######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.DumucBilyatshu.Hindawi62746496 #META# Tags: literature #META# ID: 62746496 #META# Title: دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تُنشر لأول مرة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفرن‏ # القهوة‏ # بربارا‏ # الأسد يموت‏ # الديك‏ # الشاعر‏ # لماذا نسيتني؟‏ # أحلام الفارس القديم في رحلة السندباد الأخيرة‏ # جلسة عائلية في الحديقة‏ # الوصية‏ # دموع البلياتشو‏ # أوراق صينية‏ # الحكيم يملي دموعه المؤجلة‏ # الفرن‏ # القهوة‏ # بربارا‏ # الأسد يموت‏ # الديك‏ # الشاعر‏ # لماذا نسيتني؟‏ # أحلام الفارس القديم في رحلة السندباد الأخيرة‏ # جلسة عائلية في الحديقة‏ # الوصية‏ # دموع البلياتشو‏ # أوراق صينية‏ # الحكيم يملي دموعه المؤجلة‏ # | دموع البلياتشو # | دموع البلياتشو # | مجموعة قصصية تنشر لأول مرة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # جمع # عطيات أبو السعود # | مقدمة # بقلم عطيات أبو السعود # رحل عبد الغفار مكاوي يوم الاثنين الموافق 24 ديسمبر 2012م بعد أن داهمه التهاب رئوي لم ~~يمهله سوى يومين، وكان للرحيل المفاجئ والسريع وقع الصاعقة علي، فقد كان قبل يومين فقط ~~يواصل عمله اليومي في مكتبه ولم يسقط قلمه من يده على الإطلاق، ظننا جميعا أن إصابته ~~بالالتهاب الرئوي هي وعكة بسيطة وسرعان ما يتعافى منها، ولكن شاءت الأقدار أن تتدهور الحالة ~~في غضون 48 ساعة فقط لينتهي كل شيء بصورة غير متوقعة. # وجدت نفسي أنظر حولي في ذهول، وربما لأول مرة أجدني أتساءل بشكل وجودي عن معنى الحياة ~~والموت، ووقفت أمام المفارقة الكبرى الحياة والموت، الحياة بكل ما تعنيه من حيوية ووجود ~~ولحظات أمل، والموت بكل ما يعنيه من سلب للوجود وانطفاء للوعي ووأد كل الآمال، وقفت ~~أتساءل: # كيف يمكن لهذا الذهن المتقد لآخر لحظة أن يتوقف؟ كيف يتحول هذا الشغف والعشق للقراءة ~~والكتابة - حتى الرمق الأخير - إلى سكون أبدي؟ # كيف يمكن لهذه الروح المسكونة بالحياة والحب والعطاء أن تسلم بهذه السرعة؟ # كيف يمكن لهذا الوعي الحاد أن ينطفئ فجأة بدون مقدمات؟ # ظللت لفترة طويلة بعد هذا الرحيل المفاجئ لا أملك الشجاعة لدخول حجرة مكتبه - أو صومعته ~~كما كنا نطلق عليها - وظلت غرفة مكتبه مغلقة لفترة لا أتذكر مداها الآن، فلم أكن أستوعب أن ~~أفتح الغرفة ولا أجده، وهو الذي كان يمكث بها بالساعات الطويلة، منعزلا عن كل شيء إلا ~~كتبه وقلمه، كانت غرفة مكتبه هي المحراب الذي يفقد ms001 فيه الإحساس بالمكان والزمان محاطا ~~بكتب المفكرين والشعراء والفلاسفة الذين عاش أفكارهم وفلسفاتهم مواقف وتجارب حياتية عاشها ~~بكل كيانه، كابدها وعاناها. # عاش عبد الغفار مكاوي كاتبا وفنانا ومبدعا يلتمس الهدوء والسكينة، يعمل في صمت وبلا ~~صخب ولا ضجيج إعلامي، عازفا عن الأضواء، زاهدا في شهرة أو تملق سلطة، كان يقول دائما: ~~«إنني أومن بالعمل الصامت الصادق في الظل، وسواء جاء شيء من التقدير في حياتي أو بعد موتي أو ~~لم يجئ على الإطلاق، فيكفي أنني تخليت وعكفت وأخلصت قدر طاقتي المحدودة.» # اضطررت في النهاية تحت إلحاح الأصدقاء أن أدخل المكتب لفحص الأوراق، والوقوف على ما كان ~~يعكف عليه، فوجدت على المكتب آخر أوراق كان يكتبها، وهي عبارة عن مشاهد ولقطات متفرقة من ~~فصول لمسرحية فرعونية، وبطبيعة الحال لم تكن مكتملة، ولكني عثرت على بعض القصص القصيرة ضمن ~~أوراق مبعثرة في أدراج مختلفة من المكتب، بعضها مكتوب بخط يده، وبعضها الآخر منسوخ على ~~الآلة الكاتبة. وهذه المجموعة القصصية هي التي بين أيديكم الآن، وقد حاولت بمساعدة بعض ~~أصدقائه معرفة هل تم نشر هذه القصص القصيرة من قبل أم لا؟ وبعد بحث طويل تبين أنها لم تكن ~~ضمن مجموعاته القصصية المنشورة (ابن السلطان - الست الطاهرة - الحصان الأخضر يموت على شوارع ~~الأسفلت - أحزان عازف الكمان - يونس في بطن الحوت - بكائيات - النبع القديم - القبلة ~~الأخيرة)، فذهب تفكيرنا أنه على الأرجح كان ينوي تجميعها ليعدها للنشر كمجموعة قصصية ~~جديدة. # وجدت أيضا مجموعة أخرى من القصص القصيرة استبعدتها من هذه المجموعة التي بين أيديكم؛ ~~لأننا مع البحث وبمساعدة صديق قديم له، تبين أنها نشرت في مجلات أدبية متفرقة في فترة ~~الستينيات والسبعينيات، فآثرت أن أقدم فقط ما تبين أنه لم ينشر من قبل، وأتمنى أن يجد فيها ~~القارئ شيئا ما أو مغزى ما يستحق عناء القراءة. لقد كان عبد الغفار مكاوي يردد دائما أن أمة ~~«اقرأ» لا تقرأ؛ لذلك كان يقول: ~~«لو عاشت لي قصة واحدة أو عمل واحد في ضمير قارئ واحد، فسأغمض عيني في ms002 النهاية وهي قريرة ~~وسأقول لنفسي: لم يضع العمر هباء.» # كان عبد الغفار مكاوي يعرف تماما أن كل كائن حي فان، ولا بد أن تكون له نهاية، ولكنه ~~عندما سئل عما هو الإنسان؟ أجاب: ~~«الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقاوم الموت بكل أشكاله، وهو الإنسان الذي يواجهه الموت ~~بكل أشكاله المختلفة، وهو الإنسان الذي يؤكد مجد الحياة والعقل والحرية بما يبنيه من حضارة ~~وما يبدعه من فن وأدب، وكأنه كائن يتحدى الموت دائما وكأنه يقول للوجود: # إذا كنت سأنتهي للعدم، ولكنني لست عدما، فسأترك ما يدل على وجودي.» # ولقد ترك عبد الغفار مكاوي ما يدل على وجوده، فغياب الجسد لا يعني الغياب المطلق؛ لأن له ~~حضورا يخترق حواجز المكان والزمان. # | الفرن # 1 # دفع الباب الكبير بيده المرتعشة المتثاقلة فلم ينفتح، وإنما خرج منه صوت مبهم كئيب ~~يشبه عواء كلب مريض، وعاد فضغط عليه بكلتا يديه، ومرت كفه النحيلة الطويلة الأصابع، ~~الباردة العروق تتحسس جداره الخشن، عن يمين وعن شمال، وتتلمسه كما تتلمس حائطا أثريا ~~لا طاقة لها على دفعه، ثم ألقى بوجهه المهزول على الباب، وأخذ يديره على الملمس الخشن، ~~يعلو ويهبط، وكأنه يترنح مع خواطره الدائرة في هذا الرأس المتعب، يعلو معها ويهبط، أو ~~يتمثل صورة الثور العجوز الرابض في «دويرة» جاره الحاج عبد اللطيف حين يحك رأسه بالجدار، ~~ويهرش لحمه بالحائط، ولكنه لم يطل لبثه هناك، بل استند بجسده كله على الباب، ودفعه ~~بكتفيه، فأحدث عواءه المتقطع المتثائب، ثم تسلل منه كما يتسلل الطيف، صحا لتوه من ~~مقبرة. # ودار محمود بعينيه الغائرتين في المكان فلم يتبين شيئا، وخطا خطوة أو خطوتين وفتح ~~عينيه جيدا، ومال بهما إلى حيث يأتي إليه بعض شعاع ظل يدافع موج الظلام طويلا حتى أدركته ~~عيناه. # وهناك وجد اللمبة نمرة «5» كما تركها منذ قليل، معلقة على المسمار في الركن القصي، ~~وعلى زجاجتها هذا الهباب الأسود الثقيل الذي لا يغادرها أبدا. # كان كل شيء في هذه القاعة (التي لم يكن يكره في دنياه شيئا مثل أن ms003 يسميها بالغرفة، ~~وكيف لا ؟ أوليست أكبر من هذه وأرحب مسافة؟) كما تركه هامدا جامدا، قد شنقته حبال ~~الصمت. أما زوجته فها هي كما تركها وراءه منذ لحظة، والقاعة تموج بالناس، ساكتة ~~كالسكوت، حية كالميتة، صاحية كالنائمة، وإن محمودا ليستطيع أن يجزم في نفسه بأنها لم ~~تحرك حتى رموش عينيها، واقترب منها حتى كاد يلامسها، وظل واقفا حتى تعبت قدماه، وأراد ~~أن يحرك يديه فيعلو بهما إلى فوق ثم يهبط بهما قليلا، لعل ذلك أن يوحي بالحزن، وأراد ~~أن تتحرك شفتاه المقفلتان بصوت، ببحة خافتة، بصرخة تسمعها امرأته، ترفع إليه وجهها، ~~وتقول له في صوت لا يمكنه أن يسمعه: «إنني أشكرك يا محمود»، وأراد محمود أن يتنهد بملء ~~صدره، أن يخرج الهواء من رئتيه قويا لافحا يشبه الريح الساخنة، الزافرة، فتومئ إليه ~~امرأته، وتهدهد رأسها وتقول له اجلس إلى جانبي، فقد أتعبتك بالحزن كثيرا، وود محمود لو ~~يستطيع أن يلقي هذا الثقل الذي احتمله على كتفيه مسافة بعيدة، وها هو يعود بعد أن أفرغه ~~من جسد كان فيه، أراد أن يقذف بهذا القماش الطويل العريض، المشئوم، على الأرض، فتلتفت ~~إليه امرأته، وتصنع له شكرا. # وانكمش محمود بجسمه الطويل في بطء، وأراد أن يبرر فعلته، ويفسره لنفسه، فأقعى أمام امرأته ~~ومد ذراعيه النحيلتين كالعصوين الجوفاوين وخفض رأسه حتى لقد كادت أن تلمس الأرض، واستند ~~بخده على ذراعها، وأخذ يضغطه عليها ضغطا خفيفا ثقيلا، ثم تمتمت شفتاه في صعوبة ~~«ز... ي... ن... ب» وما كاد يلفظها حتى أحس بيدها تبحث عن يده، حتى إذا وجدتها ضغطت عليها في رفق، ~~وقنع محمود بذلك، فأخذ يهز رأسه الهزيل المعروق، ويترنح به يمنة ويسرة يريد لو يستطيع ~~أن يخرج لسانه الذي لا يحسن كلمة واحدة أن يبل به كفيها، وكل قطعة من فستانها الأسود ~~الكالح في السواد، ثم هب واقفا على قدميه، ودار على نفسه دورة أو دورتين، ثم ألقى ~~بالأكفان التي أتعبت كاهله في الركن الأجوف المنور من القاعة، ومد يديه في فجوة يعرفها ~~جيدا ms004 ويحتجزها له وحده فأخرج لباسا أزرق شديد العتمة، أخذ يعالجه حتى وضع فيه جسده، ~~ودار على نفسه دورة أو دورتين ثم دلف إلى الباب ففتحه في عناء، وأغلقه من خلفه في عناء ~~كذلك. # 2 # كانت «زينب» حين غادرها زوجها، وحين عاد إليها، جالسة على الحصيرة البالية، مستندة على ~~حائط الفرن العتيق، وكانت عيناها قد دارتا في المكان، وتعلقتا بكل ما يحتويه، وتوقفتا ~~عند كل شيء فيه، عند هذه الكنبة الملقاة في جانب منه، عند هذه اللمبة «5» التي ما انفك ~~الناموس يطنطن من حولها، والهباب الأسود يحجب زجاجتها شيئا فشيئا، عند هذه الوسادة ~~التي كانت أمها الميتة مسجاة عليها في أول النهار، عند هذا القماش الفضفاض المكوم في ~~ركن من القاعة والذي ألقاه زوحها عن كتفيه منذ قليل. غير أن هذه الأجسام كلها لم تستطع ~~أن تخطر ببالها فكرة واحدة، ولم ترجع بها إلى ذكرى من الماضي واحدة، ولم تربط بينها ~~وبين أمل أو خوف، أمل واحد، أو خوف واحد. وحاولت زينب أن تجد شيئا يحمل إليها ما يميز ~~بينها وبين هذه الأشياء جميعا. جهدت في أن تلتمس شيئا، فكرة، حركة، فعلا، يضع بينها ~~وبين هذه الأشياء كلها سورا فارغا، ولم تقدر على أن تجد ما يقول لها، ويصرخ في أذنها: ~~أنت زينب، وهذا الجدار الذي استند عليه جسدك منذ الصباح ليس وإياك شيئا واحدا. ~~وأحست أنها لا بد أن تفعل شيئا، وأنها لا بد أن تجد في وعيها دفعة واحدة تنأى بها ~~بعيدا عن هذا الفرن الذي يكاد أن يصهرها ويأكل بالنار جسدها وعظمها وفكرها، وتذكرت ~~أنها جائعة، وأن أمعاءها قد تقلصت وتقبضت ولم يعد بد من أن تلقي إليها بلقمة أو ~~لقمتين، فشالت ظهرها عن الحائط، وارتكزت بيديها على الأرض ثم نهضت على قدميها المخدرتين ~~المتململتين، وخطت خطوة واحدة إلى القفة المعلقة بالحائط وأخرجت منها رغيفا كانت قد ~~أكلت بعضه، ومرت به على جلبابها تمسح عنه السواد العالق به، وأرادت أن تعود إلى حيث ~~كانت قابعة، وتعلقت عيناها «بمخدة» ms005 وراء الباب، وترددت كثيرا قبل أن تمد إليها يدا، ~~وتلفتت حولها كأنها ترى عينين مفتوحتين ترقبانها في الظلام، ولكنها لم تحفل بشيء، ~~فانتزعت المخدة المطوية، وقعدت عليها، وأسندت ظهرها إلى الفرن، وراحت تلوي في فمها لقمة ~~خشنة فتحدث صوتا خشنا. # 3 # على هذه المخدة نفسها جلس أبوها حين كانت صغيرة، نعم، لقد كان ذلك منذ زمان طويل، ~~ولقد تعلمت منه أن هذه المخدة له وحده، وأن صوته الخشن المتحشرج لا يزال يطرق أذنها ~~قويا، منذرا، متوعدا: «زينب، حذار أن يقترب أحد غيري من المخدة.» يوصيها بذلك في ~~أول النهار، حين يتأهب للخروج كعادته، وفي آخر النهار حين يتربع عليها ثم يتنحنح ويعطس ~~ويخرج أصواتا غريبة تسعى إلى أذنيها دائما من النوم الذي يرنق أجفانها. هل كانت هذه ~~المخدة حجابا من الأحجبة التي لا ينفك أبوها يحشده بالأسرار؟ هل كانت حرما مقدسا ~~يضاف إلى المقدسات التي ملأ بها أبوها عليها هذه الحجرة ولو شاء لما ترك من العالم ~~حيزا من المكان لم يضع فيه محرما؟ # وذكرت زينب ذلك كله، ثم تحسست هذا الشيء الناعم الداني من تحتها، وتذكرت ~~أباها. # 4 ~~- أمي، ذا هو أبي قد عاد. ~~- كيف عرفت؟ ~~- آخ. تف. يخرجها من فمه ومن أنفه، حين يكون على رأس شارعنا، إن أذني تتعرف عليهما ~~في كل يوم، أليست هذه علامة كافية؟ ~~- آه يا ابنتي، كم أحس بالجوع! ليته يعود «بالبقجة» وفيها أثر من الزاد. # كان الشيخ عبد الغني مقرئا من هؤلاء المشايخ الذين تكتظ بهم القرية حتى لتكاد أن ~~تكون صناعة من لا صناعة له. صحبته زينب منذ تعلمت كيف تسير على قدميها، فقد كان رجلا ~~ضريرا. تلك سنوات طويلة قضتها وهي تجره إلى حيث يريد لها أن تسير، غير أنها لا تذكر من ~~ذلك كله إلا الوجه الصلب، والسحنة المتجهمة، والوقار الذي يتكلف الجد حتى يصير طبيعة ~~لازمة، والفم المغلق الذي لا ينفتح إلا عند تلاوة القرآن، ولقد عرفت مداخل البيوت ~~جميعا، ولكن قدميها لم تكونا تتعديانها أبدا. ~~- بيت من ms006 هذا؟ ~~- الشيخ منصور ناظر الوقف. # ثم يضرب أبوها الباب بعصاه مرة أو مرتين، ويمد يده إلى حبل قصير فيجذبه إليه، ويتحرك ~~الترباس الغليظ، ثم يدلف من العتبة إلى الداخل وهو يطلق صوته القوي الواضح: يا ساتر. ~~ويكرره مرة أو مرتين، ثم يميل على ابنته: ألا ترين أحدا؟ وحين ترد عليه بالسلب يضع جسده ~~المتعب الثقيل على الكنبة ويتربع ثم يبدأ في قراءته، وهي تذكر الآن مجلسها هناك، عند ~~هذا المدخل الذي لم تجتزه أبدا إلى ما وراءه، وهي تذكر أن عينيها لم تكونا تستقران، ~~فقد كانت ترسلهما في قلب البيت تنقبان عن سر مجهول في داخله، ولكنها كانت تخرج من ~~البيوت جميعا كما دخلتها، لم تتخط العتبات إلى ما وراءها، ولقد كان أبوها يتوقف عن ~~قراءته ويميل عليها مستفسرا بسؤال لم يكن يتمه أبدا: ألم يأت أحد بالراتب؟ ثم لا ~~ينتظر منها جوابا، بل يمضي في قراءته ليعود بسؤاله لها: العيش، ألا ترين دخانا ~~يتصاعد؟ ولكنها لم تكن تجيبه أبدا، بل ترسل عينيها الباحثتين أمامها، وحين ينتهي ~~أبوها يشد من جلبابها ويقول لها: إلى دكان الأسطى السيد. # وكان الأسطى السيد هذا سمكريا في الشارع الضيق القريب، ولقد كانت تبلغها دقات ~~القواديم وأصوات الصفيح المطروق وتصليح البوابير وهي في طريقها إليه، وكان الشيخ لا ~~يسألها عن مكانه أبدا، فكان يرفع صوته في جهد قائلا: «السلام عليكم ورحمة الله.» ~~فكانت ابنته تنبه إلى أنهما لم يدركاه بعد، حتى إذا اقترب منه صاح قائلا: «السلام ~~عليكم.» فتعود ابنته لتقول له وهي شبه غاضبة: «لسه شوية.» ويزمجر الرجل، وتتمتم شفتاه ~~باستغفاره المألوف. # ويتخذ الشيخ عبد الغني مكانه المنزوي في داخل الدكان، ويظل يرفع في صوته ويجود في ~~قراءته، ويدخل عليها هذا الإيقاع المنغم الذي لا يحسنه إلا قارئو المآتم، ويشق على ~~حنجرته المتعبة لكي ينفذ صوته من خلال الطرقات الصاخبة إلى الآذان، وحين ينتهي من ~~قراءته ويتأهب لوضع حذائه المتهالك في قدميه يصيح به الأسطى سيد مستغربا: «يا شيخ عبد ~~الغني أفلا قرأت علينا ms007 شيئا من كتاب الله؟» ~~- ولكن يا أسطى سيد، لقد قرأت عليك جزء عم بأكمله. ~~- آه، إنني لم أسمع منه حرفا. ~~- لقد كنت أصيح كلما ازدادت القواديم لجبا أن استمعوا. ~~- إذن فمر بنا غدا. ~~- ولكن ... # ويقاطعه الأسطى سيد ويصيح: «نحن معذورون يا شيخ عبد الغني، غدا، غدا، يا لله.» # وكانت زينب حين يدور هذا الحوار اليومي بين الرجلين تحرص على أن تكون يدها الهزيلة ~~الخائفة ممدودة نحو السمكري، وكيف تنسى أن تفعل؟ وهل تهمل تعليم أبيها لها؟ يدك، يدك يا ~~زينب، لا تريحها أبدا، لا أريدك أن تضعيها إلى جانبك كما يفعل بقية الناس، بل مديها ~~إلى إمام، إن الرزق لا يهبط على الأيدي المنقبضة المقفولة. # 5 # وعاد أبوها يوما إلى بيته مهرولا، فكانت زينب تلتقط أنفاسها في صعوبة وهي تلهث ~~وتجري لتلحق به، وحين دفع الباب صاح وهو يكح في عنف ويستعيذ من الشيطان: «الموت حق، ~~الموت حق.» واندفعت نحوه امرأته قائلة: «ما لك يا شيخ عبد الغني؟» ثم مرت بكفها على ~~جبهته وتلمست يديه ومسحت على رأسه وهي تستعيذ بالملائكة من كل شيطان، وقالت في أسى: «أنت ~~دافئ الليلة.» وأمر الرجل بمخدته، فأخرجت من مكمنها ووضعت له، وحين استراح عليها اطمأن ~~إلى أنه سعيد حقا، وأنه مرتفع عن الأرض كثيرا، وأنه أعلى من سواه شأنا. # هذه المخدة الطرية الناعمة تبعده عن عذابه الخشن القاسي، أولم ينس حياته البائسة حين ~~يعود إلى بيته فيستند عليها ويتلمسها؟ ثم يهتف عاليا: «ما أكثر نعمك يا رب!» وتحسس الرجل ~~حذاءه واطمأن إلى أنه قد وضع أمامه، ثم هتف بامرأته وابنته أن اقتربا مني، ونفخ يده ~~كما يفعل كل مساء، وأخذ يقرأ آيات كثيرة مما ألف أن يتلو قبل نومه، ثم مر بيديه على ~~رأسه ومسح بهما وجهه وجسده حتى قدميه. # وحين تم أوراده مد يده في حذر إلى جلبابه فرفعها، ثم غاص إلى حزام عريض من الصوف قد ~~لفه على بطنه، ودسها فيه وقتا غير قصير، ثم اتجه إلى امرأته وهمس في أذنها: ms008 «هل أنت ~~شجاعة يا امرأة؟» ولكنها لم تقل شيئا، فعاد يسألها: «هل أنت شجاعة يا امرأة؟» ولم تدر ~~كيف تجيب، فلقد تعلقت عيناها باليدين القابضتين على شيء لا تدريه تمتدان إليها في حذر ~~وإبطاء لكي تلقيه في حجرها. ~~- ما هذا يا شيخ عبد الغني؟ # إنها ثروة العمر، سبعة جنيهات، أجل، سبعة جنيهات قد حفظتها لألقي إليك بها الساعة. ~~- ولكن ... # ووجدت زينب أباها يبحث عنها، فاقتربت منه خائفة، ومد الشيخ يديه إليها، ثم جذبها ~~إليه في قوة وضمها إلى صدره، وهمس في أذنيها: سبعة جنيهات يا زينب، ستدخلين بها ~~الفرن، سبعة جنيهات يا زينب، اشكري أباك الذي صنع لك مستقبلا، وسألته زينب عن هذا ~~الفرن وماذا عساه أن يكون؟ ولكنه وضع يده على فمها فسكتت، وسمعته يقول: «نحن فقراء يا ~~رب، ولكننا مذنبون، وهذا الفرن، والنار التي تتضرم فيه، فكيف بنا على احتمال نارك ~~الحامية؟» وكان رأسه يهتز ويترنح وصوته يختلج وينساب فيه الندم، ثم يندفع في نشيج متصل ~~لا يهدأ، ويعود كالمستيقظ من نوم متعب لكي يذكر امرأته بالنار، وبأن فرنها هذا الماثل ~~أمامها ليس إلا شبحا للفرن الذي أعد للمذنبين، وللفقراء، وبأن دموع الندم وحدها هي ~~التي تطفئ لهبه. والحق أن زينب لم تدرك من ذلك كله شيئا، ولم ترد أن تفهم منه حرفا، ~~وإنما ثبتت عيناها عند الصرة الملقاة في حجر أمها، المحجوبة تحت رأسها المطرقة في خشوع، ~~ثم التفتت إلى الوراء فوجدت الفرن كما هو، يشكو من أن ناره حامية، وأن عذابها كبير. ~~ولقد فكرت زينب طويلا في ذلك الفرن الآخر الذي ستدخله بهذه الجنيهات السبع الملقاة في ~~حجر أمها، وسألت نفسها إذا كان الناس يعذبون ويؤجرون بالمال أيضا، ولما لم تفهم شيئا ~~تركت أباها في نشيجه المحزن ذلك، وأمها التي لم تزل تندب ذنوبها وأيامها التي ضيعتها في ~~غير الاستغفار، ثم طلعت على الفرن، وسحبت اللحاف، واستسلمت لنوم هادئ لا يعكره ~~شيء. # 6 # وهي تذكر أن أباها قد لبث على حاله تلك سبعة أيام متتاليات، يصحو ms009 في الصباح فيضم زينب ~~إليه، ثم يهمس في أذنيها بأنه قد حفظ لها على مدى العمر سبعة جنيهات، وبأنها ستدخل دنيا ~~جديدة لم ترها من قبل، وكان في أغلب حالاته يقول لها: «هيه يا زينب! إنك ستدخلين الفرن ~~بهذه الجنيهات، فاشكري أباك.» وهي تبحث الآن في ذكرياتها عن اليوم الذي مات أبوها فيه، ~~ولكنها لا تحفظ من ذلك أثرا، فإن مشهدا آخر يزحم كل ذكرياتها، ويتقدمها، ويمثل أمامها ~~في صورة أمها المتشحة بالسواد تقترب منها وتنهي إليها في كلمات قصار: «سنذهب بك غدا إلى ~~المنصورة.» # وهي لا تجد في مخيلتها من هذه الرحلة الغريبة في البلاد الغريبة إلا أنها قد صحبت ~~أمها إلى دكان امتلأ بالذهب، وأن أمها قد جلست أمام الخواجة الذكي الثرثار منشرحة الصدر ~~سعيدة ضاحكة كما لم تسعد أو تضحك في يوم من أيام حياتها الطويلة. كانت أمها ضعيفة ~~البصر، نصف عمياء، فراحت تقلب بين يديها ما يعرض أمامها من الأساور والحلقان والعقود، ~~فتتحسسه بكفيها النحيلتين، أما هي فقد كانت صامتة ساكنة، لم يكن الأمر يعنيها في شيء، ~~لقد قضت حياتها متفرجة على الأشياء والأحياء. # وهي تذكر أن أمها، من فرط فرحتها قد تناولت من يد الخواجة أسورة ذهبية، ثم عالجتها في ~~يدها، وأخذت تدفعها في معصمها وفي ذراعها، وتتحسسها بين الحين والحين، وتخرجها من يدها ~~ثم تعود فتحاول أن تدفعها في ذراع كالعصا الجوفاء صنعت من القش الواهي. # ولقد كانت أمها تميل عليها وتهمس في أذنها بأنها في زمانها لم تستطع أن تشتري ذهبا ~~ولم تدخل محل جواهرجي، بل قنعت بالزواج الخشن، من الزوج الخشن، على الفراش الخشن. ولقد ~~ابتاعت أمها من الخواجة الذكي الثرثار قطعة أو قطعتين، ربطتهما في صرة من القماش قبضت ~~عليها في اعتناء وحذر، كما يقبض الميت على ثروة يود لو يستطيع أن يستأثر بها وحده وأن ~~يصحبها معه إلى قبره، لتقبض عليها يداه، في الظلام الخالد. # وحين عادت زينب مع أمها في قطار البراري كان الليل قد نشر عتمته على راكبي ms010 الدرجة ~~الثالثة، وجلست وأمها على مقعد خشن، تنفذ إليهما الريح كألواح الثلج من نافذة متخرقة، ~~ليلتحم الراكبون وتلتف أجسادهم، لتدفئ برد الشتاء وقسوة الليل، ثم تنطلق أفواههم ~~بأحاديث لا ينصت لها قائلوها، وتدور أعينهم في الوجوه الجامدة المتعبة، قانعة بالتفرج ~~لأنها لا تريد أن تؤول شيئا مما تراه، وكل ما تراه متماثل واحد لا يتغير ولا يتفاضل ~~أبدا. ولقد احتضنتها أمها، واشتكت لها من أنها لم تعد تقوى على احتمال البرد، فانعطفت ~~وضمتها إليها في إصرار، ومسحت خديها بكتفها ووجهها، وأرادت أن تقول شيئا ولكنها لم تجد ~~صوتا تحرك به حنجرتها فقنعت بالصمت، ووجدت أمها تهمس في أذنها ضاحكة: «ليس لك أن تشتكي ~~من البرد، فالدفء ينتظرك في بيتنا، أولست ستدخلين الفرن عما قريب؟» ولقد سرت في جسدها ~~رعشة خفية، وغامت أمام عينيها سحابة من هم، وحاولت أن تفهم هذا الفرن، وراحت تستعيد ما ~~قاله لها أبوها، ثم تهز رأسها وإن كانت في صميمها تشتاق إلى تعرف هذا الفرن، والتلظي ~~بناره. # ولقد عادت في مساء ذلك اليوم إلى بيتها، تحمل في رأسها صورة غامضة عن الفرن الذي ~~سيلقى بها فيه، وتحمل أمها في يدها صرة قبضت عليها في حذر. وحين أرادت أن تضع المفتاح ~~في باب حجرتها، ألفت شبحا يتحرك في الظلام، فتراجعت، ولكنه اقترب منها، وحرك شفتيه ~~بأصوات مرتفعة، ودت لو أنها كانت في الظلام همسا، ثم التفتت إلى أمها فوجدتها تقبل ~~ضاحكة مستبشرة، ثم تربت على كتفه وتشير له إلى ابنتها ثم تعود إلى ضحكها، وتفتح له ~~يدها، لتريه الصرة، ثم تفتحها أمامه، وتعرض عليه أسورتين نحيلتين من الذهب، تلقفهما في ~~يديه، وأخذ يقلبهما مشدوها. # ولقد عرفت فيما بعد أن محمودا كان ينتظرهما قلقا متشوقا، وأنه قد لبث واقفا أو ~~قاعدا أمام بابهما طيلة ذلك اليوم حتى انتصف ليله أو كاد، فلما أن عاد دلف معهما إلى ~~الداخل، وأخذ يتحسس كل شيء يجده في طريقه متهللا، فرحا، ثم اقترب من الفرن الرابض في ~~هذه الغرفة فطلع عليه، وأخذ ms011 يتمرغ عليه، ويضحك ويقهقه، ويدعو زينب وأمها، بإشارته، إلى ~~الضحك. # وفي هذه الليلة نفسها اشترك محمود في حوار مع أمها لم تشهد زينب نظيرا له من قبل، ~~فقد عرفت أن الرجل أصم، وأنه لذلك كان يستعين برجليه وقدميه، وكل خلجة في جسده، وأنه ~~كان يرفع صوته عاليا، فتشير لها أمها أن تحتمل، نعم أن تحتمل، وقد احتملت زينب ~~كثيرا، ومالت عليها أمها، ثم همست في أذنها أنها لن تشاركها في نومها الليلة، وأن ~~محمودا زوجها هو وحده الذي سيملأ عليها فراشها دفئا، وأن أمها قد ضحكت ضحكة خفية ~~وأسرت إليها أنها لذلك ستقضي ليلتها نائمة على عتبة حجرتها، ولقد استنكرت زينب ذلك ~~منها وقالت لها بصوت دامع بالأسى بأنها ضعيفة ومريضة، وأنها لن تحتمل برد الليل، وأنها ~~لا تدري كيف تنام أمها على التراب في ليلة زواجها. ولقد بكت زينب كثيرا، وألحت على ~~أمها أن تبيت معها، ولكن أمها كانت عنيدة الرأي، فما لبثت أن تركتها، وتناولت غطاء ~~رقيقا، ثم أغلقت الباب من ورائها. وظلت أمها على هذه الحال سبع ليال متتالية، وأمس، ~~دخلت من الباب زاحفة على ركبتيها تسعل، وتشهق وتغمغم قائلة: «إنني مريضة يا ابنتي، إن ~~أمك قد أصبحت كالقش المحترق.» وتهرول إليها زينب، وتمسك بيديها، وتحاول أن تلومها على ~~صنيعها، ولكن أمها تقع على الأرض كما يلقى الشيء، ساكنة، لا ينبض فيها عصب، ولا يتردد ~~نفس. # وها هو زوجها قد دخل عليها في هذا الصباح يحمل أكفانا، ويلقيها على الأرض، ثم يلقي ~~بنفسه أمامها، يريد لو يسكن من حزنها، ويقبض على يدها في حنان، ثم يتركها في جلستها ~~تلك، ساكنة جامدة. # ولقد لبثت زينب تفكر في شيء غير الحزن على موت أمها، وغير التفجع على حياتها البائسة، ~~كانت تفكر في هذا الفرن الذي مات أبوها ولم يفسر لها كنهه، وماتت أمها ولم تكشف لها عن ~~حقيقته، وستموت وزوجها قبل أن تفهم من سره شيئا، لقد قضت مع محمود ليالي سبعا، ولقد ~~ضمها إلى صدره كثيرا، ولثمها، وأشبعها ms012 تقبيلا، ولقد كان ينضو عنها ثيابها جميعا ~~ويلقي بجسده على جسدها، ويظل ليله عاكفا عليها، يهمس في سمعها بسعادته تلك، ومحبته ~~لها، هل كان ذلك هو الفرن الذي حدثتها عنه أمها، عن دفئه، وحرارته؟ وعاد إليها زوجها ~~في آخر النهار، ثم أمسك بيدها، واقتادها إلى حيث تناهت إليها موسيقى مختلطة بالزغاريد ~~والغناء وموكب من الرجال والنساء يزف عروسا، ولقد ضحك زوجها كثيرا، ودعاها إلى الضحك ~~معه، ثم همس في أذنيها: «إن جارتنا الجميلة ستدخل الفرن الليلة.» وهزت زينب رأسها ~~مستفسرة، وتنقلت عيناها بين الموكب وبين زوجها، وخرج منها صوت لم يحاول أن يتبينه لأنه ~~لن يسمعه، وغمغمت ضاحكة، باكية، واختلج جسدها كله، وقالت في نفسها: «هل كتب على أهل قريتي ~~أن يدخلوا الفرن كما دخلت؟ ألا يوجد فيهم من يفلت من مصير البائسين؟» # وضغط زوجها على يدها، ثم سار معها إلى غرفتها، فأغلقها من خلفه في إحكام. # الثقافة، 5 يناير 1953م # | القهوة # صحوت يا ابني من النوم؟ أعمل لك شاي؟ قهوة؟ القهوة المرة إياها؟ آه يا ربي! يا ما نفسي ~~تجربها بالسكر، ولو ملعقة واحدة، تقوي دمك وتمسك أعصابك، طيب جرب مرة واحدة، طيب أنا نفسي ~~العجوزة المهدمة لو شربتها عند أحد أو مع الضيوف قلت لهم يضعوا فيها ملعقتين ثلاثة، لازم ~~الواحد يرحم قلبه، بلاش؟ طيب، على كيفك، أنت الجاني على نفسك، وعلى رأي المثل: عقلك في راسك ~~اعرف خلاصك، طيب وحياة الحبيب النبي لو أعطوني ملك قارون ما أشربها من غير سكر، إنما أنتم ~~يا شبان تقتلوا أنفسكم، شبان؟ أنا قلت شبان؟ طيب والله ثلاثة أبوك الله يرحمه كان شكله أصغر ~~منك، صحة وعافية ولا سبع الغابة، أبو زيد لكن اسم على مسمى، إن راح أو جاء الناس تقول شوفوا ~~أبو زيد الهلالي! حتى وهو يطالع في الروح، نفسه شديد، عينيه عينين صقر، صدره طالع نازل ولا ~~القفص الحديد، ولو شاف ساعتها عزرائيل كان هجم عليه وداس على رقبته لغاية ما طلع روحه، لكن ~~الزمن تغير، والدنيا أصبحت ms013 غير الدنيا، القهوة أهيه! أصبها لك؟ لأ؟ طيب يا ابني، أنت حر، ~~أف! الدنيا حر هنا، أفتح لك الشباك يدخل نسمة هواء؟ لا؟ طيب باب البلكونة؟ لا؟ على راحتك، ~~أنت ومزاجك، خلي العرق يصب عليك وبعدها تبرد وترقد في السرير وتقول يا ليتني سمعت كلامها، ~~أصب لك القهوة بعد ما تطفئ السيجارة؟ قطعت السجاير وسنينها ويوم ما اخترعوها، كان يوم أسود ~~من الفحم، إيديكم بقيت فحم، صدركم فحم، أسنانكم فحم، يا ريت يا ابني تبطلها، أو حتى تقلل ~~منها، أسكت؟ يعني كلامي دائما ثقيل على قلبك؟ قسمتي ونصيبي، طيب يا ابني، أروح أنا؟ أرجع ~~على حجرتي؟ لا يلزمك شيء طيب، طيب، الله يعينك يا حبيبي، لا تسهر أكثر من اللازم، ولا تنس ~~اللمبة قبل ما تنام، نسيت أسألك المغرب وجب يا ترى؟ لأ؟ نصف ساعة عليه؟ طيب أقعد معاك ~~أسليك؟ تلاقي نفسك زهقت من قعدتك لوحدك، هه! الكنبة كانت فكرتها عظيمة، الواحد يقدر يريح ~~جنبه ويركن رأسه على كيفه، أفتح الشباك؟ حاجة بسيطة. النسمة يا ابني تغير جو الدخان، يا ~~سلام يا أولاد، أول ما الواحد يقعد يظهر عليه تعب الدنيا كلها، نسيت أحكي لك، يعني لا ~~سألتني ولا حاجة، وتلاقيك ولا على بالك، كانت ليلة لها العجب، نعم، نعم، ليلة أول البارحة، ~~أما فرح ولا كل الأفراح، حاجة تشرح القلب صحيح، ناس ولا الباشوات في زمانهم، صحيح الأصل له ~~عمل، البيت يشف ويرف، منور من بعيد ولا قصر من الجنة، والميكروفون ينادي على التائهين، أعرف ~~أنك تكره الميكروفونات، لكن الرقص والمغنى يا ابني لازم ياخد حقه، والصوان على السطوح، ~~العين ما تعرف له آخر، والمعازيم، ستات ورجال، شيء ما يحصره العد، تقول موج البحر! تقول رمل ~~وبدروه على الأرض! صحيح الناس كثرت يا ابني، شيء ما له وصف، وكلهم ياكلوا الشوكولاتة ويشربوا ~~الشربات ويتعشوا ويضحكوا ويتكلموا في نفس واحد، شيء يفرح القلب صحيح، تقول لأ؟ طول عمرك ~~تكره الزحمة، لكن يا ابني الناس لبعضها، وبني آدم منا خلقه ربنا ms014 لأجل يعيش مع البني آدمين، ~~هي الدنيا من غير الحبايب تساوي التراب؟ القصد، أول ما سميرة هانم لمحتني جرت علي، أهلا ~~وسهلا بالست أم سامي، يا ألف وثلاثمائة مرحبا، بالحضن يا حبيبتي. ناس من أصل صحيح، ناس ~~أكابر يفهموا في الذوق والإنسانية، وراسها وألف سيف لازم أسلم على العروسة، هه؟ قلت حاجة؟ ~~لا؟ طبعا، كانت قاعدة على الكوشة، وجهها ولا القمر، بدر ومنور يا حبيبي، عمري ما عيني شافت ~~حلاوتها ولا جمالها، رحت سلمت عليها، طبعا، أخذتها بالحضن؟ لا والنبي، هي التي أخذتني ~~بالحضن، ملت عليها بستها من الخدين، سألتني عنك، فيها الخير، قالت: يا ليت كان سامي معك، ~~نزلت الدمعة فرت من عيني، سقطت على فستانها، قالت لي: الله؟ سامي جرى له حاجة؟ قلت لها: يا ~~بنتي، سامي بخير والحمد لله، يسلم عليك، كذبت عليها وقلت لها عندك شغل، لولا الشغل كنت حضرت ~~معي، وسلمت على عريسها طبعا، شاب طيب وابن حلال، أمه داعية له قبل ما تموت، بخته من السما، ~~مال وجمال وأخلاق، والواحد يطلب أكثر من هذا؟ وهو شاب مسكين يتيم لا أم ولا أب ولا وراءه ~~ولا قدامه، لكن البخت والنصيب، قلت في نفسي لو كنت يا سامي في مكانه! لو كنت سمعت كلامي يا ~~حبيبي! كانت لك وأنت لها، لائقين لبعض، حتى الطول واحد والجسم واحد، وكلنا أهل بعض، سميرة ~~هانم على كل حال قريبتنا، وزوجها الله يرحمه كان صاحب والدك، ألف رحمة تنزل عليه، وعلى كل ~~حال ولا كانوا طلبوا منا مهر ولا حاجة، الشبكة كنا دبرناها من أي طريق، ناس تعرف ظروفنا ~~وتعذر حالتنا، وكلنا أهالي بعض يا حبيبي، بذمتك يا سامي، فتحية كنا بها عيب؟ بنت مؤدبة ~~وأميرة وتحبك، أي والله تحبك، لا، لا تصدق! قلت لك والله سألتني عليك، حتى وهي على الكوشة ~~وعريسها على شمالها سألتني عليك، بنت مؤدبة وبنت ناس وتحبك، أبعد أنا عن سيرة الحب؟ تهز ~~رأسك؟ لولا عندك كان قلبي استراح، كان بقي لك بيت وواحدة تنتظرك ms015 وتسأل عليك، وتأخذ بالها من ~~عيالك، في أي وقت تلاقي الأكلة حاضرة والهدمة نظيفة والبيت فيه نفس، ترجع بالليل تلاقي ~~لمبتك مسروجة وفرشتك دافئة ولقمتك جاهزة، يعني لا ترد علي، ساكت والذي في دماغك في دماغك، ~~طيب قول كلمة واحدة، أبعد عن سيرة الزواج؟ علبة السجائر؟ يا ابني أنت شربت كثير، وصدرك بقى ~~مثل الطاحونة، طول الليل يزيق، يعني الواحد يدخل في صدره نار؟ حرام عليك يا شيخ، طيب أبعد ~~الدخان عن ناحيتي، يووه! والنبي ولا مدخنة الطاحونة، والأصابع، ولا الفحم المحروق، آه يا ~~ناري لو كان أبوك شافها، كان عرف صحيح شغله معاك، تضحك؟ طول عمرك عنيد، دماغك حجر، ولا أحد ~~يأخذ منك حق ولا باطل، نرجع للفرح، لأ؟ طيب وآخرتها معك؟ تقضي عمرك على هذا الحال؟ طول ~~النهار قاعد قعدتك، ولا تمثال الفرعوني في زمانه، لا كلمة ولا همسة، عينيك في السقف، يا ترى ~~شايف إيه هناك؟ ساكت ولا تتكلم ولا تكلم أحد، الكتاب في يدك أو الجرنال، الله يقطع سيرة ~~الكتب والجرانيل، كوم فوق كوم، على الأرض، فوق المكتب، في الدولاب، جنب الحيطان، كتب كتب ~~يعني أخذت منها حاجة غير ضياع العمر والصحة والكتابة ليل ونهار؟ الله يلعن المدارس ~~وأصحابها، كان ما لنا وما لها، كنا عشنا في الأرياف، على الأقل تشم هواء نظيف وتسرح الغيط ~~وتأكل زبدة ولحم، وتفرح وتتزوج ويصبح لك عيال وذرية. أبعد عن سيرة الزواج، أنا عارفة، الجرح ~~هو هو في قلبك، الله يلعن التي كانت السبب، لو كنت أعرفها أو أراها قدامي، طبعا، كنت ~~قطعتها بأسناني، يعني كنت شحاذ وهي بنت السلطان، كلهم بنات حوا يا ابني، والبنات مالئة ~~الدنيا، بس اطلب أو اتكلم، والله أخطبها لك، حتى لو كانت بنت السلطان، ولا قعدتك وحدك يا ~~ابني، لا تكلم أحدا ولا أحد يكلمك، يعني يعجبك تصبح مثل عمك سليمان، نعم جارنا عم سليمان، ~~عجوز ومكسر وغلبان زمانه، يا ليتك تشوفه وهو طالع على السلم، البواب يسنده سلمة سلمة، لغاية ~~ما يلفظ النفس، ms016 يأخذه من يده لغاية ما يدخل باب الشقة، وهدومه يخلعها له ، لا واحدة تسليه ~~ولا ابن يؤنسه، والعجوز الخادمة تسرقه عيني عينك، يوم الخميس ضرب الجرس فتحت له، قال لي وهو ~~يصرخ تصوري يا ست أم سامي، تصوري، بعد العشرة الطويلة، الولية العجوز تسرقني، تغلي علي كل ~~حاجة، حتى علبة الكبريت تغليها علي، هل فيه أحد يصدق أن ثمنها ستة مليم؟ يا عالم! يا هوه! ~~الرحمة ضاعت، الناس ذمتها خربت، بصيت في الساعة؟ تقول المغرب وجب، طيب يا ابني، أنا قايمة ~~أصلي، ربنا قادر يستجيب دعوتي، قادر ينور قلبك ويهدي لك سكتك، قلت حاجة يا ابني؟ لأ؟ يعني ~~كلامي كله في الهوا، يعني لا حس ولا خبر، طيب قم من مطرحك ساعة زمن، مشي رجليك، نزل عينيك ~~من السقف، حكمك يا ربي! أنت حكمت علينا، أمرك يا حبيبي، هه؟ أنا بابكي، لا يا ابني، أبدا ~~أبدا. ولا حاجة، دمعة وفرت من عيني، خلاص راحت لحالها، كان نفسي قبل ما أموت ألاقيك في وسط ~~عيالك، أنت نسيت؟ يوم من الأيام ينتهي الأجل على كل حال، تحضر من الشغل تلاقيني، على ~~السرير، أو يمكن على الأرض، طالع مني السر الإلهي. أبعد عن سيرة الموت؟ طيب يا حبيبي، أنا ~~ماشية، قبل ما المغرب يفوت، لكن لو كنت تسمع كلامي، حتى ربنا وصى على الوالدين، قال في حكم ~~كتابه وبالوالدين إحسانا، هيه! يا أم هاشم، نفسك معنا يا بنت الحبيب، تقول أعمل لك فنجال ~~قهوة؟ طيب أعمل فنجال حلبة أو حتى ينسون؟ لأ؟ يعني لازم القهوة تكون مرة؟ هي الدنيا يا ~~ابني ناقصة مرارة؟ طيب جرب معاها ملعقتين سكر، ولو ملعقة واحدة، لا؟ دائما لا؟ طيب قل كلمة ~~واحدة، كلمة تجبر بها خاطري، أسكت أنا؟ طيب سكت، آخذ الصينية معي، أنت بتبكي؟ لأ؟ لكن ~~الدمعة نازلة على خدك، ولا شيء؟ آخ يا ربي! لو كنت أعرف السبب! لو كنت تفتح لي صدرك، طيب ~~طيب، أنا ماشية، خلاص سكت، مصيري في يوم أمشي من الدنيا ms017 كلها، هه؟ القهوة؟ حاضر يا ابني، ~~مسافة ما الكنكة تسخن، بس لو كنت تشربها بسكر. # عبد الغفار مكاوي # | بربارا # تعودت أن أراها كل يوم، فما أكاد أفرغ من محاضرات الظهيرة في الجامعة حتى أتجه إلى هذا ~~المطعم القريب لأتناول وجبة الغذاء، وأشرب قدحا من البيرة الشهيرة، ويستقبلني الوجه الصغير ~~وعليه ابتسامة عذبة: نهاري سعيد. ~~- نهارك سعيد يا بربارا. ~~- ماذا يأكل الهر اليوم؟ ~~- ألا تحضرين قائمة الطعام؟ ~~- لست في حاجة إليها، فأنا أحفظ ما فيها عن ظهر قلب، عندنا اليوم سجق. ~~- كل يوم سجق يا بربارا؟! ~~- إذن سأحضر لك بفتيك بالبطاطس أو هل تحب طبقا من الحساء بالمكرونة وذيل الحصان؟ أو ~~... ~~- هاتي ما يعجبك يا بربارا، هاتي ما يعجبك! # وتنقلت بسرعة كأنها دمية لطيفة، وتعود بعد قليل تحمل صينية عليها أطباق الطعام، ثم تجلس ~~أمامي وتعقد يديها على صدرها، كأنها متهم ينتظر الحكم عليه بين شفتي القاضي، وتتململ قليلا ~~في مقعدها قبل أن تسألني: هل أعجبك؟ ~~- لذيذ جدا! # وانتظرت أن تقولي لي «شهية طيبة» كما تعودت أن تقول لي كل يوم، ولكن صيحة ندت عنها نبهتني ~~إلى أن زوارا جددا قد أقبلوا. ~~- هالو هرشتاين، هالو فراوشتاين. ~~- هالوا بربارا، كيف حالك؟ # وتعود بربارا بعد قليل، وتجلس إلى جانبي وتقرب شفتيها من أذني كأنها تفضي إلي بسر خطير ~~الهر شتاين وزوجته يحضران هنا كل أسبوع، هل تعلم أين يسكنان؟ في الغابة السوداء، هل ~~رأيتها؟ ~~- لا يا بربارا، لم أرها بعد. ~~- آه! هي غابة كبيرة، كلها أشجار، أشجار، إذا سرت فيها لا ترى الشمس، لهذا سموها ~~الغابة السوداء. ~~- ولماذا يعيش الهر شتاين حيث لا تظهر الشمس؟! ~~- فلاحون، ناس مساكين، يقطع الخشب ويربي الخنازير. # وفي كل يوم أحد ينزل إلى المدينة هو وزوجته، ها هي تجلس إلى جانبه يتنزهان في الشوارع، ~~ويتفرجان على المحلات الكبيرة المنورة، ويشتريان الحاجات، يوم الأحد عندهم يوم عيد ولكنهما ~~لا يأكلان إلا في مطعمنا، نعم، لا يأكلان إلا في مطعمنا، منذ ثلاث سنين كل يوم أحد الساعة ~~الواحدة. ناس مساكين! ms018 ~~- ولماذا هم مساكين؟ # وتضع بربارا يدها على خدها وتسكت لحظة ثم تقول: آه! هذه حكاية طويلة، بابا حكاها لي منذ ~~أسبوعين، ألا تلاحظ أنهما يلبسان السواد؟ # والتفت لأتأكد من صحة ما تقول، كان الرجل يرتدي سترة صغيرة سوداء حشر فيها جسده النحيل، ~~فبدا كأنه موسيقي بائس عجوز، أما المرأة فكانت تتدثر في رداء بسيط كأنه قبل أن تفصله على ~~قدها كان راية سوداء ترفع على المباني العامة في أيام الحداد. # واستطردت بربارا تقول: بابا قال لي إنهما كان لهما ابن، ابن وحيد يسكن معهما في الغابة ~~السوداء، كل صباح يركب الدراجة إلى الجامعة، مسافة طويلة، أليس كذلك؟ كان للهر شتاين أمنية ~~واحدة: أن يرى ابنه «بروفسير» في الجامعة. بروفيسير عظيم، على عينيه نظارة كبيرة، وفي يده ~~حقيبة سوداء، ورأسه كبير جدا؛ لأنه يفكر كثيرا، مثل كل البروفسيرات، وكان الهر شتاين ~~يقاب كل إنسان ويقول له: كيف تكلمني هكذا؟! إن هي إلا أيام وسترى أنني أبو البروفسير، هنري ~~- وكان هذا هو اسمه - سيصبح بروفسيرا في الجامعة، وسيسكن في المدينة، وسنسكن معه في ~~المدينة، ونترك الغابة السوداء، ولكن هل تعلم ماذا حدث؟ ~~- ماذا حدث يا بربارا؟ ~~- آه! الحرب! الحرب الشريرة، هل عرفتم الحرب أيضا في بلادكم يا هر؟ كل شيء «كابوت»! ~~بابا يقول دائما إنه زمن شرير. زمن شرير وحرب شريرة، هل تشرب قدحا من البيرة؟ نعم؟ فاتحة ~~أو غامقة؟ # كنت قد فرغت من طعامي، وجلست أنتظر عودة بربارا، أطالع وجوه الحاضرين، وأنقل بصري بين ~~الصور المعلقة في الحائط، وأقبل صاحب المطعم بكرشه الضخم ووجهه الأحمر المكتنز وجسده القصير ~~السمين فحياني تحيته المعتادة: نهارك سعيد. ~~- نهارك سعيد. ~~- أرجو ألا تكون بربارا قد ضايقتك. ~~- على العكس يا سيدي. ~~- لطيفة هذه البنت، لطيفة وعزيزة علينا. # وضحك ضحكته المجلجلة التي أعرفها منه، ثم تركني وراح يتنقل بين الموائد يحيي الزبائن: ~~شهية طيبة، مرحبا بكم، شهية طيبة. # وأقبلت بربارا مسرعة ووضعت قدح البيرة أمامي وهي تقول: لحظة واحدة، سأعود حالا، حذار أن ~~تذهب! # ثم رأيتها تقبل ms019 على رجل يجلس وحده في الركن المواجه لي، وتبينت من خلال ضحكاتها الحلوة ~~بعض كلماتها: سجق بالبطاطس، شربة بالمكرونة وذيل الحصان! # وانقضت لحظات قبل أن تعود إلي وتجلس في مواجهتي. ~~- هل تعلم حكاية هذا الهر؟ ~~- وما هي حكايته يا بربارا؟ # وعقدت يديها على خديها، وأغمضت عينيها الخضراوين الجميلتين، وبدت كأنها تسترسل في حلم ~~طويل، وطال صمتها، فقلت: يا بربارا! هل نمت؟! # قالت وهي تتأملني بعينيها الحزينتين: أنا حزينة من أجل الهر فريدريش. ~~- ولماذا يا بربارا؟ # فعقدت جبهتها وقالت غاضبة: هل تعلم أنه لم يبع شيئا أمس؟ # قلت: وماذا يبيع الهر فريدريش؟ خضارا أو فاكهة؟ # قالت مستاءة: أوه! إنك لم تفهم، لم يبع ولا قصيدة! # قلت: إذن فهو شاعر؟ # قالت في حماس: نعم، نعم، كتب في الأسبوع الماضي قصيدتين جديدتين وطاف بهما على كل الجرائد ~~والمجلات في المدينة، آه! زمن شرير، ناس شريرون، ولا جريدة قبلت أن تنشر له بيتا واحدا، ~~أوف فيدرزين! أوف فيدرزين هر شتاين. إلى الأحد القادم تحياتي للغابة السوداء. وكل ~~الخنازير التي فيها. أوف فيدرزين! # كان الفلاح وزوجته قد تهيآ للانصراف، أقبل الرجل على بربارا فسلم عليها، وانحنت زوجته ~~فطبعت قبلة على جبينها، وأحنيت رأسي لأرد على تحيتها، ثم تنقلت ببصري إلى الشاعر الذي يجلس ~~وحده. كان يجلس إلى المائدة وظهره لي، ورأيت كيف يكون الشعر الطويل المنفوش ضرورة للفنانين ~~والشعراء، قلت في نفسي: لا بد أن يكون له وجه نحيل مستطيل، وعينان باكيتان وقامة ~~شامخة. # تنهدت بربارا وقالت: مسكين! # قلت ضاحكا: كل الناس عندك مساكين؟ # قالت تشير بإصبعها كأنها تتهم العالم كله: زمن شرير، ناس شريرون. # هل تعلم كيف يعيش الهر فريدريش؟ ~~- وكيف يعيش يا بربارا؟ ~~- فوق السطوح، في حجرة صغيرة، تصلح أن تكون مصيدة للفيران. ~~- وماذا يعمل إذن؟ ~~- إنه يعمل في «الألجمينه تسايتونج» يصحح أخطاء المطبعة، تصور! شاعر عظيم مثله، يقوم بعمل ~~كهذا، يمكن أن تقوم به بربارا! مسكين! ~~- وهل يعيش وحده؟ ~~- اسمع، سألته مرة: لماذا تعيش وحدك يا هر فريدريش؟ قال لي: ومع من ms020 أعيش يا بربارا؟ قلت: ~~مثلا تتزوج امرأة. قال لي: وهل أجد امرأة تتزوجني؟ قلت: بالتأكيد، امرأة تحبك. فضحك وقال: ~~النساء لا تحبني يا بربارا، لا تتعبي نفسك! هل تعلم ماذا فعل في اليوم التالي؟ كتب قصيدة ~~اسمها «بربارا»، اسمي أنا! وأقبل في مثل هذا الوقت وقال لي: أحضرت إليك هدية، قلت ماذا ~~أحضرت؟ قطعة شوكولاتة؟ قال بل قطعة شعر، وجلس في هذا الركن نفسه، على هذه المائدة نفسها، ~~وراح يقرأ علي قصيدته. # بربارا! حولي عينيك عني # عينيك الحزينتين # لكي لا تفضحا سري # لكي لا تفضحا سري يا بربارا # وإذا رأيتني أدخل وحيدا # فلا تسأليني: # لم لا تتعلق امرأة بذراعك؟ # لأن النساء لا تحبني، # لا تحبني يا بربارا. ~~- حذار أن تخطئ في شعري. # ورفعت رأسي فوجدت رجلا مديد القامة يخلع قبعته ويحييني، واحمر وجه بربارا، وتلعثم لسانها ~~وهي تقول: لا يهم، ما دمت ستصحح خطئي، أليس هذا هو عملك؟ وانحنى الرجل عليها، وأخذ يدها ~~بين يديه وقبلها وهو يقول: آه! يا نجمتي العزيزة الوحيدة! إلى الغد، إلى الغد يا نجمتي ~~الوحيدة! ورفع قبعته مرة ثانية، قالت بربارا: هل تعرف يا هر؟ إنني أتمنى أمنية ~~واحدة؟ ~~- وما هي يا بربارا؟! ~~- أن أستيقظ من النوم فأجد نفسي امرأة طويلة وكبيرة جدا. # قلت: ولماذا تستعجلين يا بربارا؟ # قالت وهي ترفع صوتها تحيي زائرا دخل لساعته: جوتن تاج! ونهضت متعجلة وهي تقول: ألا ترى أن ~~الهر فريدريش يعيش وحيدا؟! لحظة واحدة، حذار أن تنصرف قبل أن أعود، وجرت مسرعة تحيي ~~الزائر الجديد، وسمعتها من بعيد وهي تداعبه: أنا دائما في خير، وأنت، جوت؟ هل شهيتك ~~مفتوحة اليوم؟ عندنا سجق بالبطاطس، وشربه بالمكرونة وذيل الحصان. # وجرت نحو أبيها الواقف خلف «البوفيه» كأنه جبل من اللحم، ثم عادت إلي مسرعة: هه؟ أنت ~~بالطبع لا تعرف حكاية الهر أرنست؟ # قلت وأنا أنظر في ساعتي: ولا أريد أن أعرف! # قالت وهي تلوي شفتيها وترمقني بنظرة يائسة: أنا غاضبة منك! # قلت: تأخرت يا بربارا، لا بد أن أنصرف الآن! # هتفت ms021 في حماس: لا! لا! ليس قبل أن تسمع حكاية الهر أرنست . # كانت قد نطقت الاسم بصوت مرتفع، وخشيت أن يكون قد سمعها فوضعت يدها على فمها وعضت إصبعها ~~والتفتت وراءها، ثم قالت: الحمد لله! لم يسمع! هل تعرف أنه كان بحارا؟ طبعا لا تعرف، وهل ~~تعرف أن سفينته غرقت بكل من فيها عند الساحل الأفريقي؟ طبعا لا تعرف! وأنه نجا هو واثنان ~~فقط ممن كانوا معه! وأنه أخذ يسبح في الماء المالح سبعة أيام وليال، سبعة أيام في الماء ~~المالح حتى انتزع جلده؟ طبعا لا تعرف! # قلت: الساعة الآن الثالثة يا بربارا يجب أن أذهب. # قالت غاضبة: لن أكلمك بعد اليوم! # ورن في القاعة صوت مخيف: بربارا! لا تضايقي الهر! # وأطرقت برأسها الصغير إلى الأرض ووضعت إصبعها في فمها. # قلت وأنا أرتدي معطفي: ألا تسلمين علي؟ # رفعت رأسها وقالت: هل تأتي غدا؟ # قلت: بالطبع، لأسمع حكاية البحار الذي غرق في الماء المالح. # قالت: لا لا! الهر أرنست لم يغرق، ها هو يأكل هناك! # قلت: إلى الغد إذن. # ومدت رأسها الصغير فانحنيت وقبلتها على وجنتيها. ~~- أوف فيدرزين! ~~- أوف فيدرزين! # 12 / 1957م # | الأسد يموت # دفع العمال القفص الحديدي الكبير إلى السور المحيط بالحلبة، وتقدموا منه يعالجون الأقفال ~~الضخمة واحدا بعد الآخر، فيدوي صوتها وهي تفتح كصليل أغلال تفك عن عبيد أو أسرى حرب، وحبس ~~الناس أنفاسهم وهم يرون الحارس العجوز النحيل بشعره الأشيب وظهره المحني وبذلته الزرقاء ~~اللامعة الأزرار، يتجه في خطوات مهيبة نحو القفص، وقبل أن يضع يده على الباب الكبير مد ~~ذراعه اليمنى إلى أقصاها، بحركة يعرفها المتفرجون ويصفقون لها، ثم راح يدور حول نفسه في كل ~~اتجاه ويلاحظ مغتبطا راضيا أن التصفيق يشتعل من الأكف المتحمسة مع كل لفتة من لفتاته، إنه ~~يعلم بخبرته الطويلة أن التصفيق لا يدل دائما على الإعجاب، بقدر ما يعبر عن رغبة مخلصة في ~~تشجيعه، أو في العطف عليه والرثاء له. # ومن كان أولى منه في تلك الليلة بالتشجيع أو بالرثاء؟ أليس العمدة نفسه ms022 حاضرا بين ~~المتفرجين، ومع مشايخ البلد، ومأمور المركز، ورجال الحكومة؟ وهل تتاح له مثل هذه الفرصة ~~لإظهار فنه واستعراض براعته إلا مرة أو مرتين في العمر كله؟ دعا الله بالستر والأولياء ~~الصالحين بالبركة وتقدم من القفص الكبير ففتحه بيده، بينما اليد الأخرى تمسك طرف عصاه ~~الحديدية، ونزل الأسد العجوز من القفص بعد أن تثاءب وحك رأسه الأشقر بالقضبان وتأمل طويلا ~~وجه الحارس، لم ينزل من القفص إلى الأرض قفزا كما اعتاد في شبابه، بل ترك نفسه يسقط عليها ~~كمن هده التعب والإعياء، ويظهر أنه تردد طويلا وأخذ يقلب عينيه الواسعتين الجميلتين بين ~~الأرض ووجه الحارس، فلما وجد أنه لا يسنده ولا يربت على رقبته أو كتفه، بل ينظر إليه نظرة ~~استغاثة واستجداء، تحامل على نفسه وزحف إلى الأرض زحفا كالتمساح البطيء، مد رأسه أولا، ثم ~~دفع مقدم جسمه بجهد كبير، وأخيرا ترك مؤخرته وساقيه الخلفيتين تلحقان بهما، وقع الأسد على ~~الأرض ولم ينهض، قال الناس لأنفسهم لا بد أنها لعبة يقوم بها أو خدعة تمرن عليها، وازداد ~~شكهم حين رأوا الحارس يتقدم منه وينحني على أذنه ويهمس. قال الحارس: أرجوك، شد حيلك معي. هز ~~الأسد رأسه ونفض شعره الذهبي المهيب بقوة، ثم نظر لحظة إلى الحارس في صمت وأطرق برأسه وأغلق ~~عينيه. مال الحارس على أذنه مرة أخرى، ولم ينس في أثناء ذلك أن يمد ذراعه إلى أقصاه في ~~الهواء، ويتلقى عاصفة من التصفيق المنبعث عن خوف حقيقي على حياته، قال: في عرضك، قم واستر ~~عرضي، الليلة غير كل ليلة. # لم يبد على الأسد أنه سمع كلامه أو فهمه، عاد يتطلع إلى وجهه في صمت، ثم يغمض عينيه أو ~~يقلبهما بين وجوه الحاضرين أو يتثاءب أو يدفنهما بين مخلبيه الأماميين، ألح الحارس عليه ~~في صوت باك وقال: وحياتك لا تكسفني، العمدة هنا الليلة، العمدة بنفسه ومعه الأعيان وحضرة ~~المأمور، حركة واحدة من حركاتك المشهورة تخزي العين، قم الله يسترك واسمع الكلام. # بدا كأن الأسد يستجيب له، حرك ذيله عدة حركات، ms023 وفتح فمه الواسع وتأوه، ومد الحارس يده ~~ليسنده من صدره، ولا بد أنه بذل مجهودا كبيرا جعل الأسد يقف أخيرا على أطرافه الأمامية ~~والخلفية، كما جعل الحاضرين يحيونه بالتصفيق والهتاف، استدار الحارس نحوهم، رفع قلنسوته ~~الزرقاء بيد وأرسل إليهم قبلة باليد الأخرى، لكنه تمتم في سره: اللهم فوت الليلة على ~~خير. # سار في نشاط ملحوظ إلى وسط الحلبة فدفع كرسيا عاليا ذات درجات نحو الأسد، وسحب كرباجه ~~الطويل من حزامه ودوى به في الهواء قبل أن يهتف: يا بركة أم هاشم، تصفيق يا جماعة، يالله، ~~وانتظر أن يتحرك الأسد ويقفز قفزته المشهورة فيكون في لحظة فوق المقعد الطويل، غير أن الأسد ~~ظل جامدا في مكانه، يقلب فيه عينيه الحزينتين اللتين لمح الحارس فيهما برغبة في البكاء، ~~رفع كرباجه في الهواء مرة أخرى فدوى الصوت في الحلبة، وعاد يهتف: توكل على الله، يا لله، ~~ولكن الأسد ظل جامدا في مكانه، ولم يبق هناك شك في أنه يذرف الدموع، أراد الحارس أن يداري ~~خجله بصنعة ماهرة، فصفق بيديه وقال وهو يلتفت للحاضرين: والآن ترون اللعبة العجيبة، اللعبة ~~المشهورة، هيا يا رجال، هاتوا الطوق، هاتوا النار، ومد إليه عامل الطوق الحديدي من وراء ~~القضبان، وفرقع بالكرباج في يديه لحظة فصفق المتفرجون وهم يشهقون، ثم أخرج علبة كبريت من ~~جيبه وأشعل النار فيه، وتقدم من الأسد والطوق الملتهب في يده، غير أن الأسد رفع إليه رأسه ~~وراح يتطلع في وجهه، وبدلا من أن يقفز قفزته المشهورة وينفذ من الطوق تهاوى على الأرض في ~~هدوء، سكتت الموسيقى النحاسية التي مهدت للعبة الخطرة، وأخذ الناس ينظرون إلى بعضهم البعض ~~وبدا كأن الموقف قد أفلت من يد الحارس فتقدم من الأسد في محاولة جديدة، راح يربت على شعر ~~رأسه وكتفه ويلاطفه ويداعبه، بل لقد مال برأسه عليه وراح يلثم شعره، قال له الحارس: قم يا ~~رجل، قم لأجل خاطري. # تأوه الأسد آهة مسموعة ودفن رأسه بين مخلبيه. # عاد الحارس يهمس في أذنه: قم يا رجل قم، خل ms024 الليلة تفوت على خير، العمدة هنا وحضرة ~~المأمور، ومشايخ البلد والأعيان، يرضيك الناس تشمت فينا؟ # تأوه الأسد آهة طويلة، زفر زفرة تقطع القلب، تحامل على نفسه ونهض بصعوبة، فرح الحارس وعاد ~~يقدم إليه الطوق الملتهب بكلتا يديه، لكنه بدلا من أن يقفز منه زأر زأرة مخيفة جعلت الحارس ~~يبتعد عنه، ولما تقدم منه من جديد هبشه بمخلبه في صدره، فوقع على الأرض وكادت النار تحرق ~~صدره وتمتد إلى ملابسه. # صاح المأمور من بعيد: اضربوه بالنار يا عساكر، صرخ الناس وقاموا يريدون الهرب، رفع الحارس ~~ذراعه وصاح: لا، لا، حاسبوا عليه، ابني وأنا أعرفه. عاد المأمور يهتف: اضربوه بالنار قبل ~~ما يأكله. تقدم الأسد في خطوات بطيئة من سور الحلبة، اقترب من الموضع الذي يجلس فيه العمدة ~~والأعيان وحضرة المأمور، وقف أمامهم قليلا ثم برك على الأرض وتأوه، صاح صوت: الأسد تعبان، ~~مريض وظاهر عليه الموت، فتح الأسد فمه مرتين وأغلقه قبل أن يزفر ويخرج صوتا يشبه الكلام: ~~نعم يا ولدي، تعبت وظهر علي الموت. # التفت الناس لبعضهم، خيل إليهم أنهم يسمعون كلاما كالذي ألفوه، تشجع العمدة وسأل: قل يا ~~أسد، تكلم بحريتك. # قال الأسد: الله يحفظك يا سيدي العمدة، تعبت، تعبت، تعبت. # نهض العمدة من على مقعده وأشار للناس بالسكوت، طلب من العساكر أن تبتعد ببنادقها عن ~~القضبان، تأكد له أن الأسد يسمعه ويرد عليه، فسأل: اطلب ما تشاء يا أسد، هل تأخذ إجازة؟ # قال الأسد: إجازة؟ الله يحفظك يا عمدة. # بدا للعمدة أن الأسد يتهكم عليه، أعاد سؤاله مرة أخرى: هل تحب أن نلغي اللعبة؟ هل تعود ~~للقفص؟ # قال الأسد: تعبت يا عمدة من الأقفاص. # قال العمدة: ولكن القفص ضروري يا أسد، ضروري للمحافظة على الأمن، للمحافظة على أرواح ~~الناس. # قال الأسد: وروحي أنا يا عمدة؟ هل فكرتم فيها؟ # قال العمدة: بالطبع يا أسد، فنحن نكرمك ونعجب بك ونرسل لك أحسن لحم في البلد ونسميك ملك ~~الحيوانات. # تأوه الأسد: ملك الحيوانات؟ كان هذا قديما يا عمدة، أما الآن ... # قال ms025 العمدة: والآن أيضا يا أسد، الناس تهابك والوحوش والطيور تخافك، فأنت كما يعلم ~~الجميع ملك الحيوانات، ملك الغابة. # قاطعه الأسد قائلا: الغابة؟ لا تذكرني بما مضى يا عمدة، أين أنا الآن من الغابة؟ إنني ~~أموت. # قال العمدة متأثرا: الموت علينا حق يا أسد، لو سمعنا أنك مريض لأرسلنا إليك الطبيب في ~~الحال. # قال الأسد متأوها: الطبيب؟ وماذا يفعل الطبيب في مرض العصر يا عمدة؟ # سأل العمدة: مرض العصر؟ هذا شيء لم نسمع به في الأرياف يا أسد، ما هو هذا المرض؟ # قال الأسد: الملل يا عمدة، الممل. # سأل العمدة: من أي شيء يا أسد؟ مع أن السيرك تحت أمرك، والأهالي معجبة بك، انظر. # قال الأسد: مللت السيرك والناس يا عمدة. # سأل العمدة: عجيب يا أسد، وماذا تريد؟ # قال الأسد: أن تهدموا السيرك، أن أرجع لعريني وزوجتي وأولادي، أن أجري وراء الغزال ~~والحمار الوحشي وأتعارك مع الوحوش وأنعس في الشمس كما أشاء، أريد أن أعود أسدا كما كنت في ~~ماضي الزمان. # نظر العمدة إلى المتفرجين حوله، خيل إليه أنهم يتابعون كلام الأسد ويتعجبون، شعر أنه ~~يتحدث بلسانهم فتشجع وقال: ولكن الناس هنا معجبون بك، إنهم لم يحضروا إلى السيرك ~~إلا ليروك. # قال الأسد: تعبت من السيرك، تعبت من الحراس والقضبان والقفز على الكراسي العالية وفوق ~~ظهور الخيل. # ضحك العمدة وقال: ولكنك تعلم أن هذا نظام السيرك في العالم كله. # شاركه المأمور الضحك وقال: ومنذ أن وجد الإنسان وهو يقيم السيرك ويروض الأسود، وأجدادك ~~كانوا يلعبون أمام الرومان كما تعلم ويبهجون الناس في كل مكان. # قال الأسد: سئمت الناس، وسئمت الرومان. # سأل العمدة: ألا يرضيك أن تفرح الأهالي؟ ألا يعجبك أن يصفق لك الأطفال والفلاحون كل ليلة؟ ~~... # قال الأسد: تعبت من التصفيق يا عمدة، تعبت من رؤية الوجوه البائسة التي تضحك علي، ألا ~~تراهم يخرجون من السيرك فيعودون إلى حزنهم وبؤسهم من جديد؟ # قال العمدة: ولكن هذا هو السيرك في كل الدنيا، يدخل الناس ويفرحون ساعات ثم يرجعون إلى ~~التعب والجري على ms026 الأرزاق. # قال الأسد: وأنا أقول لك: فرح كاذب، أريد لحظة صدق واحدة، أريد أن أعيش بلا قيود ولا ~~أقفاص ولا عربات. # قال العمدة: ولكن لا بد من النظام يا أسد، نحن البشر أيضا لا نستغني عن القيود والأقفاص. # قال الأسد: افعلوا ما تشاءون بالبشر، افرضوا عليهم القيود وضعوهم في السجون والأقفاص، ~~سنوا لهم القوانين كما تشاءون، ولكن اتركونا في حالنا، دعونا نرجع أسودا كما كنا، دعونا ~~نعش حياتنا. # قال العمدة: إن بقية زملائك لا يشكون، إنهم يقفزون ويلعبون ويتعلمون، وهم جميعا سعداء ~~بوجودهم معنا وتسليتهم لنا، الكلب سعيد لأنه يتعلم القراءة في السيرك ويدخل المدرسة، والقرد ~~سعيد لأنه يلبس البذلة والنظارة ويزف إلى عروسه آخر الليل، والحصان سعيد لأنه يرقص على ~~الواحدة ويحمل البهلوان على ظهره، والنمر سعيد لأنه يتعلم قفزات جديدة غير التي علمتها له ~~الطبيعة ويكتسب فنونا عويصة لم يكن ليتعلمها بنفسه، والجميع سعداء لأنهم يسلون الأهالي ~~ويدخلون الفرح على قلوبهم، وحتى زملاؤك الأسود في الغابة يتمنون أن يعيشوا عيشك ويتمدنوا ~~مثلك، أليست هذه من علامات الحضارة التي أدخلناها على عالم الحيوان؟ # قال الأسد: الحضارة؟ ولكنني أريد أن أتركها لكم. # سأل المأمور: وهل يعقل أن يخلو السيرك من الأسد؟ هل يقبل الناس عليه إذا عرفوا أنك لست ~~فيه؟ إن الكلب والقرد والحصان والفيل والدب تسليهم، ولكنك تبهرهم وتوقظ فيهم مشاعر الرهبة ~~والجلال وغموض الغابة العذراء، صدقني يا أسد، زملاؤك في الغابة يحسدونك على فنك وألعابك. # قال الأسد: وأنا أحسدهم لأنهم مازالوا أسودا، أنا ملك الغابة أصبحت عبدا، أنا سيد ~~الوحوش أصبحت قردا ومهرجا، أنا الذي كنت كونا بأسره أصبحت أخاف من لذعة السوط وعصا ~~الحارس ومنظر القضبان، أنا الذي كان النجم في عيني والرعد في صوتي والموت في مخلبي. # قال العمدة: ما زلنا نكن لك الاحترام من قلوبنا، ما زلت مثلنا الأعلى في العظمة والمجد ~~والشجاعة والجلال. # قال الأسد: أرجوك يا حضرة العمدة، اتركني في حالي، أطلق سراحي، أخرجني من القفص. # قال المأمور: محال يا أسد، ضرورات الأمن ms027 لا تسمح بهذا، أرواح الناس. # وأيده العمدة فقال: نظام السيرك، نظام المدنية والحضارة . # تأوه الأسد ثم زأر بصوته العميق المخيف، وقف على ساقيه الخلفيتين ومد مخلبيه كأنه يستعطف ~~القديس القديم الذي نزع منهما الشوكة، فتح فمه مرتين ليشرب الدموع المنسابة من عينيه، وأفاق ~~الحارس العجوز في هذه اللحظة من إغمائه الطويل وجرى فرحا إلى الأسد، عانقه وغمر عرفه ~~الذهبي بالقبلات وهو يقول: بارك الله فيك يا ولدي، كنت متأكدا أنك ستبيض وجهي أمام حضرة ~~العمدة وتسترني أمام الأهالي والأعيان وسعادة المأمور، جزاك الله عني خيرا يا ولدي، هيا ~~يا سبعي، هيا إلى المقعد العالي، هيا اعرض عليهم قفزتك المشهورة من الطوق الناري، هيا ~~متعهم وفرح قلوبهم. # تخلص الأسد من الحارس بصعوبة: تأوه وزأر زأرة خفيفة، ثم شهق شهقة خيل للحاضرين أنه يلفظ ~~معها آخر أنفاسه. # وتهاوى على جنبه وتمرغ على الأرض وعفر رأسه الذهبي بالتراب قبل أن يقول: أنا أموت، ~~أموت. # ثم اختلجت أطرافه وانتفض جسده لحظة قبل أن يلقي الحارس العجوز نفسه عليه. # قال العمدة: الأسد مات. # هتف المأمور والمشايخ والأعيان: مات الأسد. # أما الناس فقد تعجبوا كثيرا حين قالوا لهم بعد الخروج من السيرك إن الأسد كان يتكلم، مع ~~أن الأسود - وهذا أمر معلوم - لا تعرف اللغة العربية، كما أن هذه اللغة - وهذا أمر معروف ~~أيضا للجميع - لغة عويصة يصعب حتى على البشر أن يتكلموا بها كلاما مفهوما. # عبد الغفار مكاوي # | الديك # كانت أمي هي التي اكتشفت غيابه، لا أدري إن كان الإلهام الإلهي هو الذي أوحى إليها بذلك، ~~أو افتقادها لصوته القوي عندما قامت لصلاة الفجر، أو ذهابها إلى السطوح كعادتها في كل صباح ~~لإطعام الدجاج والبط والحمام. # لا يهم الآن كيف عرفت أن الديك الذهبي، الديك الأحمر، الجميل الذي سمته على اسمي وربته من ~~أجلي قد اختفى من البيت، فلم يكن لدي وقت ولا بقيت عندي رغبة في أن أسأل كيف أو لماذا أو ما ~~الذي دعاه للاختفاء، إن الديك الذهبي، الديك الأحمر الجميل لم يعد ms028 له أثر، هكذا واجهني ~~الخبر عندما عدت من المدرسة في يوم قائظ من أيام الصيف، قابلتني أمي قادمة من على السطوح ~~فقالت: العوض على الله يا ابني. # لم أطمئن بلهجتها ولا لنبرة الحزن في صوتها فسألت: خير يا أمي؟ # قالت وهي ترفع يدها إلى السماء: ربنا وحده يعلم مصيره. # سألت وقد نفد صبري: مصير من؟ ما الحكاية؟ # قالت: الديك يا حبيبي، الديك الأحمر. # عدت أسأل وقد بدأت أحس بالفجيعة: الديك ما له؟ # قالت وهي تتطلع إلى السطوح وتهبط بيدها إلى الساتر الخشبي: يا محلاه يا ابني وهو واقف على ~~الساتر، يا ترى يا ديك أنت سافرت على بلد تانية أو وقعت على الأرض وخطفوك العيال؟ # رميت حقيبة الكتب من يدي، اقتربت منها ونظرت في وجهها وعينيها، لم يبق لدي شك في سحابة ~~الحزن التي تكسوهما، سألت: الحكاية جد؟ الديك راح؟ # قالت مستنكرة: يعني أنا يا ابني أضحك عليك؟ قلت لك الديك راح، لا لقيته على السطوح ولا ~~عند الجيران. # وقبل أن أسمع بقية كلامها كنت أقفز على السطوح السلالم، فتحت باب السطوح وجريت أبحث في كل ~~مكان، كانت الدجاجات منكمشة في جانب، كأنها في مأتم على الزوج والأب والحبيب، دخلت الحجرة ~~الصغيرة التي تبيت فيها، فتشت في الأقفاص والفرن وبرج الحمام، نظرت إلى سطوح الجيران، لا ~~أثر للديك، الديك الذهبي الجميل، الذي ربته أمي وسمته على اسمي وقضت الشهور والأيام تطعمه ~~وترعاه وتسقيه، نزلت وثبا من السطوح ودخلت كل الغرف، بحثت وراء الدواليب وتحت السراير ~~والكنبة وبين الكراكيب الملقاة في الشرفة، تسمعت صوته المحبوب في كل مكان، الديك اختفى ~~حقا، الديك الذهبي الأحمر الجميل لم يعد له وجود. # قالت أمي: يا ابني لا تتعب نفسك. # قلت: سألت عند الجيران؟ # قالت: سألت يا ابني، كأنه فص ملح وذاب. # قلت: الديك في البيت، ولازم ألاقيه. # قالت: قلت لك يا ابني لا تتعب نفسك من غير فائدة، عين وأصابته، يا ترى رحت فين يا ديك؟ # قلت: لازم ألاقيه يعني لازم ألاقيه. # قالت: إن ms029 كان لك فيه نصيب مصيره يرجع يا حبيبي، كله على الله يا ابني . # جاءت الخادمة من السوق، سألتها عن الديك فرمت سبت الخضار من يدها ولطمت على صدرها وبكت، ~~زعقت فيها وقلت: اخرسي يا مجرمة، لازم بعتيه من غير ما ندري، زادت في البكاء واستشهدت ~~بستها قائلة: يا ندامة يا سيدي، طيب اسأل ستي، والنبي أنا كنت أعزه زي ما يكون أخويه. # ضحكت لكلامها السخيف وصممت أن أمضي في البحث عنه، جاء أبي على الهيصة عائدا من السوق، ~~سأل: إيه الحكاية يا أولاد؟ ولما علم بما جرى للديك غمغم مستعيذا بالله: يا خسارة الفلوس، ~~لو كنتم فتحت عينيكم ما كان ضاع. زمجرت أمي: يعني نعمل عليه حرس يا أولاد؟ اتجه إلى ~~حجرته مكتفيا بقوله: ديك إفرنجي ما له وجود، الناظر قال لي خد بالك منه يا أبو محمد ولا ~~تفرط فيه، خسارة على الصبح، يا فتاح يا عليم، ردت أمي غاضبة: يعني نقطع نفسنا؟ إن كان لنا ~~نصيب فيه مصيره يعرف البيت. # تدخلت لأمنع شجارا يوشك أن يندلع بسببي، قلت أسترضي الجميع: إن شاء الله نلاقيه، خلوا ~~المسألة علي. # قالت أمي وهي ترمق باب الحجرة التي أوصدها أبي على نفسه بنظرة غاضبة: كله على الله يا ~~ابني، ولا نسمع كلمة تنغصنا على الصبح، بدأنا أنا والخادمة السوداء ذات السحنة العجيبة ~~والضب الكبير في البحث من جديد، لم نكن نخفي على أنفسنا أن الأمل ضئيل في العثور عليه، ولكن ~~العناد أو انتظار معجزة غامضة هو الذي كان يحركنا في أرجاء البيت وفي زواياه وأركانه، ولا ~~بد أن هذه المعجزة الغامضة هي التي هدتنا إلى مكانه، هكذا بمحض الصدفة وفي مكان لم نتوقع ~~أبدا أن يكون فيه، فقد ساقتني قدماي إلى فتحة المنور، لا لأنني أردت أن أبحث فيه، بل لأن ~~الخادمة كانت قد سبقتني إليه، ودلت رأسها الصغيرة كالبلية السوداء من فتحته، ربما كنت في ~~الحقيقة أريد أن أجذبها بعيدا عنه، أو ربما راودتني الرغبة في ضربها على قفاها لأنها تفتش ms030 ~~في مكان لا أمل فيه، المهم أنها سبقتني إلى الصياح فجأة: سيدي سيدي . قلت: ما لك يا بنت؟ جرى ~~لعقلك حاجة؟ قالت: الديك يا سيدي، الديك والنبي. قلت: يا مجنونة، ابعدي لا تقعي. قالت: ~~وحياة النبي الديك هنا، حتى اسمعه بيرفرف أهه. # أدخلت رأسي في فتحة المنور فلم أر شيئا، فالدنيا عتمة والكراكيب تملأ شبكة الحديد المسلح ~~والخرق المهملة وقطع الخيش وزوج أحذية قديم وثلاث زجاجات فارغة وعلب سجائر فارغة كلها تسد ~~عيون الشبكة، أمسكت الخادمة من ظهرها وأمرتها أن تمد ذراعيها وتخرج الكراكيب، أخذت أشجعها ~~وأمنيها بهدية مناسبة فجاءت أمي على الصوت وفي يدها بصلة لم تفرغ من تقشيرها، قالت: يا ابني ~~حرام عليك، البنت تقع تموت، قلت دون أن ألتفت إليها: تموت تموت، المهم الديك. قالت: والديك ~~ما له وما للمنور؟ ابعدوا يا ابني ربنا يهديكم. أشرت إليها أن تسكت، قربت أذنها من فتحة ~~المنور ثم مصمصت بشفتيها وعادت إلى المطبخ، وفرغت الخادمة من تنظيف الفتحة وأخذنا نتصنت، ~~صاحت: سامع. حبست أنفاسي وأسندت أذني على الحاجز، قفزت إلى المطبخ وأنا أهتف: لقينا الديك، ~~لقينا الديك. # أنكرت أمي واتهمتني بالجنون، جاءت بنفسها وأدخلت رأسها من الفتحة وقالت: والنبي أنتم ~~عبط، يمكن خفاش ولا وطواط. قلت: هو الديك بعينه. نصحتني أن أشعل عود ثقاب أو أحضر الوناسة، ~~فعلت بما أشارت به فتحققت المعجزة، ارتفع الصوت المشقوق كأنه يخرج من عالم آخر، من قبر مظلم ~~أو من جب عميق. تذكرت يوسف في الجب وهتفت، وأنا أقبل أمي والخادمة اللعينة بلا تمييز: أنا ~~الراعي، اطمئن يا يوسف. لم تفهم أمي شيئا، ولم أحاول أيضا أن أفهمها شيئا، بل جريت أنزل ~~السلالم إلى الجيران. # بعد قليل عدت أجرجر خطواتي الثقيلة، رأت أمي سحنتي فقالت: ما لك كفى الله الشر؟ قلت: ~~الجيران في إجازة. قالت: من يا ابني؟ قلت: عم منصور أفندي. قالت: آي صحيح، لو سألتني كنت ~~وفرت على نفسك نزول السلالم. قلت غاضبا: لازم نشوف طريقة ونفتح الشقة. قالت: الصول في ~~إجازة ms031 يا ابني، والست بتاعته قالت لي إنهم ناويين على المصيف. جلست على حاجز المنور وقلت: ~~وما العمل؟ قالت كأن الأمر لا يعنيها: العمل عمل الله يا ابني، ننتظر لغاية ما يرجعوا. ~~صرخت: ننتظر؟ والديك يموت من الجوع والعطش؟ قالت: آدي الله وآدي حكمته، ربنا يتولاه يا ~~ابني. هتفت الخادمة: نرمي له الأكل يا ستي. زعقت أمي فيها: قدامي على المطبخ يا بنت. وبقيت ~~وحدي أسند وجهي حينا على حاجز المنور وأدخل رأسي حينا آخر في فتحته، كان الظلام دامسا في ~~القاع، وكان رفيف الأجنحة يصل إلى أذني على فترات متباعدة، أيها الديك المسكين، كنت تقف ~~على الساتر وترفرف بجناحيك وتنفش ريشك وترفع صوتك المبحوح بالصياح، كنت تمد منقارك إلى ~~السماء كأنك تريد أن تنقر حبات النجوم، كنت توقظ النيام وتعلن موكب النور وترفع القناع عن ~~وجه الفجر، وها أنت مخنوق في الظلام، مدفون بالحياة في البرد والرطوبة، لماذا لا تسرح في ~~شقة الصول كما تشاء؟ لماذا لا تبحث فيها عن بقية طعام أو شربة ماء؟ لا بد أنك وقعت في شبكة ~~الحديد فلم تستطع تخليص نفسك، لا بد أنك يئست من طلوع الفجر فانقطعت عن الصياح. # أصبح همي منذ ذلك الحين أن أنزل له الطعام، أقنعت أمي أننا يجب أن نفعل المستحيل لنبقيه ~~على ظهر الحياة، كنت ألاحظ أنها تشك في مجهودي، ولكنها لم تكن تضن علي بما أطلبه: فتات الخبز ~~المتبقي من الطعام، حبات الشعير والأرز المطبوخ، أعواد الفجل والجرجير، قطع من قشر البطيخ ~~والشمام. صحيح أنها كانت تبدي شكها في وصول الطعام إليه، وكنت أنا أيضا أستبعد بيني وبين ~~نفسي أن تصل بقايا الطعام من الدور الثالث إلى الدور الأرضي، بل وأشك أيضا في أن يعثر عليها ~~الديك، أو يجد له نفسا فيأكلها إذا عثر عليها. # ولكنني كنت على كل حال أحاول كل ما أستطيع، وأغوي نفسي بأن الديك المسكين جائع، ولا بد أنه ~~سيتلقف كل ما يجده، ومع أنني كنت أضع في حسابي أنه يعيش الآن في ms032 شبه ظلام دامس، وأن ~~الرطوبة لا بد أن تكون قد أثرت عليه ويبست أطرافه ونفذت إلى جسده، وأنه يفتقد الهواء المنعش ~~كما يفتقد نور الشمس بالنهار وبريق النجوم بالليل وصياح الدجاج من حوله، ودفء الإحساس ~~بالشهامة والقوة والتسلط والكبرياء، مع هذا كله فقد كنت لا أكف عن إرسال ما أستطيع إرساله ~~إليه من الطعام، كنت أقذف به حينا بكل قوتي، على أمل أن يصل إليه جزء قليل منه، أو أكومه ~~في ورقة ألفها عليه وأرميها من الشبكة، أو أربطها في حبل طويل أدليه بعناية وحذر، ويظهر ~~أنني كنت نسيت أن الديك يحتاج إلى الشراب إلى جانب الطعام، لولا أن نبهتني الخادمة إلى ~~ذلك، وقد فكرت طويلا في طريقة أوصل بها الماء إليه، ولم يبق أمامي سوى أن أصب كل يوم من ~~القلة، مع علمي أنني ربما كنت أؤذيه بهذا الماء الذي لا شك أنه سيزيد من الرطوبة التي يعيش ~~فيها، كما أنه سيسيل على الأرض ولن يستطيع المسكين أن يشرب منه شيئا، المهم أنني كنت أجد ~~العزاء الحقيقي كلما أسندت رأسي على فتحة المنور فسمعت رفرفة الأجنحة أو تبينت أثرا ضئيل ~~للحياة، كنت أحس بأنني أمام قلب ينبض في الظلام والرطوبة بعيدا عن النور والهواء، ولكنها ~~حياة على كل حال، تطالبني في كل لحظة بأن أفعل في سبيلها شيئا. # صحا أبي من النوم بعد الظهر وجاء يطلب الشاي، رآني في جلستي على حاجز المنور، فسألني عما ~~أفعل، حكيت له الحكاية وقلت له: إنني متأكد من أن الديك سقط في المنور، قال: إن حضرة الصول ~~في إجازة، وإنه ربما لا يعود قبل شهر. قلت: إن المهم أن يبقى الديك حيا بأية وسيلة. قال إنني ~~أضيع وقتي من غير فائدة والديك سيموت. # انزعجت لأنه قال هذا ببساطة كأنه يقرر أن الجو حار وأن الشاي ثقيل، قلت: إنني سأفعل كل شيء ~~لأنقذه، فهو يعلم كم أحبه، قال متهكما: إن الديك مات وإن سيدنا المسيح نفسه لن يحييه. قلت: ~~إن الديك حي وسيظل حيا ms033 بأمر الله. سألني إن كنت أنوي أن أبيت عندي أو أسهر وأعد النجوم ، ~~فهمت أنه يلمح للمذاكرة وعمل الواجب، فقمت واتجهت إلى حجرتي. # لم يأتني نوم، لم تنفتح نفسي لقراءة كتاب ولا كتابة حرف. رقدت على السرير مفتوح العينين. ~~كان الديك يبدو أمامي مرة وهو منكمش ذليل في قاع المنور، وأخرى وهو يصيح على السطوح أو يقف ~~بأبهته وكبريائه فوق الساتر، لم يكن في الحقيقة بسيطا عاديا بالنسبة لي، فقد اهتممت به ~~منذ أن حضر إلى البيت - بعد أن سبقته سمعته وأصله وفصله - كما رحت ألاحظه وهو يكبر وينمو ~~ريشه ويحتل مكانه بين الدجاجات كرب أسرة مسئول، لا بل كواحد من أفراد أسرتنا نحن، أو كقطعة ~~من نفسي عزيزة، بحكم الأنانية على الأقل، فقد كان كما قلت يحمل اسمي الذي أطلقته أمي عليه ~~على سبيل المزاح أو الجد لا أدري. # دخلت أمي الحجرة وتركت الباب مواربا وراءها، سألتني إن كنت لا أزال صاحيا، قلت: إنني لا ~~يأتيني نوم. قالت: هو أجله يا ابني. قلت: الديك حي يا أمي، لا تنسي أنه حي. قالت: يا ابني ما ~~يعرف الحي من الميت إلا الله، زمانه مات من العتمة والرطوبة. قلت: أنا متأكد أنه حي، سمعته ~~بأذني، قالت: أوهام يا ابني، تلاقيه خفاش أو وطواط. صحت فجأة: قلت لك هو الديك بعينه، أنا ~~أعرفه وأعرف دقة قلبه. ضحكت وهي تشد شعري بيدها وقالت: يعني حطيت عليه الساعة؟ ولا يعني ~~دكتور؟ قلت غاضبا: قلت لك الديك لسه حي ولازم نعمل حاجة! قالت في حسرة: العمل عمل الله ~~يا ابني، وإيه اللي نعمله؟ # قلت: أنزل له تحت بأي طريقة. # قالت: والمسلح؟ تكسره بأسنانك؟ # أيقنت من عبث الفكرة فلو وافق أبي عليها بمعجزة فسوف يبقى أن نأخذ رأي صاحب البيت، والله ~~أعلم إن كان سيقبل مناقشتها على الإطلاق. # قلت: ننزل له قفص في حبل؟ # ضحكت من قلبها وقالت: هوه بهلوان يا ابني؟ وإيه اللي ها يعرفه أن القفص عشانه؟ # ضحكت أنا أيضا من سخف الفكرة، وسألت ms034 نفسي لماذا لم يخلق الله للديكة عقولا يميزون بها ~~إذا وقعوا في مثل هذه الورطة. # عدت أقول: إذن نفسخ الشقة. # دقت أمي بيدها على صدرها وصاحت: عاوز الصول يقتلنا؟ # قلت وأنا أحس بعبث الفكرة: امرأته صاحبتك. # قالت: وأدخل بيتها يا ابني وهي غائبة؟ # قلت: لو عرفوا أننا دخلناها عشان الديك ... # قاطعتني قائلة: حتى لو كانوا أصحابنا الروح بالروح، والجيران، والناس كلها تقول علينا ~~إيه؟ حرامية؟ # فزعت للكلمة الأخيرة، رنت في أذني رنينا مخيفا وإن كان صادقا، تبين لي بالفعل أن عقلي ~~صغير كما قالت أمي، هتفت من يأسي: والعمل يا أمي؟ العمل؟ # قالت وهي تغطيني وتقرأ الفاتحة على رأسي قبل أن أنام: العمل عمل الله يا ابني، العمل عمل ~~الله. # ومضت الأيام بطيئة مملة، كنت أكرر محاولاتي التي تزيدني يأسا كل يوم، وكانت تراودني ~~أفكار أفزع منها حين أفكر فيها بعد ذلك، أفكار يمكن أن تجعل مني لصا يفتح الشقق وأصحابها ~~غائبون، أو مجرما يحاول إحراق بيوت الجيران، أو معتوها يحاول أن يطعم ميتا أو ينقذ محكوما ~~عليه بالإعدام أو يمد يده إلى السماء ليتلقى معجزة أو يبدد السحب من على وجه النجوم. كنت ~~أعرف أن الديك يعيش الآن، ولم يكن عندي شك في أنه يعيش وأنني أسمع رفرفة جناحيه وانتفاض ~~ريشه ودقات قلبه، بل ويخيل لي أني أسمع صوت صياحه المشروخ المبحوح، كلما أشعلت عود ثقاب أو ~~قربت الوناسة من فتحة المنور المظلم العميق، ومع أن أبي كان يواصل سخريته بي أو شخطه في ~~كلما رآني مشغولا بإرسال الكل إلى الديك أو رش الماء فوقه أو مناداته بأصوات أقلد بها ~~أصوات الدجاج، حتى وصل الأمر به ذات يوم إلى تهديدي بالضرب أو الطرد من البيت إذا حاولت أن ~~أدلي مصباحا من المنور أو أقرب النار منه خوفا من الحريق. ومع أن أمي كانت قد سلمت أمرها ~~في وفي الديك إلى الله، وبدأ عطفها علي يتحول إلى إشفاق، ثم يصير بعض الوقت غضبا من ~~تصرفاتي الصبيانية، وسخطا لتضييع وقتي عبثا، ms035 وخوفا على صحتي من انشغال الفكر وإهمال ~~المذاكرة، ومع أن الخادمة كذلك كانت تضحك كلما رأتني أحاول محاولة جديدة في توصيل الطعام ~~والشراب والنور أو في التسمع للصوت العزيز المكتوم، ويتحول ضحكها مع الزمن، بل ومشاركتها لي ~~في بعض الأحيان في مجهوداتي إلى نوع من الرثاء أو الدعاء بأن يشفيني الله. # مع هذا كله فقد ظللت على اهتمامي بالديك وكل ما يتعلق به وبحياته وموته الذي كنت أحاول أن ~~أبعد شبحه عنه بجهد المستميت، بل لقد شغلني موضوع الديوك كلها إلى ما وراء حدود البيت، فرحت ~~أسأل أصحابي ومعلمي في المدرسة عن الديوك وأنواعها وصفاتها وتاريخها وتطورها، حتى لقد بلغ بي ~~الأمر أن كتبت عنها موضوع إنشاء قدمته لمعلم اللغة العربية الذي رضي عنه وقرأ سطورا منه ~~أمام زملائي في الفصل. وأذكر أنني تكلمت عن الديك وفصيلته ووصفت مزاياه، وبينت لماذا كان ~~دائما صديق الإنسان الذي ينبهه للزمن ويحذره من اللصوص ويعلمه تحمل المسئولية واحترام ~~الأسرة ورعاية الأولاد، كما أذكر أنني بدأت ذلك الموضوع وختمته بهاتين العبارتين: # رسول الفجر الذهبي سقط في الجب، فأين الراعي الذي يخرجه منه؟ # صوت النور المبحوح اختنق في الظلام، فمن يا ترى ينقذه؟ # ولا بد أنني كنت أكرر هذين السؤالين كلما أسندت رأسي إلى حاجز المنور لأتسمع نبضات قلب ~~الديك ولاختلاجة جناحيه أو لما كنت أحسبه كذلك، ولا بد أيضا أنني كنت أكررهما لنفسي كلما ~~تذكرت - بعد ذلك بزمن طويل - قصة ذلك الديك المسكين. # | الشاعر # لا يدري الإنسان، حين يغادر عتبة بيته، ما الذي سيلاقيه في يومه، قد تعثر قدمه بحجر أو ~~ينزل على قشرة موز فينكفئ على وجهه، وقد يقابل عزيزا لم يره منذ سنوات فيأخذه بالأحضان، وقد ~~يسقط في الطريق فاقد الوعي أو تصدمه عربة أو يرفسه حمار أو حصان، فيعود إلى بيته محمولا ~~على الأكتاف أو لا يعود، هذا شيء يتعرض له كل إنسان في كل يوم، وربما تقول إن في هذا ~~تشاؤما وقدرية، في وقت يريد فيه الناس أن يكونوا سادة ms036 قدرهم والمتصرفين فيه، ولكنك قد ~~تراجع هذا التفاؤل إذا علمت ما حدث لألطاف هانم في يوم من أيام هذا الصيف القائظ اللعين. # كانت قد خرجت من محل شملا في ظهر ذلك اليوم، تحمل في ذراعها اليسرى كيسا منتفخا بملابس ~~الأولاد؛ ملابس داخلية، قمصان للصيف، مايوهات ملونة للبحر، وأحذية على مقاس الأقدام الصغيرة ~~المحبوبة، وتضع ذراعها اليمنى في ذراع زوجها الأستاذ سعيد مهندس التنظيم، وكانت السعادة ~~تملؤها لتوفيقها في الشراء من الأوكازيون، فالبائع كان لطيفا سمح الوجه، واختيار البضاعة ~~لم يكن عسيرا، والثمن الذي دفعته لم يكن باهظا على الإطلاق، فكان الشعور بالرضا والارتياح ~~يغمرها ويفيض عليها سعادة هادئة تبدو في عينيها المرحتين الصافيتين، ومشيتها الرزينة ~~المطمئنة، وإحساسها اللذيذ بالقرب من زوج طيب ودود ينم وجهه الأبيض الهادئ عن الرجولة ~~والاعتداد والحنان، وكانت هذه المشاعر الهادئة تصرفها عن ملاحظة الجو الخانق الذي يكتم ~~الأنفاس، وتبعد عنها السخط والضيق والنكد الذي كانت تحس به عادة من الزحام في هذه الساعة ~~التي يخرج فيها الموظفون والعمال، بل إنها - لفرط سعادتها ورضاها - وجدت ذلك كله شيئا ~~طبيعيا، وبدت كأنها تقرأ في الوجوه الملولة المتعبة التي تقابلها، والمركبات العامة التي ~~تميل هياكلها وتئن عجلاتها تحت وطأة الزحام والصراخ والسباب والأشجار الهامدة التي تتلهف ~~أوراقها الجافة على نفسة من الهواء، والضجيج المزعج الذي ينبعث من الأبواق والحناجر وأجهزة ~~الراديو التي يحملها المارة بدت كأنها تلمح في هذا كله نوعا من النظام الطبيعي الخالد الذي ~~يسير كل شيء فيه على ما يرام. كانت تتمنى لو استطاعت أن تغني أغنيتها المفضلة التي ترددها ~~بإصرار مضحك في المطبخ والحمام، أو تقبل سعيد قبلة مفاجأة لا يفهم سرها كعادته، ولكنه ~~يتلقاها منها في رضا وسرور. # وراحت تداعب في خيالها صورة أولادها الثلاثة الذين سيستقبلونها بالصياح والهتاف والأيدي ~~الممدودة إلى الجيوب والأكياس، كما ترتب في ذهنها أطباق الغذاء على المائدة، والقمصان ~~الجديدة على أجسام الصغار، والأحذية والصنادل في أقدامهم، والبهجة التي ستشع من كل مكان في ~~المسكن الأنيق. # كانت تقترب مع ms037 زوجها من محطة الأوتوبيس الذي سيحملها إلى مصر الجديدة وتداعب هذه الأفكار ~~المشتتة كما لو كانت تجلس في زورق يهتز فوق موج هادئ، عندما رأته فانقلب الزورق فجأة وغاصت ~~مفزوعة إلى القاع. من المبالغة بالطبع أن يقال إنها عرفته أو تذكرته من أول نظرة، فقد كان ~~يقف هناك على الرصيف قبل منتصف الشارع المؤدي إلى المحطة المزدحمة بالناس، كما يقف آلاف ~~الشحاذين في كل مكان. اتجهت إليه أول الأمر مدفوعة بنفس الشعور الهادئ الذي عرفناه فيها ~~منذ قليل، وسحبت ذراعها برفق من ذراع زوجها لتتمكن من فتح حقيبتها وإعطاء الشحاذ المجهول ما ~~فيه النصيب. كان من الممكن أن تمد يدها إلى يده المتصلبة المفتوحة أمامها بالقرش أو القرشين ~~وتمضي في هدوء دون أن تنظر في وجهه أو تنتبه إلى دعوته للمحسنين، وكان من الممكن أيضا أن ~~تمر عليه مر الكرام دون أن يحرك منظره في نفسها نزعة الإشفاق التي تميتها في العادة كثرة ~~الشحاذين، أو تتأمله في صمت وتمضي في طريقها في عدم اكتراث، لولا أنه كان يقف هناك كالقدر ~~أو كالمفاجأة الحية التي تطل برأسها من بئر الذكريات. هذا الوجه الشاحب المجدور المستطيل ~~الذي يبدو وأن الشيخوخة قبعت فيه منذ الطفولة، وحولته إلى وجه مومياء مصفرة لم يستطع العفن ~~ولا الزمن أن يصل إليها، أين رأته من قبل؟ وهاتان العينان المغمضتان كعيني أعمى، تحت جبهة ~~عريضة ناصعة لا تتناسب مع الوجه المغضن الصغير، برموشهما السوداء الطويلة المنسدلة كمظلة ~~مقفولة الأطراف، هل تكونان هما نفس العينين الجائعتين الصامتتين اللتين هجرتاها منذ أكثر من ~~عشر سنوات؟ وهذه اليد الممدودة المتخشبة كيد ميت، صفراء نافرة العروق دقيقة الأصابع قذرة ~~الأظافر ملتهبة ومحمرة من أثر التدخين، أهي نفس اليد التي كانت تتعجب من صغرها وهزالها ودقة ~~تعبيرها من بؤس مزمن وعميق؟ ولماذا تمتد الآن بين زحام الأجسام والأصوات وضجيج الشارع كسؤال ~~أخرس تعيس، وكانت تضم أصابعها النحيلة على ألوان من الكتب والصحف والمجلات وتتشبث ببقايا ~~سيجارة رخيصة مريضة الدخان؟ يا إلهي! كم تتغير ms038 الأيام. # تاهت يدها في حقيبتها لحظات، يبدو أنها طالت أكثر مما ينبغي، واستغرقها التأمل المشدود في ~~الوجه المصفر، والعينين المغلقتين، والكف المتصلبة، والقميص المتسخ الذي صار أشبه بكفن ~~صغير، والبذلة الحقيرة المملوءة بالرقع والثقوب في أكثر من موضع، والحذاء المتهرئ من ~~الأمام والخلف حتى صار يكشف عن بقايا جورب ممزق وملطخ بالطين، ووقف زوجها لحظة يرمقها في ~~هدوء وابتسام، فلما طال مكوثها أمام الشحاذ أخذ يتسلى بالنظر إلى التمثال القميء المنصوب على ~~قاعدة منخفضة في وسط الشارع، ويبحث في نفسه عن مبرر واحد لوجوده في هذا المكان. إن ~~القاعدة قد امتلأت بالكتابات والتعليقات بخط قبيح وألوان مختلفة، والتمثال نفسه قد نقش ~~الحمام على ظهره آثار فضلاته وليس هناك عابر سبيل يتعطف عليه بنظرة واحدة، كما أنه لا ~~يستطيع أن يجذب انتباه إنسان واحد. استدار الأستاذ سعيد وتقدم من زوجته ووضع ذراعه في ذراعها ~~وهو يضحك قائلا: هذا التمثال يكفي للحجر على كل مهندسي التنظيم. # هزت ألطاف هانم رأسها كمن يفيق من كابوس وسألت: ماذا تقول يا حبيبي؟ # أشار إلى التمثال وقد ازداد ضحكه وقال: من المؤسف أن يكون هذا مصير كل الزعماء. # التفتت إلى حيث يشير بإصبعه وقالت: يجب عليكم أن تنظفوه. # قال بسرعة: بل قولي يجب أن تزيلوه. # التفتت إلى الشحاذ المتسمر في مكانه وتذكرت أنها لم تعطه شيئا، وسألت زوجها عن فكة، فبحث ~~في جيوبه ولم يجد سوى قرش واحد، قال لها وهو ما يزال ينظر للتمثال: الزعيم أولى به. # لم تضحك كما كان ينتظر فكتم ضحكته. خلص ذراعه من ذراعها وأمسكت يده بيدها وشدها؛ كي ~~تجري ليلحقا بالأوتوبيس، كانت لا تزال تنظر إلى الشحاذ وتتلفت في كل لحظة لتقارن بين تمثاله ~~الحي وبين صورته التي تقفز نحوها من الماضي البعيد، توقفت وقائلة يائسة: سعيد، الدنيا ~~زحمة، تعال نأخذ تاكسي. # أسرع سعيد يقول: على كيفك يا حبيبتي. # وفي لحظة كان صوته القوي المرح ينادي على التاكسي، وفي لحظة كان قد انطلق بهما وعبر ~~الميدان في طريقه إلى شارع ms039 رمسيس. # مضى الأستاذ سعيد يتحدث بغير انقطاع، وكان صوته الممتلئ الوديع يتدفق في أذنيها فتحس ~~بالاطمئنان الذي يكاد يبعث فيها الرغبة في النوم. # وراحت تنظر إليه بين حين وحين وذهنها شارد عنه، ربما لتثبت له أنها تتابع كلامه الذي ~~يتنقل بسرعة من التمثال إلى رخص الأوكازيون إلى مشكلة المواصلات إلى الحرب في فيتنام، ~~ولاحظت بارتياح أن السائق التقط الخيط منه، واستغرق معه في حديث خطير عن غلاء المعيشة ~~والخنافس وواجب استعمال العصا في المدارس، أما هي فلم تعرف في أي شيء تفكر على وجه التحديد، ~~كانت صورة الشحاذ المتشنج اليدين تصدم وجهها باستمرار، بل إن وجهه المجدور الذابل كان ~~كثيرا ما يتداخل مع وجه زوجها الأبيض الناعم، والعينان المغمضتان تهتزان أمامها وتقفزان من ~~زجاج النافذة ومصابيح الشارع ورءوس الأشجار وأعمدة البيوت، وكما تتداخل صور المرئيات مع ~~صورة الشحاذ المتصلب المسكين، تداخلت الأفكار وراحت تتشكل لها وجوه وعيون وألسنة طويلة وأيد ~~تمسك برقبتها أو تصفعها على خديها، حاولت أن تبعدها بالتفكير في مشكلة الزحام وطاف بعقلها ~~دون سبب اسم مالتس ونظريته التي أخذتها في الجامعة ولم تحاول الآن عبثا أن تتذكر صيغتها ~~التي كانت تحفظها عن ظهر قلب، وهمت أن تسأل زوجها لولا أن وجدت صورة الشحاذ تصدم وجهها ~~بشدة فرفعت يديها تغطيه بسرعة وخوف؛ مما جعل زوجها يلتفت ويسألها جزعا عن حالها فأجابت في ~~هدوء: لا شيء يا حبيبي، مجرد صداع. # كانت تراه في كل صباح، هناك منذ عشر سنوات أو تزيد، على محطة الأوتوبيس الذي كانت تركبه ~~إلى الجامعة، لم يعد لديها شك في ذلك، لم يعد لديها أدنى شك فيه، بالطبع لم تسأل نفسها عنه ~~في الأيام ولا الأشهر الأولى، ولا حاولت أن تفكر لحظة واحدة فيه، كان يقف بقامته القصيرة، ~~وهيئته الرثة، وشعر رأسه المهوش الذي يسقط على أنيه وينعقد كأكوام من الطين المتناثر على ~~رأسه وقفاه، ولم يكن يسترعي انتباهها منه في البداية سوى كومة الأوراق التي كان يحملها تحت ~~إبطه في معظم الأحيان، لم يكن ms040 منظره منظر طالب، ولا كانت هيئته أو سنه أو حتى مجموعة اللفائف ~~التي في يده تسمح بهذا الظن، ولا بد أنها كانت تبتسم في سرها لمنظره، وربما تعلمت مع ~~الزمن أن تتعجب لقذارته المزمنة (التي لم تكن فيما يبدو متعمدة، بل عن بؤس أكيد)، وترثى ~~لحاله في النهاية، وتسأل نفسها إن كان له أهل في هذه الدنيا، وأين يأكل وينام ويعيش، ويظهر أن ~~بائعة الجرائد العجوز لاحظت أن اهتمامها به يتزايد مع مرور الأيام، فكان أن غمزت لها ~~بعينيها وهي تشتري منها إحدى المجلات النسائية قائلة: أصله شاعر. # سألتها باستخفاف: قرأت له؟ # قالت البائعة وهي تشوح بذراعها: الله يسترك، ما ناقص إلا الشعر. # سألتها في يوم آخر: من أين عرفت أنه شاعر؟ # قالت البائعة: زبون دائم عندي، في يوم فتح مجلة وأشار لصفحة فيها وقال في فرح الأطفال: ~~الحمد لله، نشروا قصيدتي. قالت له البائعة: شعر؟ يعني حضرتك ما شاء الله شاعر؟ # ابتسم ومضى يقرأ قصيدته في سره وهتف غاضبا: كلها أخطاء مطبعية. قالت له البائعة: بركة ~~دعا الوالدين. # ابتسم في حزن وقال: تعيشي أنت يا حاجة. # سمعت ألطاف ذلك ولم تهتم به، فما لها والشعر وهي تدرس المالية والمحاسبة والاقتصاد؟ إنها ~~تذكر شيئا مما كانوا يسقونه لها في حصة العربي والإنشاء، وحاولت أن تذكر منه بيتا واحدا ~~يمسك بعضه فلم تستطع، قالت لنفسها: ما كل ما يتمنى المرء يدركه. لكنها لم تذكر الشطر ~~الثاني، ولم تعرف إن كان لشوقي أو حافظ أو النابغة الذبياني، وضحكت في سرها للاسم الأخير، ~~وقالت لنفسها إن نطقه وحده يميت من الضحك، ومع الأيام راحت تتابع الشاعر المجهول، كانت ~~تراه في معظم الأيام واقفا كالتمثال في انتظار الأوتوبيس، ويبدو أنها كانت قد فرغت من ~~ملاحظة هيئته وملابسه الرثة وحفظت قميصه القذر الذي لا يتغير وبذلته البنية الداكنة التي ~~صارت كالخرقة المهملة، ولا بد أن المصادفة وحدها هي التي جعلتها تنظر مرة إلى عينيه، بدت ~~لها، بعكس ملابسه ووجهه وكل شيء فيه، كأنها هي الشيء ms041 الوحيد الذي يدل على الحياة فيه، كانتا ~~ضيقتين، تلمعان لمعة غريبة، وتتحركان باستمرار في قلق وحزن لا يطاق، وقد فطنت بغريزة ~~الأنثى أنه يسلطهما عليها في شوق أخرس مكتوم، ومع أنها كانت تنفر منهما وتحاول أن ~~تتجاهلهما على الدوام، فقد بدأت تسأل نفسها عما تريده منها نظرته الخرساء، إذ ليس هناك ~~أفظع من عينين صامتتين حزينتين تقولان لك: إنني أحبك ولا أريد منك شيئا، هل كان هذا ~~المخلوق البائس الزري يحبها؟ وماذا كان يرجو من وراء هذا الحب الأخرس الصامت المخبول؟ إن ~~جدارا هائلا كثيفا من التقاليد والظروف يبعدها عنه، لا بل يسحقه كالحشرة الذليلة أو ~~الدودة البائسة، وهل يعقل أن تبادله النظر أو تطمعه بأدنى إشارة أو لمحة؟ يا له من صعلوك ~~خائب مجنون! في يوم من الأيام جاءت متأخرة عن موعدها قليلا إلى محطة الأوتوبيس، كان هناك ~~زحام غير عادي وجماعة من الناس يتحلقون حول رجل ممدد على الأرض، وشاب يجري له تنفسا ~~صناعيا ويصيح بالواقفين أن يبتعدوا لكيلا يمنعوا الهواء عنه، وآخر يصرخ في طلب الماء، ~~وحشرت نفسها لتلقي نظرة فرأت الشاعر ممددا على الأرض ببذلته الداكنة وقميصه وحذائه ~~الباليين، ووجهه المصفر المجدور الذي يشبه وجه ميت، وبعد قليل نهض واقفا ونفض التراب ~~بشدة عن ملابسه، وراح يعتذر إلى الناس ويشكرهم، ثم تقدم من سائق عربة كارو كان يقف في خوف ~~بعيدا عن الجمع المحتشد، وإذا به يتقدم منه خجلا كالفتاة العذراء، فيعتذر إليه بصوت مسموع ~~ثم يحتضنه فجأة ويقبله، بادرتها بائعة الجرائد العجوز قائلة: مجنون، بدل ما يطلب التعويض. # سألتها: هل داسه العربجي؟ # قالت البائعة: داسه؟ قولي دهسه، العجل يا عيني فات عليه، لولا ساتر ربنا كان بقى نصفين. ~~والآخر يعتذر له. # أزاحت شعرها الأسود الفاحم عن عينيها وقالت باسمة: ما هو شاعر. وجاء الأوتوبيس فقزت فيه. # إنها لا تزال تذكر الآن كيف بدأت تهتم به وتعطف عليه، كانت تلاحظ أن نظراته تتابعها، نفس ~~العيون الصامتة الخرساء، العيون الحزينة البائسة بلا أمل في الأرض ولا في ms042 السماء، العيون ~~الذليلة المجروحة التي تقول في انكسار: أحبك، ولا أريد منك شيئا ، وبدأت هي أيضا تهتم ~~بنفسها، كانت تطيل الوقوف أمام المرآة قبل أن تخرج إلى الشارع، وبدأت - ربما لأول مرة - ~~تأمل وجهها الصغير الجميل وتلاحظ أنفها الدقيق ووجنتيها البارزتين، وفمها الواسع قليلا، ~~وشفتيها الرقيقتين، اللتين تبتسمان دائما في سخرية عذبة كانت هي طابعها الأصيل، أما ~~عيناها السوداوان، المستديرتان فكانتا تشعان بنظرة لم تلتفت إليها من قبل، نظرة نارية ~~ثائرة، فيهما كبرياء وبعد، ولكن فيهما مع ذلك حزن عميق يرسم مع الشعر الأسود الفاحم الطويل ~~الذي ينسدل دائما على جبينها العريض وإحدى عينيها صورة من الخيالات والأحلام العذراء التي ~~تحيط الفتيات في عمرها بهالة من الغموض، والتمنع والحياء. ها هي نظرته تتابعني، لكن ماذا ~~يريد؟ آه من هذا الأخرس المخبول، إنه لا يقول شيئا، لا يتحرك لا يهتز فيه عرق واحد، هل ~~كان ينظر إلي حقا أم كان يسبح مع أشعاره؟ وأي أشعار هذه؟ هل هي مثل أشعار شوقي وحافظ؟ ~~هل ينشرونها حقا في الجرائد والمجلات؟ هل يكسب منها عيشه؟ هل يغنونها في الراديو؟ إنه ~~يتابعني دائما، بالنظرة الذليلة المجنونة الصامتة الصارخة بالحب واليأس والعذب والانكسار. # لكنها تذكر الآن كيف انقلب اهتمامها الطارئ به إلى سخط وحقد واشمئزاز، إنها لن تقيم وزنا ~~لهذه النظرات الجائعة الخرساء ولو صرخت في الأبواق بأنها تحبها حتى الموت. ماذا يقول ~~الناس؟ ماذا تقول العائلة؟ والعرسان الذين يحومون حولها من الآن ويسألون عنها بل ويتقدمون ~~لأبيها؟ مهندسون وأطباء وضباط وموظفون محترمون، وها هو الآن قد خرج من حياتها التي لم يدخلها ~~قط، واختفت نظرته وهيئته المزرية وجسده الضئيل ووجهه الشاحب الصغير، كلها اختفت إلى الأبد ~~خلف السور الشائك الذي أقامته من الاحتقار والكبرياء والتعقل. # يا إلهي، ما الذي يوقفه هذه الوقفة في أكبر ميدان؟ ما الذي انتهى به إلى هذه النهاية؟ ~~هل طردته الجريدة التي كان يعمل فيها؟ هل أفلس من الشعر؟ هل مات كل أهله فوقف في طريق ~~الحياة كبقية شجرة قطعت من ms043 جذورها؟ هل أصابه العمى من كثرة القراءة والكتابة أو من كثرة ~~البكاء أو من كثرة النظر اليائس الأخرس الحزين؟ ما الذي أدى به إلى هذا المصير؟ ما الذي ~~جعله يمد يده المتشنجة لكل عابر سبيل؟ ألا يكسب الشعراء من شعرهم؟ ألم يكن شوقي كما يقال ~~أمير الشعراء؟ ألم يكن شاعر البلاط الذي ينعم بخيرات الخديوي وذهبه وألقابه؟ # إنها لا تذكر بيتا واحدا من الشعر، ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لكن لا بد أن صاحبه لم ~~يكن شحاذا ولم يضطر إلى الوقوف في ميدان، تحت شمس محرقة، وسط زحام خانق بين آلاف العيون ~~التي تنظر فترحم أو تمر بغير اكتراث. هل دخل المسكين السجن فعذب كما سمعت من الناس أو علق ~~جسده من قدميه كما تعلق الذبائح عند الجزارين، أو سلطت عليه الكلاب المتوحشة أو أغرق بالماء ~~إلى رقبته في زنزانته؟ هل كان من الشيوعيين والسياسيين أم ماذا جرى له؟ # كان الأستاذ سعيد لا يزال مستغرقا في نقاش مع سائق التاكسي، وأصغت قليلا فوجدتهما ~~يتحدثان عن مشكلات التنظيم والمدينة التي ضاقت وضجت بعرباتها وسكانها، وحاولت أن تتذكر ~~قانون مالتس، وخطرت لها كلمة المتوالية الهندسية والمتوالية الحسابية، ولكنها لم تفلح في ~~العثور على صيغة القانون، وهتف السائق: لا بد من تعمين الحبوب وجعلها بالمجان، فقال ~~زوجها: ولو؟ الأرانب هي الأرانب وحياتك. وضحكا ضحكة فاضحة جعلتها تدير وجهها إلى الناحية ~~الأخرى. # وقف التاكسي أمام باب العمارة، نزل زوجها أولا ومد إليها يده ليسندها، كم هي رخصة هذه ~~اليد وسمينة وبيضاء ومريحة، عشرة أعوام وهي تمسك بيدها وتربت على كتفها وتمنحها الثقة ~~والعطف والحنان، لكن العيون الخرساء الجائعة تقف أمامها الآن، عيون ضيقة تلمع ببريق ~~التعاسة والقلق واليأس والذل والعذاب، أأكون مذنبة أيتها العيون؟ أكان في وسعي أن أفعل ~~شيئا ولم أفعله؟ # لماذا لم يقل كلمة واحدة؟ لماذا لم ينطق بحرف؟ لم يصدر إشارة؟ # كنت بالطبع سأزجره وألزمه حده، لكن ربما كان هذا على الأقل مصدر عزاء لي الآن، ومن ~~يدري؟ فربما كنت ms044 أجبته بكلمة، تصدقت عليه بنظرة، شجعته بابتسامة، مستحيل أن أتصور أنني ~~كنت سأزيد عن ذلك، مستحيل أن يكون قد خطر لي أن أكلمه مرة أو أمشي معه خطوة واحدة، وماذا ~~كانت تقول الناس والجيران والعائلة، والعرسان الذين يحومون حولي؟ ها هو سعيد يفيض علي ~~حبه وعطفه منذ سنين، لقد هيأ لي البيت السعيد، ووهبني الأولاد السعداء، كأنما يقسم أن ~~يجعل كل يوم من أيام حياتي نظيرا لاسمه، عندي كل وسائل الراحة والهناء والحياة المستقرة ~~المريحة، وماذا تطلب الزوجة أكثر من المرتب المضمون، والثلاجة والبوتاجاز والغسالة ~~والسخان والتليفزيون؟ وهل تسمح لنفسها بعد هؤلاء ألا توفر له البيت السعيد وتملأه ~~بالأطفال السعداء؟ ما كل ما يتمنى المرء يدركه، ليتني أعرف فقط إن كان هذا الكلام لشوقي أو ~~حافظ. # سألها زوجها وهما يدخلان من باب الشقة ويسمعان صياح الأولاد الثلاثة، هدى وهابي وهناء، ~~فيم تفكرين يا حبيبتي؟ # قالت شاردة: في بيت من الشعر. # هتف وهو يحتضن هناء: اسألي ماما عنه يا هناء. # قالت ألطاف وهي تغتصب ضحكة: نسيته يا سعيد. # قال سعيد وهو يقبل هدى وهابي: لازم كان من المعلقات. # أقبل على الأولاد يريهم القمصان الجديدة والمايوهات والصنادل، ما أطيبه وما أكثر حبه لها ~~ولأولادها، وما أشد ثقتها فيه واطمئنانها بجانبه، إنها لا تذكر أنه أغضبها يوما بكلمة ~~حادة أو خارجة، أو أخر لها طلبا من نفسها، أو بخل عليها بملبس أو مأكل أو نزهة. # وراحت تخلع ثيابها في صمت وترتدي ملابس البيت، كان شيء كالخدر يزحف من قدميها إلى رأسها، ~~ومن رأسها إلى قدميها، شيء ثقيل كالصداع أخذ يدق بضرباته فوق عينيها ويجثم على أنفاسها ~~ويزحف مع نبضها ودمها، وارتمت على الفراش وكل شيء يهتز أمام عينيها ويدور ويخلط كدوامة من ~~الألوان والأصوات والحركات، واتسعت العينان الجائعتان الصامتتان أمامها، وتحجرت فيها ~~النظرة الفظيعة الخرساء، وامتدت أمامها اليد المتشنجة كيد ميت تخترق النعش فجأة، وأخذت ~~تتقدم منها وتتقدم حتى أحست أنها تلكمها في وجهها لكمة شديدة، صرخت مفزوعة، ثم انفجرت ~~باكية، وحين أسرع ms045 سعيد إليها وسألها ملهوفا عما بها ألقت ذراعيها حول عنقه ودفنت رأسها في ~~صدره وقالت وهي تنشج: لا شيء يا حبيبي، لا شيء أبدا. # | لماذا نسيتني؟ # ارتعشت يد الخفير العجوز لحظة قبل أن تضع المفتاح الأسود الغليظ في ثقب الباب، ومال برأسه ~~الصغير إلى الأمام ليتطلع في وجه الزائر الغريب، ثم دفع باب المدفن الصفيحي فصر صريرا ~~مخيفا كاد يغطي على الصوت الرقيق الذي يسأله: ألا تعرفني يا عم عوض؟ # قال الرجل وهو يدعوه أن يتفضل بالدخول، ويمر بعينيه الكليلتين على الوجه الأبيض الذي لا يذكره: ~~لا مؤاخذة يا سيدنا الافندي، العتب على النظر. # ضحك الزائر قائلا: هل نسيت حسني يا عم الشيخ؟ # مر الشيخ عوض بيده المعروقة على وجهه المتجهم كأنه يحاول أن يتذكر أو يحتج احتجاجا أخرس ~~على الضحكة التي رنت في غير مكانها، ويجبرها على التراجع أمام هيبة الموت ووحشة القبور: حسني ~~بيه؟ ابن الحاج جابر؟ والله سلامات، يا مرحبا بأهل مصر، الله يرحم والدك. # قال الأستاذ حسني بعد أن خطا خطوتين في داخل المدفن وطالعته ثلاثة قبور تداخلت في بعضها ~~البعض، فبدت كظهور موجات غطاها الزبد الأبيض: الله يرحم الجميع. # نفض عم عوض التراب بجلبابه عن مرتفع صغير أعد للزائرين، ودعاه للجلوس وهو يتمتم بالفاتحة، ~~ثم أراد أن يستأذن في الانصراف معتذرا بإتمام حراسته حين سأله الأستاذ حسني في خجل: لا ~~مؤاخذة يا عم عوض، من عشر سنين وأنا غائب عن البلد، المرحومة أمي مدفونة هنا، قبل الحاج ~~بسنين، هل تعرف ... # قال عم عوض وهو يرفع يديه ويعيد تلاوة الفاتحة: أستغفر الله، طبعا يا ابني، هنا يا ~~سيدنا البيه، الله يرحمها ويحسن إليها، راسها تحت الشاهد تمام. # أقبل حسني على القبر الأوسط في خشوع شجع الخفير على الاعتذار مرة أخرى والانصراف إلى نوبة ~~حراسته، وحين وجد نفسه وحيدا بعد أن أغلق الباب عليه لم يدر على التحديد ماذا يفعل. # مد يده إلى القبر وأخذ يمسح بها عليه، تمنى لو تسعفه الدموع أو يشهق بالبكاء كطفل وحيد ms046 ~~تعيس، غير أنه كان يعلم أن دمعته بعيدة، وأنها طالما خذلته في مواقف كثيرة لا يستعصي فيها ~~البكاء على أعتى الرجال، وأخذ يفتش عن آية يحفظها من أيام المدرسة فلم تطاوعه إلا الفاتحة ~~التي أخذ يرددها دون تفكير، وأحس بوجهه يلتهب بالخجل، فأخذ يبلغ ريقه كالمتهم الذي وقف ~~الكلام في حلقه أمام المحكمة، كان الوقت بعد العصر بقليل، والهدوء الساكن حوله يزيد من ~~ضربات قلبه ويملأ صدره بالوحشة والرعب، وكانت القبور تنتشر حوله في كل مكان، كلما تلفت ~~وجدها صامتة مستسلمة، غير أنها تبدو كما لو كانت تتعمد هذا الصمت والاستسلام، بل ربما كانت ~~تتربص به أو تدبر شيئا لن تلبث أن تنفجر فجأة لتهدده به، ومع أنه رجل عاش حياته للعلم ~~ونذرها لمحاربة الأوهام والخرافات، فقد كان هناك شيء يقبض على عنقه وصدره ويكاد يخنقه، شيء ~~لم يستطع أن يتبين إن كان خوفا أو خجلا أو توبة من ذنب قديم أو رهبة أمام المجهول الساكن ~~المنتشر كالوحش غير المنظور في كل ذرات الهواء الذي يتنفسه حوله، ولا يدري أيضا لماذا ~~قفزت إلى ذهنه صورة حيوانات بدائية منقرضة كان قد رأى ظهورها في مناسبة لا يذكرها، ربما في ~~أحد الأفلام أو في كتاب علمي قرأه منذ سنوات. # كان التعب يخدر أعضاءه، واجتمعت حرارة الجو اللافحة مع عرق ممزوج بتراب السفر، راح يتصبب ~~من جبينه وسالفيه ويدخل إلى فمه قطرات مرة مقززة، وكاد يندم على أنه نزل من العربة على ~~الطريق الزراعي ولم يكمل سفره إلى البلدة، فقد كان في استطاعته أن يزور أخته الكبرى وأخاه ~~المقيم في بيت العائلة، ثم يعود إلى زيارة أبويه في الصباح، ولكنه نفى هذه الوساوس عن ~~نفسه بسرعة، قائلا إنها لا تليق بعالم مثله، وماذا ترك إذن للجهلة والفلاحين؟! بل ماذا ~~ترك للعجزة والأطفال؟! ها هي البلد تتراءى له من بعيد، جدارا واهيا أسود من الطين، ينفث ~~الدخان والغبار من فمه كتنين يموت، والبيوت الصغيرة كتل من السحاب الأسود تحتمي ببعضها ~~البعض خائفة من لفح ms047 الشمس ومن مصيرها المحتوم، وبعض الكلاب تعوي من بعيد كأنها تحذر من هذا ~~المصير، وتعلن سخطها نيابة عن الفلاحين الصامتين. # أسند رأسه إلى جدار القبر، وتراكم عليه تعب النهار وكآبة الموت وركود الهواء ولفح الحر ~~وطنين الذباب ونعيق الغربان، فاستسلم لذكرياته، وخيل إليه أنه يسمع صوتا يناديه: حسني. # كان صوتا هادئا فيه بحة رنت في أذنيه رنينا مألوفا وغريبا، وبدا له كيد دافئة تمسح ~~على رأسه وجبينه: حسني، حسني. # أجاب في لهفة: أمي؟! # قال الصوت العميق: غبت يا ابني، طالت غيبتك. # قال حسني غير مصدق: أهذا صوتك حقا؟ # أجاب الصوت معاتبا: نسيت أمك يا حبيبي؟ # وضع أذنه على الجدار، ثم رفع صوته محتجا: نسيتك؟ كيف أنساك يا حبيبتي؟ عاد الصوت يقول ~~في أسف لم يخف عليه: لو كنت تحبني حقا، فلماذا نسيتني؟ # تمثل له الوجه العجوز كما رآه لآخر مرة، كانت الابتسامة الطيبة الساخرة تحاول أن تفسح ~~لها مكانا بين التجاعيد المزدحمة على طرف الفم وتحت الخدين البارزين، ولم تتضح له العينان ~~تماما وإن راح يبحث عنهما تحت المنديل الأسود الذي يشد الجبين ويتدلى طرفه فوق الأذن ~~الدقيقة البيضاء. تأمل الوجه الصغير المستطيل وغضب لأنه لم يتبين كل ملامحه وقال: # لا تقولي نسيتك، إنما المشاغل والأعمال. # قالت في حنان: هل تعمل الآن يا حبيبي؟ عندما تركتك كنت في البكالوريا، كان نفسي أفرح بك ~~وأوزع الشربات. # ضحك وقال: البكالوريا؟ هوه، هوه، أنا سافرت وعشت سنين في الغربة. # سمعها تضرب صدرها بيدها: عند الخواجات؟ # ضحك من كلامها، تعجب في نفسه من جهلها، ابتسم وقال: ياما سافرت ورجعت. # قالت داعية: تسافر وترجع بالسلامة يا ابني. # أراد أن يقول إنه عبر المحيطات وركب الطائرات والقطارات ثم عاد إليها. تذكر أن الأرض ~~كروية، وأن الإنسان يعود دائما إلى النقطة التي بدأ منها، حاول أن يجد عبارة تبين أنه لم ~~ينسها، وأنه كالطفل الضائع، مهما هرب وتاه في بلاد الله لا بد يوما أن يرجع إلى صدر أمه. # وأخرجه الصوت من حيرته حين سمعه يسأل: وتوظفت ms048 يا حبيبي؟ # ظل يضحك حتى فاجأه الخجل ورهبة المكان فقال: موظف؟ قولي مدير ، رئيس. # عادت تسأل: بركة يا ابني، وشغلك صعب؟ # تهيأ للشرح الطويل، رفع ذراعه وأخذ يشير بإصبعه ويقول: صعب؟ كله إلا التخطيط يا أمي، كله ~~إلا التخطيط. # انعطف الوجه الحنون عليه في إشفاق، غابت منه الابتسامة وحل محلها حزن أبدي مظلم، كالذي ~~يكسو وجوه الفلاحين. # سألت وهي تلفظ الحروف في حذر شديد: تخطيط؟ # وجد أن المسألة تحتاج إلى شرح طويل، رفع ذراعه إلى أعلى وبدأ يشير بسبابته كأنه يوضح ~~رسوما على لوح أمامه: التخطيط يا أمي هو الذي تخصصت فيه، طبعا حصلت على أعلى الشهادات ... # قاطعته قائلة: ربنا قادر يا ابني يعطيك. # استمر يقول: التخطيط يا أمي هو سياسة اقتصادية لتحقيق أهداف معينة، هو رسم صورة للمجتمع ~~الجديد، المجتمع الذي نحلم به، هو الإطار المادي للمثل والآمال التي تسيطر علينا، أنا ~~أرسم هذه الصورة، مع زملائي طبعا، وكلهم دكتاترة مثلي. # هتفت في فرح: يعني أنت دكتور يا حبيبي؟ # قال في استنكار: أوه، طبعا، طبعا يا أمي، نرجع للموضوع، مجتمعنا متخلف، راكد، شبه ~~ميت، يسود التأخر جميع مرافقه الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية، يعيش في الظلام ~~بعيدا عن الحضارة والعلم والمدنية والحرية، يحيا غريبا في هذا الكوكب، ينظر إلى العالم ~~كأهل الكهف أو كالمتفرج الهابط من كوكب آخر، سبعون في المائة من السكان أميون، عاجزون، مرض ~~بالبلهارسيا والدوسنطاريا القدرية والفقر والصبر، مستوى دخل الفرد لا يصل إلى حد الكفاف ... # قاطعته في صبر نافد: كلامك يا ابني ... # أشار إليها أن تسكت واستطرد يقول: نريد أن نغير الهيكل الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، ~~نريد أن نبني بناء جديدا مكان البنيان المتداعي القديم، نريد أن ننهض به إلى مستوى لائق ~~من الحضارة، حالتنا سيئة يا أمي، حالتنا سيئة، 70 إلى 90 في المائة ما زالوا يعيشون على ~~الزراعة، ينفقون كل دخلهم على الغذاء والضروريات، لا يعرفون الادخار، تصوري أن مستوى دخل ~~الفرد منخفض عن مستوى دخله في الهند؟ # قالت الأم وهي تبتسم فتكشف عن فم ms049 بلا أسنان: الهند بعيدة يا حبيبي، ما لنا وما للهند؟ # أجاب مندفعا غاضبا: يعني نحن في الحضيض، ما زلنا في الحضيض رغم التعب والعرق والمجهود، ~~بيننا وبين العالم المتحضر هوة سحيقة، نركب الحمار وهو يركب الصاروخ، نزرع بالفأس ~~والمحراث وهو يستخدم الطيارة والجرار، نعيش في عصر الساقية وهو يعيش في عصر الميكنة، لا ~~بل كما يقول العلماء في عصر ميكنة الميكنة. # قالت جزعة: المكن خطر يا ابني، ربنا ينجكيم من الأخطار. # زاد صوته حدة وراح يشير بيده: نريد أن نحول مجتمعنا إلى مجتمع صناعي، مجتمع متقدم، نريد ~~أن يأتي اليوم الذي يترك فيه الفلاح الفأس، يكسر المحراث، يقتل حماره بالرصاص. # سألت خائفة: حرام يا ابني. # رفع صوته أكثر وقال: بل يقتل كل الحمير، كل هذه المخلوقات الغبية الكسولة التي تنضح عليه. # قالت تذكره بالماضي: أبوك كان يحبه يا ابني، حماره الأبيض بعلامة سوداء على رأسه، ما ~~أحلاه وهو يسرح به إلى الغيط. # قال ساخطا: لو كان أبي حيا لأجبرته أن يقتل الحمار. # سألت مشفقة: وماذا يفعل من غيره يا ابني؟ # قال: يركب هو وكل الفلاحين الجرار. # سألت: الأتومبيل؟ كل الفلاحين على أتومبيلات، ومن يزرع الأرض يا ابني ويرويها ويعزقها ~~ويلم محصولها؟ # قال مؤكدا كلامه: بالمكن يا أمي، قلت لك بالمكن. # قالت في لهجة يائسة: ربنا قادر يا ابني، والبهايم من يحلبها يا حبيبي؟ من يرعاها؟ # قال متطلعا إلى القرية الهاجعة كجثة تنزف طينا أسود: البهائم ستعيش في حظائر، تحلب ~~بالمكن وتأكل بالمكن، المعدات البدائية ستزول وتحل محلها آلات جديدة نظيفة، ألم أقل لك لا ~~بد أن ندخل عصر الصناعة، لا بد أن نسابق الزمن، الزمن الذي يجري كالأرنب ونحن نزحف وراءه ~~كالسلحفاة؟ انظري، هؤلاء الفلاحون الذين يجلسون في الشمس قانعين راضين بالقدر ... # قاطعته وكأنها تحذره: المقدر لازم يكون يا ابني، وكل حي ونصيبه. # فهتف وهو يشوح بكلتا ذراعيه: هذه هي القدرية، نريد أن نقضي عليها، لا بخت ولا نصيب بعد ~~الآن، الإنسان هو سيد القدر، هو صانع الحياة، هو المسيطر ms050 على الطبيعة، هكذا يقول العلم، العلم. # قالت مستسلمة: بحره واسع يا ابني، وربنا يزيدك من نعيمه. # استطرد يقول كأنه يخطب: والعلم يقول لا بد من ثورة في الريف، لا بد من تحطيم المجتمع ~~التقليدي، لا بد من القضاء على القدرية والقناعة بالبخت والنصيب. # قالت تحاول أن تهدئ من حماسه: القناعة يا ابني كنز. # أجابها كالعاصفة: غلط، القناعة هي سر المصائب، القناعة علمت الفلاح أن يرضى بالقليل، ~~أن يعيش هو وأولاده كالحمير والجاموس، تغذية سيئة (نسبة ضئيلة من السعرات الحرارية)، ~~حالة صحية سيئة (طبيب لكل 3600 إنسان، تصوري!) أمية وجهل منتشر (75 في المائة، تماما ~~كما كانت على أيامك)، خزعبلات وأوهام موروثة يسمونها تقاليد، تعصب للأسرة وللأرض، وبلغة ~~العلم جمود أفقي. # سألت: إيه يا حبيبي؟ # استطرد متجاهلا سؤالها: جماهير مفرطة في الفقر، وأفراد مفرطون في الغنى. # قالت تنبهه: أمر الله يا ابني. # زمجر ساخطا: بالعكس، ناس ترضى بالبؤس والكدح، ترثهما وتورثهما للأولاد والأحفاد، هذا ~~بلغة العلم هو الجمود الرأسي. # مصمصت بشفتيها، فهتف: قلت لك جمود رأسي! # هزت رأسها آسفة: ربنا يعينك يا ابني وينصر المسلمين. # تعجب في نفسه لسذاجتها، ثم عاد ينظر إلى القرية المستسلمة تحت نجوم لا ترحم: بلادنا يا أمي ~~قرية، قرية كبيرة واحدة، قرية منسية، متخلفة، أمية، مريضة، مغلقة، بدائية، القرية هي ~~أم المشاكل، لا بد أن نحييها، ننفخ فيها نور العلم، نبنيها من جديد، بيوت عصرية بالماء ~~والنور والمجاري، بينها شوارع نظيفة، فيها بساتين ومساحات، مسارح وملاعب للأطفال، مكتبات. ~~كل الفلاحين لا بد أن يخرجوا من تحت الأرض، يحسوا بالدنيا، يأكلوا ويشربوا، يرقصوا ~~ويسمعوا الموسيقى، يفرحوا، لا بد أن يفرحوا يا أمي مرة واحدة من نفسهم، ويلبسوا البذل. # ضحكت حتى كاد يعاتبها وقالت: يلبسوا بذل؟ ربنا قادر على كل شيء. # قال وهو ينفخ الهواء من الغيظ المكتوم في صدره: طبعا حقهم، ويقرءوا الكتب ويعرفوا أخبار ~~الدنيا ويتمتعوا بالثقافة والحضارة، يقولوا نعم ولا وقت اللزوم. الديمقراطية يا أمي. # سألت: إيه يا ابني؟ # استمر في اندفاعه: والاشتراكية، مجتمع المساواة، ms051 مجتمع العدالة، مجتمع ... # أشفقت عليه من هذا الهياج، صعب عليها أن يفور الدم في وجهه وتنتفخ عروقه ويسيل العرق ~~أنهارا على صدره دون أن يشعر، أخذت تنظر إليه صامتة، فقال يطمئنها: لن ننسى الريف يا أمي، ~~لن ننساه بعد الآن، سنزحف عليه كالجيوش الهائلة لنمدنه ونعلمه ونشفيه ونعالج رمده القديم، ~~سنعمل، سنعمل. # تردد صوتها الخافت في أذنيه: العمل عمل الله يا حبيبي، لا تنس قراءة الفاتحة على روحي. # بدا له أنها تعاود بالتهمة التي تصور أنه دفعها عن نفسه، قال وفي صوته احتجاج لم يستطع أن ~~يغطي على الندم: أنسى؟ كيف ينسى الإنسان أمه؟ # بدأ وجهها الساطع يلتف في سحابة تبيض وتسود، اختفت عيناها الضيقتان الصافيتان، زادت ~~الابتسامة الوديعة الساخرة اتساعا حتى لم يبد له سوى فتحة كادت تملأ قلبه خوفا، وجد نفسه ~~يقف ويتقدم منها ويؤكد كلامه بيديه وخلجات وجهه وأطرافه وانتفاضة جسده: أقسم لك إننا سنعمل، ~~إن لم يعمل هذا الجيل فلا بد أن يعمل الجيل الذي بعدنا، والجيل الذي بعده. # بدت الابتسامة كهلال نحيل يضيء وحيدا في السماء الصافية، خيل إليه أن الشفتين تتحركان ~~في همس يرن مع ذلك رنينا واضحا: إن كنت تحبني حقا، فلا تنسني. # بعدت الابتسامة، أضاءت ثم شحبت ثم انتفضت قبل أن تتلاشى. صرخ حسني بملء صوته: # أنساك، لا يمكن أبدا، أنت أمي، أمنا، لا بد أن نعيش معك، لك، فيك، لا بد أن نبني ~~البيوت الصحية والمدارس والحدائق والمسارح، لا بد أن نعمل، نعمل، نعمل. # شعر بجبل ثقيل يتمايل ويتحرك ويهتز. # انزاح الجبل عن صدره ورأسه وانزاح ظله الأسود عن عينيه، استمر شيء يهزه ويهزه. فتح عينيه ~~وقفز مذعورا، كان لا يزال يصرخ بصوت مجروح ومختنق ينبعث من حلق مر ملتهب: العمل، العمل، ~~عندما انتبه إلى عم عوض الذي أخذ وجهه الصغير المصفر ينتفخ وينكمش أمامه. # هز رأسه لحظات قبل أن يفيق تماما ويقول: لا مؤاخذة يا عم عوض. # قال عم عوض ضاحكا: معذور يا ابني من التعب، الشمس راحت والمغرب أذن، ms052 وحضرتك يعني لو ~~نسيتك كنت لا مؤاخذة ... # تذكر وهتف: لا، لا، إلا النسيان. # ابتسم، وضع ذراعه في ذراع عم عوض الذي أغلق باب المدفن الصفيحي فصر صريره المخيف، وسارا ~~معا على أقصر طريق يؤدي إلى البلدة التي بدت في ظل السحب الداكنة المحمرة الأطراف مثل جدار ~~واه من الطين يحاول التشبث بالأرض الطرية التي تئن تحته وتهدد بالسقوط. # | أحلام الفارس القديم في رحلة السندباد الأخيرة # عندما تتخطى نفسك المتلهفة زمنك، تمكث حزينا على شاطئ بارد بين أهلك وأنت لا تعرفهم، ~~تسمع الترانيم، إلا أنها ترانيم على أوتار مقطوعة مع الحلم المستحيل والزمن المفقود، في ~~البعد السادس، من الأسبوع الخامس، في اليوم الثاني والثلاثين، من الشهر الثالث عشر، في ~~السنة التي لن تأتي أبدا، في الرحلة الأخيرة، إما النجاة، وإما السقوط في دوامة التيه ~~السرمدي، وضياع أبدي في ثقب الكون الأسود. # أصوات البحر تتعالى والموج يتهادى فيصطدم برصيف المرفأ متطايرا رزازا يملأ الجو برائحة ~~البحر المميزة، ثم ينحسر الموج من بين الصخور، مرسلا أنغاما رقيقة، ثم يعود في دفقات تشبه ~~دقات القلب. كان السندباد يتأمل البحر في ليلة مقمرة وهو يجلس على رصيف المرفأ الموغل في ~~القدم كقدم المدينة التي يسكنها، وكانت السفن الراسية تتأرجح في اهتزازات ناعمة مع حركة ~~البحر كطفل تهدهده أمه في رقة وحنان، تتلألأ من جوانبها الكوات المضيئة كعيون ترصد في ~~الظلام أحلام المغامرين بينما يتصاعد بين الحين والحين نداء من هذا الجانب أو ضحكة من ذاك ~~الجانب، وآخر يعزف لحن الحنين ويغني لطيور النورس الساكنة على القلوع. # خطا خطوتين نحو السلم المؤدي إلى الشاطئ الرملي المجاور للميناء، خلع حذاءه وراح يمشي ~~مستمتعا بملمس الرمل الندي تاركا آثار أقدامه تهاجمها موجات البحر القادمة لتحمل الأثر ~~والآثار في انحسارها نحو عمق المحيط، تأمل اللحظة، من هنا مرت أقدام كثيرة تحمل أسرار ~~الشاطئ، ذهبت كلها إلى عمق المحيط، حيث مستودع الآثار والأسرار. # جلس يتأمل وقد عكست صورة القمر هالات فضية على صفحة الماء، وفي لحظة التجليات التي تصيب ~~العقل ms053 الواعي راحت عيناه تبصر وتراجع حياته صورة صورة ومن زمن إلى زمن. جاب دروب الدنيا، ~~جلس تلميذا للمعرفة، صديقا للمنطق، أخا غير شقيق للفلسفة، وابنا بارا لتعاليم ~~الدين، وراح يتطلع كيف تداركته رحمة الله في كل حياته، وأنه لولا العناية الإلهية التي ~~كانت تدركه دائما في الوقت العصيب لكان من الهالكين، تمتم بكلمات الحمد والثناء لرب ~~العباد. # ولكن، وآه من قسوتها تلك الكلمة؛ لأنها تقول إنه يفتقد شيئا جوهريا وكبيرا، يشعر ~~بالوحدة الشديدة، بالفشل التام برغم النجاح الظاهري، إحساس دائم بالوقوف على حافة الهاوية ~~برغم الأصدقاء والأسرة والأبناء، من أجل هذا كان يأتي هنا، يبحر كثيرا كمن يبحث عن شيء ~~لا يعرفه، ابتسم، بل يعرفه جيدا ولكنه غير موجود، فهو كمن يبحث عن حلم مستحيل. # أسند رأسه إلى جذع الشجرة التي يستند إليها، رفع عينيه للسماء، ليلة صافية مرصعة ~~بالنجوم يضيئها القمر في تمامه، وراحت عيناه وعقله يبحران ويوغلان في أعماق السماء، الآن ~~إحساس جارف يدفعه نحو بوابة أغلقها منذ زمن بعيد تراءت له في عمق السماء، تحمله خطواته ~~بتثاقل مليء بالرهبة والقلق والتردد، تمتد يده المرتجفة بين اندفاع رغبة المواجهة مع النفس ~~وبين الإشفاق عليها، تحمل المفتاح الذي يحمل أرقامه السرية والتي لا يعرفها إلا هو. # يدور المفتاح، وينفتح الباب محدثا هذا الصرير المنعش الذي يحمل بين طياته ذكرى زمن مضى ~~لم يعبر فيه هذه البوابة، وعلى عتبة الباب بدت له غاباته بكل أشجارها العالية كالحصون ~~وزهورها العجيبة ذات الجمال الأخاذ، وذاك العبير الذي ليس له مثيل، وأشواكها التي تنمو ~~أحراش تحرس أخطر مناطق غاباته حيث الترانيم المقدسة، درة القيم، وتنهار مقاومته تماما، ~~يسرع الخطى في حلم سرمدي أخاذ متلمسا طريقه بين كل هذا الجمال وكل هذه الرهبة الموحشة ~~للوحدة والصمت. # وكأن الأرض أحست خطاه وتعرف من ولماذا يأتي القادم من الباب السحري، ومع لحظة المعاناة ~~والمناجاة والخلوة في الأعماق تبدأ الجراح في الانفتاح التدريجي ويبدأ قلبه في النزف، نزف ~~مليء بآلام ومتعة الحقيقة لأنه الألم الذي يبحث ويضيء ms054 وينقل القيم بصراع الشر الكامن في ~~نفوسنا وعذوبة النقاء الذي يحرك أوتار القلب في تناغم قيثارة الأحلام ، ويتساءل في لحظة ~~التجلي كيف يحمل قلبي كل هذه الوحدة وكل هذا الحزن؟ # ويصبح الجرح غائرا، أليما، وتتساقط قطرات دمه على أرض الغابة، تنمو أزهارا بارعة ~~الحسن، وأشواكا تدمي القلب، كان يسير مأخوذا بلحظة المناجاة مغمض العينين في حلم عجيب ~~يبحث عن بحيراته التي ملأتها دموعه منذ زمن بعيد ويسأل في لحظة الإلهام المتحلية، أين تكمن ~~معاناتي؟ # أبحث عنها في كل مكان، وحيدا عاري القدمين أسير بحثا عنها. # وتنفلت منه مشاعره في غفلة الزمان والمكان، تمرح، تجري في غاباته غير عائبة بكل ما ~~يصيبها، برغم وحدتها لا زالت تقاوم وتملك القدرة على الفرح والانتصار. # تمتم تمتمات التجلي عن الدنقلي: # 1 ~~«أعطني القدرة حتى أبتسم، عندما ينغرس الجرح في صدر المرح.» ~~«أعطني القدرة حتى لا أموت، منهك قلبي من الطرق على كل أبواب الحقيقة.» # وتأتي المعرفة تتهادى، عرفها منذ كان صبيا، لا زالت كما هي، درة التاج. # ولؤلؤة الزمان وريحانة المكان، كان صغيرا ولم يكن يعرف سر نظرتها الحزينة. # فالمعرفة قاسية، ولكنها لا تخدعك، وتتطلع المعرفة إلى عينيه المليئة بندى غاباته، ~~والممطرة بقسوة وعنف لم تعرفه منذ زمن بعيد، حيث يغسل كل أحزانه، وتسأله: ماذا تخفي عني ~~عيناك الممطرة؟ تسأله بحنان دافق، مفقود ومفتقد، لماذا تنسحب داخل نفسك؟ أصبحت تعرف ~~الكثير، وتشعر بالكثير، تقتحم غابات الألم، نظرة إلى عيني الآخرين تنبئك عما هناك، ولا ~~أحد يتطلع إلى عينيك ليرى ما تحمل معاناة كانت أم فرحا، أو عذابا كبيرا تحمله وحدك، ~~المعرفة قاسية، لا تتراجع، تنبش بيدها وأظافرها الحادة جرحه المفتوح النازف، ويزداد ألمه ~~عنفا، ويزداد عذابه، وتنفجر من بين أجمل أزهاره وأشواكه رسوم أيامه يوما بعد يوم، سنة ~~بعد سنة، إنها عين الألم التي انفجرت بإحساس الغربة الداخلي، المعرفة قاسية ولكنها لا ~~تخدعك، تضع الأشياء في موضعها. # عندما تحملك عربة المعرفة إلى قدس الأقداس، إلى الآفاق العالية وتعود، فإنك تعود تحمل غربتك ~~معك لأنه ms055 لا أحد يستطيع أن يرحل معك، والمعرفة تلح، أجبني، أنت تنسحب داخل نفسك، وحيدا ~~منذ الآن ستعيش، أردت أن تعرف نفوس من عرفت، فعرفت وأفضت، ترمم، تلملم أحزانهم، ولأنهم ~~لا يعرفون فستدفع أنت الثمن، لم ولن يتجول أحد داخل مشاعرك، من أجل هذا ومنذ الآن ستعيش ~~وحيدا تبحث عن حلم لن يتحقق، وتتراجع المعرفة بين غصون الشجر مختفية داخل غاباته المسحورة ~~تاركة الحقيقة بين عينيه. # في زمن القهر، المعرفة بلا فعل تتلاشى في ظلمة أبدية. # وسمع هاتف القباني: # 2 # ستفتش عن حلمك في كل مكان، وستسأل عنه موج البحر وفيروز الشطآن، وستجوب بحارا وبحارا، ~~وتفيض دموعك أنهارا، وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجارا، وسترجع يوما، مهزوما، مكسور ~~الوجدان، وتعرف بعد رحيل العمر أنك كنت تطارد خيط دخان. # ويمضي قدما، خطوة، خطوة، اقترب من البحيرة المستورة والمرصودة، قد صنعتها دموعه عبر ~~الزمن، ومن بين الضباب على سطح البحيرة تخرج له عن بعد الرومانسية كنز الحياة المفقود، ~~تلك الأميرة الساحرة الجميلة ذات الفم العنقودي والضفائر الذهبية المجدولة المرصودة، ~~الرومانسية بكل قوامها المرمري وتلك اللمسة السحرية الساحرة، وتلك العينان التي تحتضنك عن ~~بعد قبل اللقاء، وذاك الشذى الذي يخرج مع أنفاسها يحمل عطرا ملائكيا ساحرا يبعث فيك ~~ذاك الخدر الذي يسري في أوصالك. # هي التي هجس بها وهما في أحلامه، هي الحدس الذي ينسجه خيال الشوق إلى امرأة تنتظرك في ~~مكان ما من العالم، امرأة الحلم والصدمة التي تباغتك كجنية بحر ذات غسق، تأخذك فتبحران في ~~لجة الليل والقمر والعواصف والموت. # نادته بصوتها الشجي الرقيق: أعرف أني سبب أحزانك. # ارتفع صوته عبر لحظة المناجاة والإلهام بالوصال: اقتربي، ضميني إليك. بأعلى صوته ~~ناداها. # ولكن هيهات، هيهات، فهي مرصودة. # هو الذي صنع الرصد في لحظة غضب عنيف مع الواقع ... في لحظة انتحار ... # هو من وضعها في هذا التابوت الزجاجي المرصود، والرصد لا يمكن فكه. # كان يحدثها ودموعه تتساقط قطرات دم من قلبه المنزوع: آه يا أميرتي، قد كنت بك فيما فات ~~من أيام يا فتنتي محاربا ms056 صلبا وفارسا هماما. # كان وقتها يضمها لقلبه ويغتسل معها في بحيراته. # الآن تعذبه رؤيتها، لا يستطيع ضمها، الواقع أجبره بعنف غير مسبوق على وضعها في ذلك ~~التابوت، فلا الرومانسية ولا الواقع كان من الممكن أن يعيشا معا؛ لأن حلمه كان فوق مستوى ~~الواقع، من أجل الواقع خسر حياته. # من أجل الآخرين جعل من قلبه معبرا آمنا تدوس فوقه أقدامهم ليحققوا أحلامهم، جعل من ~~كبريائه درعا يحميهم من الشموس والصقيع التي أذلت كبرياءه الرفيع، ولكنه هو الفارس الذي ~~حقق أحلام الآخرين، وأضاع حلمه. # كان يحلم بحلم الصبوري. # 3 # لو أننا كنا كغصني شجرة، الشمس أرضعت عروقنا معا، والفجر روانا ندى معا، ثم اصطبغنا ~~خضرة مزدهرة حين استطلنا فاعتنقنا أذرعنا. # لو أننا كنا نجمتين جارتين، من شرفة واحدة مطلعنا، في غيمة واحدة مضجعنا، وحين يأفل ~~الزمان يا حبيبتي يدركنا الأفول، يبعثنا الإله في قارب الجنان، درتين بين حصى كثير، وإذ ~~يرانا ملك يعبر السبيل، يشد عينيه صفاؤنا، يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يرشقنا في المفرق ~~الطهور. # لو أننا كنا جناحي نورس رقيق، ناعم لا يبرح المضيق، محلق على ذؤابات السفن يؤنس البحارة، ~~ويؤنسون وحدته، بالشدو والأشعار والنفخ في المزمار. # كان يحسب أن هذا حال الدنيا، دنيا العاشقين والحزانى الساهرين الحافظين موثق الأحبة، ~~كان يحسب أن رومانسيتها واقعية، لكننا، وآه من قسوتها لكننا؛ لأنها تقول في حروفها ~~الملفوفة المشتبكة بأن هذا هو المستحيل. # كان يحلم بعالم سعيد، فقال «لا» في وجه من قالوا «نعم» للذل والقهر. # كان يحلم بعالم سعيد، ولكن هيهات هيهات، فلا زالت أصداء صيحات الدنقلي في نزعه الأخير ~~تملأ الفراغ السرمدي. # لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد. # وخلف كل ثائر يموت، أحزان بلا جدوى ودمعة سدى. # ارفعوا عيونكم للثائر المشنوق، لربما إذا التقت عيونكم بالموت في عينيه، يبتسم الفناء ~~داخله، لأنكم رفعتم رأسكم مرة! ~~«سيزيف» لم تعد على أكتافه الصخرة، يحملها الذين يولدون في مخادع الرقيق، والبحر ~~كالصحراء لا يروي العطش؛ لأن من يقول «لا» لا يرتوي ms057 إلا من الدموع. # هذا زمن السكتة، سالومي تغني وترقص، من ترى يحمل رأس «المعمدان»؟! # أيها السادة لم يبق اختيار، سقط المهر من الإعياء وانحلت سيور العربة، ضاقت الدائرة ~~السوداء حول الرقبة، صدرنا يلمسه السيف وفي الظهر جدار! # قد منحنا جزية الصمت للمملوك وعبد. # ليس ما نخسره الآن سوى الرحلة من عار، لعار. # بيده صنع الرصد، نامت فيه رومانسيته الجميلة وهي باكية في فستانها الوردي وشعرها ذي ~~الضفائر الذهبية، وأخذت معها جزءا منزوعا من قلبه تاركة جرحا غائرا داميا، أخذت معها ~~كل أحلامه، بلا أحلام عاش قلب السندباد، وتندفع قطرات الندى في موجة عاتية تعيد التابوت ~~الزجاجي بما يحمل إلى قاع بحيراته الفضية. # يحلم بمعجزة تفك الرصد. # ألقى نظرة الوداع على غاباته المزهرة، فرأى بعينيه أشواكا زرعها بعضهم في قلبه. # يسامح من ألبسه تاج الشوك، ولم يلبسه إلا المسيح عليه السلام، يسامح من أدمى قدمه ~~وطموحه، وقد سامحهم الرسول عليه الصلاة والسلام وقد سالت دماؤه الزكية طلبا للحق والمعرفة. # وفي حلم اليقظة، يرى فيما يشبه الإلهام، بابا مرصودا. # مفتاحه سيف صنع من قلبه هو، مقبضه عقله، نصله الحاد مشاعره. # مكتوب على مقبض السيف: المعركة الأخيرة. # على الباب المرصود مكتوب: ~~«بالسيف في طريق الحق تنزف، تتألم.» ~~«تؤلم البعض، يضيع كل شيء، أو يبقى كل شيء.» ~~«تعبر النار إما منتصرا، أو مهزوما للأبد، وعليك أن تختار.» # إن لم يمسك السيف لفتح الباب المرصود إلى طريق أحلامه فهو مهزوم للأبد. # ضائع للأبد؛ لأن بوابة الأحلام تظهر في العمر مرة. # إن أمسك بالسيف عليه أن يخوض معركة من أجلها ومن أجله، لا يسقط السيف من يده إلا فاقدا ~~قلبه، في لحظة الإلهام كان كل ما يؤمن به، كل ما اعتقده مرهون بقراره، خطوة واحدة وينفك ~~رصد الرومانسية، منطقة الإلهام، وتستعيد حياتها، لمسة واحدة، إما أن يعود الفارس ذو ~~القلب الشجاع، أو يصبح دون كيشوت محارب طواحين الهواء، قول بلا فعل، وفعل دون مستوى ~~الحياة، وسقوط لكل المعاني التي عاش بها ولها، المحاولة الأخيرة في الرحلة ms058 الأخيرة ليكون ~~الحلم واقعا، في لحظة الإلهام امتدت يده للسيف، بكل عزمه وقوته قبض على مقبضه وانتزع ~~السيف من الصخرة المسحورة، وبكل قوة وضع السيف على الباب المرصود، وما كاد أن يفعل، وإذ ~~الباب ينفتح على مصراعيه محدثا دويا هائلا، جحيم مستعر، خلف الباب أفاع لها رءوس ~~الشياطين، أشواك تملأ الطريق، انطلق الجني خادم الرصد يصرخ هلعا حاملا التابوت المرصود ~~مختفيا به في آتون النار المستعرة. # بدأت حرب الرصد. # تنبه من حلم اليقظة على صوت رعد، السماء ملبدة بالغيوم، اختفى القمر، مطر عنيف، ارتفع ~~مد البحر، أدرك في لحظة أنها الحرب وأن حلمه أصبح تحقيقه مرهونا بالسيف، اختفت المرصودة، ~~يقولون حملها الجني خادم الرصد إلى جزيرة الشيطان، حبسها في قيد لا يكسره إلا سيف ~~الرومانسية، في وضح النهار حيث النور يملأ الدنيا، تغيب الشمس وتغرب وتصبح الأرض مظلمة ~~لها رطوبة القبر الموحش، كان السندباد وحيدا فاقدا للحلم عاجزا أمام تصريف القدر وقد حل ~~الظلام الأبدي، فالشمس رحلت ككوكب فقد مساره. # تغيب، ولكنها محفورة في القلب والعقل. # تغيب، ويغيب معها كل شيء. # تتوارى عن العين وهي تملأ كل العين. # يا أميرة الزمن المفقود. ~~••• # في مأساة تراجيدية، يرحل السندباد في طقس عاصف. # أمواج كالجبال المتلاطمة، ظلام دامس لا ينيره إلا البرق. # وصمت لا تسمع فيه إلا عويل الرعد. ~~«تلك هي أسطورة العشق بين الفارس والرومانسية، وتبقى الأسطورة لكل العصور لأنها حلم ~~البشرية الأبدي برومانسية الحب وأخلاق الفرسان التي تحمل سيف العدل.» # | جلسة عائلية في الحديقة # 1 # جلس الدكتور محمود بسيوني على الأريكة الحديدية الصدئة في الحديقة المهجورة منذ سنين، ~~كان يحس بإعياء شديد يتصاعد كألسنة البخار الكثيف من كل أعضائه ومفاصله، كما يتسرب من ~~دماغه المضطرب بالهموم والأحزان والذكريات التي تتصادم كالخفافيش مع الأشعة الشحيحة ~~التي بدأت تنسكب حوله من سماء فجرية ملتفة في عباءة الضباب الرمادية، ومن بقايا آماله ~~وأشواقه ومشروعاته الطموحة التي لم يستطع معول الزمن أن يهيل عليها التراب. # قضى اليوم السابق بطوله في تنفيض البيت القديم من التراب ms059 الذي أثارت زوابعه المقشات ~~والمكانس والخرق البالية والمنافض التي لم تدخر زوجته أنيسة وابنته الصغيرة نورة أي جهد ~~في رزعها والخبط بها في كل مكان، وكان قد استدعى أم عبده، ابنة خادمتهم العتيدة التي ~~كانت أمه تعاملها مثل أولادها سواء بسواء، ساعدهم بكل ما في وسعه في تنظيف قطع الأثاث وزجاج ~~النوافذ بالفوط المبللة بالماء، وإزالة العناكب التي تمكنت في فترة غيابهم من احتلال ~~السقوف والحيطان ومد شباك نسيجها الكابي المقزز حتى على الكتب والرفوف المزدانة بصفوف ~~الأكواب والكئوس الفضية والتحف والتماثيل الصغيرة من كل الأشكال والأحجام والعصور ~~والحضارات، وأدرك أن بعد أن أغفت زوجته وابنته وتصاعدت أنفاسهما كزفرات ماكينة الطحين ~~القديمة في الطرف الأقصى من البلد، أدرك أن الإرهاق يولد الإرهاق، فلم يجد وسيلة أمامه ~~إلا أن يهبط السلم الخشبي المتداعي وينزل إلى الحديقة لعله يتنفس نسمة رخية صافية. # ها هو ذا أخيرا أخيرا قد خطا أول خطوة على طريق حلمه العتيق الذي لم يذبل في نفسه ~~مثلما ذبلت شجيرات هذه الحديقة وورودها وزهورها التي لم يبق منها حتى الفروع والبراعم ~~التي كانت تزدهر عليها وتنظر إليه في صباه وشبابه أثناء الإجازات كأنها وجوه أطفال ~~بريئة ترحب به وتحييه، لقد سوى حالته بعد ثلاثين سنة أمضاها في التعليم الجامعي ~~والتأليف عن الحضارات القديمة والوسيطة، وانخرط في متاعب التعليم الذي احتوته ظلال ~~همومه ومنغصاته، وإن لم تخل من لحظات بهجة قليلة كانت تمر سريعة كما جاءت، ولحظات سعادة ~~ورضا بأداء الواجب ربما كانت أطول منها عمرا وأعمق جذورا، وها هو ذا يجد نفسه في ~~مواجهة أحلامه الموءودة منذ أن اشتغل بالتدريس وتحمل مسئولياته، تلفت حوله ومد بصره إلى ~~بقايا السور المتآكل وأحواض الزهور الخربة وقال لنفسه: هل سأستطيع أن أحقق شيئا من هذه ~~الأحلام؟ هل سيمكنني أن ألمس طرف ثوبها الذهبي الأخضر الذي طالما تخايل لعيني ولف قلبي ~~بسحر وعوده؟ أيرجع إلي طائر الشعر القديم بعد أن هجرته فهجرني؟ وإذا استحال علي ~~إغراؤه فهل أتمكن من كتابة سيرة حياتي واستخراج ms060 الكنوز الراقدة في كهف أيامي وأعمالي؟ ~~وحتى إذا لم أنجح في ذلك، ألا تستحق الأفكار التي خرجت بها من تأملاتي وبحوثي عن مصائر ~~الحضارات وصعودها وسقوطها، أن أعطي لها البقية الباقية من عمري المهدد في كل ~~لحظة؟! # خيل إليه أنه سمع صوت أنين ينفذ من مكان مجهول - رفع رأسه إلى السماء فأبصر غرابا ~~يدور فوق رأسه وقال لنفسه: ربما يكون صوت هذا الغراب الذي أراد أن يحييني أو تعود على ~~الحديقة وفاجأه الآن وجودي - ثم حانت منه التفاتة إلى الباب الخشبي المؤدي إلى السلم ~~وخطر له أنه يمكن أن يكون صوت أنيسة التي تكلم نفسها كثيرا في النوم، خصوصا بعد يوم ~~شديد الإرهاق، أو صوت نورة التي ورثت عنها هذه العادة، وعاد يقلب عينيه في جنبات ~~الحديقة، كأنه يتأمل وجه حبيبة قديمة تنتظره ولا تمل الانتظار، أخذ يعاتبها وقد سرح ~~خاطره إلى اليونان القديمة: إيه يا بنيلوب! هل سقط ثوب الوفاء من يديك الجافتين وأكلته ~~الهوام والعناكب والحشرات؟ ونسيجه المطرز بالأزهار والأوراق الخضراء، كيف استطاعت رياح ~~الزمن أن تأتي عليه ولا تبقي على أثر واحد من آثاره؟ هل قسا قلبك أيتها الحديقة الحبيبة ~~أم حسبت أن راعيك التائه في بحار التاريخ وكهوفه لن يعود؟! # وابتسم لنفسه وهو يؤكد لها أن البعث حقيقة مؤكدة، وأن معجزته ستلمس أرض الحديقة ~~وأحواضها وممراتها وتعريشة العنب المتداعية، وستحيي الذكريات القديمة وتنفخ في أشلائها ~~أنفاس الحياة عندما يلتئم شمل العائلة، أو ما بقى منها، ويمثل الماضي حيا مشخصا أمام ~~عينيه، ولم يتعجب في هذه اللحظة أن تبرز له صورة تل العمارنة التي يعد كتابه الجديد ~~عنها، وأن يرى الملك الحزين يتقدم نحوه بوجهه الضامر المستطيل وشفتيه المتدليتين وبطنه ~~المنتفخ وهو يمد إليه يده التي تقبض على علامة الحياة ومن خلفه الأطلال والأحجار ~~المتفحمة في المدينة المحترقة - ومد يده ليتلقى العلامة المقدسة، وقبل أن يتأكد من أنه ~~يقبض على الفراغ قال للملك المكتئب: أنا أيضا أحمل علامة الحياة للحديقة المحترقة - ~~وحياتها في الخضرة والحلم بالغد الأخضر. ms061 # ورجع الصوت الذي خيل إليه أنه سمعه قبل قليل فنفذ في سمعه أحد من وخز الشوك الذي يملأ ~~أرض الحديقة، لم يكن في حاجة إلى التنصت، إذ جاءه صوت زوجته عاليا من الشرفة الصغيرة ~~الشبيهة بالمشربية في الدور الثاني للبيت، البيت الذي يطل عليه في ضوء الشمس البازغة ~~كعجوز طويل ونحيف ومقوس الظهر: محمود! محمود! قام من مجلسه بسرعة حتى صار تحت الشرفة ~~مباشرة: خير! خير! صاحت أنيسة بنفس النبرة الحادة التي كان يحاول في كل مرة أن ~~يخلصها من القلق: نورة حرارتها نار، فتشت عنك في البيت كله وأنت في الحديقة ولا على ~~بالك! قال لها وهو يضحك ضحكته المجلجلة التي كانت تغيظها كثيرا: حاضر، حاضر، اهدئي ~~فقط وسوف نتصرف. لاحقته أجراس الصوت المذعورة وهو يدفع الباب الخشبي الصغير ويتجه إلى ~~السلم: الله يصبرني على عيشتك! # واتسعت ابتسامته الطيبة وهو يصعد السلم ويقول: معك حق، كهل متقاعد، ومؤرخ مغمور، ~~وشاعر لم يحس به أحد، وبيت وحديقة مهجوران من الزمن والبشر! الله يصبرك! # 2 # وضع يده المرتعشة على جبين نورة وخديها فلسعته السخونة اللافحة، وتبخرت سحب الأحلام ~~والذكريات الوردية تاركة مكانها للسؤال الملح: ما العمل الآن؟ أحست زوجته بعلامات ~~الحيرة والسرحان المعتاد فأنقذته منهما قائلة: أرسلت أم عبده إلى صادق. سارع يقول لها: ~~الله يطمئنك. كنت أنوي أن أذهب إليه فورا وخشيت من إزعاجه في هذه الساعة المبكرة. قالت ~~زوجته وهي تغتصب الضحكة المرة: لن يتأخر، المهم ألا تتركا البنت وتندمجا في حديث ~~الشعر والتاريخ والذكريات. عاد يتحسس وجه البنت الراقدة أمامه كزهرة لم تلفحها بعد شمس ~~المراهقة وهو يقول لنفسه: من أول ليلة يا نورة؟ ألم نتفق على أن نعمر البيت والحديقة ~~بضحكاتك وجريك ولعبك، وأن أحكي لك عن جدك وجدتك وعماتك وعمك الذين لم تريهم ولم تعرفي ~~شيئا عنهم؟ وتقلبت البنت وزفرت تنهيدة حارقة فقال كأنه يطمئنها: هو تعب الأمس، أنت ~~أيضا لا ترحمين نفسك، أكان من الضروري أن تقفي معنا وسط الغبار وتصعدي السلم وتنزلي ~~عليه مائة ms062 مرة؟! # قالت زوجته وهي تجري نحو باب الشقة: صادق حضر، يا رب اجعله خير، واستقبلت شقيقها ~~وهي ترتمي على صدره شاهقة، فضمها بحنان إلى صدره وأسرع إلى حجرة النوم قائلا: خير، ~~خير إن شاء الله، يجوز ناموسة أرادت أن تحيي نورة بقبلة حارة، لا تقلقوا! لم أنس ~~إحضار الفليت معي. صاحت أنيسة وهي تقوده إلى فراش نورة: والله لو كانت ملاريا فسوف ~~أحمل ابنتي وحقيبتي ونسافر اليوم في الحال. ثم ناظرة إلى زوجها وهي تتوعده بإشارة ~~حازمة: أنت السبب! وسوف توصلنا بنفسك! # ضحك محمود كعادته لكي يطفئ النار قبل اشتعالها، وأخذ بين أحضانه الدكتور صادق الذي ~~غزته ملامح طبيب الأرياف: السمنة والكرش الكبير والحلة القديمة المهملة التي تفوح منها ~~رائحة تشبه رائحة وحل خفيف تجمعت فيها ذرات الغبار وقطرات العرق المالح. وهتف صادق وهو ~~يربت على ظهر محمود: والله وبقينا على المعاش. قال محمود ضاحكا: أنتم السابقون. ~~كلانا يهبط الآن إلى السفح. رد صادق وهو يجلس على طرف السرير الصغير ويضع السماعة على ~~أذنيه: مع الفارق يا محمود، واحد يهبط التل إلى الشيخوخة والمرض وجيبه ثقيل، وواحد ~~يصعده وهو مفلس ليجني أزهار الشعر وعبر التاريخ! # هتفت أنيسة لاهثة: طمئني يا صادق، طمئني! ورفع صادق رأسه بعد أن فرغ من فحص البنت ~~ووضع داخل فمها ملعقة خشبية كبيرة تأوهت لها بشدة: خير، خير، احتقان شديد في اللوز، ~~هل شكت منها قبل هذا؟ قالت أنيسة: أبدا أبدا، المهم ألا تكون حمى. قال صادق وهو ~~يثبت عينيه في وجهها المتوتر كالعادة ويبتسم كم يشك في الأمر: وحتى لو كانت، أين نحن؟ ~~عملت حساب كل شيء. # ستأخذ هذا اللبوس على الفور، وحبتين كل ست ساعات من الشريط، تعالي نغلي الحقنة. # انفرد بابنته بعد أن أفاقت تماما من نومها ووضع لها اللبوس بحنو بالغ، فلم تتمنع ولم ~~تصرخ كما كانت تفعل كل مرة. قال لها وهو يقبلها على جبينها وخديها رغم تحذيرها له من ~~العدوى: والآن يا حبيبتي، قولي ماذا جعلك تصرخين هكذا؟ قالت: حلم ms063 يا بابا، حلم فظيع! ~~قال وهو يمسك يدها: أنت التي أرهقت نفسك فوق الطاقة، اسمه كابوس! قالت نورة مؤكدة: ~~نعم كابوس، كابوس . # قال مصححا: مع أنك لم تتعشي أمس، اكتفيت بالسندوتشات التي تناولناها في السيارة ~~ورفضت العشاء. # قالت وهي تفرك عينيها وتهز رأسها: ولكنه فظيع يا بابا، فظيع. # قال سعيدا بعودتها إلى الوعي: وماذا رأيت يا كاساندرا؟ ماذا رأيت يا زرقاء؟ # قالت غاضبة: ما هذه الأسماء التي ترددها من الكتب؟ # قال ضاحكا: كاساندرا رأت رؤيا فظيعة وتحققت. رأت أباها يقتل وأنا أمامك حي أرزق، ~~والزرقاء ذات العيون الزرقاء أبصرت الشجر يتحرك من بعيد ولم يصدقها أحد. # قالت مؤكدة صحة كلامه: أخذنا حكايتك في المدرسة، أنا أيضا رأيت مثلها. # قال مستفسرا: هاتي لنحتاط من جيش حسان! # قالت متأوهة: لماذا لا تصدقني؟ قلت لك رأيت الكابوس وأنت الذي أنقذتني من تحت ~~الأنقاض. # قال ضاحكا: أنا؟ مع أني كنت وحدي في الحديقة. # قالت بإصرار: الحدائق لا تتحطم، البيت هو الذي سقط على رأسي، وأنا سقطت بين الأنقاض. # قال يداعبها: وأنا الذي انتشلتك، أليس كذلك؟ # قاطعته قائلة: أنت وماما، ألم تقل لنا إنه قديم ويرتجف كالنخلة العجوز كلما مرت عربة ~~أمامه؟ لم يكف عن ضحكه وقال: يا عبيطة! وكيف ننتشلك ونحن معك تحت الأنقاض؟! اسكتي ~~فهما قادمان، ولا تحكي شيئا لماما حتى لا تصمم على السفر اليوم قبل أن نهنأ بالوصول. # أخذ صادق يهرج كعادته مع نورة حتى غافلها عن ألم الإبرة التي لم تصدق أنها انغرزت في ~~جلدها دون أن تشعر، وسلم محمود روشتة كتبها على عجل وهو يقول له: عند اللزوم فقط، إذا ~~انتابتها الرعشة، طبعا سأكون هنا فورا، من باب الاحتياط، فربما أذهب في العصر إلى ~~العزبة. قال محمود وهو يمشي معه إلى الباب: اسمح لي أن أذهب معك لإحضار الدواء من ~~الصيدلية. ثم وهو ينظر إلى زوجته التي اكتسى وجهها ملامح جادة ساخطة: سأفوت بالمرة على ~~شقيقي حامد، تعرفين أنه هو الوحيد الذي يحتفظ بمفتاح المدفن، لدي رغبة شديدة في ms064 ~~زيارة والدي وإخوتي وقراءة الفاتحة. # قالت أنيسة بلهجة حادة جعلتها تقطيبة جبينها وحاجبيها نذير خطر وشيك: لا تنس يا صادق ~~أن تقول له كل شيء بصراحة، ربما يصحو أخيرا من نومه ونصحو معه. توقف الدكتور محمود ~~أمام الباب مستفسرا وتطلع إلى وجهيهما، وابتلع الكلمات الأخيرة التي أطلقتها زوجته ولم ~~يقل شيئا كعادته. # وهتك صادق ستار الصمت الخفيف الذي انسدل بينهم وهو يقول في ضحكة متصنعة: يا خبر بفلوس، ~~البلد كلها تعرف! باي باي يا نورة، باي باي يا أنيسة. # 3 # في سيارة الدكتور صادق التي أقلتهما إلى السوق شعر محمود وهو يجلس بجوار صهره أن ~~المسافة التي تفصلهما لا تقل عن المسافة بين العصر الذري والعصر الحجري، لم يدر أحد ~~منهما كيف يبدأ الكلام، وتبادلا نظرات جانبية وشت بالحرج الذي يضيق الخناق عليهما، فلو ~~بادره صادق بفتح الموضوع لفسره محمود بأنه تدخل في أموره الخاصة، وربما تطرق به إلى ~~التشكك في شماتته به أو تعريضه - المغلف دائما برنة السخرية - بطبيعته الحالمة على ~~الرغم من بياض فوديه والشعر الأشيب الكثيف في صدره، ولو بدأه محمود بالكلام فقد يفهم ~~أنه ملهوف على سماع خبر ربما يخرجه عن رزانته ووقاره، وهو الذي رجع إلى البلد ليجد ~~السكينة المفتقدة في زحام العاصمة وضوضائها وصراعات الوحوش فيها، وتعمد صادق أن يدخل ~~إليه من الزاوية التي يكرهها فأخذ الكلام ينهمر من فمه عن مشروعاته الناجحة في تربية ~~المواشي والأغنام والخيول، وعن مشروع المذبح الآلي الذي اتفق مع زملائه على البدء فيه ~~بعد الانتهاء من دراسة الجدوى وإقناع البلدية بالتصريح به بعد إغلاق المسلخ الحالي الذي ~~لم يعد يساير التقدم في العالم وفي كثير من أرجاء مصر نفسها، وتتابعت زخات المطر الهاطل ~~من فمه الضاحك في معظم الأحيان حين شعر محمود بأنه يتثاءب ولم يجد وسيلة لحماية رأسه ~~سوى التأمل في المزارع والمصارف والبيوت الطينية الواطئة التي كانا يعبران بها في ~~طريقهما إلى السوق، وسرح أيضا في حديث صامت عن الحديقة وذكرياتها الحاضرة في وجدانه ~~كأن أحداثها ms065 جرت بالأمس، رأى نفسه صغيرا كالجزرة أو كالبلياتشو القزم الذي شاهده مرة ~~مع شقيقه الأكبر وهو يرقص ويغني في السيرك، وتراءت أمامه صورة العائلة التي كان يجتمع ~~شملها في الحديقة بعد صلاة العشاء لشرب الشاي والتسلي بالنقل وأبي فروة المشوي على نار ~~الموقد الصغير. أبوه على رأس المجلس ومسبحته في يده ووجهه الأبيض المستدير يشع طمأنينة، ~~وعيناه العسليتان تنظران بزهو إلى أبنائه الأربعة وبنتيه المتزوجتين اللتين يحضرهما ~~الزوجان يوم الجمعة بعد العصر بقليل، ويرجعان لأخذهما بعد العشاء، وكيف ينسى أمه الحبيبة ~~التي توزع الفاكهة والفطائر على الجميع، وتهرول بقامتها القصيرة وجسدها الممتلئ بين ~~المطبخ والحديقة وهي تحلف على الجميع بحق أولياء الله أن يأكلوا، وتأتي بالمبخرة وتطوف ~~بها على رءوسنا وهي ترقينا باسم الله وحبيبه المصطفى وتدعو لنا بالستر في الدنيا ~~والآخرة كأنها تستصرخ الملاك الحارس لكل واحد منا وتكاد تأمره فيطيع: ربنا يجعل يومي ~~قبل يومكم يا أولادي! # طافت به الصور المتتالية من شريط الذكريات، صور لم يعشها بنفسه لأنه كان غائبا في ~~البعثة، وصور انطمست معالمها أو كادت بعد أن مرت عليها عقود من الزمن وغطتها بغبار ~~القدم الذي أطفأ بريق ألوانها: لعبة «صلح» مع إخوته الذين كانوا يعفونه دائما من ~~الأقلام المفرقعة كالسياط على قفاهم ويقصرون دوره على الجري وراءهم والتخفي في الكوخ ~~الصغير أو خلف النخلتين وشجرة الأرز التي أشبعهم أبوه من قصتها وقصة صديقه التاجر ~~اللبناني الذي أهداه شتلتها ودعاه لزيارة الجبل الأشم في يوم لم يأت أبدا، وقبل أن ~~ينتبه على سؤال صادق وتعجبه من سرحانه الذي شكت منه أخته كثيرا، كان قد بدأ يتذكر ~~ليالي أخرى لم يقدر له أن يحضرها بسبب غيابه عن البلاد أو أسفاره المتتالية في ~~المؤتمرات والندوات العلمية: وفاة أمه بعد سفره بشهور قليلة ثم وفاة أبيه والمأتم الفخم ~~الذي أقيم له وحضره الآلاف كما قال له إخوته بعد ذلك، وزواج أخته في الحديقة نفسها قبل ~~أن يعي شيئا مما حوله، ووفاة كبراهما أثناء غيابه في بلد عربي، والصغرى ms066 بعد ولادة عسيرة ~~ووصوله بعد المأتم بثلاثة أيام لتلقي العزاء، أما المأتم الذي أقيم لشقيقه الأكبر على ~~أثر وفاته متأثرا بمرض مفاجئ فكيف ينساه أو ينسى اجتماع شمل الأسرة بعد الليلة الكبيرة ~~في الحديقة؟ # نبهه صوت صادق الذي شد الكابح فوقفت السيارة فجأة: هوه! دائما مع الأشعار والحضارات ~~القديمة؟ # رد محمود ضاحكا: وأنت دائما مع البقر والجاموس وفراخ المذبح الآلي! # قال صادق متوعدا: هي على الأقل تملأ جيبي وحسابي في البنك، لكن يا عيني على الرحالة ~~في التاريخ وما قبل التاريخ! # ضحك محمود وهو يفرك عينيه ليثبت أنه أفاق تماما: بل كنت مع الماضي الحي ومع الحاضر ~~الذي لا يطاق، ألم تسمع أن الماضي يحيا في الحاضر، وأن الحاضر ... قاطعه صادق: لا يا عم، ~~كل ما سمعته أن البيت والحديقة ... هتف محمود ولم يستطع أن يخفي جزعه: ماذا سمعت عن ~~الحديقة؟ إنها التاريخ الحي في قلبي، الخضرة الوحيدة المتبقية، الأمل ... قاطعه صادق ~~بهدوء: أخشى أن هذا التاريخ سيموت قريبا جدا بالسكتة أو بالقتل العمد، صاح محمود في ~~غضب لم يقصده: تقصد بالغدر؟ هذا شيء غير جديد علي. شوح صادق بيده متخلصا من ورطته: ~~أنا يا عم لا أحب التدخل بينك وبين أهلك، البلد كله يتحدث عن المشروع الكبير، شده ~~محمود من كم سترته وسأل بعصبية: البلد والمشروع؟ أرجوك تكلم، الجميع يعلمون أن الحديقة ~~والبيت ملكي، تنازلت عن نصيبي من الأرض مقابل هذا البيت القديم والحديقة المهجورة، ~~أنت نفسك تتذكر هذا، ربما تتذكر أيضا ما قلته لك عن مشروعاتي الفنية والثقافية التي ~~أفكر فيها. قال صادق وهو ينهي حديثا طال أكثر مما قدر له: أتذكر أو لا أتذكر، لا ~~تدخلني أرجوك في أموركم الخاصة، نحن الآن في السوق، ألم تكن تريد أن تقابل ~~الشيخ؟ # سأل محمود في غيظ وهو يعالج فتح الباب الأمامي: أظن أن كتابه هنا. قال صادق بلهجة ~~فضحت سخريته: البلد كله يعرف مكانه، اسأله بنفسك فربما يعرف، مع السلامة، سأمر على ~~نورة الليلة أو صباح الغد، لا تنس ms067 الدواء! # 4 # لم يتوقع، عندما خرج من السيارة أن الصدمة الكبيرة ستكون في انتظاره: مكبرات الصوت ~~الزاعقة بالأغاني الهابطة، أضواء النيون الصارخة بالألوان الفاقعة كالأراجيح المجنونة ~~على واجهات البوتيكات والتوكيلات ومحلات الفيديو والكازينو الرابض على حافة السوق ~~كحيزبون متصابية تستعرض مفاتنها الفجة وتتخلع على شاطئ بحر هادر بالضجيج المنطلق من ~~فكوك الراديو والتلفاز المفترسة، وضربات الشيش واليك فوق صناديق الطاولة التي يتحلق ~~حولها الزبائن من كل صنف ولباس: عمال المصنع الوحيد بالحلل الزرقاء، وشباب عاطل ~~بالقمصان المفتوحة والبناطيل الجينز، وسائقو سيارات الأجرة والباص والحناطير، وفلاحون - ~~نعم فلاحون - ربطوا حميرهم في الأشجار المواجهة أو أوقفوها أمام البيوت الجديدة تحت ~~حراسة أطفال وصبية جذبهم السحر الملعون واكتفوا بالفرجة عليه من بعيد. # قال في نفسه: لأتمشى قليلا في الشارع الوحيد المسفلت الذي لم أره منذ سنين لا أعرف ~~عددها، كنت أحضر إلى البلد في المناسبات الضرورية، ولم تكن تتاح الفرصة للتجول والاطلاع ~~على الأحوال، أنزل من السيارة لأدخل سرادق المأتم أو سرادق الزفاف وأعود إلى السيارة في ~~الصباح الباكر بمجرد الانتهاء من تقبل العزاء أو تقديمه، أو تهنئة الأهل والعروسين ~~بالقران الميمون، وها هي الأيام والشهور والسنون تمر وأنا غارق تحت سطح الماضي البعيد، ~~غافل عن أمواج الحاضر التي ترغي وتزبد بالحيتان وأسماك القرش وبقع الزيت والنفايات، ~~وتلقي على الرمال بحطام المراكب والقوارب الآمنة قطعة قطعة فتتراجع أمامها ~~مذعورة. # ومضى في طريقه يتلفت حوله كأنه سائح يهيم في أرض العجائب. حمد الله أن أحدا لا ~~يتذكره ولا يعترض طريقه، وإن لم تغب عنه لفتات الرءوس والعيون المتطلعة في دهشة لا تبلغ ~~حد التطفل والثرثرة المعهودة. كان الميدان خليطا غريبا احتشدت على أرضه كل العصور ~~التاريخية وإن بقيت الفوضى السابقة على بداية التاريخ هي سيدة الموقف، أراد أن يذكر ~~نفسه بكان هنا وكان هناك، ببيوت كان يدخلها لزيارة أصحابه في المدرسة، ودكان بقالة ~~بجوار مكتبة يملكها رجل يربطه به طرف قرابة، وبيت شامخ في المدخل الجنوبي للسوق كان في ~~صباه يسميه القصر، وفي شبابه ms068 قلعة الظلم والرأسمالية والإقطاع، وما كان يسمى بالحديقة ~~في وسط الميدان تقلص إلى دائرة يحوطها سلك شائك قبيح وتزدحم بركام المهملات وقطع الأثاث ~~الممزقة الأوصال وأكوام القمامة التي خنقت أنفاس الأعشاب القليلة والجذوع العارية ~~البائسة. نبهه سائق مرسيدس تتبختر في الزحام أن يصحو من نومه، وصاح سائق عربة كارو أنه ~~كان أن يلسعه بالسوط لولا أنه يبدو أفندي محترم، وحين وجد نفسه أمام السينما الوحيدة ~~طالعته الإعلانات الملصقة على جدران المدخل وفوق اللافتة المبهرة الأضواء: كانت تتمطى ~~على صفحتها ممثلة شبه عارية اشتهرت بشراستها وفضائحها الخاصة والعامة، ولكن تفننها ~~الواضح في الإغراء زاد من شهرتها وإقبال الجماهير على أفلامها، ولفتت انتباهه البيوت ~~الجديدة المبهرجة الألوان والشرفات والبوابات والسلالم الرخامية. تلك أموال النفط التي ~~جرت في أيدي الطبقة الجديدة - بنت الفلل السقيمة الذوق وفتحت البوتيكات والأجنسات ~~والسوبر ماركات ومكاتب الاستيراد والتصدير والسمسرة والمقاولات - هل شمت أنوفها رائحة ~~بيوت الطين المغبرة وعشش الغاب والقش والصفيح المتناثرة على أطراف البلد، وهل زارت ~~حارات الأجراء والمهاجرين الذين استوطنوها بعد العدوان الثلاثي والنكسة، وهل فكرت أن ~~تنشئ حديقة عامة أو تقيم مدرسة أو تؤسس مكتبة أو مسرحا أو ناديا رياضيا أو ثقافيا ~~أو قاعة تتوسط البلدة وتقام فيها الاحتفالات والمهرجانات والمحاضرات على نحو ما رأى في ~~المدينة الجامعية الصغيرة التي حصل منها على الدكتوراه، بل في كل قرية ضئيلة زارها وآمن ~~في كل مرة بأنه دخل جنة صغيرة؟ # ورجع أدراجه حين لسعت الشمس فروة رأسه التي حفر الصلع دائرة في وسطها وعلمته الخبرة ~~أنها شديدة الضعف أمام ضرباتها المفاجئة. لم ينس هدفه الذي جاء من أجله فاتجه مباشرة ~~من الميدان الصاخب إلى مقهى بلدي في حارة خلفية ضيقة، بدا المقهى صامدا متشبثا بعصره ~~الوسيط في وجه رياح التغير الجهنمي، ودخل على استحياء وسط الوجوه الكابية المتطلعة بعدم ~~اكتراث، والطاولات التي تحلق حولها الزبائن على الرصيف المهشم البلاط، سأل النادل ~~العجوز - الذي أقبل عليه باحترام وهو يكبس طاقيته الملونة على رأسه - عن كتاب الشيخ ~~حامد، فقال ms069 له بصوت خبير: هو في آخر الشارع، على اليمين في حارة الصالحين، ثم وهو يضحك: ~~يظهر أن المجلس البلدي سماها على اسمه، بركة سيدنا الشيخ، حضرتك تريده؟ # قال محمود مشجعا بابتسامة واسعة: ولماذا سألتك عنه؟ # قال النادل مؤكدا علمه ببواطن الأمور: الأولاد روحوا الآن؛ لأن تحفيظ القرآن يبدأ ~~مبكرا، إذا أردت أن تراه فاذهب إلى جامع الشيخ يس، ستجده هناك بالتأكيد، هو خادم ~~المسجد والمؤذن والواعظ إذا غاب واعظ المركز، إن جئت للحق كان من الواجب أن يسموه مسجد ~~الشيخ حامد. لا مؤاخذة من السؤال. # قال محمود وهو يضع يده على عينيه ليداري أشعة الشمس النافذة من الأبواب والنوافذ ~~الزجاجية: تفضل اسأل. # قال النادل: حضرتك قريبه؟ # فاجأبه محمود: أخوه الكبير. # هتف النادل كأنه كشف غطاء البئر: أولاد حلال، وأنا أقول لنفسي يخلق من الشبه أربعين، ~~الله يرحمك يا حاج بسيوني. # صحح محمود معلوماته: أبي مات وفي نفسه الحج إلى بيت الله. # قال النادل وهو يربت على ذراعه: نصيب ومكتوب، الله يرحمه في تربته، كان أطيب رجل في ~~البلد، البركة في حضرتك وفي الشيخ حامد، وفي أحفاده أيضا الله يهديهم ويصلح ~~حالهم. # شعر محمود أن الرجل أخذ من وقته أكثر مما يجب، فمد إليه يده وصافحه بحرارة تغني عن ~~المزيد من الثرثرة، وأسرع في الاتجاه الذي أشار إليه وهو يتعجب من النهم القاتل إلى ~~تشمم أسرار الناس والخوض في كل شيء وأي شيء، وهز رأسه محاولا أن يفسر الظاهرة الملعونة ~~بأنها قد تكون نتيجة الفراغ وانعدام الحرية والوعي وتجاهل قيمة الزمن، إلى آخر ما يؤدي ~~إلى استباحة الغير واقتحامه وتعريته وحرمانه من أن يملك حتى نفسه أو ينفرد حتى بأحزانه. ~~ومر على الكتاب الذي اهتدى إليه بغير جهد يذكر، إذ وجد على أعلى الباب لافتة سوداء ~~كبيرة نقش عليها بخط كوفي باللون الأبيض: ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وتحتها مباشرة ~~بالخط النسخ البسيط: كتاب الشيخ حامد غفر الله له. سأل صبيا يقتعد الأرض بجوار ~~الباب ويهز رأسه وجذعه بحركة رتيبة أمام ms070 المصحف الذي وضعه على حجره: أين جامع الشيخ يس ~~يا بني؟ وقف الولد في أدب وهو يهش الذباب من على وجهه وعينيه المحمرتين: نحن نسميه جامع ~~الشيخ حامد، إنه هو الذي ... # قاطعه محمود متأففا: أعرف، أعرف، قلت لك أين؟ # قال الولد الذي فوجئ بإغلاق الباب في وجهه فطوى المصحف واستعد لمصاحبته: صعب أن تعرفه ~~بنفسك، يظهر حضرتك غريب عن البلد، تعال معي. # لم يقل محمود شيئا، قبل صحبة الشيخ الصغير بغير ترحيب، وأفهمه بنظراته وسحنته الجادة ~~أنه لا يحب الكلام الكثير، ومضت قدماه تغوصان في وحل الطريق ومياه الغسيل التي تكون ~~نقرا عطنة أمام أبواب البيوت الفقيرة المتساندة والبيوت المدللة المبنية بالطوب ~~الأحمر والمطلية بالألوان الفاقعة، كانت المهملات والفضلات وعلب الصفيح وصناديق الكرتون ~~وأشلاء اللعب الصغيرة وأعواد القش والجريد وأوراق الجرائد المسودة والقطط المتوحشة التي ~~تتصارع على القمامة والكلاب الضامرة المكسورة النظرات - كانت تزحم الأرض التي تنغرز ~~الأقدام في طينها وتهرب منها إلى الرصيف المتهالك المملوء بالحفر كوجوه عجائز هاجمها ~~الجذام. ولما كان الشيخ الصغير قد لزم الصمت إلا من تمتمات بالآيات التي يحاول أن ~~يحفظها فقد راح حامد يسأل نفسه: في أي عصر بائد يعيش الناس؟ أين هي حضارة السبعة آلاف ~~سنة التي يتشدق بها المذيعون اللامعو الوجوه والمذيعات اللبقات اللائي يستعرضن آخر ~~تسريحات الشعر والمكياج وآخر أزياء المودة؟ والضجيج مستمر والتخليط يبتلع البشر ~~والحيوان والنبات والأشياء والكلمات والهموم والآمال في الدوامة التي تتدحرج في هاوية ~~الغيبوبة وحضيض التفاهة والضحالة. وزفر زفرة نبهت الصبي الذي توقف عن تمتماته الرتيبة ~~وهتف قائلا: خلاص يا سيدنا الأفندي، الجامع أهه! وأشار إلى باب الجامع الصغير ~~المفتوح على مصراعيه فوق ثلاث عتبات من الحجر الجيري النظيف، واستدار راجعا كأنه يفر ~~بجلده من مهمة ثقيلة. # وقف محمود لحظات يتلفت حوله في الحارة الضيقة المسدودة بجدار طيني عال، تبادرت إلى ~~ذهنه صورة نفق في عالم سفلي ازورت عنه الشمس وحاصرته البوابات السود وغابت عنه بركة ~~الآلهة، وصعد الدرجتين الأوليين متهيبا شاعرا بالذنب الثقيل، ثم أخذ ms071 يخلع حذاءه ويلطم ~~نعليه ببعضهما ليزيح الكتل الطينية العطنة، وحين استقبلته باحة الجامع النظيفة الواسعة ~~تسرب ضوء مجهول المصدر إلى باطنه، فاستعذب حلاوته وصفاءه ، واستطاع أن يلمح شقيقه جالسا ~~وحده أمام المحراب الصغير شبه العاري من النقوش والزخارف، بجوار المنبر الخشبي البسيط ~~بدرجاته القليلة، عرف شقيقه من حدبة ظهره التي لا تخطئها العين، وإن لم يقترب منه بحيث ~~يلاحظ البياض الذي غزا شعر رأسه ولحيته، والشحوب الذي خطف بريق عينيه ووجهه الذي كان ~~يتفجر بالقوة والعنف والثورة. كان من الواضح أن الذراعين مرفوعان أمام الصدر، وأن ~~الكفين المضمومتين على هيئة نصف دائرة مستغرقتان في تلقي الأدعية التي تخرج حارة من ~~فمه. قال لنفسه: ربما يستغفر في هذه اللحظة عن ذنوب أهله وبلده والعالم كله! # 5 # تقدم ببطء وهدوء وهو يجر قدميه بخطى الأشباح فوق الحصيرة المجدولة بأعواد الجريد ~~الأصفر، وعيناه على المثلثات الحمراء المتتالية في وحدات متكررة إلى ما لا نهاية، اقترب ~~من الجسد الضامر الجالس القرفصاء ولمس الظهر المقوس لمسة خفيفة ارتجف لها تحت أنامله، ~~وتلفتت الرأس بعيونها الضيقة الذاهلة لحظات قبل أن ترتفع مع الجسد وتغيب على صدره في ~~عناق طويل: الدكتور محمود، يا مرحبا، يا مرحبا، لك وحشة يا أخي في الله. # جلس محمود أمامه وظهره للمنبر والمحراب وعيناه تمسحان الوجه الشاحب وكفه تصعد وتهبط ~~على الصدر النحيل ولسانه لا يطاوعه على كلمة واحدة. تنحنح الشيخ حامد وسعل قليلا قبل ~~أن يقول في فرح حقيقي: ياه! هيرودوت بنفسه في بلدنا! # ضحك محمود بصوت عال: ولم لا تقول الطبري أو المسعودي؟! ولكنه خجل من نفسه ووضع يده ~~على فمه. فقال حامد: لا لا، لا أصدق أن هيرودوت هنا. قال محمود هامسا: وجالس أيضا ~~أمام أبو الهول! ثم وهو يشير بإبهامه محذرا: أبو الهول الوحيد الذي لا يزال يضمد ~~جروحه! قال الشيخ حامد وهو يطرق برأسه: ليس وحيدا من كان قلبه مع الله، متى شرفتم ~~البلد؟ ثم وهو يمعن النظر في وجهه: كأنك والله لم ترجع من الغربة. # قال ms072 محمود في لهجة مرحة: وهل رجعت أنت منها يا حامد؟! حتى في الجامع وحيد ~~وغريب؟ # قال حامد وهو يتلفت خلفه كأنه يتأكد من خلو المكان : تعلم أنه هو أنيسي وجليسي، انصرف ~~الجميع بعد صلاة الظهر وبقيت لأكمل الورد وأعد لدرس العصر، ألم تقرأ في الحديث القدسي ~~الشريف أن المسلم غريب في دنياه، والمؤمن غريب بين المسلمين. ومع ذلك فليس أستاذ ~~التاريخ القديم أفضل حالا، أنت أيضا تعيش مع بشر ماتوا من آلاف السنين! # قال محمود: لكن المسلم الحق ينظر خلفه وأمامه إلى آلاف السنين، وإذا عرف حضارات ~~العالم ... # قاطعه حامد: قبل أن يعرف حضارته؟ أنا أيضا أنظر بقلبي وديني إلى الوراء ألفا ~~وأربعمائة من السنين، هذا زمن الفتنة يا أخي العزيز، تمش في السوق قليلا وستفهم ما ~~أقول. # قال محمود في أسى: عملت بنصيحتك قبل قليل. # تنهد حامد بارتياح: فأنت تعذرني إذا رجعت إلى الأصول، تعلم خيرا من غيرك أنني نذرت ~~حياتي لتعلم القرآن وتعليمه، تركت السياسة لأهلها ورجعت لمن إليه المصير. # قال محمود: وأنا يا حامد سويت حالتي وقررت مثلك أن أرجع للأصل وأبدأ من جديد. # ضغط حامد على يده وهو يقول: أرأيت؟ لا فرق بيننا، فكلانا غريب. # رفع محمود يده مسددا إبهامه في وجهه كأنه يحذره: الفرق كبير يا حامد، أنا رجعت إلى ~~هنا لأفعل شيئا لأهلي وأهل بلدي، وأنت تعيش معهم وأنت غريب عنهم. قال حامد مستنكرا: ~~من قال لك هذا؟ إنني أستظل بشجرة القرآن، من يريدني يعرف مكاني، ومن يهده الله يفء إلى ~~ظل شجرته. ثم فجأة كأنه يغلق بابا لا فائدة من دخول الغرباء منه: هل تعلم من الذي ~~زارني أمس؟ # قال محمود مستفسرا: من؟ # قال حامد: ابن أخينا عليه رحمة الله. # اتسعت عينا محمود وفمه من الدهشة: سمير؟ زارك ليجلس تحت الشجرة؟ # قال حامد مبتسما: بل ليأخذ رأيي في الحديقة. سأل محمود في قلق: الحديقة؟! قال حامد ~~موضحا: أجل، أجل، جاء ومعه مشروع كبير، في الحقيقة أكثر من مشروع. تعلم أنني لا أفهم ~~في ms073 هذا. # ضرب محمود كفا بكف: وأنا آخر من يعلم؟! ألست أكبركم سنا؟ أليست الحديقة ملكي بعد ~~أن ... # سكت حامد لحظة واحتقن وجهه، بدا على قسماته المتوترة ألم شديد يحاول كتمانه، قال في ~~هدوء وهو يرفع عينيه ويثبتهما في وجه شقيقه: مفهوم، مفهوم، أرجوك أن تعفيني. أحس محمود ~~بما يدور في ذهنه، قدر مدى العذاب الذي يعتصره منذ أن بدأ يتكلم عن الحديقة، ربما تراءت ~~لخياله نفس الصورة التي تراءت لأخيه، وأثارت دوامة الذكرى البعيدة التي جاهد ليخفي وقعها ~~العاصف في نفسه، وهل يمكن أن ينسى ذلك المساء الذي خرج فيه حامد من باب الحديقة التي ~~اجتمع فيها شمل الأسرة ولم يعد إلا بعد الإفراج عنه ووفاة أبيه؟ هل يمكن أن يصم أذنيه ~~عن أصداء الحمم التي قذفها أبوه على رأسه في ذلك اليوم البعيد، أو عن أصداء البكاء ~~والعويل الذي انخرطت فيه أمه وهي تستعطفه أن يرحم ابنه ويرحم قلبها المريض؟ والأب يهدر ~~باللعنات على رأس الابن العاصي المطرود إلى الأبد، والأختان تقفان عاجزتين عن النطق وعن ~~إيقاف المطر المنهمر على خدودهما المصفرة، والابن الضال يرد اللعنة في لحظة طيش مجنون، ~~وشمل الجلسة العائلية يتفرق وتكتسحه حالة من الذعر، والجميع يتسللون واحدا بعد الآخر: ~~الأختان مع الأولاد والزوجين من باب الحديقة، والأخوان الأكبر والأوسط كل يبحث عن ركن ~~يخفيه، ومؤرخ الماضي والمستقبل يهرب إلى الكوخ الصغير الذي رصت فيه لعبه وأوراقه ~~وأقلامه، وتحجر الصمت بين الأخوين لحظات خيل إليه أنها امتدت دهورا، ففكر محمود طويلا ~~في مبادرة أخيه بالكلام قبل أن تجرفه الذكرى إلى جروح أخرى، جروح يبدو أنها لم تندمل ~~تماما، ولم يستطع بلسم التقوى والاعتكاف أن يوقف نزيفها ويمحو ندوب أهوالها التي لقيها ~~في المكان الصحراوي البعيد الذي لا يجرؤ على مجرد التفكير في اسمه. # وكسر محمود حاجز الصمت الذي ارتفع بينهما بعد أن لاحظ القلق على وجه شقيقه الذي بدأ ~~يتململ في جلسته فقال بصوت هادئ كأنه يستأنف حديثا طويلا في أمور عملية لا تخصه وحده: ~~كما ms074 قلت لك يا أخي، لقد صممت على الرجوع للأصل، لن أكتفي بالجلوس تحت شجرة كما قلت، ~~سأحاول أن أجدد الحديقة لتتسع لجلستنا العائلية، لا لا ، لن أكتفي بهذا أيضا، أريد أن تتسع ~~لأهل بلدي أيضا، ثم ضاحكا ومعتذرا في آن واحد: سأجعلها حديقة أبيقور أخرى، منارة ~~يشع منها الفن والمعرفة والدين أيضا، إنني أعتمد عليك في هذا، أليس كذلك؟ ربما تكون ~~نواة لحدائق أخرى تنفي البلد من التلوث الفظيع، لمشروعات أخرى ستكون الخضرة ... قاطعه ~~شقيقه وهو ينهض واقفا ويمد إليه يده: سيكون المشروع عندك اليوم، تأكد أنني لن أتأخر ~~عن مد يدي إليك فيما يرضي الله ويحقق مصالح الأمة، وسأدعوه سبحانه في صلاة العصر أن ~~يكلل جهودكم بالنجاح. # رفع الشيخ حامد يديه بالدعاء واستقبل القبلة، وسرعان ما أغمض عينيه واستغرق في ~~الصلاة - ووقف محمود حائرا وعلى شفتيه أكثر من سؤال، كان يريد أن يعرف منه شيئا عن ~~طبيعة المشروع، بل كان يريد أن يصول ويجول معبرا عن غضبه من إثارة الموضوع وحتى ~~التفكير فيه قبل أخذ رأيه - ولو أمهله الشيخ قليلا لنفس عن ثورته التي أخذت سحبها ~~المجنونة تتلبد في صدره، ولم يدر هل يصب غضبه على شقيقه الذي راح يؤدي صلاته في خشوع ~~صامت وإن كان ينطق بعدم الاكتراث، أم يدخرها لسمير وجيله الذي تصرف في شيء لا يملكه ~~وأعلن نفسه وصيا عليه؟ واستدار إلى باب المسجد وهو ينذر في سره ويتوعد: مشروع؟ أي ~~مشروع هذا؟ هل مت حتى يرثوني؟ ألا ينتظرون حتى أكتب وصيتي؟ # انحنى ليلتقط حذاءه، وأخذ يضرب الفردتين بقوة كأنه يلطم خدوده: أنا الذي رجعت لأجمع ~~شمل العائلة الصغيرة والكبيرة في الحديقة؟ أين هي العائلة حتى تتجمع؟ # ترك ساقيه تجرانه إلى الطرق المجاورة، وراح يتجول على غير هدى دون أن يستوقفه شيء، لا ~~المدرسة الابتدائية التي تهدم سورها في أكثر من موضع وتحولت باحتها الواسعة، التي كان ~~يلعب فيها ويصطف مع أترابه في طابور الصباح، إلى مقبرة دميمة لبراميل الزيت الفارغة ~~وأشلاء السيارات ومقالب القمامة، ولا ms075 الترعة التي كان يمر على جسرها الحجري الصغير ~~ويقذف الحصى في مائها الصافي فأصبحت تتمطى كجلد حوت متعفن نمت فوقه الطحالب والأعشاب ~~الداكنة، ولا الأكواخ التي استبدلت بضلوعها الهشة من القش والمسك والجريد جدرانا طينية تئوي النازحين السابقين وغرز البوظة والحشيش، ويتجمع أمام أبوابها عشرات ~~الأطفال بوجوه ضامرة مصفرة من سوء التغذية والأمراض المتوطنة، ولا الملل الأزلي الذي ~~يرين على كل شيء ويلفه بأربطة التحنيط المشدودة إلى الأبد، ووقع بصره على صيدلية كانت ~~أبوابها لا تزال مفتوحة فدخلها وطلب الدواء الذي وصفه صهره، وفجأة ارتسم المفتاح الأسود ~~الكبير أمام عينيه فقال لنفسه وهو يتفجر غيظا: كيف أمكنني أن أنسى مفتاح المدفن ولا ~~أسأل حامد عنه؟ كيف نسيت الأصل الذي رجعت من أجله؟ # انتبه فجأة إلى أن الشمس قد غربت وبدأت ظلال المغيب زحفها على البلدة. # واتجه إلى البيت كالسائر في النوم يكلم نفسه، ولا يدري ماذا سيكون مصيره ولا من سيكون ~~في انتظاره. # 7 # خطر له وهو يتقدم نحو البيت تحت ظلال الغروب الممتدة وقبل حلول الظلام أن يدور حول ~~السور ويتفقد أحوال المنطقة ومعالمها، لكن زجاجة الدواء التي يحملها في يده جعلته يعدل ~~عن نيته، ودفع الباب الحديدي الصغير الذي انبعث منه صرير باهت وصدئ مثله فاستقبلته بعض ~~الأصوات الضاحكة والأشباح المختلطة التي تراءت لعينيه الكليلتين في الطرف الأقصى من ~~الحديقة، هللت أنيسة وهي تعلن حضوره بصوتها المرح الرنان، فاستبشر خيرا: وصل المؤرخ ~~القديم! ولم يجد صعوبة في التعرف على ابن شقيقه سمير الذي وقف لتحيته وعلى وجهه العريض ~~ابتسامة أعرض منه، ومد ذراعه بالدواء إلى أنيسة التي غمرتها سعادة غير عادية قبل أن ~~يغيب سمير في أحضانه، ثم يمد يده إلى شخص طويل صامت سلم عليه وهو يحني رأسه بأدب شديد ~~ويتفرس فيه كأنه يشاهد معجزة، وانطلقت أنيسة بالدواء وجسدها الممتلئ قليلا يترجرج ~~ويتوثب نحو مدخل البيت كنافورة جياشة بالقوة والحيوية: سأطمئن على البنت وأحضر الشاي ~~في الحال. # تابعها الجميع وهم يغمغمون بالدعوات بالشفاء العاجل، فقال محمود مبتسما ms076 وهو يجلس إلى ~~جوار ضيفيه على أحد الكراسي القش التي أنزلتها زوجته مع الطاولة بهمة تحسد عليها: والله ~~زمان، جلسة عائلية في الحديقة؟! # قال سمير وهو يمد بصره إلى المساحة الخربة المملوءة بالحفر والأعشاب والأشواك ~~والأوراق الجافة والأغصان المتيبسة: إن شاء الله تتكرر وفي أسعد الأحوال. # وتدخل الضيف النحيل وخرج عن صمته متهيبا: إن شاء الله، ما دام أبيقور العظيم قد حضر، ~~كنا ننتظركم من وقت طويل. # ابتسم محمود وهو يتصفح وجه الضيف الذي بدا كصفحة مخطوط قديم، وقبل أن يفتح فمه أسرع ~~سمير يقول: قبل أن تدخلا من أبواب التاريخ، الأستاذ قنديل محام وصديق ومثقف جدا يا ~~عمي. # ابتسم محمود في أسى: طبعا طبعا، ثم وهو يتطلع في وجه الضيف ويشير إلى الخراب من ~~حوله: ولكن حديقة عمك ميتة منذ سنين، ومهمة كل أبيقور هي أن يزرع حديقته، أليس كذلك؟ ~~قال سمير ضاحكا: مع أني رجل حسابات وأرقام لا أعرف عمن تتحدثان، إلا أنها ستكون أفضل ~~مما كانت ألف مرة، البلدوزر كفيل بكل شيء. # اشمأز محمود من الكلمة الأخيرة أو تجاهل معناها المقصود، فوجه قوله للضيف الذي لم يرفع ~~عينيه عنه: مع أني لا أحلم بحكمة أبيقور، إلا أنني صممت على الرجوع للأصل ولم الشمل. ~~ثم وهو ينظر إلى سمير: كنت لا تزال في علم الغيب عندما كان جدك رحمة الله عليه يجمعنا ~~في هذه الحديقة، وكانت جدتك ... # تدخل سمير بسرعة وحسم ليقطع الخيط الذي أوشك أن يسحبهم إلى متاهات ربما يصعب إخراجهم ~~منها: ستطمئن يا عمي عندما تسمع تفاصيل المشروع. # قال محمود مستفهما: المشروع؟ أسمعت هذه الكلمة من الدكتور صادق ومن عمك حامد. وثب ~~سمير وثبة النمر قائلا: سيدنا الشيخ وقع عليه بالفعل، قلنا نبدأ به لتحل البركة على ~~الجميع. # أراد محمود أن يقول إنه صاحب البيت والحديقة وكان عليه أن يستأذنه أولا، ولكنه لم ~~يجد الظرف مناسبا للخوض في مسألة عائلية أمام الضيف الغريب، وأسرع هذا بالتقاط الخيط ~~بعد أن لاحظ الوجوم الذي زحف على سحنة الكهل ms077 الذي سمع عنه كثيرا، وربما قرأ له وتمنى أن ~~يلقاه: لقد عملنا حساب كل شيء، حقوقكم كلها محفوظة، ولم نوثق العقد ونمشي في الإجراءات ~~إلا بعد توقيعكم عليه، وبالطبع لن يتم الهدم والإزالة إلا بعد موافقتكم. # ازداد وجوم محمود عندما سمع كلمتي الهدم والإزالة، أحس بانقباض شل عقله وأوشك أن ~~يوقف قلبه الذي وضع يده عليه، وتكلف سمير ضحكة سرعان ما حلت محلها تكشيرة جادة على وجهه ~~الضخم: المهم أن التمويل أيضا معمول حسابه، لن نكلفكم قرشا واحدا يا عمي، والأهم أن ~~تبارك المشروع كما باركه عمي الشيخ حامد. # أفاق محمود مرتين على الرنين الغريب لكلمة «مهم» و«أهم»، وفكر قليلا في مشتقاتهما ثم ~~قال مبتسما في استسلام: ندخل إذن في المهم! # أسرع سمير فسحب الحقيبة السامسونيت التي ظلت راقدة بجواره كقطة ملتفة في السواد ~~والغيبوبة ووضعها على ركبته، وقبل أن يعالج فتحها كانت أنيسة قد جاءت متهللة تحمل ~~إبريقا كبيرا في يدها ووراءها أم عبده تتعثر في مشيتها الحذرة لكيلا توقع الصينية ~~التي رصت عليها الأطباق والأكواب والملاعق والفوط البيضاء، وسرسعت أنيسة بضحكة كرنين ~~عملات معدنية تتدحرج على البلاط، وقالت: مشروع هائل، كلموني عنه فقلت يا بنت يا أنيسة ~~الدنيا انفتحت في وجهك. # قاطعها محمود متجهما: طمأنيني على نورة، قست الحرارة؟ # قالت وهي تضع الإبريق الساخن على الطاولة وتتناول الصينية من أم عبده: الحمد لله، ~~كانت طول الليل ثلج، وكنت غارقا في النوم فلم أزعجك، أعطيتها ملعقة كبيرة من الزجاجة ~~وتركتها لترتاح. # كرر محمود سؤاله وقد ازداد تقطيب وجهه: قلت حرارتها كم؟ # قالت كأنها تشهد الجميع على قلقه الذي لا داعي له: ثمانية وثلاثين وشرطتين، صادق ~~سيحضر الآن ويطمئننا، خلنا الآن في المهم. # كان سمير قد فرد لفة ورقية كبيرة على حجره، وخطر لمحمود أنه يشبه كاتبا مصريا ~~قديما يضع لفافة بردي مملوءة بالأوامر والنواهي الملكية ولا ينقصه إلا أن يجلس ~~القرفصاء، وبدأ يشعر بالحصار المضروب حوله، فنظر في غير حماس إلى الرسم الهندسي الذي ~~امتلأ بالخطوط والمربعات والمستطيلات والنقط ms078 الملونة بالأزرق والأحمر والمقاييس ~~المحسوبة في أسفله وتحتها توقيع الشيخ حامد بخطه العصبي المتشابك، وبجانبه توقيعات أخرى ~~وأختام زرقاء اللون وسوداء. وبينما كانت أنيسة توزع أكواب الشاي وتعزم بالبسكويت وتعتذر ~~عن أنه ليس على قد المقام، كان صوت سمير يتدفق كسيل مندفع لا يتوقف لحظة لالتقاط ~~الأنفاس: هنا يا عمي سيكون المبنى الرئيسي، ثلاثة طوابق في البداية يمكن أن ترتفع فوق ~~الأساسات المحسوبة إلى عشر طوابق، طبعا سيكون فندقا ثلاثة نجوم، وربما تجعله الشركة ~~الهولندية مع الزمن خمسة نجوم، الدنيا كلها تقول إن المنطقة أمامها مستقبل عظيم، نعم، ~~نعم، باب السعد انفتح على العائلة كلها، بعد اكتشاف الآثار العظيمة بالقرب من ~~المنطقة كما تعلم بالطبع، وبعد انطلاق العمل في الميناء الجديد، بالإضافة إلى اكتشاف ~~المخزون الهائل للغاز الطبيعي على بعد عشرين كيلومترا من هنا وإقامة أكثر من قرية ~~للعمال والمهندسين، انهالت عروض الشركات المحلية والعالمية على المجلس البلدي. عمر ~~أفندي وبيع المصنوعات يبنيان بالفعل على الضفة الأخرى للترعة التي يجري العمل فيها الآن ~~على قدم وساق كما يقال، وتعد الترتيبات لإقامة كوبري جديد يصل شطري البلد. شركة النصر ~~للسياحة اتصلت بنا بالفعل لجس النبض، يريدون إنشاء «رست هاوس» على أحدث طراز ومحطة ~~بنزين وكافتيريا - المنطقة كما قلت لحضرتك مستقبلها عظيم - قالت أنيسة وهي تلفت نظر ~~محمود إلى الشاي الذي بدأ يبرد: طبعا طبعا، لماذا لا تشرب الشاي؟ # قال محمود منتبها: أنا أسمع سمير. # قالت أنيسة ضاحكة: شيء كالحلم تمام، اشرب اشرب! # ارتشف سمير رشفة كبيرة من الكوب وقال: المرة القادمة نشرب الشربات. ردد محمود ~~متوجسا وبحشرجة فأر محبوس في مصيدة: تقول المرة القادمة؟! # واندفع السيل مواصلا تدفقه: لولا الخطاب المستعجل من عمي مصطفى لاتفقنا بالفعل مع ~~شركة النصر، بعد إذن حضرتك بالطبع. # تساءل محمود مندهشا: مفهوم، مفهوم، هل قلت عمك مصطفى؟ # وازداد السيل قوة وتحفزا كأنه يلطم الصخور التي بدأت تهدد اندفاعه: ألم أقل لحضرتك؟ ~~فجأة وصلني منه خطاب مسجل ومستعجل، اندهشت حين وجدت على غلافه طابع البريد وعليه ~~صورة ms079 ملكة هولندا، كنت أتصور أنه لا يزال في تشيكوسلوفاكيا أو ألمانيا يواصل تدريبه، ~~ولكن الخطاب أكد الشائعات التي سمعتها عن عمي المليونير. # قاطعه محمود بامتعاض : وهل قال لك إنه فتح كازينو ومطعم شرقي هناك؟ ضحك سمير كأنه يطلق ~~نكتة: ويقدم الفول والفلافل وهز البطن كل ليلة! يظهر أن ربنا أنعم عليه بزوجة عملية ~~جدا، وشقراء وطويلة بطبيعة الحال، طول عمري أقول عمي مصطفى عظيم، حوت وفي بطنه ~~الآن كذا أرنب! # تحسر محمود على لغة الضاد وتنهد ثم سأل بإشفاق: وهل يعرف عمك حامد أنه ... قاطعه سمير ~~مستنكرا: يعرف؟ طبعا لا! سيتصور سيدنا الشيخ أن أموال أخيه نجسة وحرام. # سأل محمود: ومع ذلك وقع على المشروع؟! # قال سمير بعد أن التقط أنفاسه كأنه عبر لتوه نهرا خطرا: قلت له إن عمي مصطفى تاب ~~وهداه الله، دعا له بأن يصلح حاله دنيا وآخرة، تشجعت فقلت إنه مصمم على بناء مسجد تحت ~~الفندق أو في الحديقة. # انتبه محمود فجأة وسأل: هل قلت في الحديقة؟ # قال سمير مطمئنا: كذبة بيضاء يا عمي يغفرها الله، سنتصرف في الموضوع بإذن واحد أحد. # بلغ الغيظ بمحمود ذروته، فقال كأنه نوح الذي يئس من تحذير ابنه من الطوفان: مفهوم، ~~مفهوم، مفهوم، أكمل يا سمير. # قالت أنيسة وهي تنهض معتذرة بأنها تريد أن تطمئن على نورة: قل له يا أستاذ سمير على ~~كل التفاصيل، ولا تنس وعدك لي بالإشراف على الفندق والسوبر ماركت! نحن نفهم في ~~الحسابات مثل بعض. نظر إليها سمير ضاحكا وأمن على وعوده بأغلظ الأيمان، والتفت إلى ~~عمه فوجده يتطلع إليها في سكون، وتكوم على نفسه وقوس كتفيه وظهره ليقفز قفزة جديدة، ~~وبدأ يعتلي الأمواج كأنه يشق العباب العاصف إلى جزيرة الأحلام، أما محمود فبدأ يدخل في ~~جلده ويتابع الأطياف التي تخرج من كل أركان الحديقة الصامتة التي تناثرت فوقها الأعشاب ~~والأوراق الذابلة والفروع اليابسة والبقع المحتقنة على وجه عجوز محتضر، وأخذ ينادم ~~الأطياف التي تزاحمت حوله، بينما تتردد في سمعه كلمات يلتقط بعض رذاذها ويترك ms080 أمواجها ~~المضطربة تتكسر على الصخور التي يتشبث بها: تفاصيل العقد مع الشركة الهولندية، الخبير ~~الذي ينتظر وصوله مع مصطفى للمعاينة وإنهاء كل شيء، قوافل السياح التي بدأ الاتفاق ~~معها والمفاوضات مع المجلس المحلي والمجلس البلدي في عاصمة المحافظة ووزارة السياحة ~~لإنشاء مطار خاص بالمنطقة، موقع الكافتيريا والشيف السويسري الذي سيديرها، ركن ~~السياحة والحاج أمين الذي عرض أن يزوده بالقطع الأثرية والتحف الفرعونية والإسلامية، ~~ملاعب الأطفال والبيسين والباصات الفخمة للنقل إلى منطقة الآثار والميناء وشاطئ البحر، ~~والحوت الهائل يزحف ويزحف، يغير الجلد والمكان والزمان ويستولي على الأراضي ويبتلع ~~الأسماك الصغيرة ويتدفأ تحت الشمس الخالدة ويجتذب السياح من جهات العالم السبع، وعينا ~~محمود تستنجدان بالبيت النحيل الشاحب المهدد بالهدم، وبالحديقة المهددة بالفندق ~~والديسكو والضوضاء والأقدام الغريبة والأجساد شبه العارية والسيارات والحافلات والكراسي ~~والموائد المفروشة أمام الفندق لاستقبال المزيد من الزوار المحليين والأجانب، توقفت ~~نظراته على بقايا الكوخ الذي مالت أخشابه المتداعية في الركن الآخر من الحديقة، ورأى ~~نفسه يختبئ فيه مع أوراقه وأقلامه الملونة ليرسم وبدون أولى محاولاته الشعرية والنثرية ~~- ثم استقرت ساهمة على جانب السور الشائك الذي تطل عليه شرفة بيت الجيران الذين باعوه ~~ورحلوا عن البلد منذ سنين - ترى أين أنت الآن يا سناء؟ هل تلوحين مرة أخرى لأرسل لك ~~قصائدي الجديدة مع مرسالك الصغيرة التي كنت تبعثين معها بالأوراق الملونة الفواحة ~~بالعطر وفيها كلماتك الصغيرة المشوشة كنبش الدجاج تشكين فيها من رداءة خطي وشعري ومن ~~فظاعة خجلي وحزني؟ ولعبنا في الحديقة كلما حضرت، وجريك إلى الكوخ واختباؤك فيه وتحريضك ~~اليائس لجسدي الغبي؟ وإطلالك في المساء على جلستنا العائلية في الحديقة وسؤالك بعدها ~~عما كان يقوله أبي وهو يرفع يديه إلى السماء بالدعاء، وما تقوله أمي وهي تؤدي طقسها ~~اليومي، وتدور بالمبخرة التي تهزها فوق رءوسنا وهي تتمتم مع البخور الفواح الرائحة الذي ~~كنت تشمينه من مكانك في الشرفة وكان يلف سحبه حولنا ويدور حول أشجار التفاح وتعريشة ~~العنب وحوض الزهور وشجرتي الكافور الصامدتين حتى الآن كخفيرين عجوزين أمام ~~البيت؟ ms081 # انتبه محمود على هتاف سمير بصوت ضاحك: كل شيء تمام يا دكتور! تفضل معنا، وكان صادق ~~قد دخل من باب الحديقة ووقف بعيدا دون أن يحس بدخوله، وعندما نهضت أنيسة من كرسيها ~~وخفت لاستقباله، سمعه يقول لها بصوت ضاحك: طمئنيني على المؤرخ العظيم، هل دخل المستقبل ~~من أوسع أبوابه؟ # ردت عليه أنيسة بصوت مرتفع كأنما لتسمع زوجها لذي لم يغب عنها غيابه المعتاد: وسيوقع ~~حالا على المشروع. # عاد صادق يلوح بذراعه ويقول: سأمر على نورة وأرجع لكم، مبروك، مبروك. رفت عينا ~~محمود وارتعش جفناه عندما نهض سمير واقترب منه وهو يستأذنه في كلمة سر، انتحى به ركنا ~~إلى اليمين بالقرب من السور وأسر في أذنه: أنا جئت يا عمي إليك باسم العائلة كلها، ~~الحالة كما تعلم، الجميع مخنوقون، وعشمنا كبير في الله وفيك وفي خالتي أنيسة. # استفسر محمود الذي بان عليه الإرهاق والضنى: ماذا تقصد يا سمير؟ # قال سمير: لا وقت للتفاصيل، سوف نلتقي على انفراد لأشرح لك البقية. سأل محمود نفسه ~~وهل هناك بقية؟ وعاد يستفسر: طمئني عليهم، كنت أنوي الليلة أن أمر على أولاد عمتك ~~خديجة الله يرحمها. # قال سمير باختصار وهو يزم شفتيه: أحوالهم بؤس بعد زواج أبيهم، زوجته لا تطيقهم، ~~وأبوهم كما تعرف رجل كئيب، ولكنني فاتح عيني ولا ينقصهم شيء. رجع محمود يسأل: وأولاد ~~عمتك فاطمة؟ # قال سمير وكأنه يسحب ستارا كثيفا على منظر غير مريح: رجعوا للخناق بعد الليلة التي ~~قضيناها معهم، عطية مصمم على ما في دماغه ويدعي أن البيت من حقه وبناه من عرقه، وكأن ~~المرحوم أباه لم يفعل شيئا، وسعيد يهدد بقتله بالرصاص إن حاول إخراجه بالقوة من بيت ~~أبيه، والأرض التي تنازلت عنها لهم ولنا غارقة في الديون والخلافات. قال محمود: كل هذا ~~خطر على بالي؛ لهذا قررت الرجوع بعد تسوية حالتي ... أردت أن ... قاطعه سمير وهو يشد على ~~يده: تجمع شمل العائلة، مفهوم مفهوم، لم تعش لنفسك أبدا يا عمي، لكن أين هي ~~العائلة؟! المهم، أرجوك أن تبارك المشروع، ms082 إنه المن والسلوى الذي هبط علينا من السماء. # قال محمود وهو يشعر أنه حوصر تماما: وأنا؟ ألم يفكر أحد في؟ شهق سمير: حاشا لله! ~~لقد خصصنا لك جناحا في الفندق كما قلت الآن، وسيكون هناك بدل الحديقة حدائق، وحتى ~~إذا لم توافق فالتعويض كما قلت مجز وثمن الأرض بالشيء الفلاني. تساءل محمود قبل السقوط ~~بقليل: هل قلت هذا؟ # ضحك سمير وهو يضع يده على كتفه: يا ترى كنت فين يا عمي وأنا أشرح كل شيء؟ في طيبة أو ~~روما أو الأندلس؟! أرجوك أن توقع ليمشي المحامي في الإجراءات. # فرد خارطة المشروع أمامه وحدد له الموضع الذي سيوقع فيه. وارتعشت يد محمود وهي تمسك ~~بالقلم الأزرق اللامع الذي قدمه له ابن أخيه، فكتب اسمه على عجل وأعطاه له كأنه يسلمه ~~مفتاح غرناطة، وعندما انتهى من التوقيع تذكر شيئا فهتف: والعقد الذي عندي؟! # قال له سمير بأسف عميق: اطمئن تماما يا عمي، بحثنا كل شيء تتصوره، سألنا في الشهر ~~العقاري واكتشفنا أن عم مصطفى لم يسجله، لا بد أنك كنت مشغولا وكلفته بذلك. # قال محمود كأنه يناجي نفسه: ومع ذلك نثق به؟ # قال سمير: أنا من ناحيتي واثق تماما ومالي يدي منه، لقد تغير عم مصطفى، وهو يريد أن ~~يرجع بزوجته وابنه نهائيا، هو أيضا يريد الرجوع للأصل، الظاهر أن الأحوال هناك ... ~~قال محمود: طبعا طبعا، ولكن ... # وفوجئ بصادق يقترب منهما بوجه باش تعلوه ابتسامته الدائمة: لا لكن ولا يحزنون، أصبحت ~~مؤرخ المستقبل يا بطل! وقهقه بصوت عال ثم شده من كم سترته وأسر له باهتمام: نورة ~~حرارتها طالعة نازلة، لا تنزعج، لكن رأيي أن تسافروا غدا بالسلامة وتعملوا التحليلات ~~اللازمة بأسرع وقت، الحالة هنا كما تعلم. # سأل محمود في قلق: هل تشك في شيء؟ تيفود مثلا؟ ~~- لا أخفي عنك، وربما تضطر لعملية عاجلة، اللوز محتقنة جدا، لكن هذا يتوقف على ~~التحليل ورأي الجراح، مع السلامة الآن، نراكم بخير، السفر من صبيحة ربنا! لا تتأخر، ~~ومبروك! # ومضى مسرعا قبل أن يتمكن محمود ms083 من الكلام أو السؤال، وجاء الضيفان فطلبا الاستئذان ~~حتى يتركا له الفرصة للراحة. ضحك سمير وهو يعانقه ويقول: ربنا يحفظك ويبارك فيك، كانت ~~جلسة عائلية في ضوء القمر. إن شاء الله تتكرر، نظر إليه متشككا لحظة، ولما شعر بأن يد ~~المحامي تمتد نحوه صافحه وشد على ذراعه بعد أن رآه ينحني باحترام ويقول: وفي حديقة ~~أبيقور الجديدة بإذن الله، سهرناكم وأتعبناكم، اطلع حضرتك الآن لتستريح، سنتصل بكم ~~في أقرب وقت. # لم يقل شيئا، ودعهما بعيون ذاهلة طافت بالحديقة الصامتة المجدبة، ثم استقرت عند ~~المدخل المؤدي إلى السلم، قال لنفسه وهو يتجه إليه ويضع يده على الترابزين الخشبي: من ~~يدري إن كانت هذه آخر مرة أصعدك! # 8 # وقف لحظات في بئر السلم ويده على الترابزين، كان الصمت يلفه من كل ناحية إلا من نقيق ~~ضفادع في الترعة القريبة ونباح كلب يتردد بإصرار يائس، وربما أغاظه القمر المتلألئ في ~~السماء الصافية وكأنه يتربص به ويطارده. لم يجد في نفسه رغبة في النوم، إذ تحركت فيها ~~رغبة أقوى في استطلاع أحوال المنطقة ومعالمها بعد غيبته الطويلة، بجانب الميل الدفين أو ~~المرض الحميم في الانفراد بنفسه التي تفتت شظايا تحت معاول الثرثرات الطويلة والأحلام ~~المريبة والصراعات والوعود الغامضة. # نظر إلى الحديقة فأغمض عينيه وانقبض قلبه. كانت أم عبده ترفع الأطباق والأكواب ~~وتنحني وتقوم وتدور حول نفسها وهي تنظف المكان وتبدو كشبح يغمره ضوء علوي غريب. خرج في ~~سكون ودار حول سور الحديقة فوجد نفسه في مواجهة البيت الذي أعطاه ظهره ووقف شامخا محني ~~الظهر كعجوز من زمن آخر، وراح يمد بصره في أرجاء المكان وعلى امتداد الأفق، هكذا يتغير ~~كل شيء ونحن لا نتغير ولا ندري! المنطقة دخلت - كما يقولون - في كردون البلد ولم يبق من ~~مساحات الخضرة المترامية إلا مستطيلات ومربعات قليلة طغت عليها المباني الجديدة ~~والإنشاءات الجارية، بيوت الفلاحين التي كانت على بعد خطوات من البيت اختفت وحلت محلها ~~أكواخ مؤقتة لعمال البناء، وهل ينسى أنه دخل مرة أحد هذه البيوت عندما ms084 أخذته الشهامة في ~~إحدى زياراته للبلد وحضر وفاة قريب لأبيه ومشى في جنازته وشارك في تلقي العزاء وإلقاء ~~العبارات المحفوظة؟ وهناك مبان عديدة يحوطها سور واحد - أهي مدرسة جديدة أم معهد ديني ~~أم مضرب أرز أم مصنع أم ...؟ وفي كل مكان حفر وأكوام رمل وقطع أخشاب وطوب محروق وفوارغ ~~أكياس وشكائر أسمنت سيغرز في أحشاء الأرض ويقتل المزيد من الخضرة، وعلى البعد في الطرف ~~الجنوبي الأقصى اختفت السراي بمبناها الرئيسي الصاعد إلى الأفق كبرج قلعة أو كاتدرائية ~~عتيقة، كما اختفت الأسوار التي كانت تطوقها وعليها أبراج أصغر ذكرته كثيرا بحصون العصر ~~الوسيط. كل شيء تغير بينما كنت تتأمل وتنظر وتنتظر! # أحس فجأة بأن هناك من يقف قريبا منه يتطلع إليه، شاب متوسط العمر عليه بذلة رمادية ~~خفيفة وفي يده اليمنى حقيبة بنية تظهر منها الكتب والأوراق، وقبل أن يسأل نفسه من أين ~~خرج وإلى أين يذهب بادره الشاب بالسؤال: حضرتك غريب عن البلد؟ التفت إليه ضاحكا وهو ~~لا يخفي رغبته في الحديث معه: بل سقطت رأسي هنا كما يقال، في هذا البيت الذي تراه ~~يصارع الرياح! اقترب منه الشاب متوددا: سيد عبد العال، مدرس مواد اجتماعية في ~~الثانوية الجديدة. وحضرتك؟ قال محمود مبتسما وهو يمد يده إليه: مواد اجتماعية؟ إذن ~~فلسنا غريبين كما تتصور، اسمي محمود بسيوني مؤرخ على المعاش! فتح الشاب فمه دهشة وهتف: ~~الدكتور بسيوني، صاحب العالم القديم وسقوط قرطاج والمدن الغارقة! قال محمود مبتسما: ~~المحترقة. ألم أقل لسنا غريبين؟ قال الشاب: تشرفنا يا بيه! صحيح لم أتشرف بالتتلمذ ~~عليك، لكنني قرأت لك كثيرا. ضحك محمود معبرا عن رغبته في الخروج عن الموضوع: الحمد ~~لله أنك قرأت كتبي ولم أقررها عليك! أتعلم أن كل شيء يتغير بسرعة؟ رد عليه الشاب ~~مؤكدا قوله: البركة في الطبقة الجديدة، أمثالنا لا يتغير حالهم كثيرا. # قال محمود مؤمنا على كلامه: ومن سمعك أيضا، وربما يسوء كل يوم. استطرد الشاب كأنه ~~يقف على منبر: نحن يا دكتور في عصر الجيوب والبطون، حضرتك تفهم ms085 ما أعنيه، أموال النفط ~~والانفتاح والسمسرة والمقاولات والعمولات، أمثالنا للأسف ينقرضون، هذه المباني ~~والتوسعات الجديدة، إنه غزو، غزو المغول أو التتار، غزو الصحارى لوديان الأنهار. # سأله محمود في هدوء: هل تقصد الخضرة أم القيم التي انهارت؟ # أمسك الشاب الخيط وشده بعنف: والأنا التي اكتسحت كل شيء! هل تصدق أنه ليس بين هذه ~~الإنشاءات وغيرها مبنى واحد للصالح العام، لا ملجأ ولا مستشفى ولا حديقة ولا مساكن ~~للفقراء واللاجئين الذين ملئوا البلد ولا ... قال محمود وهو ينظر إليه في عطف أبوي: المهم ~~أن القيم لا تحترق بسهولة وسط حرائق المدن والحضارات، قل لي يا أستاذ سيد! # قال الشاب بعد أن استرد أنفاسه ونظر في ساعته: تحت أمرك. ~~قال محمود وهو يشير بعيدا إلى الجنوب: سراي الباشا التي كانت هناك، كانت لها ~~وللباشا قصص طويلة، هل سمعت شيئا عنها؟ # قال الشاب وهو يتحرك حركة تنبئ بأنه يتأهب للانصراف: كما قلت لحضرتك، تاجر مخدرات ~~معروف دفع فيها مليون دولار، هي الآن مجمع تجاري ضخم وسوق يؤجر فيه المحل بالشيء ~~الفلاني، المتر وصل ألفي جنيه! # ضحك محمود كأنه يعزيه: أي مرتبنا معا في شهرين! هل تذهب إلى المدرسة في هذا ~~الوقت؟ # قال الشاب وهو يصافحه ويشد على يده: كما يقول إخواننا في الخليج: إيش نسوي؟! لا بد ~~أيضا أن نعيش، مجموعات مسائية للتقوية ودروس خصوصية و... كنت أتمنى أن يطول اللقاء. # قال محمود وهو يربت على ذراعه: توكل أنت على الله، سنلتقي حتما. قال الشاب وهو ~~ينصرف: وستوقع لي بنفسك على أحد كتبك الخالدة. # ضحك حامد ضحكة عالية ثم وضع يده على فمه وقال في أسى كأنه يخاطب نفسه: وما زلت تعتقد ~~أنه سيبقى منا شيء؟ # انصرف الشاب مسرعا وهو يهز حقيبة كتبه في يده ويخوض بصعوبة في الحفر وأكوام التراب ~~والرمل والزلط ويتجنب أسياخ الحديد التي يوشك أن يتعثر فيها، وبقى حامد يتطلع إلى ~~الأفق وإلى كل ما حوله. كان فيما يبدو قد ابتعد عن البيت دون أن يشعر، وكان الهدوء ~~يسود كل ms086 شيء، إلا من نباح كلب عنيد توجس منه خوفا على ساقيه ولم يلمحه أبدا! وضوء ~~القمر يتوهج فوق رأسه كعين شريرة وشديدة الاحمرار ومع ذلك تنشر حولها البساط السحري فوق ~~جنة فقدت خضرتها القديمة، تعجب وهو يحدق في قرص القمر الناعم الناصع، وسأل نفسه هل هو ~~أتون تتلمظ نيرانه غيظا في السماء، أم قارب أسطوري يمخر العباب الصافي وعلى متنه ~~ملائكة ينشرون أجنحتهم الذهبية في بحر الزرقة غير مبالين به ولا بأي شيء؟! # آه! كل شيء يتفتت، العالم والبلد والعائلة والحديقة والبيت، كانت الحياة هي الكل ~~الواحد الذي يتألف من وحدات كلية، تتألف بدورها من وحدات أصغر، وكان هناك الفرد المتحد ~~بالأسرة والجماعة، والقرية المتحدة بالمدينة والوطن، والأوطان بالأرض والطبيعة والعالم، ~~كلها وحدات في علاقة مع وحدات أكبر، وهذه مع الوحدة الكونية الكبرى، لم يكن هناك كل ~~بغير أجزاء، ولا أي جزء بغير الكل، لكن الجزء يتصرف اليوم كأنه الكون بأسره، والأنا ~~تتضخم وتتورم وتكتسح كل شيء كأن الآخر البشري والطبيعي والمطلق لا وجود له ولم يوجد ~~أبدا، أصبح سرطانا يخرب في الظلام الجسم الحي الذي يغذيه ويئويه، والأنا تتلذذ ~~بالنظر في مرآتها، لا تدري أنها تنظر في شظية مكسورة من مرآة أكبر، نسيت أنها لن تعرف ~~نفسها ولن ترى ملامح وجهها الحقيقي إلا في مرايا الآخرين، أفرادا كانوا أو مجتمعات ~~وشعوبا وحضارات، والجزء نفسه تفتت أيضا ولم يكتف بقطع الخيوط التي تصله بالكل، وإذا ~~تذكره فلكي يستغله لصالحه أو ينبهه أو يسخره أو يقهره أو يقعى ذليلا عند قدميه حتى يلقي ~~له لقمة أو عظمة فيختطفها ويفر بجلده إلى سجنه، ليعاود الخروج منه كلما حانت فرصة أو ~~تشمم رائحة صيد جديد! انفصم كل جزء بعد أن انفصل الكل عن الكل، واغترب كل فرد عن كل ~~فرد، وكل جماعة عن كل جماعة، بينما تساقطت القيم أشلاء وسط الأنقاض وانكفأت على وجوهها ~~في الوحل والرغام والدماء والآثام، وها أنت أيها المؤرخ القديم تقف ضائعا بين أنقاض ~~عالم مجدب ومهدد بالانقراض رغم ms087 ضجيج آلات البناء وصيحات التغيير ووعود التجديد ودعوات ~~التحديث ودعاوى التنوير، تقف وحيدا تشاهد البيت يتصدع باسم الفندق ذي الثلاثة أو ~~الخمسة نجوم، وحديقة الطفولة والذكريات والأحلام والمشروعات التي كانت تحوم في رأسك ~~كالفراشات التي تنتظر النور لترفرف فوق الزهور والوجوه المنسية، الحديقة التي تحدق بها ~~عين البلدوزر الأعمى وهي تكحت وتجرف لتمد فوق جثتها موائد الكافيتريا للسياح والسادة ~~الجدد، وتسعى وراء شمس الحلم والشمس في ظهرك، وتحاول أن تلم الشمل في الجلسة العائلية، ~~بينما السماسرة يذهبون ويجيئون، والحفارات والبلدوزرات تتمطى وتتثاءب قبل أن تنقض وتنهش ~~وتصنع الجنات الملعونة، وأنت تحت ضوء القمر، أمام البيت العجوز المحني الظهر، عار في ~~مهب الرياح، مرتعش الجسد والروح أمام قضاة العصر ونجومه وجلاديه، خائف من أصوات الاتهام ~~والإدانة بالرجعية والرومانسية، أأنت صوت الكل الغائب وضمير التاريخ المثقل بالذنب؟ ~~وكيف يحق لك أن تقرع ناقوسا وسط العرس الصاخب وقدماك على شفا الحفرة الأخيرة، آه أيها ~~البيت العجوز! يا بيت قصائدي التي كتبتها قديما وامحت، وقصائدي التي اشتاقت أن تولد ~~وأجهضت، يا بيت الأحلام والضحكات والأعراس والمآتم والآلام والمآسي، ويا حديقة ~~الذكريات الحلوة والمرة، والمشروعات الموءودة قبل أن تولد. أنت التي تمنيت أن يخرج ~~جسدي منك إلى المقبرة القريبة، مشبعا برائحة الطين والعشب وشذا الأشجار والورود، أنت ~~التي صمدت في غيابي تسقطين أمام عيني في غيابي الجديد، حتى حلم الخروج منك على النعش ~~أصبح أبعد من القمر والنجوم التي تضحك علي الآن من عليائها. ما أوسع الفجوة بين ~~الكلمة والفعل، ما أشد اتساعها يوما بعد يوم! # رجع منهك الخطى كأنه عنكبوت عجوز تتشبث بخيوط الضوء المنسكب وتتلفت حولها لتلقي آخر ~~نظراتها على الانسجام الفضي الرائع حوله، ووضع يده على باب الحديقة الصغير ففاجأه صوت ~~يخرج من الظلام كمواء قط يخمش عدوا بينما تقدح عيناه اللتان برزتا بغتة بالشرر ~~المتطاير: بخ! وأدرك أن القط المهاجم ليس إلا نورة التي أرادت أن تحيي عبثها القديم، ~~سألها في لهفة وهو يحتضنها: ما هذا؟ نسيت أن حرارتك عالية؟ # قالت ms088 وهي تقبله: عرفت بنفسك أنها راحت؟ # وضع يده على رأسها وكتفيها وهما يتجهان نحو الأريكة القش في أقصى الحديقة: هذا اسمه ~~تهور يا ابنتي، تعلمين أننا سنسافر غدا وأنت في أشد الحاجة للنوم. قالت ضاحكة وهي تضغط ~~على يديه: أولا أنا فتحت عيني ووجدت ماما نائمة ولم أجدك في أي مكان. # قال وهو يمر بكفه على كفها: وثانيا؟ # قالت: لأن الكابوس رجع، تصور يا بابا، نفس الكابوس. قال وهو يتحسس رأسها: وهذا ~~يؤكد أن الحرارة كانت مرتفعة، ألم يكشف عم صادق على اللوز؟ هتفت محتجة: اللوز بريئة ~~من ذنب الكابوس، لقد جاءت وذهبت، أما الكابوس فيتردد علي لثالث مرة. # تجهم وجه محمود وقلب بصره في أرجاء الحديقة: سيختفي يا حبيبتي تماما عندما نرجع لمصر. # قالت مصححة: بل عندما يدوس البلدوزر على هذا البيت الذي وقع على رأسي وأنقذتني من تحت ~~أنقاضه. # قال وقد ازداد شروده: أنا؟ من قال لك هذا؟ # صاحت منتصرة: ماما، ماما حكت لي كل شيء، الفندق والكافيتيريا وصالة الديسكو، كل ~~شيء، أريد أن أتعلم الرقص يا بابا، قلت لك أريد أن أتعلم الباليه. # وقامت تطوح ذراعيها وساقيها على بقايا العشب، بدت له كجنية صغيرة خرجت من الكهف ~~المسحور وراحت ترفرف مع البجعات المجنحة، وتذكر أنه شرح لها القصة أمام التلفاز وسمعها ~~تعبر عن نفس الرغبة في تعلم الباليه، ولا يدري لماذا تراءت له في نفس اللحظة صورة أبيه ~~وهو يدخل من باب الحديقة وكأنه يفتش في جنباتها عن مكانه في صدر الجلسة العائلية. أخذ ~~يهيم هنا وهناك وصورته تتغير مع اقترابه وبعده: مرة في شكل سائح يرتدي بذلة جينز، ~~وأخرى في شكل إخناتون الضامر الوجه المنتفخ الكرش خارجا من بين خرائب تل العمارنة وفي ~~يده عنخ علامة الحياة، وثالثة في زي بدوي يلبس الغترة والعقال ويقلب سبحة طويلة في يده. ~~نهض على الفور من جلسته وأمسك بيدها وهو يقول: تعالي يا حبيبتي، يجب أن نصعد الآن ~~ونبعد عن كل الكوابيس. وعندما دخلا من باب البيت ووضع يده ms089 على حافة الترابزين الخشبي ~~قال لها وهو يساعدها على الصعود: سنصحو مبكرين ولا بد أن ننام. ثم وهو يتحسس موضع ~~قدميه في الظلام المنتشر في بئر السلم: ربما تكون آخر مرة نقف فيها في هذه الحديقة. ~~هتفت نورة: ونخرج من هذه الحديقة؟ هذه المقبرة؟ ضغط يدها وهو يقول: هذه المقبرة فيها ~~عرق أهلك وأجدادك ودموعهم، هيا يا حبيبتي، ربما تكون آخر مرة. هتفت وهي تلتصق به في ~~صوت لم يدر هل ينم على الشفقة أم الرعب أم المكر: صحيح يا بابا؟ ونتخلص من الكابوس؟! # 9 ~~- أبي، يا أبي، يا أبي! # انتفض في فراشه فجأة وزلزال خفي يرج جسده وسريره وجدران غرفة النوم حتى خشي أن يقع ~~البيت العجوز المقوس الظهر على رأسه. كانت آثار الارتجاج لا تزال حاضرة في اختلاج شفتيه ~~المرتعشتين وعينيه وخفقات قلبه المتلاحقة والرؤى المفزعة التي طفقت تحوم حول وجهه وتكاد ~~تصدم رأسه وشعره المضطرب وأعضاءه المرتجفة كالخفافيش السوداء المذعورة. فتح عينيه على ~~اتساعهما وأغمضهما أكثر من مرة، وضم كفيه على وجهه وأخذ يقرأ الشهادتين ويستعيذ بالرحمن ~~من الشيطان، وبقيت الاستغاثة التي أطلقها تدوي في سمعه: أبي، يا أبي، يا أبي. تلتف ~~حوله فلم يجد أحدا إلى جواره. أنيسة صحت كعادتها مبكرة، ونورة التي تملأ البيت جلبة ~~وضحكا وصياحا لم يسمع لها صوت. ما الذي حدث؟ هل خرجتا من البيت لقضاء حاجة ملحة؟ هل ~~ذهبتا فجأة إلى المستشفى؟ هل نزلتا إلى الحديقة؟ أيمكن أن تلقيا نظرة على الخرابة كما ~~سمتها أنيسة، أو المقبرة كما وصفتها نورة قبل أن يصعدا السلم في الليلة الماضية، ربما ~~لآخر مرة كما قال لها وهو يضمها ويشدها إلى صدره؟ # وبدأت الصور تتوافد عليه. إنه الكابوس الذي كلمته عنه نورة أكثر من مرة، أعدته الجنية ~~الحبيبة فتغلغل فيه وأطلق عليه وحوشه وبومه وغربانه، والوحوش والبوم والغربان تدور في ~~فراغ رأسه المظلم المتعب، وترفرف وتحوم أمامه كما رآها في الكابوس تماما، لكن ما أكثر ~~وجوهها القبيحة وما أفظع أجنحتها المخيفة التي يرتفع طنينها في ms090 سمعه كجيوش بربرية تهجم ~~على مدينة قديمة ولا تتركها حتى تحرقها وتسحقها وتذبح أهلها عن آخرهم! وعاد يضم رأسه ~~بين كفيه ويتطلع في وجه أبيه الذي يناديه ويضيء وجهه كالبدر وسط سماء تراكمت السحب ~~كالقطعان الهائجة على صفحتها. # أسند ظهره إلى ظهر السرير وأحكم وضع المخدة وراء ظهره، كانت أول صور الكابوس محتفظة ~~بحيويتها ورعبها وحلكة سوادها: رأى نفسه على حافة بئر سحيقة محفورة في بئر السلم، وهو ~~ينحني عليها بجذعه كله ويدلي رأسه في داخلها كأنه يسقط فيها دلوا يريد أن يملأه بالماء ~~ليروي ظمأه ويبلل جوفه وفمه اللذين أحرقهما الجفاف، وها هو يرى وجه أبيه الذي يضيء جوف ~~البئر كشمس صغيرة فوق سطح ماء راكد، والوجه يطفو ويغطس وإن كان الصوت يستغيث بلا ~~انقطاع: يا ولدي، أخرجني من هذا البئر. ~~- سأحاول يا أبي، انتظر، انتظر. # مد ذراعه بطولها فلم تصل إلا إلى الحافة، وأخذ يحني جذعه ويدلي ذراعه لعل يده تلامس ~~يد الأب المستغيث، لكن اليد كانت تبتعد، والشمس الصغيرة تطفو وتغطس في لجج من السحب ~~التي تزداد كثافة والزوابع التي تتجمع وتهب مطاردة لها، صاح به انتظر يا أبي، سأبحث ~~عن حبل، انتظر! # هتف به الصوت الغاضب الذي تلفع في عباءة سحابة بشعة القسمات: بل انتظر أنت! من الذي ~~نقلني من قبري إلى هنا؟ من رماني وسط الطين والظلام والأنقاض والأشواك والأعشاب ~~والأوراق الجافة؟ قلت لك من؟ # أنزل رأسه في فوهة البئر بقدر ما استطاع، أراد أن يعزيه عن فشله في الوصول إليه فزعق ~~وردد البئر الأصداء المجوفة: لا تبتئس يا أبي، نحن مثلك في الطين والفوضى والظلام، ~~العالم كله يا أبي، سأله الصوت الغاضب وقد ارتفعت درجة حدته حتى اقترب من الزئير أو ~~الهدير أو الخوار الجريح: أهكذا تفعلون بآبائكم؟ أهذا تهيلون عليهم التراب والحجار؟ ~~قال له وهو يكتم سخرية كادت تصبح ضحكة: نحن في عصر اغتيال الآباء يا أبي. ~~- ومن أنت حتى تخاطبني بأبي؟ ~~- أنا ابنك يا أبي، ابنك محمود. # سأل الصوت مستنكرا كأنه يخرج ms091 الكلمات من تنور مشتعل: ماذا؟ وأين إخوتك؟ أين عباس ~~وحامد ومصطفى وفاطمة وخديجة؟ لماذا لم يحضروا لاجتماع شمل العائلة في الحديقة؟ # ردد محمود كالغائب عن الوعي وهو يناجي نفسه: الحديقة صارت خرابة، والعائلة تفرق شملها ~~يا أبي، واحد في القبر وواحد في التيه وواجد يزحف من الغربة ومعه الأرانب التي تلتهم ~~الخضرة. ~~- لا أفهم شيئا مما تقول، وصوتك منخفض لا يسمع، لم تقل لي من أنت؟ ~~- قلت لك محمود يا أبي، ابنك محمود. ~~- هل كان لي ابن بهذا الاسم؟ أين ذهب إخوتك وأخواتك؟ ~~- عباس توفى بعدك بشهور، وحامد غائب في الملكوت، ومصطفى ... ضحك الأب وتصاعدت ضحكاته من ~~جوف البئر كأصداء منبعثة من بوق قديم: الوحش؟! هل ما زال وحشا كما كان؟ ~~- بل غول يا أبي، وسيحضر قريبا وعليه عباءة قارون الذهبية. ~~- غول وقارون؟ قل لي أولا من أنت؟! # رفع رأسه عن البئر وأخذ يلوح بذراعيه ويديه في الهواء كأنه يقف أمام حشد هائل من ~~الطلاب في أحد المدرجات الواسعة: أنا يا أبي ابنك محمود الذي سافر إلى الخارج ... # قاطعه صوت الأب الذي يبدو أنه بدأ يتذكر: سافر وعدى البحر، أليس كذلك؟ قال حامد ~~منتشيا برجوع الذاكرة إلى أبيه وكان قد سمع من إخوته أنه فقدها قبل وفاته: نعم يا أبي، ~~محمود الذي عدى البحر. # قال أبوه كالمعتذر عن غلطة قديمة: نعم يا ولدي، كنت قد نسيتك تماما، وعندما كان ~~إخوتك يذكرونني بك كنت أسميك ابننا الذي عدى البحر المالح، ورجعت يا ولدي إلى البيت ~~والحديقة ومعك الكتب والعلوم. # قال محمود معتذرا عن غلطة أكبر: رجعت ومعي حطام دول ومدن وحضارات مندثرة، رجعت وعشت ~~في العاصمة أعلم وأتعلم. # كان من الواضح أن أباه لم يفهم شيئا ولم يحاول أن يستوضحه عن شيء؛ لذلك عاد يسأل مرة ~~أخرى: والبيت والحديقة يا ولدي، هل رجعت إليهما؟ # قال محمود محاولا أن يطمئنه: رجعت كثيرا يا أبي، في كل مناسبة هامة كنت أفتح البيت ~~الذي آل إلي من تركتك، ثم أعود في الصباح إلى عملي ms092 وعائلتي في ... قال في غضب: وعائلتك ~~التي هنا؟ لماذا لا ترجع إلى الأصل؟ لماذا لا تفتح البيت وتزرع الحديقة؟ # سمع محمود دقات خفيفة على الباب فأسرع يقول لأبيه قبل أن تختفي صورته من عمق البئر: ~~رجعت يا أبي، أمس رجعت إلى الأصل وفي نيتي ... انفتح الباب وواربته يد بيضاء طويلة ~~الأصابع لحظات قبل أن يطل عليه وجه زوجته أنيسة ويصله صوتها الممدود ببحته المحبوبة: صح ~~النوم. كانت حبال الصور والكلمات تتداعى عليه وتلتف حوله كأنها سياط عاتية تلطم وجهه ~~وعقله وذاكرته، فأسرع يهتف بأبيه: رجعت يا أبي، لكن الناموسة لدغت ابنتي ولا بد أن ~~أسافر اليوم، نعم، نعم، لا بد من السفر اليوم. # دخلت أنيسة عليه وعلى وجهها الأبيض المستدير أمارات القلق المعتادة. اقتربت منه وهو ~~يتلفظ بالكلمات الأخيرة كأنه يقدم كشف الحساب لدائن مجهول. قالت باسمة: صح النوم، نسيت ~~نفسك كالعادة، ومع ذلك تقول لا بد من السفر اليوم. سألها محمود وهو يحييها تحية ~~الصباح ويهز رأسه ليبعد الصور التي التصقت به: هل سمعتني أقول هذا؟ # قالت ضاحكة وهي تستعجله أن يرتدي ملابسه: وتقول يا أبي، يا أبي، والناموسة. # أدار محمود وجهه نحو الضوء الباهر الذي انسكب من النافذة بعد أن شدت أنيسة ستارتها ~~القطيفة الخضراء: حلم غريب يا أنيسة، كابوس، كم الساعة الآن؟ # قالت أنيسة وهي تفتح دولاب الملابس وتخرج منها بذلته الصيفية الرمادية التي يحبها: ~~حتى المؤذن لصلاة الجمعة فشل في أن يوقظك، هل نسيت أننا ... # قال محمود متأوها: لا لم أنس، يا إلهي! # قالت أنيسة: حاولنا معك كثيرا، ونورة دقت الباب وفتحته أكثر من مرة، هيا شطف نفسك، ~~الماء موجود لحسن الحظ، ونورة ... قال في لهفة وهو يشد نفسه من الفراش: ما لها؟ هل ~~حرارتها ... # قالت أنيسة تطمئنه: درجة ونصف فقط، أعطيتها الدواء، المشوار أمامنا طويل. تمتم في ~~قلق وهو يخفض رأسه إلى الأرض وكأنه يسلط عينيه داخل البئر: حالا، حالا. ثم وهو يرفع ~~رأسه عنوة ويحدق في الضوء الساطع الذي غمر الغرفة وطارد كل الغربان ms093 والخفافيش والبوم ~~التي حومت طول الليل في رأسه وبقيت تطن حول أذنيه: ولا بد من المرور على محطة البنزين. # قالت زوجته ضاحكة: وماذا أيضا؟ ~~- هل وضعت الكتب التي على المكتب في الحقيبة؟ # قالت ضاحكة: كلها كما كانت، رجع الجمل بما حمل. # ودخلت نورة وهي تقول ضاحكة: وأنا رصصتها بنفسي يا بابا، سقوط قرطاج والعالم القديم ~~والمدن الغارقة. # قال وهو يقرصها في خدها ويقبلها على جبينها ويلاحظ فرط شحوبها وارتفاع حرارتها: قلت ~~لك أكثر من مرة: المدن المحترقة! # ثم لنفسه وهو يتجه إلى الحمام وصور الكابوس تتقافز حوله: ولا بد من زيارة أبي وأمي ~~وإخوتي. # 10 # بصعوبة حشرت أنيسة جسدها السمين في المقعد الخلفي للسيارة الرمادية الصغيرة التي كانت ~~تسميها الخنفسة المعدنية، وتبعتها نورة التي انزلقت وراءها وانزوت في الركن الأيمن من ~~عش الصفيح كما كانت تفضل تسميتها، وبصعوبة أشد حاول الدكتور محمود أن يحافظ على توازنه ~~على الرغم من حرمانه من قهوة الصباح المعتبرة من يد زوجته. جلس أمام عجلة القيادة وأخذ ~~يحدق لحظات في العجوز الطويل المقوس الظهر، وتعجب كيف خطر له أن يناديه ليلة الأمس في ~~ضوء القمر ببيت الأحلام والأحزان والذكريات والقصائد الأولى، ومسحت نظراته المسرعة أرض ~~الحديقة وسورها المتهدم في أكثر من موضع، وتعجب أكثر لأنه لم يفكر حتى في البحث عن ~~بستاني يبعث الحياة في جسدها المتيبس الذي امتلأ بالحفر وتشقق جلده من الظمأ والإهمال، ~~وتعمد أن يشيح بوجهه بعيدا حتى لا يصدمه منظر الغراب الذي استقبله عند وصوله بالنعيب ~~ويصر الآن على أن يودعه بالنعيب، وخشي أن تنهال عليه صور الكابوس الذي لم يفق منه ~~تماما، فسحب الكابح وأدار المفتاح وتأكد له من مؤشر البنزين أن الخنفسة المعدنية لن ~~تصبر على العطش أكثر مما صبرت. # انطلق على الطريق المسفلت الذي لمسته بركات الانفتاح. المزلقان العتيق سويت أرضيته ~~وركبت عليه حواجز جديدة بألوان حمراء صارخة، ومحطة السكة الحديد والسنترال طالهما ~~التجديد أيضا، وحظي الطوار بقطع البلاط الصغيرة المزدهية ببهجة الزهور، والمباني ~~القائمة والفيلل الجديدة تشهد ms094 بأن المال يتدفق من كل المنابع المعلومة والمجهولة، تنهد ~~وعينه على السكة وتابع اتهامه لنفسه: كل شيء يتغير، وأنت في كوابيسك من كل الأعماق ~~والأزمان! ونبهه صوت أنيسة إلى محطة البنزين التي لاحت جدرانها المكسوة بالقيشاني ~~الأخضر وأبوابها الزجاجية الناصعة وتركيباتها وعداداتها المتناثرة أمامها كتماثيل خدم ~~مهذبين. وقف في المجرى المحدد له ونزل من السيارة ليدل العامل الأسمر الطويل على فتحة ~~البنزين والكمية التي يريدها، وحانت منه التفاتة إلى المبنى الزجاجي والمكتب الفخم الذي ~~يجلس إليه في الداخل رجل سمين محمر الشعر والوجه بشكل لا تخطئه العين، وانشغل بالعامل ~~والخرطوم ودفع الحساب حتى فوجئ بيد شديدة البياض والاحمرار تمسكه من ذراعه ثم تهز كتفه، ~~وضحكة رنانة تسبق العناق الذي لم يتهيأ لضغطه الشديد على صدره: دكتور محمود هنا في ~~البلد ولا حس ولا خبر. التفت إلى الوجه المحمر وأسعفته البديهة التي يشكو دائما من ~~عدم حضورها في الوقت المناسب، فهتف وهو يقبل الوجه ويضم الصدر إليه: زاهر، أحمد زاهر! ~~والله ابن حلال! # قال الرجل وهو يشدد قبضته على يده: كدت والله ألعب معك «صلح» وأغلبك كما كنا نفعل في ~~حوش المدرسة! ~~- ومع ذلك كنت أغششك في حصة العربي والإنجليزي. # ضحك الوجه المحمر حتى ابتلت عيناه الزرقاوان كعيون القطط المدللة: مقابل تغشيشك في ~~الحساب، هل نسي المؤرخ العظيم مواهب جاره المستديم في الدرج والفصل؟ اليوم لنا، ~~حلفت بالله وبرحمة والدي ووالدك، لا تحاول أبدا، مستحيل. # قال محمود وهو يشير معتذرا إلى زوجته وابنته المشدوهتين وراء زجاج النافذة في ~~السيارة الصغيرة: لا أستطيع هذه المرة، وراءنا تحليلات عاجلة، ولا بد أن نلحق المعمل ~~والطبيب. # أسرع زاهر إلى السيارة وحيى الزوجة والابنة وهو يقول لمحمود الذي لم يترك يده: ~~والأسرة هنا أيضا؟ هذا أدعى لأن تقضوا عندنا يومين. ثم لزوجته التي فتحت الباب ~~الخلفي وسلمت بابتسامة عريضة: نحو أخوان يا مدام، أربع سنوات ابتدائي كالتوائم، هل ~~يرضيك أن يحرمني من رؤيته بعد العمر الطويل؟ هذا والله حلم، على فكرة محمود كان ~~دائما يحلم ms095 يا مدام. قالت أنيسة وهي تضحك: وما زال يا أستاذ. # رد زاهر وهو يربت على كتفي صديق الطفولة: أريد أن أعرف فيم يحلم هذه الأيام، هل قال ~~لك إن الشيخ عمارة مدرس العربي في أول حصة لنا بالمدرسة رآه يحلم فظنه نائما وصرخ فيه ~~مع ضربة شديدة على طربوشه أن يخرج بسرعة ليغسل وجهه وشعره بالماء. # قال محمود: إلا هذه، لم أقلها! يكفيها أن تلاحظها كل يوم. قال زاهر فجأة: أعلم أن ~~المشروع كالحلم، البلد كله يتحدث عنه، مشروع ناجح مائة في المائة، أنا مستعد وتحت ~~أمركم، قلت هذا للأستاذ سمير والأستاذ قنديل، ذكريه يا مدام بأن زاهر أخوه هنا في ~~البلد، ومستعد من جنيه لمليون. # قال محمود ضاحكا: تقصد لأرنب كما يقولون؟ # رد زاهر بسعادة غامرة: قل أرانب! كله من فضل الله، لا تنظر للبنزينة، عندي المضرب ~~ومصنع الزيوت والصابون ومزرعة الدواجن وبساتين الموالح والتفاح وحظيرة المواشي، بفضل ~~الله أساهم في أي مشروع. # قالت أنيسة: قل له يا زاهر بيه، إنه حزين على البيت والحديقة. # قال زاهر مستنكرا: عندنا بدل البيت ألف، يمكننا أن نفكر في مشروع مدرسة لغات على ~~أحدث طراز ويشرف عليها بنفسه. # سأل محمود محذرا: ويدخلها الأيتام وأولاد الفقراء؟ # قال زاهر وهو يغمض عينيه بخشوع: كلنا فقراء إلى الله يا محمود، كله من فضله وكرمه. ~~كرر محمود مداعبا: والحديقة؟! # أكد زاهر وكأنه يحلف على المصحف: قلت لك من جنيه لمليون، إن شاء الله نعمل فيها ~~مدينة دزني على قدنا والتذاكر بالشيء الفلاني. ثم استطرد بعد أن رأى محمود فاغرا فاه ~~من الدهشة: ونعمل يا سيدي فيها ركنا للشعراء والعلماء من أمثالك، كله محسوب حسابه. ~~أشارت أنيسة إلى زوجها من طرف خفي وهي تخبط على ساعة يدها. صافح محمود زميل الطفولة ~~وهو يقول: لولا مرض نورة لقبلنا دعوتك، إن شاء الله تتعوض. # هتف زاهر بعد أن ثبت عينيه الكليلتين في زجاج السيارة وكأنه نسي أنه صافح نورة: ومعك ~~العروسة ولا تقول. ثم وهو يمد يده من الزجاج ms096 المفتوح ويصافحها وهي منكمشة كالقطة ~~الخائفة في ركن المقعد الخلفي: العريس عندي، آي والله، طارق آخر العنقود، ولد مودرن ~~على كيفك، ويحافظ على الفرض أيضا، إن شاء الله يتخصص في إدارة الأعمال وتكوني معنا ~~على طول، هذه هي الطريقة الوحيدة ليتذكر أبوك أحبابه. # ضحك محمود وأنيسة واعتذرا آسفين عن عدم انتظارهما الواجب الذي ألح زاهر عليه، تصافح ~~الجميع بحرارة، وقطع زاهر طقوس السلام والتوديع لحظات عندما رفع يديه ليتلو الشهادة ثم ~~يمر بهما على وجنتيه مسبحا ومستغفرا بصوت عال، كانت هناك جنازة على الطريق إلى ~~المقبرة، والنعش الذي يحمله على الأكتاف شابان نحيلان بقمصان بيضاء يظهر غطاؤه الأخضر ~~وشال أخضر ملفوف حول العمود الخشبي البارز في مقدمته، وبعد أن مر موكب المعزين وفرغا ~~من قراءة الفاتحة تصافحوا مرة أخرى، وانحنت أنيسة لتدخل من باب السيارة فسارع زاهر ~~قائلا: لا تنسي يا مدام، فالنسيان والسرحان معروف عن محمود، فكريه أن زاهر أخوه وأنه ~~دائما تحت أمره، مع السلامة، مع السلامة. # تمتم محمود بكلمات الشكر التي لم يستطع التلفظ بها بصوت مسموع، كانت الجنازة قد نبهته ~~لنداء الواجب الذي كاد أن يسقط في بئر النسيان والكوابيس والمشروعات والأحزان الذي تعود ~~ألا يخرج منه إلا ليقع فيه، وقبل أن يستقر أمام عجلة القيادة طفت فوق حافة البئر صورة ~~وجه قديم فسأل صديقه وهو يفتح زجاج الباب الأمامي: سراج، هل تذكر سراج يا زاهر؟ صديقنا ~~الذي كان يبلع الحبر باستمرار! # ضحك زاهر قائلا: عقبى لك يا حبيبي، هو الآن يبلع مال النبي! # ثم همسا وهو يدخل وجهه من النافذة: الأرانب تقفز عليه وحوله، وربك فتح عليه بالحلال ~~والحرام، لا تخف عليه كما كنت تفعل دائما، هو الآن حوت يسبح في الممنوع. # لم يضحك محمود كما كان يتوقع، تذكر صورة ابن الذوات الجميل الذي كان يحبه ويؤثره على ~~غيره من صبية الفصل على الرغم من شعوره بأنه ليس ابن باشوات مثله، وحدق في الطريق فوجد ~~آخر المعزين يميلون إلى طريق جانبي ويختفون عن نظره، قال ms097 لنفسه وهو يلقي نظرة على سور ~~المقبرة ويحيي زاهر على وعد باللقاء: هل يمكن أن أنساكم للمرة الثانية؟ # 11 # بعد مسافة قصيرة ركن السيارة على اليسار تحت شحرة صفصاف تظل كوخا وزاوية صغيرة ~~مفروشة بحصيرة نظيفة على حافة الترعة، كان قد حدد الطريق الضيق الذي انعطف منه آخر ~~المعزين في الجنازة، فنزل من السيارة وهو يقول لزوجته: لن أغيب، سأقرأ الفاتحة وأرجع ~~بسرعة، خمس دقائق فقط. # ومشى خطوات قليلة قبل أن يلمح المعزين المصطفين في صفين متقابلين لتقبل العزاء بعد ~~إتمام الدفن، وتعمد أن يطرق برأسه وهو يشد ساقيه بأسرع ما يستطيع لكي لا يوقفه أحد، ~~وحمد الله لأن أحدا لم يعرفه وإن كانت بعض الوجوه قد تطلعت إليه مستفسرة، وجرت نظراته ~~على المدافن والأضرحة والأحواش التي لاحظ عليها آثار العناية والتنسيق وبدا بعضها فخما ~~بصورة مبالغ فيها، لا بد أن هذا توسع حديث في المقبرة القديمة التي اكتظت بساكنيها. ~~ولمح ثلاثة صبية عميان يهرعون بجلابيبهم البيضاء والعمائم الواسعة على رءوسهم وهم ~~يندفعون ناحية اليسار حيث الضريح الضخم الذي انبعثت منه أصوات التلاوة والتكبير، وبدا ~~أكثر من فقيه وتربي منهمكين في تسوية القبر المفتوح والقراءة على الميت، وقبل أن يتأكد ~~من أنه أخطأ الطريق إلى مدفن العائلة طرق سمعه صوت ينادي اسمه وهو يضغط على اللقب ~~العلمي الذي بدا غريبا مثله في هذا المكان، تلفت وراءه وهو يحس أن مشاعر الغضب والخجل ~~التي لا بد أنها قد كست ملامح وجهه لم تفلح في إسكات الصوت اللحوح المندفع بغير مسوغ، ~~ولم يترك له صاحب الصوت المقلق فرصة للتعرف بنفسه على الشخص الطويل النحيل الذي اقترب ~~منه في حماس تسبقه يده الممدودة لمصافحته بقوة: دكتور، هل جئت تزور أحدا؟ # توقف محمود حائرا أمام الجسد الطويل المندفع نحوه، وزادت من حيرته رهبة المكان وسحب ~~الغبار والأصوات المرتلة ورنات البكاء الصامت المنفجر بين الحين والحين في شهقات ~~متوالية، وقبل أن يجيب على الصوت والوجه الذي يطل عليه من أعلى أو يتعرف على صاحبه سمعه ms098 ~~يقول: إنه والد زميلنا أستاذ العربي، رجل صالح ميسور، بنى هذا الضريح على مزاجه ولم ~~يبخل عليه، الواحد منا يا دكتور يتمنى أن يعيش فيه طول العمر، أنا شخصيا أتعهد ~~لأصحابه أن أتركه مباشرة بعد طلوع الروح، ويمكنهم بعد ذلك أن يرموني في مقابر الصدقة! ~~سأل محمود وقد بدأ يتذكر الشبح الطويل الذي وقف معه في ضوء القمر وفوق أكوام الحجارة ~~والزلط وشكائر الأسمنت وأسياخ الحديد خلف البيت العجوز. ولم يجد ما يقوله فاستطرد معلم ~~المواد الاجتماعية بصوت أجبره المكان وتجهم وجه المؤرخ على الاحتشام: بيني وبينك يا ~~أستاذنا، الحياة في أحواش الأغنياء ولا الموت في مقابرنا، هذه المقبرة الجديدة تثبت ~~طبقية الموت. # تغاضى محمود عن النكتة الفجة ثم قفز فوق جثتها وهو يسأل مستنكرا: هل قلت المقبرة ~~الجديدة؟ # قال المعلم وهو يشير بذراعيه إلى الأضرحة الفخمة والدروب النظيفة المرشوشة بالرمل ~~وشجيرات النخيل المتناثرة وأصص الورد والريحان والصبار الموضوعة أمام الشواهد: بالطبع، ~~هل تزور أحدا من الطبقة الجديدة؟ # ازداد تجهم وجه محمود وجمجم بكلمات مبتورة وهو يصافح المعلم مستأذنا ومهرولا على ~~الطريق الذي أتى منه، لم يعد لديه شك في أنه أخطأ الطريق وعليه أن يسرع قبل أن تهجم شمس ~~الظهيرة، وسرت في أعضائه رجفة الخجل والضيق والاشمئزاز من ضياع الوقت والذاكرة والطريق ~~فوجد نفسه في لحظات أمام السيارة القابعة في هدوء على الناحية الأخرى، وتوقف لحظة وهو ~~يحس أن نظرات أنيسة تتابعه وجزم بأنها تبتسم الآن سخرية وشماتة، إنه لا يعرف أين تكون ~~المقبرة القديمة التي يثوى فيها مدفن العائلة، إلى اليمين أم اليسار؟ وما العمل إذا ~~فقد الطريق مرة أخرى وأخذ يتخبط بين الترب القديمة المتآكلة الجدران؟ وهل يجد في هذه ~~الساعة التي تسبق صلاة الجمعة من يسأله عن مدفن عائلته والحارس - إن كان للمقبرة حارس - ~~غائب عنها ولا يدري كيف يعثر عليه؟ تغير كل شيء يا محمود وبقى الثابت هو نسيانك وغربتك ~~في مقابر التاريخ، لعنة الله على التخلف في الموت وفي الحياة! ألم يفكر أحد في ms099 وضع ~~دليل للمقبرة يتسلمه الزائر قبل الدخول من بوابة «ساحة السلام» التي كان يحلو له أن ~~يقضي فيها ساعات من إجازة نهاية الأسبوع أثناء دراسته؟ وكاد يضحك من عبطه فرفع يديه ~~وضمهما أمام وجهه، وواجه سور المقبرة الجديدة وهو يقرأ الفاتحة على أرواح أمه وأبيه ~~وإخوته وأخواته وأرواح المسلمين، ولم يدر لماذا خطر على باله بيت الشعر القديم قبل أن ~~يعبر الشارع إلى حيث تقف سيارته: # فدعني فهذا كله قبر مالك. # فتح باب السيارة وما زالت شفتاه تهتزان بالدعوات، وتحرك الموتور بعد أن أطلق من جوفه ~~تأوهات غاضبة كزمجرة وحش يحاول أن يخلص جسده المتألم من شرك وقع فيه، وعندما سألته ~~أنيسة: قرأت الفاتحة؟ رد عليها وهو يعلم أنه لا يصدق ولا يكذب: الحمد لله. # شد جسده وصدره وركز بصره على الطريق بعد أن أحس بالخجل والغضب والندم كالنوافير ~~الدامية تمور في دماغه وتنثر البقع السوداء أمام عينيه، وبدأ الكابوس يتراءى له من جديد ~~كحوت ضخم يظهر فوق الماء وينفض الأمواج المتكسرة والأسماك الصغيرة في كل مرة يطفو فيها ~~على السطح قبل أن يغطس مرة أخرى، وأخذ يفتح أذنيه لثرثرة أنيسة ونورة ولا يرد عليها ~~إلا بأقل القليل من الكلمات العابرة أو هزة الرأس: تعرف أن صاحبك زاهر رجل لطيف؟ ~~- طبعا طبعا. ~~- رجل مسعد بصحيح. ~~- آه. ~~- وهو يحبك ويفتح أبواب السعد في وجوهنا. ~~- ادخلي أنت واتركيني في حالي. ~~- طبعا سأدخل، هل تظن أنني درست إدارة أعمال لأربي أولادك فقط؟ ~~- هذه أيضا إدارة أعمال. ~~- لا يا عم، لازم الواحد يفكر في نفسه. ~~- وفي خالد ونورة أيضا. ~~- خالد حمله خفيف، كلها أربع سنوات ويتخرج من الكلية، ونورة ... # هتفت نورة متأففة: الدنيا حر يا بابا. # قال محمود وهو يلتفت إليها: ساعتين بالكثير ونصل إن شاء الله، وأسرعت أنيسة تقول: ~~خلي بالك أنت من السكة، نورة طول عمرها حظها في رجليها. # سألت نورة: حظي في رجلي يا ماما؟ كلام يضحك. # قالت أنيسة وهي تحتضنها: لا هو كلام ولا يضحك، عريسك طارق في انتظارك وهو ms100 ابن صاحب ~~بابا، المهم ربنا ياخد بيدك وتشدي حيلك. # استمرت الثرثرة المريحة ولم يجد ضرورة للانتباه إليها. كان الحوت قد طفا فجأة على ~~سطح الماء الذي سكنت فوقه الأمواج كأن لم توجد ولم تضطرب أبدا، وبدا له أبوه واقفا ~~فوق ظهره بجسده الممتلئ ووجهه الأبيض المستدير وهو يلوح بذراعيه ويثبت فيه عينيه ~~البراقتين كأنور سفينة بعيدة تلمع وتختفي، تعجب كيف خرج من قاع البئر تحت البيت العجوز، ~~وكيف استطاع أن يعبر المسافات ويلاحقه، ولكنه أكد لنفسه أن الكابوس في داخله وما زالت ~~خفافيشه ترفرف حوله وأمام عينيه وتكاد تسد عليه منافذ الأفق، لا شك أن أباه لم يقل كل ~~شيء، ولا هو أيضا استطاع أن يفضي إليه بكل شيء، فتح أبوه فمه ولكن أنيسة قاطعته عندما ~~حذرت محمود قائلة: خذ بالك، الترعة على شمالك، ونحن لا نعرف العوم. # وكذلك حذرته نورة التي قالت ضاحكة: ولا نريد أن نغرق مثل مدنك الغارقة. # ضحك محمود وصاح مداعبا: إلى متى أقول لك المحترقة؟! # وعاد يركز على الطريق الضيق ويطارد البقع التي تتطاير أمام بصره كأسراب الطيور ~~المخيفة التي رآها في فيلم لا ينساه، وانساب الحوار بينه وبين أبيه الذي ثبت فوق ظهر ~~الحوت كتمثال بحار فينيقي قديم: لم تزرع الحديقة يا محمود. ~~- وسط الخرائب يا أبي؟ ~~- كل الحدائق كانت خرابا، ألم يجتمع فيه شمل العائلة؟ ~~- تفرق القطيع يا أبي، والراعي ... ~~- الراعي أهمل يا ولدي أو غاب. # أراد محمود أن يشرح له الأمر بالتفصيل ويعترف له بأن الشيخ حامد أو مصطفى ربما يكونان ~~أصلح منه لحمل عصا الراعي، وتمنى لو يكشف له قلبه ليطلع على حيرته وتعاسته، لكن الأب ~~رفع صوته الذي اخترق أذنيه بأوامره الصارمة في نفس الوقت الذي وصلت إليه صرخة أنيسة ~~ونورة معا: حاسب! حاسب يا بابا! # كان صوت أبيه يتدفق في أذنيه: ازرع حديقتي! كن أنت الراعي! بينما كان مقدم السيارة ~~يصطدم بعنف بعربة كارو كبيرة قادمة من الاتجاه المقابل ويجرها حصان بدا له في اللحظة ~~الأخيرة عجوزا ضامرا بارز ms101 العظام، واستطاع أن يدوس الكابح في الوقت الذي ارتفعت فيه ~~صيحات السائق الذي قذفت به الصدمة على الأرض ومعه ألواح خشبية حقق فيها بصره بعد ذلك، ~~وتبين أنها جذوع أشجار مقطوعة. هبط مسرعا من السيارة وجرى نحو سائق العربة ليطمئن ~~عليه، وقبل أن يمد إليه ذراعه كان الشاب الأعجف الوجه والجسد كحصانه قد نهض وهو يضع يده ~~على ظهره ويحدق في الأرض ليتأكد أن الدم لم يختلط بالتراب، أسنده محمود من كتفيه ودعا ~~له بالسلامة: الحمد لله، جاءت سليمة. تخلص الشاب منه ووقف أمامه وهو يتأمله ويقلب ~~عينيه بينه وبين العربة والجذوع المتساقطة على الأرض، وتأوه قليلا وهو يدعك ظهره بيديه ~~ويرفع الجذوع من على الأرض ليضعها بالترتيب السابق على سطح العربة، قال محمود الذي غاب ~~الدم عن وجهه: الحمد لله أنك بخير، الحصان أيضا بخير، هل تحب أن ... # قال الشاب الذي كتم غيظه عندما رأى الشعر الأبيض والنظارة المظللة الزجاج التي تطل ~~منها عينان مفعمتان بالتعب والأرق والحنان: ربك هو الستار، يظهر حضرتك غريب عن هنا، ~~قال محمود وهو يخرج حافظة نقوده من جيبه ويفتحها: وأنت أيضا؟ أرجوك تقبل ... # رد الشاب يد محمود وقال وهو يربت على رقبة الحصان وبطنه: العوض من الله يا بيه، ~~المهم الحصان بخير. # قال محمود وهو يقدم له عدة أوراق خضراء: أرجوك يا ابني، ربما تحتاج لعلاج، هل هنا ~~مستشفى أو إسعاف؟ # قال الشاب مبتسما وهو يصعد فوق العربة ويمسك اللجام: الشافي هو الله يا حضرة، سليمة ~~والحمد لله. # وانطلقت العربة بالشاب الذي لم يتلفت وراءه، كان من الواضح أنه يركز على الطريق ولا ~~يرى أمامه بقعا سوداء ولا أسراب طيور مذعورة تحوم فوق حوت يقف على ظهره بحار قديم، ~~وكانت أنيسة ونورة قد هزتهما الصدمة فلزتما الصمت التام، دخل من باب السيارة الذي كان ~~لا يزال مفتوحا ولم يجد في نفسه القدرة على الكلام، وهز رأسه وهو يتحسر على القهوة ~~المعتبرة ويقول لنفسه: آه! ما أنا إلا جذع مقطوع! # وعندما اتخذ مجلسه أمام ms102 عجلة القيادة كانت الأصداء البعيدة تتردد خافتة من بعيد: ازرع ~~حديقتك! اجمع شمل العائلة! وصورة البحار الفينيقي الواقف على ظهر الحوت تتحول في لحظات ~~إلى صورة راع في يده عصا طويلة وملك مكتئب يقدم له علامة الحياة وسائح أشقر الشعر في ~~بدلة جينز وسمسار عريض الوجه ينادي على المزاد، كانوا يضحكون ويشيرون إليه، لكنه صمم أن ~~يركز بصره وذهنه على الطريق الطويل الممتد أمامه. # الكويت، يونيو 1995م # | الوصية # تعال، تعال ولا تتردد، لماذا تقف على الباب؟ ألم تسمع أنهم سموني فاتح الأبواب؟ كل ~~بيوت الفقراء فتحت أبوابها لي، كل الأكواخ استقبلتني بالترحاب، حتى القلوب والعيون فتحت ~~أبوابها ونوافذها ورفعت أستارها ولم تضن علي بأسرارها وأوجاعها، فلماذا أغلق بابي؟ ومتى ~~كان لمن جعل العالم موطنه باب حتى يغلقه؟ وفي وجهك أنت الذي أحسست دائما بخطاه تتابعني أو ~~تصحبني أو تسابقني على الطريق الطويل؟ أنت الذي شعرت بنظرات عينيه تترصدني في كل مكان، من ~~النوافذ ترفرف بأجنحتها وتنقر الزجاج كقطرات المطر، من بين الأشجار المتشابكة والأغصان ~~المتعانقة تطل وتهمس وتصوصو وتغني لحن القدر المحتوم، وحين أمدد جسدي المنهوك على صدر أمنا ~~الأرض أو على فراشي الداكن الأغبر تحط عليه وتذكره بأنها ستبقى ساهرة مهما حملته طيور الأحلام ~~إلى أرض المجهول، قلت: تعال. لم تتلفت حولك كاللص الخائف أو كالطفل المذنب؟ إنني ~~على استعداد للقاء، كنت دائما على أتم استعداد! ألم تلاحظ أنني أمسك القلم وأحاول أن ~~أكتب وصيتي؟ هل تكتب الوصية إلا بحضورك وشهودك وموافقتك على كل حرف فيها؟ لعلك تتصور أنك ~~أخطأت العنوان؟ ولكن متى كان للكلبيين عنوان؟ حتى هذا المكان الذي سميته بيتي ليس سوى كوخ ~~أهدانيه الطيبون مدى الحياة وهو يقولون: لا شفقة عليك أيها الكلب الطيب العجوز، بل إكراما ~~لزوجتك وابنك، أم تراك تريد أن تتأكد من وجهي وخلقتي؟ نعم أنا المسخ القبيح، انظر، إنها ~~ملامح من سموه الكلب الحزين، وإذا كان الوجه القبيح لا يكفيك فها هو ظهري، هل رأيت الحدبة ~~التي يحملها كالصخرة الصغيرة؟ أليس عجيبا ms103 أن تنبت الشجرة العجوز هذا الحجر المستدير بدلا ~~من أن تغذي الفروع وتندي الأوراق وترضع الثمار؟ نعم أنا المشوه الأحدب الحزين، أؤكد لك ~~أنني هو، ولماذا أؤكد أو أقسم بالآلهة الكبيرة والصغيرة وهذا ما خطته يدي قبل قليل؟ أعرني ~~أذنيك لا تكن متعجلا، فلا بد أن يتسع وقتك لقليل من الشعر، الشعر الذي يفاجئني للحظة ~~بزيارته بعدما خاصمني طوال الطريق: أيها الشيخ الذي هدته أعباء السنين، لا تروقك هذه ~~البداية؟ أأقول المسخ بدلا من الشيخ؟ أم أقول الكلب بدلا من المسخ؟ ليس الفارق كبيرا ~~على كل حال، و«خارون» العجوز الذي سينقلني في قارب الأرواح لن يدقق كثيرا في الوجوه إذا ~~قبض الأجر المعلوم. # أيها المسخ الذي هدته أعباء السنين، # والذي سموه بالأحدب والكلب الحزين، # اهبط الآن إلى «هاديس» قد حم اللقاء، # حاملا قيثارة القلب الذي كم مزقت أوتاره هوج الرياح، # فلعل الجرح يشفى أو تواسيك السماء، # عندما ينهمر الدمع على الصدر الحنون، # عندما تسكن نفسا ثم يطويك السكون. # ماذا؟! لا شأن لك بشعري ولا بوصيتي؟ معك الحق، ولماذا الحجج والمبررات ما دامت السكين ~~حادة واللحم طريا؟ إذن فأنت تريد اسمي، بالطبع بالطبع، فكل ما قلت لا يغني عن التعريف، ~~ولا بد أنك حضرت بعض دروسي أو دروس غيري من الثرثارين، وعلمت أن التعريف الصحيح من أصعب ~~الأمور، إن لم يكن أقرب للمستحيل، إذن فاقترب أيها الضيف المتردد، وأكاد أقول أيها الضيف ~~المقيم. ~~••• # اسمي كراتيس، واسم أبي المسئول عن وجودي وتسميتي هو أسكونداس. كلانا من ثيبة، بلد البطل ~~المسكين الآثم أوديب، لكن مأساتي ليست كمآسيه الدموية السوداء، هي إن تأذن لي بيضاء مرحة، ~~تدعو للضحك أو البسمة فوق الشفتين، أو للحيرة والدهشة في العينين، كلبي آخر من أتباع الكلب ~~الرائع، من حمل المصباح نهارا تحت الشمس الباهرة الضوء، من سار وحيدا في طرقات أثينا، ~~في الساحات وفي الأسواق وراح يفتش عن إنسان، عريانا حافي القدمين يشق زحام الناس يصيح: ~~أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ # أنا أيضا كلبي مثله، حافي القدمين تبعت طريقه، ms104 لكن ما أكثر ما ثرت عليه وتبعت طريقي، ~~عضتني كل كلاب الأرض ولم أصبح كلبا، مثلت الدور كأني أبأس من أبأس كلب ضائع، كي أثبت أن ~~الإنسان محال أن يصبح كلبا، حتى لو خاض بحور اللذة أو غاص عميقا في أوحل الشهوة وانسحر ~~على عظم السلطة والثروة، آه! ماذا قلت؟ ولماذا أتسرع معك وأنت تريد الحق وفي يدك موازين ~~الحق؟ # أصغ إلي إذن يا قاضي الحق، كنت أعيش كغيري من أثرياء هذا البلد ولا هم لي إلا المتعة ~~والشهرة، قصري كبير وضياعي واسعة وخدمي ومحظياتي وعبيدي أكثر من أن أحصيهم أو أعرف وجوههم، ~~أموالي تربو كل يوم، وكرومي تسيل في كل الكئوس، وسفني ومراكبي تجوب كل البحار، واسمي ~~وشهرتي على كل لسان، حتى رأيته ذات مساء يعرج على شاطئ الميناء، تركت العمال والبحارة ~~والعبيد يفرغون السفينة من حمولتها وذهبت إليه. كان يبدو من هيئته ومشيته أنه كلب آدمي ضل ~~طريقه إلى حيث لا يجد اللقمة ولا العظمة، معطفه القذر خرقة كالحة السواد ملطخة بالبقع ~~مليئة بالثقوب، ورائحته العفنة وهيكله المهدم مثل صندوق باندورا الذي حشرت فيه كل الفظائع ~~والشرور، وتحول إلى صندوق قمامة خاو حتى من روح الأمل، تقدمت منه وأنا أضع يدي على أنفي ~~وقلت: أراك تبحث عن شيء أيها الشيخ، هل أستطيع مساعدتك؟ تجهم وجهه الصخري الممتقع وقال: ~~البرميل، سرقوا البرميل. حاولت أن أضع ابتسامة على فمي قبل أن أسأله: البراميل هنا كثيرة ~~ومن كل الأحجام، وسفينتي وصلت الآن وعليها ... ازداد عبوسه وتحرشت نظراته وعلا صوته الأجش ~~وكأنه نتوء صخري يخترق أذني ولحمي: وما شأني بسفنك جميعا! أريد مسكني الذي سرقوه أو حطموه، ~~سألت وأنا أتكلف الصبر والمودة: مسكنك؟ زام في غضب: نعم مسكين، ألم تسمع عن حامل المصباح ~~الذي يسكن البرميل؟ ألم يقل لك أحد إن البطل الطائش قد زارني وأنا عاكف على التأمل داخله؟ ~~ضحكت بصوت مرتجف وهتفت: أجل أجل! وقلت له ابتعد ولا تحجب عني ضوء الشمس! حدق في وقد ~~تورمت تجاعيد وجهه وحرك شفتيه، ms105 فخشيت أن تبرز منها أنياب كلب عجوز: والآن يمكنك أن تنصرف ~~وتتركني أبحث عن برميل يئويني. قلت بصوت منفعل بالرقة والحفاوة: كل براميلي تحت تصرفك، قل ~~أين يضعه عبيدي وسوف تحلم فيه الليلة أسعد الأحلام! أشار بيده ساخطا ورفع عصاه محذرا: ~~أنت وعبيدك! قلت ابتعد عن طريقي! ~~••• # لكنني لم أبتعد عن طريقه، ظللت أسأل عن أخباره وأقواله ونوادره حتى عرفت السبيل إلى ~~مأواه وموضع إلقاء دروسه ولقاء تلاميذه، ما الداعي لأن أحكي كيف جرى ورائي بعصاه عندما لمح ~~وجهي الناعم المنتفخ وملابسي المزركشة الفخمة وأخذ يدمدم ويزمجر: من قال لك إن الكلبيين ~~يقبلون الكلاب بينهم؟ تحملت الضرب على رأسي وظهري وصدري أكثر من مرة. استعطفته وتوسلت إليه ~~أن يجعلني تلميذه. جرني من قدمي على الأرض ورماني بعيدا كأنه يتخلص من جثة. قلت له جربني، ~~لا تغتر بردائي الحريري وحزامي الذهبي وعربتي المطهمة، لا تتخل عني أيها الراعي، علمني ~~أيها المعلم! أرجوك لا ترد سائلا يبحث عن جواب. # قام من مجلسه غاضبا ودفعني إلى الخارج وهو يسب ويلعن ويحرق جسدي بعصاه: قبل أن تتطهر من ~~دنسك؟ تحسست رأسي المشجوجة ومددت له كفي المخضبة بالدم: دنسي؟! لقد جعلتني أحلق فوق ~~العتبة المقدسة، قل لي الآن كيف أستحق الوقوف عليها. زأر كأسد ضار: عندما تتضع مثلنا ~~وتترك كل شيء، عندما تزهد حتى في الزهد وتصبح أفقر من الفقر، عندما تخرج من حظيرة الكلاب ~~الآدمية لتستحق الدخول في حظيرة الكلاب الآلهية. صرخت من ألم العصا التي انهالت على رأسي ~~وصدري وكتفي وقلت بإصرار: علمني كيف أخرج وكيف أدخل، كيف أكون تلميذك. رقت ملامحه الغليظة ~~ورفع عصاه عني ورجع إلى مجلسه، ولمحت على فمه ظل ابتسامة، ففهمت أنه يسمح لي بسلوك طريقه. ~~وبدأت أواظب على حضور دروسه وسماع مواعظه وحكمه حتى اقتنعت وصممت. كانت الهواجس قد أخذت ~~تعضني قبل ذلك بسنين وسنين، وكنت أزداد جوعا كلما شبعت، وأحترق ظمأ كلما ارتويت، القصر ~~بدأ يضيق علي شيئا فشيئا حتى أصبح كالسجن أو القبر، والخدم والعبيد والخيول ms106 والقطعان ~~والعربات وطواحين الزيوت ومصانع الفخار والمغازل صارت أشباحا في كابوس يطبق علي بالليل ~~والنهار. صحاف الطعام الذهبية الزاخرة بأصناف اللحوم والفاكهة تحولت إلى أوعية تنضح بالسم ~~كلما رأيت جيوش الجوعى والشحاذين والمعدمين على الطرقات أو على عتبات قصري، والمحظيات ~~والراقصات والمغنيات صرن في عيني جثثا ملونة كلما أبصرت العجزة والمرضى والعميان ~~والمجذومين والمشوهين والقتلى العائدين من الحروب المستعرة بين دول المدينة في الأكفان ~~والتوابيت. ومعارفي وحسادي من التجار والملاك والحكام والقواد والرؤساء والخطباء صاروا ~~كلابا استفحل سعارها وارتفع عواؤها بعد أن تحللت دولة المدينة وتناثرت أشلاؤها في مهب ~~الإعصار المنتظر، وظللت أدور على نفسي كالديك المقطوع الرقبة أو كالثور المذبوح قبل السقوط، ~~حتى قر قراري يوما واخترت، ووقفت أمام خدمي وعبيدي وعمال مزارعي وضياعي وأعلنتهم ~~بالقرار، لم أكتف بإطلاق سراحهم، بل وزعت عليهم ثروتي، حاولت أن أتوخى العدل فلم يبق أحد ~~إلا وفاز بنصيب، وبغير أن أنظر خلفي غالبت لذة النظر إلى عيونهم الدامعة وغادرت بوابة ~~القصر وعلى جسدي معطف متهرئ أهدانيه أحد العبيد الذين منحتهم أفخر ثيابي ومعاطفي وعباءاتي ~~المطرزة بخيوط الذهب والفضة والمضمخة بعطور الهند وبلاب العرب السعيدة. لم أهجر القصر وحده ~~بل هجرت تاريخي وخلعت أقنعتي ومحوت وعيي السابق وأنكرت جسدي القديم، اقتلعت جذور شجرتي ~~بيدي وحملتها معي لأغرسها في تربة أخرى. سقطت منها أوراق السلطة والقوة والثروة والشهرة. ~~طارت طيور الأحلام والأمجاد والطموح مذعورة خائفة، ومضيت أتعلم وأعلم وأروي كل الأشجار ~~العارية بماء الحكمة والزهد والقناعة والرضا. فتحت في وجهي البيوت والأكواخ حتى سموني فاتح ~~الأبواب، أدخل فأنبه النائمين وأواسي المحزونين وأمسح على رءوس المرضى اليائسين وأغيث ~~المنكوبين في الزلازل والأوبئة، وفي الوقت نفسه أواجه غيلان السلطة ولصوص الشهرة والحكمة ~~والدجالين الكذابين ينادون على السلع المعطوبة وبأرخص سعر! أواجههم بخرقي البالية ومواعظي ~~المتزمتة، وأنقض عليهم كالكلب المسعور إذا انقض على السوط اللاسع في كف الحارس والشرطي ~~الشرس، كم بيتا دخلت وسقيت العطشان من قربة حكمتي، كم كوخا أطعمت فيه الجوعان من خبز ~~قناعتي، وكم أنذرت ms107 وحذرت الذئاب المحترفة والكلاب السمينة من كارثة الغرق في مستنقع اللذة ~~والترف، والتحليق بأجنحة الغربان الناعقة بالثرثرة والادعاء، والخفافيش المتخبطة في جدران ~~الأحلام والأوهام وبين أطلال المذاهب والنظم المتداعية ، كم قلت لأرباب المجد الخادع وملوك ~~الذهب اللامع وذئاب العشق المسموم الآثم: هبات الحظ قشور في قاع اليم تدور، ومتاع العالم ~~وهم، واللذة لهو وغرور. أما ما تتعلم وتفكر فيه بنفسك أو تلقاه من ربات الفن السبع، فملكك ~~أنت ولن يسلبه أحد منك. تسألني: # ما هو حظك - بعد ضياع العمر - من الحكمة والعلم؟ # فأقول قليل وكثير: ملء المكيال بقول تكفيني اليوم، # وفؤاد خال من غصص الهم! والجوع شفاء من يأس الحب. # فإن لم يجد فدع للزمن جراح القلب، # وإذا ما الليل اسود وسدت أبواب الدنيا في عينيك، # فشد الحبل على رقبتك، # وأرح النفس مع الجسم! # آه! ها أنا ذا أنساق مرة أخرى وراء الشعر الذي هجرني في شبابي ويصر الآن على أن يزورني معك، ~~وأنسى وكيف أنسى العينين اللتين أنقذتاني من شد الحبل على الرقبة وإراحة النفس مع الجسم. # كانتا تتبعاني دون أن أشعر بهما، ترمقاني في المواقف الصعبة فتسكبان ماء الحنان على رأسي ~~الغبي الخشن، وتسبحان بجسدي المرهق وعقلي المكدود من أرض الحرمان إلى سماء الحب والصفاء، ~~لم أفطن إليهما ولا إلى الوجه الصبوح الفاتن إلا كما يفطن التائه في البيداء أو الضائع في ~~الغابة المظلمة الكثيفة الأحراش إلى ومض البرق الخاطف والنجم المرتعش في الأفق البعيد، ~~لكنها كانت هناك على الدوام، تراني ولا أراها، تسمعني ولا أحس صوتها، وتعد الطوق والقفص ~~الذهبي للمخلوق العنيد العجوز الذي نسي نفسه وهو يحرس الأغنام الفقيرة وينبح الذئاب ~~المسعورة ويمد يديه إلى المكسورين والمجروحين. # بعد أن وزعت ثروتي على عبيدي وخدمي وعمال مزارعي ومراكبي وسفني وحراس قصيري وسياسي خيولي ~~ورعاة أغنامي وقطعاني، انتبه أهلي الذين باغتتهم المفاجأة، كنت أجتمع بأصحابي وتلاميذي ~~القليلين تحت أريكة عتيقة على ربوة تطل على المدينة عند طرفها الجنوبي وتقع في خرابة رحبة ~~تناثرت فيها أشجار الصبار والحجارة الكابية ms108 والشواهد الباقية من مقبرة مهجورة وأطلال معبد ~~قديم، وكنت أواصل خطبي ودروسي مع مواصلة تعذيبي لنفسي وجسدي، في مبدأ الأمر كان جمهوري ~~مجموعة من المتسولين والمتسكعين الذين دفعهم الفضول والفراغ لحضور دروسي، ثم توافدت أعداد ~~أخرى من العبيد والمزارعين والرعاة والصيادين الفقراء، ومع الأيام تنادت أصوات المظلومين ~~والمعاقين والساقطين في قاع «هاديس» مدينتنا المزدحمة كغيرها من المدن بالمنسيين، وازدادت ~~شعبيتي كما يقال فشرعت وجوه بعض الوجعاء والرؤساء تظهر أبهتها وزينتها وسط جموع الأشباح ~~المتلفة حولي كالزهور المعتدة بجمالها بين أوراق الخريف، كانوا يأتون رغبة في الترفيه عن ~~أنفسهم والتسلي برؤية وسماع «الكلبيين»، أولئك الذين يدعون أنهم رسل الآلهة إلى البشر ~~المتكالبين على اللذات والصراعات والطموحات، وأنهم ينقذونهم من حياة الكلاب التي يعيشونها ~~بالإمعان في حياة الزهد والبؤس والعري والاستغناء التي لا يعرفها إلا أبأس الكلاب، وينصرف ~~أكثرهم حين لا يجدون عندنا مذهبا ولا مدرسة ولا ثرثرة بليغة مما ألفوا سماعه في الأكاديمية ~~واللوقيون وحديقة أبيقور. كنت أتابع أحاديثي عن الرجوع إلى الطبيعة والفطرة، وأصب لعناتي ~~على المدينة والمدنية، وألقي أحجاري على مرايا الحضارة والتحضر التي يتلذذ أبناء نرجس ~~المغرورين بالنظر فيها ليل نهار، وأسوق قطيعي المحزون في الحواري الضيقة والشوارع الموحلة ~~والقرى المنسية والخيام والأكواخ المنبوذة على أطراف المدينة ونعيش كالكلاب لكي نقول بصمتنا ~~وخرقنا البالية أنهم هم الكلاب. إن الإنسان قد وجد على الأرض ليكون سيد نفسه وحاكم عقله ~~ومالك قدره، نعم! كنا نتضع إلى الحضيض ونتحمل احتقار السادة وسخرية الغانيات وهتافات ~~الصبية وحجارتهم التي يقذفوننا بها لكي ينطق بؤسنا وعرينا بأننا الكلاب الحارسة للرعاة ~~الحقيقيين: للحرية والإنسانية والسعادة والطبيعة الطيبة الحنون، لم أشك لحظة في أن طريقنا ~~سيجتذب الطيبين مع المحتالين، والقديسين مع الأوغاد، والحكماء مع الدجالين، ولم أتوقف لحظة ~~عن الحلم بالإنسان المثل والإنسان الملك والإنسان الإلهي الذي سيخرج من وسط حشود المحتقرين ~~والمهانين كما تحتقر الكلاب وتظلم وتهان في المدن المسعورة، وعرفت وعرف أصحابي وتلاميذي ~~أننا نذر الاحتجاج الصامت على هذه المدن. أجراس الخطر المعلقة في ms109 عنقها المهول، وبلغ الأمر ~~حد التبشير بفردوس كلبي سميته «بيرا» وحاولت أن أقيمه مع تلاميذي على حدود الجحيم الذي نعيش ~~داخل حدوده، ساخرا بطبيعة الحال من مدينة الثرثار الرائع أفلاطون، من حراسه الأغبياء ~~وحكمائه المعتوهين وصناعه وزراعه المستعبدين وعدالته الظالمة ونظامه السخيف المستحيل. ~~••• # وذات يوم ونحن في ظل الأريكة نجتر همومنا وذكريات خيباتنا ونستعد للقيام بجولتنا اليومية، ~~إذا بعاصفة من الضوضاء المرعبة تزحف علينا، وعندما انجلى الغبار وأسفرت الأقنعة عن الوجوه ~~تبينت ملامح أعرفها جيدا، كان نفر من أهلي وأقاربي قد انقضوا علينا كالوحوش الكاسرة. اضطرب ~~نظام الجماعة فتقدمت الصفوف لأواجه خناجرهم وعصيهم وأكفهم الشرسة، وزعق صوت أليف: أيها ~~المجنون الجاحد! كيف تبدد ثروتك على الكلاب! قلت بهدوء: هي ثروتي التي جمعتها بجهدي ووزعتها ~~باختياري. قال شاب تفرست في وجهه طويلا قبل أن أتذكره: تترك أبانا المريض وتنثرها على ~~حشرات الأرض؟ أجبت في هدوء أشد: وألقيها في البحر طعاما للأسماك، ما شأنكم أنتم؟! زمجرت ~~الحناجر الصاخبة واشتعل الغضب في العيون المكفهرة: سنرفع دعوى الحجر عليك، سنثبت أنك ~~مجنون أحمق، وأنك تئوي المجرمين وتحمي اللصوص وتتخلى عن لحمك وذوي قرباك. أردت أن أقول إنني ~~لم أتخل عن أحد ولم أنس نصيبهم ولم أحم اللصوص والمجرمين، لكن اللكمات والصفعات والضربات ~~التي انهالت على كتفي ورأسي وضلوعي غيبت صوتي وعقلي وألقت جسدي على صخور الحقد والكراهية، ~~ولبثت وقتا لا أعلم مداه حتى فتحت عيني على الوجه الصبوح والعينين الواسعتين اللتين ~~تسكبان ماء الحنان على الرأس المنهك الذي بدأ يفيق من الصدمة، قال الصوت الناعم الحنون: ~~اطمئن يا راعي الطمأنينة! فر الكلاب والذئاب نادمين. قلت وأنا أستجمع أشعة نفسي وأوتار ~~حنجرتي: هل كنت هنا عندما هبت العاصفة؟ قالت ضاحكة: أنا معك على الدوام، قبل العاصفة ~~وبعدها! هززت رأسي متحيرا وسألت: أو استمعت إلي ورأيتني قبل الآن؟ علت ضحكتها قائلة: ~~وصحبتك في جولاتك يا من لا ترى غير أفكارك ولا تسمع غير كلماتك! أردت أن أحتج على سخريتها ~~وأخرج من دائرة حصارها ولكنها أسرعت بوضع ms110 يدها على فمي، ثم مدتها وجذبت رأسي إلى الوراء وهي ~~تشير قائلة: انظر هذا الذي يراقبنا هناك. وانفلتت جارية وهي تصيح: إنه أخي بتروكليس، ~~انتظر لحظة واحدة. حدقت في الشبح الواقف بعيدا بقدر ما استطاعت عيناي المتورمتان، كان ~~واحدا من السادة الذين أعلنت عليهم حرب احتقاري وقذفتهم بحجارة لعناتي، يتدثر في عباءة ~~سوداء فضفاضة، ويبدو تحت ظلال أشجار الصنوبر التي تغطيه ساعة الغروب في هيئة الذئاب الجشعة ~~التي تتربص بأغنام المساكين. رأيتها تحرك يديها كأنها تؤكد عباراتها التي لا أسمعها وتدعم ~~تصميمها عليها، وما هي إلا لحظات حتى رجعت ضاحكة كاللبؤة المنتصرة، تهتف صائحة بصوت ذكرني ~~بصيحات عرافة أبوللو المشحونة بأسرار النبؤة: زيوس يدعوك للمثول أمامه، وهيرميس جاء يبلغك ~~رسالته! سألتها في هدوء: زيوس ورسوله، ماذا تقصدين؟ قالت وهي تضحك وتمسك بذراعي: الرسالة ~~واضحة يا فيلسوف الكلاب الإلهية! رفعت حاجبي دهشة فوضعت ذراعها في ذراعي وهي تدفعني إلى ~~الأمام مع اندفاع جسدها اللدن الجميل وضحكات فمها الصغير العذب: لقد اخترتك وهو يريد أن ~~يقنعك بأن تقنعني بالعدول عن اختياري! وشدت يدها على يدي، فسرى الدفء في دمي مع أغنيات ~~الطيور التي هجرته مع أزمان وتركته لنعيب البوم ونعيق الغربان، وطفقت أفكر فيما قالته ~~وأستعيده وأفسر ألفاظه التي أخذت ترتسم أمامي وتتشابك في بعضها كحروف لغة لا أفهمها ولا ~~أدري كيف أفك أسرار رموزها، وعندما طارت حمامة يدها من يدي انتبهت عليها وهي تدق على فتاحة ~~باب ضخم لم يلبث أن انفتح وظهر وراءه السيد الذي حدثتك عنه. قالت وهي تضرب صدره بقبضتها ~~مداعبة: هذا هو شقيقي الفيلسوف بتروكليس الذي لم يعرفه أحد حتى الآن، وهذا ... قاطعها الشاب ~~الطويل الواسع العينين وهو يصافحني: الفيلسوف الذي لا يجهله أحد. ~~••• # وجدت نفسي في قاعة فسيحة تضيئها أنوار شموع انعكست ظلالها على وجوه تماثيل تحدق في ~~عيونها الرخامية المطفأة من كل جانب، وفي صدر القاعة جلس رجل ضخم البنيان وقور الملبس ~~والملامح والشعر الذي جلله ثلج الشيخوخة، أقبل علي مرحبا وشد على يدي ثم ms111 جذبني إلى ركن ~~تحتله أصص تطلع منها شجيرات الصبار كصفحات سيوف خضراء لامعة: مرحبا بك في بيتي وفي قاعة ~~«هيبا رخيا». سألت وأنا أخفض رأسي وبصري: مرحبا يا سيدي ، ولكن من هي؟ ماذا قلت؟ أقبلت ~~مسرعة حين سمعتني وتدخلت قائلة: هكذا هو يا أبي، هل رأى أحد خطيبا يجهل اسم خطيبته التي ~~لم تحب سواه؟! تلعثمت مرتبكا وأنا أقلب بصري بينها وبين أبيها: ولكن يا سيدي ... زجرها أبوها ~~بنظرة غاضبة: هيبارخيا، اتركينا الآن. # دعاني إلى الجلوس منفردين في الركن القصي بجانب الشجيرات التي تلمع فروعها بأشواك ناتئة ~~أحد من الظنون والهواجس التي تجرح عقلي. قال هامسا: أرأيت الآن أي ورطة أوقعتك فيها ~~هيبارخيا بعد أن ورطتنا؟ حاولت أن أشرح له موقفي، فأشار بيده ألا أكمل، واستطرد يقول وهو ~~يطرق برأسه الثلجي الشعر: هذه هي ابنتنا الوحيدة العنيدة، لم تكتف بترك أبيها وأمها ~~العجوزين لتهيم وراءك أنت وأصحابك حتى جاءت بك لترغمني على ابتلاع قرارها، لا تقل شيئا! ~~أعلم أنك كنت مشغولا عنها كما أعلم أنها لم تشغل بغيرك، لكني أطمح أن تقدر مشاعر أبوين ~~عجوزين وحيدين، فكر كذلك ... قلت وأنا أسحب عصاي وأقف غاضبا: فيما سيقوله الناس ويروجه ~~الأصدقاء والحساد من أرباب الثراء والشهرة، لا داعي لتضييع الوقت، تعالى يا هيبارخيا، ~~تعالوا جميعا لأكملكم على طريقتي. # لم أنطق بحرف واحد، فالفعل دائما هو حجتي وبرهاني. وجدتني أخلع معطفي وهلاهيلي المليئة ~~بالثقوب والرقع والبقع المسودة الداكنة كأنها خرجت لتوها من جحر الفئران، ألقيتها على الأرض ~~ووقفت أمام عيونهم التي تحاصرني بدهشتها واستهجانها كالقرد العاري، ثم ألقيت العصا التي ~~أستند عليها، فاصطدمت بالأرض وأخرجت صوتا مكتوما، وتناولت جرابي الجلدي المغبر الذي طالما ~~جعلته مخدتي عندما أنام في العراء، وأخرجت منه الصحن النحاسي الصدئ الذي أضع فيه طعامي ~~وأستغنى به عن موائد اللئام، وقلت بصوت رن بأرجاء القاعة الرحبة وارتعشت لصداه أجساد الشمع ~~المرتعشة تحت نيران اللهب الأزرق: هذا هو عريسك، وهذا هو كل ما يملك، انظري وفكري جيدا ~~ثم اتخذي قرارك. # تقدمت ms112 هيبارخيا بخطوات بطيئة نحو الكومة الراقدة في وسط القاعة كالشبح الفاتن الحزين ~~لأويريديسه الخارجة من أعماق هاديس في أثر شاعرها الإلهي الملهوف. انحنت على المتاع ~~المتهالك على الأرض مثل جثة قطة سوداء ظلت صغارها ترضع من أثدائها دون أن تدري أنها ماتت ~~وتركتهم وحدهم، والتقطت المعطف البالي وبسطته على كتفيها قبل أن تدخل فيه ذراعيها، ثم ~~انحنت مرة أخرى ككاهنة تؤدي طقسا مقدسا، فأخذت العصا والجراب ووضعت فيه الصحن الذي حملته ~~بحرص وحنان كأنه تحفة ذهبية ثمينة، وأقبلت علي متهللة الوجه متألقة العينين مفترة الشفتين ~~عن بسمتها الساحرة العذبة وهي تقول بصوت هامس ولكنه مسموع: وأنا رضيت بحياتك وقررت أن ~~أشاركك فيها. ثم التفتت إلى الوجوه المذهولة ورفعت صوتها: أشاركك فيها حتى أموت معك ولأجلك ~~يا زوجي وحبيبي الأحدب الحزين، هيا نخرج من هذا البيت ولا نرجع أبدا. ~~••• # غادرنا القصر الشامخ والقاعة الفخمة دون أن نلتفت وراءنا. كانت دهشتي أعظم من دهشة ~~أورفيوس لو كذبنا الأسطورة وتصورنا أنه وجد نفسه خارج العالم السفلي وفي ذراعه زوجته ~~وحبيبته الجميلة، أما دهشة الأب والأم والأخ الغاضب فسمعنا أصداءها المدوية قبل أن نغلق ~~باب السور من خلفنا. زعق الأب كالأسد المحتضر: وا فضيحتي في السوق والشارع ومجلس المدينة! ~~وصرخت الأم المشلولة كأن الزلزال فك الأغلال عن جسدها وصوتها المرتجف: ضاعت ابنتي وجنت! ~~وانتهت إلينا صيحة الأخ الثائر يهدد بالانتقام من الكلب العجوز الذي ربط الزهرة في ذيله ~~وهرب. وشدت هيبارخيا على يدي وهي تقول: يكفيني أن أكون معك ولك. نظرت إليها وابتسمت: إلى ~~الأبد؟! قالت بتواضع كلبية أصيلة: إلى آخر العمر المحدود على الأرض المحدودة. # لم تكن حياتنا سهلة، لا نحن وحدنا أو تحت الأيكة مع رفاقنا ولا بعد أن وهبتنا الآلهة ~~ابننا بازيكليس. كنا نواصل جولاتنا اليومية فنطوف بالقرى ونعبر الحارات الضيقة المظلمة ~~ونصعد السلالم الهشة المتآكلة إلى البيوت والأكواخ المنسية. نهب سلام الروح ونسكب خمر ~~الطمأنينة في أفواه الظمأى والمرضى المحتضرين، ونوزع خبز الحب والرضا الطازج مقابل لقيمات ~~وجرعات لبن أو ms113 نبيذ تجود بها أيد محبة رحيمة من النوافذ والأبواب التي سمانا أصحابها فاتحي ~~الأبواب. احتملنا الكلمات واللعنات التي كانت تنهال علينا أكثر وأوجع من حجارة الصبية ~~الأشقياء، الذين يزفوننا كالمهرجين ولاعبي السيرك وحيواناته الوحشية والأليفة، وكم ترددت ~~الشتائم الساخرة في أذني، فأثارت رياح الغضب في رأسي وحركت أمواج الندم في صدري: انظروا ~~أفروديت مع المسخ القبيح! من يصدق أن الحورية وابنة ملك البحر تهيم غراما بالقرد الكلبي؟ ~~أين العدل وهذا التاج الذهبي على رأس الكلب؟! من ينقذ أميرة الفراشات والزهور من أنياب ~~الكلب المسعور؟! # كانت هيبارخيا تجري وراءهم وهي تصيح: أنتم الكلاب الذين نحاول أن نجعلكم بشرا! ليس هو ~~الكلب بل الكلبي الذي أرسلته الآلهة ليخرجكم من الحظائر الدنسة! رضي بأن يوصف بالكلبي كما ~~رضي معلمكم سقراط بشرب السم، لكن لا التواضع ولا السم صنعا المعجزة. لماذا تنبحونه ~~وتتركون الكلاب السمينة تسرق خبزكم وتبني القصور من لحمكم وعظمكم وتسوقكم إلى الحروب لتبني ~~عروشها على أشلائكم؟! متى تفيق الكلاب المسعورة على دعوة الراعي الإلهي؟ ومتى تحرس نفسها من ~~حراسها الذين يطوقونها بنير العبودية، ويلتهمونها واحدا بعد الآخر؟ # كانت تقول ذلك للصبية المتحرشين بنا والأغنياء الذين يمعنون في السخرية حين يدعوننا إلى ~~مآدبهم الحافلة ويلقون إلينا بالعظام وهم يلغون في لحوم الديوك والخراف والعجول المشوية ~~ويضحكون: انهشوا وارجعوا إلى الطبيعة. وتثور هيبارخيا وتلقي بنفسها عليهم وتصفعهم على ~~وجوههم وتتحمل وقاحة المتطاولين الذين يستعذبون الصفع ويهتفون بها: ليتك أيضا تعضين أيتها ~~الكلبة الجميلة! وأخلصها من أيديهم ونغادر المأدبة والضحكات وبقايا العظام تنهال فوق رءوسنا، ~~وأقول لها حين تنفرد تحت ظلال الأيكة أو تحت سقف كوخ يدعونا إليه مزارع أو صياد أو حطاب: ~~أرأيت أن الحياة مع الحكيم الكلبي أقسى من حياة الكلاب؟ فتقول وهي تربت على رأسي ووجهي ~~بيديها: من قال إن الأرض العطشى تندم على عناق السماء الممطرة؟ وأعانقها وأضمها إلى صدري ~~وننصهر ونحترق ونلتصق وننسكب كلانا في الآخر، فتهمس وهي تسوي جدائلها السوداء الناعمة وتتخلل ~~بأناملها غابات رأسي وذقني الكثيفة الخشنة ms114 وتقول وهي تتحسس بطنها المنتفخة: وكيف أندم على ~~العودة معك إلى الطبيعة بعد أن أصبحنا شجرة واحدة تنتظر الثمرة التي تنضج في جوفها وقريبا ~~تتدلى من فرعها؟! وأنظر إليها نظرة الكلبي المتشكك التي تعرفها فتندفع إلى وجهي الممسوخ ~~وتغمره بالقبلات ونسائم أنفاسها العطرة تهب على كل مسامي: كنت في قصر أبي كلبة حمقاء مدللة ~~فأعدتني إلى طبيعة البشر، ألا تندم على كل لحظة قضيتها بعيدا عنك وعن الطبيعة ~~الطيبة؟! ~~••• # لكن عضات الندم زاد وخزها في لحمي وضميري بعد أن وضعت ابننا المسكين الضائع بازيكليس. ~~صحيح أن عطايا الأصحاب والأتباع الذين انضموا إلى جماعتنا قد راحت تنهمر علينا كل يوم، ~~والأبواب التي تفتح في وجوهنا والأعناب التي تقبل أقدامنا قد زادت بلا نهاية في القرى ~~والمدن الصغيرة ومرابط الخيام المتنقلة وتجمعات الصيادين والمهاجرين واللاجئين والمنفيين ~~وحجاج المعابد المقدسة ورواد الألعاب الرياضية والمسرحية والغنائية بأفراحها الدائمة، غير ~~أننا كنا نعود في أكثر الأحيان يائسين متعبين إلى ظل الأيكة ونحتمي تحت سقف تعريشة من أغصان ~~الشجر وألواح الخشب وأعواد القش ونضع هياكلنا المحطمة ونفوسنا الكسيرة ورءوسنا المنهكة على ~~المخدات الحجرية الخشنة، ونمد أعضاءنا حول موقدنا الطيني الذي تختنق نيرانه تحت ركام الفحم ~~والخشب والرماد، كنا نخفي تعبنا ويأسنا وراء النظرات المحبة والضلوع المشتعلة بخيبات الأمل ~~في الكلاب والبشر والالهة والشياطين، وكانت جمرات الندم تتوهج في باطني وتلسع حطام ضميري ~~كلما رأيت الوجه الفاتن الصبوح كالقنديل الصامت الذي خبا فتيله وشحبت ألوان زجاجه، وكان ~~أكثر ما يؤلمني أن أرى منظر «بازيلكيس» وهو يتقلب في حضنها ويصرخ بحثا عن صدرها فيجاوبه ~~نباح كلاب بعيدة وحفيف أوراق تجلدها الريح وتلسعها سياط المطر المتساقط. لم يبخل علينا بعض ~~الكرام الذين انضموا إلى جماعتنا بتقديم المأوى والملاذ، لا سيما حين يشتد برد الشتاء وتمتد ~~مواسم المطر وتحتد نوبات الأنواء وزخات الأمطار. وكانت هيبارخيا هي التي تبادر بالاعتذار عن ~~قبول الدعوات وتحتج بالوفاء للطبيعة والإخلاص للمثل الحي المتجسد، حتى فاجأنا بزيارته ذلك ~~الرجل ذو الوجه الصغير الطيب الذي كنت ms115 قد نسيته. قال وهو يفترش الأرض بجانبي ويحتضن ~~بازيلكيس الذي سرعان ما يفلت من بين ذراعيه ليواصل ألعابه المضحكة: سيدي، لقد جئت أقدم ~~إليك بيتي الصغير الذي سبق أن أهديتني إياه. قلت في نبرة لم أستطع إخفاء غضبها وضيقها: لست ~~سيدك ولم تعد عبدي، والهدية التي تتحدث عنها لا أذكرها. قال الرجل: كان كوخا يتوسط مزرعة ~~صغيرة، وكان من نصيبي عندما وزعت ضياعك وبيوتك وأراضيك وأنعمت علي بالحرية. أصلحت الكوخ ~~وتعهدت المزرعة ثم أهملتها بعد أن نمت ثروتي واتسعت تجارتي وجرت العملات الذهبية والفضية في ~~يدي، هل تتنازل وتقبل أن أرده إليك؟ قلت وأنا أتابع ولدي وأتصور زوجتي بعد رحلة الشقاء ~~اليومية: ولكننا صرنا طبيعة أخرى بعد أن توحدنا بالطبيعة واحتقرنا المدينة وكلاب ~~المدينة! # عاد يلح من جديد وهو يحدق في وجهي الذي تحجرت تجاعيده وذبلت ملامحه واسودت مثل قناع شيطان ~~تعس: الكوخ والمزرعة الصغيرة عاريان من مظاهر المدنية، ولن تخون عهدك للطبيعة إذا نمت مع ~~بازيكليس تحت سقفه! أطرقت طويلا وتذكرت الكوخ الصغير الذي كنت ألجأ إليه قديما لأستريح من ~~عناء اللهاث وراء الثروة وأتقي سهام المتآمرين على مزارعي وسفني وتجارتي بالغدر والطمع ~~والفتنة، وتأملت الوجه الصغير الذي كان يدخل علي تسبقه ابتسامته، فأسلم له ساقي ليدهنها ~~بالزيت، وأذني ليسليهما بحكايات أيسوب وأمثاله، وحكم صولون والحكماء السبعة، والنوادر التي ~~تروى في السوق والشارع وقاعات الضيوف ومآدب الأثرياء والرؤساء وأكواخ العجزة والمرضى ~~والفقراء عن معلمنا سقراط الزاهد الحكيم وعن معلمي صاحب العصا والمصباح وعني أنا المسخ ~~الأحدب الحزين. ضحكت كثيرا وسرحت طويلا وتأملت عيني عبدي السابق وسكت. هل أصبح حقا من ~~كبار الأثرياء والوجهاء؟ هل مد يديه لأمثاله السابقين من العبيد والمحرومين؟ كنت متعبا ~~من أحوالي وأحوال المدينة فلم أشأ أن أضيف متاعب جديدة، ويبدو أنه قرأ المكتوب على ألواح ~~خواطري السوداء فقال وهو يمد إلي يده بمفتاح ضخم: لم يتغير شيء ولن يتغير يا سيدي، خذ ~~مفتاح الكوخ وأغلقه عليك وعلى أهلك جيدا. قلت في دهشة: وماذا أفعل بالمفتاح ms116 يا ... قال: ~~أندروكليس يا سيدي، صاحب النوادر والحكايات والطرائف والأشعار. قلت: نعم يا أندروكليس، ~~ولكن ألم تسمع أنهم سموني فاتح الأبواب؟ قال: سمعت هذا وأكثر منه يا سيدي. رفعت صوتي ~~غاضبا: قلت لك لم أعد سيدك ولم تعد عبدي، ما الفائدة من كل حياتي وعذابي لتحرير الإنسان من ~~الكلب الكامن فيه؟ ولماذا أغلق بابي بالمفتاح وكل الأبواب مفتوحة في وجهي؟ قال وهو يستعد ~~للانصراف وتلح علي ذراعه ويده بأن آخذ منه المفتاح الحديدي الصدئ: لا تقل كل الأبواب يا ~~كراتيس، لا تتصور أن شيئا تغير أو سيتغير! دفعت يده الممدودة كمخلب نسر عجوز وأنا أصيح: ~~الكلبي الأباس من أبأس كلب لا يحتاج إلى مفتاح، لا يحتاج إلى كوخ! # كانت هيباشيا قد رجعت من طوافها اليومي فسمعت صيحتي ورأت الرجل، قال لها في هدوء وهو يضع ~~المفتاح في يدها: من أجل يازيلكيس ومن أجلك يا سيدتي، حاولي أنت أن تقنعي سيدي القديم ~~العنيد. # وعرفت هيباشيا ما دار بيننا فسكتت طويلا. نظرت إلى وجهها الذي غطته سحب الحزن والوهن ~~والذبول، فلمت نفسي ولذت بالصمت، وأقبل يازيلكيس فاحتضنته وقالت: من أجل صدري وصدرك اللذين ~~افترسهما السعال سأوفر على نفسي النقاش الطويل، وانحنت علي وتفرست عيناها الجميلتان في ~~وجهي، وقالت وهي تشد ذراعي بلطف وتضع يدها في يدي: هيا بنا، يبدو أن شيئا لم يتغير ولن ~~يتغير! ~~••• # سرنا إلى الكوخ الذي تذكرت مكانه بعد السنين الطويلة، ووضعنا فيه متاعنا «الكلبي» الفقير، ~~أصبح لنا سقف نبيت تحته وجدران تحمينا من المطر والريح، واستمرت حياتنا وجولاتنا اليومية ~~ولقاءاتنا تحت الأيكة ومواعظنا وحكمنا ونصائحنا ونواهينا التي أخرجها من جرابي الجلدي ~~القديم وأتلقى في مقابلها أرغفة الخبز وقطع الجبن وفواكه الأرض وخضرتها حينا، كما أتلقى ~~الشتائم والصفعات والركلات والبصق في وجهي حينا آخر. لم يتغير شيء كما قلت لك، ولكن بدأ ابني ~~بازيلكيس يتغير، ومع أني كنت ألاحظ أن النور في قنديل هيبارخيا بدأ يخبو وتزحف عليه ظلال ~~الصفرة والسواد، وأن الشيخوخة بدأت تثقل من وطء الصخرة التي ms117 أحملها على ظهري، فقد كان أكثر ~~ما يحزنني أنا وهيبارخيا أن ولدنا يتغير في الوقت الذي تكرر فيه عيوننا الصامتة ما قاله ~~عبدي السابق ذات يوم: لم يتغير شيء يا كراتيس ولن يتغير شيء، لا الأثرياء تحولوا عن جشعهم، ~~ولا الحكام كفوا عن مؤامراتهم وصراعاتهم، ولا الفلاسفة - ومنهم شقيق هيبارخيا وتلاميذه ~~البارعون في الجدل - عدلوا عن ثرثرتهم وبناء قصورهم فوق السحب وعلى أكف الرياح، حتى ~~الفقراء والمساكين الذين عشنا لهم قد ازداد تكلبهم واستفحل سعارهم وعضهم لبعضهم وتركوا ~~الكلاب الحقيقية والذئاب الطاغية الضارية. ومع أن القليلين من رجال السلطة كانوا يزوروننا ~~بين الحين والحين - ومنهم قاضيان ورئيس شرطة سابق أدركوا أخيرا أن القانون ليس هو السيد ~~ولا أحد يخضع له - فقد كانت المدينة تتحلل أمام أعيننا، والإنسانية والفضيلة والحرية ~~والبساطة والاتضاع وسائر الخيرات التي بح صوتي في الدعوة إليها تتساقط كأوراق الخريف ~~الذابلة تحت أقدام الجميع. # وآه يا ولدي الضائع! بدأنا نلاحظ أن رياح التغير قد عصفت بك، فمجادلاتك معنا لا تنتهي من ~~كثرة ترددك على مجالس الحكماء الثرثارين، وتطاولك على أمك وعلي يزيد كل يوم عن كل الحدود، ~~وإعلانك عن عزمك على التبرؤ من أبويك واحتقارك لملبسهما ومأكلهما وكلامهما يزداد تبجحا إلى ~~درجة لا تطاق، وبدأت مطالبك تفوق كل قدراتنا التي وقفناها على الزهد والتخلي عن مظاهر ~~القدرة والتملك، وكم صرخت في وجوهنا الذابلة من شظف الحرمان أن تواضعنا ضعة، وزهدنا عجز، ~~وفقرنا غباء، وصمتنا عي وبلاهة، وأننا - ويا لقسوة اتهاماتك يا بني! - أشباح كلاب مهزومة ~~في عالم لا يبقى فيه حيا إلا الذئاب الضارية والسباع الكاسرة والثيران الهائجة والنمور ~~الجريئة الوثابة. # حاولت أن أجرب معك كل سبيل، لكنك لم تصبر على كلامي ولم تطق سماع صوتي، ولم تملك إلا ~~الاحتقار لي ولمن علموني وعشت وفيا لهم. لم تصدق أن الإنسان يصبح أقوى ما يكون عندما يزهد ~~ويتخلى، ولم أفز منك إلا بالضحك علي كلما حاولت أن أقنعك بأن الغني حقا هو المستغني، وأن ~~الإنسان لا يكون سيد نفسه ms118 وقدره بما يملكه ويخزنه، بل بما يكونه ويزهد فيه. وأخذتك يوما معي ~~لترى ديوكليس الذي استطعت أن أهديه إلى طريقنا وأرغبه في حياتنا وأدفعه إلى مشاركة البؤساء ~~والمساكين من مواطنينا والتعاطف مع كل الكائنات المعذبة. لكن ماذا كان تصرفك وكيف فعلت ~~فعلتك الطائشة؟ كنت قد اتفقت مع تاجر الأغنام العجوز الفاحش الثراء أن نلتقي على شاطئ البحر ~~ليختم عهد الوفاء للطريق الجديد ويدفع ثمن الرجوع عن حياة الكلاب إلى حياة البشر. قلت له لا ~~يكفي أن تترك بيتك وتحرر عبيدك وترفع عبء الديون عن المزارعين في ضياعك وتوزع عقارك وأراضيك ~~ورياشك وأملاكك على الفقراء والمحتاجين من أهلك وجيرانك. لا يكفي أيضا أن تجعل ضياعك مرعى ~~حرا للأغنام وحظائرك ومخازن غلالك مشاعا للرعاة والسياس والخدم والعاملين، اشترطت عليه ~~أن يتجرد من ملابسه إلا الخرقة التي تستره، ويتخلص مما ادخره للأيام من عملات ذهبية وفضية ~~حتى يمكن أن يشاركنا جولاتنا اليومية، وافق على كل شيء واتفقنا كما قلت على اللقاء على ~~الشاطئ في مكان بعيد عن فنارة الميناء ومواقع الشرطة والجمارك وحراس الحدود، وعن أبعد أكواخ ~~الصيادين، وجئت معي يا بني بعد الرجاء والإلحاح من أمك ومني، ووصلنا إلى المكان وعرفتك ~~بالرجل الأصلع القصير الذي كان يوما هو المسئول عن إطعام «ثيبة» باللحوم. ورأيت بنفسك كيف ~~وقف أمام البحر في خرقه الرثة الممزقة، وكيف فتح صدره للريح وقال: الآن أعاهدك أيتها الأمواج ~~الأزلية المد والجزر أنني سأثبت على نقائي وعريي مثلك عن كل شيء، الآن لن تستطيع قشة واحدة ~~من متاع الدنيا أن تتعلق بي إلا إذا أصبحت جثة فوق جسدك الناعم الطري! ولن تستطيع أن تصمد ~~أمام قوة يقيني وزهدي فيها إلا كما تصمد أمام قوة اندفاعك وغضبك وثورتك المزبدة التي تلفظها ~~على رمال الشاطئ، ومد يده البيضاء السمينة إلى داخل كيس ضخم حمله معه وأخذ يلقي القطع ~~الذهبية والفضية واحدة تلو الأخرى فتلمع في ضوء الشمس الغاربة ببريق ذهبي خاطف قبل أن ~~تتلقفها أمواج البحر وتلقمها أعماقه السفلية الشرهة، كان ms119 يضحك ويصرخ ويبكي بجنون، وكنت تصرخ ~~أنت أيضا وتحاول أن تمسك يده وتنتزع الكيس منها وأنت تهتف: دع الكيس أيها المخبول! إن ~~كان أبي قد غرر بك وزين لك الإفلاس فانظر إليه لترى المصير الذي أوصلته إليه خزعبلاته، ~~انظر إلي لتعرف مدى جنايته علي، أبق على البقية الباقية أيها المعتوه حتى لا تفيق من ~~السكرة يوما فلا تجد اللقمة ولا الجرعة ولا الدواء، انتظر ولا تجعلني أقذفك في الماء، ~~انتظر ولا ... # لكن ديوكليس لم ينتظر ولم يؤجل خلاصه، وعندما انتهى من إفراغ كيسه التفت نحوي وقد احاطت ~~برأسه اللامع - كالمرأة المتموجة الألوان بحمرة الشفق المتوهج! - هالة النور التي تجلل ~~كتيجان الغار الأبيض المجيد رءوس الأبطال الخالدين، عندها وقفت بعيدا وأنت تقلب عينيك بين ~~جنون الأب وصديقه، حدقت في وجوهنا برهة قبل أن تشير بيديك وذراعيك إشارة يائسة ثم تدير لنا ~~ظهرك وتحرك ساقيك نحو المدينة وأنت تقول بصوت مختنق بدموع الوداع وسورة الغيظ والاحتقار: ~~معذرة يا أبي، هذه آخر مرة أراك فيها أو تراني. ~~••• # آه يا ولدي الضائع المسكين! انطلقت لم تلتفت وراءك، دفعت مركبك الهارب الغاضب أمواج أعتى ~~من أمواج البحر الذي وقفنا على شاطئه، لم تنظر مرة واحدة إلى الخلف لترى وجه أبيك المذهول ~~من الصدمة، لم تلمح يديه وذراعيه اللتين مدهما نحوك وهو يقول ولا تسمعه: عد يا ولدي! إن لم ~~يكن من أجل أبيك فمن أجل أمك! # حاول ديوكليس أن يخفف لوعتي ويسري عني بينما كنت أسير بجواره وأسمع أصواته ولا أسمعه. ~~قال لي: سيرجع لا تقلق عليه. هذا الشباب الطموح الثائر بغير ثورة سيرجع يوما وليس معهم ~~إلا حصاد المر والتراب والهشيم الذي يلقونه أمام آبائهم وهم يقولون: اغفروا لنا أيها ~~العجائز، فالعالم خيب آمالنا كما فعل معكم! لا تبتئس يا صاحبي، ربما حبب إليه قلبه الطائش ~~أن يذوق طعم المغامرة، وربما اتفق مع رفاقه أن يخرجوا ويجربوا، ألا ترى أنهم ~~معذورون؟ # قلت بامتعاض: أي عذر هذا الي يبرر لهم التخلي عن آبائهم العجائز؟ قال ms120 كأنه يفضي بسر هائل: ~~ألا تشم رائحة العفن تتصاعد من المدينة وتطوقها وتخنقها كما يخنق القط الوحشي صغاره العميان ~~قبل أن يلتهمهم؟ ألم تسمع فضائح الفساد التي ذاعت إلى حد الملل على كل لسان؟ وكيف يجد ~~الشباب الضائع المضيع قوته وشرابه بعد أن يئس من العثور على حريته وكرامته وكف حتى عن ~~الحلم؟ هل وصلتك أخبار المقدوني الزاحف؟ # التقط عقلي المقفل على أحزانه هذه الكلمة فسألت: تقول المقدوني؟ # قال متعجبا من غيبوبتي وجهلي الفظيع: أجل أجل! هذا المتهور الذي يسحب وراءه أبناء ~~الإغريق لتحقيق أحلامه المخيفة. # لم أعلق بشيء، كنت أشعر تحت وقر السنين وتفاهة الحصاد أن لا شيء تغير أو يمكن أن يتغير، ~~مع ذلك كان قلبي يتنبأ بقدوم العاصفة، ولا بد أن ديوكليس السمين اللزج الذي راح يتدحرج ~~بجانبي ككرة الدهن الملطخ بالأوساخ قد استرق السر من الخاطر العابر فقال بصوت مشحون ~~بالجدية: العاصفة قادمة يا صديقي، لكن من أين ستأتي وكيف؟ هذا شيء لا يعلمه مثلي أو مثلك، ~~ولكنه سيهز بيت الطبيعة الذي تدعونا لسكناه. ~~••• # اتجهت إلى الكوخ مضطرب الأحاسيس والخواطر بعد أن لم أجد في القوة على البحث عن عبدي ~~أندروكليس. كنت أريد تسليمه مفتاح الكوخ حتى لا أسمح لنفسي بأن يملكها شيء تتصور أنها ~~تملكه، وكانت هيباشيا مشغولة بإعداد طعامنا القليل قبل أن نستأنف لقاءنا اليومي تحت الأيكة ~~أو ننطلق في جولة جديدة. بادرتني بابتسامتها المرحة وسؤالها الأكثر مرحا عن أحوال الكلبي ~~الطيب وأحوال العالم الشرير، تجنبت النظر إلى وجهها الصغير المضيء رغم خطوط التجاعيد التي ~~بدأت تنقش آثارها تحت العينين وفوق الجبهة الناصعة، كنت أغالب البكاء وأقاوم الارتجاف ~~وأحاول أن أبدو أمامها طبيعيا وأرسم على وجهي كلما استطعت علامة الاستبشار والطمأنينة، ~~قالت: تعال انظر ماذا أعددت لكم قبل أن يأتي بازيكليس، أطرقت برأسي وأغمضت عيني وراحت يدي ~~المرتعشة تحرك العصا في دوائر متلاحقة، ورفعت رأسي وتأملت وجهها الصبوح المرهق وأنا أنطق ~~الكلمات المبتورة بتأن ووضوح: بازيكليس، لن، يأتي. تجمدت ملامحها وسألت: ماذا تقول؟! لم ms121 ~~أجد ما أقوله، ولكن القلق الذي شلها من الرعب حتم علي أن أفتح فمي: أنا لا أقول شيئا، هو ~~الذي قال هذا وذهب. # أسندت رأسي على يد العصا وتلقيت السيل العارم من الصيحات والصرخات واللعنات والتأوهات، ~~أدركت ساعتها كيف يتلاشى الذكر الجريح المهزوم أمام بركان الأنثى المتفجرة بالحمم المحرقة، ~~لم تكن هذه هي هيبارخيا التي عرفتها وأحببتها وعلقت قدري بنظرتها الحنون وابتسامتها العذبة ~~الشافية، لم أتوقع كذلك أن تكون اختطفت الشال السماوي الأزرق الذي أهدته إليها امرأة حداد ~~مريضة سهرت عليها قبل أيام وخرجت كهبة ريح مسرعة من الكوخ، وبقيت مسندا رأسي وخدي إلى ~~العصا، متجمدا كتمثال صبت عليه «الميدوزا» نظراتها القاسية وحولته حجرا بدلا من الذهب. ~~••• # ماذا فعلت يا كراتيس بنفسك وماذا فعل العالم وكلاب العالم بك؟ هل خذلك كل شيء حتى ابنك ~~الوحيد أم خذلت نفسك وكل شيء؟ ولماذا لم تنتبه عندما بدأت الأجراس تدوي في أذنيك كنواح ~~الثكالى: انصراف أتباعك واحدا بعد الآخر وضآلة شأن وعدد المنضمين إلى جماعتك والمستمعين ~~إلى عظاتك المؤثرة هناك تحت الأيكة وسط الخرابة؟ كيف لم تفطن إلى غليان صدر ولدك - كالإبريق ~~الفائر - بالاحتقار لعيشتك وملبسك وحكمتك وحمقك والكوخ الذي قبلت أن تقضي فيه بقية أيامك ~~وماضيك الذي تخليت فيه عن كل شيء وتخلى عنك الحاضر والمستقبل والابن الوحيد؟ ورجعت ~~هيبارخيا كالشبح الخارج من أعماق الظلمات السفلية، لكن كم كان الشبه بعيدا بينها وبين أو ~~يريديسيه، أبعد بكثير جدا من الشبه بيني وبين العازف الرائع على القيثار، هذا الذي اجتذب ~~الوحوش فركعت أمامه وراحت تنصت لسحر أغانيه، بينما ينفض البشر والكلاب من حولك ولا يبقى معك ~~حتى بازيكليس؟ # هل تعرف ماذا قالت بعد سكوت طويل؟ «ذهب!» لم أسألها عما فعلت بعد خروجها، لم أحاول ~~الاقتراب من بئر أسرارها وظنونها ومخاوفها، ولا معرفة من قابلته ولا من سألتهم من أصحابه ~~ورفاقه، رأيت شيئا واحدا يجمع ويفصل بيننا منذ ذلك اليوم: جدار الصمت. # جازفت بعدها بأيام وربما أسابيع أن أكسر ذلك الجدار الأسود، أو على ms122 الأقل أفتح فيه ثغرة، ~~أو حتى أتسلقه وأخطف من ورائه نظرة إلى الوجه الحبيب والعينين اللتين لم يغب عنهما الحنو ~~رغم ستار الحزن المتكاثف يوما بعد يوم، قلت فجأة : أنا واثق أنه سيرجع، واثق أنه سيرجع. ~~نظرت إلي طويلا ورأيت بوضوح كيف تقيم سدا منيعا يوقف الحمم الفوارة في داخلها، وانفرجت ~~أساريرها قليلا كأنما تتعمد أن تخترق الجدار الأخرس أو تذيب الجليد: أنا أيضا واثقة أنه ~~سيرجع، لكن هل سيبقى؟ ~~••• # ظلت حياتي وحياة هيبارخيا وأصدقائنا وأتباعنا وإخوتنا وأبنائنا على ما هي عليه، أخذت ~~تتكرر كل يوم كما تكررت آلاف الأيام والليالي، أشبه بطواحين الزيت التي كنت أملكها أو ~~بالأحرى تملكني، بالسنين الكونية الجبارة الغامضة وقانون الميلاد والحياة والموت الذي يفرض ~~جبروته على كل حي، ربما لم يجد عليها غير القلق الغامض والخوف المجهول من إعصار قادم، إعصار ~~كان يحدثني عنه الرفاق في رهبة كأنه سيهب علينا وعلى مدينتنا لا محالة، وقل عدد الأصحاب ~~والأتباع كما قلت لك، ودب السأم من التكرار في الجميع دون استثناء، وحاولت جهدي أن أواصل ~~رغم كل شيء: فأقدم النموذج الكلبي الذي عشت له وآمنت بأنه يمكن أن يجعل أهل مدينتنا يراجعون ~~حياتهم الكلبية، ورحت أجرب وأتأمل كل شيء بنفس التعاطف والحنو الذي جذب أحب الناس إلي ~~وأولادهم بالتعاطف والحنو، وكان الملل من الكائنات جميعا يزداد كل يوم مع تزايد عذابي ~~وسأمي وعجزي وانتظاري، وتنظر إلي هيبارخيا ونحن تحت الأيكة وترسل من عينيها الوميض الحبيب ~~المتألق، وعند رجوعنا لا تضن علي بلمسة دفء من يدها على يدي أو رفة بسمة من فمها الصغير ~~الرفيق كوردة ذابلة، وكنت أغبط نفسي على هذا الحنان الذي لا أستحقه وأستعين به على مواجهة ~~الجدار الأسود الذي لم يشأ أن يتزحزح عن موضعه. # وبدأت أنباء الإعصار تتسلل على ألسنة الناس، حذرة واهنة في أول الأمر ثم عالية مدوية بعد ~~ذلك، وفي يوم من الأيام كنت راجعا إلى الكوخ بعد الطواف بجراب حكمتي وعظاتي ونصائحي على ~~أبواب قرية صغيرة باغتها الجراد بعدما ms123 نسيها المطر، وفاجأني عجوز قميء خلته في البداية ~~واحدا من رفاقنا وإن لم أتأكد من ذلك، كانت رائحته الكريهة المنبعثة من هلاهيله الذرة تشي ~~بأنه كلبي وإن لم يسمع عن الكلبيين، وكانت الأبخرة العفنة الخارجة من فمه توحي بأنه سكير ~~عنيد لا يتوب، أوقفني في منعطف الطريق الضيق المظلم رغم أن الشمس لم تكن قد غربت، وقال ~~ضاحكا: ما رأيك الآن أيها الكلب العجوز؟ ولما لم يجد مني إلا الاشمئزاز من هيئته وصوته ~~القبيح استطرد يقول من أنفه المفلطح: ها هو الإعصار يكتسح كل شيء أمامه، أليس كذلك أيتها ~~الشجرة العجوز التي تسقطها هبة ريح؟ قلت في غضب وأنا أحاول مواصلة سيري: لا أدري عما تتكلم ~~ولم أسمع عن هذا الإعصار - قال ضاحكا: ولم تسمع عن الجيش الذي احتل أثينا، وعن ديموستينيس ~~الشجاع الذي هرب أو اختفى أو انتحر، وعن أرسطو الذي فر كالجرذان ولم يستطع أن ينتظر الإنقاذ ~~على يد تلميذه العزيز؟ لم تسمع شيئا عن هذا؟ # دمدم صوتي الغاضب بامتعاض لا مثيل له: قلت لك لم أسمع، لم أعرف. واصل الضحك وهو يرفع ~~قنينة غامقة اللون إلى فمه المتآكل الأسنان: لا عجب، لا عجب، أنت وهلاهيلك وكلابك الحارسة ~~التي لا تدري كيف تحرس نفسها ولا غيرها، انتهى زمنكم يا صديقي، هذا زمن آخر يأتي معه ~~بأبطال وحكماء آخرين، اذهب إلى كوخك وتأكد بنفسك! # لم أرد عليه بكلمة واحدة، ولم أفهم ماذا يقصده بالذهاب والتأكد بنفسي، كان شبح اليأس ~~والملل قد جثم علي وسد كل طريق، وانطلقت راجعا إلى الكوخ وصوته يردد في أذني: هذا زمن آخر، ~~زمن آخر. ~~••• # عندما اقتربت من الدرب الهابط إلى الكوخ الراقد في المزرعة الصغيرة المهجورة خيل إلي أنني ~~أسمع هديرا كصوت البحر القادم من بعيد، خطوت خطوات أخرى فلمحت موكبا صغيرا من الخيول ~~والفرسان الذين تلمع الخوذات فوق رءوسهم والدروع والسيوف في أيديهم وجنوبهم. كان الموكب ~~الصغير يقف هناك بلا ضجيج، وكأن الفرسان ينتظرون الإشارة التي تأذن لهم بالحركة في اتجاه ~~معلوم، ما ms124 هذا؟ من هؤلاء؟ ماذا يريدون؟ ولماذا ينتظرون قريبا من الكوخ الصغير؟ وفي حيرتي ~~وتعثر خطواتي سمعت صوتا مجلجلا ينادي كأنه يزف إلي البشرى السعيدة: اقترب يا كراتيس، ~~أسرع، أسرع ، أيصح بحق زيوس أن ينتظرك بطل الأبطال؟ أيصح أن يحضر لزيارتك ولا يجدك في ~~انتظاره؟ الإسكندر بنفسه ينتظرك يا رجل! # أسرعت بقدر ما تقوى رجلاي على حمل جسدي المنهار، خيل إلي أنني أقفز كجدي ضامر عجوز، ~~ودخلت الكوخ المفتوح الأبواب بعد أن ألقيت تحياتي المرتبكة على الحراس المتناثرين في كل ~~مكان، لم تبحث عيني في أرجاء القاعة التي تضيئها المشاعل عن سيد الإعصار، بل راحت تفتش ~~خائفة عن هيبارخيا حتى عثرت عليها مكومة كالطل الحزين في ركن معزول، كان الإسكندر يتجول في ~~الكوخ ويلمس كل شيء ويفحصه كأنه طفل كبير يعبث بألعابه الصغيرة، وكنت أقف كالحجر المنسي ~~عندما التفت ورآني وأشار إلي وهو يرفع ذراعيه في الهواء: أحكم حكماء ثيبة وأشهرهم يقف ~~بعيدا ولا يتكلم؟! أتريد أن تستقبلني كما فعل معلمك المتوحش العجوز؟ حركت قدمي خطوة وأنا ~~أقول: معذرة يا مولاي، لكنه كان في البرميل وأنا بين يديك، جلجلت ضحكته كصليل السيوف ~~اللامعة المتدلية من خصور جنوده وضباطه وقال: لقد طلب مني أن أبتعد ولا أحجب عنه ضوء الشمس، ~~ماذا ستطلب مني أنت يا كراتيس الطيب العجوز؟ قلت متلعثما وأنا أتطلع لوجهه الناضر ~~الجميل وقامته الممشوقة الفارعة وخطواته السريعة القلقة كأنها تتحرك على إيقاع موسيقى خفية ~~عذبة: عفوا يا مولاي، إنك تعلم أن الكلبيين لا يطلبون شيئا. مد ذراعيه القويين ووضع ~~يديه الرخصتين على كتفي وقال: أعلم، أعلم، ويحيرني أنكم تحيون حياة الكلاب لكي يقلدكم ~~الناس. جمعت أطراف نفسي الضائعة واندفعت قائلا: كلا يا مولاي، بل لكي يتجردوا من شهوات ~~الكلاب ويصبحوا بشرا. # ضحك كأني نطقت بدعابة مسلية أو رويت حكاية عجيبة، وقال في ود ظاهر ولطف محبب: ليتكم عشتم ~~حياة الأسود أو النمور أو حتى الذئاب أو الضباع لكي يقوى جيش الإغريق ويوحد العالم والبشرية ~~تحت راية «هيلاس»، ليتكم ... قاطعته ms125 بحسم وقلت بكلمات واضحة: «نحن أيضا نؤمن بوحدة البشرية ~~وندعوهم أن يحيوا أحبابا في بيت العالم، هذا هو ما نطلب يا مولاي.» نظر من النافذة ~~الخالية من الزجاج والعارية من الأستار، وعاد يقلب في الصحون الصدئة المتراصة فوق المائدة ~~الصغيرة المجدولة من أعواد الجريد، ومشى خطوات بجانب الحائط فوجد الجراب الجلدي القديم ~~معلقا على مسمار ومعه بعض الهلاهيل، رفع رأسه إلى أعلى بعنف ثم تفرس في وقال: ولكن لا بد ~~أن يكون لك طلب تريد تحقيقه، تكلم يا كراتيس الطيب العجوز، قل للإسكندر ماذا تريد؟ # لمحت شابا يتقدم منه ويحني رأسه أمامه ثم يهمس له بكلمات، واستدار الشاب فرأيت وجهه ~~والتقت عيناي بعينيه في لمحة خاطفة، صحت وقد أذهلتني المفاجأة: يا إلهي زيوس! هل يمكن أن ~~يكون؟ حدق في الشاب محذرا وعينه تطق الشرار، بلعت الغصة وتوقف عقلي عن التفكير، أليس هذا ~~هو بازيلكيس الحبيب؟ أليست هذه هي ملامحه ورأسه وشفتاه وعيناه؟ ألم أقل لك يا هيبارخيا إنه ~~سيعود؟ لا بد أن يعود، وأيقظني صوت الإسكندر وهو يتحرك نحو الباب الذي سبقه بازيكليس إليه ~~وقال بصوت المودع لصديق قديم: أعرف، أعرف يا كراتيس أنك لا تطلب شيئا لنفسك، لكن ربما ~~تطلب شيئا لمدينتك، لقد دخلناها اليوم وتهدمت رغما عنا بعض المباني والبيوت، ألا تبتغي ~~أن ترى مدينتك وقد أعيد بناؤها؟ لم يكن عقلي معه وإن كان جسده الممشوق يقف أمامي وسترته ~~التي تلمع فوقها قطع السيوف والحراب الصغيرة والأزرار الذهبية تخطف بصري كالنجوم البراقة، ~~قلت ورأسي ما زال يدور في الدوامة التي تموج وتفور حول بازيكليس المسكين: ولم التعب يا ~~مولاي؟ سوف يأتي إسكندر آخر ويدمرها! ولدهشتي لم يغضب البطل الرائع اللامع اللطيف، قال في ~~هدوء وهو يخبط كتفي كصديق قديم: سآمر ببنائها على كل حال قبل أن نواصل زحفنا الليلة، إنها ~~وطنك يا كراتيس، أليس كذلك أيها الكلبي الطيب؟ # وتحرك في سرعة الفهد المتوثب نحو الباب بينما تتخايل صورة بازيكليس أمام عيني وتراودني ~~العبارة التي طالما رددتها وسمعها مني ms126 الناس وإن لم أقو على النطق بها أمامه: وطني هو الفقر ~~والاستغناء، وطني هو احتقار الشهرة والثروة والقوة والجاه، وطني هو كل بيت وكل ... # انتزعت نفسي بقسوة وعنف من الخواطر والصور التي تزاحمت عليها، وبدأت أفيق على أصوات ~~الأقدام التي تصعد الدرب الحجري الصغير، والسيوف والدروع والأسلحة التي تصلصل كصوصوة عصافير ~~مشتبكة في قتال، ولم أكد أتحرك كالملهوف نحو هيبارخيا المتكومة في الركن الكثيف الظلال حتى ~~وجدته يقبل مسرعا ويندفع نحوي ويضمني بقوة إلى صدره، هجم علي فجأة فلم أجد أنفاسي ولم ~~أستطع التلفظ بكلمة واحدة: سامحني يا أبي، سامحني! لم أجد أستطع أن أقبلك أمامه! معذرة، ~~معذرة يا أمي، أين أنت يا هيبارخيا الحكيمة؟ وقبل أن ترفع وجهها أو تفتح عينيها ~~المحمرتين ألقى نفسه على صدرها وأخذ يغمرها بالقبل وهو يهتف في لهفة: لا وقت للبكاء يا أمي، ~~سوف أعود، سوف أعود. # وقبل أن نفيق على المعجزة كان قد غادرنا ولحق بالموكب الصغير، آه يا ولدي بازيكليس! هل ~~شعرت بكل الأحزان تتجمع في شهقة واحدة؟ هل فكرت فينا يا ولدي؟ يا ولدي الضائع المسكين! ~~••• # تعال، تعال ولا تتردد، ها أنت قد استمعت إلي طويلا ولم تتكلم، وتكلمت أنا كثيرا ولم ~~أترك لك فرصة للكلام، أم تراك تحب الفعل أكثر من تحريك اللسان؟ هيا إذن للقيام بمهمتك، ~~ستجدني كما قلت لك على أتم استعداد. وصيتي؟! نعم نعم، كنت أكتبها قبل أن أحس بخطواتك، ~~هيبارخيا الحبيبة أوصتني وألحت علي، وكل شيء بعد زيارة البطل الرائع المخيف يحرك يدي ~~بالقلم الذي هجرته وهجرني من زمن بعيد، لماذا لا تظهر من خلف الباب أو النافذة أو الشجر أو ~~السحب أو الضباب؟ أتريد أن تعرف ما حدث؟ ~~••• # عاودتني آلام الصدر والأمعاء والساقين بعد ذهاب بازيكليس. كنت لا أكف ليل نهار عن السؤال ~~الذي استعصى على أي جواب: لم تخليت عنا يا ولدي؟ هل خجلت أن تنسب إلينا؟ أصدقت أننا كلاب ~~كما ينعتنا الصبية والأثرياء والأقوياء والبلهاء والثرثارون؟ لماذا لم تحس بنفسك أننا نمثل ~~دور ms127 الكلاب لنخرج إخوتنا في البشرية من حظائر الكلاب الكبيرة والصغيرة التي يتمرغون داخلها ~~في وحل اللذة والترف والصلف والغرور؟ أكان عسيرا عليك أن تشعر بخفق قلوبنا التي ترتعش بنبض ~~قلوب الأشياء؟ # وواصلت هيبارخيا جولاتها اليومية وبدأت أواصل جولاتي. كان الإعصار يعلن عن نفسه في ضجيج ~~المدينة وعجيج المواكب وزعيق الأبواق والطبول وصيحات البشر التي أدرت لها ظهري كما أدرته ~~لكل شيء، وخجلت أن أبقى قعيد الكوخ بينما تقوم هيبارخيا بتقديم العون والنصح والفهم في ~~الشوارع والحارات البائسة والقرى والتجمعات القريبة والبعيدة. # ومضيت إلى الأيكة وأنا أقول لنفسي: لا بد أنهم يفتقدونني، وبنظرة واحدة من عيني الكليلة ~~أدركت أنها خاوية كالخرابة التي تحيط بها، وما هي إلا لحظات لم تتسع لرياضتي الروحية حتى ~~رأيت شبحا يتدحرج نحوي، وعندما اقتربت عرفت فيه أحد الفاضيين الوقورين اللذين خلعا مسوح ~~القضاء ودخلا في رقع الزهاد والنساك. قال وهو يغالب اليأس والضجر ويتلفت حوله ممتقع الوجه ~~كابي النظرات: جئت أودعك وأحمل لك توديع رفاقي، هذا زمن آخر. قلت وأنا أداعب عصاي وأنكث ~~بها التراب: سمعت هذا من قبل، قال وهو ينقل خطواته وينبهني لأصداء الضجيج المتصاعد مع سحب ~~الغبار من المدينة: زمن الإعصار، هيا يا صاحبي فعظامنا لا تتحمل عصف الريح وبردها القارص. ~~أطرقت برأسي وسكت، ورأيته وهو ينحدر على الطريق الهابط إلى المدينة ويغيب ظله في ظلال ~~الغروب الزاحفة، وأخذت أقلب طرفي في السماء والنجوم التي بدأت تعتلي سمت الأفق الساكن ~~الصافي وقلت لنفسي وأنا أفكر في هيبارخيا الحبيبة: ليكن البشر قد تغيروا فهل يتغير الزمان ~~والمكان؟ وإذا كان الإعصار يجرف كل شيء ويأتي بجيل غير هذا الجيل فهل سيستغني البشر أبدا ~~عن التغيير؟ # ونهضت كأني كومة أنقاض تتعثر وسط حطام وخراب، ولم أكد أبلغ منعطف الطريق المؤدي إلى الدرب ~~الحجري الهابط نحو الكوخ حتى ظهر كذئب جائع انشقت عنه جدران البيوت الصامتة في الحارة ~~الصامتة، قال كأنه كان ينتظرني: ألم أقل لك؟! هذا زمن آخر غير زمانك وزماني! مددت الخطى ~~وأنا أهتف بامتعاض: ms128 سمعت هذا منك، اذهب الآن إلى الجحيم! ضحك طويلا وصاح بصوت لا يقل قبحا ~~عن وجهه القميء الذي بدأت تبرز معالمه من أكفان الظلام: أذهب للجحيم الذي أعيش فيه ؟ وأين ~~أجد النعيم الخالي من الذئاب والأفاعي والقرود والكلاب والحشرات؟ أي مكان بقي بعيدا عن ~~إعصار الإسكندر وجيوشه؟ في قارة أطلنطس أم في الإيلزيوم أم في دولة أفلاطون الثرثار؟ لا يا ~~كراتيس، لن تجدي شيئا أخلاقك وعظاتك وطوافك كالشحاذين المخبولين، لم تغير شيئا ولن تغير، ~~لم يبق لمثلك أو مثلي. صرخت غاضبا: لست مثلك ولا أنت مثلي، اذهب ولا تلوثني، ضحك حتى ~~استلقى على الأرض كحمار سعيد بالتمرغ في التراب وقال: مرحى! مرحى! لم أكن أعرف أنني ~~أكلم أدونيس أو نرسيس، نسيت أنك تغيرت يا كراتيس الخسيس، يا زوج هيبارخيا التعس، تراجعت ~~أريد أن أنقض عليه وأعضه ككلب حقيقي، وقف أمامي جاحظ العينين غائب النظرات أشعث الشعر ~~ورائحة السكر والعفن تخرج منه كأبخرة تخرج من قبر، فارت الدماء في عروقي واشتعلت براكين ~~الغضب والاحتقار، زمجرت ككلب مسعور: قلت لك اذهب عن طريقي. تحشرج صوته وهو يرفع القنينة ~~اللعينة إلى فمه ويصب نيرانها في جوفه: لا تتعجل، سنذهب جميعا يا كراتيس، لم يبق لي أو ~~لك إلا أن نكتم أنفاسنا بأيدينا، لم يبق سوى أن تعلن إفلاسك على مرأى من كل الناس في ~~«الأجورا» ونشعل النار في جسدك وأخلاقك اللعينة لتسلية الأطفال والعجزة والقطط والكلاب في ~~المدينة التي هجرها الشباب وجرفها الإعصار، لم يبق إلا أن نشرب ونشرب حتى نقتل أنفسنا ~~سكرا ونعود سراعا للعدم كما قالت أنتيجونا. قلت في غيظ وأنا أدير له ظهري وأجر جسدي ~~المنتفض غضبا وكمدا: اذهب إلى الجحيم أيها الشيطان اللعين! اذهب ولا تجعلني أتحول من ~~ناسك إلى قاتل! ولكنه لم يذهب ولم يكف عن رفع القنينة إلى فمه النجس، وسمعته يتأوه ويدمدم ~~وأنا أحث الخطى إلى الكوخ: اذهب أنت وكلبتك الحلوة مع باقي الكلبيين، راح زمانك وزماني يا ~~مسكين. ~~••• # أحقا ذهب زماني وزمان الزهاد الكلبيين؟ هل ms129 داستنا عجلاته قبل أن نغير العالم أو نتغير؟ ~~أرقني هذا الخاطر وظل يؤرقني حتى دخلت من الباب المفتوح، كان بتروكليس يتجادل مع هيبارخيا ~~ويحتدم الأخذ والرد بينهما، فأكاد أسمع ضربات المطرقة على السندان. أسرع بتروكليس نحوي وهو ~~يمد إلي يديه وذراعيه، غامت صورته في عيني عندما شيعنا على باب القصر وبصق وراء ظهورنا، ~~وأفقت على صوته يقول: يا زوج شقيقتي، كن القاضي بيني وبينها. قالت لي نفسي: حتى القضاة ~~تراجعوا وذهبوا. ترى أين هما الآن؟ لزمت الصمت فاستطرد بتروكليس قائلا: باختصار يا كراتيس ~~الحكيم، أبونا مات وأوصى لابنته بنصيبها من الميراث. قلت شارد الذهن: حقا؟ من الواجب ~~ألا يهمل المرء كتابة وصيته. أكد بتروكليس كلامه بقبضة يده: ووجدت من الواجب أن أبلغها حتى ~~تكمل إعلام التركة وتتسلم القصر والحديقة. قلت: القصر والحديقة؟! همت هيبارخيا بالكلام ~~فأسرع بمقاطعتها: أو تتنازل عنهما. سألت بهدوء: لك بالطبع؟ تدخلت هيبارخيا وصوبت سبابتها ~~إلى صدره: لولا هذا ما جاء، إنه يعلم أننا لا نملك شيئا حتى لا يملكنا شيء، حتى هذا الكوخ ~~رفضنا أن نحتفظ بمفتاحه وسلمناه لصاحبه الوفي، وأنت يا شقيقي الوفي لم تتذكرني إلا لكي تأخذ ~~حقي، خذه إذن فلا حق للطائر الحر إلا في الهواء والفضاء، خذه ولا ترني وجهك بعد الآن. # ربت على رأسها وكتفها قبل أن تنفجر بالبكاء، وسألت بتروكليس: وما هي مشروعاتك بعد تنفيذ ~~الوصية أيها الفيلسوف؟ قال بغضب من يريد أن يغلق الباب: لم يعد لي شأن بالفلسفة، أغلقت ~~المدرسة وحولتها إلى متجر كبير. سألت متعجبا: وفيم يتاجر الحكيم الشهير؟ رفع صوته إلى حد ~~الصراخ: تركت لكما الحكمة والسخرية أيضا، واتفقت مع ديوكليس على إنشاء متجر كبير للتصدير. ~~قلت متعجبا: ديوكليس؟ ألم يلق ثروته في البحر أمام عيني؟ ألم يتفق معي على لبس الهلاهيل ~~واتباع الطريق؟ قال منهيا الحديث بإشارة من نفد صبره: ورجع إلى عقله بعد أن تغير الزمن، ~~غدا أحضر لك الأوراق من المحكمة للتوقيع. صاحت هيبارخيا قبل أن يقترب من الباب: أرسلها مع ~~أحد عبيدك ms130 لأتنازل عنها. صفع الباب بعنف وهو يقول بامتعاض: ومن قال إنني أريد أن أرى وجهك ~~أو وجه كلبك الحزين؟ ~~••• # مرت الشهور بعد الشهور وأنا أتابع جولاتي الوحيدة وأراقب هيبارخيا وهي تواصل طوافها ~~بالقرى وبيوت المرضى والمحتاجين وتواظب على رعاية الشجر والزهر والزرع في حديقتنا الصغيرة ~~وتقول كلما طلبت منها أن تستريح: على الإنسان أن يزرع حديقته يا زوجي الحكيم! وكان عبدي ~~السابق يتردد علينا ويساعدها في العمل ويجمع الخضر والثمار ويبيعها في السوق ويشتري بثمنه ~~ما نحتاج إليه من الخبز والزاد. أيقنت أنني أصبحت وحيدا بعد أن تغير الزمن وانفض الرفاق ~~والأتباع كل في طريق، وكنت أذهب أحيانا إلى الأيكة وأجلس هناك حتى تغرب الشمس وتطير ~~الغربان والبوم ثم أرجع إلى الكوخ، وأحيانا أخرى أتجول في المدينة وأنظر وأسمع وأتعجب لأن ~~الصغار لا يجرون ورائي ولا يقذفونني بالحجارة، بل ينظر الجميع إلي كأنني أثر قديم يمرون ~~عليه غير مبالين. آه يا صديقي الذي أنتظره منذ سنين! يا من احترفت الموت منذ كلفتك به ~~الآلهة وأرسلتك إلى الهالكين، هل علمت أن الموت الحقيقي هو عدم الاكتراث؟ وهل جربت أن تمد ~~يدك أو منجلك فتحدق الروح في عينيك وتقول: سواء فعلت أو لم تفعل فالموت والحياة عندي سواء. ~~••• # رجعت قبل أيام من جولتي الوحيدة في الشارع الكبير المؤدي إلى «الأجورا»، كانت الحقيقة قد ~~تجلت لي ولم تتح لي الفرصة لتجربتها واختبار صدقها من كذبها، وكان الجميع ينظرون إلي نظرة ~~عدم الاكتراث التي لا أثر فيها لما عرفت من الاحتقار والازدراء والسب واللعن، وكنت أحاول أن ~~أواجه الجميع بمثل ما يواجهونني به وأنا غير واثق من أنني قد امتلكت الحقيقة التي تجلت لي ~~حتى سمعت صياحا وهتافا وصليل أجراس وزعيق أبواق تصم الآذان. قلت لنفسي لن أكترث بالتوقف ~~وإلقاء نظرة على الموكب الذي بدأ يلوح من بعيد. فكرت أنه ربما يكون موكب الإسكندر، ثم تذكرت ~~ما سمعته قبل شهور من أنه قد مات بالطاعون في بابل بعد أن هدم «بيرسيبوليس» وفتح الهند ~~ومصر. ms131 خلف الطاغية طغاة بعد طغاة، لكن ماذا يعنيني منهم؟ ماذا يهمني ممن ذهب أو جاء؟ وتقدمت ~~العربات تجرها الخيل المطهمة بالسروج المذهبة وعلى رءوسها وخوذات قوادها ريش ملون كريش ~~الطواويس، وقفت العربة الأولى بجانبي، فأعطيتها ظهري ونويت أن أتابع الطريق، ورنت صيحة جلجلت ~~بعدها الضحكات وسمعت من ينادي قائلا: هذا يا مولاي هو كراتيس الكلبي المشهور! سأل القائد ~~الضخم الذي يتوسط سائر القواد: ألست أنت الذي زاره الإسكندر العظيم؟ اقترب أيها الكلب ~~الجليل. نظرت إليه متأففا وتابعت طريقي، فعاد يصيح: أنا الطاغية سيلويقوس، أسألك كما سألك ~~قائدنا العظيم: أليس لك طلب عندنا؟ أليست لك حاجة نلبيها؟ أردت أن أقول له: وما شأني ~~بالقائد الكبير أو الصغير، ذهب طاغية وجاء طاغية وامتلأت البلاد بالعبيد والسجون والكلاب، ~~لكنني لم أقل كلمة واحدة، أعطيته ظهري وبصقت على الأرض، وابتعدت العربة والخيول والضوضاء ~~ورن صوت ضاحك: لا بد أن تلبوا طلباته، إنه الآن أشهر معالم ثيبة، لا بد من المحافظة عليه ~~لجذب الزوار والسياح! ~~••• # رجعت إلى الكوخ وفي جرابي وملء فؤادي الحقيقة المتجلية، وحكيت لهيبارخيا ما جرى مع ~~القائد والموكب. وسألتها وأنا أتوقع أن يتفجر منها ينبوع الضحك ولا يتوقف: ماذا يهم يا ~~حبيبتي أن أكترث أو لا أكترث، حتى عدم الاكتراث لن أكترث به، وقفت صامتة تتفرس في كأنها ~~تراني لأول مرة، ثم صرخت وأقبلت علي مسرعة كأنها تريد أن تطفئ نارا توشك أن تحرقني أو ~~تمنع عني صاعقة تمحقني: ولكن هذا هو الموت! # قلت في هدوء: وما الفرق بين أن يحيا كراتيس أو يموت؟ يحترق أو ينطفئ، يسكن أو يتحرك، يأكل ~~أو يجوع؟ # هتفت كأنها تنتشلني من تحت الأنقاض: أفهم ألا تكترث بالمدينة وطغاتها وناسها وكلابها، ~~أفهم أن الزمن تغير ولم يتغير شيء، أن الكلاب ما زالت تنبح وتعض وتتكالب حتى الموت، لكنك عشت ~~وقاسيت لكي يتغير شيء، ورضيت بأن أحيا معك وأن أتعلم منك، ماذا كنت تعلم ولماذا ولمن؟ قلت ~~بهدوء: عشت لكي يتغير شيء، لكن لم يتغير شيء، ما الفرق ms132 إذن أن أحيا أو أتمنى الموت؟ قالت ~~ممتعضة: تسألني ما الفرق؟ تريد أن أعيش مع ميت؟ قلت ضاحكا وأنا أمد ذراعي إليها: ميت لم ~~يدفن بعد، يكفيني أنك حية ! # قالت وهي تهز رأسها الجميل الصغير: لا لن أغفر لك هذا اليأس، ثم فجأة كأن الحقيقة تجلت ~~أمام عينيها: لم لا تكتب؟! # قلت بهدوء: كتبت كثيرا، لم يتغير شيء، جاء زمان ذهب زمان لم يتغير شيء. # قالت وهي تفتش بين ركام الأوراق والأقلام والمحابر وألواح البرجامون والبردي: اكتب لزمان ~~آخر للأجيال الأخرى، أين أشعارك؟ ~~- نسيتها، لم يبق منها غير نعيي لنفسي! ~~- ومسرحياتك؟ ألم تؤلف المآسي في شبابك؟ ~~- وأهملها المحكمون في المهرجانات الأوليمية. ~~- وأين رسائلك؟ ~~- تلك التي قلدت فيها أفلاطون؟ أحرقتها قبل أن أرسلها لأصحابها! # قالت فجأة وهي تقترب مني وتمسك بيدي: افعل أي شيء، اكتب وصيتك! ضحكت وأنا أضمها إلى صدري ~~وأمر بكفي على وجهها الجميل الذابل: بماذا أوصي ولمن؟ لك وأنت لا تريدين أن تملكي شيئا لكي ~~لا يملكك شيء؟ أم لبازيكليس الذي ذهب ولا ندري إن كان سيرجع؟ أراحت رأسها الجميل على كتفي ~~وقالت: اكتب هذا في الوصية، قل لم تملك شيئا كي لا يملكك شيء، تحررت من كل شيء كي يتحرر ~~غيرك، تعريت وجعت كأبأس كلب كي لا يبقى إنسان حولك مثل الكلب! # قربت فمها من فمي وقبلتها قبلة ذكرني دفؤها بأيام الشباب: وأني قبلتك وختمت بذلك وصيتي! ~~••• # تعال ولا تتردد، لم تتوقف عند الباب ولا تدخل؟ ابرز من وراء الشجر أو اهبط كملاك أو حط ~~علي كجناح غراب أو نسر أسود، ألم تصدق أن الأبواب فتحت دائما في وجهي، وأن بابي لم ~~يغلق في وجه أحد؟ أنت يا من كنت أشعر به يتبع خطواتي، وأحس أن ظله يلاحق ظلي، كيف أغلق ~~بابي في وجهك؟ ~~••• # لم أستطع أن أكتب الوصية، وبماذا أوصي ولمن؟ أليست حياتي هي وصيتي؟ ألا يكفيك أنني عشت ~~وأحببت وتعاطفت وأعطيت ولم أغلق باب الكوخ ولا باب القلب؟ ألا يكفي أن تكون هيبارخيا قد ~~ختمتها ms133 بقبلة لم تغب حلاوتها عن شفتي؟ أليست هذه هي وصيتنا لابننا الغائب الذي جرفه الإعصار ~~وذهب ولا ندري إن كان سيرجع؟ ألا تصلح لكل الأبناء وتغني عن كل الوصايا ؟! ~~••• # تعال ولا تتردد، قلت إنني على استعداد للقائك، كنت دائما على أتم استعداد، لا تريد أن ~~تدخل الآن؟ تريد أن تفاجئ وتباغت كعادتك؟! ليكن هذا لك، فيوما ستأتي وسأكون أنا وهيبارخيا ~~في انتظارك، لكن أرجوك ألا تخطئ، أرجوك أن تبدأ بالمسخ القبيح والأحدب الحزين، بالكلبي ~~الذي أراد أن يحول الكلاب إلى بشر، أن ينهي عصر الكلب ليبدأ عصر الإنسان، وإذا كان الزمن ~~قد تغير دون أن يتغير الناس، فربما أكون قد تغيرت قليلا قبل حضورك وربما أنجح في تغيير ~~إنسان يسمع عني أو يقرأ وصيتي التي عشتها ولم أكتبها، وصيتي التي بدأتها هيبارخيا بقبلة ~~وختمتها بقبلة. ~~••• # وتذكر يا صديقي أنني إذا كنت قد فشلت فقد حاولت وحاولت، واذكر حتى لا تخطئ هدفك أنني ~~كراتيس ابن أسكونداس ووالد بازيكليس، الكلبي المشهور في زمانه باسم المسخ القبيح والأحدب ~~الحزين، الذي عاش في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد، وازدهر وبلغ الشهرة ~~الزائلة في المهرجان الأوليمبي الثالث عشر بعد المائة عندما بلغ من عمره الأربعين، والذي ~~ينتظرك الآن وقد جاوز السبعين. # | دموع البلياتشو # 1 # وهو خارج من الباب الجانبي لوزارة المالية تذكر أمرين لم يدر كيف شغلته عنهما ~~الحسابات وكشوف المرتبات ومراجعة الأعداد والأرقام: السؤال عن مصير طلب النقل الذي سلمه ~~لرئيسه الأستاذ محمود عبد المعين راجيا الموافقة على تحويله بدرجته الوظيفية للعمل ~~بالسيرك القومي، والحلم الذي رآه ليلة الأمس وما زال يتذكر، برغم الصور والأصوات ~~المشوشة التي أخذت تفر منه هاربة كصور السينما الصامتة التي كان يعشق منها أفلام شارلي ~~شابلن وغيره من المضحكين والمهرجين، كيف تجلى له وجه أبيه كالبدر وراح يسأل عنه وعن ~~أولاده ويوصيه بصوته المتهدج الحنون وصايا كثيرة، لم يبق منها إلا الحروف التي تنطق باسم ~~بدر. واجهته ضوضاء الشارع الذي يقطعه كل يوم في طريقه على محطة ms134 الأتوبيس، والفوضى التي ~~تصب كل شيء يراه أو يسمعه في بحرها الجهنمي المضطرب: نداءات باعة الليمون والبصل ~~والخضروات والفاكهة والروبابيكيا، الأصوات العالية التي لا تخلو أبدا من البذاءة، ضجيج ~~أجهزة التخلف والغباء - كما كان يحلو له أن يسميها - التي تتقاطع وتتصادم بالأخبار ~~والضحكات والشتائم والأغاني الهابطة ومباريات الكرة وحنجرة أم كلثوم الذهبية، ثم هذا ~~الملل والضجر الفظيع الذي يخيم على الأرض والسماء والتعاسة التي تسيل أنهارا من عيون ~~الأطفال العائدين من مدارسهم ومن عيون الكلاب العجفاء الجائعة التي يطاردونها بالحجارة، ~~توقف عند بائع الخضر والفاكهة الذي يعرفه ويألفه منذ سنين، وتدخلت بينه وبينه صورة الأب ~~الذي رآه في الحلم وبدأت تتضح له الآن بالتدريج فلم يدر إلا والبائع يضع في يده وعلى ~~ذراعه كيسين لم يعرف بماذا ملأهما ويده التي بقيت حرة تمتد إلى جيبه وتنقده الثمن الذي ~~طلبه. # وحمل الكيسين في يد وضم الأخرى على الأهرام وبعض الأوراق التي تتطلب المراجعة في ~~البيت، وسار في طريقه المعتاد وصورة أبيه وحديثه يشغلانه عن كل ما حوله ومن حوله، تذكر ~~أنه هتف به فرحا لا يصدق: أبي؟ ~~- كيف حالك يا بني وكيف حال بدر؟ ~~- بخير يا أبي يقبلان يديك وعينيك. # تذكر أنه سأل نفسه في الحلم إن كان يعني ابنه بدرا أم يقصد البلياتشو الذي اشتراه له ~~وهو صغير ولم يزل يحتفظ به ويتطلع لوجهه المضحك كل يوم، ولم تطل حيرته كثيرا حين تغير ~~صوت أبيه وأدرك فجأة أنه تركه طفلا صغيرا يذهب إلى المدرسة الابتدائية بالمريلة ~~الصفراء والشريط الأحمر المعقود على صدره. ~~- أقول لك بدر فتقول يقبلان يدي؟ هل أصبحتم تخلطون بين المفرد والمثنى؟ هل فسد ~~التعليم إلى هذا الحد؟ # قال له مكررا أسفه: معذرة يا أبي، نسيت أن الزمن لم يتوقف وأن الدنيا تغيرت. # قاطعه أبوه محتدا: ما هذا الكلام السخيف عن الزمن والدنيا؟ أسألك عن بدر فتحكي لي ~~حكاية؟ ألم أحذرك مرارا من الثرثرة؟ # ضحك وحاول أن يسترضيه: معك الحق يا أبي، لقد كبرت وتزوجت وعندي الآن بدر ms135 وعائشة. # قال أبوه وقد انفرجت أساريره وبان الرضا في صوته الهادئ: وسميت ابنك على اسمه؟ لم ~~تخيب أملي فيك يا بني، أوصيك أن تأخذ بالك منهما. # قال منشرح الصدر كأنما يغمره النور الذي سطع من وجه أبيه: هما في عيني يا أبي هما ~~النور الذي أرى به والبدر الذي يضيء الدنيا المظلمة من حولي. # قاطعه الأب وهتف مرة أخرى محتدا: رجعت إلى الثرثرة وأنسيتني أن أسألك عن أمك، خل ~~بالك منها يا ولدي. # رد عليه وهو يحاول أن يكتم ضحكة: أمي تعيش أنت يا أبي من مدة طويلة، ولا بد أن وجهه ~~وصوته تغيرا في تلك اللحظة وسادهما الوجوم والصمت، ولكن صورة الحلم فرت منه هاربة عندما ~~أبصر رقم الأتوبيس الذي ينتظره فلم يذكر عندما قفز على سلالمه وأخذ يشق الزحام لينفذ ~~منه جسده النحيل الطويل المحدودب سوى صوت أبيه الذي يكرر عليه وصيته: خذ بالك من بدر يا ~~ولدي، خذ بالك منه. # 2 # وجد نفسه في حلم آخر لا يصدق عندما أحس بيد تشده من ذراعه وصوت عابث يناديه: يا عبد ~~الرحيم، يا رحيم. # التفت إلى مصدر الصوت الذي شق مثله الزحام، وربما عثر مثله بالحظ أو الصدفة على موضع ~~قدم يقف فيه، وتكرر النداء بنفس اللهجة الساخرة المستهترة التي اتضحت الآن وبدأت تذكره ~~بصاحبها. ~~- يا رحيم، يا رحومة، يا أخي رد علي وتعال اقعد مكاني. أخيرا وقعت عينه عليه بعد ~~محاولات يائسة للنفاذ من ثلاثة أجساد تراصت وراءه ظهره كسد آدمي منيع. استأذن الجميع ~~مرات ومرات حتى أفسحوا له حيزا يسع قامته النحيلة المشدودة ولا يفعص حبات الفاكهة ~~والخضر في الكيسين اللذين يحملهما عن صدره كرضيعين صغيرين، وجذبته يد قوية للجلوس في ~~المكان الذي أخلاه صاحبه الذي لم يكف عن إطلاق ضجته المرحة الصاخبة: طول عمرك محظوظ، ~~تعالى مكاني. # قال بعد أن تعرف على ملامح زميله الأستاذ وحيد السايح ورأسه الأصلع المدور الملتصق ~~برقبة غليظة وجسد قصير مفتول كأجساد المصارعين: وأنت دائما ابن حظ. أراد أن يلطف من ms136 ~~وقع العاصفة التي أوشك زميله أن يثيرها، وأن يقول له بصوته الهادئ الخجول وإن من جاور ~~السعيد يسعد، عندما فاجأه بضحكة مفرقعة ومد بوزه في أذنه ليقول بصوت خشي أن يكون أحد قد ~~سمعه: من البار للغرزة ومن الغرزة للبار، خلي الجد ينفعك. # هتف به عبد الرحيم وهو يحشر نفسه في المقعد: الجد؟ الله يسامحك. # زعق القصير السمين بعد أن نجح في الوصول إلى باب النزول: سلم لي على بدر! بدأ ~~يستجمع أنفاسه اللاهثة لاستقبال الصور الجديدة التي راحت تزحف عليه وتحتشد في خياله ~~مزاحمة صور الحلم الذي جمعه مع أبيه بعد سنوات طوال من الغياب، وها هو الزميل القصير ~~السمين يفرض نفسه عليه ويضج صوته في أذنيه حتى بعد نزوله من الأوتوبيس، يا له من إنسان ~~غريب: كم التقى به في المكتب أو في الطريق، وكم هرب من دعواته المتكررة لقضاء سهرة حمراء ~~معه أو حتى سوداء، وهو فيما يدعي وما يرويه عنه الزملاء شاعر ومجدد أيضا على الرغم من ~~أن شكله وصوته وحركاته بريئة من كل الصور التي احتفظ بها في ذهنه وذاكرته عن الشعر ~~والشعراء المرضى والحالمين الذين زاملهم أو عرفهم أو سمع عنهم في حياته. قال له وحيد ~~السايح يوما وهو يتدحرج بجواره مثل الكرة الضخمة السوداء التي رأى اللاعب القوي البارع ~~في السيرك يرفعها من الأرض وينقلها بين يديه وذراعيه وكتفيه كأنها كرة من المطاط: أكثر ~~ما يعجبني فيك يا رحيم أنك إنسان بغير طموح. # ضحك عبد الرحيم بصوت مرتفع على غير عادته: وأكثر ما يعجبني فيك أنك وحيد وسايح أيضا. # وقف وحيد فجأة واحتدت لهجته وهو يسأله: تقصد أنه أكثر ما يغيظك في، أن تتصور مثل ~~معظم الزملاء أنني اسم على مسمى؛ سائح في أرجاء الأرض وسماء الشعر مع بنات الهوى وعرائس ~~الخيال، ألم تسأل نفسك أو يسأل أحد منكم ... # قال عبد الرحيم وهو ينظر من أعلى إلى الشاعر الذي يكاد رأسه لا يبلغ كتفيه: ولماذا ~~تسأل؟ يا أخي أنت حر في نفسك. # اندفع ms137 وحيد قائلا: كلامك عن الحرية يثبت عكس ما تقوله دائما. # مال عبد الرحيم برأسه ورمقه بنظرة باسمة: وماذا أقوله أو أفعله دائما؟ قال وحيد: ~~إن طموحك الوحيد هو عدم الطموح، يا أخي، هل يرضيك الواقع الذي نعيش فيه كالموتى؟ ألم ~~تفكر لحظة في تغييره؟ ألم ... # ارتفعت ضحكة عبد الرحيم: البركة فيكم يا شعراء، أم أقول يا زعماء ويا ... قاطعه وحيد ~~غاضبا: ألم يخطر ببالك أن تقرأ شعرا؟ ألم تحركك القصائد التي قرأتها علي يوم أخذتك ~~غصبا عنك إلى المقهى الذي أجلس فيه مع أصدقائي؟ # اتسع فم عبد الرحيم بابتسامة عريضة هبطت على صاحبه القصير كحجر ينزل من فوق الجبل: ~~أجل حركتني نحو عدم الحركة، أقنعتني بأن يكون طموحي الوحيد هو عدم الطموح. # صاح وحيد يائسا دون أن يشعر أنه يسدد إليه سهما جارحا: يا أخي ألا تحس؟ ألا ~~تفكر؟ ألا تقرأ؟ # تتطلع عبد الرحيم أمامه وقال كأنه يكلم نفسه: عندي مكتبة كاملة، ولكن كل كتبها في ~~موضوع واحد، التهريج والمهرجين. # توقف وحيد عن السير، نظر في الوجه الصارم الذي بدا له كوجه نسر عجوز أو غراب صامت: غير ~~معقول، لا أصدق، أنت عبد الرحيم الصامت الجاد على الدوام تحب التهريج، قال عبد الرحيم دون ~~أن يلتفت إليه: ولا يفوتني عرض واحد للسيرك، هل تعلم أنني أذهب أساسا للفرجة على ~~البلياتشو؟ أقصد ... # قال وحيد الذي لم يخف ذهوله: صحيح من لا يعرفك يجهلك، من يصدق أنك ... قاطعه عبد ~~الرحيم: لو قرأت عن المضحكين العظام لعرفت أنهم كانوا أكثر الناس في عصرهم حزنا وجدية، ~~أنت سيد العارفين ولا أريد أن أستعرض أمامك أسماء المضحكين من أرسطوفان إلى جحا ~~والكسار، ولا أريد أن أصدع دماغك عن ألعاب السيرك وأشكال التهريج والمهرجين عند ~~البابليين والصينيين والمصريين القدماء، لن يغيب عنك أنهم جميعا يضحكون ويضحكون ~~والدموع تتساقط في قلوبهم أو من عيونهم، وبعضهم كان يحتضر بينما ... # قال وحيد مؤمنا على كلامه: مفهوم مفهوم، هل فكرت أنهم كانوا يضحكون الناس على ~~أنفسهم وواقعهم، هل خطر لك ms138 أنهم ثوار عظام وأن ضحكاتهم لا تزال تتردد عالية من فوق ~~رماد حضاراتهم التي بادت أو التي في سبيلها للفناء؟ # أطلق عبد الرحيم ضحكة عالية وهو يمد يده لزميله: رجعت لطموحك يا صاحبي، وأنا مجرد ~~إنسان يريد أن يعيش مستورا ويستر طفليه، سأتركك لتغيير العالم وألحق أنا بالأوتوبيس، ~~أنت لا تعلم أن البلياتشو في انتظاري! # وقف وحيد في ذلك اليوم وقفة تمثال حجري على الرصيف المزدحم بالناس، وربما قال لنفسه ~~وهو يرى عبد الرحيم ينحشر في الأوتوبيس مستسلما لقدره اليومي: كيف يخرج منك كل هذا؟ لا، ~~لا أصدق، ولكن الشيء المؤكد أنه هتف بزميله المعلق على سلم الأوتوبيس: سلم لي على ~~البلياتشو، لا تنس يا عبد الرحيم! # 3 # نزل من الأوتوبيس في حي زينهم، واتجه مع قرطاسيه إلى شقته في المساكن الشعبية التي يعيش ~~فيها مع زوجته الطيبة الراضية زينب وطفليه بدر وعائشة، وطالعته المناظر التي اعتادتها ~~عيناه وأذناه ومسام جلده كل يوم: المساكن المتهرئة المباني القبيحة المداخل والمخارج ~~والجدران والسطوح، والبلكونات المزدحمة بأقفاص الدجاج وقطع الأثاث البالية والأطفال شبه ~~العراة الذين يطلون منها ولا يكفون عن النداء والصياح، عشش الصفيح والجريد العشوائية ~~التي تحيط بها من كل جانب، جبال القمامة المتناثرة التي تزكم الأنوف بروائحها العفنة، ~~عيون الأطفال والكلاب السارحة التي تسيل منها الأحزان، المجاري الطافحة والمياه العكرة ~~المتدفقة من حنفية لم يستطع الزمن نفسه إصلاحها، صرخات الراديو والكاسيتات التي تتصادم ~~وتتلاطم وتسمم الروح والأذن بدويها وإسفافها، والملل الملل الملل المخيم على كل شيء ~~كسحابة كثيفة معلقة فوق المكان ومنذرة بكوارث الزمان، وهو ينظر كل شيء ويسمع كل إنسان ~~ويمني نفسه بالنور الوحيد في حياته الذي سيشع عليه بعد قليل من وجه البلياتشو بدر ووجه ~~ابنه الشقي الصغير الذي سماه على اسمه. ومع أنه - لطول يأسه أو لانعدام طموحه كما ~~اتهمه زميله - قد أصبح مع مرور الأيام وتجاوزه للخمسين من عمره لا يعيش إلا كما يعيش ~~الحي الميت أو الميت الحي، ولا يفكر إلا في الستر وصلاح الأحوال، فقد ms139 ألحت عليه فكرة ~~النقل من وظيفته العتيدة كمحاسب دبلوم تجارة وكأنها هي الأمل الوحيد فيما بقي له من ~~أيام على وجه الدنيا الكئيب. هل يحرم أيضا من هذا الأمل الذي تحييه في نفسه ابتسامة ~~البلياتشو كل يوم مع صيحات ابنه بدر في الضحك والبكاء؟ أم يطيح به طاغية الروتين والعفن ~~الذي مكن لكل الطغاة أو مكنوا له لا يدري على وجه التحديد؟ لم تبق إلا خطوات ويصعد ~~السلالم الحجرية المتآكلة إلى شقته في الدور الثالث من الوحدة السكنية رقم ثلاثة ويندفع ~~كعادته كل يوم ليطالع النور المشرق من وجه بدر الخزفي ووجه بدر العفريت، لكن طلب النقل ~~يلح عليه ومعه الأمل الممزوج باليأس كما تختلط الخيوط السوداء بنسيج الكتان الناصع ~~البياض. # قال له رئيسه الأستاذ عبد المعين بعد أن قرأ الطلب ونظر في عينيه ووجهه الطويل ~~المستكين: وتريد أن تتركنا يا عبد الرحيم بعد العشرة الطويلة؟ غمغم دون أن يرفع رأسه ~~خشية أن يرى رئيسه الحزن في عينيه: العشرة لا تهون إلا على الكافر يا أستاذ عبد المعين، ~~لكن ... # سأله عبد المعين: لكن عشرة الأسود والنمور والدببة والخيول أعز عليك من عشرتنا؟ تشجع ~~ورفع رأسه وهتف متوسلا: أستغفر الله يا ريس، ولكن عشرة ... أرجوك لا تضحك علي ولا تسئ ~~فهمي. # مد عبد المعين رأسه وقرب منه أذنه اليسرى كأنه يطلب منه أن يهمس فيها بالسر الخطير: ~~ولكن عشرة من يا عبد الرحيم؟ # هتف بصوت ارتفع مما قدر له فبان عليه الخجل: عشرة البلياتشو والمهرجين يا حضرة ~~الباشكاتب، إنها لو علمت عشرة طويلة جدا. # ابتسم عبد المعين وكأنه يستمع إلى طفل أو مراهق تجاوز الخمسين ولم يبلغ مع ذلك سن ~~الرشد: سبحان الله! وهل ولدت في سيرك؟ # قاطعه عبد الرحيم وفي صوته ضراعة بأن يعذره ويقدر حالته: بل نشأت يا سيادة الرئيس وفي دمي حب السيرك، كان أبي رحمه الله ... # نظر الأستاذ عبد المعين في وجهه ثم في الأوراق المكدسة على مكتبه وقاطعه بلهجة حازمة ~~قبل أن يبدأ في رواية سيرة ms140 حياته: ما دامت هذه هي رغبتك فسوف أحول الطلب من عيني إلى ~~المدير ومعه التأشيرة اللازمة، المشكلة كما تعلم هي أن يجدوا لك درجة عندهم. وأشار ~~بيده قبل أن يفتح عبد الرحيم فمه وقال: ولا تنس أنك تطلب النقل من وزارة إلى وزارة ~~أخرى، ثم إن سبب النقل غير مقنع تماما. # تمتم عبد الرحيم: يكفيني أن سعادتك مقتنع وتقدر. # قال عبد المعين بلهجة قاطعة لينهي المقابلة: مقتنع؟ لا، ولكن يمكن أن أقدر رغبتك في ~~الحياة والعمل بالسيرك (ثم ضاحكا ضحكة صافية) مع أنك رجل طيب وعاقل ورزين. # حاول عبد الرحيم أن يشاركه الضحك، وأخرج الكلمات من صدره كأنه يتخلص من غصة، لا حيلة ~~له فيها: ولكنه الأمل الوحيد في حياتي يا سيادة الرئيس. # مد عبد المعين ذراعه فسلم عليه ويده ترتجف، ولم يقل كلمة واحدة تنقذه من ارتباكه وهو ~~يلمح الابتسامة المشفقة على وجهه وفي عينيه. # 4 # وقف أمام الباب وهو يحس بالدوار والإرهاق والسأم، وأصداء حديثه مع زميله وحيد وصور ~~الحلم الذي رأى فيه أباه وكلمة لا تزال تتخبط في دماغه وعروقه كالوطاويط في غرفة مظلمة، ~~أو الأسماك المرتعشة التي تهرب من شبكة الصياد لترجع إلى البحر، والتقط أنفاسه وهو يلعن ~~الضغط وسنينه ويعد نفسه بالنور الطالع من وجه البلياتشو بدر ومن وجه ابنه وكأنه البلسم ~~الذي سيداوي قروح الجلد المحترق أو جرعة الماء الزلال التي ستطفئ نيران العطش. ودق ~~الجرس ففتح الباب وكأن زينب كانت في انتظاره بالقرب منه. وضع القرطاسين على صدرها وهو ~~يتنفس الصعداء ويربت على كتفها بحنان كما اعتاد كل يوم، وحانت منه التفاتة إليها فهاله ~~اصفرار وجهها الأبيض المستدير وغياب الدم عنه، ولم يغب عنه كذلك أن يلاحظ ارتباكها ~~وارتجاف يديها فسألها منزعجا: خير يا زينب، خير إن شاء الله. # وقبل أن يتجه إلى الصالة ويفتح باب البوفيه الزجاجي ليملأ عينيه من وجه البلياتشو، ثم ~~يسأل عن بدر وشقاوته طول اليوم كما اعتاد أن يفعل طوال سنوات تعلمت فيها الصبر على ~~تصرفاته ومواجهتها بحلم ms141 الزوجة التي فجرت فيها العشرة ينابيع الأمومة نحو زوجها وطفلها ~~الكبير، قبل أن يفعل ذلك أمسكت بيده وأخذته على جنب وهي تحاول أن تتكلم فتسبقها ~~النهنهة والدموع المتساقطة كزخات المطر: امسك أعصابك يا عبد الرحيم. # هتف منزعجا: ما لك؟ ماذا حدث؟ # جففت خديها وقالت: بدر، ابنك بدر. # زاد انزعاجه حتى كاد البركان يفجر حممه: ما له بدر؟ كفى الله الشر. أمسكت يده بعد ~~أن وضعت القرطاسين على مائدة المطبخ ومسحت صدره باليد الأخرى قائلة: اطمئن، اهدأ ~~واطمئن، بدر بخير. قفل على نفسه الباب مع أخته خوفا منك. # استصرخها نافد الصبر: يا شيخة تكلمي، ولماذا يخاف هو أو أخته مني؟ # ضغطت على يده وسحبته من ذراعه في اتجاه الصالة وهي تتمتم بشظايا كلمات مهشمة: قلت لك ~~اهدأ أولا، اهدأ حتى أحكي لك. صاح غاضبا: تحكي لي، هل هو مسلسل من إياهم أم عرض في ~~السيرك؟ وقالت وهي تغتصب ضحكة خافتة كالغصة من شفتيها: السيرك، برافو عليك ومضت في ~~ذهنه فكرة كالبرق فهتف: بدر هل حدث له شيء؟ # وضعت في صوتها كل الحنان الذي تعوده منها، وقالت: العوض على الله، أصبح خمسين حتة. ~~وقبل أن يجد فرصة لإطلاق صرخاته وتفجير بركانه الذي كانت تعرف دائما كيف تقابله بالصمت ~~والتسامح. شعر بها تخلص يدها من يده وتشير إلى الأرض حيث تجمعت كومة شظايا ملونة وشقف ~~خزفية متناثرة على فوطة مفروشة بعناية على بلاط الصالة. قلب عينيه بين وجهها وبين ~~الكومة الملقاة على الأرض كبقايا عصر قديم أو آثار حضارة دمرها البرابرة، ويبدو أنه بذل ~~جهد وحش داهمته السهام والحراب وطلقات الرصاص وهو في زنزانته، فأخذ يحتمي بقضبانها ويسند ~~جسده المثخن بالجراح على جدرانها، ولا بد أنه نجح في محاصرة عذابه أو نجح عذابه في ~~إسكات غيظه فانحنى على الكومة الصغيرة وراح يقلب شظاياها في صمت كما يقلب الأب أشلاء ~~ولده الذي دهسه قطار حديدي أو انفجرت فيه قنبلة طائشة. كل ما فعله أنه مد يده المرتجفة ~~فأشاح كفها التي راحت ترتب عظام حدبته ms142 البارزة، ولعله لم يسمع كلماتها المتدفقة في غير ~~نظام: عوضك وعوضنا على الله، كنت في المطبخ ولم أشعر بعبثهما في البوفيه، تصور أنهما ~~رصا كرسيين فوق بعضهما ليطولا التمثال؟ وأفقت على صوت الارتطام بالبلاط، كأنها قنبلة ~~دوت في بيتنا صرخت وجريت وطلعت العفاريت من عيني، وأخذت ألم الكسر والقطع المبعثرة ~~وألعن الشقيين في كل كتاب، وقفا ورائي مذعورين ثم انطلقا كالفأرين المذنبين إلى حجرة ~~نومهما. # نصب طوله كشيخ مهدود وهو يحتضن الشظايا المكومة في الفوطة على صدره ومشى في صمت إلى ~~حجرته والغريب، وهذا شيء لن تنساه أنه ثبت عينيه في وجهها الطيب وهمس: اطلعي للأولاد ~~لا بد أنهما ميتان من الجوع، سأدخل حجرتي وأحاول أن ألحمه، لا تنسي زجاجة الصمغ معك. ~~وفتح باب الحجرة وأغلقها عليه دون أن يرى إشراقة وجهها بعد البرق والرعد والعاصفة. # 5 # لو أعثر على الفم والابتسامة التي تلوح شمسها الصغيرة منه، لو تسلم لي عين واحدة ~~بضحكتها أو حتى بدموعها. هكذا أخذ يكلم نفسه وهو يفحص بقايا التمثال الخزفي قطعة قطعة ~~ويقلبها بين يديه، الشظايا المهشمة الأطراف والزوايا متناثرة أمامه، والأصفر والأزرق ~~والأحمر الفاقع والبني المبرقش متداخلة في بعضها كبقايا حطام سفينة تختلج الأمواج ~~الزرقاء والخضراء والداكنة من فوقها وتحتها، ما أقسى الخراب الذي يدمر في لحظة خاطفة ~~حياة كاملة مفعمة بالذكريات والآلام والخيبات والأماني والأحلام! لم تكن البقايا ~~المكونة أمامه مجرد شظايا تمثال عادي، مهما علت قيمته أو غلا ثمنه، كانت حطام ذكرى ~~عزيزة وأمل متجدد ومنارة صغيرة تنفذ أشعتها في بحر الظلمات الذي يهدده كل يوم بالغرق ~~والسقوط الأبدي أو بالخرس والجنون، هذه بقايا اليدين المفرودتين اللتين يلوح بهما ~~البلياتشو لجمهوره ويدعوه للضحك أو التصفيق، والذراعان أيضا موجودتان وإن كان الكتفان ~~المكشوفان اللذان لم تسترهما رقع الثوب المهلهل ما زالا متماسكين ويمكن لحمهما باليدين، ~~وأطراف السروال المتدلي إلى أعلى الساقين تختلط فيها الأحمر بالأصفر بالأزرق ولا تلتئم ~~بسهولة، أما السترة التي كانت تميته من الضحك بسبب ضيقها من أعلى الصدر وانتفاخها فوق ms143 ~~الكرش المتورم وأزرارها اللامعة المثبتة بتفاخر وغرور في القماش الناسل المتهرئ فقد ~~تفتت كأنما هرستها أقدام خيول تترية آشورية متوحشة. والأنف؟ هذا المتورم البارز وسط ~~الوجه كإصبع حلاوة حمراء تميت من الضحك قد انفلق نصفين مثل تينة شوكية ذابلة وملقاة في ~~التراب يستنكف النمل نفسه أن يلمسها، وآه للفم الواسع الملطخ بالبودرة والأسنان تلمع من ~~ورائه والعينان الضيقتان المغموسة رموشهما في الدقيق اللامعتان بظلال التعاسة ووهج ~~السعادة في آن واحد كيف يلمهما وأي ساحر يعيدها للضحك المنطلق من القلب؟ ولماذا تبقى ~~صور الذكريات دون أن تنكسر أو تتهشم أو تهوى في آبار النسيان؟ لماذا تتداعى علي وتعلن ~~عن حضورك يا أبي؟ # ما زلت أجري كالنملة الدائخة لألاحق خطواتك الواسعة، يدي كعصفورة صغيرة في يدك الخشنة ~~الطويلة الأصابع، ورأسي المدور العنيد يصل بالكاد إلى ركبتك. من أين أتيت بكل هذه ~~الحيوية والطلاقة في الخطوة واللسان، كأن كل خلية فيك تقرقر بالضحك الصافي بعد الصمت ~~الطويل الطويل، ونحن في طريقنا من أرض مشروع الري الذي تعمل فيه إلى خيام السيرك ~~المنصوبة في الخلاء المجاور؟ لقد بتنا الليلة في عيد متواصل بعد أن سمعنا دقات طبول ~~الموكب المعتاد الذي لف البلد وغمر الشوارع والحواري بدق الطبول وزعيق الأبواق وشقلبات ~~البلياتشو وألعاب الحاوي والبهلوانات ورقصات الفيلة والكلاب والخيول المكسوة بالحرير ~~المذهب والشراشيب التي تسلسل منها الأجراس النحاسية المجلوة كأنها العرائس في ليلة ~~الزفاف، وأسألك يا أبي وأنظر في عينيك المتسعتين من الدهشة والفرحة والانبهار أتحب سيرك ~~الحلو إلى هذا الحد يا أبي؟ وتجيب وأنت تتابع الألعاب وتصفق وتضحك كطفل عجوز: لأنني أحب ~~أن تتعلم منهم يا عبد الرحيم. وأسألك مندفعا: وأصبح مثلهم يا أبي؟ فتقول مسرعا ~~لتسكتني: المهم أن تتعلم الضحك من القلب وتصبح حرا وسعيدا مثلهم. وألح في السؤال: ~~وهل هم سعداء يا أبي؟ ويسحب عينيه من الوجوه الضامرة التي يطحنها الشقاء لأجل لقمة ~~العيش: ربك وحده هو الذي يعلم السعيد من الشقي، المهم أنهم أحرار. وأقول كأني أكلم ~~نفسي لانشغالك بمتابعة العروض ms144 والتصفيق والهتاف: ليتني أصبح مثلهم أدرب الأسد والنمر ~~وأركب ظهر الفيل والحصان! فتقول وأنت تشدني إلى جانبك: كان أبوك أشطر يا بني! المهم أن ~~تتعلم منهم كما قلت. تطلعت إلى وجهك الذي يتحول في ليالي السيرك إلى مصباح يشع بألوان ~~البهجة والرضا والتعجب التي تتقلب عليه أسرع من ألوان الطيف، وسمعتك تقول: الحياة لعبة ~~يا ولدي، والحر هو الذي يختار لعبته ويسعد بها، طبعا لا يكفي أن يسعد نفسه، الأهم أن ~~يسعد ويسعد غيره، انظر لهذا اللاعب في سقف الخيمة، لقد اختار اللعبة الخطرة وهو يعلم ~~أنه لو سقط انكسرت رقبته، لكنه سعيد لأنه يسعد جمهوره من الأطفال والنساء والعواجيز ~~والشبان. قلت لك بعد أن هدأت أنفاسي المتلاحقة من متابعة اللعبة الخطرة: البلياتشو ~~يعجبني أكثر، أحس يا أبي أنه أسعد الجميع. وتضحك قائلا: ربما لأنه أتعسهم يا ولدي! ~~هل ترى حماقاته المتكررة التي تجلب عليه الصفعات من كل ناحية؟ إنه أحكم الموجودين في ~~هذه الخيمة، وربما كان هو وأمثاله أكثر أبناء الأرض حرية على مر العصور. # لم يكن عمري يسمح بإدراك معاني كلماتك يا أبي، خيل إلي أنك تكلم نفسك وتنفض مواجع ~~قلبك، لكنني على الأقل أخذت عنك حب البلياتشو والانبهار بحركاته وسقطاته وآلامه وآهاته ~~وضحكاته الدامعة كأنين القرد المحزون، وعندما خرجنا في الاستراحة إلى الساحة المكشوفة ~~أمام الخيمة ورحنا نتفرج على سوق الهدايا والتحف والأواني والأقمشة والملابس والأدوات ~~المعروضة للبيع تهت بينها حتى عثرت علي متسمرا أمام تمثال خزفي صغير، وقفت بجانبي ~~وأحطت كتفي بيدك وسألتني: يعجبك هذا التمثال؟ قلت متضرعا: وأتمنى أن يبيت معي الليلة ~~يا أبي! تردد بصرك بين عيني المبهورتين وبين إشارات البهلوان المضحك الذي يصيح على ~~يانصيب البضائع المعروضة ويهول في أصلها وفصلها ووصولها خصيصا باسم الحلو الكبير من ~~أوروبا والهند والصين والبلاد التي تركب الأفيال. رأيتك تذهب إلى البهلوان المرتفع ~~الصوت وتأخذه على جنب وتشتبك معه في معركة طويلة بالكلمات والإشارات، ورجعت بوجه غاضب ~~وعلى حدبة ظهرك المنحني ثقل الدنيا كلها، وأخذتني من يدي ms145 وأنت تدمدم لاعنا الكفر ~~والكفرة والقلوب التي خلت من الرحمة. لم أفهم لماذا غضبت كل هذا الغضب وانصرفت عن ~~البهلوان الذي جرى ليلحق بك وراح يحلف الأيمان على صدقه وبراءته، مؤكدا أن كل شيء بأمر ~~الكبير، ولن يدخل جيبه مليم، كنت تشدني من ذراعي ورأسي وقلبي مع البلياتشو العجيب الذي ~~بدا إلي أنه يواصل حركاته وحركاته ولا يعلم شيئا عما فعله بي، كذلك لم أعلم شيئا عما ~~ستفعله حتى يبيت البلياتشو في حضني بعد ليلتين لم ينقطع فيهما بكائي وإلحاحي عليك، أجل ~~لم يعرف ابنك الغبي كم تعذبت وقاسيت حتى كشفت لي أمي السر وهي في مرضها الأخير بعد ذلك ~~بسنين وسنين. # طرقت زوجته الباب قبل أن تدخل وعلى وجهها ابتسامة خائفة وفي يدها صينية عليها فنجان ~~القهوة وزجاجة الصمغ. رفع وجهه من فوق الكومة التي انشقت عنها أكوام أصغر متراصة بجوار ~~بعضها مثل أكوام حصاد الهشيم، ولمحت عينيه المحمرتين، فأغلقت فمها الذي انفتح قليلا قبل ~~أن تتوقف الكلمات على بابه الصغير. قال لها في هدوء وبنغمة لم تخل من الدعابة: عمرك ~~أطول من عمري تغديت مع العيال؟ هزت رأسها لتطمئنه وعجزت عن تحريك الأصوات المتكسرة على ~~شفتيها كبقايا البلياتشو المطروحة أمام عينيها، ثم استدارت خارجة ومعها الصينية وأمارات ~~الأسى والأسف تغطي وجهها الصغير المستدير، بينما كان هو يقلب الشقفات المبعثرة وهو ~~يقول: لو أعثر على الفم والابتسامة التي تشع منه! لو تسلم لي عين واحدة بضحكتها أو حتى ~~بدموعها! # 6 # يرحمك الله يا أمي رحمة واسعة! لولاك - وأنت في مرضك الأخير - ما عرفت كم تعذب أبي ~~وشقي وتعب وأراق ماء وجهه أمام القريب والبعيد ومد يده للصغير والكبير. لا، لا، لم ~~يكن كل هذا العناء من أجل تمثال صغير يمكن أن ينكسر في أي لحظة، فها أنا أدرك الآن ~~أمام حطامك المبعثر أنها كانت وصية الأب الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئا يوصي به: ~~حاول أن تضحك يا ولدي في بلد كتب عليه النكد والغم. # كنت يا أمي ms146 الحبيبة قد صارعت الروماتيزم طويلا حتى صرعك، ألزمك السرير المعدني ~~الصغير في الحجرة الخشبية الضيقة التي أعددتها حسب طلبك في ركن مكنون من الصالة، أنت ~~التي لا تهمدين من العمل في المطبخ والغسيل وحمل الأولاد ، رغم إلحاح زينب عليك أن ~~تستريحي، قد هزمك المرض واستقر وحشه الجليدي في أعضائك وأطرافك وعروقك حتى ورم رجليك ~~وأسر الطبيب إلي: هي أيام وينتهي كل شيء ورم القدمين من القلب، تشجع يا أخي واستعد. # وفي ليلة وأنا أقرأ كعادتي وأتطلع من حين إلى حين إلى وجه البلياتشو الذي يلمع خلف ~~زجاج البوفيه سمعتك تنادين، أسرعت زينب إليك حاملة عشاءك الخفيف مع الدواء فطلبت منها ~~أن تناديني، وحين حضرت وعلى فمي الابتسامة، وخيرا إن شاء الله وجدتك تربتين بيدك ~~المتورمة الأصابع على كتف زينب وتهمسين لحظة في أذنها فتتركنا وحدنا. # كنت أجلس على سريرك محاولا أن أحافظ على الابتسامة المذنبة العاجزة أمام القدمين ~~المتورمتين والأنفاس المتحشرجة وزجاجات الدواء وأقراصه وعلبه عندما سمعتك تقولين فات ~~الكثير ولم يبق إلا القليل. # قلت موسعا دائرة الابتسامة بقدر ما أستطيع: يعطيك طول العمر يا أمي، أنت بخير وكلنا، ~~أشرت بيدك إشارة قاطعة: قلت لم يبق إلا القليل يا بني، والعاقل من يترك وصيته. # ضحكت وأنا أمسح ظهر يدك بكفي وأرفعها إلى فمي: وصيتك في القلب والعين يا أمي. # أسرعت قائلة وأنت تسحبين يدك وتسددين السبابة في وجهي: هي وصية أبيك أيضا يا بني، ~~قلت مستدركا: فهمت فهمت يا أمي، بدر الصغير وبدر العجوز في عيني، وعيني زينب. قالت ~~محتدة بعض الشيء: ولكنك لا تعلم كل شيء يا بني، لا تعلم كل شيء وطلبت مني أن أقترب ~~وأفتح أذني، وتدفقت الكلمات من فمك كما تتدفق قطرات الماء الأخيرة من بئر زحف عليه ~~الجفاف: هل تذكر يوم ذهبت مع أبيك إلى السيرك لآخر مرة قبل وفاته؟ # هتفت: بالطبع يا أمي، وأذكر السوق التي اشترى منها بدر. # قالت: عمرك أطول من عمري، لكنك لا تدري كم تعب وسهر وداخ دوخة الكلاب حتى ms147 استطعت أن ~~تأخذ البلياتشو في حضنك بعدها بيومين، قلت بصوت الشاعر بالذنب لكي أريحها: لا يا أمي. ~~قالت مؤكدة: ولا نحن قلنا لك شيئا، نبهني أبوك ألا أفتح فمي بكلمة، ظل يكرر علي في ~~شهوره الأخيرة قبل أن تفاجئه السكتة: المهم أن يضحك كلما نظر في وجهه يا أم عبد الرحيم، ~~المهم أن يسعد به ولا يعرف شيئا عما قاسيناه. بقيت ساكتا بينما تحدق عيني في وجهها ~~ويتابع قلبي تموجات صدرها اللاهث، وما هي إلا لحظات تشهق فيها حتى تستأنف حديثها كقطار ~~عجوز يندفع بأقصى سرعة إلى محطته الأخيرة قبل أن ينفد منه الوقود: باختصار يا ولدي ~~أخفينا عنك كل شيء وصممنا على إخفائه طول العمر، حتى جاءني الليلة في المنام وأوصاني. # هتفت بغير وعي: أنت أيضا؟ # نظرت إلي مستفسرة فأسرعت أطمئنها: لا، لا شيء، أكملي يا أمي. # لمع في عينيها الشك لحظة، ولكن اللهاث ألح على صدرها فسعلت ووضعت يدها على قلبها كأنها ~~تسكت جرس إنذار وعادت تقول: # ربما تتذكر يا ولدي أنه أخذ البهلوان الذي لم يكف عن الصياح على اليانصيب على جنب ~~وارتفع صوتهما، وتلاحقت صيحات أبيك وإشاراته حتى كاد أن يفجر بركان غضبه فوق رأسه: خمسين ~~جنيه يا ظالم يا مفتري؟ خمسين جنيه ماهيتي في ثلاث سنين؟! والبهلوان يتضاءل وينكمش في ~~ردائه الفضفاض ويحلف بأغلظ الأيمان: أنا ظالم ومفتري يا عبد الرحيم؟ يخونك العيش والملح ~~والعشرة الطويلة يا أخي؟ الظالم والمفتري هو الكبير، اسأله بنفسك يا عبد الرحيم اسأله ~~وذكره بنفسك سيقول لك نفس الكلام. زأر أبوك وهو ينتفض من ساسه لراسه: كلامي معك أنت يا ~~عوضين والعيش والملح كان معك، الولد سيموت على البلياتشو وأنت تحكي الحواديت؟ ما لي أنا ~~وأوروبا وإيطاليا والشحن بالباخرة ومصانع الخزف الأصلي؟ قلت لك الولد متسمر أمام ~~التمثال هدية العمر لطفل صغير مثل ابنك تصرف أنت يا أخي، تصرف. # أقسم عوضين أن هذا هو السعر الذي حدده الكبير لكل التماثيل الخزف، للأسود والبهلوانات ~~والفيل أبي زلومة وسبع البحر، وكلها في ms148 اليانصيب لمن يدفع أكثر، هذه هي التعليمات وأنا ~~العبد المأمور. # هدأ أبوك قليلا وأخذ يعاتبه ويذكره بالعشرة القديمة، واتفق معه بحق العيش والملح ~~والأخوة أنه لن يزيد على الثلاثين قرشا واحدا، وأن الله وحده يعلم كيف سيتصرف في ~~المبلغ ويذوق المر في جمعه، وإذا كان الأعيان والبهوات يملكون المال والأطيان فهو الآن ~~موظف على قد الحال في المشروع، واتفق معه أن يحافظ له على البلياتشو مهما كانت الأحوال ~~وليضرب البهوات رءوسهم في الحائط أو في العز الذي يتمرغون فيه ليل نهار، ليشتروا التحف ~~الأخرى إذا أرادوا فلا تنقصهم التحف، المهم أن يكون البلياتشو في يد الولد وإلا قتلتك ~~يا عوضين، أنت تعرفني من زمان ولا داعي للكلام. # طيب الرجل خاطره ووعده خيرا، وانطلق أبوك كفرس الرهان في اليومين الباقيين على ~~اليانصيب يطرق أبواب المعارف والجيران والزملاء، لا أعلم حتى اليوم يا بني إن كان قد لجأ ~~إلى شقيقه الذي بقي له من الدنيا أو لم يلجأ إليه. كان أبوك كتوما كالجمل الحرون، تكفي ~~إشارة منه لكي أسكت إلى الأبد، وسمعت بعد ذلك من الكلام المتناثر هنا وهناك أنه لم يترك ~~أحدا لم يقترض منه، سهر وتعب ولف وداخ السبع دوخات. قبل كل الأعمال التي عرضت عليه في ~~السوق ووابور الطحين وحراسة المخازن طول الليل وتنقية دودة القطن وحمل الطوب والزلط ~~والأسمنت على ظهره النحيل، كنت ألاحظ الإرهاق على وجهه وغياب النفس عنه في الليل ~~والشعرات البيض التي زحفت على شعره والصمت الطويل الذي يرتفع جداره بيني وبينه كل يوم ~~ويتعذر علي النفاذ منه، تعب أبوك يا ولدي، تعب أبوك. # قلت مغتصبا ابتسامة باهتة: وأنا وبدر لا نحس ولا نشعر! # واصلت كلامها كأنها تشد حبلا أوشك أن ينقطع قبل أن تصل إلى بر الأمان: وفي اليوم ~~الموعود رسا اليانصيب عليه ونجحت حيلة عوضين، ربما تعمد اللعب بأوراقه فحجز الورقة ~~الخاصة بالبلياتشو في جيبه ولم يستطع أحد أن يكشف اللعبة، وربما تصرف تصرفا آخر لا ~~أدريه، المهم أنه جاء في يومها كالصياد ms149 الذي يحمل على ظهره غزالا يفوح منه المسك وهو ~~يهتف من الفرح: خالت اللعبة على الجميع يا أم عبد الرحيم، الولد عوضين أثبت أنه ولد شهم ~~وأن العشرة لا تهون، لو رأيت عيون البهوات والأعيان الزائغة وهي ترمق التمثال الذي وضعته ~~على صدري وأحتضنه بيد وسلمت الخمسين جنيها باليد الأخرى لعوضين! المهم أننا نجحنا يا ~~تفيدة وفاز بدر باليانصيب. # قلت له: وتعبك أنت يا عبد الرحيم؟ والبيت والولد وطلباته؟ هل نسيت أن المرتب لا يصل ~~إلى أربعة جنيها ... # قال منفجرا بالضحك كالبحر الذي يدفع أمواجه العالية لتنطح الصخور: تعب العمر يهون يا ~~أم عبد الرحيم، ماذا يساوي العمر أمام ضحكة بدر؟ اطلبي منه أن يحافظ عليه، علميه أنت ~~أيضا كيف يصونه ويكتفي بالنظر إليه كلما صحا من نومه، ما رأيك أن نسمي البلياتشو على ~~اسمه؟ قلت وأنا أضرب كفا بكف: بدر؟ نسميه بدر؟ # قال كأنه يرقص: ولم لا؟ المهم أن يلمع في سمائه على الدوام، المهم ألا تنطفئ كسمائي من ~~الكواكب والنجوم. # وفهمت الوصية يا أمي ونفذتها ووضعتها في عيني طول العمر، وعشت أصونها بعد رحيلك إلى ~~رحمة الله وقبل أن أرى أبي في المنام في نفس الليلة التي رأيته فيها، لكن كلماتك سرت في ~~دمي كالأشواك التي لا تتوقف عن الوخز بالأسئلة التي لا تريد أن تهدأ قبل أن تجد الجواب ~~رحت ألوم نفسي بعد أن غادرت غرفتك لتستريحي: كيف تركتك تتحمل كل هذا العذاب يا أبي؟ ~~وكيف غاب عني أن أعرفك وأسأل أمي عنك؟ آه فلأتركك الليلة يا أمي، وليأذن الله بلقاء ~~آخر فهو جل علاه الرحمن الرحيم الذي سميتماني على اسمه الكريم، وآه يا أبي ويا أمي لو ~~رأيتماني الآن وأمامي حطام بدر المسكين! # 7 # كان قد شرب فنجان القهوة حتى آخره ويئس - كما يقولون - حتى الثمالة من تجميع أشلاء ~~البلياتشو ولحمها بالصمغ، فبقيت متناثرة أمامه كأطلال بيت منهار، والذي زاد من يأسه أنه ~~لم يستطع أن ينقذ عينا واحدة من الوجه المهشم، وحتى عندما أفلح في ms150 لم الحاجب المقوس ~~والرموش الطويلة المعفرة بالبودرة والجفن الأبيض المدور لم تطل عليه ابتسامة ولا لمح ~~أثر دمعة واحدة من الدموع التي كان بريقها يخلب لبه كل صباح ومساء كلما تسلل إلى ~~البوفيه ليطمئن عليه، لم يحس بجوع ولا عطش، ولم يجد في نفسه رغبة في النوم ليغرق فيه ~~أحزانه الرائحة الغادية كالأطفال المشردين، لقد شعر بأنها تتضاعف مع كل نظرة إلى ~~الشظايا المحطمة أمام عينيه، ولا يدري كيف خطر على باله أن التمثال المهشم ليس إلا صورة ~~من أبيه الذي تعذب بسببه وربما ذهب كذلك ضحيته، وانهمرت عليه الأسئلة كالعقارب التي ~~يخرجها المطر من بين الشقوق. لم تكن تلك الأسئلة في الحقيقة جديدة عليه، فقد سبق أن ~~طرحها على أمه المسكينة وهو يعلم أنها على شفا النزع الأخير، يا لك من وحش غبي قاس يا ~~بدر! كيف لم ترحم أمك المريضة من تلك الأسئلة التي رحت تلقيها عليها كالمحقق العنيد ~~الذي ينتزع أطراف الاعتراف الأخير من إنسان يحتضر؟ هل تصورت أن عذابك بالإحساس بالذنب ~~نحو أبيك يمكن أن يبرر تعذيبك للعجوز الطريحة اللاهثة الأنفاس؟ وماذا كنت تنتظر من ~~الذاكرة المنطفئة والوعي الذاهل واللسان المتلعثم بفتات لا يشبع جوعك؟ # غابت شمس اليوم الذي تحدثت فيه بالحديث السابق مع أمك، وانطوى ليله وأنت مؤرق الجفنين ~~مشغول بالأسئلة التي راحت تلدغ جسدك وروحك ولم تتركك لحظة، ولم تطلع شمس اليوم التالي ~~وكان يوم جمعة لن تنساه! حتى أسرعت إلى حجرة أمك وعلى فمك ابتسامة المتظاهر ~~بالاطمئنان عليها بعد تناول الإفطار والدواء، نظرت إليك زينب وهي خارجة من عندها نظرة ~~أسف وتحذير، لكنك لم تأبه لها ولم تستطع أن تقاوم جنون السؤال: # أمي كلمتني أمس عن أبي، ولكني لم أعرف كل شيء. # ابتسمت بدورها وهي تتأوه وتطلب منك أن تسند ظهرها على المخدة: وهل عرفت أنا كل شيء ~~عنه يا بني؟ أبوك كان جملا كتوما كما قلت لك. # قلت محاولا أن تجرها في الكلام: # أرجوك يا أمي، من حقي أن أعرف كل شيء ms151 عن أبي. # قالت كالهاتف من شط آخر: الآن يا ولدي؟ ادع له بالرحمة والثواب، وادع لي وله يوم ~~اللقاء بوجه رب كريم. # قلت بعد أن طاف بصرك على ملامح الوجه المجهد والجبين المتغضن والعينين اللتين تضيقان ~~وتتسعان وتلمعان وتنطفئان: # لن أتعبك أبدا، سأسألك أنا وعليك أن تقولي نعم أو لا. # ضحكت ضحكة خافتة وقالت: العراف لا يعرف يا ولدي، اسأل يا حبيبي. # قلت: أعرف أن أبي لم يكمل تعليمه، كان جدي يرحمه الله يريد أن يصبح واعظا يشرفه في ~~البلد، ولكنه حفظ القرآن بقدرة قادر وسقط سنين في ابتدائية الأزهر، هل صحيح أنه رجع ~~خائبا للبلد وواجه أباه بالحقيقة؟ # فتحت فمها بابتسامة مغتصبة وتحسست ساقها وصدرها قبل أن تقول: # سمعت من الإشاعات أنه رجع للبلد فجأة من البندر، ووقف أمام أبيه كالجدي النافر الشرس ~~وقال: لا أريد أن أكمل تعليمي! أنا لا أصلح للوعظ، ولا يصلح لي. سأله الجبار: فماذا تريد ~~أن تكون يا فالح؟ # قاطعتها به بسرعة: الجبار؟ # قالت أسرع منه كأنها تقبض على صورة أو عبارة هاربة: نعم، جدك، كان الجميع يسمونه ~~الجبار. # رجعت إلى سؤالك: أكملي، أكملي، وماذا قاله له؟ # قالت ضاحكة: رد عليه وهو يتأهب لصفعة أو ركلة: أن أكون بلياتشو! زأر الجبار كأسد ~~يستعد للوثوب على المدرب الذي لسعه بالسوط: إذن فتوكل على الله واخرج من بيتي، لست ~~ابني ولا أعرفك حتى تتوب عما في دماغك. قلت لتخفف عنها عبء الكلام الذي كاد أن يتحول ~~إلى أنين: # وتصادف وجود السيرك في البلد في تلك الأيام، وانضم إليه وألبسوه ثياب البلياتشو، وراح ~~يقدم عروضا، ثم بحثوا عنه يوما فلم يجدوه، كان قد هرب مع الغازية وضاع في بلاد الله. # أغمضت عينيها وأطرقت برأسها وتمتمت مستغفرة داعية قبل أن تقول: العلم عند الله يا ~~ولدي، كان هذا قبل أن نتزوج ويرضى الله عليه وعلي. مددت ذراعك وأخذت تداعب خدها ~~وتربت على رأسها: وكنت حبه الأول والأخير. اطمئني فلن أسألك، لم يكن هو وحده الكتوم ~~كما تقولين. ولما ms152 لم تجد منها رغبة ولا قدرة على الكلام، ولما تجلى وجهها أمامك كأنه ~~شمس أشرقت فجأة بنور ربها وبالنور الطالع منها، رحت تتدفق بالثرثرة كالتلميذ الذي يسمع ~~درسا أمام معلم صبور وعطوف. # ورجع إلى البلد خائب الأمل دون أن يدري أحد ودون أن يفكر في أن يطرق باب البيت، أخذ ~~يتجول مع بعض أصحابه في العزب والكفور لإحياء الأفراح وحفلات الميلاد والطهور بتقديم ~~العروض الصغيرة المضحكة، وبعد شهور أو سنوات جاءت الإشاعة بأن المباحث تفتش عنه في كل ~~مكان، ثم جاء المرسال إلى بيت أبيه بأن يحضر للنقطة للتعرف عليه وسؤاله عنه قبل ترحيله ~~للمديرية، وزاد غضب الجبار وارتفع زئيره وأنكر أن له ابنا بهذا الاسم، وبعد ذلك ... # قالت أمه بعد أن استردت أنفاسها ومرت السحب التي غطت وجهها أثناء كلامك: زمان وراح يا ~~ولدي، زمان الله لا يرجعه، من يوم أن أغلق الباب علينا وعشنا تحت سقف واحد لم يذكر ~~اسم الإخوان ولا الشيوعيين. # سألت نفسك ذاهلا: الإخوان والشيوعيين؟ هذا شيء لم أسمع عنه من قبل، كل ما لملمته من ~~أخباره أن عم عبد الفضيل زاره في السجن الذي لم يبق فيه سوى شهرين، ثم أفرج عنه بحجة ~~اختلال عقله، أو ربما لعدم ثبوت أي تهمة عليه، وسمعت أمك تقول وهي تثبت عينيها في وجهك: ~~كانت نزوة شباب وراحت، كالغازية الله يسامحها قبل زواجنا، ورجع لعمله وقراءاته. # سألت متلهفا: قراءاته؟ هل ظل حريصا على القراءة يا أمي؟ # قالت كأنها تعتب عليك أيضا: طول الليل يا ولدي ... ثم وهي تبتسم: كأنه داء بالوراثة. ~~سألت بصوت لم يخل من الندم والاعتذار ولم تغب عنه اللهفة: وهل كان يكتب أيضا يا أمي؟ ~~ألم تلاحظي أنه كان يمسك القلم أحيانا ويسود صفحات بيضاء؟ # قالت كأنها تتمنى أن ترحمها من كثرة الكلام التي أتعبت قلبها: # لم ألاحظ يا بدر، إلا أنه ترك السيرك والتمثيل وسيرته وانصرف لعمله في المشروع، ~~أحيانا كنت أراه يقرأ أو يكتب طول الليل وأحذره من البرد وأحضر له البطانية ليغطي ms153 ~~ساقيه، وأذكره بأن يلبس الشراب في قدميه، لكن بعد حضورك للدنيا لم يعد يشغله إلا العمل ~~والجري علي وعليك، حتى أصحابه الذين كانوا يزوروننا أحيانا من جيراننا في المشروع، ~~كانوا يتندرون على استقامته وتفانيه في عمله وإخلاصه أحيانا. # انتبهت فجأة وسألت مشجعا رغم فداحة إحساسك بالذنب ويقينك بأن السقف لو انهار ووقع ~~البيت فستكون أنت المسئول عما حدث: أحيانا ماذا يا أمي؟ هل حن مرة للتمثيل أو ~~السيرك؟ # قالت في صوت ضعيف كأنه يخرج من أغوار مغارة في الجبل: # التمثيل؟ لا لا، ولكنه لم ينقطع أبدا عن الذهاب للسيرك كلما نصب خيامه في البلد حتى ~~انقطع تماما بعد أن أخذته الحكومة. قلت ملهوفا: مفهوم مفهوم، لكنك ذكرت أنه أحيانا ~~... # قالت وفي صوتها رنة الشكوى من تعذيبك: نسيت يا بدر، نسيت يا بني. تشبثت رغم كل شيء ~~بالسؤال كأنك تلسع بسوطك الحصان العجوز الذي برك على الأرض من شدة التعب: ألم يكن يواصل ~~الكتابة كما قلت طول الليل؟ كان بالطبع يقطعها أو يمزق ما كتبه أو يقول لك ~~شيئا. # قالت لك مصممة على إنهاء الحديث الذي طال: نعم نعم، أحيانا كان يردد كأنه يكلم ~~نفسه: أنا النديم الفاشل، أكتب مذكرات لن يقرأها أحد ولن يسمعها أحد. # سألت كالملسوع وقد هزك الشوك الذي لم تقو على كتمانه: النديم؟ هل قال النديم؟ أين هذه ~~المذكرات يا أمي؟ أرجوك تكلمي، أين هذه المذكرات؟ # لكنها كانت قد دخلت الغيبوبة، أفلتت منها كلمة المذكرات ثم غابت عنك وعن الدنيا بكل ~~ما فيها، وأخذ السؤال يلح عليك في تلك الليلة كما ألح عليك سنوات بعدها. # أين أجد هذه المذكرات؟ كيف أعثر عليها؟! # | أوراق صينية # 1 # أغنية الموتى # جمع الحديث بين الحكماء الثلاثة: تسي-سانج-هو، وبينج-تسي-فان، وتسي-كين- تشانج، ~~تكلم أحدهم فقال: من يمكنه أن يوجد ومع ذلك لا يوجد؟ من يمكنه أن يعمل ومع ذلك لا ~~يعمل شيئا؟ من يمكنه أن يصعد إلى السماء، ويتجول بين السحب، ويغادر المكان، وينسى ~~الوجود، دائما وأبدا وبلا نهاية؟ # نظر الحكماء الثلاثة إلى بعضهم ms154 وابتسموا، ولما كانوا جميعا بعيدين عن الشك، قد ~~أصبحوا أصدقاء، مات الحكيم تسي-سانج-هو بعد هذا الحديث بقليل، ولما علم كونج-فو-تسي ~~(كونفوشيوس) بالأمر بعث تلميذه تسي-كونج للمشاركة في المأتم والعزاء، وعندما وصل ~~تسي-كونج إلى هناك سمع أحد أولئك الأصدقاء وهو يغني هذه الأغنية التي راح الصديق ~~الآخر يصاحبها بالعزف على القانون: «متى سترد إلينا نفسك يا سانج-هو؟ متى سترد إلينا نفسك يا سانج-هو؟ أنت رجعت لجوهرك بعد الحق، أما نحن فآه ما زلنا أسرى في قبضة قدر الإنسان.» # أسرع تسي-كونج بالدخول وهتف بأعلى صوته: «إنني أسمح لنفسي بأن أسألكم: هل يتفق ~~الغناء أمام الجثمان مع القواعد والطقوس؟» نظر الصديقان إلى بعضهما وابتسما قائلين: ~~«ماذا يعرف هذا الرجل عن القواعد والطقوس؟» رجع تسي-كونج «إلى بلدته» وروى على ~~أستاذه كونج-فو-تسو ما رأى وسمع وسأله: «أي نوع من البشر هؤلاء؟ إنهم لا يخضعون ~~عملهم للقواعد ويعاملون الجسد كأنه شيء غريب وهم لا يتورعون عن الجلوس أمام جثمان ~~ميت ورفع أصواتهم بالغناء دون أي شعور أو إحساس، إنني لا أفهمهم ولا أدري من أي نوع ~~من الناس هم، هلا قلت لي يا معلمي من هؤلاء؟» رد عليه كونج-فو-تسي قائلا: «هؤلاء ~~الناس يتجولون وراء قواعد الحياة، أما أنا - يا ولدي - فأتجول فيها؛ لهذا لا تلتقي ~~الطرق التي نسير عليها، ولقد تصرفت تصرفا أحمق عندما أرسلتك إلى المأتم. إنهم يرون ~~أنفسهم أحباب الخالق ويعملون من خلال شعورهم بوحدة الأرض والسماء، وهم ينظرون إلى ~~الحياة كما لو كانت ورما يخلصهم الموت منه، إنهم لا يعرفون أين كانوا قبل الميلاد ~~ولا يعرفون إلى أين يصيرون بعد الموت، ومع أنهم يعترفون باختلاف العناصر بعضها عن ~~بعض، فقد استقروا باختيارهم على وحدة جميع الأشياء، وهم لا يكترثون بانفعالاتهم، ~~ولا يستجيبون لإحساساتهم، إنهم يجوبون الأبدية ذهابا وجيئة دون أن يعرفوا بداية ~~ولا نهاية، وهم يحلقون وراء حدود التراب، ويشردون في ممالك عدم الفعل، فكيف يهتم ~~أمثال هؤلاء الناس بالعادات والتقاليد أو يحفلون برأي العامة فيهم؟» قال تسي-كونج: ~~«إن كان الحال كما تقول، ms155 فلماذا نتقيد بالقواعد؟» أجاب كونج-فو-تسي: إن السماء هي ~~التي قضت علي بهذا، ومع ذلك فسوف أشركك فيما وصلت إليه، سأل تسي-كونج: «وعلى أي ~~طريق وصلت؟» قال كونج-فو-تسو: «الأسماك تعيش وتترعرع في الماء، والإنسان يعيش ~~ويترعرع في الطريق (الطاو)، وإذا حصلت الأسماك على بركة ماء تحيا فيها وجدت غذاءها، ~~وإذا حصل الإنسان على الطريق الذي يحيا به لم يحتج إلى عمل ووجد الأمان، من هنا ~~جاءت هذه الحكمة: كل ما يحتاج إليه السمك هو الماء، وكل ما يحتاج إليه الإنسان هو ~~الطريق.» قال تسي-كونج: «هل تأذن لي بأن أسألك وما هو الحال مع الإنسان الأسمى ~~والمتفوق؟» أجابه كونج-فو-تسو قائلا: «إن المتفوقين من البشر خاضعون للسماء، من هنا ~~جاءت هذه الحكمة: أقل الكائنات شأنا في السماء هو أسماها على الأرض، وأرفعها ~~قدرا على الأرض هو أهونها شأنا في السماء.» # عندما ماتت زوجة تشوانج-تسو # عندما ماتت زوجة تشوانج-تسو ذهب إليه هوي-تسي ليعزيه في مصابه، كان تشوانج تسو ~~جالسا على الأرض، ممددا ساقيه إلى الأمام، وكان يغني ويوقع على طبلة، هتف به ~~هوي-تسي قائلا: أظن أن من أسوأ الأمور ألا يبكي الإنسان زوجته التي قاسمته حياته ~~وربت أولاده ثم ماتت بعد أن تقدم بها العمر، أما أن يدق على الطبل ويغني فذلك من ~~أعجب الأمور. قال تشوانج-تسي: «هون عليك، ليس الأمر كما تقول، فعندما ماتت غلبني ~~التأثر الشديد، ولكن سرعان ما تفكرت في الأمر، لقد كانت موجودة قبل أن تولد، بلا ~~شكل ولا كيان، ثم في أثناء الزحام الأول تحولت، فصارت الروح كيانا، واكتسب الكيان ~~شكلا، وانتقل الشكل إلى الميلاد، والآن قد حدث تحول جديد، ماتت في أعقابه، هكذا ~~ينتقل الإنسان من الربيع إلى الخريف ومن الصيف إلى الشتاء، إنها الآن تنام بهدوء في ~~البيت الكبير، ولئن بكيت أو شكوت لكان معنى ذلك أنني لم أدرك مغزى شيء من كل ما قلت؛ ~~لهذا تخليت.» # الجمجمة # عثر تشوانج-تسو ذات يوم على جمجمة بهت لونها وإن ظلت محتفظة بشكلها، مسح عليها ~~بعصاه وقال: «هل كنت فيما ms156 مضى من الزمان لرجل طموح أوصلته رغباته العاتية إلى هذه ~~الحال؟ أم كنت لحاكم ساق بلاده إلى الهلاك ففصلت رأسه بالبلطة عن جسده؟ أم كنت لوغد ~~شرير أورث أسرته العار؟ أم لشحاذ مات بعد أن قاسى آلام الجوع والبرد؟ أم وصلت إلى ~~هذه الحال بعد أن بلغت من العمر عتيا؟» لما انتهى تشوانج-تسو من كلامه أخذ ~~الجمجمة معه وجعلها عند النوم مخدة وضعها تحت رأسه، ورأى في الحلم كأن الجمجمة قد ~~ظهرت له وقالت: لقد برعت يا سيدي في رصف كلماتك، ولكنها كلمات لا تستمد معناها إلا ~~من الحياة، ولا تقوم لها قائمة إلا فيما يضطرب فيه الأحياء، أما الموت فلا يعرف ~~شيئا من ذلك كله، أتريد أن تسمع عن الموت؟ أجاب تشوانج-تسو: نعم أريد. تكلمت ~~الجمجمة قائلة: «ليس في الموت سيد ولا مسود، وتأثيرات الزمان شيء غير معروف، إن ~~وجودنا التاريخي هو وجود السماء والأرض والسعادة التي ينعم بها أمير بين الناس لا ~~تساوي شيئا إذا قيست بالسعادة التي نحيا فيها.» غير أن تشوانج-تسو لم يصدق الجمجمة ~~فقال: «لو استطعت أن أقنع السيد المتصرف في الأقدار بالسماح لجسدك بأن يولد مرة ~~أخرى وبتجديد عظمك ولحمك حتى ترجعي لأبويك وزوجك وولدك وصحابك ورفاقك الأوفياء ~~لعهدك، فهل ترحبين بذلك؟» عندها فتحت الجمجمة عينيها على سعتهما وزوت حاجبيها ~~وقالت: «كيف تنتظر مني أن أنبذ سعادتي الملكية وأغوص في شقاء القدر البشري ~~وآلامه؟» # الساحر # في دولة تشينج عاش ساحر يدعى «كي هسين» كان يعرف كل شيء عن الميلاد والموت، ~~والعمار والدمار، والسعادة والشقاء، والعمر الطويل والقصير، وكان يتنبأ بالأحداث قبل ~~وقوعها بدقة متناهية كأنه أحد الأرواح. كان سكان تشينج يفرون كلما رأوه، ولكن ~~لي-تسي زاره فأصابه الذعر ورجع إلى معلمه هو-تسي وهو يقول: «لقد تصورت أن الطريق ~~(الطاو) الذي وصفته لي هو أكمل ما في الوجود، أما الآن فقد عرفت شيئا أكمل ~~منه.» # رد عليه هو-تسي قائلا: «إنني لم أعلمك حتى الآن غير الثوب الظاهر للطريق، ولم ~~أعلمك حقيقته ، ومع ذلك تزعم أنك ms157 تعرف عنه كل شيء، إذا خلت حظيرة الدجاج من الديكة، ~~فهل يمكن أن يضع الدجاج بيضا؟ من حاول أن يفرض الطريق على الناس فلن يخسر إلا ~~نفسه، أحضر ذلك الساحر وسوف أكشف له عن نفسي.» # في اليوم التالي جاء لي-تسي ومعه كي-هسين لزيارة هو-تسي، وعند خروجهما من بيت ~~المعلم قال كي-هسين: «آه، إن معلمك يقترب من الموت، لن يبقى على قيد الحياة أكثر من ~~عشرة أيام، لقد لاحظت عليه شيئا عجيبا، لاحظت رمادا رطبا.» # دخل لي-تسي على معلمه باكيا وروى عليه ما سمع، قال المعلم: «لقد أبديت له من ~~نفسي ما تبديه لنا الأرض من سطحها الظاهر الساكن، في الوقت الذي لا تتوقف فيه عملية ~~الخلق الدائرة في باطنها. لقد منعته فحسب من رؤية القوة الكامنة. أحضره مرة أخرى ~~إلى.» في اليوم التالي كررا الزيارة، وعند انصرافهما قال كي-هسين للي- تسي: «معلمك ~~محظوظ لأنه قابلني اليوم، إن حالته في تحسن، وعلامات الحياة تبدو واضحة على وجهه، ~~لقد لاحظت أن الميزان اعتدلت كفتاه.» # دخل لي-تسي على معلمه وأخبره بما سمع، قال المعلم: «لقد أظهرت له نفسي كما تظهر ~~السماء في صفاءها وهدوئها، ولم أسمح إلا بقدر قليل من القوة التي بدت تحت كعبي، ~~بذلك استطاع أن يكتشف أن لدي شيئا منها، أحضره مرة أخرى.» # رجعا في اليوم التالي، وعند انصرافهما قال كي-هسين للي-تسي: «معلمك لا يستقر يوما ~~على حال، لا يمكنني أن أستدل من مظهره على شيء، أقنعه بأن يثبت على وضع واحد وسوف ~~أعود لفحصه من جديد.» # بعد أن سمع هو-تسي هذا الكلام من لي-تسي قال له: «لقد كشفت له عن نفسي في حال ~~التوحد الكلي، حيث تضطرب حورية البحر، تكون الهاوية، حيث يسكن الماء، تكون الهاوية، ~~حيث يدور الماء، تكون الهاوية، للهاوية تسعة أسماء، وما هذه غير ثلاثة ~~منها.» # في اليوم التالي جاء الاثنان مرة أخرى لزيارة هو-تسي غير أن كي-هسين لم يقو على ~~الصمود، فخرج مرتبكا ولاذ بالفرار. # هتف هو-تسي صائحا: «اتبعه!» وجرى لي-تسي وراءه، ولكنه لم يستطع اللحاق ms158 به؛ ولهذا ~~رجع وأخبر هو-تسي أن الهارب قد اختفى. # قال هو-تسي: «لقد أظهرت له نفسي كما ظهر الطريق قبل أن تبدأ البداية، كنت في نظره ~~أشبه بالفراغ العظيم الذي يستمد وجوده من ذاته، وعجز عن أن يعرف من الذي يراه ماثلا ~~أمامه: فقد تبدى له مرة في حالة التلاشي، وتجلى له أخرى في حالة التدفق؛ لهذا هرب ~~بجلده.» # هنالك أدرك لي-تسي أنه لم يكن قد بدأ بعد في اكتساب المعرفة؛ ولذلك قفل راجعا ~~إلى بيته وقضى فيه ثلاث سنوات دون أن يغادر بابه، أخذ يساعد زوجته في طهو الطعام ~~لعائلته، وفي تغذية الخنازير وكأنها مخلوقات بشرية، ونفض يديه من أعمال الحفر على ~~الخشب والتصوير التي اعتاد ممارستها ورجع إلى البساطة الخالصة. # بدا لكل من يراه كأنه طود من الطين الثابت في الأرض وسط الاضطراب كان رابط الجأش ~~ثابت الجنان، هكذا بقي إلى النهاية. # الأنقياء # من يعرف شأن السماء، من يعرف شأن الإنسان، فقد بلغ الغاية، وهو إذا عرف «السماوي» ~~فقد عرف الأصل الذي جاء منه، وإذا عرف «الإنساني» فقد استقر في معرفة المعروف، ~~وتوقع معرفة المجهول، إن الوصول بالحياة المقسومة إلى الكمال، وتجنب الهلاك في ~~منتصف الطريق هو نضج المعرفة، بيد أن ذلك ينطوي على نقص، فالمعرفة مرتبطة بالنضج، ~~والنضج غير مؤكد، ومن أين لي أن أعلم أن ما أتصور أنه هو السماوي ليس في الحقيقة هو ~~الإنساني، وأن ما أعتقد أنه هو الإنساني ليس في الحقيقة هو السماوي؟ لا بد أن يكون ~~لدينا أناس أنقياء، عندئذ يمكننا أن نحوز العلم النقي. # ولكن من هو الإنسان النقي؟ # لقد كان الأنقياء في العصر القديم يعملون بغير أن يحسبوا حسابا لشيء، وكانوا في ~~سعيهم لا يحرصون على ضمان النتائج، ولا يشغلون أنفسهم بتدبير الخطط، إذا أخفقوا لم ~~يجدوا في الإخفاق ما يدعو للندم، وإذا أصابوا النجاح لم يروا فيه ما يدعو للزهو، ~~بذلك استطاعوا أن يتسلقوا الذرى دون أن يشعروا بالخوف، وأن يغوصوا في الماء دون أن ~~يحسوا بالبلل، وأن يخطوا في ms159 النار دون أن يهابوا لسعها، هكذا قربتهم معرفتهم من ~~الطريق (الطاو). # كان الأنقياء في العصر القديم ينامون بلا أحلام، ويصحون من نومهم بلا قلق، كانوا ~~يأكلون بلا نهم، ويتنفسون بعمق، ذلك أن تنفس الأنقياء يأتي من أعمق الأعماق، أما ~~أنفاس العامة والوضعاء فتأتي من الحلوق. # والأنقياء من أبناء العصور القديمة لم يكونوا يحبون الحياة، ولا كانوا يكرهون ~~الموت، كان البدء لا يوقظ فيهم الفرح، وكان المنتهى لا يثير فيهم نوازع الصراع، ~~إنهم يأتون في ثبات، ويذهبون في ثبات: وكان في ذلك الكفاية، لم ينسوا ذلك الأصل ~~الذي انحدروا منه، ولم يشقوا أنفسهم بذلك المصب الذي سينتهون إليه، لقد أخذوا ~~نصيبهم عن طيب خاطر، وانتظروا داعي الموت في سلام، هذا هو الذي يوصف بعدم مقاومة ~~الطريق، ولا محاولة استبدال ما هو من شأن الإنسان بما هو من شأن السماء، هذا هو طبع ~~الأنقياء. # إن أرواح هؤلاء الناس أرواح حرة، ومواقفهم تتسم بالوداعة، ووجوههم مرحة مستبشرة، ~~برودهم من برودة الخريف، وحرارتهم من دفء الربيع، وتقلب دوافعهم يتم بوحي من ~~قانونهم الخاص كما هو الشأن مع تقلب الفصول، إنهم يعيشون في تجانس مع كل شيء، وما ~~من أحد يحيط علما بحدودهم. # لذلك يمكن أن يدمر «الحكيم» الكامل مملكة دون أن يخسر قلب الشعب، وبغير أن يتعمد ~~«حب البشر» تجده قادرا على إسعاد عشرة آلاف جيل. # من يفرح بالناس ليس هو الكامل. من يشعر بالميل ليس هو المحب. من يراقب «تحول» ~~الأزمنة ليس هو الحكيم. من لا يتلقى الخير والشر بقدر متساو ليس هو القدوة. ومن لا ~~يضحي بنفسه تضحية مطلقة فلن يصلح للحكم. # 2 # الطريق # أنا الباحث عن المعرفة، هذا هو الاسم الذي أطلقه الناس علي، هل عرفوا أن معرفتي ~~لم تزدني إلا جهلا وشقاء؟ جبت جميع الطرقات ولكني لم أجد الطريق، تجولت نحو ~~الشمال، عبرت الماء الأسود وصعدت جبل الأسرار المجهولة، هنالك التقيت بذلك الناسك ~~الذي طالما سمعت عنه، وكل من سألته كان يهمس قائلا: إنه الناسك الذي لا يعمل شيئا ~~ولا ms160 يقول شيئا، دخلت عليه كوخه في أعلى الجبل، ركعت وعفرت جبهتي بالتراب وقلت: ~~أريد أن أسألك: فيم أفكر؟ ماذا أتأمل أو أعمل لكي أعرف الطريق؟ أين أضع قدمي لكي ~~أقترب منه؟ من ذا يمكنني أن أتبع، وعلى أي سبيل أخطو، حتى أصل إلى الطريق؟ # ظل الناسك صامتا لا يتكلم، ساكنا لا يتحرك، أخذ ينظر في الفراغ الممتد أمامه ~~وحوله دون أن يقول كلمة أو يحرك إصبعا، هل كان أخرس لا يقدر على النطق؟ هل كان ~~يعرف الجواب ولم يرد أن يتفوه به؟ هل أراد أن يقوله فلم يستطع؟ # انحنيت الإنحاءات الواجبة، عفرت جبيني بالتراب، كررت السؤال فلم يجرح السكون صوت، ~~وأدرت ظهري وخرجت، يممت وجهي نحو الجنوب، عبرت الماء الأبيض وصعدت جبل الأنوار ~~المشرقة، هنالك لقيت زاهدا نحيلا خفيف الحركة بادرني بالتحية من وجهه الطلق ~~وابتسامته العذبة وسألني قبل أن أفتح فمي: آه! كنت تبحث عن دوامة الوهم. # تحيرت وارتج علي القول، كان أسرع مني فقال: هذا هو الاسم الذي يدعونني به، أعرف، ~~أعرف ما تبحث عنه، أريد أن أقول لك، أريد ... # توقعت أن أسمع منه فلم يتكلم، شعرت أن الأفكار تصل إلى باب فمه وتتوقف، قلت ~~لنفسي: ربما نسي ما أراد أن يقول، ربما كان الناس على حق عندما سموه دوامة الوهم، ~~إن الدوامة تجرفه وتدور به في كل اتجاه، هلا سموه دوامة النسيان؟ # كنت قد سمعت بالقيصر الأصفر أثناء طوافي بالقرى والبلاد، والجبال والوديان، ظللت ~~أسأل عنه كل من ألقاه على الطريق حتى عثرت عليه، ولم أكد ألمح أسوار قصره من بعيد ~~حتى اندفعت نحوه بقوة نسر جائع، لم ألتفت للحراس والحجاب والجنود، بل دخلت عليه ~~قاعة العرش ورحت ألقي أسئلتي قبل أن ينتبه إلى وجودي، ابتسم القيصر الأصفر واعتدل ~~في جلسته وأشار إلي أن أقترب وقال: لا شيء هنالك لتفكر فيه، لا يجدي أن تتأمل أو أن ~~تعمل، لن ينفع علم أو قول، والمعرفة لن تعرفك به. # أردت أن أعترض، حاولت أن أحتج، كنت على وشك أن ms161 أهتف به: وإذا لم تعرفني المعرفة ~~به، فكيف أعرفه؟ عندئذ دخل صوته الهادئ في سمعي كتيار ماء بارد: لا أرض لتقف عليها، ~~لا شيء تقبض عليه لكي تقترب من الطريق، لا شيء ولا أحد تتبعه، لا درب تسير عليه لكي ~~تصل إلى الطريق. # رويت له ما كان من أمري مع الناسك الذي لا يتكلم ولا يعمل، ومع دوامة الوهم الذي ~~أوشك أن يتكلم فلم يستطع، ثم رفعت يدي كأني أشير إليهما على البعد وقلت: حسن! أنت ~~وأنا نعرف هذا، لكن الناسك والواهم لا يعرفان. من منا على حق؟ # اتسعت ابتسامة القيصر الأصفر، ضحك وقال: الصامت الذي لا يعمل على حق، والواهم في ~~دوامته قريب من الحق، أما أنت وأنا فمخطئان، أنت وأنا ... # هممت أن أقاطعه فلم أجد ما أقوله، أحسست كأن الصامت يقف هناك ويحذرني من الكلام، ~~أو كأن دوامة الوهم قد أعداني بالنسيان، واستطرد القيصر الأصفر قائلا: إن الذين ~~يعرفون لا يتكلمون، والذين يتكلمون لا يعرفون. قلت للقيصر الأصفر: لقد سألت الصامت ~~الممتنع عن العمل فلم يجبني، هل كان يريد أن يتكلم فلم يقدر؟ وسألت دوامة الوهم ~~وأحسست أنه يوشك أن يتكلم، غير أنه لم يقل شيئا، هل رفض أن يتكلم، أم نسي ما أراد ~~أن يقوله، والآن أسألك فتجيبني بأنك مخطئ وأنني مثلك في الخطأ، ماذا تقصد بقولك ~~هذا؟ # قال القيصر الأصفر وكأنه يجذب ستارة كثيفة أمامه وأمامي: «كان الصامت الممتنع عن ~~الفعل على حق؛ لأنه لم يكن يعرف، وكان دوامة الوهم قريبا من الحق لأنه نسي ما كان ~~يعرف، أما أنت وأنا فعلى خطأ لأننا نعرف»، قلت محتجا: لأننا نعرف؟! وماذا نعرف؟ ~~ألم أحضر إليك لأعرف؟ وإذا كنت تعرف فلماذا لم تعلمني، لماذا لم ترو ظمئي وتشبع ~~جوعي؟ لماذا؟ # لكن القيصر كان قد أشار برأسه إشارة شدني بعدها الحراس والحجاب إلى خارج ~~القاعة، ثم إلى خارج القصر. # عدت أطوف البلاد والقرى، وأعد المياه والجبال، حدثني الفلاحون والصيادون في ~~المناطق النائية على حدود المملكة عن حكيم يدعى تشينج، ms162 سألتهم: هل يعرف هذا الحكيم؟ ~~هل يمكنه أن يدلني على الطريق؟ كانوا يلزمون الصمت كلما سمعوا اسم المعرفة أو فعل ~~يعرف. اكتفى أحدهم بعد الإلحاح عليه بقوله: إنه يملك الطريق. ذهبت إليه في كوخه ~~المتواضع على شاطئ النهر الأخضر وقلت: هل يمكنني أن أملك الطريق؟ # قال تشينج: جسدك ليس ملكا لك، فكيف تريد أن تملك الطريق؟ # سألت: إذا لم يكن هذا هو جسدي، فجسد من هو؟ # قال تشينج: جسدك ليس ملكا لك، إنه الصورة التي طبعتها عليك الأرض والسماء، وحياتك ~~ليست ملكك، إنها تجانس الأرض مع السماء قد حل فيك، والنسل الذي انحدر منك ليس هو ~~نسلك، إنه تجدد الأرض والسماء من خلالك، أنت تسير ولا تعرف من يدفعك على السير، ~~تسكن أو ترقد ولا تعرف من الذي يحملك على السكون أو الرقاد، تأكل وتشرب ولا تعلم ما ~~الذي يجعلك تتذوق ما يطعمك ويرويك، تلك هي قوة السماء والأرض، قوتها التي تفعل ~~فعلها فيك، كيف تريد إذا أن تحصل على الطريق، كيف تطمع أن تملكه؟! # لم يزدني تشونج إلا حيرة على حيرة، كدت أن أغير اسمي، وهو الباحث عن المعرفة، ~~وأسمي نفسي: من لا يبحث ولا يريد أن يعرف. وبينما كنت جالسا تحت ظل شجرة عبر بي ~~رجل شعرت أنه يمكن أن يحمل في صدره الجواب، كنت قد انجذبت لمرآه وشعرت نحوه بالهيبة ~~الممزوجة بالحب والتعاطف والاحترام، واقترب مني وجلس إلى جواري وقال قبل أن أوجه ~~السؤال: تريد أن تجد الطريق، أليس كذلك؟ ما من شيء لا تجده فيه. # سألت: اعطني مثلا على ما تقول. # قال: إنه في هذه النملة. # هتفت: النملة! # قال: وفيما هو أقل، في هذا العشب. # صمت: هذا العشب؟ # قال: وفيما هو أدنى في هذه النبتة. # سألت: هذه النبتة الضئيلة؟ # قال: وفيما هو أسفل وأحط، في هذا الكوم من الفضلات. # قلت: هو في هذا كله ؟ # أشار بيده المفتوحة كأنه يمدها إلى كل شيء في الأرض والسماء ويطويه في قبضته ~~وابتسم قائلا: هو فيه وليس فيه، لا تبحث ms163 عن شيء بعينه، فما من شيء يخلو منه، ولا ~~تتوقف عند شيء بدأته، فما من شيء ينفرد به، إننا ننطق كل لحظة بكلمات وكلمات، هل ~~سألت نفسك يوما عن الكلمة الأصيلة من بينها؟ إنها هي التي تعني الكل، هي التي تدل ~~على الواحد، كذلك الطريق إنه الكل، الواحد، لقد بحثت كثيرا فيما يبدو. # قلت وأنا أطرق برأسي إلى الأرض وأراقب نملة تتحرك على جلدي: لقد عبرت المياه ~~السوداء والمياه البيضاء، وتسلقت جبل الأسرار وجبل الأنوار، سألت الناسك الذي لا ~~يتكلم ولا يعمل، والتقيت بالزاهد الذي سموه دوامة الوهم، ثم ذهبت إلى القيصر الأصفر ~~في قصره ... قاطعني قائلا: إذا فجرب أن تذهب معي إلى قصر اللامكان. رفعت حاجبي ~~وفتحت عيني وسألت: قصر اللامكان؟ وأين أجده؟ قال وهو يرمقني بنظرة متسامحة: ألا ~~تريد أن تعرف إلا لتجد؟ إنه لا يعرف ولا يعثر عليه، هنالك وسط جميع الأشياء ~~والكائنات، في وحدة كل المخلوقات، هنالك تجد الكلمة معناها، تصبح هي الكل والواحد ~~واللامحدود. # سألت: وماذا نفعل في هذا القصر الذي لا يوجد في أي مكان؟ # قال: ماذا نفعل؟ سنحاول ألا نفعل شيئا، أن نتقن عدم الفعل. # سألت: وماذا نفعل حتى نتقن عدم الفعل؟ # قال: نسكن، لا نتحرك. # قلت: وإذا تحركت الرغبة فينا بالحركة؟ # قال: نخلي أنفسنا من أية رغبة، وهنالك تنطلق الروح، تسكن دون أن تدري أنها ساكنة، ~~تتجول، تذهب وتجيء، تتقدم، تتراجع، لكن لا تشعر بالهدف ولا تسعى له، هل عرفت ~~لماذا؟! # قلت: لأنها استراحت في قصر اللامكان. # قال: وتخطت كل حدود الأشياء. # قلت: بحيث لا تبدأ ولا تنتهي؟ # قال: وتكون نهايتها في بدايتها، كما تكون البداية في النهاية، إنها الآن وراء ~~البداية والنهاية، وراء الحياة والموت، وراء الجسد والروح. # سألت: في الأبدية؟ هل هذا ما نقصده بتخطي كل الحدود إلى اللامحدود؟ هل هو طريق ~~الحقيقة؟ # قال وهو يفتح ذراعيه كمن يحتضن الكون بأسره: لا تنس أنه ليس هو الحد ولا ~~اللامحدود، إننا نتكلم عن الملاء والخلاء، كما نتكلم عن التجدد والفساد، طريق ms164 ~~الحقيقة هو الذي يكون الملاء والخلاء، لكنه ليس ملاء ولا خلاء، وطريق الحقيقة وراء ~~التجدد والفساد، ولكن ليس هو التجدد ولا الفساد، وهو الذي يبدع الجذر والتاج، غير ~~أنه ليس هو الجذر ولا التاج، ويحدث التجمع والشتات، دون أن يكون هو التجمع ~~والشتات. # تلبدت قسمات وجهي بالحيرة المفاجئة، فتحت فمي فخرجت لفحة حارة ولم تخرج كلمة ~~واحدة، قال في هدوء: إن سؤالك لا يجاب عليه، وبحثك لا يؤدي للوصول، لا تسأل عن ~~الطريق ولا تحاول أن تعثر عليه، كن أنت الطريق ودعه يكونك. # سألت بائسا: كيف؟ كيف؟ # قال: ما زال سؤالك يلقيك بعيدا عنه، حاول أن تتوحد به، هل رأيت الصغار وهم يتحدون ~~في حضن الأم؟ هل شعرت بالأم وهي تتحد بالصغار؟ كن أنت الواحد والوحدة، وكن الأب ~~والأم، عندئذ تتخطى كل حدود الأشياء لتصبح أنت الوحدة والواحد والكل، عندئذ تتخطاني ~~حتى أتمنى أن أتبعك وأمشي في أثرك. # | الحكيم يملي دموعه المؤجلة # 1 # الطريق # قال الغلام الذي رافق المعلم إلى منفاه الأخير: # لا أستطيع أن أحول عيني عنه منذ أن خرجنا - هو والثور الأسود السمين الذي يحمله ~~على ظهره وأنا - من البوابة الأخيرة لولايتنا «تشو»، وتركنا وراءنا المدينة في ساعة ~~الشفق كأنها التنين الأصفر الذي يلمع في وشاح الغروب الذهبي برغم السحب الرمادية ~~التي تلفه في الغبار والضباب، ألمح خفية وجه معلمي الشاحب النحيل الذي لم تمح ~~الخطوط والتجاعيد الصخرية قسماته الرقيقة الحنون وهو يلتفت خلفه بين الحين والحين ~~كأنما يتلفت قلبه المهموم على أجنحة نظراته الطيبة التي تحجرت فيها الدموع منذ ~~سنين، وكلما قطع الصمت الذي يتدثر بسواده الفاحم أكثر مما يتدثر جسده الفارع الهزيل ~~بعباءته السوداء، كلما حرك شفتيه أو أشار بيده الصغيرة البارزة العروق، أسرعت إليه ~~ومقود الثور لا يغادر يدي وندائي عليه لا يتوقف: نعم يا معلمي، هل تطلب شيئا؟ لكن ~~ما أندر أن يفتح فمه بكلمة أو ينطق عن رغبة، حتى الزاد القليل الذي أقدمه له عندما ~~نميل قليلا إلى ظل شجرة أو صخرة لنستريح ms165 لا يكاد يقربه حتى ألح عليه بلقيمات قليلة ~~أو قطعة لحم خشنة أو قضمة جبن بيضاء. # آه! ما هذه الأحزان التي سكنت قلبك كالخفافيش التي تعشش في كهف مظلم وترفرف ~~أجنحتها السوداء دائما على وجهك وجبهتك وكيانك؟ وكيف أجرؤ على السؤال وأنت الذي ~~علمتني أن الحكيم لا يتكلم وأن الذي يتكلم ليس حكيما؟ وإذا سمح لي طيش الصبا أن ~~أسألك سؤالا، فهل يمكن أن أتجاوز عتبة باب أسرارك الذي أغلقته بألف مزلاج ومنعت ~~عنه الأيدي والأقدام والآذان؟ أقصى ما أقدر عليه أن أداعب رفيقنا الأخرس السمين ~~الذي لا يعنيه إلا البحث عن العشب الأخضر واجترار صمته المختلف عن صمتك. # وأهتف بالثور الواسع العينين الذي أخذ قسطه من الراحة وراح يرسل نظراته الرخية ~~الخرساء إلى الأفق البعيد: هيا هيا، الطريق ما زال طويلا، وأتجاسر على توجيه ~~كلامي إلى المعلم الذي بدأ يستعد للرحيل: أليس كذلك يا معلمي؟ # ويأتيني صوته الخارج من مغارة حلقه وصدره الضيق النحيل: نعم يا ولدي، طويل هو ~~وبلا نهاية. وأعود للسؤال دون أن أتهور بالاستفسار إلى أين أو متى نصل فيقول: طويل ~~هو وعميق بلا قرار. استطعنا أن نسميه ما كان هو الطريق، لو أمكننا أن ندل عليه ما ~~كان هو الطريق الأبدي، وبغير أن أفهم شيئا كما عودني المعلم وعودته أقول ضاحكا: ~~لكننا على كل حال على الطريق! ويقول وهو يتكئ علي ويسند ذراعه إلى كتفي قبل أن ~~يعتلي ظهر الثور المستكين: من يتبع الطريق يصبح هو الطريق، من يهتدي بفضيلته يصبح ~~هو والفضيلة شيئا واحدا، ومن يضيعه يصبح هو والضياع شيئا واحدا، وأداري جهلي ~~أمام الكلمات الملغزة التي تتردد في سمعي كأصوات أرواح غامضة ترقص في صندوق مقفل: ~~سنتابع مهما كانت مشقة الطريق، ويستدير بقامته النحيلة: إذا تعبت فقل لي. وأواصل ~~ضحكي وأنا أدفع الثور وأصيح به: شي، شي. وأنا أقول لك الآن ما سمعته منك مرة: إذا ~~كان الطريق طويلا ولا نهاية له، فهو وحده الذي يمنح القوة والكمال. # نتابع السير على الدروب الوعرة ms166 الضيقة وفي الفيافي الواسعة المجدبة إلا من ~~الأعشاب والأشواك، نجتاز الطرق الصاعدة بين الجبال ونهبط المنحدرات الخطرة إلى ~~الوديان، نمر على القرى المتناثرة ونعبر الجسور الخشبية الهشة الممدودة فوق ~~الجداول والأنهار الصغيرة ونحيي الرعاة واللصوص والمهربين والهاربين من الشرطة ~~والحراس، وتمتلئ آذاننا بنباح الكلاب وعواء الذئاب وثغاء الشياه والحملان والماشية ~~ونرد بأدب على حراس الحدود والبوابات، وحين يهلكنا التعب وتحن مفاصلنا وعظامنا إلى ~~الراحة نأوي إلى مكان ظليل ونربط الثور إلى جذع قديم وننام. ما أكثر ما فتحت جفني ~~فجأة لأجد المعلم العجوز يرمقني كأم تراقب طفلها الرضيع، فإذا التقت عيوننا قال ~~وهو يبتسم ويلف عباءته حول ظهره وصدره: هكذا الحكيم الكامل يا بني، فكمال من يجمع ~~الفضيلة في نفسه، أشبه بكمال طفل حديث الولادة، وأفرك عيني وأتمطى وأنا أتلفت ~~حولي: هل أحسست بخطر يا سيدي؟! فيقول وابتسامته لا تفارق شفتيه الجافتين ولا وجهه ~~الصخري المملوء بالتجاعيد: الوحوش لا تعتدي عليه، والجوارح لا تنقض عليه، من ~~يلازم الطريق يبقى في أمان. إن سقط جسده لا يتعرض لخطر. # وأثبت بصري في وجهه الطيب وأستقبل موجات الحنان المنسكبة منه على الرغم من السهر ~~والصمت والشحوب، ثم أغمض عيني إلى الفجر وأنا أتمتم في السر بما سمعته منه مرة وهو ~~يتحدث مع أمي: من يكرم معلمه، يكرمه الطريق، ومن لا يكرم معلمه، فقد ضل إلى أبعد ~~حدود الضلال، حتى ولو كان أكبر العلماء. ~~••• # كيف أحكي قصتي معه وهي لا تعدو بضع خطوات على الطريق؟ ماذا أذكر منها وماذا أدع ~~للتاريخ أو النسيان؟ شي، شي، أيها المتخم الثقيل الكسول! ليتك تدعو السماء أن ~~تفتح كوة ضئيلة في رأسك المظلم المحاصر بالغياب والغباء لتعرف من هو الحكيم الذي ~~يمتطي ظهرك وأحيانا يربت على رأسك وعنقك وشعرك كطفل وديع! # كنت أراه أحيانا وهو يتمشى على ضفة النهر الصغير القريب من سور قصر الإمبراطور، ~~وبغير أن يلفت إليه أحدا أو يلتفت إلى أحد كان ينزلق إلى أكمة ملتفة الأشجار ~~والأغصان والأوراق الكثيفة ويختفي فيها قبل أن تلمحه ms167 العيون وهو راجع إلى ضفة النهر ~~متجها إلى باب القصر الخلفي الذي يغلق وراءه في هدوء، وعندما وصفته لأمي وأخبرتها ~~أنني أراه أحيانا وأتتبعه إلى مخبئه دون أن يراني، ضربت على صدرها بيدها الصغيرة ~~وصاحت: كيف تفعل هذا مع حكيم الإمبراطور؟ كيف تجسر يا ولدي على الاقتراب من طريق ~~السماء الذي لا يسير عليه إلا الكامل القديس؟ ألم تسمع أقواله الغامضة التي يرددها ~~الناس حائرين أو ضاحكين عن الطريق؟ قلت في لهفة لا أندم عليها: وأريد يا أمي أن ~~أرافقه على هذا الطريق، أريد أن أكون تابعه وتلميذه. فتحت فمها من الدهشة وقالت: ~~ترافق التنين؟! أجبتها في هدوء: وما رأيك أنني تكلمت معه أيضا ومشيت معه خطوات؟! ~~قالت متحسرة: ما دمت تتلف عينيك كل ليلة بالكتب المأفونة بدلا من رعاية أمك! ~~ضحكت قائلا: وأريد أن تأتي معي لمقابلته حتى أستطيع بعد ذلك أن أرعاك كما تتمنين. ~~••• # كان اللقاء أبسط مما توقعت أو توقعت أمي. انحنت أمامه حتى كاد رأسها يلمس العشب ~~الذي يجلس عليه تحت شجرة ضخمة سوداء وقالت: هذا الولد مفتون بك وبالطريق يا سيدي. ~~سمع عباراتك وأخذ يدونها على الأعواد التي يكلفني شراؤها فوق ما أطيق. ابتسم المعلم ~~وسألها: ويدونها أيضا قبل أن يدونها صاحبها؟ ماذا كتبت يا ولدي؟ هتفت في حماس ~~وأطلقت الكلمات من فمي كمياه متفجرة من نافورة أو شلال: الشجرة الشامخة نمت عن برعم ~~صغير، البرج ذو الطوابق التسعة ارتفع من كومة تراب. رحلة العشرة آلاف ميل تبدأ ~~تحت قدميك. قال ضاحكا: كلماتي سهلة على الفهم، سهلة جدا على التنفيذ، لكن لا ~~أحد في المملكة يقدر على فهمها أو العمل بها، صحت في رعونة يحسدني عليها أشجع ~~المقاتلين: ولكنني أفهمها يا سيدي وأعمل بها أيها الحكيم الجليل، جربني وسوف ~~ألازمك على الطريق. # قالت أمي معتذرة: سامحه يا سيدي، إنه منذ أن قتل أبوه أمام عينيه لا يفعل شيئا ~~سوى تجربة الحبل المعقود، ومنذ أن أرسلته إلى ثلاثة معلمين وهو يملأ حجرات بيتنا ~~الضيق الفقير بالريش ms168 والأقلام والمحابر وأعواد الخيزران، ويكدس أوراق الكتب ~~القديمة في كل مكان حتى لا أجد مكانا يتسع لأوعية الطعام أو لجلوس الضيوف القليلين، ~~خذه يا سيدي واجعله تلميذك وتابعك وخادمك الأمين، إنني مريضة ولا أدري كم سأعيش ~~أو متى سأذهب وأتركه بلا أحد يضع عينه عليه أو يضع اللقمة في فمه. قال الحكيم ~~العجوز وهو يمسك بيدي: وهل ستصبر يا ولدي على مشقة الطريق؟ هل تستطيع أن تضحي بكل ~~شيء وتتمسك به؟ قلت وأنا أشد على يده: وأعيش له ولك يا سيدي. قال وهو ينهض متجها ~~وأنا معه إلى بوابة القصر القريب: ولأمك التي ستزورها لتطمئن عليها من حين إلى حين. ~~••• # الطريق طويل وتتسع مساحة صمتي وصمت الحكيم الحزين والثور الأسود السمين لأن أنثر ~~على ترابه أوراق ذكرياتي الجافة، لكن كيف أرتبها وأسرد وقائعها التي تلتصق بلحمي ~~وتزحم مجرى دمي؟ هل يمكن أن أنسى الليالي الطويلة التي قضيتها تحت قدميه وهو يقلب ~~في الأوراق القديمة والكتب العتيقة في مكتبة القصر الملكي بحثا عن نماذج الحكماء ~~القدماء والحكماء الكاملين؟ هل أروي عن صمته الممتد على اتساع طريق السماء والجواهر ~~العشرة آلاف التي تكون الموجودات على سطح الأرض؟ أم أسترجع الأيام والليالي العصيبة ~~التي رأيت أو سمعت فيها حواره الغاضب مع القواد والوزراء أو مع ذلك الشخص العصبي ~~النحيل الذي عرفت فيما بعد أنه هو الإمبراطور، الإمبراطور الذي يقفز في كل مكان ~~كالطاوس المثقل بالألوان الساطعة والثياب الطويلة الغنية بالزخارف المذهبة والتاج ~~البراق الناصع باللآلئ والجواهر على رأسه الصغير؟ وحيرة الإمبراطور وغضبه وكلماته ~~المتدافعة كالحمم الملتهبة بالغضب الأسود وردود المعلم عليه كأنها السدود في وجه ~~السيل؟ وأسفاره التي كان يغيب فيها عن القصر وعن أوراق المكتبة وكنوز خزائنها ~~العتيقة ثم يرجع وهو يدمدم بالكلمات اللاهثة الممزقة كقطع الدم المتجمد التي تنزف ~~من جرح واسع: أين أنتم أيها الحكام الحكماء في الزمن القديم ؟ يا من كنتم نموذج ~~العالم ومقياس المملكة! لم يبق إلا المدعون الذين لا يثق الناس بهم، الذين يمجدون ~~أنفسهم فلا يعترف ms169 بهم أحد، ويفرضون على الشعب قوتهم فلا يزداد إلا ضعفا وبؤسا ~~وهوانا، ويفرحون بالمذابح وسفك الدماء ويسمونه انتصارا ويحتفلون به كما يحتفلون ~~بجنازة، أين أنتم أيها الحكماء القدماء لتعيدوهم إلى البساطة والسكينة؟ وكيف أستطيع ~~أنا وحدي أن أعيدهم إلى الطريق أو حتى أكلمهم عنه فيسمعوني؟ # حتى جاءت الليلة التي رأيته فيها محتقن الوجه كصفحة جبل عابس أجرد، كانت عيناه ~~زائغتين وتجاعيد وجهه مربدة وملابسه مضطربة ورأسه ويداه وذراعاه في حركة متشنجة، ~~خيل إلي أنني أرى أمامي ذئبا عجوزا انقض حديد الفخ على أعضائه ولم يسمح بالحركة ~~إلا لشعر رأسه المتوفز وذيله المرتعش المتحفز وعوائه المبهم الباكي، قال فجأة وهو ~~يحدق في بعينين محمرتين: لم يبق سوى المنفى! تطلعت في وجهه الثائر مستفسرا، فقال ~~وهو يذرع أرض المكتبة التي اضطربت فيها أوراق التاريخ اضطراب أفكاره: سأنفي نفسي ~~بإرادتي - الحكمة مستحيلة في هذا العالم - والحكيم منبوذ لا يطلبه أحد ولا يستمع ~~لنصحه أحد. هممت أن أتكلم فقال: نعم لم يبق أمامي إلا أن أنفي نفسي بنفسي وأتابع ~~الطريق. قلت مترددا خائفا: وأنا يا سيدي، أنا الذي تمسكت به وبك؟ قال وهو ~~يطرق برأسه مليا: أمك في حاجة إليك. قلت والدموع تسبقني وتفلت جارية على خدي: ~~أنا قادم من عندها، لم تعد في حاجة إلى أحد. اقترب مني وهز كتفي في عنف: ماذا ~~تقول؟ أيمكن أن تتركها وحدها؟ قلت: إنها على وشك أن تتركنا وتترك العالم كله. صاح ~~غاضبا: ولماذا لم تقل هذا؟ لماذا لم تبق معها؟ هيا بنا. # وجرينا إلى البيت الصغير على الضفة الأخرى من النهر. عبرنا جسرين وانحدرنا على ~~طريق مترب مليء بالحفر والبرك الراكدة، ومررنا على أطفال مهلهلي الثياب وعجائز ~~مكومات على أعتاب البيوت، ونهرنا الكلاب الجائعة الضالة أكثر من مرة، وعندما ~~اقتربنا من البيت لمحت عجائز في الثياب البيض يتوافدن على الباب الواطئ وهن يولولن ~~صائحات. كانت أمي في النزع الأخير، بالكاد حركت رأسها ونظرت إلى المعلم ثم إلي، ~~نظراتها الصامتة تنطق في وقت واحد بالألم واليأس والطمأنينة ms170 والثقة وتقول: تركته لك، ~~تركته لك. # انتبهت على صوت المعلم يوقظني في رفق من إغفاءتي التي طالت مع الذكريات وكادت أن ~~تنسيني الركب الصغير، وجاءني صوته الضعيف الذي تعودت على نبرته الحادة التي طالما ~~نفذت في أذني وقلبي كصيحة طائر عجوز: هل رأيت؟ # تلفت حولي مستوضحا فضحك ضحكته النادرة التي شبهتها بيني وبين نفسي - ولتغفر لي ~~السماء! - بضحكة جدي عجوز مكتئب الوجه: إنها آخر حدود الصين، انظر إلى الكوخ ~~والحاجز هناك! ~~••• # تعجبت كيف عرف هذا مع أنه لم ينف نفسه من قبل، ونظرت إلى حيث أشار ورأيت الحاجز ~~الصغير الذي يقطع نهاية الدرب المنحدر بعارضة خشبية تنتهي فيما قدرت بكرة حديدية ~~ضخمة، وتعجبت مرة أخرى من منظر الكوخ الخشبي الصغير الذي يقف وحيدا وسط أشجار ~~السرو العجوز كأنه متسول منهك الجسد والروح على حدود الإعياء أو الجوع، لم أر ~~حراسا يجوبون المكان، ولا فرسانا مدججين بالسيوف والخوذات البراقة، ولم أستطع أن ~~أكتم شعورا بالخوف داهمني فجأة فهتفت: أهذه هي آخر حدود الوطن يا سيدي؟ # فاجأتني النبرة الحادة المرتعشة بخفقات البهجة والسرور: حيث يكون الطريق يكون ~~الوطن يا ولدي، وحيث يكون الوطن يكون الأصل والجذور. # تسرعت ولمت نفسي بعد ذلك على طيشي: إذن فسوف تجد الطريق بعد قليل. ~~- الطريق في كل مكان وليس له مكان، هو فيك وتحت أقدامك، ولكنهم تنكبوه وتخلوا ~~عنه فتخلى عنهم، لم يفهم رأسي الصغير ما يقصده فربت بكفي على ظهر الثور وقلت: ~~المهم أن الطرق المعوجة قد انتهت. ~~- المعوج سوف يستقيم، والمنحني سوف يعتدل، الأجوف سوف يمتلئ، والبالي سوف يتجدد. # لم أستطع كذلك أن أفهم كلماته التي ترددت كترنيمة كاهن أو شدو طائر أسطوري غريب، ~~أسرعت مرة أخرى أعبر عن فرحي وصحت: المهم أننا سنتوقف هنا يا معلمي! افرح أيها ~~الثور الإلهي فسوف تلتقط أنفاسك وتهنأ بالعشب الندي الوفير! # قاطعتني إشارة محذرة من يده الممتدة نحوي فأمسكت عن الهراء وأسرعت أساعده على ~~الهبوط من على ظهر الدابة التي توقفت أيضا عن السير وأطرقت برأسها واتسعت عيناها ms171 ~~دهشة من هذه الكلمات التي تساقطت علينا: ~~- من يعرف متى ينبغي عليه التوقف لا يتعرض لأذى، من يعرف القناعة لا يلحقه عار. ~~••• # سحبت الثور الأسود من مقوده بعد أن مررت بكفي على رأسه ورقبته وظهره، واطمأننت ~~على المعلم الذي ترجل على مهل ووضع الكتاب الذي كان يطالع فيه بين الحين والحين ~~والغليون الذي كان ينفث منه الدخان في جيب الجراب الجلدي العتيق المسود من لفحات ~~الشمس وذرات الغبار، ولم نكد نهبط خطوات على المنحدر الصخري الضيق في اتجاه محطة ~~الحدود حتى لمحنا شبح رجل طويل ونحيل يقف هناك في انتظارنا، وعندما اقتربنا من ~~العارض الخشبي الباهت الألوان أمام الكوخ واستوى الدرب الممتد أمامنا توقف معلمي ~~وطلب مني أن أساعده على الركوب، أخذت بيده التي استندت على كتفي وهو يرفع قامته ثم ~~يحنيها ليستريح على ظهر الثور، وقلت منزعجا: هل تحس بشيء يا سيدي؟ قال في هدوء ~~وهو يثبت قدميه حول بطن الدابة: لا يا ولدي، مجرد إغماءة ستزول بعد قليل، انظر، ~~هذا الرجل القادم كفيل بعلاجها! # وأقبل علينا الرجل الطويل الذي بدا على البعد كجرادة كبيرة، تقدم منا في مشيته ~~الحذرة وبدأنا نطالع تقاطيع وجهه النحيل الصارم، وتوقعت أن تبدأ متاعب السؤال ~~والتفتيش وتحصيل الضريبة والشك المزمن في أعين حراس الجمارك، قال في هدوء وهو يلقي ~~نظرة سريعة على الثور والجراب الجلدي الأجرب ثم يسلطها بغير اهتمام على المعلم ~~وعلي: هل من شيء يستحق الضريبة؟ # قلت بثقة لا حد لها: لا شيء يا سيدي. # عاد يسألني وهو يتحسس الجراب بعناية ويثبت بصره على الوجه الصامت العجوز: بضائع ~~مهربة؟ أشياء محظورة؟ # كررت بصوت هادئ لم يخف رنة السخرية وأنا أتابع فحصه للزاد القليل واستخراج ~~الغليون والكتاب من الجراب: لا تحف ولا ذهب ولا حرير؟ ما قصة هذا الكتاب؟ # قلت وأنا أنظر لمعلمي الذي لزم الصمت: لقد كان يعلم. # سأل وهو يثبت بصره على الوجه الصخري الحزين: وماذا كان يعلم؟ # قلت في بطء: أن لا شيء على الأرض ألين ولا أضعف من ms172 الماء، ومع ذلك لا يفوقه شيء ~~في التغلب على الصلب والقوي. # حدق في وجه العجوز كأنه يعاين فعل الماء في الصخور، وسرح لحظة مع أفكاره ثم التفت ~~إلي قائلا: ماذا كان يعلم أيضا؟ # قلت متعجلا الخروج من الموقف بعد أن حانت مني نظرة إلى السماء ورأيت السحب ~~السوداء تتجمع على صفحتها المظلمة كقطعان متدافعة إلى مورد ماء: أن الوداعة تغلب ~~القوة، وأن اللين يهزم الصلب الخشن. قلب بصره فينا وأطرق برأسه طويلا، ويبدو ~~أنني رفعت رأسي إلى السماء ففهم أنها تنذر بالمطر أو العاصفة، وربما فهم أيضا أننا ~~نتعجل السير قبل أن يحل الظلام، فقال وكأنه يكلم نفسه: الوداعة تغلب القوة، الماء ~~يهدم الصخر، نعم، نعم، ما دام الجمرك لن يحصل عن شيء فانطلقا. ~~••• # استأنفنا السير بعد فتح الحاجز، ووجدنا أنفسنا نستقبل واديا رحبا تملؤه الأشجار ~~وتحده الجبال الشاهقة من بعيد، وما هي إلا خطوات بعد أن استرحنا قليلا تحت ظل ~~شجرة سوداء كثيفة الأغصان والأوراق حتى سمعنا صوتا ينادينا ويكرر النداء: أيها ~~المعلم! أيها الغلام! # التفتنا وراءنا فوجدنا حارس الحدود يجري لاهث الأنفاس نحونا. أمسك المعلم باللجام ~~وتوقفنا لنعرف ما يريد، أصبح الصوت مسموعا واقترب الوجه الشاحب النحيل: ها! قفا! ~~قفا! أرجوكما قفا! ماذا تقصد بحكاية الماء أيها العجوز؟! # سأل المعلم وهو يطل عليه من فوق ظهر الثور: وهل يهمك هذا يا ولدي؟ # قال الرجل الذي بانت ملامح وجهه الأغبر المتعب كوجه ذئب تائه وسط رمال الصحراء: ~~ما أنا إلا عامل جمرك بسيط، لكن يهمني أن أعرف كيف ينتصر الماء على الصخر، إن كنت ~~تدري الجواب فتكلم. # تفرس المعلم في وجهه طويلا، غابت نظراته لحظة في عينيه الغائرتين وسترته الباهتة ~~المرقعة وأصابع قدميه التي تطل كالديدان الرفيعة من حذائه الرمادي المتهرئ قبل أن ~~ينتبه على صوت الرجل الذي يستعطفه: اكتبه لي، أمله علي أو على هذا الغلام، مثل ~~هذا العلم لا يستأثر به الإنسان. # ثم بعد فترة قصيرة لمس فيها سترته ونظر طويلا إلى حذائه البالي: ولا يضن به ms173 على ~~أحد الفقراء. # انفرجت أسارير المعلم كأنما فكت أغلال تجاعيد الصمت والتحفظ التي تطوق وجهه، وبدا ~~كأن شبح ابتسامة على الوجه الحجري، فتشجع الرجل قائلا: الورق عندنا والريش والأقلام ~~والمداد، وعندنا كذلك طعام قليل للعشاء، إنني أسكن هناك، في هذا الكوخ الذي يتسع ~~لك وللغلام ولحكاية الماء. تنهد العجوز وهو ينزل من على ظهر الثور الذي بدأ يهز ~~ذيله في قلق وينفض نفسه من هبات البرد التي جعلت جلده يرتعش، وقال وهو يرمق الرجل ~~طويلا ثم يسحبني من يدي التي تمسك بالمقود: آه! أنت أيضا تريد أن تعرف! نعم يا ~~ولدي. # من يسأل يستحق أن يعرف الجواب، ومن يعرف ... # قلت ضاحكا: لا يتكلم ولا يفعل، وإنما يكتب، وضحك المعلم أيضا ومر بكفه على ~~خدي فقلت وأنا ألاحظ أمارات السعادة والرضا ترتسم على وجه العامل الفقير: وسوف يبرد ~~الجو بعد قليل. # قال المعلم وهو يخطو إلى جوار الرجل ويمسك كم سترته بين الحين والحين: حسن، ~~فلنهبط هنا إلى حين. # وتبعت معلمي إلى الكوخ، أنا تلميذه الذي دون «التاو-تي-كنج» بعد أن كان حبيسا ~~في صدره، وربما كنت تلميذه الوحيد. # 2 # الصمت # وقال المعلم العجوز الذي صحبه الغلام إلى منفاه البعيد: # ها أنا ذا غادرت البوابة الأخيرة لمدينتي المعذبة وتوجهت مع تلميذي الصغير وثوري ~~الأسود السمين إلى منفاي البعيد، لفني الصمت الذي احتواني كفنه الرحيم منذ أن وعيت ~~العالم وتجلى لي سر الطريق، والقصر الذي قضيت فيه معظم أيام كهولتي وشيخوختي تراءى ~~لي كذلك ملفوفا في كفن الصمت الضبابي، تلفتت عيني إليه فوجدته صامتا مثلي، وتلفت ~~قلبي نحو المكتبة التي شهدت سهري وعملي وتعبي فخيل إلي أنني أسمع كلمات الحكماء ~~القدماء تنطلق من قبور الأوراق القديمة وتفك قيود الحبال الصينية المعقودة بالحروف ~~والمقاطع والعلامات ثم تلوذ هي الأخرى بالصمت وترقد على فراش السكينة الأبدية، آه! ~~كم جمعت ورتبت ونفست وحققت وتركت عبارات الأجداد تنتصب أمامي كالفرسان البلغاء ~~مدوية بحكمتها الغاضبة التي تحذر وتنذر وتشير سهامها إلى الطريق، ومع ذلك تنهي عن ~~الثرثرة والكلام ms174 وتعلن أن العارف لا يتكلم والمتكلم لا يعرف، كم خرجت أمامي من نبع ~~الصمت الغائر ثم رجعت إليه وتجمعت فيه، هل أسمع من هناك أيضا بعض كلماتي التي ~~قلتها لتلاميذي الذين عهد إلي القصر برعايتهم، ولأولئك الذين تحدثت معهم من رجال ~~البلاط ووزرائه وحراسه وحجابه وخدمه؟ وهل كان في وسعي أن أمنع طيران هذه الفراشات ~~التعسة إلى الفقراء والبسطاء المساكين أو همساتها في آذانهم: عانق الواحد، ولن ~~تحيد عن الطريق، افعل عدم الفعل ولن يبقى شيء لم يعمل، أخر نفسك وسوف تصبح في ~~المقدمة، تجرد من حب النفس تصل إلى الكمال، ارجع للبساطة القديمة تتحرر من الشهوة، ~~وإذا تحررت من الشهوة وجدت السكينة، وإذا وجدت السكينة عرفت الأبدية، وإذا عرفت ~~الأبدية أصبحت حرا، وإذا أصبحت حرا أحطت بكل شيء، وإذا أحطت بكل شيء صرت ~~سماويا، وإذا صرت سماويا اتحدت بالطريق، وإذا اتحدت بالطريق أصبحت أنت الطريق. # كلمات، كلمات، كلمات لم يخطر على بالي أن أدونها في كتاب، ومع ذلك سمعها الجميع ~~ورددها الجميع وأساء فهمها الجميع. كنت ألاحظهم أثناء جولتي اليومية على ضفة النهر ~~في طريقي إلى الأيكة أو في عودتي منها، تقترب الأفواه من الآذان، وتشير إلي ~~الأصابع الحذرة، وأسمع حتى الصغار الذين يلمحونني فيقفون خائفين وهم يتهامسون: هذا ~~هو التنين! حلق إلى السماء وهبط في أعماق الجحيم حتى وجد كتاب الطريق، ونسجوا ~~الأسطورة حولي وحول الكتاب الذي لم أفكر في تدوينه، وانتشرت أسطورة المعلم العجوز ~~الذي يعلم تلاميذه بغير كلام، ويهزم الأعداء بغير سلاح، ويستقر في السكينة والوداعة ~~كطفل رضيع، ويتحد بالطريق فيجد الحقيقة والفضيلة والكمال بينما المملكة غارقة في ~~النزاع والصراع والدماء، والحكام يدقون الطبول للحروب ويزهون بالأمجاد في خيلاء ~~بينما الفقراء يساقون للمذابح ويشوون على نيران الضرائب والمجاعة والحرمان، وأكتم ~~ألمي وسخطي على الناس والأوضاع والكلمات وألوذ بصمتي كما فعلت على الدوام. ~~••• # سر يا غلامي الطيب سر، يا من بقيت لي بعد أن تخلى الجميع، وأنت يا ثوري الأسود ~~السمين، تمتع بالعشب والماء وتأهب للجوع والعطش ms175 في القفار، وعندما تصعد وتهبط ~~الممرات الوعرة في الجبال، أتريدان أن أسليكما بالكلمات؟ اسمعا إذن أغنية الصمت ~~التي عزفتها على أوتار قلبي الوحيد: آه ما أبعد الفجر! الناس جميعهم فرحون، كأنهم ~~يشاركون في وليمة التضحية، كأنهم ذاهبون إلى مهرجان الربيع، أنا وحدي أرقد في سكون، ~~أشبه بطفل صغير لم يبتسم مرة واحدة في حياته، أترنح وأتمايل، كأنني أضعت وطني، ~~الناس جميعا عندهم ما يكفيهم، أنا وحدي تعريت من كل شيء وفقدت كل شيء، حقا! إن ~~قلبي لقلب غبي معتم مضطرب، الناس جميعهم لامعون، أنا وحدي مظلم، والناس جميعهم ~~جادون واثقون من أنفسهم، وأنا وحدي متعب حزين القلب، ثائر ثورة البحر، مضيع كأني ~~بغير هدف، والناس جميعهم يعملون ويسعون لهدف نافع، أنا وحدي عنيد كأني من نسل ~~الوحوش، أدعوهم أن يعملوا بغير عمل وسوف يعمل كل شيء، وإذا أتموا عملهم فليتواروا ~~عن الأنظار ولا يدقوا له الطبول. أوصيهم أن يعلموا بغير كلام ويكونوا فاضلين بلا ~~كلام عن الفضائل والقواعد والأخلاق، أن يتمسكوا بطريق الآباء والأجداد ويرجعوا ~~للأصل والجذور، أن يتحدوا بالطبيعة الأم ويرضعوا من ثديها السكينة والسلام بدلا من ~~أن يغتروا بالتمدن وينخدعوا بالأدوات والمخترعات، آه! وكم دعوتهم لأن يغيروا أنفسهم ~~فيتغير كل شيء. # كانت كلمات وكلمات، قلتها ولم أدونها في كتاب ولم أصرخ بها من النوافذ والأسطح ~~وقمم الجبال، تسليت باللعب بها ولم أضح في سبيلها ولا فديتها بالدماء. أطلقت ~~سهامها فرجعت إلى قلبي مسمومة بالسخرية والاستهزاء. # آه! الناس جميعهم فرحون وأنا وحدي غير الآخرين. # لكن من قال إن الناس الذين تركتهم ورائي فرحون؟ من قال إن شيئا قد تغير في ~~المملكة أو أنهم سيتغيرون؟ وما جدوى الكلمات يا من تمجد الصمت وتحذر من ~~الكلام؟ ~~••• # بالأمس جاء الإمبراطور لزيارتي كما اعتاد أن يفعل كلما أراد أن يستشيرني في رأي ~~أو يسألني في معضلة أو يتحدث معي عن أحوال الرعية وشئون المملكة، لاحظت الهم البادي ~~على قسمات وجهه وجبينه والحزن المخيم على عينيه، جلس صامتا أمامي وأطال النظر في ~~وجهي، حاولت ms176 أن أبحث بين أكوام الكتب والأوراق عن كتاب أقرأ عليه منه وأسمعه حكايات ~~القدماء التي يتلهف على سماعها ويعد بأن يضعها في قلبه وعلى رأسه وعينيه، لكنه أشار ~~بيده أن أتوقف ثم أطرق برأسه وغرق في أفكاره، وبينما أسائل نفسي عما يضنيه وما يمكن ~~أن يسر قلبه إذا به يبادرني بالسؤال: قلت لي مرة: إن وضعت يدك على الطريق صارت ~~مملكة الأرض طوع يديك وتبعت ظلك، وإن تمسكت به حررتها من الشر والألم فعاشت ممتعة ~~بالوحدة والسعادة والسلام، قلت مؤمنا على كلامه: وعرفت أنت طعم الرضا والقناعة ~~والسكينة ... قاطعني: ألم تقل إن عدم الفعل هو الطريق؟ قلت محاولا الابتسام: ليس ~~هكذا تماما يا مولاي، كنت أتكلم بلسان الحاكم الحكيم الذي يخاطب نفسه أو يوصي من ~~يتولى الحكم بعده: تعلم يا ولدي فضل عدم الفعل: علم بغير أن تتكلم، أنتج بغير أن ~~تمتلك، دبر ولا تسد، اعمل ولا تعول على عملك. # قال الإمبراطور الذي لم يستطع أن يخفي ضيقه: وكيف أعمل ولا أعول على عملي؟ ~~كيف؟! # قلت في هدوء: معناه أن تتم عملك ثم تتوارى، لا تمجده ولا تزه به، لا تسع إلى ~~الشرف ولا تخش العار، الحاكم الحكيم يعمل من أجل الباطن لا من أجل العين. # نهض من مجلسه وتمشى قليلا بين أكوام الكتب وتلال الأوراق الطويلة الملتفة التي ~~تملأ صفحاتها عقد الحبال السوداء، وزفر ضاحكا: # أجبني ببساطة، كيف أحكم المملكة؟ كيف أحكم شعبي؟ # قلت مرة أخرى بهدوء: تحكمه ولا تتحكم فيه، تحكمه دون أن تلجأ للقوة، وحين لا ~~يخاف الشعب قوتك، تكون قد بلغت أقصى قوتك. توقف في مكانه وقلب أصابعه بين الأوراق ~~ثم التفت إلي ذاهلا: بلغت أقصى قوتي؟! قلت متحمسا: نعم نعم، تكون قد بلغت ~~الوداعة وأصبحت كالطفل الحديث الولادة، أخرت نفسك فصرت في المقدمة، تواضعت ~~فارتفعت، أخفيت نفسك فتجليت، لأنك لم تعط الحق لنفسك اعترف الشعب بك، ولأنك لم ~~تمجدها مجدك؛ لأنك لم تدع وثق بك، ولأنك لم تسع لشيء لم يسع أحد ضدك بشيء، لم ms177 تناد ~~على أحد ومع ذلك لبى الجميع من تلقاء أنفسهم، لم ترزح فوق صدورهم فسكنت في القمة. # قال وقد بدأ صوته يتهدج بالغضب: القمة؟! إنك تقول هذا لأنك تدفن نفسك في حكمتك ~~وأوراقك ونصائح أجدادك. جرب أن تنزل إليهم لتعرف غضبهم وسخطهم وثورتهم. # أصررت على متابعة كلماتي: الحاكم الحكيم الذي يعمل ولا يمجد عمله لا يغضب أحدا، ~~والذي يتم عمله ثم يتوارى لا يثور عليه أحد. نظر إلي باستخفاف وازدراء، فأسرعت ~~أقول: ألم أحك لك عن القائد الحكيم «فان لي»؟ لقد ذهب لرد الأعداء وانتصر عليهم في ~~المعركة ثم اختفى، وبقي الشعب في الشوارع واقفا في انتظاره بالأناشيد وأكاليل ~~النصر دون أن يعلم أنه استقل قاربا صغيرا انطلق به في النهر الأصفر ولم يره أحد ~~حتى الآن. # اقترب مني الإمبراطور وهو يصيح في وجهي: كل هذا سمعته منك وحفظته ورددته على ~~مسامع وزرائي وقوادي وعمالي في المدن والقرى القريبة والبعيدة، مع ذلك ثار الناس ~~علي في كل مكان وعلى الوزراء والقواد والعمال. # قلت وأنا أغمض جفني كأنني أتلو صلاة للآلهة: الناس لا تثور على من يتبع طريق ~~السماء. لأنك رجالك حادوا عن الطريق ثار الناس ولجئوا للصراع والنزاع بدلا من ~~الوفاق مع الطبيعة والقناعة والاتضاع. # سأل متهما وهو يحاول أن يكتم غيظه: الدماء تسيل وما زلت تتكلم عن القناعة والوفاق ~~والاتضاع؟! # قلت في غضب: لأنهم حادوا عن الطريق العظيم سالت الدماء، لأنهم ملئوا عقولهم ~~وأفرغوا بطونهم وأثقلوا ظهورهم بالضرائب ثار الناس. كل شيء في القصر على ما يرام، ~~بينما الحقول تملؤها الأعشاب الضارة ولا تجد من يحرثها. مخازن الغلال فارغة، ~~والموظفون والحكام يتدثرون بالثياب الزاهية ويتحزمون بالسيوف الغالية ويتخمون ~~بطونهم بالطعام والشراب، ما معنى هذا؟ معناه أنهم تجبروا مثل قطاع الطريق وليس هذا ~~هو الطريق. قال وهو يتفرس في وجهه كأنه يراقب معتوها أصابه مس من الجنون: نعم ليس ~~هو الطريق الذي أوصلك إلى قصري وجعلك أمينا على تراث أجدادي. قلت متجاهلا حراب ~~سخريته: ادفع الشر بالخير والإحسان؛ لأن الحب ms178 ينتصر في الهجوم ولا يجرح أثناء ~~الدفاع، والسماء تسلح بالحب من لا تريد أن تراهم مهزومين. # نفض يديه يائسا: ولذلك أرسلت الجنود والأسلحة الكافية لقمع الثوار، وحين تأتيك ~~أنباء الانتصار ستكون في طريقك إلى المنفى بإرادتك قبل أن أرسلك إليه بإرادة جنودي ~~وقيودي وحراس سجوني. # قلت وأنا أجمع كل حكمتي وغضبي في عبارات سريعة يمكن أن يسمعها قبل أن يخرج من ~~الباب: الأسلحة أدوات الشر؛ لذلك لا يسكن الحكيم بالقرب منها، إنه إذا انتصر لم ~~يجد في الانتصار جمالا؛ لأن من يجده جميلا هو الذي يفرح بقتل غيره من البشر، ومن ~~ينتصر في المذبحة ويحتفل بانتصاره فهو في الحقيقة يحتفل بجنازة. الأسلحة والجنود ~~أدوات الشر، أدوات الشر، لا يقترب منها سيد المملكة الذي تمسك بالطريق، لا ~~يستخدمها الحكيم الذي يرعى أبناء شعبه كأنهم أطفاله، لا، لا، لا. ~~••• # لم تكن هذه هي أول مرة تخرج فيها كلماتي من كهف الصمت فتقطع ألسنتها وتعود إليه ~~كالخفافيش المشلولة العمياء، ولم تكن أول مرة تنطلق من بئر الصمت فيجرها الأوغاد ~~في وحل العالم وأحاول بعد ذلك أن ألملم أشلاءها وأطهرها في ماء من جديد. نعم يا ~~ولدي الذي يسير أمامي على الطريق كالطفل الكامل الذي يرضع من ثدي الأم ولا يعرف ~~الكلام، وأنت يا ثوري الحر الصبور الذي ربما كان أقربنا للأصل والجذور، نعم لم تكن ~~أول مرة تخرج فيها الكلمات عن الطريق فتعضها الأنياب وتوصد في وجهها الأبواب وتهيم ~~جائعة ضالة كالكلاب. آه ما أتعسها وأبشعها حين تسرق منها الأنوار وتفرغ من سر ~~الأسرار وتصبح مضغة في فم الدجال والسمسار والثرثار، وآه من هذا الثرثار! ~~••• # دخل علي بعد أن أبلغني الحاجب أنه قادم من مملكة «لو» وأن اسمه هو الحكيم ~~المشهور «كونج-فو-تزو». دخل صومعتي المكدسة بأكوام الكتب والوثائق والأوراق ~~والعتمة والغبار كأنه مارد قوي اغتسل لفوره في ماء البحر وخرج نظيفا لامعا صبوح ~~الوجه تسبقه ابتسامة عريضة يشهرها في وجهي كالسيف الناصع أو كالقنديل الساطع. كان ~~قصيرا ممتلئ البدن كبير البطن، له شفتا ms179 ثور وفم أشبه بالبحر، انحنى أمامي في أدب ~~شديد، وكرر الانحناء حتى تصورت أنه قضى حياته في تعلم فروض الطاعة وأداء طقوس الواجب ~~والاحترام من الأبناء للآباء ومن البشر للآلهة والملوك والحكام، وبعد أن أذنت له ~~بالجلوس وتطلع طويلا إلى جسدي الطويل النحيل ووجهي الصخري الذي لم يفارقه التقطيب ~~والعبوس بدأ في حذر يخرج الكلمات من فمه الواسع كأنه صراف يعد النقود: ~~يسمونني في بلدي المعلم والحكيم، لكنني سمعت عنك فجئت أسألك كالتلميذ الصغير ~~وأتعلم منك ما يتعلمه العصفور من النسر الكبير. # قلت في حذر وأنا لا أخفي إعجابي ببشاشته وحذقه وذلاقة لسانه وثقته في نفسه: النسر ~~الكبير يرقد عاجزا في عشه وهو يتقلب في الصمت وينتظر الموت، ماذا تريد أن تعرف يا ~~بني؟ # قال وهو يوسع من ابتسامته المشرقة فتسطع الأنوار من جبينه وتطارد الظلال الهاربة ~~أمامها: سمعت من يقول على لسانك إن العارف لا يتكلم، والمتكلم لا يعرف، وأنا عشت ~~حياتي حتى اليوم لأعرف وأعلم وأحاول أن أصلح بالكلمة والاسم، علمني يا سيدي عن ~~الطريق. ~~- الطريق يا بني لا اسم له، لو كان له اسم ما كان هو الطريق - عميق هو وبلا قرار ~~- هو المنبع والأصل وسر الأسرار. ~~- لكنه تجلى يا سيدي وكشف عن نفسه للحكماء القدماء، وأنت تجلس بينهم وتعرفهم ~~وتنطق بكلامهم وتتقن طقوسهم وشعائرهم ومواعظهم. ~~- هذا صحيح يا بني، ولكن الذين تسأل عنهم قد تعفنوا وصارت عظامهم ترابا، لقد ~~اتحدوا بالطريق فكانوا هم الطريق، تمسكوا به وحققوه بالسكينة والبساطة والوداعة، لم ~~يتكلموا عنه بالخطب والمواعظ ولم يقيموا له الطقوس والشعائر، كانوا هم الطريق ولم ~~يدقوا بالطبول ليدعوا الناس إليه. ~~- لكنهم علموا مواطنيهم يا سيدي وأفادوهم، حببوا إليهم الفضيلة وعملوا على ~~تهذيبهم بالخير والإحسان والمحبة، أنا أيضا أريد أن أفيد مواطني ولا أضرهم. ~~- إذا أردت أن تفيدهم فتخل عن غرورك الذي يزين لك أنك تفيدهم، وإذا أردت أن ~~تغيرهم فابدأ بتغيير نفسك قبل أن تطمح لتغييرهم. ~~- وهذا هو الذي قادني إليك يا سيدي، علمني ماذا أعلم وأعلم ms180 كي تصلح المملكة ~~والحاكم والمحكوم. ~~- سمعت أن التاجر الناجح يخفي ثروته في حرص، وأن الرجل العظيم ينهض للعظمة عندما ~~تحين ساعته، لكن قبل أن تحين هذه الساعة توضع العراقيل أمامه. اسمع نصيحتي يا ~~ولدي، لا تضع العراقيل أمامك. ~~- لم أفهم يا سيدي، أرجوك أن توضح ما تريد. ~~- الحكماء القدماء الذين تتكلم عنهم قد عملوا بغير عمل، وعلموا بغير علم، وأصبحوا ~~القدوة والمثل لأنهم لم يدعوا الناس إلى الفضيلة والعدالة والإنسانية، لقد تمسكوا ~~بالطريق فسار الناس على الطريق، رجعوا إلى الأصل والبداية فأحب الناس السكينة ~~والسلام ورجعوا مثلهم للأصل والجذور، تخلوا عن أنفسهم وتخلصوا من شهواتهم وتعففوا ~~عن التعالم والظهور، فكف الناس عن التنازع والصراع والتظاهر والادعاء والحذلقة ~~والتفاخر والنصب والخداع. لا تنس ما قلته لك، إنهم لم يعرفوا الطريق ولم يسموه، ~~ولكنهم اتحدوا به وكانوه؛ لذلك لم يفقدوا أنفسهم ولم يفقدوه. # لكنهم اليوم يتصارعون حتى أصبحت المملكة أشلاء ممزقة، ويغرقون في الشهوة والرذيلة ~~حتى احتاجوا لمن يصلحهم ويدعوهم للمعرفة والفضيلة. # خرجت كلماتي غاضبة كالإعصار وصحت: أتريد أن تغيرهم قبل أن تتغير؟ أن تعظهم ~~بالطريق قبل أن تسير عليه؟! تخل يا بني عن تكبرك! تخلص من تظاهرك وطموحاتك العريضة! ~~ارجع إلى البساطة والسكينة قبل أن تنهض يوما من مرقدك وتتهدم كالجبل العظيم ~~وتنكسر، اذهب يا ولدي وغير نفسك! اذهب يا ولدي. ~~••• # آه! ما كان أحراني أن أحبس كلماتي ولا أخرجها من بئر الصمت، لقد انتشر صيت هذا ~~الرجل السمين الواسع الفم والابتسامة وذاعت شهرته هو وتلاميذه. أسس مدرسته ومذهبه ~~وطبع وجهه على أرض مملكة الوسط الشاسعة، وها أنت أيها العجوز تسمع الجميع يتحدثون ~~عن الفضيلة والإنسانية والخير والإحسان والعدالة والاعتدال بعد أن اختفت جميعها ~~وعمت المذابح والضوضاء واليأس من الماضي والحاضر والمستقبل، آه! ليتني ما أطلقت ~~الكلمات ولا تركتها تخرج من نبع الصمت! ليتني ما عنفت المسكين ولا طردته، ولقد رجع ~~فيما سمعت إلى تلاميذه فقال لهم إنه رآني فرأى التنين، وعرفني ولم يعرف كيف اعتليت ~~الريح وصعدت فوق السحب إلى ms181 السماء. سأصبح أسطورة وسيصير هو إلها ومؤسس مذهب ~~وديانة، ستتردد كلماته وتحفظ قواعده وتقام طقوسه وتعاليمه وشعائره ويكثر تلاميذه ~~وتعلن الحكومات الاعتراف به، لكن من يدري ماذا يخبئ له القدر؟ ربما أدرك في النهاية ~~أن الحكمة مستحيلة على الأرض، أن كلماتها سهلة وبسيطة، ولكنها عصية على الفهم ~~والتنفيذ، ربما تخلى عنه تلاميذه كما تخلى عني تلاميذي، وربما تهدم في النهاية كما ~~يتهدم الجبل المنهار، وذبل كما تذبل الشجرة العظيمة حين تجف وتتيبس قبل أن تميل ~~وتتحطم، أليس هذا هو قدر الكلمة حين تخرج من نبع السر وتدخل في زحام البشر؟ ~~••• # نعم يا ولدي الكامل كالطفل الراضع من ثدي الأم، يا ثوري الحر الصبور الذي يحمل ~~الجبل المهدم والشجرة الذابلة، ماذا تقول يا ولدي؟! اقتربنا من نهاية الطريق؟ ليت ~~البداية الأزلية تعرف النهاية! ليت الطريق يدري كم يتعذب السائر على الطريق؟ ~~اقتربنا من الحدود وظهرت الحواجز، وحارس الجمرك يقترب أيضا وسوف يطالبنا بالضريبة ~~ويفحص الأمتعة؟ وتقول سيسألنا ولا بد أن نجيب؟ ماذا نملك يا ولدي غير الكلمات ~~الخرساء؟ فقير هو وطويل ونحيل كالجرادة؟ ومتى استغنت الجرادة عن الأخضر والخضرة ~~بالكلمات؟ أقلت له إنني كنت أعلم أن الماء وهو أضعف الأشياء يفتت الصخر ويهزم أقوى ~~الأشياء؟ وهو يسأل ويريد مني أن أجيب؟ أجل أجل يا ولدي، من يسأل يستحق أن نقدم له ~~الجواب، لكن ماذا تنفعه الكلمات وهل أشبعت الجائع أو كست العاري؟ ليكن يا ولدي ما ~~دمت تريد، ولتخرج كلماتي من فقر الصمت إلى صمت الفقراء! # 3 # أحد الفقراء # وقال حارس الجمرك الفقير عند آخر مخفر للحدود: # وقفت أمام الكوخ الذي ضمهما سبعة أيام وليال ورحت أتابعهما وهما يصعدان الطريق ~~الحجري المؤدي إلى الممر الغائر في جوف الجبل، في يدي الأوراق التي سلمها لي الصبي ~~ومعها ابتسامته الحبيبة الخاطفة التي لمعت على وجهه الصغير المستدير مثل الزهرة ~~التي تلمع الآن في السماء الصافية، ما تزال كلماته الهامسة المرتجفة التي أسرها ~~إلي وقد سبقه المعلم إلى مربط الثور الأسود تتردد في سمعي: ms182 هذه هي كلمات الحكيم، ~~واحد وثمانون حكمة أملاها علي ثم سكت، حفظها في جوفه طوال عمره، وعليك أن تحفظها ~~في جوفك، قلت له وأنا أقرب فمي من أذنه: تأكد أنني سأحفظها في قلبي وأدونها على لوح ~~صدري، إذا ضاعت الأوراق التي تعبت في كتابتها من يدي فلن تضيع أبدا من عقلي ودمي. # قال ضاحكا: ولكن كل واحدة منها تزن جبلا. # قلت وأنا أزنها في كفي: ومع ذلك فهي أخف من جناح عصفور! # قال وهو يمر بيده على عينيه: أو من دموع طفل. # وانطلق وراء معلمه ليساعده على الركوب على ظهر الدابة، وتبعته لأودعهما وأتمنى ~~لهما رحلة طيبة إلى الغرب البعيد، لم أغادر مكاني الذي وقفت فيه رافعا ذراعي ~~ومحييا حتى اختفى طرف ظلهما الباهت المرتعش مع انبلاج الفجر الزاحف، كطفل سماوي ~~يحبو على مهل وهو يطوي سجادة الليل مع كل خطوة. ~~••• # دخلت إلى الكوخ الذي بقيت فيه رائحة الضيفين وأنفاسهما وأصداء كلماتهما كأنها ~~أرواح طيبة تجتر ذكرياتها، وبدأت أيضا في اجترار ذكرياتي القريبة والبعيدة التي ~~انهالت علي كأسراب طيور جائعة أو سيول أمطار عاصفة فاجأت كوخي الصغير الآمن فطردت ~~النوم من جفوني، ومسحت على وجهي وعيني وأنا أفكر فيما قاله الصبي، وأخذت أقلب ~~صفحات الذكريات وأغوص في دموع الطفل العجوز كأني أغوص في بئر عميقة الغور. # قلت لنفسي عندما رأيتهما ينحدران على الدرب الحجري المترب: لا شك أنهما عجوز ~~وابنه الذي رزق به على كبر، ضاق بهما العيش كما ضاق بالكثيرين الهاربين من الاضطراب ~~العظيم في إحدى الولايات البعيدة أو القريبة من مملكة الوسط، وعندما اقتربا حتى ~~وقفا أمام الحاجز تطلعت في العجوز الجالس فوق الثور كأنه صنم منسي، فتح الصبي فمه ~~وقال متعثرا: إنه المعلم العجوز لاو-تزو، وأنا تلميذه، قلت وأنا أتطلع في وجه ~~العجوز وأحاول في نفس الوقت أن أفتش عن شيء يستحق دفع الضريبة: وماذا كان يعلم؟ ~~ودرت حول الثور والشيخ الصامت فوقه وأنا مشغول عن رد الصبي: إن الماء يفتت الصخر ~~واللين الضعيف يهزم الصلب القوي، ms183 قلت وقد تاهت يدي في الجراب الجلدي العتيق فلم تجد ~~فيه غير أرغفة الخبز الجافة وعلبة من الصفيح تفوح منها رائحة الجبن وكتاب وغليون ~~طويل: لا ذهب ولا مال ولا تحف ولا حرير! أهذه هي كنوز معلمك؟ ابتسم الصبي كأنه ~~يعتذر، وأشار إلى رأسه فلم أفهم ما يقصده بإشارته، وعدت أتطلع إلى وجه العجوز وأحك ~~شعر رأسي من الحيرة: ترى ماذا يدور في رأسه؟ ولماذا يذهب إلى المنفى بعد أن شاخت ~~شجرة العمر وكادت أن تسقط مع أول هبة ريح؟ ورفعت صوتي قائلا: اذهبا، يبدو أن حظ ~~الصندوق الأسود معكما قليل، وافتحا عيونكما جيدا في الليل حتى لا تفترسكما الذئاب ~~ويضر بكما قطاع الطرق إذا خاب أملهم فيكما. ~~••• # ساق الصبي الثور في هدوء وسحب المقود ناحية الطريق الصاعد نحو الممر الجبلي، ولف ~~العجوز عباءته السوداء على جسده الطويل النحيل ليتقي ريح المساء الباردة التي بدأت ~~تلسعه كما أخذت تلفح جمرات أفكاري الحائرة فتزيدها اشتعالا، وما هي إلا خطوات ~~قطعاها على الطريق، وقبل أن يتوارى ظلهما الزاحف وراءهما حتى أسرعت أجري خلفهما، ~~كانت الجمرات قد توهجت في عقلي، فرحت أنادي بأعلى صوتي: أيها الغلام! أيها العجوز! ~~توقفا! وعندما وجدت نفسي أمامهما قلت لاهث الأنفاس: ما هي حكاية الماء؟ قل لي أيها ~~العجوز ما هي حكايته؟ أريد أن أعرف كيف ينتصر الضعيف على القوي! # تفرس العجوز في وجهي كأنما أفاق من غفوته، همس في صوت خفيض نقله إلي الغلام ~~بكلمات واضحة: أنت أيضا تريد أن تعرف؟ # لم أدر سر هذا السؤال، ربما أثارني أن يكون قد استهان بموظف صغير ومجهول مثلي أو ~~ازدرى رثاثة هيئتي وسترتي، فقلت في غضب لم أستطع كتمانه: إنني كما ترى إنسان فقير ~~ووحيد على الحدود القصوى للصين، لكنني أريد أن أعرف، أرجوك تكلم! تدخل الغلام ~~مداعبا: سمعت المعلم وهو يردد على الدوام: من يعرف لا يتكلم، والذي يتكلم لا يعرف. # قاطعه العجوز بصوت رفيع حاد: ولكن من يسأل من حقه أن يسمع الجواب، أجل يا ولدي، ~~هذا ms184 هو فعل الطريق. # قلت مندهشا: الطريق؟ إن كنت تعرف الجواب فتكلم، أمله علي أو على هذا الصبي. ~~عندي الورق والمداد، وأستطيع أن أقدم وجبة العشاء، نزل المعلم من على الثور بصعوبة ~~وأسرع الصبي لمساعدته، وعندما رآه يتقدم في صمت نحو الكوخ قال الصبي وهو يسحب ~~الثور: ويمكننا أن نتقي برد الليل وخيبة أمل اللصوص وقطاع الطريق. ~~••• # دخل العجوز من باب الكوخ بعد أن انحنيت له الانحناءة اللائقة، ظل صامتا طوال ~~رحلة العودة وعذبتني أسئلتي: لماذا يغادر عجوز في مثل سنه أرض المملكة؟ أتراه ناسكا ~~سئم وحدته وأراد أن يسافر ويرى العالم؟ أم تراه قد حاول وحاول مع الحكام الكبار ~~والصغار ولما يئس اختار الخروج؟ هل نفاه أحد منهم وطرده من مملكته أم تركه واقفا ~~أمام بابه كالكلب الضال فعاد أدراجه إلى الصومعة التي كان يعيش فيها؟ وهل جرب ما ~~جربه المعلمون والحكماء القدماء من ألوان التعذيب والعقاب، أم لقي الحفاوة والتكريم ~~وآثر الاعتكاف في أيامه الأخيرة؟ وإذا كان أحد قد كرمه فلماذا يخلو جرابه إلا من ~~أرغفة يابسة وغليون وكتاب وحيد من تراث الآباء والأجداد؟ # أسرعت إلى المصباح الصغير المعلق على الجدار فوضعته على المائدة وأشعلته، ونبهني ~~صوت الحكيم الذي رن في أذني أقوى مما تصورت: الورق يا ولدي، الورق والريشة والمداد، ~~هيا فالوقت يمر! # قلت في أدب وأنا أنحني باحترام شديد: ليس قبل أن تتلطف بشرب الشاي الأخضر أو طبق ~~الحساء. # أشاح بيده قائلا: وليس قبل أن نستحق كرم ضيافتك يا بني. وبينما رحت أعد الأوراق ~~والدواة والريشة الطويلة، كان هو يتجول بعينيه في أرجاء المكان، لم يسأل عن شيء ولم ~~يفتح فمه بكلمة، أدركت من نظراته إلي وإلى الكتب والأوراق والرسوم المتناثرة على ~~المائدة الصغيرة والجدران الخشبية الواطئة أنه فطن إلى حالي وفهم أنني أسلي وحشتي ~~بالكتابة والقراءة وملء الفراغ بالعصافير والأشجار والأزهار والبشر والأسماك ~~والحيوانات في خطوط وانحناءات وأشكال ودوائر ورسوم غير دقيقة ولا معبرة بصورة ~~مرضية. ورفت الأسئلة في فضاء رأسي كالفراشات المضطربة وأنا حائر بأيها ms185 أبدأ، وهل ~~يسمح العجوز بالحوار معه؟ ورحت أنظف المائدة وأرتب مقاعد القش المتناثرة، بينما ~~المعلم يتكور على نفسه وينكمش في جلسته مثل قط عجوز يتأهب للانقضاض، لم أجد الفرصة ~~مواتية فانسللت إلى الكنة الملاصقة التي يفصلها عن الحجرة الوحيدة ستارة عليها رسم ~~تنين مطرز بخيوط صفراء باهتة، وأخذت أعد للضيفين طبقي الحساء بالأعشاب ومعهما قطع ~~من الجبن والزبد الذي أهدانيه آخر العابرين من الحدود، ولم أنس أرغفة الخبز وبعض ~~الأرز الذي تبقى من غداء الأمس، قدمت الوجبة الهزيلة في صمت وخرجت دون أن أجسر على ~~النظر في وجه العجوز أو ملامسة وحدته وصمته. ~~••• # قبل أن أغلق الباب ورائي وأفتح صدري لأنسام المساء الندية سمعت الصوت الرفيع ~~النافذ الذي انغرز في جلدي كشوكة حادة: «إنه التاو، ولأنه لا يوصف ولا يسمى، فقد ~~سميته الطريق.» واشتقت أن أعرف كنه هذا الذي لا يوصف ولا يسمى فتوقفت قدمي على ~~العتبة، وانساب الصوت كأنه يهبط من السماء داخل غمامة بيضاء، واستطعت أن أتبين بعض ~~كلماته وأميز رنين دقاته دون أن أفهم ترابط عباراته أو أرى تسلسل حلقاته المدوية: ~~«ولأنه بغير اسم، فقد سميته الطريق الأبدي، طريق السماء هو، مبدأ السماء والأرض، ~~منبع كل الأشياء وكل الأسرار.» # تطلعت إلى أعلى فرأيت الزهرة ترمقني كدمعة كبيرة ناصعة وقاسية، تجمدت في عين ~~السماء الصامتة، أنا الذي أقف على الأرض وأشقى عند آخر حدود المملكة يأتي هذا ~~العجوز المتدثر بالسواد والصمت فيحملني كشيطان أخرس إلى سماء الأسرار، وأنا الذي ~~كتبت الشعر وألهبت به مشاعر الغضب والثورة في القلوب أستمع الآن إلى شعر يرفعني فوق ~~الأرض ويلفني في ردائه الضبابي؟ وقبل أن أهبط العتبات الثلاث لأراقب ركبا صغيرا ~~بدأت أصداء ضوضائه وروائح الغبار الذي يثيره تتخلل أذني وتسري في رئتي، لم أشعر إلا ~~وقد أنزلني العجوز على الأرض وأصدر لي أمرا حازما ارتعشت له مفاصلي : تخلص من ~~الشهوة، وسوف ترى سر الأسرار، إذا بقيت محكوما بالشهوات، فلن ترى طرف ثوبه. ~~وسألت نفسي قبل أن أخطو إلى حاجز الحدود: وهل ms186 يستطيع فقير مثلي أن يشتهي ~~شيئا؟! ~~••• # كان الركب الصغير ينحدر نحو حاجز الحدود كأنه كتل صخرية متباعدة تتساقط عليها نقط ~~الضوء والخيوط الحمراء الباقية من الشفق المنطفئ الذي داهمته السحب السوداء الزاحفة ~~من جانب الأفق الغربي، وبقى لدي متسع من الوقت للتفكير في هذا الشيطان الصامت ~~الذي بدأ يفتح فمه بكلام لا أفهمه، من هو هذا العارف الذي لا يتكلم ومع ذلك يستجيب ~~لسؤالي بكلام لا يقل سوادا عن ردائه الأسود؟ كيف أعرفه أو يعرفني وهو يأبى الحوار ~~بيني وبينه؟ أتراه أحس بي وبحاجتي إلى معرفة سر الماء الذي تحدث عنه الصبي ففتح نبع ~~أسراره وأخذ يمليها على غلامه لأتملاها فيما بعد؟ من أنت أيها الزائر الأسود؟ ومن أي ~~ليل خرجت؟ # ألحت علي الأسئلة وانقلبت الفراشات التي اضطربت في رأسي الغبي قبل قليل إلى ~~خفافيش تتصادم في عتمة جهلي ودهشتي ووحشتي الممتدة بغير نهاية كالطريق الذي سمعت ~~وصفه له، وحدثتني نفسي أن أسترق الخطى إلى الباب وأنصت لعلي أسرق شعاعا من النور ~~يضيء الظلام المخيم حولي وفي، وضعت أذني على الباب فرنت كلمات أخرى أحسست أنها ~~تطلق من داخلها خفافيش جديدة: أنا لا أعرف اسمه، أخاطبه بالطريق حتى يكون له اسم، ~~إذا اجتهدت في تسميته قلت العظمة، والعظمة معناها أن تفقد نفسك كي تجده، أن تفقد ~~نفسك معناه أن تبتعد وتتخلى، أن تبتعد وتتخلى معناه أن ترجع لنقطة البداية، وأن ~~ترجع لنقطة البداية معناه أن تعود إلى الأصل، وأن تعود إلى الأصل معناه أن تجد ~~السكينة، وأن تجد السكينة معناه أن تكون أبديا، وأن تكون أبديا معناه أن تكون ~~متجليا، حقا! من لا يعرف الأبدية يوجد الشر بغير عقل، ومن يعرفها فهو صبور، ~~والصبور هو الحر، والحر هو الذي يعرف كل شيء، ومن يعرف كل شيء هو السماوي، والسماوي ~~هو الذي يلزم الطريق ويحافظ عليه فيحفظه . ~~••• # كانت ضجة الركب الصغير قد بدأت تعلو وتجذبني إليها، ومع أن الكلمات المظلمة ظلت ~~تتردد في سمعي وتدق كالأشباح المزعجة أبواب عقلي بلا فائدة ms187 فقد كان من الضروري أن ~~أباشر عملي، ومضيت إلى الكشك الملاصق للحاجز وأعددت العدة للقيام بالتفتيش على ~~الأمتعة وتحصيل الضريبة وتدوين كل ما يلزم تدوينه، وهاجمتني صورة المفتش الأعور ~~الذي ينتظر حضوره بين يوم وآخر لمراجعة الأوراق وتحصيل العوائد وإفراغ الصندوق ~~الأسود مما فيه قبل أن يغادرني شبحه الكريه إلى مخافر الحدود المجاورة. # كان العمل بسيطا لا يحتاج إلى عناء التفتيش والمساومة والاستعطاف التي تعودت ~~عليها كل مرة، وكان الركب مؤلفا من أسرة صغيرة من الفلاحين المعدمين الذين هربوا ~~أمام الغزاة الذين أغاروا على ولاية هان. وكان المشهد مألوفا لا يحتاج إلى الأسئلة ~~والتفاصيل، والأب والأم اللذان افترسهما الجوع والرعب واحتضنا طفلتين شاحبتين لا ~~يفتحان شهية موظف الجمرك لفحص متاع أو طعام لا وجود لهما. وكان عقلي وسمعي متجهين ~~ناحية الكوخ الذي أخذت تتسرب منه بعض الأصوات المختلطة عندما مال علي الأب قائلا: ~~في محافظة هان اضطراب عظيم، وفي المحافظات الأخرى بؤس وكرب وجوع ودماء، هذا يا ولدي هو الاضطراب العظيم. لا تظن أنك بعيد عنه يا ولدي، لا تظن أنك عنه بعيد. # نظرت للرجل الصغير الذي يحتضن طفلتيه وإلى زوجته الملتصقة به، ورأيت كيف يمسخ ~~الخوف من الجوع والمجهول الغامض وجه الإنسان إلى وجه كلب جائع أو أرنب صيد مذعور. ~~تأملتهم طويلا وسمحت لهم بالعبور إلى المجهول وراء الحدود، ولم أقل شيئا، وما ~~فائدة الكلمات لجوف خال لا يملؤه إلا اللحم مع الخبز مع الأرز؟ وطلبوا جرعة ماء ~~فسقيتهم وتمنيت لهم السلامة والنجاة من اللصوص وقطاع الطريق، وأدركوا من سخريتي ~~وقلة حيلتي أن لا داعي لسؤال آخر فتحرك موكبهم الصغير في اتجاه الوادي الأخضر الذي ~~ينبسط للناظر بعد عبور الممر الجبلي الوعر. ~~••• # بقيت وحيدا تحت قبة السماء، مستندا إلى الحاجز الخشبي حينا ومتمشيا على العشب ~~وشجيرات الشوك المتناثرة مع الحصى في المكان، نظرت إلى الزهرة المتألقة في الأفق ~~وقلت أخاطبها: أيتها اللؤلؤة الباكية فوق أرض الوسط المضطربة! هل شعرت بهذا الناسك ~~الذي يبكي في كوخي وربما يذرف مثلك دموعه ms188 المؤجلة من زمن بعيد؟ وماذا تنفعني دموعه ~~أو تنفع بدلي ورفاقي وبقايا أهلي المشردين في ولاياتها الممزقة؟ إنه لا يعرف شيئا ~~عن حياتي وقد لا يعرف عنها شيئا، وكيف أروي عليه قصة سجني سنوات بتهمة ترويج ~~الأشعار الملتهبة كشواظ الجمر المحترق، ثم الحكم علي مع بعض رفاقي بالإعدام ونجاتي ~~بالصدفة، ولماذا أحكي له هذا وماذا يستفيد أو أستفيد منه؟ ما الداعي لأن أخبره ~~بحضور الإمبراطور نفسه يوم تنفيذ الحكم وأمره بإنزالي من فوق المشنقة ونفيي إلى ~~الحدود حتى أتعلم كتابة شعر آخر تتألق فيه النجوم وتتنفس الأزهار وتطير الفراشات ~~والعطور وأنسام الربيع وأحلامه وأحزان الخريف والشتاء؟ وماذا يملك أن يفعل لو قلت ~~إنني عشت هنا في المنفى وحين صدر الإذن بسفري إلى «سونج» لرؤية أهلي عرفت أن الغزاة ~~الجدد قد قتلوا الإمبراطور الذي كان يحب الشعر كما قتلوا أمي وأبي؟ حتى قبرهما لم ~~أستطع الاهتداء إليه ولا تقبيل حفنة من ترابه والسجود على بابه، وإخوتي الصغار لم ~~يكن أحد منهم في بيتنا القديم؛ لأن بيتنا القديم كان قد اختفى ولم يبق منه حتى ~~الهشيم المتفحم، ورفاق ثورتنا الذين نجوا من الشنق ولم ينجوا من الجوع والضياع ~~والشتات لم أعثر لهم على أثر ولا على من يدلني على أنبائهم، وفيم السؤال وقد شاع ~~الاضطراب العظيم وانطلق الموت وفي يده المنجل يحصد سنابل الأعمار الباقية، وفي ~~ركابه الطغاة الكبار والصغار والسفاحون والقواد المنتصرون الفرحون بالدماء ~~والأشلاء؟ أيها الناسك الإلهي الذي سألته عن الماء الذي يغلب الصخر فأخذ يملي على ~~صبيه المسكين عن التمسك بالطريق والحفاظ على السكينة والفضيلة والاعتدال وتجنب ~~التهور والخيلاء! ~~••• # وتوالت الأيام والليالي السبعة، كنت أفتح الباب همسا، وأتكلم وأسير همسا على ~~أطراف أصابع قدمي، وأسب المهربين والهاربين بصوت هامس حتى لا أحرج السكينة ولا ~~ألامس وعاء الصمت، وكان صوت العجوز يعلو شيئا فشيئا ويرتفع في كل يوم عن اليوم ~~الذي سبقه، وخيل إلي أنه كان يوجهه إلى داخله عندما كان يتكلم عن الحكيم الذي يعمل ~~للباطن لا للعين، وكان ms189 يسقطه في أعماق بئره كلما ذكر التخلي عن النفس والعالم ~~والتخلص من كل الشهوات إلا شهوة عدم الاشتهاء، والتواضع للحضيض للارتفاع إلى القمة، ~~والبدء بتغيير النفس قبل التفكير في تغيير العالم، والتأخر عن الصفوف لإحراز ~~التقدم، وترك العمل لكي يعمل كل شيء من نفسه، كانت صورة الماء الرقيق الضعيف تؤكد ~~حضورها في صوره المتلاحقة عن الوداعة والسكينة والسر والصمت والرضا والقناعة، وكذلك ~~لم تغب عن حكمه التي سمعت منها كلمات متناثرة أو قرأتها بعد أن تسلمت الأوراق من يد ~~الغلام ذي الوجه الأبيض المستدير والابتسامة الساحرة الساخرة، حتى كانت ليلة زلزلت ~~فيها الأرض تحت كوخي الصغير وتفجرت الحمم من البركان الراقد في قلب الجبل المتجهم ~~الصامت. كنت قد أغمضت عيني في الكنة المجاورة للحجرة التي يملي فيها كلماته على ~~الغلام بعد أن قدمت لهما طبقي الحساء مع الأرز في هدوء الأشباح الحيية، وكانت عيني ~~قد غفلت قليلا بعد أن تساقط عليها تعب النهار كما يتساقط المطر من السحاب على شجرة ~~ذابلة أو بحيرة راكدة، ودوى صوت المعلم في أذني كأنه أبواق النذير التي يطلقها قائد ~~جبار على مدينة أطبق عليها الحصار، تحول الصوت الرفيع النحيل إلى زمجرة وتتابعت ~~قذائف النار من البركان المتفجر وانقلب جدول الماء الوديع إلى شلال يصب سيلا من ~~الحمم، كان الحكيم يتكلم عن الحاكم الحكيم ويحذره وينذره ولا يكتفي بنصحه وتعليمه: ~~ما يعلمه الناس أعلمه أنا أيضا، المتجبر لا يموت ميتة طيبة، افعل بغير أن تتدخل ~~بالفعل، احكم بغير أن تلجأ للقوة، أتريد أن تغزو العالم وتصنع منه ما تشاء؟ أبدا ~~لن تفلح في ذلك أبدا، العالم وعاء الله، من يلامسه بالعمل يفسده، من يتشبث به ~~يفقده، تجنب التطرف! تجنب التهور! تجنب الخيلاء! الأسلحة أدوات الشر، لا تسكن ~~بالقرب منها! إن أردت أن تكون الحاكم الحكيم للبشر فلا تفكر في أن تهزم غيرك أو ~~تغزو مملكته بالسلاح، هذا السلاح سوف يعود فينقلب عليك، وحيث تكون الجيوش تنمو ~~الأشواك والأحراش، حيث تزحف الجيوش تزحف السنون العجاف، تقول ms190 وماذا أفعل لو غزا ~~الأعداء؟ تتم عملك ثم تتوارى، تحارب معركتك ولا تحتفل بالنصر، تحقق هدفك ولا تمجد ~~نفسك، لأن من يجد الانتصار جميلا هو الذي يفرح برؤية الدماء، من يفرح برؤية الدماء ~~فقد خالف الطريق، وكل من يخالف الطريق فلا بد أن ينتهي ولما يزل في شبابه، إذا كان ~~الشعب يجوع فلأن حكامه يرهقونه بالضرائب التي تزيد عن طاقته. إذا كان اللصوص ~~وقطاع الطرق يتزايدون، فلأن القوانين التي يضعها الحاكم قد زاد عددها، احكم بغير ~~أن ترزح فوق صدر الشعب! قده بغير أن تضر به! كن خيرا مع الأخيار ومع الأشرار كذلك ~~خيرا! اجعل قلب الشعب هو قلبك والق الجميع كأنهم أطفالك! لا تشته أن تبرق كالجوهرة ~~ولا أن ترن كالمعدن الرنان! تذكر أن الحكام القدماء الذين كانوا نموذج المملكة سموا ~~أنفسهم باليتامى والعجزة والفقراء. كن كالماء، كن كالماء، عندئذ تغسل قذارة ~~العالم وتصبح سيد المملكة، عندئذ تحمل ذنوب العالم وتغدو ملك العالم. ~~••• # كان الحكيم قد تعب وأتعب الغلام فوق طاقته، قال له الآن يمكنك أن تخلد للنوم ~~وتجفف المداد يا ولدي، أما أنا فقد جفت دموعي التي أمليتها عليك، حاول أن تغمضهما ~~قليلا قبل أن نستأنف رحلتنا، وفي الصباح سلمها للحارس الفقير وسيعرف أنها وصيتي ~~التي كتبتها بدموعي المؤجلة. ~~••• # في الصباح وبعد أن قضيت ليلة لم يغمض لي فيها جفن سلمني الصبي الأوراق وهمس في ~~أذني بما قلته في البداية، وانكفأت بعد ذلك ليالي أخرى على الأوراق ولم أكتف بأن ~~أبللها بدموعي، كنت قد صممت منذ تلك الليلة العاصفة على أن أحملها للعالم وأوزعها ~~على الناس وأعلمها وأحفظها في قلبي لو حدث أن انتزعها مني أمثال المفتش الأعور، ~~وكان لا بد أن أهجر المخفر والمنفى وأرجع إلى مساكن البشر وفي قلبي هذا الكتاب ~~العجيب. أما أنتم يا من ستقرءونه بعدي فاذكروا، حين تشاهدون اسم الحكيم يسطع على ~~غلافه، ذلك الغلام الصغير الذي دونه في سبعة أيام وليال لا تتكرر، واذكروا أحد ~~الفقراء الذي انتزع من الحكيم وصيته التي ms191 ملأها بدموعه المؤجلة. # 1 ms192