######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.HadhaHuwaKullShay.Hindawi41714618 #META# Tags: literature #META# ID: 41714618 #META# Title: هذا هو كل شيء: قصائد من برشت #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # قصائد من 1914-1926م‏ # حكاية حديثة (1914م)‏ # حكاية البغي إيفيلين رو‏ # أبدا لم أحبك مثل هذا الحب‏ # أغنية عن حبيبة‏ # ألمانيا أيتها الشقراء الشاحبة‏ # إلى أمي‏ # أغنية عن أمي (1920م)‏ # من الواجب عدم المبالغة في النقد (حوالي ~~1922م)‏ # السوناتة العاشرة (حوالي سنة 1925م)‏ # تعال معي إلى جورجيا (حوالي 1925م)‏ # عن الرجال العظام (1926م)‏ # طقوس الأنفاس‏ # حديث صباح إلى الشجرة جرين‏ # سيد الأسماك‏ # عن مودة العالم‏ # عن المدن1‏ # كورال الشكر العظيم‏ # ذكرى ماري أ‏ # حكاية المرأة والجندي‏ # من أغاني ماهاجوني‏ # أغنية بينارس1‏ # كورال بال العظيم‏ # الفتاة الغريقة1‏ # خرافة الجندي الميت‏ ~~«ب. ب» برتولت برشت المسكين‏ # قصائد من 1926-1933م عن كتاب مطالعة لسكان ~~المدن‏ # أخف الآثار1‏ # أربع طلبات إلى رجل من جوانب مختلفة في أوقات مختلفة‏ # كثيرا ما أرى في المنام ...‏ # لفت نظر للمسئولين‏ # غناء الآلات‏ # نقش على شاهد لم يوضع ~~بعد على قبر ~~صاحبه‏ # من لا يعرف كيف يقدم العون ...‏ # عندما طوردت إلى المنفى ...‏ # الذين لا يزال عندهم أمل ...‏ # نقش على قبر (1919م)‏ # من أغاني المهد‏ # عن مسرحيتي الأم والقرار (1930-1931م)‏ # قصائد من 1933-1938م‏ # الشعراء المهاجرون‏ # في الأزمنة السوداء‏ # الشكاك‏ # عن العقم‏ # أشعار صينية1‏ # من قصائد سفيندبورج‏ # تاو-تي-كنج‏ # زيارة للشعراء المنفيين‏ # أمثولة بوذا عن البيت المحترق‏ # فحم لميكي‏ # خطاب فلاح إلى ثوره‏ # كتابة على قبر جوركي‏ # حريق الكتب‏ # خواطر عن المنفى‏ # إلى الأجيال القادمة‏ # قصائد من 1938-1941م‏ # من كتاب الحرب الثاني‏ # قصائد من مجموعة «المسينج كاوف» (أو شراء النحاس) ~~(1935-1940م)‏ # قصيدتان على لسان هيلينه فيجل‏ # قصائد من مجموعة شتيفين‏ # قصائد من 1941-1947م‏ # الإعصار‏ # قائمة بأسماء المفقودين‏ # جواب الجدلي على التهمة التي وجهت ~~إليه بأن نبوءته بهزيمة جيوش هتلر في الجبهة الشرقية لم ~~تتحقق‏ # صيف 1942م‏ # هوليوود‏ # قناع الشر‏ # طلوع النهار‏ # في صباح اليوم الجديد‏ # أنا الذي بقيت على قيد الحياة‏ # كل شيء يتحول‏ # قصائد من 1947-1956م‏ # الأصدقاء‏ # أنتيجون1‏ # عندما رجعت إلى الوطن‏ # إلى هيلينة فيجل1‏ # ملاحظة‏ # بيت جديد‏ # إلى مواطني‏ # مسرح العصر الجديد‏ # عن بهجة العطاء‏ ms001 # إلى ممثل يعيش في المنفى1‏ # صوت عاصفة أكتوبر‏ # الرجل الذي آواني‏ # حادث سعيد‏ # حادث غير سعيد‏ # نقش على برج عال‏ # أنت مرهق من العمل المستمر‏ # خبز الشعب‏ # من مرثيات بوكو‏ # قصائد اقتبسها الشاعر أو أعاد صياغتها واستلهامها عن شعراء مختلفين من الشرق والغرب‏ # من أغاني أوفيليا‏ # العجائز الصغيرات‏ # القبعة التي أهداها لي-شين للشاعر‏ # الطريق الذي أمر المستشار أن يفرش بالحصى‏ # الليلة التي لا تنسى‏ # الشيطان‏ # قصائد وأغاني مختارة من بعض مسرحياته‏ # قصائد وأغاني من مسرحية «بعل» (بال) (1918-1922م)‏ # عن مسرحية رجل برجل (1924-1926م)‏ # عن أوبرا القروش الثلاثة (1928م)‏ # ماكهيث يطلب الصفح والغفران‏ # عن أوبرا مهاجوني 1928-1929م‏ # عن مسرحية بادن التعليمية عن القبول (1929م)‏ # عن مسرحية الإجراء (أو القرار) (1929-1930م)‏ # عن مسرحية الاستثناء والقاعدة (1929-1930م)‏ # عن مسرحية الأم (1931م)‏ # عن مسرحية الرءوس المدورة والرءوس المدببة (1931-1934م)‏ # عن مسرحية الأم شجاعة وأبنائها (1939م)1‏ # عن مسرحية محاكمة لوكولوس (1939م)1‏ # عن مسرحية «الإنسان الطيب من ستشوان» (1938-1940م)‏ # عن مسرحية «السيد بونتيلا وتابعه ماتي» (1940م)‏ # عن مسرحية الصعود الذي يمكن أن يوقف ل «أرتورو أوي» (1941م)1‏ # عن مسرحية رؤى سيمون ماشار (1941-1943م)‏ # عن مسرحية شفايك في الحرب العالمية الثانية ~~(1943م)‏ # عن مسرحية دائرة الطباشير القوقازية (1943-1945م)‏ # عن مسرحية من العدم يكون العدم (1929-1930م)‏ # قصائد أخرى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # قصائد من 1914-1926م‏ # حكاية حديثة (1914م)‏ # حكاية البغي إيفيلين رو‏ # أبدا لم أحبك مثل هذا الحب‏ # أغنية عن حبيبة‏ # ألمانيا أيتها الشقراء الشاحبة‏ # إلى أمي‏ # أغنية عن أمي (1920م)‏ # من الواجب عدم المبالغة في النقد (حوالي ~~1922م)‏ # السوناتة العاشرة (حوالي سنة 1925م)‏ # تعال معي إلى جورجيا (حوالي 1925م)‏ # عن الرجال العظام (1926م)‏ # طقوس الأنفاس‏ # حديث صباح إلى الشجرة جرين‏ # سيد الأسماك‏ # عن مودة العالم‏ # عن المدن1‏ # كورال الشكر العظيم‏ # ذكرى ماري أ‏ # حكاية المرأة والجندي‏ # من أغاني ماهاجوني‏ # أغنية بينارس1‏ # كورال بال العظيم‏ # الفتاة الغريقة1‏ # خرافة الجندي الميت‏ ~~«ب. ب» برتولت برشت المسكين‏ # قصائد من 1926-1933م عن كتاب مطالعة لسكان ~~المدن‏ # أخف الآثار1‏ # أربع ms002 طلبات إلى رجل من جوانب مختلفة في أوقات مختلفة‏ # كثيرا ما أرى في المنام ...‏ # لفت نظر للمسئولين‏ # غناء الآلات‏ # نقش على شاهد لم يوضع ~~بعد على قبر ~~صاحبه‏ # من لا يعرف كيف يقدم العون ...‏ # عندما طوردت إلى المنفى ...‏ # الذين لا يزال عندهم أمل ...‏ # نقش على قبر (1919م)‏ # من أغاني المهد‏ # عن مسرحيتي الأم والقرار (1930-1931م)‏ # قصائد من 1933-1938م‏ # الشعراء المهاجرون‏ # في الأزمنة السوداء‏ # الشكاك‏ # عن العقم‏ # أشعار صينية1‏ # من قصائد سفيندبورج‏ # تاو-تي-كنج‏ # زيارة للشعراء المنفيين‏ # أمثولة بوذا عن البيت المحترق‏ # فحم لميكي‏ # خطاب فلاح إلى ثوره‏ # كتابة على قبر جوركي‏ # حريق الكتب‏ # خواطر عن المنفى‏ # إلى الأجيال القادمة‏ # قصائد من 1938-1941م‏ # من كتاب الحرب الثاني‏ # قصائد من مجموعة «المسينج كاوف» (أو شراء النحاس) ~~(1935-1940م)‏ # قصيدتان على لسان هيلينه فيجل‏ # قصائد من مجموعة شتيفين‏ # قصائد من 1941-1947م‏ # الإعصار‏ # قائمة بأسماء المفقودين‏ # جواب الجدلي على التهمة التي وجهت ~~إليه بأن نبوءته بهزيمة جيوش هتلر في الجبهة الشرقية لم ~~تتحقق‏ # صيف 1942م‏ # هوليوود‏ # قناع الشر‏ # طلوع النهار‏ # في صباح اليوم الجديد‏ # أنا الذي بقيت على قيد الحياة‏ # كل شيء يتحول‏ # قصائد من 1947-1956م‏ # الأصدقاء‏ # أنتيجون1‏ # عندما رجعت إلى الوطن‏ # إلى هيلينة فيجل1‏ # ملاحظة‏ # بيت جديد‏ # إلى مواطني‏ # مسرح العصر الجديد‏ # عن بهجة العطاء‏ # إلى ممثل يعيش في المنفى1‏ # صوت عاصفة أكتوبر‏ # الرجل الذي آواني‏ # حادث سعيد‏ # حادث غير سعيد‏ # نقش على برج عال‏ # أنت مرهق من العمل المستمر‏ # خبز الشعب‏ # من مرثيات بوكو‏ # قصائد اقتبسها الشاعر أو أعاد صياغتها واستلهامها عن شعراء مختلفين من الشرق والغرب‏ # من أغاني أوفيليا‏ # العجائز الصغيرات‏ # القبعة التي أهداها لي-شين للشاعر‏ # الطريق الذي أمر المستشار أن يفرش بالحصى‏ # الليلة التي لا تنسى‏ # الشيطان‏ # قصائد وأغاني مختارة من بعض مسرحياته‏ # قصائد وأغاني من مسرحية «بعل» (بال) (1918-1922م)‏ # عن مسرحية رجل برجل (1924-1926م)‏ # عن أوبرا القروش الثلاثة (1928م)‏ # ماكهيث يطلب الصفح والغفران‏ # عن أوبرا مهاجوني 1928-1929م‏ # عن مسرحية بادن التعليمية عن القبول (1929م)‏ # عن مسرحية الإجراء (أو القرار) (1929-1930م)‏ # عن ms003 مسرحية الاستثناء والقاعدة (1929-1930م)‏ # عن مسرحية الأم (1931م)‏ # عن مسرحية الرءوس المدورة والرءوس المدببة (1931-1934م)‏ # عن مسرحية الأم شجاعة وأبنائها (1939م)1‏ # عن مسرحية محاكمة لوكولوس (1939م)1‏ # عن مسرحية «الإنسان الطيب من ستشوان» (1938-1940م)‏ # عن مسرحية «السيد بونتيلا وتابعه ماتي» (1940م)‏ # عن مسرحية الصعود الذي يمكن أن يوقف ل «أرتورو أوي» (1941م)1‏ # عن مسرحية رؤى سيمون ماشار (1941-1943م)‏ # عن مسرحية شفايك في الحرب العالمية الثانية ~~(1943م)‏ # عن مسرحية دائرة الطباشير القوقازية (1943-1945م)‏ # عن مسرحية من العدم يكون العدم (1929-1930م)‏ # قصائد أخرى‏ # | هذا هو كل شيء # | هذا هو كل شيء # | قصائد من برشت # تأليف # برتولد برشت # جمع وترجمة # عبد الغفار مكاوي # | مقدمة الطبعة الثانية # يحتفل العالم في هذا العام (1998م) بالذكرى المئوية لميلاد برتولت برشت (ولد في مدينة ~~أوجسبرج من منطقة شفابن بجنوب ألمانيا في العاشر من شهر فبراير سنة 1898م، ومات في مدينة ~~برلين - الشرقية سابقا - إثر أزمة قلبية مفاجئة في الرابع عشر من شهر أغسطس سنة 1956م) ~~وهو الشاعر، وكاتب المسرحية والأوبرا والفيلم السينمائي، والقصاص والروائي والمخرج ~~والمنظر للمسرح الملحمي، والمناضل الاشتراكي ضد البربرية النازية وتجار ~~الحروب، وفي سبيل العقل والحرية والسلام والأخوة البشرية، وصنع عالم جديد يتوقف ~~فيه الاستغلال والاضطهاد والفقر والجوع والظلم والاغتراب ... # ولقد تصادف أن كان كاتب هذه السطور - على مبلغ علمه على الأقل! هو أول من قدمه ~~إلى العربية بترجمة إحدى مسرحياته التعليمية - وهي الاستثناء والقاعدة - عن ~~الفرنسية في سنة 1956م (نشرت آنذاك في مجلة الهدف قبل نشرها مع تمثيليته ~~الإذاعية التي حولها إلى أوبرا، وهي محاكمة لوكولوس، في أوائل الستينيات)، وتقديم ~~عدد من قصائده المشهورة سنة 1958م في مجلة المجلة (وكان يرأس تحريرها في ذلك الحين ~~السندباد البحري والمصري العظيم المرحوم الدكتور حسين فوزي) وأضيف إليها بعد ذلك ~~عدد آخر من عيون قصائده التي بلغت ما يقرب من ثمانين قصيدة صدرت في كتاب مستقل ~~(قصائد من برخت، دار الكاتب العربي، 1967م)، ثم بعض مسرحياته (بعل، السيد بونتيلا ~~وتابعه ماتي، قائل نعم وقائل لا) التي كان ms004 آخرها هي أوبرا ~~صعود وسقوط مدينة مهاجوني في ترجمة شعرية حديثة ~~(تحت الطبع في المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة) وقد شعر الكاتب أن من ~~واجبه، بعد هذه الجهود المتواضعة وعلى ضوء تلك ~~الواقعة التاريخية التي لا يعلق عليها أية أهمية؛ لأنها كانت وليدة الصدفة ~~المحضة كما ذكر قبل قليل، ثم على ضوء اهتمامه بمسرح برشت وتأثره به بصور مختلفة في ~~عدد غير قليل من مسرحياته الطويلة والقصيرة، أقول إنه شعر أن من واجبه أن يشارك ~~في الاحتفال بذكرى هذا الرجل الذي كان شعره ومسرحه - كما قال بحق ناشر أعماله ~~وصديقه بيتر زور كامب - تاريخا فنيا لبلاده وجراحها الأليمة منذ عام 1918م إلى عام ~~وفاته، والذي يقترن اسمه باسم أكبر شعراء بلاده (وهو جوته (1749-1832م)) من ناحية ~~شهرتهما، وقوة تأثيرهما وتوهج إشعاعهما خارج حدود بلادهما أكثر من أي شاعر ~~أو كاتب آخر من أبناء وطنهما، والذي تحتم تطورات الأحداث في هذا القرن العشرين الذي ~~أوشكت شمسه على الأفول - لا سيما بعد الانهيار المدوي للتطبيق الاشتراكي وبعد تحقيق ~~الوحدة الألمانية التي كان الشاعر نفسه يحلم بها ويعمل لها - ضرورة قراءته من جديد، ~~والتعلم من واقعيته وعقلانيته وحكمته وكفاحه المستمر ومعاناته الطويلة في ~~المنفى، ودفاعه الصامد عن الحقيقة والصدق في التعبير عن الواقع المتغير، وعن ~~حقوق الرجل العادي أو الرجل الصغير الذي طالما وقع خلال التاريخ البشري ضحية ~~الخداع والكذب والتزييف وتغييب العقل بالدعاوى الضخمة والباطلة، بجانب إحساسه ~~المتزايد في أواخر عمره بمرارة الإحباط والعدمية والخيبة، دون التخلي أبدا حتى ~~آخر نفس في صدره عن الإيمان بالجديد، والتمسك براية الأمل في مستقبل أفضل للإنسان ~~والأرض والعالم «الذي يحتاج للتغيير» حتى يستقر فيه العدل والعقل والمودة والسعادة ~~لجميع البشر ... # ولقد شعر كاتب السطور أيضا بأن مشاركته في الاحتفال بذكرى الشاعر تعبر في نفس ~~الوقت عن الامتنان والعرفان الذي يحمله له، كذلك عدد كبير من إخوانه الشعراء والكتاب ~~العرب الذين تأثروا به بصور متفاوتة (ومن أهمهم: سعد الله ونوس، ومحمود دياب، ~~ونجيب سرور، وعبد ms005 الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور - رحمهم الله - وألفريد فرج، ووليد ~~إخلاصي، وفرحان بلبل، ويوسف العاني - مد الله في عمرهم - بجانب أسماء كريمة أخرى لعدد ~~كبير من النقاد والباحثين والدارسين والمترجمين النابهين الذين لا يتسع ~~هذا المجال المحدود لذكر أسمائهم وأعمالهم وجهودهم الطيبة، أو الوفاء بواجب الشكر ~~والتقدير لهم، مثل الإخوة: نبيل حفار، وأحمد الحمو، وفاروق عبد الوهاب، ووجيه سمعان، ~~ومحمد العيتاني، ونسيم مجلي، وكامل يوسف حسين، وأحمد كمال زكي، وجميل نصيف التكريني، ~~وأحمد عتمان، ومنى أبو سنة). # ترك برشت وراءه تراثا ضخما يستوعب كل الأشكال الأدبية الممكنة: خمسين ~~مسرحية، أكثر من ألفي قصيدة، كتابات نثرية متنوعة، وشروح نظرية مستفيضة لنظريته ~~عن المسرح الملحمي وآرائه وتجاربه مع الإخراج والتمثيل والإلقاء والديكور والإضاءة ~~والموسيقى، وسائر اللوازم المدعمة لذلك المسرح «الجدلي» الذي وضعه في مواجهة المسرح ~~التقليدي أو «الأرسطي». وقد حقق في هذه المجالات الملحمية والشعرية الغنائية ~~والدرامية إنجازات أثارت أسئلة وإشكالات كثيرة وأثرت تأثيرا كبيرا على ثلاثة ~~أجيال من بعده. والنثر الذي كتبه يضم الرواية (كالقروش الثلاثة، وأعمال السيد ~~يوليوس قيصر) والأقصوصة، والقصة القصيرة - التي تبالغ أحيانا في القصر حتى تتخذ ~~شكل الطرفة أو النكتة، والحكمة المركزة المكثفة - كما نجد في القصص التي أطلق ~~عليها تسمية مأثورة، وهي قصص النتيجة السنوية، أو في قصصه الرائعة عن السيد كوينر ~~التي بدأها سنة 1926م وكتب آخر قصة فيها سنة 1956م ووصل عددها إلى تسع وثمانين قصة لا ~~يزيد بعضها عن جمل قليلة أو حكم تعليمية لاذعة! وكثيرا ما تتجلى هذه الأعمال ~~النثرية في صورة الحكاية الشعبية الخرافية، أو قصص الخوارق وقصص الأبطال، أو ترتدي بعض ~~الأشكال التقليدية كالقصة الرعوية أو الملحمة أو الخرافة على لسان الحيوان أو ~~الأمثولة أو المثل، مع الاستفادة والاقتباس من كل الآداب والأدباء على اختلاف البلاد ~~والعصور والثقافات دون أي تحرج من أخذ مادته من أي مصدر، وصوغها وتفسيرها بأي ~~طريقة تلائم موضوعاته وأغراضه، أو معارضتها والسخرية منها، كما فعل مع بعض آثار ~~عدد من الشعراء الكلاسيكيين، # 1 # وأما الشعر ms006 الذي يهمنا أمره هنا قبل كل شيء فنجده ينسج أجنحته ~~من جميع الأشكال الشعرية المعروفة: من الحكاية أو القصة الشعرية (البالاد) إلى ~~المرثية، والقصيد الموجز (الأبيجرام)، ونشيد الجوقة (الكورال) وقصائد المناسبات، إلى ~~الأغنية البطولية، والترنيمة، وأغنية المهد، وأغاني الحب، والأنشودة والمزمور ~~والسوناتة، والثلاثية (الترسينة)، والرومانسة، وأغنيات (أو مواويل) المغنين ~~الجوالين والشحاذين والصعاليك. كل ذلك مع السيطرة المقتدرة على جميع الأشكال ~~العروضية والإيقاعية، سواء كانت تقليدية متقيدة بالأوزان والبحور والقوافي، أو ~~كانت من الشعر الحر أو المرسل، # 2 # مع احتفاظ هذا الشعر على الدوام بطابع التشكك، والتساؤل، وإبراز ~~المفارقة والتناقض، واستثارة القارئ للتفكير بنفسه ولنفسه، واتخاذ المواقف العقلانية ~~والعملية مما يعرض عليه في القصيدة أو على خشبة المسرح، وتحريضه على عدم التسليم ~~أو الاستسلام لما يصور له على أنه ثابت أو دائم أو مقدس، وكل هذا مع احترام ~~حريته في قبول ما يعرضه الشاعر عليه من مقترحات لتغيير نفسه وتغيير الواقع. # عندما فرغت في منتصف الستينيات من اختيار هذه المجموعة وحتى صدورها بعد ذلك ~~بسنتين، لم يكن تحت يدي في ذلك الوقت سوى مجموعة صغيرة منتخبة من قصائد برشت ~~وأغانيه، بجانب بعض مسرحياته - في طبعتها القديمة تحت عنوان «المحاولات» - فاخترت ~~منها حوالي ثمانين قصيدة وأغنية مما وجدته ملائما لذوق القارئ العربي ولما أملاه ~~علي ذوقي وطبعي وميلي إلى الحكايات الشعبية والأغاني الجماعية والأشعار ~~المقتبسة من الحضارات العريقة كالصين ومصر القديمة، والقصائد التي تنزف بدماء ~~الإنسان العادي ومواجعه وتكشف عن بشاعة الحروب وفظاعة القتلة والسفاحين ~~الذين يدبرونها ويتاجرون بها ويجرون «الرجل الصغير» إلى مذابحها. لم تكن الطبعة ~~الكاملة لأشعار برشت قد ظهرت بعد، إذ كان على القراء أن ينتظروا ما يقرب من الثلاثين ~~عاما قبل صدورها عند نفس الناشر - وهو زور كامب - في سنة 1990م في حوالي ألف وثلاثمائة صفحة. # 3 # وقد استقبلت «قصائد من برخت» (بعد أن رفضتها بعض دور النشر ~~«التقدمية» في بيروت والقاهرة) # 4 # استقبالا حسنا من القراء، ولقيت صدى طيبا لدى عدد كبير من ~~الشعراء والكتاب والنقاد، ثم ms007 دارت عجلة الأيام والأحداث فعكفت طوال الشهور ~~الأخيرة على مراجعة تلك الطبعة القديمة مراجعة دقيقة (أدهشتني وأخجلتني كثرة ~~الأخطاء التي وقعت فيها!) وأضفت إليها عددا كبيرا من الأغاني والحكايات الشعرية، ~~والقصائد التي كتبها الشاعر خلال الخمسة عشر عاما التي قضاها في منفاه، أو بالأحرى ~~في منافيه المتعددة من الدنمرك والسويد وفنلندا إلى لوس أنجيلوس في كاليفورنيا ~~بالولايات المتحدة الأمريكية حتى رجوعه إلى منفاه النهائي في برلين الشرقية، حيث عاش ~~سنواته الأخيرة في ظل التطبيق الاشتراكي الغبي والمتزمت لحكومة ألمانيا الشرقية ~~السابقة وحزبها الواحد. ويكفي أن تنظر في الفهرس التفصيلي لهذه المجموعة الجديدة لترى كيف ~~التزمت بالترتيب التاريخي الذي غاب عني الالتزام به في الطبعة السابقة، وكيف ~~تتبعت المراحل والمجموعات الشعرية المختلفة التي نشرها الشاعر خلال حياته ~~القصيرة، وحرصت على تمثيل كل الأشكال الشعرية والاتجاهات الفنية والفكرية والموضوعات ~~التي استأثرت باهتمامه وحبه، وعرضت علينا جراحه وجراح بلده التي مزقتها ~~حربان عالميتان شوهتا صورتها وقيمها وثقافتها في عيون العالم، وكيف انضمت ~~إلى هذه القصائد المتنوعة الأشكال والأغراض قصائد وأغان وحكايات مأخوذة عن معظم ~~مسرحياته التي أتمها أو التي بقيت شذرات ناقصة، مع مراعاة الترتيب التاريخي في كل ~~الأحوال، بدءا بقصائده «التعبيرية» في المرحلة الفوضوية والعدمية التي وقع فيها ~~تحت تأثير هذه الحركة الفنية والأدبية ذات المزاعم المطلقة والتهويمات الغامضة ~~والصاخبة التي قاومها وحاربها بكل العنف والقسوة، حتى تلك القصائد التي سبقت ~~وفاته المفاجئة وعبرت عن ضيقه بحياته وواقعه وخيبة أمله في آماله الاشتراكية ~~والإنسانية التي رأى طيورها المتعبة تتخبط بأجنحتها في وحل الواقع الممل ~~والتطبيق المتعثر في مهاوي الإرهاب الأيدلوجي والبوليسي. # ولما كان الشعر والدراما مرتبطين ارتباطا حميما في إنتاج برشت، وكان كلاهما ~~مغروس الجذور في حياته وتاريخه الفردي وفي حياة بلاده وتاريخها الاجتماعي، فقد رأيت من ~~الضروري أن أعرض عليك مراحل التطور المهمة التي مرت بها «أنا» الشاعر التي ~~حرص دائما على مسافة البعد بينه وبينها، وكانت دائما بالنسبة إليه هي «نحن» بلاده ~~والعالم والبشرية بأسرها، كما كانت - إذا جاز التعبير ms008 - أنا محايدة وباردة ~~وموضوعية، بل ملحمية، لم تكشف عن هويتها وهمومها الشخصية والعاطفية إلا في عدد جد ~~قليل من قصائد الحب وأغانيه التي يمكن القول أيضا بأنها تختلف في كثير من الأحيان ~~عما ألفناه من شعر الحب الغنائي والذاتي، وأنها تحاول أن تخفي من عاطفيته ~~الصادقة المتأملة أكثر مما تظهر (راجع على سبيل المثال ما يمكن أن نسميه ~~قصائد الاعتراف مثل أشهر قصيدتين له وهما برت برشت (ب. ب) المسكين، وإلى الأجيال ~~القادمة، وكذلك أغاني الحب القليلة مثل: أغنية عن حبيبة، وأبدا لم أحببك مثل هذا ~~الحب، وذكرى ماري). # ربما كان أهم ما تعلمه برشت من الفلسفة الجدلية - سواء كانت مثالية ~~هيجلية أو مادية ماركسية - هي فكرة التجدد والتغير التي تحولت عنده إلى ~~دعوة مستمرة للتغيير لا يفتأ يوجهها إلى قارئ شعره ويطالب بها المتفرج على ~~مسرحياته (راجع على سبيل المثال قصائده عن: الجدل، وسيولة الأشياء، وعجلة الماء، ~~والشكاك، وكل شيء يتحول، وغير العالم فهو يحتاج للتغيير، وهكذا يربي ~~الإنسان نفسه حين يغير نفسه). سئل ذات مرة عما يمكن أن يفعله في سبيل إنسان ~~يحبه فقال: «أضع له مخططا نموذجيا وأبذل كل ما في وسعي لكي يكون مشابها ~~له.» وعندما عاود السائل سؤاله وهو مندهش: من تقصد؟ النموذج؟ رد عليه بهدوء: بل الإنسان. # 5 # هذا الرد المفاجئ يعبر عن اقتناع برشت بأن الإنسان يستطيع دائما أن ~~يبدأ من جديد حتى لو تحتم أن يجيء هذا التجدد مع آخر أنفاسه (راجع قصيدته البديعة ~~يا لذة البدء الجديد) ولو قفزنا إلى اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة لوجدناه ~~يملي هذه العبارة على أحد الذين حضروا وفاته: «أكتب أنني ~~كنت إنسانا غير مريح، وأنني أنوي أن أبقى كذلك ~~بعد موتي ...» ثم يفتح عينيه قبل أن يغمضهما إلى الأبد؛ ليقول: «ولكن ستبقى ثمة ~~إمكانات معينة.» وصدق التاريخ حدسه، فتقلبت مواقف الناس منه في بلاده وفي العالم ~~كله بين التحمس الجارف له والإعجاب الشديد به - لدرجة تقليده تقليدا أعمى - إلى ~~كراهيته واحتقاره والعداء القاتل لشخصه ms009 وإنتاجه الذي تغيرت كذلك المواقف منه ومن ~~نظريته الشهيرة عن المسرح الملحمي وضرورة إحداث «أثر الإغراب» سواء في صياغة النص ~~أو في طريقة عرضه وإلقائه أو في تأثيره الممكن والمطلوب على المتفرج لتغييره ودعوته ~~لتغيير علاقاته بالواقع وعلاقات الواقع به، بحيث يمكن في النهاية أن نردد ما قاله عن ~~نفسه في إحدى قصائده (عن الأسنان السيئة): # محتقر، شرير، وازداد برودي بمرور الأعوام، # فتركت كياني يستسلم للآفاق الميتافيزيقية ... # ونعود إلى الحب الذي بدأنا به لتصوير إيمانه بضرورة التغير والتغيير فنجده (أي ~~الحب!) يعبر عن هذا الاعتقاد الراسخ - الذي غذاه اقتناعه الجذري بالاشتراكية، ~~وقراءاته المستفيضة في شبابه لماركس، ويقينه الدائم بأن المستغلين والمضطهدين ~~والجوعى والمظلومين والمخدوعين من العمال والفقراء والعامة هم الأداة الحقيقية ~~للتغيير - فنحن في رأيه لا نحب إنسانا «جاهزا» ولا نحب «الصورة» التي نصنعها ~~منه ثم نصاب بعد ذلك بخيبة الأمل لأنه لم يحققها أو لم يكد يقترب منها (كما هو ~~الحال في مآسي العلاقة التي توصف عادة بصفة الحب بين فئات الطبقة الوسطى!) ذلك لأن ~~الحب «فعل منتج» أو مبدع «يشكل» المحبوب ويساعده على إظهار قدراته ~~وتنميتها، ويجعل منه إنسانا آخر غير ما كان عليه قبل أن نرتبط به بعلاقة الحب. ولعل ~~هذا يفسر كثرة علاقات الحب في حياة برشت (على الرغم من أن المرأة المحبة ~~والمحبوبة لا تقوم بدور كبير في شعره ومسرحه، على العكس من دور «الأم» المتميز ~~المشحون بالعاطفة في أشعاره وفي العديد من مسرحياته، كالأم، وبنادق السيدة كارار، والأم ~~شجاعة وأبناؤها، ودائرة الطباشير القوقازية، وقائل نعم وقائل لا، وانظر كذلك قصيدته إلى ~~أمي وأغنية عن أمي) أو لعله يفسر أيضا كثرة زيجاته - وآخرها مع زوجته ~~ومديرة فرقته المسرحية في مسرح الشفباور دام هيلينة فايجل، التي ارتبط اسمها بدورها ~~الخالد في الأم شجاعة، كما أهداها هو نفسه عددا من أرق قصائده التي تجد بعضها في ~~هذه المجموعة - ولعله يفسر أخيرا كيف كانت النساء اللائي صادفهن واستعان بهن في ~~عمله «أدوات إنتاج» (بالمعنى الفني لا الاقتصادي!) تحثه ms010 على المزيد من الإبداع، وكيف ~~كان «جريه» وراءهن نوعا من البحث عن «الأم» التي لا ينفك المبدعون يفتشون عنها ~~سدى في الحبيبة والزوجة على أمل العثور عليها ثم يكتشفون في النهاية أنهم كانوا ~~واهمين. # سيطرت مقولة «التغير» و«التغيير» على حياة برشت وتفكيره وأعماله منذ صباه وشبابه ~~الباكر بحيث يمكن أن نجعل هذه العبارة شعارا له: حذار أن تبقى حيثما كنت وكيفما ~~كنت. فأصوله تنحدر من الغابات السوداء (حيث عاشت عائلة أبيه في بلدة آخرن في المنطقة ~~الجنوبية التي تعرف باسم الغابة السوداء) وأمه قد حملته إلى مدن الأسفلت (كما يقول ~~في قصيدته عن برتولت برشت المسكين) وهناك ولد ونشأ في مدينة أوجسبرج التي كان أبوه يعمل ~~فيها موظفا بسيطا في «شركة هايندل» لصناعة الورق قبل أن يترقى بالتدريج إلى ~~منصب المدير التجاري وينقل أسرته من قاع الطبقة الوسطى الفقيرة إلى حياة «برجوازية» ~~مريحة في مسكن واسع يسرته له الشركة وسط البيئة العمالية المحيطة. ويبدو أن ~~احتقاره للبرجوازية وعداءه الاستفزازي لها قد بدأ يتملك وعيه منذ ذلك الحين، ثم ~~وصل إلى حد مقاطعة أسرته تماما بعد موت أمه في اليوم الأول من شهر مايو سنة 1920م. ~~وحاول بعد ذلك بوقت طويل أن يجد في أصوله نفسها مبررا تاريخيا لانتمائه إلى الطبقة ~~الدنيا وانشقاقه المبكر عن طبقته، وذلك في قصيدته البديعة «العجوزة المهينة» عن ~~جدته لأبيه التي تفرق أبناؤها وبناتها بعد موت الأب ورفضت أن يعيش أحدهم معها في ~~بيت العائلة الكبير، مصممة على أن تعيش السنتين الأخيرتين من عمرها حرة طليقة ~~بين أصدقائها الفقراء، مستمتعة بمالها القليل لتعويض شقاء العمر الذي قضته في ~~عبودية الخدمة المضنية لأفراد أسرتها وأبنائها الذين قاطعتهم وضاقت حتى بسؤالهم ~~عن أحوالها أو الإشفاق عليها والوقوف بجانبها. # ومع ذلك فقد عاش حياة صبي برجوازي عادي، وتزعم «شلة» الأصدقاء الفوضويين ~~الذين دأبوا على إزعاج المواطنين في الشوارع بصخبهم وغنائهم وعزفهم على القيثارة، ~~وعلى التجمع في أحضان الطبيعة الأم على ضفاف «نهر الليش» أو في أعماق الغابة ~~السوداء. وخلد ms011 برشت هذه المرحلة الفوضوية المعبرة عن عدائه للبرجوازية في شخصية ~~الشاعر التعبيري المتهتك والمستهتر بكل القيم والمواضعات الاجتماعية إلى حد ~~العدمية في أولى مسرحياته الكبرى في شخصية «بعل» الذي يحيا حياة وحش طبيعي ~~فاجر على حساب الآخرين. ويصعب في الحقيقة أن نقول إنه نموذج مطابق تماما لشخصية برشت ~~في ذلك الحين مهما اتفق معه في نزعته العدمية المتمردة. ~~والدليل على هذا أنه يسخر طول الوقت في هذه المسرحية ~~- وفي المسرحيتين التعبيريتين التاليتين لها وهما: طبول في الليل، وفي ~~أدغال المدن - سخرية فظيعة من التعبيرية التي عاصرها وتأثر بأساليبها الفنية، ~~ولكنه رفضها من أعماقه وطفق يبحث عن بديل إيجابي يستطيع أن يغير الواقع ~~الفاسد ولا يكتفي بالصراخ المطلق الأجوف احتجاجا عليه (راجع كورال بعل العظيم، ~~وأغنية بعل والموت في الغابة، وغيرها من قصائد هذه المرحلة التي امتدت حتى أواسط ~~العشرينيات). والغريب أن كراهيته الشديدة للحرب قد ظهرت بالفعل في القصيدة المشهورة ~~التي كتبها سنة 1918 وهي «خرافة الجندي الميت» التي ضمنت له في العشرينيات ~~مكانا مرموقا في القائمة السوداء التي أعدها النازيون للكتاب والشعراء الذين ~~اتهموهم بعد ذلك بالخيانة والانحلال وأحرقوا كتبهم في ذلك الحريق الأسود المعروف ~~(راجع نص القصيدة ضمن القصائد المختارة من إنتاجه الشعري بين سنتي 1916 و1926م). ~~ويقال إنها كانت وراء تجريد النازيين له من الجنسية بسبب سخريته الفظيعة فيها من ~~العسكرية الألمانية. # وتعثرت دراسة برشت - التي قطعها عمله كممرض في المستشفيات المتنقلة خلال ~~الحرب العالمية الأولى - بين مدينتي أوجسبورج وميونيخ، وبين الفلسفة والعلوم الطبيعية ~~وعلوم الأدب والمسرح، فلم ينتظم فيها ولم يتمها أبدا. ولكنه عوض عن ذلك الفشل ~~بكتابة مسرحية «طبول في الليل» (1919م) التي حققت له أول نجاح باهر في حياته ~~المسرحية عندما جلبت له جائزة كلايست الأدبية المرموقة في سنة 1922م (نسبة إلى الأديب ~~والكاتب المسرحي العظيم هينريش فون كلايست (1777-1811م)). والجدير بالذكر أن الناقد هربرت ~~إيهيزنج - الذي يعد بحق مكتشف برشت - قد كتب يقول في ذلك الحين بلهجة شديدة ~~التحمس للكاتب المسرحي الناشئ: «إن ms012 برتولت برشت قد غير الوجه الأدبي لألمانيا.» وهذه ~~المسرحية - التي تشرفت بمراجعة ترجمتها العربية في الستينيات - توجه النقد القاسي ~~للطبقة البرجوازية التي تكونت في ظل جمهورية فيمار الضعيفة المتهالكة وحققت ~~«إنجازاتها» على جثث الضحايا من الفقراء والعمال العاطلين والمهزومين العائدين من ~~الحرب. هنا نجد نموذج الإنسان «المتكيف» في العشرينيات، كما نجد في مسرحية «رجل ~~برجل» (التي كتبت بين سنتي 1924 و1926م) نموذج الإنسان «المتفاهم» مع الواقع ~~الاجتماعي المتغير إلى حد الموافقة على أن يستبدل بشخصه شخصا آخر يمكنه أن ~~يعايش الواقع الجديد. لقد تغير هذا الواقع وغير معه الإنسان تغييرا عميقا بإخضاعه ~~لسطوة التقنية وإغراق فرديته في مجتمع «الجماهير» وتكريس ~~عزلته واغترابه وفقدان «وجهه» وشخصيته. ولا يعني ~~«التفاهم» الذي تدافع عنه المسرحيتان قبول المعطيات الجديدة قبولا أعمى، بل ~~يعني ضرورة وضعها في الاعتبار كحقائق اجتماعية لا بد من الاعتراف بها إذا أردنا ألا ~~يقف التغيير عند حدود الرغبة والتمني، وإذا حاولنا كذلك أن يستعيد الإنسان ~~فرديته أو تفرده كجزء لا يتجزأ من الجماعة و«أنا» لا قوام لها إلا ب «النحن» ~~ولا عمل حقيقيا إلا من خلاله. ولا تعني هذه المرحلة من حياة برشت وإنتاجه (من حوالي ~~1924م إلى 1931م) التي وصفت أحيانا بالمرحلة السلوكية (نسبة إلى المدرسة السلوكية ~~الأمريكية المعروفة في علم النفس - أو بالأحرى علم السلوك!) أنه أذعن لأيديولوجية ~~التكيف الرأسمالية أو أغمض عينه عن اغتراب الفرد وبؤسه في ظل العلاقات الاجتماعية ~~البرجوازية أو توقف عن التمرد عليها، بل معناه أن هذه الحقائق والضرورات الجديدة قد ~~أصبحت وقائع ينبغي أن يحسب حسابها؛ لأن الإنسان المغترب في هذا المجتمع لن يتخلص من ~~اغترابه إلا بتغيير المجتمع، ولأن الفرد ليس معطى في فراغ وإنما هو نتاج العملية ~~الاجتماعية نفسها. وتفهم هذه العملية - ولا أقول الموافقة عليها! هو الشرط الضروري ~~لتغييرها وتغيير الإنسان «الاجتماعي» معها - وطبيعي أن نلمح هنا البدايات الاشتراكية ~~التي ظهر معها إيمان برشت بدور «الجماهير» في المجتمع الطبقي، أي بدور الطبقة العاملة ~~كقوة تاريخية قادرة على التغيير. # غير برشت ms013 مكان إقامته أيضا، وأخذ يهيئ نفسه للانتقال من ميونيخ - التي عاش وعمل فيها ~~حتى سنة 1924م - إلى برلين التي سيعقد فيها أواصر صداقات عديدة، ويقدم بعض أعماله ~~الدرامية للعرض على مسارحها (قدمت «طبول في الليل» على خشبة المسرح الألماني في ~~شهر ديسمبر سنة 1923م. و«في أدغال المدن» على المسرح نفسه بعد مرور ما يقل عن العام، ~~كما تعرف على هيلينة فايجل التي تزوجها بعد ذلك وجسدت أهم وأشهر شخصياته وهي ~~الأم شجاعة، وتولت إدارة فرقته المسرحية بعد رجوعه معها من منفاه في سنة 1948). ~~وتجلت شخصية برشت «الجماعية» التي لا يحلو لها العيش والإنتاج إلا مع الجماعة ومن ~~أجلها، ولا تؤمن بالخرافة الموروثة عن الرومانسية والتعبيرية بأن الأديب كائن فردي ~~متوحد؛ فهو يغوص في أدغال المدينة، ويوثق صلاته بالأصدقاء، ويستعين بالمساعدين ~~والمساعدات (مثل مرجريته شتيفن وإليزابيت هاوبتمان التي لازمته حتى وفاته) في إعداد ~~نصوصه وتعديلها ومناقشتها معهن ومع الممثلين والفنيين والنظارة أيضا في صبر ~~وتسامح وقدرة نادرة على التعلم من الآخرين، وعلى الإنتاج الجماعي للمسرحية # 6 # والفيلم على السواء، وتغيير النظرة السائدة للعلاقة بين الفن والمجتمع؛ ~~لأن الأصالة تكمن في الاعتراف بأن الأبنية العظيمة لا يستطيع أن يشيدها فرد واحد ~~(على حد قوله في ختام إحدى قصصه اللاذعة عن السيد كوينر). ومن هنا ألصقت به ~~أيضا تهمة السرقة الأدبية والتسبب في نهب التراث دون أي حرج (كما فعل معه ~~الناقد ألفريد كير بعد عرض أوبرا القروش الثلاثة التي اقتبسها عن الكاتب الإنجليزي جون ~~جاي، فرد عليه مبررا ذلك «بمرونته المبدئية» في المسائل الخاصة بالملكية ~~الثقافية، وبحقه المطلق في معالجة أي مادة يراها ملائمة لتحقيق أغراضه ~~الفنية ورسالته الأدبية والاجتماعية). وكم أخذ واقتبس - كما سبق القول - على ~~طريقته من الكلاسيكيين القدماء - وبخاصة سوفوكليس وهوراس - ومن المحدثين - وعلى ~~رأسهم شكسبير - وكم تناول من أفكار وقصص وحكايات شعبية بمجرد سماعها أو قراءتها، مع ~~الحرص دائما على «رفع» هذه المادة - بالمعنى الذي يفهم من عملية الرفع في المثلث ~~الجدلي المشهور عند هيجل! بحيث يتم تشكيلها ms014 وصياغتها من وجهة نظره الواقعية ~~والكفاحية التي تهدف في النهاية إلى التغيير. # وتأتي سنة 1926م بأهم «تحول» مثير في حياة برشت، وإن كان هذا التحول قد جاء نتيجة ~~طبيعية لتصوره للواقع وتغلغله في حياة «الطبقة الدنيا» ومتاعبها ومآسيها اليومية، بحيث ~~أصبح إنتاجه في هذه المرحلة بالذات (حتى سنة 1931م) وفيما بعدها مرآة لعصره، وتعبيرا ~~عن تفاعله مع القضايا الواقعية والمشكلات الملحة، بعد أن بقي بصورة أو أخرى ~~مرتبطا بحياته الشخصية (ولا أقول الذاتية!) قيل عنه إنه لم يكن يكف في هذه الفترة ~~عن الاختلاط بالعمال، وأنه كان يتعمد أن يظهر بينهم بملابس عمالية فقيرة ~~مبقعة وملطخة بالشحم والزيت، بل يزعم صديقه الحميم، فيلسوف الأمل والمستقبل ~~«اليوتوبي» إرنست بلوخ (1885-1977م) أنه ابتكر آلة فضية معقدة لتلويث أظافره حتى ~~يثبت انتماءه للعمال وانشقاقه عن طبقته البرجوازية. والمعروف أنه لم ينضم أبدا ~~لأي حزب من الأحزاب «التقدمية» الكثيرة في العشرينيات، ولم يثبت أنه شارك بأي نشاط ~~عملي في التنظيمات العمالية أو في الحياة السياسية والاقتصادية المضطربة قبل انهيار ~~حكومة فيمار بعد سنة 1930م وزحف جحافل القطعان النازية السوداء على السلطة، وكل ~~ما يمكن قوله هو أنه حرص على البقاء بالقرب من «العاديين» الذين نظلمهم عندما ~~نصفهم بأنهم الدهماء والعامة والرعاع. ومن أهم معالم هذا التحول البارز ~~أنه أقبل في هذه المرحلة على قراءة ماركس (وهيجل بطبيعة الحال!) وتعلم الكثير من ~~الماركسية ومن كتاب رأس المال، لا سيما نظرية ماركس عن فائض القيمة والأزمات الدورية ~~للرأسمالية والصراع الطبقي والحتمية التاريخية لانتصار الاشتراكية إلى آخر ما يعرفه ~~القارئ، وكان وراء توجهه لكتب ماركس الأزمة الطاحنة التي عرضت بورصة الغلال للانهيار ~~ولم يجد لها أي تفسير معقول (حاول أن يعالجها في صيغة مسرحية بعنوان جو فارم اللحم ~~ولكنه لم يتمها أبدا ولم يبق من مشروعها سوى بعض الأغنيات). # ولا بد في هذه العجالة من القول باختصار شديد بأن اعتناقه للماركسية لم يرتبط بأي ~~«أدلجة» للأدب والفن، وأن اقتناعه بها لم يبلغ أبدا حد التزمت الضيق أو ms015 التحجر ~~المذهبي المغلق في إطار نظري فوقي يمكن أن يفرض على الواقع الذي علمته ~~الماركسية نفسها أنه جدلي متغير، كما هدته بصيرته الشعرية وحاسته الفنية ~~والدرامية إلى أن هذا الواقع هو الذي يفرض الشكل الأدبي أو الفني الملائم له ولا ~~يصح أبدا أن يفرض عليه الشكل أو تفرض النظرية، حتى ولو كانت هي الواقعية ~~الاشتراكية التي تحمس لها على طريقته. # كانت الماركسية بالنسبة إليه هي «المنهج» الذي يمكنه من فهم الواقع المتغير، ~~وتحديد أسلوب الممارسة العملية والعقلانية الصحيحة، وإدراك العلاقات الاجتماعية ~~والاقتصادية في سياقها التاريخي والإنساني إدراكا بعيدا عن الوهم والتزييف (الذي ~~كانت ولم تزل تقوم به أجهزة الإعلام للتسلية وتغييب العقل النقدي وخلق المتلقي ~~السلبي الذي لا يشارك فيما يتلقاه ولا يتخذ منه موقفا ولا يتحداه ...) والحق ~~أن برشت قد اتجه إلى الماركسية كشاعر وفنان قبل كل شيء، وأنه حول هذه الفلسفة - ~~التي لا يشك أحد في أنه أخذ منها رؤيتها المادية للوجود والمعرفة والتفكير، وجوهرها ~~الإنساني كما نجده على الأخص في كتابات ماركس الشاب ومخطوطاته الشهيرة التي اعتمد عليها ~~مجددو الماركسية (الذين لم تغب محاولاتهم عنه كما كان بعضهم من أعز أصدقائه مثل ~~فالتربنيامين وبلوخ الذي سبق ذكره، إلى جانب اعتباره في نظر الاشتراكيين الفاشيين ~~والستالينيين المتشددين أحد المنشقين عنهم # 7 ~~... أقول إنه حولها إلى إطار نظري ومنهجي لرؤيته الشعرية. والأهم من ذلك ~~كله أنه اعتمد عليها اعتمادا كبيرا في صياغة نظريته المعروفة عن «المسرح ~~الملحمي» وعن أثر «الإغراب» المشهور وضرورة إحداثه في وجدان المتلقي وعقله ليزداد ~~وعيا بما يدور أمامه على خشبة المسرح من متناقضات ومفارقات تستفزه للنقد ~~والتحدي والتغيير (لاحظ بهذه المناسبة صلة القرابة - حتى في لغتنا العربية - بين ~~اغتراب الإنسان أو تغريبه في ظل العلاقات الاجتماعية الرأسمالية كما تحدث عنه ماركس، ~~وبين «الإغراب» البرشتي الذي يهدف إلى تخليص الإنسان - عن طريق الفن وفن المسرح بالذات ~~- من ذلك الاغتراب الأساسي). # ومجمل القول إننا نظلم برشت إذا تصورنا أنه كان مجرد داعية للماركسية أو ~~الشيوعية أو محرض ms016 على تبنيها، لا لأنه يؤمن أعمق إيمان بحرية القارئ ~~والمشاهد تجاه ما يقدمه له في الشعر والمسرح من نماذج واقتراحات كما سبق القول، ولا ~~لأنه - بمكره الفني الشديد! قد استطاع أن «يوظف» الماركسية في تفكيره الواقعي ~~والعملي والعقلاني، وفي رؤيته للأحداث والظواهر الاجتماعية والتاريخية والأدبية رؤية ~~جمالية وجدلية كما سبقت الإشارة لذلك أيضا، بل لأن أعماله نفسها - حتى في المرحلة التي ~~توصف بالمرحلة التعليمية في حياته وإنتاجه والتي استمرت من حوالي سنة 1927م إلى حوالي ~~سنة 1931م - لم تكن أعمالا تدافع عن قضايا معينة أو تدعو إليها، وإنما كانت في ~~حقيقتها «تدريبات» فنية وجمالية في مواجهة الفن «البرجوازي» المتهالك والمبرر ~~لمجتمع الظلم والاستغلال وتجارة الحروب، وفي مواجهة الإعلام والأدب المزيف والمغيب ~~لعقل المتلقي وحريته واستقلاله كما سبق القول، وحتى مسرحياته التعليمية التي تتردد فيها ~~لهجة المهيج أو المحرض على الثورة الجماعية للعمال والفقراء والمستغلين والمظلومين ~~والمحرومين وتحثهم على التضامن لدرء الخطر النازي البادي في الأفق كما نرى في ~~الاستثناء والقاعدة ومسرحية الأم - عن رواية مكسيم جوركي الشهيرة - ومسرحية القرار أو ~~«الإجراء» التي سبق ذكرها وبقي أن أقول إنه في أواخر حياته كان يرفض عرضها على المسرح ~~رفضا باتا، إلى جانب فيلمه الكروش الرطبة 1930م. أقول إن كل هذه المسرحيات التعليمية ~~أو التحريضية التي لم يكتب لها النجاح لم تكن سوى تشخيص فني على خشبة المسرح ~~لفلسفته الواقعية والعقلانية والعملية - إلى حد النفعية البرجماتية! ولم تكن بأي حال ~~من الأحوال مسرحيات دعائية تروج لنظرية فلسفية محددة يعلم هو نفسه أكثر من غيره ~~أنها كسائر النظريات - حتى الجمالية والفنية كما قلت - قابلة للتغير على ضوء الواقع ~~الذي لا يجوز أبدا أن يحشر في قوالبها، وأنها قدمت له من مناهج التفكير والرؤية ~~والفعل ما كان ملائما لطبيعته وحاجته، وأنه في النهاية قد استطاع أن يحول تلك الفلسفة ~~التي انهار تطبيقها بعد رحيله إلى تجارب فنية وتدريبات مسرحية جماعية، وكان هذا الانهيار ~~نتيجة طبيعية للتزمت المذهبي والغباء البيروقراطي والتجني الرهيب على حقوق ~~الإنسان في ms017 حرية التفكير والاعتقاد والعمل، بالإضافة للتصفيات المستمرة وأعمال ~~القهر التي ضاق بها وأعلن احتجاجه عليها في أواخر حياته كما يشهد على ذلك خطابه الشهير ~~لأولبرشت حاكم ألمانيا الشرقية السابقة بعد تمرد العمال المشهور في شهر يونيو 1953م ~~وقصيدته الشهيرة «الحل» التي تجدها في هذا الكتاب). ومع اعتقادي بأنه بقي على اقتناعه ~~وإيمانه بالاشتراكية وبقدرتها على التجدد في المستقبل طبقا للإمكانات الإنسانية ~~والمعرفية الكامنة فيها ولإمكانات الواقع المتجدد، فالمهم في هذا السياق أنه حول ~~«النظرية» أو المذهب إلى فلسفة حية على المسرح وفي الشعر، وأنه وظفها فيما يمكن ~~وصفه بفلسفة رجل الشارع - الفقير والجائع والضحية الدائمة لكل الجلادين - وأنه - ~~ككل إنسان وفنان حقيقي - مطلق الحرية في أن يتبنى النظرية أو الفلسفة التي يشاؤها، ~~بشرط أن يجسدها في فن صادق حي لا يموت بموت النظرية أو الفلسفة - كما تشهد على ~~ذلك أعمال الشعراء والأدباء والفنانين الكبار التي لا تزال خالدة رغم التغير الحتمي ~~للنظريات والآراء والفلسفات التي جرفتها أنهار التغير والتحول عبر العصور ~~والحضارات. # وصدق حدسه وبعد نظره عندما تنبأ بالكارثة قبل وقوعها؛ فقد أحس مع غيره من ~~المثقفين في العشرينيات بأن جمهورية فيمار (1818-1933م) الهشة آيلة للسقوط، ~~وأن العصابات النازية التي افتضحت نواياها وجرائمها تواصل زحف الوحوش للاستيلاء على ~~الحكم تمهيدا لإشعال نيران الحرب. ولم يكن «التحول» الماركسي ولا المسرحيات التعليمية ~~والثورية التي سبقت الإشارة إليها سوى محاولات يائسة لفتح الأعين على الخطر القادم ~~لا محالة، ودعوة للعمال والفقراء والغافلين المخدوعين من أبناء الطبقة الدنيا ~~للتضامن والمواجهة، ولكن هذه الأعمال لم يكن لها صدى يذكر، ولم تحدث التأثير الذي ~~توقعه منها. كانت الساحة السياسية والاقتصادية كالبحر العاصف المضطرب الذي لا ~~تستطيع حتى ربات الفنون أن تعيد إليه السكينة أو تقيم في ظلماته منارة العقل. ~~وبقي «البرجوازي» العادي غبيا لا يتعلم ولا يحاول تجاوز الماضي والحيلولة دون ~~أن تتكرر مآسيه. # استولى النازيون على السلطة، ولم يخالج برشت أي شك في أن «هتلر» هو الحرب، ~~وقوي يقينه باستحالة الحياة والعمل تحت سقف القمع ms018 والإرهاب المظلم بعد الحريق ~~المشهور للبرلمان الألماني (الرايشستاج) في السابع والعشرين من فبراير سنة 1933م، فصمم ~~على الهرب من بلاده بأقصى سرعة ممكنة. واتجه إلى الدانمرك عن طريق براغ وفينا ~~وباريس حيث استقر مع عائلته ومساعدته الوفية مرجريت شتيفين في منفاه بالقرب من ~~ميناء سفندبورج الصغير ما يقرب من سبع سنوات كانت من أطيب وأخصب سنوات حياته ~~وحبه وإبداعه (يكفي القول بأنه استطاع أن ينجز ثلاثة من أهم مسرحياته تعد من ~~أهم المعالم البارزة في الإنتاج المسرحي في القرن العشرين، وهي الأم شجاعة وأبناؤها، ~~والإنسان الطيب من ستشوان، وحياة جاليليو جاليلي في صيغتها الأولى، بالإضافة إلى عدد ~~كبير من القصائد التي تعرف بقصائد سفندبورج، وتجد مختارات منها في هذه المجموعة ~~المنتخبة وتدل على اتجاه شعره إلى الملحمية واستفادته من التراث الشرقي في ~~تعبئة كل أسلحته الفنية ضد الحرب). تحول إنتاج برشت في غربة المنفى التي استمرت ~~قرابة الخمسة عشر عاما تحولا تاما إلى مكافحة الفاشية، وجند لذلك كل موضوعاته ~~وإمكاناته اللغوية والشعرية على أمل تقوية العناصر المناهضة للرعب النازي ~~داخل بلاده وخارجها، ومن الاتجاهات اليمينية واليسارية على حد سواء، لعل الجميع ~~يتعاونون - بعد القضاء على النازية التي لم يشك لحظة في هزيمتها الحتمية - لخلق ~~ألمانيا أخرى موحدة وحرة وأكثر إنسانية. وكان أشد ما غاظه في تلك الفترة العصيبة ~~هي تلك التيارات السياسية التي لم ير أصحابها في النازية سوى البربرية المعادية ~~للثقافة أو الحضارة التي ينبغي توجيه النضال لإنقاذها من براثنها، وكأن الانتصار على ~~الوحش البربري الأشقر كفيل باستقرار قيم الحق والعدل والعقل والسعادة والسلام! ~~ولكن الأمر في نظره كان أكثر تعقيدا وأعمق جذورا؛ إذ لا مفر لتحقيق ذلك «الحلم ~~الممكن» من تغيير العلاقات الاجتماعية وعلى رأسها علاقات الملكية تغييرا يلغي أي ~~فرصة لعودة الظلم والاغتراب واستغلال الإنسان للإنسان وتنشيط التجارة القذرة ~~المدمرة بإشعال فتيل الحروب الكبيرة والصغيرة كلما خبت نيرانها. يدل على هذا أنه ~~دعي سنة 1935م لحضور المؤتمر الدولي للكتاب الذي عقد في باريس للدفاع عن الثقافة - ~~أو ms019 الحضارة - وإنقاذها من مخالب الفاشيين. كانت الجبهة الموحدة من الرأسماليين ~~الليبراليين والبرجوازيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين والشيوعيين وراء الدعوة ~~لهذا المؤتمر وتنظيمه، وكان من بين المشاركين والمتحدثين فيه شخصيات أدبية وفكرية ~~مرموقة: مالرو وباربوس وجيد وهينريش مان وه. ج ولز وإرنست بلوخ وروبرت موزيل وبرتولت برشت ~~الذي سارع بالحضور من منفاه الدنمركي «تحت سطح من القش». كان هو الوحيد الذي لم يتكلم عن ~~الكلمة (التي نامت عندما صحا ذلك العالم الفاشي على حد تعبير صديقه النمسوي كارل ~~كراوس)، ولا عن ضرورة إنقاذ القيم الثقافية الرفيعة من الغرق في الدم والتلوث برماد ~~الخراب؛ لأن الذي يخنق تحتبس الكلمة في رقبته على حد قوله في إحدى قصائده. لذلك كان ~~هو الوحيد الذي أثار سخط الجميع واستهجانهم عندما خاطب المؤتمرين قائلا : «أيها ~~الزملاء والرفاق، فلنتكلم عن تغيير علاقات الملكية.» # عرف برشت - كما سبق القول - أن وصول هتلر إلى الحكم معناه الحرب. ولم تتركه الحرب ~~ليواصل حياته السعيدة المنتجة تحت سطح القش الدنمركي (الذي كان في الحقيقة فيلا ~~جميلة ذات حديقة واسعة هيأت له ولأسرته سنوات عامرة بالهدوء والحب والإنتاج الخصب ~~بفضل صديقاته وأصدقائه الدنمركيين!) واضطر أمام الزحف النازي على الدنمرك والنرويج ~~أن يهرب مرة أخرى إلى السويد ثم إلى فنلندا (1940م) حيث أقام فترة قصيرة واستخرج جواز ~~سفر إلى الولايات الأمريكية المتحدة التي سافر إليها عن طريق الاتحاد السوفيتي (لم يخطر ~~على باله أن يلجأ إليه كما فعل غيره بسبب اعتباره ماركسيا منشقا في نظر ~~الستاليين المتشددين كما سبق القول). # حمل معه مخطوطات قصائده ومسرحياته التي كان قد بدأها وأنجز معظمها في المنفى ~~الدنمركي. وكان من أهمها مسرحيته التي دعمت شهرته العالمية وهي «الأم شجاعة وأبناؤها» ~~التي تؤكد أن الحرب تجارة، وأن الإنسان العادي لا يتعلم منها إلا بقدر ما ~~تتعلمه النملة من علم الحشرات! لم تكن هذه الأم شخصية تراجيدية يمكن أن ~~تؤثر علينا بسقطتها النبيلة أو بالخطأ أو الذنب الذي تقع فيه دون ذنب كما تشهد ~~التراجيدية القديمة والحديثة وكما عرفها أرسطو ms020 بالاستناد إلى شخصية أوديب. لقد جاء ~~تأثيرها الجارف على النظارة والقراء من كونها امرأة عادية غبية لم تتعلم أي ~~شيء من سقوط أبنائها الثلاثة ضحايا للحرب التي يديرها ويمولها علية القوم. ~~والدليل على هذا أنها تجر عربتها في النهاية لتقديم المزيد من الضحايا الذين ~~ستدوسهم عجلة الحرب! (أتيح لي أن أشاهد عرضها الرائع وتمثيل هيلينة فيجل ~~(1900-1971م) لدور الأم على مسرح فرقة برشت في سنة 1960 فأثرت علي أنا أيضا ~~وجعلتني أتشكك منذ ذلك الحين في إمكان التطبيق العملي لنظرية برشت الشهيرة عن أثر ~~الإغراب). # وفي فنلندا تعرف على قصة شعبية عن رجل فاحش الثراء، كلما شرب وغرق في ~~السكر امتلأ قلبه بحب البشر وبالكرم والعطف والإحسان البالغ على الخدم والأتباع ~~الفقراء، حتى إذا أفاق من سكره ارتد إلى القسوة والبخل والفظاظة والظلم المعروف عن ~~الرأسمالي الجشع، وأثبت استحالة التصالح بين طبقتي الملاك والمعدمين، ~~والمستغلين والمستغلين، كما أكد إصرار برشت في هذه المسرحية الشعبية المرحة ~~أيضا على أن ألف باء التغيير الحقيقي هو تغيير علاقات الملكية. # 8 # ويؤكد بعض النقاد أنه استفاد في هذه المسرحية من قراءاته السابقة لديدرو ومن أفكاره ~~التي طرحها على لسان الخادم جاك «القدري» - في روايته المعروفة بهذا الاسم - عن سيده ~~الأرستقراطي، كما انتفع بالفقرة الشهيرة في «ظاهريات الروح» لهيجل عن جدل السيد ~~والعبد، لا سيما بالعبارة التي تقول إن العبد هو حقيقة السيد. ولعله قد ردد في ~~نفسه أثناء العمل في هذه المسرحية ذلك السؤال الحاسم: «من ... من؟» أي من يضطهد من، ومن ~~المنتصر ومن المهزوم؟ # وقد كثف هذا كله تكثيفا شعريا في أغنيته عن نهر المولداو، وهي إحدى أغنيات ~~مسرحيته «شقايك في الحرب العالمية الثانية» (1943م): في قاع المولداو تجري الحصى ~~الحجرية، وفي براغ دفن ثلاثة قياصرة، لا الكبير يبقى كبيرا ولا الصغير صغيرا، الليل ~~يدوم اثنتي عشرة ساعة ثم يطلع النهار. الأوقات تتغير وتتحول. المشروعات الضخمة ~~للحكام الأقوياء تتوقف في النهاية حتى لو تبختروا في مشيتهم كالديوك الدموية، ~~فالأوقات تتحول وتتغير، والقوة لا ms021 تجدي شيئا. في قاع المولداو تتجول الحصى ~~الحجرية، وهناك ثلاثة قياصرة مدفونون في براغ. لا الكبير يبقى كبيرا ولا الصغير صغيرا. ~~والليل يدوم اثنتي عشرة ساعة ثم يطلع النهار ... # ووصل مع عائلته إلى كاليفورنيا حيث تنقل بين لوس أنجيلوس وسانتا مونيكا وهوليوود ~~بالولايات المتحدة الأمريكية بعد رحلة برية وبحرية شاقة. وفي السوق الذي تشترى ~~فيه الأكاذيب وتباع، تحتم عليه أيضا أن يقف في الصف ليعرض أكاذيبه على صرافي ~~الوهم وغسل المخ في هوليوود (بعض الحوارات وسيناريوهات أفلام صور منها بإخراج ~~فريتز لانج فيلم الجلادون أيضا يموتون عن مقتل الجلاد النازي هيدريش في براغ). هنا ~~كتب مرثيات هوليوود التي تدل على إحساسه بأنه وجد نفسه يعيش في جحيم أرضي، كما ~~كتب حكاية شعرية عن المذنبين في الجحيم - وهي حكاية يؤكد فيها بسخريته اللاذعة ~~أن الجحيم لا يوجد على الأرض فحسب، ولا في لندن كما قال شيللي شاعر الرومانسية ~~الإنجليزية، وكما قال هو نفسه قبل ذلك بكثير في أوبرا مهاجوني، وإنما هوليوود هي الجحيم ~~نفسه. صحيح أنه اختلط بكثير من المهاجرين الألمان الذين سبقوه إلى العيش في ضاحية ~~سانتا مونيكا، وكان من بينهم بعض أعلام الأدب والموسيقى والفن التشكيلي بجانب اثنين من ~~أقدم أصدقائه وأقربهم إليه (الكاتب ليون فويشتفنجر والملحن هانز آيزلر) ولكنه ~~وجد كذلك بعض المهاجرين الذين لم يرتح إليهم أبدا، مثل تيودور أدورنو وهور كهيمر ~~وبولوك من الأعضاء البارزين لمدرسة فرانكفورت النقدية الاجتماعية الذين لاذوا بمعهدهم ~~الشهير للبحوث الاجتماعية إلى أمريكا، واستطاعوا بكتاباتهم أن يضخموا عقدة الذنب ~~الألماني عن محارق النازي لأبناء ملتهم من اليهود، وهو ما استغلته إسرائيل بعد ~~ذلك أبشع استغلال في صورة تعويضات بالمليارات! كما ضاق بوجود توماس مان الذي لا أشك ~~في أنه ظلمه عندما تصور أنه أحد «المتعهدين» بتقديم الأدب المعبر عن الرأسمالية ~~للرأسماليين، وأنه هو الذي أوحى إلى الحلفاء بمعاقبة الشعب الألماني لمدة عشر سنوات ~~- وهكذا وجد نفسه محاصرا في الجحيم: مسرحياته شبه ممنوعة أو مشبوهة (باستثناء ~~جاليليو) - وسيناريوهاته للسينما شبه مرفوضة، وجيرانه الذين ms022 يختلط بهم لا يشاركونه ~~آراءه وأحلامه عن ألمانيا أخرى موحدة وحرة ومسالمة يعيش فيها شعب يضع يده في ~~أيدي جميع الشعوب، بدلا من معاقبته وتضخيم عقدة ذنبه التي أسيء استغلالها أسوأ ~~استغلال ومن كل النواحي كما سبق القول. # كانت الحرب قد انتهت وبدأت شقة الخلافات والشكوك في الاتساع بين أمريكا والاتحاد ~~السوفيتي الذي لم يخف أطماعه التوسعية تحت قبضة ستالين، مما حمل الأمريكيين على ~~الخوف من كل ما هو «أحمر»، وملاحقة كل نشاط يتوهمون أنه معاد لهم. واستدعي ~~برشت إلى الإدلاء بشهادته أو لتبرئة نفسه أمام لجنة التفتيش الشهيرة (التي سمت نفسها ~~لجنة النشاط المعادي لأمريكا ولم تستثن بعض الكتاب الأمريكيين والفنانيين اللامعين ~~مثل تشارلي شابلن وآرثر ميللر وليليان هيلمان). وأعد برشت مرافعة دقيقة وأمينة لم يعط ~~الفرصة لإلقائها أمام اللجنة في الثلاثين من أكتوبر 1947م، ولكنه أكد فيها أنه لم ~~يشارك أبدا في أي نشاط حزبي، وأنه كتب ما كتبه من شعر ومسرح ضد هتلر ~~وعصابة القتلة من حوله بدافع أدبي خالص وانطلاقا من ضميره الحر كشاعر ~~وكاتب حر. ولم تجد اللجنة فيما تحت يدها من ترجمات إنجليزية لأشعاره ومسرحياته أي ~~تهمة محددة يمكن أن تدين قلما نذره صاحبه للدفاع عن الحرية والعدل ~~والسلام فأطلقت سراحه. # وبدأ برشت في اليوم التالي مباشرة في الاستعداد للرجوع إلى بلاده هربا من المنفى ~~ومن الجحيم. # وصل مع أسرته، بجواز سفر نمسوي، إلى زيوريخ في سويسرا حيث كان في انتظاره مدير ~~مسرحها وصديقه (كورت هيرشفيلد) الذي سبق له تقديم ثلاث من أهم مسرحياته وبدأ معه في ~~العمل لعرض «السيد بونتيلا وتابعه ماتي». وجاءته دعوة من الشاعر ووزير الثقافة في حكومة ~~ألمانيا الشرقية السابقة (يوهانيس بيشر) لحضور مؤتمر ثقافي. وحاول في الطريق أن يزور ~~أوجسبورج مسقط رأسه وميونيخ التي درس فيها في شبابه فمنعته من ذلك سلطات الاحتلال ~~الأمريكية. وفي برلين الشرقية التي احتفلت به وببعض المهاجرين العائدين في بيت الاتحاد ~~الثقافي للتجديد الديمقراطي بقي صامتا لا يفتح فمه بكلمة واحدة (كما قال بعد ms023 ذلك في مذكراته) # 9 # ولكنه التقى في برلين بعدد كبير من أصدقائه ومعاونيه القدامى من الأدباء ~~والموسيقيين ورجال المسرح، كما انهالت عليه العروض لتكوين فرقته المعروفة بفرقة برلين ~~وتقديم عروضها بصورة مؤقتة على بعض المسارح المتوفرة ريثما ينتهي العمل في ~~إعداد مسرحه الشهير في المكان والمبنى الذي صمم على اختياره دون غيره (وهو مسرح ~~الشيفباوردام الذي شغله مع فرقته بعد ذلك بثلاث سنوات وتولت الإشراف عليه زوجته ~~وممثلته الأولى «الأم شجاعة» هيلينة فيجل)، وهكذا حسم تردده وبقي مع «شعبه» ~~وجمهوره وأصدقائه في برلين. وتوالت صور التكريم والاحتفاء: عدد خاص عنه من ~~المجلة الأدبية الشهرية في ذلك الحين، وهي مجلة المعنى والشكل، مجلد يضم ~~مائة قصيدة مختارة من شعره، جائزة الدولة من الطبقة الأولى (1951م). وأهم من ذلك ~~كله فرصة البداية الجديدة في التمرينات والتجارب الجماعية لتحقيق مشروعه ~~المسرحي وتطبيق نظريته التي طال الجدل حولها عن المسرح الملحمي أو الجدلي الذي ~~يستفز المشاهد لاتخاذ مواقف نقدية ويحول بينه وبين الاندماج الوجداني فيما يدور ~~أمامه على الخشبة، ويحفزه - كما هو معروف وكما سبق القول - على مراجعة ثوابت حياته ~~وواقعه والعمل على تغييرها. # 10 # ولا يمكننا في هذا الحيز المحدود أن نتابع عمله الجماعي الشاق ~~والعروض التي أعدها (ومنها أوبرا محاكمة لوكولوس التي حققت نجاحا ساحقا جعل ~~بيروقراطيي الحزب الواحد الموحد يتراجعون عن قرارهم بمصادرتها!) والنصوص ~~الكلاسيكية ل (موليير وسوفوكليس وشيكسبير وغيرهم) التي اقتبسها وصاغها في لغة وشكل ~~ومضمون مختلف يلائم نزعته الاشتراكية والإنسانية الحرة، ويساهم في التخلص من ~~أعباء الماضي ومراجعة قيمه «البرجوازية» الفاسدة. وسطع إشعاع مسرحه وعاش أزهى وأمجد ~~فترات ازدهاره طوال السنوات العشر التي استمرت منذ افتتاحه مع بداية الخمسينيات ~~وحتى إقامة سور برلين الشهير (1959-1960م) بعد وفاته بحوالي ثلاث سنوات، وذلك قبل أن ~~يتعرض للأزمات التي تلاحقت عليه حتى هدم ذلك السور مع تحقق حلم الوحدة ~~الألمانية في أواخر الثمانينيات. ويؤسفني القول بأنه لم يبلغ إلى علمي شيء عن ~~المصير الذي انتهى إليه الآن. # ولا بد قبل أن نختم ms024 هذا التقديم من وقفة قصيرة أمام «أزمة» الوجود المغترب التي ~~مر بها ذلك اليوم المرعب العصيب الذي اشتعلت فيه ثورة العمال في برلين الشرقية ~~في السابع عشر من شهر يونيو سنة 1953م وسحقتها القوات الروسية المحتلة ~~بالدبابات. والمشكلة شائكة والآراء حولها لا تزال مختلفة ومتضاربة حتى يومنا ~~الحاضر، وما فتئت بعض الأصوات تردد الاتهامات السابقة بالسلبية والضعف والخوف ~~من اتخاذ الموقف المنتظر من كاتب وشاعر مثله حيال تلك المحنة التي كشفت عن فشل ~~حكومة «دولة العمال والفلاحين» والأخطاء والإجراءات القمعية التي ارتكبتها ~~وهددت بإلقاء التجربة الاشتراكية برمتها والعمال والفلاحين أنفسهم في نيران ~~السخط العاصف والغضب الجارف. والثابت اليوم أن برشت لم يقف موقف المتفرج ولم ~~يقصر في توجيه اللوم إلى الحكومة والحزب؛ فقد سارع في اليوم نفسه بإرسال خطابين ~~إلى رأس النظام الحاكم (وهو فالتر ألبرشت) ورئيس وزرائه أوتوجرو تيفول لم ينشر منهما ~~في الصحف الرسمية غير العبارات التي يؤكد فيها الشاعر تضامنه مع الحزب الاشتراكي ~~الموحد، مع إسقاط الفقرات التي اتهم فيها الحكومة والحزب بإملاء الاشتراكية من أعلى ~~وإرهاق العمال بحصص الإنتاج المضاعفة والتضييق عليهم بدلا من إشراكهم بالاقتناع ~~الحر في الإصلاح والبناء، ومع السكوت التام عن مطالبته الصريحة بإجراء حوار ~~عام حول الأوضاع المتردية والوسائل الكفيلة بإنقاذ المنجزات التي تحققت من أيدي ~~العناصر الفاشية المخربة التي تسللت إلى صفوف العمال بتحريض من ~~الرأسماليين والنازيين الذين أعادوا تنظيم أنفسهم والإعداد لحرب ثالثة. وكان هذا أيضا ~~هو مضمون الخطاب الذي أرسله إلى ناشر أعماله «زور كامب» ردا على الاتهامات التي راحت ~~مختلف الدوائر الغربية تلقيها على رأسه. # وبغض النظر عن التفصيلات الكثيرة المعقدة عن هذا الموضوع الذي لا يزال الغموض ~~يحيط به، ومع التسليم بأن جذوره العميقة تتوغل في أسئلة ومشكلات أعم وأشمل ~~(كعلاقة الأديب والفنان بالسلطة، والعلاقة بين الفن والسياسة وطبيعتها وحدودها، ~~وموقف الكاتب من الحقيقة نفسها وطرق تصورها والبحث عنها ... إلخ) فيبقى علينا أن ~~نوجه سؤالين أخيرين ونحاول الإجابة عليهما: هل صحيح أن برشت لم ينظر إلى أحداث ms025 ~~ذلك اليوم المرعب المضطرب - شأنها في ذلك شأن سائر الأحداث السياسية والوقائع اليومية ~~- إلا من حيث هي في صميمها - أو على الأقل بالنسبة إليه - مجرد تجارب فنية ~~وجمالية؟ وهل أثرت فظائع ذلك اليوم على شخصيته وإنتاجه واعتقاده الأساسي بضرورة ~~التغيير؟ # أما السؤال الأول فيأتي الرد عليه من جانب الروائي الأشهر جنتر جراس. وربما لا ~~يخلو هذا الرد - في تقديري على الأقل - من الإجحاف أو الاختلاق الذي لا يقوم على ~~أساس ثابت من الواقع الفعلي، أو يقوم على أحسن الفروض على الخيال الفني غير ~~المنزه عن الغرض. # فقد نشر جراس في أوائل السبعينيات مسرحية بعنوان «العامة يجربون التمرد» ~~(والتجريب هنا بمعنى تقديم بروفاتها على خشبة المسرح) وعرضت المسرحية وأثارت ~~موجات عارمة من الضجيج والأخذ والرد، فهي تصور برشت مع معاونيه وأعضاء فرقته ~~أثناء العمل المشترك في إعداد النص الذي اقتبسه عن مسرحية كريولان لشكسبير، ~~ويندفع إلى المسرح عدد من العمال من مختلف الحرف كأنهم جنود مهزومون يائسون قد ~~لجئوا إليه وعلى وجوههم وملابسهم وفي أصواتهم الغاضبة آثار المعركة الدامية التي ما ~~تزال مشتعلة اللهب. لقد جاءوا يستنجدون بالكاتب والشاعر المرموق في عيون الدولة ~~والشعب للتوقيع على بيان يستنكرون فيه الأحداث البشعة ويطالبون بإيقاف المذبحة ~~والبدء الفوري في التهدئة والإصلاح. ويدرك برشت بحساسيته المسرحية أو بمكره ~~الفني أنه أمام حريق يتطلب العمل على إطفائه ولا تجدي معه البطولات الفردية ~~الصارخة. ويستدرجهم شيئا فشيئا لعرض الأحداث والتجارب التي مروا بها وعاناها كل ~~واحد منهم على حدة وكيف وصل الأمر إلى ما وصل إليه. ويكتشف قادة العمال بعد كل ~~هذه «البروفات» أنهم قد خدعوا ووقعوا في فخه فيخرجون وهم يلعنونه بأفظع ~~الشتائم ويتهمونه بالجبن والانتهازية وإخفاء رأسه في الرمال المسرحية. # وتتواصل الأحداث وتمتد ألسنة اللهب، ويهدد الحريق الشامل المدينة وأهلها ~~وإنجازاتها التي تحققت بالكفاح والعرق والدموع، وتدور العجلة الجهنمية دورتها ~~التاريخية المعروفة فتتدخل دبابات السلطة المحتلة وتسدل الأستار على النيران ~~المطفأة والجراح النازفة. ويرجع العمال مرة أخرى - إذا لم تخني الذاكرة - ~~فيتواصل الحوار ويوقع ms026 الشاعر على البيان وينصرفون. هل كان في وسع برشت أن يفعل أكثر ~~مما فعل؟ أيمكن أن نحمله أوزار السلطة الغبية الطاغية وهو الذي لا يملك إلا ~~سلطة ضميره الفني والإنساني؟ وهل نلومه أخيرا على عكوفه - حتى في ذلك اليوم الفظيع ~~- على عمله الجاد على أمل تحقيق شيء من التغيير في الميدان الذي وهبه حياته ~~وكفاحه وعذابه في المنفى وفي الوطن؟ # أسئلة تتصل كما ترى بالأسئلة التي طرحناها قبل قليل. # وأما عن السؤال الثاني فقد عرفنا كيف انكب على عمله المسرحي منذ عودته إلى برلين ~~وتأسيس فرقته وتخصيص مسرح خاص به وتعاونه مع أصدقائه وزملائه وأبنائه من الأجيال ~~الشابة على إتقان العروض المسرحية من تأليفه أو إعداده. لقد دأب هنا أيضا على إحداث ~~التغيرات الهامة في فن التأليف الدرامي الملحمي وفن التمثيل والإلقاء بما ~~يطابق نظرياته، وتجديد فن الفرجة أيضا لإحداث التغير المنشود لدى المتلقي أو ~~المشاهد. ثم داهمته أحداث السابع عشر من يونيو فكادت أن تقتلعه من جذوره وتشده ~~إلى هاوية العدمية واليأس واللامعنى، لولا إصراره على مواصلة كفاحه في سبيل التغيير ~~في كل مجال يمكن أن يتناوله قلمه ويؤثر به على القراء والمستمعين ~~والمشاهدين. # تخيل معي رجلا ينحو من أزمة صحية ليقع ضحية أزمة أخرى، # 11 # ويعاني في يقظته ونومه من كآبة الليل وملل النهار، وتحمله أمواج ~~الحكمة الممزوجة بالأسى فيكتب بعد ذلك اليوم الفظيع مجموعة قصائده التي سماها ~~«مرثيات بوكو» (نسبة إلى بقعة هادئة في سويسرا أقام بها عدة شهور في سنة 1952م ~~متفرغا تمام التفرغ لكتاباته). إنه يلتقط فيها مشاهد صغيرة ودالة من حياته ~~اليومية، والمتع البسيطة التي يقبل عليها راضيا مسرورا، والمناظر العادية للناس ~~العاديين الذين يمارسون حياتهم بلا انقطاع، وحديقة الورد المنسق المزدهر التي ~~تقع على شط البحيرة ويحوطها السور وأشجار الصنوبر والحور ويجلس فيها قبل طلوع النهار ~~وهو يتمنى لنفسه أن يستطيع في كل الأوقات والأجواء أن يقدم للناس هذا الشيء الذي ~~يسرهم أو ذاك (راجع قصائد الدخان، وتغيير العجلة، والمتع، بالإضافة إلى القصيدة ms027 ~~الهامة وهي الحل، التي ينصح فيها المسئولين الفاشلين باختيار شعب آخر ليحكموه) آملا ~~من وراء ذلك كله أن يواصل ويتشبث براية الأمل في التغيير، إن لم يكن في حياته ~~فبعد موته (تذكر الوصية التي أملاها وهو يحتضر وأكد فيها أن المستقبل حافل ~~بالإمكانات). والمرجح عندي أنه اقتنع في السنوات الثلاث الأخيرة التي داهمه فيها ~~المرض وعاوده الحزن والاكتئاب أنه حاول أن يغير بقدر ما استطاع، وأننا ما دمنا ~~زائلين وفانين بحكم طبيعتنا فلا يمكننا أن نغير كل شيء؛ إذ لا بد أن يبقى ~~الكثير مما وجدناه أمامنا على حاله القديم، وأن تواجهه أجيال أخرى من أبناء الغد ~~وتحاول تغييره بما لديها من إمكانات جديدة، وأن كل هذا أدعى إلى الرضا والقناعة ~~اللذين ربما كساهما الحزن، ولكنه الحزن الأعمق الذي يتعلق «بشروط» بشريتنا ~~المحدودة، ولا يمكنه أن يمنعنا من الفرح بكل لحظة نعيشها. تشهد على هذه المشاعر ~~قصيدتان قصيرتان من «مرثيات بوكو» الرائعة المؤثرة، يقول في إحداهما: لو كنا سنبقى ~~إلى الأبد، لتغير كل شيء، لكن لأننا زائلون، يبقى الكثير على حاله القديم. ويقول في ~~الأخرى: كنت حزينا حين كنت شابا، وأنا الآن حزين بعد أن شخت. متى سيمكنني إذن أن ~~أفرح؟ الأفضل في أسرع وقت. # وعلى الرغم من كل الشكوك والتناقضات التي تثيرها حياة برشت وأعماله ولم تزل تثيرها ~~إلى اليوم، فلا بد من القول أيضا بأن حكمته العدمية التي عاودته في تلك السنوات ~~الأخيرة لم تفقده الثقة أبدا في إمكان التغيير والتجديد حتى مع آخر نفس يخرج ~~من صدر الإنسان. والواقع أن الغرور لم يخالجه أبدا إلى الحد الذي يتصور معه أن ~~أعماله خالدة أو صالحة لكل العصور؛ فقد عبر عن شكه في قصيدة أعاد فيها صياغة ~~عبارة لشاعر الرومان الأثير لديه «هوراس» وقال فيها: حتى الطوفان لم يدم إلى الأبد، ~~فذات يوم تسربت المياه السوداء. حقا، ما أقل المياه التي استمرت وقتا أطول من ~~ذلك. # وقد علق برشت نفسه على هذه الأبيات القليلة بقوله: «من أراد أن يقفز ms028 قفزة كبيرة فلا ~~بد له من أن يتراجع عدة خطوات. إن اليوم يتغذى من الأمس ويواصل مسيرته نحو ~~الغد. ربما ينظف التاريخ المائدة من كل ما عليها، ولكنه يتخوف دائما من المائدة ~~الخالية.» # وأخيرا فإذا كانت بلاد هذا الشاعر ومعها العالم المثقف يحتفلان في هذا العام بالذكرى ~~المئوية لميلاده، فالمغزى الباقي لهذا الاحتفال هو أن يقرأه الناس قراءة جديدة على ضوء ~~الحاضر الذي يعيشونه والتغيرات المدوية التي تمت بعد موته (راجع ما سبق قوله). لا ~~شك أن بعض إنتاجه لن يحتفظ إلا بقيمة تاريخية، لكن الكفاح المستمر من أجل ~~«التغيير» الذي وضعه نصب عينيه ووضعته هذه المقدمة في بؤرة الاهتمام هو الذي ~~يمكن أن يستفزهم للمزيد من التفكير النقدي الحر لتحقيق ما يمكنهم تحقيقه من تغيير ~~(راجع قصائده عن الموقف النقدي والشكاك والجدل وسيولة الأشياء، وسائر القصائد التي ~~تلح على ضرورة العمل على التغيير والتجديد وسبقت الإشارة إليها). ومع أن التطبيق ~~الاشتراكي قد سقط لأسباب يصعب حصرها، فإن الاشتراكية الإنسانية الحرة - بعد أجيال ~~من المجددين لها والمحتجبين على مختلف تطبيقاتها الستالينية والفاشية السابقة - ~~لا يمكن أن تموت كمنهج ورؤية للوجود، بل إنها تحاول اليوم أن تجدد نفسها في أماكن ~~كثيرة من العالم لتواجه أكاذيب المهيمنين الجدد على أقدار البشر. وأحسب أن الكفاح ~~الطويل لهذا الكاتب والشاعر في سبيل السلام والوحدة والأمن والسعادة والتقدم لشعبه ولكل ~~الشعوب، وتكريس قلمه لقضايا واقعية محددة - كالنضال ضد الحرب والاستبداد، ~~وتوعية الرجل العادي وتنويره وتغييره ... إلخ مع بقاء شعره شعرا وفنه فنا - يمكن أن ~~تعلمنا الكثير. لقد كان يسأل نفسه على الدوام ويطالبنا بأن نسأل أنفسنا: من أنا؟ ~~ولمن أكتب؟ بماذا ينتفع القارئ مما أكتب؟ هل سيساعد ما أكتبه على إيقاظ الوعي؟ هل ~~هو مرتبط بالواقع الراهن؟ كيف يكون سلوك الناس عندما يصدقون ما نقوله لهم، ثم كيف ~~يمكن أن يتصرفوا بشكل عملي وعقلاني حر؟ (راجع قصيدة الشكاك وغيرها من القصائد ~~الجدلية والقصائد الموجهة إلى الرجل العادي مثل: امتداح التعلم، وعامل يسأل ~~أثناء القراءة، وولدي ms029 الصغير يسألني) وهي أسئلة ينبغي أن نذكر أنفسنا بها ~~ونذكر التائهين في غيبوبة التجريب الجامح الملغز، والثرثرة الخادعة المتعالية ~~بما يردده غيرنا (من المترفين البعيدين عن قضايانا ومحننا وأوجاعنا) - عن موت ~~المؤلف وغياب «الرسالة»، عن الأدب والفن وتقديس النص إلى آخر ما يتردد على بعض ~~الألسنة والأقلام. ولو نجحت هذه القصائد المختارة في حفز القارئ على إعادة التفكير في ~~تلك الأسئلة والعمل على التغيير والتطوير والتنوير كل في ميدانه وبقدر استطاعته، ~~فسوف أكون راضيا عن جهدي القليل الذي لا يخلو بطبيعة الحال من الخطأ والسهو والتقصير. # 12 # أحمده سبحانه إن كنت قد وفقت، وأسأله العفو والصفح إن كنت قد أسرفت وتعثرت، ~~فإليه ألجأ، وإليه المصير. # عبد الغفار مكاوي # القاهرة في شهر يوليو 1998م # | مقدمة الطبعة الأولى # | حياة برتولت برشت وأعماله # ولد برتولت برشت (أويجن برتولت فريدريش برشت كما يدل اسمه الكامل) في اليوم الثاني من ~~شهر فبراير عام 1898م في مدينة أوجسبرج الألمانية، كان أبوه برتولد برشت (الذي ولد في ~~آخرن في الغابة السوداء في عام 1869م) قد حضر في عام 1893م إلى مدينة أوجسبرج ليعمل في ~~مصانع الورق هناك، وظل يتدرج بجده ونشاطه في سلم الوظيفة حتى أصبح مديرا ~~تجاريا لها في عام 1914م. نشأ برشت في ظروف اجتماعية ميسرة، كفلت له الرخاء ~~والأمان، وكان كل شيء يوحي بأن حياته ستسير في مجراها العادي، على نحو ما سارت عليه ~~حياة شقيقه الأوحد فالتر الذي عمل أستاذا لصناعة الورق في كلية الهندسة وفي مدينة ~~دارمشتات - فقد عمد على المذهب الإنجيلي، ودخل المدرسة الابتدائية والثانوية في مسقط ~~رأسه، وغادرها في عام 1917م إلى جامعة ميونيخ ليدرس الفلسفة والطب. ولكن يبدو أن برشت - ~~الذي ظهرت طبيعته الغربية المتمردة والمتفتحة منذ صباه - كان قد صمم على أن ~~يستبدل بالحياة البرجوازية المتطلعة إلى المظهر والغنى حياة الأديب المتحررة من ~~كل قيد. # فها هو ذا في طفولته يهتم بمسرح العرائس اهتماما غير عادي، ويمثل ويخرج مع رفاق ~~صباه مسرحيات كاملة، ويجد لذته الكبرى في الاستماع ms030 إلى المغنين المتجولين في ~~الشوارع والأسواق. ويظهر لأول مرة في العالم الأدبي وهو لم يتعد السادسة عشرة من ~~عمره؛ إذ ظهرت أولى قصائده في اليوم السابع عشر من شهر أغسطس عام 1914م في جريدة «أحدث ~~أخبار أوجسبرج». # وكان لتجربة الحرب العالمية الأولى أكبر الأثر على تطوره الفني، فقد دأب في السنوات ~~الأولى من هذه الحرب على كتابة أشعار وطنية صرفة، ما لبثت نغمتها ابتداء من عام ~~1916م أن تغيرت تغيرا ملحوظا (كتب وهو في المدرسة الثانوية مقالا «انهزاميا» ~~باللغة اللاتينية موضوعه «ما أحلى وما أجمل الموت في سبيل الوطن!» كاد أن يتسبب في ~~طرده من المدرسة). # واضطر برشت إلى قطع دراسته التي كان قد بدأها في عام 1917م في جامعة ميونيخ، فقد ~~جند في عام 1918م واشتغل في مستشفى عسكري في مدينة أوجسبرج، وانطبعت آثار المآسي ~~البشعة التي كان يقابلها كل يوم انطباعا عميقا في نفسه، فأصبح إلى نهاية حياته من ~~أعدى أعداء الحرب. والسخرية المرة التي يجدها القارئ في قصيدته «حكاية الجندب ~~الميت» تقدم الشهادة الصادقة والمفزعة على هذا العداء. واندلعت الثورة الألمانية لعام ~~1918م وبرشت على هذه الحال، والمرجح أنه انضم لفترة من حياته إلى الحزب الاجتماعي ~~الديمقراطي المستقل. وفشلت الثورة الاشتراكية الأولى، وعاد يدرس الطب بغير حماس، وما ~~أكثر ما كان يهرب من محاضراته ليشترك في حلقات البحث التي كانت تعقد في جامعة ميونيخ ~~عن المسرح، ويتعمق في قراءاته للشاعر الثائر الموهوب جورج بوشنر # 1 # وللكاتب المسرحي فيد يكند اللذين ظلا مثله الأعلى إلى آخر حياته، ويقضي ~~سهراته البوهيمية الصاخبة في المقاهي والحانات، ويوسع من دائرة معارفه من الشعراء ~~وكتاب المسرح والمشتغلين به. # في هذا العالم نشأ عمله المسرحي التعبيري الأول «بعل» أو «بال» # 2 # الذي يصور في لوحات شاعرية منفصلة حياة شاعر صعلوك يقضيها في السكر ~~والانطلاق الغريزي، مستسلما لإحساسه العدمي القاتم بالأرض والليل والحياة (راجع ~~قصيدة «كورال بال» في هذا الكتاب). وبرزت في هذه المسرحية عبقرية برشت اللغوية، وتأثره ~~بالحركة التعبيرية التي كان لها السيادة ms031 في ذلك الحين، وقدرته على أن يصدم القراء ~~والمتفرجين بتعبيراته المثيرة المفزعة. ثم كتب عمله المسرحي والتعبيري الثاني ~~«طبول في الليل» في خمسة فصول، وهو يسجل بداية اهتمامه بمشكلات عصره، ويصور فيه قصة ~~جندي من جنود المدفعية عاد إلى وطنه بعد انتهاء الحرب، فوجد خطيبته قد ارتبطت برجل ~~آخر وحملت منه، ودفعه اليأس إلى الانضمام إلى جماعات الثوريين الذين يتخلى عنهم ~~بعد أن تعود إليه خطيبته. وترجع تسمية هذه المسرحية - التي سماها برشت في الأصل ~~سبارتاكوس وتأثر فيها بثورة المحرر الأول للعبيد - إلى الكاتب الروائي والمسرحي ليون ~~فويشتفانجر الذي تعرف برشت عليه في عام 1918-1919م في ميونيخ وظل صديق عمره وزميله في ~~العمل طول حياته. كما تعرف في تلك السنوات على الرسام ومصمم الديكور المسرحي ~~المشهور كاسبارنيهر، والمخرج إريش أنجل والشاعر الاشتراكي يوهانس بيشر. # ماتت أم برشت في شهر مايو عام 1920م وكانت أقرب الناس إليه وأبعدهم أثرا على حياته ~~(راجع قصيدة أمي في هذه المجموعة ). وبموتها بدأت صلاته بأسرته تضعف شيئا فشيئا. ~~وانتقل إلى ميونيخ، وظل يكتب في صحيفة «إرادة الشعب» التي كانت تظهر في أوجسبرج حتى ~~قطع صلته بها في أوائل عام 1921م. وبذلك انتهت أعوام أوجسبرج (التي كان من ثمارها أيضا ~~ولد غير شرعي لم يلبث أن توفي في صغره). وانقطعت صلته بأبيه وأسرته، وبدأت سنوات ~~الاضطراب التي مهدت لاستيلاء النازيين على الحكم في عام 1933م. # لم يكد برشت يستقر في ميونيخ حتى راح يتردد على برلين محاولا أن يضع قدمه ~~فيها، فهو يتفاوض مع الناشرين، ويتعرف على الحياة الفنية، ويرتبط بروابط الصداقة ~~بالممثلين والكتاب، ويزداد عدد فضائحه ونوادره، ويقف على مسرح الحياة الأدبية ~~وكأنه الطفل المفزع الرهيب في الأدب الألماني الجديد! # ومثلت «طبول في الليل» في سبتمبر عام 1922م لأول مرة في ميونيخ، ونجحت نجاحا ~~كبيرا كان بداية شهرته في عالم المسرح، وفوزه بالجائزة المعروفة باسم الشاعر المسرحي ~~الكبير كلايست، حتى لقد كتب ناقد يقول: «لقد استطاع برشت البالغ من العمر أربعة ~~وعشرين عاما أن يغير ms032 وجه الأدب الألماني في يوم وليلة.» # وفي عام 1921م بدأ مسرحيته التعبيرية الثالثة «في أحراش المدن» كما كتب أربع ~~مسرحيات من فصل واحد، تأثر فيها بالأدب الشعبي تأثرا قويا، وحذا فيها حذو ~~الممثل الهزلي الشعبي الشهير كارل فالنتين. وهذه المسرحيات «التي نشرت بعد وفاته ~~ضمن أعماله المسرحية الكاملة» هي الشحاذ أو الكلب الميت، يطرد الشيطان، نور في ~~الظلمات، والزفاف. # وفي شهر نوفمبر عام 1922م تزوج برشت الممثلة ماريانه جوزفينه توف التي أنجب منها ~~ابنته هانا ماريانه التي اشتهرت بعد ذلك بدور جان دارك في مسرحيته «جان دارك السلخانات» ~~عندما مثلت لأول مرة في هامبورج عام 1959م. # وفي عام 1923م مثلت مسرحية «في أحراش المدن» في ميونيخ، وهي تعبر عن عزلة الإنسان ~~المطلقة، وغربة الناس عن بعضهم في مدن الأسفلت غربة لا تسمح لهم حتى بأن يعادوا ~~بعضهم بعضا. # وكلف برشت لأول مرة في عام 1924م بإخراج ماكبث، ولكنه تردد عن القيام بالمحاولة؛ إذ ~~بدا له الإقدام على عمل من أعمال شكسبير مخاطرة غير مأمونة ، واستعاض عنه بكرستوفر ~~مارلو، فاقتبس بمعاونة ليون فويشتفنجر مسرحيته «إدوارد الثاني» التي مثلت لأول مرة ~~في ميونيخ في شهر مارس عام 1924م وبدأت تظهر فيها بذور نظريته المسرحية التي ستتطور ~~فيما بعد إلى الشكل الذي نعرفه اليوم باسم «المسرح الملحمي». # وفي عام 1924م انتقل برشت نهائيا إلى برلين، وعمل حتى عام 1926م في «المسرح الألماني» ~~مع المخرج العظيم ماكس رينهارت إلى جانب الكاتب المسرحي كارل تسوكماير. وسرعان ما ألف ~~الحياة في برلين، وجمع حوله كعادته عددا من الأصدقاء والأتباع المتحمسين، من ~~شعراء ورسامين وممثلين وملاكمين. # وقضى برشت عام 1925م في كتابة مسرحيته «رجل برجل» التي مثلت لأول مرة في ~~دارمشتات في عام 1926م. وهذه المسرحية تستهل مرحلة جديدة في حياته الفنية والفكرية، ~~فعندها تبدأ سلسلة مسرحياته (التي ستدعمها فيما بعد عقيدته الاشتراكية) التي يؤكد فيها ~~أن الإنسان يتحدد بالظروف الاجتماعية المحيطة به. وبطل هذه المسرحية إنسان عادي ~~يتحول إلى أداة جهنمية من أدوات الحرب، ويقيم الدليل ms033 على أن الإنسان في المجتمع ~~الحديث يمكن أن يستبدل بغيره وأن يشكل على الصورة التي تراد له. وكان برشت قد بدأ ~~يهتم بالنزعة الأمريكية وما تمتاز به من موضوعية ونفعية وعنف وجنون بالرياضة ~~والضجة والتنافس، ويبدي إعجابه بالسلوكية (مذهب واطسون في علم النفس الذي يقتصر ~~على بحث مظاهر السلوك فحسب وينكر ما يسمى بالنفس أو الشعور) كما كان قد بدأ في ~~دراسة الماركسية دراسة منظمة، وحضور الفصول المسائية التي كانت تنظمها مدرسة ~~العمال في برلين، والاهتمام بمسائل المال ومناورات البورصة. وظل حتى عام 1930م ~~يتابع دراساته الاشتراكية، ويتعمق في قراءة هيجل وماركس لتعزيز إيمانه بضرورة الثورة ~~التي تصور أنها ستغير العالم (راجع قصيدته غير العالم فهو يحتاج للتغيير). # تعرف برشت في ذلك الحين على المخرج المسرحي الكبير إرفين بسكاتور وتوثقت صلته ~~بمسرحه السياسي الذي توسع في إدخال الوسائل التقنية عليه وفي تفسير الأحداث من جانبها ~~الاجتماعي والتاريخي. وقد كان لتعاون برشت معه أكبر الأثر على تطوره الفني، حتى ~~ليقال إن تعبير المسرح الملحمي أو الدراما الملحمية يرجع إلى بسكاتور أو هو الذي ~~ساعد على الأقل على نشره والترويج له. # وكان عام 1927م هو عام المجموعة الشعرية الأولى لبرشت التي تعرف باسم «تبتلات ~~البيت» والتي دلت على أنه شاعر أصيل بقدر ما هو كاتب مسرحي موهوب. والحق أن قصائده ~~الغنائية كانت تسير دائما جنبا إلى جنب مع مسرحياته، إن لم تكن أقدر منها على الكشف ~~عن طبيعته الشاعرية الحقة. وقد تأثر في هذه المجموعة بأشعار فرانسوا فيون (الذي ~~طالما اتهم برشت بالسرقة عنه!) ورديارد كبلنج ورامبو، وعبر فيها بلغة قوية ~~نفاذة الطعم والرائحة عن الإحساس بالتشرد والضياع، والشعور الغريزي ~~الحيواني الغارق في بهجة الوجود وعذابه، والآلام التي تعانيها الخليقة الممزقة ~~«على هذا الكوكب غير المأمون». # وانفصل برشت في ذلك العام عن زوجته الأولى، وتعرف على زوجته الثانية هيلينيه فيجل، وهي ~~الممثلة التي ارتبط اسمها باسمه، وقامت بأداء ~~معظم أدوار النساء في مسرحياته، حتى إن أغلب هذه الأدوار كتب تحت تأثيرها أو ms034 فصل ~~على قدها (وأشهر أدوارها هو دور الأم شجاعة في المسرحية المعروفة بهذا الاسم). وسجل ~~هذا العام نفسه (1927م) أول عمل مشترك لبرشت مع الموسيقي كورث فيل - الذي ارتبط اسمه به ~~فيما بعد، وأصبح ملحنه الأول غير منازع - إذ قام بتلحين بعض الأغاني المختارة من ~~«تبتلات البيت» وعرضت باسم «مهاجوني» في الاحتفالات الموسيقية السنوية في بادن - ~~بادن، ثم تطورت فيما بعد إلى أوبرا «سقوط وازدهار مدينة مهاجوني» التي يجد القارئ ~~بعض أغانيها في هذه المجموعة. على أن الانتصار الحقيقي الذي أحرزاه معا كان بعرض ~~أوبرا القروش الثلاثة في 31 أغسطس من العام التالي (1928م) على مسرح الشفباوردام الذي ~~أصبح بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة هو المقر الدائم لفرقة برشت المعروفة باسم فرقة ~~برلين. وقد اقتبس برشت هذه الأوبرا عن «أوبرا الشحاذ» التي ألفها الإنجليزي جون ~~جاي في عام 1728م وترجمتها إلى الألمانية مساعدته إليزابيث هاوبمتان وحشدها ~~بأغنيات من تأليفه ومن تأليف الشاعر الفرنسي الشريد فرانسوا فيون. # حاول برشت في هذه الأوبرا أن يسخر سخرية مرة من العادات الشائعة في المجتمع ~~الرأسمالي، وأن يصوره عالما من اللصوص والآفاقين والشحاذين، كما حاول أن ~~يهاجم الأوبرا التقليدية. وهكذا بدأ النقد الاجتماعي يسير جنبا إلى جنب مع النقد ~~الفني، كما بدأت تظهر ملامح الشكل المسرحي الجديد الذي دعمته الكتابات النظرية فيما ~~بعد. # وبدأ برشت في عام 1930م نشر مسرحياته في كراسات متتابعة تحت عنوان «محاولات» ~~زودها بملاحظات وتعليقات يغلب عليها الطابع التعليمي والتجريبي الذي أراد به أن ~~يستبدل الدرس والتعليم بالمتعة الفنية. على أنه ما لبث في المرحلة الأخيرة من حياته ~~الفنية أن تراجع عن هذا الموقف المتطرف، وربط ربطا جدليا حيا بين الاستمتاع ~~والتعليم. وقد ظهرت أولى هذه المسرحيات التعليمية في الاحتفالات الموسيقية السنوية في ~~بادن - بادن، عام 1929م، وهي طيران لندبرج، وتكاد أن تكون تمجيدا للإنسان في العصر ~~الصناعي، وتأكيدا لانتصاره على الطبيعة. وكانت ثانيتها هي مسرحية بادن التعليمية عن ~~التفاهم، وهي تؤكد دور المجتمع كما تحبذ زوال الفرد في مجتمع ms035 لا اسم له. كما ~~بدأ العمل في ذلك العام نفسه في مسرحية من أهم مسرحياته وهي «جان دارك قديسة ~~المذابح» (أو السلخانات)، وتدور حول صراع فتاة من متطوعات جيش الخلاص مع رجال ~~الأعمال في بورصة شيكاغو لإنقاذ مصير عمال السلخانات، وبدلا من أن ترتفع إلى السماء ~~كالقديسين والشهداء تهبط إلى الأرض لتدعو الإنسان إلى الخلاص من مضطهديه ~~ومستغليه. # وكتب برشت مسرحيته التعليمية الثالثة التي تدور حول التضحية بالفرد في سبيل ~~المجموع، وهي مسرحية «قائل نعم» التي اقتبسها عن الترجمة الإنجليزية التي قام بها «آرثر ~~آلي» لمسرحية النو اليابانية «تانيكو» وتدور حول التضحية بصبي صمم على ~~الاشتراك في رحلة مضنية في الجبل، ولكنه سقط مجهدا في الطريق ووافق على أن يلقى ~~به في الهاوية حتى لا تتوقف الرحلة عن سيرها. وقد عرضت المسرحية لأول مرة في ~~برلين باسم «أوبرا مدرسية» ولحنها كورت فيل، وأضاف إليها برشت، بعد مناقشتها مع ~~تلاميذ المدارس، مسرحية مضادة سماها «قائل لا» عدل فيها عن وحشية التقليد ~~القديم الذي كان يقضي بتضحية الصبي. # 3 # وتصل المسرحيات التعليمية إلى غايتها كما تبلغ التضحية بالفرد في سبيل المجموع ~~ذروتها القاسية الرهيبة في مسرحيته المعروفة باسم «الإجراء» التي وضع ألحانها هانز ~~أيزلر، وهي تروي حكاية جماعة من الدعاة الثوريين في إحدى مناطق الصين يقتلون زميلا ~~لهم فشل في أداء المهمة التي كلفه بها الحزب نتيجة لتغلب النزعة العاطفية ~~عليه، فقتلوه بعد أن اعترف بأخطائه ورضي هو نفسه بأن يضحي به في سبيل المجموع. وقد ~~تراجع برشت بعد ذلك عن تزمته المذهبي في هذه المسرحية التي ضاق بها ورفض عرضها رفضا ~~مطلقا في سنواته الأخيرة. # وفي عام 1930م كتب برشت مسرحية تعليمية أخرى هي الاستثناء والقاعدة، أثناء إقامته في ~~المصيف الفرنسي لا لافاندو على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وتبين المسرحية (التي ~~مثلها مسرح الجيب بالقاهرة في فبراير عام 1964م) كيف أن الفعل الخير يصبح هو ~~الاستثناء من القاعدة في مجتمع يسوده الشر ويحتدم فيه صراع المصالح والطبقات. حتى ~~إذا قدم الضعفاء ms036 والفقراء الخير أسيء فهمه من جانب المستغلين والأقوياء، وراح ~~القانون أيضا يبرر سلوك هؤلاء. وقد نشرت المسرحية لأول مرة في عام 1937م، كما ~~مثلت لأول مرة كذلك في فلسطين في أغسطس عام 1938م على مسرح جيفات حاييم. # وفي عام 1931م أعد برشت مسرحية هاملت للإذاعة واشترك مع كاسبارنيهر في إخراج أوبرا ~~«ازدهار وسقوط مدينة مهاجوني» التي سبقت الإشارة إليها على مسرح «كورفور ستتدام» في ~~برلين، كما راح يعمل في «مسرحة» رواية الأم المشهورة لماكسيم جوركي وحولها إلى مسرحية ~~تعليمية (يتعلم منها ممثلوها قبل كل شيء!) تصور تطور الأم العاملة التي ~~تقتنع بالمبادئ الماركسية. # ونشر برشت كذلك - إلى جانب ملاحظاته النظرية العديدة عن المسرح الملحمي التي علق ~~بها على أوبرا القروش الثلاثة وأوبرا مهاجوني - مجموعة صغيرة من قصائده تحت عنوان «من ~~كتاب سكان المدن» التي يجد القارئ مختارات منها في هذا الكتاب. وقد استغنى الشاعر ~~في هذه المجموعة عن القافية والإيقاع المنتظم، وغلبت عليه الدقة في الأداء، ~~والموضوعية في التعبير. كما نشر كذلك في سلسلة «المحاولات» قصصه المعروفة «بحكايات ~~السيد كوينر» وكتابا للأطفال تحت عنوان «الجنود الثلاثة» قال برشت عنه إن الغرض منه ~~هو أن يحفز الأطفال على طرح الأسئلة، وهي عبارة تنطبق على كل أعماله التي تستهدف ~~إثارة الدهشة والسخط لدى القارئ والمتفرج، ودفعهما إلى تغيير الواقع الاجتماعي ~~المحيط بهما بالثورة والعنف إذا اقتضى الأمر؛ ولذلك وجهها لجميع الأطفال من سن ~~الثامنة إلى الثمانين. # أقبل عام 1933م وراح هتلر يعد العدة للاستيلاء على السلطة. وبدأت نذر الإرهاب ~~تتلبد في سماء ألمانيا وتنذر بالوقوع على رأس برشت؛ فقد منع تمثيل مسرحية جان دارك ~~في دارمشتات، كما أوقف عرض مسرحية الإجراء في مدينة إيرفورت. وفهم برشت ما تعنيه هذه ~~النذر، فغادر ألمانيا مع زوجته في اليوم السابع والعشرين من شهر فبراير عام 1933م، وكان ~~على طفليه أن يلحقا بهما إلى المنفى. # وتحققت مخاوف برشت من الإرهاب النازي، فقد أحرقت كتبه في الحريق المشهور الذي ~~ألقى فيه النازيون بمؤلفات أكثر من مائتي كاتب ms037 وشاعر ألماني اتهموا بالانحلال ~~والتهمتها النيران مع صيحات الجماهير المتحمسة الهاتفة أمام مبنى دار الأوبرا في ~~برلين. وفي اليوم الثامن من شهر يونيو عام 1935م حرم برشت من الجنسية الألمانية وكانت ~~قصيدة «حكاية الجندي الميت» التي كتبها في العشرين من عمره - والمنشورة في هذه ~~المجموعة - هي التي أثارت عليه النازيين، وملأت قلوبهم حقدا عليه. # غادر الشاعر برلين إلى براغ، ومنها إلى زيورخ عن طريق فيينا. وكانت الرحلة الثانية ~~لبرشت (الذي راح يغير بلدا ببلد أكثر مما يغير حذاء بحذاء، كما سيقول فيما بعد ~~في قصيدته عن برشت المسكين) هي جزيرة تيرو في الدانيمارك حيث قضى هناك أوائل الصيف. وفي ~~هذا الصيف نفسه أقام فترة من الوقت في باريس، حيث عرض آخر أعماله التي ظهرت ~~بالتعاون مع الملحن كورت فيل، وهو باليه أنا-أنا، أو الخطايا السبع المميتة، الذي ~~يصور فساد القيم الأخلاقية في مجتمع يسوده الربح والتجارة، وهو الباليه الوحيد ~~الذي كتبه برشت ولم يقدر له النجاح لا في باريس ولا في لندن. # وفي عام 1934م ظهرت في باريس الطبعة الألمانية من مجموعته الشعرية الثانية «أغاني، ~~قصائد، وأناشيد جماعية (كورات)» كما ظهرت رواية القروش الثلاثة في إحدى مطابع اللاجئين ~~في أمستردام، وازدادت نغمة النقد الاجتماعي حدة عما كانت عليه في المسرحية ~~المماثلة وبلغت من السخرية الدامية القاسية درجة تذكرنا بسخريات سويفت. ~~وتصل هذه السخرية القاتلة إلى ذروتها المخيفة في حلم الجندي فيو كومبي الذي ~~يتهم فيه المسيح ويدينه لأنه ضلل الفقراء وأغراهم بالآمال الكاذبة. # وأقام برشت مع أسرته في بيت ريفي في سكوفزيو ستراند (منطقة سفند برج) مطل على شاطئ ~~جزيرة لانجيلاند، يحيط به الأصدقاء الدنمركيون ويعاونونه على الحياة. واتخذ من إسطبل ~~قديم للخيول مزود بمائدة كبيرة مكانا يعمل فيه. وعاش الشاعر في عزلة كاملة عن ~~العالم الخارجي منصرفا بكليته إلى الكتابة والتأليف. وكان من الطبيعي أن يوجه ~~كتاباته ضد النازية، وأن يكشف عن الرعب والإرهاب اللذين عاش الألمان في ظلهما في ~~ذلك العهد القاتم، ويفضح المحنة والتعاسة الروحية المستترة وراء ms038 الصخب الذي ~~يثيره هتلر وأعوانه. وكان أن خرجت مسرحيتاه «الرءوس المستديرة والرءوس المدببة» ~~و«رعب الرايخ الثالث وتعاسته»، كما راح يساهم في مكافحة النازية، ويشترك في مظاهرات ~~الاحتجاج عليها، ويسافر إلى باريس ولندن ونيويورك وموسكو، ويلتقي بالمهاجرين من زملائه، ~~ويخطب في المؤتمرات (كما فعل في المؤتمر الدولي للكتاب المنعقد في باريس في يونيه 1935م) ~~ويشرف على إخراج مسرحياته، ويلقي أشعاره الساخرة من إذاعة ألمانيا الحرة، ويساهم ~~في تحرير الكثير من المجلات التي أسسها المهاجرون في عواصم العالم التي ظلت ~~بعيدة عن قبضة النازيين (وبالأخص مجلة «الكلمة» التي كان يصدرها مع ليون ~~فويشتفانجر) وينشر مؤلفه الهام «خمس صعوبات عند كتابة الحقيقة». وفي هذه الفترة ~~توقف برشت عن كتابة مسرحياته التعليمية؛ ربما لأنه تبين قصورها عن تحقيق أهدافه من ~~المسرح الملحمي الذي كان دائم التفكير فيه، وراح تحت وطأة الظروف التي يعيشها ~~يؤلف مسرحيات كفاحية تقترب كثيرا من النزعة الطبيعية التقليدية (من ذلك مسرحية ~~«رعب الرايخ الثالث وتعاسته»، ومسرحية «بنادق الأم كارار» التي تكاد تسير على التقاليد ~~الأرسطية الخالصة). ويضع مقاله الهام «مسرح التسلية أم مسرح التعليم» (1936م) الذي يقيم ~~فيه مسرحه الجدلي أو «غير الأرسطي» على ما يسميه بالإغراب الذي يجعل الممثل ~~«يعرض» دوره على المتفرجين بدلا من الاندماج فيه، ويحفزهم على الاندهاش من ~~الواقع الذي يصوره لهم ويدفعهم إلى نقده والثورة عليه. أضف إلى ذلك أن زيارته لموسكو ~~في عام 1935م كان لها أكبر الأثر على تطوره المسرحي، وزادت اقتناعه بآرائه في المسرح ~~الملحمي، وعملت على تأكيدها وتعميقها؛ إذ أتيح له أن يتعرف على المسرح الصيني، ~~ويلتقي بالممثل ماي لان فانج الذي كان يمثل في موسكو في ذلك الحين، ويرى فيه المثل ~~الأعلى للتمثيل الملحمي الذي يبتعد فيه الممثل عن دوره وينفصل عنه. # وهكذا كتب مقاله «آثار الإغراب في فن التمثيل الصيني» (1937م) الذي كان مقدمة ~~لسلسلة من الكتابات النظرية التي راح فيها يدعم نظرياته عن المسرح الملحمي ~~ويطبقها على مشاهد من مسرحياته، ونذكر من تلك الكتابات «المسرح التجريبي» (1939م)، ~~و«مشهد ms039 في الشارع»، و«وصف موجز لتكنيك جديد في فن التمثيل، يحدث أثر الإبعاد أو ~~الإغراب» ويتوجها جميعا مؤلفه الهام «الأورجانون الصغير للمسرح» (1948م). # تأثر برشت في هذه السنوات كلها بعالم الشرق الأقصى ونهل من نبع الحكمة الصينية، ~~وعاش مع أفكار بوذا ولاوتزو وكونفوشيوس، وترك ذلك كله أثره على قصائده ومسرحياته من ~~ناحيتي الموضوع والشكل معا. فها هي ذي الحكمة الشرقية بكل ما فيها من محبة وطيبة ~~وتواضع وإحسان ومقاومة للشر والبطش تظهر في كثير من أعماله، وها هو ذا يترجم ~~قصائد صينية ينشرها في عام 1938م (ويجد القارئ بعضها في هذه المختارات) ويؤلف في ~~عام 1939م قصيدته المشهورة «حكاية عن نشأة كتاب تاوتي كنج الذي ألفه الحكيم لاوترو وهو ~~في طريقه إلى المنفى». # زاد خطر الحرب، واشتد الزحف النازي على البلاد المجاورة، وانتقل برشت إلى ~~السويد في أبريل 1939م، واشترك في مؤتمر للمهاجرين الأحرار عقد في لندن في نفس العام، ~~والتقى فيه بكثير من شخصيات الأدب والفن ومنهم الملحن هانز آيزلر، والمصور ~~أوسكار كوكوشكا، والمخرج برتولد فيرتل. وأتم في نفس العام بعض أعماله الهامة، ومنها ~~حياة جاليليو (التي كتبها كما يذهب البعض تحت تأثير النجاح الذي حققه عالم ~~الفيزياء المشهور أوتوهان بشطر نواة اليورانيوم) والأم شجاعة وأبناؤها، ومحاكمة ~~لوكولوس، وكلها تمثل ذروة التطور في الدراما الملحمية الواقعية، ~~كما تؤلف بين العناصر التعليمية والعناصر الفنية في ~~وحدة واحدة. فجاليليو يعبر عن مأساة العالم الذي يتنكر في الظاهر لاكتشافاته ~~العلمية الخطيرة التي تثير غضب الكنيسة وتهدد سلطانها المطلق لكي يتمكن من ~~مواصلة البحث عن الحقيقة. والأم شجاعة هي مثال التاجرة الخبيثة الغبية التي ~~تتعثر في حرب الثلاثين من مغامرة إلى مغامرة، وتفقد ابنيها وابنتها واحدا بعد ~~الآخر، وتوشك أن تفقد كل شيء ولكنها لا تتوقف عن الجري وراء الربح ولا ~~تتعلم من كوارث الحرب! أما القائد الروماني لوكولوس فيحاكمه العمال والعبيد في ~~العالم الآخر ويزنون حسناته وسيئاته. وأما مسرحية «إنسان ستشوان الطيب» التي بدأها في ~~عام 1938م وأتمها في عام 1941م فهي آخر ms040 الأعمال الكبرى التي ألفها في منفاه ~~الاسكندنافي، وحاول أن يثبت فيها بأسلوب فني غير مباشر كيف أن الإنسان مضطر ~~في المجتمع الرأسمالي إلى أن يحيا بضميرين ينكر كل منهما صاحبه، وكيف أن الخير ~~والطيبة لا مكان لهما في وسط يتحكم فيه الأغنياء في الفقراء. فالبغي الطيبة ~~شن تي تتشكل في شكلين، وتعيش بقلبين ووجهين، أما أحدهما فيحسن إلى ~~الفقراء ويعطف على المساكين ويحوز رضا الآلهة، وأما الآخر الذي تتحول فيه إلى ~~ابن العم الشرير شوي تا فهو يفكر بعقلية الرأسمالي، ويتصرف بماله في أقدار ~~الناس. # وانتقل الشاعر إلى فنلندا في عام 1940م حيث كتب هناك مسرحيته الشعبية المرحة ~~الصافية «السيد بونتيلا وتابعه ماني» واستلهم فكرتها من قصص الكاتبة الفنلندية ~~هيلا وليوكي التي آوته هو وأسرته في ذلك الحين. وبونتيلا واحد من فصيلة الإقطاعيين ~~التي تنبأ برشت بانقراضها النهائي، فهو إنسان رحيم طيب القلب حين يسكر، ~~ولكنه مستغل قاس مجرد عن الإنسانية حين يصحو من سكرته. # 4 # وبينما كان هتلر يستعد لغزو روسيا، كان برشت يستعد للرحيل من جديد، ويسعى ~~للحصول على جواز سفر إلى أمريكا، ويعمل في مسرحيته التي استمد موضوعها من مغامرات ~~أبطال العصابات في شيكاغو، وصور بها استيلاء هتلر وأعوانه على السلطة، ونعني بها ~~مسرحية «صعود أرتورو أوي الذي يمكن أن يوقف» التي أتمها في أسابيع معدودة. # وفي الثالث عشر من شهر مايو عام 1941م غادر برشت فنلندا ورحل إلى فلاديفوستوك عن طريق ~~موسكو. وفي الحادي عشر من شهر يونيو استقل سفينة سويدية إلى أمريكا، حيث أقام هناك في ~~سانتا مونيكا، إحدى ضواحي لوس أنجليوس، في بيت قديم استطاع أن يشتريه لنفسه، ليعيش فيه ~~ما يقرب من ست سنوات. وتجمع كثيرون من أصدقائه الألمان المهاجرين حوله وتعرف على ~~عدد من الشخصيات المشهورة في عالم الفن منهم شارلي شابلن وتشارلز لوتون وألدوس ~~هكسلي وأودن والناقد المسرحي إريك بنتلي الذي أصبح من أكبر المتحمسين له والمترجمين ~~عنه في اللغة الإنجليزية. # وراح برشت يعمل في مسرحيته «رؤى سيمون ماكار» وهي قصة ms041 فتاة فرنسية صغيرة، تتشابك فيها ~~أحداث انهيار فرنسا في صيف عام 1940م مع مصير جان دارك وكفاحها ضد الإنجليز، ومسرحيته ~~«الجندي شفيك في الحرب العالمية الثانية» التي استلهم موضوعها عن رواية للكاتب التشيكي ~~هاشك. # أغلقت المسارح الأمريكية أبوابها في وجه برشت، وكان عليه أن ينتظر أربعة أعوام حتى ~~تمثل بعض المشاهد من مسرحيته «رعب الرايخ الثالث وتعاسته» من ترجمة إريك بنتلي في ~~سان فرانسسكو ونيويورك، وإن بقي حظها من النجاح ضئيلا. ولم يستطع أن ينفذ شيئا ~~من مشروعاته اللهم إلا الفيلم الذي كتبه وأخرجه فرنس لانج بعنوان «الجلادون يموتون» ~~وهو يصور جرائم هيدرش # 5 # الدموية في تشيكوسلوفاكيا ومصرعه على يد رجال المقاومة السرية، ~~كما راح يعيد كتابة مسرحية «جاليليو» (بالتعاون مع الممثل الشهير تشارلز لوتون الذي ~~قام بالدور الرئيسي فيها عام 1947م، متأثرا بالانفجار الذري في هيروشيما الذي هز ~~كيانه هزة عميقة) ويتم آخر مسرحياته الكبرى التي استمد موضوعها من مسرحية ~~صينية قديمة، ونعني بها «دائرة الطباشير القوقازية» وإن كان قد غير فيها تغييرا حاسما ~~بحيث تجتاز الوصيفة التي رعت الطفل رعاية الأم، لا الأم الحقيقية، امتحان ~~حلقة الطباشير، وبذلك يبين برشت أن الروابط الاجتماعية أقوى من روابط اللحم ~~والدم. وتعد هذه المسرحية، التي يقدمها منشد واحد يذكرنا بدور الشاعر أو ~~الراوية في أدبنا الشعبي، من أنجح مسرحيات برشت وأقدرها على توضيح مقصده من المسرح ~~الملحمي (وقد ترجمها أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى العربية وظهرت في سلسلة ~~روائع المسرح العالمي التي كانت تصدر بالقاهرة)، وقد مثلت المسرحية لأول مرة باللغة ~~الإنجليزية على أحد مسارح الطلبة في نورثفيلد (ولاية مينيسوتا في شهر مايو عام ~~1948م). # ترك برشت أمريكا في عام 1947م. وليس صحيحا أن اللجنة الخاصة بالنشاط المعادي ~~لأمريكا هي التي اضطرته إلى مغادرة البلاد، فقد أبدى رغبته بالفعل في عام 1946م في ~~العودة إلى أوروبا، ولكنه لم يحصل على تأشيرة السفر إلا في أوائل عام 1947م. ومهما ~~يكن الأمر فقد حوكم أمام تلك اللجنة، وبرئ من تهمة العمل لصالح ms042 الشيوعيين، ~~واستقل الطائرة في اليوم التالي لمحاكمته إلى أوروبا حيث وصل إلى سويسرا في اليوم ~~الخامس من شهر ديسمبر عام 1947م، بعد خمسة عشر عاما قضاها في المنفى. وأقام في الدور ~~العلوي من أحد البيوت الريفية في هرلبرج المطلة على بحيرة زيورخ وهناك أتم ~~أهم مؤلفاته النظرية عن مسرحه الملحمي، وهو الأورجان الصغير للمسرح، كما أعاد صياغة ~~مسرحية أنتيجونا لسوفوكليس (عن ترجمة الشاعر هولدرلين) وأبرز فيها الجانب الاجتماعي ~~والسياسي من الأحداث المعاصرة له بصورة واضحة. وفي أكتوبر عام 1948م غادر سويسرا إلى ~~برلين الشرقية، وما زال الرأي القائل بأنه كان ينوي الاتجاه إلى ألمانيا الغربية ~~فمنعته سلطات الاحتلال في حاجة إلى التأييد. # وصل برشت إلى برلين في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1948م واستقر فيها حتى وفاته في ~~أغسطس 1956م. وكان أول أعماله هو إخراج مسرحية الأم شجاعة على المسرح الألماني، وقامت ~~فيها زوجته هيلينه فيجل بتمثيل الدور الرئيسي. وفي شهر سبتمبر أسس الفرقة المسرحية ~~المشهورة ب «فرقة برلين» # 6 # التي أشرفت عليها زوجته، وانتقلت الفرقة في عام 1954م إلى المسرح المعروف ~~بمسرح الشفباوردام # 7 # الذي ظلت تعمل فيه حتى وفاتها. وراح برشت يشرف على إصدار أعماله الكاملة، ~~وإخراج مسرحياته وإعداد مسرحيات أخرى مقتبسة من مؤلفين معظمهم من الدول ~~الاشتراكية، ويدرب الموهوبين من الممثلين الشبان، ويجذب بشخصيته الإنسانية ~~الخصبة عددا كبيرا من المشتغلين بفنون المسرح، ومحبي الأدب والتقدم على وجه ~~الإجمال. ولم يقف نشاطه عند هذا الحد، فقد راح يدعو إلى توحيد ألمانيا والحيلولة بينها ~~وبين التسلح من جديد. ويرسل خطابه المفتوح المشهور إلى فالتر أولبرشت رئيس ما كان ~~يسمى بألمانيا الديمقراطية على إثر إخماد ثورة العمال في القطاع الشرقي من برلين ~~في شهر يونيو عام 1953م على الحزب الشيوعي الحاكم - ويوجه إليه فيه أعنف اللوم ويقول ~~له عبارته المشهورة: إذا كان هذا الشعب لا يعجبكم فابحثوا لكم عن شعب آخر. وقد دارت ~~المناقشات وما زالت تدور حول هذا الخطاب الذي لم ينشر منه أولبرشت غير العبارات ~~الختامية التي أكد ms043 فيها تضامنه مع الحزب الاشتراكي الحاكم واعترافه بإنجازاته، كما ~~اختلف النقاد وما زالوا مختلفين في مدى ولاء برشت للنظام الشيوعي السابق الذي عاش ~~آخر سنواته في ظله. ولكن المؤكد على كل حال أن الشاعر فيه كان أقوى من السياسي ~~والأيديولوجي، وأن الفنان كان أعظم وأعمق من أن يكون مجرد بوق يدعو إلى مذهب ~~بعينه، فلا شك أنه لم يغفل عن الأخطاء والتناقضات التي وقع فيها النظام في التطبيق ~~العملي. # انتزع الموت برشت وهو في قمة نشاطه، تدل على ذلك آثاره العديدة التي لم يقدر ~~لها أن تتم؛ فقد مرض مرضا شديدا في ربيع عام 1956م بعد اشتراكه في مؤتمر الكتاب ~~المنعقد في برلين في يناير من نفس العام، واضطر إلى وقف التجارب التي كانت تجرى على ~~مسرحية جاليليو وقضاء عدة أسابيع في العلاج. ولم يكد يقف على قدميه حتى راح ~~يشارك في التجارب النهائية التي تجرى في فرقته المسرحية التي كان مقدرا لها أن تزور ~~لندن في نهاية شهر أغسطس. # ولكن صحته ساءت فجأة، ومات بالسكتة القلبية في اليوم الرابع عشر من أغسطس ~~وووري التراب بعد ثلاثة أيام من وفاته، ونفذت وصيته التي طلب فيها أن يدفن ~~في صمت بجوار مسكنه الأخير، بحيث يكون قبره قريبا من قبر الفيلسوف هيجل الذي طالما ~~تعلم منه وصبر على فهمه وقراءته، وسار في حياته وتطوره الفني على منهجه الديالكتيكي ~~(الجدلي) من الموضوع في مسرحياته وقصائده المبكرة التي تأثرت بالنزعة العدمية ~~التعبيرية وحاولت أن تثور عليها، إلى نقيض الموضوع في مسرحياته التعليمية المتطرفة، ~~حتى وصل إلى الوحدة الشاملة في مسرحياته الكبرى التي ختم بها حياته في الفن والكفاح ~~على السواء. # 8 # كانت هذه لمحة موجزة عن حياة برشت وأعماله، لا يسمح المجال بالتفصيل فيها. ولقد ~~كتب الكثير عن فنه المسرحي وعن نظرياته في المسرح الملحمي، ولكن ما كتب عن شعره ~~أقل القليل، وسوف تحاول السطور القادمة أن تشير إلى بعض خصائص شعره، تاركة الشعر ~~نفسه يتحدث إلى ذوق القارئ وعقله ووجدانه. # 9 # من الشعراء ms044 من تثيرنا تعبيراتهم الغريبة، وتدهشنا سبحاتهم المهومة، ~~وتغمرنا بهالة من الحيرة والغموض، وكأنهم طبول غيبية معتمة، أو سحرة ~~وممسوسون يستمدون إلهامهم من قوى علوية نائية. أما برشت فهو من الشعراء ~~القلائل الذين يتجهون إلى الناس العاديين، ويتحدثون إليهم في لغة طبيعية ~~مألوفة، تنادي العقل ولا تستثير الغريزة. كان أبغض الأشياء إلى نفسه هو التهويل ~~والتضخيم والمبالغة في الحساسية والعاطفية، وكان كل ما يريده هو الوضوح والبساطة ~~والدقة التي تكاد تقترب من موضوعية العلماء الطبيعيين. # اسمعه يقول في هذه الأبيات التي يهديها إلى أسد رسم على وعاء صيني: # الأشرار يخشون مخلبك، # الطيبون يفرحون برقتك، # مثل هذا # سمعته عن أشعاري # فسرني. # في مثل هذه الأبيات - وأشباهها كثير في هذه المجموعة - نلمس إحساس برشت اللطيف بالكلمة ~~والإيقاع، وتعبيره عن القوة والرقة، ووضعه للمضمون الجاد الثقيل في الصورة ~~الرشيقة الخفيفة. ما من كلمة ضخمة أو خطابية، ولا من إحساس أجوف أو متميع، بل ~~أصعب الأشياء يجد التعبير عنه في أسهل قالب، وكأنه «السهل الممتنع» الذي طالما ~~حدثنا عنه النقاد. إنه يكاد يبلغ من الدقة والبساطة والاقتصاد في التعبير حدا ~~نستطيع معه أن نقول إن العقل نفسه قد أصبح شعرا، العقل الخالص الذي يسلط ضوءه ~~الحكيم على الأشياء فتشف عن جوهرها الحق. # تميزت قصائده وأغانيه وقصائده أو حكاياته الشعرية المبكرة - التي تأثر فيها ~~بفيون ورامبو وفيدكند - بوحشيتها الصارخة، وتمردها المتحدي ، وسخطها الساخر ~~المرير على انحطاط القيم البرجوازية، وتعاسة القدر الألماني في أوائل هذا ~~القرن. # كان القراء يحسون في قصائده المبكرة ~~بما يشبه الديناميت الشعري الذي يفجر الأعصاب ويصدم النفوس بسحره المفزع القاسي. ~~الغريزة الحيوانية المتجبرة، والكآبة المستفزة، والإحساس الشامل بالعدم يطالعنا ~~في مثل هذه الأبيات من «كورال بال»: # وإذا حجر الأرض المعتم جذب إليه بال، # فما قيمة العالم بالنسبة لبال؟ إن بال شبعان. # كثيرة هي السموات التي يحملها تحت جفنيه بال، # بحيث لو مات فعنده من السموات ما يكفيه. # وفي أبيات أخرى نحس بظلال الغابات السوداء تنشر عتمة الموت فوق المدن الصاخبة، ~~وتنذر بالانهيار والخراب ms045 ما شيدته يد الإنسان: # من هذه المدن لن يبقى إلا ما يجوس فيها: # الريح # البيت يفرح الآكل؛ لأنه يفرغه مما فيه. # نحن نعلم أننا زائلون، # وما سوف يأتي بعدنا # شيء لا يستحق الذكر. # هي الأنا الثائرة التي تتلذذ بالتخريب وتنتشي بالدمار، ولكنها ليست الأنا ~~الرومانسية الوحيدة التي لا ترى سوى الموت والعدم في كل مكان. إنها تحطم وتخرب ~~وتنتظر في نفس الوقت أن يولد فجر جديد، وتبزغ قيم جديدة. في هذه المرحلة العدمية ~~المبكرة كان ثمة إحساس غامض بضرورة الثورة، ومشاركة في الشقاء الجماعي لم ~~تعرف بعد حدودها النظرية، وتمرد محمود لم يستند إلى أساس من العقيدة الفكرية. ~~وكان أن أقبل برشت على قراءة هيجل ودراسة ماركس، وعرف ~~مرارة النفي وقسوة الاضطهاد، فأصبح لسان ~~العاملين والكادحين الذي لا يفتأ يثير فيهم الدهشة من الواقع الذي يعيشون فيه، ويفتح ~~عيونهم على تناقضاته الدامية، ويطالبهم بتغييره والخلاص منه: # على من يعيش ألا يقول: أبدا. # فاليقيني ليس يقينا. # إنه لا يبقى على ما هو عليه. # عندما ينتهي الحاكمون من حديثهم، # فسوف يتحدث المحكومون. # وهكذا تتوارى الذات وراء الموضوع، وتتحد آلام الفرد بآلام المجموع، ويصبح الفن ~~وسيلة للتعبير عما هو عام وضروري ومعقول. # انظر إليه وهو يسخر من الشعراء الذين جعلوا مهمتهم مواساة النفوس والترفيه ~~عنها بالأحلام والأوهام: # ألم نغن لكم حين شبعت بطوننا، # عن كل ما تمتعتم به على الأرض؛ # حتى تتمتعوا به مرة أخرى؟ # لحم نسائكم. كآبة الخريف، # الجدول وكيف ينساب في ضوء القمر ... # حلاوة فاكهتكم، حفيف أوراق الشجر المتساقطة، # ثم لحم نسائكم من جديد. والمجهول فوقكم، # بل إننا لم ننس التراب الذي تذكرون، # إنكم ستتحولون إليه ذات يوم، # في نهاية أعوامكم. # أصبحت الكلمة لدى الشاعر - الذي عرف مسئولية واجبه الأخلاقي والإنساني - هي نفسها ~~واجبا يهدف إلى تعليم الجاهلين، والوقوف إلى جانب المظلومين، وتشجيع المكافحين ~~والثائرين، إنه يمتحنها المرة بعد المرة، وينزع عنها السطح البراق، ويجردها ~~من القشرة الكاذبة، حتى تصبح نقية، بسيطة، شفافة، ~~وتستوي قوية ثابتة رقيقة. وهي لا تريد الآن ms046 أن تعبر عن جو شاعري بقدر ما ~~تطمح إلى التأثير في الفكر والعمل، لا تريد أن تثير وإنما تريد أن تربي، وتجعل ~~تصوير «النفس» شيئا ثانويا إلى جانب تصوير «القضية» التي تطمح إلى تحقيقها. انظر إلى ~~هذه الأبيات الأربعة، كم من مشكلات طويلة معقدة، وكم من تاريخ حافل بعذاب الأجيال ~~تنطوي عليه: # على الحائط كتابة بالطباشير: # هم يريدون الحرب. # والذي كتبها، # قد سقط صريعا. # هي الحقيقة كتبت سرا على حائط. الطغاة الذين حكموا على الشعب بالطاعة، لم ~~يستطيعوا أن يسلبوه القدرة على المقاومة، «هم يريدون الحرب» ولكن الحرب قد وقعت ~~فعلا. والذي أراد المأساة قد صرعته المأساة، والذي أراد أن يكون قدرا لم يستطيع أن ~~يفلت من القدر. لقد بدا في وقت من الأوقات كأن كل شيء يسير بمشيئة الحاكمين، ~~وكأن الأمل قد اختفى إلى غير عودة. ولكن ها هي الكتابة على الحائط تكذب المتجبرين ~~كما تكذب اليائسين: «هم يريدون الحرب» كتبها بالطباشير رجل مجهول، مضطهد، مهان. ~~والحقيقة وجدت، على الرغم من كل شيء، من يقولها. وستجد دائما من يعلنها، ولو ~~بكتابة بالطباشير، على جدار قديم ووحيد. لقد استطاع الشاعر أن يستبعد مئات التفاصيل ~~ليبرز الواقع المعقد في أبسط إطار. وما أصعب الوصول إلى السهل، وما أعقد ~~الطريق الذي يؤدي إلى البسيط! # ما من تعبير غامض، أو حالم، أو مغلف بالسحاب أو الضباب، بل وضوح قاس عنيد، ~~ودقة موضوعية لا يمكن أن يساء فهمها، وكلمات كالسيف لا يمكن أن تحمل ~~معنيين. إنها أكثر واقعية من الواقع؛ لأنها لا تزيفه ولا تعميه، ولا تحاول أن ~~تعكسه في غباء كما يفعل معظم الذين يسمون أنفسهم بالواقعيين، بل ترشحه وتشف ~~عن جوهره، وتستبعد العرضي لتستخلص الضروري. إن الشعر يعبر الآن عن واقع ~~شفاف تتخلله أشعة المعرفة والفهم والذوق. ولكن هذه الشفافية لا تبلغ أبدا ~~مبلغ التجريد، بل تركز الواقع نفسه، وتصور الموضوع في صورة بسيطة تذكرنا ~~ببساطة الشعر الصيني الذي يصل إلى أقصى حد من الإيجاز والواقعية في آن واحد، ويضع ~~المضمون الهائل ms047 العظيم في الشكل الرقيق الرشيق. # ومع أن هذا الشعر يخلو من النبرة الخطابية والعاطفية، ففيه مع ذلك من إيقاع ~~الموسيقى الباطنية ما لا يقل عما في شعر جوته أو رلكه، وإن كان يزيد عليهما ~~بمقدار ما فيه من العقل والخبث والذكاء. ولعل هذا هو الذي يفاجئ القارئ ويستفزه ~~حين يطلع عليه لأول مرة. لقد كان ينتظر الشاعر الساذج البريء الذي تعود عليه، فإذا ~~به يصدم بالشاعر الماكر الشرس الذكي، ويرى صورة جديدة للشاعر الحكيم الذي لا ~~يجتر الماضي بل يصنع المستقبل! ~~••• # ذلك هو «برشت المسكين»، الابن الضائع للبرجوازية، الشاعر الذي قضى حياته في محاربة ~~الحرب، ومعاداة البربرية، والوقوف إلى جانب الكادحين، يلبس سترة العمال بغير ~~رباط عنق، ويحيا حياة التقشف في المنفى، ويغير بلدا ببلد كما يغير المرء ~~حذاء بحذاء، ويمزج في قصائده ومسرحياته أنين العدمي الحزين، بديناميت الثوري ~~العنيد. إنه في تراث بلاده شيء صارخ جديد، ليس للمجتمع الأدبي به عهد؛ فليس فيه شيء ~~من ترفع ستيفان جئورجه، أو رقة هوفمنستال، أو سحر رلكه، أو جلال توماس مان. في هذا ~~المجتمع الأدبي الذي ما زالت تحدده شخصية جوته المترفعة الطاغية، أصبح برشت هو ~~الشخصية المضادة التي قدر لها أن تحول مجرى الفكر والشعر وجهة لم يألفها من ~~قبل. # إن برشت يثير السخط عليه حيثما ذهب. فالبعض ساخطون عليه لارتمائه في أحضان الماركسية ~~والبعض ساخط عليه لأنه «منشق» ولم يكن ماركسيا كما يريد له الحزب، والبعض الآخر غاضب ~~عليه لأن سياسته دمرت موهبته. أما الشاعر نفسه فيقف بعيدا، يبتسم ابتسامة الحكيم ~~الصيني كأنه يقول ما قاله عن نفسه في إحدى قصائده: أيا كان الذي تبحثون عنه، فأنا ~~لست هو! # وإذا كان السخط يدل على شيء فإنما يدل على أن الجميع يأخذونه مأخذ الجد، وأنه ~~وإن صدمهم وأثار ثائرتهم فلأنه يملك إعجابهم في كل الأحوال. # لقد اختلفت وظيفة الكلمة، وأصبحت وظيفة الشاعر الجديدة صدى لوضعه الجديد في المجتمع. ~~لم يعد للشاعر الحق في أن يعبر عن عواطفه الشخصية، بل عن مشكلات ms048 المجتمع. والفكرة ~~الرومانسية عن الخلق الفردي قد أصبحت في رأيه خطأ كبيرا. فتقسيم العمل في المجتمع ~~الحديث قد غير من طبيعة الخلق الفني وحوله إلى ~~عملية جماعية، الهدف منها هو تغيير الظروف الاجتماعية. إنه يتحدث عن الشاعر البرجوازي ~~الذي يريد له أن ينقرض فيقول: # هنالك يتكلم من لا يستمع إليه أحد. # إنه يتكلم بصوت مرتفع. # إنه يكرر نفسه. # حديثه باطل، # ولا فائدة من إصلاحه. # الشاعر الآن يتحدث في نغمة جديدة، ويكتب بأسلوب جديد. البؤس والتعاسة والثورة ~~تصبح موضوعات تستحق أن تكتب عنها السوناتا ويؤلف عنها النشيد. العمال ~~البسطاء والمكافحون المجهولون من أجل القوت اليومي يحتلون مكان القادة والملوك ~~والنبلاء. حماس العاطفة ورقة الحلم وسكر الحواس تترك مكانها للتهكم الساخر، ~~واللفظ الوقح، والغلظة المتعمدة، إن أبيات الشعر تغضب الآن كل من يريد من الفن ~~الاستمتاع والتذوق الرفيع. إنها تصدم وتجرح. تدخل في الدم، تهز الجسد كالكهرباء. ~~يقول في قصيدته المشهورة «برتولت برشت المسكين»: # أنا، برتولت برشت، ولدت في الغابات السوداء. # حملتني أمي إلى المدن، # وأنا بعد جنين في أحشائها، # وسوف تلازمني برودة الغابات، # إلى يوم أموت. # الغابات السوداء وأسفلت المدن. الظلام الكوني القديم، والظلم الطبقي الذي طال ~~عليه الأمد. إن برشت كله حاضر في هذين الضدين المتقابلين. وسوف يعد نفسه ليكون ~~صوت الطبيعة، وصوت المظلومين والمضطهدين، وسيحمل شعره هذين العنصرين على الدوام: ~~رومانسية الغابات الموحشة، واحتقار المدن التي ستفنى ذات يوم. الكآبة المفرطة، ~~والقسوة المستفزة، الفزع من مصير الخليقة، والإيمان بغد أفضل. # أصبح الشعر الغنائي - وبخاصة بعد تجاوز برشت المرحلة التعبيرية ووصوله إلى ~~النزعة التعليمية المتطرفة في مسرحياته وقصائده بين عامي 1930 و1941م - أداة للكفاح ~~السياسي والاجتماعي. وكان لا بد أن يكون ذلك على حساب الشعر نفسه، فيصبح شعرا عقليا ~~كما كان في عصر التنوير على عهد ليسنج، يضحي بسحر الكلمة في سبيل الدعوة، ويتخلى عن ~~الغنائية لينصرف إلى تربية القارئ وإعداده للاشتراكية. إنه يقول عنه: «لا نزاع في أن ~~الشعر يجب أن يكون شيئا يمتحنه الإنسان بمقياس قيمته في الاستعمال، ms049 إن كل القصائد ~~العظيمة لها قيمة الوثائق.» # 10 # هذه ال «يجب» - التي لا ينبغي أن يكون لها مكان في الشعر ولا في الفن على ~~وجه الإطلاق! هي التي تدفعه الآن أن يقول في إحدى مسرحياته التعليمية (الاستثناء والقاعدة) ~~على لسان الجوقة: # نحن نناشدكم في صراحة # ألا تروا فيما يحدث كل يوم # شيئا طبيعيا؛ # لأنه ما من شيء يوصف بأنه طبيعي # في مثل هذا الزمن الذي يسوده الارتباك الدموي، # والفوضى المنظمة، والتعسف المدبر، # والإنسانية المتنكرة لإنسانيتها، # حتى لا يستعصي شيء على التغيير. # إن بيت الشعر يصبح وسيلة لإحداث ما يسميه «بأثر الإغراب» # 11 # الذي يدور حوله مسرحه الملحمي، ويهدف به إلى إزالة الوهم من المسرح، ~~وتربية المتفرج على الحكم الموضوعي على ما يعرضه الممثل أمامه، وخلق مسافة البعد ~~بينه وبين الدور الذي يعرضه - دون أن يندمج فيه - وبين الجمهور والمسرح الذي يريد له ~~أن يتجرد من سحر التمثيل والتخييل. وإذا كان الباعة ~~المتجولون في الشوارع، بوصفهم النماذج الأصيلة للتمثيل الطبيعي، يستخدمون البيت ~~الشعري، فهم يستعملون إيقاعات ثابتة غير منتظمة، سواء أكانوا يبيعون الجرائد أو ~~الفاكهة أو البنطلونات. إن البيت الشعري هنا يعبر تعبيرا تلقائيا طبيعيا والإيقاع ~~فيه يأتي من وجدان الشعب مباشرة. وهكذا يفعل الشاعر ما فعله مارتن لوثر حين نصح بأن ~~ينظر الإنسان دائما إلى فم الشعب. ومن ثم كان البيت الشعري في كثير من الأحيان ~~بغير قافية ولا إيقاع منتظم؛ لأنه تعبير مباشر عن الشعب وعما في الحياة ~~الاجتماعية من تنافر وتناقض واختلاف. # إن شعر برشت يتميز بأنه يعيش على لغة الشعب ويتغذى منها، وينهل من الأغنية ~~الشعبية بعد أن يصوغها صياغة ثابتة موجزة جسورة. ولكن شعره، وبخاصة في المرحلة التعليمية ~~المتوسطة التي أشرنا إليها، يعبر عن الصراع الذي ظل يعانيه بين طبيعته كشاعر وبين ~~آرائه السياسية. يقول مثلا في مسرحيته التعليمية «طيران لندبرج»: # وهكذا أكافح الطبيعة، # كما أكافح ذاتي نفسها. # كما يقول في قصيدته «زمن سيئ للشعر»: # في ذاتي يتنازع # الحماس لشجرة التفاح المزهرة، # والفزع من خطب النقاش ms050 ~~(v) ~~. # لكن الأمر الثاني، هو وحده # الذي يجعلني أجلس إلى مكتبي. # إنه يجدد أشكال الشعر الكفاحي التي كانت مفضلة في الأدب الساخر في القرن السادس ~~عشر، في الكورال والنشيد، في قصائد الحكمة والهجاء، في أغنيات العمل والتنبؤ، وفي شعر ~~الأساطير والحكايات الشعبية والخرافات. كل هذا يتأثر فيه الشعر الغنائي كما يتأثر ~~مسرحه بالمسرح الصيني القديم والمسرح الديني عند الجزويت في العصور الوسطى والمسرحيات ~~المدرسية في عصر النزعة الإنسانية. وهو يجعل من ~~التراث موضوعا للتهكم والسخرية، ويحتفظ بالشكل القديم المقدس وإن كان يملؤه ~~بمضمون دنيوي عادي، ربما يصل إلى حد رهيب من التفاهة والسخف. وهو يجرد الشعر ~~من طموحه الأزلي إلى المطلق والأبدي، ويربطه بعجلة الزمن والأحداث المعاصرة له. إنه ~~يعلم القارئ كيف يغير من هذا العالم الذي أفسده المستغلون والظالمون وجردوه من ~~معناه. والقصائد الحكمية الموجزة تنقل تعاليمه في ثوب الأغنيات الشعبية والأزجال التي ~~يرددها المغنون في الشوارع أو الشحاذون على الأبواب. فهو يقول في ذكرى جندي ~~ألماني مات في أثناء الحرب مع فرنسا: # أنتم أيها الناس، إن سمعتم أحدا يقول: # إنه الآن قد حطم دولة عظيمة، # في عشرين يوما، فاسألوا عني، أين كنت. # كنت هناك وعشت منها سبعة أيام. # لقد طرح كل زينة جمالية، وأهمل القوالب المألوفة والعبارات البالية. ولكن الهدوء ~~الذي يبدو من إيقاعه البسيط يحمل التوتر الممزق في داخله. والبرودة الثلجية التي ~~صاغ فيها أفكاره لا تستطيع أن تخفي العذاب الكامن وراءها. # ذلك أن الصراع بين الشاعر والسياسي لم يختف من شعره أبدا، والإحساس بأن الشعر قد ~~باع نفسه للدولة لم يستطع على الرغم من الأقنعة الكثيرة أن يختفي كل ~~الاختفاء. # العقل المتيقظ، والتهكم المتزن، دفء الشعر الطبيعي وتجريد القضايا ~~المذهبية، لهجة الرعاع وحكمة الصين والنغمة الشعبية البسيطة المباشرة والدعوة ~~السياسية والتعليمية. كل هذه أضداد اجتمعت في حياة برشت وفي أشعاره، وساعد إحساسه ~~الأصيل العميق بالإيقاع أن يجعل منها ما وصفه هو بقوله إنه «السهل الممتنع»، وأن ~~يكسب قصائده الأخيرة بوجه خاص طابع الشكوى والحزن والفجيعة. # ويرجع ms051 إليه الدفء الإنساني، ولا يعود يخجل من أن يتغنى بنغمة «هيني» الرقيقة، أو ~~يعبر تعبير هلدرلين أو التوراة: # آه يا ألمانيا، أيتها الأم الشاحبة. # كيف تبدين ملطخة بين الشعوب؟ # ويعود إلى «الأبيجرام» الغنائي في شكله الموجز، ويستغني عن التجريد ليعطي صورا حسية ~~تتألق بالجمال، وتتحد فيها الفكرة بالإحساس، على نحو ما يقول عن إعادة تسليح ~~ألمانيا: # قرطاجنة العظيمة دخلت في حروب ثلاثة. # كانت ما تزال قوية بعد الحرب الأولى. # وكانت ما تزال مسكونة بعد الحرب الثانية. # ولكن بعد الحرب الثالثة لم يعثر لها أحد على أثر. # ويدفعه حبه للصين إلى كتابة قصائد كأنها نقوش رقيقة حفرها الإحساس، تذكرنا ~~بحكم تاو تي كنج المشهورة، هي في بعض الأحيان شعر طبيعي متأمل، وفي بعضها الآخر قصائد ~~كفاحية باسمة. لقد تخلى الآن عن عاطفية الشباب المتطرفة، وحدة لهجته في سنوات ~~المنفى. عاد الشاعر إلى نفسه، إلى الصورة الرحبة، والإيقاع الطليق، والتأثر المكتوم. ~~ويصل إلى قمة التعبير الذاتي في قصيدته إلى الأجيال القادمة، التي كتبها في سنة ~~1938م، بعيدا عن تأثير الحرب والحزب، ووجهها إلى العالم من بعده. لقد تمزقت ~~الأقنعة التي وضعها على وجهه، وهو يتحدث الآن حديث من يشعر بالذنب ويستعيد حياته ~~في زهد ومرارة، ويعبر عن الراحة الأبدية التي كان يحلم بها «بعل» في مسرحيته ~~الأولى حين كان يتطلع إلى السماء «كسولا وراضيا في نهاية الأمر»: # أنتم يا من ستظهرون بعد الطوفان # الذي غرقنا فيه، # اذكروا، # حين تتحدثون عن ضعفنا، # الزمن الأسود # الذي نجوتم منه. # لقد مضينا، نغير بلدا ببلد، # أكثر مما نغير حذاء بحذاء. # نخوض حرب الطبقات، # ويملكنا اليأس، # حين نجد الظلم ولا نجد من يثور عليه. # آه ... نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للصداقة، # لم نستطع أن يكون بعضنا صديقا للبعض. # أما أنتم، فعندما يأتي الزمن، # الذي يكون فيه الإنسان عونا للإنسان، # فاذكرونا، # وسامحونا. # إنها وصية شاعر عظيم، ربما شعر باليأس وخيبة الأمل في سنوات عمره الأخيرة، وعرف ~~الهوة التي تفصل النظرية عن التطبيق، وتبعد الشعر عن الواقع، ولكنه ms052 لم يفقد إيمانه ~~بعالم أسعد وأعدل. # إن شعر برشت هو مذكرات شاعر أحب هذا العالم، وعبر عن أحداث عصره التي مزقته ~~في النهاية. وليس ببعيد أن يأتي اليوم الذي تتذكره فيه الأجيال القادمة، فتحبه، ~~وتفهمه، وتسامحه. # عبد الغفار مكاوي # القاهرة، 1965م # أيا كان الذي تبحثون عنه، # فأنا لست هو ... # وددت لو قرأ الناس يوما على شاهد قبري: ~~«هنا يرقد ب. ب. نقي. موضوعي. شرير.» # من المؤكد أنني سأنام تحته نوما هادئا مريحا. ~~(عن قصيدة ذكريات عاطفية أمام نقش مدون، 1922م) # لست في حاجة إلى شاهد قبر، # لكن إذا شعرتم بضرورة وضع شاهد على قبري، # فأتمنى أن تكتبوا عليه: # قدم مقترحات، نحن قبلناها منه. # مثل هذا النقش سيكون بمثابة تكريم لنا جميعا. ~~(1933م) # الأشرار يخشون مخلبك، الأخيار يفرحون برقتك، # مثل هذا الكلام عن شعري، # سرني أن أسمعه. ~~(نقش على تمثال صيني مصنوع من ~~جذوع أشجار ~~الشاي ويعتقد أنه يجلب الحظ 1951م) # آه. ليت العدل يوجد، حتى لو حرمت منه، فسوف # يسعدني وجوده، ولو أصابني أنا نفسي بسوء. # كل ما هو جديد، أفضل من كل ما هو قديم (حوالي 1928م). # غير العالم، فهو يحتاج إلى التغيير (عن مسرحية الإجراء 1930م) # أما أنتم، فعندما يأتي الزمن الذي يصبح فيه الإنسان عونا للإنسان، ~~فاذكرونا، وسامحونا. ~~(عن قصيدة إلى الأجيال القادمة، 1934م) # | قصائد من 1914-1926م # | حكاية حديثة (1914م) # لما هبت أنفاس المساء على أرض المعركة، # كان الأعداء قد انهزموا. # رنت أسلاك البرق، # وأعلنت الخبر للجميع . # في الطرف الأقصى للعالم، # دوى نواح تكسر على قبة السماء، # واندفق صراخ من أفواه غاضبة، # أخذ يترنح في صعود، ويتضخم في جنون. # آلاف الشفاه جفت من صب اللعنات، # وآلاف الأيدي تكورت بوحشية الأحقاد. # وفي الطرف الآخر من العالم، # تلاطمت على قبة السماء أنغام الأفراح، # وانطلقت أصوات التهليل والضجيج والابتهاج، # وتمطت الصدور في راحة وتنفست الصعداء. # راحت آلاف الشفاه تتمتم بالصلوات، # وأخذت آلاف الأيدي تتشابك في تقوى وصلاح. # في الهزيع الأخير من الليل، # رددت أسلاك البرق الأسماء؛ # أسماء الموتى الذين سقطوا ms053 في ميدان الحرب. # عندئذ خيم الصمت على الأصدقاء والأعداء. # الأمهات وحدهن بكين، # هنا وهناك. # | حكاية البغي إيفيلين رو # حين جاء الربيع وكان البحر أزرق، # لم تجد إلى الراحة من سبيل. # رسا على الشاطئ القارب الأخير، # وعليه الشابة إيفلين رو. # كانت ترتدي ثوبا مبللا على الجسد # الذي فاق في جماله الأجساد الأرضية، # ولم تحمل من الذهب والحلي # سوى شعرها الثر البديع. ~~«سيدي القبطان، دعني أسافر معك إلى الأرض المقدسة؛ # أريد أن أذهب إلى يسوع المسيح.» ~~«لك ما تشائين أيتها المرأة، لأننا حمقى، # كما أنك آية في الفتنة والجمال.» ~~«ليكافئكم الله، ما أنا إلا امرأة مسكينة. # نفسي ملك للسيد يسوع المسيح.» ~~«أعطينا إذن جسدك الحلو؛ # فالسيد، الذي تحبينه، لن يستطيع أن يدفع الثمن، # لأنه قد مات.» # رحلوا في الشمس والريح، # وأحبوا إيفيلين رو. # أكلت خبزهم وشربت خمرهم، # ونهنهت دائما بالبكاء. # رقصوا ليلا، رقصوا نهارا. # تركوا الدفة تسير. # إيفيلين رو كانت حيية وناعمة، # وكانوا أقسى من الحجر. # ذهب الربيع، رحل الصيف. # سارت ليلا بحذاء بال، # من سارية إلى سارية، وبحلقت في الظلام. # راحت تفتش عن شاطئ هادئ. # المسكينة إيفيلين رو. # رقصت ليلا. رقصت نهارا، # وصارت من التعب كالعجوز المريض. ~~(سيدي القبطان، متى نصل # إلى مدينة السيد المقدسة؟) # القبطان رقد في حجرها، # وقبلها وضحك. # إن لم نصل إليها أبدا، # فالذنب ذنب إيفيلين رو. # رقصت ليلا. رقصت نهارا، # فأصبحت كالجثة الهامدة. # ومن القبطان إلى أصغر بحار # شبعوا منها جميعا. # لبست ثوبا حريريا على الجسد # الذي براه السقم وملأته التجاعيد. # وعلى الجبهة المكفهرة، # شعرها الأشعث المتسخ. ~~«لن أراك أبدا، يا سيدي يسوع المسيح # بجسدي المذنب. # فلا يجوز لك أن تذهب لبغي. # وأنا امرأة يائسة مسكينة.» # أخذت تسير من سارية لسارية، # والقلب والقدم آلماها. # سارت بالليل، حين لم يرها أحد. # سارت بالليل إلى البحر. # كان هذا في يناير الرطب، # عندما سبحت صاعدة مع التيار، # والبراعم لا تتفتح # إلا في مارس أو أبريل. # استسلمت للأمواج المعتمة # التي غسلتها، فصارت نقية بيضاء. # وهي الآن ستسبق القبطان # إلى الأرض المقدسة. ms054 # وفي الربيع عندما جاءت إلى السماء، # أغلق بطرس في وجهها الباب: ~~«قال لي الله لا أريد # البغي إيفيلين رو.» # لكن عندما جاءت إلى الجحيم، # أوصدوا الأبواب بالمزلاج. # صاح الشيطان: «لا أريد # الصالحة إيفيلين رو.» # هناك هامت في الريح وفضاء النجوم، # ولم تسأم أبدا من التجوال. # رأيتها في آخر الليل تذرع الحقول. # تترنح كثيرا، ولا تتوقف على الإطلاق. # المسكينة إيفيلين رو. # | أبدا لم أحبك مثل هذا الحب # أبدا لم أحبك مثل هذا الحب، يا أختي. # 1 # يوم فارقتك في ذلك الشفق المحمر، # الغابة ابتلعتني، الغابة الزرقاء، يا أختي، # التي ظلت تلمع فوقها النجوم الشاحبة في الغرب. # لم أضحك ضحكة واحدة، أبدا، يا أختي. # أنا الذي واجهت قدري المعتم كأني ألاعبه، # بينما أخذت الوجوه تذوي من خلفي، # على مهل في مساء الغابة الزرقاء. # كل شيء كان جميلا في ذلك المساء الوحيد، يا أختي. # لم أعرف له شبيها بعده ولا قبله. # بالطبع لم تبق لي غير الطيور الكبيرة، # التي تطوف في السماء جائعة في عتمة المساء. # | أغنية عن حبيبة # (1) أعرف، يا أحبائي: الآن يسقط شعري بسبب حياتي البائسة. ~~(2) ولا بد لي من الرقاد على الحجر. ترونني أشرب أرخص الخمور، ~~وأسير عاريا في الريح. ~~(3) غير أنه مر علي زمن، يا أحبائي، كنت فيه نقيا. ~~(4) كانت لي امرأة، وكانت أقوى مني، مثلما العشب أقوى من الثور: ~~فهو يشب دائما. ~~(5) رأت أنني شرير، وأحبتني. ~~(6) لم تسأل إلى أين يمضي الطريق، الذي كان طريقها، وربما كان يمضي إلى ~~أسفل. وعندما أعطتني جسدها قالت: # هذا كل شيء. وأصبح جسدي. ~~(7) الآن لا أعثر عليها في أي مكان، اختفت كما تختفي السحابة عندما ~~تمطر السماء، تركتها، وانحدرت إلى الحضيض لأن هذا كان ~~طريقها. ~~(8) لكن بالليل، في بعض الأحيان، عندما ترونني أشرب، أبصر وجهها، ~~شاحبا في الريح، قويا ومائلا نحوي، وأنحني في الريح. # | ألمانيا أيتها الشقراء الشاحبة # ألمانيا، أيتها الشقراء الشاحبة، # يا ذات السحب الوحشية والجبهة الناعمة. # ما الذي جرى في سماواتك الساكنة؟ # إنك الآن جبانة أوروبا. # الصقور تحوم فوقك! # الحيوانات ms055 تنهش جسدك الطيب. # الأموات يلطخونك بوسخهم، # وبولهم # يبلل حقولك. حقولك! # ما كان أرق أنهارك! # الآن تسمها الليلا أنيلين! # بأسنان عارية يتخاطف الأطفال # الغلة من شدة الجوع. # أما الحصاد، # فيسبح في المياه العفنة. # ألمانيا، أيتها الشقراء، الشاحبة، # يا أرض لا إنسان! # مزدحمة أنت بالمباركين! # مزدحمة أنت بالميتين! # أبدا، أبدا، لن يخفق قلبك # الذي تعفن، # الذي بعته # مخللا بملح شيلي، # واشتريت به # رايات وأعلاما. # آه يا أرض الجثث يا ثقب الهموم والأحزان! # الخجل يخنق الذكرى. # وفي نفوس الصغار # الذين لم تفسديهم، # تصحو أمريكا! # | إلى أمي # لما انتهى أمرها تركوها في التراب. # الزهور تنمو فوقها والفراشات ترف عليها. # هي، الخفيفة، لم تكد تضغط على الأرض. # كم من الآلام احتملتها # حتى أصبحت بهذه الخفة! # | أغنية عن أمي (1920م) # (1) ما عدت أذكر وجهها وكيف كان قبل أن تداهمها الآلام. متعبة راحت ~~تزيح الشعرات السود عن جبهتها النحيلة، ما زلت أرى يدها أمامي. ~~(2) عشرون شتاء تضافرت على تهديدها، آلامها كانت فظيعة، والموت شعر ~~بالخجل منها. ثم ماتت ووجدوا جسدها مثل أجساد الأطفال. ~~(3) نشأت في الغابة. ~~(4) ماتت بين وجوه أطالت التحديق فيها أثناء الاحتضار، حتى صارت وجوها ~~قاسية. غفروا لها عذابها، # لكنها تاهت بين تلك الوجوه، قبل أن تتهاوى أمامها. ~~(5) كثيرون يرحلون عنا بغير أن نمسك بهم. قلنا لهم كل شيء، لم يبق شيء ~~بيننا وبينهم، ووجوهنا صارت قاسية أثناء الوداع. لكننا لم نقل الشيء ~~المهم، وإنما ادخرناه للضرورة. ~~(6) آه، لماذا لا نقول ما هو مهم؟ كان من الممكن أن يكون شيئا سهلا، ولو ~~لحقتنا اللعنة بسببه. كانت كلمات سهلة، # لصق الأسنان مباشرة، تساقطت منا # ونحن نضحك، وما زلنا نختنق بها إلى الآن. ~~(7) ماتت أمي الآن، وبالأمس مساء، في اليوم الأول من مايو. # لم يعد في إمكان أحد أن يحكها بالأظافر. # | من الواجب عدم المبالغة في النقد (حوالي ~~1922م) # من الواجب ألا يبالغ الإنسان في النقد؛ # إذ ليس الفرق كبيرا # بين نعم ولا. # الكتابة على ورق أبيض # شيء طيب، # وكذلك النوم وتناول الطعام في المساء. # الماء المنعش ms056 على الجلد، والريح، # والثياب الحسنة. # الألفياء، # وتفريغ المعدة في المرحاض. # ليس من باب الذوق # أن يتكلم أحد في بيت المشنوق عن الحبال. # والتفرقة القاطعة بين الطين والقذارة، # شيء لا يليق. # آه! من كانت لديه فكرة # عن سماء ذات نجوم، # فسيمكنه، حتما، # أن يغلق فمه. # | السوناتة العاشرة (حوالي سنة 1925م) # سواء عندي أن يحبني هذا العالم (أو لا يحب). # منذ كنت هنا، بلغت سمعي بعض الأخبار، # واحتفظت لنفسي بكل جبن ممكن. # مع ذلك يضجرني أن أفتقد العظمة (في كل مكان). # ولو تصادف وجود مائدة وجلس إليها العظماء، # لجلست معهم، وأنا أقلهم شأنا، عن طيب خاطر. # ولو تصادف وجود سمكة، لأكلت ذيل السمكة. # وحتى لو لم أحصل على شيء، لما فكرت في الانصراف. # ليتني أعثر على كتاب يحكي لي قصة هذه المائدة! # آه! ليت العدل يكون! # حتى لو افتقدته، # لسرني وجوده، ولو كنت من ضحاياه! # هل يوجد هذا كله، وأنا أعمى العينين؟ # رغما عني أعترف بهذا: # إني أحتقر التعساء. # | تعال معي إلى جورجيا (حوالي 1925م) # 1 # أنظر إلى هذه المدينة وأنظر: إنها قديمة. # تذكركم كانت جميلة! # لا تتأملها الآن بقلبك، بل ببرود. # قل عنها: إنها الآن قديمة. # تعال معي إلى جورجيا؛ # هنالك سنبني مدينة جديدة. # وإذا امتلأت هذه المدينة بالحجارة، # فلن نبقى فيها أبدا. # 2 # أنظر إلى هذه المرأة وأنظر: إنها باردة. # تذكركم كانت في الماضي جميلة! # لا تتأملها الآن بقلبك، بل ببرود. # قل عنها: إنها الآن في السن كبيرة. # تعال معي إلى جورجيا. # دعنا نفتش هناك عن نساء جديدة. # وعندما تبدو هذه النساء في السن كبيرة، # فلن نبقى هناك أبدا. # 3 # أنظر إلى آرائك وأنظر: إنها قديمة. # تذكركم كانت صحيحة! # لا تتأملها الآن بقلبك، بل ببرود، # وقل عنها: إنها الآن قديمة. # تعال معي إلى جورجيا. # هناك، كما سترى بنفسك، آراء جديدة. # وعندما تبدو هذه قديمة، # فلن نبقى هناك أبدا. # | عن الرجال العظام (1926م) # 1 # الرجال العظام يقولون أشياء كثيرة غبية. # يتصورون أن جميع الناس أغبياء. # والناس لا تقول شيئا وتتركهم يعملون. ms057 # بهذا يدور الزمن دورته. # 2 # لكن الرجال العظام يأكلون ويشربون، # ويملئون البطون. # وبقية الناس تسمع عن أعمالهم، # ويأكلون كذلك ويشربون. # 3 # احتاج الإسكندر الأكبر، لكي يعيش، # إلى مدينة بابل العظيمة. # ولقد وجد أناس آخرون، # لم يشعروا بأنهم في حاجة إليها، أنت واحد منهم. # 4 # كوبرنيقوس العظيم لم يخلد للنوم. # كان في يده منظار مقرب. # ظل يحسب حتى عرف أن الأرض تدور حول الشمس، # فاعتقد عندئذ أنه فهم السماء (بشكل أفضل). # 5 # برت برشت العظيم لم يفهم أبسط الأشياء، # وراح يفكر في أصعبها: كالعشب على سبيل المثال. # أخذ يمتدح نابليون العظيم؛ # لأنه كان يأكل مثله الطعام. # 6 # الرجال العظام يتصرفون، كأنهم حكماء، # ويتكلمون بأصوات مرتفعة مثل الحمام. # والرجال العظام ينبغي تكريمهم. # لكن لا ينبغي تصديق (ما يصدر عنهم من كلام). # | طقوس الأنفاس # 1 # ذات مرة جاءت امرأة عجوز تسعى من بعيد. # 2 # لم يكن قد بقي لديها خبز تأكله. # 3 # الخبز أكله العساكر. # 4 # هنالك سقطت في البالوعة، وكانت باردة، # 5 # فلم تعد تحس بشيء من الجوع. # 6 # عندها صمتت الطيور الصغيرة في الغابة، # على أعالي الشجر. # 1 # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا. # 7 # جاء الطبيب الشرعي يسعى من بعيد. # 8 # قال: العجوز مصرة على مظهرها. # 9 # عندها واروا العجوز الجائعة التراب. # 10 # وبهذا سكتت المرأة العجوز عن الكلام. # 11 # أما الطبيب وحده فراح يضحك عليها. # 12 # كذلك صمتت الطيور الصغيرة في الغابة، # على أعالي الشجر. # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا. # 13 # وذات يوم جاء رجل وحيد من بعيد. # 14 # ولم يكن لديه أي إحساس بالنظام. # 15 # وجد في المسألة شيئا على غير ما يرام. # 16 # وكان يعد نفسه صديقا مدافعا عن العجوز. # 17 # قال: ينبغي أن يجد الإنسان ما يأكله. (أليس كذلك يا حضرات؟) # 18 # عندها صمتت الطيور الصغيرة في الغابة # على أعالي الشجر. # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا. # 19 # وذات يوم جاء فجأة مفتش البوليس. # 20 # وكان ms058 يحمل في يده هراوة من المطاط. # 21 # ضرب بها الرجل على مؤخر رأسه حتى صار كالعجين. # 22 # وعندها سكت هذا الرجل أيضا عن الكلام. # 23 # لكن المفتش قال بصوت ردده الفضاء: # 24 # والآن تصمت الطيور الصغيرة في الغابة # على أعالي الشجر. # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا # 25 # ثم جاء ذات يوم ثلاثة رجال من ذوي اللحى من بعيد. # 26 # قالوا: ليست القضية قضية فرد واحد وحيد. # 27 # وأخذوا يعيدون هذا القول، حتى صار له ضجيج. # 28 # لكن ما لبث الدود أن نفذ في لحمهم حتى وصل إلى عظام الساق. # 29 # وسكت الرجال ذوو اللحى عن الكلام. # 30 # عندها صمتت الطيور الصغيرة في الغابة # على أعالي الشجر. # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا. # 31 # وذات يوم جاء رجال كثيرون من بعيد. # 32 # أرادوا أن يتكلموا مع العساكر. # 33 # لكن العساكر تكلموا بالرصاص. # 34 # هنالك سكت الرجال جميعا عن الكلام. # 35 # ومع ذلك بقيت على جباههم تجعيدة واحدة. # 36 # عندها صمتت الطيور الصغيرة في الغابة # على أعالي الشجر. # هدوء # فوق كل القمم. # لا تكاد تحس # نفسا واحدا. # 37 # ثم جاء ذات يوم دب عظيم أحمر من بعيد. # 38 # لم يكن يعرف شيئا عن العادات السائدة، ولا كانت به حاجة إلى ~~معرفتها. # 39 # على أنه لم يكن ابن الأمس، ولا من طبعه أن يهاجم كل ~~حيوان. # 40 # والتهم الطيور الصغيرة في الغابة. # 41 # عندها تخلت الطيور الصغيرة عن صمتها # على أعالي الشجر. # ثورة واحتجاج # فوق كل القمم. # تحس الآن # نفسا يضطرب. # | حديث صباح إلى الشجرة جرين # 1 # جرين، لا بد أن أعتذر إليك. # لم أنم الليلة؛ لأن العاصفة كانت عاتية صاخبة الصوت. # وعندما تطلعت إلى الخارج، لاحظت أنك تترنحين مثل قرد ~~سكران، # فأردت أن أصارحك بهذا الكلام. # 2 # اليوم تسطع الشمس الصفراء في أغصانك العارية . # ما زلت تنفضين عنك الدموع، يا جرين، # لكنك تعرفين الآن قيمتك؛ # فقد خضت أمر كفاح في حياتك. # اهتمت الصقور بك. # وأنا ms059 أعلم الآن: # إنك لا تقفين صباح اليوم مستقيمة العود، # إلا بفضل مرونتك الصامدة وحدها. # 3 # نظرا لنجاحك أريد اليوم أن أقول: # حقا لم يكن شيئا يستهان به، أن ترتفعي كل هذا الارتفاع # بين المساكن الشعبية، وأن يبلغ بك الارتفاع # بحيث تتمكن العاصفة من الوصول إليك، # كما فعلت الليلة. # | سيد الأسماك # 1 # آه! لم يكن يجيء في أوقات محددة، # كما يجيء القمر. لكنه كان يذهب كما يذهب. # ولم يكن إعداد طعامه الرخيص # بالأمر الصعب أو المتعب. # 2 # وعندما كان يحضر، فلليلة واحدة، # يقضيها معهم كواحد منهم. # إنه يطلب القليل، ويجلب معه شيئا لهم. # وهو مجهول من الجميع وقريب من الجميع. # 3 # إن ذهب، فذلك هو الشيء المعتاد. # وإن حضر، بدت الدهشة (على وجوههم). # ومع ذلك فهو يرجع على الدوام ~~- كما يرجع القمر - معتدل المزاج. # 4 # يجلس ويتكلم عن شئونهم كما يتكلمون، # عما تفعل النساء حين يسافر الرجال، # عن أسعار الشباك ومكسبهم من الأسماك. # وقبل كل شيء: عن التوفير لدفع الضرائب. # 5 # أثبت دائما أنه عاجز # عن تذكر أسمائهم. # لكنه كان دائما على استعداد لمساعدتهم، # بعقله ويديه، في أعمالهم. # 6 # وإذا تحدث معهم عن أحوالهم، # سألوه أيضا: وما أحوالك؟ # ثم أخذ ينظر حوله في كل اتجاه ويبتسم، # ويتردد قبل أن يقول: لا أعرف لي أي حال. # 7 # وهكذا مع الكلام ورد الكلام، # دأب على زيارتهم والتعامل معهم. # وبغير دعوة كان يأتي على الدوام. # لكنه كان يستحق ما يقدمونه من طعام. # 8 # سوف يسأله أحدهم ذات يوم: # ما الذي يقودك إلينا؟ # وسوف يقف بسرعة لأنه سيحس # أن مزاجهم قد انقلب عليه. # 9 # من لا يملك شيئا يقدمه سوف يخرج من الباب، # في أدب كالعبد الذي أطلق سراحه. # لن يبقى منه حتى الظل الضئيل. # ولن يترك على الكرسي أثرا يدل عليه. # 10 # بل سيسمح بأن يشغل مكانه # إنسان آخر يثبت أنه أغنى منه. # وهو في الحقيقة لا يمنع أحدا # من أن يتكلم هناك حيث كان يصمت. # | عن مودة العالم # 1 # إلى الأرض المقرورة بالريح ms060 الباردة، # جئتم جميعا أطفالا عراة. # كنتم ترتجفون من البرد، ولا شيء تملكون، # عندما لفتكم امرأة في قماط. # 2 # لم يهتف أحد مرحبا بكم، لم يشتق أحد إليكم، # ولم يحضركم أحد في عربة مطهمة. # هنا على الأرض كنتم مجهولين، # عندما امتدت يد إنسان فأخذتكم من أيديكم. # 3 # عن الأرض المقرورة بالريح الباردة، # تذهبون جميعا، يغطيكم القشف والقشور. # ويوشك كل إنسان أن يكون قد أحب العالم، # حين يلقي عليه أحد حفنتي تراب. # | عن المدن1 # تحتها بالوعات # لا شيء فيها، # وفوقها دخان. # كنا نعيش فيها، لم نتمتع بشيء. # فنينا سريعا. وعلى مهل ستفنى هي أيضا. # | كورال الشكر العظيم # 1 # اشكروا # 1 # الليل والظلام، اللذين يحوطانكم من كل ناحية. # تعالوا زمرا. # تطلعوا إلى السماء؛ # ها هو النهار قد غاب عنكم. # 2 # اشكروا العشب والحيوان، اللذين يعيشان ويموتان بجانبكم. # انظروا، كيف يحيا العشب والحيوان، # كما تحيون. # ولا بد أن يموت معكم! # 3 # اشكروا الشجرة، التي تنمو من الرمم، # وتشمخ متهللة إلى السماء. # اشكروا الرمم. # اشكروا الشجرة، التي التهمتها. # ولكن اشكروا كذلك السماء. # 4 # اشكروا من قلوبكم ذاكرة السماء السيئة، # وأنها لا تعرف منكم # أسماءكم ولا وجوهكم. # لا أحد يدري، إن كنتم ما تزالون هناك. # 5 # اشكروا البرد، والعتمة، والفساد. # مدوا أبصاركم؛ # لا شيء مرهون بكم، # ويمكنكم أن تموتوا مطمئنين. # | ذكرى ماري أ # 1 # في ذلك اليوم، في قمر سبتمبر الأزرق، # والسكون يظلنا تحت شجرة برقوق شابة، # أمسكت به في ذراعي، بحبي الساكن الشاحب، # كأنه حلم صاف بريء. # وفوقنا، في سماء الصيف الجميلة، # رأيت سحابة أطلت النظر إليها. # كانت شديدة البياض، عالية إلى أبعد حد. # وحين رفعت بصري إليها، وجدت أنها لم تعد هناك. # 2 # منذ ذلك اليوم، سبحت أقمار كثيرة كثيرة، # وغاصت أقمار أو عبرت في سكون. # ولعل أشجار البرقوق قد قطعت من زمان. # ولو سألتني الآن: وماذا جرى للحب؟ # لقلت إنني لا أذكر شيئا. # ومع ذلك فإني أعرف، أعرف يقينا ما تريد. # أما عن وجهها، فلم أعد أعرف عنه شيئا. # كل ما أعرفه، # أنني ms061 قبلته ذات يوم. # 3 # والقبلة أيضا، كان من الممكن أن أنساها من زمن طويل، # لو لم تكن السحابة قد وجدت هناك؛ # فما زلت أذكرها، وسوف أذكرها على الدوام. # كانت شديدة البياض، تسبح نحونا في الأعالي. # ربما كانت تلك المرأة تحمل الآن طفلها السابع. # أما تلك السحابة فقد ازدهرت لحظات. # وحين رفعت بصري إليها، # كانت قد اختفت في الرياح. # | حكاية المرأة والجندي # الغدارة تغدر، والرمح يطعن، # والماء يلتهم من يخوضون فيه. # ماذا تملكون ضد الثلج؟ # ابقوا بعيدا، ليس من الحكمة ما تفعلون! # هكذا قالت المرأة للجندي. ~~••• # لكن الجندي، والرصاص في حقيبته، # سمع الطبول ثم ضحك قائلا: # الزحف لن يضر بعد اليوم. # فلنهبط إلى الجنوب، فلنصعد إلى الشمال. # والسكين يلتقطها بيديه! # هكذا قال الجندي للمرأة. ~~••• # آه، يندم ندما مرا، من يتجاهل نصح الحكيم، # ولا يلتمس النصيحة ممن يكبره. # آه، لا تذهب بعيدا، ستكون العاقبة وخيمة. # هكذا قالت المرأة للجندي. ~~••• # لكن الجندي، والسكين في حزامه، # ضحك في وجهها ضحكة باردة وعبر المخاضة. # ما الضرر الذي يمكن أن يصيبه من الماء؟ # عندما يطلع القمر أبيض الوجه فوق السطوح، # سنعود من جديد، فصلي من أجلنا. # هكذا قال للمرأة الجنود. ~~••• # أنتم تذهبون كالدخان، والدفء يذهب أيضا، # وأعمالكم لا تدفئنا! # آه! ما أسرع ما يتلاشى الدخان! فليحمه الله أيضا! # هكذا قالت المرأة عن الجندي. ~~••• # والجندي بالسكين في حزامه، # سقط مع رمحه، وجذبه معه التيار. # والماء التهم الذين يخوضون فيه، # والقمر وقف فوق السطح، رطبا أبيض. # لكن الجندي انحدر مع الثلج. # وماذا قال للمرأة الجنود؟ ~~••• # ذهب كالدخان، والدفء ذهب أيضا. # وما استطاعت أعماله أن تدفئها. # آه! يندم ندما مرا، من يتجاهل نصح الحكيم! # هكذا قالت المرأة للجنود. # | من أغاني ماهاجوني # عن أوبرا ازدهار وسقوط مدينة ماهاجوني # الأغنية الأولى # 1 # هيا إلى ماهاجوني. # الهواء رطب ومنعش. # هناك لحم خيول ولحم نساء. # ويسكي ومائدة قمار. # يا أيها القمر الجميل الأخضر في ماهاجوني، أنر لنا الطريق! # فعندنا اليوم هنا # تحت القميص أوراق بنكنوت، # لضحكة كبيرة من فمك الغبي الكبير. # 2 # هيا ms062 إلى ماهاجوني # الريح الشرقية تهب أنفاسها بالفعل. # هناك تجدون سلطة لحم طازجة. # ولا تعليمات هناك ولا توجيهات. # يا أيها القمر الجميل الأخضر في ماهاجوني، أنر لنا الطريق. # فعندنا اليوم هنا # تحت القميص أوراق بنكنوت، # لضحكة كبيرة من فمك الغبي الكبير. # 3 # هيا إلى ماهاجوني # السفينة ستفك حبالها، # والسي - سي - سي - سيفيليس # سنشفى منه هناك. # يا أيها القمر الجميل الأخضر في ماهاجوني، أنر لنا ~~الطريق. # فعندنا اليوم هنا، # تحت القميص، # أوراق بنكنوت، # لضحكة كبيرة من فمك الغبي الكبير. # الأغنية الثالثة # 1 # صباح يوم كئيب، # ونحن نشرب الويسكي، # جاء إله إلى ماهاجوني. # جاء إله إلى ماهاجوني. # ونحن نشرب الويسكي # لاحظناه في ماهاجوني. # 2 # أتعبون كالإسفنج # حنطتي الطيبة عاما بعد عام؟ # ما من أحد منكم كان ينتظر مجيئي. # فإذا جئت اليوم، هل صار كل شيء على ما يرام؟ # تطلعوا إلى بعضهم. رجال ماهاجوني # قالوا نعم، رجال ماهاجوني. # صباح يوم كئيب، # ونحن نشرب الويسكي، # جاء إله إلى ماهاجوني. # جاء إله إلى ماهاجوني. # ونحن نشرب الويسكي # لاحظناه في ماهاجوني. # 3 # أكنتم تضحكون، مساء الجمعة؟ # ماري فيمان رأيتها من بعيد بعيد، # كسمكة فاسدة تسبح ساكنة في بحيرة مالحة. # لن تجف بعد اليوم، يا سادتي. # تتطلعوا إلى بعضهم رجال ماهاجوني. # قالوا نعم، رجال ماهاجوني. # صباح يوم كئيب، # ونحن نشرب الويسكي، # جاء إله إلى ماهاجوني. # جاء إله إلى ماهاجوني. # ونحن نشرب الويسكي # لاحظناه في ماهوجوني. # 4 # اذهبوا جميعا إلى الجحيم. # ضعوا الآن علب الفرجينيا في الجراب! # هيا أمامي إلى جهنمي، أيها الملاعين! # إلى جهنم السوداء. # تطلعوا إلى بعضهم، رجال ماهاجوني. # قالوا لا، رجال ماهاجوني. # صباح يوم كئيب، # ونحن نشرب الويسكي، # تجيء أنت إلى ماهاجوني. # تجيء أنت إلى ماهاجوني. # ونحن نشرب الويسكي، # تبدأ ثانية في ماهاجوني! # لا يحرك أحد قدمه الآن! # فليضرب عن العمل كل إنسان! # من شعرنا لن تستطيع # أن تشدنا إلى الجحيم؛ # لأننا كنا دائما في الجحيم. # تطلعوا للإله، رجال ماهاجوني. # قالوا لا، رجال ماهاجوني. # | أغنية بينارس1 # 1 # لا ويسكي في هذه المدينة. # لا بار نجلس فيه. ms063 # أوه! # أين التليفون؟ # أليس هنا تليفون؟ # أوه! سيدي، ليلعنها الله. # لا! # فلنذهب إلى بينارس، # حيث البارات كثيرة. # فلنذهب إلى بينارس! # جيني، هيا بنا. # 2 # لا مال في هذه المدينة. # الاقتصاد كله قد انهار. # أوه! # أين التليفون؟ # أليس هنا تليفون؟ # أوه! سيدي ليلعنها الله. # لا! # فلنذهب إلى بينارس؛ # حيث المال كثير. # فلنذهب إلى بينارس! # جيني، هيا بنا. # 3 # لا بهجة على هذا الكوكب العجوز. # لا باب موارب من أجلنا. # أوه! # أين التليفون؟ # أليس هنا تليفون؟ # أوه! سيدي، ليلعنها الله. # لا! # 4 # أسوأ الأنباء ما يقال: # إن بينارس أفناها الزلزال! # أوه! بينارس الطيبة الحبيبة! # أوه! إلى أين سنذهب؟! # أسوأ الأنباء ما يقال: # إن بينارس قد عوقبت بزلزال! # أوه! بينارس الطيبة الحبيبة! # أوه! إلى أين سنذهب؟! # | كورال بال العظيم # 1 # في حجر الأم الأبيض عندما شب بال # 1 # كانت السماء كالعهد بها، رائعة وساكنة وشاحبة. # شابة كانت السماء، عارية وعجيبة إلى حد مهول، # وذلك كما أحبها بال، عندما جاء (إلى هذا العالم) بال. # 2 # والسماء بقيت على حالها هناك، في الأفراح وفي الأحزان، # حتى عندما كان بال ينام ناعم البال ولا يراها لأنه مغمض ~~الأجفان. # ففي الليل تكون السماء بنفسجية، بينما يكون بال منتشيا ~~وسكران، # وفي الصباح يكون بال تقيا وصالحا، بينما تكون هي كالمشمش يكسوها ~~الشحوب. # 3 # وفي الخمارة، والكنيسة، والمستشفى # يتعثر بال متزنا معتدل المزاج، ويعود نفسه على كل ~~الأحوال. # ليكن بال متعبا، يا صغار، فلن يسقط أبدا بال. # حتى إلى الحضيض يأخذ سماءه معه. بال. # 4 # وسط زحام الآثمين الذي يثير الخجل والحياء، # رقد بال عاريا وراح يتقلب بكل هدوء؛ # فالسماء وحدها، لكنها السماء على الدوام، # هي التي دثرت عريه بقوة وسحبت عليه الغطاء. # 5 # والدنيا، هذه الأنثى العظيمة التي تستسلم ضاحكة # لكل من يرضى بأن تسحقه تحت ركبتيها. # جادت عليه أحيانا بنشوة الجذب التي يحبها، # لكن بال لم يمت: بل راح يتطلع إلى الأمام. # 6 # وعندما كان بال لا يرى حوله غير جثث الأموات، # كانت شهوته العارمة تتضاعف على ms064 الدوام. # لم يزل لي مكان، هكذا يقول بال، فليس عددها كبيرا. # لم يزل لي مكان، كما يقول بال، في حجر هذه الأنثى . # 7 # إذا أعطتكم امرأة كل شيء، على حد قول بال، # فدعوها تذهب؛ فليس عندها شيء آخر تعطيه. # لا تخافوا من وجود رجال معها، فذلك أمر غير ذي بال. # أما الأطفال فيخاف منهم حتى بال. # 8 # كل الرذائل لا تخلو من خير. # وكذلك الرجل الذي يقدم عليها، كما يقول بال. # والرذائل شيء لا يستهان به، لو عرف الإنسان ما يريد. # فاختاروا منها اثنين؛ لأن (الرذيلة) الواحدة فوق ما تطيقون! # 9 # لا تكونوا كسالى، وإلا فلا متعة هناك. # إن ما يريده الإنسان، كما يقول بال، هو بعينه ما ينبغي عليه. # وحين تفرزون الوسخ انتبهوا لما يقوله بال؛ # فهو خير من ألا تفعلوا شيئا على الإطلاق! # 10 # المهم ألا تكونوا بهذا الخمول، بهذه الميوعة؛ # فليس الاستمتاع، وحق الله، بالأمر الهين! # يحتاج الإنسان لأعضاء قوية، كما يحتاج إلى الخبرة. # وربما نغص عليه (عيشته) كرش سمين. # 11 # بال يتطلع بعينه للصقور السمان # التي تنتظر في السماء المزدهية بالنجوم جثة بال. # أحيانا يتصنع بال الموت، فإذا انقض عليه أحد الصقور # أكله بال، في صمت، في وجبة العشاء. # 12 # تحت النجوم الكئيبة في وادي الآلام # يقطع بال الحقول الفسيحة متلمظا بما يجده فيها، # فإن وجدها خالية، مضى يغني وهو يركض مترنح الخطوات، # منحدرا إلى الغابة الأبدية لينام. # 13 # وإذا الحجر المعتم جذب إليه بال، # فما قيمة العالم بالنسبة لبال؟ إن بال شبعان. # كثيرة هي السماوات التي يحملها تحت جفنيه بال. # بحيث لو مات فعنده من السماوات ما يكفيه. # 14 # عندما تعفن في حجر الأرض المعتم بال، # كانت السماء ما تزال رائعة وساكنة وشاحبة، # شابة وعارية وعجيبة إلى حد مهول. # كما أحبها ذات يوم بال، عندما كان بال حيا لا يزال. # | الفتاة الغريقة1 # 1 # لما غرقت وراح يسبح جسدها # من الجداول إلى الأنهار الكبيرة، # بدت قبة السماء عجيبة مثيرة # كأنما تحتم عليها أن تواسي جثتها. # 2 ms065 # تشبثت بها الطحالب والأعشاب المائية، # فزادت ثقلها شيئا فشيئا. # الأسماك الباردة سبحت حول ركبتها، # والنباتات والحيوانات أبطأت رحلتها الأخيرة. # 3 # وفي المساء كانت السماء مظلمة كالدخان. # وفي الليل اكتست النجوم والأضواء بالغيوم. # لكن عندما طلع النهار أشرقت صفحتها # حتى يكون (للغريقة) أيضا صباح ومساء. # 4 # عندما فسد جثمانها الشاحب في الماء، # حدث (ولكن ببطء شديد) أن نسيها الله. # نسي وجهها أولا، ثم يديها، وأخيرا شعرها. # عندئذ أصبحت رمة في النهر # بين رمم كثيرة. # | خرافة الجندي الميت # 1 # ولما دخلت الحرب في ربيعها الرابع، # ولم تبشر بالسلام، # اتخذ الجندي موقفه القاطع، # ومات ميتة الأبطال. # 2 # لكن الحرب لم تكن قد انتهت؛ # لهذا شعر القيصر بالحزن؛ # لأن جنديه قد مات؛ # إذ بدا له ذلك قبل الأوان. # 3 # الصيف زحف فوق القبور، # والجندي راح في نومه. # وذات ليلة أقبلت # بعثة عسكرية طبية. # 4 # مضت البعثة الطبية # إلى حقل الله البعيد. # وبالمعول المبارك نبشت # جثمان الجندي الصريع. # 5 # الدكتور فحص الجندي بدقة # أو على الأصح ما بقي منه، # والدكتور وجد أن الجندي لائق للخدمة، # وخاف على نفسه من المسئولية. # 6 # وأخذوا الجندي معهم على الفور، # وكان الليل أزرق وجميلا. # ومن لم يضع الخوذة على رأسه # استطاع أن يرى نجوم الوطن. # 7 # دلقوا جرعة نارية # من الكونياك في جسده العفن، # وعلقوا ممرضتين في ذراعه # وامرأة نصف عارية. # 8 # ولأن الجندي تنبعث منه الروائح العفنة، # فقد سار في المقدمة قسيس # يهز فوقه مبخرة؛ # لكي لا تنشر رائحته الكريهة. # 9 # في المقدمة ترن الموسيقى تشندرارا. # تعزف مارشا مرحا ولطيفا، # والجندي، كما تعلم أثناء حياته، # يقذف ركبتيه بعيدا عن مؤخرته. # 10 # وحوله يلف ذراعيهما # ممرضان صحيان؛ # حتى لا يسقط منهما في الوحل، # وهو شيء لا يصح أن يكون. # 11 # لونوا كفنه # بالأسود - والأبيض - والأحمر، # وأخذوا يلوحون به أمامه # ولم تعد العين، من زحمة الألوان، # تستطيع أن ترى برازه. # 12 # وسار في المقدمة، مشدود الصدر، # رجل في سترة رسمية سوداء. # كان كرجل ألماني # يدرك واجبه تمام الإدراك. # 13 # هكذا ms066 أخذوا على أنغام التشندرارا # يهبطون الطريق المعتم. # والجندي يترنح معهم # كنتفة الثلج في العاصفة. # 14 # القطط والكلاب تصرخ. # والجرذان في الحقل تصفر؛ # حتى لا يظن أنهم فرنسيون؛ # لأن هذا عار عليهم. # 15 # وعندما مروا بالقرى، # كانت النساء كلهن هناك. # الأشجار تحني رءوسها، # والبدر طالع والكل يصيح: «هورا.» # 16 # بالتشندرارا وإلى اللقاء . # والنساء والكلاب والقسس. # والجندي الميت في الوسط # كأنه قرد يتطوح من السكر. # 17 # وعندما مروا بالقرى، # لم يستطع أحد أن يراه. # كثيرون كانوا ملتفين حوله # وهم يصيحون تشندرارا وهورا. # 18 # كثيرون رقصوا وهللوا له، # فما استطاع أحد أن يراه. # كان من الممكن أن يرى من أعلى فحسب، # ولم يكن فوقه غير النجوم. # 19 # لكن النجوم لا تلبث أن تغيب، # ويأتي الغسق بحمرة الفجر. # لكن الجندي، كما دربوه، # يتقدم ليموت ميتة الأبطال. # | «ب. ب» برتولت برشت المسكين # 1 # أنا، برتولت برشت. ولدت في الغابات السوداء. # حملتني أمي إلى المدن، # وأنا بعد جنين في أحشائها. # وسوف تلازمني برودة الغابات # إلى يوم أموت. # 2 # في مدينة الأسفلت أحس أنني في بيتي. # من نشأتي الأولى وأنا مزود بكل ما يلزم الموتى: # بالصحف، والتبغ، والكونياك. # مرتاب. وكسول، وقانع بعد كل شيء. # 3 # وأنا ودود مع الناس. # أضع على رأسي قبعة خشنة كما يفعلون. # أقول: هم حيوانات ذات رائحة خاصة. # وأقول: لا بأس، فأنا واحد منهم. # 4 # وفي الضحى أدعو أحيانا ثلة من النساء # للجلوس أمامي على كراسي الهزازة الخالية. # أتأملهن في غير اكتراث وأقول لهن: # لا جدوى من الاعتماد علي. # 5 # وفي المساء أجمع حولي بعض الرجال، # ويخاطب بعضنا بعضا: «يا جنتلمان.» # يضعون أقدامهم على موائدي # ويقولون: سوف تتحسن أحوالنا. # لكنني لا أسأل: متى؟ # 6 # وفي غبش الفجر تبول أشجار الصنوبر، # وتشرع حشراتها التي تزدحم عليها - أي الطيور - في الصياح. # في تلك الساعة أجرع كأسي في المدينة، # وأقذف تفل التبغ بعيدا، # وآوي إلى فراشي غير مرتاح. # 7 # عشنا، ونحن جنس طائش، في بيوت # كان يظن أن يد الخراب لن تمتد إليها ~~(هكذا بنينا العلب ms067 المتراصة في جزيرة مانهاتن، # ومددنا أسلاك الهواء الدقيقة عبر الأطلنطي). # 8 # سيبقى من هذه المدن ما يجوس خلالها: # الريح # البيت يسعد الآكلين؛ لأنهم يفرغونه مما فيه. # نحن نعرف أننا عابرون، # وأن ما سيأتي بعدنا # لا يستحق الذكر. # 10 # في الزلازل القادمة، وهذا هو ما أرجوه، # لن أترك سيجاري الفرجينيا ينطفئ # لمجرد أنني أحس بالمرارة. # أنا برتولت برشت الذي ألقي به في مدن الأسفلت ، # وحملته إليها أمه من الغابات السوداء، # من زمن بعيد. # | قصائد من 1926-1933م عن كتاب مطالعة لسكان ~~المدن # | أخف الآثار1 # 1 # ابتعد عن زملائك في محطة السكة الحديد. # اذهب في الصباح إلى المدينة بسترة مزررة. # ابحث عن مأوى، وإذا دق زميلك بابك # لا تفتح، آه لا تفتح الباب، # بل أخف الآثار! # إذا قابلت أبويك في مدينة هامبورج أو في أي مكان آخر، # فمر بهما كأنك غريب عنهما. انعطف عن ناصية الطريق. # لا تتعرف عليهما. # اسحب قبعتك، التي أهدياها إليك، على وجهك # لا تبد. آه! لا تبد وجهك، # بل أخف الآثار! # كل اللحم الذي تراه هناك، لا تدخر. # ادخل أي بيت عندما تمطر السماء، # واجلس على أي كرسي تجده أمامك. # لكن لا تبق جالسا! ولا تنس قبعتك! # أقول لك: # أخف الآثار! # أيا كان ما تقول، لا تقله مرتين. # إن وجدت فكرتك لدى شخص آخر # فأنكرها. # من لم يوقع باسمه، من لم يترك صورة وراءه، # من لم يكن حاضرا، من لم يقل شيئا، # كيف يمكن الإمساك به؟! # أخف الآثار. # احرص، عندما تنوي أن تموت، # على ألا يكون لك قبر # عليه كتابة واضحة # تشي بمرقدك # وتفضح السنة التي مت فيها! # مرة أخرى: # أخف الآثار! ~~(هذا هو الذي علموني إياه.) # 2 # عن العجلة الخامسة # نحن إلى جانبك في الساعة التي تدرك فيها # أنك أنت العجلة الخامسة، # وأن أملك يضيع منك. # أما نحن # فلا ندرك ذلك بعد. # نحن نلاحظ # أنك تتعجل الحديث. # تبحث عن كلمة # تمكنك من الانصراف؛ # إذ يهمك كثيرا # ألا تلفت الأنظار. # أنت تنهض قبل أن تكمل عبارتك. # تقول غاضبا: إنك ms068 تريد أن تنصرف. # ونقول نحن. «ابق!» # وندرك أنك أنت العجلة الخامسة. # أما أنت فتجلس # وهكذا تظل جالسا عندنا، # في الساعة التي ندرك فيها # أنك أنت العجلة الخامسة. # أما أنت # فلم تعد تدرك ذلك. # دعنا نقولها لك: # أنت العجلة الخامسة. # لا تظن أنني أنا الذي أقولها لك، # وغد # لا تمد يدك إلى بلطة # بل مدها إلى كوب ماء. # أعرف أنك لم تعد تسمع، # لكن # لا تقل بصوت عال أن العالم سيئ. # قلها بصوت منخفض؛ # لأن الأربعة ليست زائدة عن الحد # بل هي العجلة الخامسة، # وليس العالم سيئا # بل هو ملآن. ~~(وهذا ما سمعتهم يقولونه من قبل.) # 3 # إلى خرونوس # 2 # نحن لا نريد أن نخرج من بيتك. # نحن لا نريد أن نحطم الموقد. # نحن نريد أن نضع الوعاء على الموقد. # البيت، والموقد، والوعاء يمكن أن تبقى، # وعليك أنت أن تختفي كما يختفي الدخان في السماء. # الدخان الذي لا يستبقيه أحد. # إذا أردت أن تلازمنا، فسوف ننصرف. # إذا بكت امرأتك، فسوف نسحب قبعاتنا على وجوهنا، # لكن إذا أمسكوا بك، # فسوف نشير إليك وسوف نقول: # لا بد أنه هو. # نحن لا نعرف ما الذي سيأتي، وليس لدينا شيء أفضل، # لكننا لا نريدك بعد اليوم # حتى تنصرف وتذهب عنا. # دعنا نرخي الستائر على النوافذ؛ # حتى لا يطلع صباح الغد. # من حق المدن أن تتغير، # لكن ليس من حقك أن تغير نفسك. # نريد أن نكلم الأحجار. # أما أنت فنريد أن نقتلك. # لا ينبغي أن تعيش # مهما تكن الأكاذيب التي يتحتم علينا أن نصدقها. # لا ينبغي أن يقال إنك كنت حيا (في الماضي). ~~(هكذا نتحدث مع آبائنا.) # 4 # أعرف ماذا أحتاج إليه # أعرف ماذا أحتاج إليه. # يكفي أن أنظر في المرآة # لأرى أن علي # أن أكثر من نومي. # الرجل الذي عندي # يضرني ويؤذيني. # عندما أسمعني أغني # أقول أنا اليوم مرحة. # هذا شيء مفيد # للون البشرة. # أنا أبذل جهدي # لأبقى منتعشة وصلبة، # لكني لن أتعب نفسي؛ # لأن هذا يسبب التجاعيد. # ليس عندي ما أهديه، # لكن مؤنتي تكفيني ms069 # أنا آكل بحذر، # أحيا على مهل، # أومن بأوساط الأمور. ~~(هكذا رأيت أناسا يرهقون أنفسهم.) # 5 # أنا قذرة، لا أملك أن أطلب من نفسي ... # أنا قذرة. # لا أملك أن أطلب من نفسي # إلا الضعف، والخيانة والفساد، # لكني ألاحظ ذات يوم # أن الأحوال تتحسن، # أن الريح تنفخ شراعي، أن زمني قد حان، # أنني أستطيع أن أكون شيئا أفضل من القذارة. # من ثم بدأت على الفور؛ # لأنني كنت قذرة # لاحظت عندما أسكر، # أنني ألقي بنفسي على الفراش، # ولا أدري من هو الذي فوقي. # أنا الآن لا أذوق الخمر. # لقد أقلعت عنها على الفور. # للأسف كان يتحتم علي، # لمجرد أن أبقي على حياتي # أن أعمل أشياء كثيرة # آذتني وأضرت بي. # التهمت سما # كان يكفي لإهلاك أربعة بغال، # لكن لم تكن هناك وسيلة أخرى # لأحافظ على حياتي، # وأدمنت الكوكايين فترة من الزمن؛ # حتى بدا منظري # كملاءة السرير بغير عظام. # ثم نظرت إلى نفسي في المرأة # فتوقفت على الفور. # حاولوا بطبيعة الحال # أن يعدوني بالزهري # لكنهم لم يفلحوا، # استطاعوا فحسب # أن يسمموني بالزرنيخ. # شعرت أن في جنبي أنابيب # يسيل منها الصديد ليل نهار. # من كان يظن # أن امرأة مثلي # تستطيع أن تخبل (عقول) الرجال مرة أخرى؟ # وعدت على الفور فبدأت من جديد # ما زلت ألاحظ أنني أقول لعدوتي # إنها خنزيرة عجوز، وأنني أعرف أنها عدوي # كلما نظر إليها رجل. # لكن لن يمر عام # حتى أكون قد تخلصت من هذه العادة. # وقد شرعت في هذا بالفعل # أنا قذرة. # لكن يجب أن يسخر كل شيء لصالحي. # أسهمي في صعود، # لا غنى عني، # وغدا لن يكون الجنس # قذرا كما هو الحال الآن، # بل سيكون المونة الصلبة # التي تبنى بها المدن. ~~(هذا ما سمعته من امرأة.) # 6 # تدحرج على الطريق # تدحرج على الطريق، قبعته في قفاه. # ثبت عينيه في كل رجل قابله وهز رأسه. # توقف طويلا أمام كل واجهة في محل ~~(والجميع يعلمون، أنه قد ضاع!) # كان عليهم أن يسمعوه وهو يقول: # إنه سيقول لعدوه كلمة جادة، # وأن لهجة صاحب ms070 البيت الذي يسكنه لا تعجبه، # وأن الشارع قد أسيئ كنسه ~~(أصدقاؤه قد أسلموه بالفعل!) # مع ذلك فهو يريد أن يبني له بيتا. # مع ذلك فهو يريد أن يضاجع جميع النساء. # مع ذلك فهو يريد ألا يتسرع في الحكم. ~~(آه، لقد ضاع بالفعل، فليس هناك شيء # يسند عليه ظهره!) ~~(هذا ما سمعته من أفواه بعض الناس.) # 7 # تخلوا عن أحلامكم ... # تخلوا عن أحلامكم (التي تزين لكم) # أنهم سيعاملونكم معاملة استثنائية. # كل ما قالته لكم أمهاتكم # كان شيئا لا يؤخذ على محمل الجد. # اتركوا العقد في جيوبكم؛ # فلن يلتزم به أحد هنا. # تخلوا عن آمالكم # بأن الاختيار سيقع عليكم لتكونوا رؤساء، # لكن أدوا أعمالكم كما ينبغي. # وعليكم أن تحتشموا في سلوككم # حتى يسمحوا لكم بدخول المطبخ. # ما زال عليكم أن تتعلموا الألف باء. # والألف باء تقول: # سوف يتخلصون منكم # وفروا على أنفسكم التفكير # فيما ينبغي عليكم أن تقولوه. # لن يسألكم أحد. # الآكلون مكتملو العدد، # واللحم المستخدم هنا هو اللحم المفروم، ~~(لكن هذا لا يصح # أن يثبط هممكم!) # | أربع طلبات إلى رجل من جوانب مختلفة في أوقات مختلفة # هنا بيت يؤويك. # هنا مكان لأشيائك. # غير من وضع الأثاث كما يحلو لك. # قل، ماذا تحتاج. # ها هو المفتاح. # ابق هنا. # هنا غرفة تسعنا جميعا، # ولك حجرة بسرير. # يمكن أن تعمل معنا في الحوش. # لك طبقك الخاص بك. # ابق معنا. # هنا مكان نومك. # السرير ما زال طريا. # لم ينم فيه قبلك # سوى رجل واحد. # حين تحس أنك متوعك المزاج، # فاغمس ملعقتك النحاسية في تلك القصعة، # تعد كأنها جديدة. # ابق معنا ولا تفكر في شيء. # هذه هي الحجرة. # انصرف، أو ابق ليلة أخرى، # لكن هذا يزيد الأجرة. # سوف لا أزعجك. # وعلى فكرة: # أنا لست مريضة. # ستجد هنا الرعاية التي تجدها في أي مكان آخر؛ # تستطيع إذن أن تبقى. # إذا كنت أتكلم معك، # في برود وبوجه عام، # بأشد الكلمات جفافا # بغير أن أنظر إليك، ~~(الظاهر أنني لا أكاد أعرفك # في مزاجك الغريب وطبعك الجاف) # فإنما أفعل هذا ms071 # طبقا للواقع نفسه ~~(الواقع البحت، الذي يؤثر عليه مزاجك الغريب # والذي سئم طبعك الجاف) # الذي يبدو أنك لا تعرفه عني. # | كثيرا ما أرى في المنام ... # كثيرا ما أرى في المنام # أنني سأعجز عن أكل عيشي. # الموائد التي أصنعها، # لا يحتاج إليها أحد في هذا البلد. # تجار السمك # يتكلمون الصينية. # أقربائي الأقربون # يتطلعون في وجهي باستغراب. # المرأة التي نمت معها سبع سنين # تحييني بأدب في فناء البيت # وتمر باسمة. # أعلم # أن الحجرة الأخيرة الآن خالية، # وأن قطع الأثاث قد نقلت، # والمرتبة بليت، # والستارة رفعت. # وباختصار، # كل شيء معد الآن # ليكسو وجهي الحزين بالشحوب. # الغسيل المعلق في فناء البيت لكي يجف، # هو غسيلي. # أنا أعرفه جيدا. # إن دققت النظر فيه عن قرب # لاحظت خياطة فيه # وقطعا مرقعة. # يبدو أنني انتقلت إلى مكان آخر. # شخص آخر # يسكن الآن هنا، # بل يسكن في غسيلي. # | لفت نظر للمسئولين # في اليوم الذي دفن فيه الجندي المجهول # بين طلقات المدافع، # توقف العمل كله # من لندن إلى سنغافورة # في نفس الوقت عند الظهيرة # دقيقتين كاملتين؛ # من الساعة الثانية عشرة ودقيقتين # إلى الساعة الثانية عشرة وأربع دقائق، # تكريما للجندي الصريع المجهول. # لكن على الرغم من هذا كله # فقد يكون من الواجب على الرؤساء # أن يأمروا أخيرا # بتكريم العامل المجهول # الذي يعيش في المدن الكبيرة # بالقارات المزدحمة بالسكان. # واحد من الناس # يعمل في شبكة المواصلات، # لم يتبين أحد ملامح وجهه، # لم يلتفت أحد إلى سر كيانه، # لم يسمع أحد اسمه بوضوح. # مثل هذا الإنسان # ينبغي لصالحنا جميعا # أن نفكر في تكريمه بما يليق؛ # بخطاب يذاع في الراديو ~~«إلى العامل المجهول» # بأن يتوقف جميع الناس # على ظهر هذا الكوكب # عن العمل. # | غناء الآلات # 1 # هالو، نريد أن نتكلم مع أمريكا # عبر البحر الأطلنطي مع المدن العظيمة # في أمريكا، هالو! # سألنا أنفسنا، بأي لغة # يجب أن نتكلم، # حتى يفهمنا الناس، # ولكن مغنينا حاضرون معنا الآن؛ # مغنينا الذين يفهمهم الناس هنا وفي أمريكا # وفي كل مكان في العالم. # هالو، اسمعوا ما يغنيه مغنونا، ms072 نجومنا السود. # هالو، انتبهوا، لمن يغني لنا ... # 2 # الآلات تغني # هالو، هؤلاء هم مغنونا، نجومنا السود. # غناؤهم ليس جميلا، ولكنهم يغنون أثناء العمل، # بينما يصنعون النور من أجلكم، يغنون # بينما يصنعون من أجلكم الملابس، والصحف، وأنابيب مياه # وسككا جديدة، ومصابيح ومواقد وأسطوانات. # يغنون # هالو، غنوا مرة أخرى، لأنكم الآن حاضرون، # أغنيتكم الصغيرة عبر البحر الأطلنطي # بصوتكم الذي يفهمه الجميع. # 3 # الآلات تعيد أغنيتها # ليست هذه يا ولدي هي الريح السارية في أوراق الجميز. # ليست هذه أغنية للنجم الوحيد. # إنه العواء المتوحش لعملنا اليومي. # نحن نلعنه ونحبه # لأنه هو صوت مدائننا. # إنها الأغنية التي تعجبنا. # إنها اللغة التي نفهمها جميعا، # وقريبا ستصبح هي اللغة الأم # للعالم كله. # | نقش على شاهد لم يوضع ~~بعد على قبر ~~صاحبه # أيها المتجول العابر # 1 # عندما تمر من هنا، # فعليك أن تعلم # أنني كنت سعيدا؛ # مشروعاتي كانت مثمرة، # أصدقائي أوفياء، # آرائي صائبة. # وكل ما عملت كان عن تأن وتدبر. # وأخيرا فإنني لم أتراجع أبدا عن كلامي # بسبب مسألة تافهة، # ولم أغير حكمي على الإطلاق. # لما كنت لم أمت بعد، # فأنا لا أملك إلا أن أقول: # حياتي كانت صعبة، # لكني لا أشكو، # وكذلك، عندي ما يثبت # أن حياتي كانت مجزية. # لا تحمل هما من أجلي # فأنا نفسي أحتقر التعساء، # لكنني عندما كتبت هذا الذي تقرؤه هنا، # لم يكن قد بقي ثمة شيء # يمكن أن ينال مني. # | من لا يعرف كيف يقدم العون ... # كيف يكون الصوت الآتي من البيت # هو صوت العدالة، # بينما يرقد الذين بلا مأوى في الفناء؟ # كيف لا يكون دجالا من يعلم الجائعين # شيئا آخر غير تعليمهم كيف يتخلصون من الجوع؟ # من لا يقدم الخبز للجائعين # يقر العنف والبطش. # من ليس في قاربه مكان للغارقين، # فلا مكان في قلبه للشفقة. # من لا يعرف كيف يقدم العون # فعليه أن يسكت. # | عندما طوردت إلى المنفى ... # عندما طوردت إلى المنفى، # كتبت صحف النقاش # 1 # أن القرار اتخذ لأني أهنت في إحدى قصائدي # الجندي (الذي سقط صريعا) في الحرب ms073 العالمية الأولى. # والحقيقة هي أنني في العام الذي سبق نهاية تلك الحرب، # وعندما كان النظام السابق يحاول تأجيل هزيمته، # بإعادة الذين شوهتهم الحرب # مرة أخرى إلى الميدان # ليحاربوا جنبا إلى جنب مع العجائز والشباب في سن السابعة عشرة، # قد وصفت كيف نبشت جثة الجندي الصريع # وأعيد إلى الخدمة في الميدان # وسط تهليل كل الذين خدعوا الشعب # وامتصوا دمه واضطهدوه. # والآن، وهم يعدون العدة لإشعال حرب عالمية جديدة، # مصممين على ارتكاب جرائم تفوق (في بشاعتها) # جرائم الحرب الأخيرة، # فهم من حين لآخر يغتالون أناسا مثلي # أو يطردونهم على زعم أنهم خونة # لمؤامراتهم. # | الذين لا يزال عندهم أمل ... # ماذا تنتظرون؟ # أن يستمع الصم إليكم؟ # أن يمد الذين لا يشبعون # أيديهم ليعطوكم شيئا؟ # أن تدعوكم النمور ~~- من فرط مودتها ولطفها - # لانتزاع أنيابها؟ # هل هذا هو ما تنتظرون؟ # | نقش على قبر (1919م) # حتى الزهرة الحمراء اختفت أيضا. # لا أحد يعرف مكانها الآن؛ # لأنهم قالوا الحقيقة للفقراء. # طردهم من العالم الأغنياء. # | من أغاني المهد # الأغنية الثانية # عندما حملتك في أحشائي # لم يكن حالنا بخير على الإطلاق. # ولقد طالما قلت لنفسي: # هذا الذي أحمله يأتي إلى عالم رديء. # وعزمت على أن أجعل همي # ألا يضل فيه أو يتوه ويضيع. # الذي أحمله يجب أن يبذل ما في وسعه # كي يصبح العالم أخيرا أفضل مما هو عليه. # وتطلعت أمامي ورأيت جبالا من الفحم # يطوقها سور (حديدي). قلت لنفسي: لا داعي للغم! # فالذي أحمله في أحشائي سوف يهتم # بأن يدفئه (في المستقبل) هذا الفحم. # ورأيت الخبز خلف «زجاج» النوافذ، # وكان محرما على الجائعين. # قلت لنفسي: من أحمله في أحشائي # سوف يهتم بأن يغذيه هذا الخبز. # ثم أخذوا إياه إلى الحرب # ولم يرجع منها إلى بيته. # قلت لنفسي: من أحمله سوف يهتم # بألا يحدث له ما حدث لأبيه. # عندما حملتك يا ولدي في أحشائي # كنت كثيرا ما أقول لنفسي في همس: # أنت يا من أحمله في أحشائي، # يجب أن تصمم على ألا يوقفك شيء. # | عن مسرحيتي الأم والقرار (1930-1931م) # امتداح ms074 التعلم # 1 # تعلم أبسط الأشياء. # فلم يفت الأوان أبدا # لمن حانت ساعتهم. # تعلم الألف باء، # إنها لا تكفي، # ولكن تعلمها! # لا تضق بها ذرعا! # ابدأ الآن! # يجب عليك أن تعرف كل شيء! # يجب عليك أن تتولى القيادة. # تعلم، يا من تعيش في الملجأ! # تعلم، يا من تعيش في السجن! # تعلمي يا من تعملين في المطبخ! # تعلمي يا من بلغت الستين! # إن عليك أن تتولي القيادة. # فتش عن المدرسة، يا من تسكن في العراء! # ابحث عن المعرفة، يا من ترتعش من البرد ! # وأنت أيها الجائع، تشبث بالكتاب، فإنه سلاح! # يجب عليك أن تتولى القيادة. # لا تخجل من السؤال، أيها الصديق! # لا تقنع بما يقوله غيرك. # افحص الأمر بنفسك! # إن ما لا تعرفه بنفسك # فأنت تجهله. # افحص قائمة الحساب # فعليك أن تدفع قيمتها. # ضع إصبعك على كل رقم. # اسأل: من أين جاء هذا؟ # يجب عليك أن تتولى القيادة! # امتداح الثائر # حين يزداد الاضطهاد # تخون الكثيرين شجاعتهم، # لكن شجاعته تزداد. # إنه ينظم كفاحه # من أجل القرش الذي يناله أجرا على عمله، # من أجل الشاي # ومن أجل السلطة في الدولة. # إنه يسأل الملكية: # من أين أتيت؟ # ويسأل الأفكار: # من الذي يستفيد منك؟ # حيث يسود الصمت دائما # تراه يتكلم. # وحيث يعم الظلم والاضطهاد # ويتحدث الناس عن القدر والنصيب # تجده يسمي الناس كما يسمي الأشياء بأسمائها. # حيث يجلس إلى المائدة # يجلس السخط معه. # الطعام يجده سيئا، # والحجرة ضيقة. # إلى حيث يطردونه # تذهب الثورة، # والبلد الذي يغادره # لا يتركه الاضطراب. # امتداح الجدل # 2 # الظلم يتبختر اليوم بخطوات واثقة. # الظلمة يعدون أنفسهم للبقاء عشرة آلاف عام. # البطش يؤكد: سيبقى الحال على ما هو عليه؛ # لا صوت يسمع غير صوت الحكام. # وفي الأسواق يقول الاستغلال بصوت عال: # سأبدأ عملي الآن. # لكن من بين المظلومين المضطهدين تتردد أصوات كثيرة: # لن يتحقق أبدا شيء مما نبغيه. # من لا يزال حيا ينبغي عليه ألا يقول: مستحيل! # فالشيء المؤكد ليس أكيدا، # والحال السائد لن يبقى على ما هو عليه. # عندما ينتهي الحاكمون من ms075 كلامهم # سوف يتكلم المحكومون. # من يجرؤ أن يقول: مستحيل أبدا؟ # من المسئول عن بقاء الاضطهاد؟ نحن. # ومن المسئول عن تحطيمه؟ نحن كذلك. # من ضرب وسقط على الأرض، عليه أن يقف على قدميه! # ومن أحس بالضياع، كيف يمكن إيقافه؟ # ذلك أن المهزومين اليوم # هم أصحاب النصر غدا، # والمستحيل إلى الأبد # يتحول ويصير: في هذا اليوم! # | قصائد من 1933-1938م # | الشعراء المهاجرون # هوميروس كان بلا وطن، # ودانتي اضطر إلى أن يترك وطنه. # لي-بو وتو-فو تشردا خلال الحروب الأهلية # التي ابتلعت ثلاثين مليون إنسان. # يوريبيدس هددوه بجره للمحاكم، # وشيكسبير أغلقوا فمه وهو يحتضر. # فرانسوا فيون لم تبحث عنه ربة الشعر وحدها، # بل بحثت عنه الشرطة أيضا. # لوكريس الذي وصفوه «بالمحبوب» # ذهب إلى المنفى، # وكذلك هيني. # وبرشت مثلهما # هرب ووجد المأوى # تحت السقف الدنمركي المصنوع من القش. # | في الأزمنة السوداء # (في الأزمنة السوداء # هل سيغني الناس كذلك؟ # أجل سيغني الناس # عن الأزمة السوداء ...) # 1 # لا ينبغي أن يقال: عندما كانت شجرة الجوز تتمايل في الريح # بل: عندما سحق النقاش العمال. # لا ينبغي أن يقال: عندما رمى الطفل الحصاة في النهر # وتركها تتقافز في التيار المندفع الجياش، # بل: عندما كانوا يعدون العدة للحروب الكبيرة. # لا ينبغي أن يقال: عندما دخلت المرأة في الحجرة، # بل: عندما تحالفت القوى الكبرى ضد العمال. # لكن المهم ألا يقال: الأزمنة كانت سوداء، # بل ينبغي أن يقال: لماذا سكت الشعراء والأدباء الذين عاشوا ~~فيها؟ # | الشكاك # تعودنا باستمرار، # كلما بدا لنا أننا وصلنا للجواب عن سؤال معين، # على أن يفك واحد منا عقدة الحبل الذي يشد # الستارة الصينية البيضاء، # بحيث تنزل على الحائط ويظهر عليها الرجل الجالس على الأريكة، # ذلك الرجل المسرف في الشك. # قال لنا: أنا الشكاك، # وأشك في أن العمل الذي ابتلع أيامكم قد حالفه التوفيق، # وأن ما قلتموه - حتى ولو كان قد قيل بطريقة سيئة - # كانت له أي قيمة بالنسبة لبعض الناس. # أو أنكم أحسنتم في قوله ولكنكم لم تثقوا في صدقه، # أو أنه قيل بطريقة ملتبسة، بحيث تتحملون وزر ms076 أي خطأ ممكن، # أو كان محددا وقادرا على استبعاد التناقض من الأشياء، # لكن ربما كان محددا أكثر من اللازم! # وعندئذ يكون ما قلتموه غير صالح للاستخدام # ويكون ما صنعتم فاقدا الحياة. # هل تعيشون حقا في مجرى الأحداث؟ # هل أنتم متفاهمون مع كل ما يتحول ويصير؟ # وهل ما زلتم كذلك تتحولون وتصيرون؟ # من أنتم؟ لمن تتكلمون؟ من المستفيد مما تقولون؟ # وعلى فكرة: هل يساعد على إيقاظ الوعي؟ # هل يصلح للقراءة في الصباح؟ وهل هو مرتبط بالواقع الراهن؟ # وهل تستخدم العبارات التي تقال أمامكم ، # أو تجد على الأقل من يعترض عليها ويفندها؟ # وهل كل ما يقال مدعم بالحجة وقائم على أساس؟ # على الخبرة؟ وأية خبرة؟ # وقبل كل شيء ودائما وأبدا قبل كل شيء: # كيف يكون سلوك الناس عندما يصدقون ما تقولون؟ # ثم قبل كل شيء: كيف يتصرف الإنسان (بشكل عملي)؟ # استغرقنا التأمل، مع حب الاستطلاع، في الرجل # الشكاك الأزرق الذي يظهر أمامنا على الشاشة البيضاء. # أخذنا ننظر إلى بعضنا # وشرعنا في البدء من البداية. # | عن العقم # شجرة الفاكهة التي لا تثمر # تتهم بأنها عقيمة. # من يفحص التربة؟ # الغصن الذي ينكسر # يتهم بالتعفن والفساد. # لكن، ألم يسقط الثلج عليه؟ # | أشعار صينية1 # الأصدقاء # لو أتيت من الطريق في عربة مطهمة، # وكنت أرتدي ثوب فلاح، # ثم تلاقينا ذات يوم في الشارع، # لنزلت من العربة وانحنيت. # ولو كنت تبيع الماء، # والتقينا ذات يوم في الشارع، # وأنا أتنزه على ظهر جواد، # لنزلت من عليه تحية لك. # شاعر مجهول، من حوالي مائة سنة قبل المسيح # اللحاف الكبير # سألت الحاكم عما نحتاج إليه؛ # لنساعد المقرورين في مدينتنا، # فأجاب: لحاف طوله عشرة آلاف قدم، # يغطي مدن الضواحي كلها. # بوشي يي (773-846م) # ميلاد ابن # تتمنى العائلات # حين يولد لها ابن # أن يكون ذكيا. # أما أنا، # وقد حطمت حياتي بالذكاء، # فلا أملك إلا الأمل # في أن يكون ابني # جاهلا وخامل التفكير. # عندئذ يحيا حياة مطمئنة # كوزير في الوزارة. # سو تونج-بو (1036-1101م) # السياسي # كالمعتاد ذهبت إلى المدينة # لأحمل إلى السوق الخضروات الطازجة التي ms077 جمعتها بنفسي. # ولما كان الوقت لا يزال مبكرا، # جلست لأسترد أنفاسي تحت شجرة برقوق، # بالقرب من البوابة الشرقية. # هنالك رأيت سحابة من الغبار # انشقت عن فارس قادم من أعلى الطريق. # الوجه: حزين. النظرة: ذاهلة. # وحشد صغير، لعله من الأصدقاء والأقارب، في انتظاره. # تزاحموا حوله ليودعوه. # غير أنه لم يجسر على التوقف. # عقدت الدهشة لساني وسألت الناس من حولي: # من هو هذا الفارس وماذا أصابه؟ # قالوا: كان مستشار الدولة، أحد الكبار، # ومكافأته في السنة عشرة آلاف «كيش». # حتى الخريف الأخير كان القيصر يزوره في بيته كل يوم مرتين. # بالأمس تعشى مع الوزراء، # وهو اليوم منفي إلى ياي-شو في أقصى البلاد. # هكذا الحال مع مستشاري الحكام، # يتقلب عليهم الرضا والسخط بين منتصف الليل وساعة الظهيرة. # أخضر، أخضر هو عشب الضاحية الشرقية # الذي يشقه الدرب الحجري المؤدي للتلال، # التلال المسالمة تحت مواكب السحب. # بو شي-يي # تنين المستنقع الأسود # عميقة هي مياه المستنقع الأسود، # وفي لون المداد. # يقال إن تنينا مقدسا جدا يسكن هنا. # ما من عين بشرية رأته، # لكن إلى جوار المستنقع # بني هيكل مقدس # ونظمت السلطات المسئولة # طقوس العبادة. # ربما يبقى التنين تنينا، # لكن الناس يستطيعون أن يجعلوا منه إلها. # سكان القرى يعتبرون الحصاد الوفير وسوء المحصول # وجيوش الجراد ولجان القيصر # والضرائب والأوبئة، # أقدارا حكم عليهم بها # التنين المقدس جدا. # إنهم جميعا يقدمون له القرابين: # خنازير صغيرة، وجرارا مملوءة بالنبيذ، # وذلك حسب النصائح التي يقدمها لهم # واحد منهم، له وجه ثان. # إنه يحدد كذلك صلوات الصباح # والأناشيد التي يترنمون بها في العطلات. # تحية لك أيها التنين، الغني بالعطايا. # تحية لك وباقة النصر تزين رأسك. # يا منقذ الوطن، # أنت المختار بين التنانين. # ومختار هو النبيذ الذي يقدم لك # من بين كل أنواع النبيذ. # قطع اللحم ملقاة على الأحجار المتناثرة حول المستنقع. # العشب الذي ينمو أمام الهيكل مخضب بالنبيذ. # أنا لا أعلم كم من الأضاحي يأكل التنين، # لكن فيران الغابة وثعالب التلال # سكرى على الدوام ومتخمة بالطعام. # لماذا تبدو الثعالب غاية في السعادة؟ # ماذا ms078 صنعت الخنازير الصغيرة # لكي تذبح عاما بعد عام # إرضاء للثعالب؟ # والتنين المقدس جدا # في أعماق مستنقعه ذي الأبعاد التسعة. # هل يدري أن الثعالب # تسرق خنازيره الصغيرة وتلتهمها # أم أنه لا يدري؟ # بو-كي-يي # احتجاج في العام السادس من حكم شين فو ... # التلال والجداول في السهول، # جعلتموها ميدانا لحروبكم. # من أين تظنون أن الشعب # سيحصل على الخشب والقش اللازم له؟ # أرجوكم أن تعفوني # من أسمائكم وألقابكم. # إن تنصيب جنرال واحد # معناه: عشرة آلاف جثة. # تساو سونج (870-920م) # | من قصائد سفيندبورج # من كتاب الحرب # 1 # عندما يتكلم الأعلون عن السلام، # تعلم عامة الشعب # أن الحرب قادمة. # وعندما يلعن الأعلون الحرب، # تكون الأوامر قد صدرت بالتعبئة. # الأعلون # اجتمعوا في حجرة. # يا رجل الشارع # ودع كل أمل! # الحكومات # توقع على معاهدات عدم اعتداء. # أيها الرجل الصغير، # اكتب وصيتك. # الأعلون يقولون: # الطريق يوصل إلى المجد. # الأسفلون يقولون: # بل يوصل إلى القبر. # الذين ينهبون اللحم من المائدة # يعلمون القناعة. # الذين قسمت لهم الغنيمة # يطالبون بشجاعة التضحية. # المتخمون يتحدثون إلى الجائعين # عن الأزمان الرائعة التي سوف تأتي. # الذين يسوقون الدولة إلى الهاوية # يقولون إن الحكم صعب جدا # على الرجل العادي. # الحرب القادمة # ليست هي الأولى؛ # لقد سبقتها حروب أخرى. # عندما انتهت الحرب الأخيرة، # كان هناك المنتصرون والمهزومون. # عند المهزومين جاعت عامة الشعب. # عند المنتصرين جاعت عامة الشعب أيضا. # عندما يحين أوان الزحف # عندما يحين أوان الزحف، # لا يعلم الكثيرون # أن عدوهم يزحف معهم في المقدمة. # الصوت الذي يصدر لهم الأوامر # هو صوت عدوهم، # والذي يتكلم عن العدو # هو نفسه العدو. # على الحائط كتابة بالطباشير ~~«هم يريدون الحرب.» # والذي كتبها # قد سقط صريعا. # أيها الجنرال، دبابتك قوية جدا! # تسحق غابة بأكملها، ومائة من البشر، # لكن فيها عيبا واحدا؛ # أنها تحتاج إلى سائق! # أيها الجنرال، قاذفة قنابلك قوية، # تطير أسرع من العاصفة، # وتحمل فوق ما يحمل الفيل، # لكن فيها عيبا واحدا؛ # أنها تحتاج إلى طيار! # أيها الجنرال، للإنسان فوائد كثيرة # فهو يستطيع أن يطير ويستطيع أن يقتل # لكن فيه عيبا ms079 واحدا: # أنه يستطيع أن يفكر! # عامل يسأل أثناء القراءة # من بنى طيبة ذات الأبواب السبعة؟ # في الكتب نقرأ أسماء الملوك، # فهل جروا الأحجار فوق ظهورهم؟ # وبابل التي تهدمت مرات عديدة، # من الذي أعاد بناءها في كل مرة؟ # وفي أي بيوت من الطمي المذهب بأشعة الشمس # كان يعيش عمال البناء؟ # وليلة تم بناء سور الصين، # أين ذهب البناءون؟ # روما العظيمة زاخرة بأقواس النصر. # من الذي أقامها؟ # على من انتصر القياصرة؟ # بيزنطة التي طالما تغنى بمجدها المنشدون، # هل كان سكانها جميعا يعيشون في القصور ؟ # وليلة ابتلعت مياه المحيط # قارة أطلنطا الخرافية، # كان الغرقى يصيحون غاضبين # وهم ينادون عبيدهم. # الإسكندر الشاب فتح الهند، # هل كان وحده؟ # قيصر هزم الغالبين. # ألم يكن معه على الأقل طباخ؟ # فيليب ملك إسبانيا بكت عيناه # لما غرق في البحر أسطوله. # ألم يبك أحد سواه؟ # فردريك الثاني انتصر في حرب الأعوام السبعة. # من الذي انتصر معه؟ # في كل صفحة أرى نصرا. # من الذي أعد مأدبة الاحتفال؟ # في كل عشر سنوات يظهر رجل عظيم. # من الذي كان يدفع له أجره؟ # أخبار كثيرة، # وأسئلة لا تحصى ولا تعد. # حذاء أنبا ذوقليس # 1 # لما نال أنبا ذوقليس الأجريجنتي # شرف التكريم من مواطنيه، # وكانت الشيخوخة في نفس الوقت قد هدت قواه، # قرر أن يموت. # وإذ كان يحب فريقا منهم # وهم يبادلونه الحب، # لم يشأ أن يموت أمامهم، # وإنما آثر # أن يطويه العدم. # دعاهم لرحلة إلى الجبل. # لم يدعهم جميعا، # بل ترك بعضهم جانبا، # فتم اختياره، كما تم المشروع بأكمله. # كيفما اتفق. # تسلقوا بركان «إتنا». # مشقة الصعود # ولدت الصمت. # لم يعد أحد. # كلمات حكيمة. # هناك فوق القمة، # تنفسوا الصعداء. # عندما استردوا النبض المعتاد، # وشغلهم المشهد الذي رأوه # والفرحة ببلوغ الهدف، # تركهم المعلم # دون أن يلحظه أحد. # ولما استأنفوا الكلام، # لم ينتبهوا لشيء. # لكن بعد حين # افتقدوا كلمة هنا # وكلمة هناك، # وتلفتوا يبحثون عنه. # غير أن المعلم # كان قد وصل إلى قمة الجبل # منذ زمن غير قليل. # وما كانت به حاجة # لأن يحث خطاه. # خطر ms080 له # أن يتوقف لحظة، # وهناك تناهى إليه الحديث، # كأنه يأتي من بعيد، # من وراء الجبل. # الكلمات المفردة # عجز عن التمييز بينها. # كان الموت قد بدأ بالفعل. # وبينما كان يقف # بالقرب من فوهة البركان، # مشيحا بوجهه بعيدا، # عازفا بنفسه # عن هذا العالم # الذي لم يعد يعنيه، # انحنى العجوز على مهل، # وخلع الحذاء من قدمه، # ثم ألقاه وهو يبتسم. # بضع خطوات إلى جانبه، # قاصدا من وراء ذلك # ألا يهتدي إليه أحد بسرعة، # بل في الوقت المناسب، # قبل أن يحل به الفساد. # وعندئذ ألقى بنفسه # في فوهة البركان. # لما رجع أصحابه # بعدما أضناهم البحث # دون أن يكون الحكيم معهم، # بدأت حكاية اختفائه # تذيع على مر الأسابيع والشهور التالية، # على نحو ما تمنى. # كان من بينهم # من انتظر عودته # دون أن يمل الانتظار، # بينما أعلن غيرهم أنه قد مات. # وفي الوقت الذي أقلع فيه بعضهم # عن التساؤل عنه انتظارا لعودته، # راح غيرهم يحاولون # أن يهتدوا إلى الحل بأنفسهم. # ورويدا رويدا # كما تتباعد السحب في السماء # دون أن تتغير، # بل تتضاءل شيئا فشيئا # ثم تتلاشى # إذا العين لم تتطلع إليها، # وتزداد بعدا # إذا حاولت أن تفتش عنها، # وقد تفنى في سحب أخرى، # كذلك تباعد المعلم # عن مألوف حياتهم # كما هو المألوف المعتاد. # عندئذ لغط الناس # بأنه لم يمت؛ # لأنه لم يكن ممن يجوز عليهم الفناء. # أحاط السر به من كل جانب، # وافترض الناس # أن يكون هناك وجود آخر # غير هذا الوجود الأرضي، # وأن قانون الفناء # يجوز على نفر من البشر # دون غيرهم. # بهذا اللغو لغط الناس. # غير أن حذاءه # عثر عليه في ذلك الوقت بالذات. # ذلك الحذاء الجلدي # البالي # المحسوس # الأرضي # ملقى هناك # أمام الذين يسارعون فيؤمنون # بما لا تراه عيونهم. # هكذا صارت نهاية أيامه # أمرا طبيعيا، # وصدق الناس أنه مات # كما يموت سائر البشر. # 2 # على أن هناك قوما # يصفون الحادث بطريقة أخرى، # فيقولون: إن أنبا ذوقليس هذا قد حاول في الواقع # أن يضمن لنفسه كرامات إلهية، # كما أراد، بما عمد إليه من اختفاء ms081 غامض، # وبإلقائه نفسه في بركان إتنا # بطريقة ماكرة تفتقر إلى الشهود، # أن يؤكد الخرافة التي تزعم # أنه ليس من جنس البشر، # وأن قانون التحلل والفساد # لا يسري عليه. # بيد أن حذاءه قد هزئ به # عندما وقع في أيدي البشر. ~~(وهناك من يذهب إلى أن البركان نفسه ~~- وقد أخذه الغضب على هذا السلوك - # لفظ حذاء هذا المنحرف الذي ادعى # أنه ليس من جنس البشر) # غير أننا نميل إلى الاعتقاد بهذا. # لو أنه لم يخلع حذاءه بالفعل، # للزم أن يكون قد غاب عن ذاكرته # ما عرف عنا من غباء، # ولم يخطر على باله # أن من طبعنا أن نسارع # فنلقي بأنفسنا من ظلام إلى ظلام، # ونجعل الغامض أشد غموضا، # وأننا نميل إلى تصديق رأي متهافت # بدلا من البحث # عن أساس متين. # ولو صح ذلك أيضا # لما ثار الجبل # على مثل هذا الإهمال من جانبه، # ولآمن بأن المعلم # أراد أن يخدعنا حقا # لكي يضفي على نفسه # كرامة إلهية. ~~(ذلك لأن الجبل لا يؤمن بشيء # ولا يشغل نفسه بأمورنا) # لكن الجبل راح يقذف الحمم # كعهده من قديم الزمان، # ولفظ حذاء المعلم ~~- على حين كان تلاميذه يضنون أنفسهم # ويتشممون رائحة السر العظيم، # وينشئون مذهبا ميتافيزيقيا عميقا، # حتى وقع في أيديهم فجأة # حذاء المعلم؛ # الحذاء الجلدي # البالي # المحسوس # الأرضي. # | تاو-تي-كنج # حكاية الكتاب الذي أملاه الحكيم لاو-تزو وهو في ~~طريقه إلى المهجر # 1 # 1 # لما بلغ السبعين من عمره وأحس بالضعف الشديد، # تاقت نفس المعلم إلى الراحة؛ # فقد تداعت أركان الخير في البلاد، # والشر عاد إلى سطوته، # وربط حذاءه. # 2 # ثم حزم ما يحتاج إليه: # متاع قليل، لكنه يضم شيئا من هنا ومن هناك: # الغليون الذي تعود أن يدخن فيه كل ليلة، # والكتيب الذي تعود أن يقرأ فيه، # ومن الخبز الأبيض على قدر النصيب. # 3 # فرح قلبه برؤية الوادي للمرة الأخيرة، # ثم نسيه عندما سار في طريق الجبل. # وفرح ثوره بالعشب الندي، # فراح يمضغ منه والعجوز فوق ظهره. # ولم يكن هذا في عجلة من أمره. # 4 # لكن في ms082 اليوم الرابع، عند أسفل الجبل، # سد عليه الطريق عامل الجمرك: ~~«هل من شيء نفيس يستحق الضريبة؟» - «لا شيء.» # والغلام الذي كان يسحب الثور تكلم قائلا: # لقد كان يعلم الناس، واحتاج هذا أيضا إلى بيان. # 5 # وعاد الرجل يسأله بلهجة مرحة: # وهل خرج من ذلك بشيء؟ # وتكلم الغلام فقال: «إن الماء الذي يجري بنعومة ولين # يهزم الصخر الجبار بمرور الزمن. # وبهذا، إن كنت فهمت، يتغلب على الصلب والخشن.» # 6 # ولكيلا يضيع عليه ضوء النهار الأخير، # دفع الثور الغلام. # وما إن اختفى الثلاثة وراء شجرة صنوبر سوداء، # حتى كان الرجل يعدو خلفهما ويصيح: # أنت! توقف! رد على السؤال! # 7 ~~- «ماذا تقصد بحكاية الماء أيها العجوز؟» # توقف المعلم: «وهل يهمك أن تعرف هذا؟» # قال الرجل: ما أنا إلا عامل جمرك بسيط، # لكن يهمني أن أعرف من ينتصر على من. # إن كنت تدري الجواب فتكلم! # 8 # اكتبه لي، أمله على هذا الغلام! # شيء كهذا لا يأخذه الإنسان معه ويغادر البلاد. # الورق عندنا والمداد. وعندنا كذلك وجبة طعام للعشاء. # أنا أسكن هناك، هل اتفقنا الآن؟ # 9 # تطلع المعلم العجوز إلى الرجل من فوق كتفيه؛ # السترة مرقعة، القدم حافية، # وعلى الجبهة تجعيدة واحدة. # آه! ما هو بغالب هذا الذي يعترض طريقه. # وتمتم المعلم: أنت أيضا؟ # 10 # كان المعلم العجوز، فيما يبدو عليه، # أعجز من أن يرد رجاء وجه إليه بأدب شديد؛ # لذلك رفع صوته قائلا: من يسأل يستحق أن يتلقى الجواب. # وتكلم الغلام: «وسوف يبرد الجو بعد قليل.» ~~- «حسن، فلنهبط هنا إلى حين.» # 11 # ونزل الحكيم من على مطيته # سبعة أيام وهما يكتبان، # وعامل الجمرك يحضر الطعام ~~(كان في هذه الأثناء يلعن المهربين بصوت خفيض)، # وبعدها تم كل شيء على ما يرام. # 12 # وذات صباح، # ناول الغلام عامل الجمرك # إحدى وثمانين حكمة. # وبعد تقديم الشكر على الزاد القليل الذي أهداه، # انعطفا حول شجرة الصنوبر وغابا في حضن الجبل. # قولوا الآن: هل يمكن أن يكون الإنسان أكثر أدبا؟ # 13 # لكن لا ينبغي أن نمجد الحكيم وحده، # الذي ms083 يسطع اسمه على صدر الكتاب، # فمن الضروري أن تنتزع الحكمة من الحكيم؛ # لذلك استحق الشكر كذلك عامل الجمرك # الذي عرف كيف يطلبها منه. # | زيارة للشعراء المنفيين # لما دلف، في الحلم، إلى كوخ الشعراء المنفيين # الذي يقع إلى جوار الكوخ # الذي يسكنه المعلمون المنفيون ~~(تناهت إليه من هناك أصوات شجار وضحك)، # استقبله «أوفيد» وقال له في صوت غير مرتفع: ~~«خير لك ألا تجلس الآن، أنت لم تمت بعد. # من يضمن ألا تعود مرة أخرى؟ # وألا يتغير أي شيء سواك؟» # اقترب «بو كي يي»، وبريق العزاء يشع من عينيه، # وقال مبتسما: ~~«كانت الصرامة والقسوة الشديدة هي جزاء # كل من سمى الظلم باسمه، # ولو مرة واحدة.» # وقال صديقه «تو-فو» في هدوء: ~~«تعلم أن المنفى ليس هو المكان # الذي ينسى فيه المرء غروره.» # لكن على نحو أشد التصاقا بالأرض # انضم إليهم فرانسوا فيون بهلاهيله الممزقة وسأل: ~~«كم عدد أبواب البيت الذي تسكنه؟» # فأخذه «دانتي» جانبا، وهمس وهو يشده من كم سترته: ~~«أبياتك مزدحمة بالأخطاء. # لا تنس، يا صديق، # أن الذين يعارضونك لا حصر لهم.» # وهتف فولتير: ~~«احرص على القرش، وإلا أجاعوك.» # وصاح «هيني»: «وامزج أشعارك بالفكاهة.» # قال شكسبير غاضبا: «لا جدوى من ذلك، # فعندما جاء «ياكوب» # منعت أنا أيضا من الكتابة.» # ونصح «يوربيدز» قائلا: ~~«حين يصل الأمر إلى المحكمة، # فوكل عنك وغدا يكون محاميا عنك؛ # لأنه يعرف الثغرات في شبكة القانون.» # كانت الضحكات لا تزال تتردد # حين هتف صوت من الركن المعتم: ~~«أنت، هل يحفظون أشعارك أيضا عن ظهر قلب؟ # والذين يحفظونها، # هل سيفلتون من الاضطهاد؟» # قال «دانتي» في صوت خفيض: ~~«هؤلاء هم المنسيون، # لم تمح أجسادهم فحسب # بل محيت كذلك آثارهم.» # انقطع الضحك. # لم يجرؤ أحد على التطلع إليه. # القادم الجديد # شحب وجهه. # | أمثولة بوذا عن البيت المحترق # جوتا ما، البوذا، علم تلاميذه مذهبه # عن عجلة الجشع التي تشدنا إليها، # وأوصى بالتخلص من كل الرغبات # بحيث نتلاشى، مجردين من كل رغبة، # في العدم الذي سماه النيرفانا. # ذات يوم سأله تلاميذه: # ما طبيعة هذا ms084 العدم، أيها المعلم؟ # نحن جميعا نود التخلص من كل رغبة كما توصينا بذلك. # لكن قل لنا: هل هذا العدم الذي سنتلاشى فيه # شبيه بذلك التوحد مع كل ما هو مخلوق، # كما يحدث للواحد منا عندما يتمدد في الماء وقت الظهيرة # ويشعر بأن جسده خفيف، وأن عقله # يكاد أن يكون خاليا من أي فكرة، # عندما يتمدد في الماء في كسل أو يسقط في النوم، # ويوشك ألا يعرف إن كان قد أحكم الغطاء فوقه؛ # لأنه يهوي مسرعا في سقوطه. # هل هذا العدم الذي تصفه لنا مفرح؟ هل هو عدم طيب، # أم أنه مجرد عدم بارد، خاو ، وبلا معنى؟ # سكت البوذا وطال سكوته، # ثم قال في هدوء واسترخاء: # لا جواب عندي على سؤالكم. # لكن في المساء، وبعد أن انصرف تلاميذه، # ظل البوذا جالسا تحت شجرة الخبز، # وقص على تلاميذه الذين لم يسألوه هذه الأمثولة: # رأيت في الأيام الأخيرة بيتا يحترق # كانت ألسنة اللهب تلعق السقف. # ذهبت هناك ولاحظت أن بعض الناس ما زالوا فيه. # وقفت على الباب وناديت عليهم: «النار تلتهم السقف!» # أي أني طلبت منهم أن يسرعوا بمغادرته، # لكن بدا لي أنهم لا يتعجلون الأمر. # سألني أحدهم، بينما كانت الحرارة تصهر حاجبيه، عن الأحوال في ~~الخارج: # هل السماء تمطر؟ وهل الريح ما زالت تعصف؟ # وهل سيجدون بيتا آخر؟ وأسئلة أخرى من هذا القبيل، # فابتعدت عن البيت دون أن أرد عليهم. # قلت لنفسي: هؤلاء يستحقون الحرق حتى يتوقفوا عن أسئلتهم. # حقا يا أصدقائي، من لا يحس بأن حرارة الأرض التي يقف عليها # قد بلغت الحد الذي يجعله يفضل أن يستبدل بها أرضا غيرها. # مثل هذا الإنسان لن يجد عندي ما أقوله. # تلك هي الأمثولة. التي تروى عن جوتاما البوذا. # لكننا نحن أيضا، نحن الذين لم يعد يشغلنا فن الصبر، # بل يشغلنا فن آخر في عدم الصبر، # وفي تقديم اقتراحات متنوعة وذات طبيعة أرضية، # وتعليم الناس كيف ينفضون عنهم معذبيهم من البشر. # نحن نرى أن أولئك الذين يواجهون القصف المنتظر لأسراب الطائرات # بأسئلتهم المطولة ms085 عن وجهة نظرنا في ذلك، # وعن تصورنا لما سوف يحدث # وعن مصير مدخراتهم في دفاتر التوفير # وسراويلهم التي يلبسونها في أيام الأحد # إذا انقلبت الأحوال فجأة؛ # مثل هؤلاء الناس لن يكون لدينا الكثير لنقوله لهم. # | فحم لميكي # 1 # سمعت أنه في مقاطعة أوهايو، # في مطلع هذا القرن، # كانت تعيش امرأة في بدويل، # اسمها ماري ماكوي، # أرملة ملاحظ «الخطوط الحديدية» # ميكي ماكوي # في فقر شديد. # 2 # لكن كان يحدث كل ليلة، # عندما ترعد القطارات السريعة # لسكك حديد «ويلنج رود»، # أن يلقي سائق القطار # كومة من الفحم # عبر السور الذي يلتف # حول مزرعة البطاطس، # وفي صوت مبحوح # ينادي على عجل: # لأجل ميكي. # 3 # وفي كل ليلة، # عندما تسقط كومة الفحم # من أجل ميكي # على حائط الكوخ الصغير، # تنهض العجوز # في سكرة النوم # وتلتف في معطفها # وتضع جانبا # كومة الفحم # هدية سائقي القطارات # إلى ميكي الذي مات، # ولكن لم ينسه أحد. # 4 # لكنها كانت تنهض قبل طلوع الفجر بكثير، # وتخفي هديتها بعيدا # عن أعين الناس؛ # حتى لا يقع مكروه # لسائقي القطارات # لدى سكك حديد ~~«ويلنج رود». # 5 # هذه القصيدة مهداة # إلى رفاق ماكوي # سائق القطار ~~(الذي مات بذات الرئة # على قطارات الفحم # في مقاطعة أوهايو). # هدية الصديق للصديق. # 1 # | خطاب فلاح إلى ثوره # أغنية فلاح مصري قديم # 1 # أيها الثور العظيم، # أيها الإلهي الذي يجر المحراث. # تعطف وأتقن حرثك في خطوط مستقيمة، لا تخلط الشقوق في بعضها. # أنت تتقدم، أيها القائد، هوه! # نحن أحنينا ظهورنا، لكي نحش علفك. # تفضل الآن وتناوله على مهلك. # أيها الغالي الذي يطعمنا، # لا تحمل، وأنت تلتهمه، هم الشقوق، التهم! # لأجل حظيرتك، يا حامي العائلة، # تأوهنا ونحن نحمل عروق الخشب على ظهورنا. # مرقدنا مبتل، وأنت ترقد في المأوى الجاف. # بالأمس سمعناك تسعل، يا صاحب الخطوة العزيز. # ملك الفزع نفوسنا. # أتريد أن تنفق، # قبل أن نبذر البذور، # أيها الكلب؟! # | كتابة على قبر جوركي # هنا يرقد # رسول الأحياء البائسة، # وصاف معذبي الشعب، # ومن يناضلون ضدهم، # الذي تربى في جامعات الشوارع، # الذي ms086 ولد من أصل وضيع، # الذي ساعد على القضاء على النظام الذي يكرس العالي والوضيع، # معلم الشعب # الذي تعلم من الشعب. # | حريق الكتب # عندما أمر النظام بإحراق الكتب # التي تحتوي المعرفة الضارة في حريق علني، # وأجبرت الثيران في كل مكان # على جر الكتب إلى المحارق، # اكتشف أحد الأدباء المطاردين مفزوعا ~~- وهو واحد من خيرة الكتاب - # أن قائمة الأسماء التي ستحرق كتب أصحابها # قد نسيت اسمه كما نسيت كتبه. # أسرع إلى مكتبه في غضب شديد، # وكتب خطابا إلى الحكام بقلمه المجنح: # أحرقوني! أحرقوني! # لا تفعلوا بي هذا! لا تبقوا علي! # ألم أقل الحقيقة دائما في كتبي؟ # والآن تعاملونني كما يعامل الكذاب. # إني آمركم : أحرقوني! # | خواطر عن المنفى # 1 # لا تدق مسمارا في حائط. # ألق بسترتك على الكرسي! # لماذا تحمل هم أيام أربعة؟ # غدا ستعود إلى وطنك. # دع الشجرة الصغيرة بلا ماء! # ماذا يعود عليك من غرس شجرة؟ # قبل أن ترتفع إلى مستوى عتبة، # تكون قد غادرت هذا المكان. # اسحب قبعتك على وجهك، حين يمر بك الناس! # ما الداعي لأن تقلب في قواعد لغة أجنبية؟ # النبأ الذي يدعوك إلى الوطن مكتوب بلغة تعرفها. # كما يتساقط الجير من السقف ~~(لا تحاول أن توقفه!) # سينهار سور البطش # الذي أقاموه على الحدود # ضد العدالة. # 2 # انظر إلى المسمار الذي غرزته في الحائط. # متى تظن أنك ستعود؟ # هل تريد أن تعرف ما تعتقده في سريرة نفسك؟ # يوما بعد يوم # تعمل في سبيل التحرير، # جالسا تكتب في حجرتك. # هل تريد أن تعرف رأيك في عملك؟ # انظر إلى شجرة الكستانيا الصغيرة في زاوية الفناء # التي تحمل إليها الإبريق المملوء بالماء! # | إلى الأجيال القادمة # 1 # حقا إنني أعيش في زمن أسود! # الكلمة التي لا ضرر منها تعد كلمة حمقاء. # الجبهة المصقولة تدل على التبلد. # والذي ما زال يضحك # لم يسمع بعد بالنبأ المخيف. # أي زمن هذا؟ # إن الحديث فيه عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة؛ # لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا! # ذلك الذي يعبر الطريق في هدوء، # ألم يعد ms087 في إمكان أصدقائه الذين يقاسون المحنة # أن يصلوا إليه؟ # صحيح أنني ما زلت أحصل على راتبي، # لكن صدقوني، ليس هذا إلا بمحض الصدفة، # إذ لا شيء مما أعمله # يسوغ لي أن آكل حتى أشبع. # صدفة أنني ما زلت على قيد الحياة ~~(إن ساء حظي فسوف أضيع!) # يقولون لي: كل واشرب # وافرح بما لديك، # لكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب # وأنا أنتزع لقمتي # من أفواه الجائعين، # والكأس التي أشربها # ممن يعانون الظمأ؟ # ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب! # نفسي تشتاق أن أكون حكيما. # الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم: # هو الذي يعيش بعيدا # عن صراعات هذا العالم، # ويقضي عمره القصير # بلا خوف أو قلق . # العنف يتجنبه، # والشر يقابله بالخير. # أن ينسى المرء رغباته # بدلا من أن يعمل على تحقيقها، # تلك في نظرهم هي الحكمة، # غير أنني لا أقدر على هذا. # حقا، إنني أعيش في زمن أسود. # 2 # جئت إلى هذه المدن في زمن الفوضى، # وكان الجوع في كل مكان. # عشت مع الناس في زمن الثورة، # وثرت معهم. # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # طعامي أكلته بين المعارك. # نمت وسط القتلة والسفاحين. # مارست الحب في غير اهتمام. # تأملت الطبيعة ضيق الصدر. # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # الطرقات على أيامي كانت تؤدي إلى المستنقعات، # ولغتي كانت تفضحني لدى السفاح. # كنت قليل الحيلة، # غير أني كنت أقض مضاجع الحكام ~~(أو هذا على الأقل ما كنت أرجوه). # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # القدرة كانت محدودة. # الهدف بدا بعيدا بعيدا. # كان واضحا على كل حال، # غير أني ما استطعت أن أدركه. # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # 3 # أنتم يا من ستظهرون # بعد الطوفان الذي غرقنا فيه، # فكروا # عندما تتحدثون عن جوانب ضعفنا # في الزمن الأسود # الذي نجوتم منه. # لقد كنا نخوض حروب الطبقات، # ونهيم بين البلاد # ونحن نغير بلدا ببلد # أكثر مما نغير حذاء بحذاء. # يكاد اليأس يقتلنا # حين نرى ms088 الظلم أمامنا # ولا نرى أحدا يثور عليه. # مع ذلك فنحن نعلم # أن كرهنا للانحطاط # يشوه ملامح الوجه، # وأن سخطنا على الظلم # يبح الصوت. # آه! نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للمودة والمحبة، # لم نستطع أن نكون ودودين ولا محبوبين. # أما أنتم، # فعندما يأتي اليوم # الذي يصبح فيه الإنسان عونا للإنسان، # فاذكرونا، # وسامحونا. # | قصائد من 1938-1941م # | من كتاب الحرب الثاني # الشبان يجلسون محنيي الظهور فوق الكتب # ما جدوى العلم الذي يتعلمونه؟ # ما من كتاب يعلم # كيف يحصل على الماء # إنسان معلق في الأسلاك الشائكة. # الفتيات تحت أشجار القرية # الفتيات تحت أشجار القرية # يخترن عشاقهن. # الموت # يختار أيضا. # ربما لا تبقى الأشجار نفسها # على قيد الحياة. # الليل # الأزواج يئوون إلى الفراش، # والبنات الصغيرات # سوف يلدن اليتامى. # زمن سيئ للشعر # أعلم طبعا: # أن المحظوظ وحده محبوب. # صوته يسمعه الناس بسرور. # وجهه جميل. # الشجرة المشوهة في الفناء # تدل على التربة الفاسدة، # لكن العابرين يعيرونها بأنها مشوهة، # ومعهم الحق. # القوارب الخضراء والأشرعة المرحة في المضيق، # لا أراها. # شبكة الصيادين الممزقة # هي الشيء الوحيد الذي أراه. # لماذا لا أتكلم إلا عن المزارعة ذات الأربعين عاما، # التي تمشي محنية الظهر؟ # صدور البنات # دافئة كما كانت في الماضي. # أن تظهر قافية في أغنيتي، # شيء يبدو لي أشبه بالعبث أو المجون. # في نفسي يتصارع الإعجاب بشجرة التفاح المزدهرة، # والفزع من خطب النقاش. # لكن الأمر الثاني وحده # هو الذي يدفعني للجلوس إلى مكتبي. # حصن أوروبا # أوروبا هي حصن هتلر، # كما يقول جوبلز لكل طفل، # لكن أين رأى أحد حصنا # لا يقف الأعداء خارجه، # بل داخله أيضا؟ # أسئلة وإجابات ~~- هل يمكن أن تكون الحقيقة فانية، والكذب أبديا؟ ~~- هذا هو رأيي. ~~- أين رأيت الظلم مستمرا في ظلمه دون أن يكتشفه أحد؟ ~~- هنا. ~~- من يعرف إنسانا أدى به البطش إلى السعادة؟ ~~- ومن يجهل أمثاله؟ ~~- ومن يقدر في هذا العالم على إسقاط الظالم؟ ~~- أنتم. # رجلان # تحت خطوة هذا الرجل زلزلت الأرض. # تحت خطوة ذلك الرجل لم تتزلزل. # جاء الأول لتعم الأرض العتمة. # والثاني كان ms089 بداخلها نورا. # سمعت من يقول ... # سمعت من يقول إن البؤساء هم سادة الغد، # وأن هذا هو الأمر الطبيعي، # وأن نظرة واحدة تكفي للتأكد منه، # لكنني لا أستطيع أن أتبين هذا. # عن الحظ # من يريد النجاة بنفسه # لا يستغني عن الحظ، # فليس في وسع أحد أن ينجو # من البرد والجوع أو حتى من البشر. # الحظ معين. # كنت موفور الحظ # ولهذا ما زلت موجودا، # لكنني حين أنظر للمستقبل، # أتبين وأنا أرتعش # كم من الحظ ما زلت في حاجة إليه. # الحظ معين. # المحظوظ قوي. # المناضل الناجح والمعلم الحكيم # كلاهما محظوظ. # الحظ معين. # | قصائد من مجموعة «المسينج كاوف» (أو شراء النحاس) ~~(1935-1940م) # هكذا يربي الإنسان نفسه حين يغير نفسه # 1 # حين يقول نعم ، حين يقول لا، # حين يضرب، وحين يضرب # حين ينضم إلى هذا الجمع من الناس # وحين ينضم إلى ذلك الجمع. # هكذا يربي الإنسان نفسه، من خلال تغييره لنفسه، # وهكذا تنشأ صورته في نفوسنا # من حيث يشبهنا، ومن حيث لا يشبهنا. # عن السهولة # انظروا وتمعنوا في السهولة # التي يمزق بها النهر الجبار السدود، # وكيف يهز الزلزال # الأرض بيد كسول متراخية. # وتزحف النار المفزعة # برشاقة على المدينة المزدحمة بالبيوت. # وتلتهمها بمتعة وسرور، # هذه الأكول المدربة. # يا لذة البدء الجديد! # يا للذة البدء من البداية! # يا للصبح الباكر! # والعشب الذي يبزغ لأول مرة # عندما يبدو أن الخضرة قد نسيت! # يا لأول صفحة من الكتاب الذي طال انتظاره، # هذه الصفحة العجيبة المدهشة! # اقرأ في بطء، # وبأقصى سرعة سيسهل عليك قراءة الجزء الذي لم تطلع عليه! # وحفنة الماء التي نبدأ بها غسل الوجه المتصبب عرقا! # والقميص النظيف الرطب (مع اللبسة الأولى). # يا لبداية الحب! للنظرة التي تخبل العقل! # ويا لبداية العمل! ملء الآلة الباردة بالزيت! # اللمسة الأولى باليد والأزيز الأول للموتور # الذي يبدأ في التحرك! # وخيط الدخان الأول الذي يملأ الرئة! # وأنت أيتها الفكرة الجديدة! # عن التقليد # 2 # إن الذي يقلد فحسب # دون أن يكون لديه ما يقوله # عما يقلده، # يشبه الشيمبانزي المسكين # الذي يقلد مروضه في ms090 التدخين # دون أن يدخن. # أبدا لن يكون التقليد البليد # هو التقليد الحقيقي. # الموقف النقدي # يتصور الكثيرون # أن الموقف النقدي موقف عقيم. # والسبب في هذا أنهم يحسون # أن نقدهم لا يغير شيئا من أحوال الدولة. # غير أن هذا الموقف العقيم # ما هو في الواقع إلا موقف ضعيف. # فعن طريق النقد المسلح # يمكن ان تسحق دول سحقا. # إن تنظيم نهر، # وتهذيب شجرة فاكهة، # وتربية إنسان، # والتغيير الجذري لدولة؛ # كلها أمثلة على النقد الخصب. # وهي كذلك أمثلة على الفن. # تمثيل ه. ف. # 3 # بالرغم من أنها عرضت كل ما هو ضروري # لفهم زوجة صياد سمك، # فإنها لم تتقمص (شخصيتها) ولم تتحول إليها تماما، # وإنما مثلت دورها بطريقة # توحي بأنها كانت مشغولة كذلك بالتفكير العميق ، # كأنما تتساءل باستمرار: # كيف كان الأمر في الواقع؟ # ومع أن المشاهد لم يكن ليستطيع بصفة دائمة # أن يخمن بأفكارها الخاصة عن زوجة الصياد، # فقد بينت على كل حال # أن أمثال تلك الأفكار دارت في ذهنها. # وأنها دعت المتفرجين للتفكير فيها. # | قصيدتان على لسان هيلينه فيجل # وجهي مدهون بالأصباغ، # مطهر من كل تأثير خاص، # مفرغ لكي يعكس الأفكار # بحيث يصبح الآن قابلا للتغيير، # شأنه شأن الصوت والإيماءة. # الجسد الطلق # جسدي حر طلق، # أعضائي خفيفة ومرتخية، # وجميع الأوضاع المفروضة # ستكون ملائمة لها. # مناجاة ممثلة تدهن وجهها # 1 # سأمثل دور سكيرة # تبيع أطفالها في باريس، # في زمن الثورة المعروفة «بالكومونة». # وعلي أن أتفوه بعبارات خمس لا غير. # لكن علي أيضا أن أسير مصعدة من الشارع، # وسأمشي مشية إنسان متحرر، # إنسان لم يشأ أحد ~~- غير الخمر - أن يحرره، # وسوف أتلفت ورائي كالسكيرين # الذين يخشون أن يتتبعهم أحد، # وأستدير متجهة نحو الجمهور. # فحصت عباراتي الخمس كما تفحص الوثائق # التي تغسل بالأحماض # للتأكد من عدم وجود خطوط أخرى # تحت سطورها المكتوبة. # سوف أنطق كل عبارة # كما لو كانت تهمة موجهة إلي # وإلى كل المشاهدين الذين ينظرون إلي. # لو كنت بلهاء لصبغت وجهي كما تفعل سكيرة عجوز # فاسدة أو مريضة، لكنني سأظهر على الخشبة كامرأة جميلة، ms091 # امرأة محطمة بجلد أصفر كان ناعما ذات يوم. # مخربة بشعة المنظر، وكانت في الماضي مثيرة؛ # لكي يسأل كل متفرج: # من المسئول عما جرى لها؟ # البحث عن الجديد والقديم # عندما تقرءون أدواركم، # فاحصين لها، مستعدين لإبداء دهشتكم، # فابحثوا عن الجديد والقديم، # لأن زمننا وزمن أولادنا # هو زمن صراع الجديد مع القديم. # مكر العاملة العجوز التي تأخذ من المعلم معرفته # كأنها تحمل عنه عبئا ثقيلا جدا، # هو شيء جديد وينبغي أن يعرض كشيء جديد. # كما يقول المثل الشعبي: أثناء تحول القمر # يحمل القمر الجديد القمر القديم # ليلة كاملة بين ذراعيه. # ضعوا «الآتي» و«الذاهب» دائما في اعتباركم! # إن الصراع بين الطبقات، # والصراع بين القديم والجديد # يجيش كذلك في داخل الفرد. # كل مشاعر شخصياتكم وتصرفاتهم # افحصوها بحثا عن الجديد والقديم! # آمال الأم شجاعة التاجرة تفضي بأولادها إلى الموت. # لكن يأس الخرساء من الحرب ينتمي للجديد. # وحركاتها العاجزة وهي تجر الطبلة المنقذة إلى السطح # ينبغي أن تملأ نفوسكم بالفخر، # وشطارة التاجرة التي لا تتعلم شيئا، # ينبغي أن تملأ قلوبكم بالشفقة والرثاء. # وعند قراءاتكم لأدواركم وفحصكم لها، # مع استعدادكم للاندهاش، # افرحوا بالجديد # واخجلوا من القديم. # أغنية كاتب المسرحيات # أنا كاتب مسرحيات. # أعرض عليكم ما رأيته بعيني. # شاهدت في أسواق البشر # كيف يشترى الإنسان ويباع. # هذا ما أعرضه عليكم # أنا كاتب المسرحيات. # كيف يدخلون الحجرات على بعضهم والخطط في أيديهم # أو العصي المطاطية أو النقود. # كيف يقفون في الشوارع وينتظرون. # كيف ينصبون الفخاخ لبعضهم # والأمل يملأ نفوسهم. # كيف يتواعدون. # كيف يشنقون بعضهم. # كيف يتبادلون الحب. # كيف يدافعون عن الفريسة. # كيف يأكلون. # كل هذا أعرضه عليكم. # الكلمات، التي ينادون بها بعضهم، أنقلها لكم. # ما تقوله الأم لابنها، # ما يأمر به صاحب الأعمال العامل، # ما تجيب به الزوجة زوجها، # كل الكلمات المتوسلة، الآمرة، # المستعطفة، # الكلمات التي يساء فهمها، # والكلمات الكاذبة، # الكلمات الجاهلة والجميلة والجارحة. # كل هذا أنقله لكم. # أرى هناك ثلوجا تتساقط، # وأرى أمامي زلازل تقترب من هناك، # وجبالا تعترض الطريق، # وأنهارا تفيض على الشاطئين. # لكن الثلوج تحمل قبعات ms092 فوق رءوسها، # والزلازل تحمل نقودا في جيب الصدر. # الجبال نزلت من مركبات، # والأنهار الصاخبة تتحكم في رجال البوليس. # كل هذا أكشف لكم عنه. # لأستطيع أن أعرض عليكم ما أراه، # أطالع عروض شعوب أخرى وعصور خالية. # أعدت كتابة بعض المسرحيات، # فحصت صنعتها بدقة، # وطبعت في نفسي # ما أستطيع أن أفيد منه. # درست أحوال الإقطاعيين الكبار # كما صورها الإنجليز # في شخصيات ثرية # تستغل العالم # لتزداد عظمة. # درست كتاب الإسبان الذين يميلون لتقديم دروس في الأخلاق، # والهنود أساتذة العواطف الجميلة، # والصينيين الذين يصورون حياة العائلات # والأقدار المتنوعة في المدن. # ما أسرع ما تبدلت على أيامي # مناظر البيوت والمدن، # حتى كان السفر لمدة عامين # والعودة منه بمثابة رحلة إلى مدينة أخرى. # وكم تبدلت بصورة هائلة # ملامح الناس في سنوات قليلة. # رأيت عمالا يدخلون من بوابة المصنع، # وكانت البوابة عالية، # غير أنهم حين خرجوا منها # اضطروا أن يحنوا قامتهم. # عندها قلت لنفسي: # كل شيء يتغير، # وكل شيء مرهون بزمانه. # هكذا أعطيت كل مشهد علامة تميزه، # ورسمت ساحة كل مصنع وكل حجرة بالرقم الدال على ~~سنتها. # كما يسم الرعاة بالأعداد ماشيتهم، # لكي يسهل عليهم التعرف عليها. # كذلك العبارات التي قيلت هناك، # أعطيتها علامتها المميزة، # حتى صارت كالكلمات المأثورة # التي يقولها الفانون، # والتي يدونونها # لكيلا ينساها الناس. # لكنني أسلمت كل شيء للدهشة، # حتى أشد الأشياء ألفة # الأم التي تناول ثديها لطفلها # تحدثت عنها كما لو كنت أتحدث عن شيء # لن يصدقه أحد. # البواب الذي أوصد الباب # في وجوه المقرورين # تحدثت عنه كما لو كنت أروي شيئا # لم تره عين بشر. # | قصائد من مجموعة شتيفين # مختارات # هذا هو كل شيء # هذا هو كل شيء الآن، وهو ليس بكاف، # لكن ربما قال لكم إنني ما زلت على قيد الحياة. # أنا مثل رجل حمل معه طوبة أينما ذهب # ليرى العالم كيف كان يبدو منزله. # اليوم صباح الأحد ... # اليوم، صباح الأحد من عيد الفصح. # هبت على الجزيرة عاصفة ثلجية مفاجئة. # وسقط الثلج على الأشجار الخضراء الملتفة. # جاء ولدي الصغير وأخذني إلى ms093 شجيرة المشمش المجاورة لسور ~~المنزل. # من أبيات شعرية كنت أشير فيها بإصبعي # إلى أولئك الذين يعدون العدة لإشعال الحرب # التي يمكن أن تمحو هذه القارة وهذه الجزيرة، # وأن تقضي على شعبي وعائلتي وعلي. # في صمت طرحنا كيسا كبيرا # فوق الشجيرة المرتجفة من البرد. # في المراعي التي تنمو ... # في المراعي التي تنمو على جوانب المضيق # يتردد هتاف البوم الصغير في هذه الليالي من فصل الربيع. # يتصور الفلاحون في خرافاتهم الشعبية # أن البومة تبلغ البشر # أنهم لن يعيشوا طويلا. # أما أنا الذي يعلم أنه قال الحقيقة للحكام، # فليس طائر الموت في حاجة لأن يفيدني بذلك. # إلى ملجئي الدنمركي # قل أيها البيت الواقع بين المضيق وشجرة الكمثرى: # هل نجت العبارة التي حفرها على جدارك # اللاجئ الذي آوى إليك. # هل نجت العبارة القديمة: «الحقيقة ملموسة.» # 1 # من ضربات القنابل التي كانوا يخططون # لإسقاطها عليك؟ # ولدي الصغير يسألني # ولدي الصغير يسألني: هل علي أن أتعلم الحساب؟ # وتحدثني نفسي أن أقول: وما الداعي؟ # سوف تعرف بنفسك # أن قطعتين من الخبز أكثر من قطعة واحدة. # ولدي الصغير يسألني: هل علي أن أتعلم الفرنسية؟ # وتحدثني نفسي أن أقول: وما الداعي؟ # إن هذه الدولة موشكة على الانهيار. # ما عليك إلا أن تضع يدك على بطنك وتتأوه # وسوف يفهم الناس ما تريد. # ولدي الصغير يسألني: هل علي أن أتعلم التاريخ؟ # وتحدثني نفسي أن أقول: وما الداعي؟ # تعلم كيف تخفي رأسك في التراب، # فربما بقيت حيا. # غير أني أعود فأقول له: # تعلم الحساب! # تعلم الفرنسية! # تعلم التاريخ! # | قصائد من 1941-1947م # | الإعصار # أثناء الفرار من وجه النقاش إلى الولايات المتحدة، # لاحظنا فجأة أن سفينتنا الصغيرة توقفت عن السير. # ليلة بأكملها ونهارا بطوله # ظلت واقفة بمحاذاة «لوزون» في بحر الصين. # قال البعض إن السبب هو الإعصار الذي يعصف في الشمال. # وهمس البعض بأنه الخوف من سفن القرصنة الألمانية. # لكن الجميع # فضلوا الإعصار على الألمان. # | قائمة بأسماء المفقودين # بينما كنت أهرب من سفينة غارقة لأصعد على سطح أخرى غارقة ~~- إذ لم تكن قد ظهرت ms094 في الأفق سفينة جديدة - # سجلت على قصاصة صغيرة أسماء الذين لم أعد أراهم حولي. # المدرسة الصغيرة من الطبقة العاملة، مرجريته شتيفين. # وسط الدروس ومن شدة الإرهاق من مشقة الهروب، # تهاوت تلك الحكيمة من الإعياء وماتت. # كذلك تركني ذلك الذي كان دائم الاعتراض علي، # ذلك الواسع العلم والباحث عن الجديد «فالتر بنيامين». # رقد هناك عند الحدود المحرم عبورها بعد أن تعب من الملاحقة، # لكنه لم يصح بعد ذلك من رقدته. # والصابر الدءوب والمحب للحياة والخلاف والجدال «كارل كوخ»، # تخلص من حياته بنفسه في روما ذات الرائحة العفنة، وبذلك خدع رجال ~~الجستابو. # وما عدت أسمع شيئا عن الرسام «كاسبار نيهير». # ليتني أستطيع على الأقل أن أحذف اسمه من هذه القائمة! # هؤلاء هم الذين أخذهم الموت ، # وآخرون تخلوا عني لضرورات الحياة، # أو حبا في الترف. # | جواب الجدلي على التهمة التي وجهت ~~إليه بأن نبوءته بهزيمة جيوش هتلر في الجبهة الشرقية لم ~~تتحقق # في السنوات السابقة على الطوفان # زحف أكثر من طوفان صغير # في أوقات غير منتظمة وبدرجات متفاوتة، # أغرقت المياه الشواطئ. # في مناطق معينة تعود الناس على الفيضانات، # فسكنوا في قوارب ضخمة، كما أقاموا مساكنهم على اليابسة. # وتطور فن البناء فوق المياه. # لم يحدث قبل ذلك أبدا أن تم بناء سدود جبارة # كما حدث في ذلك الزمان الذي سبق الطوفان. # في سنة محددة اعتقد الناس أن خطر الفيضان # قد زال إلى غير رجعة، # لكن في السنة التالية جاء الطوفان # فأغرق كل السدود وكل بناة السدود. # | صيف 1942م # يوما بعد يوم، # أرى أشجار التين في الحديقة. # الوجوه المتوردة للتجار الذين يشترون الأكاذيب، # ووجوه قطع الشطرنج على المائدة التي تقع في الزاوية، # والصحف التي تحمل أخبار # حمامات الدم في روسيا. # | هوليوود # كل صباح، كي أكسب عيشي، # أمضي إلى السوق حيث تشترى الأكاذيب. # أضع نفسي، والأمل يداعبني، # في صفوف البائعين. # | قناع الشر # على جدار غرفتي # لوحة يابانية من الخشب. # قناع شيطان شرير، # مموه بالذهب. # أنظر في إشفاق # إلى العروق النافرة على الجبهة، # وأرى كم يرهق الإنسان ms095 # أن يكون شريرا. # | طلوع النهار # ليس عبئا # أن يستهل طلوع كل نهار جديد # بصياح الديك # الذي يعلن منذ القدم # عن خيانة. # | في صباح اليوم الجديد # في صباح اليوم الجديد وعند الغسق، # سترتفع الصقور في أسراب كثيفة # فوق شواطئ بعيدة، # محلقة بلا صوت # باسم النظام. # | أنا الذي بقيت على قيد الحياة # أعرف بطبيعة الحال # أن الحظ وحده # هو الذي جعلني أبقى حيا # بعد موت كثير من أصدقائي. # غير أني سمعت الليلة في الحلم # هؤلاء الأصدقاء يقولون عني: ~~«الأقوياء يبقون على قيد الحياة.» # عندها كرهت نفسي. # | كل شيء يتحول # كل شيء يتحول. # يمكن أن تبدأ من جديد مع آخر نفس في صدرك. # بيد أن ما حدث قد حدث. # والماء الذي صببته في الخمر، # لن يمكنك أن تدلقه مرة أخرى. # ما حدث قد حدث. # الماء الذي صببته في الخمر، # لن يمكن أن تدلقه مرة أخرى. # بيد أن كل شيء يتحول. # يمكنك أن تبدأ من جديد # مع آخر نفس في صدرك. # | قصائد من 1947-1956م # سنة وفاة الشاعر # | الأصدقاء # أنا، كاتب المسرحيات، # فرقت الحرب بيني وبين صديقي مصمم الديكور # 1 # المدن التي عملنا فيها معا، لم يعد لها وجود. # عندما أتجول في المدن الباقية، # أقول أحيانا: قطعة الغسيل الزرقاء المنشورة هناك # كان بإمكان صديقي أن يضعها وضعا أفضل. # | أنتيجون1 # اخرجي من الدغش # 2 # أيتها الودودة # وتمشي أمامنا قليلا بخطوتك الخفيفة، # خطوة الواثقين. # مفزعة - كالعهد بك - للمفزعين. # يا من تشيحين بوجهك بعيدا، # أعرف كيف خفت من الموت، # لكني أعرف أيضا أن خوفك الأكبر # كان من الحياة بغير كرامة. # لم تتنازلي للجبابرة عن شيء، # لا ولا هادنت مثيري الفتنة والاضطراب. # مع ذلك نسيت الإهانة # ولما ينم فوق إساءاتهم عشب. # | عندما رجعت إلى الوطن # عندما رجعت إلى الوطن # ورأيت البقية الباقية، # أصابني الرعب والفزع، # وأردت أن أسرع بالفرار. # لكن حتى لو حاولت # الهرب بأقصى سرعة، # لتعثرت وأعياني أن أخرج # من وسط ركام الأنقاض الخربة. # | إلى هيلينة فيجل1 # والآن اظهري بطريقتك اللطيفة # على خشبة المسرح القديم في مدينة الأنقاض، ms096 # مفعمة بالصبر وأيضا بالتصميم # على أن تعرضي ما هو حق وصحيح. ~~(تعالجين) الحمق بالحكمة، # والحقد بالمودة، # وتعلقين التصميم الخاطئ ~~(على جدار) البيت المنهار. # أما الذين لا يتعلمون فأريهم # وجهك الطيب # وعليه (ابتسامة) أمل صغيرة. # | ملاحظة # عندما رجعت إلى بلدي # لاحظت أن شعري لم يشب بعد، # فشعرت بالفرح. # متاعب الجبال خلف ظهرنا. # أمامنا متاعب السهول. # | بيت جديد # لما رجعت إلى بلدي بعد خمسة عشر عاما في المنفى، # سكنت في بيت جميل. # أقنعة «النو» التي أحتفظ بها، # وصورتي التي يظهر عليها وجه الشكاك، # علقتهما هنا «على الحائط». # كلما رحت أشق طريقي كل يوم وسط الأنقاض، # ذكرتني بالمزايا التي وفرت لي هذا البيت. # آمل ألا يجعلني أصبر على الحفر التي يقبع فيها الآلاف. # لم تزل حقيبتي المملؤة بالمخطوطات # على ظهر الدولاب. # | إلى مواطني # أنتم، يا من بقيتم أحياء في المدن الميتة، # ارحموا أنفسكم أخيرا! # لا تشتركوا في حروب جديدة، # يا أيها التعساء. # كأنما لم تكفكم الحروب السابقة. # أتوسل إليكم أن ترحموا أنفسكم! # يا أيها الرجال، ألقوا من أيديكم السكين، # وأمسكوا المسطرين! # كان يمكن أن يكون لكل منكم # سقف يبيت تحته، # لو لم تقبضوا على السكين! # وخير للإنسان أن يجد سقفا يظله. # أبتهل إليكم أن تمسكوا المسطرين وتتركوا السكين! # أيها الأطفال، عليكم أن تناشدوا آباءكم # أن يفتحوا عيونهم ليجنبوكم الحرب. # ارفعوا أصواتكم هاتفين: # نحن لا نريد أن نسكن الخرائب، # ولا أن نقاسي ما قاسيتموه # لكي يجنبوكم الحرب. # يا أيها الأطفال! # أيتها الأمهات، ما دامت القضية هي قضيتكن # أن تحتملن الحرب أو لا تحتملنها، # فإني أناشدكن # أن تتركن أبناءكن يعيشون! # حتى يدينوا لكن بالحياة لا بالموت. # اتركنهم يعيشون # يا أيتها الأمهات! # | مسرح العصر الجديد # تم افتتاح مسرح العصر الجديد، # عندما انطلقت عربة الأم شجاعة # فوق خشبة مسرح برلين المدمرة. # بعدها بعام ونصف العام، # في موكب الاحتفال بعيد الأول من مايو، # نبهت الأمهات أطفالهن بالإشارة # إلى هيلينه فيجل، # وامتدحن السلام. # | عن بهجة العطاء # ذروة السعادة بغير مراء # هي أن تعطي من عانوا أكثر منك، # وأن تنثر ms097 الهدايا الجميلة # في فرح بيدين فرحتين. # ما من وردة يفوق جمالها # وجه المهدى إليه # عندما تهبط يداه الممتلئتان # في غمرة الفرح العظيم. # ولا من شيء يملؤك سرورا وصفاء # مثل أن تساعد الجميع، الجميع! # | إلى ممثل يعيش في المنفى1 # اسمع، نحن ندعوك للرجوع # أيها المطرود، عليك الآن أن تعود. # لقد نفوك من البلد # الذي كان يتدفق منه اللبن والعسل. # ونحن ندعوك الآن للرجوع # للبلد الذي لحق به الخراب والدمار. # وليس لدينا ما نقدمه لك # سوى أننا نحتاج إليك. # فقيرا كنت أم غنيا، # صحيحا كنت أم عليلا # انس كل شيء # وتعال. # | صوت عاصفة أكتوبر # صوت عاصفة أكتوبر # حول البيت الصغير المطل على أعواد البوص # يبدو لي مثل صوتي تماما. # أستلقي مستريحا # على فراشي وأسمع صوتي # يتردد فوق البحيرة والمدينة. # | الرجل الذي آواني # الرجل الذي آواني # فقد بيته. # والذي عزف من أجلي # أخذوا منه آلته. # هل سيقول الآن: # إنني أنا المميت # أم يقول إن الذين أخذوا منه كل شيء # هم المميتون؟ # | حادث سعيد # الطفل يجري مسرعا # أمي، اربطي لي المريلة. # وتربط الحزام حول المريلة. # | حادث غير سعيد # ها هو ذا بيت، بني من أجلكم. # إنه واسع. إنه متين. # وهو مناسب لكم. ادخلوا. # في تردد يقترب النجارون والبناءون # والسمكرية والزجاجون. # | نقش على برج عال # يقع قريبا من مرج فيبر # لما قررنا في تصميم # أن نعتمد أخيرا على قوتنا، # ونبني حياة جميلة، # لم يضايقنا الكفاح والجهد. # | أنت مرهق من العمل المستمر # أنت مرهق من العمل المستمر. # الخطيب يكرر نفسه، # يطيل حديثه، يتكلم بصعوبة. # لا تنس، أيها المتعب # أنه يقول الحقيقة. # | خبز الشعب # العدالة هي خبز الشعب. # وهو أحيانا وفير، وأحيانا شحيح. # طعمه في بعض الأحيان طيب، وفي بعضها الآخر رديء. # عندما يشح الخبز، يسود الجوع. # وعندما يسوء طعمه، يعم السخط. # عندما يكون الخبز طيبا ووفيرا # يمكن التسامح مع بقية الوجبة؛ # إذ لا يمكن توفير كل شيء في وقت واحد. # والعمل الذي يتغذى على خبز العدالة # يمكن أن يتم إنجازه # وتنتج عنه الوفرة. # كما أن الخبز ms098 اليومي ضروري # فالعدالة اليومية ضرورية، # بل هي مطلوبة طوال اليوم. # من الصباح إلى المساء، أثناء العمل وأثناء اللهو والاستمتاع، # أثناء العمل الذي هو متعة، # في الأوقات العصيبة والأوقات السعيدة، # يحتاج الشعب إلى الخبز اليومي للعدالة، # الخبز الوفير الشهي. # لما كان خبز العدالة ضروريا إلى هذا الحد # فمن الذي يخبزه يا أصدقاء؟ # من الذي يخبز الخبز الآخر؟ # خبز العدالة # ينبغي، كالخبز الآخر، # أن يخبزه الشعب. # وأن يكون وفيرا وشهيا، ويوميا. # | من مرثيات بوكو # تغيير العجلة # 1 # أجلس على ناصية الشارع. # السائق يغير العجلة. # لست سعيدا بالمكان الذي جئت منه. # لست سعيدا بالمكان الذي أذهب إليه. # لماذا أنظر إلى تغيير العجلة # نافد صبر؟ # الحل # بعد ثورة السابع عشر من يونيو # 2 # أمر سكرتير اتحاد الكتاب # الواقع في شارع ستالين # بتوزيع منشورات كتب فيها # أن الشعب قد استهتر بثقة الحكومة، # وأنه لن يستطيع أن يستردها # إلا بالعمل المضاعف. # ألم يكن الأبسط من ذلك # أن تقوم الحكومة بحل الشعب # وتختار شعبا آخر غيره؟ # وقت ضائع # عرفت أن مدنا قد بنيت، # أنا لم أذهب إليها. # قلت لنفسي: # هذا شيء يتعلق بالإحصاء # لا بالتاريخ. # ما قيمة المدن التي تبنى # بغير حكمة الشعب؟ # عادات لم نتخلص منها # الأطباق تلقى بخشونة # بحيث يندلق الحساء. # بصوت مجلجل # يدوي أمر القيادة: # إلى الطعام! # النسر البروسي # يلقم أفواه الصغار # بالطعام. # الدخان # البيت الصغير تحت الشجر على البحيرة. # من سقفه يتصاعد الدخان. # إن غاب (الدحان) يوما # فما أتعس البيت # والشجر والبحيرة! # أشجار الصنوبر # في الصباح الباكر # تكون أشجار الصنوبر نحاسية. # هكذا رأيتها # قبل نصف قرن، # قبل حربين عالميتين، # بعينين شابتين. # أثناء قراءة هوراس # حتى الطوفان # لم يدم إلى الأبد. # ذات يوم تسربت # المياه السوداء. # حقا، ما أقل المياه # التي استمرت زمنا أطول! # أصوات # في أواخر الخريف، # تعشش في أشجار الحور الفضية # أسراب كثيفة من الغربان. # لكني لا أسمع خلال الصيف كله ~~- لأن المنطقة خالية من الطيور - # سوى أصوات آتية من البشر. # وأنا راض بهذا. # سماء هذا الصيف # عاليا فوق البحيرة تحلق قاذفة ms099 قنابل. # من قوارب التجديف يتطلع إليها # أطفال ونساء وشيخ هرم. # يبدون من بعيد أشبه بالزرازير الصغيرة # التي تفتح مناقيرها # لالتقاط الغذاء. # اسمع أثناء الكلام! # لا تردد دائما: معك الحق يا معلم! # دع التلميذ يعرف هذا بنفسه! # لا تجهد الحقيقة أكثر مما يجب؛ # إنها لا تتحمل هذا. # اسمع أثناء الكلام! # عند سماع أبيات للشاعر «بن» # 3 # عند سماع أبيات من الشعر # لبن المولع بالموت، # رأيت على وجوه العمال تعبيرا # لم يكن له شأن ببنية البيت، # ولكنه كان أثمن # من ابتسامة الموناليزا. # انتقال «فرقة برلين» إلى مسرح الشفباوردام # مثلتم هنا وسط الأنقاض، # فمثلوا الآن في البيت الجميل. # لا للتسلية وتزجية الوقت. # لينشأ منكم ومنا «نحن» محبة للسلام؛ # كيما يبقى هذا البيت ويبقى غيره! # مسرح # في الضوء يظهرون: # الذين يمكن التأثير عليهم، # الذين يمكن إسعادهم، # الذين يمكن تغييرهم. # متع # النظرة الأولى من النافذة في الصباح، # الكتاب القديم الذي عثرت عليه # الوجوه المتحمسة، # الثلج، تغير الفصول، # الصحيفة اليومية، # الكلب، # الديالكتيك، # الاستحمام، السباحة، # الموسيقى القديمة، # الحذاء المريح، # الفهم، # الموسيقى الجديدة، # الكتابة، الزرع، # السفر، # الغناء، # المودة. # هنا الخريطة، وهناك الشارع ~~«هنا الخريطة، هناك الشارع # انظر هنا المنحنى، انظر هناك المنحدر!» ~~«أعطني الخريطة، أريد أن أمضي إلى هناك. # على ضوء الخريطة. # يمكن الإسراع في السير.» # في المستقبل، عندما يتوفر الوقت الكافي # في المستقبل، عندما يتوفر الوقت الكافي، # سوف نتدبر أفكار جميع المفكرين من جميع العصور، # ونشاهد جميع اللوحات لجميع الفنانين العظام، # ونضحك من جميع المضحكين، # ونتملق جميع النساء، # ونعلم جميع الرجال. # تحول الأشياء # 1 # وكنت عجوزا، وكنت شابا في بعض الأوقات. # كنت عجوزا في الصباح، وكنت شابا في المساء، # وكنت طفلا يتذكر أحزانه، # وشيخا بلا ذكريات. # 2 # كنت حزينا، حين كنت شابا، # وأنا الآن حزين، بعد أن شخت. # متى سيمكنني إذن أن أفرح؟ # الأفضل في أسرع وقت. # وقد تصورت دائما # وقد تصورت دائما: # أن أبسط الكلمات يجب أن يكفي. # عندما أقول (الحقيقة) عما يجري في الواقع # فلا بد أن يتمزق قلب أي إنسان. # أنك ستسقط عندما تكف ms100 عن المقاومة، # ذلك شيء سنتأكد منه حتما. # لما كنت راقدا في الغرفة البيضاء # لما كنت راقدا في الغرفة البيضاء بمستشفى «الشاريتيه»، # 4 # وصحوت من نومي قبل طلوع النهار، # وسمعت غناء الشحرور، # عرفت (الحقيقة) معرفة أفضل. # كنت منذ وقت غير قصير # قد تخلصت من الخوف من الموت؛ ~~(إذ أدركت) أنني لن أفتقد وجود شيء # ما دمت أنا نفسي لن أكون موجودا. # الآن نجحت في أن أفرح (من كل قلبي) # بكل غناء ستشدو به الشحارير من بعدي. # لو كنا سنبقى إلى الأبد # لو كنا سنبقى إلى الأبد # لتغير كل شيء. # لكن لأننا زائلون # يبقى الكثير على حاله القديم. # أغنية مضادة لأغنية «عن مودة العالم # 5 # هل معنى هذا أن نقنع ونتواضع # ونقول: «هذا هو الحال وليبق على ما هو عليه»؟ # وأن نفضل معاناة العطش ونحن نرى الكئوس أمامنا # ونمد أيدينا للكئوس الفارغة لا للممتلئة؟ # هل معنى هذا أن نبقى في الخارج # ونقعد في البرد دون أن يدعونا أحد # لأن السادة العظام يروق لهم # أن يملوا علينا ما يصيبنا من أحزان ومسرات؟ # بيد أن الأفضل في رأينا هو أن نثور، # ولا نزهد في فرحة واحدة مهما قل شأنها، # وأن نقاوم مثيري المواجع والأحزان بكل قوة. # ونحاول أخيرا أن نجعل العالم بيتا آمنا لنا. # | قصائد اقتبسها الشاعر أو أعاد صياغتها واستلهامها عن شعراء مختلفين من الشرق والغرب # | من أغاني أوفيليا # عن شكسبير، هاملت، الفصل الرابع # مقتطفات ~~«كيف أجد الآن أعز حبيب، # وأميزه عن غيره (من الموتى) # بصندله وقبعته المرصعة # بالقواقع وبالعصا؟» # قد ذهب، يا آنستي، ومات. # مات وشبع موتا. # العشب عند رأسه أخضر # وتحت قدميه حجر. # كفنه أبيض كالثلج والجليد، # وأشد بردا من الجليد وجنتاه. # لن يفضي بك الآن إليه أي باب، # كلا ولا عتبة ولا ممر. # | العجائز الصغيرات # عن شارل بودلير # أجل، أنا أتتبع أحيانا هؤلاء النسوة العجائز الصغيرات! # ذات مرة، عندما مالت الشمس للمغيب، # وصبغت السماء بلون الجراح الدامية، # جلست إحداهن على طرف أريكة وهي مستغرقة في التفكير. # وراحت تنصت لإحدى فرق ms101 الموسيقى النحاسية البربرية # التي يغرق بها الجيش من حين لآخر حدائقنا العامة ~~- في تلك الأمسيات الذهبية التي يشعر فيها المرء بالحيوية - # وبذلك يصب في قلوب سكان المدن الإحساس بالبطولة. # أخذت هذه العجوز - التي لم تزل مستقيمة الظهر - # وهي تشعر بالفخر كأنها تتحسس صليل السيوف ~~(أخذت تبتلع في نهم تلك الأنغام الحربية الصاخبة، # وعينها تتسع من وقت لآخر كعين نسر عجوز، # وجبهتها تبدو كأنما قدت من أحجار جبال الألب؛ # لكي تتوج بإكليل من الغار). # | القبعة التي أهداها لي-شين للشاعر # عن الشاعر الصيني بو-شي-أي # من زمن طويل، وكنت سيدا أشيب الشعر، # أهديتني قبعة سوداء مزدانة بالزهور. # القبعة لا زلت حتى اليوم أضعها فوق رأسي. # أما أنت فذهبت إلى «المنابع السفلية». # الهدية قديمة، لكنها لم تزل صالحة، # والرجل مضى ولن يرجع أبدا. # على المنحدر يسطع القمر الليلة ، # وحول قبرك تهتز الأغصان في ريح الخريف. # | الطريق الذي أمر المستشار أن يفرش بالحصى # ثور حكومي مربوط في عربة حكومية، # وعلى شاطئ نهر شان قارب مكدس بالحصى. # كم رطلا تزن حمولة واحدة منهما؟ # وهم يجلبون الحصى في الغسق، # ويجلبون الحصى في الشفق. # لماذا يحضرون كل هذا الحصى؟ # لأنهم يذهبون به في اتجاه البوابات الخمس. # إلى الغرب من الشارع الرئيسي، # تحت ظلال أشجار الغار الخضراء يرصفون طريقا بالحصى؛ # إذ حضر بالأمس المستشار الذي عين أخيرا في منصبه، # وأقلقه أشد القلق أن الرطوبة والوسخ # يمكن أن تلوث حوافر حصانه. # حوافر حصان المستشار # تمشت فوق الحصى، # وبقيت نظيفة نظافة تامة. # | الليلة التي لا تنسى # السماء من فوقي في تلك الليلة التي لا تنسى؛ # كانت صافية جدا. # الكرسي الذي جلست عليه كان مريحا جدا. # الحديث الذي دار بيننا كان لطيفا جدا. # المشروب كان حريف الطعم جدا. # وناعمة جدا # كانت ذراعك أيتها الفتاة. # في تلك الليلة التي لا تنسى. # | الشيطان # وكان للشيطان حقل توت # 1 # ما الذي أصنع به؟ # ما الذي أصنع به؟ # لا بد أن يحدث شيء. # ولأن الشيطان - كما نعلم - شيطان، # أبدع شيئا واخترعه: # اخترع السور (لكي يحمي حقله!) ms102 # صدر حبيبتي عظيم (ناهد الثديين) # ما الذي تصنع به؟ # ما الذي تصنع به؟ # لا بد أن يحدث شيء. # | قصائد وأغاني مختارة من بعض مسرحياته # | قصائد وأغاني من مسرحية «بعل» (بال) (1918-1922م) # كورال بعل العظيم # 1 # في حجر الأم الأبيض عندما شب بال، # كانت السماء هائلة وساكنة وشاحبة. # شابة كانت السماء عارية وعجيبة، # كما أحبها عندئذ بال، عندما جاء بال. # والسماء بقيت على حالها في الأفراح والأحزان، # حتى عندما كان بال لا يراها وينام ناعم البال. # بالليل تكون بنفسجية ويكون هو سكران، # وفي الصباح تقيا وهي شاحبة الألوان. # وفي الخمارات، والكنيسة، والمستشفى # يتخبط بال معتدل المزاج ويعتاد الأشياء. # ليكن بال متعبا يا صغار، أبدا لا يسقط بال؛ # فهو يأخذ سماءه معه كلما انحدر إلى الحضيض. # في زحام الخطاة الذي يفيض بالخجل والعار، # وقف بال عاريا وتمرغ بكل هدوء . # السماء وحدها، لكنها على الدوام هي السماء. # دثرت عريه بقوة، وسحبت عليه الغطاء. # والدنيا، هذه الأنثى العظيمة التي تسلم نفسها ضاحكة، # لكل من يقبل أن تسحقه بين ركبتيها، # أعطته بعضا من النشوة والوجد الذي يهواه. # لكن بال لم يمت، وإنما راح يتطلع إليها. # وحين كان بال لا يرى حوله سوى الجثث، # كانت شهوته تتضاعف على الدوام. # هناك مكان لي، كما يقول بال، فليس عددها كبيرا. # مكان في حجر هذه الأنثى، كما يقول بال. # وسواء أكان الله موجودا، أم لم يكن هناك إله، # فما دام بال موجودا، فالأمر سواء عند بال. # أما الأمر الذي لا يقبل فيه بال المزاح، # فهو هل هناك خمر أم لا خمر هناك. # إذا أعطتكم امرأة كل شيء، على حد قول بال، # فدعوها تذهب، إذ لم يبق لديها شيء تعطيه. # لا تخافوا الرجال (عندما تجدونهم) في حضن امرأة، فكلهم سواء. # أما الأطفال، فحتى الأطفال يخشاهم بال. # كل الرذائل لا تخلو من خير (في نهاية المطاف). # وكذلك الرجل الذي يقترفها، كما يقول بال. # والرذائل لا يستهان بها، إذا عرف الإنسان ما يريد، # فاختاروا منها رذيلتين، لأن الواحدة كثيرة جدا عليكم. # المهم ms103 ألا تكونوا كسالى ولا مدللين؛ # لأن الاستمتاع - وحق الله - ليس بالأمر اليسير. # فالمرء يحتاج لأعضاء قوية كما يحتاج للخبرة. # وفي بعض الأحيان يزعجه الكرش السمين. # يتطلع بال للصقور السمينة (التي تحوم في السماء)، # وتنتظر على ضوء النجوم أن تحط على جثة بال. # أحيانا يتظاهر بال بأنه قد مات، # فإذا انقض عليه صقر التهمه في صمت في وجبة العشاء. # تحت النجوم الخابية الكئيبة في وادي الآلام، # يقطع بال - وهو يتلمظ - حقول العشب الفسيحة. # إذا وجدها خاوية، أخذ ينحدر على مهل وهو يترنم بالغناء # نحو الغابة الأزلية لينام. # وإذا الحجر المعتم جذب إليه بال، # فما قيمة الدنيا في نظر بال؟ إن بال شبعان. # ما أكثر ما يحمل بال تحت جفنيه من سماوات، # بحيث يبقى لديه ما يكفيه منها لو مات. # لما تعفن في حجر الأرض المعتم بال، # كانت السماء لا تزال عظيمة وساكنة وشاحبة. # شابة كانت السماء وعارية ومهولة بشكل عجيب، # كما أحبها ذات يوم بال، كان بال حيا لا يزال. # الموت في الغابة # ومات رجل في الغابة الأزلية، # ومن حوله تدوي العاصفة والأنهار. # مات كحيوان تشبثت مخالبه بالجذور. # تطلع لقمم الأشجار، حيث كان زئير العاصفة # يعلو منذ أيام فوق كل الأصوات. # ووقف بعض الرجال وهم يحيطون به، # وقالوا له لكي يهدئوا من روعه: # تعال يا رفيق، سنحملك الآن إلى بيتك! # غير أنه رفسهم بركبتيه، # وبصق وقال: وإلى أين؟ # فلم يكن له بيت ولا أرض. # كم عدد الأسنان التي بقيت في فمك؟ # وما حالك الآن، دعنا نرى. # مت في هدوء ولا تكن كسولا! # بالأمس أكلنا حصانك العجوز. # لم لا تريد أن تذهب للجحيم؟ # والغابة كانت عالية الصوت حوله وحولهم، # ورأوه وهو يتشبث بالشجرة، # وسمعوه وهو يصرخ فيهم ويصيح، # واستولى عليهم رعب لم يسبق أن عرفوه، # فكوروا قبضاتهم وهم يرتجفون؛ # لأنه كان رجلا مثلهم كبقية الرجال. # عقيم أنت، أجرب مسعور يا حيوان! # صديد أنت، عفن قذر، أيها الصعلوك! # الهواء تخطفه منا بجشعك الفظيع. # هكذا قالوا له. أما هو، هذا الورم الخبيث، فقال: # أريد ms104 أن أعيش! أن أشم شمسكم! # وأركض على حصاني في النور كما تركضون! # كانت كلمات لم يفهمها عنه أي صديق، # فسكتوا وهم يرتعشون من التقزز. # الأرض شدت قبضتها على يده العارية. # ومن بحر لبحر في مهب الرياح تمتد اليابسة. # ويكتب علي أن أرقد ساكنا هنا في الحضيض. # أجل، إن فيض البؤس الذي غمر حياته # قد لازمه طويلا حتى استطاع في النهاية # أن يضغط جثته أيضا في جوف الأرض. # في غبش الفجر سقط ميتا على العشب المظلم. # بقلوب ملؤها التقزز حملوا جسده الذي برده الحقد، # ودفنوه تحت الشجرة في عمق الجذور. # وركبوا خيولهم وغادروا الدغل الكثيف، # ثم التفتوا للشجرة التي دفنوا تحتها # ذلك الذي بدا له الموت مرا غاية في المرارة؛ # كانت الشجرة تتلألأ ذراها بهالة من النور. # رسموا على وجوههم الشابة علامة الصليب، # وانطلقوا في المراعي راكضين على ظهور الخيول. # أغنية بعل (بتصرف) # الشمس أمرضته، # وهده المطر. # والغار في الجبين # إكليله مسروق. # وشعره انتثر. # إن أنسي الصبا # وزهرة الشباب # لم ينس ساعة # أحلامه العذاب. # إن ينس بيته # والموقد الحبيب، # فروعة السما # تبقى ولا تغيب. # يا من طردتم جميعا # من السما والجحيم. # يا قاتلين ويا من # شقيتموا بالهموم، # يا ليتكم ما خرجتم # من ظلمة الأرحام. # قد كان فيها هدوء # وراحة وسلام. # لما نسيته أمه، # ودع أرض الأسلاف، # ومضى ليعد شراعه # والقارب والمجداف. # في بحر النشوة غاب، # بحر الخمر المغشوشة. # وعلى المركب أصحاب، # والكل يعد قروشه. # يضحك أو يلعن جاره، # يبكي بالدمع المر. # يبحث ليلا ونهارا # عن بلد آخر حر. # عن بلد آخر أفضل، # يحيا فيه الإنسان، # لا يشكو ولا يتذلل، # لا ظلم ولا حرمان. # مطارد قديم، # يرقص في الجحيم، # يجلد في النعيم، # يسكره شلال، # فجره الجمال، # بالنور والظلال، # يحلم في الخفاء، # بروضة خضراء. # وفوقه السماء # شاحبة زرقاء. # ولا يرى سواها. # | عن مسرحية رجل برجل (1924-1926م) # أغنية عن سيولة الأشياء # 1 # مهما عاودت النظر إلى النهر # الذي يسيل في خمول، # أبدا لن ترى نفس الماء. # أبدا لن يرجع # ما ينحدر إلى أسفل. # ما ms105 من قطرة منه # تعود ثانية إلى منبعه. # لا تتشبث بالموجة # التي تتكسر على قدمك، # فطالما هي في الماء # ستتكسر عليها أمواج جديدة. # 2 # عشت سبع سنوات في مكان، # كان لي سقف فوق رأسي. # ولم أكن وحيدة، # لكن الرجل الذي كان يطعمني ولم يكن له نظير، # رقد ذات يوم مطموس الملامح، # تحت ملاءة الأموات. # ومع ذلك تناولت عشائي في ذلك المساء، # وسرعان ما أجرت الحجرة # التي تعانقنا فيها # والحجرة أطعمتني. # والآن، بعد أن لم تعد تطعمني، # ما زلت آكل # قلت: # لا تتشبث بالموجة # التي تتكسر على قدمك، # طالما وقفت في الماء # فسوف تتكسر عليها أمواج جديدة. # 3 # كنت كذلك أحمل اسما. # ومن سمع الاسم في المدينة قال: # هذا اسم طيب، # لكنني ذات ليلة شربت أربع كئوس (من رحيق الغلال). # وفي صباح اليوم التالي # وجدت على بابي بالطباشير # كلمة سيئة، # عندها أخذ اللبان اللبن معه وانصرف. # واسمي قضي عليه # مثل قماش كان أبيض ثم اتسخ. # ويمكن أن يبيض من جديد إذا غسلته، # لكن ضعه في النور وانظر إليه؛ # تره لم يعد هو نفس القماش. # لا تذكر اسمك الحقيقي بدقة! وما الداعي لذلك؟ # ما دمت تذكر اسما آخر معه باستمرار. # وما الداعي لأن تعلن رأيك بصوت مرتفع. # حاول جهدك أن تنساه! # ثم ماذا كان هذا الرأي؟ لا ترهق نفسك في تذكر شيء # مدة أطول من هذا الشيء نفسه. # لا تتشبث بالموجة # التي تتكسر على قدمك. # طالما وقفت في الماء # فسوف تتكسر عليها أمواج جديدة. # 4 # أنا أيضا تحدثت مع الكثيرين وأصغيت إليهم جيدا، # وسمعت آراء كثيرة، # كما سمعت الكثيرين يقولون عن أشياء كثيرة: هذا شيء مؤكد ~~تماما! # لكنهم حين عادوا تكلموا كلاما آخر، # يختلف عما قالوه من قبل، # وعن أشياء أخرى قالوا: هذا مؤكد. # عندها قلت لنفسي: من بين الأشياء اليقينية المؤكدة، # لا شيء أشد يقينا # من الشك. # لا تتشبث بالموجة # التي تتكسر على قدمك. # طالما وقفت في الماء # فسوف تتكسر عليها # أمواج جديدة. # مونولوج عن ألم الأم # أتعرفون أيضا، من هي الأم؟ ms106 # آه! قلبها رقيق كالزبدة. # كذلك حملكم قلب أم رقيق ذات يوم، # ويد أم ملأت معدتكم، # وعين أم نظرت إليكم، # وقدم أم أزاحت الحجر من طريقكم. # فإذا غطى العشب يوما قلب أم، # فإن روحا نبيلة سترفعها للسماء. # اسمعوا أما، اسمعوا أما تشكو وتقول: # هذا العجل حملته يوما تحت قلب الأم. # | عن أوبرا القروش الثلاثة (1928م) # موال ميكي ميسر # وسمك القرش له أسنان # بارزة تبدو في وجهه، # ولدي ماكهيث سكين، # لكن لا تلمحها عين. # آه! والقرش زعانفه # تحمر إذا سال الدم. # ولميكي ميسر قفاز # أبيض ما لوثه الآثم. # في التميز وفي الماء الأخضر، # يتساقط يوميا قتلى. # لا هو طاعون أو كوليرا، # لكن ماكهيث يتمشى. # يوما - واليوم هو الأحد - # والجو هنا صفو رائع، # نكتشف على الشط قتيلا، # ونلاحظ رجلا في الشارع. # نسأل فيقال لنا همسا: # الرجل يسمى ميكي ميسر. # وثري يدعى شمول ماير، # وكذلك بعض ذوي الثروة # ذهبوا لا حس ولا خبر. # سرقهم اللص ميكي ميسر، # لكن من يثبت تهمته؟ # وجدوا المسكينة «جيني فاولر»، # طعنت في الصدر بسكين، # ورأوا ميكي ميسر في المينا، # يتمشى لا يعرف شيئا. # لا يعرف شيئا بالمرة. # والسائق «ألفونس جلايت»، # هل يظهر يوما في النور؟ # لو عرف الناس جميعهم، # ميكي ميسر لا يعرف شيئا. # قد شب حريق في سوهو، # والنار تلظت والتهمت # سبعة أطفال وعجوزا، # ورأوه في الزحمة يمشي، # لكن من يجرؤ يسأله. # هل يسأل شخص لا يدري؟ # تلك الأرملة المسكينة، # سموها الأرملة القاصر. # فتحت عينيها في يوم، # فإذا هي بالعار طعينة. # يا ميكي: كم يبلغ سعرك، # والأجر عن الفعل الفاجر؟ # ترنيمة الحياة الطيبة # 1 # ها هم يمجدون لنا حياة أصحاب العقول الحرة # الذين يعيشون مع كتاب ولا شيء في المعدة. # في كوخ (بائس) تقرضه الجرذان، # فليريحوني من هذا الكلام اللزج! # وليعش حياة الكفاف من يشاء! # فقد شبعت منها - بيني وبينكم - وأخذت ما يكفيني. # ما من عصفور صغير من هنا إلى بابل # كان يمكنه أن يحتمل ليوم واحد هذا الطعام. # بماذا تنفع الحرية هنا والعيش غير مريح؟ # إن من ms107 يحيا في الرخاء هو وحده الذي يحيا حياة طيبة! # 2 # هؤلاء المغامرون وطموحهم الجسور، # الذين يشتهون سلخ الجلد وعرضه في السوق، # والذين هم أحرار على الدوام ويصرون على قول الحقيقة، # حتى يجد أصحاب الكروش شيئا جريئا يمكن أن يقرءوه. # عندما ترى الواحد منهم وهو يرتجف من البرد في المساء، # ويدخل صامتا مع زوجته المتجمدة في الفراش، # وهو يتنصت لعله يسمع أحدا يصفق، # ولا يفهم شيئا (مما يقول). # وفي تعاسة يحملق في سنة خمسة آلاف. # الآن أكتفي بأن أسألكم هذا السؤال: هل هذا شيء مريح؟ # إن من يحيا في الرخاء هو وحده الذي يحيا حياة طيبة! # 3 # أنا نفسي كان من الممكن أن أعذر نفسي # لو كنت اخترت أن أكون عظيما ووحيدا، # لكنني لما رأيت عن قرب هؤلاء الناس، # قلت لنفسي: خير لك أن تقلع عن هذا. # الفقر يجلب - بجانب الحكمة - الضيق والملل. # والجسارة - بجانب المجد - تجلب المتاعب المريرة. # أنت الآن ترى نفسك حكيما وجسورا بالروح # لأنك ستكف الآن نهائيا عن التطلع للعظمة والمجد. # عندئذ تنحل من نفسها مشكلة السعادة والحظ. # من يحيا في الرخاء، هو وحده الذي يحيا حياة طيبة. # 1 # أغنية سليمان # 1 # رأيتم سليمان الحكيم، # وتعرفون ما جرى له! # كل شيء كان واضحا عنده وضوح الشمس. # لعن الساعة التي ولد فيها، # ورأى أن الكل باطل. # كم كان سليمان عظيما وحكيما! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء، # حتى رأى العالم النتائج: # الحكمة قد ذهبت به بعيدا جدا! # جدير بالحسد، من كان عاطلا منها! # 2 # رأيتم كليوباترا الجميلة، # وتعرفون ما جرى لها! # قيصران سقطا فريسة لها، # ففجرت حتى الموت، # ثم ذوت وأصبحت ترابا. # كم كانت بابل جميلة وعظيمة! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء، # حتى رأى العالم النتائج: # كان الجمال قد ذهب بها بعيدا جدا! # جدير بالحسد، من كان عاطلا منه! # 3 # رأيتم قيصر الجسور، # وتعرفون ما جرى له! # جلس مثل إله على المذبح، # وقتل، كما سمعتم، # حين كان في أوج عظمته. # صرخ صرخته العالية: «حتى أنت، يا ولدي!» # وانظروا، ms108 لم يكن الليل قد جاء، # حتى رأى العالم النتائج: # الجسارة قد ذهبت به بعيدا جدا! # جدير بالحسد من كان عاطلا منها! # 4 # تعرفون سقراط المخلص الأمين، # الذي أعلن الحقيقة على الدوام. # لكنهم لم يعترفوا بفضله، # بل غدر به الكبار وتآمروا عليه، # وحكموا عليه بشرب السم. # كم كان مخلصا ابن الشعب العظيم! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء، # حتى رأى العالم النتائج: # الإخلاص قد ذهب به بعيدا جدا! # جدير بالحسد، من كان خاليا منه! # 5 # تعرفون برشت المتعطش للمعرفة. # غنيتم جميعا أغانيه! # كثيرا ما سأل وألح في السؤال: # من أين يأتي للأثرياء ثراؤهم؟ # عندما طردتموه من البلاد. # كم كان تعطشه للمعرفة شديدا! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم النتائج: # كان تعطشه للمعرفة قد ذهب به بعيدا جدا. # جدير بالحسد، من كان خاليا منه! # 6 # وها أنتم الآن ترون السيد ماكهيث، # ورأسه معلق على شعرة واحدة! # فعندما كان يتبع «صوت» العقل، # ويسرق ما يمكن أن يسرق، # بقي عظيما في أهل حرفته. # ثم ذهب قلبه معه حيثما ذهب! # وها أنتم ترون الآن أن الليل لم يأت بعد، # ولكن العالم قد رأى النتائج بالفعل: # الشهوة الحسية قد ذهبت به بعيدا جدا. # محسود من يتحرر منها! # | ماكهيث يطلب الصفح والغفران # عن الصياغة المتأخرة في عام 1948م # يا إخوتنا في البشرية، يا من لا زلتم تحبون الحياة، # لا تدعوا قلوبكم تقسو علينا، # ولا تضحكوا عندما يعلقوننا في المشانق # تلك الضحكة الغبية من وراء ذقونكم. # آه! أنتم يا من لم تسقطوا، حيث سقطنا نحن، # لا تتجهمونا كما فعل معنا القضاة والقضاء؛ # فالرزانة والاعتدال ليسا من طبع الجميع. # أيها الناس، تعلموا منا واجعلونا درسا لكم، # وتضرعوا إلى الله أن يعفو عنا. # المطر يغسلنا والمطر يطهرنا، # ويغسل اللحم الذي تلذذنا بأكله. # والعيون التي رأت الكثير واشتهت ما هو أكثر، # سوف تنتزعها الآن من محاجرنا الغربان. # الحق أننا قد تمادينا في الادعاء والغرور. # وها نحن الآن هنا معلقون كأنما نهوى العبث والمجون. # تنقرنا أجيال طيور نهمة # كتفاح ms109 الخيول المرمي على الطريق. # آه يا إخوتي! تعلموا منا واجعلونا درسا لكم. # أتوسل إليكم أن تصفحوا عنا وتسامحونا. # الأولاد الذين يقتحمون البيوت، # لأنهم محرومون من سقف يحميهم، # والذين يتفوهون بالفحش، حتى الوقحون منهم، # الذين يفضلون السب واللعن على العويل والبكاء. # النساء اللاتي يسرقن رغيف الخبز # كان من الممكن أن يكن أمهاتكم! # ربما لا تنقصهم إلا القسوة والفظاظة. # وأنا أبتهل إليكم أن تسامحوهم. # كونوا أكثر تسامحا مع اللصوص الصغار، # وأقل من ذلك تسامحا مع اللصوص الكبار، # أولئك الذين دفعوكم للحرب والعار، # وجعلوكم تفترشون الأحجار الملطخة بالدماء، # وقهروكم على ارتكاب القتل والنهب. # وهم الآن يستعطفونكم ويسألونكم المغفرة! # سدوا أفواههم بالتراب # الذي بقي من مدنكم الجميلة! # والذين يتكلمون عن النسيان، # والذين يتكلمون عن الغفران، # اضربوهم جميعا على أحناكهم # بمطارق حديدية ثقيلة! # | عن أوبرا مهاجوني 1928-1929م # صعود وسقوط مدينة مهاجوني # أغنية ألاباما # 1 # 1 # أوه، أرنا الطريق إلى أقرب بار! # أوه، لا تسأل لماذا، أوه، لا تسأل لماذا! # لأننا يجب أن نجد أقرب بار. # لأننا إن لم نجد أقرب بار، # أقول لك لا بد أن نموت! لا بد أن أموت! # أوه، يا قمر ألاباما، # يجب أن نقول الآن «جود باي» # فقدنا العجوز الطيبة ماما، # ولا بد أن نحصل على الويسكي. # أوه! أنت تعرف لماذا! # 2 # أوه، أرنا الطريق إلى أقرب فتاة حلوة. # أوه، لا تسأل لماذا، أوه، لا تسأل لماذا! # لأننا يجب أن نجد أقرب فتاة حلوة. # لأننا إن لم نجد أقرب فتاة حلوة، # أقول لك لا بد أن نموت! لا بد أن نموت! # أوه! يا قمر ألابما. # يجب أن نقول الآن «جود باي» # فقدنا العجوز الطيبة ماما. # ولا بد أن نحصل على فتاة. # أوه! أنت تعرف لماذا! # 3 # أوه، أرنا الطريق إلى أقرب وأصغر دولار. # أوه، لا تسأل لماذا، أوه، لا تسأل لماذا؛ # لأننا يجب أن نجد أقرب وأصغر دولار؛ # لأننا إن لم نجد أقرب وأصغر دولار، # أقول لك لا بد أن نموت! لا بد أن نموت! # أوه! يا قمر ألاباما، # يجب أن ms110 نقول الآن «جود باي». # فقدنا العجوز الطيبة ماما، # ولا بد أن نحصل على دولارات. # أوه! أنت تعرف لماذا! # أغنية الرجال عن المدن المزدحمة بملايين الناس # في المدن اللعينة، # يعذب الإنسان # بالحقد والضغينة، # والموت والهوان. # نعيش لم نزل # فيها كما الديدان # وتحتها المجاري # وفوقها الدخان # نحيا ولم نزل # في وحلها نسير # في نيرها ندور # نسعى بلا أمل # ونعرف المصير # وسوف تنتهي # وينتهي الزمن # بهذه المدن # للموت والعفن # كما يوسد الإنسان نفسه ينام # المنظر الحادي عشر # باول ~~: # كما يوسد الإنسان نفسه ينام. # ولن يغطيك سواك، لن يقيك لفح البرد والظلام. # كلما داس أحد، # فأنا ذاك الهمام # وإذا ديس أحد، # فهو أنت. # في الرغام. # الجميع ~~: # كما يوسد الإنسان نفسه ينام. # ولن يغطيك سواك، لن يقيك لفح البرد والظلام. # وإذا داس أحد، # فأنا ذاك الهمام، # وإذا ديس أحد، # فهو أنت. # في الرغام. # الجوقة ~~(من بعيد) ~~: # تماسكوا! تماسكوا! # حذار أن تخافوا. # لا تجبنوا! # لا تقلقوا من نذر الدمار. # هل ينفع البكاء من ينازل الإعصار ؟ # الجوقة ~~(بعد مرور عام على انحراف الإعصار عن مدينة ماهاجوني ثم ~~ازدهار أحوالها) ~~: # تذكروا ... # تذكروا ... # في البدء يأتي الأكل والطعام. # فانتبهوا للكلمة! # وثانيا: العشق والغرام. # تتلوهما الملاكمة! # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # وقبل كل شيء والمهم يا رجال، # تذكروا، تأكدوا على الدوام، # هنا يباح كل شيء للجميع، # كل شيء، # كل شيء ها هنا حلال! # الحبيبان (على لسان باول وجيني) # المنظر الرابع عشر # جيني ~~: # انظر إلى زوج اليمام # 2 # رف في الأعالي. # باول ~~: # والسحب تحدو الموكب الصغير كالظلال. # جيني ~~: # وهو يطير هائما. # باول ~~: # من عالم لعالم جديد. # جيني ~~: # يلتصق الجناح بالجناح # في الهبوط والصعود. # جيني وباول معا ~~: # مجاورين للسحاب لحظة، ومبعدين # يقسمان صفحة السماء بين بين. # جيني ~~: # ويمضيان مسرعين، # عاشقين ذاهلين. # باول ~~: # عن الوجود أسلما الزمام للمغامرة. # جيني ~~: # لم يشعرا إلا بخفق الريح # في الأجنحة المهاجرة، # تهدهد التوأم في المهد وتحنو في حذر، # فما درى بغير صحبة الحبيب في السفر. # باول ~~: # ولو رمته الريح في اللجة، # أو في هوة العدم، # ماذا يهم والأليف ms111 صنوه # في فرحه وفي الألم؟ # جيني ~~: # وهل يصيبه أذى # ما دام يرعى عهده ويفتدي؟ # باول ~~: # وهكذا يحلقان فوق كل معتدي، # وينجوان من رصاص الغدر أو زخ المطر. # جيني ~~: # يرفرفان تحت قرص الشمس أو قرص القمر، # مستسلمين زاهدين في الحياة والبشر. # باول ~~: # أين تقصدان يا ترى؟ # جيني ~~: # لا لمكان. # باول ~~: # ترى وعمن تبعدان؟ # جيني ~~: # عن الجميع. # باول ~~: # وتسألون: كم مضى عليهما # منذ تعارفت روحاهما وائتلفا؟ # جيني ~~: # منذ قليل. # باول ~~: # وتسألونني عن ساعة الفراق: # هل دنت؟ # جيني ~~: # بعد قليل. # جيني وباول معا ~~: # وهكذا الحب العظيم؛ # سند للعاشقين # الطيبين واليمام ... # جوقة الرجال ~~: # تذكروا ... تذكروا ... # في البدء يأتي الأكل والطعام، # فانتبهوا للكلمة! # وثانيا: العشق والغرام. # تتلوهما الملاكمة! # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # وقبل كل شيء والمهم يا رجال، # تذكروا ... تأكدوا على الدوام، # هنا يباح كل شيء للجميع، # كل شيء، # كل شيء ها هنا حلال! # تجديف # إن كان هناك شيء # تستطيع أن تحصل عليه بالمال، # فاستول على المال. # إن مر بك إنسان ومعه مال، # فاضربه على رأسه، # وخذ ماله. # من حقك أن تفعل هذا! # إن أردت أن تسكن في بيت # فادخل بيتا # واضطجع في سرير. # إذا دخلت سيدة البيت عليك، آوها. # أما إذا انهار السقف عليك، فانصرف! # من حقك أن تفعل هذا! # إن كانت هناك فكرة # لا تعرفها، # ففكر في الفكرة. # إذا كلفتك مالك، # أو كلفتك بيتك، # ففكرها! فكرها! # من حقك أن تفعل هذا! # لصالح النظام. # لمصلحة الدولة. # من أجل مستقبل البشرية. # في سبيل راحتك أنت، # يجوز لك أن تفعل هذا! # أغنية عن ميت # المنظر العشرون # يمكننا أن نحضر خلا # كي نمسح وجهه، # أو نحضر أيضا كماشة # كي ننزع منه لسانه. # لن يمكننا أن نصنع للميت شيئا. # يمكن أن نتحدث معه، # أو نزعق فيه. # يمكن أن نتركه فوق فراشه، # أو نأخذه معنا للبيت. # لن يمكننا أن نصدر للميت أمرا. # يمكن أن نضع المال بكفه، # أو نحفر حفرة # نحشره فيها ونهيل ترابا، # أو بالجاروف نحطم رأسه. # لن نقدر أن نصنع للميت شيئا، # أو نقف بصف الموتى. # يمكننا ms112 الحديث عن عصوره العظيمة. # يمكننا نسيانه وعصره العظيم. # لن نقدر أن نصنع للميت شيئا، # أو أن نصبح في عون الموتى. # لكن لن يمكننا أبدا # أن ننقذ أنفسنا، # أو ننقذكم، # أو ننقذ أحدا! # | عن مسرحية بادن التعليمية عن القبول (1929م) # تقرير عن الطيران # في الوقت الذي بدأت فيه البشرية تعرف نفسها، # صنعنا طائرات من الخشب والحديد والزجاج. # وحلقنا طائرين في الهواء # بسرعة تفوق سرعة الإعصار مرتين. # كان محرك (طائراتنا) أقوى من مائة حصان. # لكن أصغر حجما من حصان صغير. # على مدى ألف عام ظل كل شيء يسقط من أعلى إلى أسفل، # باستثناء الطيور، # حتى على أقدم الأحجار، # لم نجد رسما واحدا لأي إنسان # حلق طائرا في الهواء. # لكننا نهضنا # مع نهاية الألف الثانية من حسابنا للزمن، # ونهضت معنا فطرتنا الصلبة؛ # لتدلنا على ما هو ممكن، # دون أن تنسينا # ما لم نبلغه بعد. # بحث قضية: هل يساعد الإنسان الإنسان؟ # واحد منا عبر البحر، # واكتشف قارة جديدة. # لكن الكثيرين من بعده # بنوا هناك مدنا عظيمة # بكثير من الجهد والذكاء. # غير أن الخبز لم يصبح بذلك أرخص سعرا. # واحد منا صنع آلة، # حرك فيها عجلة بالبخار. # وكانت هذه هي أم كثير من الآلات. # كما أن الكثيرين يعملون عليها كل يوم. # غير أن الخبز لم يصبح بذلك أرخص سعرا. # كثيرون منا تفكروا # في دوران الأرض حول الشمس، # في العالم الباطن للإنسان، # في القوانين التي تحكم المجتمعات، # في طبيعة الهواء وفي الأسماك التي تعيش في أعماق البحار. # واكتشفوا أشياء عظيمة. # غير أن الخبز لم يصبح بذلك أرخص سعرا. # وإنما ازداد الفقر في مدننا، # ولم يعد أحد يعرف منذ زمن طويل، # ما هو الإنسان. # على سبيل المثال: بينما كنتم تحلقون في السماء، # كان شيء يشبهكم يزحف على الأرض # بطريقة لا تليق بالإنسان! # هل نستنتج من هذا أن الإنسان يساعد الإنسان؟ # لا! # | عن مسرحية الإجراء (أو القرار) (1929-1930م) # أغنية السلعة # الأرز موجود في وادي النهر، # في المحافظات المرتفعة يحتاج الناس الأرز. # إذا تركنا الأرز في المخازن، # سيدفعون فيه ms113 سعرا أعلى. # والذين يسحبون قوارب الأرز # سيقل نصيبهم من الأرز. # ما الأرز في الحقيقة؟ # هل أعرف ما هو الأرز؟ # ليتني عرفت من يعرفه! # أنا لا أعرف ما الأرز، # ولا أعرف إلا سعره. # الشتاء قادم والناس تحتاج الملابس. # لا بد من شراء القطن، # ولا بد من احتكاره. # عندما يأتي البرد سترتفع أسعار الملابس. # ومغازل القطن ستدفع أجورا أعلى؛ # فهناك قطن وفير. # ما القطن في الحقيقة؟ # هل أعرف ما هو القطن؟ # ليتني عرفت من يعرفه. # أنا لا أعرف ما القطن، # ولا أعرف إلا سعره. # غير العالم فهو يحتاج للتغيير # من ذا الذي لا يجلس معه العادل # لكي ينصر العدل؟ # أي دواء لا يصبر على مرارته # من يرقد على فراش الموت؟ # أي وضاعة لا يحق لك أن تقدم عليها # لكي تقضي على الوضاعة؟ # إن لم تستطع في نهاية المطاف أن تغير العالم # فأي نفع يرجى منك؟ # من أنت؟ # تمرغ في الرغام. # عانق السفاح، # لكن غير العالم، # فهو يحتاج إلى التغيير! # | عن مسرحية الاستثناء والقاعدة (1929-1930م) # أغنية الأنا والنحن # ها هو ذا النهر. # ومن الخطر عبوره. # يقف على شاطئه رجلان # أحدهما يجتازه، والآخر يتردد. # هل أحدهما شجاع؟ # هل الآخر جبان؟ # وراء النهر ينتظر أحدهما عمل ينجزه. # من الخطر يخرج أحدهما. # إلى الشاطئ الذي غزاه وهو يتنفس الصعداء. # إنه يطأ الأرض التي يمتلكها. # يأكل أكلا جديدا، # لكن الآخر يخرج من الخطر، # لاهث الأنفاس، إلى العدم، # ويتلقاه، وهو الضعيف، # خطر جديد. # هل كلاهما شجاع؟ # هل كلاهما حكيم؟ # واأسفاه! # من النهر الذي هزماه معا. # لا يخرج الاثنان منتصرين. # نحن، وأنا وأنت، # ليسا في الواقع نفس الشيء. # ننتصر معا على النهر. # وأنت تنتصر علي. # أغنية التاجر # المريض يموت والقوي يقاتل. # وهذه هي سنة الحياة. # القوي يساعده الناس، والضعيف لا يساعده أحد. # وهذه هي سنة الحياة. # ما يسقط، دعه يسقط، واركله بقدمك أيضا. # لأن هذه هي سنة الحياة. # من ناضل وانتزع النصر، تبوأ مكانه من المأدبة. # وهذا شيء طيب وعلى ما يرام. # والطباخ لا يشارك بعد المعركة في إحصاء ms114 عدد الموتى. # وحسن ما يفعله الطباخ. # والله الذي خلق الأشياء وسواها، خلق السيد والعبد، # والخير فيما فعل والحكمة فيما رآه. # ومن طابت أحواله فهو طيب، ومن ساءت أحواله فهو شرير. # وهذا شيء حسن وعلى ما يرام. # الاستثناء # في النظام الذي وضعتموه # تعتبر الإنسانية استثناء. # فمن يسلك مسلك إنسان # لا بد أن يدفع الثمن. # كل من يبدو محبوبا سمحا # عليكم أن تخافوا عليه. # من أراد أن يساعد إنسانا # عليكم أن تمنعوه! # بجوارك يعطش إنسان. # أغمض عينيك بسرعة! # سد الأذنين! # فبجانبك تأوه أحد الناس! # أمسك خطواتك # عمن يصرخ في طلب النجدة! # الويل الويل لمن ينسى نفسه! # سيمد الكأس ليروي ظمأ العطشان، # فلا يلبث أن يعرف # أن الشارب ذئب! # النشيد الختامي (الإبيلوج) # على لسان جوقة الممثلين الذين يخاطبون النظارة # هكذا تنتهي # حكاية رحلة # على نحو ما رأيتم وسمعتم. # رأيتم شيئا عاديا، # يقع كل يوم، # لكننا نناشدكم: # تبينوا وجه الغرابة # فيما يبدو مألوفا! # والشيء المعتاد # اكتشفوا أنه لا يقبل التفسير! # واليومي المتكرر # ينبغي أن يشعركم بالدهشة. # وما يعد قاعدة مقبولة، اعلموا أنه شذوذ وسوء استخدام. # وحيثما وجدتم الشذوذ وسوء الاستخدام # فأوجدوا العلاج! # 1 # | عن مسرحية الأم (1931م) # المأخوذة عن رواية مكسيم جوركي # ثناء على القضية الثالثة # دائما ما نسمع الناس تردد: # كيف تفقد الأمهات أبناءهن بسرعة؟ # غير أنني احتفظت بابني. # كيف احتفظت به؟ # عن طريق القضية الثالثة. # هو وأنا كنا اثنين. # لكن القضية الثالثة المشتركة التي كافحنا معا في سبيلها # هي التي وحدت بيننا. # طالما سمعت بنفسي حديث الأبناء مع آبائهم، # لكن كم كان حديثا أروع منه، # حديثنا عن القضية الثالثة، قضيتنا المشتركة. # كم كنا قريبين من بعضنا، قريبين من هذه القضية! # وكم كنا طيبين مع بعضنا، # قريبين من هذه القضية الطيبة! # من لا يزال حيا، فعليه ألا يقول مستحيل! # من لا يزال حيا # فعليه ألا يقول مستحيل! # المؤكد ليس مؤكدا، # وهو لا يبقى على ما هو عليه. # عندما ينتهي الحكام من كلامهم، # سيتكلم المحكومون. # من ذا الذي يجرؤ أن يقول مستحيل؟ # من المسئول ms115 عن بقاء الظلم والاضطهاد؟ نحن. # من المسئول عن تحطيمه والقضاء عليه؟ نحن أيضا. # من يسقط مهزوما # عليه أن ينهض واقفا على قدميه! # من ضل وضاع، عليه أن يناضل! # من أدرك وضعه، كيف يمكن إيقافه؟ # لأن المهزومين اليوم هم المنتصرون في الغد. # وأبدا ومستحيل # تصبح: في هذا اليوم! # | عن مسرحية الرءوس المدورة والرءوس المدببة (1931-1934م) # حكاية الساقية # 1 # عن عظماء هذه الأرض # تخبرنا أغاني الأبطال # أنهم يرتفعون كالنجوم # ويسقطون كذلك كالنجوم. # هذا شيء تتعزى به النفس ولا بد أن يعرفه الإنسان. # لكننا نحن الذين فرض علينا أن نطعمهم. # قد كان صعودهم وسقوطهم بالنسبة لنا على حد سواء. # ارتفعوا أم سقطوا: من الذي يتحمل النفقات؟ # بالطبع تدور تدور العجلة دوما. # والأعلى لا يبقى للأبد الأعلى. # ويظل الماء - هنا في الأسفل - واأسفا # يدفع للأبد العجلة ويكد ويشقى. # 2 # آه! كان لنا أسياد كثيرون. # منهم النمور والضباع. # ومنهم النسور والخنازير. # مع ذلك كنا نطعم هذا وذاك. # وسواء كانوا أفضل أو أسوأ، # فالحذاء كان يشبه الحذاء باستمرار، # وكان يدوس علينا. إنكم لا شك تفهمون: # لا أقصد أننا نحتاج سادة آخرين، # بل إننا لا نحتاج لأي سيد على الإطلاق! # بالطبع تدور تدور العجلة دوما. # والأعلى لا يبقى للأبد الأعلى. # ويظل الماء - هنا في الأسفل - واأسفا # يدفع للأبد العجلة، ويكد ويشقى. # 3 # وهم يقطعون رءوس بعضهم وتسيل الدماء، # يتصارعون دائما على الفريسة. # يصفون غيرهم بأنهم حمقى نهمون، # وينعتون أنفسهم بأنهم طيبون، # ونراهم ينتقمون من بعضهم ويحاربون # بعضهم بلا انقطاع. # لكن عندما نرفض أن نطعمهم، # عندئذ، وعندئذ فقط، نجدهم فجأة يتحدون. # بالطبع تدور تدور العجلة دوما # والأعلى لا يبقى للأبد الأعلى. # ويظل الماء - هنا في الأسفل - واأسفا # يدفع للأبد العجلة ويكد ويشقى. # | عن مسرحية الأم شجاعة وأبنائها (1939م)1 # أغنية سليمان # 1 # رأيتم سليمان الحكيم، # وتعرفون ما جرى له. # كل شيء كان واضحا عنده وضوح الشمس. # لعن الساعة التي ولد فيها، # ورأى أن الكل باطل. # كم كان سليمان عظيما وحكيما! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم ms116 النتائج: # الحكمة قد ذهبت به بعيدا جدا! # محسود من يخلو منها! # 2 # رأيتم قيصر الجسور، # وتعرفون ما جرى له. # جلس على المذبح كإله # وقتل كما سمعتم. # حين كان في أوج عظمته # صرخ صرخته العالية: حتى أنت يا ولدي! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم النتائج: # الجسارة قد ذهبت به بعيدا جدا! # محسود من يتخلص منها! # 3 # تعرفون سقراط المخلص الأمين، # الذي أعلن الحقيقة على الدوام: # لكنهم لم يعترفوا بفضله، # بل غدر به الكبار وتآمروا عليه، # وحكموا عليه بأن يشرب كأس السم. # كم كان المخلص الأمين، # ابن الشعب العظيم! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم النتائج: # الأمانة والإخلاص قد ذهبا به بعيدا جدا! # وجدير بالحسد من تحرر منهما! # 4 # القديس مارتن، كما تعلمون، # لم يكن يحتمل رؤية الآخرين # وهم يقاسون المحن ويعانون. # لمح في الثلج أحد الفقراء # فقدم له نصف معطفه، # وتجمد كلاهما من البرد ومات. # لم ينتظر الرجل من الأرض وأهلها أي جزاء! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم النتائج: # الإيثار ذهب به إلى البعيد البعيد! # محسود من أخلى منه قلبه! # 5 # ها أنتم أولاء ترون أناسا محترمين # متمسكين بالوصايا العشر. # لم ينفعنا ذلك حتى الآن. # يا من تجلسون بجوار الموقد وتتدفئون، # ساعدونا على تخفيف محنتنا! # لكم كنا مخلصين للصليب أتقياء صالحين! # وانظروا، لم يكن الليل قد جاء # حتى رأى العالم النتائج أمامه: # التقوى ذهبت بنا بعيدا بعيدا! # محسود من أفرغ منها القلب! # أغنية للمهد # آيا بويا با # ماذا في القش يخشخش؟ # أبناء الجار ينوحون، # وانا أبنائي فرحون. # أبناء الجار عرايا، # وثيابك أنت حرير. # من معطف ملك من نور. # أبناء الجار بلا لقمة، # وأمامك يا ولدي «التورتة». # إن لم تك في فمك طرية # فتكلم، أسمعني كلمة! # آيا بوبا با # ماذا في القش يخشخش؟ # ابن يرقد في «بولندا»، # والآخر ... من يدري أين؟ # | عن مسرحية محاكمة لوكولوس (1939م)1 # ولدي سقط في الحرب # ولدي # سقط في الحرب. # كنت بائعة سمك في السوق. # 2 # قيل ms117 لنا يوما إن السفن العائدة # من الحرب في آسيا قد وصلت (للميناء). # جريت من السوق ووقفت على شط «التيبر» ساعات، # حتى أخلوا السفن من الركاب. # ولم يكن ولدي على ظهرها. # وبسبب الزحمة في الميناء # هدتني في الليل الحمى # في بحران الهذيان. # رحت أفتش عن ولدي. # وكلما أوغلت في البحث عنه، # ازداد شعوري بالبرد اللاسع حتى مت # وجئت هنا إلى مملكة الظلال، # وواصلت البحث. # ناديت عليه يا فابر ~~- إذا كان هذا هو اسمه - # فابر، يا ولدي فابر، # يا من حملت في بطني، # يا من ربيت! # يا ولدي فابر! # وجريت جريت وسط الظلال والأشباح، # وأنا أنادي على فابر # حتى أمسكني من كم ردائي بواب # يقف هناك في معسكر ضحايا الحرب. # قال لي: أيتها العجوز! هنا أكثر من فابر. # أبناء أمهات بلا حصر. # كثيرون هم ومفتقدون، # لكنهم نسوا أسماءهم؛ # إذ لم يكن لها من فائدة # إلا أن يرتبوهم في صفوف الجيش. # ولم يعد لها ضرورة في مملكة الظلال. # وهم لا يريدون أن يقابلوا أمهاتهم # منذ أن تركنهم للحرب الدموية. # وقفت هناك والرجل لا يزال يمسك بكمي. # وندائي وقف في حلقي . # استدرت راجعة في صمت؛ # إذ لم تبق في نفسي رغبة # في مقابلة ولدي وجها لوجه. # | عن مسرحية «الإنسان الطيب من ستشوان» (1938-1940م) # من خواطر «شن تي» عندما آوى إليها الفقراء # هم فقراء # بلا مأوى # وبلا أصحاب، # يحتاجون لأحد يقف بجانبهم. # كيف أقول لهم لا؟! # هم أشرار # ليس لهم أصحاب أو خلان. # لا يعطون لأحد صحفة أرز # هم أنفسهم محتاجون إليها. # من يلقي الذنب عليهم، # ويوجه لهم اللوم؟! # إن سارع قارب إنقاذ، # جرفوه معهم للقاع، # كقطيع يغرق في الماء، # ويشد المنقذ والراعي # في غضب كي يغرق معهم. # يهوي في اللجة واليم. # أغنية عن التسامح # بقليل من التسامح تتضاعف الطاقات. # انظر، البغل الذي يجر العربة # يتوقف أمام حزمة من العشب. # بمجرد النظر - في - الأصابع، # يستأنف البغل سيره بصورة أفضل. # في شهر يونيو تحتاج الشجرة لقليل من الصبر، # ولا يأتي شهر أغسطس حتى تنحني مثقلة بثمار ms118 الخوخ. # كيف يمكننا أن نعيش معا بغير صبر؟ # بشيء من التسامح # تتحقق أبعد الأهداف. # في مواجهة البؤس # في بلادنا # لا يصح أن يوجد أي مساء عكر حزين، # ولا أن تمتد جسور فوق الأنهار، # حتى الساعة التي تفصل الليل عن النهار، # مع فصل الشتاء بأكمله. # كل ذلك يحمل معه أشد الأخطار. # ففي مواجهة الضنك والبؤس # يكفي أقل القليل؛ # لكي يتخلص الناس # من الحياة التي لا تطاق. # آه أيها التعساء # آه، أيها التعساء! # أخوكم يضرب ويعذب، وأنتم تغمضون الأعين! # المنكوب يصرخ بأعلى صوت، وأنتم صامتون؟ # الجبار الظالم يتجول هنا وهناك # ويختار ضحيته. # أما أنتم فتقولون: سوف يبتعد عنا # لأننا لا نعترض على شيء # ولا نمتعض من شيء. # أي مدينة هذه؟ # أي بشر أنتم؟! # عندما يرتكب الظلم في مدينة، # فلا بد من التمرد. # وحيث ينعدم التمرد، # فالأفضل أن تسقط المدينة، # أن تحرقها النار # قبل حلول الليل! # أي عالم هذا؟ # أي عالم هذا؟ # العناق يتحول إلى الخنق. # تنهدات الحب تتحول إلى صرخات الفزع. # لماذا تدور الصقور دورتها هناك؟ # لأن واحدة تذهب إلى هناك في موعد غرامي! # أريد أن أذهب مع من أحب # أريد أن أذهب مع من أحب. # لا أريد أن أحسب كم يكلفني هذا. # لا أريد أن أفكر بعقلي، إن كان هذا خيرا. # لا أريد أن أعرف، إن كان يبادلني الحب. # أريد أن أذهب # مع من أحب. # هذا خير # ألا نترك أحدا يهلك نفسه، # وكذلك ألا نهلك أنفسنا. # أن نسعد كل الناس، # بما في ذلك أنفسنا، # هذا خير # هو كل الخير! # النشيد الختامي الثاني (لمسرحية الإنسان الطيب من ستشوان) # أيها المشاهد، اعلم أن عاصمة ستشوان ~~- التي لم يستطع أحد فيها # أن يعيش وأن يكون خيرا في وقت واحد - # لم يعد لها وجود. # لقد كان من الضروري أن تسقط، # لكن هناك مدنا أخرى كثيرة تشبهها # إذا قدم الإنسان فيها الخير، # افترسه أقرب فأر. # أما الشر فله هناك ثمن مجز. # أيها المشاهد، # إن كنت تسكن في مدينة كهذه، # فحاول أن تغير بناءها بسرعة، # قبل أن ms119 تلتهمك أنت. # ما من سعادة على وجه هذه الأرض # تفوق في عمقها وعظمتها # سعادة أن تكون خيرا، # وأن تفعل الخير. # | عن مسرحية «السيد بونتيلا وتابعه ماتي» (1940م) # حكاية غنائية عن حارس الغابة والدوقة # في بلد السويد # كانت تعيش دوقة # جميلة جدا، # شاحبة جدا. # يا أيها الحارس! # يا أيها الحارس! # رباط جوربي انخلع. # رباطه انخلع ... # رباطه انخلع ... # يا أيها الحارس # اركع على الأرض. # اركع على الأرض. # واربطه لي حالا! # سيدتي الدوقة! # سيدتي الدوقة! # لا تنظري إلي، # فإنني أخدمكم # للقمة العيش. # نهداك بيضاوان # كطلعة الفجر، # لكنها البلطة # يهوي بها الجلاد # يوما على رأسي # باردة كالثلج، # باردة كالثلج. # الحب ما أحلاه، # وما أمر الموت! # هرب الحارس # في نفس الليلة. # ركب جواده # وجرى للبحر. # يا أيها الملاح! # يا أيها الملاح! # خذني بقاربك. # خذني بقاربك # لآخر البحر ... # لآخر البحر ... # كانت هناك ثعلبة # تحب ديكا رائعا. # يا حبي الذهبي، # ترى تحبني # كمثل حبي لك؟ # كان المساء حلوا # وطلع الفجر، # وطلع الفجر. # وكان كل ريشه # معلقا على الشجر ... # معلقا على الشجر ... # الحب ما أحلاه! # وما أمر الموت! # أغنية بونتيلا # 1 # السيد بونتيلا سكر ثلاثة أيام # في فندق تافا ستهوز، # وعندما هم بالانصراف، # لم يقف النادل ليحييه. # آه يا جرسون! هل هذه أخلاق؟ # أليس العالم عجيبا؟ هه؟ # النادل تكلم وقال: # لا أستطيع أن أوافقك؛ # فقدماي تؤلماني من الوقوف. # 2 # ابنة صاحب الضيعة # قرأت رواية واستمتعت بها، # ثم احتفظت بها، إذ كان مؤلفها يقول # إنها كائن علوي، # لكنها ذات يوم قالت للسائق # ونظرت إليه نظرة غريبة: # تعال، داعبني أيها السائق؛ # فقد سمعت أنك أنت أيضا رجل. # 3 # وبينما كان السيد بونتيلا يتنزه، # رأى إحدى البنات التي تستيقظ في البكور. # أخ يا راعية البقر! يا ذات الصدر الأبيض. # قولي لي: إلى أين تذهبين؟ # يبدو أنك ذاهبة لتحلبي أبقاري # من الفجر والديكة تصيح. # لكن يجب ألا تستيقظي من الفراش من أجلي، # بل يجب أيضا أن تذهبي معي إلى الفراش! # 4 # في ضيعة بونتيلا يحبون دخول الحمام؛ # فهو المكان الذي يتسلون فيه. ms120 # وفي بعض الأحيان يدخل أحد الأتباع، # عندما تكون الآنسة هناك. # السيد بونتيلا تكلم وقال: # سأزوج ابنتي من الملحق الدبلوماسي. # لن يقول شيئا إذا رأى التابع معها؛ # لأنني سأدفع كل ديونه. # 5 # ابنة صاحب الضيعة دخلت مرة # إلى المطبخ في الساعة التاسعة والنصف ليلا. # أيها السائق، رجولتك تسحرني. # تعال معي نصطاد الكابوريا. # السائق قال: آه يا آنستي، # لا بد أن يحدث معك شيء، وهذا ما أراه. # لكن ألا ترين يا آنستي # أنني الآن أقرأ الجريدة؟ # 6 # رابطة عرائس السيد بونتيلا # ظهرت في حفلة الخطوبة. # وما كاد السيد بونتيلا يراهن # حتى صاح في وجوههن: # هل رأى أحد خروفا يلبس رداء من الصوف # منذ أن بدءوا يجزون الخراف؟ # أنا أنام معكن، لكن لا تطمعن # في أن تأكلن يوما على مائدتي. # 7 # نساء كورجيلا، كما يقال، # غنين أغنية ساخرة، # لكن أحذيتهم ذابت من المشي. # ويوم الأحد ضاع عليهن. # والذي يثق في كرم الأغنياء # يحب أن يفرح، لأنه لم يخسر غير الحذاء؛ # لأنه هو الذي جنى هذا على نفسه. # 8 # السيد بونتيلا ضرب بيده على المائدة وصاح ~~- وكانت مائدة الزفاف - # لن أزف ابنتي، كما يقال، # لسمكة باردة. # هنا أراد أن يزوجها لتابعه ، # لكنه حين سأل التابع قال: # أشكرك، لا أستطيع يا سيدي؛ # فهي لا تناسب سائقا مثلي. # | عن مسرحية الصعود الذي يمكن أن يوقف ل «أرتورو أوي» (1941م)1 # الخاتمة (الإبيلوج) # أما أنتم فتعلموا كيف يصبر الإنسان بدلا من أن يحملق، # وكيف يعمل ويتصرف بدلا من أن يثرثر ويثرثر. # مثل هذا المخلوق أوشك أن يحكم العالم! # غير أن الشعوب قد تمكنت منه. # ومع ذلك لا يصح أن يفرح أحد بالنصر قبل الأوان؛ # فلم يزل خصبا ذلك الرحم # الذي زحف منه هذا المخلوق. # | عن مسرحية رؤى سيمون ماشار (1941-1943م) # يا ابنة فرنسا، لا تخشي شيئا # يا ابنة هذا الوطن فرنسا، # لا تخشي شيئا. # لن يبقى أحد شن الحرب عليك. # كل يد تمتد إليك بعدوان # ستجف سريعا. # أي مكان حملوك إليه سواء؛ # إذ كل مكان يحويك فرنسا. # بعد ms121 قليل # تنهض واقفة # في أبهى روعة. # | عن مسرحية شفايك في الحرب العالمية الثانية ~~(1943م) # وماذا تلقت زوجة الجندي؟ # وماذا تلقت زوجة الجندي # من براغ العاصمة القديمة؟ # من براغ تلقت حذاء «بكعب عال»، # تحية وحذاء «بكعب عال». # تلقتهما من مدينة براغ. # وماذا تلقت زوجة الجندي # من وارسو على شاطئ الفستولا؟ # من وارسو تلقت القميص الشفاف، # ملون وعجيب هذا القميص البولندي! # الذي تلقته من شاطئ الفستولا. # وماذا تلقت زوجة الجندي # من أوسلو على نهر الزوند؟ # من أوسلو تلقت ياقة من الفراء؛ # عسى أن تعجبها ياقة الفراء، # التي تلقتها من أوسلو على شاطئ الزوند! # وماذا تلقت زوجة الجندي # من روتردام الغنية؟ # من روتردام تلقت القبعة. # وهي تليق عليها، هذه القبعة الهولندية # التي تلقتها من روتردام. # وماذا تلقت زوجة الجندي # من بروكسل البلجيكية؟ # من بروكسل تلقت الدنتلا النادرة. # آه ما أبدع هذه الدنتلا النادرة # التي تلقتها من بلاد البلجيك! # وماذا تلقت زوجة الجندي # من باريس مدينة النور؟ # من باريس تلقت ثوبا من الحرير، # والجارات حسدنها على ثوب الحرير # الذي تلقته من باريس. # وماذا تلقت زوجة الجندي # من طرابلس الليبية؟ # من طرابلس تلقت السلسلة الصغيرة، # والتميمة على السلسلة النحاسية، # تلقتها من طرابلس. # وماذا تلقت زوجة الجندي # من روسيا البعيدة؟ # من روسيا تلقت نقاب الأرامل. # نقاب الأرامل الأسود. # تلقته من روسيا البعيدة. # | عن مسرحية دائرة الطباشير القوقازية (1943-1945م) # عندما ينهار بيت واحد من الكبار # يقضي على كثير من الصغار، # والذين لم يشاركوا العظام حظهم السعيد، # يشاركونهم في الغالب حظهم التعيس. # العربة التي تهوي (في المنحدر)، # تشد معها الحيوانات التي تجرها، وهي تتصبب عرقا، # إلى الهاوية. # يا لعمى الكبار # يا لعمى الكبار! # إنهم يمشون كأنهم مخلدون عظام # فوق رقاب محنية، # واثقين من القبضات المؤجرة، # واثقين من السلطة التي دامت وقتا طويلا. # لكن الوقت الطويل لا يعني الأبدية. # يا تغير الأزمان! يا أمل الشعب! # سوف أنتظرك # اذهب أنت في أمان للمعركة # يا جندي، # المعركة الدموية، المعركة المرة # التي لا يرجع منها كل إنسان. # عندما ترجع، سأكون في انتظارك. ms122 # سأنتظرك تحت شجرة الدردار الخضراء. # سأنتظرك تحت شجرة الدردار العارية. # سأنتظرك حتى يرجع آخر العائدين، # وبعد عودته أيضا. # إذا رجعت من المعركة # لن تجد حذاء أمام الباب. # ستكون المخدة التي بجانبي خالية، # وفمي لم يقبله أحد. # عندما تعود # سيكون في إمكانك أن تقول: # كل شيء على حاله القديم. # من أغاني جروشا أثناء التجوال # 1 # أربع جنرالات # زحفوا بالجيش إلى إيران. # الأول لم يدخل حربا، # الثاني لم يحرز نصرا، # والثالث وجد الطقس رديئا، # والرابع خذلته جنوده. # أربع جنرالات # لم يبلغ أحد هدفه. # سوسو روياكيدس # زحف إلى إيران، # وخاض الحرب المرة، # وانتصر بسرعة. # أبلى الجند بلاء حسنا. # سوسو روياكيدس # هو قائدنا. # 2 # ولدي # الهوة أعمق مما تتصور، # والدرب عسير متعثر، # لكنا لا نختار بأنفسنا الدرب، # لا يا ولدي. # يجب عليك # أن تسلك دربك. # وأنا اخترت الدرب. # يجب عليك # أن تأكل خبزك. # والخبز حفظت لأجلك. # يجب علينا # أن نقتسم اللقمة # إن كانت أربع كسرات، # فثلاث منها لك. # هل تكفي # أن تشبع بطنك؟ # لن أعرف أبدا يا ولدي. # 3 # أمك عاهرة، # واللص أبوك. # مع ذلك # فسيركع لك # أشرف شرفاء الدنيا. # ابن النمر سيطعم # بيديه صغار الخيل. # وابن الحية يجلب # معه اللبن لأمه. # | عن مسرحية من العدم يكون العدم (1929-1930م) # أغنية من العدم يكون العدم # 1 # انظروا، كيف يصعد! # إنه يرتفع بغير توقف، # ويضع الشمس في يديه. # الآن يصعد إلى أعلى. # اسمه: قيصر! # أنصتوا لما يقول! # الآن يقول: أنا أساعدكم! # لكنه في الحقيقة # لا يساعد إلا نفسه. # أما أنتم # فيضطهدكم. # لكنكم تخافون منه. # من هو؟ # لا تخافوا! # انظروا إليه # انتظروا # إنه عدم! # إنه لن يعمر طويلا. # إنه لا يعرف نفسه. # هو وحده لا شيء. # هو لا شيء! # 2 # انظروا، كيف صعد! # ارتفع بغير توقف، # وضع الشمس في يديه. # لقد طالما صعد، # ودائما تغير اسمه. # كثيرا ما قال: أنا أساعدكم، # لكنه في الحقيقة # لم يساعد إلا نفسه. # أما أنتم، # فكان يضطهدكم، # لكنكم # تخافون منه. # من كان؟ # لم يعمر طويلا. # لم يعرف نفسه. # كان وحده لا شيء. ms123 # كان لا شيء! # 3 # انظروا، كيف ينحدر! # يسقط دون توقف. # الفراغ في يديه. # هو الآن ينحدر. # أنصتوا لما يقول! # إنه الآن يقول: # من يساعدني؟ # سرعان ما تسمعون من جديد: # إنه يتقدم بغير توقف، # والشمس في يديه. # سرعان ما يصعد إلى أعلى. # سرعان ما يكون اسمه: من يدري ماذا يكون؟ # سرعان ما يقول: أنا أساعدكم! # لا تخافوا! # تطلعوا إليه، # انتظروا # إنه عدم! # إنه لا يعمر طويلا. # إنه لا يعرف نفسه. # هو وحده لا شيء. # هو لا شيء! # | قصائد أخرى # أغنية المرأة # 1 ~~(1) في المساء، على شاطئ النهر، في قلب الأغصان المعتم. # أرى في بعض الأحيان وجهها من جديد، وجه المرأة التي أحببتها، امرأتي ~~التي ماتت. ~~(2) انقضت أعوام كثيرة، وفي بعض الأحيان لا أعرف عنها شيئا، وهي التي ~~كانت لي كل شيء، لكن كل شيء يزول. ~~(3) وكانت تسكن في نفسي مثل أشجار العرعر في مراعي منغوليا، حبلى ~~بالمياه الذاوية الصفراء وبالحزن العظيم. ~~(4) كنا نقيم في كوخ أسود على ضفة النهر، الذباب اللاسع كان ~~كثيرا ما يلسع جسدها الأبيض، وكنت أقرأ الجريدة سبع مرات أو أقول: ~~شعرك قذر، أو أقول: أنت بلا قلب. ~~(5) لكن ذات يوم، وأنا أغسل قميصي في الكوخ، سارت إلى الباب ورنت إلي ~~بعينيها وأرادت أن تخرج. ~~(6) والذي ظل يضربها حتى تعبت، قال: يا ملاكي. ~~(7) والذي قال: أحبك، سار معها إلى الخارج وتطلع مبتسما في الهواء، ~~وامتدح الطقس ومد إليها يده. ~~(8) لما خرجت في الهواء، وسادت الوحشة في الكوخ، أوصد الباب وجلس ~~يطالع الجريدة. ~~(9) من ذلك اليوم لم ترها عيناي، ولم يبق منها غير صرخة صغيرة ~~أطلقتها، حين عادت في الصباح ووقفت أمام الباب الموصد. ~~(10) الآن تهدم الكوخ وحشي الصدر بأوراق الصحف، وأنا أرقد في ~~المساء على ضفة النهر في قلب الأغصان المعتم، وأتذكر. ~~(11) الريح تحمل رائحة العشب في شعرها، والماء يصرخ بلا انقطاع ~~يطلب الراحة من الله، وعلى لساني طعم مرارة. # عندما عمت الشكوى المرة من الكساد # أنا مقتنع تمام الاقتناع # بأن الطقس غدا # أصفي منه اليوم، # أن بعد ms124 المطر تطلع الشمس، # أن جاري يحب ابنته، # وأن عدوي رجل شرير. # كذلك لا أشك # في أن أحوالي ستتحسن # عن أحوال الآخرين جميعا، # على وجه التقريب. # كذلك لم يسمعني أحد أقول: # إن الدنيا أيام زمان # كانت أفضل منها اليوم، # أو أن النوع يتدهور، # أو أنه لا توجد نساء # يمكن أن يكفيهن رجل واحد. # أنا في كل هذا # أوسع صدرا، وأكثر إيمانا من الساخطين؛ # لأنه يبدو لي # أن هذا كله # لا يدل على شيء. # أغنية السلام # الصاعقة تدوي، والمطر يتساقط، # والريح تحمل السحب بعيدا. # أما الحرب فلم تحملها الريح إلى العالم، # الحرب من صنع البشر. # السلام لا يخضر كالأعشاب والأشجار، # السلام لا يزدهر إلا بمشيئة البشر. # أيتها الشعوب، # أنت أنت قدر العالم، # فتذكري قوتك. # ليست الحرب قانونا طبيعيا، # ولا السلام هبة تقدم إليك. # يجب أن نقهر الحرب. # يجب أن نتجاسر على السلام. # الآن يجب أن نقول للسفاحين: لا، لا، ثم لا. # لن نتخلى عن الحياة. # ويومئذ لن تقوم الحرب. # أغنية عن العماء # 2 # يا أختي، أخفي وجهك، وأنت يا أخي، أحضر سكينك؛ # فالزمن قد خرج عن محوره. # الكبراء يجأرون بالشكوى، والوضعاء مبتهجون فرحون. # المدينة تقول: هيا نطرد الأقوياء بعيدا عنا. # المصالح الحكومية يقتحمها اللصوص، والقوائم المدون عليها أسماء ~~رقيق الأرض تخرب وتدمر . # السادة شدوهم إلى أحجار الطاحون. الذين لم يروا # ضوء النهار أبدا، غادروا بيوتهم. # حطمت صناديق القرابين المصنوعة من خشب الأبنوس، والخشب الرائع النفيس ~~قطعوه وصنعوا منه أسرة. # من لم يكن يملك رغيف الخبز، لديه الآن مخازن للغلال، والذي كان يتسول ~~الحبوب # يتصدق بنفسه اليوم على المحتاجين. ~~(أين أنت أيها القائد؟ أرجوك، أرجوك، أرجوك، أعد النظام!) # ابن الوجيه المرموق لم يعد من الممكن التعرف عليه، وابن السيدة ~~أصبح ابن أمتها. # كبار المستشارين يبحثون في المخزن عن سقف يحميهم، # من لم يكن يسمح له بالمبيت فوق الأسوار، يتمطى الآن في ~~الفراش. # من كان يسحب القارب بالمجداف، يمتلك السفن الآن، وإذا نظر # إليها مالكها الأصلي، عرف أنها خرجت عن يده. # خمسة رجال أرسلهم ms125 سادتهم. إنهم يقولون: اسلكوا الطريق # بأنفسكم، لقد وصلنا. ~~(أين أنت أيها القائد؟ # إليك أتوسل، أتوسل، أتوسل: أعد النظام!) ms126