######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.HisanAkhdar.Hindawi97318519 #META# Tags: novels #META# ID: 97318519 #META# Title: الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # الشمس‏ # البيت‏ # عاوز حاجة؟‏ # بكاء‏ # الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت‏ # تذكر يا مولاي‏ # النعش‏ # عندما تلقاه ذات يوم‏ # الذئب الذي أراد أن يدخل في جملة مفيدة1‏ # يمشي على الماء‏ # إلى أين؟‏ # سيرة كلب يبحث عن إنسان1‏ # وقائع يوم أسود‏ # إهداء‏ # الشمس‏ # البيت‏ # عاوز حاجة؟‏ # بكاء‏ # الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت‏ # تذكر يا مولاي‏ # النعش‏ # عندما تلقاه ذات يوم‏ # الذئب الذي أراد أن يدخل في جملة مفيدة1‏ # يمشي على الماء‏ # إلى أين؟‏ # سيرة كلب يبحث عن إنسان1‏ # وقائع يوم أسود‏ # | الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت # | الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | إهداء # إلى صديقي المرحوم؛ # ضياء الشرقاوي، # شجعتني على نشر هذه القصص، وتمنيت أن أهديها إليك يدا ليد، فهل تقبلها الآن من روح إلى ~~روح؟ # | الشمس # الشمس تلسع وجهي، لهيبها يحرق عيني، «صهدها» يكتم نفسي. والطريق ما زال طويلا على أن ~~أسير ساعة أخرى، ربما ساعتين على الأرض المحمية كالجمر في التراب الذي يخنق الصدر تحت الشمس ~~التي لا ترحم. أضع حقيبة كتبي على رأسي، بعد لحظات تصبح هي الأخرى كأنها خارجة من فرن! أبحث ~~عن شجرة أقف تحتها، لكن المزارع بعيدة، وعمال الطرق نسوا أن يزرعوا الأشجار. أشير للعربات ~~أن تقف وتأخذني معها، لكنها تمرق من جانبي وتغمرني بعاصفة من التراب! لو كنت سمعت نصيحة أبي ~~وأخذت معي الشمسية! لكن ماذا كان العيال يقولون؟ ماذا كنت أفعل لو ضاعت مني؟ وماذا كان يفعل ~~أبي؟ هو اليوم راقد في البيت، أمي قالت لي: أبوك جسمه نار، سمعته يتأوه وأنا خارج في ~~الصباح. ألقيت عليه نظرة من وراء الباب فوجدته عصب عينيه. بالليل كان يصرخ: ابعدوا عني! ~~ابعدوا عني! أمي قالت: أبوك عنده حمى، الشمس لطشت دماغه، ربنا يلطف بنا. # الشمس تحرق رأسي، قرصها الملتهب يطبق علي، جسدي يرتعش. لو توقفت عن السير لحظة ~~فسأقع على الأرض؛ والأرض أيضا ستشوي لحمي، وأمي لن تراني لتقول: يا رب الطف بنا؛ إنها لا ~~تعرف شيئا، لم ms001 تكن هنالك لترى ما رأيت، لم تدر ماذا حدث؟ # أمس وأنا راجع من المدرسة مررت على أبي. في كل يوم كنت أراه في وسط الأنفار؛ الشمسية فوق ~~رأسه، والمنديل الأبيض معصوب على دماغه. كان الأنفار يحملون الطوب على ظهورهم، أو يخلطون ~~المونة، أو يرشون الماء على البناية، أو ينزلون الزلط من العربات. كنت أجلس معه قليلا، ~~ثم أتابع سيري إلى البيت. وأمس عندما اقتربت من البناية كان هناك حشد كبير لم أره من قبل؛ ~~صياح وزعيق، أصوات تلعن وأصوات تستعطف، أفندية ومشايخ، نساء وأطفال، باعة وشحاذون. اندسست ~~من بين الصفوف لأرى أبي في وسطهم. كان هناك رجل سمين أبيض الوجه يشخط فيه ويصرخ بأعلى صوته، ~~هل كان هو الباشمهندس أو صاحب البيت؟ كان الرجل يصيح: أنت لا تسمع الكلام؛ قلت لك ألف مرة: ~~هذا الشغل لا ينفع. أبي يرد عليه: يا سعادة البيه، أنا أنفذ الأوامر. الرجل يزعق: أنا هنا ~~صاحب الأمر، الأوامر تأخذها مني. أبي يستعطف: أمرك على العين والرأس، الأوامر نفذناها. ~~الرجل يصرخ: ولك عين ترد علي يا بهيم يا حمار! ذراع الرجل تمتد، يده غليظة وبيضاء وسمينة، ~~وخد أبي يحمر، يصبح كالجمرة المحترقة، ووجهه يسود، يصبح كالفحم. # الناس تقول: معلهش يا سعادة البيك. الأنفار تقف مذهولة، تريد أن تنقض على الرجل السمين. ~~أبي يمسك بخناقه، يريد أن يطرحه من على السقالة. الناس تفك يده عنه، تقول له: اصبر على ~~أكل العيش. تقول للرجل السمين: هو خادمك على كل حال. # والشمس تلسع وجهي، تشعل بركان الغضب في صدري؛ أريد أن أهجم على الرجل السمين، أن أصفعه ~~على وجهه كما صفع أبي، أن أجعله عبرة أمام الناس، أن أعلمه درسا لن ينساه؛ لكنني أبكي. ~~تخونني دموعي، أبتعد عن المكان لكيلا تقع عيني على عين أبي، أنهنه طول الطريق، وأغرق في ~~دموعي وعرقي. # عندما خرجت اليوم من البيت كان أبي ما يزال راقدا على السرير، أمي اشترت لوح ثلج ووضعته ~~على رأسه. عندما سألتها قالت: أبوك عنده حمى، جسمه نار. ms002 قلت لها: أبقى معه اليوم؟ قالت: ~~اذهب أنت للمدرسة وخذ بالك من لطشة الشمس. وعندما رقدت في العام الماضي كنت مصابا بالحمى، ~~أبي أحضر لي الطبيب، والطبيب قال: عنده حمى. وضعوا الثلج على رأسي، سهرت أمي إلى جانبي ~~وبكت؛ لكن الرجل السمين لم يكن قد ضربني، الرجل السمين لم يصفعني على وجهي، وخدي لم ~~يحمر كالنار، ووجهي لم يسود كالفحم. هي لا تعلم أنهم ضربوا أبي، صفعوه على وجهه في ~~وسط الأنفار. # الشمس تحرق وجهي، تعمي عيني، الطريق ما يزال طويلا، قدمي تعبت، وساقي ترتعش، والشمس ~~تضيء كل شيء؛ أين أختفي منها؟ وأين يخفي أبي وجهه؟ # الآن لا أستطيع أن أذهب إلى البيت، لا أستطيع أن أنظر في وجه أبي، لا أستطيع أن أرفع عيني ~~في عينيه، لا أستطيع أن أتحسس وجهه؛ حتى لا تلسعني الصفعة على خده، حتى لا تحرقني اللطمة ~~التي لا يزال أثرها على خده، أين أذهب؟ إلى البناية أسال عن الرجل الأبيض السمين؟ هل هو ~~الآن هناك؟ أفلا يزال يشخط في الناس؟ هل تمتد ذراعه السمينة وتصفع الرجال الذين يبنون؟ هل ~~أذهب إلى المركز وأشكوه؟ هل أقدم فيه بلاغا للنيابة؟ هل أذهب إلى مقام سيدي المدبولي ~~وأدعو عليه؟ من هو يا ترى؟ ما اسمه؟ ما عمله؟ ما الذي ~~يعطيه القوة على صفع الناس؟ إن ساقي ترتعش، دماغي يلف ويدور، سحابة تراب تخنقني. آه لو ~~كانت الأرض ابتلعتني، فلم أره يضرب أبي أمامي! # أبي ملاحظ عمال البناء؛ هو الذي يجمع الأنفار، ويوزع عليهم العمل. في السنة الماضية ~~كانوا يبنون سور السكة الحديدية، كنت أذهب إليه وأتفرج على الأنفار، وأشرب معهم الشاي. لم ~~يقل لي أبي ماذا يبنون في هذا العام؛ هل هو المركز الجديد؟ هل هو المستشفى، أو يا ترى ~~فيلا للعمدة، أو بيت لمهندس التنظيم؟ بنى يبني بناء. قدماء المصريين أيضا بنوا ~~الأهرام؛ مليونين وثلاثمائة ألف حجر، كل حجر يزن طنين ونصف طن، مائة ألف نفر في ~~كل عام. ومصر كلها حجر واحد، حجر ضخم، مثلث ms003 مثل الهرم، قمته ترتفع إلى السماء، وعلى قمته ~~يجلس فرعون، وفرعون والسلطان والباشا والخفير سخروا الفلاحين. والرجل الأبيض السمين كان ~~دائما هناك، كان دائما يضرب الأنفار على وجوههم، والشمس كانت دائما تلسع الوجوه وتشوي ~~الأجسام. ونابليون نفسه وقف في الشمس أمام الأهرام، وقال: إن أربعين قرنا تنظر ~~إليكم! # أبي كان ينهنه عندما خرجت من البيت، طول الليل يتأوه ويهذي. أمي تدعو على الظالم، ~~وتطلب من الله أن ينتقم منه، والشمس كانت هي السبب، ولهيبها الآن يحرق وجهي، ينضح العرق ~~من جبهتي فيسقط في عيني، يصهر أعصابي، ويشعل النار في جسدي. في حصة الجغرافيا قال لنا ~~المدرس: إن الشمس جرم سماوي هائل متوهج، تدور حولها تسعة أجرام كروية معتمة ~~بذاتها، مضيئة بانعكاس ضوء الشمس عليها؛ تعرف بالكواكب. الأرض تدور حول الشمس مرة كل عام؛ ~~هل تعرف الشمس أن الأرض تدور حولها؟ هل تعرف أن أبي على الأرض، وأن الرجل السمين صفعه على ~~وجهه؟ هل تعرف وهي تدور حول نفسها كل يوم كما يقول مدرس الجغرافيا؛ أنني أيضا أدور ~~عليها، أبحث عن الرجل السمين الذي صفع أبي، أفكر في أن أصفعه على وجهه أمام الناس ~~جميعا، أن أسحبه من هدومه وأجعله يعتذر لأبي؛ يقبل رأسه، يستعطف أمي أن يصفح عنه؟ لكنني ~~لا أملك سيف أبي زيد الهلالي ولا مدافع هتلر! لا أقوى حتى على حمل ساقي. والشمس تحرق ~~وجهي، تبدد أفكاري، تشعل الحمى في عروقي. آه لو لم تكن الشمس هناك! آه لو طمرتها ~~السحب! لو غطتها سحابة واحدة؛ واحدة فحسب. # السكة ما تزال طويلة، الشمس تحيط بي من كل مكان؛ حتى ظلي أحرقته. من الصباح وأنا ~~تائه في الشوارع، قلت لهم: إنني سأذهب إلى المدرسة، لكنني لم أذهب إلى المدرسة، مررت على ~~البناية ورأيت الأنفار يعملون في الأرض وعلى السقالات ويغنون. كأن أبي لم يصفعه الرجل ~~السمين أمس، كأنهم لم يغضبوا أو يثوروا في وجهه، كأن صدى الصفعة اختفى من آذانهم. وعندما ~~رأيت كل شيء كما كان قررت ألا أذهب إلى ms004 المدرسة؛ ماذا أفعل إذا كانت الصفعة لا تزال ~~تطن في أذني؟ ماذا يفيدني إذا كانت الشمس تدور حول نفسها من الغرب إلى الشرق أو من ~~الشرق إلى الغرب؛ طالما أن أبي الذي لطمه الرجل الأبيض السمين يدور معها أيضا كما تشاء؟ ~~ماذا يفيدني أن كان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وأن بلادنا مهد الحضارة من آلاف السنين؟ ~~آه يا رب! الرعشة تزداد، رأسي يتفتت، جبهتي شعلة نار، الدنيا تغيم أمامي، العرق ~~المبلل بالتراب يملأ عيني. سأجري الآن إلى الترعة وأبلل وجهي، لا، سأخلع هدومي ~~وأسقط في الماء، أم أكتفي بغسل رأسي؟ لكن رأسي سينفجر، وأبي رأسه معصوب بمنديل أبيض، وأمي ~~وضعت الثلج على رأسه. من الذي ينقذه من الحمى؟ من الذي ينقذني من الشمس؟ الشمس تجري ~~ورائي! تحمل سيخ نار في يدها. آه! إنها تصفعني على وجهي، تلقي بي على جانب الطريق، تصفعني ~~كما صفع الرجل الأبيض السمين أبي. هل سيعثرون علي؟ من الذي سيضع الثلج على رأسي؟ من ينقذ ~~أبي؟ من ينقذني؟ ~~(1964م) # | البيت # كان الوقت ليلا عندما وصل الدكتور، وكانت المحطة الريفية هادئة، والقمر تفاحة مشتعلة ~~تتوسط السماء، والسكون يغرق القرية والحقول المحيطة بها؛ فلا يكاد يسمع الإنسان - فيما عدا ~~نباح كلاب متفرقة - سوى صوت أنفاسها البطيئة تتصاعد إلى السماء. وعندما وقف القطار راح أخوه ~~الأكبر سليمان وابن عمه حامد - لعله لا يذكر الآن أن له ابن عم - يجريان بين النوافذ بحثا ~~عنه. وأخيرا سمعا صوته ينادي عليهما، هرولا نحوه وهما يشعران بالارتياح؛ لأنه أراحهما من ~~عناء البحث بين وجوه الناس، وربما شعرا كذلك بالامتنان نحوه؛ لأنه لم يتعبهما كثيرا في ~~تذكر وجهه الذي لا بد أنه تغير كثيرا. عانقه أخوه بحرارة واستعذب طعم شفتيه على فمه ~~وبين عينه. قال الدكتور لنفسه: لماذا هزل سليمان إلى هذا الحد؟ ربما كان السكر أو ~~البلهارسيا اللعين! وسقط ضوء القمر على رأس أخيه فخنقته الدموع. ها هو ذا الرأس قد شاب ولم ~~يبلغ أخوه الأربعين. يا لبلدنا الذي لا يعرف الشباب ولا ms005 يرحمه! وأقبل ابن عمه فشده إليه ~~بعنف كاد يخنقه، وأخذ يخبط على يده فأحس كم هي خشنة أيدي الفلاحين! # حلف شقيقه أغلظ الأيمان وحمل حقيبته، وخاف ~~شهامة ابن عمه فسلم له الأخرى قبل أن يفتح فمه، وسار في الوسط وهو يبتسم لذكرياته، ويعانق ~~القمر والأشجار والأرض المخضرة بنظرته وضحكاته. خبط حامد على ظهره وقال: والله سلامات؛ خمس ~~سنين يا رجل! وانتزع سليمان نفسه من أحلامه وأحزانه ورفع رأسه إلى وجهه الأبيض الناعم، ~~وقال: شرفتنا يا دكتور، البلد نورت. قال الدكتور: والله وحشتموني، هل تعرف ما في نفسي الآن؟ ~~أن أذهب إلى بيتنا، وألبس الجلابية والطاقية، وأتمدد على الكنبة في المنظرة. وجم سليمان ~~ونظر إلى ابن عمه، سكتا ولم يقولا شيئا. سبح الدكتور في ذكرياته: المزلقان، شريط السكة ~~الحديدية، الكرة الشراب، خناقاته مع الأولاد، والشعر الذي كان يكتبه باللغة الإنجليزية وهو ~~يتمشى على هذا الطريق. # غطت سحابة سوداء وجه القمر، هبت نسمة برد، فندم؛ لأنه لم يلبس «البلوفر». بدأت قطرات ~~المطر تسقط رذاذها على شعره ووجهه، وسمعا من بعيد جلبة وصياحا. هتف حامد متسائلا: فرح ~~محمد ابو اسماعيل الليلة؟ # وأقبلت زفة في اتجاههم، وعندما اقتربت منهم لمح الدكتور رجالا وصبية يصيحون ويهتفون. كان ~~بعضهم يحمل الكلوبات في يده، وفي الوسط يخطو العريس الأسمر الطويل في معطفه الأسود والطربوش ~~على رأسه. ابتسم الدكتور، بانت السعادة على وجهه وملأت قلبه، هتف الرجال: يحيا العريس، يحيا ~~العريس. وعندما مر الموكب الصغير بهم أوقفوه، وقالوا: سلام للجدعان، عقبال عندكم وعند ~~أولادكم يا رجال. # تقدم الدكتور وسط الرجال وصافح العريس في حرارة، هتف رجل منبها العريس: الدكتور احمد ~~ابو المعاطي يا اسماعيل. عانقه العريس وشد على يده، سأله في إخلاص: إزي حال أمريكا يا ~~دكتور؟ ورفع فلاح صوته: أين «العروسة الأمريكاني»؟ ضحك الدكتور وقال: وبنات بلدنا يا جماعة ~~عيبهم إيه؟ قال الجميع: والله فيك الخير. فتحت امرأة باب بيت مجاور وزغردت، صاحت بأعلى ~~صوتها: والله لازم تشربوا الشربات، هتف العريس عندما أقبلت المرأة بالصينية وعليها الأكواب ms006 ~~الحمراء: والله لا انت شارب الأول يا دكتور. زغردت المرأة وشرب الجميع. شد الدكتور على يد ~~العريس مرة أخرى، وقال له وهو يضحك: مبروك، شد حيلك «يا ابو اسماعيل». # كانت قطرات المطر لا تزال تسقط متفرقة، والقمر يحاول أن يطل بين السحب السوداء، وكان ~~الدكتور يبتسم في سره؛ فلم يلاحظ أن حامدا يهمس في أذن شقيقه الذي سار مطرق الرأس. قال ~~سليمان: والله أوحشتنا يا دكتور، حمدا لله على السلامة. قال الدكتور ضاحكا: الله يسلمك، ~~والله أنتم الذين أوحشتموني، كيف حال صلاح وجميلة؟ (كان هذان هما اسمي طفلي ~~سليمان). # قال شقيقه: «يبوسان الأيادي»، إن شاء الله تقعد معنا يومين؟ قال الدكتور: كله على الله، ~~الشغل في مصر ينتظرني. # قال سليمان: في الجامعة إن شاء الله؟ قال الدكتور: لا، في المؤسسة. # هتف حامد: مؤسسة اللحوم؟ # ضحك الدكتور بصوت جعله يتعجب من نفسه: كل شيء جائز؛ لكنهم طلبوني في مؤسسة الطاقة الذرية. ~~قال حامد: الذرية؟ يعني حضرتك دكتور في الذرية. قال سليمان ينبهه: يا جدع ده دكتور في ~~الذرة، أول واحد في المديرية كلها. قال حامد وكأنه فهم: آه! طيب كنت «قول» من الأول. ضحك ~~الدكتور وأمسك برأس حامد وقبله. لم يدر لماذا فعل هذا؟ # سار الثلاثة صامتين. كان الدكتور يسأل بين حين وحين عن الزرع والمحصول، أو يستفهم عن غيط ~~يبدو من بعيد، أو عن التقاوي الجديدة، وحال الناس مع الجمعية والدودة التي قرأ وهو في ~~البعثة عن بهدلتها للقطن والفلاحين. وعاد يسأل عن البيت والمنظرة، وهل يسهرون فيها كالعادة ~~في رمضان؟ ثم التفت لأخيه، وقال: لم تفدني عن صحة الوالد؟ هل وصلتكم آخر شحنة من الدواء؟ ~~سمع حامد يهمس في أذن أخيه بصوت مسموع: قل له، يا رجل قل له. # قال سليمان بعد أن تغلب على تردده: اسمع يا دكتور. # قال الدكتور: تكلم يا سليمان، خير إن شاء الله. وأراد سليمان أن يقول خيرا، أو يقول ~~شيئا آخر حين رن في سمعه صوت رجال يهتفون: تفضلوا يا جماعة، تفضلوا يا ms007 إخواننا، نفسكم معنا ~~يا شيخ سليمان، ونظروا فرأوا جماعة من الفلاحين ملتفين حول شيء لم يره الدكتور، ولمح ~~الدكتور بقرة تقف بعيدا عنهم بقليل، ورجلا يمسك بحبل مربوط حول رقبتها. أما الجماعة التي ~~نادت عليهم فكان معظمهم راكعا على الأرض حول ثور ممدد بطوله كالبطل الصريع، وكان بعضهم ~~يمسك برأسه أو قرينه، وبعضهم برجليه الأماميتين والخلفيتين، في حين راح رجلان يقيمانه من ~~ظهره ويدفعانه بكل قوتهما على الوقوف. # تقدم الدكتور بعد أن قرأ السلام، فاقتحم الحلقة حتى اقترب من الثور. قال رجل: حصلت البركة ~~يا سيدنا الأفندي، وقال آخر: عنك انت يا بيه، لا مؤاخذة الثور داخ شوية ووقع على الأرض. ~~ضحك بعض الرجال. تقدم سليمان وحامد؛ ليساعدا في رفع الثور عن الأرض. لاحظ الدكتور أن الثور ~~ينهج ويزفر بصوت كحشرجة الميت، أقبل على رأسه يفحصه، ورأى كيف تنظر إليه عيناه الواسعتان؟ ~~قال أحد الرجال بعد أن عرف من حامد أنه دكتور: يدك فيها البركة يا دكتور، ربنا يجعل فيها ~~الشفا إن شاء الله. نبه سليمان إلى أن شقيقه دكتور في الذرة لا في الثيران. لم يفهم الرجل؛ ~~فاستمر يقول: أصل لا مؤاخذة كنا ننططه على البقرة؛ لكن يظهر أن الثيران مثلنا ما عاد فيها ~~حيل! ضحك أحد الرجال، وكان يمسك بساق الثور ويدلكها: طيب والنبي مصيره ينطحك يا عبد ~~الله. # سأل حامد فجأة وكان يجاهد مع الرجال في رفع الثور: إلا قل لي يا سي الدكتور، صحيح أمريكا ~~فيها ناطحات السحاب؟ يعني دول لا مؤاخذة ثيران ولا بقر؟ قال سليمان: والله انتم اللي تعيشوا ~~وتموتوا عالم بقر! # ضحك الرجال وضحك الدكتور، قال في نفسه: ما أجمل هذا كله! ما أبسط الناس هنا! ما أطيب ~~الفلاحين! # نجح الرجال أخيرا في إيقاف الثور، أمسك به اثنان من الحبل واثنان من صدره. قال أحد ~~الفلاحين: حصلت البركة يا سيدنا الأفندي. أصلح كلامه فلاح آخر، وقال: كله بأنفاس سعادة ~~الدكتور. ربت الدكتور بيده على ظهر الثور ثم سلم على الجميع، تذكر أنه طالما ms008 حضر في ~~صباه تنطيط الثيران ، تعجب لأنه لا يزال يذكر الشيخ «دسوقي» حكيم البهائم كما كان يسميه، ~~قال لنفسه وهو يبتسم: والله زمان! ثم ضحك من قلب صاف، وقال: يسعد الله مساءكم. # سار الثلاثة الآن على طريق المزلقان، عاد سليمان إلى صمته ووجومه، وعاد حامد يهمس في ~~أذنه. قال الدكتور: نروح على البيت يا جماعة؟ # قال سليمان: نتمشى شوية في الطراوة. # كان المطر قد توقف والسحابة اختفت من على وجه القمر. سأل الدكتور بعد أن تطلع إلى وجه ~~أخيه ثم إلى السماء: هل تخفي عني شيئا يا سليمان؟ قال حامد: اسمع يا سي الدكتور. أكمل ~~سليمان: أنت رجل مؤمن وموحد بالله. قال الدكتور وقد داهمه إحساس غامض: تكلموا يا جماعة؛ أنا ~~كنت حاسس بكل شيء. تشجع سليمان وقال: أبوك الله يرحمه مات من سنتين! كان نفسي أكتب لك؛ ~~لكن أختك الكبيرة خافت عليك. صمت الدكتور قليلا، تطلع إلى وجه أخيه، ثم إلى القمر وسكت، ~~فرت دمعة من عينه حين قال شقيقه: عملنا له مشهد عمر البلد ما شافته؛ نصبنا «الصيوان» في ~~أرض الباشا وعملنا له أعظم مأتم، كانت ليلة عظيمة وربنا أكرمه آخر كرم. قال الدكتور بعد ~~قليل: كان نفسي أشوفه قبل ما يموت. قال سليمان: الله يرحمه كان يدعو لك ويسأل عنك كثيرا. ~~قال الدكتور: تعب الآخر يا سليمان؟ قال سليمان: أي نعم، الشلل بعيد عنك. كان ساعات يغيب عن ~~وعيه، ولما يفوق يسألني: ابننا مش ها يرجع يا ابني؟ أقول له: إنت مش فاكر اسمه يا آبه؟ ~~ابننا اللي في بلاد بره؟ أقول له: إن شاء الله يرجع لما ياخد الدكتوراه. يقول لي ربنا يسلمه ~~يا ابني ويسلم كل اللي زيه. قال الدكتور: ألم تكن تقرأ عليه خطاباتي؟ قال سليمان: أقرأ ~~عليه؟ ده ساعات كان ينساك وأقعد أفكره بيك، وفي مرة جبت له صورتك وانت في أمريكا مع أصحابك، ~~قعد يطل فيها ويقول: مين ده يا ابني؟ قلت له ده ابننا أحمد يا آبه، يسألني: إحنا لنا ابن ms009 ~~بالاسم ده يا ابني؟ ثم يسكت ويتوه، وبعدها يقول: ربنا يسلمه هو واللي معاه. # صمت الدكتور، فكر في نفسه: لو كنت أعرف لحضرت، ليتني رأيته قبل أن يموت! والتفت ناحية ~~الجبانة الراقدة وراء المزلقان في حضن التل، وتصور نفسه وهو يقف في الصباح على قبر أبيه ~~ويقرأ الفاتحة، أراد أن يفعل شيئا ليقنع أخاه بأنه سلم أمره لله، خنقته الدموع وخجل لأنه ~~لا يستطيع أن يبكي، تذكر أنه كان من عادته في مثل هذه الأحوال أن يتجمد كالحجر وحين يختلي ~~بنفسه ينفجر كالطفل في البكاء، حاول أن يبتسم وتشجع وقال: البركة فيك يا سليمان وفي ~~الأولاد. قال سليمان وقد أحس بالارتياح: إيه! البركة فيك أنت يا دكتور. ربنا قادر يكتب لك ~~طول العمر وتحيي اسم والدك وبلدك. وشعر حامد أن من واجبه أن يقول شيئا، ففتح فمه مترددا ~~وقال: الموت علينا حق يا سي الدكتور وأنت سيد العارفين. سكت الدكتور لحظة شعر فيها بالتعب ~~يتسرب إلى جسده، تمنى أن يرى نفسه راقدا على الكنبة العتيقة في المنظرة، في نفس المكان ~~الذي كان يجلس فيه أبوه بعد الصلاة ليقرأ القرآن، قال لنفسه: نعم سأحيي ذكرى المرحوم ~~بأبحاثي وتجاربي؛ ولكنه تشكك في كلامه فسأل: ولكن ماذا يستفيد؟ ورأى أن كل ما سيفعله لن ~~يخلصه من الخجل الذي يحس به نحو أبيه. # قال لأخيه ضاحكا: المهم انك معمر البيت. تجهم أخوه على غير ما يتوقع، لم يقل شيئا. ~~لاحظ أن حامدا قد بدا عليه الحرج وتأوه من ثقل الحقيقة بصوت مسموع. ظهرت من بعيد عربة ~~نقل كبيرة تقترب من المزلقان، سطع الكشاف عليهم فأضاء وجوههم، ووضع الدكتور يديه أمام ~~عينيه. اقتربت العربة ورآها تتكدس بالبشر: رجال ونساء وصبية يصفقون ويغنون ويهتفون، كانت ~~أصواتهم التي يتداخل فيها الصياح والزغاريد تظهر بؤس أصحابها أكثر مما تخفيه، تأملهم ~~طويلا وهم يمرون عليه ويشيرون بأيديهم النحيلة السمراء، ويرددون: «عطشان يا صبايا دلوني ~~على السبيل ...» # لاحظ وجوههم الشاحبة الصفراء، وجلاليبهم القذرة، وطواقيهم التي تغطي رءوسا متعبة من ~~لهيب ms010 الشمس واللف والجري في بلاد الله. # قال سليمان: الأنفار خلصوا الجمع ومروحين. تذكر الدكتور أنهم عمال التراحيل، وأعجب ~~بنفسه؛ لأنه لا يزال يذكر هذه التسمية. قال لنفسه إنه طالما أشفق عليهم وهو صغير، سألها: ~~ترى هل يظلون كذلك في عصر الذرة؟ عاد يلح عليها بالسؤال: ماذا تفيد الدكتوراه إن لم تساعد ~~هؤلاء؟ أحس في لحظة كأن كل جهده وعمره ضاع عبثا، تمثل له الغلب والشقاء على لقمة العيش ~~والجري وراء الأرزاق، بدا له أنه طوفان أسود يغرق كل المعادلات التي تعب في فهمها، ~~والمعادلات التي شقي في اكتشافها. قال سليمان وقد لاحظ اهتمامه بهم: ناس طيبين وعلى الله، ~~عمر البلد ما اشتكت منهم، دائما ضيافتهم خفيفة. سكت الدكتور ولم يرد. # عبروا المزلقان وساروا في الطريق المؤدي إلى البيت. وقف سليمان لحظة ثم قال: باقول يا ~~دكتور نتعشى عندي الليلة. سأل الدكتور مستغربا: عندك؟ # أسعفه حامد: أصل يعني سي سليمان بنى له بيت، عقبال عندك إن شاء الله تبني لك فيلا في مصر ~~ونحضر لزيارتك. قال الدكتور: أخفيت عني هذا أيضا. قال سليمان محاولا الابتسام: قلت أعملها ~~مفاجأة. قطب الدكتور وجهه وقال: لا، نفسي أروح بيتنا الأول، الصبح أزورك وأتغدى مع الأولاد. ~~تردد سليمان. أشاح حامد بوجهه بعيدا. ضحك الدكتور وقال: الله! يالله بنا على ~~البيت. # سار الدكتور في المقدمة، لم يجد سليمان وحامد بدا من متابعته، تهامسا قليلا؛ ولكن لم ~~يجرؤ أحد منهما على مصارحته. كان هو أيضا مشغولا عنهما بذكرياته عن أبيه وأمه وإخوته ~~الذين ماتوا في طفولتهم، والحجرة الصغيرة الدافئة التي ولد فيها، والحمام الضيق والطست الذي ~~كان دائما ينزلق فيه. وكان سيره الحثيث واستغراقه في الذكريات لا يمنعانه من تحية المارة ~~والتطلع إلى البيوت التي لم يغير شكلها الزمان، والابتسام لكل ما يراه من مبان أو ~~أشجار أو بهائم أو مخلوقات. # لم يكن البيت بعيدا عن المزلقان؛ فلا يكاد الإنسان يخطو عشرين أو ثلاثين مترا في الطريق ~~المنحدر منه، ثم ينعطف في طريق آخر ضيق معروف بالطاحونة ms011 التي أقيمت في نهايته، ويخرج منه ~~إلى ساحة صغيرة تطل على سوق القرية من ناحية وأحد المقاهي المشهورة بشاعر الربابة من ~~ناحية أخرى؛ حتى يرى البيت بعدهما بقليل. # كان سليمان وحامد يسيران وراءه صامتين. حاول سليمان أكثر من مرة أن يقول شيئا؛ لكنه لم ~~يعرف كيف يبدأ؟ ولا ماذا يقول؟ ألح عيله حامد وقرص ذراعه وخبطه على ظهره؛ لكنه كان يهمس ~~له: خبر أبيه أهون. قل له انت يا عم؛ لذلك آثرا السكوت إلى أن نبهتهما صيحة خرجت من ~~الدكتور: سليمان، حامد، ماذا حدث؟ اقتربا منه ووضعا الحقائب على الأرض، نفخ سليمان في يده، ~~وطقطق حامد أصابعه. لم تخطئ عين الدكتور ولا أخطأت ذاكرته، لم يحتج أن يطيل البحث عن ~~البيت. كانت هناك عروق من الخشب قائمة، وأكوام من التراب مكدسة، ورجل أو اثنان يجمعان ~~الأخشاب على عربة كارو، وثالث خلع جلبابه وبقي عاري الصدر بسرواله الطويل، يرفع التراب في ~~مقطف، ويكومه على جانب الطريق. # هتف الدكتور: بيتنا يا سليمان؟ تقدم منه سليمان ووضع ذراعه على كتفه. # قال مطرقا برأسه: كان لا بد عنها يا دكتور؛ البيت وقع وجاءته الإزالة. # سأل الدكتور: الإزالة؟ من الكلب الذي أمر بها؟ قال سليمان: أنا عملت الصالح يا حبيبي. ~~أختك أخذت حقها، وحقك محفوظ إن شاء الله. قال الدكتور وقد أحس بجرحه: حقي؟ من الذي يتكلم عن ~~حقوق؟ لماذا لم تأخذ رأيي؟ # أراد أن يصرخ في وجهه، أن يلعنه ويصفه بالقسوة والتوحش والجشع، أن يستحلفه بذكريات طفولته ~~وشبابه، بالدفء الذي راح، بالحب الذي ضاع، بالأيام الحلوة والمرة التي عاشها فيه. لم يستطع ~~أن يفتح فمه؛ بدا له الاحتجاج سذاجة لا تليق به، والصراخ اتهاما لا داعي له! # نظر إلى سليمان وحامد فوجدهما صامتين، رأى في صمتهما طلبا للصفح ورغبة في التسليم، أشار ~~إلى البيت وأراد أن يسأل: هل هذا هو بيتنا؟ وجد أن السؤال سيضيع في الفراغ. # توقف في مكانه كأنه شد إلى الأرض بمسامير، أخذ يراقب العمال الذين يقذفون بالأخشاب في ~~رتابة على ms012 ظهر العربة والصوت الذي تحدثه كأنه تكسر ضلوعه. # لم يحس بأخيه الذي اقترب منه، ومد ذراعه فوضعها على كتفه، وعندما شعر بلمسته انتفض جسده، ~~وانزلقت قدماه فجأة فسقط على وجهه! # تناثر الطين حوله، غاص بصدره في الوحل، دخلت قطع منه في عينه ولطخت جبهته. # أسرع أخوه وابن عمه يساعدانه. وجد نفسه يتشبث بالأرض، وينشج وهو يشير للبيت، ويضرب بيديه ~~في الطين. قال لنفسه: الدكتور غرق في الوحل، الدكتور لن ينقذه منه أحد. # انفجر البركان من صدره واشتد نشيجه، سمع نفسه يقول: أبي، أبي، انهدم برج بابل، سدت كل ~~الأبواب! ~~(1968م) # | عاوز حاجة؟ # كان هذا السؤال الذي عرفناها به، هذه المرأة الظريفة المسكينة، الملفوفة في السواد من ~~رأسها إلى قدميها - كأنما خرجت من مستنقع الحزن الأبدي - ذات الوجه الصغير الشاحب، ~~والعينين اللتين يطالعنا منهما أسى جارف؛ ولكنه مستسلم وديع. # كنا نراها تسير في شوارع قريتنا بلا انقطاع، حتى خيل إلينا أنها ولدت ماشية! ذراعاها ~~تستريحان على صدرها الضيق الذي لا يكاد يعلو أو يهبط، تسندان ملاءتها الذابلة المغبرة؛ ~~لطول ما تعرضت للشمس والتراب، وعيناها؛ نعم عيناها؛ فقد كان كل ما في وجهها هاتين العينين ~~اللتين لم يخلق الجسد إلا ليحملهما - تتابعان عابري السبيل في إشفاق لا حد له، وتغمران ~~بالحنان كل ما تصادفه؛ الرجال العائدين من الحقول، والنساء الذاهبات إلى السوق أو المأتم، ~~والأطفال الذاهبين إلى الكتاب أو المدرسة البعيدة، حتى الحيوانات التي تجري على رزقها كان ~~لها من حنانها نصيب! تقابل إنسانا وليكن فلاحا عائدا من حقل له، ومعه جاموسته وحماره ~~وكلبه، وقد تكون معه امرأته وطفله على ظهر الحمار أو سائرين على الأرض، فتقف أمام موكبه ~~الصغير، وتقول فجأة: عاوز حاجة يا حبيبي؟ # ويوقف الفلاح جاموسته وحماره اللذين لا يفهمان سببا لذلك، ويسأل بدوره: حاجة إيه يا ~~حاجة؟ # فترد بصوتها الهادئ المبحوح قليلا: أي حاجة في نفسك يا ابني، قول على اللي انت ~~عاوزه. # ويسكت الرجل لا يدري ماذا يقول أو يفعل؟ ويدور الكلب حولها ويتشممها وينبح غاضبا ~~للوقفة ms013 التي لا داعي لها، وتتصعب المرأة وتضع يدها على خدها: يا عيني عليك! # وينتبه الرجل إلى نفسه، فيقول وهو يجذب حبل الجاموسة: إدعي لربنا يسترنا وإياك يا ~~حاجة. # فتقول المرأة بصوتها الهادئ الطبيعي وهي ترى القافلة الصغيرة تبتعد عنها: حاضر يا ابني، ~~مستورة إن شاء الله. # ثم تمضي في طريقها الذي لا يدري أحد من أين يبدأ ولا ينتهي، بغير أن تنتبه إلى دعوة إلى ~~الله أن يشفيها ويشفي مرضانا ومرضى المسلمين بحق هذا اليوم، أو ضحكة يعبر بها صاحبها ~~عما في الدنيا من عجائب وأحوال. # في البداية لم يكن يدري أحد كيف يجيب عن سؤالها؟ أو ماذا يقول أو يتصرف حيالها؟ فالسؤال ~~يلقى فجأة بصوت حنون فيه بحة كشهقة طفل يبكي، يخرج من فمها طبيعيا كالنفس الذي يخرج ~~من فمها؛ فلا يثير أي رغبة في الجواب أو جهد في البحث عنه. ~~- «عاوز حاجة يا ابني»؟ أو «عاوز حاجة يا حبيبي»؟ ... # تأتي هادئة وثابتة كأن صاحبها يقول: إزي صحتك؟ أو سلامات يا ابني، أو إن شاء الله تكون ~~بخير. شيء كان يلقى علينا، فنراه أمامنا كما نرى شجرة أو نهرا أو سحابة، ولا يخطر ببال ~~أحد أن يسأل ماذا تريد الشجرة أو النهر أو السحابة؟ فكما يسير الناس في شوارع قريتنا ~~وحاراتها ويقابلون عربة يجرها حصان، أو كلبا ينبح بغير سبب، أو قطة تقف على عتبة باب، أو ~~طفلا يبكي على ذراع أمه أو شحاذا يمدح النبي ويطلب الأجر والثواب لعباد الله، فلا يجد ~~أحد في ذلك شيئا غير مألوف؛ فكذلك صاروا مع الزمن يقابلون هذه المرأة، فيتوقعون أن تقف ~~هادئة أمامهم، وتلقي عليهم بسؤالها الذي لا يتغير: عاوز حاجة؟ # صحيح أننا كنا في مبدأ الأمر نصاب بالحيرة والمفاجأة، ويرتج علينا لحظة، فلا ندري بم ~~نجيب؟ وقد نفكر بالفعل في أن نفضي بحاجة تدور في نفوسنا؛ لكن الواحد منا كان يصحو بعد ~~قليل على هذا الشبح الآدمي الواقف أمامه، ويسأل نفسه: ماذا يمكن أن تفعله هذه المسكينة من ~~أجله؟ وهل ms014 فعلت هي لنفسها شيئا أو قضت لنفسها حاجة حتى تسأل الناس عن حاجاتهم؟ وكانت ~~تقابل الرجل منا، فتتجه نحوه وتقف أمامه، فيضطر أن يوقف سيره وينتظر سؤالها الذي يكون قد ~~سمعه منها أو سمع به من أحد الناس، وغالبا ما يشده شيء مجهول إلى الأرض، ويمنعه من المضي ~~في طريقه؛ ربما يكون حب الاستطلاع، أو الخوف من الإساءة إلى مخلوق يرى بنفسه ضعفه وسوء ~~حاله، أو الرغبة التي تجعلنا نشتاق لإنسان يسألنا عن حاجتنا والأمل الغامض في أنه ربما ~~ساعدنا على قضائها! يكون الواحد منا سائرا في طريقه، وإذا به يسمع السؤال الذي عرفناه من ~~قبل: عاوز حاجة يا حبيبي؟ # ويقف بحسن نية أو لإحساس خفي بأن كل إنسان لا بد أن يعوز حاجة ويسأل: نعم يا ست؟ # وتكون المرأة قد اقتربت منه ووقفت أمامه وجها لوجه وثبتت عليه عينين تفيضان بعطف لا ~~حد له: باقول عاوز حاجة يا ابني؟ # ويسأل - في دهشة أو مكر أو رغبة في الدعابة أو لمجرد أننا نريد أن نسد الباب الذي تأتي ~~منه الريح: حاجة زي إيه يا ستي؟ # فتقول في صوتها الهادئ: أي حاجة يا حبيبي، قول اللي نفسك فيه. # فيسأل وقد بدأت الابتسامة تكسو الشفتين: يعني لو قلت لك على حاجة تعمليها؟ # فتقول: العمل عمل الله يا حبيبي، قول وأنا أقول لهم. # ويحفزنا هذا إلى سؤال جديد: مين همه يا حاجة؟ # وفجأة ترفع رأسها إلى السماء ثم تخفضها إلى الأرض، وتشير هنا وهناك، وتمسح على وجهها ~~وصدرها، وتقول: مين؟ حد يجهلهم؟ دول ملو السما والأرض يا حبيبي! # وبالطبع لا يجد الإنسان بعد ذلك رغبة في إطالة الحديث ولا الإفضاء بحاجته؛ بل يكتفي ~~بالدعاء إلى الله أن يشفيها ويشفي المسلمين ويسترنا وإياها دنيا وآخرة، أو قد يحن قلبه، ~~فيضع يده في جيبه، ويمدها إليها بما قسم؛ حسنة لله بعيدة عن كل الألسن والعيون، وإذا بها ~~تتراجع فجأة وتسحب يدها التي كانت تشير بها إلى الأرض والسماء، كأنها تخشى عليها من لدغة ~~عقرب أو ms015 ثعبان، وتقول بصوتها الذي ترن فيه الآن بحة الحزينة المصدومة: لا يا حبيبي، ~~مستورة والحمد لله، والنبي مستورة. # ونعزم عليها، فتقول في عتاب: لا يا ابني، ده اللي عندي فايض علي، إذا كنت انت عاوز حاجة ~~قول، قول يا حبيبي وأنا أقول لهم، قول يا ابني، عاوز حاجة؟ # كان هذا في البداية هو موقفنا منها، أو كان يمكن أن يظل هو موقفنا منها؛ لولا أن تدخل ~~بعد ذلك الأطفال والنساء. كان يمكن على أن تستمر على برنا بها، وإشفاقنا عليها، وسماعنا ~~لسؤالها كأنه تحية منها أو واجب كتب عليها - لسبب لا ندريه ولم نهتم بالبحث وراءه - أن ~~تؤديه كلما قابلت أحدا منا أو قابلها؛ ولكن ماذا نفعل إذا كانت الدنيا لا تخلو من الأطفال ~~في كل وقت، وبخاصة في الصباح عندما يذهبون إلى الحقل أو الكتاب أو المدرسة، ولا تخلو أيضا ~~من النساء الثرثارات في البيوت وعلى الترع وفي الأسواق! # وبدأت شفقتنا عليها تزداد كلما رأيناها تقف مع جماعة من الأطفال أو امرأة أو بنت صغيرة، ~~ونسأل الله في أنفسنا أن تمر الحكاية بسلام، وبدأنا نحس أن الأمر لا بد أن يتطور إلى ~~السخرية بها أو الرغبة في التسلي عليها، وكنا في أول الأمر نقابل ذلك بالابتسام ونراه شيئا ~~لا مفر منه، إلى أن زادت مخاوفنا من أن ينقلب الحوار البريء بينها وبين أطفالنا ونسائنا، ~~فيصبح مصدر أذى لها وهي التي لا يرضى بأذاها الخالق أو المخلوق. كانت تلقى الطفل أو ~~مجموعة الأطفال فتقبل عليهم راضية باسمة، وتسألهم في حنان لا مزيد عليه: عاوز حاجة يا ~~حبيبي انت وهو؟ # فيسأل الأطفال: حاجة زي إيه يا حاجة؟ # فتقول في ثقة: أي حاجة يا حبيبي؟ قول نفسك في إيه؟ # ولا يصدق الأطفال، فتنهال طلباتهم: عاوز جزمة وجلابية جديدة. ~~- عاوز كورة شراب. ~~- وأنا عاوز كورة كاوتش. ~~- وأنا حصالة مليانة فلوس. ~~- وأنا عاوز أروح مصر. # وتجيب المرأة في هدوء: حاضر، حاضر يا ابني، إن شاء الله أقول لهم. # وقد يسأل أحدهم فجأة: مين همه ms016 يا حاجة؟ # فتجيب مندهشة من جهله : مين؟ إخواتكم اللي فوقكم وتحتيكم؛ أولياء الله الصالحين. # ويزيط الأطفال وتتداخل هتافاتهم: طيب قولي لهم ما يتأخروش، إوعي تنسي يا حاجة: الجزمة ~~والجلابية لازم يكونوا جداد، الحصالة يا تكون مليانة يا بلاش، ما تنسيش تطلبي ملاية جديدة ~~لنفسك يا حاجة. يالله يا حاجة على هناك على طول. وقد تند عن أحدهم صيحة يرددها ~~الباقون: المجنونة أهه! العبيطة أهه! بل قد يتطور الأمر فيشدها أحدهم من ذيل ملاءتها، أو ~~يقذفها بكومة من التراب أو بحجر. فإذا تصادف مرور أحد منا نهرهم بعنف، وأنقذها من صياحهم ~~وأذاهم، ونصحها أن تترك الأطفال في حالهم، وتكتفي بتوجيه سؤالها إلى الرجال. # هكذا، أو قريبا من هذا، مضى الأمر أيضا مع النساء؛ فلا يدري أحد أبدا ماذا يحدث له لو ~~استوقفت امرأة في الطريق، حتى لو كنت تريد أن تسأل عن شارع أو عنوان لكان في هذا ما فيه من ~~إثارة الريب والشكوك؟ ولو سلمت من هذا فربما لا تسلم من حديث طويل لا يعلم إلا الله متى ~~ينتهي؟ إذ لا يعلم غيره كيف ولا متى ولا لماذا بدأ؟ المهم أن المرأة المسكينة عندما كانت ~~تقابل امرأة في الشارع أو على باب بيتها أو في أي مكان كانت تتجه إليها بحسن نية كعادتها؛ ~~لتسألها سؤالها الخالد الذي ربما تكون قد ورثته كما ورثت وجهها الصغير وعينيها الهادئتين ~~وصوتها المبحوح وملاءتها التي لا تتغير، وغالبا ما تكون إجابة المسئولة على هذا النحو: ~~حاجة إيه يا اختي اللي ها اعوزها؟ فتقول المرأة في حسن نية متجدد: اللي في نفسك يا حبيبتي! ~~وترد الأخرى: اللي في نفسي؟ ياما حاجات في نفسي يا اختي، يعني تعرفي تجيبي لنا قرشين، ولا ~~تهدي لي جوزي، ولا تشفي العيل، ولا تساعدينا على بناية الأودتين! وتجيب المرأة في ثقة من ~~يعلم أن كل الطلبات مجابة بإذن الله: حاضر يا حبيبي، طلبك مجاب إن شاء الله، حاضر يا ~~عيني. # وتتأملها الأخرى قليلا قبل أن تتصعب على حالها بصوت عال: ms017 يا عيني عليكي انت يا حاجة ، ~~طول النهار ماشية زي عفريت الضهرية، قادر يا اختي يشفي لك عقلك ويريحك من الدوخة دي! # وقد كان يمكن أن تمر الأمور على هذا النحو دون أن تحدث كارثة أو تخرب الدنيا بما فيها ومن ~~فيها؛ فنحن جميعا - حتى النساء والأطفال - نكاد نقابلها كل يوم، ونكاد نتفق في الدعاء بأن ~~يشفيها الله ويشفي مرضانا ومرضى المسلمين، ونحن حين نتحدث معها - جبرا للخاطر أو حبا ~~في الاستطلاع أو أملا في أن يستجيب الله دعواتنا فيحضر الغائب ويظهر المستور - نكاد نشترك ~~في العطف عليها والرثاء لها، حتى الذين يحاولون في بعض الأحيان أن يسخروا منها أو يداعبوها ~~بلطف أو خشونة لا يختلفون في حبها، وافتقاد طلعتها والسؤال عنها إن غابت أو مرضت. # ذلك أننا كنا نعرف أن أحوالها مستورة والحمد لله، وأنها وإن كانت لا تطلب من أحد شيئا بل ~~تسأل كل إنسان عن حاجته - حتى لقد كنا نخشى في بعض الأحيان أن تنسى وتمر على الكلاب والحمير ~~والجاموس وتسألها السؤال نفسه؛ تجد هي مع ذلك دائما من يرعاها، بل لا نغالي إذا قلنا: إن ~~البلد كلها ترعاها وتسأل عنها، صحيح أن أحدا لم يدخل بيتها أو على الأقل لم نسمع أن أحدا ~~دخله؛ فهو كما سمعنا لا يزيد عن حجرة واحدة نراها تضع مفتاحا كبيرا في بابه حين تدخله ~~وحين تخرج منه. # وصحيح أنها ترفض أن يعطيها أحد شيئا وتتعفف أن يتصدق عليها أحد بشيء؛ ولكنها من ناحية ~~أخرى تمر على بعض بيوت جاراتها وتشاركهن في الخبيز أو العجين، أو تنقية القمح والأرز، أو ~~عمل الكعك في الأفراح، وتحضير الصواني في المآتم؛ ولا بد أن الناس يعطونها شيئا فلا ترده، ~~ولا بد أنها تبادر كل إنسان بسؤالها «عاوز حاجة» قبل أن يسألها إن كانت تحتاج لشيء. # ولو أن الحال استمرت على ذلك لبقي كل شيء على ما هو عليه، ولسارت الأمور على ما يرام حتى ~~يغير الحال مغير الأحوال؛ ولكن حدث ذات يوم أن لقيت ms018 في جولتها امرأة تصرخ وتصيح، لم ~~تكن تكتفي بالصراخ والصياح، بل كانت تعفر شعرها بالتراب، وتشد منديلا تكاد تمزقه فوق ~~رأسها، وتلقي بنفسها على الأرض. لم يكن المشهد غريبا علينا ولا على المرأة المسكينة ~~بالطبع، وكان يمكن أن تمر عليه صامتة، أو تدخل البيت الذي ينطلق منه الصراخ، فتعزي مع ~~المعزيات، أو تشارك في مساعدة أهل الميت أو الميت نفسه، ولكنها - لسوء طالعها أو حسنه ~~لا ندري - أقبلت على المرأة المفجوعة وربتت على كتفيها بحنان عظيم، وقالت في هدوء شديد: ~~عاوزة حاجة يا حبيبتي؟ وإذا بالمرأة التي كانت تصرخ فتوقظ النائمين وتجلب التائهين، تمد ~~يديها فجأة فتقبض على رقبتها بشدة وتهزها من صدرها وكتفيها في عنف: أيوه عاوزاه يا وش ~~الشؤم، عاوزة راجلي وابو عيالي، عاوزة سبعي يا وش النحس، يالله امال ورينا، ليل ونهار ~~عاوزة حاجة، عاوز حاجة، يالله امال، قولي لهم بقى يورونا! # وأسرعت النسوة من داخل البيت ليخلصنها منها، وأقبل بعض الرجال الذين كانوا يجلسون في ~~مضيفة البيت، أو يعدون الكراسي والكنب والكلوبات أمامه، إلى انتشالها من قبضة الزوجة التي ~~أوشكت على أن تخنقها أو تفترسها، وكان يمكن أن تمضي الحاجة في حال سبيلها وتتجه إلى مكان ~~آخر، أو تعود إلى بيتها وتقصر الشر والسلام، ولا بد أن هذا هو ما نصحها به العاقلون ~~والعاقلات من المعزين وأهل الميت؛ لولا أنها بقيت هادئة ثابتة كأن لم يحدث شيء، في ~~عينيها نفس الحزن الوديع المستسلم، وعلى وجهها الصغير الشاحب نفس الطيبة والحنان والثبات. ~~وسعت الطريق لنفسها وهي تقول: حاضر يا بنتي، حاضر، أقول لهم يا بنتي، أقول لهم يا اولادي، ~~وسعوا يا اولادي، وسعوا يا اولاد سيبوهم يدخلوا عنده، إوعوا امال ليزعلوا منكو، يالله يا ~~حبايبي تعالوا. # ولم يكن أحد يدري لمن تتحدث؛ ولكنهم لم يملكوا إلا إفساح الطريق لها وهم يرونها تحدث ~~أشخاصا مجهولين، بل تمد ذراعيها إليهم كأنها تسحبهم إلى داخل البيت. سارت كأنها تعرف ~~الطريق مقدما إلى الحجرة التي سجي فيها الميت، ولا أحد يدري ms019 كيف عرفت أن اسمه محمد؟ ~~فراحت تخاطبه به، اقتربت من السرير النحاسي الذي مددوه عليه، ولم يستطع أحد أن يتدخل وهو ~~يراها تزيح الملاءة البيضاء من على وجهه، وتمسح بيدها على شعره وجبينه، وتربت على صدغه، ~~وتقول: عاوز حاجة يا محمد؟ عاوز حاجة يا حبيبي؟ قول يا ابني قول، قول لي على اللي في نفسك. ~~أنا ها أقول لهم على كل شيء، قول وما يكونش عندك زعل، أولادك ومراتك في أمان الله إن شاء ~~الله، حاضر يا حبيبي، حاضر يا ابني، كل اللي نفسك فيه يا عيني، أبدا أبدا يا حبيبي، كل ~~اللي في نفسك يا ابني، حاضر، حاضر، حاضر، وقبل أن يفيق أحد إلى ما تفعل كانت قد ألقت ~~برأسها الصغير على صدر الميت، وراحت تنشج نشيجا مفجوعا. ولم يعرف الحاضرون ماذا يفعلون ~~إزاء بكائها المختنق وجسدها الذي يعلو ويهبط بشدة، وصيحتها المبحوحة التي لا تكاد تسمع ~~وهي تردد: عاوز حاجة؟ عاوز حاجة؟ وبدأت النساء يربتن على ظهرها، وتحول العزاء كله إليها، ~~وكاد الجميع ينسون الزوجة والأولاد، وراح الرجال ينصحون برش الماء على وجهها أو شدها بعيدا ~~عن الميت، بل إن زوجة الميت قد نسيت حقدها الهائل عليها، وألقت بذراعيها حول صدرها، وراحت ~~هي أيضا تهدئها، وتدعو الله أن يلطف بها ويرفع بلواها! # فات اليوم على خير، ولا بد أن تكون المرأة المسكينة قد بكت وعملت في نفسها ما تعمله كل ~~مفجوعة في ميت عزيز، ولم يسأل أحد نفسه إن كانت قد فعلت ذلك مشاركة في العزاء؛ فالجميع ~~يعلمون أنها لم تكن تعرف المرحوم، ولا دخلت بيته، ولا شربت فيه جرعة ماء! ولم يكن من الصعب ~~أيضا أن نعلم أن ذلك أثار فيها ذكرى بعيدة لا يعرف الأطفال والشباب منا بوجه خاص أي شيء ~~عنها؛ وإن كنا قد سمعنا من بعض عجائزنا بعد ذلك أنها تصورت ابنها «محمد» الذي مات في الغربة ~~- ربما في أحد مستشفيات الصدر كما يؤكد البعض - من مدة طويلة، وقد يكون خيل إليها أنه ~~مات ms020 في تلك الليلة لا قبل ذلك ، وربما يكون سؤالها الذي عرفناها به هو السؤال الذي كانت ~~تلقيه عليه في ساعته الأخيرة، فلم يجب عليها بشيء، ولم تدر بعد ذلك كيف تتوقف عن إلقائه ~~على كل مخلوق؟ # كل هذه أشياء كنا نتكهن بها، أو نسمعها من شيوخنا ونسوتنا العجائز، أو من اجتهادنا عن ~~غير علم، ولكننا علمنا بعد ذلك أنها قد مرضت مرضا شديدا، وأنها حين كانت تشفى قليلا منه ~~أو يخيل إليها أنها شفيت تخرج من بيتها - إذ يسمعها الجيران وهي تغلق باب حجرتها أو ~~يرونها أحيانا وهي تضع المفتاح الكبير فيه - فتمضي في طريقها إلى محطة السكك الحديدية في ~~أطراف بلدتنا. # لم تعد توجه لأحد من أهل البلد سؤالها القديم، ولا عادت تكثرت بمداعبات الأطفال ~~والبنات؛ بل ولا حتى بدعوات الفلاحين العائدين على ظهور الحمير من الحقول ومعهم نساؤهم ~~وجاموسهم وكلابهم وأطفالهم. # كانت تنتظر في المحطة بضع ساعات، وكلما وقف قطار أقبلت على النازلين منه تسألهم بصوتها ~~الهادئ المبحوح: عاوز حاجة يا ابني؟ # ويبدو أنها كانت لا تخطئ الغريب، وأن الغرباء كانوا يؤخذون بسؤالها في أول الأمر، أو ~~يحملونه محمل الجد، أو يرون فيه علامة على كرم أهل البلد وشهامتهم، وكانوا بالطبع يسألون عن ~~المضيفة التي تؤويهم، أو التاجر الذي يقصدونه، أو العمدة الذي يتجهون إليه، أو المدرسة، ~~أو الوحدة التي سيعملون بها؛ فلا يتلقون سوى جواب واحد: حاضر يا ابني، أقول لهم يا حبيبي، ~~روح انت بالسلامة وانا اقول لهم على كل حاجة. # وما لبث الغرباء أيضا أن عرفوها، وعمال المحطة وموظفوها أن بدءوا ينهرونها، أو ~~يحذرون المسافرين منها، أو يطالبونها بالبعد عن القطار والرصيف والمحطة كلها؛ حتى لا ~~تأتي لهم بمصيبة. # ويظهر أنها سمعت هذه النصيحة التي بدأت تتكرر عليها من الجميع، فجاء يوم لم نجدها فيه، لا ~~في شوارع البلد، ولا في بيتها، ولا على المحطة؛ هل تكون عجلات القطار قد دهستها دون أن نشعر ~~في مكان بعيد أو قريب؟ أتكون قد ركبت القطار وذهبت إلى ms021 قرية أخرى، أو إلى البندر الذي سمعنا ~~أن ابنها الوحيد مات فيه؟ لا أحد يدري! ~~(1968م) # | بكاء # كانت قد خرجت من محل شملا في ظهر ذلك اليوم، تحمل في ذراعها اليسرى كيسا منتفخا ~~بملابس الأولاد: ملابس داخلية، قمصان للصيف، مايوهات ملونة للبحر، أحذية على مقاس الأقدام ~~الصغيرة المحبوبة، وتضع ذراعها اليمنى في ذراع زوجها الأستاذ سعيد مهندس التنظيم، وكانت ~~السعادة تملؤها لتوفيقها في الشراء من الأوكازيون؛ فالبائع كان لطيفا سمح الوجه، واختيار ~~البضاعة لم يكن عسيرا، والثمن الذي دفعته لم يكن باهظا على الإطلاق، وكان الشعور بالرضا ~~والارتياح يغمرها ويفيض عليها سعادة هادئة تبدو في عينيها المرحتين الصافيتين، ومشيتها ~~الرزينة المطمئنة، وإحساسها اللذيذ بالقرب من زوج طيب ودود ينم وجهه الأبيض الهادئ عن ~~الرجولة والاعتداد والحنان. # وكانت هذه المشاعر الهادئة تصرفها عن ملاحظة الجو الخانق الذي يكتم الأنفاس، وتبعد عنها ~~السخط والضيق والنكد الذي كانت تحس به عادة من الزحام في هذه الساعة التي يخرج فيها ~~الموظفون والعمال؛ بل إنها - لفرط سعادتها ورضاها - وجدت ذلك كله شيئا طبيعيا، وبدت ~~كأنها تقرأ في الوجوه الملولة المتعبة التي تقابلها، والمركبات العامة التي تميل هياكلها ~~وتئن عجلاتها تحت وطأة الزحام والصراخ والسباب، والأشجار الهامدة التي تتلهف أوراقها الجافة ~~على نسمة من الهواء، والضجيج المزعج الذي ينبعث من الأبواق والحناجر وأجهزة الراديو؛ بدت ~~كأنها تلمح في هذا كله نوعا من النظام الطبيعي الخالد الذي يسير كل شيء فيه على ما ~~يرام! # كانت تتمنى لو استطاعت أن تتغنى بأغنيتها المفضلة التي ترددها بإصرار مضحك في المطبخ ~~والحمام، أو تقبل «سعيد» قبلة مفاجئة لا يفهم سرها كعادته، ولكنه يتلقاها منها في رضا ~~وسرور. # وراحت تداعب في خيالها صورة أولادها الثلاثة الذين سيستقبلونها بالصياح والهتاف والأيدي ~~الممدودة إلى الجيوب والأكياس، كما ترتب في ذهنها أطباق الغداء على المائدة، والقمصان ~~الجديدة على أجسام الصغار، والأحذية والصنادل في أقدامهم، والبهجة التي ستشع من كل مكان في ~~المسكن الأنيق. # كانت تقترب مع زوجها من محطة الأوتوبيس الذي سيحملها إلى مصر ms022 الجديدة، وتداعب هذه ~~الأفكار المشتتة كما لو كانت تجلس في زورق يهتز فوق موج هادئ عندما رأته، فانقلب الزورق ~~فجأة وغاصت مفزوعة إلى القاع. من المبالغة بالطبع أن يقال: إنها عرفته أو تذكرته من أول ~~نظرة؛ فقد كان يقف هناك على الرصيف قبل منتصف الشارع المؤدي إلى المحطة المزدحمة ~~بالناس، كما يقف آلاف الشحاذين في كل مكان. # اتجهت إليه أول الأمر مدفوعة بنفس الشعور الهادئ الذي عرفناه فيها منذ قليل، وسحبت ذراعها ~~برفق من ذراع زوجها؛ لتتمكن من فتح حقيبتها وإعطاء الشحاذ المجهول ما فيه النصيب. كان من ~~الممكن أن تمد يدها إلى يده المتصلبة المفتوحة أمامها بالقرش أو القرشين، وتمضي في هدوء دون ~~أن تنظر في وجهه أو تنتبه إلى دعوته للمحسنين، وكان من الممكن أيضا أن تمر عليه مر الكرام ~~دون أن يحرك منظره في نفسها نزعة الإشفاق التي تميتها في العادة كثرة الشحاذين، أو ~~تتأمله في صمت وتمضي في طريقها في عدم اكتراث؛ لولا أنه كان يقف هناك كالقدر، أو المفاجأة ~~الحية التي تطل برأسها من بئر الذكريات. هذا الوجه الشاحب المجدور المستطيل، الذي يبدو أن ~~الشيخوخة قبعت فيه منذ الطفولة، وحولته إلى وجه مومياء مصفرة؛ لم يستطع العفن أو الزمن ~~أن يصل إليها. # أين رأته من قبل؟ هاتان العينان المغمضتان كعيني أعمى تحت جبهة عريضة ناصعة، لا تتناسب ~~هي والوجه المغضن الصغير، برموشهما السوداء الطويلة المنسدلة كمظلة مقفلة الأطراف؛ ~~هل تكونان هما نفس العينين الجائعتين الصامتتين اللتين حيرتاها منذ أكثر من عشر سنوات؟ ~~وهذه اليد الممدودة المتخشبة كيد ميت صفراء نافرة العروق، دقيقة الأصابع، قذرة الأظفار، ~~ملتهبة ومحمرة من أثر التدخين؛ هل هي نفس اليد التي كانت تتعجب من صغرها وهزالها ودقة ~~تعبيرها عن بؤس مزمن وعميق؟ ولماذا تمتد الآن بين زحام الأجسام والأصوات وضجيج الشارع ~~كسؤال أخرس، بعد أن كانت تضم أصابعها النحيلة على الكتب والصحف والمحلات، وتتشبث ببقايا ~~سيجارة رخيصة مريضة الدخان؟ يا إلهي! كم تتغير الأيام! # تاهت يدها في حقيبتها لحظات، يبدو أنها ms023 طالت أكثر مما ~~ينبغي، واستغرقها التأمل المشدوه في الوجه المصفر، والعينين المغلقتين، والكف ~~المتصلبة، والقميص المتسخ الذي صار أشبه بكفن صغير، والبذلة الحقيرة المملوءة بالرقع ~~والثقوب في أكثر من موضع، والحذاء المتهرئ من الأمام والخلف حتى صار يكشف عن بقايا جورب ~~ممزق وملطخ بالطين. ووقف زوجها لحظة يرمقها في هدوء وابتسام، فلما طال مكثها أمام ~~الشحاذ أخذ يتسلى بالنظر إلى التمثال القميء المنصوب على قاعدة منخفضة وسط الشارع، ويبحث في ~~نفسه عن مبرر واحد لوجوده في هذا المكان. إن القاعدة قد امتلأت بالكتابات والتعليقات بخط ~~قبيح وألوان مختلفة، والتمثال نفسه قد نقش الحمام على ظهره آثار فضلاته، وليس هناك عابر ~~سبيل يتعطف عليه بنظرة واحدة، كما أنه لا يستطيع أن يجذب انتباه إنسان واحد. استدار الأستاذ ~~سعيد، وتقدم من زوجته، ووضع ذراعه في ذراعها وهو يضحك قائلا: هذا التمثال يكفي للحجر على ~~كل مهندسي التنظيم. # هزت ألطاف هانم رأسها كمن يفيق من كابوس، وسألت: ماذا تقول يا حبيبي؟ # أشار إلى التمثال وقد ازداد ضحكه، وقال: من المؤسف أن يكون هذا مصير كل الزعماء. # التفتت إلى حيث يشير بإصبعه، وقالت: يجب عليكم أن تنظفوه. # قال بسرعة: بل قولي: يجب أن تزيلوه! # التفتت إلى الشحاذ المتسمر في مكانه، وتذكرت أنها لم تعطه شيئا، وسألت زوجها عن فكة، ~~فبحث في جيوبه، ولم يجد سوى قرش واحد. قال لها وهو ما يزال ينظر للتمثال: الزعيم أولى ~~به! # لم تضحك كما كان ينتظر فكتم ضحكته، خلص ذراعه من ذراعها، وأمسكت يده بيدها، وشدها كي تجري ~~ليلحقا بالأوتوبيس. كانت لا تزال تنظر إلى الشحاذ، وتتلفت في كل لحظة لتقارن بين تمثاله ~~الحي وبين صورته التي تقفز نحوها من الماضي البعيد. توقفت وقالت يائسة: سعيد، الدنيا زحمة. ~~تعال نأخذ «تاكسي». # أسرع سعيد يقول: على كيفك يا حبيبتي. # وفي لحظة كان صوته القوي المرح ينادي على التاكسي، وفي لحظة كان قد انطلق بهما وعبر ~~الميدان في طريقه إلى شارع رمسيس. # مضى الأستاذ سعيد يتحدث بغير انقطاع، كان صوته ms024 الممتلئ الوديع يتدفق في أذنيها، فتحس ~~بالاطمئنان الذي يكاد أن يبعث فيها الرغبة في النوم. # راحت تنظر إليه بين حين وحين وذهنها شارد عنه؛ ربما لتثبت له أنها تتابع كلامه الذي ~~يتنقل بسرعة من التمثال إلى رخص الأوكازيون، إلى مشكلة المواصلات إلى الحرب في فيتنام، ~~ولاحظت بارتياح أن السائق التقط الخيط منه، واستغرق معه في حديث خطير عن غلاء المعيشة ~~والخنافس وواجب استعمال العصا في المدارس؛ أما هي فلم تعرف في أي شيء تفكر على وجه التحديد؟ ~~كانت صورة الشحاذ المتشنج اليدين تصدم وجهها باستمرار! بل إن وجهه المجدور الذابل كان ~~كثيرا ما يتداخل هو ووجه زوجها الأبيض الناعم، والعينان المغمضتان تهتزان أمامها وتقفزان ~~من زجاج النافذة ومصابيح الشارع ورءوس الأشجار وأعمدة البيوت. # وكما تتداخل صورة المرئيات وصور الشحاذ، تداخلت الأفكار وراحت تتشكل لها وجوها وعيونا ~~وألسنة طويلة وأيادي تمسك برقبتها أو تصفعها على خديها! حاولت أن تبعدها بالتفكير في ~~مشكلة الزحام، وطاف بعقلها دون سبب اسم مالتس ونظريته التي أخذتها في الجامعة، وتحاول الآن ~~عبثا أن تتذكر صيغتها التي كانت تحفظها عن ظهر قلب، وهمت أن تسأل زوجها لولا أن وجدت صورة ~~الشحاذ تصدم وجهها بشدة، فرفعت يديها تغطيه بسرعة؛ مما جعل زوجها يلتفت إليها ويسألها ~~جزعا عن حالها، فأجابت في هدوء: لا شيء يا حبيبي، صداع بسيط. # كانت تراه في كل صباح، هناك منذ عشر سنوات أو تزيد، على محطة الأوتوبيس الذي كانت تركبه ~~إلى الجامعة، لم يعد لديها شك في ذلك، لم يعد لديها أدنى شك فيه، بالطبع لم تسأل نفسها عنه ~~في الأيام ولا الأشهر الأولى، ولا حاولت أن تفكر لحظة واحدة فيه. كان يقف بقامته القصيرة، ~~وهيئته الرثة، وشعر رأسه المهوش الذي يسقط على أذنيه وينعقد ككومات من الطين ~~المتناثر على رأسه وقفاه! ولم يكن يسترعي انتباهها منه في البداية سوى كومة الأوراق التي ~~كان يحملها تحت إبطه في معظم الأحيان. # لم يكن منظره منظر طالب، ولا كانت هيئته أو سنه أو حتى مجموعة اللفائف ms025 التي في يده تسمح ~~بهذا الظن، ولا بد أنها كانت تبتسم في سرها لمنظره، وربما تعلمت مع الزمن أن تتعجب لقذارته ~~المزمنة (التي لم تكن فيما يبدو متعمدة؛ بل عن بؤس أكيد)، وترثي لحاله في النهاية، ~~وتسأل نفسها إن كان له أهل في هذه الدنيا، وأين يأكل وينام ويعيش؟ # ويظهر أن بائعة الجرائد العجوز لاحظت أن اهتمامها به يتزايد مع مرور الأيام، فكان أن غمزت ~~لها بعينها وهي تشتري منها إحدى المجلات النسائية قائلة: أصله شاعر. # سألتها باستخفاف: قرأت له؟ # قالت البائعة وهي تشوح بذراعها: الله يسترك، ما ناقص إلا الشعر! # سألتها في يوم آخر: من أين عرفت أنه شاعر؟ # قالت البائعة: زبون دائم عندي، في يوم فتح مجلة وأشار لصفحة فيها، وقال في فرح الأطفال: ~~الحمد لله، نشروا قصيدتي. قالت له البائعة: شعر؟ يعني حضرتك ما شاء الله شاعر؟ # ابتسم ومضى يقرأ قصيدته في سره وهتف غاضبا: كلها أخطاء مطبعية. # قالت له البائعة: بركة دعا الوالدين! # ابتسم في حزن وقال: تعيشي يا حاجة. # سمعت ألطاف ذلك ولم تهتم به؛ فما لها والشعر وهي تدرس المالية والمحاسبة والاقتصاد؟ إنها ~~لا تذكر شيئا مما كانوا يسقونه لها في حصة العربي والإنشاء، وحاولت أن تذكر منه بيتا ~~واحدا يمسك بعضه بعضا فلم تستطع، قالت لنفسها: ما كل ما يتمنى المرء يدركه! لكنها لم ~~تذكر الشطر الآخر ولم تعرف إن كان لشوقي أو حافظ أو النابغة الذبياني، وضحكت في سرها للاسم ~~الأخير، وقالت لنفسها: إن نطقه وحده يميت من الضحك. # ومع الأيام راحت تتابع الشاعر المجهول، كانت تراه في معظم الأيام واقفا كالتمثال في ~~انتظار الأوتوبيس، ويبدو أنها كانت قد فرغت من ملاحظة هيئته وملابسه الرثة، وحفظت قميصه ~~القذر الذي لا يتغير، وبذلته البنية الداكنة؛ ولا بد أن المصادفة وحدها هي التي جعلتها تنظر ~~مرة إلى عينيه، بدتا لها بعكس ملابسه ووجهه وكل شيء فيه، كأنهما هما الشيء الوحيد الذي يدل ~~على الحياة فيه! # كانتا ضيقتين، تلمعان لمعة غريبة، وتتحركان باستمرار في قلق ms026 وحزن لا يطاق. # وقد فطنت بغريزة الأنثى أنه يسلطهما عليها في شوق أخرس مكتوم، ومع أنها كانت تنفر ~~منهما وتحاول أن تتجاهلهما على الدوام؛ فقد بدأت تسأل نفسها عما تريده منها النظرة الخرساء؛ ~~إذ ليس هناك أفظع من عينين صامتتين حزينتين، تقولان لك: إنني أحبك ولا أريد منك شيئا! هل ~~كان هذا المخلوق البائس الزري يحبها؟ وماذا كان يرجو من وراء هذا الحب الأخرس المخبول؟ إن ~~جدارا هائلا كثيفا من التقاليد والظروف يبعدها عنه! بل يسحقه كالحشرة الذليلة أو الدودة ~~البائسة! وهل يعقل أن تبادله النظر أو تطمعه بأدنى إشارة أو لمحة؟ يا له من خائب ~~مجنون! # في يوم من الأيام جاءت متأخرة عن موعدها قليلا إلى محطة الأوتوبيس، كان هناك زحام غير ~~عادي وجماعة من الناس يتحلقون حول رجل ممدد على الأرض، وشاب يجري له تنفسا ~~صناعيا، ويصيح بالواقفين أن يبتعدوا لكيلا يمنعوا الهواء عنه، وآخر يصرخ في طلب الماء. ~~وحشرت نفسها لتلقي نظرة، فرأت الشاعر ممددا على الأرض ببذلته الداكنة، وقميصه وحذائه ~~الباليين، ووجهه المصفر المجدور الذي يشبه وجه ميت. وبعد قليل نهض واقفا، ونفض التراب ~~بشدة عن ملابسه، وراح يعتذر إلى الناس ويشكرهم، ثم تقدم من سائق عربة كارو كان يقف في خوف ~~بعيدا عن الجمع المحتشد، وإذا به يتقدم منه خجلا كالفتاة العذراء، فيعتذر إليه بصوت ~~مسموع، ثم يحتضنه فجأة ويقبله! بادرتها بائعة الجرائد العجوز قائلة: مجنون؛ بدل ما يطلب ~~التعويض! # سألتها: هل داسه العربجي؟ # قالت البائعة: داسه؟ قولي دهسه، العجل يا عيني فات عليه، لولا ستر ربنا كان بقى نصفين؛ ~~والآخر يعتذر له! # أزاحت شعرها الأسود الفاحم عن عينيها، وقالت باسمة: ما هو شاعر! وجاء الأوتوبيس فقفزت ~~فيه. # إنها لا تزال تذكر الآن كيف بدأت تهتم به وتعطف عليه؟ كانت تلاحظ أن نظراته تتابعها، نفس ~~العيون الخرساء، العيون البائسة بلا أمل في الأرض ولا في السماء، العيون المجروحة التي تقول ~~في انكسار: أحبك، ولا أريد منك شيئا! وبدأت هي أيضا تهتم بنفسها: كانت تطيل الوقوف ms027 أمام ~~المرآة قبل أن تخرج إلى الشارع ، وبدأت - ربما لأول مرة - تتأمل وجهها الصغير الجميل، وتلاحظ ~~أنفها الدقيق، ووجنتيها البارزتين، وفمها الدقيق الواسع قليلا، وشفتيها الرقيقتين اللتين ~~تبتسمان دائما في سخرية عذبة كانت هي طابعها الأصيل؛ أما عيناها السوداوان المستديرتان ~~فكانتا تشعان بنظرة لم تلتفت إليها من قبل؛ نظرة نارية ثائرة، فيهما كبرياء وبعد، ولكن ~~فيهما مع ذلك حزن عميق يرسم مع الشعر الأسود الفاحم الطويل، الذي ينسدل دائما على جبينها ~~العريض وإحدى عينيها؛ صورة من الخيالات والأحلام العذراء التي تحيط الفتيات في عمرها بهالة ~~من الغموض والتمنع والحياء. # ها هي ذي نظرته تتابعني؛ لكن ماذا يريد؟ آه من هذا الأخرس المخبول! إنه لا يقول شيئا، ~~لا يتحرك، لا يهتز فيه عرق واحد! هل ينظر إلي حقا أو يسبح مع أشعاره؟ وأي أشعار هذه؟ ~~هل هي مثل أشعار شوقي وحافظ؟ هل ينشرونها حقا في الجرائد والمجلات؟ هل يكسب منها عيشه؟ هل ~~يغنونها في الراديو؟ إنه يتابعني دائما بالنظرة الذليلة المجنونة الصامتة الصارخة ~~بالحب واليأس والعذاب والانكسار! # لكنها تذكر الآن كيف انقلب اهتمامها الطارئ به إلى سخط وحقد واشمئزاز! إنها لا تقيم وزنا ~~لهذه النظرات الجائعة، ولو صرخت في الأبواق بأنها تحبها حتى الموت! ماذا يقول الناس؟ ماذا ~~تقول العائلة، والعرسان الذين يحومون حولها من الآن ويسألون عنها بل يتقدمون لأبيها: ~~مهندسون وأطباء وضباط وموظفون محترمون؟! وها هو ذا قد خرج من حياتها التي لم يدخلها قط، ~~واختفت نظرته وهيئته المزرية وجسده الضئيل ووجهه الشاحب الصغير، كلها اختفت إلى الأبد خلف ~~السور الشائك الذي أقامته حولها، أو وجدته منذ البداية ملتفا عليها! # يا إلهي، ما الذي يوقفه هذه الوقفة في أكبر ميدان؟ ما الذي انتهى به إلى هذه النهاية؟ هل ~~طردته الجريدة التي كان يعمل فيها؟ هل أفلس من الشعر؟ هل مات كل أهله فوقف في طريق الحياة ~~كبقية شجرة قطعت من جذورها؟ هل أصابه العمى من كثرة القراءة والكتابة، أو من كثرة البكاء، ~~أو من كثرة النظر الأخرس الحزين؟ ما ms028 الذي أدى به إلى هذا المصير؟ ما الذي جعله يمد يده ~~المتشنجة لكل عابر سبيل؟ ألا يكسب الشعراء من شعرهم؟ ألم يكن شوقي كما يقال أمير ~~الشعراء؟ # إنها لا تذكر بيتا واحدا من الشعر - ما كل ما يتمنى المرء يدركه - لكن لا بد أن صاحبه ~~لم يكن شحاذا، ولم يضطر إلى الوقوف في ميدان تحت شمس محرقة وسط زحام خانق، بين آلاف العيون ~~التي تنظر أو تمر بغير اكتراث! هل دخل المسكين السجن، فعذب كما سمعت من الناس، أو علق ~~جسده من قدميه كما تعلق الذبائح عند الجزارين، أو سلطت عليه الكلاب المتوحشة، أو ~~أغرق بالماء إلى رقبته في زنزانة؟ هل كان من الشيوعيين والسياسيين؟ أو ماذا جرى ~~له؟ # كان الأستاذ سعيد لايزال مستغرقا في نقاش مع سائق التاكسي. أصغت قليلا، فوجدتهما ~~يتحدثان عن مشكلات التنظيم والمدينة التي ضاقت بعرباتها وسكانها، وحاولت أن تتذكر قانون ~~مالتس، وخطرت لها كلمة المتوالية الهندسية والمتوالية الحسابية؛ ولكنها لم تفلح في العثور ~~على صيغة القانون. وهتف السائق: لا بد من تعميم الحبوب وجعلها بالمجان. فقال زوجها: ولو، ~~الأرانب هي الأرانب وحياتك، وضحكا ضحكة فاضحة جعلتها تدير وجهها إلى الناحية ~~الأخرى. # وقف التاكسي أمام باب العمارة، نزل زوجها أولا ومد إليها يده ليسندها. كم هي رخصة هذه ~~اليد وسمينة وبيضاء ومريحة! عشرة أعوام وهي تمسك بيدها، وتربت على كتفها، وتمنحها ~~الثقة والعطف والحنان! لكن العيون الخرساء الجائعة تقف أمامها الآن، عيون ضيقة تلمع ببريق ~~التنفس والقلق واليأس والذل والعذاب. أأكون مذنبة أيتها العيون؟ أكان في وسعي أن أفعل ~~شيئا ولم أفعله؟ # لماذا لم يقل كلمة واحدة؟ لماذا لم ينطق بحرف لم يصدر إشارة؟ # كنت بالطبع سأزجره وألزمه حده! لكن ربما كان هذا على الأقل مصدر عزاء لي الآن؛ ومن ~~يدري؟ فربما كنت أجبته بكلمة، تصدقت عليه بنظرة، شجعته بابتسامة، مستحيل أن أتصور أنني كنت ~~سأزيد على ذلك، مستحيل أن يكون قد خطر لي أن أكلمه مرة وأمشي معه خطوة واحدة؛ وماذا كانت ~~تقول الناس والجيران ms029 والعائلة والعرسان الذين يحومون حولي؟ ها هو ذا سعيد يفيض علي حبه ~~وعطفه منذ سنين، هيأ لي البيت السعيد، ووهب لي الأولاد السعداء، كأنما يقسم أن يجعل كل ~~يوم من أيام حياتي نظيرا لاسمه، عندي كل وسائل الراحة والهناء والحياة المستقرة المريحة، ~~وماذا تطلب الزوجة أكثر من المرتب المضمون والثلاجة والبوتاجاز والغسالة والسخان ~~والتلفزيون؟ هل تسمح لنفسها بعد هذا ألا توفر له البيت السعيد وتملأه بالأطفال السعداء؟ ما ~~كل ما يتمنى المرء يدركه. ليتني أعرف فقط إن كان هذا الكلام لشوقي أو حافظ! # سألها زوجها وهما يدخلان من باب الشقة ويسمعان صياح الأولاد الثلاثة: فيم تفكرين يا ~~حبيبتي؟ # قالت شاردة: في بيت من الشعر. # هتف وهو يحتضن هناء: اسألي ماما عنه يا هناء. # قالت ألطاف وهي تغتصب ضحكة: نسيته يا سعيد. # قال سعيد وهو يقبل هدى وهابي: لازم كان من المعلقات. # أقبل على الأولاد يريهم القمصان الجديدة والمايوهات والصنادل. ما أطيبه! وما أكثر حبه ~~لها ولأولادها! ما أشد ثقتها فيه واطمئنانها بجانبه! إنها لا تذكر أنه أغضبها يوما بكلمة ~~حادة أو خارجة، أو أخر لها طلبا من نفسها، أو بخل عليها بملبس أو مأكل أو نزهة! # وراحت تخلع ثيابها في صمت وترتدي ملابس البيت. كان شيء كالخدر يزحف من قدميها إلى ~~رأسها، ومن رأسها إلى قدميها؛ شيء ثقيل أسود كالمارد أخذ يطبق على عينيها، ويجثم على ~~أنفاسها، ويزحف في نبضها ودمها! وارتمت على الفراش وكل شيء يهتز أمام عينيها ويدور ويختلط ~~دوامة من الألوان والأصوات والحركات. اتسعت العينان الجائعتان أمامها، وتحجرت فيهما النظرة ~~الفظيعة الخرساء، وامتدت أمامها اليد المتشنجة كيد ميت تخترق النعش فجأة أخذت تتقدم منها ~~وتتقدم، كأنها تريد أن تلمس وجهها أو تسترحمه أو تلطمه! # صرخت مفزوعة، ثم انفجرت باكية. وحين أسرع سعيد إليها وسألها ملهوفا عما بها؛ ألقت ~~ذراعيها حول عنقه، ودفنت رأسها في صدره وقالت وهي تنشج: لا شيء يا حبيبي، لا شيء ~~أبدا! ~~(1968م) # | الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت # كانت العربة قد توقفت تماما، ms030 أزت عجلاتها الصدئة لحظة، واهتزت الأكياس والأقفاص وألواح ~~الخشب المتكدسة فوقها، ثم هدأ بعد ذلك كل شيء، وتململ العربجي في مكانه وصاح: شي، شي؛ ~~ولكن صياحه لم يحرك الحصان، ولم ينفع في تحريك العربة؛ ظهر الغضب على وجهه وتطاير من عينيه، ~~وعاد يصيح بصوت خدشته الجوزة والمعسل والسب في خلق الله: شي يا حصان الكلب! قلت لك شي! لكن ~~الحصان ظل جامدا في مكانه، ولم يبد عليه أنه سمع الصوت أو أنه على استعداد لسماعه، وجن ~~جنون العربجي، فتناول سوطه وبدأ يضربه، كانت الضربات في بداية الأمر خفيفة من النوع الذي ~~يلسع ولا يؤذي، فلما رد عليها الحصان بهز رأسه وتحريك ذيله؛ راحت تزداد وتتوالى ويسمع ~~حفيفها في الهواء، أخذت تتهاوى على جسده كله دون تمييز، وراحت تدوي فوق الرأس والأذنين ~~والظهر والذيل والأقدام! # صاح السائق: شي يا ابن الكلب، فضحتنا قدام الناس، قلت لك شي. ولكن الحصان اكتفى بتحريك ~~رأسه وذيله إلى اليمين واليسار، وكلما اشتد عليه الضرب رفس العربة بأحد حافريه الخلفيين، ~~فقعقعت عجلاتها واهتزت فوقها الأكياس والصناديق. ومع أن طرف السوط كان يتوالى كألسنة النار ~~على رأسه وعينيه، ويصيب الجروح المشقوقة على ظهره وساقه حتى ينزف منها الدم؛ فقد كان فيما ~~يبدو يتمسك بالصبر، كأنما يعرف أن صاحبه سيتوقف عن ضربه كما عهد ذلك منه، وينزل إليه ~~ويربت على رأسه ويصالحه؛ ولكن العربجي كان قد جن جنونه، ومع صيحاته الخشنة المدوية ~~توالت ضرباته في كل مكان من الجسد الأعجف المقروح! # كان ذلك كله يجري في ميدان عام، مزدحم في وقت الظهر بالناس والعربات والترام والتروللي؛ ~~وقت خروج الموظفين من المكاتب، وعودة النساء بعد شراء الحاجات. # وكما هي العادة دائما في مثل هذه الحالات، تتلفت عيونهم من نوافذ الترام أو العربات؛ ~~ليعبروا عن سخطهم على قسوة السائق وتعاطفهم مع الحيوان المسكين، وقد يهزون رءوسهم أسفا ~~على الرحمة التي نزعت من قلوب الناس، أو يسألون أنفسهم: أين جمعية الرفق بالحيوان؟ أو ~~لماذا تسكت الحكومة على هذا الظلم، ولا تسن ms031 القوانين الكفيلة بحماية الحيوان من ~~الإنسان؟ # وسرعان ما يمر الترام أو الأوتوبيس، فينسون هم العربجي والحصان ويدخلون في نفوسهم. أما ~~السائرون على أقدامهم فإنهم يتوقفون قليلا، أو يتجمعون حول المكان، أو تأخذ الشهامة أحدهم؛ ~~فينادي على العسكري أو يتدخل بنفسه، فينصح السائق بكلمة طيبة تعلمه الحلال من ~~الحرام. # بدأ الناس بالفعل ينظرون من نوافذ الترام والأوتوبيس، ويتجمعون حول العربة؛ ليتفرجوا، أو ~~يقولوا كلمة طيبة، أو يحاولوا التدخل رحمة بالحصان المسكين. صحيح أن بعضهم كان يتفرج لحظات ~~ثم يسرع إلى عمله أو ركوب ترامه، ويقول لنفسه: إن هذا شيء يتكرر كل يوم، ولا بد من تدخل ~~الحكومة فيه؛ ولكن توالي اللسعات ورنينها الذي كان يغلب على ضجيج الميدان ويخترق الآذان؛ ~~جعل الكثيرين منهم يتوقف في مكانه ويحس بأنه مطالب بعمل شيء. # ومما زاد في هذا الإحساس أن العربجي جن جنونه، فسحب لوحا من الأخشاب المتراكمة على ~~عربته، وأخذ ينهال بها في كل مكان من جسد الحصان. قاوم الحيوان قليلا، وزادت رفساته التي ~~كانت تصطدم عبثا ومقدم العربة، وأطلق صهيله، الذي تحول مع عنف الضرب ووحشيته، وخبطاته ~~العشوائية لعظام الظهر والبطن والصدر والأقدام والوجه والرقبة؛ إلى صوت مخدوش، راح يخفت ~~بالتدريج حتى صار كنحيب طفل يبكي على قبر ميت! ولم تبق في الحصان قوة على المقاومة، فانثنت ~~ساقاه الأماميتان ومال برأسه على الأرض، ثم عاجلته ضربة على مؤخر ظهره فانثنت الساقان ~~الخلفيتان أيضا وتمدد بجسده كله على الأرض! # كان العربجي لا يزال يصرخ، ويسب ويلعن أجداد الحصان وأيامه السوداء، وينزل ضربه الأعمى ~~على الجسد الهامد الذي لم يبق فيه من آثار المقاومة سوى ~~اختلاجة تسري فيه وحشرجة تخرج من الفم، ودموع تسقط من العينين! وكان الناس قد تجمعوا ~~حوله، وكل واحد منهم يحس أنه ملزم بأن يفعل شيئا، أو أنه تورط وانتهى الأمر ولا بد أن ~~يتصرف بأي طريقة توقف هذه الوحشية؛ صرخ طفل في أول الأمر وارتفع بكاؤه، وهتفت امرأة عجوز ~~تلف رأسها بشال أبيض: حرام عليك يا رجل! الحصان تعب ms032 يا ولداه! وتقدم شاب يضع نظارة غليظة ~~على عينيه ويلبس بلوفرا أسود ويحمل في يده حقيبة كتب سوداء! ~~- تعب؟ يا عالم! الحصان مات! # ولا بد أن الكلمة الأخيرة بعثت الاشمئزاز في نفوس الحاضرين، ودفعت بعضهم إلى التقدم بلا ~~تردد إلى السائق، وتخليص لوح الخشب والسوط من يديه؛ ولكن هذا استمر يزعق ويلعن: ما لكم ~~انتم؟ ابني وانا اربيه! # هتفت المرأة العجوز: يا شيخ حرام عليك! اتقوا الله وخلوا في قلوبكم رحمة. # تبجح السائق قليلا: اسكتي انت يا حجة، حصاني وانا اعرفه! # انفعلت الحاجة: يعني تقتله ونقف نتفرج؟ ما تتكلموا يا رجالة. # وشعر الرجال أنهم مطالبون فعلا بالتدخل، فقال شاب يرتدي بذلة بنية فخمة ويحرك يديه ~~ولسانه حركة مهذبة: لا بد من تبليغ القسم، الحصان مات! # زعق العربجي: قسم؟ هو حضرتك أفوكاتو؟ # هتف الشاب: اخرس! أمثالك لا بد من تأديبهم! # عاد العربجي يصرخ: وانتم ما لكم يا عالم؟ اشتكى لكم؟ قال لكم حاجة؟ # اقترب الشاب الذي يلبس نظارة من رأس الحصان، انحنى بجانبه، وربت على رقبته، ووضع يده أمام ~~أنفه، ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: الحصان بخير يا جماعة، فيه الروح. # اقترب منه الشاب الآخر بعد أن نفذ بصعوبة من الزحام، وثنى ركبتيه، وتحسس ظهر الحصان بكفه، ~~ثم رفعها إلى الجميع وقد تلوثت بالدم الأسود المتجمد: دم؟! # صاح العربجي بصوت أخف حدة بعد أن وجد نفسه مطالبا بتبرير تصرفه: قلت لكم ابني وانا ~~اربيه! يا ناس خلونا في حالنا يا ناس! # ولكن الناس لم يتركوه في حاله؛ فها هو ذا الحصان يلهث ببطء على الرصيف، وعيناه ~~المحمرتان الباكيتان تستنجدان، وشهيقه وزفيره الضعيفان يخترقان الآذان، وأصوات مختلطة ~~تتعالى من كل مكان: نادوا العسكري، كلموا بوليس النجدة، اطلبوا الإسعاف، دكتور بيطري يا ~~عالم! # وقف الشاب الذي يلبس نظارة طبية، وقال للجميع: اطمئنوا؛ أنا في الطب البيطري، إن شاء الله ~~نأخذه الكلية ونعمل اللازم. # زأر العربجي: تاخد مين يا سيدنا الافندي؟ يا ناس ابعدوا عنا، يا عالم خلونا في حالنا، ~~حصاني وانا عارفه! # واختلطت ms033 الأصوات من جديد؛ بعضها يلعن العربجي، أو ينادى على العسكري، أو يقترح أن ينقل ~~فورا إلى الجيزة، أو يعالج في مكانه، أو يقبض على السائق؛ وفجأة خرج صوت عميق: يا سادة ~~يا كرام، تلفت الجميع حولهم، ثبتوا أعينهم في أفواه بعضهم. ثنى الشاب ذو النظارة ركبتيه ~~من جديد أمام الجسد المسجى على الأرض. مال رأس الحصان إليه قليلا، وأحس بأنفاسه اللاهثة ~~تنفث الحرارة والدفء في وجهه، فتح فمه وقال: يا سادة يا كرام، أرجوكم أن تسمعوني قبل أن ~~أموت. # هتف صبي صغير: الحصان يتكلم! # واقترب الجمع حتى كاد أن يلامس الجسد الممدد على الأرض. رفع الحصان رأسه المتعب ~~قليلا وقال: من أنا؟ # قال الشاب ذو النظارة: أنت حيوان ثديي وحيد الحافر من الفصيلة الخيلية، يستعمل في ~~الركوب والسباق والجر وحرث الحقول، يوجد منك أنواع كثيرة: البلدي والعربي والإنجليزي ~~والهجين. # قال الحصان: أنا الحصان الأخضر الذي يموت! # قال الشاب ذو النظارة: لن تموت أيها الحصان! سنأخذك حالا إلى الكلية، هناك سيرعاك ~~المتخصصون ويشفون جراحك. # قال الحصان: وجرح نفسي أيها الشاب اللطيف؟ # قاطعته الحاجة التي زغردت في فرح: والنبي إنك حصان عربي أصيل، وحياة مقام النبي إني عرفتك ~~في الحجاز، أصيل وحياة مقام رسول الله. # قال الحصان وهو يقلب عينيه الحزينتين - كدمعتين متجمدتين - في وجهها الأبيض: كنت زمان ~~يا حاجة وكان جدودي، ياما ركب الفرسان على ضهري وحاربوا في سبيل الله! ياما دخلت الحصون ~~وجريت في الصحاري وصلت وجلت في المعارك والحروب! أيام زمان يا سادة يا كرام، أيام زمان يا ~~سادة يا كرام. # هل تعرفون أصلي يا كرام؟ هل تعرفوني قبل أن يقسو علي الزمان؟ # تقدم الشاب الذي يلبس البذلة البنية الفخمة، ومد ذراعيه في الهواء قبل أن يقلب وجهه ~~بين الحاضرين في سرور ويقول: أنا أعرف التاريخ؛ الحصان معروف من العصر الحجري، وجده علماء ~~الحفريات مرسوما في الكهوف وعلى حوافي الجبال؛ كما وجدت حول معسكر سولتر في فرنسا عظام ~~مئات الألوف من الخيول، كان من آخر الحيوانات التي استأنسها الإنسان. ms034 # قاطعه الحصان بصوته المتحشرج العميق: نعم يا ولدي ، كنت أخرج في الصيد مع الإنسان، ~~أسابق الريح والسحاب والغزلان، وأركض حرا في الجبال والوديان، هل تعرف ماذا حدث لي بعد ~~ذلك؟ قل لي؛ فقد نسيت التاريخ! # قال الشاب منتهزا الفرصة: نعم، كان البدو في أواسط آسيا أول من استأنسوك، ثم نقلوك إلى ~~الصين فآسيا الصغرى وأوروبا، حتى جئت أخيرا إلى مصر. # سأل الحصان: وأين أنا الآن يا ولدي؟ # قال الشاب متعجبا: أين أنت؟ في مصر طبعا أيها الحصان. # قال الحصان وخيل للجميع أنه يبتسم: مصر المحروسة؟ باركها الله ببركة الأبطال والأولياء ~~والفرسان. وكيف جئت إلى هنا يا ولدي؟ # قال الشاب ذو النظارة كأنه يحدث نفسه: يظهر أنك نسيت التاريخ أيها الحصان! ألا تذكر ~~أنك كنت تجر عربة فرعون في حربه مع الأعداء؟ # اعترض الشاب الأنيق قائلا: غير صحيح! لقد جاء لأول مرة مع الهكسوس، وبالتحديد سنة ألف ~~وخمسمائة وسبعين، وهنا أخرج الشاب بطاقته الشخصية، وقدمها لطالب الطب البيطري قائلا: ~~صحفي. # أمن طالب الطب على كلامه؛ ولكنه واصل اعتراضه قائلا: ولكن المصريين لم يكونوا قد عرفوا ~~العجلات الحربية؛ فكيف يجر حصان أحمس أو رمسيس؟ # قال الشاب ضاحكا ضحكة عالية: انظروا إلى بطاقتي وتيقنوا بنفسكم، هناك عشرات النقوش ~~محفورة في المعابد، تشهد بأن هذا الحصان هو الذي قاد عربة فرعون! انظروا في بطاقتي ولا ~~تخافوا. # وبدا أن الحاضرين لا يهمهم أن ينظروا في بطاقته، ولا أن يتيقنوا إن كان من رجال المباحث، ~~أو حتى من رجال السيرك. وتدخل الحصان بنفسه لكي يمنع نزاعا يمكن أن ينشب بسببه في أية ~~لحظة: نعم كنت أنا الحصان الأصيل؛ كنت أجري في الجبال والغابات، وأخطر على ضفاف الأنهار بلا ~~سرج أو لجام! كنت حرا كالهواء، خفيفا كالسحاب، أبيض الجبين كالفجر؛ أتهادى كالموج، وأركض ~~كالعاصفة؛ وأغضب كالرعد، وأحب كالأطفال؛ إلى أن وضع الإنسان السرج على ظهري، واللجام في ~~لساني. ورضيت حين عرفت أن الذين سيركبونني هم الشجعان والفرسان! ياما انطلقت بهم، وصرخت ~~معهم في وجوه الأعداء، ودست على ms035 جثث الكفرة والمجرمين! شاكست الإسكندر طويلا حتى تيقنت ~~شجاعته، فألنت له ظهري، ورحت أجوب معه العالم من بلاد النبيذ والزيتون والحكماء إلى بلاد في ~~السند والهند تركب الأفيال! صحبت فرسان العصور الوسطى التي تسمونها اليوم ظلما بعصور ~~الظلام، ودافعت معهم عن الشرف والدين، وسمعتهم يلقون في الحب أجمل الأشعار! هل كان مار ~~جرجس يستطيع من غيري أن يقتل التنين؟ أكان خالد يهزم الفرس والروم؟ أكان عنترة يخيف ~~الأعداء ويكتب المجد لشعره وجلده الأسود وحبيبته السمراء؟ ماذا أقول يا سادة يا كرام؟ ومن ~~أذكر أو من أنسى من الفرسان؟ كان ياما كان، وأنتم ترونني الآن بعد أن تغير الحال ~~والزمان! # قال الشاب ذو النظارة: ما زلنا نحبك أيها الحصان، ونعجب بغرتك البيضاء وخطوتك البديعة ~~في الشارع وفي السباق، اطمئن فسنعالجك وتعود إلى سالف الأيام! # زفر الحصان زفرة عالية، وأمال رأسه على أرض الرصيف، وقال: لا يا ولدي، لم يعد في العمر ~~بقية للمجد والعز والسلطان! ها أنا ذا أموت بعد اللف في الشوارع وعذاب السوط واللجام! كنا ~~أنا وأصحابي نسابق الريح، ونطاول النجوم، ونجمع القوة والضعف والغضب والحنان، كنا نزأر ~~في الحروب كالبركان، ونرق في السلم كالأطفال والغزلان! ماذا دهانا يا ترى؟ وماذا جرى ~~للفرسان؟ صرنا نجر العربة الكارو، ونتحمل السياط، وننقل البصل والخشب والخضار ~~والعزال! # كان العربجي يقف مشدوها لا يصدق ما يسمع ولا يفهمه، وكان كل ما يخشاه أن يأتي العسكري ~~ويأخذه إلى الكركون، أو تسمع الحكومة ما يقوله الحصان ويشهد عليه الحاضرون! ولما طال به ~~الانتظار صاح في الجميع: يا عالم خلونا في حالنا، ابني وانا مربيه، واعرف ضرره من منفعته، ~~يا ناس الله يسهل لكم ابعدوا عنا! # وكان الصحفي فيما يبدو قد أفلت من الجمع دون أن يحس به أحد، وعاد يخترق الحلقة مرة أخرى ~~ويقول ساخطا: ساعة وأنا أطلبهم في التليفون! طلبت الإسعاف فرد علي التليفزيون! # لم يرد عليه الطالب، كان الجميع يقفون حزانى صامتين، لم يلفت انتباههم حضور العسكري ~~من القسم القريب، وتقليبه في رأس ms036 الحصان وجسده؛ بل لم يفطنوا إليه وهو يمسك العربجي من ~~رقبته ليشده إلى مركز البوليس ويعمل له المحضر؛ فقد كان الحصان ممددا بجسده الجميل ~~المجروح على أرض الشارع، ورأسه الهامد على الرصيف جحظت فيه العينان كدمعتين كبيرتين ~~واسعتين! تلفتوا بعضهم لبعض، ثم بدءوا ينصرفون كل إلى حاله. ولا بد أنهم ظلوا لفترة طويلة ~~يتذكرون الحصان في الميدان؛ الحصان الأخضر الذي مات على شوارع الأسفلت! ~~(1968م) # | تذكر يا مولاي # هي عبارة قالها رجل مجهول لرجل آخر مجهول، في ظروف لا ندري الآن عنها شيئا؛ ربما سمعناها ~~تروى كنادرة أو مثل، وربما قرأناها في أحد الكتب أو المخطوطات العتيقة، بل ربما جاءت على ~~لسان إحدى عجائزنا كموعظة أو حكمة من السلف الصالح أو الزمن القديم؛ غير أننا قليلا ما ~~نسأل أنفسنا عن قائلها أو عمن قيلت له، ونادرا ما نحاول أن نعرف صيغتها التي قيلت بها، ~~أو ندرك معناها ومغزاها. # فلنكرر السؤال معا على هذه الصفحات، ولنتذرع بالصبر - ونحن لا نملك سواه - لنكشف ~~عن غموضها، ونفهم جهد الطاقة ما يختفي وراءها. ~~«تذكر يا مولاي أنك ستموت في يوم من الأيام» هكذا تروى هذه العبارة التي لا تخلو - كما ~~نرى - من بساطة وسذاجة، قالها رجل مجهول - كما قدمت - ~~لرجل آخر مجهول، أمام رجال أو نساء مجهولين، في ظروف لا نكاد نعلم عنها شيئا. إنها لا تشير ~~إلى قائلها؛ ولكنها - لحسن حظنا - تكاد تنطق بأنها قيلت لرجل غير عادي. صحيح أنه لا يزال ~~بالنسبة إلينا مجهولا كما كان؛ ولكنه كما قلت رجل غير عادي، نحس أنه حاكم أو ملك أو ~~خليفة أو إمبراطور أو أحد القياصرة أو ما شئتم من أسماء. # تعالوا معي نتصوره في تلك اللحظة الرهيبة، لعلها لم تكن رهيبة تماما كما تصور هذه ~~الكلمة؛ فها هو ذا في جلال الحكم وروعته يجلس على عرشه الذهبي المريح؛ على رأسه التاج ~~المرصع بالجوهر والدر الثمين، وفي يده صولجان الملك المخيف، وفي عينيه نظرة البطل ~~المنتصر أو الملك العادل الحكيم. وها هم أولاء العبيد ms037 السود من غابات أفريقيا، أو الصفر ~~من سهول الصين ، أو السمر من على ضفاف الأنهار في بابل وآشور أو وادي النيل؛ يهزون مراوح ~~الريش على وجهه الملكي الناصع، ويضيفون إلى روعة المشهد ~~رهبة السلطان. وها هم أولاء الوزراء ورجال البلاط والحاشية، وسفراء البلاد الغريبة وأمراء ~~الحرب والأمن، وحكماء المملكة وشيوخها وشعراؤها وعلماؤها ومنجموها؛ يحيطون به من كل جانب. ~~إنه يجلس إلى المائدة، والمائدة رائعة وحافلة بكل ما يخطر على بالكم من أصناف الطعام ~~والشراب، هل أصفها لكم أو تستطيعون أن تتخيلوها؟ # إن أتعس فقراء العالم يستطيع مع ذلك أن يتصور بالخيال ما لم يدخل جوفه ولن يدخله من: لحوم ~~شهية محمرة من الضأن والغزال والديكة والحمام، صحاف ذهبية وفضية ملأى بألوان الخضر ~~والفاكهة والحلوى، فنون من الخمر والنبيذ من كل لون وصنف ومذاق، شموع تتألق على المائدة وفي ~~أركان القاعة الفسيحة الناصعة كمصابيح السماء التي ندعوها بالنجوم، وأيد وأفواه مشغولة ~~بتقطيع اللحم وتذوق الحلوى وتجرع النبيذ، وعيون مبهورة بكنوز الأرض الطيبة وثمارها الحلوة ~~المتاحة، ترتفع إلى الملك الذي يتصدر المائدة؛ لتشكره على نعمته، أو تحسده عليها، أو تتمنى ~~بقاءه لكي تدوم، أو زواله لتستأثر بها دونه. والملك - كما هو مفهوم - قد نسي فيما يبدو أنه ~~ملك؛ فعند الطعام تنسى الرتب والألقاب، ويذكر حتى الملوك أنهم معدة جائعة ولحم ينهش لحما، ~~إنه يأكل ويأكل، إنه يشرب ويشرب. قد يرفع يديه ووجهه عن الأكل لحظة ليقلب عينيه في ~~الحاضرين. قد يشير إشارة إلى اليمين أو اليسار، أو يسر بكلمة لوزير أو حكيم، أو يعلق ~~بنكتة لطيفة على مشهد يراه من قريب أو من بعيد. وقد يتوقف قليلا ليشرب على صحة الحاضرين، ~~أو على صحة ملكته أو أولاده أو وزرائه المخلصين. وقد يأمر فجأة بأن يقف الجميع لحظة ~~حدادا على شخص عزيز أو نديم قديم، كان يلازمه في مثل هذه المناسبات، أو يميل بأذنه إلى ~~جاره ليسمع الأنباء والإشاعات، أو أخبار الأعداء على الحدود، أو أبياتا من الشعر ارتجلها ~~شاعر البلاط المعجب المتخوم، ms038 أو نكتة بذيئة يطلقها مهرجه العابث التعس. إنه في قمة ~~مجده وسلطانه، وهو أيضا في ذروة شبابه وعنفوانه، والخير كثير والأحوال طيبة، والملك ~~مستقر وما من الأيام أفضل مما مضى. # أليست كل هذه المتع ملك يديه وفمه ومعدته؟ أليست بهجة قلبه وعينيه؟ ألا يستطيع أن يمنعها ~~فجأة كما بذلها فجأة؟ أليس في قدرته أن يغضب مرة واحدة فيحول الوزير شحاذا والشحاذ ~~وزيرا، ويحرر العبد ويأسر الحر، ويجلد الجلاد ويقطع لسان الشاعر ويعين الأخرس ~~والأعمى والمخبول في مكان الخطيب والفلكي والحكيم؟ وأي شيء لا يستطيعه ملك الملوك وسيد ~~الأحكام وأمير الشرق والغرب والشمال والجنوب؟ # لكنه لا يفكر في هذا الذي لا يفكر فيه إلا الجائعون ~~والمحرومون والعراة؛ بل يمضي في نهش اللحم كما يفعل وحش منهوم، وينقض على الفاكهة كنسر ~~جارح، ويعب الخمر كالتائه العطشان في الصحراء؛ هل نضيف أنه يستمتع بلذات أخرى لا نتصورها ~~الآن؟ هل نقول: إنه - وهو يأكل ويضحك ويشرب بصوت مسموع وينثر نكته وحكمه وأمثاله إلى اليمين ~~واليسار - يمتع عينيه بمشهد تقطيع الرءوس؛ رءوس أعدائه بالطبع من أسرى بابل وآشور، أو من ~~الزنوج والعبيد السود، أو من ضحايا الصراع مع الجلادين والأسود؟ أم هل نقول: إنه يمتعها ~~بمشهد المغنين والعازفين والراقصات بالصدور والأفخاذ والبطون؟ أم تراه يمتع أذنيه ~~بأبيات ترن في أذنيه بأعذب من رنين الذهب المكنوز من بلاد الأعداء، أو بحكمة يقولها فليسوفه ~~ومربيه الناصح الأمين، أو نبوءة يرويها عرافه الأعمى العجوز، أو منجمه الذي لا ~~يصدق أحدا سواه؟ # ليكن كل هذا صحيحا أو لا يكون؛ فالمهم أن صوتا واحدا قد عكر صفو المكان، أطلق عاصفة ~~على الحفل المشرق المزدان، أشعل الحريق في قصر الملك أو الخليفة أو السلطان. من أين ~~انطلق هذا الصوت الخشن هادم اللذت! أي رجل ذلك الذي تجرأ عليه؟ إنه كما قلت لكم رجل مجهول؛ ~~أوزير البلاط أشفق على الملك من التخمة أو من كثرة الشراب فأراد أن يحذره؟ ولكن كيف يكون ~~وزيرا أو نديما أو قائد حرب أو داهية سياسية وكلهم ms039 على ما نعرف من حب النفاق؟ أم يكون ~~شاعر البلاط أراد أن يطلقه بيتا يخلد مع الزمان ويدونه الكتبة للأجيال؟ ولكن ~~العبارة غير منظومة؛ ولو قد قالها شاعر البلاط لانقطع عيشه أو رأسه، وكلاهما مجازفة لا يقدم ~~عليها شاعر من الشعراء؛ أم يكون مهرج الملك الذي يضحكه في كل مناسبة بالنوادر ~~والأعاجيب والحكايات المضحكة والإشاعات التي يرويها عن علية القوم أو سفلة الدهماء؟ غير ~~أن المهرج لا يمكن أن يصل بتهريجه إلى هذا الحد، وهو يعرف بطبعه وخبثه أن هذه العبارة ~~سرعان ما تنقلب إلى دعابة سخيفة، والدعابة السخيفة يمكن أن تدفع بالثمن الغالي؛ أم يكون ~~طفيليا أو شحاذا أو رجلا من غمار الشعب تسلل بحيلة من الحيل إلى قاعة الطعام، ثم زحف ~~بحيلة من الحيل أيضا إلى جانب الملك، حتى وصل إلى مسمع من أذنيه، وأسرها فيهما أو أعلنها ~~على مسمع من الجميع؟ غير أننا نعلم أن المجهولين من الشحاذين ورجال الشارع والمتطفلين أبعد ~~ما يكونون عن بطولة الأبطال، وهم يعلمون بفطرتهم أو يعلمون من شقائهم الطويل أن مثل هذه ~~العبارة لا تناسب المقام، وأنها قد تحرك سيف الجلاد أو نقمة قائد القواد! نحن إذن لا ~~ندري شيئا عن ذلك الرجل العاقل أو المجنون، والتاريخ لم يقل لنا شيئا عن شكله أو لونه أو ~~طبعه أو منزلته بين الرجال، وليس أمامنا إلا التسليم بأنه لا بد أن يكون قد اقترب من الملك ~~وهو في نشوة الطعام والبهجة والشراب، وأسرها في أذنيه بصوت هامس غير مسموع أو أعلنها فجأة ~~بصوت مرتفع ذي رنين! # لكن ماذا تكون هذه العبارة؟ وبأي لغة قيلت؟ وكيف نطق بها لسانه؟ هل قالها دفعة واحدة وفي ~~نفس واحد، أو شهقة واحدة كما يبكي طفل فجأة، أو كما يصرخ قتيل قبل أن تنفصل رأسه عن جسده، ~~أو كما يهتف فارس وهو يغرز الحربة أو السيف في قلب عدوه؟ ثم هل قالها - كما تقول الرواية - ~~للملك أو الخليفة أو السلطان أو الإمبراطور وهو جالس إلى مائدته الفخمة المزدانة ms040 بأطيب ~~الطعام والشراب، المتألقة بأجمل الأنوار التي ترسلها الشموع العابقة برائحة المسك والعطور ~~من بلاد العرب والشام؛ أو لعله قالها لهذا الملك الرائع المجيد وهو يستمتع بمجلس الأنس ~~والطرب ويشنف أذنيه برنين القيثارة وغناء المنشدين، ويبهج عينيه بتأود الراقصات ~~الفاتنات؛ أو وهو في أوج معركة رهيبة بينه وبين الأعداء على ظهر جواده الأصيل، أو في عربته ~~الملكية البديعة، يرسل سهامه إلى قلوب الفرسان، ويوغل سيفه في رقاب الكفرة، ويصرخ آمرا ~~بقتل النسوة والأطفال، وتعذيب الشيوخ والرجال، وحرق القرى والمدن والأبراج ومخازن الغلال؛ ~~أو يكون - وهذا فرضنا الأخير - قد قالها وهو في رحلة صيد في الغابة المعتمة وراء الطيور ~~والوحوش والغزلان، أو وهو يتتبع أفراس البحر أو يصوب حرابه للتماسيح والحيتان؟ # نحن لا نعلم شيئا كما قلت، كما لا نعلم على وجه التحديد ماذا كان مصيره بعد أن قال ~~عبارته؟ ونحن لا نريد أن نلتمس عذرا لتعكيره صفو الملك والمملكة، كما أننا لا نسأل عن ~~الدافع الذي دفعه على قولها، وهي العبارة النزقة الطائشة. لعله تذكر الموت فجأة؛ موته الخاص ~~أو موت الملك أو موت الحاضرين جميعا في ذلك اليوم الحزين، أو لعل الموت نفسه قد قفز إلى ~~ذهنه أو قلبه دون أن يدري، فتصور الملك والحاشية وسكان المملكة جميعا هياكل فانية أو جثثا ~~عفنة أو كومة تراب، وربما بعد أن قالها بصوته الهامس أو صوته الجهوري قد لقي العقاب الذي ~~كان ينتظره أو الذي لم يكن ينتظره؛ فربما أمر الملك الغاضب في ثورة غضبه الملكي العظيم أن ~~يقطع رأسه أمام الجميع، أو ربما أمر أن يلقى في جبه المشهور مع المذنبين والمجرمين ~~والخونة السابقين، أو يربط جسده السمين أو النحيف إلى أربعة خيول قوية شابة فيمزق ~~أشلاء تتناثر في جهات الأرض الأربع! أو ربما - وهذا هو الفرض الأبعد والأخير - قد أطرق في ~~حزن ومر بيده الملكية الناعمة في شعر لحيته الكثة المهيبة، وترقرق الدمع في عينيه قبل أن ~~يقول له في صوت هامس: معك الحق يا ولدي؛ فالملوك أيضا يموتون! ms041 # نحن لا ندري اليوم شيئا كما قلت، بل لا ندري شيئا عن تلك العبارة المشهورة السيئة ~~الطالع، وكل ما ندريه أنها كانت تدور حول الموت، وأنها قيلت للملك أو السلطان أو الإمبراطور ~~وهو في ذروة المجد والحياة. قد تكون كلماتها كما يلي: «تذكر يا مولاي أنك أيضا ستموت في ~~يوم من الأيام!» ~~(لاحظ أنه لا بد أن يكون قد ضغط بشدة على هذه الكلمة البسيطة أيضا) أو قد تكون على نحو ~~آخر مشابه: «تذكر يا مولاي أنك أيضا ستصبح طعاما للديدان.» # وهي صيغة منفرة وغير لائقة، وبخاصة إذا كان الملك وحاشيته على مائدة الطعام. وقد تكون ~~أخيرا على هذه الصورة: «تذكر يا مولاي أن كل الملوك يموتون.» # صحيح أن هذه الصيغة تمتلئ بالحكمة أكثر مما يجب، وأننا يمكن أن نستبعدها على رجل من ~~الشارع أو على وزير، بل قد نستكثرها على الشاعر والحكيم؛ ولكن ماذا يهمنا من هذه الصيغة ~~المختلف عليها، ما دامت العبارة قد ذكرت الموت وحذرت الملك من شبحه الجاثم فوق رأسه، ~~وذكرته المصير الذي لم يفلت منه آباؤه وأجداده، وآباء الملوك وأجدادهم ورعاياهم في كل ~~مكان؟ # قد لا يهمنا هذا كله، وقد نرفض تلك الفروض جميعا؛ ولكن الشيء الأكيد الذي يهمنا والذي ~~كان حقيقة لا نستطيع ولا يمكن أن يكون الملك أو حاشيته أو وزراؤه وندماؤه وشعراؤه ~~ومنجموه وعبيده؛ قد شكوا فيه هو أن العبارة قد قيلت. لا يهمنا على أي صورة من الصور ~~قيلت، ولا يهمنا ذلك الرجل المجهول الذي قالها، ولا بأي صوت أو أي طريقة، ولا المصير الذي ~~انتظره، ولا العقاب أو المكافأة التي كانت من نصيبه؛ كما لا يهمنا أيضا أن نعرف ماذا كان ~~رد فعل الملك أو الخليفة أو القيصر أو فرعون أو الإمبراطور أو السلطان. # أيكون قد ضحك مستهزئا واستمر في طعامه ونشوته، أم بكى كطفل وفزع وترك مائدته وتركتها ~~الحاشية وراءه، أم أصبح بعد سماعها حكيما يعكف على كتب الحكماء ويحرص على سماع حكاياتهم ~~وأسرارهم، أم أمر بشنق الرجل المجهول ms042 أو صلبه أو قطع رقبته أو إلقائه في قاع الجب أو السجن، ~~أو على العكس من ذلك بمكافأته بكيس مملوء بالذهب والفضة أو خلع الحرير عليه وعلى أسرته، أو ~~أمر بتنصيبه وزيرا في البلاط أو حكيما بدل حكمائه الخرس المنافقين، أو إطلاقه يهيم حرا ~~في بلاد الله بعد أن ألقى الحسرة في القلب الكبير؟ # لا نعلم شيئا ولا يهمنا أن نعلم؛ المهم كما قلت لكم أن العبارة قيلت ذات يوم، وهو أمر لا ~~يصح أن نشك فيه مهما تسرب إلينا الشك في صيغتها وكلماتها ومعناها؛ المهم أنها الآن موجودة ~~أمامنا تقول لفرعون والخليفة والقيصر والإمبراطور والوالي والسلطان: «تذكر يا مولاي أن ~~الملوك جميعا يموتون.» أو تقول: «تذكر يا مولاي أنك ستصبح ترابا وطعاما للديدان.» أو ~~تقول أخيرا على أحسن الأحوال: «تذكر يا مولاي أنك أيضا ستموت في يوم من الأيام!» ~~(1968م) # | النعش # يظهر أنني أملك ما لا يملكه الكثيرون من قدرة على التنبؤ بالغيب؛ فلم أكد أغلق باب ~~السيارة ورائي، وأفرغ من محاسبة السائق، وإنزال حقيبتي على الأرض؛ حتى شعرت بأنفاسه في ~~ظهري، كان هو بعينه، هل قلت بعينه؟ أجل بعينه «الوحيدة» التي بقيت له، ينظر بها نظرة جمود ~~وتبلد، فيها المسكنة والخبث والحقد والذل. ~~- عنك يا بيه. # قلت في صوت يجمع بين السخط والدهشة: أنت! # وأردت أن أعبر عن اشمئزازي من سحنته المغبرة التي قدر علي أن تكون أول ما ~~يطالعني كلما حضرت إلى البلد، وأصرخ في وجهه الداكن السمرة، المعفر بالتراب، الذي يسيل ~~عرقا متسخا في أخاديد وحفر كالشقوق في أرض عطشى؛ وأهتف في غضبي: كيف يمكن أن تنشق عنه ~~الأرض في كل مرة، وهل يملك من دون الناس أنف كلب يشم رائحة صاحبه عن بعد، أو تستطيع عينه ~~«الوحيدة» كأنها عين عراف قديم أن تنفذ وراء ألف حجاب؟ # ولكنني لم أقل شيئا من هذا؛ فقد أحسست أن عينه المسدودة تشارك في المؤامرة علي، ~~وترمقني خفية بلحمها الملتهب وفراغها المخيف، الذي يوحي بأن ضياع العين ليس إلا نوعا ms043 من ~~خداع النظر أو الخديعة؛ ولكي أبتعد عن رائحة العرق المنبعثة من جلبابه القذر، وأتجنب ~~ابتسامة على زاوية فمه بدت لي أشبه بحشرجة ميت، ونظرة من عينه تطق بالشماتة والتبجح ~~والاستهزاء. # قلت في عجلة: دع عنك، ماذا تريد؟ # قال وابتسامته المتبجحة لا تزال تطل من التجويف المسدود هو الفم المعوج: أوصلك يا ~~بيه. # زمجرت غاضبا: قلت دع الحقيبة في حالها، خذ. # ومددت يدي بورقة من ذات عشرة القروش كانت هي الفكة الباقية معي؛ ولكن يده لم تمتد لأخذها ~~كما توقعت، بل زادت الابتسامة حتى أصبحت لعنة كالحذاء تصدم أذني! # قلت: دائما طماع! # قال وهو يرفع وجهه فجأة إلى السماء كأنه يشهدها على ظلم فاضح، أو كأنه يراها لأول مرة: ~~لا تكفي يا بيه؛ الولد مات الصبح ومنتظر النعش. # تذكرت لقاءه الأخير معي قبل بضعة شهور، وتبينت الكذبة البشعة فصحت: ابنك، ابنك، هل يموت ~~ابنك مرتين؟ # قال في تخاذل: أمر الله يا بيه. # صحت هائجا لا تذكر اسم الله على لسانك؛ ألم تطلب في المرة السابقة أن تشتري له كفنا؟ ~~واليوم تريد نعشا، أيها الكذاب. # قال وابتسامته لا تفارقه: أستغفر الله يا بيه؛ الولد مات الصبح، حتى تعال سعادتك واحكم ~~بنفسك. # قلت وقد ارتفع صوتي كما كان: كذاب، كلكم كذابون، هل تظن أن عندي كنز قارون؟ هيا، غر من ~~وجهي. # وانثنيت لأرفع الحقيبة من على الأرض، ومضيت في طريقي بضع خطوات وإذا به يلاحقني وهو ~~يتوسل: يا بيه ربنا يحنن قلبك، طيب كمل لي على ثمن النعش. # بدأ صوته يتحشرج، وخيل إلي أنه يئن كوحش يموت، ولم يكن تأثري هو الذي جعلني أستدير ~~إليه؛ بل رغبتي في التخلص من وجوده البغيض، مددت يدي في جيبي فأخرجت ورقة من ذات الجنيه، ~~ووقفت أمامه وأنا أتميز غيظا وأصيح: ليكن في علمك أن هذه آخر مرة يموت فيها ابنك، وإذا ~~كذبت علي بعد هذا فسأعرف شغلي معك. # كانت عينه «الوحيدة» مستغرقة في الورقة الخضراء، وغاظني ألا أجد فيها دمعة واحدة، وقبل ~~أن أمد له ms044 يدي سألته مهددا: أين تسكن؟ # قال وهو يشير بذراعه إلى ما وراء شريط السكك الحديدية: في عزبة الغجر يا بيه، طول عمري ~~هناك. # قلت وقد ازداد سخطي: في أي شارع؟ # زادت ابتسامته المتبجحة اتساعا: شارع؟ والنبي قلبك طيب يا بيه. # صحت وقد نفد صبري: اخرس، أريد أن أعرف العنوان لأستدل عليك، سأزورك لأعرف كذبك. # قال وهو يمد يده ليأخذ الجنيه ثم يقبض عليه في سعادة: تزورني؟ تشرف والله يا بيه، اسأل ~~سعادتك عن ابراهيم الاعور وألف يدلك. # نظرت إليه وأنا أحس أن وجهي سينفجر من الغضب، ثم رفعت الحقيبة ومضيت وهو ما يزال ~~يشيعني قائلا: والنبي تشرف يا بيه، تنور العزبة كلها. # كان ذلك في صباح عودتي إلى البلد في إجازة قصيرة، تشاءمت لهذه البداية التي واجهتني ~~بالشحاذ الأعور وولده الميت ونعشه؛ ولكنني سرعان ما نسيت هذا كله عندما سلمت على أبوي، ~~واطمأننت على الصحة والأحوال، أقول اطمأننت وفي قولي مبالغة؛ فقد كانت أمي طريحة الفراش ~~تعاني من الروماتيزم القديم الذي يهاجمها دائما في الشتاء، أما أبي فلم يكد يراني حتى ~~بدأ يشكو من كساد الحال وغلاء المعيشة ومكر الفلاحين، وقد فهمت من ذلك إشارة خفية بأن علي ~~أن أحمل عنه بعض أعبائه، فأزور الغيط وأحضر قسمة القمح وأباشر نقل المحصول؛ غير أنني لم ~~أكن على استعداد للمشاركة في شيء، وأفهمت أبي أن وقتي ضيق، وأنني مكلف ببحث هام لا بد ~~من إتمامه قبل نهاية الإجازة القصيرة. # لم أستطع بالطبع أن أقول له شيئا عن موضوع هذا البحث الذي عزمت على أن أعكف عليه؛ بل ~~مضيت أفرغ حقيبتي من محتوياتها، وكانت لا تزيد عن بعض الملابس الضرورية حشرت بينها بعض ~~محاورات أفلاطون، رتبت الكتب على مائدة صغيرة وضعت في الصالة، وأخرجت المحبرة والقلم ~~والأوراق وتهيأت للعمل، أو هكذا تعمدت أن أفعل؛ لكي يعرف الجميع أنني لا أملك دقيقة واحدة ~~أضيعها، أحضرت لي الخادمة الصغيرة كوبا من الشاي، رحت أقلب في أوراقي وأنا أسمع صوت ~~أمي تئن من الألم وتدعو لي ms045 بالنجاح، أما أبي فقد تناول عصاه وشمسيته وقال قبل أن يغادر ~~البيت: إنه سيسرح الغيط والمعين هو الله. # كان الموضوع الذي يشغلني عن «خلود الروح»، والحل أنني لم أكن في حاجة إلى تقليب الكتب ~~لأعرف مزيدا عنه؛ فقد عشت الشهور الماضية مع الحكيم الإلهي بكل عقلي ووجداني، وملكت ~~براهينه وحججه علي نفسي؛ حتى صرت أرددها في نومي ويقظتي. # كانت أحاديث سقراط مع أصحابه لا تزال تتردد في أذني وأجد متعة في ترديدها لنفسي؛ حتى ~~خيل إلي أنني أنا الذي اكتشفتها ولم يبق إلا أن أقنع الناس بها؛ بل لقد تيقنت أن ~~خلود الروح أمر واضح وبديهي، وأن الحكيم المتواضع قد أجهد نفسه أكثر مما ينبغي في إثبات شيء ~~لا يصح لإنسان يستحق هذا الاسم أن يساوره الشك فيه لحظة واحدة. # يا لهذه الروح البسيطة الصافية الجميلة! إنها عربة ذات جوادين مجنحين، يقودها سائق له ~~جناحان، تصعد وتصعد وتصعد، مخترقة السحب والنجوم والشموس؛ حتى تمتزج بالمثل وتتآلف هي ~~ونفوس الآلهة والملائكة والعباقرة؛ أليس هذا كله من نصيب الفلاسفة الذين يقهرون عناصر ~~الاضطراب والجموح في نفوسهم، ويرتفعون بها إلى موكب زيوس العظيم؟ أليس من حقي أن أكون ~~سعيدا إذ أرى نفسي وهي تسوق جواديها المجنحين وتركض هناك فوق السحب والأفلاك، وفوق ~~الغيط والمحصول والفلاحين الذين يغشون أبي، وفوق الروماتيزم والكبد وكل ما يجعل أمي الآن ~~ترسل أنينها الذي يزعج تأملاتي؟ # انتبهت على صوت الخادمة تنادينني، لم أكن قد سمعتها وهي تفتح الباب الخارجي، فرفعت رأسي ~~عن أوراقي وسألتها عما تريد. قالت: إن أبي يريد أن أسرح الغيط. صرخت فيها: إنني مشغول، ورحت ~~ألعن وأسب لأن أحدا لا يقدر أهمية إثبات خلود الروح؛ ولكنها وقفت عاجزة أمامي، واكتفت ~~باسترعاء انتباهي إلى رأس كان يطل من الباب، ويبدو أن صاحبه يقف هناك في انتظاري، وبجانبه ~~حمار يهز أذنيه ويطل هو أيضا من خلال الباب. # لا أدري لماذا تذكرت «الأعور» فجأة عندما وضعت قدمي على عتبة الباب؟ لم أتذكره هو نفسه في ~~الحقيقة؛ بل خطر ms046 على بالي ابنه الذي قال لي: إنه مات في الصباح ، أو على الأصح ذلك النعش ~~الذي أراد أن يشتريه له، بالطبع لم يكن في منظر الفلاح الذي أرسله أبي ولا في الحمار الذي ~~كان معه ما يثير هذه الصورة في نفسي؛ فلعله إحساس مباغت بالندم أو الحزن اعتراني حين وضعت ~~قدمي على أرض الشارع، وجعلني أتهم نفسي بأنني قد ظلمت ذلك الأعور، لا بل ظلمت جثة صغيرة لا ~~ذنب لها سوى أن هذا المتسكع قد تسبب يوما في خروجها إلى الحياة، ثم في خروجها ~~منها. # سرت إلى جانب الفلاح أدمدم بكلمات عن الصحة والأحوال ومحصول السنة والعيشة في مصر، ~~وغيرها مما لا يمنع الإنسان من التفكير في الخلود، كانت إحدى محاورات أفلاطون في يدي، ولم ~~أشأ أن أركب الحمار الذي بدا لي مسكينا وهزيلا إلى حد مخيف، وقضيت ساعات في الحقل، ~~قضيتها بجسدي وحده، لا بروحي التي كانت تنطلق مرة بعربتها المجنحة في موكب الآلهة، وترقد ~~أخرى عند جثة طفل ممدد على فراش قذر في بيت حقير أمام أب كريه وأم لا أعلم عنها شيئا! ~~لا أدري الآن كيف استطعت أن أتخلص بسرعة من أبي والفلاحين والمحصول، وأعود وحدي على الطريق ~~الموصل إلى عزبة الغجر؟ كان الإحساس الحزين قد انعقد كالسحابة الكثيفة في نفسي؛ حتى أصبح ~~نوعا من الشعور بالإثم يزيدني مع كل خطوة رغبة في التكفير عنه بأي ثمن، وكيف لا يعذبني ~~هذا الشعور وأنا الآن أجوس خلال طريق قذر بين بيوت قذرة، وأحاول أن أتصور بين الروح الصغيرة ~~التي غادرت الجسد الصغير وراحت ترفرف بجناحيها الصغيرين؟ ها أنا ذا أقترب من العزبة ~~المجهولة، وأسأل أناسا مجهولين عن بيت مجهول يضم جسدا مجهولا! # اقتربت من العزبة التي تبدو من بعيد ككومات من القمامة رصت بعضها بجانب بعض، وتزكمني ~~رائحة العفن والمرض والجوع والهوان، أسأل العابرين فيبتسمون في تعجب وإشفاق، وتغوص قدمي ~~في الوحل والعفونة وحفر الماء الآسنة وبقايا الصغار والكبار، وتغوص عيني في البيوت أو ما ~~يمكن تسميته البيوت؛ ms047 أبواب مفتوحة كأفواه كهوف، أو وحوش منقرضة تفضي إلى ظلام في الداخل لا ~~يظهر منه إلا أشباح آدميين، أمهات وآباء في خرق قذرة ممددين كالموتى في انتظار الأكفان ~~واللحود، وأطفال تجري أو تصرخ أو تلعب في التراب والطين أو تأكل لقما غطتها أسراب من ~~الذباب، والنساء والشيوخ والرجال تداخلت أجسادهم وأطرافهم، واختلطت وجوههم حتى بدت وجها ~~واحدا يصرخ بالمرض والذل، تحاول بالأصوات العالية أو الضحكات المغتصبة أو الكلمات البذيئة؛ ~~أن تذود عن نفسها سأم الفقر والموت بالاحتناق. وأنا أسأل ولا أكف عن السؤال عن بيت إبراهيم ~~الأعور، وكلما وجدت أحدا لا يعرفه سألت عن مأتم صبي أو طفل صغير مات في الصباح، الجميع ~~يشفقون علي ويبتسمون في وقت واحد! أيتها الجثث الحية، هل تعرفين شيئا عن خلود الروح؟ ~~أيتها الحفر الطينية التي لم يدخلها كتاب تشرق عليك الشمس كل يوم؛ لكن لا يدخلها النور، ~~تهب عليك نسمات المساء؛ ولكن لا تعرفين الراحة، تطل عليك النجوم؛ ولكن لا يبدد ظلامك ~~الحجري شعاع نجمة ولا قمر ولا مصباح. وأنت يا طفلي المسكين الذي ظلمته في أول النهار، هل ~~تعلم أنني أجوس في مملكتي السفلى عالمك الذي نسيه التاريخ، وفي يدي كتاب يطوي كل البراهين ~~التي تحبها عن خلود الروح؟ أيتها الروح الصغيرة التي تركت هذا العالم منذ ساعات، أين أنت ~~الآن؟ وإلى أين ترفرفين؟ هل ستنضمين بعربتك الصغيرة إلى موكب الأرواح وتركضين بجواديك ~~الصغيرين المجنحين إلى جانب الشعراء والأولياء والقديسين؟ أو يا ترى ستنزوين هناك ~~أيضا في عزبة حقيرة، وحارة حقيرة، وبيت حقير، يملؤه الذباب والعفن والفقر والخوف في كل ~~لحظة من الجوع والفضيحة؟ # هل ستنسين الأب المتسكع والأم المريضة، ورفاق اللعب المنسيين من الأرض والسماء، ~~واللقمة القذرة بلا غموس والحجرة المظلمة التي علمت جسدك طعم القبر؟ # أيتها الروح المسكينة، يقولون: الخلود هو الانتصار على الموت في أثناء الحياة وبعد ~~الحياة؛ لكن الموت انتصر عليك والبؤس قهرك وانتقم منك، من يجرؤ أيتها المسكينة الصغيرة مع ~~كل هذا البؤس أن يفكر في خلود ms048 البؤس نفسه؟ # أيتها المحاورات الغادرة في يدي، يا براهين الخلود الكئيبة، يا براهين الخلود المستحيلة، ~~أنت أيتها الكتب الذليلة جميعا، ماذا بوسعك أن تفعليه أمام هذا البؤس كله، كل هذا البؤس ~~الذي يصدم عيني، ويزكم أنفي، ويخجل جسدي، ويذل روحي؟ # ها أنا ذا أقترب من بيت الأعور، إنه في نهاية هذه الحارة، أول بيت على يمين كما أشار لي ~~الحمال العجوز الذي سألته الآن، أيكون من حظي أن أجدك يا طفلي المسكين حيا لا تزال، أم ~~مسجى على الفراش القذر أو على الأرض الباردة؟ وماذا لو وجدت النفس يتردد في صدرك وعينيك ~~تطلان علي؟ ماذا أفعل؟ سأتقدم منك يا طفلي الحزين، سأتولى عنك الصراع مع الملاك، سأقول ~~لك انهض، انهض يا لعازر الصغير، لست أنا السيد ولا أستحق أن ألثم أظفار قدميه؛ لكنني سأقول ~~لك: أنت حبيبي الذي نام وأنا جئت لأوقظك، سأطرد أباك المتسكع وأمك الوقحة، سأسوق عربتك ~~المجنحة إلى بلد أخرى يضيئها الحب والنور والحياة، سأخر راكعا عند نعشك، وأغسل قدميك ~~بدموعي وأقول لك: انهض وهلم خارجا من هذا البيت! انهض يا أمل بلدك يا فارس أهلك! انهض انهض ~~هلم خارجا من هذا العالم القذر، هذه البلدة القذرة، هذه الحارة القذرة، هذا الجحر القذر ~~الملعون، ها هو ذا بيتك يقترب؛ فهل يا ترى ستسمع صوتي الباكي؟ هل ستنهض من نعشك الصغير، أو ~~أن أباك لم يشتر نعشك، أو لم يجد المال الذي يكفي ليشتريه؟ # لم أجد ضرورة لطرق الباب؛ فقد كان مفتوحا، يطل على ممر طويل يكفي الضوء القليل الذي ~~يتسرب إليه من الشارع ليكشف عن قبحه ويبين للعين المدققة عن بعض الأجساد الممددة فيه. ~~تصنت قليلا قبل أن أصفق بيدي؛ فلم يكن هناك أثر للصوات، ولا حتى لبكاء صامت، أو ~~دمدمة بآيات من القرآن! وقبل أن أصفق بيدي أو أنادي سمعت خلف ظهري صوتا عاليا يقول: ~~ضيوف يا أولاد، كلم سعادة البيه يا ابراهيم. كان هو الحمال العجوز يلهث من الجري، وقد سبق ~~خطواتي الحريصة المترقبة، وجاء ms049 يعلن الخبر لسكان البيت. # وما هي إلا لحظة حتى رأيتني وجها لوجه أمام إبراهيم، كانت قصبة الجوزة في فمه، والدخان ~~الأسود يخرج من أنفه، ويحجب عني وجهه اللعين! ~~- سعادة البيه؟ خطوة عزيزة والله. # قلت باشمئزاز: جئت أقول البقية في حياتك. # ناول الجوزة يدا لم أتبينها في ظلام الجحر الملعون، وأقبل علي يبتسم ابتسامته التي ~~تشبه حشرجة ميت: تفضل يا بيه، تفضل، هاتي الحصيرة يا فاطمة. # قلت محاولا أن أحافظ على اتزاني وأن أشكره في الوقت نفسه: جئت أعزيكم. هل كفت ~~الفلوس؟ # رفع يديه إلى السماء في حركة أثارت سخطي، ومد ذراعه يبحث عن يدى ليقبلها، فسحبتها ~~متضايقا وأنا أقول: أين النعش؟ # قال متعجبا (وظهرت امرأة طويلة نحيلة وراء ظهره لاحظت شعرها الأشعث الذي تحاول أن ~~تغطيه بشال قذر): نعش؟ الله يعمر بيتك يا بيه، تفضل نعمل شاي. # زاد غصبي لبروده ووقاحته، وحدثتني نفسي أن أصفعه على وجهه: أنا جئت للمأتم لا لشرب ~~الشاي! # تدخلت المرأة الطويلة الشاحبة التي ظهرت على عتبة الباب، وقالت في صوت واحد مع الحمال ~~العجوز: مأتم؟ مأتم إيه لا سمح الله يا ابراهيم! # عرفت الآن أنني وقعت في فخ حقير، وتبين لي بما لا يقبل الشك أن هذا الأعور قد كذب علي ~~مرة أخرى. # رفعت يدي التي كانت لا تزال تقبض على محاورة أفلاطون قائلا في صوت كالرعد: كذبت علي يا ~~أعور؟ هكذا تسرق الناس يا كلب؟ # رفع صوته الأجش وهو يعوي ككلب مجروح، وجثا يقبل ركبتي وقدمي، فزادني هذا سخطا على ~~بشاعة موقفي ومهانته. # صحت: سأبلغ عنك، الليلة تبيت في السجن. # عاد يعوي: في عرضك يا بيه، أنا غلبان والله، كلنا غلابة. # صرخت في وجهه: كذاب، كذاب، قل هذا في المركز. # واستدرت غاضبا بعد أن خلصت قدمي ويدي منه. # كان صوته الغليظ ما يزال يتبعني وهو يقول: كلنا على باب الله يا بيه، وشرف سعادتك لو قلنا ~~الحق نجوع، يعني يرضيك نكذب ولا نجوع؟ ~~(1968م) # | عندما تلقاه ذات يوم # عندما تلقاه ذات يوم فلا تخش ms050 شيئا، قد يصادفك وأنت تسير في شارع مزدحم أو خال، وقد ~~تراه على منعطف طريق وأنت تناجي نفسك، قد تلمحه عندما تشخص عيناك - بمحض الصدفة أو بدافع ~~الملل - إلى القمر والنجوم؛ ستراه هناك يبتسم عن أسنانه الناصعة ويشير إليك. تقدم منه ولا ~~تخش شيئا؛ لا، لا تنتفض ولا تسمح لأطرافك وقطرات دمك ونبضات قلبك أن ترتعش! لا تخف من وجهه ~~المستدير الأخضر الذي يشع بالنور، ولا من عمامته الخضراء الملفوفة فوق رأسه المباركة، ~~ولا من حصانه الأخضر الذي يشع صدره ويلمع كالزبرجد، ولا من بشرته المسمرة الداكنة ~~الخضراء كسمرة الحقول يكسوها الزرع والبرسيم. اقترب منه، أمسك فرستك من خصلات شعرها ولا ~~تجعلها تقفز في الفراغ! اجر وراءه ولا تخف أن تطاردك الكلاب أو يتهمك الناس بالجنون أو ~~يقذفك الأطفال بالحجارة! لا تخف أن يراه الناس؛ فهو لا يظهر للعيون، ولا أن يضل في زحام ~~الخلق؛ فقد تعود أن يتقدم الجيوش والفرسان، ولا أن تلسع أسلاك الترام قدميه الشريفتين؛ ~~فجواده الأخضر يطير به فوق السحاب. وعندما تتعرف عليه ولا يبقى في نفسك شك من أنه سيدك ~~ومولاك الذي انتظرته من مئات السنين، وتتذكر ما روته أمك عنه وأنت صغير، وما قرأته عنه في ~~الكتب الصفراء عندما أصبت بمحنة المقروء والمكتوب. # عندما تتعرف عليه اقتحم الزحام واهرع كطفل يهرب من حلم مفزع، وناد بأغلى صوتك: سيدي ~~ومولاي! ربما التفت إليك؛ لا، بل سيلتفت إليك بالتأكيد، سيوقف جواده الأخضر ويربت عليه ~~ليخفف من طيشه وجموحه، سيميل بوجهه المنير حتى ترى ابتسامته ويقول في صوت تسمعه أنت ~~وحدك: هل ناديتني يا ولدي؟ # تقدم منه، اقتحم زحام البشر والكلاب والعربات، سر إلى أطراف المدينة أو حتى إلى آخر ~~الدنيا، واطمئن؛ اطمئن إلى أنه سيهبط إليك من سحابة أو قبة أو مئذنة، وسيقترب منك قوس قزح ~~مباركا وجميلا؛ ليسألك من جديد: ماذا تريد مني يا عبد الله؟ أسرع بهتافك الذي يعذبك ~~من سنين وسنين، سله أن يفسر لك الرؤيا التي تؤرقك بالليل والنهار، ناده؛ فليس غيره ms051 ~~من يفسر الرؤى والأحلام، صح بأعلى صوتك: مولاي، نجني يا مولاي ! # سيقترب منك، ربما رفع يده ليطمئنك، أو مسح بها على رأسك ليرقيك ويقول لك: «المنجي ~~هو الله يا ولدي، ماذا يفزعك؟» ستصيح من جديد وأنت تقترب منه وتبحث عن صدره لتدفن وجهك ~~فيه: حلم مفزع يا مولاي، أنقذني يا ولي الله. سينعطف نحوك، سيضع يده على قلبك؛ ليشملك ~~ببركته، سيقول لك: «احكها لي يا ولدي!» # ستردد وأنت تحبس دموعك ونشيجك: «أراني أجري في الشوارع كالمجنون، تجري الأطفال ورائي، ~~تطاردني القطط والعساكر والكلاب، يتمزق لحمي، يتساقط، أتعثر فيه، تنهشه الغربان، يقف ~~الناس فيشيرون نحوي ويضحكون؛ لكنك تظهر يا مولاي في كل مرة.» سيسألك: أظهر لك؟ أنا اختفيت ~~يا ولدي، فلم أظهر لأحد بعد موسى بن عمران؟ ستقول مسرعا: بل تظهر لي فجأة كنور النيون أو ~~كشاف السيارة، فأعرفك وأهتف بك: يا ولي الله، نجني من يأجوج ومأجوج، خذني إلى عين ~~الحياة؟ # سيرفع رأسه قليلا ويهزه إلى اليمين واليسار، ستتخلل أصابع يده لحيته الخضراء الشريفة ~~المعطرة بالمسك، وتشخص عيناه للسماء قبل أن تهمس: يأجوج ومأجوج؟ عين الحياة؟ ها أنت ذا ~~تذكرني يا ولدي؛ لكن أين الجيش الجرار؟ أين ألوف الفرسان؟ هل جمعتهم يا ولدي؟ # ستعجب من قوله، سيدهشك أنه يتلفت حوله ليبحث عن الجيش الجرار، كما يتحسس بأنفه الغبار ~~الذي تثيره أقدام الخيل والفرسان! ستسأل: أي جيش يا ولي الله؟ ما أنا إلا عبدك الفقير! ~~سيزجرك بإشارة من يده ويقول: بل كلنا عبيد الله، ألست ذا القرنين يا ولدي؟ ستذهل أو تضحك ~~أو تتأفف، ثم تقول: ذو القرنين؟ سيسألك في حيرة: إذن فأنت من نسله يا ولدي؛ وإلا فلماذا ~~دعوتني لنهزم يأجوج ومأجوج؟ ستعود إلى الكلام فتقول: من ذو القرنين يا مولاي؟ # سيرفع حاجبيه من الدهشة ويسألك: ألا تعرفه حقا؟ الذي ملك البلاد وقهر العتاة، وفتح ~~المدائن والحصون القلاع! ستسأله من جديد: صفه لي يا مولاي، صفه لي. سيستمر في كلامه ~~فيقول: عجيب أمرك يا ولدي! من ذا الذي لا يعرفه؟ ms052 عبد الله الصالح ورسوله إلى أهل بابل، من ~~عاش ألف سنة وزيادة، وفتحت جيوشه المنصورة أرض المشرق والمغرب، ودخلت أرض الظلمات! # ستسأله وقد زاد شغفك بالجواب: ولماذا سموه ذا القرنين يا مولاي؟ سيجبيك في دهشة: ومن ~~أحق منه بهذا الاسم وقد سار من مشرق الشمس إلى مغربها، وملك أرض الروم وفارس، ورأى في منامه ~~أنه نصب له سلم إلى السماء، فلم يزل يرقى عليه حتى بلغها، فأخذ الشمس بيده اليمنى والقمر ~~باليسرى، ثم سار بهما وتبعته الدراري والنجوم؟ # ستعود إلى السؤال وقد بدأت تتذكر: أليس هو الإسكندر يا مولاي؟ سيقول مسرعا: هو يا ولدي ~~العبد الصالح الذي إذا سار سهل الله له ببركة صلاحه، من حارب الكفرة فألبسه الله الهيبة ~~وسخر له جنود النور والظلمة! # ستضحك في سرك أو تفلت الضحكة منك، ربما قلت له: لكنه مات يا ولي الله، مات من أربعة ~~وعشرين قرنا! # ربما غضب وثار وجلجل صوته: ذو القرنين لا يموت يا ولدي، ذو القرنين حي ببركة الحي الذي لا ~~يموت، إنه يظهر في آخر الزمان أو يظهر واحد من صلبه يمحو الكفرة؛ أنسيت أنني كنت وزيره ~~ومدبر ملكه وقائد جيشه الذي أقام السد حول يأجوج ومأجوج؟ # ستبتهل إليه أن يصف لك حربه الرهيبة مع الكفار، وسيشخص إلى السماء من جديد، ويتمتم ~~بدعواته الصالحات، ويتخلل بأصابعه الشريفة لحيته المباركة قبل أن يقول: ما زلت أذكر هذا يا ~~ولدي وأراه أمامي كما أراك! ما زلت أذكر جيشه الجرار من ألف ألف فارس وأربعمائة ألف، يقهرون ~~أمة أمة، يأخذون أرضا أرضا، يجتازون الجبال الشم ويفتحون الأرض المبسوطة، يقتحمون الجزائر ~~التي تزاور عنها الشمس عند طلوعها، يخترقون بحد السيف قوما وجوههم كوجوه القرود ~~والخنازير. # سرت يا ولدي بجيشه العظيم حتى بلغنا مغرب الشمس، أحطنا بهم من كل جانب، سلط الله عليهم ~~ظلمة شديدة بغبار عاصف، دخل الغبار والظلام في أفواههم وآذانهم، فهلك منهم قوم كثير بأمر ~~الله. # ستسأل من جديد: وما حكاية السد يا مولاي؟ ما حكاية يأجوج ومأجوج؟ سيقول ms053 لك والحماس يشع ~~من عينيه المباركتين: كان ارتفاعه يا ولدي ستمائة ذراع وعرضه ثلاثمائة ذراع، أقمناه بأمر ~~الله من معدن الحديد وصفائح النحاس، البصر لم يصل إلى مداه، فوقه شرفات من الحديد؛ في كل ~~شرفة قرنان، في وسطه باب له درفتان؛ عرض كل درفة منهما خمسون ذراعا، وعلى الباب قفل طوله ~~سبع أذرع، وله مفتاح طوله ذراع معلق في سلسلة طولها ثماني أذرع، وعتبته عرضها عشر أذرع، ~~وطولها مائة ذراع. للسد حارس طوله عشر أذرع، يركب كل يوم ومعه عشرون فارسا بأيديهم مرزبات ~~من الحديد، فيضربون على ذلك القفل ثلاث ضربات، ثم يصغون بآذانهم، فيسمعون دويا كدوي ~~النحل، فيعلم يأجوج ومأجوج أن هناك حراسا وحفظة خلف الباب! # وتعود فتسأل: ومن هؤلاء الذين يعيشون خلفه يا مولاي؟ فيجيبك مؤكدا: الكفرة يا ولدي، ~~إنهم كالنحل؛ منهم من طوله مائة وعشرون ذراعا، ومنهم من طوله وعرضه سواء يأكل الإنسان ~~والوحش ومن مات منهم أكلوه! # ويغلبك السؤال مرة أخرى فتقول: وهل يبقون هناك يا ولي الله أو يهدمون السد أو يخاتلون ~~الحراس؟ # ويجيبك ولي الله: بل لا يخرجون منه إلا في آخر الزمان، إنهم يلعقون السد بألسنتهم كل ~~يوم، حتى يروا منه شعاع الشمس إذا غربت، ويقولون لأنفسهم: غدا نفتحه. لكنهم يجدونه في ~~اليوم التالي كما كان في الشدة والغلظ، وعندما تقوم الساعة ينام الحراس، فيجدونه مفتوحا ~~ويخرجون على الناس ويسبحون في الأرض، ويأكلون الإنس والوحوش والأشجار، ويشربون الأنهار ~~والبحار؛ حتى يرسل الله عليهم الريح التي أهلك بها قوم عاد، كما يرسل عليهم طيورا ~~سودا ذات أعناق سوداء تلتقطهم وتلقيهم في البحر! # ستهتف: قامت الساعة يا مولاي! سبحوا في الأرض، أكلوا الأطفال والأشجار، أغرقوا السدود فلم ~~توقفهم الريح، نهشوا اللحم فلم تلتقطهم الطيور السوداء ذات الأعناق السوداء. # ستراه يهز حصانه الأخضر، ويخرج سيفه من جرابه ويشرعه في الهواء، ويصيح: تعال يا ولدي ~~نحارب يأجوج ومأجوج! تعال نغلبهم بأمر الله! وتتلفت حولك فلا تجد الجحفل الجرار، وتتحس ~~نفسك فتراك وحيدا تنتفض من البرد تحت أعين ms054 النجوم، ويأتيك صوته الأجش العميق: هيا بنا يا ~~عبد الله. هيا بنا يا من جئت من صلب ذي القرنين! # وتبتسم وتقول: ما لي وذي القرنين يا ولي الله؟ # فيسأل غاضبا: ألست من نسله الطيب يا ولدي؟ ألست من قومه المباركين بإذن الله؟ اخلع يا ~~ولدي رداء العظمة، وانزل عن عرشك واتبعني. # فتجيب بابتسامة لن تخفى عليه: أي رداء يا مولاي وأي عرش؟ # فيقول في حماسه الذي لا يكل: رداء الجبروت يا ولدي المنسوج من الذهب والدر، عرشك ~~المرصع بالذهب والياقوت، تواضع لله يا ولدي، تواضع لله. # فتقول وأنت - لولا الرهبة من حضرته - تكاد تضحك أو تبكي: هذه بذلتي التي لا أملك ~~سواها! # سيسأل وقد زادت حيرته: بذلتك؟ ماذا تقول بحق الله؟ اخلع يا ولدي رداء العظمة، وتواضع ~~لله. # وتسأله لتخرجه من حيرته: العظمة؟ من تحسبني يا مولاي؟ # سيقول: القائد الذي لا يهزم بأمر الله، ماحق يأجوج ومأجوج! # سترد عليه بانكسار: ما أنا يا مولاي سوى موظف في الأرشيف! # وسيسألك من جديد: الأرشيف؟ ما معنى هذا يا ولدي؟ # ستقول وأنت تحتمي بظلك: مكان مظلم يذهب إليه المساكين، يوقعون في دفاتر الحضور ~~والانصراف، يدونون الوارد والصادر، يقولون لكل من يسألهم: حاضر ومعلهش وغدا إن شاء ~~الله! يحلمون على مكاتبهم بالمرتب في أول الشهر، وحذاء لا يحتاج إلى نصف نعل، وبوليصة تأمين ~~تضمن مستقبل الأولاد، ونظرة عطف من الوكيل والمراقب والمدير! # ويتخلى صوته الأجش العميق عن هدوئه، فيقول: ويأجوج ومأجوج يا ولدي؟ هل نتركهم يفسدون ~~إلى آخر الزمان؟ # وتهمس أو تفكر بينك وبين نفسك: لقد فتحوه وخرجوا يا مولاي يفسدون وينهبون ويتلذذون بلحم ~~الأبرياء، سدود يا مولاي؛ فأي سد منها نختار؟ حراس! أين منهم حراسك العشرون؟ مذابح وصراخ ~~وأنين عجزة وأطفال، هذا هو العالم الذي أعيش فيه، أنا موظف الأرشيف الصغير. # سيتنهد ويقول: ما زلت يا ولدي لا أفهم معنى الأرشيف؛ لكن سل عما بدا لك كما سأل ذو ~~القرنين وموسى بن عمران. # وهنا تحضرك الرؤيا فتهتف: سيدي ومولاي، أرشدني إلى عين الحياة، ms055 خذ بيدي إلى نبع الخلود. ~~سيمد يده إليك في حنان، ربما ربت على رأسك المتعب بكفه المباركة المعطرة بالمسك ~~والإيمان، ربما ناداك بصوته العميق: تعال يا ولدي، تعال معي؛ لتستريح. # ستسأل قبل أن تبدأ الرحلة على جواده الأخضر الذي يشع بالنور: إلى أين يا ولي ~~الله؟ # سيقول: لا تخف يا ولدي، إلى أرض الظلمات. # سترتعش لما سمعت، ستسأل من جديد: صفها لي يا مولاي، أهي العين الحمئة؟ # فيغضب لجهلك ويقول: بل صافية يا ولدي، ماؤها أحلى من العسل. # وتسأل مرة أخرى: وهل رأيتها يا مولاي؟ # فيقول مبتسما من جهلك الفظيع: بل نزلت فيها يا ولدي واغتسلت، شربت من مائها، وجربت ~~الخلود بأمر الله. # هناك يحترق شوقك إلى عين الحياة، وتمضي مع الشيخ الطيب الذي تستنشق ندى خضرته، ستخترق أرض ~~الظلمة وهو يسير أمامك، يتهادى فوق جواده الذي يشع كالزبرجد بالنور، سيصير ليلك ونهارك ~~واحدا، وتسقط عين الشمس خلفك، ستوغل في ظلام لا كظلام الليل؛ يفور كالدخان ويئز كأن أسياخ ~~حديد محمية يلقيها فيه الإنس أو الجان، وستمشي ثمانية عشر يوما وربما عشر سنين لا ترى ~~شمسا ولا قمرا ولا ليلا ولا نهارا ولا وحشا ولا إنسا، وتسير في واد تزلق فيه الخيل ~~والجمال والأقدام حتى ترى نورا يشع من بعيد، وعندما تقترب منه ستعرف أنك انتهيت إلى ~~الصخرة البيضاء؛ هناك لا تستطيع أن تفتح عينيك في النور الذي يشع منها، هناك ترى ثلاثة ~~نسور تعلقت بها، وراحت عيونها القاسية تحدق فيك! # سيشير ولي الله إشارة تطمئنك، سيبتسم لك ويشجعك، وستقترب من الصخرة فتسمعها ترتعد ~~وتقعقع غاضبة، وترى النسور تنتفض مهرولة، وسترجع عنها خائفة فتسكت وتهدأ، ثم تحاول العودة ~~وهي في كل مرة تنتفض بما عليها من النسور وترتعد وتقعقع كأن بركانا في باطنها، أو كأن ~~ألف فارس يهزون سيوفهم فيها. سيتقدم منها ولي الله فتسكت وتطمئن، فيرقى عليها ولا يزال ~~يرقى وأنت تنظر إليه وهو يطلع إلى السماء درجة درجة حتى يوشك أن يغيب، وستسمع مناديا من ~~السماء يهتف به: ms056 امض أمامك واشرب بأمر الله فإنها عين الحياة، تطهر من مائها ؛ فإنك تعيش ~~إلى يوم ينفخ في الصور! وستراه وهو ينزل من على فرسه، ويغترف الماء بكفيه ويظل يشرب ~~حتى تشرق من وجهه شمس الرضا الصغيرة، ثم تراه وهو يتجرد من ثيابه ويخلع سيفه وينزل فيها ~~ويتطهر. # وتسمع المنادي يهتف بك: ها أنت ذا قد شربت من ماء الحياة، أعطيت الحياة إلى قيام الساعة؛ ~~أما بقية الأحياء فيموتون! ارجع يا ذا القرنين أنت وعساكرك؛ فلن تذوقوا قطرة من عين الحياة ~~حتى تعرفوا إرادة الحياة. # ستقف هناك محسورا، على حين يعود إليك ولي الله يتهادى على جواده الأخضر، ويشع من وجهه ~~وعمامته وجسده نور أخضر، وستعرف أنك موظف الأرشيف الذي حرم ماء عين الحياة، ولا بد أن ~~يعود إلى مياه البرك والبلاعات والمواسير! # وستفهم أيضا أن ولي الله لم يكن له ذنب معك؛ فجسمك ضئيل لا يحتمل صعود الصخور والجبال، ~~احمد الله أن المدينة جعلتك تسير على الأرض المرصوفة، وتقنع بالحفر المفروشة في شقوق ~~العمارات، وأمراضك التي لم يسمع بها مولاك تسرق منك الأنفاس، وبنطلونك وقميصك وسترتك ~~المضحكة تمنعك من الدخول. ستقف هناك وحيدا تحت القمر والنجوم، وستشخص ببصرك حولك وفوقك ~~باحثا عن مولاك، لن تجد الوجه الأخضر ولا الجواد الأخضر، لن تشم المسك، ولن ترى اليد التي ~~تربت على رأسك وتشجعك وترقيك؛ ربما سمعت صوتا يناديك: سل عما بدا لك يا ولدي. فلا ~~تدري كيف تجيب؟ # هل تطلب منه الراحة لقلبك والبعث، أو السلام لأرضك وللزهور والعصافير والمساكين والأطفال؟ ~~هل تطلب منه الوجه الذي تحبه، أو تنسى هموم القلب وتطلب العدل والخير والبهجة ~~للجميع؟ # لن تستطيع أن تجيب على الصوت، ستقف وحيدا تحت أعين النجوم، ستحدق في الفراغ وتمشي ~~وئيدا محني الظهر، وتبتعد عن الصحراء في أطراف المدينة الموحشة؛ لتعود إلى حفرتك ~~الدافئة الجرداء. من يدري؟ ربما بكيت وبكيت وبكيت، كحيوان يستند إلى جدار ويغمض عينيه ~~وينتظر الخلاص، كطفل يرضع من ثدي أمه الميتة! من يدري؟ ربما سخرت من رؤياك ms057 المضحكة وهربت ~~من ولي الله؛ كل هذا عندما تلقاه ذات يوم ؟ # كل هذا عندما تلقاه! ~~(1965م) # | الذئب الذي أراد أن يدخل في جملة مفيدة1 # الجبانة الريفية ساكنة في حضن الوحشة والموت، والقمر معلق في وسط السماء الصافية ~~كالقنديل الأخضر، والقبور تبدو في ضوئه الفضي كأسراب الحمام الوديع مستسلمة لقدرها وحزينة ~~وصامتة. # من هذا الذي يزور الأموات في عز الليل؟ لا هو زوجة ولا أم، ولا هو أب ولا ابن، بل مخلوق ~~يسير على أربع، عجوز نحيل ومسكين، ولا بد أيضا أنه جائع، شق طريقه بين الأضرحة والقبور، ~~حتى وصل إلى أحدها، فوقف أمامه يتشمم رائحته كأنه يتحقق منه! # كان قبرا جديدا لا تزال رائحة الأسمنت الذي وضع على فتحته تفوح منه، وأوراق الشجر التي ~~وضعت على سطحه تعبق بندى الخضرة، وحبر الكتابة الرديئة التي تشهد باسم صاحبه تزكم الأنف، ~~وآثار الأقدام التي غادرته منذ ساعات ظاهرة على الأرض. مد الحيوان المسكين ساقيه ~~الأماميتين، وخبط على جدار القبر كمن يطرق باب حبيب! سمع نبشا من الداخل وخبطات كضرب الفأس ~~على أرض صلبة، ثم انفتح السقف وبرز منه وجه شاحب لا يزال الكفن يغطيه، رفع الميت القماش ~~الأبيض على وجهه، فبان رأسه الأصلع ووجهه المصفر النحيل، وفتح عينيه مرات قبل أن يسأل: ~~من؟ # قال الزائر: أنا المتهم بدم ابن يعقوب. # قرب الميت وجهه منه، وأخرج يده بصعوبة وأشار إليه: أنت؟ # قال الزائر: نعم أنا الذئب، وأنت؟ # قال الميت مستنكرا: لا بد أنك تعرفني؛ وإلا فما الذي جعلك تقلقني في هذه ~~الساعة؟ # خفض الزائر ذو الأقدام الأربع والجسد النحيل والبطن الجائع رأسه خجلا أو حزنا، وقال: ~~بالطبع أعرف كل شيء؛ أنت مدرس القرية الذي مات ليلة أمس ودفنوه اليوم! # قال المدرس بصوت مرتفع كاد يزعج حوله الراقدين: تنتهز الفرصة؟ # رد الذئب في انكسار وخيبة أمل: بالعكس، لقد انتظرت هذا اليوم من مدة طويلة. # صاح المدرس غاضبا: لأنني الفريسة الجديدة؟ # قال الذئب في هدوء كأنه يعاتبه: أبدا أبدا؛ لأنك مدرس النحو الوحيد في هذه ms058 ~~الجبانة. # سأل المدرس؛ ألم يقل لك أحد: إن عظمي أكثر جدا من لحمي ؟ # قال الذئب: ما زلت تسيء فهمي، هكذا أنتم البشر لا تتغيرون! # قال المدرس وهو لا يزال متشككا في نواياه: ماذا تريد إذن؟ # قال الذئب وهو يرفع رأسه إليه في ابتهال: أريد أن تضعني في جملة مفيدة! # ضحك المدرس ضحكة عالية وقال: أضع الذئب في جملة مفيدة؟ مستحيل! # توسل الذئب باكيا: أرجوك، هذه خدمة العمر كله، جملة واحدة وأذهب! # أراد المدرس أن يداعبه، فسأل: إلى أين؟ # قال الذئب في صوت ضعيف: إلى زوجتي وعيالي. # ضحك المدرس مرة أخرى، وغلبه الضحك حتى اضطر أن يضع يده الباردة على فمه لكيلا يوقظ ~~الحارس: إذن فخذ هذه الجملة: الذئب له زوجة وعيال. # قال الذئب متبرما: ألا تجد سوى هذه الجملة الضارة التي سببت شقائي؟ # قال المدرس وقد أمعن في العبث: إذن فخذ هذه: الذئب مسئول عن دم ابن يعقوب! # قال الذئب يائسا: لقد قلتها على سبيل المداعبة، ربما لأنها كذبة مشهورة؛ ألم يثبت القرآن ~~نفسه براءتي؟ # تعجب المدرس من علمه، وقال: معك حق، إن الله نفسه قد برأك من دمه، ولكن ربما كان ذلك مجرد ~~صدفة. # سأل الذئب: صدفة؟ إنني لم أقتله فعلا، لقد حاول إخوته أن يقتلوه، كما يعرف كل تلميذ ~~صغير. # قال المدرس: نعم رموه في قاع الجب؛ ولو كنت وجدته لما رحمته. # قال الذئب غاضبا: هذه كذبة أيضا؛ فأنا لم أعثر عليه ولم أقتله، إن الناس ترتكب الجريمة ~~وتلصقها بي، أرجوك، ابحث لي عن جملة مفيدة. # تلفت المدرس حوله، رفع عينيه إلى السماء لحظة ثم خفضها إلى الأرض ليتيقن ما حوله. # رأى الذئب يقف أمامه حقيقة لا خيالا، ورأسه الشاحب يميل نحوه في ضوء القمر، وظله الداكن ~~المغبر يمتد تحته، قال: إذن فخذ هذه الجملة: الذئب يكلم مدرس القرية. # قال الذئب وفي صوته خيبة أمل شديدة: وهل تسمى هذه جملة مفيدة؟ إنني أكلمك كما ترى، ولم ~~أستفد من كلامك شيئا حتى الآن! # لم يدر المدرس؛ هل يضحك أو ms059 يأخذ كلامه مأخذ الجد؟ وأراد أن يجرب معه طريقة أخرى، فقال: ~~الذئب يأكل الشاة. # قال الذئب: هذا ما يقوله الناس جميعا، وليس في جملتك جديد! # قال المدرس محتجا: ولكنها جملة حقيقية؛ هل تنكر هذا أيضا؟ # خبط الذئب بمخالبه على جدار القبر متعجبا قبل أن يقول: حتى مدرس النحو يقول هذا! كنت ~~أظن أنك لا تصدق الأكاذيب المشهورة؛ ما الفرق إذن بين العالم والجاهل؟ # قال المدرس: ولكنه أمر لا شك فيه؛ فأنت تأكل الأغنام، وتفزع الرعاة منذ الأزل! وأقدم ~~الحكايات والخرافات التي وردت إلينا تؤكد هذا. # قال الذئب: الحكايات والخرافات، بالطبع؛ ولكن الحقيقة تخالف هذا تماما. # سأل المدرس متحديا: وما الحقيقة؟ # قال الذئب مدافعا عن نفسه: الحقيقة أنني أهاجم الأغنام فعلا، وقد أهاجم البشر ~~أيضا؛ ولكنني آكل لحمها ولا أقتلها! # ضحك المدرس حتى كاد يستلقي على قفاه، وقال: تأكل لحمها ولا تقتلها! ما هذه البلاغة ~~كلها؟ # قال الذئب متضايقا: هل تعرف لماذا آكل لحمها ولا أقتلها؟ # سأل المدرس في خبث: ولماذا؟! # قال الذئب متحمسا: لأنني أهاجمها بدافع الطبيعة وحده، أعني أن الطبيعة في هي التي ~~تأكل؛ فإذا شبعت لم أهاجم أحدا ولم أعتد على أحد! # قال المدرس: وما الفرق بين الأكل والقتل؟ ما دمت تأكل الشاة فأنت تقتلها. # قال الذئب: الفرق كبير؛ إنني آكل اللحم الذي يصادفني، سواء كان لحم جدي أو شاة أو فلاح أو ~~راع، آكله لأنني جائع، ولأن الطبيعة تريد أن تحافظ على جنس الذئاب عن طريق أنيابي. # قال المدرس: إذن فلا فرق بين الأمرين، أنت تأكل لحم الفريسة فتموت؛ أي أنك تقتلها في ~~نهاية الأمر! # غضب الذئب وصاح محتدا: أرجوك لا تذكر كلمة القتل على لسانك، هذه إهانة لجنس الذئاب ~~كله، وأنتم - المدرسين - مسئولون عنها. # قال المدرس محاولا أن يسترضيه: ولماذا بالله عليك؟ # قال الذئب: لأنكم تعلمون التلاميذ بالصور والحكايات والخرافات أن الذئاب تقتل وتسفك ~~الدماء البريئة، ما من كتاب من كتبكم يخلو من صورة بشعة لواحد منا وهو ينهش لحم خروف ضعيف ~~مسكين. # قال المدرس: وما ms060 ذنبنا إذا كنتم تقتلون بالفعل؟ # قال الذئب؛ قلت لك ألف مرة: نحن لا نقتل، نحن لا نقتل؛ إلى متى أكرر لك هذا حتى ~~تفهم؟ # قال المدرس: وماذا تسمي عملكم إذن؟ # قال الذئب: سمه كما تشاء، فهذه حرفتكم؛ أما نحن فلا نعرف القتل، إنني مثلا لا آكل فخذ ~~جمل لأنني أكرهه أو أنتقم منه أو من أجداده، كما تقول حكاياتكم السخيفة، إنني أشبع جوعي ~~وحسب؛ أما أنتم ... # قال المدرس: هل تقصد المدرسين؟ # قال الذئب: المدرسين وغير المدرسين، أنتم أبناء البشر جميعا تقتلون قتلا حقيقيا، إن ~~حياتكم كما تعلم كلها قتل في قتل، تاريخكم هو تاريخ قتل؛ هل تظن أنك وحدك الذي يفهم في ~~التاريخ؟ من عهد الحجر والحربة والسهم إلى عهد الرصاصة والقنبلة والصاروخ؛ قتل في ~~قتل! # قال المدرس معتذرا: ربما يكون معك الحق يا صديقي؛ ولكنني كما تعلم مدرس بريء. # قال الذئب وقد بدت عليه الراحة: مثلي تماما؛ ذئب بريء! # قال المدرس: أعترف لك بأن هذا التعبير لا يريد أن يدخل عقلي تماما؛ ولكنني أؤكد لك ~~أنني عشت طول حياتي أومن بأن الطبيعة خيرة والإنسان في صميمه خير، وإذا كانت التجربة ~~والواقع والصراع من أجل الحياة قد غيرته؛ فلا بد أن يعود يوما إلى طبيعته الأصلية. # قال الذئب: هذا هو الذي جعلهم يختارونك مدرسا. # سأل المدرس: ماذا تعني؟ # قال الذئب: أعني أنهم وجدوك على نياتك، فاختاروك لهذه المهنة. # صاح المدرس محتجا: بل أنا الذي اخترتها عن عقيدة وإيمان، ولو عشت حياتي مرة أخرى لما ~~اخترت غيرها. # قال الذئب: لأنك لست ذئبا كما تصورون الذئاب؛ ولو كنت مثلهم لاخترت أن تكون سياسيا ~~أو محاربا أو تاجرا أو مديرا أو محتالا أو ... # قاطعة المدرس مستاء: هذه مبالغة؛ راجع التاريخ فستجد أن كثيرين من هؤلاء كانوا مثال ~~الخير والبطولة والفداء والتضحية. # قال الذئب ساخطا: يا سيدي متى تفهم؟ قلت لك إن الإنسان للإنسان ذئب. لست أنا الذي قال ~~هذا؛ هل تحب أن أقولها لك أيضا باللاتينية؟ # قال المدرس مستعطفا: أرجوك، إلا اللاتيني؛ فلم ms061 أكره شيئا مثله. # نظر إليه الذئب وأطال النظر، كانت عينه كأنما تبحث عن الملابس التي يرتديها فلا تجد إلا ~~الكفن الأبيض يحيط بهيكله النحيل، قال بعد تأمل: خذ نفسك مثلا، لو كنت ذئبا مثلهم؛ فهل ~~كنت ترضى بالعيشة التي عشتها؟ # قال المدرس: ولم لا؟ لقد عشت حياة سعيدة، أعلم أولادي وتلاميذي شيئا جديدا كل يوم، ~~راضيا بمرتبي و... # قال الذئب: مرتبك! هل تعرف مقدار المرتب الذي يقبضه أولئك الذين لا يعملون شيئا؟ # قال المدرس: قلت لك لقد عشت سعيدا ومت سعيدا. # قال الذئب: وتقول أيضا مت سعيدا؟ وهذا الكفن من التيل الرخيص؛ هل يدل على السعادة؟ وهذا ~~القبر المهجور المتواضع! # قال المدرس: الحمد لله؛ إنني وجدت مكانا أستريح فيه، ولم أمت مثلا في فم تمساح أو ~~ذئب! # قال الذئب: رجعنا لاتهام الذئاب، يظهر أنه لا فائدة، لنرجع إذن إلى ما طلبته منك. # سأل المدرس: الجملة المفيدة؟ # قال الذئب: وهل جئت لشيء سواها؟ # قال المدرس: ليس عندي الآن سوى هذه الجملة: الذئب يأكل الشاة. # صاح الذئب ورفع رأسه إلى السماء كأنه يشهدها على ظلم الإنسان: قلت لك ليست هذه جملة ~~مفيدة! # صمم المدرس على موقفه، وقال: ولكنها صادقة، صادقة من آلاف السنين، منذ أن عاش البشر ~~والذئاب على أرض واحدة. # عاد الذئب إلى الاستعطاف وتوسل باكيا: أرجوك، أقبل قدميك، ضعني في جملة مفيدة. # قال المدرس وقد شعر بأن البرد بدأ يؤذيه والفجر بدأ يشعشع في الأفق: ليس عندي سواها، ~~قلت لك هذا ألف مرة. # قال الذئب وقد ارتفع أنينه: ولكنها جملة ضارة، أقسم بالله جملة مضرة لي ولجنس الذئاب ~~كله! # قال المدرس وهو يلملم أطراف الكفن حول كتفيه: يؤلمني أن أؤخر طلبك؛ هل أعرض عليك ~~شيئا آخر مفيدا؟ # قال الذئب وقد راوده الأمل: أسرع، ما هو؟ # قال المدرس وهو يرفع القماش الأبيض عن كتفيه ويقدمه له: ما دمت لا أستطيع أن أفيدك بجملة ~~فهل ترضى بهذه الكتف؟ تعال وخذها لزوجتك وعيالك. # قال الذئب بائسا: أنا لم آت لآكل؛ بل جئت لأتعلم، ms062 وأين أجد مدرس نحو مثلك في الجبانة ~~كلها؟ وعلى فرض أنني ذئب مفترس وقاتل كما تقولون؛ فأين هو لحمك؟ لقد أفسدته كثرة ~~التفكير. # قال المدرس: يا صديقي، أوشك الفجر أن يطلع، ولا بد لي الآن أن أنام؛ هل نسيت أنني مت ~~اليوم؟ # سأل الذئب في لهفة: والجملة المفيدة؟ # قال المدرس: الجملة التي عندي قلتها لك. # بكى الذئب، توسل للمدرس الذي غطى وجهه وغاص في قبره وأغلقه على نفسه. # خبط بمخالبه على الجدار الحجري خبطات يائسة وهو يصيح: أهكذا تبخل علي بحملة مفيدة، مع ~~أنني عجوز ومسكين، وصاحب عيال؟ ~~(1968م) # | يمشي على الماء # جلست على الشاطئ ومدت رجليها في الماء. عندما داعبت الأمواج الدافئة قدمها الصغيرة أحست ~~بالراحة تسري في جسدها كله. بعد أن لفت وداخت طول النهار، جاءت تستقبل الدفء والأمان، ~~تغسل وجهها المعفر بالتراب، تبلل رأسها الذي أحرقته الشمس، وتملأ القلة لأبيها الراقد ~~في مكان مهجور من الجزيرة الغارقة في الظلام. رفعت رأسها قليلا وأخذت تنظر للماء، فتحت ~~عينيها وأغلقتهما، ثم عادت تفتحهما وهي لا تصدق؛ كان يقترب منها شيئا فشيئا، ارتفع ~~كعمود من الدخان، ثم تكور على نفسه مثل كرة من الضباب، وبدأ يتضح له رأس وجسد وقدمان؛ ما ~~أغرب هذا! والقدمان تسيران على الماء، والرأس تزينه عمامة خضراء! عندما اقترب ووقف الكيان ~~الشاحب أمامها نورا في نور ذعرت وأرادت أن تفر، أن تقذف القلة في الماء، أن تصرخ وتنادي ~~النائمين؛ لكنه بإشارة من يده دعاها للاطمئنان: السلام عليكم عباد الله! # تلفتت حولها، لا أحد يسمعها إن صاحت، لا أحد ينقذها، لمس الصوت المطمئن أذنيها، مسح ~~على وجهها، نفذ من لحمها: ماذا تفعلين هنا يا صغيرتي؟ # رأت الوجه الطيب كشمس صغيرة تسلط نورها عليها، أبصرت العمامة الخضراء تحيط بها هالة ~~من النور، لاحظت العينين تشعان بالهدوء، قالت خائفة: من أنت يا سيدنا الشيخ؟ # لاحت ابتسامة على الفم النوراني، انكشفت أسنان بيضاء كأسنان الملاك: قولي ~~يا مولاي. # الجزيرة ساكنة وراءها، الناس ناموا وهم الآن يحلمون، لا شيء يسمع سوى ms063 صوت كلب ينبح في ~~عناد، أو بكاء طفل أفزعه كابوس. ~~- من أنت يا مولاي ؟ ماذا تريد مني؟ # ضحك الروح كثيرا، خاف أن تسمع ضحكته أو توقظ الصياد النائم في قاربه البائس مع زوجته ~~وطفله، فوضع يده النورانية على فمه المبارك: لا أجيب إلا على سؤال واحد! # قالت الصغيرة مسرعة: ومن أنت؟ # قال وصوته ما يزال يترجرج بالضحك: ألم أقل: يا مولاي؟ # صاحت، وكادت تندم، فكتمت صيحتها فجأة: من أنت يا مولاي؟ ~~- روح من السماء، جاء إليك يا حبيبتي. # ضحكت، كانت ضحكتها طائشة وسؤالها أكثر طيشا: لي أنا؟ # قاطعها الروح النوراني كأنه يعيدها إلى العقل: نسيت سؤالك الآخر؟ # أرادت أن تضحك من جديد، خشيت أن يغضب منها أو يتلاشى من أمامها: وماذا تريد مني؟ # قال في صوت مهيب: ما تريده السماء من الأرض، والنور من الظلام، والحقيقة من المظهر، ~~واللاهوت من الناسوت! # ضحكت الصغيرة بلا خجل، خشي أن تسترسل في الضحك، فأسرع يسألها: أين كنت طول النهار يا ~~حبيبتي؟ # قالت وهي تضع يدها على فمها، وتحاول أن تخفي وجهها بيدها: مولاي روح من السماء ولا ~~يعرف؟ # أسرع يقول في ثقة: كنت مع أبيك؛ أرى هذا على وجهك وملابسك. # قالت الصغيرة: وقدمي التي التهبت من المشي على الأسفلت، وصوتي الذي بح من النداء على خلق ~~الله. # فسأل: وماذا كنت تقولين؟ # قالت في خبث: ما يقوله شحاذ على باب الله. # قال في عطف: كلنا على باب الله يا حبيبتي، كلنا على باب الله. # قالت: حسنة لله يا محسنين، الأجر والثواب على الله. # قال مكملا: عشاء الغلابة عليك يا كريم، حسنة قليلة تمنع بلاوي كثيرة ... # قالت في حزن: من سنين ونحن على هذه الحال يا مولاي. # قال وهو يرفع يديه للسماء: فرجه قريب يا ابنتي، فرجه قريب إن شاء الله. # قالت ساخطة: دخنا في بلاد الله يا سيدنا الشيخ، زهقنا من اللف على الأبواب. تمتم بصوت لم ~~تسمعه، غاب في الجلالة ثم قال: قلت لك فرجه قريب يا ابنتي. قلت لك فرجه قريب. # قالت ms064 باكية: أبي مرض وشاخ، وأنا تعبت يا مولاي. # قال كأنه يكلم نفسه: الطعام للجوعان والماء للعطشان. ثم كأنه يأمرها: توبوا عن ~~الشحاذة. # أجابت في استسلام: ومن أين نأكل يا مولاي؟ # قال: قولي لأبيك: مولاي يوصيك بتقوى الله، مولاي يأمرك أن تتوب عن الشحاذة. # سألت: وماذا يفعل؟ # قال: قولي له يضع عصا على أنفه، ستقف هناك بإذن الله. # سألت ضارعة: كلامك صعب يا مولاي! # قال مبتسما: رزقك في رجليك يا صغيرتي، ورزقه في عصاه. # ضاقت بكلامه فسألته أن يوضح ما يريد. ابتسم ابتسامة نورانية حتى ظهرت أسنانه الطاهرة ~~البيضاء، رفع يديه إلى السماء ومشى أمامها على الماء، ثم تمتم قبل أن يدير لها ظهره ~~ويتلاشى: فرجه قريب، فرجه قريب. # راحت أيام وجاءت أيام، ماتت ناس وعاشت ناس. ولما أقبلت على الشاطئ وكان في قدميها حذاء ~~جميل، وعلى جسدها النحيل فستان بلا رقع ولا ثقوب؛ وضعت يدها على خدها، وراحت تنظر إلى ~~الماء، ولم تمض لحظات حتى أحست بحركة في الماء، فرفعت وجهها؛ لترى طلعته النورانية أمامها. ~~قالت في لهفة: مولاي، أين أنت من زمان؟ # أجابها في اطمئنان: في ملكوت الله يا حبيبتي، في ملكوت الله. # قالت في عتاب: ولا تسأل عنا يا مولانا؟ # قال: الله رحيم بعباده يا ابنتي، ما من حبة في السماء ... # قاطعته: دخنا في الشوارع والحواري يا مولاي! # سألها: ألم أقل لكم: توبوا عن الشحاذة؟ # قالت مكملة: تبنا عنها يا مولاي. # قال في فرح: ألم أقل لك: فرجه قريب؟ # قالت في أسى: معك حق، ولكن ... # قال: ولكن ماذا يا ابنتي؟ الرزق في أقدام الساعين! # قالت والأسى لا يزال يملأ صوتها: الرزق انقطع يا مولاي. # قال في إشفاق: رزق الله لا ينقطع يا حبيبتي؛ ماذا حدث؟ # قالت: عملنا بوصيتك يا مولاي؛ بدلا من أن يتوكأ أبي بعصاه وضعها على أنفه. في أول يوم ~~صفق له الأطفال والكبار وأعطوه ما فيه النصيب، في اليوم الثاني بدأ الناس يقولون: الرجل ~~المدهش العجيب. ربينا الزبائن في القهاوي والخمارات، اشتهرنا في الشوارع والأسواق ms065 ~~والحارات، عرفنا الناس في السيدة والحسين، وصفقوا لنا في رمسيس والتحرير. # قال الروح السماوي : ألم أقل لك: فرجه قريب؟ # قالت: انتظر. # سألها: ماذا حدث؟ # قالت متفكرة: بدأ الناس يضيقون بنا؛ كلما رأونا صاحوا: أوه! يا عالم بطلوا شغل ~~الشحاذة! # قال متعجبا: لكنها ليست شحاذة، هذا فن. # قالت: وماذا ينفع من غير حظ؟ قلنا نجرب طريقة جديدة. # سألها: بإذن الله تنجحون. ماذا جربتم؟ # قالت: بدأ أبي يترك العصا لي. # سألها في لهفة: موفقة بأمر الله. # قالت: قلت لك انتظر؛ كلما حاولت أن أضعها على أنفي أو جبهتي كان الناس يضحكون. # قال: الضحك يحنن القلوب بإذن الله. # قالت: لكن أبي بدأ يجرب وضع الكرسي على أنفه، يوقف الكرسي برجل واحدة على أنفه، ~~ويميل رأسه للوراء، ويمد ذراعيه في الهواء. # قال وهو يمد ذراعيه يمينا ويسارا: طبعا يا حبيبتي، لا بد أن يفعل الإنسان هذا؛ ليسند ~~الكرسي في الهواء أو ليمشي على الماء، وماذا حدث بعد هذا؟ # قالت: أعجب الناس في أول الأمر؛ كانوا يصفقون ويهتفون ويقولون «أعد» عشر مرات قبل ~~أن يضعوا أيديهم في جيبوهم. # قال: الدنيا بخير يا ابنتي، والمؤمنون فيها كثيرون. # قالت: انتظر يا مولانا. # قال: قولي يا ابنتي. # هتفت صائحة: لكنهم يملون بسرعة يا سيدنا الشيخ؛ فلم تمر أسابيع إلا راحوا يشتموننا ~~ويطردوننا من الأرصفة والمقاهي والحانات: بطلوا الشحاذة يا ناس، كفاية تهويش يا ~~عالم! # سأل الروح الإلهي: تهويش؟ ما معنى هذا يا حبيبتي؟ # قالت في ضيق: يظهر أنك لست في الدنيا يا مولانا! # قال في استعطاف: أنا سابح في ملكوت الله يا ابنتي، الدنيا والآخرة عندي سواء. # استطردت قائلة: المهم ماذا نفعل الآن يا مولانا؟ أبي يشتمني ويقول: أنت السبب. # قال: قولي له: اذكر الله. # سألت: نريد أن نأكل يا مولانا. # قال: من توكل على الله كفاه. # عادت تسأل: هل ندور على الأبواب؟ # قال مستنكرا: معاذ الله يا حبيبتي! من جرب الفن لا يسلاه. # قالت برغم حزنها ضاحكة: يقولون الشحاذة فن يا مولاي. # قال: أبدا أبدا يا صغيرة، ms066 الفرق بين الفن والشحاذة كالفرق بين الجنة والنار. # أرادت أن تسأل مرة أخرى: وما العمل يا مولاي؟ حين سمعته يهتف كأنما نسيها تماما وسبح في ~~الجلالة: النار، النار، النار. # قالت تعيده إلى الصواب: ماذا تقول يا مولانا؟ # تمتم بكلماته الغامضة التي لا تفهمها، ثم ابتسم ابتسامته النورانية التي تكشف عن أسنانه ~~الطاهرة البيضاء، وقال: قولي له يجرب النار، ويهتف باسم الله. # سألته: ماذا تقصد يا سيدنا الشيخ؟ # قال وكأنه يقرأ في لوح مسطور أمامه: يضع سيخا في الغاز، ويشعل الغاز بالنار، ويدخل ~~السيخ في فمه، وينفخ بإذن الله. # عادت تسأل: النار تحرقه يا مولاي؟ # قال في سرعة كأنه ينهي حديثه، ويتهيأ للانصراف: قلت لك يذكر اسم الله. # سألت لاهثة: لكن يا مولانا النار تؤذيه، وحياتك شف لنا شيئا غير النار. # قال متبرما لأول مرة: النار للكفرة فقط، قولي له: يذكر الله. # خيل إليها أنه يريد أن يودعها؛ كان الفجر قد بدأ يشقشق في السماء، والعصافير تصفر ~~حولها؛ جرت نحوه حتى كادت تقع في الماء، وهتفت: وحياتي عندك، قل لنا شيئا آخر غير ~~النار. # قال مستعيذا بالله: حقا، خلق الإنسان كنودا، قولي له: يبلع الحديد ~~والمسامير. # سألت مستفسرة: يبلع الحديد والمسامير؟ # قال مودعا: وينفخ في الهواء باسم الله، فتخرج الكتاكيت والأعلام الخضراء والحمراء ~~والبيضاء. # رأته يدير لها ظهره ويمشي مسرعا على الماء، فهتفت: وإذا لم تخرج المسامير يا مولاي، إذا ~~لم تخرج المسامير؟ # التفت إليها وقال: يذكر اسم الله، يذكر اسم الله. # لم تجد فائدة في النداء؛ كان شبحه النوراني قد تلاشى فجأة كأنما بددته أشعة الشمس التي ~~بدأت ترسل حمرتها الوردية في جانب الأفق الشرقي. وقفت تتفكر قليلا فيما قاله رسول السماء ~~ثم انصرفت. # راحت الأيام وجاءت الأيام، وظلت الصغيرة تتردد على الشاطئ كل مساء على أمل أن تراه، كانت ~~تجلس في مكانها المعهود واضعة يدها على خدها تتفكر فيما حدث لها ولأبيها، وفي بعض الأحيان ~~كانت تدلي قدميها في الماء - فلم يكن فيهما الآن حذاء - وتتسلى بالأمواج الهادئة التي ms067 ~~تداعبها، كانت كلما أحست بحركة في الماء ترفع وجهها الصغير - الذي كساه الآن ذبول لا يخطئه ~~أحد - فلا تسمع سوى صوت مجداف يلطم سطح الماء، أو طائر يطفو فوقه، أو ضفدعة تقفز منه؛ لكن ~~قلب المؤمن دليله، والأمل في فرج الله - وإن طال - لا يخيب؛ فها هو ذا الشبح النوراني يتجلى ~~لها ذات مساء بعد أن هدأت الأصوات، ونامت الريح، وبدأت الأرواح تتنفس وتنطلق على الأرض وفوق ~~الماء، هتفت حين رأت الشبح الإلهي يتقدم نحوها وقدماه لا تكادان تلمسان سطح الماء: أين أنت ~~يا مولانا؟ أين أنت من زمان؟ # قال في صوت عميق: جئت يا حبيبتي فلا تسألي من أين ولا إلى أين؟ # قالت باكية: اسمح لي بسؤال واحد. # قال متأثرا: ولم البكاء يا صغيرتي؟ لم البكاء؟ # قالت تغالب دموعها: لأنك تركتنا يا مولانا، لأنك تركتنا. # قال يواسيها: الله لا يتخلى عن عباده، ماذا فعلت يا حبيبتي؟ # قالت: بل ماذا فعلت بأبي؟ # تقدم قليلا حتى كاد يلامسها، نظر إليها في إشفاق حتى خيل إليها أنه يود لو يشاركها في ~~البكاء، سأل: احكي يا صغيرتي؛ لكن لا تطيلي فموعدي قصير. # رفعت رأسها إليه كأنها تشهده على الدموع التي تنساب على خديها بلا توقف: مات، مات من ~~سبعة أيام. # جفل الروح السماوي قليلا، بدا عليه أن يفكر فيما حدث دون أن يفهم ما تريد. # قالت: خرجت الكتاكيت والأعلام ولم يخرج الحديد. # سألها في عطف ومد يده المباركة كأنما يمسح بها على رأسها: ألم يذكر اسم الله يا صغيرتي؟ ~~ألم يذكر اسم الله؟ # قالت وهي تنشج فيهتز جسدها الضئيل: لا أدري، ولكنه عمل بأمرك. # قاطعها قائلا: الأمر أمر الله يا حبيبتي، ماذا عمل؟ # جففت دموعها وقالت: اشترى السيخ كما قلت؛ يغمسه في الغاز، ويشعل النار، ويضعه في فمه، ~~ويصيح: كله بأمر الله. # قال الروح: صدقت يا صغيرتي، كله بأمر الله. # عادت تقول: كان ينفخ بعزم ما فيه، فتخرج من فمه طاقة نار، ويهلل الأطفال ويهتف الكبار ~~وتمتد الأيدي للجيوب. # مد الشيخ المبارك يديه ms068 إلى السماء، وهتف: الأرزاق كلها على الله. # قالت كأنها تصب عليه ماء باردا: ولما زهق الناس جرب الأعلام والمناديل. # قال الشيخ مستبشرا: وخرجت الكتاكيت بإذن الله. # قالت ساخطة: خرجت تصيح وتجري على الأرض، والأعلام كانت من كل الألوان. # قال مشجعا: ثم ماذا يا حبيبتي؟ # قالت كأنها تتعجب من جهله: أخذ عساكر البلدية بالهم منه، وراحوا يطاردونه في كل ~~مكان! # سألها مقاطعا: لماذا لم يذكر اسم الله؟ # قالت متضايقة: ذكر اسم الله واسم النبي وآل البيت. # وانفجرت بالبكاء كأنها تتذكر شيئا مخيفا، فهبط عليها الصوت العميق الرحيم: أكملي يا ~~صغيرتي. # قالت بعد أن هدأت قليلا: لكن الحواة ممنوعون، الحكومة تحارب الحواة في كل مكان. # قال وكأنه لم يفهم: إذن فليجرب المسامير بإذن الله. # قالت: جرب المسامير؛ رمى السيخ والنار وبدأ يجرب الحديد والمسامير؛ كان يصيح في ~~الشوارع وأمام المقاهي والبيوت: الحديد بأمره يصبح عجين. # قال الروح: صدقت، كله بأمر الله. # قالت كأنها تمنعه من مقاطعتها: وضع المسامير في فمه، هتف بأعلى صوته: كله يصبح عجين. صفق ~~الأطفال وزغردت النساء وصاح الرجال برافو، وبلع المسامير. # قال في لهفة: وبأمر الله أصبحت كالعجين؟ # قالت باكية: أبدا يا مولانا، أبدا. # سألها وهو يكاد يبكي: وماذا جرى يا ابنتي؟ # صاحت غاضبة: دخلت في جوفه. # قالت مشجعا: وتخرج بإذن الله. # صاحت من جديد بأقصى قوتها: لم تخرج المسامير! لم تخرج المسامير! # ولم يسألها الروح الإلهي شيئا، أطرق بوجهه المنير إلى سطح الماء، راح يدور حول نفسه ~~ويداه حينا وراء ظهره وحينا على جبينه أو على صدره. قالت الصغيرة بعد قليل: وقع على الأرض ~~يتلوى، جريت أبكي على صدره، لطمني على وجهي، وصاح: ابعدي يا بنت الحرام! # قال الشيخ مستغفرا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وماذا حدث يا حبيبتي؟ # قالت: أخذوه على القصر العيني، بعد يومين قالوا لي: أبوك مات. # تأثر الروح الإلهي، اقترب منها، ومد يده يريد أن يمسح بها على رأسها الصغير، أو يجفف ~~دموعها أو يشد على يدها؛ لكنه تذكر طبيعته النورانية، فعاد ms069 ينظر حزينا إلى سطح ~~الماء. # قال بعد قليل: اصبري يا حبيبتي؛ الموت حق الله . # قالت وهي تثبت عينيها في وجهه الذي تغمره هالة ساطعة من النور: كله منك. # سأل في صوت ضعيف: كله بأمر الله. # صاحت غاضبة حتى اهتز جسدها كله: كان مالنا ومال الحديد؟ # قال في صوت حزين: لا بد من قضاء الله. # صرخت: الحديد دخل جوفه. # اقترب منها حتى كاد يلامسها، انحنى حتى مال وجهه النوراني عليها، بدا كأنه يحاول أن يضمها ~~إلى صدره أو يشدها من يدها أو يمسح على وجهها أو يقبلها، تراجعت مذعورة، ثم أخذت تئن ~~وتنشج وتنادي شبحه السماوي الذي بدأ يهتز فوق الماء قبل أن يتلاشى كسحابة من ~~الدخان! ~~(1966م) # | إلى أين؟ # أنت في الحقيقة لا تخدع إلا نفسك؛ منذ سنين لا تدري عددها وأنت تذرع هذا المكان، في ~~المساء، عندما تبزغ النجوم البعيدة في السماء الصافية تغادر غرفتك الباردة، تسير في خطواتك ~~الوئيدة مطرق الرأس، تحاذر أن تقع عينك على شيء فتلمسه وتستقر عنده، تخشى أن ترفع عينيك ~~إلى وجه من الوجوه التي تعرفك أو يخيل إليك أنها تعرفك، تنفض الضحكات عن أذنيك حتى لا ~~تتسلل إلى قلبك المنكمش في زنزانته! # وإذا رأيت الشرطي أو سمعت خطواته على الرصيف التفت إليه كأنك تتحدى نظرته الفاحصة، كأنك ~~دائما على استعداد لأن تخرج له بطاقتك، وتبين له اسمك وعنوانك، وتثبت له أنك مواطن ~~صالح، ثم تعرج على الكازينو الراقد على صدر الماء؛ يداك مشبوكتان خلف ظهرك، ابتسامتك ~~الذابلة على شفتيك، نظراتك تصافح العشاق الجالسين تحت الأشجار والفوانيس الشاحبة كعناقيد ~~كرم ذهبي مهجور بلا جسد ولا بهجة. الجرسون الأسود يسرع إليك، يلقي عليك التحية، ~~ابتسامته ترثي لك، وابتسامتك تعترف بالرثاء وتشكره وتسأمه. # ثم تخرج بعد أن تشرب القهوة المرة، وتحاسب الجرسون، وتطمئن إلى أنك وفيت ديونك. وتسير ~~على الشاطئ؛ تقف عند كل جسر، ترمقه من بعيد وأنت ذاهل عن الحياة التي تضج عليه، تبتسم في ~~سرك حين تفكر بالدور الذي يقوم به، بالأمانة التي يؤديها، ms070 بالحمل الذي يصبر عليه، وتبتهج ~~حين ترى الناس يسيرون عليه؛ مجهولون يلتقون فوق الماء ويفترقون ، يتشابكون لحظة ويعبرون، لا ~~أحد يعرف أحدا، لا أحد يدري بهموم أحد؛ لكنهم يعبرون، يكاد الإحساس يجمعهم بأنهم في لحظة ~~العبور مشتركون في المصير نفسه، وأنت تسير مثلهم على الجسر؛ تتحسس سوره، تطل منه على ~~الماء، تفكر في كل مرة في هدوء التيار وصفائه، كما تفكر كم ستكون جثتك مرتاحة وهو يحملها ~~على صدره؛ لكنك تتركه وتمضي إلى جسر آخر - ربما وقف على جانبيه سبعان عجوزان تجمدت مع ~~الزمن وثبتهما؛ فما عاد أحد يخشاهما، وماتت تكشيرتهما فما عادا يؤمنان بها - وتتحسس ~~السور، وتمر بسبابتك على ألواحه (عبثا تحاول عدها فهي كثيرة)، وتقف لحظة مطرق الرأس ~~إلى الماء، وتفكر كم ستكون جثتك مرتاحة وهي محمولة على جسده الأسمر الثقيل في أيام ~~الفيضان! # ويفاجئك القمر حين ترفع عينيك، فترى وجهه المستدير، وجه طفل شاحبا في تابوت فضي قديم. ~~تدير له ظهرك، تسرع في خطواتك، تفكر أن الذين يقذفون بأجسادهم من فوق الجسور لا يعرفون ~~تأنيب الضمير. # القمر يتبعك؛ وإن كنت تحسب أنه لا يرى إلا ظهرك، شعاعه الرحيم ينفذ إلى صدرك، يعريه، ~~يفضحه، يضحك من سره المعتم الصغير؛ هل تحسب أن غرفتك الباردة ستنجيك منه؟ # أنت تريد أن تنسى أنه كان يراك منذ سنين، كان يكشف صدرك المظلم في تلك الليلة التي لا ~~تستطيع أن تنساها، كنت تسير معها في الغابة؛ رذاذ بسيط يتقطر من الأشجار فوقكما، أقدامكما ~~المترددة تغوص في الطين، تصطدم هي وجذوع الشجر الناتئة، تجوس فوق الأوراق؛ فتئن تحتكما، ~~تتكسر ضلوعها تحت ثقل أحذية الشتاء ذات الرقبة الطويلة والكعب السميك، على جسدها معطف من ~~النايلون الشفاف (ستفرده بعد قليل على الأرض لترقدا عليه) على جسدك معطف من الكتان ~~الرقيق، تكذب إن قلت: إنه يدفئك - على الرغم من أنك رفعت ياقته حول رقبتك - وتكذب مرة أخرى ~~إن قلت: إن حبك لها يدفئك أكثر! الظلام في الغابة يطبق عليك، يطمس عينيك، يبتلعك، ~~يغيبك معها في جوفه ms071 المعتم الواسع العميق. وأنت تضع ذراعك في ذراعها، معصمك يحس نبض ~~العروق في معصمها، جسدك الظمآن المرتعش يمني نفسه بالنوم بعد قليل في أحضانها. يا أيها ~~السندباد التعس، ماذا يكتشف السائر في الظلام؟ يا أيها الفارس القميء، ماذا يقدر عليه ~~اللصوص؟ # والقمر يرفع وجهه من بين السحب الدكناء، ينظر إليك بعين ويغلق الأخرى، يريد أن ~~يذكرك، حين يطل عليك من بين أوراق البلوط والصبار؛ أنه هناك، يحميك من ظلك، يبعد ~~أنفاس الظلام عن وجهك، يهمس لك بأنه يراك، وربما يسامحك. # وتذكر أنه في تلك الليلة أيضا كان هناك، يطل من خيمته المضيئة على مقبرة القرية ~~الصغيرة الوديعة كأجنحة الحمام، البيضاء كظهر الموت. هناك كان الشيخ محمد يهيل حفنتين من ~~التراب على جسد أخيك الصغير الذي يرقد الآن في المقبرة الضيقة الحقيرة، إلى جانب أخيه الذي ~~سبقه منذ أسبوع. وعم مرجان الأسمر الطويل يحرك في كسل شفتيه بآيات من القرآن، وربما لم ~~يحركهما على الإطلاق. وأبوك مع رجلين آخرين يقرآن في ملل بعض الآيات، ويرفعان ~~السبابتين بالشهادة؛ أداء للواجب وكسبا للثواب، ويستعجلان اللحاد قبل أن ينفد زيت ~~المصباح، ويبرد في البيت العشاء. # لكن الشيخ «محمد» عاد مع أبيك، هذا القمر نفسه كان ينظر إليه وهو يصعد عتبة بيتكم القديم، ~~يدق على الباب الذي كان مفتوحا، يتنحنح، يقول: يا ساتر، يميل على أمك في ثقة ليطمئنها ~~بقوله: هناك مكان للأخير. كنت راقدا على حجر إحدى العجائز، جاءت تعزي أمك في موت ~~التوءمين. على رأسك الصغير المنحدر بشدة من الخلف طرطور متعدد الألوان، على وجهك الذابل ~~العنيد ابتسامة الخجول من بقائه بعد ذهاب أخويه، المعتذر عن وجوده بالسكوت. # كنت هناك أيضا وكان القمر هناك حين صرخت أمك: فال الله ولا فالك يا شيخ محمد! تستخسر ~~في هذا الولد المسكين؟ ويؤكد الشيخ «محمد» استعداده لتأدية الخدمات قبل أن يغادر باب ~~الدار، ويضحك في سره من سذاجة أمك ويقول في نفسه: لتنتظر يومين، سوف تعرف كلامي! لكنه ~~سينتظر طويلا؛ لأنك ستثبت له أنك برغم ضعفك ms072 أخبث منه، وسيواريه شيخ آخر في التراب، كما ~~يواري أمك وأباك وقارئ القرآن، وعم مرجان اللحاد الأسمر الطويل قبل أن تشغل الحفرة الصغيرة ~~الباقية لك. # تسألك وأنت تسير ساهما مطرقا برأسك المتعب المنفوش الشعر إلى جانبها، وجسدك كله ~~ينتفض من البرد والخوف وتوقع المهاجمين الذين سمعت عن حوادثهم في الغابة: هل عدت من ~~رحلتك؟ وقبل أن تفتح فمك لترد عليها - لم تكن قد وجدت الجواب بعد - تشدك من ذراعك حتى لا ~~تقع في حفرة، وتسكت فلا تحدثها عن الحفرة الشاغرة التي تنتظرك في مقبرة قريتك، فتعود ~~تسألك: هل عاد سندباد من رحلته؟ فتجيب بصوت تود ألا تسمعه: أنت أيضا تعرفين السندباد؟ ~~فتضحك ضحكة تفزع أرواح الغابة، وتقول وهي تقبلك فجأة: ومن الذي لا يعرف السندباد؟ نحن ~~أيضا نقرأ ألف ليلة وليلة، صحيح أنني لا أعرف كثيرا مثلك، لكن أمي حكت لي عنه، كما حكت لك ~~أمك عن رحلاته السبع في الجزر النائية، عن الرخ الذي ربط نفسه فيه، والأسود العملاق الذي ~~أكل أصحابه، عن جبل الألماس وجبل القرود، عن حبه للبحر. قلت وأنت تقف أمامها وتطوقها ~~بذراعيك وتفرق فمك المحموم الخائف في شفتيها: وحبه للعيون الخضراء والشعر الأشقر ~~والأجساد البيضاء. # سيعود إلى الغابة بعد أيام؛ سيسير في الوحل ويدوس على الأوراق الجافة، ويسمع دقات قلبه ~~الخائفة، سيطوق الجسد الأبيض، ويقبل العيون الخضراء ويمرغ الوجه في الشعر الأشقر، ~~ويصعد على التل الناعم، ويفترش المعطف البارد الشفاف. # والطفل سينمو ويتحرك، والبطن سيعلو ويستدير، والصيحة ستنطلق في المستشفى الكبير النظيف، ~~ولن تستطيع قوة أن تغيبها من جديد في جوف الرحم. وأنت ستعود إلى غرفتك وتقول كل ليلة: يا ~~إلهي! كم هي باردة! وستنظر في مرآتك وتقول: يا إلهي! كم أنا دميم! وسترن في أذنيك صيحات ~~الطفل الذي لن تراه ولن تستطيع أن تعيده إلى جوف الرحم، وتضم ذراعيك على الفراغ وأنت تتذكر ~~أن ذراعا أخرى تضمه، وشفة أخرى تقبله، ويدا أخرى تسحب عليه الغطاء. # وسوف تصمت وتصمت، تمد حولك أسوار القلعة المنيعة التي ms073 سمعت أو قرأت - لا تذكر أين ومتى - ~~أن شاعرا كبيرا مدها حول نفسه، ستحلم في بعض الليالي وأنت تسند رأسك بين كفيك وترفعهما ~~لتحدق في الفراغ أنك كنت تريد أن تكون مثل المعري أو مثل جوته أو الحلاج، وستعرف أنك ~~أصبحت تمثالا أجوف يرن فيه الصدى الوحيد، وحتى هذا الصدى سيخرس من جديد. بماذا تحلم أيضا؟ ~~ألم يكن أورفيوس يغني فتلتفت رءوس الأشجار، وتفزع إليه الوحوش، وتحدق في عيونها ~~الواسعة، وتمد رءوسها راضية ليضعها في سلاسل الألحان؟ # ألم تكن تتمرغ عند قدميه، وتلعن قيثارته وتقدم له الدهشة والبراءة والامتنان؟ فماذا ~~تريد بصمتك؟ من نظرتك التي تلامس الأشياء والوجوه ثم ترتد عنها؟ تقطع كل الخيوط التي تريد ~~أن ترتبط بك، تهدم كل الجسور التي تحاول أن تعبر إليك. # أنت تذكر عصر اليوم الذي عدت فيه إلى قريتك؛ كنت في الصحراء الصامتة الواسعة تتدرب على ~~القتال حين وصلتك البرقية، وعندما دلفت من الباب كان كل شيء قد انقضى؛ المأتم انفض، الصوان ~~هدم، المعزون عادوا إلى بلادهم؛ حتى الرمل الذي فرشوه على الأرض لم يبق له أثر! قلت ~~لنفسك وأنت تدخل إلى الحجرة المعتمة، على ضوء لمبة الغاز لا تتبين أباك الممدد على ~~الفراش كأنه أبو زيد الهلالي: يا إلهي! الحجرة باردة بدونها، يا إلهي! ماذا أفعل بدونها؟ ~~هتفت امرأة عجوز - قالوا لك فيما بعد إنها قريبة أبيك - حتى يجذبوا انتباهك إليها ويعتذروا ~~لها عن إهمالك في حقها قائلة: كان لها ابن عسكري. أردت أن تبكي، حاولت أن تنهنه، وقف شيء ~~في حلقك، اختنق شيء في صدرك، بقي وجهك جامدا كوجه تمثال. قال لك أبوك في ارتياح لم يستطع ~~أن يخفيه: هذا حال الدنيا! ثم سمع شخيره. اقتربت منك أختك وربتت على كتفيك، وقالت - ~~بالرغم من أنها لم تلمح دمعة واحدة في عينيك: لا تدم عينيك من البكاء، البركة فيك. # أخذك أخوك من يدك إلى حجرة في السطوح، وقال وهو يصعد السلم معك ويضغط على يدك: اسمك كان ~~آخر شيء نطقت به، كانت ms074 تتمنى أن تراك. قلنا لها هو بعيد، يخدم في سبيل الوطن. لم تفهم. ~~قالت: ربنا ينجيه. اسمك آخر ما جاء على لسانها. (ثم وهو يخبطك بقوة على ظهرك ويكاد لولا ~~الكسوف يقهقه) أصبحت شاويشا قد الدنيا. تذكرت آخر مرة رأيت أمك فيها؛ هل تقول: رأيت؟ ~~ربما لم تملأ عينيك منها كما كان ينبغي، لم تقف نظرتك على الوجه الذي لم تكن تدري أنك تراه ~~لآخر مرة - وإن كان إحساسك قد أخبرك من قبل في الليالي الطويلة التي قضتها تتقلب إلى جانبك ~~وتدعو الله أن ينجيك من مرض القلب - كنت مشغولا بنفسك، كنت سعيدا بسجنك، تستعجل السفر ~~لتتفرغ - كما كنت تحلم - للأبيات الركيكة التي تحلم بأنها ستجعلك مثل المتنبي، أو تضع إكليل ~~المجد على رأسك مثل فرجيل! # هل نسيت أنها لم تفلح حتى في أن تقربك إلى الحبيبة؟ ألم تكن في كل مرة تقدم ~~القصيدة إليها كالشحاذ الذي يجرب لأول مرة في حياته أن يعطي لكي يأخذ أكثر مما أعطى؟ ألم ~~تكن تبتسم لك في رثاء وهي تأخذها منك؟ هل كانت تغفل عنها رعشة يدك، واصفرار وجهك، وإهمال ~~شعرك وأظفارك؟ # ثم رثاؤها مرة أخرى وهي تبتسم وتعيدها إليك، وتقول لك لتتخلص من عينك المتسولة: ~~عظيمة. لكنني لم أفهم منها شيئا! # هل نسيت الشحاذ وبنت السلطان؟ أعجبك التشبيه وأحببت أن تتشبث به! العربة الفخمة السوداء ~~كانت تمرق إلى جانبك فتراها فيها - وربما عزيت نفسك بأنها رأتك - وتحث رجليك القصيرتين ~~الغارقتين في الحذاء القديم على السير - تحت لفح شمس الظهيرة، في الشارع الطويل الذي لا ~~يرحم، نسيته السماء فلم ترسل فيه نسمة! # دخلت إلى الحجرة التي ماتت فيها أمك، قالوا لك: إنها عندما أحست بالموت وهي راقدة في ~~الشقة المعتمة في الدور الأول؛ طلبت أن تطلع إلى فوق، أن تشم الهواء، أن ترى نور ربنا، ~~أشفقوا عليها من السلم؛ لكنها طلعت عليه وحدها، رفضت أن يسندها أحد، أبت أن يأخذ أحد ~~بيدها، ارتاحت حين رأت الشمس لا تزال طالعة، قالت: أموت هنا أحسن. ms075 قال لك أخوك: أنت تعبان ~~من السفر، اخلع هدومك واغسل وجهك. # فاطمة - هل نسيتها؟ - ستحضر لك العشاء وترتب لك السرير، نم للصبح واترك الأمر لله، ~~هذا هو حال الدنيا. # جلست على الفراش، تحسست بيدك الجامدة الملاءة التي نامت عليها أمك، والمخدة التي وضعت ~~عليها رأسها، حاولت أن تتصور ما رأته عيناها لآخر مرة، حاولت أن تستعيد ما فكرت فيه وهي ~~تنادي باسمك، حاولت أن تجد دمعة واحدة؛ دمعة واحدة تفلت من عينيك الجامدتين على وجهك الجامد ~~المشدود. جاءت وفوق رأسها صينية العشاء، تذكرتها، حاولت أن تبعد جسدها عن خيالك لتنفرد ~~بأمك. وضعت الأكل على المائدة، رتبت الحجرة وقالت من وراء ظهرها كلاما لتعزيك، اقتربت ~~منك وجلست على الفراش، بكت وهي تحكي لك عن أمك، عن طيبة قلبها وهي تدعو لك وتوصيها عليك، ~~عن نفسها وقد راحت في النوم على الأرض من التعب والسهر وما تحس إلا بيد أمك على جبهتها؛ ~~فزعت وقالت: اللهم اجعله خيرا. قالت لها أمك: نامي يا حبيبتي؛ كانت الناموسة وخفت ~~تصحيك. # وعندما طلع النفس الإلهي كنا كلنا نائمين، أخوك أيقظني، نزلت الدموع من عيني بحرا وصرخت، ~~أخوك ارتفع صوته وكبر ومد يده فلثمها، وأسبل عينيها وغطاها بالملاءة البيضاء؛ هذه ~~الملاءة. # حاولت أن تبكي وأنت تسمعها، وبخت نفسك لأنك لم تذرف دمعة واحدة. # انتهيت حتى انتهت من حكايتها المملة الطويلة، اقتربت منها ومددت ذراعك وربت على كتفها ~~(هل رأى أحد هذا؟ أنت الذي كنت تعزيها!) لما زاد بكاؤها ونهنهتها! اقتربت أكثر وطوقتها ~~بذراعيك ومسحت الدموع من على خديها بشفتيك؛ هل في الحزن ما يدفئ الجسد؟ هل في الدموع ما ~~يثير الحواس؟ نسيت كل شيء إلا ظمأك في الصحراء الواسعة الملتهبة، على الملاءة التي ماتت ~~عليها أمك منذ يومين نمت مع الجسد الدافئ البديع، على المخدة التي وضعت عليها وجهها العجوز ~~عانقت الوجه الجميل. استسلمت لك البضة الغبية، استسلمت أنت أيضا كالثور المعصوب. وعندما ~~أغلقت الباب وراءها لتنام لم تجد النوم؛ لأن البرد كان هناك والقمر أيضا كان ms076 هناك، رآك طول ~~الوقت ولم يدار وجهه من الخجل. وحين وجدت نفسك وحدك، وصعد الذل والضياع والندم ليخنق ~~رقبتك؛ أخذت رأسك بين كفيك ورحت تنشج وتبكي، بكيت كما لم تبك في أي يوم، بكيت حتى خفت أن ~~يسمعوا صوتك ويأتوا إليك ليعيدوا عليك كلامهم الممل من جديد. لما تعبت من البكاء رحت في ~~النوم، مددت جسدك في المكان الذي تمددت عليه نفسه جثة أمك، والبرد كان هناك ولم تستطع أن ~~تهرب منه، والقمر كان هناك يطل من زجاج الشباك المكسور، كطفل شقي يسخر منك، كطفل شاحب ~~يستيقظ في تابوته الذهبي! # الطفل أيضا كلمتك عنه، أنت تعرف أنها كانت تأتي إلى حجرتك لتنام معك، أنت تعرف أيضا ~~أنها لم تكن تذكره إلا لتنتقم منك، لتذلك، لتضمن ألا يتمرد جسدك مرة واحدة عليها. قالت لك ~~بعد أن ارتدت ثوبها ونظرت في المرآة وسوت شعرها وأصلحت الأحمر على شفتيها: ماذا نفعل ~~الآن؟ قلت في صوت مكتوم: لماذا تقولين نفعل؟ لماذا لا تسألين نفسك؟ قالت وهي تقترب منك ~~وتتفرس عيناها الخضراوان العميقتان في عينيك اللتين طالما أحبتهما، لتتيقن ضعفك الذي لم ~~يخف يوما عليها: ألسنا شركاء؟ قلت في عدم مبالاة كأنك أفلحت في أن تبرئ نفسك: أنت التي ~~أردت كل هذا. قالت في هدوء وهي تشعل سيجارتها وتنظر إليك لتذكرك إهمالك في أن تشعلها ~~لها: وأنت؟ ألم ترد شيئا؟ أبعدت عينيك وقلت في قحة دهشت أنت نفسك منها: أردت جسدك. عادت ~~تقول في صوتها الهادئ العميق وهي تنظر من النافذة إلى الثلوج التي تتساقط على الزجاج كما ~~كانت تفعل دائما لتريك أنها لا تحس بوجودك: نعم، أنا التي أردته. قلت في غضب مصطنع: ~~إذن فأنت وحدك مسئولة عنه. # استطردت تقول وهي تتابع نتف الثلج الرقيقة ترف على فروع الشجر النحيلة العارية، ~~وتلامس زجاج النافذة كأجنحة طيور بيضاء تسقط ميتة: وأنا سعيدة به؛ بشعره وعيونه وجبهته ~~العريضة وعناده وغبائه أيضا! إنه لي، لن تستطيع قوة في الأرض أن تنتزعه مني، لا يمكنك أن ~~تتصور كم ms077 أنا سعيدة به! # قلت في حنق لم تستطع أن تخفي ضعفك المستتر وراءه: بل قولي كم أنت سعيدة بالانتقام ~~مني! # رمقتك بنظرة بعينيها الخضراوين العميقتين اللتين تحب على الرغم من كل شيء أن تقبلهما ~~وتتملى من صفائهما دون أن تقول كلمة واحدة، جذبت نفسا من سيجارتها كأنها تثبت لك أن ~~كلامك لا يستحق الرد عليه، شجعك هذا على التمادي، وبالانتقام أيضا من زوجك: أنت تكرهينه ~~لا تنكري، وتكرهينني أيضا، لا تحاولي أن تقاطعيني. ثم تستطرد في صوت مرتفع تستغرب ~~صدوره عنك وفي حركات تمثيلية ربما كنت تجربها لأول مرة: إنني لم أرده لذلك فهو غير ~~موجود بالنسبة لي، إننا لا نعترف بوجود شيء إلا إذا كنا نريده، العالم كله ليس موجودا ~~بالنسبة لي ما دامت إرادتي لا تسلم بوجوده؛ فما بالك بمن لا أعرف عنه شيئا، ولم أفكر ~~فيه ولم أره ولا أفكر في أن أراه؟ # قالت في سخرية أقرب إلى الرثاء: ألا تفكر حقا أن تراه؟ # قلت في قسوة تداري بها ارتجافك من السؤال وخوفك من أن يتم اللقاء: ولو نادى علي ~~بنفسه! # ظننت أنك أغلقت باب الحديث أو أنك على الأقل ستنتقل إلى موضوع آخر، لم تكن قط تتوقع أن ~~تفاجئك بصوتها الهادئ المتكبر يقول: جبان! كان هذا دائما رأيي فيك. # لم تثر الثورة التي كنت تتوقعها من نفسك، وتتوقعها هي أيضا منك، لم نجد الشجاعة ~~المفاجئة التي تهز كياننا كله في لحظة واحدة كزلزال مظلم غريب، فنقوم بعمل ما ندريه ولا ~~نتصور بعد انقضائه أننا قمنا به. # ارتجفت مرة واحدة؛ ارتجفت كل أعضائك وتفككت وانهارت، وتصببت عرقا، وتجمعت كلها، وحاولت ~~أن تلم شتاتها؛ لتخرج صوتا حزينا ضعيفا مرتعشا يقول: لم أكن أتصور أنك تهينينني ~~إلى هذا الحد! لنسدل الستار على كل شيء. # نهضت من على الكرسي بحركة مفتعلة، أدرت لها ظهرك الذي ينتفض كله من الخوف والخجل وخيبة ~~الأمل لتفتح الباب، انتظرت قليلا، فلما لم تسمع حركتها التفت فوجدتها تصوب عينيها ~~العميقتين الخضراوين إلى قلبك، لم تقل ms078 شيئا بل نهضت هي الأخرى ولمت أطراف معطفها على ~~كتفيها، ونظرت في المرآة فسوت شعرها ، ثم جاءت فوقفت أمامك حتى أحسست بعطر أنفاسها وجسدها ~~الذي تعرف رائحته، ومالت برأسها، وطبعت على خدك قبلة لم تفاجئك كثيرا، وقالت وهي ترفع ~~ذراعها وتحرك أصابعها حركة الوداع: موعدنا مساء السبت مثل كل أسبوع. # بقيت وحدك في غرفتك الكئيبة؛ الأثاث الكلاسيكي القديم الذي طالما أبدت صاحبة البيت حرصها ~~عليه يحدق فيك في سكون وينتظر! البرد كان هناك والثلج كان يتساقط من خلال النافذة ~~ويستريح على أسطح البيوت وفروع الشجر، وأرض الشارع الساكن، والقمر أيضا كان هناك، يطل ~~عليك من وراء الغيوم الداكنة التي تحاول أن تخنقه في غضب أسود دون أن تفلح في أن تحجب عنك ~~وجهه المضيء، كوجه طفل صامت في تابوته الذهبي. وتسرع بارتداء معطفك، برغم أنك تعرف أنك ~~تنجو من الإصابة بالبرد الذي لا يتركك، وتسير في الشارع الذي تتلاعب نتف الثلج بفوانيسه ~~الشاحبة دون أن تسأل نفسك وأنت تجذب نفسا من الهواء الرطب المنعش الخالي من رائحة الدخان ~~والفحم والعرق وعطر الجسد وعفونة الملاءة المتسخة؛ لا تسأل نفسك إلى أين؟ لأنك في العادة ~~تتجه إلى المقبرة القريبة المهجورة (أفما زلت تذكر تمثال الحبيبة الصغيرة الممددة على ~~التابوت وبين يديها كتاب كانت تقرأ فيه؛ الحبيبة الشابة التي كانت تأخذك دائما إليها، ثم ~~تقف بك عند كل قبر؛ لتشرح لك قصة صاحبه، وتقرأ معك الكلام المكتوب على شاهده بحروف ~~ذهبية). # تذهب إلى هناك، فلا تجول في هذه الساعة المتأخرة من ~~الليل - كيف تجسر على تعكير صفو الموتى بوقع ~~حذائك الذي ترن حديدته على الأرض كأقدام حصان عجوز عائد مع جيش مهزوم؟ - بل تجلس على ~~الأريكة «الوحيدة» هناك، يمر عليك العشاق متعانقين، ويفطنون إلى وجودك فيتضايقون ويبحثون عن ~~أريكة أخرى في حديقة المقبرة، أو يسيرون صامتين في طرقاتها وبين أشجارها العتيقة ~~العالية. # في قريتك الصغيرة كنت تحب دائما أن تسير بين القبور الصغيرة الفقيرة المستسلمة، كانت ~~قبورا متواضعة أشد تواضعا من ساكنيها؛ طلاؤها ms079 متآكل، أطرافها مهدمة، معظمها مفتوح ~~في جانب منه؛ فتحته الذئاب أو النيابة أو لصوص الجثث ، عليها شجرة صبار على أحسن الفروض، ~~وفوقها كتابة بخط رديء لم يتجاوز صاحبه كتاب الشيخ: الاسم وتاريخ ~~الوفاة - فتاريخ الميلاد دائما منسي - واقرأ له ~~الفاتحة. # كانت تسليتك أن تمر بينها وتقرأ الكتابات المنقوشة عليها كنبش الفراخ، وتنقل أبيات الشعر ~~السخيفة التي تعثر عليها، وتملأ عينيك وصدرك برائحة الرطوبة والعفونة والزمن والتراب ~~والمسكنة، وتتصور جسدك ممددا في واحد منها، على تلة مرتفعة قليلا عن الأرض، فوق رأسك ~~شجرة صبار مهملة تعتمد على نفسها في الحصول على غذائها. # أنت الآن ستعود إلى حجرتك، ستمر على الجسور التي تمر عليها كل يوم، وتفكر في أن تلقي ~~بنفسك من فوقها؛ فيشل التفكير إرادتك، ستقول لنفسك في هذه الليلة أيضا: لا بأس! أنا ~~أيضا لم أكن جادا في المحاولة، وستحاول من جديد بغير اكتراث ولا دافع جدي، ثم يأتي يوم ~~تنسى فيه - ولعلك نسيت بالفعل - ولا تتذكر كلما مررت بجسر منها سوى أنك في يوم من الأيام ~~كنت غبيا وطائشا (هذه الكلمة الأخيرة ستقولها من قبيل المجاملة ليس غير!) وستعود دائما ~~إلى حجرتك (الوحيدة) الباردة، تذكر الوجوه التي أحببتها ولم تقبلها، العيون التي تسولت ~~منها نظرة عطف ولم تنتبه إلى وجودك، الأشعار التي حلمت بأن تكتبها فبقيت تتخبط كالوطاويط ~~المجنونة في رأسك، الأجساد التي عشت سنوات إلى جانبها لم تفكر في أن تلمسها وكانت تشتاق ~~إليك بكل خلجة وكل لمسة وكل نظرة، وحين تأتي ليلة الوداع، وتريد أنت أن تسلم في احترام؛ ~~تفاجأ بها تثب عليك فتقبلك في زحمة الشارع أمام الناس، تحت أعين النجوم، تتشبث بك ~~وتطوقك تريد أن تنتقم منك؛ لكنك تعرف أن الوداع أكيد، والحقائب تنتظرك، والساعات الباقية ~~من الليل لا تكفي لكي تحقق الأمنية التي تمنتها إلى جانبك أربع سنوات! # ودائما ما تعود إلى شقتك بعد ليلة طويلة، قضيتها على القهوة المطلة على الميدان في ~~نقاش طويل تسأل نفسك: كيف لم تمله من زمان؛ وظيفة الأدب ms080 في المجتمع، العلاقة بين الشكل ~~والمضمون، موقف الكاتب من الشعب وموقف الشعب من الكاتب؟ وتتحمس فتخطب وتثور، أو تتجمد فتغيب ~~عن الجميع وتحدق صامتا في الفراغ؛ لأنك تسأل نفسك في هذه اللحظات لماذا يعيش هؤلاء ~~الناس؟ # وتسأل نفسك أيضا السؤال نفسه، وتعود فتحدق في الفراغ؛ فراغ نفسك من الحياة، ومن إنسان ~~نقول له بدون أن تتحرك شفاهنا: ما أصعب الحياة بدونك! وتترك القهوة متكاسلا، وتسير في ~~الطريق نفسه، وتركب الترام نفسه، وربما قابلت المحصل والسائق أنفسهما، ولا تسأل إلى أين؟ ~~لأنك دائما تعرف الطريق إلى غرفتك (الوحيدة) الباردة، ولأنك ستضع فيها المفتاح، ولأن البرد ~~دائما ما يكون هناك، والفراش المهمل، والكتب والصحف التي تجعل منها كهفا أو مقبرة، ولأن ~~القمر أيضا قد يكون هناك. حين تفتح الشباك لتجدد الهواء وتراه يتطلع إليك مثل طفل شاحب ~~بعيد، يستيقظ فجأة في تابوته الفضي؛ ليقول لك: إلى أين؟ ~~(1965م) # | سيرة كلب يبحث عن إنسان1 # سأحكي لكم حكاية إنسان نسجت حوله الخرافات والأساطير؛ لا تغتروا كثيرا بهذه الكلمة ~~الأخيرة، فلم نعرف فيما وصلنا عنه من أخبار مضطربة أنه شبه بالآلهة أو أنصاف الآلهة أو ~~الأبطال، لا بل إن أغلب من تحدثوا عنه قد بخلوا عليه حتى بكلمة إنسان. # فلقد سماه أرسطو المشهور بالكلب، كما أطلق عليه كل من ذكره صفة الكلبي، ولم ينكر هو أيضا ~~هذه الصفة على نفسه، وإن كان فيما يروى عنه قد قال إنه كلب من نوع خاص لا يجرؤ أحد أن ~~يصحبه معه إلى الصيد! وعندما مات، وكان هذا منذ أربعة وعشرين قرنا؛ كرمه سكان مدينته ~~فأقاموا له تمثالا يطل على الخليج، وزادوا في تكريمه فوضعوا فوق التمثال كلبا من ~~المرمر؛ علامة على شخصيته أو على مدرسته! ولكن لماذا نقفز مرة واحدة إلى موته ولا نسير معه ~~خطوة خطوة على طريق حياته المضحكة أو المبكية؟ لنبدأ إذن حكايته من أولها، ولنحاول أن ~~نفحص الأخبار التي تؤكد أنه كان كلبا من الأخبار التي تجعل منه إنسانا! # كان هذا الرجل - ولنتفق الآن ms081 مؤقتا على أنه كان رجلا مثل كل الرجال - يسمى «ديوجينيس»، ~~كما كان أبوه يدعى «هيكزيوس»، ولقد ولد بالطبع كما يولد كل كائن حي، وكانت ولادته في ~~مدينة صغيرة اسمها سينوب على البحر الأسود، لم يهم أحد من الرواة أو المؤرخين بأن يذكر لنا ~~شيئا عن طفولته، فالطفولة كانت في ذلك العهد القديم - أكثر مما هي اليوم - شيئا لا يلقى ~~غير الإهمال والاضطهاد؛ ولكننا نسمع على كل حال أنه نفي مع أبيه عن تلك المدينة الصغيرة ~~لسبب لا ندريه، لعله هو الاختلاس أو تزييف النقود كما يقال! # كما نسمع أنه - حين عاش بعد ذلك في أثينا وأصبح من فلاسفتها المشهورين - ظل ينظر إلى نفسه ~~نظرة الغريب المنفي الذي لا وطن له، كما ظل الأثينيون المدهشون يعاملونه كذلك معاملة ~~المنفيين! هل أذكر لكم أبيات الشعر التي قالها في هذا الشأن؟ ولكن لنؤخرها قليلا؛ فقد ~~تكون أليق بشيخوخته العاجزة منها بشبابه أو صباه. # قلت لكم: إن الناس ألفت أن تسميه الكلب، كما أن أرسطو العظيم قد ذكر أن ذلك كان اسم ~~الشهرة الذي عرف به، ولا يجوز أن نشك في كلام المعلم الأول، إلى جانب أن هناك كثيرا من ~~الأخبار التي تؤكد - كما قدمت - أنه كان حقا ينتمي إلى جنس الكلاب، صحيح أنه قيل عنه: ~~إنه ذهب في شبابه إلى معبد دلفي المشهور ليتلقى الحكمة على كهنته، وصحيح أن الكلاب - كما هو ~~معروف - لا تتردد على المعابد ولا يعنيها أن تكون حكيمة أو بلهاء؛ ولكن هذا أيضا لا ~~يساعدنا على القول بأنه لم يكن كلبا، ولا يقدم لنا الدليل الثابت على أنه كان من بني ~~الإنسان. # وحتى تلك الحكاية التي تروى عنه في شبابه وما تزال تؤثر في القلوب إلى اليوم، لا ~~تستطيع أن تحل لنا المشكلة. # فيقال: إنه ذهب في صباه إلى أثينا لكي يتتلمذ على الفيلسوف أنتيستينيس مؤسس مدرسة ~~الكلبيين، ويبدو أن الصبي لم يرق له فطرده؛ ربما لرثاثة هيئته أو ضعف بصره أو بشاعة وجهه ~~أو شذوذ سلوكه، وألح الصبي ms082 على الأستاذ أن يقبله بين تلاميذه، فسحب الفيلسوف العجوز عصاه ~~ليضربه بها ويتخلص منه؛ ولكن الصبي مد له رأسه قائلا: اضرب! لأنك لن تجد عصا من الخشونة ~~بحيث تبعدني عنك، ما دمت أومن بأن لديك ما تقوله لي. ولا ندري في الحقيقة ماذا قال له ~~الفيلسوف العجوز؟ ولكن لا بد أنه فتح له باب مدرسته على مصراعيه أو فتح له ذراعيه، وقال ~~لنفسه أو قال له: لم أر في حياتي كلبا أصيلا كهذا! ولازم التلميذ أستاذه حتى استطاع هو ~~نفسه أن يصبح أستاذا. # ولكن هل منعته أستاذيته أن يظل كلبا؟ لنسمع أيضا هذه الحكاية التي تروى عنه بعد أن ~~تعلم الحكمة، وراح بعد ذلك يعلمها. # فيقال: إنه كان في رحلة إلى إيجينا، فأسره بعض القراصنة وأرسلوه إلى جزيرة كريت؛ ليباع ~~هناك مع العبيد في المزاد، سأله المنادي على المزاد بعد أن لاحظ غرابة أطواره: ماذا تحسن من ~~الأعمال؟ # أجاب ديوجينيس: حكم الناس. # عاد المنادي يسأل، وربما لسعه بسوطه على وجهه فسال منه الدم: وكيف تريد أن تحكم الناس ~~أيها العبد اللعين؟ # فأجابه ديوجينيس في ثبات: بأن أربيهم! # وتصادف في هذه الأثناء أن مر رجل من كورنثة كان يسمى إكسينياديس يرتدي ثوبا أرجوانيا ~~فخما، فأشار إليه العبد الفيلسوف قائلا: بعني لهذا الرجل؛ فهو يحتاج إلى سيد. # ولما تقدم منه الرجل مذهولا قال له: عليك أن تطيعني، وإن كنت عبدا لك! # سأله الرجل ضاحكا: وكيف أطيعك، إذا كنت سأشتريك؟ أجابه الفيلسوف المربوط بالأغلال: لأنني ~~سأعلمك، ولذلك سأكون سيدك! ولأنه إذا كان هناك طبيب أو ملاح يعيشان في الأسر فلا بد لكل ~~منهما أن يطاع! # أعجب الثري المذهول بكلام العبد الغريب، وقرر أن يأخذه معه ليعلم أولاده، ولا بد أنه ~~رضي عنه تمام الرضا، فقد قال عنه لأصحابه فيما بعد: إن روحا طيبا دخل بيتي، ولا بد أنه ~~ازداد إعجابا بغرابته وشجاعته حين حاول بعض أصدقائه الذين استمعوا إلى دروسه أن يفتدوه، ~~فقال: إنهم بلهاء؛ لأن الأسود ليست عبيدا لمن يطعمها، بل إن ms083 من يطعمونها يقعون تحت ~~رحمتها! ولا شك أننا لا نستطيع أن نأخذ كلمة الأسود مأخذ الجد، ولا نصدق أنه كان جادا في ~~حسبان نفسه من الأسود، على حين أنه يعيش عند إكسينياديس المذكور معيشة العبيد؛ أعني معيشة ~~الكلاب، ولكننا من ناحية أخرى نميل إلى تصديق ما يقال من أنه - وفاء لكلبيته المشهورة - ~~لم يعلم أبناء سيده الجدل أو اللغو بالعبارات العويصة الخلابة، بل علمهم كيف يكتفون ~~بفتات الخبز والماء البارد؟ وكيف يسيرون في الشوارع حفاة صامتين، لا يتلفتون حولهم؟ # هذه الحكايات - كما ترون - قد تدل على ضعة الكلب ومهانته، أو على تواضع الحكيم وانكساره. ~~وإذا كنتم لا تقنعون به برهانا على كلبيته فيكفي أن أوجه انتباهكم إلى سلوكه المشهور في ~~شوارع أثينا وحاراتها وأسواقها ومسارحها وعلى سلالم معابدها ومدارسها؛ فربما رأيتم مع بعض ~~الرواة أنه كان كلبا لا يرقى الشك في كلبيته، ستذكرون أولا ما قلته على لسانه من قبل من ~~أنه كلب من النوع الذي يثني عليه الجميع؛ ولكن ما من أحد يجرؤ أن يصحبه معه إلى الصيد. إنه ~~إذن - لو صح هذا التعبير - كلب مغرور! ولكن دعكم من كلامه ولننظر في أفعاله. # تخيلوا معي رجلا أشعث الشعر، رث الثوب - أقول الثوب ولا أقول الثياب - متجهم الوجه، ~~حافي القدمين، قذر اليدين والأظفار، يحمل جرابا على ظهره، ويكشر عن أسنانه كلما قابله ~~الأطفال وصاحوا في وجهه: ها هو ذا الكلب! ها هو ذا الكلب! إنه يمشي على الثلج في الشتاء، ~~وينام في أي مكان تحت السماء، ويشير إلى النجوم قائلا: ها هم أولاء الأثينيون يرعونني ~~ويقدمون لي مكانا آوي إليه. # يحمل في جرابه رداء يطويه في النهار ويتغطى به في الليل، ويضع فيه زاده القليل الذي لا ~~يزيد عن كسرات من الخبز، ويضع حبات من الزيتون تصدق بها عليه المحسنون، يحمل في يده صحفة ~~قديمة يأكل فيها ويشرب، بل إنه - فيما يقال - قد استغنى عن هذه الصحفة أيضا حين رأى ذات ~~يوم طفلا يشرب من النهر براحة يده، وقال: إن ms084 طفلا صغيرا قد فاقني في بساطة الحياة. ومع ~~أن هذا القول يوحي بإعجابه بالأطفال فإنهم فيما يبدو لم يكونوا يتركونه في حاله؛ فربما ~~استرعاهم منظره وهو يسير شبه عار في الشوارع، أو يجلس وحيدا على قارعة الطريق يلتهم اللحم ~~الطري، أو يقرض العظام التي يلقي بها الأثرياء من موائدهم، فيلتفون حوله ويصيحون: حذار ~~وإلا عضنا. فيرد عليهم قائلا: لا تخافوا يا صغار؛ فالكلب لا يأكل البنجر! # ولا بد أنه سئم تعقب الأطفال له أينما ذهب، أو سخرية النساء والأغنياء به كلما شاهدوا ~~هيئته الزرية، أو من تأفف الفلاسفة منه كلما سمعوه يتحاور في الفلسفة مع أنه لم يحمل يوما ~~كتابا ولا شأن للكلاب بالفلسفة! لا بد أنه سئمهم جميعا؛ فاختار أن يلجأ إلى برميله ~~المشهور، ينام فيه بالليل؛ ليحتمي من برد الشتاء، أو يتدحرج به في النهار بعيدا عن أعين ~~الصغار والكبار، حقا إن احتماءه بالبرميل كان دليلا على زهده وقوة إرادته وإيثاره شظف ~~العيش؛ ولكن هل خلصه من الناس أو منعهم من أن يطلقوا عليه صفة الكلب؟ العكس هو الصحيح؛ ~~فقد أصبح البرميل علما عليه، وزاد بالطبع من اهتمام الناس به، ومشاكسة الأطفال له، وجذب ~~الغرباء والمتطفلين إليه! ولا نستطيع أن نعرف الآن إن كان التجاؤه إلى هذا البرميل ~~المشهور فرارا من أعين الناس وحبا في الوحدة والانفراد، أو كان رغبة منه في الخلو إلى ~~نفسه والتعمق في ظلماتها ومتاهاتها! وهل كان ذلك لزهده في الظهور أمام الناس، أو كان ~~إمعانا في الظهور وحبا في الاستعراض كما نقول اليوم؟ # لا ندري على وجه التحديد! والمهم أنه وضع نفسه في البرميل، وراح يتدحرج به على الثلج أو ~~فوق التراب كلما احتاج إلى الحركة؛ لقد أراد أن يقول للناس: لقد استغنيت عنكم واكتفيت ~~بنفسي، تركت الكوخ والبيت، سئمت المعبد والمسرح، زهدت في الظهور أمامكم بثيابي المتسخة ~~الممزقة التي تؤذي ذوقكم وأبصاركم، فاتركوني أعيش في برميلي في هدوء! # ولكن هل تركوه حقا يعيش حياته في هدوء؟ وهل كان هو نفسه يريد أن ms085 يتركوه وينسوه؟ لقد ~~ظلوا مع ذلك يسمونه الكلب، بل إن حياته في البرميل المشهور قد أكدت لهم كلبيته أكثر من أي ~~شيء سواه، ويظهر أنه يئس من زوال هذه الصفة عنه؛ فحين أطل برأسه ذات يوم من البرميل ليرد ~~على من يسأله: لماذا سمي كلبا؟ قال له: إنني أهز ذيلي لمن يعطيني شيئا، وأنبح من يردني، ~~وأعض بأسناني اللئام والأنذال! # لا شك أن هذه الإجابة تحمل في طياتها قدرا كبيرا من التكبر والغرور، وإذا كنا لا نستطيع ~~كما قلت أن نتصور كلبا مغرورا فقد نستطيع أن نستثني كلبنا الفيلسوف من ذلك ونقول مع بعض ~~الرواة: إنه كان مغرورا بحق، وإن كلبيته لم تكن سوى دليل على غروره الفظيع، ربما كان في ~~تجواله في شوارع أثينا بشعره الأشعث المنسدل على أذنيه، ومنظره الزري القذر، وجراب ~~الشحاذين على ظهره، وضراوة الوحش في عينيه وتكشيرة أسنانه، أو في دحرجته برميله هنا وهناك ~~بلا هدف معلوم؛ ربما أراد بذلك أن يقول للأثينيين: لست كلبا؛ بل أنتم الكلاب! إنكم تحرصون ~~على التقاليد، وتذلون أنفسكم لجمع المال، وتتباهون بالثياب الجديدة والمساكن الجميلة، ~~وتصانعون الطغاة وتجاملون الأغبياء من الحكام والقواد والأغنياء، وتهتمون بثرثرة ~~السفسطائيين والفلاسفة الذين يخدعونكم بكلامهم المعقد المسحور؛ ولكن ها أنا ذا قد زهدت ~~في المال والثياب والحكم والكلام البراق، ها أنا ذا أعيش وحيدا محروما، جائعا، حافيا، ~~مكتفيا بنفسي؛ فمن فينا الكلب أيها الكلاب؟ # ربما لم يقل كلبنا المدهش كل هذا الكلام، ولكن النوادر التي تحكي عن غروره وشراسته أكثر ~~من تلك التي تروى عن ذله وانكساره؛ لقد هاجم الجميع، واحتقر الأثينيين حتى استكثر أن ~~يسميهم الرجال (لا تنسوا أنه أخذ ذات يوم يصيح مناديا: يا رجال! فلما تجمع الناس جرى ~~وراءهم بعصاه قائلا: لقد ناديت الرجال ولم أناد الكلاب!) # كما راح يلعن كل فئاتهم ويقول: إن النحويين ينقبون عن عيوب أوديسيوس على حين يغفلون عن ~~عيوبهم، والموسيقيين ينغمون أوتار القيثار على حين يتركون أوتار نفوسهم متنافرة، ~~والفلكيين يحملقون في الشمس والقمر في حين ms086 لا ينتبهون إلى الأشياء التي في متناول ~~أيديهم، والخطباء والحكام يثيرون الضجيج حول العدالة في حين أنهم لا يمارسونها في أعمالهم! ~~ويظهر أنه كان يكره اللغو والجدل أكثر من أي شيء آخر في الوجود؛ فقد راح يتحدث مرة في السوق ~~حديثا جادا فلم يأبه به أحد، فما كان منه إلا أن أخذ يعوي ويصفر، والتف الناس حوله ~~فقال لهم: «تسرعون لسماع اللغو، وتبطئون عندما يدور الحديث حول موضوع جاد!» # ويبدو أن كرهه للغو والجدل كان سببا في هجومه المستمر على الفلاسفة، ووصفه لهم - وهذا ~~شيء مضحك من كلب مثله - بأنهم كلاب طويلة اللسان! ألم يسمع مرة زينون الإيلي وهو يجادل في ~~الحركة، ويثبت بالعقل بطلانها، ويقدم حججه المشهورة عن السهم الطائر والسباق الخاسر ~~بين أخيل والسلحفاة، فنهض من مجلسه غاضبا، وراح يمشي صامتا أمام زينون؟ ألم يحتقر أفلاطون ~~الإلهي ويصف محاوراته بأنها مضيعة للوقت؟ ألم يسفه كل معاصريه ويقل عنهم: إنهم بلهاء ~~يسلون بلهاء؟ # قد لا يكون كل هذا الهجوم دليلا كافيا على غروره بل على تهوره أو قصر عقله؛ ولكن ماذا ~~نقول في حادثته المشهورة مع الإسكندر الأكبر نفسه؟ فيبدو أن القائد الشاب قد سمع قواده أو ~~عساكره يتحدثون بسخرية عن الكلب وبرميله المشهور، فلم تمنعه عبقريته ولا مشاغله من الذهاب ~~بنفسه لزيارته. تصوروا معي القائد العظيم في ردائه الفخم وخوذته الذهبية وقامته الرشيقة ~~ووجهه الناصع المتفجر بالشباب وهو يقف متعجبا أمام البرميل وحوله جماعة من قواده ~~وحاشيته. إن الكلب الفيلسوف لا يحس به، ويتقدم أحد قواده فيخبط بسيفه على البرميل، ويطل ~~بوجهه العجوز محاولا أن يفتح عينيه اللتين أتعبهما الظلام أو التأمل الطويل في أعماق ~~النفس، ويسأله الإسكندر: ألا تخافني؟ # فيسأله بدوره: ومن أنت؟ # ويعجب القواد من جهله وغبائه؛ إذ يستمر في السؤال: أخير أنت أم شرير؟ # ويقول الإسكندر: بل أنا رجل خير. # فيقول ديوجينيس: ومن ذا الذي يخاف الخيرين؟ # ويغضب القواد، ولكن الإسكندر يهدئهم بإشارة من يده، ويسأله من جديد: أنا الإسكندر ~~الأكبر. # فيرد عليه: وأنا ديوجينيس ms087 الكلبي. ويعود الإسكندر يسأل: اطلب ما تشاء. # فيقول قبل أن يختفي رأسه في قاع البرميل: ابتعد ولا تحجب عني ضوء الشمس! # قد يكون في هذا الحادث دليل آخر على حمقه أكثر منه على ذكائه، أو قد يكون دليلا على أنه ~~كلب حقيقي قد تقمص جسد إنسان! ولكن ماذا تقولون في حادث آخر ربما يزيد في شهرته عن لقائه مع ~~الإسكندر؟ # ها هو ذا ديوجينيس قد شاخ وانحنى ظهره الذي لا يفارقه الجراب المتسخ بما يحمل من الصحفة ~~والزاد، وظهرت في يده عصا يتوكأ عليها ويذود بها عن نفسه الصبية والأطفال. إنه الآن جائع ~~مسكين، يود لو كان في مقدوره أن يتخلص من هذا الجوع بتدليك معدته الخاوية؛ ولكن الجوع - ~~كما نقول الآن - كافر، والأغنياء في كل مكان باخلون، وهو مضطر أن يسألهم الصدقة، بل أن ~~يعضهم إن لزم الأمر وأصروا على البخل والعناد، لا أحد يريد أن ينسى أنه كلب، لا أحد يمل ~~الضحك عليه وتجنب طريقه، والخوف على نفسه من أن ينهشه حقا بأسنانه التي لم تعد تذوق طعم ~~اللحم، بل لم تعد تجد بقايا العظام! صحيح أن بعضهم يردد أقواله عن الحرية والشجاعة والقناعة ~~وجمال الروح الحق، وبعضهم - وبخاصة الفقراء والمضطهدون والمتعبون من شقاء الأيدي ~~والأجسام، البعيدون عن ترف الفكر وتدبيج الخطب والكلام الجميل - يجدون العزاء فيما يقوله ~~من أن احتقار اللذات هو أعظم لذة، وأن الطبيعة قد يسرت للناس كل سبل السعادة؛ إلا أنهم ~~لجنونهم يختارون أن يعيشوا تعسين، وأن الحكيم يملك كل شيء، ولذلك فليس في حاجة لأن يملك ~~شيئا بذاته، وأن الإنسان الحق لا ينتمي لوطن لأن العالم كله وطنه. وصحيح أيضا أن هؤلاء ~~الفقراء قد سمعوا عن كبريائه إزاء الأغنياء البخلاء، لا بل عن رفضه - وهو الجائع العجوز ~~المحروم - أن يأكل على مائدة الطاغية كراتيروس قائلا إنه يفضل أن يعيش على حبات الملح ~~من أن يتمتع بطعامه الفخم. # كما استمعوا بإعجاب لا حد له لما قاله حين سئل: إن كان قد تعلم من الفلسفة ms088 شيئا؛ فأجاب ~~بأنه قد تعلم أن يرتفع فوق كل الحظوظ والأقدار، غير أنهم مع هذا العطف والإشفاق كله لم ~~يستطيعوا على كل حال أن يقتنعوا بأنه إنسان مثلهم أو مثل غيرهم من الناس! # صحيح أن كلماته الحكيمة قد أعجبتهم ولمست قلوبهم، فسماه بعضهم كلب السماء، أو «الكلب ~~الإلهي»؛ ولكنه ظل في أعينهم بالرغم من كل شيء الكلب المسكين المشهور. لقد رأوا أن كلبيته ~~كانت تحمل في ذاتها دليلا صامتا على وقوفه في صفوف الفقراء والمظلومين واحتجاجا - من نوع ~~دنيء بالطبع - على غنى الأغنياء وطغيان الطغاة، سمعوه يقول مرة: إن من المستحيل على المجتمع ~~أن يحيا بلا قانون. فأدركوا ولو من بعيد أنه يدين القهر والعسف الذي يعانونه، كما أعجبوا به ~~حين رأوه ذات يوم وهو يهتف بأحد الكهنة وكان يسوق أمامه رجلا سرق إناء من آنية معبد زيوس: ~~انظروا؛ إن اللصوص الكبار يسوقون اللص الصغير! # كما فرحوا في أكواخهم وبيوتهم القذرة في أطراف المدينة حين سمعوا أنه قال لمن لامه على ~~أنه يؤم الأماكن القذرة: إن الشمس أيضا تزور المستنقعات، دون أن تدنس نورها. # ربما يكون عطف الناس عليه قد زاد قليلا مع ازدياد ضعفه وشيخوخته، وربما يكون اسمه الجديد ~~«كلب السماء» أو «كلب الآلهة» الذي أطلقه عليه الفقراء والطيبون قد أرضاه؛ ولكنه مع ذلك ظل ~~شحاذا جائعا شريدا، إنه يسأل فيمنع عنه الناس أيديهم، ويزور موائد الأغنياء فيلقون إليه ~~بالعظام وهم يضحكون، ويرى الشحاذين يسألون ويعطيهم الناس، فيذهب إلى أحد التماثيل المنصوبة ~~في وسط المدينة، ويمد يديه إليه ويقول لمن يسأله عن سبب ذلك: «لكي أعود نفسي رفض ~~الناس!» # وقد تحتم عليه حقا أن يتعود رفض الناس وبخلهم، ولم تنفعه حكمته التي يرسلها في ~~الشوارع والأسواق دون أن يعبأ بتدوينها، ولم يشبع جوعه أن يتطفل عليه الفقراء مشفقين ~~عليه حينا، ضاحكين عليه في معظم الأحيان؛ فالأغنياء والحكام مشغولون عنه بالاستماع إلى ~~سقراط وأفلاطون ومشاهير الخطباء والمجادلين. # صحيح أنه كان مع ذلك لا يعدم من يتصدق عليه بكسرة خبز أو ms089 قطعة لحم؛ ولكن جوع المعدة لم ~~يكن في الحقيقة هو مشكلته، إنه يستمتع حقا بحب الكثيرين من الأثينيين وعطفهم عليه؛ ولكنهم ~~يسألونه الآن: ما أتعس شيء في الحياة؟ فيقول لهم: عجوز وحيد. وهم يبدون استعدادهم كلما ~~كسر برميله أن يهدوا له برميلا آخر، وربما عرض بعضهم عليه أن يقيم في بيته ويريحه من ~~الجولان وحده في شوارع المدينة؛ ولكن ماذا يجديه هذا كله؟ هل استطاع أحد أن يستمع إليه بحق؟ ~~هل قدر أحد أنه ليس شحاذا كسائر الشحاذين؟ بل هو شحاذ فيلسوف أو فيلسوف شحاذ، يتصدق ~~عليهم بالمعرفة والحكمة مقابل لقم قليلة؟ هل أدركوا أخيرا أنه جعل من نفسه كلبا لكي ~~يفهموا أنهم هم الكلاب؟ هل عرفوا حقا أن حرصهم على الغنى والشرف والشهرة والأصل واللذة ~~تجعلهم كلابا آدميين، على حين أن الفلسفة - أي محبة الجمال والخير والحق - هي التي تحفظ ~~الإنسان من أن يصبح كلبا؟ # لا، لم يفهموا ولم يعرفوا ولم يروا شيئا، وها هو ذا - كما يقول - ما يزال في نهاية عمره ~~كما كان في بدايته شريدا بلا وطن ولا بيت، ميتا في بلده، طريدا يبحث عن خبز يومه! ربما ~~كان هذا هو الذي دفعه ذات يوم عجيب إلى قمة اليأس، وجعله يقوم بتلك الحادثة التي قلت لكم ~~إنها أشهر وأهم من لقائه المشهور مع الإسكندر. # وربما استطعتم أن تشكوا بحق في أمر ذلك اللقاء الخرافي؛ ولكنكم فيما أعتقد لن تشكوا ~~في أمر هذه الحادثة. # نعم! لقد فوجئ الناس به في ذلك اليوم وهو يسير عجوزا وحيدا يتوكأ على عصاه، ويحمل ~~جرابه على ظهره، ومصباحا في يده؛ أجل كان يحمل مصباحا كبيرا في يده اليمنى المرتعشة من ~~الضعف والجوع والعذاب، مصباحا مضيئا في عز النهار. كانت الشمس في منتصف الظهيرة، شمس ~~حامية ترسل حممها الخالدة على رءوس الأثينيين الذين يحتمون منها بكل وسيلة. # نعم إنه الكلب بعينه؛ الكلب الفيلسوف الشحاذ يمضي في شوارع أثينا، والشمس في الظهيرة، ~~ومصباحه الزيتي الكبير يتأرجح بشعلته الملتهبة في يده؛ هل جن هذا ms090 الكلب المسكين؟ ألم يكتف ~~ببرميله القذر المنتفخ فيظهر الآن بمصباحه في ضوء النهار؟ هل شبع من عض الناس بكلماته ~~وأسنانه ويريد الآن أن يحرقهم بناره ودخانه؟ ثم من أين له هذا المصباح والزيت والزجاجة وهو ~~لا يملك ثمن حبة ملح ولا حذاء؟ وما حاجته إليه وهو ينام راضيا منذ سنين في قاع البرميل؟ ~~ومن أين له هذه الكلمات الفصيحة التي يطلقها الآن مع كل خطوة: أين الإنسان؟ أين ~~الإنسان؟ # إنهم بعد المفاجأة يتجمعون حوله، وكالعادة يبدأ الأطفال بسؤاله: عم تبحث يا عجوز؟ # فيقول: أبحث عن إنسان! أبحث عن إنسان! # وتنقلب الحكاية إلى لعبة، ويبدأ الناس بعد ذهول المفاجأة في الضحك بصوت عال، ثم يفيق ~~الأطفال ويبدءون بإلقاء الأحجار، وينطلق الصوت أعلى من صوت الضحكات ومن تهشم الزجاج: أين ~~الإنسان؟ أين الإنسان؟ # لا يدري أحد كيف انتهت جولة ديوجينيس في شوارع أثينا؟ ولا يدري أحد ماذا حدث له في ذلك ~~اليوم العجيب؟ # ربما يكون الجنود قد قبضوا عليه ووجدها الحكام فرصة ليستريحوا منه أخيرا في سجن يموت ~~فيه! أو يكون الأطفال هشموا مصباحه ومعه وجهه العجوز وهيكله الفاني، أو ربما يكون المصباح ~~نفسه قد اشتعل وامتدت النار إلى يديه وذراعيه وأكلت بقايا ردائه المتسخ! # لا ندري ماذا كان مصيره؟ لكن ما زالت صرخته تتردد تحت الشمس السوداء: أين الإنسان؟ أين ~~الإنسان؟ ~~(1968م) # | وقائع يوم أسود # إلى ضياء الشرقاوي في رحاب الله # يوم جديد على عجلة التعذيب، شخص آخر نام في فراشي، أفطر، حلق ذقنه، خجل من النظر في ~~المرآة، تثاءب وهز رأسه، وسأل: متى تكون أنت نفسك؟ بعد ساعة أجلس أمام الميكروفون؛ صوت يخرج ~~من بئر مجهولة، جسد أنكره تنظره ألف عين. الأفكار تتوثب من ليلة الأمس لتقفز، تلمع وتخبو ~~كأنوار قوارب صيد بعيدة في بحر مظلم: الجوهر، والوعي، والمنهج. الجدل، والكوجيتو والوجود. ~~وجراد الاكتئاب يزحف فأستسلم له، وجرس الرعب البيتي يرن فأنتفض: من؟ ويأتيني صوت الصديق ~~الأسمر فأتصور وجهه المتألم وعينيه الطيبتين ودعاباته بالجيم المعطشة: أهلا أهلا، يا ~~صباح الخير. ms091 # أنتظر الدعابة المفاجئة، أتهيأ للهجوم المعتاد؛ للإعلان عن فتح جديد في القصة، لتجديد ~~موعد بعد منتصف الليل، تأتي الإشارة بالصمت حاسمة: خبر سخيف أبلغه لك، لا وقت عندي، لا ~~بد من إبلاغ الآخرين. # تصبح الإشارة لطمة مباغتة، إعصارا يقتلع الشجرة، بين الجنون والذهول ينغرز خنجر الكلمة ~~في القلب، تمتد يد الغريق تستغيث وتتلوى وترفض الكابوس؛ لكن الكلمة سقطت، والموت اخترق ~~الدوامة؛ الموت. # من ثلاثة أيام مر علي، ترك لي ورقة تحت الباب، أذكر السطور الثلاثة المتعرجة، الحروف ~~الدقيقة المائلة، المسافات البيضاء بين كل كلمة وأخرى (ثبت في ذاكرتي من قراءة قديمة في علم ~~الخط أنها علامة لا تخيب على طيب القلب)، روح الطفل المعذب تبتسم وراء كل كلمة، تحمل ~~وعدا باللقاء القريب، أعيد قراءتها قبل أن أطويها وأبتسم لمطلعها: إلى عناية ... ولربة ~~القدر المشاكسة التي مدت خيطا بعد غيبة أسبوعين فأفلت منا. كنت عنده في نفس اليوم ونفس ~~الوقت، أعدت مجلة استعرتها منه وربت بكفي وجه الابن، والحنين كان في القلبين، وسؤال ~~الأصدقاء من الطرفين، ونية اللقاء القريب والحديث الطويل مشتركة ومعلقة كالنجم؛ لكن ~~الخيط يفلت. إلهي، أيمكن أن يفلت إلى الأبد؟ # أرتدي ملابسي بسرعة، أتحسس سلسلة المفاتيح في جيبي، أطلب مكان العمل لأعتذر، وألعن كل ~~شيء، أستعيذ بالله وأضبط شفتي تتحرك بآيات محفوظة، أرد الباب وأخجل من جسد لا يزال يتحرك ~~ويقفز درجات السلم ويهز الرأس للبواب. العالم ما زال، الشمس ترسل ضوءها كما فعلت بالأمس ~~ومنذ ملايين السنين، والجدران قائمة، والناس تتحرك، والعربات تجري، والكلاب تتطلع بعيونها ~~الحزينة الذليلة، وكل شيء ... إلهي! لم أنت وحدك؟ كيف أقول عنك «كان»؟ أين تتمدد؟ كيف تنام؟ ~~كيف أصدق! # أقف على محطة الأوتوبيس، أنتظر وأنتظر، المشكلة الأزلية، وأنت هناك، والموعد المستحيل ~~يقترب، أشير إلى تاكسي؛ تتم المعجزة، أصارح السائق الشاب بدهشتي، ألاحظ وجهه الذابل ~~وعينيه الصامتتين المنكسرتين. يهز رأسه موافقا: زمن المعجزات لم يفت، المعجزة أمام ~~أعيننا، على مرمى من أقدامنا، حولنا وفينا؛ لكنا لا ننتبه، أبدا لا ننتبه. يلتفت برأسه ~~وينظر ms092 إلي. أنهال عليه بالشكر وأسترسل في الكلام عن قدرة الله؛ هل تملك إلا التسليم؟ ~~يؤمن على قولي بإطراقة من رأسه، أناشده أن يسرع قليلا، تفلت مني كلمات الموت والجنازة ~~والصديق. يردد في عينيه الواسعتين، تخرج من فمه الكلمات المعتادة، أخجل من ثرثرتي، أعجب ~~من نفسي: هل قلت الموت؟ هل صدقت؟ # والوجه الأبيض الحبيب أمامي؛ مستدير ومائل باستطالة نحو الذقن الصغير المدبب، ممتلئ ~~بالحيوية، بدا عليه الإرهاق والسهر، وتحت الحاجبين الأسودين عينان واسعتان يفيض منهما نهر ~~حنان لن أنسى عذوبته، ويتوثب فيهما طموح قلق لا يكف عن المغامرة، وجبهة عريضة عالية أجبرت ~~الشعر أن ينسحب عنها شيئا فشيئا لتواجه - كصخرة على الشاطئ - أمواج المخاطرة، والفم ~~الصغير المزموم الشفتين تصطرع فوقه المرارة مع خفة الدم الآسرة، والصوت ... الصوت الرجولي ~~الخشن الذي يندفع ويعلو ويشق الزحام كصوت القبطان المرح الآمر الذي ينبه البحارة ~~المتعبين. هذا الوجه وهاتان العينان وهذا الصوت؛ لم لم أعرفها إلا من عام واحد؟ # من النافذة الزجاجية ألمحهم واقفين على منعطف الطريق المنحدر، أمام السور القديم ~~المتآكل. يتحرك كياني ولا أعرف من يحركه، كتلة ثقيلة سوداء. يقترب مصطفى مادا ذراعيه، ~~طويلا منحني الظهر، كفه اليمنى تصنع السؤال الأزلي، يأخذني بين أحضانه، يريح رأسه على ~~كتفي اليسرى، ينهنه كالطفل. فراغ من حولي، فراغ في داخلي، هاوية تحيط بي، العين جافة، ~~والدمع لا يستجيب. أعرف نفسي: لم يأت الجيشان بعد. القلب أرض خراب، سطح ساكن، لا بد من وقت ~~طويل قبل أن ترتفع الموجة، جربت هذا من قبل. أخجلني وجودي الصخري أمام أمي وأخي. وفي الليل، ~~وحدي، ينهمر الطوفان. هدهدت رأسه وكتفيه، قبلت وجهه ورقبته، تلعثمت بالعزاء المحفوظ، ~~السؤال: كيف ومتى وأين عقيم، والكلام لا يشرخ جدار الموت، يرتد إلينا كاللطمة في الوجه، ~~يصرخ شيء في: هذا وقت الصمت. اللفظ خيانة، والعجز الراقد فيك كقزم عار يتوسل لك: دثرني ~~بالله عليك، برداء الصمت. أتقدم من الواقفين، أرى الوجوه المربدة، والرءوس المدفونة بين ~~الكفين، والسخط العاجز يتأجج في العينين، كبقايا نار تخبو. تسلم ms093 في صمت، تخجل أن يشغلنا ~~شيء عنه، نريد أن ننفرد به، نرفض التسليم، مصطفى يأخذني من يدي، يدخلني معه في الكابوس؛ ~~صباح الأمس كان في عمله، وهو عائد للبيت مع محمد، شعر برعشة، رغبة في القيء، غمر العرق ~~وجهه، انتفض من البرد، صاحبه للبيت، طمأنه، دوار ويزول بعد الأكل والنوم، وعده بالزيارة ~~مساء (نادرا ما كان يفعل، أهو الإلهام الأسود، النبوءة تخرج من قلب الفنان بلا وعي؟) وفي ~~المساء - لم تكن الساعة قد جاوزت السابعة - تم كل شيء؛ انهار العالم، وسقطنا تحت ~~الأنقاض. ~~- وأين هو الآن؟ ~~- يحضر الغسل، لم يتركه طوال الليل. ~~- قبل أسبوعين كان عندي، إحدى زياراته التي أترقبها وأظل أشتاق إلى مفاجأتها الحلوة، يدخل ~~مسكني المقهور المعتم دخول الغزاة، يسبقه الصوت الخشن المشروخ يجلجل ويهلل: أهوه! ~~نائم أم صاح؟ دائما نزعجك! وأحس بأن جيوش الفرح تزاحمني، تدفعني، تضيء ألف مصباح ~~في القبو المظلم، يهتف: أزعجنا صومعة الحكمة. أضحك: سمعت صوتك فانتحرت من ثالث دور! أتمنى ~~ألا ترجع أبدا. الحكمة ليل، موت، قبر أحمله حيث ذهبت. نضحك ونضحك. أنظر في عينيه ولا أشبع، ~~أقول لنفسي: هل أستحق كل هذا الحب؟ نصنع الشاي، يمد يده بنفرتيتي، يقول لا بد أن أصالحك ~~عليها، أشير له إلى صورتها على الحائط المقابل؛ الملكة أعبدها، أما السيجارة فألعنها، كادت ~~أن تسبب لي سرطان الحلق. نتكلم ونتكلم. أطلب منه أن نبتعد عن النقد، ألعن نقاد العالم ~~فيضحك، ألح عليه أن يقرأ لي شيئا لم ينشر. لم يفعل هذا قط، يمنعه الخجل الفطري. ألح ~~مرة ومرات. تطلع لي في يأس، يتردد أن يخيب أملي، يمد أصابعه إلى جيبه ليخرج ورقة مطوية. ~~أغمض جفني وأتهيأ لاستقبال النسمة الرطبة التي تنعش التائه في صحراء. # حادث. لم ترفرف نحوي الآن هذه القصة الصغيرة الزرقاء؟ ألأني أنظر فأرى محطة الأوتوبيس ~~القريبة؟ أكان يقف عليها الرجل الأسمر الطويل في جلبابه الناصع الكشمير؟ يشمر كم جلبابه ~~من حين إلى حين ليمسح حبات العرق المتصبب على جبينه ووجهه، ينتظر في الزحام مكانا في ms094 ~~عربة، يتدافع الرجال والنساء والأطفال وتتدافع العربات، وهو واقف في مكانه يمسح عرقه ~~المتصبب، على صدغه وشم أخضر لأسد أخضر، فوق ذراعه أبو زيد الهلالي فوق حصان أخضر شاهرا ~~سيفا أخضر، تراقبه فتاة سمينة بيضاء، وسط الزحام يتهاوى على الطوار، يتمدد جثة. يتقدم ~~شاب يفتح صداره الأسود، ينفخ في فمه، يتحسس نبضه، يكشف عن سيف بن ذي يزن يركب حصانا أخضر ~~ويشهر سيفا أخضر يشطر به فارسا آخر فوق حصانه، الحصانان والسيفان خضر، وعيون الأسد وأبي ~~زيد وسيف والفارس المشطور نصفين تلمع بالدهشة قبل أن تغطيها الجريدة، والجثة ترقد وحيدة ~~فوق الطوار، تحت شمس أغسطس اللافحة، وسط العربات والخلق المتزاحمين. والصديق الأسمر في ~~البيت يحملك على صدره، يصب عليك الماء الأخير، وعربات الحياة والأدب تمضي ولا تتوقف؛ أهي ~~النبوءة؟ هل كانت تتربص بأصابعك، تحرك سن القلم؟ # أتعرف على بعضهم، أذكر أنني رأيت أحدهم مرة، أحاول أن أتذكر، في إحدى دور المجلات أو في ~~ندوة كانت تعقد في كازينو على النيل، ربما قرأت له أيضا، ليته لا يسألني! أقف بجوار ~~شاب يبكي بكاء مريرا، أمد يدي وأربت كتفه، أقول كلاما لا أسمعه ولا أدريه، لم يخرج ~~مني بل من عقل جمعي موروث، أنظر في عينيه المحمرتين كالدم، أحس انتفاضة دمعة وشيكة، ~~أحاول أن أهدئه، أن أعزيه. هذا الوجه الطيب المجد قبل الأوان، الملامح الريفية ~~الدافئة، جيل الفقر والتمرد والبحث عن الانتماء؛ يكلمني من خلال الدموع كأنه يعرفني. ~~أخجل أن أسأله عن اسمه، أخجل من تقصيري في حقه، أشعر شعورا غامضا أنني متطفل أو غريب. ~~هو وحده الذي كان يجمعني بهم، هو وحده الذي نبهني من سباتي الأكاديمي إلى جهودهم، هل أستحق ~~معاملتهم لي؟ تأتي عربة «فيات» يجلس فيها ثلاثة. خمنت أن السائق هو رئيسه في العمل. كلمه ~~الناقد الصديق وآخر لا أعرفه. ترددت كلمات عن تصريح الدفن وإصابة العمل ومكافأة الشركة ~~ومصاريف الجنازة والهبوط المفاجئ في القلب. ارتعشت تأملاتي الساكنة، اهتزت ربة الحكمة ~~الجامدة: الحقيقة الدموية تنتقل من يد طبيب الصحة ms095 إلى يد الصراف. تدخل دفاتر الحسابات ~~والمعاشات والمكافآت والإعانات، أتذكر أبياتا جاءت في إحدى قصصه: # الحلم وحده، بقوته العنيدة؛ # يفتح الطريق الأخير. # وأنت ترقد الآن ومعك الحلم؛ معك وحدك، على حين يتلوى بين أيديهم ويفرك ~~عينيه ويرفض أن يصحو على صوت الأعداد والأرقام. يعود مصطفى من البيت. أسأله عن الأولاد. ~~صغار لا يعرفون؛ رباب تلعب على العربة السوداء، تشد التصادم الخلفي. صغار لا يعرفون؛ أكل ~~وتقيأ ثم نام. قال لزوجته خذي الصغير للدكتور؛ حتى لا يوقظنا ليلة أخرى. بعد ربع ساعة ~~عادت من عند الطبيب. الصغار يقفون على الباب ويبكون: تعالي شوفي بابا يا ماما. ممدد على ~~الفراش كما تركته. # لم فعلت هذا؟ لم تركتنا؟ # في الحادية عشرة تظهر العربة صاعدة على المنحدر؛ العربة السوداء! يرتفع نشيج الشاب الذي ~~كنت أقف بجواره، ينخلع القلب ويشهق وتعاودني الأزمة الصدرية، يتبدد وعيي يتلاشى، يسقط في ~~العدم الفاغر فاه، يحتضنني شاب طويل يضع رأسه على صدري وينفجر بالبكاء. إلهي! كل هذا الحب، ~~كل هذا الوفاء، أضمه بشدة إلى صدري وأفكر: ما زالت الدنيا بخير، برغم كل شيء ما زالت بخير، ~~البركة فيكم يا أولاد، عاش لكم ومات في سبيلكم. توزع العربات على الحاضرين، أشعر أنها لن ~~تكفي. يشدني الصديق الأسمر لأركب. أقول له: أنت أولى مني. عينه كرة من الدم. يأمرني في غضب ~~أن أركب. يقول مصطفى: إنه سهران طول الليل وعنده القلب. ودائما القلب أيها الأدباء، ~~نتعبه ويتعبنا حتى نسقط. أنظر إلى العربة السوداء، الباب الخلفي موارب. يفهمني نبيل ~~أن الشاب الممسك به هو شقيقه؛ وجه أبيض مستدير، شعر أسود كث، ممتلئ بعض الشيء. يفهمني ~~أيضا أن عمه بجوار السائق. هو وحده الذي يعرف الطريق. يقول الشاب الطويل الذي لم أتنبه ~~إليه إلا الآن: أمامنا ساعتان. يستطرد نبيل: وساعة حتى نخرج من المدينة الملعونة. يتقدم ~~الموكب عربة صفراء في المقدمة، يكتشف صاحبها بعد مسافة قليلة أنه لا يعرف الطريق فيتراجع ~~وراء العربة السوداء، ثم يتراجع وراء عربتنا بعد أن يتفاهم مع السائق ms096 على الطريق. أجلس على ~~اليسار بجانب مصطفى ونبيل والشاب الطويل الذي لا أعرفه، أسأل عن صديقنا من السويس ، لا بد ~~أنه تأخر في الطريق، أعرف من مصطفى أنه كلمه في السادسة صباحا. نردد خوفنا عليه من ~~الصدمة؛ لكن لا يمكن أن تفوته الجنازة. سنراه في البلد بعد قليل. سيجد ألف طريقة وطريقة. ~~يصمت نبيل ويدفن رأسه في يده، يردد آيات من القرآن، الحزن الهادئ على وجهه وفي عينيه، ~~حمامة فزعت إلى عش الإيمان، الوجوم يفرش جناحه الأسود فوقنا، بين حين وحين تنفذ سهام الآيات ~~لحم الصمت الأسود. مصطفى يضرب كفا بكف، يطلق اللجام لحصان التعجب الجاثم فوق صدورنا، ~~يجري لسانه بنفس الحكاية: ليلة أول أمس كان عندي (هل ينتبه لصدمة «كان»؟) تعشينا وسهرنا ~~طول الليل، أمس ذهب إلى مكتبه خرج مع محمد، في الطريق أحس برعشة، تصبب العرق. أسمع ولا ~~أسمع، أغرز عيني في العربة السوداء التي تتقدمنا، ألاحظ الباب الموارب وأحاول تبين ~~الوجوه في الداخل، أتوقف عن اللافتة الصفراء، أردد الرقم المكتوب بحروف سوداء: خمسة، ~~ستة، أربعة. تتوه الأرقام وتتداخل وأعيد ترتيبها. أنظر للعجلات السود؛ للغبار المتصاعد ~~منها، أرفع بصري للأشجار على الجانبين، أسأل: أهي أشجار كافور أو جزورين؟ يفهمني الشاب ~~الأسمر الطويل عن الفرق بينهما. أرى صفصافة تميل بشعرها المتناثر على جانب الترعة، أقول ~~هذه ندابة مملكة النبات، أتندم على ما قلت وأفكر في إيزيس وشعرها المنكوش على ماء النيل، ~~أبعد أشلاء أوزوريس وأثبت عيني على سواد العربة السوداء. تبدأ رءوس الأحاديث تطل من ~~جحورها. أتشاغل بالأشجار وأسلاك التليفون والعصافير الواقفة عليها وحقول البرسيم المنبسطة ~~تحتها، والحمير والجاموس والبقر بعيونها الواسعة ونظراتها الهادئة السادرة في سعادتها ~~المظلمة. وأنت وحدك؛ هل تسمعنا؟ هل تحس بنا؟ أين أنت؟ # في أحد لقاءاتنا الأخيرة قلت له: أنتم جيل التفاصيل، أحس مما قرأت لك ولزملائك - وهو ~~للأسف قليل - أنكم تشهدون على صدق العبارة الحديثة: الفن عين ترى وترصد. هل بعث فيكم الكاتب ~~المصري القديم الذي ينقش حروفا ومقاطع على هيئة الحيوانات والنباتات والأشياء ms097 على ورقة ~~بردي صفراء؟ هل تحبون فنان خان الخليلي - الذي أوشك أن ينقرض - وهو عاكف على طبقه أو ~~مشربيته أو مشكاته بالصقل والتهذيب؟ تحددون كل شيء وتتابعون كل حركة وظل ولمعة ضوء، كل ~~فعل ورد فعل، كل ارتعاشة ورقة أو نسمة أو خلجة. كنا نتكلم عن الأشياء وأنتم تتركون الأشياء ~~تكون ثم تستدعي الكلمة والاسم، اللغة عندنا راع يسوق الأشياء، والأشياء عندكم ترعى اللغة، ~~وتصبح القصة حشدا من التفاصيل، غابة من الأشياء، هل تعلمتم درس «الظاهريات» لنعد إلى ~~الأشياء؟ أو أطلتم قراءة جرييه وساروت وبوتور؟ إنني أستمتع بهذه اللوحات المتشابكة ~~بالخطوط والدوائر والألوان، والخرائط الهندسية الدقيقة للواقع، المفتت المنهار، ~~والألحان المتقطعة المتعددة الأصوات والأماكن والأزمان؛ لكن لا أكتمك أنني أفتقد ~~الإنسان، أخشى أن يكون قد أصبح شيئا بين الأشياء، مشجبا تعلق عليه أحواله وردود ~~أفعاله. # قال: الإنسان عندكم هو المحور والمركز، أنتم رومانتيكيون مهما حاولتم الإنكار. أؤمن ~~على كلامه، أقول عالمكم ليس فيه اختيار، يتساوى فيه التافه والهام؛ لكنه عالم محطم ~~منهار، صحيح أن نظريات الجمال تؤكد هذا، الشعر والموسيقى والرسم والنحت والرواية ~~تثبته وتبرره؛ لكنني غير مستريح، أتمنى أن نقرأ ونتعلم ونستفيد، ثم ننسى ما قرأناه كما ~~علمنا نقادنا القدماء. إنني من جيل يقدم الشخص على الشيء، يرفض أن يصبح الأول مجرد ~~أفعال وردود أفعال، يبقى على قيمته، يحاول أن ينقذه من كل ما يدمر إنسانيته، من كل ما ~~يلغيه ويسيء إليه، خصوصا في مجتمعنا وأمام أعيننا، يرفض أيضا أن يتمدد الشيء على عرش ~~الوجود، أن يصبح البطل الجديد والمنقذ الجديد؛ هل هذا لأن سم الرومانتيكية استشرى فينا ~~ولم يعد منا شفاء؟ أو لارتباطنا - عن وعي أو غير وعي - بتراث روحي أقوى منا؟ تراث يؤمن ~~بدور الفرد في التاريخ، وبينما أصبح العالم عندكم صحراء هائلة تتساوى فيها كل الأشياء، ~~يتجول فيها شبح الإنسان الهائم على وجهه، باحثا عن ذات وهدف؟ اعترض على كلامي، قال إنني ~~أناقض نفسي، أسقط في التعميم، إن أعمالا كثيرة له ولغيره تخرج عن هذا التعميم، ms098 تكلمنا عن ~~الشعر الحديث. أكدت له أن ما قلته عنه كان مجرد أداء واجب ثقافي. ضحك وقال: حيرتمونا معكم! ~~قلت - وكنا بعد منتصف الليل نسير على الأقدام في طريقنا من زينهم إلى الجيزة - إننا نعيش في ~~عالم مختل، متخلف، وأعمالنا تخرج من هذا العالم وتحاول أن تصوره؛ أبطالنا - إن صحت ~~هذه التسمية - كلهم مرضى مثله، معظمهم مجانين أو مصابون بعقدة الذنب أو باحثون عن المستحيل ~~أو هاربون، كلنا يحاول أن يهرب من هذا العالم إلى الأدب، إلى الماضي الأسطوري، إلى وحدتنا ~~مع اللغة والأشياء؛ ولكن هروبنا نفسه يشير إلى أنه ليس هو الإنقاذ. لو سألتني وأين هو ~~الطريق إليه لسكت؛ فليست وظيفة الكاتب تقديم الوصفات العملية، على القارئ أن يستشفها من بين ~~السطور، وعليها أن تثيره وتوحي إليه وتحركه؛ كل ما أستطيع أن أقوله: علينا ألا ننفصل ~~عن أهلنا، عن آلام بلدنا، لنجرب ونغامر ونخاطر في كل عمل، لتكن كل قصيدة وقصة ~~ومسرحية مغامرة نحو المجهول ومقامرة اكتشاف، لتلجأ للرمز أو الطقس أو الأسطورة أو التاريخ، ~~لتنصت لما يقوله فم الشعب أو ما تقوله أفواه النقاد والمنظرين؛ لكن لتذكر على الدوام ~~أنها تنشأ في مجتمع متخلف، قد لا يحس بها ولا بنا، نحن نعلم أننا سنعيش منسيين ونموت ~~منسيين، ليس في هذا شيء يحزن؛ المهم أن نحمل مجتمعنا البائس المتخلف في داخلنا. آه ما ~~أفظع تخلفه! تكلمنا بعد ذلك عن صوفية الأشياء، عن شعر الجسد، عن موسيقى الأجسام والخطوط ~~والدوائر والظلال والأضواء والألوان. تذكرت «سيدة الأزهار» و«بيت في الريح» و«النمر». ذكرنا ~~«الركض تحت الشمس» و«رائحة الرماد» والدماء التي تسيل في قصص مستجاب. أكدت أنني تعلمت ~~وأتعلم منها جميعا، وقبل أن نفترق على موعد طرحت السؤال الذي تردد في الظلام، أمام الباب ~~ووسط نباح الكلاب: وأين نحن؟ # تقف العربة فجأة وتقطع ذكرياتي، ينزل نبيل ليسأل عن الخبر، يعود بعد قليل ويقول: تهنا عن ~~الطريق. ظن السائق أن العم يعرف الطريق، كان عليه أن يسير في طريق بنها- الزقازيق. علينا ~~الآن أن نرجع ms099 عشرة كيلومترات؛ يستدير الموكب، الشمس حارقة، والريح راكدة، والسماء والأشجار ~~والأشياء غير مبالية. غضب سائق العربة السوداء ووجه اللوم للعم والأقرباء؛ لكن حرمة ~~الموت تجبره على المسير. هو أيضا لم يكن يزور البلد إلا قليلا، كانت آخر مرة عندما ماتت ~~أمه. والأب؟ يجيبني مصطفى ونبيل: عجوز على المعاش؛ كان معلما فرئيسا لمديرية التعليم، لم ~~تكن العلاقة بينهما دائما على ما يرام. أفكر في الصراع الأبدي بين الأجيال، في أن معظم ~~الأدباء عانوا من آبائهم وأحبوا أمهاتهم، يصرون دائما أن يكونوا هاملت أو أوديب. أستحضر ~~وجه أبي الصارم وأترحم عليه، أحن إلى أمي وأترحم عليها. نعبر جسرا ثم نخترق مدينة صغيرة، ~~نلاحظ أن اليوم هو يوم السوق، النساء بملابسهن السوداء يفترشن الأرض تحت خيام منصوبة من ~~الخيش وأمامهن البرتقال والبطاطس والكرنب والبصل، والتجار يفردون أمامهم أثواب الدمور ~~والكستور والدبلان، يتوقف الجميع ويتركون ما في أيديهم، وترتفع الأيدي بالشهادتين، ويقف ~~الرجال والأطفال خاشعين؛ بلدة تقدس الموت وتعرف حرمته أرادت أن يقهره فقهرها وعاشته ~~وعاشت فيه. نتفق على الإحساس بالعطش، فننزل من العربة ونرويه بأربع زجاجات كوكاكولا، يدخل ~~اثنان منا إلى قهوة مجاورة ويختفيان لحظات وراء حاجز خشبي صغير، نرجع إلى العربة ونستأنف ~~تأملاتنا العقيمة: كيف لا يكون هذا النظام والتنسيق دليلا على القدرة؟ كيف تكون المادة ~~وحدها هي الأصل؟ ~~- كيف لا يكون النظام والتنسيق دليلا على وجوده؟ (الدليل الكوزمولوجي المشهور: يا ~~للملل!) ~~- هل تستطيع المادة أن تفكر في نفسها؟ ~~- المادة جدلية. عليك أن تتعلم قوانين الجدل! ~~- لكي يمكننا أن نتكلم عن المادة، لا بد أن يكون هناك شيء غير المادة. ~~- أنتبه لهذه النقطة؛ إنها في غاية الأهمية. ~~- الإنسان «ميكانزم»، وعندما يختل يموت. ~~- أهكذا بلا هدف ولا معنى؟ ادرس أصغر خلية حية. ~~- ادرس الأميبا، وستعرف أن وراءها قدرة حكيمة. ~~- أنا لا أومن إلا بالعلم، كل ما عداه خرافات وأوهام، مجرد عزاء. ~~- ومن قال لك إن العلم ضد الدين؟ كل حقيقة علمية تشير إلى بحر مجهول من الحقائق التي لم ~~تكتشف بعد. ~~- سيأتي اليوم ms100 الذي تكتشف فيه، علينا أن نؤمن بالعلم، يومها يتغير العالم ويسعد ~~الإنسان، لم ينشأ الدين إلا عن الخوف. ~~- حتى لو عرفنا كل الأسرار وهذا مستحيل؛ فلن يتوقف بحثنا عن الله. ~~- وما حاجتنا إليه؟ سيكتسب الإنسان الثقة بنفسه، سيصبح هو الإله الجديد. ~~- أستغفر الله! وهل سيمكنه التغلب على الموت؟ ~~- وهل هذه مشكلة؟ ~~- بل هي المشكلة، اتعظ واستغفر الله! ~~- لن يكون الموت مشكلة لو عاش الناس سعداء، الحياة الآن هي المشكلة. ~~- وحدوا الله. العربة وقفت من جديد. # ننظر من النوافذ الزجاجية؛ العربة توقفت أمام كشك على اليسار، يخرج منه شاب طويل في ملابس ~~الشرطة العسكرية، يحيي باحترام ويشير بيده اليسرى إلى الطريق. يتطلع فلاح عجوز يجر بقرته، ~~يرفع سبابته بالشهادة وتتمتم شفتاه. تتطلع عينا البقرة فينا؛ عينان واسعتان صافيتان. تمضي ~~العربة، لا بد أنه هو الطريق الصحيح. نندفع بعيدا عن الأسفلت، على طريق مترب مليء ~~بالمطبات، مواز للترعة الواسعة على اليمين، وتلال الرمل المتعرجة على اليسار. ~~- الإيمان هو الحل الوحيد؛ إيمان العجائز لا الفلاسفة. ~~- إما أن يكون الإنسان مؤمنا أو لا يكون، كل الأدلة ثبت فشلها، ولكل دليل دليل ~~مضاد. ~~- العقل محدود؛ فكيف يسمح لنفسه بالتفكير فيما لا يعرف الحدود؟ ~~- نحن جميعا نوصل بعضنا؛ أوتوبيس ينزل منه ركاب ويطلع ركاب. # يضحك المادي على هذا التشبيه. ينهره نبيل وينبهه إلى العربة السوداء، يقول وهو يغمض ~~عينيه: الله يرحمه. يسأل أحدنا: إذا لم يكن هذا هو الدليل على وجوده فأين الدليل؟ يرد آخر: ~~الموت حق؛ لكن الفراق أليم. يستطرد نبيل: النبي نفسه بكى على فراق ولده إبراهيم. نصلي عليه ~~ونسلم، نشعر بالخجل من ثرثرتنا فنلوذ بالصمت. أضع رأسي بين يدي وأستغفر، أحس شيئا يجيش ~~في صدري؛ ذكريات قديمة ترتفع أمواجها، أتنفس بعمق وأنظر من النافذة؛ صبية عائدون من ~~المدرسة، يقفون على جانب الطريق ويتأملون الموكب البطيء، ترن ضحكات، ينحني بعضهم ليلتقط ~~حجرا ويكوم قبضته، تقع عيناه على العربة السوداء فترتخي ذراعه إلى جانبه وتنفتح قبضته ~~عن زلطة وكومة رمل. أتصفح الوجوه الذابلة والأجسام الهزيلة ms101 التي برتها الديدان وفقر الدم. ~~يتشجع أحدهم ويهتف وهو يضحك ويضيق عينيه من وهج الشمس: على فين؟! أيها الشقي! ألا تعرف ~~حتى الآن؟ أتأمل الصبي الواقف في مريلته الصفراء وشريطه الأحمر المتدلي على صدره وحذائه ~~الذي يبدو أضخم من قدميه، لا أدري لماذا تمنيت لو أصرخ فيه: أيها المهرج الصغير، ألا ~~تعرف الفرق بين عربة الموتى وعربة السيرك؟! # تفاجئني صورة طفل آخر، أحب من قابلته في قصصه ورواياته؛ طفل تلاعبه جماعة من المهرجين ~~البائسين. لن أنسى أبدا لاعب البيانولا الطويل. هل قلت قصة؟ الكلمة لا تصلح تماما؛ هي رفة ~~حلم، همسة اغتراب في العالم الكبير، مع المغتربين الوحيدين الذين يسمعون قلبه، يفهمون ~~مأساته ويضحكون عليها ويضحكون غيرهم، ثم يمضون وأعينهم دموع. # هنا أيضا العناية بالتفاصيل والأشياء؛ لكن الأشياء تنبض شعرا، يضع الكاتب «سماعته» على ~~صدورها ويحس أنفاسها وأوجاعها. # إنه لا يكتب أو يتكلم عنها، بل يتركها تكون، تصبح اللوحة قطعة قماش مطرزة بعناية وحب، ~~تدعوك لتشارك أيضا في نقشها وتطريزها، لا مشكلة ولا حل، لا بداية ولا نهاية؛ فالبداية تبدأ ~~قبل البدء، والنهاية لا تنتهي عند الختام. دوامة صغيرة تثير في النفس غبارا أو رذاذا، ~~بقية حلم تعلق بالجفنين وتدعو لمزيد من الحلم. أعدنا قراءة مقدمة القصة، حاول أن يمنعني، ~~أن يعتذر ويغضي عنها (يندر أن يعرف فنان حق قيمة عمله، يندر أن يتبجح به أو يتاجر فيه)، ~~أتذكر حياء تشيخوف وتواضع كافكا: # فكان أن قادني الإسكافي العجوز الأصم ممسكا بيدي اليمنى، حاملا مصباحا ~~صغيرا في يده اليسرى، ترتجف شفتاه، وتهتز التجاعيد حول عينيه وأعلى جبهته؛ فوجدت ~~أبي ممددا أسفل السلم، وجهه ناحية الأرض، ويداه إلى الأمام مقلوبتان. وترك ~~الإسكافي العجوز المصباح الصغير إلى جانب رأس أبي، فرأيت طبقة من الغبار فوق رأسه ~~وظهره. أعدت يده اليمنى إلى جانبه، وحاولت أن أدير وجهه إلى أعلى فرأيت طابورا من ~~النحل ينحدر فوق عنقه ويتجه نحو صدره. # 1 # حدثته عن صورة طابور النمل التي لا تبرح المخيلة، عن قدرة الفنان تتجلى في ms102 مثل هذه ~~الصور، فتلازمنا طول العمر (من يدري؟ قد تصحبنا حتى القبر). أخذنا في الكلام عن كافكا ~~وكوابيسه وتفاصيلها الواقعية؛ فرقنا بين الحلم الصافي البريء وبين الكابوس، عن التوازن ~~هنا بين البناء والدفء، بين التفاصيل والمعنى، بين الوعي المنبث في الأشياء والوعي ~~المتسلط عليها. تكلمنا عن ضرورة تأديب اللغة؛ قهرها وإخراس مكبراتها المتخمة من آلاف ~~السنين بالإيقاعات والكلشيهات والمحفوظات، بالرنين والضجيج والطنين. ذكرنا فضل أبينا الطيب ~~صاحب العصا والقنديل، وضحكنا لهجومه الجبار على واو العطف والفواصل والعلامات والصفات. ~~اتفقنا على ضرورة العلم، على أن الأديب في عصرنا هو الأديب العالم، لا الكسول المتواكل ~~على شياطين الشعر وربات الخيال وحمى الانفعالات. حذرته بشدة من كثرة القراءة في النقد ~~والجمال، خشيت أن تطغى عليه وتحبس ذاته وراء قضبان الآخرين. تأملت وجهه المرهق واهتزازات ~~تجاعيده حول الفم الصغير والعينين الواسعتين، سألت نفسي: أين رأيت كل هذه الطيبة والحب، ~~ممزوجة بالجدية والأمانة والقلق؟ لم تلبث الابتسامة أن اتسعت كالدوامة وجلجلت بالضحكة ~~الرجولية الخشنة، التي اختنقت في سحب الدخان وتعثرت في سعال مشروخ حاد. سألت نفسي كما ~~سألتها مرات: لم كل هذا العذاب؟! لمن؟! أغمضت جفني لحظة: كم نحن وحيدون! # نقترب من البلدة، تلوح بيوتها الطينية من بعيد ومئذنة جامعها كسلم أبيض صاعد للسماء. ~~نعبر جسرا حجريا بسورين خشبيين، أنظر إلى أسفل وأعد سبع إوزات تنساب على سطح الترعة ~~العكر. العربات تثير وراءها عاصفة من الغبار، والقرية كأنها خالية من السكان. نتجه نحو ~~طريق ضيق بين صفين من البيوت، جدرانها عالية مائلة بانحناء إلى أعلى، كأسوار قلعة مهجورة. ~~لا بد أن أحدا لمح العربة السوداء، في البداية يفزع كلب أصفر من اليسار ويمرق إلى الحارة، ~~يتبعه صبيان بجلباب وبيجامة، وخلفهم معزة تريد أن تتبعهم ثم تتردد عند رؤية العربات وتقف ~~على الناصية، ألاحظ وجهها المستطيل وأنفها السامي وعينيها المتفحمتين. ينطلق صوات من ~~امرأة تقف أمام باب البيت الأول إلى اليمين، يتردد صوات أعلى من سقف البيت المجاور، ينبح ~~الكلب، ترتد العنزة للوراء، يجري شابان يتبعهما ms103 عجوز يشمر جلبابه الأزرق الذي لفه حول ~~وسطه قادمين من ناحية الترعة، تتعالى عاصفة من الصوات مختلطة ببكاء امرأة تجري بمحاذاة ~~عربتنا، يخرج رجال ونساء وفتيات وأولاد من الأزقة والحارات التي نمر بها، يسبقنا عشرات ~~خرجوا فجأة من البيوت والدكاكين والأحواش ذات الأسوار الطينية الواطئة والحقول القريبة، ~~تفتح الشبابيك وتطل النسوة ويشرن بأذرعهن وأيديهن، تشتعل البلدة التي كانت في ~~الانتظار بحريق الأصوات السوداء؛ عويل من الأسطح والنوافذ، أبواب تفتح وترد بعنف، رجال ~~يتنادون وأطفال يفركون عيونهم ويجرون. ننعطف يمينا ثم يسارا، نرجع للطريق الضيق الطويل. ~~مع كل خطوة تهرول أقدام وتولول أصوات وترتفع أصابع بالشهادتين، ويختلط الوجوم بالغبار ~~بالصياح بالتشنج المكتوم. يبدو جامع آخر. نتقدم نحوه، يتضح بابه المفتوح وواجهته المطلية ~~باللونين البني والأبيض في مستطيلات متوازية. تتوقف العربات، يشتد الزحام، يخرج شيوخ من ~~الجامع ويدخلون، تحتشد نساء تجرجر السواد بجانب العربة السوداء، يشير لهن الرجال ~~فيتكومن إلى اليمين قليلا، يتعالى صوت امرأة: يا ابن عمي يا حبيبي. يتعاون الرجال على ~~إخراج الخشبة من العربة، يتزاحمون، نتقدم إلى داخل الجامع، رجل عجوز ترتعش يده اليمنى ~~ويلتهب وجهه الأبيض المحمر وذقنه الكثة تحت وهج الحر، يحاول أن يشق طريقه بصعوبة. يحيط ~~به ثلاثة رجال بثياب بيضاء يمنعونه ويسندونه. أعرف من صوت بجانبي أنه أبوه، عرفت منذ قليل ~~من المرأة التي تجلس الآن ورائي على قاعدة حجرية أنه كان هنا آخر مرة في مأتم أمه. يلتف ~~حولي نبيل ومصطفى. تكف المرأة عن الصياح وتبدأ في نشيج متقطع تجاهد أن تكتمه. أعرف ~~أنها جدته، أسمعها ورائي تردد: ليتني كنت أنا. # يرتفع نشيج في صدري، يتحشرج في حنجرتي، ينهمر من عيني. يد تربت ظهري، صوت يدعوني أن ~~أصبر. تخرج الخشبة من الجامع، يلمع فوقها غطاء حريري بنفسجي يعكس ضوء الشمس. العيون ~~محمرة، الأصوات تأمرنا أن نوحد الله، النساء التي تقف كسرب من الغربان المذبوحة يتعالى ~~صياحهن، الزوجة في الوسط، يبدو جانب وجهها المحمر مشوبا بالزرقة، كتمثال منحوت من ~~السواد، تسندها فتاتان متسربلتان بالسواد. مصطفى ms104 يجفف دموعه ويلوم الراقد في الخشبة ~~التي بدأت تتحرك: أهكذا تتركنا؟ يلتفت للعجوز التي تنشج ورائي؛ جدته لأمه تجاوزت المائة. ~~أنظر إلى وجهها؛ مكرمش كالخرشوفة، تتجمع وتسير وراء النعش، العجوز تتحامل على نفسها، لا ~~تزال تنشج. أجفف عيني وأضع المنديل في جيبي، أخرجه وأمسح زجاج النظارة. «أنظر؛ ~~مكرمشة كالخرشوفة، يا رب لا أعترض عليك». # نمضي وراء النعش، يخفق ويتمايل كقارب غريق يحمله صيادون متعبون، كعلم منكس فوق جيش ~~مهزوم. يتبادل الرجال وضع الأذرع الخشبية الممتدة على أكتافهم، ومن لا يجد مكانا يريح ~~كفه على النعش أو يجري بمحاذاته منتظرا دوره. فتيان وشباب وعجائز جاءوا يودعون ابن ~~قريتهم الغائب عنهم هناك، كلهم أبوه أو أخوه أو ابنه، لم يروه إلا من سنوات عندما جاء ~~يودع أمه، ربما لم يره أغلبهم مرة واحدة؛ لكنهم يعرفون أنه هناك، تأتيهم أخباره ~~فيطمئنون، ربما يسمع الآباء من أبنائهم أنه يكتب، أنه ينشر كتبا باسمه، يحسون إحساسا ~~غامضا أنه معهم يتزاحم الركب، نسير مطأطئي الرءوس، أيدينا متشابكة خلف ظهورنا، والطرق ~~الضيقة المتربة تتلوى وتستقيم، تتفرق وتلتئم، ينضم إليها من الحواري والمنعطفات رجال ~~وصبية جدد، تنطلق الصيحات وتختلط بالتكبير والنشيج والحسرات والتمتمات. أسمع دقات منتظمة من ~~بعيد، ترتفع شيئا فشيئا، تبدو مع الخطوات الزاحفة كإيقاع طبول زنجية تخرج من أعماق غابة ~~كثيفة، تقترب الدقات وتعلو، تصيح كشهيق مخنوق، تطالعنا من الطريق الطويل الموازي للترعة ~~ساحة رحبة، تلوح القبور المتفرقة الراقدة فوقها كطيور سوداء منكفئة على نفسها. أرفع ~~رأسي وأنظر للبيوت الكبيرة المحيطة بالساحة، ألاحظ جدرانها العالية المائلة بانحناء إلى ~~أعلى وأتذكر معمار المعبد الفرعوني، أتأمل الأبواب والنوافذ المستطيلة الضيقة في أعلاها، ~~والأسوار الواطئة المحيطة بأحواشها، ألاحظ التصاق البيوت ببعضها، كأنها كتلة ثقيلة سوداء ~~يسكنها كيان واحد وروح واحد. تقترب الدقات وتعلو، أنظر يمينا فأتبين طاحونة ترتفع فوقها ~~مدخنة، الموكب يتقدم نحو الساحة الأخيرة تصاحبه الشهقات المبحوحة. يتوقف الناس في داخل ~~الطاحونة، ترتخي أذرعهم بجانبهم وتبدو وجوههم المعفرة بالدقيق. ترتفع أيد بالشهادتين، ~~وينطلق صوات لا أتبين مصدره. تدخل ms105 الساحة الرملية وتطالعنا القبور المتناثرة على التلال ~~الرملية الصغيرة. تسرع من اليمين جماعة ألاحظ بينها شيخين يجريان ليسبقا النعش، وراءهما ~~ثلاثة بجلاليبهم الزرقاء، حفاة في أيديهم معاول. تنزل الخشبة على الأرض أمام قبر ممدد ~~باستطالة يعلوه شاهد مرتفع ينتهي بكرة من الطين كرأس طائر أسود. يتنادى الرجال وينحنون على ~~الأرض، تنهال المعاول وترتفع كومة الرمال على الجانبين، تتجمع إلى الخلف قليلا، حول قبرين ~~متباعدين، ونسند الأب ليجلس على أحدهما؛ عيناه محمرتان وفمه ملتو ويده اليمنى ترتعش ~~باستمرار. النساء تحلقن بعيدا إلى اليسار، الصوات تحول إلى نشيح متقطع، وعبارات ~~الصبر و«كلنا لها» و«الأمر لله» ترسم الانكسار والاستسلام على الملامح والعيون. ألاحظ أن ~~طريقة الدفن هنا مختلفة عنها في بلدنا، إن شكل القبر وطبيعة الأرض مختلفة، يغيب الجثمان ~~وتهال أكوام التراب؛ التراب ودائما التراب. قلت لي إنك تتوثب لقفزة جديدة، خمنت أنك تستعد ~~لعمل جديد؛ لإتمام ثلاثيتك، وأنت أمامي تقفز إلى القبر؛ هل جاءت الأحلام والأفكار والأحداث ~~والشخصيات معك؟ ماذا يجدي كل عزاء البشر أمام القبر؟ ومئات الكتب والمذاهب والنظريات أمام ~~التراب؟ يقف رجل نحيل طويل، بجلباب أبيض ورأس عارية وراء القبر، يخطب بصوت هادئ: «يا عبد ~~الله وابن عبد الله، تثبت تثبت، كل نفس ذائقة الموت، وما تدري نفس بأي أرض تموت، تثبت تثبت، ~~سبحان من خلقك من تراب ويعيدك للتراب ويبعثك يوم الحساب، اللهم ... اللهم ...» يصطف الأهل ~~لتقبل العزاء. يتعالى نشيج الطبل من الطاحونة. يتنادى رجال وتعول نساء ويسارع شبان ~~ليسندوا العجائز. تتصافح الأيدي وتتمتم الشفاه وتلتئم جماعات في طريق العودة. # والطقوس تكلمنا عنها في أكثر من لقاء، ما من عمل فني إلا ويقوم على طقس أو يبعث طقسا، ~~وذكرنا العجوز والبحر وموبي ديك وزيارة السيدة العجوز والشحاذ والطريق، ونصحتني بقراءة ~~«الأشياء تتداعى»؛ ألوم نفسي لأني لم أقرأها حتى الآن، وتحدثنا عن «مأساة العصر الجميل» ~~و«الحديقة»، عن العجوز الصماء البكماء التي تتسلط كآلهة قدر قاسية. هو وهي يتحدثان عنها ~~باستمرار، يسترضيها ويقدم لها القرابين، ويعترف بقوتها الغاشمة ويثور عليها، وهي ms106 مشلولة ~~في محبسها وعلى عجلتها، تتأمل انعكاساتها على المرايا المحيطة بها، تتلذذ بعبادة نفسها ~~واستعباد غيرها. والإنسان لا يفعل شيئا إلا التخلص من فضلاته وقاذوراته وقراءة الجريدة مرة ~~بعد مرة، كأنها مواثيق وصية قديمة أو نصوص عقد مقدس، يقاوم السقوط والوحدة والذل وثقل ~~الأوهام ويكتشف خداع الآلهة المتسلطة. أوثان ترزح فوق ضمير الإنسان، تحيا في داخله ~~وتحاصره، وارتجف من الحصار الفظيع، والجو القاتم، والجرأة والطموح الذي تجاوزت فيه بيكيت. ~~وأطلب منك أن تحولها مسرحية، ونضحك ونحن نتخيل «هو» قائما قاعدا على الجردل، ولا نتخيل ~~مسرحا يقدمه ولا متفرجا يشاهده! ونتكلم عن «الحديقة»، تصارع ثلاثة أجيال ~~لتحقق عليها حلمها القديم؛ حلم الأسرة والبشرية بالفردوس المفقود. ونعاين الواقع الذي ~~تمتد جذوره في الأسطورة والحلم، والواقع الذي يجاهد دائما ليصبح هو الأسطورة والحلم. ~~يا حبيبي، وأنا أتركك الآن تمد جذورك كي تزدهر حديقتك، أسأل نفسي وسط تراب الموت: أين ~~الواقع، أين الحلم؟ # في القرية يتنافس الرجال على دعوتنا، من البيوت تخرج فتيات يحملن فوق رءوسهن صواني نحاسية ~~كبيرة. أتذكر مأتم أمي والصواني التي تأتي من الجيران. يحيط بنا رجل قصير، ميال للسمنة، ~~في جلباب نظيف، تنضح الطيبة من وجهه الأبيض المستدير. يلتف حولنا أولاده بعد أن أقنعوا ~~بقية الرجال. ندخل من باب واطئ ونمر في ممشى طويل إلى المنظرة المفتوحة، بعد قليل يدخل ~~ابنان لم نرهما من قبل، يسلمان ويجلسان. يأتي صبي يحمل إبريقا وطستا، وننهض واحدا بعد ~~الآخر ونغتسل. البقية في حياتكم، عظم الله أجركم، سعيكم مشكور. نلجأ لصخرة الإيمان ونقلب ~~أعيننا في البحر المظلم بحثا عن شاطئ، تسرع أيدينا للأحجار المحفورة بالآيات المحفوظة ~~ونلقيها فيه. تحضر أكواب الشاي فتمتد الأيدي ويدفأ الجوف وتنبت أشجار الحكمة. يبدأ شاب ~~يجلس أمامي في سرد حكاية، وظل ابتسامة يتمدد على شفتيه ووجهه الناعم المريح. كلف ملاك ~~الموت أن يقبض روح امرأة في الصحراء، ذهب إليها فوجدها ترضع طفلها، عز عليه أن يحرم ~~الوليد من أمه، رجع واستعطف وبكى، هبط عليه الصوت الآمر أن يقبض روح ms107 الأم. فعل ونفذ قضاء ~~الله؛ هل تدرون مصير الطفل؟ ربك لا ينسى أحدا؛ مرت قافلة كانت تعبر مصادفة، أخذوا الطفل ~~وربوه، ويمر الزمن فيكبر هذا الطفل ويصبح ملكا، ويمر ملاك الموت فيعجب حين يراه على العرش، ~~ويناجي الرب ويستغفره ويقر بذنبه، سبحانه جل وعلا، له حكمة خافية، لا يعرف أحد أين الخير ~~وأين الشر. «لله الملك»، «وما تدري نفس»، «ولو كنتم في بروج مشيدة»، «سعيكم مشكور»، «لله ~~الأمر». يحكي رب البيت عما رآه بنفسه عندما كان في زيارة طنطا، كان الأب العجوز قد اشتد ~~عليه المرض وجاوز الثمانين، رقد على الفراش وطلب الكفن بنفسه، أحضره الابن كما أمر، وانتظر ~~أسبوعا فأسبوعا، والعجوز يقاوم الموت كأنه زكام خفيف؛ هل تدرون ماذا حدث؟ يسقط الابن ~~فجأة بالسكتة القلبية، ويلفونه في الكفن الذي اشتراه بنفسه. والأب؟ لا يزال الأب يعيش. لله ~~الأمر، حكمته تخفى عنا، هل نملك إلا التسليم وطلب الستر؟ ويأتي الطعام على صينية صفراء ~~كبيرة، ويقوم حوار: هل نجلس على الأرض أم نوضع على المائدة. نجلس على الأرض فوق الشلت ~~والمخدات، يقول أحدنا: مرجعنا للأرض. نأكل ونشبع ويصب الماء على أيدينا، ونعود للجلوس على ~~الكنب البلدي. ألمح جاري يخرج منديله ويجفف عينه، يتبعه شاب آخر. تمتد الأيدي فتربت ~~الظهور والسيقان. أتذكر أوديسيوس ورفاقه الذين نجوا من كهف الوحش ذي العين الواحدة، بعد أن ~~تجمعوا في سفينتهم وأكلوا وشبعوا، تذكروا رفاقهم الذين التهمهم الوحش فبكوا. أتذكر يوم ~~تكلمنا عن الواقعية وتكلمنا عن هوميروس، أذكر عينيك الواسعتين الطيبتين، أخجل من هذا الصلح ~~مع الموت، أغرق في الصمت، أتذكر نفسي ممدودا في مقبرة القرية. يربت جاري ساقي ~~وينبهني أن قد أزف الوقت. أنهض وأسلم. # يفلت لسان أحدنا وهو يصافح صاحب البيت: فرصة سعيدة. تنغرز الشوكة في قلبي. نخرج من البيت ~~ونتجه إلى العربات. أمد عيني إلى الساحة البعيدة، وأقول لنفسي: سقط الرجل الجاد. # في طريق العودة يسرع السائق قبل حلول الليل؛ العربة ترتج في المطبات، والشمس تابوت ذهبي ~~ينحدر رويدا رويدا في حفرته السوداء. ms108 ندخن ونكرر ما قلناه ونفكر فيما سنفعل، ~~ونستحضر صور الماضي القريب، ونكثر دون أن نشعر من استخدام فعل كان. يتكلم نبيل عن قدرته ~~على التنبؤ، عن سهرته معه حتى وقت متأخر، أكثر مما فعل في أي ليلة سابقة، عن تأكيده بأنه ~~سيموت في هذا العام، عن مداعبته لابنه كما لم يحدث من قبل، عن حرصه في الأيام الأخيرة على ~~زيارة الأصدقاء والاطمئنان على المرضى، عن ضحكاته المجلجلة التي توقفها كالعادة كف ~~توضع على الفم. ونتحدث عن الرسالة التي أداها، عن الأعمال التي أتمها ولم تر النور، عن ~~مشروعاته ومسوداته، قراءاته وتجاربه، عن تجاهل النقاد وصمت الدارسين، عن جدوى كلمة صدق ~~تسقط في بحر الزيف، عن عمر ضاع وراء البحث عن المجهول، عن صوت لم يسمعه الشعب. # توصلني العربة إلى البيت الذي أسكنه. نسلم ونتعانق ونفترق على موعد. أصعد السلم وأنظر ~~إلى حذائي المعفر بتراب المقبرة، أفكر في التراب الذي سأكونه وأحذية المشيعين التي ~~ستعفر به. يلتفت القلب إلى الحديقة الساكنة التي زرعنا فيها جسد الصديق. أفتح الباب وأقف ~~عند الكرسي الذي جلس عليه آخر مرة، والجهاز الذي وضع عليه الأسطوانات، والكتب التي قلب ~~فيها. أتسمع أصداء صوته، وأرى أمامي ملامح وجهه، وأصابع يديه والشعر الذي يكسوها، ~~وتحدق في عيناه الواسعتان المتألمتان فأجفل، يتردد صوته في أذني وهو يسألني آخر مرة ~~عما يشغلني، فأقول: تشغلني اللحظة. يدهشه قولي فأحدثه عن سر اللحظة؛ كيف تصورها ~~الأسطورة في صورة رب شاب يهبط من جبل الأوليمب، يحمل سكينا في يمناه، وفي قدميه جناحان، من ~~جبهته تتدلى خصلة شعر ذهبية، ومؤخرة الرأس صلعاء. من يلق اللحظة فليتقدم وليمسكها من ~~خصلات الشعر، فلو فاتته فلن يقدر أن يمسكها أبدا، لو عبرت لن ترجع أبدا. تعجبه الصورة، ~~يصمت، يضحك فأقول: انتهز اللحظة؛ إن جاءت لا تتردد، اكتب اكتب، لا تتركها تفلت منك فتندم، ~~هذا ما أقول لنفسي. يستطرد: ولي أيضا. فأعترض قائلا: أنت أطعت اللحظة، عشت حياتك لحظة ~~صدق، عشت بعمق. يسألني: وأنت؟ فأقول: لو كنت ~~فعلت ms109 لما فكرت؛ فالفكر عدو الفعل، والعلم عدو الفن. يضحك، يتمنى لي أن أكتب قصة، فأقول: ~~ستجيء اللحظة. أقول لنفسي وأنا أعبر الصالة وأقف في الطرقة: ليتك عشت وما جاءت هذه اللحظة. ~~يفجؤني صوت الهاتف في الليل، أسمع صوت صديق يسأل: هل علمت؟ أقول: البقية في حياتك. يتهدج ~~صوته: لا أستطيع أن أصدق، إنني أرتجف، أرتجف. هذه هي الكلمة المناسبة، ترتفع الموجة ~~ويجيش الطوفان. أدفن رأسي بين يدي: رب، لم تركته؟ لم تركتنا؟ ~~(1977م) ms110