######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Bakaiyyat.Hindawi86206252 #META# Tags: literature #META# ID: 86206252 #META# Title: بكائيات: ست دمعات على نفس عربية #META# AuthorID: 46308160 :: 85749291 #META# Author: عبد الغفار مكاوي :: حسن طلب #تقديم# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # الدمعة الأولى: دموع على حائط مبكاي‏ # الدمعة الثانية: لمن أتحدث يا نفسي اليوم؟‏ # الدمعة الثالثة: الكابوس‏ # الدمعة الرابعة: نم بسلام‏ # الدمعة الخامسة: أوفيليا: ماذا فعلوا بك؟‏ # الدمعة السادسة: دموع أوديب‏ # هذه البكائيات‏ # ملاحظات‏ # إهداء‏ # الدمعة الأولى: دموع على حائط مبكاي‏ # الدمعة الثانية: لمن أتحدث يا نفسي اليوم؟‏ # الدمعة الثالثة: الكابوس‏ # الدمعة الرابعة: نم بسلام‏ # الدمعة الخامسة: أوفيليا: ماذا فعلوا بك؟‏ # الدمعة السادسة: دموع أوديب‏ # هذه البكائيات‏ # ملاحظات‏ # | بكائيات # | بكائيات # | ست دمعات على نفس عربية # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | إهداء # إلى ابنتي نوران: # ثبت الشمس بقلب الظلمات # وبدلت دموعي ضحكات. # | عبد الغفار مكاوي # | شاعر الفلسفة # بقلم حسن طلب # في الرابع والعشرين من ديسمبر، ودعت الحياة الثقافية علما من ~~أعلامها الكبار، هو الدكتور عبد الغفار مكاوي (1930-2012م)، الذي أثرى ~~بإبداعاته ومؤلفاته وترجماته الساحة الأدبية والفلسفية، منذ النصف ~~الثاني من القرن الماضي، وحتى قبيل رحيله؛ حيث صدرت آخر أعماله ~~وأحدثها «مصر وكلمات أخرى»، ضمن سلسلة كتاب «إبداع»، العدد 21، شتاء ~~2012م. # نذر عبد الغفار مكاوي حياته للأدب والفلسفة، فعاش راهبا يؤمن بأن ~~رسالته الخالدة هي أن يبحث عن الحقيقة بين ما جادت به تأملات الفلاسفة ~~والحكماء في كل العصور، وبين ما أوحت به أخيلة الأدباء بكل اللغات. غير ~~أن رحلة البحث عن الحقيقة عند من خبروها من أمثال الدكتور عبد الغفار ~~مكاوي، لم تكن مجرد نزهة عابرة في طريق مأمونة واضحة المعالم، بل هي ~~لون من المجاهدة الصوفية التي تتقلب بصاحبها بين شتى المقامات ~~والأحوال، وقد تستغرق تلك الرحلة العمر كله، دون أن يظفر طالب الحقيقة ~~بشيء، اللهم إلا عذوبة الرحلة وعذابها. وهذا هو ما يقوله «مكاوي» عن ~~الحقيقة التي أرقته، في مفتتح دراسته الطويلة التي قدم بها لترجمته ~~لنصوص «مارتن هيدجر # M. Heidegger ~~» ~~(1889-1976م)، بعنوان «نداء الحقيقة»: «ما الحقيقة؟ أين نجدها؟ وكيف ~~نعرفها؟ بأي سهم نريش طائرها الأبيض المستحيل؟ أي قفص يتسع لآفاقها ~~البعيدة، وأسفارها العديدة في البلاد والأجيال؟ ما هي معانيها المختلفة ~~باختلاف المذاهب والمدارس ...» # هي أسئلة لا يملك عشاق الحقيقة ms001 سوى أن يطرحوها على أنفسهم وعلى ~~القراء، ليست لديهم إجابات جاهزة يقدمونها، لا لأنهم عاجزون، بل لأن ~~الحقيقة أشمل من أن يستوعبها جواب واحد، وأقدس من أن يحصرها مذهب، ~~وأوسع من أن تتسع لها رحلة العمر المحدودة، إنها النور الذي يند ~~دائما عن مدى البصر وعمق البصيرة، فليس لعقول الفلاسفة أن تحيط به ~~تماما، هيهات! # لهذا السبب كان الأدب عامة، والشعر بالذات، ظهيرا للفلسفة ونصيرا، ~~فكثيرا ما لجأ الفلاسفة إلى الشعراء يستلهمون حدوسهم ويلتمسون العون، ~~أو كما يقول «مكاوي» في المقدمة المشار إليها أعلاه: «إننا جميعا نفزع ~~إلى بيت أو قصيدة من الشعر، نستشهد بها حين تتأزم مواقفنا في الحياة، ~~أو نعجز عن التعبير عن مكنون مشاعرنا، فالشعراء أصحاب رؤية، وكلماتهم ~~لآلئ بحر التجربة البشرية، وكم أبيات قليلة كشفت - كالبرق الخاطف - عن ~~خبرة أجيال طويلة، وكم لخصت، في حكم قليلة، ما عجز الفيلسوف عن قوله ~~في مجلدات ضخمة. ولقد طالما لجأ الفلاسفة أنفسهم إلى صور الشعر ورموزه ~~وتشبيهاته واستعاراته، حين انطلقوا إلى مجال الفكر الخالص، وعجزت أجنحة ~~الرؤية والعيان عن التحليق إليه.» # هكذا انفرد عبد الغفار مكاوي بين أساتذة الفلسفة الكبار، بقدرته على ~~تحقيق المصاهرة بين الشعر والفلسفة، دون افتعال، أو انحياز يجور على ~~أحد طرفي المعادلة. لنستمع إليه وهو يحاول النفاذ إلى قلب «أفلاطون» في ~~كتابه البديع: «المنقذ» فيقول نظما في أول سطور المقدمة: # أجمع أمره. # صمم أن يتحدى قدره، # أن يأخذ معه سره. # الرحلة كانت خطرة، # والمحنة مرة. # ما ضر إذا أخفق مرة! # فليعد الكرة، # وليحمل للعالم فكرة # فالفكرة إن كانت حرة؛ # فستصبح فعلا أو ثورة. # أما آخر كلمات تلك المقدمة الفلسفية/الشعرية، ~~العقلانية/الوجدانية المبتكرة، أو بالأحرى خاتمة تلك الرحلة الصعبة في ~~الإبحار بين ضفتي الشعر والفلسفة، فتجيء منظومة هكذا: # لا عاصم بعد اليوم من الطوفان، # يا بلدي. # يا حظي العاثر، # أنت الخاسر؛ # إن لم تلجأ لسفينة نوح، # يسلمها الموج الهادر # والملاحون الفقراء # إلى الشطآن. # والربان # أطهر من أطهر إنسان؛ # عين ترعى النجم الساهر # في أفق العدل يلوح، # يا ms002 بلدي، # ويرد إليك الروح. # وحياة الروح حوار. # نعم، حياة الروح كما عاشها «مكاوي» حوار طويل ممتع، ~~حوار لا ينتهي إلا ليبدأ، فهو حوار بين الشعر والفلسفة، بين الوجدان ~~والعقل، بين الخيال والواقع، بين المستحيل والممكن. إنه حوار لا يتسع ~~له عصر معين أو زمن محدود، ولهذا سافر «مكاوي» في مغامرته الروحية ~~الكبرى عبر العصور، وتقلب بين الأزمنة والأمكنة ينشد ضالته أو ~~معشوقته الأثيرة: الحقيقة، فمن حكمة الرافدين حيث بحث عن «جلجامش» ~~وجذور الطغيان، إلى حكماء الصين القديمة، حيث توقف عند «لاو تزو» ونقل ~~إلى العربية كتابه «الطريق والفضيلة»، الذي يعده أحب الكتب إلى قلبه، ~~ثم إلى الحكماء اليونانيين السبعة وفلاسفة ما قبل سقراط، ومن بعدهم ~~أفلاطون وأرسطو، لينزل في سلم الزمن إلى العصور الوسطى، ويقف عند ~~«بوئيثيوس # A. M. S. Boethius ~~» ~~(480-524م) في عزائه للفلسفة، ثم إلى العصور الحديثة ليتأمل أهم نصوص ~~«ليبنتز # G. W. Leibnitz ~~» ~~(1646-1716م)، وينقل إلى العربية كتابه الأهم «المونادولوجيا»، ثم ~~ينتقل إلى «كانط # I. Kant ~~» ~~(1724-1804م) فينقل كتابه «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق»، الذي ألفه ~~الفيلسوف الكبير عام 1785م ليكون تمهيدا لكتابه الأساسي: «نقد العقل ~~العملي» الذي صدر بعد ثلاث سنوات. وتستمر الرحلة لتتشعب بها الدروب في ~~متاهات الفلسفة المعاصرة، فمن الوجودية وأعلامها: «هيدجر» ~~و«كامي # A. Camus ~~» (1913-1960م) ~~و«ياسبرز # K. Jaspers ~~» ~~(1883-1969م)، إلى رواد فلسفة الحياة من أمثال «ماكس شيلر # M. Sheler ~~» (1874-1928م) ~~و«دلتي # W. Delthey ~~» (1833-1911م) ~~و«برجسون # H. Bergson ~~» ~~(1859-1941م)، ثم إلى أقطاب «مدرسة فرانكفورت» في ألمانيا، مع غيرهم من ~~أصحاب النزعة المثالية والميول الصوفية، مثل «شتروفه»، الذي تتلمذ عليه ~~«مكاوي» في ألمانيا، ونقل إلى العربية في سبعينيات القرن الماضي كتابه ~~الشيق العميق: «فلسفة العلو-الترانسندنس»، وهو الكتاب الذي أعادت طبعه ~~الهيئة العامة للكتاب العام الماضي. # أما لو وقفنا عند ما قدمه «مكاوي» من دراسات وترجمات شعرية ~~وأدبية، فلن نجده أقل أهمية، فهو يضارع كما وكيفا ما قدمه في مجال ~~الفلسفة الخالصة، بل ويتسع أيضا زمانيا ومكانيا، كما كان الحال في ~~النتاج الفلسفي، فمن الشاعرة اليونانية «سافو»، إلى ms003 «جوته» و«بوشنر» ~~و«بريخت» والرمزيين من أعلام «ثورة الشعر الحديث». # رحم الله عبد الغفار مكاوي؛ لقد كان نسيج وحده في حياتنا الثقافية، ~~لا بنتاجه الفلسفي والأدبي الغزير والأصيل فحسب، وإنما أيضا بإبداعاته ~~القصصية والمسرحية، وبروحه السمحة وتواضعه الجم، وما أحرانا - نحن ~~تلامذته ومحبيه - أن نعي الدرس الذي لقننا إياه بجده وصبره، ~~وصمته وبعده عن الأضواء، وأن نعيد تقديم تراثه للأجيال الجديدة؛ لتجد ~~فيه المثال الحي على الدقة والعمق والصدق، في زمن عزت فيه هذه ~~القيم. # | الدمعة الأولى: دموع على حائط مبكاي # قلت للصوت الصديق الذي دعاني للمشاركة في العيد الفضي ل «الآداب»: ~~أنت توقظني من نومة أهل الكهف، منذ سنين وأنا غارق في بحر السواد ~~والاكتئاب، منذ سنين وأنا جثة تأكل وتمشي وتنام وتضحك أحيانا، وتثرثر ~~بالحكمة، تنكر الصوت الخارج منها، وتضيع في المتاهات بحثا عن هويتها. ~~طمأنني وألح علي. قلت سأكتب بكائية، وسأرثي نفسي وشبابي! سأفعل ما ~~فعل الشاعر العربي الذي نعى نفسه (ذكرت اسمه ونسيته الآن) قال: افعل. ~~قلت: أليست قلة ذوق أن أنصب مأتما وسط أفراح العرش؟ هل كتب علينا أن ~~نبكي طوال العمر؟ ثم فكرت أن أقيم حائط مبكى عربيا أدعو إليه ~~الأحباب. فكرت أن أهتف بالقراء: دعونا نبكي، فنحن أولى من أعدائنا ~~بالبكاء، فدموعنا على الأقل ليست دموع التماسيح، وذنوبنا في حق أنفسنا ~~أثقل من ذنوبهم عبر التاريخ، لكنني وجدت من الغرور أن أدعو غيري ~~للبكاء، ولن يغفر لي أحد أن أسقط ذنوبي عليه، أو أعمم اتهام الذات - ~~وهو في حد نفسه لا يخلو من الزهو والتبرير - على عشرات من جيلي أنا أول ~~من يحبهم ويقدرهم، ولا يقارن نفسه حتى بالتراب الذي تدوسه أقدامهم. ~~فلأذرف وحدي دمع العين على حائط مبكاي. وليغفر ثرثرتي القراء، وليتسع ~~الصدر لاعتراف جاء بعد خمسة وعشرين عاما، هي في النهاية عمري المسفوح ~~في دم القلم. وهل كانت «الآداب» طوال هذه السنين إلا حائط مبكانا الذي ~~تلقى بالحنان دموعنا، وفتح صدره لصراخنا واحتجاجنا وتجاربنا الساذجة، ~~التي ضاقت بها بلادنا؟ هل كانت إلا ms004 المهجر والملجأ للثائر والمتعب ~~والباكي؟ # في دمك «صوات» الندابة القديمة، شجن المغني الأعمى على القيثار، ~~أحزان إيزيس الثكلى وأحفادها الذين تترنم بهم الرباب والمواويل ، أهو ~~القبر والتابوت الفرعوني الذي لم تستطع الفكاك منه (من عجب أنه يتسع ~~للنكات والضحكات، إن السياح يقصدون طيبة، وقاعة المومياآت في المتحف ~~المصري، ويغفلون عن القبور والتوابيت والمومياءات الحية!) أهو سجن ~~العمر الموروث؟ وهل كانت كل كتاباتك لطما في مأتمك الأزلي نصبته ~~«دمعات» الربة، لكن نسيته؟ ها أنت ذا بعد آلاف الصفحات وآلاف الليالي ~~الوحيدة، تدرك فجأة أنك لم تخرج من التابوت، ولم تستطع أن تزحزحه؛ لأن ~~الأجداد صنعوه من ضلوعك. # تفتح عينيك فجأة - بعد فوات العمر - فترى الكتب تحيط بك، سورا ~~شائكا غرسته بنفسك، فحرم عليك بستان الحياة. صور لك الوهم أن الحياة ~~كتاب، وأن الكتاب حياة، لم تدر إلا وقد أصبحت مجلدا يمشي على قدمين، ~~ينطح صخر الواقع بأحلام ليست هي أحلامه، عند أول ريح تطايرت الأوراق. ~~عند أول صدمة غرقت كما غرق تراث أجدادك في مياه دجلة والبحر الأبيض. ~~فتشت عن طوق النجاة. آه لو كنت كتبته! كتابك أنت لا ما نقلته عن ~~الآخرين. لربما كان أغاثك، أو خف إليك كقارب نجدة. # يا نوح العجوز! لا عاصم اليوم من الطوفان. يا نوح، لم لم تصنع ~~سفينتك؟ دموعك الآن هي الطوفان. فالجأ قبل فوات الوقت إلى حائط مبكاك، ~~لكن حاول أن تبكي بدموعك أنت، أن تتعرى في الريح أمام المكتبة ~~المحترقة، أقم الحائط وابك عليه، فلعلك يوما تتطهر. ~~••• ~~«الناس جميعا فرحون، كأنهم يشاركون في وليمة، كأنهم ذاهبون إلى ~~مهرجان الربيع. أنا وحدي أرقد في سكون، أشبه بطفل صغير، لم يبتسم مرة ~~في حياته. أنا وحدي متعب، حزين القلب، مضيع كأني بلا هدف، أنا وحدي غير ~~الآخرين.» سطور من كتاب ترجمته منذ سنين. # 1 # أهناك شيء يصدق عليك مثلها؟ الاكتئاب كان قدرك. أمك ~~المسكينة كانت تسميك مالك الحزين، كنت لا تبكي وتنشج إلا في الأفراح. ~~أيها السم الأسود، من الذي خلطك بدمي؟ أهذا هو ms005 الذي قربك من الشعر؟ ~~عرفت مبكرا أنك أفلست فيه. أهذا هو الذي جعله يلازمك كظلك فأخذت تنقله ~~إلى لغتك؟ سودت عنه مئات الصفحات. تجولت في جزره البعيدة والقريبة ~~(في العام الماضي منحوك الجائزة - فضلا منهم وكرما - فأغرقتك في ~~مزيد من الاكتئاب). يا أوديسيوس الخائب، سدى كانت مغامراتك، الحوريات ~~كذبت عليك. الرحلة كانت مضيعة للعمر. وعزفت على قيثار لم تصنع أوتاره، ~~لا لم يصنع لك، هل تعجب بعد وصولك إيتاكا أن تتنكر «بنيلوبة» لك؟ أن ~~تهتف بك: «لا لست الزوج! والثوب الواعد لم يغزل لك. لم أنفق فيه العمر ~~لكي أنتظرك.» # ها هي ذي تطردك الآن، وعلى مرأى من كل الخطاب الجشعين وأهلك ومربيتك. ~~هل كان الأولى بك أن تبقى في زي الشحاذ؟ طهر نفسك، واغسل كفيك. هل ~~يتسع العمر لرحلتك الأخرى، رحلتك الحقة؟! (موضوع مسرحية بدأتها ولم ~~تتمها) ما أكثر ما بدأت! ترى لماذا لم تستمع لصديق عمرك # 2 # الذي وجهك لسيف وأبي زيد وعنترة؟ # لم غربت وما شرقت؟ لم تبعد دوما عن نفسك وعلى من تلقي الذنب؟ ~~الطفولة كانت قاسية. الزمن اشتد عليك. طوفت بكل الآفاق وها أنت تعود، ~~الابن الضال يهرع نحو أبيه؛ ليغرق كفيه بدمع التوبة، لكن الأب مشلول، ~~فقد الذاكرة، ونسي الابن. وهو الآن تراب يرقد في حضن تراب، والابن ~~التائب يصرخ: لم تتركني؟ (عنوان رواية تدور في عقلك منذ سنين. لم ~~لم تبدأها بعد؟) أما كان الأولى من رحلة الشعر (ضيعت في كتاب واحد ~~عنه ست سنين)، حبست شبابك في سجن لا تدخله إلا أوزان الشعر وكلماته، ~~هل كان الأمر يساوي هذا الجهد؟ أم أنك تهوى دوما أن تلعب دور ضحية، ~~حتى لو كان الجلادون هم الشعراء؟! هل هي مأساتك وحدك؟ أم كان الأولى من ~~هذه الرحلات أن تعلم أميا واحدا؟ وهل تنسى أن أمك ماتت وهي أمية، ~~تذكر تعبك أياما وأسابيع لتحفظها # إنا ~~أعطيناك الكوثر ~~. # وأين تهرب من كلمة ذلك الذي زار بلادك؟ # 3 # سارع إليه كهنة الثقافة - وكم انبهرت مثلهم بكل جديد - ~~فقال ms006 ما معناه: لو كنت مكان المثقف عندكم لأخذت طباشيرا ولوحا أسود، ~~وهرعت إلى الريف لتعليم الأميين. وها هي ذي الهاوية تتسع بين الكاتب ~~والقارئ لا تضيق. ونحن نواصل كتابة الرسائل المفتوحة إلى بعضنا. لا نكف ~~عن الصراخ من ذنبنا وخجلنا من عار الأمية. مع ذلك لا نفعل شيئا. (أين ~~اتحادات الأدباء لتوجه قوافلنا نحو الريف؟) هل نعزي أنفسنا بأجيال ~~أخرى - قد تأتي أو لا تأتي - تذوق عندئذ أشعارنا المترفة وعباراتنا ~~الرنانة ونظرياتنا المتعالية وقصصنا ومسرحياتنا التي نفرغ فيها ~~مشاعرنا المذنبة؟ عزاء يستحق البكاء! فابك إذن على حائط مبكاك. ~~••• # وهبطت إلى المتاهة كما هبط ثيسيوس (يا للأسماء الصعبة، لو كنت أدرى ~~بتراثك لوجدت أسماء أرحم!) متاهة الحكمة التي ضاعفت حماقتك. في كل ركن ~~عجوز أشيب ثرثار، وخيوط المذاهب كثيرة ومعقدة، تخرج من نسيج عنكبوت ~~لتقع في نسيج عنكبوت، من طاليس إلى هيدجر وأنت تقرأ وتتابع، تجعد ~~الجبين واكفهرت الملامح، والشعر شاب فرق السالفين، وأنت تتحمس لكل رأي ~~وتتأثر بكل صوت، تفرق نفسك على خبزهم الجاف لكي يبلعه الناس. يقولون ~~لك: أنت تكتب الفلسفة بقلب شاعر. هل يعزونك أم يجرونك من أنفك كما جر ~~فاوست تلاميذه عشر سنين؟ سموه الأستاذ، وسموه الدكتور، فاكتشف أنه ما ~~يزال هو الأحمق المسكين، وأننا عن معرفة أي شيء عاجزون! وها هم يسمونك ~~الأستاذ، ينادونك حضرتك وسيادتك (لكن من يقف بجوارك؟ من يشعر بك؟) هناك ~~تجلس كصنم بوذا المسكين بين جدرانك الأربعة أبكم أخرس كالبوم. ويرونك - ~~حين تناقش أطروحة - في مسوح الحكماء المملين. ويثرثر صوت يخرج منك ~~فتنكره حين تفاجأ به. وتود لو أنك تخرج من جلدك، تدخل جسدا آخر - أبهى ~~وأصح - أو أن تجري عريانا كالمذعور، لكن الدور يمثل فوق المسرح. سيظل ~~يمثل، حتى تنفجر وتخرج منه إلى قبرك أو للنور. (أيتها العين الواسعة ~~السوداء. تابعت صعودي نحو الواحد وأنا أقرأ أفلوطين. هل أحسست بأني ~~أتمنى أن ألقى السلم كي أصل إليك؟) وتكتشف أنك تورطت، أنت ونحن وهم ~~متورطون، تورطت في جسد فرض عليك، في عصر ms007 وبيئة لم تخترهما. يقولون ~~وتصدقهم أحيانا: مصيرك بيديك، فاقبض عليه! قارب حياتك من صنعك، فوجه ~~دفته بنفسك، في هذا الزمن وجدت وهذا الركن من العالم؛ فواجه الموقف ~~وتحد المشكلة! وتدق كلمات التحدي والكفاح وسائر الطبول الضخمة. وحين ~~يجن الليل تقول: أنا مع ذلك في ورطة! وتناجي نفسك: لو خيرت لكنت اخترت، ~~أن أصبح شجرة، أو أتقمص قطة! (فالشجرة تلقي ظلا، للتائه والحيران، ~~تعطي خشبا للبردان، فاكهة أو خبزا أخضر للجوعان، والقطة متوحدة، ~~متكبرة تعشق سر الأنجم والكتمان) وتكتشف أنك ضيعت الخيط. و«أريادنة» لم ~~تمسك بطرفه ولم تنتظرك يوما على باب المتاهة. (أصبحت الآن أما ~~لثلاثة أطفال. هل تتذكر جوع القلب وذل العين؟) # وتواصل ثرثرتك ودموعك تجري في صمت. والسنة الدراسية على الأبواب، ~~وعينك داخل المتاهة تبحث عن حائط مبكاك. ~~••• # وحيدا تذهب. وحيدا تجيء (في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي. ~~طلبته فما وجدته). # 4 # آلاف الليالي، مكورا كالجنين في بطن أمك، تمد أكف الجوع ~~إليه. تتعرى، من يغطيك؟ يسعل صدرك يتفجر بالربو، تتشنج معدتك وأمعاؤك ~~بالمرض القومي الأزلي، من ينعطف عليك؟ من يطعمك ويسقيك؟ يا جوعا ~~أبديا للأنثى والأم! ومنذ تخطيت الأربعين وأنت تخاف، في الظلام تتربص ~~عين اللص وعين الغيب، والسماء تمطر الكوارث كل يوم، وصفحة الحوادث ~~قضاء ينزل على الرأس مع كل إفطار. ضيعت الحبيبة، فضاعت الزوجة والأبناء ~~والأحفاد، ضاع الآباء وضاع الأجداد، ضاع الماضي والحاضر والمستقبل. صرت ~~ترابا، عدما، هاوية معتمة في لحظة. لحظة رحت لبيتها فانعقد لسانك، شل ~~القلب وأطبق فوق الشفتين الموت. كل سنة أو سنتين تراها صدفة، في منعطف ~~طريق أو عند عبور شارع - إن ساء حظك لم تر إلا ظهرها، فأتتك عيناها ~~السوداوان النافذتان كحد السيف، اللامعتان كسحر الموت - في يدها ~~طفلاها. كان من الممكن أن يكونا منك، وحين اكتست السواد تحركت، لكن ~~النجم المنحوس هناك. تتحسر: آه لو كانت، لو كنت وكنت وكنت ... وتمضي ~~مسرعا إلى مسكنك، تضع المفتاح في الباب، تتحاشى عيون المتطفلين، ~~تطالعك سدود الكتب كحيوانات منقرضة، تتفرس فيك ms008 عيون الأموات-الأحياء، ~~طالت رقدتهم في كهف الورق المصفر! تدفن رأسك بين يديك. في بحر الحزن ~~الأسود تغرق سفن العمر، يوم سلمت عليها - للمرة الأولى أيها الريفي - ~~صرعت شعاعا، عصفورا وفراشة. وحفرت التاريخ على الحائط، ومعه كلمة ~~نيتشه: حب القدر، ما زال الحفر هناك، يشبه شاهد قبر الغرباء، في أرض ~~الغربة: «أيها العابر، قل لمواطنينا في إسبرطة: هنا نرقد مقتولين، وما ~~زلنا في الموتى لوصاياها أوفياء.» # 5 # ما أشبهك بنيتشه. كم أحببته: ثورته، وجنونه، خيبته ~~والتسليم بقدر محبوب ملعون، هل نملك إلا التسليم؟ (في أواخر حياته، بعد ~~أن أطبق عليه ليل الجنون، لم يعد يعرف أنه نيتشه. تنظر أخته إليه فلا ~~تملك أن تحبس دموعها. ينظر إليها ويقول: لم تبكين؟ ألسنا في النهاية ~~سعداء؟!) واللحظة كانت مسئولة. لم تتركها تمضي وتفر؟ لحظة عجز عن تصميم ~~في وجه الحب-الموت. عبرت لن ترجع أبدا. لم تمسكها من خصلات الشعر ~~الذهبي. كانت تدعوك وتبتسم لك: لم أحجمت؟ # وتجيء الموجة في طوفان الجري وراء الخبر المر مغموسا في أوعية ~~الملل، اليأس، القبح، الذل. واللحظة لا ترجع أبدا. أهي فكرة ثابتة ~~تنام على فراشها المريح؟ عزاء وتبرير؟ هل تخدع نفسك؟ تضع الدرع البراق ~~على جثة فارس؟ كي تستمتع بالحرية خلف السور الشائك؟ تتلذذ ببكائك في ~~كهفك؟ يا للأوهام السهلة! سهل أن تتهم النفس، تعذبها، فالتعذيب شريعة ~~هذا العصر، لكن الفاجعة أمر، والمحنة أكبر من مشكلة الحب، فلكم أحببت ~~وجربت. حاولت أن تكون البرجوازي الصغير - من يملك أن يخرج من جلده أو ~~يتخلص من ظله؟ - تقرأ الجريدة، وتتابع أخبار النجوم والأغاني الجديدة، ~~تحرص على مسلسل الإذاعة والتلفزيون، تتحسر على أيام الخير، وتقول مع ~~ذلك: غدا يتحسن كل شيء - لكنك لا تدري كيف؟ - ومثله وضعت الخاتم في ~~يدها (وضعته مرتين في يدين، أبرأت ذمتك ككل مواطن صالح يؤمن بالله ~~والوطن)، وعندما أردت أن تضع يدها خلصتها منك. كانت مع الآخر ترقص ~~وتأكل من الشجرة المحرمة - على آدم المسكين وحده - كنت مملا والكتب ~~مملة. وجه الحكمة لا يلمع مثل ms009 وجوه العملات الصعبة، والأخرى كانت أذكى ~~وأمر. داعبت الطفل الراقد فيك وسرت منه. أخذت منه الذهب المشرى بعرق ~~العمر. يا من تتلوى في محراب الفكر، أحرق كتبك قبل فوات العمر. اربط ~~ربطة عنقك، واسمع آخر أغنية فيما يطلبه المستمعون، واذكر حين يجن ~~الليل، أنك وحدك، وحدك كإله الصمت كوحش مجروح. وحدك تتألم وتموت، حتى ~~لو كانت في أحضانك ملكة تدمر. # واحمل حائط مبكاك إلى القبر. ~~••• # اللحظة ضاعت. (هل يتسع العمر لعودتها؟ هل يرجع دولاب الزمن الدوار ~~فتظهر لك، تبتسم كنجم صاف خلف سحاب الدمع؟) عبثا تجمع عنها أكوام ~~المعلومات، تشغل نفسك بالزمن القاسي. ها أنت تحاضر عنها منذ سنين. تهتف ~~أحيانا: ما دام القلب يدق فلا يأس؛ فاللحظة فاكهة تنضج في موسمها، حين ~~يحين أوان النضج. اللحظة - سر الوهج الخالد تحت تراب الفنانين - تحتاج ~~لمروحة الشمس وأجنحة الريح وأنفاس المطر، سنين بعد سنين. لا تيأس ~~أبدا، حين تزيد المحنة يأتي المنقذ. (عنوان كتاب عن أفلاطون! هذا ~~المنقذ سيغادر كهفه، يترك كهف الأشباح، ويصعد للنور الحق. فمتى يخرج ~~منه؟ أم خرج ولم يرجع بعد؟) تهتف بقلوب بكر: عيشوا اللحظة! لحظة الحسم ~~والقرار والاختيار. لحظة التحدي والفعل الحر، بها يواجه الفرد نصيبه، ~~والشعب قدره. من يخذلها، يهرب منها، من يحجم عنها يبقى مدحورا أبد ~~الدهر. هذا قانون الزمن وسر التاريخ. من يتحد الموت يعش! من يحي ~~الموت يكن! كلمات ضخمة. # أحيانا تتجسد، تتحقق، تنقذ فردا أو شعبا يغرق. احمد ربك أنك عشت ~~اللحظة. لحظة عبر أخوك الجندي إلى سيناء. ما أعظمه وهو «يكرر» صيحة ~~«بدر»! ما أكرمه وهو يلف حزام البارود على جسد أضناه الفقر؛ كي ينسف - ~~باللحم الدافئ - درع حديد متكبر. هل تتكرر هذه اللحظة في سيناء وغزة ~~والجولان؟ هل تنقذنا إلا لحظات الحسم الحر؟ أم نشغل عنها، نهرب منها، ~~نستثمرها في شيكات وشعارات، في المستورد والبوتيكات، في أفلام أو ~~حلقات، في الجشع الذاهل عن لحم الجندي المسكين؟ # أخشى ما أخشاه الآن: أن تأتي اللحظة، وأنا أحتضر وألفظ آخر أنفاسي. ~~أن ms010 تتقدم مني كالعذراء وتهمس: هل تذكرني؟ وأذكر عندئذ أنني نسيت. ~~إني لم أكن أنا نفسي. يقول قائل يعزيك: ومن الذي حقق نفسه؟ أين الذي ~~رضي عنها ؟ حتى الذي أنجز الأعمال الكبرى، في الفن أو الحياة، هل رضي عن ~~نفسه؟ وربما قلت لنفسك: حقا لم تتم عملا كبيرا، ولكن آلاف الصفحات ~~التي كتبتها - يا للذنوب الثقيلة! - لا تخلو من أنفاسك، ترجمت كثيرا، ~~وأنكرت نفسك. أليس هذا عطاء؟ ألم تعش وتجرب كل كلمة وسطر؟ وا ~~أسفاه! # الطيبة جنت عليك. (في أيامنا يسميها الكذابون ضعفا، كما يعدون الرقة ~~عجزا والوداعة والأدب جبنا) البراءة والنقاء ظلماك (وكل ما فعلت أن ~~حاولت البقاء نقيا أبيض مهما خضت المستنقعات). فنيت فيما كتبت ونقلت ~~(صادقا تقول: ما أقله وأهون شأنه! كم كانت هناك أعمال أخرى أجدر ~~وأهم!) حتى أوشكت أن تتقمص أرواح الذين شغلت بهم. أسروك حتى كدت تصبح ~~صدى لا صوتا، نسخة لا أصلا. أكانت «شهامة» وأداء واجب، فريضة لغة ~~بادرة شاءت المصادفة أن تطرق باب حضارتها وأدبها. ولم لم تستطع ~~الجمع بين هذا «الواجب» وواجب آخر أكبر منه؟ أهو ضعف الحيلة، قلة ~~الهمة، غباء الطبع، ذل الخبز اليومي، لذة الانبهار بالآخر والغير، غرور ~~التلويح به في وجوه الآخرين؟ ربي، ماذا كان الأمر؟ # المسألة - كما قيل بحق - نسبية، والغرور لم يبلغ بك أن تصدق ~~الثناء. (في النهاية: ماذا تقوى الكلمة أن تفعل في مجتمع ~~متخلف؟) # والشركة ما زالت تدميك: لم لم تحقق نفسك أو بعض نفسك؟ لم لم ~~تستجب للحظة الخلق؟ لم لم تصبر وتثابر، وفي أجيال الرواد وأجيال ~~معاصريك وجوه مضيئة تحبها وتتعلم منها؟ بالأمس فتحت كراساتك القديمة ~~- كدت تنساها في غبار الأدراج! - طالعت خواطرك وقلبت المشروعات (عشرات ~~القصص بدأتها ولم تتمها، مسرحيات وروايات طويلة وقصيرة) أين كنت؟ لم ~~جرفك التيار؟ كم نحن أغنياء بالأفكار فقراء في الأعمال! # 6 # يهزون رءوسهم ويقولون: مترجم حساس، وباحث جاد. وتطعن في ~~القلب، وتدور دوامة التدريس، تطحنك الطاحونة (ترى كيف يواجه المحنة من ~~هم أعظم منك وأعلم؟ أم أنك ms011 تهول كعادتك وتصارع شبحا لا وجود له إلا ~~في رأسك؟!) وفي النهاية لم تقول هذا الكلام؟ لمن؟ ألم يكن الأولى أن ~~تصوره في مشاهد ومواقف وشخصيات؟ أهو العشق الموروث، تعذيب الذات؟ ألا ~~يجدر بك أن تبدأ السير عن طريق الثقة والاطمئنان؟ أتبذل وعدا؟ أتحاول ~~أن تنزع خيطا من عقدة صمتك؟ من يكترث بدمعك؟ من يهتم بحائط ~~مبكاك؟ # قاس عليك الزمن، كان الزمن قاسيا، عشت الزمن الأسود، الضوضاء ~~حاصرتك، والإزعاج طوقك وأطبق عليك. (ألهذا آويت لكهفك، وجعلت تراث ~~الإنسانية منفاك؟) الجهد كان قليلا والحيلة ضعيفة، الشعارات تنطلق ~~وتدوي، رياح الجديد والغريب تعصف، الانبهار بالموضات والعجائب يذهل ~~النفس عن ذاتها (أنت أيضا شاركت فيه، هل تقبل توبتك الآن؟) البطولات ~~الزائفة والصيحات الكاذبة وتعليمات كهنة الأيديولوجيات «ينبني ويجب ولا ~~بد» سحقت براعم المواهب المتفتحة، وشتتت أوراقها، وأرعبت عصارتها ~~الحية، وسلطت عليها سموم الإدانة (بعضها سكن، بعضها اتجه للمسلسل ~~والتلذذ بطعم الدولار، بعضها لاذ من جحيم الضوضاء إلى قاعات الدرس، ~~أقلها نجح وصمد وأبدع أعمالا لا يبدعها إلا الصبر). # عشت الزمن الأسود (عندما يظهر الطاغية الكبير يصبح الجميع طغاة ~~صغارا، من الحاكم إلى الكناس وجندي الشرطة)، # 7 # لم تعذب ولم تعلق من قدميك، ولم تركل ولم تلطم ~~على وجهك، ولكن بعض الذين ذاقوا العذاب والتعذيب والركل واللطم كانوا ~~أقرب الناس إليك. وكتبت عن الطغيان (حتى أوشك أن يكون هو اللحن الأساسي ~~في كل كتاباتك القليلة الشأن)، حتى الدراسات لم تخل منه - مع الحذر ~~الواجب. # حاولت - على طريقتك الهامسة الحيية - أن تواجه الإزعاج والضوضاء، ~~كتبت عن «صمت جوته»، وعن السكينة التي قتلناها، فقتلنا معها روح العلم ~~والهدوء والنظر المتزن. كانت الحناجر أقوى من العقول (هناك الآن بصيص ~~أمل في أن كفة العقل والعلم بدأت ترجح)، لكن هل اختفت من حياتنا ~~الأصوات العالية والادعاءات المدوية والعنتريات الزائفة؟ أليس من ~~واجبنا نحن الكتاب أن نقاومها ونخمد أنفاسها؟ يتردد في سمعي الآن ~~صوت بح من الدعوة للعلم، للفكر المنتج عملا، للنظر الخالص من اضطراب ~~العواطف وزعيق الشعارات وبريق ms012 المطلقات والتعميمات، وبالجملة من الكذب ~~والضوضاء التي كادت تصبح علامة عربية # 8 # مسجلة. والنتيجة ملايين اللاجئين والمشردين، والأدعياء ~~والمتبجحين، العاطلين والمتسولين، والخطر المحدق بملايين أخرى. # والخطر المحدق أن نصبح «كغثاء السيل» أن تنقرض حضارتنا، ونصبح ~~تاريخا فات، حقل تجارب للأمم الأقوى، مثل خيام وعقالات وعيون جائعة ~~وبقايا آبار النفط، هل عرب أنتم؟ هل عرب أنتم؟ هل عرب ...؟ # 9 # أعرف أنني أبالغ وأسرف في المبالغة. إن شبح الانقراض - ~~الذي خيم علي سنين طويلة، وجسمته أمامي قراءات طويلة في فلسفة ~~التاريخ - ربما يكون قد بدأ يتهكم علي. ولقد عشت - بحمد الله - حتى ~~رأيت مواجهة الصمود في أكتوبر/رمضان، ولمست أبواب الحرية وهي توارب، ~~والأصوات تردد شعار العلم والإيمان (ولا بد من الصبر والعمل المشترك، ~~حتى يصبح سلوكا حيا لا مجرد شعار). لماذا أستطرد؟ ألأجد تبريرا؟ ~~ألأفضح ضعفي وعجزي أنا وجيلي؟ ألأقول للمواهب الشابة: ثابروا على ~~الأعمال الكبيرة، اصمدوا لمعرفة الذات، فمعرفتها والصبر على اكتشافها ~~والدفاع عنها في وجه كل ما يشتتها هو العبقرية نفسها، ومن أنا حتى أقول ~~هذا أو أدعو إليه؟ كيف يعطي الشيء فاقده؟ هل يشاركني أحد في ألمي؟ هل ~~يحس به؟ أهو اعتراف؟ ولمن؟ ولماذا أعلنه في هذا المكان؟ ألم يكن من ~~الممكن أن أستغل كرم هذه المجلة في شيء أنفع، وقد سبق لها أن أكرمتني ~~ورعت بعض بذوري الفقيرة التي أقلب الآن حصادها الفقير؟ هل أعدتني ~~البطولة «التي يدعيها الكاتب حين يرتدي مسوح النبي والكاهن والمعلم ~~والرائد»؟ أم أصابني - دون أن أدري - المرض الذي حذرت منه كثيرا، حين ~~تكلمت عن التواضع والاعتدال، حين جعلت مثلي الأعلى ذلك «البطل» الصيني ~~المسكين، ذلك الحكيم الطاوي الذي حارب معركته، وحقق انتصاره، ثم استقل ~~مركبا خفيا وتوارى عن الأنظار، أنظار الذين وعدوه بنصف المملكة هدية ~~وانتظروا للاحتفال به؟ رب لم هذا التناقض كله؟ هل آن أن أخلص نفسي من ~~هذه المناجاة وأعبر بالصورة لغة الفن؟ أم يمنعني أكل العيش وضعف ~~الحيلة؟ أنتم يا من ستظهرون بعد الطوفان الذي غرقنا فيه، فكروا عندما ~~تتحدثون ms013 عن ضعفنا، في الزمن الأسود الذي نجوتم منه، وإذا رأيتمونا ~~نبكي، فاذكرونا، وسامحونا. # 10 ~~«الضعيف هو الغبي الذي لا يعرف سر قوته، وأنا لا أحب ~~الأغبياء.» # 11 # هنا أجد نفسي أمام عمل يكشف لي اليوم - وبعد كتابته بحوالي عشرين سنة ~~- عن معان وإيحاءات جديدة. شأنه شأن كل فن عظيم، أجد نفسي أمام ~~فنان لم يكف عن التجربة والريادة والمغامرة، هو بالنسبة لي (وربما ~~لكثير من جيلي، وإن كنت لا أحب التعميم ولا التورط في الكلام نيابة ~~عن أحد) منارة شامخة ترسل ضوءها الهادئ لسفينة المصير العربية، ولقوارب ~~المواهب الصغيرة التي تتلمس طريقها في الظلمات. هذا رجل عرف نفسه، سر ~~قوته. كجبل المقطم بقي صامدا يطل - بحبه وحزنه الجليل - على المدينة ~~العتيقة المضطربة بالفقراء والمقهورين والمتسولين والفتوات. كتب ما كتب ~~ليمحق الفقر والقذارة والتسول والطغيان؛ لتختفي الحشرات والذباب ~~والنبابيت. وبشرنا بالسحر، العلم ليخلصنا من قهر الفتوات وكذبهم. ~~الفتوات في كل مكان، فهل آن أن يختفوا؟ ومن الزيف والبطش والدجل، وهو ~~في حكايات الرباب كما هو في دعاوى المتبجحين وبلاغيات الهتافين، حتى ~~كدنا نحن العرب أن نصبح ألفاظا تمشي وتأكل وتنام. هل نقرأ هذا العمل ~~من جديد؟ وهل نأمل أن نحاول قراءته بعيدا عن التشنج والخوف؟ هل ندرك ~~الآن أنه كان رؤية بصيرة لتصحيح الثورة، ومحاولة للمزج بين العقل ~~والوجدان أو بين العلم والإيمان، الذي أصبح الآن كلمة على كل لسان؟ هل ~~نطمع في قدر كاف من الحرية الظاهرة والباطلة التي تسمح للأديب بتناول ~~مادته من التاريخ الديني أو الأسطوري، فيتصرف فيها كما يشاء له فنه ~~وضميره (والفنان الحق ضمير العالم، ميزان التاريخ)، مثلما يحدث في كل ~~بلاد الله، فلا يرفع أصبع اتهام، ولا يجمح قلم، ولا يتطاول لسان ~~ثرثار؟ # 1977م، العيد الفضي لمجلة الآداب البيروتية # | الدمعة الثانية: لمن أتحدث يا نفسي اليوم؟ # - آه! ~~- ما بك؟ ~~- ضاقت نفسي سئمت نفسي من نفسي. ~~- نفسك تسمعك، تكلم! ~~- ماذا يجدي أن أتكلم؟ # ماذا يبقى غير الصمت وماذا يبقى؟ # غرقت سفن الغرقى قبل الغرق، # والطفل تمنى ms014 لو لم يولد أبدا، # والموت تسكع في الطرق. # ينتظر البائس صوت البوق ويرنو للأفق، # والطير الواجم شلته نذر الشفق. # نعق البوم، وفي عينيه ارتسمت أطلال الكون وفي الحدق. # وتنهد من لا زالت فيه القدرة أن يتنهد، # والكل شقي. ~~- ألهذا جئت؟ ألا تندم؟ ~~- جئت أبثك أحزاني، # وأريك عيون الجرح وألتمس البلسم، # أتلقف منك الحكمة. ~~- القردة منك ومني أحكم. # فأنا لا أنظر، لا أسمع، لا أتكلم. ~~- سيعز علي سكوتك عني، # من يسمعني إن صدت نفسي، # وتخلت عني في بؤسي؟ # هلا حببت إلي الغرب وأوصيت بمركب شمس؟ # رب الأرباب سيسمع شكواي هناك، و«آمون» لن يخزل همسي، # و«جحوتي» يقضي في أمري، # ويدون مظلمتي «خنسي». ~~- لكأني أسمع صوت المتعب يلين عيشه، # من مملكة الغرب يجيء ويحمل نقشه، # يسترحم نفسه؛ # أن تمضي معه في مركبه، فتقاوم طيشه، # وتعاتبه وتهدئه وترمم عشه. ~~- هل جئت لأشكو من يأسي؟ ~~- أحياتك تقبل في النعمى، في الشدة ترفض والبأس؟ ~~- يا أختي مهلا لا تأسي، # سأسوي مثواك بنفسي، # وأقيم الظلة تحميك من البرد ومن قيظ الشمس. ~~- عش يومك، لا تقس علي ~~- إن أقس فإنك لن تقسي، # ولمن أتكلم أو أشكو، # إن صدت وابتعدت نفسي؟ # ولمن أتكلم؟ واليوم يعاف اسمي # أكثر من رائحة الرخم بيوم القيظ المحموم، # ولمن أتكلم؟ والجار يدبر همي # وصديق الأمس نعاه البوم؟ # ولمن أتكلم؟ قر الناس على السوء، # وجحدوا الحسنى والإحسان. # ولمن أتكلم؟ والماضي ينسى من ذاكرة الناس، # ولا هون من إنسان. # ولمن أتكلم؟ فقد القلب رضاه، # وظل الصاحب مفقود. ~~- ما بالك تتمنى الموت؟ # هل يبدو اليوم أمامك، # فتخاطبه، أم طيف زارك في النوم؟ ~~- يبدو الموت أمامي اليوم، # كشفاء من مرض طال وعتق من ذل الأسر. # يبدو الموت أمامي اليوم. # 1 # كشوق سجين للبيت الآمن بعد سنين قضاها في القهر. ~~- دع شكواك، وألق بخورك فوق الجمر، # واهنأ في يومك. ~~- اهنأ؟ هل تخفى عنك هموم القلب؟ ~~- افتح قلبك، هات السر! ~~- يا نفسي، لست بأول من يرثي نفسه. # ينعى غده، حاضره، أمسه. # أرثيها مثل الشاعر «عبد يغوث»، # 2 # أو «مالك»، # 3 ms015 # أو «فيون». # 4 # عل دموعي تسقط في حقل فؤاد محزون، # فتنبه بذرة أمل أو شوكة غضب مدفون. # أحمل مصباح «ديوجين» # 5 # المسكين # أهتف في وجه الناس لتسمع أذن من طين: # أنتم في جنح الليل، متى تصحون؟ # دولاب الزمن يدور وأنتم تنقرضون وتندثرون. # أشعلتم حرب بسوس أخرى، # وهزمتم بعضكم البعض، وأنتم مهزومون، # واستسلمتم لطغاة الدنيا والدين. ~~- تسقط قطرات الدمع على قلبك، # كالمطر على أرض مدينة، # هجر الناس مساكنها. # تروي زهرة أمل، # أم شوكة ألم بعيوني؟ ~~- يروي دمعك شجرة أمل في غابات شجونك وشجوني. # وغدا ستمر خطى الخطاب، ويقطف من ثمرات عيونك وعيوني. # يوما ينجز وعد سنين؛ # فالرجل أمين! ~~- أتظنين؟ ~~- كفكف دمعك يا عبد يغوث! # يا مالك، # 6 # ممن ترجو الغوث، وليس هناك مغيث؟ # الدمع على خد البطل مهان. # ذابت أعمدة الملح، وثار الموتى في الأكفان. # وقريبا تلد الأرحام الفرسان، # والفارس لا يذرف إلا دمع الفرح # على صدر الشجعان. ~~- أقدام الخيل قد انكسرت، # ساحت في رمل الأحزان. # والفارس مقهور يبكي # في ظل جدار الكتمان. # لا الشعر يفيد ولا الدرع المكسور يذود الأشجان. ~~- لا الشاعر أنت، ولا الفارس، قل لي من أنت؟ ~~- سؤال يحتاج الرد عليه لألف سؤال! # لغز يفترس العمر الضائع بين القدرة والآمال. ~~- أرني وجهك، مرآتك. ~~- مرآتي؟ لا تبصر مثلي. # هل تكشف ما لم تكشف لي؟ ~~- في كل صباح تنظر وجهك في المرآة، # تكرهه، تلعن صحبته، تهرب من رؤياه. # تسمع شخصا آخر وتراه، # تتجول في طرقات النفس وتعجب مما تلقاه: # أعراس جذلى ومآتم، موكب غابات وبساتين، # جنات نعيم وجحيم، رقص ملائكة وشياطين. # تدخل من أبواب الرؤيا، وتعانق # محبوبا هجرك منذ سنين. # لكن، آه من وحدتك الأزلية وسط الموكب، يا مسكين! ~~- وحدتي الأزلية، جرحي. # ألديك دواء يا نفسي؟ # قولي وأشيري بالنصح. ~~- ما جدوى الصمت أو البوح؟ # فدواؤك داؤك لو تدري، # والبلسم يكمن في الجرح. # تمشي وحدك، # تبكي وحدك، # وحدتك تنادمها وحدك، # حين يجيء الموت ويلجم خيلك، # من منهم يسبل عينيك ومن يستر عريك؟ # من يلقي حفنة رمل وتراب فوقك؟ # تتسلق جبل الوحدة ms016 وحدك. # آه، كم في الدنيا من أشياء عجيبة! # لكن أعجبها الإنسان. # 7 # والأعجب أن يتخلى الإنسان عن الإنسان. ~~- أنا لا أتخلى، بل أستغني كالأشجار # تحيا في الغابة، لم تسأل عن رغبتها، # لم يطلب منها أحد أن تختار ، # تنمو، تزدهر، تشيخ وتذبل أو تنهار. # لكن تحمي وحدتها باستمرار، # وتصر عليها كالنساك بلا إصرار. # ماذا تحتاج الشجرة؟ # تتنفس من أنفاس الريح تقبلها الأمطار، # تطعمها الأرض وزاد الأرض غني بالأسرار، # لكن الشجر ضنين بالأسرار # لا يفشيها إلا الخطاب أو النار! # ماذا أحتاج إليه؟ ماذا يحتاج الإنسان؟ # الجرع تروي عطشه، # واللقمة تستر عيشه، # وامرأة تدفئ فرشه، # والنور ليطرد عنه الوحشة، # والكلمة تحرس من ريح الصدفة عشه، # حين يغيب ونطفئ الرعشة، # ويشيع ملك الأحزان المرة نعشه، # يحنو فوق القبر ليحفر نقشه: ~~«منكسرا عاش، منكسرا مات، # في الظل اليائس شيد عرشه، # سار من الوحشة للوحشة.» # ألمح في عينيك الضحكة. ~~- ما زالت صبيا بين ذراعي أمك، # لم تكبر أبدا. # فمتى تعرف موضع قدميك، # وتطرح عكازا تستند عليه أو يستند عليك؟ # ومتى تقنع أو تغتبط بشيء؟ # تكره نفسك، # فتفوح روائح منك، # كالماء الآسن في مستنقع. # تتناثر فقاعات الملل السأم الضيق الأبدي المفزع. ~~- يا نفسي، لا تشتطي في اللوم المقذع. # إن كان الذنب شنيعا، ذنب العالم في حقي أشنع، # والحمل ثقيل مفجع. ~~- ماذا لو جربت: # أن ترسل طائر عينك في أغوار النفس، # وفوق صدور الموجودات؛ # ليرفرف بالحب عليها، يغرق في النبع المترع # بالحكمة والمعرفة ويرجع؛ # ليشيد العش الدافئ بالحب ويهجع؟ ~~- يفزعني الصمت الخالد في أرجاء الكون المفزع. # 8 # وجه الموت شنيع، وجه القتلة أشنع، # والظلم الراكض في الطرقات # يدوس الناس ويضمر ظلما أفظع. # وأنا أتعثر في عجزي، # وطريقي تذهب، لا ترجع. ~~- هاجر، واهجر تلك الطرق الملتوية طرا، # حاول أن تصبح سيد أقطار أخرى. # سيد نفسك، # وادفن جسد عبوديتك الماضية، # وواجه موتك، # وتحد الخطر لتولد أو تهلك. # لا تسرف في خيبة أملك. ~~- ماذا أفعل، ماذا أملك؟ ~~- قبل ألمك، غيره بمطرقة الخلق، # واجبل من طينة ذاتك روحا ينطلق. # وإذا فاض بنفسك ms017 نهر العشق، # فارو الأرض العطشى، # وانفخ فيها أنفاس الصدق. # ماذا تبغي؟ ~~- تدرين بما أبغيه فكم كابدت الشوق؟ # لمسة صدق. ~~- في الفن؟ ~~- وفي العيش، وفي الشعر الحق. ~~- الشعر زهور، ذات جذور، # تنمو وسط الدود وفي أعماق الطين، # لا في الجنة أو بين الحور العين! # طوبى لرجال عرفوا كيف يعيشون، # وكيف يموتون، # كما عرفوا كيف يغنون! ~~- لست بشاعر. # إني أحيا الشعر ولا أكتب شعرا، # تفتنني كل الأشياء وتملؤني ذعرا. # في قلبي طفل مذبوح، # في عقلي شيخ مجروح، # تصدح عيني كالعصفور على شجر الليل وفي غابات المر ~~تنوح. # تطفر بالدهشة والألم وأحزان الموتى والأحياء، # أحزان لا تدركها الأبصار ولا الأسماء. ~~- من يدريك لعل العصفور يحلق في الأجواء، # كسفينة أمل، زورق سعد يحمل فوق جناحيه السعداء؟ # من يدريك بأن العصفور # هو كرة الكون المسحور، # تجري في فلك الغبطة وتدور؟ # عشت طويلا في قبضة شبح حالم، # مرآة في غابات العالم، # ينعكس عليها غضب الريح وهمس الطير، # قوقعة في قاع البحر الساكن، # تجتر عذاب الموج وأشواق السمك الهائم # في أحشاء العقل الباطن. # هل حانت ساعة صحوك من هذا الكابوس القاتم؟ # هل يستيقظ فيك الإنسان، # ويثأر من «كاليبان»؟ # 9 # هل يلقي حمل الشبح الجاثم # في آبار النسيان، # ليهب النور من الأكفان # وتنبت فيه القوة والعينان؟ ~~- ها أنت سرحت مع الأحلام. ~~- بل أنقذك من الأوهام. ~~- ووهمك أنت؟ ~~- هات البرهان! ~~- هل يخرج فوق الإنسان # من شبح، صورة إنسان؟ # هل تخرج صورة إنسان من صلب قرود، # أو عملاق أشقر من نسل الأقزام السود؟ ~~- ويلك، هل تكفر بالإنسان؟ ~~- بل أحترم الإنسان، عبدا أو حرا كان، # أحيا وأموت لأجله، # آكل من ثمرة عمله، # روحي تكتئب وتكدح؛ # كي تروي شجرة أمله. # أوليس شريكي في الوحدة والصمت، # أخي في المولد والموت؟ # أولا يجمعنا سقف واحد # في بيت الرعب القاتم؟ # أولا نجلس في ظل واحد، # تلقيه شجرة هذا العالم؟ ~~- لو تتشبث بحبال الرؤيا في أعماقك! # لو تصعد فوق الجبل الرائع مع كل رفاقك؛ # لعرفت بأن الإنسان # أكثر من إنسان. # أنصت للصوت الهاتف في صحرائك، # يهدر ms018 بالكلمة والحرف وبالمعنى الشائك. # أصغ لصوت إله واحد # يطبق بيديه على أعضائك. # من يسمعك إذا صحت من الألم سواه؟ # من يتحمل رعبك إلاه؟ # أنصت للصوت الممطر، # تثمر أشجار بكائك! # تشرق شمس يقين في كبد سمائك، # تتفتح زهرة قلبك في عتمة صبحك ومسائك، # يتفجر نبع الخضر ببحر ظلامك، # تثب الأفكار على صوت ندائك، # ينشر عقلك ... ~~- عقلي كنسيج هاو تلطمه الريح، # مصيدة ذباب العالم، # مسكن كل جريح، # مأوى كل كسيح، # ينفره مع الأحزان المرة والأفكار المرة، # في سجن الحرف، # إخوته الضمة والكسرة وحروف العطف. # ما يشفيني أن الكلمات بلا سيف. # ماذا أفعل بنسيج هاو في وجه الغلظة والعنف؟ # هل يبقى إلا الصمت العاجز، إلا العزلة والخوف؟ # عشب أحارب في معركة خاسرة بسلاح الوهم. # آه لو كنت سمعت نداء الحب فلبيت، # وبسطت يدي العاريتين لوجه الشمس أو الموت؛ # لحملت حطامي فوق حطام سفين يعبر بي هاوية اليم، # أو يسعفني في ليل الصمت. # وعرفت حقيقة حالي قبل فوات الوقت. # ما عشت حياتي، مت وراء قناع جهم، # بل سبعة أقنعة نسجتها كف الوهم: # الحكمة، والصبر، وقار العالم والسمت! ~~- لا يكره قلب الحكمة أن ينفذ فيه الحب! ~~- قالوا: الرأس حكيم غطاه الشيب، # والقلب كبير، أكبر من أن يكره ويحب. # ومضوا بضمير مرتاح لم يثقله الذنب، # لم يلتفتوا كي يجدوا العابد، # يحترق كما احترق البوذي الزاهد # 10 # ليصير ترابا يطفئ نار الحرب، # ويخلص لحم الشعب البائس من ناب الذئب. # ها هو عار مجروح كيسوع بعد الصلب، # ضنت حتى الريح بأن تحمل شكواه إلى الرب، # بعد فوات العمر وتعب القلب، # ما خلص حتى شعره كلب! ~~- وعرفت الهوة بين القول وبين الفعل # بين الحرف وبين السيف، # بين النطق وبين الخلق؟ ~~- لم أعرفها، غصت بلجتها حتى العمق. # أشهق، أختنق، وأحترق وأحرق. # تفجعني الهوة بين القدرة والآمال، # بين الكلمات وبين الأفعال. # كم أحببت الكلمات! # كم صليت لها وركعت! # أمسح بالدمع الأقدام، # أضفر رأسي بالأوهام، # جعت، ظمئت، # من زاد الكلمات طعمت سقيت. # وعلى صدر الكلمات غفوت. # أطرق أطرق كي ينفتح الباب، # أجمع ms019 خشبي والأحطاب؛ # لأمد الجسر إلى الأحباب # سدت في وجهي الأبواب، # تداعى الجسر وشاخ الحاطب والحطاب، # وافترس الكلمات كلاب، # دربهم كذاب الزفة والنصاب. # ظل الحلم يداعبني أنا وصحابي # أن نعدل قامة هذا الكون المقلوب بقلم وكتاب. # خرج العالم عن محوره، # 11 # هل تصلحه كلمة صدق من قلب شاب، # ما دام الحب غريبا يستجدي بالأبواب، # والعدل كسيرا ينتظر الإذن من الحجاب؟ # مرت أيام العمر، تساقط يوم موءود # في يوم آخر مولود كابي. # وانغرس السهم بقلب الوردة، # جفت أوراق شبابي. # كنا نقف على الأقدام ونقف الآن # على رأس يشتعل الشيب بمفرقه الخابي. # ويدب القلب، # ويعرج من صحراء لسراب. # تسألني ما بك؟ أصمت. # أسأل نفسي: حقا ما بي؟ # أصرخ من هاوية الخمسين فيختنق سؤالي وجوابي. # ها أنا أهبط تل العمر، # تمضي الأيام سراعا نحو القبر. # تتلفت عيني: أمسي صخر، # وغدي قفر، # وعلى طول طريقي شجر مر. # ويوسوس شيطان غر: # لذ بالظل قليلا من وهج الحر. # كيف أذود الطير # عن ثمر لا أبلو منه إلا القهر؟ # يا شجر العمر! # يا شجر العمر! # أغصانك هذي، أم تتدلى منك مشانق خضر؟ # مشنقة للسر النائم في تابوت الصدر، # ولأطفال الحب الموءودة قبل طلوع الفجر، # للقبلات الحلوة لم أطبعها فوق شفاه حمر. # للرغبات المجنونة، # والشهوات المسجونة، # والآمال المدفونة، # في كفن الحكمة والفكر # تمضي الأيام سراعا والأيام شجون، # وتعلل نفسك: سوف تكون. # وتمر اللحظة بعد اللحظة من الفرس المحموم # ينظر في عينيك لتقبض خصلات الحظ المقسوم، # فتشيح بوجهك، تهمس: انتظر الفرس المأمون! # سقطت خيل الزمن المطعون. # وتعثر يوم محزون في يوم آخر محزون، # وتنكرت لنفسك حين أضعت وصية مت لتكون. # لا استدفأت بنور «أبوللو» المفتون، # ولا شب بدمك حريق من كأس «ديونيز» المجنون. # 12 ~~- لو شب بدمك حريق من كأس «ديونيز» الملعون، # لو كنت رقصت كرقص «الباخيات» المجنون؛ # لغدوت ظريفا كالجدي المأفون، # وسعيدا وسط السعداء. ~~- بل قولي وسط التعساء. # كيف أكون سعيدا وسط التعساء؟ # أو أفرح برنين الكأس أو الذهب اللامع بين الجوعى ~~والفقراء؟ # من يمكنه أن يبقى حيا وسط ms020 الأشلاء؟ # أحيانا أضحك من شدة نزقي أو خطلي، # أسرع أضع الكف على شفتي من الخجل؛ # فالضحكة تصبح إثما أفدح من إثم القتل، # حين يسيل الدمع من المقل. # والكلمة تصبح ... ~~- دع شأن الكلمة فهي رنين وطنين، # إن لم تسرج مصباحا يهدي ليقين، # إن لم تحمل بالعمل كما تحمل أم بجنين؛ # فالكلمة ... ~~- ما جدوى الكلمة؟ # صمت الشعب كصمت الطين، # وحواة السيرك الخالد يجتهدون # أن ترقص رقص القردة، تلعب بالبيضة والحجر، # تغني تضحك تبكي للجمهور المسكين. # أين الحق من الباطل؟ كدت أسلم بجنوني! ~~- لو كنت تغوص ببطن الأرض مع الفلاحين؛ # لعرفت الحق. # لو كنت تعلم أميا كيف يميز بين الميم وبين النون؛ # لعرفت الحق. # لو كنت تجاهد في ساحات فلسطين؛ # لعرفت الحق. ~~- معك الحق، معك الحق. # يا ريح الصدق! # هبي واقتلعيني من أوحال الرق. # يا وجهي الباكي، مزق أقنعة الموت بلا رفق. # اخرج من جسد الليل، ادخل في جسد الريح. # وتأهب للمطر القادم والبرق. ~~- كلمات، في كلمات، في كلمات # كالشحاذ المتسول من شحاذ تمشي في الطرقات. # ومتى يحدث هذا؟ ~~- حين تتم المعجزة وينفجر البركان العاتي، # يطمر آثار القهر ويبعث كل الطاقات، # كل ينابيع الخلق لدى الأحياء-الأموات. # حين تتم المعجزة. ~~- فات زمان المعجزة؛ # فواجه سيف اللحظة واليوم الآتي. # هذا الزمن الحاضر. ~~- إنا لم نختر هذا الزمن المجنون؛ # لم يسألنا أحد أن نولد في هذا البلد المحزون، # لم يسألنا أحد أن نرحل فوق سفين # يغرق في جوف التنين. # قولي: ماذا نفعل؟ # ماذا نفعل؟ قولي. ~~- ما يفعله البحارة فوق السفن الغرقى، # والربان العابس في وجه العاصفة الكبرى. ~~- هل يملك إلا أن يغرق، # ويظل يحدق ويحدق # في فك الطوفان المطبق؟ ~~- بل يقف شجاعا، # ويحب مصيره، # وينازل محنته وحده. # مد يديك إلى أيدي الغرقى، # وابن سفينة نوح أخرى. ~~- أتقولين سفينة نوح؟ # آه من نوح وسلالة نوح! # يا نوح الصامت كالأوثان، # يا نوح الغارق في النسيان، # يا نوح الذاهل عنا، # هذا زمن الطوفان. # زمن وسام العار على صدر الطغيان، # كيف سقطنا تحت سنابك خيل العصر؟ # وكيف اختل بيدنا الميزان؟ ms021 # كنا السادة. في طيبة، مأرب، # في القدس وفي الأندلس وكان وكان. # لا تسأل أرواح الموتى واسأل عنا الآن، # حيث ينام المسجون مع السجان، # واللاجئ في خيمته المشتعلة بالنيران، # يحلم بجناح براق وعد به الرحمن؛ # ليقبل خد الصخرة ويطوف بالأركان، # في زمن الجوع الكافر، وثب القرد على عرش السلطان. # واليوم تهاجر أسراب النمل الخائف # من زلزال أو بركان. # يا نوح الغائب، هذا زمنك، # زمن الطوفان. ~~- كفكف دمعك! ~~- إني أغرق، ~~- بل تغرقني في الطوفان. ~~- إني أنهار، # وينهار على رأسي سقف الدار، # أنجرف مع التيار # نحو الهاوية بغير قرار. # تلطمني كف القيصر والشرطي الجبار. # هل توقف زحف السيل الأسود # كلمات أو أشعار؟ # ماذا أملك إلا الدمع، # أسكبه في عينيك لتنسى طعم العار. # ثم ألوذ ككلب يحتضر بجنب جدار، # وأحدق في سحب الغيب. # وأسأل: من يحميك من الإعصار؟ ~~- ومن يحميني منك؟ ~~- مني؟! ~~- تتحسر، تبكي، تحتضر بجنب جدار. # هل يبدو الموت اليوم أمامك، # فتحن إليه حنين العائد للدار؟ # تتمنى لو ذبت به ذوبان الموجة في أمواج البحر الهدار. # أوحقا تتمنى الموت؟ ~~- أتمنى الموت الحق. # أنظر في عينيه، أحدق # وأعانق وجه الخطر المحدق # ويعانقني فأكون بحق # أولد، أبعث، أحيا في صدق. # الموت جليل وجميل، # كجمال المجد أو الشعر. # والموت يعمق ويصدق، # هو ثمرة عمري أو عرقي. # هبني يا ربي أن ألقى # معشوقي في ليلة عشقي، # وعزائي عن رحلة سفري # وذد الأطيار إذا جاءت؛ # كي تأكل من ثمري المر. # قد عشت بقبري ما عشت؛ # فما ضر يغيبني قبري؟ # ما ضر أموت لكي أحيا، # كي يشرق من ليلي فجري؟ ~~- فجرك؟ ~~- أسمعت؟ ~~- ألا تدري؟ # وفهمت، فسرك من سري ~~- قد كنت أثرثر، معذرة! # من غيرك يقبل بالعذر؟ # ولمن أتكلم يا نفسي، # وأبوح بسري أو جهري؟ ~~- يكفي ما قلت، ألا تسأم؟ ~~- ولمن يا نفسي أتكلم؟ # وأبشر بالفجر وأحلم. ~~- الطير المتعب نام فنم، ~~- أأنام؟ # ونحن نيام منذ دهور. # عمى، فمتى تنفتح العين، # وتنفتح الأيدي الكادحة وينغلق الفم؟ ~~- حين يؤذن ديك الفجر. ~~- إني أنتظر أذانه. ~~- لا يكفي أن تنتظره، # اعمل له! # الفجر قريب ms022 لو تعلم؛ # فتأهب، واعمل، وتعلم؛ # حتى لا تشكو أو تندم، # وتلوذ بحكمتك وتحلم، # كالقرد الأعمى والأبكم. ~~- الفجر؟! ~~- الفجر # هو الأحكم! # 1979م ~~••• # هذه سطور قليلة من أنشودة، أو قصيدة طويلة تعد هذه البكائية تنويعات ~~عليها. ولعل هذه الأنشودة أو الحوارية أن تكون أقدم مرثية عرفها ~~العالم. إنها مناجاة رجل تعب من الحياة، فراح يحاور نفسه التي تقنعه ~~بالتمسك بدنياه - دنياه التي يئس منها، بعد أن اختلت فيها كل ~~الموازين وانقلبت كل القيم - بينما أخذ يحن إلى العدالة والحقيقة ~~والسلام في أخراه. وهي نص مصري قديم حققه وترجمه أكثر من عالم من علماء ~~التاريخ والأدب القديم (مثل أرمان وزيته وفولكنر وسليم حسن)، وأعطوه ~~هذا العنوان: «حوار متعب من الحياة مع نفسه»، وحددوا عصره بفترة ~~الثورات والاضطرابات التي جاءت بعد الدولة القديمة. ومع أننا لا نستطيع ~~أن نصف هذا الحوار الشعري بأنه مرثية أو بكائية بالمعنى الذي عرف فيما ~~بعد، فإنه يعد قطعة من أصدق الشعر وأنبله، وأشده تأثيرا على ~~القلب. # غير أن المرثية أو البكائية قد عرفت في الشعر اليوناني والروماني ~~القديم؛ لتدل على شكل شعري يتألف من بيتين (كوبليه)، يجري أولهما على ~~الوزن السداسي، وثانيهما على الوزن الخماسي، ويعبر منذ القرنين الثامن ~~والسابع قبل الميلاد عن أغراض متنوعة، كالحرب والحب والبطولة ~~والسخرية السياسية، قبل أن يطلق الاسم المحدد «اليجوس أو اليجابا» على ~~الحداد على ميت، أو الشكوى من فواجع الحياة والتأمل في مآسيها، وقد ~~يتسع فيشمل قصائد الحب كما حدث في العصر السكندري والروماني والبيزنطي، ~~ويظل الحب والشكوى طابعه في الشعر اللاتيني - خصوصا في عصر أغسطس - ~~عند تيبولوس وبروبريتوس وأوفيد. # ولم تقتصر محاكاة الغربيين المحدثين منذ عصر النهضة لأنواع الشعر ~~القديم وأوزانه على هذا الشكل الثنائي للمرثية، وإنما امتدت إلى ~~مضمونها الذي يعبر عن الأسى والحسرة والاكتئاب. ففي إيطاليا نجد ~~المرثية منذ القرن السادس عشر عند «تاسو» و«أريوستو»، حتى القرن التاسع ~~عشر والعشرين عند ليوباردي وكاردوتشي وداتزيو، وفي إسبانيا التي قلد ~~شعراؤها النماذج الإيطالية يتصل هذا الشعر من جارثيلا زودي لافيجا ms023 ولوب ~~دي فيجا، حتى خيمنيث وجارثيا لوركا، ~~وفي فرنسا يتصرف بعض الشعراء في الشكل الأصلي، وإن ظلوا محافظين على ~~المحتوى والنغم الأسيان، بدءا من جان دوبليه ورونسار، حتى لامارتين في ~~تأملاته وأندريه شنييية # 13 # في أغنياته الرقيقة الحزينة قبل أن تختلط المرثية في الأدب ~~الفرنسي بأنواع وموضوعات أخرى، وفي ألمانيا بدأت مع بداية القرن ~~السابع عشر عند أوبيتز، ثم كلوبشتوك، وتأثرت بمدرسة القبور في الشعر ~~الإنجليزي وبشعراء آخرين، مثل يونج وأوسيان وجراي - صاحب المرثية ~~المشهورة في مقبرة ريفية - وظهر هذا التأثير على «جوته» في روايته ~~«آلام فيرتر» التي تعد مرثية طويلة، ثم على قصائده الكبيرة «مرثيات ~~روما ومارينباد وتحولات النبات»، كما ظهر على شيلر في قصائده آلهة ~~اليونان، والحنين، والحاج، بجانب رسالته عن الشعر الساذج أو المطبوع، ~~والشعر العاطفي أو المصنوع، وهي الرسالة التي ميز فيها الرثاء عن ~~غيره من ألوان الشعر الأخرى بأنه تشوق إلى المثل الأعلى، أما الشاعر ~~«هلدرلين» فيمكن أن نصف شعره كله بأنه مرثية متعددة الألحان والأشكال، ~~يبكي فيها نفسه وعصره، ويردد حنينه إلى مثل مستحيلة وأيام ذهبية ~~عاشها البشر المباركون في ظل الآلهة المباركة التي تخلت عنهم، ولم ~~تعد تكترث بهم، حتى جدد «رلكه» المرثية، ونفث فيها أنفاسا وجودية، ~~بعثت فيها الحياة والقوة في القرن العشرين، وذلك في قصائده العشر ~~المعروفة بمرثيات دوينو. وفي الأدب الإنجليزي تحددت المرثية كنوع ~~مستقل تقترن فيه الشكوى والحب والموت من أوائل القرن السابع عشر، ~~عندما أطلق جون دون هذه التسمية «مرثية جنائزية» على قسم من أقسام ~~قصيدته «تشريح العالم»، ووضع ملتون مرثيته الرعوية «ليسيداس» التي ~~ساعدت على جعل المرثية نوعا مستقلا في الأدب الإنجليزي، وإن اختلطت ~~حدوده مع كل شعر تأملي اكتسى بطابع الرثاء، وأوضح مثل على ذلك وأشهره ~~هو قصيدة توماس جراي السابقة الذكر «مرثية في مقبرة ريفية»، و«خواطر ~~الليل» ليونج، و«عبث الرغبات البشرية» لصمويل جونسون، ومرثية «موت سيدة ~~تعسة» لألكسندر بوب، و«في ذكراه» لتنيسون، و«عندما تزدهر الزنابق في ~~فناء الدار» لويتمان، وأخيرا مرثية «أودن» التي كتبها في ms024 ذكرى الشاعر ~~الإيرلندي الكبير «ييتس»، ناهيك عن مرثية شيللي الشهيرة «أدونيس» ~~لصديقه كيتس، وقصيدته «ثريزيس»، ولعلها جميعا كانت محاولات لمحاكاة ~~رعويات كلاسيكية، مزجت بين الحب والموت عند فيرجيل وثيوكريتس. # | الدمعة الثالثة: الكابوس # ليست حياة الروح أن تشيح بوجهك عن الفساد والموت، بل أن تحدق ~~فيهما ... # هيجل فوق العرش # 1 # قصر مهجور، يبدو كالنسر الهرم الجاثم فوق السفح، يحتضر وحيدا من ~~ألم الجرح. تحملني قدماي إليه عبر صحار جرداء، تحت سماء دهمتها ~~السحب السوداء. جحافل قطعان وجيوش ذئاب، سفن غرقى يهرب منها ~~البحارة والفئران، ويبكي الربان، خيل جامحة تسقط في الميدان، ~~أقنعة الأبطال المهزومين، دروع تسقط في الطين، وملائكة تنفخ في ~~الأبواق، كلاب تنبح في الآفاق، ومواكب إنس وشياطين، ترقص تركع تسجد ~~للتنين. أدخل من باب القصر كأني أدخل في قبر، يهتف صوت يأتي من ~~فوقي، من تحتي أو ينبعث من المصدر: هذا قصر العقل المطلق. حدق في ~~عين الموت وحدق؛ فحياتك أن تلقى الخطر المحدق، تتحداه فتنجو من ~~قبضته أو تغرق. أدلف من البوابة الحديدية الصدئة، يختلط وقع قدمي ~~الثقيل بأنات العظام التي أدوس عليها، بالرطوبة وطعم الملح ورائحة ~~العفن، وسواد الظلال المعلقة كالمعاطف السوداء في الأركان. لا أكاد ~~أدنو من العتبة، حتى تنفتح أمامي القاعة الرهيبة في آخرها، فوق ~~الدرجات الخشبية الداكنة، تتحجر عيناي على المشهد: عرش ضخم، يجلس ~~عليه شيخ عجوز، يخطف بصري بريق يسطع في العينين، ويخترق السواد ~~والظلال والأطياف المتراصة على جانبي القاعة كشواظ الجمر ~~المتأجج وسط دخان وتراب. تشدني القوة المجهولة للاقتراب منه، ~~يجذبني توقد العينين وبياض الوجه الذي يلمع كالعاج الناصع كلما ~~اقتربت منه، تصرفني العينان ويشغلني الوجه عن الالتفات ورائي أو ~~حولي، ويفاجئني الصوت الخارج من قلب العرش، صوت في لمعان العينين ~~الواسعتين الباردتين: صل وصب اللعنة! قدم كشف حسابك! # ربي! أعرف هذا الوجه. لم أره رأي العين، لكن أذكر أني شاهدته، ~~أغرقت عيوني في عينيه، خفت بريقهما وبرودهما الثلجي، وذهلت من ~~الوجه الواثق من نفسه، الرائع مثل وجوه الأرباب على قمم الأوليمب. ms025 ~~رن الصوت الخارج منه كالقدر الساحق، يهبط من برج شاهق، من ~~أدخلني هذا القصر؟ من كان رفيقي ودليلي؟ من هذا الملاك الجالس فوق ~~العرش؟ هو شيطان أم القيصر؟ والأشباح الواقفة على الصفين. كالحة ~~عابسة الأوجه، تهمس، تطرق بالرأس، تكاد تشير إلي، أتمعن فيها عن ~~قرب: حراس أم زوار؟ أصحاب مظالم أم حجاب؟ والشجرة، هذا الجذع ~~الراسخ والأغصان الخضراء. أتظلل هذا العرش؟ من أين تجيء الخضرة في ~~هذا القفر؟ ومشاعل في كل مكان. توشك أن تطفئها أنفاس الليل الجاثم ~~مثل جبال الأحزان. هل أصرخ؟ أسقط فوق الأرض، أنادي الملك الجالس ~~فوق العرش، وأسأل: ما هو دوري في هذا الحفل أو القداس الملعون؟ ~~أجري وأثور وأضرب رأسي في الجدران، وأبكي كالمجنون. يأتي الصوت ~~المخنوق الشامخ كنفير القدر الصارخ، يجرف روحي كالقشة في التيار ~~الجارف: فتش عن جمجمتك بين الأشلاء! فهناك مكانك بين الموتى ~~الأحياء! # جماجم وأشلاء، حقا، حقا، أفتح عيني، أنظر كالممسوس، كومة ~~أشلاء تحت العرش، وجماجم ثقبت أعينها تتأملني بعيون الصمت. تدعوني ~~وتعاتبني بلسان الموت، أصرخ في غضب يشعله المقت: ما هذا؟ عرش فوق ~~الأشلاء؟ مأدبة وحوش وبرابرة تلتهم لحوم الغرباء؟ ~~- بل رب إغريقي بلع الأبناء، غضب الرب الحي الفرد على نفسه، ~~فالتهم الفرد ليصبح ذاته، وتجلى في ثوب الروح المطلق. ~~- صور سوداء مخيفة لإله يأكل نفسه، كالميت نفض الأكفان، وغادر ~~رمسه. ~~- كي يخرج في ثوب أنقى، يتألق بالنور الأعلى. ~~- لا أفهم، يا مولاي. ~~- عجبا! مع أنك عشت طويلا مع أفكاري، وسهرت ليالي تبحث عن ~~أسراري. أسريعا ينسى الزائر داري؟ خذ يا ولدي مفتاح السر. حتم ~~وقضاء أن تكتمل الدورة؛ كي تسمو فوق الأطلال الخربة، مملكة الله ~~الحرة، يا ولد تلك هي الرؤيا، رحت أسجلها في نوبة غضب أسطوري، ~~ليلة كنت وحيدا في «يينا». ثم عكفت عليها وصببت رؤاها المرة في ~~أطر التجربة. # أطرقت حزينا، كشفت عن حيرة نفسي، حيرة وجهي ويدي الساهمتين ~~كعصفورين وحيدين أضاعا العش. قال الملك الجالس فوق العرش: هل تذكر ~~يا ولدي العملاق «خرونوس»؟ لما ابتلع بنيه، ms026 فلم يفلت منه غير ~~«زيوس»؟ ~~- ويعود زيوس فيثأر منه، ويجبره أن يتقيأ أولاده؟ ~~- لكن الرب الذي أعنيه لا يثور على أولاده، مثلما يثور على نفسه، ~~على خروجه الشقي عن ذاته، على الطبيعة التي خلقها، فازدهرت ~~بألوانها وأشكالها. لقد انتشر وتبدد في هذا «الآخر»، ابتعد عن نقطة ~~المركز، أحس أنه أراق جوهره الخالص في اللانهائية التي لا تعرف ~~راحة ولا استقرارا. عندئذ يتولاه الغضب الجبار، ويملكه السخط، ~~فيدمر ما شادته يداه، يبتلع الصور والألوان والأشكال، ويمزق أعضاءه ~~بيديه، ويسحق العظم ويهرس اللحم حتى يسيل، وفي السعير الذي يغلي ~~ويفور تتطهر نفسه، تترك وراءها كل الشوائب، ترتفع نقية متلألئة في ~~النور الباهر، فلقد عاد الرب لذاته. عاد الرب لذاته. ~~- صورة رب جبار مظلم. العدم يمزق نفسه، أيكون الهدم بناء، ويصير ~~الموت هو البعث؟ أشار بيده أن اسكت. كف بيضاء كقطعة ثلج، تلقي ~~طيفا أسود، أشبه بالمروحة السوداء: هذا شيء لا مندوحة عنه، نهر ~~الجدل الجبار، صراع الذات مع الآخر. اغتر الشيطان الساقط بجماله، ~~فتحدى الله، فثارت ثورته وابتلعه! لكن الطبيعة المبتلعة ترتفع في ~~ثوب مثالي، فقد ماتت حياتها لتبعث روحها، وهي في ثوبها النقي ~~الجديد قد انتصرت على الشر، وصمدت لوهج الألم وحريقه المشتعل في ~~أعماقها. أهمس في خوف، كلماتي تسقط فوق الأرض وترجف، قطرات دماء ~~تجري من جرح ينزف. وتشير الكف البيضاء الخافقة كمروحة سوداء: أحسبك ~~تقول كما قال الناس: الجورب حين يرقع خير منه حين يمزق! أما الوعي ~~فليس كذلك، ما من وعي حق إلا وهو ممزق، بين الأضداد يعيش ويحترق ~~ويومض كوميض البرق. تلك حياة المطلق، نهر صراع أبدي، جدل التاريخ ~~المثقل بالمأساة، معركة الظلمة والنور، الموت مع الميلاد، حياة ~~وموت، فعل ورد فعل، جذب ودفع، تحليل وتأليف، ملاك وفلاحون، ~~مستعمرون ومستعمرون، نواة موجبة وكهارب سالبة، ركود «الين» ودفع ~~«اليانج»، تطور الروح التي تبعث الحياة في الطبيعة والإنسان. تلك ~~هي التجربة الأولى، نبعث من نهر الجدل الجارف كالجيش الزاحف. على ~~ضفافه نبتت كل التصورات والمفاهيم، اتسعت صورها، وامتدت غصونها ms027 في ~~الظاهريات والتاريخ والدولة والدين والفن. ~~- في المنطق أيضا. كم عذبني المنطق! ~~- ألم أقل في مقدمته: يمكن القول بأن مضمون الكتاب تصوير لله في ~~جوهره الأبدي، قبل خلق الطبيعة أو أي روح متناه؟ ~~- هذا هو ما قلت: في البدء كان الرب المطلق المباشر، ثم غضب على ~~ذاته التي ضاعت في الآخر، فسحقت قوة السلب الرهيبة وجوده المباشر ~~أو عدمه الخالص، فعاد إلى ذاته في وحدة أرقى وأغنى. وحدة تتمزق ~~فوحدة جديدة! ~~- الآن فهمت. البذرة تتبعها النبتة فالثمرة. الطفل بريء وسعيد، ~~والشاب يتابع خطواته، وأخيرا يأتي الشيخ على عكاز يتأوه. ~~طاحونة هذا العالم لا تتوقف أو تنكص، والخطوات ثلاث لا تختل ولا ~~تنقص، أنصت يا ولدي لرنين الخطورة فوق السطح، وفي عمق القاع، غابات ~~العالم ترقص، أو تحتضر على الإيقاع، تضربه كف الجدل فينفذ في ~~الأسماع، هذا يا ولدي هو سر العالم، سر حياتك، موتك، كل ~~الأوجاع! # يسكت صوت العرش، يدير صاحبه رأسه الضخم، ويريحه على يده، تتوه ~~العينان الزرقاوان في الفراغ، القوة والجبروت تشع عليه وريح اليأس ~~البارد تعصف منه. تنفذ في ثقوب الجماجم فتئن وتشكو كأنين الناي، ~~أتلفت حولي، ترتعش الشجرة، توشك أن تدنو مني، ترتعش النار من ~~المشاعل وتتساقط ومضاتها كحبات الندى الملتهبة فوق الوجوه على ~~الصفين، هذي أقنعة أم أوجه أبطال منسيين؟ أتقدم منهم، تتأمل ~~عيني قسمات الوجه وتجعيدات الجبهة وأخاديد الزمن ونقش القدر ~~المسطور، أعرف بعض ملامحها، أتذكر أني عشت ليالي أتأملها، ألعنها، ~~أستوحيها، أندب حظي معها، أسترحمها أن تغفر عجزي وقصوري، أعرف وجه ~~أرسطو، أفلاطون وهيراقليط، وجه الكندي والفارابي والحلاج، وتفاجئني ~~عينا ديكارت الواسعتان السوداوان، والوجه الضامر، وجه الفأر ~~المذعور، تلمع فيه العينان الزرقاوان، عينا كانط الطيبتان ~~الثاقبتان. أذكر زينون وأسأله أين سلحفاتك والسهم، أين أخيل ليشهد ~~بعد زوال الحلم، إن المجد خداع والشهرة وهم. هل يبقى غير الصمت ~~الخالد يا أرباب الحكمة والفهم؟ ها أنا أتأملكم، أمثل بين يديكم ~~مدحورا أبكم وأصم، هل أذنبتم أنتم أم أذنبت وضيعني الوهم، ولمن ~~ندع الحكم؟ ترتعش الشجرة، ms028 توشك أن تمسح رأسي بأناملها الخضراء، ~~أتأملها، تنحسر الخضرة، تتدلى منها الأغصان الصفراء، أبدأ في عد ~~الأوراق، فألمح وجها وضاء، تتألق فيه الطيبة أنجذب إليه، تنفرج ~~الشفتان وينسكب الصوت شعاع ضياء: دع يا ولدي الأوراق، بعد قليل ~~تنظر فيها وتقلبها بالكفين وبالأحداق، كم أشفقت عليك وأنت صغير ~~عاق، والآن تحركني نفس اللهفة والإشفاق، تمتد يداي إليها، أدنو ~~منها، ينتفض بقفص الصدر ذبيح وجل خفاق، أهتف: أنت؟ أية ريح طيبة ~~جاءت بك؟ من أرشدك لهذا القصر المهجور؟! ينسكب الصوت بسمعي: من ~~أرشدني؟ من يجعل طيف الأم يزور، طفلا شابت منه الرأس وما زال ~~يدور، في بحر الكون الواسع بشراع الحلم المكسور، يتصارع مع موج ~~البحر فيزيد ويغور، ثم يثوب لحضن الشط الدافئ كالعصفور المقرور. من ~~أرشدني للقصر المهجور؟ من يجعل طيف الأم يزورك كالمصباح المسحور؟ ~~يتبع خطوك في جوف المد المسحور، جوف التنور، يرعى سهرك بين الكتب ~~الموحشة كأفواه قبور، سر يا ولدي واترك هذي الأوراق الآن، يحزنني ~~أن تغلبك الأحزان، بعد قليل سأراك فسر بأمان، وستأخذ زادك مني، ~~وهو كما عودت كثير، نور من عيني ومن حبة قلبي نور. # توارى الوجه كما تتوارى الموجة. لمست كتفي يد رعناء، التفت لأرى ~~رجلا يقف بجانبي، إلى الوراء قليلا، يجذبني من ذراعي ويشير ~~بعينيه ويديه إلى باب في وسط القاعة في الناحية اليسرى، لم يجذبني ~~الأيسر صينية فضية موشاة بالذهب والفضة والطيور وأوراق النبات. هبت ~~منها الرائحة العطرة فأفاقت كل خلاياي، انفتحت كالأفواه الجائعة ~~بلا استئذان. صحت بأعلى صوتي: ما أطيبك وما أذكاك! كيف عرفت بأني ~~جائع؟ وضع السبابة فوق الشفتين، وقال: حذار! صاحب هذا العرش وسدنته ~~غرقى في الأفكار، فاطرد هذا الخاطر كي لا تنزعج الروح وهيا اتبعني ~~للدار، فالخطر قريب منك. صحت بغضب: ماذا تعني؟ أي خطر أو أخطار؟ ~~جذب ذراعي، همس بأذني: انظر! قلت: لا شيء هنالك، أنت تخرف. عاد ~~إلى الهمس: هناك! انظر عينيه الحارقتين كجمر النار، يزحف نحوك أنت، ~~حذار! صحت به: من هذا؟ لا، لا شيء. لست ms029 ألاحظ غير ظلال أو أرواح، ~~نسمات تعبث بالأوراق ولا ترتاح، ومشاعل ساكنة الضوء كأعماق جراح. ~~ماذا تقصد؟ ألجمه الصمت أو الذعر. تراجع خطوتين للوراء، بعد قليل ~~رأيته يزحف نحوي في بطء، تسبقه جمرتان محمرتان. أمسكت بسترة ~~النادل السوداء، لا بد أنني أفسدت أناقته التي لا تناسب رهبة ~~المكان، تشبثت بطرفها وصحت: عقرب! عقرب يتقدم نحوي. وعلي يسلط ~~عينيه، ويشرع طرف السن المسموم. هيا نمضي! فالروح المطلق لن ينقذك، ~~ولم ينقذني منه. لن يحميني من لدغته كل الحكماء. # قال النادل، وهو يصحبني إلى الباب: لكنك ستعود إليه، بعد تمام ~~الدورة ستعود إليه. سألت: أعود إليه؟ من أين؟ أين أنا الآن؟ قال في ~~غموض: حتم أن تكتمل الدورة. أولم تسمع كلمات الجالس فوق العرش؟ ~~قلت وأنا أحث خطواتي، وأتلفت مذعورا نحو العقرب الذي تسلل شبحه ~~الأجرد بين الجماجم وغاب بينها: حقا هذا هو ما قال. حتم أن تكتمل ~~الدورة، لكن بعد الشبع من المأدبة الكبرى. وأشرت إلى الحمامة أو ~~اليمامة المحمرة التي يلمع عليها الدهن، ابتسم النادل في لطف، لم ~~يخرج من شفتيه حرف. # صبي في يده ناي # وجدت نفسي في ردهة كبيرة غارقة في ضوء النجف البللوري، مثل ~~الردهات الناصعة في فنادق المدن الكبرى. على اليسار صندوق خشبي ~~عال، ومن وراء الزجاج يقف في الاستقبال عاملات جميلات وموظفون في ~~حلل سوداء، ينحنون لا أدري إن كانوا يرحبون بي أم يرثون لي. ~~فالبسمات أحاجي لن تفهم أبدا، وذئاب الغابة فيما يروى تبتسم ~~قليلا لضحاياها. أبتسم للنادل، وأسأل عن دورة المياه. يرد هو ~~أيضا بالابتسام، فأعتذر بابتسامة أكبر. أقول لنفسي: لعن الله ~~الرعب! تتسع البسمة في شفتيه عن المألوف: أما أنا فستجدني عندما ~~تحتاج إلي، ستجدني دون انتظام. أشم الرائحة بعمق، تصبح بسمته ~~ضحكة، يجري كالطائر تترنح فوق يديه حمامة جوعى. يختفي عن عيني ~~اختفاء السراب عن عين الظمآن، تخترق السكين مثانتي، فأزم شفتي. ~~يشير عامل مهذب بابتسامته أكثر من يده إلى مكان الحمام. أهبط ~~درجات، أصعد درجات أخرى، تخطف بصري الجدران الناعمة ms030 بلون الفيروز. ~~تستقبلني حسناء بيضاء سمينة، في خديها غمازة. هي أيضا تبتسم ~~وتضحك، تعطيني الفوطة والمنديل وتلمس يدها، خطأ، موضع عضو حساس. ~~ترمقني لحظات تزفر في وجهي عطر النار من الأنفاس. أبتسم بدوري ~~وأقول بحب: هذا من فضل العقرب ! تضحك، تخبطني أسفل ظهري وتموء: ما ~~خابت نظراتي أبدا، والعقرب في داخله عقرب! ألمس يدها البضة: ~~معذرة يا حسناء. أتمنى أن أشبعك وأروي ظمأك، لكن أخشى يفلت مني ~~النادل، ويطير حمامي الزاجل. قد أبقى في فندقكم أياما أخرى. ~~فانتظري يوم لقاء عاجل. تتأوه، تنظر في مرآة: فندقنا؟ يوم لقاء؟ ~~ليتك تعرف نفسك، تعرف من نحن، وماذا نقصد. لكنك تجهل كل الأشياء، ~~تجهل من أيامك أو أعمالك، حتى الأسماء، قحة وغرور من شفتين وأسنان ~~كالبللور. أغلق خلفي الباب. أفتحه بعد قليل. ما زال الصوت يرن ~~بأذني والأصداء: ليتك تعرف نفسك، تعرف من نحن. أين الحسناء؟ حتى ~~أنت تمصين دمائي؟ أصعد الدرجات منتعشا، ما أجمل صنع الماء! يلقاني ~~رجل فخم ضخم كالكابوس يغلق عينيه وسترته، ويقول بأدب جم: يا سيد، ~~أين بطاقتك الصفراء؟ أتحسس جيبي، أعجب لعبوس الوجه، أحاول أن أبتسم ~~قليلا، ألمح عينا ترمقني، عينا أخرى، كل الأعين سوداء وكل ~~الأوجه غبراء. أصرخ كالمجنون: ضاعت مني حافظة نقودي، سرقت، نشلتها ~~الحسناء! ~~- حسناء! أية حسناء؟ ~~- أغرتني، سخرت مني حين رفضت الإغراء. ~~- أية حسناء؟ نحن نراجع كل الأسماء. أين هويتك؟ تكلم. لم أتكلم. ~~رشقتني الأعين كأفواه البنادق. التصقت بصدري كذباب الموت الأسود. ~~تحسست جيبي، ثم هتفت: من فضلك لا ضوضاء. فندقنا لا يدخله إلا ~~السادة والأمراء. أين هويتك؟ # تزدحم وجوه حولي، ضاعت منها البسمات. يلتف رجال ونساء. يخترق ~~الصف صبي في يده ناي، ينفخ فيه فينبعث الصوت الساحر. أين رأيت ~~الوجه الضامر؟ يتقدم نحو الرجل الضخم، يمد إليه الحافظة وتعزف يده ~~الأخرى فوق الناي. أهتف: أرأيتم؟ حافظة نقودي. خذها، افحصها أنت ~~بنفسك. يتناولها الرجل، يتمتم معتذرا، يخرج منها الأوراق. أنظر في ~~وجه العازف، يطفو الجزع عليه والإشفاق. يفتح الرجل البطاقة، ينظر ~~فيها، ثم يصيح: ms031 هل صدقتم؟ تتزاحم حولي الأوجه، تمتد العين وتمتد ~~الأنف، تهتف أصوات: أعجب موقف. لا اسم ولا عنوان، لا صورة، لا ~~توقيع ولا أختام. أحتج وأبكي، وأدق بقدمي الأرض: هذا سخف سخف! إني ~~... يتدخل الصبي الساحر، يسحب البطاقة بلطف: أنا أعرفه، قد كلفني به. ~~ويميل على رأس الرجل ويهمس، يتراجع للخلف وينصرف الناس. يتقدم مني ~~الرجل، ويحني قامته ويهتف: لم لم تذكر هذا من قبل؟ هذا الفندق ~~تحت الأمر، ماذا تطلب؟ ماذا يرضيك؟ تفضل! # يسحبني الصبي من ذراعي بعد أن ينفخ في الناي نغمة بارعة، ويضع ~~يده تحت إبطي، ويقول: سامحهم، من لا يعرف يجهل. أنا منذ الآن ~~رفيقك، ودليلك، خادمك وأكثر، ويخلص ذراعه ويمد كفيه. ترتعش أصابعه ~~على الناي. أسأله ما هذا اللحن؟ يبتسم ببراءة ويقول: الصعود إلى ~~الهاوية! # نتجول من رواق إلى رواق، نصعد درجات ونهبط درجات، نترك ردهة ~~لامعة لندخل ردهة ناصعة. الجدران يفيض منها الضوء كسطوح زجاج شفاف، ~~ووجوه الخدم تبتسم وتطرق إلى الأرض، كأنها تعتذر أو تخفي سرا. ~~ندلف إلى قاعة كبيرة تذكرني رائحتها الحادة بعنابر المستشفيات: ~~نظيفة، بيضاء، ناعمة الأسرة والجدران، ولكنها مخدرة كجسد أبيض ~~ممدود على مائدة الجراح. أنظر فأرى سريرين في القاعة، أسدلت ~~بينهما ستارة سوداء، يعزف الصبي لحنا عابثا كصفير عصفور نزق ~~ويشير إلى السرير الأول ويقول: هذه أول سلمة، اذهب إلى هناك، إنها ~~تنتظرك. اهبط بعدها سلمة أخرى، وستجد الأخرى تنتظرك. أسأله: من ~~تعني؟ يرمقني بطرف عينه: أنت الأدرى، راجع صفحات كتابك. يرن بأذني ~~صوت نبهني في قاعة العرش: قدم كشف حسابك! أطرق في صمت، أسأله: ~~ماذا تفعل أنت؟ يبتسم ويعبث بالناي: ما أفعله دوما، أسمعك اللحن؟ ~~أكرر السؤال، وأنا أضع ذراعي على كتفه: أي لحن؟ يرفع حاجبه ويقول: ~~كيف نسيت؟ لحن سقوطك في الآبار! يشير إلي فأتقدم. يرتفع العزف ~~ورائي، يرتفع أمامي يشبه خطوة طفل عاري القدمين، يتحول أثناء ~~النوم ويبحث عن أبويه. # ممدودة على الفراش كحورية خرجت من الماء، الشعر الكستنائي منسدل ~~حول رأسها بغير نظام. والوجه الناصع البياض، ms032 المشوب ببقع حمراء ~~خفيفة، يشبه وجه ملاك. وجه صغير شاحب كالهلال النائم فوق السحاب، ~~تشع منه براءة طفل عليل مسحوب إلى أسفل شبه مثلث حاد، تشعر من ~~نظرتك الأولى إليه أنك مدعو لحماية يتيم. والعينان ضيقتان، خاليتان ~~من التعبير ، والجفنان بلا رموش، تنظران في بلاهة لا تعرف إن كانت ~~مكرا أو سذاجة أو غباء. توشك أن تهتف حين تنظر في بحيرتها ~~الآسنة: هل خلق الله ملائكة عميان؟ ما ضر لو اتسعت هاتان ~~العينان، لو ينعكس بمرآتهما ظل خيال أو وجدان؟ لكنك تغفر وتسامح، ~~فالفم مفتوح ذابل، والفجر يطل من الأسنان، فيغسل كل سؤال. # ممددة على السرير اللامع، تجري يدها الباردة على أزرار الفستان. ~~لاحظت تبلدها وبرود أناملها وشحوب الكف. قلت لنفسك: إن اليد والعين ~~مرايا النفس. والنفس المتبلدة تناسبها عين باردة أو كف متجمدة الحس ~~(كل الأرواح تنال الأجسام التي تستحقها، درس من علم الفراشة). لكنك ~~كفنت الخاطر في أكفان النسيان، فاليتم الآسر فجر فيك ينابيع ~~حنان. ~~- أنت؟ (قالتها وأشاحت بوجهها الذابل المستطيل.) ~~- أتذكرين؟ (وقفت بعيدا أنظر في استحياء، نفس الخجل ونفس ~~الطيبة والتسليم.) ~~- أنا الآن أم أولاد، لم جئت؟ ~~- جئتك من صومعة الزاهد المنحوس، جئت كما يأتي الطيف أو الكابوس. ~~جئت، كما قلت، بوجه السكير وقلب الصوفي الشاعر، ويقول العابر في ~~عرض الشارع ضعة وخنوعا، يذهب في بيت الصمت فيهتف من هب ودب: ~~«فصام.» يكتب عن قدر العالم والإنسان، فيسرع أرباب الحكمة: مجنون ~~خائب. يبني سجنا هو فيه سجين، والسجان يحنو كالأم، فلا يقبل منه ~~حنان، ذلك أليق بالزهاد أو الكهان. لا تك قديسا وسط كلاب وذئاب. ~~من لا يأكل يؤكل، والسمك الصالح تبلعه الحيتان. ~~- أف! عدت لنفس الموال، أأنت كتاب مفتوح؟ ~~- عفوا. كم حدثتك عن كتبي، عن أحلام الغد، كم قلت وكررت عليك: ~~هي عندي لقمة عيش أو صنعة، وهي كذلك متعة، أما الحب ... ~~- الحب؟ شبت في الجسد البارد شعلة نار، عض الشفتين سعار، هب ~~الإعصار على النهدين وثار، أصاب العينين دوار. ~~- أجل ... الحب. ~~- لم تعرف أبدا. ~~- تذكرين ms033 يوم سألتك عنه؟ ~~- أذكر. ذنبي أني أكتم سري، أسرف في الكتمان. كان الشفق الشاحب ~~يكسو الأشجار، أدركت أنك أسدلت على المأساة ستارا بعد ~~ستار. ~~- حدقت بوجهك، بالشعر الأبيض في الرأس، أطرقت وخاطبت النفس. أنا ~~بنت اليوم وأنت الذاهل وابن الأمس. يطفر من عينيك الحزن، ويكسو ~~وجهك لون اليأس، أي دواء يشفي داء الميت في الرمس؟ ~~- قلت الحق، لكنك ما قلت الصدق. أحببت سواي، وما كذب علي ~~القلب. حدق في عينيك، فشاهد غيري يسخر من بلوري، مرت تلك الأيام، ~~تداعى برج الأحلام. ~~- حقا أحببت سواك. ~~- ولماذا مثلت الدور؟ ~~- كان عنيدا مغرورا، فأخذت بثأري منه. ~~- أغرقتك بحنان الأب؛ فلماذا أنكرت الحب؟ ~~- حقا كنت كأب. هل تذكر ما أفضيت إليك، عند لقائي الأول ~~بك. ~~- أذكر، أذكر. لا أنسى، لكن أغفر. ~~- كنت كأب، وبهذا حدثني القلب، لكني أفتقد بجانبك الحب. أفتقد ~~شباب القلب، حزنك قد سد علي الدرب. ~~- حزني؟! ما أنا حجر أو صخر، حزني قدر العمر، وهو الميراث المر. ~~في بلدي يولد كل الأطفال شيوخا، يقتل حتى الزهر. حزني؟ من مسئول ~~عنه؟ وطني، أرضي، بذرة أبوي وأجدادي، أم هذا العصر؟ سأم الأيام ~~المرة والشرطي الحارس ولي الأمر؟ الشاعر يا ... يحمل ميزان العالم ~~بين يديه، إن ثقلت كفته بالأحزان، فما ذنب الشعر؟ أسرع وأطمئنك ~~فلست بشاعر، لكني أحيا الشعر، أتحسس جرح العالم، وأفتش عن وجه ~~الفجر، وأعود كأني الحصاد العائد بحصاد مر؛ ولهذا أصمت كالقبر، ~~أكتم سري، يوم أموت سيدفن معي السر. # أذكر يوم ذهبنا للبستان، نأكل ونثرثر، نستعرض أشكال الحيوان. ~~كنت سعيدا كالطفل الأرعن، كالفنان. مشينا على الممشى، تفرح عيني ~~بالخضرة، وتمرح في عرس الورد وأفراح الطير. أكلمك عن أمنا الأرض، ~~عن ثوب الطبيعة الحي، عن الأبدي الفعال الذي ينسج النول الأزلي، ~~نحن أيضا طبيعة، نولد ونأكل ونتناسل ونشيخ ونموت كما تموت ~~الأفراد. لكن يبدو أن الفرد يموت ليحيا النوع. ماذا يمنعنا أن نصبح ~~طبيعية خالصة؟ هل فكرت في هذه المسألة؟ إنه العقل، الفكر. نحن ~~حيوانات، ولكنا حيوانات بائسة مفكرة. نصفنا طين ونصفنا ms034 سماء، نصنع ~~أنفسنا بإرادتنا، بإرادتنا نبني التاريخ، كل الموجودات بلا تاريخ، ~~إلا الإنسان. لا يذكر أحد أن النملة والقرد أو الخنزير يسجل تاريخ ~~النملة والقرد أو الخنزير. نعبر بالعقل حدود الكون، نحاول أن ننفذ ~~خلف السطح، ونكشف لب الأشياء ، بل نقفز خلف مجرتنا، نكتشف ~~عوالم أخرى. لا تنس اللغة كذلك؛ عند الحيوانات إشارات وعلامات، ~~والبعض تطور بإشاراته، لكن الرمز الحافل بالمعنى لم يعرفه سوى ~~الإنسان، واللغة أيضا. لكن لماذا لا تتكلمين؟ هل أكلم نفسي؟ أمد ~~يدي لأمسك يدك. هل خطر ببالك معنى أن تنزع كف من كف؟ أكتم، ~~أعتذر، وأغفر، وأبرز، وأنبهك لألوان الورد وأشكال الشجر، وصور ~~العرس الرباني. أتكون الجنة أجمل من هذا؟ لم لا ندخلها، نسبح في ~~النهر ونغرق فيه القلب؟ يمكننا أن نفعل هذا، أقسم لك؛ فالخلد ~~قريب منا، والأبدية تدعونا بلسان جميع الأشياء: «ذوقوا طعم الجنة ~~قبل الموت!» كذب القائل إن العالم حلم زائل، أو إن الدنيا جسر ~~عبور. خالدة كل الأشياء تشع خلودا، حتى النبتة في الحقل، حتى ~~الشوكة في الصحراء، حتى النظرة في العين، لكنا ضيعنا الدهشة، ~~وغرقنا في العادات الهشة، تجرفنا فوق بحار العالم كالقشة، ~~وتقاتلنا وتخاصمنا وخلقنا في الأرض جحيما، أتكون جهنم أسوأ من ~~هذا العالم، أتكلم وأثرثر، وجبال الصمت عليك ترين؟ ماذا في صدرك ~~تخفين؟ ندخل مطعم الجزيرة، نأكل ونتطلع للبط الوديع، أعود أحدثك عن ~~سلام الروح، ترمقنا الأعين، وتباركنا عين عجوز طيب، جرب ما جربه ~~حتى تعب القلب. ويشير إلينا طفل يتأملنا عن بعد. هل يرقب منذ ~~اللحظة سر تفتح قلب الورد؟ تسألينني هل أنت متصوف؟ أضحك، ~~وأقول: لم أبلغ هذا الشرف العالي بعد. تنقصني الخبرة ~~والفن. ~~- لكن لا ينقصك الحزن؟ ~~- وجد الصوفية جهد، رؤيا يكسبها الله لقلب العبد، فتطيب ~~النفس، وتسكر من خمر الوعد، ويفيض عليها النور، وتترك سجن الجسد ~~الصلد، هذا شيء لم أعرفه بعد. ~~- ماذا يمنع من بذل الجهد؟ ~~- يمنعني حبي ذلك. # أضحك وأحاول أن ألمس يدك وخديك، فتبتعدين، وتعودين إلى الصمت. ~~أشعر لحظتها أن كيانك يتلفت ms035 ناحية أخرى. ~~- تسألين لمجرد السؤال: ومن هو المتصوف؟ # أربت ظهرك بيدي وأهتف: أنسيت دروس الأمس؟ وتجيبين بسخط: هل أذكر ~~شيئا دخل الأذن، وما دخل القلب ولا الرأس؟ ~~- معك الحق. من علمك الفلسفة بعيد عنها بعد الأرض عن الشمس. لن ~~يدخل من باب الحكمة من لا يحمل معه الدهشة والشوق. # تغرقين في سكوتك من جديد. أتذكر أنني لم أجب على سؤالك، أغالط ~~إحساسي، أضحك وأقول: المتصوف من لا يملك شيئا، أو بالأحرى من لا ~~يملكه شيء. تهللين كطفل نزق مكار، وتصيحين بملء الصوت: هذا ~~أنت! يغرقني الصمت، يدثر رأسي ليل الحزن. ما أغرب هذا؟ هل يمكن ~~أن ينسدل الليل نهارا في عز الشمس؟ أدرك أنك أبعد مما فكرت. يقطع ~~صمتي رجل عال كالنخلة. فوق الرأس عمامة كبيرة، تعلوها ريشة طاووس ~~أو ديك. أضحك في نفسي: ديك الجن؟ ما أغرب حال العشاق، يكتب بالإبر ~~على الآفاق. أرد عليه سلامه، يجلس دون استئذان. ~~- هل أنت هندي؟ ~~- أكل عيش يا بيه. ~~- أنا لست بيه من فضلك. أنا مثلك آكل عيش. ~~- تحت الأمر، أكشف طالعك وطالع هذا القمر. ~~- أسأل: كم من فضلك؟ ~~- العين بصيرة، واليد قصيرة. ما تدفعه يا بيه. ~~- أصيح بغضب: قلت لك لست بيه ولا باشا. أنا مثلك إنسان وفقير ~~مثلك، والشرط على رأيك نور. ~~- نور والله ونور. # ويمد يديه، فيأخذ كفك. يبتسم ويشرق وجهه. وينظر نحوي يصطنع ~~الخبث. يهتف باستغراب مغشوش: بنتان وولد. أيام هناء والاسم سيبدأ ~~بالهاء. أموال، سفريات أعمال تسند لك؛ فحياتك عمل لا يهدأ. والغد ~~طالعه سعد. # تطرق رأسي تبتل العين، يبتسم الشك على شفتي: والغد رائع. أبحث عن ~~عينيك الخاويتين؛ لأقرأ وجه الأمل الضائع، يمضي الرجل يقول: أسمع ~~عجلات قطار. صوت شهيق وزفير ~~يمتد. يطول، أنظر في عينيك وفي عينيك ذبول، غيم وسحاب وأفول. ينصرف ~~الرجل ونمضي بعد قليل. وأحاول أن ألمس يدك فتفلت مني كالعصفور، قطع ~~الشك يقين. أتساءل: أنا سجان أم مسجون؟ وأحاول أن أضحك. أسكب ~~شلال الكلمات، نعبر بالحيوانات. أضحك وأشير لقرد: لست بخير منك؛ ms036 ~~فأنا أحيا في قفص مثلك. وأشير إليك، أقرأ آيات الكره على خدك ~~وجبينك ويديك، أتكلم عن نظرية داروين. هذا القرد الأعلى، أترين؟ ~~انظري لوجهه وعينيه وتشريح جسده. هو أيضا يلعب ويضحك ويبدو ~~أحيانا بذكاء الطفل. انظري إليه وإلي، ثم انظري في مرآتك، الفرق ~~بسيط، بضع ملايين سنين. والمخ صغير الحجم، لكن من يدري؟ قد يرقى ~~هذا القرد، ويصبح إنسانا أعلى. أسمعت عن الإنسان الأعلى؟ # نصل إلى محطة السيارات، جسدك بجواري، ويدي يمكن أن تصل يديك، لكن ~~البحور تفصلني عنك. أتأمل وجهك، خدك، عينيك. ما يتمنى الإنسان ~~محال. والقبلة حلم أو قمة جبل عال. يأتي الرقم المطلوب، نتفق على ~~وعد لقاء. # يوم وقفت لأنتظرك في «التحرير»، يمضي الناس حوالي وتفحص وجهي ~~عين غني وفقير، وتمر اللحظات مرور الخيل فتصهل وتثور، لم خنت الوعد ~~وكذبت؟ الحب غريب في بلد يخنقه حراس الموت، سقطت كل الأقنعة، ولم ~~يبق سوى الصمت، الباقي صمت، الباقي صمت. ~~- الباقي صمت، هذا أصدق ما قلت. # يفاجئني الصوت. حلوا رقيقا كالحلم. أهتف كلقيط وجد أباه: ~~هذا أنت؟ # يبتسم الصبي، ويرفع نايه السحري إلى فمه. ينفخ صفارة عصفور ~~عاشق، وجد العش الدافئ والماء الرائق، تلمع أزرار السترة كالذهب ~~النادر، يبتسم الوجه الفنان الضامر، ويشير بيده، في كل بنان ناي ~~ساحر: هل تدري من تنتظر هناك؟ ~~- من؟ ~~- انظر خلفك من غير غضب! # الطرق على باب جهنم # يا لك حقا من ساحر. تسحر تذكاراتي كالبوذي الناسك يسحر حياته. ~~ألمح شبحا يتقدم نحونا. قصيرة، رقيقة الوجه، على عينيها نظارة ~~سميكة، تسبقها ابتسامة تبرز ~~أسنان الفك الأعلى الناتئة إلى الأمام، جسمها الضئيل كجسم صبي لم ~~ينم، لا يتميز فيه صدر ولا خصر ولا ردف، والقدمان قصيرتان، أقصر ~~مما يسمح به جسم قصير. في قدميها جورب أبيض كجورب التلاميذ، ويداها ~~الدقيقتان المتدليتان من ذراعين نحيلتين كأيدي عرائس الأطفال، لا ~~تتحركان إلا عندما يصدر لهما الأمر من الدماغ، الدماغ الضخم الذي ~~يكسوه شعر أشقر قصير هو كل شيء في هذا الشبح الأشقر. فيمن تراه ~~مقبلا تحس ms037 أنه السيد الوحيد، الفارس الذي يركب مهرا ضئيلا لم ~~يجد سواه. يأمر السيد بحكمه في كل شيء. ما من عضو إلا رهن مشيئته، ~~يتحرك بحساب، يضحك بحساب، يبكي يصرخ بحساب. سأل بكل الأعضاء، تسلل ~~لخلايا الدم أحال الجسم المحسوس إلى فكر. والطهر يشع عليها منها ~~حول الوجه، كالهالة حول وجوه الشهداء أو القديسين. والطيبة تتجسد ~~فيها، وحنان الأم. لكن هل يسمو الطين العاجز لمقام ~~القديسين؟ # أهمس للصبي الساحر: المومياء. انظر وراءك في غضب! ~~- يزيح الناي عن فمه. يتشبث بذراعي كي يخفي دمعة. يفتح فمه ~~فيغلبه الدمع. يوشك أن يهتف: ما أبأس حظ القديسين، أنتم يا أبناء ~~الفانين! تربت كفي خده. أطبع فوق الجبهة قبلة. أهمس: هي أمي ~~الصغرى، يستنكر هذا بتعجب، كأمير هبط من الكوكب: عجبا! هل لك ~~أمان؟ ~~- كم ترعاني وتعوضني عن فقد الأم. # يتوارى الصبي وهو يصفر لحنا لا أعرف معناه. هل يمكن أن يعزف لحن ~~الفرح المحزن، أو لحن الحزن المفرح؟ # تتقدم يدها خطوتها المسرع وتطفر كالعصفور. تنطق اسمي محذوفا منه ~~حرف العين. ~~- لم تكن تنتظرني. اعترف! ~~- أعتذر، أتمتم لا أدري كيف أجيب. لو قلت الصدق أجبت بأني لا ~~أنتظرك. وأنا لا أكذب. # تميل علي بعطف لم أعهده ولا أستحقه. تطبع قبلة على خدي: تعلم ~~أني معك وإن غبت. أبدا لا أنساك. # أضحك وأقول: طبعا. أنت الأم الصغرى. # فتجلجل ضحكتها الصافية كما لو كانت تنشج باكية: لكني لم أحبل بك. ~~هذا شيء كنت سأندم طول العمر عليه! # أطرق، أغمض عيني: ذنب لا حيلة لي فيه. لكن ما العمل الآن؟ تمد ~~ذراعيها وتكاد تحضنني. أتحفظ كالعادة، يغمرني إحساس الذنب مع ~~العرفان. تهتف وهي تشد ذراعي: يسأل مثلك من لا عمل لديه. نعمل ما ~~كنا نعمل، حتى تترك حزنك. هل يتركك؟ أليس هناك دواء؟ # أسأل نفس سؤالك: لكن ماذا نفعل؟! ~~- نذهب للغابة. للجبل الأخضر. للزحلقة على الثلج الأبيض. نجلس في ~~الكوخ قليلا نحسو القهوة والشاي. تغسل ثوب همومك بالأمطار. تفتح ~~للنور ذراعيك وصدرك على إله النور يضمد جرحك. تقرأ ms038 فاوست، أو ~~تسمعني شعرك أو قصصك. لن أفهم شيئا، لكني أتذوق لغتك. تعطيني ~~درسا فيها؟ # في ليلة سفري جاءت تزورني. يدها كالعادة محملة بالهدايا. شيء ~~ضخم، بل أشياء. ملفوفة بالورق الملون البهيج والشريط الذهبي. ما ~~أبدع ما تختار! حتى أمي لا تصنع هذا، مختارات من شاعرها الأكبر. ~~موسيقى للمتمرد الأصم الذي تعلم ضعفي نحوه، أغاني الحب الفرنسية ~~التي تؤكد رومانسية لا شفاء منها. مجموعات الحكمة الشرقية ~~والصينية: من طائفة الزن وتشوانج تسو. شطائر محشوة بالجبن الذي ~~أحبه. وفطائر تفاح تعرف حبي له. ربطة عنق وقميص، أزرار للأكمام، ~~دهان لحذاء المهمل، صور محفورة على الخشب للمدن التي زرناها معا، ~~والمدينة التي عشنا فيها، للسوق وبوابة مارتن، للنافورة في ~~الميدان، للجامعة وتمالي هوميروس وأرسطو فوق السلم، للكاتدرائية ~~والبرج العالي والديك الذهبي عليه. ~~- كل ما يبتدئ ينتهي. # أنشغل بحزم الحقائق وترتيب الكتب. الحجرة مهملة على غير العادة. ~~كم رتبتها بنفسها ونظفت الدولاب والمرآة ووضعت الفوطة في ~~مكانها. # لكن لكل نهاية بداية جديدة. # تغضب وتشيح بيدها: بالله سألتك لا تتفلسف. # أصحح خطئي: ولكني لا أتفلسف. على الأقل الآن. أرجو أن ~~نتلاقى. # تضع يدها على خدها. تتفحص عيناها عيني. هل يصدق مرة؟ أؤكد أملي ~~في المستقبل: ستزورينني حتما. # يتهلل وجهها وجبينها الذي بدأت تغزوه التجاعيد: حقا! وأرى ~~الأهرام وأبا الهول؟ # أغتصب الضحكة: وأبا الهول الحي! # تعيد يدها إلى خدها. أتحاشى نظرة عينيها. ~~- ليتك تعرف معنى ما قلته. # تسكت. تنفرج شفتاها ثم تنغلقان. أقرأ اليأس على وجهها أحاول أن ~~أفلت من الدائرة. أقدم لها صندوق السجائر فترفض. وصندوق الحلوى ~~فترده شاكرة. ترى ارتباكي فتنهض وتقلب الكتب، تخرج يدها الصغيرة ~~كتابا صغيرا تبحث في صفحاته، ثم تقرأ: # ساكن لا عمق له، واحد لا يتغير، نافذ في كل شيء، وهو لا ~~يتعب أبدا، ربما يوصف «أم الكون» أو جذر الوجود. بيد أني ~~صرت لا أعرف اسمه. خفي، لكن في كل مكان، فعال، لكن لا يعمل ~~شيئا، طيب القلب أنا مع كل طيب، وأنا أيضا مع الأشرار ~~طيب. موجود، ms039 لكن لا يعرف في أي مكان. يفعل، لكن لا يعلن عن ~~فعله. ينتصر، ولكن لا يحتفل بنصره. لين، لكنه قوي، ووديع ~~ومسالم. هو كالماء بسيط ونقي. قديس من غير قداسة، وقوس من ~~غير سلاح، يملك لكن لا يتملك، يتمنى ألا يتمنى. ليتني أعرف ~~اسمه. # طوت الكتاب ووضعته على حجرها. راحت تتفرس في وجهي. # قلت: إنه «الطاو». # قالت ضاحكة: ما أغباك! بل هو أنت! # حاولت أن أعتذر: شرف لا أصل إليه. أتمنى لو أعرف نفسي. # قالت مؤكدة: حقا. ليتك تعرف نفسك. # تشاغلت مرة أخرى بترتيب أشيائي وكتبي وأسطواناتي، رحت أردد ~~كلاما لا معنى له وأتمتم بأغنية لا داع لها: هل تسنى لأحد أن ~~يعرف نفسه؟ حتى سقراط يشككنا في هذا. ما أكثر هداياك! إنني لا أجد ~~لها مكانا. لو لم تهدني هذه الكتب والأسطوانات و... و... و... لما وجدت ~~مشكلة في حزم الحقائب. كانت تكفيني حقيبة واحدة. أثرثر وأحاول أن ~~أضحك وأتغابى وأتخبط كطاحونة. كنت قد سرقت نظرة إلى عينيها. غارقة ~~في الدموع. أرجع للثرثرة التي تبحث كل لحظة عن وقود جديد. لكني ~~أتبين عجزي. أكتشف براعتي المفضوحة في الهرب منه. ألمحها تجفف ~~عينيها وتنهض على قدميها وتقول بعدم اكتراث أحمى من السكين: يا ... ~~يا ... هل نتمشى قليلا؟ # أجيب كمن خرج من ورطة: نعم. في الحال. # نغادر الحجرة إلى فناء البيت، تتوقف عيناي على كل شيء: المدخل ~~الداكن النظيف، الدرجات اللامعة باستمرار، صندوق البريد الذي جرب ~~لهفة الانتظار لخطاب لا يأتي أبدا. أنظر في الفناء الصغير، شجرة ~~لا أعرف فصيلتها تظلل مرتفعين صغيرين عليها نقش أسود جميل الكتابة ~~المطرزة على نسيج، تحته يرقد «تاسو» كلب العجوز التي أسكن عندها، ~~لم سمته باسم الشاعر الإيطالي البائس؟ أنظر لواجهة البيت، نعبر ~~الممشى الظليل إلى باب السور المنخفض الذي يؤدي للشارع. أتوقف أمام ~~نافذة حجرتي. هل يمكن أن أرجع مرة أخرى؟ الأيام التي عشتها، ~~والليالي التي سهرتها، والكلمات والضحكات والأحلام والهموم ولحظات ~~اللقاء المختلس واللذات البائسة والقراءات والأفكار. لماذا يموت ~~شيء فينا كل لحظة؟ ms040 # لم يفتح الماضي فمه العجوز ويبتلع كل شيء؟ كيف نوقف نهر الموت ~~البطيء لحظة واحدة؟ النهر يجرفنا، قاربنا ينحرف معه، والهاوية ~~مستعدة على الدوام. كم مرة عبرت هذا الشارع الصغير، كم مرة فوجئت ~~بالقمر يطالعني خلف الأشجار والبيوت المنحدرة السقوف وأبراج ~~الكنائس كأنه وجه طفل كبير يغرق في بحيرة ذهبية! كم أيقظني من ~~أحلامي وأنا متأبط حقيبة كتبي مهموم بالأفكار التي أصارعها ~~وتصارعني، ذاهل عن نفسي والأرض التي أسير عليها، كأن الطفل السماوي ~~يتربص في كل مرة، وعينه الواسعة الملتهبة، تنسل إلى قلبي فجأة ~~لتسألني: من أنت؟ وكم هربت من السؤال، كومت الكتب والأفكار على ~~رأسي، استندت لعكازة أمل واه، خلقت المبررات والمبررات. # أيقظني صوتها: لحظات الوداع كالثمار الناضجة المتساقطة من الشجر. ~~من يدري متى ترجع لهذه المدينة، لهذا الشارع، للقنوات الرقيقة ~~الجارية على جانبيه، أشجار السيدر والزيزفون التي عبرت بها ~~كثيرا. ~~- عبرت بها وبكل شيء. أليس الإنسان عابرا على الدوام؟ # وضعت يدها في يدي، وقالت: هذا ما تقوله. ولكني أشك فيه. # سألت: كيف؟ ألا ترين كل شيء يصبح ماضيا؟ # ضحكت وصنعت بيدها قوسا دار حول الأفق والبيوت والأشجار: المهم ~~أن يحيي الإنسان كل ما حوله، عندئذ يحضر في كل خلاياه ويملكه ~~للأبد. ~~- الأبد؟ أليست كلمة طويلة جدا؟! ~~- أنت؟ ماذا تقصدين؟ ~~- هل أصبح تاريخا عندك؟ ~~- تاريخا لا ينسى أبدا. ~~- أبدا؟ أرأيت؟ كلامه في كلام في كلام. ~~- إنني أعني ما أقوله. لا يمكن أن أنسى وجودك بجانبي، هداياك ~~قراءاتي معك، عذابك في إصلاح كتاباتي، رحلاتنا مع الأصدقاء في ~~الجبل والغابة، دعوات الشاي مع الأغراب في حجرتك، ألم أقل ~~لك؟! ~~- ماذا؟ ~~- إنك أمي الصغرى. # سكتت. قلبت طرفها في السماء المكفهرة بالسحب الثقيلة. مدت يدها ~~إلى شعرها وشدته. تحسست صدرها الضيق ورقبتها النحيلة: ألا تكف عن ~~كلماتك الغبية؟ # ربت على ظهرها. أحسست بعظامه الصلبة الناتئة. ~~- معذرة. كنت أعني ما أقول. لم يحبني أحد مثلك. ~~- وتقولها الآن، في ليلة سفرك؟ يا صاحبي، نحن نأتي دائما ~~متأخرين. هل تذكر قائل هذا؟ ~~- ولكنني أحببتك حقا، كنت ms041 الأم والأخت والممرضة ~~والقديسة. # قالت في سخرية أهون منها اليأس: قديسة؟ # قلت بحماس: هذا ما أومن به. لست من هذا العالم. أتعرفين ماذا ~~يخطر لي كلما رأيتك؟ ماذا أتمناه! # قالت: ماذا؟ # قلت: أقبل طرف ردائك كالمؤمن يلثم طرف رداء ولي أو قديس. # صاحت في غضب: قديس! قديسة! متى تفتح عينيك؟ ليس بأوروبا قديسات - ~~إلا في الصوامع أو الأديرة. العذرية التي تهتمون بها تلاشت من ~~الوجود. أنا أيضا لي أخطائي وخطاياي. # قلت في هدوء كأنني أعتذر: لا أصدق. ولو رأيتك مع عشرين ~~رجلا. # ردت في تسامح: الخطأ بشري. أليس كذلك؟ كل هذا من فكرتكم عن ~~المرأة. ألم تقل لي هذا من قبل؟ ~~- معك الحق؛ فكرتنا الموروثة من روح البدو تحلم دائما بالمرأة، ~~لا بإنسانة واحدة محددة، شخصية لا تتكرر في عمر البشرية. # ضحكت وقالت: ويستحسن أن ينقلها البدو الملثم الراقد فينا، ويضعها ~~في الحريم. خصلات شعرها الأسود منسدلة على كتفيها. لحمها أبيض ~~كالعاج. أردافها ضخمة كالناقة. ضعيفة وشاحبة ومستسلمة. وحين ينام ~~معها يحقق نصره المفقود مع العدو. فالعدو يرقد أمامه في خضوع وذل، ~~مهزوما حتى كل خلية فيه. التفتت بحب استطلاع حاولت أن تخفيه: ~~ولهذا تركتها؟ ~~- تقصدين ...؟ # قالت بأسى: عندما عرفتك بها تمنيت أن تجد فيها ما تبحث عنه؛ ~~شعرها الطويل، عينيها الخضراوين، حيويتها ونضارتها ويتمها ~~أيضا، ألم تكن مجنونا بها؟ # قلت وأنا أشيح بيدي: وإهانتها لي؟! # استنكرت: لا يمكن أن تتفعل هذا. ... طيبة وتحبك. # أردت أن أغلق بابا تأتي منه الريح: لا داعي. انتهى كل شيء لقد ~~أهانت بلدي. # حاولت أن تعتذر عنها: ربما كانت فلتة لسان. لا يمكن أن تقصد هذا. ~~أنت دائما حساس أكثر مما يجب. تخلق أوهاما وتصدقها. # أشرت بيدي لأسدل ستار الختام: لم تكن تكف عن الاتهام: أنتم ... ~~أنتم ... أنتم ... كأننا من طينة الأقزام وهي من طينة العمالقة. إني ~~أشكو بلدي حقا. أحزن لتخلفه البشع، أحاول أن أقرع أجراس الخطر ~~ليصحو، أجلده بسياط النقد، لكني أعبده، أدفع عنه الحقد. إنها لم ~~تحبني أبدا. ~~- كنت أشعر أنها ms042 سعيدة بجوارك. ~~- سعادة السيد الذي يسحب كلبا من نوع نادر. ~~- أف من لسانك القاسي! أتظل مازوخيا للأبد؟ طالما أكدت لي أنها ~~تحبك. ~~- لنترك هذا. قلت لك: «إيروس» يكرهني. استخسر سهامه في. هل نجلس ~~في مكان قريب؟ ~~- أتحب أن نتعشى ؟ مطعمك المفضل قريب. ~~- لا، لا. لقد تأخرت. لا نفس لي. # هتفت كأنها رأت معجزة: أتعرف إلى أين؟ إلى حبيبتك ~~القديمة. # صحت ضاحكا: لا مخلص إلا الموت! فلنذهب إليها. # عروس ماتت في حضن كتاب # لم تكن أول مرة نزورها. إنها ترقد هناك، آمنة وادعة في سلام ~~المقبرة القديمة. أعرف الطريق إليها. أوشك أن أعرف عدد الخطوات إلى ~~قبرها، على اليمين بعد البوابة العتيقة المجللة بالورود والتيجان، ~~في الممشى الضيق المخضل بالعشب، خامس شاهد على اليمين. كم صحبوني ~~إليها، كم حدثوني عنها. أستاذ اللغات السامية الطيب، ذو الحاجبين ~~المرتفعين كمنقار النسر، صاحبتي الأولى التي جرتني إليها، وصممت أن ~~تكون أول قبلة تسمح بها إلى جوارها، وبالقرب منها، الدليل السياحي ~~الذي أرشدنا لآثار المدينة وأنهال من فمه شلال الذكريات والمعلومات ~~الموثقة عنها. وهي دائما هناك. ممددة على القبر بردائها الشفاف ~~الذي لبسته لآخر مرة. وثنيات الرداء منسكبة في منحنيات رقيقة مع ~~جسدها النحيل كجسد ملاك. ذراعاها متدليتان على صدرها في استسلام ~~القديسات، ويداها تمسكان بكتاب مفتوح سألت عنه، فقالوا هو الكتاب ~~المقدس، تشع من وجهها وعينيها الطيبتين الحالمتين هالة الورع ~~والجمال والرضا، كأنها «أوفيليا» الطافية على صفحة غدير صاف. يخيل ~~للعين في كل لحظة أنها تخلص نفسها من الرخام الرمادي الداكن، وتطير ~~فوقه. كيف استطاع الفنان الذي نحت تمثالها أن يقهر الحجر، أن يحوله ~~إلى نهر حزين شفاف. أن يثبت الحلم في طينته ويطلقها في نفس الوقت ~~من قبضته؟ # كنت أستعيد الذكريات، ونحن في الطريق إليها. ظلت عيني ترصد كل ما ~~تراه الشجرة التي رأيت السنجاب يتسلقها في خفة وجنون، ويتلفت نحوي ~~مذعورا، البيت الملون الواجهة بالأخضر والأبيض الذي دخلته مرة ~~بدعوة من فلكي ومنجم أراد أن أترجم له لوحة كبيرة بأبراج السعد ~~التي ms043 تنتظر الملك السنوسي، وينوي إهداءها إليه في عيد ميلاده، مكتب ~~الصحة الصاعد نحو الغابة الذي سرت فيه لأول مرة مع زميلة ذاهلة ~~العينين طيبة الوجه، ظلت طول الوقت تبدي إعجابها بلوكريثيوس وطبيعة ~~الأشياء. # يقطع ذكرياتي صوت ينبهني إلى بداية المقبرة: هاه! هل امتلأت ~~الكأس؟ # أقول ضاحكا وأنا أنفض رأسي: ودائما تفرغ! # تسبقني للدخول وتقول وهي تضحك: غدا تمتلئ بخمر جديدة. من يدري ~~ماذا ينتظرك هناك؟ # نمشي على الدرب المؤدي إلى الكنيسة الأثرية الصغيرة. تبين لي ~~أسماء الأشجار التي نمر عليها كأنها زرعتها بنفسها. باقات الورد ~~على القبور ندية لا تزال. تحس دهشتي وتقول: كان أمس هو ~~الأحد. # أسألها: هل هناك من لا يزال يذكرهم؟ ألهم أبناء هنا في المدينة؟ ~~تقول: إنها مغلقة منذ ثمانين سنة. ولكنها أصبحت متحفا. هذا هو طبع ~~الناس هنا. شيء مهين ومزعج كما ترى. معظم الأسر انقرضت، بعضها ما ~~يزال له أحفاد. ولكن أهل المدينة يعتبرونهم كأهلهم، يزورونهم كل ~~أحد ويضعون هذه الزهور. ~~- والعشاق أيضا. # ضحكت في خجل: ولا يطيب لهم العناق إلا هنا. خصوصا قرب ~~حبيبتك! # أضحك أنا أيضا: إذا تعالي نجرب حظنا! # نحن يا صاحبي أتينا متأخرين. دائما متأخرين. # نزور الكنيسة التي زرتها أكثر من مرة نقف عند رسوم الحائط وتشرح ~~ما سبق أن شرحته بالتفصيل. تحيط عيناها بالنقوش وشموع المذبح ~~والجدران النشعة بالرطوبة والسقف المزين بصور الملائكة والقديسين ~~كأنها تعانق أشياء في مسكنها الخاص. تتمتم شفتاها بالأدعية وتصنع ~~علامة الصليب ونخرج. نمضي إلى العذراء صاحبة الكتاب. تقف أمامها ~~خاشعة كأنها تراها لأول مرة. أتلمس معها الشاهد والنقش وأمر ~~بأصابعي على حنيات الرداء والوجه المستطيل الحزين والعينين ~~المغمضتين في الحلم الطويل. تتراجع للوراء، وتجلس على مقعد تمسح ~~التراب بمنديلها عنه. تتأمل وجهي وأنا أتجه نحوها وأجلس بجانبها. ~~تعرف أنني سأغرق في السؤال عن حقائق التاريخ أو سأتمادى في التفلسف ~~عن الحياة والموت والاستشهاد بالعبارات المحفوظة. تتأمل النائمة ~~قليلا، ثم تقول: ما رأيك أن تتزوجها؟ # أضحك وأقول: هو الحل الوحيد! # تستطرد: لا تسخر. إني جادة. ms044 # أهتف: والقرن الذي بيني وبينها؟ ~~- لا يهم. مثلك لا تصلح له غيرها، ألا تبحث دائما عن ~~المحال؟ ~~- وأعيش فيه أيضا. ولكن ماذا يقول أهلها؟ ~~- اطمئن. كلهم ماتوا. نعقد الزواج الآن؟ ~~- والشهود؟ ملائكة وشهداء وقديسون ويسوع نفسه؟! ~~- لا تكن سخيفا يكفيك شاهد واحد. ~~- تقصدين شاهدة؟! ~~- نعم نعم. وسأتكفل بمصاريف العرس. ~~- المهم أن ترضى الجميلة. ألا ترفضني هي أيضا؟ ~~- لا تهرب. دائما تنهزم قبل بداية المعركة. سترضى حتما. ~~- ثقتك في محلها، ما دامت لا تسمع ولا تنطق! هيا نسألها. ~~- لن نسألها. سنعقد فورا. # أقف وأشدها من يدها. نلقي النظرات الأخيرة على العروس الصامتة. ~~تتطفل يدي على وجهها الحالم الحزين وذقنها المدببة الحادة، وكتابها ~~المفتوح على صدرها، وقاعدة الشاهد الجرانيتي. تأتي وتمسك يدي. تمد ~~إحداهما إلى اليد التي تلمس الكتاب. تتمتم شفتاها وتخرج منها مقاطع ~~لاتينية أحاول أن أتابع معناها وتغمض عينيها وتستغرق في الصلاة. ~~أتعجلها بعد أن لاحظت الشمس قد غربت منذ وقت طويل. ~~- أخشى أن يقفلوا البوابة! ~~- في ليلة عرسك وتخاف؟ يا للغباء الأزلي! # أضحك. يمنعها الخشوع من الضحك. بعد قليل تسير بجانبي صامتة. نخرج ~~من البوابة، ونسير في الطريق إلى مسكني. القمر هلال متعب نحيل يطلع ~~على استحياء. السكون يغمر المدينة، وأوراق الشجر الصفراء تخشخش تحت ~~أقدامنا. نفترش الظلال الشاحبة. جدران البيوت وأعمدة المصابيح ~~وقوائم الإعلانات. أفكر في بلدي، في بلدي، في مدينة الضوضاء التي ~~سأعيش فيها، في القرية البائسة التي تنتظرني، في الهاوية التي تفتح ~~فمها وتهدد بابتلاعي، في دوامة التخلف التي ستجرفني كحبة الرمل إلى ~~هاوية الانقراض المحتوم. وتغرق في الصمت. فيم تفكر هي أيضا؟ ~~أسترجع الذكريات، كلها أصبحت ذكريات، تتدخل الأماكن والأزمنة ~~والأحداث والأشخاص، وتتصادم كقطيع هارب أمام العاصفة، نصل إلى مدخل ~~البيت الذي أسكنه. تقف وتمسك بيدي: تأخرت. لا بد أن أعود. ~~- لا أدري كيف أشكرك. السكون يغطي كل ما حولنا. عيون المصابيح ~~تسدل علينا رموشها الفضية. لا نأمة ولا حركة في الشارع الهادئ. ~~أفاجأ بصدرها على صدري. تضم ذراعيها حولي، وتشدني إلى وجهها. فمها ~~على ms045 فمي. لأول مرة يتدفق الدفء وحرارة اللحم في دمي. ترتجف شفتاها ~~المبللتان بالدموع. يرتجف الصدر والظهر. أتحصن في قوقعتي ~~الحجرية. ~~- آه يا ... لو تدري كم أحبك. # في المدينة الكبيرة كنت أمر عليهم كل يوم. أخرج من محطة القطار ~~الأرضي (المترو)، وأطلق عليهن من برج عيني حمامات التعجب والرغبة ~~والشهوة. كن يقفن دائما هناك، يسندن ظهورهن إلى بيت عادي لا يلفت ~~النظر، على الرصيف المواجه لبستان عادي أيضا، في الناحية الأخرى ~~من الميدان مقهى صغير يجلس الناس على طواره في الصيف، حسبتهن في ~~البداية لاعبات سيرك، فسراويلهن قصيرة تكشف عن معظم الساق، في ~~أقدامهن أحذية عالية الكعب، على وجوههن أحدث ما ابتدع. صناع أقنعة ~~الإغراء. لكني لم أكن أرى خيمة، ولا أسمع طبلا، ولا بوقا، لا ~~صيحة قرد، ولا زئير أسد، ولا صراخ سباع البحر. وأعبر الميدان إلى ~~اليمين لأمشي على الطوار (المؤدي إلى مكتبة كنت أتزود منها بزاد ~~العين والقلب، بالكتب الجديدة والوجه الحي الباسم أبدا فيها)، ~~وكنت أخطف البصر إليهن لأسرع بالوقوع في شبكة خجلي وارتباكي ودقات ~~صدري المتلاحقة. ذات مساء أمر بالميدان في طريقي إلى مسكني البعيد، ~~ويفاجئني الصوت الناعم كسطح الوردة والوجه الأبيض كوجه طفلة صبغوا ~~شفتيها وخديها بالأحمر: ألا تحب أن نبقى معا بعض الوقت؟ (أتطلع في ~~وجهها، أتخيل وجهي يصفر، ويعكس ألوان الطيف) لندع أجسادنا تتحدث ~~لبعضها. هذه هي اللغة الوحيدة الصادقة. ~~- نعم. ولكني ... والوقت متأخر. ~~- يبدو أنك مثقف، عيبكم أنكم تقرءون كثيرا. تعال لنقرأ أسرار ~~الجسد. أنا لا أحسن الكلام. أنت غريب فيما يظهر. ~~- نعم. أخشى. ~~- إلى متى تخشى؟ شعرك أبيض. الحب دواء الخوف، هيا بضع ~~سلالم. ~~- لكن ... لكن ... لكن ... لكن ... أعني الشرطة، والجيران، و... كم ~~... ~~- لا تحمل هما. شرقي أنت؟ لن نمكث طول الليل. لن نخطفك لدينا. ~~الشرطة تحرسنا وتؤمننا. # مشيت بجانبها صامتا. عند المدخل رمقتني حبشية فارعة القامة ~~منقوشة الشعر كالمروحة المجدولة من حبات سوداء، ضحكت أخرى بيضاء ~~سمينة، فخذاها المتورمتان يثوران على السروال الضيق المخطط. تفتح ~~لنا امرأة لطيفة الوجه مدورة ms046 العينين السوداوين، قصيرة الشعر، في ~~أدب مسرف تدعونا للدخول. أنظر في الردهة اللامعة والأبواب ~~المغلقة. وأتشمم روح السكون والترف في هذا الشرك المهلك! تمد ~~الفتاة يدها فتمسك يدي. هيا! هل تستكثر لحظة حب؟ تبتسم السيدة التي ~~فتحت لنا الباب ، وتودعنا في صمت، أحس يدها الناعمة، أخجل من نفسي. ~~جف عصير الشجرة، لم تبق سوى الأوراق الصفراء. يا زهر ربيع العمر ~~ألا يصدمك شتائي؟ ندخل حجرة ساطعة الضوء، جدرانها الخضراء تورق في ~~النفس الراحة والأمن. الفراش مرتب، والسرير عريض، وإلى اليسار ~~دولاب بمرآة. تسبقني إلى الفراش، وتسحب على نفسها الغطاء، لحيرتي ~~وخوفي من النظر في المرآة لم ألحظ أنها كانت قد تعرت تماما. «تخجل ~~مني؟ الحمام أمام الباب. هيا فاتت خمس دقائق. والباقي عشرون.» أذهب ~~للحمام وأخلع ملابسي. هناك أيضا مرآة. لو تكسر كل مرايا العالم! ~~أرجع في «روب» فضفاض. أغلق خلفي الباب. «منظرك بديع.» «أأثير ~~الضحك إلى هذا الحد؟ معذرة، هذا البطن آثار السن.» «بل أنت عجوز ~~طفل. أول مرة؟» أدخل تحت الغطاء. أضع الرأس على الكف. «ما لك؟ ~~تتفكر في مشكلة الكون؟» «أتأمل وجهك. أقرأ قصتك وطبعك.» «ليس ~~لدينا وقت. ليس لدينا وقت.» «أدفع ما يرضيك، عندي وقت، ~~فلنتكلم.» تغضب وتضرب الفراش. «عندي عمل آخر. أي زبون أنت؟ انهض.» ~~أخرج من محفظتي أوراقا أعطيها إياها، أهمس: «فليعرف كل منا ~~الآخر.» «لكن عندي موعد.» تنظر في ساعتها. «فاتت عشر دقائق. عندي ~~موعد.» أنسل إلى جانبها، أتحسس كفيها. وأميل على الصدر. أمسح ~~خديها. «هيا، هيا.» تتفتح كالوردة للشمس، أتملى في عينيها وأمد ~~الشفتين. تضحك ساخرة: «يا لك من رومانسي! أعرف هذا النوع. لكن ليس ~~لدي الوقت، عندي موعد.» تنظر في ساعتها.«أغبي أنت؟ احترق الوعد!» ~~أتحسس يدها، خديها، ألثم جبهتها والشعر. «هيا هيا.» «لا أبدأ حتى ~~تعطيني قبلة.» تدير خدها ناحيتي: «خذ! لا لا.» وأمد الفم. يتأهب ~~صدري للقاء الصدر، ويداي لتطويق الجبهة والشعر. تقترب الشفتان من ~~الشفتين، تصرخ كالمجنونة: «لا، لا. ما هذا؟!» «هل أخطأت؟» «حتى لو ~~تدفع لي مليون.» «هل ms047 يصلح هذا من غير القبلة؟» تتنمر تتفرسني عين ~~التاجر يطرد شحاذا من بابه: «القبلة لحبيبي وحده، لا يأخذها مخلوق ~~غيره، حتى لو كنت أمير الهند وملك الصين!» «افترضي أني محبوبك؟» ~~«يكفي ثرثرة، ضيعت الوقت.» تنظر في ساعتها، تنفخ تتأفف تلوي شفتيها ~~باشمئزاز. انطفأ الجمر. العطر تبخر. سكن القارب والمجداف انكسر على ~~الصخر. «معذرة، لكني لا أستغني عن قبلة، في بلدي.» «في بلدك!» قامت ~~غاضبة، بدأت تلبس سترتها والسراويل. وأنا أرمقها بعيون الطفل ~~المذنب. «عد لبلادك إن شئت.» ألقت في وجهي الأوراق. «هذا عمل لا ~~عش للعشاق.» «أرجوك احتفظي بهدوئك، وكذلك بالماركات، يمكنني أن ~~أعطيك سواها.» تطوي ذراعيها على صدرها، تطيل النظر إلي: «هذا ~~كرم منك. لم تبق سوى خمس دقائق. ذنبك أنت.» أدخل في سراويلي ~~وقميصي. «أعرف يا سيدة البيت طريقي. عندك موعد. تفضلي أنت.» يا رب ~~السهم النافذ والقوس، هبني أن أجد القبلة: كأسا تفرغ في كأس، ~~عين تغرق في عين، قلب يدق في قلب. نهر يجري مع نهر ليصبا في البحر. ~~ابن تاب عن الذنب، وعاد إلى الأب، وشعاع بعد الغربة يرجع ~~للشمس. # البحر البحر البحر ~~- من؟ أنت؟ ~~- أنسيت؟ ~~- حسبتك خنت، وظننت بأنك مثل الناس تخليت. ~~- أنا مسئول عنك؟ تركتك للأحلام. ~~- اسكت. أسمعني عزفك فوق الناي؛ فلعل اللحن يريح البال. هذا ~~أفضل، ليست كل الأشياء تباع وتشرى بالمال. أو إن شئت فلذ ~~بالصمت. ~~- معك الحق، لكن ليس لدينا وقت، حتى للصمت. ~~- وقت للغد والأمس ولا وقت لدينا لليوم. هيا، هيا. ~~- أمروني أن أصحبك. ~~- ولماذا الأمر؟ تسعدني الصحبة. ~~- هيا، هيا؛ أزف الوقت. ~~- الوقت، الوقت! والأبدية ضيعناها خوف ضياع الوقت، وإلى ~~أين؟ ~~- البحر! البحر! البحر! # هتفت كما هتف جنود الإغريق القدماء: البحر! البحر! بعد الظمأ ~~القاتل في الصحراء، يتعرى الظامئ ويذوق الماء. ~~- ليس الأمر كما نتصور، أخشى الندم عليك وخيبة أملك. ~~- تخيب أملي، تخرجني من هذا الكهف المظلم، من ليل أتخبط فيه إلى ~~ليل معتم، وتقول بأنك ستخيب أملي؟ هيا للبحر. # يطرق رأسه، يغمض عينيه، يتدلى الناي على صدره، كيتيم ms048 حاروا في ~~أمره، نترك ممشى، ندخل ردهة، وتمر علينا الخدم، الزوار، يا صاحب ~~هذا الفندق، أين النادل وحمايته الموعودة؟ أيجوع الضيف لديكم ~~ومآدبكم ممدودة؟ تلفح وجهي الريح، وملح البحر يرطب جلدي. # بعد قليل يبدو الشاطئ، تسطع حبات الزبد على البعد، والموج الهادر ~~يصخب في أذني ويحتد، لا تبخل يا موج البحر، ولا تنس الوعد، ~~أحرقني الظمأ الكافر في صحراء المجد، فاغسل بالدمع الصافي من عينيك ~~ذنوب الأمس وهم الغد، وأعد اللحد أو المهند. تلمس قدماي ~~الشاطئ. أنظر فوقي: قمر هادئ، بدر كالزورق تلمع فيه لآلئ. ~~- لم لا تتكلم؟ نايك لا يترنم! ~~- إني مرغم. أمروا بالصمت، وكتمان السر المبهم. ~~- البحر أمامك والجنة بين يديك. ماذا تكتم؟ ~~- انظر حولك، لن أتكلم. # أتلفت حولي، أنشق أنفاس البحر كسمكة يعيدها الصيادون للماء، بعد ~~أن جفت على اليابسة. إلى اليمين صخرة سوداء، داكنة الحجر، ناتئة ~~التجاعيد. أمعن النظر فأرى نسرا يعلوها، كتلة عابسة لا تتميز ~~عنها. بين الحين والحين يرف جناحاه ويهبطان. عيناه جمرتان، ~~أيسلطهما علي؟ إلى اليسار، بعيدا عنا بقليل، أراها ترقد ساكنة، ~~آمنة في ضوء القمر، تحرك شدقيها وتمضغ بسلام. أشد رفيقي من كمه. ~~أهمس له: بقرة؟ ماذا جاء بها؟ لا عشب على الشط ولا مرعى. ماذا ~~تجتر؟ يغرق الصبي في صمته، تخرج الضحكة كالغصة: تجتر ~~الذكرى! ~~- هيا نتجه إليها. هذا ما قالوه. أعطوني أيضا مرآة. ~~- مرآة؟ لا تنس الباروكة أيضا. ~~- لا تهزل. لسنا في عرس. ~~- هل نحن بمأتم؟ # يعود لصمته، يتقدم نحو البقرة بهدوء، ما زالت تحرك فكيها ~~وتجتر في سلام. لا يبدو عليها أنها تنتبه لوجودها أو للبحر الممتد ~~وراء ظهورها. لن يخطر ببالها أن ترفع رأسها لترى القمر الحالم ~~فوقها. غارقة في نفسها، غائبة عن العالم كله. عن الأرض التي ترقد ~~عليها، عن الواقفين أمامها. ربما كانت غائبة، حتى عن لذة العشب ~~الذي تجتره. في عينيها السوداوين الواسعتين بحيرة رضا واستسلام. ~~أهتف في غضب: هل جئنا البحر لنشهد بقرة! البحر يحب العري، ألا ~~نتعرى؟ ~~- اسكت. حذرتك ألا تهزل، ها هم ms049 يأتون. ~~- لا أدري أين أطلوا، كيف تلاقوا، هل ينشق البحر أم الأرض، ويخرج ~~منها المردة، عملاق أسود، ثلاثة، خمسة، غربان سود في هيئة بشر ~~يتقدمون نحونا. كلما ظهرت ملامح وجوههم ذعر القلب كفأر يرتجف أمام ~~القط. نسخ واحدة من صنم واحد، يتحرك في بطء، شعر أسود، جلد أسود، ~~سترة صدر سوداء، وسروال أسود، ربطة عنق سوداء ثبت فيها تكشيرة ~~وجه قاس أسود. أرتعد وأبحث فيهم عن أجنحة سوداء، ذيول سود، قرون ~~أو منقار أسود. يتحرك جبل الليل الأسود، يفتح فمه، يخرج منه ~~الرعد الأسود. ~~- المرآة. # ترتعش يد الصبي، وهو يمدها إليهم بالمرآة. مرآة صغيرة، منقوشة ~~الأطراف بزخارف خشبية عليها ورد وأوراق شجرة مذهبة، تنطلق الغضبة ~~منهم كزئير الأسد الجائع. ~~- أحمق، وحرام فيك المأكل والمشرب. # يتلوى الصبي، ويحني رأسه: مولاي، سادة قدري، أخطأت، فماذا ~~أفعل؟ # يتلفتون لبعضهم ويضحكون. رعد وصواعق وممنون: ماذا يفعل؟ ماذا ~~يفعل؟ # ويصرخون بفم واحدة: يا حشرة. اسحبه من أذنيه وقرب وجهه من وجه ~~البقرة. # يتقدم مني، ينظر في عيني، لم يجبره شيء أن يسحبني من أذني؛ فأنا ~~أخطو نحو البقرة، وأقرب منها عيني ووجهي. يضع المرآة أمام البقرة، ~~لا يطرف في عينيها رمش. تمضغ بسلام. ~~- انظر وجهك! # لا أتكلم. أردت أن أقول الأمر مطاع يا سادة، أرتجع ولا أعرف ~~ذنبي. ~~- منذ سنين ولم تر وجهك، تنظر في المرآة، وتحلق ذقنك، وتسوي ~~شعرك، لكن لا تبصر وجهك. حان الوقت فهيا، ثبت قلبك. # أغمض عيني وأفتحهما. الصبي بجانبي يسلط المرآة على وجه البقرة، ~~ثم يسلطها على وجهي، أتطلع فيها، كيف أصدق؟ هل هذا وجهي؟ أتلفت نحو ~~البقرة، نفس السحنة، نفس الجبهة والشفتين، نفس العينين الصافيتين. ~~أتحسس فكي. يتحرك، يمضغ يرتفع ويهبط، تتأملني عينا البقرة، أتأمل ~~عيني في المرآة، نفس النظرة، نفس الحسرة، نفس الحيرة في قاع بحيرة. ~~أفيق على صوت الرعد: أعرفت الآن؟ # يشيرون للصبي فيميل جانبا، يمدون إليه يدا واحدة، فيستجيب ~~بحركة سريعة. يخرج من صدره سكينا لامعة. يحس وحشتي والكلمات ~~التي لم أقلها: الناي مع السكين؟ يأخذونها ms050 ويختلس نظرة إلي ~~ويهمس: إني معك فلا تحزن. هي للبقرة. # تميل أجسامهم الضخمة كجذوع الأشجار العتيقة، وينحون سدا ~~واحدا، أما البقرة؛ بضربة واحدة تفتح البطن. عجبا لم لم ~~تنزل قطرة دم؟! والبقرة تجتر وتحلم. وكأن السود صغار منها ترضع، أو ~~راعية تحلب لبن الضرع. يرفعون رءوسهم، وكأنهم رأس واحدة مخيفة ~~تتفرس في. ماذا أبصر؟ أوراق تخرج من بطن البقرة، أقلام أقلام ~~أقلام، كتب كتب كتب، لا يظهر فيها رسم غلاف أو عنوان. ~~- أرأيت؟ ~~- أنحني وأفحص بعضها، إنها كتبي، هي نفسها التي فرحت بها ذات ~~يوم. ألمح فيها أوجه ثوار، زهاد، حكماء ومجانين، شاعرة تبكي ~~ابنتها، أبطال مآس مهزومين وشهداء مكسورين. والبقرة تجتر وتجتر، ~~من عينيها يسقط دمع مر. ينهضون على أقدامهم، يردون السكين للصبي ~~يزأر صوت واحد: بطن الشاعر، أو بطن البقرة. # أرفع وجهي للقمر الساكن في وهج بحيرة، أنظر للموج الهادر يبدأ ~~ويعيد الكرة. تلمس كف كتفي بحنان. تسحبني في رفق. يبرز منديل أبيض. ~~آخذه وأجفف دمعي. أسمع صوتا يأمر: هيا للصخرة والنسر. # جروني إلى الصخرة. النسر هناك، يشتعل الجمر بعينيه، يرفرف ~~بجناحيه، أتردد، تدفعني الأيدي، هيا، لا تتلكأ. أنظر للعازف فوق ~~الناي، يشد القدمين حزينا مثلي، أبدا لا يرفع عينا عن ظلي: ~~أنقذني. أنشد لحنك غني، كن في المحنة عوني. يضحك العمالقة ~~الخمسة، ينشدون في صوت واحد: لن ينقذك اليوم سواك. والمنقذ من ~~ينقذ نفسه. أهتف: كيف وأنتم تجتمعون علي؟ كيف سأفلت من قبضتكم؟ ~~ويغنون غناء الجوقة: نحن نعرفك بنفسك، نحن نعرفك بنفسك! # نقترب من الصخرة، يتهلل وجه النسر، تسري الرعدة في أعضائي ~~وأناديه: يا سيد هذا الصخر. إن كنت ملاكا أو شيطانا خلص روحي ~~من هذا القهر. يتبادلون النظرات، يرفعون رءوسهم للنسر، ثم يحنونها ~~خشوعا، يزداد خفق الجناحين وتوقد العينين. أوشك أن أهتف به: ~~جوعان في مأدبة النسر الجائع، ظمآن يقيد بالحجر الظامئ. أين الخير ~~وأين الشر؟ ينادي أحدهم: الصبر! الصبر! وسيأتي دورك قبل ~~الفجر. # في لحظة يلتفون حولي. يصرخ أحدهم في الصبي، فيفيق ويمد إليهم ~~يده ms051 بالحبال. ينهمكون في ربط يدي وساقي على الصخرة، أنظر وجه القمر ~~وأضرع للبحر. # ها أنا مربوط للصخرة. أنتظر عذابي من أيدي السحرة. أتوقع أن ~~أجلد أو تبقر بطني كالبقرة. الشر الكامن في أعينهم يطلق شرره، ~~بعد قليل سيغادر وكره. # لكنهم لا يتحركون، جلسوا أمامي في صف واحد، كأنهم يتفرجون على ~~قرد مغلول. يتغامزون أحيانا، يخرج أحدهم من جيبه جريدة مصورة ~~ويتسلى بقراءتها، يستغرق الثاني في تأمل القمر والبحر والشاطئ، ~~يخرج ورقة من جيبه يسندها على حقيبته، كأنه يتأهب لكتابة قصيدة، ~~يدفن الثالث رأسه بين يديه، ويستسلم للنوم وأسمع شخيره، يتطلع ~~الرابع إلى ساعته وينظر للنسر. أما الخامس فيراقبني ويرصد حركاتي، ~~وكأنه سيقدم تقريرا علميا عني. بعد قليل ينهشني النسر. أعرف ~~ألا أمل ولا فائدة من الصبر. أصرخ فيهم: سفاحون وجلادون، ~~أسنان جراد معلون، هل غفلت عنكم عين القانون؟ أظننتم أن الأرض خراب ~~والناس نيام لا يصحون؟ من أين خرجتم! من علمكم حمل السوط مع ~~السكين؟ مرغتم وطني في الطين، يا أكلة لحم البشر النهمين، ~~صرتم أمراء وسلاطين، وبنيتم عرشا فوق قبور المهزومين، إنكم ~~الجلادون المجلودون. إن الواحد منكم تدرون، أم أنتم لا تدرون؟ إنكم ~~الجلادون المجلودون. إن الواحد منكم سجان وسجين، جزار مطعون من نفس ~~السكين؟ قارئ الجريدة تائه في صفحاتها. والمتململ لا يكف عن النظر ~~لساعته. والنائم لا يصحو، بل يرتفع شخيره. أما الجالس فليكن جاره، ~~ويقول بصوت عال: النغمة القديمة، مسكين لا يعرف شيئا. يزداد ~~يأسي، فأعاود صراخي: أنا من جيل مهزوم، حاولنا نصلح وضع الكون ~~المشئوم، خرج العالم من محوره، زاد الظلم على المظلوم. يا كم قلنا ~~وكتبنا والجرح قديم، حتى صرنا كالبوم. الحرية تذبح والعدل ~~يتيم. # ضحك كأني ألقيت دعابة. أغرق في الضحك، وقال: قلنا وكتبنا! جبل ~~الأقوال وثرثرة الكاذب والدجال. أين الأفعال؟ أين الأفعال؟ # ينتبه النائم، يلقي القارئ جريدته من يده، ينظر بقلق إلى ساعته ~~ويعتدل، يشير المترقب للنسر فيتحفز ويرتفع جناحاه، ويندفع كالسهم ~~نحوي. في لحظة يصل إلى هدفه، تؤلمني الطعنة، ينفتح الجرح، يرجع ms052 ~~إلى الصخرة، يتحفز، ويرفرف بجناحيه، ينطلق الظل الأسود، تزداد ~~الطعنة ألما، يتدفق دم، تسقط قطرات من منقاره، تنفذ عيناه بلحمي ~~كوميض البرق، أصرخ من ألمي: النسر يفتت كبدي. ينهش لحمي، ويمزق ~~جلدي. # يردون بصوت واحد: ذنبك أنت. ~~- لا المعجزة صنعت، ولا الكون المقلوب عدلت. ~~- لكنك قد فكرت، والنار سرقت. ~~- والسارق أصبح مسروقا، والفكر تدلى مشنوقا، ما عدت جديرا ~~باللعنة. ~~- فلماذا تخنق مخنوقا؟ ~~- اسأل نفسك، اسأل هذا النسر! # لم يحتج إلى سؤال، فسرعان ما انقض كالصاعقة الكاسرة على كبدي. ~~لم أستطع أن أتحسس الجرح، إذ كانت يداي مربوطتين إلى ظهري. لكنني ~~بصعوبة نظرت إليه. هالني أنه لم يعد يؤلمني؛ إذ بلغ الحد الذي ~~يتخطى الإيلام، ويصل إلى الغيبوبة. أردت أن أفتح فمي وأصيح: أين ~~رسول الآلهة من الأوليمب؟ أين عطارد أو «مركور»؟ لكني يئست من ~~العثور عليه. فربما كان الخمسة الموكلون بعقابي هم: عطارد، مركور. ~~وربما يكون هو نفسه قد نسي دوره، واختفى أثره. وعم أتراجع أو ~~أتنازل؟ جسدي عروه وفتحوا بطني، لم يبق هناك سر، حتى حافظتي يمكنهم ~~أن يفتحوها، ولا بد أنهم سألوا مدير الفندق عني، أو سألوا العازف ~~الصغير، من يدري إن كان مدير الفندق نفسه هو الذي أرسلهم إلي؟ ~~أخذت أنفاسي تتلاحق، غام الأفق بعيني، غطتني سحب الغيبوبة، وأقفت ~~على عزف الناي وريش يتناثر في الجو. هل تذرو الريح جناح النسر؟ ~~ونظرت إليه، كان كجنح الليل، تكوم كالحجر الصلد، وانطفأ بريق ~~المجد، والريش يخلق في الجو، ويصبح أجنحة، تنبت فيه القدم، الرأس، ~~المنقار، العين، وينادي أحد الجلادين علي: انظر ما أخفيت، العش ~~امتلأ ففر الطير. # لم أعرف ماذا يقصد. كان الريش لا يزال يتطاير. وأنا أتابعه ~~شغوفا به، وأراه يتخلق أمامي طيورا مختلفة الأشكال والألوان. رفع ~~جلاد آخر صوته، وأخذ يقول: لأنك أخفيت النار، كتمت السر، لا ~~استدفأت ولا أدفأت الغير، ولهذا ضاق القفص وفر الطير. # أخذوا يرددون وراءه: فر الطير، فر الطير. # عيناي مشغولتان بمتابعة الريش والطيور، والحياة التي تتخلق ~~كالسحر تمنعني أن أكترث بصياحهم. وهم ms053 كذلك لا يكترثون بي، ويواصلون ~~غناءهم الرتيب: كتبت وقلت: لكن لم تك أنت، لم تك أنت. # أغاظني كلامهم، فصحت بهم: لم أكتف بالقول، فعلت، ما كان بوسعي ~~قدمت، ضحكوا واستمروا في الغناء: لكنك خلف قناع عشت. # قلت وأنا أشيح بوجهي: يكفي أني ما قصرت. لم أقس على أحد وقسا ~~الزمن علي. # ضحكوا وأخذوا يصفقون: وعلى نفسك أنت قسوت. انظر هذا الطير ~~الغاضب يخرج من كبدك، يخرج في صمت. نحن فتحنا القفص فرفرف في الجو، ~~وراح يغني عذب الصوت. أما أنت فقد أهملت وترددت. ~~- يخرج من كبدي؟ # تؤلمني رقبني وأنا ألويها لأنظر في كبدي. حقا كان الريش يخرج ~~منها. ينتشر في الفضاء كقطع متناثرة من قوس قزح. أسمعهم يضحكون ~~ويقولون: تأمل هذا الطير، وانظر للوجه. وستنكره أو ستعرفه على ~~الفور. تدوي الطيور حول رأسي، تتمهل قليلا أمامي لأتفحصها. أحقا ~~أعرفها؟ أنكر بعض الأوجه، لا أذكرها، أعرف بعض ملامحها: سلطان يعشق ~~جاريته، والجارية تحب العبد. وهذا الطير: إيزيس الملكة تهوى الفلاح ~~المنحوس، وتعلمه، تبعث فيه الروح كما فعلت بأوزيريس. ما هذا أيضا؟ ~~قارون تتبعه سبعة طيور. يا للذاكرة المثقوبة كالغربال! والحكماء ~~السبعة! ومن هذا؟ هو أوديب، أوديب يدافع عن نفسه، إن أجرم في حق ~~الشعب، فإن الشعب كذلك شارك في جرمه. وأب يحتضر ويلقي الأبناء عليه ~~التهمة، تنتظر الزوج، وتغزل ثوبه، حين يعود ويغرق في الدم كفيه ~~تصده، تنكر وجه القاتل، ترجع للمغزل، تنسج ثوب الزوج الحق وتنتظره، ~~أطفال تبحث عن آباء، آباء تبحث عن أبناء، ووجوه أناس أعرفهم، ~~فلاحون وخدم وقضاة، رسامون وشعراء ولصوص مهرة، دجالون وجلادون ~~ونهازو فرص فجرة، أبطال أساطير ومساكين وثوار وضحايا الثورة ... ~~إلخ. كانت الطيور تحلق في الجو، وتقترب مني، وتدوي في أذني، ثم ~~تبتعد وتختفي. لم يمض وقت طويل، حتى كانت كلها قد ذابت كقطع السحاب ~~التي تسوقها الرياح أمامها، وتحرقها أشعة الشمس، فتشف قليلا ~~قليلا، حتى تتلاشى. صفت السماء وهدأ الدوي والطنين. وانكفأ ~~النسر على نفسه، وأخفى رأسه بين جناحيه، واستسلم للنوم، وسكن ~~الألم، فلم ms054 أعد أشعر بوخزه واحتراقه. وتطلعت أمامي، فإذا الجلادون ~~الستة واجمون كتماثيل قرود متراصة في مدخل معبد. وانطلق صوت ~~الناي، حنونا، منسابا في شفافية شعاع القمر الذي ازداد توهجا في ~~السماء كتفاحة ذهبية. كانت هي الساعة التي تسبق طلوع الفجر. غلالة ~~تغطي وجه الأرض، رمادية داكنة، تشبه سحابة غبار فوق أرض معركة لم ~~تتضح. كنت قد تعبت وثقلت جفوني، فتراخى جسدي وتمدد، وسرى في كل ~~شيء كما سرى فيه كل شيء. وإذا بالناي يفتح عيني، والصبي الساحر ~~يبتسم عن فم عذب نضيد الأسنان. لولا القيد في ذراعي وساقي، لولا ~~الخدر الباهت الذي يلفني كالضباب، ولولا أن النسر ما يزال في ~~مكانه، والتماثيل الستة صامتة كالأصنام أمامي، لولاها لقلت لنفسي: ~~كابوس زال. ولكن ها هو الصبي يعزف، كأن لم يكن شيء. واللحن يشبه أن ~~يكون تحية ترحيب واستقبال لموكب قادم. ويبعد الصبي الناي عن ~~فمه ويناديني باطمئنان: ها هو قادم! أهمس من مكاني: من؟ يدير ~~الصبي ظهره إلي. يفتح ذراعيه كمن يستقبل ضوء الفجر الطالع بعد ~~هزيم الرعد، وقصف الريح بليل عاصف: بشر لا كالبشر! إله أو ~~شمس! # البطل الشمس # كان يتمشى على الشاطئ في جلال أبوللو وجماله. كيان أسطوري عالي ~~الجبهة، شامخ الأنف كبطل روماني، منسدل الشعر على الكتفين، لا هو ~~بالطويل النحيل الذي يشرئب عبثا للسماء، ولا بالقصير السمين ~~الذي تجذبه العناصر للأرض. يقترب قليلا في مشيته الرائعة كجيش ~~زاحف، تبدو عيناه الواسعتان السوداوان كعيني نسر هبط من الأوليمب ~~لتوه، حلق فوق البشر، وعبر حدود الحياة والموت. وقف الصبي مفتوح ~~الفم يتأمل عينيه، وفمه الدقيق، وذقنه الحاد المدبب، ولا بد أن ~~العينين الواثقتين اللامعتين استغرقتاه، فظل يحدق فيهما ونسي الناي ~~على فمه. كان ينحني على الرمال أحيانا؛ ليلتقط قوقعة أو يفحص ~~حيوانا بحريا، أو يتأمل قطعة حجر. ثم يفتح ذراعيه وصدره القوي ~~العريض للشمس ويهتف: لو لم تكن العين شعاعا من نور الشمس، ما ~~أمكنها أن تبصر ضوء الشمس. أيها الصبي الوديع الجميل، أنت محظوظ إذ ~~تعيش في بلاد الشمس. ms055 كانت روحي تتضور جوعا للدفء، فذهبت لروما ~~وصقلية وألقيت العبء، عبء ضباب بلاد تخنق أنفاس المرء. أنت محظوظ، ~~يا ولدي. لم لا تتكلم؟ ألا تحسن غير الغناء؟ وهذا الناي الذي ~~أراه، أتكون صبيا لساحر؟ أغراني هذا الولد الماكر ، واشتهرت ~~أغنيتي عنه. جرب مثله معلمه أن يقرأ بضع تعاويذ تسخر روح الأشياء، ~~نسي حروف السر، ففاض الماء، وأغرق جدران المنزل والأبهاء، يا ولدي، ~~لا تتعجل سير الزمن، ونضج الأشياء، كسلحفاة «زينون» أرادت تسبق خطو ~~أخيل العداء، خذ نايك، واعزف أغنيتك للبحر وللأفق الوضاء: هل ~~تذكرها؟ # رد الصبي بصوت واهن ران عليه الخجل: لست صبي الساحر يا ~~مولاي، أنا الصبي الآخر، ذلك الذي روض الأسد الشرس بغنائه وعزفه ~~على الناي. # يتعجب السيد، ويرفع حاجبيه الثقيلين: حقا؟ إنه كذلك صبي ساحر. ~~استطاع بقوة اللحن والإيمان أن يسيطر على فوضى العناصر والغرائز، ~~ويخلص العجوز والأم وطفلها من خطر الوحش، ويؤمنهم من أخطار ~~الطبيعة عندما تثور البراكين، وتغضب الزلازل والأعاصير. ذلك هو سر ~~الفن يا ولدي، لغز المبدع الذي ينتصر على طبيعته الحية بالفن ~~والدين والأخلاق. كانت أقصوصة صغيرة، لكنها من النوع الذي يحار ~~الإنسان كيف وفق لكتابتها؟ هل تذكر أغنيتك فيها: # الخالد يحكم في الأرض، # نظرته سادت في الأفق. # الأسد انقلبت حملانا، # والموج تراجع للخلف. # والسيف اللامع قد أمسى # يتجمد كمدا في الغمد. # الأمل تحقق والفن، # وتجلت معجزة الحب. # ليس عجيبا أن أجد صبيا مثلك يسحره نور الشمس ~~الطالع، ويواجه قوة هذا العنصر السيال بالعزف والغناء. شيقة وممتعة ~~هذه الأرض، يبدو أن عقلي الباحث عن كل جديد لن يشبع من أرضها، ~~وسمائها، ونباتها، وأحجارها. الأبدي فعال في كل مكان، خصوصا في ~~هذا الجزء من العالم. لكن بالله عليك: أين أنا الآن؟ # هتف الصبي فرحا: في الشرق، الشرق الطهور. # وضع السيد يده على ذقنه، وقال: نعم، نعم. لا بد أن تكون هذه قطعة ~~من الشرق، ثم مضى يردد بصوت هادئ يخرج من صدره ليعود إليه وينفذ ~~فيه: لله المشرق، لله المغرب، الأرض شمالا، والأرض جنوبا، ms056 ترقد ~~آمنة، ما بين يديه، أهي بلاد شقيقي، توءم روحي في المشرق؟ # صاح الصبي: حافظ؟ لا، بل أرض المتنبي، وجميل بثنية، وكثير ~~عزة. # تعجب السيد، وأخذ يتلفت حوله، ويتطلع إلى الشمس البازغة في الأفق ~~كأنه يريد أن يشدها إلى صدره: حقا، ليتني عرفت عنهم أكثر مما ~~عرفت، لكني هاجرت بروحي الشرق، جددت شيخوختي وشعري بالحب والغناء، ~~وتطهرت من نبع الحضر، وحومت قصائدي حول أبواب الفردوس، هذا الدفء، ~~هذه الشمس، لنبتهج يا ولدي بيومنا العابر الجميل. # كان الحديث ودفء الشمس قد ساقهما إلى التجول على الشاطئ. وكانا ~~قد وقفا تحت الصخرة يتطلعان للأفق، ويجوسان على الرمل والحصى. ~~ويملآن صدرهما بنسيم الفجر النقي. لم يرفع السيد رأسه إلى الصخرة ~~إلا عندما غلبني الألم على بهجة الاستماع إليه، فخرجت منه الآه. ~~حانت منه التفاتة إلى الصبي، ونظر إلى أعلى وصاح: ويلك! من هذا ~~المسكين على الصخرة؟ هل تتكرر في هذا الجزء من العالم مأساة اللص ~~الأعظم؟ شاركه الصبي في التطلع نحوي، غام الأسى في عينيه وعلى خديه ~~وأطرق برأسه. صاح السيد غاضبا: هل يصنعون هذا بكل الثائرين؟ ~~أيبعثون المأساة القديمة في كل مكان؟ هذه الصورة القديمة من أيام ~~شبابي. لقد نسيتها، وانتصرت عليها. ألا أستريح حيا ولا ~~ميتا؟ # رفع ذراعه وأشار إلي: أنت! من قيدك إلى الصخرة؟ أنت؟ # صحت من الألم: مشنوق تتدلى رأسي في بستان المشنوقين. ربطوا ساقي ~~في الصخرة. ~~- من؟ ~~- ستة جلادين، والنسر الأسود فتت كبدي، مزق لحمي ~~كالمجنون. ~~- ومركور؟ هل بعثوه إليك لتخضع للطين؟ وترد النار إلى الآلهة ~~الموتورين، لا تفعل أبدا. ~~- ماذا تقصد يا مولاي؟ ~~- إن البشر ضعاف يحتاجون لمن يخلقهم ويسويهم، ينفخ فيهم سر ~~الكلمة، سر النار ويهتف فيهم: كن فيكون. من يفعل هذا غير الشاعر، ~~من يبعثهم، يهدي الخلد إلى الفانين؟ لست وحيدا فوق الصخرة، فعلوا ~~هذا بألوف قبلي، وألوف بعدي، أنا من نسل بروميثيوس المسكين. لما ~~كنت شبابا مثلك. ~~- قد جاوزت الخمسين. ~~- لا تيأس، فاليأس مهين، والروح المبدع يهزم سيف الزمن المسنون. ~~في ريعان شبابي كنت ms057 رسول النار إلى الطين، عشت وغنيت وصغت بمطرقتي: ~~ثوارا، أبطالا، فنانين، ورجالا لا ينهزمون ولا يقعون على أقدام ~~الجلادين، يثقفون بأنفسهم، يتحدون، يحبون؛ فالقلم الخالق يكتب ~~ويعبر عن خلاق في الصدر دفين، فاخلق يا ولدي. ~~- جف معين الخلق ، ويئست نفسي. ~~- غامر واستغن بيومك عن أمس. ~~- تعبت، تعبت. وعشت وحيدا أحمل بؤسي. ~~- أنا أيضا جربت الوحدة والصمت، لكني عشت وأحببت وأبدعت، فقهرت ~~الموت. ~~- كيف؟ أجبني. ~~- مت لتكون! بذلك تقهر موتك. ضح بنفسك كي ينشأ كل أرقى منك. ~~فالقطرة تجد نفسها عندما تنعدم وتصبح لؤلؤة، والفراشة تجد نفسها ~~عندما تحترق في لهب الشمعة، غن معي يا ولدي: # وإذا لم تصغ للصوت القديم، # داعيا إياك مت كيما تكون؛ # فستبقى دائما ضيفا يهيم # في ظلام الأرض كالطيف الحزين. ~~- أأموت لأحيا؟ أولم يشبعني زمني موتا؟ ~~- كل ما يهوى الوجود، سوف يهوي في العدم. عش يا ولدي. ~~- كيف أعيش؟ ~~- في اللحظة. في أيام شبابي جربت اليأس. أوشك أن يوردني حتف ~~النفس، لم أتردد، أمسكت القلم لأخلص من قبضته. ~~- ما أكثر ما سود قلمي! بحر مدادي لم يغسل ألمي، ما قربني شبرا ~~من نفسي. ~~- اكتب ما يمليه عليك الحس، وكن نفسك يا ولدي. ~~- أفعل هذا جهدي. ~~- الفعل، الفعل. ها أنت نطقت بنفسك. في البدء الأول كان الفعل. ~~هذا ما كنت أقول وأعمل. والخالد يعمل في كل مكان، ينشط في كل زمان، ~~لا يتخلى عن مغزله أبدا. فلماذا لا تفعل مثله؟ الخالق فعال، كن ~~مثله، والخالق يبدع، فلماذا لا تبدع مثله؟ خلق الإنسان ليخلق، ~~ولهذا استخلفه الله على الأرض؛ لينطق يبدع يخلق. ~~- سأحاول، لكن ... ~~- لا تترك لحظة! عش في اللحظة، فالإنسان فقير لا يملك إلا ~~اللحظة، فليحرث هذا الحقل بنفسه، وليزرعه ويجرب حظه، هذا ما يفرضه ~~الوعي، وتفرضه اليقظة. ~~- لكن اللحظة تعبر، تفنى كالقطرة في بحر الزمن وتهدر. ~~- املأها بالعمل المثمر تغدو القطرة لؤلؤة، والحبة جوهرة، والأبد ~~سيطبع خاتمه فوق الزمن المدبر. أتقول بأن اللحظة تهرب منك، سوف ~~تعود شقيقتها تتوسل لك: املأ كأسي، لا تتردد، جدد خمري ms058 تتجدد، ~~فالنشوة منك إليك. ~~- النشوة، والخمرة والكأس. ~~- بهذا تعرف سر النفس! ~~- ما أطيبك وأحكمك! فهات الكأس. # أقبل السيد الكبير علي، وأخذ يفك الحبال المربوطة حول القدمين ~~والساقين. أحسست أنفاسه الدافئة ترف على وجهي كأجنحة ~~النسيم. # ثبت بصري في عينيه السوداوين، شمسان هما أم أفق يسع الكون؟ وأنا ~~أشعر بين يديه شعور الابن حيال الأب، يختلج الإعجاب بصدري والرهبة ~~والحب. # تحمس الصبي، فأخذ يساعده في فك قيودي، ولمست يده جرحي فنادى: ~~انظر يا سيد، جرح وبقايا دم. مال السيد علي ومد يده القصيرة ~~المكتنزة، فلمس الجرح. ابتسم، وقال: لا بأس عليك ولا ضير، أنا ~~أيضا عشت وفي جنبي جرح مر، جرح الشعراء قديم لا يندمل مع العمر، ~~ينفتح إذا كتب القلم ويبتسم كثغر نضر، فاغمس قلمك في هذا الحبر، ~~كي يحيا الشعر، كي يحيا الشعر. # هل تحتمل النملة أن يمدحها الأسد أو النمر؟ قلت وفي عيني الحسرة ~~وخدودي تحمر: يا مولاي لقد هرب الشعر، وانحسر الموج عن الصخر، صار ~~عجوزا أعمى في زمن الغدر، يجلد بسياط الذل وأكل العيش وطلب ~~الستر، داس على جثته أقزام العصر. انظر يا مولاي لهذا ~~النسر. # أدار وجهه ناحية الصخرة المقابلة. كان النسر لا يزال منكفئا على ~~نفسه ورأسه مدفون بين جناحيه، أحس بعيني النسر البشري، فارتجفت ~~عيناه قليلا، واضطرب جسمه الجاثم كالليل أو الهم. ابتسم السيد، ~~وقال: أعرف هذا النسر. يعرفه المبدع أنى كان على اليابسة أو البحر، ~~فتت كبد بروميثيوس، ولن ينجو منه إنسان حر، ينتشل اليأس من هاوية ~~اليأس، فيصبح كالريح العاصف، كالموج الهادر في البحر، من صدرك يخرج ~~هذا النسر، القلق الجامح والألم الجارح، والفرح الطافح والبشر، لا ~~تخش النسر، لا تخش النسر. # قلت: وهؤلاء. # سأل في رفق: من؟ # أشرت إليهم، كانوا ما يزالون في مكانهم، قابعين أمام الصخرة ~~كأطلال جدار عتيق ينظرون إلينا صامتين. # قال السيد: أشباح هؤلاء أم آدميون؟ ~~- بل جلادون. # صاح السيد: من أنتم؟ من أرسلكم، من كلفكم بالأمر الملعون. أقضاة ~~أنتم أم متهمون؟ # وقف أحدهم وهو يتلفت إلى ms059 رفاقه. مد ذراعيه للأمام، ثم رفعهما ~~لوجهه وتنحنح قليلا، ثم قال: معذرة يا سيد، نحن ... # صاح بغضب لا يصدر عمن كان رزينا متئدا مثله: أعرفكم. أتذكر ~~سحنتكم؛ هل أنتم في كل زمان ومكان؟ باسم الفن، وباسم الشعل لسعتم ~~جسدي كالحشرات، سممتم بئر حياتي كالحيات، لا تتوهج نار تطفئوها، ~~لا يزهر شجر حتى تجتثوه، لا يرتفع بناء حتى تلقوه بالأحجار، بشر ~~أنتم أم دود، ووجوها أنظر أم أقنعة كلاب وقرود؟ # قلت: جلادون ودجالون. غرزوا الناب بلحمي طول العمر، حتى ضاق ~~الصدر، اختنق الصدر. # زعق الواقف وردوا عليه في صوت واحد، بل نحن خرجنا من هذا الصدر ~~كما خرج النسر، نحن رؤاه، هواجسه، أحلام صباه ظنون الفكر، يأمرنا ~~نصدع للأمر. عشنا معه في السراء وفي الضراء، وفي الخير وفي الشر، ~~رجعنا وظمئنا معه، ذقنا الحلو وذقنا المر، ليلا ونهارا ناديناه ~~ودعوناه في الجهر وفي السر: انهض وتحد القهر، وافتح عينيك وقلبك ~~للشمس، وألق بجسدك في البحر، حتى غضب علينا، نسي ملامحنا، ألقانا ~~في قاع البئر. ضقنا يا مولاي بصمت القبر، فحملناه اليوم - كما تشهد ~~- في الفجر، كي يتطهر بالنور ويخرج من منجمه الدر، لم نأسره، ~~حاشا لله، ولكن أنقذناه من الأسر، كي يبصر، يعرف، يعمل ... # قاطعه السيد: يعمل؟ ماذا يعمل؟ لا ينقذكم إلا العمل الحر. يا ~~أولادي، تلك وصية عمري. # قلت ساخطا: أولادك، كشفوا عريي، نهشوا لحمي. # احتج الأسود الذي يتحدث بلسانهم، وقال: من يأكل من لحم ~~مر؟ # نحن تركناه لهذا النسر، ينهش كبد النائم في كهف الغيب أو ~~السر. # ضحك السيد فجأة. لم تأت الضحكة من فمه، بل راحت تنتشر في كل ~~أعضائه، فتهتز وتتمايل وتعلو وتهبط كالقارب الذي تجرجره موجة ~~هادرة. نظر إلي وفي عينيه وميض الشفقة والحب، والتفت إليهم كأنه ~~يستأنف كلامه: لا تنسوا، وهو رسول العمل الحر. # وقفوا خاشعين، خفضوا رءوسهم، وأخذوا يهزونها في خضوع كالرهبان ~~الصغار أمام الكاهن الأكبر. قال كبيرهم: نصدع للأمر، نصدع ~~للأمر. # وقف السيد على الصخرة كالقائد الذي يصدر أوامره بالزحف، سطعت ~~جبهته الشامخة ms060 في ضوء الشمس، واحمر وجهه كالشارب النشوان، وأخذ ~~يشير بذراعه الممدودة إلى الأمام والخلف: هيا للعمل الحر، وأقيموا ~~الأرض الحرة كي يحيا فيها شعب حر. هيا الآن وقبل فوات العمر، ~~فالحرية يغزوها إنسان حر، يعمل ويغني في كل مكان يزرع شجر الخير. ~~شقوا الأرض هناك، اسقوها حتى تخضر، والأكواخ البائسة أمام البحر، ~~يسكنها نمل أغبر وجراد مصفر، ابنوا في موضعها المعمل والساحة ~~والقصر. # قال كبيرهم مستفسرا: هل تبني الكلمة وتعمر؟ ماذا تقصد؟ # قال في حماس: لتكن الكلمة عونا للعمل الحر. هيا انتزعوا من قبضة ~~هذا البحر أرضا ينمو فيها الزرع، ويعبق فيها الزهر. شق قناة يجري ~~فيها ماء النهر، كي يسقي الأرض الظامئة، فتلهج بالشكر، أو يطعم شعب ~~محروما عذبه الفقر. شق قناة في هذا القفر، ليس كثيرا من رجل ~~الفكر. هيا هيا، شقوا الأرض، أزيحوا الصخر، حان الوقت ~~لأمضي. # قلت: ألا تبقى معنا؟ # التفت إلي في حنان ووضع يده على كتفي: أما أنت فغير نفسك، ~~واحمل قلمك في الحال، كما تحمل فأسك. بدأ طريقك فأتم الرحلة، ~~وتحدد قدرك فاسلك سبله. # أمسك بالقلم وأمسك بالكأس # ذهب السيد كما جاء، لم نعرف إلى أين، كما لم نعرف من أين أخذنا ~~نتطلع إليه، وهو يخطو فوق الصخور كفارس غريب امتطى صهوة الريح ~~والجبال والسحاب. أخذ السود الستة يتابعونه بأبصارهم، كرجال الفلك ~~الذين يرصدون كوكبا سطع في السماء، ثم اختفى. رحت أنظر إليه كأني ~~أنظر في نفسي. لا بد أن أجيال البشر قد عاشت وتناسلت وبنت وخربت ~~وتحملت؛ كي تغذي جنينا في أحشائها، وتنميه وتربيه، وتصبر على ~~المخاض مئات السنين لكي يهبط أرضنا الكئيبة، ويسطع في سمائنا مثل ~~كوكب رحيم يعرف كل شيء، ويغفر كل شيء، ويعطي المثل الأصغر ~~للأبدي الحي الفعال على نول الزمن الأزلي. ظهرت كواكب عديدة مثله ~~في سمائي وسماء الناس. أحببت كثيرا منهم، وتعلمت على أيديهم، منهم ~~أعمى مجدور الوجه، شعت منه ألسنة اللهب الحارق بالثورة والصدق، ~~منهم من يسبح في الآخرة، ومنهم من غاص بأعماق الطين، من ثار ms061 وفار ~~وحطم عصره، من عكف على هندسة الكون وترتيبه، من غنى وحده، أو عزف ~~على قيثارة الحلم ومدن الغد، من أضحكني في ليل الصمت، من أبكاني، ~~زرع بنفسي شجر الموت، من أحياني في صحبته فسئمت صحابي، أهلي، ~~جيراني ، لكن هذا النور المنسجم الهادئ ... # انتبهت لصوت الناي في يترقرق حنان لم أعهده، لا بد أنني جبت ~~متاهتي على رنينه الشجي. كان الصبي يعزف تلك الأغنية التي أنشدها ~~للسيد، وصاحبت وقع حركاته وسكناته، حتى خلت أنه يتبع الشبح ~~المتلاشي بروحه، أو يحاول أن يسترجعه بحنين شكواه. ولا بد أنه لم ~~ينس وجود الستة بعيونهم السود وستراتهم السوداء وحقائبهم السود، ~~يقفون هناك يشيعون صورته الغائبة، كما يشيع اللحادون جثة كبير ~~سمعوا عنه، وأدوا نحوه مراسيم الواجب، واستراحوا منه. ~~- هيا للعمل. # دوى صوت كبير الجوقة الكالحة كصوت بوق أو نذير. كان معنى ~~الإشارة الآمرة أن يكف الصبي عن عزفه، أن أهبط من مكاني على ~~الصخرة، أن أقبل على فصل العذاب الجديد. وقبل أن أستجمع بقية قوتي ~~لأنحدر على الطريق الوعر المليء بالحصى والحجارة المدببة كالسكاكين ~~التفت لأنظر للنسر. كان قد غادر موضعه، هل طار ليلحق ~~بالسيد؟ # سبقتني الجوقة إلى مكان العمل، وسبقني الصبي إلى المثول بين ~~أيديهم. في لحظات فتحوا حقائبهم، أخرجوا منها ملابس العمل ~~الزرقاء، وسرعان ما ارتدوها، أخرجوا منها - لشدة عجبي - فئوسا ~~وجرافات صغيرة بأيد طويلة، وأكياسا وجرادل وعصيا كالملاعق ~~الكبيرة، تنتهي بعضها بأطراف مسنونة كالأشواك. ~~- هيا للعمل. # هتف كبيرهم فانطلقوا بأدواتهم أسرع من خفقة جفن. هم أنفسهم ~~الذين بدوا منذ قليل كأفراد الجوقة في قداس أو مأساة، أصبحوا ~~الآن يجرون ويذهبون ويجيئون بفئوسهم، وحفاراتهم الصغيرة، وعصيهم ~~وأكياسهم راحوا يشقون الأرض، ويخرجون التراب في أكوام لا تلبث ~~أن تتراكم كالكثبان الصغيرة. ~~- هيا. # كنت قد وقفت أراقبهم، لا أدري ماذا أفعل. سرحت بي الأفكار على ~~الرغم مني، كأنني أشاهد شريطا يدور في الخيال، حتى نبهني الصوت من ~~جديد: للعمل. أتظل حياتك تحلم وتفكر؟ # تحركت، ولكن في غير اتجاه. # خذ فأسا واحفر، أولم تسمع ms062 ما قال السيد؟ # قلت معتذرا: نتعلم مسك الفأس، كما نتعلم مسك القلم. ~~- ماذا تنتظر إذا؟ أتكون يداك أحن على الأرض البائسة من ~~العامل والفلاح؟ هل تخشى أن تجرحها؟ إن الأرض ترحب بجراح فوق ~~جراح. ~~- لا أخاف يا سيدي ، ولكن لا أدري. ~~- هيا، هيا. يكفينا ثرثرة وهراء، تعال وجرب أن تفتح صفحة هذا ~~العالم، أن تقرأ فيه بالآلة والعتلة والفأس. ~~- الفأس؟ ~~- نعم. ألم يسبق لك أن لمست فأسا؟ تنوحون على الفلاحين دون أن ~~تجربوا الفأس. تمجدون الأرض وتنزهون أيديكم وستراتكم اللامعة من ~~الطين. هيا، هيا. # تذكرت المرة الوحيدة التي لمست فيها فأسا. كنت في الثالثة عشرة ~~أو الرابعة عشرة من عمري عندما زرت الحقل، في يدي كالعادة كتاب، ~~وفي قلبي عرائس الأحلام، وآمال المستقبل، وحسرات الحاضر، ورياح ~~السخط، وأشواق البعد تصطخب في الضباب. كان الكتاب قد استهواني ~~على الرغم من صعوبته، فقد كان بالفرنسية التي لم أحسنها، ورحت ~~بعنادي أستشير القاموس الصغير بحجم الكف، الذي لم يكن يترك «سيالة ~~جلبابي» الأبيض. قصة حب كانت، والبطل اليائس كانت محبوبته تخلص ~~للزوج المنتظر المخلص، زوج يعرف واجبه ويؤدي عمل الدولة كالساعة أو ~~دورات الأفلاك، البطل اليائس عقد العزم على الانتحار، يجلس إلى ~~مكتبه؛ ليكتب رسالة يطلب فيها خدمة من صديق، والخدمة أن يرسل إليه ~~غدارة. وثعبان النيل الصغير يتمدد ويسحب جسمه المتلوي اللامع ~~ويقترب مني. التفاتة سريعة إلى شاطئ الترعة، سرحة قصيرة مع دموع ~~البطل المنتحر، وانتفاضة مذعورة يغيب فيها العقل، ويتحول الجسد إلى ~~عصفور مخبول أو حجر مندفع بقوة لا يعلمها. جريت من الجرن المكوم ~~بالقش إلى حظيرة البهائم. أخذت ألتقط أنفاسي المبهورة أمام الأبقار ~~والحمير التي رفعت رءوسها عن العلف، وراحت تنظر إلي ~~متعجبة، لم يكن الفلاح العجوز ~~الضئيل الوجه هناك، جريت إلى حجرته، وأنا أهتف: ثعبان! ثعبان! خرج ~~الرجل من الحجرة في هدوء كعادته، بين يديه إبرتان كبيرتان، وخيوط ~~من الصوف الأحمر، قال في هدوء: هل أمسكته؟ ~~- أمسكته؟ لقد جريت منه. ~~- شاطر، أين رأيته؟ # قلت وأنا أتخفى في ظله: عند ms063 الجرن، لا بد أنه تسلل في ~~القش. ~~- في هذا الحر. كان يزحف (نعم يزحف، في حياتي ما كرهت مثل ~~الزواحف، الدودة ترعبني، البرص يشيب شعري، يكتم نفسي أكثر من ~~تمساح، عين الثعبان تلسعني في النوم وفي اليقظة، ترهبني أكثر مما ~~ترهب حمامة مسكينة يهم بابتلاعها، لن أنسى المنظر في حوض الزجاج!) ~~قال العجوز: سنجده إن شاء الله، اتجه ناحية الترعة. مشيت وراءه، ~~قال لي: استرح أنت، وسأحضر وأعمل الشاي، مرت لحظات قصيرة، عاد ~~بعدها رافعا الفأس في يده، يتدلى من حده ثعبان صغير ينزف دما. ~~ها هو يا عم - لعنها الله - ننفضها عن رءوسنا وأرجلنا كالبراغيث. ~~صحت به: ارمه في الترعة، أدفنه في التراب! ادفنه؟ أنت طيب القلب. ~~ها هو راح! وذهب إلى الباب وطوحه بذراعه السمراء البارزة العروق. ~~اقتربت منه وأنا أنتفض، أمسكت الفأس لأول وآخر مرة! # كانت عينا الكبير تحدجني بنظرات كلدغة الثعبان. تقدمت أتناول ~~فأسا مدها إلى أحد الرجال الباقين في صبر يحسد عليه. همس ~~الصبي: تقدم، تقدم، افعل ما يقولون. طمأنته: لا تخش علي. وأخذت ~~أرفعها وأنزلها في الحفرة التي بدأت تتسع. أخرجني الصوت الغاضب من ~~صمتي: احفر جيدا، ما هكذا الحفر، انظر لرفاقك، علموه كيف يمسك ~~الفأس ويصوبها. أقبل أحدهم علي، أمسك ذراعي وشدد قبضة يدي على ~~طرف الفأس، رفعها بقوة وهوى بها إلى القاع. أنت الأرض بحشرجة ~~المحتضر. ظهر التراب تحتها بنيا غامق اللون كجلد حيوان مسلوخ. ~~تناثرت حبات التراب في عيني، فاحمرت وسحت منها دمعتان تقطران على ~~خدي. قهقه الكبير، وأخذ يلكز رفاقه في جنوبهم، فيجاوبونه بالضحك. ~~مال أحدهم على جنبه في عمق الحفرة، ومسح العرق عن جبهته، وأخذ يضرب ~~كفيه: مثقفون، مثقفون. # زعق الكبير عندما رآني جامدا كتمثال بلله المطر، أتلفت يمينا ~~ويسارا، أعتذر عن الذنب، أعجب من ضحكاتهم وأمد بصري للبحر ~~أسترحمه، وللبقرة التي كانت لا ~~تزال ممددة على الشط تمضغ وتجتر في سلام، وكأني أدعوها أن تقف في ~~صفي. صرخ الكبير: لا تتلفت للبقرة. تمتمت معتذرا: أنا أفعل ما ~~تأمر ms064 به. صرخ من جديد: هل عدنا للأيام العكرة؟ ثبت عيني رغما عني ~~على البقرة، وسط الصخب والضجيج، بل وسط اهتزاز الزلزال نفسه يمكن ~~أن يفزع الإنسان لحظة إلى واحة أمن خاطفة كسراب. قلت: أنا لا أهمل ~~عملي، أفعل ما في وسعي. علت صرخته، حتى صمت أذني: أتسمي هذا ~~عملا؟ علينا أن نكمل شق القناة. هل نسيت الجنة التي سنزرعها ~~هنا؟ # قلت: لا لم أنس، فأنا أعيش لها. # صاح: إذا فاعمل، اعمل. تردد صوت الناي، متأرجحا يهتز على إيقاع ~~الأذرع الصاعدة الهابطة، وضربات الفئوس في بطن الأرض، وسقوط التراب ~~على حافة الحفرة كسقوط الحجارة في ماء آسن، كنت أعمل جهدي؛ لكي ~~أستحق صفة العامل. أحاول أن أبعد عني الأفكار المتزاحمة علي كلسع ~~البعوض أو همس السحرة. وتجنبت النظر إلى الكبير، الذي كان لا يزال ~~يحدق في وجهي. أيقظني صوته: مجتهد، لكنه لا يستطيع، لا يستطيع. ~~ألقيت الفأس لحظة لأستريح، وشددت قامتي قليلا. استمر يقول: خطر ~~الذاتية! ميئوس منه. لم أدر كيف أدفع التهمة عني، لم أدر كذلك كيف ~~أدفع الوجوه التي بدأت تتزاحم حولي، والطيور التي ترفرف على وجهي. ~~سحقا لي لو عرفوا هذا! هي نفس الطيور التي خرجت من كبدي، نفس ~~الأوجه: إيزيس وأوديب وأوفيليا، سرب الحكماء السبعة والملك سليمان، ~~وعيسى بن هشام، أطفال وعجائز، فلاحون وشحاذون وأبطال مآس، حمقى ~~ومجانين، خدم وأرامل وبغايا وملوك، فنانون وصحفيون وثرثارون ~~ودجالون ومنسيون ومحتضرون ... صرخ الكبير صرخة خفت معها أن يرجع ~~النسر على دويها، وقف الصبي مذعورا لا يدري ماذا يفعل بيديه ~~وذراعيه، ولا بالناي المتدلي من رقبته تصفر فيه الريح، دوت كصاعقة ~~اخترقت السماء في طريقها إلى قلبي. يبدو أن الجرح انفتح فقد سقطت ~~قطرات منه على جانب الحفر: ميئوس منه، ميئوس منه. ألقى الرجال ~~فئوسهم على الحافة، نفضوا التراب عن جنوبهم ورءوسهم وتثاءبوا، ~~بدءوا يخرجون من الحفرة واحدا بعد الآخر، وعندما تلمس أقدامهم ~~الكثبان الصغيرة المكومة على طول الحافة يلوون رءوسهم نحوي ~~ويهزوننا. هممت أن ألحق بهم وأغادر الحفرة، صاح الكبير: ms065 ميئوس منك، ~~ميئوس منك. حاولت أن أتكلم، تحركت شفتاي، ولم يخرج صوت، نفضت ~~التراب عن جسدي العاري المحترق بنار الشمس، ووضعت يدي على الحافة ~~كي أقفز. انهالت ضربة فأس طاحنة فوق يدي. سحبتها والألم الخانق ~~يلطمني، ويطلق من صدري حشرجة كلب مطعون أو مدهوس. شل السمع وغام ~~البصر، وجثم الجبل علي، نفذت صيحته بعد قليل في أذني: الحفرة ~~لك! ردد الخمسة وراءه: الحفرة لك، الحفرة لك. وعاد يطلق زئيره ~~المسعور: # يشقى ليشق قناة، # يجتهد ليحفر حفرة، # والحفرة تصبح قبره. # ويهلل الرجال الخمسة، ويتمايلون طربا، ويرددون ~~على وقع التصفيق: # يشقى ليشق قناة، # يجتهد ليحفر حفرة، # والحفرة تصبح قبره. # رأس هش، رأس هش # يشير أحدهم إلى الصبي الواقف تجاههم على الجانب الآخر من الحفرة ~~كشجرة صفصاف صغيرة، تتدلى خصلات شعرها المنفوش في الماء. يحول ~~بصره عنه، ويغيب في صمته، يهتف به الكبير أن يعزف شيئا على نايه، ~~يجمد ويلتم على نفسه كالحجر. يصرخ فيه: يا أحمق، الحفلة تحتاج ~~الناي! يجلس على الأرض، ويدفن رأسه بين كفيه. تقذفه يد بحصاة، ~~ينتبه قليلا، ثم يغرق في غيبوبته. أتابع كل شيء كالمتفرج، أهم ~~لأقفز من الحفرة، فتهوي القبضات كالمطارق على يدي. # يعلو صوت الجوقة: # تتمنى الموت، ولكن لا ترضاه. # تشكو عبء وجودك، لكن تحياه. # خفاش الحزن يعشعش بين ضلوعك. # لا الشعر يعزي القلب، ولا العلم يجفف نهر دموعك. # العالم يرقص حولك، والدنيا تضحك لك. # فلماذا تقبع في الظلمة يضنيك الضنك، # تأكل خبز الأوهام ويأكلك الشك؟ # نحن ضحاياك وجلادوك، ونحن الآسر والمأسور. # عشنا في كهفك مغلوبين، وخاصم أعيننا النور. # ماذا يضنيك؟ تكلم! أفض بما يشقيك. # الحب؟ تسرب منك. الأمل؟ تعثر فيك. # لماذا ضيعت الحب؟ أضعت الأب والأم، وضاع بنوك. # ميئوس منك، # ميئوس منك. # داؤك ميئوس منه، جرحك لا حيلة فيه. # نجمك - لو تعلم - نحس، دربك - لو تدري - تيه. # أخذوا يرفعون أصواتهم ويصفقون، يتمايلون ويهللون. ~~بدوا كالجياع على مأدبة القيصر اللئيم، يمدون أيديهم، ويملئون ~~أفواههم، ويتلمظون، ويتجشئون، ويمصون الأصابع والأظافر المسنونة ~~كالأنياب. بعد الضجة والضحك الصاخب تعبوا. ms066 كاد أحدهم أن يغرق في ~~النوم. تثاءب، أعدتهم الثؤباء، فركوا الأعين، مسحوا دمع الفرح من ~~الجفنين. هب الكبير واقفا، أدار ظهره إلي وصاح: ماذا نفعل به؟ ~~ردوا في صوت واحد: نهيل التراب عليه. أعجبهم القول، فأخذوا يرددون ~~كأنهم يشتركون في مظاهرة: نهيل التراب عليه، نهيل التراب ~~عليه. # استدار الكبير نحوي. مد يده فقبض على رأسي. كان دافئا من وهج ~~الشمس، نقشت فيه الريح جحورا وأخاديد، شدد قبضته الحديدية عليه، ~~حتى تأوهت: هذا الرأس؟ قالوا في صوت واحد: رأس هش، رأس هش! جذب ~~الشعر الهائش نحوه، وتخلله بأصابعه وعاد يصيح: هذا الرأس! ردوا في ~~نفس واحد: # رأس هش، رأس هش. # عش لغراب البين ومخزن قش. # قلب عينيه فيهم بإعجاب. عاد يسأل: حيرنا، ماذا ~~نفعل فيه؟ صاحوا بحناجرهم كالثيران تردد كلمات نشيد محفوظ: لن يبرأ ~~صاحبه، أو يهنأ بالعيش، حتى يقطع هذا الرأس ويذبح كالكبش. تهلل ~~وجهه كمن جاءه الجواب المنتظر بعد صبر طويل: ماذا أيضا؟ شق ~~حناجرهم سيف صياح المستغيثين لإطفاء حريق: ألقوة لكلاب الحي، ارموه ~~لسباع الوحش. # أسكتهم بإشارة من يده، التفت إلى الصبي كما لو كان يعاتبه؛ لأنه ~~لم يرافق المنشدين باللحن المناسب. لزم الصبي صمته ومد يده محاولا ~~أن يلمس رأسي، ثم سحبها كمن لسعته الجمر. وقف الكبير ومد ذراعيه ~~نحو السماء والأرض، ثم خفضهما ووضع يده اليمنى على رأسي، بينما ~~كانت يده اليسرى تتحرك كالعصا التي تقود فريق العازفين في وقار، ~~وتتثنى كظل راقصة في معبد: # صدت عنه بلقيس، وطردته من بهو العرش. # لو يلقى في ظهر طريق، ما اكترث بجثته نعش! # كأنه نثر أمامهم كنزا. مدوا أفواههم المكتنزة ~~باللحم الأحمر، فتحوها، برزت منها الأسنان، اهتزت أيديهم مع أرجلهم ~~طربا، صاحوا: # جزوه ليخرج منه الطيش، # يذبح كالكبش، # يذبح كالكبش! # مد الكبير ذراعه، دون أن يلتفت نحوي. قبض على شعري ~~فصرخت، ضحك ورنت ضحكته عالية الصوت، صاح كذئب يصرع شاة، يغرز ~~فيها الناب، ويلقمها حجر الموت: # رأس هش! رأس هش! # الموت على بابا اليمن وكسر المرآة # أبدا لن ms067 أنظر ليلا في مرآة. # فقد وجدتني واقفا على باب اليمن، شغلتني طلعته المجيدة الراسخة ~~عما حولي. رحت أتأمل الأثر البديع الذي أطفأ الزمن أنواره: عمودان ~~ضخمان يقفان على الجانبين كشجرتين عظيمتين غرستهما يد الماضي، ~~ضيقتين في أعلاهما، منحدرتين بميل لطيف إلى أسفل، كتمثال ملكة ~~بضة بلا رأس ولا أذرع. تفتح ساقيها الممتلئتين بذكريات التاريخ، ~~فتمر منها مواكب غزاة، وطغاة، وأمواج حفاة وعراة، نبهني صوت يهتف: ~~سيمر الموكب بعد قليل. ولكزني صاحب الصوت في صدري ومد لي حزمة ورق ~~أخضر يقطف منه ويمضغ. التفت إليه، هل هذا وجه بشري أم وجه جرادة ~~ملتحية؟ وعبرته العين إلى وجوه أخرى متحلقة في دائرة متسعة، نفس ~~الوجوه الذابلة الصفراء، نفس العيون الجاحظة المتعبة، والأرجل ~~الناحلة الحافية السمراء. وازدادت الحركة في الميدان الصغير، بشر ~~وحمر وجمال ترتع حرة، كأنها في مهرجان يمتطي صهواتها شيوخ وقضاة ~~وحراس. وطبول تدوي من بعيد وأصداء أبواق. قلت لجاري: اليوم يتم ~~الإعدام؟ انفتح فمه الساخر عن أسنان صفراء: وهل اليوم هو الجمعة؟ ~~أسرعت أقول: غدا الجمعة. فلماذا هذا الجمع الحاشد؟ افتر فمه ووجهه ~~الضامر عن بسمة ماكرة: غريب أنت؟ قلت: إنسان مثلك، وأوحد بالله. ~~قال: لكنك من بلد آخر؟ قلت: من دار الإسلام المصحف واحد، والهم ~~كذلك واحد. بالله عليك، ماذا يجري اليوم؟ قال بعد أن اطمأن قليلا: ~~غدا بعد صلاة الجمعة يقطع سيف الجبار رقاب الكفرة. أما اليوم ~~فيلقى الجبار رعاياه. سألت: مجلس القضاء الأسبوعي؟ تدخل جار: بل ~~يعرض معجزة وكرامة. لم يترك لي وقتا للتعبير عن الدهشة؛ فقد لسعته ~~ولسعتني في وقت واحد لطمة سوط مفاجئة من «عكفة» الإمام. لقد ~~أخذوا يقطعون الساحة الصغيرة وأيديهم تلوح بالسياط، وتضرب بها ~~الوجوه، فتستقيم الصفوف، وتشهق الصدور، وتتعلق العيون بالموكب ~~المنتظر. # أخيرا ظهرت طلائعه، وأخذت تقترب، يتقدمها فرسان الإمام وحراسه، ~~جراد آخر بلحى سوداء، يزحف على أقدام حافية، تبرق في وجه الظهيرة ~~عيونهم المحمرة، وحناجرهم الحادة، وسيوفهم الطويلة المدلاة من ~~خصورهم، وبنادقهم العتيقة المصوبة إلى الصدور. كانوا يسيرون على ~~أقدامهم، أو ms068 من فوق بغالهم وجمالهم فيهشون الحشود ويصيحون: الإمام! ~~الإمام! ثم يتراجعون ويتحلقون حول محفة كبيرة محمولة فوق أعناق ~~عبيد سود، تتدلى ضفائر شعرهم الأجعد من جانبي رءوسهم الصغيرة. ~~وأخذت المحفة تتمايل، حتى توسطت الدائرة المرصوصة كالسور الطيني. ~~أرسلت عيني إلى وجه الإمام، مستدير أبيض تحوطه لحية اختلط فيها ~~الشعر الأسود بالأبيض والعينان متسعتان ينفذ منها بريق كحد السيف. ~~أزرار بيض بأزرار سوداء، حوله حزام عريض أخضر يلمع فيه الزمرد ~~والياقوت، ويرقد في جرابه خنجر ظهر مقبضه الفضي الموشى ~~بالذهب. # تفرست العينان السوداوان الواسعتان في الجموع، دوت الطبول ~~والأبواق وصرخ العكفة: مولانا آمين، مولانا آمين. وطلع خلفه شيخ ~~قصير في ثياب فقيه أو قاضي الشرع: اليوم ترون كرامة الإمام. هل ~~توضأتم أيها الناس؟ تردد صوت واحد: نعم آمين! رن صوت الفقيه: ~~ستصلون وراء الإمام، وتصلي معكم القطط والكلاب. خيم الصمت على ~~الجموع، نظروا إلى الفقيه، وهو ينحني أمام الإمام، كأنه عابد يقدم ~~البخور للصنم المعبود. مد ذراعيه إلى أحد الحراس الذي ناوله كلبا ~~كبيرا كان يحمله على كتفيه. وضع الكلب خلف الإمام الذي وقف وقفة ~~الصلاة، ورفع ذراعيه بالشهادة. صاح الفقيه: انظروا! حتى الكلاب ~~تأتم بسيدنا الإمام، حتى الحيوان الأعجم يركع ويسجد وراءه فحذار ~~حذار! # سرت همهمة بين الناس، لكنهم كتموها وهم يبصرون الكلب يرفع ساقيه ~~الأماميتين، ويحاكي فعل الإمام، رفع الجميع أذرعهم. دوت الشهادة ~~كموج البحر، وانحنى الإمام راكعا، فركع الكلب وراءه، وخفضت العيون ~~المتعجبة أبصارها، ومالت جذوعها راكعة، وسجد الإمام فسجد الكلب، ~~وخرت الجباه على الأرض، كما خر رأس الإمام وكلبه الضخم، ونفذت صيحة ~~الفقيه: كرامة الإمام! معجزة الإمام! # اندفعت أشق الزحام، حتى توسطت الساحة، وقفت تحت المحفة العالية ~~التي تتم عليها المهزلة. ارتعشت عيون العبيد، واهتزت ضفائر شعرهم، ~~وأنا أهتف: دجال! دجال! دجال! # ذعر الحرس ودبت فيهم الحركة، صلصلت السيوف ودوت السياط. لكن ~~الذهول سمر أقدامهم في الأرض، راح الصراخ يشق صدري وحنجرتي: هذا ~~صنم كافر، طاغوت شيطان فاجر، هل نعبد صنما أو نعبد رب الأكوان؟ ~~أولم نتحرر ms069 بالإسلام؟ # قال الإمام في هدوء: وأنا سيف الإسلام. # التف الحراس حولي، رفعوا البنادق العتيقة والسيوف الطويلة ~~اللامعة، وصوبوها إلى صدري ووجهي. أشار لهم الإمام، فتحولوا إلى ~~أصنام، ثم أشار إلي لأقترب منه: شيطان كافر؟ خرج الصوت اللاهث: ~~بل مثلك إنس، لكني أحيا في ضوء الشمس. نفذ صوته الحاد في أذني: ~~ونحن؟ أموات نحن؟ انطلق الصوت الهادر المشروخ: أنت وهم؟ تحيون، ~~ولكن في الأكفان، في كهف الماضي العفن المظلم كالديدان، بل أنتم لا ~~شيء لا في الحاضر أو في الماضي، بل خارج كل زمان. # قال الإمام، وهو يمد نحوي فم أفعى سام: وأنا؟ أين أكون؟ صمت: ~~أنت الصنم الطاغوت أدخلت اليمن بكهف الصمت الملعون، وأقمت السور ~~الطين. وغدا ينهدم السور، ويندق النور، وتنهار سجون وسجون. # ضحك الإمام، وقال في ثقة العارف: غريب أنت؟ من أتباع الكافر ~~ماركس والفاسق لينين؟ أنا أعرفك وأعرفهم. طاشت ثورتكم يا مسكين. ~~قلت في هدوء: الثورة آتية، والفجر قريب. # ضحك وقال: من أين ستأتي يا مجنون؟ نحن هنا في ظل المصحف يحكمنا ~~الشرع. # صحت في الجموع: بل تحكم بالسيف، وتقتل بالسيف. # قال وهو يشير إلى حراسه: أنت حكمت على نفسك. هيا يا حراس، لا ~~لا! انتظروا، وسيحكم فيه هذا الكلب! # بإشارة من يده قفز الكلب من فوق المحفة على صدري. جثم علي ~~ولفحتني أنفاسه الحارة. انغرزت أسنانه في لحمي، وسال الدم من وجهي ~~وذراعي وساقي. صارعته وصارعني، لو كان كلبا واحدا لقاومته وطرحته ~~أرضا، وجثمت عليه، وغرزت فيه أسناني، لكن كلابا أخرى هجمت علي، ~~وأخذت تنهش لحمي، وتلعق دمي. كلاب مسعورة من كل لون وجنس وشكل. ~~من أين جاءت؟ هل أطلقها «العكفة» بعد أن دربوها؟ هل كانت هي ~~الأخرى تصلي وراء الإمام؟ وانهالت علي اللكمات والصفعات من كل ~~جانب، وانضمت الكلاب البشرية والجراد الملتحي إلى المعركة. ~~والجميع يهتفون ويزغردون ويرقصون على جثماني: غريب كافر، كلب ثائر، ~~نحن ننفذ حكم الشرع، نحن ننفذ حكم الشرع. # لا أدري كيف خرج الصوت من جثتي الغارقة في الدم والطين والعذاب: ~~حكم ms070 الشرع هو العدل، عودوا للرب الحق، للرب الحاكم بالمصحف لا ~~بالسيف. نحوا الطاغوت الحاكم بالسيف، يقطر منه الدم أنهارا منذ ~~معاوية ويزيد والحجاج على الأعناق يرف، نحوا السياف، ونحوا ~~السيف. # وأشار الإمام، فتنحت البنادق والسيوف والسياط، والتأم البنيان ~~المرصوص من الجراد الملتحي في دائرة كثيفة، التفت حولي كأنها ~~سور صنعاء الطيني. ووجدتني وسط الدائرة لا بشر حولي ولا كلاب، جثة ~~وحيدة ما زالت تتردد فيها الأنفاس، وعندما فتحت عيني لم أجد أحدا ~~حولي أين ذهب الجميع؟ بماذا حكم الجبار؟ من سينفذ حكمه؟ ومتى يعمل ~~في السيف؟ تحسست رقبتي وقلت لنفسي: انتظرني الجبار إلى الغد. بعد ~~صلاة الجمعة يقطعك السيف، وأفقت على دقات رهيبة على الباب. قمت ~~متثاقلا وفتحت الباب. جرادة ملتحية تقف أمامي، بين يديها سلاسل ~~وأغلال تصلصل بالموت القادم في الليل. نحن الحراس! أرسلنا الجبار ~~إليك، أمر وأمر الجبار مطاع، أن نضع الأغلال بساقيك وكفيك، ~~هيا هيا، كف غريب كافر، هيا هيا، ساق الكلب الثائر، وغدا نقطع ~~رقبة زنديق فاجر. # قبضت يد على يدي، حاولت يد أخرى أن تضع الغل في ساقي، انتفضت ~~صارخا: انتظروا أن أصلح شأني، وأردت أن أتجه نحو المرآة المثبتة ~~أمام فراشي المضطرب الدافئ. أمسكني الحارسان، ولفا ذراعيهما ~~حولي كأنهما شبكة حديدية تلتف حول سمكة هاربة. صاح أحدهما: ويلك! ~~لا تنظر ليلا في المرآة! ورفع الآخر الأغلال الثقيلة، وأطلقها على ~~المرآة، فتحطمت وتناثرت شظايا. # ثم صاح وهو يقبض على يدي، ويحكم السلاسل حولهما: أولم ننهك عن ~~هذا؟ لا تنظر أبدا في مرآة! لا تنظر أبدا في مرآة. # وجه المحبوبة والسياف وتنفيذ الإعدام # في ساحة الإعدام، الشمس في الأفق قرص ذابل الاحمرار، تنور تخبو ~~فيه النار، أوراق الشجرة تكاد تلامس رأسي، جذعها الخشن الناتئ ~~يحك ظهري، يوجعه، يوشك أن يدميه، أفتح عيني المحترقة بلهب السهد، ~~أنظر حولي وأمامي، أتلفت للخلف، وجوه وجوه، أقنعة سوداء وشيلان ~~بيضاء، وعباءات وعمامات، أصوات تختلط على سمعي، همس وصياح، دمدمة ~~وأنين، تفتح عيناي، تفتح أذناي كأبواق، تنفض عنها الكف تراب سنين، ms071 ~~من يتزاحم حولي؟ لم يتجمع هذا الحشد وينظر في؟ الشمس تميل إلى ~~الغرب، عربتها المحمرة تتوارى خلف الجدران، مكتب البريد أمامي، ~~أمامه السور الحديدي المنخفض، وبابه الصغير الذي طالما دفعته بيدي، ~~خلفي ثلاث قباب بيضاء مدورة كبطون الحمام ، وعلى خطوات مني حجر ~~صلد، يرتفع على كتف منصة، كالمذبح في قلب المعبد، الحجر نظيف لامع، ~~والمنصة تنحدر بانفراج نحو الأرض، والعشب الطري يبزغ من الأرض، ~~وتلون أطرافه أشعة صفراء ذابلة، تتناثر فيه نقر الماء وآثار ~~الأقدام على الطين، تلسعني ذبابة، أريد أن أرفع يدي، فأكتشف القيد ~~فيهما، سلسلة حديد صدئ تربطها باليد الأخرى، تؤلمني قدمي، تحز ~~الجلد والعظم سلسلة أخرى أكبر منها: لو حاولت القفز فسأبدو كغراب ~~يحجل، لن أجني إلا سخرية الطير المتربص بي. # لكزتني في جنبي أصابع خشنة كالحوافر: تبتسم وتضحك وتكلم نفسك؟ ~~أولا تشعر بالهيبة؟! # أرفع وجهي؛ كي أعرف مصدر هذا الصوت. يختلط علي الأمر، ست وجوه ~~تحدق بي، ستة أجسام كجذوع النخل، أتفرس فيها، أنكرها، أتعرف فيها ~~الأعين والجبهة والحاجب والأنف، نسخ واحدة من صنم واحد. رأيتهم من ~~قبل، لكن الملبس يتغير، سترات بيضاء، حزام بني حول الخصر، يبرز ~~منه مقبض خنجر. المقبض من عاج، يتوسطه فص أحمر ذهبي، السروال ~~ملون، تجري فيه خطوط حمراء وبيضاء وزرقاء، في القدمين صنادل من ~~جلد أو مطاط، تبدو منها الأصابع والأظافر المغبرة، ستة وجوه، ست ~~لحى سوداء، ست عيون غائرة تذكرني بعيون الأسرى من بابل نقشت فوق ~~جدار الكرنك، تلمس كف شعري وتشده، يتردد صوت واحد: رأس هش! رأس ~~هش! # الآن تذكرت. ~~- هل أنت على استعداد؟ # يجيب صوت من خلفي: طبعا يا سادة. ألتفت إليه، يجلس متربعا على ~~العشب، يمضغ ورقا أخضر، وجنته اليسرى منتفخة. ~~- فات أوان التنفيذ. ~~- ننتظر القاضي ورسولا من عند الجبار. # تلمع عيناه بذكاء فطري، فك مفتر عن بسمة طفل أو عذراء، ~~شعر اللحية يبرز في غير نظام، الأنف قوي حاد، والوجه كحجر أثري ~~ناتئ ينظر في خجل للأرض، كل عيون الناس تحدق فيه وتنتظره، يتدلى ~~من ms072 الحزام الملتف حول وسطه سيف طويل في جراب، أراحه على الأرض ~~وراح يمضغ بغير اكتراث. # طيبون هؤلاء الناس، طيبون وأصلاء صامتون أيضا، يتركون لك حرية ~~البكاء، أيديهم الخشنة السمراء تشغلهم عن سقطات اللسان. الأنامل ~~النحيلة كأسراب النمل، تتحرك ، تمتد وتقبض، تخزن وتفكر، تتكلم من ~~غير كلام، طيبة هذي البلدة، والرب غفور، يتجول فيها شبح الزمن ~~الميت، يتثاءب يتنفس يزفر أبخرة من مسك وعطور، في كل مساء يلمع ~~فوق مآذنها سيف يحمله سيف، يهتف يتأوه ويرف، ويهب حريق فوق ~~مآذنها في منتصف الليل وعند الفجر، تعلو ألسنة اللهب تسبح، تدعو ~~بالخير وتنذر بالويل، تطوقها جبال سوداء كظهور مردة شامخين، أخذوا ~~يهدهدونها على بحور الذاكرة والليل والشعر مجهولا ينظر فيه ~~مجهولون (آه يا مدن الضجة والأحزان! حاصرني قيظ جحيمك، زحف على ~~الطوفان، تختال القردة فيك، وتزهو بفحولتها الخصيان، أهرب منك ~~إليك، وعن ظلي التائه أبحث بين النيران). # أسمع هرجا وسط الجمهور، يبكي طفل حط على عينيه جيش ذباب، وتنوح ~~عجوز طيبة الوجه انكسرت في جبهتها سفن الأيام، ووقف الموت على ~~الباب. يهتف شاب: عاش العدل! نصر الله الإسلام! تضطرب الأيدي ~~الخشنة والأذرع والأجسام، تقترب من السور الشائك، تسري الهمهمة ~~كشبح يجري في الليل الحالك. يقف حمار كان يتجول وحيدا، يمد الرأس ~~والأنف، يحك رأسه بالسور وينهق، تتسلل عنزة خلال الصفوف ويتفرس في ~~وجهها السامي المستطيل، باستغراب وصل القاضي ورسول الجبار، ترك ~~السياف القات، ووقف على قدميه، ابتسم وخبط على صدره العاري، وتحسس ~~مقبض سيفه، انحنت جذوع الشجر السوداء، وقدموا أنفسهم: نحن تتبعنا ~~أثره، مجهول حاول أن يزرع في الأرض الطيبة بذور الفتنة، راقبناه ~~وعرفنا سره، وذهبنا للجبار وأبلغناه أمره، ها هو مربوط في جذع ~~الشجرة. # اقترب القاضي مني، ووقف رسول الجبار بجانبه يحمل أوراقا ملفوفة، ~~نظر القاضي في وجهي، لمست كفاه كتفي، تمتم وتنحنح، حمد الله وسبح ~~باسمه، كانت شفتاه تتحركان ولا يخرج منها غير حروف مقطوعة الرءوس، ~~لم أفهم شيئا مما قال؛ سقطت في أذني بعض الكلمات: تلك حدود الله، ~~فاحكم ms073 بالعدل، تقطع أيديهم، أرجلهم. كان وجهه كوجه فأر، على عينيه ~~نظارة بنية سميكة تستند على أرنبة أنفه، فوق رأسه عمامة بيضاء ~~ملفوفة بعناية، على كتفه شال حريري مذهب الأطراف، في عينيه أصرار ~~تكسر حدته الرحمة والعطف. أما الرسول فكان يقف وراءه ويده على ~~خنجره اللامع، بينما تدير اليد الأخرى اللفافة الصفراء المربوطة ~~بشريط حريري أحمر. وجهه عريض بارز الوجنات، مكتنز من أثر ~~النعمة، وعيناه واسعتان تلمع فيهما حدقتان شديدتا السواد يحيط بهما ~~البياض. ما أشبههما بعيني الجبار! لم أرهما إلا في الصور والكتب ~~القديمة، لكنهما أرقا ليالي ونفذا كالجمر بلحمي، عينان ~~كعيني ثور هائج، واسعتان مخيفتان كبئر مسموم، معلقتان كدوائر ~~النار في السحب، في الهواء، في أوراق الأشجار، شررهما المتقد يضيء ~~فوق قمم الجبال، يلتصق بأحجار الشارع، يتوهج في البيوت وعلى ~~الجدران، تتسلط على القرية في كل وقت وكل مكان، عينا نسر شرس ~~منهوم، رفرف فوق سطوح المدن، تدلى منه سيف يقطر بالدم، يرعب حتى ~~النمل الراقد في الشقوق والجحور، كم تلمع هاتان العينان فيسيل ~~منهما طوفان الليل والخوف الأصم. ارتعدت، جرفتني قشعريرة الحمى، ~~ربتت كتفي كف القاضي الحانية: هدئ روعك يا ولدي؛ فالعدل سيأخذ ~~مجراه. # التفت إلى الحراس الستة، اهتز الصنم الأكبر وتكلم: مجهول دلف إلى ~~الفندق في وقت مجهول. # سأل القاضي، لمعت عينا السياف: ماذا يفعل؟ ~~- لا نعلم. يهذي، يهمس، يحلم. # صحت غاضبا: هل حرمت الأحلام؟! # هز الصنم رأسه، وانفرجت شفتاه: بالطبع. الأحلام الفاسدة بذور ~~الفتنة. # استعاذ القاضي بالله: المؤمن لا يحلم. والعاقل لا يفشي أبدا سر ~~الحلم. # تقدم رسول الجبار، وقال: عين الجبار على الكفرة، لا تخطئ منهم ~~شعرة. # بدأ كبير الأصنام يشرح القضية، ويلقي التهمة: راقبناه مع ~~الأيام، وصبرنا حتى جاوز سن الخمسين، وفحصنا الأحلام، ودققنا في ~~الأوهام، ليتكلم كنتم معنا حين دخلنا في رأس القاتل، ورأينا ~~الخنجر، ورأينا بركان الثورة يتفجر، طوفان الغضب يدمر، ورأينا مدن ~~الأحلام يمشي فيها ناس من نوع آخر، قيم وشرائع أخرى، أفكار وعلوم ~~تشعل نارا كبرى. # استعاذت الأصنام الخمسة من ms074 النار، تمتم القاضي وهو يقترب مني: ~~ماذا تفعل يا ولدي؟ أتعلم؟ ~~- بل أتعلم لا أزعم أني أعلم، حظي من زاد العلم قليل، وحصاد ~~العمر ضئيل. ~~- حياك الله! تكلم، ماذا كنت تعلم؟ ~~- إن الإنسان كريم حر، الله استخلفه فوق الأرض؛ لينظر، يسأل، ~~يعمل، يحتج ويرفض ويفكر. ~~- نعم بالله. وتفكروا، وانظروا، وفي أنفسكم ... # اعترض أحد الأصنام قائلا: يا مولانا لا تغتر بقوله. # أسكته القاضي بإشارة من يده: هذا ما حث عليه الشرع. # تدخل صنم آخر: اسألنا نحن به أدرى، طفنا معه في أبهاء الحلم، ~~وسمعنا همس الشفتين خلال النوم، ورأينا أسراب الطير الغاضب تخرج من ~~كبده. # صحت: من كبدي، هل أنتم؟ # قالوا بصوت الجوقة: نحن، تذكرت؟ أولم تسمع يا مولانا ما قال ~~الآن؟ # سأل القاضي: ماذا قال؟ # قال أحدهم: يرفض. # قال الآخر: يندهش، ويحتج ويرفض. # قلت: شيء لا أخجل منه، ليس بإنسان من لا يحتج ويصرخ لا. # قال الصنم مؤكدا: هذا ثابت في الأحلام. # صحت بصوت مخنوق: أحلام لا تؤذي نملة. # هتف الصنم الأكبر الذي لم يستطع أن يخفي فرحه: والأحلام تفجر ~~ثورة، وتحرك سيف الكفر بأيدي الكفرة. # استعاذ القاضي من الفتنة والكفر، تحسس السياف جراب سيفه، وعبثت ~~يد الرسول بمقبض خنجره اللامع، تحفزت العيون، وساد السكون. # قال القاضي: أين هويتك يا ولدي؟ # تقدم منه الرسول، وأحنى رأسه، مد يده في صدره، وأخرج حافظة بنية ~~داكنة أخرج منها بعض الأوراق وقدمها له، تفحصها القاضي، ثم هز ~~رأسه وقال: بيضاء. ~~- لا اسم ولا عنوان، لا أتبين إلا كلمات: كن إياك. # أكد الصنم الأكبر، وهو يهز ذراعه في الهواء: ألم نقل لكم؟ مجهول ~~يحمل رأسا مجهولا. يمضغ خبز الأحلام المجهولة، تخرج منه طيور ~~الأحلام المجهولة. هذا خطر الأخطار، حمدا لله فلم تغمض عين ~~الجبار، عن هذا الرأس الهش الثرثار. # وضع يده على رأسي، وشد الشعر، حتى صرخت. لمعت عين السياف، وطافت ~~الرأس والرقبة، ضغطت وجوه الحشد على السلك الشائك، وعلت الهمهمة، ~~خفض القاضي رأسه، وارتعشت جفونه، وجرت أصابعه قليلا على المسبحة ~~قبل أن يقول: ms075 مجهول لا تعرف عنه هوية. اقرأ يا ولدي نص التهمة؛ ~~تلك حدود الله، وهذا أمر الجبار. # انطلت صيحة من صفوف الحشد الواقف عند السور تماوج الزحام، وانشق ~~عن امرأة تصرخ وتشير: انتظروا. انتظروا (لوح القاضي بذراعه)، ففتح ~~الحراس سياج السور الصغير، اندفعت في ثيابها السوداء، وموجة شعر ~~أسود ترف حول وجهها، تسلقت درجات المنصة الحجرية، تقدمت من الشجرة ~~التي ربطوني بها، وتبينت الوجه، نفس بريق العينين، والوجه الشاحب ~~كالقرص مدور، آه يا قمري الأوحد في ليل العمر. # سأل القاضي: هل تعرف صاحبة الوجه؟ # قلت، وأنا أثبت عيني عليه: حلمي الأكبر، يسعى الإنسان وينسى، ~~وينام ويحلم، لكن لا ينسى الحلم الأول. # غضب القاضي، دمدمت الجذوع الستة، اهتزت أغصان الأذرع، واضطربت ~~أوراق الأيدي. هتفت صائحة: يا قاضي العدل، أنا أعرفه، أستحلفكم ~~بالله دعوه. # ندت عن الجذوع السوداء ضحكة خشنة. ابتسم القاضي: ندعه؟ قد صدر ~~الحكم أمر الجبار، وإن الأمر أهم. اقرأ يا ولدي التهمة. # بدأ الصوت يرتل البنود المدونة على اللفافة الصفراء. ثبت كياني ~~عليها، فلم أصغ لما يقول. صدمت أذني كلمات المجهول، الأحلام، ~~الثورة، أشواك الفتنة. نادتها روحي: أنت؟ تأتين إلي؟ وأرى وجهك ~~وأكلمك وأسمع منك؟ الآن أموت قرير العين، حلمي الأوحد يتحقق فتذهب ~~كل الأحلام، إني الآن أكفر عنه أمامك، هل تكفيك الآلام؟ ما زلت ~~بآخر أنفاسي أذكر تلك الأيام. ~~- وأنا أذكرها، كنا جيرانا. ~~- كنت أعيش، أفكر، أتنفس لك كالصوفي الزاهد لا أقصد إلا وجهك، ~~أقرأ ما أقرأ، أكتب كتبا عنك ولك. حين تمرين وألمح وجهك بالصدفة، ~~ينفذ كالقمر الناصع من نافذة الشرفة، وتهلل سفني الغارقة على صخر ~~الوحشة، أفرح كالطير المقرور، وتعروني الرعشة، وجد الطائر عشه ~~أبدا لم تكترثي بي، ما صعدت النظر إلي، ما أحسست بيتم القلب، حين ~~أتيت وزرت الأهل، سلمت عليهم ما سلمت، قالوا، قلت، وأنت لزمت ~~الصمت، كنت أحبك أنت وغيرك ما أحببت، غيرك ما أحببت، غابت عيني ~~وتحيرت، مر جواد اللحظة وترددت، لم يرجع أبدا، فات الوقت، فات ~~الوقت، ركضت سنوات العمر وشرقت وغربت، ms076 طوفت بمدن البشر، عرفت، ~~جهلت، نسيت، وغرقت ببحر الإثم طفوت، وتطهرت وعشت ومت. غيرك ما ~~أحببت، تعبر أيامي المقتولة، أصحو، أعمل، أضحك، أحزن، وأنام، لا ~~أبصر إلا وجهك، إلا عينيك، ويقتل يوم يتبعه يوم، تقتل أعوام وجواد ~~اللحظة مر، ولن ترجعه الأحلام، لكن أحيانا أحلم أنك جنبي، ~~فأكلمك وأضحك معك، وأضحك من أوهامي، وأمد يدي باللقمة نحوك، أغلق ~~شباكي حتى لا تؤذيك الريح، أشكو الأيام إليك، وسخرة أكل العيش، ~~وأشد غطاء الفرش عليك، أقبل وجهك قبل النوم، أمر بيدك على أوجاع ~~القلب، وأسحبها فوق الصدر، وأقبلها، وأوسدها رأسي لتنام. أنتبه ~~لنفسي، أعرف أني كجنين في بطن الأم، يسألني عقلي: لم تتناول هذا ~~السم؟ لم تستسلم للأفكار الثابتة وعقدة أوديب وسائر أمراض الوهم؟ ~~ما أغبى العقل المغرور، وما أغبى الطب! يتوقف عند الظاهر، لا يسبر ~~غور القلب، أحيا كالناس، وتحيين ككل الناس، وندور ونأكل، نسخط ~~نرضى، نلقي الأولاد إلى العالم، نشكو ظلم الزوج، جحود الأبناء، ~~الأهل، الأصحاب. ونسعى في أسواق الرزق، ولكن هل ينطفئ الحلم؟ الحلم ~~الأول محفور في الجلد، اللحم، العظم. ~~- هل تحلم أبدا؟ السياف أمامك، والسيف يهدد بالقتل. ~~- هل ينجو الإنسان من الظل؟ ~~- قرءوا التهمة، والتفوا حولك ليفكوا القيد. ~~- يكفيني أنظر في عينيك. ~~- لم جئت؟ ومن جعلك تدخل من هذا الباب؟ ~~- لما أغلقت بوجهي الباب، سدت في وجهي الأبواب، ووقفت على باب ~~العالم، أطرق، أطرق، لا يفتح لي، تنكرني السدة والأعتاب، ويطردني ~~الحجاب. ~~- العين بعين، والأذن بأذن، هذا هو نص الحد. ~~- لا، لا داعي للأعين والآذان. # دوى الصوت في أذني، استطرد بعد قليل: نحن ننفذ نص الحكم، هيا ~~يا سياف، وضع ذراعيه حولي، لفحتني أنفاسه الثقيلة، فك القيد عن ~~اليدين، وانحنى ليفك الأغلال عن القدمين، هتفت حبيبتي: افتح ~~عينيك! # همست: يكفيني أنظر في عينيك. # قال الجذع الأكبر الذي أمسك يدي اليمنى: نريحه من هذه اليد، ~~تكفيه الأخرى. أمسكها السياف، هزها قليلا، لمس الرسغ، طلاه بدهان ~~أسود، لمع حد السيف، ثم هوى. صرخت من الألم، ربت على كتفي: عندي لك ms077 ~~زيت مغلي من أفضل نوع. # انحدر لأذني صوت: وماذا يعمل بهذه؟ يمكنه أيضا أن يستغني عنها، ~~هوى الحد على رسغ اليد اليسرى. طش الزيت المغلي، اختلط صياح بنشيج ~~بكاء، ضحكات تعلو، لا زلت أميز منها: يمكنه أن يكتب أو يرسم ~~بالفم، هذا أيضا فن. تحسست يد خشنة ساقي اليمنى، أزاحت الشعر عند ~~التقاء الساق بالفخذين، دهنتها بعلامة سوداء، وهوى حد السيف. لم ~~أقو على الصراخ، حتى الكلاب تكف عن العواء عندما يذبحها الألم. في ~~ضباب الغيبوبة تحدرت همسات وهمسات كقطرات المطر. تسقط الآن على ~~رأسي، يتردد صوت: رأس هش! رأس هش! شدوني إلى المنصة، كفان ثقيلتان ~~تقبضان على شعري، وتضعان جبهتي على حجر أملس ناعم، انداحت قطرات ~~رطبة، الكف الثقيلة تدعك الرقبة، تزيح الشعر عنها، تدلكها بدهان ~~لزج تغمض الأعين، تنكتم الأنفاس، تهرول أقدام الذعر بلا صوت، رأس ~~هش! رأس هش! أبكي، أفتح عيني، وأتحسس رأسي. # العودة إلى بهو العرش # الدموع لا تزال في عيني، صدري يرتجف، وينشق كأرض روعها الزلزال، ~~تلمس كتفي يد خفيفة، أفتح عيني فأراني أستند على جدار وأراه: ~~أنت؟ ~~- تحلم كالعادة بالناسوت والناموس؟ ~~- أحلم؟ بل فزعني الكابوس. أتحسس ذراعي ويدي، أمد الساقين، أتذكر ~~وأمر على رقبتي وأضغط على عروقها ولحمها بشدة. ~~- حاذر! تخنق نفسك. # أضحك وأقول: كالعادة! يقترب مني وينحني علي، يتفحص وجهي، ويثبت ~~عينيه في عيني، يسألني برفق: كيف وصلت إلى القصر؟ # قلت: القصر؟ هل هذا ... # ضحك وضرب الكتف، وقال: سرت بنومك، حتى جئت إليه، سافرت وعدت من ~~الأسفار؛ لتبكي جنب جدار. # جففت دمعة جرت على خدي، ونفذت في شفتي: كلب مكتئب يحتضر وحيدا ~~بجوار جدار. مد يديه، فأخذني من يدي: تحلم أبدا، لا تعرف حق الجار ~~على الجار. ينتظرونك. # سألت وأنا أنهض على ساقي، وأنفض الغبار عن رأسي وصدري وسترتي ~~المبللة بحبات الندى: ينتظرون؟ من؟ # ضحك وقال: جيرانك، في بهو العرش هناك. ~~- جيراني؟ بهو العرش؟ # ضحك، ومد ذراعه فتأبطني من ذراعي: هل ينسى الجار الجار؟ وأنا ~~أيضا ... # قلت وأنا أضغط على يده: لا لا، ms078 لكني اشتقت لنايك، رحت أفتش عن ~~ظلك في الساحة، قرب الشجرة. # سأل: ما هذا؟ عدت لأحلامك؟ إني أنتظرك منذ الفجر. زعموا أنك ~~أفسدت حياتي، قلت غريب مجهول، غضب مدير الفندق، هدد وتوعد: كيف ~~تسرب؟ ليس لديه هوية، أين ذهب؟ ~~- طفت بمدن الناس، وجبت متاهات القلب، وأشار العقل فسرت على ~~الدرب، ها أنت تراني ألفظ أنفاسي بجوار جدار وكأني ... # غضب وصاح: لا تلفظها. يكفي تعذيبه لنفسه! # ضغطت على يده: معك الحق. أقسى من عذب نفسي هو نفسي. # أقبل على البوابة يفتحها، صرت ضلوعها الحديدية الصدئة، وتساقط ~~عنها التراب، نظر إلي بخبث: مفتاح السحر معي، انظر! وضع الناي ~~في ثقب القفل الضخم، قفل صلب مغبر، أهمله الزمن الأعمى، فتراكم ~~عليه نسج العناكب، هتفت: تفتحه بالناي؟ # ابتسمت عيناه، وقال وهو يعالج القفل العجوز: سحر، سحر. أنسيت ~~كلام السيد؟ # قلت: الناي يروض حتى الوحش. # ضحك، وقال وهو يخرج القفل من المزلاج ويدفع الباب: والغابة في ~~الداخل، يسطع في ظلمتها العرش، ادخل؛ فوحوش أخرى تنتظر ~~هناك. # خطوات إلى الداخل، ووضعت قدمي على العتبة. قلت قبل أن أنزل من ~~على الدرج: كما تنتظر النار القش! # نفس القاعة والبهو، العرش يشع في آخرها كهودج ذهبي وسط السحاب ~~الأسود، أشباح تتجول وظلال تتحرك في صمت، أتقدم في اتجاه العرش، ~~كأني أتزاحم في موكب أرواح معتمة تنتظر القارب والملاح الشيخ، ~~الجماجم كما هي تحت قدمي الكرسي، كبقايا حيوانات راكعة في ذل، ~~والجالس فوق العرش استسلم للنوم، افتقد بريق عينيه الواسعتين ~~الباردتين، أنظر في شعره الأشقر الجميل المنسدل على أذنيه، أتطلع ~~للجبهة العريضة كلوح مصقول من الرخام، وهي مائلة على مسند ~~الكرسي، تعب الرأس وغربت فيه الشمس! جاءت أجيال أخرى ورءوس أخرى، ~~وانحدر القرص المتوهج في أحضان الظل، لا يبقى ملك فوق العرش، ولا ~~يسلم نجم من زحف الليل. أتلفت حولي، أين الكهنة والسدنة في هذا ~~المعبد؟ كانوا يقفون حواليه، ينتظرون الأمر من الرب الذي ابتلع ~~نفسه وابتلعهم. ها هم يجلسون في صمت، لولا بصيص شعاع ينفذ من ~~السقف، والنوافذ ms079 التي أسدلت عليها ستائر القطيفة الداكنة؛ لتعثرت ~~فيهم، أغمضوا عيونهم وناموا مفتوحي الفم. هل ينتظرون من ينفخ نسمة ~~ريح أو بركان، أو عاصمة تحييهم، تنفض عنهم كفن النسيان؟ وما زالت ~~الشجرة كما هي، ممتدة الغصون، جذعها المليء بالأورام والنتوء كجسد ~~مجدور تمد جذعها في الأرض، وتتشبث بالطين. على الرغم من كل شيء؛ ~~تملكني الخوف أخشى أن أرى العقرب يظهر فجأة، وينبش أصابع قدمي. كان ~~قد تسلل أمام عيني إلى أقدام العرش وغاب بين الجماجم، من يدري إن ~~كانت هناك عقارب أخرى في انتظاري؟ أصيح من الذعر: أنت! لم لا أسمع ~~صوتك؟ ينساب الصوت بلطف: أنا لا أتخلى عنك. أسأل في ذعر: إني أتعثر ~~في هذا الليل. لم لا تشعل شمعة لحنك؟ يتسلل صوت ينفذ في الجدران: ~~لا يظهر نجمي الآن، دوري لم يقبل بعد. # أصرخ في أحجار الحكماء على الصفين: يا حكماء! # لا يتحرك حجر، لا يخفق صوت. أعود فأصرخ على أشرخ جدران الصمت! يا ~~حكماء الزمن الغابر، عذرا، يا أنجم هذا الزمن الحاضر، يا حكاما ~~في مملكة الأوهام، أصغوا لنداء رعيتكم. # يتثاءب أحد الأحجار، يفرك عينيه وينفخ في وجهي كالإعصار: ~~من؟ # أصيح: شبح يستنجد بالأشباح! # يدمدم غاضبا: هل تجلد حتى الأرواح؟ # هتفت محاولا أن أهدئه: إني منكم، أهرب منكم وإليكم. # سأل في ضيق: ماذا تطلب؟ لم تنشلنا من بحر النوم؟ تصرخ وتثرثر ~~وتهيل علينا اللوم؟ لا تزعجنا، أرجوك ولا تتبختر بين عمالقة العالم ~~كالقزم! # قلت أكثر عن ذنوبي: لفظتني الأبواب، فجئت إليكم أتمسح بالأعتاب، ~~نبذتني المدن الحجرية لا جيران ولا أحباب. قالوا ليس لديه هوية، لا ~~اسم ولا عنوان ولا ألقاب. # قال: ومتى تعلم أن الفكر غريب يخطو بين الأغراب؟ يحيا في زمن لا ~~يتقيد بزمان، يسكن بين الناس، ولكن لا يتقيد بمكان، يرسم وجه ~~زمان لم يولد بعد، يهدي ويحرر من أسر المهد وسجن اللحد، يتلمس خلف ~~رداء الحاضر نبض الأبد الممتد. # قلت فرحا: أرأيت؟ أنا أيضا أسمع هذا النبض، وأنظر في هذا ~~البعد، ونهاية كل الأشياء أراها ms080 خلف بدايتها، فأرى العظم وراء ~~اللحم، والكفن الأبيض في ثوب العرس. أنا أيضا رحت أحدق في عين ~~الموت وأتحداه، يأتي أو لا يأتي لم أخشاه. حاولت ... # قال متذمرا وهو يتثاءب: ماذا حاولت؟ # قلت مندفعا لأسرق انتباهه: حاولت على قدر الجهد، أن أبعثكم ~~أحياء، وأذوب نفسي فيكم، أعجنكم بدماء القلب. # تحرك حجر آخر. مد ذراعيه إلى الأمام والوراء، ووضع يده على فمه؛ ~~ليمنع تثاؤبه أو ضحكته العالية. قال بسخرية مرة: حاولت، وحاولت. ~~لم تحيا أبدا في الوهم؟ لم تقفز من قمة حلم لتغوص بهوة حلم؟ عش ~~يومك يا ولدي. # قلت محتدا: من قال بأني لا أحياه؟ إني أنظر. # قال بصوت ممدود يتحشرج من أثر النوم: خلف ردا الظاهر والحاضر؟! ~~وهم، وهم. من بؤرة هذا الحاضر تبصر ماضي الأزمان، وبعين الظاهر تجد ~~اللب الكامن في الأشياء وفي الأبدان، وعلى مصباح الحاضر تهدي للدرب ~~الصاعد في أحشاء الأيام. أوهام، أوهام. عض بأسنانك فاكهة ~~الحاضر! # قلت كأني أعاتبه: من لا يحمل تجربة الزمن الغابر، فلن يدرك معنى ~~الحاضر. ها أنا أحمل فوق الكتفين جبال الأجيال، وأوجه وجهي للخلف ~~وأستقبل غرر الآمال. من لا يشرب خمر الآباء فلن تسكره كأس الأبناء، ~~من لا يأكل زاد الآلاف من الأعوام، فلن يتذوق خبز اليوم الراهن أو ~~ما يأتي من أيام. # تلوى صوته وتمطى كسلحفاة هرمة: حفنة كلمات من مقبرة الأموات، ~~أد الواجب نحو اللحظة، وتعلم مما فات. لم تجزع من شبح الآتي؟ ما ~~هو آت آت. # قلت منتصرا: ها أنت تردد كلماتي! في القطرة سر البحر، في اللحظة ~~سر الأبد الهادر كالنهر، فيها الجنة إن شئت وفيها النار. # تثاءب بصوت مرتفع انبعث منه أنين كمواء قط عجوز يبعد اليد ~~التي تعبث بشاربه ولحيته، وتطرد عنه النوم: اذهب يا ولدي، عد من ~~حيث أتيت، وترفق بظلال عبرت وعظام. اذهب، اذهب، أكمل سمرك في ~~مأدبة الأبد، ونادم كأس الأحلام. # قلت أناشده كلمة، كالشحاذ يريق الدمع، وماء الوجه ليأخذ من كف ~~بخيل لقمة: يا أرباب الحكمة، قولوا كلمة، مصباح الحكمة ms081 صار يشع ~~الظلمة، حاولت أن أكلمكم، أنتشل قواربكم، أنشر أشرعة خواطركم في ~~وجه الريح العاصف بالنقمة، أخلع عنكم كفن النسيان، وأستحلفكم ~~بالإنسان، أجعل منكم شاهد صدق فوق الزمن الطافح بالبهتان. معذرة، ~~فاض القلب بما يحمل فانطلق لساني. # جاءني صوته المتثائب، الذي يقول آخر ما عنده ليمنع كل كلام: نحن ~~جسور يا ولدي. # أسرعت بالرد، قبل أن يسقط في حفرة نومه: أنا أيضا جسر تعبره ~~الأقدام، بعد قليل ينسى أو تطويه الأحزان. # قال في حسم كبريق السيف: فابن الجسر بنفسك، ولكل زمان جسر ثان. ~~وانس المطلق، لا تبحث عنه وسط زحام الفانين، الفاني. # سألت في حسرة: أولا يبقى شيء؟ هل الإنسان مجرد إنسان؟ # قال في حدة ممثل ينهي آخر فصل في المأساة: لن يبقى إلا من حول ~~نهر حياة الإنسان، ووقف بوجه الظلم الزاحف كالطوفان، أما التجريد ~~... # سألت: التجريد؟ # قال: حاذر سم العقرب. # سألت بلهفة، وأنا أحرك قدمي في كل اتجاه خشية أن يكون العقرب ~~قريبا مني. لم يتركني في ارتباكي، فقال: يلدغ صاحبه، فيعيش ويمشي ~~بين الناس كميت في الأكفان، لدغ العقرب لا يشفي منه إلا سم ~~العقرب. # ابتهلت إليه أن يفسر كلامه: ماذا تعني يا مولاي؟ # قال وهو يسدل الستار ويسحب الغطاء: أعني ما قلت، عانق جسد ~~الواقع، عض الحاضر بالأسنان! # سكت الصوت. على الشعاع الذابل في المساء، المتسلل في حياء من ~~السقف والنوافذ مع آخر أنفاس الشفق الوردية رأيتهم هناك، متراصين ~~كالتماثيل التي تحركت ثم سكنت، ملتحمين كأنهم جدار قلعة عتيقة في ~~وجه الحصار. حياة متعبة، حفر عليها الزمن أخاديده، شعور مسدلة، ~~ووجوه كالأقنعة الراقدة في انتظار المهرجان، يشع الجمال الحزين من ~~بعضها كأنوار فنار وسط أمواج الليل والبحر، وتطل القتامة من بعضها ~~الآخر كلعنات الشيخوخة، بعضها مستسلم راض، وبعضها ساخط مزموم ~~الشفتين، حرص قبيل الموت على أن ينقش آخر حرف في لغة السخط على ~~هذا العالم. رحت أملأ عيني منهم سنين أضعتها مع هذا، وشهورا في ~~صحبة ذاك. أما الجالس غير بعيد منه، فما زلت أمني النفس ms082 لعلي ~~أعرفه، وأحاوره وأزور الدار، والآخر في الصف الثاني، والثالث ~~والرابع والخامس. لكن هل يتسع الصدر؟ أتمد عذارى القدر الساخر في ~~خيط العمر؟! # صوت الأم ووجه الأم # هبت عاصفة، لا أدري من أين ارتجت النوافذ والستائر، وخشخشت ~~الجماجم تحت العرش، سقطت أوراق فوق الأرض وارتجف القلب، كانت ~~الشجرة العجوز قد اهتزت وترنحت، واستسلمت الأغصان المتدلية كأذرع ~~الخاشعين في الصلاة لهبات الريح، ترنحت رءوسها بعنف، أخذت تقاوم في ~~إصرار المهزوم، وتناثرت الأوراق على جانبي العرش فوق رءوس الحكماء ~~أوراق خريف صفراء. تقدمت وخطوت بضع خطوات نحوها. انحنيت وأخذت ~~أجمعها في بقعة واحدة. ربي! لم ترتجف يداي، كأني ألمس أشلاء ~~متمزقة من جثمان؟ لم تسري الرعدة من كفي لذراعي للصدر، وتنفذ في ~~القلب، فيخفق كالمجنون؟ تذكرت الحشرات التي تبتر أعضاء من جسمها، ~~فتتركها وتمضي. هل تتلفت وراءها لتتحسسها وتدفق فيها، هل تحاول أن ~~تعيدها لمكانها أم تشمها وتلعب بها؟ وبماذا تشعر أم تنظر في وجوه ~~أولادها الذين يموتون أمام عينيها؟ هل خلقت لغة تستوعب هذا الموقف، ~~وتعبر عن هذا الإحساس؟ أخذ الصدر يرتج كباب يطرقه الزوار الملثمون ~~في الليل، مرت أصابعي على الأوراق تتحسس ملمسها، تتذوقها وتشمها، ~~وتضعها على الأذن، كأنها قواقع تفشي سر البحر، وتهمس بنجوى ~~الأمواج، وصل الشلال إلى حنجرتي، تسلق أحبال الرقبة، ثم تفجر ~~وتناثر من عيني، بللت الدمعات خدود الأوراق، انساب بكاء الناي من ~~الجدران، هذا تعب العمر ورق مصفر، ورق مصفر، ثمر مر، ثمر مر. كنت ~~كأني المحكوم عليه بأن ينضح ماء من بئر ليصب ببئر، لا البئر ~~امتلأ، ولا انطفأ الظمأ الحارق كالجمر، تعب العمر، تعب العمر. تبدو ~~الأوراق، الكلمات، كأسراب النمل الخارج من جحر. تشعر بالزلزلة ~~القادمة على نور الفجر، فتعاف جحور الكلمة، وكهوف الشعر، وتزور ~~كهوف الفقراء، وتلسعهم بالسر، وتفتش عن مأواها في بيت العمل الحر! ~~تعب العمر. ~~- تتعب وحدك، تبكي وحدك، وتنام كما ودعتك وحدك، كجنين في جوف ~~الرحم فلا تتحرك. # رسول الصوت يبارك سمعي كحنان الناي، أتوقف، أنشغل بتقليب ~~الأوراق، أتذكر وأفكر. ms083 ~~- يا ولدي، تعب العمر حصاد. ~~- أرفع وجهي نحو الوجه الناصع عند الباب. يتألق خلف الشجرة ~~كالبدر وراء سحاب. ~~- أمي، ها أنت ترين حصاد العمر؛ كم هو مر. ~~- في عينيك فحسب، ارفع وجهك، كلمني. # جمعت الأوراق، أخذت أحصيها، أردت أن أرفعها إليها، هتفت ~~بها. ~~- هل ألقي الذنب عليك، أم ألقيه على نفسي، بلدي، زمني؟ ~~- ومتى تتحرر من أسر الذنب؟ ~~- لن أنسى يوم وداعك آخر مرة. يا للعصفور الطائش في قفص ~~القلب! # أجري كي ألحق بالعربة، أجمع كتبي، مسوداتي، كومة أحذية وجوارب ~~وملابس رتقت ثقوبا فيها بيديك، ولقيمات من بعض الزاد الكلمات ~~المنثورة والمنظومة في مسبحة الرغبة والفكرة، أو في عقد الثرثرة عن ~~المستقبل والثورة، أزمات الفن وأوجاع الشعب، في منتديات السمر ~~الموصول مع الصحب، أهرب من ناموس القرية، من سأم الزمن الميت، من ~~رعب الأب، تضعين القبلة فوق جبيني، فوق الخدين، أسرع لا ألتفت لقلق ~~العينين، ولا أشعر بالمرض الزاحف نحو القلب، تقفين على الباب ~~وداعا للطير النازح للغرب، سافر في طلب الحكمة، ها هو يرجع بحصاد ~~الرحلة، أوراق لا تشبع نملة. ~~- أذكر، لم نتلاق وأودت بي العلة. سافرت وجئت، زرت القبر، قرأت ~~القرآن، ذهبت بعين مبتلة، أقسمت تصون العهد وترعى، يوم وداعك، حق ~~القبلة. ظلت روحي معك تراقب نومك، سهرك، خيبة أملك في نفسك، بلدك، ~~فيمن حولك، تكتب تكتب ما يمليه عليك القلب. ~~- أكتب، أقرأ، يشقيني صمت الشعب، وضياع الكلمة في قاع ~~الجب. ~~- ما ضاعت كلمة حق أو كلمة صدق. لم لا تخرج من هذا القبو؟ ~~- فشلي، خيبة أملي في الخلق. ~~- لم تظلم نفسك؟ إني أشعر نحوك بالزهو. ~~- فشلي كالجبل على صدري ووجودي هم، أبكي ضيعة عمري، ضيعة جيلي ~~في سوق الوهم، بين الحاكم والحارس والشرطي العابس ضاع الحلم ~~ضيعة. ~~- قم وارو الأرض بعرقك وارو بذورك بالدم. اطرح أشواك العقم. ~~ماذا تنتظر؟ ~~- لقد شاب الشعر، جفت أغصان العمر، وشاخ الورق الذابل واصفر. ~~فإلى أين أفر؟ ~~- يا ولدي الصبر، ستدور الدورة يا ولدي، ويطل ربيع مفتر الثغر، ~~وتمر يداه على شجرتك، ms084 فتخضر. ~~- تخضر؟ ~~- ويجيء الفجر، ربي. ~~- أمي، ما زال الوقت. ~~- قد قضي الأمر. أوشك ديك الفجر يؤذن فتفيق الطير. ~~- انتظري، مدي يدك. ~~- سيجيء الفجر، الفجر. # يتوارى الوجه، وينسحب النور، ووراء الشجرة يبقى صمت الجدران ~~تختلج ستار. ينقر عصفور لوح زجاج النافذة، يطل قليلا، ثم يطير ~~تتكاثف الظلال، وترقص في غيبة الشعاع، يفتح باب خلفي يرعد صوت ~~غاضب: ليمض المجهول إلى المجهول ليس لديه هوية، لا اسم ولا عنوان، ~~أفسد عقل صبي ساذج، أغوى المشرفة على الحمام، وأساء لسمعتها ولسمعة ~~هذا الفندق، فليطرد من حرم المطلق. فليطرد من حرم المطلق لن نقبله، ~~حتى يصبح نفسه. حتى يتحقق بالسر الأكبر: كن إياك ومت لتكون. # لمست يد كتفي، هتفت: أنت؟ همس: أنا أعرفك، تعال. # أخذني من يدي، دل خطاي في الظلام نحو الباب، سرنا نتعثر بين ظلال ~~ورسوم، وتخرفش تحت أقدامنا الأوراق الصفراء، صرخ فجأة: حاذر! ~~العقرب خلفك! ألمح عينيه تلمع كالجمر، وتتربص بك، أجر، أجر. فتح ~~الباب بسرعة، خرجت إلى الشارع، الليل بدأ يزحف، ونسيم رطب يستقبل ~~وجهي ويبلل شعري، يقف على الباب لا ينسى عزف اللحن الساحر. يسألني ~~في لطف: إلى أين؟ أضع يده بين يدي، وأضغط عليها: هل أعرف من أين ~~أتيت لأخبرك إلى أين؟ يربت كتفي وينظر في عيني: سأكون في انتظارك، ~~وأعزف لك عندما تولد مرة أخرى! أغتصب ضحكة: تكفيني مرة! أرى النادل ~~مقبلا يلوح بصينية تقفز منها يمامة تقف على كتفي. يشتد الجوع ~~ببطني والظمأ في فمي، وفجأة تلدغني العقرب، تلدغني العقرب. # صنعاء، يوليو 1979م # | الدمعة الرابعة: نم بسلام # بكائية إلى صلاح عبد الصبور # نم بسلام. يا شاهد عصري وضحيته، يا جرح العمر وأمل العمر، نم بسلام ~~حتى نلقاك، نم بسلام. # الإنسان الإنسان عبر. لم يمض وحيدا. فسفينتنا عبرت معه للشط الآخر. ~~حملت زاد الأحلام. وبقية نار تخبو تحت رماد الأيام، ماذا نملك بعدك إلا ~~أن نتغطى بالآلام، أن نسأل روحك. يا روح الشعر! زوري أحبابك في ليل ~~القهر، جودي بالمعنى والإلهام، مطرا يروي هذا الفقر، عودي. لا ms085 تنسينا، ~~لا تتخلي، ففراقك مر، والوحدة بعدك في هذا القبر المأهول أمر، ~~الإنسان الإنسان عبر، افترش الحصباء ونام، وتغطى بالآلام، فعليك سلام، ~~وعليك سلام. ~~••• # كيف رحلت يا أعز الراحلين، عن مجلس الرفاق والحديث ذو شجون، قد كنت ~~أرجو أن أكون أول الذين يذهبون، كالظلل كالسحاب في سكون. فكيف أبكيك ~~وليس لي بيانك المبين، والعمر قد تدلى من مشنقة الضياع والحنين، فارسنا ~~الحزين، يا صوت جيلنا الممزق الطعين، يا أنضج الثمار في بستاننا ~~الضنين، ودفئنا وشمعنا في عتمة السنين، ألن نراك بعد اليوم لن نعاين ~~الجبين؟ والضحكة التي يضج فيها ألف فارس حزين، تمدنا بآية اليقين، ألن ~~ترن بعد اليوم لن تطل من حدائق العيون؟ يا فرحنا وجرحنا الدفين، أي ~~جنون غالنا أي جنون؟! ~~••• # أرفض موتك يا من أحببت، كيف تغيب وأنت الحاضر ما فارقت؟ نبرة صوتك، ~~ضحكاتك، لوعة نظرات من عينيك الواسعتين، شلال الحكمة يتدفق من قلبك ~~فوق الشفتين، ومرارة سخرية تتحدى الموت. كيف يجوز عليك الموت؟ كيف ~~أهادن كابوس الغدر الجاثم في «كنت»؟ كذب القائل ذات مساء أو ذات صباح: ~~الموت غياب مطلق، وسن ممتد مطبق. أبدا لن تصبح لا شيء، فحضورك حي. ~~دفء بين ضلوعي، جرح في قلبي، نور في عيني. لن تنقطع رسائلك إلي، ~~وبأسرارك وإشاراتك ستظل تجود علي. رسمك معقود في عيني، صوتك مسموع في ~~أذني. شخصك موجود وحواري ممدود معك إلى آخر نفس في. يا كأس لحظة بخمرة ~~الخلود امتلأت، ووردة من شجر الليل نمت، ومن دموع الزمن الجريح أسقيت ~~حتى ارتوت، يا زهرة من طينة السواد والأسى تفتحت، وبالندى تلألأت، لما ~~تعرت للرياح والظلام والأشواك أدميت، مهما ابتعدت، فالبعاد لن يضيع ~~نفحتك. «قد كنت عطرا نائما في وردتك، لم انسكبت؟» # انتظار # 1 # ها هو البيت وراءك. ما زالت رائحة الدخان والطعام وثرثرة النساء ~~والرجال والضحكة الصافية من فم الطفلة البريئة تطاردك وتتشبث ~~بثيابك. ما زالت الكتب فوق الرفوف، حجارة الألفاظ التي رجمك بها. ~~وبقع الدماء التي تقطرت على الأرض دون أن يراها أحد، ما ms086 زالت كلها ~~راقدة هناك كحيوانات متعبة تلوذ بالجدار، تستقبل نسمات الليل ~~الباردة، فتخبو نار في داخلك وتتوهج. تشعر بنداها يتساقط على رأسك ~~كما يتساقط على شمعة في آخر أنفاسها. تقول لنفسك: ها أنا ذا «أتحد ~~بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم المتفتت، أرقب جسمي يتحول دخانا ~~ونداوة»، # 1 # يتدلى، مجروحا من سقف الليل الأزرق. ترفع رأسك وتتأمل ~~النجوم المتراصة من سقف السجن الكوني. تهمس بسؤال الأعمى المكسور ~~الخاطر: وهل يأبق الإنسان من ملك ربه، # 2 # وتتابع خلوات عذابك في اليوم الميت، تتداخل في جلدك كي ~~تتجول في تاريخه، تسمعها تهوي في أطرافك ثقلا، ترجع مقهورا لتلم ~~الأشلاء. وتلم أطراف القميص الأبيض، وياقته حول الصدر وحول ~~الرقبة. ~~- الدنيا برد. كان الأفضل أن تبقى هناك. # تحس بصوت الشاعر، وهو يحاول أن يمتد إليك كما يمتد الحبل لإنقاذ ~~غريق. تنتبه للثلاثة # 3 # الذين يسيرون بجانبك مطرقين صامتين: الشاعر الكبير ~~الأصلع الرأس، والشاعر المجدد الذي يشبه إخناتون، الناقد الممتلئ ~~الطموح. تشعر أنك تهوي في جب معتم. يسرع الناقد بإدلاء حبل آخر: ~~بالعكس. الهواء النقي هو ما يحتاجه الآن. # ترفع يدك لتتحسس موضع قلبك. تتأمل جسمك يتدلى من سقف الليل ~~الأزرق. # يتلوى في جوف الجب الأسود. يسقط تحت سنابك خيل وحشية. يتفتت فوق ~~الأسفلت. تتنفس بعمق وتتقلب السكين في صدرك. تنظر للصديق مبتسما: ~~الهواء النقي هو ما نحتاجه جميعا. يخرج الشاعر الكبير عن صمته: ~~خصوصا بعد يوم مرهق. تقول بعد فترة صمت: بالفعل. وتضيف لنفسك: ~~بل يوم ميت. يسقط في أيام ميتة من أيام العالم مكرورة. يوم كذاب ~~خوان، بعناه بثمن بخس، قايضناه وساومناه، ودفعناه للنخاس الأبدي، ~~ثمن فطانتنا الصفراء. في الصباح والضحى تجمع في مكتبي أكثر من ~~ثلاثين أو أربعين. ضاقت الغرفة على اتساعها بالثرثرة والدخان ~~والضحكات وصليل أكواب القهوة والشاي، وطنين أجنحة الأشعار الزاحفة ~~من الدواوين. بح صوتي من الكلام، كلت يدي من التأشيرات ~~والتوقيعات، ضحكت كثيرا حتى أصبحت الضحكة غصة، نهرت حزني القديم ~~أن يطل من ستائر الجفون، أمطرت الجميع بحكمتي ودعاباتي المرة، ms087 حلقت ~~فوق سفوح الصغائر والأكاذيب، وتوقفت وحيدا عند القمة كالنسر ~~الجارح والمجروح، تسللت كفي آلاف المرات لتمسح عش النسر الأبيض ~~كالثلج، يتهدل فوق السالفتين كشلال فضي، لكل واحد كتاب أو ديوان ~~أو مجموعة قصص يستعجل ظهورها لتغير وجه العالم، وكل واحد يتسمع ~~طرقات أكف الملايين على بابي. وبقيت وحيدا كالأبطال القدماء، ~~كالفرسان الحكماء المحزونين، كمغن سئم الجمهور ولزم الصمت. # تتتابع الخطوات، وتتهشم أصداء كعوب الأحذية على الأسفلت. تخوض ~~الأقدام في ظلام الليل كأنها تخوض في نهر جف ماؤه. يعبر بعض ~~المارة وتنداح أصواتهم في السواد والصمت. تتكسر مقاطع حروفهم على ~~الرصيف كقطع الفخار. يا ليل يا ليل يا ليل. # تنعكس أضواء السيارات العابرة على عينيك فتهز رأسك: «أبعد رماح ~~النور عني.» وتتثاقل أطرافك، تعلو الموجة، تطفر من عينيك، تصغر ~~كالإعصار بأنفاسك. ترتجف الشفتان: «حزني ثقيل فادح هذا المساء.» ~~يسارع الشاعر الكبير يقترب منك ويمسك يدك: لم يكن يقصد ما قاله. ~~ترفع يدك في غضب مفاجئ: أرجوك. يشاركه الشاعر المجدد رأيه، ويغتصب ~~ضحكة: قلبك كبير أكبر من كل ما قال. تمر بيدك على موضع القلب، كأنك ~~تخرج الشوكة من موضعها. تحس الوخز، وتملك نفسك من أن تلفظ آه. ~~يشارك الناقد صاحبيه في محاولة يائسة لانتزاع ضحكة منك: كم ~~عذبناك بكلامنا. كم ناجيناك بألفاظ، كم آلمناك. لكن قلبك الكبير ... ~~تتحسس موضع الصدر، وتلتفت إليه بعينين تقطران لوعة وموتا، تعاسة ~~وصمتا. تحاول أن تنزع الشوكة، وتزم الشفتين من الألم، تهم أن ~~تقول: حصل خير. تغالب الضحكة فيغلبها الحزن كوحش يجثم فوق غزال. ~~تصعد بصرك إلى السماء التي تتواثب فيها السحب السوداء، وتخنف أنفاس ~~النجوم الفضية، تطوف بعينيك كتل الليل الساكنة كقطط سوداء، تسمع ~~صوتا في داخلك ينوح: «حزني ثقيل فادح هذا المساء. حزني غريب ~~الأبوين. ويلتوي كالأفعوان يعصر الفؤاد، ثم يخنقه. وبعد لحظة من ~~الإسار» يا ترى هل يعتقه؟ تبتسم للصحاب، وتحاول أن تضحك وأنت تتحسس ~~صدرك: «معذرة يا صحبتي قلبي حزين.» يسارع الشاعر المجدد والناقد في ~~صوت واحد: «من أين آتي بالكلام ms088 الفرح؟» يؤمن الشاعر الكبير على ~~قولهما ويهتف وهو يربت على ظهر الشاعر، الذي يمشي بجانبه: راوية ~~وشاعر. عندما نرجع لن أتركك، حتى تروي عني أيضا. وعندما تموت ~~سنبني لك قبرين وشاهدين. # يضحكان وتتردد أصداء الضحكة على الفم، وتجاعيد الوجه، وأطراف ~~الثياب، وتتناثر مع حبات الهواء البارد. يختلس الناقد نظرة حانية ~~إلى وجهك. يلمح انقباضه بالألم. يرفع صوته ليداري غصة انزلقت في ~~حلقه: «حزن تمدد في المدينة. كاللص في جوف المدينة.» يقاطعه الشاعر ~~المجدد محاولا أن يستدرجك للكلام: «حزن ضرير، حزن طويل كالطريق من ~~الجحيم إلى الجحيم. حزن صموت.» ثم تستغرقه موجة من الغناء فيمد ~~صوته: «والصمت لا يعني الرضاء بأن أمنية تموت وبأن أياما تفوت، ~~وبأن مرفقنا وهن، وبأن ريحا من عفن، مس الحياة، فأصبحت وجميع ما ~~فيها مقيت.» ويضحك وحده فتتفتت ضحكته وتتهاوى على رصيف الشارع ~~كالزجاج المكسور. وتنعقد سحابة الحزن على وجه الصحاب، فيسدد سهمه ~~الضاحك مرة أخرى، ويهتف: «سنعيش رغم الحزن نقهره، ونصنع في الصباح، ~~أفراحنا البيضاء أفراح الذين لهم صباح.» يحس أن السهم خاب. أوشك أن ~~يرتد إلى صدره، يختلس النظر إلى وجهك يتحسس قشرة الأحزان الصلبة ~~التي التفت حوله، تتلوى الكلمات في حلقه، وتتبعثر على شفتيه. ~~تتطلع إليه بعين غاب عنها بريق الدعابة، تسحب نظرتك من وجهه إلى ~~أعماق بئرك الدفين، توشك أن ترد على سؤاله الذي يخاطبك بلا صوت: ~~«لا تسأل الشيء الحزين أن يبين؛ لأنه مكنون. شيء غريب غامض حنون. ~~لعله التذكار. لعله الندم. لعله الأسى. لا تسأل الشيء الحزين أن ~~يقر؛ لأنه كطائر البحار لا مقر. وقل له لقد ملكتني. فتحت لك. صندوق ~~قلبي الكليم. فلتقطر الدموع كالنغم.» # تعاودك شكة الألم. وخزها أقسى ما كان. تنعقد خطوط جبينك، وتفتح ~~فمك لتقول لنفسك: «لا شيء يوقف المأساة لا أحد.» يصعد من أعماق ~~البئر الأسود صوت يناجيك: «من لي بمن يجس ذلك الشيء الحزين جستين؛ ~~لكي يرى فجاءته، ويستبين وجهه ومشيته؟!» تمد ذراعك وتستند إلى ~~الجدار الأبيض المرتفع على حافة الرصيف. تتحامل على نفسك ms089 وتسأل: ~~أليس هذا هو المستشفى؟ يلتفون حولك منزعجين، يسرع الشاعر الكبير ~~ليقترب منك ويمسك يدك: لم المستشفى؟ أنت بخير. تقول مداعبا بينما ~~تفاجأ بيدك اليمنى وهي تستقر على صدرك: زيادة الخير خير. ألم بسيط. ~~للاطمئنان. يصدق الناقد على كلامك. نعم لن نخسر شيئا . ما دام ~~المستشفى قريبا. ينبهه الشاعر الكبير: قريب؟ إنك تلمس جداره. يقول ~~الناقد وهو يتأبط ذراعك: على بركة الله. هيا بنا. تحاول أن تمد ~~الخطى، أن تبدو في مظهر من لا يحتاج لكتف يستند عليها، أو لذراع ~~تمسكه حتى لا يسقط. تتأوه في صوت مسموع: آه ما أثقل جسمي الليلة! ~~تقتربون من البوابة الحديدية. تتلفت وراءك، وتمسح نظراتك صدر الليل ~~وخصلات الشعر المنسدل على كتفيه: يا ليل. يا ليل. يا ليل. ~~«عبرت بي آلاف الأقدام الهمجية. أقدام الأفكار الهمجية والنيات ~~الهمجية، فتآكلت وشهوت. يا ليل. يا ليل. يا عين. داويني أيتها ~~الغيمات الفضية. برحيق الأنداء الفجرية.» # يسبقك اثنان من الصحاب إلى الممشى المفضي إلى باب المستشفى. ~~يتوقفان عند حجرة الحارس الليلي ويسألان عن الطبيب المناوب. تلمح ~~رأس عجوز أشيب وعينيه الضامرتين تطلان من كوة زجاجية. تتجه مع ~~الشاعر إلى سلالم الدرج الرخامي اللامع ببقع الضوء والظلال ~~الرمادية الساكنة على صفحته. تحاول أن تبدو خفيفا، وأنت تحرك ~~الأطراف الثقيلة كالأصفاد. تضع على فمك قناع ابتسامة تكشف عن ~~المرارة ولا تخفيه، وتقول لنفسك: «حزني ثقيل فادح هذا المساء.» ~~يقهقه الملثم الشرير ولا يسمعه أحد. يتسلل الطارق المجهول وراء ~~الخطوات الصاعدة على الدرج ولا يراه أحد. # 2 ~~«رباه! ما سر هذه التعاسة العظيمة؟ ما سر هذا الفزع العظيم؟» ~~ينفلت الناقد والشاعر المجدد، ويجريان بحثا عن الطبيب - يبقى ~~الشاعر الكبير بجانبك - يمد ذراعه بين الحين والحين ليتأبط ذراعك، ~~أو ليمر بيده على يدك فلا تطاوعه. يهم أن يفتح فمه؛ ليستأنف الحديث ~~الذي بدأه في أول الليل عن مشروعات فيحتبس اللسان. يوشك أن يكرر ~~السؤال عن الندوة التي اشتركت فيها قبل حضورك، فيواجه بابك الموصد. ~~تتراءى أمامه مسوخ الكلمات التي ألقيت في ms090 وجهك، فيخفض رأسه إلى ~~الأرض. الهواء في المدخل لافح، وأنفاسك المتهدجة تتوالى متقطعة ~~كأزيز النار في الحطب تزيده لفحا. تطوف عيناك بالعجائز والأطفال ~~والرجال المنتظرين على الأرائك، بالممرضات اللائي يسحبن المحفات ~~وتشم رائحة الدواء والمرض والانتظار الممض، والموت المتربص خلف ~~الأبواب والجدران الناصعة البيض . يشتد الوخز عليك، ويرفرف شيء في ~~صدرك فتقول لنفسك: الطير الأسود. يكون الشاعر قد عثر على كرسي، ~~فيجره نحوك، ويدعوك للجلوس. تشكره وتغالب ضحكة لا تريد أن تخرج: ~~«شكرا يا صاحب هذا البيت.» يمد يده إلى جيبه ويخرج علبة سجائره، ~~ويقدم لك منها وهو يضحك: «نورا يا صاحب هذا البيت.» تحس أصابعك ~~ترتعش، وهي تبحث في جيب السراويل عن القداحة، تخرجها وتلتقط ~~سيجارة، ثم تعيدها إلى مكانها، وتشعل له سيجارته. يؤيد الكلام ~~مخاوفه: الأفضل أن تؤجلها لما بعد الكشف. يكفي ما أحرقت الليلة. ~~تبتسم بمرارة: وما احترقت. تغمض عينيك قليلا وتفتحهما. تتطلع من ~~نافذة المدخل، وتنظر في ساعة يدك. يسارع الشاعر قائلا: لا تقلق، ~~لحظات ونعود إليهم. تتردد في ذاكرتك أبيات قرأتها قديما: انتصف ~~الليل. وزمن الانتظار فات. وأنا أنا وحدي، # 4 # تغمض عينيك وتدير وجهك للحائط، وتتابع صدى أبياتك ~~القديمة التي اندفعت إليك بغير ترتيب: «هذا المساء. أدرت وجهي ~~للحياة، واغتمضت كي أموت. في هدأة السكوت، قد آن للشعاع أن يغيب. ~~قد آن للغريب أن يئوب.» تندفع أصداء بيت قديم كنت تحب ترديده: ~~وكل ذي غيبة يئوب. وغائب الموت لا يئوب # 5 # تتوالى الأصداء الأولى: «للمركب الجانح أن يرسو على شط ~~قريب. للجدول الناضب أن يفضي إلى نهر رحيب.» يقطع الشاعر حبل ~~النغم مؤكدا: بعد الكشف سنرجع حالا. ما هي إلا دقائق ونعود. لا ~~تنظر في الساعة. أرجوك. تنظر في الساعة، وتندهش لقفزات عقاربها ~~تتمنى لو كانت مي ومعتزة # 6 # في الفراش، أو لو كانتا بجوارك، لو وضعت يدك على ~~رأسيهما وكتفيهما وتخللت بأصابعك شعرهما وقبلتهما كعادتك قبل ~~الذهاب للنوم. تتمنى لو كانت هي أيضا بجوارك. تسألك عما تريد، ~~فتقول لها: «أن تكوني لي إلى ms091 الأبد، وأن تكون مقلتاك آخر الذي أرى ~~من الحياة.» تلسعك الوخزة في الصدر، ويشتد لغيب القلب، فتمد يدك ~~كأنك تبعد هواجسها: «كل شيء يا حبيبتي يهون، ما دمت لي إلى الأبد.» ~~تتخيلها تضع يدها على قلبك فتقول: «حينما يكون قلبك الكبير جنب ~~قلبي، فالبحر لا يفصلنا، والنار لا تخيفنا، والموت ...» وتتوقف لتسحب ~~نفسا عمقا يتدحرج في لهاتك كجدول يشق طريقه بصعوبة في الأحراش. ~~وعندما تقع عيناك على الصديقين القادمين عن يمين الطبيب ويساره ~~تتحشرج في أنفاسك المناجاة التي لا تستطيع أن تتمها: ينبئني تهز ~~رأسك، وتنفي أنك في شتاء هذا العام. وقدة الحر المتلظي في ليل ~~الصيف تعطيك الأمل، تعود للمناجاة التي ستقطع بعد لحظات، والتي ~~بدأت فتتخللها ملامح الناقد الجادة، وابتسامة الطمأنينة على وجه ~~الشاعر المجدد: «ينبئني هذا المساء أنني أموت وحدي، ينبئني هذا ~~المساء أن هيكلي مريض، وأن أنفاسي شوك، وأن كل خطوة في وسطها ~~مغامرة، وقد أموت قبل أن تلحق رجل رجلا، في زحمة المدينة ~~المنهمرة.» تقول لنفسك وأنت تنهض بصعوبة وتمد يدك للطبيب: «أموت لا ~~يعرفني أحد. أموت لا يبكي أحد.» ~~••• # طويل ونحيل أسمر، حاجباه الكثيفان يقفان كحارسين في ملابس السود ~~أسفل جبهته الضيقة المربدة، ملامحه صارمة، وعليها آثار الإرهاق ~~والحس المفرط بالمسئولية، يقدمه إليك الناقد، بل يذكر اسمه: ~~الدكتور ... ويقدمك إليه وهو يضحك باطمئنان الواثق، ويربت بيده على ~~ذراعك: شاعرنا الكبير ... تسلم عليه بيد لا تستطيع أن تمنعها من ~~الارتعاش. يوسع الأصحاب مكانا إلى الوراء، يرجوك الطبيب أن تصحبه ~~إلى غرفة الاستقبال، يلتفت خلفه ويطمئن رجلا مرتبك الأعصاب في ~~أواسط العمر: لن أتأخر. ثم يلامس ذراعك، ويقول وهو يبتسم: «خير إن ~~شاء الله.» # يستأذن الصحاب في الدخول معك، فيشير إشارة مهذبة: لن نتأخر تعب ~~بسيط. ثم ضاحكا وهو يتفرس الوجوه القلقة والعيون الشاخصة: أمراض ~~العصر. من أدرى بها من المثقفين؟ تلتفت إليهم وتجاهد لسحب قناع ~~الثقة المطمئن على وجه انسحب عنه الدم واللون: طيب دقيقتين. تنظر ~~في ساعتك بسرعة. يقترب منك الناقد والشاعر الكبير ملهوفين. ms092 تحب أن ~~تذهب لهم وتطمئنهم؟ تمط شفتيك مرجحا الفكرة، ثم تقول بسرعة: ~~البركة في الدكتور. لن نتأخر بإذن الله. يؤكد الناقد: أنت بخير، لا ~~داعي لإزعاجهم الآن. يضيف الشاعر المجدد: كلها ثوان وتكونون في ~~البيت، تغيم سحابات عابرة على جبهتك وخديك، ترتد النظرة للباطن تجس ~~الشيء الحزين ، وتمر على جناحي الطير الأسود الراقد مفتوح العينين. ~~تشير إليهم إشارة ترج الجسد الثقيل: شدوا حيلكم. يضحكون ويرتفع صوت ~~هاتف: دائما أنت أنت نفسك. دائما مرح اتكلوا على الله. تقول ~~لنفسك وأنت تتجه مع الطبيب إلى الغرفة المواربة الباب في الركن ~~القصي وتفحص بعينيك وجوه المرضى على الأرائك، والأيدي المسندة إلى ~~الصدور والخدود، والمحفات العابرة في المداخل والطرقات أمام أبواب ~~المصاعد، والعيون الجاحظة المستسلمة للمددين عليها: إلى المصير. ~~ينفذ بصرك في الجلد والثياب وتضيف: «الطارق المجهول ملثم شرير. ~~عيناه مسقيان بالسموم. والوجه من تحت اللثام وجه بوم.» يبتسم ~~الطبيب في وجهك وهو يفتح الباب، ويدعوك للدخول فيدوي صوت في سمعك: ~~«إلى المصير، والمصير هوة تروع الظنون.» # 3 # يشير الطبيب إلى السرير ~~الأبيض الصغير في جانب الغرفة، يصفق بيديه، فتمرق من باب داخلي ~~ممرضة صغيرة الوجه، ضيقة العينين، سريعة الخطى، تتقدم نحوك وترجوك ~~أن تخلع القميص. عندما تلاحظ ارتعاش ذراعيك تمد يدها وتساعدك. تنظر ~~إلى وجهها الصغير، وتطيل النظر، تتمدد على الفراش، وتتدلى قدماك من ~~الطرف الآخر، وتحدق في السقف. تقرأ في طبقات الطلاء المتآكل صورا ~~وتهاويل ونقوشا: وجوه مغمضة الأعين، جدران بيوت تتصدع، بوق ينفخ ~~فيه طفل على هيئة ملاك مكسور الجناحين، سفن تذهب ولا تعود، شطوط ~~لن ترسو فيها أبدا. يقترب الطبيب ويمد يده ليرفع القميص الداخلي ~~إلى أعلى. يدق بأصابعه على الصدر والرئتين. يسرق النظر إلى عينيك ~~وملامحك ويحاول أن يوقف المرارة التي تسيل منهما. يضع السماعة على ~~أذنه، ويدق من جديد على الرئة اليسرى. ينفتح فمه ويغمض عينيه لحظة. ~~يعاود تحريك السماعة من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى. تنغرز ~~السكين عميقا في الجرح، وتنفلت الآهة التي حبستها طويلا. ms093 ويرف ~~جناح الطير، وتتسع عيونه. نظرتك لا تخطئ الخطوط والتعاريج المنعقدة ~~على جبهة الطبيب، لا تخطئ سيهزم بصره، وتربد ملامحه الدقيقة ~~السمراء. تهم بسؤال ثم تسكت. تزم شفتيك كما زم شفتيه. يسألك بعد ~~تردد، والسماعة لا زالت تفحص وتهمس له بالنبأ المكتوم: هل شكوت قبل ~~هذا من القلب ؟ يتحرك الوخز في الموضع القريب من السماعة، تثبت عليه ~~نظرتك الحادة المستسلمة: أبدا. أبدا لم أشك منه. يأتيك صوته ~~الممدود في حنان مبالغ فيه: وما الذي كنت تشكو منه. تمط شفتيك ~~وتقول وأنت تبحث في تاريخ جسدك: المتاعب العادية. يحاول الطبيب أن ~~يغتصب ضحكة لا تلبث أن تتهاوى ثقيلة على فمه: متاعب المثقفين؟ ~~تفكرون أكثر من اللازم. تحاول أيضا أن تجاريه، فتقع الضحكة مكسورة ~~النفس والجناح على الملاءة البيضاء الناصعة: كما تعرف؛ القولون ~~العصبي. آلام الأسنان ... يقاطعك الطبيب وهو يرفع سماعته ويتركها ~~تتدلى على صدره: والتدخين. تسرع وتقول: طبعا طبعا. يسألك بأدب ~~جم: تكثر منه؟ ترد باقتضاب، وتتمنى لو تشعل واحدة: للأسف. # يتجه إلى مكتبه، ويضع السماعة في حقيبته، تطلب منك الممرضة أن ~~تنهض وتساعدك على ارتداء القميص الصيفي الأبيض. يتناهى إليك صوته ~~من بعيد، بعيد، خير إن شاء الله. استرح قليلا. يأمر الممرضة بصوت ~~أقرب إلى الصراخ: لماذا تتعبينه بالوقوف؟ استرح يا أستاذ، ولا تنهض ~~من مكانك. سأعود حالا. يتوالى الوخز وتؤلمك الشوكة. تتابع نظرتك ~~الممرضة التي انشغلت عنك بأدوات وعلب وزجاجات على المكتب، وظهرها ~~النحيل يتدحرج مع كل كلمة: كورامين. ثم وهي تستدير نحوك باسمة: لن ~~تشعر بأي ألم؟ تسحب عينيك إلى داخلك. تتصاعد خطى اليوم المرهق ~~وتذكاراته إلى أطرافك كالرصاص الصدئ الثقيل. يتصاعد معها الندم على ~~الساعات الضائعة واللحظات المقتولة. تتجول في مبنى التليفزيون، ~~والذي قضيت فيه ساعات. دائما وأبدا نفس المصيدة. تستدرج إليها، ~~وتشارك في مأدبة الثرثرة وتأكل لحما عافته نفسك منذ زمان. هناك ~~تحدثت عن الغربة «إننا الأغراب في الفقر الكبير». غربة المثقف في ~~أوروبا. زهرة العمر وقنديل أم هاشم. وأديب الخارج من جوف الهرم ~~وأنفاس الموت ms094 الأبدي ليصدم بهواء الحرية، ويحترق بشمس الجنس ~~المسعورة. «القطيع غاب راعيه، وطالت رحلته. وهو في بيداء لا ظل ~~بها.» وحوار ممطوط يتهدج فيه صوتك، تتحشرج أنفاسك وهي تحاول أن ~~تنفذ في غابات الشوك المغروزة في صدرك، وضحكات لم تستمتع بها، ~~وثناء تتأفف منه، وبطولات حققها أبطال موهوبون، وما أغناك عنها. ~~وتنادم غربتك وتسقيها وتنادمك. وتقول لنفسك وسط الأضواء على مرأى ~~من فرسان العصر: «أسعى وراء الشمس، والشمس في ظهري.» ويختلس الحلم ~~نظراته إلى شمس أخرى ومدن أخرى، إلى حياة التفرغ تحت شمس كمبريدج ~~الشتوية، # 7 # إلى العودة لمشاهد عنترة # 8 # الذي لم يتم ويحتاج لجو آخر وهواء آخر وفرسان غير ~~الفرسان، إلى مشارف الخمسين، # 9 # التي تنتظر أن تكملها بذكريات وذكريات من زمن الجراد ~~والاكتئاب والضحكات المغتصبة، وجيل الموتى قبل الموت، إلى وجوه ~~تتذوق طعم البسمة، وعيون تحلم، وتعمل لمدن المستقبل، إلى أجساد ~~خلقت للحب، وعرفت سر المعجزة، لكن جاء الغيلان. تنتبه إلى ظل ~~الممرضة التي تقف أمام سريرك والحقنة في يدها. تبتسم وتقول: أقل من ~~ألم الشعراء. لن تحس بشيء. تمد ذراعك الأيسر، فتقول: أقل من ألم ~~الأيمن. تمر بقطعة قطن في يدها اليمنى على العرق المنتفض: عرق لا ~~يتعب. يدعو للشك. تضحك الممرضة، وهي تغرز الإبرة بتؤدة وبراءة: ~~سمعت عن رجل يقول: أنا أشك، فأنا إذن موجود. ومنذ ذلك اليوم، وأنا ~~أشك كل من يرقد على هذا السرير. توشك أن تنفجر الضحكة، فيتهدج صوتك ~~ويشتد سعالك. تنزعج الممرضة. تطمئنها بعد أن تلتقط أنفاسك، وتقول ~~بعد قليل: لو شككت ديكارت لأصبح رجلا عاقلا. تسأل الممرضة: من ~~تدرك غلطتك؟ وتعتذر: حكيم الله يرحمه! تتجه الممرضة إلى المكتب، ~~وتضع الحقنة في طبق كبير من الصاج لا زال البخار يتصاعد منه. ~~تستأذن وتنصرف من الباب الداخلي. تتذكر أنك كتمت سؤالا كان يلح ~~عليك. تسري غيمة التسليم في عينيك، وتثني ذراعيك على صدرك، وتشبك ~~كفيك على موضع القلب. تغمض عينيك وتترك الذكريات والمرئيات وأبيات ~~الشعر تتزاحم عليك كالفراشات السوداء، تحاول أن تطردها عبثا، ms095 ~~فيجذبها الحريق المتوهج في صدرك «وضع النطع على السكة والغيلان ~~جاءوا». تزاحم حولك «كهان الأروقة الكذبة، اصطفوا حولك كالدببة. ~~تلاغوا بالكلمات الرواغة كذباب الحانات. لما سكروا سكر الضفدع ~~بالطين. انطلقوا في نبرات مكتظة». وتسلوا بترامي الفقاعات القذرة ~~والألفاظ الفظة، لاكوا لحم الكلمات المطعون، ونهشوا لحمي، باعوا ~~أنفسهم للأصنام الكذبة، واتهموني أني بعت لهم نفسي. آه ماذا أجدت ~~كلماتي حتى تقتلني الكلمات؟ ماذا أجدت رحلة عمري في أعماق البحر؟ ~~أخرجت لآلئ أهديها للفقراء البسطاء، طيبة بيضاء ولامعة وبلون ~~القلب، جاء الغيلان العشرة والغيلان الألف، غاصوا في مستنقع ألفاظ ~~وشعارات عفنة، رجموني بالألفاظ، وطعنوا قلبي بسيوف الكلمات النتنة ~~- «عجزت عن عوني معرفتي، لم تنفعني فلسفتي» كسرت راياتي، وتهاويت ~~إلى القاع أمام الزوجة والأطفال وحيدا عريانا. ماذا أفعل؟ ماذا ~~يبقى لي من تعبي الخاسر؟ هل يسلم حتى الشعر؟ ينتفض الطير الأسود، ~~وينادي الجرح على السكين. تتسلل الممرضة على أطراف قدميها وتقترب ~~من السرير وتنظر إليك. تسأل هامسة: هل نمت؟ تفتح عينيك وتهم ~~بالنهوض، فتشير إليك ألا تتحرك. تعقد وتزم شفتيك وتهز رأسك، وأنت ~~تقول: «تصارعت والهول وجها لوجه، ولكنني ما عرفت الفرار.» # 4 # لا بد أنك نمت قليلا بعد ~~خروج الممرضة. فها أنت ذا تفتح عينيك، تفركهما، تحس أنهما محمرتان ~~كعادتهما عندما تؤلمانك. ولا بد أنك حلمت بأنك سفينة يهدهدها ~~الموج، وتشتد عليها الريح، فتغرق ويغطيها الماء، هل رأيت أيضا ~~الفئران تهرب منها؟ وهل شعرت بمحنة الربان الذي يكون - هو والفنان ~~- آخر من يغادر السفينة الغارقة؟ لا بد أنك كنت تنتفض غضبا، وتدق ~~أجراس الخطر، وتتحدى الموج الذي يرتطم على جسدك، وينثر رذاذه ~~الملحي البارد على ملابسك، ويزمجر سخطا؛ لأنك لا تخضع لمشيئته. ~~فها هو صدرك يرتجف، والموجة إثر الموجة تتصاعد في داخلك، وتضغط على ~~رقبتك، وتريد لو تظفر من عينيك وأذنيك، وجسدك كله يستحم في مائها ~~وملحها. تفتح عينيك على الجدران البيضاء الخرساء، تتحسس حديد ~~السرير البارد، تطل من النافذة على كتل الليل المتراصة كجبال ~~سوداء، تهمس في سرك: «الله لا يحرمني ms096 الليل ولا مرارته.» تتمنى لو ~~يسعف مولاك الشعر، فتمسك باللحظة، وتكبلها في قيد الوقت، كي ~~تتأملها في خلوة، أو تسمعها في صمت. لكن الشعر يفر ويوغل في ~~الوحشة، فتلجأ إلى خزانة ذاكرتك التي لا تحفظ منه كثيرا. وتحاول ~~أن تسند ظهرك على الأعمدة الخلفية، أو تعدل من وضع المخدات تحت ~~رأسك، فيقعدك العجز، ويشتد لهاثك، وتضطرب الموجة في صدرك، وتفور ~~وتحرك شفتيك التي لم يبلغها القيد، ولم تثقلها الأصفاد، وتوشك أن ~~تبكي على الجسد المهزوم، لولا أنك تنكر هذا الضعف على نفسك: «لكنني ~~مجرب قعيد، على رصيف عالم يموج بالتخليط والقمامة، أكسبني التعتيم ~~والجهامة، حين سقطت فوقه في مطلع الصبا.» تحاول أن تتقلب على جنبك؛ ~~لتضغط الشوكة التي عادت تؤلمك، وتحاول أن تثني الذراع، وتجس بيدك ~~سطح الموجة التي ترتفع، وتلطم حاجز الضلوع، لكنك تفاجأ بأن الذراع ~~لا تستجيب لإرادتك، وأن العزم لا يصل إلى الأطراف. رباه! أهو ~~الشلل؟ هل تتحقق نبوءة شعري أم نبوءة قدري؟ هل أقضي ما بقي من ~~العمر قعيدا يجتر تجاربه المرة؟ تلقي بصرك للسقف والحائط وزجاجات ~~الدواء والحقن المرصوصة على المكتب، تصدم أنفك رائحة آسنة صماء لا ~~تعرف كيف تسميها. هل شل الخاطر أيضا؟ تتطلع من جديد عبر النافذة ~~التي لا ترى منها نجما ولا سماء ولا قمرا. ماذا كنت أريد من ~~الدنيا؟ كنت أريد أن ألبس هذا الكون الأعمى ثوب المعنى، وأنغم ~~هذا الزمن الموحش موسيقى. كنت أريد أن أجعل من نثر الأيام المتشابه ~~شعرا يبقى، أن يحلو الإنسان بعين الله ويكبر حرا، يزهو بالتاج ~~على رأسه، بالصدق النابع من نفسه. أردت أن أرى النظام في الفوضى، ~~وأن أرى الجمال في النظام. وكنت نادر الكلام، وتطيل النظر وراء ~~النافذة لعلك تبصر خيطا مختبئا خلف حجاب الغيم، لكنك تحمد نعمة ~~ربك إذ أعطاك الليل، الليل الغارق في بحر حداد في بحر سواد في بحر ~~الصمت الموت، ينتفض صدرك عندما تتردد الكلمة الأخيرة بصوت يفاجئك. ~~يفتح الباب وأنت تردد بينك وبين نفسك بينما تسحب نظراتك من ms097 الليل ~~والنافذة والنجوم التي لم ترها والخيط الذي لم تهتد إليه «تعالى ~~الله، هذا الكون موبوء ولا برء. تعالى الله، هذا الكون لا يصلحه ~~شيء، فأين الموت؟ أين الموت؟ أين الموت؟» # 5 # يدخل الطبيب الذي كان عندك منذ قليل على عجل. تتابعه بعينيك كأنك ~~تتحقق منه: أسمر طويل ونحيل، على وجهه وجبهته صرامة وجدية لم ~~تلحظهما من قبل. يهتف وهو يستدير: تفضل يا دكتور. من فضلكم انتظروا ~~بالخارج. تطل رءوس تعرفها وإن لم تظهر من الباب إلا لحظات خاطفة. ~~تلمح القلق على وجه الناقد والشاعرين. تتمنى لو تنادي عليهم أو ~~تطمئنهم فلا تقوى على إخراج كلمة واحدة. يدخل رجل ناصع الوجه ~~مستديره، تسبقه نظارات تلمع كالبرق بين إطارين من السحب السوداء. ~~تظهر أسنانه البيضاء التي تنفرج عن صوت جهوري ضاحك: الشاعر ~~الكبير؟ لا بأس عليك. ترفع حاجبيك دهشة، فيرتفع الصوت وتعلو ~~الضحكة: طبعا لا تتصور أن الأطباء يعرفونك. ها أنت جئت يا سيدي ~~لأسمع نبضات قلبك بعد أن قرأتها. يقف الطبيب الأول بعيدا، ويقدمه ~~إليك: الأستاذ الدكتور ... أخصائي القلب المعروف. ينهره الثاني ~~بإشارة من يده، ويقترب منك، ويسبقه نور أسنانه وابتسامته العريضة ~~الصافية. تحاول أن تبدد الدهشة التي عقدت حاجبيك وتهمهم: أهلا و... ~~لكن الصوت يتهدج ويخونك. ينطلق الطبيب قائلا: أرجوك لا تجهد نفسك، ~~حتى الكلام ممنوع الآن. أليس غريبا أن أطلب هذا من شاعر؟ يفتح ~~حقيبته بسرعة مذهلة وفي لحظة تتدلى السماعة على صدره. يقول وهو ~~يمسح على يديك، ويمر بهما على رأسك المشتعل بتاج الثلج: أرجوك؟ لا ~~تتكلم أبدا. هذا أغرب أمر يوجه إلى شاعر. أليس كذلك؟ قل لربة ~~الإلهام أن تدير وجهها قليلا، أو فلأقل أنا ذلك. سأعمل كل شيء، ~~والرب يدبر ما فيه الخير. فرصة سعيدة إن شاء الله. هل تعلم أنني ~~كنت أتمنى أن أراك من وقت طويل. إي والله. قرأت كثيرا من شعرك ~~وأنا طالب، وما زلت رغم مشاغلي أقرأ فيه. هل أفضي لك بسر؟ # تبتسم وأنت تحس أصابعه تدق على صدرك ببراعة، وتلمس ms098 برودة السماعة ~~وهي تلهث صاعدة نازلة على جلدك. يأمرك بصوت رقيق أن تسعل، أن ~~تزفر، أن تشهق بقوة، أن تأخذ نفسا آخر، فتمتثل برغم الإعياء ~~المسترخي في أطرافك وعروقك. لا تفارق الابتسامة الشاكرة فمك، وأنت ~~تتابع ثرثرته الحبيبة، وتنظر بحب إلى قسماته الوديعة الطيبة. ~~يستطرد حديثه كأنه يتلو تعويذة ساحر يحاول أن يخرج جنيا عنيدا ~~من جسد مريضه: هل تعلم أنني. أقصد أنني ... لم أكتف بقراءته والحياة ~~معه، لقد ساعدني أيضا على الحب. طبعا تتعجب. أقول لك السر وأمري ~~إلى الله، باختصار: أحببت بشعرك. # تسرح عيناك وتبتعدان عن وجهه قليلا. تغيم سحابة عليهما وتقول ~~لنفسك: «الشعر زلتي التي من أجلها هدمت ما بنيت. من أجلها خرجت. من ~~أجلها في أول المسا طعنت، وها أنا أعرض قلبي الذي أوجعني حتى بكيت، ~~قلبي الذي ...» # تلاحظ أن الطبيب يترك السماعة على صدرك، ويتجه إلى زميله مقطب ~~الوجه. يتبادل معه الكلام المتدافع كقطرات المطر المفاجئة ~~بالإنجليزية، وتلتقط أذناك كلمة القلب التي تتقطر فيهما كالحديد ~~المصهور. يخرج الطبيب الأسمر النحيل مسرعا ويغلق الباب وراءه. ~~يرجع إليك الطبيب وهو يرسم نفس الابتسامة على شفتيه وملامح وجهه ~~الذي لا يخفي الانزعاج. يستأنف كلامه وهو يواصل كشفه الدقيق، ويسرع ~~فيه إسراع النبضات التي بدأت ترتجف، وترج صدرك: باختصار يا سيدي. ~~أحببت بشعرك وتزوجت أيضا. «وجه حبيبي خيمة من نور. شعر حبيبي حقل ~~حنطة.» نسيت بقية الأبيات. أرجوك لا تجهد نفسك. والآن انقلب على ~~وجهك، حتى لا تتذكر فتثير في نفسي حسرات الحب. نعم هكذا. لم تصدق ~~أول الأمر. أحضرت لها الكتاب المقدس، وقرأت معها في نشيد الأنشاد. ~~بالطبع لم أنسب الشعر لنفسي. معاذ الله من الكذب. إما أثبت لها أن ~~الحب نبع خالد، يلهمك ويلهم صاحب النشيد، ويلهمني أيضا. ساعدني ~~شعرك أيضا حين أردت أن أعزز حبي، وقلت لها عن ظهر قلب: آنستي - لم ~~تكن قد أصبحت سيدة بعد - «إليك قلبي واغفري لي، أبيض كاللؤلؤة، ~~وطيب كاللؤلؤة، ولامع كاللؤلؤة، هدية الفقير للفقير.» ولا تسل عن ~~تأثير صوتي، وأنا ms099 أقول أبيض وطيب ولامع وأقدم لها قلبي في ليلة لا ~~أنساها، واتفقنا فيها على كل شيء. أليس غريبا أن أصبح طبيبا ~~للقلب، وأن أستدعى الليلة من نومي لأعالج قلبك كما عالجت قلبي؟ ~~استدر الآن خير إن شاء الله. إن شاء الله خير. كم اليوم من أيام ~~المسيح؟ أعني في أي يوم نحن؟ ينظر في ساعته بسرعة. يخطف الكلام ~~ويقول: الخميس. نعم، ثم يفرد تقطيبة حاجبيه وجبهته ويسأل مبتسما: ~~اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس في الشهر الثالث عشر. الحق ~~أنني لم أفهم ما قلت تماما، ننتزع ضحكة خافتة من أنياب الحزن ~~وتقول رغم أوامره المشددة: وأنا لم أقل شيئا. إنه بشر الحافي ~~لشيخه بسام الدين. يصفق بيديه. معذرة لا وقت لدينا. سنتفاهم في ~~الغرفة الأخرى حول ... من قلت؟ آه! أرجوك الصمت، لا دعي للإجهاد أو ~~الحركة. أنت تقدر بالطبع. وستبقى يومين عندنا. يبدو الذعر على وجهك ~~ويثب من عينيك. تهم بأن تسأل أو تعترض، فيشير بيده إشارة حاسمة: ~~اطمئن. اطمئن تماما. إجراءات عادية نعملها كل يوم. تهم أن تحرك ~~شفتيك، وترفع يدك، فيؤكد إشارته: أعرف أعرف. سنبلغ الزوجة الكريمة ~~والأولاد. لماذا لا تريد أن تشرفنا يومين؟ على الأقل نتكلم عن ~~الشعر، ونتعرف على الشيخ ... الشيخ ... يسرع إلى الباب الداخلي ويفتحه، ~~يغيب لحظات تنشغل فيها بنفسك وتناجي بشر وبسام الدين. ها أنا ذا ~~مقتول يا شيخي. في اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس للشهر ~~الثالث عشر. مقتول ولا قطرة دم. والسكين الألفاظ تشق اللحم. أي ~~زمان هذا؟ لا يعرف فيه مقتول من قاتله، ومتى قتله. وأقول لنفسي: يا ~~ليتك كنت خرجت. من مدن الموتى يسكنها جيل مات قبيل الموت. يا ليتك ~~كنت ببشر الحافي في الصحراء لحقت، يا ليتك كنت لزمت الصمت. فتحسس ~~رأسك. فتتحسس رأسك. # 6 # تتحسس رأسك بكف مرتجفة. تتطلع للنافذة وتشعر أن الليل المتربص ~~يحصي من مكمنه الأنفاس. الليل القبر يمد غطاء الكفن على الناس. ~~تهتف: يا رب الكون المشئوم. أدركني فالليل طويل تنعق فيه البوم. ها ~~هي ms100 تصرخ وهي تحوم: جروك لبئر الكلم المسموم. تركوك وحيدا تغرق ~~وتئن أنين يتيم. رجموك بلفظ كالحجر رجيم. كلمات في كلمات تنهمر ~~كشلال هادر، نسجوا منها حبلا يلتف على رقبة شاعر. ورأيت الدنيا ~~مولودا بشعا، فتمنيت الموت. والآن تنام وحيدا وعلى عنقك تلتف ~~حبال الصمت. يا ليتك كنت لزمت الصمت. يا ليتك كنت خرجت. # وتعود تتحسس رأسك عندما ينفتح الباب فجأة، ويدخل الطبيبان ~~والممرضة التي تسحب وراءها محفة تدور على عجلات. ويلمحك الطبيب، ~~فيهتف: ألم نتفق على عدم الحركة؟ ويقترب منك وهو يجاهد أن يفرش ~~ابتسامة على فمه: ألا يستمع الشاعر مرة واحدة لربة الطب والشفاء؟ ~~ترن الكلمة الأخيرة في أذنك رنين قيثارة مجروحة على جبل بعيد. ~~تتطلع للوجه الطيب الضحوك بنظرتك المفعمة بالتعاسة والسخرية. ~~يتقدمون نحوك وهو يحذرونك من أي حركة، ويلف الطبيب الشاب ذراعك حول ~~عنقه، ويدخل طبيب القلب ذراعه تحت خصرك ويحملك إلى أعلى، بينما ~~تحاول الممرضة أن ترفع ساقيك بحذر، وتنزلهما على المحفة الواطئة. ~~تنغرز الشوكة عميقة في القلب. يهم الطير الأسود أن يرفرف بجناحيه، ~~وتتسع عيناه دهشة ورعبا. تتردد كلمة القلب، فتتذكر بيتا قديما ~~وثب إلى صندوق الذاكرة منذ قليل: «أشقى ما مر بقلبي أن الأيام ~~الجهمة، جعلته قلبا جهما.» # تخرج المحفة إلى القاعة الواسعة، فتسرع الخطى نحوك. هادئ أنت ~~والليل والطارق المجهول والأصدقاء مسرعون، يتسابقون بجانبك وعينك ~~ترعاهم، وتطوف بوجوههم وتحاول في صمت أن تمسح عنها آثار الذعر. ~~يهمس طبيب القلب للشاعر الذي اقترب منه هو والناقد: غرفة الإنعاش. ~~يبتعد قليلا ويسر إليها: أزمة حادة في الشريان. سأعمل ما في ~~طاقتي. يهز رأسه كثيرا وهو يلاحق المحفة، ويؤكد لهما: العمل عمل ~~الله. لا بد من إجراء سريع. نعم لا بد من حضورهم. نعم إن شاء ~~الله. تلمح القلق يطل من العيون، فتقول وأنت تحاول أن تمد يدك ~~لتصافحهم فلا تستطيع: ما لكم. شدوا حيلكم. يحذرك الطبيب وهو يعدو ~~خلفك. يخبط الناقد كفا بكف. تطفر الدمعة من عينه، ويسند وجهه على ~~الحائط. تبتعد المحفة وما زالت ms101 نظراتك تلمسهم وتجفف دموعهم، وتزيل ~~غبار الذهول عنهم. تكاد النظرات تقول: «وما الإنسان إن عاش وإن ~~مات، وما الإنسان؟ وهل من مات لم يترك له رسما على الجدران، وخطا ~~فوق ديباجة وذكرى في حنايا القلب؟ وما الإنسان إن عاش وإن مات، وما ~~الإنسان؟» # 7 # أنذرني من قبل أن يجيء. رفقا يا قاضي الوقت. مهلا يا ملاح ~~الموت. يا من تعبر نهر الغربة والنسيان، أنظرني حتى أعزف بعض ~~الألحان، أو أشرب نخب العمر على مأدبة الخلان، وأودع من أحببت ~~وأختم آخر فصل في مأساة الأحزان، وأقوم خطيبا فيهم: إخواني، يا من ~~كنتم أغلى الإخوان، أسألكم، أسأل نفسي: من نحن؟ وماذا نبغي؟ ما ~~الإنسان؟ وإذا كان الإنسان هو الموت فما معنى أن نولد ونشيب ونلقى ~~في الأكفان؟ وإذا لم يكن الإنسان هو الموت، فمن كتب عليه القسوة ~~والحرمان؟ من أوقفه كالمسجون أمام السجان؟ إن كان الإنسان. هو ~~الموت. # تسرع المحفة على عجلاتها وبجانبها الطبيبان، وخلفها الممرضة ~~الصغيرة لاهثة الخطى والأنفاس. أرقد في سكون وذراعي هامدة وأصابعي ~~تتحرك شوقا للقلم وللأوراق. هل فات الوقت؟ هل أزف الموعد؟ أنصت يا ~~طير الموت الأسود. أسمع دقات الطبل المرعد، تعلو تهبط تدنو تبعد. ~~أنصت يا طيري الهاجع في عش القلب المجهد؛ فالنغم الهارب يتردد ~~حينا، ثم يبدد، يتكسر فوق زجاج القلب ويخمد، يجمع أشلاء نشيد ضاع ~~من المنشد: «أنذرني من قبل أن يجيء. تراب لونه الرديء.» أنذرني ولم ~~أصدق نذره. أنبأني ولم أحقق نبأه. رأيته على الدوام يخفي عينه ~~المختبئة، في طرقات المدن المهترئة، وفي حنايا الأعين التي تنم عن ~~قلوب صدئة. أنذرني من قبل أن يجيء. لم أنتبه لوقعه البطيء. هل آن ~~أن تدهمني خيوله المفاجئة؟ ترتفع دقات الطبل الخافت، حتى تصبح كدوي ~~الرعد. تتلبد سحب الغبار أمام عيني وتبرق حوافر الخيل. دقات القدر ~~الغامض أم دمع القمر على صدر الليل؟ تسرع المحفة، وتسلمني من درب ~~مجهول إلى درب مجهول. تهبط من كون علوي في كون سفلي. يا ربات ~~القدر الرابض فوق العرش، تغزلن خيوط ms102 العمر، وتصنعن نسيج النعش. ~~مهلا يا ربات القدر ولا تقطعن الخيط الهش. لا تزعجن الطير الراقد ~~في العش. # تشيعني النظرات الكابية والنظرات الحانية. يا أمي أين تراك الآن؟ ~~ضميني واحميني من شر العين. وأنت يا حبيبتي الحنون. حبيبتي يا من ~~دعوتها أغلى من العيون. هل يسعفك الوقت؟ أم يبلغك رسول الموت بأني ~~مت؟ # آه أزف الوقت، ضاع الوقت. # لا تعجل يا ملاح الموت بإغراق سفيني، الجرح ينادي السكين فلا ~~تك أقصى من سكين. أتقول بأن الموت علينا مقدور، ذلك حق لكني أرفض ~~هذا الموت الباهت حتف الأنف. كنت بسالف أيامي قد صادفني هذا البيت: ~~الإنسان هو الموت. لكني لم أقبل أبدا أن يصدق هذا البيت. فتمردت ~~عليه وثرت. ودعوت الله بأن يرفع عنا زمن الموت، أن يقسو، كي نزدجر، ~~علينا، ويعلمنا أن نتمزق إربا أن نتفتت، حتى لا نمثل للموت، حتى ~~يخرج من بئر الماضي الأسود طفل المستقبل ممتطيا مهر الوقت، ويجوز ~~بقافلة الموتى أرض الموت، لأرض تبزغ فيها شمس الحرية في ~~السمت. # عجل يا ملاح الموت ولا تخش القدر أو المقدور. إن تبد جبال ~~الملح أمامك والقصدير، فسنحيا في أطراف الألم ونبلغ شط المحظور، ~~ونجرب لحظة رعب قاس مر ومرير، حتى نرسو في جزر النور، نرسو في جزر ~~النور. # تقف العجلات على باب الغرفة. تفتح عينيك على النور الباهر ينهمر ~~من السقف على الأركان. تهتف من قلب خنقته أمواج الظلمة والصدفة: ~~أواه يا مدينتي المنيرة. # 8 # مدينتي المنيرة. ~~«مدينة الرؤى التي تشرب ضوءا، مدينة الرؤى التي تمج ضوءا.» ~~تلوح بعد طول الانتظار. تكشف عن نجومها وراء الغيم والضباب بعد ~~رحلة العذاب والدمار، يا كم خرجت بحثا عنك كاليتيم، مطرحا أثقال ~~عيشي الأليم، وملقيا وراء ظهري بالأنا القديم. أقول كلما بدت ~~أبراجك الحسان والمنار، ولوح الملاح سيد البحار، للمركب الذي أضنته ~~طلعة الشموس والأقمار، ورحلة الضياع في عيون الليل والنهار: «حجارة ~~أكون لو نظرت للوراء، حجارة أصبح أو رجوم.» هل آن أن أرسو على شطوط ~~الحلم؟ أأنت يا مدينة الجمال ms103 والجلال وهم؟ أم أنت حق؟ أم أنت ~~حق؟ # أرقد في فراشي الكليم، عريان كاليتيم، مجردا من النقوش والألقاب ~~والرسوم، تطوف في خيالي السقيم حلمي العقيم حلمي القديم، أن تفتح ~~السما أبوابها عن نبأ عظيم. «وها أنا ذا أستدير بوجهي إليك، وأبكي ~~لأن انتظاري طال؛ لأن انتظاري يطول» أيا أملا قادما من وراء ~~الغيوم. أغيب في غياهب الضباب والدخان، أسأل عنك النسر مرة ~~والأفعوان، وأسأل الشيوخ والكهان، عن شاهد يدل عن صداك في الزمان ~~أو خطاك في المكان. وبعد رحلة العذاب في البحار والقفار، وبعد طول ~~الانتظار، أراك يا مدينتي زاخرة الأنوار، أبعث من تابوتي القديم في ~~مدافن التذكار أبعث فوق صدرك الطهور كالأبرار، أرضع من نهديك نور ~~العدل والحرية، أطعم من كفيك خبز العدل والحرية. بعد طول الانتظار. ~~بعد طول الانتظار. # تتزاحم السحب عليك، فترفع يدك محاولا أن تبعدها. تتصور أنك راع ~~يحمي بعصاه القطعان الطيبة من الذئاب. ينتهي إليك صوت الطبيب ~~محذرا كأنه ينفذ من أستار الضباب: أرجوك. أرجوك. تنظر من خلال ~~الغيم المتناثر حولك كالقطن، تندهش وتعجب مما حولك: أجهزة تلمع في ~~أيديهم، وعقارب تجري وتدور، أكواب وأنابيب وخراطيم يستقر أحدها في ~~فمك، يخرج منها ليدخل في فتحة أنفك. تتنفس عطرا أزرق، وتحوم ~~فراشات حول الأنوار، ربي ما هذا النور! # يعملون. يعملون صامتين. أيديهم تغزل ثوبي المسحور. أفواههم نادرة ~~الكلام. كذا يكون الناس في مدينتي المنيرة، كذا يكون الناس في ~~بلادي جارحين كالصقور. لا. لا. كم جرحوني في زمان غابر قديم! كم ~~غرزوا السكين في فؤادي الكليم في فؤادي اليتيم! لكنني أسامح. أغفر ~~زلة اللسان والعيون والجوارح. ورحلة العذاب علمتني الصمت. أهل ~~بلادي طيبون. قد يجرحون كالصقور، يقتلون، يسرقون، يشربون، يجشئون. ~~«لكنهم بشر، ومؤمنون بالقدر. وحين يسغبون يطعمون من صفاء القلب. ~~وحين يظمئون يشربون نهلة من حب. ويلغطون حين يلتقون بالسلام. ~~عليكم السلام. عليكم السلام. ففي ذرى بلادنا يرفرف السلام.» ومن ~~ذرى بلادنا يرفرف السلام. أهل بلادي طيبون يعملون صامتين. وفي ~~مدينة الأنوار يعشقون يعرقون يزرعون، وحين يملكون. ms104 إرادة الإنسان ~~أن يكون. لن يشغلوا أنفسهم بالموت والقضاء والقدر، ولن يحدقوا ك ~~«عم مصطفى» في لجة الفراغ والسكون، سيفرحون يضحكون يرقصون في مواسم ~~الزواج والحصاد والمطر، وعندما يجيء الموت لن يخافوا طلعته، فالحب ~~- يا حبيب - قد أزال شوكته، ومرت الحرية الخضراء فوق جرح العدم ~~المهين، وها هو الجرح القديم يتحدى طعنة السكين. # تتحرك شوكة ألم في صدري. تطفو الموجة بعد الموجة توشك أن تغرقني. ~~يبغي الطير الأسود أن يخرج من حلقي. يبغي أن يخنقني. ها هو ذا ينهض ~~ويرفرف. ها هو فوق الجرح يحط ويسقط. اهدأ يا طيري الأسود، أبعد ~~منقارك عن كبدي، واختر غصنا آخر من شجرة جسدي. اهدأ أرجوك ولا ~~تنقر في حبة قلبي. دعني أجمع ما يتناثر من خطبي. وأجدل من شعري ~~عشا ترقد فيه بجنبي. وتعال لنصنع نغما يشجي قلب طبيب يأسو قلبك ~~ويداوي قلبي. اسمع يا طيري غنوة حبي: «والعالم الذي أريد. أريد ~~للرجال أن يعانقوا الرجال دون حقد. العالم الذي أريد. أريد للنساء ~~أن يغفين وادعات، في أذرع الأزواج والأحباب والأبناء، العالم الذي ~~يصبح الأطفال، نورة الأمل، بنغية الحنان والدمى وبالقبل. العالم ~~السعيد، راحة الأجيال، في سعيها قوافل الأجيال نحو عالم ~~سعيد.» # انظر يا طيري الأسود! هل تلمح نور مدينتنا، نور المستقبل؟ # الزمن الآتي بالنجمين الوضائين على كفيه: الحرية والعدل. الزمن ~~الكاسر للذلة والظلم كما تنكسر زجاجة السم، تتفرق شظيات لا يلتم ~~لها شمل، الزمن المطلق للأنسام لتحمل حبات الخصب السحرية، وتفرقها ~~في أرحام حدائقنا الجرداء المختومة بالعقم. هل تشهد هذا الحلم، ~~أتلحظه لحظ العين؟ أم تحسبه رؤيا الغارق في قاع النوم؟ يا طيري ~~الأسود قم. هل تلمح مدن الأمل وراء الغيم؟ أم هي وهم؟ أم هي ~~وهم؟ # تتكاثف سحب عاتية تصدم رأسك. يتخللها برق لا يلبث أن ينطفئ ويطفئ ~~حسك. تتجمع سربا من قطعان بيضاء وسوداء، سفنا ترتطم على الشطآن ~~وتتفتت في الخلجان، وتصارع جبل المردة والحيتان، تهرب منها ~~الفئران ويبكي البحارة، لكن يبقى الربان، يبقى الربان، وحيدا يكشف ~~للريح الغاضب ستر ms105 الصدر العريان، يحمل بين يديه المصباح الواهن فوق ~~الطوفان. يا هذا الربان! يا هذا الربان! غرق الغرقى قبل الغرق، ~~وسقطوا في القيعان، هرب البحارة والفيران، والجرس المعول من ناقوسك ~~لن تسمعه الآذان، أنقذ نفسك يا ربان، أتمثل دور الفرسان المحزونين ~~الشجعان، ذهب الفارس والفرس وغطاه رماد الأزمان، يا ربان! يا ربان! ~~ماذا تصنع يا ربان؟! ~~- أنتظر الزمن الآتي بالسيف المبصر والميزان، لأزف النور لركب ~~الشجعان، وأضع التاج على رأس الإنسان، الإنسان. # تطفو فوق الموجة، تتشبث بالسرج المزبد والموجة فرس رهان، تنزلق ~~على ظهر العالم، تهوي تهوي في كهف لم تسكنه الجان، كهف سكنته القصة ~~والأحزان يتصاعد منه دخان، يتصاعد منه دخان. ترتفع على ظهر الموجة، ~~تتنفس فوق الماء كأنك سمكة صيد فرت من وجه الحيتان، هربت من شبكة ~~صياد كي تقع بشبكة صياد ثان، تختنق وتسقط في القيعان، تتأمل جسدك ~~يهوي في بئر أحمر قان، ينتفض، يحاول أن يهرب منك، فتتماسك نلقف ~~حبلا يمتد إليك كثعبان، تخرج من قاع البئر، وتتجول وسط حقول ~~ومغان، تلمح شبحا، أشباحا تدنو منك فتهتف يا أصحابي، يا أحبابي، ~~أتراكم غبتم عني، وتخليتم يا خلاني (تهتف لن يسمعك الجيران، لن ~~ينتبه لصوتك قاص منهم أو دان). # الطبيب يتمتم: ربي! رب الميلاد ورب الموت. ويراقب أنفاسك ويعاين ~~نبض القلب الطبيب الآخر يتأمل وجهك ويهمس: يا رب. الممرضة تذهب ~~وتجيء، تحرك أنابيب وتحضر أنابيب وتنشج: يا رب. وأنت تطفو على ~~الموجة وتنزلق، تمتطي ظهرها وتسقط، تمسك بلجامها الفضي ويفلت منك. ~~تتزاحم الأشباح حولك. تقرب وجوهها من وجهك. تعرفها، تتفرس فيها، ~~وتناديها بالصوت المفعم بالكتمان: إلي إلي. يا حلاج. ثبت قلبي ~~يا محبوبي. يا سيدنا القادم من بعدي. أدركني أو لن تدركني يا ليلكة ~~الظل، أميرة روحي وجروحي، تنتظرين؟ ماذا تنتظرين؟ يا عشري السترة! ~~مد يديك وأظهر لون القدرة، اصبر يا طير الموت الأسود. نقر في ~~صدري، لكن أبعد منقارك عن حبة قلبي. أمي يا أمي. أين تراك وأين ~~أبي؟ نادي يا أم عليها لتكون بجنبي. يا شجرة ms106 عمري نور العين ~~رفيقة دربي، غطيني ضميني مدي كفك، داوي قلبي. تهوي في لجج الإغماء، ~~يشح الضوء، وتبتلع الملح، تعض على لحم السر الهارب كالسمكة في ~~الماء، تدخل في حال الصحو إلى حال المحو، وتلمس قلب الأشياء، تصبح ~~خمرا، خبزا أسمر، نورا، خصلة شعر ذهبي، أرضا وسماء. تختنق بسرك ~~وتعض عليه، تصرخ - من يسمعك؟ - إلي إلي ! تعالوا يا أحبابي يا ~~أصحاب الدرب، رفاق الجرح، إلي إلي. # يا أحباب. يا أحباب. # 9 # تنفرج أسارير الطبيب قليلا. يأخذ نفسا عميقا يكشف الغمة التي ~~أطبقت عليه، وكادت تنسيه أن يتنفس. يراقب جهاز القلب ويحصي ~~الأرقام، ويبتلع الغصة، فتغيب كحجر في الدوامة. يلتفت لزميله الذي ~~يقف عند طرف الفراش كحارس ليل صامت ويهز رأسه. يتطلعان لوجهك ~~ويرقبان النفس الذي يصارع التيار ويطفو على السطح. تلوح بارقة أمل ~~خفي. # تفتح عينيك وتنظر حولك، ثم تغمضهما. وتتمتم شفتاك بصوت لا يسمعه ~~غيرك: إلي إلي. ~~- ها أنا ذا بين يديك. ~~- الأميرة؟ # تدخل كالنور الساطع. يتهلل وجهك وتضيء بعينك ومضة أمل دامع. ~~سيدتي! سيدة الجرح الباسم كالفجر الطالع. ترقص شفتك وهي تتابع ~~خطوات الحلم الرائع: «شمس في السمت. فيض عبير يسري فتبل ندواته ~~جدران الغرفة.» مولاتي. # تهمس شفتاها: مولاي الشاعر! ~~- «يتضوأ نحرك. حقل ليالك مرشوش بالنور. ويزغرد شعرك. خمر تنسكب ~~على صفحة بلور». ~~- شكرا. هل تذكرني؟ ~~- «إن أنس فلا أنسى ثوبك؛ صفحة فضة، تتمرغ فيها شمس الصيف. إن ~~أنس فلا أنسى جيدك؛ كومة ماس يتكسر فيها النور ويلتم.» ~~- «ليلكة الظل أنا. عابدة الظلام». تكمل نغما تترقرق منها: ~~«الزهرة التي تخاصم السنا وتعشق القتام.» ما زلت كعهدك والوجه ~~حزين. ما زلت كعهدك تنتظرين؟ ~~- لا أنتظر سواك. هل ينسى العابد معبوده؟ ~~- من أنا حتى تنتظريه؟ ~~- من أبدعني وبراني. هل أنسى من سواني، من عدم نسج كياني؟ يا ~~خالق سري وبياني، قم لتراني. ~~- خالقك كسير عاني، ملقى كالعدم الفاني. ~~- ترخي جفنيك كأنك مهموم. في وجهك تتمدد غيمة ضيق مكتوم. هل ~~أبطأ وحيك؟ ~~- بل أبطأ نبض القلب وضاع يقيني. أترين شحوبي وغضوني؟ ms107 أسمعت ~~أنيني؟ ~~- ولهذا أشفقت عليك. خفت خطاه تسبقني ويجيء إليك. ~~- من تعنين؟ ~~- من قتل الزهرة ورماها في الظل سنين، من ألفاها في جوف التنين، ~~من خيب أملي، كذب علي ومرت كذبته فوق مدينتنا كالإعصار المجنون. ~~أنسيت سمندل؟ ~~- أنساه؟ عشت حياتي أمقته وأعري وجهه. ~~- لن تنفعه أقنعته. سأعينك. ~~- لا شيء يعين، لا أحد يعين، عاجزة أنت كشاعرك المسكين . لن ~~يخدعني الليلة، سأواجه ظلمه. ~~- سبقتك خطاه ومد على صدري ظله. عشت سنين العمر، وعيني تتحدى ~~عينه. أتسمع وقع خطاه كعابر ليل يسمع خطوات القتلة، لا أتذوق ~~كأسا حتى ألمح فيها نصله. وكما يتوقع عار في طرقات الليل الصدئة، ~~أن يدهمه المطر الهاطل فجأة، أتوقع منه أن يأتي الليلة، كالدائن ~~يطلب دينه. ~~- لن تتركك وحيدا. وقرندل لن يتأخر. ها هو ذا. # تجري نحو رجل يخطو في ضوء الغرفة كخيال بطل مهزوم. رجل رث ~~الهيئة ونحيل، عليه تراب الفقر والسفر، في فمه المتحدي أغنية لا ~~زالت تتشكل. تسرع نحوه هاتفة: ها هو شاهد مأساتي. # تمسح نظراتك وجهه الذابل وعينيه الصامتتين، وتمر على القيثارة ~~المتدلية من كتفه وتبتسم: وأنا من يشهد مأساتي؟ ~~- سيخلصنا منه قرندل ثق من قولي. فالشاعر يخفي الخنجر في سترته، ~~وسيغرزه في صدره. تتحسس صدرك وتقول: أم في صدري؟ # يقترب قرندل منك يلمس سريرك كما تلمس أم مهد وليدها. في عينيه ~~الصامتتين حنان نبي يعرف قدره. غضب المنتقم يصمم أن يأخذ ثأره. يمر ~~بأصابعه على القيثارة فترن خفقات لحن شجي، وترفرف في جو الغرفة. ~~رفع عينيه كأنه يتابع سرب طيور مفردة، ثم يخفضهما لتلتقيا بعينيك: ~~الكلمة أيضا يمكن أن تقتل. # تدير عينيك الغاضبتين تجاه الحائط، وتعض على شفتيك. يأتيك صوته: ~~أغنيتي أقوى منه، لحني من خنجره أرهف. تعرف خبرا مني، سر الكلمة ~~أمضى من حد السيف. تتردد أصداء غضبك، وتصطدم بالجدران، ينتفض جسدك، ~~وتهتز رأسك وتتمتم: كذبة! قتلتني كذبة! # تنفجر حمم الكلمات في صدره، وتسيل صارخة من فمه: لن نسمح أن ~~تتجدد تلك الكذبة. لن نترك تلك الحية تسحر ألباب الناس وتصبح ms108 قبة. ~~طعنت قلب مدينتنا ذات مساء كذبة. فاسترخت مثقلة بالجرح. والليلة ~~... ~~- الليلة صرعتني الكذبة، هل أجدتني الكلمات؟! هل أنقذني ~~اللحن؟! ~~- الليلة قد تهوي أنهارا وتلالا ومنازل لو ولدت في مساحتها ~~أخرى. ~~- تهوي فوقي وأنا أهوي. لن يجديني يا شاعر لحنك فارجع. ~~- دعني ألقي ظلي في عينيه. وأغني من أغنيتي آخر مقطع. ~~- انغرز النصل بقلبي. لن تدفعه أغنيتك عني. # تتحسس صدرك وتئن. يضطرب الطبيب ويمد ذراعه إلى زميله. # يشير إلى احتقان وجهك وعينيك يسرع بتثبيت الخرطوم الجديد في فمك، ~~وبتثبيت عينيه، على عقارب الجهاز، تبكي الأميرة، وتميل على صدرك، ~~تتسمع نبض الجرح. ذبلت زهرتك الليلية. ماتت أغنية قرندل، تستجير ~~بالوصيفات فلا يستجيب أحد. تجري نحو النافذة فتصدها أكوام الليل، ~~تعود وتندفع نحوك وتندب حظها على صدرك: أولا يكفيني في اليوم ~~الواحد جرح واحد؟ # يشتاق الجرح إلى السكين. يفزع الطائر الأسود، ويفتح عينيه. تهمس ~~وأنت تتملى صفحة وجهها المتألق كالبلور: جرحي أعمق مما قدرت، وأوجع ~~مما ظنت قيثار قرندل. أترين اللص الجاثم خلف قناع الليل؟ لن يفزعه ~~صوت الديك الذهبي، ولن يطرده الفجر لن يرديه اللحن ولا الخنجر. آه ~~قد سلمت. عودي أنت عودي لحياتك في قصر الورد قبيل آذان الديك. يا ~~سيدتي وأميرة أحلام العمر. # إن يقهرني الموت فكوني أقوى منه، ومن ذل القهر. عودي للقصر كي ~~يستجلي أتباعك طلعتك النورانية، ويشم رعيتك نسيم الحرية. فلتسرج أم ~~الخير جوادك والعربة لتكوني معهم قبل الفجر. عودي. عودي. وارعي ~~عهدي، عهد الشعر شاعرك قتيل مطروح. دمه مسفوح. فوق رصيف المدن ~~الكاذبة القلب ينوح. عودي يا زهرة دمعي وجروحي. وانضمي للورد ~~النائم في روضة روحي. لا تنسي قبل ذهابك أن تهبي قبسا من نورك، ~~أو ظل شعاع من وهج جبينك فالنور شحيح. تقف الأميرة كالطيف المشلول، ~~ترفع يديها إلى وجهها وعينيها لتزيح الدمع، وتمسح ظل الكابوس. ~~تنعطف عليك، تقبل وجهك وجبينك وغضون الألم على وجهك وجبينك. تستدير ~~وتنسحب على أطراف قدميها. ينهض قرندل من الركن الذي تكوم فيه، ~~ويجر ساقيه وقيثارته الصامتة مدلاة بجانبه ms109 كالبلبل الذبيح يقفز ديك ~~الفجر على جسد الليل الأسود ويصيح. تنفذ سيدة الأحلام المرة في ~~بلور النافذة الشاحب، وتعود كما جاءت باقة نور، وردة حلم نبتت في ~~بستان القلب المهجور. تثبت نظرتك عليها وتودعها وتقول: سلمت خطواتك ~~نحو القصر. ولتعي يا سيدتي عهد الشعر. موعدنا؟ لا لا أدري. فقد ~~انحسر النهر: قد ألقاك مع الفجر، أو في القبر. من؟ ضيف آخر؟ لا لا. ~~الوقت تأخر؟ أي سر؟ لا شيء يعين. لا أحد يعين. أيلح عليك؟ عودي. ~~عودي. يبتهل إليك ويتشفع بك؟ فليدخل هذا الضيف الآخر. رجل مجهول ~~مكسور الخاطر؟ ومسافر ليل جاء يقول: سلاما لمسافر؟ آه! قد سلمت. ~~قد سلمت. # 10 # سلمت وما سلمت. # فلا تكاد تغمض عينيك وتناجي نفسك، لا تكاد تتذكر سر الأحرف التي ~~جمعتها يوما وتصفها أمامك، لا يكاد الطائر يهجع في مرقده، ويهدأ ~~في عشه، وتأخذ نفسا عميقا، وتفتح عينيك المحمرتين بجمر الألم ~~والوخز والانتظار، حتى تراه أمامك بطل الملهاة السوداء، ومهرجها ~~المسكين. لا لون له أو أبعاد، الرجل الورقة، سقطت من شجرة هذا ~~العالم ذات شتاء أو ذات خريف، لا تتميز من آلاف ملايين الأوراق، ~~تنمو في رحم الليل، تحدق في عين الشمس، تتلوى تحت سياط الريح، ~~وترتعش من الحاجة والبرد، تسقط لا يشعر أحد، لا تدري الأرض ولا ~~الرمس. رجل رث الهيئة مرتجف الساقين، أجوف كالقصبة حافي القدمين، ~~منخوب تصفر فيه الأنوار، أغنية الموتى الأحياء، تتلوى شفتاك ~~اشمئزازا، تنوي أن تبعد وجهك عنه، يستعطفك ويوشك أن يركع ويقبل ~~قدمك. تهتف في غضب: انهض. انهض. ~~- لا تصرف وجهك عني يا مولاي. لا تحرمني نظرة عطف. ~~- ما تبغي الآن؟ ما هذا الخوف؟ # أرجوك اسمعني. لا تكسر خاطر ظل مكسور. ~~- أولا يكفي أني جسدتك في الأوراق، أطلقتك فوق الخشبة، وتركتك ~~تعرض مأساتك. ~~- حتى انغرز بصدري الخنجر، لكني الآن عرفت السر. ~~- السر! أي سر؟! ~~- هل تضمن ألا يسمعنا أحد، حتى الجدران. ~~- قل. لا وقت لدي. ~~- حتى الوقت. هل يأمن حذر جاسوس الوقت؟ ~~- قلت تكلم. # يقترب منك على أطراف ms110 قدميه. يتلفت مذعورا حوله. يرى الطبيبين ~~عاكفين على الأجهزة غارقين في كابوس العمل الذي لا يرحم. يطمئن أن ~~أحدا لا يراه ينحني ويهمس في أذنك: بعد فوات العمر كشفت السر. ~~التهمة كانت خطأ. سامحك الله. ~~- أفهمت إذن؟ ~~- بعد فوات العمر. أنا لم أقتله. ~~- يا للسخف! ومن القاتل؟ ~~- هل تضمن ألا يسمع أحد؟ ~~- قلت تكلم! ~~- عشري السترة. هو قاتله ، جلس على عرشه. حتى قاطع تذكرتي ~~... ~~- ما شأنه؟ ~~- مسكين مثلي. هو في الواقع جلاد وضحية. نفذ أمرا لم يفهمه في ~~إنسان لم يعرفه. والأدهى من هذا ... ~~- ماذا؟ ~~- إني لم أقتل وحدي. أوحى الله أو الشيطان إلي. ~~- ومتى هبط الوحي؟ ~~- بعد تمام اللعبة. ~~- اللعبة؟ أظننت بأني ألعب. إني ... ~~- اصبر يا مولاي أعرني سمعك، بعد سقوطي فوق الخشبة، بعد التصفيق ~~وثرثرة النقاد مع الجمهور وثرثرة الجمهور مع النقاد، خرجت إلى ~~الشارع، شبحا يتسكع بين الأشباح، لا أحد يحس بجرحي، لا أحد يجفف ~~سيل دموعي ودمائي، هل تدري من صادفت على طرق الوحشة والقبح؟ ~~- عشري السترة؟ ~~- يقينا لا. هذا لا يبصره مسكين مثلي. ~~- ومن صادفت؟ ~~- موتى مثلي. ولدوا أمواتا، قتلوا كل صباح ومساء، لم يلمح أحد ~~منهم قطرة دم تنزف منه، أو تلمع فوق ثيابه، شغلتهم أحزان اليوم ~~وأوجاع الأمس، جمع الزاد ليوم موعود يزحف فيه الدود. لم يعنوا ~~أنفسهم، حتى بقراءة نص التهمة، لم يشكوا الأمر لقاض أو مسئول أو ~~سجان، هل تعرف سر الأمر؟ ~~- سر آخر؟ ~~- السر بسيط. الكل قتيل لا يدري من قاتله ومتى قتله. خدم معصوبو ~~الأعين تخدم الخدام، وعبيد تسجد لعبيد عبيد. قلت لنفسي: مقتول من ~~آلاف القتلى، من مليون ملايين، منذ سنين، ملايين سنين، والسيد ... هل ~~تدري من؟ ~~- من؟ ~~- عشري السترة. يتربع فوق العرش وبين يديه زمام القدرة. يتنزل ~~منه الأمر، ولا يعرف أحد أمره. هل تعرف ماذا قلت لنفسي؟ ~~- ماذا؟ # قلت لنفسي: ماذا أفعل؟ هل تملك شيئا حبة رمل في وجه الجبل ~~المظلم، أو قطرة ماء تائهة في اليم؟ أدركت حقيقة نفسي وحقيقة ~~جنسي، وبكيت بملء العين، وقلت ms111 لنفسي: ماذا تفعل؟ ~~- حقا ماذا أفعل؟ لم يبق أمامي إلا أن أقتل أو ~~أقتل. ~~- أعلنت الثورة؟! ~~- هل يعلنها من طعن الخنجر صدره؟ كان الليل ثقيلا والمحنة أثقل، ~~فتسكعت قليلا في طرقات الوحشة، ثم رجعت. ~~- لنفسك. ~~- بل للمسرح. كان الناس قد انصرفوا والقاعة صمت وخواء. وطلعت على ~~الخشبة وحدي أعرض ملهاتي السوداء. أعرض نفسي في مرآتي، كالأخرس ~~يخطب في سوق الخرس، ويروي قصته الخرساء. رحت أمثل كل الأدوار بلا ~~ترتيب، فأنا الآن مسافر ليل، قاطرة، قاطع تذكرة ومفتش، وأنا في نفس ~~الوقت الناظر والسائق والحارس والحمال وجمهور المنتظرين. جمهور ~~البسطاء الفقراء، حتى نفذ إلي الصوت. ~~- الصوت! ~~- صوت يأمرني أن أخرج من ملهاتي وأعود إليك. ~~- إلي أنا؟ ~~- أنبأني الصوت بأنك تتألم فأتيت إليك. قل لي ماذا أفعل؟ ~~- نفس سؤالك وسؤالي. هل ينفعني في حالي؟ ~~- بم تأمر؟ بم يشملني عطفك؟ ~~- هل عندك للجرح دواء؟ ها أنت تراني يعصرني الداء. ~~- ما أنا إلا خادمك وظلك، وصدى صوتك. أأسوي فرشك وأرتب عشك؟ أم ~~أعرض فصلا من ملهاتي كي أمسح دمعك وأخفف وجعك؟ ~~- ما أبغيه لا تقدر أنت عليه. ~~- هل أستدعي أبطال التاريخ؟ ها هي ذي الأسماء، نقشت بحروف ~~بارزة سوداء. هل يرضيك الإسكندر، قيصر، هانيبال، تيمورلنك والحجاج ~~وجنكيز خان؟ هل أدعوهم؟ ~~- القتلة. دعهم يا أحمق، لا تزعجهم في مقبرة التاريخ، ما أنا إلا ~~أحد الفقراء، داستني قدم العظماء وألقتني حبة رمل في صحراء ~~الدهماء. ~~- أرأيت بنفسك؟ ~~- مرني يا مولاي بشيء. أرجوك. ~~- لونك يبدو مصفرا. فاذهب عني مشكورا. ~~- عشت كما عاش ملايين المجهولين سواي، كجرادة حقل يا مولاي. ~~ألهث سعيا خلف الخضرة واللقمة والماء، تسقط أيامي الجرداء بجوف ~~ليالي السوداء، أما وجهي ... ~~- وجهك ذكرني باللون الأصفر، واللون الأصفر يغشى عيني الآن، ~~وكأني ألمح لون الداء ولون الطغيان، كنت حمامة أيك تدخل في معركة ~~مع ثعبان، كنت فقيرا لا أملك إلا كلماتي أنثرها في أوزان أو ~~ألحان، راحت أجنحة الكلمات ترفرف فوق السور وحول الجدران، تصطدم ~~بأسلاك الزيف وأشواك الخسة والبهتان، حتى ارتدت للقلب وغارت فيه ~~الأحزان. ms112 اذهب عني أرجوك. ~~- تصرفني؟ إني جئت أقدم قرباني، أنسيت بأنك من عدمي سويت ~~كياني؟ ~~- لونك أصفر. ~~- أولا تكفي تهمتي الأولى؟ ~~- تهمتك الكبرى أنك موجود. وعقابك ألا تحيا إلا كحياة ~~الدود. ~~- ما ذنبي وأنا لا أملك حتى الزاد؟ هل يرضيك عذابي تحت سياط ~~الجلاد؟ # تذروني الريح على أرصفة الزمن الضائع حفنة عدم ورماد، كجراد ~~أهلكه الجوع يجر صغار جراد . ~~- دعني، حول وجهك عني، واسقط في مزبلة التاريخ لتنتظر قضاءه. ~~أنقذ نفسك أو فتش عمن ينقذك بعيدا عني. أنا لا أقدر حتى أن أنقذ ~~نفسي أو بدني. # يتلوى الجرح وتسقط فيه السكين. تحاول أن ترفع يدك إلى صدرك، ~~فتثبتها كف دافئة ناعمة الجلد. يثور غبار حولك. تتلبد سحب صيفية، ~~يعوي الإعصار، وتختنق الأنفاس، ويسقط في عينيك غبار. تسأل نفسك: يا ~~داري، يا دار الشقوة يا دار، هل زحف السيل الجرار؟ # يقعي الزائر في الركن الصامت مكسور الخاطر. وكما سافر في الليل ~~مع الوحدة والأحزان يسافر. يهمس في محنته: ربي، خرج العالم عن ~~محوره، واختل الميزان. هل يعدله إنسان مثلي وأنا أضعف إنسان؟ ماذا ~~أفعل؟ ماذا أفعل؟ # تنتبه إلى صداه الذي يغيب شيئا فشيئا وتسأل نفسك: ماذا أفعل؟ ~~تلتفت إلى الأشباح التي تقف بجوارك، وتتحرك أيديها ورءوسها في كل ~~اتجاه وتسأل: ماذا يفعلون؟ تشتد العاصفة، يثور غبار، تربد ~~السحب وتتجهم نذر الإعصار. يتردد صوت المسافر الذي انزوى شبحه في ~~ركن الجدار، وتكوم على نفسه كحيوان محتضر وهو يردد: ماذا أفعل؟ ~~ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ تشتد العاصفة وينفذ صوت كالرعد: هجم التتار، ~~هجم التتار. # 11 # هجم التتار. هجم التتار. # يرتفع صدرك وينخفض، تتحشرج أنفاسك كالريح المختنقة في أسرار ~~الغابات. يرفرف الطير الأسود، ويضطرب جناحاه ويقاوم العاصفة، يعلو ~~ويهوي مذعور القلب والعينين. لو تنفذ كفاك إلى قفص ضلوعك فتهدهده ~~وتحن عليه حنان الأم على صدر وحيد؟ لكن الإعصار شديد، والأفق ~~الغائم غطته الرايات السود، ودوي الطبل الأجوف يقترب ويبتعد ويذهب ~~ويعود. تفتح عينيك الدامعتين، تحاول عبثا أن تنهض، تصرخ، يضنيك ~~الألم، تئن، تتردد أطراف الجسد ms113 المكدود: جحافل التتار، واقفة هناك ~~كالجدار، تسد عين الشمس بالغبار، تجلل السماء بالسواد والحداد ~~والدمار، تزحف كالجراد كالإعصار، تفتك باخضرار العين والضمير ~~والأشجار، إلي يا أحباب. قد أهلكني الدوار، إلي يا أحباب، فالتتار ~~عيونهم تئز كالشرار. يرتفع أنينك فيثبت الطبيبان نظراتهم عليك، ~~ويثبتان فتحة الخرطوم في فمك، يرتفع أنينك فيصحو المسافر من غفوته ~~في الركن الداكن ويقترب منك: مولاي . # تشير بسبابتك إلى النافذة وتلهث: الأفق مختنق الغبار. # يتجه إلى النافذة وينظر، لا شيء سوى جبل الليل الأسود ~~كالويل. ~~- «والأرض حارقة كأن النار في قرص تدار.» # ينظر وينظر. الأرض قطة سوداء ملتفة على نفسها في عباءة ~~النوم. ~~- «وكتائبي رجعت ممزقة وقد حمي النهار.» # النهار لا يزال بعيدا، والكون يحتمي من الظلام بالظلام. ~~- «الخيل تنظر في انكسار.» # حقا هي خيل الليل، تعدو وتسابق خيل الليل. ~~- «والبوق ينسل في انبهار.» # تنبهر الأنفاس ولا أسمع إلا صوت الليل وصوت الليل عميق، اكشف عن ~~وجهك يا ملك ملوك الصبح وأذن في البوق. ~~- «والعين تدمع في انكسار.» # يتراجع عن النافذة، ويختلس الخطى إلى فراشك. تضطرب أنفاسه وهو ~~يرى اضطراب أنفاسك. تلمح عيناه الدمعة تترقرق فوق الجفن، وتنحدر ~~إلى الخدين. يمد الكف المرتعشة كي يمسحها ويحس بأخرى تلمس شفتيه. ~~يقرب أذنا من فمك، ويسمعك تسر إليه: «زحف الدمار والانكسار. زحف ~~التتار.» # يقف مسافر ليل كالصنم الأبكم، الوجه يطل عليك كوجه غراب أسحم، ~~وتحول عينيك عنه لتنظر وجه القدر المعتم، يخفق كالطير الأسود في ~~داخلك ويؤلم، في مطلع النهار خيمت سحائب التتار، والتهم الجراد ~~خضرة الشباب، غالها بالخوف والاصفرار. هتفت يا أماه لن نبيد، يا ~~أماه جففي الدموع قولي للصغار، غدا نشيد ما قد هدم التتار. ومرت ~~الأيام. مرت الأيام واستقروا في الديار، وداست الأقدام في فؤاد ~~الفارس الهمام، في فؤاد الفارس المغوار، وساخت الأحلام في قرار هوة ~~بلا قرار، وضلت الخطى طريقها للدمعة البريئة، وأخطأت طريقها للضحكة ~~البريئة، وانكفأ النهار في ضحاه كالعجوز ينكفئ في ساعة احتضار. ~~سمعت من يقول هم هدية السماء للفانين من أمثالنا، لحفنة ms114 الأموات، ~~حفنة التراب الآدمي والغبار، وكنت في زماني القديم أحضر الأسمار، ~~أنشد الأشعار، «وعندما أمرت أن أثير زهوهم وأذكر انتصارهم، غنيت، ~~كان في قرار اللحن، ما لم أجد كتمانه من وحشة وحزن.» وعندما بكيت ~~ملء العين: «جوهرة سقطت في الزمن الوغد، تحت حذاء الجندي الأبيض ~~والجندي الأسود، برجا سقط جريحا في زمن التبريح، قصرا أسطوريا ~~سقط عليه الأجلاف ففرت منه الأسطورة، مهرا وثابا في درب المعراج ~~إلى الله، جاء الدجالون فنزعوا منه الريش الفضي، واقتلعوا جوهر ~~عينيه اللؤلؤتين.» وانهمرت أسئلة الموتى والأحياء علي؛ سألوا عن ~~معنى الحرية والحق، عن معنى العزة والصدق. نادى الجرح على السكين، ~~فصحت: آه يا وطني! ولزمت الصمت. هل تفهم عني يا من تسافر في جنح ~~الليل وما زلت، يا من من أجلك جعت ظمئت حييت ومت، بكيت وانتظرت ~~أن تزول محنة التتار، أن يرفع الغبار والأسى والاصفرار، أن يعود ~~الاخضرار، لأعين الصغار، للدماء في العروق، للربيع والدموع، للكلام ~~والسلام، للأيام والأحلام والسنابل التي تموت في الهجر للصحاري ~~والقفار، وعشت في انتظار سيد يجيء بعد طول الانتظار، يحمل قلب الأم ~~في يمناه، في يسراه سيفه البصير كالنهار، وطال الانتظار. ثم طال ~~الانتظار. # تنظر عيناك المتعبتان الدامعتان إلى وجه أخرس أبكم، يعلو جسدا ~~كالطين المعتم أخرس أبكم. تتحشرج لجة أنفاسك، يرتعد الطير الأسود ~~ينقر صدرك، يشرح منقار الشؤم ويتوعد، ترفع عينيك ووجهك نحو الأفق ~~المربد: الريح تدمدم، والليل يهمهم، والسحب على صدر الأفق تغيم ~~وتظلم. ينتفض الجسد على صوت يخطب كالبرق المرعد: الليل تمدد، ~~والصبر تبدد. يا أهل مدينتنا! انفجروا أو موتوا! انفجروا أو موتوا! ~~تشرق بسمة طفل في شفتيك وفوق جبينك تتمدد. تسأل نفسك: أهو ~~السيد؟! ~~••• # يا أهل مدينتنا. يا أهل مدينتنا. # ينقشع الغبار وتنجلي العاصفة. تطفو فوق الموج وتشرب أنفاسك ~~وتسترد شعاع الوعي. تنسحب ذيول الضجيج، وقعقعة العربات، ودقات ~~الطبل، وأطراف الرايات السود. وتمد العينين والأذنين في السكون ~~الرحب فتسمع صيحة ديك مشروخة، وتفتش عن نور الفجر الذي لمسته كجمر ~~في عيني شيطان، تنشر سحب ms115 ضباب مغبر، تلتف عن ظهور الطبيبين ~~والممرضة الصغيرة المشغولة أبدا كالنحلة، وعلى جسد المسافر المكوم ~~بجوار السرير كصنم يحلم أن يتحرك يوما أو يتكلم. نورا يفرش ~~دربي، وليصبح طير الموت الأسود ديكا يعلن مطلع فجر في قلبي. يتردد ~~الصوت النافذ كالسهم، ويصطدم بجدار الغرفة، ويشع رنينا ينداح ~~كدوامة: يا أهل مدينتنا. يا أهل مدينتنا. تنظر، تتذكر، تهمس: هل ~~يأتي السيد؟ # تتطلع للنافذة فترى وجهه النجمي يزيح ستار الظلمة ويقترب منك، ~~وجه يسبقه بريق عينين ملتهبتين بالغضب والتحدي، ويد ترتفع وتنخفض ~~تفتش فيها عن سيف مبصر. أين هو السيف المبصر كي يذبح طير الموت ~~الأسود؟ ما زال يرفرف في صدري، يغرز منقار الشؤم بقلبي. أقبل يا ~~سيد أقبل، لكن لا تنس السيف المبصر. ما زال بعيدا عنك. تستعطفه ~~عيناك، ولكن لا يتحرك. تغلبه الكلمات، تشل يديه وقدميه عن العمل. ~~طالت غيبتك، تقدم. ساعدني أرجوك. # يفتح فمه فتتفجر الكلمات الغاضبة: يا أهل مدينتنا. # ترتسم ظلال ابتسامة على فمك ووجهك: أنا وحدي يا سيد ملقى ~~ومحطم. # ينهمر الصوت كشلال ينبثق من نبع قديم: رعب أكبر من هذا سوف ~~يجيء. # تتكاثف المرارة على فمك: أكبر مما أنا فيه؟ # ينطلق الشلال كما ينطلق المارد من جوف القمقم: «لن ينجيكم أن ~~تعتصموا منه بأعالي جبل الصمت، أو ببطون الغابات. لن ينجيكم أن ~~تختبئوا في حجراتكم أو تحت وسائدكم» لن ينجيكم. لن ينجيكم. # تحاول أن تقاطعه وكأنك تضع قشة أمام التيار: هل تنجيني ~~كلماتك؟ # تشير ذراعه التي ترتفع وتهوي بإشارة حاسمة: انفجروا أو موتوا. ~~هذا قولي. # تحول عينيك وأنت تقول: قولك. قولك. كلمات في كلمات في ~~كلمات. # يجيب بسرعة كأنه بدأ يلتفت إليك: لا أملك إلا أن أتكلم. # تردد وأنت تتطلع للنافذة بحثا عن شعاع واحد: «كلماتك لا تسقي ~~عطشانا قطرة ماء، لا تطعم طفلا كسرة خبز، لا تكسو عرى عجوز تلتف ~~على قامتها المكسورة ريح الليل»، لا تشفيني من جرحي القاتم كالويل، ~~بل تنجيني كلمات غاضبة كالسيل؟ # يقترب منك ويمد سبابته كأنه يشرع سيفا: لا أملك ms116 إلا كلماتي ~~الغاضبة. # توشك أن تضحك فلا يسفعك الصوت: يا ليتك جئت لتضحكني أو ~~تضحك. # يجهم وجهه ويتراجع قليلا كأنه يفسح مكانا للأحجار المنهمرة: ~~أضحك؟ «إنا نحتاج إلى أن تغضب. ضحكت هذي المدن المتبلدة الحس، خمسة ~~آلاف سنة، ضحكت حتى استلقت ميتة فاتحة فاها كالجرح الصديان، ظنت ~~وخز الأيام النحس، دغدغة حنان.» تنسكب جداول الذكرى في وجدانك ~~وتطفو على ملامح وجهك: أتذكرك الآن. أنت نبي مهزوم يحمل ~~قلما. # يسرع قائلا: ينتظر نبيا يحمل سيفا. # تغالب الألم ينفض وخزه على صدرك: أنا أيضا أنتظره. يقترب بوجهه ~~كأنه يمد إليك البشارة: يأتي بعدي. يأتي بعدي. # تحاول أن تنهض وتصرخ في فمه وأذنيه: يأتي بعدك. يأتي بعدك. فمتى ~~يأتي؟ # ينتفض جناح الطير الأسود. تضغط بأصابعك على الألم، تحس الجرح ~~وتهمس بالصوت المجروح: لم نبطئ عنك يا سيد؟ الطير الأسود يخفق في ~~جنبي، ينقر في حبة قلبي، أولا يبصره سيفك؟ # يتردد صوت لا تدري هل يأتي منه أو منك: سيفي لم يبرح جفن ~~الغمد. # تسأل وأنت تعض على سرك: ومتى تكشف عن وجهك؟ ~~- أنا لا أكشف عن وجهي إلا في أوج المجد، أو في بطن اللحد. تعض ~~تعض على السر المختنق بصدرك. ~~- يا سيد، أبتهل إليك. اخرج من لحدك، اهبط من قمة مجدك. ~~- أنا لا أهبط إلا في منتصف الليل. ~~- ليلي انتصف وما دقت أجراس الفجر. ~~- إلا في منتصف الوحشة. ~~- الوحشة فاضت كالطوفان وأغرقت الصدر. ~~- إلا في منتصف اليأس. ~~- يأسي يقطعني نصفين ويقتلع النفس. ~~- إلا في منتصف الموت. ~~- انتصف الموت وعشش في الطير الأسود. أدركني أو لن تدركني ~~بعد. # يزداد رفيف الطير الأسود في صدرك. يتخبط كالمذعور ويضرب بجناحيه. ~~يدخل في أعضائك مختطف الخطوة مسروقا، تفتح صدرك وتناديه: «أدخل ~~عذبا ورقيقا، فأنا أتأهب لك، نقر حتى نجد طريقا. آه ما أوجع خفق ~~جناحيك، أبعد عني هذا المنقار الشائك» تتلفت حولك، تستنجد بالأشباح ~~الواقفة حيالك: ما بالكم تقفون كأشباح؟ أنت بأشعارك. أنت بطبك ~~ودوائك. أنت النائم في قاطرة الليل بصمتك وغبائك. فليفعل أحد منكم ~~شيئا. ms117 يا سيدي القادم من بعدي. أدركني فلقد طال عذابي. إني ~~أنتظرك. أنتظرك. # يقف أمامك مهزوما وبلا قلم أو صوت. تختلج الكلمات على شفتيه ~~وتسقط في جوف الصمت. # يتحرك نحوك، يغمض جفنيه كالعراف الأعمى، يطلق بالنبوءة رغما ~~عنه: لا تنتظر الآتي. هو ينتظرك. ~~- ومتى ألقاه؟ ~~- حين تدق الساعة ويحين الوقت. ~~- ناشدتك أن تدعوه. تعبت. تعبت. ~~- وأنا أيضا أنتظره. ~~- كلمه. ناد عليه. ها أنا ذا في منتصف الوحشة، في منتصف البأس، ~~في منتصف ... # وا أسفاه. أحببت الموت. أحببت الموت. ~~- لأني أحببت العيش وعشت. إنك لا تعرفني. ~~- بل أعرفك وأعرف سر كلامك والصمت. كنت رفيقك في الليل الموحش، ~~صاحبك وتابع ظلك، حامل قلمك، صندوق متاعبك وهمك، كم نادمتك، ~~عاتبتك، سافرت على مركبك، سبحت على الأمواج، غرقت. أعرفك وأرسم ~~صورتك كما أنت: «جبهتك المشرقة الصلبة، عيناك المتعبتان الطيبتان، ~~كفاك المتكلمتان وعيناك الصامتتان تنيران وتنطفئان، مشيتك المرهقة ~~المتماسكة كمشية جندي بين قتالين مريرين.» ~~- ألقى الجندي المتعب أسلحته. علقه الزمن الوغد من الساقين وشيب ~~جرحه. قطع أوصال الحاضر والماضي. ~~- أولا تؤمن بالمستقبل؟ ~~- «بل إني أخشاه؛ لأني أومن به، أوشك أحيانا أن ألحظه لحظ ~~العين. ولهذا فأنا أبصره ملتفا في غيم أسود.» ~~- والحرية؟ ~~- هل عشت لشيء غير الحرية؟ هل جدت بدمعي إلا كي أسقي شجرتها ~~الذهبية؟ # هل فجر فيك الغضب فبحت بما أمليت عليك سوى إيماني بالمستقبل ~~والحرية؟ لكن المستقبل حلم قد لا أشهده، والحرية شط قد لا أرسو ~~فيه. ~~- في منتصف الوحشة يولد طفل الحلم. في منتصف الظلم يضيء سراج ~~العدل ويحكم. في منتصف اليأس يجيء القادم بعدي. ~~- أم في منتصف الموت؟ # تشعر أن الطير الأسود قد جن جنونه. اختنق وراح يشق طريقا يخرجه ~~من قفص الصدر. فتح منقاره كالنورس المذعور، وتهيأ للاندفاع إلى ~~البحر الواسع، والانطلاق على متن الريح. تحس أنه يتمدد كالكابوس ~~ويفرش جناحيه عليك. ينفرد الجناحان ويغطي الظل القاتم على شرارة ~~ضئيلة لا تزال تتقد في الداخل كأنها عين محمرة تومض وتنطفئ. يمتد ~~الصوت كحبل يرفعك من الكابوس: القادم سوف يجيء، القادم سوف ms118 ~~يجيء. # تفتح عينيك المجتهدتين، وتنظر للوجه المتلمع العينين: هل أصنع ~~شيئا إلا أن أنتظر القادم؟ # ينقر الطير الأسود، ويحفر ويحفر كي يقتلع الحبة، يرفرف بجناحيه ~~لكي يطفئ الشرارة، ينفتح جرح في عمق الأرض المشقوقة، وتنز منه ~~قطرات تلمع وتخبو كبريق مذنب في آخر الليل، تتحرك شفتاك من الألم ~~اللاسع: يا سيدنا القادم بعدي. # يقترب الوجه الصارم منك وينعطف عليك : اصبر، حتما سيجيء. # تريد أن تصرخ فلا تستطيع: الصبر تبدد. فمتى يأتي؟ # يتصلب الوجه أمامك. تقرأ في صمت ملامحه: تعرف موعده! # تعض على سرك، وتحاول أن تعثر على اليد التي تبحث عنها: ناد عليه. ~~أرجوك. أو فادع الموت. # يهبط صوت ينحدر من أعالي الجبل كرفيف النسر: لا يدعو الموت إليه ~~سوى الموتى. أما أنت فحي. # ترفع إليه عينين شاهدا الجرح ولمساه وصبغهما بحريق الدم: أنا لا ~~أدعوه جرحي يبتهل إليه يخفق الصوت ويمد جناحيه على صدرك ووجهك: ~~جرحك مفتوح ككتاب قدسي، والسيف المبصر سيعود، وينطق كالوحي. أنا ~~مثلك أنتظر القادم بالزاد وبالري. # تردد بصرك بين المسافر المكتوم في غيبوبته بجانب الفراش، وصاحب ~~الوجه اللامع المتصلب كالكاهن الفرعوني على رأس مليكه المحتضر، ~~والطبيبين العاكفين على الأجهزة والأنابيب والأدوات والدوارق، ~~والممرضة الصغيرة التي تجري كالنحلة في مهب الريح. تضغط أجنحة ~~الطير الأسود، ويتأهب للاندفاع، فتصرخ من تحت الجبل الجاثم عليك: ~~يا حلاج. ثبت قلبي يا محبوبي. # ثبت قلبي يا محبوبي. # يدخل كالطفل الضاحك فرحا بهداياه ولعبه، طفل شيبت الأيام الجهمة ~~شعره، ترك الحارس والسجان وقاضي الشرع على الجسد الناحل أثره، فوق ~~الذقن المرسل يتناثر دم، فوق الصدغ وتحت العينين بقايا دم، وعلى ~~السترة والشال الأبيض والسراويل المترب بقع الدم. يتهلل نور ~~العينين الساجيتين، ويبرق بالبسمة والكلمة فم، لا تخفي الحفر عليه ~~وعلى الوجه الضامر ألم السوط المؤلم. يقترب قليلا، تتذكر طلعته ~~النورانية، تنضو عنه سحابته، ينضح الشبح المعتم ها هو ذا يقترب، ~~يحاول أن يجري نحوك يتعثر في الأغلال الصدئة في رجليه ويديه، يقوم، ~~يشد الخطو، تجلجل ضحكته الحلوة يوم تبدت للعين الشجرة، ms119 واندفع إلى ~~عرس الصلب، وتمتم بالآيات وشكر الله وسلم. تتهلل طلعتك، وتخفق آخر ~~أنفاس سراج العين، وتبتسم وتحتضن الحلم. توشك أن تطلق ضحكتك ~~العذبة، وتمد إليه تفاحتها الناضجة بدفء العمر الغارب في ليل ~~مبهم، لكن الشوكة تنغرز وينطبق الفم، يقفز كالعصفور الأحدب يتملى ~~وجهك يتكلم: تبدو كالغارق في النوم. تنسكب العينان على صدرك، وكأنك ~~تقلب دنياك على جفنيك، أو غلبتك الأيام على أمرك. # تفتح شفتيك المالحتين بطعم العلقم، وتخاطبه كخطاب النائم في ~~حلم: يا شيخي أنا إنسان يضنيني الفكر، ويعروني الخوف. ثبت قلبي يا ~~محبوبي، أنا إنسان يظمأ للعدل، ويقعدني ضيق الخطو، فأعرني خطوك يا ~~محبوبي، وشفيعي قلبي المثقل ودموعي في الليل. # يثبت عينيه في عينيك المغمضتين على الحلم النائم في فرش اليتم: ~~بلساني تنطق يا ولدي، وبشعري الباكي تتكلم. ~~- إني أتعذب يا شيخي الطيب. ~~- فليغفر لي الله عذابك يا ولدي. ~~- أنا بين يديك صريع يا حلاج قتلتني كف العصر الدموية، داستني ~~قدم العصر الهمجية، لدغتني بالسم أفاعي النيات المطوية، ألعاب ~~الزامر والحاوي بالكلمات القدسية. ~~- قدس ربي كلماتك ورعاها كالورد ندية. كنت بسالف أيامي قد قتلتني ~~الكلمات، ورأيت الدنيا مخلوقا بشعا شوهه الظلم، وعذبه الفقر ~~الهائم في الطرقات، وتخليت عن السر فبحت وصحت. ~~- أنا أيضا قتلتني كلمات تنزف كجراح. عجز لساني عن إلجام السر ~~الجامح فانطلق وباح. ~~- قل يا ولدي، وانفض سرك وتكلم. ما أحلى أن نتكاشف بالأسرار ~~ونحلم. ~~- كنت أحدثهم بحديث القلب. لم يستطع الكتمان فباح. وسقطت بقاع ~~الجب. ~~- مثلك لا يسقط أبدا يا ولدي. قد تسقط شجرة جسدك أو يهوي غصنك. ~~لكن تبقى ثمرة فكرك، يبقى لحنك. ألم تقل على لساني: «كان من يقتلني ~~محقق مشيئتي، ومنفذ إرادة الرحمن؛ لأنه يصوغ من تراب رجل فان ~~أسطورة وحكمة وفكرة.» ~~- أوحتم كان علينا أن نقتل؟ أن ينهال الكذبة بفئوس الحقد ~~على شجرتنا فتميل وتذبل؟ ~~- يقتل كل الشعراء بكل بلاد الله، يقتلهم حقد الحطابين ~~الفقراء المحرومين من الموهبة السفهاء. ~~- خوضت طويلا في طرقات الله، والآن يعض الطير الأسود حبة قلبي، ~~أولست ms120 تراه؟ ها هو ذا يضرب بجناحيه، ينشر ظل الموت، يسدد سيف الرعب ~~فآه. ~~- لا يخشى الموت سوى الموتى. قم فالناس «عطاش لترويهم من ماء ~~الكلمات. جوعى لتطاعمهم من أثمار الحكمة، ظمأى لتنادمهم بكئوس ~~الشوق إلى العرس الرباني»، قم واسكب كأس غناك يندي القلب بحلم ~~نوراني، قم يا ولدي. ~~- آه يا شيخي الطيب كيف أقوم وأمشي أو كيف أغني؟ أنا لا أملك حتى ~~أن أفتح عيني. ~~- حاول يا ولدي، حاول. ~~- تتخلى عني القوة، يسري الشلل بأطرافي، يهوى شعري كالملح البارد ~~في أعضائي، يخذلني نهر حياتي ودمائي، يجفو وقدة صحرائي. ~~- هيا يا ولدي نسعى في طرقات الله، فالفقر يعربد في الطرقات، يذل ~~رقابا وجباها، والمسجونون المصفدون يسوقهم شرطي مذهوب اللب، قد ~~أشرع في يده سوطا لا يعرف من في يده قد وضعه، ورجال ونساء قد ~~فقدوا الحرية، اتخذتهم أرباب من دون الله عبيدا سخريا. قم فالشر ~~استولى في ملكوت الله. ~~- الشر قديم في الكون. أولم تعرف هذا يا حلاج؟ أولم يشهد دمك ~~الطاهر طغيان الشر على الخير، ألم تلحظه لحظ العين؟ الشر قديم ~~متجدد. في كل زمان ومكان يكتسب جنودا ويعربد. لكن الشعر فراش ~~محزون مجهد، يجذبه النور فيحرق بالنار ويجلد، يسقط كعجوز محتضر ~~مقعد، يا كم حاول شعري أن يصنع من نار العالم نورا يأتلق ويسعد، ~~حتى احترق وصار بلون الفحم الأسود، صارت كلماتي شوكا في الصدر، ~~ودمعا في العين تجمد. ~~- هل خبت وخابت كلماتي؟ ~~- كلماتك ما خابت أبدا فتشجع، وستأتي آذان تتأمل إذا تسمع، ~~تتحدر منها كلماتك في القلب، وقلوب تصنع من ألفاظك قدرة، وتشد بها ~~عصب الأذرع، ومواكب تمشي نحو النور ولا ترجع، إلا أن تسقى بلعاب ~~الشمس، روح الإنسان المقهور الموجع. كلماتك. ~~- كلماتي. كلماتي. هل تقدر أن تنقذني من هذا المستنقع؟ # هل تقوى أن تسحبني من شعري أو من شعري الغارق في الدمع؟ آه لو ~~كانت كفا تحصد أو تزرع، تبني أو تهدم أو تردع؟ ~~- كلماتك تنحدر إلى الناس، تحدثهم عن رغبة ربي: «الله قوي يا ~~أبناء الله، ms121 كونوا مثله، الله فعول يا أبناء الله، كونوا ~~مثله.» ~~- يا شيخي الطيب. في عصر ملتاث، قاس وضنين، لن يصنع ربي خارقة أو ~~معجزة، كي ينقذ جيلا من هلكى، قد ماتوا قبل الموت. ~~- الموت علينا مقدور، لكن كلماتك يا ولدي حية. صنعت مني أسطورة ~~رجل فان، رجل ظمآن يروى عطش الناس لنور العدل الباهر والإيمان، كم ~~أحييت من الأرواح بسر الكلمات، وبعثت الحلم مسيحا يحيي الأموات، ~~وغدا يتفتق منها فجر الحرية، أنظر فالنور ... ~~- النور شحيح يا شيخي، والفجر على الأفق مقيد. ~~- النور سيأتي يا ولدي، وغدا ... ~~- كم عشت على أمل الغد. ~~- الفجر قريب يا ولدي، لن تخطئ طلعته الموعد. ~~- يا شيخي ميلا لا تسرف، فالليل على الكون تمدد. ~~- الفجر سيولد في الغد، وسيزهو بمدائن ربي، ويتم الموعد ~~والوعد. # بسمته تشرق كالرؤيا وتطوف على الوجه المتعب، كالبرق النافذ ~~مجروحا، من ثوب الظلمة والسحب لا تخطئ عينك دمعته، تنحدر كالطفل ~~الميت، تتلوى الألم وتسكت. ترمقه، تشرب دمعته، وتحول عيناك ~~للسيد: هل يأتي حقا يا سيد؟ # تتفرج أسارير الوجه الفرعوني المتصلب، ويطل الصوت المرهق ~~كابتسامة أبي الهول: لا بد سيأتي، لا بد. # تطوف عيناك بين الوجهين، لا تدري أيهما تصدق. تسحب كلمتك كمجداف ~~تاه على لجج الوحشة وتمزق: والطير الأسود؟ ها هو يتمدد في جنبي، ~~والظل على قلبي يرقد. ساعدني يا شيخي الطيب، هات ذراعك مد يديك، ~~وحاول أن تطرده يا سيد. # يأتي الصوت ولا تدري من أين يجيء: الطير الأسود سيحلق في الجو ~~ويبعد، وقريبا يسبق نذر العاصفة ويرعد. # تعض على شفتيك، على طرف مخدتك، على السر الموجع كالسيف المسنون ~~الحد. ~~- يا طيري الأسود. يا طير الرعد. يا طير الغد. هل جاء الوعد؟ ما ~~زلت ترفرف بجناحيك وتنقر حبة كبدي. أتعد الزاد لسفر يوغل في البعد؟ ~~خذ ما شئت وغادر عشك في صدري، خلص نفسك من قيدك لتخلصني من قيدي. ~~ماذا أفعل؟ قل لي يا شيخي الطيب، مرني يا سيد. ماذا أفعل؟ يزداد ~~الحمل علي ولا أتحمل. يا شيخي قل. # يدنو منك. يتعثر ms122 في أغلال الساقين وقيد القلب المثقل. يحنو فوقك ~~ويفيض على عينيك من النور الأكمل: تسألني ماذا نفعل؟ نلقي بذرتنا ~~في أرض البشر ونرحل. هيا يا ولدي. # تعض، تعض وتفتح شفتيك فتخرج نسمة: أدركني يا مولاي، وخذ ~~بيدي. # بريق النور بعينيك وتشرب إكسيره. تتكسر متعة الشفتين على شفتيك ~~ويشع رنين البلور على البلورة. # ترقص آيات الله وتجري وتحوم حولك كفراشات مذعورة: هيا يا ولدي. ~~هات يديك، اتبعني. يا أحباب الله الفقراء. ليسكب كل منكم دمعة حب ~~ووفاء، ويرقرقها في كأس القلب المتعب إكسير حياة ودواء. هيا ثبت ~~قلبك يا محبوبي واتبعني فوق الدرب تباركك دروبي. يا شهداء العالم ~~هذا شاهد مأساتي وشهيدي. هل نحرم هذا العالم من روح شهيد؟ هيا. خذ ~~بيدي وغن نشيدي. هيا. هيا. # 12 # تطفو فوق الموج. تحس برودة ماء البحر على جلدك في أطرافك. تتساقط ~~قطرات من كهف الأبطين وغابات الصدر، تتذكر أنك كنت بقاع البحر تخوض ~~في حقل المرجان، وتلعب مع أسماك الذاكرة، وتجري خلف عرائسها ~~الذهبية. تذكر أبياتا من شعرك كعيون واسعة ظلت ترمقك وفي حدقتها ~~الدمع وتنسدل عليها خصل الشعر الفضية وجدائله الشقراء العسلية. ~~تمسك شبكتك بعين منها تتألق بالنور، فتهتف وتقول: ربي. ما هذا ~~النور؟ تبدو كالطلسم المسحور، يلقيه الموج الليلي إلى الصياد ~~المقهور، إن وافاه الرزق. تأخذ نفسا عميقا، وتشعر أنك تصعد، تصعد ~~على سلم الضفائر الطوال إلى شرفة زرقاء في أفق أزرق، وتطل على ~~الموج الأزرق، لكن الأسماك الماكرة تورات في بئر الليل، وعرائسه ~~الذهبية لجأت للكهف السري، ودموع العين السحرية ذابت في ملح القاع. ~~تأخذ نفسا آخر عميقا وتشرب الزرقة فينسكب الصفاء في صدرك وجوفك ~~وترف فراشاته الزرقاء حول رأسك وشعرك، تنتفض فجأة وتهتز، تنتبه ~~لألم الخرطوم المغروز في فمك، وتنظر حولك: ما زال الليل هو الليل، ~~والعالم جهم لا زال. الطبيبان في مكانهما محنيان عليك، تتفرس في ~~وجهيهما فلا ترى غير بياض، تنظر للسقف بياض، للجدران بياض، ~~والأشباح العابرة بياض يسيح في بحر بياض. ربي ما هذا النور؟ هل ms123 ~~أشرق وجه الغد؟ هل لاحت أبراج المدن النورانية؟ أين النجمان على ~~كفهما ميزان العدل وطير الحرية؟ تفكر أن تدعو أصحاب السفر، وتسأل ~~أين الحلاج؟ وأين السيد ومسافر ليل وأميرة أحلامي المرة أين؟ هل ~~حملتها المركبة إلى قصر الورد؟ وهل تتطلع من شرفته للأتباع ~~وللحاشية الملكية؟ # ربي ما هذا النور؟ تتعلق بجناح الزرقة، تسبح في بحر الصفو ~~الأزرق، تسأل هل هذا طير الحرية؟ آه لو يحملني طير الحرية، لو ~~يبعدني عن أرض البشر الطينية، أو يرميني في بحر الأبدية. روحي تطفو ~~فوق البرزخ بين الأزل وبين الأبد أحزان القلب مصابيح تتألق فوق ~~الدرب، وتأخذ بيدي. أخرج من شرنقة العمر المقهور، تطير فراشة روحي ~~نحو النبع المستور؛ لتذوب بسر الأسرار ونور النور. وحدي الليلة ~~وحدي أحتفل بليلة ميلادي، لا الحلاج يعين ولا السيد في الأفق ~~ينادي: هل حان الآن أوان رقادي؟ كأسي ممتلئ، لا زال وفيه بقية ~~أنشاد، وفمي صادي، لا زالت تشتعل النار، ولكن تحت رمادي، # 10 # أتمنى. ماذا أتمنى؟ قبل رجوعي للمهد وقبل سقوطي في ~~اللحد؟ أتمنى. ماذا أتمنى؟ آه ضاعت أمنيتي وتبخر وعدي. # أبحر في ذاكرة الأشياء، وأتحد بقلب الأشياء. لكن ذاكرتي جرداء. ~~وإنائي امتلأ وفاض وأفرغ مما فيه فصرت فراغا وفضاء. راهنت على ~~الفرس الجامح شأني شأن صحاب العمر، وبكينا وتعذبنا من أجل عيونك يا ~~مصر. من أجل الضحكة نرقبها فوق الوجه المغبر، ياما ذرفنا الدمع ~~ونمنا فوق سرير السهد نعاين طلعة فجر حر. حتى هجم تتار العصر، ~~ونزعوا عين الخضرة والبسمة والسر. آه يا فرسان العصر! أعترف بأني ~~يا فرسان العصر، يا فرسان الموت المصفر، أكرهكم من قلب عشعش فيه ~~غراب الحزن المر. كسرت أجنحتي، هل تقدر أجنحة فراش الشعر أن توقف ~~زحف جراد القهر؟ # ياما فكرت وكم سطرت هل تبقى الكلمة بعدي أم يبقى الصمت؟ يا ~~للكابوس! خدر ملعون يهبط من رأسي حتى قدمي. إني أنهار، أتخلخل ~~مقرورا كالجبل الثلجي، وأتفتت كالأحجار، عيني يجلدها النور، القدر ~~المغلي برأسي يلتف يدور، ذاكرتي تتخلى عني، شعري يتخلى عني، ms124 ينحسر ~~كظل عجوز هرم مقهور، خذ بيدي يا أنت. وأنت. وأنت. ما هذا الليل ~~الأسود فوقي تحتي حولي، في الجو حريق مسود، والظلمة تغلي، أين صفاء ~~الأفق، صفاء البحر، صفاء الموج، وكيف تحوم أجنحة سود حولي؟ أين ~~سفيني، ساريتي، أين شراعي مجدافي هل تغرق مثلي؟ هل خرج الطير ~~الأسود من جنبي، صعد في الجو، وهجم علي، أيبغي قتلي؟ أبعده يا ~~حلاج ، اطرده يا سيدي القادم بعدي، واحم الشاعر من عضته يا شعري. آه ~~يخذلني الكل وأرتعش وحيدا في ريح الصمت وبرد الليل. يخذلني الكل ~~ولا يبقى إلا الصمت. الصمت. الصمت. أين رفيقة دربي؟ أين عيونك يا ~~أمي؟ يا معتزة إن وحوش الليل تغير علي. إلى أين صحاب العمر ~~الضائع كزجاج مكسور؟ أنا وقت مفقود بين الوقتين. عمر معقود بين ~~الماضي والمستقبل، أنتظر القادم، أنتظر وأنتظر، فهل يأتي الآن ~~ليأخذني أم يأتي بعدي؟ أنتظر وأنتظر ولا شيء يعين، ولا أحد يعين، ~~ولا يجدي. افتح عين الشعر المحمرة في سردابي، تفتح وردته المحترقة ~~عينا تنزف بعذابي، قد كنت عطرا نائما في وردتك - لم انسكبت؟ ~~ودرة مكنونة في بحرها - لم انكشفت؟ تهوي الوردة في قاع البحر، ~~يلتهم الدرة فك التنين. التنين التنين التنين. يا أصحاب العمر ~~إلي إلي. # يا أحمد يا فاروق وعبد الواحد يا عبد الرحمن وعز الدين # 11 # أغرق في بحر الحكمة، أطفو أغرق أبلع أمواج الملح وملح ~~الأمواج وأنكفئ وأتقيأ أرتعش وأختنق وأغرق أين الحكماء وأين ~~حكيم؟ # 12 # أبحث عنك في البحار، في القفار، في حدائق الأطفال، في ~~المقابر. يا وردة الصقيع. أبحث عنك يا مدينة الرؤى المنيرة. مدينتي ~~التي تمج ضوءا، مدينتي التي تشرب ضوءا، جنية المحال، يا جنية ~~المحال والجدائل الطوال. جدائل الضفائر الطوال والخميلة التي ... وفي ~~بلادي الناس في بلادي جارحون كالصقور، كالصقور جارحون طيبون، طيبون ~~مؤمنون بالقدر. وحين يلتقون بالسلام يلغطون جارحون طيبون كالصقور، ~~والطارق الملثم الشرير، والأجدل المنهوم طارق المجهول للمصير من ~~تحت اللثام وجه بوم. أواه يا مدينتي، يا مي لا تخافي، والنجوم يا ms125 ~~واحدتي النجوم يا حبيبتي، وألفة الحبيب حط فوقه الغيلان أعداء ~~الحياة لا تخافي، وضع النطع على السكة والغيلان والسكة والرأس ~~الوديع، قريتي يا قريتي و احسرتى لم تأتدم هجم التتار، و احسرتى ~~إلا الدموع والخيل تصهل قريتي. أماه يا أماه يا أماه، قولي للصغار ~~للصغار إلا الدموع والخيل تصهل قريتي. أماه يا أماه، قولي للصغار ~~للصغار والتتار والدمار لن نبيد للصغار، حبيبتي زهران والحياة في ~~مشارف الخمسين جارحون والصقور والسنور والحلاج. يا وردة الصقيع يا ~~أميرتي، وسيدي يا سيدي قد انسكبت كنت عطرا درة، وهل يساوي ليتها ~~يا ليتها أغلى من العيون، والعيون ليتها يا عنترة وفي انكسار ~~والطبول والعيون والدمار يا أماه والصغار ليتها حبيبتي يا أمي يا حبيبتي في هدأة السكوت كي أموت، للغريب أن يئوب أن يغيب للشعاع ~~واغتمضت إنني أسقيتني أعض بالأسرار يا أماه يا حبيبتي الصغار ~~للصغار. نجمتي يا نجمتي الوحيدة أوجدى حبيبتي قولي لهم صغار ~~والعيون يا صغار قد سلمت، ربما وربما فقيرة خزائني حقول حنطتي ~~مقفرة. أسقيتني أسقيتني يا رب إنني أحببتها أعض أنني اختنقت ~~بالأسرار إنني أحبتكم والعالم الذي أريده حبيبتي أغلى من العيون ~~ليتها أحببتكم وطيبون كالصقور جارحون قبلهم كاللؤلؤة، وكاليتيم ~~ليتها من العيون إنها ... أغلى من العيون، موحش يولد فيه الرعب ~~والنجوم بالنجمين وضائين سيدي يا سيدي النور والحرية التي أقول ما ~~الذي لكم أقول الملك لك الملك لك، أسقيتني والنور لك والحب ~~والعيون، والناس جارحون أين الموت أين الموت في بلادي فادح هذا ~~المساء مدلى، رباه حبل العدل داوني وفي المدائن التي والعدل إنها ~~خلصتني، خلصتني بالعدل والحرية العيون في غد تولد نفسي من جديد، ~~والغد الذي في الفجر يا حبيبتي بالعدل يا رفاقي طيبون، العدل عادل ~~وعادل والعدل ليتها والعدل والحرية. # 13 # يهوي يرتطم بقاع الجب وتعلو الدوامة. تصدم المفاجأة وجه الطبيب ~~فيرفع يده عن الجهاز، يحني رأسه ويرفع يده ويرسم علامة الصليب. ~~يدلهم وجه الطبيب الآخر ويقبل نحوك، ينظر في وجهك، وتتمتم شفتاه، ~~ويرفع كفيه أمام وجهه. ms126 تجري الممرضة وتصطدم بالأنابيب النحاسية ~~وتجهش بالبكاء. لا يبقى إلا الصمت وقطرات دموع تسقط فيه. ~~••• # تختلج فراشات الحزن الأبدي، تحوم في سقف الغرفة، ثم تحط على ~~صدرك. ترف عين الطبيب ويرفع وجهه، ثم يخفضه ويصلب. ترف عين الطبيب ~~النحيل وراء النظارة السميكة، وتتمتم شفتاه. ترف عين الممرضة ~~الصغيرة التي جلست على الكرسي بجانب السرير، وتبحث عن منديلها ~~الوردي. وتطل العذراء المكتئبة من خلف زجاج النافذة، وتنسكب أشعة ~~وجه نوراني من أكفان سحابة. تدمع عيناها تدمع تدمع، وتقول: # الليل تولد في القبر كما ولد يسوع، # تبتسم كأنك يا شاعر في المهد رضيع، # وتقبل مريم عينيك وفي العين دموع. # تتقدم نحوك طيفا يتجول في بستان الموتى. تتعطف ~~عليك تقبل نور جبينك. تسقط دمعتها فوق الخد الناصع كالورد. # ترف فراشة كل الأحزان. ينهض من سافر في الليل طويلا، ثم تكوم في ~~ركن الغرفة، يخطو نحوك كالصنم الذاهل يتعثر في حفر الصمت. يقف ~~أمامك ويتمتم كالأخرس فك القيد، وحل العقدة، وتحدى الموت. ما زال ~~يتمتم ويقول: # أنطقت لساني يا مولاي الشاعر بعد دهور الصمت، # فتحت العين على عشري السترة وجموده، # الآن أعود إلى الأسواق وأسعى في رزق البيت، # وأمد يدي لمطر العدل القادم ووعوده. # يذرع أرض الغرفة محتقن الوجه سريع الخطو غضوبا ~~كالأسد الثائر في الأقفاص. يتقدم منك كبطل مهزوم يسقط في الفخ، ~~وينهض يضرب جدران السجن، العالم يصرخ يحلم بالنصر المحتوم. يتدلى ~~الحزن القاتم من وجه فرعوني صارم. يرفع يده ويشير يحركها الغضب ~~الأزلي المحبوس. يدمدم ويثور: # في وجهك الملح فجر اليوم المنتظر، # وأبارك وجه السيد يأتي كالقدر. # النجم يشير إليك: تعال، سأكشف سري. # والأمل يطل من الظلمة كالطفل الضاحك كالقمر. # من مثلك يفنى ويخلد في نفس الوقت، # قد ذهب الضيف وزال الخوف الآن عرفت: # ما بقي الشعر، ومن يشعر فستبقى أبدا من أنت. # وسيحيا سر الكلمات وتحيا أسرار الصمت. # يخفق جناحا الفراشة، وتهيم هنا وهناك باحثة عن ~~منفذ. بدأ شعاع الفجر يطل، يفتح عينا والعين الأخرى مغمضة في حضن ~~الليل. يصطدم جناحا ms127 الفراشة ورأسها الدقيق بالجدران والستائر ~~ومقابض النافذة. تسقط، تتعثر، يجذبها النور المصنوع تحوم بعيدا ~~عنه، تسقط في مستنقع أحزان العالم، من يشعر بعذاب فراشة؟ يشير ~~الطبيب ذو الوجه الأبيض إلى الممرضة، فتجفف عينيها المحمرتين ~~بمنديلها الوردي، وتسحب الملاءة البيضاء من تحت قدميك وتغطيك. يتجه ~~الطبيبان إلى الباب، تتوقف الممرضة أمامك، وتمسح بيديها دمعة بللت ~~طرف الملاءة. يخرجون ويغلقون الباب. تبقى في الصمت وحيدا، تبقى ~~وحدك. يتقدم منك الشيخ صغيرا كخيال الظل البائس هرب من الجمهور ~~الأرضي إليك. يتعثر في أغلال القدمين، وفي قيد الكفين. ما زالت بقع ~~الدم على ذقنه، ما زالت تلمع كعيون الرعب المحمرة فوق الثوب، ما ~~زالت كزهور الجرح النازف في شجرته الدموية. يخطو نحوك، يكشف ~~بأنامله المرتعشة وجهك، ينظر في المرآة يسبح يدعو ويتمتم: # يا شاهد موتي وشهيدي # من في الدنيا سيعوضنا عن شاعر؟ # قم يا ولدي لنسافر فالعالم كافر # يا صاحب دربي وحبيبي. # فلنصعد للنور الصافي # ولنرجع برقا وسحابا # أمطارا للقلب الجافي. # يسحب الملاءة على وجهك ويتمتم، يحاول أن يمسح وجهه ~~فيصلصل القيد، يسطع نور في عينيه الشاحبتين ويهمس: # يا صاحبي وحبيبي، هل يساوي العالم الذي وهبته دمك، هذا ~~الذي وهبت؟ # تعود كي تنام في حضن التراب، تراب جدنا وأهلنا تنام، ~~تنام في سلام. ~~••• # وقالت لك الأرض: الملك لك. # تموت الظلال ويحيا الوهج، # الملك لك. الملك لك. # الإنسان الإنسان عبر، # ومات ذلك الوديع دونما احتفال، معلما ورائدا في سنة ~~الكمال. ~~••• # ومن موته انبثقت صحوتي، # وأدركت يا فتنتي أننا # كبار على الأرض لا تحتها. ~~••• # إننا الأغراب في القفر الكبير. # إننا ضقنا وضاقت روحنا. # القطيع # غاب راعيه وطالت رحلته، # وهو في بيداء لا ظل بها. ~~••• # أبكي سهما أخطأ هدفه # ليلا من غير صباح. # أبكي أول طير مات على الغصن. # آه أيتها القيثارة! # يا قلبا جرح عميقا بسيوف خمسة. # 13 ~~••• # في الخلاء المواجه للقبر، # تجلس سيدة هي مصر، # تداعب أطفالها الشعراء بغصن من الكلمات الندية. # تقرأ وجه حصان يسافر في الحلم، # وجه فتي شقه سفر الليل، # أيقظ في ms128 قاعه حفرتين مبللتين بنار من الدمع # محشوتين برعب البشر. ~~••• # وا حر قلباه! # كل المصابيح ترحل نازفة. # ترحل الخيل، والليل يبقى. # يرحل السيف، والبيد تبقى. # يرحل الشاعر، الكلمات # ويبقى البكاء، الخديعة. # 14 ~~••• # نهر أنت يسارع نحو مصبه، صوفي عجلان الخطو إلى ربه، صارعت الموج ~~صراع البطل البائس، لم تظفر إلا بنصيب الملاح البائس، لكنك عشت ~~وجربت النشوة في الإبداع، وكتبت شهادة ميلاد القادم من رحم الأيام ~~الحبلى بالأوجاع، جاء وما كنا ننتظر بهذي السرعة، لم نتحسب وقع ~~خطاه البشعة. عشت الفن، عرفت، رأيت وألقيت بنفسك في النار، لم ~~تتركنا بعدك زادا لجراد العصر الجرار، ريشا في وجه السيل الزاحف ~~بالمجد أو العار. يا ربان سفينتنا الغارقة تركت الدفة للتيار. هل ~~يجرفنا الموج الجارف بعدك أم نصمد للإعصار؟ ~~••• # ضاقت كأس القلب المثقل عن فيض البحر، فتحطم وتحطمنا معه، وانداحت ~~في الرمل الغادر روح الخمر، والمصباح انطفأ وما طلع الفجر، وا حسرة ~~ليل يجمعني ورفاق العمر! ~~••• # حزنك! ماذا أكتب عن حزنك؟ أين الكلمات تعبر عما يجرحني في عينيك؟ ~~خرس كل لغات الأرض، ولا تفصح عن سر عذابك أو شجتك. تبصر ما لا ~~نبصر. تسمع ما لا نسمع، لو كنا نعلم ما تعلم، لأمتنا الضحك على ~~الغم، وبكينا ما شاء الدمع على القدر المفجع. ~~••• # الشعر ملاذك، بل منفاك الموعود، وطنك في غربتك على أرض الوطن ~~المنكود، أمك وأبوك وصاحبك الأوحد، يتخلى أحيانا عنك، ولكن لا ~~يجفوك يهرب أياما أو أعواما، ثم يعود لينظم عقد الحرف المنضود، ~~تعصف حولك ريح الزيف، تنكسر على صخر الرغبة والخوف. يتغضن وجه ~~الزمن السيء بالغلظة والإرهاب. تنطفئ قناديل البهجة، فالليل خواء ~~وخراب، لكن الشعر يجيء إليك، فيمسح فوق الرأس المتعب، وترفرف أجنحة ~~الطير الوافد من بار ناس والأوليمب ونجد ويثرب، فتردد قيثارتك أنين ~~الجرح ونبض القلب. # بعد شهور الوحشة والبعد يعود إليك الصوت الشارد في الصحراء. بعد ~~التيه اللاغب في نثر الأيام المتشابهة يزورك طيف ملاكك ذي المنقار ~~الذهبي رفيقا كالعذراء، يكتب آخر بيت في شعر الزمن المقتول. يكفيك ms129 ~~من عناء الرحلة الوصول، وأن نفسك التي تعذبت وجربت تغير الوجوه ~~والفصول، قد أشرقت بنورها ونحن لا نزال في غياهب الغروب ~~والأفول. ~~••• # عشت حياتك تتأمل معنى الموت وتحياه كما فعل حبيبك أفلاطون، نلمس ~~زحف الأفعى في جسد الكون المحبوب الملعون، زحف الدودة في أصل ~~الشجرة، وأخذت تمد الكفين، وتقطف منها الثمرة. لا ليس الكل بباطل، ~~ليس كقبض الريح. كذب سليمان ووقع «المازني» في هاوية اليأس يئن ~~أنين جريح. أحببت حياتك وحياة الناس. كل حياتك لحظة صدق، لحظة ~~إحساس، وقضيت سنيك الخمسين على مسرح هذا العالم تتعثر، ~~تسقط، تنهض، تصرخ من أعماق ~~الدهشة والألم القاسي: كوني يا نفسي من أنت، وطني هو هذا الوطن، ~~وأرضي هي هذي الأرض، وهنا أقف وأتعذب، وأثور وأرفض، أبكي وأضحك، ~~أهتف أحيانا قد سلمت وتعروني رعشة ألم عذب ومض جربت جحيم العالم، ~~ذقت نعيمه، حتى امتلأت كأسي واستغنيت وأتممت، فإذا جاء الموت ووضع ~~على رأسي التاج تبسمت، وهتفت تعال وخذ ثمرتك، فقد شيبها طول الحزن ~~على شجرة الليل وشبت. وينادي: أنت الحي الأوحد بين الأموات، فما ~~أبعدك عن الموت! ~~••• # ما جدوى العيش؟ ما جدوى الحب؟ ما جدوى الفن؟ ماذا أفعل؟ ماذا ~~أفعل؟ أنا لا أملك إلا الكلمة، والكلمة تسقط تحت حذاء الرخ ~~المغرور، تسقط كالطير ذبيحا تحت عيون الشعب المقهور. ماذا أفعل ~~والسيف الأعمى لا يبصر، والكلمة حقل مجهور مقفر، ومثقف هذا العصر ~~يدنسها، يعبث بجناحيها، يكسوها أقنعة زاهية كحواة السيرك ويفقأ ~~عينيها كالطفل المأفون، يحشدها بالفرقعة وبالجمجمة كالبالون، ويظل ~~سؤالك عطشان، فهل يرويه الحلاج بدمه والمجنون؟ ~~••• # نحن صحابك ورفاق طريقك: هل أخطأنا في حقك خطأ الصوفية والفقراء ~~مع الحلاج؟ هل أحببنا كلماتك أكثر مما أحببناك. فتركناك تموت لتحيا ~~كلماتك؟ لم نفهم أن اللفظة حجر واللفظ منية، أن الكلمات مسيح يحيي ~~الموتى، أو مسخ وبغي تلد الموت. يا جرح العمر أجبني، قل بي أرجوك ~~الصمت. ضقت بأحوالي ضقت، بليالي وأيامي المختنقة في سحب الكلمة ~~ضقت. في كل مساء أنوي أن أهوي في قاع الصمت، أن أتوحد ms130 بالصوت ~~الهاتف من أعماقي، من أعماق الأرض بلا صوت، أن أجمع أشلاء العمر ~~المتفتت في لحظة صدق، أو حتى لحظة صمت، ثم تطل عيون تستدرجني ~~للكلمة، والكلمة موت، آه ضقت بكلماتي وبصمتي ضقت. # عشنا في الألفاظ الجوفاء سنين، نأكل نشرب نتجشأ ألفاظا، حتى ~~صرنا ألفاظا تقتات على جثث الباطل والبهتان. هل نتعلم من درس ~~حياتك أن نقتصد قليلا في الألفاظ، أن الكلمة إن لم تهد إلى درب ~~الفعل، تصبح طبلا في كف أصم ولعبة طفل؟ حقا كنا الأسياد ~~وحقا كنا، ولما كان لما نلفظ معنى. لما كانت كلمات العرب تحرك ~~جيشا وتسير سفنا، وتشيد علما أو تصنع فنا، حتى غصنا، ساخت ~~أرجلنا في المستنقع وغرقنا. ربي! كيف ترعرع في وادينا الطيب، هذا ~~القدر من السفلة والأوغاد؟ # كي يعطي الكلمة معناه، اختار الحلاج الموت. # كي تعطي الكلمة معناها، يا شاهد هذا العصر ~~استشهدت. # فمتى يتعلم صناع الكلمة منك؟ # ومتى يصبح صنع الكلمة تضحية حتى الموت؟ # كيف نحول كلماتك أفعالا تمطر بالخير؟ ماذا نفعل ~~كي لا نترك شبح الفقر يعربد في الطرقات ويفجر؟ مد إلينا كفك، ~~أدفئنا من أنفاسك، لا تحرمنا صوتك وإشاراتك. واسأل ربك أن يلهمنا ~~قول الحق، ويؤيدنا - حبا فيك - بروح الصدق. ألهمنا أن نخلع ثوب ~~الألفاظ، ونخرج للناس كما خرج الحلاج وسقراط، أن نصهرها في نار ~~الغضب ونغمسها في خبز الفقراء، فلعل الرقبة تنجو من مشنقة الإحباط. ~~ألهمنا، علمنا، لا تحرمنا صوتك، حتى نجلد ظهر الأحياء-الموتى بسياط ~~وسياط، حتى نحلو في عينيك ونبصر أنفسنا في مرآتك، في مرآة الشعب ~~ومرآة الله. ~~••• # كيف رحلت يا أعز الراحلين؟ # متى تعود للقاء والحديث ذو شجون؟ إن كان في الموت العزاء فلأكن ~~إليك أول المسافرين. ~~••• # يا كم دعوتني الحكيم، ودعوتني المسيح. كم مسحت كفاك جرح قلبي ~~الجريح، وأدركت عيناك أنني مقيد كسيح. كأنني المشلول لا أعيش لا ~~أموت لا ألوذ بالكتمان لا أبوح. غرقت في بحار علمي العقيم غطت جثتي ~~المتون والشروح، وكم طرقت باب حبك الكبير، وكم طعمت يا أمير من ~~مائدة ms131 السرور، وعدت في الجراب كسرة لقلبي الكسير، وقطرة تبل غلتي ~~في وهج الهجير. وكنت ثم كنت يا صديق، ولم أزل كجثة الغريق، مطفأة ~~العيون في كهوف حكمتي العقيمة الدروب والجحور والشقوق، أبحث عن ~~حقيقة تلوح، ثم تنطفئ البروق، أبحث عن طريق، ومن فؤادك الذي رأيت ~~فيه الله والإنسان يبدأ الطريق، فهل تراني بعد ما رحلت أبصر ~~الطريق؟ ~~••• # بدموعي تمتلئ العين ولا أجد عزاء. يتسلل شيطان القلق لفرشي كل ~~مساء، يحضنني، يغرز قرنيه بعنقي، يوحي ما يوحي من أسرار الحمقى ~~والحكماء، فمتى أنجز وعدي لك يا خير أحبائي؟ أمسكت بحبل الصمت ~~الممدود فلم يسقط ثمري الموعود، وتعثرت على درب الكلمة والدرب قيود ~~وسدود. جفت سحبي وتسرب مائي في الأخدود، يا روح حبيب العمر ~~المفقود، باركني وامسح بيديك على رأسي المكدود، فلعل المطر يعود، ~~لعل المطر يعود. ~~••• # كيف أصدق؟ # الرفاق يتلقون العزاء. أحضنهم ويبتل وجهي بدموعهم. فاروق يعانقني ~~وتنداح المرارة إلى فمي وقلب مشلول مغلول مذهول. عبد الرحمن ينشج ~~في ركن وحيد، عيناه دموع تتحدر كالشلال. # النعش يقتحم الصفوف كالبطل المأسور، تسنده أكتاف الأحباب ~~وأيديهم. الفجيعة على الوجوه التي ترفض التسليم. يا أيها الراكض ~~إلى أين؟ أهي دعابة جديدة؟ أيمكن أن تكون جادا؟ أطل برأسي النسر ~~الجميل الجليل، وأصرخ بملء صوتك المتهدج الجريح: ليس هذا عرسي ولا ~~مأتمي. انصرفوا. انصرفوا. يا صوت ضميري وضمير بلادي، اخرج من هذا ~~النعش وناد. اخرج لا تتماد، أريد أن أداعبك. أسمع منك عجائب ~~العباد والبلاد والأحوال. والزمن عجيب يلد الخرافات العجيبة، أهي ~~خرافة جديدة؟ هيا لا تسرف في سخريتك. نادني يا حكيم كما تفعل في كل ~~لقاء. فالحكمة توجعك وتوجعني في زمن الحمق الأسود. أنثر ضحكاتك ~~تمسح عني وحل الرحلة. أشعل مصباحك كي أجد طريقي في ليل المحنة. ~~أدفئ قلبي الغارق في ثلج الحكمة. وحرك صنمه. أبعث فيه لعازر، مره ~~أن ينفض نومه، ويواجه يومه. تعال نغادر هذا المسرح، هذا الوهم ~~الأسود، تعال بنا بعيدا لنثبت أن اللعبة وهم. هذه الغربة وهؤلاء ~~المشيعون وهم. فحضورك هو ms132 الحقيقة الوحيدة الباقية بعد أن يشيع ~~الميت وينصرف الممثلون، تعال تعال فأنت حاضر لا تغيب. # عين الشمس لا تزال تسطع، الريح تتنفس، الطيور ترفرف في السماء، ~~الأطفال تولد في كل لحظة، والأشجار تنمو، والعجائز يجرون أقدامهم ~~ويسعلون، الكتاب يفكرون في عمود الصفحة الذي سيسودونه والشعراء ~~يصطادون عصافير الكلمات السود، ويستعدون. لم أنت وحدك ساكن هنا؟ ~~أأنت الذي يحملون؟ أم أنت الذي أحمله في دمي وألقاه مساء اليوم حسب ~~الموعد القديم؟ # لا لا لا. وهم. كذب. كابوس. أمشي في كابوس الخمسين، وأنت تطل ~~علي من الشرفة - شرفة مسكننا في مقتبل العمر، تذكرني بالعهد ~~القائم والعهد أمين، # 15 # سيذهب الجميع، ثم تسدل الستار. # وأنت أنت فوق الوهم والتمثيل. أنت حاضر ولن تغيب. كيف أقول كنت؟ ~~كيف أستطيع؟ وأنت يا حبيب نبض القلب، ومضة العيون، وأنت - ما حييت ~~- ساكن في القلب والعيون، وكائن ودائما تكون؟ # يا صاحبي وحبيبي. ~~«قد كنت عطرا نائما في وردتك، لم انسكبت؟ # ودرة مكنونة في بحرها، لم انكشفت؟» # وهل يساوي العالم الذي وهبته دمك، هذا الذي وهبت؟ # لا. لا أقول قد رحلت، بل أقول في غد سنلتقي كما ~~وعدت. # 1981م # خاتمة # لا أجد تعبيرا عن حياة صلاح وكفاحه لمعرفة نفسه ومجتمعه وعالمه ~~خيرا من كلمات «روسو» في مقاله المشهور عن الفنون والعلوم: إنه ~~لمنظر جميل وجليل أن نرى الإنسان يرفع نفسه من العدم بجهده الخاص، ~~ويبدد بنور عقله تلك الظلمات التي لفته بها الطبيعة (لنقل: تلك ~~الظلمات التي لفته بها الحياة العربية. في ليل الهزيمة والقهر ~~والتخلف والثرثرة). أنه ليرفع نفسه فوق نفسه، وينفذ بروحه إلى ~~أطباق السماء، وينطلق كالشمس بخطوات جبارة عبر الفضاء الشاسع ~~للكون. أما الأمر الذي يبقى هو الأعظم والأصعب، فهو أن يعود إلى ~~نفسه ليدرس الإنسان، ويعرف طبيعته وواجباته وغايته. # ومع أن هذه العبارات العاطفية المتحمسة لا تصور عذاب صلاح ~~تصويرا دقيقا، إلا أنها تضع أيدينا على هذه الحقائق التي لا ~~يدركها إلا أصحاب طريقه وجرحه، لقد استطاع أن يرفع نفسه بإرادته من ~~العدم العربي ms133 المحيط به إلى الوجود الشعري الذي يبدد هذا العدم، ~~ولو في لحظات الخلق المتاحة، هذا الارتفاع فوق العدم الذي يغرق هو ~~وزملاؤه المبدعون في مستنقعه كل يوم - قبل الإبداع وبعده وفي ~~أثنائه - قد مكنه في الوقت نفسه من العلو فوق نفسه المحدودة ~~والمقيدة في أغلال المكان والزمان وفوق الموقف الأدبي والتاريخي ~~والاجتماعي والسياسي الذي يحاصره. أما المناطق السماوية العلوية ~~التي يذكرها النص، فهي قصائده ومسرحياته وإيقاعاته الشعرية ~~وقراءاته ومشروعاته، أي البديل الفني عن ذلك العدم الذي تختنق فيه ~~ليل ونهار. وفي النهاية يعود صلاح الإنسان إلى نفسه بعد أن ينطفئ ~~وهج اللحظة وتهوي أجنحتها، يعود ليعطف إلى الداخل، ويشتبك في ~~الصراع اليومي مع قبح الحياة اليومية لكي يفحص طبيعته وواجباته ~~وغايته. # هذه الحياة اليومية التي اختفت منها قيم المحبة والتقدير والثقة ~~والاحترام المتبادل، وأصبحت لا تسمح بنمو حياة إنسانية سوية، ~~ناهيك عن حياة مبدعة، وأتى على خضرتها جراد الكراهية والحقد ~~والادعاء والثرثرة وعدم الاكتراث؛ هذه الحياة اليومية التي غطت ~~وجهها الحجب والأقنعة الشائهة، وظلت تمد حبال مشنقتها كل صباح؛ كيف ~~لا يدينها ويسجل علامات التصدع والانهيار في بيتها الآيل للسقوط؟ ~~كيف لا يفضح القردة والأفاعي والثعالب المتربصة وراء الأقنعة (بشر ~~الحافي)؟ غير أن الشاعر الذي يحاول أن ينتزع نفسه من مستنقع الخراب ~~والبلاء ليعتصم بلحظات البراءة والنقاء (يا من يدلني عن طريق ~~الضحكة البريئة والدمعة البريئة)، هذا الشاعر الذي يجوس عاريا ~~مكشوف القلب في أسواق المدن الجاحدة المتبلدة الحس، يشتاق على ~~الدوام إلى مدينته المنيرة التي ينام فيها الأبناء في أحضان ~~الأمهات، مدينة الرؤى التي تشرب ضوءا وتمج ضوءا، مدينة المستقبل ~~التي كتب على المغتربين المحتجين منذ أفلاطون إلى اليوم أن ~~يحلموا بها، وأن يتركوا العالم وهي جنين أسطوري في بطن الغيب، ويظل ~~النقاد المتفائلون يدينونه بحزنه. ويطالبون بطرده من المدن السعيدة ~~التي يقلق نومها دون أن يكلفوا أنفسهم بالسؤال: ومن المسئول عن هذا ~~الحزن كله؟! هذه المدن المقنعة المغتربة عن نفسها، كيف لا يباح ~~للفنان أن يغترب عنها؟ كيف ms134 لا يسمح له بأن يكون هو نفسه ويحقق هذا ~~المثل القديم الذي تقوم عليه الحقيقة والأصالة؟ أليس هذا هو دأب ~~المفكرين والمبدعين في كل زمان ومكان؟ ألا نتحمل الخسارة الفادحة ~~في حاضرنا ومستقبلنا إذا حرمناهم من هذا الترف البائس الضئيل أن ~~يقولوا لنا: «لا.» ولأنفسهم والقيم الباقية: «نعم.» ولكن مجتمعاتنا ~~التي اختلطت فيها القيم وجثم عليها كابوس القهر وعبيده لا تطيق ~~هذا. إنها تتربص بكل صوت صادق ، وتجدل مشنقة التعذيب لكل بادرة ~~حياة. وهكذا يقع الإبداع العاري من كل سند يحميه فريسة الكلاب ~~التي تنهشه من كل ناحية، عبيد السلطة وخدمها وحشمها، الثرثارين ~~الكذبة من يمين ويسار. البيروقراطيين زبانية الموت وسدنة الجمود ~~والركود والتحجر، أوباش العصر وجلاديه الجدد وطواويسه المزيفين ~~الذين يجوسون بيننا كالكوارث، ويبرعون في رصف بيانات الإدانة ~~والاتهام قبل أن يتعلموا ألف با الحب والعلم والفهم والاحترام (إذا ~~فرغت جعبتهم الفارغة لم يعدموا حرية يسددونها شاعر مغترب عن ~~مجتمعه، غير ملتزم تقدمي وميتافزيقي وصوفي ووجودي!) وبدلا من ضم ~~صوتهم إلى الأصوات الصادقة لرفع ركام الظلم ورواسب التخلف وأقنعة ~~البطولة الكاذبة تراهم ينادون، كما نادى أفلاطون قديما بحسن نية ~~أخلاقية، بطرد الأصوات النقية التي تزعج أحلام المدن الغافية ~~وفرسانها المهزومين! هذا هو الأمر المحير في حالتنا اليوم. كأننا ~~قد التصقنا بأقنعتنا فلا نقوى على انتزاعها لنتحسس وجوهنا الحقيقة، ~~كأننا نصنع أغلالنا بأيدينا، ونحب أدوار عبوديتنا التي نؤديها بلا ~~وعي، ونكره أن نكون أنفسنا، ونواجه واقعنا، ونحيا في النور والحوار ~~والنتيجة هي هذه اللعنة التي عبر عنها طه حسين عندما قال: إننا لا ~~نعمل ولا نحب لغيرنا أن يعمل. فمتى نتعلم أن اليد التي تجرح هي ~~اليد التي تشفي الجرح، وأن خلاصنا لن يتم إلا بأيدينا، ولن يتحقق ~~إلا بالعمل؟ أقول العمل لا القول، العمل الذي نحقق به ذاتنا ~~ومجتمعنا وننقذ أنفسنا وحاضرنا ومستقبلنا المهددين بالخراب ~~والانقراض. ~~••• # لم يكد يمر يوم واحد على رحيل شهيد الشعر والعصر، حتى اشتعل ~~الجدل العقيم: من الذي قتله وكيف قتل؟ ما التهم التي سددت ms135 سهامها ~~إلى قلبه، حتى اختنق وخذلته طاقته على تحمل الجراح؟ وأنا أنزه نفسي ~~عن المشاركة في هذا الجدل، كما أنزه الأصدقاء الذين كانوا معه في ~~ليلة الوداع. فالثلاثة الذين كانوا معه أصدقاء أحمل لهم الود ~~والتقدير. وحتى الرسام المجهول الذي كان معهم، وسمعت أنه لم يتورع ~~عن قذفه بأبشع التهم على مشهد من زوجته وابنتيه، أدعو الله أن ~~يغفر له ويسامحه (يعلم رب الغيب حقيقة ما قالوه وما فعلوه. ولقد ~~كنت على موعد اللقاء بالصديق المسافر في اليوم نفسه، الذي قدر على ~~أن أشيعه فيه). لكل أجل كتاب، ولم يبق إلا التسليم. غير أن هناك ~~حقيقة لا بد أن أشهد بها، وأشهد عليها كل المبدعين المخلصين في ~~أمتنا العربية: لقد ظل صلاح يقتل طوال العشرين سنة الأخيرة، وظلت ~~الفخاخ تنصب له من جهلة اليمين وأدعياء اليسار (في الجو الذي تعذب ~~فيه جيلنا التعس فقدت هاتان الكلمتان معناهما كما فقدت كل القيم ~~معانيها.) وتبقى قضايا وأسئلة أكبر منا جميعا: لماذا يقدر على ~~أفضل أبنائنا وأخوتنا أن يسقطوا ضحية الضنى والقهر والتعذيب؟ إلى ~~متى نضن عليهم بالكلمة الطيبة طوال وجودهم معنا، فلا نقولها - إن ~~قيلت على الإطلاق - إلا بعد غيابهم عنا؟ # 16 # كيف نسترد المقدرة على الحب والاحترام، على الأقل لمن هم أولى ~~الناس أن نضعهم في حبات عيوننا وقلوبنا؟ إلى متى نظل أعدى أعداء ~~أنفسنا؟ وإلى متى نختنق بالصغار والادعاء وتطاول بعضنا على بعض؟ هل ~~كتب على الموهوبين أن يكونوا دائما ضحية الحطابين الفقراء من كل ~~موهبة؟ وإذا صح ما يقوله الحلاج في هذه البكائية «يقتل كل ~~الشعراء بكل بلاد الله» فهل كتب علينا أن نكون أبشع البلاد قتلا ~~لأبنائنا المبدعين في كل مجال؟! ألا يكفي أننا مهزومون حتى نهزم ~~أنفسنا بأنفسنا؟ أنحاول برفع أصواتنا القبيحة أن نتصامم عن أصوات ~~أخرى أولى بأن ننتبه إليها: أصوات الآلات والحفارات التي تقيم ~~المستعمرات والمستوطنات على أرضنا السلبية. وأقدام العدو التي تدوس ~~جثثنا الممدودة بلا وعي ولا حياة؟ ألم تدق ساعة العمل التي توقف ms136 ~~طاحونة القول التي سحقت كرامتنا، وتوشك أن تسحق وجودنا نفسه؟ وإذا ~~كان قدر الأدباء والكتاب أن يتكلموا ويكتبوا، فمتى تصبح كلمتهم ~~فعلا وكتابتهم عملا أو دليلا يهدي إلى عمل؟ متى نتعلم من عذاب ~~صلاح ورحيله أن الجو الذي تعيش فيه هو أحسن الجو الذي لفظت فيه ~~حضارات منقرضة آخر أنفاسنا وأننا محتاجون - هنا والآن - لجو ~~جديد يقوم على الحرية والحوار واحترام الإنسان والعمل المبني على ~~المنهج والعلم والحب ؟ # أسئلة كثيرة لا أستطيع أنا ولا من هم أفضل مني من الواقفين في ~~الصف نفسه الذي وقف فيه صلاح أن نكتمها عن أمتنا. فمتى تفتح عينيك ~~وعقلك يا شعبي المسكين؟ ومتى تستيقظ للخطر الأكبر يا وطني ~~الأكبر؟ ~~••• # ومما قيل إن الراحل العزيز لم يلتزم بالتقدمية كما يفهمها ~~أنصارها أو أدعياؤها. ولكن لا شك أنه بقي محاربا صلبا للإرهاب ~~والاستبداد والتسلط بكل صوره، وأنه ربما تعاطف مع التقدمية لو أنها ~~لم تأت على أيدي الجلادين بمختلف أشكالهم. لقد ظل عدوا لكل قهر ~~أو إلزام. لا لأن الإلزام شر أخلاقي فحسب، بل لأنه - كشاعر - لا بد ~~أن يرتاب في كل من يؤيده تحت أي شعار أو تبرير أو تعميم. # إن الشاعر لا يكون شاعرا جيدا أو رديئا؛ لأنه تقدمي أو ~~أيديولوجي، بل لأنه قبل ذلك شاعر أو غير شاعر. والفن ليس دعاية، ~~ولا يجب أن يكون. ولكن ببغاوات العصر والسلطة التي تحكم قبضتها على ~~أجهزة الدعاية تريد من الشعراء أن يكونوا دعاة. فلا عجب أن يصطدم ~~الشاعر والفنان صاحب الضمير الحر والرؤية المستقلة بمثل هذه السلطة ~~(التي يضطر أن يكسب لقمته في ظلها)، ولا عجب أن ترتاب هي أيضا فيه ~~وتسلط ببغاواتها لنهش لحمه والتربص به. ولكن القيم الفنية لا تخضع ~~للقيم السياسية، والموهبة المبدعة لن تكون حرة إذا وضعت يدها في ~~قيود الاعتقاد المذهبي. ربما تقول الأجيال الجديدة من النقاد أن ~~صلاحا وجيله ظلوا ثوريين رومانتيكيين في شعرهم ونثرهم وفرديين في ~~رؤيتهم للحياة، قد يكون هذا صحيحا، وله أسبابه التاريخية ~~والاجتماعية. ولكن هذه ms137 الأجيال - التي نتمنى أن تكون أسعد حظا ~~منا - لا تستطيع أن تجردهم من إخلاصهم ووطنيتهم وصدقهم مع أنفسهم ~~ودفاعهم عن قضية الحرية والعدل بمعناها الفني والإنساني الشامل. لا ~~شك أن للفن دوره في المجتمع، وهو في النهاية نتاج هذا المجتمع. ~~ولكن اغتراب الفنان العربي عن مجتمعه في السنوات الثلاثين أو ~~العشرين الأخيرة ظاهرة واقعة تستحق الدراسة لا الإدانة. ويجب ألا ~~ننسى أن الفن المغترب فن سياسي أيضا، مهما ابتعد عن سياسة معينة، ~~وهو في النهاية تعبير عن مختلف الضغوط التي جثمت على صدر الفنان ~~وألجأته للاغتراب والاختناق بالعذاب والحزن والصمت، وبدلا من أن ~~نقول ينبغي أن يكون شعرك أو فنك كذا وكذا، علينا أن نكافح لإزالة ~~القيود عن طريق الشاعر والفنان، وخلق المناخ الذي يستطيع أن يبدع ~~فيه، ويتحمل مسئوليته. إن الفنان إنسان قبل أن يكون صاحب مذهب. ~~والوظيفة الأولى للشعر ولكل الفنون هي أن تجعلنا أعمق وعيا ~~بإنسانيتنا وبالعالم المحيط بنا. لا أدري إن كان هذا الوعي سيجعلنا ~~أكثر أخلاقية أو أكثر فعالية، ولكنه سيجعلنا بالتأكيد أكثر ~~إنسانية. يكفينا من الشاعر أنه ينبهنا إلى الوحوش التي تسعى في ~~زحام المدينة (بشر الحافي) أو الوحش الذي يحكم عليها بالموت، وهو ~~نفسه جثة ميتة (بعد أن يموت الملك). أما خطة العمل التي تجعلنا ~~نتخلص منهم فليست وظيفته. إن الشعراء بطبيعة اهتماماتهم وصنعتهم ~~الفنية - كما يقول «أودن» في مقاله عن الشاعر والمدينة - غير ~~مهيئين لفهم أمور السياسة أو الاقتصاد. إن اهتمامهم الطبيعي ينصب ~~على الأفراد والعلاقات والتجارب الشخصية. بينما السياسة والاقتصاد ~~يهتمان بأعداد كبيرة من الناس، أي بالمتوسط البشري (والشاعر يضيق ~~إلى حد الموت بفكرة الإنسان العادي) والعلاقات غير الشخصية وغير ~~الإرادية إلى حد كبير. إنه يحدثنا عن مدن المستقبل لا عن أزمات ~~البطالة والتضخم والإسكان، عن معاناة الإنسان في مجتمعاتنا الحديثة ~~التي يتضاءل فيها ويتشوه «ويتشيأ» ويغترب ويمتحن في كل لحظة في ~~إنسانيته ووجوده الحقيقي الأصيل، لا عن العامل والفلاح والموظف ~~ومشكلاتهم المحدودة. ورسالته هي تغيير ضمير الفرد وقلبه ووعيه، أما ms138 ~~تغيير ظروفه الواقعية فأمر متروك للسياسة والعلماء والمصلحين. ~~إنه يطرق أبواب الخلاص لا أبواب الإصلاح. ويأخذ بأيدينا على طريق ~~الحقيقة لا طريق الواقع المحسوس. والمهم - وليس هذا دليلا - أن ~~يكون أمينا وصادقا وقريبا من قلوبنا. # أليس أمام الشعر إذا فرصة للفعل والتغيير؟ أكان يمكن أن يظل ~~العالم على ما هو عليه لو خلا من كل الشعراء؟ أوليست قضية العدل ~~الاجتماعي أهم من كل قضايا الفن وأنصاف المظلومين والمضطهدين ؟ أليس ~~أجدى من عشرات الملاحم والدواوين؟ ولكن المشكلة تكمن في فهمنا ~~لمعنى الفعل والتأثير، لا شك أن العالم كان سيفتقر إلى الحرية ~~والعدل والجمال - أكثر من فقره المزمن فيها - لو خلا من أمثال ~~هوميروس ودانتي والمتنبي والمعري وشكسبير وجوته وموزار وبيتهوفن ~~وشوقي وسيد درويش، ولا شك أن واقعنا كان سيبدو أكثر قتامة وبؤسا ~~لو خلا من صلاح وزملائه المجددين والمتمردين، لقد قدموا لنا ~~الشهادة الحقيقية على ظلم واقعنا وظلامه وتفاهته وتمزقه، أما الفعل ~~المؤثر الذي يغير منه فقد يأتي أو لا يأتي على أيدي غيرهم. والمهم ~~أن قصائدهم نفسها «أفعال» باقية في عالمنا، قيم مؤثرة على قلوبنا ~~وعقولنا، تعطينا الحماية والأمان الخلقي والعقلي والوجداني، ~~وتزيدنا وعيا بإنسانيتنا. إن المثل الأعلى للشاعر والإنسان هو ~~الذي يقترب من وحدة الشعور والعقل، والفكر والفعل. فكيف نتهمه في ~~ظل القهر والتمزق بأنه حزين وسلبي؟ أليس تجسيدا نقيا لحريتنا ~~ووحدتنا المفقودة، لعذابنا وتعذيبنا لأنفسنا؟ والمجتمع الأمثل هو ~~الذي يكفل الحرية الكاملة للاختيار الأخلاقي، فهل في بلادنا نظام ~~واحد وحيد يسمح بهذا المجتمع اللائق بالإنسان؟ إن الدعائي الثرثار ~~ورجل السلطة الحديدي يتهمان الشاعر بأنه يعزف ألحانه في الوقت الذي ~~تحترق فيه روما (هذا إن كانا يشعران بأنها تحترق!) وهما يطالبانه ~~بأن يستغل قدرته على صوغ الكلمات في إقناع الناس بما ينبغي أن ~~يفعلوه. ولكن مهمة الشعر ليست هي إخبار الناس بما يفعلون، بل مهمته ~~- كما قدمت - هي تعميق معرفتنا بأنفسنا وبالعالم الحقيقي: بالخير ~~والشر، بالجمال والقبح، بالحرية والعبودية، ربما استطاع بذلك أن ~~يجعل ضرورة الفعل أكثر إلحاحا، وأن ms139 يجعل طبيعته أكثر وضوحا، بحيث ~~يقودنا إلى اتخاذ القرار العقلي والعملي والأخلاقي الحر، ومع ذلك ~~فلا بد أن نقتصد في الكلام عن رسالة الشعر والتزام الشاعر ... إلخ، ~~وغير ذلك مما ضيعنا فيه السنين الطويلة بلا ملل أو كلل. ولا بد أن ~~نقول لأولئك الذين يتجهون للشعر طلبا لرسالة أو برنامج إصلاح: ~~إنكم تطرقون الباب الخاطئ، ولا بد أن نقول لهم أيضا إن الشعر يضيء ~~ويكشف، ولكنه لا يملى ولا يعلم. إن الفنان لا «يحدث» شيئا بمعنى ~~الفعل المباشر، اللهم إلا أن يجعلنا نؤمن بالحياة، ونفرح بها، ~~ونمجدها، ويزيدنا وعيا بالحرية الإنسانية؛ لأن مجاله كما قلت هو ~~عالم القلب لا عالم السياسة والاقتصاد. # إن المعذبين في الأرض (بتشديد الذال المكسورة) قد أرهقوا صلاح ~~عبد الصبور بالكلمات الضخمة والشعارات الغليظة شأن كهان الأروقة ~~الكذبة والحطابين الفقراء مع كل فنان ناجح موهوب. طالبوه بأن يعبر ~~عن أفكارهم هم، أن يضع آراءهم هم في شعره، فأي تعذيب للضمير الحر ~~أقسى من هذا التعذيب؟ إن المجتمع الموحد في العاطفة والأهداف ~~والكرامة والآمال هو الذي يمكن أن يتفجر بالأدب الناضج والشعر ~~الصادق، هذا المجتمع الموحد الذي يكون فيه كل الأفراد كالبحارة ~~المشاركين في شد حبال السفينة هو الذي يحلم به الشاعر. فلنوحد ~~مجتمعنا العربي. ولننهض به من حضيض التخلف، ولندار جراح كرامته قبل ~~أن نتهم الشاعر وندينه بسؤالنا: لماذا أنت حزين؟ # إن الحياة كل واحد مؤلف من وحدات كلية، تتألف بدورها من ~~وحدات كلية أصغر. هناك العضو المفرد، والفرد الإنساني، وهناك ~~الفرد والأسرة، والأمة والعالم، وكلها بنيان أو منظومة، أو مجموعات ~~على علاقة بمجموعات أكبر. وكل مجموعة على حدة مختلفة عن سواها. لكن ~~ليس لها معنى إلا في علاقتها بالمجموعات الأخرى. ليس هناك كل بغير ~~الجزء، ولا أي جزء بغير الكل. وكذلك ليس الكل مجرد محصلة للأجزاء. ~~وإنما هو شيء جديد. هذه مسلمات استقرت اليوم في العقل الحديث، ~~فلماذا نكررها هنا؟ لأنه يحدث في بعض الأحيان أن يعمل الجزء وكأنه ~~ليس جزءا من كل أكبر منه ms140 (كما في النشاط السرطاني في الجسم الحي)، ~~والنتيجة في هذه الحالة هي المرض المميت والتدهور والانهيار. هذا ~~ما حدث للمجتمع البشري عبر التاريخ، وهو ما حدث لمجتمعنا العربي في ~~السنوات الأخيرة. فقد الجزء صلته بالكل، فقد المجتمع صلته الحميمة ~~بالمجتمع المجاور له، انفصل كل فرد واغترب عن كل فرد، تورمت ~~الأجزاء وبعض «الكلات» أو الوحدات الصغرى تورما سرطانيا ~~وغفلت عن علاقتها بالكل، وفقد الوطن الأكبر علاقته العضوية بالعالم ~~الذي يعيش فيه. والنتيجة؟ هذا التمزق والضياع والانتحار المنذر ~~بالانقراض، وسط هذا الخراب يقف الشاعر وحده. يواجه الزلزال ~~والمباني المتصدعة، عاريا في مهب الرياح والأعاصير، يقف وحيدا ~~عاريا ليقول لنا: أنتم محبوسون داخل أنفسكم، معزولون عن بعضكم. ~~تائهون عن الحقيقة. تسعون وراء الشمس، والشمس في ظهوركم. لا كل في ~~نظركم إلا الأنا الصغيرة الأنانية. إني أعيدكم للكل، أرجع العضو ~~لجسده، والفرد لمجتمعه، والمجتمع لوطنه الأكبر، والوطن للعالم ~~والإنسانية. أنا ضمير التاريخ المثقل بالذنب. هل يسمع صوتي؟ هل ~~تتركني حشرات السلطات والشعارات لأتم أغنيتي؟ عودوا للكل، ~~لإنسانيتكم، لوعيكم، لعالمكم، لحقيقتكم. أنا شاعر المحبة أقول لكم ~~وأتنبأ بالموت وأبشر بالميلاد. قوموا. احتجوا، اختاروا وتحملوا ~~مسئولية الاختيار. اهتزوا. اقشعروا من فرقتكم وهوانكم. افعلوا ~~شيئا. انفجروا أو موتوا. أنا الشاعر. ضعيف ومعرض للخطر، أقول ~~كلمتي وأتحطم. عشت أنادي بمجتمع الحرية والعدل، وأحارب الهوان ~~والقهر، وأحذر من رعب أكبر من هذا سوف يجيء، تحركوا على صوتي كما ~~يحرك البحارة أيديهم بالمجاديف على إيقاع الأغنية المنطلقة من ~~واحد منهم، فيتحرك المركب الواحد، ويشق صدر الموج والريح. تذكروا ~~انهيار الدولة العباسية، وتمزق دويلات المرابطين. إن الحرية والعدل ~~والديمقراطية والعقل مهددة. بل هي في الواقع تخرب كل يوم. يجب ~~علينا أن نختار، يجب على كل منا. قد تكون نظمنا سيئة ولا أمل ~~فيها على الإطلاق، لكن لا يمكن أن يخرب الإنسان تماما. ولهذا أتجه ~~إليه وأتعذب من أجله. لعلكم تحلمون معي وتعملون في سبيل مجتمع ~~جديد، مجتمع يكون كل فرد فيه قادرا على الحب والفهم، حتى ولو لم ~~يحبني أحد ms141 ولم يفهمني أحد. أنا لا أنصح ولا أصلح الكون، وإنما أقدم ~~التجارب والحكايات والأمثلة، وعلى كل أن يستخلص منها نتائجه. أنا ~~وقت مفقود بين الوقتين، جسر مشدود بين الماضي والمستقبل. تذكروا يا ~~من تعبرون علينا، أننا تعذبنا هنا من أجلكم، لكيلا تنتهوا نهايتنا، ~~وليكون حظكم أسعد من حظنا. أضنتني شهوة إصلاح العالم. تمنيت أن ~~أترك هذا العالم خيرا مما كان عليه قبل مجيئي. لكن القدرة كانت ~~محدودة، والأيام ضنينة فاذكرني يا من تأتي بعدي، واحفظ عهد الشعر، ~~وعاهدني أن تتسامح وتكافح. # نوفمبر 1981م # | الدمعة الخامسة: أوفيليا: ماذا فعلوا بك؟ # على الموج الهادئ الأسود، حيث تنعس النجوم # تسبح أوفيليا الشاحبة كزهرة سوسن كبيرة، # تسبح في بطء شديد، ملتفة في وشاحها الطويل. # ومن الغابات البعيدة يسمع صوت الصيادين: «ها لا ~~لا.» # ها هي أوفيليا الحزينة منذ أكثر من ألف عام؛ # شبح أبيض يعبر فوق التيار الأسود الطويل. # منذ ألف عام يهمس جنونها الحنون # بأغنيتها الخيالية لنسمة المساء. # الريح تقبل نهديها وتنشر وشاحها الكبير # كأنه إكليل زهرة تهدهده المياه الناعمة، # الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيها، # وعلى جبينها الكبير الحالم تهجع أعواد البوص. # ورود الماء اختلجت من لمستها تتنهد حولها، # أحيانا توقظ عشا في شجرة حور نائمة؛ # فتفلت منه رعشة جناح صغيرة، # أغنية غامضة تهبط من النجوم الذهبية. # ها أنت يا أوفيليا الحزينة الشاحبة تسبحين فوق أمواج ~~النهر الشاحب الحزين كزهرة سوسن كبيرة تهدهدها المياه الناعمة، الصفصاف ~~المرتعش يبكي على كتفيك، وعلى جبينك ~~الناصع الكبير ترقد زهرة الحب البريء. تسبحين من ألف عام، أغنية غامضة ~~تهبط علينا من النجوم الذهبية. وشاعر حديث اسمه «رامبو» همس بأغنيتك ~~التي تردد أصداء جنونك الحنون. كان تقيا وبريئا مثلك، طفلا قلقا ~~رآك في ألق النجوم. # والشاعر يقول إنه رآك في ألق النجوم؛ # باحثة بالليل عن الزهور التي قطفتها يداك، ويقول إنه أبصر ~~أوفيليا الشاحبة طافية على الماء، مكفنة في وشاحها الطويل ~~كالزنبقة البيضاء! # نعم! مت يا طفلتي عندما جرفك نهر أسود طويل. وقبلها ~~غرق عقلك في لجة الظلام ms142 والجنون. ونحن نسأل اليوم، ولا ندري لمن نوجه ~~السؤال: من المسئول عن جنونك وعن غرقك أيتها الزنبقة الطاهرة البيضاء؟ ~~أهو الحب الذي خاب أملك فيه، حبك للفارس الحزين، لهاملت الشجاع النبيل ~~المسكين؟ أم هو أبوك بولونيوس الذي جاءت عليك حكمته الحتماء حين حولك ~~إلى فخ لئيم، ووضع على وجهك الجميل قناع التجسس على الحبيب المكتئب ~~المذهول؟ أم تراه هو الملك كلوديوس الذي اغتصب العرش والملكة والمملكة، ~~الثعبان المتوج الذي نفث السم في جسد الدولة، والدمل الكبير الذي نشر ~~الصديد في عروق الحياة والمجتمع، ثم وجدت نفسك في بؤرة تطفح بالجشع ~~والطمع، والفساد والعفن والتآمر والتلصص؟ من نسأل من هؤلاء ومن نتهم؟ ~~هل جنى عليك أحدهم أم كلهم مشارك في الذنب والجناية؟ أتكون مأساة ~~الحياة نفسها هي التي عجلت بمصيرك ومأساتك الحياة التي نخر الفساد ~~جذورها، وحاصرتها الأبخرة الموبوءة فخنقت أنفاسها، وهبت عليها رياح ~~الفجور فأطاحت بفضائلها؟ أم أنك قد كنت من البراءة بحيث لم تتحملي ~~الحياة مع البشر، وكنت الوحيدة التي لم تسقط ولم تتلوث في عالم ساقط ~~مسموم، ولهذا لم يبق أمامك إلا أن تلوذي بالجنون، وأن يسلمك الجنون إلى ~~الموت؟ اعتل الزمن وتفشى المرض في كيان الطبيعة والدولة والمجتمع. ~~فتعالي نحلم بالحب وبالحرية قبل أن تفيقي منه تحت سطح الماء. «تعالي ~~نصحب خطواتك على طريق الحياة التي كنت شاهدة عليها قبل أن تصبحي ~~شهيدتها. تعالي نبدأ من غرفة في منزل أبيك وأنت تودعين أخاك قبل سفره ~~بقليل.» ~~••• # تسلل الحب إلى قلبك كأنه طيف لطيف شريف. وتسللت معه الحيرة من هذا ~~الضيف الرقيق المخيف. ويسارع أخوك «لايرتس» إلى تحذيرك مما يبديه لك ~~الأمير هاملت من بوادر الحب، وينصحك أن تبقي وراء عواطفك، بعيدة عن ~~مرمى الشهوة والخطر. # لايرتس ~~: # أما عن هاملت وما يمنحك من تدليل، فلا تحسبيه إلا ~~مجاملة ونزوة عابرة، # بنفسجة في ريعانها # قد تبدو في نضارتها، ولكنها لا تدوم، # وقد تزكو رائحتها، ولكنها سرعان ما تذبل. # إن شذاها وحسنها لا يعيشان # أكثر من لحظة واحدة. # إنه يخاطب ms143 فيك العذراء الغريزة التي مهما بالغت في ~~الحذر، فهي تسرف في الإهمال إن كشفت القناع عن جمالها ~~للقمر، ولهذا يطلب منك أن تخشي الأمير ولا تعرضي شرفك ~~للضيم إن ضيعت قلبك من أجله، أو أصغت أذنك الساذجة ~~لأغنيات حبه، وهذه نصائح لمن لا يحتاج إلى النصيحة، ~~يقدمها من سيغرقه أبوك بعد قليل بسيل حكمته العميقة ~~العقيمة التي لا يقدرها الشباب إلا بعد أن يقعوا في ~~شراك التجربة. ولهذا تبتسمين وتقولين لأخيك. # أوفيليا ~~: # سأجعل معنى هذا الدرس النافع # حارسا على قلبي، ولكن يا أخي الحبيب # لا تفعل ما يفعله الواعظ الأثيم؛ # إذ يدل الناس على الطريق الوعرة الشائكة إلى ~~السماء، # بينما يسير على طريق الشهوة المحفوف بالورود # كالفاجر الوقح الخليع، # ويهزأ بنفسه من النصيحة التي يقدمها لغيره، # ويأتي أبوك - وزير الملك الأول وكبير أمنائه - فيشتد ~~عليك بالنصيحة والتحذير. سألك عما سمع عن لقائكما، ~~فاقترفت بما قدمه لك الأمير من عروض تدل على ميله ~~إليك. ويسخر منك الأب ويقول: # بولونيوس ~~: # ميله؟ إنك لتتكلمين كفتاة غريرة خضراء، أتصدقين هذه العروض ~~كما تسمينها؟ وتجيبين إجابة خضراء كما سماك أبوك. وزفرات ~~الحرية تتردد مع كلماتك الحائرة. # أوفيليا ~~: # لست أدري يا سيدي، ماذا أصدق؟ # لقد محضني حبه الشريف، # ودعم قوله بأقدس الوعود. # بولونيوس ~~: # شواك لصيد العصافير # هذا التوهج الذي يبعث من النار # أكثر مما يبعث من الدفء، # وينطفئ بنفسه قبل أن يشتعل # لا تحسبيه يا ابنتي نارا. # أما عن الأمير هاملت فلا تصدقي من أمره إلا أنه ~~شاب. # وجملة القول يا أوفيليا # لا تصدقي وعوده # وخذي حذرك. هذا هو قولي لك. # والآن انصرفي لشئونك. # أوفيليا ~~: # السمع والطاعة يا سيدي. # وازدادت عليك الحيرة يا أوفيليا. فأبوك وأخوك ينصحانك بتجنب الأمير، ~~بل يزينان لك الحذر منه والتوجس فيه، ويأمرانك بالامتناع عن قبول ~~رسائله ورسله وهداياه، لكن نبضات قلبك تحدثك بأن حبه شريف. وتجلسين في ~~غرفتك أيتها العذراء، فتنسجين مع الثوب الذي بين يديك خيوط العش الدافئ ~~في شجرة الملك والمستقبل الهنيء. ويفاجئك الأمير بزيارته، فترين سترته ~~المفكوكة الأزرار، ms144 ورأسه الحاسر، ووجهه الشاحب في مثل شحوب مرضه ~~ونظراته التي تقطع القلب من الألم كأنما أطلق سراحه على التو من الجحيم ~~ليروي الأهوال. وتفزعين إلى أبيك. # بولونيوس ~~: # أجن حبا بك؟ # أوفيليا ~~: # لست أدري يا سيدي، ولكني في الحقيقة أخشى أن يكون ~~كذلك. # بولونيوس ~~: # لا زلت لا تدرين، ولكنك تخشين عليه وتشفقين أكان الأمر في ~~حاجة إلى معرفة أو دليل؟ ألم يكن الصمت والذهول لسان حاله ~~الوحيد؟ يسألك أبوك عما قاله لك فتجيبين. # أوفيليا ~~: # أخذني من معصمي، وضغطه ضغطا شديدا، ثم ارتد عني إلى الخلف ~~طول ذراع، رافعا يده الأخرى مفتوحة فوق حاجبيه، وراح يحدق في ~~وجهي بإمعان، حتى لكأنه يريد أن يصورني. ومكث طويلا على هذه ~~الحال، ثم هز ذراعي برفق ورفع رأسه وخفضه ثلاث مرات، وأرسل ~~زفرة عميقة خلتها قد هزت كيانه وذهبت بروحه، ثم خلى سبيلي، ~~وصار عني ورأسه ملتفت إلي، واستمر في السير كأنه بغير حاجة ~~إلى عينين تنيران له الطريق، وخرج من الباب دون عون منهما، ~~وبصره معلق بي ضياؤه حتى اختفى. # بولونيوس ~~: # تعالي معي. سأذهب إلى الملك. # هذا هو جنون الحب بعينه. # وتظنين به الجنون وتصدقين. بل تحاولين مساعدته بكل سبيل على ~~الرغم مما أوصاك به أبوك، وما كان لك إلا أن تطيعيه. ويأخذك ~~معه إلى الملك والملكة ليخبرهما بنبأ انطلاق الشرار خشية أن ~~تسطع النار. صحيح أنه يتصور، بما طبع عليه من حنان الأب ~~وبصيرته، أنه قد جن بسببك. فلما صددته عن نفسك أصابه الأسى، ثم ~~حرم على نفسه الأكل والنوم، ثم أصيب بالهزال، ثم تردى في ~~الجنون الذي يهذي فيه ويبكي عليه الجميع. ويعرض أبوك على الملك ~~والملكة الدليل على جنونه، والدليل رسالة بعثها إليك وسلمتها ~~طائعة لأبويك. # بولونيوس ~~(يقرأ الرسالة) ~~: # ارتابي ما شئت بأن الأنجم من نار، # وارتابي في دوران الشمس # في أن الحق كذوب، وأن الصدق يقول البهتان، # لكن لا ترتابي أبدا في حبي. # لكن أباك - بما اكتسبه على مر الزمن والتجربة من حنكة رجل ~~البلاط الخبيثة - ينصح بتعقب مظاهر الاضطراب، ms145 واكتشاف مكمن ~~الحقيقة، حتى وإن اختفت في باطن الأرض، ويدبر مع الملك تدبيره. ~~آه من ظلم الأب لابنته! هل عرف هو نفسه مداه؟ هل أدرك أنه يسدد ~~الطعنة إلى قلبك، ويئد فيه براعم الحب الوليد؟ لن يكتفي بأن ~~يتجسس على هاملت. سيؤكد للملك خضوعه وحسن أدائه لوظيفته. ~~وسيجرفك معه على المنحدر الخطير. سيقول وما أفظع ما ~~يقول: # سأطلق عليك ابنتي. # ولنختبئ عندئذ وراء الستارة # ونرقب المقابلة. # دبر الشيخ فأساء التدبير. فرض عليك أن تمثلي دورا لم ~~تخلقي له، ووضع على وجهك الجميل قناعا هو منه بريء. لم ~~يكتف بإبعادك عن طريقه. بل جعل من براءتك وتقواك فخا يطبق ~~عليك بمصيدة تكشف عن حقيقة جنونه. # بعد أن يلقى الحبيب المذهول المتشبث بثوب الحداد نجواه ~~المشهورة، أنحيا أم نموت؟ ذلك هو السؤال، ينتبه فجأة إلى ~~وجودك، فيهتف: # هاملت ~~: # أوفيليا الجميلة! أيتها الحورية. فلتذكر صلواتك كل خطاياي. ~~وتذكرين لقاءكما الأخير. وربما أحسست بالذنب لما بدا عليه من ~~ذهول، وربما بلغك ما أشيع عنه في البلاط من جنون. لقد قالت عنك ~~الملكة - وهي الأم الطيبة رغم كل شيء: إذا كان جمالها الطيب قد ~~أذى الأمير، فربما تعيده فضائلها إلى طريقه المعتاد. لم تكوني ~~هناك حين قالت ذلك، وحين أحكموا المؤامرة. ولكن لا بد أنك قد ~~حاولت بنفسك أن تعيديه إلى الطريق. ويحرك الأمل خطاك فتسألينه ~~كيف كانت أحواله في الأيام الأخيرة. وتحاولين - نزولا على أمر ~~أبيك لا على صوت الطائر الملهوف في صدرك - تحاولين أن تردي له ~~هداياه، فيفاجئك بقوله: # هاملت ~~: # لا. لا. أنا لم أعطك شيئا قط. # وتحاولين أن تذكريه بأنه قدمها إليك، ومعها كلمات عطرة الأنفاس زادت ~~من قدرها. ولكنه يصدمك بسؤاله: # هاملت ~~: # هل أنت عفيفة؟ # أوفيليا ~~: # سيدي! # هاملت ~~: # هل أنت جميلة؟ # أوفيليا ~~: # ماذا تقصد يا سيدي؟ # هاملت ~~: # أقصد إن كنت عفيفة وجميلة، فلا يصح أن يسمح عفافك بأي وسيلة ~~بجمالك. # أوفيليا ~~: # وهل يتصل الجمال بمن هو خير من العفاف؟ # هاملت ~~: # طبعا، فقدرة الجمال على تحويل العفاف إلى سبيل الخنا ~~والفجور أكبر ms146 من قدرة عفاف على جعل الجمال على صورته. قديما ~~كان في هذا القول ما فيه من تناقض، أما اليوم فإن الزمن يؤكد ~~صدقه. لقد أحببت يوما ما. # أوفيليا ~~: # يقينا يا سيدي. وقد حملتني على الاعتقاد بهذا. # هاملت ~~: # كان عليك ألا تصدقيني. فمهما طعمت الفضيلة جذعنا القديم، فلن ~~نتخلص تماما من طعم الخطيئة الأولى. أنا ما أحببتك ~~أبدا. # أوفيليا ~~: # إذا فقد خدعت. # هاملت ~~: # اذهبي إلى الدير! فيم حرصك على أن تصيري أما لعصاة آثمين؟ ~~ها أنا فيما أظن رجل شريف، ومع ذلك فباستطاعتي أن أتهم نفسي ~~بآثام يخيل إلي معها أنه ربما كان من الخير أن لم تلدني أمي. ~~إني لشديد الكبرياء، حريص على الأخذ بالثأر، عنيد الطموح، ورهن ~~إشارتي من الآثام ما يعجز فكري عن حصره، وخيالي عن تحديد شكله، ~~ووقتي عن تنفيذه، أي نفع يرتجى من زحف أمثالي بين السماء ~~والأرض، نحن جميعا أوغاد أنذال، حذار أن تثقي بأحد منا. ~~هلمي! حثي الخطا إلى الدير! أين أبوك؟ هل سألت نفسك عن ~~السر في سؤاله المفاجئ عن أبيك؟ لقد لاحظ حفيف الستارة، فأدرك ~~أن وراءها عينا أخرى من العيون التي صارت تتربص به. وكذبت ~~كذبتك البيضاء الوحيدة، فقلت: # أوفيليا ~~: # في البيت يا سيدي. ~~(ويشتد هياجه فيصيح): # هاملت ~~: # أوصدي الأبواب عليه، حتى لا يقوم بدور الأبله إلا في بيته ~~الوادع! # وتهمسين في حيرتك: # أوفيليا ~~: # أيتها السموات! أعينيه وأعيديه إلى رشده! # الدير ~~: # لكن بركان ثورته لا يتوقف عن إرسال حممه على رأسك الجميل. ~~إنه يشتد في حملته عليك وعلى جنسك كله، ليشفعها بنصيحته ~~البشعة، اذهبي إلى الدير! (ولقد كانت كلمة الدير في لغة العصر ~~تفيد كذلك معنى الماخور.) # هاملت ~~: # إذا تزوجت أعطيتك مهرا هذه اللعنة: كوني عفيفة كالجليد، ~~نقية كالثلج فلن تنجي من المذمة. اذهبي إلى دير. أما إذا ~~اضطررت للزواج فتزوجي أحد البلهاء؛ لأن العقلاء يعلمون حق ~~العلم أنكن تجعلن منهم وحوشا ذات قرون، هلمي إلى الدير ~~وأسرعي! # أوفيليا ~~: # ما السر وراء هذا الغضب الهائل؟ ولماذا يتدفق سيله على رءوس ~~النساء ms147 أجمعين؟ # هاملت ~~: # لقد سمعت كذلك كيف تصبغن وجوهكن. أعطاكن الله وجها واحدا، ~~ولكنكن تصنعن لكن وجها آخر. تتصنعن الرقص والمشي، ~~وتتكلفن في الكلام، وتخلعن على مخلوقات الله أسماء من ~~ابتكاركن، وتجعلن الجهل عذرا للخلاعة، إليكن عني وكفاني هذا، ~~فقد أصابني الجنون. أتسمعين؟ هلمي إلى الدير! اذهبي! # ولا تملكين، وقد تركك وحدك، إلا أن تندبي العقل النبيل الذي ~~هوى، وترثي لرجاء الدولة وزهرة أملها التي ذوت، وتبكي مرآة ~~الذوق والرقة التي تحطمت، وقبل كل شيء حلم العش الدافئ الذي ~~سقط على الأرض، وتناثر أمام عينيك. # أوفيليا ~~: # وأنا أتعس النساء وأبأسهن، # أنا التي رشفت عسل وعوده، # أرى الآن هذا العقل النبيل الرفيع، # وقد اختل اختلال أجراس عذبة، # فراحت تتحشرج بالأصوات المنكرة. # وهذه الصورة الفريدة للشباب اليافع، # يعصف بها الجنون! # يا ويلتي لما رأيت! # ويلتي لما أراه! # أي عنف أشد من هذا العنف؟! # أي مرارة أقسى من هذه المرارة؟! # كيف أمكنه أن يخاطبك بكل هذه الغلظة، أنت يا من ~~طالما سألك أن تدعي له في صلواتك بالغفران؟ # كيف أمكنه أن يتنكر للحب الطاهر الذي اعترف بأنه ملك ~~عليه قلبه فيما مضى؟ ومن أين واتته القوة الوحشية التي ~~جعلته ينتزع جذوره من دمه، ويلقي بها في وجهك؟ # أنت يا من سماك «ابنة السماء، معبودة روحي، أوفيليا ~~الطاهرة»؟ # وليت الأمر توقف عند الغلظة والقسوة ولم يترد في هاوية الجنون. هذا ~~الذي كان رجاء الدولة وزهرة آمالها، ألم يكفه أن يحطم قلبي فحطم عقله ~~أيضا؟ والذي أحببته وأحبه الشعب كله، هل فقد الثقة في كل شيء وكل ~~إنسان؟ ألم يعد يرى من حوله غير ظلام فوق ظلام؟ كيف تخلت عنه بصيرته ~~النافذة فلم يعد ينظر في أعماقي؟ # وتقفين لحظات حائرة حتى يظهر أبوك والملك من خلف الستارة. انتبهت ~~إلى ما يقولانه عن شكهما في الجنون المزعوم؟ هل آلمك أنه لم يجن سببك؟ ~~وهل فهمت وهما يدبران لنفيه إلى بلد بعيد أنهم ورطوك في التدبير؟ وهل ~~أدركت الآن سر ثورته عليك، وهو يرى القناع الذي وضعوه على ms148 وجهك، ويمد ~~يديه لينتزعه، فيكاد يسلخ معه اللحم ويفجر الدم؟ أم تراك لم تكتشفي ~~شوكة الحقيقة الرهيبة التي تدمي فؤاده؟ الجميع يمثلون، وأنا أيضا أمثل ~~دورا وآتي بالممثلين الفقراء الجوالين لكي أعري وجوه الممثلين، لكن يا رحمة السماء! هل يمكن أن تشترك أوفيليا في التمثيل؟ هل يمكن أن تصبح ~~«السماوية معبودة روحي» عينا تتجسس على نجوى القلب، وتتطفل كاللص على ~~مكنون النفس؟ حقا حقا! فسدت الطبيعة وانهار الناموس، خرج الزمن عن ~~محوره، فكيف أعيده إلى نصابه ومجراه؟ سقطت كل القيم وساد العدم وصار ~~الظلام، لكني سأتحمل عبئي وأواجه المحنة وحدي. وينصرف الأمير اليائس في ~~ثورته، الثائر من يأسه. وتقفين حائرة لا يدري أحد إن كنت قد فكرت في ~~شيء، أو إن كنت لزمت الصمت عن القول وعن التفكير. العالم أيضا في ~~عينيك ظلام، والعالم - بعد جنونك يا هاملت - محض جنون وحطام. وتنتبهين ~~من الحلم المفزع على صوت أبيك. # بولونيس ~~: # والآن يا أوفيليا. # لا حاجة لإعادة ما قاله الأمير هاملت، فقد سمعنا كل ~~شيء. # وبدأ عقلك الجميل ينفصل عنك. هذا العقل الذي لسنا بغيره سوى صور ~~ووحوش. هل التمست العذر لهاملت على سيل الحمم التي صبها على رأسك ~~الصغير؟ إنك لم تستحقي كل هذا الغضب، وكل هذه القسوة، وما كان لك أن ~~تعصي أباك الحبيب. لكن الحب قد ضاع إلى الأبد، وسيضيع كذلك الأب ~~الحبيب. وأنت يا أوفيليا تهيمين في رياض جنتك العذرية، لا تدرين ~~بالآلام التي عذبت نفس الأمير المسكين. لا تعرفين أنها غرقت بين ~~الاكتئاب الذي سمم دمه وعقله، وبين الرغبة في الثأر لمقتل أبيه الذي لم ~~ير شبحه الحزين. وبما أحسست بهواجسه وشكوكه. لكنك لم تتصوري أبدا ~~أنها ستصل به إلى الشك في حبك. وخرجت من جنتك إلى الأبد عندما قتل ~~أباك. لم تكوني معه عندما صب سيل غضبه على أمه. ولم تشعري بألمه عندما ~~اكتشف أن القتيل الذي يتمخض وراء الستارة لم يكن هو رأس الأفعى، لم يكن ~~هو الدمل الكبير الذي سمم صديده عروق المملكة، والذي ms149 عاش حياته وكرس ~~جهوده لقتله بضربة سيفه القاضية، كان المقتول أباك. وحزن الأمير ~~الحبيب، لا لأنه جدير بأي محبة أو تقدير فهو يد الدس التي أرسلها ~~الملك في أعقابه، بل لأنه والدك أنت؛ والد أوفيليا الطاهرة التي أحبها ~~كما أحبته، وإن عجز من فرط التأمل والتألم عن الإحساس بمدى حبه. # وخرجت من جنتك إلى الأبد. # واستدعاك الملك والملكة فرحت تهذين بغناء لا يفهمه أحد؛ لأن الجميع - ~~بما فيهم محبوبك - مشغولون بالتآمر والتدبير، بالتمثيل وكشف التمثيل، ~~بالمكر والتزييف والخداع الذي أفسد الحياة، وكان دائما - دون أن تدري ~~- هو طابع الحياة. # وحدقت الوحوش الآدمية في وجهك البريء وخصلات شعرك المضطرب الجميل ~~وأنت تغنين: # أوفيليا ~~: # سافر الموت به يا طفلتي، # ونما العشب على أجفانه، # واستراحت في ثبات صخرة # عند رجليه وفي أحضانه. # الملكة ~~: # ولكن يا أوفيليا. # أوفيليا ~~: # أرجوك اسمعي. # كفنوه في رداء أبيض # فبدا كالثلج في أكفانه. # الملكة ~~: # انظر إليها يا سيدي. # أوفيليا ~~: # وتزيا النعش بالورد شذى، # وسوى الموكب في أحزانه، # وبدا القبر فمدت شوقها # أدمعا حرى إلى جثمانه. # الملك ~~: # كيف حالك يا جميلة؟ # أوفيليا ~~: # بخير والحمد لله. يقولون إن البومة كانت ابنة خباز، إننا يا ~~مولاي نعرف ما نحن، لكننا لا نعرف ما سيئول إليه. بارك الله ~~مائدتك! # الملك ~~: # إنها تقصد أباها. كم مضى عليها وهي على هذه الحال؟ # أوفيليا ~~: # أرجو أن يتم كل شيء على خير. علينا أن نتمسك بالصبر. لكنني ~~لا أملك إلا البكاء كلما تصورت أنهم سيرقدونه في الأرض ~~الباردة. # سيعرف أخي بالأمر. ولهذا أشكر لكم نصيحتكم الطيبة. تعالي يا ~~عزيزتي! تصبحن على خير يا سيداتي. يا سيداتي اللطيفات تصبحن ~~على خير ~~(تنصرف) ~~. # الملك ~~(للملكة) ~~: # هذا سم الحزن العميق، وهو ينبع كله من موت أبيها. # أصحيح أن السم كله ينبع - كما قال الملك - من موت أبيك؟ أم أن السم ~~تفشى في المملكة بأسرها، وانتشر في شرايين الطبيعة البشرية نفسها؟ ~~وتهيمين كالشبح الشاحب في أرجاء البلاط، كشعاع يتخبط وسط الظلمات، ~~يتخبط حينا، ثم يذوب وينطفئ ببحر الظلمات. # وتعودين للظهور في ms150 المشهد الخامس من الفصل الرابع بعد رجوع شقيقك ~~«لايرتس» من غربته. لقد رجع ليثأر من قاتل أبيه، وها هو ذا يصمم على ~~الثأر ممن يتصور أنه تسبب في جنونك. إنك تترنمين بأغنيتك الغامضة أمام ~~أخيك وتقولين: # أوفيليا ~~: # فوق نعش حملوه، # وبقبر مددوه. # آه يا ويلي آه! # بدموع أمطروه، # بدموع أمطروه. # الوداع يا حمامتي، # حمامتي، الوداع. # لايرتس ~~: # إن هذا الجنون أقوى من كل حس سليم. إنها تلمس الغم والأسى ~~والعذاب والجحيم نفسه فتحيله إلى حسن ورواء. # أوفيليا ~~: # ألن يعود من قضى؟ # كيف يعود من مضى؟ # هيا اذهبي؛ # فلن يعود. # لن يعود أبدا # ونحن نبكيه سدى. # يا رحمة الله به، # ورحمة الله بنا! ~~••• # على الموج الهادئ الأسود حيث تنعس النجوم # تسبح أوفيليا الشاحبة كزهرة سوسن كبيرة # تسبح في بطء شديد، ملتفة في وشاحها الطويل. ~~••• # كأنه إكليل زهرة تهدهده المياه الناعمة # الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيها # وعلى جبينها الكبير الحالم تهجع أعواد البوص. ~~••• # ورود الماء التي اختلجت من لمسها تتنهد ~~حولها، # أحيانا توقظ عشا في شجرة حور نائمة # فتفلت منه رعشة جناح صغيرة # أغنية غامضة تهبط من النجوم الذهبية. ~~••• # البؤرة ما زالت تنضح بالعفن وتتصاعد منها الأبخرة الموبوءة. ~~والملك يدبر مع أخيك المكيدة التي ستصرع هاملت. وتدخلت الملكة ~~هالعة مفزوعة. # الملك ~~: # ما وراءك يا مليكتي المحبوبة؟ # الملكة ~~: # مصيبة في أعقاب مصيبة. أختك غرقت يا لايرتس. # لايرتس ~~: # غرقت آه! أين؟ # الملكة ~~: # هنالك صفصافة تميل على غدير # يعكس أوراقها الكئيبة في تياره الصافي، # هناك ذهبت أوفيليا بأكاليل غريبة # من زهور الغراب والأقحوان والزنبق في لون الأرجوان ~~الذي يدعوه الرعاة بأسماء غليظة وتسميه صبايانا ~~العفيفات «أنام الموتى». # وعندما تسلقت الشجرة، # لتعلق أكاليلها المضفورة من الأعشاب # على الأغصان المتأرجحة، # انكسر فرع حسود # وهوت مع أكاليلها في مياه الغدير الباكي، # انتشرت ثيابها وحملتها كحورية البحر برهة من ~~الزمن، # راحت فيها تغني مقاطع من ألحان قديمة # كأنها لا تدرك محنتها، # أو كأنها مخلوق نشأ في الماء وتعود على ~~عنصره، # لكن ذلك لم يستمر طويلا، # فلم تلبث ثيابها التي ثقلت ms151 بما شربته # أن انتزعت المسكينة التعسة من شكواها الحنون، # وهوت بها إلى حتفها في الطين. # لايرتس ~~: # وا حسرتاه! أغرقت إذا؟ # الملكة ~~: # غرقت. غرقت. # لايرتس ~~: # أوفيليا المسكينة. غزيرة هي المياه التي أنت ~~فيها. # ولهذا سأمنع دموعي # وداعا يا مولاي عندي كلمات من نار # تود لو يضطرم لهيبها # لولا أن دموعي تطفئها. # ضاقت الأرض بما وسعت فلم تمددي عليها جسدك، ولهذا اخترت فراش زفافك ~~للموت على سطح الماء. وابتعدت عن الأرض التي تنوء بحمل القتلة والفجرة ~~والأوغاد الخداعين لكي تموتي طاهرة في الماء الطاهر. # ويأتي المشهد الأول من الفصل الخامس والأخير، فنرى مراسيم الدفن ~~المبتورة، حتى رجال الدين أبوا عليك تراتيل القداس؛ لأن روحك فيما ~~يقولون لم ترحل في سلام. ولولا أن تدخل الملك لدفنت كما أرادوا في أرض ~~غير مقدسة، وبقيت فيها إلى أن ينفخ في الصور لولا أوامره لأهيل عليك ~~الحصى والحجارة وشظايا الفخار. وأذن لك على مضض أن تشيعي إلى مثواك ~~وعليك أكاليل العذارى، وأن تنثر عليك الزهور على رنين الأجراس. # وأنت في تابوتك - ينمو البنفسج من جسدك، ويتضوع منك الشذى - لا تدرين ~~أن حبيبك المكتئب من طول ما تأمل حقيقة نفسه وحقيقة الحياة قد آب من ~~غربته ليتمم انتقامه، ويسعى إلى مصرعه ومصيره. ولقد كان قبل وصول موكب ~~جنازتك مشغولا كعادته بالتأمل والتألم إلى حد السخرية المرة من ~~الحقيقة المرة للموت والحياة. # ضحك مع حفاري القبور إلى حد البكاء، ونثر نكاته اللاذعة فوق الجماجم ~~الخرساء، لقد عرف وهو الآن مستعد لتقبل كل شيء والتسليم بكل ~~شيء. # إن موتك ينتزع منه صرخة حادة. يحرك السكين في الجرح الساكن منذ سنين. ~~لقد واجه منذ لحظات حقيقة الموت المجرد، موت المهرج «يورك» الذي طالما ~~لعب معه وهو صغير، وموت السياسي الداهية، ورجل البلاط الأجوف، والمحامي ~~الماكر، وموت الإسكندر العظيم الذي أصبح طينا قد يسد ثقبا ليصد ~~الريح، أو يصير سداد لدن خمر أو برميل، ولكنه الآن يواجه موتك أنت ومن ~~يدري؟ ربما يواجه لأول مرة في حياته حقيقة حبه لك، حبه ms152 الذي أنكره ~~وتنكر له، ولو أحس به لخلصه من تردده، لو آمن به لما اكتسى لون العزم ~~الأصيل بصفرة التوجس والقلق العليلة. إن موتك يا أوفيليا هو الذي يكشف ~~له الآن عن سر الحياة والحقيقة الذي طالما حاول عبثا أن يرفع عنه ~~الغطاء. أليس من أعجب أسرار هذا السر العجيب أن حفرة من الطين هي التي ~~ستضم ضيفا عزيزا مثلك؟ ألم يكن الأولى أن تلتقي في غيمة أو وردة ؟! ~~أنت يا من نجوت وحدك من السم الذي استشرى في دماء كل الذين عرفهم كما ~~استشرى في دمه. يا من لم يزرع فيها، دون الجميع، ذلك الدمل الكريه ~~مكان الوردة التي لا تزال تزين جبهتك الناصعة بالحب البريء. رباه! أكان ~~ضروريا أن تجني وتموتي ليتم تطهير دولة وبعثها من جديد؟ أكان ~~انهيارك رمزا لانهيار المجتمع وتصدع الروح وفساد الطبيعة والإنسان؟ أم ~~كان كالنبوءة المقدسة التي تسبق المحنة وتنذر بالسقوط. لعله الآن قد ~~أدرك أنك الضحية. لعله فهم أخيرا أنه مشترك في الوزر الذي ارتكبه ~~الجميع لعله لا يسأل: ماذا فعلوا بك؟ بل يسأل: ماذا فعلنا بك؟ كيف ~~عمينا عن رؤية نورك؟ # وينزل لايرتس وهاملت إلى القبر. وينشب العراك، حتى يفرق الحاضرون ~~بينهما. ويصرخ هاملت متوعدا: # هاملت ~~: # والله لأحاربنه بهذا الشأن # حتى تتوقف رموش عيني عن الحركة. # الملكة ~~: # أي شأن تعني يا ولدي؟ # هاملت ~~: # لقد أحببت أوفيليا، # وإن أربعين ألف أخ # لن يساوي حبهم # مقدار حبي لها. # أتريد أن تبكي؟ أن تقاتل؟ أن تصوم؟ أن تتجرع خلا ~~وتأكل تمساحا؟ أم تريد أن تمزق نفسك وتدفن نفسك حيا ~~معها؟ سأفعل ذلك أيضا. # لكن ماذا يجدي التحدي؟ ماذا تنفع الصرخات والزفرات؟ ~~إن المأساة الحقيقية داخل المأساة قد وقعت، والستارة ~~تهبط الآن على أفجع فصولها. طبع القدر خاتمه الثقيل ~~على مصائر الجميع. ولم يبق إلا أن تدور عجلات عربته ~~لتنحدر في الهاوية الأخيرة. # ويكمل الشاعر الذي ذكرت لك في البداية إنه يشبهك في روحه ومصيره، ~~يكمل أغنيتك الغامضة التي تهبط من النجوم الذهبية: # أوفيليا الشاحبة! ms153 أنت أيتها الجميلة كالثلج! # نعم. مت يا طفلتي عندما جرفك نهر! # لأن الريح الهابطة من جبال النرويج الشامخة # كلمتك في همس عن الحرية القاسية، # لأن نسمة تخللت شعرك الغزير، # وحملت لروحك الحالمة أنباء غريبة، # لأن فؤادك سماء غناء الطبيعة. # في بكاء الأشجار وتنهدات الليالي، # لأن نداء البحار المجنونة، نشيجها الهائل المرير # كسر قلبك الطفل، قلبك الإنساني الرقيق، # لأنه في صباح يوم من أبريل جثا فارس شاحب جميل # فارس مسكين مجنون # عند ركبتيك في صمت وذهول! # السماء! والحب! والحرية! # أي حلم أيتها المجنونة المسكينة # ذبت فيه ذوبان الثلج في اللهيب؟! # رؤاك العميقة هي التي خنقت كلمتك # واللانهاية الرهيبة أقلقت عينك الزرقاء! # تصدعت أركان المجتمع المريض، وانهارت فوق رءوس المرضى الذين ~~تسببوا في سقوطه. ومضيت أنت يا أوفيليا، شهيدة عصر مريض وشاهدة ~~عليه، كما يمضي شعاع توهج لحظة في بحر ليل دامس. وانطفأت شعلتك ~~الأخيرة في الماء بعد أن عصفت به ريح الجنون. لكن من الذي فطن ~~إلى الحكمة من جنونك وموتك؟ حتى حبيبك الحزين من طول ما تأمل ~~وجه الحقيقة المرة خلف الأقنعة لم يعرف سرك، ولم يستطع أن ~~يحبك. كأن الزمن قد خرج عن مجراه وجذور الشر كانت ضاربة في ~~جسدك الوجود الذي أراد أن يعيده إلى مجراه، كما كانت ضاربة في ~~جسد المجتمع والوجود، وكان من المستحيل أن يداويه شعاع نجمة ~~عبرت السماء الدنمرك، ثم احتواها الظلام أو زهرة بريئة تفتحت ~~وسط غابة من الأعشاب العفنة والحشرات الفتاكة. # لكن شبحك الأبيض كالثلج، النقي كالزنبقة سيظل يهيم على ~~الأرض، # والريح التي كلمتك في همس عن الحرية القاسية ستظل ~~تتكلم، # ونداء البحار الذي كسر قلبك الطفل سيظل ينادي قلوب ~~الأطفال، # والحلم الذي ذبت فيه ذوبان الثلج في اللهيب، # الحلم العميق الذي خنق كلمتك وأقلق عينيك، # الحلم بالحب والحرية سيظل يهمس للقلوب والعيون التي تشبه ~~قلبك وعينيك. # وإذا ظل الزمن يخرج عن محوره ومجراه، # وظلت الأرض تطفح بالآثام واللعنات، # والمجتمع ينوء بثقل اللئام والأوغاد والكلاب والذئاب والقرود ~~والحشرات، # فسيوجد دوما من يعيد ms154 الزمن لمجراه، # من يجعل الأرض مسكنا للبراءة والنقاء، # ولتنبح الكلاب القمر كما تشاء، فسيبقى القمر ساطعا في ~~السماء، # وتبقين أيتها البريئة كشعاع النجم الوضاء، # كالزنبقة البيضاء طافية على وجه الأرض والماء. # 1984م # | الدمعة السادسة: دموع أوديب # بكائية في تسعة مشاهد # الشخصيات # أنتيجونا (ابنة أوديب). # أوديب. # جوكاستا. # تريزياس. # كريون. # بوليبوس (ملك كورنثة)، ميروب (ملكة كورنثة): والدا أوديب ~~بالتبني. # رسول من كورنثة. # الراعي. # الجوقة. # الهولى. ~~(تبدأ البكائية بعد انتحار جوكاستا وفقء أوديب لعينيه وقبل مغادرته ~~طيبة.) ~~(فاجأني وجهه الحزين الملطخ بالدم، وأنا أستقل الطائرة التي أقلتني ~~من أرض وطني إلى مكان آخر. ثم ظل يلاحقني حتى كتبت هذه البكائية ~~المسرحية، أعلم أن الإقدام على كتابة «أوديب» مغامرة لا تخلو من ~~التهور، بعد عشرات المحاولات من سوفوكليس إلى اليوم. لكنها سطور من ~~وصيتي للإخوة والأبناء إلى وطني، حتى لا يصبح الغدر هو قانون الحياة ~~فيه، ويسقط القناع الأسود الذي وضعه الانتهازيون ولصوص الحرية والعلم ~~والضمير على وجه مصر النبيل.) ~~(تبدأ البكائية بعد انتحار جوكاستا وفقء أوديب لعينيه وقبل مغادرته ~~طيبة.) # 1 ~~(المشهد ساحة جرداء أمام سور طيبة، ترتفع فيها ~~درجات أشبه بدرجات مسرح قديم مهجور. على اليمين كتلة بشرية مظلمة ~~من عجائز المدينة، ونسائها الثكالى، تظهر أو تتوارى كلما دعت ~~الضرورة، تصدر عنها تهويمات تحلق في الفضاء كسحابة غائمة، ولا ~~نتبين أطيافها إلا حين يدخل معها أوديب في حوار أو يشتبك معها في ~~جدال يتردد صوتها المعتم العميق قبل دخول أوديب، تسبقه ابنته ~~أنتيجونا التي جرت مذعورة، واستندت إلى حجر كبير.) # الجوقة ~~: # أوديب. اخرج اخرج يا أوديب. غادر طيبة يا أوديب. # أوديب ~~(يندفع داخلا يتحسس الطريق بعد أن ~~سبقته أنتيجونا ولاذت بحجر كبير) ~~: # ابنتي. ابنتي. أين أنت يا حبيبتي؟ لماذا تركت يدي؟ ~~أمسكتها ونزلت بي الدرج، فلماذا تركتها؟ يدي التي فقأت ~~عيني. أين أنت؟ هاتي يدك. تعالي يا صغيرتي. ~~(أنتيجونا تبكي.) # أوديب ~~(يقترب منها) ~~: # لا تتخل عني يا حبيبتي. أنت عيني الثالثة لم يبق لي ~~سواك. تعالى ~~(يتخبط بين ~~الأحجار) ~~. # الجوقة ~~: # اخرج اخرج ms155 يا أوديب. # غادر طيبة يا أوديب. # لم لا تسرع نحو المنفى؟ # لم تتلكأ عند السور؟ # أوديب ~~: # ها هي المدينة تطاردنا. ترسلنا للمنفى بعد أن نبذتنا ~~وتخلت عنا. تبكين يا حبيبتي؟ المدينة قاسية يا صغيرتي. ~~عمياء لا تبصر مثل أبيك. أما زلت تحنين إليها يا ابنتي؟ ~~أتنتظرين رفيقاتك في اللعب؟ ألم تتوقعين أن تظهر أختك ~~«اسمينا» من وراء الشجر لتغمض عينيك بيديها، وترن ضحكتها ~~وتجلجل كأجراس القطعان اللاهية فوق رأسك المتعب الصغير ؟ ~~لا. لا تنتظري أحدا. لا تتوقعي أن يفاجئك أحد أو يشد ثوبك ~~أحد، حتى كلبك الأبيض تخلى عنك. لم يبق لك سواد ولم يعد لي ~~سواك. # الجوقة ~~: # أواه إني إن أرثي لك أبكي من أجلك يا ~~أوديب. # يا أتعس رجل نظرته عيني، # يا من تتخبط وحدك في ظلمات الليل، # وخطاك تقودك للظلمات الأبشع # في «هاديس» حيث تقيم مع الأشباح، # ومن ذهب إليه لا يرجع. # أنتيجونا ~~(تبكي) ~~: # أبي. أبي. # الجوقة ~~: # وا حسرتاه! صوت من هذه التي تصرخ وتئن؟ # أهذه ابنتك التي طالما شهدتها معك، # ورأيتك تداعبها وتحملها على صدرك، # عندما كنت تواجه سكان طيبة، # أو تقدم الأضاحي والبحور الطيبة الرائحة # على مذبح الآلهة المقدسين؟ # وا حسرتاه عليك يا ابنتي. # كم يتقطع قلبي من أجلك. # ومن أجل أبيك الذي صار أخاك. # أوديب ~~: # لا تصدقيهم يا حبيبتي. لا تصدقيهم. ~~(أنتيجونا يزداد نشيجها.) # أوديب ~~: # لقد أطلقوا الكذبة وصنعوها، ثم جاء هؤلاء العجائز ~~فصدقوها وروجوها. ماذا أسمع! هل يبكون الآن علي؟ # الجوقة ~~: # آه إني أبكي من أجلك يا أوديب. # أبكي ابنتك المسكينة وبقية بناتك ~~وأخواتك. # لكن أمطار دموعي على طيبة لن تجف. # طيبة التي أنقذتها ذات يوم، # وحكمتها بقوة الحقيقة القوية، # حتى ظننت أنك أسعد إنسان، # حين كنت أراك على العرش # وحولك أبناء طيبة وبناتها، # كالحملان عندما تلتف حول الراعي الطيب # الذي خلصها من الذئاب، # لكن أمطار دموعي على طيبة لن تتوقف، # وإن كنت أعلم أنها لن تروي شجرة عمري ~~الذابلة، # ولن تعيد الخضرة إلى شجرة طيبة، # التي هوت بفروعها وأوراقها في الهوة ~~الدامية. ms156 ~~(أنتيجونا يرتفع نشيجها، يعثر أوديب أخيرا ~~عليها.) # أوديب ~~: # ها أنا أمسك يدك التي فرت من يدي ~~(يقبلها ويغمرها بدموعه) # صدقي دموعي الدامية، ولا تصدقي دموعهم. صدقيني يا ~~حبيبتي. # أنتيجونا ~~: # أبي. أبي. # الجوقة ~~: # بل قولي أخي أخي. # آه يا أنتيجونا! # أي مصير ينتظرك يا ابنتي! # أوديب ~~: # ابنتي. حبيبتي. لا تصدقيهم. هؤلاء الذين يذرفون دموع ~~الأفاعي والتماسيح عليك وعلي. هم الذين هللوا وصفقوا ~~عندما رأوني على عرش طيبة. هم الذين لم يتحركوا عندما رأوا ~~الكذبة تحاك حول رقبتي، واللعنة تدبر في الخفاء لتدمرني ~~وتدمر أسرتي. # الجوقة ~~: # واها لطيبة التي تندثر وتنهار في ~~الهاوية. # البذور تخيب أمل الزراع وتموت في الأرض التي ~~حرثها والقطعان تصم آذانها عن نداء الراعي، وتهلك ~~في مراعيها، والعقم يقتل نساءها ويودي بالأحياء من ~~أطفالها. # وإعصار الوباء الذي اجتاحها وعصف بأهلها قد صمم ~~ألا يخرج منها حتى تغادر أسوارها. # أوديب ~~: # ها أنا أغادرها يا أبناء كادموس ~~المخدوعين، # تسحبني ابنتي من يدي إلى مصير مجهول. # ابنتي التي ترددون أنها أختي وابنتي، # وسيخرج معي الإعصار ليدخل إعصار آخر، # ليشيع أبناؤكم وأحفادكم طاغية آخر. # الجوقة ~~: # اخرج اخرج يا أوديب. # احمل دنسك. لا تتلفت للأسوار. # ألق به في ماء البحر، وطهر نفسك أو في ~~النار؛ # عل إلها يرحم طيبة يرفع عنها هذا الرجس، ~~ويمحو منها هذا العار. # أوديب ~~: # سمعت يا حبيبتي؟ رجس هو أبوك وعار. والمدينة التي ولد ~~فيها كما ولدت تتطهر منه، لم يكفها دم أمك ولا دم عيني. ~~فأنا الرجس الذي قررت أن تنفيه حتى لا تتلقاه الأرض ولا ~~المطر المقدس ولا الضوء الحبيب، لكني أسألهم فاسمعيني. كيف ~~يكون رجسا من أنقذ المدينة من الوباء؟ كيف يدنسها من حل ~~اللغز فصعق الهولى قبل أن تولدي أنت وأخواتك؟ لا تبكي يا ~~حبيبتي. لا تبكي يا صغيرتي. جففي دموعك واسمعيني. قبل أن ~~نغادر هذه الأرض عليك أن تسمعيني. اتركي أباك المسكين يفتح ~~قلبه لك، قلبه الذي طالما ضمك إليه حين كنت تبكين ولا ~~تسكتين حتى تعبثي بشعر لحيته. دعيه يدافع عن نفسه أمامك. ms157 ~~دعيه يبرر تهمته التي ألصقها به الذئاب والكلاب والعناكب ~~التي نسجت مؤامرتها في الظلام. لا تتلفتي لهؤلاء الشيوخ ~~المخدوعين الخداعين. سيسمعونني إذا شاءوا، وإذا شاءوا ~~ينصرفون. أنت وحدك التي أريد أن تسمعني وتفهمني. أنت وحدك ~~يا حبيبتي الصغيرة. أتنظرين إلى المدينة الغافية من بعيد؟ ~~لا تنتظري شيئا ولا أحدا. «اسمينا» تلعب هناك ولا تكترث ~~بشيء. ربما تقطف الزهور من بستان القصر لتزين جيدها الناصع ~~المغرور. ربما تعبث مع رفيقاتها وتتسلى بإلقاء كتبها في ~~الجدول الصغير. ربما تغازل شابا من وراء سور البستان. ~~أخويك تنتظرين؟ لن يجيبك أحد مهما ناديت. إنهما يجربان ~~ألعاب الشباب، أو يتصارعان على عادتهما خارج المدينة. ~~الرفاق يتفرجون عليهما ويصفقون. ورأساهما العنيدان تثقلهما ~~أحلام المجد، وتعصف فيهما رياح الرعونة الهوجاء. اسمعيني ~~يا حبيبتي. اسمعي آخر كلماتي، لا يهمني أن ينتهي العالم ~~كله، لا يعنيني أن تشير إلى جميع المدن كأني ضبع ضار أو ~~ذئب ملعون، لا يهمني أن أخرج من طيبة كغراب مشئوم، كل ما ~~أريده أن تعرفي الحقيقة، والحقيقة أن أباك لم يدنس بإرادته ~~ولن يدنس، لقد دفع الثمن قبل أن تسحقه الأسطورة وتسحق ~~أسرته، هل تسمعونني أنتم أيضا أيها الشيوخ؟ أين أنتم؟ ~~لماذا غاب صوتكم؟ أوديب المنقذ يتكلم. أوديب الطاهر يتطهر. ~~يدفع التهم التي صدقتموها بعد أن صنعتموها، نعم أيها ~~الشيوخ، اسألوا أنفسكم مرة واحدة: ألم تكن رغبته في ~~المعرفة هي التي دنسته؟ ألم يصمم أن يعرف نفسه فأحرقها ~~وجلب عليها الخراب! إنه لا ينتظر جوابكم إنه يقف أمامكم ~~الآن، ويسأل نفسه. لا يبالي إن سمعتموه أو انصرفتم عنه. ~~أنتيجونا وحدها. # أنتيجونا ~~: # أبي. أبي. # أوديب ~~: # أنت وحدك وحدك يا حبيبتي التي يريد بحديثه، وعلى صدرك ~~وحدك تسقط دموع ذكرياته. فاسمعيني يا حبيبتي، كوني عيني ~~الثالثة، وانظري معي في سطور الماضي، الماضي الذي أفتحه ~~الآن أمامك. أمامك أنت وحدك. # أنتيجونا ~~: # أبي. أبي ~~(تبكي) ~~. # الجوقة ~~(في صوت رهيب) ~~: # تكلم يا أوديب. # 2 # أوديب ~~: # انظري يا ابنتي تري أباك يشتعل بنار الشباب، يحوم ~~كالفراشة حول أنوار الحكمة، يسأل ms158 الكتب التي يلتهمها فتصمت ~~أو تنطق كلمات لا تفهم. إنه يتنقل في قصر أبيه وأمه في ~~كورنثة ولا يكف عن السؤال. يتجول في شعاب الجبل والوادي، ~~ويتطلع للنجوم ولا يكف عن السؤال. يختلط بالناس في السوق ~~والجبل والحقل والمعبد، فيشير إليه الجميع: هذا هو الحالم ~~الذي سيعيش ويموت وعلى شفتيه سؤال، وذات يوم تحداني أحد ~~الشبان هل تستطيع يا ابن الملوك أن تبارز بالحربة وبالسيف ~~كما تبارز بالأسئلة والألغاز؟ ثبت عيني في عينيه وقلت: ~~لو كانت كل الألغاز كهذا اللغز لهان الأمر. قال ساخرا وهو ~~يمتشق سيفه: ولكنه يحتاج إلى الشجاعة. قلت وأنا أجرد سيفي ~~وأفاجئه بطعنة في صدره: إن كان هذا هو الحل فخذ! ارتمى ~~على الأرض وهو يصيح: قتلتني ولم تحل اللغز! أقبل الرفاق ~~فمنعوني من الإجهاز عليه. قالوا: مخمور لا يفيق دائما ~~يجرح غيره، فاتركنا الآن نداوي جرحه. قلت: لن أتركه حتى ~~يكشف عما في صدره، حتى يتكلم عما يقصده باللغز. تأوه من ~~الألم وصاح: تعرف كل الأشياء، ولا تعرف نفسك. تسأل عن كل ~~الأشياء، ولا تسأل من أنت. اندفعت نحوه وأنا أهتف: هل تسأل ~~من أنا، وهل تعرف أنت أن أنين المذبوح: آه! إني أتألم ~~من جرحي، لكني أتألم لك. لست ابن أبيك. جريت إلى القصر كمن ~~لدغته أفعى، واندفعت إلى حجرة أبي فوجدته راقدا على فراش ~~المرض مفتوح العينين. صعد بصره، وقال: ولدي؟ أشفقت عليه ~~فلم أنطق. أشار بيده النحيلة، فاقتربت منه وطالعت على وجهه ~~الطيب المكدود آثار الصراع مع العلة القديمة. ابتسم وقال: ~~ماذا يريد البريء الجريء؟ ماذا يريد حبيب الفقراء ~~والحكماء؟ قلت: وأخشى أن أخرجه من شفتي اعتدل في فراشه وهو ~~يتأوه من الألم: ماذا يضنيك يا ولدي؟ كتاب تبحث عنه ولا ~~تجده في خزانتي التي أتيت عليها؟ قلت: بل سؤال أكتمه منذ ~~سنين، حتى أثاره اليوم شاب مخمور تصارعت معه. ضحك وقال: ~~مخمور؟ تتلقى منه سؤالا أو تنتظر جوابا؟ أنت يا أوديب؟ ~~قلت: أبي. من أنا؟ رفع حاجبيه دهشة: من أنت؟ ألم ms159 أنطق ~~باسمك؟ تلعثمت وأنا أشهد التجاعيد التي تتلوى على وجهه: ~~لا. لا. أقصد ... ربت على كتفي وضمني إلى صدره: أنا أعرف ~~قصدك أكثر منك. الحكيم الصغير مثلك لا يسأل عن شيء زائل. ~~ها أنا ذا أموت يا ولدي، وعندما يقترب الموت لا يبقى غير ~~سؤال واحد: ما الإنسان؟ هذا هو السؤال الأكبر يا ولدي. ~~أما من أنت، فهذا أمر واضح. لم أملك عيني من الدمع. لم ~~أستطع أن أتحكم في صدري الذي أخذ يعلو ويهبط. أردت أن ~~أصرخ: أقصد من أمي؟ ومن أبي؟ هل أنا حقا ابنك وهل أنت ~~حقا أبي؟ لكنني لم أقو على إخراج كلمة واحدة. ورفعت ~~رأسي عن صدره جففت دموعي. قلت: ربما يستطيع العراف في دلفي ~~أن يجيبني. قال متعجبا: العراف في دلفي؟ هل يعرف من أنت ~~سواك؟ اذهب يا ولدي. اذهب إلى فراشك. لقد توغل الليل. ~~والليل يفرخ مسوخ الأسئلة السوداء. اذهب يا ولدي، فالفجر ~~ينتظرك. قلت وأنا أقبله: أذهب يا أبي حتى لا يطول انتظاره. ~~ضحك وهو يتابعني بعينيه الكليلتين. لم يدر أنه يراني لآخر ~~مرة، وأنني سأسمع بعد ذلك عن موته دون أن أراه. نزلت على ~~سلم القصر مسرعا. كان تصميمي على الخروج هو الذي يحث ~~خطاي. ولم أكد أهبط الدرجات، حتى أحسست بثقل يشل قدمي، ~~ويقبض على صدري. رجعت مرة أخرى، فأسرعت إلى حجرة أمي، فتحت ~~الباب عليها فوجدتها نائمة. تأملت الوجه الطيب الذي طالما ~~ضمني إليه. هل يمكن أن أغضب الآلهة، فأفزعه من نومه، ~~وأسأله: أأنت وجه أمي؟ أغلقت الباب برفق، ورجعت أهبط ~~الدرجات بين دهشة الحراس وابتسامهم، وعندما وقفت على الباب ~~الخارجي لم أستطع أن أتلفت ورائي. كان السؤال الكبير ~~يجذبني إليه ويناديني. وكنت أحلم أن أسمع الجواب على لسان ~~العراف، فاندفعت على الطريق الطويلة بلا تردد. # الجوقة ~~: # الطريق إلى دلف طويل شاق، # لكن طريق الآلهة محفوفة بالضباب. # ها أنت تقف أمام المذبح وتلقي السؤال. # إني أتخيلك يا أوديب ولا أكتم الخوف ~~والإعجاب. # تكلم. ماذا حدث هنالك مما أجهل؟ # ماذا ms160 كان جواب العراف؟ # أوديب ~~: # أجل أيها الشيوخ. لم أجد الجواب. لم يأذن لي أحد بالدخول ~~إلى المعبد. أوقفوني على الأبواب، وأنا الذي كانت الحراس ~~تفتح لي الأبواب. قلت لهم: ابن ملك وملكة يمد يديه ~~بالسؤال. وقالوا: بيد خالية حتى من الماء والزاد؟ قلت: ~~تركت كل شيء، وجئت أقف على الأعتاب. قالوا: أين هداياك ~~وأين عطاياك؟ أين الأضحية وأين القربان؟ قلت: إن وجدت ~~الجواب فسوف تغمركم هداياي. قالوا: أي جواب وعلى أي سؤال ؟ ~~قلت: سؤال الأسئلة أيها الكهان. من أنا؟ ما أصلي ومصيري؟ ~~ومن الإنسان؟ فاجأني صوت يخرج من جوف المذبح: رجل لا يكف ~~عن السؤال. تقدم يا أوديب! يا قاتل أبويك ويا من تنجب من ~~الرحم الذي خرجت منه. ارتعش القلب، ورفرف مذعورا في صدري، ~~صحت بمن ناداني: # سخف ما قلت وحق الأرباب! لن أرجع أبدا للقصر، ولن تبصر ~~عيني الأم ولا الأب. تضاحك صوت النبوءة، حتى ارتجت جدران ~~المعبد: قد قدر من قبل عليك. لن ينفعك رجوع، لن ~~يجديك هروب. أذعن للقدر ومن نسج خيوطه! صحت: ومن نسج ~~خيوطه؟ إله هذا أم نصف إله قاسي القلب؟ ملكا أصبح أم ~~قاتلا؟ ردد الصوت: الملك القاتل يقتل بعد قليل أو ~~ينفى. # ركبت موجات النبوءة المضطربة، واجهت البحر الثائر ~~كالربان القادر، أرعدت وأبرقت وأرسلت صواعق غضبي: ومن قال ~~إني أسعى للملك وقد تركته وراء ظهري؟ إنني عابر سبيل، إذا ~~صح كلام المخمور فإني لقيط صار ابن ملك وعاد ابن الملك، ~~فصار شحاذا، قلت لك لقد تخليت عن الملك. رد قائلا: تخليت ~~عن ملك لا تستحقه، وستحصل على ملك لا تريده. صحت بأعلى ~~صوتي: إنما أريد أن أحل اللغز. قال الصوت: ستحله يا أوديب ~~ولن تحله. اشتد بي الغضب، فقلت: من حق الإنسان أن يكذب ~~نبوءة ليصدقها العقل. رد الصوت: هذا من حق العقل، لكن ~~القلب له شأن آخر. والنبوءة قد تصدق وتكذب. قلت: ولكن يجب ~~أن تفهم ضحك الصوت: لا تتعجل ستفهم يا أوديب، لكن بعد ~~فوات الوقت. ضربت جدار المذبح بيدي ms161 وصحت: بل أفهم وأحل ~~اللغز. # تمدد الصوت في أذني كظل الوحش الرابض في الغابة: ألم أقل ~~لك؟ ستحل اللغز ولا تحله. وستقضي على الوباء وتسبب الوباء. ~~ستجلس على عرش المدينة وتدمر المدينة. وستقتل الوحش، وتصبح ~~وحشا يقتله وحش. اذهب يا أوديب. اذهب يا أوديب قدرك لن ~~تفلت منه. صحت: وسؤالي؟ هل أذهب قبل أن تجيب عليه؟ قال ~~الصوت مودعا: وستذهب أنت وأذهب مثلك وعلى الشفتين سؤال. ~~هذا قدرك يا أويب، هتفت يائسا لكني سأتحدى القدر. ~~سأتحداه. جلجلت الضحكات: اذهب وتحداه. صحت: وإلى أين أذهب؟ ~~إلى أين؟ دوت الضحكة كالزلزال: إلى طيبة. إلى طيبة. ضربت ~~الأرض بقدمي وبكيت وضحكت: طيبة؟ ماذا أفعل في طيبة؟ إنك لم ~~تجب على سؤالي. طاردتني الضحكة: اذهب لتجيب عليه بنفسك. ~~اذهب. اذهب. # الجوقة ~~: # خفية هي أسرار الآلهة، # كامنة كالشجرة داخل البذرة الصغيرة، # والويل لك إن حاولت أن تشد الشجرة قبل ~~الأوان. # ضع البذرة في الوعاء المقدس، # تعهدها بالماء والضوء والهواء. # لا تخف إن تعرضت للأمطار والأخطار، # وعندما تغمرك الشمس فجأة وبلا انتظار، # ستجد المأوى في ظل الشجرة الكبيرة. # أوديب ~~: # ليس صحيحا ما تقولون. فقد غمرتني الشمس ولم أجد الظل، ~~ولا المطر، ولا المأوى. وعندما استبد بي الدوار ورحت أحترق ~~ويتصاعد مني البخار كأنني فحمة ملتهبة، جلست تحت صخرة على ~~جانب الطريق الضيق ذي الشعاب الثلاث. الجبل أمامي صخر ~~والوادي حولي قفر. والجوع مع الغضب الحارق في جوفي جمر. ~~وغفوت قليلا، ثم فتحت عيني على أصوات قريبة مني. كان في ~~الأفق غبار، وموكب صغير يجرح الأقدام على الطريق المترب ~~الخانق بالبخار لمحت نساء وأطفالا ورجالا يحملون متاعهم ~~القليل على أكتافهم. فقراء هؤلاء الناس، مزارعون أو رعاة ~~مما تنبت الأرض من أشواك. مروا علي وتوقفوا ليستريحوا في ~~ظل الصخرة الكبيرة التي كنت أحتمي بها، سألني شيخ عجوز: ~~إلى أين يا بني؟ قلت: مسافر يا عمي. قال شاب يبدو على وجهه ~~الإعياء: الطريق طويل. حذار أيها الشاب. قلت: اطمئن إني ~~أعرفه وأعرف هدفي. قال الشيخ: سافر كما تشاء، لكن ms162 لا ~~تتهور. قلت: ماذا تقصد؟ قال: لا تقترب من طيبة. سألت: أهي ~~قريبة من هنا؟ قال الشاب: أقرب مما تظن قدماك، وأبعد مما ~~يتصور عقلك. رفعت عيني إلى الشيخ فنظر إلي وقال: نحن من ~~أبناء طيبة. لم نخرج منها كما يخرج الناس من الأبواب. لقد ~~تسللنا من ثغرة في السور. قاطعه الشاب: بل حفرناها ~~بأظافرنا في الظلام! قلت: ولماذا لم تخرجوا من أبوابها؟ ~~تعجب الشيخ وقال: وهل يخرج أحد من طيبة أو يدخلها؟ ألم ~~تسمع يا ولدي بالهولى؟ ألم تسمع بالوباء؟ قلت: الهولى؟ ~~والوباء؟ ماذا أسمع؟ قال الشاب: منذ أن ظهرت العذراء ذات ~~المخالب، وهي تتربص بالداخل والخارج. تطرح عليه اللغز، ثم ~~تقتله. قلت: اللغز؟ ما هو هذا؟ ماذا تقصد؟ قال الشيخ: لا ~~أقصد شيئا يا ولدي. نحن فقراء لا نحل الألغاز، نجونا من ~~الوباء بمعجزة. ونبحث عن أرض نتنفس فيها الهواء. أنا ~~وهؤلاء الصغار. هيا يا أولادي. هيا يا أولادي. ناديت عليه ~~قبل أن يغيبهم الجبل عن بصري: كلمني عن الهولى. صف لي ~~الوباء. انصحني يا شيخ! تردد صوته قبل أن يختفي: حذار يا ~~ولدي. حذار لا تذهب إلى طيبة! لا تذهب إلى طيبة! رحت أفكر ~~فيما قال، فلم أهتد إلى شيء، هل غادرت مدينتي وملكي لأحل ~~ألغاز الناس أم لأحل لغزي؟ وسقطت على صدر آلهة النوم وقتا ~~لا أعرف مداه، ثم صحوت على قرقعة عجلات على الطريق الوعر. ~~ناديت فلم يجبني أحد. وقفت وتعرضت للعربة فلم يكترث أحد. ~~هتفت بأبناء الإنسان فلم يرد إنسان. ولسعني سوط ألهب رأسي ~~وكتفي فصحت: أيها الفجرة! أما من لقمة أو جرعة ماء لعابر ~~سبيل؟ صاح صوت المنادي: مل عن الطريق أيها الكلب! وقفز من ~~العربة ثلاثة رجال سود الوجوه. لم أدر إلا وقد أنزلت بهم ~~ذراعي صاعقة من نار، رفعت وجهي للشمس وهتفت: شكرا يا رب ~~الأرباب زيوس! كدت أجدف باسمك، لكنك أطلقت صواعقك من يدي ~~وذراعي. وتناهى إلي صوت وقور جذبني إليه احتواني: من أنت ~~أيها الشب المتهور؟ نظرت في داخل ms163 العربة فرأيت شيخا ~~جذبتني كذلك نظرة عينيه واحتوتني. تأملتها لحظة وارتعشت. ~~آه يا ابنتي! ما الذي جعلني أرتعش في تلك اللحظة؟ ما الذي ~~جعل تلك اللحظة تسطع كشرارة البرق في ليل العمر؟ قلت في ~~غضب: ومن أنت أيها الشيخ؟ قال الرجل في هدوء: أنا الذي ~~يسألك: من أنت يا ولدي؟ صحت دون أن أنتبه إلى الكلمة ~~الأخيرة: وأنا ضيعت ملكي بحثا عن جواب هذا السؤال. قال ~~العجوز: لكنك لم تنطق بسؤالك. صحت غاضبا: وهل سأجد الجواب ~~لدى عجوز مثلك؟ إني أسأل ما الإنسان؟ تفكر العجوز قليلا ~~وقال: وتريد أن تقابل الهولى؟ وتضيع ملكك لتفوز بملك آخر؟ ~~وتحل اللغز لتقضي على الوباء؟ اذهب يا ولدي اذهب! هتفت: بل ~~تذهب أنت أيها العجوز أعراف أنت تهرف بالنبوءات أم قائد ~~عصبة من اللصوص الذين صعقتهم بعون رب الصواعق؟ قال الرجل ~~وهو يشير بسوطه: لا تتهور يا ولدي لا تتكبر. اسمع قولي: عد ~~من حيث أتيت. قلت وأنا أتحداه بعصاي: ليس قبل أن تقول لي ~~من أنت؟ تضرع بصوت باك: أنا الهارب من نبوءة قديمة ليسأل ~~إله هذه الأرض نبوءة جديدة، حاذر يا ولدي وارجع، حاذر يا ~~ولدي. قلت: عراف كاذب. شأنك شأن العراف الآخر. لن أرجع ~~لأبوي ولن أخشى النبوءة. قال العجوز: وتصمم على حل اللغز؟ ~~قلت: حتى الموت. لوح بالسوط، وقال: هذا السوط سيمنعك رأفة ~~بك. صعدت إلى العربة، ورأسي يحترق بنار الغضب ونار الشمس: ~~وأنا أنزعه منك، وأنزع منك الروح إذا زدت. هجمت عليه وشددت ~~السوط من يده، وفي لمح البصر وقع الشيخ على الأرض، فشجت ~~رأسه على حجر كان قد أوقف العجلة عن السير. وحين انحنيت ~~عليه لأساعده على النهوض التقيت بعينيه. آه يا حبيب! ليتني ~~ما نظرت إلى هاتين العينين! هزتني الرعشة التي ظلت طول ~~العمر تزلزلني، نفذت نظرته كالسكين بقلبي. لا لا. عانقت ~~القلب كموجة ضوء أو ماء صاف. آه يا ابنتي! لن أنسى تلك ~~النظرة أبدا. لن أتخلص من تلك الرعشة أبدا. وها هي ذي ~~تعاودني الآن. ms164 تعاودني وترج أعضائي المتصلبة وشعراتي ~~البيض. تجيش وترتفع وتدمدم وتتدفق من عيني. اعذريني إن ~~بكيت الآن أمامك. اعذريني إن بكيت. # أنتيجونا ~~: # أبي. أبي. أبي. # أوديب ~~: # حبيبتي. أنت أيضا يا صغيرتي، أتبكين على أبي أم تبكين ~~على أبيك؟! # 3 # الجوقة ~~: # الهولى تقف على أسوار مدينتنا # تتربص بالداخل والخارج منها. # وحش يربض في مخبئه أم عذراء فاتنة ~~الوجه؟ # لا نعرف شيئا لم نرها أبدا. # لكن حدثنا عنها الآباء وحدثنا الأجداد. # قال الكاهن ما قال وحذرنا منها. # قالت رسل الملك ابتعدوا عنها # وتغنى الشعراء بأغنية # راحت كل الناس ترددها؛ # أغنية غامضة لا أفهمها # ولهذا أعرض عن أسرار الغيب وأشغل نفسي # بأمور العيش وما ألمسه بيدي # وما تنظره عيناي. # أما أنت فأشفق منك عليك، # لو كنت رأيتك يا مسكين لناديت: لا تتهور! # ارجع يا أوديب! ارجع بالفرس الجامح من حيث ~~أتيت # ارجع يا أوديب! # أوديب ~~: # لا لن أرجع أبدا. ولو سمعتكم أيها الشيوخ ما ترددت عما ~~صممت عليه. لقد خرجت ولن أعود. حيا أو ميتا لن أعوز، كم ~~حللت الألغاز الصغيرة، وأجبت على الأسئلة البسيطة. كم قرأت ~~في كتب الحكماء، وتحيرت مع أسرار الشعراء، لكني اليوم ~~أواجه لغز الألغاز والأشرف لي أن أحله أو أموت على ~~الأسوار. # تقدمت وتقدمت. بدت قمم الجبل من بعيد، وأشباح تماثيل ~~الآلهة المقدسة. ثم برزت الأسوار وظهرت الأبواب الحديدية. ~~سرت وسرت. وعاصفة تدوم في قلبي، ويضطرب لها جسدي كالطير ~~التائه في الريح. هل أدق على الباب؟ هل أعلو السور وأنظر؟ ~~أين أجد مخبأها وكيف ~~أواجهها؟ هل أناديها: اخرجي أيتها الهولى التعسة! أم ~~أترضاها بالكلمات الحلوة: ابرزي من خدرك أيتها العروس؟ هل ~~أعثر على خيط يهديني إليها أم تلتف حولي خيوط العنكبوت؟ ~~ليكن ما يكون. ولتلتف خيوط القدر كما شاءت حول رقبتي. فأنا ~~أحمل قدري في صدري، ولن أتركها تخنقني. ولماذا سافرت ~~وغامرت؟ ولمن خلقت الجرأة والجسارة؟ ألم تخلق للإنسان؟ ~~ألم أخرج بحثا عنه؟ وإذا خذلته في قلبي فأين ألقاه؟ وفجأة ~~وأنا أتجول أمام السور سمعت الصوت. لم يكن خشنا ms165 ولا ~~عميقا مظلما كأصوات النبوءات. كان رقيقا يوشك أن يخرج ~~من فم إناء: ~~- تتقدم أو لا تتقدم؟ إني أراك حائرا. ~~- بل أتقدم. لقد تركت ملكي وأرضي ولن أعود. ~~- إلا بعد أن تحل اللغز؟ أليس كذلك؟ ~~- نعم. هذا ما أنويه. ~~- وهل تعرف الثمن أيها الشاب؟ ~~- أعرفه وأريد الآن أن أعرفك. ~~-تعرفني؟ يالك من جريء متهور! ~~- هذا ما أطلقوه علي، وقد صممت أن أخترق السور أو أموت ~~عليه. هيا أرني وجهك. ~~- ولا تخاف؟! ~~- لا أنكر خوفي. ~~- ألم يحكوا لك عن الهولى؟ ~~- وعن عذراء لها مخالب مقوسة. ~~- ولا تخاف أن تنشب المخالب في رقبتك لتشرب دمك، لا تخاف ~~أن تطأك بقدميها وتسحق جسمك الهش، لا تخاف. ~~- أخاف. أخاف. قلت هاتي ما عندك. ~~- إذا أدر وجهك نحوي أيها الشاب الجميل. ~~- لن يصعقني جمال وجهك. ~~- لا تجزم بشيء قبل أن تراه. ~~- ولن تخنقني خيوطك. ~~- حتى لو كان فيها خيطك؟ ~~- لن أتركه يلتف علي. ~~- إذا لم يلتف عليك الآن فسيخنقك غدا. ~~- تعودت ألا أفكر في الغد. اللحظة هي ما يعنيني. ~~هيا! ~~- من سبقك كانوا مثلك. ~~- وأعلم أين هم الآن. في جوفك. ~~- جمال وجهك لا ينبئ عن قسوة قلبك. # وبرز الوجه من المخبأ الصخري. وجه أجمل من أفروديت، حزين ~~كقمر شاحب أو شمس غاربة. تنبعث منه أشعة حسن طاغ. سألت ~~نفسي: وجه هذا أم فخ؟ خاطبتها في همس: ما أجمل هذا الوجه! ~~هل يمكن أن يكون لصاحبه قلب قاس ويد قاتلة؟ ~~- تأمله، ثم احكم. # أوديب ~~: # أوشكت أن أغرق في الجمال الذي نسجته ألحان جميع الشعراء، ~~لكنني أفقت كالغريق وحولت وجهي سريعا، حتى لا يجذبني ~~فتنهشني المخالب. ضحكت واستمرت في الضحك وقالت: # الهولى ~~: # لا تنظر وجهي. انظر يدي. # أوديب ~~: # لا وجهك ولا يديك. هاتي اللغز! # الهولى ~~: # ألا تتطلع لمن حاصرت طيبة، وصنعت الوباء، وسفكت دماء ~~الأبطال؟ ألا تحب أن ترى العنكبوت التي غزلت خيوط القدر ~~الفظيع، وأوقعت فيها المدينة البائسة؟ # أوديب ~~: # لا أصدق. لا أصدق. # الهولى ~~: # ألم تعرف من قبل أن وجه الغدر ساحر جميل، أن يد الخديعة ms166 ~~ناعمة الجلد والأظافر، أن قلب الظلام ساكن عميق، أن خيوط ~~الكذب رقيقة دقيقة؟ # أوديب ~~: # سأمزق هذه الخيوط. # الهولى ~~(تقترب منه) ~~: # وتمزق ضلوعي؟ # أوديب ~~(مبتعدا) ~~: # ألم تنسجي بها القدر الفظيع؟ ألم تنثري بها بذور الموت ~~والعقم والجدب والفناء؟ ألم تحولي طيبة ... # الهولى ~~: # أنا؟ يد واحدة تصنع هذا؟! إنك تعطيني قوة لا أملكها، ~~تنسب لي شرفا لا أستحقه. ما زلت غريرا أيها الشاب. آه! ~~نسيت لم تقل لي اسمك. # أوديب ~~: # وكيف غاب عن لوح قدرك ؟ ألم تنسجي خيوط قدري؟ # الهولى ~~: # كم تضحكني! كانوا مثلك مغرورين. # أوديب ~~: # لكني لست مثلهم. هاتي لغزك. # الهولى ~~: # قبل أن تريني وجهك؟ قبل أن تقبلني؟ # أوديب ~~: # أقبل الأفعى في نابها؟ أدخل قدمي في جحرها؟ # الهولى ~~: # سامحتك الآلهة! لست مخيفة إلى هذا الحد ~~(تبكي) ~~. # أوديب ~~: # دموع الأفاعي. أعرفها جيدا فلا تخدعيني. # الهولى ~~: # وهل تعرف أنني مخدوعة؟ # أوديب ~~: # والوباء؟ والجدب والموت والخراب؟ وطيبة التي تنكفئ على ~~بؤسها كجثة عجوز؟ # الهولى ~~: # لو منحتني قبلة واحدة لعرفت أني لست مثلها جثة ولا ~~عجوزا. # أوديب ~~: # تعلمت من الأموات أكثر مما تريدين، لن تخدعيني أيتها ~~ال... # الهولى ~~: # الأفعى والعذراء والكلبة المغنية، ألا أستحق مع ذلك قبلة ~~منك؟ # أوديب ~~: # بأي حق؟ # الهولى ~~: # لأنك لو حللت اللغز فسوف تقتلني. # أوديب ~~: # أوتقتلينني، ليس في هذا جديد. # الهولى ~~: # لا تفرح قبل الأوان. # أوديب ~~: # لم آت لأفرح أو أحزن. أتيت لأحل اللغز. # الهولى ~~: # تتعجل موتك أو موتي، لم أعرف أحدا قبلك فقد الصبر إلى ~~هذا الحد. # أوديب ~~: # وسترين أنني لم أفقد الشجاعة. # الهولى ~~: # فلماذا تتردد؟ # أوديب ~~: # عن أي شيء؟ # الهولى ~~: # شجاع وغبي، دائما ما يجتمعان في واحد. ألا تساوي ~~التضحية من جانبي؟ # أوديب ~~: # ما هي هذه التي تساوي تضحيتك؟ # الهولى ~~: # القبلة الصغيرة أيها الغبي. # أوديب ~~: # وما الفائدة إذا كنت ستموتين؟ # الهولى ~~: # أموت على صدر المنقذ من الوباء، أهذا شيء قليل؟ # أوديب ~~: # خدعة جديدة؟ لقد تعلمت ممن سبقوني. # الهولى ~~: # ستعرف أنك لم تتعلم ما يكفي. # أوديب ~~: # لا يهم، سيعرفه شيخ شاب شعره، وانحنى ظهره. # الهولى ~~: # وبكت عيناه بحور الدم. وارتكب ms167 أفظع ما يرتكب إنسان أو ~~حيوان. # أوديب ~~: # لن يكون أفظع مما ارتكبته أنت. # الهولى ~~: # ما زلت تعطيني قوة لا أملكها. تنسب لي شرفا لا أستحقه. ~~القبلة أولا. # أوديب ~~: # اللغز أولا. # الهولى ~~: # وإذا حللته وقتلتني. # أوديب ~~: # ربما فكرت في تقبيلك. # الهولى ~~: # إنني لا أتسول أيها المغرور، ولو قتلتني فلن ~~أموت. # أوديب ~~: # لغز آخر؟ # الهولى ~~: # لأنني أبعث دائما من جديد، كلما عصف الوباء بمدينة ~~وجدتني أقف على سورها. أسأل نفس السؤال، وأنتظر نفس ~~الجواب، فإذا حله البطل شب وباء آخر في أجساد البشر ~~وأرواحهم، وظهرت مرة أخرى على السور، ستقتلني أيها الشاب، ~~ولكنني لن أموت. ستقتلني ولن أموت. # أوديب ~~: # أوتقتلينني وأحيا في بطل آخر. # الهولى ~~: # وسنلتقي من جديد، ويومها لن أطالبك بشيء؛ لأنك ستكون ~~عجوزا بلا أسنان. # أوديب ~~: # إذا فأجلي طلبك إلى ذلك الحين. # الهولى ~~: # لأقبل قبرا؟ لأعانق جثة؟ القبلة يا أوديب! # أوديب ~~: # اللغز أولا. # الهولى ~~: # عنيد كالصخر مثل كل الأبطال، شجعان وأغبياء. # أوديب ~~: # أعدك ألا أحرمك منها. # الهولى ~~: # تتعجل موتك أو موتي، لا بأس، يبدو أن القدر قد دبر كل ~~شيء، أن تكون البطل أوديب، وأكون أنا الضحية، التفت إلي ~~يا أوديب، لست كريهة إلى هذا الحد، لست قبيحة كما صوروا ~~لك، وعندما تعرف ... # أوديب ~~: # عرفت كل شيء. # الهولى ~~: # مغرور وجميل، هل عرفت هذا أيضا من الكتب؟ # أوديب ~~: # ماذا تقصدين؟ # الهولى ~~: # إنني لست كما صوروني، إنني الضحية التي يقدمها كل ~~الأبطال. إن الأبطال كذلك يصبحون ضحايا. # أوديب ~~: # تنظرين للمستقبل. # الهولى ~~: # بل للماضي. # أوديب ~~: # وأنا لا أنظر إلا للحاضر، لا أشعر إلا بالواجب، لا أفكر ~~إلا في الإنقاذ، طيبة تنتظر أيتها العذراء، طيبة تحتضر ~~وستموت إن لم تقدمي اللغز. # الهولى ~~: # وأنا سأموت إذا استطعت أن تحله ~~(تبكي) ~~. # أوديب ~~: # لكنك ستعودين. # الهولى ~~: # وسنلتقي كما قلت لك. ويومها لن أطالبك. # أوديب ~~: # أعدك أن أعطيها لك، لكنك لن تخدعيني، هاتي لغزك ~~أولا. # الهولى ~~: # ألا تلتفت إلي على الأقل؟ # أوديب ~~(يلتفت ثم يدير وجهه بسرعة) ~~: # الأفضل أن يصعقني لغزك، على أن يصعقني جمالك. # الهولى ~~: # لن أتركك ms168 تلح علي، قل أيها الشاب العنيد المغرور، قل ~~يا من عرفت وفكرت وصممت، يا من حللت كل الألغاز، ولم يبق ~~سوى هذا اللغز ~~(في صوت ~~غامض) # ما هو ذلك الذي يحبو في الصباح على ~~أربع، ويسير في الظهر على اثنتين، ويتوكأ في المساء على ~~ثلاث؟ ما هو هذا أيها الجميل البريء؟ ما هو أيها الغبي ~~العنيد؟ # أوديب ~~(ضاحكا بصوت عال) ~~: # ها! ها! ها! # الهولى ~~: # وتضحك أيضا؟ إنك أول من يضحك. # أوديب ~~: # كانوا يرتعشون أمامك، كانوا ينتفضون من الرعب. # الهولى ~~: # مني أيضا، ومن اللغز. ~~(أوديب يضحك، يزداد ضحكه.) # الهولى ~~: # وتصر على ضحكك؟ هل عرفته؟ # أوديب ~~: # أرأيت يا أوديب؟ هذا ما جئت تبحث عنه. # هذا ما تركت من أجله ملكك وأرضك وشعبك. # هذا من تبحث عنه، هذا من تبحث عنه. # الهولى ~~: # من؟ من يا أوديب؟ # أوديب ~~: # أيتها الهولى، أيتها الهولى، هو من يقف أمامك. # الهولى ~~: # يقف أمامي؟ ما أكثر من وقف أمامي! # أوديب ~~: # هو من تنظرين ولا ترين، من تسمعين ولا تفهمين، من تخدعين ~~ولا تعرفين. # الهولى ~~: # وهو من يخدع نفسه، من لا يعرف نفسه. # أوديب ~~: # وهو كذلك أحيانا. # الهولى ~~: # بل في كل مكان وزمان. من؟ من؟ # أوديب ~~: # أما زلت تسألين؟ اسمعي إذا. هو الإنسان. # الهولى ~~: # حقا يا أوديب، لم يعرفه أحد قبلك، آه! آه! # أوديب ~~: # معذرة، لم أقصد أن أوذيك. # الهولى ~~: # لن ينفعني اعتذارك، إنني أموت ~~(تتهاوى مصعوقة) ~~. # أوديب ~~: # وأنا لا أنسى وعدي ~~(يسرع إليها ~~ويقبلها) # آه يا ابنتي! وكانت شفتاها باردتين، ~~قبلتها وأنا أصرخ، حتى الجمال يموت أيضا، وارتفع صراخي ~~وأنا أحمل جثتها بين يدي: أوديب، أوديب أحقا حللت اللغز؟ ~~أحقا حللت اللغز؟! # 4 # أوديب ~~: ~~«هل أنا في هاديس؟ أتلفت؛ حولي أشباح وظلال، خلفي أشباح ~~وظلال، أم أنا في طيبة؟ طيبة ذات البوابات السبع؟ لا لا ~~إني أنكر عيني، عيني تنكر ما تبصره. هذا قبر. هذا قبر. ~~قلبي يرتجف من الرعب» هذا يا ابنتي ما قلته لنفسي، وأنا ~~أخطو أول خطوة على الطريق. لا بد أنني هبطت إلى العالم ~~السفلي. ms169 لا بد أنني أخطأت الطريق. أتكون الهولى حلما أو ~~وهما من أوهامي؟ هل أنا حقا من حل اللغز؟ من كشف قناع ~~السر عن الإنسان، وها هو يسعى للإنسان؟ مر على ذلك اليوم ~~الذي لا أنساه ... ساعديني يا ابنتي كي أتذكر. ساعدوني أيها ~~الشيوخ يا من كنتم حينئذ صبية وشبابا، حاولوا أن ~~تتذكروا. # الجوقة ~~: # نحن نذكرك يا أوديب. # يا من أقبلت لتنقذنا من الوباء، # يا من مزقت خيوط اللغز فهوت العنكبوت. # سقطت في هاديس فابتلعتها كلبة الجحيم، # وتعالت صيحتها في آذان المنكوبين. # أوديب ~~: # أجل أيها الشيوخ. لا بد أن صيحاتها أيقظت الأموات. ~~والأموات بعثوا من القبور. ارتفع صوت بعد صوت، وانطلق ~~رسول بعد رسول، وأقبلت الحشود من كل اتجاه. كالغربان ~~الجائعة حطت من كل سماء. يتعثر جسمي في أشلاء تصدم عيني ~~الأوراق الصفراء تجرحها الأشجار العجفاء، يمدون إلي ~~الأيدي والأعين والأعناق. يتفحم نور في قلبي يشتعل سؤال: ~~أنتم أبناء الإنسان؟ من يقف على قدميه ويرفع رأسه. يشمخ ~~بجبين عال نحو الشمس. ويمد يديه إلى الأنجم، يسرج منها ~~مصباح الأمل، يضيء ظلام الأرض. إخوتي أبنائي! ما الذي ~~جعلكم تدبون على الأرض كالديدان والحشرات؟ أي لص خطف منكم ~~النار التي أتاكم بها جدكم الشجاع؟ وتردون أيها الشيوخ ~~وتقولون: # الجوقة ~~: # ليس لصا واحدا، بل لصوص عديدون سرقوا منا ~~النار، وسرقوا النور ربطونا إلى الصخور، وسلطوا ~~علينا النسور، حتى صرنا صخرا وحجارة. # أوديب ~~: # واكتفيتم بالبكاء والأنين؟ # ووقعتم مشلولين عاجزين، # تفقأ الجوارح عيونكم ولا تتحركون، # تأكل النسور أكبادكم ولا تنطقون؟ # الجوقة ~~: # دعونا الآلهة وصلينا، # أرسلنا الرسل إلى المعبد وسألنا. # النبوءة قالت: لعنة # والكاهن فسر ما قالته النبوءة، # قلب عينيه المطفأتين وقال: # قدر حل بطيبة # لن يرفعه إلا قدر مثله. # دنس ملعون لوث طيبة، # ويطهره دنس مثله. # أوديب ~~: # قدر، دنس، لعنة! # كلمات لا أفهمها. # الجوقة ~~: # نحن كذلك لم نفهمها؛ # فصبرنا وسكتنا. # أوديب ~~: # وعجزتم عن حل اللغز فسلمتم، # واستسلمتم للذل فمتم. # الجوقة ~~: # رحنا ننتظر المنقذ # حتى جئت. # أوديب ~~: # ويلي منكم! ويلي منكم! هل ينقذكم إلا أنتم؟ # الجوقة ~~: # هل ms170 تصرح لغزا آخر يا أوديب؟ # أنت المنقذ أنت، # أنت البطل وأنت الملك، # وأنت الراعي يا أوديب. # أوديب ~~: # بل إنسان لا يتميز عنكم يقف على قدميه، ويطلب منكم أن ~~تقفوا فوق الأرض تكونوا أنتم. # الجوقة ~~: # بل أنت البطل المنقذ، # والملك القائد والراعي الملهم. # أوديب ~~: # وتعالت الأصوات كهدير البحر وقصف الرعد: البطل المنقذ. ~~الملك القائد. الراعي الملهم. يا أوديب تقدم! يا أوديب ~~تقدم! # كان الموكب قد التأم، وانضمت إليه حشود وحشود. انتفض ~~الموتى الذين أهلكهم الجدب والجوع، فأخذوا ينادون ~~ويغنون: البطل المنقذ. الملك القائد والراعي الملهم. ~~الجموع تشير إلي وتهتف: يا من حل اللغز تقدم. وأنا أسأل ~~نفسي: هل حللت لغزا لأواجه ألغازا؟ أقتلت الهولى لأجد ~~أمامي آلافا أخرى؟ وتنضم إلى الجموع أمواج من الحرس تزف ~~الموكب، ووفود من النبلاء وأعيان المدينة. ويبدو القصر من ~~بعيد، ترفرف فوقه الأعلام والزينات يسطع بأنوار المشاعل في ~~وهج الشمس. ويشق الصفوف وجه مهيب تطل منه عينان صارمتان: ~~مرحبا يا أوديب! أسأله: وتعرف اسمي؟ فيرتفع صوته: النبوءة ~~صدقت يا ولدي. حتى اسمك لم يغب عنها. أتلفت للرجل المهيب، ~~وأسأل: ومن أنت؟ فيضحك الشيوخ ويقولون: # الجوقة ~~: # نعم ضحكنا. قلنا يا أوديب، # هل يجهل أحد سيد طيبة؟ # من يرعى الأمن ويحكم فينا بالعدل؟ # من تنام المدينة بإذنه وتصحو بإذنه؟ # هل يجهل أحد كريون؟ # أوديب ~~: # هل أنت الملك؟ # كريون ~~: # بل جئت أسلمك مقاليد الملك. # أوديب ~~: # وبيد من كانت قبلي؟ # كريون ~~: # بيد من ذهب ولم يرجع، ولهذا وضعني هؤلاء الشيوخ بدلا ~~منه. # أوديب ~~: # هل ذهب قبل ظهور الوباء؟ وانطلق صوت أجش عميق، ألتفت إلى ~~مصدره فأرى شيخا أعمى يتقدم نحوي وصبيا يسحبه من ~~يده. # الشيخ الأعمى ~~: # النبوءة صدقت يا ولدي. فلماذا تسأل؟ # أوديب ~~: # يسأل من يريد أن يعرف؟ # الشيخ ~~: # ألم تشبع من السؤال؟ ألم تحل اللغز؟ # أوديب ~~: # والآن أسمع ألغازا أخرى. # الشيخ ~~: # اتركها للقدر يجيب عليها، النبوءة ستجيبك عنها. الأسطورة ~~مسطور فيها. # أوديب ~~: # القدر؟ النبوءة؟ الأسطورة؟ هل أقتل هولى كي تبعث أخرى؟ ~~الآن. # كريون ~~: # الآن تؤجل أسئلتك، تجلس فوق العرش ms171 وتحكم. # الشيخ ~~: # وأباركك وأضع التاج على رأسك. # أوديب ~~: # أنا لم آت لأحكم. # الجوقة ~~: # أنت الحاكم منذ اليوم. # أوديب ~~: # وسكت وأخذت أنظر إليكم يا أهل طيبة. نظرت للرجل المهيب ~~والشيخ الأعمى فعرفت. ثم أنشأت أقول بصوت عال: أنا لم آت ~~لأحكم. جئت لأتعلم منكم، وأعلم أن الحاكم لا يتحكم. أن ~~السلطة لا تتسلط لا تظلم. والحاكم إنسان منكم لا لغز مبهم. ~~اسألوا أنفسكم يا أهل طيبة: من ذلك الذي يحبو في الصباح ~~على أربع ويسير في الظهر على اثنتين ويتوكأ في المساء على ~~ثلاث؟ لقد صعقت الهولى حين أجبتها: هو الإنسان. لم يتصور ~~أن يعرف إنسان نفسه. لم يتصور أن يملك قدره. أن يحل اللغز، ~~ويحطم الأسطورة. لقد حللت اللغز يا أهل طيبة، وجئت لكي ~~تحلوا ألغازكم. مزقت نسيج الأسطورة التي التفت حول رقبتي، ~~وجئت لتمزقوا أساطيركم. ليس الإنسان دودة، ولا إلها، ~~انظروا إلى قلوبكم تجدوه. قفوا على أقدامكم تعرفوه. أطلقوه ~~من أقفاص صدوركم. علموه كيف يغني ويحب ويعمل ويفرح. علموه ~~ألا ينخدع بقفص ولا يأمن لصياد. عشتم أمواتا، فتعالوا ~~نتحدى الموت. سقطتم في الهاوية، فهيا نبدأ من الصفر. ~~أهلككم الوباء فلتكونوا وباء عليه. أنا لم آت لأحكم أو ~~أتحكم، بل جئت لأبدأ معكم منذ اليوم. لم آت لأصبح هولى ~~أخرى. # الجوقة ~~: # أنت قتلت الهولى يا أوديب. أنت قضيت على الوباء يا ~~أوديب. # أوديب ~~: # يمكن أن تزحف هولى أخرى. مئة أو ألف. يمكن أن يذهب وباء ~~ويأتي وباء أشد، فلنبدأ منذ اليوم، فلنبدأ منذ ~~اليوم. # الجوقة ~~: # فلنبدأ يا أوديب. فلنبدأ يا أوديب. # أوديب ~~: # وأشار كريون بيده، فاحتبس الصوت الهادر، والتفت إلي ~~وقال: # كريون ~~: # بل تبدأ منذ الغد. المنقذ يحتاج إلى الراحة. اذهبوا الآن ~~أيها الشيوخ والأبناء والزوجات والبنات. أم الملك فيدخل ~~الآن إلى القصر، فالجائزة الكبرى تنتظره. # الجوقة ~~: # بل جاءت بنفسها يا كريون ها هي ذي تتقدم منه، ما أسعده ~~بالزوجة والملكة! ما أسعدها به! أما نحن فنذهب ونعود صباح ~~الغد. # كريون ~~: # أختي؟ ها هو ذا المنقذ والملك الزوج. أما نحن ms172 فنذهب ~~أيضا. هيا يا تريزياس. هيا يا أبناء مدينتنا هيا. ~~هيا. # أوديب ~~: # آه يا ابنتي! كيف أنسى هذه اللحظة؟ نظرت فرأيت سيدة ~~جليلة تقف أمامي وتبتسم. لماذا شعرت بالرهبة والحنان؟ ~~لماذا أحسست أنني أريد أن أقبلها وأن ألقي رأسي على صدرها، ~~وأغيب في أحضانها، لماذا اشتعل دمي، وارتجف قلبي في آن ~~واحد؟ لا بد أن عيني قد زاغت فلم أر شيئا ولم أحس أحدا، ~~حتى أفقت على قبلة تطبع على جبيني ويد تضغط على ذراعي، ~~وصوت دافئ يمتد إلي ويقتادني: يا ملكي وولدي الحبيب، لقد ~~غابت الشمس وذهب الجميع ألا ندخل إلى القصر؟ # 5 # أوديب ~~: # وازداد شعوري بالرهبة حين وقفت على باب المخدع. كانت أمك ~~قد أخذتني من يدي ودارت بي في أبهاء القصر وحجراته وشرفاته ~~وتجدد عندي الإحساس بأني في هاديس أخرى. إني والمرأة ~~الجليلة الممتلئة التي تسير بجانبي شبحان تائهان. لن يلبث ~~أن يهبط إلينا الملك الزوج الغائب، فيقبض على صدري ~~ويسألني: ماذا تفعل في بيتي؟ كيف تفكر في الدخول إلى مخدعي ~~وتدنيس فراشي؟ بل كدت أتخيل نفسي أمام محكمة الآلهة الذين ~~يثبتون في عيونهم، ويهزون رءوسهم وخطوت إلى داخل المخدع، ~~فارتفع وجيب القلب، وزاغ البصر وتاه. كنت أستند إلى الجدار ~~حين أقبلت علي ومدت يدها، فأخذت يدي وهمست في حنان. # جوكاستا ~~: # مضطرب أم خجلان؟ # أوديب ~~: # لا أدري. إحساس لا يمكنني وصفه. # جوكاستا ~~: # هل كنت تتوقع جائزة أخرى؟ # أوديب ~~: # أنا لم أتوقع شيئا. # جوكاستا ~~: # ويظل البطل بلا جائزة؟ ألم تعده النبوءة بزواج ~~الملكة؟ # هل يمكن أن تبخل طيبة على من قتل الهولى وخلصها من ~~الوباء؟ # أوديب ~~: # طيبة لم تبخل علي إن كنت قد أعطيتها شيئا، فما زال ~~علي أن أعطيها. # جوكاستا ~~: # يبدو يا أهل كوزنثة إنكم مختلفون عنا. أم إنك زهدت في ~~المكافأة بعد أن رأيتني؟ # أوديب ~~: # ماذا تقصدين؟ # جوكاستا ~~: # ربما كنت تنتظر شيئا آخر. # أوديب ~~: # قلت لك لم أنتظر شيئا، قلت لك. # جوكاستا ~~: # إنك أعطيت وتعطى، لكن عطايانا ... # أوديب ~~: # تكلمي أفصحي عما تريدين. # جوكاستا ~~: # لعلك توقعت امرأة ms173 أخرى. عذراء في مثل سنك وشبابك حلوة ~~الوجه، لم تنبت في رأسها شعرة بيضاء ~~(تبكي) ~~. # أوديب ~~: # تبكين يا ... ~~(تضع رأسها على ~~صدره فيضمها إليه.) # جوكاستا ~~: # جوكاستا. حتى اسمي لم تسأل عنه. ~~(تقبله) # أنا أيضا كنت شابة ~~يا أوديب. # أوديب ~~: # قبلتك تقول: وما زلت. # جوكاستا ~~: # أعلم أني في عمر أمك. # أوديب ~~(يقبلها) ~~: # وزوجتي وحبيبتي. # جوكاستا ~~: # وأين هو؟ لا بد أنه الآن شاب قوي. هل يتجول مثلي في ~~أرجاء الكون؟ هل أمرته نفسه أن يحل لغزا آخر ويقتل وحشا ~~آخر يتربص بمدينة أخرى؟ هل ... # جوكاستا ~~: # هل ... هل ... الآن أصدق ما سمعته عنك. # أوديب ~~: # وماذا سمعت؟ # جوكاستا ~~: # أنك لا تكف عن السؤال. هل تنسى أن السؤال يلد أسئلة ~~أخرى، أن كل جواب يحمل بذرة سؤال جديد؟ هل تعلم يا صغيري ~~المسكين؟ # أوديب ~~: # أعلمه؟ إني أحياه. وهل جاءني إلى هنا شيء سواه؟ # جوكاستا ~~(ضاحكة) ~~: # لا شيء؟! حتى الجائزة التي بين يديك؟ # أوديب ~~(يقبلها) ~~: # لم تتكلمي. أين ذهب صغيرك الآخر؟ مع أبيه؟ # جوكاستا ~~: # ليته ذهب معه في ذلك اليوم. لو فعل لتغير حالي، لكن ~~النبوءة شاءت أمرا آخر. # أوديب ~~: # دعينا الآن من النبوءة. # جوكاستا ~~: # وكيف أنساها؟ كيف نسي ما حدث؟ ~~(تبكي) # سأل الآلهة فقال الكاهن. # أوديب ~~: # تريزياس! # جوكاستا ~~: # وكيف عرفت؟ # أوديب ~~: # أكملي ماذا قال؟ # جوكاستا ~~: # أنذره أن الطفل سيقتله يوما، لم يكتف بهذا. # أوديب ~~: # ماذا؟ ماذا قال؟ # جوكاستا ~~: # ولم اللهفة؟ آه يا أوديب. لا أدري إن كان علي أن أضحك ~~أو أبكي. # أوديب ~~: # عليك أن تكملي. # جوكاستا ~~: # لكي تعرف، دائما تريد أن تعرف. قال ويتزوج أمه. # أوديب ~~: # ولهذا أمرته النبوءة أن يتخلص منه. # جوكاستا ~~: # ولم يكتف بهذا، ما أبغضه من زوج! ما أتعسه من أب! # أوديب ~~: # وتلعنينه أيضا؟ # جوكاستا ~~: # بل أستمطر اللعنات عليه، لا أقوى حتى أن أذكر ~~اسمه. # أوديب ~~: # يستحق اللعنة من يتخلص من ابنه. # جوكاستا ~~: # ويستحقها مرتين من يشيع بين الناس أن أمه هي التي تخلصت ~~منه. إنها هي التي سلمته لمن يلقيه وحيدا في الجبل، ~~وحيدا بين أنياب الوحوش وجوارح الطير ~~(تبكي) ms174 ~~. # أوديب ~~(يربت على كتفيها ويضمها لصدره) ~~: # معذرة يا جوكاستا انسي ما قلت. # جوكاستا ~~: # وتساعدني على النسيان؟ # أوديب ~~(يقبلها) ~~: # وتساعدك بنات وأبناء تعوضك عنه، وحنان أبيهم. # جوكاستا ~~: # تحتاج إليه أم حرمت منه، عشرين سنة يا أوديب. # أوديب ~~: # يا زوجتي وأختي وأمي وحبيبتي. # جوكاستا ~~: # يا زوجي وأخي وولدي وأبا عيالي ~~(يضحكان) ~~. # أوديب ~~: # وضحكنا في تلك الليلة وبكينا. وعرفنا معنى الحب، ومعنى ~~الجسد، ومعنى الخوف، ومعنى الأمل، وداعبناهم حتى طلع ~~الصبح. وظللنا نداعبهم كلما ولد لنا ولد أو بنت. جاء أخواك ~~أولا يا ابنتي. كم فرحنا بهما وكم دللتهما ولعبت معهما ~~لعبة الفارس والحصان. كم تابعناهما وهما يكبران ويتصارعان ~~على ركوب الخيل ورمي الرمح. وكم حاولت أيضا حين كبرت أن ~~تهدئي نزواتهما وتعقدي الصلح بينهما دون فائدة. آه ~~يا صغيرتي! كنت دائما أما صغيرة. نموت أمام أعيننا، ~~ونما معك ضميرك الذي عذبك كثيرا، وسوف يعذبك يا ابنتي. ~~وشعرت بأنك مسئولة عن أخويك، وعن أختك التي لا تكترث بشيء، ~~إلا أن تنظر في المرأة، وتتأمل حسن ملامحها في ماء النبع ~~وتنسج قصص الحب مع الصبية والخلان. إلا أنت يا حبيبتي. إلا ~~أنت. # أنتيجونا ~~: # أحبك يا أبي. أحبك يا أبي. # أوديب ~~: # وهل كنت أعيش بغير الحب؟ هل كنت بغيرك أنت سأدعى بين ~~أهالي طيبة بالأب؟ هذا هو أوديب الزوج الصالح، هذا هو ~~أوديب الأب. في كل مكان أظهر فيه تطرق سمعي نفس الكلمات: ~~أوديب الراعي. أوديب الأب. أوديب المنقذ من فم الموت. وكما ~~تعلمت مني الحب علمتنيه. رحت أنثر بذوره في كل أرض. أذهب ~~للزراع وأغرس معهم بذر الحب وبذر الحب. ينمو الزرع ~~ويورق، يزدهر ويثمر، يجري حبا في حب أذهب للصناع، ~~فأسألهم وأحاورهم، أعمل معهم، أنسج، أطرق، أنجر، أبني الحب ~~على الحب، يأتي الشعراء إلي فأستقبلهم، أسمع منهم، وأردد ~~معهم حبا في حب. تزدهر قلوب الناس وتثمر. تزدهر عقول ~~الحكماء وتثمر. يرتفع بناء بعد بناء، يعمر بالحب وينبض ~~بالحب وتولد فيه أطفال الحب. رفعت الديون عن الزراع، أخرجت ~~المساجين من السجون. علمت الحراس أن ms175 يحرسوا المدينة لا أن ~~يفترسوها كالذئاب. حرستهم من أنفسهم ومن الأعداء داخل ~~المدينة وخارجها. أما اللصوص والمذنبون فوضعتهم أمام ضمير ~~الشعب. وجعلت القانون هو السيد. وجعلت الكل يشارك في أمر ~~الكل. والبحارة تشترك مع الربان. وسفينتنا تبحر آمنة في ~~البحر الآمن ترسو في شط الأمن. وتوافد علينا الرسل من ~~المدن الأخرى وهتفوا هذه طيبة أخرى. وأقبل الغرباء من البر ~~والبحر، وتعجبوا: طيبة تحيا المعجزة الكبرى. حتى الشتاء ~~خجل أن يقيم بيننا وحل علينا ربيع دائم . وكلما مررت ~~بإنسان في الشارع، أو في المصنع، أو في الحقل، أو المسرح ~~هتف سعيدا: أوديب الراعي، أوديب الأب. بل كان البعض ~~ينادي: يا قديس. بفضلك صارت طيبة بستان الحب وحصن الأمن. ~~بستان الحب وحصن الأمن، حتى كان صباح غابت فيه الشمس وضاع ~~النور. كان الهمس يدور وراء ظهري، لكنني كنت أستقبل الغد، ~~ولا أتلفت للأمس، أواجه النور ولا أهتم بالظلال التي تمد ~~الخناجر في ظهري. كنت قد لاحظت أن أمك تكثر من التطلع من ~~الشرفة في قلق. تجمعكم يا ابنتي وتضمكم وتقبلكم وتمنعكم من ~~اللعب خارج القصر. وحين كنت أعود مرهقا في المساء أو ~~أداعبكم وأرفعكم إلى صدري تحذرني من تدليلكم وهي تهمس ~~خائفة: ماذا يخفي لكم القدر؟ ماذا يخفي لنا؟ أضحك من خوفها ~~وأهزأ بقدرها فتقول: نمت الشعرات البيض على مفرقك وما زلت ~~كما أنت. أضحك بصوت عال، وأسأل: من؟! فتجيب وهي تقبلكم ~~وتأخذكم إلى الفراش: نزق وجريء وبريء أهوج، لا تدري ماذا ~~يجري حولك أو خلفك. يزداد ضحكي وأقبلكم قبل النوم: أنا لا ~~أنظر حولي أو خلفي. ألم تعرفيني بعد يا أمي وأم عيالي؟ ~~تتجهم. ترسل نظرات قاتمة، تنكفئ على أحزان القلب ~~وتسكت. # لكن الهمس بدأ يشتد يوما بعد يوم. وأبشع من الهمس أن ~~يشيح الناس بوجوههم عنك، بدلا من أن يحيوك ويفرحوا بك. ~~وذات ليلة فاجأنا فيها برد وعواصف وظلام لم نألفه طوال ~~السنوات العشرين. كنت راجعا إلى القصر بعد جولتي اليومية ~~في شوارع المدينة وأسواقها. لم أكن قد انتبهت إلى ms176 الفتور ~~الذي قابلني به الناس. عزوته إلى الصقيع الذي حاصر البشر ~~والبيوت والقطعان في الحقول، وتوقفت قليلا عند بوابة ~~القصر لأخلع سترتي الثقيلة، وأسلمها للحارس. أشاح بوجهه ~~بعيدا، تمتم بأصوات مبهمة. # حسبته يرد تحية المساء، فسألته: # أوديب ~~: # ما لك يا ولدي؟ ~~(الحارس: صمت.) # أوديب ~~: # لم لا تتكلم؟ # الحارس ~~: # الأفضل ألا أتكلم. # أوديب ~~: # ولماذا يا حارس؟ اهمس إن شئت بأذني. # الحارس ~~: # يكفي ما في طيبة من همس. # أوديب ~~: # وبماذا تهمس طيبة؟ # الحارس ~~: # لا لا أقدر. # أوديب ~~: # حذرني إن كنت أمينا. انصحني. # الحارس ~~: # ما زلت أمينا يا أوديب. ادع كريون وتريزياس. # أوديب ~~: # أدعوهما؟ لماذا؟ # الحارس ~~: # إن كنت تريد التحذير أو النصح. # تركته وأخذت أدور حول القصر. كريون وتريزياس؟ لم يتفوه ~~باسمهما اليوم؟ أولم يلزم كريون داره؟ أو لم يتخل بنفسه ~~عن الحكم ويسلمه إلي ليفرغ لتأملاته ورعاية ماشيته ~~وقطعانه؟ والشيخ الأعمى؟ هل خرج من المعبد ليبث السم؟ ألم ~~يعكف هناك على صلواته ولم يرني وجهه مرة واحدة؟ ماذا يحدث ~~يا أوديب؟ # ماذا يحدث حولك ووراء ظهرك يا أوديب؟ # ورجعت بخطوات متثاقلة إلى القصر. كنت أقف على أول ~~الدرج عندما لمحت صبية في مثل سنك، لم تكد تراني حتى ولت ~~هاربة. جريت وراءها. أمسكتها من يدها وأخذت أطمئنها. تذكرت ~~أنها رفيقة لعبك. أنك كثيرا ما دعوتها معك إلى حجرتك ~~لتريها عرائسك. سألتها: # أوديب ~~: # ماذا بك يا ابنتي؟ لماذا تقفين في البرد والظلام؟ لماذا ~~خفت مني؟ # الصبية ~~: # دعني! دعني! # أوديب ~~: # لن أدعك حتى تتكلمي. # الصبية ~~: # اسأل غيري. طيبة كلها تهمس. # أوديب ~~: # سمعت هذا من الحارس. وبماذا تهمس؟ # الصبية ~~: # أنك ... أنك ... # أوديب ~~: # تشجعي. قولي. # الصبية ~~: # أنك قاتل والدك الشيخ. # أوديب ~~: # قاتل والدي الشيخ؟ وماذا أيضا؟ # الصبية ~~: # أنك دنست مدينتنا. # أوديب ~~: # أنا يا حبيبتي؟ الأب والراعي والقديس؟ # الصبية ~~: # لما دنست فراش أبيك. # أوديب ~~: # وماذا يا صبية؟ تكلمي. # الصبية ~~: # لا لا أقدر. # أوديب ~~: # بل تقدرين، قولي ما سمعت. # الصبية ~~: # وتزوجت بأمك. # أوديب ~~: # أمي؟ # تركت يدي يدها، رأسي تسقط كالحجر على الأرض. هربت الصبية ~~مذعورة، وما هي إلا ms177 لحظات، حتى رأيتك قادمة من حديقة القصر ~~تتلفتين حولك. ناديتك: صاحبتك ذهبت يا أنتيجونا تعالي. ~~تعالي يا حبيبتي. وقفت أمامي كتمثال صغير. فتحت عينيك ~~دهشة، ثم أخفيت وجهك بين يديك وصحت هاربة: لا، لا، لا ترني ~~وجهك! لا ترني وجهك! # عندها بكيت وأنا أسأل نفسي: هل رجع الوباء؟ هل رجع ~~الوباء؟ # 6 # أوديب ~~: # آه يا ابنتي! لا تريدين أن تري وجهي. الحارس أيضا لا ~~يريد. المدينة تتنكر لي. وسقف البيت وجدرانه تنهار على ~~رأسي. ولبثت جالسا على الدرج طول الليل. الجميع نائمون ~~في حضن الليل الهامس بالأخطار. أنا وحدي مؤرق الجفون. أأنا ~~حقا دنس يا طيبة؟ هل يمكن أن يدنس نور الشمس الأشجار ~~والأحياء؟ ألم تسموني الأب والراعي والقديس؟ أحقا قد ~~خرجت عن طاعة الآلهة، وازدريت قوانينها المقدسة وسقطت في ~~الكبر والغرور؟ ماذا ينتظرك يا أوديب؟ أي مصير يتربص ~~ببناتك وأولادك؟ ماذا يحدث لمدينتك المسكينة؟ تردد في أذني ~~نداء جوكاستا من الشرفة. لا بد أن القلق دفعها لأن تطل ~~منها، وتهمس في سمع الليل المسود الوجه أوديب! أين أنت ~~أوديب! ولكن ما أكثر الهمس في هذه الأيام والليالي! وحين ~~أقبلتم أيها الشيوخ بنسائكم وأولادكم كنت ما أزال ممددا ~~على الدرج. أتأمل مصيري على مرايا النجوم. لمحت الذبول على ~~وجوهكم والضنى في أعينكم. ورأيت أغصان الزيتون في أيديكم. ~~وعرفت أنكم جئتم تستجيرون بالآلهة المقدسين، وتقدمون ~~القرابين والدموع والأنين. وتكلم رئيسكم فقال: # الجوقة ~~: # ماذا يحدث يا أوديب! # أحقا رجع الوباء لوطننا الحبيب؟ # أوديب ~~: # وأنا أسألكم أيضا # يا رجال طيبة ونساءها: # ماذا يحدث لمدينتنا؟ # الجوقة ~~: # إن المصائب تتوالى علينا؛ # فننظر حولنا حائرين. # ويختم إله مقدس على أفواهنا؛ # فنصمت أمام أسراره المقدسة. # أوديب ~~: # كنتم دائما حائرين، # كنتم دائما تنظرون وتتلفتون، # واليوم وقد رجع الوباء كما ترون # ألا تتحركون يا أهل طيبة؟ ألا تعلمون؟ # الجوقة ~~: # لهذا جئنا إليك يا أوديب، # يا من أنقذتنا من مخالب العذراء المجنحة، # يا من خلصتنا من الرجس الذي دنس أرضنا، # ها هو الرجس قد زحف علينا، # طرق أبوابنا وحاصر حقولنا ms178 ومراعينا. # أوديب ~~: # وتريدون أن أنقذكم؟ # ألم أعلمكم أن تنقذوا أنفسكم؟ # ألم أضع الفأس بأيديكم لتحرثوا البستان؟ # ألم تحملوا الرماح والدروع لتحموا ~~الحصون؟ # ألم تمسكوا المجاديف وتوجهوا السفينة؟ # والمدن الأخرى شهدت أفراحكم، # وسمعت غناءكم وعزفكم على القيثار. # أولم تصبح طيبة بستان الحب وحصن الأمن! # الجوقة ~~: # لكن سقطت الفأس من يد الزارع. # والمطرقة من يد الحداد. # والمنشار من يد النجار. # والقيثار خرست في كف الشاعر. # زحف السأم على الدار وأهل الدار. # ولهذا أرسلنا الرسل إلى سادتنا. # وسيأتون إليك الآن لتسألهم. # أوديب ~~: # سادتكم؟ أسألكم عن رجس صنعوه؟ # نفخوا فيه النار لتحرقكم؟ # الجوقة ~~: # صبرا يا أوديب، ولا تنفخ في نار أخرى # إني أمتدح الرجل إذا رضي بحكم إله # يحجب عنا السر المبهم. # لا يكشفه إلا الحكيم أو عراف ملهم # ها هو ذا يتقدم نحوك # يسحبه من يد طفل # وينوب عن العينين المطفأتين العكاز ~~الأبكم # أقبل يا شيخ تقدم. # تريزياس ~~: # ليتني بقيت أخرس أبكم. # ليتني لزمت معبدي وصمتي # فلم أخرج منه إلا إلى قبري. # أوديب ~~: # ولكنك لم تلزمه يا شيخ. # تريزياس ~~: # أنا لم أتكلم. لن أتكلم. # عبثا تطرح أسئلتك. # الجوقة ~~: # أعرفك وأعرف أنك لن تتخلى عنا # لن تكتم هنا وحي أبوللو. # أو أسرارا نقلتها الطير المسرعة إليك. # يا من تكشف ما في الغيب. # وتبصر ما في الأفق وتحت الأرض. # إن مدينتنا ملقاة بين يديك # كالجثة يصرعها الوحش الفاتك. # وهي مدينتك ومن يسكنها أبناؤك. # تريزياس ~~: # الأفضل أن تدعوني في صمتي. # الجوقة ~~: # ولماذا الخوف؟ # تريزياس ~~: # اسألوا من صرع الوحش. # أوديب ~~: # تعلم أنني صرعته، ولكنهم يسألونك أنت. # تريزياس ~~: # يا من لا تخاف، إني أخاف عليك أنت. # أوديب ~~: # صمتك هو الذي يخيفني ويخيف هؤلاء الشيوخ، تكلم إذا ولا ~~تثر غضبي. # تريزياس ~~: # لو فعلت فسأثير غضبا أشد. # أوديب ~~: # الحقيقة لا تغضب العادلين. # تريزياس ~~: # الحقيقة هي ما أقول دائما. والحقيقة تحميني من ~~غضبك. # أوديب ~~: # وماذا تقول؟ # تريزياس ~~: # أيها المتغطرس! يا من تتجرأ على حدود الآلهة! اسمع إذا ~~ما يقوله إلهي وإلهك: اعلم أنك أنت الرجس الذي يدنس ~~المدينة. # أوديب ~~: # أنا الرجس ms179 الذي يدنسها؟ أنا من دعاني هؤلاء الشيوخ ~~الطاهر القديس؟ # تريزياس ~~: # لكن الإله يدعوك باسم آخر. وهو الذي يرى حقيقتك. # أوديب ~~: # سمعت هذا من قبل. استمر أيها الأعمى. # تريزياس ~~: # سأتحمل سخريتك كما أتحمل عقابك. # أوديب ~~: # قلت لك إني لا أخافك، ولا يليق بك أن تخاف عقابي. # إن نزل بك عقاب، فسوف ينزله هؤلاء. # الجوقة ~~: # إنني خائف يا أوديب. # ولا أكتمك خوفي أيها الشيخ الملهم. # لست أدري ماذا أفعل؛ # فأعنا أيها الإله ذو القوس الذهبي. # أرسل، بأمر رب الصواعق، برقك الخاطف ليضيء ~~الطريق أمام سادتنا. ويذيب الثلوج السوداء التي ~~تراكمت علينا. # تريزياس ~~: # اعلموا أنتم أيضا أيها الشيوخ أن الإله يرسل برقه ~~الخاطف، ولن يبدد الظلمات التي ترين عليكم، حتى تتخلصوا من ~~الدنس الذي جلب اللعنة عليكم. # الجوقة ~~: # وكيف نتخلص منه أيها الأعمى البصير؟ # أين نجده وما هي العلامة التي تدل عليه؟ # تريزياس ~~: # لن تحتاجوا للعلامات والإشارات، إنه يقف ~~أمامكم. # أوديب هذا هو قاتل أبيه وزوج أمه وشقيق ~~أولاده. # الجوقة ~~: # أواه يا قوانين الآلهة الخفية! # وأنت أيها القدر الذي دبره أبوللو. # أوديب ~~: # لم يدبره سوى هذا الشيخ. هل لديك خيط آخر تضيفه إلى ~~مؤامرتك؟ # تريزياس ~~: # ولماذا أتآمر عليك؟ ألست أنت الذي أخرجني عن ~~صمتي؟ # أوديب ~~: # ليكتشف هؤلاء الشيوخ حقيقتك. # تريزياس ~~: # فيسألوا أقرب الناس إليك. # أوديب ~~: # من تقصد أيها الملعون؟ أهي أيضا تتآمر علي؟ # تريزياس ~~: # ليسألوا شقيقها الذي كان سيد هذه المدينة. # أوديب ~~: # آه! أرأيتم يا أبناء طيبة؟ لم تكن وحدك إذا! لقد تآمرت ~~علي مع كريون لتجلس بالقرب من عرشه، ليكن النفي أو الموت ~~عقابكما. # تريزياس ~~: # سمعت مني أنني لا أخشى عقابك. # أوديب ~~: # وسمعت مني أن هؤلاء ... # الجوقة ~~: # اهدأ يا أوديب. وأنت أيها الشيخ الحكيم. # لذ بحكمتك التي تبصر لنا ولك. # وأنت أيتها الآلهة التي تدبر كل شيء. # لا تتخلي عن سادتنا في وقت المحنة. # لا تتخلي عنا. # أوديب ~~: # أما أنا فلن أتخلى عن نفسي. لن أتخلى عنكم. وسأكشف ~~المؤامرة قبل أن يحكم هذا الأعمى خيوطها مع شركائه، أيا ~~كانت درجة قرابتهم لي ms180 سأعرف كل شيء. # الجوقة ~~: # افعل يا أوديب. # يا من خلصت مدينتنا من الوباء، # لا تجعلني أقول إنك تركتنا، # أو جحدت أفضال المدينة التي رفعتك إلى قمم ~~الأبطال، # بينما تركتها تسقط في الهاوية # بين أنياب الوحوش ذات المخالب القوية # والأجنحة المرفوقة كالعواصف العاتية. # أوديب ~~: # وعرفت أيها الشيوخ. عرفت يا ابنتي المسكينة. اندفعت إلى ~~الهاوية كما يندفع النسر البائس. وأمك بجانبي تحاول أن ~~تهدئ روعي، وتشد الريش من جناحي. كان رسول من كورنثة قد ~~حضر إلى طيبة. أنبأني كما تعلمون بموت أبي بوليبوس الذي ~~تركته على فراش المرض. مات بالشيخوخة لا بيد الطفل المثقوب ~~القدمين الذي قال الأعمى الملعون إنه سيصرعه. # وتظل أمك يا ابنتي تحذرني وتتوسل إلي: اهدأ يا أوديب. ~~النبوءات تكذب ولا يثق بها الرجل الحكيم. ألم أحك لك عن ~~تلك النبوءة التي أعلنت لزوجي العجوز؟ ألم يأت رسول من ~~كورنثة فيبدد وهمك؟ الطفل الذي تنبأت بأنه سيقتل أباك قد ~~مات من زمن طويل. وأبوك كذلك مات على فراشه في كورنثة. ~~أما أمك فهي هناك في القصر تنتظر عودتك. اهدأ يا أوديب ~~وسوف نزورها سويا. وستفرح بك وتضم البطل العائد إلى ~~صدرها. وستضحك من أوهامك وخرافاتك يا زوجي، يا صاحب الرأس ~~الحجري العنيد. وتضمك يا أنتيجونا أنت وأسمينا إلى صدرها ~~تضعكما على صدري وهي تتضرع باكية: من أجل ابنتيك يا أوديب! ~~من أجل ولديك الغائبين! فكر في مستقبل ذريتك، في مستقبل ~~بناتك. ادفع عني يدها المتضرعة فتكبو فوق الدرج، وتصرخين ~~يا أنتيجونا وتصرخ أختك. ويأتي رسول يستدعيني من داخل ~~القصر، فأخرج على عجل، ويهمس في أذني بأنه قادم لتوه من ~~السفر، وأنه فضل أن يلقاني قبل أن يدخل بيته ويرى أطفاله ~~وينفض عن جسده غبار الطريق. أسألك: «ماذا عندك يا ولدي؟» ~~يتأوه ألما ويقول: «سمعتها يا أوديب، سمعت صوتها الساحر ~~المخيف.» «من يا ولدي؟» «الهولى يا أوديب.» «الهولى؟! ~~أين؟ أين سمعت الصوت؟» يلتقط النفس الهارب ويتمتم: «عند ~~الأسوار. حول البوابات السبع.» أسأله: «سمعتها أو رأيتها؟» ~~«لا لم أرها. سمعت. سمعت.» ms181 «ماذا قالت يا ولدي؟» «لا ~~أعرف يا أوديب؟ لم أفهم شيئا مما قالت. لكني سمعت اسمك ~~أو هذا ما يبدو لي.» «اسمي؟ هل نادتني؟» يشهق بالدمع ~~ويهتف: «أخشى هذا يا أوديب. يخرج صوت من قلب الحجر، وتخرج ~~أصوات من جوف الأرض، تدوي في كل مكان: أوديب. أوديب.» ~~أسأله: «هل قتلت أحدا؟» «لا أعلم.» «هل طرحت لغزا؟» «لا ~~أعلم. لكن هذا ما تذكره عيناي وأذناي ورجفة قلبي الخائف: ~~أوديب! أوديب!» تتدخل جوكاستا في الحديث، تصيح من أعلى ~~الدرج: «نبوءة أخرى يا أوديب! نبوءة أخرى كاذبة!» أرد ~~عليها: «تعلمين أنني أحتقر النبوءات. ثم إن هذا الرجل ~~الفقير ليس كاهنا أعمى!» تصرخ: «إنه يردد أسطورة، ينقل ~~همس الأوغاد. يلف خيطا جديدا حول رقبتك. انتظر يا أوديب! ~~لا تذهب يا أوديب!» # أهتف بها وأنا ألوح بذراعي: «تعرفينني يا حبيبتي، لا بد ~~أن أعرف.» تبكي وتولول: «ليتك لا تعرف أبدا من أنت. ليتك ~~لا تعرف أبدا من أنت.» # ويرن صوتي المبتعد مع خطواتي المسرعة إلى خارج القصر، ~~إلى خارج المدينة: «لا بد أن أعرف! لا بد أن ~~أراها!» # 7 # أوديب ~~: # قادم إليك أيتها الهولى الملعونة! المدينة وراء ظهري تغط ~~في نومها، أو في موتها. وأنا أسرع الخطى لأواجهك وأخنقك ~~بيدي. انتظري أيتها الهولى الدموية ولا تشمتي. غني ما شئت ~~من أغانيك الغامضة فلن تخدعيني. لا تغتري بالشعرات البيض ~~على رأسي، فما زلت أسير على قدمي. لم أتوكأ بعد على عكاز، ~~ولم أزحف على أربع. أنا الإنسان الذي حل اللغز وقتلك. أنا ~~الذي وجد السر ولن يفقده أبدا. مزقت الأسطورة التي نسجتها ~~حول رقبتي، وسحقت القدر الذي فرضته على مدينتي. كيف بعثت ~~من الموت، وقد حملت جثتك بيدي؟ كيف يسمعون صوتك وقد أسكتك ~~إلى الأبد؟ أتكونين الحرباء التي تلونت بلون الموتى لتخدع ~~عابري السبيل؟ هل عدت لتنتقمي مني أم عاد أبناؤك وأحفادك؟ ~~سأواجهكم أيها المسوخ كما واجهت أمكم العذراء، سأنقذ ~~المدينة من وبائكم الجديد كما أنقذتها من وبائك القديم. لن ~~أهرب أيتها العذراء ولن أتراجع. لن ms182 يخدعني حسنك أو سحر ~~كلامك. وأنا أوديب القادم إليك. أوديب الذي يسير على ~~اثنتين، ولا يزحف على أربع. أوديب ... # الصوت ~~: # أوديب! أوديب! # أوديب ~~: # أعرف صوتك، أعرف وجهك. # الصوت ~~: # هذا وهم يا أوديب، لم تعرف شيئا. لم تعرف شيئا. لم تر ~~شيئا أوديب، كنت تحلم. # أوديب ~~: # أحلم مفتوح العينين؟ أولم أقتلك وأحمل جثتك على ~~ذراعي؟ # الصوت ~~: # ونسيت ما قلته لك. # أوديب ~~: # وماذا قلت؟ # الصوت ~~: # إنني أقتل ولا أموت. # أوديب ~~: # سأقتلك اليوم كما قتلتك بالأمس. # الصوت ~~: # وهم آخر، لقد قتلت جدتي الساذجة. # أوديب ~~: # جدتك الهولى؟ كانت ساذجة؟ # الصوت ~~: # وحالمة غارقة في الأحلام. ألم تظهر لك يا أوديب؟ # أوديب ~~: # نعم، نعم، هناك على السور القديم. كانت على الأقل أشجع ~~منك. # الصوت ~~: # ألم أقل لك؟ كانت حالمة مثلك. # أوديب ~~: # لأنها ظهرت لي وألقت سؤالها علي؟ # الصوت ~~: # ولأنها وقفت هناك عند السور. # أوديب ~~: # وراحت تلقي سؤالها على كل من يريد أن يدخل المدينة أو ~~يخرج منها. ومن لا يجيب على سؤالها تخنقه بيديها. # الصوت ~~: # كما كانت تفعل جداتها الساذجات. # أوديب ~~: # وهل كان لها جدود وجدات؟ # الصوت ~~: # وساذجات مثلها. وقفن على أبواب بابل وطيبة التي بناها ~~الفراعنة، ورحن يلقين ألغازهن الساذجة، كل من عجز عن حلها ~~أنشبن فيه مخالبهن أو غرسن فيه أنيابهن أو خنقنه ~~بأيديهن. # أوديب ~~: # ومن حلها؟ وماذا فعلن له؟ # الصوت ~~: # أصبح بطلا مثلك، هتف الناس وغنوا له، سموه المنقذ ~~والراعي والقديس. # أوديب ~~: # نال ما يستحق. أي سذاجة في هذا؟ # الصوت ~~: # أولا لأنه لم يحل اللغز. # أوديب ~~: # كيف لم يحله؟ ألم يكن هو الإنسان؟ ذلك الذي يحبو في ~~الصباح على أربع. # الصوت ~~: # أف! ويسير في الظهر على اثنين. ألم يخطر ببالك أن ~~الإنسان أعقد من هذا بكثير؟ ألم يقل لك عقلك أو ~~قلبك. # أوديب ~~: # قالا إنني قد حللت اللغز، وأن الهولى لم تكد تسمع حتى ~~صرخت مصعوقة. # قالته المدينة كلها وتغنت به. # الصوت ~~: # وهذا دليل آخر على سذاجتك وسذاجتها. لقد صارت ذريتهم ~~أكثر مكرا ودهاء. # أوديب ~~: # لأنها مثلك لا تقف عند الأسوار؟ ولا ترى ms183 وجهها لكل ~~مغامر؟ ألا تقولين أنكن صرتن أكثر جبنا. # الصوت ~~: # جبنا أو مكرا. الأمر واحد. لقد خلعنا أقنعتنا القديمة ~~المضحكة، وصرنا بلا أقنعة ولا وجوه. وتركنا الأسوار ~~العتيقة لكيلا يتعرض لنا المتهورون من أمثالك. # أوديب ~~: # وأين تقفن الآن؟ أين تعشن؟ # الصوت ~~: # أهذا سؤال يطرحه من حل اللغز؟ من عاش ليسأل ~~ويعرف؟ # أوديب ~~: # لأني لا أرى وجها أتحداه. لأني أسمع صوتك يأتي من كل ~~مكان ولا أعرف له أي مكان. # الصوت ~~: # ها أنت عرفته أخيرا. نحن الآن في كل مكان وفي غير ~~مكان. # أوديب ~~: # ماذا تعنين؟ # الصوت ~~: # ألم يقل لك الوباء الجديد؟ # أوديب ~~: # قال إن اللعنة قد حلت بالمدينة، إن رجسا أصابها ولا بد ~~أن تتطهر منه. # الصوت ~~: # وأنك أنت الرجس الذي دنسها. # أوديب ~~: # كذب! ما زلت أحقق فيه لأكشف المؤامرة التي تختفي ~~وراءه. # الصوت ~~: # المؤامرة التي دبرها الكاهن وشريكه المتقاعد وشريك ~~شريكه. # أوديب ~~: # وتعرفين هذا أيضا؟ والأسطورة التي لفقوها وروجوها بين ~~الناس، فانتشرت كالريح السامة. # الصوت ~~: # إنك قتلت أباك العجوز، وتزوجت الأم التي أنجبت منها بعد ~~أن أنجبتك. # أوديب ~~: # كذب! حتى أنت. # الصوت ~~: # وماذا في هذا؟ أسطورة جديدة مثل أسطورة الهولى القديمة. ~~لغز جديد كاللغز القديم. # أوديب ~~: # ولكني حللت اللغز القديم، ولن أتحرك حتى أحل لغزك ~~الجديد. # الصوت ~~: # ومن قال إنني سأطرح عليك لغزا جديدا؟ الأمر واضح، ~~ولكنك لا تراه. # أوديب ~~: # بل هو واضح وأراه، أنت التي أوحيت إليهم بكل هذا. أنت ~~التي لفقت الأسطورة ولقنتها لهم. # الصوت ~~: # وهذه أسطورة أخرى. لن تراها إلا عندما تتعلم كيف ترى ~~بغير عينين. # أوديب ~~: # لغز آخر؟ # الصوت ~~: # لكنه أبسط من اللغز الذي حللته ولم تحله. ستعرفه بعد ~~فوات الأوان. # أوديب ~~: # ولماذا لا أعرفه الآن؟ لماذا لا تظهرين لكي أثبت لك ~~... # الصوت ~~: # أنك ما زلت ساذجا؟ ما زلت أعمى مثلهم؟ # أوديب ~~: # ومتى أبصر في رأيك؟ متى؟ # الصوت ~~: # عندما تغمض عينيك وترى أن الهولى فيك وفيهم. أنها تسللت ~~إلى روحك ونفذت في دمك، كما تسللت إلى أرواحهم، ونفذت في ~~دمائهم. أنها لم تعد في حاجة ms184 إلى الوقوف على السور، أو ~~إلقاء أسئلتها الغامضة على كل عابر سبيل. إن الإنسان هو ~~الهولى. والهولى هو الإنسان. هذا هو الوباء يا ~~أوديب. # أوديب ~~: # وما شأنه بالوباء الذي يجتاح مدينتنا؟ # الصوت ~~: # هو نفس الوباء الذي اجتاح كل المدن، صنع سكانها ~~الأسطورة، وأسرع الكاهن الأعمى والحاكم العجوز ومعهما ~~الجلاد والكذاب واللص والمرتشي والمزور والحاقد والوغد، ~~فصنع الهولى التي تقف على أبواب المدينة، والبطل الأحمق ~~الذي يجيب على أسئلتها ويفوز بالجائزة، تماما كما حدث لك ~~يا أوديب. # أوديب ~~: # كذب! غدر وجحود! الجميع يعلمون أنني لم أفز بالجائزة إلا ~~بعد أن حللت اللغز. # الصوت ~~: # والجميع لا يعلمون أنك حللته ولم تحله، حتى أنت لا تريد ~~أن تعلم أنه أعقد مما تصورت. # أوديب ~~: # ولكنني كشفت عنه، وفزت بالجائزة وجعلت طيبة ... # الصوت ~~: # بستان الحب وحصن الأمن. # أوديب ~~: # أليست هذه هي الحقيقة؟ اسألي الجميع. # الصوت ~~: # أسألهم وأنا أحيا فيهم؟ إنها الأسطورة يا أوديب، ~~الأسطورة التي نسجها الكاهن الأعمى والحاكم المتسلط ~~والشاعر الكذاب واللص والجلاد، الأسطورة التي أوحت ~~بالنبوءة، والنبوءة التي نسجت اللعنة عليك وعلى ~~أسرتك. # أوديب ~~: # أوأنت التي نسجتها؟ ألا تعيشين فيهم جميعا؟ # الصوت ~~: # نعم يا أوديب، لكنني من صنعهم. هم الذين نسجوا خيوطي ~~وغذوني من دمهم كما يتغذى الجنين من دم الأم. هم الذين ~~حقدوا وغدروا، وتآمروا وزوروا، وتسلطوا واستبدوا، هم الذين ~~أرادوا أن يكونوا عقارب وأفاع تلدغ، وقرودا تقفز فوق ~~الأكتاف، وكلابا تقعي عند الأقدام، وذئابا تنهش الحملان، ~~وضباعا تنهش جثث الموتى الأحياء، وأنا أتغذى من سمهم، ~~وأسمن على قيحهم، حتى صارت طيبة غابة يسكنها أكلة لحوم ~~البشر، حتى صار الإنسان هو الهولى، والهولى هي ~~الإنسان. # أوديب ~~: # لا لا، ليس صحيحا ما قلت، ليس الآكل والمأكول ~~سواء. # الصوت ~~: # وهم آخر، حلم من أحلامك، لو قدر المأكول لأكل ~~الآكل. # أوديب ~~: # لقد قتلتك من أجل الضحايا، علمتهم أن يقفوا على أقدامهم، ~~ويعرفوا أنفسهم. # الصوت ~~(ضاحكا) ~~: # هل عرفوها؟! لو ملكوا أنفسهم ما احتجت أن تقتلني وتقتل ~~جدتي الساذجة، لو صاروا سادة أنفسهم ما احتاجوا بطلا مثلك ms185 ~~يصبح أسطورة كي يأتي بطل آخر ينقذهم منك ويصبح ~~أسطورة. # أوديب ~~: # وما ذنبي أو ذنبهم في المؤامرة التي دبرت لنا؟ ما ذنبي ~~أو ذنبهم إذا كان كلاهما ... # الصوت ~~: # تريزياس وكريون؟ لم تخل المدن منهما أبدا. لن تخلو ~~المدن منهما ومن أعوانهما. وتدور الدورة أبدا يا ~~أوديب. # أوديب ~~: # بل تتوقف لا بد أن تتوقف كما حطمت أسطورة جدتك سأحطم ~~أسطورتك. # الصوت ~~: # والأسطورة التي نسجت حولك وقبل مولدك؟ # أوديب ~~: # كذب. سأثبت أنها كذبة. # الصوت ~~: # ليتها كانت كذلك يا أوديب . # أوديب ~~: # الرسول الذي جاء من كورنثة قد وضع كل شيء تحت عين الشمس ~~وأمام عين الشعب. إنني لم أقتل أبي؛ لأن بوليبوس العجوز ~~مات على فراش المرض والشيخوخة. أما ميروب فسوف أزورها مع ~~زوجتي بعد أن نبدد الأسطورة، ونرفع الوباء، ونتطهر من ~~الرجس. # الصوت ~~: # لن نتطهر منه إلا حين تطهر نفسك. # أوديب ~~: # المهم أن أطهر شعبي. # الصوت ~~: # ليلوثه رجس آخر، ويحل عليه وباء آخر. وأبعث حية من ~~جديد. # أوديب ~~: # كذب! كذب! ستموتين إلى الأبد. # الصوت ~~: # أتظن هذا؟ # أوديب ~~: # عندما يصير كل واحد منهم «أوديب»، عندما يتحداك أيتها ~~الماكرة كما تحدى جدتك الساذجة. # الصوت ~~: # الذي تحداها صار ملكا، هل يصبح كل سكان طيبة أبطالا ~~وملوكا؟ # أوديب ~~: # لم لا؟ يصير كل منهم سيد نفسه، عندما يعرف أن الآلهة ~~المقدسة لم تتحدث بالنبوءة، ولم توح الأسطورة، عندما يتأكد ~~أن خدامهم هم الذين تحدثوا باسمهم، ونطقوا الكذب على ~~لسانهم. # الصوت ~~: # وهل سيدفعون الثمن؟ هل هم مستعدون للتضحية؟ # أوديب ~~: # ولم لا؟ المهم أن يعرفوا. وسوف يدفعون أكثر مما دفعت، ~~ويبذلون أكثر مما بذلت. # الصوت ~~: # لا أقصد الثمن الذي دفعت ولا التضحية التي بذلت. # أوديب ~~: # وماذا تقصدين؟ # الصوت ~~: # أقصد ما سوف تدفعه وتبذله. # أوديب ~~: # لغز جديد؟ ألم تهزئي بالألغاز. # الصوت ~~: # وبمن حل الألغاز. # أوديب ~~: # كفى سخرية، لو كنت نفذت في باطن كل إنسان في طيبة، لعرفت ~~أنني حللت اللغز. # الصوت ~~: # أنا مدينة لأسطورتك بوجودي فيهم. # أوديب ~~: # ولكنك ستغادرين مكانك، ستغادرينه مذعورة مصعوقة مثل ~~جدتك. # الصوت ~~: # ها! ها! يدهشني تهورك ms186 أكثر مما تدهشني سذاجتك. # أوديب ~~: # ولماذا أيتها الهولى؟ # الصوت ~~: # لأنك تتصور أنهم سيدفعون نفس الثمن الذي لم تدفعه بعد. ~~وأنهم سيبذلون نفس التضحية التي ... # أوديب ~~: # بل أثق بأنهم سيفعلون. # الصوت ~~: # التفاؤل شقيق التهور، وهل عرفت الثمن؟ هل تصورت ~~التضحية؟ # أوديب ~~: # لن يبخل بهما أحد لكي يكون إنسانا. لن يتردد أحد عن ~~بذلهما لكي يتخلص منك. # الصوت ~~: # وتصبح طيبة بستان الحب وحصن الأمن؟ وتصبح كل المدن ~~... # أوديب ~~: # بساتين ربيع دائم، وحصون الأمن الأبدي. # الصوت ~~: # ويقتل كل إنسان أباه ؟ ويتزوج كل الأبناء أمهاتهم؟ وينتشر ~~الوباء. # أوديب ~~: # قلت لك كذب! أسطورة! نبوءة كاهن أعمى ومتآمر حقود، ~~ستعرفين. # الصوت ~~: # وستعرف يا أوديب. # أوديب ~~: # وعندها تتحطم الأسطورة. # الصوت ~~: # وتتحطم أنت أيضا. # أوديب ~~: # وسأرى كل شيء. # الصوت ~~: # بعد أن تفقد بصرك. # أوديب ~~: # لغز مضحك. # الصوت ~~: # ليته كان كذلك يا أوديب. # أوديب ~~: # لا يستحق أن أضيع فيه وقتي. # الصوت ~~: # ستضيع ما هو أثمن منه. # أوديب ~~: # المهم ألا تضيع طيبة، المهم أن يطردك كل إنسان ~~منها. # الصوت ~~: # حاذر ألا يطردوك أنت. # أوديب ~~: # لا يهم أيضا. سأكون قد خلصتهم منك. # الصوت ~~: # وستكون قد دفعت الثمن. # أوديب ~~: # وحللت اللغز. # الصوت ~~: # كما فعلت من قبل؟! # أوديب ~~: # اسخري كما تشائين، إنني ذاهب إلى طيبة، ذاهب لأطردك ~~منها، لأطردك من كل المدن، لأطردك من كل القلوب. # الصوت ~~: # وتتصور أن يصدقوا. # أوديب ~~: # ماذا يصدقون؟ # الصوت ~~: # أنك حللت اللغز؟ # أوديب ~~: # سيصدقون. # الصوت ~~: # ولكنك لم تحل اللغز يا أوديب، ولم تدفع الثمن. # أوديب ~~: # حللت اللغز ودفعت الثمن. # الصوت ~~: # لم تحل اللغز يا أوديب، لم تدفع الثمن. # أوديب ~~: # سترين. سترين. # الصوت ~~: # أوديب. أوديب. أوديب. # 8 # أوديب ~~: # جئت إليكم يا أبناء طيبة ويا شيوخها، جئت لأحل اللغز ~~الأكبر، اللغز الكامن فيكم. إن كنت أخطأت فها أنا أصلح ~~خطئي. إن كنت قتلت الهولى الرابضة على سور مدينتكم فها أنا ~~أدعوكم لقتل الهولى الرابضة في أعماق نفوسكم. تعالوا ~~نطردها من مدينتنا، من بيوتنا، من أرواحنا ودمائنا، من ~~نومنا وأحلامنا. الهولى يا أبناء مدينتنا. ونظرت في عيونهم ~~يا ابنتي فوجدتها كالزجاج ms187 المعتم. وتطلعت إلى وجوههم فرأيت ~~آلهة الصمت الساخرة تبتسم وتحدق في. قال رئيس ~~الجوقة: # رئيس الجوقة ~~: # أية هولى يا أوديب؟ أية أحلام؟ # أوديب ~~: # إنني قادم من عندها. لم تظهر عند السور كما فعلت من قبل. ~~لقد أصبحت داخلكم. تسللت إلى ضمائركم. # رئيس الجوقة ~~: # هل تحلم يا أوديب؟ أتكلم نفسك يا ربان سفينتنا؟ ريح ~~الموت العاصفة ستغرقنا فاستيقظ يا أوديب. # أوديب ~~: # لقد سمعتها وكلمتها، أنا لا أحلم. # رئيس الجوقة ~~: # بل تحلم مفتوح العينين، لكنك لا تبصر هذا الراعي. # أوديب ~~: # الراعي؟ أية راع؟ # رئيس الجوقة ~~: # ألم ترسل في طلبه؟ # أوديب ~~: # نعم. نعم. وكلفت اثنين من خدمي بالبحث عنه. لقد عاهدتكم ~~يا أبناء طيبة. # رئيس الجوقة ~~: # أن تبحث عن قاتل لايوس، وعن مصير الطفل الذي ألقي في ~~الجبل. وها أنت تطرق كل الأبواب، وتسلك كل السبل حتى ~~تعرفه. # أوديب ~~: # حتى لو كان الموت جزائي. حتى لو كان الثمن حياتي. # رئيس الجوقة ~~: # ها هو يقف أمامك فاسأله يا أوديب. # أوديب ~~: # وصحت بالراعي العجوز أن يتقدم. وأشرت إلى الرسول القادم ~~من كورنثة، وأمرته أن ينظر في وجهه. ويطالع سطور السنين ~~المحفورة في جلده وهتفت بالجميع: إنني لا أخاف شيئا يا ~~أبناء طيبة ليكن أصلي ما يكون فلن أخجل من وضاعة مولدي. ~~لقد صممت أن أعرفه، وأن يعلنه هذا الشيخ أمامكم. وإذا ظهر ~~أن هذا الرجل الواقف على حافة القبر هو أبي أو هو الذي ~~رباني في الجبل الموحش أو في الغابة الكثيفة الشجر، فلن ~~يخجلني هذا، وسيفتخر هذا الراعي العجوز بأن ابنه أو ربيبه ~~هو الذي حل اللغز وقتل الهولى وقضى على الوباء، هيا أيها ~~الشيخ. هيا أيها الرسول الغريب. تعرف الغريب على الراعي. ~~وتردد الراعي فلم يشأ أن يتكلم. واحتمى بكهف نسيانه ~~فانتزعته منه. # أوديب ~~: # إن لم تتكلم فسوف أرغمك على الكلام، سآمر بأن توثق يداك ~~خلف ظهرك. # الراعي ~~: # لم هذا؟ ماذا تريد أن تعرف؟ # أوديب ~~: # الطفل الذي يتحدث عنه هذا الغريب هل أعطيته له؟ # الراعي ~~: # ليتني هلكت في ذلك اليوم. # أوديب ~~: # هذا مصيرك ms188 إن لم تقل كل ما عرفت. # الراعي ~~: # ولكني هالك إذا تكلمت أيضا. # أوديب ~~: # لا بد أن تتكلم حتى لو هلكت أنت وأنا وكل هؤلاء الشيوخ، ~~ابن من كان هذا الطفل؟ أكان ابنك؟ هل أعطاه لك شخص ~~آخر؟ # الراعي ~~: # مولاي لا تسألني أكثر من هذا. # أوديب ~~: # لا تحاول الهرب. كل هؤلاء يعلمون أنني أوديب الذي يسأل ~~ولا بد أن يعرف. # الراعي ~~: # أوديب ذو القدمين المثقوبتين، ما أبشع أن أقول ما ~~أعرف! # أوديب ~~: # وما أبشع أن أسمعه! ولكن لا بد من سماعه. # الراعي ~~: # سلموه لي يا مولاي لكي ألقيه في الجبل. # أوديب ~~: # من سلمه لك؟ تكلم أيها الرجل. # الراعي ~~: # لا أدري يا مولاي كنا في الليل فلم أر اليد التي أعطته ~~لي. لم أتبين في الظلام إن كانت يد أبيه أو أمه. # أوديب ~~: # ومن أبوه وأمه؟ # الراعي ~~: # لا تسألني يا مولاي. لا أعرف، ارحم شيخوختي ~~وضعفي. # أوديب ~~: # وهل رحمت أنت ذلك الطفل المسكين؟ # الراعي ~~: # نعم يا مولاي. وليتني ما فعلت. كان موثوق القدمين ففككت ~~قيده. كان علي أن أتركه للوحوش وجوارح الطير، فعهدت به ~~إلى هذا الشيخ. # أوديب ~~: # ولماذا تندم على إنقاذه؟ هل أمروك بقتله؟ ولماذا فعلوا ~~هذا؟ # الراعي ~~: # سمعت أنهم فعلوه لكيلا يقتل أباه. # أوديب ~~: # رضيع يقتل أباه؟ هل سمعتم بهذا يا شيوخ طيبة وأبناءها؟ ~~ومن الذي قال هذا؟ # الراعي ~~: # قالته نبوءة مشئومة. # أوديب ~~: # سمعتم؟ نبوءة أعلنها تريزياس؟ # الراعي ~~: # لا أعلم يا مولاي. # أوديب ~~: # ورواها كريون وأعوانه. # الراعي ~~: # لا أدري عمن تتحدث. # أوديب ~~: # ولا هؤلاء الشيوخ يدرون، لكن النبوءة قيلت على لسان ~~أبوللو. والأسطورة نسجتها اليد الخفية، ثم نسبتها للآلهة. ~~أما أنت فأخذت الطفل إلى الجبل. # الراعي ~~: # لم أتركه وحده كما أمروني. سلمته لهذا الشيخ رحمة به. ~~ليتني ما فعلت. ليتني ما فعلت! # أوديب ~~: # هل عدت إلى الندم؛ لأنك أشفقت على الطفل وسلمته ~~له؟ # الراعي ~~: # اسأله يا مولاي. # أوديب ~~: # لقد سألته وأجاب. قال إنه أنقذ الطفل الواقف أمامك، ~~وسلمه لملك كورنثة. # الراعي ~~: # ويلي، ليتني مت قبل أن يتحرك لساني! # أوديب ~~: # ولماذا ms189 تتمنى الموت؟ # الراعي ~~: # إن كنت أنت الذي أنقذناه فاعلم أنك بائس مسكين. # أوديب ~~: # لأن النبوءة صدقت؟ # الراعي ورئيس الجوقة ~~(معا) ~~: # وقتلت أباك الذي أنجبك. وعشت مع من لم يكن ينبغي أن تعيش ~~معهم، وألقيت بذورك في نفس الرحم الذي خرجت منه. # أوديب ~~(ضاحكا) ~~: # النبوءة. النبوءة، اسمعوا يا أبناء طيبة واحكموا. صرخت ~~الجوقة وبكت وراحت تنعق كالبوم. # الجوقة ~~: # ويلاه! ويلاه! # ماذا نسمع يا أوديب؟ # هل صوت الرعد القاصف في الآذان # وصواعق زيوس الحارقة # تثير الضحك الرنان؟ # اخجل من نفسك يا أوديب! # اخجل من نفسك يا أوديب! # أوديب ~~(مستمرا في الضحك) ~~: # أخجل من نبوءة أعمى؟ # من أسطورة طاغية # أمعن في الطغيان؟ # الجوقة ~~: # ويلك أنت الطاغية # وأنت الطغيان. # أنت الرجس فغادر طيبة # منذ الآن. # غادر طيبة منذ الآن. # أوديب ~~: # وضحكت يا ابنتي كما لم أضحك في حياتي. وتلفت إلى ~~الشيوخ فلم أر الوجوه التي كانت تتطلع في وجهي. لقد التفت ~~في عباءاتها السوداء، وراحت أجسادها تنتفض كأنما اهتز من ~~تحتها الزلزال أو انفجر البركان. واندفعت إلى القصر، وأنا ~~لا أدري إن كنت أضحك أم أبكي أم أصرخ. وصعدت الدرج لاهث ~~الأنفاس. خيل إلي أنني سمعت صرخة رنت في أذني كعواء كلب ~~مسعور. وعبرت البهو الكبير والصرخة ما تزال تدوي في سمعي. ~~ودفعت باب الحجرة التي تنامين فيها مع إخوتك. هل شعرت ~~ساعتها بأنني عملاق أوليمبي يتحدى آلهة القدر أم طفل مرتعش ~~القدمين ينوح عند مهد أطفاله ويغسل أقدامهم الصغيرة ~~بدموعه؟ كانت الحجرة مظلمة إلا من بصيص نور باهت يتسرب ~~من الشموع الموقدة في البهو. وفتحت عينيك الواسعتين يا ~~حبيبتي في الظلام، وجلست في سريرك وأنت تهمسين: ~~أبي؟ # تحسست رأسك الجميل وشعرك الناعم، وربت على صدر أختك ~~النائمة، وقلت: النبوءة يا صغيرتي! النبوءة تريد أن تحرمني ~~منك؟ قلت: النبوءة؟ ما معنى هذا يا أبي؟ صحت بأعلى صوتي: ~~النبوءة التي روجوها في كل مكان. الأسطورة التي نسجوها قبل ~~مولدي. منذ عشرين سنة وهم يسوونها على نار الغدر لتحرقني ~~وتحرقكم. منذ عشرين سنة وهم يفترون على ms190 الآلهة، ويكذبون ~~على لسانهم وطيبة تصدق ما يقولون، وشيوخها يتأوهون أمام ~~القصر ويبكون. طيبة تلقي الفأس من يدها، وتخرس القلم ~~والقيثارة وتترك الدفة للأعاصير. طيبة قررت أن تقتل أباك ~~يا حبيبتي، أن تسحقه وتسحق أبناءه وملكه وبطولته. وفجأة ~~سمعت صوتها، صوتها المهيب الحنون يتسلل إلى ظلام الحجرة، ~~ويسحبني منها فأنقاد إليه كالحجر الأخرس. # جوكاستا ~~: # أوديب! أوديب! # وأستسلم للأنفاس المتقطعة والعينين الدامعتين وأنا أقول: # أوديب ~~: # جوكاستا؟! # جوكاستا ~~: # دع الأطفال وحدهم يا ... # أوديب ~~: # ماذا؟ أتبكين؟ ماذا جرى لك؟ # جوكاستا ~~: # لا أدري بم أدعوك! # أوديب ~~: # أنت أيضا يا حبيبتي؟ # جوكاستا ~~: # حبيبتك؟ زوجتك أنا. أو ...؟ # أوديب ~~: # جوكاستا! هل سمعتهم؟ أيمكن أن تصديقهم؟ أيمكن أن تصدقي ~~النبوءة التي حذرتني منها؟ # جوكاستا ~~: # إن كانت كاذبة فأين الحقيقة يا أوديب؟ # أوديب ~~: # الحقيقة أنني أحبك أنت وأولادنا وبناتنا. # جوكاستا ~~: # وأنك زوجي وابني. # أوديب ~~: # وتقولينها يا جوكاستا؟ أنت التي شجعتني على تحديها؟ أنت ~~التي تعلمين أنها من صنعهم؟ # جوكاستا ~~: # من صنعهم أو من صنع الآلهة، هل يغير هذا من ~~الحقيقة؟ # أوديب ~~: # الحقيقة. الحقيقة. لقد صنعوها يا حبيبتي ونسبوها للآلهة، ~~اختلقوها ليلقوا شبكتها علينا وعلى أولادنا. # جوكاستا ~~: # أولادنا؟ هل قلتها بنفسك؟ # أوديب ~~: # بالطبع يا حبيبتي. # جوكاستا ~~: # حبيبتك، وزوجتك أم ... # أوديب ~~: # لا تقوليها. لا تدعيها تخرج من شفتيك. # جوكاستا ~~: # زوجتك أم أمك؟ وأنت؟ زوجي أم ابني؟ زوجي أم ابني؟ # ويلاه! ويلاه! ويلاه! # وجرت مذعورة كشبح خائف في سراديب هاديس. وصراخها ينفذ ~~كالسهام في سمعي ولحمي وعظمي: زوجتك أم أمك؟ زوجي أم ابني؟ ~~ويلاه! ويلاه! ويلاه! وتسمرت في مكاني كأني شجرة أمرها رب ~~الصواعق أن تبقى في مكانها، حتى يحرقها بشواظه. ثم أفقت ~~على صوت هبط علي فأحسست بأني صرت فحمة سوداء. واندفعت ~~الفحمة في طرقات القصر وأبهائه تصطدم بالأبواب والجدران. ~~وتعالت صيحات الحراس وأنا أجري في كل اتجاه، وأصطدم ~~بأجسادهم ودروعهم. وأخيرا وصلت إلى باب المخدع، فدفعته ~~على مصراعيه ودخلت. واشتعلت الفحمة، وتوهجت بنيران الغضب ~~والرعب. وجرت تصطدم بالأبواب والجدران والأجساد والدروع. ~~سيفا أيها الحراس! سيفا أيها الكلاب! ألا ترون سيدتكم؟ ms191 ~~ألا ترون الحبل الذي تتدلى منه؟ سيفا أيها الحراس! سيفا ~~أيها الكلاب! ولمع حد السيف على ضوء المشاعل، فقبضت عليه ~~واندفعت. وهجمت على الحبل وقطعته. وسقط الجسد الحبيب على ~~فراشنا سقوط الصخرة من أعلى الجبل. وعلى صوت صراخك يا ~~ابنتي أنت وأختك نزعت المشابك الذهبية من شعر أمك ~~وملابسها، ورحت أدفعها في عيني لكيلا أراكم. وانطلقت ~~صيحاتي المظلمة مع شلال الدم المظلم من عيني، فلم أعد أبصر ~~شيئا. رن صوت مهيب وراء ظهري: فلتفتح الأبواب ليرى أهل ~~طيبة قاتل أبيه وزوج أمه، فلتفتح الأبواب ليرى أبناء طيبة ~~الرجس الذي دنس أرضها، وشعرت بكفك الصغيرة المرتعشة تمتد ~~إلى يدي، وتشدد قبضتها عليها وأحسست بماء صاف ينساب فوق ~~النار الحارقة فيطفئها، ويمر على فوهات البركان، فيخمد ~~أنفاسه الملتهبة. وشددت علي افتحوا الأبواب ولينظر أهل ~~طيبة ماذا فعلوا بالبطل المنقذ من هول الهولى، ماذا فعلوا ~~بالأب الراعي والقديس. افتحوا الأبواب. افتحوا ~~الأبواب. # 9 # وفتحت الأبواب يا ابنتي، وأخذتم يا أبناء طيبة تنظرون إلى من كان ~~ملككم وراعيكم وقديسكم. مفقوء العينين، رأيتموني والدم المظلم يلطخ ~~خدي ويدي وثيابي. والصرخات محتبسة في صدري كصخرة تسد فمي. ويدك ~~الصغيرة تتشبث بيدي وترتعش من هول الموت الذي لا يفهمه عقلك ~~الصغير. ويرن صوت مهيب من خلف ظهورنا: # كريون ~~: # انظروا يا أبناء طيبة إلى قاتل أبيه وزوج أمه. ~~(وتنزاح الصخرة قليلا، فخرج صوتي ~~المحبوس): # أوديب ~~: # لا يليق بالقاتل أن يشمت بقتيله. # كريون ~~: # ما زلت متغطرسا كما كنت، أما أنا فلا أشمت فيك، بل ~~أتركك لهؤلاء الشيوخ والأبناء ليقضوا في أمرك. إن منظرك ~~يثير إشفاق العدو نفسه. # أوديب ~~: # أولى بك أن تشفق على أختك التعسة، وتقوم بمراسم ~~دفنها. # كريون ~~: # وهذا ما كنت أنويه الآن. أما أنت ... # أوديب ~~: # أما أنا فسوف أطلب منهم أن يقتلوني أو ينفوني أو يرموني ~~في البحر. # كريون ~~: # ليس لك أن تطلب منهم شيئا، فسوف ينفذون أمر ~~الآلهة. # أوديب ~~: # أمر الآلهة أمرك أيها السيد الجديد؟ # كريون ~~: # لن أرد عليك يا أوديب. سأترك أمرك لهؤلاء ولقوانين ~~الآلهة. ms192 واعلموا يا أبناء طيبة أنه الرجس لا ينبغي أن تراه ~~عين الشمس، ولا أن يلمسه المطر المقدس. أما أنتم أيها ~~الحراس، فتعالوا معي لنؤدي واجب التقوى نحو الجسد الذي ~~دنسه هذا الشقي. # أوديب ~~: # هذا الابن الملعون والزوج المشئوم، أليس هذا ما تريد ~~قوله؟ أليس هذا ما تفكرون فيه؟ # وأخذت يدي يا حبيبتي، فنزلنا الدرج خطوة خطوة. واستقبلتمونا ~~بأنين كبكاء الريح المحزونة في سمع الشجر المحزون: # الجوقة ~~: # من هذا الذي أراه أمامي؟ # إلى أي بحر خضم من البؤس تتجه قدماه ؟ # أليس هو الذي حل اللغز المشهور! # أوديب الذي جلس على عرش طيبة # وصار أقوى وأسعد إنسان. # وتقدمت منكم وأنا أقول: # أوديب ~~: # وصار أتعس إنسان؛ # لأنه حاول أن يعرف، # ولم يدر أن المعرفة هي الموت والهوان. # الجوقة ~~: # ويلاه! ويلاه! # إني أنتفض من الرعب لمنظرك المؤلم، # وأرتعش كالبحارة الذين تهزهم الرياح حين يرون ~~ربان سفينتهم الغارقة يتخلى عنها للعاصفة العاتية، ~~ويغادر كغراب مشئوم. # أوديب ~~: # لم أتخل عن السفينة ولا عنكم، # أنتم تخليتم عن أنفسكم. # الجوقة ~~: # نحن تخلينا عن أنفسنا؟ # ماذا تقصد يا أوديب؟ # أوديب ~~: # مددت يدي لأنقذكم من الغرق. # الجوقة ~~: # ودعوناك المنقذ والربان. # وهتفنا: أنت الأب والراعي والقديس. # أوديب ~~: # ثم تركتم أيديكم # للذئب الغادر، # والكلب الحاقد، # والقرصان الفاجر. # أسألتم أنفسكم يوما # كيف يعيش القديس العابد # وسط كلاب وذئاب؟ # صنعوا النبوءة، نسجوا الأسطورة، فسكتم. قالوا ~~طاغية، فرضيتم. # الجوقة ~~: # بل قالوا جاوزت الحد، ولم ترع قوانين العدل. صممت على ~~معرفة القاتل، لا تعلم أن القاتل أنت. # أوديب ~~: # صممت على معرفته من أجلكم. # الجوقة ~~: # وتمردت على النبوءة والأسطورة. # أوديب ~~: # لأخلص نفسي وأخلصكم. # الجوقة ~~: # يا أشقى الناس جميعا. ليتك ما كنت عرفت ولا كنت ~~تمردت. # أوديب ~~: # ليظل الوباء يهلككم؟ لتبقى الهولى تحاصركم وتنفذ في ~~دمائكم؟ # الجوقة ~~: # لكيلا تصبح طاغية، فتعاقبك الآلهة، وأي عقاب. # أوديب ~~: # أسألتم أنفسكم: من صنع الطاغية أو الطغيان؟ أنتم. ~~أنتم. # الجوقة ~~: # نحن؟ هل تلقي التهمة، حتى لا نصرخ فيك: دافع عن ~~نفسك؟ # أوديب ~~: # وما جدوى الدفاع والاتهام؟ إنكم ترون ملكا فقد ملكه، ~~وأبا حطم ms193 أسرته، وشقيا يترك أرضه إلى أرض أخرى لا ~~يدنسها ولا تدنسه، هل تذكرتم الطفل المثقوب القدمين؟ من ~~قيده وأمر بأن يلقى في الجبل وحيدا؟ # الجوقة ~~: # الملكة والملك السابق؟ # أوديب ~~: # بل أنتم! سمعتم عن الجريمة وسكتم. لفقت وراء ظهوركم ~~ورضيتم. قيل لكم: حتى لا تصدق النبوءة. أي إله قاس يحكم ~~على طفل تعس؟ أي إله يقضي على رضيع في يومه الثالث؟ ألم ~~يخطر ببالكم أن الآلهة لا ترضى بهذا الظلم؟ أن الكهنة تلعب ~~بأقدار البشر؟ # لماذا تركتم كريون يحكمكم بعد أن ارتكب هذه الجريمة؟ ~~لماذا دعوتم الكاهن الأعمى ليقرأ لكم الغيب ويرى ما لا ~~ترون؟ ومات لايوس فلم يسأل أحدكم: كيف مات؟ وتركتم كريون ~~يدبر أموركم دون أن تسألوا أنفسكم: ألا يمكن أن يكون قد ~~دبر الجريمة؟ وجاء الرواة يحكون لكم أن قطاع الطريق هاجموا ~~الملك عند مفترق الطريق ذي الشعاب الثلاثة. ومرت الأعوام ~~فلم يبحث عن القاتل ولا بحثتم عنه. ووقفت الهولى على أسوار ~~مدينتكم، فانتظروا من يتصدى لها من خارجها، وانتظرتم معهم ~~فلم يتحرك أحد للقائها، وعندما انتشر الوباء، وسقطت ~~المدينة تذكروا المقتول ونادوا: لا بد من البحث عن القاتل، ~~والقاتل الذي قتله دون علمه أصبح بطلا. وتحركت النبوءة ~~فطالبت بأن يقتل البطل ليحل محله بطل جديد يصبح قاتلا ~~بعد حين. وتدور الدورة وتنظرون. وينقل إليكم الكهنة وحيا ~~لم تنطق به الآلهة فتصدقون. ويرى الأعمى ما لا ترون ~~فتسكتون وتسلمون وتدور الدورة يا أبناء طيبة، فأصبح ~~قاتلا، والقاتل يصبح بطلا، والبطل الجديد يصير رجسا ~~تطاردونه وتنفونه، وتظهر هولى جديدة تتطلب بطلا ~~جديدا. # الجوقة ~~: # لن ننسى أنك حللت اللغز وصرعتها يا أوديب. # أوديب ~~: # وحللت اللغز؟ لا تقولوا هذا يا أبنائي. # لقد حللت لغزا واحدا تمخضت عنه ألغاز. وقتلت هولى ~~واحدة، فأفرخت الآلاف. لن تعود الهولى إلى السور، ولن ~~تعترض الشجعان المغامرين. لن تطرح سؤالها على كل من يدخل ~~طيبة أو يخرج منها. لقد صارت فيكم، نسجت عنكبوتها في ~~ضمائركم. ولهذا كنت أحلم عندما تخيلت أن طيبة صارت بستان ~~الحب وحصن ms194 الأمن. كنت أحلم عندما تصورت أنني قتلت الهولى. ~~لا لا. الآن أعترف بعجزي، أعترف بفشلي، لم تمت الهولى بعد. ~~ما زالت تغدر، تفجر، تكذب، وتزور، تتسلط تتآمر وتدير. وها ~~أنا ذا أخرج من المدينة التي يفترسها الوباء، وأعلم أنني ~~لن ألقاها على السور؛ لأنها ما زالت فيكم. ما زالت ~~فيكم. # الجوقة ~~: # ما زالت فينا؟ # أوديب ~~: # يوم تموت الهولى يحيا الإنسان. # الجوقة ~~: # وننتظر أوديب آخر؟ # أوديب ~~: # بل يصبح كل منكم أوديب. يقتل «هولاه» فتبعث طيبة، يملك ~~قدره. وأفقت على الصوت المهيب ينحدر كشلال هادر، وسمعت ~~خطواته الثقيلة ورائي. # كريون ~~: # والقدر يدمره مثلك؟ والأسطورة تحطمه وتحطم أسرته؟ ~~والنبوءة تصدق فيدنس وطنه. # أوديب ~~: # بل يحيا فيه الإنسان، ويسقط عرش الطغيان. هذا هو الثمن ~~يا كريون. هذا هو الثمن الذي ستدفعه. # كريون ~~: # لأصبح بطلا مثلك؟! # أوديب ~~: # والبطل يصبح طاغية، والطاغية قاتلا، والقاتل ~~مقتولا. # الجوقة ~~: # وتدور الدورة يا أوديب. # أوديب ~~: # بل تتوقف ليكون الإنسان. ترجع طيبة طيبة. # كريون ~~: # بعد أن تغادرها يا أوديب. # أوديب ~~: # سأغادرها يا كريون. سأغادرها يا أبناء طيبة. لقد دفعت ~~الثمن وتحررت. فقأت عيني وأبصرت. حريتي لن يمسها أحد. عيني ~~الثالثة لن تفقأها يد تمتد في الظلام. هيا يا ابنتي، تعالي ~~يا حبيبتي. # أنتيجونا ~~: # أبي. أبي. # كريون ~~: # دعها يا أوديب، إنها في رعايتي. # أوديب ~~: # لن تأخذها مني. لن أحرم منها أبدا. تعالي يا ابنتي ~~نبتعد عن هذه المدينة التي يهلكها الوباء. تعالي إلى أرض ~~أخرى لا ندنسها ولا تدنسنا. إني أراها تغرق في الدم والنار ~~والظلام. وأراك يا حبيبتي في كهف يلطخه الدم والعار. ~~فاتركيها الآن وتعالي لتدفني أباك في قبره الوحيد. فوق ~~أرض وحيدة. وعندما تودعينه وتنثرين الماء على مثواه عودي ~~يا ابنتي، عودي لتحرري طيبة من الوباء والظلام. لتعلمي ~~أبناءها أن يقتلوا الهولى في داخلهم، حتى يحيا ~~الإنسان. # الجوقة وكريون ~~: # انتظري يا أنتيجون. عودي يا أنتيجون. # أوديب ~~: # لا تصدقيهم يا ابنتي. لا تسمعيهم يا حبيبتي، آه يا ~~صغيرتي المسكينة إني أراك تدفعين الثمن الذي دفعه أبوك. ~~أراك تواجهين الطاغية وتتحدينه. ms195 تعلمين طيبة أن تكون طيبة، ~~تذكرينها بأوديب وتحكين لها قصة أوديب. هل ستسمعك يا ~~أنتيجون؟ هل ستتعلم من درس حياتك ومماتك؟ هل تتذكر مأساتك ~~ومأساتي؟ أم ستدور الدورة أبدا؟ ومتى تتوقف يا أنتيجون؟ ~~من يوقفها؟ أنت؟ أوديب آخر؟ هل يصبح كل الناس بها أوديب؟ ~~أو يصبح كل الناس الهولى تقتل كل الناس؟ لا تبكي يا ~~صغيرتي. هات يدك. هاتها في اليد التي فقأت عين أبيك. أبيك ~~الذي حكموا عليه أن يكون أخاك وزوج أمك وابنها وقاتل أبيه. ~~هاتها يا صغيرتي وقوديه على الطريق. # أنتيجونا ~~(باكية) ~~: # إلى أين يا أبي؟ # أوديب ~~: # تسألين إلى أين؟ ولماذا نسأل ونحن الآن أحرار؟ تخافين ~~المجهول؟ ولماذا نخاف إذا كان علينا أن نواجهه؟ وحدنا؟ نعم ~~وحدنا يا حبيبتي، حتى يدمروا الأسطورة أو تدمرهم فيتحرروا، ~~حتى ينسجوا أسطورتهم ويغزلوا قدرهم بأنفسهم، حتى يهدموا ~~طيبة الوباء والظلام والخراب، ويبنوا طيبة الأخرى، لا ~~تتلفتي وراءك يا حبيبتي. لا أحد ينتظرك ولا أحد يودعك. ~~طيبة نبذتنا وتخلت عنا، لكنا لن نتخلى عنها، سنحملها في ~~قلوبنا، ثم نعود إليها. وأعود معك حرا بعد أن أترك عظامي ~~في التراب. ذكرى حب لمدينتنا طيبة. ذكرى موت هذا ما لن ~~يأخذونه مني. لن يأخذوه أبدا. تعالي يا حبيبتي. تعالي. ~~تعالي. # ويرتفع صوت خشن وراء ظهرنا. # تريزياس ~~: # خذ عصاي يا أوديب! # وأرد عليه وأنا أنفجر غضبا: # أوديب ~~: # عصاك عمياء مثلك. # ويضحك الملعون ويقول: # تريزياس ~~: # أتذكرت كلامي؟! # أوديب ~~: # وأبصرت ما لا تبصره. # تريزياس ~~: # خذها يا أوديب، قد تحتاج إليها. # أوديب ~~: # عيني الثالثة ستبصر لي. يد أنتيجونا تبصر لي. # عصاك عمياء مثلك. # أنتيجونا ~~: # خذها يا أبي. # الجوقة ~~: # خذها يا أوديب. # تريزياس ~~: # خذها يا أوديب لتذكرنا. # أوديب ~~: # لا لن آخذها، هيا يا ابنتي، ضعي يدك في يدي لنخرج من هذه ~~المدينة، لا يهم أن تذكرنا أو تنسانا، لقد أرادت أن أخرج ~~منها، أرادت أن أتسول في المدن الأخرى، ولهذا تعطيني عصا ~~أتوكأ عليها بعد أن أخذت عيني وحياتي وشبابي. لا يا أبناء ~~طيبة، لم أتوكأ على عصا، وإذا ms196 كان خلاصك يا طيبة بخروجي ~~وموتي، فها أنا أغادرك لأموت خارج أسوارك. # أنتيجونا ~~: # وسنعود يا أبي؟ # أوديب ~~: # سنعود يا ابنتي، عندما يقضى على الوباء. # الجوقة ~~: # نعم يا ابنتي، عندما نقضي على الوباء. # أنتيجونا ~~(تسلمه يدها باكية) ~~: # أبي. أبي. # أوديب ~~: # حبيبتي، لا تتلفتي وراءك، لا تبكي. لا تبكي. لا ~~تبكي. ~~(ينصرفان. يسمع وقع أقدامهما وبكاء أنتيجونا، ~~حتى بعد أن تسدل الستار.) # 1985م # | هذه البكائيات # في ليلة ممطرة باكية أكتب عن هذه البكائيات. أسأل نفسي أسئلة تحاول ~~الإجابة عليها أن تكشف الدوافع التي دفعتني إلى تدوينها أو تلقي الضوء ~~على الغموض الذي يكتنفها: # لم البكائيات في وقت يدعونا كل شيء فيه لإطلاق ~~الصرخات؟ # إن كل من يفكر اليوم أو يكتب لا بد أن يصيبه اليأس، وهو ينظر في ~~الهاوية التي تفصل الكلمة عن الفعل، ولا بد أن يتحسر على ضياع عمره ~~في تجميع حروف في كلمات، وكلمات في جمل، وجمل في صفحات وصفحات لم ~~تطعم جائعا، ولم تحرك ساكنا، ولم تنبه وعيا، ولم تنقل حجرا من ~~مكانه. وهو في النهاية لا يستطيع أن يكتفي بحكمة سقراط وحواره، ولا ~~بمصباح «ديوجينيس» في قلب النهار، ولا بنبوءات زرقاء اليمامة ~~ورؤاها ودموعها، فعليه أن يدق نواقيس الخطر وأجراسه، ويستخدم ~~«ديناميت» نيتشه ومطرقته، عليه أن يقرع آذان أهله بكل الطبول ~~والأبواق الممكنة، نحن متخلفون متخلفون. العدو أمامكم والانقراض ~~فيكم. تعلموا أن تفكروا بعقولكم لا بألسنتكم. غيروا ما بأنفسكم ~~وواقعكم، حتى يغير الله ما بكم. آمنوا بالعلم والمنهج والخبرة. ~~أعطوا القوس لباريها والعيش لخبازه. اتحدوا، اتحدوا، اتحدوا. ~~فالذئاب تتربص بكم في كل ركن وعند كل منعطف. وذئاب أشرس منها ترعى ~~في داخلكم. أمراضكم الثلاثة: الاستبداد، والتسلط، والطغيان لم ~~يشفيكم منها إلا أدوية ثلاثة: الحرية، والحرية، والحرية. وهو ~~يستطيع أن يمضي في هذه الصرخات، حتى آخر أنفاسه، لكنه سيسأل نفسه ~~في النهاية: ماذا يغني البكاء أو الصراخ؟ ماذا يجدي القول أو ~~الكتابة؟ أليس في آخر المطاف كلاما في كلام في كلام؟ أوليس ~~الأولى من ذلك أن يدعو للفعل ms197 ويحدد معالمه ويكون قدوة له؟ إن ~~الكتابة - أدبا كانت أو فلسفة، دررا كانت أو خزعبلات، همسات كانت ~~أو صرخات - قد أصبحت عاجزة عن مقاومة الموت المستشري فينا. وربما ~~كان الطريق الباقي هو أن يعمل الإنسان لا أن يكتب أو يتكلم، فالفعل ~~وحده هو الذي يمكن أن يبرر نفسه وسط الاختناق بالحسرة والندم ~~والصمت. # لكن هذا الكلام كله عن عجز الكلام والإيمان بضرورة الفعل ما يزال ~~يختنق بالبكاء. والذي يكتبه هو أبعد الناس عن الصراخ؛ لأنه لا يميل ~~بطبعه لإزعاج أحد أو لفت أنظار أحد. ولو قلت إن العبارات هي في ~~الحقيقة صور لعلاقات وعمليات وأفعال، ولا يكون لها معنى، حتى تشير ~~إلى علاقات وتترجم إلى عمليات، وتهدي لأفعال لقال نعم، ولكن هذا لم ~~يحدث في السنوات الأخيرة من تاريخنا إلا في أندر الأحوال. أليس هذا ~~كله مبررا لأن يبكي في صمت، وأن يضع ما يكتبه تحت عنوان ~~البكائيات؟ # أتكون هذه البكائيات لونا جديدا من أدب ~~الاعترافات وصورة مختلفة من صور ~~السيرة الذاتية؟ # أما أنها جديدة أو مختلفة، فهذا أمر أوثر أن أتركه للقراء ~~والنقاد. كل ما أستطيع قوله هو أنها صور «مقنعة» في أشكال متعددة، ~~شاعرية وروائية ودرامية غلب عليها طابع المناجاة وأسلوب الحوار، ~~الذي تديره الذات مع ذاتها. وربما أمكن أن يقال إنها أشكال مفتوحة ~~أو على طريق البحث عن شكل محدد، ولهذا تتخفى وراء أقنعة تتكتم ~~أكثر مما تفصح عنه. # إن فكرة القناع أو صورته من أهم الأفكار والصور التي تشغل الأدب ~~والنقد الحديث، وتستحق البحث عن الدور الذي تقوم به في أدبنا ~~الجديد. ولقد كان من قدر الشاعر والكاتب العربي المعاصر أنه يقوم ~~بدور العراف والمتنبي. والشاهد عن العصر والبومة الحكيمة المنذرة ~~بالأخطار «وكنت أنت بينهم عراف. وكنت في مأدبة اللئام، شاهد عصر ~~ساده الظلام» (البياتي في قصيدته محنة أبي العلاء)، وكان من قدره ~~كذلك أن يحاول أن يكون «المنقذ» - كما عبرت في كتاب بهذا العنوان ~~عن أفلاطون - والصوت الهاتف في البرية بحثا عن طريق النجاة ~~الوحيد: ms198 أن ننقذ أنفسنا بأنفسنا، ونغير وجه أرضنا وواقعنا وتاريخنا ~~بإراداتنا. وننسج الثوب الذي يمكن أن يسترنا بأيدينا، ونبعث مدن ~~الغد من قبور الماضي والحاضر التي دفنا فيها بأمر الطغيان على ~~اختلاف صوره وأقنعته التي كشف شعراؤنا المجددون عن زيفها. هل أقول ~~إن أوديب وأوفيليا والمتعب من الحياة أقنعة تخفي وجها واحدا ~~تغمره الدموع، ثم تكشف عنه؟ هل كانت بديلا عاجزا عن السيرة ~~الذاتية التي لجأ إليها الأدباء والمفكرون في الشرق والغرب أم حيلة ~~جديدة للإمعان في تعذيب الذات؟ وحتى لو سلمنا بأن أي تعبير أدبي ~~جدير بهذا الوصف - من الأساطير القديمة حتى أدب العبث واللامعقول ~~وما بعده - قد لجأ بصورة أو بأخرى إلى التحجب خلف القناع، فهل نجحت ~~هذه الأقنعة في التعبير أم لم تنجح؟ وهل انطبقت عليها شروط القناع ~~الأدبي أم كانت رموزا واستعارات؟ # إن البكاء يكشف عن جوهر الإنسان ومعدنه أكثر مما يفعل الضحك، أو ~~أي شيء آخر. والإنسان حين يبكي يغطي وجهه بيديه، حتى لا ترى ~~العيون دموعه أو تنفذ إلى سره. والأقنعة التي استخدمتها - إن كانت ~~ترقى إلى هذا الوصف - قد حاولت أن تستر الدموع التي ذرفتها في ~~لحظات المحنة والضعف، وفي مواقف التحدي والمقاومة. لكن يبدو أنها ~~عجزت عن ذلك فافتضح السر، وكشف المحجوب. أليس هذا وحده خليقا ~~بالبكاء؟ ألا تستحق هذه المحاولات أن تكون بكائيات؟ # أتكون هذه البكائيات تعبيرا عن اكتئاب مرض متأصل؟ # عن نمط من الشخصية عصابي أو فصامي أو سوداوي متشائم؟ ألا تعد ~~بذلك ذاتية غارقة في مستنقع الرومنطيقية الذي عفا عليه الزمن وحلقت ~~فوقه نور الأدب والنقد والفن والفكر المعاصرة في احتقار وازدراء؟ ~~أما أنها رومنطيقية فلا أظن أنني أو أي أحد من جيلي يمكنه أن ينكر ~~التهمة، أو يزعم أن تكوينه النفسي قد تخلص تماما من لعنتها ~~السحرية أو من سحرها الملعون (حتى العلميين والتقدميين في شرقنا ~~العربي - صدقا أو ادعاء - لن يمكنهم هذا!) وكيف يستطيع كاتب من ~~مصر انحدر من سلالة «المعددة» والندابة، وغار في أعماقه نواح ~~العازف الأعمى ms199 على القيثار وأناشيد كتاب الموتى - كيف يستطيع أن ~~ينكر أنه مكتئب من صلب مكتئبين وبطون مكتئبات؟ والجيل الذي أنتمي ~~إليه وعاش على مدى ثلاثة عقود من حياته الواعية محروما من الحرية ~~والأمل وتحقيق الذات الفردية والجماعية - هل كان جيلا من الآلهة ~~حتى يحطم نير الحزن الذي عصب عينيه ويتخلص من طوق الاكتئاب الذي ~~حاصر شبابه ورجولته وقدرا كبيرا من كهولته؟ # أما عن نفسي فقد وضعت كتابا تقارب صفحاته الألف عن ثورة الشعر ~~الحديث كله على الرومنطيقية، كما حاولت بجهودي المتواضعة في تعليم ~~الفلسفة والكتابة عن الفلاسفة العقليين - مثل أرسطو وليبينتز وكانط ~~الذين يستحيل أن تعلق بهم شبهة الرومنطيقية - حاولت أن أنتزع من ~~نفسي شوكة الألم القديمة المتأصلة، ولكنني أعترف بأنني عجزت. ~~والنتيجة التي لا أحسد عليها أنني أتهم بكتابة أدب تأملي أو فكري ~~وفلسفة عاطفية أو شاعرية! ومع أن هذه ليست تهمة بالمعنى الدقيق؛ ~~لأن تاريخ الأدب يزخر بالأدباء والحكماء، وتاريخ الفلسفة يمتلئ ~~بالحكماء الشعراء، وأستغفر الله والحقيقة أن أتصور نفسي واحدا من ~~هؤلاء أو أولئك! فإنني مع ذلك لا أتنصل منها، ولا أفكر في التبرؤ ~~من وزرها. نعم إن هذه البكائيات رومنطيقية والنفس الرومنطيقي يتردد ~~فيها، ويعزف على أوتار جريحة لا تخطئها أذن، لكنها ليست رومنطيقية ~~الفردية المريضة المستغرقة في تعذيب الذات وأحلامها الكسيرة ~~وآمالها الخائبة؛ لأنها تمد جسورا بين الفرد والجماعة، وتبكي. حين ~~تبكي ذاتها. ثقافة وحضارة ووطنها تراه يتمزق وينهار. وتردد على ~~أوتار أساها وحزنها لحنا بسيطا يؤكد مع ذلك أن الانهيار ليس ~~قدرا غيبيا أعمى، ولا حتمية تاريخية أو غير تاريخية، وإنما هو ~~محنة تتحدى الإرادة الفردية والجماعية وتحفزها إلى قهرها وتخطيها. ~~بهذا يجتمع فيها الحزن والصلابة، ويتحد الأسى مع إرادة تجاوره. ~~وعقيدتي التي اقتنعت بها ودعمتها التجربة والتأمل أن الإنسان هو ~~الكائن الوحيد القادر على العلو على ذاته. وشد نفسه من المستنقع ~~بنفسه. والتاريخ وفلسفته يعلماننا أن ما يصدق على الفرد يصدق على ~~الجماعة، وما انهارت الحضارات البائدة بفعل قدر غامض أو لعنة ~~مجهولة، وإنما ms200 انتحرت بيد أبنائها عندما أكلوا لحم بعضهم، ~~واستسلموا للفراغ والدعة والترف ومهادنة الأعداء، وفشلوا في إيجاد ~~الاستجابات الخلاقة الممكنة للتحديات التي واجهتهم. وخنقوا روح ~~الإبداع والتحرر والتجدد بالتسلط والإرهاب والاضطهاد (ابن خلدون ~~وفيكو وتوينبي)، وإذا وجدنا أحد أفراد الجماعة قد غرق في بحار ~~الأسى، فإن غرقه يجب أن يكون آية ودرسا، وأن يجدد العزم على ~~الصمود والمقاومة. # لكنني أعيش في حضارة تجمع كل الآراء الشعبية والموضوعية على أنها ~~حضارة مأزومة. وإذا صورت لي الحساسية المتطرقة أنها تحتضر وتلفظ ~~آخر أنفاسها ، ألا يحق لي عندئذ أن أسمعها لحنا جنائزيا يزعجها ~~من رقدتها، ويثير فيها إرادة الميلاد والبدء من الصفر؟ ألا تستحق ~~هذه اللحظة - على حدود تاريخ يغيب وتاريخ آخر لم تبزغ شمسه - أن ~~يكون لها مغنيها الباكي أو شاهدها الحزين أو بومتها المكتئبة التي ~~تحدق في ظلام الكارثة الزاحفة، فتنعق وتحذر؟ أليس هذا في النهاية ~~مبررا كافيا لترديد هذه البكائيات؟ # لم البكاء وما معنى رثاء الذات في زمن العلم الذي يهيب بنا أن ~~نكون علميين، وأن نشارك في حضارة العلم والمنهج بكل ما ~~نستطيع؟ # إن إيماني بالعلم لم يفتر لحظة من حياتي المنتجة الفاعلة، وما ~~زلت أشارك فيه على قدر جهدي، لكنني أجيب على السؤال فيما يخص ~~الأدب، فأقول إنني شعرت منذ أن بدأت الكتابة بأن الأدب كله في ~~النهاية مرثية طويلة يبكي فيها الإنسان نفسه، وسوء حظه، وإخفاق ~~جهده، وتعبه على الأرض. ولا شك أن النظرة إلى الأدب الإنساني على ~~أنه سجل للإخفاق المستمر الذي يلحقه الواقع بكل آمال البشر نظرة ~~تنطوي على قدر كبير من التعميم الخاطئ والخطر، ناهيك عن تشاؤمها ~~القاتم وحسها الفاجع، فلا شك أيضا أن من الممكن النظر إلى الأدب ~~على أنه أنشودة تمجيد للحياة، وسعي إلى الخلود المتاح للبشر عن ~~طريق الفن، ودفاع متجدد الصور والأساليب عن إنسانية الإنسان. وقد ~~يمكن أن تنظر إليه نظرات أخرى لا حصر لها. حسب ما تفهمه من طبيعة ~~الأدب وبنيته ووظيفته وأدواته وعلاقاته بمبدعيه ومتلقيه ومناهج ~~بحثه ونقده وتذوقه، ms201 لكنني هنا أسجل تجربتي مع الأدب والكتابة وهي ~~تجربة أملتها طبيعتي التي جعلت منها بكاء متصلا على النفس ~~(الفردية والجماعية والكلية) أعلم أن هذا البكاء ينطوي على سخرية ~~كامنة تقوم على تصور الأدب بوصفه حكاية ساخرة قوامها المفارقة. ~~وكلما ارتفع نواحها رن في الأذن صوت سخريتها واستهزائها (ولهذا ~~ليس عجيبا أن يكون أقدر الأدباء على استدرار دموعها هم أقدرهم على ~~استثارة ضحكاتنا. وأن يشهد التاريخ بأن أعظم الضاحكين المضحكين، ~~مثل أرسطوفان وموليير، كانوا من أعظم البشر حظا من الألم ~~والتعاسة والشقاء!) ولقد عشت ما عشت بعيدا عن أضواء المسرح، ~~زاهدا فيها بطبعي. على الرغم من جنوني بالمسرح نفسه، وحلمي ~~بالتفرغ للكتابة له. # عشت - كما وصفتني دعابات الأصدقاء - حياة عنكبوت أو شرنقة تعمل ~~في الظل والصمت والسكينة، وكنت - كما وصفت نفسي - أشبه بيونس في ~~بطن الحوت. ولم يكن من قبيل المصادفة أن أكتب تحت هذا العنوان قصة ~~قصيرة لا أعدها خير قصصي، فتترجم إلى عدة لغات، ويتكرم أحد ~~المستشرقين بوضع بحث مطول عنها! نعم! عشت سنوات طويلة من عمري، ~~وكل ما أعرفه أني أموت. مضغة تائهة في جوف حوت (خليل حاوي) في عيني ~~حزن مزمن، على وجهي شيخوخة مبكرة. وفي عقلي وقلبي حكمة شرقية ~~مميتة، سنوات طويلة أعاني الحرمان والفقر والوحدة، وأحاول أن ~~أفلسفها، وأجرب مصرع الأمل والحب وشوق الأنا إلى الأنت أمام ~~الأبواب والنوافذ الموصدة، وألوذ بجزيرة النقاء والصفاء وسط الضجيج ~~والوحل والضوضاء، وأعانق الترفع والكبرياء، وأستنقذهما من مخالب ~~الشراسة والنذالة والغدر والغلظة كمن يشد شعره لينتشل جسده ونفسه ~~من المستنقع. وأعاين مصير الطيبة المطلقة، وهي تدان وتتهم بأنها ~~ضعف وذل وغفلة وهوان، وأسهر آلاف الليالي كما سهر فاوست في حجرة ~~دروسه لأحصد المرارة والتجاهل والجحود، وأدرك في النهاية صدق ما ~~قاله له الشيطان: كئيبة مقفرة يا صديقي هي كل النظريات، أما شجرة ~~الحياة الذهبية فتبقى خضراء (البيتان 2038-2039). وبينما المطلق ~~يطبق قبضته على الرقاب، ويدق طبوله ويحشد جلاديه ودجاليه، فيتحول ~~التدين إلى التعصب، والاشتراكية إلى الإرهاب، والحرية إلى الفهلوة ms202 ~~واللصوصية، والثورة إلى الجريمة، والعلم إلى التجارة والارتزاق، ~~والفن إلى الفجاجة والابتذال والنفاق - بينما المطلق - الطاغوت ~~يجوس خلال الديار كتمثال مارد أجوف على قدمين من طين، يتبجح ~~بدعاويه ويبرر هزائمه، ويفرخ مسوخ التسلط في كل مكان، أجدني أكتب ~~وأعلم وأعمل في سبيل حياة بسيطة سوية، حياة حرة ومعقولة وممكنة، ~~تصان فيها أوليات الإنسانية، فلا تقمع ولا تهدر ولا تهان في سبيل ~~مطلق مستحيل. وتمر السنوات، وتسقط قيم تربى عليها جيلي، وتبتلى ~~بالاستبداد - وهو شر ما يبتلى به الإنسان في كل مكان وزمان - ~~فتنقلب إلى الضد والنقيض، ويتقمص الخضر ثوب الجلاد، وتنهش الكلاب ~~لحم الشرفاء والطيبين، وتخلو الساحة «للاقيم» التي وضعت نفسها في ~~موضع القيم المطلقة للانتهازية والشطارة والتضخم والنجومية ~~والكذب والغدر والادعاء وسائر ما تفرخه حية الأنا المتسلطة التي ~~أنكرت وجود الآخر، وألغت حريته وسعادته ووكرامته. «ربي كيف ترعرع ~~في وادينا الطيب، هذا العدد من السفلة والأوغاد؟» (صلاح عبد الصبور ~~في ليلى والمجنون) وأيا كان تصورك لهذا الآخر على أنه الوطن أو ~~الجماعة أو المصير المشترك أو رفيق الحياة والموت، فقد التهمته ~~الحية الطاغية المتسلطة، وراحت تصفر وتطير في كل الأجواء الخالية ~~(لدغني زملاء كنت أدخرهم للأيام الباقية من العمر، وعضني تلاميذ ~~وأبناء أعطيتهم تعب العمر. كلانا - لو علموا - زائل، وسيبقى وطن ~~صيرناه بأيدينا غابة غدر وجهنم قهر). أمام هذا كله هل تملك الذات ~~الوحيدة المدحورة إلا أن ترثي نفسها؟ وهل يكون رثاء النفس إلا رثاء ~~لكل النفوس الطيبة المحيطة في مكاني وزماني وعلى مر الأجيال؟ وإذا ~~سلمنا بأن أدبنا الحديث في أصدق أعماله لم يتقن سوى مرثية الوطن ~~والبكاء عليه (محمود درويش)، فإن رثاء النفس ينطق أيضا بأن الوطن ~~يتطلب شيئا آخر غير الرثاء والبكاء، شيئا يمكن أن نسميه الفعل ~~الحر والعمل المبدع للمجموع. عندئذ تتحول دموع الشعراء والأدباء ~~إلى نواقيس خطر، ويصبح البكاء ندا للإرادة الفاعلة. وعندئذ نغفر ~~لواحد منا أن يصبح «بومة مينرفا» التي تطلق حكمتها الحزينة وسط ~~الخرائب لعل نعيقها يحرك وعي العاملين فيبدءوا البناء الجديد ms203 فوق ~~الأطلال. # لكن الوعي لم ينتبه، والبناء لم يبدأ، والصعود إلى الهاوية ~~مستمر، والخلط والتخبط بلغا حد العماء والتصادم في الظلمات. ~~والغربان المنذرة بالكوارث القادمة في الأفق، والكوارث نفسها تزحف ~~وتزحف وتدق الأبواب. أليس هذا كله سببا كافيا للبكاء؟! # وأخيرا، هل تبلغ هذه البكائيات دعوة؟ هل ترسل ~~رسالة؟ هل تنطوي على نبوءة؟ هل ~~تقدم وعدا؟ # لا أستطيع أن أدعي شيئا من هذا؛ فهي محاولات وتجارب فنية قبل كل ~~شيء، قد تجد في «الدموع على حائط مبكاي» خيبة أمل مرة في النفس ، ~~حسرة على عمر ضاع أكثره في الترجمة عن الآخرين أو التعريف بهم. ~~شهادة صراع أليم عانيته وتمزقت منه بين العلم والإبداع (لعلي ~~أكون قد بالغت فيه، حيث لا ضرورة للتناقض بينهما)، وقد تلمس في ~~سطور المناجاة الشاعرية لنفس تبحث عمن تتحدث إليه (ولا أقول ~~المناجاة الشعرية؛ لأنني لا أدعي القدرة على قول الشعر، ولن ~~أدعيها. ولأنها فاجأتني في ثلاث ليال «يمنية» عشتها في صنعاء، ولا ~~أظن أنها ستتكرر أبدا)، أقول قد تلمس فيها نقدا للذات ومراجعة ~~لحياتها وحصادها ومحاولة لإقناعها بالاستمرار في الوجود والإصرار ~~على الخلق والأمل في الفجر المقبل. وربما تحس في متاهة الكابوس ~~(الذي أشهد الله والحقيقة أنني رأيته بحذافيره في نومي، ثم دونته ~~بعد ذلك في تسعة أيام وليال لاهثة محمومة) مدى العذاب الذي قاسيته ~~طوال عشرين عاما من تحول عشقي للفلسفة إلى مهنة أوجر عليها، وآكل ~~منها خبزي، كما تشعر بالأحلام المحيطة والمشروعات المختلفة والآمال ~~المهزومة، «ولحظات المطر» التي مرت خيولها مسرعة، ولم أتمكن من ~~الإمساك بخصلات شعرها. وربما تفزعك البكائية إلى صلاح عبد الصبور ~~بجوها الأسود القاتم، وتملؤك سخطا على براعتنا في اغتيال المواهب، ~~وقدرتنا التي لا تبارى على قتل بعضنا لبعضنا. ولعلها أيضا تخيفك ~~من «رعب أكبر من هذا سوف يجيء» تنبأ به شاعر وإنسان عظيم أرهقناه ~~وعذبناه حتى الموت، وملأنا أيامه كمدا وحزنا. وربما نستشف من ~~البكاء بين يدي أوفيليا هول الظلم الواقع على البريء النقي عندما ~~يسقط في المستنقع «العربي»، فيكون ms204 موته الإرادي البطيء هو وسيلته ~~الوحيدة للاحتجاج عليه والخلاص منه. وأخيرا قد يراودك الإحساس ~~وأنت تتابع دموع أوديب بأنك تراقب «طيبة» أخرى وهي تنهار وتسقط، ~~وبيد أبنائها تتحول إلى غابة يحكمها قانون الغدر. وتظل تضيق الخناق ~~على ابنها الذي أنقذها ذات يوم، حتى لا يبقى أمامه إلا أن يجتث ~~شجرة عمره بيديه، ويأخذ طفلته معه ويرحل. ربما تحس هذا كله، وتشعر ~~معه بموقف أساسي ثابت لا يتغير هو رفض الاستبداد والتسلط وتأكيد ~~الحرية برغم كل شيء، والكفر بأي قول أو فعل لا يصب فيها ويدافع ~~عنها ويدعمها. ولكن هذه كلها شروح عقيمة ودعاوى باطلة. فالبكائيات ~~كما قلت تجارب فنية. والتجربة لا تدعي شيئا ولا تدعو إلى شيء. ~~إنها تريد أن تكون وحسب، تتمنى أن توحي وتحرك وتثير، لا تقدم ~~أفكارا أو معاني مجردة، بل تحمل إشارات وأمثلة وحكايات ومواقف ~~وصورا وبناءات لغوية تكفل نفسها بنفسها، وتسمح لمن شاء أن يقرأها ~~كما يشاء. لكنها في النهاية جزء من «وصية» إنسان خاب أمله وأمل ~~جيله، يضعها بين يدي جيل يحبو الآن على الدرب، أو أجيال لم تولد ~~بعد، يضعها بين يديها وهو يقول: هذا هو كل ما استطعت. ربما يكون ~~شوكا ما حصدت، لكنني تعبت وأخلصت. وإذا استطعتم أن تكونوا أقوى ~~منا، وأقدر على تغيير الواقع، فتذكروا أنه كان قاسيا علينا. وإن ~~ذكرتمونا يوما فسامحونا. # 1985م # | ملاحظات # تفضلت هيئة الكتاب بالقاهرة بنشر البكائية إلى صلاح عبد الصبور في ~~ذكراه الأولى (أغسطس 1982م)، ولكنها لم تنشر هذا التعقيب الطويل الذي ~~ظهر مع البكائية في عدد مجلة البيروتية (ديسمبر-يناير 1982م)، ولهذا ~~رأيت إعادة نشره في هذه الطبعة. # الدمعة الأولى: دموع على حائط مبكاي # الدمعة الثانية: لمن أتحدث يا نفسي اليوم؟ # الدمعة الثالثة: الكابوس # الدمعة الرابعة: نم بسلام ms205