######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.HikayatShaciriyya.Hindawi53594603 #META# Tags: poetry #META# ID: 53594603 #META# Title: حكايات شاعرية: قصائد قصصية من الأدب الألماني الحديث #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #جمع وترجمة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - ساحرة من نهر الراين‏ # 2 - الحب الصادق وحد بينهما‏ # 3 - طوبى للعصيان‏ # 4 - حكاية من سالف الزمان‏ # 5 - حكاية عن رجل شجاع‏ # 6 - صار الخبز يباع بسعر غال والدم واللحم بأرخص سعر‏ # 7 - عرس في حقل القمح الملغوم‏ # 8 - لما حمل الليل العاصفة على حجره‏ # 9 - صار العبد الخاضع سيد نفسه‏ # نبذة عن كل شاعر‏ # تمهيد‏ # 1 - ساحرة من نهر الراين‏ # 2 - الحب الصادق وحد بينهما‏ # 3 - طوبى للعصيان‏ # 4 - حكاية من سالف الزمان‏ # 5 - حكاية عن رجل شجاع‏ # 6 - صار الخبز يباع بسعر غال والدم واللحم بأرخص سعر‏ # 7 - عرس في حقل القمح الملغوم‏ # 8 - لما حمل الليل العاصفة على حجره‏ # 9 - صار العبد الخاضع سيد نفسه‏ # نبذة عن كل شاعر‏ # | حكايات شاعرية # | حكايات شاعرية # | قصائد قصصية من الأدب الألماني الحديث # جمع وترجمة # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # (1) لم يؤثر في نفسي فن من فنون الشعر الغربي كما أثرت فيها «البالادة»؛ أي القصيدة ~~القصصية أو القصة الغنائية. أتيح لي في سنوات الطلب أن أطلع على بعض نماذجها الخالدة ~~للشاعرين: جوته وشيللر، اللذين يمثلان الذروة التي بلغتها، سواء في مرحلة شبابهما العاصف ~~المندفع، أو في مرحلتهما الكلاسيكية المتزنة المتوازنة. ثم تيسر لي على فترات متقطعة أن ~~أقرأ بعض «البالادات» لشعراء مختلفي الميول والاتجاهات من القرنين التاسع عشر والعشرين، ~~فأدركت بفطرتي مدى تنوع هذا الفن الشعري تنوع الحياة نفسها بكل ما فيها من حب وكره، وحزن ~~وشجن، وسحر وخرافة، وغدر وظلم، وبؤس وتعاسة، وحلم دائم بالممكن أو بالمستحيل، وطموح لتغيير ~~الأوضاع الظالمة بالإرادة الثورية، والرغبة في تحقيق عالم إنساني ومستقبلي خال من علاقة ~~السيد والعبد، والغني المتخم والفقير المعدم، والمستبد المتجبر والضحية البريئة، ولعلني قد ~~أدركت بفطرتي أيضا أمرا لا يقل أهمية عما سبق، وهو أن «البالاد» مجمع فنون أدبية مختلفة ~~تؤلف بين أساليبها التعبيرية وموضوعاتها وأشكالها وموادها في وحدة غنائية تنتظر دائما من ~~يستمع لها وينصت لألحانها؛ ففيها السرد الذي أخذته من الملحمة والقصة والرواية، وفيها ~~الصراع والحوار اللذان ms01 استعارتهما من الدراما، وفيها العاطفة الأسيانة والشجن العميق الرقيق ~~اللذان يجريان مجرى الدم في عروق الشعر الغنائي، وفيها - قبل ذلك كله - نصيب موفور من ~~التأثر بالأغنية الشعبية بتراثها العريق وأشكالها ومضامينها البسيطة المؤثرة تأثيرا ~~مباشرا على الوجدان، وهو تأثير تظل محتفظة به مهما تعقد شكل بنائها في مقطوعات وأوزان ~~مختلفة الأطوال، ولوازم غنائية متكررة، وحرص على الإيقاع والقافية بطرق وأساليب متعددة، أو ~~على التخلي عنها في كثير من الأمثلة النقدية المتأخرة من الناحية الزمنية. # وقد تبين لي بعد ذلك أن هناك من سبقني بسنوات طويلة، وبعمق ونفاذ بصيرة لا قبل لي ~~بهما، إلى إدراك ما أدركته بفطرتي المباشرة العاجزة؛ فقد فطن شاعر الألمان الأكبر «جوته» ~~(1749-1832م) إلى تلك الخصوصية النادرة في البالاد أو القصيدة القصصية، ونبه خلال حديثه عن ~~الأنواع الأدبية - ضمن ملاحظاته وتعليقاته على «ديوان الشرقي للشاعر الغربي» - إلى ~~الإمكانيات الثرية التي تنطوي عليها عندما كتب يقول: # هناك ثلاثة أشكال طبيعية وأصيلة فقط للشعر: الشكل السردي الواضح، والشكل الحماسي ~~المنفعل، والشكل الفعال من خلال الأشخاص، وهي تتمثل على الترتيب في الملحمة والشعر الغنائي ~~والدراما. هذه الأساليب المختلفة للإنشاء الأدبي يمكنها أن تؤثر مجتمعة أو بطريقة مستقلة؛ ~~فنحن كثيرا ما نجدها مجتمعة في أصغر قصيدة، وكأنما هي مجتمعة في بيضة أصلية حية، بحيث تبرز ~~من خلال هذا التجميع في أضيق حيز ممكن أروع بنية أدبية على نحو ما نلمسها في «البالادات» ~~الجديرة بأعظم التقدير عند الشعوب كافة. ~~(2) تمتد جذور «البالاد» إلى أغاني وأناشيد البطولة الجرمانية المتأخرة، كما تتمثل في آخر ~~نماذجها وهو أغنية أو أنشودة هيلد براند الأحدث (من القرن الثالث عشر الميلادي)، وربما امتد ~~تاريخها إلى زمن الأدب الشفاهي. # 1 # ولم يقدر لهذا النوع من الأدب الغنائي والقصصي أن يستمر في أدب العصر المسيحي ~~الوسيط، وذلك إذا صرفنا النظر عن بعض أغنيات الفرسان وأغنيات الحياة اليومية التي تحمل بعض ~~سمات البالاد. كذلك لا يمكننا أن نؤكد وجود البالاد بمعناها الدقيق في الشعر القصصي ~~والغنائي الذي وصلنا من أدب عصر ms02 الإصلاح الديني (القرن السادس عشر)، ولا من أدب القرن ~~السابع عشر؛ فالأغاني القصصية المقفاة التي كانت ترتل في الأسواق والاحتفالات الدينية، ~~وتعتمد على سرد قصص الجرائم المثيرة والكوارث الطبيعية الفظيعة وأخبار الحروب المرعبة (وهي ~~التي توصف أحيانا بأغاني البنك و«الموريثات») # 2 # لم يكن فيها سوى أثر ضعيف للبالاد بسبب طابعها البدائي الفج (لا الشعبي ~~الحقيقي) القائم على الإثارة والتهويل. # والواقع أن الدافع الحقيقي وراء ازدهار البالاد - في الأدب الألماني بوجه خاص - قد جاءت ~~«صدمته» من خارج الحدود الألمانية. ففي سنة 1765م نشر الشاعر الإنجليزي توماس بيرسي مجموعة ~~من ثلاثة مجلدات تضم عددا كبيرا من قصائد الشعر الإنجليزي والاسكتلندي القديم تحت عنوان: ~~«الآثار المتبقية من الشعر الإنجليزي القديم». وقد تحمس لهذه القصائد الشعبية الأصيلة ~~(بجانب التحمس لمجموعة مكفرسون التي ورد الحديث عنها في الهامش السابق) - بما تضمنته من ~~تصوير حي للقوى الطبيعية الثائرة، وللشخصيات القدرية والبطولية الكبيرة - تحمس لها عدد كبير ~~من الشعراء الشبان الذين أرادوا لقصائدهم أن تكون الضد المقابل لشعر البلاط المتكلف الذي بسط ~~ظلاله الفقيرة المجدبة على أدب الطبقة الوسطى. وقد تأثرت «البالادات» الألمانية بالطابع ~~المأساوي الفاجع الذي اتسمت به تلك القصائد القصصية الإنجليزية والاسكتلندية (راجع في هذه ~~المجموعة قصيدة إدوارد التي ترجمها ونظمها الأديب وفيلسوف التاريخ هيردر (1744-1803م) الذي ~~سبق أن تحدثنا عن مدى اهتمامه بالأدب الشعبي عامة، وبتلك القصائد خاصة، وكان من أوائل الذين ~~سارعوا إلى إعادة نظم عدد منها لتكون نماذج للتعبير الصادق عن الطاقة الإبداعية الفطرية ~~للشعوب، وللإنسان العادي البسيط)، ثم اتجه هؤلاء الشعراء بعد ذلك إلى اقتباس مادة قصائدهم ~~القصصية من تراثهم القومي الزاخر بالأحداث والشخصيات والغرائب والعجائب والخرافات، مع ~~تطعيمها في الوقت نفسه بالروح النقدية والثورية التي توشك أن تكون سمة ملازمة «للبالاد» ~~الألمانية بدءا من نماذجها الأولى الناضجة - عند «بيرجر» على سبيل المثال - إلى نماذجها ~~الواقعية والنقدية الساخرة سخرية مريرة عند «هيني»، وعند بعض الشعراء «المحتجين» في النصف ~~الثاني من القرن العشرين، والمعروفين بتوجههم الثوري والنقدي الحاد (مثل: بريشت وبيشر ~~وبيرمان ms03 وفيمان وفيرتيل وفاينرت وتسيميرنج وإنستر برجر ... وغيرهم). # ومن ناحية أخرى لا يمكننا أن نغفل تأثير «الرومانسة» (القصة الخيالية والشاعرية ~~العاطفية) التي ازدهرت في إسبانيا منذ أواخر العصور الوسطى، وساعدت الشعراء الألمان على ~~اكتشاف المنابع الحية لشعرهم الملحمي والدرامي، ووجدت عددا كبيرا من المترجمين والمقلدين ~~الذين تأثروا بها في بداية الأمر إلى الحد الذي استحال معه التفرقة الدقيقة بين «الرومانسة» ~~و«البالاد»، وذلك قبل أن تختفي الحواجز والحدود التي كانت تميز البالادة «الشمالية» - ~~المكونة من مقطوعات ذات بيتين ينتهيان بقافية ولازمة متكررة - وبين الرومانسة «الجنوبية» ~~ذات المقطوعات المكونة من أربعة أبيات غير مقفاة، وذلك بعد أن ظهرت أشكال وبنى جديدة ~~للمقطوعات والأبيات والقوافي، بحيث تداخلت البالاد مع الرومانسة وأصبحا حتى القرن التاسع ~~عشر يمثلان نوعا أدبيا واحدا هو القصيدة القصصية ذات الأحداث الدرامية الواضحة التي ~~يمكن أن تعد المقابل الشعري والغنائي للأقصوصة أو القصة القصيرة في الأدب السردي. ~~(3) ذكرنا فيما سبق أن «البالاد» أو القصيدة القصصية قد نشأت بداياتها الزاهرة على أيدي ~~شعراء وأدباء مثل هيردر، وبيرجر، وأولاند، وجوته في شبابه، لكن يمكننا القول أيضا بأنها ~~بلغت ذروتها الناضجة في عام 1797م، وهو الذي يصفه مؤرخو الأدب الألماني بأنه العام الكلاسيكي ~~لبالادة جوته وشيللر. في هذا العام العجيب - أو قبله وبعده بقليل - ظهرت أعمال، أو بالأحرى ~~كنوز خالدة، يعتز بها منجم البالادة الثري، وذلك مثل قصائد جوته القصصية «عروس كورنثه» ~~والإله - الهندي - والراقصة، وصبي الساحر، والباحث عن كنز، وملك العفاريت (التي تجد ثلاثتها ~~الأخيرة في هذه المجموعة واعتمدت الأخيرة - التي كتبها جوته سنة 1782م - على بالادة شعبية ~~دنماركية كان هيردر قد سبق أن ترجمها تحت عنوان: «ابنة ملك العفاريت»، ومثل بعض قصائد شيللر ~~كالغواص، وفارس توجنبرج، والقفاز، والضمان أو العهد، وإبيكوس، وأسراب الكركي التي تجد ~~ثلاثتها الأخيرة في هذه المجموعة، وكلها بالادات فكرية ومثالية تؤكد استقلال الإنسان وحريته ~~وكرامته وقدرته على مواجهة القدر الباطش بإنسانيته وإرادته وكبريائه وموقفه المثالي ~~المتعالي والمتصارع مع عالم المادة والغرائز الوحشية من خلال «التربية الجمالية للإنسان» ~~كما ms04 سمى إحدى رسائله الفلسفية المهمة). # ولم يتوقف كبار الشعراء الألمان، وصغارهم أيضا، منذ عهد هذين الشاعرين الكبيرين، عن ~~محاولة كتابة القصائد القصصية والدرامية التي تعالج شتى المضامين والمشكلات في نظم شعري ~~ملتزم بالوزن والقافية في معظم الأحوال، أو في أشكال شعرية حرة ومتحررة منهما؛ كما نرى عند ~~بعض الشعراء المتأخرين والمعاصرين، بحيث اتسعت هذه البالادات لموضوعات شديدة التنوع ~~والخصوبة؛ كالحب والألم، والسحر والخرافة، والمرح والسخرية، والنقد الاجتماعي الجريء للظلم ~~الاجتماعي والطبقي على اختلاف صوره عبر العصور، والدفاع عن حرية الإنسان وكرامته وحقه في ~~الحياة الطيبة السعيدة. ~~(4) لقد أثبتت «البالاد» من موقعها الوسط بين الأقصوصة أو القصة الشعرية والدراما، قدرتها ~~على التعبير العاطفي الصادق عن هذه الموضوعات بالأسلوب الغنائي والشعبي الذي تميزت به، لا ~~سيما في فترات الثورة والتمرد على القهر والظلم الاجتماعي وسحق حرية الإنسان واستقلاله ~~وأبسط حقوقه المشروعة في الحياة بغير خوف ولا ذل، بحيث بلغت قمما رفيعة من الجمال وشدة ~~التأثير في عصور الثورات المختلفة، وحروب التحرير الوطني - كما حدث أيام حرب التحرير من ~~قبضة نابليون - والاحتجاج على النظام النازي الأسود وحكمه اللاإنساني والشمولي المرعب. ولو ~~تتبعت بعض النماذج التي تقدمها هذه المجموعة - وسبقت الإشارة إلى بعضها - لأخذك العجب من ~~التنوع الشديد الذي يمتد قوسه ليشمل الموضوعات السابق ذكرها، وتتعدد صوره وانعكاساته بأكثر ~~من تعدد ألوان الطيف. ويمكنك أن تتأمل - على سبيل المثال لا الحصر - قصائد للشاعر الرومانسي ~~كليمنس برنتانو # 3 ~~(1778-1842م) لتلمس فيها شدة القرب من الروح الشعبية والأغنية الشعبية (كما في ~~قصيدته عن «حكاية لورا لاي» الأسطورية التي ما يزال الملاحون والفلاحون على شواطئ نهر ~~الراين يرددونها على ألسنتهم)، وتستطيع بسهولة أن تتبين سمات الاحتجاج والنقد السياسي ~~والاجتماعي في بعض قصائد الشاعر والقصاص الفرنسي الأصل أدالبير فون شاميسو (1781-1838م) مثل: ~~لعبة العمالقة والحلاق المناسب، وملك من الشمال، ونساء فينسبرج، وكذلك في بعض قصائد الشاعر ~~هينريش هيني (1797-1856م) الذي اشتهر بعذوبته وسخريته القاسية، وشدة إحكامه للبناء الشعري ~~(راجع قصائده القصصية عن بني عذرة وأنثى، ووادي الآلام، وشارل ms05 الأول، والنساجون) بالإضافة ~~إلى قصائد الشاعر لودفيج أولاند برؤيته التاريخية الواضحة، وإلمامه الواسع بالتراث والقدر ~~الألماني وأساطيره الجهمة المظلمة (انظر في هذه المجموعة قصائده القصصية: ابنة صاحبة ~~الفندق، ولعنة المغني، وقصر على البحر)، وقد استطاع أمثال هؤلاء الشعراء - الذين عاشوا ~~وكتبوا في القرن التاسع عشر - أن يضعوا الأسس الراسخة لجل الشعراء الذين جاءوا بعدهم، ~~سواء من الواقعيين والطبيعيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (مع العلم بأن البالادة ~~قد جربت أقسى فترات تدهورها وجفافها في عصري الواقعية والطبيعية)، أو في أوائل القرن ~~العشرين من التأثيريين والتعبيريين، أو من الشعراء الثوريين الذين عاش شبابهم وكهولتهم ~~بالمحنة النازية القاسية، ولا يزال بعضهم أحياء يعملون ويبدعون. ونذكر من أسماء الشعراء ~~الكبار في القرن التاسع عشر: نيكولاوس ليناو (1802-1850م)، وجوتفريد كيللر (1819-1890)، ~~وفريدريش هيبيل (1813-1863م)، وفردنياند فرايليجرات (1810-1876م)، وديتليف فون ليلينكرون ~~(1844-1900م)، وتيودور فونتانه (1819-1898م)، وفريدرش ريكرت (1788-1866م)، وذلك حتى الشعراء ~~الثوريين من أكثر من جيل في القرن العشرين الذين تحولت بعض قصائدهم القصصية إلى نداءات، أو ~~دعوات تحريضية للنهوض والانتفاض على الظلم والحرب وسحق الحرية وإذلال الإنسان مثل: برتولت ~~بريشت (1898-1956م)، ويوهانيس بيشر (1899-1958م)، وريشارد ديميل (1863-1920م)، وبرتولد فيرتيل ~~(1885-1953م)، وإريش فينرت (1890-1953م)، وإميل جينكيل (1893-1959م)، حتى الأصغر منهم سنا ~~مثل: فرانز فيمان (ولد 1922م)، وهاينز كالاو (ولد 1931م)، وكارل ميكيل (ولد 1936م)، وماكس ~~تسيمرينج (ولد 1909م)، وفولكر براون (ولد 1939م)، وراينز كيرش (ولد 1934م)، وغيرهم حتى وقتنا ~~الحاضر. ~~(5) حاولت تصنيف هذه القصائد القصصية وترتيبها في تسع مجموعات تنتظم موضوعات ومشكلات ~~متقاربة وضعتها تحت عناوين توخيت فيها الشاعرية، واقتبست بعضها من ثنايا السطور، وإذا كنت ~~ستجد عددا كبيرا من الشعراء الذين ذكرت أسماءهم ممثلين في هذه المجموعة بقصيدة أو أكثر، ~~فسوف تفتقد بطبيعة الحال عددا آخر ربما لم ترق لي «بالاداتهم» التي أتيح لي الاطلاع عليها، ~~أو لم تشجعني على الاستجابة لها ونقلها إلى شواطئ لغتنا ومشاعرنا واهتماماتنا. لهذا أسارع ~~بالاعتذار؛ لأن المجموعة التي اخترتها أو اختارتني لن تقدم رؤية كاملة ووافية ms06 للقصيدة ~~القصصية في الأدب الألماني الغني بها غنى ملحوظا، ولكن لعلها - فيما أرجو - أن تقدم نماذج ~~دالة على «البالاد» وتطورها وتحولاتها خلال فترة زمنية تقرب من ثلاثة قرون، وذلك منذ أن ~~بدأت أول ينابيعها السخية - كما سبق القول - في التدفق بفضل شعراء كبار يعدون اليوم ~~أجدادها الشرعيين. ومن المألوف والمعتاد في مثل هذه المختارات المنتخبة أن يفتقد هذا ~~الشاعر أو ذاك، وهذه القصيدة أو تلك من القصائد التي كانت تعد درة فريدة في عصرها وتزين كتب ~~المطالعة في أجيال سابقة، لكن الكمال مستحيل، وحسب هذه المجموعة أن تقدم للقارئ العربي ~~عددا من أشهر وأنضج «البالادات» الألمانية، وتعطيه فكرة طيبة عن تطورها وتحولاتها في أحد ~~الآداب العالمية المهمة. # ولا بد أيضا من الاعتذار مرة أخرى والاعتراف بالحسرة التي يشعر بها كاتب هذه السطور، ~~وهو يدعو القارئ للاطلاع - أو بالأحرى للاستماع - إلى قصائد محرومة من الوزن والقافية ~~والإيقاعات التي تميز بها معظمها في النصوص الأصلية. وقد سبق أن قلت إن هذه القصائد القصصية ~~لا تنفصل في أغلب الأحوال عن الغناء، وربما عن الرقص أيضا، ولكنني لست شاعرا كبيرا ولا ~~صغيرا، لكي أعيد نظمها في لغتي، وأحافظ على الأوزان الأصلية، وأبتدع لها القوافي الملائمة، ~~وحتى هذه المحاولة لا يضمن نجاحها ولو قيض لها شاعر كبير في لغته؛ لأنها تؤدي بالضرورة ~~إلى التصرف الشديد في ألفاظ الأصل ومعانيه وتراكيبه، ناهيك عن اضطرارها في كثير من الأحيان ~~للنظم الجاف المصطنع وبعدها الحتمي عن رنين الكلمات الأصلية وعذوبة الأوزان والقوافي ~~المرتبطة بها؛ لذلك حاولت أن أنقلها إلى العربية بأسلوب يراعي روح الأصل، ويعوض عن ضياع ~~الإيقاعات والقوافي بقدر من الموسيقى الداخلية، أو من السجع والتساوق الملائم في نهايات ~~السطور. وإذا كنت قد تصرفت تصرفا محدودا في بعض هذه البالادات أو في إعادة صياغة القليل ~~منها، فإنني آمل - على كل حال - أن يتعاطف القارئ مع هذه «الكنوز»، وأن يشعر - ولو من بعيد ~~- بجمالها وقيمتها إذا تحتم أن يغيب عنها بريق ذهبها وجواهرها، وأن يحس بشاعريتها التي ~~أتمنى ms07 أن تعوضه قليلا عن «شعريتها» الضائعة. ~~(6) وفي النهاية لا أستطيع أن أترك القلم قبل أن أعبر عن أمل آخر كبير، وهو أن يلتفت ~~أدباؤنا وشعراؤنا، من الشباب بوجه خاص، إلى القصيدة القصصية، ويتابعوا بقدر الإمكان أفضل ~~نماذجها سواء في الأدب الألماني أو في غيره من آداب الشعوب كافة، لا سيما في الأدبين ~~الإنجليزي والفرنسي وغيرهما من الآداب الغربية، وليس عندي أدنى شك في أن أدباءنا وشعراءنا ~~سيجدون في القصيدة القصصية منبع إلهام صاف يمكن أن يساعدهم على الاغتراف من منابعهم ~~التراثية الخاصة، ومن أدبهم الشعبي الغني بالكنوز. وربما حفزهم أيضا على شق طرق جديدة تعطي ~~للقصيدة القصصية والدرامية في أدبنا العربي الحديث ما تستحقه من حب وعناية واهتمام، ~~وتضيف إلى نماذجها الرائعة والنادرة عند بعض رواد شعرنا الجديد نماذج أخرى لأدباء وشعراء ~~أحدث منهم سنا، وربما أكثر جرأة وإقداما على المغامرة في خوض بحار المجهول الساحر الذي ~~نسميه الإبداع. # أحمده سبحانه على عونه وتوفيقه، وأستغفره وأسأله الصفح عن القصور والتقصير، إليه ترجع ~~الأمور، وإليه المصير. # القاهرة في ديسمبر 2003م # عبد الغفار مكاوي # الفصل الأول # | ساحرة من نهر الراين # (1) ملك العفاريت # من هذا الذي يسري في الليل والبرد والريح؟ # إنه الأب مع ولده المسكين. # بالأمس اشتعلت نار الحمى في الجسد الصغير، لمسته كف الأم ومرت على الصدر والوجه ~~والجبين. # صرخت من لسع الجمر المتقد، وصاحت: ولدي! يا ولداه! # خذه إلى المستشفى القريب. لا تنتظر الصبح لكيلا نندم، لا تبطئ حتى لا يذهب منا ~~ويضيع. # لفته في حزام من الصوف، وغطته بالملاءة البيضاء. # ركب الأب حماره وحمل معه الولد العليل. احتضنه وضمه إلى صدره، وعلى الكتف أراح الرأس ~~المحموم. ~~- ولدي! لم تخفي وجهك؟ مم تخاف؟ ~~- أبي يا أبي، ألا تراه يا أبي هناك؟ ~~- من يا صغيري؟ من هذا الذي تراه؟ ~~- إنه يا أبي ملك العفاريت، يشير إلي ويدعوني. على رأسه التاج المرصع بالذهب ~~والياقوت، ومن ظهره يتدلى الذيل الأسود الطويل. ~~- لا تخف يا ولدي، ما الشبح الذي تتخيله إلا غيمة من غيوم ms08 الضباب. ~~- أبي. إنه يقول لي: تعال، تعال معي يا ولدي الحبيب! سوف نلعب معا أجمل الألعاب. وسنجري ~~معا على الشط وحولنا الورود والأزهار، وأمي العجوز ستهديك الثوب الذهبي الذي أعدته لهذا ~~اللقاء. ~~- اهدأ يا ولدي، اهدأ. ~~- ألا تسمعه يا أبي؟ ألا تسمع همسه في أذني بالكلام الحلو والوعود؟ ~~- قلت اهدأ يا ولدي، اهدأ فالمستشفى يقترب، المستشفى غير بعيد. ~~- ما زال يلح يا أبي ويقول: ألا تريد أن تأتي معي يا ولدي الصغير؟ إن بناتي اللطيفات ~~ينتظرنك يا ولدي من زمن طويل، سوف يرحبن بك ويستقبلنك كالأمير، وسيرقصن على شرفك، ثم ~~يهدهدنك ويضعنك وسط الحلقة ويهللن ويهتفن باسمك وبأعذب لحن سيغنين. ~~- اهدأ يا حبة عيني، ليس ما تسمعه سوى أصوات الريح ترفرف في أوراق الشجر الذابلة ~~الصفراء. ~~- كيف لا تراهن يا أبي؟ بنات ملك العفاريت هناك في الأيك البعيد. في ذلك المكان الساكن ~~المعتم الكئيب. ~~- ليس ما تراه يا ولدي سوى أغصان الصفصاف، تترنح في البرد والليل والريح. ~~- اسمع يا أبي، اسمع ما يقوله ملك العفاريت: أحبك، أحبك ويسحرني وجهك الفاتن وشكلك البديع، تعال معي تعال معي تعال، ولا تكن الولد العنيد! وإذا لم تطعني فسوف أستخدم معك قوتي وبأسي ~~الشديد، آه! # إنه يمد يده إلي ويمسك بخناقي بيد من حديد. آه! أنقذني يا أبي، أحس في صدري وجنبي ~~بالألم الشديد. # والأب أيضا أحس بالألم الشديد وداهمه الرعب المخيف، ضرب بعصاه الحمار العجوز الذي لم يكف ~~عن لكزه طول الطريق، لف ذراعه حول الجسد الواهن المحترق وشده إلى صدره ليحميه من البرد ~~والضباب والريح، ما هي إلا خطوات حتى لاح المبنى الأبيض كالوجه الطيب من بعيد. # وعندما وصل إلى البوابة الضخمة نزل من على الحمار الذي ربطه إلى حديد السور، وانطلق يجري ~~إلى الداخل ليسلم الولد للطبيب. # قلب هذا في جسد الولد، تحسس جبينه، مال بجذعه وأحنى رأسه، ووضع أذنه على صدره، ثم رفع ~~قامته، ووضع يده على كتف الأب الفقير وهو يقول: مات الولد. الولد مات. # 1 ~~(2) لورا لاي # لا ms09 لست أدري ما الذي جرى لي، ولا لماذا تتملك قلبي الأحزان؛ لأن هذه الحكاية من سالف ~~العصر والأوان، لا تريد أبدا أبدا أن تغيب عن بالي. # في بلدة تقع على نهر الراين اسمها باخاراخ، كانت تعيش ساحرة فاتنة آسرة الجمال، لا تسل عن ~~ضحايا سحرها وفتنتها، ولا عن القلوب التي حطمتها ومزقتها، فربما كانت تعد بالمئات أو ~~الآلاف. اقتنع الناس - وهم في رعب - بأن على يدها مصارع الرجال، وبأن القيود التي تأسرهم ~~بها عيناها وتوردهم موارد الهلاك، لا سبيل للخلاص منها، وكيف السبيل من سحر عينيها إلى ~~الخلاص أو الإنقاذ؟ # بلغ خبر جمالها وما حصده منجله الناصع الفتاك إلى آذان الأسقف الكبير؛ فأصدر أمره ~~باستدعائها للمثول أمام سلطة الكنيسة ومجمعها الخطير، لكن الأسقف - فيما يروى ويشاع - انبهر ~~بجمال الساحرة، وكاد يفقد الوعي والشعور. لا ندري ماذا قال لنفسه، لكننا سمعنا عما قاله لها ~~في تأثر شديد: أنت أيتها الخاطئة المسكينة، أنت يا لورا لاي، من أغراك ومن أغواك بهذا السحر ~~الشرير؟ # قالت الساحرة الجميلة قاتلة الرجال، ومحطمة قلوب العشاق: مولاي الأسقف، سيدي القسيس الكبير، لقد تعبت من الحياة، تعبت من الحياة. أتوسل، أبتهل ~~إليك أن تأمر بموتي الآن وفي الحال؛ لأنني ما دمت حية فسوف ينتهي كل من تقع عليه عيناي، أو ~~تقع عيناه علي إلى الهلاك والضياع والبوار والخسران. وماذا أملك من حظي يا سيدي الأسقف ~~الكبير؟ هل أنا التي جعلت من عيني جمرتين من النار واللهيب؟ أم أنا التي حولت ذراعي إلى ~~عصا ساحر داهية ورهيب؟ أتوسل وأبتهل إليك يا مولاي، أن تأمر بإلقائي في النار قبل فوات ~~الأوان، وتكسر عصاي قبل أن تلتف ذراعي كالحية حول أعناق الرجال في كل مكان. ~~- لن أمسك بسوء يا ابنتي، ولن أستطيع أن ألعنك على الإطلاق، حتى تعترفي لي وتقولي يا ~~لورا لاي، كيف أمكنك أن تقذفي بقلبي - وأنا رجل الله - في قلب النيران؟ كيف يمكنني أن أكسر ~~عصاك فأكسر معها قلبي نصفين وأصبح كالمجانين والعشاق. أعترف بأني أكاد أصدق الآن ms10 ما بلغني ~~عنك من أخبار، لكني أرجو أن تعترفي أنت وتكشفي عن قلبك النقاب يا لورا لاي. ~~- لا تسخر مني يا سيدي القسيس الكبير، فما أنا يا مولاي إلا ساحرة مسكينة، وادع ربك وربي ~~الرحيم أن يغفر ذنوب خاطئة بغير ذنبها وملعونة، تريدني أن أعترف؟ ~~- أجل، أجل. كيف صعقت الملاح البائس بشعاع من عينيك وأنت على قمة جبل عال؟ وكيف ...؟ ~~- وكيف اصطدمت مركبه بالصخرة فتحطمت المركب وتحطم معها الملاح؟ أوليس كذلك ما ترويه ~~الأغنية على ألسنة الملاحين والفلاحين، وتردده النسوة وعجائز تلك البلدة والشبان مع ~~الأطفال. مولاي تعبت من الأغنية ومن غناها ويغنيها صبح مساء. ولهذا جئت إليك لتنفذ حكمك ~~في وتأمر. ~~- ليس قبل أن تعترفي وتقولي، ما حكاية هذا الملاح؟ وماذا فعلت به يا لورا لاي؟ ~~- صدقني فالأمر بسيط يا مولاي، وهو كما حدث بعيد عما يحكون. لم أذنب فيه - علم الله - ولم ~~أقصد أن أوذي الرجل المسكين. ~~- لكن شعاع الجمر بعينيك، ماذا فعل؟ اعترفي، قولي. ~~- صدقني لم يحدث هذا عن قصد، لم أجن عليه، بل لم أعرف أن الرجل على مركبه يتأرجح فوق ~~الموج الهادئ، بل لم أره ولا أطللت عليه. كان الجو جميلا قبل الشفق ترف علي الأنسام ~~الرطبة، وأنا أجلس فوق القمة، قمة جبل تلمع كالذهب، وتتدفأ في نور الشمس الغاربة المنحدرة ~~خلف الأفق كما التفاحة في غور الهاوية المعتم توشك أن تغرق. كان الراين هنالك من تحتي يتدفق ~~ويسيل وديعا وحييا بالأمواج العذراء الرائعة الفتنة، وأنا العذراء الفاتنة هنالك فوق ~~القمة، وأمشط شعري الذهبي بمشط ذهبي، وحليي تلمع في عنقي وعلى صدري وبمعصمي وفي كفي تضيء ~~الظلمة، وكنت أغني يا مولاي، أغني للموج الناعم في الأعماق وللنسمة والطير العابر، والتفاحة ~~تشحب حمرة خديها، تتصارع مع جيش الظلمة، توشك أن تغرق في العتمة. ~~كانت أغنيتي رائعة اللحن كما يروون، جاشت بالنغم الآسر، صعدت للملأ الأعلى، ثم انحدرت ~~هابطة للأمواج تهدهدها بالترنيمة والإيقاع. ما ذنبي أنا والملاح العابر في مركبه ينظر لي، ~~ويطيل النظر إلى القمة؟ ما ms11 ذنبي أن سحرته أشعة عيني الذهبية حتى اختبل، انشغل عن الخطر ~~الداهم، وارتطم المركب بالصخر الوعر فحطمه وتحطم معه، وغاصا في الأعماق المظلمة البشعة؟ ما ~~ذنبي؟ قل لي يا مولاي الأسقف ما ذنب عيون لم تره أصلا، وذراع لم تلتف على صدره؟ ما ذنبي إن ~~كانت أغنيتي خلبته وأخذت منه اللب مع الوجدان، فظل يصعد عينيه لأعلى، غفل عن المركب والدفة، ~~حتى اصطدم بتلك الصخرة وابتلعته الأمواج؟ ~~- حقا حقا، لا ذنب عليك، لا ذنب عليك. ~~- بل أنا مذنبة يا مولاي، وذنبي أعظم من أن يغفر؛ لهذا جئت إليك ورحت أبثك شكواي وأتوسل ~~لك، أتوسل أن تطلب من فرسانك أن تقتلني وتخلصني من قدري البائس والمخجل والمزري. ~~- ولماذا المخجل والمزري؟ هل ذنبك أنك ساحرة العينين، وأن ... ~~- أجل ذنبي ذنبي، لم تكتف عيناي بتكبيل العشاق جميعا بخيوط السحر الكامن في نظرتها، بل ~~جعلته يهرب مني ويفر إلى البلد النائي. ~~- من هذا؟ من هذا الهارب من سحرك؟ قولي. ~~- هو حبي الأوحد في الدنيا يا مولاي، حول عينيه عني، غدر وخان، ذهب إلى البلد ~~النائي. ~~- خوفا من فتنتك وسحر عيونك. مفهوم مفهوم، ولهذا ... ~~- لهذا جئت إليك الآن، وكلي العزم مع التصميم أن تخرجني من دائرة السحر الملعون. لفت تلك ~~الدائرة ذراعيها حولي كالثعبان، وها أنا أتسمم وبنفس السم القاتل للعشرات وللعشرات من العشاق. ~~ربي يعلم أني امرأة ساكنة ووديعة. إن الكلمات إذا خرجت من شفتي كذلك ساكنة ووديعة، لا ~~عيني أو كلماتي قصدت يوما أن تجرح أحدا، دع عنك بأن تقتل أو تؤذي وتصيب الأفئدة بداء لا ~~ينفع معه دواء. أنا نفسي أتألم من جرحي يا مولاي الأسقف. أرجوك ارحمني من جرحي وارحم قلب ~~العاشق والمجنون. يكفي أني أتألم، يشتد علي الألم إذا عيني لمحت عيني في المرآة. أتوسل لك ~~أرجوك. هبني أن أستغرف وأكفر عن ذنبي في حق الناس وفي حق حبيبي. تعبت تعبت، وما عاد لعيشي ~~طعم فأمر يا مولاي. ~~- بإلقائك في النار كما قلت؟ لا، لا. بل ألقيك قريبا في الدير ms12 لتعتكفي فيه كراهبة، وتعدي ~~نفسك لمغادرة الأرض إلى أحضان السيد كالعذراء الطاهرة بموكب أحباب الرب. يا فرسان، استدعوا ~~لي الفرسان هنا من قبل غروب الشمس، هيا هيا استدعوا الفرسان. # وحضر ثلاثة فرسان قبل مغيب الشمس. امتطوا صهوات جيادهم، ومضوا إلى الدير ومعهم لورا ~~لاي. ~~- يأيها الفرسان، يأيها الفرسان ، أرجوكم أن تقفوا الآن، دعوني أصعد تلك الصخرة في هذا ~~الجبل الوعر لألقي آخر نظرة، وأطل على قصر حبيبي من تلك الصخرة. ~~- من تلك الصخرة؟ في هذا الجبل الوعر المنحدر إلى هاوية الموت؟ ~~- أجل، من تلك الصخرة يا فرسان، دعوني ألقي آخر نظرة، آخر ما تشهد عيناي من الدنيا هو ~~قصر حبيبي الغائب. ودعوني أيضا ألقي آخر نظرة، من فوق الصخرة، للموج المحبوب الناعم في نهر ~~الراين. أرجوكم أبتهل إليكم يا فرسان، قبل دخولي الدير لأصبح عذراء الرب القادر أن يغفر ~~ذنبي وخطاياي. # والصخرة عالية وعرة، وجدار الصخرة ينحدر إلى الأعماق الخطرة، لكن الساحرة - بإذن من ~~فرسان الرب الطيب - تتقدم منها، تتسلقها حتى تصل إلى قمتها وتطل على الوادي منها، وعلى ~~السهل القابع في الأعماق. بعدت هذي الساحرة عن العالم، وارتفعت فوق الأرض وفوق جميع ~~العشاق. # نظر الفرسان إليها، حسدوها أو غاروا منها أو نقموا أن تفلت منهم، فيكون نصيبهم القتل أو ~~الطرد من النعمة والخذلان. # وربطوا جيادهم في السهل، وصمموا على الصعود إليها هناك فوق القمة الخطرة العالية. ها هم ~~يتسلقون ويتسلقون، وهي هناك تطل على النهر الهادي المحبوب، على النهر الفاتن والمفتون، ~~وماذا ترى هناك في الأسفل السحيق؟ قلبها يخفق، ويشتد ضرباته، وتسرع وتكاد تختلج مع الموج ~~العميق. فهي تلمح سفينة صغيرة تتأرجح على الأمواج فتقول لنفسها: لا بد أن حبيبي الغائب ~~فيها، لا بد أن هذا الواقف هناك هو حبيبي الذي لم يكن ولن يكون لي سواه. هنالك تميل على ~~الحافة، تحني جذعها ورأسها وتلقي بنفسها من أعلى الصخرة إلى عمق الأعماق. # وماذا عن الفرسان الثلاثة؟ ماذا عن فرسان الرب الشجعان الأمجاد؟ يقال إنهم بعد أن صعدوا ~~بشق الأنفس، ms13 ووصلوا إلى القمة عجزوا تماما عن الهبوط. كان من نصيبهم أن يهلكوا هناك على ~~القمة التي غادرتها الساحرة الفاتنة إلى الأعماق. وهكذا كتب عليهم أن يموتوا وحدهم هناك، ~~يموتوا وحدهم بلا قسيس يناولونه الاعتراف الأخير، ولا مثوى في قبر يضم الجسد الفاني ~~والعظام. # هكذا انتهت الأغنية الغريبة العجيبة ، الأغنية التي ترنم بها ملاح يمخر بسفينته أو قاربه ~~أمواج نهر الراين الهادئة الوديعة، ثم أخذها عبر الأجيال من بعده ملاحون آخرون. ودائما كان ~~يتردد - فيما يحكى ويقال - من أعلى الصخرة المشهورة هذا النداء، دائما ما كان يتردد في ~~سمع الملاحين والفلاحين على ضفاف الراين الحنون، ومن أعلى الصخرة التي عرفت بصخرة العذراء ~~والفرسان الثلاثة، دائما ما كان يتردد هذا النداء: # لورا لاي. # لورا لاي. # لورا لاي. # 2 ~~(3) الولد الضائع في المرج الشاسع # يرى الولد، فيما يرى النائم أنهم أرسلوه، ومعه ثلاثون «تالرا» # 3 # إلى المرج الشاسع البعيد، وأنه في الحلم المرعب قد قتل على الطريق بسبب تلك ~~النقود، مع أنه لم يكن يوما بالكسول ولا البليد. # وبينما هو غارق في العرق والقلق الفظيع، هزه المعلم من نومه، وأمره بارتداء ثيابه بغير ~~إبطاء. سأله متعجبا عن سبب الفزع الذي أصابه، ثم وضع له النقود على الفراش فوق ~~الغطاء. ~~- آه يا معلمي، يا معلمي، ورأيتك تضربني بقسوة، حتى أصبت بالإغماء، وكانت الشمس يا معلمي ~~بلون الدم المسفوح في كبد السماء. ~~- انفض عنك الأحلام الصبيانية، وانهض على الفور يا غلام، فالشمس لا تبدو لك وحدك محمرة، ~~بل لكل الأنام، قم من نومك أيها الكسول وإلا ضربتك بالسوط على رجليك كالبهائم ~~والأغنام. ~~- رحماك يا معلمي، هذا ما كنت تقوله وتفعله على الدوام، وكم رأيت هذا على وجهك، في نظرتك، ~~وفي نبرة الكلام، وها أنت تمد ذراعك. # وقبل أن يكمل العبارة كانت العصا تنهال على اللحم والعظام. ~~- آه، آه، سأذهب، سأذهب، ولكن يا معلمي الكبير، إذا سألت أمي عني فقل لها ابنك يقول لك ~~الوداع، وحتى لا تتوه مع الرياح الأربع في كل اتجاه وتخاف، قل ms14 لها يا معلمي إنها ستجدني ~~هناك، هناك في المرج تحت شجرة الصفصاف. # خرج الولد من المدينة فاستقبلته الأعاصير والرياح، وامتد أمامه المرج الشاسع الملفوف في ~~الضباب والمسكون بالأشباح والأرواح. # آه، تكاد الريح تقذفني في الهواء، والخطوة في هذا المرج المخيف كأنها آلاف الخطوات، وكل ~~شيء ساكن من حولي، كل شيء صامت أخرس تحت السماء، وعبثا أحس أو أرى أو أشعر بأنفاس أحد ~~الأحياء، فلا شيء في هذا التيه إلا الطيور الجائعة كالغيلان، تنقض من أعلى على فرائسها من ~~الحشرات والديدان. # ويصل الولد إلى بيت وحيد يبدو كالكوخ المهجور، وبينما هو يقترب منه إذ يظهر على بابه ~~راع فقير، يخفق قلب الولد من الرعب، وتعلو دقاته، فتشل خطاه، ويقف في مكانه كالشحاذ ~~الكسير: أيها الراعي الطيب، تبدو على وجهك التقوى والصلاح، لقد ادخرت من مصروفي القليل أربعة ~~قروش، فأمر يا سيدي الراعي خادمك الأمين، أن يصحبني حتى القرية القريبة، ويدلني على ~~الطريق، سأعطيه يا سيدي الراعي أربعة قروش، يمكنه أن ينفقها يوم الأحد على كأس من البيرة ~~أو من النبيذ. سأعطيه هذه القروش التي تثقل علي بالهم والوسواس، فقد رأيت في المنام أنني ~~أقتل بسببها، وتخمد مني الأنفاس. # أشار الراعي إلى خادمه القوي الطويل، الذي خبر دروب المرج، وطرق فيه كل سبيل. وظهر الخادم ~~على الباب فارتعب الولد المسكين، الوجه جهم غليظ، والشر يلمع في العين، ويبدو على الملامح ~~والجبين. ~~- أيها المعلم، أيها الراعي، سامحني لا لا لا، الأفضل أن أمضي وحدي بغير رفيق ولا ~~دليل. # ضحك الخادم الطويل، وقالت نظرته الساخرة للراعي العجوز: يريد أن يحتفظ لنفسه بالقروش هذا الولد البخيل. ~~- ها هي ذي القروش الثلاثة. # رمى الولد القروش، ولم يدر إن كانت قد وقعت تحت قدمي الراعي الطيب أو تلقفتها يد الخادم ~~المتجهم الطويل؛ فقد انطلق مسرعا زائغ البصر مبلبل الخاطر والبال، وسرعان ما تبدت أمامه ~~شجرة الصفصاف من بعيد، وما درى بأن السائر خلف ظهره هو الخادم العنيد. رن الصوت الوحشي ~~وراءه: أنت يا ولد لا تحتمل مشقة ms15 الطريق، لا تنس أنك طفل، ولا تستغني عن الصاحب والرفيق. آه ~~لا تسرع في خطواتك، تأن ففي التأني السلامة، وإذا كانت النقود ثقيلة عليك فتعال هنا ولا ~~تخف، تعال نسترح معا تحت الشجرة، شجرة الصفصاف. واحك يا ولدي عن ذلك الكابوس البشع الفظيع، ~~فربما أكون أنا أيضا قد رأيت مثل هذا الكابوس المريع، والتقت أحلامنا السوداء كما نلتقي ~~الآن في هذا المرج الشاسع البديع. # مد الخادم ذراعه، وضغط على يد الولد ضغطة ثقيلة صارمة، وأرتج على الولد فلم يبد أي ~~مقاومة. هناك راحت أوراق الأشجار تهمس في الريح بصوت كالأنين، والجدول تتدفق في صمت وهدوء ~~قطرات مائه الحزين. ~~- قل لي يا ولدي. تقول إنك حلمت حلما فظيعا. ما الذي رأيت في الحلم؟ ~~- حلمت برجل يتقدم مني، رجل جهم الوجه غزير الشعر الطويل. ~~- هل كنت أنا هذا الرجل؟ انظر لي وتمعن في. # أحسب أني هذا الرجل وأنك لم تر أحدا غيري، أوليس كذلك؟ قل لي ماذا حدث؟ تكلم، ماذا حدث ~~بهذا الحلم؟ ~~- سحب الرجل السكين. ~~- هل كانت تشبه هذي السكين؟ ~~- أجل، هي هي، هي نفس السكين. ~~- أمسكها في قبضته. # ثم طعن. ~~- طعنك في الرقبة؟ أوليس كذلك؟ ~~- آه، ما جدوى أن أتعذب وأعذبك بكلماتي، ما الجدوى من أن ... هيا خذها الآن. # وتسألون ما الذي جرى وما الذي حدث؟ إذن فلا توجهوا السؤال لي، بل إلى الغراب والحمامة، ~~كانا هناك يا قارئي الكريم، شاهدا وشهدا على الحكاية؛ أما الغراب من موقعه على ذرى ~~الصفصافة، فقد رأت عيناه واستخفه النعيق والسرور والفرح، وخافت الحمامة الحنون، أطلقت ~~هديلها، وانطلقت مع الرياح للسماء، وبقي الغراب ينعي ذلك الشرير يحكي عما اقترفت يداه، وكيف ~~أقبل الجلاد بعدما شم روائح الجريمة، وراحت الحمامة الأليفة البيضاء، تروي لكل من يسمع قصة ~~الصبي البائس المسكين، وكيف راح يطلق الصياح والصلاة والرجاء والبكاء، ولم يزل ليومنا هذا ~~يواصل البكاء. # 4 ~~(4) الباحث عن كنز # فقيرا في الجيب، مريضا في القلب. # رحت أجر ورائي أيامي المظلمة المملولة والملعونة. # رأيت أن الفقر أعظم المصائب، ms16 # والجاه والثراء أعظم النعم. # ولكي أضع حدا لهمومي وآلامي السقيمة، رحت أبحث عن كنز تحدثت عنه الكتب النادرة ~~القديمة. يا نفسي، آه يا نفسي. لا بد أن تحصلي على هذا الكنز، ولتعلمي أنني راهنت بدمي على ~~تحقيق هذا الفوز. # وهكذا انطلقت إلى المكان المعلوم، وأخذت أرسم دوائر حول دوائر تتسع وتتقاطع وتتعانق، ~~وأشعلت النيران التي حولت الأرض إلى سماء تتوهج بالنجوم الساطعة، وتنذر بالبروق الصاعقة. لم ~~أنس أن ألقم النار بالأعشاب الشهيرة الموصوفة، وأن أغذي وقودها بعظام الموتى اليابسة ~~المخيفة. وبدأت أتلو تعاويذي المحفوظة، وأهيب بالشياطين الفظيعة والأرواح الرقيقة والغليظة. ~~ثم شرعت أحفر في الموقع المحدد المحدود، وأنا واثق بالعثور على الكنز العتيد التليد. آه ما ~~أبشعها من ظلمة، الليلة كانت عاصفة سوداء. # وفجأة لاح نور يخفق ويبرق من بعيد، كأنه نجم أو كوكب سعيد، وتزامن هذا مع دقات الساعة ~~منتصف الليل. هنالك أخذت على غرة، وأشرق الضوء الساطع من كأس كالدرة، يحملها في يده صبي ~~فاتن الجمال على جبينه غرة. # أبصرت أمامي عينين ببريق خاطف اللمعان، تحت تاج مرصع بالزهور التي تسطع ألوانها كالياقوت ~~والمرجان. وعلى الضوء السماوي الساطع للشراب، دلف الصبي إلى الدائرة التي كنت أحفر فيها ~~بالظفر والناب. ابتسم وحياني ودعاني أن أشرب باطمئنان. قلت لنفسي: يستحيل أن يكون هذا ~~الصبي من نسل الشيطان، ما دام يقدم لي هذه الهدية الرائعة التي تستحق العرفان ~~والامتنان: اشرب وتذوق شجاعة الحياة الصافية، عندئذ تفهم سر الموعظة الغالية، وتقلع عن تعاويذ ~~الشر وتهاويل البهتان، ولا تفكر أبدا في الرجوع إلى هذا المكان. كف عن الحفر هنا، وتوقف عن ~~هذا العمل الباطل، اجعل يومك للعمل المثمر والشاق، واجعل ليلك للسمر مع الأضياف وللبهجة ~~والأشواق. اقض أسابيع العمر مع الكد المر، واترك نفسك للمتعة في الأعياد وللمرح الحر، ~~ولتصبح كلماتي في المستقبل هي تعويذتك، وحكمتك، وكلمتك السحرية. # 5 ~~(5) صياد بجبال الألب ~~- ألا تريد يا ولدي أن ترعى الأغنام؟ الأغنام الهادئة الطيبة التي تعيش على الأعشاب، ~~وتمرح لاعبة على شط الغدير؟ ~~- أمي، أمي ms17 دعيني أمضي يا أمي للصيد، هنالك فوق أعالي جبل الألب. ~~- ألا تحب يا ولدي أن تجذب القطيع الصغير، ليسير وراءك على أنغام البوق المرح وألحان ~~النفير؟ فترن الأجراس بصوتها المحبوب، وتندمج مع غناء الغابة العجيب؟ ~~- أمي، أمي، قلت لك دعيني أسرح وأهيم، فوق أعالي الجبل الموحشة هناك. ~~- ألا يعجبك يا ولدي أن تتعهد الأزهار اللطيفة التي تنمو وتزدهر في أحواض الزهور؟ هناك لن ~~تجد البستان ولا الحديقة التي ترحب بك وتدعوك، فما أفظع الوحشة في الأعالي المقفرة ~~الجدباء! ~~- اتركي الزهور في حالها لتنمو وتزدهر في سكون، ودعيني يا أمي أذهب إلى قمة الجبل ~~المكين. # وانطلق الصبي في رحلة الصيد كما أراد، وقلبه يجيش بالرغبة والقلق والاندفاع الجسور، نحو ~~البقعة المقفرة التي يرتفع فيها الجبل الموحش المهول. مرت أمامه بسرعة أشد من سرعة الريح، ~~غزالة تعدو هاربة مرتعشة بعد أن لمحت ظله النحيل. راحت تتسلق أضلاع الصخر العارية كأنها ~~تسبح أو تطير، وما إن لمحت شقا في الحجر المتصدع حتى قفزت تختبئ فيه، لكن الصبي النزق ~~الجريء كان يتبعها وفي يده قوس الموت الوشيك. ها هي ذي فوق الحافة تتعلق بنتوء في أقصى ~~الطرف الحاد، تتلفت حولها وتحتها، فلا ترى من درب أو سبيل، بل صخور منحدرة في عمق الهاوية ~~السحيق، وتنظر خلفها ولا تلمح سوى العدو المتربص بها من قريب. إنها ترسل نظرات الرعب ~~الخرساء، وتبتهل وتتوسل لصبي قاسي الفؤاد، لكن تتوسل عبثا إذ ها هو يضع يديه على القوس، ~~ويدخل فيه النبل الفتاك. # وفجأة ينشق الصدع الأسود في الجبل الأجرد عن روح طيب، ويتقدم منها عجوز الجبل ليهدئ من ~~روعها، ويمر بيده الإلهية على ظهر الحيوان المعذب، ثم ينادي بأعلى صوت: أحتم عليك أن تجلب الموت والرعب إلى هذا المرتفع الذي أعيش فيه؟ إن الأرض تتسع ~~للجميع، فلماذا تصر على مطاردة هذا الغزال البريء وملاحقة قطيعي؟! # 6 ~~(6) لعبة العمالقة # قلعة «نيديك» في منطقة الإلزاس اسم ذاع صيته في الحكايات والأساطير، واشتهر برجه العالي ~~الذي كان يعيش فيه العمالقة قبل ms18 أزمان وأزمان. لقد سقط البرج العالي وانهار، وآلت القلعة ~~اليوم إلى الخراب والوحشة والبوار. ولو سألت عن العمالقة فلن تعثر لهم على أثر وسط ~~الأنقاض. # ذات يوم خرجت طفلة من نسل العمالقة من القلعة لتلعب أمام الباب، ودفعها الفضول لأن تهبط ~~المنحدر إلى الوادي البعيد؛ إذ تاقت نفسها لمعرفة ما يجري هناك في الأعماق. # قطعت خطوات قليلة وسريعة لتجد نفسها قد عبرت الغابة، وسرعان ما بلغت الأرض التي يعيش فيها ~~البشر. والمدن والقرى والحقول المزروعة بدت لعينيها من عالم غريب. # وبينما هي تطل تحت قدميها متطلعة لما تراه هناك، وقع بصرها على فلاح يعمل في حقله الصغير. ~~كان الكائن الصغير منكبا على عمله الشاق العجيب، ومحراثه يلمع تحت وهج الشمس، ويسطع بضوء ~~غريب. # هتفت صائحة: «ياه! يا لها من لعبة طريفة! سأحملها وأعود بها إلى البيت.» ثم انحنت بسرعة ~~وبسطت منديلها على الأرض، وكنست بيديها كل ما كان يتحرك هناك، وكومت ما جمعته وطوته في ~~منديلها الصغير. وأخذت تقفز بسرعة وهي تهلل بالفرح على عادة الأطفال، ودخلت القلعة وانطلقت ~~في لهفة تبحث عن أبيها في كل مكان. ~~- أبي، أبي الحبيب، أترى هذه اللعبة البديعة العجيبة؟ لم يسبق لي أن رأيت مثلها في قلعتنا ~~العالية الأبواب والأسوار. # كان العجوز يجلس إلى المائدة، ويحتسي كأسا من النبيذ، نظر إلى ابنته في هدوء وسألها في ~~حنان: «ما هذا الشيء المثير الذي تطوينه في منديلك اللطيف؟ أراك تتقافزين يا ابنتي من ~~الفرح، فدعيني أنظر ما تحملين.» # نشرت الطفلة منديلها الصغير، وبدأت تصف على المائدة كل ما احتواه: الفلاح والمحراث ~~والحصان الذي كان يجر المحراث. راحت تضع كلا منها في مكانه، وهي تصفق بيديها وتثب إلى ~~أعلى وتهلل بالفرح والصياح. # تجهم وجه الأب واكفهرت ملامحه، هز رأسه في هدوء، ثم قال: «ما الذي فعلته يا ابنتي؟ ليست هذه لعبة على الإطلاق! هيا احمليها يا ابنتي على الفور، ~~وأعيديها إلى الموضع الذي أخذتها منه. هيا يا ابنتي فليس الفلاح لعبة، ولا أدري كيف خطر لك ~~هذا ms19 على بال. هيا نفذي الأمر بلا تردد أو إبطاء، فلولا الفلاح يا ابنتي ما عرفت الخبز الذي ~~تأكلين كل صباح ومساء. هل غاب عنك أن نسل العمالقة من صلب الفلاحين؟ لا ليس الفلاح لعبة يا ~~ابنتي، وليحمنا الله من شر هذه الأفكار.» # في منطقة الإلزاس ذاع اسم قلعة «نيديك» ورددته الأساطير والحكايات. واشتهر برجها العالي ~~الذي سكنه العمالقة في سالف العصر والأوان. لقد سقط البرج العالي وانهار، وآلت القلعة في ~~أيامنا إلى الوحشة والخراب والبوار. ولو سألت عن العمالقة لما عثرت لهم على أي أثر وسط ~~الخرائب والأنقاض. # 7 ~~(7) صبي الساحر # أخيرا غادر المعلم والساحر الخطير. صرت وحدي وخلا علي البيت الكبير. سأجعل أرواحه ~~وعفاريته طوع إرادتي، وآمرها بأن تتصرف كما أحب وأشاء. حقا أنا صبيه الذي يتعلم على يديه، ~~لكنني سمعت كلماته وراقبت حركاته وسكناته وعاداته، وبقوتي وعزمي سأفعل الآن ما أريد، وأحقق ~~مثله العجائب والمعجزات. # أيتها المياه، أيتها المياه، # تدفقي تدفقي، # وانطلقي وأغرقي # البيت والفناء، # والبهو والحديقة، # وليهدر الطوفان # من داخل الحمام، # وينتهي إليه # ولتغمر الدلاء # الزرع والبناء # بالماء ثم الماء، # تصبه عليه # والويل كل الويل # حين يفيض السيل # لمن يسد طريقه، أو ينكر الحقيقة. # تدفقي وفوري # وانطلقي وثوري. # أيتها المياه، # أيتها المياه. # وأنت أيتها المكنسة القديمة، هيا تعالي والعبي لعبتك الحميمة. هيا ارتدي أسمالك البالية ~~السقيمة، قد كنت دائما خادمة مطيعة؛ فامتثلي لأمري الآن، حققي إرادتي ورغبتي الفظيعة. قفي ~~على رجليك، وارفعي الرأس لأعلى، واحملي الوعاء فوقه ممتلئا بالماء. هيا اذهبي وعودي، عودي ~~واذهبي دون تلكؤ ولا إبطاء. تحركي، تحركي أيتها المكنسة القديمة الحمقاء. # تدفقي تدفقي # أيتها المياه. # انطلقي وأغرقي # البيت والفناء، # والبهو والحديقة. # تدفقي وفوري، # وانطلقي وثوري # أيتها المياه، أيتها المياه. # ها هي المكنسة تنحدر هابطة إلى شاطئ النهر حقا، بل ها هي تملأ الوعاء وترجع مسرعة ~~كالبرق، ثم تصل إلى هنا وتصب سيول الماء مرة بعد مرة بعد مرة، حتى يفيض الحوض وتمتلئ الجرار ~~والقدور، والأوعية والأطباق والصحون، وتدفق من أفواهها الماء بعد الماء. # كفى، ms20 كفى # توقفي توقفي # أيتها المكنسة المجنونة، # أيتها المكنسة الملعونة. # لقد فعلت ما استطعت، # أعطيت فوق ما انتظرت منك. # شكرا ثم شكرا لك. # لكن توقفي الآن توقفي توقفي. أوشكت المياه أن تسيل كالطوفان، # وتغرق النبات والجماد والإنسان. # قلت توقفي. # لماذا تمعنين في العصيان؟ يا أنت يا نسل الجحيم أقلعي عن غيك الشنيع، عودي كما كنت وأعطيني ~~الأمان. # أواه ما الذي فعلته وما الذي لا زلت تفعلين؟ # وكيف أوقف المياه عند حدها وأتقي أذى ~~السيل اللعين؟ # ويلي، يا ويلي نسيت الكلمة! الكلمة التي ستوقف المكنسة الملعونة. # الكلمة التي توقفها ~~فورا إذا أخرجها من فمه المعلم الحكيم. # ويلي أنا الغبي والملعون يا ويلي نسيت الكلمة! ~~الكلمة التي ترجعها كما كانت وتمنع المصيبة. # توقفي، قلت توقفي أيتها المكنسة ~~الرهيبة. # لا لن أطيق هذا. لن أطيق أن يغمرني التيار، # ويغمر السلم والحجرة والبهو وكل ما في ~~الدار. # لن أطيق هذه الكارثة الفظيعة، # لا بد أن أمسكها المكنسة المجنونة الخليعة. # ويلي يا ~~ويلي ماذا قد جرى؟ # قد غمر السيل المكان واستبد وطغى، هل أترك البيت يضيع كالفريسة # لهذه ~~المكنسة الخسيسة؟ # قفي قفي، توقفي أيتها الدسيسة، هيا ارجعي كما كنت، وأوقفي لعبتك الحقيرة. # الماء فاض، أغرق الأعتاب، وحطم الدولاب، جرف الأبواب، هدد السقوف والرفوف والحظيرة. # ما زلت لا تريدين أن تقفي عند حدك. إذن فلا بد من الإمساك بك مهما كان الثمن. سألقي ~~بنفسي عليك وأشطرك نصفين. ها هي البلطة في يدي ولن تهربي من مصير المارقين. ها هي ذي تعود ~~وفوقها الوعاء يترنح ويدلق الماء. انتظري أيتها الروح الجاحدة، فسوف تركعين الآن وتندمين. ~~ها هي ذي الضربة تقصم ظهرك الملعون، تقطع خشبتك المهترئة بحدها المسنون، انشطرت إلى نصفين، ~~وأستطيع الآن أن أتنفس وأستريح من القلق والجنون. # ويلي، ويلي! # الشطران يقومان الآن من الأرض # يسابق أحدهما الآخر، # ويحث الخطو إلى النهر، ~~ويمضي بالقدر الملآن. آه أيتها الأرواح العلوية، كوني في عوني، # لا تذريني وحدي، # لا تدعيني ~~أهلك وأموت وأغرق كالفأر السكران، # ويهلك معي البيت مع الأغنام مع ms21 الجيران. # وتواصل المكنسة - التي أصبحت مكنستين - لعبتها السخيفة. ويبتل كل شيء وتطمره المياه؛ ~~القاعة والأعمدة والسلالم والحجرات والشرفات. # آه ويلي من هذا السيل المرعب! # تعب القلب فأقبل، أقبل يا سيدي الساحر والراعي والأب. # اسمع صوتي، أدركني، سامحني واغفر لي هذا الذنب. المحنة - يا من علمت صبيك - قاسية مرة. # أنقذني وأنا أعدك ألا أفعلها أبدا ، أعدك هذي آخر مرة. # زين لي الطيش الأحمق أن أدعو ~~الأرواح فلبت وإذا البيت يصير بحيرة، لكني حين رأيت الخطر الداهم حاولت وحاولت لكي أصرفها، # واستعصى الأمر علي ولم أعرف سره، ونسيت الكلمة، وانقلب السحر على الساحر كاد يكلفه عمره. # أدركني يا سيدي ومولاي، # أقر بجهلي ورعونتي وهذي هي آخر مرة. # وجاء المعلم الساحر العجوز فهتف على الفور: # أيتها المكنسة اللطيفة # هيا إلى الزاوية الأليفة، # عودي إلى الركن الحبيب عودي. # وعندما ~~يدعوك صوت غير صوت الساحر العجوز فاصمتي لا تسمعي للوعد والوعيد، # قولي له: السر لا يعرفه ~~الصبي # بل يعلمه المعلم الذي علمني، الذي ألزمني حدودي. # 8 # الفصل الثاني # | الحب الصادق وحد بينهما # (1) ابنة صاحبة الفندق # كان ثلاثة فتيان يتمشون على شط الراين الهادئ الوديع. بحثوا عن مكان يستريحون فيه، ثم ~~رأوا أمامهم الفندق الصغير. طرقوا الباب ففتحت صاحبة الفندق. ~~- «أيتها السيدة المحترمة، هل لديك بيرة ونبيذ؟ وابنتك الساحرة الجمال، أين هي ~~الآن؟» ~~- «عندي بيرة طازجة ونبيذ صاف، أما ابنتي فهي في الحجرة المجاورة ترقد في التابوت.» # اتجهوا ناحية الحجرة وفتحوا الباب. وجدوا الفتاة ممددة داخل تابوت يغلفه السواد. # تقدم الفتى الأول ورفع عن وجهها النقاب، ثم أخذ يتأملها بنظراته الحزينة. ~~«آه لو كنت الآن حية، أيتها الفتاة الفاتنة الجمال، إذن لأحببتك على الفور من كل قلبي ~~وبدءا من اللحظة والآن.» # وأقبل الفتى الثاني على التابوت، ومد يده فغطى وجه الفتاة بالنقاب، ارتد إلى الوراء ~~قليلا، ثم راح جسده يرتج من البكاء: «آه، ما أقسى أن أجدك راقدة في هذا التابوت! كم أحببتك ورعيت عهودك عدة سنوات!» # واندفع الفتى الثالث نحو التابوت، فرفع النقاب عن الوجه ms22 الشاحب الحزين، وانحنى على الفتاة ~~وقبل الفم الذابل وهو ينتفض من البكاء والأنين: «أما أنا فأحببتك دائما، وما زلت أحبك وسوف أظل أحبك للأبد.» # 1 ~~(2) القفاز # جلس الملك «فرانز» أمام حديقته التي تحبس بين أسوارها وفي أقفاصها الأسود، منتظرا بداية ~~الصراع بين الوحوش بعضها وبعض، وبين الوحوش والإنسان. # اتخذ كبار رجال البلاط أماكنهم من حوله، أما كرائم السيدات فجلسن في الشرفة العالية، وقد ~~تألقت زينتهن، وسطعت حليهن، ووضعت على رءوسهن أكاليل الزهور. # لم يكد الملك يعطي الإشارة من إصبعه حتى انفتح أحد أبواب الحلبة الواسعة، ودخل منها أسد ~~يمشي بخطى ثقيلة متأنية، ويتلفت حوله بنظرات متوانية صماء. فتح فمه على اتساعه، وأخذ ~~يتثاءب، ويهز عرفه الأشقر المتهدل على رأسه، ثم تمطع قليلا قبل أن يتمدد على الأرض ~~ويستريح. # عاد الملك يشير بإصبعه، فانفتح على الفور باب ثان، خرج منه نمر ضخم أخذ يقفز قفزات وحشية ~~خاطفة. ولم يكد يرى الأسد الراقد أمامه، حتى دوت زمجرته العالية، وأخذ يضرب الأرض بذيله ذات ~~اليمين وذات اليسار، ثم بدأ يلف في دائرة بعيدة عن الأسد، وقد تدلى لسانه، وراح يلعق به ~~شفتيه قبل أن يتمطى على الأرض، وهو يدمدم بصوت متحشرج مكتوم. # وأشار الملك بإصبعه من جديد، فأفلت من الباب المزدوج فهدان مخيفان مرة واحدة. اندفعا بكل ~~ما فيهما من شهوة العراك وشراسة النزال نحو النمر الممدد على الأرض، فلم يكن منه إلا أن ~~صدهما بمخلبيه الأماميين، بينما نهض الأسد واقفا وهو يزأر فساد الهدوء وخيم السكون على ~~الجميع. وهكذا رقدت القطط الوحشية المرعبة، والتأم شملها في شبه دائرة تتصاعد من داخلها ~~روائح التحفز للقتل والقتال. # فوجئ الجميع بقفاز ألقت به من فرجة في الشرفة إحدى الأيدي الجميلة، ورأوه وهو يسقط وسط ~~الدائرة التي تضم الأسد والنمر والفهدين، وترامى إليهم صوت تبين لهم أنه صوت الحسناء ~~«كونيجوند» التي لاحظوا أنها تميل برأسها ناحية الفارس «ديلورجس» وتقول له بنغمة مرحة ~~ساخرة: أيها الفارس، إن كان حبك هو الحب الصادق الحار كما تؤكد لي كل ms23 يوم وكل ساعة، فأثبت لي ~~ذلك بأن ترجع القفاز الذي سقط من يدي. # نهض الفارس فورا على قدميه، وأسرع بالنزول إلى الحلبة المخيفة بخطوات راسخة ثابتة، ~~وتقدم من الدائرة المرعبة فالتقط القفاز بإصبعه الجسور في لمحة خاطفة. # ارتسم الذعر والذهول على وجوه الفرسان والكبراء والحسان النبيلات وهم يتابعون المشهد ~~لاهثين مضطربين. وعندما أقبل الفارس ومعه القفاز الذي أرجعه للحسناء رددت كل الألسن، ولهجت ~~كل الأصوات بآيات التمجيد والثناء، وعبرت كل النظرات التي تركزت عليه عن الإعجاب ~~والإكبار، لكن نظرة الحسناء «كونيجوند» تميزت عن سائر النظرات؛ إذ كانت مفعمة بالحب والحنان ~~غنية بالوعود والمواعيد. # أما الفارس نفسه فقد رمى القفاز في وجهها وهو يقول: وفري الشكر يا سيدتي فأنا في غنى عنه. # وانطلق مغادرا المكان في نفس اللحظة. # 2 ~~(3) أنثى # ربط الحب قلبيهما برباط وثيق، أما هي فأنثى ماكرة لعوب، وأما هو فلص قاتل ووغد زنيم. وفي ~~كل ليلة يرجع إليها من مغامراته الإجرامية، كانت تلقي بنفسها على السرير وتنخرط في نوبة من ~~الضحك الشديد. # كانا يمضيان نهار اليوم بين اللذة والسرور، وفي المساء كانت ترقد واضعة رأسها على صدره ~~العريض، وعندما ألقوا القبض عليه وأخذوه معهم إلى السجن المظلم البعيد، وقفت في النافذة، ~~وأخذت تضحك في حبور. # أرسل إليها من يقول لها على لسانه: تعالي في أقرب وقت، أنا في شوق لك، قلبي يهتف باسمك ويحن إليك. # لم يكن منها بعد أن بلغتها الرسالة إلا أن هزت رأسها، وأغرقت في الضحك السعيد. # في السادسة صباحا شنقوه، في السابعة غيبوه في قبره، لكنها في الثامنة راحت ترتشف النبيذ ~~الأحمر، بينما كانت تطل من النافذة وتضحك. # 3 ~~(4) بنو عذرة # في كل مساء كانت ابنة السلطان الفاتنة الحسناء، تتمشى جيئة وذهابا عند النبع الصغير، ~~النبع الذي توشوش فيه وتتناثر منه المياه البيضاء. # وفي كل مساء كان العبد الشاب يقف عند النبع الذي توشوش فيه المياه البيضاء، وكان وجهه في ~~كل يوم يزداد عليه الشحوب والاصفرار. # في أحد الأيام اندفعت الأميرة نحو العبد، وقالت ms24 له بكلمات خاطفة حادة: أريد أن أعرف اسمك. أعرف وطنك وقبيلتك وأصلك. # أجاب العبد بقوله: اسمي محمد، وأنا من اليمن السعيد، وقبيلتي هي قبيلة بني عذرة، أولئك الذين يموتون عندما ~~يحبون ويخلصون. # 4 ~~(5) قصة حب موضوعية # بعد أن عرفا بعضهما ثماني سنوات كاملة (ويمكن القول بأنهما عرفا بعضهما معرفة لا بأس ~~بها)، ضاع منهما الحب فجأة كما تضيع من المرء عصا أو مظلة أو غطاء للرأس. # كانا حزينين، وحاول كل منهما أن يبدو مرحا وطبيعيا، بل حاولا أن يتبادلا القبل، وكأن ~~كل شيء لم يزل على حاله كما كان. ثم نظر كل واحد منهما للآخر، واحتارا كيف يتصرفان. عندها ~~انفجرت في البكاء الشديد، ووقف هو بجوارها صامتا لا يدري ماذا يقول. # كانت شمس العصر تفرش أشعتها على أسطح البيوت. قال إن الساعة ربما جاوزت الرابعة بقليل، ~~وقد حان الوقت لتناول القهوة أو الشاي، وسمعا بالقرب منهما أصوات عزف على البيانو. # دخلا أصغر مقهى وجداه في المكان، ثم راحا يقلبان الملاعق في الأكواب. وهبط المساء وهما ما ~~يزالان في مكانهما جالسين، جالسين وحدهما وبكلمة واحدة لا ينطقان، ولا يتصوران - ببساطة - ~~كيف حدث لهما ما حدث. # 5 ~~(6) ملك من تولا # 6 # عاش في جزيرة تولا من قديم الزمان، ملك صان عهد الوفاء حتى الرمق الأخير. كانت زوجته قد ~~أهدته وهي في غيبوبة الاحتضار، كأسا ذهبية رائعة الحسن والجمال. # لم يكن يفوق حبه لهذه الكأس شيء في الوجود، فهو يفرغ خمرها في جوفه مع كل طعام أو شراب. ~~وكلما ارتشف منها ولو قطرة واحدة، طفرت إلى عينيه الدموع الغزار. # عندما كبر في السن وشعر بأن أجله قد حان، أحصى المدن والقلاع والأصقاع في المملكة، ثم قام ~~بتوزيعها على ورثته من الأمراء، وتخلى عن كل شيء ولم يحتفظ لنفسه إلا بالكأس. # جلس إلى المأدبة الملكية للمرة الأخيرة، ومن حوله جموع الفرسان والنبلاء والأمراء، هناك ~~في البهو الفخم العالي بهو الآباء، في قصره الشامخ المطل على البحر الكبير. # ونهض السكير العجوز ووقف أمام النافذة، وراح ms25 يرتشف آخر جمرات الحياة، ثم انحنى ورمى الكأس ~~المقدسة من يده في ماء البحر الجياش بالرياح والأمواج. # أخذ يراقبها وهي تصطدم وترتطم بدوامات المياه، ثم تسقط وتغيب على مهل في الأعماق. هنالك ~~أغمض عينيه وانسدلت فوقهما الجفون، ثم لم يذق بعد ذلك قطرة واحدة. # 7 # الفصل الثالث # | طوبى للعصيان # (1) طوبى للعصيان # كان هناك سبع عنزات صغيرة، وكان يسمح لهن بأن يتطفلن على كل شيء، باستثناء صندوق الساعات، ~~الذي حرمته عليهن الأم، حتى لا تفسده وتدمره. # كانت هناك ست عنزات مؤدبة، أرادت أن تتطفل على كل شيء، إلا على صندوق الساعات، الذي حرمته ~~الأم عليهن، حتى لا تفسده وتدمره. # وكانت هناك عنزة عاصية، أرادت أن تتطفل على كل شيء، بما في ذلك صندوق الساعات، الذي ~~أفسدته ودمرته كما خشيت الأم. # ثم جاء الذئب الشرير. # كانت هناك ست عنزات مؤدبة، اختفت عندما شعرت بأن الذئب قد جاء؛ تحت المائدة، وتحت السرير، ~~وتحت الكرسي الكبير، ولم يختف أحد منها في صندوق الساعات، فافترس الذئب العنزات الست ~~جميعا. # كانت هناك عنزة غير مؤدبة، قفزت في صندوق الساعات، كانت تعلم أنه فارغ ومجوف، ولذلك لم ~~يعثر عليها الذئب، فبقيت على قيد الحياة. # عندئذ فرحت أم العنزات. # 1 ~~(2) الحلاق المناسب ~~«إذا جاز لي على طريقة المتحذلقين، أن أحلق ذقني وخدي، فسأسمح لنفسي لليوم الأخير، بأن ~~أستغل ذقني الطويلة، بذلك يرتعد من الرعب كل من يراها، وكل من يواجه غضبي الشديد. # هاللو، أنت يا صاحب الفندق، خذ حصاني بسرعة، وقدم له ما يحبه من العلف. هل لديكم هنا في ~~المنطقة حلاق؟ إذن فادع الحلاق المناسب على الفور. لقد جبت الغابة من الشمال للجنوب، وقطعت ~~هذه البلاد الملعونة بالطول والعرض، ومع ذلك لم أعثر أبدا على الحلاق المناسب. # تعال هنا، اقترب يا حلاق الذقون، عليك أن تحلق لي ذقني، لكن لا تنس أن جلدي حساس، سوف ~~أنفحك مائة قطعة ذهبية، # 2 # وإذا لم تؤد عملك على ما يرام وسالت مني قطرة دم واحدة، فسوف يطعنك هذا الخنجر ~~في ms26 قلبك.» # كان الحديد البارد المسنون يلمع فوق المائدة، وعلى مقربة من هذا الشيء الملعون، كان الرجل ~~متجهم الوجه أسمر الشعر، يجلس على صهوة جواده، مرتديا سترة قصيرة سوداء، تتدلى منها أهداب ~~أشد سوادا. # أحس الحلاق بالرعب الشديد، أراد أن يسن الموسى ويبدأ عمله، ثم نظر إلى الخنجر، وإلى الضيف ~~الماثل أمامه، فتملكه الخوف والفزع، وأخذ يرتعش كورقة الخريف، وفجأة قرر أن ينفذ بجلده من ~~الإعصار، واستأذن في أن يرسل صبيه بدلا منه. ~~«مائة قطعة ذهبية أعرضها عليك إذا وجدتك تجيد صنعتك، لكن حذار أن تخدش جلدي، وإلا طعنتك ~~بالخنجر حتى الموت.» # قال الصبي: «أعوذ بالله من الشيطان، ليس هذا من العادات المألوفة في بلادنا.» وجرى ~~مسرعا، وأرسل إليه صبيا أصغر. ~~«أأنت الحلاق المناسب، أيها (البرص) الصغير؟ هيا إذن إلى العمل، وابدأ في الحلاقة، هنا ~~المال أمامك، وهنا الخنجر، ويمكنك أن تختار ما تشاء، لكن إذا جرحتني أو خدشت جلدي بخدش ~~بسيط، فسوف أطعنك الطعنة الرحيمة القاضية، ولن تكون في ذلك الأول ولا الأخير.» # تفكر الصغير في العملات الذهبية، لم يتردد طويلا وهتف بصوت جسور: «اجلس الآن في هدوء، لا تتحرك، وليرعك الله ويبارك فيك.» # أخذ - بثبات ورباطة جأش - يغمر وجهه بالصابون، يشحذ في يده الموسى، ويقص الشعر، يحك ~~الجلد، ويدهنه ويدعكه. «والآن، بحمد الله، نعيما عليك.» ~~«خذ، أيها القزم المضحك، نصيبك من المال، إنك شيطان حقيقي، لم يفكر أحد قبلك في الحصول ~~على النقود، وأنت الوحيد الذي لم تعتره الشكوك، ولا أصابته الرعشة والارتجاف. ولو سالت مني ~~قطرة دم واحدة، لما ترددت في طعنك بالخنجر.» ~~«سيدي الكريم، لم يكن الأمر كما تتصور، فقد كنت أمسك طول الوقت برقبتك، ولو كنت حركت وجهك ~~حركة بسيطة، وارتبكت يدي لحظة واحدة في الحلاقة، لما تركت لك الوقت لتنفيذ ما تقول، فقد كنت ~~مصمما وعلى أتم استعداد أن أقطع رقبتك على الفور.» ~~«كذا، كذا، يا لها من دعابة ملعونة.» # ساءت حال السيد وشعر بالتعب والضيق، وشحب وجهه كوجوه الأموات، وراح جسده ينتفض ويرتعش بعد ms27 ~~الأوان. ~~«كذا، كذا، شيء كهذا لم يخطر أبدا على بالي، مع ذلك فقد لطف بي الرحمن الرحيم، ولن أنسى ~~هذا الدرس في المستقبل ما حييت.» # 3 ~~(3) تاجر من أصفهان # فرضت ضريبة جديدة، على التجار في مدينة أصفهان، لكن أحد التجار رأي بعد تفكير، أن الضريبة ~~تجاوز قدرة حافظة نقوده بكثير. # أخذ يعد، ويحسب، ويقارن ويزن الأمور، ثم هب من فوره وانطلق على الطريق، ليعلن شكواه ~~للمحتسب الكبير، لعل الشيخ يستجيب لظلامة المستجير. # جاب الحارات الضيقة وشق طريقه وسط الزحام: سيدي، لن أسدد الضريبة الجديدة. ~~- إذن، فعليك أن تغادر هذه المدينة. # قالها المحتسب في تأن وهدوء. ~~- سيدي، أنا عاجز هنا عن سداد الضريبة، وإلى أين أذهب وليس لي في العالم مكان؟ ~~- اذهب إلى شيراز أو حتى إلى كاشان، أو اذهب كما تشاء إلى أي مكان. # تجرأ التاجر وقال: في شيراز، يا سيدي، يعمل شقيقك الأصغر منك، وابن أختك يمسك بالدفة في كاشان، فأي شيء ~~يمكن أن أرجوه هنا أو هناك؟ ~~- تستطيع أن تتوجه إلى البلاط، وهناك تشكو الظلم الواقع عليك. ~~- في البلاط يا سيدي يقبض على زمام السلطة شقيقك الأكبر وهو الوزير. ~~- اذهب إذن إلى الجحيم، وتوقف عن حمقك ووقاحتك. # رد عليه التاجر قائلا: ربما وجدت هناك والدك رحمه الله، فما أصعب أن يفلت منك أي إنسان! ~~- اذهب إذن وتوكل على الله، وسوف أفكر في الأمر بنفسي حتى لا تقع على رأس أحد من جنسي ~~تهمة ظلمك في الدنيا وفي الآخرة. # 4 ~~(4) مرسال # رجع الدوق من مهرجان سباق الخيول، فرأى خادمه يمرق مسرعا بجانبه: هالو، إلى أين تحملك رجلاك؟ تكلم يا خادمي وقل لي في أي اتجاه تسير. ~~- إنني أتمشى يا سيدي وأروض أعضائي، وبالمرة أبحث لي عن مسكن أعيش فيه. ~~- مسكن؟ ما هذا الذي تقوله؟ تكلم بصراحة، ماذا حدث لمسكننا، للبيت الذي نعيش فيه؟ ~~- لم يحدث شيء ذو بال، مجرد أن كلبك الأبيض الصغير، يرقد الآن مجروحا بجرح مميت. ~~- كلبي العزيز مجروح؟! مجروح حتى الموت؟! تكلم كيف جرى هذا لكلبي ms28 الحبيب؟ ~~- أصاب الفزع حصانك فقفز فوقه، وبعدها جرى في اتجاه النهر فابتلعته الأمواج. ~~- حصاني الجميل! زينة حظيرة الخيول! وما الذي أفزع الحيوان المسكين؟ ~~- إن لم تخني الذاكرة فقد داهمه الرعب الشديد، عندما رأى ابنك الصغير يسقط من ~~النافذة. ~~- ابني؟ وهل جرح ابني العزيز؟ لا بد أن زوجتي الحلوة ترعاه الآن. ~~- الدوقة عاجلتها الضربة على الفور عندما رأت أمامها جثمان السيد الصغير. ~~- ولماذا مع كل هذه المصائب والأهوال لم تبق هناك، أيها الوغد، لتحرس البيت؟! ~~- البيت؟ أي بيت تقصد يا سيدي! بيتك الآن فحم وتراب! كانت المرأة التي غسلت الجثث بالقرب ~~من النعش نائمة، حين شبت في ثوبها وشعرها النار، واحترق القصر والإسطبل باللهب الذي أججته ~~الريح، كما احترق الخدم والحشم أجمعين. أنا وحدي الذي ادخره القدر من المأساة، وأرسلني إليك ~~لأصف لك في رفق تلك الأحداث. # 5 ~~(5) صبي الشيطان # ولما رجع الجندي من الحرب، وفي جسده سبعة ثقوب فداء لمليكه، لم يجد مأوى في وطنه، فمضى ~~ذاهبا إلى الجحيم. هناك وجدوا له وظيفة، فكان عليه أن يقوم بتسخين القدور، كما كان عليه ~~ألا يبخل بالفحم والوقود، وبذلك صار صبي الشيطان. # وعندما تقدم من القدر الأول، وجد ضابطه السابق يطل برأسه: أنت يا رفيقي العزيز، ساعدني على الخروج من الجحيم. ~~- طبعا لا، لن يحدث شيء من هذا، لكم عذبتني على الأرض وأهنتني، فابق إذن في أسفل الجحيم، ~~وجبة سائغة للشيطان. # وعندما أقبل على القدر الثانية، اكتشف أن فيها المارشال. ~~- آه يا رفيقي الطيب، ساعدني على الخروج من الجحيم. ~~- لا، لا. هذا شيء مستحيل. لقد طالما عذبتني على الأرض وأهنتني، فابق عندك في أعماق ~~الجحيم، وجبة دسمة للشيطان. # ولما اقترب من القدر الثالثة وجد مليكه يطل منها برأسه. ~~- أنت يا رفيقي العزيز، ساعدني على الخروج من الجحيم. ~~- لا، لا. لن يحدث هذا أبدا، لقد عذبتني على الأرض وأهنتني، فابق في أسفل درجات الجحيم، ~~وجبة لذيذة للشيطان. وإذا بقيتم جميعا في الجحيم، فسوف تحيا الأرض في رخاء ونعيم، عندئذ ~~يمكنني، أنا صبي الشيطان، ms29 أن أرجع أخيرا إلى بيتي. # ترك زبانية جهنم يعملون ويسبحون، ووضع تحت القدر مزيدا من الفحم والوقود، ثم تسلل ~~مغادرا الجحيم، على أمل ألا يعود إليه أبد الآبدين. # 6 ~~(6) الطفل الذي سقط في البئر # كان الطفل الصغير - على عادة الأطفال - مشغولا باللهو واللعب والمرح. لم ينتبه إلى البئر ~~المفتوح القريب منه، فوجد نفسه فجأة يسقط فيه. # صحيح أنه عندما سقط لم يصب بسوء، لكن الطفل هو الطفل، ولا بد من أنه شعر بالفزع والبرد ~~الشديد في ذلك الثقب الرطب الكئيب. المهم أن البئر كان قريبا من البيت الذي يسكن فيه، ولم ~~يكن عميقا على كل حال، ولذلك استطاع أن ينادي من مخبئه بصوت كله استعطاف ورجاء: أتوسل ~~إليكم، ساعدوني على الخروج. # جاء الأب مسرعا، وجاء معه أخوه، وحضر كذلك أقرب جار، بل إن رجال الإطفاء أقبلوا أيضا، ~~مع أنه لم يكن هناك نار ولا دخان. أخذوا ينظرون معا إلى الطفل الصغير المحبوس في الأعماق، ~~سألوه بصوت واحد: ما الذي حدث وكيف وقعت فيه؟ تنهد الطفل وسأل: وكيف أخرج من هنا؟ هتف أبوه ~~قائلا: أنت يا ولدي العجيب لا مبدأ لك. أما أخوه فضرب بيده على صدره، وقال على وجه ~~التقريب: كنت أعلم على الدوام أن أخي سيئ الطباع. # وقال الجار بصوت لين حنون: لقد قذف زجاج نافذتي مرة بحجر صغير، أجل إنه ولد متوحش ~~وشرير. # صاح الأب بصوت عال: اعترف يا ولد، لقد فعلتها وأنت عامد متعمد. # وأكمل أخوه بصوت خفيض: والسر في ذلك أنه تعود أن يسرق التفاح. # ومع أن فتحة البئر لم يكن يصعد منها نار ولا دخان، فإن رجال الإطفاء هددوا الطفل بالخرطوم ~~الأسود الكبير. # نفد صبر الجميع ودمدموا بصوت عال وغليظ: اعترف بذنبك إذن، وإلا سلطنا عليك المياه، هتف ~~الطفل الصغير: نعم، نعم، نعم. كان غطاء البئر مكشوفا، ولذلك سقطت فيه. صحيح أنني أعترف بذنبي، لكن ~~الآخرين أيضا مذنبون. # ولا بد وأنه قال ذلك تحت تهديد الخرطوم. # المهم أنهم أخرجوه أخيرا ووضعوا على البئر الغطاء. # كبر ms30 الطفل الآن، وانتهت اللعبة. ومن يكذب وينافق، هو وحده الذي يجد الراحة والأمان. # 7 # الفصل الرابع # | حكاية من سالف الزمان # (1) حكاية عن نشأة كتاب «الطريق والفضيلة» (تاو-تي-كنج) الذي أملاه ~~الحكيم «لاو-تزو» وهو في طريقه إلى المهجر # 1 # لما بلغ السبعين من عمره وأحس بالضعف الشديد، تاقت نفس المعلم إلى الراحة؛ فقد تداعت ~~أركان الخير في البلاد، والشر عاد إلى سطوته. وربط حذاءه. # 2 # ثم حزم ما يحتاج إليه . متاع قليل، لكنه يضم شيئا من هنا ومن هناك: الغليون الذي تعود أن ~~يدخن فيه كل ليلة، والكتيب الذي تعود أن يقرأ فيه، ومن الخبز الأبيض على قدر النصيب. # 3 # فرح قلبه برؤية الوادي للمرة الأخيرة، ثم نسيه عندما سار في طريق الجبل. فرح ثوره بالعشب ~~الندي فراح يمضغ منه والعجوز فوق ظهره، ولم يكن هذا في عجلة من أمره. # 4 # لكن في اليوم الرابع عند أسفل الجبل، سد عليه الطريق عامل الجمرك: هل من شيء نفيس يستحق ~~الضريبة؟ «لا، لا شيء.» # والغلام الذي يسحب الثور تكلم قائلا: لقد كان يعلم الناس. واحتاج هذا أيضا إلى ~~بيان. # 5 # وعاد الرجل يسأل بلهجة مرحة: وهل خرج من ذلك بشيء؟ وتكلم الغلام فقال بأن الماء الذي ~~يجري بنعومة ولين، يهزم الصخر الجبار بمرور الزمن، وبهذا إن كنت فهمت، يغلب الصلب ~~والخشن. # 6 # ولكي لا يضيع عليهما ضوء النهار الأخير، ساق الغلام الثور، وما إن اختفى الثلاثة خلف شجرة ~~صنوبر سوداء، حتى كان الرجل يعدو خلفهما وهو يصيح: أنت، توقف، أجب على السؤال. # 7 ~~«ماذا تقصد بحكاية الماء أيها العجوز؟» توقف المعلم: «وهل يهمك أن تعرف هذا؟» قال الرجل: ~~«ما أنا إلا عامل جمرك بسيط، لكن يهمني أن أعرف من ينتصر على من، إن كنت تعرف الجواب ~~فتكلم.» # 8 ~~«اكتبه لي، أمله على هذا الغلام. شيء كهذا لا يأخذه المرء معه ويغادر البلاد. الورق عندنا ~~والمداد. وعندنا كذلك وجبة طعام للعشاء، أنا أسكن هناك، هل اتفقنا الآن؟» # 9 # تطلع المعلم العجوز إلى الرجل من فوق ms31 كتفيه. السترة مرقعة، القدم حافية. وعلى الجبهة ~~تجعيدة واحدة. آه، ما هو بغالب هذا الذي يعترض طريقه. وتمتم المعلم: أنت أيضا؟ # 10 # كان المعلم العجوز فيما بدا عليه، أعجز من أن يرد ررجاء وجه إليه بأدب شديد؛ لذلك رفع ~~صوته قائلا: «من يسأل يستحق أن يتلقى الجواب.» وتكلم الغلام فقال: «وسوف يبرد الجو بعد ~~قليل.» «حسن، فلنهبط هنا إلى حين.» # 11 # ونزل الحكيم من على مطيته. سبعة أيام وهما يكتبان، وعامل الجمرك يحضر الطعام (كان في هذه ~~الأثناء يلعن المهربين بصوت خفيض)، وبعدها تم كل شيء على ما يرام. # 12 # وذات صباح ناول الغلام عامل الجمرك إحدى وثمانين حكمة. وبعد تقديم الشكر على الزاد القليل ~~الذي قدمه لهما، انعطفا حول شجرة الصنوبر وغابا في حضن الجبل. قولوا الآن: هل يمكن أن يكون ~~الإنسان أكثر أدبا من ذلك؟ # 13 # لكن لا ينبغي علينا أن نمجد الحكيم وحده، الذي يسطع اسمه على صدر الكتاب. فمن الضروري أن ~~تنتزع الحكمة من الحكيم؛ لذلك استحق الشكر كذلك عامل الجمرك، الذي عرف كيف يطلبها منه. # 1 ~~(2) إدوارد (عن حكاية اسكتلندية) ~~- إدوارد، يا إدوارد، ما الذي جعل سيفك محمرا بالدماء؟ أنت يا إدوارد، يا إدوارد، كيف ~~أصبح سيفك مصبوغا بالدماء؟ ولماذا تسير هكذا وأنت محزون الوجه والخطى؟ ~~- آه، لقد قتلت صقري يا أمي، قتلته يا أمي، وليس لدي صقر سواه، ولا صقر يشبهه. ~~- إدوارد، يا إدوارد، دم صقرك ليس بهذا الاحمرار! تكلم يا ولدي بصراحة، اعترف لي. ~~- آه، قتلت حصاني الأحمر يا أمي، حصاني الأحمر قتلته يا أم، وكم كان مزهوا بنفسه هذا ~~الحصان. ~~- كان حصانك عجوزا، ولم تكن بحاجة إلى ذلك. نعم يا إدوارد، يا إدوارد، كان حصانك ~~عجوزا، ولم يكن للقتل أي داع. تكلم يا ولدي، لا بد أن هناك ألما آخر يضنيك. ~~- آه يا أمي، يا أمي! لقد قتلت أبي، قتلت أبي وقلبي يتحسر، يتحسر عليه يا أمي، نعم قتلت ~~أبي وقلبي يتحسر عليه. ~~- إدوارد، يا إدوارد، وكيف تكفر عن ذنبك الآن؟ كيف ms32 تكفر عن ذنبك؟ آه، كلمني يا ولدي ~~بصراحة. ~~- أمي، يا أمي، لا أريد أن تبقى قدمي على هذه الأرض، أريد أن أرحل بعيدا، بعيدا وراء ~~البحر. ~~- إدوارد، يا إدوارد، وما المصير الذي سينتهي إليه بلاطك وقاعاتك؟ ما مصير قصرك يا ولدي ~~وبلاطك، وهما نموذج الروعة والجمال؟ ~~- آه يا أمي! سأتركهما في مكانهما حتى يسقط كل منهما ويتداعى، سأتركهما يا أمي ورائي، ولن ~~أراهما مرة ثانية. ~~- وما مصير زوجك وطفلك يا إدوارد؟ آه، ما مصيرهما يا ولدي؟ ومتى تسافر بالبحر؟ ~~- العالم واسع يا أمي، دعيهما يا أمي يتسولان في أرجائه، ولن أراهما أبدا. آه، لن أراهما ~~أبدا بعد ذلك. ~~- وكيف يا إدوارد تترك أمك العزيزة؟ قل لي يا ولدي إدوارد: كيف تترك أمك العزيزة ~~الغالية؟ ~~- آه يا أمي! يا أمي، سأترك لك اللعنة ونار الجحيم، سأتركك للعنة يا أمي ولنار الجحيم، ~~فأنت، أنت التي أوعزت لي بأن أقتله. # 2 ~~(3) قصر على البحر ~~- هل رأيت القصر، القصر العالي الذي يقع على البحر؟ إن السحب الذهبية والوردية تسبح فوقه ~~وتظلله. # وهو يود لو ينحني ويلمس التيار اللامع الصافي كالمرآة، بل يريد لو استطاع أن يصعد ويغوص ~~في وهج السحب العابرة في المساء. ~~- حقا لقد رأيته بنفسي، ذلك القصر العالي على البحر، ولمحت القمر الواقف فوقه، والضباب ~~المنتشر حواليه. ~~- صوت الريح وجيشان البحر، هل سمعت لحنهما الشجي وعزف الأوتار ونشيد الاحتفال؟ هل سمعتهما ~~يترددان من الأبهاء العالية؟ ~~- كانت الرياح كلها والأمواج راقدة في سكون عميق؛ فقد سمعت ترنيمة حزينة باكية، تنحدر ~~لسمعي من القاعة ممزوجة بالدموع. ~~- وهل أبصرت الملك وزوجه يمشيان هناك في الأعالي؟ وأحسست برفيف المعاطف الحمراء ولمحت ~~أشعة التيجان الذهبية؟ # ألم يكونا يشيعان عذراء فاتنة الجمال، رائعة كالشمس، متألقة بشعرها الذهبي؟ ~~- نعم رأيت الأبوين معا، بغير أضواء التيجان، رأيتهما في ملابسهما السوداء، أما العذراء ~~الشابة فلم تقع عليها عيناي. # 3 ~~(4) أحد ملوك الشمال # كان في قديم الزمان ملك يعيش في الشمال، ملك متكبر وثري وجبار، لم يخلفه أحد مثله، ولن ~~يشبهه أحد ms33 سواه. # ولما حان أجله واقترب من الموت، وكان يجلس متأملا البحر الخاوي الكئيب، تسلل ورثته ~~والتفوا حوله: الذئب، والبومة، والدب الكبير. # قال للدب ذي الشعر الكثيف: «سأترك لك الأيك والغابة، ولن يجرؤ صياد على إزعاجك، أثناء ~~وجودك ومقامك فيها.» # ثم توجه للبومة وقال لها: «سأترك لك مدنا وحصونا لا تحصى ولا تعد، وعليك أن توزعيها ~~بالعدل على أبنائك وبناتك.» # وقال كذلك للدب الكبير: «سأترك لك حقلا هادئا وفي غاية السكون، تتزاحم فيه جثث فوق جثث ~~من القتلى الذين أرديتهم في عهدي.» # وبعد أن انتهى من هذا الكلام مدد أعضاءه على الأرض ليستريح، وانطلقت في الجو عاصفة أو ~~إعصار غطاه بالبرد والصقيع. # 4 ~~(5) نساء فينسبرج # كان الملك كونراد، أول ملوك أسرة هو هنشتاوفين، يحاصر بجيشه الجرار مدينة فينسبرج منذ ~~أيام طويلة. صحيح أن خصمه «فيلفي» كان قد انهزم، ولكن الحصن ظل يقاوم، كما أصر مواطنو ~~المدينة على عدم التسليم. # لكن الجوع جاء، الجوع الذي يشبه الشوكة الحادة. حاول المواطنون أن يسترحموا الملك الجبار ~~فلم يلقوا منه إلا الغضب العنيف: «لقد قتلتم عددا كبيرا من فرساني المقربين إلي، وحتى ~~لو فتحتم أبوابكم وبواباتكم فسوف أعمل فيكم السيف.» # حضرت نساء المدينة إليه، وتشفعن لديه قائلات: «إذا كنتم مصممين على رأيكم، فاسمحوا لنا ~~بأن ننسحب نحن ونخرج من المدينة، إن أيدينا طاهرة وبريئة من الدم.» عندئذ ترطب غضب البطل ~~المستعر أمام أولئك النسوة المسكينات، بل شعر بأن قلبه يرف بالرحمة والإشفاق عليهن. ~~«تستطيع النساء أن تنسحبن، ومن حق كل واحدة منهن أن تحمل معها ما تشاء، وأن تخرج ومعها ~~أعز ما تملكه من متاع، دعوهن يرحلن، ولا يقف أحد في طريقهن، هذا هو رأي الملك، وتلك هي ~~كلمته.» # ولم يكد الصبح يطل بوجهه الرمادي في الشرق البعيد، حتى رأى الجنود المقيمون في المعسكر ~~مشهدا عجبا؛ فقد انفتحت البوابة العتيقة في هدوء شديد، وترنح موكب النساء خارجا منها ~~بخطوات متأنية وثقيلة. # كانت تضطرهن الأحمال التي يضعنها على ظهورهن إلى إحناء رءوسهن؛ فقد كن يحملن أزواجهن، ms34 وهم ~~عندهن أعز متاع. «أوقفوا هؤلاء النسوة الوقحات.» هكذا صاحت بعض الأصوات بالتهديد، وقال ~~مستشار الملك بلهجة استنكار: «لا لم يكن هذا هو رأي الملك على الإطلاق.» # لما سمع السيد الصالح بما حدث أغرق في الضحك: «صحيح أن هذا لم يكن هو رأيي، ولكنهن قد ~~أحسن التصرف. لقد قلت ما قلت، وكلمة الملك لا تتغير ولا تحيد، وليس من حق أي مستشار أن ~~يلوي عنقها أو يسيء التفسير.» # هكذا كان ذهب التاج خالصا من الشوائب وطاهرا من الدنس. وما زالت أصداء الحكاية تتردد ~~آتية إلينا من زمن شبه منسي. ففي عام ألف وأربعين للميلاد، كما وجدت ذلك بنفسي في بعض ~~الأسفار، كانت كلمة الملوك لا تزال لها قدسيتها في وطننا الألماني. # 5 ~~(6) التتويج الحزين # عاش في قديم الزمان ملك واسمه «ميليسنت»، أريد الآن أن أحكي لكم حكايته؛ فقد اغتال ابن ~~شقيقه؛ ليضع على رأسه تاج الملك. وتم الاحتفال بالتتويج، بالأبهة والفخامة في قصر «ليفاي». ~~آه يا أيرلندا، يا أيرلندا، هل كنت عمياء إلى هذا الحد؟ # كان الملك جالسا في منتصف الليل، في القاعة المرمرية الخالية. أخذ ينظر مذهولا لما حوله ~~من تحف ونفائس، وكأنه قد سكر من كثرة الشراب على المأدبة الملكية، التفت إلى ولده ~~قائلا: أحضر لي التاج لألبسه مرة أخرى، لكن تبين أولا من الذي فتح الأبواب. # هنالك بدأت لعبة الموتى النادرة، إذ دخل موكبهم بخطى خافتة هامسة، والموكب يضم عددا ~~كبيرا من الضيوف الملثمين ووسطهم يهتز ويترنح تاج، وتتزاحم الأرواح وتتدافع داخلة من ~~الباب، وهي تدمدم وتتهامس بغير كلام، أما الملك فيشحب وجهه، ويرتسم عليه الرعب ~~والوجوم. # ومن وسط الزحام الأسود يتطلع طفل لم يزل جرحه ينزف الدماء، يبتسم كالمحتضر ويطرق رأسه، ثم ~~يدور في القاعة الواسعة قبل أن يخطو نحو العرش بخطى وئيدة الإيقاع، ويمد يده إلى الملك ~~بالتاج، إلى الملك الذي نفذ سهم الرعب في فؤاده. # عندئذ انسحب الموكب من ذلك المكان، بينما كان يرف حواليه نسيم الصباح. ظلت أنوار الشموع ~~تخفق على نحو عجيب، ms35 وظل القمر يصغي وهو يضع خده على النافذة، انحنى الابن في صمت، وقد ~~تملكه الرعب الشديد أمام أبيه الممدد على العرش ومال عليه، وسرعان ما اكتشف أنه مال على جثة هامدة. # 6 ~~(7) لعنة المغني # في قديم الزمان كان هناك قصر شامخ عال، تسطع أضواؤه فوق الأرض، حتى شواطئ البحر الأزرق، ~~ومن حوله تزدهر باقة نضيرة من الحدائق العطرة، تفور فيها ينابيع متدفقة تحت أنوار قوس قزح ~~الساطعة. # هناك عاش ملك متغطرس، واسع الثراء في الممالك والانتصارات، يجلس على عرشه متجهم السحنة ~~شاحب الوجه؛ لأنه لا يفكر إلا في الرعب، ولا يبصر غير الغضب والانتقام، كما أن كلامه سوط ~~عذاب، وكتابته تسيل منها الدماء. # وذات يوم توجه نحو هذا القصر مغنيان نبيلان، تنسدل على ظهر أحدهما خصلات شعر ذهبية، ويكسو ~~رأس الآخر البياض، كان العجوز يحمل قيثارته، ويجلس على صهوة جواد متألق بزينته، وكان يمشي ~~إلى جواره رفيقه اليافع الشاب. # قال العجوز للشاب: «كن على أتم استعداد يا ولدي. تفكر في أغانينا الصادرة من الأعماق، ~~وترنم بأعذب الأنغام. عبئ كل طاقاتك لتعبر عن الفرح والألم؛ فعلينا اليوم أن نحرك قلب ~~الملك المتحجر.» # ها هما المغنيان يقفان في القاعة الفخمة العالية، وعلى العرش يجلس الملك مع قرينته، أما ~~الملك فرائع روعة مخيفة كأنه ضوء دموي من الشمال، وأما الملكة فحلوة ورقيقة كأنها البدر في ~~التمام. # لمس العجوز الأوتار، فانبعثت أعجب الألحان، وراحت تنثال على الأسماع بأعذب وأجمل الأنغام، ~~ثم انساب صوت الشاب كأنه إشراقة السماء، بينما تدخل غناء العجوز كأنه جوقة من الأرواح خافتة ~~الأداء. # أخذا يتغنيان بالحب والربيع والماضي السعيد، بالحرية والوفاء والطهر والعفاف وكرامة ~~الإنسان، بكل ما هو حلو عذب يجيش في صدور البشر، وكل ما هو نبيل ورفيع يخفق به القلب ~~والوجدان. # وجمت وجوه الحاشية، وكفت عن الدعابة والسخرية، والمحاربون الأشداء من جند الملك خشعوا ~~لله، أما الملكة فذابت في لهيب الأسى، وفي نشوة البهجة، فانتزعت وردة من صدرها، وألقت بها ~~إلى المغنيين. ~~«لقد أغويتما رعيتي، فهل تتجرآن الآن ms36 على إغواء زوجتي؟» هكذا صرخ الملك من شدة الغضب، ~~وراح جسده كله ينتفض، ثم أمسك سيفه وقذفه بقوة، فنفذ كالصاعقة في صدر الشاب، صدره الذي تفجر ~~منه الدم وسال بدلا من الأغاني الذهبية. # وفجأة تبددت حشود المستمعين كأن عاصفة هبت عليهم، وأخذ الشاب يحتضر بين ذراعي معلمه، ~~معلمه الذي لفه في المعطف، ووضعه على ظهر الحصان، وبعد أن أحكم ربطه غادر معه القصر وما ~~فيه. # توقف المغني العجوز أمام البوابة العالية، وأمسك بقيثاره الذي يغار منه أي قيثار، ثم رفع ~~يده وحطمه على عمود مرمري ، وأخذ ينادي ويصيح بصوت جلجل في القصر وفي الحدائق الغناء: «ويل ~~لك أيتها القاعات المغرورة، أبدا لن يتردد في أبهائك وتر، لن يصدح فيك غناء. لا لا، بل ~~أصوات الآهات والحسرات وخطوات عبيد، حتى تدوسك روح الانتقام وتحولك إلى عفن ورماد. # ويل لك أيتها الحدائق المعطرة في ضوء الربيع البديع، ها أنا ذا أريك الوجه المشوه لهذا الميت ~~الحبيب، حتى تجف أوراقك وأشجارك، وينضب كل نبع فيك، وتتحجري في مستقبل الأيام، وتتحولي إلى ~~صحراء يباب. # ويل لك أيها القاتل الملعون، أنت يا لعنة الغناء والمغنين، ليذهب أدراج الرياح كل كفاحك ~~للحصول على أكاليل المجد الدموي، لينس اسمك، وليغص في أعماق الليل الأبدي، وليتبدد في ~~الخلاء كحشرجة الاحتضار الأخير.» # نادى العجوز واستجابت السماء للنداء؛ فتداعت الجدران والأسوار، وخربت الأبهاء، وبقي عمود ~~عال يشهد على الأبهة الزائلة، بل إن هذا العمود يمكن أن يتهاوى بين ليلة وضحاها. # هكذا استحالت الحدائق المعطرة الغناء برية موحشة، ما من شجرة تلقي ظلا، ولا من نبع تسيل ~~مياهه في الرمال، اسم الملك لا يتردد في أغنية ولا نشيد، ولا تذكره أية سيرة من سير ~~الأبطال، نسي الاسم وغاص في العدم، وتلك هي لعنة المغني والغناء. # 7 ~~(8) إبيكوس وأسراب الكركي # توجه إبيكوس، حبيب الآلهة، إلى مضيق كورنت، للمشاركة في مهرجان سباق العربات والأناشيد ~~الذي يجمع شمل قبائل الإغريق في كل عام. كانت الآلهة قد منحته موهبة الغناء، وأنعم عليه ~~«أبوللو» بفم الأغنيات ms37 العذب. وهكذا انطلق وفي يده عصاه الخفيفة وغادر بلده «ريجيوم»، # 8 # وهو مفعم الصدر بنعمة إله الفن والطرب والغناء. # بدأت تلوح لعيني المتجول الجواب معالم كورنثه الشامخة على ظهر الجبل العالي، وخطت قدماه ~~في مرج «بوزيدون»، # 9 # الذي تتكاثف فيه أشجار الصنوبر والشربين. كان كل شيء هادئا وما من شيء يتحرك ~~حوله، باستثناء أسراب قاتمة من طيور الكركي التي احتشدت في السماء، وراحت تصحبه في رحلته ~~وهي ترفرف في طريقها إلى دفء الجنوب. ~~- «مرحبا بك أيتها الأسراب الودودة التي نعمت بصحبتها، حتى بلغت شواطئ البحر. كم أتفاءل ~~بك ، وأحس بأن قدري يشبه قدرك. فكلانا بدأ سفره من مكان بعيد، وراح يتوسل للآلهة أن تظله ~~بسقف يحميه. فليتلطف بنا المضيف الذي نلبي دعوته، هذا المضيف الذي يرعى الغريب ويذود عنه ~~الذل والعار.» # هكذا راح يغذ خطاه وهو منتش ومنتعش، حتى وجد نفسه في قلب الغابة، هنالك سد عليه ~~الطريق فجأة مجرمان قاتلان. اضطره الموقف أن يتأهب للقتال، ولكن سرعان ما سقطت يده هامدة ~~باردة، يده التي تدربت على أوتار القيثار، ولم يحدث لها أبدا أن شدت قوسا ولا أطلقت ~~سهما. # أخذ يستغيث بالبشر وبالآلهة، لكن ضراعته لم تصل لأحد يمكن أن ينقذه، ومهما صرخ وصاح بأعلى ~~صوت، فما من مخلوق حي يلمحه البصر في هذا المكان: «آه! قضي علي أن أموت هنا وحيدا ~~مهجورا، هنا على أرض غريبة لا يبكيني فيها أحد. آه! كتب علي أن أهلك هنا بأيدي أشقياء ~~أشرار، حيث لا يظهر شبح إنسان ينتقم لي.» # تهاوى ساقطا على الأرض متأثرا بجرحه الشديد، بينما كانت أجنحة أسراب الكركي ترف وترفرف ~~من فوقه، واستطاع أن يسمع - بعد أن صار عاجزا عن الرؤية - الأصوات القريبة تتنادى وتتصايح ~~في أذنيه: «أنت أيتها الكراكي الحبيبة، لترفعي أنت - حين يصمت كل صوت آخر - صوت الشكوى ~~والتظلم من جريمة قتلي.» ولم يكد هذا الأنين يتسرب من بين شفتيه حتى انطفأ نور بصره، وأغمض ~~عينيه. # تم العثور على جثته العارية، ومع أن وجهه تشوه من أثر ms38 الجروح التي أصابته، فقد استطاع ~~مضيفه وصديقه الكورنثي، الذي دعاه للمشاركة في المهرجان، أن يتعرف على ملامحه العزيزة على ~~قلبه: «كيف تحتم علي أن أراك على هذه الصورة؟ أنا الذي كنت آمل أن أضع إكليل الغار على ~~رأسك بعد أن تنتهي من الغناء، ويتوهج وجهك هذا ببريق المجد الساطع.» # شعر كل الضيوف - الذين تجمعوا في الاحتفال بأعياد بوزيدون - بالأسى والغضب عند سماعهم ~~بالنبأ الحزين، بل إن بلاد الإغريق بأكملها قد غمرها الألم الفظيع، وأحس كل قلب بأنه قد فقد ~~عزيزا عليه. اندفعت حشود الشعب الغاضبة إلى بيت الحاكم مطالبة بالانتقام للقتيل والتكفير ~~عن تلك الجريمة بسفك دماء القتلة المذنبين. # لكن كيف يمكن العثور على أثر واحد يدل على الآثم البغيض وسط زحام الجماهير المتدفقة التي ~~جذبتها روعة الاحتفالات والألعاب؟ هل كان القاتل أو كان القتلة من اللصوص؟ أم فعل الفعلة ~~الشنعاء عدو خفي يحسد أمير الغناء؟ لا أحد يمكنه أن يقول الحقيقة سوى هيليوس (إله الشمس) ~~الذي ينشر ضياءه على كل ما هو أرضي. # من يدري إن كان الآثم ينقل الآن خطاه الوقحة وسط حشود الإغريق؟ من يدري إن كان يجني ثمار ~~جريمته الشنعاء في الوقت الذي تلاحقه فيه آلهة الانتقام؟ بل لعله يقف على أعتاب معبد الآلهة ~~متحديا لها، ويحشر نفسه بوقاحة وسط أمواج البشر التي تتدفق حشودها نحو المسرح. # ها هم المتفرجون يجلسون على المقاعد متلاصقين في الزحام الشديد، الذي توشك بسببه أن تنهار ~~أعمدة الخشبة، وشعوب الإغريق لا تنفك تتوافد جموعها من بعيد ومن قريب، لتقف هناك منتظرة ~~بداية العروض. وتفور حشودهم وتمور كأمواج البحر الجياش بالبشر، بحيث يمتد القوس المترامي ~~بالمسرح وبالناس ليلتحم بالأفق الأزرق للسماء. # ولكن من ذا الذي يمكنه أن يحصي الجموع التي توافدت على المهرجان أو يذكر أسماءهم؟ لقد ~~تدافعوا قادمين من مدينة ثيسيوس، # 10 # وشواطئ أوليس، # 11 # ومن فوكيس، # 12 # ومن إسبرطة، ومن الشواطئ الآسيوية البعيدة، ومن كل الجزر المتناثرة، حضروا ~~للاستماع إلى الألحان المهيبة المخيفة التي ترددها الجوقة التي تقف، أو ms39 تتحرك على خشبة ~~العرض المسرحي. # ويظهر أفراد الجوقة قادمين من الخلفية، وعلى وجوههم ترتسم أمارات الجدية والجلال والإحكام ~~التي تقضي بها التقاليد العريقة، وبخطوات بطيئة ومتزنة يتجولون ذهابا وجيئة في ساحة ~~العرض. لا، ليست مغنيات الجوقة من نسل البشر، ولم ينجبهن إنسان فان. أجل، إن أجسامهن شامخة ~~القوام لتفوق مقاييس البشر الأرضية. # إن المعاطف السوداء لترف حول خصورهن، وأيديهن النحيلة المعروقة تؤرجح الوهج المحمر المعتم ~~للمشاعل التي يحملنها، حتى لتبدو خدودهن وقد غابت عنها الدماء. وحيثما رفت خصلات شعورهن ~~حول الجباه خيل للمتفرجين أنها حيات وأفاع منتفخة البطون، ومتخمة بالسم. # وهكذا تدور نساء الجوقة في دوائر محددة، وتنطلق أصواتهن المخيفة مرددة ألحان النشيد الذي ~~يتغلغل في الأفئدة ويمزقها، ويلف حباله حول عنق المذنب الأثيم. ويرن نشيد الأيرينيات، # 13 # ويدوي من بعيد، فيذهل الألباب ويخلب الأفئدة، حتى ليكاد يصيب الأعصاب والأصلاب ~~في الصميم، ويجعلها تنفر من الاستماع إلى رنين القيثار: ~~«طوبى للأبرياء من كل ذنب وخطيئة. طوبى لمن يحافظ على طهارة الروح وطفولتها النقية، أولئك ~~الذين لا يحق لنا أن نفكر في الانتقام منهم؛ لأنهم يسيرون في حياتهم على الطريق المستقيم، ~~لكن ويل لمن تسلل كاللص، وارتكب جريمته الشنعاء. سوف نتعقب آثاره ونسلط عليه نسل الليل ~~المخيف. # وإذا سولت له نفسه أن يفر ويهرب، فسوف تطارده حشودنا المجنحة، وتلقي عليه الحبال التي ~~تلتف حول قدميه، ويسقط منهارا على الأرض. هكذا نلاحقه بلا كلل ولا نقبل منه الندم على ~~فعلته، ثم نتعقبه حتى يغيب في مملكة الظلال، وهناك أيضا لا نرحمه، ولا نغفل عنه.» # هكذا رددت الجوقة النشيد، ثم أدت رقصتها، وخيم على المكان كله سكون أشبه بصمت الموت، ~~وكأن روحا إلهية تقترب منه، وتجوب أنحاءه. وكما جرى العرف واقتضت التقاليد القديمة، أخذ ~~أفراد الجوقة يذرعون خشبة المسرح بخطوات بطيئة محسوبة، وذلك قبل أن يختفي الجميع في ~~الكواليس الخلفية. # وبين الوهم والحقيقة أخذت المخاوف والظنون توسوس في الصدور التي بدأت تنتفض وتبتهل للقوة ~~المخيفة التي تحرس العدالة، وتصرف في الخفاء حكم القضاء، ms40 وتنسج عقدة الأقدار المظلمة ~~بطريقة تستعصي على كل محاولة لفهمها وسبر غورها، وإن كانت تعلن عن سرها للقلوب العميقة، ~~وتهرب دائما من نور الشمس. # وفجأة يسمع من أعلى درجات المسرح صوت يهتف وينادي: ~~«انظر، انظر هناك يا تيموثيوس، انظر إلى كراكي إبيكوس.» # وفي لمح البصر تظلم السماء، وتتطلع الأنظار لأعلى المسرح، فترى أسرابا سوداء من طيور ~~الكركي تمر فوق الرءوس في موكب كثيف. ~~«إبيكوس، يا له من اسم غال يجدد الحزن والكمد في كل صدر، وكما تتدافع الأمواج موجة في إثر ~~موجة في البحر، كذلك يسري الاسم بسرعة من فم إلى فم . # أليس هو إبيكوس الذي نبكيه؟ أليس هو الذي قضت عليه يد قاتل غادر؟ ما الذي أجرى الاسم على ~~اللسان؟ ما معنى أن يذكر هذا الاسم الآن؟ وما هو السر وراء موكب الكراكي السوداء؟» # ولا تفتأ الأصوات ترتفع شيئا فشيئا بالسؤال، ويتطاير هذا التحذير كومض البرق أو الصاعقة ~~من قلب إلى قلب. ~~«انتبهوا، لقد تجلت قدرة الأويمينيدات # 14 # على الانتقام للشاعر الطيب المسكين، وها هو ذا القاتل يقدم نفسه بنفسه! أمسكوه، ~~ألقوا القبض على الرجل الذي نادى بالاسم، وعلى الرجل الذي كان يوجه إليه النداء.» # حاول الرجل الذي أفلتت الكلمة من لسانه أن يبقيها حبيسة صدره، لكن عبثا حاول. فسرعان ما ~~دل الفم الشاحب المفزوع على المجرم الآثم، وأظهره للعيان. شدوا الرجلين وجروهما أمام ~~القاضي، وتحول المشهد كله إلى محكمة، واعترف الشريران بجريمتهما بعد أن أصابتهما سهام الانتقام. # 15 # الفصل الخامس # | حكاية عن رجل شجاع # (1) العهد # 1 # إلى مقر الطاغية ديونيس تسلل دامون، وكان يخفي خنجرا في ثوبه. قبض عليه الحجاب وقيدوه في ~~الأغلال، وقال له المستبد العابس المخيف: «ماذا كنت تريد بهذا الخنجر؟ تكلم.» ~~- «أردت أن أحرر المدينة من الطاغية.» ~~- «وسوف تندم على هذا عندما ترفع على الصليب.» # قال دامون: «أنا على استعداد للموت، ولا أتوسل إليك لتبقي على حياتي، ومع ذلك فإن شئت أن ~~تتعطف وتتكرم علي فإني أستسمحك في مهلة لمدة ثلاثة أيام، حتى أزوج أختي ms41 لعريسها المنتظر، ~~سوف أترك لك الصديق كضمان، ويمكنك أن تقتله إذا لم أوف بعهدي.» # ابتسم الملك ابتسامة ماكرة، وقال بعد أن فكر في الأمر قليلا: «سأمنحك من عندي ثلاثة أيام، لكن بشرط أن تعلم: إذا انقضت المهلة قبل أن تسلم نفسك فسوف ~~ينتهي أجل صديقك بدلا منك، كما ستعفى أنت من العقاب.» # ثم التفت للصديق وقال: «أمر الملك أن أموت على الصليب، تكفيرا عن ذنبي وجريرتي، وقد قبل أن يمهلني ثلاثة أيام، ~~حتى أنتهي من تزويج شقيقتي، فابق أنت هنا لدى الملك، وكن الضامن لعهدي، إلى أن أعود وأفك ~~عنك الأغلال.» # احتضنه الصديق الوفي في صمت وسكون، ثم سلم نفسه للطاغية، وذهب الآخر لحال سبيله، وقبل أن ~~يشرق فجر اليوم الثالث كان قد جمع شمل شقيقته مع زوجها، وأسرع راجعا إلى موطنه بقلب مهموم ~~خشية أن تنقضي المهلة، ويتأخر عن الموعد المرسوم. # وتصادف أن انهمرت الأمطار بغزارة، واندفعت السيول من أعالي الجبال، وجاشت الجداول ~~والأنهار بالموج الصخاب. لم يكد يبلغ الشاطئ، ويلقي عصا الترحال، حتى أطاحت الدوامة بالجسر ~~وشدته للأعماق، وأخذت الأمواج التي تقصف كالرعد في هدم أعمدته وتحطيم أقواسه. # راح يذهب ويجيء على حافة الشاطئ، لم يجده أن يرسل البصر ويستطلع الآفاق، ولا أن يبعث ~~بصوت ندائه في كل اتجاه، فلم يتحرك قارب واحد ليغادر الشط، وينقله إلى بلده الحبيب، ولم ~~يحرك نوتي شراعه صوب المكان الذي يقف فيه، وتدافعت الأمطار، فحولت النهر الوحشي إلى ~~بحر. # جلس على الشاطئ وراح يبكي ويبتهل لزيوس بيدين مرفوعتين للسماء: ~~«أوقف يا إلهي غضب النهر، إن الساعات تمر والشمس الآن في الظهيرة، وإذا غابت قبل أن أصل ~~إلى المدينة، فسوف يضيع مني الصديق بلا مراء.» # لكن النهر تزايد غضبه باستمرار، وتكسرت الأمواج على الأمواج، وانصرمت الساعات واحدة بعد ~~الأخرى. عندئذ حفزه القلق المخيف فواتته الشجاعة وألقى بنفسه وسط الطوفان الهدار، وراح يشق ~~النهر بذراعيه القويتين، بينما الإله يباركه ويرأف بحاله. # وأخيرا بلغ الشاطئ، وأسرع خطواته، وهو يشكر للإله الذي أنقذه. وفاجأه ظهور عصبة ms42 من قطاع ~~الطرق انشقت عنها ظلمات الغابة المعتمة، سدوا عليه الطريق، وراحوا يشهقون، ويزفرون بأنفاس ~~قاتلة، لم يكتفوا بإيقافه عن السير، بل أخذوا يهددونه بالهراوات. # هتف ووجهه شاحب من الرعب والذهول: «ماذا تريدون مني؟ أنا لا أملك غير حياتي، وحياتي سأسلمها حتما للملك.» # وفجأة انتزع الهراوة من أقربهم منه وهتف: «بحق السماء، أليس في قلوبكم رحمة.» # وبضربات عاجلة جندل ثلاثة من الأشقياء فلاذ الآخرون بالفرار. # والشمس ترسل حممها الحارقة، ويسقط على ركبتيه، وقد أضناه الجهد والعناء: «لقد أنقذتني من أيدي قطاع الطرق، وترفقت بي، وأعنتني على عبور النهر إلى بلدي المقدس، ~~فهل قضيت علي بأن أهلك في هذا المكان، بينما الصديق، صديقي الحبيب، يموت هناك؟!» # أنصت وإذا به يسمع صوت خرير ناعم، يتدفق ويتألق بالقرب منه، وإذا بنبع يتفجر من قلب ~~الصخر، ويتمتم ويثرثر، ويركع على ركبته وقد غلبته الفرحة، ويطفئ ظمأه وينعش أعضاءه ~~الملتهبة. # وتطل الشمس من خلال الغصون والأوراق، وترسم ظلالا هائلة على الأشجار وخضرتها الناصعة. ~~رأى اثنين يعبران الطريق من بعيد، وخطر له أن يهرب منهما بسرعة، وإذا به يسمع أحدهما يقول: ~~«إنهم يضعونه الآن على الصليب.» # زود القلق قدميه المسرعتين بجناحين، وطاردته أشباح الهم والعذاب، وومضت من بعيد على ضوء ~~أشعة الأصيل أسوار «سيراقوزة» وقمم أبراجها، وأقبل نحوه راعي بيته الأمين فيلوستراتوس بعد ~~أن تعرف - وهو مفزوع - على سيده: «ارجع يا سيدي، لن تستطيع أن تنقذ الصديق، أسرع أنت بإنقاذ حياتك. إنه يعاني الموت الآن، ~~وقد راح ينتظر ساعة بعد ساعة، يحدوه الأمل في عودتك في الميعاد، ولم تستطع سخرية الطاغية أن ~~تسلب الإيمان الراسخ الشجاع.» ~~- «حتى لو كان الوقت تأخر، ولم يعد في إمكاني أن أنقذه فعلى الموت أن يوحد بيننا، بحيث لا ~~يزهو الطاغية الدموي بأن الصديق قد خان عهد صديقه، وبذلك يذبح ضحيتين لا ضحية واحدة، ويؤمن ~~في المستقبل بوجود الحب والوفاء.» # وتميل الشمس للمغيب، ويقف على الباب الكبير، ويرى الصليب الذي رفعوه من بعيد، والجماهير ~~المحتشدة حوله تبحلق فيه، ولم يكد الجلادون ms43 يرفعون الصديق بالحبال، حتى شق صفوف الجوقة ~~الكثيفة المتزاحمة، وهتف بصوت عال: «اقتلني أنا أيها الجلاد، ها أنا ذا الذي ضمنه ~~الصديق.» # وتستولي الدهشة على جماهير الشعب الحاشدة، ويتعانق الصديقان، ومن الألم والفرح يبكيان، ~~هنالك لم تر عين خالية من الدموع، ويبلغ الملك بالخبر العجيب، فيرق قلبه لأول مرة، ويأمر ~~بمثولهما أمام العرش. # ويطيل النظر إليهما، وهو في عجب شديد، ثم يقول: «لقد نجحتما أيما نجاح، واستطعتما ~~التأثير على فؤادي، حتى اقتنعت بأن الوفاء ليس كلمة جوفاء. ضماني إذن إلى صفكما، ~~واعتبراني نعم الرفيق، ولأكن، إذا تعطفتما علي، ثالث اثنين معكما على الطريق.» # 2 # الفصل السادس # | صار الخبز يباع بسعر غال والدم واللحم بأرخص سعر # (1) وادي الآلام # تصفر ريح الليل خلال الفتحات، وفي غرفة بائسة على السطوح ترقد روحان مسكينتان يرتسم على ~~وجهيهما النحول والشحوب. # تقول إحدى الروحين المسكينتين: «طوقني بذراعيك، اضغط شفتيك على شفتي بشدة، أبغي أن ~~أستدفئ بك.» # وتقول الروح الأخرى المسكينة: «حين أرى عينيك، يذهب عني حزني، بؤسي، جوعي، كل تعاستي على ~~الأرض.» # تبادلا قبلات كثيرة، وذرفا دموعا أكثر، تعانقت أيديهما وهما يتنهدان ويتأوهان، ضحكا ~~أحيانا، بل انطلقا في الغناء، ثم أطبق عليهما الصمت في النهاية. # في الصباح جاء المفتش، ومعه جاء جراح بارع، عاين بنفسه الجثتين. # قال موضحا رأيه: «الطقس القاسي مع جوع المعدة، هما السبب في موتهما، أو هما - على أقل ~~تقدير - اللذان عجلا به.» # أضاف قائلا: «عندما يسقط الجليد تحتم الضرورة على الإنسان أن يتدثر بالأغطية الصوفية، ~~وذلك على سبيل الاحتياط.» ثم أوصى - وهو يختم كلامه - بالغذاء الصحي. # 1 ~~(2) الشحاذ وكلبه ~~«كيف يفرض علي أن أدفع رسوم كلبي ثلاث تاليرات؟ فلتخسف بي السماء إلى سابع أرض، ماذا ~~يدور في عقول هؤلاء السادة في أقسام الشرطة؟ أليس لهذا العذاب من آخر؟ # إنني رجل عجوز ومريض، غير قادر على كسب قرش واحد، لا مال عندي ولا خبز، ولا أعيش إلا ~~على الجوع والضنك. # لما مرضت ولما حل علي الفقر، من ذا الذي رأف بحالي؟ ومن الذي ms44 عادني أو سأل عني حين ~~وجدت نفسي وحيدا في دنيا الله؟ # من ذا الذي أحبني عندما أصابتني الهموم والآلام؟ ومن أدفأني حين ارتجفت من البرد؟ ومن ~~الذي واساني فجاع معي عندما جعت ولم يتقزز أو يمتعض من حالي؟ # لقد تدهور بنا الحال نحن الاثنين، ولا بد يا كلبي أن نفترق كل في طريق. أنت مثلي عجوز ~~ومريض، وعلي الآن أن أغرقك في النهر، وهذا هو جزاء الإحسان. # نعم هذا هو جزاء الإحسان، وهو أجرك ومكافأتك. مصيرك يشبه مصائر بعض أبناء الأرض. ~~اللعنة، لقد شاركت في أكثر من حرب، لكنني لم أقم أبدا بدور الجلاد. # هذا هو الحبل ، وهذا هو الحجر، وهذا هو الماء، لا بد مما ليس منه بد. تعال هنا، يا عديم ~~الأصل، ولا تتطلع إلي، لم يبق إلا ركلة واحدة، وينتهي كل شيء.» # عندما لف الحبل على رقبة الكلب، راح هذا يلعق يده ويهز ذيله. تراجع على الفور ونزع الحبل ~~من رقبته، ثم لفه بسرعة على عنقه. # أخذ يطلق اللعنات المرعبة المخيفة، ثم جمع طاقته وحشد آخر قواه، ورمى نفسه في التيار ~~المتدفق الذي ارتفع سطحه، واهتز برنة ضعيفة، ثم التف حول نفسه في دائرة صغيرة قبل أن يغطيه ~~بالصمت والسكون. # أخذ الكلب يقفز وينبح، ويستغيث بالمنقذين، ووصل صوت نباحه إلى البحارة، وأقلق راحتهم، ~~وراح يعدو وراءهم، ويشدهم من أطراف ثيابهم وهو يبكي وينوح، ولما استطاع البحارة أخيرا أن ~~يعثروا عليه، كان قد فارق الحياة. # في هدوء واروه التراب، وكان الكلب هو الوحيد الذي تبع جثمانه، وهو يطلق العويل والنواح. ~~ولما رآهم يهيلون عليه التراب مدد جسده على الأرض، ودخل في غيبوبة الاحتضار. # 2 ~~(3) الساحرة الصغيرة # كان اسم الصغيرة هو «إلزا فات». تربت في بيت من بيوت اليتامى، حيث كانوا يعتبرونها معوقة ~~ومنافقة. والسبب في ذلك أنها لم تكن تنطق بكلمة واحدة، وأنهم كانوا يرتابون في شأنها ~~ارتيابا شديدا؛ إذ يأخذون عليها شبهة الضحك بصوت شديد الخفوت بعد أن تستيقظ مبكرا من ~~نومها. # وبسبب تصرفاتها الغريبة سموها الساحرة ms45 الصغيرة. كانوا في كل مكان يعيبون سلوكها، ومع ذلك ~~فلم يجسر أحد على ضربها؛ لأنها كانت قد ولدت عمياء. وقد اعتبروها طفلة وقحة؛ لأنها كانت ~~تتضاحك بصوت خفيض كلما أخذوها إلى النوم في فراشها. # وذات يوم رقدت «إلزا» في سريرها الصغير شاحبة الوجه مرهقة، إلزا المريضة، الهادئة، ~~العمياء، وراحت تحتضر. كانت تبتسم كأنها قادمة من عوالم أخرى، وعندما مسحت إحدى الموظفات في ~~بيت اليتامى على رأسها برفق نطقت قائلة لها بصوت عال وبسعادة لا حد لها: شكرا لك. # 3 ~~(4) الطفل الواقف أمام الجنة # وصل الطفل الصغير إلى باب الجنة، وكان حارسها القديس بطرس واقفا أمامه. كان الطفل رقيقا ~~غاية في الرقة واللطف. وكان من الواضح عليه أنه بلا ذراع ولا ساق. ~~- «اسمح لي أيها الحارس العزيز بالدخول. فما أنا - علم الله - إلا خنزير صغير مسكين، ولدت ~~هناك في هيروشيما، بعد مرور اثنتي عشرة سنة على وقوع الكارثة.» ~~- «لن أسمح لك يا صغيري بالدخول. لا بد أن الجحيم كان قد اشتعل هناك. ومن ولد في الجحيم ~~ضاعت عليه جنة النعيم.» # 4 # الفصل السابع # | عرس في حقل القمح الملغوم # (1) أجراس إيرفورت # أجراس كنيسة إيرفورت، التي صبت من المدافع التي كان يطلقها الجنود الفرنسيون على ~~الجنود الألمان. # هذه الأجراس كانت في حرب السبعين، هي المدافع التي استولى عليها الألمان، وتبرع بها ~~القيصر لتكون أجراسا تتوج الكنيسة. # كانت تدق وكأن الحديد قد انصهرت فيه بقوة هزيمة العدو التقليدي القديم مع مجد ألمانيا ~~وشرفها. # وعندما نشب الصراع من جديد في عام ألف وتسعمائة وأربعة عشر، تحولت الأجراس إلى مدافع، وذلك ~~في الجانب الألماني. # هكذا تم صهرها وصبها في مواسير حارقة راعدة، تحول المصلون إلى جنود، والحرب ... الحرب انتهت ~~بالهزيمة. # ومع ذلك استطاع الألمان أن يغنموا مدافع فرنسية، من حديدها صبت أجراس، راحت تدق من جديد ~~في إيرفورت داعية الإله الألماني في تضرع أثناء الصلاة أن يقود بفضله الشعب الألماني في ~~الحرب التي سيشنها للانتقام. # وجاء هتلر فأقسم على ذلك، ولكن بنغمة مختلفة؛ ففي عام ألف ms46 وتسعمائة وتسعة وثلاثين نادى ~~بالتعبئة العامة للأجراس. # وتحولت أجراس إيرفورت من جديد إلى مدافع، وانطلقت الحشود الشقراء لمحاربة العالم ~~كله. # لم ترجع الأجراس، ولم تدق مرة أخرى، وأصبح على إيرفورت أن ترتب بدونها دعاءها في الصلاة: ~~«ترفق بنا يا إلهي!» # 1 ~~(2) عرس في حقل القمح # في ليلة شتوية باردة، وفي حقل من حقول القمح البور، # 2 # ضربت العروس موعدا لعريسها الذي مات في الحرب. # ولما كانت الساعة تدق دقات منتصف الليل، من القرية المجاورة، فقد وقف أمامها في سترة ~~رمادية قاتمة، مستندا إلى بندقيته. # رأته على ضوء القمر الشاحب، بردائه المثقوب بالرصاص، كان وجهه فاقد الحياة ويداه ~~شمعيتين. # وقفا صامتين في حقل القمح، وراحا ينظران إلى بعضهما؛ لأن أحدا منهما لم يستطع أن يعبر ~~بالكلمات عن ألمه العميق. # وقفا ساعة كاملة، ولم يقولا كلمة واحدة؛ لأن الكلمات عندما تقترب من شفاههما تحتبس في ~~الحلوق وتجف. # والقمر الذي يلقي بالظلال الطويلة، يسبح في مهب الريح الباردة، يجر معه ظليهما فيندمجان ~~في ظل واحد. # ولما كان الظلان يتزاوجان، في ليلة العرس الناصعة، خيل لعروس الجندي الشابة، كأن حبيبها ~~يضحك ضحكة صافية. # ثم رأت يد الميت التي تدلت نحو الأرض، ترتفع ببطء وتطوقها، كأنها خاتم حديدي. # وفجأة نطق الفم المتجمد، وقال لها: «تعالي نتمشى يا أحب الناس، طالما القمر يحمينا، ~~وعيوننا ترى النجوم.» # سارا فوق حقل القمح، الذي جرفته الدبابات، الحقل الذي رواه الدم، وسمدته الأذرع والسيقان، ~~ورطبته أنفاس الموت. # قال الميت: «انظري يا حبيبتي، هذا الحقل البور. آه، كم من الزمن مضى على هذا؟! قد زرعته ~~يداي. # كنت واقفة هناك، حيث يهبط القمر الآن وراء السحب، هل ما زلت تذكرين؟ عندها أشرت ~~إلي.» # تنصت العروس وتصمت وتشعر بالذراع التي تطوق جسدها باردة كالثلج، في ليلة عرسها، بينا هي ~~الآن زوجته. # راحت تخطو بجواره مشدودة القوام، تحس بأن قلبها ثقيل ثقيل، وهو بجانبها يخبط الأرض ~~بقدميه، متوكئا على سلاحه الصدئ. # لما رآها غارقة في الصمت، بدأ هو الكلام. قال لها: «هل تعلمين يا ms47 حبيبتي أنني زرعت ~~الألغام في هذا الحقل الذي نمت فيه سنابل القمح؟ # كانت هذه الألغام حبوبا غير عادية، دفنت في باطن الحفر، وأنا الذي زرعتها بيدي، حصدت ~~ثمارها في اليوم التالي. # كنت راقدا في حفرة خلف الطريق، في مخبأ مأمون، فكرت في تلك اللحظة، ثم اكتشفت أن فكرتي ~~جاءت بعد فوات الأوان. # جاءت دبابات تتبعها دبابات ودبابات، في أعداد لا تعد ولا تحصى، زحف بالقرب مني جبل مهول، ~~من الغبار والصلب والحديد. # سحق كل ما لم يستطع أن يلوذ بالفرار، ودفنه في الأرض الرخوة، شعرت برئتي تنتزع من صدري، ~~وترتفع في اتجاه القمر. # كانت الحرب بالنسبة إلي قد انتهت، وكذلك انتهى السلام وضاع. هل يسعدك يا حبيبتي ~~الغالية أنني حضرت اليوم إليك؟ # أنا الآن بطل، بطل يا صغيرتي، بطل كما أردت وتمنيت. أنت التي أشرت علي أن أتطوع في ~~الحرب قبل الأوان. # الفوهرر # 3 # قال: نريد مجالا للحياة. # والأب قال: نريد أراضي زراعية. وأنت يا حبيبتي، أنت قلت لي: ارجع وعلى صدرك ~~الوسام. # هل ترين اللغم الكائن هناك؟ أنا الذي دفنته في الأرض بنفسي، تعالي يا أعز الناس، دعينا ~~نستريح إلى الأبد.» # 4 ~~(3) سكاجيراك # 5 # تذكروا الحمالين من سكاجيراك، لقد اختنقوا في الدم، اختنقوا في الوحل، غرقوا مع سفينتهم ~~العتيقة. والبحر ... البحر جرفهم بعيدا. لأجل أي شيء؟ # عشرة آلاف ماتوا، سقطوا في أعماق البحر، عشرة آلاف فتحوا أفواههم الشاحبة: «لأجل أي شيء ~~قد سقطنا ميتين؟ في سبيل أي شيء؟ لأجل شيء ليس بالكثير، لأجل شيء ليس بالكثير! فالسادة ~~راحوا يمارسون لعبتهم، في قاعات البورصة الشاسعة. لأجل هذا قد سقطنا ميتين.» # العاصفة تنوح وتعول في سكاجيراك، تجلد أمواج البحر فتفور عالية. والحمالون، الحمالون في ~~قبورهم المبتلة، يريدون أن يبعثوا إلينا برسالة؛ إنهم يطالبون بصليب، إنهم يحذروننا جميعا، ~~ويطالبوننا بأن نكون حذرين، هؤلاء الحمالون. # البحر تزبد أمواجه على شواطئ سكاجيراك، والحمال يزحف من غمار القذر والغائط، ينزل من ~~سفينته العتيقة المثقوبة، ويعرض علينا محنة ولده. في سكاجيراك، في سكاجيراك، يزحف ~~الحمالون. # الحمالون ms48 يزحفون، ومن سكاجيراك، من سكاجيراك، تزحف العاصفة: «لا تبنوا سفنا حربية. لا، لا، ~~ازرعوا، ازرعوا قمحا لتحصدوا الخبز. اسحقوا الحرب ومن ثم الحاجة والضنك. تذكروا الحمالين ~~من سكاجيراك، لقد اختنقوا في الدم، وغرقوا في الوحل، لو خطر لكم مرة أخرى أن تبنوا سفينة ~~حربية، فسوف تصيبكم ما أصابهم. تذكروا الحمالين من سكاجيراك، لقد اختنقوا في الدم، وغرقوا في ~~الوحل، غرقوا مع سفينتهم العتيقة المثقوبة، والبحر ... البحر جرفهم بعيدا بعيدا.» # 6 ~~(4) مأساة في أفغانستان # الثلج المغبر يتساقط من السماء، وأحد الفرسان يقف على أبواب «جلال أباد» - «من ~~هناك؟» - «فارس بريطاني، يحمل معه رسالة من أفغانستان.» ~~«أفغانستان!» قلها بصوت خافت شديد الإرهاق. تزاحم نصف أهالي المدينة حول الفارس ، وتقدم ~~حاكمها السير روبرت سيل فمد له يده، وأنزله من على الحصان. # قادوه إلى بيت الحراسة الحجري، أجلسوه أمام الموقد. كم تدفئه النار! كم ينعشه الضوء! وها ~~هو يتنفس الصعداء ويشكرهم، ثم يقول: «كنا ثلاثة عشر ألف رجل، وبدأنا الزحف من كابول؛ جنود، وقواد، ونساء وأطفال، نحن جميعا ~~رحنا ضحية الهزيمة والخيانة. # تبدد جيشنا كله، ومن بقي حيا يجوب الآن أرجاء الليل في ضياع وضلال. إذا كان الله قد ~~من علي بنعمة الإنقاذ، فانظروا أنتم إن كان بوسعكم إنقاذ البقية الباقية.» # صعد السير روبرت سيل على سور الحصن، تبعه الضباط والجنود أجمعون. قال السير روبرت: «الثلج ~~يتساقط بكثافة، الذين يبحثون عنا لا يمكنهم أن يعثروا علينا، فهم ضالون كالعميان، وإن كانوا ~~قريبين منا، أسمعوهم إذن ليشعروا أننا موجودون، غنوا أغنية في حب الوطن والبيت. وأنتم أيها ~~النافخون في الأبواق، اجعلوها تتردد في آفاق الليل البهيم.» # عندئذ بدءوا النفخ في الأبواق دون كلل أو إرهاق. ترددت في الليل أصوات الأغاني واحدة بعد ~~الأخرى. عزفوا في البداية أغاني إنجليزية ذات ألحان بهيجة، ثم أتبعوها بأغاني المرتفعات ~~التي تشبه الأنين. # طفقوا يعزفون ويغنون طوال الليل وطوال النهار، وترددت أصوات النداء العالية مشحونة بالحب ~~والحنان. ظلوا ينفخون في الأبواق وينشدون، حتى هبطت الليلة التالية. عبثا تنادون أيها ~~المغنون ms49 وعبثا تسهرون. # الذين كان عليهم أن يسمعوا عجزوا عن السماع، الجيش بأسره تبدد وقضي عليه. كان الزحف قد ~~بدأ. ثلاثة عشر ألف رجل، لم يرجع منهم إلى بيته سوى رجل واحد من أفغانستان. # 7 ~~(5) حكاية الجندي الميت # 1 # ولما دخلت الحرب في ربيعها الرابع، ولم تبشر بالسلام، اتخذ الجندي موقفه القاطع، ومات ~~ميتة الأبطال. # 2 # لكن الحرب لم تكن قد انتهت؛ لهذا شعر القيصر بالحزن؛ لأن جنديه قد مات؛ إذ بدا له ذلك قبل ~~الأوان. # 3 # الصيف زحف فوق القبور، والجندي راح في نومه، وذات ليلة أقبلت بعثة عسكرية طبية. # 4 # مضت البعثة الطبية إلى حقل الله البعيد، وبالمعول المبارك نبشت جثمان الجندي ~~الصريع. # 5 # الطبيب فحص الجندي بدقة، أو على الأصح ما بقي منه، والطبيب وجد أن الجندي لائق للخدمة، ~~وخاف على نفسه من المسئولية. # 6 # وعلى الفور أخذوا الجندي معهم، وكان الليل أزرق جميلا، ومن لم يضع الخوذة على رأسه ~~استطاع أن يرى نجوم الوطن. # 7 # دلقوا جرعة نارية من الكونياك في جسده العفن، وعلقوا ممرضتين في ذراعيه وامرأة نصف ~~عارية. # 8 # ولأن الروائح العفنة تنبعث من الجندي؛ فقد سار في المقدمة قسيس، يهز فوقه مبخرة؛ لكيلا ~~تنتشر رائحته الكريهة. # 9 # في المقدمة ترن الموسيقى تشندرارا، تعزف مارشا مرحا ولطيفا، والجندي - كما تعلم أثناء ~~حياته - يقذف ركبتيه بعيدا عن مؤخرته. # 10 # وحوله يلف ذراعيهما ممرضان صحيان، حتى لا يسقط منهما في الوحل، وهو شيء لا يصح أن ~~يكون. # 11 # لونوا كفنه بالأسود والأبيض والأحمر، وأخذوا يلوحون به أمامه، ولم تعد العين من زحمة ~~الألوان تستطيع أن ترى الغائط المتساقط منه. # 12 # وسار في المقدمة مشدود الصدر، رجل في سترة رسمية سوداء، كان كرجل ألماني، يدرك واجبه تمام ~~الإدراك. # 13 # هكذا أخذوا على أنغام التشندرارا يهبطون الطريق المعتم، والجندي يترنح معهم، كنتفة الثلج ~~في العاصفة. # 14 # القطط والكلاب تصرخ، وفي الحقل تصفر الجرذان، حتى لا يظن أنهم فرنسيون؛ لأن هذا عار ~~عليهم. # 15 # وعندما مروا بالقرى، كانت النساء كلهن ms50 هناك، الأشجار تحني رءوسها، والبدر طالع والكل ~~يصيح: «هورا!» # 16 # بالتشندرارا وإلى اللقاء، والنساء والكلاب والقسيس، والجندي الميت في الوسط، كأنه قرد ~~يتطوح سكران. # 17 # وعندما مروا بالقرى، لم يستطع أحد أن يراه. كثيرون كانوا ملتفين حوله، وهم يصيحون ~~«تشندرارا» و«هورا». # 18 # كثيرون رقصوا وهللوا له، فما استطاع أحد أن يراه. كان من الممكن أن يرى من أعلى، ولم ~~يكن فوقه إلا النجوم. # 19 # والنجوم لا تلبث أن تغيب، ويأتي الغسق بحمرة الفجر، لكن الجندي كما دربوه، يتقدم ليموت ~~ميتة الأبطال. # 8 # الفصل الثامن # | لما حمل الليل العاصفة على حجره # (1) حكاية عن الغنى والحاجة # في قديم الزمان كان هناك أخ وأخته، وكان اسمهما الغنى والحاجة. كان يتلذذ بآلاف المتع، ~~وكانت لا تكاد تجد الخبز الجاف. # عاشت الأخت تخدم الأخ على مدى مئات السنوات، لم يكن يؤثر فيه بكاؤها، ولا تعبيرها في بعض ~~الأحيان عن ألمها بالغناء. # كان يلعنها ويدوسها بقدميه، وكان يضربها على وجهها الناعم الرقيق، وكانت تركع على الأرض ~~ضارعة: «إلهي، كن في عوني.» # كيف ستنتهي الأغنية؟ إنها لأغنية حزينة، وأنا لا أريد أن أواصل الاستماع إليها، ما لم ~~يحدث للأخت شيء ما. # هذه هي نهاية الأغنية، عن الغنى والحاجة؛ ففي صباح مشرق جميل، ضربت الأخت أخاها ضربة مميتة. # 1 ~~(2) شارل الأول # في الغابة، في كوخ الفحامين، يجلس ملك محزون ووحيد، يجلس أمام المهد الذي يرقد فيه ابن ~~الفحام، يهدهده بصوت رتيب: «أيبابوبيا، ماذا يخشخش في القش؟ إنها الأغنام تثغو وتئن في الحظيرة، أنت تحمل العلامة ~~على جبينك، وتبتسم في نومك ابتسامة مخيفة. # أيبابوبيا، القطة الصغيرة ماتت. أنت تحمل العلامة على جبينك. ستصبح رجلا وتهز البلطة في يدك، وها هي ذي أشجار الصنوبر ترتجف في الغابة. # تلاشت عقيدة الفحامين القديمة، ولم يعد أبناؤهم يؤمنون، أيبابوبيا، لا بالإله في السماء، ~~ولا بالملك على الأرض. # القطة الصغيرة ماتت، والفيران الصغيرة فرحة وسعيدة، صدر الحكم وقضي علينا، أيبابوبيا، على ~~الإله في السماء، وعلي أنا الملك على الأرض. # شجاعتي تنطفئ، قلبي مريض، ومرضه ms51 يزداد كل يوم، أيبابوبيا. أنت يا طفل الفحام - وأنا أعلم ~~هذا - أنت جلادي. # مرثية موتي هي أغنية مهدك، أيبابوبيا، سوف تحلق جدائل شعري الأشيب قبلها، وفي عنقي سيصلصل ~~الحديد. # أيبابوبيا، ما الذي يخشخش في القش، لقد استوليت على المملكة، وستضرب عنقي حتى يسقط رأسي ~~عن جذعي، القطة الصغيرة ماتت. # أيبابوبيا، ما الذي يخشخش في القش؟ الأغنام تثغو وتئن في الحظيرة. القطة الصغيرة ماتت، ~~والفيران الصغيرة فرحة وسعيدة. نم، يا جلادي الصغير، نم.» # 2 ~~(3) النساجون # ما من دمعة واحدة في العيون العابسة. إنهم جالسون أمام النول مكشرين عن أسنانهم. ~~«ألمانيا، نحن ننسج كفنك، ننسج فيه اللعنة المثلثة. نحن ننسج، ننسج. # لعنة على الصنم الذي تضرعنا له، في برد الشتاء وشدة الجوع، عبثا علقنا الأمل عليه ~~وانتظرنا صابرين، فاستهزأ بنا وسخر منا وعاملنا معاملة الحمقى. نحن ننسج، ننسج. # لعنة على الملك، ملك الأغنياء، الذي لم يستطع بؤسنا أن يرقق قلبه، والذي استنزف منا آخر ~~قرش نملكه، وأمر بإطلاق الرصاص علينا كالكلاب. نحن ننسج، ننسج. # لعنة على الوطن الزائف، الوطن الذي لا ينمو فيه غير الخزي والعار، وتقطف فيه كل الزهور ~~قبل الأوان، وتنتعش الديدان على العفن والفساد. نحن ننسج، ننسج. # المكوك يرف ويطير، النول يدوم ويدوي، نحن ننسج بنشاط ليل نهار. يا ألمانيا العجوز، ~~نحن ننسج كفنك، ننسج فيه اللعنة المثلثة، نحن ننسج، ننسج.» # 3 ~~(4) أغنية للحصاد # هنالك ينمو حقل القمح الذهبي، يمتد ليصل إلى حافة العالم. اطحني، يا طاحونة، ~~اطحني. # تعصف الريح في الأرض البراح، ترتفع الطواحين إلى حافة السماء. اطحني، يا طاحونة، ~~اطحني. # يهبط الشفق المحمر المعتم في المساء، يصرخ فقراء كثيرون يريدون الخبز. اطحني، يا طاحونة، ~~اطحني. # تكنس العاصفة الحقول، لن يصرخ إنسان بعد من الجوع. اطحني، يا طاحونة، اطحني. # 4 # الفصل التاسع # | صار العبد الخاضع سيد نفسه # (1) حكاية شجرة المانجو # شجرة المانجو عمرها آلاف السنين، آلاف القرود نامت على فروعها، آلاف الطيور بنت فيها ~~أعشاشها. شجرة عمرها من عمر الدولة العظمى. # شجرة المانجو تقف في مكانها منذ آلاف ms52 السنين، آلاف البشر استراحوا في ظلها، وفلاحون من ~~حقول الأرز، ومسافرون مع القوافل، وجنود، أكثر من مائة جيل تمد عليهم شجرة المانجو ~~ظلالها. # لكن ذات يوم هبت عاصفة على شجرة المانجو. سقط أحد غصونها على الأرض وصار حربة، ووقع أحدها ~~في النار وتحول إلى مشعل ملتهب، وانكسر غصن ثالث فصار مقبض بندقية. # مائة بندقية، ألف بندقية، عشرة آلاف بندقية، من شجرة المانجو العتيقة العجوز. # 1 ~~(2) أم ألمانية # جاءوا في يوم الجمعة، وأخذوا الشاب معهم. أمسك يدها بسرعة وقال لها: «لا تبكي.» لم تبك. ~~شحب وجهها شحوبا شديدا من الرعب، شحوبا شديدا من الرعب. لم يكن لها سواه. # وقفت أمام النافذة حتى منتصف الليل، ثم جرت إلى قسم الشرطة. ~~- «في السابعة أخذوه من البيت.» ~~- «هانز فيشر؟ شارع يعقوب رقم ستة؟ غير موجود هنا.» # أسرعت إلى رئاسة الشرطة. ~~- «هانز فيشر؟ لا لم يسجل اسمه هنا.» ~~- «لم يسجل؟!» طالت وقفتها الخرساء. الوجه الشاحب البياض من الرعب. «وأين أسأل ~~عنه؟» # ضحكوا عليها. ~~«هذه حكاية عجيبة. ربما في تمبلهوف، في بيت كولومبيا.» # مضت إلى هناك، قالت للحارس الواقف ~~على الباب: «هانز فيشر، يا سيدي العزيز، هل أفرج عنه؟» ~~- «لا أعلم، هنا كثيرون مثله.» # أمسكت يده: «إنه ابني.» ~~- «اسألي إذن في قسم الشرطة.» وقفت شاحبة الوجه من الرعب. «سألت هناك بالفعل.» # قال الحارس: «امشي من فضلك.» رجعت إلى قسم الشرطة، كان الصبح قد أشرق. «آه، عمن تبحثين؟ ~~هانز فيشر، شارع يعقوب، إنه هنا.» # جرت الدموع على وجهها: «هل أستطيع أن أكلمه؟ ألن يفرج عنه قريبا؟» قال الرجل الجالس أمام ~~المائدة: «للأسف، لقد مات. كما أن منظره مؤلم.» # بقي فمها مفتوحا. مع ذلك لم تخرج منه كلمة واحدة. ساقوها في حرص لتطل من الباب. في الصبح ~~البارد وقفت ذابلة متيبسة، ثم سقطت كقطعة من الورق. # أمام ألوف الأبواب تموت ألوف الأمهات، لكن ريحا وحشية ستهب ذات يوم، تذرو معها الرماد ~~البارد لحزنهن، وسوف تتلون خدود الأمهات الشاحبة، وتنهض آلاف الأمهات على أقدامهن، يحملن ~~في أيديهن أعلام الأبناء ms53 الأموات. # 2 ~~(3) أغنية الفلاحين # الأرض كانت عبئا علينا، والعمل كان بغيضا مكروها. لأجل أي شيء؟ لماذا؟ ما الداعي؟ في ~~سبيل من؟ في سبيل رفاهية سادة أغراب. # أعطينا آخر ما لدينا، حتى في القبر تثقل الأرض علينا. لأجل أي شيء؟ لماذا؟ في سبيل من؟ ما ~~الداعي؟ # ثم هرب السادة في أثناء الليل، وبقي بيت السادة مهجورا. لأجل أي شيء؟ في سبيل من؟ ما ~~الداعي؟ لماذا؟ # وزعت الأرض توزيعا عادلا، صار كل عبد سيد نفسه. في سبيل من؟ ما الداعي؟ لماذا؟ لأجل أي ~~شيء؟ ونحن مساء نقف أمام الأبواب. # الريح تسري عبر حقولنا، والأرض أصبحت محببة إلينا. لماذا؟ في سبيل من؟ لأجل أي شيء؟ وما ~~الداعي؟ نحن نقول الآن للأرض: «أنت أيتها الحبيبة. # أنت يا من لا تتركين لنا أبدا فرصة للراحة. هيا نحتفل في عيد الحصاد. لماذا؟ لأجل أي ~~شيء؟ ما الداعي؟ لأجل من؟ # لأجل أن ينهض شعبنا، لبعثه الجديد. لأجل رخائنا ورفاهيتنا جميعا.» # 3 # | نبذة عن كل شاعر # (حسب ورود أسمائهم في النصوص) # 1 ~~(1) جوته (يوهان فولفجانج: 1749-1832م) # شاعر الألمان الأكبر، صاحب «آلام فيرتر» و«فاوست» و«الديوان الشرقي للشاعر الغربي» وغيرها ~~من الأعمال الأدبية التي تعكس ألوان طيفها كل الأنواع والأشكال الأدبية، وذلك بجانب أعماله ~~النقدية والفكرية والعلمية عن الفن ونظرية الألوان والبصريات والنبات والتشريح والمعادن ~~بحثا عن القوانين التي تتحكم في التطور العضوي الحي. يرجع لقاؤه الأول مع الموروث الشعبي ~~والأغنية الشعبية إلى سنة 1771م، عندما سجل مجموعة من القصائد القصصية (البالادات) من منطقة ~~الإلزاس، وذلك بتشجيع وتوجيه من الأديب وفيلسوف التاريخ هيردر (1744-1803م)، كما يعد عام ~~1797م هو عام «البالاد»، الذي وصل فيه إنتاجه وإنتاج شيللر إلى ذروتهما الرفيعة، وتجلى فيه ~~فضل صداقتهما على التعاون الوثيق بينهما. ~~(2) برنتانو (كليمنس: 1778-1842م) # أثرت علاقته بجماعة الرومانتيكيين المبكرين في يينا (أثناء دراسته للطب في جامعتها من ~~1798 إلى 1800م)، وصداقته مع آخيم فون أرنيم (1781-1831م) الذي تعرف عليه خلال دراسته للفلسفة ~~سنة 1801م في جوتنجن؛ على تطوره الأدبي تأثيرا حاسما، وساعد تعرفه ms54 على عدد من الأدباء ~~والعلماء الرومانتيكيين من سنة 1804 إلى سنة 1808م في مدينة هيدلبرج (مثل جوريس وكرويتسر)، مع ~~تعاونه الوثيق في المدينة والفترة نفسها مع صديقه فون أرنيم؛ على بلورة اتجاهه الرومانسي ~~والاشتراك معه في جمع وصياغة عدد كبير من القصائد القصصية والأغنيات الشعبية الألمانية ~~القديمة التي نشرها تحت عنوان: «بوق الصبي العجيب» (1806م)، وكان لها أثر كبير على انتشار ~~«النغمة الشعبية» التي تميز بها الإنتاج الشعري في القرن التاسع عشر. ولبرنتانو أعمال ~~روائية ومسرحية عديدة لم يكملها، بجانب أعمال شعرية أخرى في «الرومانسة»، والحكايات الشعبية ~~التي لم يتمها أيضا، وتكشف جميعها عن الصنعة الفنية والموسيقية واللغوية المحكمة، والحس ~~الغالب بالدعابة والسخرية، والاهتمام الشديد بالاغتراف من ينابيع الموروث الشعبي القديم في ~~الشعر والأساطير والحكايات. وتشهد «بالاداته» - مثل «لورا لاي» التي تجدها في هذه المجموعة ~~- على قدراته التعبيرية والعاطفية الفائقة. ~~(3) هيبيل (فريدريش: 1813-1863م) # نشأ في ظروف بائسة، وتولى تعليم نفسه بنفسه بعد عجزه عن إتمام تعليمه العالي. استقر سنة ~~1945م - بعد أكثر من إقامة في هامبورج وهيدلبرج وميونيخ وروما - في مدينة فيينا وعاش في ~~علاقة مع مسرح «البرج» العريق الذي تزوج - أيضا (سنة 1846م) - إحدى ممثلاته. وهيبيل هو ~~أعظم كاتب وشاعر مسرحي ألماني في القرن التاسع عشر، ويتناول مسرحه «التراجيدي» مشكلات ~~الصراع بين الأنا والعالم، وبين الأجيال والعصور والحضارات. ومن أهم مسرحياته: «ماريا ~~مجدالينا» و«هيروديس» و«ماريا منه» و«أجنيس بيرناور» و«أجينيس وخاتمه» و«النيبولنجن»، وتجمع ~~مسرحياته وأشعاره بين العاطفة العميقة المؤثرة والتأمل الفكري الدقيق، وبين التعبير الشخصي ~~والتحليق في الأجواء الرمزية، وبين المثالية والواقعية النفسية والجبرية. وقد تأثرت ~~«بالاداته» و«رومانساته» التي نظمها في بداية حياته بالشاعر أولاند الذي اعتبره نموذجه ~~ومثله الأعلى. ~~(4) شيللر (فريدريش: 1759-1805م) # شاعر مسرحي كبير، ومؤرخ، وقاص، وصاحب رسائل فلسفية وجمالية مهمة (تأثر فيها بفلسفة كانط)، ~~ومفكر مثالي انتصر بإرادته الحرة على ظروفه المادية والصحية البائسة. # ويعتبر عام 1797م بالنسبة إليه - كما هو الحال مع صديقه جوته - هو عام «البالاد» أو ~~القصيدة القصصية التي نشر معظم روائعه فيها حول ms55 هذا التاريخ، وفي المجلة التي أسسها وهي ~~مجلة «ربات الفنون». وشعره في هذه القصائد يغلب عليه - كسائر أشعاره - الطابع الفكري ~~المثالي الذي يصل أحيانا إلى حد التحمس الخطابي، ف «القفاز» دفاع عن فكرة الشرف أو الكبرياء ~~التي تنتصر على عاطفة الحب، و«إبيكوس وأسراب الكركي» تصور من خلال الأمثولة الأخلاقية ~~والتعليمية كيف يتم القصاص العادل من المجرمين القاتلين للمغني والشاعر إبيكوس، من خلال ~~العرض الجمالي على خشبة المسرح لجوقة الممثلات اللائي يمثلن ربات الانتقام، وينطقن باسمهن. ~~وغني عن الذكر أن «بالادات» شيللر تحتفظ مشاهدها وشخصياتها بالطابع المسرحي الذي يشغل ~~مكان القلب من إنتاجه الأدبي، ويعبر عن صميم روحه الفنية والإنسانية الشامخة. ~~(5) شاميسو (أدالبير فون: 1781-1838م) # ينحدر أصله من عائلة فرنسية نبيلة هربت سنة 1792م من فظائع الثورة الفرنسية، واستقرت سنة ~~1796م في برلين. عرف برحلته حول العالم ودراساته العلمية في النبات والحيوان التي أوصلته في ~~سنة 1835م إلى عضوية الأكاديمية العلمية، ولكنه اشتهر بقصته الخيالية البديعة التي تعبر عن ~~حيرته بين وطنين - وهي الحكاية العجيبة لبيتر شليميل (1814م)، وتصور رجلا مسكينا يتنازل عن ~~ظله للشيطان، ويحاول عبثا أن يعيش بلا ظل - واشتهر بأشعاره التي يتجلى فيها تحرره التدريجي ~~من صور التعبير والتفكير الرومانسية واتجاهه إلى النقد الاجتماعي والواقعي، وتصوير حياة ~~الناس العاديين مع الميل في بعض القصائد القصصية إلى الحكايات والأساطير الشمالية ذات ~~الطابع المأساوي الفاجع (راجع بالاداته الواردة في هذه المجموعة مثل: «الحلاق المناسب»، ~~و«الشحاذ وكلبه»، وكذلك «لعبة العمالقة» و«ملك من الشمال»)، ومما يذكر أنه كتب في بداية ~~حياته بالفرنسية، ثم اتجه بعد العشرين من عمره إلى الكتابة بالألمانية، وأن قصائده القصصية ~~تأثرت بالشاعر الفرنسي بيرانجيه، الذي قام بترجمتها إلى الألمانية. ~~(6) أولاند (لودفيج: 1787-1862م) # من أهم ممثلي الرومانتيكية المتأخرة في منطقة «شفابين»، وتذكر له مشاركته الفعالة في ~~السياسة وفي الكفاح من أجل قيم الديمقراطية والليبرالية والحرية. تخلى في أواخر حياته عن ~~معظم مناصبه الإدارية والسياسية والتعليمية، وتفرغ للأدب وللبحث العلمي في الأدب الشعبي ~~والحكايات والأساطير الجرمانية الوسيطة، وشارك في تجميع ms56 وتحرير أول مجموعة علمية من الأغاني ~~الشعبية، وذلك بجانب بحوثه في الأدب الألماني وإحياء تراث أكبر شاعر ألماني في العصر ~~الوسيط، وهو فالتر فون دير فوجيلفيده، والتعاون مع الأخوين جريم - المشهورين بمجموعة ~~الحكايات الشعبية للأطفال وبتأسيس المعجم الشامل للغة الألمانية - في وضع أسس علم الأدب ~~الشعبي. عرف بقصائده الرومانسية، العاطفية والوطنية، وبقصائده القصصية التي استمد مادتها من ~~التاريخ والأساطير والحكايات الشعبية الجرمانية والشمالية، وتميز بلغته البسيطة وتعبيره ~~العاطفي، وقدرته على التشكيل المرن لقصائده التي قام بتلحينها عدد كبير من كبار الموسيقيين ~~مثل: شوبرت وشومان وليست وبرامز. ~~(راجع بالاداته في هذه المجموعة مثل: «ابنة صاحبة الفندق»، و«لعنة المغني»، و«قصر على ~~البحر».) ~~(7) هيني (هينريش: 1797-1856م) # نشأ في عائلة يهودية من التجار ورجال البنوك والأعمال. درس الحقوق والأدب في جامعات بون ~~وجوتنجن (التي طرد منها بسبب تورطه في مبارزة)، وبرلين (حيث استمع إلى محاضرات هيجل، وزار ~~جوته في شهر مايو سنة 1825م زيارة آلمته بسبب تجاهل «إمبراطور الشعراء» وتعاليه )، وفي العام ~~نفسه تخلى عن اليهودية ودخل المسيحية البروتستنتية، وحصل على الدكتوراه في القانون من جامعة ~~جوتنجن. تعددت رحلاته وأسفاره بين لندن وإيطاليا وبعض المدن الألمانية إلى أن استقر منذ سنة ~~1831م نهائيا في باريس؛ حيث عمل مراسلا لجريدة ألمانية تصدر في أوجسبورج، ولبعض الصحف ~~الفرنسية، واتصل بكبار الشعراء والأدباء الفرنسيين - مثل هيجو وديما وبلزاك وجورج صاند - ~~كما انضم إلى جماعة السان سيمونيين. صودرت كتاباته وأعماله في ألمانيا - بسبب جرأته وسخريته ~~الجارحة - بقرار من البرلمان الألماني في سنة 1835م. بدأ يعاني منذ سنة 1837م من مرض في ~~عينيه، ومنذ سنة 1848م من شلل في العمود الفقري ألزمه الفراش بقية حياته إلى أن ووري التراب ~~في مقبرة مونمارتر بباريس. # من أهم وأعذب الشعراء الألمان في مرحلة الانتقال من الرومانتيكية إلى الواقعية، وقد انطبع ~~إنتاجه بطابع التمزق بين المرحلتين، وبالاكتئاب مع الدعابة والسخرية والتهكم المر من واقع ~~اختفت منه القيم المثالية والإنسانية السابقة، واقتضى منه الارتفاع فوقه، والتخلص من كل ~~الأوهام التراثية والعاطفية. ظهر تفوقه في ms57 قصائده في «كتاب الحب»، وفي السوناتات والأغاني ~~ذات الطابع الرومانسي والشعبي التي أكسبته شهرة واسعة، والقصائد السياسية والنقدية ~~الاجتماعية التي ارتفعت فيها نبرة السخرية العدائية الحادة، وتأثر فيها بالحركة الثورية ~~المتمردة التي أطلقت على نفسها اسم «ألمانيا الشابة» (لا سيما في ملحمته الشعرية: ألمانيا، ~~أسطورة شتاء)، ولكن شعره الغني بالصور الفنية والألم الكوني والعذوبة والدعابة يتجلى في ~~أروع أشكاله وأنغامه في قصائده القصصية (أو بالاداته) التي أثرت - مع مجمل إنتاجه الشعري ~~والنثري المتنوع - تأثيرا واسعا على شعراء العصر الحاضر، لا سيما الشعراء من ذوي الاتجاه ~~النقدي الساخر والمحتج (راجع في هذه المجموعة بعض قصائده القصصية العامة مثل: «بنو عذرة»، ~~و«أنثى»، و«وادي الآلام»، و«النساجون»، و«شارل الأول»؛ وهو ملك إنجلترا واسكتلندا من 1600 إلى 1649م ~~الذي تسبب في نشوب حربين أهليتين، وحوكم في وستمنستر ورفض الدفاع عن نفسه، فاعتبر ذلك ~~اعترافا بجرائمه وأدين وحكم عليه بالإعدام في «وايتهول» بقطع رأسه). ~~(8) كيستنر (إريش: 1899-1974م) # بعد خدمة عسكرية في الحرب العالمية الأولى حصل على الثانوية سنة 1919م، ثم درس الأدب ~~الألماني والتاريخ والفلسفة وعلوم المسرح في روستوك وبرلين ولايبزيج؛ حيث قدم رسالته ~~للدكتوراه سنة 1925م، واشتغل بعدها محررا أدبيا في صحف عديدة. منع في عهد النازيين من ~~الكتابة، وحضر بنفسه حريق الكتب المشهور في برلين (ومن بينها كتبه)، وأخذ ينشر كتبه خارج ~~بلده. كتب في سنة 1942م سيناريو فيلم «منشهاوزن» تحت اسم مستعار، وأشرف على الصفحات الثقافية ~~في «الجريدة الجديدة» من 1945 إلى 1947م في مدينة ميونيخ، التي استقر فيها متفرغا للكتابة ~~الحرة. اكتسب شهرته من الكتابة للأطفال (ومن أشهر كتبه: «إميل والمخبرون»، و«مؤتمر الحيوانات»، ~~وغيرهما)، ومن أشعاره الساخرة التي يتجه فيها لرجل الشارع، ويعالج قضايا الحياة اليومية ~~وأزماتها ومشكلاتها العينية بروح التهكم والدعابة الإنسانية الصافية. عرف كذلك برواياته ~~التي تسجل ظواهر التدهور الأخلاقي والاجتماعي في الثلاثينيات، ومنذ عهد جمهورية فيمار (ومن ~~أهمها روايته: «فابيان، تاريخ رجل أخلاقي»)، وحرصه على البعد عن اتخاذ أي موقف سياسي. ومع ذلك ~~فقد اتجه في محاضراته ومقالاته ومشاركته ms58 في الكباريه الغنائي والأدبي (الحرية الصغيرة، 1951م) ~~إلى اتخاذ موقف الرفض لإعادة تسليح ألمانيا، ونقد ما سمي آنذاك بالمعجزة الاقتصادية، ~~وانتقاد الدعوة للتنكر للماضي والتراث. تألق كذلك في مسرحيته الشهيرة: «مدرسة الطغاة» (1956م)، ~~وفي مذكراته وإبيجراماته وقصائده التي تشيع فيها روح السخرية العذبة، وتتسم بقدر كبير من ~~البساطة والوعي والموضوعية والعمق أيضا. ~~(راجع البالاد الوحيدة التي اقتبسناها منه، وهي رومانسة موضوعية.) ~~(9) فيمان (فرانز: 1922-1984م) # من كبار كتاب ألمانيا الشرقية السابقة. جند في الحرب العالمية الثانية، وشارك في المعارك ~~التي دارت في أوكرانيا واليونان، وأسر سنة 1945م في الاتحاد السوفييتي السابق؛ حيث بقي في ~~الأسر أربع سنوات. تخلى عن اتجاهاته الفاشية المبكرة، واتجه إلى الماركسية بعد عكوفه على ~~دراستها، وانضم إلى الحزب الديمقراطي الوطني الذي عين فيه سكرتيرا مسئولا عن الشئون ~~الثقافية. تفرغ منذ 1958م للكتابة الحرة، وأصبح قدوة لشباب الأدباء الذين بذل كل جهده ~~لتشجيعهم ورعايتهم. تسجل أشعاره وكتاباته القصصية والروائية ومذكرات رحلاته ومقالاته مدى ~~اهتمامه بموضوع «الماضي» بكل أخطائه وفظائعه، وبقضايا الذنب والضمير والمسئولية، وبتسليط ~~النقد على الحياة اليومية في ألمانيا الشرقية، ومعالجة التناقض الواضح في العلاقات بين ~~الفرد والمجتمع في ظل التطبيق الاشتراكي الرديء، كل ذلك بجانب انشغاله في نثره وشعره ~~بموضوعات ومواد مستمدة من الأساطير، واهتمامه الشديد بالكتابة للأطفال، وتلخيص الأعمال ~~الأدبية العالمية لهم، وبالترجمة عن عدد من اللغات السلافية (راجع في هذه المجموعة قصيدتيه ~~القصصيتين: «طوبى للعصيان»، و«صبي الشيطان»). ~~(10) ريكرت (فريدريش: 1788-1866م) # درس علم اللغة في جامعتي فيرتسبورج وهيدلبرج، ثم حصل في سنة 1811م على الدكتوراه من جامعة ~~يينا التي اشتغل فيها محاضرا لفترة قصيرة. درس اللغات الشرقية في فيينا على يد المستشرق ~~المعروف يوسف فون همر بورجشتال (الذي اعتمد جوته في ديوانه الشرقي على ترجماته العديدة عن ~~الأدب الفارسي). وعلى الرغم من تفرغه لبحوثه الاستشراقية وترجماته المبدعة عن عدد كبير من ~~اللغات الشرقية، ومنها العربية (التي ترجم عنها جزءا كبيرا من القرآن الكريم، وعشر مقامات ~~للحريري، وديوان الحماسة وغيرها)، فقد شغل منصب الأستاذية للغات الشرقية ms59 في جامعة أرلانجن ~~من سنة 1826 إلى سنة 1841م، كما قام بالتدريس بين سنتي 1841م و1848م في جامعة برلين، ثم عاش ~~متفرغا لبحوثه وترجماته في ضيعته الصغيرة بالقرب من مدينة كوبرج. تميز ريكرت بإنتاجه ~~الشعري الخصب، وبترجماته التي لا حصر لها عن لغات شرقية بلا حصر أيضا. وقد لقي الظلم في ~~حياته وبعد موته أيضا من المستشرقين الذين لم يعتبروه علميا بما فيه الكفاية، ومن ~~الشعراء الذين اعتبروه مستشرقا وحسب (وذلك إلى أن أنصفته المستشرقة الكبيرة آن ماري ~~شيميل، التي وضعت كتابا عن حياته وأعماله، ونشرت وحققت بعض ترجماته، ومنها ترجمته ~~المسجوعة الرائعة لمقامات الحريري). يقال إنه كتب ما يزيد على عشرة آلاف قصيدة، تميزت من ~~بينها: «سوناتة أماريل» و«السوناتة المسلحة» (التي كتبها سنة 1814م متأثرا بحرب التحرير ~~الوطنية من قبضة نابليون)، وأغنيات موت الأطفال (1833-1834م)، التي بكى فيها اثنين من أصغر ~~أبنائه، وقد نشرت بعد وفاته ولحنها الموسيقار جوستاف مالر. وتؤكد ترجماته - أو بالأحرى ~~محاكاته الخلاقة للعديد من النصوص العربية والفارسية والهندية والصينية - تفرده وتفوقه ~~كمستشرق شاعر أو كشاعر مستشرق، كما يعبر كتابه «حكمة البراهمة، قصيدة تعليمية في شذرات» - ~~الذي أعاد فيه إنتاج مختارات متفرقة من أدب الشرق والغرب - عن شخصيته وأسلوبه في التفكير ~~والعمل، وطموحه كشاعر لم يقدر له النجاح دائما، خصوصا في ثلاثيته عن حروب التحرير من ~~احتلال نابليون، وفي مسرحياته العديدة التي لم يكد يذكرها أحد في حياته ولا بعد موته (راجع ~~عنه في العربية كتاب «ريكرت عاشق العربية»، للدكتور محمد عوني عبد الرءوف). ~~(11) جرين (أنا ستازيوس: 1806-1876م) # فارس وسليل أسرة من النبلاء. درس الفلسفة والحقوق بجامعتي جراتز وفيينا، وتفرغ منذ سنة ~~1831م لإدارة ضيعته وقصره في تورن على نهر الهارت. تقلد مناصب سياسية عديدة طبعت شعره ~~بطابع سياسي وليبرالي ونقدي ملحوظ جعله قدوة لحركة «ألمانيا الشابة»، وساهم بترجماته ~~للأغنيات والبالادات الإنجليزية القديمة والسلوفانية في نهضة الأدب الشعبي، كما سجل ~~بمجموعته الشعرية «نزهات شاعر من فيينا» - التي نشرها تحت اسم مستعار وهاجم فيها نظام ~~«ميترنيخ» القمعي ms60 - بداية الشعر السياسي لحركة «ما قبل مارس» الأدبية. ~~(راجع قصيدته القصصية «مرسال» في هذه المجموعة.) ~~(12) بريشت (برتولت: 1898-1956م) # شاعر وكاتب مسرحي وروائي ومخرج ومنظر للمسرح الملحمي. احتفل العالم قبل خمس سنوات ~~بمئوية ميلاده، فقرئت أشعاره في الندوات وعرضت مسرحياته على الخشبة المسرحية في أوروبا ~~وأمريكا وآسيا والعالم كله - ربما باستثناء العالم العربي الذي اشتهر فيه في الستينيات، ~~وتأثر به العديد من الشعراء وكتاب المسرح والنقاد والدارسين، ثم نسي بعد ذلك نسيانا يوشك ~~أن يكون تاما - بدأ حياته بدراسة الآداب والطب، وجند في الحرب العالمية الأولى كممرض في ~~مسقط رأسه «أوجسبرج» لفترة قصيرة أثرت على مسرحياته الثلاث المبكرة في المرحلة المعروفة ~~بالمرحلة التعبيرية من إنتاجه المسرحي. توقف بعد الحرب عن دراسة الطب، وواصل الكتابة ودراسة ~~علوم المسرح، ثم تعاقد معه مسرح الغرفة في ميونيخ على العمل كمسئول عن النصوص المسرحية ~~(دراما تورج) بعد النجاح الساحق لثالثة مسرحياته سابقة الذكر، وهي «طبول في الليل» (1922م)، ~~وانتقل إلى برلين للعمل مع المخرج الشهير ماكس راينهارت، حيث عرضت بعض مسرحياته على «المسرح ~~الألماني»، ولكن النجاح الأكبر سعى إليه مع عرض أوبراه الشهيرة : «أوبرا القروش الثلاثة» على ~~مسرح «الشفباوردام» الذي كرسته له الدولة الاشتراكية السابقة بعد انتهاء الحرب العالمية ~~الثانية، وفي سنة 1928م. هاجر مع أسرته إلى الدنمارك سنة 1933م بعد وصول هتلر وعصابته إلى ~~السلطة، ثم انتقل منها إلى السويد (1939م)، وفنلندا (1940م)، إلى أن سافر للولايات المتحدة ~~الأمريكية، واستقر في سانتا مونيكا بكاليفورنيا، حتى قدم للمحاكمة أمام لجنة النشاط المعادي ~~لأمريكا في يوم الثلاثين من شهر أكتوبر سنة 1947م. وقد سافر في اليوم التالي مباشرة إلى ~~زيورخ عبر باريس، حتى انتهى به المطاف إلى الإقامة في القسم الشرقي من برلين عاصمة ألمانيا ~~الديمقراطية السابقة، والتفرغ منذ سنة 1949م ل «فرقة برلين» المسرحية التي أسسها مع زوجته ~~الممثلة الشهيرة هيلينا فايجيل، وتخصصت في عرض تجاربه المسرحية مع بعض المسرحيات القليلة ~~لمؤلفين آخرين (مثل: شكسبير، ولنس، وموليير وغيرهم)، وقد حصل في أواخر حياته - على الرغم ms61 من ~~العلاقة المتوترة بينه وبين الدولة الاشتراكية وحزبها الواحد - على العديد من جوائز ~~التكريم، وذلك بعد أن لمع اسمه كواحد من أكبر كتاب المسرح العالمي في النصف الأول من القرن ~~العشرين. # ظل إنتاج بريشت المسرحي والقصصي والشعري مرتبطا أشد الارتباط بعصره ومحنته الكبرى؛ وهي ~~الحرب والحكم الأسود لقطعان النازية، ولذلك توجه هذا الإنتاج في المقام الأول إلى الإنسان ~~العادي أو «الرجل الصغير» لتنويره وحثه على الوعي النقدي بتناقضات واقعة، والكشف عن زيف ~~الأساطير والأوهام الفاشية التي خدعته وجرته مع الملايين إلى المذبحة الكبرى، والتحريض على ~~ضرورة «التغيير» الذي يلخص بكلمة موجزة رسالته الأدبية والفنية. # وقد تميز شعر بريشت - الذي ارتبط في الجانب الأكبر منه بمحنة عصره وبكفاحه في سبيل ~~التنوير والتغيير - ببساطته وسهولته الممتنعة، وموضوعيته التي يندر معها أن تجد له شعرا ~~ذاتيا (ربما باستثناء بكائياته على نفسه وعلى عصره في قصائد مثل: «برتولت بريشت المسكين»، ~~و«إلى الأجيال المقبلة»، و«مرثيات بوكو») ومعالجته لكل الأشكال الشعرية المعروفة، من البالاد ~~ذات الوزن والقافية، إلى قصائد الشعر الحر، إلى السوناتة والإبيجرام والشعر التعليمي ~~والملحمة والقصة الشعرية والأغنيات الشعبية والمعارضات لبعض عيون التراث الشعري الكلاسيكي ~~(راجع في هذه المجموعة قصيدتيه القصصيتين عن الجندي الميت، وعن نشأة كتاب الطريق والفضيلة ~~تاو-تي-كنج للحكيم الصيني لاو-تزو. وراجع إن شئت مجموعة أشعاره التي نقلها كاتب السطور إلى ~~العربية، وظهرت تحت عنوان «هذا هو كل شيء، قصائد من بريشت» في دار شرقيات بالقاهرة، 1999م، ~~مشاركة في الاحتفال بذكراه المئوية). ~~(13) هيردر (يوهان جوتفريد: 1744-1803م) # هو فيلسوف التاريخ المشهور («فلسفة للتاريخ لتثقيف الإنسانية» (1774م)، و«أفكار عن فلسفة تاريخ ~~البشرية» (1784-1791م) وغيرهما)، والأديب الملهم لحركة «العصف والدفع» الأدبية والحث على جمع ~~واستلهام التراث الشعبي لدى الشعوب القديمة كافة، لا سيما في الأغنية الشعبية التي نقل منها ~~بنفسه عددا كبيرا في كتابيه: «أغاني شعبية قديمة» (1774م)، و«أصوات الشعوب في أغانيها» (1807م)، ~~وتوجيه أدباء الشباب في ذلك الحين (لا سيما جوته) إلى الاهتمام بالأدب الشعبي، وقراءة ~~شكسبير. تميز بأسلوبه التأثيري والوجداني المجنح، وبنزعته المضادة ms62 للعقلانية والتنوير، ~~ولفته أنظار معاصريه إلى فكرة التطور التاريخي والعضوي الحي، وإلى فهم لغة وأدب وثقافة أي ~~شعب من الشعوب اعتمادا على ظروفه التاريخية السابقة والشروط المحددة لطبعه ومناخه وأرضه، ~~بحيث يعتبر - بفكرته الخصبة عن التاريخ كعملية تطور ونمو شبيه بالتطور العضوي في النبات ~~والكائنات الحية - مؤسس فلسفة التاريخ الحديثة في ألمانيا. يذكر له تأثيره سابق الذكر ~~وترجماته الجميلة عن الشعر الإغريقي والشعر الشرقي (راجع قصيدته القصصية «إدوارد»، المترجمة ~~عن الأدب الاسكتلندي القديم). ~~(14) موريكه (إدوارد: 1804-1875م) # تقلد منصب الواعظ والقسيس في عدد من القرى والمدن الصغيرة بالجنوب الألماني، ثم عمل ~~أستاذا للأدب في شتوتجارت التي عاش فيها منطويا ومعتزلا حتى وفاته. يعد بجانب «هيني» من ~~أهم الشعراء الألمان في المرحلة الفاصلة بين الرومانتيكية والواقعية، وقد تأثر شعره العاطفي ~~والموسيقي الرقيق بشعر جوته والرومانسيين، وبروح الأغنية الشعبية وأشكال وأوزان الشعر ~~الكلاسيكي القديم، مع بساطة آسرة في أغانيه المشبعة بالأنغام الشعبية، والاهتمام بتصوير ~~رؤيته وتجربته للطبيعة في صور أسطورية وخيالية مثيرة تشي بالصفاء والبساطة والدعابة والمرح، ~~مع الاحتفاظ بالروح الموضوعية والاهتمام بالملموس والمحسوس في «بالاداته» الطبيعية. تميز ~~أيضا بقصصه القصيرة المحكمة، لا سيما قصته الشهيرة عن «رحلة موتسارت إلى براغ»، وكذلك ~~بروايته «ماره نولتن» التي وقع فيها تحت تأثير رواية جوته «فيلهلم ميستر»، وبترجماته ~~المتواضعة عن الشعر الإغريقي والروماني «أناكريون وثيو كريت وكاتول»، وبرسائله المؤثرة ~~المعبرة (راجع في هذه المجموعة قصيدته القصصية «التتويج الحزين»). ~~(15) رنجلناتز (يواخيم: 1883-1934م) # ولد لأب كان يعمل مؤلفا لكتب الصبية والشباب، درس بعض الوقت في مدينة لايبنزيج، ثم عمل ~~- بغير علم أبويه - على إحدى السفن، وتقلب بين أعمال ومهن مختلفة في البر والبحر، منها ~~الصحافة الفكاهية والأرشيف والمكتبات والمسرح، عانى مرارة البطالة والجوع بعد انتهاء الحرب ~~العالمية الأولى، حتى اكتشفه صاحب مسرح «الصوت والدخان» في برلين، وكان يقرأ فيه أشعاره ~~المرحة الفكهة والمأساوية الفاجعة في وقت واحد، وبقي مواظبا على العمل فيه حتى سنة 1933م. ~~وهو شاعر «الكاباريهات الأدبية» الساخر، يتجاور عنده المعقول مع اللامعقول، والعمق مع الحمق، ms63 ~~والنكتة الصارخة مع الحس النقدي اللاذع لعصره وواقعه، والقصيدة الرائعة المؤثرة مع أغنيات ~~«البحر» الساذجة الفجة المتخمة بالجرائم المهولة (على طريقة الأغاني الشعبية التي عرفت باسم ~~«الموريتات»)، وتكمن تحت السطح الضاحك المرح لأشعاره أعماق شديدة الكآبة والحساسية للألم ~~والبؤس الإنساني. له إلى جانب أشعاره كتابات نثرية وذكريات عديدة عن حياته مع البحر ~~والمغامرة (راجع له في هذه المجموعة قصيدته عن «الطفلة الساحرة»). ~~(16) ميكيل (كارل: 1935-2000م) # درس الاقتصاد وتاريخه في برلين الشرقية (سابقا)، وعمل بعد ذلك صحفيا، فمعيدا في ~~المدرسة العليا للاقتصاد، ثم التحق في سنة 1978م بفرقة برلين المسرحية (لبريشت وزوجته هيلينا ~~فايجل) التي تولى فيها مسئولية النصوص المسرحية، وقام بعدها بالتدريس في مدرسة التمثيل في ~~برلين الشرقية، إلى أن انتقل إلى مدرسة «إرنست بوش» العليا لفن التمثيل التي شغل فيها منصب ~~الأستاذية منذ سنة 1991م حتى وفاته. # يمتد قوس الكتابة الإبداعية عند ميكيل ليشمل الشعر والرواية والدراما، ولكن الشعر يحتل ~~مركز القلب من نشاطه الأدبي والفني. اكتسب في الستينيات شهرته كشاعر مجدد يحاول أن يفتح ~~للشعر في ألمانيا الشرقية السابقة آفاقا جديدة، تشهد على ذلك مجموعة الأشعار المنتخبة التي ~~جعل عنوانها: «في هذا البلد الأفضل، قصائد من ألمانيا الشرقية منذ سنة 1945م»، كما تدل عليه ~~أشعاره التحريضية المبكرة مثل مجموعة قصائده بعنوان «مدائح وشتائم»، بالإضافة إلى مجموعته ~~التالية بعنوان «حياتي الجديدة» التي حاول فيها أن يقابل بين المأثور والجديد، والعامية ~~والفصحى، ومواقف الحياة اليومية وأصحاب الجباه العالية، مما أثار عليه النقاد الماركسيين ~~المتزمتين (راجع في هذه المجموعة قصيدته القصصية عن «الطفل الواقف أمام باب الجنة»). ~~(17) فيرتيل (برتولد: 1885-1953م) # شاعر وقاص وكاتب مسرحي نمسوي. درس الفلسفة والتاريخ في فيينا، وشارك مشاركة فعالة في ~~الصحافة النقدية الفكهة (في المجلة الساخرة سمبليسيزموس ومجلة الشعلة التي كان يصدرها ~~الكاتب الساخر كارل كراوس)، وفي العمل المسرحي بالمساهمة في تأسيس عدد من المسارح (كالمسرح ~~الشعبي في مدينة فيينا، والمسرح التجريبي «الفرقة»، وغيرهما)، وفي الإخراج للمسرح والسينما في ~~هوليوود بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ ms64 سنة 1938م، حتى عودته إلى فيينا سنة ~~1947م لمعاودة نشاطه المسرحي والترجمي عن الأدب الأمريكي. قام بدور كبير في حملة الدعاية ~~التي كانت تقوم بها إذاعة ال «بي بي سي» البريطانية ضد النازية، وفي سنواته الأخيرة كرس ~~شعره للهجوم على الفاشية (راجع على سبيل المثال قصيدته القصصية في هذه المجموعة عن «أجراس ~~إيرفورت»). ~~(18) فونتانه (تيودور: 1819-1898م) # تقلب معظم حياته بين العمل بالصيدلة والصحافة (عمل مراسلا حربيا خلال الحملات العسكرية ~~والحرب بين ألمانيا وفرنسا من عام 1864 إلى عام 1871م)، والنقد المسرحي وسكرتارية أكاديمية ~~الفنون في برلين. اتجه إلى الأدب متأخرا، ولكن إنتاجه الروائي والشعري ظل متدفقا في ~~شيخوخته، وحتى وفاته. يمثل فونتانه برواياته وشعره القصصي مرحلة اكتمال الواقعية الألمانية، ~~وقد بدأ حياته مع الشعر بكتابة قصائد يكسوها الأسى والحنين، ثم اكتسب شهرته كشاعر قصائد ~~قصصية شعبية احتذى فيها نماذج «البالاد» الإنجليزية والاسكتلندية، مقتبسا مادتها من التاريخ ~~الإنجليزي والاسكتلندي القديم، أو من الشخصيات البروسية في عصره، وتميز بأسلوبه المكثف ~~المقتصد، والمعبر في الوقت نفسه عن القلق والتوتر النفسي. وقد اتجه إلى الكتابة الروائية ~~بعد بلوغه الستين من عمره، فبدأ بالرواية التاريخية على طريقة الإنجليزي سكوت، ولكنه لم يجد ~~طريقه الخاص في الرواية إلا بعد السبعين، عندما عالج كتابة الرواية الواقعية من بيئته ~~المحيطة به في برلين، ومنطقة المارك براندنبرج التي صورها تصويرا واقعيا وموضوعيا بلغ ~~الغاية من دقة الملاحظة والبراعة في رسم الشخصيات والحوار الذكي المعبر مع ميل شديد إلى ~~التأمل والحكمة الملائمين لكبر سنه ونضجه (راجع في هذه المجموعة قصيدته القصصية «مأساة من ~~أفغانستان»). ~~(19) جلاسبرنر (أدولف: 1810-1876م) # ولد في برلين ومات بها. تفرغ منذ سنة 1830م للكتابة الحرة والعمل الصحفي والسياسي، وعرف ~~بأسلوبه الساخر - على طريقة أهل برلين وبلهجتهم وروحهم الشعبية بارعة الدعابة والنكتة - ~~الذي وصل في سخريته السياسية والنقدية الاجتماعية إلى حد مصادرة كتاباته وطرده في ~~الأربعينيات من برلين التي لم يرجع إليها إلا في أواخر الخمسينيات، وبعد فشل ثورة 1848م ~~لمتابعة كتاباته المرحة، وأشعار في بعض الصحف التي ms65 أصدرها، ومنها صحيفة برلين الصباحية منذ ~~سنة 1868م حتى سنة وفاته. ~~(راجع قصيدته القصصية المفعمة بالسخرية المؤلمة أو بالألم الساخر، وهي «حكاية الغنى ~~والحاجة».) ~~(20) ديميل (ريشارد: 1863-1920م) # بعد دراسة الاقتصاد والفلسفة والعلوم الطبيعية في برلين ولايبنزيج، حصل على الدكتوراه في ~~سنة 1887م، وعمل في إحدى شركات التأمين، ثم تفرغ للكتابة الحرة منذ سنة 1901م. تطوع في الحرب ~~العالمية الأولى، شارك بعد انتهائها في تأسيس مجلة الفنون: «بان». وبدأ منذ سنة 1891م في نشر ~~قصائده التي رحب بها القراء والنقاد، واعتبروه من أعظم الشعراء الألمان المعبرين عن حس ~~جديد وجريء بالحياة والحب، ورؤية فنية متحررة من التقاليد الأخلاقية الدينية ومضادة ~~لتصورات أصحاب النزعة الطبيعية التي سادت في ذلك الحين، وتجلت هذه الرؤية المزعجة للأعراف ~~البرجوازية في روايته «إنسانان»، وهي قصة حب مؤلفة من «رومانسات» تمجد الحب والجمال وقوة ~~الإيروس (العشق)، وإرادة الحياة، متأثرا في ذلك بفلسفة الحياة عند نيتشه إلى الحد الذي جعل ~~التعبيريين يعتبرونه أحد رواد «صرختهم» في سبيل الحرية والحب والخلاص والإنسانية. وتتجلى ~~أفكاره في الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والارتفاع بالحب إلى مستوى السر الكوني (راجع في هذه ~~المجموعة قصيدته «أغنية الحصاد»). ~~(21) فولف (فريدريش: 1888-1953م) # ولد في «نويفيد» على شط الراين لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى، وهرب من بيت أبويه إلى ~~ميونيخ، ثم إلى روما ليتعلم فن التصوير. عمل في صباه على البواخر التي تمخر نهر الراين، ثم ~~درس الفلسفة والطب في برلين وبون، واشتغل طبيبا على السفن البحرية، وفي الحرب العالمية ~~الأولى، ثم انضم بعد انتهائها إلى حركة اليسار الاشتراكي وإلى الحزب الشيوعي. هاجر في سنة ~~1933م إلى سويسرا وفرنسا هربا من جحافل النازية، وشارك في الحرب الأهلية الإسبانية في صفوف ~~الشيوعيين، وبعد اعتقاله في فرنسا سنة 1939م على أثر احتلالها، هرب إلى الاتحاد السوفييتي ~~السابق، وعمل في الإذاعة وجبهات القتال في الدعاية ضد النازية، ثم رجع بعد انتهاء الحرب إلى ~~برلين الشرقية، حيث عمل طبيبا وسفيرا لبلاده في وارسو، وشارك في الحياة المسرحية. عرف ~~كقاص وكاتب مسرحي اشتراكي ms66 وشاعر عالي النبرة ومحرض على الكفاح ب «سلاح الفن» في سبيل الثورة ~~الاشتراكية والمسرح الاشتراكي الذي أعطاه معظم جهده واهتمامه (راجع له في هذه المجموعة ~~قصيدته الثورية عن «شجرة المانجو»). ~~(22) فاينرت (إريش: 1890-1953م) # بعد سنوات طويلة في تعلم السباكة والميكانيكا والرسم وتصوير الكتب، والمشاركة بأشعاره في ~~«الكباريهات» الأدبية، أصبح من الدعاة للثورة الاشتراكية والمحررين للصحف الشيوعية. بعد ~~هجرته من بلاده سنة 1933م إلى سويسرا وفرنسا، ثم موسكو، شارك في الحرب الأهلية الإسبانية في ~~صفوف التقدميين، ثم استقر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في برلين الشرقية؛ حيث تقلد ~~مناصب قيادية مهمة في العمل الثقافي في الدولة الاشتراكية السابقة. وتعد السخرية النقدية ~~والنبرة الدعائية من أهم سمات شعره التحريضي المباشر (راجع قصيدته القصصية «أم ألمانية» في ~~هذه المجموعة). ~~(23) بيشر (يوهانيس: 1891-1958م) # من أهم شعراء ومثقفي الحركة الاشتراكية في جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة. بدأ حياته ~~شاعرا تعبيريا صارخ الانفعال واللغة والصور، ثم اتجه إلى الاشتراكية، حتى صار علما من ~~أعلام «الواقعية الاشتراكية»، وجعل نثره وشعره الغزير سلاحا فعالا لبناء مجتمع اشتراكي ~~وديمقراطي عادل يبني ما خربه الطاغوت النازي، ويبشر بالأخوة البشرية وإحياء قيم التراث ~~الأدبي والأخلاقي والإنساني الأصيل، بعيدا عن التزييف الفاشي والرأسمالي معا. أصدر في سنة ~~1952م ديوانه: «الجثة على العرش»، فألقي القبض عليه واتهم بالخيانة العظمى. وأخذت القضية ~~تجرجر أذيالها ثلاث سنوات ، حتى أفرج عنه بعد تدخل عدد من أدباء العصر المرموقين مثل: جوركي ~~وتوماس مان وبريشت. وقد ضاعف هذا من تحمسه للشيوعية، ومن إيمانه بأن الأدب من أقوى أسلحة ~~العمل الحزبي والثقافي المنظم لتحقيق الاشتراكية الإنسانية. هاجر من بلاده إلى الاتحاد ~~السوفييتي السابق على أثر استيلاء النازيين على السلطة في سنة 1933م، ثم رجع إليها وأسس في ~~برلين - الشرقية - سنة 1945م مجموعة من الأنشطة الثقافية، من أهمها: الاتحاد الثقافي للتجديد ~~الديمقراطي لألمانيا، ودار النشر «أوفباو» (التعمير)، والمجلة الأدبية المرموقة «المعنى ~~والشكل». وفي سنة 1949م وضع النشيد الوطني لجمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، ثم تولى ~~رئاسة أكاديمية الفنون من سنة 1952 إلى ms67 سنة 1954م، وعين في هذه السنة الأخيرة أول وزير ~~للثقافة، وظل يشغل المنصب حتى رحيله في سنة 1958م. # لا شك في أن «بيشر» قد كافح كفاحا شاقا لتحقيق طموحاته وتصوراته عن الثقافة الإنسانية ~~والأدب التقدمي، ولكن لا شك أيضا في أن حرصه على النزعة التعليمية والتحريضية وتبشيره ~~ب «اليوتوبيا» الاشتراكية قد أوقعه في سخف خطابي كثير، وإن كان هذا لا يمنع من القول بأن بعض ~~أغانيه ذات النبرة الشعبية البسيطة قد شاعت على ألسنة الناس، وأن بعض قصائده التي تغنى فيها ~~بالثورة وزعمائها كانت طاقة دافعة للحماس، ووقودا لاشتعال الأمل والحلم الاشتراكي الذي لم ~~يلبث أن اختنق في أكفان الروتين والفقر والقهر والتحجر والجمود. # يذكر له - إلى جانب شعره السياسي الملتزم، الذي تجد طرفا منه في كتابي المتواضع عن ثورة ~~الشعر الحديث، القاهرة، أبوللو سنة 1998م - كتاباه النثريان: «دفاع عن الشعر» (1953م)، و«المبدأ ~~الشعري» (1957م) (راجع في هذه المجموعة قصيدته القصصية «أغنية الفلاحين»). ms68