######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.AlbertCamus.Hindawi90920380 #META# Tags: philosophy #META# ID: 90920380 #META# Title: ألبير كامي: محاولة لدراسة فكره الفلسفي #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # حياة كامي‏ # المحال‏ # 1 - المحال‏ # 2 - الانتقال إلى التمرد‏ # 3 - التمرد‏ # 4 - التضامن‏ # خاتمة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # تمهيد‏ # حياة كامي‏ # المحال‏ # 1 - المحال‏ # 2 - الانتقال إلى التمرد‏ # 3 - التمرد‏ # 4 - التضامن‏ # خاتمة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | ألبير كامي # | ألبير كامي # | محاولة لدراسة فكره الفلسفي # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # «لا يظهر الإنسان عظمته حين يلمس طرفا واحدا، بل حين ~~يلمس الطرفين معا في آن واحد، ويشغل كل ما يقع بينهما من ~~فراغ.» # باسكال ~~(أعمال بليز باسكال، طبعة ليون برونشفيج، القسم ~~السادس، ص267، 13، الفكرة الثانية، 353) # بينما كنا نعمل في هذا الكتاب جاءنا النبأ الفاجع بوفاة ألبير كامي ~~في حادث مؤلم. # 1 # قدر للعمل الواعد، الذي قال عنه الكاتب الفيلسوف ذات ~~مرة بعد عشرين عاما من الجهد والخلق المتصل إنه لم يكد يبدأ بعد، # 2 # أن يسدل عليه الستار، كما قدر على الباحث أن يكتفي بما ~~وجده أمامه، وإن كان أبعد الأشياء عن أن يمثل كلمته ~~الأخيرة. # إن أعمال كامي وشخصيته - وهو في هذا يزيد عن أي كاتب معاصر - ~~يمثلان وحدة متكاملة، لا يمكن الفصل فيها بين الكاتب الروائي ~~والمسرحي، وبين المفكر الفيلسوف، بين رجل السياسة، وبين رجل المجتمع ~~والأخلاق؛ فلا يستطيع المرء أن يفصل بين كامي الإنسان الذي ساهم في ~~خلال الحرب الأخيرة في المقاومة السرية للاحتلال الألماني مساهمة ~~فعالة، ووقف في عديد من القضايا الاجتماعية موقف المكافح الباسل، ~~ووضع نفسه، كما يقول، في صفوف الضحايا والمعذبين والمحتقرين، ~~وحلل الداء الروحي الذي انتشر في كيان عصره وحاول أن يجد له الدواء، ~~وعاش في ألوان الصراع التي كابدها جيله إلى حد التوتر والتمزق، ~~أقول لا يمكن للمرء أن يفصل هذا الإنسان عن شخصيات مثل سيزيف وميرسو ~~وريو، ممن ساروا في طريق الأمانة والعذاب إلى أقصى مداه؛ فمن الخطأ، إن ~~لم يكن من الخطر أيضا، أن ننظر إلى الكاتب والمفكر بمعزل عن ~~الإنسان الذي يقف على أرض الواقع أو الصحفي الذي ينبض قلبه بمأساة ~~الجيل. # إن المهمة التي حددها كاتب السطور لنفسه في ms001 هذا الكتاب تخرج عن ~~حدود الدراسة الأدبية والفنية، وتقتصر على استخراج اللحظات الفلسفية ~~في فكر كامي وعرضها من خلال التيار الديالكتيكي الذي يدفعها ويبث ~~فيها الحياة. وقد كان من الواجب في سبيل ذلك أن يدرس العمل ككل؛ فلا ~~«الغريب» يناقض «الوباء»، ولا «أسطورة سيزيف» تتعارض مع «المتمرد». لا ~~فلسفة المحال تكون فلسفة مستقلة مقفلة على نفسها، ولا فلسفة التمرد ~~تنفيها أو تبطلها، وإنما الكل وحدة ديالكتيكية متشابكة، تجمع بين ~~الطرفين المتقابلين وتؤلف بينهما في وحدة عضوية حية ستحاول ~~الصفحات القادمة أن تكشف عن جوهرها فيما سوف نسميه بالتوتر ~~والتمزق، وليس معنى هذا أننا سننكر التطور المستمر في فكر ألبير ~~كامي، وهو ما لا سبيل في الواقع إلى إنكاره، بل معناه أننا سنعتبر هذا ~~التطور لونا من اتساع الأفق أو امتداد المجال، تسير فيه حركة ~~الفكر من «المحال» إلى «التمرد» ثم من هذا إلى «التضامن»، دون أن ~~تلغي مرحلة منها المرحلة التي تليها، أو تحاول «رفعها»، كما يقول ~~أصحاب المنطق. # 3 # في هذه الصورة الكلية يصبح المحال ضروريا ضرورة التمرد، ~~كما يصبح التضامن بغير التمرد على المحال في أشكاله ~~الميتافيزيقية والتاريخية المختلفة أمرا يصعب تصوره أو التفكير ~~فيه. بهذا نحاول أن نفسر الفكر من خلال الفكر نفسه، أعني بغير حاجة ~~إلى أن نضيف إليه أفكارا أو ألفاظا أخرى غريبة عليه، وسوف يرى ~~القارئ، دون حاجة إلى التأكيد من جانبنا، أننا لم نحاول أن «نمذهب» ~~هذا الفكر - فما أبعده عن أن يكون مذهبا مغلقا مكتفيا بنفسه! - ولا ~~أن نحشره في زمرة الفلسفات الوجودية أو فلسفات الوجود، وهو الخطأ الذي ~~يقع فيه الكثيرون في هذه الأيام، والذي طالما أبعده كامي عن نفسه في ~~أحاديثه وكتاباته. # لقد حمل كامي آلام العصر على كتفيه، وبين أن التاريخ حقيقة لا ~~سبيل إلى إنكارها، لها من الواقعية والأهمية ما لعناصر الطبيعة نفسها. ~~هي حقيقة قاسية، مريرة، حاسمة، هي السعي المستميت الذي يبذله الناس ~~كل يوم لكي يخلعوا على أحلامهم الشفافة شكلا وصورة، # 4 # ولا بد للإنسان الموهوب ms002 من الاختيار؛ فإما أن يكون ~~شاعرا أو مكافحا. وإذا كانت حياة كامي قد علمتنا شيئا، فقد ~~علمتنا أن من الممكن أن يجتمع الشاعر والمكافح في شخص واحد. لقد ~~أثبتت أن في كل إنسان جزءا من الأبدية الخالدة وجزءا من التاريخ ~~المتغير. ولا بد للإنسان من أن يغوص في التاريخ بكليته. إنه لا ~~يستطيع أن يهرب منه؛ لأنه غارق فيه إلى أذنيه، شاء ذلك أم لم يشأ. ~~وعليه أن يكافح فيه، لكي يحافظ على ذلك الجزء الخالد من طبيعته الذي لا ~~يمت للتاريخ بصلة؛ فهناك التاريخ، وهناك أيضا شيء آخر، هو السعادة ~~البسيطة، والجمال الطبيعي، والمشاركة بالقلب والعاطفة في كل ما ينبض ~~بالحياة، وكلها جذور عميقة في كيان الإنسان لا يعرف التاريخ عنها شيئا. # 5 # بقيت ملاحظة صغيرة أحب أن أسوقها بين يدي هذا الكتاب؛ فلما ~~كان المقصود منه أن يكون بحثا في الفكر الفلسفي عند كامي لا دراسة ~~في أدبه وفنه، فقد رأينا ألا نتعرض للأعمال الأدبية إلا بمقدار ما ~~تبين الموقف الفلسفي أو تلقي عليه مزيدا من النور. ولا شك أن ~~محبي أدب كامي وفنه سيأسفون لهذا الشر الذي كان لا بد منه، حتى لا ~~يتجاوز الكتاب حدوده المرسومة، ولكن لا شك أيضا أنهم سيجدون في ~~الترجمات الأمينة التي تتوالى في السنوات الأخيرة على نحو جدير ~~بالحمد والثناء عوضا عن هذا القصور، كما سيجدون في غير هذه الدراسة ~~ما يشبع شوقهم إلى البحث والتفكير. # فلتكن هذه المحاولة خطوة متواضعة لفهم واحد من أكثر المفكرين ~~في عصرنا الحديث نبلا وشجاعة وأمانة، واحد من أولئك الذين يفتخر ~~الإنسان بأنه كان له الشرف أن ينبض قلبه وإياهم في زمن واحد. # | حياة كامي # «إن مملكتي كلها من هذا العالم.» ~~(الظهر والوجه، ص66) ~~«منعني البؤس من أن أعتقد بأن كل ما تحت الشمس وكل ما في ~~التاريخ حسن؛ الشمس علمتني أن التاريخ ليس هو كل شيء.» ~~(مقدمة «الظهر والوجه») ~~«لم أستطع أن أنكر النور الذي ولدت فيه، ولكنني لم أرد في ~~الوقت نفسه أن ms003 أهرب من التزامات عصرنا.» ~~(الصيف: عودة إلى تيباسا) # ولد ألبير كامي في اليوم السابع من نوفمبر عام 1913م، في مدينة ~~موندوفي التابعة لمديرية قسطنطينة بالجزائر. كانت أمه تنحدر من أصل ~~إسباني، وكان أبوه لوسيان عاملا زراعيا، قتل بعد ولادة ابنه الثاني ~~ألبير بأقل من عام واحد في معركة المارن في الحرب العالمية الثانية: ~~«مارن؛ جمجمة مفتوحة. أعمى. أسبوع طويل في صراع مع الموت؛ ... كان قد ~~سقط في ميدان الشرف، كما اعتادوا أن يقولوا لها ... وفضلا عن ذلك فقد ~~أرسل المستشفى العسكري إلى الأرملة شظية صغيرة عثر عليها في جسده الممزق.» # 1 # ورقد الأب في مقبرة سانت-بريوك في مقاطعة بريتاني، بعيدا ~~عن زوجته التي انتقلت من موندوفي إلى مدينة الجزائر. لم تكن تملك ما ~~تعول به طفليها سوى معاش زوجها الصغير وجهد يديها. وراحت تعمل في ~~بيوت الأغنياء، تغسل وتنظف، ثم تعود إلى مسكنها الضيق في حي بلكور ~~المزدحم بسكانه من العرب والأوروبيين. وفتح الصغير عينيه على شمس ~~الجزائر الباهرة، وتعرف على عادات أهلها وطبائعهم، وشعر بعاطفة ~~الحب التي لم تتخل عنه يوما من أيام حياته القصيرة نحو طبيعتها ~~الشابة وأهلها الذين لم تفسد المدنية فطرتهم الأصيلة. # ودخل المدرسة الأولية في بلكور عام 1919م، ليبقى فيها حتى عام ~~1924م، وكان من عادة الأطفال في سنه وطبقته الاجتماعية بعد فراغهم من ~~هذه المدرسة أن يلتحقوا بعمل يدوي يكسبون منه قوت يومهم، لولا أن ~~موهبة الصغير لفتت نظر أستاذه لوي جرمان الذي اقترح له منحة تعينه ~~على دخول المدرسة المتوسطة. ويظل كامي يتردد على هذه المدرسة حتى ~~يحصل على شهادة البكالوريا في عام 1930م. ويشترك في فريق كرة القدم، ~~ويهتم بالمسرح، ويطمح إلى دراسة الفلسفة، ويصاب للمرة الأولى في حياته ~~بالتهاب في الرئة يؤدي إلى إصابته بمرض السل الذي أثر على شخصيته ~~وأعماله فيما بعد. إنه يصف ذلك بنفسه في مقدمة كتابه الأول «الظهر ~~والوجه» (نور وظل، طبعة 1958م): «أضاف هذا المرض بالطبع أغلالا جديدة ~~شاقة إلى الأغلال التي كانت تقيدني بالفعل، ولكنه ms004 في نهاية الأمر ~~قد زاد من تلك الحرية التي يتمتع بها القلب، وذلك الزهد في اهتمامات ~~الناس الذي حفظني من كل إحساس بالمرارة.» ودخل الجامعة، وتعرف على ~~أستاذه جان جرنييه - وقد قام بتدريس الفلسفة في جامعة القاهرة في عامي ~~1949م و1950م - الذي ظل يعترف بفضله عليه مدى حياته. ويتقدم للامتحان ~~النهائي في الفلسفة في جامعة الجزائر، ولكن الفحص الطبي يعفيه منه ~~مرتين، وبذلك يحفظه من احتراف التدريس، كما يدفعه إلى حياة الفن ~~والاشتغال فترة من الوقت بالصحافة. # ويعد رسالة «الليسانس» في الفلسفة عن العلاقات بين الهيلينية ~~والمسيحية في أعمال أفلوطين وأوغسطين، ويقبل على قراءة أبيكتيت، ~~وباسكال، وكيركجارد، ومالرو، وجيد، وبروست، ودستويفسكي، ويشترك في ~~جولة مسرحية مع فرقة الإذاعة في الجزائر، ويشارك في تمثيل ~~المسرحيات الكلاسيكية. ويؤسس فرقة مسرحية من الهواة سماها فرقة ~~ليكيب # L’equipe # كان يقوم فيها بدور ~~الممثل والمؤلف والمخرج والملقن، ويكتشف صوت الفنان في ضميره ~~يحدد له حياته ورسالته، ويعرف أن مصيره قد ارتبط حتى النهاية ~~بالجزائر، أرض الشباب والبحر والشمس التي لا يجد الحزن فيها مكانا ~~يختبئ فيه، وأن واجبه يحتم عليه أن يساهم في بزوغ حضارة جديدة، ذات ~~شخصية فريدة، يشترك في خلقها العرب والمستوطنون الفرنسيون. لقد استطاع ~~على هذه الأرض نفسها أن يكتشف الحقيقة المزدوجة، أن يساهم في أعياد ~~الجمال، وأن يحترق بلهب المأساة، أن يملأ قلبه وعينيه من دفء الشمس، ~~ويرى مع ذلك ظل الموت يخيم على كل لحظة يعيشها، ويتحدى هذه ~~«المغامرة المفزعة القذرة» التي ظلت تتربص به حتى قضت عليه في ~~النهاية. # ويتزوج في العشرين من عمره زواجا لا يلبث أن يفشل بعد وقت قصير، ~~ويدخل الحزب الشيوعي ولكنه يستقيل منه بعد صدور الأوامر إلى أعضائه ~~بتغيير موقفهم من مسلمي الجزائر والكف عن تأييدهم، على أثر زيارة ~~لافال رئيس الوزارة الفرنسية آنذاك لستالين. # كانت سنوات شاقة، مارس فيها مختلف الحرف الممكنة، واضطر أن يتخلى ~~عن وظيفة صغيرة في بلدية المدينة، بعد أن كتب تقريرا عن سكان منطقة ~~القبائل فضح فيه البؤس والتخلف ms005 والجوع الذي يعاني منه أهل هذه ~~المنطقة من العرب. لقد رأى ذات صباح في «تيزي أوزو» كيف يتضارع أطفال ~~عرب مع الكلاب على محتويات صندوق من القمامة، وتبين له الفارق ~~الهائل بين أجور العمال العرب والأوروبيين، وراح يعلن أن من المخجل ~~الزعم بأن شعب القبيلة يعرف كيف يتكيف مع البؤس، ومن الخزي الزعم ~~بأنه لا يحس بنفس الاحتياجات التي يحس بها الأوروبيون. # 2 # وتردد صدى هذا النداء الإنساني في الأسماع، وأتيح للناس ~~أن يقرءوا لرجل يطالب بالعدل والمساواة بين العرب وبين الفرنسيين، ~~ويرفض أن يعيش أولئك على الصدقات التي ينعم بها عليهم هؤلاء، ~~ويستنكر الظلم من بلد تعلن أنها تحارب الظلم في غيرها من البلاد. ~~ونشر التقرير في سلسلة مقالات في صحيفة «ألجيررببليكان» التي اشترك ~~مع باسكال بيا في تأسيسها في عام 1938م، والتي وقفت في شجاعة في وجه ~~السياسة الفرنسية الرسمية في الجزائر، وطالبت بالمساواة العادلة بين ~~العرب والمستوطنين. لم يكن الأمر في هذا التقرير وفي غيره من المقالات ~~التي نشرها في هذه الجريدة أمر رثاء أو تعاطف مع المغلوبين، ولا ~~مجرد دفاع عن المظلومين والمهانين، بل شيئا مختلفا كل الاختلاف؛ ~~فليس في الوجود شيء أهدر للكرامة من رؤية إنسان يعامل معاملة ~~منحطة خالية من الإنسانية، ولكن المستوطنين الذين أعماهم التعصب ~~لم يستطيعوا أن يفهموا رسالته، أو يدركوا الأخطار التي يندفعون فيها ~~بوحشيتهم وأنانيتهم، فراحوا يطالبون بإبعاده عن الجزائر. قال ~~الرؤساء إن التقرير لم يكتب بأسلوب إداري صرف، ووقع الحاكم ~~العام لمدينة الجزائر بالفعل أمرا بطرد كامي من المدينة، وهو ما ~~يوازي حرمانه من سبل الحياة في الجزائر كلها. # واضطر كامي إلى الرحيل إلى بارس، يحمل وصية من زميله باسكال بيا ~~إلى إدارة تحرير صحيفة «باري سوار» التي استطاع أن يعين فيها مخبرا ~~صحفيا. كان ذلك في ربيع عام 1940م، وكانت الحرب العالمية قد اشتعلت ~~وأوروبا قد أذهلها الزحف الألماني الذي يزرد بلدا بعد بلد. واحتل ~~الألمان فرنسا. وانتقلت الصحف إلى داخل البلاد، وانسحب محررو ~~«الباري سوار» إلى «كليموفيران» ms006 # Clemont-Ferran # في مقاطعة الأوفيرن # Auvergne ~~، ومعهم كامي الذي كان ~~يحمل في حقيبته مخطوطة روايته الأولى «الغريب» التي كان يريد أن ~~يطبعها في باريس. وما لبث أن تخلى عن عمله الصحفي؛ لأنه لم يرد أن ~~يقف في صف حكومة فيشي المؤقتة الذليلة، أو يتعاون مع نظام يكرهه من ~~أعماق قلبه. وترك صحيفة «الباري سوار» ورواح يبحث عن مأوى في مدينة ~~ليون. وبقي في هذه المدينة ثلاثة شهور، قفل بعدها راجعا إلى الجزائر ~~ليعيش مع أسرة زوجته في أوران. واستقبلته المدينة في غير اكتراث؛ لا ~~عمل، ولا مال، وسخرية القدر المعتم على الكتفين. ويسافر إلى ~~باريس، ويستمد من وحدته القوة في إتمام أعماله، وانتظار النصر ~~الأدبي الذي يقترب منه. # كانت رواية «الغريب» قد تمت، ومسرحية «كاليجولا» تفرض نفسها عليه ~~منذ عام 1938م، و«سوء فهم» تنضج في ضميره، والصفحات الأولى من «أسطورة ~~سيزيف» تتزايد يوما بعد يوم، والمحال يقيم أسواره الجرداء من حوله. ~~وامتد الاحتلال الألماني لفرنسا أربع سنوات، وكامي يتحداه ~~ويكافحه في السر والعلن، ويواجهه بالجبهة النقية، والنظرة ~~الهادئة، والكلمة الشجاعة. # ويستدعي الناشر جاليمار كامي إليه - وكان قد أرسل إليه روايته ~~«الغريب» - ويعرض عليه وظيفة قارئ في دار النشر المشهورة. وينضم كامي ~~بطبيعة الحال إلى حركة المقاومة السرية في باريس، ويرأس تحرير جريدة ~~«كومبا» (كفاح)، التي جعلت شعارها «من المقاومة إلى الثورة». ويظل ~~كامي يكتب مقالاتها الافتتاحية، ويظل الفرنسيون ينتظرونها كل صباح، ~~تدعوهم إلى مكافحة الظلم، وتذكرهم بأن يحرصوا على العدل؛ فما من شيء ~~يهدى إلى الإنسان، والقليل الذي يمكنه أن يغزوه، لا بد أن يدفع ثمنه ~~بالموت الظالم، ولكن عظمة الإنسان لا تكمن في ذلك، بل في إرادته أن ~~يكون أقوى من القدر البشري، وإذا كان القدر البشري ظالما، فليس ~~أمامه غير وسيلة واحدة ليتغلب عليه، وهي أن يكون هو نفسه ~~عادلا. # ولكن البلد الذي بدا في مظهر الضحية النقية المقدسة مد يده إلى ~~السكين، والمظلوم الذي عانى وطأة الظلم أربع سنوات مريرة لم يلبث أن ~~أمسك بسوط الجلاد في مدغشقر ms007 والجزائر وفي أعمال الانتقام الوحشي ممن ~~اتهموا بالتعاون مع العدو، وعادت سحب الكذب والحقد والصراع على ~~السلطة بين الأحزاب المختلفة تتلبد في سماء باريس. كان النصر على ~~العدو الخارجي أمرا سهلا لا يقاس إلى النصر على العدو الباطن في ~~النفوس، الذي يستلزم المزيد من الشجاعة والألم ودم القلب. وراح كامي في ~~كتاباته وخطبه وأحاديثه يدافع عن كرامة الروح، ويوقظ في النفوس معنى ~~العدل، ويدعو إلى تجديد الفكر السياسي بالشجاعة والتفاهم ~~والنبل. # ولكن كامي كان يقاوم طوفانا أقوى منه. توقفت صحيفة الكومبا بعد ~~ثلاثة أعوام مشرقة تحت رئاسته، لم تخن فيها قضية واحدة من القضايا ~~التي دافعت عنها. واستقال من رئاسة تحريرها واعتزل الصحافة، وإن ظل ~~دائما يعبر عن آرائه في القضايا الملحة في أكثر من مناسبة وفي ~~أكثر من قضية، في مقالات جمعها فيما بعد في كتابه «مشكلات معاصرة» # Actuelles ~~، وتكشف جميعها عن جوهره ~~الحق الذي تلخصه كلمة «الأمانة». إنها جميعا وثائق من عصرنا، لم ~~تترك مشكلة من المشكلات التي تزيد من عذاب البشر في هذا الزمان، بغير ~~أن تدلي فيها برأي، وبغير أن تفصل بين السياسة والأخلاق، أو قل بغير ~~أن تحاول إعادة السياسة مرة أخرى إلى حرم الأخلاق. إنه يستنكر ~~العنف والطغيان في كل صوره وفي أي معسكر كان، كما يستنكر كل فعل ~~يؤدي إلى موت الإنسان، مهما تكن طبيعة الأسباب التي تساق دائما ~~لتبريره. بهذه الروح العادلة المطلقة عالج مشكلات التسلح الذري ~~والحرب الباردة واستنكر الإرهاب الاستعماري في مدغشقر والجزائر، ~~وأيد الثورات الوطنية في قبرص وألمانيا الشرقية والمجر وبولندا، ~~واحتج على الرعب في كل صوره وأشكاله، لا يكتفي بتأكيد المبادئ، بل ~~يقدم دائما الحلول العملية المباشرة المعتدلة. # كان كامي يحمل في كيانه كل صراعات العصر ويتجاوزها بفضل الحماس ~~المتوهج الذي عاناها به. وكان حسه الأخلاقي الشجاع، كما قال له ~~سارتر في رسالته المشهورة بعد النزاع الذي نشب بينهما، # 3 # يذكر الناس بأنه آخر خلفاء شاتوبريان وأكثرهم موهبة، ~~وأنه يقف في صف الأخلاقيين الفرنسيين الكبار في القرنين السابقين، ms008 ~~بجده وحكمته وجرأته. وألف الناس كلمات مثل العدل والأمل ~~والعظمة والنبل تخرج من فمه وتسيل من قلمه، وتبشر بسعادة بشرية ~~من نوع جديد، وإن كان القدر الإنساني القاتم الأليم لا يغيب عن ~~أفقها لحظة واحدة. # وظهرت في عام 1947م رواية الوباء معبرة عن مأساة العصر، واضعة ~~أحداثه في إطار الأسطورة أو الرمز المتحرر من الزمن والمكان، الذي ~~يتطلبه كل عمل فني صادق. وكانت الرواية بفصولها الخمسة الكبرى ~~تراجيديا أكثر منها رواية بالمعنى المألوف، ولعل ذلك هو سر عظمتها ~~ونجاحها في آن واحد. # ولكن الطوفان كان أقوى منه كما قدمنا، والعصر بدا كأنه قد أفلت من ~~كل حد وفقد النظرة الموضوعية للأمور، وسار كالأعمى على الشعار ~~المألوف: الغاية تبرر كل وسيلة. وتتابع الهجوم عليه من اليمين ~~واليسار، من المحافظين والماركسيين بل ومن أولئك الذين هب للدفاع عن ~~حقوقهم. ونشب النزاع المؤسف المشهور بينه وبين صديقه سارتر، هذا ~~يتهمه بأنه برجوازي رجعي، وذلك يرد عليه بأن يهادن الشيوعيين ~~والأمريكيين، ويزن بميزانين في آن واحد. وامتد النزاع فصار ~~هجوما مرا على صفحات مجلة «سارتر» «الأزمنة الحديثة» على كتاب كامي ~~«المتمرد» وألقيت التهم الشخصية عليه مما أدمى قلبه بجراح ~~عميقة، وأثرت فيه تأثيرا جعله يأوي إلى الوحدة والصمت طوال أعوام ~~طويلة. لم يكد يخرج عن هذا الصمت إلا ليظهر روايته الفريدة «السقطة» ~~(1956م)، ويعد اقتباساته المسرحية لروايات من فولكنر (جناز ~~لراهبة) ودستويفسكي (الممسوسون)، ويعيد كتابة وإخراج مسرحيات ~~لكالديرون (التبتل للصليب) ولوب دي فيجا (فارس أولميدو)، ويدون ~~الصفحات الأولى من رواية جديدة لم تتم (الإنسان الأول)، ويخطط ~~لمسرحية جديدة لم تتم أيضا «دون جوان». # كان فيما يبدو قد نفض يديه إلى الأبد من متاعب السياسة العفنة، ~~وأقبل بكل كيانه على الواجب الأساسي لكل كاتب فنان، ألا وهو الخلق ~~والإبداع، وتتابعت الأزمات الشخصية عليه، وهاجمه داء السل القديم ~~في عام 1949م زمنا طويلا، وتوالت الصدمات والمتاعب فألجأته إلى ~~الوحدة الإسبانية الراقدة في أعماق قلبه، التي لم يكن يخرج منها ~~لحظات إلا ليقفل راجعا إلى جزيرته، على ms009 حد قوله في مذكراته ~~اليومية لعام 1951م. # 4 # ولكن المتوحد الغائب كان حاضرا دائما في أذهان الناس وفي ~~قلوبهم. كانوا في كل حدث يقابلهم يسألون أنفسهم ترى ما هو رأي كامي؟ ~~ماذا عساه سيقول الآن ؟ # غير أن كامي لم يقدر له أن يقول كلمته الأخيرة؛ ففي يوم الإثنين ~~الرابع من يناير عام 1960م، وفي الساعة الثانية والربع ظهرا، اصطدمت ~~عربة تسير في سرعة مجنونة على طريق سانس باريس بشجرة اصطداما ~~مروعا. وبين حطام العربة عثر الناس على امرأتين في حالة إغماء، ~~وسائق جريح مات بعد الحادث بأربعة أيام - وكان هو الناشر ميشيل ~~جاليمار - ومسافر رابع مات للحظته، كانت عيناه قد برزتا قليلا، ~~والدم تناثر على رقبته، وعلى وجهه أمارات الهدوء والدهشة. وحين ~~فتشوا جيوبه وجدوا فيها تذكرة سفر بالسكة الحديدية لم يستعملها ~~صاحبها، كما قرءوا في بطاقته هذه الكلمات: «ألبير كامي. كاتب. ولد في ~~7 نوفمبر 1913م، في موندوفي، مديرية قسطنطينة.» # وكأن الناس لم يتحدوا في ذلك اليوم في شيء كما اتحدوا في حزنهم ~~على كامي. وكأن صرخة واحدة هي التي خرجت من بين شفاههم: هذا الموت ~~الظالم. هذا الموت المحال. # | المحال # | تمهيد # «خنق الجلاد الكاردينال كارافا بحبل من حرير، انقطع منه، كان ~~عليه أن يحاول مرة ثانية، تطلع الكاردينال إلى الجلاد، دون ~~أن ينبس بكلمة واحدة.» # ستندال: دوقة باليانو ~~(وضعها كامي في مقدمة كتابه «أعراس») ~~«نحن نعلم أن الشمس تكون في بعض الأحيان معتمة.» # كامي ~~(1) المحال # 1 # في الاستعمال اللغوي # أي معنى تحاول هذه الكلمة أن تعبر عنه، وهي تلغي كما يبدو ~~من اسمها كل معنى؟ وماذا يمكن أن يقال عما يستعصي في ظاهره على ~~كل مقال؟ وهل في وسع العقل أن يحكم بشيء عن كل ما ينفي العقل ~~ويخالف المعقول؟ ~~(أ) # قد يدل «المحال»، كما تخبرنا المعاجم اللغوية ~~والفلسفية، عن أمرين؛ فهو قد يعبر تارة عن فساد في ~~اللغة أو الذوق العام، أو عما لا يستقيم مع القواعد ~~المألوفة في هذه اللغة أو هذا الذوق، # 2 # وهو تارة ms010 أخرى يدل على ما ينافي العقل ~~ويخرج عما يمكن الحكم عليه بالخطأ أو بالصواب. ~~والأساس المنطقي في الأمرين واحد؛ فالخروج عن قواعد ~~اللغة هو في الوقت نفسه خروج عن قواعد المنطق التي ~~تحكم هذه اللغة، والخروج عن قواعد المنطق يستتبع ~~بالضرورة الخروج عن اللغة التي يحكم المنطق بناءها ~~ويجعلها صالحة للتفاهم والتعبير؛ ففي استطاعتنا إذن ~~أن نأخذ الكلمة بوجه عام للدلالة على ما يخالف ~~العقل، وبوجه أعم على ما يعجز العقل عن أن يقرر في ~~شأنه إن كان يخالفه أو لا يخالفه. وأعم من هذا وذاك ~~وأشد غموضا إطلاق كلمة المحال في لغة كل يوم على ~~ما يعتقد الإنسان أنه يخالف العقل، سواء في ذلك أكان ~~الحديث عن لفظة أو فكرة أو إنسان. # 3 # ومن المألوف في حياتنا اليومية أن نطلق ~~صفة الاستحالة على كل ما يتعارض مع ما نسميه عادة ب ~~«العقل السليم»، وأن نبادر فنقول إن كل ما يناقض ~~عاداتنا العقلية والفكرية، أو ما لا يدل على دلالة ~~معينة تواضعنا عليها بحكم العقل أو حكم التقليد ~~فهو محال. ~~(ب) # أما في الفلسفة فنحن نفهم عادة تحت كلمة المحال ما ~~يتعارض مع قوانين المنطق؛ فالفكرة «المحالة» فكرة لا ~~سبيل إلى التوفيق بين عناصرها والتأليف بين أجزائها. ~~والحكم «المحال» حكم يتضمن غلطا ينتهي به بالضرورة ~~إلى نتيجة باطلة، ويكشف عن الفساد في بنائه الصوري. ~~والمحال بهذا المعنى أعم من التناقض - الذي يجمع ~~الضدين في حكم واحد وفي وقت واحد بالذات - وأقل ~~تعميما من الخطأ والفساد؛ لأنه لا يدل على صدق ولا ~~على كذب، وقد يدل عليهما معا في وقت واحد. ~~(ج) # ولا يندر أن نقع في الكتابات الفلسفية وأشباهها على ~~مثل هذه القضية: «العالم محال». ألا تعني هذه القضية ~~أن العالم مجرد عن المعنى، أو أنه خال من كل غاية ~~يمكن أن يهدف إليها الموجود من وجوده؟ # لو أن الأمر كان كذلك لما كان في مثل القضية ما ~~يستحق القليل أو الكثير من الكلام؛ لأنها ستترك عندئذ ~~مجال العقل وتدخل ms011 في مجال العاطفة والانفعال. وقد ~~تثير فينا ما تثيره صرخة نفس يائسة خاب ظنها في ~~الحياة، ولكن العقل سيعرض عنها في كبرياء وسيجد أنها ~~لا تستحق منه قليلا ولا كثيرا من العناء؛ فما أكثر ~~ما تنطلق مثل هذه الصرخات من شفاه الحائرين ~~والمعذبين، ومن فقدوا في عدالة الأقدار كل أمل ~~ورجاء! وما أكثر ما سمعناها تتردد كالصدى الضائع ~~المكتوم إثر كوارث الطبيعة في لشبونة أو أجادير، من ~~أفواه أناس كانوا يقدسون التجانس والكمال في معبد ~~الطبيعة فإذا بهم يقفون أمام أطلاله الخربة، ويرون ~~بأعينهم ما آل إليه أفضل العوالم الممكنة! «كما تقول ~~عبارة ليبنتس المشهورة». وسواء كان ذلك عن قصد أو عن ~~غير قصد، فإن مثل هذه العبارة المريرة «العالم محال، ~~أو العالم لا معنى له» قد تدل على خيبة الأمل كما ~~تدل على عدم المبالاة، ولكنها قد تعبر كذلك عن ~~حال التوقف والانتظار، حيث لا يعني المحال الصدق ~~ولا البطلان، ولا يدل على الخطأ ولا على ~~الصواب. # فإن كان المحال لا يعني أمرا من بين هذين الأمرين اللذين لا ~~يتعداهما الفكر بحال، وإذا كان من اللازم المحتوم لكل قضية أن ~~تكون إما صادقة أو كاذبة ولا توسط بينهما - على نحو ما يقضي به ~~المنطق التقليدي وما يقول به «الحس السليم» الذي نسير على هداه في ~~حياتنا اليومية - فهل هنالك إمكانية ثالثة بين هذين الأمرين أو ~~وراءهما؟ هل يمكن أن تكون هناك قضية لا يجوز عليها الصدق ولا ~~الكذب، أو يجوز أن تكون صادقة وكاذبة في آن واحد، بحيث يمكن أن ~~نطلق عليها اسم المحال؟ # ذلك ما نود الآن أن ننظر فيه من وجهة نظر المنطق، تاركين ~~المحال ودلالاته المختلفة عند كامي إلى حين، لنقف وقفة قصيرة ~~عند الأزمة التي نشبت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن بين ~~المناطقة والرياضيين، وهي التي تعرف باسم «أزمة الثالث ~~المرفوع». ~~(2) المحال والمنطق: أزمة قانون الثالث المرفوع # لا يشك اليوم اثنان في أن هناك في مجال الفكر العلمي الدقيق ~~ظاهرات تتعدى حدود التصورات ms012 التقليدية في المنطق الصوري، ~~والرياضة والفزياء الكلاسيكية. وظاهرة المحال هي إحدى هذه ~~الظاهرات التي لا تنطبق عليها قوانين المنطق التي صاغها أرسطو، ~~والتي أدت إلى الأزمة المعروفة بأزمة «الثالث المرفوع». # فمن المعروف أن أرسطو قد حدد مبدأ الثالث المرفوع في كتاب ~~العبارة بقوله بأن الموجود إما أن يكون أو لا يكون، ولا توسط ~~بينهما؛ لأن الأمر مع ما لا يكون ولكن يمكن أن يكون أو لا يكون ~~يختلف عنه مع ما يكون. # 4 # وهذه العبارة تلخص المبدأ المنطقي القديم الذي يقوم ~~على أساسه بناء المنطق كله؛ فالقضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة، ~~وليس هناك حل ثالث؛ أي إنه يستحيل عليها أن تكون صادقة وكاذبة ~~في وقت واحد، كما يستحيل عليها ألا تكون صادقة ولا كاذبة في وقت ~~واحد أيضا. ومن الواضح أن هذا المبدأ الذي يطلق عليه في المنطق ~~اسم الثالث المرفوع هو النتيجة الضرورية المترتبة على مبدأ عدم ~~التناقض، الذي يقول إن القضية لا يمكن أن تكون صادقة وكاذبة في آن ~~واحد وبنفس العلاقة. # ومن المعلوم أيضا أن مبدأ الثالث المرفوع يلعب دورا هاما ~~فيما يسمى بمنطق السلب أو النفي. وربما ترجع أهميته في السنوات ~~الأخيرة فيما ترجع إليه إلى الأزمة التي أثارها بين أصحاب النزعة ~~الصورية # Formalism # وأصحاب النزعة ~~الحدسية # Intuitionism # في الرياضة ~~الحديثة، وبين نظريات المنطق الحديث ذي القيم المتعددة، بل في ~~المراحل الأخيرة التي تطورت إليها الفزياء، وبخاصة فيما يتصل ~~بعلاقة هيزنبرج الشهيرة التي تسمى عادة باسم علاقة عدم ~~التحدد أو عدم الدقة. # 5 # إن المنطق التقليدي يتبع مبدأ عدم التناقض بمبدأ الثالث ~~المرفوع؛ فبينما يقول مبدأ عدم التناقض في صورته العامة بأن ~~الحكمين المتعارضين لا يمكن أن يكونا صادقين في وقت واحد، نجد ~~مبدأ الثالث المرفوع يؤكد أن الحكمين المتناقضين لا يمكن أن ~~يكونا فاسدين معا. فإذا كان الحكم س هي ب حكما فاسدا، فإن ~~الحكم س ليست هي ب حكم صادق بالضرورة، أو إذا كان الحكم «س ليست هي ~~ب» حكما فاسدا، فإن ms013 الحكم «س ي ب» حكم صادق بالضرورة. # 6 # أي إننا نستطيع أن نعبر عن مبدأ الثالث المرفوع على ~~هذه الصورة؛ بين الصدق والفساد، بين التأكيد والنفي، لا يوجد ~~ثمة مكان لإمكانية ثالثة. # وجدير بالذكر أن الجدال حول استبعاد هذه الإمكانية الثالثة بين ~~الصدق والفساد أو إفساح مكان لها أمر قديم يرجع إلى ما قبل ظهور ~~أشكال المنطق ذي القيم المتعددة، كما يسبق النقد الذي وجهه ~~الرياضيون أنفسهم في مطلع هذا القرن إلى مبادئ التفكير الرياضي؛ ~~فجون ستيوارت مل يلاحظ # 7 # أن بين الصدق والكذب دائما ما يوجد مجال لإمكانية ~~ثالثة يسميها باللامعنى. # 8 # أما عالما المنطق الشهيران ج. ه. برادلي # 9 # وت. ن كينز فيجيبان بأن القضية التي تعبر عن ~~المحال قضية متناقضة في ذاتها، وأن مبدأ الثالث المرفوع إنما ~~ينطبق على القضايا وحدها؛ ولذلك فإن «إما-أو» التي تقرر بحسب ~~تعريفها صدق القضية أو كذبها ليس فيها أدنى تحفظ، ولا يمكن أن ~~تسمح بأية استثناء. ويسأل القارئ نفسه: ألا يمكن أن توجد إلى جانب ~~«نعم أو لا» التي يتطلبها مبدأ الثالث المرفوع إمكانية ثالثة تسمح ~~ب «نعم ولا» أو لا تسمح لا بالنعم ولا باللا؟! سؤال محير يرفضه ~~المنطق التقليدي أصلا، ولا يجد مجالا لمناقشته. إنه يستبعد ~~الإجابتين معا، فإذا وجد امرؤ أنه مسوق إلى إحداهما فإن الرأي ~~عنده أن السؤال قد أسيء وضعه، وأنه قد ترك نفسه ينزلق إلى اختيار ~~بين موقفين كلاهما فاسد ومرفوض؛ لذلك كانت كل مشكلة يواجهها ~~العقل تلزمه بأن يجيب عليها نفيا أو إيجابا، وأن يصفها بالصدق ~~فيقبلها أو يدمغها بالبطلان فيطرحها جانبا، مدفوعا في ذلك ~~بالتقابل القاطع بين الصدق والكذب وبين الصحة والفساد-صدق أو كذب، ~~نعم أو لا، هنا نجد ثنائية الإيجاب والسلب التي تؤلف نسيج الفهم ~~والتفكير بوجه عام. # أدى تطور العلوم الطبيعية منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى ~~إعادة النظر في المسلمات الرياضية وفي الأسس التي تقوم عليها ~~الفزياء الرياضية مما أدى بدوره إلى إثارة الجدل حول مبدأ ~~الثالث المرفوع ومدى انطباقه ms014 على المجالات الجديدة التي لم يكن ~~المنطق التقليدي يعرف عنها شيئا. # فالمنطق الذي تسير عليه ~~العلوم الطبيعية الحديثة كما نسير عليه في حياتنا اليومية بطريقة ~~تلقائية هو المنطق التقليدي أو منطق القيمتين. أما المكتشفات ~~الجديدة التي هزت كيان العلم فقد كان لا بد لمواجهتها من تجاوز ~~منطق الثالث المرفوع إلى منطق ذي قيم متعددة، يسمح على الأقل ~~بإيجاد قيمة متوسطة بين اللا والنعم، وبين الصدق والكذب. وقد أفضت ~~إلى هذه المباحث المنطقية صعوبتان تسببت إحداهما عن المفارقات ~~التي قابلها التفكير الرياضي في نظرية المجاميع، وفي مشكلة ~~اللامتناهي، والأخرى فيما يسمى بمنطق الكم التي استلزمت ضرورة ~~تعديل قوانين الميكانيكا (ومن المعروف في تاريخ المنطق الحديث أن ~~هانز ريشنباخ هو الذي طبق منطق القيم المتعددة على ميكانيكا ~~الكم). # أما فيما يتصل بأزمة الأسس التي تقوم عليها الرياضة فهناك ~~اتجاهان متقابلان، لكل منهما وجهة نظره في مشكلة الأساس الذي ~~تقوم عليه الرياضة، اصطلح على تسمية أحدهما ب «الحدسية» (ومن ~~أشهر المنادين بها بروور وديفوش) والآخر ب «الشكلية أو الصورية» ~~التي تبني الفكر الرياضي على مجموعة المسلمات البديهية. ومجمل ~~النزاع الذي نشب في العشرينيات من هذا القرن يمكن التعبير عنه في ~~هذا السؤال: هل تقوم الرياضة على أساس حدسي أم على أساس صوري؟ # 10 # والحقيقة أن هذه المشكلة في جوهرها مشكلة فلسفية، والنزعتان ~~المتعارضتان فيها تكشفان عن تأثير صراع قديم محتدم في مجال ~~الفلسفة نفسها. ولما لم يكن في استطاعتنا أن ندخل في تفاصيل أزمة ~~أسس الرياضة من وجهة نظر علمية بحتة، لافتقارنا إلى التخصص ~~الدقيق من ناحية، واقتصارنا على الجانب الفلسفي وحده من ناحية ~~أخرى، فسوف نكتفي بالكلام عن مبدأ الثالث المرفوع وحده، وعن ~~الأزمة التي عاناها في السنوات الأخيرة وأدت بالبعض إلى الشك في ~~صلاحيته صلاحية مطلقة، والنقد الذي وجه إليه من جانب النزعة ~~الحدسية الرياضية ومن أصحاب المنطق المتعدد القيم. # إن نقطة البدء الأساسية عند أصحاب هذه النزعة الحدسية هي الشك ~~في صلاحية مبدأ الثالث المرفوع لأن يطبق على المجموعات الرياضية ms015 ~~غير المتناهية. # 11 # ويمكننا أن نسوق مثلا من ذلك للتعبير عن رأي بروور في ~~هذا الصدد. # فلو سلمنا بأن أعداد المتتالية الحرة # 12 # غير المتناهية (ف) هي كما يلي: 1، 6، 28، 3، 9، 11 ... ~~فسيكون في استطاعتنا في هذه اللحظة أن نقول عن هذه المتتالية إن «ف ~~تحتوي على العدد 9»، ولكننا لن نستطيع أن نقول عنها «إنها تحتوي ~~العدد 4» ولا أن نقول إنها «لا تحتوي على العدد 4»؛ ذلك لأننا لا ~~نستطيع في هذه الآونة أن نصدر حكما قاطعا بذلك. يبدو إذن أن ~~مبدأ الثالث المرفوع، الذي يقضي بأن يكون أحد الحكمين ~~المتناقضين صادقا والآخر كاذبا، لا يصلح في ميدان المتواليات ~~العددية غير المتناهية صلاحية مطلقة، بل يسمح ببعض الاستثناء؛ ~~فالحكمان الآتيان: ~~(1) # يوجد في المتتالية (ف) عدد له خاصية (1). ~~(2) # جميع أعداد المتتالية (ف) لهم الخاصية (1). # ليس لهما حكم مضاد يناقضهما مناقضة حقيقية؛ أي إن نقيضهما ~~المبني بناء صوريا خالصا لا يخضع لمبدأ الثالث المرفوع؛ إذ ليس ~~له معنى موضوعي ملموس. والحكمان النافيان لهما: ~~(1) # لا يوجد في المتتالية (ف) عدد له خاصية ~~(1). ~~(2) # لا تحتوي جميع أعداد المتتالية (ف) على الخاصية ~~(1). # يحتويان على معنى موضوعي واضح بالنسبة للمتتالية الحرة ف؛ ~~فكلا الحكمين يشير إلى موقف لا يمكن القطع فيه بشيء؛ إذ لا يمكن ~~في حالة المتتالية الحرة - وهي تختلف عن المتتالية التي تحددها ~~قوانين معينة - أن نتنبأ بالأعداد التي قد ترد فيها، ولا يمكن ~~لذلك أيضا أن نقطع بأن عددا من الأعداد ذات الخاصية (1) لن يظهر ~~فيها. وإذن فإمكانية ظهور استثناء على نحو من الأنحاء الموجودة، ~~غير أننا لا نستطيع أن نقرر بشكل محدد إن كان هذا الاستثناء ~~سيصبح أمرا واقعا. # 13 # فالقضية الفاصلة # Disjunktion ~~«إما أن يوجد في ~~المتتاليات الحرة عدد له الخاصية (أ) أو لا يوجد» ليست قضية ~~فاصلة حقيقية؛ وعلى ذلك فإن علينا، كما يرى بروور، أن نفسح ~~مجالا لعدم القطع بالنسبة للقضايا المتعلقة بالمجاميع ~~اللامتناهية. ويترتب على ذلك أيضا أن تحسب حساب إمكانية ثالثة ~~بين القضية القائلة: «يوجد عدد له الخاصية (أ)» وبين ms016 القضية التي ~~تنفيها وتقول: «لا يوجد عدد له الخاصية أ». وبذلك يحتمل مبدأ ~~الثالث المرفوع الاستثناء، كما يفلت اللامتناهي من تطبيق هذا ~~المبدأ عليه، وتظل القضايا التي تعبر عنه وراء الصدق والكذب ~~جميعا. لا بد إذن من أن نسلم بوجود قيمة منطقية ثالثة، ~~سيصطلح على تسميتها بالمحال. أو بتعبير أدق، ما لا يمكن ~~البرهنة على صدقه ولا على كذبه؛ إذ إن الكذب لا يعد نقيضا ~~للصدق إلا حيث يكون التحقق منهما ممكنا. # 14 # ولا بأس هنا من أن نذكر حكاية المفارقة الطريفة التي يمثل ~~بها العالم المنطقي بروور للموقف الحرج الذي وجد الرياضيون ~~والمناطقة أنفسهم فيه، وهي الحكاية المعروفة بحكاية العمالقة ~~المنطقيين؛ فقد كان هؤلاء العمالقة يسكنون جزيرة نائية، ويقتلون ~~كل غريب يسوقه سوء حظه إلى شواطئها. لقد كان على كل غريب أن ~~يجيب على سؤال معين يوجهه العمالقة إليه. وسواء أكانت ~~الإجابة صادقة أو كاذبة فلم يكن له مفر من أن يضحى به على ~~مذبح الصدق أو مذبح الكذب. وذات يوم يوجه العمالقة كعادتهم ~~سؤالهم الخالد إلى أحد الغرباء: ماذا سيكون مصيرك؟ ويجيب الغريب ~~قائلا: سوف يضحى بي على مذبح الكذب. ويفاجأ العمالقة وتشيع ~~الحيرة بينهم. لقد اكتشف الغريب الإجابة التي تفلت من تقابل ~~الأضداد وتتجاوز الصدق والكذب جميعا، وتتعدى بذلك مبدأ الثالث ~~المرفوع. لقد أعجز العمالقة الحكم على إجابته بالصدق أو بالكذب، ~~وفوت عليهم فرصة التضحية به على أحد المذبحين! # وقد وضع المنطقي إ. هايتنج # 15 # منطقا اقتدى فيه بأنموذج المنطق التقليدي، ولكنه ~~استبعد منه مبدأ الثالث المرفوع؛ فهو منطق ذو قيم ثلاثة؛ ما يمكن ~~البرهنة على أنه صدق، وما يمكن البرهنة على أنه كذب، وما لا يمكن ~~البرهنة على صدقه أو كذبه، ويعبر عن هذه القيم في حساب القضايا ~~المنطقية على هذا النحو العددي: صادق = 1، كاذب = 0، لا صادق ولا ~~كاذب = 1. والنتيجة الهامة المترتبة على ذلك هي نبذ المساواة ~~التقليدية في القيمة بين الإيجاب والنفي المزدوج، بحيث لا يبقى ~~لمبدأ عدم التناقض، الذي يقوم كما رأينا على مبدأ ms017 الثالث المرفوع، ~~غير قيمة واهية؛ إذ يمكن للنفي المزدوج في هذه الحالة أن ~~يتعلق بالقضية الصادقة أو بالقضية التي لا سبيل للبرهنة على ~~صدقها أو كذبها سواء بسواء. # أما ريشنباخ فقد ذهب مذهبا آخر، لقد أراد أن يدخل على المنطق ~~حساب احتمالات يسلم فيه بقيم ثلاث: 1، 0، 1 / 2 حيث تكون ~~1 / 2 هي القيمة المنطقية غير المحددة. هذه القيمة الثالثة هي ~~النتيجة المترتبة على فزياء الكم، أو بعبارة أدق على علاقة ~~عدم التحدد التي قال بها هيزنبرج. وبذلك يكون المنطق التقليدي ~~الذي وضع أرسطو بناءه المتكامل، وظن الفلاسفة إلى عهد «كانت» أنه ~~لا يمكن إضافة شيء جديد إليه، أقول يصبح هذا المنطق التقليدي ~~مجرد حالة خاصة من حالات منطق الاحتمالات، لا يراعى فيه ~~الاحتمالان المتطرفان، ونعني بهما الاحتمالية اللامتناهية، أو ~~اليقين، واحتمالية الصفر أو الكذب (وقريب من هذا محاولات ج. ل. ~~ديفوش في إقامة منطق عام يضع فيه الأساس المنطقي للفزياء ~~الحديثة). # والحق أن محاولات أصحاب المنطق ذي القيم الثلاث (بل وأصحاب ~~المنطق ذي القيم المتعددة إلى ما لا نهاية له من القيم مثل ~~لوكازيفتش وأتباعه) لها ما يبررها من الواقع العلمي الحديث؛ ~~فالموقف الحاضر في العلم الطبيعي في الرياضة والفزياء على السواء، ~~قد لفت أنظار العلماء إلى مراجعة الأسس التي يقوم عليها المنطق ~~وتعديل شكلها التقليدي، وإعادة النظر في مجموعة المسلمات ~~البديهية التي يقوم عليها الفكر، وبخاصة بعد أن تبين لهم من ~~نتائج البحوث في بعض فروع الرياضة والفزياء والرياضية أن بعض ~~البديهيات الواضحة لم تعد من البداهة والوضوح بما كانت عليه من ~~قبل. وليس هنا مكان التعرض لهذه المشكلات وتتبع تطورها ~~منذ احتدام أزمة الأسس الرياضية إلى اليوم. إن ما نريده لا يتعدى ~~الإشارة إلى الفكرة الرئيسة التي قدح بها بروور ومدرسته شرارة تلك ~~الأزمة، وإلى إمكانية وجود قيمة ثالثة بين الصدق والكذب من وجهة ~~النظر الصورية البحتة؛ أي صلاحية مبدأ الثالث المرفوع كمبدأ ~~ومثال منطقي. ~~(أ) # فبالنسبة للأعداد التي لم تحدد بعد في متتالية ~~حرة (ف) مثل ms018 1، 6، 28، 3، 9، 11 ... تكون القضية ~~القائلة إن «ف تحتوي على العدد 4» قضية مستحيلة ~~وخالية من كل معنى مثلها في ذلك مثل القضية الأخرى ~~القائلة «إن ف لا تحتوي على العدد 4». # 16 # والقضية الوحيدة التي يمكن أن تقال فيكون ~~لها معنى هي هذه القضية: «المتتالية ف يمكن أن تحتوي ~~على العدد 4 ويمكن ألا تحتوي عليه»، وإذن فكل ما ~~نستطيع قوله من وجهة النظر الصورية هو ما يلي: كل ~~مقولة عن متتالية حرة وكل مقال منفصل يخالف ~~معناها فهي مقولة متناقضة في ذاتها. ~~(ب) # يرفض بروور مبدأ الثالث المرفوع باعتباره المبدأ ~~الذي تقوم عليه كل معرفة. وهجومه عليه، وإن يكن له ما ~~يبرره من الناحية الموضوعية، لا ينصب في الحقيقة ~~على مبدأ الثالث المرفوع # Tertium non ~~datur # بمعناه المنطقي الخالص. ~~يقول بروور: «في رأيي أن مسلمة الحل (يعني بذلك ~~المسلمة التي تقول إن كل مشكلة رياضية فهي قابلة ~~في أساسها للحل، وهذه المسلمة تقوم بدورها، في ~~النزعة الرياضية الصورية، على صحة مبدأ الثالث ~~المرفوع) ومبدأ الثالث المرفوع كلاهما فاسد، وقد نشأ ~~الاعتقاد بهما من الناحية التاريخية من استخلاص المنطق ~~التقليدي من رياضة المجاميع الجزئية لمجموعة متناهية ~~بذاتها، ثم إعطاء هذا المنطق بشكل قبلي وجودا ~~مستقلا عن الرياضة وتطبيقه أخيرا بغير حق - على ~~أساس هذه القبلية المزعومة - على رياضة المجاميع غير المتناهية.» # 17 # وبروور بهذا الزعم يسيء فهم المنطق الأرسطي في ~~منشئه ومعناه، وهو الذي أراد به أن يثبت دعائم العلم ~~الحق والتقنين المضبوط، ويقع في الخطأ الذي نصادفه ~~كثيرا لدى الرياضيين وأصحاب المنطق الرياضي؛ فالواقع ~~أن الأمر هنا يتعلق بصحة التصورات المنطقية لا ~~بنظرية المجاميع المتناهية، لقد استخلص أرسطو الصورة ~~المنطقية مستجيبا في ذلك للحاجة إلى تدعيم التفكير ~~التصوري وتأمينه ولنزعته الأصلية لكل ما هو شكلي ~~وصوري. وحين أراد أن يضرب الأمثلة لما يقول لم يستطع ~~لسوء الحظ أن يستغني عن الاستعانة بالعيانات الكمية، ~~مما أدى إلى بعض اللبس في أقواله. # 18 ~~(ج) # إن مبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع مبدآن صحيحان ~~صحة مطلقة ms019 بالنسبة لكل ما هو موجود؛ أي بالنسبة لما ~~هو كائن أو لما يمكن أن يكون. وهما بذلك يقومان على ~~أساس جوهر الموجود نفسه وطبيعته. وقد لاحظ أرسطو بنفسه ~~أن مبدأ الثالث المرفوع يتعلق بالحاضر والماضي، ~~وبذلك يمكن للإيجاب والسلب أن يكونا صادقين أو ~~كاذبين. أما في مجال الممكن والمستقبل - ما بقيت ~~أسبابهما مجهولة - فلا يمكن لإيجاب ولا سلب أن يحكم ~~في شأنهما بالصدق أو بالكذب «لأن الأمر فيما يتعلق ~~بما لا وجود له، ولكن يمكن أن يوجد أو لا يوجد، ~~يختلف عنه فيما يتعلق بما هو موجود.» كما تقول عبارة ~~أرسطو التي أوردناها من قبل. ~~(د) # كثيرا ما يساء استخدام مبدأ الثالث المرفوع ~~وتطبيقه في أفكارنا اليومية وتأملاتنا المنطقية؛ ~~فكم من أحكام تواجهنا نجدها حقا متقابلة تقابل ~~الضدين، حتى إذا أمعنا النظر فيها وجدنا أن مبدأ ~~الثالث المرفوع لا ينطبق عليها ولا يصح لها؛ # 19 # فقولنا مثلا إن «جوته شاعر من شعراء ~~العاصفة والاندفاع»، # 20 # وقولنا إنه «ليس شاعرا من شعراء العاصفة ~~والاندفاع». وقولنا إن «الحصان أبيض» أو إنه «ليس ~~بأبيض» أمثلة مختلفة لأحكام لا تحتوي على تضاد ولا ~~انفصال حقيقي؛ ولذلك فكلاهما فاسد من وجهة النظر ~~المنطقية الخالصة؛ فالقضية الأولى تنطبق على جوته في ~~مرحلة من مراحل تطوره العقلي والفني، ولكنها لا ~~تنطبق عليه في مرحلته الكلاسيكية أو مرحلة شيخوخته ~~المتأخرة. وكذلك الشأن في القضية الثانية؛ فالحصان قد ~~يكون أبيض في الجبهة، أسود الساقين، بحيث يمكن القول ~~عنه إنه أبيض وأسود في وقت واحد. غير أننا لو ~~توخينا الدقة لوجدنا أن هناك أوصافا معينة بذاتها ~~أو أضدادها هي التي يمكن لها وحدها أن تطلق على شيء ~~معين في نقطة مكانية وزمانية بعينها. وهنا لا بد ~~من اتباع مبدأ التفرد بكل دقة وتحديد الواقع ~~المكاني والزماني تحديدا تاما لكي يمكن التحقق من ~~القضية التي نقولها عنهما بعد ذلك؛ فجوته في مثالنا ~~السابق يمكن في مرحلة زمنية معينة أن يكون شاعرا ~~من شعراء العاصفة والاندفاع أو لا يكون، كما يمكن ~~للحصان ms020 في نقطة معينة من جسمه أن يكون أبيض أو ~~أسود، ولكنه لا يمكن أن يحتمل الاثنين معا في آن ~~واحد ومن جهة واحدة. # وإذن فمبدأ الثالث المرفوع يصلح لأن يطبق على ~~الأحكام المتضادة بحق (مثل أ هي ب، وأ ليست هي ب) لا ~~على الأحكام المتقابلة تقابلا عكسيا بحيث يمكن أن ~~يكون كلا الحكمين فاسدين في وقت واحد، كما يمكن أن ~~يقوم بينهما حكم ثالث. وإذن فالاعتراضات التي ~~يوجهها بعض الرياضيين والمناطقة إنما تنطبق على ~~الفصل # Disjunktion # الفردي لا على مبدأ الثالث المرفوع بما هو ~~كذلك. ~~(ه) # ما أهمية هذه القيمة الثالثة التي تحدثنا عنها إذن، ~~والتي لا ينطبق عليها الصدق ولا الكذب، وقد تكون مع ~~ذلك صادقة وكاذبة في وقت واحد، هذه القيمة التي ~~نطلق عليها أوصافا مختلفة، فنصفها حينا بأنها تلك ~~التي لا يمكن البرهنة عليها أو تحديدها، ونصفها ~~حينا آخر بالمحال؟ الواقع أن هذه الكلمات إن كانت قد ~~احتفظت حتى الآن بمعنى حدسي يزيد على طابعها ~~التقليدي، فإنها لا تدل في الواقع على قيمة منطقية، ~~بل على استحالة التوصل في بعض الأحوال إلى تحديد ~~دقيق للقيمة المنطقية، فهل يجوز لنا أن نجعل من افتقاد ~~القيمة المنطقية قيمة؟ ربما كان هذا الحل مريحا من ~~الناحية الشكلية الخالصة، ولكنه لن يغير من الموقف ~~الأصلي في شيء؛ فهذه القيمة الثالثة تدل في حقيقة ~~الأمر على العجز عن تقرير الصدق أو الكذب في أحوال ~~معينة. إنها تعبر، كما قلنا من قبل، عن موقف لم ~~يقطع فيه بشيء، وفي مثل هذا الموقف لن يكون مبدأ ~~الثالث المرفوع هو المبدأ الوحيد الذي لا بد من طرحه ~~والاستغناء عنه، بل إن القدرة على المعرفة هي نفسها ~~التي ستتعطل وتصاب بالبلبلة أو الجمود. # 21 ~~(و) # لا يمكن أن يكون مبدأ الثالث المرفوع مبدأ خاطئا. ~~ومع ذلك فقد يكون من واجبات المعرفة في لحظة من لحظات ~~تاريخها أن تسمح على الأقل في بعض الظروف بوجود ~~قيمة ثالثة إلى جانب قيمتي الصدق والكذب أو التأكيد ~~والنفي لقضية ms021 من القضايا. ولا يصح أن يؤدي هذا ~~الاستثناء إلى طرح مبدأ الثالث المرفوع. إنها تبين ~~حدوده وحسب. فمثال المعرفة، الذي يجد التعبير عنه في ~~هذا المبدأ المنطقي، لا يصح النيل منه أو الانتقاص من ~~شأنه. إن عليه أن يحتفظ بكل ما فيه من دقته وإحكامه. ~~ومع ذلك فإن من الواجب أن نضيف أنه ينبغي تطبيقه بحذر، ~~وأن الفكر ليس قادرا على تطبيقه في جميع الأحوال. ~~ولقد اعترف بذلك أحد المناطقة التقليديين أنفسهم، وهو ~~برادلي؛ حيث يقول: «إن مبدأ الثالث المرفوع على الرغم ~~من أهميته وضرورته، ليس صادقا صدقا مطلقا. إنه ~~يفترض عالما منفصلا يتألف من وقائع غير مترابطة، ~~وحقيقته نسبية ومقصورة على الواقع كما هو ماثل في مثل ~~ذلك العالم.» # 22 ~~(ز) # ربما دار في خلد القارئ بعد هذه الملاحظات التي ~~سقناها عن مشكلة المحال في المنطق الحديث أن في ~~استطاعتنا أن نبحث عن طبيعة المحال عند كامي، وهو ~~الذي يهمنا في هذا المقام بوجه خاص، بطريقة ~~منطقية صورية. غير أننا سنتبين من الفصل القادم أن ~~الأمر على خلاف ذلك تماما، وأن المحال عند كامي لا ~~يمكن أن يفهم إلا بطريقة ديالكتيكية-وجودية. ونود ~~قبل أن نتعرض لذلك بشيء من التفصيل أن نقرر هذه ~~الحقائق التي انتهينا إليها من حديثنا السابق فيما ~~يتعلق بالبناء المنطقي للمحال: ~~(1) # المحال إمكانية ثالثة بين الصدق ~~والكذب، أو التأكيد والنفي، أو النعم ~~واللا؛ فهو قد يدل على ما ليس بصادق ~~ولا كاذب، كما قد يدل على ما هو صادق ~~وكاذب في آن واحد. ~~(2) # إن ~~إمكانية وجود المحال لا يصح أن تؤدي ~~إلى نبذ مبدأ أساسي من مبادئ المعرفة ~~الإنسانية، ألا وهو مبدأ الثالث المرفوع، ~~بل ترسم حدوده وتبين ظروف صلاحيته أو ~~عدم صلاحيته. إن من حق الفكر، بل من ~~واجبه، أن يبحث إمكانياته وحدوده، ولكن ~~معرفة الحد لا يصح أن تؤدي إلى تغيير ~~المطلب الأساسي الذي ينشده العقل في ~~الحقيقة، بل الأصح من ذلك أن نقول إن ~~مبدأ المعرفة نفسه هو الذي يشعرنا بوجود ~~الحد؛ فالثنائية ms022 التي يقوم عليها كل فهم ~~وكل معرفة، ونعني بها ثنائية الصدق ~~والكذب والإيجاب والسلب، لا بد من أن تظل ~~قائمة لا تمس، وكل مساس بها إنما يكون ~~على حساب الفهم والمعرفة أنفسهما. ~~(3) # وقد يكون من الأنسب أن نوجه المشكلة ~~وجهة جديدة لعلها أن تفيدنا في الفصول ~~القادمة، وذلك بأن نقدم مشكلة المعنى ~~على مشكلة القطع في أمر الصدق أو الكذب. ~~وسوف نرى فيما بعد أن قضيتين كهاتين: ~~«العالم له معنى»، و «العالم ليس له ~~معنى» ليستا في الحقيقة قضيتين ~~متضادتين ولا يعبران عن فصل حقيقي؛ ~~فالواقع أن المعنى في مثل هذه القضية: ~~«العالم لا معنى له» إنما يكمن في خلوها ~~من المعنى؛ فهي إذن لا تمثل القضية ~~المناقضة للقضية التي تقول: «إن للعالم ~~معنى»، ولا يمكن لهذا السبب أن تمتحن ~~على أساس منطقي «صوري». ~~(4) # يمكننا أن نصف المحال بأنه ما لا سبيل ~~للبرهنة عليه. إنه يدل - إن صح أن له ~~دلالة على الإطلاق - على حال من ~~الانتظار والتوقف عن الحكم؛ أعني أنه لا ~~يدل على موقف نهائي. إنه نوع من السلب ~~النسبي، يحتوي في داخله على بذرة ~~الإيجاب. # الفصل الأول # | المحال # (1) المحال ~~(أ) # بدايات المحال. ~~(ب) # منشؤه وتحديد طبيعته. ~~(ج) # نماذج المحال. ~~(د) # هل سيزيف سعيد؟ ~~(أ) بدايات المحال # لم يستمد كامي فكرته عن المحال من مرجع ولا كتاب. لقد ~~بدأ الإحساس «بمحالية» الوجود الإنساني يتسلل إلى قلبه وهو ~~بعد طفل صغير. كانت مجموعة من «الصور» الأساسية الواضحة - ~~كما يسميها بنفسه - نبعت من عالم طفولته، وعلمته كيف ~~يتجرد من الوهم، والتعود، ويواجه لغز الحياة والموت بكل ما ~~فيه من غرابة وقسوة وإعتام. إنه البؤس، والشيخوخة، والصمت، ~~والليل الوحيد الطويل يقضيه إلى جانب فراش أم محبوبة ولكن ما ~~أبعدها عنه، ورحلات شاب وحيد بلا مال ولا هدف، وأناس ~~يتحركون كالظلال ويتكلمون ويتعذبون، ويكشفون - وإن لم يشعروا ~~هم أنفسهم بذلك - في حركاتهم وأصواتهم وعذابهم عن العدم في ~~أنقى صورة. # في لحظات العري هذه، عندما تختفي كل فكرة نحتمي بها، ~~ويتبدد كل سند ms023 عقلي نتذرع به، ينساب جمال الأرض سرا ~~إلى النفس كانسياب الموجة، ويرد الوجود الإنساني «المحال» - ~~ولم يكن كامي قد عرف الكلمة بعد - إلى العدم. # هنا # 1 # نستطيع أن نتلمس بدايات المحال. إنه قريب من ~~العدم، الذي راح يدق على الباب دقات رقيقة متباعدة، ولكنه ~~ليس ذلك العدم الرهيب الذي يدعونا إلى الموت. ليس ذلك البحر ~~الغامض المعتم الذي تحدثنا نفوسنا في بعض الأحيان أن نهوي ~~في لجته، مدفوعين برغبة النفي التي لا تقهر، والذي سيضعنا ~~فيما بعد أمام مشكلة الانتحار، أهم وأخطر المشكلات الفلسفية ~~جميعا وأكثرها جدية. إن «المحال» الذي نشعر به الآن أقرب ~~ما يكون إلى الحالة النفسية التي يحس فيها الموجود كأنه في ~~«فراغ». # الأم المريضة الصامتة قد عرفت هذا «العدم» الخالي من كل ~~عزاء: «كان يحدث أن يسألها سائل: «فيم تفكرين»؟ فتجيبه ~~قائلة: «في لا شيء». وقد كان هذا صحيحا، كان كل شيء هنا؛ ~~أعني لا شيء.» # 2 # عبثا نفتش عن طبيعة هذا العدم الوجودية أو المنطقية. إنه ~~لا يعدو أن يكون إحساسا معتما عاريا من كل عزاء، ينتابنا ~~في بعض الأحيان، وقد نسميه في السطور القادمة باسم ~~«المحال». وليس «المحال» الذي نقصده هنا سوى اسم آخر ~~نطلقه على الشعور بالغربة، بالهوة المظلمة التي تفصل ~~الصبي عن أمه التي لا سبيل إلى القرب منها. # 3 # إنه هذه اللحظة التي خرجت عن حدود الزمان، # 4 # وتجمع فيها كل شيء ولا شيء، نعم ولا. إنه، ~~بكلمة واحدة، الصمت الذي يتضح فيه كل شيء. # 5 # في هذا النسيج المعتم من مشاعر الصبي الحساس سنجد ما سوف ~~نؤكده فيما بعد، سنجد جانبي النور والظل، حب الحياة واليأس ~~من الحياة، الإيجاب والسلب، النعم واللا مجتمعين في وحدة لا ~~تنفصم. وهنا سنتعرف أيضا على ما سوف نسميه ب «أخلاق ~~المحال»، التي ستجعل شعارها «عش كما لو ...» والتي سنجدها في ~~«أسطورة سيزيف» في بناء محكم من التصورات؛ فها هو كامي ~~يقول في كتابه الأول: «لا أريد أن أختار بين جانب النور وجانب ~~الظل في ms024 هذا العالم.» و«إن الشجاعة الحقة في ألا نغمض ~~عيوننا أمام النور ولا أمام الموت «...» عندما أنصت للتهكم ~~(ضمان الحرية الذي يتحدث عنه باريه) الذي يكمن في قرارة ~~الأشياء، أجدها تتكشف لي شيئا فشيئا. إنها تطرف بعينيها ~~الناصعتين الصغيرتين وتقول: عيشوا كما لو ...» # 6 # 7 ~~(ب) منشؤه وتحديد طبيعته # إذا كنا نتحدث عن تحديد طبيعة الشعور بالمحال فلا ينبغي أن ~~يفهم من ذلك أننا نريد أن نفسره تفسيرا عقليا، أو نضعه ~~في نسق مرتب من تصورات الفهم والإدراك . إن محاولتنا لن ~~تتعدى تتبع النتائج التي تنجم عن هذا الشعور. وسيكون ~~المعيار الذي نحتكم إليه هو الصدق الذي يقتضي من الإنسان أن ~~يسلك بما يتفق مع هذا الشعور. # 8 # فأنا أستطيع من الناحية العملية، أن أحدد جميع ~~الأحاسيس اللامعقولة التي لا تقبل التحليل، ومن بينها الإحساس ~~بالمحال، وأن أتعرف على قيمتها العملية، وذلك بأن أضم ~~مجموعة الظواهر المترتبة عليها في نظام عقلي واحد، وأحاول ~~فهم الصور التي تتجلى فيها وأقومها وأترسم عالمها. # 9 # ولما كانت المعرفة على اختلاف صورها مستحيلة عند كامي، # 10 # فسوف نلجأ إلى منهج التحليل، نحصي بواسطته الصور ~~التي يظهر بها الشعور بالمحال ونصف عالمها ونتعرف على ~~جوه. # فالشعور بالمحال شعور مفاجئ، غير منتظر، مجرد عن كل ~~عزاء. قد يباغتنا عند منعطف شارع، وقد يستولي علينا ونحن ~~نباشر أكثر أعمالنا اليومية سخفا. إنه تجربة شخصية وحيدة، ~~لا سبيل إلى توصيلها للآخرين. # هذا الشعور بالمحال قد يرجع إلى أسباب كثيرة، أول ما ~~يؤكده كامي منها هو طابع الآلية الذي تتسم به حياتنا التي ~~نعيشها كل يوم: «يقظة، ترام، أربع ساعات في المكتب أو المصنع، ~~طعام، ترام، أربع ساعات من العمل، طعام، نوم، اثنين، ثلاثاء، ~~أربعاء، خميس، جمعة، سبت، دائما وأبدا نفس الإيقاع. لقد ~~طالما كان هذا طريقا مريحا.» # 11 # هذا الإيقاع الآلي الرتيب الذي تسير عليه حياتنا اليومية ~~يقابله إيقاع آلي آخر ينتظم أفعالنا وسلوكنا؛ فليس ~~اللامعنى من حولنا فحسب، ولكنه كامن كذلك في نفوسنا؛ فالإحساس ~~بالضيق وعدم الارتياح الذي ms025 تثيره فينا لاإنسانية الإنسان قد ~~تسببه ملاحظة عادية نراها كل يوم ولكننا لا نلتفت إليها ~~إلا على حين فجأة: «إنسان يتحدث في التليفون ووراء حائط ~~زجاجي.» نحن لا نسمعه ولكن نرى حركاته وإيماءاته الخالية من كل ~~معنى، ونسأل أنفسنا «لماذا يعيش؟» وهكذا نحيا حياتنا المتعبة ~~ولا نلتفت إلى متاعبها، ونعيش أيامنا الرتيبة ولا ندهش لما ~~فيها من رتابة، حتى يأتي يوم يستيقظ فيه الإحساس بالمحال ~~فجأة وعلى غير انتظار، ليوقظ فينا الإحساس بالقرف والملال. ~~بهذا «القرف» # 12 # تنتهي الحياة الآلية وتبدأ حياة الوعي والوجدان. ~~إنه يوقظ في نفس الوقت حركة الوعي بالسؤال الخالد «لماذا؟» # 13 # وقد يتبع ذلك اليقظة النهائية التي لا نوم بعدها، ~~قبل أن تأتي فكرة الموت التي لا يستطيع الإنسان أن يتعود ~~عليها. # لنقف هنا قليلا لنؤكد أن في القرف الذي نتحدث عنه شيئا ~~تمجه النفس، ويبعث فيها الاشمئزاز، دون أن يكون في الوقت ~~نفسه مثارا للألم. ولكنه، فيما يقول كامي، شيء حسن، من حيث ~~إنه يوقظ الوعي وينبه الوجدان؛ فما من شيء تكون له قيمة، ~~إلا عن طريق الوعي والوجدان. # 14 # ثم تأتي تجربتنا بالزمن. لم يعد الزمن هو الوسط الذي نجري ~~فيه وراء آمالنا، ونحاول أن نرضي طموحنا ونسعى إلى تحقيق ~~أهدافنا وإمكانيات وجودنا. ولا هو الزمن «الموضوعي» الذي نقيسه ~~بالساعات والأيام والسنين، ونعرفه بحركات الكواكب والأفلاك، بل ~~هو الزمن «الذاتي» الذي يقوم على التجربة الحية بالزمان، ولا ~~يخضع الوجدان به للحدود والمقاييس. في كل يوم من أيام حياتنا ~~الموقعة المستتبة يحملنا الزمان. الماضي والحاضر والمستقبل ~~ترتبط ارتباطا لا عناء فيه ولا هموم. # 15 # ونعيش على هدف نبغيه من المستقبل قد نعيه وقد لا ~~نعيه، يحملنا الزمن، إن صح هذا التعبير، على كتفيه. غير أن ~~اللحظة التي نحمل فيها الزمان على أكتافنا لا تلبث أن تجيء دائما. # 16 # هنالك يبدو الزمان وكأنه شر أعدائنا. وهنالك ~~أيضا يتسرب إلينا الشعور بالمحال. # وتأتي بعد ذلك تجربتنا مع الطبيعة، فإذا كنا نألف الطبيعة، ~~فمرجع ذلك إلى أننا نشاهد ms026 صور عاداتنا منعكسة على سطحها، ~~ولأننا لا نلمسها هي نفسها ولا ندرك مكنوناتها وأغوارها، بل ~~نلمس تصوراتنا وشهواتنا وحاجاتنا التي نسقطها عليها أو ~~نضعها فيها. # 17 # ولو أننا استطعنا أن نلمس الطبيعة نفسها، لنزعنا ~~القناع عن شيء يختلف تمام الاختلاف عن الوعي الإنساني؛ عندئذ ~~تنهار الكواليس وتسقط الأقنعة؛ عندئذ يتبدى لنا العالم ~~كثيفا وغريبا «درجة أعمق. وإذا الإحساس بالغرابة يستولي ~~علينا، وإذا بنا ندرك أن العالم كثيف، ونحس كيف يكون حجر ~~من الأحجار غريبا عنا، لا سبيل إلى النفاذ إليه، وإلى أي ~~حد تنكرنا الطبيعة أو أحد المشاهد الريفية «هذه الكثافة ~~وهذه الغرابة التي يطالعنا بها العالم هي المحال».» # 18 # وبعد كل شيء وقبل كل شيء تأتي تجربة الموت. إننا لا نملك ~~تجربة الموت - فتجربة الموت لا يعرفها إلا من يموت، وهو يأخذها ~~معه إلى قبره - وكل ما نملكه هو اليقين بأننا سنموت، وهو أشبه ~~ما يكون باليقين الرياضي. إننا نموت، وموتنا لا مفر منه ولا ~~تفسير له؛ فليس لشيء إذن من معنى، ومغامرة حياتنا باطلة ولا ~~جدوى من وروائها: «وأخيرا أصل إلى الحديث عن الموت وعن شعورنا ~~نحوه. ما من أخلاق ولا من مسعى يمكن تبريره سلفا أمام ~~الرياضة الدموية التي تتحكم فينا وتفرض سلطانها علينا.» # 19 # ثم يبين كامي كل ما هو لا معقول في هذا العالم، أعني كل ~~ما يفلت من قبضة العقل الإنساني وما لا تسري عليه مبادئه. ~~إنها حجج فلسفية قديمة تلك التي يلجأ إليها ليكشف عن بطلان ~~العقل وزيف المعرفة؛ استحالة التمييز بين الصدق والكذب والحق ~~والباطل: «أريد أن يتضح لي كل شيء أو لا شيء.» «لو استطعت أن ~~أقول مرة واحدة: «هذا واضح» لأمكن إنقاذ كل شيء، # 20 # واستحالة الفهم؛ أعني استحالة الوصول إلى معنى ~~الحياة وإلى مبدأ واحد أفسر من خلاله جميع ظواهرها: «لست ~~أدري إن كان لهذا العالم معنى يعلو علي. كل ما أدريه أنني ~~لا أعرف هذا المعنى، وأن من المستحيل علي - في هذه اللحظة ~~الراهنة - أن أعرفه. إن المحال ms027 هو في هذه اللحظة الرباط ~~الوحيد الذي يصلني بهذا العالم».» # 21 # وإخفاق المعرفة العملية والمعرفة الذاتية جميعا ~~في الكشف عن هذا المبدأ الواحد الذي أبحث عنه وهدايتي إلى ~~معنى الحياة الذي أفتش عنه فلا أجده. وبالجملة فإن العالم ~~يقاوم شوقنا إلى «العقلية»، وعقلنا بدوره مغرور ومحدود، لا ~~يملك أن يحيل كثافة العالم إلى شفافية، ولا يقدر أن ينفذ إلى ~~سره، ومعناه. الموت، والقرف من الإيقاع الرتيب الذي تسير ~~عليه حياتنا اليومية الآلية، والغرابة التي نحس بها تجاه ~~أنفسنا وتجاه عالم لا يبالي بنا، والتعدد الذي نقابله في ~~الحقائق والموجودات فلا نستطيع أن نردها إلى مبدأ موحد ~~بسيط، واستحالة التعرف على الواقع، بل استحالة المعرفة على ~~وجه الإطلاق؛ تلك هي أهم لحظات تجربة المحال. إن تجربة ~~المحال هذه تلخص مضمون تجربة كامي بأكملها؛ فهنالك من ناحية ~~موضوع التجربة، ونعني به العالم الآلي الغريب اللامعقول، ~~وهنالك من ناحية أخرى الوعي الذي يحس بهذا التجربة. والذي ~~يملك بفعل الوعي نفسه أن يتجرد من موضوع التجربة. # وإذا كان المحال بوجه عام هو كل ما أشرنا إليه من عناصر ~~التجربة، فهو بوجه أعم كل ما يخلو من المعنى؛ فالعالم محال، ~~وأنا نفسي أيضا. أما بالمعنى الضيق فلا العالم هو المحال ولا ~~أنا نفسي، بل المحال في العلاقة القائمة بين العالم والإنسان، ~~والتي تربطني بالعالم وتربط العالم بي. هذه العلاقة في جوهرها ~~«مواجهة» وتقابل بين الوعي وبين جدران المحال التي تحيط به ~~من كل جانب. # إن المحال (باعتباره معطى أوليا مباشرا وفي الوقت نفسه ~~الوعي الباهر الذي يحس به) يكشف قبل كل شيء عن الشقاق ~~المحتدم بين شوق الإنسان إلى الوحدة وبين ثنائية العقل ~~والطبيعة التي لا ترد ولا تقهر، كما يكشف عن الصراع القائم ~~بين حنين الإنسان إلى الأبدي والمطلق وبين طبيعته الفانية ~~المتناهية. إن المحال ماثل في هذه «الصدمة» # 22 # التي يحسها الوعي حين يتكشف له بطلان مسعاه ~~إلى الوحدة وزيف اشتياقه للفهم والعقلانية. المحال إذن في ~~هذا التمزق والصراع، في هذا الشقاق القائم ms028 بين الإنسان الذي ~~يحاول أن يفهم، والعالم الذي يصمت فلا يجيب، فلا هو في هذا ~~العنصر ولا في العنصر الآخر وحده، بل في الصراع الذي ينشأ عند ~~مواجهة أحدهما بالآخر. إن المحال علاقة ديالكتيكية، تقوم على ~~التقابل بين الوعي وبين اللامعقول، ونستطيع أن نسميها باسم ~~الشقاق أو الطلاق. # 23 ~~(ج) نماذج المحال # كيف يتأتى لسيزيف أن ينتزع قيما جديدة من عالم سلب من كل ~~قيمة ومعنى، بل يصر هو نفسه على أن ينكر عليه كل قيمة ~~ومعنى؟ # لا بد للإجابة على هذا السؤال من الإشارة إلى أمرين يلعبان ~~دورا هاما في تفكير كامي . # أما أولهما فهو اعتقاده في زمانية الموجود، باعتبار أنه ~~موجود في الحاضر وحده، في اللحظة العابرة الفانية. وأما ~~ثانيهما فهو تنوع التجارب المباشرة، التي لا يملك من شيء ~~سواها. كلا الأمرين يكمل بعضه بعضا، وكلا التصورين لا ~~ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالحاضر وحده هو موضوع التجربة ~~المباشرة، والتجربة المباشرة تتم في الحاضر وحده دون غيره. إن ~~الماضي لا وجود له، والمستقبل يفلت دائما من يد الإنسان. وقد ~~نسأل أنفسنا: وأين الأبد الذي يترقبه المؤمنون، وتتعلق به ~~قلوب الفانين؟ إن كان للأبد من وجود عند كامي فهو في الحاضر ~~وحده، وتلك هي المفارقة: «لما كنت محروما من الأبد، فإنني ~~أريد أن أتحد مع الزمن.» # 24 ~~«ماذا تعنيني الأبدية؟» # 25 ~~«لا وجود للأبدية إلا في تدفق الأيام.» # 26 # هذه الزمانية هي التي تقرب لنا هذه المجموعات من الشخصيات ~~التي تعيش في المحال، والتي يطلق عليها كامي اسم «نماذج ~~المحال»؛ «فهناك الممثل الهزلي» # 27 # الذي يلبس مع كل قناع شخصية جديدة، ويغير مع ~~كل دور يؤديه جلده وروحه، ويحيا في اللحظة الفانية التي ~~يعرف أنها لن تدوم، ويستخلص من ذلك النتيجة الوحيدة الممكنة. ~~إنه يختار المجد الزائل الذي يولد مع فجر كل يوم جديد ~~ويموت بموته. وهناك دون جوان فارس العشق الأبدي الذي تدفعه ~~الرغبة التي لا تشبع من مغامرة إلى مغامرة، وتسوقه الشهوة ~~التي لا تنطفئ - لأنها مع كل ms029 إشباع تزداد جوعا، ومع كل ري ~~تزداد عطشا - من امرأة إلى امرأة. وهناك الفنان الذي يعبر ~~عن الأبدية الفانية في مملكة من هذا العالم، من صوره وألوانه ~~وظلاله وأنغامه، ويخلق أعمالا يعلم أنها «بغير صباح». وهناك ~~الغازي، الذي يعلم أن الفعل في حد ذاته عقيم، والذي أخذ على ~~عاتقه أن يختار جهدا يعرف أنه جهد عقيم ولا طائل من ورائه، ~~ومع ذلك يقدم على الفعل «كما لو» كانت له قيمة. وهنالك ~~سيزيف، أول نماذج المحال وآخرهم، أشدهم أمانة وأعظمهم ~~يأسا ورضاء في آن واحد؛ إنه لا يمل من دفع الصخرة إلى قمة ~~الجبل، وإن كان يعلم أنها ستنحدر من نفسها لتتدحرج من المنحدر ~~وتسقط في الوادي، كما يعلم أن عليه أن يدفعها من جديد إلى ~~القمة، مرة بعد مرة، بغير انقطاع وبغير أمل. # إن نماذج المحال تضرب لنا مثلا على «أخلاق المحال»؛ ~~فالممثل الهزلي الذي يلبس حيوات مختلفة وتتجسد فيه ~~إمكانيات شتى من الوجود، يعطينا المثل على أسبقية الكم ~~على الكيف. # أما هذا الكيف فهو الإحساس بكل شامل ينتج عن مجموعة العناصر ~~الكمية، إنه ينبثق عن الكم وينبع منه. # 28 # بل إن الكم هو الذي يصنع الكيف. # إن إنسان المحال الذي يصدر في أحكامه وسلوكه عن أخلاق ~~الكم يرفض في عناد وإصرار أن يسلم بأن للعالم معنى، كما ~~ينكر عليه أن تكون له غاية أخيرة؛ إن أهم ما يميز إنسان ~~المحال هو عدم إيمانه بالمعنى العميق للأشياء. # 29 # إن كمية التجارب المباشرة وقيمتها لا تتوقف على ~~الظروف والملابسات التي ترافقها، بل على درجة الوعي ~~والوجدان الذي يكون لنا بها؛ فلا فرق بين موظف البريد وبين ~~الغازي، إذا كان كل منهما لديه نفس الوعي والوجدان؛ # 30 # فالقيمة كل القيمة للوعي، وما من شيء تكون له ~~قيمة إلا من خلال الوعي، كما قدمنا من قبل. # هذه الأخلاق الكمية تتمثل كذلك في صورة أخرى من صور الحياة ~~التي يعيشها إنسان المحال، ونعني به دون جوان: «إن أخلاق ~~الكم هي التي تمد دون جوان ms030 بالفاعلية، على عكس القديس الذي ~~يميل إلى أخلاق الكيف.» # 31 # أخلاق الكم عند دون جوان؛ أعني الحب الذي لا ~~يشبع ولا ينبغي أن يشبع. إنه مرتبط بالسعادة أوثق رباط، ~~وكلاهما يحتل مركز الدائرة من تفكير كامي «الحب وحده هو الذي ~~يملك أن يهبنا نفوسنا.» # 32 ~~«ما خلا الحب لا يوجد شيء.» # 33 ~~«ليس في العالم شيء يستحق من أجله أن ننصرف عمن نحب.» # 34 # ولكن ما نوع هذا الحب وما طبيعته؟ # ليس هو الحب «الأنطولوجي» الذي يمنحنا الأمان والطمأنينة في ~~الوجود. إن مثل هذا الحب لن يزيد على أن يكون حلما، لا ~~واقعا متحققا. وحتى لو فرض على الإطلاق أنه ممكن التحقق، ~~لما كان إلا تمزقا: # 35 ~~«ما هو الحب؟ إنه ما يمزقني.» # 36 ~~«حب إنسان معناه الرضا بأنه نهرم معه.» # 37 # وهذا الحب الأنطولوجي إلى جانب ذلك مستحيل؛ إذ إن ~~التضحية بالنفس التي يتطلبها معناها الانتحار «هذا الحب ~~الأبدي ينطوي على التناقض دائما، مثل هذا الحب يجد نهايته في ~~التناقض الأخير، في الموت.» # 38 # ولو أن هذا الحب الذي يصلنا بالروح الأبدي ويمدنا ~~بالاطمئنان في كنفه كانت فيه الكفاية، لتغير إذن كل شيء، # 39 # ولأصبح لكل شيء مكانه في نظام ميتافيزيقي ~~متناسق، ولأمكن له أن يدخل الأبدي في الزمني، والوحدة في ~~التعدد، والعلية فيما تعبث به ريح المصادفة، ولاستطاع أن ~~يشغل الفراغ الذي تخلقه الوحدة وأن يكون هو الخصب والامتلاء، ~~ولكن هذا الحب الأبدي يتخطى حدود المحسوس والملموس، ويتجاوز ~~مجال الوصف الظاهري، ويعلو على معطيات التجربة التي تخضع ~~لمشيئة المصادفة، وتغزل ثوبها من إمكانيات اللحظات الفانية ~~المتتابعة؛ أعني من نسيج الزمانية (هذا الشيء الوحيد الذي ~~يستطيع إنسان المحال أن يؤكد ملكيته له): «إن مملكتي كلها ~~في هذه الساعة من هذا العالم.» # 40 # هذه التجربة قد علمت دون جوان أن الحب ليس إلا عناق ~~اثنين في لحظة يعرفان أنها فانية. ومع ذلك فلا بد لهذا الحب ~~من أن يحياه وجدان يقظ، ووعي باهر عنيد. ميزة هذا الحب ~~الواعي في أنه ms031 لا يبعث الملل في نفس إنسان؛ # 41 # ففي الروتين يصبح الحب عقيما. # 42 # حقا إن دون جوان بطل من أبطال الإغراء ومغامر مثل كثير ~~غيره من المغامرين. غير أنه (وهذا ما يميزه عن غيره ويجعل ~~منه بطلا من أبطال المحال) يعي قدره تمام الوعي، ومن خلال ~~هذا الوعي «يعلم، ولا يعلل نفسه بالأمل.» # 43 # يعلم أنه ما من قيمة عميقة ولا معنى باطن يكمن ~~في الأشياء، وأن اللحظة هي الحقيقة الوحيدة التي يملكها. # 44 # من أجل ذلك لا يريد أن يفصل نفسه عن الزمن، ولا أن ~~يغمض عينيه لحظة واحدة عن زمانية الموجود. وهذا هو السبب ~~الذي يجعل الأخلاق التي يتمسك بها هي أخلاق الكم «أي شيء ~~هو الحب الكريم المعطاء؟» إنه ذلك الحب الذي يعلم عن نفسه أنه ~~فان، وأنه في نفس الوقت متفرد، هو الحب الذي يكون مزيجا من ~~الشهوة، والحنان، والذكاء، والذي يستحيل في نهاية الأمر إلى ~~نوع من الوعي، ينبثق من اللحم والجسد، # 45 # ويربطني بكائن ما. # 46 # ولكن إذا كان هذا الحب يربطني بكائن ما، فإنه لا يجعلني ~~وإياه شيئا واحدا؛ ومن ثم كان هم إنسان المحال أن ~~يعدد ما لا يستطيع أن يوحده. # 47 # إن دون جوان يعلم أن العناق زائل، وأن متعة الحب ~~عقيمة لا جدوى منها، وهو لذلك يستطيع أن يهب نفسه بكليته ~~للحظة الممتلئة الخصيبة. إنه ملك على مملكة فانية، والزوال ~~(هذه الصيرورة الدائمة التي لا ينقطع تيارها المتدفق) عرشه ~~وسلطانه. إن فارس الحب الذي لا يهدأ لا يفتش عن الوحدة ولا ~~يسعى وراء الأمل. إنه يحيا على أرض الممكن، متحررا من كل قلق ~~أو خوف. # تحدثنا حتى الآن عن الحب على المستوى الفردي. فهل يكون ~~الحب في ظل التواصل والتضامن مع الآخرين هو نفس الحب، وهل ~~يكون تصوره هو نفس التصور؟ ذلك ما سيجيبنا عليه الفصل ~~الرابع. أما الآن فإننا نريد أن نشغل أنفسنا قليلا بسيزيف، ~~سيد أبطال المحال ورمز الحياة التي يحيونها. ~~«إن علينا أن نتصور سيزيف إنسانا سعيدا.» ms032 هذه هي العبارة ~~الغريبة التي تواجهنا في نهاية الفصل الأخير من أسطورة سيزيف، ~~فهل سيزيف إنسان سعيد حقا؟ وهل يمكننا أن نتصور أن وراء ~~الملامح العابسة، والجبهة الجامدة، والعرق المتصبب، والجهد ~~العقيم الذي لا ينقطع ولا يعرف له أولا من آخر، قلبا يستطيع ~~أن يعرف السعادة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه. وإن تكن ~~الإجابة على مثل هذا السؤال لا تشفي ولا تقنع، بل لعلها قد ~~تثير أسئلة أخرى أشد حيرة وعناء. ~~(د) هل سيزيف سعيد؟ # في اللحظة التي يحمل فيها الإنسان المحال على كتفيه، ويثبت ~~عينيه في عينيه، ويأخذ على نفسه أن يضمن له الحياة، بلا أمل ~~يتعزى به (وانعدام الأمل لا يدل على اليأس)، وبلا رجاء في ~~الأبدية أو في المتعالي (الترانسندس) من أي نوع كان ، في هذه ~~اللحظة يصبح من المحالية # 48 # بغير شك ألا يتطلع الإنسان إلى السعادة # 49 ~~«إن السعادة والمحال أبناء أرض واحدة.» # 50 # وعندما يحيل الموت حياتنا إلى صخرة سيزيف، يدفع ~~بها مرة بعد مرة إلى قمة الجبل، لتعود فتنحدر إلى أسفل ~~الوادي، ويعود بدوره فيدفعها من جديد إلى قمة الجبل، فليس ~~لهذا أن يمنعنا أو يمنع سيزيف من أن نكون سعداء: «إن علينا أن ~~نتصور سيزيف إنسانا سعيدا.» # 51 # ومع ذلك فهذه العبارة الأخيرة تفاجئنا بغرابتها ومرارتها. ~~هل يملك سيزيف حقا أن يكون سعيدا، وهو الذي يتحدى قدره ~~الظالم وجها لوجه؟ لو أنه كان يجهل هذا القدر - مثل أوديب - ~~لكان في جهله به، وإحساسه بأنه مظلوم ما يحمل إلى نفسه بعض ~~العزاء، ولكنه «يعرف» قدره منذ البداية، كما «يعرف» ألا أمل ~~له في الخلاص. إن سيزيف، عنوان الكبرياء الصامتة التي تنفذ ~~عقاب الآلهة وتحتقرها في الوقت نفسه - لا يمكن أن يبحث عن ~~السعادة «فالإنسان الذي يقف أمام نفسه وجها لوجه، أراهن على ~~أنه لا يستطيع أن يكون سعيدا ...» # 52 # ومع ذلك فإن كامي يقول لنا إن علينا أن نتصور سيزيف إنسانا ~~سعيدا، لسبب واحد لا سبب سواه، وهو أنه يعلم و«يعي». إن ~~كامي ms033 يقول بنفسه في كتابه الأول «لست أريد الآن أن أكون ~~سعيدا. إن كل ما أريده هو أن أكون واعيا.» # 53 # فهل يمكن للوعي بالشقاء أن تتولد عنه السعادة؟ ~~وهل يسعد الإنسان أن يعرف أنه شقي؟ لا يستطيع أحد من وجهة ~~نظر نفسية تجريبية أن ينكر أن سيزيف على درجة معينة من ~~التعاسة والشقاء. إن الناس يختلفون باختلاف مفهومهم عن ~~السعادة. ولو أمكننا أن نتفق على أن السعادة تتضمن في ~~مفهومها العام نوعا من الراحة، فلا بد من القول بأن سيزيف هو ~~أشد المتعبين على وجه الإطلاق. إنه لا يعرف الراحة ولا ~~الاطمئنان. وحتى فكرة التمرد على الآلهة الذين حكموا عليه ~~بعذاب لا ينتهي لا تخطر على باله لحظة واحدة. وإذا سلمنا ~~بأنه يتمتع بنصيب من السعادة، فلا بد لنا من أن نسلم على ~~سبيل المفارقة بأن استمرار اليأس والعذاب يمكن أن يتولد عنه ~~نوع من السعادة، وأن هذه السعادة يمكن أن تنبع من انقطاع الأمل. # 54 # ولا بد لنا أيضا أن نسلم بأن الفن، وهو الذي ~~يكفل استمرار اليأس والعذاب عن طريق التمرد، هو نبع السعادة ~~الحي: «هنالك عالمان فحسب يمكن أن يقوم لهما وجود؛ عالم ~~القديس وعالم التمرد.» # 55 # ولكن سيزيف ليس قديسا، ومن المؤكد أنه ليس ~~متمردا. إنه يتلفت حوله فلا يجد غير «مكان بغير سماء»، # 56 # كما يجد أن كل شيء حسن. # 57 # ولما كان المتمرد يجد في تمرده بعض السعادة، ~~مهما تكن النتيجة التي ينتهي إليها هذا التمرد، فإن سيزيف ~~أبعد ما يكون عن نبع السعادة. ~~«هناك أيضا عزة ~~ميتافيزيقية، تكمن في احتمال محالية العالم.» # 58 # ومقياس هذه العزة أو هذا الشرف الميتافيزيقي هو ~~الإبقاء على المحال أو الحرص على أن يظل حيا، على حد تعبير كامي. # 59 # وسيزيف هو الرمز الحي على هذا العزة أو هذا ~~الشرف الميتافيزيقي. إنه، وهو الذي يهبط في كل مرة من الجبل ~~إلى الوادي ليقبض على الصخرة ويدفعها من جديد إلى قمته، ~~نموذج أصيل للمحال، لعود على بدء لا نهاية ms034 له ولا جدوى من ~~ورائه، لجهد دائم عقيم، وتكرار مجدب رتيب. إنه في اللحظة ~~التي ينحدر فيها من على الجبل ليدفع الصخرة بصدره وذراعيه يظل ~~على وعي بضرورة اللحظة التي تليها، أعني بالتكرار المتصل ~~العقيم، في هذا الوعي تكمن قوته (فسيزيف أقوى من قدره)، ~~كما تكمن أمانته. وإذا كان لنا أن نتحدث عن سعادته، فهي في ~~هذا الوعي العطوف على شقائه. # 60 # وليس سيزيف وحده في هذا الوعي؛ فنحن نستطيع أن نضع ~~الطبيب ريو، بطل رواية الوباء التي سنتحدث عنها فيما بعد، ~~إلى جانبه، إنه بطل المحال المنهزم دائما، الذي يحارب ~~عدوا لا ينهزم أبدأ، حربا يعلم أنه لن ينتصر فيها، كما ~~يعلم أن الأمانة تقتضي منه ألا ينفض يديه منها. إنه الإنسان ~~الذي «يعي». هو مجرد من الأمل، ومجرد كذلك من اليأس ~~والقنوط. # إن في استطاعتنا أن نتصور سيزيف إنسانا أمينا ~~وشريفا. # ولكننا لا نستطيع أن نتصوره إنسانا سعيدا. ~~(2) أسباب الخروج من المحال ~~(أ) # الانتحار بالجسد. ~~(ب) # الانتحار الفلسفي. ~~(ج) # الحرية. ~~(أ) الانتحار بالجسد # لا تكاد تبدأ السطور الأولى من كتاب «أسطورة سيزيف» حتى ~~يوجه كامي نقده العنيف إلى الفلسفة، وذلك باسم الوجود نفسه. ~~إنه يبدأ بسؤال أولي كثيرا ما نوجهه إلى أنفسنا في ~~لحظات نادرة من حياتنا: هل تستحق الحياة أن نحياها؟ إن كامي ~~لا يهمه أن يسأل كما سأل الفلاسفة منذ القدم ما نحن ولا من أين ~~جئنا، ولا تعنيه مشكلة الماهية ولا مشكلة المصير، بل مشكلة ~~الوجود والمعنى «يسأل الإنسان نفسه في الحقيقة لم يعيش»؛ أي ~~لماذا لا ينتزع حياته بيديه «إن هناك مشكلة جدية وحيدة هي ~~مشكلة الانتحار.» # 61 # ونسأل أنفسنا: لماذا كانت هذه المشكلة هي أخطر المشكلات ~~جميعا وأكثرها جدية؟ ويجيبنا كامي: لخطورة الأفعال التي ~~تلزم الإنسان بها، والسلوك الذي يترتب عليها. إن كل ما ~~عداها من مشكلات، مثل البحث عن صواب الدليل الأنطولوجي على ~~وجود الله أو خطئه، والسؤال عما إذا كانت الأرض تدور حول ~~الشمس أو الشمس حول الأرض، وعما إذا كان ms035 عدد المقولات خمسة ~~أو ستة، كل هذه مشكلات باطلة لا تستحق السؤال عنها، ولا ~~تعنينا الإجابة عليها في قليل ولا كثير: «لست أعرف أحدا مات ~~في سبيل الدليل الأنطولوجي.» # 62 # إنها جميعا لا تتصل بالسؤال الرئيسي: هل تستحق ~~الحياة أو لا تستحق أن نحياها؟ # إن كامي يرفض أن يضع أسئلة ميتافيزيقية خالصة؛ فهي في رأيه ~~أسئلة لا حل لها ولا سبيل للإجابة عليها، كما أنها لا ~~تتعدى اللعب بالألفاظ، على الأقل من حيث إنها لا تهدد وجود ~~سائلها؛ ومن ثم كان احتقاره لجماعة من الفلاسفة والشعراء ~~الذين يمتدحون الانتحار أو يمجدون القتل، ولكنهم أجبن أو ~~أرفع من أن يحولوا أفكارهم إلى أفعال. # السؤال عن معنى الحياة سؤال مأساوي وجاد في الوقت نفسه. ~~ولو أننا وقفنا عند جانب المأساة فيه، لكنا في ذلك مثل شوبنهور ~~الذي كان يمتدح الانتحار وهو يجلس إلى مائدته الحافلة بأشهى ~~ألوان الطعام والشراب، ولو اقتصرنا على جانب الحد منه لكنا في ~~ذلك مثل كيركجارد وشيستوف وكافكا ممن يشغلون أنفسهم بالأمل، ~~والأمل قد حرمه على نفسه إنسان المحال. إذن فلا بد لنا من ~~أن نحتفظ بالجانبين معا، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ ~~(ب) الانتحار الفلسفي # في استطاعتنا أن نحتفظ بهما معا، بغير أن نتخلى عن الأمل ~~في حقيقة متعالية أو كائن أخير، وهذا في رأي كامي هو موقف ~~الفلاسفة الوجوديين، ولكن هذا معناه الإقدام على الانتحار # 63 ~~(وإن كان الانتحار في هذه المرة انتحارا ~~فلسفيا)، فإذا سأله سائل عن السبب أجاب بأن هؤلاء الفلاسفة ~~يقفزون «القفزة» التي تنفي الفكر نفسه. حقا إن تفكيرهم ~~تفكير محالي، لكن الأمل الذي يبحثون فيه عن ملجئهم ~~الأخير يلغي هذه المحالية أو يرفعها كما يقول ~~المناطقة. # الحق أن كامي لا يتعرض لهؤلاء الفلاسفة والكتاب إلا لأنهم ~~يهاجمون العقل، ولا يوافق على أفكارهم إلا بقدر ما تفتحه من ~~آفاق الفكر المحال وما تعالجه من قضاياه المعذبة؛ فهذه ~~العقول كلها، من ياسبرز إلى هيدجر، ومن كيركجارد الي شيستوف، ~~ومن فلاسفة الظاهرية وفي مقدمتهم هسرل ms036 إلى ماكس شيلر ~~وتلاميذهما يؤلف بينها شوق مشترك، على الرغم من أنها ~~تناقض بعضها البعض في المناهج والأهداف. إنها جميعا تسعى ~~بكل جهدها لسد «الطريق الملوكي» للعقل، والعثور من جديد على ~~الدرب الأصيل الذي يمكن أن يؤدي إلى الحقيقة. وكيركجارد في ~~مقدمة فلاسفة الوجود الذين يخصهم كامي بالحب والتقدير. إنه ~~في رأيه أشدهم إثارة وعمقا؛ فهو لم يكتف باكتشاف المحال ~~بل عاشه وعاناه، ولم يرد أن يلطف من طعنته الدامية في ~~وجوده، بل إنه على حد قوله يوقظ المحال من سباته ويتلذذ ~~به قطعة فقطعة تلذذ من يصلب نفسه باختياره. كان كيركجارد ~~أول من أحس بالفزع أمام محالية الوجود وأول من عاشها ~~وعبر عنها. إنه يقول في مذكراته اليومية لعام 1839م: إن ~~الوجود كله يفزعني بالقلق، ويملؤني، من أضأل ذبابة إلى ~~أسرار التجسد. ولكنه يستخدم كلمة المحال بمعنى ديني ~~يختلف كل الاختلاف عن معناها عند كامي، وإن اشترك معه فيما ~~ينطوي عليه من قلق وارتعاش، ويأس وسخط، ورهبة وعذاب؛ ~~فالمحال عند كيركجارد يدل على تلك العلاقة العجيبة التي ~~تربط بين الأبدي وبين التاريخي، بين الإلهي والزماني: «ما من ~~معرفة يمكنها أن تتخذ من هذا المحال موضوعا لها، هذا ~~المحال، الذي يقول (في قصة يسوع المسيح): إن الأبدي هو في ~~الوقت نفسه التاريخي.» # 64 # فالمحال عند كيركجارد هو في أن الحقيقة الأبدية ~~الخالدة قد نشأت في الزمان، أن الله قد ولد وشب ونشأ ~~تماما كما ينشأ الواحد من بني الإنسان، وأنه لا يمكن التفرقة ~~بينه وبين واحد من البشر. # 65 # والمحال عند كيركجارد مرتبط أوثق ارتباط بالمفارقة Paradoxon ~~(أو ما وراء ~~الظن وكما يدل معنى الكلمة اليونانية)، التي تعلو عنده على كل ~~مذهب، كما يقول في مذكراته عن عام 1839م، ولكن إذا كانت ~~المفارقة تجعل كامي يصطدم دائما بالمحال لدى كل محاولة ~~يبذلها لفهم العالم وتفسيره، ويحكم بالفشل على كل مذهب ~~فلسفي أو ديني يزعم أنه توصل إلى الحقيقة البينة ~~الواضحة، فالمفارقة (وهي دائما وجود الأبدي فيما هو زماني) ~~عند كيركجارد ms037 هي الجسر الذي يعبر عليه الفكر الإنساني ليصل ~~إلى الله. إن أعظم مفارقة يقع فيها الفكر هي أنه يريد أن ~~يكتشف شيئا لا يستطيع هو نفسه أن يفكر فيه. # 66 # ويظل العقل يبحث عن هذا المجهول، ويظل يسعى ~~للوصول إليه، تدفعه عاطفة ملتهبة تتسم بالمفارقة والتناقض، ~~ولكن المجهول لا يكشف عن وجهه، والعقل لا يكف عن سعيه. وهكذا ~~يصبح المحال أو تصبح المفارقة دافعا له على القلق والرعشة ~~اللذين تبثهما فيه المفارقة المطلقة أو المحال المطلق، ~~وهو الله. ويصبح المحال تعبيرا عن اللقاء بين الإلهي ~~والزمني، بين الأبدي والتاريخي، في حياة المخلص يسوع ~~المسيح: «ألم يكن شيئا مفزعا أن يكون هذا الإنسان، الذي سار ~~بين غيره من الناس، هو الله؟ ألم يكن شيئا مفزعا أن يجلسوا ~~معه على مائدة واحدة؟» # 67 # إن المحال أو المفارقة هي العاطفة الملتهبة التي تغذي ~~الفكر. والفكر دائم السعي إلى التفوق على نفسه، إلى الوصول ~~إلى حدود المجهول. وهذا المجهول لا يمكن بحسب تسميته أن يكون ~~هو الإنسان ولا أن يكون شيئا باطنا فيه أو في العالم المحيط ~~به. إنه لا يمكن إلا أن يكون هو الله، ولكن من المستحيل ~~البرهنة على وجود الله؛ فإن كان الله غير موجود فمن المستحيل ~~إثبات ذلك. أما إن كان موجودا، فمن الحمق محاولة إثباته، # 68 # لا سبيل إذن إلى البرهنة على الوجود، ولكنني حين ~~أسقط البرهان، أجد الوجود أمامي؛ فالفكر إذن يصطدم على الدوام ~~بحدود هذا المجهول، دون أن يصل إليه أو يكف عن محاولة الوصول ~~إليه. هذا الفشل وهذا السقوط الذي يتردى فيه العقل هو نفسه ~~ما تريده المفارقة، وهذا الفهم العاطفي ل «العالي» هو ~~العقيدة والإيمان. # ومع أن كامي يعلن إعجابه باكتشاف كيركجارد للمحال، إلا ~~أنه يرفض النتيجة التي يرتبها هو وشيستوف على هذا الاكتشاف، ~~ونعني بها القفزة التي يقوم بها إلى المسيحية، ويأخذ عليه أنه ~~جعل المحال معبرا للعالم الآخر، وقدم العقل قربانا على ~~مذبح الدين، وانتزع الأمل من بين مخالب الموت. هذه القفزة التي ms038 ~~يقفزها كيركجارد من المحال إلى «المرحلة» الدينية هي التي ~~يسميها كامي بالانتحار الفلسفي؛ لأنها تريد أن تعلو على ~~المحال الذي يريد هو أن يصمد فيه، وتنكر العقل الذي يظل هو ~~وفيا له. # وهذا هو نفس الموقف الذي يأخذه كامي على كافكا في مقاله الذي ~~يختتم به أسطورة سيزيف؛ ذلك لأن الطريق الذي يقطعه البطل عند ~~كافكا هو الطريق الذي يسير من الحب الواثق إلى تأليه المحال. ~~وفي ذلك يقتفي كافكا أثر كيركجارد، ولا يستطيع مثله أن يحيا ~~بغير أمل. # أما الفيلسوف المتصوف الروسي الوجودي ليون شيستوف - وقد ~~أثر بكتابه الهام كيركجارد والفلسفة الوجودية # 69 # على تفكير كامي - فهو أيضا يجعل المحال معبرا ~~إلى الله. وإذا كان الله عند شيستوف يحف به التناقض ويبعد ~~به الغموض، فذلك هو الدليل على أنه يتجاوز كل المقاييس العقلية ~~المحدودة. وموقف التسليم بالمحال من جانب شيستوف وكيركجارد ~~يحمل البرهان على التنكر لحقيقة المحال؛ إذ يجعلان منه نقطة ~~يقفزان منها إلى الأبدية، وجسرا يعبران عليه إلى العقيدة، ~~والأمل، والعلو (ترانسندنس). # ويستطرد كامي بعد مناقشته لهذين المفكرين الدينيين ~~فيشتد في هجومه على فيلسوفي الوجود الحقيقيين، ونعني بهما ~~ياسبرز وهيدجر؛ فتأثره بهما ضئيل، وموقفه منهما هو موقف ~~النقد والرفض؛ فهو يحتد في هجومه على ياسبرز، ولا يختص ~~هيدجر إلا بنظرة جانبية عابرة؛ فهو عنده «أستاذ الفلسفة» ~~الذي «مذهب» الوجود وبناه على مقولات محددة كالقلق والهم ~~والوجود للموت، والوجود في العالم ... إلخ، في لغة شاقة معقدة ~~باردة. ومع ذلك فقد وجد الشعور بالمحال في أستاذ الفلسفة هذا ~~من يعبر عنه لأول مرة تعبيرا محددا في بناء تصوري ~~شامخ. والواضح من حديث كامي أنه توقف عند هيدجر في مرحلته ~~الأولى (التي يمثلها على الأخص كتاباه، الوجود والزمان، ~~وكانت ومشكلة الميتافيزيقا) ولم يجد عنده الصبر الكافي ~~لتتبعه في مرحلته الأخيرة (التي تمثلها تحليلاته لأشعار من ~~هولدرلين وتفسيره لفلسفة نيتشه واشتغاله بفلسفة اللغة)، التي ~~اقترب فيها من الشاعر والفنان، وراح يدخل شيئا فشيئا في ~~عالم صوفي متدثر بالضباب، ويسير على طريقته في ms039 الدرب ~~الموصل إلى المتعالي أو الوجود # Das ~~Sein # كما يحب أن يسميه. إن الوجود ~~عند هيدجر هو العلو. والإنسان كما تقول عبارته المشهورة، هو ~~راعي الوجود الذي يتخفى حينا ويتكشف حينا آخر. وكل ~~محاولات هيدجر ل «تحطيم» تاريخ الميتافيزيقا الغربية التي ~~أرادت على اختلاف مراحلها أن تفسر العالم والإنسان عن طريق ~~ماهية أو مبدأ ثابت (قد يكون هو الواحد أو المتعدد، وقد ~~يكون هو المثال أو الطاقة، وربما كان هو الأنا المطلقة أو ~~الروح المطلق أو إرادة القوة ... إلخ). نقول إن محاولات هيدجر ~~هذه تنتهي بقفزة إلى ما يسميه بالوجود. # هناك الليل الكوني الذي ينتظر فيه الإنسان أن يتفتح الوجود ~~ويتجلى له من جديد؛ أي ينتظر من العالي أن يكشف عن وجهه ~~ويمزق أستار الظلام. # والحقيقة أن فلسفة ياسبرز التي تضرب بجذورها في فلسفة نيتشه ~~وكيركجارد، وتقوم على أساس من نظرية المعرفة عند كانت لا بد ~~أن تثير الحيرة في نفس كاتب فنان مثل كامي. # والمحال يقابلنا في مواضع كثيرة من كتابات ياسبرز. إنه ~~يحدد موقفه اللاعقلي حين يقول مثلا إن الوجود هو ما يوجد ~~في علاقة مع نفسه وعن طريق ذلك مع العلو أو المتعالي. وليس ~~في استطاعة الإنسان أن يتحدث عن الوجود في عبارات موضوعية ~~محددة، بل أقصى ما يستطيعه هو التعبير عنه بإشارات ذات ~~دلالات متعددة، لا نتبين حقيقتها إلا في التحقق الوجودي ~~المعين. ووجودنا يتميز بالموقف الحدي أو النهائي # Grenzsituation # الذي ~~يسميه بالفشل، والذي يجرب الإنسان فيه عجزه الوجودي، ~~ويفصح فيه المطلق عن نفسه في رموز أو شفرات، ويتجلى في ~~صور من «الشامل» تصعد على سلم السمو شيئا فشيئا، ~~والشامل # Das Umgreifende ~~، مثله ~~في ذلك مثل المحال، حاضر في الذات والموضوع على السواء، ~~والموجود # Dasein # ينطوي على ~~الرغبة الدائمة في تجاوز ذاته والعلو عليها. # 70 # والإنسان وحده هو الذي يحيا تجربة الموت ويحس ~~بقصور كل ما هو موجود، عن طريق إحساسه بتناهيه أو محدوديته ~~الناقصة التي تتبدل عليها السعادة والشقاء. وحيثما بقيت هذه ~~التجربة مفتقرة إلى ms040 التوضيح الفلسفي وظلت الصور الأخرى من ~~«الشامل» محتجبة عن الإنسان، بقي وجوده «مجرد وجود» لا أصلا ~~ومنبعا، فإذا سألنا عن المنبع أو الأصل الذي ينبثق منه ~~الوجدان، لجأ ياسبرز إلى القفزة لتوضيح مراده: «إنه قفزة؛ لأن ~~أصلا آخر غير الوجود هو الذي يبدأ في الظهور.» # 71 # ويجد ياسبرز في فلسفة كانت الترنسندنتالية # 72 # تأكيدا لفكرته عن الوجدان على وجه الإطلاق؛ فقد ~~وجد أن الإنسان يستطيع ما بقي في ظل «الشامل» أن يكون سبيلا ~~إلى الحقيقة، ولكنه يرتد إلى العكس من ذلك تماما بمجرد أن ~~ينزلق إلى الطموح المطلق. وليس الوجدان ساكنا في ذاته ولا ~~مغلقا على نفسه، ولكنه يتجاوز نفسه ويعلو عليها ~~باستمرار. # ولعل هذا العلو # Transzendenz # الذي تدور ~~حوله فلسفة ياسبرز هو ما أثار نقد كامي؛ فياسبرز عنده مثل ~~على الفلسفة العاجزة المهزومة التي لا تستطيع أن تحقق العلو ~~في مجال التجربة، ولا تستطيع أن تواجه النتيجة المحتومة ~~لهزيمتها، بل تلتمس مبدأ تبحث فيه عن الخلاص. إنه في رأيه ~~يتطلب فلسفة «مائعة» لا تملك تحديد نفسها، لا من الناحية ~~الموضوعية ولا من الناحية الذاتية، ومع ذلك يروح يؤكد أن ~~«الفشل» يكشف ورواء كل تفسير أو شرح ممكن عن وجود العلو لا ~~عن العدم. غير أن هذ الوجود العالي الذي يفسر كل شيء عند ~~ياسبرز لا يصل إليه إلا عن طريق فعل من الثقة العمياء التي ~~تجمع بين العام والخاص في وحدة غير مفهومة. ووجود العالي هو ~~الأصل الحقيقي لكل ما هو شامل. إنه يعلن عن نفسه في خلال ~~التراث التاريخي باسم الوجود أو الواقع أو الله، ولا يتعدى ~~أن يكون رمزا أو استعارة في كل الأحوال. الأشياء كلها يمكن أن ~~تكون شفرات ل «العالي» ومرايا تشف عن وجوده، ولا بد للعالي ~~أن يسير في هذا الطريق إذا أراد أن يدخل إلى العالم، ولكنه لن ~~يكون حاضرا فيه حضورا كليا، ولن يتيسر للإنسان إدراكه ~~موضوعيا. حتى إذا تم الشعور به، أمكنه أن يصبح ذلك الذي ~~أستمد منه حياتي وأنتهي إليه ms041 بموتي؛ # 73 # أي إن العالي الذي ينبثق في وجود الفرد الواحد ~~يصبح هو الله الواحد الشخصاني. # وهكذا يصبح المحال، في رأي كامي، هو الله (بالمعنى الواسع ~~لهذه الكلمة) كما يصبح العجز عن الفهم هو الوجود الذي يجلو ~~بنوره كل شيء. وإذا كان ياسبرز في كتابه «العقيدة الفلسفية» ~~يطالب العقل بأن يحتفظ باستقلاله وحريته أمام العقيدة المنزلة، ~~فهو يتجاوز الموقف الحدي الذي يقف العقل عاجزا عنده كما ~~يخرج بفكرته عن العالي (الترانسندنت) على حدود هذا العقل نفسه: ~~«في هذا العالم الخرب، الذي تبينت فيه استحالة كل معرفة، ~~والذي يبدو أن العدم قد أصبح هو الحقيقة الوحيدة فيه، وأن ~~اليأس قد صار هو الموقف الوحيد الممكن، نجده (أي ياسبرز) يحاول ~~أن يعثر على خيط أريادنه، الذي يوصل إلى الأسرار الإلهية.» # 74 # ولكن ما من شيء يجعل هذا الموقف منطقيا عند كامي، فلا عجب ~~إذن أن يصفه بأنه قفزة، شأنها في ذلك شأن القفزات الأخرى التي ~~تحاول أن تفلت من المحال بدلا من أن تواجهه ~~وتتحداه . # أما هسرل فيتناوله كامي بالنقد في شيء من التفصيل، لا ~~لأثره البالغ على هيدجر وماكس شيلر وتلامذتهما وعلى الوجودية ~~الفرنسية على وجه الإجمال فحسب، بل لأن كامي نفسه قد تأثر به ~~تأثرا شديدا، لا يقلل منه أنه وقف موقف الرفض من فلسفته ~~الظاهرية. والواقع أن فلسفة هسرل على خلاف الفلسفات الأخرى ~~جميعا كان ينتظر منها أن تصبح فلسفة في ظاهرية ~~(فينومينولوجية) المحال، ولعل هذا هو سر وقوف كامي عندها؛ ~~فهو يصف منهج هسرل في تحليل الظاهرات الخالصة بأنه «عملية ~~محالة.» وربما لفت انتباهه بوجه خاص أن هسرل قد تغلب على ~~مشكلة الذات والموضوع، التي ظلت الفلسفة إلى عهده تحملها على ~~كتفيها كما يحمل المذنب صليبه؛ ولذلك فقد أيد كامي - كما ~~أيد الفلاسفة الفرنسيون من سارتر إلى مرلوبونتي، متأثرين في ~~ذلك بالتراث الديكارتي الذي لا يستطيع أن يخرج عنه متفلسف ~~فرنسي - استبعاد هسرل للانشقاق الأبدي بين الذات والموضوع، كما ~~اعترف بالبداية التي بدأ منها هسرل؛ حيث يقول إنه ms042 ليست هناك ~~حقيقة واحدة، بل جملة حقائق، وإن لكل شيء حقيقته التي يتجه ~~إليها الوعي كما لو كان جهاز إسقاط ضوئي، وكل الأشياء تتساوي ~~في اتجاه الوعي إليها اتجاهه القصدي إلى الموضوعات. وهذه ~~«العملية المحالة» كما يسميها كامي ذات جانبين منهجيين؛ ~~أحدهما سيكولوجي والآخر ميتافيزيقي، ولو أن فكرة القصد # 75 ~~(وهي من الأفكار الرئيسية في فلسفة هسرل، من حيث ~~إنها تجعل من طبيعة الوعي أن يقصد إلى موضوع، بحيث يكون الوعي ~~على الدوام وعيا بموضوع) احتفظت بجانبها السيكلوجي وحده، ~~لاحتفظت فلسفة هسرل بطابع فلسفة المحال، ولاكتفت بوصف عالم ~~من الموضوعات المفردة المفككة التي لا تجمعها رابطة، ~~ولخلت من المبدأ الواحد الذي تحتاج إليه غيرها من الفلسفات ~~لتفسير العالم. غير أن هسرل لا يقف عند الرد # 76 # الأول للظواهر حين يضع الوجود الفردي للمظاهر ~~موضوع التأمل بكل ما فيها من تجارب وأحكام وقيم علمية أو ~~غير علمية بين أقواس، بل يخطو إلى أبعد من ذلك حين يضع عالم ~~الواقع نفسه بين الأقواس ويصعد على سلم التأمل المثالي إلى ~~الماهيات الثابتة للأشياء. إنه بمحاولته الكشف عن ماهية خارجة ~~عن الزمان لكل شيء على حدة، يقترب من المثل الأفلاطونية ~~أو من الكليات المعروفة في فلسفة العصور الوسطى. وبدلا من أن ~~يكشف عن الموجود الواحد الثابت كما عند بارمنيدز أو عن الإله ~~الواحد كما عند كيركجارد، نجده يضع للأشياء المتعددة ماهيات ~~متعددة تقابلها، حتى تصورات المخيلة من هلوسات وأوهام ~~أصبح لها ما يقابلها من ماهيات ميتافيزيقية ومثل أبدية. ~~حقا إنه قد استبعد الحقيقة العالية (الترانسندنس) في بداية ~~الأمر، ولكنه عاد فأدخل ما لا حصر له من الحقائق العالية لما ~~لا حصر له من مضمونات الوعي. وهكذا يصبح التسليم بوجود ماهيات ~~أو مثل ميتافيزيقية قفزة جديدة إلى عالم آخر غير هذا ~~العالم، ويترك الفكر طريق الوضوح ليلقي بنفسه في أحضان عزاء ~~علوي ميتافيزيقي. لم يتغير إذن مع هسرل إلا التسلسل في ~~ترتيب المجرد والواقعي. أصبح العالم الواقعي مجرد انعكاس ~~لأشكال سماوية على صور أرضية. ضاع ms043 الإحساس بالموقف الإنساني، ~~وحلت محله نزعة عقلية متأثرة بديكارت تعمم الواقع ~~المعين، وتجعل منه ماهية مجردة. ولكن هسرل قد انتهى على ~~الرغم من نزعته العقلية إلى اللامعقولية. وفلسفته تقوم على نفس ~~القلق الذي تقوم عليه فلسفة مفكر ديني مثل كيركجارد «إن ~~الشوق هنا أقوى من المعرفة.» وينتهي كامي في مناقشته لفلسفة ~~الظاهرات إلى نفس النتيجة التي ينتهي إليها بالنسبة للفلسفة ~~الوجودية: «من الأمور ذات الدلالة أن الفكر في عصرنا - ويندر ~~أن يكون ذلك قد حدث لفكر آخر - يسوده الاعتقاد في لامعقولية ~~العالم اعتقادا تدعمه الفلسفة، كما أن النتائج التي ينتهي ~~إليها يغلب عليها التمزق الشديد.» وهكذا يعذب الإنسان من ~~عهد أفلوطين إلى اليوم شوقه إلى «الواحد» الأبدي، ويفقد العقل ~~وجهه الإنساني بحنينه الدائم إلى العالي أو المتعالي ~~(الترانسندنس). ويرجع كامي من بحثه القصير اللاهث الأنفاس ~~لفلسفة هسرل كما رجع من مناقشته المتعجلة للفلسفات الوجودية ~~بخيبة أمل مريرة. إنها جميعا تتجاوز حدود العقل المحدود ~~بطبعه، وتسبح به في آفاق ميتافيزيقية غامضة، وتشترك في ~~ارتكاب الانتحار الفلسفي حين تحاول أن تقهر خوفها وقلقها ~~بالقفزة المميتة في بحر اللامعقول، تريد أن تغرق فيه ما ~~تعاني من صراع وما يمزقها من تناقض. # من الضروري إذن، لنظل أوفياء للمحال حريصين في نفس الوقت ~~على إنكاره، أن نبقى داخل جدران المحال؛ فالخروج منها معناه ~~أننا نقفز «القفزة المميتة»، وأننا نقدم بذلك على الانتحار ~~الفلسفي. # ولكن لنعد إلى سؤالنا الأول والأخير: هل تستحق الحياة أن ~~نحياها؟ يجيب كامي في أول الأمر إجابة غير مباشرة. إن ~~الإنسان يدخل تاريخه الحقيقي عندما يسأل عن معنى الحياة وهل ~~تستحق أن يحياها أو لا تستحق، أعني حين يواجه مشكلة ~~الانتحار. وهذا هو السبب الذي من أجله كان المحال وعيا ~~بالموت ورفضا له في الوقت نفسه. # 77 # ورفض الموت معناه إنكار كل ماهية وجوهر متعال، ~~للمحافظة على المحال والبقاء بين أسواره مع الإصرار على رفضه ~~والتمرد عليه. # لا بد إذن من رفض ~~الانتحار؛ لأن الإقدام عليه معناه الرضا بالمحال والاعتراف ~~به؛ فالحياة، ms044 كما قلنا، معناها أن نترك المحال يحيا. وحياة ~~المحال تكون بمقدار رفضنا له وتمردنا عليه: «إن المحال ~~يكون له معنى، بقدر ما يعلن الإنسان عدم موافقته عليه.» # 78 # فالاعتراف بالمحال معناه إذن الإقدام على القفزة ~~الوجودية التي قلنا من قبل إن إنسان المحال يرفض الإقدام ~~عليها. وبهذا المعنى أيضا يكون الحكم بالموت هو الضد المقابل للانتحار. # 79 # فالمحكوم عليه بالموت أبعد ما يكون عن الموافقة ~~على المحال أو الاعتراف به، وأبعد ما يكون كذلك عن الثورة أو ~~التمرد عليه بالمعنى الذي سنوضحه فيما بعد لكلمة ~~التمرد. ~~(1) # الانتحار إذن، سواء أكان جسديا أم فلسفيا، ~~مخرج فاسد من أزمة المحال؛ لأنه باستثناء ~~أحوال نادرة لا يصدر عن رفض أو تمرد؛ فالأغلب ~~الأعم أن المنتحر يترك هذا العالم معزيا ~~نفسه بأنه سيعثر وراءه على قيمة أو معنى لم ~~يجدهما فيه. ومعنى هذا، إن جاز لنا في هذا المقام ~~أن نستخدم تصورا من تصورات علم النفس، أن ~~المنتحر يقدم على الانتحار مدفوعا بخيبة الأمل، ~~ولكن إنسان المحال إنسان لا يخيب أمله أبدا ؛ ~~لأنه لا يعرف الأمل أصلا. وإذا كان علينا أن نبحث ~~عن حافز يدفعه على سلوكه هذا، فهو لا شك التحدي ~~والعناد # défi ~~. في ~~هذا الانتحار إذن نفي للمحال، وفي الخروج عن ~~العالم نفي لهذا العالم الذي لا نملك سواه. وقد ~~تعلمنا أن وفاء الإنسان لقدره، # 80 # بل عزته وشرفه الميتافيزيقي # 81 # يحتمان عليه أن يؤكد ذاته في ~~مواجهة المحال، ويجعلان واجبه في احتمال محالية ~~العالم والإصرار على رفضها في آن واحد. ~~(2) # الانتحار بطبيعته عجز عن الاحتمال، وتخلص من ~~الموقف، وهروب من جدية السؤال الفلسفي الوحيد ~~الذي بقي للفلسفة أن تسأله # 82 ~~(هل تستحق الحياة أن نحياها؟) أعني من ~~فعل التفلسف نفسه. ورفض الانتحار معناه أن ~~يصر الإنسان على ضرورة السؤال، وأن يعيش في ~~إشكال وتساؤل دائمين هما لب الفلسفة نفسها، ~~وقوام الحرية. ~~(3) # لا ~~الانتحار الفلسفي إذن (وهو تسمية أخرى للأمل) ولا ~~الانتحار الجسدي هما الحل الصحيح الذي يراعي ~~معطيات تجربة المحال؛ فمع ms045 الانتحار الفلسفي يختفي ~~موضوع هذه التجربة الرئيسي، وهو المحال، ومع ~~الانتحار بالجسد يختفي الوعي الذي لا تكون تجربة ~~بدونه، باختفاء الوجود نفسه. في الانتحار الفلسفي ~~يبقى الوعي موجودا، لكن الأمل يسقط فجأة على ~~الأسوار التي اصطدم بها الوعي فتبدو شفافة ~~(وكأنه يهون من عذاب السجن المعتم الذي آثرنا ~~بمشيئتنا أن نعيش بين جدرانه). هنالك يصبح ~~اللامعقول شيئا يمكن تمثله أو التجاوز عنه، ~~وبذلك يختفي اللامعقول نفسه، فإذا سلب الوعي ~~موضوعه تفكك وذاب، وارتد إلى الحالة اللاواعية ~~التي تسود حياة كل يوم، أو التمس الراحة في ~~المتعالي (الترانسندنس) أيا كان شكله وطبيعته. ~~وفي كلا الحالين يتخلى الإنسان عن الحقيقة ~~الوحيدة الواضحة البينة التي يملكها # 83 # ويخون أشد العذابات تمزيقا للقلب، # 84 # ونعني به المحال. إن الانتحار ~~الفلسفي يسوقنا إلى الليل الذي يسوقنا إليه ~~الانتحار الجسدي. # 85 ~~(4) # رأينا في الصفحات السابقة كيف أن كامي لا يكاد ~~يعتقد في شيء اعتقاده في حقيقة التجربة الحية ~~المعاشة: «الخطوط الناعمة على هذه التلال، ويد ~~المساء على قلبي المهتاج تعلمني أكثر ~~بكثير.» # هذه ~~الأخلاق التي تفرض على الإنسان أن يحيا فيستنفد ~~الحياة، أخلاق الكم التي تعنى بالامتلاء ~~والتحقق والوجود الجسدي والتي تعبر عنها ~~«نماذج المحال» خير تعبير هي الآن النتيجة ~~الضرورية المترتبة على الاختيار الذي وقع عليه ~~الإنسان في إجابته على السؤال الأساسي: هل تستحق ~~الحياة أن نحياها أو لا تستحق؟ هذه النتيجة ~~تعبر عنها هذه الكلمات: تعاش الحياة خير ما ~~تعاش بمقدار ما تخلو من المعنى. # 86 # هذه ~~«الميتافيزيقا» ~~(إن جاز لنا أن نستخدم هذه الكلمة، معتمدين على أن ~~إلغاء الميتافيزيقا هو في حد ذاته موقف ~~ميتافيزيقي) التي تؤمن بالحاضر المباشر قد قضت على ~~منطق الانتحار القضاء الأخير. ~~(5) # ما هو إذن المخرج الصحيح من أزمة ~~المحال؟ # في العبارة الأخيرة الجواب عن هذا السؤال. إننا ~~نستطيع الآن أن نعبر عنه على سبيل المفارقة ~~فنقول: المخرج الصحيح من المحال هو في البقاء ~~في المحال. وبذلك يكون هذا الحال الصحيح هو الذي ~~يراعي عنصري تجربة المحال ويحافظ على ms046 طرفيها؛ ~~الوعي من ناحية والمحال من ناحية أخرى. # 87 # إن إجابتنا تكون منطقية حقا إذا قلنا فيما ~~يتعلق بالانتحار الجسدي: إذا كانت الحياة مجردة ~~من كل معنى، فإنني أنتزع حياتي بيدي. ولكن هذه ~~الإجابة لا تتفق مع تجربة المحال # 88 # لأنها تلغي أحد طرفيها ونعني به ~~الوعي. أما فيما يتعلق بالانتحار الفلسفي (أو ~~الأمل) فإن من يقدم عليه يتهرب من المحال أو ~~اللامعقول ويقفز فوق أسوار المحال، وكان من واجبه ~~أن يتشبث بالحياة بينها. # إن المحال، كما قلنا، يدين بنشأته للتمزق ~~والشقاق الديالكتيكي بين الإنسان الذي يسأل ~~والعالم غير المعقول الذي يصمت فلا يجيب، # 89 # بين الوعي وبين اللامعقول؛ فالمخرج ~~الصحيح من أزمة المحال لا بد له إذن من أن يراعي ~~عنصري هذه العلاقة الديالكتيكية وأن يتمسك ~~بأقصى حد من التوتر، أعني بالمحال نفسه. # 90 # وإذن فكل مخرج من أزمة المحال، سواء أكان هو ~~الانتحار الفلسفي أم الانتحار الجسدي، أو كان هو ~~العدمية المطلقة (التي سنجدها عند كاليجولا) إنما ~~يلغي المحال نفسه ويحطم كل أساس تقوم عليه ~~الحياة. # فالحياة في المحال معناها الحياة في تمرد ~~متصل، في مواجهة الإنسان المستمرة لظلمته. # 91 ~~(ج) الحرية # رأينا كيف أن مشكلة الانتحار تضعنا في موقف الاختيار الحاسم ~~الذي يطالبنا بأن نقرر إن كانت الحياة تستحق أن نحياها أو لا ~~تستحق؛ أي إنها تضعنا أمام مشكلة الحرية وجها لوجه، حين تضعنا ~~أمام إمكانيات مختلفة علينا أن نختار بينها. # من الواجب علينا قبل أن نناقش مشكلة الحرية أن نبادر بالقول ~~بأن إمكانية الاختيار هذه لا تسبق القرار الحاسم الذي قد نتخذه ~~سبقا قبليا، بل الأولى أنها معطاة مع السؤال نفسه عن ~~الحرية؛ إذ إن القرار هنا ليس رأيا نظريا بل موقفا ~~عمليا يقتضي منا أن نحيا أو ننزع عنا رداء الحياة. # لنتذكر مرة أخرى أن كامي لا يريد أن يعرف شيئا عن الأسئلة ~~والمشكلات الميتافيزيقية، بل يذهب مذهبا تجريبيا، ظاهريا ~~خالصا: «ليس لي شأن بمشكلة الحرية الميتافيزيقية ... إنني ~~أستطيع فحسب أن أجرب حريتي. إن مشكلة ms047 الحرية في ذاتها ~~مشكلة لا معنى لها.» # 92 # والحق أن من المستحيل من وجهة نظر كامي أن تؤسس الحرية على ~~المستوى الميتافيزيقي؛ إذ إن ذلك لا بد أن يعود به بالضرورة ~~إلى الله، وهو ما يعد في رأيه نفيا للحرية: «نحن نعرف ~~البديل # Alternative # القديم: ~~إما أننا لسنا أحرارا، والله القدير على كل شيء هو المسئول ~~عن وجود الشر، أو أننا أحرار ومسئولون والله ليس قديرا على ~~كل شيء.» # 93 # وليس من العسير علينا أن نرى من ذلك كيف أن كامي ~~يجعل من مشكلة الحرية مشكلة أخلاقية، تعنى بالفعل والسلوك ~~أكثر من عنايتها بالماهية والمصير. # يرى كامي أن الحرية مطلقة. إنها تنبثق في نفس اللحظة التي ~~يبدأ الإنسان بها وجوده. لا بل هي وجوده نفسه؛ ذلك أنها تقوم ~~على أساس أنطولوجي ليست لدينا به أية خبرة أو تجربة (لم يكن ~~كامي في هذه المرحلة قد وصل بعد إلى تجربة التضامن التي ~~سنتحدث عنها فيما بعد، والتي سيؤسس فيها وجود «الأنا» على ~~وجود «النحن») كما أنها لا تقوم على أساس من وجود الله ~~والإيمان بهذا الوجود؛ إذ ذلك سيؤدي به إلى المفارقة التي لا ~~سبيل إلى حلها. # إن الإنسان الذي يعيش في المحال يعرف، منذ اللحظة التي يعي ~~فيها وجوده، أنه حتى هذه اللحظة لم يكن حرا # 94 ~~(مثل مرسو بطل قصة الغريب التي سيأتي الحديث ~~عنها)، وأن حريته كانت حرية فاسدة (مثل كاليجولا، في المسرحية ~~المعروفة بهذا الاسم). ولما كان كل شيء يبدأ بالوعي وجوده ~~الحق، ويتلقى من الوعي وحده كل ما له من قيمة، # 95 # فإن الحرية تبدأ كذلك مع صحوة الوعي: «إن العودة ~~إلى الوعي، والخلاص من النعاس اليومي، يمثلان الخطوتين ~~الأوليين على طريق الحرية المحالة.» # 96 # إن إنسان المحال يعلم ~~الآن أن عليه، لكي ينظم حياته، أن يعطيها معنى. وهو يعلم ~~أنه لن يصل إلى ذلك حتى يضع لها حدودا تقف عندها. لا غنى إذن ~~عن رفض تلك «الحرية في ذاتها»، # 97 # التي لا تستمد وجودها إلا ms048 من حقيقة شاملة ~~تؤسسها، والتي تقوم على الخضوع لقيمة من القيم # 98 # أي التي لا تعني إلا إلغاء الحرية كما يفهمها كامي ~~إلغاء تاما. الحرية الميتافيزيقية إذن، إلى جانب عدم ~~فعاليتها، حرية غير مفهومة؛ إذ إن الوجود نهب للموت، والموت ~~هو الواقع الذي لا مفر منه ولا حيلة فيه. # 99 # أضف إلى ذلك أن هذه الحرية حرية لا أخلاقية؛ ~~لأنها حرية العبيد. # 100 # فالرأي عند كامي أن الإنسان يفقد حريته ومسئوليته ~~الشخصية حين يخضع لمذهب أو يدين بدين أو يتقيد بأيديولوجية ~~معينة. إنه في هذه الحالة لا يملك نفسه، كما كان العبيد في ~~الأزمنة القديمة لا يملكون أنفسهم. # 101 # وبدلا من أن يحمل مسئوليته على كتفيه، يجد نفسه ~~محمولا من نظام سابق مفروض متواضع عليه. # إذا كان للحرية من وجود على الإطلاق فوجودها في المظهر # Le Paraitre ~~: «إن المظهر ~~يصنع الوجود.» # 102 # ولما كانت الحقيقة بحسب تعريفه لها عقيمة، فإنها ~~لا تستطيع أن تؤكد حريتي ولا أن تنفيها. وهذا هو السبب الذي ~~يجعل الحرية في نظره نوعا من أنواع التحدي الذي يرى من ~~واجبه أن يقف أمامه وجها لوجه، وأن يثبت ذاته بإنكاره ~~لها. ~~(3) حقائق الجسد ~~(أ) # المعرفة الحسية في «أعراس». ~~(ب) # المعرفة. ~~(ج) # إستطيقا الخلق بلا صباح. ~~(أ) المعرفة الحسية في «أعراس» ~~«بعيدا عن الشمس، والقبلات، والعطور المثيرة يبدو لنا كل ~~شيء بلا معنى.» # 103 # هذه الشمس التي يمجدها كامي في عمله المبكر ~~الثاني «أعراس» # Noces # هي بريق ~~وعدم (لنذكر أن المحال سيوصف فيما بعد في «أسطورة سيزيف» ~~بأنه «نور بغير بريق») # 104 # لكن هذا النور الباهر ليس هو كل شيء. إن الموت ~~حاضر دائما هناك. إنه يلقي ظله على روعة البحر والنور ~~والسماء. والعرس عرس النور والظلال، وزاوج الحياة ~~والموت. # في جو البحر الأبيض ~~تتفتح هذه المعرفة الحسية التي نتحدث عنها. وعلى شاطئ هذا ~~البحر، في الجزائر، يعيش «شعب من البربر» يجد في الحاضر ~~المباشر الحقيقة الوحيدة التي أعطيت للبشر. هذا الشعب الذي ~~يعيش في الحاضر بكل ما ms049 فيه من إرادة الحياة شعب لا يعرف ~~الأساطير ولا يعلل نفسه بالعزاء. لقد وهب نفسه بكليتها ~~للأرض، فهو أمام الموت عاجز بغير سلاح. الواقع الوحيد عند هذا ~~الشعب وعند كامي هو الواقع الأرضي # 105 # والحقيقة لديه هي تلك التي يمكن القبض عليها باليدين. # 106 # هذا الشعب الجزائري هو الذي يتيح لكامي أن يدرك ~~اليقين الأوحد الذي يملكه، يقين اللحم والجسد: # 107 ~~«بين هذه السماء وبين الوجوه التي ترنو إليها لا ~~يوجد مكان للأساطير أو الأدب أو الأخلاق أو الدين، بل ~~للأحجار والأجساد والنجوم والحقائق التي يمكن للإنسان أن ~~يقبض عليها بكلتا يديه.» # 108 # إن كامي يضفي على الجسد أعظم قدر من الأهمية؛ فالجسد عنده ~~هو الحقيقة البينة الخالصة، التصور المباشر المتعين، ~~والمعطى اليقيني الذي لا سبيل إلى الشك فيه. وكلما تناول ~~مشكلة القيمة وجدناه يفضل القيمة الجسدية التي يقدمها ~~وجه أو يد على تلك التي تكمن في فكرة من الأفكار. إن الوجود ~~في المحل الأول حياة. والإنسان هو قبل كل شيء التأكيد الحي ~~لكل ما هو حي. # 109 # والحياة هي المعطى المباشر التي لا تبرر شيئا ~~ولا ينبغي أن تفسر بشيء من خارجها؛ # 110 # فالحياة التي تؤكد ببساطة، بغير أن تتضمن قيمة ~~أخرى سوى قيمة الحياة نفسها، لون وطاقة، وما من وصية تسير ~~عليها اللهم إلا أن تتفتح هذه الطاقة و«لا ترفض شيئا من الحياة.» # 111 # إن الإنسان، وهو الكائن المحدود بطبيعته، لا ينبغي له أن ~~يطلب الكلي الذي لا سبيل له إلى الوصول إليه: # 112 ~~«ليس في مقدوري أن أدرك شيئا إلا في الحدود ~~الإنسانية. إن ما ألمسه وما أحس بمقاومته هو وحده الذي أفهمه.» # 113 # وعلى الإنسان كذلك أن يقنع ب «حقائق اللحم ~~والجسد»، التي لا يستطيع أحد أن ينكرها. # 114 # نقول «الحقائق» متعمدين، لنؤكد بذلك أن كامي لا ~~يؤمن بحقيقة ما من بين حقائق أخرى، ولا بالحقيقة الواحدة في ~~ذاتها، بل بحقائق كثيرة متعددة: «في علم النفس كما في المنطق ~~توجد حقائق، ولكن الحقيقة لا وجود لها.» ms050 «هذه الحقائق لا ~~تستمد» صدقها من تقنين العقل، بل من الحساسية. وهذه الحساسية ~~هي التي تجعل لكل شيء حقيقته: «من نسمة المساء إلى هذه اليد ~~التي تلمس كتفي.» # 115 # وبذلك يتحول الوعي إلى مجموعة من الإحساسات ~~الخالصة التي تكفي نفسها بنفسها، وتتيح لكامي أن يقول: «شعرت ~~بفرحة غريبة في قلبي، هي هذه الفرحة التي تولد من وجدان هادئ.» # 116 # ونسأل أنفسنا ما طبيعة هذا الوجدان أو هذا الوعي، فنعود من ~~جديد إلى الدور الهام الذي يلعبه الجسد؛ فالوعي هنا وعي ~~بالجسد أعني أنه ليس ذلك الوعي الذي يعي نفسه، أو يجعل من ذاته ~~موضوعا لذاته. إنه يسقط على الأشياء كالمصباح السحري ~~فيجردها من أقنعتها، وهناك يستطيع أن يلتقطها في بساطتها ~~وسذاجتها الأولى. # 117 # إنه إحساس خالص، ولحظي. وإذا كان وجود الإنسان في ~~العالم وجودا جسديا محضا، كانت حقيقته كذلك حقيقة مقضيا ~~عليها بالموت والفناء: «فيم تنفع حقيقة لم يكتب لها أن تموت؟» # 118 # وكانت السعادة التي ينشدها فيلسوف مثل أفلوطين في ~~الاتحاد مع الواحد # 119 # هي التي ينبغي علينا أن نلتمسها في الاتحاد مع ~~النعم الزائلة والخيرات الصغيرة على هذه الأرض؛ ذلك أن هذه ~~النعم والخيرات، وإن يكن مآلها إلى الفناء، فهي الشيء الوحيد ~~الذي يملكه الإنسان الذي لا يخدع نفسه. # 120 # ويكفي الإنسان أن يحرر نفسه من جميع الأوهام ~~الميتافيزيقية لكي يصل إلى السعادة الخصبة الحقيقية. # هل نحن الآن في حاجة إلى السؤال عن الهدف من هذه المعرفة ~~الحسية؟ إن الهدف الوحيد منها هو الإنسان. الإنسان المتعين ~~المحسوس الذي يستحق أن يكون سعيدا، لا بل من واجبه أن يكون ~~سعيدا. وهو نفس الإنسان الذي يراه بعينيه ويلتقي به على ~~قارعة الطريق: «هنا عيون وأصوات أولئك الذين يجب علي أن أحبهم.» # 121 # إن كامي يرفض كل حقيقة موضوعية، إما عن يأس من العثور ~~عليها، أو امتناع عن محاولة البحث عنها على وجه الإطلاق. ~~ورفضه هذا نابع من امتناعه عن تجاوز الأرضي المحسوس، وتخطي ~~الواقع المعين، وإصراره على البقاء داخل الحدود ms051 الإنسانية. ~~وهذا الرفض من ناحية وهذا الإصرار من ناحية أخرى لا يرجعان ~~إلى صلف أو كبرياء بقدر ما يرجعان إلى الخوف من الخداع ~~وخيبة الأمل. إن كل ما يريده الآن هو أن يقيم عظمة الإنسان ~~على يقين عقلي بأن العالم «لا معقول». # 122 # على هذه المفارقة Paradoxe # المعذبة المتكبرة يؤسس كامي موقفه في المعرفة، وبخاصة في ~~المرحلة الواقعية بين عامي 1935م و1937م؛ أي في الفترة التي ~~وضع فيها كتابيه المبكرين «الظهر والوجه» و«أعراس». ولما ~~كان لهذه المعرفة الحسية أثرها على جميع أعماله التالية، ~~فسوف نلخص لحظاتها الأساسية كما عبر عنها بوجه خاص ~~في «الأعراس»: ~~(1) # الحضور، أو الواقع الحاضر والمباشر. ~~(2) # السعادة (التي يمكن أن يؤدي إليها نوع من ~~الاتصال في اليأس والعذاب). ~~(3) # الحياة هي القيمة الأولى والأخيرة ~~للحياة. ~~(4) # نقاء القلب والبراءة (وهي واضحة في كل أعمال ~~كامي وبخاصة في أعماله القصصية ~~والمسرحية). ~~(5) # حتمية الموت. ~~(6) # انقطاع الأمل (مما لا يدل بعد على اليأس، ~~فالأمل خطيئة ترتكب في حق الحياة). ~~(7) # رفض العالم اللامعقول، بغير العزوف عنه ~~(وسنستبدل هذه الكلمة بكلمة أخرى فيما بعد ~~ونعني بها التمرد). ~~(8) # تأكيد محدودية الإنسان (مرسو، بطل قصة الغريب ~~التي سيأتي الحديث عنها، والذي يظل حتى صدور الحكم ~~عليه بالإعدام في مجال الحسية الذي تصفه الأعراس، ~~هو خير تعبير عن هذه المحدودية الواعية ~~بنفسها). ~~(ب) المعرفة # يبادر كامي في بداية «أسطورة سيزيف» فيعلن أنه سيتناول ~~الإحساس بالمحال باعتباره نقطة بداية، # 123 # وشرا عقليا أو مرضا روحيا # mal de l’ésprit # 124 # يريد أن يصفه في حالته الأولية الخالصة؛ أعني بغير ~~الرجوع إلى أية معتقد أو أية ميتافيزيقا، ولكننا نعلم الآن أن ~~كل رفض للميتافيزيقا هو في حد ذاته موقف ميتافيزيقي. وقد ~~عرف كامي ذلك بنفسه. ألا يقول إن المحال هو الحالة ~~الميتافيزيقية للإنسان الواعي؟ # 125 # ألا يقول أيضا إن لكل شعور عالمه وإن هذا العالم ~~إنما يدل على موقف عقلي وميتافيزيقي؟ ألا يعبر صراحة ~~في سياق حديثه عن منهجه الذي يعد كل معرفة حقيقية أمرا ~~مستحيلا أن المناهج تنطوي على ms052 مواقف ميتافيزيقية؟ # 126 # ويحرص كامي على ألا يقع في متناقضات المثالية فيعلن أنه لا ~~ينكر الميتافيزيقا ولكنه لا يستطيع أن يتذوق لهما طعما، وأن ~~المشكلات الميتافيزيقية لا تهمه في قليل أو كثير؛ فلو سأله ~~سائل عن السبب لأجاب بأنها تتجاوز حدود تجربتي الحسية ~~المباشرة كما تتجاوز ملكتي الفكرية؛ على أننا لا نستطيع أن ~~نفهم هذا الرفض المسبق لكل ميتافيزيقا (وهو الذي لا يعني ~~إلغاءها أو نفيها؛ لأن المرء لا يرفض ما ليس له وجود) حتى ~~نوضح موقفه من المعرفة على وجه الإجمال. # يؤكد كامي تأكيدا أوليا سابقا على كل مناقشة أو ~~استنتاج أن من المستحيل على الإنسان أن يصل إلى أية معرفة حقيقية: # 127 ~~«أي إنسان أو أي شيء أستطيع أن أقول عنه «إنني ~~أعرف هذا»؟!» # 128 # وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعرف العالم ككل، ~~فهل في وسعه أن يعرف أجزاء منه؟ إن كامي سيجيب بلا؛ ذلك أن ~~معرفتي كلها تتوقف عند المعطيات المباشرة التي تزودني بها ~~تجربتي الفردية المحسوسة. وليس في استطاعتي أن أدرك شيئا ما ~~لم يكن واقعا داخل الحدود الإنسانية: # 129 ~~«القلب في باطني أستطيع أن أحس به، ومن ذلك ~~أستنتج أنه موجود. والعالم أستطيع أن ألمسه، ومن ذلك أيضا ~~أستنتج أنه موجود. بذلك تتوقف معرفتي كلها.» # 130 # ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان لا يستطيع حتى أن يعرف ذاته. ~~وقد يظل حياته في غربة دائمة عن نفسه. # 131 # إن مسعاه إلى الوضوح سيخيب دائما ، وشوقه إلى ~~المطلق والوحدة لن يتحقق أبدا. لا العلم ولا الفلسفة ~~يستطيعان أن يعطياه الحقيقة. إنهما عاجزان عن معرفة الموجود ~~بما هو موجود. كلاهما يقف عند مستوى الظواهر. والنظريات ~~العلمية والمذاهب الفلسفية لا تستطيع إلا أن تدرك العلاقات ~~التي تربط هذه الظواهر بعضها ببعض. إن معرفة العالم ومعرفة ~~الفيلسوف كلاهما مرفوض؛ فكلاهما عاجز عن تحقيق مسعاه نحو ~~الوحدة، عقيم لا يملك أن يشبع شوقه إلى المطلق: «لو عرف ~~الإنسان أن الكون يمكنه أن يحب وأن يتعذب، لكان في ذلك ~~السلام لقلبه.» ms053 # 132 # وليس في هذه العبارة شيء من النزعة التشبيهية ~~بالإنسان (أنثروبومورفية)، بل كل ما فيها هو أنها تنكر على ~~العقل كل مقدرة على اكتشاف العلاقات الموضوعية التي تربط بين ~~الأشياء وردها إلى الوحدة التي تفسر كل شيء. # شوق الإنسان إذن إلى الوحدة والمطلق، ومسعاه نحو الوضوح ~~والترابط باقيان في عالم كل ما فيه لا معقول. هذا الشوق وهذا ~~المسعى مرتبطان بعجز العقل عن رد العالم إلى مبدأ واحد ~~ينتظم جميع الظواهر المتعددة المتغيرة: «لو استطاع الفكر أن ~~يكتشف في الانعكاسات المتغيرة للظواهر علاقات أبدية تجمعها ~~وتجمع الفكر تحت مبدأ واحد لأمكننا أن نتحدث عن سعادة ينعم ~~بها العقل.» # 133 # إن نشدان الوحدة والمطالبة بالوضوح يوقعان العقل في ~~متناقضات لا آخر لها، # 134 # وكل زعم يذهب إليه الفكر إنما ينفي الفكر نفسه. ~~ولتوضيح ذلك يستند كامي إلى أرسططاليس، ويورد هذه الدائرة المفرغة # 135 # التي تفض في رأيه كل نزاع: كل شيء صادق أو كل ~~شيء باطل. ولكن ليس من العسير أن نلاحظ أنه إذا كان كل شيء ~~صادقا، فإن التأكيد المضاد يكون بالضرورة صادقا، وهو تناقض، ~~فإذا أكدنا على العكس بأن كل شيء باطل، لتحتم بالضرورة أن ~~يكون هذا التأكيد نفسه باطلا. فإن أردنا أن نخرج من هذا ~~المأزق ورحنا نؤكد أن هناك في الوقت نفسه ما هو صادق وما هو ~~باطل لكان علينا بالضرورة أن نقرر بوجود عدد لا حصر له من ~~الأحكام الصادقة والأحكام الباطلة، مما يترتب عليه أن تفلت ~~الحقيقة دائما من أيدينا. وبعبارة أخرى فإن الحقيقة إما أن ~~تكون مطلقة أو لا تكون، والحقيقة موجودة أو لا وجود لها على ~~الإطلاق: «إنني أريد كل شيء أو لا شيء.» # 136 # نستطيع من ناحية أن نرى في وضوح كيف أننا لا نستطيع هنا أن ~~نتحدث عن فكر متواضع يعرف حدوده، حتى بعد التقائه بالواقع ~~المحسوس وعزمه على أن يضع لنفسه هذه الحدود. إن الإنسان في ~~حاجة إلى المطلق، فلا بد له أن يكون هو نفسه مطلقا؛ إنه ~~يطالب بالحقيقة، ms054 فلا بد له إذن أن يحصل على الحقيقة، ولكن ~~الإنسان ليس هو ما يطلبه ويشتاق إليه، فمطلبه وشوقه إذن ~~باطلان، أو هما على الأقل متكبران مغروران. # 137 # ومن ناحية أخرى نجد أن كامي على غير استعداد لأن يذهب إلى ~~أبعد مما يبينه له العقل الواضح المتميز، فإذا كان العقل ~~يبين له أن العالم محال، فهو مضطر إلى التسليم بهذه ~~الحقيقة والتشبث بها. وكل حقيقة سواها قد تحدثه نفسه ~~بالإيمان بها لا بد أن تأتي معها بالأمل، وأن تدفعه إلى أن ~~يقفز تلك القفزة التي حرمها على نفسه وراء أسوار المحال، ~~وأن تؤدي به إلى الانتحار الفلسفي الذي تحدثنا عنه. وهكذا ~~يدخل الفكر بمشيئته سجن المحال ويحبس نفسه وراء جدرانه. ~~وبهذا السجن الاختياري يرتبط رفضه لكل يد تحمل له النجاة أو ~~تمده بالعزاء. وهذا الرفض مبني على الأمانة التي تقتضي من ~~الإنسان أن يحيا الحياة مع علمه بأنها خالية من كل معنى: «إن ~~الأمانة في الإصرار على وجهة النظر هذه.» # 138 # لا شك أن القارئ قد أدرك بنفسه ما تحتوي عليه الأفكار ~~السابقة من متناقضات نجملها في السطور الآتية: ~~(1) # الحقيقة الوحيدة التي يكشف لنا العقل الواضح ~~المتميز عنها هي أن العالم محال، ومحالية ~~العالم هي التي تجعل حياة الإنسان شيئا جديرا ~~بأن يعاش، كما تضفي عليها العظمة، ولو كان ~~للحياة معنى لما كانت جديرة بأن يحياها الإنسان. ~~الحلقة المفرغة هنا واضحة؛ فالعالم من ناحية لا ~~معنى له لأنني لا أريد أو لا أرجو أن يكون له ~~معنى ، ومن ناحية أخرى لأن العقل يكشف عن خلوه ~~من كل معنى. ~~(2) # يطالب الإنسان الذي يعيش في المحال بالوحدة ~~ويشتاق إلى التجانس والترابط، فإذا لم يجدهما ~~رأيناه يعزف عنهما ويعدد بذلك ما لم يستطع أن يوحده. # 139 # وهكذا يزيد من تنوع الظاهرات، # 140 # ويغني من عالم المعطيات الحسية. هو ~~إذن يعيش في مجال الظاهرات أو قل إنه لا يريد أن ~~يعيش في مجال سواه، فإذا جاء الآن وأدان العلم ~~والفلسفة وحكم على منهجهما بالفشل في ms055 الوصول إلى ~~أية معرفة حقيقية لأنهما يتحركان داخل العلاقات ~~التي تؤلف بين الظواهر دون أن يؤديا إلى مبدأ ~~موحد، أقول إنه إن فعل ذلك فإنما يناقض نفسه ~~بنفسه. # غير أن المنصف لكامي يستطيع أن يفسر هذه المتناقضات وأن ~~يعفيه منها. والطريق إلى ذلك هو محاولة فهم مشكلة المحال ~~على أساس وجودي-ديالكتيكي لا على أساس من المنطق ~~الصوري. # لقد رأينا في الصفحات السابقة كيف أن المحال ينشأ عن الشقاق ~~بين العقل الذي يحاول أن يسأل ويفهم، والعالم الذي يصمت فلا ~~يجيب ولا يبالي، بين شوق الإنسان إلى الوحدة والوضوح وبين ~~التشتت واللامعقولية والغموض الذي يكتنف العالم. وكان لا بد ~~لكامي، لكي يتيح للمحال أن ينشأ في وضوح وتميز عن هذا ~~الشقاق، من أن يعلن عجز العقل عن معرفة ما يقع خلف حدود ~~التجربة الحسية المباشرة، وأن يصف «أسوار المحال» التي ~~تصطدم بها رغبتنا في الوحدة واشتياقنا إلى الوضوح، وأن يرفض ~~الاعتراف بكل تمذهب فلسفي أو علمي؛ فشوق الإنسان الذي لا ~~يروي إلى المطلق، وسعيه الذي لا يهدأ نحو المبدأ الواحد ~~الموحد، ووعيه بمحدوديته من خلال تجربته الحسية الفردية، ~~عنصران يؤلفان طرفي العلاقة الديالكتيكية التي تحدثنا ~~عنها من قبل، كما يكونان شرط وجود المحال. ولا بد للمحال ~~إذن من أن يقف حائلا بين الإنسان وبين كل ما هو ميتافيزيقي أو ~~متعال (ترانسندنتي) على وجه الإطلاق. # ويبدو لنا أن هدف كامي من موقفه في المعرفة أن يؤكد وجود ~~حد لا ينبغي للإنسان أن يحاول تجاوزه إلى ما وراءه. وهذه ~~المحدودية مرتبطة بسعادة الإنسان وبوجوده الحسي في العالم؛ ~~فلكي يجد سعادته، لا بد له من أن يرفض كل معرفة عقلية، وأن ~~يتخلى عن كل مطلب ميتافيزيقي لا يوقعه فحسب في ~~المتناقضات بل ويحول بينه وبين السعادة، ويمنع الجسد من أن ~~يهب نفسه للمتع التي يقدمها له هذا العالم الذي لا يملك ~~من عالم سواه. ليس العقل الكلي هو الذي يستطيع أن يوحد ما ~~بيني وبين هذا العالم، بل «الخطوط الناعمة على هذه التلال، ويد ms056 ~~المساء فوق قلبي المهتاج.» # 141 ~~(ج) إستطيقا الخلق بلا صباح # عالج كامي نظريته الإستيطيقية (أو الجمالية) في فصلين ~~إضافيين؛ أحدهما في كتابة أسطورة سيزيف تحت عنوان «الخلق ~~المحال» والأخرى في كتابه «المتمرد» تحت عنوان «التمرد ~~والفن»؛ هذا إلى كثير من أحاديثه ومقالاته وخطبه، وبخاصة في ~~الجزأين الأول والثاني من كتابه «حقائق معاصرة» وفي «حديث ~~السويد» الذي ألقاه في العاشر من ديسمبر عام 1957م، في ~~استكهولم، بمناسبة الإنعام عليه بجائزة نوبل. ولما كنا قد ~~قصرنا أنفسنا في هذا الكتاب على المشكلات الفلسفية وحدها، ~~ولم نتناول المسائل الأدبية والفنية إلا بقدر دلالاتها على ~~الموقف الفلسفي، فإننا لن نستطيع في هذا المقام أن نفصل ~~القول في منزلة الفن من أعمال كامي الأدبية، تاركين ذلك لغيرنا ~~من أصحاب النقد والتحليل ~~الأدبي. # ومع ذلك فلا بد من القول بأن أفكار كامي الفلسفية تجد ~~التعبير المباشر عنها والتطبيق الحي الخصب لها في مجال الفن، ~~بل إن في استطاعتنا أن نقول إن إستطيقا كامي تفيدنا في الكشف ~~عن موقفه الفلسفي خيرا من أية مجال من مجالاته الفكرية الأخرى. # 142 # لقد بين لنا التأمل في المحال كيف يتحتم على الإنسان ~~أن يتشبث به، حتى يحافظ على اليقين الأوحد الذي يملكه عن هذا ~~العالم وعن نفسه. ولم يكن المحال في نهاية المطاف سوى يقظة ~~الوعي الباهر، تلك اليقظة العنيدة التي ليس بعدها نعاس. وكان ~~الرفض المستمر للعالم (هذا الرفض الذي لا يعني، كما رأينا، نفي ~~العالم ولا العزوف عنه، بل كل ما يعنيه هو التحدي) هو ~~الوسيلة الوحيدة التي يحافظ بها الإنسان على كرامته. ثم ~~عرفنا نماذج أربعة للإنسان الذي يعيش في المحال، ويرى فيه ~~حقيقته الوحيدة التي لا يعرف من حقيقة سواها، ويحس بالنتائج ~~المترتبة عليها، وهي الحياة والتمرد والحرية، أشد ما ~~يكون الإحساس؛ أعني أن يحيا كأعمق ما تكون الحياة وأشدها ~~خصوبة وامتلاء. # 143 # هذه النماذج التي يقدمها لنا كامي ليس المقصود منها أن ~~تكون نماذج للاحتذاء والمحاكاة. إنها مجرد تعبير عن هذا ~~الرأي الذي يقول إن ms057 الحياة يمكن أن تعاش بما يطابق مطالب ~~المحال ونتائجه؛ أعني بالحياة والتمرد والحرية. ولقد رأينا ~~أن أهم هذه النماذج هو آخرها، ونعني به الإنسان المبدع الخلاق، # 144 # الذي يبلغ الإحساس بالمحال لديه ذروته، ويجد ~~التعبير عنه في أوضح صوره. # وإذا كان «الفنان» في شخصية كامي يظهر في جميع أعماله، وإذا ~~كنا نجده يخصص للفن في كتابيه الفلسفيين فصلين من أهم ~~فصولهما، ويهيب بنيتشه (الذي كان الفن بالنسبة إليه هو ~~الوسيلة الوحيدة التي تعصم الإنسان من الموت ضحية للحقيقة، لا ~~بل إن الفن في رأيه يزيد في قيمته عن الحقيقة نفسها)، # 145 # فلا ينبغي أن يمنعنا ذلك من القول بأن كامي لم ~~يحاول أن يجد في الفن وسيلة للنجاة، ولم يصغ نظرية من ~~نظريات الخلاص عن طريق الفن. # الحق أنه قد يبدو أن في الخلق الفني مخرجا من أزمة ~~المحال، ولكن الأمر يبدو كذلك فحسب؛ فالعمل الفني في رأي كامي ~~هو المحال الخالص؛ أعني أن المحال يجد تعبيره النموذجي في ~~عملية الخلق. وعملية الخلق هذه لا تعبر عن الانتصار على ~~المحال، ولا تؤدي إلى التحرر أو النجاة منه؛ ذلك أن العمل ~~الفني بطبيعته يلعب دورا حاسما في الاحتفاظ بالوعي العنيد ~~الباهر في وجه محالية العالم، بل إنه هو خير وسيلة للإبقاء ~~على هذا الوعي. # 146 # وليس مرجع ذلك إلى أن الفن يحتوي على مضمون أغنى أو أقيم ~~مما تحتويه حياة العاشق أو الغازي أو الممثل. إن الذي يميز ~~الفنان عن بقية نماذج المحال هو أن الفن يحتفظ بطابع الدوام. ~~ومعنى هذا أن العمل الفني يبقى بعد أن يفنى الفنان، وأن الخلق ~~أطول عمرا من خالقه. ومعناه قبل كل شيء أن الوعي الباهر ~~بالمحال الذي يجده الآخرون من الناس يمكن أن ينتقل إليهم ~~للمرة الأولى في حياتهم عن طريق العمل الفني الذي يرون مصيرهم ~~المشترك منعكسا على صفحته. # 147 # إن المعيار الوحيد لصدق الفكر المحال، الذي يرتبط بتجربة ~~الحياة برابطة الزواج، # 148 # هو أن يعاش هذا الفكر في الفعل والواقع، لا أن ms058 ~~يكون مجرد كلمات مجدبة على الورق. إنه في الوقت الذي يصدف ~~فيه عن الوحدة إنما يزيد من التنوع. والتنوع هو المجال ~~الحق للفن. # 149 # إن مملكته هي مملكة الصور والألوان، وهي مملكة ~~يعرف الفنان أنها موهوبة للفناء. # إن العمل الأساسي للفنان في عالم لا تنفد ثروته من ~~الظاهرات المتنوعة هو الوصف والتسجيل؛ فالإنسان المحال في ~~صورته الخالصة (والمقصود به هنا هو الفنان) لا يهتم بالتحليلات ~~والتفسيرات، بل يصرف كل عنايته إلى الوصف والتجربة: «الوصف؛ ~~هذا هو آخر ما يطمح إليه الفكر المحال.» # 150 # مملكة فانية ملونة مزدحمة بالصور والأصوات والألوان. أول ~~ما يجب على الفنان فيها أن يفتح عينيه ويرى، وأن يتعلم كيف ~~يصف ما يراه: «أن نرى! على هذه الأرض أن نرى! كيف يستطيع ~~الإنسان أن ينسى هذا الدرس!» # 151 ~~(4) المحال نقطة بداية ~~(أ) # المحال، واللامعقول، واللامعنى. ~~(ب) # المحال يحتوي على النعم واللا في وقت واحد. ~~(ج) # ينبغي أن يفهم فهما وجوديا-ديالكتيكيا. ~~(د) # المحال لا يزيد على أن يكون نقطة بداية. ~~(أ) المحال، واللامعقول، واللامعنى # نقول عادة إن شيئا ما محال، ونعني بذلك أنه لا معقول، فهل ~~اللامعقول هو المحال؟ إن علينا الآن أن نميز بين هذين ~~التصورين. # إن الإنسان الذي يعيش في أزمة المحال ويفكر من خلاله لا ~~يرى أن العالم معقول # rationnel # ولا يرى كذلك أنه غير معقول # irrationnel ~~. إنه بالنسبة ~~إليه لا يتفق مع قوانين العقل، ولا شيء غير هذا. # 152 # وليس معنى هذا أن إنسان المحال يفكر تفكيرا لا ~~عقليا ولا أنه ممن يعادون العقل. إنه لا يحتقر العقل، ولكن ~~يسلم بوجود اللامعقول (لأنه لو أنكر العقل لما استطاع أن ~~يدرك اللامعقول!) فاللامعقول هو أحد طرفي العلاقة التي أشرنا ~~إليها والتي ينبثق عنها المحال، ونعني بها تلك العلاقة التي ~~تجمع بين اللامعقول من ناحية وبين شوق الإنسان إلى الوضوح ~~والوحدة من ناحية أخرى، وذلك في وحدة صراع متشابكة؛ فإنسان ~~المحال إذن لا ينفي وجود العقل، بل يضفي عليه قيمة نسبية. ~~وإذا كان المحال هو الذي ms059 يعين لنفسه حدوده، فإنه لن يستطيع ~~أن يعين هذه الحدود الثابتة بدون العقل الواضح المستنير، بل ~~إن المحال، في تعريف كامي، هو هذا العقل الذي يرسم لنفسه حدوده؛ # 153 # ومن ثم رأينا كيف يرفض الإنسان أن يجعل من ~~المحال قاعدة يقفز منها للوصول إلى المتعالي (الترانسندنس) ~~في أية صورة من صوره؛ فالإقدام على هذه القفزة معناه الإقدام ~~على الانتحار الفلسفي. # ونتحدث كذلك عن المحال ونقصد به اللامعنى، فهل يدل ~~التصوران على شيء واحد بالذات؟ لنحاول أولا أن نفهم المحال ~~عن طريق اللامعنى. # ماذا أقصد بقولي إن هذا الشيء أو ذاك لا معنى له؟ # إنني لن أستطيع أن أفهم ما هو اللامعنى حتى أفهم أولا ما هو ~~المعنى؛ أي إن السلب لا بد أن يتقدمه الإيجاب، والنفي ~~والتأكيد؛ فالإنسان وحده - وهذا مثل مشهور نستشهد به - هو ~~الذي يعرف أن البيت ليس هو كومة من التراب والأنقاض، وأن كومة ~~التراب والأنقاض ليست بيتا، ولكنه يعرف ذلك لمعرفته سلفا ما ~~هو البيت وما هي كومة التراب والأنقاض. # 154 # إن كامي حين يتحدث عن المعنى يسأل نفسه إن كان من الممكن أن ~~يكون هناك معنى فيما لا معنى له، وأن يكون في حكم يقرر ألا ~~معنى هنالك مع ذلك شيء من المعنى. إن المعنى لا يكون للحكم ~~الإيجابي فحسب، بل إنه يكون كذلك وقبل كل شيء للحكم النافي أو ~~السالب (وتاريخ الديالكتيك من هيراقليط إلى يومنا هذا عامر ~~بالأمثلة التي تؤكد القوة الوجودية والمنطقية الكامنة في ~~السلب والعدم، مما لا نستطيع في هذا المجال أن نفصل القول ~~فيه)؛ فحكم كهذا: «العالم لا معنى له، أو العالم محال » يمكن ~~أن يكون حكما ذا معنى، وإن كان ينطق بتجرد العالم من كل ~~معنى، إنه يعطينا حكما سلبيا أو حكما نافيا، وحكم السلب ~~أو النفي يظل حكما على كل حال. # وقد أشرنا فيما تقدم إلى الأسباب التي جعلت الإنسان يصل ~~إلى هذا الحكم الساخط الأليم، ولعل أهم هذه الأسباب التي ~~تجعل الوجود عديم المعنى في نظر إنسان ms060 المحال هو الموت، أو ~~هو انعدام كل شيء بعد أن أموت. إنه بمعنى آخر إمكانية عدم ~~إمكان وجودي، وبقاء العالم غير المبالي مع ذلك على حاله. إنه ~~عدمي في مقابل وجود العالم أو هو العالم بعدي بدون وجودي. # 155 # وليس من العسير أن نرى كيف أن هذه اللامعنية (إن صحت هذه ~~الكلمة!) أو المحالية لا يمكن أن تكون مطلقة. إنها تظل ~~تجربة متعلقة بأولئك الذين ينعدم في نظرهم كل شيء بعد الموت. ~~ولكنها تفقد قيمتها بالنسبة لمن يؤمن بوجود شيء بعد الموت، أو ~~لمن يؤمن بأن الحياة الحقة والوجود الحق لا يبدآن إلا بعد أن ~~تنتهي الحياة وينعدم الوجود من هذه الأرض. # والحق أن التجرد المطلق من كل معنى، أو المحالية ~~المطلقة، من وجهة نظر منطقية بحتة، لا بد وأن تفترض وجود ~~العدم المطلق الذي يسبقها، والذي لا يكون من معنى فيه إلا ~~للامعنى، وبالتالي للتأكيد الذاتي في هذه «اللامعنية». # 156 # ولكن هذه اللامعنية أو هذا الانعدام المطلق لكل ~~معنى يناقض نفسه بنفسه. ويبدو أن من الصعب علينا أن نتحدث ~~عن اللامعنية المطلقة بمثل ما يصعب علينا الحديث عن العدم ~~المطلق؛ ذلك أننا من الناحية الصورية البحتة لا نستطيع أن ~~نقول شيئا عن العدم؛ لأن كل مقال فهو بالضرورة عن موجود أو ~~عن نحو من أنحاء الوجود، أضف إلى هذا أنه لا بد أن يكون ثمة ~~معنى نقيس عليه اللامعنى؛ أي إننا لا بد أن نعرف أولا ما هو ~~معنى العالم لكي نحدد من بعد متى وكيف يتجرد من هذا المعنى. ~~وإذن فنحن لا نملك إلا أن نتحدث عن لا معنى إضافي أو عدم ~~وجود أو عدم إضافي، لا عن لا معنى مطلق أو عدم ~~مطلق. # ومن المستحيل كذلك أن يصح للمحالية المطلقة وجود. ولقد ~~بين كامي كيف أن مثل هذا المنطق العدمي - منطق اللامعنى ~~والمحلية المطلقة - منطق فاسد، لا بل منطق يؤدي إلى إراقة ~~الدماء. وقد وضح ذلك حين عرض علينا مصائر تراجيدية ثلاثة ~~وهي الصديق الألماني # 157 # الذي ms061 كتب إليه كامي في خلال الحرب العالمية ~~الثانية مجموعة من الرسائل معروفة تحت هذا الاسم، والقيصر ~~الروماني كاليجولا # 158 # ومارتا، # 159 # الفتاة التي تتعاون مع أمها على قتل أخيها العائد ~~بعد غيبة عمر طويل نتيجة سوء تفاهم. كل هؤلاء قد ساروا في ~~حياتهم الواقعية على المنطق العدمي إلى آخر مداه. هؤلاء الذين ~~طبقوا منطق المحالية المطلقة قد جهلوا طبيعة المحال أو ~~تجاهلوها، ونسوا أن المحال ذو طابع نسبي، وأنه لا بد أن يضع ~~لنفسه حدوده، # 160 # وأنه لا بد وأن يكون هناك معنى يقاس عليه ~~اللامعني والمحال، وأن مصير الإنسان لا يكون له من معنى إلا ~~في هذا العالم المحدود الذي لا سبيل إلى تفسيره. # 161 ~~«فلو أن كل شيء كان بلا معنى، لكان معك الحق، ~~ولكن هناك شيئا ينطوي على معنى.» # 162 # هذا «الشيء» الذي يحتفظ بمعناه هو الإنسان، هو الصداقة، ~~والسعادة، والشوق إلى العدل، وهي التي يدافع عنها جميعا في ~~أربع رسائل من كتابه إلى صديقه الألماني. غير أن هذا المعنى ~~ليس معنى عاليا ولا متعاليا. إنه ليس خارج الزمان ولا خارج ~~العالم: «ما زلت أعتقد بأن هذا العالم لا ينطوي على معنى ~~يعلو عليه. بيد أنني أعلم أن هناك شيئا فيه له معنى، وذلك هو ~~الإنسان؛ لأنه هو الكائن الوحيد الذي يشتاق إلى المعنى ويسعى إليه.» # 163 # لقد بدا ذات حين كأن النتيجة المنطقية المترتبة على ~~المحال وانعدام المعنى في هذا العالم هي الإقدام على ~~الانتحار، ولكن «أسطورة سيزيف» قد بينت لنا أن هذا المنطق ~~ظاهري فحسب. إن خطأه يكمن في الاعتقاد بأن تجريد الحياة من ~~المعنى يمكن أن يتساوى مع الحكم بأنها لا تستحق أن تعاش. بيد ~~أن تجربة المحال قد علمتنا # 164 # عكس ذلك تماما، وأنه ليس ثمة علاقة ضرورية ~~تربط بين الحكمين، بل إن الحياة تكون أولى ما تكون بالمعيشة ~~بقدر ما تخلو من المعنى. والمصائر التراجيدية الثلاثة التي ~~تواجهنا في شخص الصديق الألماني وكاليجولا ومارتا هي أوضح ~~مثال على ذلك. لقد اعتقدوا جميعا ms062 في اللامعنى المطلق أو ~~المحالية المطلقة للوجود وساروا مع منطقهم هذا إلى آخر ~~نتائجه، فانتهوا إلى الانتحار على نحو أو آخر. إنهم بعبارة ~~أخرى قد خانوا تجربة المحال التي تدعوهم إلى التشبث بالحياة ~~على الرغم من خلوها من كل معنى. # أن المحالية المطلقة تناقض نفسها بنفسها. ~~(ب) المحال يحتوي على النعم واللا في وقت واحد # الحق أن نقطة البداية في فلسفة كامي هي السلب أو النفي # 165 # أو هي التناقض على وجه التحديد: # 166 ~~«... إن الاكتشاف الأول الذي يتوصل إليه التفكير ~~الذي يتأمل في ذاته هو التناقض.» # 167 ~~«هذا التناقض الذي يشير إليه كامي هو المحال، ~~ولكن المحال باعتباره تناقضا ليس على التحقيق تناقضا ~~منطقيا، بل هو تناقض «معاش ممزق القلب». # 168 # إن من أهم الأمور هنا أن يحيا الإنسان مع متناقضاته، # 169 # أو قل أن يحياها بكل ما فيها من عمق وعذاب، وأن ~~يعي مصيره المحال كما وعاه سيزيف. # وإذا كان المحال، كما قدمنا، ينشأ عن صدام بين مطلب ~~عقلي من جانب الوعي أو الوجدان، وبين اللامعقول السائد في ~~العالم، فإن المحال أبعد الأشياء عن أن يكون هو قانون العقل، ~~بل الأولى أن يقال إنه هو فضيحته. وليس المحال هو ما لا ~~يتفق مع العقل والمنطق، بقدر ما هو ما يستعصي على الفهم ~~والتفسير. والحق أنه ليس من شيء يستعصي على التفسير ولا من ~~شيء أشد غموضا وغرابة من وجود كائن يطالب بالنظام والوحدة ~~والوضوح في عالم خلا من النظام والوحدة والوضوح. وإذا كان ~~كامي يتحدث عن الإنسان المحال أو العقل المحال فليس معنى هذا ~~أن الإنسان أو العقل يفكر تفكيرا فاسدا، بل معناه على ~~العكس من ذلك أن الإنسان أو العقل قد «عرف» المحال، وأنه قد ~~استيقظ اليقظة التي لا يغفو بعدها وجدانه. # حقا إن فلسفة كامي تبدأ، كما قلنا، من السلب أو النفي، ~~ولكننا نخطئ إذا اعتبرنا أن هذه السلبية مطلقة أو رأينا أن ~~هذا النفي نهائي؛ ذلك أن المغالاة في تأكيد الجانب الدرامي من ~~مأساة المحال ms063 يعرضنا لخطر نسيان الجانب المشمس من تفكير ~~كامي. إن علينا ألا ننسى أبدا أن المحال إن كان ظلاما ~~فالوعي الذي يواجهه نور باهر. # لقد رأينا كيف كان جانبا الظل والنور، والسلب والإيجاب، ~~واللا والنعم، حاضرين دائما في تفكير كامي، وعرفنا الأمثلة ~~على ذلك من كتابه الأول «الظهر والوجه» # 170 # قبل التوسع في معالجة المشكلة معالجة تصورية ~~شاملة. هنالك كان من العسير عليه أن يفصل حبه للنور والحياة ~~عن يأسه أمام تجربة الموت. وهنالك كانت الشجاعة الحقة في ~~«ألا يقفل الإنسان عينيه أمام النور ولا أمام الموت.» # 171 # وكان عالم المحال منذ البداية بالنسبة لكامي عالما يقول ~~«لا» والإنسان في هذا العالم إنسانا يقول «لا»، وينتظر كثيرا ~~قبل أن يقول «نعم» ويحدد بالتدريج لأي شيء يقول هذه «النعم». # 172 # إن رفضه للعالم ليس صدودا عنه. # 173 # بل إنه على العكس من ذلك يمهد ب «اللا» المنهجية ~~الطريق إلى «نعم» لا تحد، ويرفض الحياة تمهيدا للموافقة على ~~الحياة. # ودائما ما يتلازم النور والظل، وتتحد الحياة بالموت، ~~ويتعانق اللا والنعم. ~~(ج) ينبغي أن يفهم فهما وجوديا-ديالكتيكيا # هل المحال عاطفة أو تصور؟ # ربما كان من حقنا الآن بعد البحث الذي تقدم عن طبيعة ~~المحال ونشأته وتحديده أن نرى مدى الخطأ الذي يمكن أن نقع فيه ~~لو حاولنا أن نبحث المحال بحثا منطقيا تصوريا، وهذه ~~العبارة التي تقابلنا في أسطورة سيزيف تؤكد هذا الرأي: «إن ~~عاطفة المحال لا تتفق في معناها مع تصور المحال.» # 174 # بيد أن هذا الرأي لا ينقض ما حاولناه في الكشف عن بناء ~~المحال من الناحية المنطقية، ولا يتعارض مع حديثنا عن الأزمة ~~الرياضية والمنطقية التي عرضنا لها في مقدمة هذا الكتاب، والتي ~~أسفرت في رأي البعض عن إمكانية ثالثة بين الصدق والكذب ~~سموها تارة باللامعنى وتارة أخرى بالمحال؛ ذلك أن مجرد ~~القول بأن العالم محال أو مجرد من المعنى هو في ذاته حكم ~~منطقي. ومع ذلك فلا يجوز لنا أن نقف عند هذا الحكم وأن نستغرق ~~في بحث منطقي لا ms064 بد أن يؤدي إلى إهمال الأزمة الأصلية التي ~~تسبب عنها الإحساس بالمحال. وكامي نفسه يحذرنا من خطر ~~الوقوع في شباك المنطق حتى لا نغفل عن الأزمة الوجودية التي ~~ينبغي أن يكون كل تحديد منطقي للمفاهيم، لا يستغني عنه ~~الفيلسوف بالضرورة، مجرد تمهيد قصير لها؛ ذلك أن عاطفة ~~المحال لا تتكثف وتستحيل إلى تصور إلا في اللحظة القصيرة ~~التي تفصح فيها عن حكمها عن العالم. غير أنها لا ينبغي أن ~~نقف عند هذا الحكم؛ ذلك أن عاطفة المحال شيء حي؛ أعني أنها ~~لا بد أن تموت أو يتردد صداها.» # 175 # إن الأفق الذي نستطيع أن نتمثل فيه المحال ونحاول تحديد ~~طبيعته ليس منطقيا صوريا ولا هو عاطفي بحت، بل إنه ~~ديالكيتكي. ولسنا في حاجة لتتبع تاريخ الديالكتيك ~~وتطوراته عبر التاريخ الفلسفي لنصل إلى هذا الحكم؛ ~~فالتصور اليومي الساذج الذي نحمله لمدلول كلمة المحال يمكن أن ~~يوضح لنا ذلك توضيحا مبدئيا. ونستطيع أن نستعين بمثالين ~~يضربهما كامي نفسه لهذا الغرض. # 176 # فلو حاولت أن أتهم ~~إنسانا بريئا بارتكاب جريمة بشعة، أو رحت أؤكد عن شخص ~~تقي فاضل أنه زنا بشقيقته، فلا شك أن كلا الرجلين سيجيبني ~~بنفس الإجابة الساخطة: «إن هذا محال!» وإذا رأيت رجلا يندفع ~~ليهاجم ثلة من الجنود المزودين بالأسلحة النارية السريعة ~~الطلقات وهو يلوح بسيف عار في يده فسوف أحكم على مسلكه هذا ~~بأنه «محال»؛ فالمحال في الحالة الأولى يكمن في التناقض بين ~~المسلك الذي أنسبه إلى الرجل الفاضل البريء وبين مبادئه التي ~~يسير عليها في الحياة، وهو في الحالة الثانية يكمن في العلاقة ~~المتنافرة بين غرض هذا الفارس الحالم وبين ما ينتظره، بين ~~قدراته الحقيقة وبين الهدف الذي يرمي إلى تحقيقه؛ ففي الحالتين ~~إذن نوع من المقارنة، وعلاقة إن يكن قد أسيء وضعها وتقديرها ~~فهي لم تزل علاقة على كل حال. # 177 # وتعظم المحالية في الحالتين كلما عظم الفارق ~~الذي يفصل بين موضوعي المقارنة؛ فالمحال إذن يرجع في أصل ~~منشئة إلى وجه من وجوه المقارنة بين حالة كائنة ms065 وبين واقع ~~محدد، بين مسلك ما وبين العالم الذي يتجاوز هذا المسلك ~~ويعلو عليه. # 178 # نحن إذن أمام نوع من المواجهة بين طرفين أو ~~التقابل بين عنصرين متضادين، لا يكمن المحال في أحدهما ~~بل في العلاقة التي تربط بينهما. إنه في حقيقته نوع من ~~الشقاق، وصراع ديالكتيكي جوهره التمزق والتوتر ~~الحاد. # إن المحال، إن جاز هذا القول، هو «الثالث» الذي ينشأ عن ~~التقابل - أو بالأحرى التصادم - بين طرفين متضادين في ~~علاقة متشابكة دائبة الصراع. والواقع أن هذا الشيء الثالث ~~قائم بصفة مستمرة بين الفروق المنطقية والأضداد الثابتة، ~~بين الوجود والعدم، بين الصدق البسيط والكذب البسيط، وعلى مسرح ~~هذا الشيء الثالث تمثل دائما مأساة الوجود الإنساني. ~~والواقع أن فلسفة كامي تبدأ مع الإحساس بأن هذا «الثالث ~~المرفوع» هو مجال سؤالها والأفق الطبيعي الذي تدور فيه ~~مشكلاتها؛ فها هنا يتفتح السؤال عن معنى الوجود والحياة ~~باعتباره السؤال الفلسفي الحقيقي الملح. # 179 # وإذن فلا ينبغي أن نفهم المحال فهما صوريا. إن كامي لا ~~يريد أن يحمله مضمونا منطقيا أو ميتافيزيقيا، بل يريد ~~منا أولا وأخيرا أن نجربه ونحياه. # وإذا كان كامي، كما سنرى فيما بعد، في كتابه «المتمرد» ~~(1951م) الذي ظهر بعد ثمان سنوات من ظهور كتابه «أسطورة ~~سيزيف» لم يبق على إخلاصه لتجربة المحال، فإن مرجع ذلك قبل ~~كل شيء إلى أنه حاول أن يفهمه فهما صوريا منطقيا، لكي ~~يتاح له فيما بعد أن يتغلب عليه ويتجاوزه إلى تجربة ~~التمرد. إنه بذلك يخلط بين «المحالية» التي توصل إليها عن ~~طريق أزمة وجودية ديالكتيكية وبين المحالية المطلقة التي ~~تنفي كل معنى، والتي رأينا أنها تناقض نفسها بنفسها حتى من ~~وجهة النظر المنطقية الخالصة «إن المحال في ذاته تناقض.» ~~هكذا يكتب كامي في المتمرد. # 180 # ولا ينازع أحد في ذلك، على شرط أن ننظر إليه ~~نظرة صورية خالصة وأن نسوي بينه وبين المحالية ~~المطلقة؛ الأمر الذي تعرضنا له من قبل، وبينا فساده من ~~وجهة نظر كامي نفسه. # ويستطرد كامي في «المتمرد» فيقول إن المحال، ms066 فيما يتعلق ~~بالفعل والسلوك، ينطوي دائما على نوع من السوية أو عدم ~~المبالاة، كما يقول إنه متناقض مع نفسه لأن الإنسان لا يستطيع ~~أن يستمد منه قيمة من القيم. # 181 # أما أن المحال لا ينفي قيمة بل يؤكد مجموعة من ~~القيم يمكن أن تستمد منه فقد بينا ذلك فيما تقدم. # 182 # فالشعار السلوكي الذي يقول «عش كما لو ...» وأخلاق ~~الكم التي تعلي من شأن الحياة فوق كل شيء سواها، قد كانا ~~نتيجتين مترتبتين على تجربة المحال. وأما أن المحال لا ~~يرفع ولا يستغنى عنه استغناء تاما، وأما أنه عنصر ~~جوهري من عناصر التجربة الديالكتيكية في تفكير كامي، فهو ما ~~نرجو أن نوضحه في الفصول القادمة. # ويكفي أن نقرر الآن أن التفكير المحالي لا يسعى إلى ~~الحلول والتفسيرات، بل إلى الوصف والتجربة الحية. # 183 # إن الواقع يعاش ويوصف وتستنفد إمكانياته عن ~~طريق المحال، ولكنه لا يعلل أبدا ولا يفسر. إنه في نظر ~~كامي واقع حي مجرب. قبل أن يكون معطى عقليا يتطلب الفهم ~~والتحليل. وإذا كان كامي يرى أن المحال هو الحقيقة الوحيدة ~~التي يستطيع أن يقول عنها إنه يملكها، فإن هذه الحقيقة ليست من ~~النوع الأنطولوجي المدعم على أساس من الوجود، ولا هي حقيقة ~~عقلية قائمة بذاتها، إنها هي الإلهام اليائس الذي تتكشف عنه ~~التجربة المباشرة. ~~(د) ليس المحال إلا نقطة بداية # كتب كامي في مطلع حياته الفكرية في جريدة «الجزائر ~~الجمهورية» بتاريخ 12 / 3 / 1939م يقول: «إن تأكيد محالية ~~الحياة لا يمكن أن يكون نهاية بل مجرد بداية فحسب.» ثم كتب ~~بعد ذلك باثني عشر عاما في «المتمرد» يقول: «إن طبيعة ~~المحال الحقة هي أنه نقطة بداية، نقد معاش، ومعادل وجودي ~~للشك المنهجي عند ديكارت.» # 184 # وكلا الرأيين يتفقان، على ما بينهما من بعد زمني؛ فلم يكن ~~المحال مجرد نقطة بداية فحسب، بل إن كلمة المحال نفسها التي ~~تكاد تتكرر على كل صفحة من صفحات كتاب «أسطورة سيزيف»، والتي ~~طالما شبهها الكثيرون بكلمة العدم في كتاب سارتر الشهير ~~«الوجود ms067 والعدم»، قد راحت مع مرور الأيام تثير الضيق ~~والاشمئزاز في نفس كامي؛ فها هو يعترف في عام 1951م بأن هذه ~~الكلمة كانت ذات مصير تعس وبأنها قد أصبحت تثير الضجة في ~~نفسه. ثم يضيف إلى ذلك قوله: «عندما قمت بتحليل عاطفة ~~المحال في «أسطورة سيزيف» كنت أبحث عن منهج لا عن مذهب. لقد ~~طبقت منهج الشك، وحاولت أن أخلق هذه اللوحة البيضاء # tabula rasa # التي يمكن ~~للإنسان أن يبدأ البناء منها.» # 185 # فإذا صح أن المحال ينبغي النظر إليه باعتباره منهجا أو ~~فرضا من فروض العمل والبحث، فقد كان ينبغي أيضا أن يقر ~~ذلك في الأذهان منذ ظهور كتاب أسطورة سيزيف. وإذا كان الشك ~~المنهجي لا يكفي لكي يجعل من ديكارت فيلسوفا من فلاسفة ~~الشك، فإن المحال لا يكفي كذلك لكي يجعل من كامي فيلسوف ~~المحال، وهو الاسم الذي راح يطلقه عليه الكثيرون دون روية ~~ولا إنصاف. لقد قال كامي في ذلك الكتاب في جلاء ووضوح إن ~~الأمر فيه إنما يتعلق بنوع من أنواع العناد # Entétement ~~. # 186 # وليس هذا العناد إلا ما تعبر عنه هذه الجملة ~~التي أوردناها من قبل في سياق الحديث عن أخلاق الكم: «لقد ~~كان همنا حتى الآن أن نعرف إن كان من المحتم أن يكون ~~للحياة معنى حتى يمكن لها أن تعاش. وهنا يتبين على العكس ~~من ذلك أنها تكون أصلح ما تكون للحياة كلما قل نصيبها من المعنى.» # 187 # ولقد نتجت عن ذلك كما قلنا أخلاق جديدة عرفناها بأخلاق ~~الكم، وشعار للفعل والسلوك يؤكد التحدي والعناد، ويقول:" ~~«عش كما لو ...» ورفض لكل حل لمشكلة المحال عن طريق اللجوء ~~إلى المتعالي في أية صورة من صوره. وهذه النتيجة نفسها ~~تضعنا وجها لوجه أمام السؤال المحير: كيف يتسنى لفلسفة ~~نافية أن تعيش جنبا إلى جنب مع أخلاق إيجابية تؤكد الحياة ~~وتجعل منها القيمة الوحيدة التي تستحق هذا الاسم؟ # والإجابة على ذلك تحتاج منا إلى أن ننظر إلى تفكير كامي في ~~إطاره التاريخي الذي لا يمكن فصله عنه. ms068 والسؤال يضعنا كذلك ~~أمام المشكلة التي هزت عصرا بأكمله: «نريد أن نفهم تاريخنا ~~وأن نحياه. إننا نعتقد أن حقيقة هذا القرن لا يمكن أن تفهم ~~فهما صحيحا حتى نذهب في مأساتنا إلى آخر مداها.» # 188 # لم تكن فلسفة النفي والمحال هي نقطة البداية التي انطلق ~~منها تفكير كامي وحده، بل لقد شاركه جيله كله فيها، وأخطر ~~ما في هذه الفلسفة أنها لم تبق كغيرها مطوية في توابيت ~~الكتب، مقصورة على قاعات البحث أو حذلقات المثقفين. لقد ~~دفع الملايين من بني الإنسان من دمائهم ودماء أطفالهم ثمن ~~المغالاة فيها وسوء فهمها. وإذا كانت مثل هذه الفلسفة التي ~~تبدأ بالنفي والسلب تنتهي في بعض الأحيان إلى العدمية التي ~~تعبر عن ذاتها باحتقار الإنسان والقضاء عليه (كما كان الحال ~~عند كاليجولا وعند الصديق الألماني الذي يكتب إليه كامي ~~رسائله الأربعة في أثناء الحرب العالمية الثانية) أو تؤدي في ~~بعضها الآخر إلى روح التضامن والتعاطف والاعتراف بطبيعة ~~إنسانية يشارك فيها أبناء الإنسان جميعا أو ينبغي عليهم أن ~~يشاركوا فيها، فإن الأمر يتوقف في الحقيقة على موقفنا من هذا ~~النفي أو المحالية واعتبارنا لهما نقطة بداية أو مذهبا ~~مطلقا لا تغيير فيه ولا رجوع عنه «يقينا ليس كل شيء ~~متضمنا في النفي أو في المحال. نحن نعرف هذا، ولكننا نعرف ~~أيضا أنه يجب علينا أن نبدأ من النفي، من المحال؛ فهذان هما ~~اللذان وجدهما جيلنا على طريقه، ومع هذين ينبغي أن ندخل في ~~الجدل والحوار.» # 189 # إن المحاولات الكثيرة التي بذلت لتفسير فكر كامي على أنه ~~«عدمية مطلقة أو عدمية أنطولوجية» أو على أنه «نارسيسية ~~العدم» (كما يرى جابرييل مارسيل) # 190 # واعتبار عالمه عالم المحكوم عليهم بالإعدام (مثل ~~ر. مونييه) # 191 # مقفلا على نفسه، محاطا بالأسوار من كل جانب، بل ~~الذهاب إلى حد القول بأنه سجن أو أشبه بالسجن (مثل ر. بسيالوف، # 192 # ر. كوييه)، # 193 # نقول إن كل هذه التفسيرات تنظر إلى جزء أو آخر من ~~عالم كامي، ولكنها لا تراه ولا تنصفه في ms069 حقيقته الكلية؛ فهي ~~لا تحاول أن تفسره بكليته من خلال لحظة واحدة من ~~لحظات تطوره فحسب، بل إنها تجهل طبيعة المحال نفسه ~~وماهيته، الذي لم يكن نهاية يقف عندها بل بداية يبتدئ منها، ~~ولم يكن نفيا مطلقا بل تضمن دائما الإيجاب في ~~داخله. # كيف تم هذا التطور أو بالأحرى هذا الاتساع في المجال ~~الفكري؟ # هذا ما سوف نحاول أن نجيب عنه في الفصول القادمة. # الفصل الثاني # | الانتقال إلى التمرد # تمهيد ~~«العالم جميل، وخارجه لا توجد ثمة نجاة.» ~~«أعراس» ~~«العالم، العذاب، الأرض، الأم، الناس، الصحراء، الشرف، ~~البؤس، الصيف، البحر.» ~~(رد على سؤال وجه إلى كامي عن الكلمات العشر ~~التي أحبها أكثر من غيرها) ~~(1) الوعي في التمرد المحال ~~(أ) # الوعي بوجه عام. ~~(ب) # الوعي بالمحال يفترض وجود التمرد. ~~(ج) # الوعي في قصة «الغريب». ~~(د) # منطق المحال عند كاليجولا. ~~(أ) الوعي بوجه عام # رأينا كيف يقتصر كامي في أعماله الأولى على الوصف الخالص ~~للتجربة الإنسانية، سواء في ذلك أكانت الذات واعية بهذه ~~التجربة (كما في «أعراس»)، أو كانت لا تصل إلى مثل هذا الوعي ~~إلا في حالات نادرة وربما لا تصل إليه أبدا (كما في ~~«الغريب» الذي يعيش في التجربة الخالصة، ويجد في هذه المعيشة ~~تحقيق حياته). على أن الإنسان يسأل نفسه بإزاء كلمة التجربة ~~الخالصة: ألا تفترض هذه التجربة، لكي تظهر أصلا في خلوصها ~~وصفائها، درجة معينة من الوعي والشعور، # 1 # ثم ألا يحتاج هذا الوعي أو الشعور إلى أن يعمد ~~الإنسان بإزائه إلى نوع من الاختيار الفلسفي بين ممكنات عدة ~~حتى يميز الخالص من غير الخالص؟ إن وصف التجارب الإنسانية في ~~تفككها وزوالها يجعل من السهل على المرء أن ينتهي إلى القول ~~بأنها محال. ومع ذلك فإن كل هذا يتوقف على ما نفهمه تحت ~~كلمة التجربة. # الواقع أن من الصعب تحديد المقصود من هذه الكلمة، خاصة إذا ~~تذكرنا ما يقوله كامي من أن التجربة لا يمكن تحديدها، وإنما ~~يمكن تجربتها فحسب بحيث لا يستطيع الانسان أن يحددها حتى ~~يكف عن تجربتها. ms070 وإذا أردنا أن نوضح المراد من تصور ~~التجربة عند كامي وجب علينا أن نستبعد اتجاهين متطرفين: # 2 ~~(أ) # أولهما أن نفهم التجربة باعتبارها المتلقى ~~من الخارج؛ ذلك أننا نكون هنا بإزاء عيان تجريبي، ~~الإنسان فيه لا يزيد على أن يكون مجرد متلق ~~سلبي، تشده الإحساسات الخالصة إليها وتغرقه ~~المدركات الحسية بطوفانها، فالتجربة بهذا المعنى ~~حالة وجدانية. ~~(ب) # وثانيهما أن نفهم التجربة على أنها بناء عقلي؛ ~~فنحن هنا نكون بإزاء عيان مثالي أو رؤيا عقلية ~~ترفع الأشياء - إن صح هذا التعبير - أو ~~تستبعدها، وتحيل التجربة إلى نشاط عقلي داخلي، ~~فالتجربة بهذا المعنى فعل عقلي. # وفي كلتا الحالتين نكون بصدد نوع من العزل أو الاستبعاد؛ ~~فالإنسان في الحالة الأولى شيء بين الأشياء، وهو في الحالة ~~الثانية ذات بين الذوات. وكلاهما على انفراد يلغي الوجود ~~الحق. أما التجربة عند كامي فهي تضع نفسها بين الطرفين، وتجمع ~~الاتجاهين. إنها هي علاقة الموجود بالعالم أو علاقته بنفسه ~~عن طريق توسط العالم بينه وبينها. وقد يشعر الإنسان بهذه ~~العلاقة شعورا واعيا وقد لا يشعر بها. على أن كل تجربة، ~~تستحق هذه التسمية، إنما تفترض في الحقيقة نوعا من الفاعلية ~~العقلية، فإذا أراد الإنسان أن يصف المعطى الخالص بما هو ~~كذلك؛ أعني قبل كل وعي بالمحال (كما حاول كامي في أعماله ~~الأولى وفي قصة الغريب وإلى حد ما في أسطورة سيزيف) فلا بد ~~له بالضرورة من أن يسقط أحد طرفي هذه العلاقة؛ إذ إن هذه ~~العلاقة لا يمكن الشعور بها إلا في الوعي. ومعنى هذا أننا ~~سنحاول عندئذ أن نستبعد «الفعل» لصالح «الحال»، ونستبعد ~~النشاط العقلي لنبقي على الإحساس الخالص. ومع ذلك فلن نستطيع ~~أن نسلك كامي في عداد الإحساسيين والتجريبيين. حقا إن عالمه ~~هو عالم «الأجساد والنجوم»، والصور والألوان والأنغام، ولكنه ~~وإن كان يبدأ من الإحساس والمدركات والصور الحسية إلا أنه لا ~~يريد أن يقيم منها مذهبا أو نظاما يفسر النزعة ~~السيكولوجية فيها أو يبررها، وذلك هو أهم ما يميزه عن ~~أولئك التجريبيين والحسيين. إن تجريبيته ms071 تظل تعاني من حكم ~~ميتافيزيقي سابق؛ فهو منذ البداية يعدها صادقة وكاذبة ~~في آن واحد. إنه يتبع، كما رأينا من قبل، منهجا ظاهريا ~~(فينومينولوجيا) يحاول به أن يصف الظواهر خالصة من كل حكم ~~عقلي، مبرأة من كل معرفة سابقة، ولكن هذا المنهج نفسه يظل ~~معوقا منذ البداية؛ لأنه يؤكد الواقع وينفيه، ويرى بقاءه ~~وزواله في آن واحد. هذه النزعة التجريبية لا يمكن أن يكون لها ~~هدف آخر غير تبرير الأخلاق الكمية، التي نعلم أن عالمها ~~عالم محال، وأن هدفها تمرد محال كذلك. # 3 # من هذا كله نرى أن الوعي بالمحال كان حاضرا على الدوام، ~~حتى في تلك اللحظات التي أردنا أن نقصر أنفسنا فيها على ~~المعطى الخالص، والتجربة المعاشة البحتة. غير أن الوعي ~~بالمحال لم يكن ذلك الوعي الحقيقي الذي يعرف نفسه ويدرك ~~حدوده وطاقاته. والأولى أن يقال إنه كان نوعا من الانتباه ~~الخالص للظواهر السابقة عليه: «إنني أتنفس السعادة الوحيدة ~~التي أملك القدرة عليها، وعيا منتبها صديقا.» # 4 # لذلك لم يكن التمرد، الذي كان يكمن في الوعي منذ ~~البداية، تمردا حقيقيا، بل تمردا محالا، كما سنوضح ~~ذلك فيما بعد. # وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ أن كامي لا يهتم بالتأملات ~~الذاتية، ولا يعبأ بالبحث الموضوعي عن الواقع الذي يقع وراء ~~التجربة الواعية. إن ما يهمه قبل كل شيء هو الاتصال الشخصي ~~بالموجود؛ فالحقائق التي يريد أن يتوصل إليها ينبغي أن تكون ~~من ذلك النوع الذي يمكن أن يقبض الإنسان عليه بيديه. ليست ~~حقائق أبدية بل يمكن أن تفسد وتموت في نهاية الأمر. # 5 # والإنسان بعد كل شيء موجود من لحم ودم ووعي، ~~يحتل مركز الصدارة من تفكير كامي، ويهبه حماسة الحياة وحرارة ~~الانفعال بها. # ولكن ما هو هذا الوعي الذي تحدثنا عنه فطال الحديث؟ # إنه ليس من هذا العالم. ليس جزءا منه، كما تكون الشجرة بين ~~الأشجار، أو القطة بين الحيوانات. # 6 # وليس شيئا من الأشياء، ولا موجودا من الموجودات. ~~وقد نتصور حين نستحضر في أذهاننا العبارة التي أوردناها من ms072 ~~قبل ونعني بها: «كل شيء يبدأ بالوعي، وما من شيء له قيمة ~~إلا من خلال الوعي.» # 7 # أن في وسع الإنسان أن يعلو فوق العالم عن طريق ~~الوعي، ولكننا نخطئ التصور كما نخطئ في التقدير؛ ذلك أن ~~الوعي لا يقف بمفرده؛ فلا هو «الوعي الخالص» الذي يتحدث عنه ~~كانت، ولا هو «الوعي المطلق» الذي تعتبر المثالية الألمانية ~~أنه هو الوجود الحق ولا شيء سواه، ولا يمكن أن ننسب إليه ~~حقيقة ميتافيزيقية من أية نوع؛ فليس الوعي غير الاتصال ~~بالعالم وبالجسد. إنه - إن جاز التعبير - هو عين الجسد ~~المعذب واللحم المستسلم لمباهج الإحساسات الخالصة؛ فعلى أعلى ~~قمة النشوة يصبح اللحم واعيا. # 8 # إن مجال الوعي هو اللحم، وبعده لا يتعدى ~~الجسد. # ولكن كيف يصبح هذا الوعي وعيا بالمحال ومن ثم وعيا ~~بالتمرد؟ ~~(ب) الوعي بالمحال يفترض التمرد # استطعنا حتى الآن أن نتبين اللحظات التالية على طريق الوعي بالمحال: # 9 ~~(1) # الحياة عذاب وتمزق، ولكي يتاح للمحال أن ~~يحيا، دون الرضا به أو الموافقة عليه، ينبغي أن ~~يبقى الوعي حيا. وكان أن رفض الانتحار رفضا ~~حاسما. وكان الموقف الوحيد الممكن إزاء المحال ~~هو مواجهته مواجهة تنبض بالتوتر وتفيض بالقلق ~~والتمزق. ~~(2) # الحرية عناد وتحد. # 10 # هي حرية «كما لو ...» # 11 # وأفقها الممكن هو الحاضر، باعتباره ~~الجهة # modalité # الأساسية للزمن. والنفي الحاسم للأبدية يتحول إلى ~~تجربة وجودية ب «الأبدية الفانية»، أبدية اللحظة ~~العابرة. والوعي بالمحال يحرر الإنسان من كل ~~خضوع لمعنى متعال ويعلن عرس زواجه بالعالم. ~~بهذا الوعي يرتبط رفض الإنسان لكل متعال ~~(ترانسندنس) ولكل أمل فيما هو خالد وباق وراء ~~الزمان. ~~(3) # التمرد الذي يضع العالم في كل لحظة موضع ~~السؤال، لا لكي ينكر هذا العالم أو ينفيه، بل ~~لكي يزداد له امتلاكا وبه إحساسا ويبسط ذراعيه ~~على التجربة بأكملها. # 12 ~~(4) # هذا التمرد حاضر في تفكير كامي منذ البداية. ~~ولقد رأينا كيف اجتمع الظل والنور واللا والنعم، ~~والنفي والإيجاب، وحب العالم واليأس من فنائه في ~~وحدة ديالكتيكية متشابكة الأطراف. لقد استطاع أن ~~يقول في «أعراس»: ms073 «لست أرى ما يمكن أن يناله ~~العقم من تمردي، ولكنني أشعر بوضوح بمقدار ما ~~يضيفه إليه ويثريه به.» # 13 # وفي موضع آخر من نفس الكتاب وهو ~~يتحدث عن فلورنسا فيقول إنها أحد الأماكن ~~الأوروبية التي فهم فيها كيف ينعس الرضا في أعمق ~~أعماق تمرده. # 14 # وقبل أن نستطرد في هذا الحديث الذي سيأتي تفصيله فيما بعد ~~نحب أن نسأل: ما علاقة المحال بالتمرد؟ هل يستبعد أحدهما ~~الآخر أو يكمله وهل يمكن رد أحدهما إلى الآخر؟ وكيف لنا أن ~~نفهم أن التمرد كان كامنا على الدوام في أعماق الشعور ~~بالمحال؟ # لقد رأينا كيف ينشأ المحال في نهاية المطاف عن وعي بالحد؛ ~~الحد الذي يصطدم به الإنسان فيضطر إلى الإحساس بمحدوديته ~~أمام اللامتناهي، بالأسوار الغاشمة المعتمة التي يرتطم بها ~~في كل مرة يحاول فيها أن يبحث عن الوحدة والوضوح في عالم ~~يسوده الاضطراب والظلام؛ فالإنسان يعي وجود هذا الحد حين يدرك ~~من ناحية ما هو بالفعل (غربته في العالم، موته الذي لا مفر ~~منه، علاقته الشخصية الفانية بالموجود، معرفته النسبية الجزئية ~~... إلخ)، ومن ناحية أخرى ما ليس عليه ولكن يتمنى أن يكونه أو ~~يصل إليه (الوحدة، المعرفة الكلية، إلف العالم، الوضوح ... ~~إلخ)، فالمحال إذن في جوهره هو الوعي الناصع بحد يفصل بين ~~الإنسان كما هو كائن وبينه كما يشتهي أن يكون؛ أي بين النسبي ~~المحدود، وبين المطلق الشامل. وعن هذا التناقض الذي يفرق ~~بين ما هو كائن وبين ما لم يتحقق (أو لن يتحقق) له كيان، ~~نشأت ضرورة تحديد «أسوار المحال». ولقد رأينا كيف أن كل ~~محاولة تهدف إلى الوصول إلى المطلق محاولة لا تنتهي إلى ~~الإخفاق فحسب، بل إنها أشبه بقفزة المنتحر، بل لعلها أن تؤدي ~~كذلك إلى القتل والجريمة (كما يشهد بذلك كاليجولا ومارتا). على ~~الإنسان إذن أن يحيا مع متناقضاته خلف الأسوار، وألا يحاول ~~تجاوزها إلى ما وراءها، وأن يقنع بما هو كائن وما يمكنه أن ~~يكون. هذه القناعة لا تعني العزوف أو الصدود؛ فالإنسان الذي ~~يفاجئه الإحساس بقدره ms074 المحال وهو يسير ذات يوم على منعطف ~~طريق ليس حتما عليه أن يلعن قدره أو يذوق مرارته. إن كل ما ~~يحس به هو ظلم هذا القدر المحال، وكل ما يملكه هو أن ~~يرفضه؛ فمن طبيعة المحال ومن أخص خصائصه أن يرفضه الوعي. ~~وعلى هذا الرفض يقوم التمرد، الذي يقوم بدوره على الوعي ~~الناصع بالمحال وحدوده. # ونستطيع أن نسأل الآن إن كان الوعي الناصع هو شرط التمرد، ~~أو إن كان الوعي يتم أول ما يتم عن طريق فعل التمرد ~~نفسه. وعلينا قبل الإجابة على هذا السؤال أن نؤكد أهمية ~~النصوع # Lucidité ~~؛ فالنصوع ~~ينبغي دائما أن يفهم على أنه هو الوعي الباهر الشفاف ~~بالمحال وحدوده التي عاهد نفسه بالوقوف عندها. في هذا النصوع ~~تتحد الحرية والتمرد وعاطفة الحب للحياة، وفيه يرى كامي قيمة ~~الإنسان وكبرياءه؛ فالوعي الناصع بالمحال هو الذي يستثير ~~التمرد العنيد المتحدي لهذا المحال نفسه. ولولا نصوع ~~الوجدان لغرق الناس «بعيون مغمضة مهزومة» في سبات أسود ~~كئيب، على نحو ما جرى لهم في رواية «الوباء»؛ فالنصوع تحرر ~~من حالة فقدان الوعي السلبية وانطلاق من كل ما يشل الوعي ~~ويثقل الوجدان؛ من عدم المبالاة، من إيقاع الحياة اليومية ~~الرتيب، من الأمل والعزاء، من الاستسلام لقدر محتوم ولكنه ~~ظالم. # ونعود إلى سؤالنا الأول فنقول إننا لا نستطيع في الواقع أن ~~نفصل التمرد عن الوعي الناصع. إنهما معا يمثلان كلا ~~لا يتجزأ؛ ففي وسعنا أن نقول إن الوعي الناصع بالمحال يؤدي ~~إلى التمرد، وفي وسعنا كذلك أن نقول إن التمرد هو الخطوة ~~الحاسمة على الطريق المؤدي إلى الوعي الناصع. ومع ذلك فلا بد ~~من القول بأن هذا التقرير سابق لأوانه. إننا لم نبين بعد ~~على التحديد ماهية التمرد الذي نتحدث عنه، وسنحاول الآن أن ~~نتحدث عما نسميه «بالتمرد المحال» تمييزا له عن ~~التمرد الحق الذي سيأتي الكلام عنه بالتفصيل في فصل قادم، ~~فما هو هذا التمرد المحال؟ # سنحاول الإجابة على هذا السؤال بتحليل موجز لطبيعة الوعي ~~في قصة «الغريب»، والإشارة إلى ما نسميه ms075 بمنطق المحال عند ~~كاليجولا، في مسرحية كامي المعروفة بهذا الاسم. ~~(ج) الوعي في قصة «الغريب» # يقول كامي إن مرسو - وهو الشخصية الرئيسية في روايته القصيرة ~~«الغريب» - عندي إنسان مسكين عار، يحب الشمس التي لا تترك ~~وراءها ظلا. # 15 # والحق أن مرسو تتجسد فيه «الحساسية بالمحال» ~~التي عرضها علينا المقال الفلسفي المطول «أسطورة سيزيف»؛ ~~فشخصية مرسو إذ يصف لنا هذا الإحساس الذي لا سبيل في الحقيقة ~~إلى وصفه، تعد من هذه الناحية، كما يقول سارتر بحق، ~~تطبيقا لنظرية رواية المحال. إنها تبين لنا لماذا يتمسك ~~كبار الروائيين بالظاهرات العينية المعطاة. ولماذا يعبرون ~~عن أنفسهم بالصور المحسوسة # Images # بدلا من ~~التأملات والأحكام العقلية والمنطقية. وهي بهذه المثابة ~~تعبير عن فكر محدود متناه، متمرد بطبيعته؛ فمرسو حين ~~يسلم نفسه للمعطيات الخالصة، وللتجربة الحية المباشرة يرفض ~~في الحقيقة كل أنظمة التفسير والتعليل، ويلقي بنفسه، إن جاز ~~التعبير، في صحراء خالية من كل دلالة أو معنى. ما من شيء ~~له قيمة بالنسبة إليه غير الواقع الحاضر المتعين، باعتباره ~~سلسلة من اللحظات المنفصلة العابرة. وحيث لا يكون ثمة معنى ~~ولا دلالة، فإننا نجد أنفسنا في مملكة غنية بالصور والألوان ~~والمشاعر لا يربطها رابط ولا توحد بينها فكرة. كل شيء مهما ~~تضاءلت قيمته تصبح له قيمة متميزة، وكل صورة وإن بدت ~~منفردة منعزلة يكون لها شأنها ومعناها. # إن مرسو يتحدث عن نفسه كما لو كان هو «الآخر»، والأنا عنده ~~تصبح كما لو كانت «هو». كل عبارة ينطق بها تقف وحيدة منفردة، ~~لا تربطها بالعبارة التي تليها علاقة سببية، ولا يجمعها ~~وإياها جامع معنى أو دلالة؛ إن العبارات أقرب إلى أن تكون ~~إيماءات حركية من أن تكون وحدات لغوية أو فكرية، إنها تصبح ~~مجموعة من المشاعر والمدركات المستقلة بنفسها، وضعت إلى ~~جانب بعضها البعض، لا ينتظمها نسق فكري محدد. وبين كل ~~عبارة وأخرى هوة من الصمت، والعدم. # إن مرسو يظل في القسم الأول من الرواية، وحتى يصدر الحكم ~~عليه بالإعدام، فاقد الوعي بالمحال. وإذا كان هذا الوعي ~~بالمحال ms076 يخالج أحدا فهو يخالج القارئ الذي يجرفه هذا ~~الإحساس اليائس الغريب بالمحال، والذي لا يستطيع أن يتشبه ~~بمرسو أو لا يريد أن يتشبه به. وإذا كان لا بد من الكلام عن ~~الوعي عند مرسو، فهو في هذه المرحلة نوع من الانتباه المباشر، ~~أشبه ما يكون بجهاز الإسقاط # 16 # الذي نسميه بالفانوس السحري، يسلط ضوءه في ~~كل مرة على صورة تختلف عن الصورة التي قبلها. وتظل الصور ~~مفككة معزولة عن بعضها البعض، كما نرى في شريط سينمائي، لا ~~تجمع بينها رابطة علية. ولعل هذه الهوى الموحشة الصامتة ~~التي تفصل بين الصور والعبارات، وتجعلها تقف كالمخلوقات ~~العارية المرتعشة في برد الشتاء، هي السبب الذي نحس من أجله ~~عند قراءة هذه الرواية بالوحدة العميقة الجارفة. # إن مرسو يهب نفسه للتجربة الخالصة، للسعادة التي تمنحها ~~اللحظة المباشرة، وكأنه طفل كبير يفتح عينيه لأول مرة على ~~براءة النور، ويفرح من قلبه بعرس الألوان، ويرتعش لنبض الحياة ~~في كل الموجودات. لقد ألقي به في عالم لا يعرفه، وحكم عليه ~~بالحياة في مجتمع لا يفهم لغته، وارتبط مصيره بأناس تبدو له ~~أفكارهم وتصوراتهم وعاداتهم شيئا غريبا لا يستطيع ولا يريد ~~أن يألفه. إنه يحيا كالغريب بين غرباء. وهو بالنسبة لنا، نحن ~~الذين نقرأ عنه ونتتبع قدره، إنسان غريب أيضا، لا نعرف ~~له موضعا يناسبه في أنظمتنا الجاهزة من القيم والمعايير. ~~إننا نحس بغربته وبراءته في آن واحد، ولكنه إحساس يختلط ~~فيه السخط والخوف والرثاء؛ فنحن لا ندري ماذا نفعل إزاء هذا ~~الإنسان المدهش الذي يبدأ من الصفر ويريد ألا يتحول ~~عنه. # والحق أن مرسو إنسان بريء بكل ما تحمله هذه الكلمة من ~~معنى. وقمة براءته وتهمته في وقت واحد هي أنه عاش حياته حتى ~~الآن بغير أن يثير الريبة من ناحيته في نفس إنسان. إن الرصاصة ~~التي تنطلق من مسدسه لتردي الأعرابي قتيلا هي التي تفتح ~~الأعين عليه. هذه الجريمة التي ألقت بها الصدف العمياء في ~~طريقه هي بالنسبة لوكيل النيابة نتيجة لا بداية. لقد سلطت ~~الأضواء ms077 على حياته التي قضاها حتى الآن في غير اكتراث، وتصبح ~~السيجارة التي دخنها بغير قصد منه أمام تابوت أمه ~~المسجاة في ملجأ العجزة، والدموع التي لم يذرفها وهم ~~يوارونها التراب، واللحظات القليلة التي تسلل فيها النوم ~~إلى جفونه، والفيلم الذي شاهده في صحبة عشيقته بعد ذلك ~~بأيام قليلة؛ كل ذلك يصبح جريمة لا يريد أحد أن يغفرها له. ~~لقد كان مرسو إذن مجرما عريقا في الجريمة. وذنبه الأكبر أنه ~~لم يعتقد في «الذنب» أو لم يفهم له معنى، وأنه ظل يقف من ~~مواضعات المجتمع وتقاليده موقف من لا يبالي بشيء. إنه الآن ~~في نظر المحقق والقاضي «وحش» و«عدو للمسيح». # ويظل مرسو يراقب القضية وكأنهم يحاكمون إنسانا آخر لا ~~تربطه به صلة. ويظل الوعي بالمحال راقدا في نفسه لا ~~يستيقظ. ومع أن هذا الفرد الوحيد يصطدم بالمجتمع، ممثلا في ~~أشخاص المحقق والقضاة والمحلفين وقسيس السجن وكل القيم ~~الأخلاقية التي يدافعون عنها من عدالة وواجب وحب ووفاء ... ~~إلخ، فإن هذا الإحساس بالمحال لا يصل عنده إلى مرحلة الوعي. ~~إن كل كلمة يقولها مرسو تشف عن إحساس وعن صورة وراءها، في ~~حين أن كل كلمة ينطق بها المحقق تدل على معنى أو تصور ~~أو شكل من أشكال النظام المدني والاجتماعي. ويبقى مرسو ~~غريبا أمام نفسه وأمام المجتمع الذي يتهمه ويشده إلى ~~المقصلة. # ولكن حكم الإعدام يسقط كسيف الجلاد. ويزوره قسيس السجن في ~~زنزانته. ويصطدم مرسو به فيستيقظ الوعي بالمحال الذي ظل ~~كامنا فيه. وبينما يتشبث مرسو بسعادة من هذا العالم، نجد ~~القسيس يعده بسعادة أخرى في عالم آخر، ويزين له ~~«القفزة» التي حرمها على نفسه الإنسان الذي يعيش في المحال ~~ويخلص له. # 17 # ويرفض مرسو هذا الأمل السهل، وينقض على القسيس ~~ليصرخ به: إن كل اليقين الذي تعدني به لا يساوي شعرة واحدة ~~في رأس امرأة. إن تمرده ليس هو التمرد الحق الذي يثور فيه ~~الإنسان باسم إخوته جميعا من البشر، ولا باسم الطبيعة ~~الإنسانية، بل هو تمرد باسم السعادة الأرضية التي تمتع ms078 ~~بها حتى هذه اللحظة دون أن يدري: «أحسست أنني كنت سعيدا ~~وأنني لم أزل سعيدا.» # 18 # إنها هي بعينها تلك السعادة التي تحدث عنها كامي ~~في «أعراس» # 19 # والتي تنبع من التعاسة المتصلة. # بقي مرسو حياته وحيدا غارقا في وحدته. لم يستيقظ إحساسه ~~بوجود الآخرين إلا وهو على عتبة الموت. إنه الآن يفكر في ~~أمه، التي اتهموه بأنها لم يحبها، كما يفكر في الناس، ~~الذين سيموت بينهم. إن أقصى ما يتمناه اليوم، لكي يقل ~~إحساسه بأنه وحيد، أن يرى في طريقه إلى المقصلة عددا كبيرا ~~من المتفرجين «يستقبلونه بصرخات الحقد». # 20 ~~(د) منطق المحال عند كاليجولا # تتجسد في شخصية كاليجولا، في مسرحية كامي المعروفة بهذا ~~الاسم، تجربة الإنسان الذي يملك القوة التي تمكنه من أن ~~يحول منطقه المحال إلى واقع فعلي؛ فالمحال عنده ليس ~~مجرد شعور أو عاطفة، بل فكرة فلسفية تسيطر على كيانه. لقد ~~اكتشف كاليجولا فجأة، على أثر وفاة شقيقته أو حبيبته درزيللا، ~~أن العالم محال. هذا الاكتشاف الذي توصل إليه يلخصه في ~~هذه العبارة: «الناس يموتون وهم ليسوا سعداء.» # 21 # حقا إن الناس لا يعلمون شيئا عن هذه الحقيقة ~~البالغة البساطة والوضوح، الحمقاء إلى حد ما. غير أن ~~كاليجولا يملك «الوسائل» التي يستطيع بها أن يجبرهم على أن ~~يعيشوا فيها. # كاليجولا يرى أن العالم محال، وأن كل شيء قد خلا من المعنى ~~والغاية. وحيث لا يكون لشيء من معنى، يصبح كل شيء سواء ~~(فعظمة روما تتساوى لديه مع أوجاع النقرس التي يحس بها رئيس ~~البلاط في قصره)، كما يصبح كل شيء مباحا. والذي يبيح لنفسه ~~كل شيء يتوهم أنه حر من كل شيء. وهنا تكمن حرية كاليجولا ~~الفاسدة؛ حريته في أن يجعل المستحيل ممكنا، أن يقبض على القمر ~~بيديه، ويأمر الشمس أن تغرب في الشرق، ويمنع الناس من أن ~~يموتوا. هذه الحرية المستحيلة التي لا تعرف حدودها تجعله ~~يقول: «أنا الحر الأوحد في الإمبراطورية الرومانية بأسرها.» # 22 # وهي التي تجعل التعسف يحكم في مكان القانون. إن ~~القوة ms079 التعسفية هي الوسيلة الوحيدة التي يريد بها كاليجولا ~~أن يوقظ الناس من سبات عاداتهم ويضعهم وجها لوجه أمام ~~مصيرهم. ولقد كان في الإمكان أن تكفي هذه القوة في إيقاظ ~~الوجدان لو أنها تقيدت بالحدود التي وضعها لنفسه الإنسان ~~الذي يعيش في المحال؛ أعني لو أنها تقيدت بحدود الممكن ~~وحده دون أن تحاول أن تتعداها. كان في استطاعة هذه القوة ~~المتعسفة أن توقظ وجدان الناس، ولكنها ما كانت لتستطيع أن ~~تحقق ما يريده منها كاليجولا، ولا أن تسير مع منطقه إلى ~~نهايته. # كيف السبيل إلى تمييز الممكن عن المستحيل؟ # لعل هذا هو السؤال الأساسي الذي نسي كاليجولا في غمرة يأسه ~~وطموحه أن يوجهه إلى نفسه. إنه يحسب أن التجربة وحدها هي ~~التي تستطيع أن تعطيه المعيار الذي يفصل بينهما. هذا الوهم ~~يدفعه إلى أن يسير بمنطقه المحال إلى نهايته: «المنطق، يا ~~كاليجولا، المنطق ينبغي أن يتابع طريقه!» # 23 # وهكذا يحس في نفسه بالحاجة التي تلح عليه أن ~~يدرك المستحيل، أن يمد ذراعه فتلمس القمر، أن يصل إلى ~~السعادة والخلود، إلى شيء ربما كان طائشا مجردا من كل ~~معنى، ولكنه ليس من هذا العالم. # 24 # إنه يريد أن يغير نظام الأشياء، يريد من الشمس ~~أن تغرب في الشرق، ومن العذاب أن يختفي من أرض البشر، ومن ~~الموت أن يكف يده عن الناس # 25 # وهكذا يستطيع أن يقول: «إن فائدة القوة تكمن في ~~أنها تتيح للمستحيل أن يحقق بعض الإمكانيات.» وأن يقول: «إن ~~حريتي لم يعد لها حد تقف عنده.» بل أن يذهب إلى حد ~~الادعاء بأنه «ما من شيء في هذا العالم، ولا في العالم ~~الآخر يمكن أن يقاس بمقياسي.» # 26 # يريد كاليجولا أن يبرهن على حريته المطلقة، وينظم عدم ~~اكتراثه، فيلقي بالناس في أتون من العذاب، إنه يختلق مجاعة ~~ضارية، وينتهك حرمات النساء أمام عيون أزواجهن. ويريد كاليجولا ~~أن يمتلك الناس كل الامتلاك فيأمر بقتلهم؛ ذلك «لأن الناس ~~الذين قتلناهم، يصبحون معنا.» # 27 # إنه يعتقد أنه لو استطاع أن يدرك المستحيل ms080 وأن ~~يضم القمر بين يديه، فسوف ينجو الناس من الموت، غير أنه يأمر ~~بأن يموت الناس لكي يحول دون الموت، سبب تعاستهم الرئيسي، ~~وبذلك يناقض نفسه بنفسه، ولكن المستحيل لا يتم على ظهر ~~الأرض، وكاليجولا لا يستطيع أن يلمس القمر بيديه، وهو لذلك ~~يصرخ مادا ذراعيه نحو السماء، لكي يهرب من وحدته. إنه يقوم ~~على المستوى الفردي العدمي بما سوف يقوم به الوباء على ~~المستوى الجمعي-الميتافيزيقي. # وترهق الناس حياة الذل والخطر التي يضعهم فيها ~~كاليجولا فتوقظ فيهم صحوة الوجدان، ولكنها صحوة من سبات ~~الجهل والغفلة، لا صحوة الوعي الحقيقي التي يمكن أن تدفعهم إلى ~~التمرد. إن بعضهم يعلن رضاه بالمحال واستسلامه له؛ أعني ~~إلغاءه لوجود المحال نفسه (إذ المحال لا يحيا إلا بمقدار ما ~~نعلن سخطنا عليه وتحدينا له). وهم باعترافهم بالمحال ~~يتنكرون للتمرد، حتى يصل بهم الأمر إلى الحد الذي يجعلهم ~~يرفعون القيصر الروماني - الذي يتجسد المحال الآن في شخصه - ~~إلى مصاف الآلهة، هؤلاء الانتهازيون الضعاف لا يفعلون ذلك عن ~~إرادة شريرة، بل عن جهل أو غفلة. وأما الفريق الآخر منهم فهم ~~يدبرون مؤامرة على حياة القيصر؛ لأنهم يكرهون السعادة ~~المستحيلة ويخافون منها. يقول «كيريا» موجها كلامه ~~لكاليجولا: «إنني أحس في نفسي بالشوق إلى أن أحيا وأن أكون ~~سعيدا، وفي رأيي أن الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى شيء منهما ~~إذا سار في المحال إلى أقصى مداه.» # 28 # فليس في استطاعة أحد من الناس أن يتبع هذا المنطق ~~المحال ويهنأ مع ذلك بالحياة أو يبلغ السعادة. # و«كيريا» كذلك إنسان يعيش في المحال، ولكن الشيء الذي ~~يميزه عن كاليجولا هو أنه يرفض أن يسير مع منطقه المحال إلى ~~نهايته. إنه يؤمن بإمكان الحياة في المحال، ولكنه يؤمن كذلك ~~باستحالة البرهنة عليه. وهو بذلك يبقى على إخلاصه للمحال، ~~فيعترف بحدوده، ولا يحاول أن يتخطى أسواره. لقد عرف كيريا ~~أن منطق كاليجولا لا بد أن يؤدي به إلى القتل في صورتيه: ~~الانتحار والقتل بالجملة. ولقد عرف أيضا أن الحقائق الواضحة ~~البينة بذاتها ms081 (والمحال لا شك إحدى هذه الحقائق) لا تفسر ~~إلا بذاتها ومن ذاتها، وأنها لا تحتاج إلى قيمة خارجية عنها ~~للاستعانة بها على تفسيرها؛ فوضع قيمة كهذه يشبه الإقدام على ~~«القفزة» التي حرمها على نفسه إنسان المحال. والإقدام على ~~مثل هذه القفزة ليس مجرد مسلك فاسد في الفكر والشعور كما ~~رأينا فحسب، بل هو قبل كل شيء جريمة لا تغتفر. وسنرى كيف ~~أقدمت نظم الطغيان السياسي المختلفة على مثل هذه الجريمة حين ~~جعلت للتاريخ قيمة مطلقة (كما في التأكيد المطلق عند ~~الماركسية)، أو حين جردته من كل معنى وقيمة (كما في النفي ~~المطلق عند الفاشية والنازية). # 29 # إن كلا النظامين ينتهي إلى الانتحار أو إلى القتل ~~بالجملة تبعا لتأكيده لمعنى التاريخ أو نفيه عنه. وكلاهما ~~ينبع عن وعي غير حقيقي بالمحال؛ إذ الوعي الحقيقي به لا بد ~~وأن يؤدي في نهاية المطاف إلى التمرد الحق؛ أي التمرد ~~المعتدل. # وإذن فالسعي إلى المستحيل يحمل في ذاته خطر إلغاء تلك ~~الحقائق التي تأدت عن الوعي الناصع بالمحال ونفي كل قيمة ~~عنها. وسعي كاليجولا إلى المستحيل يحمل في ذاته أيضا خطرا ~~لا ينفصل عن ذلك، هو خطر اعتبار الناس جميعا مذنبين، سواء في ~~ذلك الذين يقلدون فعله فينفون ويدمرون، أو الذين يتمردون ~~عليه فيضطرون إلى الإقدام على الجريمة «أنا في حاجة إلى ~~مذنبين. وهم جميعا في نظري مذنبون.» هكذا يقول كاليجولا. ~~ويستطرد في منطقه الذي يتألف في مجموعة من أقيسة خاطئة ~~خادعة فيقول: كل من يذنب يموت. وكل من هو من رعية كاليجولا ~~فهو مذنب. إذن فالجميع مذنبون. ينتج عن هذا أنهم جميعا ~~محكوم عليهم بالموت. إن المسألة مسألة زمن فحسب. # 30 # ولكن كاليجولا، على الرغم من كل ما يؤكده، لم يسر في ~~منطقه المحال إلى آخر نتائجه؛ فلو فعل لكان لزاما عليه أن ~~يقدم على الانتحار. لقد عجز كاليجولا عن تحقيق المستحيل وظل ~~وحيدا طول حياته؛ لم يلمس القمر ولم يدرك الخلود. # أما «مارتا» (بطلة مسرحية سوء فهم) فهي الوحيدة التي سارت مع ms082 ~~منطق المحال إلى آخر مداه. إنها تكتشف بعد أن قتلت أخاها ~~أنها فقدت السعادة إلى الأبد، وفقدت معها البحر والشمس، ولكن ~~المحال لا ينفصل عن السعادة؛ أعني أن المحال لا سبيل إلى ~~احتماله إلا حيث تكون السعادة ممكنة. وإذا كانت قد فقدت ~~السعادة، فقد فقدت معها المقدرة على الوقوف في وجه المحال، ~~ولم يبق أمامها إلا الانتحار. # 31 # بهذا تكون «مارتا» قد تجاوزت الحد الذي يتبين ~~لنا بالوعي الناصع بالمحال، وأقدمت على «القفزة المميتة» ~~التي لا بد أن تنتهي بصاحبها إلى الموت. # إذن فالوعي الحق بالمحال، وبالتالي بالتمرد، لم يشرق بعد ~~عند كاليجولا ولا مارتا ولا مرسو؛ فعلى الرغم من أن مرسو يحيا ~~حياة «محالية» بحتة، حتى ليتمنى قبل أن ينفذ فيه حكم ~~الموت لو أمكنه أن يعود فيحياها مرة ثانية، وبالرغم من أن ~~مارتا وأمها بعد أن قتلا الأخ والابن يقفان على هاوية المحال ~~ويثبتان أعينهما في أعماقها، وبالرغم كذلك من أن كاليجولا لا ~~يهب عاطفته وحياته كلها للمحال، فإنهم جميعا يجعلوننا نحس ~~بجو المحال دون الوعي الحقيقي به. حتى سيزيف، الذي يشهد ب ~~«العزة الميتافيزيقية» التي تجعل الإنسان يحتمل محالية ~~العالم والذي يواجه قدره الظالم بوجدان ناصع ووعي مضيء، لم ~~يزل محصورا في دائرة هذا التمرد الفردي الذي سميناه ~~بالتمرد المحال. فتمرده كره للموت وحماس للحياة في ~~وقت واحد، نفي للآلهة وتحد للمحال. إنه في وقفته الوحيدة ~~على قمة الجبل الوحيد، لا يجد ملجأ يأوي إليه إلا قرارة ~~جرحه، ودفعه للصخرة إلى قمة الجبل وتركها تسقط إلى الوادي ~~لكي يدفعها من جديد، في فعل عابث لا جدوى منه ولا نهاية له. ~~إن سيزيف لا يعرف التمرد الحقيقي، الذي هو في جوهره احتجاج ~~على قدر ظالم غير مفهوم؛ ذلك أنه لا يحتج، بل يحتمل، لا ~~يثور، بل يعاند. ووعيه الناصع الذي يجعله يواجه المحال ~~ويتحداه هو الذي يبرر لنا أن نتحدث عن تمرده «المحال» ~~الذي لم يصل بعد إلى مستوى التمرد الحق. # تستوي في هذا نماذج المحال (سيزيف، الممثل، ms083 العاشق، الفنان) ~~والغريب (مرسو)، والقاتلتان (مارتا وأمها) وكاليجولا. إن ~~التمرد عندهم جميعا ليس إلا عاطفة متحمسة للحياة، وعنادا، ~~ورفضا مريرا لكل عزاء يأتي من «فوق الطبيعة»، وكبرياء تجعل ~~الإنسان يؤكد قيمة حياته بالتحدي والعناد والإصرار. إنهم ~~جميعا يدورون حول تجربة المحال كتجربة «نادرة»، شخصية، ~~مباشرة، يعانيها الفرد وحده، دون أن يستطيع تجاوز الأفق ~~الفردي الذي تتحرك فيه، ودون أن تتمكن من إدخال عنصر «الآخر» ~~إليها؛ ولذلك كان تمردهم الفردي هو ما سميناه بالتمرد ~~المحال، تمييزا له عن التمرد الحقيقي الذي يحرر الفرد ~~من وحدته. هنالك تصبح الخطوة الأولى التي يقوم بها العقل ~~الذي تصدمه غربة العالم هي الاعتراف بأنه يشارك جميع الناس في ~~الإحساس بهذه الغربة. ويصبح الداء الذي كان يعانيه فرد ~~بمفرده وباء مشتركا. # 32 # هذا التمرد الحقيقي الذي عرضه كامي عرضا فلسفيا في ~~كتابه «المتمرد» (1951م) قد صوره من قبل تصويرا شاعريا ~~في روايته «الوباء» وفي مسرحيته «حالة حصار». # 33 ~~(2) الانتقال إلى التمرد ~~(أ) # الوعي في مسرحية «حالة حصار». ~~(ب) # الوعي في رواية «الوباء». ~~(أ) الوعي في مسرحية «حالة حصار» # تصور هذه المسرحية سكان المدينة الإسبانية كاديز الذين ~~يعيشون حياتهم الطبيعية الخصبة فاقدي الوعي مسلمين بها ~~تسليما لا يقبل المناقشة، في ظل نظام تقليدي عاجز لا ~~أثر له، يمثله الحاكم والقاضي والكنيسة. وذات يوم ينشب ~~الوباء مخالبه في جسد المدينة، فيفرض عليها نظاما ~~بيروقراطيا جامدا مجردا كأنه القدر. ويحطم الوباء ~~حياة المدينة كما حطم طغيان كاليجولا مدينة روما؛ فيشل ~~الوجدان، ويقتل الحرية والحب والمغامرة. وتصبح العدالة ~~انتقاما، والحب كرها، والشرف جبنا، وينقطع تيار الحوار ~~الإنساني الذي يعبر به البشر عن مخاوفهم وآلامهم، عن ~~أحزانهم وأفراحهم، عن أسئلتهم وأجوبتهم. ويسود حكم الصمت؛ أعني ~~حكم المونولوج. ويظل هذا الحكم سائدا حتى يتشجع الطالب ~~والعاشق الشاب دييجو فيصرخ صرخة الاحتجاج والتمرد، وينزع ~~القناع عن وجهه، ويحرر سكان المدينة من خوفهم، وينقذ حبه، ~~بعد أن يدفع حياته ثمنا له. # إن التمرد على المحال (ممثلا في صورة الوباء) يتجسد ~~في شخصية دييجو. إنه ms084 يزيل أكوام الكسل والخوف وعدم الاكتراث، ~~ويؤجج شرارة الحياة والقوة والحرية في نفوس سكان كاديز. لقد ~~سقط شعب كاديز ضحية نظام سلبي مجرد ، كما حدث من قبل ~~لحاشية كاليجولا ولسكان مدينة أوران (في رواية الوباء). وكان ~~يكفي أن يقهر واحد منهم خوفه من الموت لكي يصل إلى درجة من ~~الوعي تندلع منها شرارة التمرد. تقول سكرتيرة الوباء: هل ما ~~زلت تحس بالخوف؟ فيجيبها دييجو قائلا: لا. وترد عليه ~~السكرتيرة قائلة: إذن فلست أملك شيئا ضدك. # 34 # إن «دييجو» غاز كذلك الذي تحدثنا عنه في «نماذج ~~المحال»، يتغلب على الموت في نفسه وفي نفوس من يشاركونه في ~~الحياة والمصير، لا عن غرور أو كبرياء، بل عن وعي بموقفه ~~اليائس الذي لا مخرج منه، الذي يزيد فيه الموت من وطأة الظلم. # 35 # إن المتمرد الشاب دييجو لا يريد أكثر من أن يكشف ~~لسكان مدينته عن معنى قدرهم الذي خلا من كل معنى. إنه يريد ~~أن يوقظ حياتهم التي غاصت في السلبية واللاوعي، وعدم ~~الاكتراث. تمرده دعوة إلى الوعي الناصع بالمحال، وحث لهم ~~على تحديه وجها لوجه، والتصدي له وعدم الهروب منه؛ فتعليم ~~الناس أن كل شيء محال معناه في الوقت نفسه التمرد على حكم ~~الوباء، والتغلب عليه في الوجدان قبل الانتصار عليه في ~~الواقع؛ ذلك لأن الوباء سيظل يفرض سلطانه المتعسف المجرد ~~ما بقي الناس في كاديز ينعمون في سبات من فقدان الوعي. وهو ~~يستطيع أيضا أن يحافظ على سلطانه لو استيقظ الناس من نعاسهم ~~واختاروا العدمية الميتافيزيقية (التي تتمثل في شخصية نادا، ~~ومعناها العدم في الإسبانية) موقفا لهم. # ليس فقدان الوعي مجرد نقص في درجة الوعي بقدر ما هو نقص ~~في الوعي بمحالية العالم وعدم جدواه. إنه يمثل ذلك الأفق ~~الضبابي الغائم الذي تدور فيه كل المغامرات الميتافيزيقية ~~العدمية (مثل الانتحار الذي تقدم عليه مارتا وأمها، ومثل ~~القتل بالجملة الذي يأمر به كاليجولا وينظمه الوباء)؛ ولذلك ~~نستطيع أن نسمي الانتحار، الذي يرفضه كامي في «أسطورة ~~سيزيف» ويسميه بالهروب والنكوص، نقصا في ms085 الوعي الناصع ~~بالمحال. إن كل نقص في نصوع الوعي فهو في الوقت نفسه نقص في ~~الوعي الناصع بالمحال، وبالتالي عقبة تحول دون التمرد. إن ~~نصوع الوعي بالمحال شرط للتمرد، كما أن التمرد نفسه ~~شرط لنصوع الوعي. ~~(ب) الوعي في رواية (الوباء) # يحس سكان المدينة الجزائرية البائسة أوران، كما يصفهم لنا ~~راوية الوباء الطبيب ريو، إحساسا ضئيلا بالواقع. إنهم لا ~~يشعرون بالخير ولا بالشر، وهذا ما يسمح للوباء بأن ينتشر ~~بينهم، ويتمكن شيئا فشيئا من نفوسهم وأبدانهم. إنه ينظم ~~الشر في الحياة الإنسانية حتى يصبح نظاما متماسك البنيان، ~~يقوم على العذاب، والموت، والفراق، والخوف، والوحدة. وهو ~~يدمر كل ما هو خير في هذه الحياة؛ الحرية والأمل والتعاطف ~~والحب. ويزحف فتستسلم له المدينة التي استسلمت قبله لحالة من ~~السلبية وفقدان الوعي. وينتشر مملا كالتجريد # 36 # يفضح نفسه بعلامات سلبية. # 37 # وليس الوباء مجرد رمز لشر يصيب المدينة من ~~خارجها، بل هو النتيجة المنطقية الأخيرة لتلك القيم السلبية ~~التي عاشت كامنة في ضمير سكان أوران # 38 # وانطوت في موقفهم السلبي الذي فقد كل عناصر ~~الوعي والمقاومة. وسواء كانت نظرتنا إلى الوباء نظرة فردية ~~أم سياسية أم اجتماعية أو ميتافيزيقية، فإن الرمز الذي يعبر ~~عنه يؤكد الارتباط الضروري بين الشر وبين النقص في مستوى ~~الوعي والوجدان. # إن الوباء في نظر ~~تارو والدكتور ريو - وهما الشخصيتان الرئيسيتان في هذه ~~الرواية - هو في جوهره موقف لا مخرج منه، # 39 # ينبغي مواجهته بالوعي الناصع العنيد. إنه كالمحال ~~عند سيزيف عود على بدء # 40 # لا نهاية له ولا جدوى من ورائه. إنهما يكافحانه ~~بكل ما يملكان من قوة، على الرغم من إيمانهما بأن جرثومة وباء ~~الطاعون لا تموت ولا تختفي كل الاختفاء، # 41 # وأن الإنسان سينهزم في نهاية الأمر دائما أمام ~~سلطان الوباء الذي لا يهزم. كلاهما يرفع راية الكفاح على ~~طريقته؛ فريو يمارس مهنته كطبيب في شرف وأمانة (إن الوسيلة ~~الوحيدة لمكافحة الوباء هي الأمانة). # 42 # ويرفض حتى الموت أن يحب الخليقة التي يتعذب ~~فيها الأطفال، # 43 ms086 # وتارو يصمم على أن يرفض كل ما يقتل أو ~~يبرر القتل. إنهما يقفان أمام هذا المحال الجديد وجها ~~لوجه، ويرفضان أن يفرا من أمامه أو يحنيا له رءوسهما، # 44 # وهما بموقفهما هذا يرفضان كذلك أن يعيشا في ~~العدمية الميتافيزيقية التي تعيش فيها شخصية يائسة مثل ~~كوتار، كما يأبيان أن يقفزا القفزة المميتة التي لا ينفك الأب ~~بانيلو يمجد فيها ويزينها للناس في خطبه ومواعظه، ونعني ~~بها التماس العزاء والخلاص في حياة أبدية غير هذه الحياة. ~~إنهما يعيشان كما عاش سلفهما القديم سيزيف في تناقض دائم مع ~~نفسهما وفي تمزق باطني لا يهدأ عذابه. # 45 # ومع ذلك فإن عذابهما عذاب من أجل الآخرين، والألم ~~الفردي الذي لم يكن سيزيف يعرف ألما غيره قد أصبح ألما ~~جمعيا «هنالك اختفت المصائر الفردية، ولم يبق إلا تجربة ~~واحدة مشتركة، هي تجربة الوباء والمشاعر التي يحس بها الجميع.» # 46 # إن فكرة «الآخر» تظهر هنا لأول مرة، باعتبارها عنصرا ~~أساسيا في بناء الوعي الناصع المتمرد على المحال. ولا ~~يقتصر الأمر على هذا فحسب؛ فإن فكرة الآخر قد أصبحت تدعمها ~~كلمة «نحن» التي ترد الآن على لسان راوية الوباء «الدكتور ريو»، # 47 # فيعبر بها عن جماعة من الضحايا والمقهورين، ~~يكافحون قدرا ظالما مشتركا قد خلا من كل معنى. # رواية الوباء ومسرحية حالة حصار تصوران هذا الانتقال من ~~الأنا إلى النحن، من الفردية إلى التضامن، ومن التمرد ~~المحال إلى التمرد الحقيقي المعتدل. هذا الانتقال لا يحدث ~~إلا في الوعي والوجدان. وبذلك يتسع مجال الفكر من «أسطورة ~~سيزيف» إلى «التمرد»، ومن مشكلة الانتحار إلى مشكلة القتل ~~الجمعي، ومن أخلاق الكم إلى أخلاق الكيف، ومن نزعة عدمية ~~شاملة شعارها هو كل شيء أو لا شيء إلى نزعة تؤمن بالحد ~~والمقياس، ومن تمرد طائش محال إلى آخر معتدل وفي لمنبعه ~~الأصيل. # ويمكننا أخيرا أن نلخص ما سبق في الحقائق التالية: ~~(1) # إن التفكير المحال وهو يواجه ما لا معنى له ~~يفترض التمرد بالضرورة؛ فالحقيقة الأولى، ~~والبينة الوحيدة التي تؤدي إليها تجربة ~~المحال ms087 هي التمرد. # 48 ~~(2) # الوعي الناصع بالمحال يبعث على التمرد، كما ~~أن التمرد يزيد من نصوع الوعي ويؤكد ~~شفافيته. ~~(3) # بالوعي يقف الإنسان أمام العالم وجها لوجه، ~~كأنهما ضدان متقابلان، ويصبح الإنسان كائنا ~~من غير هذا العالم. وكونه من غير هذا العالم يعني ~~أنه يعلو عليه. هذا العلو لا سبيل إلى فهمه إلا عن ~~طريق التضامن والديالوج، اللذين يقوم التمرد ~~الحق عليهما، وهو ما سنتعرض له في الفصلين ~~القادمين. ~~(4) # مسرحيتا «كاليجولا» و«سوء فهم» يبينان حدود ~~الفكر المحال وإمكانياته؛ فالذي يؤمن بالمحالية ~~المطلقة لا بد أن ينتهي بالضرورة إلى ارتكاب ~~جريمة الانتحار أو جريمة القتل؛ ومن ثم فالتمرد ~~على مثل هذه المحالية لا يمكن إلا أن يكون مثلها ~~تمردا محالا، ما أبعد الفارق بينه وبين ~~التمرد الحق! ~~(5) # تثبت نماذج المحال التي يسير أشخاصها في ~~سلوكهم وفقا لمبادئه الأخلاقية، أن الإخلاص ~~للمحال لا يكفي وحده للوصول إلى التمرد الحق؛ ~~فلا بد دون ذلك من وجود فكرة «الآخر» كعنصر ~~جوهري لا غنى عنه في بناء الوعي، وذلك لكي ~~يتمكن الإنسان من العلو على الفردية والوصول ~~إلى أفق إنساني شامل يؤكد وجود طبيعة ~~إنسانية مشتركة يقوم عليها التمرد الحق. هذا ~~الانتقال الذي تناولناه في الأعمال الفنية ~~سنحاول الآن أن ندرسه في التمرد نفسه. # الفصل الثالث # | التمرد # «الإنسان فان، هذا جائز، ولكننا نريد أن نفنى ونحن نقاوم، ~~وألا نعطي للعدم، إن كان ينتظرنا حقا، أي مظهر من مظاهر ~~العدالة.» ~~(سيناكور: «أوبرمان») # نص اقتبسه كامي ووضعه شعارا للرسالة الرابعة إلى صديق ~~ألماني. ~~(أ) # بناء التمرد. ~~(ب) # التمرد والثورة: التاريخ. ~~(ج) # الانحراف عن التمرد: النعم المطلقة. ~~(د) # التمرد المعتدل وفكرة الحد والمقياس. ~~(ه) # إستطيقا التمرد. ~~(و) # تلخيص عام. ~~(أ) بناء التمرد # كان هم كامي في أعماله المبكرة أن يصور جانبي الظل والنور ~~في الوجود الإنساني وأن يبرز محاليته على المستوى الفردي. وكانت ~~كرامة الإنسان وعزته في احتمال هذه المحالية، ومواجهتها في ~~تحد وأمانة وشجاعة. أما مشكلة الموت، ممثلة في مشكلة الانتحار ~~التي جعل لها الأولوية على سائر المشكلات، فكانت ms088 هي التناقض ~~الممزق للقلب الذي انطلق منه فكره الفلسفي كله. وأما الموت الذي ~~تبرره الحجج العقلية، وتدعمه المذاهب الفلسفية والعقائد ~~الأيديولوجية، ممثلا في صورة القتل بالجملة، فلم يكن قد التفت ~~إليه بعد. # كانت محالية الحياة، كما رأينا ، أمرا لا غنى عنه لتأسيس ~~الحرية. ولقد رفض الانتحار رفضا حاسما؛ لأن الانتحار معناه ~~التخلي عن الوعي، والوعي هو القيمة الحقيقية الوحيدة التي يملكها ~~الإنسان، وهو الذي ينبغي عليه بإزاء المحال أن يحافظ عليه، في ~~أعلى درجات التوتر والنصوع والصفاء. ولم يكن واجب الإنسان ~~قاصرا على أن يحيا فحسب، لكي يتيح الحياة للمحال، بل كان الواجب ~~عليه أن يزيد من الحياة. مزيدا من الحياة؛ تلك كانت القاعدة ~~الأخلاقية التي اتخذها «نماذج المحال» شعارا لحياتهم ومقياسا ~~لسلوكهم. وقد جعلتهم يقدمون الكم على الكيف، لا بل يجردون ~~القيم الكيفية من كل معنى أو دلالة. وقد يذهبون إلى أبعد من هذا، ~~فيرون أن القيم الكيفية تزيف الحياة، وتملؤها بالأوهام، ~~وتبرر القتل على اختلاف صوره تبريرا أيديولوجيا (والغازي، ~~وكاليجولا، ومارتا وأمها أمثلة واضحة على ذلك). كانت القيم ~~الوحيدة التي تحتفظ بمعناها هي القيم المتجسدة أو «حقائق اللحم» # 1 # التي تحدثنا عنها فيما تقدم، والتي لا يخالج ~~أحدا أن يشك في صدقها ويقينها. وكانت إستطيقا المحال، أو ~~«الخلق بلا صباح» هي تسجيل تمرد الإنسان على ظروف حياته المحالة ~~في لحظة سميناها ب «الأبدية الفانية». وكما استند سيزيف على ~~صخرته التي كتب عليه أن يدفعها إلى قمة الجبل في عود على بدء ~~لا نهاية له ولا رجاء فيه، فقد استند الإنسان أيضا على صخرة الموت ~~الذي لا حيلة له فيه ولا مفر له منه. وكان أقصى ما يستطيعه هذا ~~التمرد المحال هو الصبر، والشجاعة، والكبرياء، وأن يستنفد كل ~~جهده في تحدي قدر ظالم محال. لقد خنقت «النعم»، إن صح هذا ~~التعبير، صرخة «اللا». # كل هذا قد عرفناه في السطور السابقة. # غير أن الإنسان لا يظل إلى الأبد «غريبا» في هذا العالم، ولا في ~~مقدوره أن يغلق وجدانه دون الاتصال ms089 بوجدان الآخرين. وهو حين يموت ~~لا يكون موته دائما نتيجة ضرورة عمياء تحتمها الطبيعة أو ~~يدبرها القدر المحال. وحين ينتزع الموت حياته لا يكون ذلك ~~نتيجة إرادته الحرة المختارة دائما. إن إنسانا آخر قد يسلبه ~~وجوده الحق (كما هو الحال في علاقة السيد-بالعبد) فيتركه جثة تسير ~~على قدمين، أو يطمس هذا الوجود ويلغيه إلغاء. والموت قد يصبح ~~شرفا يفتخر به الجلادون، ويبررونه بالنظريات والمبادئ، ~~وبالأساطير والعقائد المذهبية. ويصبح كذلك من المستحيل تفسير مثل ~~هذا الموت في حدود دائرة المحال، ومن خلال الأفق الذي تدور فيه ~~مشكلاته. إننا الآن نواجه مشكلة أخرى غير مشكلة الانتحار الذي ~~يقدم عليه الفرد فيتحمل وحده مسئوليته، ويقاسي وحده آلامه. إن ~~مشكلة «القتل» تجعلنا نواجه موقفا جديدا نحتاج معه إلى قيم ~~جديدة. # وهكذا يتبع السؤال الأول: هل يجوز لي أن أقتل نفسي؟ سؤال جديد: ~~هل يجوز لي أن أقتل غيري؟ إن حتمية الموت أو «رياضته الدموية» التي ~~كانت من أهم عناصر التفكير المحال، لم تعد هي المشكلة الأساسية ~~التي تشغل الفكر المتمرد. إن الناس جميعا يموتون، وتلك مشكلة ~~لا نملك أن نفعل إزاءها شيئا. أما أن الناس يقتلون فتلك مشكلة ~~أخرى، يجب علينا ألا نقف حيالها مكتوفي الأيدي. مشكلة الموت إذن ~~باقية على الحالين. لم يقض عليها، ولكن اتسعت دائرتها، ووضعت ~~في مجال تجربة إنسانية أوسع، هي تجربة التمرد. # إن فكرة التمرد، كما يطبقها كامي في بداية مقاله الفلسفي ~~الكبير المتمرد، ليست إلا فرضا يحاول به أن يفسر اتجاه ~~عصرنا تفسيرا جزئيا، كما يحاول أن يفسر به انفلاته من كل ~~الحدود تفسيرا يشبه أن يكون شاملا. # 2 # إنها تصور تاريخ الكبرياء «الأوروبية» # 3 # وتعبر عن غرورها وطيشها وتخبطها. والبحث في مواقف ~~هذا التاريخ ومطامحه، في نجاحه وفشله، هو وحده الذي يمكن ~~للتمرد من أن يفتح لنا أفقا جديدا ظل حتى الآن مغلقا دون ~~التفكير المحال، وكان لا بد أن يظل كذلك. # ولكن ما هو التمرد؟ إن كامي يعرفه على النحو التالي: ~~الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ms090 يرفض أن يكون على ما هو عليه، # 4 # أو بمعنى آخر هو الكائن الذي لا يرضى أبدا عن كيانه؛ ~~فهو دائم السعي إلى تغييره والعلو عليه؛ فالتمرد بهذا المعنى ~~موجود في كل تجربة إنسانية؛ لأن كل تجربة إنسانية جديرة بهذا ~~الاسم تحتوي على نوع من الرفض للواقع كما هو عليه. ولكن هل يستنفد ~~التمرد طاقته في هذا الرفض؟ وهل يكون المتمرد مجرد إنسان ~~يقول «لا»؟ # الحق أن التمرد ينطوي على «اللا» و«النعم» ويضم الموافقة ~~والرفض في وقت واحد؛ فالمتمرد الذي يقول لا يؤكد وجود حد لا ~~يجوز لأحد أن يتخطاه. يقول العبد لسيده والمضطهد لمن يضطهده: ~~«إنك تتجاوز الحد.» أو يقول: «لا تذهب إلى أبعد من هذا.» # 5 # إنه يقول «لا» لمن يدوس حقوقه بقدميه، ولكنه في الوقت ~~نفسه يقول «نعم» لهذه الحقوق نفسها. ويتجاوز بذلك النفي الخالص إلى ~~توكيد خالص. العبد الذي تسلل شعاع الحرية لأول مرة إلى زنزانة ~~وجوده المعتمة لا يحتج فحسب، بل يؤكد كذلك ويوافق. إنه يكشف ~~لمضطهده عن جزء من نفسه، يريد له أن يحترم ويرفض له أن ~~يهان. وفعل الرفض في حد ذاته قيمة أخلاقية، كما هو أيضا حكم ~~بالوجود؛ فالعبد الذي يستنكر وجود العبيد يعترف في الوقت نفسه ب ~~«سبب أعمق يدعوه إلى الحياة.» # 6 # ذلك أن التسليم الصامت بوجود العبيد معناه التخلي عن ~~تلك القيمة، والتضحية بذلك الجزء من نفسه، الذي ينبغي أن يظل ~~مقدسا لا يمسه أحد. # لقد سمعنا من قبل صرخة الاحتجاج يطلقها الإنسان في وجه ~~المحال، ولكن السبب الأعمق الذي يدعو الإنسان إلى الحياة لم يكن ~~في هذه المرحلة يتعدى تلك الصرخة اليائسة المتكبرة التي ~~تدوي في سمع عالم أخرس أصم مجرد عن كل معنى: «إنني ~~أصرخ قائلا إنني لا أومن بشيء، وإن كل شيء محال، ولكنني لا ~~أستطيع أن أشك في صرختي، ولا بد لي على الأقل أن أومن باحتجاجي.» # 7 # ولكن هذا الاحتجاج الفردي المسجون بين جدران الذات قد ~~استنفد نفسه، كما رأينا، في التمرد المحال. والتمرد ms091 المحال ~~قد أنشب كالوحش الجريح الثائر أنيابه في جسده، فلم يستطع أن يخرج ~~من حدود ذاته، ولم يستطع أن يؤسس قيمة عامة شاملة. # ولكن ها هي التجربة قد اتسع مجالها، والضرورة تستدعي وجود قيم ~~جديدة. المضطهد المغلوب على أمره قد شعر في أثناء ذلك بذاته ~~(لعل السبب في ذلك هو لقاؤه بالواقع الجديد، أو لعله هو ~~المشاركة الإيجابية في حركة المقاومة السرية لجيوش الاحتلال، ~~والانفعال العميق بآلام الحرب). إنه يخاطب الآن مضطهده مخاطبة ~~الند للند. وديالكتيك «إما الكل أو لا شيء على الإطلاق.» # 8 ~~(الذي كان دائما شعار التمرد المحال عند العدميين ~~من أمثال الطاغية كاليجولا واليائسة الحالمة مارتا) قد اتضح الآن ~~في ضوء جديد؛ فالضحية تصرخ في وجه جلادها هاتفة: إما أن تحترم ~~ما أنا عليه، وإما أن أوثر ألا أكون على الإطلاق. فما هو هذا ~~الكيان الذي تريد الضحية أن تحافظ عليه من بطش جلادها، وما هذا ~~الوجود الذي يريد المضطهد أن يؤكده في وجه من يضطهده؟ إنه قبل ~~كل شيء الوعي والحرية، وكلاهما يكونان جوهر التمرد. ثم ما هو ~~هذا «اللاكيان» أو «اللاوجود» الذي يجعل منه المتمرد البديل ~~الوحيد للكيان والوجود؟ إن كلمته لمضطهده تعني هذه العبارة: «إذا ~~كنت تراني على استعداد لأن أموت، فإن ذلك هو البرهان على أنني ~~أؤكد وجود قيمة تعلو على وجودي ويشترك فيها جميع الناس.» # 9 # فما هي هذه القيمة التي يشترك فيها جميع الناس على ~~السواء، وما هذا الوجود الذي يختار المتمرد العدم في سبيل الدفاع ~~عنه؟ إننا نقترب بسؤالنا هذا من فكرة الطبيعة الإنسانية التي سيأتي ~~الحديث عنها فيما بعد، والتي تعبر عن شيء يبقى وراء التغير، ~~وقيمة تعلو على وجود الأفراد. # التمرد حتى الآن يحتوي على التوتر الدائم بين النعم واللا، ~~بين التأكيد والرفض، وبين الوجود والعدم. ويكشف التحليل لمعنى ~~التمرد عن خصائصه الجوهرية الأخرى؛ فهو إلى جانب هذا التوتر ~~المتصل كرم وشهامة؛ فالأمر في التمرد أمر قيمة قد يستدعي ~~الدفاع عنها وتأكيد وجودها أن يضحي الإنسان بحياته في ms092 سبيلها. ~~وهي بذلك أيضا عكس الأنانية. # 10 # وفي التمرد يتحد المضطهد مع كل المضطهدين، وتتحقق «الهوية» ~~التي تجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان. والتمرد كذلك تضامن؛ ففيه ~~يعلو الإنسان على نفسه، ويتجاوزها إلى الآخر. وفيه يعي الإنسان ~~وجوده، كما يعي وجود الآخرين. وعن طريق هذا الوعي يعرف تضامنه مع ~~كل من يشاركونه في الإنسانية، وفي نفس الوجود، سواء في ذلك ~~توصلوا إلى ذلك الوعي أو لم يتوصلوا إليه. والتمرد كذلك نقي؛ ~~لأن المتمرد لا يشتهي أن يملك شيئا لا يملكه غيره. وهو لذلك أيضا ~~لا يمكن أن يختلط بالإحساس بالمرارة، # 11 # الذي يفترس الإنسان فيه نفسه بالحسد والحقد والندم. ~~وهي نقية؛ لأن الإنسان في فعل التمرد يهب نفسه لما يكون جوهر ~~الإنسان على الإطلاق، ويستعد للتضحية بوجوده في سبيل تأكيد هذا ~~الوجود نفسه. وهو أخيرا نقي لأنه بريء؛ فكل تمرد هو في حقيقته ~~شوق إلى البراءة. # 12 # يشتبه في ذلك الإنسان المتمرد بإنسان المحال؛ # 13 # فكلاهما بريء في حقيقته وجوهره. هذه البراءة هي التي ~~يعبر عنها «دييجو» بطل مسرحية «حالة حصار» حين يخاطب الوباء ~~قائلا: # دييجو: نحن أبرياء! البراءة، أيها الجلاد، هل تفهم ما هي ~~البراءة؟ # الوباء: البراءة؟ أبدا، لم أسمع عنها. # 14 # ليس التمرد مجرد احتجاج يقوم به العبد ضد سيده الذي يضطهده، ~~ولا هو مجرد الثورة التي يعلنها إنسان على من ينكر حقه في ~~الحرية. إن التمرد أعمق من ذلك وأكثر شمولا. والحق أن هناك ~~إلى جانب تمرد العبد على سيده تمردا آخر يختلف عنه، وينبغي أن ~~نفصل بينهما فصلا واضحا، وإن كان ذلك لا يمنع من القول بأنهما ~~يسيران في خطين متوازيين. ذلك هو «التمرد الميتافيزيقي»، فإذا ~~كان العبد يتمرد على من ينكر عليه قيمة يعرف الآن أنها ~~مشتركة بينه وبين جميع الناس، فإن الإنسان في التمرد ~~الميتافيزيقي إنما يتمرد قبل كل شيء على الموت والفناء الذي ~~قدر عليه بما هو إنسان، على الخليقة كلها وعلى تلك القوة التي ~~يحملها مسئولية الموت والتعاسة و«فضيحة» المصير الإنساني الذي ~~كتب ms093 عليه أن يلقاه. # إنه بذلك يفترض وجود الله في نفس اللحظة التي ينكره فيها. إنه ~~ينتزع هذا الكائن العلي من ديمومته الأبدية ويدخله في وجوده ~~الذي يرى أنه محال، ويلقي به في دوامة التاريخ. بذلك يريد ~~التمرد أن يؤكد أن كل موجود متعال فهو على الأقل في مستواها ~~متناقض مع نفسه. # 15 # هنا يواجهنا السؤال العسير: ما هي علاقة المتمرد بالله؟ # الحق أن المتمرد لا ينكر وجود الله؛ فهو يتهمه بالظلم، ولا ~~يطمح إلى الانتصار عليه؛ ففي ذلك خروج على الحد يكافحه أينما كان. ~~إنه يرفض وجود الله ويتحداه، والإنسان لا يرفض ما لا وجود له، ~~ولا يتحدى وهما ولا عدما. وطالما كان المتمرد يضع نفسه في موقف ~~الاختيار بين إله قادر على كل شيء ولكنه شرير، أو بين إله ~~طيب ولكنه عقيم، # 16 # فإننا لا نستطيع أن نقول عنه إنه ملحد # athéiste ~~، بل أقصى ما نستطيع ~~أن نقوله عنه أنه مناهض للربوبية # antihéiste ~~. إنه يرفض وجود ~~الله باسم الإنسانية الدنيوية التي ترى أن مشكلة الإنسان الحقيقية ~~- كما تعبر عن ذلك شخصية تارو في رواية الوباء - أن يحاول أن ~~يكون قديسا بغير إله ولا دين يرتبط به، وأن يعلن ثورته على ~~الوجود الذي تعذب فيه الأطفال وتموت، دون أن يرفع عينيه إلى ~~سماء يصمت فيها الله، كما تعبر عن ذلك شخصية الطبيب ريو في ~~الرواية نفسها؛ فالتمرد على الله ليس هو الأصل في التمرد ~~الميتافيزيقي الذي عرفنا أنه تمرد على المصير الإنساني الذي ~~كتب فيه الفناء على الإنسان، بل الأولى أن يقال إن التمرد على ~~الله مشتق من التمرد الميتافيزيقي. إن الإنسان الذي يجد نفسه ~~ملقى به في عالم محكوم عليه بالموت، ويرى الأطفال الأبرياء ~~يتعذبون ويموتون أمام عينيه، يتمرد على الله الذي يعتبره أصل ~~العذاب كله، ويرى أنه هو «أب الموت» و«أكبر الفضائح». # 17 # إن التمرد على الله ليس في حقيقته غير صورة من صور التمرد ~~على المطلق؛ فالإنسان الذي يعرف أنه عاجز عن الوصول إلى المطلق، # 18 # يرى ms094 أن واجبه الأول هو أن يعي حدوده ولا يتعداها ~~بحال من الأحوال، فإذا تمرد فإنما يتجه بتمرده أول ما يتجه ~~إلى كل من يتجاوز حدود الإنسانية ويرفع نفسه إلى مصاف الآلهة. ~~وهو في ذلك إنما يسير على هدي القاعدة التي يضعها كل متمرد ~~حقيقي نصب عينيه: «أن يتعلم الإنسان كيف يحيا وكيف يموت ، ~~وأن يرفض أن يكون إلها لكي يظل إنسانا.» # 19 # إن التمرد، مثله في ذلك مثل المحال، هو في جوهره نوع من ~~المواجهة أو التقابل الحاد بين الوعي الناصع وبين العالم غير ~~المعقول، لا لأنه غريب، وغامض، ولا سبيل إلى فهمه ومعرفته فحسب، ~~بل لأن الشر والعذاب والموت يتحكمون فيه؛ ومن ثم يكشف المحال ~~عن وجهه التاريخي الذي لم نتبينه من قبل. ويظل التمرد، الذي ~~يعبر دائما عن صرخة الاحتجاج في وجه هذا المحال في صورته ~~التاريخية، هو مطمح الإنسان إلى «الوحدة السعيدة». # 20 # حتى العبد الذي يتمرد على سيده يطمح إلى الوحدة ~~والوضوح - وهذا المطلب الدائم للوحدة شيء جوهري بالنسبة لوعي ~~الإنسان؛ ففي الوحدة دوام، وعدل، وشفافية، وفيها السعادة التي يرى ~~أن من حقه أن يسعى إليها ما بقي موجودا على هذه الأرض. هذه الوحدة ~~السعيدة التي ينشدها وراء المظاهر الفانية المعذبة، هي التي ~~يريد المتمرد أن يواجه بها العالم المحال الذي ينهشه الفناء ~~في كل لحظة، والمصير الإنساني الذي يهشمه الشر والظلم على مر ~~التاريخ، وهي المطلب المتواضع الذي يواجه به طموح من يريدون «كل ~~شيء أو لا شيء»، ويسعون عبثا إلى تحقيق حرية مستحيلة وعدالة ~~مستحيلة، تذهب ضحيتها أجيال وراء أجيال. # وليس السعي إلى الوحدة (وهو في الوقت نفسه نشدان للوضوح ~~والبراءة والنقاء) إلا محاولة للرجوع إلى منبع التمرد الحق، ~~والتماس الحد والمقياس إبقاء على معنى «النسبي» وفرارا من ~~غلو «المطلق». # 21 # وهو كذلك محاولة لحل تلك المتناقضات التي وقعت فيها ~~الثورات التاريخية حين حادت عن معنى التمرد الأصيل. # قلنا الثورة وقلنا التمرد، فما الذي نفهمه من هاتين ~~الكلمتين؟ وما هو الحد الفاصل بينهما؟ وهل ms095 الثورة كما يبدو من ~~العبارة الأخيرة عكس التمرد؟ وكيف فقدت في مسار التاريخ نقاءها ~~وبراءتها؟ # لا بد قبل الإجابة على هذه الأسئلة من أن نتفق أولا على معنى ~~«التاريخ» كما يفهمه كامي. ~~(ب) التمرد والثورة: التاريخ # يكثر كامي من استخدام كلمة التاريخ في سياق كتابه الكبير ~~«المتمرد»، ولكن مفهومه لها يظل غامضا محيرا في معظم الأحيان ؛ ~~لذلك كان من الضروري أن نحاول تحديدها بقدر الإمكان. # يرد كامي في مواضع عديدة من كتابه على نقاده الذين يأخذون ~~عليه أنه رفض التاريخ رفضا مسبقا على كل تجربة، ولكنه إن كان لا ~~يرفض التاريخ ولا ينكره فهو على الأقل لا يعفيه من الاتهام؛ فهو ~~عنده حامل الثورة التاريخية التي تنكرت للتمرد الأصيل وحادت ~~عن محجته. وقبل أن نوضح ذلك بالتفصيل نرى لزاما علينا أن ~~نتتبع مفهومه للتاريخ في أعماله السابقة على المتمرد. # ففي أسطورة سيزيف نجده يقول: «عند الاختيار بين التاريخ وبين ~~الأبدي آثرت أن أختار التاريخ؛ لأنني أحب الحقائق اليقينية.» # 22 # كما نجده يتحدث عن الزمن الذي صمم على أن يتحد معه، # 23 # ويغوص فيه إلى أعماقه. هذا الزمن الذي اختار أن يعيش ~~فيه، والذي رآه يجري أمام عينيه جريان النهر أمام هيراقليط، قد ~~دفعه إلى اليقين بأن الموجودات كلها فانية، # 24 # وأن المستقبل لا سبيل إلى التنبؤ به، وأن التذكر ~~عقيم. # ليس التاريخ هنا غير الزمانية المتصلة، فهي الحاضر المباشر، وهي ~~الضد المقابل للأبدية واللازمانية. وهذا المفهوم من الزمانية ~~باعتبارها الحضور المتصل للحظة العابرة المنفصلة، وباعتبارها ~~المملكة الوحيدة الممكنة للأخلاقية التي جعلت شعارها «مزيدا من ~~الحياة»، هي التي جعلت إنسان المحال يقف من الأبدية موقف التحدي ~~وهي التي جعلته يقول في «الريح في جميلة»: # 25 ~~«ماذا تعنيني الأبدية؟» ويحاول أن يبحث عن الخلود ~~بين جدران هذه المملكة الفانية. مثل هذا التاريخ المغزول من نسيج ~~اللحظات العابرة الفانية، لا يتهمه كامي ولا يرفضه. بل الأولى أن ~~يقال إنه يتشبث بكل لحظة فيه ويحاول أن يعتصر منها سعادته ~~الوحيدة الممكنة. إنه قبل كل ms096 شيء «منفي في الزمن»، # 26 # يلجأ إليه إنسان المحال، كأنه واحد من تلك الأسوار ~~القاسية التي فرض على نفسه أن يتحصن وراءها. إنه هنا يعيش في ~~الحاضر وحده جاهلا بمستقبله، منقطع الصلة عن ماضيه. # إن مفهوم التاريخ يتأرجح معناه بين التاريخية البحتة من ناحية ~~وبين الحتمية التاريخية من ناحية أخرى، ولكي نوضح ذلك يجب علينا ~~أولا أن نحاول الإجابة على هذا السؤال: ما هي العلاقة بين ~~التمرد والزمن؟ ما موقف التمرد من هذا الزمن في أبعاده ~~الثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل؟ # كلما ذكرنا التمرد ذكرنا معه البراءة والنقاء؛ فالطلب الذي لا ~~ينفك المتمرد يطالب به نفسه وغيره هو المحافظة على نقاء ~~التمرد؛ أعني على قربه من منبعه الأصيل. وكل فكرة تستقي من ~~الماضي أو تتنبأ بالمستقبل (وبالتالي تحدده) فهي فكرة غريبة ~~على روح التمرد الحق، غير وفية لها. وعلى العكس من ذلك كل فكرة ~~تنبع من الحاضر وتتجنب المتعالي (الترانسندنس) على اختلاف صوره، ~~فهي تحتفظ بقيمتها. مثل هذه الفكرة الأخيرة لا تتطلب من ~~الإنسان أن يخضع لها؛ أعني أن يفقد حريته في سبيلها. إن على ~~التمرد الذي يريد أن يحافظ على نقائه أن يخلق نفسه في كل لحظة ~~من جديد؛ لأنه في صيرورة لا ينقطع تيارها. حتى إذا غاص في الزمن ~~(باعتباره المسار التاريخي الذي يتجه نحو غاية لا يمكن التكهن ~~بها)، لم يستطع أن يخلق قيمة حقيقية واحدة. عندئذ يصبح التمرد ~~ثورة تاريخية، ويصبح بروميثيوس الوحيد الذي ثار على الآلهة من ~~أجل البشر قيصر الوحيد الذي يملي إرادته على الرعية الصامتة. ~~وعندئذ أيضا يصبح الإنسان شيئا، يعامل معاملة الأداة التي ~~يراد بها تحقيق غاية غيبية أخيرة. هنالك يصبح المتمرد هو ~~الضحية؛ لأنه يريد أن يحيا في الحاضر وحده: «إن السخاء الحقيقي ~~تجاه المستقبل هو في إعطاء الحاضر كل شيء.» # 27 ~~«أن نفعل، كما لو كان في استطاعتنا أن نصلح الإنسان والأرض.» # 28 # كان ذلك هو الدرس الذي أخذناه عن تجربة المحال. غير ~~أن إصلاح الإنسان (وهي في حد ذاته فعل ms097 محكوم عليه بالفشل دائما، ~~كما يرى كامي) لا يعني أن نفرض على الإنسان معنى أعلى أو نسلط ~~عليه أية متعال (ترانسندنس) من أي نوع؛ فلو أننا فعلنا ذلك ~~لألغينا الإنسان وألغينا هدفه الحقيقي في الوقت نفسه؛ لأن ~~«الإنسان» هو الهدف الحقيقي الوحيد للإنسان. # 29 # فما هو إذن هذا الهدف الذي يسعى إليه الإنسان؟ هو في حقيقته ~~مساعدة الإنسان على الحياة، لكي يثور في وجه الموت، وإعطاؤه ~~السعادة، لكي يحتج على شقاء العالم الذي ألقي به فيه، وتأكيد ~~العدالة، لكي يكافح الظلم الأبدي المحيط به من كل جانب، وأن ~~نتوخى في أفعالنا أن يعثر الناس على تضامنهم من جديد، لكي ~~يشتركوا معا في التمرد على مصيرهم. # 30 # بذلك يكون التمرد على مستوى التاريخية تمردا ~~نفسيا-ميتافيزيقيا خالصا. # 31 # إنه لا يشغل نفسه في شيء بالمجتمع ولا بالحياة ~~الاجتماعية، بل يتحرك في اللحظات المباشرة المتلاحقة من الحاضر ~~العابر، هادفا إلى تحقيق سعادة الإنسان في موقف محدد؛ فعالم ~~الشقاء الذي يحتج عليه المتمرد ليس هو العالم الاجتماعي، أو ~~ليس كذلك بالدرجة الأولى. إن احتجاجه منصب على الطبيعة ~~«الكثيفة» غير المبالية، التي يعيش الإنسان فيها غريبا محكوما ~~عليه بالموت، وتمرده يتجه أول ما يتجه إلى السماء الصامتة إلى ~~الأبد. # هنا نستطيع أن نفهم سر النقد الشديد الذي وجهه سارتر إلى ~~كامي؛ ففي رأي سارتر # 32 # أن كامي قد رفض التاريخ رفضا مقدما على كل تجربة ~~تاريخية. ورفضه له لا يرجع إلى أنه قد تعذب فيه أو كشف عن وجهه ~~المفزع من خلال الرعب والقسوة (الأمر الذي لا يستطيع أحد أن ~~ينكره على كامي المكافح الشجاع) بل إلى أنه قد وضع القيم الإنسانية ~~بأسرها في كفاح الإنسان ضد السماء، حيث يصمت الإله إلى الأبد. ~~هذا الكفاح الذي يعلنه الإنسان على قدره الظالم المحال يظل ~~خارج التاريخ، بعيدا عن كل تاريخية ممكنة؛ ومن ثم لا يمكن أن ~~يعد كفاحا على الإطلاق. إنه يعلو على التاريخ أو بالأحرى ~~يتعالى عليه؛ ذلك لأنه لما كان الظلم أبديا؛ أعني لما ms098 كان غياب ~~الله مستمرا خلال التاريخ، فإن العلاقة المتجددة أبدا من جانب ~~الإنسان الذي يبحث عن المعنى بهذا الإله الذي لا يخرج عن صمته ~~الأبدي لا بد أن تكون هي نفسها علاقة متعالية على التاريخ، خارجة ~~عنه. # الحق أن نقد سارتر يمكن أن يكون على صواب لو أن التمرد كان ~~يهدف إلى النقاء المطلق أو البراءة المطلقة؛ فالحقيقة أن التمرد، ~~كما سنرى فيما بعد، لا يصل بطموحه إلى أبعد من «الذنب المحسوب» أو ~~«الخطيئة النسبية». # 33 # إنه لا يطمع في البراءة المستحيلة، بل يريد أن يكتشف ~~مبدأ الذنب المعتدل المعقول. # 34 # وهو إذن لا يستطيع أن ينكر التاريخ أو يرفضه؛ لأن ~~التاريخ هو نفسه الذي يحمل مسعاه إلى اكتشاف الحد والمقياس على ~~كتفيه والمتمرد مهما بلغت مشقة الجهد الذي يبذله لا يمكن أن ~~يطمح إلا إلى تقليل كمية الألم في هذا العالم: «إن القيمة ~~الأخلاقية التي يخلقها المتمرد لا تعلو في آخر الأمر فوق الحياة ~~والتاريخ، ولا التاريخ والحياة يعلوان عليها؛ فالحق أنها تكتسب ~~واقعيتها في التاريخ حين يبذل إنسان حياته من أجلها، أو حين ~~يكرس لها حياته.» # 35 # وإذا اضطر المتمرد في لحظة من لحظات حياته إلى قتل ~~إنسان، فإنما يفعل ذلك لإنقاذ حياة وسعادة من يشتركون معه في ~~الإنسانية، لا في سبيل إنسانية لم توجد بعد؛ فهي لذلك مجرد فكرة ~~أو تجريد. # ننتهي من هذا إلى أن كامي لا يلغي التاريخ ولا يرفضه (فلو صح ~~ذلك لكان فيه إلغاء الواقع نفسه). وإنما يرفض ذلك الاتجاه الفكري ~~(ونعني به الحتمية التاريخية) الذي يحاول أن يجعل من التاريخ ~~شيئا مطلقا. وهو لا ينكر التاريخ (وكيف يستطيع أن ينكره؟) ~~وإنما ينكر موقفا عقليا يختار التاريخ والتاريخ وحده، وبذلك ~~يختار العدمية ويتجاهل حكمة التمرد كلها. # 36 # ما هي الآن علاقة التمرد بالثورة؟ هل يكملان بعضهما البعض ~~أو هل يستبعد أحدهما الآخر؟ وإذا صح أن الثورة قد حادت عن منبع ~~التمرد الأصيل، وانحرفت عن قيمها الحقة، فما الذي يستطيعه ~~التمرد الذي يظل على ms099 وفائه لنفسه؟ وماذا يستطيع أن يقدمه لنا ~~لكي يفسر سلوك الإنسان ويضفي عليه معنى وقيمة؟ هذه كلها ~~أسئلة يجب علينا أن نمتحنها عن كثب؛ فكامي يتحدث عن الثورة فيبدو ~~من حديثه كأنها هي مسخ التمرد، بل كأنها الضد المقابل له. # وأول ما نلاحظه في هذا الصدد هو أن المتمرد لا يكون شيئا حتى ~~يكون ثائرا. # 37 # والعكس صحيح؛ فالثائر الذي لا يكون في الوقت نفسه ~~متمردا، لا يتسنى له أن يكون ثائرا بحق. إنه حين يحيد عن منبع ~~التمرد وقيمه لا يعدو أن يكون موظفا أو رجلا من رجال البوليس، ~~تلغي أفعاله التمرد في حقيقته ومعناه، فإذا كان الثائر في الوقت ~~نفسه متمردا - وهنا يكون التناقض الفريد بين التصورين - فهو ~~إما أن ينتهي إلى الجنون وإما أن يصمم على الوقوف في وجه ~~الثورة. نحن مضطرون إذن أن نقرر تزامن # 38 # هذين التصورين وتناقضهما في آن واحد، وذلك إلى ~~أن نوضح الفروق بينهما على وجه التحديد. # ماذا عسى أن يحدث للمتمرد الذي يريد أن يجد مخرجا من هذه ~~المعضلة؟ إنه بالضرورة إما أن يعصي مبادئ التمرد أو يضطهد غيره ~~لتحقيق ما يعتقد أنه يوافق تلك المبادئ؛ أعني أنه سيضطر في لغة ~~كامي أن يدخل التاريخ المحض. الموظف أو رجل البوليس، الجنون أو ~~الاضطهاد، تلك هي المعضلة التي تواجه الإنسان المتمرد وتجعله ~~على الحالين في تناقض مع نفسه. # على أن هذا التقابل بين المتمرد والثائر يقوم على تقابل أصلي ~~آخر؛ ونعني به التقابل بين التمرد والثورة. ولن نستطيع أن ~~ندرك ماهية التمرد وحقيقته حتى نحدد الفرق بينه وبين الثورة. ~~ونود قبل أن نقوم بذلك أن نسجل الملاحظات التالية: ~~(1) # كل تمرد، كما أشرنا إلى ذلك في الصفحات السابقة، ~~فهو في حقيقته شوق إلى البراءة، وكل متمرد فهو من ~~ناحية المبدأ إنسان بريء. غير أن الشوق يمد يديه ~~ذات يوم فيقبض على السلاح ويحمل الذنب الشامل على ~~كتفيه؛ أي القتل والعنف والظلم. # 39 # ولقد ظلت الثورات التاريخية والثورات ~~الميتافيزيقية، من ثورة العبيد على يد ms100 اسبارتاكوس في ~~نهاية العصور القديمة إلى الثورات التي قتلت الملك ~~والإله على مدى القرنين الأخيرين، تتحمل عن عمد ~~ذنبا ظل يتضخم شيئا فشيئا بمقدار ما كان هدفها ~~في التحرر الشامل يزداد يوما بعد يوم. ~~(2) # ما من ثورة إلا وهي ثورة سياسية تهدف إلى نظام ~~جديد للحكم، وفي هذا تختلف عن التمرد اختلافا ~~أساسيا؛ فبينما التمرد حركة تصدر عن تجربة الفرد ~~وتؤدي إلى الفكرة، نجد الثورة تبدأ من الفكرة وتحاول ~~أن تدخلها في التجربة التاريخية وأن تشكل الفعل ~~بما يتفق مع هذه الفكرة حتى تخلق عالما جديدا تضعه ~~في إطارها النظري؛ أي إن التمرد يظل احتجاجا لا يدخل ~~في مذهب ولا يعرف عقيدة ولا يتذرع بمبدأ، ولا ~~يحكمه الترابط المنطقي. # 40 ~~(3) # المتمرد لا يريد في الأصل سوى أن يكتسب وجوده ~~ويؤكده أمام الله، # 41 # حتى إذا قامت الثورة التاريخية - ابتداء ~~من الثورة الفرنسية إلى الثورة الشيوعية الروسية - نسي ~~الأصل، وفقد الصلة التي كانت تربط به، وراح يسعى ~~جاهدا إلى إقامة المملكة العالمية، وبسط السلطة ~~الشاملة على طريق دام يزدحم بجرائم القتل التي لا ~~حصر لها. ~~(4) # يكافح التمرد في سعيه إلى «الوحدة السعيدة» ضد ~~الشر والموت، محاولا تحقيق عدالة ملائمة وحرية ~~ممكنة. أما الثورة التاريخية التي بلغت ذروتها في ~~القرن العشرين فهي تطالب بالشمول، وتهدف إلى بلوغ ~~مملكة عالمية، تتحقق فيها العدالة المستحيلة ~~والحرية التي لا تعرف حدا، # 42 # وتكون هي تاج التاريخ وغايته الأخيرة. ~~والسعي إلى الوحدة يحاول أن يصالح بين اللامعقول ~~والمعقول وأن يجمعهما على صعيد واحد، والمطالبة ~~بالشمول تطمس اللامعقول إذ تعتقد أن المعقول وحده ~~يكفيها لكي تغزو العالم. # 43 # ولكن هل يمكن للطريق الموصل إلى الوحدة أن يمر أولا بالشمول؟ ~~وهل كان بحث التمرد الميتافيزيقي والثورة التاريخية - وهي ~~النتيجة المنطقية التي ترتبت عليه - عن الوحدة بحثا يتفق مع ~~روح التمرد؟ # ذلك هو السؤال على الحقيقة. الإجابة عليه تكشف عن حقيقة التمرد، ~~وتحيي جذوته التي كادت تخمد تحت ركام الأحداث. وفي سبيل ذلك ~~يخضع كامي التمرد لبحث تاريخي يحاول ms101 أن يفتش فيه عن ذاته؛ ~~لأنه لن يجد أصوله ومبادئه إلا في هذه الذات. # 44 # ولكي يقرر كامي ما هو التمرد نجده يبدأ بحثه بما ~~ليس بتمرد؛ أعني أنه يسير من عدم الوجود إلى الوجود. وهكذا ~~يحاول أن يكشف عن التسلسل المنطقي الذي سار فيه التمرد، ~~ويوضح موضوعاته الرئيسية التي لا تتغير، عن طريق تحليله لبعض ~~الحقائق الثورية التي استقاها من التاريخ الغربي. وليس كتابه ~~الكبير «المتمرد» سوى محاولة لدراسة بعض الحركات الثورية بمقدار ~~انحرافها عن حقيقة التمرد . هذه الانحرافات التي يعرض علينا ~~آثارها المفزعة من خلال سرده لتاريخ التمرد الميتافيزيقي ~~والثورة التاريخية لا يمكن أن تنسب إلى التمرد؛ فهي انحرافات لا ~~تظهر إلا عندما ينسى المتمرد منابعه الأصيلة، ويسقط متعبا من ~~التوتر المتصل بين «اللا» و«النعم»، حتى ينتهي بالاستسلام للنفي ~~المطلق أو بإلقاء نفسه بين أحضان التأكيد المطلق. والتمرد يحيد ~~عن منبعه حين يمجد أحد القطبين المتضادين في تجربته ويصل به ~~إلى ذروة التطرف. وسوف نحاول الآن أن نقصر أنفسنا على النظر في ~~اثنين من هذه الانحرافات، دون التعرض للتفصيلات التاريخية ~~المضنية التي يزدحم بها كتاب «المتمرد»، آملين أن نقترب عن ~~طريقهما من منبع التمرد وحقيقته. ~~(ج) الانحراف عن التمرد: اللا المطلقة والنعم ~~المطلقة # قلنا منذ البداية إن اللا والنعم مرتبطان في فعل التمرد ~~ارتباطا لا ينفصم؛ فاللا تضرب بجذورها، إن صح هذا التعبير، في ~~النعم، والنعم بدورها كامنة في أعماق اللا. ولقد تتبعنا هذا ~~البناء الديالكتيكي لفكر كامي في أعماله المبكرة في المرحلة ~~السابقة على ظهور المحال، كما كشفنا عنه في بناء المحال نفسه، ثم ~~وجدنا أنه يميز موقف التمرد الحق، الوفي لأصله ومنبعه، الذي ~~لا يجعل من اللا ولا النعم شيئا مطلقا، بل يعين لكل منهما ~~الحد والمقياس الذي ينبغي له أن يقف عنده فلا يتجاوزه. ورأينا بذلك ~~أن التمرد يتميز عن موقفين متطرفين يمكن تحديدهما على النحو ~~التالي: ~~(5) # اللا المطلقة أو نزعة النفي المطلقة. ~~(6) # النعم المطلقة أو نزعة التأكيد والموافقة ~~المطلقة. # وقبل الحديث عن هاتين النزعتين ms102 اللتين تظهران في مراحل ~~التمرد الميتافيزيقي والثورة التاريخية نحب أولا أن نفرق ~~بينهما ونوضح ما نقصده بالتمرد الميتافيزيقي؛ فقد بدأ التمرد ~~الميتافيزيقي يدخل في تاريخ الفكر المعاصر عند نهاية القرن الثامن ~~عشر. ومن الطبيعي أن نقابله في مرحلة مبكرة، لدى رائد المتمردين ~~جميعا في كل العصور، ونعني به بروميثيوس؛ فبروميثيوس، مثله مثل ~~الإنسان المتمرد في العصر الحديث، يكافح الموت، ويحمل رسالة، ويثور ~~حبا للبشر. غير أن اليونان الذين لم يتطرفوا في شيء ولم يكن ~~من طبعهم أن يثيروا النزاع حبا في النزاع، قد جعلوا منه بطلا، ~~تغفر له خطيئته في النهاية. وكلمة البطل نفسها تدلنا على أنه ~~كان نصف إله اختلف مع الآلهة، والأمر عنده لا يزيد عن كونه مجرد ~~شقاق عائلي يمكن أن يسوي في يوم من الأيام؛ فقد كانت لليونان ~~تأملاتهم الميتافيزيقية التي تختلف عن تأملاتنا. كانوا يؤمنون ~~بالقدر، ولكن إيمانهم بالطبيعة التي كانوا يعدون أنفسهم جزءا ~~منها كان أقوى وأشد؛ ومن ثم فقد كان التمرد على الطبيعة شيئا ~~مستحيلا في نظرهم لأنه سينقلب تمردا على ذواتهم. حقا إن ~~اليأس بدأ يعرف طريقه إلى النفس اليونانية في شتاء الفكر اليوناني، ~~ولكن هذا الصدع في الانسجام الشامل بين الطبيعة والإنسان لم يظهر ~~إلا في كتابات أبيقور ولوكريس. وما هو إلا قليل حتى ظهرت بظهور ~~المسيحية فكرة الإله الواحد المتشخص، الذي يخلص بدمه عذاب ~~الإنسان وخطاياه. # نحن إذن من وجهة النظر هذه أبناء قابيل أكثر من أن نكون أتباع بروميثيوس. # 45 # فبظهور قابيل يتحد التمرد الأول مع الجريمة الأولى، ~~وهكذا يصبح إله العهد القديم هو الذي يحرك طاقة التمرد. وحين ~~يتم العقل المتمرد دورته، يكون عليه - كما فعل باسكال - أن ~~يستسلم في خضوع لإله إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ ومن ثم يصبح العهد ~~الجديد محاولة للرد مقدما على كل قابيل يظهر في هذا العالم، ~~بإظهار الإله في صورة رحيمة عطوفة، ووضع وسيط بينه وبين ~~الإنسان. # فهناك إذن إله العهد القديم المفزع في جانب، وهناك إله العهد ~~الجديد الذي حل في جسد إنسان ms103 ومات على الصليب. غير أنه يكفي أن ~~توضع المسيحية موضع الشك وأن تثار الريب حول ألوهية المسيح، حتى ~~يصبح يسوع المخدوع بريئا جديدا وتنشق الهوة بين السادة والعبيد ~~من جديد. وهكذا يصبح كل شيء معدا لهجوم عاصف عظيم على سماء ~~معادية للإنسان؛ هذا الهجوم هو الذي يتتبعه كامي في مراحله ~~الثلاثة التي سنقف عندها فيما بعد بالتفصيل، ونعني بها اللا ~~المطلقة أو النفي المطلق، ورفض النجاة، والنعم المطلقة أو نزعة ~~التأكيد المطلق. ولكل مرحلة منها بطلها ورائدها؛ صاد ، وإيفان ~~كرامازوف، ونيتشه. # أولا: اللا المطلقة أو النفي المطلق # يعد المركيز دي صاد والحركة الرومانتيكية مثلين جيدين ~~على هذه النزعة. إن الطبيعة الإنسانية تلغى فيهما، والإنسان ~~ينحط حتى يصبح موضوعا للتجربة والمحاولة؛ ومن ثم كان ~~تطرف التمرد وخروجه عن كل حد فيهما. إن «صاد» يريد أن ~~يؤسس الحرية الكاملة على سعار الشهوة والغريزة، ولذلك فهو لا ~~يستطيع أن يحقق تمرده إلا بالنفي المطلق للواقع بأسره. ~~وكما كان كاليجولا يأمر بقتل الناس لكي يتاح له في رأيه أن ~~يمتلكهم كل الامتلاك، وينظم بذلك ما يمكن أن نسميه ~~بالانتحار الجماعي، فإن الحرية الشاملة التي تنطلق فيها ~~الغرائز عند «صاد» تصبح نوعا من التدمير الشامل، وتنتهي حتما ~~إلى القتل. وكاليجولا وصاد، على اختلاف الدافع والغاية بينهما، ~~قد سارا مع منطق التمرد المحال إلى نهايته، واستخلصا منه ~~أقصى نتائجه. كلاهما قد سعى في تمرده الجامح نحو الشمول ~~بدلا من أن يطلب الوحدة. # ومن المعلوم عن المركيز دي صاد أنه ليس بالكاتب ولا ~~بالفيلسوف ذي المكانة المرموقة. ولعل مرجع شهرته إلى أنه قضى ~~بين جدران السجن سبعة وعشرين عاما. هذا السجن الطويل هو الذي ~~يفسر أعماله؛ إنها صخرة وحيدة تطلقها الطبيعة، صرخة ~~الدافع الجنسي، الذي أثاره السجن الطويل وكبته وعاقبه. إنها ~~تنكر وجود الله كما تنفي وجود الأخلاق، وتطالب الإنسان بأن ~~يذهب في المتعة والامتلاك الكامل إلى حدود التدمير الشامل ~~الرهيب. الطبيعة عنده هي الجنس. وهذا المنطق يدفع به إلى عالم ~~عاطل من القانون، تتحكم فيه طاقة ms104 الشهوة وحدها. إنه عالم ~~الحرية المطلقة من كل قيد، طردت الفضيلة منه بغير عودة؛ ومن ~~ثم فالحرية هي الجريمة، وإلا فليست حرية على الإطلاق. وضرورة ~~الجريمة تتطلب ضرورة التنظيم، وتدفع صاد إلى تخيل أماكن ~~مغلقة «قلاعا تحوطها الأسوار سبع مرات» يستطيع فيه المجتمع ~~الجديد، مجتمع الشهوة والجريمة، أن يلبي صيحة الطبيعة طبقا ~~لنظام قاس مرير. إنه على العكس من روسو وأصحابه من ~~الجمهوريين «الفاضلين» في عصره يكشف عن نزعة الشر الطبيعية في ~~الإنسان، ويصبها في قالب القوانين. هو إذن الإلحاد الخالص، ~~الرغبة المدمرة التي جعلت شعارها «كل شيء مباح». غير أن ~~أديرة الرذيلة التي تجلد فيها الشهوة أجساد البشر، والتي ~~يصبح عبد اللذة حاكمها المطلق وإلهها الأوحد، لم تلبث أن ~~اصطدمت بالتناقض الكامن في ذاتها، وتحولت إلى أديرة ~~للرهبنة الحزينة، والعفة اليائسة الممسوخة. ولم يلبث السجين ~~العجوز المخبول، الذي ظل يحلم بعالم يسجد للذة، أن راح ~~يحلم بالكارثة الدموية التي تسحق هذا العالم، ويعيش أيامه ~~الأخيرة كالممثل الهزلي المجنون الذي لا يسلي غير ~~المجانين. # لم يعدم صاد من يخلفه؛ فالرجل الذي اخترع حصون الرذيلة ~~التي تعد الأب الشرعي لمعسكرات الاعتقال في القرن العشرين، ~~كان يحلم ببشرية تتجرد من إنسانيتها عن طريق العقل البارد. ~~ويمكن اليوم أن يقال إن حلمه قد تحقق، ولكن مع تغيير بسيط؛ ~~فبينما كان يتصور الجريمة في التحرر المطلق من العادات ~~والقوانين الأخلاقية (وينبغي أن نذكر إنصافا له أنه كان ينبذ ~~الجريمة الاجتماعية التي تتسلح بالمقصلة) راح خلفه يشرعون ~~للجريمة بكل سبيل. والجريمة التي كان يريد لها أن تكون ثمرة ~~شهية غير عادية للرذيلة المنطلقة من قيودها، لم تعد اليوم ~~إلا عادة مفزعة لفضيلة بوليسية (وتلك هي مفاجآت الأدب كما ~~يقول كامي!) # 46 # وشبيه بنزعة «صاد» نزعة الحركة الرومانتيكية التي تتميز ~~بإيثارها للشر وتمجيدها للفرد الوحيد. # 47 # فالبطل الرومانتيكي يحس باضطراره إلى فعل الشر ~~مدفوعا بشوقه إلى خير مستحيل التحقيق. والموقف الرومانتيكي ~~ينبع من الكبرياء؛ فالإنسان الذي لا يملك أن يكون إلها، يجعل ~~من نفسه مخربا مطلقا، ms105 لكي يتوصل إلى السعادة المستحيلة في ~~حدود عالم ممكن (وهذا شبيه بموقف كاليجولا)؛ ومن ثم لم يستطع ~~الرومانتيكيون أن يتجنبوا السقوط في هاوية العدمية؛ فالبحث ~~عن سعادة ممكنة، أعني سعادة محدودة ونسبية، هو وحده الذي ~~يستطيع أن يقي صاحبه من التردي في ظلام العدمية. ولقد ~~علمنا التاريخ أن العدمية الرومانتيكية ليست مجرد نزعة ~~مشبوبة من وجدان معذب حساس، بل إن الموت والقتل كامنان ~~في أعماق القيمة العليا عند الرومانتيكيين؛ ونعني بها الغضب ~~المجنون # Frénésie ~~. # 48 # وإيفان كرامازوف (في رواية دستويسكي المشهورة الإخوة ~~كارامازوف) هو الشخصية المضادة للرومانتيكيين. إنه لا ينكر ~~وجود الله، بل يرفضه باسم مبدأ أخلاقي أعلى. وهو ينبذ ~~النجاة، الخلود، والنعمة لأنه يعتقد أنه اعترافه بها معناه ~~الاعتراف بالموت والعذاب، وبذلك يضع العدالة فوق الألوهية. # 49 # إنه يريد أن يجد النعمة والمحبة في العدالة، ولكنه ~~سيمضي في رفضه لوجود الله، الذي يحمله وحده مسئولية موت ~~الأبرياء. # مثل هذا التمرد الطائش النبيل يخضع للديالكتيك الذي يميز ~~العدمية في كل مكان وزمان: «كل شيء أو لا شيء»: طالما أن ~~النجاة ليست من نصيب جميع الناس، فإنني أرفض النجاة لنفسي. ~~وحيث تختفي العدالة ويسود الظلم، يفقد كل شيء معناه، ويصبح ~~كل شيء مباحا. وتاريخ العدمية في الزمن الحديث يبدأ في ~~الحقيقة من هذه العبارة: «كل شيء مباح». # 50 # من هذه العبارة التي أطلقها إيفان كارامازوف بدأ ~~التمرد الميتافيزيقي يخطو الخطوة الأولى على طريق الفعل. إنه ~~يجعل شعاره الآن «كل شيء أو لا شيء»، وهو شعار يقرر بدوره ~~أن كل شيء جائز ومباح، فيسعى إلى أن يخلق العالم خلقا ~~جديدا، يؤكد ملك الإنسان ويضمن ألوهيته على هذه الأرض. # 51 # كل شيء مباح، وكل شيء جائز، فالجريمة إذن مباحة، ~~والقتل جائز. إن الإنسان الذي يريد أن «يكون»، يصمم الآن على ~~أن «يفعل»، فليحكم إذن، وليغز، وليسيطر. # هذه اللامعقولية المتطرفة التي تصاحب النزعة العدمية تترك ~~أثرها على المجالين الاجتماعي والسياسي، وتدخل فيهما ~~التناقض والتضاد الذي لا سبيل إلى رفعه أو التغلب عليه، ~~اللهم إلا ms106 بالفناء التام والخراب الشامل؛ أي إن قوى الدم ~~والغريزة المعتمة تصبح هي القيم الوحيدة الصالحة، وتأكيد ~~الفعل بكل ثمن يصبح هو المبدأ الذي لا مبدأ سواه. # 52 # ولقد أسس هتلر وموسوليني دولتهما على الفكرة ~~التي تقول إنه ليس لشيء من معنى وإن التاريخ ليس إلا صدفة ~~عارضة ولدتها القوة والسيطرة. # 53 # وإذا بالطاقة المحضة والحركة الخالصة هما التبرير ~~الوحيد لكل شيء، # 54 # وإذا بهذه الطاقة المحضة لا تجد لها متنفسا إلا ~~في الغزو المتصل. ويتجه الغزو إلى الداخل فيصبح «دعاية» لا ~~تهدأ؛ أعني استبعادا للعقل واضطهادا للروح، فإذا اتجه إلى ~~الخارج لم يعدم له عدوا، ووجد المبرر الذي يدعوه إلى ~~تعبئة الجيوش وإصدار الأوامر بالزحف. وتتضخم العلاقة الفردية ~~القديمة بين السيد والعبد فيسيطر سيد واحد على ملايين من العبيد. # 55 # إن النفي المطلق يحطم ديالكتيك التمرد حين يمجد أحد ~~طرفيه (اللا) ويستبعد الآخر (النعم). والنتيجة المباشرة لذلك ~~هي الجريمة؛ فالذي ينفي كل شيء ينفي معه الطبيعة الإنسانية ~~ويصل إلى الإيمان بأن كل شيء مباح. والذي يبيح كل شيء ~~يبيح لنفسه كذلك أن يقتل الآخرين ويلغي وجود الوعي، أثمن ما ~~في الوجود، بل الوجود الحق نفسه. إنه يلغي هذه القيم جميعا ~~حتى يصبح «انعدام القيم» هو نفسه القيمة الوحيدة الباقية له. ~~وإذا كان النفي المطلق معناه العبودية المطلقة، فليست الحرية ~~الحقيقية إلا الخضوع الباطني المختار لقيمة تشمخ بجبهتها في ~~وجه التاريخ ونجاحه. # 56 # ثانيا: النعم المطلقة أو التأكيد المطلق # تمثل هذه النزعة فلسفتا شتيرنر # 57 # ونيتشه؛ فالفردية الأنانية تصل مع شتيرنر إلى ~~ذروتها؛ فليس هناك إلا حرية واحدة هي قوتي، وليس هناك إلا ~~حقيقة واحدة هي الأنا المفردة. ويصبح التأكيد المطلق أشبه ~~بطوفان يجرف معه كل نفي أو اعتراض. # 58 # وإذا كان الله قد مات بظهور نيتشه فقد وضع شتيرنر من قبل ~~بكتابه «الفرد وملكيته» (الذي ظهر في عام 1845م) أساس العدمية ~~الشاملة، وبدأ يسير في المتاهة التي ينبغي الآن عبورها، ويكشف ~~عن الفراغ المفزع الذي ينبغي الآن أن يملأ بقانون ms107 ~~جديد. # كان شتيرنر يريد أن يميت في الإنسان كل فكرة عن الله. ولم ~~يكافح الله وحده، بل كافح مادية فويرباخ، والروح المطلقة عند ~~هيجل، وتجسدها التاريخي؛ أي الدولة. كل هذه الأصنام قد ولدت ~~في رأيه من «نزعة منغولية» واحدة. وهي الاعتقاد في الأفكار ~~الأبدية الخالدة؛ ومن ثم فقد استطاع أن يكتب فيقول: «لقد أقمت ~~قضيتي على العدم.» إن الله بالنسبة إليه هو العدو الأول. وهو ~~يذهب في التجديف إلى أبعد حد ممكن: «ابتلع الوحش، وبذلك ~~تتخلص منه.» ولكن الله ليس إلا إحدى المظاهر الأجنبية للأنا. ~~سقراط، ويسوع، وديكارت، وهيجل، كل الفلاسفة والأنبياء لم ~~يزيدوا عن اختراع صور مختلفة من المظاهر الأجنبية عن هذه ~~الأنا التي تكون وجودي، والتي لا تستطيع الأسماء أن ~~تسميها، لأنها شيء فريد ووحيد. وليس تاريخ العالم إلا ~~انتهاكا متصلا لهذا المبدأ الوحيد، المتجسد، الحي، الذي ~~يكون وجود الأنا لدي، مبدأ الانتصار الذي أرادوا له أن ~~يخضع تحت نير التجريدات المتعاقبة، سواء أكانت هي الله، أو ~~الدولة، أو المجتمع، أو الإنسانية، أو ما شاءوا لها من أسماء. ~~الأبدية كلها كذبة كبيرة. والأنا الأوحد هو الحقيقة الوحيدة، ~~هو عدو كل ما هو أبدي، وعدو كل ما يعوق شهوته في السيادة ~~والتحكم. # وهكذا يصبح النفي، الذي يحيا عليه كل تمرد، عند شتيرنر ~~طوفانا يجرف معه كل تأكيد وإيجاب. إنه يزيل من طريقه كل ما ~~حاول الإنسان أن يضعه في مكان الله، ويملأ به ضميره. حتى ~~الثورة يمجها هذا المتمرد الغريب؛ فلا بد للإنسان لكي يكون ~~ثائرا من أن يؤمن بشيء؛ حيث لا شيء هناك يمكنه أن يؤمن به: ~~«لقد انتهت الثورة (الفرنسية) إلى الرجعية، وهذا يبين ما هي ~~الثورة في الحقيقة.» والخضوع للإنسانية يصبح شيئا عقيما، ~~مثله في ذلك مثل الخضوع لله. وإذن فما من حرية في نظر شتيرنر ~~إلا «قوتي»، وما من حقيقة إلا «الأنانية الرائعة للنجوم». # 59 # المتمرد لا يلتقي مع غيره من الناس إلا بمقدار ما تتفق ~~أنانيتهم مع أنانيته. إن حياته الحقة في الوحدة؛ حيث ms108 يشبع ~~شهوته غير المحدودة إلى الوجود. # هكذا تصل الفردية إلى قمتها. إنها نفي لكل ما ينكر ~~الفرد، وتمجيد لكل ما يسبح بحمده ويضع نفسه في خدمته. ~~الخير عندها هو كل ما تستطيع أن تستخدمه في صالحها، وكل ما ~~تقدر عليه فهو من حقها. وإذا كانت الأنا بطبيعتها تقف من ~~الدولة والشعب موقف المجرم، فلنتعلم أن الحياة مساوية ~~للتعدي على الحياة. ولا مفر لمن لا يريد أن يموت من أن يقتل، ~~حتى يكون وحيدا. وهكذا يؤدي التمرد مرة أخرى إلى تبرير ~~الجريمة. ويصبح القتل نوعا من الانتحار الجمعي بالجملة، ~~وتسقط الروح المتمردة في ليل العماء ، لتفتش هناك عن متعتها ~~الكئيبة المفزعة فوق أطلال العالم المنهار. ولا يعود ثمة ~~عزاء إلا في العدم الشامل أو في البعث الجديد. ولا يبقى أمام ~~شتيرنر وأمثاله من المتمردين العدميين إلا أن يندفعوا إلى ~~هذا الحد الأخير، نشاوى من خمرة الدمار والتخريب. # وأما فلسفة نيتشه فهي عند كامي أصدق تعبير عن التأكيد ~~المطلق. ليست فلسفة تمرد بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ~~بقدر ما هي فلسفة مبنية على التمرد. إنها تدور حول ~~مشكلة التمرد، أو هي، بعبارة أدق، تشرع في أن تكون تمردا. # 60 # و«النعم» التي يطلقها نيتشه إنما تتعلق بالأرض ~~وحدها، التي هي في نظره الحقيقة الوحيدة التي يملكها الإنسان، ~~والتي حكم عليه أن يعيش فوقها، ووجب عليه أن يظل وفيا لها: # 61 ~~«لا يكاد الإنسان يرتد عن إيمانه بالله وبالحياة ~~الأبدية حتى يصبح مسئولا عن كل ما تختلج فيه الحياة، عن كل ما ~~يولد مقترنا بالألم، وكل ما يلقى به في عذاب الحياة.» # 62 # إذا رحب الإنسان بكل شيء وقال لكل شيء «نعم» فهل يعني ~~ذلك أن عليه أن يتخلى عن المبدأ القائل إن كل شيء مباح؟ ~~الأمر في الحقيقة كذلك. لقد عرف نيتشه أن حرية العقل والروح ~~ليست بالأمر الهين المريح، بل هي العظمة التي تتطلب كفاحا ~~شاقا مضنيا، كما عرف أنه لا وجود للحرية بغير القانون. # 63 # إنه يستبدل عبارة إيفان كارامازوف «إذا لم ms109 يكن ~~هناك شيء حق فكل شيء إذن مباح.» بهذه العبارة: «إذا لم يكن ~~هناك شيء حق فليس هناك شيء مباح.» والواقع أن الإنسان، لكي ~~يبيح لنفسه فعلا من الأفعال أو يحرمه عليها، إنما يحتاج ~~إلى قيمة وإلى هدف، فإذا لم يكن ثمة معنى، وإذا انعدمت ~~القيم ورأى الإنسان أن كل شيء ممكن بالنسبة إليه، فالواقع ~~أنه ما من شيء في هذه الحالة مباح؛ لأنه لا وجود للقيم التي ~~يحدد الفعل على أساسها، وبالتالي فكل شيء مستحيل. # ما هو أثر هذه النزعة الإيجابية التي ترحب بكل شيء ~~وتبارك كل شيء على المستوى التاريخي؟ # من يقول نعم لكل شيء لا يقولها للحياة والخير والحق والجمال ~~وحدها، بل لابد أن يقولها أيضا للموت والشر والظلم والقبح. ~~ومن يقول نعم للأرض يوافق على العذاب والموت كما يوافق على ~~الفرح والحياة. وأهم من هذا كله أن الذي يبارك كل شيء، بما ~~في ذلك التناقض والألم، يسيطر في الحقيقة على كل شيء # 64 # فتأكيد كل شيء هو بمثابة حكم مسلط على كل شيء: ~~«إن قول نعم للأرض الجادة المعذبة، ورفعها وحدها إلى مرتبة ~~الألوهية، معناها تشجيع الإنسان على أن يقذف بنفسه في الكون ~~مستعينا ب «إرادة القوة»، لكي يتسنى له أن يعثر على ~~ألوهيته الأبدية من جديد. قول نعم للأرض قولا مطلقا ينتهي ~~بملئها بالبشر-الآلهة.» # 65 # إن الإنسان يلقي بنفسه في خضم العالم ليصبح ~~ديونيزيوس جديدا. وبذلك يبلغ تأليه الإنسان أعلى ~~ذروته. # إن في فلسفة نيتشه، كما في كل فلسفة عظيمة، شيئا يمكن أن ~~يستخدم ضدها، لا بل أن يؤدي إلى مسخها وتشويهها. وإذا ~~كان نيتشه يقول «نعم» للصيرورة والتاريخ، فهو يقولها أيضا - ~~وهذا هو جانب الخطورة في فلسفته - للإنسان الأعلى ولبشر فوق ~~البشر. بذلك تحبذ موافقته المطلقة منطق السادة والعبيد، ولا ~~تقتصر على تبرير العبودية والعذاب بين البشر، بل تتجاوزهما ~~إلى تبرير الجريمة والقتل، سواء في ذلك أكان الإقدام عليهما ~~باسم الحاضر أم باسم التحول الحتمي للتاريخ. كانت كلمة نعم ~~التي أطلقها نيتشه في أصلها ms110 تأكيدا للحياة والطاقة، حتى إذا ~~أسيء استخدامها وفهمها أصبحت تأكيدا للقسوة والعنف ~~والطغيان. وتحولت الحياة التي طالما تحدث عنها بالخوف ~~والرعشة والإجلال إلى نوع من «القيصرية البيولوجية»، # 66 # وانعكست الشجاعة فصارت قسوة، وانحطت الطاقة ~~فصارت عنفا. وبينما كان نيتشه يطالب بأن ينحني الفرد أمام ~~أبدية النوع ويندمج في دورة الزمن الكبيرة، إذا بهم يجعلون من ~~الجنس حالة خاصة للنوع، ويحنون رأس الفرد أمام هذا الإله ~~القذر. # بذلك أنكر تمرد نيتشه كل حد ولم يملك الوسيلة التي تجعله ~~يضع لنفسه مثل هذا الحد. وبذلك أيضا بقي تمرده تمردا ~~ميتافيزيقيا ينكر كل ألوان «العالم الآخر» التي سلمت ~~بها أجيال الفكر الغربي من قبله، ولكن ماذا يجديه هذا ~~الإنكار إذا كان يستبدل مطلقا بمطلق؟ أليس يضع المطلق الأفقي ~~(الآتي بعد) مكان المطلق العمودي (العالم الآخر) على حد ~~قول الفلاسفة؟ وأي نفع يعود عليه من ورائه إذا كان تمرده ~~يقترب من الثورة، لا ليعيد إليها الحياة أو يعين لها الحدود ~~التي ينبغي عليها أن تلزمها، بل لكي يذوب فيها ذوبانا ~~تاما؟ # لقد انتهت فلسفة نيتشه على الرغم منها إلى نوع من القيصرية ~~البيولوجية على عهد النازية والفاشية. وكامي لا يدين نيتشه ~~ولا يستطيع أن يدينه بأنه أراد ذلك، ولكن الحقيقة التي تقول ~~إن مذهبا سياسيا بعينه قد لجأ إلى فلسفته لتبرير أهدافه في ~~القوة والغزو والسيطرة تكفي عنده لإدانته واتهام فلسفته. ~~والمنصف لا يجد في هذا الموقف تجنيا من كامي على نيتشه؛ فكم ~~قدر على الفلاسفة والمفكرين أن يكونوا ضحية للطغاة ~~والمستبدين. ولقد كان نيتشه ضحية هتلر كما كان ماركس ضحية ~~ستالين. # من هذا كله نرى أن فلسفة نيتشه قد انحرفت عن التمرد ~~الأصيل لأسباب ثلاثة: ~~(1) # لأنها تستبعد «اللا» وتحطم بذلك الديالكتيك ~~الباطني للتمرد، الذي لا يمكن أن تنفصل فيه ~~النعم عن اللا، ولا الإيجاب عن النفي؛ فتمرد ~~نيتشه حين يغفل هذه اللا الأصلية إنما ينكر ~~التمرد نفسه الذي يرفض الوجود على ما هو عليه، ~~ويحتج على الخليقة التي تسمح بالموت والشر ~~والعذاب. ~~(2) # لأنها ms111 غير وفية لتجربة المحال التي يقوم عليها ~~التمرد نفسه؛ إذ لا تمرد إلا أن يكون تمردا على ~~المحال على اختلاف صوره. إن الوعي في فلسفة نيتشه ~~يبسط «النعم» على الطبيعة بأسرها، ويرضى ~~بالعالم على ما هو عليه، وبذلك يرضى أيضا عن ~~العذاب والشر والموت. ~~(3) # لأنها غير وفية للحاضر، باعتباره مجموعة من ~~اللحظات المنفصلة العابرة الفانية؛ إذ تجعل ~~الإنسان يحيا في توتر متصل متطلعا إلى ~~مستقبل لم يأت بعد، مشرئبا إلى إنسان أعلى ~~لم يتحقق له وجود. # وتبدأ نزعة التأكيد المطلق ببداية الثورة التاريخية. والعام ~~الحاسم في الثورة التاريخية هو عام 1793م، أو على التحديد ~~اليوم الواحد والعشرون من يناير 1793م؛ ففي هذا اليوم انقلب ~~التمرد ثورة، وأرسل الله - في شخص لويس السادس عشر ممثله ~~على ظهر الأرض - إلى المقصلة. # إن فلاسفة حركة التنوير، وبالأخص روسو بعقده الاجتماعي، هم ~~الذين سلموا رأس لويس السادس عشر إلى الجلاد. كان ~~التمرد حتى ذلك الحين يعلن عن نفسه في إطار عقيدة لم يذهب ~~أشد المتمردين إلى حد انكارها كل الانكار. حتى الثائر ~~الأسود اسبارتاكوس لم يستطع أن يمس آلهة الجمهورية ~~الرومانية، ولكن كل شيء يتغير بظهور «العقد الاجتماعي». كان ~~الله حتى ذلك الحين هو الذي يصنع الملوك، الذين يصنعون بدورهم ~~الشعوب. أما من الآن فصاعدا فالشعوب قد أصبحت هي التي تصنع ~~نفسها بنفسها، # 67 # وفي اليوم الحادي والعشرين من عام 1793م ينزع سان ~~جوست، أحد أتباع روسو، عن التاريخ ثيابه المقدسة، ويقدم ~~الملك للمقصلة. لقد مات دين، ولا بد أن يتبعه دين جديد على ~~الفور، هو دين العقل الذي أصبح هو والفضيلة شيئا واحدا. إنه ~~يقول في خطبته المشهورة: «إن هدفنا هو أن نخلق نظاما للأشياء ~~من شأنه أن تنشأ حركة عامة تبتغي تحقيق الخير.» ولا يكاد ينطق ~~بهذه الكلمات حتى يهبط عليه الإلهام بالوسيلة الوحيدة إلى ~~تحقيقها. وهكذا يسقط في هوة الرعب من طالب العدالة بألا ~~تدين المتهم بل أن ترى ضعفه. إن تحقيق الخير يتطلب أن ~~تتساقط الرءوس، والفضيلة لا تحتمل أن ms112 يبقى أعداؤها على قيد ~~الحياة. ولكن لعل سان جوست قد أحس بالتناقض الهائل الذي ~~تردى فيه، يدل على ذلك صمته وهو يموت. # كانت الخطوة الحاسمة قد تمت؛ فقد صاغ اليعاقبة المبادئ ~~الأخلاقية صياغة جامدة ومهدوا للنزعتين العدميتين ~~السائدتين في عصرنا؛ عدمية الفرد وعدمية الدولة. وفقد العقل ~~صلته بإله، ولم يعد يتعلق بشيء إلا بما يحققه من نجاح. ~~وبدأت عجلات التاريخ تتحرك، ومملكته تنشر سلطانها. # كانت العدالة والعقل والحقيقة لا تزال تلمع في سماء ~~اليعاقبة؛ كانت هذه الكواكب الثابتة على الأقل منارات ~~يهتدى بها. غير أن فكرة جديدة (غريبة على الفكر القديم كله) ~~تبدأ ببداية القرن التاسع عشر؛ إن الإنسان لا يملك طبيعة ~~بشرية أعطيت إليه مرة واحدة وإلى الأبد. إنه ليس ~~مخلوقا مكتملا تاما، بل مغامرة يمكن أن يكون هو نفسه خالقها. # 68 # ويبدأ مع نابليون وهيجل، الفيلسوف النابليوني، ~~زمن الفاعلية. الناس من قبلهما اكتشفوا عالم المكان، أما من ~~بعدهما فقد راحوا يكتشفون عالم الزمان والمستقبل. # وهناك نوع آخر من التأكيد المطلق نجده عند هيجل، الذي يمكن ~~أن نعبر عن موقفه بعبارته الآتية: «هذه هي الحقيقة، التي ~~تبدو لنا مع ذلك كأنها هي الخطأ، والتي تكون لهذا السبب نفسه ~~حقيقية لأن من الممكن أن يحدث لها أن تكون هي الخطأ. لست ~~أنا الذي سيقدم البرهان على ذلك، بل التاريخ هو الذي ~~سيقدمه، بعد أن يتم تمامه.» # 69 # مثل هذا الموقف يؤدي إلى إمكانيتين لا ثالثة لهما؛ فإما رفع ~~كل تأكيد وتأجيله إلى أن يتم تقديم البرهان، أو تأكيد كل ما ~~من شأنه أن يصيب النجاح عبر التاريخ؛ أي جعل الفاعلية هي ~~المعيار الوحيد لكل ما يحدث وما يكون، وفي الحالتين سقوط في ~~العدمية. # إن أصالة هيجل التي لا سبيل إلى النزاع فيها ترجع في رأي ~~كامي إلى تحطيمه لكل متعال (ترانسندنس) عمودي وقضائه على ~~تعالي المبادئ بوجه خاص قضاء تاما. # 70 # عرف هيجل بحق أن المبادئ الشكلية المطلقة التي ~~نادى بها اليعاقبة في الثورة الفرنسية كانت تنطوي مقدما على ~~الرعب ms113 والإرهاب. وكان لا بد للقضاء على هذا التناقض أن ~~يتطلع الإنسان إلى مجتمع واقعي، يستمد حياته من مبدأ غير ~~شكلي، وتتصالح فيه الحرية مع الضرورة. وينسجم الفكر والوجود. ~~وكان أن وضع هيجل مكان العقل العام المجرد الذي دعا إليه سان ~~جوست وروسو فكرة أخرى خالية حقا من الشكلية، ولكنها مبهمة ~~مزدوجة المعنى هي التي سماها ب «العام المتعين». # ومن هنا غمر العقل في تيار الأحداث، ودفع فكر هيجل الحقيقة، ~~والعقل، والعدالة دفعة تاريخية لا تقاوم، بعد أن ظلت ~~مطلقة ثابتة عند اليعاقبة، ولم تعد هذه القيم علامات يهتدى ~~بها، بل أصبحت أهدافا وغايات لا تتحقق إلا في آخر ~~التاريخ، بعد أن تتوقف طاحونته الرهيبة عن الدوران ، وتبتلع ~~في أحشائها كل التحولات والمتناقضات، ويعود أوديسيوس من ~~مغامراته البعيدة إلى شاطئ الأمان. وأصبح الفكر من يومها ~~طاقة لا تكف عن الحركة، والعقل غزوا وصيرورة لا ~~تنقطع. # ولن نستطيع أن نقدر مدى هذا الفكر الذي يوافق على كل ما ~~من شأنه أن يوصل إلى هذه الأهداف خلال تاريخ خلا من ~~المتعالي (الترانسندنس)، ولن نستطيع أن ندرك أثره وفاعليته ~~حتى نقف وقفة قصيرة عند الحتمية التاريخية في ثورة القرن ~~العشرين، ونعني بها الثورة الماركسية؛ فما يؤكده هيجل عن ~~التاريخ الذي يسير في طريقه إلى الروح المطلق، يؤكده ماركس ~~بصورة معكوسة على هيئة التاريخ الاقتصادي الذي يسير في طريقه ~~المحتوم إلى مجتمع عديم الطبقات، يسميه كامي بالدولة ~~الشاملة أو المملكة العالمية التي يؤله البشر فيها في ~~نهاية المطاف. # 71 # وينبغي علينا قبل أن نسترسل في هذا الحديث أن نلاحظ أن ~~كامي لا يميل إلى عبارة «المادية الجدلية أو الديالكتيكية، بل ~~يؤثر عليها المادية التاريخية للدالة على موقف ماركس الذي ~~يحدد الإنسان بالحتمية الاقتصادية. وكامي في هذا يستند إلى ~~رأي الفيلسوف الروسي الوجودي بيرديائيف الذي يرى استحالة ~~التوفيق بين الديالكتيك وبين المادية. وليس السبب في هذا أنه ~~لا يوجد غير ديالكتيك واحد هو ديالكتيك العقل فحسب، بل سببه ~~أيضا أن فكرة المادية نفسها فكرة غامضة مزدوجة ms114 المعنى؛ إذ إن ~~تكوين الكلمة نفسها يقتضي منا التسليم بأن في العالم شيئا ~~آخر يزيد على المادية.» # 72 # هذه المادية التاريخية، أو بعبارة أدق هذه الحتمية ~~التاريخية، لا يمكنها أن تحترم الإنسان بما هو إنسان. إنها ~~تدمر حريته وترده إلى مجرد نتاج اقتصادي. إنه بالنسبة ~~إليها لا يزيد عن كونه عنصرا منتجا، لا شك في نشاطه ~~وفاعليته، إلا أن هذه الفاعلية وذلك النشاط لا ينبعان من ذاته ~~المستقلة المبدعة، بل يتحكم فيهما ويدبرهما المفتش العام. # 73 # الإنسان في نظرها لم يكن قط، ولم يتحقق له كيان ~~بعد، بل لا بد له أن يكون بكل الوسائل؛ # 74 # ومن ثم كانت قابليته المطلقة للتشكل؛ وبالتالي ~~إلغاء الطبيعة الإنسانية كقيمة ثابتة في وجه التحول ~~والتغير التاريخيين. # هنا يوضع الشخص والشي على قدم المساواة. # 75 # ويصل تشييء الإنسان (أي رده إلى مجرد شيء يقبل ~~التشكيل والتعديل) إلى ذروته. والعجيب أن هذا التشييء للإنسان ~~يسير في خط مواز لتأليهه. وفي هذا يكمن التناقض الأساسي ~~الذي تعاني منه ثورة القرن العشرين؛ فقد حكم على الناس أن ~~يعاملوا معاملة الأشياء، حتى تتحقق المملكة الشاملة التي ~~يصبحون فيها في نهاية المطاف كالآلهة. إلى أن يتحقق هذا ~~الحلم البعيد لمملكة الآلهة تدعم مملكة الأشياء بكل الوسائل ~~الممكنة، ولكن هذه المملكة الأخيرة، التي كان ينبغي لها أن ~~تكون مملكة للحب والتعاطف والصداقة التي تؤلف بين الأشخاص، ~~ليست في حقيقة الأمر إلا كومة نمل يسكنها أفراد من البشر ~~وحيدون. # كل من يريد أن يجعل للتاريخ معنى ساميا ويعطيه اتجاها ~~هادفا فهو يخضع نفسه لهذا المعنى وهذا الاتجاه. إنه يجد ~~نفسه بالنظر إلى هذا الهدف البعيد مضطرا إلى أن يؤكد كل ~~شيء يخدم هذا الهدف ويؤدي إلى تحقيقه؛ أعني أنه مضطر إلى ~~أن يوافق على العنف والجريمة؛ ومن ثم تبرر المملكة الشاملة ~~التي لن يحين موعدها إلا في نهاية التاريخ، ولن يزال هذا ~~الموعد يؤجل جيلا بعد جيل، كل وسيلة ممكنة لتحقيق هذه ~~الغاية؛ وماذا تعني مائة سنة من الآلام في عين ms115 من يعد ~~الناس بتحقيق المملكة النهائية في السنة الواحدة بعد المائة؟ ~~إنه في سبيل عدالة بعيدة يبرر الظلم على مر التاريخ كله. ~~ويصبح الطريق إلى الوحدة هو الشمول. # 76 # ويستعاض عن الحرية والأخوة بالفاعلية ~~التاريخية. وتتحول الدولة الشاملة إلى عالم من المحاكمات، # 77 # ويصبح المتمردون الأبرياء قضاة ومحققين. ~~وبينما يرفض التمرد الحق أن يبرر العقاب، نجد الثورة ~~الشيوعية تضعه في مكان المركز من عالمها. لقد صار التاريخ ~~قاضيا يتهم ويدين. وسوف يظل إلى يوم تمامه عقابا طويلا لا ~~يدري أحد متى ينتهي. أما الثواب الحقيقي فسوف يناله الإنسان ~~«فيما بعد»؛ أعني في آخر الزمن. إن بروميثيوس الحقيقي ~~الخالد قد اتخذ الآن شكل ضحية من ضحاياه. # 78 # إن الثورة التاريخية في القرن العشرين تجد نفسها أمام معضلة ~~أخيرة؛ فإما أن تتخلى عن مبادئها الفاسدة وتخلق لنفسها ~~مبادئ جديدة حتى يتيسر لها أن تعود إلى منابع التمرد ~~النقية، وإما أن تتخلى عن العدالة والحرية التي أرادت أن ~~تمكن لها من السيادة التامة على الأرض. وليس من العسير أن ~~ندرك المعضلة التي تضعها في موقف الاختيار الشائك المستحيل؛ ~~فإما الاحتفاظ بحكم الاستبداد الشامل يفرض على رءوس الملايين ~~من البشر عبر أجيال لا يعرف عددها وإلى أن تنهار ~~الرأسمالية من تلقاء نفسها، وإما الإسراع بتحقيق الدولة ~~الشاملة عن طريق حرب ذرية محققة الدمار. وفي الحالين تجد ~~الثورة التاريخية نفسها في التناقض. # 79 ~~- أما النزعة الثالثة والأخيرة التي لا تجعل من التأكيد ولا ~~من النفي شيئا مطلقا، والتي تعترف بالطبيعة الإنسانية ~~وتحافظ على المقياس ولا تتعدى الحد ومع ذلك فهي تنحرف عن ~~التمرد الحق فنجدها لدى «القتلة الرقيقي المشاعر»، # 80 # كالياييف وأصدقائه من أعضاء منظمة الكفاح للحزب ~~الاشتراكي الثوري التي تألفت في عام 1903م، وضمت أندر ~~شخصيات الإرهاب الفوضوي في روسيا القيصرية. # إن هؤلاء القتلة الرقيقي المشاعر باعترافهم بالطبيعة ~~الإنسانية يضعون للا المطلقة والنعم المطلقة حدا تقفان ~~عنده. إنهم يتمسكون بتلك القيمة التي نقابلها في فعل ~~التمرد الأصيل، ونعني بها روح التضامن التي يؤدي إليها ms116 ~~التمرد. إن كل واحد منهم يستطيع أن يقول: «أنا أتمرد، فنحن ~~إذن موجودون.» ولو سألناهم من أنتم لأجابوا قائلين: نحن ~~موجودات قادرة على الوعي بالحد، محققة للتكاتف والتواصل ~~فيما بيننا وبين بعضنا والبعض. إن تضامننا ليس في حقيقة أمره ~~سوى الوعي بما نشترك فيه مع جميع الناس؛ أعني بطبيعة يشترك ~~فيها كل بني الإنسان. # كان شعراء التمرد هؤلاء يرون سعادتهم الوحيدة في التضامن. ~~لقد جمع بينهم احترام الحياة الإنسانية بما هي كذلك مع احتقار ~~حياتهم الذاتية إلى الحد الذي جعلهم لا يترددون لحظة عن ~~بذل أغلى التضحيات. إن جريمة القتل التي أقدموا عليها تبدو لهم ~~جريمة ضرورية وغير مغتفرة في آن واحد. إنها تصبح بالنسبة ~~لهم هي والانتحار شيئا واحدا. # 81 # لم يكن التاريخ في نظر هؤلاء القتلة النادرين شيئا مطلقا ~~ولا كانت العدالة كذلك. إنهم يقتلون من أجل الفكرة، ولكنهم لا ~~يضعون هذه الفكرة مع ذلك فوق الحياة. وتبريرهم الوحيد لها هو ~~أنهم يأخذونها معهم إلى قبورهم. وهم حين يموتون لا يضحون ~~بأنفسهم في سبيل عدالة إلهية، بل يضعون كل أملهم في عدالة ~~إنسانية يوقنون أنها ستتحقق ذات يوم على يد أجيال لم ~~تولد بعد. وهنا نصل إلى النقطة الوحيدة التي جعلتهم ~~يحيدون عن التمرد الحق. إنهم، على حد تعبيرنا السابق، ما ~~زالوا يؤمنون بمتعال (ترانسندنس) أفقي؛ أعني بقيمة لم توجد ~~بعد. وكل قيمة نقول عنها إنها آتية فيما بعد، هي في ~~الحقيقة قيمة تناقض نفسها بنفسها؛ ذلك لأنها لا تستطيع أن ~~توضح طبيعة فعل من الأفعال، ولا أن تعطينا مبدأ نختار على ~~أساسه في موقف معين، طالما بقيت مجردة لم تتجسد بعد. # 82 # ربما كان تبريرهم الوحيد أنهم لم يشرعوا الرعب والقتل، لا ~~بالحجج الفلسفية ولا بالبراهين العلمية. لقد حملوا الذنب ~~المحدود على أكتافهم، ودفعوا حياة بحياة. كانت الثورة بالنسبة ~~إليهم وسيلة ضرورية، ولكنها لم تكن هدفا في ذاته. وبذلك ~~رفضوا أن يصلوا إلى الوحدة عن طريق الشمول، واحتفظوا بذواتهم ~~الوحيدة وتناقضاتهم الممزقة فلم يشاءوا أن يلقوا بها ms117 في ~~فوهة تنين «أيديولوجي» يبتلع كل المتناقضات ويسوي كل ~~الفروق. هؤلاء «القتلة الأبرياء» في ثورة عام 1905م الاشتراكية ~~قد بذلوا حياتهم لكي يبعثوا الحياة في قيمة استطاعوا في ~~زنزاناتهم المعتمة وعلى أعواد المشانق أن يؤكدوها ويثبتوا ~~وجودها؛ قيمة «نحن نكون»، عنوان تضامن الإنسان المتمرد مع ~~كل إنسان. ~~••• # نستطيع الآن أن نلخص ما انتهينا إليه في هذه الملاحظات: # أولا: # تردي التمرد الميتافيزيقي كما تردت ~~الثورة التاريخية (وهي النتيجة المنطقية ~~المترتبة عليه) خلال تاريخهما الطويل من صاد ~~وشتيرنر إلى إيفان كرامازوف، ومن ~~الرومانتيكيين ونيتشه إلى الفاشية والشيوعية ~~في هاوية الجنون والانتحار، أو القتل والدمار. ~~لقد كانت في كل مرة تخضع فيها للتأكيد ~~المطلق لكل ما هو موجود تلطخ يديها ~~بالدماء. وفي كلا الحالين كانت تتعدى الحد ~~الذي بينه التمرد، وتفقد الحق في أن تسمي ~~نفسها باسم التمرد. # 83 # ثانيا: # إن التمرد لا يمكن تبريره إلا حيث يبقى ~~الإنسان وفيا لبنائه الديالكتيكي، ولا ~~يستطيع أن يزعم لنفسه أن يطلب الوحدة إلا ~~حيث يتمسك بلا محدودة ونعم محدودة في وقت ~~واحد؛ أعني حيث يحافظ على نسبيته ويبقى ~~بين الحدود التي رسمتها له الطبيعة ~~الإنسانية. # والثورة بدورها لا تكون لها من قيمة إلا ~~حيث تبقى على وفائها للتمرد، هذا الوفاء لا ~~سبيل إليه إلا إذا صدت عن المطلق ~~والمجرد، وتم لها الوعي الكامل بالحدود ~~المرسومة لها؛ ذلك أن الإنسان الذي يبحث عن ~~المطلق فيما هو نسبي، أو يفتش عن المجرد ~~فيما هو واقعي لا بد مضطر إلى تدمير ~~النسبي والواقعي جميعا؛ أعني إلى القتل وسفك ~~الدماء. ودائما ما تنشأ إرادة البحث عن ~~السعادة المستحيلة أو عن العدالة والحرية ~~المستحيلتين عن «إطلاق» النعم أو اللا أو رفع ~~أحدهما؛ أعني عن تدمير العلاقة الديالكتيكية ~~الأصيلة للتمرد بإلغاء أحد طرفيها أو ~~التطرف فيه تطرفا مطلقا. # 84 # ثالثا: # عندما يستبعد التمرد «النعم» أو التأكيد ~~ويقتصر على النفي وحده، فإنه يستسلم للمظهر، # 85 # فإذا ما اتجه إلى التأكيد المطلق ~~لكل ما هو موجود، وتخلى عن نفي الواقع أو ~~مجرد الاحتجاج ms118 على جانب منه، فإنه يجبر ~~نفسه إن آجلا أو عاجلا على الفعل. وبينما ~~يحاول التمرد الميتافيزيقي أن يستمد ~~الحقيقة من المظهر ويصل إلى الوجود عن طريق ~~الموجود، وبينما تريد الثورة التاريخية أن ~~تغزو الوجود عن طريق الفعل، نجد أن التمرد ~~يقف في صف الوجود الممزق المنقسم على ~~نفسه، ويبذل كل ما في طاقته لتأكيد «نحن نكون» ~~بتأكيده لطبيعة إنسانية ثابتة يشترك فيها كل ~~البشر، وتضع للتطرف حدا، ولكل محاولة ~~للإفلات من المقياس مقياسا. # فإذا قالت الثورة التاريخية: «أنا أتمرد، ~~إذن فسوف نوجد»، وإذا أضاف التمرد ~~الميتافيزيقي إلى عبارة «أنا أتمرد» قوله: ~~«إذن فنحن موجودون وحدنا» فإن التمرد المتواضع ~~المضطهد الوفي لمنبعه والعارف لحدوده يلخص ~~حكمته في هذه العبارة: «أنا أتمرد، إذن فنحن موجودون». # 86 # رابعا: # نحن موجودون هذه تعبر عن قيمة التضامن التي ~~تنبني على حركة التمرد، كما سنرى فيما بعد. ~~أما «أنا أتمرد» وحدها فهي تعبر عن تمزق ~~الإنسان المتمرد، عن توتره الدائم وعذابه ~~المتصل من المتناقضات التي يعيش فيها، والتي ~~توقظ الوعي كما رأينا من قبل، فإذا ما ~~استيقظ هذا الوعي عبر عما يعانيه من ~~المتناقضات في التوتر الديالكتيكي الدائم ~~بين الخير والشر، والعدل والظلم، والحياة ~~والموت. هذه المواجهة التي تتقابل فيها ~~التصورات المتضادة هي التي تجعل الوعي وعيا ~~على وجه الإطلاق، وتتيح له النصوع والإشراق ~~كما ذكرنا من قبل. وعن طريق هذه المواجهة ~~أيضا تنشأ فكرة الحد والمقياس؛ ومن ثم ~~نستطيع أن نفهم كيف أن الحد والمقياس توتر ~~خالص، والمحافظة عليه حكم من الإنسان على ~~نفسه بالحياة في تمزق متصل، ولكي ندرك ذلك ~~ينبغي علينا أن نتناول فكرة الحد في شيء من ~~التفصيل. ~~(د) التمرد المعتدل وفكرة الحد والمقياس # التمرد شرط الوجود؛ فلكي يوجد الإنسان، لا بد له أن يتمرد، ~~ولكن لا بد لتمرده من أن يحافظ على الحد الذي لا يجده إلا في ~~نفسه. ولا يبدأ وجود الإنسان إلا حين يجتمع على التمرد مع غيره ~~من الناس. # 87 # تقول الجوقة في ختام مسرحية «حالة حصار»: # 88 ms119 ~~«هنالك حدود معينة. والذين لا يريدون أن يوجدوا ~~نظاما، والذين يحاولون أن يحشروا كل شيء داخل نظام واحد، ~~يتساوون في تجاوز هذا الحد.» ولقد استطاع كالياييف ورفاقه من ~~القتلة الأبرياء الحساسيين أن يكبحوا جماح تمردهم وأن يلزموا ~~حدا يقفون عنده ويحترمونه. كانت حياة الأطفال الأبرياء هي التي ~~رسمت لهم هذا الحد فلم يتعدوه. ولقد فشل الاعتداء الأول الذي ~~دبروه على حياة الأمير الأكبر سيرجي لأن كالياييف رفض، ووافقه ~~رفاقه على هذا الرفض، أن يقتل معه الأطفال الذين كانوا يصحبونه في ~~عربته. إنهم يحكمون على الأمير الطاغية بالموت لكي تحيا الملايين. ~~ويقتلون طبيعة إنسانية واحدة لكي ينقذوا الطبيعة الإنسانية ~~الشاملة. # نحن نفهم من كلمة الحد في العادة نقطة أو خطا أو سطحا يبين ~~العلامة الفاصلة بين مكانين أو بين مرحلتين زمنيتين، فإذا لجأنا ~~إلى الاستعارة أمكننا أن نقول إن الحد يمثل نقطة لا يجوز لفعل ~~ولا لمعرفة أن تتعداه. والحد بهذا المعنى يدل على ما يقع ~~ناحيته، كما يدل على ما يتجاوزه إلى ما وراءه؛ أعني أنه يشير إلى ~~وجود الموجود الذي يتخطى الحد إلى اللامحدود، كما يشير إلى ~~موجود آخر يلزم المحدود فلا يتعداه. وهنا نستطيع أن نسأل: هل ~~يتمرد الإنسان لكي يتخطى حدا أم يتمرد لكي يحول دون تخطي هذا ~~الحد؟ وهل يستطيع المتمرد أن يسمح لنفسه في بعض الظروف أن يتخطى ~~الحد لكي يؤكد وجود هذا الحد نفسه؟ وهل يمكن للتمرد أن يكون ~~تمردا على وجه الإطلاق بدون أن يتضمن في ذاته فعل التجاوز ~~والتخطي للحد؟ يبدو أننا بهذه الأسئلة ندور حول أنفسنا دون أن ~~ننتهي إلى جواب حاسم. والواقع أن هذا الجواب يتوقف على ما ~~نفهمه تحت كلمة «الحد». # 89 # قلنا إن المتمرد إنسان يقول «لا» كما يقول «نعم» في آن واحد. ~~إنه يصرخ ب «اللا» في وجه من يضطهده وينكر عليه حقه في الحرية ~~والحياة، ولكنه كذلك يقول «نعم» مؤكدا وجود حد ينبغي لمضطهده ~~أن يقف عنده. # 90 # إنه يقول له: «إلى هنا ولا تزد!» كما ms120 يقول له: «إن ~~هناك حدا لا يجوز لإنسان أن يتخطاه.» إنه بالنفي والاحتجاج ~~يؤكد في الوقت نفسه وجود وعي بقيمة، ب «شيء» ما، بجزء من نفسه ~~يريد له أن يحترم؛ أي إنه يؤكد باختصار وجود طبيعة مشتركة بين ~~جميع الناس. # فما هو إذن هذا الحد أو هذا المقياس؟ # إن فكرة الحد أو المقياس ينبغي أن تفهم دائما في التحول ~~المستمر، في حركة التمرد الديالكتيكية التي لا ينقطع تيارها؛ ~~فالحد في حقيقته توتر خالص، وتمزق الموجود بين لا مطلقة ونعم ~~مطلقة، بين زهادة في كل شيء وتطرف في كل شيء. إنه صراع ~~مستمر، يحاول العقل على الدوام أن يهدئ منه ويتحكم فيه؛ فبين ~~طرفين متباعدين بلغ عندهما الانفلات من الحد أقصى مداه، بين طلب ~~المستحيل من ناحية والتردي في الهاوية من ناحية أخرى (وهما ~~المحاولتان الأبديتان اللتان لا يستطيع التمرد أن ينتصر عليهما كل ~~الانتصار) نجد فكرة الحد تحاول أن تحافظ على التوازن وتوقظ في ~~الوجدان معنى المقياس. إن فكرة الحد - هذه الثمرة الخالدة التي ~~أهدتها إلينا شجرة الفكر اليوناني، واجتمع فيها كل روحه وكل جوهره ~~- هي التي تحمي التمرد عبر التاريخ الطويل المزدحم بالتهور ~~والتطرف والجنون، وهي التي تبين له النظام والمعيار، وتخلقه ~~في كل لحظة من جديد، وتحرص على ألا يسقط في الانحرافات التي ~~انزلقت إليها الثورات على اختلاف العصور. وإذن ففكرة الحد ليست هي ~~الضد المقابل لفكرة التمرد؛ فكلاهما متعلق بالآخر تعلقا من ~~شأنه أن يجعل فكرة الحد تنبع من جوهر التمرد ولا تحيا إلا به، ~~مثلما أن التمرد هو تمرد لا سبيل إلى تصوره بدون فكرة الحد ~~والمقياس. إن التمرد إما أن يكون تمردا محدودا أو لا ~~يكون. # نستطيع الآن أن نذهب إلى القول بأن التمرد المعتدل المحدود هو ~~الموضوع الحقيقي الذي تدور حوله محاولة كامي الفلسفية الكبرى ~~«المتمرد». إن الهدف منها هو رفض كلا الطرفين المتباعدين ~~اللذين يؤدي العقوق بالديالكتيك الأصلي للتمرد إلى التردي في ~~أخطارهما، ونقصد بهما تأليه الإنسان من ناحية وتشييئه من ناحية ~~أخرى. ms121 وهي تهدف بذلك أيضا إلى إنقاذ الإنسان الحقيقي الخلاق، ~~الذي لا يعدو في نهاية المطاف أن يكون الإنسان المتمرد على ~~المحال في صورتيه الميتافيزيقية أو التاريخية. # كلا الطرفين إذن يريد أن يحقق المستحيل في الممكن، ~~والمجرد في الواقع، والمطلق في النسبي؛ فهو إما أن يهدف إلى ~~تحقيق الحرية المطلقة عن طريق تأليه الإنسان، أو إلى تحقيق ~~العدالة المطلقة عن طريق تشييئه. # ولا نستطيع أن ندع هذه الفرصة بغير وقفة قصيرة عند رأي كامي ~~في المطلق؛ فالواقع أنه، وإن كان يرفض النزعة المطلقة بكل ما فيه ~~من قوة، إلا أن المطلق لا يختفي من تفكيره كل الاختفاء، بل إننا ~~نستطيع أن نقول قولا لا يخلو من المفارقة حين نذهب إلى أن المطلق ~~عنده هو النسبي نفسه، الذي يوضع موضع المطلق. والتوتر الحقيقي ~~عنده هو في حقيقته نوع من التوتر الذي يسعى إلى المطلق، الذي ~~يلتمسه في المظهر وفي حدود التجربة الإنسانية الممكنة ذاتها؛ ~~فالموقف المتطرف الذي يرفضه موجود إذن بصورة معكوسة في تفكيره، ~~وكأنه لا يستطيع أن يفلت من قدر الفكر الإنساني الذي يسعى ~~بطبيعته إلى المطلق، سواء في ذلك أأثبته أو نفاه، وكأن الإنسان ~~يأبى بطبيعته إلا أن يكون حيوانا ميتافيزيقيا كما قال القدماء. ~~وبدلا من ذلك المطلق، الذي يعلو فوق الإنسان علوا عموديا، ~~ويطرح في «عالم آخر» سواء كان هذا العالم زمانيا أم مكانيا، ~~نجده يبحث عن النسبي في «الآن» و«الهنا» بحثا لا ينقطع، ~~ويصبغه، دون وعي منه، بالصبغة المطلقة. ولعله في موقفه من المطلق ~~يخلط بوجه عام بين ما هو فلسفي وما هو سياسي، حتى يبدو المطلق في ~~معظم الأحيان أشبه بالدكتاتورية البوليسية التي تميز طابع العصر، ~~والتي لا ينفك يكافحها بكل ما يستطيع. # قلنا إن كامي يرفض الحرية المطلقة؛ فلا وجود عنده لحرية ~~مثالية، يمكن أن نصل إليها ذات يوم على حين فجأة «كما يصل المرء ~~إلى المعاش في آخر حياته.» # 91 # إنه يؤمن بوجود «حريات» متعددة، على الإنسان أن يغزوها ~~واحدة بعد الأخرى في حرص وأناة. ms122 والحريات التي يملكها ليست إلا ~~مراحل لا يمكن بالطبع أن نقف عندها ولا أن نكتفي بها، ولكنها ~~مراحل على الطريق المؤدي إلى التحرر الواقعي الحق. # 92 # هل يفهم من هذا أن حرية الاختيار التي نتحدث عنها تعني ~~التخلي عن العدالة؟ لا نستطيع أن نذهب إلى هذا الرأي؛ فمثل هذه ~~النقيضة (حيث تستبعد الحرية المطلقة العدالة كما تنفي العدالة ~~المطلقة كل حرية) لا وجود لها إلا حيث يسعى الفكر إلى الشمول (الذي ~~يلغي جميع الفروق ويسوي المتناقضات والأضداد) لا إلى الوحدة ~~(التي تحقق قبل كل شيء الانسجام بين الأضداد)؛ # 93 # فالحق أن الارتباط وثيق بين العدالة والحرية ~~والتضامن بينهما مكفول، بشرط أن ننظر إليهما نظرة معتدلة؛ ~~فالحرية المطلقة تؤدي إلى الظلم، والعدالة المطلقة تخنق كل حرية. ~~وكلاهما ينتهي بالبوليس أو بالجنون، وفي الحالين بالجريمة ~~والقتل. # قلنا إن التمرد على الظلم والطغيان هو في صميمه تمرد على ~~المحال في صورته التاريخية. وعلى الإنسان تقع أمانة هذا التمرد ~~الذي ينبغي أن يتمثل فيه بسيزيف أو بالدكتور ريو؛ أعني أن يبقى في ~~تمرده وفيا للمحال، واعيا بالحدود التي رسمها لنفسه. مثل ~~هذا التمرد المعتدل لا مجال له إلا في النسبي والممكن والواقعي ~~المعين، فإذا تجاوز هذه الحدود لم يعد تمردا من أجل الحياة، ~~بل جموحا لا يخدم إلا الموت. # واجب إذن على الإنسان أن يطابق بين التمرد وبين الحد ~~والمقياس، وواجب على التمرد المعتدل المحدود أن يكفكف من ~~غلواء الثورات التاريخية التي أفلت طموحها من كل حد وأن ~~يعيدها من جديد إلى منبع التمرد الحي الخلاق. # 94 # بذلك يوضع حد أخلاقي للثورة التاريخية لا يجوز لها ~~أن تتعداه؛ فهو احترام الإنسان، واعتبار كرامته، وفرديته، وتقدير ~~الطبيعة الإنسانية المشتركة بينه وبين سائر البشر. ويصبح مبدأ ~~التمرد الذي يحترم الحد الذي وضع له بما هو تمرد هو المبدأ ~~الذي يمكن أن نعبر عنه على النحو التالي: «بدلا من أن نقتل ~~ونموت لكي نخلق وجودا ليس هو وجودنا، ينبغي علينا أن نعيش ونترك ~~غيرنا يعيشون، لكي نخلق ms123 الوجود الذي هو وجودنا.» # 95 # هذا الفكر الذي يحرر العقل حين يضعه موضع اليقين بحدوده ~~يسميه كامي فكر الظهيرة. إن مثله الأعلى هو الفكر اليوناني الذي ~~التزم دائما بتصور الحد، # 96 # فلم يدفع شيئا إلى نهايته الأخيرة، لا القداسة ولا ~~العقل. لقد استطاع أن يحافظ على التوازن بين الظل والنور، ~~ويعين مكان الإنسان من الطبيعة والغيب والآلهة. إنه فكر الحد ~~والمقياس. وهو بذلك فكر الوحدة، الذي لم يعرف شيئا عن نزعة الشمول ~~التي تهدد اليوم لكي ب «قتل أوروبا». # 97 ~~«فكر الظهيرة» اليوناني يقابله «فكر منتصف الليل» ~~الأوروبي الحديث، الذي يندفع بأقصى سرعته في غزو الشمول، وينفلت ~~على الدوام من الحدود ليتوه في مغامرة اللامحدود، إنه في جنونه قد ~~غير الحدود والمقاييس الأبدية. # كيف يستطيع التمرد أن يوجد الوحدة، التي تقوم عليها روح ~~التضامن بين بني الإنسان؟ الإجابة المباشرة تقول: عن طريق تأكيده ~~للحد . وتأكيده للحد هو في الوقت نفسه تأكيد لكرامة وجمال ~~مشتركين بين الناس، # 98 # تمكنان للمتمرد أن يخطو إلى الوحدة بغير أن يتنكر ~~للأصل والمنبع. # قلنا إن تأكيد الحد هو في الوقت نفسه تأكيد لواجب الالتزام به؛ ~~فالتمرد يقف باسم الكرامة الإنسانية في وجه كل محاولة لتجاوز ~~هذا الحد؛ وبالتالي لنفي القيمة الأولى ونعني بها الطبيعة الإنسانية. # 99 # أما عن الجمال، فهو ما لا نجده في «عالم المحاكمة»، ~~بل في عالم الخلق الفني وحده. هنالك نجد التمرد في حالته الأصيلة، ~~مما يقتضينا أن نتناوله في هذا القسم من حديثنا بشيء من ~~التفصيل. ~~(ه) إستطيقا التمرد # تستحق إستطيقا التمرد من الباحث أوفر نصيب من العناية ~~والاهتمام. ولا يرجع هذا إلى أنها تعبر عن فلسفة التمرد في ~~حالتها النقية الأصيلة فحسب، بل إنها تختلف كذلك عن إستطيقا ~~المحال التي تحدثنا عنها فيما تقدم بعض الاختلاف. نقول ذلك ~~لأنها لا تناقضها تمام المناقضة كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين المعاصرين. # 100 # ولقد نبه كامي بنفسه إلى المكانة الممتازة التي تحتلها ~~النظرية الإستطيقية (الجمالية الفنية) في فكرة الفلسفي؛ فهو يرى أن ms124 ~~الفن بدوره حركة تثني وتنفي، وترحب وترفض في آن واحد. إن ~~نيتشه يقول في عبارة مشهورة: «ما من فنان يحتمل الواقع.» هذا ~~الرأي صحيح، ولكن ينبغي أن نضيف إليه أنه ما من فنان يستطيع أن ~~يستغني عن الواقع. إن الإبداع الفني نشدان للوحدة ورفض للعالم في ~~وقت واحد، ولكنه يرفض العالم بسبب ما يحس فيه من نقص وباسم ~~ما يكون عليه هذا العالم في بعض الأحيان. ما من فن يمكن أن ~~يوجد على أساس من الرفض الشامل؛ فالفنان الذي يريد أن يبدع ~~الجمال مضطر إلى أن يرفض الواقع اضطراره في الوقت نفسه إلى تمجيد ~~بعض جوانب هذا الواقع نفسه، فالفن إذن ينازع في قيمة الواقع أو ~~يلغيه في بعض الأحيان، ولكنه لا ينسلخ عنه أبدا. # 101 # وإذا كان كامي يؤكد أن الإبداع الفني نشدان للوحدة ورفض للعالم ~~في آن واحد، فهو بهذا التأكيد لا يقتصر على أن يقدم لنا التعريف ~~الملائم للتمرد، وأن يبصرنا ببنائه الديالكتيكي فحسب، بل إنه ~~يقدم لنا كذلك مفتاح فهم تفكيره الفلسفي على المستوى الجمالي ~~والمستوى التاريخي معا. ونستطيع إن نقول إن مطلب التمرد للوحدة هو ~~في الوقت نفسه مطلب جمالي وفني. هذا السعي إلى الوحدة، وهذا ~~الرفض للعالم والموافقة عليه في آن واحد يجعلنا نتعرف على ~~طبيعة التمرد والإبداع الفني معا. # وإذا كان التمرد بدون علاقته بالمحال لا معنى له (فالتمرد ~~دائما تمرد على المحال كما قدمنا) فإن الإبداع والخلق في ~~العمل الفني (وهو بحسب ماهيته عمل محال) هما في الوقت نفسه ~~إبداع وخلق في التمرد. ونستطيع أن نذهب إلى القول بأن الفن ~~يقرب الإنسان من الوعي الناصع بمصيره أكثر مما تصنع الفلسفة: ~~«إنني أطالب العمل الفني المحال بما أطالب به الفكر؛ التمرد، ~~والحرية، والتنوع.» # 102 # كان كل هم الإنسان في تجربة المحال منصبا على وصف ~~العالم بكل ما فيه من تنوع الألوان والأصوات والمشاعر، دون أن ~~يضيف إليها شيئا من عنده: «الوصف: ذلك هو آخر ما يطمح إليه ~~الفكر المحال.» # 103 # وفي هذا الوصف ms125 الظاهري المحض، وفي غمرة اللحظة ~~المباشرة التي يتم فيها هذا الخلق المحال لا يوجد ثمة حد ~~فاصل بين المظهر والوجود. هذه النظرة الجمالية (الإستطيقا) في ~~مرحلة المحال كانت ملائمة لأخلاق الكم الفردية المتعلقة ~~بالأنا وحدها والتي كان شعارها يقول: «عش كما لو ...» ولكن التجربة ~~حين اتسعت أبعادها بالتمرد اتسع معها المنهج وتغيرت معها ~~الألفاظ، دون أن يؤدي ذلك إلى التعارض الصريح بين تفكير ~~التمرد وبين تفكير المحال في إجماله؛ فالعالم لم يعد غريبا لا ~~سبيل إلى تغييره (على الأقل من الناحية التاريخية لا الطبيعية) ~~ولكنه أصبح قابلا للتغيير، لا بل لإعادة خلقه من جديد. والتمرد ~~طاقة خلاقة تعيد خلق العالم في كل لحظة من جديد كما تبدع ~~قيما جديدة على الدوام، وليست كالمحال نفسه مجرد تكرار عقيم ~~لا نهاية له ولا أمل في الخلاص منه. وفي مرحلتي المحال والتمرد ~~يبقى مطلب الإنسان للوحدة في أساسه على ما هو عليه، ولكنه لا ~~يطلبها الآن لكي يعاند محالية العالم ويستنفد جهده في التحدي ~~وحده، بل لكي يشكل هذا العالم من جديد على صورة القيمة التي ~~اكتسبها عن طريق التمرد. ويبقى الدافع إلى طلب الوحدة في الحالين ~~واحدا لا يتغير، ونعني به المحافظة على كرامة الإنسان والإبقاء ~~على «عزته الميتافيزيقية». وليس الفن إلا الشهادة التي تنطق بهذه ~~الكرامة والعزة الإنسانية، اللتين تتكشفان في التمرد على ~~المصير المحال وفي الإصرار على مواصلة الجهد العقيم. # إن وصف كامي للإنسان وسعيه الدائب إلى الوحدة وراء التعدد، ~~والحقيقة وراء المظهر، وحديثه عن العالم بما فيه من شقاق وغرابة ~~وانفصال لم يتغير في جوهره في «إستطيقا» التمرد عنه في إستطيقيا ~~المحال. ولعل الفارق الأساسي بين المرحلتين الفكريتين ~~المتلازمتين هو في أن الإنسان في تجربة المحال لم يكن مطالبا ~~بأن يخلق عالما موحدا خلقا جديدا على أساس قيم جديدة؛ فلقد ~~كان الإنسان محكوما عليه بأن يموت مع متناقضاته، مع حقيقته ~~الوحيدة (المحال) بعد أن يصل إلى الوعي الناصع بمصيره. أما في ~~التمرد فالإنسان مطالب - على الرغم من الموت - بأن ms126 يبدع قيمة ~~تمكنه من أن يشكل العالم من جديد. # 104 # وهذا التوسع في مجال الفكر على أساس التوسع في القدرات ~~المبدعة الخلاقة عند الإنسان يرجع في حقيقته إلى القيمة ~~الأساسية التي يؤكدها التمرد وهي التضامن؛ ففي التضامن ~~يتوحد البشر في كفاحهم المشترك ضد إهدار كرامة الإنسان على يد ~~الإنسان، وضد الموت المصنوع أو القتل في العصر الحديث. وهذه الحركة ~~الصاعدة من «الأنا» إلى «النحن»، ومن الفردية إلى التضامن بين ~~أفراد وحيدين هي التي تميز هذا التوسع في المجال ~~الفكري. # بهذا تكون «الإستطيقا» جزءا متكاملا من فلسفة التمرد، ~~تحاول هذه الفلسفة أن تصل عن طريقه إلى التركيب # Synthése # المبدع الخلاق، ~~ولكن هذا التركيب الخلاق لا وجود له في الفن ولا في فعل التمرد ~~إلا حيث يكون الطرفان المتباعدان من رفض وموافقة، ومن لا ونعم على ~~أشد ما يكونان من توتر. وإذا صح أن كل فن يستحق هذا ~~الاسم ينطوي على التمرد، فمن الصواب أيضا أن يقال إن نفي ~~الفنان للواقع ينطوي على نفس التأكيد الذي ينطوي عليه التمرد ~~التلقائي الذي يعلنه المضطهد في وجه مضطهده. # 105 # ونحن نلمس في فن القرن العشرين نفس الجحود الذي لمسناه ~~في ثورة القرن العشرين لديالكتيك التمرد؛ فكلاهما يشترك في نفس ~~التناقض بحيث نجد اتجاهين رئيسيين في الفن؛ فإما نفي الواقع ~~نفيا مطلقا يؤدي إلى تشويهه (كما في النزعة الشكلية الخالصة) ~~وإما تأكيده تأكيدا مطلقا نتيجة التسليم به على ما هو عليه (كما ~~في النزعة الواقعية المتطرفة). # إن الإبداع الفني الذي يعبر عن التمرد في حالته النقية الأصلية ~~هو وحده الذي يستطيع أن يوصلنا إلى التوازن والانسجام ~~الضروريين لتحقيق الوحدة التركيبية الخلاقة. في هذه الوحدة ~~الخلاقة يستطيع عندئذ الفن والمجتمع، والخلق والثورة أن تجد ~~طريقها إلى منبع التمرد حيث يتلازم النفي والتأكيد، والفرد ~~والتاريخ، والخالص والعام في توتر ديالكتيكي حاد تتعادل فيه ~~الكفتان. عندئذ نستطيع أن نقدر كلمة نيتشه التي تنبأ فيها ~~بعصر يسود فيه الفنان المبدع بدلا من القاضي والجلاد. # 106 # نستطيع أن نجمل الفصل ms127 السابق في الملاحظات التالية: # أولا: # يبدأ الفكر عند كامي من التناقض أو الفضيحة # Scandale ~~، ~~سواء في ذلك الفكر عند إنسان المحال أو عند ~~الإنسان المتمرد؛ فالتناقض الذي حرك التفكير عند ~~إنسان المحال هو الانتحار، والذي حرك المتمرد ~~هو القتل الذي تبرره الحجج الأيديولوجية ~~والمذاهب الفلسفية. هذا الموت الذي يفتعله البشر، ~~وعذاب الأبرياء والأطفال، يمثلان عنده ~~المتناقضات أو الفضائح التي تدفعه إلى ~~التمرد. # ثانيا: # لا سبيل إلى فهم التمرد إلا من حيث علاقته ~~بالمحال الذي يفترض التمرد وجوده؛ فالتمرد بما ~~هو تمرد هو في الحقيقة تمرد على المحال، كما ~~أن المحال من حيث هو محال لا وجود له إلا إذا ~~وجد التمرد عليه. إن التمرد ينشأ عن الإحساس ~~بالجنون أمام قدر ظالم ولا سبيل إلى فهمه. # 107 # ثالثا: # التمرد حركة موجهة ضد إنسان ما ومعه تنطوي ~~على اللا والنعم، والرفض والموافقة في وقت واحد. ~~في هذا التعارض الديالكتيكي نكشف جذوره العميقة ~~في أرض المحال. ولقد استطاع هذا المحال أن ~~يحدد لنا طبيعة هذين الطرفين المتصارعين من ~~نعم ولا، من تأكيد ونفي، تحديدا واضحا مستمدا ~~من بنائه هو نفسه. وعلى هدي من تعاليم المحال ~~استطعنا أن نتبين طبيعة التمرد الحقيقي الوفي ~~لأصله ومنبعه، فكان التمرد حركة من أجل الإنسان ~~والأرض؛ أعني من أجل المحدود والنسبي، اللذين ~~وضح المحال من قبل حدودهما وإمكانياتهما. ~~والتمرد في الوقت نفسه حركة ضد كل من يطلبون ~~المطلق؛ أعني ضد كل من يتجاوز حدود ~~المحال. # رابعا: # لم يبق للإنسان، بعد أن سلب المطلق، من واجب ~~إلا أن يحاول على الدوام أن يتمرد ذلك التمرد ~~النسبي المحدود الذي ينبغي ألا يكف عن خلقه في كل ~~لحظة من لحظات حياته خلقا جديدا. هذا التمرد ~~وحده هو الذي يتيح للإنسان أن يحيا في البعد ~~التاريخي الملائم له، وهو الذي يستطيع أن يحميه من ~~الانحراف عن التمرد الحق إلى العدمية التي ~~تردت فيها الثورات التاريخية وذلك بتأكيده ~~لطبيعة إنسانية يشترك فيها بنو الإنسان على ~~السواء. أما ما هي هذه الطبيعة الإنسانية فذلك ms128 ما ~~سوف نتناوله بالبحث في الفصل القادم. # خامسا: # في الخلق الفني وحده نستطيع أن نجد أصل التمرد ~~ومنبعه النقي الحق. ولا وجود للمتعالي ~~(الترانسندنس) الحي الذي يعدنا بالجمال إن كان ~~له وجود على الإطلاق إلا في الفن. # 108 # وما من شيء سوى العمل الفني يستطيع ~~أن «يرفع» الزمان؛ فهو وحده الذي يستطيع أن ينقل ~~المتعة الفانية بطبعها من جيل إلى جيل، فيضفي ~~طابع الدوام على ما من شأنه أن يعبر ويزول، وأن ~~يهب الفنان نفسه ذلك «الخلود الزائل»، وهو الخلود ~~الوحيد الممكن في هذا العالم الفاني. ويظل الفن، ~~على الرغم من هذا التعالي الظاهري، هو المجال ~~الوحيد الذي يستطيع التمرد فيه أن يحرز ~~الانتصار الكامل. الفن وحده هو الذي يستطيع أن ~~يجعلنا نعيش هذه «الأبدية الزائلة»، هذه اللحظة ~~التي تلتقي فيها أبعاد الزمن الثلاثة في حضور ~~نادر فريد وسعيد. # الفصل الرابع # | التضامن # «اخترت العدالة لكي أظل وفيا للأرض. ما زلت أومن بأن هذا ~~العالم ليس له معنى يعلو عليه، ولكنني أعلم أن هناك شيئا فيه ذا ~~معنى، وذلك هو الإنسان؛ لأنه هو الكائن الوحيد الذي يطالب ~~به.» # كامي: «رسائل إلى صديق ألماني، ص78» ~~(أ) # الطبيعة الإنسانية. ~~(ب) # التضامن. ~~(ج) # الديالوج والمونولوج. ~~(د) # عبارة كامي وعبارة ديكارت. ~~(أ) الطبيعة الإنسانية # بالمقارنة بين «ملاحظة عن التمرد»، # 1 # وهو مقال نشره كامي في عام 1945م، وبين «المتمرد» ~~نستطيع أن نتبين تغييرا في نص عبارة واحدة يكشف لنا عن ~~ماهية الطبيعة الإنسانية. لقد بقي النص والموضوع في الحالين على ~~ما هو عليه، باستثناء هذه العبارة الوحيدة التي غيرها كامي ~~تغييرا اختلف معه رأيه في الحالين اختلافا كبيرا، حتى ~~لنستطيع أن نلمح التناقض الصريح بينهما. # ونود قبل أن نتعرض لهذا التغيير الأساسي الذي سنحاول أن ~~نبرز دلالته على تفكير كامي كله، أن نشير إلى الموضوع الرئيسي في ~~التمرد؛ فالتمرد كما قدمنا هو الحركة الواعية التي يطلب بها ~~الإنسان الوضوح والوحدة في عالم تسوده ظروف حياة ظالمة غير ~~مفهومة. وإذا كان الفعل الأصيل للتمرد يريد أن ms129 يضع حدا لسيطرة ~~السيد على العبد، فهو بهذا التحديد نفسه يؤكد قيمة معينة. ~~وهذه القيمة التي نستطيع أن نجدها في أنفسنا، في قلب تجربتنا ~~الإنسانية وفي صميم فكرة التمرد نفسها، هي التي يحاول كامي أن ~~يطبعها بطابع اليقين الذي تتصف به البديهية الأولى. # 2 # هذه القيمة التي نتحدث عنها هي التي تنتزع الفرد من وحدته ~~وانفراده، فهي إذن قيمة جمعية لا قيمة فردية. والدليل على هذا ~~يكمن في الحقيقة التي تقول إن الفرد لا يتردد في التضحية بحياته ~~في سبيل تأكيد هذه القيمة والدفاع عنها. واستعداد الفرد لفدائها ~~بحياته إذا دعته الضرورة إلى ذلك يدل على أنه يرفع من شأن هذه ~~القيمة بحيث يضعها فوق وجوده الذاتي، وبحيث تتجاوز قدره وتعلو ~~على مصيره. # 3 # ولو كانت هذه القيمة ذات طبيعة فردية لما استطاعت أن ~~تنتزعنا من دائرة المحال، الذي كان ينطوي هو أيضا على قيمة ~~فردية (لنتذكر هنا أن المحال قد نشأ من شقاق لا سبيل إلى ~~تهدئته بين الإنسان من ناحية وبين العالم المحيط به من ناحية ~~أخرى، بين سعيه إلى النظام والوحدة وبين الاضطراب والغرابة والظلام ~~من حوله؛ أعني أنه نشأ عن أزمة فردية خالصة). # هنا لا بد لنا من أن نسأل سؤالا آخر يرتبط بالمشكلة السابقة: هل ~~في إمكان الإنسان أن يؤمن بمثل هذه القيمة التي تؤلف بين «الأنا» ~~و«النحن» في وحدة واحدة، وتنتزعني من ذاتي المغلقة لتجمع بيني ~~وبين الآخرين، والتي تجعلني لا أتردد إذا اقتضت الأحوال أن ~~أضحي بحياتي في سبيلها لكي أثبت وجودها لدى جميع الناس، أقول هل ~~في مقدور أحد أن يؤمن بمثل هذه القيمة بغير أن يفترض الإيمان ~~بوجود العلو أو المتعالي # 4 ~~(ترانسندنس) المتعلق بها؟ # بهذا السؤال نصل إلى التغيير الذي أشرنا إليه في نص إحدى ~~العبارات الواردة في «المتمرد» عما كانت عليه قبل ذلك ببضع ~~سنوات في المقال السالف الذكر، كما يتضح لنا موقف كامي من ~~المتعالي ورفضه له رفضا حاسما صريحا؛ لقد استطاع في ذلك المقال ~~أن يقول إن ms130 القيمة المتعالية أو المتعالي (الترانسندنس) الذي ~~أوجده التمرد ليس متعاليا عموديا بل هو متعال أفقي؛ أي إنه ~~يريد بعبارة أخرى أن يقول إن القيمة المتعالية التي يريد التمرد ~~أن يؤكد وجودها، والتي يقوم عليها فعل التمرد نفسه، لا يصح ~~أن نتصورها تصورا استاتيكيا جامدا، ولا أن نتخيلها كما لو ~~كانت «معطى» نصل إليه مرة واحدة وإلى الأبد، بل ينبغي أن ~~نتذكر دائما أن المتمرد لا ينفك يؤكدها ويدافع عنها في كل ~~لحظة من لحظات وجوده؛ أي إنه لا يكف عن خلقها خلقا متصلا لا ينقطع. # 5 # هل تسرع كامي في مقاله ذاك فكتب كلمة «المتعالي» أو ~~«الترانسندنس» بغير وعي منه، أم تراه أحس إحساسا واضحا ~~بالحاجة وبالضرورة إلى افتراض وجود هذا المتعالي؟ ذلك أنه إذا صح ~~أن الإنسان لا يستطيع، في لحظات ومواقف معينة من حياته على ~~الأقل، أن يمنع نفسه عن التمرد، فمن الصحيح كذلك أنه لن يستطيع ~~أن يحكم مقدما إذا كان تمرده سيكون له أي معنى، طالما ~~أنه لم يعطه مثل هذا المعنى من قبل، فالرأي إذن أن التمرد الذي ~~لا يرتبط بمعنى عال ولا ب «ترانسندس» لن يزيد عن أن يكون مجرد ~~ثورة عاطفية، أو دافع أعمى، أو حماس في فراغ، لا يشك أحد في ~~أنه جدير حقا بالإعجاب، ولكن لا يشك أحد أيضا في أنه مجرد ~~عن كل معنى، خال من كل اتجاه. وجه الخطر في مثل هذا التمرد أنه ~~يمكن أن ينحرف ويتردى في متناقضات الثورات التاريخية. قد تكون ~~مثل هذه الخواطر قد وردت على ذهن كامي وقد لا تكون قد خطرت له ~~على بال. المهم أنه حين أعاد كتابة النص أراد أن يتجنب كلمة ~~«الترانسندنس» بأية ثمن. وها هو الآن يحاول بتعديله لهذه العبارة ~~الفريدة أن يطبع تلك القيمة التي يريد التمرد أن يؤكدها ويدافع ~~عنها وأن يخلع عليها ثوب الموضوعية وذلك بإضفائه عليها طابع ~~النسبية والمحدودية. هذه العبارة التي ذكرناها من قبل لا نجد لها ~~أثرا في كتاب المتمرد. إننا نقرأ في ms131 مكانها قوله: «هذه القيمة ~~السابقة على كل فعل، لا سبيل إلى التوفيق بينها وبين الفلسفات ~~التاريخية المحضة التي تكتسب القيمة فيها إن كان ثمة سبيل ~~لاكتسابها) بعد أن ينتهي الفعل. # إن تحليل التمرد يحمل على الأقل على الظن بأن هناك طبيعة ~~إنسانية، على نحو ما ذهب إليه اليونان وبخلاف ما يسلم به ~~التفكير المعاصر. # 6 # وإذن فنحن نجد في مكان كلمة الترانسندنس، # 7 # التي نقابلها أكثر من مرة في مقاله «ملاحظات عن ~~التمرد»، والتي تختفي في نفس الموضع من النص الذي نقله بحذافيره ~~(فيما عدا تلك العبارة) في كتابه «المتمرد»، أقول نجد كلمة أخرى ~~هي «الطبيعة الإنسانية» التي قرر كامي أن يستخدمها ليتجنب كلمة ~~الترانسندنس التي تضعه أمام مشكلات عديدة، ولكن حذف الكلمة لا ~~يعني حذف المشكلة، على نحو ما سنرى فيما بعد. # إن الطبيعة الإنسانية التي نتحدث عنها هي تلك القيمة التي تسبق ~~كل فعل، وتقدم بذلك السبب المبرر له، والمعنى الذي يهدف إلى ~~تحقيقه. هذه القيمة التي يضحي الإنسان بحياته لكي يقيم الدليل ~~على وجودها - كما فعل كالياييف ورفاقه - لا بد أن تكون قيمته ~~تتجاوز وجوده كفرد تاريخي. ولما كان المتمرد بطبيعته لا يريد أن ~~يؤكد وجود هذه القيمة في ذاته فحسب، بل يريد أن يؤكدها ويدافع عن ~~وجودها عند بني الإنسان جميعا، كانت هذه القيمة بالضرورة قيمة ~~ترانسندنتالية متعالية؛ فلو لم يكن الأمر كذلك ما استطاع المتمرد ~~أن يضع نفسه فوق هذا العالم حين يضع هذه القيمة فوق ذاته، كما فعل ~~«القتلة الأبرياء»، كالياييف وأصدقاؤه وهم على أعتاب المشانق. # 8 # هل يجر هذا التغيير في النص وراءه تغييرا في الموضوع؟ أليست ~~هذه الطبيعة الإنسانية قيمة يضعها الإنسان فوق ذاته، ويقف منها ~~موقف الخضوع ويصل إلى حريته الحقيقية عن طريق هذا الخضوع نفسه لها؟ # 9 # ألا تدل هذه الطبيعة المشتركة بين الناس جميعا على ~~أن هناك معنى ساميا يعلو فوق الإنسان، ويستطيع عن طريقه أن ~~يتجاوز ذاته إلى الآخرين، ويحقق ما يسميه المحدثون ب «الوجود ~~مع الغير»؟ وإذا ms132 صح هذا كله، ألا يعني ذلك أن كامي يقفز القفزة ~~التي حرمها الإنسان على نفسه في تجربة المحال، وأصر على أن ~~يتلافاها بكل ثمن؟ وهل يتناقض كامي مع نفسه باعترافه بالقيمة ~~العالية التي سماها الطبيعة الإنسانية؟ # الواقع أن كامي يشعر بضرورة افتراض وجود قيمة عالية، ولكنه لا ~~يزال يتمسك بموقف النفي لكل متعال ولكل مطلق. يتضح ذلك حين ~~يقول في خلال مناقشاته للثورات التاريخية إن القرنين التاسع عشر ~~والعشرين قد حاولا في صميم اتجاهاتهما أن يعيشا بغير ترانسندنس. # 10 # أو حين يتصدى لدحض الشيوعية، ويبين كيف انحرفت عن ~~التمرد الأصيل، فيرجع ذلك إلى حد ما إلى أنها قد جردت القيم ~~الثابتة والمبادئ العالية من معناها: «بمجرد أن توضع المبادئ ~~الخالدة مع الفضيلة الشكلية (عند اليعاقبة أو الجمهوريين الأحرار ~~في الثورة الفرنسية) موضع الشك ويحط من شأن كل القيم ~~الممكنة، يندفع العقل في حركته فلا يقيم لشيء وزنا، اللهم إلا ~~لما يصيبه من نجاح. إن إرادته تتجه الآن إلى السيادة والتحكم، ~~وذلك حين ينفي كل ما كان موجودا ويؤكد كل ما سوف يوجد في المستقبل.» # 11 # عندئذ يعطى كل ما كان لله لقيصر. ولكن الله وقيصر ~~كلاهما موجود مطلق، فلا بد أن يقاومهما كامي باسم التمرد، على ~~نحو ما قاوم كل مطلق ورفض كل نزعة مطلقة. # لقد عرضنا في الفصل السابق لموقف كامي من المطلق، أما مشكلة ~~القيمة فنستطيع الآن أن نحددها على النحو التالي؛ فإما أن ~~تتقدم القيمة على التمرد - وبذلك تعلو عليه علو ~~الترانسندنس، وإما أن يخلق التمرد القيمة. والواقع أن في نصوص ~~كامي من الأسانيد ما يؤيد الرأيين معا. ونستطيع فيما يتعلق ~~بالقسم الأول من المشكلة أن نقول إن رفض المتعالي، هذا الرفض الذي ~~يصر عليه كامي بكل قوة، هو في الواقع هروب منه وتأكيد له بغير ~~وعي منه، # 12 # بل إننا نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا، إذا قلنا إن ~~مأساة الوجود الإنساني بوجه عام إنما تكمن عنده في غياب ~~المتعالي من أفق هذا الوجود. ورفضه ms133 له يزيد من حدة المأساة ولا ~~يخفف منها. وربما استطعنا أن نفسر موقفه - ولا نقول ~~نبرره - إذا تذكرنا أنه لا يفهم تحت كلمة المتعالي والمطلق ~~ما يتجاوز وجود الإنسان فحسب، بل ما يتسلط فوق هذا الوجود، وكأنه ~~قوة غاشمة تحد من حريته وقد تلغيها إلغاء. وفي هذا الموقف، ~~كما قدمنا من قبل، خلط بين مجالي الفلسفة والسياسية يصل إلى ~~حد الخوف من المتعالي خوفه من دكتاتورية بوليسية. # 13 # وأما فيما يتصل بالقسم الثاني من المشكلة فإن السؤال ~~عند كامي - كما تعبر عنه شخصيتا تارو والدكتور ريو في رواية ~~الوباء - هو هل يستطيع الإنسان وحده وبغير أن يلجأ إلى وجود ~~أبدي خالد أن يخلق قيمه الخاصة به. # 14 # هذه القيم لا يمكن أن تكون في رأيه قيما مطلقة ولا ~~مجردة، بل لا بد أن تحتفظ بطابع النسبية، والواقعية؛ فالقيمة ~~هنا ليست قيمة عمودية ولا هي قيمة أفقية متعالية (إن صح لنا أن ~~نستخدم هذه التشبيهات الرياضية في مجال القيم!) أعني أنها ليست ~~قيمة معلقة فوق رأس الإنسان وكأنها قدر قاس، ولا هي قيمة ~~ينتظر أن تتحقق في مستقبل الأيام، وكأنها حلم غامض؛ فأما ~~القيمة الأولى فكامي مضطر إلى رفضها لكي يكون منطقيا مع نفسه. ~~وأما القيمة الثانية فلا يمكن إلا أن تكون متناقضة مع نفسها؛ ~~لأنها ما بقيت خالية من الشكل فلن تستطيع أن تحدد لنا فعلا من ~~الأفعال، ولا أن تعطينا مبدأ نختار على أساسه. # 15 # إن كلمة القيمة التي يستخدمها كامي هنا لا تعني إلا ~~الحياة نفسها في امتلائها الخصب المباشر، هذه الحياة التي هي الشيء ~~الوحيد الذي يمتلكه إنسان المحال، والذي لا يكف المتمرد عن ~~تأكيده والدفاع عنه وبذل حياته في سبيله إذا اقتضت الضرورة ذلك. ~~لعل القتلة الأبرياء، كالياييف وأصدقاءه من شعراء الجريمة، ~~الذين يعكسون أصفى صورة للتمرد، هم خير مثل على ما نقول. إنهم ~~وإن لم يسلموا من الانحراف عن التمرد الحق، قد تعذبوا من ~~متناقضات التمرد أقسى عذاب وأعمقه. وإذا كانت القيمة التي ~~أرادوا أن ms134 يؤكدوها ويدافعوا عنها قد علت فوق أشخاصهم المحدودين، ~~فإنها لم تعل فوق الحياة والتاريخ. # 16 # كان احترامهم للحياة فوق كل شيء. لم يلمسوا حياة ~~غيرهم قبل أن يحاسبوا ضميرهم أقسى حساب. واحترام الحياة هو الذي ~~جعل كالياييف يتردد في إلقاء قنبلته على الأمير الروسي الأكبر ~~سيرجي حين لاحظ وجود أطفال في عربته. إنه في مسرحية «العادلون» ~~يقول لستيبان: «... إنني أحب الحياة. لقد انضممت إلى الثورة لأنني ~~أحب الحياة.» ولكن ستيبان، مثال الأيديولوجي الذي يضع القيمة ~~المطلقة المجردة فوق الحياة، يجيبه قائلا: «أما أنا فلا أحب ~~الحياة، بل أحب العدالة، التي تعلو بكثير فوق الحياة.» ويخاطب ~~كالياييف حبيبته دورا قائلا: «لا بد من أن تقوم الثورة حقا، # 17 # ولكنها ينبغي أن تكون ثورة من أجل الحياة، أتفهمين؟ ~~من أجل أن تفتح للحياة بابا!» ويقول لها كذلك في موضع آخر: «إننا ~~نقتل لكي نبني عالما يخلو من القتلة. إننا نأخذ على عاتقنا أن ~~نكون مجرمين لكي يصبح سكان الأرض في النهاية أبرياء.» # 18 # كالياييف ورفاقه يجسدون هذا التناقض العجيب إزاء قيمة ~~الطبيعة الإنسانية؛ فهم من ناحية يضعون وجود القيمة فوق وجود ~~الإنسان. وهم من ناحية أخرى يخلقون القيمة ويبرهنون بموتهم على ~~أن التمرد خلاق للقيم. # 19 # هذا التناقض الذي نلمحه في موقفهم لا بد لنا من التسليم به ما ~~دمنا نسلم بأن التمرد في صميم بنائه الجدلي يحتوي على اللا ~~والنعم في وقت واحد. وليس للتمرد، كما نعلم، أن يتخلى عن أحد ~~طرفي هذا التناقض، وإلا تخلى عن سبب وجوده الذي يحميه. # 20 # وليس هذا التناقض في نهاية الأمر إلا الطريق الوسط ~~العسير، الذي يشقه التمرد بين التأكيد المطلق والنفي المطلق. ~~والذي يمكن عليه أن تعاش المتناقضات وأن يتغلب عليها. # 21 # ما هي إذن هذه الطبيعة الإنسانية التي تعبر عنها عبارة «أنا ~~أتمرد فنحن إذن موجودون» والتي وجدنا فيها القيمة الواضحة ~~البديهية الأولى؟ الجواب بسيط كما أنه مباشر؛ إنها هي الوعي الذي ~~يظهر بظهور حركة التمرد. # 22 # إنها المعرفة المفاجئة بأن في ms135 الإنسان بما هو إنسان ~~شيئا يستطيع أن يتوحد وإياه، ويريد أن يخلق الاحترام له ~~والاعتراف به. # 23 # وهي بعد هذا كله ذلك الجزء من كيانه الدافئ بالحياة، ~~الذي ليس له من هدف غير الحياة. # 24 # بالطبيعة الإنسانية يحاول كامي محاولته الأولى للوصول إلى ما ~~وراء المظهر واختراق الدائرة التي لا يكون الوجود نفسه في داخلها ~~إلا مظهرا. وهنا نجد أن العبارة التي تردد ذكرها فيما تقدم ~~والتي تلخص فكر كامي في مرحلة المحال، ونعني بها عبارة «المظهر ~~يصنع الوجود»، # 25 # قد تغيرت في هذا الموضع تغييرا حاسما. إن دييجو، ~~الشخصية الرئيسية في مسرحية «الحصار» يريد أن ينقذ سكان المدينة ~~الإسبانية البائسة كاديز، والدكتور ريو يريد أن يأخذ بيد سكان ~~مدينة أوران، وكالياييف يطمح إلى إنقاذ الإنسانية بأسرها. # 26 # إنهم جميعا يريدون أن يتجاوزوا منطقة المظهر، وأن ~~يخرجوا من دائرته لكي يؤكدوا الوجود الذي تعرفوا عليه عن طريق ~~الخطر المشترك في طبيعة واحدة يشترك فيها أبناء الإنسان جميعا. ~~وإذا كانت هذه الطبيعة الإنسانية تظهر لهم في ظرف محدد، فليس ~~معنى هذا أنها غير موجودة، بل الأولى أن يقال في هذا الموضع إن ~~الوجود سابق على المظهر. # وإذن فالطبيعة الإنسانية كائنة في الموقف المشترك الذي يتخذه ~~وجدان جميع الأفراد الذين يواجهون خطرا مشتركا، ويجدون أنفسهم ~~مطالبين بإزائه بالتصميم على اختيار معين. في هذا التقابل بين ~~الوعي وبين الخطر المهدد (سواء أكان هو الوباء أو الحرب ~~الديكتاتورية أو تحكم الأيديولوجيات الفكرية) تتجلى الطبيعة ~~الإنسانية في الوجود المشترك إزاء الخطر المشترك؛ أعني في ~~التضامن، فما هي طبيعة هذا التضامن؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي ~~علينا الآن أن نتولى الإجابة عليه. ~~(ب) التضامن # من الوعي الوحيد الذي يسعى إلى السعادة الأرضية الحسية التي ~~تتمثل في عبارة «عش كما لو ...» والذي يقف من نفسه ومن العالم موقف ~~الغريب (نماذج المحال ومرسو قبل صدور حكم الإعدام عليه) إلى الوعي ~~الوحيد الذي لم يعد يحس بالغربة أمام نفسه وإن كان لا يزال ~~مقطوع الصلة بالآخرين (كاليجولا، سيزيف، مارتا ms136 ومرسو قبل تنفيذ ~~حكم الإعدام فيه بقليل) نصل الآن إلى الإنسان الذي يتم له الوعي ~~بوجوده ووجود الآخرين عن طريق التضامن، فكيف يتحقق هذا الانتصار ~~على الوحدة؟ سنجيب بقولنا: عن طريق التضامن. ولكن ما هي طبيعة هذا ~~التضامن؟ # إنه ينشأ عن الوعي بالشقاء المشترك، سواء أصاب مجموعة من الناس ~~أو داهم جميع الناس، ويظهر إلى الوجود بقدر مواجهتهم لخطر ~~مشترك يتهددهم (سواء أكان هو وباء الطاعون أو كارثة الحرب أو ~~استبداد نظم الحكم والأساطير الأيديولوجية). في الكفاح المشترك ضد ~~الخطر المشترك يتحد الناس ويخاطرون بالتضحية بكل شيء لكي ينقذوا ~~هذا الجزء من كيانهم الذي لا يمكن أن يرد إلى فكرة مجردة، # 27 # ولو كانت هي فكرة الإنسان، ويؤكدوا وجود طبيعة ~~إنسانية مشتركة تضع لكل فعل مقياسا وتعين له حدا يقف عنده. ~~وبعبارة أخرى نقول إن الإنسان ينتزع ذاته عن طريق العذاب المشترك ~~من بين جدران وحدته. ويتخطى هذه الذات إلى الآخرين ويرتبط معهم ~~برباط التضامن لكي يدافع عن حقه، لا بل عن واجبه في أن يكون ~~سعيدا على هذه الأرض: لقد كسبنا تضامننا عن طريق العذاب. # 28 # وبهذا التضامن لم نتخط ذواتنا المحدودة فحسب، بل ~~انتصرنا كذلك على الوحدة # 29 ~~(ولكن بغير أن نحرم الفرد من حقه في أن يكون وحيدا، ~~على نحو ما سنرى فيما بعد). # ربما بدا التضامن من هذا الوصف وكأنه شيء عابر أو عرضي؛ ~~فرب سائل يسأل: ألا يرتبط التضامن بعذاب مشترك حقا ولكنه ~~مرهون بزمان؟ أليس الهدف من ورائه هو الدفاع عن حق الفرد في أن ~~يكون سعيدا؟ # قد يكون هذا كله صحيحا. غير أننا لو تذكرنا أن حركة التمرد، ~~التي تعرفنا عن طريقها على التضامن الذي تنطوي عليه عبارة «نحن ~~نكون»، هي حركة الحياة نفسها، # 30 # وأن التمرد لا يموت إلا بموت آخر إنسان يعيش على الأرض، # 31 # وأن هناك وحدة «هوية» بين الإنسان والإنسان قائمة ~~على الطبيعة البشرية المشتركة، # 32 # وأن عبارة «أنا أتمرد، فنحن إذن موجودون» تؤكدها ~~عبارة أخرى لا تنفصل عنها ms137 وهي «إذا لم يكن لنا وجود، فليس لي أنا ~~أيضا من وجود». إذا تذكرنا هذا كله لم نجد تناقضا بين سعادة ~~فرد واحد وبين سعادة الجميع؛ إذ إنهما يقومان معا على أساس ~~واحد، وهو تساوي الناس أجمعين، # 33 # كما يقومان على وجود «شيء ما» لا أستطيع أن أحطمه ~~بدون أن أحطم نفسي معه، وليس له من هدف آخر سوى الحياة أو ~~الوجود نفسه. # 34 # قلنا إن التضامن ينشأ بين أناس نزلت بهم كارثة شقاء واحد. ~~إنه هو رباط القرابة الذي يوحد الضحايا تجاه الجلاد، ويجمع ~~المضطهدين تحت سوط المستبد. ورواية «الوباء» - أو الطاعون كما ~~تسميها الترجمات العربية المختلفة - تصور هذه الوحدة الجماعية ~~التي تتمثل في عبارة «نحن نكون» والتي تؤلف بين سكان «أوران»، ~~المدينة الجزائرية البائسة التي دهمها الوباء: «من هذه اللحظة ~~أصبح الوباء أمرا يهمنا جميعا.» # 35 # هكذا يقول الطبيب برنار «ريو» مؤرخ # 36 # الوباء وراويته. إنه واحد من أولئك الذين يقفون إلى ~~جانب المعذبين في هذه اللحظة وفي هذا المكان. إن أهم شيء بالنسبة ~~إليه أن يكون أمينا؛ أعني أن يؤدي واجبات مهنته كطبيب، على الرغم ~~من يأسه من القضاء نهائيا على الوباء. # 37 # وحين يسأله الصحفي «رامبير» عما يقصده بالأمانة ~~يرد عليه قائلا: «لا أعرف ما هي بوجه عام، ولكنني أعلم أن ~~معناها في حالتي أن أمارس مهنتي.» # 38 # هذه الأمانة هي وسيلته الوحيدة في صراع الوباء. # 39 # والأمانة عنده معناها أيضا ألا يشتت جهوده، وأن ~~يركزها على القيام بواجبه كطبيب. مثل هذا التشتيت يشبه ~~«القفزة» التي يحاول بها الإنسان أن يتهرب بها من الموقف ~~المحال؛ ومن ثم كانت الأمانة عنده في أن يمارس مهنته، وأن ~~يتجنب هذه القفزة بكل ما يستطيع. وبينما يهتم راعي الكنيسة الأب ~~«بانيلو» بنجاة الأرواح، نجد «ريو» يصرف كل اهتمامه إلى شفاء ~~الأجساد، فالتشتت إذن يأتي من جانب بانيلو الذي يرضى بالقدر ~~ويستسلم له، ويؤجل نجاة الإنسان إلى عالم آخر وراء هذا ~~العالم. # الحق أن كل تجاوز لحدود الموقف المحال (الذي تمثله ms138 لعنة ~~الوباء) يعني التشتت والضياع في نظر الطبيب «ريو» كما يساوي ~~القفزة التي تمزق رباط التضامن والإخاء. وليس الأب بانيلو هو ~~وحده الذي يقدم على هذه القفزة المميتة، حين يضع أقدار البشر في ~~كف الرحمن، بل إن «كوتار» الذي يعذبه إحساس قديم بالذنب يفعل ~~مثل ذلك. لقد ارتكب جريمة قبل أن يداهم الوباء مدينة أوران بزمن ~~بعيد، وهو يشعر الآن أنه مستبعد من مجتمع المدينة. إنه يحيا الآن ~~معهم في تضامن كاذب، مفضلا أن يحيا مع الجميع في حالة ~~الحصار، على أن يحيا وحده مع خطيئته. إنه الشامت المسكين الذي ~~يحاول أن يغرق ذنبه في طوفان الذنب الكبير الذي غمر المدينة ~~الكبيرة. إنه يفضل أيضا أن يعيش في الشمول، حيث تتلاشى الحدود ~~الفاصلة بين الخير والشر، وبين الذنب والبراءة، على أن يعيش في ~~الوحدة التي تؤلف بين الجميع؛ ولذلك تظل فكرة البراءة التي ~~تميز كل متمرد أصيل، فكرة غريبة عليه. ألا يسعده أن يحيا ~~الآخرون بأجمعهم في شقاء لم يستحقوه؟ لقد أعلن كوتار - رمز ~~الهزيمة الذليلة في كل مكان - تفاهمه مع الموقف الظالم المحال، ~~بدلا من أن يشارك غيره في التمرد عليه؛ ولذلك فهو أبعد ما يكون ~~عن روح التمرد الحق، وهو عاجز عن الحياة مع غيره من الضحايا ~~والمتضعين. # قلنا إن التضامن هو الوجود المشترك لمجموعة من الناس يواجهون ~~خطرا مشتركا، وإنه يقوم على أساس التساوي بين جميع الناس، كما ~~يقوم على الهوية أو الذاتية بين كل واحد منهم وبين الآخرين. ~~ويقودنا هذا إلى السؤال عن وضع الفرد الواحد في داخل الجماعة ~~المتضامنة، فهل التضامن معناه حقا الانتصار الكامل على الوحدة ~~والانفراد؟ وهل ينفي الوجود المتضامن # Solidarité # الوجود الوحيد # Solitude ~~؟ # لنتأمل حالة الدكتور ريو. إنه، وهو التعيس، يحرص على سعادة ~~الآخرين. إنه يفقد صديقه تارو، ويفقد زوجته التي كانت قد سافرت ~~إلى سويسرا للاستشفاء قبل أن تتجمع سحب الوباء فوق المدينة ~~بقليل. وهو يبقى إلى جانب مرضاه في أوران، على الرغم من الأنباء ~~السيئة التي ترد إليه عن تدهور ms139 صحتها، وعلى الرغم من أنه يستطيع ~~لو شاء أن يغادر المدينة؛ إذ إن قوانين الحجر الصحي المفروضة ~~عليها لا تنطبق عليه. إنه يضم يأسه بين جنبيه، ولا ينقطع مع ذلك ~~عن الأمل. وفي النهاية يعلم بموت زوجته، كما يعلم علم اليقين أنه ~~لا سبيل إلى الانتصار على الوباء كل الانتصار. # هل نستطيع أن نجد سببا موضوعيا يبرر هذا الإحساس العميق ~~بالتضامن، الذي يبلغ التضحية بالسعادة الذاتية في سبيل إسعاد ~~الآخرين؟ إن «ريو» نفسه لا يعرف هذا السبب، ولعله ينكر أن يكون ~~هناك سبب على الإطلاق: «ما من شيء في العالم يستحق أن يتخلى ~~الإنسان عما يحب. ومع ذلك فإنني أتخلى عنه، دون أن أدري لذلك ~~سببا. هذه هي الحقيقة. هذا هو كل شيء.» # 40 # هل هي الأمانة التي تدفعه إلى ممارسة مهنته، والحرص على القيام ~~بواجبه دون نظر إلى أية اعتبار آخر؟ أم هي عاطفة الولاء للمحال، ~~التي تكمن في نفيه والمحافظة عليه في آن واحد؟ أم هو التكرار ~~السيزيفي الذي لا ينتهي لصراع عقيم لا ينتهي أيضا ضد الوباء، ~~دون أن تكون نتيجة الجولة للكسب ولا للخسران؟ # 41 # إن «ريو» يرفض أن يبرر مسلكه الأمين الغريب، أو لعله في ~~تواضعه اليائس لا يعرف ولا يريد. وتشتد المفارقة في هذا الرفض إذا ~~عرفنا أن «ريو» يعي تمام الوعي أن الانتصار على الوباء لن يتعدى ~~أبدا الانتصار العابر الموقوت. # الحق أن «ريو» يؤثر أن يكون أمينا على أن يكون سعيدا. إنه ~~يجسد في شخصيته ذلك الانتقال من الفردية إلى التضامن، من موقف ~~من يقول: «ليس عارا أن يكون الإنسان سعيدا» # 42 # إلى الموقف الذي يصبح شعار الإنسان فيه: «من المخجل أن ~~يكون الإنسان وحده سعيدا». # 43 # إن «ريو» يهب نفسه لشقاء المرضى المجهولين، بدلا من ~~أن ينصرف للعناية بزوجته «التي ترمز إلى السعادة الشخصية». وهو ~~بذلك يجعل سلوكه في سبيل إسعاد الجميع، كما يعبر عن أمانته ~~برفضه لأن يستأثر وحده بالسعادة. # 44 # غير أن «ريو» يظل إلى النهاية إنسانا وحيدا، مثله ms140 في ذلك مثل ~~معظم شخصيات كامي. والتضامن الذي نتحدث عنه لم يستطع أن يلغي ~~وجوده الوحيد، بل ارتفع إلى مستوى الواجب الأخلاقي؛ ذلك أن ~~التضامن لا يجوز له أن يسلب الفرد من حقه في الانفراد؛ لأن ~~الإنسان لا يكون وحيدا، إلا حيث يدافع عن «الواحد» في «وحدته». # 45 # عالج كامي هذا الموضوع معالجة معبرة في أقصوصته «جوناس أو ~~الفنان أثناء العمل». # 46 # فجلبرت جوناس (أو لعله يونس في جوف الحوت!) رسام ~~يتحلى بالبساطة المحببة والتواضع المحمود، ويؤمن بنجمه الذي ~~يراه دائما في صعود. والحق أنه يصل إلى قمة المجد والشهرة، ~~ويحس بالسعادة المتزايدة في ظل أبنائه وزوجته، ولكن الأيام ~~تمر، وتعمل الأسرة، والأصدقاء والنقاد، والتلاميذ على طرده من ~~حياته الخاصة ومن مسكنه. إنهم يزدحمون حوله ليحدثوه عن الفن، ~~ويحكموا على لوحاته، ويفسروا ما رسمه ولماذا رسمه، ويلغطوا في ~~نظرياته الجمالية والفنية التي ينسبونها إليه وهو يصغي إليها دون ~~أن يفهم منها شيئا، ويلفون حوله رداء الشهرة رغما عنه. وينزوي ~~الفنان في نفسه شيئا فشيئا حتى يقبع في ركن مظلم وحيد. ويتزايد ~~عدد الزوار من كل نوع ومن كل بلد ويحرمونه من عزلته التي لا ~~غنى له عنها، ويعجز الفنان عن مواصلة العمل. ويلجأ إلى الشرب، ~~ويقضي أيامه بين المقاهي والمطاعم والحانات، يلتمس الاختفاء عن ~~أعين الناس ، مجهولا لا يعرفه أحد ولا يثقل عليه أحد، ولكن هذه ~~العزلة الكاذبة تزيد أزمته حدة. وإذا بفكرة تخطر على باله، ~~وتوحي له أن في استطاعته أن يعتزل العالم في مخبأ يقيمه في ~~مسكنه، بين الأرض والسقف، بعيدا عن ضجة الشهرة والزوار، ~~قريبا من أهله وأولاده. وينتظر في هذا المخبأ المعتم أن يطل ~~نجمه من جديد. وذات مساء يطلب لوحة وفرشاة وفي نهاية اليوم ~~التالي يسقط على الأرض في سكون. أما اللوحة فقد بقيت بيضاء، ولكن ~~نبش في وسطها بحروف صغيرة لا تكاد العين تراها كلمة لا يدري أحد ~~إن كانت هي «وحيد» # Solitaire # أو ~~«متضامن» # Solidaire ~~. # بين حاجته إلى الوحدة وواجبه في الانضمام إلى ms141 المجموع مزق ~~الفنان حياته وفنه؛ فما التضامن في حقيقة الأمر إلا هذا التمزق ~~بين الوجود الوحيد والوجود المتضامن، وما «نحن نكون» التي وجدناها ~~في صميم فعل التمرد، إلا مجموعة من «الأنات» الوحيدة. ولا يمكن ~~أن نفهم ال «نحن نكون» حتى نضم إليها «نحن نكون وحدنا» التي لا ~~تنفصل عنها، # 47 # ولكن هذه الكينونة أو هذا الوجود لا يمكن أن يبقى ~~حيا إلا عن طريق التضامن وارتباط الناس بعضهم ببعض. # 48 # والتضامن بدوره لا يحتفظ بالحياة إلا في ظل الديالوج ~~الحر، الذي نستطيع أن نتعرف فيه على إنسانيتنا الحقة، ونعترف ~~بوجودها عند الآخرين، ولكن ما هو الديالوج وما الفرق بينه وبين ~~المونولوج؟ # قبل أن ننتقل إلى الإجابة على هذا السؤال نجد لزاما علينا أن ~~نواجه سؤالا آخر، وهو إن كان التضامن يستطيع أن يمدنا بقاعدة ~~للسلوك، وإن كان من الممكن أن نجد تعبيرا واقعيا عنه في حياتنا ~~المعاصرة، التي وصل فيها الصراع بين الأيديولوجيات إلى ذروته ~~المخيفة. # فإذا سأل سائل عن قاعدة السلوك التي يستطيع التضامن أن يقدمها ~~لنا، والتي لا نحتاج معها أن ننتظر إلى نهاية التاريخ لكي نفسر ~~بها أفعالنا، جاءته قاعدة «فعلنا ومقاومتنا» في هذه الصيغة: «كل ~~ما يحط من قيمة العمل يحط في الوقت نفسه من قيمة العقل، والعكس ~~صحيح. وبذلك يكون الكفاح الثوري والسعي الدنيوي (أي غير المستند ~~إلى عقيدة سماوية) إلى التحرر هو الرفض المتصل للإذلال، ~~والدحض المضاعف له.» # 49 # وقد نجد تلك القاعدة في صياغة أخرى: «إن من واجبنا أن ~~نقدم الدليل على أننا لا نستحق هذا الظلم كله.» # 50 # لا شك فيما تنطوي عليه هذه القاعدة من نبل، وما تفيض به من ~~إحساس صادق بعذاب الإنسان. ولكنها لم تحدد لنا الأفعال ~~الواقعية التي تنطبق عليها على مستوى الجماعة، ولم تبين نوع ~~الظلم الذي لا نستحقه والذي ينبغي علينا أن ندفعه عن أنفسنا، ولا ~~تضع يدها على الظالم الذي يتحتم علينا أن نواجهه، ولا توضح لمن ~~نقدم الدليل على أننا لا نستحق كل هذا ms142 الظلم. كل هذه الملاحظات ~~تجعلنا نؤيد النقد الذي وجهه «سارتر» وفرانسيس جانسون إلى كامي، ~~واتهماه فيه بالتمرد الحالم المتعالي على الواقع الاجتماعي. # 51 # غير أننا لن نستطيع أن ننساق وراء هذا النقد من كل نواحيه؛ فلو ~~سألنا إن كان هناك في عالمنا الحاضر تعبير سياسي عن التضامن ~~نستطيع أن ننقذ به كرامتنا المشتركة من الإذلال والهوان، لجاءنا ~~الرد بالإيجاب، وعرفنا أن ذلك ممكن عن طريق الحياة النقابية؛ ~~فالحياة النقابية تقوم على المهنة التي تلعب في النظام الاقتصادي ~~نفس الدور الذي تلعبه الجماعة في الحياة السياسية والمدنية؛ ~~فالنقابة الحرة هي الخلية الحية التي ينبني عليها الكيان العضوي. # 52 # إنها تختلف عن الأيديولوجيات السياسية والعقائد ~~التاريخية التي تبدأ من المذهب وتحاول بعد ذلك أن تحشر الواقع ~~فيه؛ فالنقابة تبدأ من الواقع العيني الحي، من الحرفة والقرية، ~~اللتين يختلج فيهما الوجود، وينبض فيهما القلب الحي الذي يخفق ~~في الأشياء وفي الناس. # 53 # واختيار الحياة النقابية معناه اختيار الجماعة بدلا من الدولة، ~~والمجتمع الواقعي بدلا من المجتمع النزاع إلى المطلق، والحرية ~~المتبصرة بدلا من الطغيان العقلي، والفردية المؤثرة للغير ~~بدلا من تكتيل الجماهير. إنه بعبارة واحدة الإيمان بالحد ~~والمقياس، بروح البحر الأبيض وبالفكرة المشمسة، واختيار الديالوج ~~الحر على المونولوج الأجوف الممل. # 54 ~~(ج) الديالوج والمونولوج # المعنى الأصلي لكلمة «ديالكتيك» يقوم على إمكانية الحوار ~~والتخاطب (أو الديالوج) وهذه الكلمة الأخيرة مشتقة من الفعل ~~اليوناني «ديالجستاي» # Dialegesthai # 55 # الذي دخل اللغة اللاتينية في صورة الكلمتين # Dialecticus, Dialectice # ثم ~~انتقل منها إلى اللغات الأخرى. ومعناه الحوار أو الحديث، أو ~~التخاطب، أو المناقشة في موضوع من الموضوعات من أطرافه المتعددة، ~~ولكن المحاورة تفترض وجود شخص آخر نحاوره، ونتحدث معه في أمر من ~~الأمور، ونعرضه عليه أو نحلله له، فالحوار يتم إذن على هيئة ~~«الكلام مع»، وشرح قضية من القضايا أو حقيقة من الحقائق، شرحا ~~يتبادل فيه سؤال وجواب، وكلام ورد على كلام. ويتخذ هذا الحوار ~~صورته الحادة في هيئة نزاع أو خلاف، كان له عند قدماء اليونان ~~أساتذته ms143 العارفون به المتمكنون منه # 56 # وهم الذين كان يسمى الواحد منهم بالديالكتيكوس # Dialecticus ~~. # في الحديث أو الحوار الديالكتيكي، وبخاصة في أحد صوره وهو ~~الديالوج، تتجلى حركة فكرية تدور بين قطبين هما الفكر السالب ~~والفكر الموجب. في هذه الحركة التي تتم بين النفي والتأكيد، أو بين ~~الموضوع ونقيض الموضوع، يكون ثمة مجال للحديث ونقيضه، للقول ~~والرد عليه. ومعنى هذا أن الحديث الذي يعد حالة أصيلة مميزة ~~من أحوال وجود الإنسان مع غيره هو في جوهره حديث مع الغير؛ # 57 # ومن ثم فإن الحديث الأصيل لا يمكن بحسب طبيعته أن ~~يحدد من قبل. ولا أن يملى من قمة جبل وحيد. # 58 # وليس من المستطاع كذلك أن يتعسف أو يفرض، بل لا بد ~~له لكي يحتفظ بحقيقته من أن ينمو ويتفتح في حرية من ذات ~~نفسه. # إن الحوار أو الديالوج هو العلاقة الأولية الأصيلة في حياة ~~الإنسان مع غيره، وهي أساس وجوده كحيوان اجتماعي. وفي هذه العلاقة ~~التي تتجسد في الحديث الحر بين إنسان وإنسان، تقف الأنا حرة ~~في مواجهة الأنت، في علاقة متبادلة، بعيدة عن إرادة السيطرة أو ~~المنفعة، مجردة عن المبدأ الذي يتسلط عليها أو يتحكم في ~~سيرها. هنا يتحقق الوجود الحي مع الآخرين، لا الوجود المجرد ~~من فوقهم. ويتصل السؤال والجواب، والأخذ والإعطاء، والنفي ~~والتأكيد، وترتبط حلقاتها في زمانية واحدة مباشرة؛ فالبعد الذي ~~يتحرك الحوار الديالوجي في دائرته بعد لم يتحدد تحديدا ~~قبليا ولا بعديا. لا من الماضي ولا إلى المستقبل، بل لا يمكن ~~إلا أن ينبثق في حضور نابض حي. # وبقدر ما يكون الديالوج علاقة أولية أصيلة بين أشخاص، ~~بقدر ما يفترض اللقاء الحق بين اثنين يعترف كلاهما بما لصاحبه ~~من شخصية كلية مفردة ومتكاملة. ويخاطب كل منهما الوجود ~~الكائن في صاحبه لا الوجود الذي لم يتحقق بعد. الإنسان الدي ~~يبحث عن الديالوج، يبحث عن وجوده الذي هو عليه، لا عن وجود مجرد ~~ملقى في غياهب الماضي أو ملتف بضباب المستقبل؛ ولذلك كان ~~الديالوج الحق ممكنا بين أناس يبقون ms144 على ما هم عليه؛ # 59 # فالعبارة التي أوردناها فيما تقدم والتي تقول «إن ~~المظهر يصنع الوجود» # 60 # لا يمكن أن تحتفظ في هذا السياق أيضا بصحتها، بل ~~الأولى الآن أن يقضى على المظهر وعلى الرغبة في الظهور من أجل ~~النفاذ إلى الوجود نفسه. # إن إنقاذ الديالوج معناه المحافظة على الإنسان في حالته النقية ~~الأصيلة، والرجوع به إلى منبع التمرد المعتدل المحدود. والدفاع ~~عن الديالوج على المستوى الإنساني معناه الدفاع عن القيمة البديهية ~~الأولى التي وجدناها في صميم التمرد، وتأكيد وجود «نحن نكون» عن ~~طريق التضامن الحر بين أناس يكافحون معا قدرا ظالما محالا؛ ~~ذلك أن هذا «البعض من الوجود»، # 61 # هذا الشيء الكامن في صميم الإنسان الذي يرى فيه ذاته ~~الحقيقية، وهذا الجزء من وجوده الذي يريد أن يخلق له الاحترام ~~والتقدير، لا يمكن الإبقاء عليه إلا عن طريق التواصل الشامل بين ~~الناس؛ أعني عن طريق الديالوج الحر بين بعضهم والبعض. وكل متمرد ~~يقف في صف الديالوج بين الناس، ويبذل جهده لإحيائه والإبقاء عليه، ~~إنما يقف في الوقت نفسه في صف الحياة، ويلزم نفسه بمكافحة ~~العبودية والرعب والكذب # 62 # وإذا كان التمرد بطبيعته احتجاجا على الموت، فهو لا ~~يملك إلا أن يصارع هذه الأوبئة الثلاثة التي تنشر الصمت أو ~~حكم المونولج بين الناس، وهو الذي ينتهي بالضرورة إلى القتل ~~والقسوة والعنف. # والأمر الآن مع المونولوج يختلف عنه مع الديالوج؛ فالأول يقوم ~~على حركة فكرية تتطور في خط مستقيم ، وتستخلص النتائج من ~~مقدماتها الضرورية؛ فبينما يحاول الديالوج أن يؤيد عدة حقائق ~~أو حقيقة واحدة من جوانب مختلفة، نجد المونولوج يهدف إلى إثبات ~~حقيقة واحدة عن طريق منهج محدد مرسوم من قبل. حينئذ يسقط ~~الاستقطاب الذي لاحظناه في الحوار الحر بين السؤال والجواب، ~~والموضوع ونقيض الموضوع، والكلام والرد على الكلام. هنا لا يكون ~~ثمة مجال للأخذ والعطاء، والمناقشة الحرة المستأنية بين الأطراف ~~المشتركة في الحديث؛ لأن هناك صوتا واحدا يملي من فوق، ولا ~~يستطيع ولا يريد أن يسمع إلا صداه. ويسقط وجود ms145 الطرف الآخر، ولا ~~يعود يعترف بشخصيته الواحدة الكلية المتكاملة، بل يرد إلى محض ~~شيء أو موضوع؛ ذلك لأن نفي الحديث، وهو بحسب ماهيته تخاطب مع ~~الآخرين يجعل «الشيء» يتقدم على «الشخص»، لا بل يحيل الشخص نفسه ~~إلى شيء أو أداة. # 63 # ويضيع التفتح الذاتي، الذي يقوم عليه كل حديث أصيل. ~~وينعدم السؤال، ولا يعود ثمة مجال إلا للجواب؛ أعني للصمت ~~والخضوع. بل إن المونولوج الذي يقع خارج دائرة السؤال-والجواب، ~~وخارج علاقة الأنا-بالأنت لا يمكن أن يحتمل التغير والصيرورة؛ ~~ومن ثم فهو يستبعد الزمانية من بنائه. إن المونولوج بطبيعته لا ~~زمني، وكل ما هو غريب عن الزمان فهو غريب عن الوجود. # هذا الصراع بين المونولوج والديالوج يظهر في أجلى صورة في رواية ~~كامي الأخيرة أو قل درته الفريدة «السقطة». # 64 # إن بطلها القاضي المكفر عن ذنبه جان بابتست كليمانس ~~يضرب لنا المثل الواضح على الحياة التي يقضيها صاحبها أسير ~~المونولوج. إن الشقاء الذي يعانيه الناس يرجع في نظره إلى أنهم لا ~~يقدرون على أن يدخلوا في حديث مشترك أصيل فيما بينهم، ولا أن ~~يعيشوا في حوار بكل ما يميزه من حرية وتفاهم، ومن محبة ~~وتعاطف. إنهم في نظر بعضهم مجرد موضوعات تلاحظ بعضها أو ~~تستخدم بعضها، فهم عاجزون عن تحقيق العلاقة الديالوجية الأصيلة ~~التي تربط الإنسان بالإنسان. إنهم يتحدثون حقا مع بعضهم، ولكن ~~أحاديثهم تمضي عبثا، ولا تحدث لقاء حقيقيا بينهم: «... نحن لم ~~نعد نقول كما كان يحدث في الأزمنة السالفة الطيبة: هذا هو رأيي، ~~فما هي اعتراضاتك عليه؟ لقد تفتحت اليوم عيوننا. واستبدلنا ~~بالديالوج الأوامر.» # 65 # إن حديث كليمانس مع صاحبه الذي لا نسمعه ولا نراه هو في الحقيقة ~~حديث مع ذاته، أو حوار باطني من طرف واحد، لا يستطيع هو نفسه أن ~~يسميه حديثا. وصاحبه الخفي زميله في المهنة والوطن، وهو بذلك ~~يمثل ذاته الماضية التي لا يكف عن اتهامها واتهامنا معها، في ~~مونولوج متصل يعيده علينا. # كان كليمانس محاميا ناجحا مرموقا في باريس، راضيا عن نفسه ~~وعن العالم، ms146 مغتبطا بفضائله الزائفة، سعيدا بتمثيل دور الإنسان ~~الطيب الشاعر بواجبه. ظل يعيش هذه الحياة الراضية المنافقة، لا ~~يعرف نفسه ولا يحاول أن يعرفها، حتى كانت تلك الليلة الحاسمة على ~~مفترق الطريق؛ كان يعبر على أحد جسور نهر السين فإذا به يسمع ~~صرخة مكتومة لامرأة شابة مجهولة، نحيلة متشحة بالسواد، كان ~~قد رآها منذ قليل مائلة بجسدها على سور الجسر. سمع صوت شيء ~~يرتطم بالماء، وتناهت إليه استغاثة فتوقف عن المسير، وتردد فلم ~~تواته الشجاعة الكافية ليحاول إنقاذها. ولم يطل تردده أكثر ~~من لحظات، ولكنها اللحظات التي تكفي لتغيير المصير: «كنت قد قطعت ~~حوالي الخمسين مترا عندما سمعت صوت اصطدام جسم بالماء. وعلى ~~الرغم من المسافة التي تفصلني عنه، فقد بدا لي في سكون الليل كأنه ~~صوت هائل مرتفع الضجيج. ظللت واقفا ولم ألتفت ورائي. وسمعت ~~في الوقت نفسه صرخة تتكرر عدة مرات، متجهة مع تيار النهر المنحدر ~~جنوبا، ثم خرست مرة واحدة. أردت أن أتابع سيري، ولكنني لم ~~أستطع أن أتحرك من مكاني. قلت لنفسي إن الأمر يحتاج إلى السرعة، ~~وأحسست كأن شيئا لا سبيل إلى مقاومته قد تسلط على جسدي ... رحت ~~أتنصت وأنا جامد في موضعي، ثم ابتعدت في خطوات مترددة والمطر ~~يتساقط علي. ولم أخبر أحدا.» # 66 # كانت سقطة هذه الشابة البائسة في الماء هي سقطته في الخطيئة، ~~ونقطة التحول في حياته. منذ تلك الليلة والصرخة التي لم يسمعها ~~أحد سواه ولم تستنجد بأحد غيره تتردد في أذنيه وتؤرق نومه: ~~نوديت، ولكنني لم أستمع إلى النداء. امتدت يد مجهولة، ذات ليلة ~~باردة معتمة تستنجد به. ولكنه لم يمد يده إليها، لم ينقذ ~~الغريقة ولا أنقذ نفسه معها. إنه الآن الغريق على اليابسة، ينادي ~~في صوت يائس بعد فوات الأوان: «أيتها الفتاة! ألقي بنفسك مرة ~~أخرى في الماء لكي يتسنى لي مرة ثانية أن أنقذك وأنقذ نفسي معك!» # 67 # من تلك الليلة وهو يحلل نفسه تحليلا ساخرا مريرا، ويوجه ~~الاتهام القاسي إليها وإلى البشر جميعا. إنه يكتشف الآن أنه ms147 لم ~~يحب إلا نفسه، ولا تذكر شيئا إلا نفسه. # 68 # والذي يعذبه أنه لم يستطع أن يحب إنسانا ولا أن ~~يحب من إنسان: «لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير أن يحب نفسه.» # 69 # وهو يمضي في اعترافاته فيقول: «إنني لم أتغير عما ~~كنت عليه، ما زلت أحب نفسي واستخدم غيري في مصلحتي.» # 70 # وأقرب الناس إليه لا يحبونه، بل يدينونه: ~~«تحدثت يا سيدي عن الحساب الأخير. لقد عانيت أسوأ ما يمكن أن ~~يعانيه الإنسان، وذلك هو حساب الناس.» # 71 # إنه لا يكتفي بأن يتهم نفسه ويدينها، فينبغي على ~~الآخرين أيضا أن يتهموه ويدينوه: «ولكن من لديه الجرأة ليحكم ~~علي في عالم بغير قضاة، عالم ليس فيه بريء؟» وهكذا يتكشف له ~~مجتمع الناس عن مجتمع من القضاة والمجرمين، كل من فيه متهم أو ~~متهم، يسيرون صفوفا ترتعش تحت نظرة قاسية يسلطها عليهم ~~قضاة محاكم التفتيش. لقد أصبح كليمانس قاضي نفسه ومتهمها ~~والمكفر عن ذنبها، يوجه اتهامه الساخر المرير إليها وإلى الناس ~~وإلينا جميعا. لقد أغلق أبواب مكتبه في باريس، وراح يسافر من بلد ~~إلى بلد، حتى استقر به المطاف في حي الميناء في مدينة أمستردام، ~~في حانة متسخة (مكسيكوسيتي بار) رخيصة، ينبش في ضمير كل من ~~يتحدث إليه، مثل نبي كاذب ينادي فيضيع صدى صوته في صحراء من ~~الضباب والحجارة والأنانية (واسمه اللاتيني يدل على صوت المنادي ~~في الصحراء). # وإذا كان كل قاض ينهي حياته بالندم أو بالرغبة في التكفير عن ~~الذنب، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدين غيره بغير أن يدين ~~نفسه معه، فإن كليمانس يرى من المحتوم عليه أن يسير في الاتجاه ~~المضاد؛ فيبدأ بالحكم على نفسه لكي يتسنى له بعد ذلك أن يصدر ~~حكمه عليهم ويفلت بذلك من حكمهم عليه، ثم يسير من «الأنا» ~~إلى «النحن»، حتى تصبح الصورة التي يضعها أمام الناس هي المرآة ~~التي يرى نفسه فيها، # 72 # وينتهي بأن يعمم حكم الإدانة على الجميع دون ~~استثناء ودون رحمة أو إشفاق «عندي لا تمنح البركة ms148 لأحد، بل ~~يقدم الحساب بكل بساطة.» # 73 # إن اتهام كليمانس لنفسه وللناس هو محاولته اليائسة الأخيرة ~~للإفلات من سجن ذاته والاتصال بالآخرين. ولكن اعترافه المفعم ~~بالشك والسخرية والمرارة لا يهدف إلى هداية الناس إلى الديالوج ~~(فسخريته القاتلة وتهكمه الهدام يحولان بينه وبين ذلك) بقدر ~~ما يهدف إلى تبصيرهم بهذه المعرفة المرة التي وصل إليها؛ نحن لا ~~نستطيع أن نهرب من الأنا. نحن نعيش في صحراء المونولوج. إنه، وهو ~~الذي عرف في النهاية أنه مذنب وأناني، يصمم الآن على أن يبدأ ~~حياة جديدة، وأن ينسى نفسه ولو مرة واحدة قبل مماته من أجل ~~إنسان آخر. # 74 # إنه الآن يرى الصورة الحقيقية المضادة له ولأشباهه ~~منعكسة في إنسان «كان صديقه يعيش في السجن، وكان هو ينام كل ليلة ~~على الأرض الرطبة العارية لكيلا يتمتع بشيء حرم منه صديقه المحبوب.» # 75 # ثم يسأل محدثه الخفي هذا السؤال الذي يفضح عذابه ~~وعذاب الناس في هذه الأيام: «من يا سيدي العزيز، من منا على ~~استعداد اليوم لأن ينام على الأرض من أجلنا؟!» # كاليجولا كذلك مثل على حياة المونولوج التي تنتهي إلى الجريمة ~~والقتل. يقول سيزوينا عنه: «إن روما بأسرها ترى كاليجولا في كل ~~مكان، ولكن كاليجولا لا يرى في الواقع إلا فكرته.» # 76 # لقد تملكته هذه الفكرة، كما تملك هو كل وسائل ~~البطش والقوة التي تمكنه من تنفيذها في الفعل والواقع. لم يستطع ~~أحد من رعيته أو المحيطين به أن يقنعه بأن فكرته ضرب من المحال. ~~وكل إنسان لا يمكن إقناعه فهو إنسان يبعث الخوف في النفوس. # 77 # إن كاليجولا يريد أن يصل إلى القمر، وأن يتخلص الناس ~~من الموت، وأن يجعل من المستحيل أمرا ممكنا. إنه بعبارة واحدة ~~يريد أن يحقق المحال على الأرض. ولكن ما بقي الناس يموتون ~~ويحسون بالشقاء، وما بقي المحال بعيدا عن أن يتحقق على هذه ~~الأرض، وكاليجولا بعيدا عن أن يلمس القمر بيديه، فهو مضطر إلى ~~أن يتابع منطقه المحال ويعتزل الحياة في المجتمع، ويحطم ~~الديالوج ليعلن حكم المونولوج. ms149 وهذه الحياة في المونولوج تتجلى ~~فيما يصدره من أوامر القتل بالجملة، ومن تدبير مجاعة مصطنعة. ~~وإهدار شرف رجال البلاط. ولا يبقى أمام كاليجولا في النهاية إلا أن ~~يموت باختياره، بعد أن عرف أنه ما من إنسان يستطيع أن ينقذ نفسه ~~بمفرده، وأن الحرية لا يمكن أن تتحقق على حساب الآخرين. # تصل المأساة إلى ذروتها، عندما يكون البطل أصم. # 78 # وكاليجولا واحد من هؤلاء الأبطال الصم، الذين لا ~~يستطيع أحد أن يقنعهم؛ لأنهم يوصدون دونهم أبواب الديالوج. ~~إننا نستطيع الآن أن نرى فيه أحد آباء الأيديولوجية الذين يستبدلون ~~بالإنسان الواقعي الذي يعيش في الحاضر فكرة مجردة عن إنسان آخر ~~لم يولد بعد، ولا يزالون يتنبئون به من جيل إلى جيل. إنهم ~~يعتقدون أنهم بأفكارهم المطلقة يملكون الحق المطلق. وليس في وسعهم ~~ما داموا يعيشون في المونولوج إلا أن يتبعوا منطق المحال عند ~~كاليجولا، الذي رأينا كيف انتهى بالضرورة إلى القتل والبطش ~~والتعذيب. وعلى ذكر المنطق يجدر بنا على كل حال أن نلاحظ أن ~~كامي لا يعترض على المنطق ولا يدحض التفكير المعقول في حد ذاته، ~~بل يعترض على الأيديولوجية التي تستبدل بالواقع الحي سلسلة من ~~الحجج المنطقية، وتعصب عينيها عن الحياة لتلقي بنفسها في أحضان ~~التجريد. لقد حاولت الفلسفات التقليدية في رأيه أن تفسر العالم، ~~لا أن تفرض عليه قانونا بعينه، كما تفعل الأيديولوجيات ~~المعاصرة. # كان الوباء كما رأينا مونولوجا طويلا مجردا، أمام ما يمكن ~~أن نسميه بدولة المونولوج. اختفت العواطف في هذه الدولة ليحل ~~محلها التجريد، تلاشى الجسد واللامعقول وتركا مكانهما للفكرة ~~والمنطق. وضع الإنتاج في موضع الإبداع الحي الخلاق، وبطاقة ~~التموين في مكان الخبز، والنظرية والمذهب محل الصداقة والحب. ولم ~~يكن عجيبا بعد هذا أن يكون المونولوج رمزا لعالم الرعب المنظم المعقول، # 79 # وأن تحل الدعاية والجدل - وهما نوع من المونولوج - ~~محل الديالوج، وهو العلاقة الأولية الأصيلة التي تؤلف بين الناس. # 80 # هكذا يقوم عالم المونولوج؛ أعني عالم الشمول والمحاكمات والثورات ~~التي أفلتت من كل حد ومقياس في مواجهة ms150 عالم الديالوج؛ أعني ~~عالم الوحدة والصداقة والتمرد المعتدل المحدود. لقد بدأ الصراع ~~العظيم غير المتكافئ بين قوى الرعب وبين قوى الديالوج. # 81 # وهذا الصراع المستمر بين الديالوج والمونولوج، بين ~~الإقناع والإرهاب هو في الوقت نفسه صراع بين الحد وبين الإفلات ~~من كل الحدود، بين التردد الذي يثور ليؤكد حقيقته القائلة: «نحن ~~موجودون»، وبين الثورات التاريخية التي لا تمل من تكرار شعارها: ~~«نحن سوف نوجد في المستقبل». # ليس في استطاعة أحد أن يتكهن بنتيجة هذا الصراع، وليس له ~~أيضا أن يخدع نفسه بالتفاؤل أو بالتشاؤم. ولكن علينا مع ذلك أن ~~نؤمن دائما بأن هناك في العالم كثيرين قد صمموا على مواصلة هذا ~~الصراع. إن برنامج الغد لا يمكن إلا أن يكون هو دولة الديالوج أو ~~الموت الرائع لشهوده وأنصاره. # 82 # والأمر بعد ليس أمر إعادة العلاقة الديالوجية بين ~~شخص وآخر، أو بين نظامين اجتماعيين أو أيديولوجيتين مختلفتين ~~فحسب، بل هو قبل كل شيء العمل على إزالة «سوء التفاهم» الذي ~~يحطم كل إمكانيات الحوار الأصيل بين الإنسان والعالم. إن الإنسان ~~الذي يعلن تمرده على المحال في صوره الميتافيزيقية والاجتماعية ~~والتاريخية لا يطمح في نهاية الأمر إلى شيء مقدار طموحه لإعادة ~~حقيقة الديالوج إلى قيمتها وأصالتها الأولى. وتمرده لا يكون ~~تمردا بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة حتى يقف في وجه المونولوج ~~(أعني في وجه السيادة المجردة المطلقة للمحال) ليؤيد الديالوج ~~(أعني التراحم الشامل بين الإنسان والإنسان والتفاهم الحقيقي بينه ~~وبين العالم)؛ فإنقاذ الديالوج هو الواجب الأساسي الملقى على ~~عاتقيه في العصر الحديث، وهو في نفس الوقت تأكيد لطبيعة ~~إنسانية مشتركة بين الناس جميعا على اختلاف ميولهم وأجناسهم ~~وعقائدهم، وعود إلى المنبع الأصيل للتمرد الحي الخلاق. ~~(د) عبارة كامي وعبارة ديكارت # يؤكد كامي في مواضع عديدة من كتاباته قرابته الروحية ~~والعقلية لديكارت؛ فليس المحال على مستوى الوجود مكافئا للشك ~~المنهجي عند ديكارت فحسب، # 83 # وليس تحليل عاطفة المحال في كتابه «أسطورة سيزيف» ~~مجرد تطبيق لهذا الشك المنهجي على هذا «الداء الروحي» الذي ~~يعاني منه العصر، ms151 # 84 # بل إنه يذهب إلى أن التمرد يقوم في مجال التجربة ~~الإنسانية بنفس الدور الذي يقوم به الكوجيتو (أنا أفكر) الديكارتي ~~المشهور في مجال الفكر. ويعبر كامي عن هذا التشابه تعبيرا ~~واضحا في عبارته التي أوردناها مرارا في الصفحات السابقة ونعني ~~بها عبارة «أنا أتمرد، فنحن إذن موجودون»، وهي التي تشبه من حيث ~~صياغتها اللغوية على الأقل صياغة الكوجيتو المشهور: «أنا أفكر فأنا ~~إذن موجود». # 85 # وسوف نحاول الآن، مستعينين بالكوجيتو الديكارتي، أن ~~نحلل عبارة ديكارت لنرى مدى التشابه بينها وبينه ولنتعرف على ~~بنائها وطبيعتها. # من المعلوم أن عبارة ديكارت المشهورة، التي تسمى في صياغتها ~~بالمختصرة باسم الكوجيتو، ترد في الصيغة الآتية: أنا أكون أنا ~~موجود # Ego sum, ego existo # 86 # أو في الصيغة الأخرى الذائعة الصيت، التي فضلها ~~ديكارت نفسه وإن كانت لا تخلو من الغموض وازدواج المعنى: أنا أفكر، ~~فأنا إذن موجود # Ego cogito, ergo ~~Sum # 87 # إن ديكارت يطبق الشك إلى أقصى مداه، في تماسك ~~منطقي شديد؛ إنه لا يستثني حقيقة واحدة لا يضعها موضع الشك ~~والسؤال، لا يفاضل في ذلك بين حقيقة وأخرى، ولكن هذا التطبيق ~~الكامل للشك، باعتباره فعلا من أفعال الفكر، ينطوي هو نفسه على ~~الفعل الذي ينتصر على الشك ويلغيه. ويمكن أن نعبر عن ذلك في هذه ~~الصورة: «إنني لا أستطيع، وأنا أشك في كل شيء، أن أشك في ~~شكي.» # هذا العجز من جانبي عن الشك في الشك يجعل من فعل الفكر السالب ~~معرفة إيجابية موضوعية يعبر عنها الشطر الثاني من جملة أنا ~~أفكر فأنا إذن موجود؛ فالبداية السلبية النافية التي ابتدأ منها ~~التفلسف؛ أعني الشك القاطع في كل شيء لا أجد أنه بلغ من اليقين ~~مبلغا مطلقا، هو الذي يمهد لي الطريق إلى يقين إيجابي لا ~~يتزعزع، وأعني به أنني لا أستطيع أن أشك في شكي. وإذن فيقين ~~الكوجيتو الذي لا يتزعزع لا يمكن فهمه إلا من الشك الشامل في كل ~~شيء، وهو الذي لا يمكنه أن يشك في نفسه. وإذن فلا ms152 بد من أن نفهم ~~هذا الفعل الفكري الفريد المباشر فهما ديالكتيكيا. بحيث نستطيع ~~أن نعبر عنه على هذا النحو: «أنا أشك في كل شيء، أنا لا أستطيع ~~أن أشك في كل شيء.» # 88 # ومعنى هذا أن النظر في الكوجيتو - أنا أفكر، إذن فأنا ~~موجود - نظرة مستقلة عن دليل الشك يؤدي إلى اعتباره صياغة ~~مختلطة يمكن أن تحمل على أكثر من معنى، وربما فهم على أنه ~~قياس من النوع الذي يسمى في المنطق باسم قياس تحصيل الحاصل، ~~كما فعل كانت بالفعل. # 89 # ويهمنا الآن أن نسأل إلى أي حد يشبه المحال الشك المنهجي؟ ~~وهل يمكن أن نقارن بين تفكير المحال وبين شك ديكارت؟ # حقا إن كامي يعلن في بداية كتابه «أسطورة سيزيف» أن تأملاته عن ~~«مرض العصر» خطوة مؤقتة، وأنه لا يصح أن يتعجل القارئ بالحكم ~~على وجهة النظر التي تعرضها. وإذن فوصف المحال أو مرض العصر، الذي ~~يسميه بالتأمل المحال، نقطة ابتداء أولية ضرورية، مهمتها أن ~~تمهد الطريق لشفاء هذا المرض والتغلب عليه. حتى إذا جاءت مرحلة ~~التمرد، وجدناه في الصفحات الأولى من كتاب «التمرد» يشبه ~~المحال بالشك المنهجي عند ديكارت ويضعه معه على قدم المساواة، ~~ولكننا لو أمعنا النظر قليلا لوجدناه يختلف عن الشك المنهجي ~~اختلافا أساسيا. # الواقع أننا نستطيع أن نتحدث عن «كوجيتو المحال» عند كامي، ~~ولكننا مضطرون إلى التفرقة بينه وبين الكوجيتو الديكارتي؛ ~~فالتحليل الدقيق الذي يقوم به لمرض العصر لا يمكن أن يطابق الشك ~~المنهجي مطابقة تامة؛ فهو من ناحية يفوق في تطرفه الشك ~~الديكارتي، حتى لنستطيع أن نقول إنه في وصفه للمحال يغالي في ~~الشك، بل في الرفض والإنكار، مغالاة تسد عليه طريق التغلب ~~عليه فيما بعد. ولعلنا قد لاحظنا من الصفحات السابقة أن النفي ~~في التأمل المحال أقوى وأبعد بكثير من النفي في الشك المنهجي ~~الذي يظل على الرغم من كل ما يزعمه ديكارت شكا مؤقتا؛ ذلك أن ~~الشك عند كامي - وكلمة الشك كلمة مخففة بغير نزاع للرفض ~~المطلق الذي ينطوي عليه المحال - لا ms153 يمتد إلى الحقائق اليقينية ~~التقليدية فحسب، بل إنه يستبعد كل إمكانية في بلوغ اليقين بما هو ~~كذلك، كما ينكر أن تكون ثمة حقيقة على وجه الإطلاق، ولكن ~~التأمل المحال من ناحية أخرى - وفي هذا يكمن التناقض الحقيقي ~~الذي ينطوي عليه المحال الذي يضم اللحظتين المتضادتين في ~~بنائه الديالكتيكي، ونعني بهما اللا والنعم، أو النفي والتأكيد - ~~يسمح منذ البداية بوجود يقين لا يمسه، ونعني به الوعي؛ # 90 # فالنفي في المحال يمتد إلى كل شيء، ما خلا هذا اليقين ~~الأول البين بنفسه، بل إننا لنستطيع أن نضيف إلى هذا أن الوعي ~~يزداد تماسكا مع كل فعل من أفعال النفي، ويزيد في تأكيد يقينه ~~وحقيقته. # فإذا كان ديكارت قد بدأ من الشك المنهجي الشامل الذي لا يلبث ~~أن يتعرف على وجود الأنا الشاكة في فعل الشك نفسه، فإن كامي ~~يبدأ من الوعي، أو الأنا المسلم بوجودها لكي يشك بعد ذلك شكا ~~شاملا في كل شيء (ما خلا هذه الأنا نفسها!) بذلك لا ينقلب الشك ~~عنده إلى زعم ميتافيزيقي شامل. إنه يؤكد وجود «أنا» تضع كل شيء ~~ما عداها موضع الشك، وتزهد في قيمة العالم، ولكنها لا تقبل ~~لقيمتها هي أن تمس؛ # 91 # فالعناد والتصميم هنا أهم بكثير من البحث المنهجي عن ~~حقيقة يقينية مؤكدة؛ إذ إن الحقيقة بما هي حقيقة شيء لم يمل ~~كامي من الشك فيه كما رأينا من قبل. # قلنا إن عبارة كامي تشبه الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر، إذن فأنا ~~موجود) على الأقل من ناحية الصياغة. إنها تقول: أنا أفكر، إذن فنحن ~~موجودون. ويتضح لنا على الفور أن الإنسان الذي يقابلنا في هذه ~~العبارة ليس هو الإنسان المفكر الذي رأيناه في الكوجيتو. إنه ~~إنسان متمرد، يكتشف وجوده في الفعل لا في الفكر. وأول سؤال ~~يتبادر إلى الذهن هو هذا السؤال: ما الذي يسبق الآخر: الوجود أم ~~التمرد؟ # غير أن هذا السؤال، الذي يقوم على الخلاف النوعي بين التمرد ~~والوجود، يستند هو نفسه على الاعتقاد الخفي بأن عبارة «أنا أتمرد، ~~إذن فنحن ms154 موجودون» نوع من القياس أو الاستدلال يستنبط فيه الوجود ~~من التمرد. ولكن لما كان الوجود والتمرد كما رأينا من قبل ~~يكونان في الحقيقة وحدة واحدة، بل كان التمرد كلمة أخرى للوجود ~~الحقيقي؛ أعني للوعي الناصع العنيد عند الإنسان، فإن مثل هذا ~~القياس لا يمكن إلا أن يكون مجرد تحصيل حاصل. فالواقع أن عبارة ~~كامي لا يمكن أن تفهم فهما منطقيا-صوريا، بل ينبغي أن ينظر ~~إليها نظرة ديالكتيكية-وجودية في فعل التمرد الفريد. ولو حاولنا ~~أن نضع العبارة في صورة قياس صوري لكان من المحتمل أن تتكون ~~لدينان هذه الأقيسة الثلاثة: ~~(أ) # كل ما يتمرد فهو موجود. # أنا أتمرد، # إذن فأنا موجود. ~~(ب) # حين أتمرد، أوجد. # أنا أتمرد، # إذن فأنا موجود. ~~(ج) # في كل مرة أتمرد فيها أوجد. # أنا أتمرد الآن، # إذن فأنا الآن موجود. # والملاحظ لأول وهلة على هذه الأقيسة الثلاثة أننا نفتقد فيها ~~«النحن» الموجودة في الجزء الأخير من عبارة أنا أتمرد، إذن فنحن ~~موجودون، وأنها لا تبرر لنا الانتقال من «الأنا» إلى «النحن». ~~أضف إلى هذا أن الأقيسة الثلاثة تنكر جوهر التمرد، حيث يصل ~~الوعي لأول مرة إلى الوعي بنفسه في فعل التمرد، وبذلك يسقط ~~عنصر المباشرة والذاتية بين التمرد والوجود. # ولا بد لنا، لكي نستطيع تعليل الانتقال من الأنا إلى النحن، أن ~~نعود إلى التمرد نفسه؛ فالتمرد الذي يتجه بطبيعته ضد المحال، ~~ينطوي كما رأينا على ديالكتيك النعم واللا، والتأكيد والنفي في ~~وقت واحد. إنه يضع لنفسه حدا، تعينه الطبيعة الإنسانية، ~~فيقول نعم لكل ما يعترف بهذه الطبيعة، ولا لكل ما يحاول أن ~~يتخطاها؛ فأنا حين أتمرد أهب كياني كله في سبيل الدفاع عن ~~طبيعة أو كرامة إنسانية مشتركة ؛ أي إنني أتخطى ذاتي المحدودة ~~إلى «الآخرين» من البشر جميعا، الذين اكتشفت في فعل التمرد ~~اتحادهم معي في إنسانية واحدة. إن علي، لكي أوجد، أن أتمرد، # 92 # وإذا لم أعترف بالطبيعة الإنسانية عند سواي من الناس، ~~فلن يكون في وسعي أن أتعرف على نفسي كإنسان؛ فنحن إن لم نكن ms155 ~~موجودين، لم يكن لي أنا أيضا وجود. # 93 # وإذن فعبارة «حين أتمرد أوجد» تسبقها بالضرورة ~~عبارة «نحن نوجد حين نتمرد»، كما أن عبارة «نحن موجودون» عبارة ~~صادقة بالضرورة، ما دمت أتمرد باسم الجميع. # إن عبارة «أنا أتمرد، إذن فنحن موجودون.» لا يمكن أن ينظر إليها ~~مستقلة عن مجموعة الأفكار التي ينطوي عليها التأمل المحال. وكلما ~~وقعنا في هذا الخطأ، ظهرت العبارة غامضة مفتعلة، وقد تبدو كما لو ~~كانت تحصيل حاصل. إن يقين الوجود الجمعي يقوم على الكفاح المشترك ~~ضد المحال؛ أعني على التضامن. وكما أن الذي يشك في كل شيء لا ~~يستطيع أن يشك مع ذلك في كل شيء، ولا بد له على الأقل أن يؤمن ~~بشكه هو أو بالأنا التي تقوم بهذا الشك، فكذلك الإنسان المتمرد ~~الذي يطلق صرخته في وجه المحال لا يستطيع أن يشك في صرخته، ولا ~~بد له على الأقل من أن يؤمن باحتجاجه. # 94 # ويمكن أن نعبر عن هذه الفكرة على نحو ديالكتيكي في ~~حكمين يرفع أحدهما الآخر: ~~(أ) # إن المحالية يمكن أن تشمل كل شيء. ~~(ب) # إنها لا تستطيع أن تمتد على صرختي أو احتجاجي على ~~هذه المحالية نفسها. أو هي بعبارة أخرى لا تستطيع أن ~~تشمل الوعي بهذه المحالية. # وخلاصة القول إن عبارة كامي، مثلها في ذلك مثل عبارة ديكارت، لا ~~يمكن أن توضع في صورة قياس منطقي؛ فالأمر فيها ليس أمر استنتاج ~~عقلي، بل فعل ديالكتيكي وجودي للموجود. والموجود الحق هو دائما ~~ذلك الكائن الذي يتميز بالوعي ويثور على المحال، ولن يكون ذلك ~~الكائن سوى الإنسان. # | خاتمة # حاولنا في هذا الكتاب أن نستخلص اللحظات الفلسفية في فكر ألبير كامي ~~وأن نعرضها من خلال تطورها العام في صورة كلية شاملة. وقد يتبين ~~لنا الآن أن من الخطأ أن ننظر إلى التطور الفكري عند كامي كما لو كان ~~يسير في خط مستقيم، يرتفع من المحال إلى التمرد، ومن التمرد إلى ~~التضامن. كما أن من الخطأ أن ننظر إلى هذا التطور وكأن التمرد ~~ينتصر على ms156 المحال ويلغيه إلغاء؛ فالواقع أن هاتين اللحظتين يرتبطان ~~ببعضهما ارتباطا وثيقا، ويكونان ذلك التوتر الأساسي الذي يضفي ~~على الكل طابعه الديالكتيكي. والذي يتحقق بالفعل هو ما شئنا أن ~~نسميه بالاتساع في المجال، الذي يبرز فيه الإيجاب من النفي نتيجة ~~للالتقاء مع الواقع الجديد، بكل ما يحمل من مشكلات وأسئلة ~~جديدة. # الأمر إذن، كما نرجو أن يكون قد تبين بوضوح من الصفحات السابقة، ~~هو أمر ديالكتيك، أو منهج جدلي، يعد في حقيقته بحثا متصلا ~~معذبا عن التوازن في المركب والتأليف. # 1 # وإذا كان كامي لم يصف نفسه في أي موضع من كتاباته بأنه ~~مفكر ديالكتيكي بالمعنى المنطقي لهذه الكلمة، فقد كان من اليسير ~~دونما حاجة إلى مزيد من الجهد أو حدة النظر أن نتتبع الطابع ~~الديالكتيكي الذي يميز تفكيره الفلسفي في كل مراحله. # لقد رأينا كيف أن فلسفة كامي تبدأ من التناقض وتتلقى منه دفعة ~~الحياة. ولم يكن هذا التناقض من النوع المنطقي الصوري، بل كان ~~تناقضا ديالكتيكيا وجوديا، تناقضا معاشا ممزقا للقلب، هو ~~نقطة انطلاق الفكر الفلسفي وقمته في آن واحد. إن النفي كامن في ~~صميمه، ولكنه النفي الذي ينطوي في ذاته على الإيجاب ويظهره للوجود؛ ~~فكل نفي يحتوي على ازدهار النعم، # 2 # وكل «لا» تفترض وجود «نعم» سابقة عليها. # 3 # كان المحال سالبا ونافيا بمقدار ما كان يمهد الطريق للوصول إلى ~~يقين واضح بين، ويعد الوجدان للوعي بقيمة كلية شاملة، وأعني ~~بها الطبيعة الإنسانية. وكان التمرد سالبا ونافيا، بمقدار ما بين ~~لنا من خلال الحركات الثورية في تاريخها الطويل ما يخالف حقيقته، أي ~~ما ليس بتمرد. ومرت أمام أبصارنا صور التمرد التي انبثقت في الأصل ~~منه، ثم ما لبثت بعد ذلك أن حادت عنه وانحرفت إلى التمرد ~~الميتافيزيقي والثورة التاريخية. وهكذا لم يتيسر لنا أن نتعرف على ~~حقيقة التمرد إلا بعد التعرف على كذب الثورة. # 4 # إن فكر كامي الفلسفي يؤكد وينفي، ويوافق ويرفض في آن واحد. إنه ~~يحاول أن يحافظ على الحد والمقياس الذي يحقق التوازن بين الطرفين ms157 المتضادين. # 5 # فالثنائية الأصيلة المشحونة بالتوتر، ثنائية النعم ~~واللا، والوجود والتحول، والذات والموضوع، والحياة والموت، والسعادة ~~والمأساة، والحب للحياة واليأس منها، والنور والظل، والحد والانفلات من ~~كل الحدود، وفكر الظهيرة وفكر منتصف الليل، والديالوج والمونولوج، ~~والبحر والسجون ... إلخ. # 6 # هذه الثنائية الحاسمة للحظتين متضادتين هي التي تكون ~~علاقة التوتر الديالكتيكي الكامنة في الوجود نفسه، التي سميناها ~~بالتمزق، وقلنا عنها إنها هي جوهر التمرد. إن كل لحظة منهما تشغل ~~مكانها داخل توتر ذي قطبين، لا تتلقى معناها من ذاتها وحدها، بل ~~تتلقاه كذلك من القطب المضاد لها، أو من علاقة التضاد نفسها. هذا ~~الاستقطاب الديالكتيكي يتخلل أعمال كامي ويطبعها بطابعه. إن في ~~الحرمان الامتلاء، كما أن في الفرحة اليأس، وفي محالية الحياة زيادة ~~الإقبال على الحياة، كما أن في النفي التأكيد، وفي التمرد الموافقة ~~والترحيب. وما المحال والتمرد سوى قطبين متقابلين لنفس علاقة ~~التوتر الديالكتيكي التي لا سبيل إلى رفعها أو التغلب ~~عليها. # يعلمنا الديالكتيك أن الوحدة تأتي بعد التضاد. # 7 # والحق أننا نلمح في تفكير كامي محاولة تهدف إلى تحقيق ~~المركب الخلاق، # 8 # تتبين لنا في الديالوج وفي الإبداع الحي في مجالات ~~الفن والعمل والأخلاق. غير أن هذه المرحلة الثالثة والأخيرة من كل ~~تطور ديالكتيكي، التي تسعى إلى الوصول إلى وحدة الأضداد في الفكر ~~والشعور، وتبغي حل المتناقضات في التاريخ والفن، مرحلة لم يصل إليها ~~تفكير كامي ولا كان في استطاعته أن يصل إليها؛ فطبيعة تفكيره نفسها ~~تحول بينه وبين بلوغ الانسجام بين الأضداد أو التخفيف من حدة الصراع ~~الناشب في قلب الوجود نفسه. إن الحقيقة تتطور فيه على نحو ديالكتيكي ~~وجودي، يعبر عن قلق الفكر المتمرد الذي يصارع المحال في مظاهره ~~الميتافيزيقية والتاريخية المختلفة؛ ومن ثم كان تفكير كامي في صميمه ~~محاولة لغزو هذه الحقيقة التي تعذبه في كل لحظة غزوا متجددا، ~~وإلقاء الضوء عليها بكل ما يملك من وسائل الفن والتعبير. # 9 # هذه الحقيقة تتكشف من خلال الصراع الدائم بين التمرد والمحال. ~~وليس المحال والتمرد - وما هما بالرفض ms158 المطلق ولا الموافقة ~~المطلقة بل ينطويان عليهما جميعا - في نهاية الأمر إلا التمزق ~~المتصل الذي يعانيه الإنسان الباحث عن التوازن في عالم يفيض ~~بالاضطراب، وعن الحد والمقياس في عصر أفلت من كل حد ومقياس. ~~إنهما معا يظلان أسيري علاقة التضاد الحادة التي أشرنا إليها. # إن الموقف المحال الذي يحيط بالوجود الإنساني والتمرد المتصل ~~عليه يتميزان بطابع التضاد الأساسي. وكون هذا التضاد لا يقبل ~~«الرفع» هو الذي يميز طبيعته. وكل من يقبل الموضوع ويرفض نقيضه إنما ~~يهدر معنى الموقف الإنساني كله. وكل من يحاول الوصول إلى مركب ~~التأليف، إنما يحطم في الوقت نفسه هذا الموقف ويفقده معناه. وليس ~~للموقف من معنى إلا أن يعاش التضاد فيه بكل ما ينطوي عليه من حدة ~~وتوتر؛ فالحياة في المحال (الذي يشتمل دائما على بذرة التمرد) ~~معناها الحياة في التمزق، فما الحياة نفسها إلا هذا التمزق. # 10 # بهذه النظرة تكون الحياة محاولة متصلة يبذلها الإنسان لكي يحافظ ~~على هاتين القوتين المتضادتين المتصارعتين، ونعني بهما العاطفة ~~الملتهبة للحياة والوعي الناصع بمحاليتها. وليست حقيقة الوجود، ~~المقتصر بكليته على حدود هذه الأرض - فليس خارج هذا العالم نجاة # 11 ~~- إلا الوحدة التي تتألف من اجتماع الضدين؛ النفي ~~والتأكيد، الرفض للواقع والموافقة عليه؛ أي المحال والاحتجاج الواعي ~~عليه عن طريق التمرد. وها هو وكامي يعلن للمرة الأخيرة عن غربة ~~الإنسان في العالم وعرس زفافه عليه، عن عاطفته المتحمسة للحياة ~~وكرهه العنيد للموت، عن عظمة الإنسان وعن تعاسته: «هنالك عرفت كيف ~~ترقد الموافقة في صميم تمردي.» # 12 # مثلما يجتمع السكون والحركة في القوس المشدود، كذلك يتلامس الطرفان ~~هنا في آن واحد، ولعلنا لا نجد شيئا يعبر عن فكر كامي خيرا مما ~~تعبر عنه فكرة باسكال التي يقول فيها: «إن الإنسان لا يظهر عظمته ~~حين يلمس طرفا واحدا ، بل حين يلمس الطرفين معا في آن واحد، ويشغل ~~كل ما يقع بينهما من فراغ.» # 13 # | قائمة المصادر والمراجع # أولا: أعمال كامي ~~(أ) المقالات الفلسفية # Le mythe de Sisyphe, essai sur l’absurde ~~(1940-1941), Paris, ms159 Gallimard, 1942. 31 éd., augm. d’une ~~étude sur Franz Kafka (Les essais. 12), Paris, ~~Gallimard, 1946. # أسطورة سيزيف، مقال عن المحال (1940-1941م)، ~~باريس، جاليمار (ظهرت منه طبعة أخرى في عام ~~1946م، زودت بدراسة عن فرانز كافكا). # Remarque sur la révolte, in: Existence. La ~~métaphysique, coll. dirigée par Jean Grenier, Paris, ~~Gallimard, 1951. L’homme révolté (1945-1951), Paris, ~~Gallimard, 1951. # ملاحظة عن التمرد، نشر في كتاب «الوجود» ضمن ~~مجموعة «الميتافيزيقا» التي يشرف عليها جان ~~جرنييه، باريس، جاليمار، 1951م. # L’Homme révolté, Paris, Gallimard, ~~1951. # المتمرد، باريس، جاليمار، 1951م. ~~(ب) المقالات الأدبية # L’envers et L’endroit (1935-1936), Charlot, ~~Alger, 1936. # الظهر والوجه (1935-1936م)، الجزائر، شارلو. ~~ظهرت طبعة جديدة منه في عام 1954م، مع مقدمة ~~هامة. # Noces (1936-1937), Charlot, Alger, 1938. ~~Gallimard, Paris 1947. # أعراس (1936-1937م)، الجزائر، شارلو، 1938م ~~(ظهرت منه طبعة أخرى عند الناشر)، جاليمار، ~~1947م. # L’été (1939-1953), Paris, Gallimard, ~~1954. # الضيف (1939-1953) باريس، جاليمار، ~~1954م. ~~(ج) قصص وروايات # L’étranger (récit), (1939-1940), Paris, ~~Gallimard, 1942. # الغريب (1939-1940م)، باريس، جاليمار، ~~1942م. # La Peste (Chronique), (1943-1947), Paris, ~~Gallimard, 1947. # الوباء (1943-1947م)، باريس، جاليمار، ~~1947م. # La chute (récit), (1955-1956), Paris, ~~Gallimard, 1956. # السقطة (1955-1956م)، باريس، جاليمار، ~~1956م. # L’exil et le royaume (Nouvelles), ~~(1953-1957), Paris, Gallimard, 1957. # المنفى والمملكة (قصص قصيرة)، 1953-1957م، ~~باريس، جاليمار، 1957م. ~~(د) مسرحيات (باستثناء المسرحيات المترجمة ~~والمقتبسة) # Caligula (1938), Le malentendu (1942-1943), Paris, Gallimard, 1944. # كاليجولا (1938م)؛ سوء فهم (1942-1943م)، باريس، ~~جاليمار، 1944م. # L’état de Siège (1948), Paris, Gallimard, ~~1948. # حالة الحصار (1948م) باريس، جاليمار، ~~1948م. # Les Justes (1948-1949), Paris, Gallimard, ~~1950. # العادلون (1948-1949م)، باريس، 1950م. ~~(ه) رسائل # Lettres à un ami allemand (1942-1944), Paris, ~~Gallimard, 1945. # رسائل إلى صديق ألماني (1942-1944م) باريس، ~~جاليمار، 1945م. ~~(و) خطب وأحاديث # Die Krise des Menschen, deutsche Ubertragung ~~in: “Die Ameri-kanische Rundschau” III, 12, ~~1947. # أزمة الإنسان، ترجمة ألمانية نشرت في المجلة ~~المذكورة. # Discours de Suède, Paris, Gallimard, ~~1958. # حديث السويد، باريس-جاليمار، 1958م (ألقاه ~~بمناسبة الإنعام عليه بجائزة نوبل، في العاشر من ~~ديسمبر عام 1957م في ستوكهولم). ~~(ز) مجموعات من الأحاديث والمقالات والإجابات # Actuelles I, Chroniques 1944-1948, Paris, ~~Gallimard, 1950. # Actuelles II, Chroniques ms160 1948-1953, Paris, ~~Gallimard, 1953. # Actuelles III, Chroniques Algérienne, ~~1939-1958, Paris, Gallimard, 1958. # جمعت كلها في الأجزاء الثلاثة من كتاب «مشكلات معاصرة» ~~التي ظهرت بين عامي 1950م و1958م، لدى الناشر جاليمار في ~~باريس. # ثانيا: أعمال عن كامي # Bespaloff, Rachel, Le monde du condamné à mort, ~~in: Esprit, numéro consacré à Camus, Les carrefours de Camus ~~I8 année, P.1-27, Janvier 1950. # بسبالوف، عالم المحكوم عليه بالموت، في مجلة أسبري، ~~ص1-27، يناير 1950م. # Blocker, Günther, Die neuen Wirklichkeiten. ~~Linien und Profile der modernen Literatur, Berlin, Argon ~~Verlag, 1959, S. 267-277. # بلوكر، جنتر، الواقع الجديد، خطوط وملامح في الأدب ~~الحديث، برلين، مطبعة أرجون، 1959م، ص267-277. # Boisdeffre, Pierre, Albert Camus; in: La Revue ~~des Deux Mondes, Fevrier 1960, p.398-414. # بواديفر، بيير، ألبير كامي في مجلة العالمين، فبراير ~~1960م، ص398-414. # Albert Camus ou l’expérience tragique; in: ~~“Métamorphose de la littérature, t. II, de Proust à Sartre”, Paris, Ed. Alsatia, 1953, p.309-379. # بواديفر، بيير، ألبير كامي أو التجربة ~~التراجيدية-باريس، ألساتيا، 1953م، ص309-379. # Bondes, François, Albert Camus’ Meisterwerk. Zu ~~seiner Erzählung “La chute”, in: Der Monat, Heft 94, 8. ~~Jahrg, Juli 1956, S. 67-71. # بونديس، فرانسو، رائعة ألبير كامي - حول قصته، ~~السقطة - مجلة الشهر، العدد 94، يوليو 1956م. # Der Aufstand als MaB und Mythos, in: Der Monat, ~~Heft 61, 6. # Jahrg, Oktober 1953, S. 87-96. # بونديس، فرانسو، الثورة كمقياس وأسطورة، مجلة الشهر، ~~العدد 261، أكتوبر1953م. # Brée, Germaine, Camus, Rutgers University Press, ~~New Brunswick, N. J., 1959. # بري، جرمين، ألبير كامي، مطبعة جامعة روتجرز، ~~نيوبرنشفيك، 1959م. # Brisville, Jean-Claude, Camus, La Bibliothèque ~~Idéale, Paris, Gallimard, 10éd. 1959. # برسفيل، جان كلود، كامي، المكتبة المثالية، باريس، ~~جاليمار، الطبعة العاشرة، 1959م. # D’Astorg, Bertrand, De la Peste ou d’un nouvel ~~humanisme, in: Aspects de la littérature européenne depuis ~~1945, Paris, Ed. Du Seuil, 1952, p.191-200. # داستورج، برتراند، الوباء أو الإنسانية الجديدة، ~~معالم الأدب الأوروبي بعد عام 1945م، باريس، دوسي، ~~1952م، ص191-200. # Gabriel, Leo, Existenziphilosophie, Wien ~~1951. # جابرييل، ليو، فلسفة الوجود، فينا، 1951م. # Hanna, Thomas, The thought and art of A. Camus, ~~Henry Regnery ms161 Company, Chicago 1958. # هانا، توماس، فكر كامي وفنه، شيكاغو، شركة هنري ~~رجنري، 1958م. # Hommage à A. Camus, (1913-1960) La Nouvelle Revue ~~Française. Paris, Année o., 1960, n. 87. # تكريم ذكرى ألبير كامي، العدد 87 من المجلة الفرنسية ~~الجديدة، 1960م. # Jeanson, Francis, Albert Camus ou l’âme révoltée, ~~in: Les temps modernes, Mai 1952, ~~p.2070-2090. # جانسون، فرانسيس، ألبير كامي أو النفس المتمردة، في ~~مجلة العصور الحديثة، مايو 1952م، ص2070-2090. Pour tout vous dire, in: Les temps modernes, Août ~~1952, p.354-383. # لكي أقول لك كل شيء، مجلة العصور الحديثة، أغسطس ~~1952م، ص354-383. # Kopper, Joachim, Die Dialektik im französischen ~~Denken der Gegen-wart, in: Zzitschrift f. Philosophische ~~Forschung, 1957. Bd. XI, S. 80-91. # كوبر، يواخيم، الديالكتيك في الفكر الفرنسي المعاصر، ~~مجلة البحث الفلسفي، 1957م، المجلد الحادي عشر، ~~ص80-91. # Krings, Hermann, A. Camus oder die Philosophie ~~der Revolte, in: Philosophisches Jahrbuch der ~~Görres-Gesellschaft, 62. Jahrg., 1953. S. ~~347-358. # كرنجز، هرمان، ألبير كامي أو فلسفة التمرد، في ~~الكتاب السنوي لجمعية جوريز، 1953م، ص347-358. # Lebesque, Marvin, Albert Camus-in Selbstzeugnisse ~~und Dokumente, Hamburg, Rowohlt Verlag. # ليبسك، مارفان، ألبير كامي، وثائق عن حياته بقلمه ~~هامبورج، مطبعة روفولت (مترجم إلى الألمانية عن ~~الأصل الفرنسي). # Luppé, Robert de, Albert Camus. 5. Ed. revue et ~~mise à jour (Coll. Classiques du XXe. siècle), Editions ~~universitaires, Paris, 1958. # لوبيه، روبير دو، ألبير كامي، الطبعة الخامسة، دار ~~النشر الجامعية، باريس، 1958م (وقد ترجم الكتاب إلى ~~العربية ونشرته دار الآداب، بيروت). # Marcel, Gabriel, Homo Viator, Philosophie der ~~Hoffnung. Bastion Verlag, Düsseldorf 1949, S. ~~258-298. # مارسيل، جابرييل؛ هوموفياتور، فلسفة الأمل، مطبعة ~~باستيون، دوسلدورف، 1949م، ص258-298. # Moeller, Charles, Littérature de XXe. siècle et ~~christianisme, t. I (“Silence de Dieu”), 7e. éd. revue et ~~augmentée, Paris, Casterman, 1958, p.25-107. # مولر، شارل، أدب القرن العشرين والمسيحية، المجلد ~~الأول، «صمت الله» الطبعة السابعة، باريس، كاسترمان، ~~1958م، ص25-107. # Mounier, Emmanuel, A. Camus ou l’appel des ~~humiliés, in: Esprit, numéro consacré à Camus, “Les ~~carrefours de Camus”, I8e. Année, Janvier 1950, ~~p.27-67. # مونييه، إمانويل، ألبير كامي ms162 أو دعاء المهانين، في ~~مجلة «إسبري»، عدد خاص عن كامي، السنة الثامنة عشرة، ~~يناير 1950م، ص27-67. # Nicolas, André, La pensée existentielle d’Albert ~~Camus ou la révolte jugulée par l’absurde (Thèse de doctorat ~~soutenue à l’univ. de Grenoble pendant l’année ~~1955). # نيكولا، أندريه، الفكر الوجودي عند ألبير كامي أو ~~التمرد الذي يخنقه المحال، رسالة دكتوراه، قدمت ~~لجامعة جرينوبل، في عام 1955م. Politzer, Heinz, Der wahre Arzt, Franz Kafka und ~~A. Camus, in: Der Monat, II. Jahrg., Sept. 1959, Heft 132, ~~S. 3-13. # بوليتزر، هانيس، الطبيب الحق، فرانز كافكا وألبير ~~كامي، في مجلة الشهر، سبتمبر 1959م، العدد 132، ~~ص3-13. # Quillot, Roger, La mer et les prisons, essai sur ~~Alber Camus, Paris, Gallimard, 1956. # كويو، روجير، البحر والسجون، مقال عن ألبير كامي، ~~باريس، جاليمار، 1956م. # Rousseaux, André, A. Camus et la philosophie du ~~bonheur, in: lit-térature du XXe. siècle, t. III, Paris, Ed. ~~Albin Michel, 1949, P.73-105. # روسو، أندريه، ألبير كامي وفلسفة السعادة، في أدب ~~القرن العشرين، المجلد الثالث، باريس، ألبان ميشيل، ~~1949م، ص79-105. # Sartre, J.P., Alber Camus: in: Der Monat, Heft ~~137, Februar 1960. # سارتر، جان-بول، ألبير كامي، في مجلة «الشهر»، العدد ~~137، فبراير 1960م. # Explications de l’étranger in; Situations I, Paris, Gallimard, 1947, P.99-121. # سارتر، جان-بول، تفسير «الغريب» في «مواقف، الجزء ~~الأول»، باريس، جاليمار، 1947م. # Réponse à Albert Camus, in: “Les temps modernes”, ~~Août 1952, P.334-353. # سارتر، جان بول، رد على ألبير كامي، في «العصور ~~الحديثة»، أغسطس 1952م، ص334-353. # Simon, Pierre-Henri, L’homme en procès, Malraux, ~~Sartre, Camus, Saint-Exupéry; Neuchatel, Ed. de la ~~Canonnière, 1950. # سيمون، بيير هنري، الإنسان يحاكم؛ مالرو، سارتر، ~~كامي، سان-اكسوبري، نويشانل، 1950م. # Thierberger, Richard, Albert Camus, Sein Werk und ~~sein Künstlertum, in: Universitas, Januar 1959, Heft I, S. ~~21-30. # تير برجر، ريتشارد، ألبير كامي، أعماله وفنه، في ~~مجلة الجامعة، يناير 1959م، العدد الأول، ~~ص21-30. # Thody, Philip, A. Camus, Study of his work, ~~London, Hamish Hamilton, 1957. # تودي، فيليب، ألبير كامي، دراسة لأعماله، لندن، هامش ~~هاملتون، 1957م. # Wilson, Colin, Der Outsider, Stuttgart, Scherz ms163 ~~& Goverts Verlag, 1957. # ويلسون، كولين، الغريب، (الطبعة الألمانية) ~~شتوتجارت، مطبعة شيرتس وجوفرتس، 1957م. # ثالثا: أعمال أخرى # Becker, Oskar, Mathematische Existenz. ~~Untersuchungen zur Logik und Ontologie mathematischer Phänomer Philosophische, in: Jahrbuch für Philosophische und Phänomenologische Forschung, VIII, insbes. S. 445-461, S. ~~494-505. # بيكر، أوسكار، مباحث في المنطق وأنطولوجية الظاهرات ~~الرياضية، في الكتاب السنوي للبحث الفلسفي ~~والفينومينولوجي، العدد 8. # Grundlagen der Mathematik in geschichtlicher ~~Entwicklung, Verlag Karl Alber, Freiburg-München, 1954. S. ~~317-383. # بيكر، أوسكار، أسس الرياضة في تطورها التاريخي، ~~فرايبورج وميونيخ، مطبعة كارل ألبير، ص327-382. # Becker, Oskar, Grösse und Grenze der ~~mathematischen Denkweise Verlag Karl Alber, Freiburg München ~~1959. S. 125-128. # بيكر، أوسكار، عظمة وحدود أسلوب التفكير الرياضي، ~~فرايبورج وميونيخ، ألبير، 1959م، ص125-128. # Bradley, J.-H., The Principles of logic, Vol. 1, ~~Chap. V., London 1950, 2. Ed. # برادلي، ج-ه، مبادئ المنطق، المجلد الأول، الفصل ~~الخامس، لندن، 1950م. # Bréhier, Emile, Transformations de laphilosophie ~~française, Paris, Flammarion, 1950. # بربيه، إميل، تحولات الفلسفة الفرنسية، باريس، ~~فلاماريون، 1950م. # Buber, Martin, Die Schriften über das dialogische Prinzip, Verlag L. Schneider, Heidelberg ~~1954. # بوبر، مارتن، الكتابات عن مبدأ الديالوج، هيدلبرج، ~~مطبعة شنيدر، 1954م. # Burkamp, W., Die Krise des Satzes vom ~~ausgeschlossenen Dritten, in: “Beitrage zur Philos. D. ~~deutschen Idealismus”, IV, 2, 1927, S. ~~59-81. # بور كامب، وأزمة مبدأ الثالث المرفوع، في: «مساهمات ~~في فلسفة المثالية الألمانية»، المجلد الرابع، 0 2، ~~1957م، ص59-81. # Delfgaauw, Bernard, Das Nichts, in Zeitschrift f. Philosophische Forschung, Bd. 4, 1955, S. ~~393-401. # دلفجاءوف، برنارد، العدم، في «مجلة البحث الفلسفي»، ~~المجلد الرابع، 1955م، ص393-401. # Eisler, Rudolf, Wörterbuch der philosophischen ~~Begriffe, Bd. 1, Berlin, E.S. Mittler, 1910. # أيسلر، رودلف، معجم التصورات الفلسفية، برلين، ~~ميتار، 1910م. # Fink, Eugen, Sein, Wahrheit, Welt. Vor-Fragen zum Problem des Phänomen-Begriffes, Martinus Nijhoff, La Haye ~~1958. # فنك، أويجن، الوجود والحقيقة والعالم، أسئلة ~~تمهيدية لمشكلة الظاهرة لاهاي، مارتينوس نيجهوف، ~~1958م. # Heiss, Robert, Die Logik des Widerspruchs. Eine ~~Untersuchung zur Methode des Philosophie und zur Gültigkeit ~~der formalen Logik. Berlin u. Leipzig 1932. # هايس، روبرت، منطق التناقض، بحث في الفلسفة وفي ~~سلامة ms164 المنطق الصوري، برلين وليبزج، 1932م. # Wesen und Formen der Dialektik, Kiepenhauer ~~& Witsch, Koln Berlin 1959. # هايس، روبرت، ماهية الديالكتيك وأشكاله، كولن ~~وبراين، كيبنهاور وفيتش، 1959م. # Heidegger, Martin, Was ist Metaphysik? 7. Aufl., ~~Vittorio Klostermann, Frankfurt a. M., 1955. # هيدجر، «مارتن»، ما هي الميتافيزيقا؟ الطبعة ~~السابعة، فرانكفورت، كلوسترمان، 1955م. # Lalande, André, Vocabulaire technique et critique ~~de la philosophie 7e. éd., revue et augm., Paris, Presses ~~Universitaires de France, 1956. # لا لاند، أندريه، المعجم الفني والنقدي للفلسفة، ~~الطبعة السابعة، باريس، المطابع الجامعية، ~~1956م. # Linke, P.F., Die Mehrwertigenlogiken und das ~~Wahrheitsproblem, in Zeitschrift f. Philos. Forschung, Bd. ~~III, 1948. S. 378-398, 530-546. # لينكه، ب. ف، منطق القيم المتعددة ومشكلة، الحقيقة، ~~في «مجلة البحث الفلسفي»، المجلد الثالث، 1948م، ~~ص378-398، ص330-346. # Meinertz, Joseph, Das Sein und das Nichts in ~~Zeitschrift für philos. Forschung, Bd. IX, 1955, S، 32-55, ~~461-489. # مينرتس، يوسف، الوجود والعدم، في «مجلة البحث ~~الفلسفي»، المجلد التاسع، 1955م، ص32-55، ~~461-489. # Meyer, Hans, Systematische Philosophie, Bd. 1, ~~Allgemeine Wissens Chaftstheorie und Erkenntnistheorie, Paderborn, Verlag Ferdinand Schöningh. # ماير، هانز، الفلسفة المذهبية، المجلد الأول، نظرية ~~العلم العامة ونظرية المعرفة، بادربورن، مطبعة ~~فرديناند شوننج. # Morot-Sir, Ed., La Pensée négative. Recherche ~~logique sur sa structure et ses démarches, Paris, Aubier, ~~1947. P. 111-119. 335-343, 345-385. # مورو-سير، الفكر السالب، مبحث منطقي عن بنائه ~~ومساره، باريس، أوبييه، 1947م. # Müller, Max, Existenzphilosophie im geistigen ~~Leben der Gegenwart, 2. erw. Auf., F.H. Kerle-Verlag, ~~Heidelberg 1958. # مولر، ماكس، فلسفة الوجود في الحياة العقلية ~~المعاصرة، هيدلبرج، مطبعة كيرله، 1958م. # Nink, Caspar, Der Satz vom ausgeschlossenen ~~Dritten. Ein philoso phischer Beitrag zur Grundlagenkrise ~~der Mathematik. Scholastik, 1937, S. 552 ff. # ننك، كاسبار، مبدأ الثالث المرفوع، مساهمة فلسفية في ~~أزمة أسس الرياضة، مجلة شولاستيك، 1937م، ص552 وما ~~بعدها. # Rombach, Heinrich, Uber Ursprung und Wesen der ~~Frage, in: Symposion, Bd. III, 1952, S. ~~139-167. # رومباخ، هيزيش، أصل السؤال وماهيته، في مجلة ~~«سيمبوزيوم»، المجلد الثالث، 1952م، ص139-167. # Scheler, Max, Uber Ressentiment und moralisches ~~Werturteil, Leipzig, Verlag von Wilhelm Engelmann, ~~1912. # شيلر، ms165 ماكس، الإحساس بالمرارة والحكم الأخلاقي، ~~ليبزج، إنجلمان، 1912م. # Struve, Wolfgang, Die neuzeitliche Philosophie ~~als Metaphysik der Subjektivität. Interpretationen zu ~~Kierkegaard und Nietzsche, in: “Symposion I”, 1949, S. ~~207-335. # شتروفه، فولفجانج، الفلسفة الحديثة كميتافيزيقا ~~للذاتية، تفسيرات لفلسفة كيركجارد ونيتشه، في مجلة ~~سيمبوزيوم، العدد الأول، 1949م، ص207-335. # Unamuno, Miguel de, Das tragische Lebensgefühl, ~~Meyer & Jessen Verlag, München 1925. # أونامونو، ميجيل دو، الشعور التراجيدي بالحياة، ~~ميونيخ، مطبعة ماير وجيسون، 1925م. ms166