النبوة : # وكان من أروع ما خططه الإمام العظيم (عليه السلام) في ثورته الكبرى حمله ~~لعقائل النبوة ومخدرات الرسالة إلى كربلاء ، وهو يعلم ما سيجري عليهن من ~~النكبات والخطوب ، وقد أعلن ذلك حينما عذله ابن عباس عن حملهن معه إلى ~~العراق ، فقال له : «قد شاء الله أن يراهن سبايا». # لقد أراد (عليه السلام) بذلك أن يستكمل أداء رسالته الخالدة في تحرير ~~الأمة ، وإنقاذها من الاستبعاد الاموي. وقد قمن تلك السيدات بدور مشرق في ~~إكمال نهضة أبي الشهداء (عليه السلام) فأيقظن المجتمع بعد سباته ، وأسقطن ~~هيبة الحكم الاموي وفتحن باب الثورة عليه ، ولولاهن لم يتمكن أحد أن يفوه ~~بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر. # وقد أدرك ذلك كل من تأمل في نهضة الإمام ودرس أبعادها. وقد ألمع إليها ~~بعض العلماء والكتاب ، وفيما يلي بعضهم : PageV03P297 ### |||| 1 الإمام كاشف الغطاء : # وأكد الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (رحمه الله) في كثير من ~~مؤلفاته أن الغاية من خروج الإمام بعائلته إلى كربلاء ms768 إكمالا لنهضته ، ~~وبلوغا إلى هدفه في تحطيم دولة الامويين ، يقول : وهل تشك وترتاب في أن ~~الحسين (عليه السلام) لو قتل هو وولده ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك ~~المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جبارا ، ولم يطلب به أحد ثارا ولضاع دمه ~~هدرا ، فكان الحسين يعلم أن هذا علم لابد منه ، وأنه لا يقوم به إلا تلك ~~العقائل فوجب عليه حتما أن يحملهن معه ؛ لا لأجل المظلومية بسبيهن فقط ، بل ~~لنظر سياسي وفكر عميق وهو تكميل الغرض وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ~~، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى ~~جاهليتها الأولى (1). ### |||| 2 أحمد فهمي : # يقول الاستاذ السيد أحمد فهمي : وقد أدرك الحسين أنه مقتول ؛ إذ هو يعلم ~~علم اليقين قبح طوية يزيد ، وإسفاف نحيزته وسوء سريرته ، فيزيد بعد قتل ~~الحسين ستمتد يده إلى أن يؤذي النبي (صلى الله عليه وآله) في سلالته من قتل ~~الأطفال الأبرياء وانتهاك حرمة النساء ، وحملهن ومن بقي من الأطفال من قفرة ~~إلى قفرة ومن بلد إلى بلد ، فيثير مرأى أولئك حفيظة المسلمين ، فليس ثمة ~~أشنع ولا أفظع من التشفي والانتقام من النساء والأطفال بعد قتل الشباب ~~والرجال ، فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثأر PageV03P298 # من يزيد في خلافته ويقتله في كرامته ، وحقا لقد وقع ما توقعه ، فكان لما ~~فعله يزيد وعصبته من فظيع الأثر في نفوس المسلمين ، وزاد في أضغانهم ما ~~عرضوا به سلالة النبوة من هتك خدر النساء ، وهن اللاتي ما عرفن إلا ~~بالصيانة والطهر والعز والمنعة ، مما أطلق ألسنة الشعراء بالهجاء والذم ، ~~ونفر أكثر المسلمين من خلافة الامويين ، وأسخط عليهم قلوب المؤمنين ، فقد ~~قتله الحسين أشد من قتله إياه (1). ### ||| 3 أحمد محمود صبحي : # يقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثم رفض يعني الحسين إلا أن يصحب أهله ؛ ~~ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرره دين ولا وزاع من إنسانية ، ~~فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيفترى عليه أشد الافتراء حين ~~يعدم الشاهد العادل ms769 على كل ما جرى بينه وبين أعدائه. # تقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينت أخت الحسين على ابن زياد وبني ~~أمية لذة النصر ، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإن كل ~~الأحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير ، ~~وسقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية ، ثم تأصل مذهب الشيعة إنما ~~كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته (2). # أريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعا من الرجال؟ ~~ألا يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه PageV03P299 # فيضيع كل أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء؟ (1) # هذه بعض الآراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين (عليه السلام) ~~بعائلته لم يكن الغرض منه إلا بلورة الرأي العام ، وإيضاح المقاصد الرفيعة ~~التي ثار من أجلها ، ومن أهمها القضاء على دولة الامويين التي كانت تشكل ~~خطرا مباشرا على العقيدة الإسلامية. # وهناك رأي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر ، وهو ~~: أن الحسين إنما خرج بعائلته خوفا عليها من اعتقال الامويين وزجها في ~~سجونهم قال : الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الاموية عليها ~~الحجر ، لا بل اعتقلتها علنا وزجتها في ظلمات السجون ، ولا بد له حينئذ من ~~أحد أمرين خطيرين ، كل منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة : # أما الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعا ليستنقذ العائلة المصونة ، ~~وهذا خلاف الإصلاح الذي ينشده ، وفرض على نفسه القيام به مهما كلفه الأمر ~~من الأخطار ، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته ، ويترك المخدرات اللواتي ضرب ~~عليهن الوحي سترا من العظمة والإجلال ، وهذا ما لا تطيق احتماله نفس الحسين ~~الغيور ، ولا يردع أمية رادع من الحياء ، ولا يزجرها زاجر من الإسلام. # إن أمية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها وإدراك غاياتها ، فتتوصل ~~إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية. # ألم يطرق سمعك سجن الامويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي ، وزوجة عبيد ~~الله بن الحر الجعفي ، وأخيرا زوجة الكميت الأسدي؟! (2) PageV03P300 # وعلى أي حال ms770 ، فقد حطم الإمام بخروجه لعائلته جميع مخططات السياسة ~~الاموية ، ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم. # فقد قمن عقائل الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي ، وتعريف المجتمع ~~بواقع الامويين ، وتجريدهم من الإطار الديني ، ولولاهن لاندرست معالم ثورة ~~الحسين وذهبت أدراج الرياح. # إن من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (عليه السلام)، ~~واستمرار فعالياتها في بث الإصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ ، هو حمل ~~ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الإمام ، فقد قمن بدور مشرق ببلورة الرأي ~~العام ، فحملن راية الإيمان التي حملها الإمام العظيم ، ونشرن مبادئه ~~العليا التي استشهد من أجلها. # فقد انبرت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) وشقيقة الحسين السيدة زينب ~~بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ساحات الجهاد ، وهي تدك حصون الظالمين ~~وتدمر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها ، وتلحق بهم الهزيمة ~~والعار وتملأ بيوتهم مأساة وحزنا. # لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب (عليها السلام) إلى ~~ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش ، تفتش عن جثمان أخيها الإمام العظيم ، ~~فلما وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش واستحال إلى سمع ، فماذا تقول أمام ~~هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها؟ # إنها وقفت عليه غير مدهوشة ولم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال ، ~~فشخصت ببصرها إلى السماء وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة : اللهم ~~تقبل منا هذا القربان. # وأطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الاموي بعد أخيها ، وود الجيش أن ~~تسيخ به الأرض ؛ فقد استبان له عظم ما اقترفه من الإثم ، وإنه قد أباد PageV03P301 # عناصر الإسلام ومراكز الوعي والإيمان. # ولما اقتربت سبايا أهل البيت (عليهم السلام) إلى الكوفة خرجت الجماهير ~~الحاشدة لاستقبال السبايا ، فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطابا مثيرا ومذهلا ، ~~وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون ، قد استحالت بيوتهم إلى مآتم وهم ~~يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم ، وحينما انتهت إلى دار ~~الإمارة استقبلها الطاغية متشفيا بأحط وأخس ما يكون التشفي قائلا : كيف ~~رأيت صنع الله بأخيك؟ # وانطلقت عقيلة بني هاشم ms771 ببسالة وصمود فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة ~~: ما رأيت إلا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ~~، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك ~~يابن مرجانة. # وأخزت هذه الكلمات ابن مرجانة فكانت أشق عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح. ~~ولما انتهت إلى الشام هزت العرش الاموي بخطابها المثير الرائع ، وحققت بذلك ~~من النصر ما لم تحققه الجيوش. # لقد كان حمل الإمام الحسين (عليه السلام) لعائلته قائما على أساس من ~~الوعي العميق الذي أحرز به الفتح والنصر. # وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها. PageV03P302 ### | في مكة PageV03P303 # وبعدما أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) رفضه الكامل لبيعة يزيد اتجه مع ~~أهل بيته إلى مكة التي هي حرم الله وحرم رسوله ؛ عائذا ببيتها الحرام الذي ~~فرض فيه تعالى الأمن والطمأنينة لجميع العباد. # لقد اتجه إلى هذا البلد الأمين ؛ ليكون بمأمن من شرور الامويين ~~واعتداءاتهم. # ويقول المؤرخون : إنه خرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (60 ه) ~~(1)، وقد خيم الذعر على المدنيين حينما رؤوا آل النبي (صلى الله عليه ~~وآله) ينزحون عنهم إلى غير مآب. # وفصل الركب من يثرب وهو جاد في مسيرته ، وكان الإمام (عليه السلام) يتلو ~~قوله تعالى : « @QUR@05 رب نجني من القوم الظالمين ». لقد شبه خروجه بخروج ~~موسى على فرعون زمانه ، وكذلك قد خرج على طاغية زمانه فرعون هذه الأمة ؛ ~~ليقيم الحق ويبني صروح العدل ، وسلك الطريق العام الذي يسلكه الناس من دون ~~أن يتجنب عنه. # وأشار عليه بعض أصحابه أن يحيد عنه كما فعل ابن الزبير مخافة أن يدركه ~~الطلب من السلطة في يثرب ، فأجابه (عليه السلام) بكل بساطة وثقة في النفس ~~قائلا : «لا والله ، لا فارقت هذا الطريق أبدا أو أنظر إلى أبيات مكة ، أو ~~يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى». # لقد رضي بكل قضاء يبرمه الله ، ولم يضعف ولم توهن عزيمته الأحداث الهائلة ~~التي لا يطيقها أي إنسان ، وكان يتمثل في أثناء مسيره PageV03P305 # بشعر يزيد بن المفرغ ms772 : # لا ذعرت السوام في فلق الصبح %~% مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم اعطي من المهانة ضيما %~% والمنايا ترصدنني أن أحيدا (1) # لقد كان على ثقة أن المنايا ترصده مادام مصمما على عزمه الجبار في أن ~~يعيش عزيزا لا يضام ، ولا يذل ولا يخضع لحكم يزيد. # ويقول بعض الرواة : إنه كان في مسيرته ينشد هذه الأبيات : # إذا المرء لم يحم بنيه وعرسه %~% ونسوته كان اللئيم المسببا وفي دون ما يبغي يزيد بنا غدا %~% نخوض حياض الموت شرقا ومغربا ونضرب ضربا كالحريق مقدما %~% إذا ما رآه ضيغم راح هاربا # ودل هذا الشعر على مدى عزمه على أن يخوض حياض الموت ؛ سواء أكانت في ~~المشرق أم في المغرب ولا يبايع يزيد بن معاوية. ### || مع عبد الله بن مطيع : # واستقبله في أثناء الطريق عبد الله بن مطيع العدوي ، فقال له : أين تريد ~~أبا عبد الله؟ جعلني الله فداك. # «أما في وقتي هذا اريد مكة ، فإذا صرت إليها استخرت الله في أمري بعد ذلك». # خار الله لك يابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه ، إني أشير عليك ~~بمشورة فاقبلها مني. # «ما هي؟». PageV03P306 # إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة ؛ فيها قتل أبوك ، وأخوك طعنوه ~~بطعنة كادت أن تأتي على نفسه ، فالزم الحرم فإنك سيد العرب في دهرك ، فو ~~الله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك. # وشكره الإمام وودعه ودعا له بخير (1)، وسار موكب الإمام يجد السير لا ~~يلوي على شيء حتى انتهى إلى مكة ، فلما نظر الإمام (عليه السلام) إلى ~~جبالها تلا قوله تعالى : « @QUR@011 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن ~~يهديني سواء السبيل » (2). PageV03P307 # لقد كانت هجرته إلى مكة كهجرة موسى إلى مدين ، فكل منهما قد فر من فرعون ~~زمانه ، وهاجر لمقاومة الظلم ومناهضة الطغيان. ### || في مكة : # وانتهى الإمام إلى مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان (1)، وقد ~~حط رحله في دار العباس بن عبد المطلب (2)، وقد استقبل استقبالا حافلا من ~~المكيين ، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية وهم يسألونه عن أحكام دينهم ~~وأحاديث ms773 نبيهم. # يقول ابن كثير : وعكف الناس بمكة يفدون إليه ويجلسون حواليه ، ويستمعون ~~كلامه وينتفعون بما يسمعون منه ، ويضبطون ما يروون عنه (3). # لقد كان بجاذبيته الروحية مهوى القلوب وندى الأفئدة ، وقد حامت حوله ~~النفوس تروي غليلها من نمير علومه التي هي امتداد من علوم جده مفجر العلم ~~والنور في الأرض. ### || احتفاء الحجاج والمعتمرين به : # وأخذ القادمون إلى بيت الله من الحجاج والمعتمرين من سائر الآفاق يختلفون ~~إليه (4)، ويهتفون بالدعوة إليه ويطوفون حوله ، هذا يلتمس PageV03P308 # منه العلم والحديث وذاك يقتبس منه الحكم النافعة والكلم الجامعة ؛ ليهتدي ~~بأنوارهما في ظلمات الحياة (1)، ولم يترك الإمام ثانية من وقته تمر دون أن ~~يبث الوعي الاجتماعي ، ويدعو إلى اليقظة والحذر من السياسة الاموية الهادفة ~~إلى استعباد المسلمين وإذلاهم. ### || فزع ابن الزبير : # وكان ابن الزبير لاجئا إلى مكة فرارا من البيعة ليزيد ، وقد ثقل عليه ~~اختلاف الناس على الإمام الحسين (عليه السلام) وإجماعهم على تعظيمه وتبجيله ~~وزهد الناس وانصرافهم عنه ؛ لأنه لم يكن يتمتع بصفة محبوبة ولا بنزعة كريمة. # يقول زيد بن علي الجذعاني : وكانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة ؛ لأنه ~~كان بخيلا ضيق العطن (2)، سيئ الخلق ، حسودا كثير الخلاف. أخرج محمد بن ~~الحنفية ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف (3). # ومن مظاهر ذاتياته الشح والبخل ، وفيه يقول الشاعر : # رأيت أبا بكر وربك غالب %~% على أمره يبغي الخلافة بالتمر (4) # وقد عانى الشعب في أيام حكمه القصير الجوع والحرمان ، كما عانت الموالي ~~التي بالغت في نصرته أشد ألوان الضيق ، وقد عبر شاعرهم عن خيبة أملهم في ~~نصرته يقول : PageV03P309 إن الموالي أمست وهي عاتبة %~% على الخليفة تشكو الجوع والسغبا ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا %~% أي الملوك على من حولنا غلبا (1) # وأظهر ابن الزبير النسك والطاعة والتقشف ؛ تصنعا لصيد البسطاء وإغراء ~~السذج. وقد وصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله : «ينصب حبالة ~~الدين لاصطفاء الدنيا» (2). # ومن المؤكد أنه لم يكن يبغي في خروجه على سلطان بني أمية وجه الله ؛ ~~وإنما كان يبغي الملك والسلطان ، وقد أدلى بذلك عبد الله ms774 بن عمر حينما ألحت ~~عليه زوجته في مبايعته ، وذكرت له طاعته وتقواه ، فقال لها : أما رأيت ~~بغلات معاوية التي كان يحج عليها الشهباء؟ فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن (3). # وعلى أي حال ، فإن ابن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسين ؛ ~~لعلمه بأنه لا يبايعه أحد مع وجود الحسين (عليه السلام)؛ لأنه ابن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، فليس على وجه الأرض أحد يساميه ولا يساويه ، ~~كما يقول ابن كثير (4). # وأكد ذلك (أوكلي) قال : إن ابن الزبير كان مقتنعا تماما بأن كل جهوده ~~ستضيع عبثا طالما بقي الحسين على قيد الحياة ، ولكن إذا أصابه مكروه فإن ~~طريق الخلافة سيكون ممهدا له. PageV03P310 # وكان يشير على الإمام بالخروج إلى العراق للتخلص منه ، ويقول له : ما ~~يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فو الله ، لو أن لي مثلهم ما توجهت إلا إليهم (1). # ولم يمنح ابن الزبير النصيحة للإمام ولم يخلص له في الرأي ؛ وإنما أراد ~~أن يستريح منه. # ولم تخف على الإمام دوافعه ، فراح يقول لأصحابه : «إن هذا وأشار إلى ابن ~~الزبير ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز ، وقد علم أن ~~الناس لا يعدلونه بي ؛ فود أني خرجت حتى يخلو له» (2). # ولم تحفل السلطة الاموية بابن الزبير وإنما وجهت جميع اهتمامها نحو ~~الإمام الحسين (عليه السلام). ### || رأي الغزالي : # واستبعد الشيخ محمد الغزالي أن ابن الزبير قد أشار على الحسين بالخروج ~~إلى العراق ليستريح منه ، قال : فعبد الله بن الزبير اتقى الله وأعرق في ~~الإسلام من أن يقترف هذه الدنية (3). # وهذا الرأي بعيد عن الواقع ؛ فإن ابن الزبير لم تكن له أية حريجة في ~~الدين ، فهو الذي أجج نار الفتنة في حرب الجمل وزج أباه فيها ، وقد تهالك ~~على السلطان وضحى بكل شيء في سبيله ، وقد كان من PageV03P311 # أعدى الناس للعترة الطاهرة ، ومن كان هذا شأنه فهل يكون تقيا وعريقا في ~~الإسلام؟! ### || رأي رخيص : # من الآراء الرخيصة ما ذهب إليه أنيس زكريا المعروف بنزعته الاموية ، أن ~~من ms775 أهم الأسباب التي أدت إلى قتل الإمام الحسين (عليه السلام) تشجيع ابن ~~الزبير له في الخروج إلى العراق ، فقد كان له أثره المهم في نفسه (1). # وهذا القول من أهزل الآراء ؛ فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتأثر ~~بقول ابن الزبير ولم ينخدع بتشجيعه له ، وإنما كانت هناك عوامل أخرى حفزته ~~إلى الخروج إلى العراق ، وقد ذكرناها بالتفصيل في البحوث السابقة. ### || فزع السلطة المحلية : # وذعرت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام إليها ، وخافت أن يتخذها ~~مقرا سياسيا لدعوته ، ومنطلقا لإعلان الثورة على حكومة دمشق ، وقد خفت حاكم ~~مكة عمرو بن سعيد الأشدق وهو مذعور فقابل الإمام ، فقال له : ما أقدمك؟ # «عائذا بالله ، وبهذا البيت» (2). PageV03P312 # لقد جاء الإمام (عليه السلام) عائذا ببيت الله الحرام الذي من دخله كان ~~آمنا ، وكان محصنا من كل ظلم واعتداء. # ولم يحفل الأشدق بكلام الإمام ، وإنما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علما ~~بمجيء الإمام إلى مكة ، واختلاف الناس إليه وازدحامهم على مجلسه وإجماعهم ~~على تعظيمه ، وأخبره إن ذلك يشكل خطرا على الدولة الاموية. ### || قلق يزيد : # واضطرب يزيد كأشد ما يكون الاضطراب حينما وافته الأنباء بامتناع الحسين ~~عن بيعته ، وهجرته إلى مكة واتخاذها مركزا لدعوته ، وإرسال العراق الوفود ~~والرسائل إلى الدعوة لبيعته ، فكتب إلى عبد الله بن عباس رسالة ، وهذا نصها : # أما بعد ، فإن ابن عمك حسينا ، وعدو الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا ~~بمكة مرصدين للفتنة ، معرضين أنفسهما للهلكة ؛ فأما ابن الزبير فإنه صريع ~~الفنا وقتيل السيف غدا ، وأما الحسين فقد أحببت الأعذار إليكم أهل البيت ~~مما كان منه ، وقد بلغني أن رجالا من شعيته من أهل العراق يكاتبونه ~~ويكاتبهم ، ويمنونه الخلافة ويمنيهم الإمرة ، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من ~~الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام ، وقد قطع ذلك الحسين وبته ، وأنت زعيم ~~أهل بيتك وسيد بلادك ، فالقه فاردده عن السعي في الفتنة ، فإن قبل منك ~~وأناب فله عندى الأمان والكرامة الواسعة ، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على ~~أخيه ، وإن طلب الزيادة فاضمن له ما ms776 أديك ، وأنفذ ضمانك وأقوم له بذلك PageV03P313 # وله علي الأيمان المغلظة ، والمواثيق المؤكدة بما تطمئن به نفسه ويعتمد ~~في كل الأمور عليها. عجل بجواب كتابي وبكل حاجة لك قبلي ، والسلام. وختم ~~كتابه بهذه الأبيات : # يا أيها الراكب العادي مطيته %~% على غذافرة في سيرها قحم أبلغ قريشا على نأي المزار بها %~% بيني وبين حسين الله والرحم وموقف بفناء البيت أنشده %~% عهد الإله وما توفي به الذمم عنيتم قومكم فخرا بأمكم %~% أم لعمري حصان عفة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد %~% بنت الرسول وخير الناس قد علموا إني لأعلم أو ظنا كعالمه %~% والظن يصدق أحيانا فينتظم أن سوف يترككم ما تدعون بها %~% قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت %~% وأمسكوا بحبال السلم واعتصموا قد جرب الحرب من قد كان قبلكم %~% من القرون وقد بادت بها الامم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا برحا %~% فرب ذي برح زلت به القدم # ودلت هذه الرسالة على غباوة يزيد ؛ فقد حسب أن الإمام يطلب المال والثراء ~~في خروجه عليه ، ولم يعلم أنه إنما ناهضه لا يبغي بذلك إلا الله والتماس ~~الأجر في الدار الآخرة. ### || جواب ابن عباس : # وأجابه ابن عباس : أما بعد ، فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن ~~الزبير بمكة ؛ فأما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه ؛ يكاتمنا مع ~~ذلك أضغانا يسرها في صدره ، يوري علينا وري الزناد ، لا فك الله أسيرها ، ~~فارى في أمره ما أنت راء ؛ وأما الحسين فإنه لما نزل مكة PageV03P314 # وترك حرم جده ومنازل آبائه سألته عن مقدمه فأخبرني أن عمالك بالمدينة ~~أساؤا إليه ، وعجلوا عليه بالكلام الفاحش فأقبل إلى حرم الله مستجيرا به ، ~~وسألقاه فيما أشرت إليه ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ، ويطفئ ~~بها النائرة ، ويخمد بها الفتنة ، ويحقن بها دماء الأمة. # فاتق الله في السر والعلانية ، ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ، ~~ولا ترصده بمظلمة ولا تحقر له مهراة (1)، فكم من حافر لغيره حفرا وقع فيه ~~، وكم من مؤمل أملا لم ms777 يؤت أمله ، وخذ بحظك من تلاوة القرآن ونشر السنة ، ~~وعليك بالصيام والقيام لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها ؛ فإن كل ما ~~اشتغلت به عن الله يضر ويفنى ، وكل ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ~~ويبقى. والسلام (2). # وحفلت هذه الرسالة بما يلي : # 1 أنه لا علاقة لبني هاشم بابن الزبير ولا هم مسؤولون عن تصرفاته ؛ فقد ~~كان عدوا لهم يتربص بهم الدوائر ويبغي لهم الغوائل. # 2 أن الإمام الحسين إنما نزح من يثرب إلى مكة لا لإثارة الفتنة ؛ وإنما ~~لإساءة عمال يزيد له ، وقد قدم إلى مكة ليستجير ببيتها الحرام. ### || إقصاء حاكم المدينة : # كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان واليا على يثرب بعد عزل مروان عنها ، ~~وكان فيما يقول المؤرخون فطنا ذكيا ، يحب العافية ويكره الفتنة ، ولما ~~امتنع الإمام الحسين (عليه السلام) من البيعة ليزيد لم يتخذ معه PageV03P315 # الإجراءات الصارمة ولم يكرهه على ما لا يحب ، وإنما فسح له المجال في ~~الرحيل إلى مكة من دون أن يعوقه عنها ، في حين قد أصر عليه مروان بالتنكيل ~~به فرفض ذلك ، وقد نقل الامويون موقفه المتسم باللين والتسامح مع الحسين ~~إلى يزيد فغضب عليه وعزله عن ولايته (1)، وقد عهد بها إلى جبار من جبابرة ~~الامويين عمرو بن سعيد الأشدق (2) وقد عرف بالقسوة والغلظة ، فقدم إلى ~~المدينة في رمضان بعد أن تسلم ولايته عليها فصلى بالناس صلاة العتمة. # وفي الصباح خرج على الناس وعليه قميص أحمر وعمامة حمراء ، فرماه الناس ~~بأبصارهم منكرين ما هو عليه ، فصعد المنبر فقال : يا أهل المدينة ، ما لكم ~~ترموننا بأبصاركم كأنكم تقروننا سيوفكم؟ أنسيتم ما فعلتم! أما لو انتقم في ~~الأولى ما عدتم إلى الثانية ، أغركم إذ قتلتم عثمان فوجدتموه صابرا حليما ~~وإماما ، فذهب غضبه وذهبت ذاته فاغتنموا أنفسكم ، فقد وليكم إمام بالشباب ~~المقتبل البعيد الأمل ، وقد اعتدل جمسه واشتد عظمه ، ورمى الدهر ببصره ~~واستقبله بأسره ، فهو إن عض لهس وإن وطيء فرس ، لا يقلقه الحصى ولا تقرع له العصا. # وعرض في خطابه لابن الزبير فقال : فو ms778 الله لنغزونه ، ثم لئن دخل الكعبة ~~لنحرقنها عليه على رغم PageV03P316 # أنف من رغم (1). # ورعف الطاغية على المنبر فألقى إليه رجل عمامة فمسح بها دمه ، فقال رجل ~~من خثعم : دم على المنبر في عمامة فتنة عمت وعلا ذكرها ورب الكعبة (2). ~~وقد اثر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال : «ليرعفن على منبري ~~جبار من جبابرة بني امية فيسيل رعافه» (3). # وعزم الأشدق على مقابلة الجبهة المعارضة بالقوة والبطش ، وقد حفزه إلى ~~ذلك ما حل بسلفه الوليد من الإقصاء وسلب الثقة عنه ؛ نتيجة تساهله مع ~~الحسين (عليه السلام). # ولعل من أوثق الأسباب التي دعت الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مغادرة ~~الحجاز هو الحذر من بطش هذا الطاغية به ، والخوف من اغتياله وهو في الحرم. ### || الحسين مع ابن عمر وابن عباس : # وكان عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر مقيمين في مكة حينما أقبل الإمام ~~الحسين إليها ، وقد خفا لاستقباله والتشرف بخدمته وكانا قد عزما على مغادرة مكة. # فقال له ابن عمر : أبا عبد الله ، رحمك الله ، اتق الله الذي إليه معادك ~~، فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت يعني بني امية لكم ، وقد ولي الناس هذا ~~الرجل يزيد بن معاوية ولست آمن أن يميل الناس إليه ؛ لمكان هذه الصفراء PageV03P317 # والبيضاء فيقتلونك ويهلك فيك بشر كثير ، فإني قد سمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقول : «حسين مقتول ، ولئن قتلوه وخذلوه ولن ينصروه ~~ليخذلهم الله إلى يوم القيامة». وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه ~~الناس ، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل ، فلعل الله أن يحكم بينك وبين ~~القوم الظالمين. # فقال له أبي الضيم : «أنا ابايع يزيد وأدخل في صلحه وقد قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فيه وفي أبيه ما قال؟!». وانبرى ابن عباس فقال له : صدقت ~~أبا عبد الله ؛ قال النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته : «ما لي وليزيد! ~~لا بارك الله في يزيد ، وإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين. والذي نفسي بيده ~~، لا يقتل ms779 ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم ~~وألسنتهم». وبكى ابن عباس والحسين ، والتفت إليه قائلا : «يابن عباس ، ~~أتعلم أني ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟». # اللهم نعم ، نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله غيرك ، وإن نصرك ~~لفرض على هذه الامة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقبل أحدهما دون الاخرى. # فقال له الحسين (عليه السلام): «يابن عباس ، ما تقول في قوم أخرجوا ابن ~~بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من داره وقراره ، ومولده وحرم رسوله ، ~~ومجاورة قبره ومسجده وموضع مهاجره ، فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار ~~، ولا يأوي في PageV03P318 # موطن ، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه ، وهو لم يشرك بالله ولا اتخذ من ~~دونه وليا ، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟». # وانبرى ابن عباس يؤيد كلامه ويدعم قوله قائلا : ما أقول فيهم إلا أنهم ~~كفروا بالله ورسوله ، (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ، يراءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا ، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا)، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى ، وأما ~~أنت يا بن رسول الله ، فإنك رأس الفخار برسول الله ، فلا تظن يابن بنت رسول ~~الله أن الله غافل عما يفعل الظالمون ، وأنا أشهد أن من رغب عن مجاورتك ~~وطمع في محاربتك ومحاربة نبيك محمد فما له من خلاق. # وانبرى الإمام الحسين فصدق قوله قائلا : «اللهم نعم». # وانطلق ابن عباس يظهر له الاستعداد للقيام بنصرته قائلا : جعلت فداك يابن ~~بنت رسول الله ، كأنك تريدني إلى نفسك وتريد مني أن أنصرك ، والله الذي لا ~~إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتى انخلعا جميعا من كفي ~~لما كنت ممن وفى من حقك عشر العشر ، وها أنا بين يديك مرني بأمرك. # وقطع ابن عمر كلامه ، وأقبل على الحسين ، فقال له : مهلا عما قد عزمت ~~عليه ، وارجع من هنا إلى ms780 المدينة وادخل في صلح القوم ، ولا تغب عن وطنك ~~وحرم جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق ~~لهم على نفسك حجة وسبيلا ، وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى رأيك ~~، فإن يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلا قليلا فيكفيك الله أمره. # وزجره الإمام (عليه السلام)، ورد عليه قوله قائلا : PageV03P319 # «اف لهذا الكلام أبدا ما دامت السماوات والأرض! أسألك يا عبد الله ، أنا ~~عندك على خطأ من أمري؟ فإن كنت على خطأ ردني فأنا أخضع وأسمع وأطيع». # فقال ابن عمر : اللهم لا ، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسول الله ~~على خطأ ، وليس مثلك من طهارته وصفوته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~على مثل يزيد بن معاوية ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف ~~وترى من هذه الامة ما لا تحب ، فارجع معنا إلى المدينة ، وإن لم تحب أن ~~تبايع فلا تبايع أبدا واقعد في منزلك. # والتفت إليه الإمام فأخبره عن خبث الامويين وسوء نواياهم نحوه قائلا : ~~«هيهات يابن عمر! إن القوم لا يتركوني وإن أصابوني ، وإن لم يصيبوني فلا ~~يزالون حتى ابايع وأنا كاره أو يقتلوني. أما تعلم يا عبد الله ، إن من هوان ~~الدنيا على الله تعالى أنه اتي برأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني ~~إسرائيل والرأس ينطق بالحجة عليهم؟! أما تعلم يا أبا عبد الرحمن ، إن بني ~~إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم ~~يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئا ، فلم يعجل ~~الله عليهم ، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر؟!» (1) # وكشفت هذه المحاورة عن تصميمه على الثورة وعزمه على مناجزة يزيد ؛ لأنه ~~لا يتركه وشأنه ؛ فإما أن يبايع وبذلك يذل هو ويذل الإسلام PageV03P320 # وتستباح حرماته ، وإما أن يقتل عزيزا كريما ، فاختار المنية للحفاظ على ~~كرامته وكرامة الامة ومقدساتها. ### || وصيته لابن عباس : # وأقبل الحسين على ابن عباس فعهد إليه بهذه ms781 الوصية قائلا : «وأنت يابن ~~عباس ابن عم أبي ، لم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه ~~بما فيه الرشاد والسداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك وتشير ~~عليه بالصواب ، فامض إلى المدينة في حفظ الله ولا تخف علي شيئا من أخبارك ؛ ~~فإني مستوطن هذا الحرم ومقيم به ما رأيت أهله يحبونني وينصرونني ، فإذا هم ~~خذلوني استبدلت بهم غيرهم ، واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم يوم القي ~~في النار : حسبي الله ونعم الوكيل. فكانت النار عليه بردا وسلاما» (1). ### || رسائله إلى زعماء البصرة : # وكتب الإمام إلى رؤساء الأخماس بالبصرة يستنهضهم على نصرته والأخذ بحقه ، ~~وقد كتب إلى الأشراف ، ومن بينهم : # 1 مالك بن مسمع البكري. # 2 الأحنف بن قيس. # 3 المنذر بن الجارود. # 4 مسعود بن عمرو. PageV03P321 # 5 قيس بن الهيثم. # 6 عمر بن عبيد الله بن معمر (1). # وقد أرسل كتابا إليهم بنسخة واحدة ، وهذا نصه : «أما بعد ، فإن الله ~~اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله) من خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ، ~~ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما ارسل به ، وكنا أهله وأولياءه ~~وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه ، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا ، ~~وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق ~~علينا ممن تولاه ، وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب ~~الله وسنة نبيه ؛ فإن السنة قد اميتت ، والبدعة قد احييت ، فإن تسمعوا قولي ~~أهدكم إلى سبيل الرشاد» (2). # وألقت هذه الرسالة الأضواء على الخلافة الإسلامية فهي حسب تصريح الإمام ~~حق لأهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنهم ألصق الناس برسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وأكثرهم وعيا لأهدافه ، إلا أن القوم استأثروا بها فلم يسع ~~العترة الطاهرة إلا الصبر كراهة للفتنة وحفظا على وحدة المسلمين. # كما حفلت هذه الرسالة بالدعوة إلى الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، فدعت إلى ~~إحياء كتاب الله وسنة نبيه ، فإن الحكم الاموي عمد إلى إقصائهما عن واقع ~~الحياة. # وعلق بعض الكتاب على دعوة الإمام لأهل البصرة لبيعته ، فقال : إن رسالة ~~الحسين ms782 إلى أهل البصرة ترينا كيف كان يعرف مسؤوليته ويمضي معها ، فأهل ~~البصرة لم يكتبوا إليه ولم يدعوه إلى بلدهم كما فعل أهل الكوفة ، ومع هذا ~~فهو يكتب إليهم ويعدهم للمجابهة المحتومة ، PageV03P322 # ذلك أنه حين قرر أن ينهض بتبعات دينه وامته كان قراره هذا آتيا من أعماق ~~روحه وضميره ، وليس من حركة أهل الكوفة ودعوتهم إياه. # وعلى أي حال ، فقد بعث الإمام كتبه لأهل البصرة بيد مولى له يقال له ~~سليمان ، ويكني أبا رزين ، وقد جد في السير حتى انتهى إلى البصرة ، فسلم ~~الكتب إلى أربابها. ### || جواب الأحنف بن قيس : # وأجاب الأحنف بن قيس زعيم العراق الإمام برسالة كتب فيها هذه الآية ~~الكريمة ، ولم يزد عليها (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا ~~يوقنون) (1). وقد طلب من الإمام الخلود إلى الصبر ، ولا يستخفه الذين لا ~~يوقنون بالله ولا يرجون له وقارا. ### || جريمة المنذر : # أما المنذر بن الجارود العبدي فقد كان من أجلاف العرب وحقرائهم ، فقد عمد ~~إلى رسول الإمام فبعثه مخفورا إلى ابن زياد ، وكان زوج ابنته ليظهر له ~~الإخلاص والولاء فقتله ابن مرجانة ، وصلبه عشية الليلة التي خرج في صبيحتها ~~إلى الكوفة (2). # واعتذر بعض المؤرخين عن المنذر ، أو هو اعتذر عن نفسه بأنه خشي أن يكون ~~الرسول من قبل ابن مرجانة PageV03P323 # لاختباره فلذا سلمه إليه ، وهو اعتذار مهلهل ؛ فإن اللازم كان إجراء ~~التحقيق معه حتى يستبين له الأمر. ### || استجابة يزيد بن مسعود : # واستجاب الزعيم الكبير يزيد بن مسعود النهشلي إلى تلبية نداء الحق ، ~~فاندفع بوحي من إيمانه وعقيدته إلى نصرة الإمام ، فعقد مؤتمرا عاما دعا فيه ~~القبائل العربية الموالية له ، وهي : # 1 بنو تميم. # 2 بنو حنظلة. # 3 بنو سعد. # ولما اجتمعت هذه القبائل انبرى فيهم خطيبا ، فوجه خطابه أولا إلى بني ~~تميم ، فقال لهم : يا بني تميم ، كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ وتعالت ~~أصوات بني تميم وهي تعلن ولاءها المطلق وإكبارها له ، قائلين بلسان واحد : ~~بخ بخ! أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر ؛ حللت في الشرف ms783 وسطا ، وتقدمت فيه فرطا. # وسره تأييدهم ، فانطلق يقول : إني جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم ، وأستعين ~~بكم عليه. واندفعوا جميعا يظهرون له الولاء والطاعة ، قائلين : إنا والله ، ~~نمنحك النصيحة ونجهد لك الرأى ، فقل حتى نسمع. PageV03P324 # وتطاولت الأعناق واشرأبت النفوس لتسمع ما يقول الزعيم الكبير ، وانبرى ~~قائلا : إن معاوية مات ، فأهون به والله هالكا ومفقودا ، ألا إنه قد انكسر ~~باب الجور والإثم وتضعضعت أركان الظلم ، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن ~~أنه قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد! اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل ، وقد قام ~~يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمر عليهم ~~بغير رضى منهم مع قصر حلم وقلة علم ، لا يعرف من الحق موطأ قدميه ، فاقسم ~~بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين. # وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ذو الشرف ~~الأصيل والرأي الأثيل (1)، له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا ~~الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته ، يعطف على الصغير ويحسن إلى الكبير ، ~~فأكرم به راعي رعية ، وإمام قوم وجبت لله به الحجة وبلغت به الموعظة ، فلا ~~تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهد الباطل ، فقد كان صخر بن قيس انخذل ~~بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~ونصرته ، والله ، لا يقصر أحدكم عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده ~~والقلة في عشيرته. # وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها وادرعت لها بدرعها. من لم يقتل يمت ، ~~ومن يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب. # وحفل هذا الخطاب الرائع بأمور بالغة الأهمية ، وهي : # أولا : الاستهانة بهلاك معاوية ، وإنه قد انكسر بموته باب الظلم والجور. PageV03P325 # ثانيا : القدح في بيعة معاوية ليزيد. # ثالثا : عرض الصفات الشريرة الماثلة في يزيد من الإدمان على الخمر ، وفقد ~~الحلم وعدم العلم وعدم التبصر بالحق. # رابعا : الدعوة إلى الالتفات حول الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وذلك لما ~~يتمتع به من الصفات الشريفة ، كأصالة الفكر وغزارة ms784 العلم وكبر السن ، ~~والعطف على الكبير والصغير وغير ذلك من النزعات الكريمة التي تجعله أهلا ~~لإمامة المسلمين. # خامسا : إنه عرض للجماهير عن استعداده الكامل للقيام بنصرة الإمام والذب عنه. # ولما أنهى الزعيم العظيم خطابه انبرى وجهاء بني حنظلة فأظهروا الدعم ~~الكامل له ، قائلين : يا أبا خالد ، نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك. إن رميت ~~بنا أصبت وإن غزوت بنا فتحت. لا تخوض والله غمرة إلا خضناها ولا تلقى والله ~~شدة إلا لقيناها ؛ ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت. # وكان منطقا مشرفا دل على تعاطفهم ووقوفهم إلى جانبه ، وقام من بعدهم بنو ~~عامر فأعربوا عن ولائهم العميق له ، قائلين : يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك ~~وحلفاؤك ؛ لا نرضى إن غضبت ، ولا نبقى إن ظعنت ، والأمر إليك فادعنا إذا شئت. # وأما بنو سعيد فأظهروا التردد وعدم الرغبة فيما دعاهم إليه ، قائلين : يا ~~أبا خالد ، إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك ، وقد كان صخر بن ~~قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا ، فأمهلنا ~~نراجع المشورة ونأتيك برأينا. # وساءه تخاذلهم فاندفع يندد بهم قائلا : PageV03P326 # لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا ولا زال سيفكم فيكم. ### || جوابه للإمام (عليه السلام): # ورفع يزيد بن مسعود رسالة للإمام دلت على شرفه ونبله واستجابته لدعوته ، ~~وهذا نصها : أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ، ودعوتني ~~له من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإن الله لم يخل الأرض ~~قط من عامل بخير ودليل على سبيل نجاة ، وأنتم حجة الله على خلقه ووديعته في ~~أرضه. تفرعتم من زيتونة أحمدية ، هو أصلها وأنتم فرعها ، فاقدم سعدت بأسعد ~~طائر فقد ذلت لك أعناق بني تميم ، وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الإبل ~~الظماء لورود الماء يوم خمسها (1)، وقد ذلت لك رقاب بني سعد وغسلت درن ~~قلوبها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع. # وحفلت هذه الرسالة بسمو أدبه وكريم طباعه وتقديره البالغ للإمام. # ويقول بعض المؤرخين : إنها انتهت إلى الإمام ms785 في اليوم العاشر من المحرم ~~بعد مقتل أصحابه وأهل بيته ، وهو وحيد فريد ، قد أحاطت به القوى الغادرة ، ~~فلما قرأ الرسالة طفق يقول : «ما لك! آمنك الله من الخوف ، وأرواك يوم ~~العطش الأكبر». # ولما تجهز ابن مسعود لنصرة الإمام بلغه قتله فجزع لذلك وذابت PageV03P327 # نفسه أسى وحسرات (1). ### || استجابة يزيد البصري : # ولبى نداء الحق يزيد بن نبيط البصري ، وكان فيما يقول المؤرخون يتردد إلى ~~دار مارية ابنة سعد أو منقذ ، وكانت دارها من منتديات الشيعة ، وفيها تذاع ~~فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وتنشر مآثرهم. # ولما وجه الإمام دعوته إلى أهل البصرة لنصرته استجاب لها يزيد بن نبيط ، ~~ولحق به من أولاده العشرة عبد الله وعبيد الله ، وخاف عليه أصحابه أن يدركه ~~الطلب من شرطة ابن زياد ، فقال لهم : لو استوت أخفافها بالجدد لهان علي طلب ~~من طلبني (2) واستوى على جواده مع ولديه ، وصحبه مولاه عامر وسيف بن مالك ~~والأدهم بن امية فلحقوا بالإمام في مكة وصحبوه إلى العراق ، واستشهدوا بين ~~يديه في كربلاء (3). ### || نقمة العراق على الامويين : # وكره العراقيون بصورة عامة حكم الامويين وبغضوا سلطانهم ، وفيما نحسب أن ~~الأسباب في ذلك ما يلي : # 1 إن العراق أيام معاوية أصبح يساس بالروح العسكرية ، والأحكام العرفية ~~التي لا تتقيد بالقانون ، خصوصا أيام زياد بن سمية ، فقد كان يأخذ PageV03P328 # البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، ويقتل على الظنة والتهمة ، مما أدى ~~إلى إشاعة الكراهية للأمويين. # 2 إن الكوفة كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عاصمة ~~الدولة الإسلامية ، وفي أيام معاوية أصبحت دمشق العاصمة ومركز الحكم ، ~~وأصبح العراق مصرا كسائر الأمصار ، وانتقلت عنه الخزينة المركزية ، وقد أخذ ~~الكوفيون يندبون حظهم التعيس بعد تحول الخلافة عنهم ، وأصبح اسم الإمام ~~عندهم رمزا إلى دولتهم المفقودة ، وتعلقت آمالهم بأبناء الإمام فكانوا ~~ينظرون إليهم إنهم الأبطال لاستقلال بلادهم السياسي وتحررها من التبعية لدمشق. # فقد كره أهل العراق الخضوع لأهل الشام ، كما كره أهل الشام الخضوع ~~والسيطرة لأهل العراق ، وقد صور شاعر الشام هذه النزعة بقوله : # أرى الشام تكره ملك ms786 العراق %~% وأهل العراق لهم كارهونا وقالوا علي إمام لنا %~% فقلنا رضينا ابن هند رضينا # وصور شاعر العراق هذه النزعة السائدة عند العراقيين بقوله مخاطبا أهل ~~الشام : # أتاكم علي بأهل العراق %~% وأهل الحجاز فما تصنعونا فإن يكره القوم ملك العراق %~% فقدما رضينا الذي تكرهونا (1) # وكانت الثورات المتلاحقة التي قام بها العراق إنما هي لكراهية أهل الشام ~~والتخلص من حكم الامويين. # 3 إن السياسة الخاطئة التي تبعها معاوية مع زعماء الشيعة الذين تبنوا ~~القضايا المصيرية للشعب العراقي وكافة الشعوب الإسلامية ، وما عانوه من ~~القتل والتنكيل قد هزت مشاعر الكوفيين ، وأوغرت صدورهم بالحقد PageV03P329 # على الامويين ، كما إن سب الإمام على المنابر قد زاد في بغضهم للأمويين ، ~~وأشعل جذوة المعارضة في نفوسهم. # 4 إن الامويين كانوا ينظرون إلى أهل الكوفة إنهم الجبهة المعارضة لحكمهم ~~، وإنهم المصدر الخطير الذي يهدد دولتهم فقابلوهم بمزيد من القسوة والإرهاب ~~، مما دعى الكوفيين إلى العمل المستمر لمناهضة الحكم الاموي وتقويض سلطانه. # هذه بعض الأسباب التي أدت إلى نقمة العراق على الحكم الاموي وبغضهم له. ### || إعلان التمرد في العراق : # وبعد هلاك معاوية أيقن العراقيون بانهيار الدولة الاموية ، وقد رؤوا أن ~~في تقليد يزيد مهام الخلافة إنما هو استمرار للحكم الاموي الذي جهد على ~~إذلالهم وقهرهم. # وقد أجمعت الشيعة في الكوفة على مناجزته والخروج على سلطانه ، ورأوا أن ~~في كفاحهم له جهادا دينيا حسب ما يقول (جولد تسهير) (1). ويرى (كريمر) إن ~~الأخيار والصلحاء من الشيعة كانوا ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء ~~الإسلام ، وخلفاء أبي سفيان (2). # وعلى أي حال ، فإن شيعة الكوفة لم ترض بحكم يزيد ، وأجمعت على خلعه ~~والبيعة للإمام الحسين (عليه السلام)، وقد قاموا بما يلي : PageV03P330 ### || المؤتمر العام : # وعقدت الشيعة بعد هلاك معاوية مؤتمرا عاما في بيت أكبر زعمائهما سليمان ~~بن صرد الخزاعي ، واندفعوا اندفاعا كليا في إلقاء الخطب الحماسية التي تظهر ~~مساوئ الحكم الاموي وفضائحه ، كما أشادوا بالإمام الحسين ودعوا إلى البيعة له. ### || خطبة سليمان : # واعتلى سليمان بن صرد منصة الخطابة ، فافتتح أولى جلساتهم بهذا الخطاب ، ~~وقد ms787 جاء فيه : إن معاوية قد هلك ، وإن حسينا قد قبض على القوم ببيعته ، وقد ~~خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ~~ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. # وتعالت أصواتهم من كل جانب وهم يقولون بحماس بالغ : نقتل أنفسنا دونه ، ~~لا بل نقاتل عدوه (1). وأظهروا رغبتهم الملحة ودعمهم الكامل للإمام ، ~~وقرروا ما يلي : # 1 خلع بيعة يزيد. # 2 إرسال وفد للإمام يدعونه للقدوم إليهم. PageV03P331 # 3 بعث الرسائل للإمام من مختلف الطبقات الشعبية التي تمثل رغبة الجماهير ~~الحاشدة لحكم الإمام. ### || وفد الكوفة : # وأوفدت الكوفة وفدا إلى الإمام يدعوه إلى القدوم إليهم ، ومن بين ذلك ~~الوفد عبد الله الجدلي (1)، ولما مثل الوفد عند الإمام عرض عليه اجماع أهل ~~الكوفة على نصرته والأخذ بحقه ، وإنه ليس لهم إمام غيره وحثوه على القدوم إليهم. ### || الرسائل : # وعمد أهل الكوفة بعد مؤتمرهم فكتبوا الرسائل إلى الإمام (عليه السلام) ~~وهي تعرب عن إخلاصهم وولائهم له ، وتحثه على القدوم إليهم ليتولى قيادة ~~الامة ، وهذه بعضها : # 1 قد جاء فيما بعد البسملة ما نصه : من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ، ~~ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر ، وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة. # أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد يعني معاوية الذي ~~انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها واغتصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى ~~منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها ~~وأغنيائها ، فبعدا له كما بعدت ثمود! إنه ليس علينا إمام PageV03P332 # فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة ~~لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنك قد أقبلت ~~إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله ~~وبركاته (1). # وكتبت هذه الرسالة في أواخر شهر شعبان ، وحملها عبد الله الهمداني وعبد ~~الله بن وائل الهمداني ، وقد أمروهما بالإسراع والحذر من العدو. وأخذا ~~يجذان في السير لا يلويان على ms788 شيء ، وقدما مكة لعشر مضين من رمضان (2)، ~~وسلما الرسالة للإمام وعرفاه بشوق الناس إلى قدومه. # وقد عرضت هذه الرسالة مساوئ الحكم الاموي ، فوصفت معاوية بالجبار العنيد ~~، وأنه ابتز أمر الامة بالقهر والغلبة وتأمر عليها بغير رضى منها ، وقد قتل ~~خيارها وصلحاءها وجعل العطاء خاصة للأغنياء والوجوه ، وحرم منه بقية طوائف ~~الشعب ، كما عرضت إلى مقاطعة الشيعة لحاكم الكوفة النعمان بن بشير ، وإنهم ~~إذا بلغهم قدوم الإمام قاموا بإقصائه عن الكوفة وإلحاقه بدمشق. # 2 وقد أرسل الرسالة الثانية جماعة من أهل الكوفة ، وهذا نصها : إلى ~~الحسين بن علي من شيعته والمسلمين. أما بعد ، فحي هلا (3)، فإن الناس ~~ينتظرونك ولا رأي لهم غيرك (4)، فالعجل ثم العجل ، والسلام (5) PageV03P333 # وحمل هذه الرسالة قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد ، وعبد الرحمن بن عبد ~~الله الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي ، كما حملوا معهم نحوا من خمسين ~~صحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة (1)، وهي تحث الإمام على ~~الإسراع إليهم والترحيب بقدومه ، وتعلن دعمهم الكامل له. # 3 وأرسل هذه الرسالة جماعة من الانتهازيين الذين لا يؤمنون بالله ، وهم ~~شبث بن ربعي اليربوعي ومحمد بن عمر التميمي ، وحجار بن أبجر العجلي ويزيد ~~بن الحارث الشيباني ، وعزرة بن قيس الأحمسي وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وهذا ~~نصها : أما بعد ، فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام (2)، فاقدم ~~على جند لك مجندة. والسلام عليك (3). # وأعربت هذه الرسالة عن شيوع الأمل وازدهار الحياة ، وتهيأة البلاد عسكريا ~~للأخذ بحق الإمام ومناجزة خصومه ، وقد وقعها أولئك الأشخاص الذين كانوا في ~~طليعة القوى التي زجها ابن مرجانة لحرب الإمام. # ومن المؤكد أنهم لم يكونوا مؤمنين بحقه ، وإنما اندفعوا لمساومة السلطة ~~الاموية ، والحصول منها على الأموال ومتع الحياة ، كما صرح الإمام الحسين ~~بذلك أمام أصحابه. # 4 ومن بين تلك الرسائل : إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الصلاة مع ~~الولاة ، فاقدم علينا فنحن في مئة ألف سيف ، فقد فشا فينا الجور وعمل فينا ~~بغير كتاب الله وسنة نبيه ، ونرجوا أن يجمعنا PageV03P334 # الله بك على الحق ms789 وينفي عنا بك الظلم ، فأنت أحق بهذا الأمر من يزيد ~~وأبيه الذي غضب الامة وشرب الخمور ، ولعب بالقرود والطنابير وتلاعب بالدين (1). # 5 وكتب جمهور أهل الكوفة الرسالة الآتية ووقعوها ، وهذا نصها : للحسين بن ~~علي أمير المؤمنين من شيعة أبيه (عليه السلام). أما بعد ، فإن الناس ~~ينتظرونك لا رأي لهم في غيرك ، العجل العجل يا بن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؛ لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك المسلمين والإسلام. بعد ~~أجزل السلام وأتمه عليك ورحمة الله وبركاته (2). # 6 وكتب إليه جماعة هذه الرسالة الموجزة : إنا معك ومعنا مئة ألف سيف (3). # 7 وكانت آخر الرسائل التي وصلت إليه هذه الرسالة : عجل القدوم يابن رسول ~~الله ، فإن لك بالكوفة مئة ألف سيف فلا تتأخر (4). # وقد تتابعت عليه الرسائل ما ملأ منها خرجين. # ويقول المؤرخون : إنه اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب (5)، ~~ووردت إليه قائمة فيها مئة وأربعون ألف اسم يعربون عن نصرتهم له حال ما يصل إلى PageV03P335 # الكوفة (1)، كما وردت عليه في يوم واحد ستمئة كتاب (2). # وعلى أي حال ، فقد كثرت كتب أهل الكوفة إلى الإمام ، وقد وقع فيها ~~الأشراف وقرآء المصر ، وهي تمثل تعطشهم لقدوم الإمام ؛ ليكون منقذا لهم من ~~طغمة الحكم الاموي ، ولكن بمزيد الأسف فقد انطوت صحيفة ذلك الأمل ، وانقلب ~~الوضع وتغيرت الحالة ، وإذا بالكوفة تنتظر الحسين لتسقي سيوفها من دمه ~~وتطعم نبالها من لحمه. تريد أن تحتضن جسد الحسين لتوزعه السيوف وتطعنه ~~الرماح وتسحقه الخيول بحوافراها. # الكوفة تنتظر الحسين لتثب عليه وثبة الأسد ، وتنشب أظفارها بذلك الجسد ~~الطاهر. الكوفة تنتظر الحسين لتسبي عياله بدل أن تحميهم ، وتروع أطفاله بدل ~~أن تؤويهم (3). وهكذا شاءت المقادير ، ولا راد لأمر الله على نكث القوم ~~لبيعة الإمام وإجماعهم على حربه. # ويقول المؤرخون : إن الإمام بعد ما وافته هذه الرسائل عزم على أن يلبي ~~أهل الكوفة ، ويوفد إليهم ممثله العظيم مسلم بن عقيل. PageV03P336 ### | إيفاد مسلم إلى العراق PageV03P337 # وتتابعت كتب أهل الكوفة كالسيل إلى الإمام الحسين وهي تحثه ms790 على المسير ~~والقدوم إليهم ؛ لإنقاذهم من ظلم الامويين وعنفهم ، وكانت بعض تلك الرسائل ~~تحمله المسؤولية أمام الله والامة إن تأخير عن إجابتهم. # ورأى الإمام قبل كل شيء أن يختار للقياهم سفيرا له يعرفه باتجاهاتهم وصدق ~~نياتهم ، فإن رأى منهم نية صادقة وعزيمة مصممة فيأخذ البيعة منهم ثم يتوجه ~~إليهم بعد ذلك. وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته والمبرز بالفضل فيهم ~~مسلم بن عقيل ، وهو من أفذاذ التاريخ ومن أمهر الساسة وأكثرهم قابلية على ~~مواجهة الظروف ، وللصمود أمام الأحداث ، وعرض عليه الإمام القيام بهذه ~~المهمة فاستجاب له عن رضى ورغبة ، وزوده برسالة رويت بصور متعددة وهي : # الأولى : رواها أبو حنيفة الدينوري ، وهذا نصها : «من الحسين بن علي إلى ~~من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة ، سلام عليكم. أما بعد ، فقد ~~أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم ، وأنا باعث إليكم بأخي ~~وابن عمي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ؛ ليعلم لي كنه أمركم ، ويكتب إلي بما ~~يتبين له من اجتماعكم ؛ فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم وأخبرتني به ~~رسلكم أسرعت القدوم إليكم إن شاء الله ، والسلام» (1). # الثانية : رواها صفي الدين ، وقد جاء فيها بعد البسملة : «أما بعد ، فقد ~~وصلتني كتبكم وفهمت ما اقتضته آراؤكم ، وقد بعثت إليكم ثقتي وابن عمي مسلم ~~بن عقيل ، وسأقدم عليكم وشيكا في إثره إن شاء الله» (2). PageV03P339 # وهذه الرواية شاذة ؛ إذ لم يذكر فيها مهمة مسلم في إيفاده إليهم من أخذ ~~البيعة له وغير ذلك ، مما هو من صميم الموضوع في إرسال مسلم. # الثالثة : رواها الطبري ، وقد جاء فيها بعد البسملة : «من الحسين بن علي ~~إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد ، فإن هانئا وسعيدا (1) قدما علي ~~بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ~~، ومقالة جلكم : أنه ليس علينا إمام فأقبل ؛ لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. # وقد بعثت لكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي ، وأمرته أن يكتب إلي ~~بحالكم وأمركم ms791 ورأيكم ؛ فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجا ~~منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكا إن ~~شاء الله. فلعمري ، ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، ~~والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام» (2). # وحفلت هذه الرسالة حسب نص الطبري بالامور التالية : # 1 توثيق مسلم والتدليل على سمو مكانته ، فهو ثقة الحسين. # 2 تحديد صلاحية مسلم باستكشاف الأوضاع الراهنة ، ومعرفة التيارات ~~السياسية ومدى صدق القوم في دعواهم. ومن الطبيعي أنه لا تناط معرفة هذه ~~الأمور الحساسة إلا بمن كانت له المعرفة التامة بشؤون المجتمع وأحوال الناس. # 3 إنه أوقف قدومه عليهم بتعريف مسلم له بإجماع الجماهير ورجال الفكر على ~~بيعته ، فلا يقدم عليهم حتى يعرفه سفيره بذلك. PageV03P340 # 4 إنه تحدث عما يجب أن يتصف به الإمام والقائد لمسيرة الامة من الصفات ، وهي : # أالعمل بكتاب الله. # ب الأخذ بالقسط. # ج الإداناة بالحق. # د حبس النفس على ذات الله. # ولم تتوفر هذه الصفات الرفيعة إلا في شخصيته الكريمة التي تحكي اتجاهات ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) ونزعاته. # وتسلم مسلم هذه الرسالة ، وقد أوصاه الإمام بتقوى الله وكتمان أمره (1)، ~~وغادر مسلم مكة ليلة النصف من رمضان (2)، وعرج في طريقه على يثرب فصلى في ~~مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) وطاف بضريحه ، وودع أهله وأصحابه (3)، ~~وكان ذلك هو الوداع الأخير لهم ، واتجه صوب العراق وكان معه قيس بن مسهر ~~الصيداوي ، وعمارة بن عبد الله السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي ، ~~واستأجر من يثرب دليلين من قيس يدلانه على الطريق (4). # وسارت قافلة مسلم تجذ في السير لا تلوي على شيء ، يتقدمها الدليلان وهما ~~يتنكبان الطريق ؛ خوفا من الطلب فضلا عن الطريق ، ولم يهتديا له وقد ~~أعياهما السير واشتد بهما العطش ، فأشارا إلى مسلم بسنن الطريق بعد PageV03P341 # أن بان لهما وتوفيا في ذلك المكان حسبما يقوله المؤرخون (1)، وسار مسلم ~~مع رفقائه حتى أفضوا إلى الطريق ووجدوا ماء فأقاموا فيه ؛ ليستريحوا مما ~~ألم بهم من عظيم ms792 الجهد والعناء. ### || رسالة مسلم للحسين (عليهما السلام): # ويقول المؤرخون : إن مسلم تخوف من سفره وتطير بعد أن أصابه من الجهد وموت ~~الدليلين ، فرفع للإمام رسالة يرجو فيها الاستقالة من سفارته ، وهذا نصها : ~~أما بعد ، فإني أقبلت من المدينة مع دليلين ، فجازا (2) عن الطريق فضلا ، ~~واشتد عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا ، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ~~ننج إلا بحشاشة أنفسنا ، وذلك الماء بمكان يدعى (المضيق) من بطن الخبث ، ~~وقد تطيرت من توجهي هذا ، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري ، والسلام. ### || جواب الحسين (عليه السلام): # وكتب الإمام الحسين جوابا لرسالة مسلم ندد فيه بموقفه واتهمه بالجبن ، ~~وهذا نصها : أما بعد ، فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي في ~~الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن ، فامض لوجهك الذي PageV03P342 # وجهتك فيه ، والسلام (1). ### || أضواء على الموضوع : # وأكبر الظن أن رسالة مسلم مع جواب الإمام من الموضوعات ، ولا نصيب لها من ~~الصحة ؛ وذلك لما يلي : # 1 إن مضيق الخبث الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الإمام يقع ما بين مكة ~~والمدينة حسب ما نص عليه الحموي (2)، في حين أن الرواية تنص على أنه ~~استأجر الدليلين من يثرب ، وخرجوا إلى العراق فضلوا عن الطريق وماتا ~~الدليلان. ومن الطبيعي أن هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ~~ما بين مكة والمدينة. # 2 إنه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم ~~يذكره الحموي ، فإن السفر منه إلى مكة ذهابا وإيابا يستوعب زمانا يزيد على ~~عشرة أيام ، في حين أن سفر مسلم من مكة إلى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا ~~: إنه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من رمضان وقدم إلى الكوفة في اليوم ~~الخامس من شوال ، فيكون مجموع سفره عشرين يوما ، وهي أسرع مدة يقطعها ~~المسافر من مكة إلى المدينة ؛ فإن المسافة بينهما تزيد على ألف وستمئة كيلو متر. # وإذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه فإن ~~مدة ms793 سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ، ويستحيل عادة قطع تلك PageV03P343 # المسافة بهذه الفترة من الزمن. # 3 إن الإمام اتهم مسلما في رسالته بالجبن ، وهو يناقض توثيقه له من أنه ~~ثقته وكبير أهل بيته والمبرز بالفضل عليهم ، ومع اتصافه بهذه الصفات كيف ~~يتهمه بالجبن؟! # 4 إن اتهام مسلم بالجبن يتناقض مع سيرته ؛ فقد أبدى هذا البطل العظيم من ~~البسالة والشجاعة النادرة ما يبهر العقول ، فإنه حينما انقلبت عليه جموع ~~أهل الكوفة قابلها وحده من دون أن يعينه أو يقف إلى جنبه أي أحد ، وقد أشاع ~~في تلك الجيوش المكثفة القتل مما ملأ قلوبهم ذعرا وخوفا ، ولما جيء به ~~أسيرا إلى ابن زياد لم يظهر عليه أي ذل أو انكسار. # ويقول فيه البلاذري : إنه أشجع بني عقيل وأرجلهم (1)، بل هو أشجع هاشمي ~~عرفه التاريخ بعد أئمة أهل البيت (عليهم السلام). # إن هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحط من قيمة هذا القائد العظيم ~~الذي هو من مفاخر الامة العربية والإسلامية. ### || في بيت المختار : # وسار مسلم يطوي البيداء حتى دخل الكوفة فاختار النزول في بيت المختار ~~الثقفي (2)، وهو من أشهر أعلام الشيعة وأحد سيوفهم ومن أحب الناس وأنصحهم ~~للإمام الحسين. PageV03P344 # لقد اختار مسلم النزول في بيت المختار دون غيره من زعماء الشيعة ؛ وذلك ~~لوثوقه بإخلاصه للإمام الحسين وتفانيه في حبه ، كما أن هناك عاملا آخر له ~~أهميته ، فقد كان المختار زوجا لعمرة بنت النعمان بن بشير حاكم الكوفة ، ~~ولا شك أن يده لن تمتد إلى المسلم طالما كان مقيما في بيت صهره المختار ، ~~وقد دل ذلك على إحاطة مسلم بالشؤون الاجتماعية. # وفتح المختار أبواب داره لمسلم وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ودعا ~~الشيعة إلى مقابلته ، فأقبلوا إليه من كل حدب وصوب وهم يظهرون له الولاء ~~والطاعة. ### || ابتهاج الكوفة : # وعمت الأفراح بمقدم مسلم جميع الأوساط الشيعية في الكوفة ، وقد وجد منهم ~~مسلم ترحيبا حارا وتأييدا شاملا ، وكان يقرأ عليهم رسالة الحسين وهم يبكون ~~ويبدون التعطش لقدومه والتفاني في نصرته ؛ لينقذهم ms794 من جور الامويين وظلمهم ~~ويعيد في مصرهم حكم الإمام أمير المؤمنين ، مؤسس العدالة الكبرى في الأرض ، ~~وكان مسلم يوصيهم بتقوى الله وكتمان أمرهم حتى يقدم إليهم الإمام الحسين. ### || البيعة للحسين (عليه السلام): # وانثالت الشيعة على مسلم تبايعه للإمام الحسين (عليه السلام)، وكانت ~~صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله وجهاد الظالمين ، والدفع عن ~~المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسوية ، ورد ~~المظالم إلى PageV03P345 # أهلها ونصرة أهل البيت (عليهم السلام)، والمسالمة لمن سالموا والمحاربة ~~لمن حربوا. وقد شبه السيد المقرم هذه البيعة ببيعة الأوس والخزرج للنبي ~~(صلى الله عليه وآله) (1)، وكان حبيب بن مظاهر الأسدي يأخذ البيعة منهم ~~للحسين (2). ### || كلمة عابس الشاكري : # وانبرى المؤمن الفذ عابس بن شبيب الشاكري فأعرب لمسلم عن ولائه الشخصي ~~واستعداده للموت في سبيل الدعوة ، إلا إنه لم يتعهد له بإي أحد من أهل مصره ~~قائلا : أما بعد ، فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك ~~منهم. والله ، إني محدثك عما أنا موطن عليه نفسي. والله ، لاجيبنكم إذا ~~دعوتم ولاقاتلن معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله ، لا أريد ~~بذلك إلا ما عند الله. # وقد صدق عابس ما عاهد عليه الله ؛ فلم يخن ضميره ففدى بنفسه ريحانة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) واستشهد بين يديه في كربلاء. وانبرى حبيب ابن ~~مظاهر فخاطب عابسا قائلا له : رحمك الله ، فقد قضيت ما في نفسك بواجز من ~~قولك ، وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه. # واندفع سعيد الحنفي فأيد مقالة صاحبيه (3)، وهؤلاء الأبطال من PageV03P346 # أنبل من عرفهم التاريخ صدقا ووفاء ، فقد بذلوا أرواحهم بسخاء إلى الإمام ~~الحسين واستشهدوا بين يديه في كربلاء. ### || عدد المبايعين : # وتسابقت جماهير الكوفة إلى بيعة الحسين على يد سفيره مسلم بن عقيل ، وقد ~~اختلف المؤرخون في عدد من بايعه ، وهذه بعض الأقوال : # 1 أربعون ألفا (1). # 2 ثلاثون ألفا ، ومن بينهم حاكم الكوفة النعمان بن بشير (2). # 3 ثمانية وعشرون ألفا (3). # 4 ثمانية عشر ألفا ms795 ، حسب ما جاء في رسالة مسلم إلى الحسين ، يقول فيها : ~~وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الإقبال (4). PageV03P347 # 5 اثنا عشر ألفا (1). ### || رسالة مسلم للحسين : # وازداد مسلم إيمانا ووثوقا بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من ~~أهل الكوفة ، فكتب للإمام يستحثه فيها على القدوم إليهم ، وكان قد كتبها ~~قبل شهادته ببضع وعشرين ليلة (2)، وهذا نصها : أما بعد ، فإن الرائد لا ~~يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا (3) فعجل حين يأتيك ~~كتابي ، فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوي (4). # لقد كتب مسلم هذه الرسالة ؛ لأنه لم ير أية مقاومة لدعوته ، وإنما رأى ~~إجماعا شاملا على بيعة الإمام وتلهفا حارا لرؤيته ، وحمل الكتاب جماعة من ~~أهل الكوفة وعليهم البطل العظيم عابس الشاكري ، وقدم الوفد مكة المكرمة ~~وسلم الرسالة إلى الإمام ، وقد استحثوه على القدوم إلى الكوفة وذكروا إجماع ~~أهلها على بيعته وما قالاه مسلم من الحفاوة البالغة منهم ؛ وعند ذلك تهيأ ~~الإمام إلى السفر للكوفة. PageV03P348 ### || موقف النعمان بن بشير : # كان موقف النعمان بن بشير (1) من الثورة موقفا يتسم باللين والتسامح ، ~~وقد اتهمه الحزب الاموي بالضعف ، أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة والاهتمام ~~بسلامتها ، فأجابهم : لأن أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون ~~قويا في معصية الله ، وما كنت لأهتك سترا ستره الله (2). # وقد أعطى الشيعة بموقفه هذا قوة وشجعهم على العمل ضد الحكومة علنا ، ولعل ~~سبب ذلك يعود لأمرين : # 1 إن مسلم بن عقيل كان ضيفا عند المختار ، وهو زوج ابنته عمرة ، فلم يعرض ~~للثوار بسوء رعاية للمختار. PageV03P349 # 2 إن النعمان كان ناقما على يزيد ؛ وذلك لبغضه للأنصار. فقد أغرى الأخطل ~~الشاعر المسيحي في هجائهم ، فثار لهم النعمان كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث ~~السابقة ، ولعل لهذا ولغيره لم يتخذ النعمان أي إجراء مضاد للثورة. ### || خطبة النعمان : # وأعطى النعمان للشيعة قوة في ترتيب الثورة وتنظيما ، وهيأ لهم الفرص في ~~أحكام قواعدها مما ساء الحزب الاموي ، فأنكروا عليه ms796 ذلك وحرضوه على ضرب ~~الشيعة ، فخرج النعمان وصعد المنبر فأعلن للناس سياسته المتسمة بالرفق ، ~~فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، ولا ~~تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ؛ فإن فيها تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب ~~الأموال. إني لم اقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي ، ولا ~~اشاتمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف (1) ولا الظنة ولا التهمة ، ~~ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم ، فوالله الذي لا ~~إله إلا هو ، لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن منكم ناصر. ~~أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل (2). # وليس في هذا الخطاب أي ركون إلى وسائل العنف والشدة ، وإنما كان فيه ~~تحذير من مغبة الفتنة وحب للعافية ، وعدم التعرض لمن لا يثب على السلطة ، ~~وعدم أخذ الناس بالظنة والتهمة كما كان يفعل زياد بن أبيه PageV03P350 # والي العراق. وعلق أنيس زكريا على خطاب النعمان بقوله : # ولنا من خطبه أي خطب النعمان في الكوفة برهان آخر على أنه كان يرى الفتنة ~~يقظى ولا بد أن تشتعل ، وإنه لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه ، فجعل ~~لأنصارها قوة وطيدة الأركان ويدا فعالة في ترتيب المؤامرة وتنظيمها على ~~الأسس المتينة (1). ### || سخط الحزب الاموي : # وأغضبت سياسة النعمان عملاء الحكم الاموي ، فانبرى إليه عبد الله بن مسلم ~~الحضرمي حليف بني امية ، فأنكر خطته قائلا : إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم ~~(2)، وإن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين! (3). # ودافع النعمان عن نفسه بأنه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ، ولا ~~يسلك طريقا يتجافى مع دينه ، وقد استبان للحزب الاموي ضعف النعمان وانهياره ~~أمام الثورة. ### || اتصال الحزب الاموي بدمشق : # وفزع الحزب الاموي من تجاوب الرأي العام مع مسلم واتساع نطاق الثورة ، في ~~حين أن السلطة المحلية أغضت النظر عن مجريات الأحداث PageV03P351 # وقد اتهمتها بالضعف أو بالتواطؤ مع الثوار ، وقام الحزب الاموي باتصال ~~سريع بحكومة دمشق ms797 ، وطلبوا منها اتخاذ الإجراءات الفورية قبل أن يتسع نطاق ~~الثورة ، ويأخذ العراق استقلاله وينفصل عن التبعية لدمشق. # ومن بين الرسائل التي وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحضرمي ، جاء فيها : ~~أما بعد ، فإن مسلم بن عقيل قدم الكوفة وبايعته الشيعة للحسين بن علي ، فإن ~~كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في ~~عدوك ؛ فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف (1). # وتدعو هذه الرسالة إلى إقصاء النعمان عن مركزه ، واستعمال شخص آخر مكانه ~~قوي البطش ؛ ليتمكن من القضاء على الثورة ، فإن النعمان لا يصلح للقضاء ~~عليها. وكتب إليه بمثل ذلك عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد. ### || فزع يزيد : # وفزع يزيد حينما توافدت عليه رسائل عملائه في الكوفة بمبايعة أهلها ~~للحسين ، فراودته الهواجس وظل ينفق ليله ساهرا يطيل التفكير في الأمر ؛ فهو ~~يعلم أن العراق مركز القوة في العالم الإسلامي وهو يبغضه ويحقد على أبيه ، ~~فقد أصبح موترا منهم لما صبوه عليه من الظلم والجور ، وإن كراهية أهل ~~العراق ليزيد لا تقل عن كراهيتهم لأبيه ، كما إنه على PageV03P352 # يقين أن الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي تتعطش لحكم الإمام الحسين ؛ ~~لأنه المثل الشرعي لجده وأبيه ولا يرضون بغيره بديلا. ### || استشارته لسرجون : # وأحاطت الهواجس بيزيد وشعر بالخطر الذي يهدد ملكه فاستدعى سرجون الرومي ، ~~وكان مستودع أسرار أبيه ومن أدهى الناس ، فعرض عليه الأمر ، وقال له : ما ~~رأيك إن حسينا قد توجه إلى الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ، ~~وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ ، فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ # وتأمل سرجون وأخذ يطيل التفكير ، فقال له : أرأيت أن معاوية لو نشر أكنت ~~آخذا رأيه؟ فقال يزيد : نعم. فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد ~~على الكوفة ، وقال : هذا رأي معاوية وقد مات ، وقد أمر بهذا الكتاب (1). # أما دوافع سرجون في ترشيح ابن زياد لولاية الكوفة فهي لا تخلو من أمرين : # 1 إنه يعرف قسوة ابن زياد وبطشه وأنه لا يقوى ms798 أحد على إخضاع العراق غيره ~~؛ فهو الذي يتمكن من القضاء على الثورة بما يملك من وسائل الإرهاب والعنف. # 2 إنه قد دفعته العصبية القومية لهذا الترشيح ؛ فإن ابن زياد رومي. PageV03P353 ### || ولاية ابن زياد على الكوفة : # وكان يزيد ناقما على ابن زياد كأشد ما تكون النقمة ، وأراد عزله عن ~~البصرة (1)؛ وذلك لمعارضة أبيه في البيعة له ، إلا إنه استجاب لرأي سرجون ~~؛ فقد رأى فيه الحفاظ على مصلحة دولته ، فعهد له بولاية الكوفة والبصرة ، ~~وبذلك فقد خضع العراق بأسره لحكمه ، وكتب إليه هذه الرسالة : أما بعد ، ~~فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع ~~الجموع لشق عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ~~ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه ، والسلام. # وأشارت هذه الرسالة إلى مدى قلق السلطة في دمشق وفزعها من مسلم بن عقيل ، ~~وقد شددت على ابن زياد في الإسراع بالسفر إلى الكوفة لإلقاء القبض عليه. # وتنص بعض المصادر أن يزيد كتب إلى ابن زياد : إن كان لك جناحان فطر إلى ~~الكوفة (2)، وهذا مما ينبئ عن الخوف الذي ألم بيزيد من الثورة في العراق. ~~وحمل مسلم بن عمرو الباهلي العهد لابن زياد بولاية الكوفة مع تلك الرسالة. # ويقول المؤرخون : إن الباهلي كان من عيون بني امية في الكوفة ومن أهم ~~عملائهم ، كما كان من أجلاف العرب ، وهو الذي ضن على مسلم أن يشرب جرعة من ~~الماء حينما جيء به أسيرا إلى ابن زياد. PageV03P354 # وتسلم ابن زياد من الباهلي العهد له بولاية الكوفة وقد طار فرحا ؛ فقد تم ~~له الحكم على جميع أنحاء العراق بعد ما كان مهددا بالعزل عن ولاية البصرة ، ~~وقد سر ما خولته دمشق من الحكم المطلق على العراق. # وبما سوغت له من استعمال الشدة والقسوة وسفك الدماء لكل من لا يدخل في ~~طاعة يزيد أو يشترك بأية مؤامرة ضده ، وكان هذا التفويض المطلق في استعمال ~~القسوة على الناس مما يتفق مع رغبات ابن زياد ms799 وميوله ؛ فقد كان من عوامل ~~استمتاعاته النفسية حب الجريمة والإساءة إلى الناس ، وعدم التردد في سفك ~~الدماء. ### || خطبة ابن زياد في البصرة : # وتهيأ ابن زياد لمغادرة البصرة والتوجه إلى الكوفة ، وقبل مغادرته لها ~~جمع الناس وخطب فيهم خطابا قاسيا ، جاء فيه : إن أمير المؤمنين يزيد ولاني ~~الكوفة وأنا غاد إليها الغداة. فوالله ، إني ما تقرن بي الصعبة ولا يقعقع ~~لي بالشنآن ، وإني لنكل لمن عاداني وسم لمن حاربني ، أنصف القارة من ~~راماها. # يا أهل البصرة ، قد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ، وإياكم ~~والخلاف والإرجاف ، فوالله الذي لا إله غيره ، لئن بلغني عن رجل منكم خلاف ~~لأقتلنه وعرينه (1) ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تسمعوا لي ، ولا ~~يكون فيكم مخالف ولا مشاق ... أنا ابن زياد أشبه PageV03P355 # بين من وطأ الحصا ، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم (1). # ما أهون سفك الدماء عند اولئك البرابرة الوحوش من ولاة بني امية! لقد ~~تحدث الطاغية عن نفسيته الشريرة التي توغلت في الإثم ، فهو يأخذ البريء ~~بالسقيم والمقبل بالمدبر والأدنى بالأقصى ، ويقتل على الظنة والتهمة كما ~~كان يفعل أبوه زياد ، الذي أشاع القتل في ربوع العراق. ### || سفر الطاغية إلى الكوفة : # وسار الخبيث الدنس من البصرة متجها إلى الكوفة ؛ ليقترف أعظم موبقة لم ~~يقترفها شقي غيره ، وقد صحبه من أهل البصرة خمسمئة رجل فيهم عبد الله بن ~~الحارث بن نوفل وشريك بن الأعور الحارثي (2)، وهو من أخلص أصحاب الإمام ~~الحسين ، وقد صحب ابن زياد ليكون عينا عليه ويتعرف على خططه ، وقد صحب ابن ~~زياد هذا العدد ليستعين بهم على بث الإرهاب وإذاعة الخوف بين الناس ، ~~والاتصال بزعماء الكوفة لصرفهم عن الثورة. # وعلى أي حال ، فقد أخذ ابن زياد يجذ في السير لا يلوي على شيء قد واصل ~~السير إلى الكوفة مخافة أن يسبقه الحسين إليها ، وقد جهد أصحابه وأعياهم ~~المسير ، فسقط منهم جماعة منهم عبد الله بن الحارث فلم يعبأ. # ولما ورد القادسية سقط مولاه (مهران)، فقال له ابن زياد : إن أمسكت على ~~هذا ms800 الحال فتنظر إلى القصر فلك مئة ألف. فقال له مهران : لا والله لا ~~أستطيع. ونزل الطاغية فلبس ثيابا PageV03P356 # يمانية وعمامة سوداء وتلثم ؛ ليوهم من رآه أنه الحسين ، وسار وحده فدخل ~~الكوفة مما يلي النجف (1)، وكان قلبه كجناح طائر من شدة الخوف ، ولو كانت ~~عنده مسكة من البسالة والشجاعة لما تنكر وغير بزته وأوهم على الناس أنه ~~الحسين. # وقد تذرع الجبان بهذه الوسائل لحماية نفسه ، وتنص بعض المصادر أنه حبس ~~نفسه عن الكلام خوفا من أن يعرفه الناس فتأخذه سيوفهم. ### || في قصر الإمارة : # وأسرع الخبيث نحو قصر الإمارة (2) وقد علاه الفزع وساءه كأشد ما يكون ~~الاستياء ؛ من تباشير الناس وفرحهم بقدوم الإمام الحسين ، PageV03P357 # ولما انتهى إلى باب القصر وجده مغلقا والنعمان بن بشير مشرف من أعلا ~~القصر ، وكان قد توهم أن القادم هو الحسين ؛ لأن أصوات الناس قد تعالت ~~بالترحيب به والهتاف بحياته ، فانبرى يخاطبه : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يا ~~بن رسول الله ، ومالي في قتالك من إرب. # ولمس ابن مرجانة في كلام النعمان الضعف والانهيار فصاح به بنبرات تقطر ~~غيظا : افتح لا فتحت ، فقد طال ليلك. ولما تكلم عرفه بعض من كان خلفه فصاح ~~بالناس : إنه ابن مرجانة ورب الكعبة! # ومن الغريب أن ذلك المجتمع لم يميز بين الإمام الحسين وبين ابن مرجانة ، ~~مع أن كلا منهما قد عاش فترة في ديارهم ؛ ولعل الذي أوقعهم في ذلك تغيير ~~ابن زياد لبزته ولبسه للعمامة السوداء. # وعلى أي حال ، فإن الناس حينما علموا إنه ابن زياد جفلوا وخفوا مسرعين ~~إلى دورهم وهم يتحدثون عما عانوه من الظلم والجور أيام أبيه ، وقد أوجسوا ~~من عبيد الله الشر. # وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح ، وأنفق ليله ساهرا ~~قد جمع حوله عملاء الحكم الاموي ، فأخذوا يحدثونه عن الثورة ويعرفونه ~~بأعضائها البارزين ، ويضعون معه المخططات للقضاء عليها. PageV03P358 ### || خطابه في الكوفة : # وعندما انبثق نور الصبح أمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الأعظم ، ~~فاجتمعت الجماهير وقد خيم عليها الذعر والخوف ، وخرح ابن زياد ms801 متقلدا سيفه ~~ومعتما بعمامة ، فاعتلى أعواد المنبر وخطب الناس ، فقال : أما بعد ، فإن ~~أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف ~~مظلومكم وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم ~~، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف ~~عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد (1). # وحفل هذا الخطاب بما يلي : # 1 إعلام أهل الكوفة بولايته على مصرهم وعزل النعمان بن بشير عنه. # 2 تعريفهم أن حكومة دمشق قد عهدت له بالإحسان على من يتبع السلطة ولم ~~يتمرد عليها ، واستعمال الشدة والقسوة على الخارجين عليها. # ولم يعرض ابن مرجانة في خطابه للإمام الحسين وسفيره مسلم ؛ خوفا من ~~انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم يحكم أمره. PageV03P359 ### || نشر الإرهاب : # وعمد ابن زياد إلى نشر الإرهاب وإذاعة الخوف ، ويقول بعض المؤرخين : إنه ~~لما أصبح ابن زياد بعد قدومه إلى الكوفة صال وجال وأرعد وأبرق ، وأمسك ~~جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة (1)، وقد عمد إلى ذلك لإماتة ~~الأعصاب وصرف الناس عن الثورة. # وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس في المسجد وخرج إليهم بزي غير ما كان ~~يخرج به ، فخطب فيهم خطابا عنيفا تهدد فيه وتوعد ، فقد قال بعد حمد الله ~~والثناء عليه : أما بعد ، فإنه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدة من غير عنف ~~ولين من غير ضعف ، وأن أخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، والولي ~~بالولي. # فانبرى إليه رجل من أهل الكوفة يقال له : أسد بن عبد الله المري فرد عليه ~~: أيها الأمير ، إن الله تبارك وتعالى يقول : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ) ، إنما المرء بجده ، والسيف بحده ، والفرس بشده ، وعليك أن تقول ~~وعلينا أن نسمع ، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة. # وأفحم ابن زياد فنزل عن المنبر ودخل قصر الإمارة (2). PageV03P360 ### || تحول مسلم إلى دار هانئ : # واضطر مسلم إلى تغيير مقره وإحاطة نشاطه السياسي بكثير من السر والكتمان ~~؛ فقد شعر بالخطر الذي داهمه حينما قدم الطاغية إلى الكوفة ، فهو يعلم بخبث ~~هذا الوغد ms802 وإنه لا يرجو لله وقارا ولا يتحرج من اقتراف الإثم ، وقد أجمع ~~أمره على مغادرة دار المختار ؛ لأنه لم تكن عنده قوة تحميه ولم يكن يأوي ~~إلى ركن شديد ، فالتجأ إلى دار هانئ بن عروة ؛ فهو سيد المصر وزعيم مراد ، ~~وعنده من القوة ما يضمن حماية الثورة والتغلب على الأحداث. # فقد كان فيما يقول المؤرخون : إذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع ، ~~وثمانية آلاف راجل ، فإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ~~ألف دارع (1)، كما كانت له ألطاف وأياد بيضاء على اسرته مما جعلتهم يكنون ~~له أعمق الود والإخلاص. # ومضى مسلم إلى دار هذا الزعيم العربي الكبير ، فرحب به واستقبله بحفاوة ~~بالغة. وتنص بعض المصادر (2) إنه قد ثقل على هانئ استجارة مسلم به ، وعظم ~~عليه أن يتخذ داره معقلا للثورة ومركزا للتجمعات ضد الدولة ؛ فإنه بذلك ~~يعرض نفسه للنقمة والبلاء ، إلا أنه استجاب لمسلم على كره ؛ خضوعا للعادات ~~العربية التي لا تطرد اللاجئ إليها وإن عانت من ذلك أعظم المصاعب والمشاكل. # والذي نراه أنه لا صحة لذلك ؛ فإن مسلما لو شعر منه عدم الرضا والقبول ~~لما ركن إليه ، وتحرج كأشد ما يكون التحرج من دخول داره ؛ وذلك لما توفرت ~~في مسلم من الطاقات التربوية الدينية ، وما عرف به من الشمم والإباء الذي ~~يبعده كل البعد من PageV03P361 # سلوك أي طريق فيه حرج أو تكلف على الناس. وبالإضافة إلى ذلك ، فإن مسلما ~~لو لم يحرز منه التجاوب التام والإيمان الخالص بدعوته لما التجأ إليه في ~~تلك الفترة العصبية التي تحيط به. # إن من المؤكد أن هانيا لم يستجب لحماية مسلم والدفاع عنه على كره أو حياء ~~، وإنما استجاب له عن رضى وإيمان يوحي من دينه وعقيدته. # وعلى أي حال فقد استقر مسلم في دار هانئ واتخذها مقرا للثورة ، وقد أحنف ~~(1) به هانئ ودعا القبائل لمبايعته ، فبايعه في منزله ثمانية عشر ألفا (2) ~~، وقد عرف مسلم هانئا بشؤون الثورة وأحاطه علما بدعاتها وأعضائها البارزين. ### || امتناع مسلم من اغتيال ابن زياد : # وذهب معظم ms803 المؤرخين إلى أن شريك بن الأعور مرض مرضا شديدا في بيت هانئ بن ~~عروة أو في بيته (3)، فانتهى خبره إلى ابن زياد ، فأرسل إليه رسولا يعلمه ~~أنه آت لعيادته فاغتنم شريك هذه الفرصة ، فقال لمسلم : إنما غايتك وغاية ~~شيعتك هلاك هذا الطاغية ، وقد أمكنك الله منه ، وهو صائر إلي ليعودني ، فقم ~~فادخل الخزانة حتى إذا أطمأن عندي فاخرج إليه فاقتله ، ثم صر إلى قصر ~~الإمارة فاجلس فيه ؛ فإنه لا ينازعك فيه أحد من الناس ، وإن رزقني الله ~~العافية صرت إلى البصرة فكفيتك أمرها ، وبايع PageV03P362 # لك أهلها (1). # وكره هانئ أن يقتل ابن زياد في داره ؛ تمسكا بالعادات العربية التي لا ~~تبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها (2)، فقال له : ما أحب أن يقتل في داري. # فقال له شريك : ولم؟! فوالله إن قتله لقربان إلى الله. ولم يعن شريك ~~بهانئ ، والتفت إلى مسلم يحثه على اغتيال ابن زياد قائلا له : لا تقصر في ذلك. # وبينما هم في الحديث وإذا بالضجة على الباب ، فقد أقبل ابن مرجانة مع ~~حاشيته ، فقام مسلم ودخل الخزانة مختفيا بها ، ودخل ابن زياد فجعل يسأل ~~شريكا عن مرضه وشريك يجيبه ، ولما استبطأ شريك خروج مسلم جعل يقول : # ما الانتظار بسلمى أن تحيوها %~% حيوا سليمى وحيوا من يحيها # كأس المنية بالتعجيل فاسقوها (3) |ما تنظرون بسلمى لا تحييوها||حيوا سليمى وحيوا من يحيها| |هل شربة عذبة أسقى على ظمأ||ولو تلفت وكانت منيتي فيها| |وإن تخشيت من سلمى مراقبة||فلست تأمن يوما من دواهيها| PageV03P363 # ورفع صوته ليسمع مسلما ، قائلا : # لله أبوك! أسقنيها وإن كانت فيها نفسي (1). # وغفل ابن زياد عن مراده وظن أنه يهجر ، فقال لهانئ : # أيهجر؟ # نعم أصلح الله الأمير ، لم يزل هكذا منذ أصبح (2). # وفطن مهران مولى ابن زياد وكان ذكيا إلى ما دبر لسيده ، فغمزه ونهض به ~~سريعا ، فقال له شريك : أيها الأمير ، إني اريد أن اوصي إليك. فقال له ابن ~~زياد : إني أعود إليك. # والتفت مهران وهو مذعور إلى ابن زياد فقال له : إنه أراد قتلك. ms804 فبهر ابن ~~زياد وقال : كيف مع إكرامي له؟! وفي بيت هانئ ويد أبي عنده! # ولما ولى الطاغية خرج مسلم من الحجرة ، فالتفت إليه شريك وقلبه يذوب أسى ~~وحسرات ، قال له : ما منعك من قتله؟! (3). # فقال مسلم : منعني منه خلتان : إحداهما كراهية هانئ لقتله في # وفي الفتوح 5 / 72 ، والأخبار الطوال / 214 أنه أنشد هذا البيت : |ما تنظرون بسلمى عند فرصتها||فقد ونى ودها واستوسق الصرم| PageV03P364 # منزله ، والاخرى : قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الإيمان قيد ~~الفتك ؛ لا يفتك مؤمن». # فقال له شريك : أما والله ، لو قتلته لاستقام لك أمرك واستوسق لك سلطانك (1). # ولم يلبث شريك بعد الحادثة إلا ثلاثة أيام حتى توفي ، فصلى عليه ابن زياد ~~ودفنه بالثوية. ولما تبين له ما دبره له شريك طفق يقول : والله ، لا أصلي ~~على جنازة عراقي ، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا (2). ### || أضواء على الموقف : # ويتساءل الكثيرون من الناس عن موقف مسلم ، فيلقون عليه اللوم والتقريع ~~ويحملونه مسؤولية ما وقع من الأحداث ؛ فلو اغتال الطاغية لأنقذ المسلمين من ~~شر عظيم وما مني المسلمون بتلك الأزمات الموجعة التي أغرقتهم في المحن ~~والخطوب. # أما هذا النقد فليس موضوعيا ولا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق ؛ وذلك ~~لعدم التقائه بسيرة مسلم ولا بواقع شخصيته ، فقد كان الرجل فذا من أفذاذ ~~الإسلام في ورعه وتقواه وتحرجه في الدين ، فقد تربى في بيت عمه أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وحمل اتجاهاته الفكرية ، واتخذ سيرته المشرقة ~~منهاجا يسير على أضوائها PageV03P365 # في حياته. وقد بنى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) واقع حياته على ~~الحق المحض الذي لا التواء فيه ، وتحرج كأعظم ما يكون التحرج في سلوكه. فلم ~~يرتكب أي شيء شذ عن هدي الإسلام وواقعه ، وهو القائل : قد يرى الحول القلب ~~وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله. وعلى ضوء هذه السيرة بنى ابن عقيل ~~حياته الفكرية ، وتكاد أن تكون هذه السيرة هي المنهاج البارز في سلوك ~~العلويين. # يقول الدكتور محمد طاهر دروش : كان للهاشميين مجال يحيون فيه ms805 ولا يعرفون ~~سواه ، فهم منذ جاهليتهم للرياسة الدينية قد طبعوا على ما توحي به من ~~الإيمان والصراحة والصدق والعفة والشرف والفضيلة والترفع ، والخلائق ~~المثالية والمزايا الأديبة والشمائل الدينية والآداب النبوية (1). # إن مسلما لم يقدم على اغتيال عدوه الماكر ؛ لأن «الإيمان قيد الفتك ؛ لا ~~يفتك مؤمن». # وعلق هبة الدين على هذه الكلمة بقوله : كلمة كبيرة المغزى ، بعيدة المدى ~~؛ فإن آل علي من قوة تمسكهم بالحق والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى ~~الضرورة ، واختاروا النصر الآجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة. ~~شنشنة فيهم معروفة عن أسلافهم وموروثة في أخلاقهم ، كأنهم مخلوقون لإقامة ~~حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الأصفياء ، وقد حفظ التاريخ لهم ~~الكراسي في القلوب (2). # ويقول الشيخ أحمد فهمي : فهذا عبيد الله بن زياد ، وهو من هو في دهائه ~~وشدة مراسه أمكنت مسلما الفرصة منه إذ كان بين يديه ، ورأسه قريب المنال منه PageV03P366 # وكان في استطاعته قتله ، ولو أنه فعل ذلك لحرم يزيد نفسا جبارة ويدا ~~فتاكة وقوة لا يستهان بها ، ولكن مسلما متأثر بهدي ابن عمه ، عاف هذا ~~المسلك وصان نفسه من أن يقتله غيلة ومكرا (1). # وإن مهمة مسلم التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرف على ~~مجربات الأحداث ولم يعهد إليه بأكثر من ذلك ، ولو قام باغتيال الطاغية لخرج ~~عن حدود مسؤولياته. على أن الحكومة التي جاء ممثلا لها إنما هي حكومة دينية ~~تعني قبل كل شيء بمبادئ الدين ، والالتزام بتطبيق سننه وأحكامه وليس من ~~الإسلام في شيء القيام بعملية الاغتيال. # وقد كان أهل البيت (عليهم السلام) يتحرجون كأشد ما يكون التحرج من السلوك ~~في المنعطفات ، وكانوا ينعون على الامويين شذوذ أعمالهم التي لا تتفق مع ~~نواميس الدين. # وما قام الحسين بنهضته الكبرى إلا لتصحيح الأوضاع الراهنة وإعادة المنهج ~~الإسلامي إلى الناس. وماذا يقول مسلم للأخيار والمتحرجين في دينهم لو قام ~~بهذه العملية التي لا يقرها الدين؟ وعلى أي حال ، فقد استمسك مسلم بفضائل ~~دينه وشرفه من اغتيال ابن زياد وكان تحت قبضته. # وإن من ms806 أهزل الأقوال وأوهنها ، القول بأن عدم فتكه به ناشئ عن ضعفه وخوره ~~، فإن هذا أمر لا يمكن أن يصغى إليه ؛ فقد أثبت في مواقفه البطولية في ~~الكوفة حينما غدر به أهلها ما لم يشاهد التاريخ له نظيرا في جميع مراحله ، ~~فقد صمد أمام ذلك الزحف الهائل من الجيوش فقابلها وحده ولم تظهر عليه أي ~~بادرة من الخوف والوهن. # فقد قام بعزم ثابت يحصد الرؤوس ويحطم الجيوش حتى ضجت الكوفة من كثرة من ~~قتل منها ، فكيف يتهم بطل هاشم وفخر عدنان بالوهن والضعف؟! PageV03P367 ### || المخططات الرهيبة : # وأدت المخططات الرهيبة التي صممها الطاغية إلى نجاحه في الميادين ~~السياسية وتغلبه على الأحداث ، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم انقلبت ~~عليه رأسا على عقب ، فزج بها الماكر الخبيث إلى حرب مسلم والقضاء عليه ، ~~ومن بين هذه المخططات : ### ||| 1 التجسس على مسلم : # وأول بادرة سلكها ابن زياد هي التجسس على مسلم ومعرفة جميع نشاطاته ~~السياسية ، والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده ، وقد اختار للقيام بهذه ~~المهمة مولاه معقلا ، وكان من صنائعه وتربى في كنفه ودرس طباعه ووثق ~~بإخلاصه وكان فطنا ذكيا ، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتصل بالشيعة ، ~~ويعرفهم أنه من أهل الشام ، وأنه مولى لذي الكلاع الحميري. # وكانت الصبغة السائدة على الموالي هي الإخلاص لأهل البيت (عليهم السلام) ~~؛ ولذا أمره بالانتساب إلى الموالي حتى ينفي الشك والريب عنه ، وقال له : ~~إنه إذا التقى بهم فليعرفهم بأنه ممن أنعم الله عليه بحب أهل البيت (عليهم ~~السلام)، وقد بلغه قدوم رجل إلى الكوفة يدعو للإمام الحسين وعنده مال يريد ~~أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به على حرب عدوه. # ومضى معقل في مهمته فدخل الجامع وجعل يفحص ويسأل عمن له معرفة بمسلم ~~فأرشد إلى مسلم بن عوسجة ، فانبرى إليه وهو يظهر الإخلاص والولاء للعترة ~~الطاهرة ، قائلا له : إني أتيتك لتقبض مني هذا المال وتدلني على صاحبك ~~لأبايعه ، PageV03P368 # وإن شئت أخذت بيعتي قبل لقائي إياه. # فقال مسلم : لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله ms807 بك أهل نبيه ~~، وقد ساءني معرفة الناس إياي من قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته ، ثم ~~أخذ منه البيعة وأخذ منه المواثيق المغلظة على النصيحة وكتمان الأمر (1). # وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم فبايعه ، وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي ~~ثمامة الصائدي ؛ وكان قد عينه لقبض المال ليشتري به السلاح والكراع. # وكان معقل فيما يقول المؤرخون أول من يدخل على مسلم وآخر من يخرج منه ، ~~وجميع البوادر والأحداث التي تصدر ينقلها بتحفظ في المساء إلى ابن زياد (2) ~~حتى وقف على جميع أسرار الثورة. # مع أعضاء الثورة : # والذي يواجه أعضاء الثورة من المؤاخذات ما يلي : # أولا : إن معقلا كان من أهل الشام الذين عرفوا بالبغض والكراهية لأهل ~~البيت (عليهم السلام) والولاء لبني أمية والتفاني في حبهم ، فما معنى ~~الركون إليه؟ # ثانيا : إن اللازم التريب حينما أعطى المال لمسلم بن عوسجة وهو يبكي ، ~~فما معنى بكاؤه أو تباكيه؟ أليس ذلك مما يوجب الريب في شأنه؟ # ثالثا : إنه حينما اتصل بهم كان أول داخل وآخر خارج ، فما معنى هذا ~~الاستمرار والمكث الطويل في مقر القيادة العامة؟ أليس ذلك مما يوجب الشك في أمره؟ # لقد كان الأولى بالقوم التحرز منه ، ولكن القوم قد خدعتهم المظاهر ~~المزيقة. ومن الحق ، أن هذا الجاسوس كان ماهرا في صناعته وخبيرا فيما انتدب إليه. PageV03P369 # وعلى أي حال ، فإن ابن زياد قد استفاد من عملية التجسس أمورا بالغة ~~الخطورة. # فقد عرف العناصر الفعالة في الثورة ، وعرف مواطن الضعف فيها ، وغير ذلك ~~من الامور التي ساعدته على التغلب على الأحداث. ### ||| 2 رشوة الزعماء والوجوه : # ووقف ابن زياد على نبض الكوفة وعرف كيف يستدرج أهلها ، فبادر إلى إرشاء ~~الوجوه والزعماء ، فبذل لهم المال بسخاء فاستمال ودهم واستولى على قلوبهم ، ~~فصارت ألسنتهم تكيل له المدح والثناء ، وكانوا ساعده القوي في تشتيت شمل ~~الناس وتفريق جموعهم عن مسلم. # لقد استعبدهم ابن مرجانة بما بذله من الأموال فأخلصوا له ومنحوه النصيحة ~~، وخانوا بعهودهم ومواثيقهم التي أعطوها لمسلم ، وقد أخبر بعض أهل الكوفة ~~الإمام عن ms808 هذه الظاهرة حينما التقى به في أثناء الطريق ، فقال له : أما ~~أشراف الناس فقد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ، يستمال ودهم ويستخلص به ~~نصيحتهم ، وأما سائر الناس فإن أفئدتهم تهوى إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة ~~عليك (1). # لقد تناسى الكوفيون كتبهم التي أرسلوها للإمام (عليه السلام) وبيعتهم له ~~على يد سفيره ؛ من أجل الأموال التي أغدقتها عليهم السلطة. # يقول بعض الكتاب : إن الجماعات التي أقامها النكير على بني امية وراسلت ~~الحسين ، وأكدت له إخلاصها وذرفت أمام مسلم أعز دموعها ، هي الجماعات التي ~~ابتاعها عبيد الله بن زياد بالدرهم والدينار ، وقد ابتاعها فيما بعد مصعب PageV03P370 # ابن الزبير فتخلوا عن المختار وتركوه وحيدا يلقى حتفه ، ثم اشتراها ~~الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان فتخلوا عن مصعب وتركوه يلقى مصيره على ~~يد عبد الملك بن مروان (1). ### || الإحجام عن كبس دار هانئ : # وعلم الطاغية أن هانئا هو العضو البارز في الثورة ، فقد أطلعه الجاسوس ~~الخطير معقل على الدور الفعال الذي يقوم به هانئ في دعم الثورة ومساندتها ~~بجميع قدراته ، وعرفه أن داره أصبحت المركز العام للشيعة والمقر الرئيسي ~~لسفير الحسين مسلم ... فلماذا لم يقم بكبسها وتطويقها بالجيش ليقضي بذلك ~~على الثورة؟ وإنما أحجم عن ذلك لعجزه عسكريا ، وعدم مقدرته على فتح باب ~~الحرب ؛ فإن دار هانئ مع الدور التي كانت محيطة بها ، كانت تضم أربعة آلاف ~~مقاتل ممن بايعوا مسلما. # بالإضافة إلى أتباع هانئ ومكانته المرموقة في المصر ؛ فلهذا لم يستطع ابن ~~زياد من القيام بذلك نظرا للمضاعفات السيئة. ### || رسل الغدر : # وأنفق ابن زياد لياليه ساهرا يطيل التفكير ويطيل البحث مع حاشيته في شأن ~~هانئ ، فهو أعز من في المصر وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة ، ولا ~~يدع مسلما فريسة لأعدائه ، فإذا قضى عليه فقد استأصل الثورة من جذورها وقد ~~أعرضوا عن إلقاء القبض عليه PageV03P371 # وتطويق داره ، فإن ذلك ليس بالأمر الممكن ، وقد اتفق رأيهم على خديعته ~~بإرسال وفد إليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته ، فإذا ~~وقع تحت قبضته فقد تم كل ms809 شيء ، ويكون تشتيت أتباعه ليس بالأمر العسير ، ~~وشكلوا وفدا لدعوته ، وهم : # 1 حسان بن أسماء بن خارجة زعيم فزارة. # 2 محمد بن الأشعث زعيم كندة. # 3 عمرو بن الحجاج. # ولم يكن لحسان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبرت ضد هانئ ، وإنما كان ~~يعلم بها محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج ، وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا ~~له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته ، ويعملوا جاهدين على إقناعه. ### || اعتقال هانئ : # وأسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالسا على باب داره ، فسلموا عليه ~~وقالوا له : ما يمنعك من لقاء الأمير فإنه قد ذكرك وقال : لو أعلم أنه شاك لعدته؟ # فقال لهم : الشكوى تمنعني. # وأبطلوا هذا الزعم ، وقالوا له : إنه قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب ~~دارك وقد استبطأك ، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لما ~~ركبت معنا. وأخذوا يلحون عليه في زيارته فاستجاب لهم على كره ، فدعا بثيابه PageV03P372 # فلبسها ودعا ببغلة فركبها ، فلما كان قريبا من القصر أحست نفسه بالشر ~~فعزم على الانصراف ، وقال لحسان بن أسماء : يابن الأخ إني والله لخائف من ~~هذا الرجل فما ترى؟ # فقال حسان : يا عم ، والله ما أتخوف عليك شيئا ، ولم تجعل على نفسك ~~سبيلا؟ وأخذ القوم يلحون عليه حتى أدخلوه على ابن مرجانة فاستقبله بعنف ~~وشراسة ، وقال : أتتك بخائن رجلاه. # وكان شريح إلى جانبه ، فقال له : # اريد حياته (1) ويريد قتلي %~% عذيرك من خليلك من مراد # وذعر هانئ ، فقال له : ما ذاك أيها الأمير؟ فصاح به الطاغية بعنف : أيه ~~يا هانئ! ما هذه الامور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين؟ ~~جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، ~~وظننت أن ذلك يخفى علي؟ # فأنكر ذلك هانئ ، وقال : ما فعلت ذلك وما مسلم عندي. # بلى قد فعلت. # وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما ، فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع فدعا ~~معقلا الذي جعله عينا عليهم ، فلما مثل عنده قال لهانئ : أتعرف هذا؟ # نعم. PageV03P373 # وأسقط ما في يدي هانئ وأطرق ms810 برأسه إلى الأرض ، ولكن سرعان ما سيطرت ~~شجاعته على الموقف فانتفض كالأسد ، وقال لابن مرجانة : قد كان الذي بلغك ~~ولن أضيع يدك عندي (1)، تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم ~~فإنه جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك (2). # فثار ابن زياد وصاح به : والله ، لا تفارقني حتى تأتيني به. # وسخر منه هانئ ، وأنكر عليه قائلا له مقالة الرجل الشريف : لا آتيك بضيفي أبدا. # ولما طال الجدال بينهما انبرى إلى هانئ مسلم بن عمر الباهلي وهو من خدام ~~السلطة ، ولم يكن رجل في المجلس غريب غيره ، فطلب من ابن زياد أن يختلي ~~بهانئ ليقنعه فأذن له ، فقام وخلا به ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع ~~صوتهما إذا علا. # وحاول الباهلي إقناع هانئ فحذره من نقمة السلطان ، وإن السلطة لا تنوي ~~السوء بمسلم قائلا : يا هانئ ، أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على ~~قومك ، إن هذا الرجل يعني مسلما ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، ~~فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ؛ إنما تدفعه إلى السلطان. PageV03P374 # ولم يخف على هانئ هذا المنطق الرخيص ، فهو يعلم أن السلطة إذا ظفرت بمسلم ~~فسوف تنكل به ولا تدعه حيا ، وإن ذلك يعود عليه بالعار والخزي إن سلم ضيفه ~~وافد آل محمد فريسة لهم قائلا : بلى والله ، علي في ذلك أعظم العار أن يكون ~~مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وأنا حي صحيح الساعدين كثير الأعوان. والله ، لو لم أكن إلا وحدي لما سلمته أبدا. # وحفل هذا الكلام بمنطق الأحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا ولا ~~يخضعون لما يخل بشرفهم. # ولما يئس الباهلي من إقناع هانئ انطلق نحو ابن زياد فقال له : أيها ~~الأمير ، قد أبى أن يسلم مسلما أو يقتل (1). # وصاح الطاغية بهانئ : # أتأتيني به أو لأضربن عنقك. فلم يعبأ به هانئ ، وقال : إذن تكثر البارقة ~~حولك. فثار الطاغية وانتفخت أوداجه ، وقال : وا لهفا عليك! أبا البارقة ~~تخوفني؟! (2) # وصاح بغلامه مهران ms811 وقال : خذه ، فأخذ بضفيرتي هانئ ، وأخذ ابن زياد ~~القضيب فاستعرض به وجهه وضربه ضربا عنيفا حتى كسر أنفه ونثر لحم خديه ~~وجبينه على لحيته حتى تحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه ، وعمد هانئ إلى ~~قائم سيف شرطي محاولا اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه ، فصاح ابن زياد : PageV03P375 # أحروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك؟ # وأمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر (1)، واندفع حسان بن أسماء بن ~~خارجة وكان ممن أمن هانئا وجاء به إلى ابن زياد ، وقد خاف من سطوة عشيرته ~~ونقمتها عليه ، فأنكر عليه ما فعله بهانئ قائلا : أرسله يا غادر! أمرتنا أن ~~نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله؟! # وغضب منه ابن زياد فأوعز إلى شرطته بتأديبه ، فلهز وتعتع ثم ترك. وأما ~~ابن الأشعث المتملق الحقير فجعل يحرك رأسه ، ويقول ليسمع الطاغية : قد ~~رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا ، إنما الأمير مؤدب (2). # ولا يهم ابن الأشعث ما اقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تأمين مصالحه ~~ورغباته. ### || انتفاضة مذحج : # وانتهى خبر هانئ إلى اسرته فاندفعت بتثاقل كالحشرات ، فقاد جموعها ~~الانتهازي الجبان عمرو بن الحجاج الذي لا عهد له بالشرف والمروءة ، فأقبل ~~ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالتهم قائلا : أنا عمرو بن ~~الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة. # وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة وليس فيه اندفاع لإنقاذ هانئ ؛ ولذا ~~لم يحفل به ابن زياد ، فالتفت إلى شريح القاضي فقال له : ادخل على PageV03P376 # صاحبهم فانظر إليه ، ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي. وخرج شريح فدخل على ~~هانئ فلما بصر به صاح مستجيرا : # يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟! أين أهل الدين ، أين أهل المصر؟! أيحذرونني ~~عدوهم (1). وكان قد سمع الأصوات وضجيج الناس ، فالتفت إلى شريح (2) قائلا : # يا شريح ، إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنه إن دخل علي ~~عشرة أنفر أنقذوني (3). # وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد ؛ مخافة أن يدلي بشيء على خلاف رغبات ~~السلطة فيفسد ms812 عليها أمرها ، فقال لهم : # قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل. وبادر عمرو بن الحجاج فقال : إذا لم ~~يقتل فالحمد لله (4). وولوا منهزمين كأنما اتيح لهم الخلاص من السجن وهم ~~يصحبون العار والخزي ، وظلوا مثالا للخيانة والجبن على امتداد التاريخ. # وفيما أحسب أن هزيمة مذحج بهذه السرعة ، وعدم تأكدها من سلامة زعيمها ~~جاءت نتيجة اتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على PageV03P377 # هانئ ؛ ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما أخرج هانئ من السجن في وضح النهار ~~ونفذ فيه حكم الإعدام في سوق الحذائين. # وعلى أي حال ، فقد خلدت مذحج للذل ورضيت بالهوان ، وانبرى شاعر مجهول ~~أخفى اسمه ؛ حذرا من نقمة الامويين وبطشهم فرثى هانئا وندد باسرته ؛ محاولا ~~بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبلية ليثأروا لقتيلهم. يقول : # فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري %~% إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه %~% وآخر يهوي من طمار قتيل (1) أصابهما أمر الأمير فأصبحا %~% أحاديث من يسري بكل سبيل (2) ترى جسدا قد غير الموت لونه %~% ونضح دم قد سال كل مسيل فتى كان أحيا من فتاة حيية %~% وأقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا %~% وقد طلبته مذحج بذحول (3) PageV03P378 تطوف حواليه (مراد) وكلهم %~% على رقية من سائل ومسول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم %~% فكونوا بغايا ارضيت بقليل (1) # وعلق الدكتور يوسف خليف على هذه الأبيات ، يقول : واللحن هنا تأثر عنيف ، ~~والتعبير فيه قوي صريح ، بل تصل فيه الصراحة إلى درجة الجرأة ، وشجع الشاعر ~~على هذه الجرأة أنه كان في مأمن من بطش الامويين ؛ لأنه استطاع أن يخفي ~~اسمه حتى أصبح شخصا مختلفا فيه عند بعض الرواة ومجهولا تماما عند بعضهم. # وهو في هذا اللحن لا يتحدث عن الحسين ولا عن السياسة ، وإنما كل حرصه أن ~~يثير روح العصبية القبلية في نفوس اليمنية ؛ ليثأروا لقتيلهم ، وهو من أجل ~~هذا أغفل متعمدا من غير شك ذكر محمد بن الأشعث اليمني ، ولم يذكر إلا أسماء ~~بن خارجة الفزاري على ms813 أنه هو المسؤول عن دم هانئ ، مع أن كليهما كان رسول ~~ابن زياد إليه ، ولكن الشاعر حرص على أن يغفل ذكر ابن الأشعث ؛ حتى لا يثير ~~فتنة أو انقساما بين اليمنية وهو في أشد الحاجة إلى أن يوحد صفوفهم حتى ~~يدركوا ثأرهم. # واعتمد الشاعر في قصيدته على هذه الصورة المفزعة التي رسمها للقتيلين ~~اللذين هشم السيف وجه أحدهما والقي بالآخر من أعلى القصر ، واللذين أصبحا ~~أحاديث للناس في كل مكان. # وهو حريص في هذه الصورة على أن يعرض للناس منظرين رهيبين يثيران في ~~نفوسهم كل عواطف الحزن والسخط والانتقام. منظر هذين الجسدين وقد PageV03P379 # غير الموت من لونهما ، وهذا الدم الذي ينضخ منهما ويسيل كل مسيل ، ثم ~~منظر أسماء بن خارجة وهو يحتال في طرقات الكوفة على دوابه التي تتبختر به ~~آمنا مطمئنا. ويسأل إلى متى سيظل هذا الرجل في أمنه وخيلائه ومن حوله قبيلة ~~القتيل تطالبه بالثار؟ فلا يجد أشد من طعنها في كرامتها ، فيقول لهم : إن ~~لم تثأروا بقتيلكم فكونوا بغايا ببغي شرفهن بثمن بخس دراهم معدودات (1). # لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تف له حقوقه ؛ فتركته أسيرا بيد ابن ~~مرجانة يمعن في إرهاقه من دون أن تحرك ساكنا ، في حين أنها كانت لها ~~السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك فلهوزن. # وعلى أي حال ، فقد كان لاعتقال هانئ الأثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف ~~في نفوس الكوفيين مما أدى إلى تفرق الناس عن مسلم وإخفاق الثورة. ### || ثورة مسلم : # ولما علم مسلم بما جرى على هانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد ؛ لعلمه ~~بأنه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئا ، فأوعز إلى عبد الله بن حازم أن ~~ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور ، فاجتمع إليه أربعة آلاف (2) PageV03P380 # أو أربعون ألفا (1) وهم ينادون بشعار المسلمين يوم البدر : يا منصور أمت (2). # وقام مسلم بتنظيم جيشه ، وأسند القيادات العامة في الجيش إلى من عرفوا ~~بالولاء والإخلاص لأهل البيت (عليهم السلام)، وهم : # 1 عبد الله بن عزيز الكندي : جعله على ربع كندة. ms814 # 2 مسلم بن عوسجة : جعله على ربع مذحج. # 3 أبو ثمامة الصائدي : جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان. # 4 العباس بن جعدة الجدلي : جعله على ربع المدينة. # واتجه مسلم بجيشه نحو قصر الإمارة فأحاطوا به (3)، وكان ابن زياد قد خرج ~~من القصر ليخطب الناس على أثر اعتقاله لهانئ ، فجاء إلى المسجد الأعظم ~~فاعتلى أعواد المنبر ، ثم التفت إلى أصحابه فرآهم عن يمينه وشماله وفي ~~أيديهم الأعمدة ، وقد شهروا سيوفهم للحفاظ عليه فهدأ روعه ، وخاطب أهل ~~الكوفة قائلا : أما بعد ، يا أهل الكوفة ، فاعتصموا بطاعة الله ورسوله ~~وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتندموا وتقهروا ، فلا ~~يجعلن أحد على نفسه سبيلا وقد اعذر من أنذر. # وما أتم الطاغية خطابه حتى سمع الضجة وأصوات الناس قد علت ، فسأل عن ذلك ~~فقيل له : PageV03P381 # الحذر الحذر ، هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه. # واختطف الرعب لونه وسرت الرعدة بجميع أوصاله ، فأسرع الجبان نحو القصر ~~وهو يلهث من شدة الخوف فدخل القصر وأغلق عليه أبوابه (1)، وامتلأ المسجد ~~والسوق من أصحاب مسلم وضاقت الدنيا على ابن زياد وأيقن بالهلاك ؛ إذ لم تكن ~~عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلا من الشرطة وعشرين رجلا من الأشراف الذين هم ~~من عملائه (2). # وقد تزايد جيش مسلم حتى بلغ فيما يقول بعض المؤرخون ثمانية عشر ألفا وقد ~~نشروا الأعلام وشهروا السيوف ، وقد ارتفعت أصواتهم بقذف ابن زياد وشتمه ~~وجرى بين اتباع ابن زياد وبين جيش مسلم قتال شديد ، كما نص على ذلك بعض ~~المؤرخين. # وأمعن الطاغية في أقرب الوسائل التي تمكنه من إنقاذ حكومته من الثورة ، ~~فرأى أن لا طريق له سوى حرب الأعصاب ودعايات الإرهاب فسلك ذلك. ### || حرب الأعصاب : # وأوعز الطاغية إلى جماعة من وجوه أهل الكوفة أن يبادروا ببث الذعر ونشر ~~الخوف بين الناس ، وقد انتدب للقيام بهذه المهمة الذوات التالية : # 1 كثير بين شهاب الحارثي. PageV03P382 # 2 القعقاع بن شور الذهلي. # 3 شبث بن ربعي التميمي. # 4 حجار بن أبجر. # 5 شمر بن ms815 ذي الجوشن الضبابي (1). # وانطلق هؤلاء إلى صفوف جيش مسلم فأخذوا يشيعون الخوف ويبثون الأراجيف ~~فيهم ، ويظهرون لهم الإخلاص والولاء خوفا عليهم عن جيوش أهل الشام. # فكان ما قاله كثير بن شهاب : أيها الناس ، الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا ~~الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل ، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يعني يزيد قد ~~أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير يعني ابن زياد العهد لئن أقمتم على حربه ولم ~~تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ، ويفرق مقاتلكم في مغازي أهل ~~الشام من غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب حتى لا تبقى ~~فيكم بقية من أهل المعصية إلا ذاقها وبال ما جرت أيديها (2). # وكان هذا التهديد كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة ؛ فقد كان يحمل ألوانا ~~قاسية من الإرهاب ، وهي : # أالتهديد بجيوش أهل الشام : فقد زحفت إليهم ، وهي ستشيع فيهم القتل ~~والتنكيل إن بقوا مصرين على المعصية والعناد. # ب حرمانهم من العطاء : وقد كانت الكوفة حامية عسكرية تتلقى جميع مواردها ~~الاقتصادية من الدولة. # ج تجميرهم في مغازي أهل الشام : وزجهم في ساحات الحروب PageV03P383 # د إنهم إذا أصروا على التمرد فإن ابن زياد سيعلن الأحكام العرفية ويسوسهم ~~بسياسة أبيه التي تحمل شارات الموت والدمار حتى يقضي على جميع ألوان الشغب ~~والعصيان. # وقام بقية عملاء السلطة بنشر الإرهاب وإذاعة الذعر ، وكان من جملة ما ~~أذاعوه بين الناس : يا أهل الكوفة ، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ولا ~~تشقوا عصا هذه الامة ، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام فقد ذقتموها ~~وجربتم شوكتها. ### || أوبئة الفزع والخوف : # وسرت أوبئة الخوف والفزع في نفوس الكوفيين وانهارت أعصابهم وكان الموت قد ~~خيم عليهم ، فجعل بعضهم يقول لبعض : ما نصنع بتعجيل الفتنة وغدا تأتينا ~~جموع أهل الشام ، ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح ~~الله ذات بينهم (1). # وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها أو زوجها وهي مصفرة الوجه من الخوف ~~فتتوسل إليه قائلة : الناس يكفونك (2). وكان الرجل يأتي إلى ولده وأخيه ~~فيملأ قلبه رعبا وخوفا ، وقد نجح ابن زياد ms816 في ذلك إلى حد بعيد ، فقد تغلب ~~على الأحداث وسيطر على الموقف سيطرة تامة ، وقد خلع الكوفيون ما كانوا ~~يرتدونه من ثياب PageV03P384 # التمرد على بني امية ولبسوا ثياب الذل والعبودية ؛ من جراء ذلك الإرهاب ~~الهائل والقسوة في الحكم ، فكانت الدماء تنرقرق بين العمائم واللحى. ### || هزيمة الجيش : # ومني جيش مسلم بهزيمة مخزية لم يحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ ، ~~فقد هزمته الدعايات المضللة من دون أن تكون في قباله أية قوة عسكرية. # ويقول المؤرخون : إن مسلما كلما انتهى إلى زقاق انسل جماعة من أصحابه ~~وفروا منهزمين ، وهم يقولون : ما لنا والدخول بين السلاطين؟! (1). # ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم ، وقد صلى بجماعة منهم صلاة ~~العشاء في الجامع الأعظم فكانوا يفرون في أثناء الصلاة ، وما أنهى ابن عقيل ~~صلاته حتى انهزموا بأجمعهم بما فيهم قادة جيشه ، ولم يجد أحدا يدله على ~~الطريق ، وبقي حيرانا لا يدري إلى أين مسراه ومولجه (2)، وكان قد اثخن ~~بالجراح فيما يقوله بعض المؤرخين (3)، وقد أمسى طريدا مشردا لا مأوى يأوي ~~إليه ، ولا قلب يعطف عليه. PageV03P385 ### || في ضيافة طوعة : # وسار القائد العظيم سليل هاشم وفخر عدنان متلددا في أزقة الكوفة وشوارعها ~~، ومضى هائما على وجهه في جهة كندة (1) يلتمس دارا لينفق فيها بقية الليل ، ~~وقد خلت المدينة من المارة وعادت كأنها واحة موحشة ، فقد أسرع كل واحد من ~~جيشه وأعوانه إلى داره وأغلق عليه الأبواب ؛ مخافة أن تعرفه مباحث الأمن ~~وعيون ابن زياد بأنه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض. # وأحاطت بمسلم تيارات مذهلة من الهموم وكاد قلبه أن ينفجر من شدة الألم ~~وعظيم الحزن ، وقد هاله إجماع القوم على نكث بيعته وغدرهم به ، واستبان له ~~أنه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته أو يدله على الطريق ؛ فقد ~~كان لا يعرف مسالك البلد وطرقها. # وسار وهو حائر الفكر خائر القوى حتى انتهى إلى سيدة يقال لها (طوعة)، هي ~~سيدة من في المصر رجالا ونساء بما تملكه من إنسانية ونبل ، وكانت أولدت ~~للأشعث ms817 بن قيس فأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا (2)، وكانت ~~السيدة واقفة على الباب تنتظر ابنها وترتقب طلوعه للأحداث الرهيبة التي حلت ~~في المصر ، ولما رآها مسلم بادر إليها فسلم عليها فردت عليه السلام بتثاقل ~~، وقالت له : # ما حاجتك؟ PageV03P386 # اسقني ماء. # فبادرت إلى دارها وجاءته بالماء فشرب منه ، ثم جلس ، فارتابت منه ، فقالت ~~له : ألم تشرب الماء؟ # بلى. # اذهب إلى أهلك إن مجلسك مجلس ريبة (1). # وسكت مسلم ، فأعادت عليه القول بالانصراف وهو ساكت ، وكررت عليه القول ~~ثالثا فلم يجبها ، فذعرت منه وصاحت به : سبحان الله! إني لا أحل لك الجلوس ~~على بابي. # ولما حرمت عليه الجلوس لم يجد بدا من الانصراف فقال لها بصوت خافت حزين ~~النبرات : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف؟ ~~ولعلي اكافئك بعد اليوم. # وشعرت المرأة بأن الرجل غريب ، وأنه على شأن كبير وله مكانة عظمى يستطيع ~~أن يجازيها على معروفها وإحسانها ، فبادرته قائلة : ما ذاك؟ فقال لها ~~وعيناه تفيضان دموعا : أنا مسلم بن عقيل ، كذبني القوم وغروني. # فقالت المرأة في دهشة وإكبار : أنت مسلم بن عقيل؟! # نعم (2). PageV03P387 # وانبرت السيدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى منزلها ~~وقد حازت الشرف والمجد ؛ فقد آوت سليل هاشم وسفير ريحانة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، وأدخلته في بيت في دارها غير البيت الذي كانت تأوي إليه ~~، وجاءته بالضياء والطعام فأبى أن يأكل ؛ فقد مزق الأسى قلبه الشريف وأيقن ~~بالرزء القاصم ، وتمثلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها ، وكان أكثر ~~ما يفكر به كتابه للحسين بالقدوم إلى الكوفة. # ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال ابن السيدة طوعة فرأى أمه تكثر ~~الدخول والخروج إلى ذلك البيت لتقوم برعاية ضيفها ، فأنكر عليها ذلك ~~واستراب منه فسألها عنه ، فأنكرته فألح عليها فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت ~~عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر. # وطارت نفس الخبيث فرحا وسرورا وقد أنفق ليله ساهرا يترقب بفارغ الصبر ~~انبثاق نور الصبح ؛ ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم ، وقد تنكر ms818 هذا الخبيث ~~للأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته ، فقد كان هذا الخلق سائدا ~~حتى في العصر الجاهلي ، وإنا لنتخذ من هذه البادرة مقياسا عاما وشاملا ~~لانهيار القيم الأخلاقية والإنسانية في ذلك المجتمع الذي تنكر لجميع ~~العادات والقيم العربية. # وعلى أي حال ، فقد طوى مسلم ليلته حزينا ، قد ساورته الهموم وتوسد الأرق ~~، وكان فيما يقول المؤرخون قد قضى شطرا من الليل في عبادة الله ، ما بين ~~الصلاة وقراءة القرآن ، وقد خفق في بعض الليل فرأى عمه أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) فأخبره بسرعة اللحاق به فأيقن عند ذلك بدنو الأجل المحتوم منه. PageV03P388 ### || تأكد الطاغية من فشل الثورة : # ولما انهزمت جيوش أهل الكوفة وولت الأدبار تصحب معها العار والخيانة ، ~~وقد خلا الجامع الأعظم منهم ، فلم يطمئن الطاغية الجبان من ذلك ؛ خوفا من ~~أن يكون ذلك مكيدة وخديعة ، فعهد إلى أذنابه بالتأكد من انهزام جيش مسلم ~~وأمرهم بأن يشرفوا على ظلال المسجد لينتظروا هل كمن أحد من الثوار فيه؟ ~~وأخذوا يدلون القناديل ويشعلون النار في القصب ويدلونها بالحبال فتصل إلى ~~صحن الجامع ، وفعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلم يروا إنسانا ، ~~فأخبروه بذلك فاطمئن بفشل الثورة وأيقن بالقضاء عليها (1). ### || إعلان حالة الطوارئ : # وأعلن الطاغية في الصباح الباكر حالة الطوارئ في جميع أنحاء المصر ، وقد ~~شدد على المدير العام لشرطته الحصين بن تميم بتنفيذ ما يلي : # أتفتيش جميع الدور والمنازل في الكوفة تفتيشا دقيقا للبحث عن مسلم. # ب الإحاطة بالطرق والسكك لئلا يهرب منها مسلم. # ج الاعتقالات الواسعة لجميع المؤيدين للثورة ، وقد ألقت الشرطة القبض على ~~هؤلاء : # 1 عبد الأعلى بن يزيد الكلبي. # 2 عمارة بن صلخب الأزدي. PageV03P389 # 3 عبد الله بن نوفل بن الحارث. # 4 مختار الثقفي. # 5 الأصبغ بن نباتة. # 6 الحارث الأعور الهمداني (1). ### || راية الأمان : # وأوعز الطاغية إلى محمد بن الأشعث أن يرفع راية الأمان ، ويعلن إلى الملأ ~~أن من انضم إليها كان آمنا ؛ ولعل أسباب ذلك ما يلي : # 1 التعرف على العناصر الموالية لمسلم لإلقاء القبض عليها. # 2 إعلان الانتصار ms819 والقضاء على الثورة. # 3 شل حركة المقاومة ، وإظهار سيطرة الدولة على جميع الأوضاع في البلاد. # ورفعت راية الأمان فسارع الكوفيون الذين كانوا مع مسلم إلى الانضمام ~~إليها ؛ لنفي التهمة وإظهار إخلاصهم للحكم القائم آنذاك. ### || اشتباه : # ومن الغريب ما ذكره ابن قتيبة (2)، والحر العاملي (3) من أن مسلما كان ~~في بيت المختار ثم خرج لحرب ابن زياد ، وبعد فشل ثورته التجأ PageV03P390 # إلى بيت هانئ فأجاره هانئ ، وقال له : ابن زياد يدخل داري فاضرب عنقه ، ~~فامتنع مسلم من الفتك به ، وقام ابن زياد باعتقال هانئ ، ثم أرسل شرطته ~~لإلقاء القبض على مسلم فقاتلهم حتى ضعف عن المقاومة فوقع أسيرا بأيديهم. ~~وهذا الذي أفاداه لم يذهب إليه أحد من المؤرخين ؛ فإن تفصيل الحادثة حسب ما ~~ذكرناه ، وما عداه فهو من الأقوال الشاذة التي نشأت من قلة التتبع. ### || خطبة ابن زياد : # ولما أيقن الطاغية بفشل ثورة مسلم ، وتفلل قواته المسلحة أمر بجمع الناس ~~في الجامع ، فتوافدت الجماهير وقد خيم عليها الذعر والخوف ، فجاء الطاغية ~~وهو يرعد ويبرق ويتهدد ويتوعد ، فصعد المنبر فقال : أيها الناس ، إن مسلم ~~بن عقيل أتى هذه البلاد وأظهر العناد وشق العصا ، وقد برئت الذمة من رجل ~~أصبناه في داره ، ومن جاء به فله ديته. # اتقوا الله عباد الله ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم ~~سبيلا ، ومن أتاني بمسلم بن عقيل فله عشر آلاف درهم ، والمنزلة الرفيعة من ~~يزيد بن معاوية ، وله في كل يوم حاجة مقضية (1). # وحفل هذا الخطاب بالقسوة والصرامة ، وفيه هذه النقاط التالية : # أالحكم بالإعدام على كل من آوى مسلما مهما كانت لذلك الشخص من مكانة ~~اجتماعية في المصر. # ب إن دية مسلم تكون لمن جاء به. # ج إن من ظفر بمسلم تمنحه السلطة عشرة آلاف درهم. PageV03P391 # د إن من يأتي به يكون من القريبين عند يزيد وينال ثقته. # ه تكافئ السلطة من جاء به بقضاء حاجة له في كل يوم. # وتمنى أكثر اولئك الأوغاد الظفر بمسلم لينالوا المكافأة من ابن مرجانة ~~والتقرب إلى يزيد بن معاوية. ### || الإفشاء ms820 بمسلم : # وطالت تلك الليلة على بلال ابن السيدة الكريمة طوعة التي آوت مسلما ، فقد ~~ظل يترقب بفارغ الصبر طلوع الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم. # ولم يرقد تلك الليلة من الفرح والسرور ؛ فقد تمت فيما يحسب بوارق آماله ~~وأحلامه ، ولما طلع الصبح بادر إلى القصر بحالة تلفت النظر إليها من الدهشة ~~، فقصد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وهو من الاسرة الخبيثة التي لا عهد ~~لها بالشرف والمروءة ، فساره وأعلمه بمكان مسلم عنده ، فأمره عبد الرحمن ~~بالسكوت لئلا يسمع غيره فيبادر بإخبار ابن زياد فينال الجائزة منه. # وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث فأخبره بالأمر ، وفطن ابن زياد ~~إلى خطورة الأمر فبادر يسأل ابن الأشعث قائلا : ما قال لك عبد الرحمن؟ # أصلح الله الأمير! البشارة العظمى. # ما ذاك؟ مثلك من بشر بخير. # إن ابني هذا يخبرني أن مسلم بن عقيل في دار طوعة. # وسر ابن زياد ، ولم يملك أهابه من الفرح ، فانبرى يمني ابن الأشعث بالمال ~~والجاه قائلا : PageV03P392 # قم فأتني به ، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفى. # لقد تمكن ابن مرجانة من الظفر بسليل هاشم ليجعله قربانا إلى امويته ~~اللصيقة التي نحر في سبيلها هو وأبوه جميع القيم الإنسانية ، واستباحا كل ~~ما حرمه الله من إثم وفساد. ### || الهجوم على مسلم : # وندب الطاغية لحرب مسلم عمرو بن حريث المخزومي صاحب شرطته ومحمد بن ~~الأشعث (1)، وضم إليهما ثلاثمئة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها ، وأقبلت ~~تلك الوحوش الكاسرة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحررها من الذل ~~والعبودية وينقذها من الظلم والجور. # ولما سمع وقع حوافر الخيل وزعقات الرجال علم أنه قد اتي إليه ، فبادر إلى ~~فرسه فأسرجه وألجمه وصب عليه درعه وتقلد سيفه ، والتفت إلى السيدة الكريمة ~~طوعة فشكرها على ضيافتها وأخبرها أنه إنما اتي إليه من قبل ابنها الباغي ~~اللئيم قائلا : رحمك الله ، وجزاك عني خيرا. اعلمي إنما اتيت من قبل ابنك (2). # واقتحم الجيش عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه ففروا منهزمين ، ثم ~~عادوا إليه فأخرجهم منها وانطلق ms821 نحوهم في السكة شاهرا سيفه لم يختلج في ~~قلبه خوف ولا رعب ، فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه وقد أبدى من البطولات النادرة ~~ما لم يشاهد لها التاريخ نظيرا في جميع PageV03P393 # عمليات الحروب ، وكان يقاتلهم وهو يرتجز : # هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع %~% فأنت بكأس الموت لا شك جارع فصبر لأمر الله جل جلاله %~% فحكم قضاء الله في الخلق ذائع (1) # وأبدى سليل هاشم من الشجاعة وقوة البأس ما حير الألباب وأبهر العقول ؛ ~~فقد قتل منهم فيما يقول بعض المؤرخين واحدا وأربعين رجلا (2) ما عدا الجرحى ~~، وكان من قوته النادرة أنه يأخذ الرجل بيده ويرمي به من فوق البيت (3)، ~~وليس في تاريخ الإنسانية مثل هذه البطولة ولا مثل هذه القوة ، وليس هذا ~~غريبا عليه ؛ فعمه علي بن أبي طالب أشجع الناس وأقواهم بأسا وأشدهم عزيمة. # واستعمل معه الجبناء من أنذال أهل الكوفة ألوانا قاسية وشاذة من الحرب ، ~~فقد اعتلوا سطوح بيوتهم وجعلوا يرمونه بالحجارة وقذائف النار (4)، ولو ~~كانت في ميدان فسيح لأتى عليهم ، ولكنها كانت في الأزقة والشوارع. ### || فشل الجيوش : # وفشلت جيوش أهل الكوفة وعجزت عن مقاومة البطل العظيم ، فقد أشاع فيهم ~~القتل وألحق بهم خسائر فادحة ، وأسرع الخائن الجبان PageV03P394 # محمد بن الأشعث يطلب من سيده ابن مرجانة أن يمده بالخيل والرجال ؛ فقد ~~عجز عن مقاومة مسلم. ولامه الطاغية قائلا : سبحان الله! بعثناك إلى رجل ~~واحد تأتينا به ، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة (1)؟! # وثقل هذا التقريع على ابن الأشعث ، فراح يشيد بابن عقيل قائلا : أتظن أنك ~~أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة ، أو جرمقاني من جرامقة (2) الحيرة؟! (3) ~~، وإنما بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام (4). # وأمده ابن زياد بقوى مكثفة من الجيش فجعل البطل العظيم يقاتل وحده ، وهو ~~يرتجز : # أقسمت لا اقتل إلا حرا %~% وإن رأيت الموت شيئا نكرا أو يخلط البارد سخنا مرا %~% رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرئ يوما يلاقي شرا %~% أخاف أن اكذب أو اغرا (5) # لقد كنت يابن عقيل سيد الأحرار ms822 ، فقد رفعت لواء العزة والكرامة ورفعت ~~شعار الحرية والإباء ، وأما خصومك الحقراء فهم العبيد الذين رضوا بالذل ~~والهوان. # وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله : هو رجز من الناحية النفسية ~~صادق كل الصدق ، معبر PageV03P395 # تعبيرا دقيقا عن الموجات النفسية التي كانت تندفع في نفس الشاعر وهو في ~~موقفه الضيق الحرج ، فهو قبل كل شيء مصمم على أن يحتفظ بحريته ولو أدى هذا ~~إلى قتله ، وهو يعلن في صراحة وصدق أن الموت شيء منكر ، ولا يقول هذا كما ~~يقوله غيره ممن يغالطون أنفسهم أن الموت شيء محبب إلى نفسه ، وإنما يعبر عن ~~نفسيته تعبيرا صادقا ، فالموت شيء لا يحبه ، ولكنه لا يفر منه ما دام قد ~~صمم على الاحتفاظ بحريته. # ثم يحاول أن يهدئ من روعه ، ويجعل هذه الموجة العالية الرهيبة تنحسر عن ~~نفسه دون أن يجذبها في تيارات من الهلع والفزع ، فيحدث عن نفسه بأن الدنيا ~~متقلبة وكل امرئ فيها لا بد أن يلاقي ما يسوؤه ، وهو يعرض هذا الحديث ~~النفسي في صورة فنية رائعة. # وأضاف يقول : إنه حريص على الحياة ، ولكنه حريص على الحرية بجعله مترددا ~~؛ لأنه يخشى ، بل يخاف أن يكذب عليه أعداؤه ، أو يخدعوه فيقتلوه دون محاولة ~~منه لتنفيذ عهده بأن يموت في سبيل حريته ، أو يأسروه فيفقد حريته التي يحرص ~~عليها حرصه على الحياة. # أرأيت كيف استطاع أن يصور موقفه الضيق الحرج هذا التصوير الفتي الرائع ، ~~الذي يشمل روعته من تعبيره عن نفسيته تعبيرا صادقا لا رياء فيه ولا تضليل؟ # إن هذا هو السر الذي يجعل هذه الشطور القليلة تؤثر في نفوسنا تأثيرا ~~يجعلنا نشعر بما كان يعانيه قائلها من صراع داخلي هائل لا يعدله إلا صراعه ~~الخارجي مع أعدائه (1). PageV03P396 ### || أمان ابن الأشعث : # ولما سمع محمد بن الأشعث رجز مسلم الذي أقسم فيه أن يموت ميتة الأحرار ، ~~وأن لا يخدع ولا يغر انبرى إليه قائلا : إنك لا تكذب ولا تخدع ، إن القوم ~~بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاريك (1). # فلم يعتن به مسلم ، وإنما مضى يقاتلهم أعنف ms823 القتال وأشده ففروا منهزمين ~~من بين يديه ، واعتلوا فوق بيوتهم يرمونه بالحجارة فأنكر عليهم مسلما ذلك ~~قائلا : ويلكم! ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمى الكفار ، وأنا من أهل بيت ~~الأبرار؟! ويلكم! أما ترعون حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته؟! # ولم يستطيعوا مقابلته وجبنوا عن مقابلته ، وضاق بابن الأشعث أمره فصاح ~~بالجيش : ذروه حتى أكلمه ، ودنا منه ، فخاطبه : يابن عقيل ، لا تقتل نفسك ، ~~أنت آمن ، ودمك في عنقي. # ولم يحفل به مسلم ؛ فإنه على علم بأن الأشعث لم يمر في تاريخه ولا في ~~تاريخ اسرته أي معنى من معاني الشرف والنبل والوفاء ، فاندفع يقول له : ~~يابن الأشعث ، لا اعطي بيدي أبدا وأنا أقدر على القتال. والله ، لا كان ذلك أبدا. # وحمل مسلم على ابن الأشعث ففر الجبان يلهث كأنه الكلب ، وأخذ العطش ~~القاسي من مسلم مأخذا عظيما فجعل يقول : # اللهم ، إن العطش قد بلغ مني. PageV03P397 # وتكاثرت الجنود عليه إلا إنها منيت بالذعر والجبن ، وصاح بهم ابن الأشعث ~~: إن هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع ، احملوا عليه ~~بأجمعكم حملة واحدة (1). # وحملوا عليه حملة واحدة ؛ فضربه بكير بن حمران الأحمري ضربة منكرة على ~~شفته العليا ، وأسرع السيف إلى السفلى ، وضربه مسلم ضربة أردته إلى الأرض. ### || أسره : # وبعدما اثخن مسلم بالجراح ، وأعياه نزيف الدم ، انهارت قواه وضعف عن ~~المقاومة ، فوقع أسيرا بأيدي اولئك الأوغاد ، فتسابقوا إلى ابن زياد يحملون ~~له البشرى بأسرهم للقائد العظيم الذي جاء ليحررهم من الذل والعبودية ، وقد ~~طار الطاغية فرحا ؛ فقد ظفر بخصمه وتم له القضاء على الثورة. # أما كيفية أسره ، فقد اختلفت فيها أقوال المؤرخين ، وهذه بعضها : # 1 ما ذكره ابن أعثم الكوفي : أن مسلما وقف ليستريح مما ألم به من الجروح ~~، فطعنه من خلفه رجل من أهل الكوفة طعنة غادرة فسقط إلى الأرض فأسرعوا إلى ~~أسره (2). # 2 ما ذكره الشيخ المفيد : أن مسلما لما اثخن بالحجارة وعجز من القتال ~~أسند ظهره إلى جنب دار ، فقال له ابن الأشعث : لك الأمان. PageV03P398 # فقال ms824 مسلم : أأمن؟ قال : نعم. فقال للقوم الذين معه : ألي الأمان؟ قالوا ~~: نعم ، إلا عبيد الله بن العباس السلمي فإنه قال : لا ناقة لي في هذا ولا ~~جمل. وتنحى. # فقال مسلم : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم. واتي ببغلة فحمل ~~عليها فاجتمعوا حوله ، وانتزعوا سيفه فكأنه عند ذلك أيس ، فقال : هذا أول ~~الغدر (1). # 3 ما ذكره أبو مخنف : أنهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب ثم انكشفوا ~~بين يديه ، فحمل عليهم فانكشفوا بين يديه ، فلما انتهى إليها سقط فيها ~~فازدحموا عليه وأسروه (2). وهذا القول لم يذهب إليه غير أبي مخنف. ### || مع عبيد الله السلمي : # ولم يفكر مسلم في تلك الساعة الحرجة بما سيعانيه من القتل والتنكيل على ~~يد الطاغية ابن مرجانة ؛ وإنما شغل فكره ما كتبه للإمام الحسين بالقدوم إلى ~~هذا المصر ، فقد أيقن أنه سيلاقي نفس المصير الذي لاقاه ، فدمعت عيناه وظن ~~عبيد الله بن العباس السلمي أنه يبكي لما صار إليه من الأسر ، فأنكر عليه ~~ذلك وقال له : إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك. # فرد عليه مسلم ما توهمه فيه قائلا : PageV03P399 # إني والله ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثي وإن كنت لم أحب لها ~~طرفة عين تلقها ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين. أبكي لحسين (1). # وازدحمت الشوارع والأزقة بالجماهير الحاشدة لتنظر ما يؤل إليه أمر القائد ~~العظيم وما سيلاقيه من الامويين ، ولم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنت شفة ~~حذرا من السلطة العاتية. ### || مع الباهلي : # وجيء بمسلم أسيرا تحف به الشرطة وقد شهرت عليه السيوف ، فلما انتهي به ~~إلى قصر الإمارة رأى جرة فيها ماء بارد وقد أخذ العطش منه مأخذا أليما ، ~~فالتفت إلى من حوله قائلا : اسقوني من هذا الماء. # فانبرى إليه اللئيم الدنس مسلم بن عمرو الباهلي فقال له : أتراها ما ~~أبردها؟ والله ، لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم. # ولا حد لظلم الإنسان ولا منتهى لوحشيته وجفائه ، فما يضر اولئك الجفاة لو ms825 ~~سقوه الماء وهو أسير بين أيديهم لا يملك من أمره شيئا ، وكان هذا السمت من ~~التردي وسقوط الأخلاق قد عرف به جميع السفلة الساقطين من قتلة المصلحين. # فانبرى مسلم فأراد التعرف على هذا الإنسان الممسوخ الذي تنكر لأبسط القيم ~~الإنسانية قائلا له : من أنت؟! PageV03P400 # فأجابه مفتخرا بأنه من عملاء السلطة الاموية وأذنابها قائلا : # أنا من عرف الحق إذ تركته ونصح الامة ، والإمام إذ غششته وسمع وأطاع إذ ~~عصيته ، أنا مسلم بن عمرو. # أي حق عرفه الباهلي؟ وأي نصيحة أسداها للامة هذا الجلف الجافي الذي ارتطم ~~في الباطل وماج في الضلال؟ لقد كان منتهى ما يفخر به تماديه في خدمة ابن ~~مرجانة الذي هو صفحة عار وخزي على الإنسانية في جميع مراحل التاريخ. # ورد عليه مسلم بمنطقه الفياض قائلا : لامك الثكل! ما أجفاك وأفظك ، وأقسى ~~قلبك وأغلظك! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني. # واستحيا عمارة بن عقبة (1) من جفوة الباهلي وقسوته ، فدعا بماء بارد فصبه ~~في قدح فأخذ مسلم كلما أراد أن يشرب يمتلئ القدح دما ، وفعل ذلك ثلاثا ، ~~فقال وقد ذاب قلبه من الظمأ : لو كان من الرزق المقسوم لشربته (2). # وهكذا شاءت المقادير أن يحرم من الماء ويموت ظامئا ، كما حرم من الماء ~~ابن عمه ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنة. ### || مع ابن زياد : # وكان من أعظم ما رزئ به مسلم أن يدخل أسيرا علي الدعي ابن مرجانة ، فقد ~~ود أن الأرض وارته ولا يمثل أمامه ، وقد شاءت المقادير PageV03P401 # أن يدخل عليه ، وقد دخل تحف به الشرطة ، فلم يحفل البطل بابن زياد ولم ~~يعن به ، فسلم على الناس ولم يسلم عليه ، فأنكر عليه الحرسي وهو من صعاليك ~~الكوفة قائلا : هلا تسلم على الأمير؟ فصاح به مسلم محتقرا له ولأميره : ~~اسكت لا ام لك! ما لك والكلام؟! والله ليس لي بأمير فاسلم عليه. # وكيف يكون ابن مرجانة أميرا على مسلم سيد الأحرار وأحد المستشهدين في ~~سبيل الكرامة الإنسانية؟! إنما هو أمير على اولئك ms826 الممسوخين الذين لم ~~يألفوا إلا الخنوع والذل والعار. # والتاع الطاغية من احتقار مسلم له وتبدد جبروته ، فصاح به : لا عليك ، ~~سلمت أم لم تسلم فإنك مقتول. # ولم يملك الطاغية سوى سفك الدم الحرام ، وحسب أن ذلك يخيف مسلما أو يوجب ~~انهياره وخضوعه له ، فانبرى إليه بطل عدنان قائلا بكل ثقة واعتزاز بالنفس : ~~إن قتلتني فقد قتل من هو شر منك من كان خيرا مني. # ولذعه هذا الكلام الصارم وأطاح بغلوائه ، فقد ألحقه مسلم بالجلادين ~~والسفاكين من قتلة الأحرار والمصلحين. واندفع الطاغية يصبح بمسلم : يا شاق ~~، يا عاق ، خرجت على إمام زمانك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة. # أي إمام خرج عليه مسلم ، وأي عصا للمسلمين شقها ، وأي فتنة ألقحها؟! إنما ~~خرج على قرين الفهود والقرود. لقد خرج لينقذ الامة من محنتها أيام ذلك ~~الحكم الأسود. # وانبرى مسلم يرد عليه قائلا : PageV03P402 # والله ، ما كان معاوية خليفة بإجماع الامة ، بل تغلب على وصي النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بالحيلة ، وأخذ منه الخلافة بالغصب ، وكذلك ابنه يزيد ؛ ~~وأما الفتنة فإنما ألقحتها أنت وأبوك زياد من بني علاج. وأنا أرجو أن ~~يرزقني الله الشهادة على يد شر بربته ، فوالله ما خالفت ولا كفرت ولا بدلت ~~، وإنما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن علي ، ونحن أولى بالخلافة من ~~معاوية وابنه وآل زياد. # وكانت هذه الكلمات أشد على ابن مرجانة من الموت ، فقد كشفت واقعه أمام ~~شرطته وعملائه ، وجردته من كل نزعة إنسانية ، وأبرزته كأحقر مخلوق على وجه ~~الأرض. ولم يجد الدعي وسيلة يلجأ إليها سوى الافتعالات الكاذبة التي هي ~~بضاعته وبضاعة أبيه زياد من قبل. فأخذ يتهم مسلما بما هو برئ منه قائلا : ~~يا فاسق ، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟ # فصاح به مسلم : أحق والله بشرب الخمر من يقتل النفس المحرمة وهو يلهو ~~ويلعب كأنه لم يسمع شيئا. # واسترد الطاغية تفكيره فرأى أن هذه الأكاذيب لا تجديه شيئا ، فراح يقول ~~له : منتك نفسك أمرا حال الله بينك وبينه وجعله لأهله. # فقال مسلم باستهزاء وسخرية ms827 : من أهله؟! # يزيد بن معاوية. # الحمد لله ، كفى بالله حاكما بيننا وبينكم. # أتظن أن لك من الأمر شيئا؟ PageV03P403 # لا والله ، ما هو الظن ولكنه اليقين. # قتلني الله إن لم أقتلك. # إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة. والله ، لو كان معي ~~عشرة ممن أثق بهم وقدرت على شربة ماء لطال عليك أن تراني في هذا القصر ، ~~ولكن إن كنت عزمت على قتلي فأقم لي رجلا من قريش أوصي له بما اريد (1). ~~وسمح له الطاغية بأن يوصي بما أهمه. ### || وصية مسلم : # ونظر مسلم في مجلس ابن زياد فرأى عمر بن سعد فأحب أن يعهد إليه بوصيته ، ~~فقال له : لا أرى في المجلس قرشيا غيرك (2)، ولي إليك حاجة وهي سر (3). # واستشاط ابن زياد غضبا حيث نفاه مسلم من قريش ، وأبطل استلحاقه ببني امية ~~، فقد أبطل ذلك النسب اللصيق الذي ثبت بشهادة أبي مريم الخمار ، ولم يستطع ~~أن يقول ابن زياد شيئا. # وامتنع ابن سعد من الاستجابة لمسلم ؛ ارضاء لعواطف سيده ابن مرجانة ، ~~وكسبا لمودته. وقد لمس ابن زياد خوره وخنوعه فأسرها في نفسه PageV03P404 # ورأى أنه خليق بأن يرشحه لقيادة قواته المسلحة التي يزج بها لحرب ريحانة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وأمر ابن زياد عمر بن سعد بأن يقوم مع مسلم ليعهد إليه بوصيته ، وقام ابن ~~سعد معه فأوصاه مسلم بما يلي : # 1 أن عليه دينا بالكوفة يبلغ سبعمئة درهم ، فيبيع سيفه ودرعه ليوفيها عنه (1). # وقد دل ذلك على شدة احتياطه وتحرجه في دينه ، كما أوصى أن يعطي لطوعة ما ~~يفضل من وفاء دينه. # 2 أن يستوهب جئته من ابن زياد فيواريها (2)؛ وذلك لعلمه بخبث الامويين ~~وإنهم لا يتركون المثلة. # 3 أن يكتب للحسين بخبره (3) فقد شغله أمره ؛ لأنه كتب إليه بالقدوم إلى ~~الكوفة. # وأقبل ابن سعد يلهث على ابن زياد فقال له : أتدري أيها الأمير ما قال لي؟ ~~إنه قال : كذا وكذا (4). # وأنكر عليه ابن زياد إبداءه السر فقال : لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن ~~الخائن ؛ أما ماله ms828 فهو لك تصنع به ما شئت ، وأما الحسين فإن لم يردنا لم ~~نرده وإن أرادنا لم نكف عنه ، وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها (5). PageV03P405 # لقد ترك الطاغية شفاعة ابن سعد في جثة مسلم ؛ فقد عزم على التمثيل بها ~~للتشفي منه وليتخذ من ذلك وسيلة لإرهاب الناس وخوفهم. ### || الطاغية مع مسلم : # وصاح ابن مرجانة بمسلم ، فقال له : بماذا أتيت إلى هذا البلد؟ شتت أمرهم ~~، وفرقت كلمتهم ، ورميت بعضهم على بعض. # وانطلق فخر هاشم قائلا بكل ثقة واعتزاز بالنفس : لست لذلك أتيت هذا البلد ~~ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف ، وتأمرتم على الناس من غير رضى ، ~~وحملتموهم على غير ما أمركم الله به ، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر ؛ ~~فأتيناهم لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة ~~، وكنا أهلا لذلك ؛ فإنه لم تزل الخلافة لنا منذ قتل أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) ولا تزال الخلافة لنا ، فإنا قهرنا عليها. # إنكم أول من خرج على إمام هدى وشق عصا المسلمين ، وأخذ هذا الأمر غصبا ~~ونازع أهله بالظلم والعدوان (1). # وأدلى مسلم بهذا الحديث عن أسباب الثورة التي أعلنها الإمام الحسين على ~~الحكم الاموي ، وقد التاع الطاغية من كلام مسلم وتبددت نشوة ظفره ، فلم يجد ~~مسلكا ينفذ منه لإطفاء غضبه سوى السب للعترة الطاهرة ، فأخذ يسب عليا ~~والحسن والحسين. # وثار مسلم في وجهه ، فقال له : أنت وأبوك أحق بالشتم منهم ، فاقض ما أنت ~~قاض ؛ فنحن PageV03P406 # أهل البيت موكل بنا البلاء (1). # لقد ظل مسلم حتى الرمق الأخير من حياته عالي الهمة ، وجابه الأخطار ببأس ~~شديد ، فكان في دفاعه ومنطقه مع ابن مرجانة مثالا للبطولات النادرة. ### || إلى الرفيق الأعلى : # وآن للقائد العظيم أن ينقل عن هذه الحياة بعد ما أدى رسالته بأمانة ~~وإخلاص ، وقد رزق الشهادة على يد الممسوخ القذر ابن مرجانة ، فندب لقتله ~~بكير بن حمران الذي ضربه مسلم ، فقال له : خذ مسلما واصعد به إلى أعلى ~~القصر واضرب عنقه بيدك ؛ ليكون ذلك أشفى لصدرك. # والتفت مسلم إلى ابن الأشعث الذي أعطاه ms829 الأمان فقال له : يابن الأشعث ، ~~أما والله ، لولا أنك آمنتني ما استسلمت. قم بسيفك دوني فقد اخفرت ذمتك. ~~فلم يحفل به ابن الأشعث (2). # واستقبل مسلم الموت بثغر باسم ، فصعد به إلى أعلى القصر وهو يسبح الله ~~ويستغفره بكل طمأنينة ورضى ، وهو يقول : اللهم ، احكم بيننا وبين قوم غرونا ~~وخذلونا (3). # وأشرف به الجلاد على موضع الحذائيين فضرب عنقه ، ورمى برأسه PageV03P407 # وجسده إلى الأرض (1)، وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يحمل ~~نزعات عمه أمير المؤمنين (عليه السلام) ومثل ابن عمه الحسين ، وقد استشهد ~~دفاعا عن الحق ودفاعا عن حقوق المظلومين والمضطهدين. # ونزل القاتل الأثيم فاستقبله ابن زياد ، فقال له : ما كان يقول وأنتم ~~تصعدون به؟ # كان يسبح الله ويستغفره ، فلما أردت قتله قلت له : الحمد لله الذي أمكنني ~~منك وأقادني منك. فضربته ضربة لم تغن شيئا ، فقال لي : أما ترى في خدشا ~~تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد. # فبهر ابن زياد وراح يبدي إعجابه وإكباره له قائلا : أوفخرا عند الموت (2)! # وقد انطوت بقتل مسلم صفحة مشرقة من أروع صفحات العقيدة والجهاد في ~~الإسلام ، فقد استشهد في سبيل العدالة الاجتماعية ومن أجل إنقاذ الامة ~~وتحريرها من الظلم والجور. وهو أول شهيد من الاسرة النبوية يقتل علنا أمام ~~المسلمين ولم يقوموا بحمايته والذب عنه. ### || سلبه : # وانبرى سليل الخيانة محمد بن الأشعث (3) إلى سلب مسلم ، فسلب PageV03P408 # سيفه ودرعه وهو غير حافل بالعار والخزي ، وقد تعرض للنقد اللاذع من جميع ~~الأوساط في الكوفة. # ويقول بعض الشعراء في هجائه : # وتركت عمك أن تقاتل دونه %~% فشلا ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل بيت محمد %~% وسلبت أسيافا له ودروعا (1) # وعمد بعض أجلاف أهل الكوفة فسلبوا رداء مسلم وثيابه. ### || تنفيذ الإعدام في هانئ : # وأمر الطاغية بإعدام الزعيم الكبير هانئ بن عروة وإلحاقه بمسلم ؛ مبالغة ~~في إذلال زعماء الكوفة وإذاعة للذعر والخوف بين الناس. # وقام محمد بن الأشعث فتشفع فيه خوفا من بطش اسرته قائلا : أصلح الله ~~الأمير ، إنك قد عرفت شرفه في عشيرته (2)، وقد عرف قومه إني وأسماء ms830 بن ~~خارجة جئنا به إليك ، فانشدك الله أيها الأمير لما وهبته لي ؛ فإني أخاف ~~عداوة أهل بيته ، وإنهم سادات أهل الكوفة وأكثرهم عددا. # فلم يحفل ابن زياد وإنما زبره وصاح به ، فسكت العبد ، واخرج البطل إلى ~~السوق في موضع تباع فيه الأغنام مبالغة في إذلاله. ولما علم أنه ملاق حتفه ~~جعل يستنجد باسرته وقد رفع عقيرته : وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم. وا ~~عشيرتاه (3)! PageV03P409 # ولو كانت عند مذحج صبابة من الشرف والنبل لانبرت إلى إنقاذ زعيمها ، ~~ولكنها كانت كغيرها من قبائل الكوفة قد طلقت المعروف ثلاثا. # وعمد هانئ إلى إخراج يده من الكتاف وهو يطلب السلاح ليدافع به عن نفسه ، ~~فلما بصروا به بادروا إليه فأوثقوه كتافا ، وقالوا له : امدد عنقك. فأجاب ~~برباطة جأش ورسوخ يقين : لا والله ، ما كنت بالذي أعينكم على نفسي. # وانبرى إليه وغد من شرطة ابن زياد يقال له رشيد التركي (1) فضربه بالسيف ~~فلم يصنع به شيئا ، ورفع هانئ صوته قائلا : اللهم إلى رحمتك ورضوانك. اللهم ~~، اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي ؛ فإني إنما تعصبت لابن بنت محمد. # وضربه الباغي ضربة أخرى فهوى إلى الأرض يتخبط بدمه الزاكي ، ولم يلبث ~~قليلا حتى فارق الحياة (2)، وكان عمره يوم استشهد تسعا وتسعين سنة (3)، ~~وقد مضى شهيدا دون مبادئه وعقيدته ، وجزع لقتله الأحرار والمصلحون. # وقد رثاه أبو الأسود الدؤلي بقوله : |إني قتلت راشد التركيا||وليته أبيض مشرفيا| # أرضى بذلك النبيا # جاء ذلك في أنساب الأشراف 1 ق 1 / 155. PageV03P410 أقول: وذاك من جزع ووجد %~% أزال الله ملك بني زياد هم جدعوا الانوف وكن شما %~% بقتلهم الكريم أخا مراد (1) # ورثى الأخطل ابن زياد بقوله : # ولم يك عن يوم ابن عروة غائبا %~% كما لم يغب عن ليلة ابن عقيل أخو الحرب صراها فليس بناكل %~% جبار ولا وجب الفؤاد ثقيل ### || السحل في الشوارع : # وعهد الطاغية إلى زبانيته وعملائه بسحل جثة مسلم وهانئ في الشوارع ~~والأسواق ، فعمدوا إلى شد أرجلهما بالحبال وأخذوا يسحلونهما في الطرق (2)؛ ~~وذلك لإخافة العامة وشيوع الإرهاب ، وليكونا عبرة لكل من تحدثه ms831 نفسه ~~بالخروج على الحكم الاموي. # لقد سحب هانئ أمام اسرته وقومه ، ولو كان عندهم ذرة من الشرف والحمية ~~لانبروا إلى تخليص جثة زعيمهم من أيدي الغوغاء الذين بالغوا في إهانتها. ### || صلب الجثتين : # ولما قضى الطاغية إربه في سحل جثة مسلم وهانئ أمر بصلبهما ، PageV03P411 # فصلبا منكوسين (1) في الكناسة (2)، فكان مسلم فيما يقول المؤرخون أول ~~قتيل صلبت جثته من بني هاشم (3)، وقد استعظم المسلمون كأشد ما يكون ~~الاستعظام هذا الحادث الخطير ؛ فإن هذا التمثيل الفظيع إنما هو جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ، ومسلم وهانئ إنما هما من رواد ~~الحق ودعاة الإصلاح في الإرض. # وعلى أي حال ، فقد أخضع الطاغية بعد قتله لمسلم وهانئ العراق الثائر ، ~~وارتمت جميع أوساطه تحت قدميه بدون أية مقاومة. ### || الرؤوس إلى دمشق : # وعمد ابن مرجانة إلى إرسال رأس مسلم وهانئ وعمارة بن صلخب الأزدي (4) ~~هدية إلى سيده يزيد ؛ لينال الجائزة ويحرز إخلاص الاسرة المالكة له. # وقد أرسل معها هذه الرسالة : أما بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير ~~المؤمنين بحقه وكفاه مؤونة عدوه. أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن ~~عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي ، وإني جعلت عليهما العيون ، ودسست ~~إليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما ، فضربت أعناقهما ~~وبعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوداعي الهمداني ، والزبير بن ~~الأروح التميمي ، وهما من أهل السمع والطاعة ، فليسألهما أمير المؤمنين PageV03P412 # عما أحب ؛ فإن عندهما علما وصدقا وفهما وورعا ، والسلام (1). # واحتوت هذه الرسالة على العمليات التي قام بها الطاغية للقضاء على الثورة ~~، والتي كان من أهمها : # 1 استعانته بالعيون والجواسيس في معرفة شؤون الثورة والوقوف على أسرارها ~~، وقد قام بهذه العملية معقل مولاه. # 2 إنه دس لهانئ العضو البارز في الثورة الرجال حتى صار تحت قبضته واعتقله ~~، وكذلك كاد لمسلم حينما ثار عليه ، فقد أرسل عيون أهل الكوفة ووجوهها مع ~~العرفاء فأخذوا يذيعون الذعر وينشرون الإرهاب حتى انهزم جيشه. ### || جواب يزيد : # ولما انتهت الرؤوس إلى دمشق سر يزيد بذلك سرورا ms832 بالغا ، وكتب لابن مرجانة ~~جوابا عن رسالته شكره فيها ، وهذا نصها : أما بعد ، فإنك لم تعد إذ كنت كما ~~أحب. عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابض. فقد كفيت وصدقت ظني ورأيي ~~فيك وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذين ذكرت ، فقد وجدتهما في رأيهما ~~وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما كما ذكرت ، وقد أمرت لكل واحد منهما ~~بعشرة آلاف درهم وسرحتهما إليك فاستوص بهما خيرا. # وقد بلغني أن الحسين بن علي قد عزم على المسير إلى العراق ، فضع المراصد ~~والمناظر واحترس واحبس على الظن ، واكتب إلي في كل PageV03P413 # يوم بما تجدد لك من خير أو شر ، والسلام (1). # وحفلت هذه الرسالة بالتقدير البالغ لابن زياد وأضفت عليه صفة الحازم ~~اليقظ ، وإنه قد حقق ظن يزيد فيه أنه أهل للقيام بمثل هذه الأعمال الخطيرة. ~~وقد عرفه يزيد بعزم الإمام الحسين على التوجه إلى العراق ، وأوصاه باتخاذ ~~التدابير التالية : # 1 وضع المراصد والحرس على جميع الطرق والمواصلات. # 2 التحرس في أعماله ، وأن يكون حذرا يقظا. # 3 أخذ الناس بسياسة البطش والإرهاب. # ونقل الزركلي في هامش أعلامه 9 / 51 عن صلة تاريخ الطبري / 62 من حوادث ~~سنة 304 ه أنه ورد إلى بغداد كتاب من خراسان يذكر فيه أنه وجد بقندهار في ~~أبراج سورها برج متصل بها ، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش ، ومن هذه ~~الرؤوس تسعة وعشرون رأسا ، في اذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم ~~باسم رجل منهم. وعد منهم هانئ بن عروة ، وقال : إنهم قد وجدوا على حالهم ~~إلا أنه قد جفت جلودهم ، والشعر عليها بحالته لم يتغير. PageV03P414 # 4 أن يكون على اتصال دائم مع يزيد ويكتب له بجميع ما يحدث في القطر ، ~~وطبق ابن مرجانة جميع ما عهده إليه سيده ، ونفذ ما يلي : ### || إعلان الأحكام العرفية : # وبعدما أطاح الطاغية بثورة مسلم قبض على العراق بيد من حديد ، وأعلن ~~الأحكام العرفية في جميع أنحاء العراق ، واعتمد في تنفيذ خططه على القسوة ~~البالغة ، فأشاع من الظلم والجور ما لا يوصف. فكان ms833 اسمه موجبا لإثارة الفزع ~~والخوف في نفوس العراقيين كما كان اسم أبيه زياد من قبل. # لقد فوضت إليه حكومة دمشق السلطات الواسعة ، وأمرته بأخذ الناس بالظنة ~~وإعدام كل من يحقد على الحكم الاموي ، أو له ضلع بالاشتراك في أية مؤامرة ~~تحاك ضده. # وبهذه الأساليب الرهيبة ساق الناس لحرب الحسين. فقد كان يحكم بالموت على ~~كل من يتخلف ، أو يرتدع عن الخوض في المعركة (1). ### || احتلال الحدود العراقية : # واحتل ابن زياد جميع الحدود العراقية احتلالا عسكريا ، ومنع الناس من ~~الدخول للعراق والخروج منه إلا بإذن وتأشير خاص من شرطة الحدود ، وكانوا ~~إذا أخذوا رجلا أجروا معه التحقيق الكامل. فإن علموا براءته أطلقوا سراحه ، ~~وإلا بعثوه مخفورا إلى السلطة المركزية في الكوفة ؛ لتجري معه المزيد من ~~التحقيق. وقد احتاط في هذه الجهة أشد الاحتياط ؛ مخافة أن يلج أحد إلى ~~العراق أو يخرج منه من شيعة الإمام الحسين. ويقول المؤرخون : PageV03P415 # إنه جعل على جميع المفارق ورؤوس المنازل عيونا من عسكره ، كما عين في ~~البر نقاطا ومسالح ترصد جميع الحركات ، وقد بعث الحصين بن نمير رئيس شرطته ~~إلى القادسية ومنها إلى خفان ثم إلى القطقطانية وجبل لعلع ، ورتب في كل ~~مكان جماعة من الفرسان والخيالة ؛ لتفتيش الداخل والخارج. # وقد حفظت هذه الإجراءات تلك المناطق من الاشتراك بأي عمل ضد الدولة ، كما ~~حفظت خطوط المواصلات بين الكوفة والشام ، وقد ألقت الشرطة القبض على مسهر ~~الصيداوي رسول الإمام الحسين إلى الكوفة وبعثته مخفورا إلى ابن زياد ، ~~وسنذكر حديثه في البحوث الآتية : ### || الاعتقالات الواسعة : # وقام ابن زياد بحملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الشيعة. فاعتقل منهم ~~فيما يقول بعض المؤرخين اثني عشر ألفا (1)، وكان من بين المعتقلين سليمان ~~بن صرد الخزاعي والمختار بن يوسف الثقفي وأربعمئة من الأعيان والوجوه (2). # وقد أثارث هذه الإجراءات عاصفة من الفزع والهلع لا في الكوفة فحسب وإنما ~~في جميع أنحاء العراق ، وقد ابتعد الكوفيون عن التدخل في أية مشكلة سياسية ~~، ولم تبد منهم أية حركة من حركات المعارضة وأيقنوا أن لا قدرة لهم ms834 على ~~الإطاحة بالعرش الاموي ، وظلوا قابعين تحت وطأة سياطه القاسية. PageV03P416 ### | إخفاق الثورة PageV03P417 # ويتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدت إلى إخفاق مسلم في ثورته مع ما كان ~~يتمتع به من القوى العسكرية ، في حين أن خصمه لم تكن عنده أية قوة يستطيع ~~أن يدافع بها عن نفسه ، فضلا عن الهجوم والدخول في عمليات القتال ، ويعزو ~~بعضهم السبب في ذلك إلى قلة خبرة مسلم في الشؤون السياسية وعجزه من السيطرة ~~على الموقف ؛ فترك المجال مفتوحا لعدوه حتى تغلب عليه. # وهذا الرأي فيما يبدو سطحي ليست له أية صبغة من التحقيق ؛ وذلك لعدم ~~ابتنائه على دراسة الأحداث بعمق وشمول ، ومن أهمها فيما نحسب دراسة المجتمع ~~الكوفي وما مني به من التناقض في سلوكه الفردي والاجتماعي ، والوقوف على ~~المخططات السياسية التي اعتمد عليها ابن زياد للتغلب على الأحداث ، والنظر ~~في الصلاحيات المعطاة لمسلم بن عقيل من قبل الإمام ؛ فإن الإحاطة بهذه ~~الامور توضح لنا الأسباب في إخفاق الثورة ، وفيما يلي ذلك : ### || المجتمع الكوفي : # ولا بد لنا أن نتحدث بمزيد من التحقيق عن طبيعة المجتمع الكوفي ؛ فإنه ~~المرآة الذي تنعكس عليه الأحداث الهائلة التي لعبت دورها الخطير في تاريخ ~~الإسلام السياسي ، وأن نتبين العناصر التي سكنت الكوفة وننظر إلى طبيعة ~~الصلات الاجتماعية فيما بينهما ، والحياة الاقتصادية التي كانت تعيش فيها ؛ ~~فإن البحث عن ذلك يلقي الأضواء على فشل الثورة ، كما يلقي الأضواء على ~~التذبذب والانحرافات الفكرية التي مني بها هذا المجتمع ، والتي كان من ~~نتائجها ارتكابه لأبشع جريمة في تاريخ الإنسانية وهي إقدامه على قتل ريحانة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلى القراء ذلك : PageV03P419 ### || الظواهر الاجتماعية : # أما الظواهر الاجتماعية التي تفرد بها المجتمع الكوفي دون بقية الشعوب فهي : ### || التناقض في السلوك : # والظاهرة الغريبة في المجتمع الكوفي أنه كان في تناقض صريح مع حياته ~~الواقعية ؛ فهو يقول شيئا ويفعل ضده ، ويؤمن بشيء ويفعل ما ينافيه ، والحال ~~أنه يجب أن تتطابق أعمال الإنسان مع ما يؤمن به. # وقد أدلى الفرزدق بهذا التناقض حينما سأله الإمام عن ms835 أهل الكوفة ، فقال ~~له : خلفت قلوب الناس معك ، وسيوفهم مشورة عليك. وكان الواجب يقضي أن تذب ~~سيوفهم عما يؤمنون به ، وأن يناضلوا عما يعتقدون به ، ولا توجد مثل هذه ~~الظاهرة في تاريخ أي شعب من الشعوب. # ومن غرائب هذا التناقض أن المجتمع الكوفي قد تدخل تدخلا إيجابيا في ~~المجالات السياسية وهام في تياراتها ، فكان يهتف بسقوط الدولة الاموية ، ~~وقد كاتبوا الإمام الحسين لينقذهم من جور الامويين وبطشهم ، وبعثوا الوفود ~~إليه مع آلاف الرسائل التي تحثه على القدوم لمصرهم. # ولما بعث إليهم سفيره مسلم بن عقيل قابلوه بحماس بالغ ، وأظهروا له الدعم ~~الكامل حتى كاتب الإمام الحسين بالقدوم إليهم ، ولكن لما دهمهم ابن مرجانة ~~ونشر الرعب والفزع في بلادهم تخلوا عن مسلم وأقفلوا عليهم بيوتهم ، وراحوا ~~يقولون : PageV03P420 # «ما لنا والدخول بين السلاطين». # إن حياتهم العملية لم تكن صدى لعقيدتهم التي آمنوا بها ، فقد كانوا يمنون ~~قادتهم بالوقوف معهم ثم يتخلون عنهم في اللحظات الحاسمة. # ومن مظاهر ذلك التناقض : أنهم بعدما أرغموا الإمام الحسن (عليه السلام) ~~على الصلح مع معاوية وغادر مصرهم جعلوا ينوحون ويبكون على ما فرطوه تجاهه ، ~~ولما قتلوا الإمام الحسين (عليه السلام) ودخلت سبايا أهل البيت (عليهم ~~السلام) مدينتهم أخذوا يعجون بالنياحة والبكاء ، فاستغرب الإمام زين ~~العابدين (عليه السلام) ذلك منهم ، وراح يقول : «إن هؤلاء يبكون وينوحون من ~~أجلنا! فمن قتلنا؟!». # إن فقدان التوازن في حياة ذلك المجتمع جر لهم الويلات والخطوب وألقاهم في ~~شر عظيم. ### || الغدر والتذبذب : # والظاهرة الاخرى في المجتمع الكوفي الغدر ، فقد كان من خصائصهم التي ~~اشتهروا بها ، وقد ضرب بهم المثل فقيل : أغدر من كوفي (1)، كما ضرب المثل ~~بعدم وفائهم فقيل : الكوفي لا يوفي (2). # وقد وصفهم أمير المؤمنين (عليهم السلام) بقوله : «اسود رواغة ، وثعالب ~~رواغة». وقال فيهم : «إنهم اناس مجتمعة أبدانهم ، مختلفة أهواؤهم ، وإن من ~~فاز بهم فاز بالسهم الأخيب». وإنه أصبح لا يطمع في نصرتهم PageV03P421 # ولا يصدق قولهم (1). # لقد كان الجانب العملي في حياتهم هو التقلب والتردد والتخاذل ، وقد غروا ~~زيد بن علي الثائر ms836 العظيم فقالوا له : إن معك مئة ألف رجل من أهل الكوفة ~~يضربون دونك بأسيافهم (2)، وقد أحصى ديوانه منهم خمسة عشر ألفا كانوا قد ~~بايعوه على النصرة (3)، ثم لما أعلن الثورة هبط عددهم إلى مئتي وثمانية ~~عشر رجلا (4). # وقد نصح داود بن علي زيدا بأن لا ينخدع بأهل الكوفة ، فقال له : يابن عم ~~، إن هؤلاء يغرونك من نفسك ؛ أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدك علي ~~بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه ~~من عنقه ، وانتهبوا فسطاطه وجرحوه؟ أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له ~~بأوكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه ، ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه (5)؟ # وكانوا ينكثون البيعة بعد البيعة ، وقد ألمع إلى هذه الظاهرة أعشى همدان ~~الذي كان شاعر ثورة محمد بن الأشعث الذي ثار على الحجاج ، يقول داعيا على ~~أهل الكوفة : # أبى الله إلا أن يتمم نوره %~% ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا وينزل ذلا بالعراق وأهله %~% لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة %~% من القول لم تصعد إلى الله مصعدا PageV03P422 وما نكثوا من بيعة بعد بيعة %~% إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها ~~غدا (1) # وقد عرفوا بهذا السمت عند جميع الباحثين ، ويرى (فلهوزن) إنهم مترددون ~~متقلبون ، وإنهم لم يألفوا النظام والطاعة ، وإن الإخلاص السياسي والعسكري ~~لم يكن معروفا لهم على الإطلاق ، وأكد ذلك الباحث (وزتر شنين) يقول : إن من ~~صفاتهم المميزة البارزة الهوائية والتقلب ، ونقص الثقة بأنفسهم (2). # ولم يكن هذا التذبذب في حياتهم مقتصرا على العامة ، وإنما كان شائعا حتى ~~عند رجال الفكر والأدب ؛ فسراقة الشاعر المعروف وقف في وجه المختار ، ~~واشترك في قتاله يوم جبانة السبيع ، فلما انتصر المختار وقع سراقة أسيرا ~~بين يدي أصحابه فزج به في السجن ، فأخذ سراقة يستعطفه وينظم القصيد في مدحه ~~، ويذكر مبادئ ثورته ويبالغ في تمجيده ، فكان مما قاله فيه : # نصرت على عدوك كل يوم %~% بكل كتيبة تنعى حسينا كنصر محمد في يوم بدر %~% ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فأسجح (3) إذ ms837 ملكت فلو ملكنا %~% لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني %~% سأشكر إن جعلت النقد دينا # ولما عفا عنه المختار خرج من الكوفة ، فلم يبعد عنها قليلا حتى أخذ يهجو ~~المختار ويحرض عليه. وقد قال في هجائه : # ألا أبلغ أبا إسحاق أني %~% رأيت البلق دهما مصمتات PageV03P423 كفرت بوحيكم وجعلت نذرا %~% علي قتالكم حتى الممات أرى عيني ما لم تبصراه %~% كلانا عالم بالترهات إذا قالوا أقول لهم كذبتم %~% وإن خرجوا لبست لهم أداتي (1) # لقد مضى يصب ثورته وسخريته على المختار وأصحابه في نفس الوزن الذي نظم ~~فيه قصيدته السابقة. ومن الطبيعي إن هذا التناقض في حياتهم كان ناجما من ~~الاضطراب النفسي ، وعدم التوازن في السلوك. # ومن غرائب ذلك التناقض أن بعضهم كان يحتاط في أبسط الامور ولا يتحرج من ~~اقتراف أعظم الموبقات! فقد جاء رجل من أهل الكوفة إلى عبد الله بن عمر ~~يستفتيه في دم البعوض يكون على الثوب أطاهر أم نجس ، فقال له ابن عمر : من ~~أين أنت؟ # من أهل العراق. # فبهر ابن عمر وراح يقول : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ~~ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)! وقد سمعته يقول فيه وفي أخيه : ~~«هما ريحانتاي من الدنيا» (2)! # ويعزو بعضهم السبب في هذا الاضطراب إلى الظروف السياسية القاسية التي مرت ~~عليهم ؛ فإن الحكم الاموي كان قد عاملهم بمنتهى القسوة والشدة ، فرماهم ~~بأقسى الولاة وأشدهم عنفا ، أمثال المغيرة بن شعبة وزياد بن سمية ؛ مما جعل ~~الحياة السياسية ضيقة ومتحرجة ، مما نجم عنه هذا التناقض في السلوك. PageV03P424 ### || التمرد على الولاة : # والطابع الخاص الذي عرف به المجتمع الكوفي التمرد على الولاة والتبري ~~منهم ، فلا يكاد يتولى عليهم وال وحاكم حتى أعلنوا الطعن عليه ، فقد طعنوا ~~في سعد بن أبي وقاص مؤسس مدينتهم واتهموه بأنه لا يحسن الصلاة (1) فعزله ~~عمر ولى مكانه الصحابي الجليل عمار بن ياسر ، ولم يلبثوا أن شكوه إلى عمر ~~فعزله وولى مكانه أبا موسى الأشعري ، ولم تمض أيام من ولايته حتى طعنوا فيه ~~، وقالوا ms838 : لا حاجة لنا في أبي موسى (2). # وضاق عمر بهم ذرعا وبدا عليه الضجر ، فسأله المغيرة عن شأنه ، فقاله له : ~~ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم فهل نابك من نائب؟ فانبرى عمر ~~يشكو إليه الألم الذي داخله من أهل الكوفة قائلا : وأي نائب أعظم من مئة ~~ألف لا يرضون عن أمير ، ولا يرضى عنهم أمير (3). # وتحدث عمر عنهم فقال : من عذيري من أهل الكوفة ؛ إن استعملت عليهم القوي ~~فجروه ، وإن وليت عليهم الضعيف حقروه (4). لقد جبلوا على التمرد فهم لا ~~يطيقون الهدوء والاستقرار. # ويرى (ديمومبين) إن هذه الظاهرة اعتادها الكوفيون من أيام الفرس الذين دأبوا PageV03P425 # على تغيير حكامهم دوما (1)، ويذهب (فان فلوتن) إلى أن العرب المستقرين ~~بالكوفة كانوا قد تعودوا على حياة الصحراء بما فيها من ضغن وشحناء ، وحب ~~الانتقام والتخريب والأخذ بالثأر ؛ فلذا تعودوا على التمرد وعدم الطاعة ~~للنظام (2). ### || الانهزامية : # والظاهرة الغريبة التي عرف بها المجتمع الكوفي هي الانهزامية وعدم الصمود ~~أمام الأحداث ، فإذا جد الجد ولوا منهزمين على أعقابهم ، فقد أجمعوا في ~~حماس على مبايعة مسلم ونصرته ، ولما أعلن الثورة على ابن مرجانة انفضوا من ~~حوله حتى لم يبق معه إنسان يدله على الطريق ، وقد وقفوا مثل هذا الموقف من ~~زيد بن علي ، فقد تركوه وحده يصارع جيوش الامويين ، وراح يقول : فعلوها ~~حسينية. # وبايعوا عبد الله بن معاوية ، فقالوا له : ادع إلى نفسك فبنو هاشم أولى ~~بالأمر من بني مروان (3)، وأخرجوه حيث كان مقيما وأدخلوه القصر فبايعوه ، ~~ولما زحف لقتاله والي الامويين عبد الله بن عمر فروا منهزمين ، ونظر عبد ~~الله بن معاوية فإذا الأرض بيضاء من أصحابه فقد غدر به قائد قواته ؛ لأنه ~~كان على اتفاق مع والي الامويين فانهزم وانهزم معه الجيش (4)، وكان عيسى ~~بن زيد يقول فيهم : لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته ويثبت عند اللقاء (5). PageV03P426 ### || مساوئ الأخلاق : # واتصفت الأكثرية الساحقة من أهل الكوفة بمساوئ الأخلاق. يقول فيهم عبد ~~الله بن الحسن إنهم : نفج العلانية ، خور السريرة ، هوج الردة ، جزع في ~~اللقاء ، تقدمهم ms839 ألسنتهم ولا تشايعهم ، وإن حوريتم خرتم ، وإن اجتمع الناس ~~على إمام طعنتم ، وإن جئتم إلى مشاقة نكصتم (1). # ووصفهم المختار لعبد الله بن الزبير حينما سأله عنهم ، فقال : لسلطانهم ~~في العلانية أولياء وفي السر أعداء. وعلق ابن الزبير على قول المختار فقال ~~: هذه صفة عبيد السوء ، إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم ، فإذا غابوا ~~عنهم شتموهم (2). # وهجاهم أعشى همدان بقوله : # وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم %~% فما يقربون الناس إلا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر عندهم %~% ولكن فخرا فيهم وتزيدا (3) # ويقول فيهم أبو السرايا : # وما رست أقطار البلاد فلم أجد %~% لكم شبها فيما وطأت من الأرض خلافا وجهلا وانتشار عزيمة %~% ووهنا وعجزا في الشدائد والخفض لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة %~% فلا عنكم راض ولا فيكم مرضي (4) PageV03P427 سأبعد داري من قلى عن دياركم %~% فذوقوا إذا وليت عاقبة البغض (1) # وحلل الدكتور يوسف خليف هذه الأبيات بقوله : وأبو السرايا في هذه الأبيات ~~يردد تلك الفكرة القديمة التي عرفت عن أهل الكوفة من أنهم أهل شقاق ونفاق ~~ومساوئ أخلاق ، فيصفهم بالشقاق والجهل وتفرق العزيمة والضعف والعجز ، ويرى ~~أن هذه صفاتهم التي تلازمهم دائما في الحرب والسلم ، وهي صفات لم تجعل أحدا ~~من زعمائهم أو أئمتهم يرضى عنهم ، وهم منفردون بها من بين سائر البشر في ~~جميع أقطار الأرض التي وطأتها قدماه ، ثم يعلن في النهاية ببغضه لهم ~~واعتزامه البعد عنهم ؛ ليذوقوا من بعده سوء العاقبة وسوء المصير (2). # ووصفهم أبو بكر الهذلي بقوله : إن أهل الكوفة قطعوا الرحم ووصلوا المثانة ~~، كتبوا إلى الحسين بن علي إنا معك مئة ألف وغروه ، حتى إذا جاء خرجوا إليه ~~وقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم ثم ذهبوا يطلبون دمه ، فهل سمع السامعون ~~بمثل هذا؟! (3). ### || الجشع والطمع : # وهناك نزعة عامة سادت في أوساط المجتمع الكوفي ، وهي التهالك على المادة ~~والسعي على حصولها بكل طريق. فلا يبالون في سبيلها بالعار والخزي ، ولقد ~~لعبت هذه الجهة دورها الخطير في إخفاق ثورة مسلم ؛ فقد بذل ابن زياد ~~الأموال بسخاء للوجوه والأشراف فخفوا إليه سراعا ms840 ، PageV03P428 # فغدروا بمسلم ونكثوا عهودهم ، وقد ملكهم ابن زياد بعطائه ؛ فأخرجهم لحرب ~~ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن أقسموا الأيمان المغلظة على ~~نصرته والذب عنه. ### || التأثر بالدعايات : # وظاهرة أخرى من ظواهر المجتمع الكوفي ، وهي سرعة التأثر بالدعايات من دون ~~فحص ووقوف على واقعها ، وقد استغل هذه الظاهرة الامويون أيام (مسكن)؛ ~~فأشاعوا في أوساط الجيش العراقي أن الحسن صالح معاوية ، وحينما سمعوا بذلك ~~ماجوا في الفتنة وارتطموا في الاختلاف ، فعمدوا إلى أمتعة الإمام فنهبوها ~~كما اعتدوا عليه فطعنوه في فخذه. ولما أذاعت عصابة ابن زياد بين جيوش مسلم ~~أنه جيش أهل الشام قد أقبل إليكم فلا تجعلوا أنفسكم عرضة للنقمة والعذاب ، ~~فلما سمعوا ذلك انهارت أعصابهم وولوا منهزمين ، وأمسى ابن عقيل وحده ليس ~~معه إنسان يدله على الطريق. # هذه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة ، وهي تكشف عن ضحالة ذلك ~~المجتمع وانهياره أمام الأحداث ، فلم تكن له إرادة صلبة ولا وعي اجتماعي ~~أصيل ؛ وقد جروا لهم بذلك الويل ، فدمروا قضاياهم المصيرية وتنكروا لجميع ~~حقوقهم ، وفتحوا المجال للطاغية ابن مرجانة أن يتحكم فيهم ، ويصب عليهم ~~وابلا من العذاب الأليم. PageV03P429 ### || الحياة الاقتصادية : # أما الحياة الاقتصادية في الكوفة فكانت تتسم بعدم التوازن ، فقد كانت ~~فيها الطبقة الأرستقراطية التي غرقت في الثراء العريض ، فقد منحتها الدولة ~~الاموية أيام عثمان ومعاوية الهبات والامتيازات الخاصة ؛ فآثرت على حساب ~~الضعفاء والمحرومين ، ومن بين هؤلاء : # 1 الأشعث بن قيس : وقد اشترى في أيام عثمان أراضي واسعة في العراق ، وكان ~~في طليعة الإقطاعيين في ذلك العصر ، وهو الذي أرغم الإمام على قبول التحكيم ~~؛ لأن حكومته كانت تهدد مصالحه وامتيازاته الخاصة. # 2 عمرو بن حريث : وكان أثرى رجل في الكوفة (1)، وقد لعب دورا خطيرا في ~~إفساد ثورة مسلم وشل حركتها. # 3 شبث بن ربعي : وهو من الطبقة الأرستقراطية البارزة في الكوفة (2)، وهو ~~أحد المخذلين عن مسلم ، كما تولى قيادة بعض الفرق التي حاربت الحسين (عليه ~~السلام). # هؤلاء بعض المثرين في ذلك العصر ، وكانوا يدا لابن مرجانة وساعده القوي ~~الذي ms841 أطاح بثورة مسلم ؛ فقد كانوا يملكون نفوذا واسعا في الكوفة ، وقد ~~استطاعوا أن يعلنوا معارضتهم للمختار رغم ما كان يتمتع به من الكتل الشعبية ~~الضخمة المؤلفة من الموالي والعبيد ، وهم الذين أطاحوا بحكومته. # أما الأكثرية الساحقة في المجتمع الكوفي فكانت مرتبطة بالدولة ، تتلقى ~~موادها المعاشية منها ؛ باعتبارها المعسكر الرئيس للدولة ، فهي التي تقوم PageV03P430 # بالاتفاق عليها ، وقد عانى بعضهم الحرمان والبؤس. وقد صور الشاعر الأسدي ~~سوء حياته الاقتصادية بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة لينال من معروفه ~~وكرمه ، يقول فيها : # يا أبا طلحة الجواد أغثني %~% بسجال من سيبك المقسوم أحيي نفسي فدتك نفسي فإني %~% مفلس قد علمت ذاك عديم أو تطوع لنا بسلت دقيق %~% أجره إن فعلت ذاك عظيم قد علمتم فلا تعامس عني %~% ما قضى الله في طعام اليتيم ليس لي غير جرة وأصيص %~% وكتاب منمنم كالوشوم وكساء أبيعه برغيف %~% قد رقعنا خروقه بأديم وأكاف أعارنيه نشيط %~% هو لحاف لكل ضيف كريم (1) # أرأيت هذا الفقر المدقع الذي دعا الشاعر إلى هذا الاستعطاف والتذلل ، ~~إنها مشكلة الفقر الذي أخذ بخناقه. # وعلق شوقي ضيف على هذه الأبيات بقوله : ومن هنا ارتفع صوت المال في ~~القصيدة الاموية ، واحتل جوانب غير قليلة منها ؛ فقد كان أساسيا في حياة ~~الناس ، فطبيعي أن يكون أساسيا في فنهم وشعرهم. أليس دعامة هامة من دعائم ~~الحياة؟! فلم لا يكون دعامة هامة من دعائم البناء الفني؟ إنه يستنر في قاع ~~الحياة وقاع الشعر ؛ لأن الشعر إنما هو تعبير عن الحياة (2). # إن الحياة الاقتصادية تؤثر أثرا عميقا وفعالا في كيان المجتمع ، وتلعب ~~دورا خطيرا في توجيه المجتمع نحو الخير أو الشر ؛ وقد ثبت أن كثيرا من ~~الجرائم التي يقترفها بعض المصابين في سلوكهم إنما جاءت نتيجة لفقرهم ~~وبؤسهم ، أو لجشعهم على تحصيل المادة ، وقد اندفع أكثر الجيش PageV03P431 # الذي خرج لحرب الإمام الحسين (عليه السلام) حينما مناهم ابن مرجانة ~~بزيادة مرتباتهم التي يتقاضونها من الدولة. # وعلى أي حال ، فإن سوء الحالة الاقتصادية في الكوفة كانت من الأسباب ~~الفعالة في إخفاق ثورة ms842 مسلم ، وتحول الجماهير عنه حينما أغدق ابن زياد ~~الأموال على الوجوه والعرفاء وغيرهم ، فاندفعوا إلى القيام بمناهضة مسلم ~~وصرف الناس عنه. ### || عناصر السكان : # كانت الكوفة أممية قد امتزجت فيها عناصر مختلفة في لغاتها ، ومتباينة في ~~طباعها وعاداتهم وتقاليدها. # فكان فيها العربي والفارسي والنبطي إلى جانب العبيد وغيرهم ، ولم تعد ~~مدينة عربية خالصة كمكة والمدينة ، وإنما كانت مدينة أهلها أخلاط من الناس ~~كما يقول اليعقوبي. # وقد هاجرت إليها هذه العناصر باعتبارها المركز الرئيسي للمعسكر الإسلامي. ~~فمنها تتدفق الجيوش الإسلامية للجهاد ، كما تتدفق بها المغانم الكثيرة التي ~~وعد الله بها المجاهدين ، وقد بلغ نصيب الجندي المقاتل من فيء المدائن اثني ~~عشر ألفا (1)؛ مما دعا ذلك إلى الهجرة إليها باعتبارها السبيل إلى الثروة. ~~ونلمع إلى بعض تلك العناصر : PageV03P432 ### || العرب : # وحينما تم تأسيس الكوفة على يد فاتح العراق سعد بن أبي وقاص اتجهت إليها ~~أنظار العرب ، وتسابقوا إلى الهجرة إليها ، فقد سكنها في وقت مبكر سبعون ~~بدريا ، وثلاثمئة من أصحاب الشجرة (1). # وقد ترجم ابن سعد في طبقاته مئة وخمسين صحابيا ممن نزلوا الكوفة (2). ~~ويقول فيها السفاح : وهي أي الكوفة منزل خيار الصحابة وأهل الشرف (3). # أما القبائل العربية التي سكنتها فهي : ### || القبائل اليمنية : # وتسابقت القبائل اليمنية إلى سكنى الكوفة ، فكان عددهم فيما يقول ~~المؤرخون اثني عشر ألفا (4)، وهي : # 1 قضاعة. # 2 غسان. # 3 بجيلة. # 4 خثعم. # 5 كندة. PageV03P433 # 6 حضرموت. # 7 الأزد. # 8 مذحج. # 9 حمير. # 10 همدان. # 11 النخع. # فهذه هي الاسر التي تنتمي إلى اليمن وقد استوطنت الكوفة ، ونزلت في ~~الجانب الشرقي من المسجد. # ويرى (فلهوزن) أن القبائل المشهورة من اليمن ، وهي : مذحج وهمدان وكندة ، ~~قد كانت لها السيطرة والسيادة على الكوفة. ويقول عبد الملك بن مروان بعد ~~دخوله إلى الكوفة ، حينما جاءته قبائل مذحج وهمدان : ما أرى لأحد مع هؤلاء شيئا. ### || القبائل العدنانية : # أما القبائل العدنانية التي سكنت الكوفة ، فكان عددها ثمانية آلاف شخصا ، ~~وهي تتشكل من أسرتين : # 1 تميم. # 2 بنو العصر. ### || قبائل بني بكر : # وسكنت الكوفة قبائل بني بكر ، وهي ms843 عدة اسر منها : # 1 بنو أسد. PageV03P434 # 2 غطفان. # 3 محارب. # 4 نمير. # وهناك مجموعة اخرى من القبائل العربية استوطنت الكوفة ، وهي كنانة وجديلة ~~وضبيعة وعبد القيس وتغلب وأياد وطي وثقيف وعامر ومزينة (1). # ويرى (ماسنيون) أنه إلى جانب القرشيين الذين سكنوا الكوفة عناصر شديدة ~~البداوة من سكان الخيام ، وبيوت الشعر وأصحاب الإبل من بني دارم التميمي ~~وجيرانهم اليمنيين القدماء من طيء ، وعناصر نصف رحالة من ربيعة وأسد من ~~الغرب والشمال الغربي ، وبكر من الشرق والجنوب الشرقي ، وعبد القيس الذين ~~جاءوا من هجر من الجنوب الشرقي. # ثم عناصر متحضرة من القبائل الجنوبية الأصيلة من العربية الذين نزحوا من ~~اليمن وحضرموت ، وهؤلاء كانوا قسمين : عناصر نصف متحضرة من كندة وبجبلة ، ~~وعناصر متحضرة تماما من سكان المدن والقرى اليمنية من مذحج وحمير وهمدان (2). # إن العنصر العربي الذي استوطن الكوفة منذ تأسيسها كان مزيجا من اليمانية ~~والنزارية وغيرها ، ولكن اليمانية كانت أكثر عددا ، كما كان تأثيرها في ~~حياة المجتمع الكوفي أشد من غيرها. ### || الروح القبلية : # وسادت في قبائل المجتمع العربي في الكوفة الروح القبلية فكانت كل قبيلة PageV03P435 # تنزل في حي معين لها لا يشاركها فيه إلا حلفاؤها ، كما كان لكل قبيلة ~~مسجدها الخاص ومقبرتها الخاصة. ويرى (ماسنيون) أن جبانات الكوفة هي إحدى ~~الصفات المميزة لطبوغرافيتها (1)، كما سميت شوارعها وسككها بالقبائل التي ~~كانت تقطن فيها (2)، وغدت المدينة صورة تامة للحياة القبلية ، وبلغ ~~الإحساس بالروح القبلية والتعصب لها إلى درجة عالية ، فكانت القبائل تتنافس ~~فيما بينها على إحراز النصر كما حدث في واقعة الجمل ؛ ومن هنا غلب على ~~الحياة فيها طابع الحياة الجاهلية (3). # ويحدثنا ابن أبي الحديد عن الروح القبلية السائدة في الكوفة بقوله : إن ~~أهل الكوفة في آخر عهد علي كانوا قبائل ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته ~~فيمر بمنازل قبيلة اخرى ، فينادي باسم قبيلته : يا للنخع أو يا لكندة ، ~~فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون : يا لتميم أو يا لربيعة ، ~~ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه ، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها ، فتسل ~~السيوف وتثور الفتنة ms844 (4). # لقد كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي ، وقد ~~استغل ابن سمية هذه الظاهرة في إلقاء القبض على حجر وإخماد ثورته ؛ فضرب ~~بعض الاسر ببعض ، وكذلك استغل هذه الظاهرة ابنه للقضاء على حركة مسلم وهانئ ~~وعبد الله بن عفيف الأزدي. PageV03P436 ### || الفرس : # وإلى جانب العنصر العربي الذي استوطن الكوفة كان العنصر الفارسي ، وكانوا ~~يسمون الحمراء (1)، وقد سألوا عن أمنع القبائل العربية فقيل لهم تميم ~~فتحالفوا معهم (2). # وأكبر موجة فارسية استوطنت الكوفة عقيب تأسيسها هي المجموعة الضخمة من ~~بقايا فلول الجيوش الساسانية التي انضمت إلى الجيش العربي وأخذت تقاتل معه ~~، وقد عرفت في التاريخ باسم (حمراء ديلم)، فكان عددهم فيما يقول المؤرخون ~~أربعة آلاف جندي ، يرأسهم رجل يسمى (ديلم)، قاتلوا معه تحت قيادة رستم في ~~القادسية ، فلما انهزمت الفرس وقتل رستم عقدوا أمانا مع سعد بن أبي وقاص ، ~~وشرطوا عليه أن ينزلوا حيث شاؤوا ، ويحالفوا من أحبوا ، وأن يفرض لهم ~~العطاء ، وقد حالفوا زهرة بن حوية التميمي أحد قادة الفتح ، وفرض لهم سعد ~~في ألف ألف ، وأسلموا وشهدوا فتح المدائن معه كما شهدوا فتح جلولاء ، ثم ~~تحولوا فنزلوا الكوفة (3). # وقد كونت هذه الجالية مجموعة كبيرة في المجتمع الكوفي ، ويذكر (فلهوزن) ~~أنهم كانوا أكثر من نصف سكان الكوفة ، وقد أخذ عددهم بازدياد حتى تضاءلت ~~نسبة العرب في الكوفة ، وتغلبوا في عصر المأمون حتى كانت اللغة الفارسية ~~تحتل الصدارة في ذلك العصر (4). ويقول الجاحظ : PageV03P437 # إن اللغة الفارسية أثرت تأثيرا كبيرا في لغة الكوفة (1). # وعلى أي حال ، فإن الفرس كانوا يشكلون عنصرا مهما في الكوفة وكونوا بها ~~جالية متميزة ، فكان أهل الكوفة يقولون : جئت من حمراء ديلم (2). # ويقول البلاذري : إن زيادا سير بعضهم إلى الشام وسير قوما منهم إلى ~~البصرة (3)، وقد شاركت هذه الجالية في كثير من الفتوحات الإسلامية ، كما ~~شكلت المد العالي للإطاحة بالحكم الاموي. ### || الأنباط : # وكانت الأنباط من العناصر التي سكنت الكوفة ، وقد أثروا في الحياة العامة ~~تأثيرا عقليا واجتماعيا. # ويقول المؤرخون : إن الأنباط ليسوا عنصرا خاصا من البشر وإنما ms845 هم من ~~العرب ، وكانوا يستخدمون اللغة الدارمية في كتابتهم ، وكانوا يستوطنون بلاد ~~العرب الصخرية وقد انتقلوا منها إلى العراق ، واشتغلوا بالزراعة ، وكانوا ~~ينطقون بلغتهم الدارمية (4)، وقد أثروا تأثيرا بالغا في حياة الكوفة. # يقول أبو عمرو بن العلاء لأهل الكوفة : لكم حذلقة النبط وصلفهم ، ولنا ~~زهاء الفرس وأحلامهم (5). # ويروي الطبري أن رجلا من بني عبس أسر رجلا من أهل نهاوند اسمه دينار ، ~~وكان يواصل العبسي ويهدي إليه ، وقد قدم PageV03P438 # الكوفة في أيام معاوية فقام في الناس وقال لهم : يا معشر أهل الكوفة ، ~~أنتم أول من مررتم بنا كنتم خيار الناس ، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ثم ~~تغيرتم ، وفشت فيكم خصال أربع : بخل وخب وغدر وضيق ، ولم يكن فيكم واحدة ~~منهن فرافقتكم فإذا ذلك في مواليدكم ، فعلمت من أين أتيتم (1). # ويرى (دي بود) أن التغير الاجتماعي ، وتبدل الأخلاق في الكوفة قد نشأ في ~~وقت مبكر أيام معاوية بن أبي سفيان (2)، ومن الطبيعي أن للأنباط ضلعا ~~كبيرا في هذا التغيير. ### || السريانية : # والعنصر الرابع الذي شارك في تكوين الكوفة هي السريانية ، فقد كانت ~~منتشرة في العراق قبل الفتح الإسلامي ، وكان الكثيرون منهم مقيمين على حوض ~~دجلة ، وبعضهم كان مقيما في الحيرة والكوفة وقد ارتبطوا بأهل الكوفة ~~وتأثروا بعاداتهم وأخلاقهم ؛ فإن الحياة الاجتماعية كما يقول علماء ~~الاجتماع حياة تأثير وتأثر ، فكل إنسان يتأثر ويؤثر فيمن حوله. # هذه هي العناصر التي شاركت في استيطان الكوفة وبناء مجتمعها ، فهي لم تكن ~~عربية خالصة وإنما امتزجت بها هذه العناصر ، وقد نشأت بينها المصاهرة ، ~~فنشأ جيل مختلط من هذه العناصر ولكن التغلب الجنسي كان للعرب ؛ باعتبارهم ~~الأكثرية الساحقة في القطر ، فقد أصبحت التقاليد PageV03P439 # الدينية والعادات الاجتماعية خاضعة للعرب ، كما كانت لهم الكلمة العليا ~~في البلاد. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عناصر السكان في الكوفة. ### || الأديان : # ولم يكن المجتمع الكوفي يدين بدين واحد وإنما كانت فيه أديان متعددة ، ~~ولكل دين الحرية في إقامة طقوسه الدينية ، وهذه بعضها : ### || 1 الإسلام : # وكان الإسلام دين الأكثرية الساحقة للعرب الذين استوطنوا الكوفة ، فإنها ~~إنما ms846 انشأت لتكون حامية للجنود الإسلامية التي كانت تبعث بهم الدولة لحركات ~~الفتوح وعمليات الجهاد ، ولكن الإسلام لم ينفذ إلى أعماق قلوب الكثيرين ~~منهم ، وإنما جرى على ألسنتهم طمعا بثمرات الفتوح التي أفاء الله بها على ~~المجاهدين. # وقد أكد علم الاجتماع أن التحول الاجتماعي لا يكون إلا بعد أجيال وأجيال ~~، وأن المجتمع يظل محافظا على عاداته وتقاليده التي اكتسبها من آبائه ، ~~ويؤيد ذلك ما مني به من الحركات الفكرية التي تتنافى مع الإسلام ، ~~والانقسامات الخطيرة بين صفوفه ، ونلمع إلى بعض تلك الانقسامات : ### ||| الخوارج : # واعتنق هذه الفكرة القراء وأصحاب الجباه السود حينما رفعت المصاحف في ~~صفين ، وقد أرغموا الإمام على قبول التحكيم بعد ما مني PageV03P440 # معاوية بالهزيمة الساحقة ، فاستجاب لهم الإمام على كره ، وقد حذرهم من ~~أنها مكيدة وخديعة فلم يكن يجدي ذلك معهم وأصروا على فكرتهم. # ولما استبان لهم ضلال ما اقترفوه أقبلوا على الإمام وهم يقولون له : إنا ~~قد كفرنا وتبنا فاعلن توبتك ، وقر على نفسك بالكفر لنكون معك ، فأبى (عليه ~~السلام) فاعتزلوه ، واتخذوا لهم شعارا (لا حكم إلا لله)، وانغمسوا في ~~الباطل ، وماجوا في الضلال ؛ فحاربهم الإمام (عليه السلام) وقضى على ~~الكثيرين منهم ، إلا أن البقية الباقية منهم ظلت تواصل نشر أفكارها بنشاط ، ~~وقد لعبت دورا مهما في إفساد جيش الإمام الحسن (عليه السلام) حتى اضطر إلى ~~الصلح مع معاوية ، كما كان أكثر الجيش الذي زجه ابن زياد لحرب الإمام ~~الحسين من الخوارج ، وكانوا موتورين من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~، فرووا أحقادهم من أبنائه الطيبين في كارثة كربلاء. ### ||| الحزب الاموي : # وهؤلاء يمثلون وجوه الكوفة وزعماءها ، كقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج ~~الزبيدي ، ويزيد بن الحرث وشبث بن ربعي ، وعمرو بن حريث وعمر بن سعد ، ~~وكانوا يدينون بالولاء لبني امية ، ويرون أنهم أحق بالخلافة وأولى بزعامة ~~الامة من آل البيت (عليهم السلام). # وقد لعبوا دورا خطيرا في فشل ثورة مسلم ، كما زجوا الناس لحرب الإمام ~~الحسين. PageV03P441 ### ||| الشيعة : # وهي التي تدين بالولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وترى أنه فرض ديني ms847 ، ~~وقد أخلصت شيعة الكوفة في الولاء لهم ، أما مظاهر حبهم فهي : # 1 الخطب الحماسية التي يمجدون فيها أهل البيت ويذكرون فضلهم ومآثرهم ، ~~وما شاهدوه من صنوف العدل والحق في ظل حكومة الإمام أمير المؤمنين. # 2 الدموع السخية التي يهريقونها حينما يذكرون آلام آل البيت (عليه ~~السلام) وما عانوه في عهد معاوية من التوهين والتنكيل ، ولكنهم لم يبذلوا ~~أي تضحية تذكر لعقيدتهم ، فقد كان تشيعهم عاطفيا لا عقائديا ، وقد تخلوا عن ~~مسلم وتركوه فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة. # ويروي البلاذري أنهم كانوا في كربلاء ، وهم ينظرون إلى ريحانة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وقد تناهبت جسمه الشريف السيوف والرماح فكانوا يبكون ~~، ويدعون الله قائلين : اللهم انزل نصرك على ابن بنت نبيك. فانبرى إليهم ~~أحدهم فأنكر عليهم ذلك الدعاء ، وقال لهم : هلا تهبون إلى نصرته بدل هذا ~~الدعاء ، وقد جردهم الإمام الحسين (عليه السلام) من إطار التشيع وصاح بهم : ~~«يا شيعة آل أبي سفيان ...». # والحق أن الشيعة بالمعنى الصحيح لم تكن إلا فئة نادرة في ذلك العصر ، وقد ~~التحق بعضهم بالإمام الحسين واستشهدوا معه ، كما زج الكثيرون منهم في ظلمات ~~السجون. # وعلى أي حال ، فلم يكن المسلمون في الكوفة على رأي واحد وإنما كانت هناك ~~انقسامات خطيرة بين صفوفهم. PageV03P442 ### || النصارى : # من العناصر التي سكنت الكوفة النصارى ، فقد أقبلوا إليها من الحيرة بعد ~~زوال مجدها وقد أقاموا لهم في الكوفة عدة كنائس ، فقد كانت لهم كنيسة في ~~ظهر قبلة المسجد الأعظم (1)، وكان لهم أسقفان ؛ أحدهما نسطوري والآخر ~~يعقوبي (2)، وكانوا طائفتين : ### ||| 1 نصارى تغلب : # وقد استوطنوا الكوفة عند تخطيطها مع سعد ، وكانت لهذه الطائفة عزة ومنعة ~~(3)، وقد رفض أبناؤها دفع الجزية مما اضطر عمر أن يعاملهم معاملة المسلمين ~~فجعل جزيتهم مثل صدقة المسلمين (4). ### ||| 2 نصارى نجران : # نزلوا الكوفة في خلافة عمر ، واستوطنوا في ناحية منها سميت محلة ~~(النجرانية) (5). # وقد شاركت النصارى مشاركة إيجابية في كثير من أعمال الدولة ، فقد اتخذ ~~أبو موسى الأشعري أمير الكوفة كاتبا نصرانيا (6)، كما ولى الوليد بن عقبة ~~والي ms848 عثمان رجلا مسيحيا لإدارة شؤون مسجد قريب من الكوفة (7). PageV03P443 # وقد شغل المسيحيون في الكوفة أعمال الصيرفة وكونوا أسواقا لها (1)، ~~وكانت الحركة المصرفية بأيديهم ، كما كانوا يقومون بعقد القروض لتسهيل ~~التجارة ، وكانت تجارة التبادل والصيرفة بأيديهم (2)، وقد مهروا في ~~الصيرفة ونظموها على شكل يشبه البنوك في هذا العصر. # وكانت هذه البنوك الأهلية تستقرض منها الحكومة المحلية الأموال إذا حدثت ~~ثورة في القطر ، فكانت الأموال توزع على أعضاء الثورة لإخمادها. وقد استقرض ~~منها ابن زياد الأموال فوزعها على وجوه الكوفة وأشرافها للقضاء على ثورة مسلم. # وعلى أي حال ، فإن المجتمع الكوفي كان مزيجا بين المسلمين والمسيحيين ، ~~وكانت العلاقة بينهما وثيقة للغاية. ### || اليهود : # واستوطن اليهود الكوفة سنة (20 ه) (3)، وقد قدم قسم كبير منهم من الحجاز ~~بعد أن أجلاهم منها عمر بن الخطاب (4)، وقد كانت لهم محلة تعرف باسمهم في ~~الكوفة ، كما بنوا فيها معابد لهم. ويذكر الرحالة (بنيامين) PageV03P444 # إن بالكوفة سبعة آلاف يهودي ، وفيها قبر يسكنه اليهود وحوله كنيس لهم (1) ~~، وقد زاولوا بعض الحرف التي كان العرب يأنفون منها كالصياغة وغيرها ، ~~وكانت اليهود تحقد على الرسول (صلى الله عليه وآله) كأعظم ما يكون الحقد ؛ ~~لأنه أباد الكثيرين منهم وألحق بهم العار والهزيمة. وقد قاموا بدور فعال ~~فيما يقول بعض المحققين في مجزرة كربلاء تشفيا من النبي (صلى الله عليه ~~وآله) بأبنائه وذريته. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأديان السائدة في ~~الكوفة ، وقد اشترك معظمها في حركات الجهاد وعمليات الحروب في ذلك العصر. ### || تنظيم الجيش : # وانشأت الكوفة لتكون معسكرا للجيوش الإسلامية ، وقد نظم الجيش فيها على ~~أساس قبلي ، كما كانوا مرتبين وفق قبائلهم ، وكانوا يقسمون في معسكراتهم ~~باعتبار القبائل والبطون التي ينتمون إليها ، وقد رتبت كما يلي : ### || نظام الأسباع : # ووزع الجيش توزيعا سباعيا يقوم قبل كل شيء على أساس قبلي ، بالرغم من ~~أنهم كانوا يقاتلون في سبيل الله ، إلا أن الروح القبلية كانت سائدة ولم ~~تضعف ، وفيما يلي أنظمتها : # السبع الأول : كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم ، وجديلة وكانوا أعوانا ~~طيعين للولاة القرشيين ms849 منذ إمارة سعد ، وتولوا بإخلاص PageV03P445 # عمال بني امية وولاتهم. # السبع الثاني : قضاعة وغسان وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والأزد. # السبع الثالث : مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم ، وقد اتسموا بالعداء لبني ~~امية ، والمساندة الكاملة للإمام علي وأبنائه (عليهم السلام). # السبع الرابع : تميم وسائر الرباب وحلفاؤهم. # السبع الخامس : أسد وغطفان ، ومحارب وضبيعة ، وتغلب والنمر. # السبع السادس : إياد وعك وعبد القيس ، وأهل هجر والحمراء. # السبع السابع : طي (1). # وتحتوي هذه الأسباع على قطعات قبلية من الجيش ، وقد استعمل هذا النظام ~~لأجل التعبئة العامة للحروب التي جرت في ذلك العصر ، وتوزيع الغنائم عليها ~~بعد العودة من الحرب ، وظلت الكوفة على هذا التقسيم ، حتى إذا كانت سنة (50 ~~ه) عمد زياد بن أبيه حاكم العراق فغير ذلك المنهج وجعله رباعيا ، فكان على ~~النحو التالي : # 1 أهل المدينة : وجعل عليهم عمرو بن حريث. # 2 تميم وهمدان : وعليهم خالد بن عرفطة. # 3 ربيعة بكر وكندة : وعليهم قيس بن الوليد بن عبد شمس. # 4 مذحج وأسد (2): وعليهم أبو بردة بن أبي موسى. # وإنما عمد إلى هذا التغيير ؛ لإخضاع الكوفة لنظام حكمه ، كما إن الذين ~~انتخبهم لرئاسة الأنظمة قد عرفوا بالولاء والإخلاص للدولة ، وقد استعان بهم ~~ابن زياد لقمع ثورة مسلم ، كما تولى بعضهم قيادة الفرق التي PageV03P446 # زجها الطاغية لحرب الإمام الحسين ، فقد كان عمرو بن حريث وخالد بن عرفطة ~~من قادة ذلك الجيش. أما رؤوساء الأنظمة فقد كانت الدولة لا تنتخب إلا من ~~ذوي المكانة الاجتماعية المعروفين بالنجدة والبسالة والتجربة في الحرب (1). # ورؤوساء الأرباع يكونون خاضعين للسلطة الحكومية ، كما إن اتصال السلطة ~~بالشعب يكون عن طريقهم ، ونظرا لأهميتهم البالغة في المصر ، فقد كتب إليهم ~~الإمام الحسين يدعوهم إلى نصرته والذب عنه (2). ### || العرافة : # وكانت الدولة تعتمد على العرفاء (3)، فكانوا يقومون بأمور القبائل ~~ويوزعون عليهم العطاء ، كما كانوا يقومون بتنظيم السجلات العامة التي فيها ~~أسماء الرجال والنساء والأطفال ، وتسجيل من يولد ليفرض له العطاء من الدولة ~~وحذف العطاء لمن يموت (4)، كما كانوا مسؤولين عن شؤون الأمن والنظام ، ~~وكانوا في أيام الحرب يندبون الناس ms850 للقتال ، ويحثونهم على PageV03P447 # الحرب ، ويخبرون السلطة بأسماء الذين يتخلفون عن القتال (1)، وإذا قصر ~~العرفاء أو أهملوا واجباتهم فإن الحكومة تعاقبهم أقسى العقوبات وأشدها (2). # ومن أهم الأسباب في تفرق الناس عن مسلم هو قيام العرفاء في تخذيل الناس ~~عن الثورة ، وإشاعة الإرهاب والأراجيف بين الناس (3)، كما كانوا السبب ~~الفعال في زج الناس وإخراجهم لحرب الإمام الحسين (عليه السلام) (4). # إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة ، وكان ~~الإلمام بها من ضرورات البحث ؛ وذلك لما لها من الأثر في إخفاق الثورة. ### || الطاغية ابن مرجانة : # ولا بد لنا أن نتعرف على قائد الانقلاب الطاغية ابن مرجانة فنقف على ~~نشأته وصفاته ، ومخططاته الرهيبة التي أدت إلى القضاء على الثورة ، وإلى ~~القراء ذلك. ### || ولادته : # ولد الطاغية سنة (39 ه)، وقد ولد لخلق الكوارث وإشاعة الخطوب في الأرض ، ~~وعلى هذا فيكون عمره يوم قتله لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (21 ~~سنة)، ولم تعين المصادر التي بأيدينا المكان الذي ولد فيه. PageV03P448 ### || أبواه : # أما أبوه فهو زياد بن سمية ، وهو من عناصر الشر والفساد في الأرض ، فقد ~~سمل عيون الناس وصلبهم على جذوع النخل ، وقتل على الظنة والتهمة وأخذ ~~البريء بذنب السقيم ، وأغرق العراق بالحزن والثكل والحداد. # وأما امه مرجانة فكانت مجوسية (1)، وقد عرفت بالبغي ، وقد عرض بها عبيد ~~الله التميمي أمام ابنها عبيد الله فقال : إن عمر بن الخطاب كان يقول : ~~اللهم إني أعوذ بك من الزانيات وأبناء الزانيات ، فالتاع ابن زياد ورد عليه ~~: إن عمر كان يقول : لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج مائقا (2) ~~. وفارق زياد مرجانة فتزوج بها شيرويه (3). ### || نشأته : # نشأ الطاغية في بيت الجريمة ، وقد قطع دور طفولته في بيت زوج امه شيرويه ~~ولم يكن مسلما ، ولما ترعرع أخذه أبوه زياد وقد رباه على سفك الدماء والبطش ~~بالناس ورباه على الغدر والمكر ، وقد ورث جميع صفات أبيه الشريرة من الظلم ~~والتلذذ بالإساءة إلى الناس ، وقد كان لا يقل قسوة عن أبيه ، وقد قال ~~الطاغية في ms851 بعض خطبه : أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطأ الحصا ، ولم ~~ينتزعني شبه PageV03P449 # خال ولا ابن عم (1). لقد كان كأبيه في شدته وصرامته في الباطل وتنكره للحق. ### || صفاته : # أما صفاته النفسية فكان من أبرزها القسوة والتلذذ بسفك الدماء ، وقد أخذ ~~امرأة من الخوارج فقطع يديها ورجليها وأمر بعرضها في السوق (2). # ووصفه الحسن البصري بأنه غلام سفيه سفك الدماء سفكا شديدا (3). # ويقول فيه مسلم بن عقيل : ويقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب ~~والعداوة وسوء الظن ، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. # وكان متكبرا لا يسمع من أحد نصيحة ، وقد دخل عليه الصحابي عائذ بن عمرو ~~فقال له : أي بني ، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «إن شر ~~الرعاء الحطمة (4)، فإياك أن تكون منهم». # فلذعه قوله وصاح به : اجلس ، إنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). فأنكر عليه عائذ وقال : وهل كان فيهم نخالة؟! إنما كانت ~~النخالة بعدهم وفي غيرهم (5). PageV03P450 # وعرف في أثناء ولايته على البصرة بالغش للرعية والخديعة لها ، وقد نصحه ~~معقل بن يسار أن يترك ذلك ، وقال له : إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول : «ما من عبد يسترعيه الله ويموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله ~~عليه الجنة» (1). # هذه بعض نزعاته وصفاته النفسية ، أما صفاته الجسمية فقد كان منها ما يلي : ### || اللكنة : # ونشأ الطاغية في بيت امه مرجانة ولم تكن عربية فأخذ لكنتها ، ولم يكن ~~يفهم اللغة العربية ، فقد قال لجماعة : افتحوا سيوفكم ، وهو يريد سلوا ~~سيوفكم ، وإلى هذا يشير يزيد بن المفرغ في هجائه له : # ويوم فتحت سيفك من بعيد %~% أضعت وكل أمرك للضياع # وجرت بينه وبين سويد مشادة ، فقال له عبيد الله : اجلس على أست الأرض ، ~~فسخر منه سويد وقال : ما كنت أحسب أن للأرض أستا (2). # وكان لا ينطق بالحاء ، وقد قال لهانئ : أهروري سائر اليوم! يريد أحروري. ~~وكان يقلب العين همزة ، كما كان يقلب القاف كافا ، فقد قال يوما : من ~~كاتلنا كاتلناه ، يريد ms852 من قاتلنا قاتلناه (3). PageV03P451 ### || نهمة في الطعام : # ويقول المؤرخون : إنه كان نهما في الطعام ، فكان كل يوم يأكل خمس أكلات ~~آخرها جنبة بغل ، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ عناق (1) أو جدي فيأتي عليه ~~وحده (2). # وكذلك كان مسرفا في النساء ، فقد بنى ليلة قدومه إلى الكوفة بام نافع بنت ~~عمارة بن عقبة بن أبي معيط (3). هذه بعض صفاته الجسمية. ### || ولايته على البصرة : # وأسند إليه معاوية إمارة البصرة وولاه أمور المسلمين ، وكان في ميعة ~~الشباب وغروره وطيشه ، وقد ساس البصرة كما ساسها أبوه ؛ فكان يقتل على ~~الظنة والتهمة ، ويأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر. # وقد وثق به معاوية وارتضى سيرته ، وكتب إليه بولاية الكوفة إلا أنه هلك ~~قبل إن يبعث إليه بهذا العهد. PageV03P452 ### || أحقاد يزيد على ابن مرجانة : # وكان يزيد ناقما على ابن مرجانة كأشد ما يكون الانتقام ؛ لامور كان من ~~أهمها : # إن أباه زيادا كان من المنكرين على معاوية ولايته ليزيد ؛ لاستهتاره ~~وإقباله على اللهو والمجون ، وقد أراد يزيد أن يعزل عبيد الله من البصرة ~~ويجرده من جميع الامتيازات ، إلا أنه لما أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) ~~الثورة وبعث سفيره مسلما لأخذ البيعة من أهل الكوفة ، أشار عليه سرجون بأن ~~يقره على ولاية البصرة ويضم إليه الكوفة ، ويندبه للقضاء على الثورة ~~فاستجاب له يزيد. # وقد خلص العراق بأسره لحكم ابن زياد فقبض عليه بيد من حديد ، واندفع ~~كالمسعور للقضاء على الثورة ؛ ليحرز بذلك ثقة يزيد به وينال إخلاص البيت ~~الاموي له. ### || مخططات الانقلاب : # وبالرغم من حداثة سن ابن زياد فإنه كان من أمهر السياسيين في الانقلابات ~~، وأكثرهم تغلبا على الأحداث ، وقد استطاع بغدره ومكره أن يسيطر على حامية ~~الكوفة ، ويقضي على جذور الثورة ويخمد نارها. # وقد كانت أهم مخططاته ما يلي : # 1 التجسس على مسلم والوقوف على جميع شؤون الثورة. # 2 نشر أوبئة الخوف : وقد أثار جوا من الفزع والإرهاب لم تشهد له الكوفة ~~نظيرا ، وانشغل الناس بنفوسهم عن التدخل في أي شأن من الشؤون السياسية. # 3 بذل المال للوجوه والأشراف : وقد ms853 صاروا عملاء عنده يوجههم PageV03P453 # حيثما شاء ؛ وقد أفسدوا عشائرهم وألحقوا الهزيمة بجيش مسلم. # 4 الاحتيال على هانئ بإلقاء القبض عليه : وهو أمنع شخصية في المصر ، وقد ~~قضى بذلك على أهم العناصر الفعالة في الثورة. # هذه بعض المخططات الرهيبة التي استطاع أن يسيطر بها الطاغية على الموقف ، ~~ويقضي على الثورة ويزج حامية الكوفة إلى حرب ريحانة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله). ### || مسلم بن عقيل : # أما مسلم بن عقيل فكان من أعلام التقوى في الإسلام ، وكان متحرجا في دينه ~~كأشد ما يكون التحرج ، فلم يسلك أي منعطف في طريقه ، ولا يقر أي وسيلة من ~~وسائل المكر والخداع ، وإن توقف عليها النصر السياسي ، شأنه في ذلك شأن عمه ~~أمير المؤمنين (عليه السلام). # بالإضافة إلى ذلك : إنه لم يبعث إلى الكوفة كوال مطلق حتى يتصرف حسبما ~~يراه ؛ وإنما كانت مهمته محدودة وهي أخذ البيعة للإمام ، والاستطلاع على ~~حقيقة الكوفيين. فإن رآهم مجتمعين بعث إلى الإمام الحسين بالقدوم إليهم ، ~~ولم يؤمر بغير ذلك ، وقد أطلنا الحديث في هذه الجهة في البحوث السابقة. # وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إخفاق ثورة مسلم التي كانت فاتحة لفاجعة ~~كربلاء ومصدرا لآلامها العميقة ، كما ينتهي بنا الحديث عن الحلقة الثانية ~~من هذا الكتاب. PageV03P454 ### || محتويات الكتاب PageV03P455 # البسملة مع آي من الذكر ~~الحكيم............................................... 5 # المقدمة............................................................... ~~........ 7 # مع القاسطين والناكثين # الناكثون ، دوافع ~~التمرد...................................................... 24 # خديعة معاوية ~~للزبير......................................................... 26 # مؤتمر ~~مكة.................................................................. 26 # قرارات ~~المؤتمر............................................................... 27 # تجهيز الجيش بالأموال ~~المنهوبة................................................. 27 # الخطاب السياسي ~~لعائشة..................................................... 28 # عائشة مع أم ~~سلمة.......................................................... 29 # الزحف إلى ~~البصرة.......................................................... 31 # عسكر.................................................................. ... 31 # الحوأب................................................................ ~~..... 32 # في ربوع ~~البصرة............................................................. 33 # النزاع على ~~الصلاة........................................................... 38 # رسل الإمام (عليه السلام) إلى ~~الكوفة.......................................... 38 # التقاء الجيشين ، رسل ~~السلام................................................. 40 # الدعوة إلى ~~القرآن........................................................... 41 # الحرب ~~العامة................................................................ 42 # مصرع ~~الزبير............................................................... 43 # مصرع ~~طلحة............................................................... 46 PageV03P457 # قيادة عائشة ~~للجيش......................................................... 46 # عقر ~~الجمل.................................................................. 47 # العفو ~~العام.................................................................. 48 # متارك ~~الحرب............................................................... 50 # القاسطون.............................................................. ~~.... 51 # إيفاد جرير ، معاوية مع ابن ~~العاص............................................ 53 # رد ~~جرير................................................................... 56 # قميص ~~عثمان............................................................... 56 # زحف معاوية لصفين ، زحف الإمام ms854 (عليه السلام) ~~للحرب...................... 57 # احتلال ~~الفرات.............................................................. 58 # رسل ~~السلام................................................................ 59 # الحرب................................................................. ~~.... 60 # منع الحسنين (عليهما السلام) من ~~الحرب....................................... 61 # مصرع ~~عمار................................................................ 62 # مكيدة ابن ~~العاص............................................................ 65 # التحكيم............................................................... ~~..... 70 # وثيقة ~~التحكيم.............................................................. 71 # رجوع الإمام (عليه السلام) ~~للكوفة............................................ 72 # مع المارقين........................................................... ~~....... 73 # اجتماع ~~الحكمين............................................................ 75 # تمرد المارقين......................................................... ~~........ 81 # قتال ~~المارقين................................................................ 83 PageV03P458 # مخلفات الحرب ~~:............................................................ 85 # انتصار معاوية ، تفلل جيش الإمام (عليه السلام)، احتلال مصر ، الغارات ، ~~الغارة على العراق (1) عين التمر (2) هيت (3) واقصة ، الغارة على الحجاز واليمن # عبث ~~الخوارج............................................................... 95 # دعاء الإمام (عليه السلام) على ~~نفسه.......................................... 96 # افول دولة الحق # مؤتمر ~~مكة................................................................ 103 # رأي رخيص.............................................................. 103 # اشتراك الامويين في ~~المؤامرة.................................................. 104 # اغتيال الإمام (عليه ~~السلام)................................................. 106 # الى رفيق ~~الاعلى........................................................... 109 # متارك حكومة الإمام (عليه ~~السلام).......................................... 109 # خلافة الحسن (عليه ~~السلام)................................................ 111 # (1) الاعتداء على الإمام (عليه السلام) (2) الحكم عليه بالكفر (3) ~~الخيانة العظمى (4) نهب أمتعة الإمام (عليه السلام) # الصلح................................................................. ~~... 114 # موقف الإمام الحسين (عليه ~~السلام).......................................... 115 # عدي بن حاتم مع الحسين (عليه ~~السلام)...................................... 116 PageV03P459 # تحول ~~الخلافة.............................................................. 116 # حكومة معاوية # سياسته ~~الاقتصادية......................................................... 122 # الحرمان ~~الاقتصادي........................................................ 123 # (1) يثرب (2) العراق (3) مصر # الرفاه على الشام ، استخدام المال في تدعيم ~~ملكه.............................. 126 # المنح الهائلة لأسرته ، منح خراج مصر ~~لعمرو.................................. 127 # هبات الأموال للمؤيدين ، شراء ~~الأديان...................................... 128 # عجز الخزينة ~~المركزية....................................................... 129 # مصادرة أموال ~~المواطنين..................................................... 130 # ضريبة النيروز ، نهب الولاة ~~والعمال......................................... 131 # جباية الخراج ، اصطفاء الذهب ~~والفضة...................................... 132 # شل الحركة ~~الاقتصادية..................................................... 133 # حجة ~~معاوية............................................................... 134 # سياسة ~~التفريق............................................................. 134 # اضطهاد ~~الموالي............................................................. 135 # العصبية ~~القبلية............................................................. 137 # سياسة البطش ~~والجبروت.................................................... 138 # احتقار ~~الفقراء............................................................. 140 # سياسة ~~الخداع............................................................. 141 # إشاعة ~~الانتهازية........................................................... 143 PageV03P460 # الخلاعة ~~والمجون............................................................ 144 # إشاعة المجون في ~~الحرمين.................................................... 147 # الاستخفاف بالقيم ~~الدينية................................................... 148 # استلحاق ~~زياد............................................................. 149 # إنكار الإمام الحسين (عليه ~~السلام)........................................... 150 # الحقد على النبي (صلى الله عليه ~~وآله)........................................ 150 # تغيير الواقع ~~الإسلامي...................................................... 153 # مع أهل البيت (عليهم ~~السلام).............................................. 154 # (1) تسخير الوعاظ (2) استخدام معاهد التعليم (3) افتعال الأخبار # حديث مفتعل على الحسين (عليه ~~السلام).................................... 158 # سب الإمام أمير ~~المؤمنين.................................................... 160 # ستر فضائل أهل ~~البيت..................................................... 162 # التحرج من ذكر ms855 ~~الإمام..................................................... 164 # مع ~~الشيعة................................................................. 166 # القتل الجماعي ، إبادة القوى ~~الواعية......................................... 167 # (1) حجر بن عدي ، مذكرة الإمام الحسين (2) رشيد الهجري (3) عمرو بن الحمق ~~الخزاعي ، مذكرة الإمام الحسين (4) أوفى بن حصن (5) الحضرمي مع جماعته ، ~~إنكار الإمام الحسين (6) جويرية العبدي (7) صيفي بن فسيل (8) عبد الرحمن PageV03P461 # المروعون من أعلام ~~الشيعة.................................................. 176 # (1) عبد الله بن هاشم المرقال (2) عدي بن حاتم الطائي (3) صعصعة بن صوحان ~~(4) عبد الله بن خليفة الطائي # ترويع ~~النساء.............................................................. 176 # هدم دور الشيعة ، حرمان الشيعة من ~~العطاء.................................. 177 # عدم قبول شهادة الشيعة ، إبعاد الشيعة إلى ~~الخراسان........................... 178 # البيعة ~~ليزيد................................................................ 178 # ولادة ~~يزيد................................................................ 179 # نشأته ، ~~صفاته............................................................ 180 # ولعه ~~بالصيد............................................................... 181 # شغفه ~~بالقرود............................................................. 182 # إدمانه على ~~الخمر.......................................................... 183 # ندماؤه................................................................ ~~.... 184 # نصيحة معاوية ليزيد ، دفاع محمد عزة ~~دروزة................................. 185 # إقرار معاوية لاستهتار ~~يزيد.................................................. 186 # حقد يزيد على ~~النبي........................................................ 187 # بغضه ~~للأنصار............................................................. 188 # دعوة المغيرة لبيعة ~~يزيد...................................................... 190 # تبرير ~~معاوية............................................................... 192 # المبررون له (1) أحمد دحلان (2) الدكتور عبد المنعم (3) حسين محمد يوسف PageV03P462 # كلمة الحسن ~~البصري...................................................... 195 # كلمة ابن ~~رشد............................................................ 196 # دوافع ~~معاوية.............................................................. 196 # الوسائل الدبلوماسية في أخذ ~~البيعة........................................... 197 # استخدام الشعراء ، بذل الأموال للوجوه ، مراسلة الولاة # وفود الأقطار ~~الإسلامية..................................................... 200 # مؤتمر الوفود الإسلامية ، المؤيدون ~~للبيعة...................................... 201 # خطاب الأحنف بن قيس................................................... 202 # فشل ~~المؤتمر................................................................ 203 # سفر معاوية ~~ليثرب......................................................... 203 # اجتماع مغلق ، كلمة ~~معاوية................................................ 204 # كلمة عبد الله بن عباس ، كلمة عبد الله بن ~~جعفر............................. 205 # كلمة عبد الله بن ~~الزبير..................................................... 206 # كلمة عبد الله بن عمر ، كلمة ~~معاوية........................................ 207 # فزع المسلمين من البيعة ~~ليزيد............................................... 208 # الجبهة ~~المعارضة............................................................ 209 # (1) الإمام الحسين (عليه السلام)، الحرمان الاقتصادي للهاشميين (2) عبد ~~الرحمن بن أبي بكر (3) عبد الله بن الزبير (4) المنذر بن الزبير (5) عبد ~~الرحمن بن سعيد (6) عابس بن سعيد (7) عبد الله بن حنظلة PageV03P463 # موقف الأسرة ~~الاموية...................................................... 212 # (1) سعيد بن عثمان (2) مروان بن الحكم (3) زياد بن أبيه # إيقاع الخلاف بين ~~الامويين................................................. 214 # تجميد ~~البيعة............................................................... 215 # اغتيال الشخصيات ~~الإسلامية............................................... 215 # (1) سعد بن أبي وقاص (2) عبد الرحمن بن خالد (3) عبد الرحمن بن أبي بكر ~~(4) الإمام الحسن (عليه ms856 السلام) # إعلان البيعة رسميا ، مع المعارضين في ~~يثرب................................... 218 # خطاب الإمام الحسين (عليه ~~السلام)......................................... 219 # إرغام ~~المعارضين........................................................... 221 # موقف الإمام الحسين (عليه ~~السلام).......................................... 222 # وفود الأقطار ~~الإسلامية..................................................... 222 # مذكرة مروان لمعاوية ، جواب ~~معاوية........................................ 223 # رأي مروان في إبعاد الإمام (عليه ~~السلام)..................................... 223 # رسالة معاوية للحسين (عليه ~~السلام)......................................... 224 # جواب الإمام (عليه ~~السلام)................................................. 225 # صدى الرسالة ، المؤتمر السياسي ~~العام........................................ 228 # رسالة جعدة للإمام (عليه ~~السلام)........................................... 229 # جواب الإمام (عليه ~~السلام)................................................. 230 # نصيحة الخدري للإمام (عليه ~~السلام)........................................ 231 # استيلاء الحسين (عليه السلام) على أموال ~~للدولة.............................. 231 PageV03P464 # حديث موضوع........................................................... 233 # الحسين مع بني ~~أمية........................................................ 234 # مرض معاوية ، ~~وصاياه..................................................... 236 # موت ~~معاوية............................................................... 239 # حكومة يزيد # خطاب ~~العرش............................................................. 244 # خطابه في أهل ~~الشام....................................................... 245 # مع المعارضة في ~~يثرب....................................................... 245 # الأوامر المشددة إلى ~~الوليد................................................... 246 # فزع ~~الوليد................................................................ 249 # استشارته لمروان ، رأي ~~مروان............................................... 250 # أضواء على موقف ~~مروان................................................... 251 # استدعاء الحسين (عليه ~~السلام).............................................. 253 # الحسين (عليه السلام) مع ~~مروان............................................. 256 # اتصال الوليد ~~بدمشق....................................................... 258 # الأوامر المشددة من دمشق ، رفض ~~الوليد..................................... 258 # وداع الحسين (عليه السلام) لقبر جده (صلى الله عليه وآله)، رؤيا الحسين ~~(عليه السلام) لجده (صلى الله عليه وآله) 259 # وداعه لقبر أمه وأخيه (عليهما السلام)، فزع ~~الهاشميات........................ 261 # مع أخيه ابن ~~الحنفية........................................................ 262 # وصيته لابن ~~الحنفية......................................................... 264 PageV03P465 # الثورة الحسينية أسبابها ومخططاتها # أسباب ~~الثورة.............................................................. 270 # 1 المسؤولية الدينية................................................... 270 # 2 المسؤولية الاجتماعية............................................... 274 # 3 إقامة الحجة عليه................................................... 275 # 4 حماية الإسلام..................................................... 275 # 5 صيانة الخلافة..................................................... 276 # 6 تحرير إرادة الأمة.................................................. 278 # 7 تحرير اقتصاد الأمة................................................. 278 # 8 المظالم الاجتماعية.................................................. 280 # 9 المظالم الهائلة على ~~الشيعة............................................ 281 # 10 محو ذكر أهل البيت (عليهم السلام)............................... 282 # 11 تدمير القيم الإسلامية............................................. 282 # 12 انهيار المجتمع..................................................... 284 # (1) نقض العهود (2) عدم التحرج من الكذب (3) عرض الضمائر للبيع (4) ~~الإقبال على اللهو # 13 الدفاع عن حقوقه وهي........................................... 286 # (1) الخلافة (2) الخمس # 14 الأمر بالمعروف.................................................. 288 # 15 إماتة البدع...................................................... 289 PageV03P466 # 16 العهد النبوي.................................................... 290 # 17 العزة والكرامة................................................... 290 # 18 غدر الامويين وفتكهم............................................ 291 # رأي رخيص.............................................................. ms857 292 # تخطيط ~~الثورة.............................................................. 294 # 1 التضحية بنفسه.................................................... 295 # 2 التضحية بأهل بيته (عليهم السلام).................................. 296 # 3 التضحية بأمواله :................................................. 297 # 4 حمل عقائل النبوة ، آراء العلماء والكتاب............................. 297 # (1) الإمام كاشف الغطاء (2) أحمد فهمي (3) أحمد محمود صبحي # في مكة # مع عبد الله بن ~~مطيع....................................................... 306 # في مكة ، احتفاء الحجاج والمعتمرين ~~به....................................... 308 # فزع ابن ~~الزبير............................................................. 309 # رأي ~~الغزالي............................................................... 311 # رأي رخيص.............................................................. 312 # فزع السلطة ~~المحلية......................................................... 312 # قلق يزيد ، رسالة يزيد لابن ~~عباس........................................... 313 # جواب ابن ~~عباس........................................................... 314 # إقصاء حاكم ~~المدينة........................................................ 315 PageV03P467 # الحسين مع ابن عمر وابن ~~عباس............................................. 317 # وصيته لابن ~~عباس.......................................................... 321 # رسائله إلى زعماء ~~البصرة................................................... 321 # جواب الأحنف بن قيس.................................................... 323 # جريمة ~~المنذر............................................................... 323 # استجابة يزيد بن ~~مسعود.................................................... 324 # جوابه للإمام (عليه ~~السلام)................................................. 327 # استجابة يزيد ~~البصري...................................................... 328 # نقمة العراق على ~~الامويين.................................................. 328 # إعلان التمرد في ~~العراق..................................................... 330 # المؤتمر ~~العام................................................................ 331 # خطبة ~~سليمان............................................................. 331 # وفد الكوفة ، ~~الرسائل...................................................... 332 # إيفاد مسلم إلى العراق # تزويد مسلم برسالة لأهل ~~الكوفة............................................ 342 # رسالة مسلم للحسين (عليهما السلام)، جواب الحسين (عليه ~~السلام)........... 342 # أضواء على ~~الموضوع....................................................... 343 # في بيت ~~المختار............................................................ 344 # ابتهاج الكوفة ، البيعة للحسين (عليه ~~السلام)................................. 345 # كلمة عابس الشاكري..................................................... 346 # عدد ~~المبايعين.............................................................. 347 # رسالة مسلم ~~للحسين....................................................... 348 PageV03P468 # موقف النعمان بن ~~بشير..................................................... 349 # خطبة ~~النعمان............................................................. 350 # سخط الحزب الاموي ، اتصال الحزب الاموي بدمشق......................... 351 # فزع ~~يزيد................................................................. 352 # استشارته ~~لسرجون........................................................ 353 # ولاية ابن زياد على ~~الكوفة.................................................. 354 # خطبة ابن زياد في ~~البصرة................................................... 355 # سفر الطاغية إلى ~~الكوفة.................................................... 356 # في قصر ~~الإمارة............................................................ 357 # خطابه في ~~الكوفة........................................................... 359 # نشر ~~الإرهاب............................................................. 360 # تحول مسلم إلى دار ~~هانئ................................................... 361 # امتناع مسلم من اغتيال ابن ~~زياد............................................. 362 # أضواء على ~~الموقف......................................................... 365 # المخططات ~~الرهيبة......................................................... 368 # (1) التجسس على مسلم................................................ 368 # (2) رشوة الزعماء والوجوه.............................................. 370 # الإحجام عن كبس دار ~~هانئ................................................ 371 # رسل ~~الغدر................................................................ 371 # اعتقال ~~هانئ............................................................... 372 # انتفاضة ~~مذحج............................................................ 376 # ثورة ~~مسلم................................................................ 380 PageV03P469 # حرب الأعصاب........................................................... 382 # أوبئة الفزع ~~والخوف....................................................... 384 # هزيمة ~~الجيش.............................................................. 385 # في ضيافة ~~طوعة............................................................ 386 # تأكد الطاغية من فشل الثورة ، إعلان حالة ms858 ~~الطوارئ.......................... 389 # راية ~~الأمان................................................................ 390 # اشتباه................................................................ ~~.... 390 # خطبة ابن ~~زياد............................................................. 391 # الإفشاء ~~بمسلم............................................................. 392 # الهجوم على ~~مسلم.......................................................... 393 # فشل ~~الجيوش.............................................................. 394 # أمان ابن ~~الأشعث.......................................................... 397 # أسره.................................................................. ~~... 398 # مع عبيد الله ~~السلمي........................................................ 399 # مع ~~الباهلي................................................................ 400 # مع ابن ~~زياد............................................................... 401 # وصية ~~مسلم............................................................... 404 # الطاغية مع ~~مسلم.......................................................... 406 # إلى الرفيق ~~الأعلى.......................................................... 407 # سلبه.................................................................. ~~... 408 # تنفيذ الإعدام في ~~هانئ...................................................... 409 # السحل في الشوارع ، صلب ~~الجثتين......................................... 411 PageV03P470 # الرؤوس إلى ~~دمشق......................................................... 412 # جواب ~~يزيد............................................................... 413 # إعلان الأحكام العرفية ، احتلال الحدود ~~العراقية............................... 415 # الاعتقالات ~~الواسعة........................................................ 416 # إخفاق الثورة # المجتمع ~~الكوفي............................................................. 419 # الظواهر ~~الاجتماعية........................................................ 420 # التناقض في ~~السلوك........................................................ 420 # الغدر والتذبذب ~~:......................................................... 421 # التمرد على ~~الولاة.......................................................... 425 # الانهزامية............................................................ ~~...... 426 # مساوئ ~~الأخلاق.......................................................... 427 # الجشع ~~والطمع............................................................. 428 # التأثر ~~بالدعايات........................................................... 429 # الحياة ~~الاقتصادية........................................................... 430 # عناصر ~~السكان............................................................ 432 # العرب ، القبائل ~~اليمنية..................................................... 433 # القبائل العدنانية ، قبائل بني ~~بكر............................................. 434 # الروح ~~القبلية.............................................................. 435 # الفرس................................................................. ~~... 437 # الأنباط............................................................... ~~.... 438 PageV03P471 # السريانية............................................................. ~~..... 439 # الأديان ، ~~الإسلام.......................................................... 440 # الخوارج ، الحزب الاموي ، الشيعة # النصارى............................................................... ~~... 443 # (1) نصارى تغلب (2) نصارى نجران # اليهود................................................................ ~~.... 444 # تنظيم الجيش ، نظام ~~الأسباع................................................ 445 # العرافة............................................................... ~~..... 447 # الطاغية ابن مرجانة ، ~~ولادته................................................ 448 # أبواه ، ~~نشأته.............................................................. 449 # صفاته................................................................. ~~... 450 # اللكنة................................................................ ~~.... 451 # نهمة في ~~الطعام............................................................. 452 # ولايته على ~~البصرة......................................................... 452 # أحقاد يزيد على ابن ~~مرجانة................................................. 453 # مخططات ~~الانقلاب......................................................... 453 # مسلم بن ~~عقيل............................................................ 454 # محتويات ~~الكتاب........................................................... 455 PageV03P472 ### |EDITOR| ENDNOTES: (1) استند الدكتور طه حسين في كتابه على وبنوه الى الروايات الموضوعة وسنذكرها في غضون هذا الكتاب وندلل على ما يرد عليها من المؤخذات. PageV01P014 (1) سورة الحجرات : آية 6. (2) كشف الغطاء عن خرافات ابي هريرة الامام شرف الدين فى كتابه « ابو هريرة » وكذلك بحث عن موضوعاته ومفترياته العلامة الكبير الشيخ محمود ابو رية فى كتابه « شيخ المضيرة ». PageV01P015 (1) تأريخ ابن الأثير 3 / 24 ، شرح نهج البلاغة 3 / 107. PageV01P017 (1) شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 361. PageV01P018 (1) العدالة الاجتماعية فى الاسلام ص 181. PageV01P022 (1) تاريخ الطبري 11 / 357 وقعة صفين 344. (2) تاريخ الخميس 2 / 296. (3) ذكر الفيروزآبادي في سفر السعادة ص 149 في فضل ما روى فى فضل معاوية ما نصه : « ليس فيه حديث صحيح » وقال العلامة ms859 المحقق محمد بن عقيل! في « النصائح الكافية » ما نصه « اما كتابة معاوية ، للوحي والتنزيل فلم تصح ، ومن ادعى ذلك فليثبت أية آية نزلت فكتبها معاوية ، اللهم الا ان يأتينا بالحديث الموضوع انه كتب آية الكرسي بقلم من ذهب جاء به جبرئيل هدية لمعاوية من فوق العرش ، PageV01P023 نعوذ بالله من الفرية على الله وعلى امينه ورسوله » وقال السيد قطب : في ( العدالة الاجتماعية ) ص 182 إن أبا سفيان حين اسلم رجا النبي (ص) في ان يسند إلى معاوية شيئا يعتز به أمام العرب ، ويعوضه عن سبة التأخر في الاسلام ، وانه من الطلقاء الذين لا سابقة لهم في الاسلام ، فاستخدمه النبي (ص) في الرسائل والحوائج والصدقات ولم يقل احد من الثقات انه كتب للنبي كما اشاع انصاره بعد استقرار الملك كما يصنع سائر الدعاة ، وإن كان استخدام النبي (ص) لمعاوية محل ريب لأن الرسول (ص) كان ينظر إليه وإلى اسرته نظرة ريبة لشكه (ص) فى اسلامهم. (1) تأريخ الخطيب 9 / 44 ، تفسير الطبري 5 / 77 ، اسد الغابة 3 / 14. PageV01P024 (1) مروج الذهب 1 / 440. PageV01P025 (1) شرح النهج 4 / 16. PageV01P026 (1) خديجة بنت خويلد بن اسد القرشية الأسدية زوج النبي (ص) واول من آمنت به وصدقته باجماع المسلمين وكانت تدعى فى الجاهلية « الطاهرة » وهي ذات ثراء عريض كانت تستأجر الرجال للتجارة فى اموالها ، وقد بلغها عن رسول الله (ص) صدق حديثه وعظم امانته وكرم اخلاقه فبعثت إليه وعرضت عليه التجارة في اموالها فاجاب الى ذلك وخرج الى الشام مع غلام لها اسمه ميسرة فلما قدم (ص) الى الشام استظل تحت شجرة وكانت قريبة من صومعة راهب فاطل الراهب وقال لميسرة من هذا الرجل؟ فقال له : إنه من قريش من اهل الحرم فقال الراهب. ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ، ثم باع رسول الله (ص) الأموال التي جاء بها ، واشترى ما اراد ثم قفل راجعا إلى مكة واعطى خديجة الأموال وقد ربحت ربحا كثيرا ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب ، فبعثت خلف النبي فقالت له : إني قد رغبت فيك لقرابتك منى ms860 وشرفك في قومك وامانتك عندهم ، وحسن خلقك وصدق حديثك ، وعرضت عليه الزواج بها ، وكانت من اوسط قريش نسبا واعظمهم شرفا واكثرهم مالا ، وخرج الرسول (ص) فعرض مقالتها على اعمامه فخرج عمه حمزة ودخل على ابيها خويلد فخطبها منه فاجابه الى ذلك فتزوج بها رسول الله (ص) وكان عمرها اربعين سنة وعمره الشريف خمس وعشرون سنة وقيل غير ذلك ، ولما بعث رسول الله كانت اول من آمنت به وآزرته ، وكان لا يسمع شيئا يكرهه PageV01P030 من رد عليه وتكذيب له مما يحزنه إلا خففت عنه وهونت عليه امر الناس وصدقته ، ولعظم جهادها في الاسلام بشرها رسول الله ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ، وكان جبرئيل يحمل لها السلام من الله ، وقال (ص) في حقها : « خير نساء العالمين اربع : مريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة ابنة خويلد وفاطمة بنت محمد » وما فتئ رسول الله (ص) يذكرها حتى انه إذا ذبح شاة يتتبع رفيقات خديجة فيهدي لهن من لحمها ، وقد توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل إنها توفيت بعد موت ابي طالب بثلاثة ايام فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بعد فقده لهما. توفيت فى رمضان وكان عمرها خمسا وستين سنة ودفنت بالحجون ، جاء ذلك فى اسد الغابة والاصابة والاستيعاب. (1) الشدقين : مفرده شدق بالكسر والفتح جانب الفم. (2) اسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور الابصار ص 96 ، وروى ما يقرب من ذلك في مسند احمد 6 / 150 والاستيعاب واسد الغابة والاصابة فى ترجمة خديجة ، وسنن ابن ماجة في باب الغيرة من ابواب النكاح. PageV01P031 (1) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 96 وقد جاء فيه ان عليا سأل رسول الله (ص) لم سميت فاطمة؟ فقال (ص). « إن الله قد فطمها وذريتها من النار » وذكره الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى ص 26 وجاء فيه ان الامام علي بن موسى الرضا روى الحديث في مسنده ولفظه ان رسول الله (ص) قال : « إن الله عز وجل فطم ابنتى فاطمة وولدها ومن احبهم ms861 من النار » وعن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) إن ابنتى فاطمة حوراء إذ لم تحض ولم تطمث وانما سماها فاطمة لأن الله عز وجل فطمها ومحبيها عن النار ، اخرجه النسائي. (2) ذكر فى كل من اسد الغابة والاصابة وذخائر العقبى ص 39. PageV01P032 (1) نور الابصار ص 41. (2) الشجنة : العضو المشتبك والغصن. (3) البسط : السرور. (4) القبض : الاستياء. (5) مستدرك الحاكم 3 / 154. (6) مستدرك الحاكم 3 / 157 ، اسعاف الراغبين ص 169. (7) مستدرك الحاكم 3 / 157 ، وذخائر العقبى ص 35 وجاء فيه زيادة على الرواية جديرا بقول الحق ، وعن بريدة كما في الاستيعاب قال : كان أحب النساء الى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي. PageV01P033 (1) الصواعق المحرقة ص 109. (2) مستدرك الحاكم 3 / 154. (3) كتب المستشرق « لامنس » فى كتابه « فاطمة وبنات محمد » مغالطات وبحوثا معكوسة يقول عند التحدث عن سيدة النساء فاطمة (ع) ما نصه « ولم يكن شأنها في بيت والدها خطيرا ظاهر الأثر بادي الخطورة ، بل لقد كان خطرها اقل من خطر عائشة وزينب ، وحفصة ، واضاف يقول : ولقد كانت تعامل فى بيت والدها معاملة عادية » ان لا منس معروف بعمالته للاستعمار وبحقده على الاسلام ، فمن اي مصدر استنتج منه هذه النتائج ، وقد طفحت الكتب الاسلامية بالاخبار المتظافرة الواردة عن النبي (ص) فى سمو منزلتها وعظيم شأنها عنده (ص) وما ذكرناه من الاحاديث السابقة التي اجمع المسلمون على روايتها تدل بوضوح على مدى تكريم النبي لها (ص) ، وانما اراد ( لا منس ) تشويه الاسلام والحط من اهم شخصياته الرفيعة. PageV01P034 (1) طبقات ابن سعد 8 / 11 ، تأريخ الخميس 1 / 407 ذخائر العقبى ص 29 (2) علل بعض الحاقدين على امير المؤمنين ذلك الصمت انه كان يخاف من النبي (ص) ان يرده لفقره ، وهو تعليل موهوم فان النبي (ص) لا يعني من المسلم الا فضائله وتقواه ولم يعر اي اهتمام للثراء وتضخم الاموال ، ولقد آخى بينه وبين علي مع علمه بفقره ، فقد جاء فى مستدرك الحاكم 3 / 14 وفي الاستيعاب 3 / 35 ما نصه : ان رسول الله (ص) لما آخى بين اصحابه جاءه علي (ع) فقال ms862 : آخيت PageV01P035 بين اصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال له رسول الله : « أنت اخي في الدنيا والآخرة » الى غير ذلك من الاخبار التي دلت على أنه نفس النبي (ص) وانه اخوه ووصيه ووزيره وخليفته من بعده على امته ولم يحز الامام هذه المنزلة الا الا لعظيم اتصاله بالله. (1) نور الابصار ص 42 كنز العمال 6 / 218 ، المستدرك 3 / 153. (2) مجمع البيان 9 / 175 طبع بيروت. (3) ذخائر العقبى ص 32. PageV01P036 (1) اخرجه الخطيب فى المتفق والسيوطي في جمع الجوامع 6 / 398. (2) كنز العمال 6 / 153. (3) مسند أحمد 5 / 26 ، مجمع الزوائد 6 / 101 ، الرياض النضرة 2 / 194. (4) كنوز الحقائق للمناوي ص 124 ، من لا يحضره الفقيه 3 / 249. PageV01P037 (1) كنز العمال 7 / 114 ، وجاء في تأريخ الخميس 1 / 407 انه باع بعيرا له وبعض أمتعته وأعطاه مهرا وهو مخالف لما عليه المشهور من أنه باع درعه واعطى ثمنه مهرا لفاطمة. (2) جاء فى كل من المستدرك 3 / 112 والاستيعاب 3 / 31 أنه بعث النبي (ص) يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء ، وكذا جاء فى غيرهما من المصادر وقد اجمع المسلمون انه اول من اسلم وآمن بالرسول (ص). (3) الطبقات الكبرى 8 / 14 رواه بسنده عن جعفر بن محمد عن ابيه (ع) PageV01P038 (1) مشروطا : اي مشدودا بشريط ، وهو خوص مفتول يشرط ، اي : يشد ويربط به السرير والرواية ذكرها ابو نعيم فى حلية الاولياء 3 / 329 رواها بسنده عن عكرمة. (2) مسند احمد بن حنبل 1 / 104 ، كنز العمال 7 / 113 ، وجاء فى مستدرك الحاكم 2 / 185 قال جهز رسول الله (ص) : فاطمة فى خميل وقربة ووسادة حشوها ليف ، وجاء في ذخائر العقبى ص 35 ان عليا (ع) قال : لقد تزوجت فاطمة ومالي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار. (3) فاطمة وبنات محمد. PageV01P039 (1) من لا يحضره الفقيه 3 / 243. (2) تهذيب الاحكام 7 / 366. (3) صحيح مسلم 1 / 545. PageV01P040 (1) نور الابصار ص 42 وذكرت مع اختلاف يسير في الرياض النضرة 2 / 183 وذخائر العقبى ص 29 وغيرها. (2) ذخائر العقبى ص 30 ، الرياض النضرة 2 / 181. PageV01P041 (1) طبقات ms863 ابن سعد 8 / 13 اسد الغابة 5 / 521 وفي كنز العمال 7 / 114 ان رسول الله (ص) قال : لا بد للعروس من وليمة ثم امر بكبش فجمعهم عليه. (2) طبقات ابن سعد 8 / 14 وجاء فى الرياض النضرة 2 / 182 عن جابر قال : حضرنا عرس على فما رايت عرسا كان احسن منه حشونا البيت طيبا وأتينا بتمر وزيت فاكلنا منه. PageV01P042 (1) وفي رواية فصب الماء بين يديها. (2) كنز العمال 7 / 114. PageV01P043 (1) مجمع الهيثمي 6 / 207. (2) تأريخ الخميس ج 1 ص 407 جاء فيه ان عليا تزوج فى السنة الثانية في رمضان وبنى بها فى ذي الحجة ، وذكر المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 187 ان تزويج الامام عليهالسلام بفاطمة كان بعد سنة من الهجرة وقيل اقل من ذلك وكان عمر الامام علي عليهالسلام فى ذلك الوقت إحدى وعشرين سنة وخمسة اشهر وعمر الصديقة عليهاالسلام خمس عشرة سنة وخمسة اشهر كما ذكر ذلك ابن حجر في المواهب اللدنية ج 1 ص 257 وذكر المسعودي في مروج الذهب ج 1 ص 403 ان عمر الزهراء عليهاالسلام كان ثماني عشرة سنة وعلي عليهالسلام عمره خمس عشرة سنة وجاء هذا أيضا فى طبقات الصحابة ج 8 ص 13 وجاء فى البحار ج 10 ص 4 ان عمرها الشريف كان عشر سنين وانها توفيت وعمرها ثماني عشرة سنة. (3) أم الفضل : هى زوجة العباس بن عبد المطلب واسمها لبابة وهى بنت الحارث الهلالية وهى اول امرأة آمنت بعد خديجة (رض) وهى شقيقة ميمونة زوجة النبي (ص) وهي إحدى الروايات عن النبي كذا جاء في الاصابة ج 4 ص 483 وفي الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة ج 4 ص 398 ، ان النبي (ص) كان PageV01P044 يزورها ويقيل عندها وروت عنه احاديث كثيرة ، وقد ولدت أم الفضل للعباس ست رجال لم تلد امرأة مثلهم وهم الفضل وبه كانت تكنى ويكنى زوجها العباس أيضا ابا الفضل ، وعبد الله الفقيه ، وعبيد الله الفقيه ، ومعبد ، وقثم ، وعبد الرحمن ، وأم حبيبة سابعة ، وفي أم الفضل يقول ms864 عبد الله بن يزيد الهلالي : (1) تأريخ الخميس ج 1 ص 418 جاء فيه ان الحسن (ع) لما ولد ارضعته أم الفضل ، وفي الإصابة ج 4 ص 484 ان الرؤيا التي قصتها أم الفضل كانت قبل ولادة الحسين (ع) فلما ولد ارضعته. PageV01P045 (1) الاصابة ج 1 ص 328 ، الاستيعاب ج 1 ص 368 تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 73 ، دائرة المعارف للبستاني ج 7 ص 38. ذكر هؤلاء ان ولادته عليهالسلام كانت فى السنة الثالثة من الهجرة فى النصف من شهر رمضان ، وجاء فى شذرات الذهب ج 1 ص 10 ان ولادته كانت فى الخامس من شهر شعبان. وهو اشتباه ظاهر ولعله اشتبه بالامام الحسين (ع) فان ولادته كانت في الخامس من شهر شعبان وذهب جماعة ان ولادته «ع» كانت في السنة الثانية من الهجرة ، وجاء في مرآة العقول ص 390 ما نصه : إن التحقيق انه لا منافاة بين تأريخى الولادة لأن كلا مبنى على اصطلاح فى مبدأ التأريخ غير الاصطلاح الذي عليه بناء الآخر وتفصيله ان فيه ثلاث اصطلاحات « الأول » : ان يكون مبدؤه فى شهر ربيع الأول فان الهجرة إنما كانت فيه ، وبناء الصحابة عليه إلى سنة ستين ورواية ان الحسن ولد سنة اثنتين من الهجرة محمول على هذا المبنى. « الثاني » ان يكون مبدؤه شهر رمضان السابق على شهر ربيع الأول الذي وقعت فيه الهجرة لأنه اول السنة الشرعية ورواية ان الحسن (ع) ولد سنة ثلاث مبنى على هذا. « الثالث » : ما اخترعه عمر وهو ان مبدأه المحرم انتهى. PageV01P048 الاستاذ محمد فريد وجدي فى « دائرة المعارف ج 3 ص 443 » ان ولادة الحسن 7 كانت قبل الهجرة بست سنين فهو مخالف لاجماع المؤرخين فانه قبل الهجرة لم يكن الامام امير المؤمنين متزوجا بالصديقة كما اوضحنا ذلك ، واما كيفية ولادة الصديقة بالامام (ع) فقد جاء بيانها فى تأريخ الخميس ج 1 ص 470 انه لما حان وقت ولادتها بعث إليها رسول الله (ص) اسماء بنت عميس وأم ايمن فقرأتا عليها آية الكرسي والمعوذتين وحدثت اسماء ms865 فقالت : قبلت فاطمة بالحسن (ع) فلم أر لها دما فقلت يا رسول الله إني لم أر لفاطمة دما فى حيض ولا نفاس فقال (ص) أما علمت ان فاطمة طاهرة مطهرة لا يرى لها دم فى طمث ولا ولادة ، وكانت مدة حملها به ستة اشهر ، وذهب صاحب « الفصول المهمة » الى خلافه وعليه فلم يولد مولود عمره ستة اشهر فعاش إلا عيسى بن مريم 7 كما ذكر ذلك فقيد العلم الأمينى ; فى « اعيان الشيعة ج 4 ص 3 ». (1) سرأه : قطع سرته ، ألباه بريقه ، مأخوذ من اللباء ، وهو اول اللبن عند الولادة ، والمراد انه «ص» اطعمه بريقه كما يطعم الصبي اللباء. PageV01P049 (1) دائرة المعارف للبستاني 7 / 38. (2) مسند الامام احمد بن حنبل 6 / 391 ، صحيح الترمذي 1 / 286 ، صحيح أبي داود 33 / 214 ، وقيل إنه لم يفعل ذلك بنفسه ، وإنما او عز إلى اسماء بنت عميس وأم سلمة أن تفعلا ذلك به ساعة الولادة ذكره الشبلنجي في نور الابصار ص 107. (3) الجواهر كتاب النكاح. PageV01P050 (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 470 وجاء فيه ان امين الوحي جبرئيل هبط على النبي (ص) فقال له : إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك علي منك بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدك فسم ابنك هذا باسم ولد هارون ، فقال له (ص) وما كان اسم ابن هارون يا جبرئيل؟ فقال شبر فقال له (ص) : إن لساني عربي فقال : سمه الحسن ففعل (ص) ذلك. PageV01P051 إليه الأمويون وثانيا إن إعراض الرسول «ص» عن اسم حرب حين ولادة الحسن «ع» هو كاف في إعراض آل البيت عن تسمية الحسين والمحسن بهذا الاسم ، وثالثا إن المحسن لم يولد في حياة الرسول «ص» فهذه الامور تبعد صحة الرواية التي ذكرها صاحب « الاستيعاب » وغيره وروى احمد بن حنبل فى مسنده عن علي «ع» انه قال : لما ولد لي الحسن سميته باسم عمي حمزة ولما ولد الحسين سميته باسم اخى جعفر فدعاني رسول الله «ص» فقال إن الله قد امرني ان اغير اسم هذين فسماهما حسنا وحسينا ، وهذه ms866 الرواية أيضا ضعيفة فان الرسول «ص» اسمى حفيديه عقيب ولادتهما ولم يذهب احد الى ما ذكره الامام احمد. (1) العقيقة في اللغة صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس وهى مأخوذة من العق وهو الشق والقطع سمى الشعر المذكور بذلك لأنه يحلق عنه والعقيقة من المستحبات الأكيدة وذهب بعض الفقهاء الى وجوبها ، وقال «ص» حين ذبحها بسم الله عقيقة عن الحسن اللهم عظمها بعظمه ولحمها بلحمه اللهم اجعلها وقاء لمحمد وآله. (2) تأريخ الخميس ج 1 ص 470 مشكل الآثار 1 / 456 ، الحلية 7 / 116 ، صحيح الترمذي 1 / 286 ، اعيان الشيعة ج 4 ص 108 ، وذكر الشبلنجي في نور الابصار PageV01P052 والطحاوى في مشكل الآثار 1 / 456 ، والحاكم في المستدرك ج 4 ص 237 ان رسول الله 6 عق عن الحسن والحسين عن كل واحد بكبشين وهذه الرواية ضعيفة فقد طعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك المطبوع على هامش مستدرك الحاكم ج 4 ص 237 فقال إن راويها سوار وهو ضعيف الرواية هذا اولا وثانيا ان أئمة الفقه لم يذكروا في تشريع العقيقة إلا واحدة. (1) تأريخ الخميس 1 / 470 ، نور الابصار ص 107 صحيح الترمذي 1 / 286 وجاء فيها ان زنة شعره كانت درهما او بعض درهم. (2) الخلوق : طيب مركب من زعفران وغيره ، وفي البحار 10 / 68 ان العادة في الجاهلية كانوا يطلون رأس الصبي بالدم ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : الدم من فعل الجاهلية ، ونهى اسماء عن فعل ذلك. (3) نور الابصار : ص 108. (4) جواهر الاحكام كتاب النكاح ، وجاء فيه ان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : طهروا اولادكم يوم السابع فانه اطيب ، واطهر ، واسرع لنبات اللحم ، وان الارض تنجس من بول الأغلف اربعين يوما. (5) اسد الغابة 2 / 9 ، والكنية هى ان تصدر بأب او أم ، وهى من سنن الولادة فعن الامام محمد الباقر عليهالسلام : إنا لنكني اولادنا في صغرهم مخافة النبز ان يلحق بهم. PageV01P053 (1) فضائل الاصحاب : ص 166 ، وفي صحيح الترمذي 2 / 307 عن علي عليهالسلام قال : الحسن اشبه برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ما بين الصدر الى ms867 الرأس ، والحسين اشبه بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان اسفل من ذلك ، وفي الاصابة عن البهي قال : تذاكرنا من اشبه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من اهله فدخل علينا عبد الله بن الزبير ، فقال : انا احدثكم بأشبه اهله به ، واحبهم إليه الحسن بن علي ، ورواه الهيثمى فى مجمعه 9 / 175 ، وفي المحبر ص 469 ان فاطمة عليهاالسلام كانت ترقص ولدها الحسن وتقول له : وا بأبي شبه ابي غير شبيه بعلي (2) الادعج : شدة فى سواد العين مع سعتها. (3) الوفرة : الشعر السائل على الأذنين ، او هو الشعر المجتمع على الرأس. (4) الكراديس : جمع مفرده الكردوسة ، وهى كل عظمين التقيا في مفصل او العظم الذي يجتمع عليه اللحم ، والمراد ضخم الاعضاء. (5) المنكبين تثنية منكب ، وهو مجتمع راس الكتف والعضد. (6) الجعد : الشعر الذي فيه التواء ، وتقبض ، وهو خلاف المسترسل. (7) كث اللحية : قصرها مع كثرة شعرها. PageV01P054 (1) تأريخ الخميس 1 / 171 ، وذكر البستاني في دائرة المعارف 7 / 38 بعض هذه الاوصاف. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 201 ، وعن الغزالي فى احياء العلوم ان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال للحس : « اشبهت خلقي وخلقي ». PageV01P055 (1) علم النفس فى الحياة لما ندر. PageV01P058 (1) البحار 10 / 89. PageV01P059 (1) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 148 ، البحار 10 / 93. PageV01P060 (1) صحيح الترمذي 1 / 93 مستدرك الحاكم 3 / 172 تاريخ ابن عساكر 4 / 20. (2) اسد الغابة 2 / 11. (3) اسد الغابة 2 / 11 والمراد من الصدقة المحرمة على آل البيت هي الصدقة الواجبة كالزكاة والفطرة دون غيرهما من الصدقات المندوبة. PageV01P061 (1) تأريخ اليعقوبى 2 / 201 وفي مسند احمد 1 / 200 انه عليهالسلام قال سمعت رسول الله قد قال : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فان الصدق طمأنينة ، وان الكذب ريبة. (2) حياة علي بن ابي طالب للشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي ص 83 وذكر الدكتور زكي مبارك فى التصوف الإسلامي ج 1 ص 274 في بيان مأخذ عقيدة الصوفية في سيد الأنبياء محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ومن الخير ان ننص على ان هذا الشطط استند فيه الصوفية إلى حديث « أنا سيد الأنبياء » وهو حديث شك فيه العلماء فقد جاء في كتاب العجلونى المسمى ms868 « كشف الخفاء والالتباس ، عما اشتهر من الاحاديث على السنة الناس » ان الحسن بن علي روى ان الرسول قال ( ادعوا لي سيد العرب ) يعني عليا فقالت له عائشة : الست سيد العرب ، فقال أنا سيد ولد آدم وعلى سيد العرب ، ثم حدثنا العجلوني ان الذهبي يجنح إلى الحكم على هذا الحديث بالوضع ، اقول : لم يتبين لنا بجلاء ما افاده الدكتور زكي. PageV01P062 مبارك في مأخذ عقيدة الصوفية ولبيان الحال نقول إنهم قد انفردوا عن بقية فرق الاسلام بالتزامهم بجهتين ( الاولى ) إن هناك تعينا اوليا وهو مجمع التعينات وهو المسمى بالعقل الأول والصادر الأول في لسان الفلاسفة القدامى ، ومستندهم في ذلك هي البراهين التي اقيمت فى الفلسفة التي منها إن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد ( الثانية ) تطبيق العقل الأول والصادر الأول على الحقيقة الأحمدية المقدسة وبهذا التطبيق انحازوا عن الفلاسفة ، وحجتهم في ذلك هي الأخبار كحديث ( أنا سيد الناس ) ( ولو لاي لما خلقت الأكوان ) وانا نبي وآدم بين الماء والطين ، ونحوها من الأخبار الدالة على إثبات مطلوبهم بنحو من الدلالة العقلية ، والمتصوفة إنما كانوا متصوفة بالتزامهم بالجهة الأولى التي ذهبت إليها الفلاسفة ، فكان الأجدر بالدكتور زكي مبارك ان لا يطلق القول في ان عقيدة الصوفية قد اخذت من الأخبار وعليه ان يبين ان استنادهم إلى الأخبار إنما هو لتطبيق العقل الأول والصادر الأول على الحقيقة الأحمدية ، وكان المناسب له التعرض الى مناقشة الصوفية في الجهة الأولى ، وبيان السر في تشكيك العلماء في حديث ( أنا سيد الناس ) هل كان مصدره ضعف الراوى ، او من جهة اعتماد الصوفية عليه والأخير غير صالح للتضعيف والأول غير معلوم. PageV01P063 (1) سورة الشورى : آية 23 (2) تفسير الفخر الرازي 7 / 406 ، الدر المنثور 7 / 7 ، تفسير النيسابوري PageV01P066 في تفسير سورة الشورى ، تفسير ابن جرير الطبري 5 / 16 ، الكشاف في تفسير سورة الشورى ، الصواعق المحرقة : ص 102 ، ذخائر العقبى : ص 25 نور الابصار : ص 100. (1) حلية الأولياء 3 / 201. (2) مستدرك الحاكم 3 / 172 ، مجمع الزوائد 9 / 146 ، الصواعق المحرقة ص 101 ، مجمع البيان في ms869 تفسير سورة الشورى 9 / 29. (3) الصواعق المحرقة : ص 88. PageV01P067 (1) تفسير الفخر الرازي في ذيل تفسير آية المودة فى سورة الشورى. PageV01P068 (1) سورة الأحزاب : (2) انظر تفسير الفخر 6 / 783 ، النيسابوري في تفسير سورة الاحزاب ، صحيح مسلم 2 / 331 ، الخصائص الكبرى 2 / 264 ، الرياض النضرة 2 / 188 ، خصائص النسائي 4 ، تفسير ابن جرير 22 / 5 ، مسند الامام احمد بن حنبل 4 / 107 سنن البيهقي 2 / 150 ، مشكل الآثار 1 / 334 وغيرها. PageV01P069 (1) مستدرك الحاكم 2 / 416 ، اسد الغابة 5 / 521. (2) الدر المنثور 5 / 199. (3) تأريخ بغداد 10 / 278. (4) الدر المنثور. PageV01P070 (1) الدر المنثور. (2) مجمع الزوائد 9 / 169. (3) ذخائر العقبى : ص 24. (4) مستدرك الحاكم 3 / 172. PageV01P071 (1) صحيح مسلم 2 / 238 ، تفسير ابن كثير 3 / 486. (2) اسباب النزول للواحدي : ص 268. (3) الدر المنثور 5 / 198. (4) طبقات القراء 1 / 15 ، طبقات ابن سعد 5 / 216. (5) الكلمة الغراء للامام شرف الدين نقلا عن ميزان الاعتدال. PageV01P072 (1) معجم الأدباء فى ترجمة عكرمة. (2) تهذيب التهذيب 7 / 263. (3) تهذيب التهذيب (4) سورة آل عمران : (5) تفسير الجلالين 1 / 35 ، تفسير روح البيان 1 / 457 ، تفسير الكشاف 1 / 149 ، تفسير البيضاوي ص 76 ، تفسير الرازي 2 / 699 ، صحيح الترمذي 2 / 166 سنن البيهقي 7 / 63 ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ، مسند احمد بن حنبل 1 / 185 مصابيح السنة للبغوي 2 / 201. PageV01P073 (1) الداكنة : السحابة السوداء. PageV01P075 (1) نور الابصار : ص 100. (2) تفسير الفخر 8 / 392 ، روح البيان 6 / 546 ، النيسابوري في تفسير سورة هل اتى ، اسباب النزول للواحدي : ص 331 ، الدر المنثور في تفسير سورة هل اتى ، ينابيع المودة 1 / 93 ، الرياض النضرة 2 / 227. PageV01P076 (1) البراء بن عازب يكنى ابا عمارة ، شهد مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم واقعة بدر ، ولكنه لم يأذن له في الجهاد لصغر سنه ، وغزا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم اربع عشرة غزوة ، وهو الذي فتح الري سنة اربع وعشرين فى قول ابى عمرو الشيباني ، وشهد مع امير المؤمنين عليهالسلام الجمل وصفين ، والنهروان ، نزل الكوفة وابتنى بها دارا ، ومات ايام مصعب بن الزبير ، جاء ذلك فى اسد الغابة 1 / 171 ، والاستيعاب. (2) صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق ، ورواه الترمذي في صحيحه 2 / 307 PageV01P078 ورواه ms870 مسلم فى صحيحه فى كتاب فضائل الصحابة ، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 34. (1) كنز العمال 7 / 104 ، وذكره الهيثمي فى مجمعه 9 / 176 ، وتظافرت الاخبار بهذا المضمون عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فعن سعيد بن زيد قال : احتضن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حسنا ثم قال : ( اللهم إني قد احببته فأحبه ) ذكره المتقي الهندي فى كنز العمال 7 / 105 وقال اخرجه الطبراني وابو نعيم ، وذكر ابن حجر في الاصابة 3 / 78 قال : واخرج البغوي من طريق يزيد بن ابي زياد عن يزيد بن ابي الحسن عن سعد بن زيد الانصاري ان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم حمل حسنا ، ثم قال : اللهم إني احبه فاحبه مرتين ، وروى ابو نعيم فى حليته عن ابي هريرة ان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « اللهم ، إني احبه ، فأحبه واحب من يحبه » يقولها ثلاث مرات. (2) تهذيب التهذيب 2 / 297 ، مسند الامام احمد بن حنبل 5 / 366 الصواعق المحرقة : ص 82. PageV01P079 (1) الاصابة 1 / 330 ، صحيح البخاري ذكره فى الصلح ، ورواه الامام احمد بن حنبل فى مسنده 5 / 44 باسناده عن المبارك عن الحسن عن ابي بكرة قال : كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يصلي بالناس ، وكان الحسن بن علي يثب على ظهره إذا سجد ، ففعل ذلك غير مرة ، فقالوا له : والله إنك لتفعل بهذا شيئا ، ما رأيناك تفعله باحد ، قال المبارك : فذكر شيئا ثم قال : إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تبارك وتعالى به بين فئتين من المسلمين ، وذكره ابن حجر في صواعقه وجاء في العقد الفريد 1 / 164 ان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دخل على ابنته فاطمة فوجد الحسن طفلا يلعب بين يديها ، فقال لها : إن الله سيصلح على يدي ابنك هذا بين فئتين عظيمتين من المسلمين. (2) الصواعق : ص 82 ، حلية الاولياء. (3) الاصابة 2 / 11 (4) البداية والنهاية 8 / 33 PageV01P080 (1) البحار 6 / 58 (2) فضائل الاصحاب : ص 165 ، البداية والنهاية 8 / 35 (3) الاستيعاب 2 / 369 (4) كنز العمال 6 / 222 PageV01P081 (1) ذخائر العقبى : ص 124 (2) روى ابو نعيم في حلية الاولياء 3 / 201 عن جابر ان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : لعلي بن ابي ms871 طالب عليهالسلام سلام عليك يا ابا الريحانتين اوصيك بريحانتي من الدنيا خيرا فعن قليل ينهد ركناك والله خليفتي عليك ، قال فلما قبض النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : قال علي عليهالسلام : هذا احد الركنين اللذين قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فلما ماتت فاطمة عليهاالسلام قال علي (ع) : هذا الركن الآخر الذي قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : وفي كنز العمال 7 / 110 عن سعد بن مالك قال دخلت على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والحسن والحسين يلعبان على ظهره ، فقلت يا رسول الله أتحبهما؟ فقال : ومالي لا احبهما ، وانهما ريحانتى من الدنيا (3) صحيح الترمذي 2 / 306 فيض القدير 1 / 148 PageV01P082 (1) صحيح الترمذي 2 / 240 ، كنز العمال 7 / 110 ، وذكر آخر الحديث ابن حجر فى صواعقه ص 114 (2) مستدرك الحاكم 3 / 166 ، وبتغيير يسير رواه الهيثمي في مجمعه 9 / 811 وكذلك فى كنز العمال 6 / 221 (3) مستدرك الحاكم 3 / 167 ، صحيح ابن ماجة ، وتظافرت الاخبار الواردة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ان سبطيه سيدا شباب اهل الجنة ، روى الترمذي في صحيحه 2 / 306 عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم « الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة » ورواه احمد بن حنبل فى مسنده 3 / 3 ، وروى الخطيب البغدادي في تاريخه 1 / 140 بسنده عن علي عليهالسلام قال قال : رسول الله : ( الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة ) PageV01P083 (1) صحيح الترمذي 2 / 306 ، صحيح النسائي 1 / 209 PageV01P084 (1) ذخائر العقبى : ص 130 (2) كنز العمال 7 / 108 ، مجمع الهيثمي 9 / 182 (3) مجمع الهيثمي 9 / 181 ، كنز العمال 7 / 106 PageV01P085 (1) روي في المستدرك الحديث عن يعلى بن منبه الثقفي ، وراجعنا كتب التراجم فلم نجد يعلى بن منبه وانما الموجود يعلى بن مرة ، ولعل ما وقع ما فى المستدرك كان سهوا ، وجاء فى كل من الاصابة ، واسد الغابة ان يعلى بن مرة من افاضل الصحابة ، روى عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعن امير المؤمنين عليهالسلام وشهد مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الحديبية ، وبايع بيعة الرضوان وشهد خيبر ، والفتح وهوازن والطائف. (2) مستدرك الحاكم 3 / 168 ، مسند الامام احمد بن حنبل 4 / 172 (3) الصواعق المحرقة : ص ms872 114 ، كنز العمال 6 / 221 PageV01P086 (1) حلية الاولياء 5 / 44 الفضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 177 (2) البحار 10 / 78 ، وجاء في نزهة المجالس 2 / 184 ، وفى الاتحاف بحب الاشراف : ص 129 ان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال للحسن والحسين : « انتما الامامان ولامكما الشفاعة » وجاء فى منهاج السنة 4 / 210 ان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : للحسين عليهالسلام « هذا امام ابن امام اخو امام ابو أئمة تسعة ». (3) سورة البقرة : آية 124 PageV01P087 (1) كنز العمال 7 / 102 ، سنن ابن ماجة ص 14 ورواه ابن كثير فى البداية والنهاية عن ابي هريرة. (2) الرياض النضرة 2 / 252 (3) مسند احمد 1 / 77 ينابيع المودة ص 164 صحيح الترمذي 2 / 2 / 301 (4) مسند احمد 1 / 77 PageV01P088 (1) مستدرك الحاكم 3 / 149 (2) صحيح الترمذي 2 / 308 ، اسد الغابة 2 / 12 (3) المراجعات : ص 49 52 ، الاصول العامة للفقه المقارن ص 164 187 PageV01P089 (1) مجمع الزوائد 9 / 168 ، وجاء في مستدرك الحاكم عن حنش الكناني قال : سمعت أبا ذر يقول : وهو آخذ بباب الكعبة : أيها الناس من عرفنى فأنا من عرفتم ، ومن انكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله يقول : « مثل اهل بيتى مثل سفينة نوح من ركبها نجا. ومن تخلف عنها غرق » وقد تظافرت الأخبار بهذا النص. PageV01P090 (1) المراجعات : ص 54 (2) المراجعات : ص 58 نقلا عن كتاب الشفاء ص 40 (3) المراجعات : ص 59 نقلا عن الامام الثعلبي في تفسير آية المودة من تفسيره الكبير (4) المراجعات نقلا عن الشرف المؤبد ص 58. PageV01P091 (1) المراجعات نقلا عن السيوطي في احياء الميت ، والنبهانى فى اربعينه. (2) كنز العمال 6 / 217. PageV01P092 (1) تاريخ ابن عساكر 4 / 212 ، مناقب ابن شهرآشوب 2 / 143 (2) البداية والنهاية 8 / 37 (3) مسند الامام احمد بن حنبل 2 / 255 ، انساب الاشراف للبلاذري PageV01P093 (1) مناقب ابن شهر اشوب 1 / 127. (2) الخصائص الكبرى 2 / 368 PageV01P097 (1) صحيح الترمذي 2 / 308 (2) سورة المائدة نزلت هذه الآية فى يوم الغدير ذكر ذلك الواحدى فى اسباب النزول ص 150 والفخر الرازي فى تفسيره الكبير وغيرهما. PageV01P098 (1) حديث الغدير من الاحاديث المتواترة القطعية ، اجمع المسلمون على روايته ، وقد بحث ms873 عنه من حيث السند والدلالة نابغة الاسلام سماحة الحجة الاميني سلمه الله في موسوعته الخالدة « الغدير » وقد خص الجزء الاول من كتابه في البحث عن ذلك ، وصحب معه في بقية الاجزاء جيشا من الشعراء والادبا الذين أشادوا بذكرى الغدير فترجم لهم وذكر ما لهم من التراث الأدبى والعلمي. (2) الغدير 2 / 34 (3) الغدير 1 / 271 نقلا عن روضة الصفا للمؤرخ خاوندشاه في الجزء الثانى ص 1 / 273 PageV01P100 (1) مسند احمد 4 / 281 (2) سورة المائدة ذكر نزول الآية في يوم الغدير السيوطي فى الدر المنثور والخطيب البغدادي في تاريخه 8 / 290 وغيرهما PageV01P101 (1) الغدير 1 / 197 (2) ابو مويهبة مولى لرسول الله اشتراه واعتقه PageV01P102 (1) سيرة ابن هشام 3 / 93 تاريخ الطبري 3 / 190 وذكر المجلسي في بحاره 6 / 121 ان رسول الله (ص) لما احس بالمرض اخذ بيد علي عليهالسلام وتبعه فريق من الناس فتوجه الى البقيع واستغفر لاهله. (2) كنز العمال 5 / 312 ، طبقات ابن سعد 4 / 46 ، تاريخ الخميس 2 / 46 PageV01P103 (1) اسامة بن زيد : بن حارثة بن شراجيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي أمه أم ايمن ، واسمها بركة مولاة رسول الله (ص) وحاضنته اختلف فى سنه يوم مات رسول الله (ص) فقيل ابن عشرين سنة ، وقيل ابن تسع عشرة ، وقيل ابن ثمان عشرة سنة ، سكن بعد موت النبي (ص) وادى القرى ثم رجع الى المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية وكانت وفاته سنة ثمان او تسع وخمسين من الهجرة وقيل سنة اربع وخمسين جاء في الاستيعاب المطبوع عن هامش الاصابة 1 / 34 35 ، ومما يؤسف انه انحرف عن الحق فانه لم يبايع امير المؤمنين حينما آلت إليه الخلافة والسبب في ذلك ان هبات الامويين واموالهم الوفيرة التي اغدقوها عليه حرفته عن امير المؤمنين. (2) ابنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة : ناحية بالبلقاء من ارض سوريا بين عسقلان والرملة وهي قرب موتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن ابي طالب. (3) مستدرك الحاكم 3 / 58 PageV01P104 (1) السيرة الحلبية 3 ms874 / 34 وغيره من المحدثين والمؤرخين (2) السيرة الحلبية 3 / 34 PageV01P105 (1) سنن البيهقي : 10 / 111 مجمع الزوائد (2) تمهيد الباقلاني : ص 190 (3) قد بسطنا البحث فى هذه الجهة في كتابنا الماثل للطبع نظام الحكم والادارة فى الاسلام. PageV01P107 (1) المراجعات والنص والاجتهاد للامام شرف الدين ، وقد حلل فيهما سرية اسامة ، تحليلا رائعا. (2) حياة محمد لهيكل ص 484. (3) الصواعق المحرقة لابن حجر PageV01P108 (1) البحار 6 / 1035 PageV01P110 (1) كنز العمال 7 / 110 شرح النهج 4 / 4. (2) مناقب ابن شهر اشوب. PageV01P112 (1) مسند احمد 1 / 355 وغيره. (2) الرواية اخرجها الطبراني فى الاوسط ، والبخاري ومسلم. PageV01P113 (1) ذكر الحادثة البخاري عدة مرات في 4 / 69 وص 99 وفي ج 6 / 8 وكتم اسم القائل لهذه الكلمة وصرح ابن الاثير فى نهاية غريب الحديث وغيره ان القائل هو عمر بن الخطاب ، وقد اعترف عمر في حديثه مع ابن عباس انه صد النبي (ص) عن الكتابة فى علي وعترته ، كما في شرح النهج المجلد الثالث ص 114 PageV01P114 (1) مسند احمد 1 / 355 PageV01P115 (1) درة الناصحين ص 66 PageV01P116 (1) طبقات ابن سعد 2 / 48 (2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 114 (3) المناقب 1 / 29 ، وتظافرت الاخبار بأن رسول الله (ص) توفى في حجر علي عليهالسلام فقد جاء في كنز العمال 4 / 55 ان ابا غطفان قال سألت ابن عباس PageV01P117 فقلت له لما توفى رسول الله 6 راسه فى حجر من؟ فقال توفى وهو الى صدر على ، فقلت له ان عروة حدثني عن عائشة انها قالت توفي رسول الله 6 بين سحرى ونحرى فقال لى : أتعقل؟! والله لتوفي رسول الله وهو الى صدر على وهو الذي غسله واخرجه ابن سعد فى ص 51 من القسم الثانى من الطبقات. (1) سنن ابن ماجة وجاء فيه ان حماد بن زيد قال رايت ثابت راوى الحديث حينما يحدث به يبكى حتى تختلف اضلاعه PageV01P118 (1) وفاء الوفاء 1 / 227 وجاء في كنز العمال 4 / 53 ان الامام عليا غسل رسول الله (ص) وكان الفضل واسامة يناولانه الماء من وراء الستر ، وجاء فيه أيضا انه قد اختلف في كفنه فقيل كفن فى ms875 ثلاثة اثواب وقيل في حلة يمانية وقميص ، وذكر اقوالا اخرى فى كفنه (ص) ونقل ان ابا قلاعة كان يقول الا تعجب من اختلافهم فى كفن رسول الله (ص) (2) طبقات ابن سعد ج 2 / القسم 2 / 63 (3) حلية الاولياء 4 / 77 (4) كنز العمال 4 / 54 وجاء فيه ان الامام امير المؤمنين (ع) لما وضع الجثمان المعظم على السرير لاجل الصلاة عليه قال للمسلمين لا يقوم عليه امام منكم ، هو امامكم ، حيا وميتا فكان الناس يدخلون رسلا رسلا فيصلون عليه صفا صفا ليس لهم امام وامير المؤمنين (ع) واقف الى جانب الجثمان وهو يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، اللهم ، انا نشهد انه قد بلغ ما انزل إليه ونصح لأمته وجاهد فى سبيل الله حتى اعز الله دينه وتمت كلمته ، اللهم فاجعلنا ممن يتبع ما انزل إليه وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه وكان الناس يقولون آمين آمين حتى صلى عليه الرجال والنساء والصبيان ، واختلف في تاريخ وفاته صلىاللهعليهوآلهوسلم فقيل PageV01P119 في اليوم الثاني عشر من ربيع الاول ( جاء في وفاء الوفاء 1 / 226 و227 وقيل في اليوم الثامن والعشرين من صفر ذكره الطبرسي في اعلام الورى ص 7 ، وقيل في اليوم الثاني من ربيع الاول ذكره ابن واضح فى تاريخه 2 / 93 وقيل غير ذلك. (1) طبقات ابن سعد 2 / 77 (2) نهج البلاغة محمد عبده 3 / 224 ، والجلل الهين الحقير ، والمراد ان المصائب قبل مصيبة الرسول (ص) وبعدها هينة حقيرة. PageV01P120 (1) كشف الغمة : ص 154. PageV01P121 (1) سورة آل عمران : آية 144 (2) الولائج : جمع وليجة وهي بطانة الانسان وخاصته (3) الرص : مصدر رصص الشى اى الصق بعضه ببعض ومنه قوله تعالى ( كأنهم بنيان مرصوص ) . (4) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 48 PageV01P124 (1) السقيفة : الصفة تشبه البهو ، كانت مجمعا للانصار ودارا لندوتهم (2) سعد بن عبادة : سيد الخزرج ، وزعيم الانصار اعترف له قومه بالسيادة ، وقد اشتهر بالجود والسخاء هو وابوه وجده وابنه قيس ، ويقال لم PageV01P125 يكن فى الأوس والخزرج بيت واحد فيه اربعة اشخاص اسخياء متتالون الا بيت سعد ، وهو احد ms876 النقباء ، شهد مع رسول الله (ص) العقبة وبدرا ، وقد تخلف عن بيعة ابي بكر ، وخرج غاضبا من المدينة فتبعه خالد بن الوليد وصاحب له فكمنا له له ليلا فطعناه والقياه فى البئر ، واوهم خالد على بعض الحمقى ان الجن هي التي قتلته وانشدوا على لسانها بيتين من الشعر : كانت وفاته بحوران من ارض الشام سنة خمس عشرة من الهجرة وقيل سنة اربع عشرة ترجم في كل من الاصابة ، والاستيعاب واسد الغابة وغيرها PageV01P126 (1) تأريخ الطبري 3 / 207 (2) السنح : محل يبعد عن المدينة بميل ، وقيل هو احد عواليها يبعد عنها باربعة اميال او ثلاثة. PageV01P127 (1) شرح ابن ابي الحديد. PageV01P128 (1) العقد الفريد 3 / 62 (2) تأريخ الطبرى 3 / 208 (3) العقد الفريد 3 / 62 PageV01P131 (1) خصائص النسائي : ص 18 ، مستدرك الحاكم 3 / 126 PageV01P132 (1) العقد الفريد 3 / 62 (2) شرح النهج لابن ابي الحديد 2 / 8 PageV01P133 (1) شرح النهج 2 / 5 (2) صحيح البخاري 10 / 44 ومسند احمد 1 / 55 وتمام المتون ص 137 PageV01P134 (1) النص والاجتهاد ص 7 PageV01P135 (1) الخلفاء الراشدون : ص 16 (2) تأريخ ابن الاثير PageV01P136 (1) الامامة والسياسة 1 / 4 PageV01P137 (1) على وبنوه ص 19 PageV01P138 (1) الامامة والسياسة 1 / 11 12 PageV01P140 (1) الطبن : الخبير (2) التكافؤ : التساوي (3) اعتقله : اي وضعه بين ركابه ، وساقه كما يعتقل الرمح (4) سجحا : أي سهلا (5) الخشاش : عود يجعل فى انف البعير يشد به الزمام (6) لا يتتعتع راكبه. اى لا يصيبه اذى (7) فضفاضا : اي يفيض منه الماء (8) تطفح ضفتاه : اي يمتلئ ويفيض جانباه (9) الترنم : الصوت (10) اصدرهم بطانة : اي اشبعهم وافاض عليهم بالنعم والخيرات (11) غمر الناهل : اي رى الظمآن (12) ردعة سورة الساغب : كسر شدة الجوع PageV01P141 (1) الكاهل : سند القوم ومعتمدهم يقال « فلان شديد الكاهل » اي منيع الجانب (2) الذعاف : الطعام الذي يجعل فيه السم ، الممقر : المر (3) بلاغات النساء ص 23 ، اعلام النساء م 3 / 1219 1220 الاحتجاج للطبرسي البحار للمجلسي شرح النهج PageV01P142 (1) الامامة والسياسة 1 / 12 (2) اعلام النساء 3 / 1214 PageV01P146 (1) الرياض النضرة 1 / 139 ، شرح النهج لابن ابى الحديد 2 / 17 مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 93 المناقب 2 / 172 وجاء في الاصابة 2 / 15 ان هذا ms877 الاحتجاج كان من الامام الحسين ، وجاء في الصواعق المحرقة ص 105 وفي الصبان المطبوع على هامش نور الابصار ص : 125 ان الحسن قال لأبي بكر هذه الكلمة ، ووقع للحسين ذلك مع عمر بن الخطاب. PageV01P147 (1) احتجاج الطبرسي ص 42 43 PageV01P148 (1) احتجاج الطبرسي ص 43 PageV01P149 (1) الاحتجاج للطبرسي 43 44 وذكره غيره. PageV01P150 (1) تأريخ ابى الفداء 1 / 156 PageV01P151 (1) ان تهديد عمر لامير المؤمنين بحرق داره إن لم يبايع ثبت بالنصوص المتواترة ودونه اغلب المؤرخين فقد ذكرت في الامامة والسياسة 1 / 12 13 ، شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 34 تاريخ الطبري 3 / 202 ط دار المعارف تاريخ ابى الفداء 1 / 156 ، تاريخ اليعقوبى 2 / 105 ، اعلام النساء 3 / 205 ، الاموال لابي عبيد 131 ، مروج الذهب 1 / 414 ، الامام على لعبد الفتاح 1 / 213 وذكرها في الجزء الرابع ص 171 ، ونظمها شاعر النيل حافظ ابراهيم فقال : PageV01P152 (1) اعلام النساء 3 / 1215 (2) حلية الأولياء 2 / 41 ، مستدرك الحاكم 3 / 160 PageV01P155 (1) مستدرك الحاكم 3 / 124 الصواعق المحرقة ص 75 (2) الاصابة (3) النص والاجتهاد : ص 37 PageV01P156 (1) كنز العمال 3 / 135 ، الطبري 4 / 52 PageV01P157 (1) الامامة والسياسة 1 / 14 ، اعلام النساء 3 / 1214 ، الامام على 1 / 217 (2) الامام على 1 / 217 218 (3) مستدرك الحاكم 3 / 153 ، اسد الغابة 5 / 522 ، تهذيب التهذيب 12 / 441 ، ميزان الاعتدال 2 / 72 ، كنز العمال 6 / 219 ، ذخائر العقبى ص 39 مقتل الخوارزمي 1 / 52 PageV01P159 (1) نور الابصار ص 42 ، وذكر ابن شهرآشوب فى المناقب 2 / 131 زيادة على هذين البيتين وهي : PageV01P160 (1) البكاءون الخمس : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وعلي بن الحسين ، وفاطمة ، ذكر ذلك المجلسي فى البحار 10 / 44 (2) سنن ابن ماجة ص 18 PageV01P161 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95. PageV01P162 (1) اسماء بنت عميس بن سعيد بن الحارث الخثعمي ، وامها هند بنت عوف ابن زهير من كنانة ، اسلمت قبل دخول رسول الله (ص) دار الارقم بمكة ، وبايعت وهاجرت الى ارض الحبشة مع زوجها جعفر بن ابى طالب. وقالت يا رسول الله ، ان رجالا يفخرون علينا أن لسنا من المهاجرين الاولين ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : بل ms878 لكم هجرتان هاجرتم الى ارض الحبشة ونحن مرهنون بمكة ، ثم هاجرتم بعد ذلك. روت عن النبي (ص) ستين حديثا ، وكان عمر بن الخطاب يسألها عن تفسير المنام ، وفرض لها الف درهم ، ولما استشهد زوجها تزوجها ابو بكر فولدت له الطيب محمد ولما مات ابو بكر تزوجها امير المؤمنين (ع) وهي اخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي (ص) واخت أم الفضل زوج العباس ، ترجمت في اسد الغابة 5 / 395 وتهذيب التهذيب والاستيعاب ، واعلام النساء وطبقات ابن سعد وغيرها. (2) مستدرك الحاكم 3 / 162 PageV01P163 (1) سلمى بنت عميس اخت اسماء وهي احدى الاخوات اللاتي قال فيهن رسول الله (ص). الاخوات مؤمنات ، وهي زوج حمزة بن عبد المطلب جاء ذلك في اسد الغابة 5 / 479 (2) طبقات ابن سعد 8 / 17 وفى مسند الامام احمد بن حنبل 6 / 461 وفي PageV01P164 ذخائر العقبى ص 53 ان التي شهدت وفاة الصديقة هي أم سلمة لا سلمى بنت عميس. PageV01P165 (1) اسد الغابة 5 / 524 ، كنز العمال 7 / 113 (2) ذكر ذلك شراح البخاري من المجلد الثامن ص 157 وفي مستدر الحاكم 3 / 162 عن عائشة قالت : دفنت فاطمة بنت رسول الله (ص) ليلا ودفنها على (ع) ولم يشعر ابو بكر حتى دفنت وصلى عليها علي ، ويوجد هذا الحديث في مسند احمد 1 / 6 و9 وفى صحيح مسلم 2 / 72 وفي تاريخ الطبرى 3 / 212 وفي سنن البيهقي 6 / 300 وفي مشكل الآثار للطحاوي وذكره ابن كثير فى تاريخه 5 / 285 وقال فى ج 6 / 333 لم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها ، وفى السيرة الحلبية 3 / 390 قال الواقدي : ثبت عندنا ان عليا كرم الله وجهه دفنها رضي الله عنها وصلى عليها ومعه العباس والفضل ولم يعلموا بها احدا. (3) البحار 10 / 52 وجاء فيه ان ابن بابويه يذهب الى انها دفنت في بيتها وذهب شيخنا ابو جعفر الطوسي الى انها دفنت اما فى دارها او فى الروضة. PageV01P166 (1) الليل المسهد : الذي ينقضي بالسهر (2) الاحفاء بالسؤال : الاستقصاء ، ويطلب سلام الله عليه من النبي ان ms879 يكثر من سؤال بضعته لتخبره بما جرى عليها من الخطوب والكوارث والآلام التي تجرعتها من صحابته. (3) القالى : المبغض ، والسئم ماخوذ من السامة وهى ملال الشيء (4) شرح النهج محمد عبده 2 / 207 208 واختلف فى تأريخ وفاتها ففي طبقات ابن سعد 8 / 18 انها توفيت بعد وفاة ابيها (ص) بثلاثة اشهر ، وكان عمرها يوم وفاتها عشرين سنة ، وفي مستدرك الحاكم 3 / 162 انها توفيت بعد وفاة ابيها بثمانية اشهر ، وقيل لم تمكث إلا شهرين ، وكان عمرها الشريف احدى وعشرين سنة ، وفي البحار 10 / 60 انها توفيت بعد ابيها بخمسة وسبعين يوما ، وقيل باربعين يوما وكان عمرها ثمانى عشر سنة وشهرين نقله عن السيد المرتضى علم الهدى وذكر اقوالا أخر. PageV01P167 (1) السلوب : الناقة التي مات ولدها او القته بغير تمام ، الزلوق : الناقة التي تلقى ولدها بغير تمام. (2) يمرق : مأخوذ من مرقت البيضة اي فسدت (3) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 150 نقله عن القاضي فى شرح الاخبار PageV01P169 (1) شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 55 (2) شرح النهج 6 / 343 ط دار احياء الكتب العربية PageV01P170 (1) الامامة السياسة 1 / 19 (2) تأريخ الطبرى 4 / 52 (3) الامامة والسياسة 1 / 19 ، تأريخ الطبرى ، طبقات ابن سعد PageV01P171 (1) الامامة والسياسة 1 / 20 (2) اشارة الى قول ابي بكر بعد ما بويع « اقيلوني فلست بخيركم » (3) نهج البلاغة محمد عبده 1 / 26 27 (4) توفى ابو بكر ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وعمره ثلاث وستون سنة ، ومدة خلافته سنتان وثلاثة اشهر ذكر ذلك المسعودى في مروج الذهب 2 / 191 وكان في الجاهلية معلما للصبيان ، PageV01P172 وفى الاسلام خياطا ، وكان ابوه فقيرا ، يكتسب من صيد القمارى والدباسي ، ولما عمى وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله بن جدعان احد رؤسا. مكة فنصبه ينادى على مائدته جاء ذلك فى حق اليقين 1 / 181 (1) نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1 / 162 PageV01P173 (1) نهج البلاغة 1 / 174 (2) الأموال لأبى عبيد ص 224 PageV01P174 (1) السنن الكبرى 7 / 442 ، تفسير الرازي 7 / 484 (2) نهج البلاغة ms880 1 / 181 (3) سورة النساء : آية 20 (4) نهج البلاغة 1 / 182 PageV01P175 (1) تأريخ ابن عساكر 4 / 321 PageV01P176 (1) مروج الذهب 2 / 212 ، الاستيعاب (2) الامامة والسياسة 1 / 21 PageV01P177 (1) مروج الذهب 2 / 212 PageV01P178 (1) الوعق : الضجر المتبرم ، واللقس من لا يستقيم على وجه (2) وائيا : غاضبا PageV01P180 (1) المشاقص : جمع مشقص وهو نصل السهم اذا كان طويلا (2) المقنب : جماعة الخيل PageV01P181 (1) الاستيعاب 3 / 5 PageV01P182 (1) شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 185 186 PageV01P183 (1) الامامة والسياسة 1 / 24 (2) ابو طلحة الانصارى هو زيد بن سهل النجار ، شهد مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بدرا ، ولما آخى صلىاللهعليهوآلهوسلم بين اصحابه آخى بينه وبين ابى عبيدة الجراح ، وكان ابو طلحة من الرماة المعدودين ، ومن الشجعان المشهورين ، قتل يوم حنين عشرين رجلا ، وتزوج بام انس بن مالك ، توفى بالمدينة سنة احدى وثلاثين ، وكان عمره سبعين عاما ، وقد صلى عليه عثمان بن عفان ، اسد الغابة 5 / 334 PageV01P184 (1) الطبري 5 / 35 PageV01P185 (1) العقد الفريد 3 / 73 74 PageV01P189 (1) توفى عمر يوم الاربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ، وكانت ولايته عشر سنين وستة اشهر ، واربع ليال وهو ابن ثلاث وستين سنة جاء ذلك في مروج الذهب 2 / 198 وكان قبل الاسلام من الفقر والبؤس بمكان ، يقول عمرو بن العاص : « والله لقد رايت عمر واباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية ، لا تجاوز مأبض ركبتيه ، وعلى رقبته حزمة حطب » ذكر ذلك ابن ابي الحديد في شرح النهج 1 / 175 PageV01P190 (1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 31 (2) شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 189 PageV01P191 (1) الاستيعاب 2 / 375 PageV01P193 (1) مالك بن نويرة بن حمزة التميمي ، اليربوعى ، يكنى أبا حنظلة ، ويلقب « الجفول » كان شاعرا فارسا شريفا ، معدودا فى قومه من فرسان بني يربوع في الجاهلية ، وكان من ارداف الملوك ، استعمله النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لوثاقته ونباهته على صدقات قومه ، فلما بلغه وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم امسك عن الصدقة ، وفرقها في قومه ، ولعله عمل فى ذلك بالسنة التي نصت على توزيع الزكاة على فقراء المنطقة فان فضل منها شيء يحمل الى بيت المال وإلا فلا ، ويقول فى ذلك ms881 PageV01P194 وهذا الشعر يدل على إيمانه وتمسكه الوثيق بدينه ، وقد زحف إليه خالد بن الوليد ، ولم يؤمر بقتاله فغشيه في الليل ، وبعد اداء فريضة الصلاة خف بجيشه الى الاستيلاء على اسلحتهم ، وامساكهم ، وساقوهم اسرى الى خالد ، وفيهم زوجة مالك ليلى بنت المنهال ، وهى من اشهر نساء العرب فى جمالها ، فافتتن بها خالد ، وتجادل بالكلام مع مالك فقال له خالد : إني قاتلك : قال له مالك : PageV01P195 أو بذلك امرك صاحبك يعنى ابا بكر قال والله إني قاتلك ، وكان عبد الله ابن عمر وابو قتادة الانصاري الى جانبه فعذلاه عن قتله فأبى وقال : لا اقالنى الله إن لم اقتله ، وامر ضرار بن الازور بضرب عنقه ، فالتفت مالك الى زوجته ، وقال لخالد : هذه التي قتلتني ، فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام ، فرد عليه مالك قائلا : إني على الاسلام ، وقام ضرار فقتله صبرا وجعل خالد رأسه اثفية لقدر ، وقبض على زوجته وبنى بها في تلك الليلة ، ودرأ ابو بكر عنه الحد بدعوى انه تأول فأخطأ ، يراجع فى تفصيل الحادث المؤسف النص والاجتهاد للامام شرف الدين. (1) منشم : بكسر الشين اسم امراة كانت بمكة عطارة ، وكانت خزاعة وجرهم اذا ارادوا القتال تطيبوا من طيبها ، وكانوا اذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ، فكان يقال اشأم من عطر منشم ، صحاح الجوهرى 5 / 2041 وقد استجاب الله دعاء الامام فكانت بينهما اشد المنافرة والخصومة واوصى ابن عوف ان لا يصلي عليه عثمان. PageV01P196 (1) شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 194 PageV01P197 (1) العبرج 2 ص 128 و129 لابن خلدون ، وجاء فيه ان عثمان وجه جيشا الى غزو افريقية فى سنة خمس وعشرين وكانت قيادة الجيش بيد عبد الله ابن نافع وعقبة بن نافع بن عبد القيس ، فتوجه الجيش الى افريقية وكان عدده عشرة آلاف ، فلما وصلوا إليها لم يتمكنوا على فتحها وصالحهم اهلها على مال يؤدونه إليهم ، ثم ان عبد الله بن ابى سرح اخا عثمان من الرضاعة استأذن عثمان على غزو افريقية وطلب منه ان يمده بالجيش فاستشار عثمان ms882 الصحابة فحبذ إليه اكثرهم ذلك ، فجهز عثمان إليه جيشا من المدينة فيهم ابن عباس وابن العاص وابن جعفر والحسن والحسين فساروا الى افريقية ففتحوها وذلك في سنة ست وعشرين ولم يذكر صاحب الفتوحات الاسلامية انضمام الحسن والحسين عليهماالسلام الى الجيش. PageV01P200 (1) تأريخ الامم والملوك ج 5 ص 57 و58 العبر ج 2 ص 134 الفتوحات الاسلامية ج 1 ص 175 جاء فى كل هذه المصادر انه غزا سعيد بن العاص طبرستان سنة ثلاثين من الهجرة ، وكان الأصبهبد قد صالح سويد بن مقرن على مال بذله له في ايام عمر بن الخطاب ، فلما كان دور عثمان جهز إليهم جيشا بقيادة سعيد بن العاص ، كان فيه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وغيرهم فلما وصلوا إليها فتحوها ، وقال الراغب الاصفهاني فى محاضرات الادباء ج 1 ص 76 الأصبهبد هو صاحب الجبل وهو الصواب لا الأصبهبد. PageV01P201 (1) قوة الارادة لاوريسون سويت ماردن PageV01P202 (1) الفتنة الكبرى 1 / 5 PageV01P203 (1) الانساب للبلاذري 5 / 24 (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 141 PageV01P204 (1) تاريخ الطبري 5 / 41 (2) تاريخ الطبري 5 / 41 PageV01P205 (1) النظام السياسي فى الاسلام ص 227 نقلا عن الخراج لأبي يوسف ص 50 (2) اسد الغابة PageV01P206 (1) بدائع الصنائع 7 / 245 PageV01P207 (1) الفتنة الكبرى 1 / 66 (2) تعليقة مهمة للامام كاشف الغطاء على الفتنة الكبرى مخطوطة توجد فى مكتبته العامرة ، ودفاع طه حسين ونقد كاشف الغطاء إنما يتم على رواية الطبري من انه دفع الدية من ماله ولم يعف عنه (3) الفتنة الكبرى 1 / 67 PageV01P208 (1) نهج البلاغة 1 / 461 (2) نهج البلاغة 2 / 128 (3) صحيح البخاري 5 / 17 PageV01P210 (1) شرح النهج 1 / 67 PageV01P211 (1) تأريخ ابن عساكر 6 / 407 (2) انساب الاشراف 5 / 52 (3) الانساب ص 28 (4) شرح النهج 1 / 67 PageV01P212 (1) شرح النهج 1 / 67 (2) تاريخ ابن كثير 8 / 70 PageV01P213 (1) الانساب 5 / 27 (2) الاستيعاب 1 / 118 (3) السيرة الحلبية 1 / 337 PageV01P214 (1) كنز العمال 6 / 39 (2) الانساب 5 / 27 (3) تأريخ اليعقوبي 2 / 41 (4) المعارف : ص 84 (5) الانساب 5 / 28 PageV01P215 (1) الانساب 5 / 28 (2) اسد الغابة 2 / 310 (3) الانساب 5 / 30 (4) مجمع الزوائد 10 / 72 PageV01P216 (1) مستدرك ms883 الحاكم 4 / 479 (2) شرح ابن ابي الحديد 2 / 55 (3) اسد الغابة 4 / 348 (4) نهج البلاغة PageV01P217 (1) تأريخ ابى الفداء 1 / 168 (2) سيرة الحلبي 2 / 87 (3) شرح ابن ابي الحديد 1 / 67 (4) تأريخ ابي الفداء 1 / 168 ، المعارف ص 84 PageV01P218 (1) الانساب للبلاذري PageV01P219 (1) الانساب 5 / 28 PageV01P220 (1) اسد الغابة 3 / 423 (2) تفسير الطبري 15 / 77 ، تفسير القرطبي 10 / 283 PageV01P221 (1) الدر المنثور 4 / 191 (2) سورة المجادلة : آية 22 (3) مسند احمد 1 / 62 (4) طبقات ابن سعد (5) تأريخ الطبري 5 / 139 (6) طبقات ابن سعد PageV01P222 (1) صحيح البخاري 5 / 21 (2) مروج الذهب 1 / 334 (3) الغدير الجزء الثامن (4) مروج الذهب 1 / 433 (5) السيرة الحلبية 2 / 87 PageV01P223 (1) طبقات ابن سعد 3 / 53 (2) نافجا حضنيه : اي رافعا لهما ، والحضن ما بين الابط والكشح ، يقال للمتكبر : جاء نافجا حضنيه ، ويقال لمن امتلأ بطنه طعاما : جاء نافجا حضنيه ، ومراده (ع) هو الثاني. (3) النثيل : الروث ، والمعتلف : موضع العلف يريد به ان همه الاكل والرجيع ، وهذا من ممض الذم كما يقول ابن ابى الحديد. PageV01P224 (1) نهج البلاغة 1 / 46 (2) الفتنة الكبرى 1 / 72 PageV01P225 (1) الفتنة الكبرى 1 / 74 (2) الفتنة الكبرى 1 / 77 PageV01P226 (1) في رواية البلاذري من زل فلينب (2) تاريخ الطبري PageV01P227 (1) قال ذلك الصحابي العظيم عمار بن ياسر انظر الغدير 9 / 216 PageV01P228 (1) طبقات ابن سعد 1 / 186 ط مصر PageV01P230 (1) الغدير 8 / 273 (2) تفسير الطبري 21 / 62 (3) تذكرة الخواص ص 115 PageV01P231 (1) سورة الحجرات : آية 6 يقول ابن عبد البر فى الاستيعاب 2 / 62 لا خلاف بين اهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت ان الآية نزلت فى الوليد. (2) السيرة الحلبية 2 / 314 PageV01P232 (1) الاغاني 4 / 178 179 (2) الاغاني 4 / 178 ، الاستيعاب (3) الفتنة الكبرى 1 / 96 97 PageV01P233 (1) مسند احمد 1 / 144 ، سنن البيهقي 8 / 318 ، اسد الغابة 5 / 91 92 ، مروج الذهب 2 / 224 ، الكامل لابن الاثير 3 / 42 ، تأريخ ابى الفدا 2 / 176 ، تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 104 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 142 ، الاصابة 3 / 638 ، هذه بعض المصادر التي نصت على ذلك ، فعلى اي مصدر اعتمد الدكتور فى افتعال القصة وعدم صحتها. ms884 PageV01P234 (1) الاغاني المجلد الثانى القسم الاول ص 76 84 ط دار الفكر (2) الفتنة الكبرى 1 / 94 95 PageV01P236 (1) وذكر ابو الفرج فى الاغاني 4 / 179 ان القوم فزعوا الى عائشة فاستجاروا بها واصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال : اما يجد مراق اهل العراق وفساقهم ملجأ الا بيت عائشة ، فسمعت فرفعت نعل رسول الله «ص» وقالت تركت سنة رسول الله صاحب هذا النعل. فتسامع الناس فجاءوا حتى ملأوا المسجد فمن قائل : احسنت ، ومن قائل ما للنساء ولهذا؟ حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال ودخل رهط من اصحاب رسول الله على عثمان فقالوا له : اتق الله لا تعطل الحد واعزل اخاك. PageV01P237 (1) المكس : النقص والظلم. (2) مروج الذهب 2 / 225 PageV01P238 (1) تأريخ اليعقوبي 2 / 142 (2) طبقات ابن سعد 5 / 21 ، تاريخ ابن عساكر 6 / 135 PageV01P239 (1) الانساب 5 / 39 43 ، تأريخ الطبري 5 / 88 ، تأريخ ابي الفداء 1 / 168 (2) تهذيب التهذيب 5 / 282 ، وجاء فيه ان أم عثمان اروى بنت كريز (3) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 / 253 (4) الكامل 3 / 38 (5) اسد الغابة 3 / 192 PageV01P242 (1) تأريخ الطبري 5 / 94 ، تاريخ ابن خلدون 2 / 39 PageV01P243 (1) الفتنة الكبرى 1 / 116 (2) الاصابة 3 / 85 (3) العقد الفريد 2 / 261 (4) اسد الغابة 3 / 192 PageV01P244 (1) نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1 / 187 PageV01P245 (1) الفتنة الكبرى 1 / 120 PageV01P246 (1) الولاة والقضاة : ص 11 (2) تفسير القرطبى 7 / 40 ، تفسير الشوكاني 2 / 134 ، سنن ابى داود 2 / 220 (3) سورة الانعام : آية 93 PageV01P247 (1) تفسير الرازي 4 / 96 تفسير الخازن 2 / 37 الكشاف 1 / 461 PageV01P248 (1) الانساب 5 / 26 PageV01P249 (1) مسند احمد 5 / 389 ، حلية الاولياء 1 / 126 كنز العمال 7 / 55 (2) صفة الصفوة 1 / 156 سنن ابن ماجة 1 / 63 (3) مستدرك الحاكم 3 / 315 (4) طبقات ابن سعد 3 / 108 (5) سورة آل عمران آية 172 (6) تفسير الطبرى 7 / 128 الدر المنثور 3 / 13 (7) سورة الانعام آية 52 PageV01P250 (1) اسد الغابة 3 / 258 PageV01P251 (1) الانساب 5 / 36 PageV01P252 (1) الانساب تأريخ ابن كثير 7 / 163 ، مستدرك الحاكم 3 / 13 وغيرها PageV01P253 (1) طبقات ابن سعد 4 / 161 ms885 ، وجاء فيه عن ابي ذر قال : كنت في الاسلام خامسا. (2) مسند الامام احمد 5 / 174 ، مجمع الزوائد 9 / 329 (3) سنن ابن ماجة 1 / 68 (4) كنز العمال 8 / 15 (5) مجمع الزوائد 9 / 330 PageV01P254 (1) مجمع الزوائد 9 / 330 (2) العدالة الاجتماعية : ص 211 PageV01P255 (1) الانساب 5 / 52 (2) اشار بذلك الى ما فعله عثمان فى منحه جميع المراعى التي حول المدينة لبنى أمية ترعى فيها اغنامهم ، وحمى مواشي المسلمين منها وهو مناف للسنة فانها جعلت المراعي التي لا مالك لها لجميع المسلمين لأنها من المباحات الاصلية ، وقد قال رسول الله (ص) : الناس شركاء فى ثلاث فى الكلأ والماء والنار. PageV01P257 (1) السكن : الاهل والشجن : من يهواه ويحبه (2) المصرين : البصرة ، ومصر وكان والي البصرة عبد الله بن عامر ابن خال عثمان ، ووالي مصر عبد الله بن سعد بن ابي سرح وهو اخو عثمان. PageV01P261 (1) يضرب مثلا لمن يغضب غضبا لا ينتفع به PageV01P262 (1) كنز العمال 6 / 85 ، مجمع الزوائد 9 / 293 (2) مسند احمد 1 / 62 PageV01P263 (1) سورة النحل : آية 106 ذكر نزولها في عمار ابن سعد في طبقاته 3 / 178 الواحدي في اسباب النزول صفحة 212 الطبري في تفسيره 14 / 122 وغيرهم (2) سورة الزمر : آية 9 ذكر نزولها في عمار القرطبي في تفسيره 1 / 239 وابن سعد في طبقاته 3 / 178 (3) سورة الانعام : آية 122 نص على نزولها في عمار السيوطى في تفسيره 3 / 43 ، وابن كثير في تفسيره 2 / 172. (4) سورة القصص : آية 61 نص على نزولها في عمار والوليد الزمخشري في تفسيره 2 / 386 ، الواحدي في اسباب النزول صفحة 255 PageV01P264 (1) مسند احمد 4 / 89 (2) سيرة ابن هشام 2 / 114 (3) سنن ابن ماجة 1 / 66 مصابيح السنة 2 / 288 PageV01P265 (1) المتكاء : العظيمة البطن ، والتي لا تمسك البول (2) الانساب 5 / 48 PageV01P266 (1) الانساب 5 / 49 ، العقد الفريد 2 / 272 (2) الانساب 5 / 54 ، اليعقوبي 2 / 150 PageV01P267 (1) الفتنة الكبرى 2 / 193 194 PageV01P269 (1) التمهيد للباقلانى صفحة 220 (2) الانساب 5 / 81 (3) الطبري 4 / 240 PageV01P270 (1) الامامة والسياسة 1 / 35 PageV01P271 (1) مجلحة. من جلح على الشيء اقدم عليه اقداما شديدا ، مبلجة ms886 : واضحة بينة (2) الانساب 5 / 64 65 ، تاريخ الطبري 5 / 111 112 PageV01P273 (1) الانساب (2) النهابير : المهالك. PageV01P275 (1) تأريخ الطبري 5 / 110 ، الانساب 5 / 74 (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 152 الكامل لابن الاثير 5 / 67 PageV01P276 (1) الغدير 9 / 218 247 PageV01P279 (1) قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشر ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة ، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما وعمره اثنان وثمانون سنة. (2) اسم بستان في المدينة كانت اليهود تدفن موتاهم فيها PageV01P280 (1) السياسة الشرعية : ص 7 PageV01P286 (1) الاحكام السلطانية صفحة 4 المقدمة ص 135 (2) الهاشميات PageV01P287 (1) البحار 13 / 127 PageV01P289 (1) مستدرك الحاكم 2 / 466 (2) اعيان الشيعة 4 / 24 PageV01P290 (1) نهاية الارب في فنون الادب 3 / 443 (2) الصبان المطبوع على هامش نور الابصار : ص 176 (3) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 147 (4) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 73 PageV01P291 (1) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 149 ، الكامل للمبرد 1 / 190 وجاء فيه ان الأعرابى انصرف وهو يقول والله ما على وجه الأرض أحد أحب الي منه. PageV01P292 (1) شرح النهج 4 / 5. PageV01P293 (1) الطبقات الكبرى للشعرانى 1 / 23 ، جوهرة الكلام للقراغولي ص 112 (2) نور الابصار ص 111. PageV01P294 (1) المناقب 2 / 156. (2) اعيان الشيعة 4 / 89 90. PageV01P295 (1) الحائط : البستان. (2) البداية والنهاية 8 / 38. (3) الطبقات الكبرى للشعراني 1 / 23 ، الصبان ص 177. (4) دائرة المعارف للبستانى ج 7 ص 39 ، إحياء العلوم للغزالي ج 3 ص 171 وزاد فيه انه «ع» قال للرجل هات من يحمل هذه الاموال فاتاه بحمالين فدفع عليهالسلام رداءه لكراء الحمالين ، فقال له مواليه يا بن رسول الله والله ما عندنا درهم ، فقال «ع» لهم : ارجو ان يكون لي عند الله اجر عظيم. PageV01P296 (1) عبد الله بن جعفر بن ابي طالب الهاشمي ، وأمه اسماء بنت عميس الخثعمية ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها ابوه ، ولما قتل جعفر مسح النبي على راس عبد الله وقال : اللهم اخلف جعفرا فى ولده ، وقال فيه صلىاللهعليهوآلهوسلم عبد الله يشبه خلقى وخلقى ، واطلع (ص) عليه يوما وهو يبيع مع الصبيان فقال اللهم بارك له فى بيعه او صفقته ، وهو احد الاجواد المشهورين ، ونقلت عن جوده ms887 وسخائه اخبار كثيرة وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيات ويقول فيه الشماخ بن ضرار : PageV01P297 (1) إحياء العلوم للغزالي 3 / 173 ، دائرة المعارف للبستاني 7 / 39. (2) الصبان ص 176. PageV01P299 (1) المناقب 2 / 23. (2) الكامل للمبرد 2 / 13. (3) الغرم الفادح هو لدين الثقيل. (4) الحمالة. بالفتح هو ما يتحمله الشخص من الدية والغرامة عن قومه ، المفظعة الشيء الشديد. PageV01P300 (1) غرا العلم اي القما العلم ومنه حديث معاوية كان النبي يغر عليا بالعلم. (2) عيون الاخبار لابن قتيبة 3 / 140. (3) الطبقات الكبرى للشعرانى 1 / 23. (4) نور الابصار ص 111. PageV01P301 (1) أمالي الصدوق صفحة 108 (2) السليم : من لسعه العقرب (3) اعيان الشيعة 4 / 11 (4) أمالي الصدوق : صفحة 108 PageV01P302 (1) مجموعة ورام صفحة 317 (2) البحار 10 / 93 ، أمالي الصدوق صفحة 108 ، روضة الواعظين (3) أمالي الصدوق صفحة 108 (4) البحار 10 / 93 (5) النجائب : جمع ، مفرده نجيبة وهي الفاضل من الحيوانات وفي بعض PageV01P303 المصادر وان الجنائب لتقاد بين يديه ، والجنائب. جمع جنيبة وهي الدابة التي تقاد. (1) اللمعة كتاب الحج واعيان الشيعة ، وقيل انه حج خمس عشرة حجة ، وقيل عشرون ، وذكر الصدوق فى أماليه انه ربما مشى حافيا الى بيت الله. (2) اعيان الشيعة 4 / 11 (3) أمالي الصدوق ص 108 (4) تاريخ ابن كثير 8 / 37 (5) اسد الغابة 2 / 13 ، البحار 10 / 94 PageV01P304 (1) الدقيق : الحقير من الثياب (2) البحار 10 / 94 (3) تاريخ ابن عساكر 4 / 219 (4) الفصول المهمة لابن الصباغ : ص 162 (5) المناقب 2 / 145 (6) مدرك بن زياد احد الصحابة ، توفى في دمشق بقرية يقال لها « راوية » وهو اول مسلم دفن فيها ، الاصابة 3 / 394 PageV01P305 (1) تاريخ ابن عساكر 4 / 212 (2) محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، من اعظم علماء الشيعة ، ورئيس المحدثين لم ير فى القميين مثله في حفظه وكثرة علمه ، وهو استاذ الشيخ المفيد ، له من المؤلفات ثلاث مائة مؤلف توفى بالري سنة 381 ه جاء ذلك في الكنى والالقاب 1 / 212 (3) واصل بن عطاء البصري : كان متكلما بليغا متشدقا ، وكان يلثغ بالراء نقل عنه انه هجر الراء وتجنبها فى خطابه وقيل فيه PageV01P306 له من المؤلفات : اصناف المرجئة ، التوبة ، معاني القرآن ms888 ، وكان يتوقف من القول بعدالة اهل الجمل ، وهو شيخ المعتزلة ومن اجلائها ، ولد فى يثرب سنة ثمانين ، وتوفى سنة مائة واحدى وثلاثين من الهجرة جاء ذلك فى لسان الميزان 6 / 214 (1) اعيان الشيعة 4 / 12 ، المناقب. (2) تأريخ ابن كثير 8 / 37. (3) اعلام الورى فى اعلام الهدى ص 125. PageV01P307 (1) المناقب 2 / 142 ، اعيان الشيعة 4 / 20. (2) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 161. PageV01P308 (1) المناقب 2 / 149. PageV01P309 (1) وفى رواية انه قال ما اللؤم؟ احتراز المرء ماله وبذله عرضه جاء ذلك فى دائرة المعارف للبستاني 7 / 39. PageV01P310 (1) وفى رواية ابى نعيم في الحلية 2 / 36 حفظ القلب كل ما استوعيته ، وفى رواية اخرى حفظ القلب لكل ما استتر فيه. (2) الأناة : الوقار والحلم والانتظار. PageV01P311 (1) وفى رواية المهتم بأمر عشيرته. (2) تأريخ ابن كثير ج 8 ص 39. PageV01P312 (1) التذمم ماخوذ من اذمه اي اجاره واخذه تحت حمايته. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 201. (3) تأريخ اليعقوبي 2 / 202. PageV01P313 (1) نور الابصار ص 110. (2) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 142. (3) الاثنى عشرية ص 37. (4) نور الابصار ص 110. (5) اعيان الشيعة 4 / 88. PageV01P314 (1) لجم : اي شد. (2) كشف الغمة ص 171. (3) خزن : اغلق وسد. (4) اعيان الشيعة 4 / 88. (5) مجلة العرفان الجزء الثالث المجلد الاربعون ص 254 نقلا عن المجلد التاسع من التذكرة المعلوفية. PageV01P315 (1) تأريخ اليعقوبي 2 / 202. (2) بذ اي تفوق وغلب. PageV01P316 (1) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 2 ص 55 ، وذكره غيره مع اختلاف فى التعبير. (2) تحف العقول ص 55. (3) مجمع البحرين مادة جود. (4) اعيان الشيعة ج 4 ص 88. PageV01P317 (1) نهاية الارب في فنون الادب ج 3 ص 398. (2) مجموعة ورام ص 312. (3) تأريخ ابن كثير ج 8 ص 39. (4) مبحث الجبر والتفويض من اهم المسائل الكلامية واشكلها ، وقد اضطربت فيها اقوال العلماء واختلفت إلى ابعد الحدود ، وقد شاعت فكرة الجبر في البصرة بسبب الحسن البصري وابي الحسن الاشعري حفيد ابي موسى الاشعري ، ومجمل PageV01P318 فكرة الجبر ان الفعل الصادر من العبد ليس مخلوقا له وإنما هو مخلوق لله تعالى ، وإن ارادة العبد وقدرته لا مدخل لهما في ايجاد الفعل سواء كان الفعل الصادر من العبد باختياره او مضطرا عليه ، وقد تعرض آية الله الأستاذ السيد ابو القاسم ms889 الخوئي سلمه الله فى بحثه إلى المسألة فأوفاها بالتحقيق وبين فساد الجبر والتفويض واثبت ( ان الأمر بين الأمرين ) وهي الفكرة التي تذهب إليها الشيعة وقد كتبنا ما افاده سلمه الله برسالة مستقلة. (1) رسائل جمهرة العرب ج 2 ص 25. PageV01P319 (1) تحف العقول ص 55. (2) نور الابصار ص 110 PageV01P320 (1) كذا وجد في تحف العقول ص 56. (2) مجموعة ورام ص 411 (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 202 (4) جامع السعادات ج 3 ص 376 ، تحف العقول ص 56 مجموعة ورام ص 54 PageV01P321 (1) مجموعة ورام صفحة 37 (2) المحاسن والمساوئ للجاحظ صفحة 256 (3) الاثنى عشرية صفحة 37 (4) تحف العقول صفحة 55 (5) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 3 ص 3 PageV01P322 (1) الاثنى عشرية ص 37 (2) مصابيح الانوار فى حل مشكلات الاخبار للحجة السيد عبد الله شبر اعلى الله مقامه ج 2 ص 271 وقد اوضح السيد فقرات الحديث. (3) مجموعة ورام صفحة 301 PageV01P323 (1) كذا وجد في تحف العقول صفحة 53 PageV01P324 (1) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل بخمس وقد دعا له رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم زده علما وفقها ، فكان ببركة دعاء رسول الله (ص) من اساطين العلماء ، وقال مسروق إذا رايت عبد الله بن عباس قلت اجمل الناس فاذا تكلم قلت افصح الناس وإذا تحدث قلت اعلم الناس ، وقيل لو سمعت فارس والروم والترك كلامه لأسلمت ، وقد عمى فى آخر عمره فقال : مات في الطائف سنة ثمان وستين في ايام ابن الزبير وكان عمره سبعين سنة وقيل إحدى وسبعون وقيل اربع وسبعون ، وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه اربعا وقال : اليوم مات رباني هذه الامة جاء ذلك فى الاستيعاب المطبوع على PageV01P325 هامش الاصابة ج 2 ص 350 (1) عبد الله بن عمر بن الخطاب ولد بعد المبعث النبوي بثلاث سنين ومات سنة اربع وثمانين من الهجرة ، وقيل غير ذلك ، جاء ذلك فى الاصابة ج 2 ms890 ص 347 وجاء في الاستيعاب ج 2 ص 343 انه لم يتبع عليا وقعد وندم على ذلك ولما حضرته الوفاة قال : ما اجد فى نفسي شيئا إلا انى لم اقاتل الفئة الباغية مع علي بن ابي طالب عليهالسلام وذكر المسعودي فى مروج الذهب ج 2 ص 238 جماعة تخلفوا عن بيعة علي ذكر منهم عبد الله بن عمر وكان سبب تخلفهم خروجا عن الامر ، ومخالفة لعلي عليهالسلام . (2) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 160. PageV01P326 (1) مروج الذهب ج 2 صفحة 306 (2) مجموعة ورام صفحة 201 ، وقال خالد بن صفوان افصح الناس الحسن ابن علي عليهالسلام لقوله هذه الكلمة الذهبية التي مثلت الاعجاز والابداع والايجاز PageV01P327 (1) العمدة ج 1 ص 21 ومعنى البيت : إنا نسود الظاهر من الشعر ولكن جذوره تأبى إلا البقاء على الشيب. PageV01P329 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 80 (2) شرح النهج محمد عبده 1 / 182 PageV01P333 (1) عرف الضبع : الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع يضرب به المثل فى الكثرة والازدحام. (2) شق عطفاي : المراد انه خدش جانباه من كثرة زحام الناس عليه من اجل البيعة. (3) ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة من الغنم يصف عليهالسلام جثومهم بين يديه. PageV01P334 (1) كانت يد طلحة شلاء فتطير منها الامام ، وقال ما اخلقه ان ينكث فكان كما قال جاء ذلك في العقد الفريد 3 / 93 PageV01P335 (1) مستدرك الحاكم 3 / 115 وذكر السيد المرتضى في الفصول المختارة 2 / 67 زيادة على هذه الأبيات وهي : (2) وبهذا المضمون قال الامام احمد بن حنبل : « إن الخلافة لم تزين عليا بل علي زانها » ذكر ذلك ابن الجوزي في مناقب احمد ص 163. PageV01P337 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 155 PageV01P338 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 155 PageV01P339 (1) مروج الذهب المطبوع على هامش ابن الأثير 6 / 78 79. (2) تاريخ ابي الفداء 1 / 178 179. (3) الاستيعاب 3 / 55. PageV01P340 (1) الكامل لابن الأثير 3 / 74. PageV01P341 (1) الغدير 8 / 288. PageV01P343 (1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 10. PageV01P344 (1) حاضرين : احدى نواحي صفين. (2) المقر للزمان اي المعترف له بالشدائد والمصاعب. (3) المؤمل ما لا يدرك : يؤمل البقاء والخلود فى الدنيا وذلك لا يدركه أحد. (4) رمية : هدف المصائب. (5) النصب : بالضم الذي لا تفارقه ms891 الآفات. PageV01P345 (1) الجموح : التغلب والاستعصاء (2) يريد به امر الآخرة. (3) مستظهرا اى مستعينا. PageV01P346 (1) قرره : اى اطلب منه الاقرار بالفناء. (2) الغمرات : الشدائد. (3) الكهف : الملجأ ، الحريز ، الحافظ. (4) الاستخارة اجالة الراي في الأمر قبل فعله لاختيار احسن وجوهه. (5) صفحا : اى جانبا ، والمراد انك لا تعرض عنها. (6) لا يحق بكسر الحاء وضمها اى : لا يكون من الحق تعلمه ومعرفته وذلك كالسحر والشعبذة ونحوهما من العلوم التي لا تنفع. PageV01P347 (1) اي وصلت النهاية من جهة السن. (2) افضى : القى إليك. (3) ( وان انقص ) معطوف على ( ان يعجل ). (4) اي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء فلا تتمكن نصيحتى من النفوذ إلى فؤادك. (5) الصعب الفرس غير المذلل ، والنفور ضد الأنس. (6) البغية : بالكسر والضم : الطلبة والحاجة. PageV01P348 (1) النخيل : المختار المصفى. (2) اجمعت : عزمت. (3) ان يكون : مفعول ( رأيت ). (4) لا اتعدى بك كتاب الله إلى غيره ، بل اقف بك عنده. (5) ( اشفقت ) اي خشيت. (6) اى : إنك وإن كنت تكره ان ينبهك احد لما ذكرت لك فاني اعد إتقان التنبيه على كراهتك له احب إلى من القائك إلى امر تخشى عليك به الهلكة PageV01P349 (1) الشائبة : ما يشوب الفكر من شك وحيرة ، واولجتك : ادخلتك. (2) العشواء : الضعيفة البصر : اى تخبط الناقة العشواء لا تأمن ان تسقط فيما لا خلاص منه. PageV01P350 (1) اي : لا تثبت الدنيا على حال لما اودع الله فيها من التلون بالنعيم تارة وبالبلاء اخرى. (2) « شفقتك » اي : خوفك. (3) اي إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك ، ولا تطلب منهم ازيد مما تقدم لهم. (4) الاعجاب : استحسان ما يصدر منه وهو من رذائل الأخلاق. (5) الكدح : اشد السعي. PageV01P351 (1) اي لا تحرص على جمع المال فان الوارثين ياخذونه بعدك فيكون الاثم عليك وغيرك يتنعم. (2) خفض : امر من ( خفض ) بالتشديد اي : ارفق. (3) الحرب بالتحريك : سلب المال. (4) إن رغائب المال إنما تطلب لصون النفس عن الابتذال فلو بذل الانسان نفسه لتحصيل المال فقد ضيع ما هو المقصود من المال فكان جمع المال عبثا عوضا لما ضيع. (5) يريد «ع» ان الخير الذي لا يناله الإنسان إلا بالشر كيف يكون خيرا. (6) المراد ان العسر الذي يخاف منه الانسان هو ms892 الذي يضطره إلى الوقوع PageV01P352 فى الرذائل فاذا جعلها الانسان وسيلة وطريقا لجمع المال فقد وقع فيما هرب منه ، وحينئذ فما الفائدة من جمع المال وهو لا يحميه من النقص. (1) توجف : تسرع ، والمناهل ما ترده الابل ونحوها للشرب. (2) التلافى : التدارك لاصلاح ما فسد. (3) إرشاد للاقتصاد فى المال. (4) إرشاد إلى عدم إفشاء سر الانسان إلى غيره. (5) قد يسعى الانسان بقصد فائدته فينقلب سعيه بالضرر عليه لجهله او سوء قصده. (6) الهجر : الهذيان في الكلام. (7) الخرق بالضم العنف والمراد ان المقام إذا الزمه العنف كان إبداله PageV01P353 بالرفق عنفا ، ويكون العنف من الرفق وذلك كمقام التأديب. (1) المستنصح على زنة اسم المفعول المطلوب منه النصح ، فيلزمه التفكر والتروي في جميع الاحوال لئلا يروج غش او تنبذ نصيحة. (2) المراد ساهل الدهر ما دام منقادا لك ، وخذ حظك منه. (3) الصرم : القطيعة. (4) الجمود : البخل. (5) المغبة : بفتحتين ثم باء مشددة بمعنى العاقبة وكظم الغيظ. PageV01P354 (1) يريد به سعد بن ابى وقاص فانه امتنع عن بيعة الامام وهو من اهل الشورى والذي حمله على ذلك حقده على الامام وكراهيته له على حد تعبير طلحة. PageV01P359 (1) الامامة والسياسة 1 / 52 PageV01P360 (1) العناصر النفسية ، وقد تعرض لخطل آرائه كثير من الكتاب. PageV01P361 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 132. (2) سرف : موضع على ستة اميال من مكة وقيل اكثر من ذلك ، وبه تزوج رسول الله «ص» بميمونة بنت الحارث وتوفيت فيه ، وقال رواة البخاري : هو « شرف » بالشين المعجمة جاء ذلك في معجم البلدان 5 / 71. PageV01P362 (1) مهيم : كلمة استفهام من معانيها ما وراءك؟ PageV01P363 (1) وفي رواية « ونحن ». (2) ذو تدرإ : اي ذو عزيمة ومنعة » الشبا : المكروه ، الصعر : ميل في الوجه او فى احد الشقين : والمراد انه يقيم الشيء الملتوي. (3) الطبري 3 / 454 وغيره. PageV01P364 (1) بسطنا القول في ذكر الأخبار التي وردت عن النبي فى حبه لأهل بيته في بداية بحوث هذا الكتاب. (2) البخاري 2 / 125 باب فرض الخمس وصحيح مسلم 2 / 503 وجاء فيه انه قال «ص» : راس الكفر من هاهنا حيث يطلع قرن الشيطان. (3) احياء العلوم 2 / 35 كتاب آداب النكاح. (4) صحيح البخاري 1 / 143. (5) مسند الامام ms893 احمد 4 / 275 PageV01P365 (1) شرح النهج لابن ابي الحديد (2) المرجل : قدر كبيرة ، القين : الحداد (3) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 63 PageV01P366 (1) عبقرية الامام علي ص 87 (2) شرح النهج لابن ابي الحديد 2 / 76 (3) إن الشريعة تقضي بان ولي الدم ابتداء هو ولي المقتول فان لم يكن فالحاكم الشرعي الذي هو ولي من لا ولى له PageV01P367 (1) الحلقة الثانية من سيرة الحسين ص 267 (2) الأرب : الخداع والحيلة PageV01P368 (1) خلجوا : اي انتزعوه وجذبوه (2) الموص : الغسل اللين والدلك باليد (3) تأريخ الطبري 3 / 468 PageV01P369 (1) الامام علي 2 / 267 PageV01P370 (1) الأدب : الجمل الكثير الشعر PageV01P371 (1) شرح النهج 2 / 79 وذكر الزمخشري فى الفائق 1 / 290 ما يقرب من ذلك. PageV01P372 (1) يعلى بن أمية بن ابى عبيدة التميمي كان واليا على بعض نواحي اليمن من قبل عمر ، واستعمله عثمان على صنعاء ، وقال المدائني : كان يعلي اميرا على الجند باليمن فبلغه قتل عثمان فاقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسر فخذه فقدم مكة بعد انقضاء الحج فاجتمع الناس به فاخذ يحرضهم على الطلب بدم عثمان فاعان الزبير باربعمائة الف وحمل سبعين رجلا من قريش وحمل عائشة على الجمل الذي شهدت القتال عليه واسمه « عسكر » ولما فشلت حرب الجمل لحق بالامام امير المؤمنين PageV01P373 وصار من اصحابه وقتل معه بصفين ، جاء ذلك في اسد الغابة 5 / 138. (1) سعيد بن العاص الأموي ولد عام الهجرة ، قتل علي اباه يوم بدر وهو من فصحاء قريش استعمله عثمان واليا على الكوفة ثم عزله عنها وارجع سعيدا إليها فارجعوه اهل الكوفة وكتبوا إلى عثمان لا حاجة لنا في سعيدك ولا في وليدك ، وكان فيه تجبر وشدة وغلظة ، ولما قتل عثمان لزم سعيد بيته واعتزل ايام الجمل وصفين ولم PageV01P374 يشهد شيئا من تلك الحروب ، ولما استتب الأمر الى معاوية ولاه المدينة ثم ولاها مروان بن الحكم وكان يعاقب بينهما في ولايتها توفى في خلافة معاوية سنة تسع وخمسين ، الاستيعاب 2 / 8 (1) الامامة والسياسة 1 / 63 (2) الحوأب بالفتح ثم السكون وهمزة مفتوحة وباء موحدة موضوع للاودية الواسعة والعلبة الضخمة ومكان في طريق ms894 البصرة وقال ابو منصور : الحوأب موضع بئر نبحت كلابه على عائشة عند مجيئها الى البصرة وانشد معجم البلدان 3 / 355 (3) محمد بن طلحة القرشي التميمي : ولد في حياة النبي «ص» وهو الذي سماه محمدا وكناه بابى القاسم قتل يوم الجمل وكان هواه مع علي ومر به الامام بعد مقتله فقال : هذا الذي قتله بره بأبيه امره ابوه ان يتقدم للقتال فتقدم ونثل درعه بين رجليه وقام عليها وجعل كلما مر عليه رجل قال له : نشدتك بحاميم فشد عليه PageV01P375 رجل فقتله وانشد يقول : يقال قتله كعب بن مدلج ، وقيل معاوية بن شداد ، وقيل غيرهما الاستيعاب 3 / 349. (1) روى ابن عباس عن رسول الله (ص) انه قال يوما لنسائه وهن جميعا عنده : ايتكن صاحبة الجمل الأدب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلهم فى النار وتنجو بعد ما كادت ، شرح النهج 2 / 497 وهذا الحديث من اعلام النبوة ومن اخباره بالمغيبات. PageV01P376 (1) مروج الذهب 2 / 342 ، تأريخ اليعقوبي. (2) عثمان بن حنيف الانصاري من الأوس ، كان واليا من قبل عمر ، ثم ولاه الامام على البصرة ولما خرج الامام منها عزله عنها وولى عبد الله بن عباس ، وقيل إن عمر بن الخطاب استشار الصحابة فى رجل يوجهه الى العراق فاجمعوا على عثمان بن حنيف ، وقالوا : إن تبعثه على اهم من ذلك فان له بصرا وعقلا ومعرفة وتجربة ، فاسرع عمر فولاه مساحة ارض العراق فضرب عثمان على كل جريب من الارض يناله الماء عامرا وغامرا درهما وقفيزا من الطعام فبلغت جباية سواد الكوفة قبل ان يموت عمر بعام مائة الف الف ونيفا ، وبعد حادثة البصرة اقام فى الكوفة ، وبقى فيها الى زمان معاوية ، الاستيعاب 3 / 79 PageV01P377 (1) شرح النهج 2 / 81 PageV01P378 (1) الامامة والسياسة 1 / 64 65 PageV01P379 (1) الفرضة : الثلمة من النهر التي يستقى منها. PageV01P380 (1) شرح النهج 2 / 50 وجاء فيه انهم طردوا عثمان فلحق بعلي فلما رآه بكى وقال له : فارقتك شيخا ، وجئتك امرد فقال علي : إنا لله وإنا إليه راجعون قال ذلك ثلاثا. (2) تأريخ اليعقوبي ms895 2 / 157. (3) طبقات ابن سعد 5 / 39 (4) الاغاني 11 / 120. PageV01P381 (1) الطبري 5 / 183. (2) الطبري 5 / 178. (3) شرح النهج 2 / 50. PageV01P382 (1) وفى رواية خرج مع سبعمائة من اصحابه. (2) اسد الغابة 2 / 40. (3) شرح النهج 2 / 51. PageV01P383 (1) محمد بن جعفر بن ابي طالب الهاشمي : هو اول من سمى محمدا في الاسلام من المهاجرين ، قيل انه ولد بأرض الحبشة ، وتزوج بام كلثوم بنت الامام امير المؤمنين ، قيل انه استشهد بتستر ، وقيل انه قتل بصفين اعترك هو وعبيد الله ابن عمر فقتل كل منهما الآخر ، الاصابة 3 / 372 وجاء في اسد الغابة 4 / 313 لما جاء نعى جعفر إلى رسول الله جاء إلى بيت جعفر ، وقال : اخرجوا لي أولاد اخي جعفر ، فاخرج إليه عبد الله ومحمد وعون فوضعهم على فخذه ودعا لهم ، وقال : انا وليهم فى الدنيا والآخرة ، ثم قال : اما محمد فيشبه عمنا ابا طالب. PageV01P384 (1) الطبري 3 / 393. (2) الطبري 3 / 394. PageV01P385 (1) قرضة بن كعب بن ثعلبة الانصارى الخزرجي شهد مع النبي (ص) احدا وما بعدها من المشاهد ، وفتح الله على يديه فى زمن عمر بن الخطاب ، وهو احد العشرة الذين ارسلهم عمر الى الكوفة لتعليم اهلها ، وولاه الامام على الكوفة ، ولما خرج إلى حرب صفين حمله معه ، وولاها ابا مسعود البدري ، وشهد مع الامام جميع مشاهده ، وتوفى فى خلافته في دار ابتناها بالكوفة ، وصلى عليه الامام الاستيعاب 3 / 266. PageV01P386 (1) سورة النساء : آية 29 (2) سورة النساء : آية 93 PageV01P387 (1) الهد الضعيف والجبان. (2) الغدير 2 / 77 PageV01P389 (1) اي على الدواب (2) الغدير 2 / 76 PageV01P391 (1) ذي قار : ماء لبكر بني وائل قريب من الكوفة يقع بينها وبين واسط ، معجم البلدان 7 / 8 PageV01P392 (1) دباب اسم فعل امر مشتق من الدبيب ، وهو استدعاء للضبع لتخرج. (2) عرقوباها : تثنية عرقوب بالضم وهو العصب الغليظ فوق عقب الانسان ، ومن الدابة في رجلها بمنزلة الركبة فى يدها. (3) الطبري 3 / 170 PageV01P393 (1) الخلفاء الراشدون : ص 414 ، وقد بسط القول فى الرد عليه السيد سعيد الافغاني في كتابه عائشة والسياسة ص 96. PageV01P394 (1) الزاوية : موضع قريب من البصرة ، وبه كانت الواقعة المشهورة بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ms896 ، معجم البلدان 4 / 37 (2) مروج الذهب 2 / 254 PageV01P395 (1) تأريخ ابن اعثم ص 175 (2) نهج البلاغة 3 / 122 PageV01P396 (1) الجمل ص 158 159 (2) شرح النهج 1 / 146 ، ط دار احياء الكتب العربية PageV01P398 (1) مروج الذهب 2 / 246 (2) الطبري 5 / 204 (3) اللبود : جمع مفردها اللبد الكساء من الشعر ، وبساط من الشعر. (4) محمد بن علي بن ابي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية ، PageV01P400 أمه خولة بنت جعفر الحنفية ، قال ابراهيم بن الجنيد لا نعلم احدا اسند عن علي اكثر ولا اصح مما اسند محمد قال ابو نعيم توفي سنة ثمانين خلاصة تهذيب الكمال ص 21. PageV01P401 (1) الامامة والسياسة 1 / 73 PageV01P402 (1) مروج الذهب 2 / 247 (2) تأريخ الطبري 5 / 200 وجاء فيه ان عبد الرحمن بن سليمان PageV01P403 التميمي قال متعجبا من فعل الزبير!! وقال رجل آخر من شعرائهم (1) مروج الذهب 2 / 247 PageV01P404 (1) تأريخ ابن الاثير 3 / 97 (2) شرح النهج 1 / 254. PageV01P405 (1) شرح النهج 2 / 81 PageV01P406 (1) شرح النهج (2) وقيل غيره هو الذي عقره وفي رواية ان الامام دعا ولده محمد بن الحنفية فاعطاه رمحا وقال له : اقصد بهذا الرمح الجمل فذهب فحال القوم بينه وبينه فرجع ولم يظفر ببغيته فاخذ الحسن الرمح من يده وقصد الجمل فطعنه. PageV01P407 (1) سورة طه : آية 97 PageV01P408 (1) عبد الله بن خلف بن اسعد الخزاعي والد طلحة الطلحات قال ابو عمر : لا اعلم له صحبة ، كان كاتبا لعمر بن الخطاب على ديوان البصرة ، قتل في واقعة الجمل وكان من حزب عائشة واخوه عثمان من اصحاب الامام ، الاصابة 2 / 303 (2) صفية بنت الحارث بن طلحة قتل ابوها يوم بدر كافرا ، وهي زوج عبد الله بن خلف وأم طلحة الطلحات ، الاصابة 4 / 346 (3) تأريخ اليعقوبي 2 / 159 PageV01P409 (1) الفواق : الوقت ما بين الحلبتين فان الناقة تحلب ثم تترك ليرضعها الفصيل حتى تدر فتحلب ، البكيئة : الناقة التي قل لبنها. PageV01P410 (1) العقد الفريد 3 / 103 104. PageV01P411 (1) تأريخ الطبري 5 / 224 وقيل ان عدد القتلى اكثر من ذلك (2) مناقب ابي حنيفة للخوارزمي 2 / 82 83 PageV01P412 (1) تحفة المحتاج للنووى 4 / 110 (2) الارشاد في اصول الاعتقاد ص 433 PageV01P413 (1) فكرة ms897 الافريقية الآسيوية ، في ضوء مؤتمر باندونج / 111 PageV01P416 (1) تأريخ ابن كثير 8 / 129 (2) عبقرية الامام علي ص 115. PageV01P418 (1) المسعودي على هامش ابن الاثير 6 / 78 79 PageV01P419 (1) شرح النهج 1 / 163 (2) جرير بن عبد الله البجلي اختلف فى وقت اسلامه قيل انه اسلم حينما بعث النبي وقيل ان اسلامه كان قبل وفاة النبي باربعين يوما ، وقيل غير ذلك ، وكان جميل الصورة قال فيه عمر : هو يوسف هذه الامة ، وقدمه فى حروب العراق على جميع بجيلة وكان لهم الاثر فى فتح القادسية وقد سكن الكوفة ولما ارسله الامام سفيرا الى معاوية اخفق فى سفارته فاعتزل الفريقين وآثر العافية فسكن فى قرقيسيا حتى توفى بها سنة احدى وخمسين وقيل اربع وخمسين ، الاصابة 1 / 232 PageV01P420 (1) الطلقاء : جمع طليق ، وهو الاسير الذي اطلق سراحه ، ويراد بهم فى المقام الاسراء الذين خلى عنهم رسول الله (ص) يوم فتح مكة ولم يسترقهم. (2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 34. PageV01P421 (1) الامام على بن ابي طالب ج 4 ص 27. (2) الحرمان : مكة والمدينة ، والمصران البصرة والكوفة. (3) وقعة صفين ص 33 PageV01P422 (1) الغرثان : الجائع. PageV01P425 (1) تأريخ ابن الأثير 3 / 129 PageV01P426 (1) تأريخ اليعقوبي 2 / 162 (2) العقد الفريد 3 / 113 PageV01P427 (1) في البيت الأخير اضطراب ورواه ابن ابي الحديد في شرح النهج 1 / 137 بما يلي « وإني بذا الممنوع قدما لمولع » PageV01P428 (1) صفين بكسرتين وتشديد الفاء موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالسن وبه كانت الواقعة بين الامام ومعاوية فى سنة 37 فى غرة صفر واختلف فى عدة اصحاب الفريقين فقيل كان معاوية في مائة وعشرين الفا وكان مع الامام تسعون الفا وقيل بالعكس ، معجم البلدان 3 / 414 ط دار صادر بيروت. PageV01P429 (1) وفي رواية ومجادلوك (2) وقعة صفين : ص 103 PageV01P430 (1) الامتناع : العزة والقوة. (2) الجوائح : جمع مفردة جائحة وهي الدواهي والشدائد PageV01P431 (1) البيت للعباس بن مرداس السلمى كما في الخزانة ( 2 / 82 ) (2) سليمان بن صرد الخزاعي الكوفي كان من ذوى الوجاهة والشرف فى قومه ، وقد روى عن النبي وعن امير المؤمنين والحسن ، وهو احد الذين كتبوا الى سيد ms898 الشهداء الامام الحسين (ع) بالقدوم الى الكوفة ، ولما استجاب الامام لندائهم تخلف سليمان عنه ، وبعد ما روع الاسلام بقتل حفيد الرسول ندم سليمان وجماعة من قومه على عدم قيامهم بنصرته فهبوا للطلب بثأره ، وساروا حتى التقوا بالاثيم الوغد عبيد الله بن زياد في موضع يقال له : « عين الوردة » فوقعت الحرب بينهم فقتل سليمان ومن معه وذلك في ربيع الآخر سنة خمس وستين ، وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما ، تهذيب التهذيب 4 / 200 PageV01P432 (1) الاستيساق : الاجتماع (2) وقعة صفين : ص 9 10 PageV01P433 (1) وقعة صفين : ص 160 / 161 PageV01P435 (1) الاشعث بن قيس الكندي وفد على رسول الله (ص) مع قومه وكان زعيمهم في السنة العاشرة من الهجرة فاسلم واسلم معه قومه ، ولما توفى النبي ارتد الاشعث عن الاسلام ثم رجع إليه في خلافة ابى بكر ، فزوجه ابو بكر اخته أم فروة بنت ابي قحافة ، وهي أم محمد بن الاشعث ولما مات ابو بكر خرج الاشعث ، مع سعد بن ابي وقاص الى القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند. وبنى له دارا بالكوفة في محلة كندة فنزلها هلك سنة اثنتين واربعين من الهجرة وقيل سنة اربعين وصلى عليه الامام الحسن الاستيعاب 1 / 110 ، وجاء في شرح النهج 1 / 130 ان الاشعث طمع بالملك بعد وفاة النبي فدعا قومه ان يتوجوه فاجابوه لذلك فحارب المسلمين مع المرتدين حتى حوصر في حصنه اياما ولما يئس من الغلبة استسلم على ان يصان دمه ودم عشرة من اصحابه فاعطاه المسلمون ذلك ونجا من القتل واسف ابو بكر على عدم قتله فقال عند احتضاره : وددت اني يوم جيء بالاشعث كنت ضربت عنقه فانه يخيل لي انه لا يرى شرا الا اعان عليه. PageV01P436 (1) العزالى : جمع عزلاء بالفتح فم المزادة شبه بها اتساع الطعنة واندفاق الدماء منها ، النفح : الدفع ، وطعنة نفاحة دفاعة بالدم (2) قاب رمحي : اي قدره PageV01P437 (1) ابو الأعور السلمي : هو عمرو بن سفيان قال ابو حاتم الرازي لا يعد من الصحابة ولا تصح روايته ، شهد حنينا وهو كافر ثم اسلم ، وكان من اشد الناس على الامام ms899 في صفين ، وكان الامام يدعو عليه في قنوته في صلاة الغداة الاستيعاب 4 / 14 (2) وجاء في تأريخ الطبري : ان ابن عمك سيد المسلمين افضلها سابقة واحسنها في الاسلام آثارا. PageV01P438 (1) الشنان : جمع شن ، وهو القربة الخلق فقد كانوا يحركونها اذا ارادوا حث الابل على المسير. (2) التمييل بين الشيئين الترجيح بينهما. PageV01P439 (1) شبث بن ربعي التميمي كان مؤذنا لسجاح التي ادعت النبوة ثم اسلم ، وصار من اصحاب امير المؤمنين ، ثم صار مع الخوارج ثم تاب عن ذلك ، وكان هذا الاثيم ممن اشترك في قتل سيد الشهداء ، هلك في حدود السبعين من الهجرة ، الاصابة 2 / 163 PageV01P440 (1) وفي رواية يا اهل الشام PageV01P442 (1) عبيد الله بن عمر بن الخطاب ولد على عهد رسول الله ولم يرو عنه شيئا ، وهو الذي قتل الهرمزان وجفينة وقد توعده الامام باقامة الحد عليه ان ظفر به ، التحق بمعاوية فى صفين ، وخرج في بعض ايامها وعليه جبة خز وسواك وهو يقول : « سيعلم علي غدا اذا التقينا » فقال الامام دعوه فانما دمه دم بعوضة ، وقد قتل بصفين ، الاستيعاب 2 / 431 PageV01P443 (1) الخلوق : الطيب (2) البحار (3) وقعة صفين : ص 334 PageV01P444 (1) يهدني : اي يهلكني. (2) انفس : ابخل. (3) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 212 PageV01P445 (1) شرح ابن ابى الحديد 1 / 506 PageV01P449 (1) الظبة : حد السيف او السنان جمع ظبات PageV01P450 (1) هاشم بن عتبة بن ابي وقاص الزهري القرشي يكنى ابا عمرو ويعرف بالمرقال اسلم يوم فتح مكة ، كان من ذوي الفضيلة والدين وفي طليعة شجعان العرب فقئت عينه في واقعة اليرموك بالشام ، وهو الفاتح لجلولاء PageV01P451 من بلاد الفرس ، وكانت جلولاء تسمى فتح الفتوح بلغت غنائمها ثمانية عشر الف الف ، كان على الرجالة في واقعة صفين فقطعت رجله فجعل يقاتل كل من دنا إليه وهو بارك وهو يقول : « الفحل يحمى شوله معقولا » وفيه يقول ابو الطفيل عامر بن وائلة : اسد الغابة 5 / 49 PageV01P452 (1) قتله ابو العادية وكان يدخل على معاوية فيقول لحاجبه قاتل عمار بالباب فياذن له ، اسد الغابة 5 / 267 واثر عن النبي انه قال : لو ان عمارا قتله اهل الارض ms900 لدخلوا النار. PageV01P453 (1) تاريخ الطبرى 5 / 231 PageV01P455 (1) وقعة صفين : ص 153 PageV01P458 (1) نهج البلاغة محمد عبده ج 2 ص 212 (2) علي وبنوه : ص 90 PageV01P464 (1) تاريخ الطبري ج 6 ص 30 PageV01P466 (1) صحيح مسلم 1 / 398 PageV01P467 (1) مستدرك الحاكم 2 / 154 (2) حروراء بفتح الحاء والراء وسكون الواو قيل هي قرية بظهر الكوفة ، وقيل موضع على ميلين منها ، معجم البلدان 3 / 256 (3) سورة النساء : آية 35 PageV01P468 (1) سورة المائدة آية 95 PageV01P469 (1) سورة الزمر آية 65 (2) سورة الروم آية 60 PageV01P471 (1) شريح : بن هاني بن يزيد بن الحرث : كان جاهليا فاسلم يكنى ابا المقدام وابوه هاني له صحبة مع النبي (ص) ، وشريح من اجل اصحاب الامام ، الاستيعاب 2 / 149 (2) العقد الفريد ج 3 ص 115. (3) اذرح : بفتح اوله وسكون الذال وضم الراء جمع مفرده ذريح ، وهو اسم لبلد من اطراف الشام تقرب من ارض الحجاز وفيها كان التحكيم بين ابن العاص والأشعري ، وهو الصحيح لقول ذى الرمة يمدح بلالا حفيد ابى موسى : معجم البلدان ج 1 ص 161. (4) دومة الجندل بفتح اوله وضمه وقد انكر ابن دريد الفتح وعده من اغلاط المحدثين ، وهو اسم مكان على سبع مراحل من دمشق ومن مدينة الرسول ، وقال ابو عبيد السكوني : دومة الجندل حصن وقرى بين PageV01P472 الشام والمدينة قرب جبل طىء كانت به بنو كنانة من كلب ويقال إن بدومة الجندل كان التحكيم فقد حدث عبد الله بن عيسى حفيد ابى ليلى قال مررت مع ابى موسى بدومة الجندل ، فقال ابو موسى حدثني رسول الله انه حكم في بني اسرائيل في هذا الموضع حكمان بالجور ، وانه يحكم فى امتي فى هذا المكان حكمان بالجور ، قال : فما ذهبت الايام حتى حكم هو وعمرو ابن العاص فيما حكما ، وقد اكثر الشعراء فى ذكر الاجتماع بأذرح إلا قول الأعور الشنى فانه ذكر دومة الجندل في قوله : وإن كان الوزن يستقيم لو جيء بمكان دومة اذرح جاء ذلك فى معجم البلدان ج 4 ص 106 ، واحتمل الدكتور ( طه حسين ) فى كتابه ( علي وبنوه ) ص 107 ، ان الاجتماع كان في ms901 دومة الجندل اولا ثم فى اذرح بعد ذلك. PageV01P473 (1) العقد الفريد ج 3 ص 115. (2) تأريخ الطبرى ج 6 ص 39. PageV01P475 (1) يشير بالصحيفة الى إقرار ابى موسى حول قتلة عثمان الذي سجله عنده ، وقد ذكر المسعودي تفصيل ذلك فى مروج الذهب ج 2 ص 277 PageV01P476 (1) الامامة والسياسة ج 1 ص 143. (2) أيمن بن خريم بالراء المهملة وهو ابن شداد الاسدى ، احد الشعراء ، وقد اختلف فى صحبته للنبي ، وقد روى عنه فى شهادة الزور ، تهذيب التهذيب 1 / 392 PageV01P477 (1) وفى رواية ابن قتيبة فى الامامة والسياسة 1 / 144 إنه لم يستأمر الرجل فى نفسه ولا علم ما عنده من رد او قبول. (2) سعيد بن معاذ بن النعمان الانصارى من الاوس اسلم على يد مصعب بن عمير لما ارسله النبي الى المدينة ليعلم المسلمين ، ولما اسلم سعد قال لبني عبد الاشهل : كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تسلموا فأسلموا وكان من اعظم الناس بركة فى الاسلام ، وقد شهد مع النبي بدرا بغير خلاف ، ولما توجه النبي الى بدر جاءه الخبر بتوجه قريش الى حربه PageV01P478 فاستشار (ص) اصحابه في الامر فأنبرى إليه المقداد وابو بكر يعلنان الطاعة ، وكان نظره (ص) الى الانصار لان اكثرية جيشه منهم ، وعرف سعد انه يريد باستشارته الانصار فقال له : لكأنك تريدنا يا رسول الله ، فقال (ص) : اجل ، فقال سعد يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به الحق واعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك فينا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله فسر (ص) وابتهج من كلامه ونشط للقاء المشركين ولما صارت وقعة الخندق خرج سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه وفي يده حربة وهو يقول : PageV01P479 (1) الامامة والسياسة ج 1 ص 144 (2) النهروان : كورة واسعة بين ms902 بغداد وواسط من الجانب الشرقي حدها الأعلى متصل ببغداد ، وفيها عدة بلدان منها اسكاف والصافية وغيرهما وقد تخرج منها جماعة من اهل العلم والأدب وكانت بها الواقعة بين الامام على والخوارج ، وكان فيها نهر عظيم ، وقد خرب وسبب خرابه اختلاف الملوك وقتال بعضهم بعضا فى ايام السلجوقية إذ ان كل من ملك لا يحفل بتعميره بل كان قصده ان يحوصل ويطير ، وكان أيضا في ممر العساكر ، وهذه الاسباب اوجبت ان يجلوا عنه اهله حتى استولى عليه الخراب ، جاء ذلك في معجم البلدان ج 8 ص 347. PageV01P481 (1) عبد الله بن خباب بن الأرت المدني حليف بني زهرة ، روى عن أبيه وعن أبي بن كعب وروى عنه جماعة منهم عبد الله بن الحارث وعبد الرحمن بن ابزى الصحابى ، وقال العجلى فيه إنه ثقة من كبار التابعين قتلته الحرورية ، وقد ارسله الامام على إليهم فقتلوه ، وذكره ابن حيان فى الثقات ، وقال الغلابى كان عبد الله من سادات المسلمين جاء ذلك في تهذيب التهذيب ج 5 ص 196 ، اقول : لم تنص كتب التأريخ والتراجم على إرسال الامام الى الخوارج عبد الله وقد انفرد العجلى في هذا القول ، وجاء في الاصابة ج 2 ص 302 ان عبد الله كان متوجها الى الكوفة للاجتماع بالامام فصادف الخوارج فقتلوه وذكر القصة في قتله. PageV01P482 (1) الامامة والسياسة ج 1 ص 155. (2) الملل والنحل للشهرستانى ج 1 ص 159 وجاء فيه انه انهزم منهم اثنان الى عمان ، واثنان الى كرمان ، واثنان الى سجستان ، واثنان الى الجزيرة ، وواحد الى تل موزون ، واخذ هؤلاء يبثون فكرتهم في PageV01P486 هذه المواضع حتى ظهرت فيها بدعة الخوارج. (1) ذو الثدية ، قال فيه انس كان في عهد الرسول (ص) رجل يعجبنا تعبده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله (ص) وسميناه له فلم يعرفه فبينما نحن فى ذكره إذ طلع علينا الرجل ، فقلنا له يا رسول الله هو هذا ، فلما نظر إليه قال (ص) إنكم لتخبروني عن رجل إن وجهه لسفعة ( السفعة العلامة والسمة ) من الشيطان فاقبل حتى وقف ولم يسلم ms903 ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم انشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم احد افضل مني او خير مني ، قال اللهم نعم. ثم دخل يصلى فقال رسول الله من يقتل الرجل؟ فقال ابو بكر انا فمضى إليه فوجده يصلى ، فقال سبحان الله اقتل رجلا يصلى ، وقد نهى رسول الله عن قتل المصلين فخرج فقال له رسول الله ما فعلت؟ فقال كرهت ان اقتله وهو يصلي وأنت قد نهيت عن قتل المصلين ، فقال (ص) لاصحابه من يقتل الرجل؟ فقال عمر انا فمضى إليه فوجده واضعا جبهته على الارض ، فقال عمر ابو بكر افضل منى ثم خرج ، فقال له رسول الله ما فعلت؟ فقال عمر وجدته واضعا وجهه لله فكرهت ان اقتله ، فقال (ص) : من يقتل الرجل ، فقال الامام انا ، فقال له رسول الله أنت له إن ادركته ، فمضى الامام إليه فوجده قد خرج ، فجاء الى رسول الله فأخبره بالامر فقال (ص) لو قتل ما اختلف من امتي رجلان كان اولهم وآخرهم سواء ، جاء ذلك في الاصابة ج 1 ص 484. PageV01P487 (1) مروج الذهب 2 / 385 PageV01P488 (1) الرنق : بكسر النون ، وفتحها ، الشيء الكدر. (2) ابن التيهان هو مالك بن التيهان بن مالك الأوسى كان احد الستة PageV01P489 الذين لقوا رسول الله ، وهو اول من لقيه من الانصار ، وهو اول من بايعه في ليلة العقبة ، وقيل ليس هو اول من بايع ، وكان مالك نقيب بنى عبد الأشهل هو واسيد بن خضير ، وشهد بدرا واحدا والمشاهد كلها قيل مات في خلافة عمر سنة عشرين ، وقيل شهد مع الامام صفين ومات بعدها بقليل جاء ذلك في اسد الغابة ج 4 ص 274 وجاء في الاستيعاب ان مالكا شهد مع الامام صفين وقتل فيها وصريح خطاب الامام يدل على ذلك. (1) ذو الشهادتين : هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الانصارى الأوسي يكنى ابا عمارة ، وقد جعل رسول الله (ص) شهادته كشهادة رجلين ، وسبب ذلك ان النبي اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربى فجحد سواء الشراء فشهد خزيمة بن ms904 ثابت للنبى فقال له رسول الله : ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرا فقال : صدقتك بما جئت به وعلمت انك لا تقول إلا حقا فكيف لا اصدقك في هذا الأمر ، فقال رسول الله من شهد له خزيمة او عليه فحسبه ، وقد شهد مع رسول الله بدرا واحدا والمشاهد كلها وشهد مع الامام الجمل وصفين ولم يقاتل فيهما ولما قتل عمار بن ياسر بصفين قال خزيمة سمعت رسول الله يقول : تقتل عمارا الفئة الباغية ، ثم سل سيفه وقاتل حتى قتل جاء ذلك في اسد الغابة ج 2 ص 114. (2) اوه بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الهاء كلمة توجع. PageV01P490 (1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 130. (2) بسر بن ابي ارطاة القرشي واسم ابي ارطاة عمير ، وقيل عويمر العامري وقد ارتكب هذا الجافي من الجرائم والآثام ما لا يرتكبه احد ، منها قتله ولدى عبيدي الله بن العباس ، وهما عبد الرحمن وقثم وكانا PageV01P491 طفلين » ولم يرع قرابتهما من رسول الله (ص) وصغر سنهما ، ومنها غارته على همدان وسبى نسائهم فكن اول مسلمات سبين فى الاسلام ، ومنها قتله أحياء من بني سعد ، الى غير ذلك من الجرائم التي ارتكبها ، وقد برز هذا الأثيم يوم صفين لمحاربة الامام ، فطعنه الامام فسقط الى الأرض وكشف عن عورته فتركه الامام وفى فعله يقول الحرث احد الشعراء : (1) ابو ايوب هو خالد بن زيد بن كليب الانصاري من بني النجار وهو معروف باسمه وكنيته ، شهد مع النبي العقبة وبدرا وما بعدها من المشاهد ، ولما قدم النبي الى المدينة نزل في بيته الى ان بنى بيوته ومسجده وآخى النبي بينه وبين مصعب بن عمير ، وقد استخلفه الامام علي على المدينة لما خرج الى العراق ، ثم لحق به بعده وشهد معه قتال الخوارج ولزم ابو ايوب الجهاد بعد النبي الى ان توفى بالقسطنطينية سنة خمسين ، وقيل اثنتين وخمسين جاء ذلك فى الاصابة ج 1 ص 405 PageV01P492 (1) تأريخ ابي الفداء 1 / 180 (2) شرح النهج محمد عبده ج 1 ص 59 PageV01P493 (1) اطلع اليمن : بلغها واحتلها بجيشه. ms905 (2) سيدالون : اى ستكون لهم الدولة بدلكم وذلك بسبب اجتماع كلمتهم ووحدة رايهم وانشقاق العراقيين وعدم اتفاقهم. (3) القعب : بالضم القدح الضخم. (4) علاقته : بكسر العين ما يعلق به من ليف ونحوه. (5) ماث : اي ذاب (6) بنو فرس قبيلة مشهورة بالشجاعة والاقدام منهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان ، ومنهم ربيعة بن مكدم حامي الظعن حيا وميتا ، ولم يحم احد حريمه غيره. (7) شرح النهج محمد عبده 1 / 60 PageV01P494 (1) هيت بكسر الهاء قال ابن السكيت : إنما سميت هيت بهذا الاسم لأنها فى هوة من الأرض ، وقد انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وهي بلدة من نواحي بغداد فوق الأنبار وهى ذات نخل كثير وخيرات واسعة جاء ذلك فى المعجم ج 8 ص 486. (2) الأنبار : بفتح اوله ، مدينة. على الفرات تقع فى غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ ، وكان اول من عمرها سابور بن هرمز ذو الاكتاف ثم جددها ابو العباس السفاح اول خلفاء بني العباس وبنى بها قصورا ، وقام بها الى ان مات ، معجم البلدان 1 / 340 (3) عقر الدار : بالضم وسطها واصلها. (4) اخو غامد : هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن PageV01P495 (1) المسالح : جمع مسلحة بالفتح ، وهي الثغر الذي يزود بالجيش لئلا يطرق العدو الى البلاد. (2) المعاهدة : الذمية ، والحجل ، بالكسر : الخلخال ، والقلب ، بالضم : السوار ، والرعاث : جمع رعثة بالفتح : القرط. (3) الاسترجاع : ترديد الصوت بالبكاء. (4) وافرين : اى تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم. (5) الكلم : بالفتح ، الجرح. (6) حمارة القيظ : بتشديد الراء ، وهي شدة الحر. (7) يسبخ : اي يخف وتذهب شدته. (8) صبارة القر : الصبارة بتشديد الراء وهي شدة الشيء ، والقر بالضم هو البرد. PageV01P496 (1) الحجال : جمع حجلة وهي القبة ، وربات الحجال : النساء. (2) السدم : بالتحريك الهم مشفوع بالاسف او الغيظ. (3) النغب : جمع نغبة وهي الجرعة ، التهمام بالفتح : الهم. انفاسا ، اى جرعة بعد جرعة. (4) الخريت بن راشد الناجي ، كان على مضر كلها يوم الجمل واستعمله عبد الله بن عامر على كورة من كور فارس ، وكان مع الامام حتى صار امر الحكمين ففارقه الى بلاد فارس مخالفا. ( الاصابة 1 / 422 ). PageV01P497 (1) مروج الذهب 2 / 289. وفي ms906 الاخبار الطوال ص 197 : ان ابن ملجم خطب الرباب بنت قطام. PageV01P503 (1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 143 ونور الابصار ص 95 وذكر زيادة على هذه الأبيات بيتين وهما. وفى بعض المصادر ان الابيات لابن ابي مياس المرادي. (2) الجنة بالضم ، الوقاية. PageV01P504 (1) طاش السهم : اي جاوز الهدف ولم يصبه : الكلم : بالفتح الجرح جمعه كلوم وكلام. (2) تأريخ ابن الاثير ج 3 ص 168. (3) الصواعق ص 80. (4) الوز : نوع من الطيور. PageV01P505 (1) مروج الذهب ج 2 ص 291 (2) سورة لقمان آية 34. PageV01P506 (1) وجاء فى الاستيعاب ان الحسن خرج مع ابيه ولم ينفصل عنه. (2) لم يكن الاثيم وحده هو الذي قدم على قتل الامام بل كان معه شبيب بن بحيرة ومجاشع بن وردان ، واقبلوا الى قطام فعصبتهم بحرير وكانت معتكفة بالمسجد ، فاخذ هؤلاء اسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها الامام للمسجد ، وقد علم الاشعث نية ابن ملجم فقال له محفزا على ارتكاب الجريمة ( النجا فضحك الصبح ) ولما سمع حجر بن عدى كلامه قال له : قتلته يا اعور قتلك الله ، إما ابن ملجم فضرب الامام على راسه ، وإما شبيب فوقعت ضربته بعضادة المسجد وإما ابن وردان فهرب جاء ذلك في مروج الذهب ج 2 ص 290 PageV01P507 (1) جعدة بن هبيرة المخزومي ابن أم هاني بنت ابي طالب له صحبة مع النبي. وقال ابن معين لم يسمع من النبي شيئا ، وقال العجلى : إنه تابعي ثقة ، جاء ذلك فى خلاصة تهذيب الكمال ص 53 ، وجاء فى الاستيعاب : ان PageV01P508 جعدة كان فقيها ، قد ولاه خاله الامام على خراسان وقال ابو عبيدة ولدت أم هاني بنت ابي طالب من هبيرة ثلاث بنين : جعدة وهاني ويوسف. (1) مطالب السئول فى مناقب آل الرسول ص 63. (2) ذكر المسعودى في مروج الذهب ج 2 ص 290 ان الاثيم ابن ملجم لما ضرب الامام شد عليه الناس فجعلوا يرمونه بالحصباء ويصيحون عليه ، فضرب المغيرة بن نوفل بن الحرث وجهه فصرعه واقبل به الى الحسن ، وهناك اقوال أخر فى كيفية القبض عليه. PageV01P509 (1) اثير بن عمرو السكوني ، كان احد الاطباء الماهرين ms907 يعالج الجراحات الصعبة وكان صاحب كرسي ، وله تنسب صحراء اثير. (2) الاستيعاب ج 2 ص 62. PageV01P511 (1) المعنى : لا تطلبا الدنيا ، وإن طلبتكما. (2) لا تغبوا افواههم : اى لا تقطعوا صلتكم عنهم وصلوا افواههم بالطعام دوما. PageV01P512 (1) لم تناظروا ، مبني للمجهول : اي لا ينظر إليكم بالكرامة والرحمة من الله وغيره إن إن اهملتم تعاليم الدين وفروضه. (2) التباذل : العطاء. (3) لا الفينكم : اي لا اجدنكم تخوضون دماء المسلمين بالسفك انتقاما منهم بقتلى. (4) شرح النهج محمد عبده ج 3 ص 85. PageV01P513 (1) تاريخ ابن الاثير ج 3 ص 170. (2) الكليني : هو محمد بن يعقوب بن اسحاق ، وهو من اعظم علماء الشيعة ، ومن المجددين لمذهب الامامية في المائة الثالثة من الهجرة ومن اشهر مؤلفاته : الكافي انفق على تأليفه من الوقت عشرين سنة ، وهو من اجل الكتب الاسلامية ومن اهمها » وقال محمد امين الأسترآبادي في محكى فوائده : انه سمع من بعض العلماء انه لم يصنف فى الاسلام كتاب يوازى الكافي ويدانيه ، توفى رحمهالله فى بغداد سنة 329 هجرية وصلى عليه محمد ابن جعفر الحسيني ودفن بباب الكوفة ( الكنى والالقاب 3 / 98 ) PageV01P514 (1) اصول الكافى 1 / 297 298 (2) شعيب بن ميمون الواسطي صاحب البزور ، قال ابو حاتم : مجهول وكذا قال العجلى : وقال البخاري : فيه نظر ، وقال ابن حبان يروى المناكير عن المشاهير على قلته لا يحتج به اذا انفرد ، تهذيب التهذيب 4 / 357. (3) تهذيب التهذيب 4 / 357 وجاء فيه : ومن مناكيره عن حصين عن الشعبي عن أبي وائل قال قيل لعلي الا تستخلف الرواية. PageV01P515 (1) اختلف المؤرخون فى الليلة التي ضربه فيها ابن ملجم فقيل : ليلة الثامن عشر من رمضان. ذهب الى ذلك المسعودي في مروج الذهب ، وقيل ليلة السابع عشر ذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب. وذهب مؤرخو الشيعة ان ذلك كان في الليلة التاسعة عشرة ، واما عمره الشريف فقيل اربع وستون وقيل ثلاث وستون وقيل غير ذلك ، ومدة خلافته اربع سنين وتسعة اشهر وستة ايام ، وعمر الحسن في ذلك الوقت سبع وثلاثون سنة. جاء ذلك في كشف الغمة ص 154 PageV01P516 (1) تاريخ اليعقوبى 2 / 191 ، تاريخ ms908 الطبري 6 / 86 ، مقاتل الطالبيين ص 16 ، تأريخ ابن الأثير 3 / 170 PageV01P517 (1) الامام علي صوت العدالة الانسانية 4 / 1003 (2) الرياض النضرة. (3) تأريخ ابى الفداء 1 / 180 (4) شرح النهج 5 / 452 (5) على وبنوه ص 184 PageV01P518 (1) كان عمر يضفى على معاوية ثوب البطولات ، ويخلع عليه النعوت والألقاب ويبالغ في تسديده ، ولا يسمح بانتقاصه ، فقد جاء في الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة ( ج 3 ص 377 378 ) ان قوما ذموا معاوية عند عمر فقال : دعونا من ذم فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده الاعلى الرضا ، ولا يؤخذ ما فوق راسه الا من تحت قدميه. ولا ندرى لما هذا الاطرء على هذا الطليق الذي نظر إليه الرسول «ص» نظرة ريبة وشك في اسلامه. PageV02P012 (1) حوبائهما : تثنية حوباء وهي النفس تجمع على حوباوات. PageV02P013 (1) وهي تضارع خديعته في رفع المصاحف التي استطابها الجيش العراقي فلم يقرر حق مصيره بعد ما أشرف على الفتح والظفر. PageV02P015 (1) الخلافة : في الاصل مصدر خلف ، يقال : خلفه في قومه خلافة فهو خليفة ، ومنه قوله تعالى : « وقال موسى لأخيه هارون اخلفنى في قومى » ثم أطلقت في العرف على الزعامة العظمى وهي الولاية العامة على كافة الأمة ، والقيام بأمورها والنهوض بأعبائها. (2) النظام السياسي فى الاسلام : ص 15. PageV02P026 (1) الاسلام والنصرانية : ص 65. (2) النهمة : بالفتح الافراط فى الشهوة ، المبالغة فى الحرص. (3) الحائف : من الحيف : الجور والظلم ، والدول : جمع دولة بالضم وهو المال لأنه يتداول به وينتقل من يد إلى يد ، وفى التنزيل ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) والمراد من كلامه (ع) ان الوالى ليس له أن يحيف فى الأموال بأن يفضل قوما على قوم فى العطاء من دون سبب موجب لذلك. (4) المقاطع : الحدود التي عينها الله لها. (5) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 19. PageV02P027 (1) سورة البقرة : آية 124. (2) مجمع البيان 1 / 2. 2 ط صيدا. (3) هذا مبني على ما ذهب إليه بعض علماء الاصول فى بحوث المشتق من أنه حقيقة فى الأعم ممن تلبس بالمبدإ ومن انقضى عنه. (4) الظلم للنفس : كالسجود للاصنام وغير ذلك من الاخلاق الذميمة ms909 ، وقد استدل علماء الشيعة بالآية الشريفة على أحقية أمير المؤمنين بالخلافة دون غيره لأنه لم يظلم نفسه بالسجود للاصنام التي سجد لها غيره من الصحابة قبل بزوغ نور الاسلام. PageV02P028 (1) الولائج : جمع وليجة ، وهي المحل الذي يعتصم فيه من المطر والبرد. (2) عقل الوعاية : الحفظ في فهم ، الرعاية : ملاحظة تعاليم الدين وتطبيق العمل عليها أما السماع والرواية من درن فهم وعمل فمنزلتهما منزلة الجهل. (3) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 259. (4) التواتر : الاستفاضة في نقل الخبر بحيث يؤدي الى القطع بصدقه وذلك فيما إذا أحال العقل تواطؤ المخبرين على الكذب ، ولذا كان الخبر المتواتر من أهم الأسباب المؤدية الى القطع بالأشياء. PageV02P029 (1) مقاتل الطالبيين ص 34 ، الارشاد ص 167. (2) تأريخ ابن الأثير ج 3 ص 174 ، تأريخ ابن خالدون ج 2 ص 186. (3) البيعة : هى العهد على الطاعة لأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له أمر النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه على ذلك ... ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر ... وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم فى يده تأكيدا للعهد فاشبه ذلك كلا من البائع والمشتري ... فسمي بيعة ذكر ذلك ابن خالدون في مقدمته ص 197 ، والبيعة نوع من العقد الاجتماعي الذي ذكره ( جان جاك روسو ) PageV02P033 وتقوم هذه النظرية على اساس ان الاجتماع الذي يقع بين الناس في صورة شعب أو أمة انما يقوم على تعاقد بين الافراد ... فكل فرد قد دخل مع أفراد فراد مجتمعه فى عملية تعاقد ، ويقضي ذلك بأن يصبح الفرد جزءا من المجتمع ، وقد استدل على هذه النظرية ( روسو ) وأوضح كثيرا من جوانبها فى كتابه العقد الاجتماعي. (1) الامامة والسياسة 1 / 170. PageV02P034 (1) صلح الحسن ص 47. PageV02P036 (1) البداية والنهاية ج 8 ص 41. (2) الجزء الأول ص 327. PageV02P037 (1) التنبيه والاشراف ص 260. (2) دائرة المعارف ج 3 ص 443 ، كنز العلوم واللغة ص 380 لفريد وجدي (3) اتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ص 225. PageV02P038 (1) على وبنوه : ص 195. PageV02P039 (1) الحجى : العقل والفطنة. (2) لم آس : أي لم أحزن وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن معاوية أظهر الحزن والأسى والتوجع بمقتل الامام ms910 أقول : أولا لا يتفق مع ما ذكره معاوية من عدم حزنه بموت الامام وثانيا انه لا يتفق مع سيرة معاوية وعدائه السافر للامام الذي جعل سبه فريضة من فرائض الاسلام وتتبع شيعته واصحابه فقتلهم تحت كل حجر ومدر. PageV02P044 (1) أعشى بني قيس : هو الأعشى الكبير أسمه ( ميمون ) بن قيس ولد بقرية باليمامة يقال لها منفوحة وفيها داره وقبره ويقال انه كان نصرانيا وهو أول من سأل بشعره ، وفد إلى مكة يريد النبي (ص) وقد مدحه بقصيدة أولها : (2) مزبد : مشتق من أزبد البحر إزبادا فهو مزبد ( بالتحريك ) وهو كالرغوة. الاكام : جمع أكمة كقصبة وهي التل. (3) البدور : جمع مفرده بدرة كوردة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار. PageV02P045 (1) جاء فى رسالة جمهرة العرب ( ج 2 ص 4 ) ان الصحيح هو ( أمية بن الأسكر ) لا أمية بن أبي الصلت فانه خطأ وقد استند إلى ما ذكره برواية الأغاني حيث ذكر هذه الأبيات إلى أمية بن الأسكر قالها لما تغلب اصحاب النبي (ص) على رهط أمية بسبب طارق الخزاعي وكان قاطنا معهم فدل اصحاب النبي (ص) عليهم لأن خزاعة كان مشركها ومؤمنها يميلون إلى النبي على قريش فتأثر أمية من فعل طارق فقال فيه هذه الأبيات وأجابه طارق بأبيات استشهد فيها معاوية فى جوابه عن رسالة عبد الله بن عباس. (2) غادت : أي باكرت. الحتف : الموت ، ومنع نعجة من الصرف لأجل الضرورة. PageV02P046 (1) الشفرة : السكين العريضة ، وحد السيف ، وجانب النصل ، الكراع : مستدق الساق وجاء فى المثل ( كالباحث عن المدية ) ويروى عن ( الشفرة ) وفي آخر ( كباحثة عن حتفها بظلفها ) وأصله ان رجلا كان جائعا فوجد شاة ولم يكن معه ما يذبحها به فبحثت الشاة الأرض بأظلافها فسقطت على شفرة فذبحها بها يضرب مثلا لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره. (2) الأغاني : ( ج 8 ص 62 ) شرح ابن ابي الحديد ( ج 4 ص 12 ) (3) يتظننى : يتهمني. (4) نفروا : شردوا. PageV02P047 (1) الظنين : المتهم. ويروى ( واستر من الظنين ذنبه بما لا يثلم دينك ). (2) وفى رواية ( واستعمل ) وفى أخرى ms911 ( ووال ). (3) وفى رواية ( تدعو ). PageV02P048 (1) الحرب خدعة : مثلاثة الخاء ، وبضمها مع فتح الدال أي تنقضي بخدعة. (2) آسى : أي سوى. (3) خسفا : أي ذلا. (4) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 8. رسائل جمهرة العرب ج 2 ص 1. PageV02P049 (1) سورة الحجرات آية 13. PageV02P051 (1) الحارث بن سويد التميمي : هو أبو عائشة الكوفي روى عن جماعة من ثقات الصحابة منهم الإمام علي وابن مسعود ، وروى عنه جماعة من الثقات وقد عظم الروات شأنه فقال ابن معين : إنه ثقة. وقال غيره : إنه أجود اسناد روى عن الإمام علي وقد أطرى على الرجل وأثنى عليه بثناء عاطر ويكفيه فضلا أنه ثقة الإمام الحسن ومعتمده الذي بعثه لمعاوية توفى في أواخر أيام عبد الله بن الزبير ، جاء في تهذيب التهذيب ج 2 ص 173. (2) جندب الأزدي العامري يكنى أبو عبد الله وهو أحد الصحابة وقد روى عن النبي (ص) أنه قال : ( حد الساحر ضربه بالسيف ) روى عن جماعة من الصحابة منهم الإمام علي (ع) وسلمان الفارسي ، وروى عنه جماعة آخرون وذكره ابن حيان من ثقات التابعين ، توفي في آخر خلافة معاوية. جاء ذلك في تهذيب التهذيب ج 2 ص 118. PageV02P052 (1) سورة الزخرف آية 44. (2) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 9. (3) سورة يس آية 70. PageV02P053 (1) أنعم له : أي قال له نعم. (2) النصف : الإنصاف. (3) راغمهم : نابذهم وعاداهم. (4) الأحزاب : هي التي تحزبت على قتال رسول الله (ص) من قريش وغطفان وبني مرة وبني أشجع وبني سليم وبني أسد في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق وكان قائدهم العام أبا سفيان وذلك في السنة الخامسة من الهجرة. PageV02P054 (1) آب الى الله رجع عن ذنبه وتاب فهو أواب مبالغة. (2) النائرة : العداوة والبغضاء. (3) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 12 ، PageV02P055 (1) لم يألوا : أي لم يقصروا. PageV02P057 (1) شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 9. PageV02P058 (1) الحواري : الناصر والمعين أو ناصر الأنبياء. (2) الغناء : النفع ، وأغنى غناءه أجزأ عنه ، وقام مقامه. PageV02P059 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 13. (2) عصر المأمون 1 / 17. PageV02P060 (1) المغافر : جمع ، مفرده : مغفر ومغفرة ، وهو زرد يلبسه المحارب تحت القلنسوة. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 / 13. PageV02P067 (1) جسر ms912 منبج : بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء بلد قديم ، المسافة بينه وبين حلب يومان ، أول من بناه كسرى ، وقد أنجب جماعة من الشعراء يعد فى طليعتهم البحتري ، وقد عناها المتنبي بقوله : ولها يتشوق ابراهيم بن المدبر ، وكان يهوى جارية بها في قوله : جاء ذلك في معجم البلدان 8 / 169. PageV02P068 (1) النخيلة : تصغير نخلة موضع قريب من الكوفة على سمت الشام وبه قتل معاوية الخوارج لما ورد الى الكوفة وفيهم يقول ابن الأصم راثيا : (2) شرح النهج ابن أبي الحديد 4 / 13. PageV02P069 (1) عدي بن حاتم الطائي كان أبوه حاتم مضرب المثل في الجود والسخاء ، يكنى عدي بأبي طريف ، وفد على النبي (ص) فى السنة التاسعة من الهجرة وكان نصرانيا فاسلم ، ولإسلامه حديث طريف طويل ، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة ، روى عن النبي (ص) أحاديث كثيرة ، كان جوادا شريفا في قومه عظيما عندهم ، وعند غيرهم ، وكان حاظر الجواب ، ومن أهل الدين والتقى ، وهو القائل : ما دخل علي وقت الصلاة إلا وأنا مشتاق إليها ، ودخل يوما على عمر بن الخطاب فرأى منه تكبرا واستخفافا بحقه ، فالتفت إليه قائلا : أتعرفني؟ فأجابه عمر ، بلى والله أعرفك ، أكرمك الله بأحسن المعرفة ، أعرفك والله أسلمت إذ كفروا ، وعرفت إذ أنكروا ، ووفيت إذ غدروا ، وأقبلت إذ أدبروا فقال عدي : حسبي حسبي. شهد فتوح العراق ، ووقعة القادسية ، ووقعة النهروان ، ويوم الجسر مع أبي عبيدة وغير ذلك ، ومن كرمه ونبله أن الأشعث ابن قيس أرسل إليه شخصا يستعير منه قدور حاتم ، فملأها عدي طعاما وحملها إليه فأرسل إليه الأشعث إنما أردناها فارغة ، فأجابه عدي ، إنا لا نعيرها فارغة ، وكان يفت الخبز للنمل ويقول : إنهن جارات ولهن حق ، كان من المنحرفين عن عثمان ، وشهد مع الامام وقعة الجمل ففقئت عينه بها ، وله ولدان ، قتل أحدهما مع الامام علي ، والآخر مع الخوارج ، وشهد صفين أيضا وكان له بها مواقف مشهورة توفي سنة سبع وستين من الهجرة ، وقيل غير ذلك ، كان له من العمر مائة وعشرون سنة ، قيل توفى بالكوفة ، وقيل بقرقيسيا والأول أصح ، جاء ذلك ms913 فى أسد الغابة 3 / 392 ، وقريب منه جاء فى كل من الاصابة والاستيعاب وتهذيب التهذيب. PageV02P070 (1) شرح النهج ابن أبي الحديد 4 / 14. (2) معقل بن قيس الرياحي : أدرك النبي (ص) ، قال ابن عساكر : أوفد عمار معقلا على عمر يخبره بفتح تستر ، كما وجهه الى بني ناجية حين ارتدوا وكان من امراء الإمام علي (ع) يوم الجمل ومدير شرطته ، وذكر خليفة بن الخياط أن المستورد بن علقمة اليربوعي الخارجي بارزه لما خرج بعد علي فقتل كل منهما الآخر وكان ذلك سنة 42 هجرية في خلافة معاوية وقيل سنة 39 في خلافة علي جاء ذلك في الاصابة 3 / 475 ، PageV02P071 (1) المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي ولد على عهد الرسول (ص) بمكة قبل الهجرة ، وقيل لم يدرك من حياة رسول الله (ص) إلا ست سنين يكنى بأبي يحيى تزوج بامامة بنت أبي العاص بن الربيع ، وكانت امامة زوجا للإمام علي ، فلما قتل أوصى (ع) أن يتزوجها المغيرة من بعده ، فلما مات (ع) تزوج بها المغيرة. وهو ممن شهد مع الامام صفين ، وكان في أيام عثمان قاضيا ، وقد روى عن النبي (ص) حديثا واحدا وهو قوله (ص) : « من لم يحمد عدلا ولم يذم جورا ، فقد بات لله بالمحاربة » جاء ذلك في أسد الغابة 4 / 407. (2) جاء في الخرائج والجرائح ص 228 أنه نزح مع الامام من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا وبما وعدوا ، وغروه كما غروا الامام عليا من قبل وعسكر (ع) في النخيلة عشرة أيام فلم يحضر معه إلا أربعة آلاف فرجع الى الكوفة ليستنفر الناس وخطب خطبته التي يقول فيها : « قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي ». PageV02P072 (1) سورة البقرة آية 189. PageV02P074 (1) صلح الحسن ص 96. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 / 14. (3) تأريخ الطبري 6 / 94. PageV02P075 (1) الإمامة والسياسة 1 / 151. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 194 ذكر ذلك في جواب زياد الى معاوية حينما هدده وذلك قبل أن يستلحقه به ، فقال زياد : إن ابن آكلة الأكباد ، وكهف النفاق ، وبقية الأحزاب ، كتب يتوعدني ويتهددني وبيني وبينه ms914 ابنا رسول الله فى تسعين ألفا. (3) البداية والنهاية 8 / 42 وجاء فيه أن رجلا دخل على الحسن بن علي وبيده صحيفة فقال له الرجل : ما هذه؟ فأجابه الامام ان معاوية يعدنيها ويتوعد ، فقال الرجل : قد كنت على النصف منه ، فأجابه الامام : إني خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون أو أكثر أو أقل تنضح أوداجهم دما كلهم يستعدي الله فيم اهريق دمه ، وقريب من هذا ذكره ابن أبي الحديد فى شرح النهج 4 / 7. (4) نوف البكالي : بفتح الباء وتخفيف الكاف ، كان من أصحاب أمير المؤمنين (ع) ، ونقل عن تغلب انه منسوب الى بكال قبيلة من همدان ، ويقال : بكيل وهو أكثر ، وقال ابن أبي الحديد : انه بكال بكسر الباء وهي قبيلة من حمير منهم هذا الشخص وهو نوف بن فضالة صاحب الامام علي (ع) جاء ذلك في التعليقات ص 354. PageV02P076 (1) شرح النهج محمد عبده 2 / 132. (2) تاريخ أبي الفداء 1 / 193. (3) الكامل 3 / 61. (4) شرح ابن أبي الحديد 4 / 6. PageV02P077 (1) صلح الحسن ص 106. PageV02P078 (1) الارشاد ص 169 ، وذكر هذا المعنى بعينه علي بن محمد الشهير بابن الصباغ في الفصول المهمة ص 143 ، والأربلي فى كشف الغمة ص 161 ، والمجلسي في البحار 10 / 110. PageV02P079 (1) مستدرك الحاكم 3 / 174. PageV02P081 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 191. (2) البداية والنهاية 8 / 14. PageV02P082 (1) علي وبنوه ص 195. PageV02P083 (1) مسكن : بفتح أوله وكسر ثالثه ، قال أبو منصور : يقال للموضع المعروف الذي يسكنه الإنسان « مسكن » بفتح الثالث وكسره ، واللغة الثانية شاذة ، والقياس الفتح ، وهو موضع قريب من « أوانا » على نهر الدجيل ، وبها كانت الواقعة بين عبد الملك بن مروان ، ومصعب بن الزبير ، سنة ( 72 ه ) ، وفيها قتل مصعب ، وابراهيم بن مالك الأشتر ، ودفنا هناك ولهما قبر معروف ، معجم البلدان 8 / 54. PageV02P088 (1) شاهي : موضع قريب من القادسية ، وكان شريك بن عبد الله قاضي الكوفة قد خرج الى شاهي يستقبل الخيزران فأقام فيه ثلاثة أيام ينتظرها حتى نفذ طعامه ، وكان عنده خبز يابس ، فجعل يبلله بالماء ، فنظر إليه العلاء بن منهال فقال فيه : معجم البلدان 5 / 224. PageV02P089 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 215. (2) شرح ابن أبي الحديد ms915 4 / 28. PageV02P090 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 28. PageV02P091 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 191. PageV02P092 (1) كعب بن عمرو الأنصاري السلمي ، شهد بدرا بعد العقبة ، وهو الذي أسر العباس يوم بدر ، وانتزع راية المشركين وكانت بيد أبي عزيز ، وشهد مع أمير المؤمنين صفين ، توفي في يثرب سنة (55) جاء ذلك في الاستيعاب 4 / 215 ، وجاء في تهذيب التهذيب 8 / 437 ، انه آخر من مات من أهل بدر وأنه شهد مع أمير المؤمنين جميع مشاهده ، توفي وله من العمر مائة وعشرون سنة ، وفي المسند من حديث له : أن النبي (ص) بعثه في حاجة فرآه موليا فقال : « اللهم امتعنا به » فكان من آخر الصحابة موتا ، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى ، وقال : امتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم. (2) مقاتل الطالبيين ص 35. PageV02P093 (1) مقاتل الطالبيين ص 35. (2) الإرشاد ص 170. PageV02P094 (1) البداية والنهاية 8 / 14. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 191. (3) حياة الحيوان للدميري 1 / 57. PageV02P095 (1) مظلم ساباط : يقع قرب المدائن ، ولم يعلم سبب التسمية ، وذكر مظلم ساباط زهرة بن حوية في قوله : معجم البلدان 8 / 91. PageV02P096 (1) عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومى الكوفي ، كان عمره يوم توفى رسول الله (ص) اثنى عشر سنة ، وكان من الطلقاء الصغار ولى الكوفة عن زياد وابنه عبيد الله توفى سنة 85 وقيل 98 هج تهذيب التهذيب 7 / 17. (2) حجار بن أبجر العجلي كان أبوه نصرانيا فقال له : يا أبت أرى قوما قد دخلوا فى هذا الدين فشرفوا وقد أردت الدخول فيه ، فقال له أبوه : يا بني أصبر حتى أقدم معك على عمر ليشرفك ، وإياك أن تكون لك همة دون الغاية القصوى ، ووفد على عمر فقال أبجر لعمر : أشهد أن لا إله إلا الله وأن حجارا يشهد أن محمدا رسول الله ، فقال عمر : وما يمنعك أن تقولها أنت؟ فقال أبجر : « إنما أنا هامة اليوم أو غد ». وذكر المرزباني في معجم الشعراء : إن أبجر مات على نصرانيته في زمن أمير المؤمنين علي (ع) قبل قتله بيسير ، ولما مات شيعته النصارى ، وكان حجار يمشي فى جانب مع أناس من المسلمين ، جاء ذلك فى الاصابة 1 / 373. وجاء ms916 في كثير من المصادر التاريخية : أن حجارا كان من الأشخاص الذين راسلوا سيد الشهداء الحسين (ع) بالقدوم الى العراق ، ولما قدم (ع) الى العراق كان هذا الأثيم في طليعة الواثبين عليه. PageV02P098 (1) استلأم : أي لبس لامة حربه. (2) علل الشرائع ص 84. (3) جنات الخلود الفصل التاسع منه ، وكشف الغمة ص 154 وغيرها. PageV02P099 (1) البحار 10 / 110. PageV02P100 (1) الطبري 4 / 122 ، البداية والنهاية 8 / 14. (2) البحار ، أعيان الشيعة ، تأريخ اليعقوبي. (3) البحار ، شرح ابن أبي الحديد. PageV02P101 (1) المغول : آلة تشبه السيف. (2) الارشاد ص 170. PageV02P103 (1) ينابيع المودة ص 292. PageV02P104 (1) حماة الاسلام 1 / 123 ، المجتنى لابن دريد ص 36 ، PageV02P106 (1) شرح لامية العجم 2 / 27 وقد خبط الصفدي خبط عشواء ، فان الامام متى باع الخلافة على خصمه بوفاء دينه؟ نعوذ بالله من هذا الافتراء. (2) العرب ص 78. PageV02P111 (1) الحلقة الثانية من حياة الحسين ص 283. (2) عقيدة الشيعة تعريب ع م ص. وهذا المستشرق من الحاقدين على الإسلام ، وقد شحن كتابه بالكذب والطعن على الإسلام والحط من قيمة أعلامه النابهين وقد تعرض الاستاذ السيد عبد الهادي المختار في مجلة البيان الزاهرة في عددها الخاص بسيد الشهداء من السنة الثانية عدد 35 39 إلى تزيفه وعرض أكاذيبه. PageV02P112 (1) دائرة المعارف الاسلامية ج 7 ص 400 وهذه الدائرة لم تكن إلا دائرة كذب وافتراءات فقد حفلت بالطعن على الاسلام والسب لأعلامه خصوصا في بحوث ( لامنس ) عن الشيعة وعن أئمتهم فانها مليئة بالبهتان والتهريج عليهم ، والسبب في ذلك ان لجان التبشير المسيحي هي التي تدفع أمثال هذه الأقلام المأجورة لتشويه الاسلام والكيد له ، مضافا الى أن بحوث المستشرقين تعتمد على دراسة سطحية خالية عن التحقيق والتدقيق ، ومن الجدير بالذكر أن بعض المستشرقين زار ( طهران ) عاصمة إيران بعد أن تعلم اللغة الفارسية في مدارس الألسنة الشرقية وقد حاول أن يضع تأريخا عن حالة إيران الاجتماعية والأخلاقية كما يشاهدها فرأى حمالين وعلى رءوسهم أوانيا وأسبابا فاخرة ، وأمامهم الدفوف والمزامير فسأل عن ذلك فقال له بعض الحاضرين إنهم يحملون جهاز عروس ، ثم سأل عن اسم الزوج فقال له بعض الحاضرين ( ما ذا يهمك؟ ) ، وفي المساء رأى ms917 هذا المستشرق رجلا يضرب امرأة في الشارع فسأل بعض الحاضرين عن القصة فأخبره أن الضارب زوجها وقد تركته بغير حق ، ثم سأل عن أسم الزوج فقال له ( ما ذا يهمك؟ ) فظن المستشرق ان اسم الرجل ما ذا يهمك ، وإنه العريس الذي رأى جهازه صباحا ، فكتب هذا المستشرق في كتابه تاريخ ايران انه رأى في عاصمتها عريسا يقترن صباحا ويضرب عروسه في الشارع مساء وان اسمه ما ذا يهمك ، هذا حال المستشرقين في الأمور الظاهرة البديهية فكيف حالهم في النظريات الدقيقة الغامضة هذا إذا لم يعتمدوا على التحريف فكيف إذا اعتمدوا عليه ومن المؤسف ان شبابنا قد عكف على دراسة مؤلفاتهم والاعتماد عليها في اطروحاتهم مع انها لا نصيب لها من الصحة والواقع. PageV02P113 (1) اليراع : القصب. (2) الطبري 6 / 109. (3) السيادة العربية ص 69. PageV02P116 (1) أعيان الشيعة 4 / 42. PageV02P117 (1) علي وبنوه ص 55. PageV02P118 (1) النهج محمد عبده 3 / 67. (2) الأفوق من السهام : مكسور الفوق وهو موضع الوتر من السهم ، الناصل : العاري عن النصل أي : من رمى بهم فكأنما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمى ، وإن رمى به لم يصب مقتلا إذ لا نصل له. PageV02P119 (1) نهج البلاغة محمد عبده 1 / 70. PageV02P120 (1) الطبري 2 / 19. PageV02P122 (1) سعد بن مسعود الثقفي ذكره البخاري في الصحابة ، وقال الطبراني : له صحبة ، ولاه أمير المؤمنين (ع) على بعض أعماله. واستصحبه معه إلى صفين ، وروى عنه أنه قال : كان نوح إذا لبس ثوبا حمد الله ، وإذا أكل وشرب حمد الله ، فلذا سمي عبدا شكورا ، الاصابة 2 / 34. (2) الطبري ، والاصابة ، ونفى بعض المحققين صحة الخبر وجعله من الموضوعات ، ولا يبعد ذلك لأن المختار من خيرة الرجال في هديه وورعه وسائر نزعاته (3) خطط المقريزي 2 / 439. PageV02P123 (1) أبو العباس أول خلفاء بني العباس ولد سنة (108) بالحمية من ناحية البلقاء ، ونشأ بها ، وبويع له بالكوفة في 3 ربيع الاول سنة (132) وكان سريعا إلى سفك الدماء ، وسار على منواله عماله بالمشرق والمغرب ، توفى بالجدري سنة (136) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 100. (2) ابراهيم بن المهاجر البجلي : هو أبو اسحاق الكوفي روى عن جماعة من الثقات وروى عنه آخرون ms918 اختلف فى روايته فقيل إنه ثقة وقيل إنه ضعيف ، تهذيب التهذيب 1 / 167. (3) مروج الذهب 2 / 335. PageV02P125 (1) السيادة العربية ص 70. PageV02P126 (1) مروج الذهب 2 / 332. PageV02P127 (1) الدينوري ص 303. (2) أعيان الشيعة 4 / 42. PageV02P131 (1) تقدمت مصادر الحديث في الجزء الأول من هذا الكتاب ص 81. PageV02P133 (1) أنباء نجباء الأبناء ص 56. (2) البداية والنهاية 8 / 41 ، وعندي أن هذا الحديث من الموضوعات لأن الخلافة قد صارت ملكا عضوضا في أيام عثمان فهو الذي حولها عن مفاهيمها الخلاقة وآثر الأمويين في الحكم والأموال وأتاح لهم من القوى ما هيأهم لمنازعة أمير المؤمنين ، وقد تحدث النبي (ص) عما يئول إليه الأمر من بعده فقال : « إن أول دينكم بدء نبوة ورحمة ، ثم يكون ملكا وجبرية » رواه السيوطي PageV02P134 في تأريخ الخلفاء ص 6 ، وقد تحقق قوله (ص) فان الدين أول بدئه كان نبوة ورحمة ، ثم تحول في زمان الأمويين الى ملك وطغيان وجبرية. (1) البحار PageV02P135 (1) مروج الذهب 2 / 295. (2) الشريف المرتضى : هو علي بن الحسين ينتهي نسبه الوضاح الى امام المسلمين موسى بن جعفر عليهالسلام ، كانت له نقابة الطالبيين لقب بالمرتضى وعلم الهدى كانت ولادته في سنة ( 355 هج ) ووفاته في سنة (436) ، وكان أكبر من أخيه الشريف الرضي. قال أبو جعفر الطوسي : قد توحد المرتضى في علوم كثيرة وكان مجمعا على فضله ومقدما في العلوم كعلم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب وغير ذلك وله ديوان شعر يزيد على عشرة آلاف بيت وله مؤلفات كثيرة في مختلف الفنون جاء ذلك في معجم الأدباء 13 / 146. PageV02P136 (1) تنزيه الأنبياء ص 69. (2) السيد ابن طاوس : هو السيد الجليل الكامل العابد المجاهد رضي الدين أبو القاسم على بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني الحسيني ، لقب بالطاوس من جهة حسن وجهه وخشونة رجليه ، وكان من سكنة الحلة ، وهو من السادة المعظمين ، ومن النقباء وله مؤلفات كثيرة ، وقد ذكر جميع مناقبه وعلومه الحجة الثبت السيد محمد باقر الخونساري في مؤلفه روضات الجنات 3 / 43 47 وجاء في الكنى والألقاب 1 / 328 ان السيد تولى نقابة الطالبيين وكان يجلس فى قبة خضراء والناس تقصده وقد لبسوا لباس ms919 الخضرة بدل السواد وذلك عقيب وقعة بغداد ، وفي ذلك يقول علي بن حمزة : PageV02P137 (1) كشف المحجة لثمرة المهجة يحتوي على وصايا رفيعة لولده ص 46. PageV02P138 (1) ص 18 19. PageV02P139 (1) الاستيعاب PageV02P140 (1) كانت العادة في الجاهلية تأخير البكاء على القتيل منهم حتى يؤخذ بثأره فاذا أخذ بكت عليه نسوتهم وفي ذلك يقول شاعرهم : صبح الأعشى 1 / 405. PageV02P141 (1) شرح ابن أبي الحديد 3 / 342. (2) شرح ابن أبي الحديد 3 / 387. PageV02P142 (1) تاريخ الطبري 11 / 357 ، وروى نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 247 ان النبي (ص) قال : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت على غير سنتي. (2) تاريخ الطبري 11 / 357 ، ورواه الإمام السبط الحسن (ع) عن جده ذكره نصر بن مزاحم في كتاب صفين 247. PageV02P143 (1) كتاب صفين ص 244 ورواه الإمام الحسن أيضا. (2) أبو برزة : هو نضلة بن عبيد كان صاحبا لرسول الله ، وروى عنه وعن أبي بكر وروى عنه جماعة آخرون قال ابن سعد : كان من ساكني المدينة ثم البصرة ، وغزا خراسان ، وقال الخطيب شهد مع علي (ع) فقاتل الخوارج بالنهروان ، وغزا بعد ذلك خراسان ، فمات بها ، وقيل إنه مات بنيسابور ، وقيل بالبصرة وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب 10 / 446. (3) الحس القتل الشديد وفي الكتاب ( إذ تحسونهم بأذنه ). (4) الأركاس والركس : الرد والإرجاع. وفي التنزيل ( والله أركسهم بما كسبوا ) والدع : الدفع الشديد. وفى الكتاب ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) وقد ورد الحديث في اللسان ركس. بلفظ ( اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ). (5) وقعة صفين ص 246 مسند أحمد 4 / 421. PageV02P144 (1) تناول المحرفون هذا الحديث الشريف فرووه بصورة أخرى رواه الخطيب في تاريخه عن جابر مرفوعا قال رسول الله ( إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فانه أمين ) وروى الحاكم في تاريخه عن ابن مسعود قال رسول الله : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقبلوه فانه أمين مأمون ) ومتى كان ابن هند أمينا ومأمونا أبمحاربته لوصي رسول الله ، أو لولوغه فى دماء المسلمين ، وقتله الأخيار والصلحاء ، وغير ذلك من الأحداث الجسام التي تكشف عن جاهليته وعدم تحرجه فى الدين. (2) وقعة صفين. PageV02P145 (1) نهج ms920 البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 187. (2) ص 247. PageV02P146 (1) ابن أبي الحديد ( ج 2 ص 357 ). (2) النصائح الكافية ص 97. PageV02P148 (1) البداية والنهاية 8 / 136. (2) أبو الدرداء : اختلف في اسمه فقيل عامر وعويمر ، واختلف في اسم أبيه فقيل عامر ومالك وعبد الله ، ينتهي نسبه إلى كعب بن الخزرج الأنصاري ، أسلم أبو الدرداء يوم بدر وشهد أحدا قال (ص) في حقه : ( أبو الدرداء حكيم أمتي ) كان تاجرا قبل الإسلام فلما أسلم ترك التجارة ، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر توفى لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وقيل مات سنة 32 ، وقيل مات بعد صفين ، جاء ذلك فى الإصابة 4 / 46 وجاء في الكنى والأسماء ص 72 أن أبا الدرداء روى عن رسول الله أنه قال : ( إن أثقل شيء في ميزان المؤمن خلق حسن وإن الله يبغض الفاحش البذى ). PageV02P149 (1) النصائح ص 94. (2) كشف الغمة للشعراني 1 / 123. (3) سنن أبى داود 1 / 79. (4) شرح ابن أبي الحديد 1 / 470. (5) سنن أبي داود 1 / 178. PageV02P150 (1) شرح ابن أبي الحديد 3 / 470. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 207. (3) النصائح ص 100 وغيره. (4) النصائح ص 101. PageV02P151 (1) النصائح ص 101. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 207. PageV02P152 (1) الكامل 3 / 185. (2) عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي : ولد في زمن النبي (ص) كان شاعرا قليل الحديث ، ذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، توفى سنة 104 ، وأبطل هذا القول ابن عساكر فقال : إنه قيل إنه عاش ثماني وأربعين ، ومقتضاه أنه ما أدرك أباه لأنه مات بعد الخمسين بأربع أو نحوها وقد ثبت أنه كان رجلا في زمان أبيه وأبوه القائل : PageV02P153 (1) الأغاني 13 / 149. (2) أبو دهبل الجحمي : اسمه وهب بن زمعة بن أسيد ، كان شاعرا محسنا مداحا وهو القائل : PageV02P155 (1) الأغاني 6 / 39 ، 159. (2) البداية والنهاية 8 / 140. (3) عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزارى جيء به وهو صغير في سبى فزارة فوهبه رسول الله لابنته فاطمة فأعتقته وكان صغيرا ثم كان عند علي ، والتحق بمعاوية فكان من أشد الناس وأعداهم إلى علي ، وكان على جند دمشق بعد وقعة ( الحرة ) وبقى الى خلافة مروان ، وقيل أنه غزا ms921 سنة 49 ، وكان أميرا على الجيش عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فمات في أرض الروم فاستخلف من بعده عبد الله PageV02P156 الفزاري وهي أول ولاية وليها وفيه يقول الشاعر : (1) البداية والنهاية 8 / 140. (2) سورة النحل آية 105. PageV02P157 (1) تطهير الجنان واللسان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة ص 24. (2) تطهير الجنان واللسان ص 26 ، وقد استند ابن حجر إلى هذه الروايات الموضوعة في فضل معاوية ونزهه عن كل ما ارتكبه من الماثم والموبقات ، والحقه بالصحابة المتحرجين في دينهم ، وقد أعمى الله بصيرة ابن حجر وأضله عن الطريق القويم ، فراح يمجد أعداء الله ، وخصوم الإسلام الذين هم صفحة عار وخزي على المجموعة الإنسانية ، لقد بلي المسلمون بأمثال هؤلاء المؤرخين الذين لا ينظرون إلى الواقع إلا بمنظار أسود فجنوا على الإسلام والمسلمين بمفترياتهم وأكاذيبهم. PageV02P158 (1) المقدسي ص 126. (2) المنتظم ص 60. (3) الغدير 10 / 138. (4) طبقات السبكي 2 / 84 وفيات الأعيان 1 / 37. PageV02P159 (1) سليم بن قيس ( ص 29 ) شرح ابن أبي الحديد 3 / 15. (2) وضع المستأجرون هذا الحديث لمعارضة الخبر المتواتر الوارد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق السبطين « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » وقد سئل الإمام الجواد عنه ففنده وقال : والله ليس في الجنة كهول بل كلهم شباب مرد. (3) وإمارة الوضع على هذا الحديث ظاهرة فان الملائكة لما ذا تستحي من عثمان بن عفان فهل انه اجتاز عليها فرآها تعمل القبيح وترتكب المنكر فاستحيت منه أو أنه فعل ذلك فاستحيت منه إنا لا نتصور وجها لهذا الاستحياء المزعوم. PageV02P161 (1) وفي رواية حتى عد أكثر من مائتى حديث. (2) سليم بن قيس ( ص 45 ). (3) ابراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي ، ولد سنة ( 244 هج ) ، بواسط ، وهو صاحب المؤلفات الحسنة ، لقب بنفطويه لدمامته ، وأدمته تشبيها له بالنفط ومن شعره : (4) النصائح الكافية ( ص 74 ) وغيره. PageV02P162 (1) سورة البقرة آية 203 و204. (2) النصائح الكافية ص 253 وغيره. (3) شرح ابن أبي الحديد 3 / 15. (4) سليم بن قيس ص 45. PageV02P163 (1) شرح ابن ابي الحديد 4 / 63 ، ط دار احياء الكتاب العربية. (2) بشير بن كعب بن أبي الحميري العدوي ، ويقال العامري ، ذكره ابن سعد في ms922 الطبقة الثانية من أهل البصرة ، وقال انه ثقة ان شاء الله ، وقال النسائي : إنه ثقة ، تهذيب التهذيب 1 / 471. ولا نعلم أنه كيف كان ثقة مع اعراض ابن عباس عن حديثه. (3) فجر الإسلام ص 258 وغيره. PageV02P164 (1) ابن أبي الحديد 3 / 16. (2) الاسرائيليات : هي الخرافات التي وضعها المنافقون من اليهود الذين أسلموا وتظاهروا بالإسلام فدسوا في الإسلام ما هو بريء منه ، وعلى رأس قائمة الوضاعين من اليهود كعب الأحبار. PageV02P165 (1) تذكرة الحفاظ 1 / 5. (2) تقييد العلم ص 50 ، وقريب منه فى طبقات ابن سعد 3 / 1 ص 206. PageV02P166 (1) سورة المائدة آية 50. (2) الحارث بن كلدة بن عمر الثقفي كان طبيبا مشهورا عند العرب وكان من الشعراء ومن شعره : PageV02P167 (1) مروج الذهب 2 / 310. (2) الزمارة : آلة من القصب يغنى بها. PageV02P168 (1) القزع : قطع السحاب المتفرقة. (2) الخردل : حب شجر معروف. PageV02P169 (1) يشير بذلك إلى ما يرويه التاريخ من أن هند قد حملت به قبل أن تتزوج أبا سفيان ، وكان زواجها به سترا عليها. وإن المتهمين بها جماعة من الأعراب. PageV02P170 (1) كشيش الأفاعي : صوت جلدها. PageV02P171 (1) الذفر : الرائحة النتنة. (2) التاج للجاحظ ص 103. PageV02P173 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 73. (2) المحاسن والمساوي للبيهقي 1 / 58. PageV02P174 (1) رجال الكشي ص 33. (2) مروج الذهب 2 / 311. PageV02P175 (1) شرح ابن أبى الحديد 4 / 71 ، الإستيعاب 1 / 552 554. PageV02P177 فلما قرأت على أبي العريان هذه الأبيات أجابه : (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 71. PageV02P178 (1) أبو بكرة : اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ، قيل اسم أبيه مسروح ، وكان عبدا للحارث ، فاستلحقه الحارث وهو أخو زياد ، وإنما لقب بأبى بكرة لأنه تدلى من حصن الطائف ببكرة إلى النبي (ص) فلذا سمى بهذا الاسم ، وارتكب جريمة هو وجماعة من أصحابه فجلدهم عمر بن الخطاب ثم تابوا ، فكان يقبل شهادتهم بعد التوبة إلا أبا بكرة فانه لم يجز شهادته ، قال ابن سعد مات بالبصرة في ولاية زياد ، وقال المدائني : مات سنة 50 هج ، وقيل مات هو والحسن (ع) في سنة واحدة ، جاء ذلك في تهذيب التهذيب 10 / 469 وجاء في الإستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 3 / 537 أن أبا بكرة أوصى بنيه حين الوفاة فقال ms923 لهم : « إن أبي مسروح الحبشي ». PageV02P179 (1) ابن أبي الحديد 4 / 70 ، الإستيعاب 1 / 550 مع اختلاف يسير. (2) نهاية الأرب فى فنون الأدب 3 / 281 وفي رواية ( ما شجيت بشيء أشد علي من قول ابن المفرغ ). PageV02P180 (1) الإصابة 1 / 563. (2) الحسن البصري : أبوه أبو يسار كان مولى لزيد بن ثابت الأنصاري ، وأمه خيرة كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي (ص) ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ، بالمدينة يقال أنه ولد على الرق ، وكان من سادات التابعين وكبرائهم ، توفى بالبصرة مستهل رجب سنة 110 ، وكان تشييعه حافلا لم يشهد له أحد نظيرا ، قال حميد الطويل توفى الحسن عشية الخميس ، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره ، وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر بالجامع ، ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم جنازته ، ولم يبق بالمسجد من يصلي العصر ، ولم يحضر ابن سيرين PageV02P181 جنازته لشيء كان بينهما ، جاء ذلك في وفيات الأعيان 4 / 124 وكان الحسن من المؤازرين لبني مروان حتى قالوا عنه : لو لا لسان الحسن وسيف الحجاج لوئدت الدولة المروانية في لحدها ، وأخذت من وكرها ، وذكر الحفاظ أنه كان مدلسا في حديثه. (1) تاريخ الطبري 6 / 157 ، تأريخ أبي الفداء 1 / 196. (2) محاضرة الأوائل ص 136. PageV02P182 (1) النصائح ص 58. (2) الطبري 6 / 123. PageV02P183 (1) البيان 1 / 95. PageV02P184 (1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 363 وذكر الزمخشري في الفائق ان رسول الله قال لسمرة انك رجل مضار لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ، وفي رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) أن رسول الله (ص) قال للأنصاري اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانه لا ضرر ولا ضرار ، وادعى فخر المحققين في الايضاح في باب الرهن تواتر هذا الحديث ، والتواتر المدعى أما اجمالي أو معنوي ، وأما اللفظى فغير حاصل نظرا لاختلاف اللفظ في نقل الحديث وقد بسطنا الكلام في هذه القاعدة في الجزء الثالث من مؤلفنا ( إيضاح الكفاية ). PageV02P186 (1) مسند أحمد بن حنبل 1 / 25 وفي رواية الزمخشري في « الفائق » قال لعن الله ms924 اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها « أي أذابوها فباعوها ». (2) أنس بن سيرين الأنصاري ولد لسنة أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان روى عن جماعة من الصحابة وروى عنه جماعة. قال ابن معين وغيره إنه ثقة وقال ابن سعد إنه ثقة قليل الحديث وقال العجلى تابعي ثقة مات سنة « 118 هج » وقيل مات سنة « 120 هج » جاء ذلك في تهذيب التهذيب « 1 / 374 ». (3) الكامل 3 / 183 الطبري 6 / 132. (4) أبو سوار العدوي : قيل اسمه حسان بن حريث وقيل حريث بن حسان وقيل منقذ روى عن أمير المؤمنين «ع» وعن الإمام الحسن وروى عنه جماعة آخرون قال ابن سعد كان ثقة وعن أبي داود انه من ثقات الناس وقال النسائي في الكنى PageV02P187 ابو السوار حسان بن حريث العدوي ثقة جاء ذلك في تهذيب التهذيب 12 / 123. (1) تأريخ الطبري 6 / 132 وغيره. (2) الكامل 3 / 183 وذكره الإمام شرف الدين في الفصول المهمة ( ص 122 ). (3) ابن أبي الحديد 1 / 363. PageV02P188 (1) شرح ابن أبي الحديد. (2) شرح ابن أبي الحديد. (3) النصائح ص 54. (4) نفس المصدر ، والعجب من البخاري حيث أخذ بأقوال سمرة واعتمد على حديثه في 8 / 138 وبموجب هذه الأعمال التي ذكرتها رواة الأثر يجب أن يعد من جملة المارقين عن الدين ولا تؤخذ رواياته وأخباره ولكن قاتل الله العصبية فانها القت الناس فى شر عظيم ، وحرفتهم عن الطريق القويم. PageV02P189 (1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 117. (2) الإستيعاب 1 / 165 العلم الشامخ ص 570. PageV02P190 (1) النصائح ص 54. (2) الكامل 3 / 194 الطبري 6 / 80 وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 120 أن بسرا التفت إلى نسوة كنانة فقال لهن : والله لهممت أن أضع فيكن السيف ، فقالت له : الناقدة لجوره : ( والله لأحب إلي إن فعلت ) ثم زحف هذا المجرم إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأن ابني عبيد الله بن العباس كانا متسترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج. PageV02P191 (1) ابن أبي الحديد 1 / 120. (2) المعارف 1 / 93 وجاء فيه أن أبا هريرة كان يقول : ( وكنيت بأبي هرة بهرة صغيرة ms925 كنت العب بها ) ولغرامه بالهرة وهيامه بحبها حدث عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ) ذكره البخاري فى صحيحه 2 / 149. (3) الإصابة 4 / 207 وذكره أبو نعيم في الحلية وابن سعد في الطبقات. (4) الصفة : موضع مظلل من مسجد النبي (ص) كان أضياف الاسلام يبيتون بها ، ذكر ذلك الفيروزآبادي في ( القاموس ) في مادة الصف. (5) صحيح البخاري 2 / 1. (6) الإصابة 4 / 204. PageV02P192 (1) الرجع والرجيع : العذرة والروث ( أميمة ) أم أبى هريرة. (2) العقد الفريد 1 / 25. PageV02P193 (1) ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة اسحاق بن نجيح وجزم ببطلانه (2) أورده الذهبى في ميزان الاعتدال في ترجمة عثمان بن خالد وعده من منكراته. (3) رواهما الخطيب البغدادي في تأريخه وأثبتهما سماحة الإمام شرف الدين من الموضوعات في كتابه ( أبو هريرة ) ص 27. PageV02P194 (1) صحيح البخاري 1 / 175. (2) ابن أبي الحديد 1 / 358. PageV02P195 (1) الكامل 10 / 183. (2) صبح الأعشى 1 / 416. (3) الطبري 6 / 134. (4) إنما سميت خطبة زياد بالبتراء لأنه لم يحمد الله فيها. PageV02P196 (1) الكامل 3 / 226. (2) سورة النجم آية 37. (3) سورة النجم آية 38. PageV02P197 (1) سورة النجم آية 39. (2) الطبري 6 / 135. (3) الطبري 6 / 135. (4) ابن أبي الحديد 3 / 15. PageV02P198 (1) الكامل 10 / 183. (2) السيادة العربية : ص 28. PageV02P199 (1) السجح : السهولة واللين. (2) خزانة الأدب 2 / 225 226. (3) الحيزوم : وسط الظهر ، الأصبحية : السياط جمع أصبح. (4) المعقول : الادراك. (5) أسأرت : أي بقيت فى الإناء بقية ، الاجفيل : الخائف. PageV02P200 (1) الخرق : الصحراء الواسعة. (2) عزين : الجماعات. (3) الماعون : أراد به الزكاة. (4) الحموض : المر المالح من النبات. (5) يحي : هو أحد السعاة الظالمين. (6) طبقات فحول الشعراء ص 439 441 ، جمهرة أشعار العرب ص 341. PageV02P201 (1) البيان والتبيان 3 / 358. (2) الطلس : الوسخ من الثياب. (3) البيان والتبيان 3 / 359. PageV02P202 (1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 18. PageV02P204 (1) أسد الغابة 4 / 31. PageV02P205 (1) سورة النساء : آية 56. (2) سورة ص : آية 26. (3) العقد الفريد 1 / 211. (4) أصول الكافى 2 / 147. PageV02P206 (1) النظام السياسي في الإسلام ص 319. (2) آس : أى شارك بين الرعية حتى في هذه الأمور البسيطة. (3) النهج محمد عبده 3 / 85. PageV02P207 (1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 180. PageV02P208 (1) رواه مسلم. (2) جامع السعادات 1 / 202. (3) نهج البلاغة PageV02P211 (1) نهج البلاغة 2 / 206. PageV02P212 (1) نهج البلاغة 1 / 151. PageV02P213 (1) عائلهم : أي محتاجهم ، مجفو : أي مطرود من البؤس والجفاء. (2) المقضم ms926 : المأكل. (3) بطيب وجوهه : أي بالحل في طرق كسبه. (4) نهج البلاغة محمد عبده 3 / 78. (5) الملفوفة : نوع من الحلواء. (6) هبلتك بكسر الباء : ثكلتك ، الهبول بفتح الهاء : المرأة لا يعيش لها ولد. (7) المختبط : من اختل نظام ادراكه ، تهجر : أي تهذي بما لا معنى له. PageV02P214 (1) جلب الشعيرة بكسر الجيم : قشرها ، وأصل الجلب : غطاء الرحل فتجوز فى اطلاقه على غطاء الحبة. (2) سبات العقل : نومه. (3) النهج محمد عبده 2 / 244. PageV02P215 (1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 182. (2) الكامل 8 / 173. PageV02P217 (1) أبو رافع : قيل اسمه ابراهيم ، وقيل أسلم ، كان قبطيا ، قيل كان ملكا للعباس فوهبه الى رسول الله (ص) ، ولما أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله باسلامه فأعتقه توفي فى خلافة عثمان ، وقيل في خلافة أمير المؤمنين ، الإستيعاب 4 / 70. (2) الكامل 8 / 173. (3) عاصم بن كليب بن شهاب الجرمى الكوفى ، روى عن جماعة من أعيان الصحابة ، وروى عنه جماعة آخرون ، قال ابن معين والنسائي : إنه ثقة ، وقال ابن شهاب : إنه من العباد ، ومن أفضل أهل الكوفة ، اتهم بالمرجئة ثم نزه من ذلك ، وعده ابن حبان في الثقات ، وقال : إنه ثقة مأمون توفى سنة 137 ه تهذيب التهذيب 5 / 55. PageV02P218 (1) الكامل 8 / 173. PageV02P219 (1) تاريخ ابن خالدون 2 / 186 ، وفي الاصابة انه لما طعن الامام بخنجر دعا عمرو بن سلمة الأرحبى وأرسله الى معاوية يشترط عليه ، وفي الكامل 3 / 205 قال لما رأى الامام الحسن تفرق الأمر عنه كتب الى معاوية ، وذكر ذلك ابن أبي الحديد 4 / 8. (2) الارشاد ص 170 ، كشف الغمة ص 154 ، مقاتل الطالبيين ص 26 (3) تذكرة الخواص ص 206 ، وذكر الحاج احمد افندي في فضائل الأصحاب ص 157 انه يمكن الجمع بين الأخبار بأن معاوية أرسل له أولا في الصلح فكتب الحسن إليه ثانيا يطلب ما ذكر ، وأجملت بعض المصادر الأمر ، فقال اليعقوبي في تأريخه 2 / 192 : لما رأى الحسن أن لا قوة به وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له صالح معاوية ، وكذا ذكر غيره. PageV02P222 (1) الفتنة الكبرى 2 / 200. PageV02P224 (1) الكامل 3 / 205 ، الطبري 6 / 93. (2) تأريخ ابي الفداء 1 / 192. PageV02P225 (1) الاستيعاب 1 / 370. PageV02P226 (1) الفصول المهمة ms927 لابن الصباغ ص 145 ، كشف الغمة للإربلي ص 170 البحار 10 / 115 ، فضائل الأصحاب ص 157 ، الصواعق المحرقة ص 81. (2) ذكرت هذه المادة في صورة المعاهدة التي ذكرناها ، وذكرها ابن ابي الحديد في شرح النهج 4 / 8. (3) البحار 10 / 115 ، النصائح الكافية ص 159 ( الطبعة الثانية ) اخذه عن فتح الباري ، وصحيح البخاري. (4) الاصابة 1 / 329 ، الطبقات الكبرى للشعراني ص 23 ، حياة الحيوان للدميري 1 / 57 ، تهذيب 2 / 229 ، تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / 199 ، ذخائر العقبى ص 139 ، الامامة والسياسة 1 / 171 ، ينابيع المودة ص 293 ، وجاء فيه ان يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. PageV02P227 (1) عمدة الطالب في انساب آل ابي طالب لجمال الحسني ص 52. (2) الدينوري ص 200 ، مقاتل الطالبيين ص 26. (3) تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 206. (4) اعيان الشيعة 4 / 43. (5) نفس المصدر. (6) مقاتل الطالبيين ص 26 ، شرح النهج 4 / 15. (7) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 144 ، ومناقب ابن شهر اشوب 2 / 167. (8) اعيان الشيعة 4 / 43 ، الطبري 6 / 97 ، علل الشرائع ص 81. (9) البحار 10 / 101 ، تأريخ دول الإسلام 1 / 52 ، الامامة والسياسة ص 200 ، تاريخ ابن عساكر 4 / 221 ، وجاء فيه ان يعطيه خراج پسا ودارابجرد. PageV02P228 (1) تأريخ دول الإسلام 1 / 53. (2) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام ص 112. (3) البحار 10 / 115 ، النصائح الكافية ص 160. (4) تأريخ الخميس 2 / 323 ، دائرة المعارف للبستاني 7 / 38. (5) تذكرة الخواص ص 206. PageV02P229 (1) تأريخ أبي الفداء 1 / 193. (2) تهذيب التهذيب 2 / 299 ، وجاء فى الاستيعاب ان الإمام سلم الأمر الى معاوية فى النصف من جمادى الاولى سنة 41 ه وكل من قال : إنه كان سنة اربعين فقد توهم ، وفي تأريخ سينا ان الامام تنازل عن الخلافة في 26 ربيع الثاني سنة 41 ه. PageV02P230 (1) الغدير 10 / 227. PageV02P231 (1) صلح الحسن ص 258. (2) دارابجرد : اراض واسعة بفارس على حدود الأهواز قد فتحها المسلمون عنوة. PageV02P235 (1) صلح الحسن ص 257. PageV02P237 (1) أسد الغابة وغيره. PageV02P240 (1) الفروج : الثغور. (2) تأريخ ابن عساكر الكبير 4 / 21. PageV02P241 (1) الارشاد ص 206 وغيره. PageV02P242 (1) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 143. (2) الفتنة الكبرى 2 / 213 وعول على الروايات المصطنعة الاستاذ محمود العقاد في أبي ms928 الشهداء. PageV02P243 (1) جريدة الساعة الغراء عددها الخاص بسيد الشهداء (ع) من السنة 4 بعدد 908 ، ونشرتها مجلة الغرى الزاهرة بعددها الخاص بالامام الحسين (ع) من السنة 9 العدد 11. PageV02P248 (1) ابن أبي الحديد 4 / 16 وذكر ان خطبة معاوية الآتية القاها في النخيلة (2) اليعقوبي 2 / 192 الارشاد 170. PageV02P252 (1) وفى رواية أبي اسحاق السبيعي : « ألا وإن كل شيء اعطيت الحسن ابن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به » ، ذكر ذلك ابن أبي الحديد فى النهج ، وقريب منه ذكره المفيد في الارشاد. (2) عبد الرحمن بن شريك النخعي الكوفي ، روى عن أبيه ، وروى عنه البخاري فى كتاب الأدب ، عده ابن حبان فى الثقات ، وقال : ربما أخطأ ، توفى سنة 227 ه جاء ذلك في تهذيب التهذيب 6 / 194. PageV02P253 (1) الارشاد ص 169. (2) جابلق : بالباء الموحدة المفتوحة واللام المسكنة ، روي عن ابن عباس أنها بأقصى المغرب واهلها من ولد عاد ، جاء ذلك في المعجم 3 / 32. (3) جابرس : مدينة بأقصى المشرق ، زعم اليهود أن أولاد نبيهم موسى عليهالسلام هربوا اما فى حرب طالوت أو في حرب بخت نصر ، فسيرهم الله وأنزلهم فى هذا الموضع فلا يصل إليهم أحد ، وقد طويت لهم الأرض وجعل عليهم الليل والنهار سواء حتى انتهوا الى ( جابرس ) فسكنوا فيها ، ولا يحصي عددهم إلا الله ، فاذا قصدهم أحد من اليهود قتلوه وقالوا : ( لم تصل إلينا حتى أفسدت سنتك ) ، وبهذا الاعتبار يستحلون دمه جاء ذلك في المعجم 3 / 33. (4) كشف الغمة ص 170. PageV02P255 (1) البحار 10 / 114. PageV02P256 (1) المناقب 2 / 167. PageV02P258 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 15 ، وذكر المسعودي في مروج الذهب 2 / 319 ، إن هذا الحديث دار بين معاوية وقيس في حياة أمير المؤمنين (ع) حينما كان قيس عاملا له على مصر. PageV02P259 (1) الكامل 3 / 207 ، الطبري 6 / 94. PageV02P260 (1) اليعقوبي 2 / 192. PageV02P261 (1) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 169. PageV02P265 (1) الدينوري ص 203. (2) المسيب بن بجبة : كوفي روى عن أمير المؤمنين (ع) وحذيفة ، وروى عنه جماعة ، خرج مع سليمان بن صرد في الطلب بثأر الحسين فقتل سنة 65 ه وقال ابن سعد : في الطبقة الأولى من أهل الكوفة ، المسيب بن نجبة بن ربيعة بن ms929 رياح ، شهد القادسية ، ومشاهد علي (ع) ، وقتل يوم عين الوردة ، وقال العسكري : روى المسيب عن النبي (ص) مرسلا وليست له صحبة ، جاء ذلك في تهذيب التهذيب 10 / 154. PageV02P266 (1) تاريخ ابن عساكر 2 / 225. (2) مالك بن ضمرة الضمري : كان معروفا بسعة العلم والفضل ، وكان ملازما للصحابي العظيم أبي ذر ، وقد أدرك النبي (ص) ، ولما حضرته الوفاة أوصى بسلاحه الى المجاهدين من بني ضمرة ، واشترط عليهم أن لا يقاتلوا به أهل البيت (ع). فقال له أخوه : يا أخي عند الموت تقول هذا؟ فقال له : هو ذاك ، ولما أقبل سيد الشهداء الى العراق وخرج أهل الكوفة لقتاله ، جاء أحد أعوان ابن زياد الى موسى بن مالك مستعيرا منه رمح أبيه ليقاتل به ريحانة PageV02P267 رسول الله ، فأعطاه إياه ، فلما خرج قالت إليه امرأة من أهله : يا موسى أما تذكر وصية أبيك ، فلما سمع بذلك طلبه حتى أخذ منه الرمح فكسره ، جاء ذلك فى الاصابة 3 / 460. (1) البحار. PageV02P268 (1) تذكرة الخواص ص 207 ، وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج والكشي فى رجاله صورة أخرى غير هذه الصورة. (2) الدينوري ص 203. PageV02P269 (1) المحاسن والمساوئ للبيهقي 1 / 60 65. PageV02P271 (1) ظبيان بن عمارة التميمي : روى عن أمير المؤمنين (ع) ذكره البخاري في الصحابة ، وذكره في التابعين ابن حاتم وابن حبان ، جاء ذلك فى الاصابة 2 / 232. وجاء في لسان الميزان 3 / 215 ان ابن حبان عد ظبيانا من الثقات وان ابن حاتم لم يذكر فيه جرحا. PageV02P276 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 6. (2) تحفة الأنام للفاخوري ص 67. (3) المسعودي على هامش ابن الأثير 6 / 97. PageV02P277 (1) دير هند : يقع بالحيرة ترهبت به هند بنت النعمان بن المنذر فسمي بها. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 / 6. (3) الكامل 3 / 208. PageV02P278 (1) تأريخ ابن عساكر ج 12 ، صورة فوتوغرافية في مكتبة الامام أمير المؤمنين. (2) شرح ابن أبي الحديد 1 / 364. PageV02P280 (1) يراجع ص 175. PageV02P283 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 72. (2) حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري ، كان يقال له حبيب الروم لكثرة دحوله إليهم ونيله منهم ، وكان من خلص أصحاب معاوية ولم يفارقه في حروبه بصفين وغيرها ، وجهه معاوية ms930 واليا الى أرمينية فمات بها سنة 42 ه جاء ذلك فى الإستيعاب 1 / 327. PageV02P284 (1) سورة التوبة : آية 102. (2) سورة المطففين : آية 13. (3) أحكام القرآن للرازي 3 / 181 ، وزهر الآداب لأبي اسحاق 1 / 55. PageV02P285 (1) كانت سنة رسول الله (ص) في مهر أزواجه وبناته اربعمائة درهم. (2) كذا فى الأصل ، ولعل المراد ان الخلافة تابعة للنبوة والنبوة قائدة لها. PageV02P286 (1) مقتل الحسين للخوارزمى 1 / 124 ، وجاء في مجمع الزوائد 4 / 278 عن معاوية بن خديج قال : أرسلني معاوية بن أبي سفيان الى الحسن بن على أخطب على يزيد بنتا له أو أختا له فأتيته فذكرت له يزيد فقال : إنا قوم لا نزوج نساءنا حتى نستأمرهن ، فأتيتها فذكرت لها يزيد فقالت : والله لا يكون ذلك حتى يسير فينا صاحبك كما سار فرعون فى بني اسرائيل يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، فرجعت الى الحسن فقلت له : أرسلتني الى قلقة تسمي أمير المؤمنين فرعون ، قال (ع) : يا معاوية إياك وبغضنا ، فان رسول الله (ص) قال : لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا زيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار. PageV02P287 (1) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 196. (2) الظنوب : العظم اليابس من الساق. PageV02P288 (1) البعير الشارف : المسن الهرم. PageV02P289 (1) المكاسب للشيخ الأنصاري وقد بسط الكلام في هذه الجهة. PageV02P294 (1) تأريخ ابن عساكر ، مشارق الأنوار ، نور الأبصار. (2) جامع أسرار العلماء مخطوط بمكتبة كاشف الغطاء العامة. PageV02P295 (1) أعلام الزركلى 2 / 215. PageV02P296 (1) روضة الواعظين لأبي علي النيسابوري. PageV02P297 (1) وروي قصدت إلي تشتمنى. (2) وروي فما لك من أب. (3) وروي ابن هند. (4) وروي ولا مثلي تجاريه العبيد. (5) المحاسن والأضداد للجاحظ ص 95 ، والمحاسن والمساوى للبيهقي 1 / 62 ، شرح ابن أبي الحديد 2 / 102 ، جمهرة الخطب 1 / 428. PageV02P298 (1) وفي رواية ويعلم صحته. (2) سورة المائدة : آية 87. PageV02P304 (1) سورة السجدة : آية 18. (2) سورة الحجرات : آية 6. PageV02P307 (1) سورة بني اسرائيل آية 16. PageV02P309 (1) ابن أبي الحديد 2 / 101. (2) غرب منطقه : أي في حدة منطقه. (3) البواذخ : جمع مفرده البذخ بالتحريك : الفخر والتطاول. (4) الخيم : الطبيعة والسجية. PageV02P310 (1) ويروى رمين بالأبعار. (2) هكذا جاء في الأصل والأصح ، ولكن كيف تساوينا. (3) أديما صحيحا : أي نسبا صحيحا. PageV02P312 (1) السهوب : جمع ، مفرده سهب ، وهو الأرض البعيدة. (2) النحيزة ms931 : الطبيعة. PageV02P314 (1) أراد (ع) بذلك عائشة زوج النبي (ص). (2) المحاسن والمساوى للبيهقي 1 / 58 61 ، والمحاسن والأضداد للجاحظ 92 94. PageV02P316 (1) الخرق ( بالضم ) ضعف الرأي ، سوء التصرف ، الجهل. (2) البخر : الرائحة الكريهة في الفم. (3) الأصداغ : جمع ، مفرده صدغ ( بالضم ) وهو ما بين العين والأذن أو الشعر المتدلى على هذا الموضع. PageV02P317 (1) وفيات الأعيان 4 / 121. (2) الحالك : شدة السواد. (3) العائط : الناقة. (4) الأثافي : الأحجار التي توضع عليها القدور. (5) السلعة : المتاع وما يتاجر به ، وباعتبار تقلب الأيدي عليها فهي فى عراك. PageV02P318 (1) الكاشح : هو الذي يضمر العداء في نفسه للغير. (2) الروغان : الحيلة والمكر. (3) المحاسن والمساوي 1 / 65. (4) الغرقئ : القشرة المتصلة ببياض البيض ، أو بياض البيض الذي يؤكل. (5) الوعث : الأمر الشاق. PageV02P319 (1) الغميزة : ضعف العقل أو العمل. (2) المشاشة : الأرض اللينة كنى (ع) بذلك عن مقدرته وحزمه. (3) شرح ابن ابى الحديد 4 / 10 المحاسن والمساوى. PageV02P320 (1) المحاسن والمساوى 1 / 63 65. PageV02P322 (1) شرح ابن ابي الحديد 4 / 4. PageV02P323 (1) المحاسن والمساوى 1 / 62. PageV02P324 (1) مروج الذهب 2 / 309. PageV02P325 (1) سورة بني إسرائيل : آية 34. (2) سورة الأنفال : آية 72. PageV02P328 (1) شرح ابن ابي الحديد 4 / 16. PageV02P329 (1) ديوان الرصافى ص 589. (2) مستدرك الحاكم 3 / 121 ، ذخائر العقبى ص 66. PageV02P330 (1) مسند الامام أحمد بن حنبل 3 / 483 ، أسد الغابة 4 / 113 » وجاء في مجمع الهيثمي 9 / 129 عن سعد بن أبي وقاص قال كنت جالسا في المسجد أنا ورجلين معي ، فنلنا من علي فأقبل رسول الله (ص) غضبان يعرف فى وجهه الغضب ، فتعوذت بالله من غضبه ، فقال (ص) : مالكم ومالي؟ من آذى عليا فقد آذاني ، وفي ذخائر العقبى ص 65 عن عمرو بن شاس الأسلمي قال : قال رسول الله (ص) : « من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن آذى عليا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ». (2) الصواعق المحرقة ص 33. PageV02P331 (1) شرح ابن أبي الحديد 3 / 361. (2) النصائح الكافية ص 72 نقله عن أبي عثمان الجاحظ فى كتاب « الرد على الإمامية ». (3) شرح ابن أبي الحديد 3 / 15 ومن الخير أن نذكر موقف أمير المؤمنين وولده الحسن من سب معاوية فقد جاء في شرح النهج 1 / 420 أن أمير المؤمنين 7 سمع ms932 قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام صفين فنهرهم ونهاهم وقال لهم : « إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب فى القول وأبلغ فى العذر ، وقلتم مكان سبكم إياهم اللهم احقن دماءنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به ». وأما موقف الإمام الحسن من سب معاوية فقد جاءه رسول معاوية فلما رأى الرسول هيبة الإمام وعظمته قال له : « أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم ». فنهره الإمام وقال له : « رفقا لا تخن من ائتمنك ، وحسبك أن تحبني لحب رسول الله (ص) ولأبي وأمى ، ومن الخيانة أن يثق بك قوم وأنت عدو لهم وتدعو عليهم » الملاحم والفتن ص 143. PageV02P332 (1) تطهير الجنان واللسان ص 142. (2) شرح ابن أبي الحديد 1 / 361. (3) المسعودي على هامش ابن الأثير 6 / 99. (4) مقتل الحسين للمقرم ص 198. (5) شرح ابن أبي الحديد 3 / 476. (6) خالد بن عبد الله القسري كان امير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك وكانت أمه نصرانية فبنى لها كنيسة تتعبد بها وفي ذلك يقول الفرزدق فى هجائه : PageV02P333 (1) النصائح ص 80. (2) النصائح ص 79. PageV02P334 (1) النصائح الكافية وشرح ابن أبي الحديد 1 / 356. (2) معجم البلدان. (3) سورة الحشر : آية 10. PageV02P335 (1) سورة النحل : آية 90. (2) الغدير 10 / 266 وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 356 ان عمر حدث عن السبب في تركه لسب أمير المؤمنين قال : كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود فمر بي يوما وأنا العب مع الصبيان ونحن نلعن عليا فكره ذلك ودخل المسجد فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردى فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عني حتى أحسست منه بذلك فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له ما بال الشيخ؟ فقال لي أنت اللاعن عليا منذ اليوم؟ قلت نعم قال فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضى عنهم؟ فقلت له يا أبت وهل كان علي من أهل بدر؟ فقال ms933 ويحك وهل كانت بدر كلها إلا له ، فقلت له لا أعود ، فقال بالله عليك لا تعود فقلت له نعم وقال كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة وهو حينئذ أمير المدينة فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي (ع) فيجمجم ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوما يا أبت أنت أفصح الناس ، وأخطبهم فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عييا ، فقال يا بني لو علم من تحت منبرنا من PageV02P336 أهل الشام وغيرهم فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد ، فقال عمر فوقرت كلمته فى صدري مع ما قال لي معلمي أيام صغرى فأعطيت الله عهدا لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه فلما من الله علي بالخلافة اسقطت ذلك ، وجاء فى « الاسلام بين السنة والشيعة » ص 25 أن عمر بن عبد العزيز لما ألغى سب أمير المؤمنين خطب بعض الخطباء بجامع « حران » ولما ختم خطابه لم يسب أمير المؤمنين فتصايح الناس من كل جانب ويحك السنة السنة ، تركت السنة وذكرت بعض للصادر ان جميع الحضر الاسلامية تركت سب أمير المؤمنين بعد تحريم عمر بن عبد العزيز له سوى أهل حمص فإنهم أصروا على ذلك. (1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 357. PageV02P337 (1) الترغيب والترهيب 3 / 394 ، وفيض القدير 4 / 84. (2) صحيح الترمذي. PageV02P338 (1) مروج الذهب 2 / 317 ، وذكره ابن كثير فى تاريخه ، ومسلم فى صحيحه ، والترمذي في صحيحه مع اختلاف يسير بين الروايات ، وذكر المسعودي جواب معاوية لسعد ما يقبح التصريح به رأينا من المناسب تركه. (2) العقد الفريد 3 / 127 ، وجاء فى مستدرك الصحيحين 1 / 121. PageV02P339 (1) مروج الذهب 2 / 299 ، الرياض النضرة 2 / 166. PageV02P340 (1) شرح النهج ابن ابى الحديد 3 / 15 ، وسليم بن قيس. PageV02P342 (1) العقد الفريد 2 / 144 ، المستطرف 1 / 54 ، ثمرات الأوراق ص 59. (2) كثير بن كثير بن المطلب بن ابي وداعة القرشي السهمي ، روى عن ابيه ms934 وعن سعيد بن جبير وجماعة ، وروى عنه جماعة آخرون ، قال ابن سعد كان شاعرا قليل الحديث ، وقال احمد وابن معين إنه ثقة ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، جاء ذلك فى تهذيب التهذيب 8 / 426. وذكره المرزباني في معجم الشعراء 2 / 348 وقال إن السبب في نظمه لهذه الأبيات انه سمع عبد الله بن الزبير يتناول اهل البيت فنظمها ، وقيل إن السبب في نظمها ان هشام بن عبد الملك كتب الى عامله بالمدينة أن يأخذ الناس بسب امير المؤمنين فمن اجل ذلك نظم كثير هذه الأبيات. PageV02P343 وذكر ابن أبي الحديد هذه الأبيات ونسبها الى عبد الله بن كثير السهمي وهو اشتباه إذ لم يوجد في كتب التراجم هذا الاسم ، والموجود كثير بن كثير ، وان هذه الأبيات له. (1) شرح ابن أبي الحديد 3 / 475. (2) الاصابة 1 / 89 ، أسد الغابة 1 / 134. PageV02P344 (1) الأغاني 6 / 2 ، شرح ابن أبي الحديد 1 / 360. (2) الطبري 6 / 96. PageV02P345 (1) شرح ابن أبي الحديد 3 / 15. PageV02P347 (1) نفس المصدر. (2) الخب : الخداع. (3) الهاشميات. (4) الوصي : هو الإمام أمير المؤمنين. (5) أي لا مثيل له. PageV02P348 (1) الكامل للمبرد ص 545. (2) البيان والتبيين 3 / 360. PageV02P349 (1) الاصابة 1 / 313. PageV02P350 (1) الدحس : الافساد. (2) الصعر : الميل الى احد الشقين. (3) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي أمه فروة أخت أبي بكر قيل ولد على عهد رسول الله (ص) وهذا لا يصح لأن الأشعث تزوج بفروة في خلافة أبي بكر ، ولاه ابن الزبير الموصل ، وقتله المختار سنة 66 ، وقيل سنة 70 جاء ذلك في تهذيب التهذيب 9 / 64. PageV02P353 (1) الخورنق والسدير : قصران يقعان بالقرب من الحيرة بناهما النعمان ابن امرئ القيس ، ويقال : ان السبب فى بنائهما ان يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد فسأل عن مكان صحيح الهواء فذكروا له ظهر الحيرة ، فدفع ابنه بهرام الى النعمان وامره ببناء الخورنق فبناه في عشرين سنة ، وكان الباني له رجل يسمى سنمار جاء ذلك في نهاية الارب 1 / 372. (2) مروج الذهب 2 / 307 ، وقيل ان الأبيات الى هند بنت زيد الأنصارية ترثي بها حجرا ، وكانت تتشيع. (3) الكامل 3 / 192 ، وذكر ابن حجر في ms935 الاصابة ان حجرا هو الذي فتح مرج عذراء واخيرا كانت شهادته بها. PageV02P355 (1) الزجر : الحدس. PageV02P356 (1) الكامل 3 / 192. (2) الاستيعاب 1 / 256. PageV02P357 (1) موضع قريب من الكوفة. (2) الطبري 6 / 155. PageV02P359 (1) الطبري 4 / 198 ، الكامل 3 / 139. PageV02P361 (1) تاريخ الطبري 6 / 149. (2) نفس المصدر. PageV02P362 (1) البحار 10 / 149. (2) الطبري 6 / 156. PageV02P364 (1) البداية والنهاية 8 / 55 ، الاصابة 1 / 314. (2) الاستيعاب 1 / 357. (3) الربيع بن زياد بن أنس الحارثي البصري كان عاملا لمعاوية على خراسان وكان كاتبه الحسن البصري ، روي عن أبي بن كعب ، وعن جماعة وروى عنه قوم ، توفي سنة 51 ، جاء ذلك في تهذيب التهذيب 3 / 43 ، وجاء في الاصابة 1 / 491 ، ان الربيع وفد على عمر بن الخطاب فقال له : يا أمير المؤمنين والله ما وليت هذه الأمة إلا ببلية ابتليت بها ، ولو أن شاة ضلت بشاطئ الفرات لسئلت عنها يوم القيامة ، فبكى عمر حينما سمع منه هذا الكلام. PageV02P365 (1) الكامل 3 / 195. (2) ذكرنا حديثه بكامله مع ترجمته فى فصول هذا الكتاب. (3) الاصابة 1 / 314. PageV02P366 (1) معاوية بن خديج بن جفنة السكوني ، وقيل الكندي : هو الذي قتل العبد الصالح الطيب محمد بن أبي بكر بأمر ابن العاص ، وقد غزا افريقية ثلاث مرات ، جاء ذلك في الاستيعاب 3 / 389. (2) الطبري 6 / 156. PageV02P367 (1) التعليقات على منهج المقال ص 140. PageV02P368 (1) سفينة البحار 1 / 522 ، وقال الحافظ الذهبي في التذكرة قتل زياد رشيدا الهجري لتشيعه ، فقطع لسانه وصلبه. (2) الاصابة 2 / 526. (3) سفينة البحار 2 / 360. PageV02P369 (1) التعليقات ص 246. PageV02P370 (1) المشاقص : جمع مفرده مشقص النصل العريض ، أو سهم فيه نصل عريض. (2) تاريخ الطبري. (3) الاستيعاب 2 / 517. PageV02P371 (1) أعلام النساء 1 / 4. (2) التعليقات ص 246. PageV02P373 (1) الكامل 3 / 183. PageV02P374 (1) النصائح ص 60. (2) ابن أبي الحديد وقريب منه جاء في التعليقات ص 366. (3) لتعتلن : أي لتجذبن. (4) الكافر : القصير. PageV02P375 (1) شرح ابن أبي الحديد. (2) التعليقات ص 366. (3) الخميس : اسم من أسماء الجيش سمي به لأنه قد قسم الى خمسة أقسام المقدمة والميمنة والميسرة والقلب والساقة ، وقيل : إنما سمى به لأن الغنائم تخمس فيه جاء ذلك فى نهاية ابن الأثير ، وذكرت بعض المصادر أن شرطة الخميس كانوا معروفين بالثقة والعدالة حتى كانت شهادة أحدهم تعدل شهادة رجلين. (4) التعليقات ص 214. (5) البحار 10 / 102. PageV02P376 (1) اعيان الشيعة 4 ms936 / 46. (2) شرح ابن أبي الحديد 3 / 15 ، ذخيرة الدارين ص 19. PageV02P377 (1) رجال الكشي ص 47. PageV02P379 (1) النطاف : الماء القليل. (2) العقائق : سهام الاعتذار. والرصاف : الحجارة التي توضع عند مسيل الماء .. (3) اللهازم : جمع مفرده لهزم وهي الأنياب. والشدقم : الأسد. PageV02P381 (1) تخفق : أي تضطرب. (2) الاصلاء : أواسط الظهر. (3) جحظ عقله : أي نظر الى رأيه فرأى سوء ما ارتأى. PageV02P382 (1) مروج الذهب 2 / 312 314 ، وشرح ابن أبي الحديد. PageV02P383 (1) الفوائد المطبوع على هامش التعليقات ص 202. (2) نفس المصدر. PageV02P384 (1) الضمير يرجع الى مرج عذراء. (2) تغشمرا : أي أخذ قهرا وظلما. PageV02P385 (1) الطبري 6 / 157 ، الكامل 3 / 241. (2) الاستيعاب 2 / 189. (3) التعليقات ص 183. PageV02P386 (1) التعليقات. (2) مروج الذهب 2 / 342. PageV02P387 (1) تاريخ ابن عساكر 6 / 425. PageV02P389 (1) أصل هذا المثل ( لا حاء ولا ساء ) ومعناه أنه ليس لك فيه أمر ولا نهي ، جاء ذلك في مجمع الأمثال 2 / 158. (2) مروج الذهب 2 / 341. PageV02P390 (1) رجال الكشي ص 46. (2) المرزباني : بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاء وفتح الباء الموحدة وهو جد من انتسب إليه من الأعيان جاء ذلك في اللباب 3 / 124 ، وجاء فى وفيات الأعيان 3 / 443 ، أن لفظ المرزبان لفظ فارسي معناه صاحب الحد ، فان مرز معناه الحد وبان معناه صاحب ، وهو في الأصل عندهم اسم لمن كان دون الملك. (3) الاصابة 2 / 192. PageV02P391 (1) الطرفات : أولاد عدي وهم طريف وطارف وطرفة. (2) الحيزوم : وسط الظهر. (3) مروج الذهب 2 / 309. PageV02P392 (1) المحاسن والمساوي 1 / 32. PageV02P393 (1) وفي رواية ابن عبد ربه ( ما كان أهونك على أهلك إذ سموك معاوية ) وهي الأنثى من الكلاب. (2) وفي رواية ابن عبد ربه أمي ولدتني للسيوف. PageV02P394 (1) تأريخ الخلفاء ص 199. PageV02P395 (1) الزف : الصغير من الريش. PageV02P396 (1) بلاغات النساء لطيفور طبع النجف ص 32 صبح الأعشى ، المستطرف. PageV02P397 (1) جمل أرمك : أي لونه كلون الرماد. PageV02P398 (1) اعلام النساء 1 / 332 ، بلاغات النساء ص 36 صبح الأعشى. PageV02P400 (1) أعلام النساء 2 / 663 ، العقد الفريد 1 / 211 ، بلاغات النساء ص 30. PageV02P403 (1) بلاغات النساء ص 75 ، وصبح الأعشى. PageV02P404 (1) بلاغات النساء ص 34 ، عقد الفريد. PageV02P406 (1) بلاغات النساء ص 27 ، العقد الفريد 1 / 219. (2) الكنى والألقاب 1 / 8. PageV02P410 (1) بلاغات النساء ص 70 ، العقد الفريد 1 / 215 ، صبح الأعشى. PageV02P412 (1) وفي العقد الفريد : رأيته والله لم يفتنه الملك ms937 الذي فتنك ، ولم تشغله النعمة التي شغلتك. (2) بلاغات النساء ص 72 ، العقد الفريد 1 / 216 ، صبح الأعشى 1 / 259. PageV02P414 (1) سليم بن قيس. PageV02P416 (1) العدالة الاجتماعية ص 180. (2) النصائح ص 39. (3) ملحمة الغدير ص 227. PageV02P417 (1) تأريخ ابن عساكر 7 / 372 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 81. (2) البداية والنهاية 8 / 216 ، الكامل لابن الأثير 4 / 45. (3) تاريخ ابن عساكر 7 / 28. (4) صبح الأعشى 6 / 388. PageV02P418 (1) العقد الفريد 2 / 302. (2) تاريخ الطبري 6 / 270 ، العقد الفريد 2 / 302. (3) من موبقات المغيرة انه أول من رشى في الإسلام كما يروي ذلك البيهقي وغيره ، ومن جرائمه انه الوسيط في استلحاق زياد بمعاوية ، وهو صاحب الدعوة الى البيعة ليزيد ، PageV02P419 (1) تأريخ الطبري 6 / 169 ، الكامل لابن الأثير 3 / 214 ، وكان قدوم المغيرة على معاوية في سنة 45 ، ففي هذه السنة عمل معاوية مقدمات البيعة لولده. PageV02P421 (1) فررنا : أي بحثنا وفتشنا. PageV02P425 (1) الفقع : بالفتح والكسر ، البيضاء الرخوة من الكماة. PageV02P426 (1) الامامة والسياسة 1 / 174 180. PageV02P427 (1) تاريخ ابن خلكان 1 / 230 ، التمدن الإسلامى 4 / 76 77. (2) مروج الذهب 2 / 339. PageV02P428 (1) مروج الذهب 2 / 330. PageV02P429 (1) سنن البيهقي 8 / 159 ، تأريخ ابن كثير 8 / 137 ، فتح الباري 13 / 59. (2) الامامة والسياسة 1 / 180 183 ، جمهرة الخطب 2 / 233 236. PageV02P433 (1) الإمامة والسياسة 1 / 188 190. PageV02P435 (1) الإمامة والسياسة 1 / 195 196. PageV02P437 (1) الكامل لابن الأثير وغيره. (2) الإمامة والسياسة. PageV02P438 (1) الإستيعاب 4 / 370. (2) شرح الشفاء لعلي القاري 1 / 208. PageV02P442 (1) وسائل الشيعة 15 / 267 268. PageV02P444 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 8. (2) ميزان الاعتدال 3 / 138 ط دار احياء الكتاب العربية. (3) لسان الميزان 4 / 252. (4) ميزان الاعتدال 3 / 139. (5) لسان الميزان 4 / 253 ، معجم الأدباء 12 / 126. PageV02P445 (1) لسان الميزان 4 / 386. (2) معجم الأدباء 14 / 124 ، وفى لسان الميزان 4 / 253 انه مولى لعبد الرحمن بن سمرة. (3) نور الأبصار ص 111. (4) البحار 10 / 137. (5) المناقب 2 / 246. PageV02P446 (1) قوت القلوب 2 / 246. (2) البداية والنهاية 11 / 319 ، لسان الميزان 5 / 300 ، الكنى والألقاب 1 / 106 ، المنتظم لابن الجوزي 7 / 190. PageV02P447 (1) المحبر ص 57. PageV02P449 (1) البحار (2) البداية والنهاية 8 / 38 ، المسالك للشهيد الثاني. PageV02P450 (1) مروج الذهب 3 / 226. PageV02P451 (1) صبح الأعشى 1 / 233 ، جمهرة رسائل العرب 3 / 92. PageV02P452 (1) دائرة المعارف 7 / 400. PageV02P453 (1) تاريخ ابن عساكر 4 / 216. PageV02P454 (1) الأمالي للزجاج ص 7. PageV02P455 (1) الدر المنثور ص 187 ، وعمدة الطالب ms938 ص 73. PageV02P456 (1) مقاتل الطالبيين ص 33 وغيره. PageV02P457 (1) الأذكياء لابن الجوزي ص 27. (2) تأريخ ابن عساكر 4 / 216. PageV02P458 (1) الاستيعاب 3 / 204. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 / 8 ، وقد ذكر اسماء هذه النسوة. (3) الارشاد. PageV02P459 (1) النفحة العنبرية. (2) زينب ، والزينبات للعبيدلي ، اتعاض الحنفا في أخبار الخلفاء للمقريزي المجدي ، وقد نص على أسمائهم فالذكور : زيد ، والحسن ، والحسين الأثرم ، وطلحة ، واسماعيل ، وعبد الله ، وحمزة ، ويعقوب ، وعبد الرحمن ، وأبو بكر ، وعمر. وأما الاناث : أم الخير ، ورملة ، وأم الحسن ، وأم سلمة ، وأم عبد الله. وجاء فيه أن زيدا ، وأم الخير ، وأم الحسن أمهم خزرجية ، وأم الحسن خولة بنت منظور الفزارية ، وزوجه عمه الحسين بنته فاطمة ، وعمر أمه أم ولد ، والحسين أمه أم ولد ، وطلحة أمه من تيم قرشية ، وذكر ان عبد الرحمن بن الامام الحسن مات محرما بالأبواء فكفنه عمه الحسين ولم يحنطه ولا غطى وجهه. (3) سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري. (4) تذكرة الخواص لابن الجوزي ، (5) الحدائق الوردية ص 107. PageV02P460 (1) تاريخ الطبري 6 / 269. (2) الحدائق الوردية ص 107. PageV02P461 (1) تاريخ الطبري 6 / 259. (2) اللهوف ص 68. (3) البحار 10 / 180. (4) طبقات ابن سعد 5 / 34. PageV02P462 (1) البحار 10 / 234. (2) الحدائق الوردية ص 107. (3) البحار 10 / 138 ، تنقيح المقال 1 / 272. (4) عمدة الطالب ص 78. PageV02P463 (1) البحار 10 / 173. (2) مروج الذهب 2 / 353 ، وقيل إن معاوية بعث لها عشرة آلاف دينار وأقطعها ضياعا من سواد الكوفة جاء ذلك فى تحف العقول ص 391. (3) اعيان الشيعة 4 / 78. PageV02P467 (1) تحف العقول ص 391. (2) أعيان الشيعة 4 / 76. (3) مروج الذهب 2 / 303. (4) شرح ابن أبي الحديد 4 / 17 ، تأريخ الدول الاسلامية 1 / 53 ، تذكرة الخواص ص 222 ، الاستيعاب 1 / 374 ، النصائح الكافية ص 62 تأريخ أبي الفداء 1 / 194 ، وهذه المصادر كلها لأبناء السنة والجماعة وقد عزت قتل الامام الى معاوية ، وبهذا يتضح فساد ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أن الشيعة هي التي روت أن معاوية قد سم الامام كما انه يتضح فساد ما ذكره PageV02P468 الدكتور فيليب حتى في كتابه ( العرب ) ص 79 ما نصه : « وأما الشيعة فتعزوا مقتله يعني الحسن الى معاوية وتجعل الحسن شهيدا لا بل سيد الشهداء أجمعين » وقد استقى الدكتور قوله من ms939 ابن خالدون ولم يتتبع بقية المصادر ليطلع على جلية الحال وهذا دليل على فقدان المستشرقين للتحقيق العلمي وعدم تركيز بحوثهم على المنطق والدليل. (1) تاريخ أبي الفداء 1 / 193 ، نور الأبصار ص 112 ، تأريخ ابن الوردي 8 / 43 ، وعند اين كثير ان هذا ليس بصحيح من يزيد فضلا عن معاوية ولم يبين مدرك عدم الصحة وما سبب ذلك إلا العصبية الهوجاء وإلا فما يمنع يزيد من ذلك وهو الذي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين وأباح عاصمة الرسول لجنده ثلاثة أيام ، وزنى بعمته أم الحكم. (2) تأريخ ابن خالدون 2 / 187 ، واستند عبد المنعم فى كتابه التأريخ السياسي 2 / 20 ، الى قول ابن خالدون فقال فى معرض حديثه عن وفاة الامام : « ولكنا نستبعد قيام معاوية بذلك ». PageV02P469 (1) عقيدة الشيعة ص 90 ، وذكر عين هذا المعنى لامنس في دائرة المعارف الإسلامية 7 / 400 PageV02P470 (1) روضة الشهداء ص 107. (2) الزج : الحديدة في أسفل الرمح. (3) البدء والتاريخ 6 / 5 ط باريس. (4) تاريخ الإسلام السياسي 1 / 398 ، وذكر قريب من ذلك محمد أسعد طلس في كتابه تاريخ الأمة العربية ص 9 وص 16 ، فقال : « وغادر الحسن بعد الصلح الى المدينة ، ولم يلبث أكثر من شهرين حتى مات ». PageV02P471 (1) دائرة المعارف للبستاني 7 / 38 ، شرح ابن أبي الحديد 4 / 4. (2) حياة الحيوان للدميري 1 / 53 ، وقيل انه مكث يومين بعد التسمم لا غير ، جاء ذلك فى تحف العقول ص 391. (3) الاستيعاب 1 / 374. PageV02P472 (1) البداية والنهاية 8 / 43. PageV02P473 (1) أعيان الشيعة 4 / 85. (2) صفة الصفوة 1 / 320 ، البداية والنهاية 8 / 42. (3) لقد نصت الرواية على تقدير ثبوتها ان السم أثر في كبد الإمام عليهالسلام حتى قاء بعضا منه ، وقد تحقق في الطب الحديث ان السم لا يوجب قيء الكبد ، وإنما يحدث التهابا بالمعدة ، وتهيجا في الأمعاء إذا كان التسمم حادا وإذا كان غير حاد فإنه يؤدي الى هبوط فى ضغط الدم ، والى التهاب في الأعصاب وقد يؤدي فى أحوال نادرة الى التهاب كبدي وغير ذلك من العوارض التي نص عليها الأطباء المختصون في الطب العدلي ، وقد يتوهم ان هذا ms940 يتصادم مع ما جاء في الرواية وهو مدفوع فان الكبد فى الاستعمالات العربية يطلق على الجهاز الخاص PageV02P474 في الجانب الأيمن الذي يفرز الصفراء ، كذلك يطلق على ما فى الجوف بكامله كما جاء في القاموس 1 / 332 ، وفى تاج العروس 2 / 481 ما نصه : وربما سمي الجوف بكامله كبدا حكاه ابن سيده عن كراع انه ذكره فى المنجد وأنشد : (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 17. PageV02P475 (1) البحار 10 / 123. (2) أمالي الصدوق ص 133 ، PageV02P476 (1) أعيان الشيعة 4 / 79 ، أمالي الصدوق ، عيون المعجزات للسيد المرتضى مرآة العقول 1 / 226. PageV02P477 (1) الاستيعاب 1 / 375 ، تاريخ الخميس 2 / 227. PageV02P478 (1) سورة البقرة آية 109. PageV02P479 (1) محمد بن الحنفية ص 52. (2) الأخبار الطوال ص 203. PageV02P480 (1) تذكرة الخواص ص 23 ، تاريخ ابن عساكر 4 / 226 ، حلية الأولياء 2 / 38 ، صفة الصفوة 1 / 320. (2) اختلف المؤرخون في السنة التي توفى فيها الإمام فقيل سنة 49 هج ، ذهب الى ذلك ابن الأثير ، وابن حجر في تهذيب التهذيب ، وقيل سنة 51 هج ، ذهب الى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه ، وابن قتيبة فى الإمامة والسياسة ، وقيل غير ذلك ، وأما الشهر الذي توفي فيه فقد اختلف فيه أيضا ، فقيل في ربيع الأول لخمس بقين منه ، وقيل في صفر لليلتين بقيتا منه ، وقيل يوم العاشر من المحرم يوم الأحد سنة 45 من الهجرة ، كما في المسامرات ص 26 ، والمشهور عند الشيعة انه توفى في صفر في السابع منه إذ تقام فيه مراسيم الذكرى له ، وقد ذكر السيد مهدي الكاظمي في دوائر المعارف ص 23 تفصيل الأقوال في وفاته. PageV02P481 (1) تهذيب التهذيب 2 / 301 ، تاريخ ابن عساكر 4 / 227. (2) أعيان الشيعة 4 / 80. (3) تاريخ ابن عساكر 8 / 228. PageV02P482 (1) الاصابة 1 / 330. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 / 18. (3) تاريخ الخميس 2 / 323. PageV02P483 (1) ذكر فريق كبير من المؤرخين منع عائشة لدفن الامام الحسن بجوار جده منهم ابن أبي الحديد فى شرح النهج 4 / 18 ، والسبط الجوزي فى تذكرة الخواص ص 223 ، واليعقوبي في تاريخه 1 / 200 ، وأبو الفداء فى تاريخه 1 / 192 ، وأبو علي النيسابوري فى روضة الواعظين ص 143 ، وأبو الفرج فى مقاتل الطالبيين ms941 ص 52 ، وجاء أيضا في الخرائج والجرائح ص 23 ، وفي روض المناظر ، وفي البحار. PageV02P485 (1) ذكرنا الأحاديث الواردة من النبي (ص) التي أجمع عليها المسلمون في حق الإمام الحسن في الحلقة الأولى من هذا الكتاب. (2) الدرة الثمينة فى تاريخ المدينة ص 404. PageV02P486 (1) طبقات ابن سعد 8 / 50. (2) عائشة والسياسة ص 218. PageV02P487 (1) اعلام الورى في اعلام الهدى ص 126. (2) تأريخ اليعقوبي 2 / 200. (3) روضة الواعظين ص 143 ، أعيان الشيعة 4 / 81 ، وابن عباس ليس هو حبر الأمة عبد الله فانه كان في دمشق ، بل المراد هو أحد ولد العباس أما عبيد الله أو غيره. PageV02P488 (1) أعيان الشيعة 4 / 81 ، وجاء قريبا منه فى مستدرك الحاكم 3 / 171 وجاء فى تاريخ ابن عساكر ان محرز بن جعفر روى عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن علي : قاتل الله مروان ، قال : والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، وقد دفن عثمان فى البقيع ، فقلت : يا مروان اتق الله ، ولا تقل لعلي إلا خيرا ، أشهد لقد سمعت رسول الله (ص) يقول : يوم خيبر لأعطي الراية رجلا يحبه الله ورسوله ليس بفرار ، وأشهد سمعت رسول الله يقول في حسن : « اللهم إني أحبه فأحبه ، وأحب من يحبه ». قال مروان : إنك والله أكثرت على رسول الله ، فلا نسمع منك ما تقول ، فهل غيرك يعلم ما تقول؟ قال : قلت : هذا أبو سعيد الخدري ، فقال مروان : لقد ضاع حديث رسول الله ، حين لا يرويه إلا أنت وأبو سعيد الخدري والله ما أبو سعيد الخدري إلا غلام ، ولقد جئت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله بيسير فاتق الله يا أبا هريرة ، قال : قلت : نعم ما أوصيت به ، وسكت عنه. (2) تاريخ ابن عساكر الجزء الثاني عشر صورة فوتغرافية بمكتبة الإمام أمير المؤمنين. PageV02P489 (1) وذهب مؤرخو الشيعة أن عائشة أمرت بني أمية برمي جنازة الحسن فرموها حتى استل منها سبعون سهما ذكر ذلك في ناسخ التواريخ وغيره ، ويؤيده ما جاء في تاريخ ابن عساكر ج 12 « وانتهى الحسين الى قبر النبي ms942 (ص) فقال : احفروا هاهنا ، فسكت عنه سعيد بن العاص وهو الأمير ولم يحل بينه وبينه ، وصاح مروان في بني أمية فلبسوا السلاح ، وقال مروان : لا كان هذا أبدا فقال له الحسين : يا ابن الزرقاء مالك ولهذا أو أولى أنت به؟!!. قال مروان : لا كان هذا ولا يخلص إليه وأنا حي ، وصاح بحلف الفضول فاجتمعت هاشم ، وتيم ورهن أسد و... وقد لبسوا السلاح ، وعقد مروان لواء وعقد الحسين لواء ، فقال الهاشميون : يدفن مع النبي (ص) حتى كانت بينهم المراماة في النبل. الخ. » PageV02P490 (1) كفاية الطالب ص 268 وغيره. (2) الأسى : بضم أوله وكسره ، جمع أسوة بالضم والكسر ، وهو ما يتعزى به. (3) عيون الأخبار. PageV02P491 (1) مقتل الحسين 1 / 142 ، وقيل ان الأبيات أنشدها محمد بن الحنفية (2) زهر الآداب 1 / 55 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 200. PageV02P492 (1) مقاتل الطالبيين 1 / 53 وجاء فيه ان عمر بن بشير سأل أبا اسحاق فقال له : متى ذل الناس؟ فقال : حين مات الحسن. (2) مستدرك الحاكم 3 / 173 ، أسد الغابة 2 / 11 ، أعيان الشيعة 4 / 80. (3) البداية والنهاية 8 / 44. (4) تاريخ ابن عساكر 4 / 228. PageV02P493 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 4. (2) نفس المصدر ص 6. PageV02P494 (1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 18. (2) مروج الذهب 2 / 303. PageV02P495 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 203. (2) مروج الذهب 2 / 305. PageV02P496 (1) الاستيعاب 1 / 374. (2) تاريخ ابن عساكر. (3) كفاية الطالب ص 268 ، PageV02P497 (1) مقتل الحسين للخوارزمى 1 / 141. PageV02P498 (1) مستدرك الحاكم 3 / 139 ، تاريخ بغداد 8 / 340 ، اسد الغابة 4 / 33 ، كنز العمال 6 / 82 ، مجمع الزوائد 9 / 235. PageV03P022 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P024 (1) شرح نهج البلاغة 1 / 231. PageV03P025 (1) و(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 106. PageV03P026 (1) نص خطابها في تاريخ الطبري 3 / 468. PageV03P027 (1) الفتوح 2 / 282 283. PageV03P029 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 79. PageV03P030 (1) ابن الأثير 3 / 107 ، تاريخ الطبري 3 / 475 ، تذكرة الخواص. PageV03P031 (1) روى ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال يوما لنسائه وهن جميعا عنده : «أيتكن صاحبة الجمل الأدب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلهم في النار ، وتنجو بعدما كادت؟» ، شرح نهج البلاغة 2 / 297 ، ابن كثير 6 / 297 ، 212 ، الخصائص السيوطي 2 / 137 ، الاستيعاب وجاء ms943 فيه : وهذا الحديث من أعلام نبوته (صلى الله عليه وآله). (2) مروج الذهب 2 / 347 ، تاريخ اليعقوبي. PageV03P032 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 81. PageV03P034 (1) الإمامة والسياسة 1 / 64. (2) شرح نهج البلاغة 2 / 50. PageV03P035 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 50. (2) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1 / 430. (3) اسد الغابة 2 / 40. PageV03P036 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 157. (2) الأغاني 11 / 120. PageV03P037 (1) جواهر المطالب شمس الدين أبي البركات / 43 ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). (2) وقعة الجمل محمد بن زكريا بن دينار / 35. PageV03P039 (1) الفتوح 2 / 306. PageV03P040 (1) مروج الذهب 2 / 246. (2) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 180. PageV03P041 (1) سير أعلام النبلاء 3 / 193. PageV03P042 (1) الإمامة والسياسة 1 / 73. (2) مروج الذهب 2 / 247. على أن الأبيات وردت على غير هذا النسق ، وما أثبتناه فهو من بعض المصادر الاخرى. (موقع معهد الإمامين الحسنين) PageV03P043 (1) الماقط : ساحة القتال. (2) شرح نهج البلاغة 1 / 135. PageV03P044 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 97. PageV03P045 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 81. (2) وقعة الجمل محمد بن زكريا / 44. PageV03P046 (1) وقعة الجمل / 45. PageV03P047 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 159. (2) مروج الذهب 2 / 256. PageV03P048 (1) تاريخ الطبري 5 / 224 ، وفي رواية أبي العلاء في أنساب الأشراف 1 ق 1 / 180 أن عدد الضحايا عشرون ألفا. PageV03P049 (1) شيخ المضيرة / 173. PageV03P050 (1) الأخبار الطوال / 145. (2) الرسالة في وقعة صفين / 34. PageV03P052 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 129. PageV03P053 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 162. (2) العقد الفريد 3 / 113. PageV03P054 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 141. PageV03P056 (1) شرح نهج البلاغة 3 / 186. PageV03P057 (1) أنساب الأشراف 1 ق 1. PageV03P060 (1) نهج البلاغة PageV03P061 (1) العقيدة والشريعة في الإسلام / 190. PageV03P064 (1) الفتنة الكبرى 2 / 89. PageV03P065 (1) تاريخ الطبري 6 / 30. PageV03P071 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1 / 469 472. PageV03P074 (1) روى سويد بن غفلة قال : كنت مع أبي موسى الأشعري على شاطئ الفرات في خلافة عثمان ، فروى لي خبرا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : سمعته يقول : «إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلا وأضلا من اتبعهما ، ولا تنفك أمر امتي حتى يبعثوا حكمين يضلان ويضلان من اتبعهما». فقلت له : احذر يا أبا موسي أن تكون أحدهما. قال : فخلع قميصه وقال : أبرأ إلى الله من ذلك كما برأ قميصي من هذا. جاء ذلك في شرح نهج البلاغة 13 / 315. PageV03P075 (1) العقد الفريد 3 / 315. PageV03P076 (1) تاريخ الطبري 6 / 39. PageV03P077 (1) وهي غير الصحيفة التي تم ms944 عليها إيقاف القتال. (2) أنساب الأشراف 1 / ق 1 ، الإمامة والسياسة 1 / 143. (3) لقد كان الناس يحقرون ذرية أبي موسى ويسخرون منهم ، فقد سمع الفرزدق أبا بردة بن أبي موسى يقول : كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحكمين! فرد عليه الفرزدق قائلا : أما أحدهما فمائق ؛ وأما الآخر PageV03P078 ففاسق فكن ابن أيهما شئت. جاء ذلك في شرح نهج البلاغة 19 / 353. ونظر رجل إلى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته ، فقال : ألا ترون مشيته؟! كأن أباه خدع عمرو بن العاص! (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1 / 529. (2) أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P079 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P080 (1) أنساب الأشراف. PageV03P081 (1) أنساب الأشراف. PageV03P082 (1) الملل والنحل 1 / 159. PageV03P083 (1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 200. PageV03P084 (1) أنساب الأشراف. PageV03P085 (1) أنساب الأشراف. (2) الأخبار الطوال / 156. PageV03P086 (1) في الطبري : ولا إخوان ثقة. (2) أنساب الأشراف. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 189. (4) أنساب الأشراف. PageV03P089 (1) في رواية «وما بلغت العشرين». (2) انسب الاشراف. PageV03P090 (1) أنساب الأشراف. PageV03P091 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 193. (2) أطلع اليمن : بلغها واحتلتها قواته. (3) سيدالون : أي ستكون لهم الدولة بسبب اجتماع كلمتهم ، واختلاف رأي العراقيين. PageV03P092 (1) القعب بالضم : القدح الكبير. (2) علاقته بكسر العين : ما يعلق به القعب من ليف ونحوه. (3) بنو فرس : قبيلة عربية مشهورة بالشجاعة والإقدام. (4) نهج البلاغة محمد عبده 1 / 60. PageV03P093 (1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 200. PageV03P095 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P096 (1) جواهر المطالب شمس الدين أبو البركات / 43 ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). PageV03P100 (1) الصراع بين الموالي والعرب / 32 33. PageV03P102 (1) الصراع بين الموالي ومبادئ الإسلام / 103. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 198. PageV03P103 (1) المناقب والمثالب القاضي نعمان المصري / 98 ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم. (2) لسان ميزان 3 / 440. PageV03P104 (1) لسان ميزان 3 / 440. PageV03P105 (1) مروج الذهب 2 / 291. PageV03P106 (1) الأغاني 1 / 21. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 107. PageV03P109 (1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 4 / 28. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 191. PageV03P111 (1) المغول : آلة تشبه السيف. (2) الإرشاد / 170. (3) و(4) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 102 105. (5) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 103. PageV03P112 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 100. (2) تاريخ اليعقوبي. PageV03P113 (1) حماة الإسلام 1 / 123 ، المجتنى لابن دريد / 36. PageV03P114 (1) الأخبار الطوال / 203. PageV03P115 (1) روح الإسلام / 296. PageV03P120 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 254. PageV03P121 (1) أنساب الأشراف 1 ق 2 ms945 / 73. PageV03P123 (1) الإمامة والسياسة 1 / 151. (2) العقد الفريد 4 / 259. (3) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) 1 / 302. PageV03P124 (1) تاريخ الطبري 7 / 38. (2) روح الإسلام / 296. PageV03P125 (1) اتجاهات الشعر العربي / 27. (2) المجتمعات الإسلامية في القرن الأول شكري فيصل / 50. (3) الفخري / 145. PageV03P126 (1) العقد الفريد 1 / 194. PageV03P127 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 153. (2) الأخبار الطوال / 204. PageV03P128 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 232 ، ديوان الفرزدق / 246. PageV03P129 (1) الحركات الفكرية في الإسلام / 42 ، تاريخ التمدن الإسلامي 2 / 22. (2) الشعر والشعراء / 462. (3) السجح : السهولة والين. PageV03P130 (1) خزانة الأدب 2 / 225. (2) تاريخ التمدن الإسلامي 2 / 79 80. PageV03P131 (1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) 1 / 301. (2) الإسلام والحضارة العربية 2 / 149 150. PageV03P132 (1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) 1 / 301. PageV03P133 (1) معاوية في الميزان / 64. (2) العقد الفريد 2 / 260. PageV03P134 (1) تاريخ الطبري 8 / 134 ، الكامل في التاريخ 5 / 19. (2) طبقات ابن سعد 6 / 175. (3) الطبري في أحداث سنة 245. (4) الحضارة الإسلامية 1 / 43. PageV03P135 (1) العقد الفريد 2 / 258 259. PageV03P136 (1) الدولة العربية / 207. (2) نهاية الإرب 6 / 7. PageV03P137 (1) تهذيب الكامل للمبرد 1 / 17. (2) العقد الفريد 2 / 159. (3) تاريخ الطبري 8 / 80. (4) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) 1 / 387. PageV03P138 (1) تاريخ ابن الأثير 4 / 33. (2) نهاية الإرب 6 / 86. PageV03P139 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 23. PageV03P140 (1) شرج نهج البلاغة 1 / 129. (2) شرح نهج البلاغة 2 / 23. PageV03P141 (1) الكامل للمبرد 1 / 305. PageV03P142 (1) التاج في أخلاق الملوك / 55. (2) الأغاني 4 / 120. PageV03P143 (1) التاج في أخلاق الملوك / 151. (2) تاريخ الطبري 8 / 288. PageV03P144 (1) نهاية الإرب 4 / 93 ، العقد الفريد 3 / 184. (2) الأنابير : أكداس من الطعام. (3) تاريخ الطبري 8 / 298. PageV03P145 (1) تاريخ الطبري 8 / 285. (2) سمو المعنى في سمو الذات / 30. (3) العقد الفريد 3 / 241. PageV03P146 (1) ذكرنا مصادر هذه الأحداث في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه السلام». (2) الكوذني : البليد. (3) الهاشميات / 111. (4) المناقب والمثالب القاضي نعمان المصري / 70. PageV03P147 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P148 (1) تاريخ الطبري 10 / 480 ، العقد الفريد 6 / 133. PageV03P149 (1) النصائح الكافية / 97. (2) نهج البلاغة 10 / 101. PageV03P150 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 297. (2) الأماويه : من أنواع الطيب. (3) رسالة الغفران / 145. (4) النزاع والتخاصم للمقريزي / 27 ، رسائل الجاحظ / 297 ، العقد الفريد 3 / 355. PageV03P151 (1) شرح نهج البلاغة 15 / 242. (2) صحيح البخاري 8 / 87. PageV03P152 (1) صحيح البخاري 8 / 87. (2) صحيح البخاري 2 / 119. (3) صحيح البخاري 2 / 121. PageV03P153 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 161 الطبعة الثانية. (2) المصدر نفسه. PageV03P154 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 162 الطبعة الثانية. (2) النصائح الكافية / 74. (3) حياة ms946 الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 162. (4) سورة البقرة / 203 204. (5) النصائح الكافية / 253. PageV03P155 (1) شرح نهج البلاغة 3 / 15. (2) علق على ذلك العلامة فقيد الإسلام الشيخ محمود أبو رية في كتابه (أبو هريرة / 236) ، بقوله : يدل هذا القول على أن كذب أبي هريرة على النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد اشتهر حتى عم الآفاق ، وأصبح الناس يتحدثون به في كل مكان. (3) شرح نهج البلاغة 1 / 359. (4) البداية والنهاية 8 / 121 ، تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة / 26. PageV03P156 (1) تطهير الجنان / 26. (2) المصدر نفسه. (3) وضع هذه الأحاديث لمعارضة الحديث الصحيح المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) : «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه». (4) تاريخ بغداد. PageV03P157 (1) تأريخ ابن عساكر 4 / 313. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 16. PageV03P158 (1) النصائح الكافية / 72. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 361. (3) النصائح الكافية. PageV03P159 (1) تأريخ الطبري 6 / 141 طبع أوربا. (2) نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية / 282. (3) الإسلام والحضارة العربية 2 / 145. (4) مناقب ابن المغازلي / رقم الحديث 69. PageV03P160 (1) حياة الإمام الحسن 2 / 343. (2) شرح النهج 2 / 28. (3) تهذيب التهذيب 7 / 319. PageV03P163 (1) شرح النهج 11 / 14. (2) مناقب ابن المغازلي / رقم الحديث 149. PageV03P164 (1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 15. (2) الأقوام : هم الخوارج. (3) طبقات ابن سعد 5 / 95. PageV03P165 (1) شرح النهج 2 / 6. (2) الطبري 6 / 32. PageV03P166 (1) حياة الإمام الحسن 2 / 365. PageV03P167 (1) سفينة البحار 1 / 522. (2) الإصابة 2 / 526. (3) المشاقص : جمع مفردة مشقص النصل العريض أو سهم فيه نصل عريض. PageV03P169 (1) حياة الإمام الحسن. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 180 ، الطبري 6 / 130 132. PageV03P170 (1) بحار الانوار 10 / 101. PageV03P171 (1) شرح ابن أبي الحديد. (2) كان الأمويون يرمزون بهذه الكتبية إلى جعل الإمام كقاطع طريق ، جاء ذلك في التاريخ السياسي للدولة العربية 2 / 75 ، وجاء في الأغاني 13 / 168 أن زيادا كان يحتقر الشيعة ويسميهم الترابية. PageV03P172 (1) الطبري 4 / 198. (2) حياة الإمام الحسن 2 / 362. PageV03P173 (1) قس الناطف : موضع قريب من الكوفة. (2) الطبري 6 / 155. PageV03P174 (1) شرح النهج 11 / 44. (2) شرح النهج 11 / 44. PageV03P176 (1) حياة الإمام الحسن. (2) تاريخ الشعوب الإسلامية 1 / 147. PageV03P177 (1) تاريخ القضاعي من مصورات مكتبة الإمام الحكيم العامة. (2) الشيعة في الميزان / 455. PageV03P178 (1) المناقب والمثالب للقاضي نعمان المصري / 71. (2) سمو المعنى في سمو الذات / 59. (3) تاريخ القضاعي. PageV03P179 (1) تاريخ الإسلام للذهبي ms947 1 / 267. (2) روح الإسلام / 296. PageV03P180 (1) الفخري / 45. (2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب / 143 ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم. PageV03P181 (1) انساب الاشراف 2 / 2. (2) تاريخ المظفري. (3) مروج الذهب 2 / 74. PageV03P182 (1) تاريخ الطبري 7 / 43. (2) ملحمة الغدير / 227. (3) تاريخ المظفري من مصورات مكتبة الإمام الحكيم ، وجاء في أنساب الأشراف 4 / ق 2 / 2 أن سبب وفاة يزيد أنه حمل قرده على أتان ، وهو سكران فركض خلفها فاندقت عنقه ، فانقطع شيء في جوفه فمات. PageV03P183 (1) الأغاني 7 / 170. (2) الأغاني 7 / 170. (3) البداية والنهاية 8 / 228. PageV03P184 (1) تاريخ الجنس العربي 8 / 86. PageV03P185 (1) تاريخ المظفري من مصورات مكتبة الإمام الحكيم. (2) البداية والنهاية 8 / 192. PageV03P186 (1) صليصل وصرار : من الأماكن القريبة للمدينة. (2) المسطار : الخمر الصارعة لشاربها. (3) أكاز : الحراث. (4) طبقات الشعراء / 392. PageV03P187 (1) العقد الفريد 5 / 321 322. PageV03P188 (1) ديوان الأخطل / 89. (2) من موبقات المغيرة أنه أول من رشي في الإسلام كما يروي البيهقي ، كما أنه كان الوسيط في استلحاق زياد بمعاوية. (3) تاريخ الشعوب الإسلامية 1 / 145. (4) تاريخ الطبري. (5) الإمامة والسياسة 2 / 262. PageV03P189 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 249. PageV03P191 (1) تاريخ دول الإسلامية / 28. PageV03P192 (1) التاريخ السياسي للدولة العربية 2 / 62. PageV03P193 (1) سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (عليه السلام) / 208. PageV03P194 (1) تاريخ الطبري 6 / 257 وغيره. (2) ابن رشد وفلسفته فرج انطون / 60. PageV03P195 (1) البداية والنهاية 8 / 80. (2) المناقب والمثالب القاضي نعمان المصري / 68. (3) تاريخ الخلفاء لمؤلف مجهول قامت بنشره أكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي. PageV03P196 (1) يفرع : يعلو رؤوس الناس. (2) شعراء النصرانية بعد الإسلام / 234. PageV03P197 (1) الأغاني 8 / 71. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 250. PageV03P198 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 250. (2) المصدر نفسه. PageV03P199 (1) تذكرة ابن حمدون / 81. PageV03P201 (1) الإمامة والسياسة 1 / 180 183 ، جمهرة الخطب 2 / 233 236. (2) الخلافة لتوماس / 10. PageV03P207 (1) تاريخ ابن الأثير. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 252 ، الإمامة والسياسة 1 / 200. PageV03P208 (1) الاستيعاب. (2) الاستيعاب ، البداية والنهاية 8 / 89. (3) أنساب الأشراف 4 / 30. (4) الطبري 4 / 368. PageV03P209 (1) الحسين بن علي (عليه السلام) 2 / 6. (2) القضاة للكندي / 310. (3) طبقات ابن سعد. (4) تاريخ الطبري 7 / 12. PageV03P210 (1) وفيات الأعيان 5 / 389 390. (2) الإمامة والسياسة 1 / 128. (3) الإسلام والحضارة العربية 2 / 395. PageV03P212 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 196. PageV03P213 (1) تاريخ الطبري 4 / 18. (2) السياسة عند العرب عمر أبو النصر / 98. (3) الإمامة والسياسة 1 / 182. PageV03P214 (1) مقاتل الطالبيين / 29. (2) الاستيعاب. (3) المصدر نفسه. PageV03P215 (1) روح الإسلام / 295. PageV03P216 (1) الإمامة والسياسة 1 / 195 196. PageV03P220 (1) الكامل 3 / 252 ، الأمالي 2 / 73 ، ذيل الأمالي ms948 / 177 ، عيون الأخبار 2 / 210 ، البيان والتبيين 1 / 300. PageV03P221 (1) و(2) أنساب الأشراف 1 / ق 1. (3) العقد الفريد 2 / 116. PageV03P222 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. (2) تاريخ ابن كثير 8 / 162. PageV03P223 (1) تبرت : أهلكت دينك. (2) الإمامة والسياسة 1 / 284 ، رجال الكشي / 32 ، الدرجات الرفيعة / 334. (3) الإمام الحسين (عليه السلام) / 338. PageV03P226 (1) سير أعلام النبلاء 3 / 198. PageV03P227 (1) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2 / 216 217. PageV03P228 (1) الأخبار الطوال / 203 ، أنساب الأشراف 1 / ق 1. PageV03P229 (1) البداية والنهاية 8 / 161 ، تاريخ ابن عساكر 13 / 67. PageV03P230 (1) شرح نهج البلاغة 4 / 327 الطبعة الأولى. PageV03P231 (1) الحسين لعلي جلال 1 / 117. (2) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) 2 / 332. PageV03P232 (1) الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي 1 / 77. PageV03P233 (1) سيرة ابن هشام 1 / 142. (2) المناقب والمثالب للقاضي نعمان المصري / 61. PageV03P234 (1) الفتنة الكبرى 2 / 245. (2) حياة الحيوان للدميري 1 / 59. PageV03P235 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 259. (2) تاريخ خليفة خياط 1 / 229. PageV03P236 (1) مجلة الغري السنة الثامنة العدد 9 و10. PageV03P238 (1) الفتوح 4 / 265. (2) تاريخ الإسلام الذهبي 1 / 267. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 261. PageV03P242 (1) تاريخ الخلفاء ، نشر أكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي. (2) العقد الفريد 4 / 153 ، عيون الأخبار 2 / 239. PageV03P243 (1) الفتوح 5 / 6. PageV03P244 (1) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوازمي 1 / 178. PageV03P245 (1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 124. (2) تاريخ الطبري 6 / 84 ، أنساب الأشراف 1 ق 1 / 124. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 215. PageV03P246 (1) تاريخ ابن عساكر 13 / 68. (2) تاريخ الإسلام الذهبي 1 / 269 ، تاريخ خليفة بن خياط 1 / 222 ، وجاء في تاريخ ابن عساكر 13 / 68 وكتب يزيد مع عبد الله بن عمر ، وابن إدريس العامري عامر بن لؤي هذه الرسالة. PageV03P247 (1) شرح نهج البلاغة 2 / 115. (2) الفتوح 5 / 14. (3) تاريخ خليفة بن خياط 1 / 222. PageV03P248 (1) تاريخ الإسلام الذهبي 1 / 269. PageV03P249 (1) الفتوح 5 / 12 13. PageV03P250 (1) تاريخ ابن عساكر 4 / 208. PageV03P251 (1) البداية والنهاية 8 / 160. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 264. PageV03P252 (1) الدر النظيم / 162. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 264. (3) الفتوح 5 / 17. PageV03P253 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 264. (2) الفتوح 5 / 18. PageV03P254 (1) الطبري. PageV03P255 (1) الفتوح 5 / 24. PageV03P257 (1) الفتوح 5 / 26 27. PageV03P258 (1) الفتوح 5 / 28 29. (2) مقتل العوالم / 54. PageV03P259 (1) الفتوح 5 / 29. PageV03P260 (1) مقتل الحسين للمقرم / 148. PageV03P261 (1) تاريخ الطبري 6 / 191. (2) الفتوح 5 / 32. PageV03P262 (1) الفتوح 5 / 33 ، مقتل الخوارزمي 1 / 188. PageV03P263 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 265. (2) تاريخ ابن عساكر 4 / 329 ، تاريخ الطبري. PageV03P265 (1) تفسير المنار 1 / 367 ، و12 / 183 و185. PageV03P270 (1) الثائر الأول في الإسلام ms949 / 79. PageV03P271 (1) سبط الرسول / 133. (2) نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية / 334. PageV03P272 (1) الإمام الحسين / 94. PageV03P273 (1) الطبري 6 / 197. PageV03P276 (1) تاريخ التمدن الإسلامي. PageV03P279 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 206. PageV03P280 (1) حياة الإمام الحسن 2 / 288 الطعبة الثانية. PageV03P286 (1) تاريخ الطبري 6 / 200. PageV03P288 (1) المقدمة / 152. PageV03P292 (1) تحدث الإمام كاشف الغطاء عن هذه الجهة بالتفضيل في كتابه (السياسة الحسينية). PageV03P297 (1) ريحانة الرسول / 167. (2) بطلة كربلاء / 176 و180. PageV03P298 (1) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية / 343. (2) توضيح الغامض من أسرار السنن والفرائض / 297 298. PageV03P299 (1) خطط المقريزي 2 / 285 ، المنتظم لابن الجوزي ، الإفادة في تاريخ الأئمة السادة ، وفي الفتوح 5 / 34 أنه خرج لثلاث ليال مضين من شعبان. PageV03P304 (1) تاريخ الطبري. PageV03P305 (1) المنتظم ابن الجوزي الجزء الخامس ، الفتوح 5 / 34 ، وجاء في تاريخ ابن عساكر 13 / 55 أن الحسين مر بابن مطيع وهو يحفر بئرا ، فقال له : إلى أين فداك أبي وأمي ، فقال له : «أردت مكة». وذكر له كتب أهل الكوفة إليه ، فقال ابن مطيع : فداك أبي وأمي! متعنا بنفسك ولا تسر إليهم. فأبى الحسين. ثم قال له ابن مطيع : إن بئري هذه قد رسحتها ، وهذا اليوم أوان تمامها قد خرج إلينا في الدلو شيء من مائها ، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة ، فقال (عليه السلام) : «هات من مائها». فأتاه منه فشرب منه وتمضمض ورده في البئر ، فعذب ماؤها. وجاء في وسيلة المال في عد مناقب الآل صفي الدين / 185 : أن عبد الله لقى الحسين (عليه السلام) فقال له : جعلت فداك أين تريد؟ فقال : «أما الآن فمكة ، وأما بعدها فأستخير الله». فقال : خار الله لك وجعلنا فداك! الزم الحرم فإنك سيد العرب ، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ، وتتداعى إليك الناس من كل جانب. لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي ، فوالله إن هلكت لنسترقن بعدك. (2) الفتوح 5 / 37. PageV03P306 (1) المنتظم لابن الجوزي ، الإفادة في تاريخ الأئمة السادة. (2) تاريخ ابن عساكر 13 / 68 ، وفي الأخبار الطوال / 209 ، أنه نزل في شعب علي. (3) البداية والنهاية. (4) الفصول المهمة لابن الصباغ / 170 ، وسيلة المال في عد مناقب الآل / 185. PageV03P307 (1) نهضة الحسين / 73. (2) العطن : مبرك الإبل ، ومربض الغنم. (3) فوات الوفيات 1 / 448. (4) المعارف ابن قتيبة / 76. PageV03P308 (1) مروج الذهب ms950 3 / 22. (2) شرح نهج البلاغة 7 / 24. (3) المختار / 95. (4) البداية والنهاية 8 / 150 وجاء في وسيلة المال / 185 ، وقد ثقلت وطأة الحسين على ابن الزبير ؛ لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد ، ولا يتهيأ له ما يطلب منهم مع وجود الحسين. PageV03P309 (1) تاريخ الإسلام الذهبي 2 / 268. تاريخ ابن الأثير 4 / 16 ، الطبري 6 / 216. (3) من معالم الحق / 131. PageV03P310 (1) الدولة الاموية في الشام / 54. (2) تذكرة الخواص / 248. PageV03P311 (1) المهراة : الحفرة. (2) تذكرة الخواص / 248 250 ، تاريخ ابن عساكر 13 / 70. PageV03P314 (1) البداية والنهاية 8 / 148. (2) الأشدق : لقب بذلك لتشادقه الكلام. وقيل : إنما لقب بذلك لأنه كان أفقم مائل الذقن ، جاء ذلك في البيان والتبيين 1 / 315 ، وقيل : إنما لقب بذلك لأنه أصابه اعوجاج في حلقه لإغراقه في شتم علي ، جاء ذلك في معجم الشعراء / 231. PageV03P315 (1) تاريخ الإسلام الذهبي 2 / 268. (2) سمط النجوم العوالي 3 / 57. (3) مجمع الزوائد 5 / 240. PageV03P316 (1) الفتوح 5 / 38 42. PageV03P319 (1) مقتل الخوارزمي 1 / 193. PageV03P320 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 268. (2) تاريخ الطبري 6 / 200. PageV03P321 (1) سير أعلام النبلاء 3 / 200. (2) تاريخ الطبري 6 / 200. PageV03P322 (1) الرأي الأثيل : الأصيل. PageV03P324 (1) خمسها : بالكسر الإبل الضماء التي ترعى ثلاثة أيام وترد الرابع. PageV03P326 (1) اللهوف / 16 19. (2) تاريخ الطبري 6 / 198. (3) مقتل المقرم / 158 نقلا عن ذخيرة الدارين / 224. PageV03P327 (1) الأخبار الطوال / 70 طبع ليدن. PageV03P328 (1) (2) العقيدة والشريعة في الإسلام / 69. PageV03P329 (1) الإرشاد / 223 224. PageV03P330 (1) مقاتل الطالبيين / 95. PageV03P331 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1 ، الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري 2 / 3 4. (2) الفتوح 5 / 44. (3) حي هلا : اسم فعل بمعنى أقبل وعجل. (4) في تاريخ اليعقوبي 2 / 215 ، لا إمام لهم غيرك. (5) الإرشاد / 224. PageV03P332 (1) أنساب الأشراف 4 / ق 1. (2) الجمام : الآبار. (3) أنساب الأشراف 1 / ق 1 ، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول / 74. PageV03P333 (1) تذكرة الخواص / 248 ، الصراط السوي في مناقب آل النبي السيد محمود القادي ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وبصورة موجزة رواه المسعودي في مروج الذهب 3 / 4. (2) وسيلة المال / 185 ، الفصول المهمة ابن الصباغ / 170. (3) أنساب الأشراف 1 / ق 1. (4) بحار الأنوار 10 / 180. (5) اللهوف / 19. PageV03P334 (1) الوافي في المسألة الشرقية 1 / 43. (2) الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء 1 / 107 من مخطوطات مكتبة الإمام الحكيم. (3) مع الحسين في نهضته / 157. PageV03P335 (1) الأخبار الطوال / 210. (2) وسيلة المال / 186 من ms951 مصورات مكتبة الإمام الحكيم. PageV03P338 (1) هما : هانئ بن هانئ السبيعي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي. (2) تاريخ الطبري 6 / 197. PageV03P339 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 267. (2) مروج الذهب 2 / 86. (3) تاريخ الطبري 6 / 198. (4) الأخبار الطوال / 231 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 267. PageV03P340 (1) الإرشاد / 227. (2) جازا عن الطريق : أي تركاه خلفهما. PageV03P341 (1) الإرشاد / 226 ، وفي الحدائق الوردية 1 / 117 خرج مسلم من مكة حتى أتى المدينة ، وأخذ منها دليلين ، فمرا به في البرية فأصابهما عطش فمات أحد الدليلين ، فكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه ، فكتب إليه الحسين (عليه السلام) : «أن امض إلى الكوفة». (2) معجم البلدان 2 / 343. PageV03P342 (1) أنساب الأشراف 1 / ق 1. (2) الإرشاد / 226 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 267 ، وقيل : نزل مسلم في بيت مسلم بن عوسجة ، وقيل : نزل في بيت هانئ بن عروة ، جاء ذلك في كل من الإصابة 1 / 332 ، وتهذيب التهذيب. PageV03P343 (1) الشهيد مسلم بن عقيل / 103. (2) الحدائق الوردية 1 / 125 من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة. (3) تاريخ الطبري 6 / 199. PageV03P345 (1) شرح شافية أبي فراس 1 / 90 من مصورات مكتبة الإمام الحكيم ، مثير الأحزان لابن نما / 11. (2) دائرة معارف وجدي 3 / 444 ، حقائق الأخبار عن دول البحار ، روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان محمد بن أبي بكر المتوفى سنة (730 ه) / 67 من مصورات مكتبة الحكيم ، مناقب الإمام علي بن أبي طالب / 13 ، وجاء فيه : أن النعمان قال : يا أهل الكوفة ، ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحب إليكم من ابن بنت بجدل. (3) تاريخ أبي الفداء 1 / 300. (4) تاريخ الطبري 6 / 224. PageV03P346 (1) مروج الذهب 3 / 4 ، الصراط السوي في مناقب آل النبي / 86 من مصورات مكتبة الإمام الحكيم ، تهذيب التهذيب 2 / 350 ، الإصابة 1 / 332 ، الحدائق الوردية 1 / 117. (2) أنساب الأشراف 1 / ق 1. (3) وفي رواية البلاذري (إن جميع أهل الكوفة معك). (4) تاريخ الطبري 6 / 224. PageV03P347 (1) النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي ، كان قد ولاه معاوية الكوفة بعد عبد الرحمن بن الحكم ، وكان عثماني الهوى ؛ يجاهر ببغض علي ويسيء القول فيه ، وقد حاربه يوم الجمل وصفين ، وسعى بإخلاص لتوطيد الملك إلى معاوية ، وهو الذي قاد بعض الحملات الإرهابية ms952 على بعض المناطق العراقية. ويقول المحققون : إنه كان ناقما على يزيد ، ويتمنى زوال الملك عنه شريطة أن لا تعود الخلافة لآل علي (عليه السلام). ومن الغريب في شأن هذا الرجل أن يزيد لما أوقع بأهل المدينة وأباحها لجنده ثلاثة أيام لم يثأر النعمان لكرامة وطنه وقومه ، وفي الإصابة 3 / 530 إنه لما هلك يزيد دعا النعمان إلى ابن الزبير ، ثم دعا إلى نفسه فقاتله مروان ، فقتل وذلك في سنة (65 ه). وكان شاعرا مجيدا ، له ديوان شعر طبع حديثا. (2) سير أعلام النبلاء 3 / 206. PageV03P348 (1) القرف : التهمة. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 267. PageV03P349 (1) الدولة الاموية في الشام / 41. (2) الغشم : الظلم. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 267. PageV03P350 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 267. PageV03P351 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 268. PageV03P352 (1) البداية والنهاية 8 / 152. (2) سير أعلام النبلاء 3 / 201. PageV03P353 (1) العرين : الجماعة. PageV03P354 (1) الطبري 6 / 200. (2) الطبري 6 / 199. PageV03P355 (1) مقتل الحسين المقرم / 165. (2) قصر الإمارة : هو أقدم بناية حكومية شيدت في الإسلام ، بناها سعد بن أبي وقاص ، وقد اندثرت معالمه كما اندثرت جميع معالم الكوفة ما عدا الجامع. وقد اهتمت مديرية الآثار العامة في العراق بالتعرف عليه ؛ فكشفت في مواسم مختلفة اسسه ، وقد أظهرت نتائج الحفائر التي اجريت عليه أنه يتألف من سور خارجي يضم أربعة جدران ، تقريبا طولها 170 مترا ، ومعدل سمكها 4 أمتار ، وتدعم كل ضلع من الخارج ستة أبراج نصف دائرية باستثناء الضلع الشمالي ، حيث يدعمها برجان فقط. والمسافة ما بين كل برج وآخر 24 و60 سنتمتر ، وارتفاع هذا السور بأبراجه يصل إلى ما يقرب من عشرين مترا. وقد بني القصر بناء محكما ، وصممت هندسته على غاية حربية ؛ ليكون في حماية آمنة من كل غزو خارجي ، جاء ذلك في تخطيط مدينة الكوفة للدكتور كاظم الجنابي / 135 155 = PageV03P356 = وقد وقفت عليه غير مرة ، وتطلعت إلى كثير من معالمه ، ففي بعض أبوابه الرئيسة مظلات لحراس القصر قد ردمت ولم يبق منها إلا بعض معالمها ، وفي جانب منه بعض الغرف التي اعدت للسجن ، وقد صممت بشكل غريب ، وفي جانب منه مطابخ القصر ولم يشر الاستاذ الجنابي إليها وقد احكم بناء ms953 القصر حتى كان من المتعذر اقتحامه والاستيلاء عليه. PageV03P357 (1) مقاتل الطالبيين / 97. PageV03P358 (1) الفصول المهمة / 197 ، وسيلة المال / 186. (2) الفتوح 5 / 67. PageV03P359 (1) مروج الذهب 2 / 89. (2) الأخبار الطوال / 213. PageV03P360 (1) هكذا وردت مفردة (أحنف) ، ولعلها (احتف). (موقع معهد الإمامين الحسنين). (2) الأخبار الطوال / 214. (3) البداية والنهاية 8 / 153 ، والمشهور بين المؤرخون أن شريكا كان في بيت هانئ لا في بيته ، فقد كان مقيما بالبصرة ، وجاء مع ابن زياد إلى الكوفة. PageV03P361 (1) الأخبار الطوال / 214 ، مقاتل الطالبيين / 98 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 269 ، وذهب بعض المؤرخين إلى أن الذي دعا مسلما لاغتيال ابن زياد هو هانئ بن عروة كما في الإمامة والسياسة 2 / 4. (2) يشير إلى ذلك ما جاء في مقاتل الطالبيين / 98 ، أن هانئا استقبح قتل ابن زياد في داره. (3) مقاتل الطالبيين / 98 ، وفي مقتل أبي مخنف أنه أنشد هذه الأبيات : PageV03P362 (1) مقاتل الطالبيين / 99. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 270. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 269 270. PageV03P363 (1) الأخبار الطوال / 214 ، وفي تاريخ ابن الأثير 3 / 270 أن هانئا قال لمسلم : لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا ، كافرا غادرا. وذكر ابن نما أن امرأة هانئ تعلقت بمسلم ، وأقسمت عليه بالله أن لا يقتل ابن زياد في دارها ، فلما علم هانئ قال : يا ويلها! قتلتني وقتلت نفسها ، والذي فرت منه وقعت فيه. (2) تاريخ الطبري 6 / 202 ، الأغاني 6 / 59. PageV03P364 (1) الخطابة في صدر الإسلام 2 / 13. (2) نهضة الحسين (عليه السلام) / 84. PageV03P365 (1) ريحانة الرسول / 178. PageV03P366 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 269. (2) الأخبار الطوال / 215. PageV03P368 (1) تاريخ الطبري 6 / 233. PageV03P369 (1) المختار الثقفي مرآة العصر الاموي / 69 70. PageV03P370 (1) يروى (حباءه) من العطاء. PageV03P372 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 271. (2) مروج الذهب 3 / 7 ، سمط النجوم العوالي 3 / 61 تايخ الإسلام الذهبي 2 / 269 وروي كلامه بصورة أخرى وهي تخالف ما رواه مشهور المؤرخين. PageV03P373 (1) الفتوح 5 / 83. (2) البارقة : السيوف التي يلمع بريقها. PageV03P374 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 271. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 271. PageV03P375 (1) في رواية الطبري : (أيخلوني وعدوهم). (2) شريح القاضي ينتمي لإحدى بطون كندة ، جاء ذلك في الكامل للمبرد / 21. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 ، وجاء في تهذيب التهذيب 2 / 351 أن هانئا قال لشريح : يا شريح اتق الله ، فإنه قاتلي. (4) تاريخ ابن ms954 الأثير 3 / 271. PageV03P376 (1) الطمار : اسم لغرفة شيدت فوق قصر الإمارة ، وفي أعلاها قتل مسلم بن عقيل ورميت جثته إلى الأرض. وما ذكره ابن أبي الحديد أن الطمار هو الجدار فليس بصحيح. (2) وفي رواية (أصابهما بغي الأمير). (3) الهماليج : جمع هملاج ، وهو نوع من البرذون. والذحول : جمع ذحل الثأر. PageV03P377 (1) في مروج الذهب 2 / 70 إنها لشاعر مجهول ، وكذلك في الأغاني 13 / 35 ، وفي جمهرة الأنساب / 228 إنها للأخطل ، وفي مقاتل الطالبيين / 108 إنها لعبد الله بن الزبير الأسدي ، وفي الطبري إنها للفرزدق ، وفي الأخبار الطوال / 219 إنها لعبد الرحمن بن الزبير الأسدي ، وفي لسان العرب 6 / 174 إنها لسليم بن سلام الحنفي. PageV03P378 (1) حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة / 463 464. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 271 ، المناقب لابن شهر آشوب 5 / 126 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين. PageV03P379 (1) تهذيب التهذيب 2 / 351 ، تذهيب التهذيب 1 / 150 الذهبي من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين. (2) هذا الشعار فيه تحريض للجيش على الموت في الحرب للتغلب على الأعداء ، وفيه تفاؤل بالنصر. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 271. PageV03P380 (1) البداية والنهاية 8 / 154 ، الفتوح 5 / 85. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 271. PageV03P381 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 272. (2) تاريخ الطبري 6 / 208. PageV03P382 (1) الفتوح 5 / 87. (2) تاريخ أبي الفداء 1 / 300 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 272. PageV03P383 (1) الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء 1 / 108. (2) مقامات الحريري 1 / 192. (3) الفتوح 5 / 87. PageV03P384 (1) الأخبار الطوال / 240. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 272 ، وفي الفتوح 5 / 88 أنها كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي ، فتزوجها رجل من بعده من حضرموت يقال له أسد بن البطين ، فأولدها ولدا يقال له أسد. PageV03P385 (1) تذهيب التهذيب الذهبي 1 / 151. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 272. PageV03P386 (1) تاريخ الطبري 6 / 209 210. PageV03P388 (1) أنساب الأشراف 5 / 314. (2) الإمامة والسياسة 2 / 4. (3) الدر المسلوك 1 / 108. PageV03P389 (1) الفتوح 4 / 90. PageV03P390 (1) تهذيب التهذيب 1 / 151. (2) الفتوح 5 / 92 93. PageV03P392 (1) (2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212. (3) المنذر النضيد / 164 ، نفس المهموم / 57. (4) المحاسن والمساوئ للبيهقي 1 / 43. PageV03P393 (1) الفتوح 5 / 63. (2) الجرامقة : قوم من العجم صاروا إلى الموصل. (3) مقتل الحسين المقرم / 180. (4) الفتوح 5 / 93. (5) تاريخ الطبري. PageV03P394 (1) حياة الشعر في الكوفة / 371 372. PageV03P395 (1) تاريخ ابن ms955 الأثير 3 / 273. PageV03P396 (1) الفتوح 5 / 94 95. (2) الفتوح 5 / 59. PageV03P397 (1) الإرشاد / 238 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 273. (2) مقتل أبي مخنف مخطوط بمكتبة السيد محمود سعيد ثابت في كربلاء ، وذكر ذلك الطريحي في المنتخب / 299. PageV03P398 (1) الإرشاد / 238. PageV03P399 (1) في الإرشاد / 239 ، وبعث عمرو بن حريث غلاما له فجاء بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء ، وقال له : اشرب. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 273. PageV03P400 (1) الفتوح 5 / 97 99. (2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب / 134. (3) تاريخ ابن الأثير 3 / 274 ، الإرشاد / 239. PageV03P403 (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 274 ، وفي الطبري 6 / 212 إن علي ستمئة درهم ، وفي الأخبار الطوال / 241 إن علي ألف درهم. (2) تاريخ الطبري 6 / 212. (3) الإرشاد / 239. (4) تاريخ ابن الأثير 3 / 274. (5) وفي الإرشاد / 239 أما جثته فإنا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها. PageV03P404 (1) الفتوح 5 / 101. PageV03P405 (1) الفتوح 5 / 102 ، وفي تاريخ ابن الأثير ، والإرشاد أن مسلما لم يكلم ابن زياد بعد شتمه له. (2) الطبري 6 / 213. (3) الفتوح 5 / 103. PageV03P406 (1) مروج الذهب 3 / 9. (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 274. (3) الأشعث بن قيس : إنما سمي بالأشعث لشعوثة رأسه ، واسمه سعد بن كرب ، هلك بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأربعين ليلة ، وكان عمره 63 سنة ، جاء ذلك في تاريخ الصحابة / 5 ؛ أما محمد بن الأشعث فأمه ام فروة أخت أبى بكر لأبيه ، جاء ذلك في الرياض المستطاب / 8. PageV03P407 (1) مروج الذهب 3 / 8. (2) وفي رواية (عرفت شرفه في مصره). (3) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 155. PageV03P408 (1) وقد ثار لدم هانئ عبد الرحمن بن حصين فقتل رشيدا ، وفي ذلك يقول : (2) الدر النظيم / 160 ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أنساب الأشراف 1 ق 1. (3) مرآة الزمان / 85. PageV03P409 (1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 155 ، ديوان أبي الأسود. (2) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 155 ، الدر النظيم / 160 ، مقتل الخوارزمي 1 / 215. PageV03P410 (1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 94. (2) المناقب والمثالب / 172. (3) مروج الذهب 3 / 7. (4) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 155. PageV03P411 (1) تاريخ الطبري 6 / 214. PageV03P412 (1) الفتوح 5 / 109 ، أنساب الأشراف 1 ق 1 ، ولم يتعرض المؤرخون إلى شؤون هذه الرؤوس الكريمة ، فهل دفنت في دمشق أو في مكان آخر؟ فقد ms956 أهملوا ذلك ، إلا أنه جاء في مرآة الزمان / 59 فيما يخص رأس هانئ ما نصه : أنه في هذه السنة أي سنة 302 ه ورد الخبر إلى بغداد أنه وجد بخراسان بالقصر أزجا فيه ألف رأس في برج ، في اذن كل واحد خيط من إبريسم فيه رقعة فيها اسم صاحبه ، وكان من جملتها رأس هانئ بن عروة ، وحاتم بن حنة ، وطلق بن معاذ وغيرهم. وتاريخهم أي تاريخ وضعهم في ذلك الأزج سنة سبعين من الهجرة. PageV03P413 (1) الدولة الاموية في الشام / 56. PageV03P414 (1) المختار ، مرآة العصر الاموي / 74 75. (2) الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء 1 / 109. PageV03P415 (1) الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي / 26. (2) آثار البلاد لزكريا القزويني / 167. PageV03P420 (1) الإمامة والسياسة 1 / 238. (2) تاريخ الطبري 2 / 3 / 1677. (3) الطبري 2 / 3 / 1685. (4) (5) الطبري 2 / 3 / 1679. PageV03P421 (1) تاريخ الطبري 2 / 1113. (2) السيادة العربية / 74. (3) السجح : حسن العفو. PageV03P422 (1) أنساب الأشراف 5 / 234 ، الأخبار الطوال / 264. (2) الصراط السوي في مناقب آل النبي / 94 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين. PageV03P423 (1) فتوح البلدان / 287. (2) الطبري ، وجاء فيه أنهم اتهموه بأنه يتاجر في أقواتهم. (3) فتوح البلدان / 279. (4) مختصر كتاب البلدان / 184 لابن الفقيه. PageV03P424 (1) النظم الإسلامية / 26. (2) السيادة العربية / 11. (3) (4) تاريخ الطبري 2 / 3 / 11880. (5) مقاتل الطالبيين / 418. PageV03P425 (1) (2) الطبري 2 / 3 / 1681. (3) الطبري 2 / 2 / 1114. (4) يشير إلى دعوة الإمام الشهيد الحسين (عليه السلام) على أهل الكوفة يوم عاشوراء بقوله : «... ولا يرضي الولاة عنكم أبدا». PageV03P426 (1) مقاتل الطالبيين / 544 546. (2) حياة الشعر في الكوفة / 445. (3) مختصر البلدان / 173. PageV03P427 (1) في الطبري : أن عمرو بن حريث كان أكثر أهل الكوفة مالا. (2) حياة الشعر في الكوفة / 168. PageV03P429 (1) حياة الحيوان الجاحظ 5 / 297 299. (2) التطور والتجدد في الشعر الاموي / 134. PageV03P430 (1) طبقات ابن سعد 6 / 4 ، مختصر كتاب البلدان / 166. PageV03P431 (1) طبقات ابن سعد 6 / 4. (2) طبقات ابن سعد 6 / 43. (3) مختصر كتاب البلدان / 73. (4) معجم قبائل العرب 1 / 15 ، فتوح البلدان / 276 ، معجم البلدان 7 / 267. PageV03P432 (1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة / 42. (2) خطط الكوفة / 12 13. PageV03P434 (1) (2) خطط الكوفة / 18. (3) التطور والتجديد في الشعر الاموي / 80 81. (4) شرح نهج البلاغة 3 / 239. PageV03P435 (1) الأخبار الطوال / 296. (2) تاريخ الطبري. (3) فتوح البلدان / 280 ، خطط الكوفة / 11. (4) فك العربية / 83 84. PageV03P436 (1) البيان والتبيين 1 / 19 20. (2) اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني ms957 الهجري / 55. (3) فتوح البلدان / 279. (4) الحضارة الإسلامية / 97. (5) البيان والتبيين 2 / 106. PageV03P437 (1) تاريخ الطبري. (2) تاريخ الفلسفة في الإسلام / 15 18. PageV03P438 (1) فتوح البلدان / 284. (2) خطط الكوفة / 35. (3) تاريخ الطبري. (4) تاريخ الطبري. (5) حياة الشعر في الكوفة / 144. (6) عيون الأخبار 1 / 43. (7) الأغاني 4 / 184. PageV03P442 (1) تاريخ الكوفة / 146 ، يبدأ سوق البنوك والصيرفة من مسجد سهيل إلى المسجد الأعظم ، كما نصت على ذلك بعض المصادر. (2) خطط الكوفة / 146. (3) نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق يوسف رزق الله غنيمة / 103. (4) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة / 105. PageV03P443 (1) رحلة بنيامين ترجمة عزار حداد / 146. PageV03P444 (1) حياة الشعر في الكوفة / 29 30. (2) خطط الكوفة / 15 16. PageV03P445 (1) تاريخ الطبري 7 / 207. (2) أنساب الأشراف 5 / 245. (3) العرفاء : جمع عريف ، وهو من يعرف أصحابه ، ومنه الحديث (فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). والعريف : هو القائم بامور القبيلة والجماعة من الناس يلي امورهم ، ويتعرف الأمير منه أحوالهم. جاء ذلك في تاج العروس 1 / 194. (4) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة / 53. PageV03P446 (1) تاريخ الطبري 7 / 226. (2) الأغاني 2 / 179. (3) البداية والنهاية 8 / 154. (4) البداية والنهاية 8 / 284. PageV03P447 (1) البداية والنهاية 8 / 284. (2) البيان والتبيين 2 / 242. (3) البيان والتبيين 1 / 72. PageV03P448 (1) تاريخ الطبري. (2) قصص العرب 1 / 214. (3) سير أعلام النبلاء 3 / 357. (4) الحطمة : القاسي الذي يظلم الناس. (5) البداية والنهاية 8 / 285. PageV03P449 (1) صحيح مسلم 1 / 67. (2) البيان والتبيين 1 / 73. (3) البداية والنهاية 8 / 284. PageV03P450 (1) العناق : الانثى من أولاد المعز. (2) نهاية الإرب 3 / 343. (3) مرآة الزمان / 285. PageV03P451 ms958