######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.DacwaLilFalsafa.Hindawi26294724 #META# Tags: philosophy #META# ID: 26294724 #META# Title: دعوة للفلسفة: كتاب مفقود لأرسطو #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # كلمات خالدة لأرسطو‏ # تقديم1‏ # دعوة للفلسفة‏ # تعليقات وشروح‏ # الإهداء‏ # كلمات خالدة لأرسطو‏ # تقديم1‏ # دعوة للفلسفة‏ # تعليقات وشروح‏ # | دعوة للفلسفة # | دعوة للفلسفة # | كتاب مفقود لأرسطو # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الإهداء # إلى زوجتي ... # | كلمات خالدة لأرسطو # إن البشر جميعا يسعون إلى المعرفة بحكم طبيعتهم. ~~(أرسطو، ما بعد الطبيعة، الألفا، 980أ 21-28) # ما صنع الإله ولا الطبيعة شيئا باطلا. ~~(السماء، 1-4، 271أ 33) # القانون وحده هو الحاكم والسيد، هذا القانون الذي يعبر منطوقه عن حكمة وبصيرة، ~~ومن ذا الذي يمكنه أن يمثل لنا المعيار الدقيق ويكون لنا بمثابة الدليل الهادي إلى ~~الخير غير الإنسان الحكيم؟ ~~(بروتريبتيقوس، ب38-39) # المثل القائل: لا تعط السكين لطفل، يعني ألا تضع القوة في أيدي الأوغاد. ~~(ب4) # الباحث بأقصى جهده عن الحقيقة هو الذي ينفرد بأكمل حياة ممكنة. ~~(ب85، 86) # إن الحياة الخالية من التأمل والنظر لحياة لا تليق بالإنسان. ~~((ب42) دفاع سقراط (الأبولوجيا) 38أ) # | تقديم1 # كتاب مفقود لأرسطو! ضاع مع ما ضاع من المحاورات التي كتبها في شبابه ولم يبق منها غير ~~أسمائها وبعض شذرات متفرقة منها. صحيح أن بعض المؤلفين القدامى قد عرفوا عنوانه الأصلي «بروتريبتيقوس»، # 2 # وأن عددا منهم وضع كتبا أخرى تحمل نفس العنوان الذي يفيد الحث على التفلسف ~~وبيان ضرورته للحياة السعيدة، وصحيح أيضا أنهم اقتبسوا منه عبارة ذاعت شهرتها في كتب ~~الفلسفة حتى يومنا الحاضر؛ ألا وهي العبارة التي تقول: «إما أن التفلسف ضروري، ولا بد ~~عندئذ من التفلسف، وإما أنه غير ضروري، ولا بد أيضا من التفلسف لإثبات عدم ضرورته، وفي ~~الحالين ينبغي التفلسف.» # 3 # ولكن الكتاب ظل أكثر من ثلاثة وعشرين قرنا في عداد المفقودات، وبقي الأمر على ~~هذه الحال منذ النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد حتى النصف الثاني من القرن التاسع ~~عشر، حين نشر عالم ألماني كتابا عن محاورات أرسطو طرح فيه السؤال عن ~~مضمون الكتاب الضائع وهدفه، وانطلق البحث من ~~هذا السؤال الحائر ودارت عجلته مائة سنة كاملة حتى أعيد بناء الكتاب المفقود الذي تجده بين ~~يديك. ~~••• # لو ms01 صرفنا النظر عن الفهارس القديمة التي أحصت مؤلفات المعلم الأول # 4 # لوجدنا نصين اثنين من العصور القديمة يذكر فيها «البروتريبتيقوس» الضائع ~~ذكرا صريحا؛ فالإسكندر الإفروديسي (حوالي سنة مائتين بعد الميلاد)، أكبر شراح أرسطو يقول: # 5 # إن أرسطو يطرح فيه السؤال عن ضرورة التفلسف لبلوغ السعادة والحياة الأخلاقية ~~الطيبة أو عدم ضرورته، ويؤكد الإسكندر أنه قدم الدليل على ضرورته عندما بين أن من يحتج ~~على الفلسفة إنما يثبت بهذه الحجة نفسه أنه يتفلسف، ولقد كان هم أرسطو أن يدافع عن صحة ~~العبارة التي ذكرها أفلاطون في محاورة «الدفاع» على لسان سقراط: # 6 ~~«إن الحياة الخالية من البحث والتأمل حياة لا تليق بالإنسان، وأن يؤديها بحجج ~~أخرى استمدها من تجربته في الحياة ورؤيته لها.» أما النص الآخر الذي يرد فيه ذكر الكتاب ~~فيرجع إلى زينون مؤسس الرواقية (من حوالي 336 إلى 264ق.م) الذي يروي # 7 # عن معلمه الكلبي «كراتيس» (أو أقراطيس تلميذ ديوجينيس الكلبي) أنه كان يجلس ~~يوما في دكان صديقه الإسكافي «فليسكوس»، وأخذ كراتيس يقرأ عليه من كتاب أرسطو ~~«البروتريبتيقوس» الذي أهداه لثيميسون ملك قبرص وقال له فيه: «ما من أحد مثلك أهلته ~~الظروف ليهب حياته للفلسفة؛ فأنت ثري، ويمكنك أن تنفق المال اللازم لتحصيلها، وأنت ~~مرموق المكانة.» كان الإسكافي يستمع لما يقرؤه صديقه عليه دون أن يكف عن مواصلة عمله، ~~فقال له كراتيس: «أعتقد يا عزيزي فليسكوس أنني سأهديك كتابا بنفس العنوان، فإنك في رأيي ~~أهل للحياة الفلسفية أكثر من ذلك الذي أهداه أرسطو كتابه.» # وسواء أكانت حكاية الفيلسوف الكلبي صادقة أم من نسج خياله، فإن مغزاها لا يخفى على ~~القارئ. لقد أراد هذا الشحاذ البائس - الذي عرفت العصور القديمة جولاته في القرى ومواعظه ~~للفقراء بالزهد والعودة إلى حياة الطبيعة - أراد أن يقول: إن الإسكافي المسكين أقدر على ~~الحياة الفلسفية من الملك صاحب السلطة والجاه والثراء. والأهم من ذلك أنه لم يكن ليروي ~~الحكاية ولم يكن زينون ليرددها بعده لو لم يكن «بروتريبتيقوس» أرسطو معروفا بين الناس في ~~النصف الأخير ms02 من القرن الرابع قبل الميلاد. # مهما يكن الأمر فنحن لا نملك غير هذين النصين اللذين يذكر فيهما كتاب أرسطو ، وكلاهما ~~لا يفيدنا بشيء عما يقوله فيه، ولقد مرت القرون وتوالت الأجيال منذ ذلك الحين إلى أن طرح ~~العالم الألماني ج. برنايس (في كتاب صدر له في برلين سنة 1863 عن محاورات أرسطو) مشكلة هذا ~~الكتاب وتساءل عن هدفه ومضمونه، وبدأت عيون الباحثين تقتفي آثار الكتاب وتتلمس صداه في ~~نصوص أرسطو الباقية من كتبه الضائعة، أو في نصوص القدماء الذين أخذوا عنوان كتابه وحاولوا ~~تقليد أسلوبه وأفكاره، وظل الأمر في أخذ ورد حتى بدد العالم الإنجليزي بايووتر # 8 # الظلام المحيط به وأثبت أن كتابا بنفس العنوان ليامبلخيوس (أحد أتباع ~~الأفلاطونية المحدثة 270-330م) يضم جزءا كبيرا أخذ بنصه الحرفي من كتاب أرسطو، وتوالت ~~محاولات العلماء من مختلف بلاد العالم لتفسير النص وتحقيق أسلوبه ومفرداته ومحتواه والتأكد ~~من صحة نسبته لأرسطو، ويطول بنا القول لو حاولنا تتبع أسمائهم وتفاصيل الاختلافات التي دارت ~~ولا تزال دائرة بينهم # 9 # إذ يكفينا في هذا التقديم أن نتناول الجوانب التاريخية العامة ونعرض لتحليل ~~الكتاب ونشأته ومضمونه. ~~••• # أهدى أرسطو كتابه إلى أمير قبرصي مجهول هو «ثيميسون»، ويبدو أنه وجه بهذا الإهداء ضربة ~~بارعة إلى خصومه وأثبت لهم أنه قد نزل إلى ساحة الميدان الذي ظل وقفا عليهم. ومع أن ~~الظروف والأحوال السياسية في ذلك الحين ليس لها علاقة مباشرة بمضمون الكتاب، فإن الهدف ~~الحقيقي من ورائه هو رد سهام هؤلاء الخصوم (وبخاصة إيزوقراطيس # 10 # صاحب خطبة «الأنتيدروزيس» التي انتقد فيها منهج التعليم والتربية في ~~الأكاديمية، ورئيس إحدى المدرستين الفلسفيتين المتنافستين في أثينا) الذين هاجموا المعرفة ~~النظرية، وأوحوا إلى الشباب أن الفلسفة - بوصفها معرفة خالصة - لا ضرورة لها ولا فائدة منها ~~في الحياة العملية، وأن السعادة تكمن في استقامة السلوك والعمل الطيب وحده. # ولهذا فإن الدعوة البليغة التي يحملها الكتاب إلى التفلسف دعوة موجهة في الواقع إلى ~~الشباب الأثيني المتزاحم على أبواب المدرستين المتنافستين، وهي حث له على حياة ms03 التأمل التي ~~هي وحدها الحياة الخليقة بالإنسان. ~~••• # يبدأ أرسطو دعوته بالإشارة إلى أهمية الفلسفة والتساؤل عن الفضيلة والخير، ويبين أن ~~كليهما لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق معرفة مطابقة له، فبغير هذه المعرفة يصبح امتلاك ~~الخيرات الخارجية من ثروة وقوة وجاه خطرا يهدد الإنسان ويضره أكثر مما ينفعه. هذه المعرفة ~~هي التي تضفي على تلك الخيرات قيمتها، وهي في الحقيقة تفوقها في القيمة؛ لأنها لم توجد ~~لأجلها فحسب، وإنما هي قيمة في ذاتها، بل هي القيمة العليا التي تجعل لكل ما عداها قيمة؛ ~~وبذلك ينتهي الغرض الأول بإثبات أن الفلسفة ممكنة. # ثم يشتبك المعلم الأول في مجادلة الخصوم الذين يشكون في هذه النتيجة ويروجون بين ~~الشباب أن الفلسفة لا ضرورة لها في الحياة العملية ولا جدوى منها، ويرد على هذا الاعتراض ~~القديم المتجدد أبدا بأن الفلسفة جديرة بالسعي إليها لذاتها؛ لأنها أسمى خير يمكن أن يبلغه ~~الإنسان، ولما كانت الغاية الطبيعية للإنسان هي ممارسة العقل فإن الحياة العقلية المكرسة ~~للتأمل والنظر هي مهمته الحقيقية وواجبه الأول، وبها يبلغ كماله ويجد سعادته، وإذا كان ~~البعض يتهم هذه الحياة بأنها غير نافعة، فإن أرسطو يبين أنه لا يصح التقليل من قيمتها ~~بالنسبة للمشرع والسياسي، وبهذا يثبت أن الفلسفة «نافعة». # ويتابع أرسطو طريقته في الحجاج دفاعا عن الفلسفة فيبين أن السعادة البشرية تقوم على ~~فاعلية العقل، وأن التفلسف هو غاية الحياة الإنسانية بحكم طبيعتها نفسها، وأن هذه الحياة ~~التي يهبها صاحبها للعقل هي أسمى لذة وأنقى فرح ممكن؛ لأن فاعلية العقل هي الخير الوحيد ~~الذي لا يتوقف على غيره ولا يتطلب أي شروط خارجية، وهكذا تنتهي هذه الحجج إلى الفقرة ~~الأخيرة (ب110) التي ترتفع فيها موجة التحمس حتى تبلغ أسمى قمة، إن الفلسفة تعلو بالإنسان ~~فوق الأرض وفوق الفناء، وتتيح له المشاركة في الخلود والألوهية، بل تجعله أشبه بإله بين ~~بقية مخلوقات الله. ~~••• # هذه هي جملة الأفكار الأساسية في الكتاب، وهي تعبر بغير شك عن دفاع مخلص عن الفلسفة، ~~يوشك في مفهومنا ms04 الحديث أن يكون نوعا من الدعاية الأدبية الفلسفية، ولا بد أن القارئ قد ~~أحس نغمته الخطابية التي تعلو في أجزائه (وخصوصا في الفقرتين ب43، 44) إلى حد الصخب الذي ~~يخفت صوت المنطق! ولكن هذا الصوت المرتفع في بعض الأحيان لا يستطيع أن يخفي دفء العاطفة ~~التي تسري فيه، وتجعل منه شهادة اعتراف صادقة سجل فيها الفيلسوف مثله الأعلى في الحياة، ~~ومع أن أسلوب الكتاب يشف عن روح الشباب ويختلف اختلافا واضحا عن أسلوب الكتب التعليمية ~~المتأخرة التي يتميز بالموضوعية والجفاف، فإنه مع ذلك يعكس تفكير رجل ناضج ويدل على ~~خبرته بالحياة والناس وقدرته على الحجاج والإقناع، ولعل التحليل المتأني لمضمون الكتاب أن ~~يؤكد هذا الإحساس ويمهد للإجابة عن السؤال الذي يطوف في أذهاننا عن زمن تأليفه وموقعه من ~~كتابات المعلم الأول وتطوره العقلي والروحي. # | دعوة للفلسفة # تحليل ~~(1) # يستهل أرسطو كتابه بالإهداء الذي عرفنا قصته، ثم يعرض أول قضية أساسية فيه: ~~إن السعادة في الحياة تقوم على الحالة النفسية الطيبة (وهي كما أشرنا قضية سبق ~~أن عبر عنها أفلاطون على لسان سقراط في محاورة الدفاع، كما يرجع إليها أرسطو ~~في فقرات تالية)، # 1 # كما أن امتلاك الخيرات الخارجية بغير مبادئ أخلاقية هو الشر ~~بعينه. ~~(2) # يتحدث أرسطو عن «التفلسف» فيقول إنه يعني أمرين؛ فهو من ناحية سؤال يطرح ~~عما إذا كان ينبغي على الإنسان أن يتفلسف. وهو من ناحية أخرى تكريس الحياة ~~للفلسفة، ويتناول القضية الأساسية الثانية فيبين ضرورة التفلسف وقيمته في ~~الحياة السياسية والعملية. # 2 # فإذا كان أصحاب الصنائع وأرباب المهن اليدوية يكتشفون أفضل الأدوات ~~عن طريق ملاحظة الطبيعة فيتحتم على السياسي ورجل الدولة أن تكون لديه معايير ~~يستمدها من الطبيعة ومن الحقيقة، ويحكم بها على كل ما هو عادل وجميل ~~ونافع. # ولا سبيل لمن لم يهب حياته للفلسفة ولم يعرف الحقيقة أن يتوصل إلى هذه ~~المعايير المستمدة من المعرفة النظرية بالمبادئ والعلل الأولى، إلا أنها هي ~~التي تسمح لنا بتصريف جميع أعمالنا. # ويستطرد أرسطو في تقديم الأمثلة من الحياة العملية والمادية ms05 ليؤكد أنها ~~جميعا لا تستغني عن المعرفة النظرية، فالأشياء الجسمية مجرد أدوات، وعلينا أن ~~نطلب المعرفة التي تساعدنا على حسن استخدامها. # وتسير الحجة التي يسوقها لإثبات هذه القضية في خطوات؛ فالأشياء تنشأ عن طريق ~~الصنعة والطبيعة أو عن طريق الصدفة والحظ، # 3 # وعملية النشوء تمضي في خط لا يعكس من كون إلى نمو إلى تحقيق ~~غاية إلى تحلل ففساد، # 4 # وهي عملية تعبر عن حقيقة «الغائية» التي تطبع بخاتمها مذهب ~~أرسطو كله، والطبيعة نفسها هي منبع كل خير وجمال، وتكون مظاهر إبداعها جميلة ~~بقدر ما تسير العملية الطبيعية السابقة في طريقها السوي، كما تكون منتجات الفن ~~والصنعة البشرية جميلة بقدر ما تحاكي الطبيعة وتكمل ما تركته ناقصا. # ويأتي الحديث عن سلم التطور الطبيعي الحي؛ فالطبيعة نفسها تقضي بأن يكون ~~الهدف الأسمى للإنسان هو تحقيق ملكة العقل التي نسميها الحكمة أو الفطنة ~~(ب11-21)، وبحكم الطبيعة نفسها توجد مستويات مختلفة لملكة العقل والقدرة على ~~التفكير، هذه المستويات تؤلف سلما من القيم يتربع على قمته الفكر ~~الذي تتم فاعليته ويختار كذلك لذاته، والطبيعة يسودها النظام والترتيب وتراعي ~~الحد ولا تتعداه، فهي عاقلة ولا تعمل شيئا بالصدفة (ب22-30، وهي فكرة تمثل ~~نواة الفلسفة الأرسطية وتتردد في معظم كتابات معلم البشرية). هل يستعصي على ~~الناس بلوغ هذه الغاية الرفيعة؟ إن أرسطو يؤكد أن الحياة الفلسفية أو الموقف ~~الفلسفي من الحياة ليس هدفا مستحيلا على الإطلاق، بل إن صعوبة تحصيل الفلسفة ~~تقل في رأيه بكثير عن الفائدة التي تتيحها والفرح الذي نجنيه منها (ب31)، وهناك ~~في الواقع علم بالعدل والعدالة كما أن هناك علما بالطبيعة وبكل ما هو موجود ~~على الحقيقة ونحن قادرون على تحصيلهما سواء بسواء (وهما علم الأخلاق وعلم ~~الطبيعة بالمعنى الأرسطي)، والمسألة في النهاية مسألة نظر وعلم نظري بالمبادئ والأصول. # 5 # هذا العلم الخالص يسبق كل علم لاحق بالأشياء والأدوات والأجسام، كما تسبق ~~العلة المعلول ويتقدم الشرط على ما يتقدم به ويعتمد عليه، فمعرفة الأولي ~~والبسيط في الطبيعة أسهل وأبسط من المعرفة بأي ms06 شيء آخر؛ لأن كل ما عداهما ~~يتكون من هذه العناصر ويبنى منها، ثم إن كل ما هو خير فهو كذلك محدد ومنظم، ~~والمهم بعد كل شيء هو العلم بالأسباب والعوامل والعناصر الأولية، أو هو - كما ~~نقول اليوم - معرفة «البنية» الأساسية بحيث تكون الأولوية دائما للبسيط على ~~المركب، وبحيث تسبق المبادئ ما يترتب عليها. # وبجانب فروع العلم الأخرى يوجد علم بفضيلة النفس (أو كفاءتها وصلاحها ~~ب32-37)، وامتلاك القدرة على التفكير وملكة العقل وفقا لمبدأ الغاية هو أسمى ~~الخيرات التي يتاح للإنسان امتلاكها، ومن ذا الذي يمكنه أن يجسد لنا ~~المعيار الدقيق للخير والدليل الهادي إليه غير البصير الحكيم؟ لا بد للإنسان من ~~التمييز بين ما هو خير وما هو ضروري، وحتى لو ثبت له أن امتلاك الحكمة وملكة ~~العقل والتفكير لا ينفعه في الحياة العملية (بل ربما جنى عليه في معظم الأحيان ~~كما تؤكد لنا تجربة الحياة اليومية)، فإن هذا لا يمنع أن التفكير يحمل قيمته في ~~ذاته، وأنه جدير بالاختيار والتفضيل في كل الأحوال (ب38-44)، ويرجع أرسطو في ~~ختام هذا الجزء من كتابه إلى الحجة التي انطلق منها (ب11)، وهي غائية الطبيعة ~~التي تميل بها إلى تحقيق الأقيم والأجمل والأرفع (ب45). ~~(3) # ومع كل هذه المحاذير فإن النظر العقلي في أصول الأشياء ومبادئها أمر نافع ~~للحياة العملية؛ # 6 # فالسياسي يتحتم عليه كما سبق ~~أن يلم ببعض المعالم والمعايير ~~التي يستمدها من الطبيعة ومن الحقيقة، ويستعين بها في الحكم على ما هو عدل وحق ~~وجمال (ب46-51)، غير أن معرفة المعايير لا تكفي، فواقعية أرسطو وخبرته بالعالم ~~والناس تجعله يفلسف للعمل كما يفلسف للنظر؛ ولهذا يقول صراحة إن من الواجب ~~تحويل المعايير إلى أفعال، وتجسيد النظر في ثوب العمل؛ فالفلسفة عنده تحصيل ~~للحكمة وتطبيقها (ب52-53)، والنظر في حقيقته فعل لا مجرد تأمل، إنه معرفة منتجة ~~للتحقيق والإنجاز، صحيح أن الإنسان الذي يوقف حياته على النظر ويهبها للفلسفة ~~لا يتلقى من الناس أجرا ولا جزاء، ولكنها تستولي عليه ويجد سعادته الكبرى في ~~الاشتغال بها ms07 والعكوف عليها (ب55-57). ~~(4) # ويتساءل أرسطو: ما هي مهمة الفلسفة؟ ولماذا كان بلوغ الحكمة هو غايتنا ~~القصوى؟ ويبدأ في الإجابة على هذا التساؤل بالحديث عن العلاقة بين الجسم ~~والنفس، ففي داخل النفس يكون الأعلى هو الجزء الحائز على العقل وملكة التفكير، ~~هذا الجزء الصغير (كما يصفه أفلاطون في الجمهورية 442ج) هو العقل (نوس)، وهو ~~يعبر وحده أو في المقام الأول عن ذاتنا الحقيقية (ب59-62)، أما عن المهمة ~~الأساسية للفكر فهي التوصل للحقيقة (ب63-66)، ونحن نسعى في طلبها عن طريق ~~التأمل الفلسفي، ونبلغ أسمى درجة في هذا التأمل عندما نطلبها لذاتها (ب66-69)، ~~ثم يستطرد أرسطو إلى الكلام عن العلاقة بين العلم والرأي؛ فالعلم والمعرفة ~~الدقيقة أجدر بالاختيار من الرأي الصادق، وأجدر شيء بالاختيار عند الإنسان هو ~~التبصر الفلسفي؛ ولهذا يسعى الناس جميعا في طلب المعرفة (كما تقول العبارة ~~المشهورة في مقالة الألفا من كتاب الميتافيزيقيا 1، 980أ 21)، ويمتد هذا القسم ~~من الكتاب من الفقرة (ب70) إلى الفقرة (ب77). ~~(5) # والحياة العقلية بجانب هذا كله حياة غنية بالفرح، والعقلاء من الناس ينشدونها ~~ويجدون في طلبها للاستمتاع بالأفراح الحقة والمسرات النبيلة (ب78-92)، وهنا ~~يجد المعلم الأول فرصة مواتية للحديث عن فكرته الرئيسية المعروفة عن القوة ~~والفعل، ويعرضها عرضا مبسطا ~~يتقبله القارئ العادي، فيميز بين المستيقظ والنائم، بين المبصر بالفعل والقادر ~~على الإبصار، بين العارف بالإمكان ومن يستخدم معرفته ويطبقها، لينتهي من ذلك ~~إلى القول بإن الفعل أعلى قيمة من الانفعال، وإن أسمى أفعال النفس هو التفكير، ~~وأعلى درجات التفكير هو التفلسف؛ ولهذا تكون الحياة الكاملة من نصيب أصحاب ~~الفعل الخالص، أي من نصيب المتفلسفين، وهؤلاء هم الذين يبلغون الغاية؛ لأنهم هم ~~الذين يقومون بالفعل الفلسفي - على أساس العلم المتناهي في الدقة لا على أي وجه ~~كان! - ويجدون في طلب الحقيقة في حياة النظر والعمل على السواء. ~~(ب79-86) ولما كانت هذه الفاعلية القصوى المطلقة من كل قيد هي التي توفر ~~الفرح فمن الواضح أن المتفلسف هو الذي يحيا أكمل حياة ويتمتع بأعمق ~~الأفراح. # عند هذه القمة من ms08 الدفاع البليغ عن الفلسفة تبرز قمة أخرى مضادة، إذ يقول ~~أرسطو ما معناه: لكن الناس للأسف لا يدركون مصلحتهم ويجشمون أنفسهم الجهد ~~والمشقة في سبيل أشياء عقيمة وعاطلة من كل قيمة (ب87-92). ~~(6) # هكذا تكون الحياة الفاعلية على الوجه الصحيح - أي الحياة العقلية - هي الشرط ~~اللازم لبلوغ السعادة، وهنا يهيب أرسطو بإجماع الناس على طلب السعادة ليؤكد من ~~جديد أن التفلسف هو الحياة السعيدة الكاملة، أو هو على الأقل أنجح الوسائل ~~المؤدية إليها (ب97-102). ~~(7) # ويسوق أرسطو حجة بلاغية جديدة يبدأ بها نغمة سوداء لا تقارن بالنغمة ~~السابقة المتألقة بالبهجة والفرح؛ فهو يوازن بين الحياة العاقلة وبين حياة ~~الناس الذين يقصرون همهم على مجرد الحياة وبأي ثمن، وتفاجئنا نظرة النسر ~~الحزين الذي يطل على وادي الأشباح، فالأشياء التي تبدو في أعين الناس عظيمة ~~ليست في حقيقتها إلا ألعاب ظلال. # وتتصل خاتمة اللحن المكتئب فتقتبس من الحكماء والشعراء القدماء مؤكدة أن حياة ~~البشر تكفير عن ذنب كبير جنيناه، لتبلغ في النهاية قلب القتامة نفسها وترسم ~~لوحة لا تنسى عن المساجين الذي تقيد جثث الموتى بأجسادهم بحيث يواجه الوجه ~~بالوجه، ويلتصق العضو بالعضو # 7 ~~(ب105-107). # هل أراد المعلم الأول أن ينفرنا من حياتنا العادية المشغولة بالنهم ~~إلى الثروة والغنى والشهرة وغيرها من الخيرات الظاهرية الخادعة لنحقق العلو ~~فوقها على جناح التفلسف، أم غلبته تجربته أو قراءاته فانساق إلى هذه الصور ~~الأليمة؟ مهما يكن الجواب فإن الكلمات الختامية هي أبلغ دفاع يمكن تصوره عن ~~الفلسفة؛ فليس ثمة شيء إلهي في الإنسان إلا شيء واحد يستحق وحده عناء الجهد، ~~ذلك هو العقل والتبصر الحكيم (أو التفلسف)، وإن حياة تخلو من التأمل لهي حياة ~~تخلو من كل قيمة ولا تليق بإنسان (ب108-110). # متى وضع أرسطو هذا الكتاب؟ أهو من كتابات الشباب «المنشورة» أم من مؤلفات الرجولة ~~«المستورة»؟ ألدينا أي دليل على زمن التأليف أم لا نملك إلا الترجيح؟ هل كان عند تأليفه ~~تلميذا مخلصا لأفلاطون أم استطاع أن يتحرر من سطوته وبدأ يفكر لنفسه ويعلي بناء ~~مذهبه؟ ms09 أكان شابا لا يزال أم رجلا يرفل في إهاب الرجولة الناضجة؟ # أسئلة يبدو أننا لن نعثر في شأنها على اليقين، أقصى ما نملكه أن نعرض آراء العلماء ~~وهي لا تزال إلى اليوم تتأرجح على حافة الرأي والترجيح والتخمين. ~~••• # كان الرأي بين معظم الباحثين منذ ~~ألف العالم الألماني «ييجر» كتابه المشهور عن أرسطو وتطوره الفكري سنة 1923 - أن ~~أرسطو ظل طوال الفترة التي قضاها طالبا ومعلما في الأكاديمية الأفلاطونية وقاربت ~~العشرين عاما - ظل طوال هذه الفترة وحتى موت أفلاطون تلميذا مخلصا لأستاذه، تأثر ~~به في كل ما كتب في ذلك الحين، وشارك في نشر أفكاره وتعاليمه - غير أن كل ما كتبه أثناء ~~حياته في الأكاديمية قد ضاع، لم يبق من أشعاره ومحاورات شبابه سوى بضع شذرات متفرقة من ~~أهمها ما بقي من «أويديموس» و«عن الفلسفة». وهذه المحاورة التي نتحدث عنها الآن: «بروتريبتيقوس»، # 8 # وقد زعم «ييجر» أن الكتاب الأخير كان بمثابة برنامج دراسي للأكاديمية، ~~ودعوة إلى المثل الأعلى الذي بشر به أفلاطون وحث على السير على طريقه. ومع ذلك فإن ~~«البروتريبتيقوس» يسجل التحول الذي أصاب نفوس الجيل الجديد من شباب الأكاديمية وغير ~~من نظرتهم إلى الحياة العقلية. لقد حرص أفلاطون على تحقيق المثل الفلسفي الأعلى في ~~الحياة، ولكنه أراد بفلسفته كلها أن يصلح الواقع وينقذه من الفساد، وينقل إلى ظلام ~~الحياة العملية قبسا من نور المثل والحقائق الخالدة. أما الجيل الشاب فوجد قيمة ~~الحياة في تأمل الباطن، في بهجة الرؤية والنظر الخالص، بهذا تحولت مثل الإصلاح السياسي ~~والأخلاقي عند أفلاطون إلى التأمل العقلي المتشرب بالروح الدينية. ولقد أكد «ييجر» أن ~~أرسطو كان يقف في هذا الكتاب على أرض ميتافيزيقية مختلفة عما نجده في كتاباته التعليمية ~~المتأخرة، وأن الأفكار الأساسية فيه أفكار أفلاطونية تحمل طابع معلمه الكبير، سواء في ~~لغتها أو موضوعاتها، بل إن الكتاب يردد في زعمه نظرية المثل ويذكر رأي أفلاطون ~~المتأخر في أنها أعداد، ويقتبس منهج أفلاطون في عرض الأخلاق على طريقة أصحاب الهندسة. ~~وكل هذا يؤكد في رأيه ms10 أن أرسطو ظل في هذا الكتاب وفي سائر محاوراته الضائعة وفيا ~~لأفلاطون، وأنه لم يصبح «أرسططاليا» إلا بعد أن مات أستاذه ومر في حياته بأزمة باطنية ~~حادة. # بيد أن النظرة إلى فلسفة أرسطو قد ~~تغيرت بعد إعلان «ييجر» عن هذه الآراء، وأثبت بعض العلماء - ومنهم الأستاذ «انجمار ~~ديرنج» الذي ألف كتابا ضخما عن تفكير أرسطو ونشر النص الذي نعتمد عليه وحققه - أن ~~هذه الآراء التي ذهب إليها «ييجر» لا تستند إلى كتابات أرسطو ولا إلى التراث القديم من ~~مؤلفات المؤرخين وكتاب السير، أضف إلى هذا أن لغة أرسطو ومصطلحاته الأساسية لم تكد ~~تتغير منذ أن كتب «الطوبيقا» أو المواضع الجدلية التي ثبت أنها تسبق الكتاب الذي بين ~~أيدينا بحوالي عشر سنوات، # 9 # والأهم من هذا كله أنهم قدموا الأدلة اللغوية والموضوعية على أن ~~«البروتريبتيقوس» ليس من كتابات الشباب لأرسطو، وأنه كان قد قضى عند كتابته أكثر من ~~خمسة عشر عاما في البحث والتعليم في الأكاديمية، وأن الكتاب نفسه قد وضع حوالي سنة ~~350-351ق.م، أي عندما كان أرسطو في الرابعة والثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمره وفي ~~أوج تفكيره ونشاطه العقلي، وفي نفس الوقت الذي كتب فيه أفلاطون رسالته السابعة. # 10 # وإذا كان من المستحيل إثبات هذا التاريخ بالدليل القاطع، فهو في رأي ~~«ديرنج» أقرب إلى الصواب من غيره، والمهم على كل حال أن الكتاب يعطينا فكرة طيبة عن ~~تفكير أرسطو في هذه المرحلة من حياته الخصبة الجادة، لا سيما إذا تذكرنا أنه لم يعد ~~النظر فيه على عكس ما كان يفعل مع كتاباته التعليمية الأخرى، وأننا لا نملك كتابا آخر ~~من كتبه يحمل نفس الدعوة التي يحملها هذا الكتاب أو يوحي بها، وأن محاورة «السياسي» ~~التي يظن أن «يامبليخوس» قد نقل عنها أيضا قد ضاعت ولم تبق منها سوى شذرة ضئيلة لا ~~تثبت شيئا. # لا يزال العلماء - كما قلت - مختلفين حول تفسير «البروتريبتيقوس» وترتيب أجزائه، وذلك ~~منذ أن بدأ «ييجر» محاولاتهم المستمرة حتى ~~اليوم، ولكنهم لا يختلفون في أصل النص ms11 الذي ~~وردت أجزاء كبيرة منه عند «يامبليخوس» (في كتاب اختار له نفس الاسم) والمؤرخ اليوناني ~~«ستوبايوس». وكذلك في إحدى برديات «أوكسيرنكوس» تحت رقم 666-4. # 11 # ولقد مضى أكثر من قرن على الفرض السابق الذكر الذي قدمه «بايووتر» مع نصوص ~~الكتاب التي وجدها عند يامبليخوس ورجح نسبتها لأرسطو. واتصلت المناقشات حول هذا الفرض ~~طوال هذا الزمن قبل أن يفكر أحد في نقد النص منهجيا أو يشرع في تحليل كلماته وأسلوبه ~~ومضمون معانيه وتطابقها مع نظائرها في سائر كتبه البعيدة عن الشك، ولا نريد أن ندخل في ~~دقائق هذه التحليلات اللغوية والنقدية المضنية للأسباب التي ذكرناها من قبل، ولكننا ~~نكتفي بالإشارة الموجزة إلى أهم هذه المحاولات لعلها تقدم لنا لمحة عن عمق البحث العلمي ~~الذي نكتفي في العالم العربي بالوقوف عند سطحه أو نهب زبده ورذاذه! # ربما كان الأستاذ السويدي «انجمار ديرنج» هو أهم هؤلاء الباحثين الذين عكفوا على هذا ~~الكتاب؛ فقد نشر [ثلاثة أبحاث كبيرة] # 12 # عن الكتاب نفسه وعن أرسطو وعرض تفكيره وتفسيره، وقدم النص اليوناني وحلل ~~كلماته وأسلوبه وقابله بكلمات الكتب الأرسطية المعتمدة وأسلوبها وأفكارها الأساسية ~~كما قدم معه ترجمة ألمانية للنص المختلف عليه، والنص الذي قدمه وأعاد بناءه يضم 6400 ~~كلمة وضع فهرسا لسبعمائة كلمة مختلفة منها ثبت له أن اثني عشرة كلمة منها فقط لا ~~وجود لها في كتب أرسطو الأصيلة، وإن كانت من الكلمات المألوفة عند أفلاطون أو عند ~~كتاب العصر، والأهم من هذا أنه قدم الأدلة الكافية على أن أسلوب الكتاب في أدق ~~تفاصيله أسلوب أرسطي لا غبار عليه، وحتى المواضع التي يعمد فيها «يامبليخوس» إلى اختصار ~~النص الأصلي أو التعبير عنه بأسلوبه إلى حد الخروج في بعض الأحيان عن أسلوب المعلم ~~الأول وأفكاره؛ إنما تدل جميعها على أن هذا الأفلاطوني الجديد قد نقل عن أرسطو في معظم ~~الأحوال فقرات طويلة نقلا حرفيا لا شك فيه، سواء من كتابه المذكور أو من بعض ~~كتاباته الأخرى التي تولى نشرها بنفسه (وهي الكتب المنشورة أو غير العلمية ms12 بالمعنى ~~الدقيق التي كان يقصد بها عامة المثقفين؛ تمييزا لهم عن الكتب «المستورة» أو الفلسفية ~~البحتة التي كانت تدرس في اللوقيون). ولقد رجح الباحث السويدي أيضا أن هذا ~~الاختصار والترتيب من جانب يامبليخوس لم يغره مع ذلك بتزييف النص أو خلطه بنصوص ~~أفلاطونية أو غير أفلاطونية غريبة عليه؛ ولهذا يبقى احتمال أصالة النص أكبر من عدم ~~احتماله؛ إذ يستحيل كما قدمنا أن يقطع في أمره على وجه اليقين، # 13 # كما أن المحاولات المختلفة لترتيب النص ستظل محاولات لا تختلف بعضها عن ~~بعض إلا بقدر ما يقدم كل منها من الأدلة العلمية والنقدية، وبقدر ما تعتمد على الحجة ~~والبرهان، وهي كلها دليل متجدد على أن العلم نفسه محاولة، وسيبقى محاولة بشرية لا ~~يفسدها إلا الكذب والتسرع وادعاء اليقين المطلق. # تلك - باختصار - هي محاولة «ديرنج» التي انتهى منها إلى أن الذي أعاد ترتيبه وتحقيقه ~~نص أرسطي أصيل، وأننا نملك الجزء الأكبر من الكتاب أو المحاورة المفقودة، بل إننا ~~نستطيع أن نحدد بدايته ونهايته بما يشبه اليقين، كما نستطيع أن نضع أسلوبه وأفكاره ~~ومنهجه في إقامة الحجة # 14 # والاستشهاد بأمثلة من الحكمة الشعبية ... إلخ في سياق الفلسفة الأرسطية على ~~وجه الإجمال. ~~••• # بقي أن نشير إلى محاولتين أخريين في بناء النص وتحقيقه قام بهما ~~الأستاذان أ. ه. كروست، وج. شنفيس، أما الأول فقد ~~تابع «ديرنج» صراحة في تحقيقه للنص وتفسيره له وأضاف إليه بعض التعديلات التي لا تستحق الذكر، # 15 # وأما الثاني فقد اكتفى بنشر النص اليوناني كما تراءى له بغير ترجمة حديثة ~~ولا تعليقات، وذلك في رسالة للدكتوراه قدمها في سنة 1966 إلى جامعة ميونخ. # 16 # ويختلف ترتيب النص في هذا البحث اختلافا كبيرا عن طبعة «ديرنج»؛ فالمؤلف ~~يعتمد - بجانب النص المأثور عن يامبليخوس - على مواضع مختلفة من نصوص أرسطو المعروفة في ~~كتبه التعليمية (كالأخلاق الأويديمية، والأخلاق النيقوماخية والسياسة، ومقالة الألفا من ~~كتاب الميتافيزيقا)، بل يضيف إليها نصوصا أخرى من كتب مؤلفين مختلفين - مثل ~~«بروتريبتيقوس» المنسوب لإيزوقراطيس (المعاصر لأرسطو) والمهدى إلى دومينيقوس - بجانب ms13 ~~نصوص من كتابات سترابو # 17 # وجالينوس، # 18 # وديوجينيس لائيرتوس، # 19 # وسينزيوس، وستوبايوس. ويضم الباحث كل هذه النصوص إلى نص يامبليخوس وبردية ~~أكسيرنكوس اللذين اعتمد عليهما «ديرنج» و«فلاشار»، وذلك دون أدنى مبرر مقنع يسوغ ~~ضمها إليه أو بالأحرى حشرها فيه؛ فقد تكون نصوصا قريبة من أفكار الكتاب الأصلي، ولكن ~~وضعها فيه أمر يثير التساؤل ولا يساعد على مزيد من الفهم والاقتناع. # ولا شك أن الحكم على مثل هذه المحاولات وترجيح إحداها على الأخرى أمر يستلزم إتقان ~~اللغة الأصلية التي كتب بها أرسطو، والاطلاع الدقيق على تفاصيل مذهبه والمعرفة الحقيقية ~~بتطور تفكيره، وهي أمور - لا أمر واحد! - لا يستطيع كاتب السطور أن يدعيها لنفسه. إن ~~محاولته تقديم هذه الدعوة الملحة إلى الفلسفة لقارئه العربي ستظل أضعف هذه المحاولات ~~وأكثرها تواضعا، وإن كانت هي كل ما استطاع تقديمه في حدود علمه وجهده، وندرة المراجع ~~التي بين يديه! ~~••• # وأخيرا فلا بد منذ ذكر بعض الملاحظات عن أسلوبي في تعريب النص والتعقيب عليه في ~~الهوامش والتعليقات الملحقة به، والزيادات التي رأيت إضافتها إلى النص نفسه رغبة في ~~المزيد من الوضوح. # لقد قرأت النص فأذهلتني الكنوز التي ينطوي عليها، وأعدت قراءته مرات قبل أن يتحرك في ~~نفسي الدافع الملح لنقله إلى العربية. كنت في البداية أستبعد الفكرة لإشفاقي مما ~~ستسببه من عناء، ولعلمي بأن معرفتي المتواضعة باللغة اليونانية لا تسمح لي بمواجهة النص ~~ومشكلاته وتحدياته (وكنت قد تعلمت هذه اللغة قبل عشرين سنة ثم طحنتها مرارة الأيام!) ~~ولكن حبي للنص وإعجابي بعظمة صاحبه لم يتركا لي فرصة للتردد، رحت أنقله وأراجع كل ~~كلمة وكل سطر على الترجمة الألمانية الحديثة المواجهة له في الطبعة التي بين يدي، ~~وإذا كان من حقي أن أقول بأنني استوعبت النص الأصلي - باستثناء عبارات قليلة أشرت ~~إليها في الهامش - فإن من واجب الأمانة أن اعترف بأنه لولا الترجمة الألمانية التي قام ~~بها الأستاذ «ديرنج» ما تأكدت من صحة عبارة واحدة نقلتها، ولا تجرأت أصلا على هذه ~~المحاولة، ولهذا يطيب لي أن أسجل ms14 شكري وعرفاني بجهود هذا العالم الجليل؛ ففضله علي ~~وعلى هذا الكتاب الذي بين يديك لا يمكن أن يجد الكلمات التي تفيه حقه. # وقد اعتمدت على شروح محقق النص وناشره، واستعنت بها على كتابة الهوامش والتعليقات، ~~ولم أشأ أن أثقل على القارئ العربي بكلمات يونانية لم أجد داعيا للإكثار منها، ~~فاكتفيت بالإشارة في الهامش لما وجدته ضروريا لا غنى عنه في التعرف على المصطلحات ~~الأرسطية الأساسية، ولكني لم أستطع في نفس الوقت أن أهمل حاجة الباحث المتخصص في الفكر ~~اليوناني عموما والفكر الأرسطي بوجه خاص إلى مزيد من التفاصيل، فأضفت التعليقات التي ~~تجدها ملحقة بالنص، واعتمدت في جانبها الأكبر على تعليقات الناشر نفسه، مع إضافات يسيرة ~~لا تقلل - بل تزيد - من امتناني له وعرفاني بفضله، وقد كان الإغراء بالمزيد من ~~التفصيلات كبيرا، وكان من الممكن الرجوع إلى المصادر المشار إليها (وخصوصا محاورات ~~أفلاطون وبالأخص الجمهورية) رغبة في المزيد من التعمق في جذور الفلسفة الأرسطية والتعرف ~~إلى «الآباء» الذين ينحدر منهم نص هذا الكتاب وكثير من عباراته، ولكنني اقتصرت على ~~التوسع - المحدود - في بعض الجوانب الهامة عن فلسفة أرسطو، حتى يخرج القارئ بتصور مجمل ~~عن جذور شجرته وثمارها، ويرتبط هذا الكتاب في ذهنه بقدر الإمكان بالسياق العام لتفكير ~~المعلم الأول وتطوره. # وقد دفعتني الرغبة في الوضوح والتيسير على القارئ أن أضع بين قوسين كلمات تربط بين ~~عبارات أرسطو المعروفة بالتركيز المرهق والإيجاز الشديد، كما التزمت بالترقيم العلمي ~~الذي وضعه الناشر المحقق لفقرات الكتاب، وهو تقليد متبع في سائر الطبعات المعتمدة ~~لأرسطو وغيره من الكتاب الكلاسيكيين. ويهمني قبل كل شيء وبعد كل شيء أن يجد القارئ ~~في هذا الكتاب - بجانب الفائدة العلمية الخالصة - شيئا من المتعة والبهجة العقلية التي ~~أشاد بها المعلم الأول وأوشك أن يجعلها غاية الحياة على هذه الأرض، وأملي أن يخرج ~~منه القارئ العربي وهو أقدر على التفلسف، أي على التفكير الكلي الحر الذي اشتدت حاجتنا ~~إليه مع توالي المحن والآلام. # بداية كتاب دعوة للفلسفة # إن تطلعك للمعرفة، أي عزيزي ms15 ثيميسون، # 20 # وسعيك إلى الرفعة والحياة السعيدة أمور أعلمها عن طريق السماع، وإني لمقتنع ~~(ب1) بأنه ما من أحد يملك أنسب مما تملك من ملكات # 21 # تعينك على الإقبال على الفلسفة؛ فأنت غني بحيث يمكنك أن تنفق على تعلمها، # 22 # وأنت كذلك تحتل مكانة مرموقة، ويعتقد معظم الناس أن الحياة السعيدة تعتمد ~~على امتلاك الخيرات الخارجية، وهم «لا يذهبون إلى هذا الرأي» بغير مبرر؛ فنحن نلاحظ أن ~~بعض الناس يوفقون في جميع شئونهم ويبلغون النجاح على الرغم من حمقهم، ولا شك أنك ~~صادفت في حياتك حالات أخرى حدث فيها العكس، وقد يمكنك، من معرفتك بالماضي أو من ~~تجربتك الخاصة، أن تتذكر عددا من الوقائع التي كان فيها الغرور سببا للسقوط. # 23 # لقد عرفت رجالا أسرفوا في الثقة بالثروة والحظ والقوة ولهذا قضي عليهم ~~بالانحدار «إلى هاوية» الشقاء، وعلى قدر تفوقهم السابق في النجاح يشتد عمق إحساسهم ~~بالإخفاق وسوء الحظ، ويشعرون بالخجل من أن وضعهم الحاضر (ب2) لا يحفزهم على النهوض بما ~~يرونه واجبا (مفروضا) عليهم. # ولما كنا نلمس # 24 # نكد الطالع الذي يلم بهؤلاء الناس، فإن علينا أن نتحاشى مثل هذا ~~القدر ونعلم أن السعادة في الحياة لا تقوم على امتلاك الثروة الكبيرة، وإنما تعتمد ~~على الحالة النفسية الطيبة. # 25 # وكذلك الأمر فيما يتعلق بالجسم؛ فلن يصف إنسان أحدا من الناس بأنه «مبارك ~~الحظ من الآلهة» لمجرد أنه يرتدي ثيابا فخمة، بل سيخلع هذه الصفة على من وهب الصحة ~~وتمتع بالمزاج الصحيح، حتى ولو لم يكن له أدنى نصيب من الزخرف الخارجي. # 26 # وبالمثل لا يصف المرء نفسا بأنها سعيدة إلا إذا كانت نفسا مثقفة، ولا ~~إنسانا بالسعادة إلا إذا كان مهذبا، ولكننا نمنع هذه الصفة عمن يتحلى بمظاهر الزينة ~~الفخمة دون أن يكون له أية قيمة في ذاته، ويصدق هذا أيضا على الحصان؛ فمهما يكن من ~~لجامه الذهبي وحلاه الثمينة فلن نضفي عليه أي قيمة ما دام لا يصلح لشيء غير ذلك، ~~وسنفضل عليه حصانا آخر «نتوسم فيه» الصفات ms16 الطيبة. # 27 ~~(ب3) ثم إن من عادة المنحطين من الناس # 28 # إذا حصلوا على ثروة طائلة أن يقدروا قيمة هذه الثروة تقديرا يفوق ~~تقديرهم لخبرات النفس، وهذا هو أحقر شيء (يمكن تصوره). ولو ظهر سيد في مظهر من هو ~~أقل شأنا من خدمه لأصبح عرضة للسخرية والاستهزاء، وكذلك يتحتم علينا أن نحشر في ~~زمرة التعساء # 29 # أولئك الذين يجعلون لاكتساب الثروة أهمية تفوق «العناية» بطباعهم وأخلاقهم. ~~(ب4) والواقع أن هذه هي الحقيقة؛ فالتخمة - كما يقول المثل السائر - تلد الغطرسة، وإذا ~~ما اقترن النقص في التربية # 30 # بالقوة والسلطة تولد عن ذلك الجنون، وأولئك الذين ساءت نفوسهم لن ينفعهم ~~الثراء ولا القوة ولا الجمال شيئا، بل كلما توافرت هذه الأمور ازداد ضررها على صاحبها ~~عمقا وتنوعا، وذلك إن لم تقترن بالتبصر (والحكمة). # 31 # إن المثل القائل: «لا تعط السكين للطفل» يعني ألا تضع القوة في أيدي الرعاع. # 32 ~~(ب5) إن التبصر الفلسفي # 33 ~~- وهذا ما سوف يوافقنا عليه الجميع - هو ثمرة الجهد الجاد والبحث عن ~~الأشياء التي تؤهلنا الفلسفة للبحث عنها؛ لهذا يتحتم علينا - دون لجوء إلى مماحكات ~~لفظية - أن نتفلسف. ~~(ب6) إن كلمة «التفلسف» تدل من ناحية على السؤال عما إذا كان من واجب الإنسان أن ~~يتفلسف، كما تدل من ناحية أخرى على أن نهب أنفسنا للفلسفة. (ب7) لما كنا نتوجه ~~بحديثنا إلى أناس من البشر لا إلى أولئك الذين لهم حياة ذات طبيعة إلهية، فلا بد أن ~~نضيف إلى تلك التنبيهات # 34 ~~(السابقة) تنبيهات أخرى نافعة في الحياة الاجتماعية والعلمية. # وفي هذا الصدد نقول: (ب8) إن ما يقع تحت تصرفنا لتيسير شئون الحياة، كالجسد وما يخدم ~~الجسد، إنما يقع تحت تصرفنا كنوع من الأداة، واستخدام هذه الأدوات مقرون بالخطر؛ فهي ~~تؤدي إلى عكس نتيجتها «على يد» أولئك الذين لا يحسنون استعمالها؛ ولهذا يجب علينا أن ~~نسعى إلى معرفة تعيننا على استخدام كل هذه الأدوات على الوجه الصحيح، كما يجب علينا ~~أن نسعى إلى تحصيل هذه المعرفة وتطبيقها بطريقة ملائمة، ms17 يجب علينا أن نصبح فلاسفة إذا ~~أردنا أن نصرف شئون الدولة بصورة صحيحة، ونشكل حياتنا الخاصة بطريقة نافعة. (ب9) ~~بيد أن المعرفة على أنواع مختلفة، فهناك المعرفة التي تنتج خيرات الحياة، وهناك ~~المعرفة التي تستخدمها، وثمة تقسيم آخر؛ فهناك أنواع المعرفة التي تخدم وتطيع، وهناك ~~الأنواع التي تأمر، والأنواع الأخيرة أعلى درجة، وفيها يكمن الخير بمعناه الحقيقي. ~~ولما كان هذا النوع الوحيد من المعرفة الذي يتوصل للحكم الصحيح ويستخدم العقل ويضع ~~الخير في مجموعه نصب عينيه - ونعني به الفلسفة - هو الذي يستطيع الانتفاع بسائر أنواع ~~المعرفة وتوجيهها وفق قوانين الطبيعة، # 35 # فإن هذا دليل آخر على ضرورة التفلسف. # ذلك أن الفلسفة وحدها تنطوي على الحكم الصحيح والتبصر المعصوم (من الخطأ) # 36 # الذي يملك القدرة على تحديد ما ينبغي علينا أن نأتي من الأفعال وأن ندع. ~~(ب10) دعنا الآن نتعمق سؤالنا ونتأمله من وجهات النظر الغائية لكي نصل إلى نفس التنبيه (السابق). # 37 ~~(ب11) من بين الأشياء التي تنشأ «وتكون» ما يدين «وجود» بعضه للتدبير «العقلي» ~~والمقدرة «البشرية على الصنعة» # 38 ~~- كما هو الحال في البيت والسفينة اللذين يشترطان المقدرة والتدبير - في ~~حين أن بعضها الآخر لا ينشأ عن طريق المقدرة البشرية «على الصنعة»، بل بواسطة الطبيعة، ~~إن الطبيعة هي الأصل # 39 # في الحيوانات والنباتات، وكل نشوء من هذا النوع يتم وفقا للطبيعة، ولكن ~~هناك أيضا أشياء تنشأ عن طريق الصدفة، ونحن نقول عن معظم الأشياء التي لا تنشأ عن طريق ~~الصنعة ولا الطبيعة ولا الضرورة (نقول): إنها تنشأ عن طريق الصدفة، (ب12) وليس فيما ~~ينشأ عن الصدفة شيء له هدف أو غاية # 40 ~~(من كونه ونشوئه). أما الأشياء التي تنشأ عن المقدرة البشرية (على الصنعة) ~~فلها غاية وهدف؛ «لأن من يملك المقدرة سيبين لك دائما لماذا كتب ولأي هدف»، وهذا ~~الهدف (نفسه) أفضل من الشيء الذي نشأ من أجله. # 41 # وأنا أتكلم عن الأشياء التي تكون العلة فيها هي المقدرة في ذاتها لا بطريقة ~~عرضية فحسب، فإن الشفاء هو بالتأكيد ms18 علة الصحة قبل أن يكون علة المرض، وفن البناء هو ~~علة «تشييد» البيت لا علة الهدم؛ # 42 # فكل ما ينشأ عن طريق المقدرة البشرية إنما ينشأ من أجل «تحقيق» هدف معين، ~~وهذه هي غايته وأفضل شيء «بالنسبة له». أما ما ينشأ عن طريق الصدفة فلا ينشأ لهدف، ومع ~~ذلك فقد يتفق أن يتولد عن الصدفة بعض الخير، غير أنه لا يكون خيرا من خلال الصدفة ~~ومن حيث نشأته عن طريق الصدفة؛ لأن ما ينشأ عن طريقها يكون دائما غير محدد. (ب13) إن ~~ما ينشأ وفقا للطبيعة إنما ينشأ لأجل هدف بحيث يكون النتاج الطبيعي دائما أكثر ملاءمة ~~للهدف من النتاج الفني؛ فليست الطبيعة هي التي تحاكي الصنعة «البشرية»، بل هذه هي التي ~~تحاكي الطبيعة، كما أن المقدرة البشرية (على الصنعة) قد وجدت لمساندة الطبيعة وإكمال ~~ما تركته ناقصا؛ # 43 # ذلك لأن من بين الموجودات ما يبدو أن الطبيعة وحدها قادرة على إتمامه ~~بنفسها دون حاجة إلى مساعدة، ومن بينها الآخر ما لا تتمكن «من إكماله» إلا بالجهد أو ~~تعجز عنه عجزا تاما، ويتضح هذا لدى نشوء الكائنات الحية؛ فبعض البذور تتفتح دون أدنى ~~«قدر من» الرعاية، أيا كانت الأرض التي تسقط عليها، أما بعضها الآخر فيحتاج إلى فن ~~الزراعة، وكذلك تستطيع بعض الكائنات الحية أن تنمو بنفسها نموا كاملا وأن تبلغ ~~النضج، على العكس من الإنسان الذي يحتاج إلى عدد كبير من المهارات الضرورية للمحافظة ~~«على حياته»، وهو يحتاج إليها في البداية بعد ولادته مباشرة، ثم يحتاج إليها بعد ذلك ~~لتغذيته؛ (ب14) فإذا كانت القدرة البشرية (على الصنعة) تحاكي الطبيعة، فمن الواضح أن ~~غائية منتجات القدرة البشرية أمر يعتمد على الطبيعة، ويصح لنا أن نقول: إن كل ما ينشا ~~نشأة سليمة إنما ينشا من أجل هدف (معين)؛ فكل ما يؤدي إلى شيء جميل قد نشأ نشأة صحيحة، ~~وكل ما ينشأ أو قد تم نشؤه بالفعل ينتج شيئا جميلا حتى تتم العملية الطبيعية بصورة ~~سوية، أما ما يشذ عن الطبيعة فهو ms19 رديء ومضاد لما يوافق الطبيعة، وهكذا تتم النشأة # 44 # السوية المطابقة للطبيعة لأجل تحقيق هدف معين، (ب15) ويمكننا أن نتبين هذا ~~«من ملاحظة» كل جزء من أجزاء جسمنا على حدة، فإذا تأملت الجفن مثلا وجدت أنه لم يتكون ~~«عبثا» ولغير هدف، وإنما وجد لحماية العينين وتوفير الراحة لهما والحيلولة دون نفاذ ~~شيء من الخارج إليهما، ونحن نقصد نفس الشيء عندما نقول: إن الأشياء الطبيعية قد تكونت # 45 # لتحقيق هدف معين، أو عندما نقول: إن الأشياء المصنوعة # 46 # قد أنتجت لغرض ما، فعندما يتم بناء سفينة لنقل البضائع عن طريق البحر ~~يكون الهدف المقصود من بنائها قد قدم بالفعل. (ب16) إن جميع الكائنات الحية أو (على ~~الأقل) أفضلها وأرفعها قدرا قد نشأ عن الطبيعة وفي تطابق مع الطبيعة، ولا معنى ~~للاعتراض على هذا بأن أغلب الحيوانات قد نشأ ضد الطبيعة، أي للإفساد وإلحاق الأذى ~~والضرر. إن أسمى الكائنات الحية (التي تعيش على الأرض) هو الإنسان، وهذا يدل بوضوح على ~~أنه قد نشأ نشأة طبيعية وفي تطابق مع الطبيعة؛ (ب17) فإذا كان الهدف دائما أفضل من ~~الشيء (إذ إن كل شيء يكون - أو ينشأ - من أجل الهدف، كما أن ال «لماذا» # 47 # هي الأفضل على الدوام بل تفوق جميع الأشياء في الفضل)، وإذا كان الهدف ~~المطابق للطبيعة هو آخر ما يتوصل إليه في مجرى الكون الطبيعي # 48 # عندما يسير هذا سيرا متصلا نحو الكمال، # 49 # وإذا سلمنا إلى جانب هذا بأن الجسد هو أول ما يبلغ الكمال عند الإنسان، ~~ثم يأتي بعده ما يتعلق بالنفس، وإن كمال الأفضل بالنسبة للكون (النشوء) إنما يأتي على ~~نحو من الأنحاء دائما فيما بعد، وإذا سلمنا بعد هذا بأن النفس تنشأ متأخرة عن الجسم، # 50 # وأن آخر ما ينشأ من «ملكات» النفس هو ملكة العقل؛ # 51 ~~«إذ إننا نلاحظ أن هذه الملكة هي بطبيعتها آخر ما يتكون عند الإنسان؛ ولهذا ~~كانت هي الخير الوحيد الذي تطمح الشيخوخة إلى امتلاكه.» إذا سلمنا بهذا كله تبين لنا ~~أن ms20 ملكة العقل بحسب طبيعتها هي هدفنا، وأن استخدامها هو الغاية الأخيرة التي من أجلها ~~نشأنا، وإذا صح القول بأننا قد وجدنا # 52 # وفقا للطبيعة، فقد اتضح أننا نعيش أيضا لكي نفكر في شيء ولكي ~~نتعلم. ~~(ب18) دعنا نسأل الآن لأي موضوع من موضوعات الفكر (القائمة) قد أوجدنا الله؟ عندما ~~سئل فيثاغورس عن هذا أجاب بقوله: «لكي أتأمل السماء»، # 53 # وقد تعود أن يصف نفسه بأنه «إنسان» يتأمل السماء وأنه إنما جاء إلى ~~الحياة من أجل هذا الغرض. (ب19) ويروى أيضا عن أنكساجوراس أنه سئل عن الهدف الذي ~~يمكن أن يبتغيه الإنسان من مولده وحياته فأجاب، بقوله: لكي يتأمل السماء والنجوم ~~«الطالعة» فيها والقمر والشمس، وكأن كل ما عدا ذلك لا يستحق عناء الجهد. # 54 ~~(ب20) هكذا يكون فيثاغورس قد زعم بحق # 55 # أن كل إنسان قد أوجده الإله لكي يعرف وينظر ويتأمل، وسواء أكان موضوع هذه ~~المعرفة هو «نظام» الكون أم أي طبيعة أخرى، فذلك أمر قد نفحصه فيما بعد، ويكفي الآن ما ~~قلناه ليكون أساسا نعتمد عليه، وما دامت الغاية - بمقتضى الطبيعة - هي ملكة ~~التعقل، فإن أفضل الأشياء هو استخدامها «في التدبر والتفكير»؛ (ب21) لهذا يجب على ~~المرء أن يعلم سائر الأشياء من أجل الخير الكامن في الإنسان نفسه، ومن «مجموع» هذا ~~الخير «يقوم» بالأمور الجسيمة من أجل «الأمور» النفسية، «ويؤثر» الفضيلة من أجل ~~ملكة التعقل؛ لأن هذه هي أسمى الأشياء جميعا. ~~(ب22) وتقودنا الفكرة التالية إلى نفس الهدف (وهو أن من يريد أن يكون سعيدا فلا بد ~~له أن يتفلسف). (ب23) لما كان النظام يسود الطبيعة كلها، فإنها لا تفعل شيئا ~~بالصدفة، وإنما توجه كل شيء نحو هدف محدد، وهي حين تستبعد الصدفة (والاتفاق) # 56 # تحرص على تحقيق الهدف (أو الغاية) بقدر يفوق كل فن بشري؛ إذ إن الصنعة البشرية، # 57 # كما نعلم، محاكاة للطبيعة. ولما كان الإنسان يتألف بحسب طبيعته من نفس ~~وجسد، وكانت النفس أعلى قيمة من الجسد، كما كان الأقل شأنا يندرج دائما تحت الأفضل ms21 في ~~سبيل تحقيق هدف معين، فإن وجود الجسد إنما يكون من أجل وجود النفس، ونحن نعلم أن النفس ~~تكون في جزء منها عاقلة، وفي جزء آخر غير عاقلة، وأن الجزء غير العاقل منها أقل قيمة ~~(من العاقل). ونستنتج من هذا أن الجزء غير العاقل يوجد من أجل الجزء العاقل، والجزء ~~العاقل يحتوي على العقل، # 58 # وهكذا يسوقنا البرهان ضرورة إلى «القول» بأن كل شيء يوجد من أجل العقل. ~~(ب24) إن فاعلية العقل هي التفكير، # 59 # والتفكير يقوم على النظر في موضوعات الفكر، # 60 # على نحو ما تكون فاعلية «عضو» الإبصار هي رؤية المرئيات، هكذا يجعل الفكر ~~والعقل كل شيء جديرا بأن يسعى إليه بنو الإنسان؛ # 61 # إذ تكون بقية الأشياء جديرة بالسعي إليها من أجل النفس، والعقل هو أرفع ~~الأمور قيمة في مجال النفس، ومن أجله (وحده) يكون كل شيء آخر، (ب25) وتكون بعض الأفعال ~~العقلية حرة حرية كاملة، وهي الأفعال التي تتحقق لذاتها، # 62 # أما الأفعال العقلية التي تنتج المعارف لأجل أي شيء آخر فهي تشبه الخدم. ~~إن كل ما يتم فعله لذاته يفوق دائما في قيمته ما يكون «فعله» وسيلة لشيء آخر، وكذلك ~~يكون الحر أعلى قدرا من غير الحر. ~~(ب26) ونحن عندما نستعين في سلوكنا بالتفكير # 63 # فإنما نهتدي بهديه حتى ولو وضع المتفكر مصلحته الخاصة نصب عينيه وحدد ~~أسلوب فعله وسلوكه من خلال وجهة النظر هذه، إنه ليستخدم جسده (عندئذ) كما يستخدم ~~الخادم، بل إنه ليضطر إلى إفساح مجال كبير للصدفة، وهو على العموم يقبل على تلك ~~الأفعال التي يقوم فيها التفكير (العقل) بدور أساسي، حتى لو استلزم الأمر منه في أغلب ~~أعماله أن يستخدم الجسد استخدام الأداة. # 64 ~~(ب27) وهكذا نرى أن التفكير المحض الخالص من الهدف أشرف وأقيم من التفكير ~~الذي يكون «مجرد» خادم «يتوسل به» لبلوغ شيء آخر. إن التفكير الخالص يستمد شرفه من ~~ذاته، وحكمة «العقل» هي الشيء الذي يستحق «من الإنسان» أن يسعى لطلبه منه، كما أن ~~الفطنة العملية في الحياة ms22 # 65 # جديرة بالسعي إليها من أجل الفعل (أو السلوك)، وإذن فالخير والشرف ملازمان ~~للتفكير الفلسفي قبل كل شيء آخر، وإن لم يلازما بطبيعة الحال أي نوع من هذا التفكير ~~كيفما اتفق؛ إذ ليس كل تصور بوجه عام مقرونا بالشرف، وإنما نتوقع من تفكير المعلم ~~الحكيم وحده # 66 ~~- عندما يتجه هذا التفكير إلى المبدأ السائد في الكون - أن يكون قريبا من ~~الحكمة وأن يكون حكمة بالمعنى الحقيقي. # 67 ~~(ب28) إن الإنسان إذا حرم الإدراك الحسي والعقل فقد صار شبيها بالنبات، وإذا حرم ~~العقل وحده تحول إلى حيوان، أما إذا تحرر من غير المعقول # 68 # وتمسك بالعقل فقد صار شبيها بالإله؛ (ب29) ذلك أن العقل، الذي نتميز به ~~عن سائر الكائنات الحية، لا يتحقق بصورة كاملة # 69 # إلا في ذلك الشكل «من أشكال» الحياة الذي لا يعترف بالاتفاق (والصدفة) # 70 # ولا بما هو عديم القيمة، صحيح أن لدى الحيوانات ومضات ضئيلة من الفطنة ~~والعقل، غير أنها لا تتمتع بأدنى نصيب من الحكمة النظرية، # 71 # فهذه الحكمة لا يوصف بها غير الآلهة ولا تنسب إلا للعقل الإنساني، # 72 # ومن جهة أخرى يتفوق كثير من الحيوان تفوقا بعيدا على الإنسان في حدة ~~الإحساس وفي الغرائز الطبيعية. # 73 ~~(ب30) والحقيقة أن الحياة العقلية هي «الشيء» الوحيد الذي لا يمكن فصله عن ~~الخير، ومن المعترف به بوجه عام أنها متضمنة في تصور الخير، ذلك أن الرجل «النابه» ~~الرفيع القدر الذي يتبع في حياته «طريق» العقل هو الذي لا يقع ضحية للصدفة، بل يعرف ~~أكثر من غيره من الناس كيف يحرر نفسه من «كل» ما يخضع لها، فإذا استطعت أن تهب نفسك ~~دائما لهذه الحياة # 74 # عن اقتناع كامل أمكنك أن تحيا حياة آمنة مطمئنة. ~~(ب31) نحن جميعا نختار ما يكون في نفس الوقت ميسورا ونافعا، # 75 # ومن ثم يجب الاعتراف بأن الفلسفة # 76 # تملك هاتين الصفتين، وأن صعوبة تحصيلها أقل من النفع الذي تتيحه؛ ذلك أننا ~~جميعا نهتم بأسهل «الأمور» وأيسرها، (ب32) ومن السهل إثبات قدرتنا ms23 على اكتساب العلم ~~بما هو عادل ومفيد، كذلك على تحصيل المعرفة بالطبيعة وبالموجودات الحقيقية الأخرى. # 77 ~~(ب33) إن الأولي والبسيط يكون على الدوام أكثر من الثانوي والمركب، # 78 # وكذلك يكون الأعلى في سلم الأولويات الطبيعي معروفا أكثر من الأدنى، ~~والمعرفة تنصرف «إلى الاهتمام» بما هو محدد ومنظم من الناحية المنطقية أكثر مما تهتم ~~بضده، كما تنصرف إلى «العلل» والمكونات الأساسية أكثر مما يترتب على هذه «العلل أو المكونات». # 79 # والأشياء الطيبة تتفوق في تحددها ~~وتنظيمها على الأشياء السيئة # 80 # على نحو ما يتفوق الإنسان المترفع # 81 # على الإنسان الوضيع، ومثل هذه الأضداد يتحتم أن تحمل نفس الصفات؛ # 82 # فالأولي يحمل طابع العلة أكثر من الثانوي، فإذا انتفى ذلك فقد انتفى معه ~~ما تلقى عنه وجوده، وهكذا تنتفي الخطوط عندما تنتفي الأعداد، كما تنتفي السطوح ~~بانتفاء الخطوط والأجسام بانتفاء السطوح، وكذلك الأمر مع الكلمة عندما ينتفي المقطع، ~~ومع المقطع عندما ينتفي الحرف. (ب34) ولما كانت النفس أعلى قيمة من الجسد (لأنها بحسب ~~طبيعتها هي المسيطرة)، وكانت توجد فيما يتعلق بالجسد صنعة «بشرية» # 83 # وعلم، كالطب والرياضة البدنية (اللذين نصفهما بأنهما فرعان من فروع ~~المعرفة ونؤكد أن هناك نفرا من الناس يتقنونهما) فمن الواضح أن الضرورة تقتضي وجود نوع ~~من الرعاية ومن الصنعة التي تتعلق بالنفس وفضيلتها، كما تستلزم أن نكون قادرين على ~~تحصيلهما؛ إذ إننا نملك القدرة على «اكتساب» معرفة بأمور يكون جهلنا بها أكبر كما تكون ~~معرفتنا بها أشق وأصعب، (ب35) ويصدق هذا على معرفة الطبيعة؛ فالتبصر بالعوامل الأساسية # 84 # في الطبيعة وبأبسط عناصرها يكون منذ البداية أكثر ضرورة من التبصر بما قد ~~نشأ عنها (بصورة ثانوية لاحقة)؛ إذ إن هذا الأخير لا ينتمي للأشياء الأولى من الناحية المبدئية، # 85 # كما أن الأولي لا يستمد منه وجود، بل إن من الواضح أن سائر الأشياء تنشأ ~~عن ذلك الأولي وعن طريقه توجد. (ب36) ومهما تكن النار والهواء والعدد أو أي «طبائع» ~~أخرى هي العوامل الأساسية، # 86 # ومهما تكن هي الأولية بالنسبة ms24 «للموجودات» الأخرى، فمن المستبعد في كل ~~الأحوال أن نعرف أي شيء عن هذه ما لم نعرف تلك، # 87 # إذ كيف يتسنى لأحد أن يفهم الكلمات المنطوقة إذا كان لا يعرف المقاطع، أو ~~كيف يمكنه أن يفهم المقاطع إذا كان لا يعرف شيئا عن ~~الحروف؟ (ب37) ليكن هذا هو «صفوة» القول عن ~~وجود علم بالحقيقة # 88 # وعلم بفضيلة النفس وعن قدرتنا على تحصيلها. ~~(ب38) أما أن هذا «التبصر بالمبادئ» هو أعظم الخيرات وأنه أنفع من كل ما عداه، ~~فلذلك ما سيتضح مما سنقوله بعد، إننا جميعا متفقون «في الرأي» على أن أرفع الرجال ~~خلقا وأشدهم بطبيعته قوة هو الذي ينبغي أن يتولى الحكم، # 89 # كما أننا متفقون على أن القانون وحده هو الحاكم والسيد، ذلك القانون الذي ~~يعبر منطوقه عن حكمة وبصيرة، (ب39) ومن ذا الذي يمكنه أن يمثل لنا المعيار الدقيق ~~ويكون لنا بمثابة الدليل «الهادي» إلى الخير غير الإنسان الحكيم # 90 ~~(في خلقه وسلوكه). إن الأمر الذي يختاره، حين يتم اختياره على أساس من ~~الروية والعلم هو الخير، أما الضد (المخالف له) فهو الشر. (ب40) إن جميع الناس يميلون ~~إلى اختيار ما يلائم طباعهم؛ فالعادل يختار الحياة العادلة، والشجاع حياة الشجاعة، ~~والبصير العاقل حياة التبصر والعقل، ومن هذا يتضح كذلك أن الإنسان الذي وهب ملكة العقل # 91 # سيختار الفلسفة؛ لأن التفلسف هو مهمة هذه الملكة، ومن هذا الحكم الصادر ~~بأقصى درجة من اليقين يتبين أن ملكة التعقل # 92 # هي أسمى الخيرات جميعا، (ب41) ويتضح صدق هذه القضية مما سيأتي قوله. إن ~~التأمل والمعرفة جديران بأن يسعى إليهما الإنسان؛ إذ بغيرهما يستحيل على المرء أن يحيا ~~الحياة التي تليق بإنسانيته، ولكنهما كذلك نافعان للحياة العملية، فما من شيء «يمكن أن» ~~يبدو لنا خيرا إن لم تتحقق الغاية منه عن طريق التدبر والنشاط العاقل الحكيم. # 93 # وسواء أكانت الحياة السعيدة تكمن في البهجة والهناء أم في الفضيلة (والسمو ~~الخلقي) أم في التعقل (وممارسة العقل)، فلا بد للإنسان في كل هذه الأحوال ms25 من أن ~~يتفلسف؛ لأننا لا نتوصل إلى الرأي الواضح في كل هذه الأمور إلا عن طريق التفلسف. # 94 ~~(ب42) إن من يبحث في كل علم عن نتيجة مختلفة عنه ويتطلب من كل معرفة أن ~~تكون نافعة # 95 # إنما يجهل تمام الجهل مدى الفارق الأساسي بين ما هو خير وما هو ضروري، وإنه ~~في الواقع لفارق عظيم؛ ذلك أن تلك الأشياء التي نحبها من أجل شيء آخر ولا نستطيع أن ~~نعيش بغيرها، هي الأشياء التي نصفها بأنها ضرورية وعلل مصاحبة، أما «الأشياء» التي ~~نحبها لذاتها، حتى ولو لم ينتج عنها شيء آخر، فهي التي نصفها بأنها خيرات بالمعنى ~~الصحيح لأن الواحد «منها» ليس جديرا بالاختيار من أجل شيء آخر، وهلم جرا إلى ما لا ~~نهاية؛ إذ لا بد من التوقف في موضع ما، والحق أنه لمن السخرية أن نبحث في كل شيء عن ~~منفعة مختلفة عن الموضوع نفسه، ومن المضحك أن نسأل «فيم ينفعنا هذا؟» و«لأي غرض يمكننا ~~أن نستخدم هذا؟» فالذي يتكلم على هذا النحو لا يمكن بأي حال من الأحوال - كما هي عادتي ~~في القول # 96 ~~- أن يشبه بذلك الذي يعرف النبل والخير ويستطيع التفرقة بين العلة ~~والعلة المصاحبة. ~~(ب43) وربما كانت «أفضل وسيلة» لمعرفة حقيقة قولي أن ينقلنا أحد عن طريق الفكر # 97 # إلى جزر السعداء، هنالك لن نشعر بأننا في حاجة إلى شيء، # 98 # ولن يتيح لنا أي شيء من الأشياء الأخرى أية منفعة، ولن يتبقى (لنا) إلا ~~شيء واحد هو التفكير والتفلسف، # 99 # أي هذا الذي نصفه الآن بالحياة الحرة، وإذا صح هذا، # 100 # فكم يحق للواحد منا أن يخجل من نفسه إذا ما أتيحت له فرصة # 101 # الإقامة في جزر السعداء، «فأقعده» العجز والتقصير عن اغتنامها؛ ولهذا فإن الجزاء # 102 # الذي تمنحه المعرفة للإنسان لا يدعو أبدا للاحتقار، كما أن الخير الذي ~~يتمخض عنه غير قليل، وكما أننا نحصد ثمار العدالة في «هاديس» # 103 ~~- على نحو ما يقول الحكماء من الشعراء - كذلك يجوز لنا أن ms26 نأمل في «حصد» ~~ثمرات الفلسفة من جزر السعداء؛ # 104 ~~(ب44) ولهذا لا يصح أن نبتئس إذا بدا لنا أن التفلسف غير نافع أو مفيد؛ # 105 # لأننا لا نؤكد أنه مفيد وإنما «نؤكد» أنه خير، وأن ليس على الإنسان أن ~~يختاره من أجل شيء آخر، بل عليه أن يختاره لذاته، وكما أننا نسافر إلى «أوليمبيا» ~~لمشاهدة التمثيل نفسه، حتى ولو لم نحصل منه على مكسب آخر (إذ إن المشاهدة في ذاتها أكبر ~~قيمة من المال الكثير)، وكما أننا لا نتفرج على الاحتفالات المسرحية في الأعياد الديونيزية # 106 # لكي نأخذ شيئا من الممثلين - فنحن في الواقع ننفق عليها من مالنا - وكما ~~أننا نقدر الكثير من المشاهد التمثيلية الأخرى تقديرا يفوق ثروة وفيرة من المال، فسوف ~~يقدر المرء تأمل الكون تقديرا يفوق (في قيمته) كل تلك الأشياء التي تعد في نظر ~~الرأي العام «أشياء» نافعة. # 107 # وليس يصح بغير شك أن يبذل الإنسان الكثير من الجهد في السفر إلى أناس ~~يظهرون (على المسرح) في صورة نساء وعبيد، أو يتنافسون (في الألعاب الأوليمبية) على ~~المبارزة والسباق (في العدو)، ثم يذهب من ناحية أخرى إلى أن الإنسان لا ينبغي عليه ~~أن يتأمل طبيعة الأشياء «أو يتأمل» الحقيقة بغير مقابل (مادي). (ب45) وهكذا نكون الآن ~~قد تقدمنا (على طريق بحثنا) من غائية الطبيعة بوصفها المنطلق (الذي نبدأ منه ) للتنبيه ~~إلى «ضرورة» التفلسف، مقتنعين بأن التفلسف خير وأنه إذا أخذ في ذاته جدير بالشرف ~~والتكريم، حتى ولو لم يترتب عليه شيء نافع في الحياة العملية. # 108 ~~(ب46) أما أن نشاط الفكر يتيح في الواقع للحياة اليومية (للبشر) أعظم الفائدة، فذلك ~~ما سوف نتبينه بسهولة «من النظر» في المهن والصنائع، إن جميع الأطباء الحاذقين ومعظم ~~معلمي الألعاب الرياضية مجمعون على أن الذي يريد أن يكون طبيبا أو معلما بارعا ~~(للألعاب الرياضية) يتحتم عليه أن يعرف الطبيعة معرفة وثيقة، # 109 # والأمر كذلك مع المشرعين المبرزين # 110 # الذين يجب عليهم أن يعرفوا الطبيعة معرفة دقيقة، بل أن تفوق خبرتهم بها ms27 ~~خبرة أولئك؛ لأن أولئك يظهرون حذقهم في المهنة بتنمية كفاءة # 111 # الجسد، أما هؤلاء فينصرفون إلى فضيلة النفس ويسعون لتوجيه الناس # 112 # إلى السبل المؤدية لسعادة المجتمع أو شقائه؛ ولهذا تزيد حاجتهم إلى ~~الفلسفة. (ب47) وفي المهن اليدوية الأخرى تكتشف أفضل الأدوات عن طريق ملاحظة الطبيعة؛ ~~ففي النجارة مثلا «يكتشف» الفادن # 113 # والمسطار والأداة التي ترسم بها الدائرة، # 114 # وفي بعض الأدوات تكون ملاحظة الناء هي النموذج (الذي نحاكيه)، وفي بعضها ~~الآخر «نحتذي» بأشعة الشمس التي تلتقطها، وبمساعدة هذه الأدوات نتثبت مما هو مستقيم ~~ومستو بحيث يلائم الإدراك الحسي بدرجة كافية، وبهذه الطريقة نفسها يتحتم على رجل الدولة # 115 # أن تكون لديه معايير معينة يستمدها من الطبيعة نفسها ومن الحقيقة ويستعين ~~بها في الحكم على ما هو عادل وجميل ونافع. فكما يمتاز النوع المذكور من الأدوات في ~~الأعمال اليدوية عن كل ما عداه، كذلك يكون هذا المعيار هو أفضل المعايير إذا توفر له ~~أكبر قدر ممكن من التوافق مع الطبيعة. (ب48) ولا سبيل لإنسان لم يهب حياته للفلسفة ولم ~~يعرف الحقيقة أن يتوصل إلى هذا «المعيار». # 116 # والواقع أن الناس لا يتوصلون في الصنائع (والمهن) الأخرى إلى الأدوات وأدق ~~الحسابات عن طريق المبادئ الأولى، بل يستمدون «معرفتهم بها» من مبادئ من الدرجة الثانية ~~والثالثة والرابعة مشتقة عنها؛ # 117 # ولهذا يكون علمهم تقريبيا كما يقيمون أحكامهم على الخبرة. إن الفيلسوف ~~وحده هو الذي يحاكي الأشياء الدقيقة نفسها لأنه هو الذي يتأمل الأشياء ذاتها لا الصورة ~~المقلدة لها. # 118 ~~(ب49) وكما يمتنع على المهندس الذي لا يستخدم المسطار وما شابهه من الأدوات ~~- بل يعمد ببساطة إلى محاكاة البيوت الأخرى - أن يصبح مهندسا جيدا، كذلك يصعب على من ~~يشرع القوانين للمجتمع أو يباشر العمل السياسي (في الدولة) بمجرد النظر إلى الأعمال ~~الأخرى أو المجتمعات الأخرى ومحاكاتها - كمجتمعات الإسبرطيين والكريتيين - (يصعب عليه) ~~أن يصبح مشرعا جيدا أو رجلا ممتازا؛ # 119 # ذلك لأن محاكاة شيء غير جميل لا يمكن أن تكون جميلة، ولا يمكن أن ms28 تصبح ~~محاكاة شيء هو بطبيعته غير إلهي ولا دائم خالدة أو دائمة. إن الفيلسوف وحده من بين ~~العاملين جميعا هو الذي يتصف بثبات قوانينه ونبلها؛ (ب50) ذلك لأنه هو الوحيد الذي ~~يحيا وبصره مثبت على الطبيعة وعلى «كل ما هو» إلهي، إنه يشبه الملاح الجيد الذي يرسي ~~«سفينة» حياته عند ما هو أبدي ودائم، وهناك يلقي مرساته ويحيا سيد نفسه. (ب51) إن ~~هذه المعرفة في ذاتها معرفة نظرية، ولكنها تسمح لنا بتصريف جميع أعمالنا وفقا لها، ~~وكما أن «قوة» الإبصار لا تخلق شيئا أو توجد شيئا؛ لأن مهمتها الوحيدة هي تمييز كل ~~شيء من الأشياء المرئية على حدة وتوضيحه، وإن كانت تمكننا من عمل كل شيء وتساعدنا عند ~~العمل أكبر مساعدة (إذ لولاها لأصبحنا عاجزين كل العجز عن الحركة)؛ فإن من الواضح أيضا ~~أننا نستطيع عن طريق هذه المعرفة، على الرغم من أنها نظرية، تحقيق حد لا يحصى من ~~الأعمال، كما نستعين بها في تقرير الأخذ بشيء أو تجنب شيء آخر، وعلى الجملة فنحن نكتسب ~~عن طريق هذه المعرفة كل ما هو خير. ~~(ب52) من شاء أن يضطلع بمهمة فحص ما قلناه، فيجب عليه أن يتبين بوضوح أن كل ما هو ~~خير للإنسان ونافع للحياة يكمن في الفعل والممارسة لا في مجرد المعرفة بالخير؛ فنحن لا ~~نبقى أصحاء عن طريق معرفتنا بالأشياء التي تفيد صحتنا، بل عن طريق تزويد الجسم بها، ولا ~~نكون أثرياء عن طريق المعرفة «بماهية» الثروة، بل عن طريق اكتساب ثروة كبيرة، والأهم من ~~هذا كله أننا لا نحيا حياة جميلة ونبيلة من خلال معرفتنا ببعض «الحقائق» عن الموجود، بل ~~من خلال عملنا الخير؛ # 120 # لأن هذه هي الحياة السعيدة بحق. يلزم عن هذا أن الفلسفة بدورها - إذا صح ما ~~نقوله من أنها نافعة - إما أن تكون ممارسة للأفعال الطيبة، أو أن تكون مفيدة # 121 # في القيام بمثل هذه الأفعال. (ب53) وهكذا ينبغي على الإنسان أن لا يهرب من ~~الفلسفة، إن كانت # 122 ~~- كما أعتقد - هي اكتساب ms29 الحكمة وتطبيقها وكانت الحكمة نفسها من أعظم ~~الخيرات، وإذا كان الإنسان يجشم نفسه عناء السفر إلى أعمدة هرقل ويعرضها للأخطار ~~الكثيرة في سبيل المال، فلماذا لا يشق على نفسه ويتكلف الجهد في سبيل الفلسفة؟ # 123 # الواقع أن من طبع الرجل العادي أن يسعى إلى الحياة لا إلى الحياة الخيرة، ~~وأن يتبع آراء الجمهور بدلا من أن ينتظر منهم الاستجابة لرأيه، وأن يبحث عن المال ولا ~~يكترث على الإطلاق بما هو نبيل. (ب54) يبدو لي الآن أنه قد تمت البرهنة على فائدة ~~الموضوع وأهميته برهنة كافية، أما أن «تحصيل المعرفة الفلسفية» أسهل بكثير من تحصيل ~~أي خير آخر، فذلك أمر يمكن الاقتناع «بصحته» مما يأتي: (ب55) إن أولئك الذين يهبون ~~حياتهم للفلسفة لا يتلقون من الناس أجرا يمكن أن يحفزهم على مثل هذا الجهد، ومهما ~~يبلغ الجهد الذي بذلوه في «تحصيل» مهارات أخرى # 124 # فإنهم يتمكنون في وقت قصير من إحراز تقدم سريع نحو المعرفة الدقيقة، وهذا ~~في رأيي دليل على سهولة تحصيل المعرفة الفلسفية. (ب56) وثمة حجة أخرى «تقول» إن ~~جميع الناس يأنسون للفلسفة ويريدون عن طيب خاطر أن يتفرغوا لها ويتركوا كل ما عداها، ~~وهذا أيضا دليل لا يستهان به على أن الاشتغال بها متعة، ولو كانت مجرد جهد وعناء لما ~~فكر أحد في أن يشقي نفسه بها وقتا طويلا، # 125 # أضف إلى هذا أن النشاط الفلسفي ميزة كبيرة عن كل ما عداه من ألوان النشاط ~~فلا يحتاج المرء في ممارسته إلى أي أدوات أو أمكنة خاصة، بل حيثما وجد على الأرض إنسان ~~يهتم «بأن ينصرف» إلى التفكير، فقد وجدت لديه كذلك القدرة على الإمساك # 126 # بالحقيقة كأنها حاضرة (بين يديه). (ب57) هكذا نكون قد أثبتنا أن في الإمكان ~~أن يهب الإنسان حياته للفلسفة وأنها أعظم الخيرات جميعا، وأن من السهل تحصيلها ~~واكتسابها ولهذه الأسباب تستحق الإقبال عليها بهمة وحماس. ~~(ب58) نأتي الآن إلى السؤال عن المهمة الحقيقية للمعرفة الفلسفية، وعن السبب الذي ~~يجعلنا نسعى إليها، وهذا ما أريد ms30 الآن أن أشرحه من وجهة نظر جديدة. (ب59) نحن البشر ~~نتألف من نفس وجسم، جزء منها يسيطر والجزء الآخر يسيطر عليه، # 127 # أحدهما يستخدم والآخر يوجد وجود الأداة وتطبيق الجزء الذي تتم السيطرة ~~عليه، أي الأداة، يكون دائما على علاقة محددة بالجزء الذي يقوم بالسيطرة والاستخدام. ~~(ب60) في النفس يوجد العقل من ناحية، وهو الذي يسيطر ويسود بحكم طبيعته ويقرر شئوننا، # 128 # كما يوجد من ناحية أخرى ذلك الذي يخضع (ويطيع) ويقبل السيطرة عليه، ويكون ~~كل شيء في حالة طيبة عندما يحقق كل جزء من أجزاء النفس الفضيلة # 129 # التي يختص بها بطبعه، وبلوغ هذه الغاية هو الخير. (ب61) ويسود النظام ~~الكامل قبل كل شيء عندما «يتمكن» أفضل جزئي النفس وأكثرهما وأجدرهما بالشرف # 130 # من تحقيق فضيلته، وكلما كان الشيء بحكم طبيعته أكثر امتيازا وتفوقا تميزت ~~فضيلته الملائمة لطبيعته وازداد تفوقها. وتزداد قيمة الشيء عندما يكون بحسب طبيعته ~~متفوقا في سيادته وقيادته، كما هي حال الإنسان مثلا بالقياس إلى الحيوانات، كذلك تزيد ~~النفس في قيمتها على الجسد (لأنها أعلى منه درجة في السيادة والسيطرة)، وفي داخل النفس ~~يكون الأعلى هو الذي يملك الفعل وملكة التفكير. # 131 # ومن هذا النوع ذلك الذي يأمر وينهى ويخبر بما ينبغي عمله أو تجنبه. (ب62) ~~وأيا ما كانت فضيلة هذا الجزء من أجزاء النفس، فلا بد أن يكون الأجدر بالاختيار ~~بالنسبة للجميع على وجه الإجمال وبالنسبة لنا، إذ يصح، فيما أرى، أن نقول: إن هذا ~~الجزء، سواء وحده أو بالدرجة الأولى، هو ذاتنا الحقيقية. (ب63) وفضلا عن هذا لا يصح ~~أن نصف عملا بأنه خير # 132 # إذا حقق شيء (من الأشياء) مهمته # 133 # الملائمة لطبيعته على أحسن صورة ممكنة (بحيث لا يتم ذلك بطريقة عرضية، بل ~~من حيث هو في ذاته). # 134 # والفضيلة التي تمكن الشيء من إنجاز هذا هي التي نصفها بأنها أسمى فضائله، ~~«كما نعتبرها» فضيلته الحقة. ~~(ب64) إن الشيء المركب (من أجزاء) والقابل للتجزئة له أنواع من الفاعلية متعددة ~~ومختلفة، أما ما ms31 يكون بسيطا بحكم طبيعته ولا يمكن وجوده في مجرد علاقته بشيء آخر فيلزم ~~بالضرورة أن تكون له فضيلة واحدة تميز ماهيته. (ب65) ولما كان الإنسان # 135 # كائنا حيا بسيطا وكانت تحدد طبيعته # 136 # بالفكر والعقل # 137 # فليست له سوى مهمة واحدة هي بلوغ الحقيقة المتناهية في الدقة، أي المعرفة ~~الحقة بالموجودات. أما إذا كانت له قدرات عديدة تميزه، فإن أقيم فعل «تحققه» هذه ~~القدرات هو الذي يساعده على تحقيق أعظم فعل ممكن؛ فالصحة مثلا هي فعل الطبيب، والسفر ~~المأمون هو فعل ربان السفينة، ولا يسعني أن أصف أقيم أفعال الفكر أو الجزء المفكر من ~~النفس إلا أنه البحث عن الحقيقة. والحقيقة هي أسمى فعل يقوم به هذا الجزء من النفس، ~~(ب66) هذا الفعل يحققه الجزء المفكر عن طريق تحصيل العلم، بحيث يكون تحققه على أفضل وجه ~~كلما ازدادت قيمة العلم، وإن أسمى غاية للعلم لهي المعرفة الفلسفية؛ # 138 # لأنه إذا وجد شيئان وكان أحدهما جديرا بالاختيار بسبب الآخر، فإن الأقيم ~~والأجدر بالاختيار هو الذي بسببه وقع الاختيار على الآخر، على نحو ما يكون الأمر مع ~~اللذة بالنسبة لما ينتج اللذة مع الصحة بالقياس إلى ما يسبب الصحة؛ إذ إننا نقول إن ذلك ~~قد نتج عن هذا. (ب67) وليس ثمة شيء أجدر بالاختيار من البصيرة الفلسفية # 139 # التي نصفها بأنها هي قدرة أسمى وظائفنا النفسية؛ # 140 # وذلك إذا قارنا بين وظائف النفس المختلفة، لأن الجزء العارف من النفس هو ~~بذاته وحده أو بالاتحاد مع الأجزاء الأخرى أكثر قيمة من بقية النفس مجتمعة، وفضيلته هي ~~العلم؛ (ب68) ولهذا لم تكن أية فضيلة من الفضائل التي يتكلم عنها الناس بوجه عام # 141 # من فعل البصيرة الفلسفية؛ لأنها أسمى منها جميعا. # 142 # فالغاية التي يتم بلوغها تكون دائما أعلى شأنا من العلم الذي نبلغها عن ~~طريقه. ومع ذلك فليست كل فضيلة «من فضائل» النفس نتيجة مترتبة على البصيرة الفلسفية، ~~ولا كذلك الحياة السعيدة؛ إذ لو كانت البصيرة الفلسفية # 143 # فاعلة لأنتجت شيئا آخر مختلفا ms32 عنها هي نفسها، على نحو ما ينتج فن البناء ~~بيتا دون أن يكون هو نفسه جزءا من البيت. # 144 # أما البصيرة الفلسفية فهي على العكس من ذلك جزء من فضيلة «النفس» ومن ~~الحياة السعيدة؛ لأنني أزعم أن الحياة السعيدة إما أن تنشأ عنها أو أنها (أي البصيرة ~~الفلسفية) هي نفسها الحياة السعيدة. # 145 ~~(ب69) على أساس هذه الحجة # 146 # يستحيل على البصيرة الفلسفية أن تكون علما منتجا؛ إذ يتحتم أن تسمو ~~الغاية على الطريق المؤدي إليها، ولكن ليس هناك ما هو أسمى من الحياة الفلسفية، إلا أن ~~يكون أحد الأشياء التي ذكرناها قبل قليل (أي فضيلة النفس والحياة السعيدة)، وليس ~~فعلهما شيئا آخر غير الحياة الفلسفية. # 147 # وإذن فلا بد من التمسك بأن العلم الذي نتكلم عنه علم نظري؛ لأن من ~~المستحيل أن تكون الغاية منه إنتاجا (أو إنجازا عمليا). (ب70) هكذا تكون المعرفة ~~والنظر الفلسفي # 148 # هما المهمتان الحقيقيتان للنفس، إنهما لأجدر الأشياء جميعا باختيارنا نحن ~~البشر، حتى يمكن - في رأيي - أن نقارنهما بقوة الإبصار التي تظل خليقة بالتقدير ولو لم ~~ينتج عنها إلا الإبصار نفسه. (ب71) يمكننا أن نثبت هذا على النحو التالي: # 149 # إذا اتفق لأحد أن يحب شيئا بسبب شيء آخر يكون بمثابة صفة مضافة إليه، فمن ~~الواضح أنه سيزداد حبا لذلك الشيء الذي تتوافر فيه هذه الصفة بدرجة أعلى، فلو أحب ~~إنسان التنزه # 150 ~~- على سبيل المثال - لأنه صحي، فسوف يؤثر العدو عليه إذا تبين له أنه ~~أصح منه # 151 # وكان هو نفسه قادرا عليه، بل لقد كان من المحتمل أن يؤثره لو عرف ذلك من ~~قبل. «وثمة حجة أخرى» فعندما يكون الرأي الصادق # 152 # شبيها بالمعرفة العلمية (إذ إننا نقر بقيمة الرأي الصادق بقدر ما يكون ~~مضمون الحقيقة الذي ينطوي عليه شبيها بالمعرفة العلمية)، وعندما يتعلق مضمون الحقيقة ~~هذا بوجه خاص بالمعرفة العلمية، # 153 # عندئذ تصبح المعرفة أجدر بالاختيار من الرأي الصادق. (ب72) وإذا كنا نحب ~~قوة الإبصار لذاتها، فإن هذا دليل كاف على ms33 أن الناس جميعا يحبون التفكير والمعرفة ~~إلى أقصى حد ممكن؛ # 154 ~~(ب73) ذلك لأنهم يحبون الحياة كما يحبون معها التفكير والمعرفة، وليست ~~الحياة (في نظرهم) جديرة بالتكريم إلا بسبب الإدراك الحسي وبالأخص «بسبب» الإبصار، ~~والظاهر أنهم يقدرون هذه الملكة فوق كل حد لأنها في علاقتها بسائر الإدراكات الحسية ~~تكاد أن تكون نوعا من المعرفة، # 155 ~~(ب74) بيد أن الحياة تفترق عن عدم الحياة عن طريق الإدراك. # 156 # ونحن نحدد الحياة «بوجود» الإدراك والقدرة، فإذا انتزعت هذه القدرة لم ~~تعد الحياة تستحق العيش، ويبدو الأمر في هذه الحالة وكأن الحياة - ومعها الإدراك - ~~قد قضي عليها. (ب75) وتتميز قوة # 157 # الإبصار عن سائر أعضاء الحس؛ لأنها أشدها حدة؛ ولهذا أيضا نقدرها تقديرا ~~يفوق «كل ما عداها». إن كل إدراك هو القدرة على معرفة شيء عن طريق الجسم، كما يدرك ~~السمع الأنغام عن طريق الأذنين؛ (ب76) فإذا كانت الحياة جديرة بالاختيار بسبب الإدراك، ~~وكان الإدراك نوعا من المعرفة، وإذا كنا نفضل الحياة لأن النفس تستطيع أن تتوصل ~~إلى المعرفة عن طريق الإدراك، (ب77) ثم إذا كان الأحق بالاختيار بين شيئين هو دائما - ~~كما قلت منذ قليل - ذلك (الشيء) الذي يتصف بنفس الصفة (المرغوبة). «إذا صح ما سبق» لزم ~~أن يكون الإبصار أجدر الإدراكات الحسية # 158 # بالاختيار وأشرفها جميعا، وأن تكون المعرفة الفلسفية أولى بالاختيار من ~~هذه الحاسة ومن سائر الإدراكات الحسية، (بل) ومن الحياة نفسها؛ لأنها (أي المعرفة ~~الفلسفية) هي سيدة الحقيقة، وهذا هو السبب «الذي يدفع» الناس جميعا على السعي إلى ~~المعرفة وتفضيلها على أي شيء آخر. ~~(ب78) أما أن أولئك الذين يختارون الحياة العقلية # 159 # قادرون على أن يعيشوا أهنأ حياة ممكنة، فذلك ما سيتضح مما يأتي بعد. (ب79) ~~يبدو أن من الممكن الكلام عن الحياة بمعنيين؛ «فنحن نتكلم عنها» من جهة القوة كما نتكلم ~~عنها من جهة الفعل، ونحن نصف جميع الكائنات الحية التي لها أعين وولدت قادرة على ~~الإبصار بأنها (كائنات) مبصرة، سواء أغمضت عيونها عرضا أو استخدمت قدرتها ms34 على الرؤية ~~وأبصرت شيئا، ويصدق الشيء نفسه على العلم والمعرفة، فنصف أحدهما بأنه الاستخدام والنظر الفعلي # 160 # ونصف الآخر بأنه امتلاك المقدرة والحصول على العلم. (ب80) إذا كنا نميز ~~الحياة من عدم الحياة على أساس امتلاك القدرة على الإدراك الحسي أو عدم امتلاكها، وكنا ~~نتكلم عن الإدراك بمعنيين؛ بالمعنى اللغوي المعتاد من الاستخدام الفعلي للإدراك، وكذلك ~~بمعنى إمكان الإدراك # 161 ~~(ويبدو أن هذا هو السبب في قولنا أن النائم أيضا يدرك)؛ فقد تبين من هذا ~~أننا نتكلم عن الحياة كذلك بمعنيين؛ فنحن نقول عن المستيقظ إنه يحيا بالمعنى الحقيقي ~~والكامل للحياة، ونقول عن النائم إنه حي لأنه يملك القوة على الانتقال إلى النشاط الفعلي # 162 # الذي يعد علامة على اليقظة وعلى الإدراك الفعلي للأشياء؛ على هذا الأساس ~~وبالنظر إلى هذه التفرقة (بين القوة والفعل) يحق لنا أن نقول إن النائم حي. (ب81) وما ~~دمنا إذن نستخدم نفس الكلمة بمعنيين، هما الفعل من ناحية والانفعال من ناحية أخرى، # 163 # فسوف نقول: إن الأول يعبر عن المعنى الحقيقي للكلمة أوفى تعبير، # 164 ~~«فيعرف» على سبيل المثال تعني أن امرءا يستخدم معرفته أو يمتلكها، «ويرى» ~~تعني أنه يبصر شيئا أو أنه يملك القدرة على الإبصار، وفي الحالين يعبر المعنى الأول عن ~~قيمة أعلى؛ (ب82) فعندما نكون بصدد أشياء تنطبق عليها نفس الكلمة المنطوقة، لا نتكلم عن ~~«الأعلى» بمعنى «الأكثر» فقط، وإنما نتكلم عنه كذلك بمعنى الأولى والأسبق (من الناحية المنطقية). # 165 # وهكذا نقول على سبيل المثال إن الصحة خير أعلى درجة مما يسبب الصحة، وأن ~~«الشيء» الذي يكون بحكم طبيعته وفي ذاته جديرا بالاختيار هو خير يفوق ذلك «الشيء» الذي ~~ينتج خيرا، بيد أننا نلاحظ أن نفس الكلمة «الخير» تقال على الاثنين معا، وإن كانت ~~لا تقال بنفس المعنى؛ لأننا نطلق صفة الخير على الأشياء النافعة كما نطلقها على ~~الفضيلة؛ (ب83) ولهذا يجوز لنا أن نقول إن المستيقظ يحيا حياة أعلى درجة من «حياة» ~~النائم، وأن الفاعل بنفسه # 166 ~~«يحيا كذلك حياة » أعلى ms35 درجة ممن يمتلك النفس فحسب. ولو وضعنا الأولوية ~~المنطقية نصب أعيننا لأمكننا أن نقول إن الأخير يحيا لأن الأول حي؛ ذلك أنه في حال ~~تسمح له بأن يعيش حياة الفعل أو الانفعال. # 167 ~~(ب84) إن الفاعلية تعني في كل الأحوال ما يلي: إذا توفرت لأحد الناس القدرة ~~على القيام بفعل ومارسه في الواقع، «فإننا نقول عنه إنه فاعل»، وإذا كان يمتلك عددا من ~~القدرات، قلنا إنه فاعل لو قام بممارسة أفضل هذه القدرات وأكبرها قيمة، كأن يقوم عازف ~~الناي مثلا بالعزف على ناي مزدوج، فإذا كان يعزف الناي فهو إما أن يكون فاعلا على وجه ~~الجملة أو فاعلا على درجة عالية (أي يعزف عزفا جميلا)، وكذلك يكون الأمر في حالات ~~أخرى (عندما نستخدم كلمة فاعل). يلزم إذن أن نقول إن من يفعل «الفعل» على وجهه الصحيح ~~إنما يبلغ في فعله أعلى درجة؛ ذلك أن الذي يقوم بممارسة فعل من الأفعال بصورة جميلة ~~ودقيقة إنما يضع هدفا (وهو الخير) نصب عينيه ويؤدي عمله بطريقة طبيعية (أي يفعل ما ~~أملته عليه الطبيعة). (ب85) إن فاعلية النفس، كما سبق أن قلت، تقوم - بصورة تامة أو على ~~نحو التفضيل - على التفكير والتأمل العقلي؛ ولهذا يسهل علينا أن نرى، كما يسهل على كل ~~إنسان أن يستنتج أن الذي يفكر تفكيرا صحيحا يحيا أقيم حياة، وأن الذي يبذل أقصى جهده ~~من أجل الحقيقة هو الذي يتفرد من دون الناس بأفضل حياة ممكنة. # 168 # وهذا ما يفعله الإنسان الذي يفكر ويتفلسف على أساس العلم المتناهي في الدقة، # 169 # وتتوفر الحياة الكاملة لأولئك الذين يمتلكون المعرفة الفلسفية عندما ~~يتفلسفون. (ب86) ولما كانت الحياة عند كل كائن حي مساوية للوجود، فمن الواضح أن الفيلسوف # 170 # من دون الناس جميعا هو الذي يبلغ أقصى درجات الوجود بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، # 171 # وخصوصا عندما يمارس أفعاله ممارسة فلسفية ويوجه فكره إلى أقرب الموجودات ~~إلى المعرفة. # 172 ~~(ب87) أضف إلى هذا أن الفاعلية الكاملة التي لا يعوقها عائق تنطوي في ذاتها على ms36 ~~الفرح؛ ولهذا كانت الفاعلية الفلسفية # 173 # أكثر الأفعال بعثا على الفرح، (ب88) بيد أن الفرح تتفاوت علاقته ~~بالفاعلية؛ فالشرب بفرح والإقبال على الشرب بفرح ليس نفس الشيء؛ # 174 # إذ لا شيء يمنع من أن يشرب إنسان دون أن يشعر بالعطش، فيتناول شرابا لا ~~يوفر له متعة، «ولا شيء يمنع» أن يحس مع ذلك بالفرح لا بتناول الشراب بل لأنه يتفق له ~~«عرضا»، أثناء جلوسه في مكان ما، أن يتأمل شيئا أو يكون هو نفسه موضع التأمل، سوف ~~نقول عنه (في هذه الحالة) إنه يشعر بالفرح ويشرب بفرح، ولكن فرحه لا يأتي من الشراب، ~~كما أنه لا يفرح بالشرب، وبنفس الطريقة نصف كذلك المشي، والجلوس والتعلم وكل نوع «من ~~أنواع» الحركة بأنه مفرح أو مؤلم، لا لأننا نشعر عرضا بالفرح أو الألم أثناء قيامنا ~~بهذا الفعل، بل لأننا جميعا نحس عن طريق هذا الفعل نفسه بالفرح أو الألم، (ب89) وكذلك ~~نطلق صفة الفرح على تلك الحياة المفرحة التي يكون حضورها مفرحا بالنسبة لمن يعيشونها، ~~ولا نتكلم عن حياة مفرحة بالنسبة لمن يكون فرحهم بالحياة متعلقا بشيء ما، بل بالنسبة ~~للذين تكون الحياة نفسها مصدر فرحتهم والذين يسعدون بالحياة ذاتها. (ب90) وبالنظر إلى ~~هذه الاعتبارات نقول إن حياة المستيقظ أعلى درجة من حياة النائم وأن العاقل يحيا حياة ~~أعلى درجة من الخالي من العقل، كما نزعم أن الفرح بالحياة يأتي من استخدام الإنسان ~~للنفس؛ ففاعلية النفس هي الحياة الحقة. (ب91) يمكن أن تكون فاعلية النفس على أنحاء ~~مختلفة، ولكن أهمها جميعا هو أن يفكر «الإنسان» أعمق تفكير ممكن؛ فمن الثابت إذن أن ~~الفرح الذي يصدر عن التفكير الفلسفي هو وحده - أو هو على وجه التفضيل - الفرح بالحياة، ~~وهكذا تكون الحياة في فرح، «ويكون» الإحساس الحقيقي بالفرح أمرا يختص به الفلاسفة ~~وحدهم أو يتعلق بهم على وجه التفضيل؛ ذلك أن فاعلية أصدق أفكارنا التي تتغذى على أسمى ~~مبادئ الموجود وتصر دائما على الاحتفاظ بالكمال الملازم لها، هذه الفاعلية هي التي ~~تتفوق على كل ms37 ما عداها من ألوان الفاعلية في خلق الفرح بالحياة؛ (ب92) ولهذا ينبغي على ~~العقلاء أن يتفلسفوا لكي يستمتعوا بالأفراح الحقيقية الطيبة. # 175 ~~(ب93) «هل الحياة العقلية تجعل الإنسان سعيدا؟» يمكننا أن نصل إلى نفس النتيجة، لا ~~عن طريق النظر في الجزئيات التي تقوم عليها الحياة السعيدة فحسب، بل كذلك عن طريق تعمق ~~المشكلة وتأمل السعادة # 176 # من حيث هي كل، فلنؤكد بوضوح أنه كما تكون علاقة الحياة العقلية # 177 # بالسعادة، كذلك تكون علاقتها بنا تبعا لما طبعنا عليه من رفعة أو ضعة؛ # 178 # ذلك أن جميع الناس يجدون أن الشيء الجدير بالاختيار هو الذي يؤدي إلى ~~السعادة أو الذي يكون نتيجة مترتبة عليها، أضف إلى هذا أن الأشياء التي تجعلنا سعداء ~~يكون بعضها ضروريا وبعضها الآخر مفرحا. (ب94) إننا نعرف السعادة إما بأنها ملكة عقلية # 179 # ونوع من الحكمة، أو بأنها فضيلة «أخلاقية»، أو أعظم قدر ممكن من الفرح، أو ~~بأنها تعني كل هذه الأمور مجتمعة. (ب95) إذا كانت السعادة هي القدرة على التفكير فمن ~~الواضح أن الحياة السعيدة ستكون من نصيب الفلاسفة وحدهم، وإذا كانت هي فضيلة النفس أو ~~هي الحياة الغنية بالفرح، فستكون أيضا من نصيب هؤلاء، سواء اقتصرت عليهم وحدهم أو ~~كانوا أحق بها من الجميع، لكن الفضيلة هي المسيطرة على دخيلتنا، # 180 # وإذا شئنا أن نقارن شيئا بغيره كانت ملكة التفكير هي أقدر «الأشياء ~~جميعا» على بعث الفرح والسرور، وحتى لو زعم أحد أن كل هذه الأمور تجلب السعادة (في ~~الحياة)، لوجب تعريفها (أي السعادة) بأنها هي القدرة على التفكير؛ # 181 ~~(ب96) لهذا يجب التفلسف على كل القادرين عليه؛ لأنه إما أن يكون هو الحياة ~~الكاملة نفسها، أو هو - إن شئنا أن نذكر حالة واحدة - أنجح الوسائل التي تقود النفس إليها. # 182 ~~(ب97) لعل من المناسب الآن أن نسلط الضوء على موضوعنا بذكر بعض الآراء المعترف بها ~~بوجه عام. (ب98) من الأمور الواضحة للجميع أنه ما من إنسان يمكن أن يختار حياة قد تكون ~~مزودة بأعظم ms38 قدر من الثروة والغنى، بينما يكون هو نفسه محروما من القدرة على التفكير ~~ومصابا بالجنون، وهو لن يقدم أيضا على ذلك لو أتيح له أن يتمتع بأروع اللذات في الوقت ~~الذي يعيش فيه كما يعيش بعض المجانين، ولا مراء في أن الناس تفر من البلاهة # 183 # أكثر مما تفر من أي شيء آخر، ويبدو أن البلاهة مضادة للقدرة على التفكير، ~~والمرء يتجنب أحد هذين الضدين ويختار الآخر؛ (ب99) ذلك أننا حين نتحاشى المرض فإنما ~~نفعل ذلك لأننا نؤثر عليه الصحة، وعلى أساس هذه الحجة يبدو أيضا أن القدرة على ~~التفكير هي أقدر الأشياء جميعا بالاختيار، «مع العلم بأن هذا الاختيار» لا يرجع في ~~الواقع إلى أي نتيجة مترتبة عليها، # 184 ~~(وهذا أمر تؤيده شهادة الرأي العام)، # 185 # فحتى لو امتلك امرؤ كل شيء، وظل مع ذلك مريضا في نفسه المفكرة مرضا لا ~~شفاء منه، فسوف تكون الحياة بالنسبة إليه شيئا غير جدير بالاختيار؛ لأن سائر مزاياه لن ~~تغني كذلك عنه شيئا، (ب100) من أجل هذا يرى جميع الناس - بقدر ما يتصلون بالفلسفة ~~وتواتيهم القدرة على تذوق شيء منها - أن بقية الأشياء «تعد بجانبها» عديمة القيمة، ~~ولهذا السبب لن يحتمل أحد منا أن يبقى حتى نهاية حياته في حال السكر أو في حالة الطفولة؛ # 186 ~~(ب101) ولهذا السبب نفسه قد يكون النوم في الواقع ممتعا غاية الإمتاع، غير ~~أنه لا يمكن أبدا أن يفضل «على اليقظة»، ~~حتى ولو سلمنا بأن النائم يتنعم بكل اللذات # 187 # الممكنة؛ ذلك أن التصورات # 188 ~~«التي ترد» في النوم كاذبة، أما تصورات اليقظة، فهي على العكس من ذلك ~~صادقة. والحق أن النوم واليقظة لا يختلفان إلا في أن النفس غالبا ما تعرف الحقيقة وهي ~~في «حال» اليقظة، أما في النوم فهي تخدع على الدوام؛ لأن جميع الأحلام إنما هي صور وأوهام. # 189 ~~(ب102) وكذلك فإن كون الرجل العادي # 190 # يهاب الموت تدليلا على رغبة النفس في التعلم والمعرفة، إنها تهرب مما لا ~~تعرفه، من الغامض والمجهول، ms39 وتسعى بطبعها إلى الواضح # 191 # والمعروف؛ ولهذا السبب قبل كل شيء نقول إن أولئك الذين ندين لهم برؤية ~~الشمس والنور هم أجدر الناس منا بالتكريم، وأن علينا أن نشعر نحو الأب والأم بالخشوع ~~(والإجلال)؛ لأنهما السبب «فيما ننعم به» من أعظم الخيرات، إنهما - كما يبدو لي - على ~~معرفتنا بالشيء ورؤيته. ولهذا السبب نفسه نسعد بالموضوعات التي اعتدنا عليها وبالناس ~~الذين ألفناهم ونصف هؤلاء الناس الذي نعرفهم بأنهم أصدقاء. # 192 # كل هذا يبين بجلاء أننا نحب المعروف والمرئي والواضح، وإذا كنا نحب ~~المعروف والواضح، فنحن بالمثل نحب المعرفة والتفكير. (ب103) وكما أن الأمر من وجهة نظر ~~التملك «يقتضي» أن لا تكون الأشياء التي يحصل عليها الناس لمجرد العيش هي نفس الأشياء ~~التي يحصلون عليها ليعيشوا سعداء، فكذلك الأمر بالنسبة لملكة التفكير. إن التفكير الذي ~~نحتاج إليه لمجرد الحياة ليس - في رأيي - هو نفس التفكير الذي نحتاج إليه للحياة الكاملة، # 193 # ولا بد أن نلتمس العذر للرجل العادي إذا قصر جهده على الجانب الأول. صحيح ~~أنه يصلي من أجل «الحصول على» السعادة «في الحياة»، ولكنه يشعر بالابتهاج إذا تمكن من ~~مجرد العيش. وإذا وجد إنسان يرفض أن يرضى بالحياة بأي ثمن، فإن من المضحك حقا أن لا ~~يتحمل كل جهد ويشق على نفسه بكل وسيلة لكي يحصل على ملكة التفكير التي تمكنه من معرفة ~~الحقيقة، (ب104) وفي وسعنا أن نعرف نفس الشيء مما سيأتي بعد إذا استطعنا أن ننظر إلى ~~الحياة البشرية نظرة خالصة، عندئذ سنكتشف أن جميع تلك الأشياء التي تبدو للناس عظيمة ~~ليست سوى لعب بالظلال؛ ولهذا يقال أيضا بحق أن الإنسان عدم، # 194 # وألا شيء يخص الإنسان له ثبات (أو دوام)؛ فالقوة والعظمة والجمال أشياء ~~مضحكة ولا قيمة لها، وهي لا تبدو لنا على هذه الصورة # 195 # إلا لعجزنا عن رؤية أي شيء رؤية دقيقة. ~~(ب105) ولو استطاع أحد أن يبلغ من حدة البصر مبلغ لينكويس # 196 ~~- الذي يروى عنه أنه كان ينفذ ببصره خلال الجدران والأشجار - فهل كان ms40 في ~~مقدوره أن يحتمل رؤية رجل «مثل ألكيباديس المحتفى به» # 197 # إذا رأى معه كل البؤس الذي ركب منه؟ إن الشرف والشهرة، # 198 # اللذين اعتاد الناس على السعي وراءهما أكثر من ~~أي شيء آخر، يطفحان (في الواقع) بحمق لا ~~يوصف؛ لأن من رأى شيئا من الأمور الأبدية سيجد من السذاجة أن يبذل جهدا في سبيل هذه ~~الأشياء، وأي شأن من شئون الإنسان دائم أو طويل العمر؟ إن ضعفنا وقصر حياتنا هما - في ~~رأيي - اللذان يجعلان هذا الشيء يبدو لنا عظيما، (ب106) لو أخذنا هذا في الاعتبار فمن ~~ذا الذي يملك أن يزعم بأنه سعيد ومبارك؟ من منا نحن الذين نشأنا سواء بحكم الطبيعة منذ ~~البداية (كما يقال عندما يسمح لأحد الناس بالانتماء إلى عبادة الأسرار) وكأن علينا أن ~~نكفر عن ذنب جنيناه؟ # 199 # ألا إنها لحكمة إلهية من القدماء عندما قالوا إن على النفس أن تقدم ~~الكفارة، وإن حياتنا عقاب لنا على ذنوب كبيرة ارتكبناها. (ب107) وإن الصورة التالية ~~لتوضح في رأيي ارتباط النفس بالجسم توضيحا تاما؛ فكما يروى عن الثوريين من أنهم ~~كثيرا ما كانوا يلجئون إلى تعذيب المساجين بربط الأحياء (منهم) بجثث الموتى بحيث ~~يجعلون الوجه في مواجهة الوجه ويقيدون العضو بالعضو، فكذلك يبدو أن النفس منتشرة في ~~الجسد وملتصقة بكل أعضائه الحاسة، # 200 ~~(ب108) وإذن فليس عند البشر ما هو إلهي أو مبارك سوى هذا الشيء الواحد ~~الذي يستحق وحده أن يبذلوا الجهد «من أجله»، وأقصد به ما يوجد فينا من العقل وملكة ~~التفكير، ويبدو أنه وحده الخالد، وهو وحده الإلهي من كل ما ينطوي عليه كياننا. # 201 ~~(ب109) وإن حياتنا، على الرغم من أنها بطبيعتها شقية ومضنية قد نظمت بفضل ~~قدرتنا على المشاركة في هذه الملكة - تنظيما بلغ من الروعة حدا يجعل الإنسان يبدو ~~إلهيا بالقياس إلى سائر الكائنات الحية؛ (ب110) ذلك أن الشعراء يقولون بحق: «إن العقل ~~هو الإله «الكامن» فينا، # 202 # كما يقولون إن حياة الإنسان (الغائية) تنطوي على جزء من الإله.» هكذا ينبغي ms41 ~~على الإنسان إما أن يتفلسف أو يودع الحياة ويمضي من هنا؛ # 203 # إذ يبدو أن كل ما عدا ذلك إنما هو ثرثرة حمقاء ولغو فارغ. # | تعليقات وشروح # (ب2-5) تقوم الفكرة الأساسية في هذه الفقرات من النص على أن سمو الخلق في ظل الفقر أفضل ~~من الجاه والغنى مع الشر والانحطاط، وأن السعادة لا تتوقف على امتلاك الخيرات والمظاهر ~~الخارجية بل على الحالة النفسية الطيبة . وقد انطلق أرسطو من أفكار مشابهة وردت في محاورات ~~أوريثيديموس (278ه/282د) والدفاع (29د ه) والقوانين (661أ ب) لأفلاطون، أما في الفكرة التي ~~ترد في الفقرة (ب3) عن التعساء الذين يقدرون الثروة أكثر مما يقدرون خيرات النفس فيمكن ~~الرجوع فيها إلى جمهورية أفلاطون (7-1، 1323أ 23-35) والأخلاق الأويديمية (8-3، 1248 ~~ب27-37). ~~(ب6) يعتمد النص في هذه الفقرة على عبارة الإسكندر الأفروديسي (في شرحه لطوبيقا أرسطو)، ~~والتي يذكر فيها كلام أرسطو عن ضرورة التفلسف أو عدم ضرورته في كتابه الحالي ~~(البروتريبتيقوس)، أما العبارة المشهورة التي تحدثنا عنها في المقدمة عن ضرورة التفلسف في ~~كل الأحوال فلم ترد في هذا الكتاب بنفس الصيغة المأثورة، وإن كانت الفقرة الأخيرة منه ~~(ب110) تعبر عن معناها تعبيرا واضحا. ~~(ب7-9) يبدو أن «يامبليخوس» تدخل في هذا النص بالاختصار والتعديل الشديدين، ولعل أرسطو ~~كان يعبر في الأصل عن الأفكار التالية التي نقدمها بترتيب الفقرات: ~~(1) # نريد أن نتناول بالبحث دور الفلسفة في الحياة العملية، وخصوصا أهميتها ~~بالنسبة للسياسي أو رجل الدولة. ~~(2) # إن الجسد والأشياء المادية مجرد أدوات، وسوء استخدام هذه الأدوات مضر، وضررها ~~يصيب من يسيء استخدامها أكثر مما يصيب غيره؛ ولهذا ينبغي علينا تحصيل العلم ~~بطريقة استخدام الأدوات، وتشتد ضرورة هذا التحصيل عند السياسي لأنه أحوج الناس ~~إليه. ~~(3) # ربما يكون أرسطو قد تعرض ضمنا لتفرقة أفلاطون الحاسمة بين التفكير والإدراك ~~الحسي. فالموضوعات التي يحققها الفكر هي المثل المتعالية. ولهذا يتحرك الفكر ~~الخالص في عالم آخر هو عالم المعقولات المجردة، ومن هنا يختلف العلم عنده ~~اختلافا حاسما عن الرأي أو الظن ولا يتطابقان بحال. وإذا ms42 تتبعنا النزعة ~~الحسية عند أرسطو كما عرضها في كتاباته عن النفس وجدنا أن صور المخيلة هي التي ~~تحقق الملكة الموجودة في العقل بالقوة تحقيقا فعليا، أي أنها تتحقق في ~~العقل الذي يمكن أن يعد في هذه الحالة مرحلة راقية من ملكة التصور والتخيل. ~~بهذا يكون الفرق عنده بين العلم والرأي فرقا في الدرجة فحسب (إذ لا يحتاج ~~العلم أن يكون مختلفا عن مجرد الرأي، بشرط أن يقوم هذا الأخير على أساس متين، ~~قارن الطوبيقا 6-2، 139 ب33، والتحليلات الثانية 1-2، 72 ب3). والملاحظ على كل ~~حال في هذا الموضع وفي الكتاب كله أن أفكار أرسطو تبدأ من التجربة لتنتهي إلى ~~النظر الخالص، وذلك على العكس من أفلاطون الذي يبدأ عادة من النظر - ليصل أو ~~لا يصل - إلى عالم التجربة. # وهذا في الواقع تعبير عن التعارض الأساسي بين تفكير الرجلين ومنهجهما في البحث، أما عن ~~العبارة التي تبدأ بها هذه الفقرات من النص «لما كنا نتوجه بحديثنا إلى أناس من البشر لا ~~إلى أولئك الذين لهم حياة ذات طبيعة إلهية ... ~~إلخ» فهي تذكرنا بعبارة مشابهة لأفلاطون تقول: إن علينا أن نتكلم عن البشر لا عن الآلهة ~~(القوانين 732ه). فهل يحق لنا أن نسأل: أكان أرسطو متأثرا بأفلاطون، أم تأثر أفلاطون ~~بأرسطو؟! ~~(ب10-17) تلمس هذه الفقرات فكرة أرسطو عن «الغائية». وهي الفكرة التي تتوج مذهبه ~~وتطبعه بخاتمها. ولقد هوجمت فلسفته ولا تزال تهاجم بسبب هذه الفكرة، وأدينت ولا تزال ~~تدان بتهمة تعويق تطور العلم الطبيعي الذي لا يبحث ولا ينبغي له أن يبحث عن الغاية، وإنما ~~يدرس أسباب الظواهر وعلاقاتها ببعضها البعض ليصوغها في النهاية في صورة رياضية وإحصائية ~~تمثل قانونا عاما يحتمل التعديل. والحق أن فكرة الغائية عند أرسطو ليست فكرة تأملية ~~مجردة كما يتصور بعض الباحثين، وإنما تقوم على وقائع تجريبية وتلخص عددا من أفكاره ~~الأساسية، والعبارة التالية من «الكون والفساد» (2-10) تمثل رأيه فيها: «إن الكون والفساد ~~دورة خالدة (أزلية أبدية)، ولهذا الاستمرار سبب لا غبار عليه، وأقصد به ms43 انتظام الطبيعة ~~(قانونيتها) وأنها تسعى دائما إلى الأفضل.» وتلتقي في الغائية بعض تصوراته الرئيسية: حضور ~~العام أو «الصورة» (الأيدوس) # 1 # في حياة الطبيعة المبدعة؛ الخشوع والإجلال لدورة السماء ذات النجوم - وهي ~~الدورة التي تخضع لقوانين يستطيع العقل البشري أن يعرفها ويحسبها - الجمال الرائع الذي ~~يتجلى في كل كائن حي ناضج مزدهر، سواء أكان هذا الكائن الحي نباتا أم حيوانا أم إنسانا ~~(مصداقا لقوله في «أجزاء الحيوان»: إن الغاية النهائية التي من أجلها ينشأ شيء أو يكون قد ~~نشأ، هذه الغاية حلت محل الجميل (1-5، 645أ 25))، وأخيرا الحقيقة الثابتة التي تؤكد أنه من ~~بذرة واحدة ينشا فرد من نفس نوع الفرد الذي تولدت عنه تلك البذرة، ومن ثم يلد الإنسان ~~الإنسان، كما تقول عبارته التي يكررها في كثير من كتاباته. والغائية - شأنها شأن أغلب أفكار ~~أرسطو الرئيسية - مستلهمة عن نبع أفلاطون الجياش وإن كانت تأخذ على يديه صورة أخرى مختلفة ~~عن صورتها عند أستاذه (قارن دورة الكون والفساد بالدورة الحيوية كما ترد على لسان ديوتيما ~~في خطبتها المشهورة في محاورة المأدبة). ويعبر كلام أرسطو في الفقرة (ب14) عن نواة فكرته عن ~~الغائية، فإذا كانت الصنعة البشرية - التي تتجه بطبيعتها إلى تحقيق هدف أو غاية - تحاكي ~~الطبيعة، فلا بد أن يكون النظام الطبيعي نفسه غائيا، بل إن الفيلسوف الذي يرتفع فوق ~~العمال اليدويين وأرباب الحرف العاديين يقتبس نماذجه من تأمل «الطبيعة نفسها»، والسمو ~~والرفعة المذكوران في الفقرة (ب16) يبرزان غائية أرسطو في أوضح صورة، فالسامي هنا مرادف ~~للكامل والإلهي (انظر الأخلاق النيقوماخية 1-12). وكل ما أبدعته الطبيعة في رأيه إلهي ~~(أجزاء الحيوان 1-5، 645أ 15-20). أما الحيوانات الدنيا فهي ناقصة أو غير سامية، وربما يرد ~~أرسطو بهذا على كاتب آخر أراد أن يفسر الغاية الطيبة التي تقصد إليها الطبيعة فتصور أن كل ~~الحيوانات ضارة ومؤذية. أما العبارة الأخيرة في (ب17) «إننا نعيش لكي نفكر في شيء ونتعلم.» ~~فهي متفقة مع عبارتين أخريين وردت الأولى أثناء كلامه عن فيثاغورس وتأكيده أن الإله أوجد ms44 ~~الإنسان لكي يعرف وينظر (ب20)، وجاءت الثانية في معرض كلامه عن فاعلية النفس وأنها هي ~~التفكير والنظر. ~~(ب18-21) لا تزال هذه الفقرات من النص موضع اختلاف كبير بين العلماء؛ إذ يشك البعض في صحة ~~نسبتها إلى الكتاب الحالي، والعبارتان المنسوبتان إلى فيثاغورس وأنكساجوراس مذكورتان في ~~(الأخلاق الأويديمية 1-5، 1216أ 11)، ويلاحظ من النص أن أرسطو يصف الطبيعة بأنها إلهية ~~ويجعلها في كثير من الأحيان مرادفة للإله (انظر ب50 من النص) ومن المعروف أن إله أرسطو هو ~~المحرك الأول الذي لا يتحرك كما أن «الإلهي» يشمل الطبيعة كلها (انظر كتاب الميتافيزيقا، ~~مقالة اللام 9، 1074أ 38 ب14، وكذلك 7، 1072 ب29) وعبارته المشهورة التي يقول فيها: «إن ~~الإله والطبيعة لا يصنعان شيئا عبثا أو باطلا» (عن السماء 1-4، 271أ 33) تؤكد أن الإله ~~عنده هو الطبيعة نفسها (انظر كذلك المؤلفات المجموع تحت اسم أبقراط، وكذلك مسرحية ~~الطرواديات ليوريبيدز، البيت 886). أما ما يقوله في (ب20) عن نظام الكون أو أي طبيعة أخرى ~~فلعله يشير إلى الطرفين المتقابلين؛ دراسة الطبيعة والبحث فيها على طريقة الفلاسفة ~~الطبيعيين أو الأيونيين وعلى طريقته هو نفسه من ناحية، وتراث البحث الذي يبدأ من ناحية ~~أخرى بالإيليين ويبلغ ذروته في نظرية أفلاطون عن المثل ومبادئ الوجود. # ويرجح الأستاذ «ديرنج» سقوط أجزاء من النص كانت تقع بين الفقرتين 20، 21 وهو أمر يدعو ~~للأسف؛ لأن الفقرة الأخيرة توحي بأن أرسطو كان يمهد لفقرة لم تصل إلينا عن الصلة بين ~~التبصر الخلقي والتبصر النظري، بين استخدام العقل في التفكير لتحقيق الغاية من وجود ~~الإنسان، وواجبه أن يعمل كل شيء من أجل الخير الكامن في نفسه. ولا غرابة في أن نتوقع إضافات ~~مفقودة؛ لأن هذا الجمع بين «النظر والخير» هو أساس التراث المتصل من سقراط وأفلاطون حتى ~~أرسطو الذي تقوم عليه النزعة الإنسانية القديمة بأكملها. # ومع ذلك فالإشارة السابقة كافية لمعرفة موقف المعلم الأول الذي يتردد بوضوح في مواضع ~~أخرى من هذا الكتاب وفي الأخلاق إلى نيقوماخس، ويكفي أيضا لتعزيز هذا الموقف أن نراجع ~~العبارات التالية ms45 المتناثرة في تضاعيف الكتاب: «ويشعرون بالخجل من أن وضعهم الحاضر لا ~~يحفزهم على النهوض بما يرونه واجبا عليهم» (ب2)، «نحن جميعا نختار ما يكون في نفس الوقت ~~ميسورا ونافعا، ومن ثم يجب الاعتراف بأن الفلسفة تملك هاتين الصفتين» (ب31)، «ومن ذا ~~الذي يمكنه أن يمثل لنا المعيار الدقيق ويكون لنا بمثابة الدليل الهادي إلى الخير غير ~~الإنسان الحكيم؟ إن اختياره يتم على أساس العلم» (ب39)، «ما من شيء يمكن أن يبدو لنا خيرا ~~إن لم تتحقق الغاية منه عن طريق النشاط العقلي» (ب41) ... «وبهذه الطريقة نفسها يتحتم على ~~السياسي أن تكون لديه معايير معينة يستمدها من الطبيعة نفسها ومن الحقيقة ويستعين بها في ~~الحكم على ما هو عادل» (ب47)، «إن سلوك الفيلسوف وحده هو السلوك (أو الفعل) الصحيح» (ب49)، ~~«وعلى الجملة فنحن نكتسب عن طريق هذه المعرفة كل ما هو خير» (ب51)، «... إن كل ما هو خير ~~للإنسان ونافع للحياة إنما يكمن في الفعل والممارسة لا في مجرد المعرفة (النظرية) بالخير»، ~~«إننا لا نحيا حياة طيبة (جميلة ونبيلة) عن طريق معرفتنا ببعض الحقائق عن الموجود، بل من ~~خلال عملنا الطيب» (ب52)، أضف إلى هذا كله ما يقوله شيشرون: «لقد ولد الإنسان، كما قال ~~أرسطو، لأمرين؛ ليعقل ويعمل، وهو لهذا أشبه بإله فان.» وكل هذه النصوص تؤكد اقتران الفكر ~~بالعمل عند أرسطو، كما تؤكد ما يقوله بعض المحدثين والمعاصرين (ماركس وفيتجنشتين مثلا) من ~~أن التفلسف في صميمه فعل، مهما اختلفوا في مفهوم هذا الفعل، يبقى أن نقول إن أضعف نقطة ينفذ ~~منها الناقد إلى النظرية الغائية هي هذه: فأعلى أشكال المعرفة عند أرسطو هو معرفة الغاية ~~وال «لماذا»، ولكن ما الذي يضمن أن ينصرف المتفلسف «الذي يثبت بصره على الطبيعة نفسها» ~~ويستخدم عقله استخداما صحيحا، ما الذي يضمن أنه سينصرف إلى فعل الخير أو يفكر في القيام ~~به أو يجده إن حاول طلبه؟ ألا يقدم تاريخ العالم القديم والحديث ألف دليل ودليل على أن أبشع ~~الشرور لم تأت إلا من الذين ms46 يسمون بالعقلاء ويبلغون من «العلم» درجات ودرجات؟! ألا يزيد ~~العقل من شرور من لا يكون خيرا بطبعه؟! وكيف نفسر نحن العرب نظالم الاستعمار وفظائع ~~الصهيونية ومظاهر العدوان والتعذيب والقهر في أوطاننا وفي عالمنا المعاصر؟! ~~(ب22-30) يبدو أنه لن يمكننا أن نقطع بأن هذه الفقرات مأخوذة عن كتاب أرسطو الأصلي ~~(البروتريبتيقوس)، صحيح أنها تشير إلى بعض الأفكار التي يتناولها أرسطو بالتفصيل في مواضع ~~أخرى من الكتاب ولكنها تتضمن أفكارا ووجهات نظر أخرى لا ترد في الشذرات الباقية منه، ولعل ~~الأرجح أن تكون مقتطفة من كتاب آخر من كتب أرسطو المفقودة، ونستطيع على كل حال أن نقسم ~~نصوص هذه الفقرات إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # فالقسم الأول (من 22 إلى 24) أرسططالي بحت وإن كان يامليخوس قد غير فيه ~~تغييرات طفيفة، والعبارة الأولى في الفقرة (23) تقول: لما كان النظام (أو ~~العقل) يسود الطبيعة كلها ... إلخ، والكلمات الأصلية تفيد أن الطبيعة تملك العقل، ~~وعبارات أرسطو واستعاراته التي يتحدث فيها عن الطبيعة التي تحيا وتعمل الخير ~~وتريده ... إلخ تدل على انتظام سير الأحداث الطبيعية وخضوعها لقانون يحكمها، ~~والملاحظ في هذه الفقرة نفسها أن أرسطو لا يكاد يقدم فكرته عن اتجاه الطبيعة ~~نحو الهدف (ب23) حتى يفاجئنا بكلام جديد عن تقسيم الإنسان إلى نفس وجسد، ثم ~~تقسيم النفس إلى جزء غير عاقل وآخر عاقل يبلغ ذروته في العقل (النوس)، فهل يؤكد ~~هذا أن الناقل قد أسقط أجزاء من كتابه أو أقحم عليه أجزاء أخرى من كتاب لا ~~نعلمه؟ ~~(2) # القسم الثاني (من 24 إلى 28) يقوم على التفرقة المعروفة بين الغاية وبين ما ~~يكون وسيلة لغاية، ويؤكد أن الفعل العقلي الذي يمارس لذاته أعلى قدرا وأكبر ~~شرفا من أي فعل آخر يتوسل به لغاية غريبة عنه، وقد سبق أفلاطون إلى الفكرة ~~نفسها (انظر مثلا محاورة جورجياس 467د) كما وردت عند أرسطو لأول مرة في الجدل ~~أو الطوبيقا (2-3، 110 ب18) قبل أن تصبح حجة يلجأ إليها باستمرار. ~~(3) # والقسم الثالث (من 28 إلى 30) قد أصابه تعديل كبير على يد يامبليخوس، ولعله ms47 ~~لم ينقله عن كتاب أرسطو الضائع، بل عن مصدر آخر يرجح الأستاذ «فلاشار» أنه ~~كتاب بنفس العنوان لفرفوريوس (تلميذ أفلوطين وكاتب سيرته)؛ ولهذا نجد في النص ~~تأثيرات رواقية وأفلاطونية محدثة وفيثاغورية جديدة، ومع ذلك لا يمكننا أن ~~نجرد النص تماما من الروح الأفلاطونية والأرسطية؛ فتقسيم وظائف النفس ~~والحياة عموما إلى نامية أو غاذية (نباتية) وحاسة (حيوانية) وناطقة تقسيم ~~أرسطي معروف، والقول بأن العقل (نوس) هو العنصر الإلهي في الإنسان يرد بوضوح في ~~الفقرة الأخيرة من الكتاب الذي بين أيدينا (ب110) كما يعبر عنه في الأخلاق ~~النيقوماخية (المقالة العاشرة، 7، 1177ب و1178أ 8) وكذلك عند أفلاطون في محاورة ~~ثيايتيتوس (176ب). ~~(ب31-37) يلاحظ أن تعبير الأيسر والأنفع لا يقصد به التقييم الأخلاقي، وإنما يقصد به ~~الأولوية وتقديم المبدئي على الثانوي والأصل على الفرع، وهي حجة يلجأ إليها أفلاطون وأرسطو، ~~والمعنى في (33) واضح: إن العناصر (أو العوامل ) البسيطة أوضح وأقرب إلى المعرفة من الأشكال ~~المتنوعة التي تتجلى بها في عالم الظواهر ونتصور عادة أنها أيسر منها في المعرفة؛ فالحروف ~~البسيطة أسهل في المعرفة من المقاطع ... إلخ، ولهذا يحتل الحرف في سلم الأولويات مكانا أعلى ~~من المقاطع والكلمات لأنه هو الشرط اللازم لوجودها، وتساق الحجة لإثبات أن تحصيل المعرفة ~~الفلسفية ممكن ونافع وميسور، وهو تعبير عن الدعوة إلى التفلسف والحث عليه وتأكيد لصحة نسبته ~~لكتاب أرسطو الذي يشغلنا. # وترد كلمة أيتيا # 2 ~~(العلل) في سياق هذه الفقرة خصوصا بعد الكلام عن قيمة التنظيم والتحديد في ~~تيسير المعرفة، وحديث أرسطو عن العلل الأربع المشهورة تحديد لفلسفته عن الغاية وتوجيهه ~~إليها، وهو كذلك تعبير عن تفكيره في أصول المعرفة وترابط الموجودات في نظام على أن «العلة» ~~تجيب على سؤالين، فنحن نجيب على السؤال «عن أي طريق»؟ بذكر السبب أو العلة، مصداقا لقوله ~~في كتاب الطبيعة (2-3، 194 ب19): «ولكننا لا نبلغ المعرفة قبل أن ندرك السبب في كل ~~موضوع.» # أما السؤال: مم يتكون شيء؟ فنجيب عنه بذكر المادة والصورة «فالحروف هي علة المقاطع، ~~والعناصر علة الأجسام»، وتحدد الصورة ms48 بذكر «التعريف، والكل أو التركيب والشكل» (الطبيعة، ~~2-3، 195أ 20)، وكل هذا يدل على أن تعليم الفلسفة في أكاديمية أفلاطون (التي عاش فيها أرسطو ~~كما ذكرنا طالبا ومعلما وقضى فيها ثلث حياته) كانت تلتقي فيه نظرية المعرفة والمنطق ~~ونظرية الوجود (الأنطولوجيا) في نسيج واحد، ويصور لنا أرسطو العلل الأربع المشهورة على هذا ~~النحو: ~~(أ) # ما يتكون عنه الشيء كالتمثال المكون من البرونز. ~~(ب) # الشكل أو النموذج، أي تفسير ما يكون أساسيا بالنسبة للشيء أو لوجوده، وأنا ~~أقصد بذلك النوع أو حدود التعريف (الطبيعة، 2-3، 194 ب26). ~~(ج) # بداية التحول أو الحركة، كالناصح أو الأب بالنسبة للطفل، وبالجملة ما يحدث ~~أثر أو نتيجة فعلية. ~~(د) # الهدف والغاية أو ال «لماذا»، كالصحة بالنسبة للتنزه. # ويلاحظ القارئ أن العلة الثالثة هي وحدها العلة أو السبب بمعناه الحقيقي، أما العلتان ~~الأوليان فهما «مبادئ» الكون والنشوء، وأما الرابعة التي تعبر عن المبدأ والغاية في نفس ~~الوقت فقد شرحها في محاورته «عن الفلسفة»، والمهم أن العلل الأربع كانت عند أرسطو بمثابة ~~أداة للعمل في يد الباحث، أو بمثابة الخطة والمنهج الذي يطبقه على بحوثه المختلفة. وفي نص ~~الفقرة (36) يذكر أرسطو في معرض كلامه عن العلل والعوامل الأولية الهواء والنار (عند ~~الفلاسفة السابقين على سقراط) والعدد (عند الفيثاغوريين) والطبائع أو الموجودات الأخرى ~~(كالمثل عند أفلاطون، وقد ذكرها أيضا في مقالة «الثيتا» من كتاب الميتافيزيقيا 8، 1050 ~~ب34)، وهو بهذا كله إنما يؤكد حجته عن أسبقية المبدأ والأصل على ما يترتب عليه وينتج عنه عن ~~طريق الأمثلة التي يستمدها عادة من التراث الفلسفي السابق عليه. أما كلمة «الطبيعي» فيريد ~~بها الشيء الذي يكون وجوده متفقا مع الطبيعة وملائما لها. ~~(ب38-42) هذه الفقرات موجهة بصفة خاصة إلى معاصره «إيزوقراطيس» # 3 ~~(436-338ق.م) الذي انتقد منهج التعليم في الأكاديمية نقدا قاسيا وإن كان ~~مهذبا (انظر مجموعة خطبه المعروفة «أنتيدوزيس» من 84 وكذلك 285) مؤكدا فيها «أهمية ~~المنفعة» في توجيه الشباب، وقد سبق لأفلاطون نفسه في محاورة فايدروس أن وصف منهج إيزوقراط ~~في التربية (دون ms49 أن يذكر اسمه) بأنه «تلقين» على حين أن منهجه هو نفسه يقوم على تحويل النفس ~~بكليتها «أي تغيير اتجاهها من الظلام إلى النور، من الظن والتخمين والمعرفة الحسية إلى ~~المعرفة بالمعقولات والمثل ذاتها» (الجمهورية، 518ج، 521ج، 525ج، 532ج). والملاحظ في النص ~~ورود كلمة «الفعل» # 4 # أو التحقق التي تعبر عن فكرة أساسية في فلسفة أرسطو التي أشرنا مرارا إلى أنها ~~فلسفة فعل (وهو في النهاية فكرة استمدها من أفلاطون)، فغاية الشيء عنده (التيلوس) # 5 # هي تحقيق فعله الخاص به، وكل شيء في الطبيعة يتجه نحو تحقيق هذا الفعل المتسق ~~المنظم الذي يتعلق بالشيء ويلائم طبيعته. ~~(ب43-45) يغلب الأسلوب البلاغي والخطابي على هذه الفقرات، ولعل الهدف منه هو تصوير الحجة ~~المنطقية الواردة في الفقرة السابقة عليها، ويلاحظ أن أرسطو (في الفقرة 44) يلعب بالمعنيين ~~المفهومين من كلمة النظر (ثيوريا) وهما التأمل الفلسفي من ناحية، ومشاهدة التمثيل والتفرج ~~عليه من ناحية أخرى، وهي إشارة تفيدنا في البحث عن اشتقاق الكلمات والنظر في معانيها ~~الأصلية التي كانت تدل عليها في السياق الاجتماعي والحضاري وحياة الناس العملية ~~والحسية. ~~(ب46-51) هذه الفقرات من النص هي أكثر فقرات الكتاب إثارة للخلاف بين العلماء، وقد استند ~~«ييجر» (في كتابه المشهور عن أرسطو، برلين، 1923، ص91) إلى مثل هذه العبارات «من الطبيعة ~~نفسها، من المبادئ الأولى ذاتها» استند إليها لتأييد رأيه في أن أرسطو يقف في كتابه هذا ~~«البروتريبتيقوس» على أرض النظرية الأفلاطونية المعروفة عن المثل. ولعله قد استوحى نموذج ~~المشرع - الذي يستمد معاييره وقوانينه الثابتة من الطبيعة نفسها والحقيقة من محاورة ~~السياسي لأفلاطون (296ه-297أ)، حيث يتكلم هذا عن المعيار الدقيق لسياسة المدينة وإدارتها ~~ويستخدم استعارة الملاح، ولعل أرسطو أيضا قد تناول نفس الموضوع في إحدى محاورات شبابه ~~بعنوان «السياسي»، وإن كنا لن نتحقق من ذلك أبدا بسبب ضياع هذه المحاورة التي لم يبق منها ~~سوى شذرات ضئيلة. مهما يكن الأمر فإن أرسطو ينطلق من عبارته المشهورة «الفن محاكاة للطبيعة» ~~ثم يرتقي معها سلم الحجج البلاغية والخطابية؛ فالمشرع أو رجل ms50 الدولة والسياسة يختلف عن ~~أرباب المهن والصنائع في أن هؤلاء يحاكون الطبيعة، أما هو فيتلقى نماذجه من الطبيعة نفسها، ~~أي من المشاهدة المباشرة للأحداث الطبيعية. ومن المبادئ الأولى ذاتها، أي من البدايات التي ~~ينطلق منها الفكر، والمبادئ أو البدايات الأولى # 6 # مصطلح مألوف في لغة أرسطو، حدده في الطوبيقا (1-1، 100 ب18)، كما أن تعبيره «من ~~الحقيقة ذاتها» # 7 # وارد في كتاب الطبيعة (1-5، 188ب، 29)، وأجزاء الحيوان (1-1، 642أ 19)، و«الخير ذاته» # 8 # في الأخلاق الأويديمية (1-8، 1218 ب8) ومقالة الألفا من الميتافيزيقيا (4، 945أ ~~10). إن أرباب المهن وأصحاب الصنائع يقفون عند محاكاة الطبيعة، ويقلدون صورا منها من ~~الدرجة الثانية أو الثالثة (كما تقول جمهورية أفلاطون 599د)، أما الفيلسوف فهو وحده الذي ~~يتأمل الموجود ذاته على حدة (كما يقول أفلاطون في السياسي 476د، 507ب) وهو وحده الذي يحاكي ~~المبادئ الأولى (ب48 من هذا الكتاب). # هل معنى هذا أن أرسطو يحاكي بدوره أفلاطون؟! الواقع أن الأمر على خلاف هذا، فبينما ~~يحاكي الفيلسوف عند أرسطو المبادئ الأولى كما ذكرنا، نجد عند أفلاطون أن السفسطائي - لا ~~الفيلسوف - هو الذي يحاكي الموجودات (السفسطائي 235أ)، وربما استوحى أرسطو عبارته المشهورة ~~«الفن يحاكي الطبيعة» من قول أفلاطون في محاورة السياسي (274د): إن الصنائع التي تخدم ~~الإنسان وتحافظ على بقائه تعمل على غرار الكون كله وتحاكي نموذج النظام السائد فيه. أما ~~الصورة الجميلة التي يعبر بها أرسطو عن المشرع الفيلسوف ويقول فيها «إنه هو وحده الذي ~~يحيا وبصره مثبت على الطبيعة» فقد أخذها عن نص مشهور في محاورة الجمهورية لأفلاطون (500ج ~~د). وأما استعارته الجميلة التي يشبهه فيها بالملاح فقد استمدها كما يرى ييجر (في كتابه ~~المعروف بإيدايا، الجزء الثالث ص24) من الكتابات الطبية في عصره، وهي التي دونت في رأي بعض ~~العلماء حوالي سنة 350ق.م ونقل عنها أرسطو كثيرا من صوره واستعاراته وتشبيهاته. والفقرة ~~الأخيرة (ب51) تشير إلى نظرية أرسطو المعروفة عن أن الإنسان نفسه هو الذي يخلق أعماله، وهو ~~الأصل الذي يتولد عنه سلوكه الخلقي، وغير الخلقي. ms51 وهذا دليل على أن مثل هذا السلوك يسبقه ~~الاختيار الحر، # 9 # كما أن الهدف من الفعل تحدده المعرفة بالخير؛ ولهذا يربط أرسطو بين المعرفة ~~النظرية والأخلاقية في سياق متكامل ويؤكد العمل كما يؤكد النظر في وقت واحد. ~~(ب52-57) الفقرة الأولى مأخوذة من كتاب ليامبليخوس (غير شذرات نصوصه التي تحمل نفس عنوان ~~كتابنا الحالي)، وهو كتابه عن العلم الرياضي بالإجمال، 79 (طبعة ن، فستا، تويبنر 1891) ~~ولهذا يستبعد بعض العلماء (مثل ديرنج وشنيفايس) أن تكون مقتطفة من كتابه الحالي «الحث على ~~الفلسفة» وإن كانا مع ذلك يدمجانها في النص لقربها من لغة أرسطو ومن الفقرة السابقة عليها ~~مباشرة. والملاحظ أن أرسطو يعتمد على حجته عن سهولة التفلسف لتأييد دعوته إليه وحث القارئ ~~عليه، بل إن الكلمات التي يختم بها الفقرة (56) لتشهد على إيمانه القوي بإمكان التوصل إلى ~~الحقيقة ذاتها كما تعبر عن ذلك أيضا بعض كتبه التعليمية (قارن أجزاء الحيوان 1-1، 642أ 18 ~~والطبيعة 1-5، 188 ب29). والغريب حقا أنه يثني على الفلسفة ويؤكد سهولتها بكلمات وحجج ~~ليست سهلة على الإطلاق! (كما ترى مثلا في الفقرتين 55، 103) ويلجأ في هذه الحجج كما أشرنا ~~مرارا إلى أسلوب المبالغة الخطابية الذي كثيرا ما تتصادم فيه الأدلة وتتعارض ~~وتتناقض. ~~(ب58-77) يتردد في هذه الفقرات أكثر من تعبير عن أداء الفعل وعن الواجب وما ينبغي عمله، ~~وكلها أفكار أفلاطونية نجدها في محاورتي جورجياس (503ه) والجمهورية (346ه) حيث يتحدث ~~أفلاطون عن أصحاب الحرف والصنائع الذين يضعون عملهم نصب أعينهم، وتقوم نفس الفكرة بدور ~~كبير في فلسفة أرسطو، ويكفي أن يطبقها على الطبيعة في عبارته المشهورة التي سبق ذكرها أكثر ~~من مرة: إن الطبيعة لا تصنع شيئا عبثا، والموضوع هنا هو العمل الذي يقوم به العقل، ويبدو ~~من بداية النص المفاجئة أنه كان مسبوقا بجزء مفقود، والمهم أن الفقرات (59-61) تنتهي إلى ~~أن العقل هو الجزء المتحكم في النفس، وأنه هو وحده - أو في المقام الأول - ذاتنا الحقيقية، ~~هذا الانسجام بين الانفعال والعقل وبين العاطفة والمنطق، ركن أساسي في ms52 الأخلاق الأرسطية. بل ~~إنه (على حد تعبير الأستاذ دير لماير في تعليقه على كتاب الأخلاق الكبرى، دار مشتات وبرلين ~~1958، ص412-419) هو التحول الكوبرنيقي أو الثورة الكوبرنيقية في فلسفة الأخلاق (نسبة إلى ~~كوبرنيقوس الذي قال بمركزية الشمس؛ وبذلك بدأ التحول التاريخي في النظرة الكونية والحضارية ~~الذي نقل الإنسان من العصر الوسيط إلى عصر النهضة والعصر الحديث)، وسواء أكانت فكرة هذا ~~التجانس ذات أصل أفلاطوني (كما يرى ديرلماير) أم فكرة أرسطية خالصة، فإنها علامة هامة على ~~النزعة الإنسانية في الأخلاق. # وكلام أرسطو عن جزء النفس الذي يحقق فضيلته الخاصة به أو عمله الخاص به (ب60 وكذلك 65، ~~70) يقوم على الفلسفة التي صاغها أفلاطون في الجمهورية (352أ-353ه)، أما كلامه اللاحق (ب61، ~~62) عن الارتباط بين فضيلة هذا الجزء العاقل من النفس وبين الشرف والقيمة فهو يعبر عن ~~تفكير أرسطو ووجهة نظره الخاصة التي تؤكد أن الرقي على سلم الغايات ملازم للتصاعد في سلم ~~القيم، وهو أمر لا ينفصل عن فلسفته الغائية بوجه عام، وبقية الكلام الذي يؤكد أن الجزء ~~المذكور هو ذاتنا الحقيقية يأخذ تعبير «الجزء الصغير» من جمهورية أفلاطون (442ج)، ولكنه ~~يترجم بعد ذلك عن أفكار أرسطية أصيلة تجد ما يشبهها في كتاب الميتافيزيقا، مقالة الإيتا ~~(3-1042 ب2)، ومقالة الزيتا (10، 1036أ 17). وهذا الجزء نفسه - وهو الجزء العارف الذي يعد ~~وحده أو مع أجزاء النفس الأخرى أكثر قيمة من بقية النفس مجتمعة - يذكرنا أيضا بمحاورة ~~السياسي لأفلاطون (258-260)، ومع أنه لم يرد في سائر كتابات أرسطو بهذه الصيغة، فهو مرادف ~~عنده للعقل (نوس)، ولما كان النظر عند أرسطو لا ينفصل كما قلنا عن العمل، فإننا نجده يذكر ~~«المعرفة المنتجة» (في الفقرة 69)، وقد كان ~~تقسيمه للمعرفة إلى معرفة نظرية وأخرى عملية مثارا لسوء الفهم الطويل، وربما أوحى أرسطو ~~نفسه بذلك في بعض الأحيان عند حديثه عن المعرفة النظرية حديثا يفهم منه أنها رؤية سلبية، ~~مع أن الحياة الفلسفية في رأيه وبكلماته نفسها «فعل مستمر» (قارن الأخلاق النيقوماخية ~~10-12047 ب25-32) وليست نوعا من التهدئة أو الراحة من ms53 متاعب الحياة؛ فلقد كان أرسطو نفسه ~~رجل عمل، ومن الطبيعي أن يكون العمل شعاره في الحياة، وكلامه عن الحياة النظرية لا يراد به ~~الحياة الموهوبة للتأمل الخالص (كما تصور ييجر وجوتييه في كتاب الأول عن أرسطو وكتاب الثاني ~~عن الأخلاق النيقوماخية - لوفان 1958-1959) وإنما يراد به حياة الدرس والبحث العلمي التي ~~لا تنفصل عن حياة الفعل والعمل، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان هنالك معنى لربطه بعد ذلك ~~بين الحياة الفلسفية التي تتسم بالحكمة والتبصر وبين الفضيلة والسعادة، ولما استطعنا أن نجد ~~في أنفسنا هذا التعاطف الشديد مع الفقرة الختامية من الكتاب. # ويحتمل أن يكون يامبليخوس قد تدخل بالتغيير أو الحذف في الفقرات السبع الأخيرة (من ب70 ~~إلى ب77) التي تعرض حجة متسقة متماسكة، ويلاحظ التقارب الشديد بين الفكرة الواردة في ~~العبارة التي تبدأ مع الفقرة (71) وبين الفكرة التي جاءت في جمهورية أفلاطون (7-1، 1323ب ~~13-16). ويقارن «ييجر» في كتابه عن أرسطو (ص69) بين الفقرة (72) وبين نص في مقالة الألفا ~~من كتاب الميتافيزيقا (ألفا 1-980أ 21-28) ويقول: إن العبارة المشهورة التي يبدأ بها هذا ~~الكتاب الأخير «إن البشر جميعا يسعون بطبيعتهم إلى المعرفة» تعد صورة مكررة من العبارة ~~«الكلاسيكية» الواردة في هذه الفقرة من «البروتريبتيقوس»، وإذا كانت هذه الملاحظة توحي بأن ~~مقالة الألفا قد كتبت قبل كتابنا هذا فإن الأستاذ «ديرنج» يرجح أن يكون الاثنان قد دونا ~~في نفس الوقت . # وترد في الفقرة (74) عبارة تتكرر بعد ذلك بقليل: «إن الحياة تحدد ب «القدرة» على ~~الإحساس.» ويمكن التوسع بالنظر إلى كتاب أجزاء الحيوان (3-4، 666أ 35). ولعل تعريفه للإحساس ~~في الفقرة التالية (75) بأنه القدرة على معرفة شيء عن طريق الجسم لعله كان تعريفا شائعا ~~في الأكاديمية (قارن الفقرة (ب24) من هذا الكتاب، وكذلك الجمهورية 532أ). أما أن الناس ~~جميعا يسعون في طلب المعرفة ويفضلونها على كل شيء آخر (ب77) فهي عبارة أساسية يدور حولها ~~أرسطو في كتابنا هذا، ولعله قد استوحاها من محاورة أفلاطون «أويثيديموس» (278ج-282ح)، لا ~~سيما أن الحجة هنا ms54 وهناك متطابقة (كما أثبت الأستاذ ديالماير في تعليقه على الأخلاق الكبرى ~~1-3، 1883أ 3-14 ص192). ~~(ب79-87) في هذه الفقرات عرض مبسط ودقيق لنظرية أرسطو المشهورة عن الإمكان والتحقق أو ~~الوجود بالقوة والوجود بالفعل، وقد كان أرسطو أول من استخدم كلمة الفعل «أنيرجايا» # 10 ~~(التي لا نجدها في الكتابات الطبية المجموعة تحت اسم أبقراط). ويمكن تتبع ~~هذين المفهومين المتقابلين - اللذين يعبران عن تصور أساسي في تفكير أرسطو - تتبعا يلمس ~~جذورهما في مؤلفات أفلاطون وأرسطو نفسه؛ ففي محاورة أفلاطون «أويثيديموس» نجد كلمتين ~~متقابلتين تفيد إحداهما تحصيل المعرفة أو اكتسابها وتملكها، # 11 # وتعني الأخرى استخدامها والانتفاع بها. # 12 # وفي محاورة ثيايتيتوس نجد كلمتين متقاربتين تدلان على التملك والاستعمال (197ب، ~~199أ) ويرد التصوران السابقان (الحصول والاستخدام أو الملك والاستعمال) لأول مرة في ~~الطوبيقا (5-2، 129 ب34) ثم نجدهما في كتابنا هذا (البروتريبتيقوس أو الدعوة للفلسفة) في ~~الفقرات الآتية: (ب53، 79، 81) كما نجد في الفقرة (83) تنويعا على الكلمة الثانية له ~~أهميته؛ إذ تحل كلمة «الفعل» محل كلمة «الاستخدام»، كما نجد في الفقرة نفسها تشبيه الملك ~~والعمل بالنوم واليقظة على الترتيب، وهي استعارة يتوسع فيها أرسطو في الأخلاق الأويديمية ~~(2-1، 1219أ 9-38). أما التقابل الأساسي بين القوة والفعل فنجده لأول مرة في «الطوبيقا» ~~(4-4، 124أ 32) كما نلتقي به كذلك في كتابنا هذا في الفقرة (79). والواقع أن أرسطو يذكر ~~نظريته الخاصة بالقوة والفعل في كتب الطبيعة (1-8)؛ إذ يقول إن القوة أو الإمكان ~~(الديناميس) هو اللاوجود الذي يمكن أن ينشأ عنه وجود معين هنا والآن، غير أنه لم يتناولها ~~بالتفصيل إلا في مقالة «الثيتا» (من كتاب الميتافيزيقا 6-9) التي تعد متأخرة نسبيا في ~~سياق تطوره الفكري، ومهما يكن الأمر فإننا نراه يعرض أساس نظريته الهامة في الفقرة (81) ~~مبينا أن الفعل أشرف وأعلى قيمة من القوة، وأن الفعل يسمو على الانفعال سمو اليقظة على ~~النوم، وهو يعود إلى تأكيد أفضلية الفعل على القوة في المقالة السابقة من ~~الميتافيزيقا (الثيتا 9، 1051أ 4) حيث يقول إن من الواضح ~~أنه - أي الفعل - أفضل ms55 وأشرف من القوة، كما يزيده تأكيدا في كتاب النفس (3-5، 430أ 18)؛ ~~حيث نجد هذه العبارة الحاسمة: «إن الفعل دائما أشرف من الانفعال.» # أما في الفقرتين (ب83-84) فنجد أرسطو يتحدث عن فعل النفس وحياتها، وهو شيء ربما يبدو لنا ~~أشبه بتحصيل الحاصل. ولو تذكرنا ما قاله أفلاطون عن «فاعلية النفس» لاكتشفنا وراءه فلسفة ~~عميقة (الجمهورية 352د-354أ)، ولو نظرنا في بعض كتب أرسطو الأخرى لوجدنا نفس الأفكار تتردد ~~بصورة أو بأخرى (الأخلاق الكبرى 1-4، 1184ب، 22-85أ 1، والأخلاق الأويديمية 2-1، 1219أ ~~23-35 والأخلاق النيقوماخية 1-7، 1098أ 7-17). وأهم ما يلفت النظر في هاتين الفقرتين وفي ~~سائر أجزاء الكتاب أن فاعلية النفس أو أفضل طريقة لاستخدام أعلى قدراتها هو تأمل الموجودات ~~والنظر الخالص في أصولها ومبادئها؛ لأن هذا في رأي أرسطو (سواء في هذا الكتاب أو في سائر ~~كتبه الأخرى وخصوصا الميتافيزيقا والأخلاق) هو أسمى أنواع الفعل (انظر أيضا الفقرتين ب66، ~~91)، وهذا يتفق مع فلسفته عن الغاية (التيلوس) أتم اتفاق، أضف إليه أننا نجد التسلسل ~~والتدرج المتصاعد نحو الأعلى والأشرف في عالم التفكير؛ فهناك الفطنة عند بعض الحيوانات ~~الذكية (كالنحل والعناكب وعصافير الجنة)، وهناك القدرة المتزايدة على التفكير عند الطفل ~~والعبد والمرأة، حتى الرجل الحر الناضج الذي يبلغ ذروة التفكير حين يصبح فيلسوفا ~~يطرح المنفعة الأنانية وراء ظهره ويوجه بصره ~~إلى التأمل والبحث الخالص (وهذا هو الجانب النظري) فيغدو أسعد الناس وأفضلهم وأكملهم (وهذا ~~هو الجانب العملي)، ونجد أفكارا مشابهة عن شتى مستويات التفوق الأخلاقي لدى العبيد ~~والأحرار والرعية والحكام في كتاب السياسة (1-13)، وفي نص فقرتنا هذه (ب84) نجد أرسطو يؤكد ~~سلم الأفعال المتدرجة في قيمتها، ثم يبلغ ذروة حجته المسهبة في الفقرة التالية عندما ~~يتكلم عن حياة الحائزين على المعرفة الفلسفية ولا يترك هذه الذروة بعد ذلك أبدا، وليست هذه ~~الذروة العالية غير الحياة الفلسفية التي هي عنده الحياة الحقيقية ومصدر الفرح الحقيقي. ~~ويلاحظ القارئ أنه يجمع الخيوط التي بسطها في الفقرة (ب33) وأحكم نسجها في الفقرات التي نحن ~~بصددها، ثم شدها ms56 في نسيج بهيج رائع في الفقرة (ب91) والفقرات الختامية من النص. ولعل شيشرون ~~(في كتابه عن الغايات # 13 # 2-13، 40) قد استلهم كتاب الدعوة للفلسفة وهذه الأجزاء من النص بوجه خاص عندما ~~قال: «وكذا يكون الإنسان - كما قال أرسطو - قد ولد لأمرين هما التعقل والفعل، وكأنما هو ~~أشبه بإله فان.» ~~(ب87-92) تتضمن هذه الفقرات نظرات أرسطية حول اللذة والسعادة يختلف الباحثون في تفسيرها، ~~وهي تقوم في هذا الموضع من النص على الإشادة بالفاعلية التي لا يعوقها عائق ولا تتعلق بشيء ~~ولا بهدف تسعى إليه غير الفعل نفسه، فتكون فاعلية منطوية على الفرح والسعادة أو تكون هي ~~نفسها الفرح والسعادة. والواقع أن الفكرة التي تذهب إلى أن كل ما هو جسمي، كل ما يراه ~~الإنسان ويسمعه، وكل ألم أو لذة إنما يعوق فاعلية الإنسان الحقة التي هي مصدر سعادته، هذه ~~الفكرة ترجع لأفلاطون الذي يعرضها عرضا مؤثرا في محاورة «فايدون» بوجه خاص (65ج-66ج). ~~وربما كان أرسطو - في الفقرة (ب88) التي لا تخلو من غموض - يحاول أن يصف الحياة السعيدة ~~التي لا يعوقها عائق خارجي أو قيد عرضي، وهي في النهاية حياة التفلسف (انظر كذلك الأخلاق ~~النيقوماخية 7-13، 1153أ 15)، ويرى بعض الباحثين أن أرسطو في هذا الكتاب يعادي اللذة، ولكن ~~لو قرأنا نص الفقرات التي نحن بصددها قراءة متأنية ووضعناها كذلك في سياق الكتاب كله لوجدنا ~~أنه يقف في صف اللذة التي يمكن أن نصفها - إن جاز هذا الوصف - بأنها لذة نبيلة، ولا بد ~~لتبرير هذا الرأي من الرجوع إلى الفقرة (ب77) التي تبلغ فيها حجة أرسطو في الدعوة للتفلسف ~~ذروتها؛ إذ يصل به الحماس إلى حد القول بأن المعرفة الفلسفية أولى باختيار الإنسان من ~~حاسة البصر، بل أولى من الحياة نفسها؛ لأنها هي «سيدة الحقيقة» ولا بد من تتبع حجته في ~~هذا الكتاب في سلم القيم؛ فهو يعرض هذا التدرج في سلم الموجودات الطبيعية في الفقرات ~~(ب11-21)، ثم نعرف من الفقرات (ب22 حتى 30) أن النظر الخالص هو أعلى شكل من أشكال التفكير، ms57 ~~وبعد أن يثبت أن هذا التفكير هو الشرط الذي لا غنى عنه للفعل الأخلاقي «حتى ولو لم يترتب ~~عليه في الظاهر أية منفعة عملية» (من 58 إلى 69) نجده يؤكده أنه يبعث على الفرح (56، 91)، ~~ويصل أخيرا إلى هدفه وصول القائد المنتصر فيؤكد (في الفقرة 77) أن الناس جميعا تسعى إلى ~~المعرفة وتفضلها على أي شيء آخر. وهنا نلاحظ التقارب الشديد بين صيغة هذه العبارة وبين ~~عبارتين أخريين، وردت أولاهما في الأخلاق النيقوماخية (7-14، 1153 ب30) وهي «أن الجميع ~~يطلبون اللذة»، وذكرت ثانيتهما - كما أسلفنا - في مدخل مقالة «الألفا» من كتاب ~~الميتافيزيقا: «إن البشر جميعا يسعون بطبيعتهم إلى المعرفة.» فهل نستنتج من هذا كله أن ~~لأرسطو رأيا واحدا في اللذة أو السعادة وأنها مساوية عنده للنظر والتأمل الخالص، أم أنه ~~غير وجهة نظره بتغير مراحل تطوره الفكري؟ يبدو أننا لن نستطيع القطع برأي واحد في هذه ~~المسألة، وربما كان أرسطو نفسه هو المسئول عن هذا؛ فهو يناقش مشكلة اللذة كما يناقش مشكلة ~~السعادة من زوايا متعددة، ويقدم - على عادته في استعراض الآراء المختلفة في كل مسألة يبحثها ~~- أجوبة وتفسيرات شتى أتعبت علماء العصور القديمة والحديثة! وقد ذهب «ييجر» إلى أن أرسطو ~~غير رأيه في اللذة بعد موت أفلاطون؛ # 14 # وذلك استنادا إلى اعتقاده بأنه (أي أرسطو) لم يستقل بفلسفته إلا بعد موت ~~أستاذه. بيد أن آراء «ييجر» قد تعرضت للنقد والتعديل من جانب علماء عديدين، ويتفق معظمهم ~~الآن على أن رأي أرسطو في اللذة بقي على ما هو عليه؛ فالنصوص التي بين أيدينا تدل على أنه ~~كان متفقا مع رأي معاصره «أويدوكسوس» # 15 # في أن اللذة خير إيجابي، وأنه حاول خلال مراحل تطوره التي لا تنكر أن يؤيد قول ~~معاصره هذا بأنها خير طبيعي أو حيوي وأن يلائم بينه وبين نزعته المثالية التي تميل إلى وجود ~~تسلسل أو تدرج في اللذات. ولا ننسى أن كتابنا هذا ليس عرضا منهجيا لطبيعة اللذة، كما أنه ~~يخرج بطبيعته عن التصدي للمشكلات وفحص المعضلات، إنه كما سميناه ms58 «دعوة للتفلسف» وهي دعوة ~~ملحة، والدعوات بطبيعتها تنفر من التعقيد وتغري الضيوف والمدعوين بكل سبيل، ولهذا غلب ~~عليه - كما رأينا - الأسلوب البلاغي والخطابي. وربما صح رأي بعض الباحثين في أن المعلم ~~الأول لم يكلف نفسه عناء كتابته، بل أملاه على بعض تلاميذه ارتجالا. ويمكن على كل حال ~~أن نلخص رأيه في اللذة كما عرضه في الفقرات المشار إليها (من 87 إلى 92) على النحو التالي: ~~هناك أشياء مرذولة توصف بأنها لذات ولكن هناك أيضا لذات طيبة وحقيقية، ولهذا تنطوي أكمل ~~أشكال الحياة على اللذة الكاملة؛ فالمستيقظ يحيا حياة تفوق في قيمتها حياة النائم، والمفكر ~~يحيا حياة أكمل من حياة العاطل من التفكير (بسبب تخلفه أو عدم نضجه). والفرح والسعادة ~~اللذان ينبعان من الفكر الفلسفي هما أصدق فرح وأكمل سعادة، ويكفي أن نتأمل العبارة الأخيرة ~~في الفقرة (91) لنرى كيف يتحد كمال الصياغة الفنية واللغوية مع كمال الفرح والسعادة ~~بالحياة! ~~(ب97-103) تعبر الحجة التي يسوقها أرسطو في هذه الفقرات عن طابع تفكيره؛ فقد بدأ ~~بتبرير حجته تبريرا نظريا واتخذ منها برهانا يثبت به ما يقول، وهذه الحجة هي إجماع ~~الناس في كل الشعوب والعصور # 16 # على وجود الله وعلى طلب السعادة، وهي حجة كانت لها شهرتها في العصور القديمة ~~وعصر آباء الكنيسة، وما زالت معيارا للحقيقة في ميدان فلسفة الدين، ولعلها تكمن وراء ~~الدليل «الأنطولوجي» المشهور منذ القديس «أنسيلم» حتى ديكارت وناقديه، والمهم أن حجة أرسطو ~~تتضمن العناصر الآتية: ~~(أ) # الحياة المفتقرة للقدرة على التفكير حياة لا قيمة لها. ~~(ب) # القدرة على التفكير والتفلسف لا يقاس بها شيء آخر، وكل ما عداها لا يساوي ~~شيئا إذا قورن بها. ~~(ج) # النوم شيء ممتع ومحبب إلى النفس، ولكن من المستحيل تفضيله على اليقظة، أي ~~على الفكر الإيجابي الفعال. ~~(د) # إننا نحب كل ما هو واضح ومضيء؛ ولهذا نحب التفكير والمعرفة. ~~(ه ) # وأخيرا فإن القدرة على التفكير والتفلسف شرط ضروري لقيام الحياة السعيدة ~~الكاملة. # ونرى في الفقرة (98) كيف يلجأ أرسطو - كما كان يفعل أستاذه - إلى الحجة ms59 التي تقوم على ~~المقابلة بين الأضداد # 17 ~~- وقد كان كلاهما يستعين كثيرا بهذا الأسلوب من الحجاج - فيزيد بذلك من ~~الإحكام والدقة اللذين يميزان هذا الكتاب، ويبلغ بعقلانيته أقصى حد ممكن، أما أن معظم حججه ~~- كما أشرنا مرارا - حجج بلاغية وخطابية وبراهين ظاهرية ترد في أغلب الأحوال إلى تحصيل ~~الحاصل، فذلك أمر آخر ... # ترد في الفقرة (101) عبارات تدل على رأي أرسطو القاطع في تكذيب الأحلام واعتبار الرؤى ~~والتخيلات التي تطوف بنا في النوم نوعا من الخداع الذي لا نصيب له من الحقيقة. وإذا كان ~~أفلاطون في مناقشته المشهورة لموضوع الأحلام (الجمهورية 571-572) قد ذهب إلى أن «الرجل ~~الحكيم» يمكن أن يقترب من الحقيقة في أحلامه بحيث لا تبتعد رؤاه وتخيلاته عن الواقع المألوف ~~أدنى بعد، فإن أرسطو ينفي في كتابنا هذا وفي مواضع أخرى من كتبه أن يكون للأحلام أي نصيب ~~من الحقيقة والصدق، وإن كانت تعبر عن نوع من الإدراك أو الإحساس الذي ليس من السهل احتقاره ~~ولا الاقتناع به (كما يقول في مقالته عن النوم 462 ب12 انظر كذلك الميتافيزيقا، مقالة ~~الدلتا 29، وكذلك الفقرة التي نحن بصددها من هذا الكتاب). # أما كلامه في الفقرة التالية عن الهروب من الغامض والمجهول والسعي إلى الواضح والمعروف ~~فلعله أن يكون متأثرا برأي أفلاطون في أن مثال الخير - وهو أسمى المثل وأرفعها قدرا - ~~يفيض النور والوجود والمعرفة على الأشياء الموجودة في عالم الحس (الجمهورية 509أ). وإذا كان ~~الفكر الفلسفي اليوناني يوجد بوجه عام بين النظر العقلي والنظر بالعين، بحيث يمكن القول أن ~~التأمل عنده مقترن بالمشاهدة والرؤية الجمالية (خصوصا عند أفلاطون!) فليس غريبا أن ~~تتردد عند أرسطو وعند غيره من مفكري اليونان صور العقل والنور والبصر (انظر مثلا الخطابة ~~3-10، 1411 ب12، والطوبيقا 1-17، 108أ 11، والأخلاق النيقوماخية 1-4، 1096 ب29). ~~(ب104-110) يبدو من روح هذه الفقرات الأخيرة والتشاؤم الغالب عليها (والمتأصل في الروح ~~الإغريقية جنبا إلى جنب مع التفاؤل العقلي، وهذا هو وجه المفارقة النادرة فيها!) أنها ~~مستوحاة بوجه خاص من محاورة فايدون ms60 لأفلاطون (64أ-70ب) التي تعرض نفس الفكرة تقريبا على ~~النحو التالي: «إن التفلسف معناه تحرير النفس من الجسم، # 18 # صحيح أن الرجل العادي يرى أن الحياة بغير لذة الحواس لا قيمة لها (65أ) ولكن ~~هذه اللذة عديمة القيمة؛ فالعقل # 19 # يفكر أوضح تفكير عندما يسعى في طلب الموجود. إن الفيلسوف يتوصل للحكمة # 20 # والحقيقة عندما يبحث بالفكر الخالص عن الطبيعة الحقة للأشياء، ولكنه لا يستطيع ~~بلوغ المعرفة الصادقة بالوجود الحقيقي طالما بقيت نفسه مطروحة مع جسده السيئ؛ # 21 # لهذا ينبغي علينا أن نسعى إلى تحرير النفس من الجسد (67ج) حتى تتمكن من التركيز ~~على الفاعلية الباطنة، «وتكون» حرة من أغلال الجسد. إنك إذا تأملت عامة الناس وجدت كل سعيهم ~~باطلا، «ولاحظت» أنه في معظم الأحوال نوع من المهادنة لاجتناب شر معين. إنهم يعيشون في قلق ~~دائم ولا يفهمون أن الحكمة وحدها هي العملة الأصيلة التي يمكننا أن نشتري بها فضيلة النفس، ~~وليست الحياة الخالية من الحكمة إلا لعبا أو رسما بالظلال (69ب)، وهي في الواقع حياة ~~الاستعباد.» # والتقارب بين هذا النص وبين عبارات ~~الفقرات التي نحن بصددها أوضح من أن نشير إليه، صحيح أنه تقارب في الشكل أكثر منه في ~~المضمون ولكنه ينطق في الحالين بأن الحياة العاطلة من التبصر والحكمة حياة باطلة لا تستحق ~~أن تسمى حياة، وأن القيم التي يحتفل بها الناس لا تبدو لهم كذلك إلا بسبب ضعفهم الذي ~~يزينها في أعينهم، مع أنها لا تعدو أن تكون ظلالا سخيفة وأشباحا عارية من كل حقيقة. غير ~~أن التقارب الشكلي بين الفيلسوفين لا ينفي عن أرسطو أصالته، فليس ما يقوله مجرد محاكاة ~~لأستاذه، وصوره ليست مجرد ظلال باهتة لذلك الأثر المشهور. ويتضح هذا بوجه خاص إذا تأملنا ~~الاستنتاج الذي يخرج به أرسطو من كلامه المصبوغ بالقتامة؛ فهو في الحقيقة يبتعد عن كلام ~~أفلاطون بقدر ما يقترب من «دفاع» سقراط. إنه ينكر إمكان التوصل إلى المعرفة الحقيقية في هذا ~~العالم، ولا يرجح هذا الإمكان في عالم آخر بعد الموت، وإنما ms61 يؤكد أن الحياة بغير تفلسف لا تستحق أن تكون ~~حياة. وإليك عبارات أفلاطون التي توضح الفارق الشديد بينه وبين تلميذه الناضج المستقل ~~برأيه: «إذا كان من المستحيل إذن التوصل إلى المعرفة الحقيقية ما بقيت النفس مرتبطة ~~بالجسد، فليس «أمام الإنسان» إلا أحد أمرين ممكنين؛ إما أن يكون اكتساب المعرفة الحقيقية ~~مستحيلا على الإنسان، وإما أن يكون محتملا بعد الحياة الحاضرة» (فايدون، 66د). لا شك أن ~~الفقرات الأخيرة توحي للوهلة الأولى بتشاؤم أرسطو، مما جعل «ييجر» (أرسطو، أسس تاريخ تطوره، ~~برلين، 1923، 1955، ص100) يقول إنه كان في كتابيه (ويقصد بهما الأخلاق الأويديمية وهذا ~~الكتاب) مفعم النفس بالتشاؤم من هذا العالم الأرضي ومن خيرات الدنيا، وتابعه في ذلك بعض ~~الباحثين الإيطاليين (مثل باريجاتسي وبنيونه وتلاميذه) الذين أسرفوا في تأكيد تشاؤم أرسطو ~~في شبابه ورجولته إلى حد القول بأنه دعا في كتابيه السابقين إلى ترك الأرض التي لا يتاح ~~فيها للإنسان أن يحيا الحياة الحقة! والواقع أن هذا الزعم مبالغ فيه أو مغلوط من أساسه؛ ~~فأرسطو لم يتخل أبدا عن نزعته العقلية المتفائلة، ولا تخلى أبدا عن واقعيته التي تنفذ ~~ببصرها الحاد إلى كل مجالات الواقع في الطبيعة والعقل والحضارة. وإذا كان عقله الأرستقراطي ~~يطل كالنسر من عليائه ويرصد جوانب الضعف والشقاء الإنساني، فما ذلك إلا لأن عين الفيلسوف ~~تنظر إلى الواقع - كما يعبر اسبينوزا - ومن وجهة نظر أبدية أزلية فترى كل ما نتصوره ~~خيرا مجرد مظهر خداع وشبح زائل، وتعرف أن القيم التي نهتم بها في حياتنا اليومية عديمة ~~القيمة. وإذا كان الرجل العادي مثلنا يمر بهذه التجربة في بعض المواقف «الحدية» والأزمات ~~الطارئة، فهل نستكثر على الفيلسوف أن تكون هذه هي تجربته الأصلية؟ وهل يمنع التعاطف مع ~~الشقاء البشري من التفاؤل بقدرة العقل على الوصول إلى الحقيقة والإيمان بقدرة الإنسان على ~~أن يحيا الحياة الجديرة به؟ لقد كان أرسطو في صميمه إنسانا واقعيا، وهذه الواقعية ~~«اليونانية» هي التي جعلته يرصد ضعف الإنسان ويعرف أن شقاء البشر أمر واضح للعيان (السياسة ~~2-7، 1207 ms62 ب1). وقد كان ضعف الإنسان بالقياس إلى الآلهة موضوعا أثيرا طرقه مفكرو اليونان وكتابهم وشعراؤهم ~~منذ هوميروس حتى عهده؛ ولهذا اقترن به كذلك موضوع آخر ظلوا يعبرون عنه منذ عهد الحكماء ~~السبعة في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وهو ضرورة التزام الحد وتجنب الغطرسة والسعي ~~إلى معرفة النفس، أي معرفة الإنسان بأنه حيوان عاقل فان. # أما أن العقل هو وحده الخالد وأنه هو وحده الإلهي من كل ما ينطوي عليه كياننا، فهي فكرة ~~لم ترد عند أرسطو وحده، وإنما هي قديمة في الفكر اليوناني. نجدها في شذرات باقية من ~~ديوجينيس الأبوللوني (من القرن الخامس قبل الميلاد) (64أ 19) وعند ثيوفراسط # 22 ~~(من حوالي 371-370 إلى 288-287ق.م) الذي يقول في كتابه عن الإحساس (42): إن ~~العقل (نوس) هو جزء صغير من الله، كما قال بها أفلاطون في شيء من الحذر (في القوانين 875ج) ~~ووردت عند أرسطو نفسه (في كتابه أجزاء الحيوان 4-10، 686أ 28-29) حيث يقول: إن العقل أو ~~التبصر هو أكثر الأعمال حظا من الألوهية، ومن الطبيعي أن يستخلص أرسطو النتيجة المترتبة ~~على هذا القول فيذهب في الفقرة قبل الأخيرة (109) إلى أن ~~الإنسان يبدو بفضل العقل إلها بالقياس إلى سائر الكائنات الحية. وقد ردد شيشرون هذا ~~القول الأخير كما رأينا من قبل (في رسالته عن الغايات 2، 13، 40) فوصف الإنسان بأنه أشبه ~~بإله فان، وصاغه أبيقور (341-370ق.م) بصورة أخرى حين قال: إن الإله يحيا في الإنسان (وذلك ~~في خطابه إلى مينوكيوس # Ep. ad Men # وهو في الأخلاق واللاهوت ~~ويعارض في بعض أجزائه كتاب أرسطو هذا). # وفي النهاية ترتفع هذه النغمة الرائعة لتتوج اللحن الختامي في الفقرة الأخيرة، فنسمع أن ~~حياة الإنسان الفانية تنطوي على جزء من الإله، وهو قول تتردد فيه عبارة اقتبسها أرسطو - كما ~~اقتبسها غيره - من مسرحية «ميديا» للشاعر المسرحي يوريبيدز (ميديا، البيت رقم 770). # وتأتي العبارة الأخيرة في الكتاب لتعزز ~~إيمان أرسطو بما قاله سقراط في خطبة الدفاع (38أ)، وتؤكد أنه (أي أرسطو) أقرب إلى هذا ~~الحكيم - الذي جرؤ على السؤال # 23 ms63 ~~- من أفلاطون نفسه «إن الحياة الخالية من التأمل والنظر لحياة لا تليق ~~بالإنسان.» وربما أمكننا أن نضيف: والحياة الخالية من الحرية لا تسمح بتأمل ولا نظر ولا ~~عمل، بل ليست في الحقيقة حياة. ~~(تم بحمد الله وتوفيقه.) ms64