######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Holderlin.Hindawi53841382 #META# Tags: literature :: biographies #META# ID: 53841382 #META# Title: هلدرلين #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تمهيد‏ # هلدرلين‏ # الوطن‏ # الطفل والصبي‏ # الثائر‏ # الوحيد‏ # العاشق‏ # العابد‏ # الصامت‏ # لوحة بحياة هلدرلين وأعماله وعصره‏ # نصوص مختارة‏ # من قصائده الأولى1‏ # قصائد من مرحلة النضج‏ # من أناشيد الليل‏ # خبز ونبيذ1‏ # المصادر‏ # الإهداء‏ # تمهيد‏ # هلدرلين‏ # الوطن‏ # الطفل والصبي‏ # الثائر‏ # الوحيد‏ # العاشق‏ # العابد‏ # الصامت‏ # لوحة بحياة هلدرلين وأعماله وعصره‏ # نصوص مختارة‏ # من قصائده الأولى1‏ # قصائد من مرحلة النضج‏ # من أناشيد الليل‏ # خبز ونبيذ1‏ # المصادر‏ # | هلدرلين # | هلدرلين # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الإهداء # إلى أستاذي الدكتور عبد الرحمن بدوي. # تحية التقدير، للرائد الكبير. # | تمهيد # شعره صعب ... # وهو - كحياة صاحبه - يفيض بالألم والعذاب، وتحف به المخاطر ~~والمتاعب والصعاب. هو كالطير الغريب الوحيد الذي يأتي من بلاد بعيدة ~~ويسافر لبلاد مجهولة. وهو كالصوت الجليل المخيف الذي يعلن نبوءة ~~الآلهة على لسان كاهن مذهول إلى إخوته من البشر الحيارى المذهولين. ~~لكنه مع ذلك أو بسبب ذلك يلمس القلب ويهزه وينفذ إلى الأغوار. إنه ~~ينقلك على الفور إلى الشاطئ البعيد، يبكيك شوقا إلى المثل العزيزة ~~المستحيلة، يملؤك إحساسا بالبطولة والانكسار، بالنشوة والعذاب، ~~بالانتصار والاستشهاد. ليس غريبا أن يسمى صاحبه «شاعر الشعر» ~~و«شاعر الشعراء». وليس غريبا أن يتفق أهله وغير أهله على أنه من ~~أعظم من أنشد الشعر في لغته وفي كل اللغات، ومن أعظم من تعذب به ~~وجن بسببه. وكما تسكن جنيات البحر في الماء، سكن هذا الشاعر في نبع ~~الشعر. لم يكتف بالشرب منه أو التطهر بمائه أو سقي الندامى والعطاش. ~~بل سكن فيه طول حياته، حتى أصبحت الحياة عنده هي الشعر، والشعر هو ~~الحياة. # لذلك كان الشعر بيته ولحده، نعمته ونقمته. كان قدره. # ذلك هو فريدريش هلدرلين (1770-1843م) الذي وهب الشعر كل شيء، ~~فأعطاه كل شيء وأخذ منه كذلك كل شيء؛ أعطاه سره الخالص، وامتلك في ~~مقابله كل حياته الواعية وغير الواعية، ثم هوى به في ليل الجنون الطويل ~~فعاش نصف عمره الأخير في ظلامه. ولعله قد عرف أن الفن أشبه بإله ~~أسطوري نهم للدماء، لا يرضى عن الضحية حتى يمتص آخر قطرة في ~~عروقها؛ عندئذ ms001 يمنحها البركة ويلقي عليها وشاح الخلود. وقد أخلص ~~هلدرلين لفنه وخشع في محرابه وقدم حياته قربانا له. وأحس بفطرته ~~النقية الورعة أن شجرة العبقرية تمد جذورها في أرض التعاسة والعذاب ~~والمأساة، فلم تنم شجرته الطيبة حتى دفع الثمن بأكمله؛ تجاهله عصره، ~~وانكسر قلبه، وضاع في المتاهة التي لا يرجع منها أحد. # كانت نفسه الحيية الوديعة تطل من نظرات عينيه الطيبتين ~~الشاردتين اللامعتين ببريق غريب، كما كانت تطل من قسمات وجهه الجميل ~~الرقيق، وكآبته ووحدته وعجزه عن التعامل مع الناس، وإخفاقه المستمر في ~~الحب والحياة. ولكن هذه النفس الوديعة كانت تطوي في أعماقها شاعرية ~~تتأجج بالشوق إلى مثال عال يبدو كالقمة المختفية وراء الغيوم، وتسعى ~~لبعث الحياة في شرايين عالم أسطوري جميل كان يزهو في الزمن القديم ~~بالآلهة والقديسين والأبطال الخالدين. وكانت هذه الشاعرية تنبع من ~~حياة باطنية تائهة في رؤية دينية وأسطورية عميقة، مستغرقة في تجربة ~~كونية محيطة بالقوانين الأبدية المتحكمة في النشوء والتغير والوجود، ~~مستسلمة للقوى الإلهية المسيطرة على القدر؛ القدر الذي شاء له الوحدة ~~والعذاب والجنون، ومع ذلك استسلم له في خشوع وانكسار، وظل يحييه في كل ~~أشعاره وينتظره ويبشر بموكبه الرائع. # وهلدرلين شاعر متوحد ووحيد. # ولا نقصد بتوحده ووحدته أن نرسم له صورة رومانسية حالمة تنشر حولها ~~ظلال الحزن؛ فهذا أبعد شيء عن بالنا وأبعد شيء عن الصواب. ألم يقل في ~~مسرحيته التي سيأتي الحديث عنها إن التوحد هو الموت؟ ألم يقل إن ~~الحالمين يندر ظهورهم في العهود الطيبة؟ ألم يضع الإنسان في قلب الشبكة ~~التي تلتقي عندها خيوط الطبيعة والبشر والسماويين الخالدين؟ ألم يتغن ~~«بالروح الذي يشارك فيه الجميع»، ويتحقق معه السلام بعد كل خصام، ~~والانسجام والتجانس بعد كل نزاع وشقاق، ويرويه الإنسان بعرقه وجهده ~~وجده ونشاطه؟ ألم يؤمن دائما بالفعل، وبأن الشعر يمكن في بعض ~~الأوقات أن يهدي إلى الفعل، بل أن يصبح هو نفسه فعلا ويصبح الشاعر إذا ~~اقتضى الأمر ودعت المحنة ثائرا «يحطم أوتاره التعيسة ويحقق ما كان ~~يحلم به الفنانون»؟ # نعم! كان ms002 هلدرلين فردا وحيدا، وكذلك يكون كل فنان وينبغي أن يكون. ~~ولكن الفنان الصادق يعرف أيضا أنه لن يكون فردا بحق إلا إذا كان ~~فردا في مجتمع، ومن أجل مجتمع، يعطيه ويبذل له من نفسه، ويشقى لكي ~~يسعد ويرقى. وها هو ذا هلدرلين يؤكد هذا المعنى في قصيدة له (شجر ~~البلوط) فيقول: «كل واحد منكم عالم مستقل، أشبه بالنجوم في السماء، ~~فعيشوا معا في اتحاد حر.» # هو إذا يريد أن يعيش الإنسان فردا في اتحاد حر أو جماعة حرة ~~يقوم بين أعضائها حوار مشترك. وإذا كان قد اضطر أن يلوذ بوحدته فرارا ~~من قسوة الحياة والمجتمع، فإنه لم يمجد تلك الوحدة التي تعني الانعزال ~~والانطواء على الألم والمرارة. وإذا كنا نقول إنه وحيد فإن وحدته لا ~~تعني انفراده في مواجهة قدره البائس فحسب، بل تعني كذلك تفرده بين ~~شعراء بلده وعصره. # إن من الخطأ أن نحاول وضعه في تيار أو حركة أو مدرسة أدبية، لأنه ~~سيخرج منها جميعا ويبقى ظاهرة فريدة في حياته وشعره جميعا. قد يضعه ~~بعض النقاد ومؤرخي الأدب في الحركة الهيللينية الجديدة التي اتجهت ~~للمحاكاة الخلاقة للروائع الإغريقية والمثل الإغريقية، وقد يضمه ~~البعض للتراث الإنساني والديني (البروتستنتي) بوجه عام أو لنزعة ~~التصوف والتطهر التي ازدهرت في منطقة «شفابن» التي نشأ فيها، # 1 # وقد يتحدث عنه البعض حديثهم عن شاعر كلاسيكي أو ~~رومانتيكي بحسب نظرتهم إليه من جهة الأسلوب الرصين والشكل المحكم أو من ~~جهة العاطفة الأسيانة والموقف المأساوي الحزين. وقد نضمه إلى طائفة ~~كبيرة من الشعراء من مختلف البلاد والعصور، شاركهم الإيمان بوظيفة ~~الشعر الدينية قبل كل وظيفة سواها. قد نفعل هذا كله، ولكن هلدرلين ~~يظل شاعرا وحيدا وفريدا بكل معنى الكلمة .. بل إن كتب تاريخ ~~الأدب نفسها لا تضعه مع الكلاسيكيين ولا الرومانتيكيين، وإنما تفرد له ~~مكانا بينهما مع أديب آخر عذبه قدره وصارعه حتى سقط، وهو الكاتب ~~المسرحي والقصصي العظيم هينريش فون كلايست. # ومن الصعب تفسير هذه الوحدة أو تحديد هذا التفرد. فهلدرلين شاعر ~~اجتمعت في ms003 إنتاجه الخصائص القومية والأجنبية. لقد تأثر في صباه ~~وشبابه الباكر بشعر «كاوبشتوك» (1724-1803م) الديني وعاطفته المتدفقة ~~وعنايته بالبحور والأوزان القديمة. ثم تأثر بشعر «شيلر» ~~(1759-1805م) الفلسفي والمثالي ولغته الخطابية العالية قبل أن يكتشف ~~لغته وأنغامه الخاصة به. كما تأثر منذ صباه بالشعراء والكتاب ~~الإغريق والرومان الذين درسهم وأحبهم وترجم عن بعضهم - مثل بندار ~~وسوفوكليس وأوفيد وفرجيل وهوراس - وشعره يحقق التآلف التام بين ~~العاطفية والروحانية وبين ما سماه «سكون الجمال»، بين الألم والجلال، ~~والعذاب والأحكام، والرغبة في الإصلاح إلى حد الغضب والتمرد، والرؤية ~~الغيبية المحلقة في آفاق السماويين والخالدين. وهو في هذا كله لا ~~يجاريه شاعر ألماني آخر. فطبيعة موهبته الشعرية هي المسئولة عن ~~تميزه ومأساته في آن واحد. لقد كان شاعرا وحسب، ولم يسمح له ~~الشعر بأن يكون شيئا آخر أو يطمح إلى شيء آخر. ولذلك عاش للشعر ~~وهلك بسببه. وليس من الممكن أن نفصل بين شعره وقدره. وليس من الممكن ~~أيضا أن نفصله عن تطوره المذهل في غضون ست سنوات هي التي أتيحت له ~~منذ بدأ يكتب شعره الناضج الواضح الصافي سنة 1797م إلى أن بدأ يغوص في ~~لجة الجنون حوالي سنة 1804م، أي منذ أن أصبح على وعي كامل برسالته ~~كشاعر «وسيط» بين الرب والبشر، واجبه أن يبلغهم وحيه الذي يهبط عليه، ~~على نحو يذكرنا بما كان يفعله الكاهن في الديانات القديمة أو الشاعر ~~بالمعنى العريق الأصيل (الفاتيس كما كان يسميه الرومان) # 2 # الذي يعبر كذلك عن الساحر والعراف والمتنبئ بالمستقبل ~~ورائد القوم ولسانهم الناطق بوحي الأرباب والآباء. # ولد هلدرلين في العشرين من شهر مارس سنة 1770م في بلدة «لاوفن» ~~الصغيرة على نهر النيكر. ومات أبوه الذي كان معلما في مدرسة الدير ~~القائمة في هذه البلدة وهو طفل صغير، فتزوجت أمه عمدة مدينة ~~«نورتنجن». ودخل المدرسة اللاتينية في هذه المدينة ثم انتقل منها إلى ~~مدرسة الدير في بلدتي ماولبرون ودنكندورف. واستجاب لرغبة أمه الطيبة ~~المسكينة - التي كان يشعر أنه مسئول عن بكائها الذي لا ينقطع، كما كان ~~يحبها ms004 حبا يقرب من العبادة - فدخل معهد الوقف الديني الشهير في مدينة ~~«توبنجن» ليدرس اللاهوت من سنة 1788م إلى سنة 1793م. واحتمل مرارة ~~الحياة الخشنة الصارمة بين جدران هذا المعهد أو بالأحرى هذه الزنزانة ~~اللاهوتية. ولكنه صمم بينه وبين نفسه على الهروب من أغلال اللاهوت ~~والانصراف إلى موهبته الشعرية المتفتحة. # كان هلدرلين في الثامنة عشرة من عمره عندما دخل هذا المعهد. وكان في ~~هذه الفترة متأثرا بشخصية شيلر وشعره الفلسفي، فكتب قصائده الغنائية ~~التي وجهها إلى المثل الإنسانية (كالحقيقة والحرية والجمال والصداقة ~~والحب والشباب والجسارة). ودخل «هيجل» (1770-1831م) المعهد نفسه في ~~خريف ذلك العام (1788م) وأصبحا صديقين حميمين، وعاشا معا في حجرة ~~واحدة من حجرات المعهد الرطبة المظلمة. ثم دخل «شيلنج» (1775-1854م) ~~المعهد بعدهما بسنتين، وتعرف إليه الشاعر عن طريق هيجل. وكان شيلنج ~~موضع إعجاب المعهد كله، لصغر سنه وعبقريته المبكرة. ولكن الشاعر لم ~~يستطع أن يكسب صداقته الحقيقية أبدا؛ إذ كان الفيلسوف الصغير شديد ~~الاعتزاز بنفسه، ميالا إلى النفور بطبعه. أما هيجل فكان أقرب إلى ~~نفسه. فقد جمعت بينهما طباع وعادات وتقاليد غرسها الوطن الواحد فيهما، ~~كما ألف بينهما الطموح الفكري الذي لا يعرف حدا يقف عنده. واشتركا ~~معا في قراءة أفلاطون وروسو وشيلر وكانت ورسائل «ياكوبي» عن مذهب ~~اسبينوزا، وهي التي تعلم منها هلدرلين الكلمة اليونانية القديمة ~~«الواحد والكل» # 3 # التي أثرت على حياته كلها بعد ذلك وظلت شعاره المعبر ~~عن حضور الإله في كل ما يتجلى لعينيه (وجدير بالذكر أنه سجلها في ~~ألبوم هيجل الشخصي سنة 1791م)! # وإذا خرجنا من أسوار الدير الضيقة لنلقي نظرة على الحياة الفكرية ~~والروحية في ألمانيا في ذلك الحين وجدنا هناك ثلاث قوى تطبع هذه ~~الحياة بطابعها؛ بعث الروح الإغريقية ومحاكاة الروائع القديمة محاكاة ~~خلاقة، وازدهار الحياة الأدبية والفلسفية في أواخر القرن الثامن عشر ~~على يدي جوته وشيلر وكانت وهمبولت وهيردر وأدباء حركة «العصف ~~والاندفاع»، والثورة الفرنسية التي أشرقت فجأة على القارة الأوروبية ~~كأنها فجر الخلاص والأمل في الحرية وتقدم الإنسان، وأرسلت عليها ms005 عاصفة ~~مدوية تنذر بالقضاء على ظلم الاستبداد. ولا شك أن شباب ذلك الجيل ~~والأصدقاء الثلاثة قد تعلقت أبصارهم بهذه الأنوار الساطعة وهبت ~~عليهم نسمات من هذه العاصفة الجارفة على حين كانوا يستذكرون دروس ~~الفلسفة واللاهوت في حجراتهم البائسة. # كان شباب الجيل مؤمنين بأن الإنسانية والجمال متجسدان عند اليونان ~~على صورة نموذجية، وكان هيجل وهلدرلين من أشدهم إيمانا بهذه الفكرة. ~~لقد سبقهما فنكلمان؛ مؤرخ الفن القديم وباعث الروح اليونانية الجديدة ~~ببحوثه وأفكاره وإخلاصه المثالي في الكشف عن خصائص تلك الروح # 4 # وآمنا مثله بأن أفلاطون هو المعبر الأصيل عن تلك النزعة ~~الإنسانية، واشتركا في التحمس لهذه الروح وتزكية شعلتها في نفوس ~~أقرانهما وأبناء جيلهما. وانطلق هيجل من فكرته العميقة عن القدر عند ~~شعراء المأساة اليونانيين، ووجدها شيلنج متحققة في أساطيرهم ونظرتهم ~~الطبيعية القائمة على وحدة الوجود. أما هلدرلين فقد سبر أغوارها ونفذ ~~إلى صميم قلبها عندما اكتشف أنها تعتمد على صلة القرابة الحميمة بين ~~الطبيعة والبشر والأبطال والآلهة الخالدين. كانت التجربة الإغريقية في ~~نظره تعبيرا أصيلا عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكان فنهم تمجيدا ~~للجمال الذي يقوم على هذه الوحدة الحيوية، واحتراما للعواطف العظيمة ~~والانفعالات المقدسة .. وكانت طقوسهم وعاداتهم تخليدا للصداقة ~~والرجولة والشوق إلى حياة بطولية رائعة. ولم يتخل هلدرلين أبدا عن ~~هذه النظرة حتى بعد أن حاصره ليل الجنون، بل لقد زاده بؤس الحياة ~~الاجتماعية شوقا إلى ذلك العالم المنهار. # أما الحركة الفلسفية فكانت قوة أخرى هزت عقول الشباب وقلوبهم. ~~نادى كانت وشيلر وفيلهلم فون همبولت بالحرية والمثالية والكرامة ~~والشخصية الإنسانية المتجانسة الخلاقة، وعبر عنها الكتاب والأدباء ~~الذين ولدوا في السبعينيات من القرن الثامن عشر. وكان لكتابات ~~شافتسبري (1671-1713م) وأشعار شيلر ورسائله الفلسفية والجمالية أثرها ~~في النظر إلى العالم بوصفه كلا واحدا متصل الأجزاء، وهذا الإحساس ~~بكلية العالم - إن صح هذا التعبير - هو الذي جعل هلدرلين يبحث ~~طوال حياته عن الرموز الشعرية الصالحة للتعبير عن العلاقة الباطنة التي ~~تربط الإله بالطبيعة الحية .. بالإنسان أو بالأحرى بطبيعته الإلهية ~~النبيلة .. # أما القوة الروحية ms006 الأخيرة التي هزت أبناء ذلك الجيل فهي الثورة ~~الفرنسية. أحسوا أنها فتحت لهم أبواب عصر جديد وفجر جديد. وهل كان من ~~الممكن أن ينجوا من سحر أفكارها وهم يرزحون تحت نير الطغيان الحاكم في ~~مدينة شتوتجارت وفي مدينتهم الصغيرة توبنجن؟ وأسس الطلبة ناديا ~~سياسيا انضم إليه الأصدقاء الثلاثة. وعندما أعلنت الثورة الفرنسية ~~في سنة 1793 أنها خلعت المسيحية عن عرشها ليبدأ عصر العقل احتفل الطلبة ~~في «توبنجن» بغرس شجرة الحرية في ميدان السوق، وراحوا يغنون ~~ويهللون ويرقصون حولها، بل إنهم فوجئوا ذات يوم بالدوق الحاكم يقف ~~أمامهم في قاعة الطعام بالمعهد الديني ويلقي عليهم خطبة مملة غاضبة ~~تنذرهم كل كلماتها بالويل والثبور بعد أن سمع عن أغنياتهم التي كتبوها ~~عن الحرية وأناشيدهم التي رددوا فيها المرسيلييز! ومن يدري؟ فربما ~~بلغت مسامعه إحدى القصائد التي تغنى فيها هلدرلين بالحرية و«بيوم ~~الحصاد حين تحرز عصبة الأبطال النصر، وتقفر كراسي الطغاة ويتعفن ~~عبيرهم». # لقد خيل إليه هو وأصدقاؤه أن ساعة الحرية قد دقت، وأن البطولة ~~الإغريقية بعثت حية في أبطال الثورة الفرنسية. وانتظر الشباب من ~~الثورة الفرنسية والفلسفة الكانتية والأدب الألماني أن يرتفعوا بالوجود ~~الإنساني والعقل الإنساني. وبدا أن المثل الأعلى الذي دعا إليه ليسنج ~~واتخذ أشكالا مختلفة في كتابات هيردر وجوته في شبابه ثم اتخذ أشكالا ~~أخرى أكثر عمقا في مسرحية «إفيجينيا» لجوته ومسرحية دون كارلوس لشيلر؛ ~~بدا أن هذا المثل الأعلى قد أوشك على التحقق. وارتفعت الأصوات في كل ~~مكان منادية بالحرية والمثالية والنهوض بالإنسان والمجتمع. والتف ~~الشباب حول «فشته» - زعيم الفلسفة المثالية ورائد موكب الحرية والقومية ~~- في مدينة «يينا»، وأعلن ناقد الرومانتيكية فريد ريش شليجل من برلين ~~تأييده للفلسفة الجديدة والثورة الفرنسية بوصفهما أبرز اتجاهين في ~~حياة العصر. وظهر لكل إنسان أن الأدب والفكر هما الروضة الوحيدة ~~المزدهرة وسط صحراء البؤس والظلم والإقطاع والاستبداد. # عاش هلدرلين بعد تخرجه من المعهد الديني في توبنجن عشر سنوات مليئة ~~بالحرمان والسعي الخائب من بيت إلى بيت في سبيل لقمة العيش التي كان ~~يشقى ms007 في الحصول عليها بالدروس الخصوصية؛ إذ كانت مهنة التعليم وتربية ~~أبناء الأسر هي المهنة الوحيدة الباقية أمام المثقفين والأدباء ~~البائسين الذين بخل عليهم الحظ برعاية ملك أو أمير. وحاول أن يستقل ~~بنفسه ويتفرغ لرسالته وموهبته. وتوسط له شيلر عند السيدة «شارلوته فون ~~كالب» التي كانت على صلة بالحياة الأدبية، ليعمل مربيا لأبنائها في ~~بيتها ببلدة «فالترزهاوزن» (الواقعة في منطقة تورنجن بالقرب من مدينة ~~«جوتا»). وهناك بدأ يكتب روايته «هيبريون» التي نشر شيلر شذرة منها في ~~مجلته «تاليا». وأخفق في مهمته التربوية، وتأكد له إخفاقه في الحياة ~~العملية عندما حاول بعد ذلك أن يستقر في مدينة «يينا» - كعبة ~~المثالية في ذلك الحين - ويعمل مدرسا للفلسفة بجامعتها. وتبين له ~~عجزه مرة أخرى عندما سعى للاتصال بفشته وجوته وهردر، فتجاهلوه ولم ~~يستطيعوا تقدير موهبته حق قدرها. وشعر أن مثالية فشته وكلاسيكية عملاقي فيمار # 5 # أصبحت غريبة على روحه التي ارتفعت فوق حظوظ هذه الدنيا ~~وتخلت عن كل طموح وعاشت للشعر وحده وفنيت فيه وحده. وأشفق شيلر ~~عليه ورعاه رعاية إنسانية ثم بدأ يضيق به وانصرف عنه. ولا شك أن هذه ~~التجربة كانت من أمر التجارب التي ذاقها في حياته؛ إذ كان شيلر موضع ~~إعجابه واحترامه ومثله الأعلى. وعاد يجرب حظ المعلم الخصوصي ~~البائس بعد أن أخفق في الاستقلال بنفسه والتفرغ الكامل لشعره. وقضى ~~ما يقرب من ثلاث سنين في مدينة فرانكفورت في بيت رجل من رجال المال ~~والبنوك يدعى جونتار. وهناك لقي من المهانة ما لا تحتمله نفسه الحساسة ~~المتكبرة، ولكن القدر عوضه عن ذلك حين وهبه النعمة الوحيدة التي ~~عرفها في حياته. فقد أحب سوزيته جونتار زوجة رجل البنوك والأعمال ~~وبادلته السيدة الرقيقة حبه اليائس، ومدت يدها الحنون إلى روحه ~~الغريقة في الكآبة والظلام. ووجد فيها مثال الإنسانية الجميلة الطاهرة ~~التي جعلته يشعر أنه قريب من الروح الإلهي الخالد، لا بل يشعر أنه تجسد ~~حيا فيها! إن الروح الإلهي لا يستطيع أن يؤمن به إلا الإلهيون كما ~~سيقول في إحدى قصائده المتأخرة. ms008 ولقد تمثل له الروح الإلهي في الطبيعة ~~والعناصر، والسماء والأثير، والأرض والنهر، كما تمثل له في «ديوتيما» ~~التي يعيش الآن بقربها ويعبدها ويقدسها. كانت سوزيته هي «ديوتيما» ~~نموذج الجمال والانسجام والحكمة الإغريقية الذي طالما داعب أحلامه وهو ~~يكتب روايته الوحيدة أو يفكر فيها، بل كانت هي الروح الإغريقية نفسها ~~التي طالما اشتاق إليها وانتظر ميلادها الجديد وتعزى بها عن محنة ~~الظلم والفساد والاستبداد الذي انتشرت ظلماته من حوله. ولكنه اضطر أن ~~يغادر البيت مهانا مدحورا، وافترق عن حبيبته التي لم تجد حيلة في ~~الفراق فحبست حبها في صدرها الذي عشش فيه السل وافترس حياتها بعد ذلك ~~بسنوات قليلة. وتعلقت عينه الباكية بتراث ذلك الشعب الذي أتاحت له ~~طبيعته الحرة المتجانسة أن يتحد بالقوى الإلهية الغريبة على عصر يحيا ~~ممزقا بين الطبيعة والروح، والواقع والمثال، والشعور والوعي، والموضوع ~~والذات .. وكان شيلر قد ألم بنفس المشكلة في رسائله الجمالية وقصائده ~~الفلسفية وحاول أن يتغلب عليها بالدعوة إلى التربية الجمالية التي تعيد ~~للإنسان توازنه وانسجامه. # ولكن المشكلة أصبحت عند هلدرلين هي مأساة وجوده كله. وأصبح العالم ~~الأسطوري الذي يحلم بإحيائه هو تجربته الكبرى، ورمز الطهر والقداسة ~~التي يراها ماثلة في كل مظاهر الحياة والطبيعة. وصارت رسالة الشاعر في ~~رأيه هي إعادة القوى الإلهية إلى الحياة عن طريق التغني «بالخالدين» ~~ومناجاتهم بالكلمة الشاعرة. ولم تنفصل هذه التجربة عن تجربة الحزن ~~العميق الذي أحسه وهو يعيش أسير قدر غريب على عالم الآلهة؛ قدر ~~يحطمه ويقهره ويدنس قداسته. لقد حكم على الإنسان ~~أن ينتزع من أحضان الكل الذي كان ~~يحيا معه في سلام وألقى به في هاوية الوحدة والضياع، كما حكم على ~~الشاعر أن يواجه محنته ومحنة عصره البعيد عن نور الخالدين وحكمتهم ~~وجلالهم، وأن يتغنى بهذا العالم وينتظره ويذكر به البشر اللاهين ~~عنه. # عاش هلدرلين من شهر أكتوبر سنة 1798م إلى شهر يونية سنة 1800م مع ~~صديقه ورفيق دراسته الحميم إسحاق فون سنكلير في مدينة هومبورج القريبة ~~من فرانكفورت. وأتم رواية «هيبريون» وبدأ العمل في ms009 مسرحية «موت ~~أنبادوقليس»، وكتب عددا كبيرا من قصائده الغنائية الكبرى ومقالاته ~~الفلسفية. وحاول أن يؤسس مجلة «أيدونا» لنشر المبادئ الإنسانية التي ~~يؤمن بها ، ولكن المشروع مات قبل ولادته. وعاد يهيم في البلاد بحثا عن ~~لقمة العيش فعمل فترة قصيرة في بلدة «هاوبتفيل» بسويسرا ثم هجرها وقام ~~برحلته الأخيرة إلى مدينة «بوردو» الفرنسية ليتولى تعليم أبناء ~~القنصل الألماني المقيم فيها. ولكنه لم يلبث أن ترك عمله في ظروف ~~غامضة، وعبر الحدود على قدميه حتى وصل إلى وطنه وقد ظهرت عليه أمارات ~~الاضطراب النفسي والعقلي ... ورجع إلى بلدته «نورتنجن» وعاش مع أمه حتى ~~سنة 1804م، وهناك عكف على ترجمة مسرحيتي أوديب ملكا وأنتيجونا ~~لسوفوكليس، وبعض قصائد «بندار» وأناشيده الأوليمبية والبيثية، وكتب ~~مجموعة من أنضج أشعاره. وازداد عليه المرض فغادر بيت الأم وعاد يتنقل ~~بين البلاد حتى استقر في مصحة الأمراض العقلية في مدينة «توبنجن». ~~ولما تأكد الأطباء من خطورة مرضه ويئسوا من شفائه تسلمه النجار الطيب ~~«تسيمر» وآواه في بيته فعاش فيه بقية عمره كالشبح الهادئ الهائم في ليل ~~الجنون. وأقبل الموت فخلصه من حلمه أو من نومه الطويل في اليوم ~~السابع من شهر يونيو سنة 1843م. # ظل هلدرلين يقول الشعر حتى بعد أن غاب عن الوعي والحياة ولم يعد ~~يهزه شيء مما يجري حوله في عالم السياسة أو الأدب. # 6 # ولكنه لم يزد عن بضع قصائد قصيرة أو أبيات قليلة كتبها ~~مرضاة لزواره المحبين أو المتطفلين، وكانت أشبه بالبروق المفاجئة أو ~~الكلمات التي تند عن شفتي أخرس. أما قصائده الكبرى ~~المتأخرة التي كتبها خلال صراعه مع ~~المرض بين سنتي 1801م و1804م (كالعودة للوطن والتجوال ونهر الراين ~~والاحتفال بالسلام والوحيد وباطموس وذكرى وإلى العذراء ... إلخ، وغيرها ~~من القصائد التي ستجد مقتطفات منها في هذا الكتاب) فقد أخذت تحلق في ~~أجواء بعيدة موغلة في الغموض والوحشة والظلام، وصارت كلماتها أشد وحدة ~~وكتمانا مما كانت في قصائده السابقة، وطرقت معاني جديدة وصورا ~~ورموزا كثيفة توشك أن تستعصي على الفهم. إنها الآن تأتي من بعد ms010 ~~سحيق، وتعبر عما يتعذر التعبير عنه، وتحطم القواعد المنطقية والنحوية، ~~وتميل إلى التركيز والانغلاق حتى تكاد الجملة أن تكون قوقعة مستقلة عن ~~جاراتها، وتكاد الكلمة أن تحمل من المعاني أكثر مما تحتمل، وتتعمد أن ~~تخفي وتكتم أكثر مما تعبر وتفصح. ويبدو أن هلدرلين في هذه الحالة ~~العصيبة من حياته قد ازداد وعيا برسالته كشاعر عراف ملهم ومنشد ~~وبشير ونذير، بالمعنى الأصيل الذي أشرت إليه من كلمة الشاعر. لقد ابتعد ~~عن عذابه الذاتي، وأصبح شعره - إن جازت هذه الصفة! - شعرا ~~«موضوعيا» يعبر عن قوى كونية وإلهية أكبر منه ومن قدره، واتحدت في ~~رؤيته صورة شعبه بصورة الشعب اليوناني القديم، وتعانقت الروح ~~الكلاسيكية والروح المسيحية، وديوتيما والعذراء، وديونيزيوس والمسيح، ~~وآسيا وأوروبا. لم يعد في الحقيقة يكتب الشعر، بل صار الشعر - ~~كما قال رامبو عن نفسه - يملى عليه وينطق بلسانه، كما أصبح كل ما يعنيه ~~أن يقول كلمته، سواء سمعها الناس أو لم يسمعوها: # لأن كل السماويين يطلبون الضحايا، # وكلما توانى الناس عن تقديمها # لم ينتج عن ذلك خير أبدا؛ # لقد خدمنا أمنا الأرض # وخدمنا - دون أن ندري - نور الشمس # 7 # في هذا الزمن الأخير، # أما أكثر ما يحبه الأب # الذي يدبر شأن جميع الكائنات # فهو أن نصون الحرف الثابت، # ونفسر (التراث) القائم تفسيرا حسنا. # هذا ما تحرص عليه الأغنية الألمانية. # 8 # ظهر الجزء الأول من رواية هلدرلين الوحيدة «هيبريون» ~~أو الناسك في بلاد اليونان # 9 # في سنة 1797م. وقد وصفها بنفسه فقال إنها لوحة من الأفكار والمشاعر. # 10 # والحق أنه صدق في هذا الوصف الذي أطلقه عليها؛ فهي فقيرة ~~في الأحداث، مفعمة بروح شاعرية فياضة بالأنغام العذبة المتألمة، ~~ولغتها عاطفية ساحرة الإيقاع محكمة البناء، يشيع فيها لحن بكائي ~~يجعلها قريبة من الصلوات والاعترافات والتراتيل الجنائزية. إنها تعبر ~~عن سعادة إنسان استغرقته تجربة الحب والاتحاد بالطبيعة وشوقه اليائس ~~للاتصال «بالكل» الإلهي. ولكن الواقع لا يلبث أن يصدمه في سعادته ~~وشوقه، ويكشف له عن الهوة الفاصلة بين المثال والواقع والفكرة ~~والفعل. # وبطل الرواية شاب ms011 يوناني يحيا في القرن الثامن عشر ويتطلع لإحياء ~~ماضي شعبه. غير أنه يخفق إخفاقا مرا في بعث الإحساس بالعزة والنبل ~~والجمال وغيرها من القيم الخالدة التي عرفها في تاريخه المجيد. وتدور ~~الرواية في إطار تاريخي هو الثورة التي قام بها الشعب اليوناني في سنة ~~1770م للخلاص من نير الحكم التركي. ويحكي البطل الشاب هيبريون قصة ~~حبه وكفاحه واتحاده بالطبيعة «الإلهية» في سلسلة من الرسائل الشاعرية ~~إلى صديقه الألماني بيلارمين. فقد عاش في صباه في عالم أسطوري هداه ~~إليه معلمه أداماس، وهو عالم زاخر بآلهة الإغريق وأبطالهم الذين أرخ ~~لهم بلوتارك. وعثر على «ديوتيما» فوجد فيها مثال الجمال والحب ~~والبراءة، بل وجد الروح الإلهي نفسه مجسما فيها. وتندلع نار الثورة ~~فيهب البطل للكفاح مع الشعب المقهور لاسترداد حريته، ويشجعه صديقه ~~«ألاباندا» ويقوي في نفسه الإيمان بالمستقبل السعيد. ولكن سرعان ما ~~يخيب أمله في صديقه إذ يكتشف أنه عضو في جماعة سرية أفرادها أبعد ما ~~يكونون عن تحقيق مثله وآماله. ويلجأ إلى جزيرة كالاوريا فيجد شفاءه في ~~حبه لديوتيما الجميلة. وتدعوه الحبيبة لأداء واجبه نحو الوطن بعد رجوعه ~~إلى صديقه القديم الذي يتأكد من نبله وتضحيته. وتقول له الحبيبة التي ~~تشجعه على النضال في سبيل الحرية: «أنت الذي ستربي شعبنا.» وتفصل ~~الثورة بين المحبين. وتذبل الحبيبة وتدفن حبها في صدرها قبل أن تدفنه ~~معها في قبرها ... ويمضي هيبريون مع صديقه للكفاح في سبيل مملكة المثل ~~الأعلى والحرية والجمال. وينتصر الثوار ويفتحون مدينة ميسيسترا أو ~~إسبرطة القديمة. ويكتشف أن رفاق الثورة قد قتلوا ونهبوا ودمروا وأفسدوا ~~بلا خلق أو ضمير. وتتبدد المثل في غبار المذبحة، وتسقط الأحلام ~~الوردية تحت سنابك الخيل وجثث القتلى. ويعرف أن الفعل يلوث، وأن ساعة ~~ميلاد الحياة الجديدة والإنسانية الجديد لم تدق بعد، وأن العصر الذي ~~يعيش فيه لم يزل بعيدا عن «العصر الذهبي» الذي تزدهر فيه الحرية ~~والوحدة والكرامة والجمال والسعادة. وينفض يده من الثورة والثوار. ~~وينضم فترة من الزمن للأسطول الروسي الذي كان في حرب مع الأتراك ms012 ثم ~~يهجر العمل فيه. ويبلغه نبأ وفاة حبيبته بعد صراعها مع المرض والحب ~~اليائس، ويتحول في النهاية إلى التنسك في معبد الطبيعة، ويتجه إليها ~~بكل كيانه، ويعانق الحياة الإلهية التي تطالعه في كل مظاهرها : «أنت ~~أيتها الطبيعة .. هكذا فكرت في أمر إلهتك. لقد أفقت من حلم البشر، ~~وأقول الآن أنت وحدك التي تحيين حقا، وكل ما افتعله المزعجون ~~وتفننوا فيه يذوب كلآلئ الشمع في نار لهيبك ... إن الناس يسقطون كما ~~تسقط عنك الثمار الفاسدة. دعيهم يسقطون وسوف يعودون إلى جذعك مرة ~~ثانية، ودعيني يا شجرة الحياة أخضر على غصونك من جديد وأستنشق بعمق ~~وسلام نسيم ذراك وفروعك وبراعمك النضرة، لأننا جميعا قد نمونا من ~~البذرة الذهبية ...» # ومن الصعب أن نصور روعة اللوحات التي تصف الطبيعة في بلاد اليونان، ~~أو رسائل الحب المتبادلة بين هيبريون وحبيبته ديوتيما، فهي نماذج ~~خالدة في أدب الحب والمحبين. ويكفي أن نقرأ هذه العبارات التي تأتي في ~~ختام الرواية معبرة عن رؤية الشاعر وفكره، شاهدة على السلام الذي ~~استظل به في محنته، واطمأن إلى روحه الهادئ في أثناء حياته وبعد جنونه، ~~وقوى في نفسه الأمل في الخلود والثقة في عودة الخالدين: ~~«أيتها الروح! أيتها الروح! ~~أنت يا جمال العالم! أيتها الصامدة! يا واهبة النشوة والبهجة والنعيم ~~بشبابك الخالد! أنت حية وباقية، وما الموت وكل آلام البشر بالقياس ~~إليك؟ آه! كثيرة هي الكلمات الجوفاء التي اخترعها هؤلاء المدهشون. فكل ~~شيء يصدر عن الفرح وينتهي إلى السلام. وكل مظاهر الشذوذ والنشوز التي ~~نراها في العالم أشبه بالخلافات التي تقع بين العشاق. إن الوفاء موجود ~~في صميم الشقاق، وكل ما تفرق سيلتقي من جديد ...» # إن البطل الحقيقي في هذه الرواية هو الطبيعة المثالية التي تحاول أن ~~تفرض نفسها على العالم كله، ولكنها تصاب بخيبة الأمل في الواقع فترجع ~~إلى عالمها الباطن، أي إلى الفكر والشعر والحلم والانتصار. وهيبريون ~~هو هلدرلين نفسه، بكل مثله وأشواقه إلى إنسانية أرقى وعصر أجمل، ~~باتحاده بالطبيعة الإلهية مصدر كل أمومة وحياة، ودموعه التي لا ms013 تجف على ~~ماض يتمنى لو يعود. # وقد كتبت الرواية بغير شك تحت تأثير «روسو» واتجاه الثقافة في ذلك ~~الحين إلى «الباطن» وتربية الشخصية الفردية بالجمال والكمال. فقد كانت ~~الشخصية هي أقصى سعادة ينالها أبناء الأرض كما عبر عن ذلك شيلر. وكان ~~معظم الكتاب والشعراء يسجلون تجربتهم مع الحياة والحب والطبيعة ~~والمجتمع على لسان بطل يتقلب بين النجاح والفشل والسعادة والشقاء .. ~~وتوالت الروايات «التربوية» التي تتتبع حياة إنسان - شاب في أغلب ~~الأحيان - في رحلته لمعرفة نفسه ومجتمعه وعالمه. ولذلك فإن «هيبريون» ~~تعد حلقة في سلسلة هذه الروايات التي بدأها فيلاند بروايته «أجاتون» ~~وكارل فيليب موريتس برواية «أنطون رايزر» وجوته برواية «فيلهلم ميستر» ~~وجان باول «بهسبيروس» ونوفاليس بروايته التي لم تتم «هينريش فون أو ~~فتردنجن»، وكلهم شباب يبحثون عن أنفسهم ومعنى وجودهم في الحب والفعل ~~والحياة والمسرح والأدب والطبيعة. # أما مسرحية «موت أنبادوقليس» التي كتبها هلدرلين بين سنتي 1798م ~~و1799م في مسرحية شعرية غنائية أو بالأحرى قصيدة درامية صاغها ثلاث ~~مرات وظلت مع ذلك شذرة لم تتم. # ولم يقصد هلدرلين أن يضعها للمسرح، ولا يمكن أن نطبق عليها أصول ~~المسرح وقواعده كما تصورها كتاب مثل لسينج، بل يجب أن ننظر إليها على ~~أنها قصة نفس وحيدة في صراعها الباطن مع قدرها وأقدار عالية غير ~~منظورة، بعيدا عن ضجيج الحياة اليومية وكل ما يأتي من العالم الخارجي. ~~ولذلك فهي أبعد ما تكون عن دراما الحدث والمشاهد المتنوعة والمصائر ~~والشخصيات والانفعالات المتطرفة كما نجدها مثلا عند شكسبير. وإذا ~~بحثنا لها عن مكان في سياق التطور المسرحي فليكن مكانها مع الدراما ~~النفسية بين مسرحيات سوفوكليس وراسين وجوته. لقد حاول هلدرلين أن يعبر ~~فيها عن مرارة الإخفاق الذي أحسه شاعر أراد أن يبشر بعالم مثالي ~~وتم له ما أراد، ولكن لم يفهمه أحد في عصره واضطهده مواطنوه وطردوه من ~~مدينته. # صور هلدرلين تجربته الشخصية والشعرية في صورة ذلك الفيلسوف الطبيعي ~~القديم الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد في مدينة أجريجنت عاصمة ~~جزيرة صقلية، وروى عنه ms014 أنه اختار الموت بإلقاء نفسه في فوهة بركان ~~إتنا. وهو شخصية عجيبة اختلط فيها الواقع التاريخي بالأسطورة ~~والخرافة. كان فيما يروى عنه شاعرا وفيلسوفا وكاهنا وسياسيا ~~وخطيبا وطبيبا وساحرا، كما كان مصلحا دعا إلى ديانة روحانية تكون ~~أساسا لنظام الحكم والحياة. ويذكر عنه في تاريخ الفلسفة والعلم أنه ~~قال بقوة الحب التي تؤلف بين أجزاء العالم، والعلاقة الحميمية التي ~~تجمع الكائنات ونوع من تقمص الأرواح. وكلها آراء شديدة القرب من روح ~~هلدرلين الذي جذبته شخصية هذا الفيلسوف العجيب .. ويقال أيضا إنه نشأ ~~في أسرة نبيلة في مدينة أجريجنت وشارك في سقوط النظام الأرستقراطي ~~الذي تولى الحكم لفترة قصيرة ثم أصبح زعيم الحزب الديمقراطي ~~المنتصر، ورفض التاج الذي قدمه له أهالي صقلية، ثم اضطره خصومه بعد ~~ذلك إلى مغادرة وطنه. # وجد هلدرلين في شخصية أنبادوقليس الرمز الحي المعبر عن رسالته التي ~~شعر أنه مدعو لتبليغها. فهو شاعر وفيلسوف وساحر استطاع أن يسيطر على ~~قوى الطبيعة ويكتشف أسرارها، وهو قائد متكبر شامخ أراد أن يصلح ~~الأحوال في مدينته ويخلص أهلها من عبودية الكهنوت والتقاليد، ويهديهم ~~إلى الاتحاد بالروح الإلهي الماثل في كل مظاهر الكون فرفضته المدينة ~~وطاردته نظمها المستقرة واتهمه الكهنة بالغرور، وإذاعة أسرار الآلهة ~~والتشبه بها ... # ويبدو أن هلدرلين كان يفكر في كتابة مسرحية عن سقراط وموته الذي ~~اختاره بإرادته عندما جذبته شخصية أنبادوقليس بغموضها وسحرها وكبريائها ~~وتضحيتها وزهدها. ويبدو أيضا أنه شغل بهذه المسرحية أثناء كتابة ~~روايته هيبريون التي نقرأ فيها هذه السطور «بالأمس كنت هناك فوق بركان ~~«إتنا» وخطر الصقلي العظيم على بالي، ذلك الذي سئم عد الساعات ~~ودفعته صلته الحميمة بروح العالم وفرحته الجسورة بالحياة إلى إلقاء ~~نفسه في اللهب الرائع ...» # والواقع أن البطل في الرواية والمسرحية شاعر، وكلاهما تسري فيه نغمة ~~واحدة هي نغمة الشوق إلى الحياة والفعل والموت. وكلاهما ممزق بين ~~المثال والواقع، واللامتناهي والمتناهي في طبيعته، والإحساس بشمول ~~الوجود وتجانسه وشعوره بأنه «يحيا مع كل حي» والضرورة التي تدفعه ~~للضياع والتشتت بين أفعال جزئية مخيبة ms015 للآمال. ويظل البطل الشاعر ~~يصارع هذا التمزق حتى يدفعه الشوق للاتحاد بالطبيعة إلى الموت بإرادته ~~ليرجع إلى هذه الطبيعة التي هي الأم والمنبع والأصل. وهكذا يقدم روحه ~~وجسده قربانا للروح الإلهي الماثل في الكون، وكأنه مسيح وثني قديم ~~أراد أن يكفر عن ذنوب الإغريق الذين أساءوا فهمه وسخروا منه وشهروا ~~به وطردوه من مدينتهم. لقد أدرك أنبادوقليس كما أدرك هلدرلين أنه «لا ~~بد أن يذهب من تكلمت الروح من خلاله»، وأن «الإلهي» لا بد أن يسقط ~~بين البشر، لأن الإلهيين وحدهم هم القادرون على الإحساس به، ولأن هذا ~~هو قدر الشاعر والبطل الملهم على أرض فقدت نعمة السماء ووسط أناس غاب ~~عنهم نورها. ولذلك سلم الشاعران بهذا القدر، فسقط أنبادوقليس في جحيم ~~البركان كما تسقط الفراشة في لهيب الشمعة، وغاص هلدرلين في ليل الجنون ~~في صمت وكبرياء وهدوء ... # كان من نصيب هلدرلين أن يكون شاعرا عظيما ومنسيا في وقت واحد. ~~لقد ظل مجهولا أو شبه مجهول حتى أوائل هذا القرن، عندما اكتشفه ~~الباحثون قبل الحرب العالمية الأولى بقليل. وظل الناس يرددون الحديث ~~عن مرضه وجنونه واكتئابه حتى التفتوا إلى قيمة شعره، وتوالت الدراسات ~~عن عبقريته، ورأى البعض أنه مثال الشاعر «النبي» و«العراف» ومنشد ~~الشعب ورسوله الملهم. وتحمس له الأدباء والنقاد من مختلف المدارس ~~والاتجاهات ابتداء من الرومانتيكيين الذين أساءوا فهمه وتصوروا أن ~~مأساة حياته وعذابه وجنونه تجعله واحدا منهم، حتى «هيدجر» فيلسوف ~~الوجود المعاصر الذي أسرف في حبه واستخرج من أشعاره ما يؤيد فلسفته ~~وسماه «شاعر الشاعر» والمعبر عن ماهيته وحقيقته الخالدة ... وتأثر به ~~المتشائمون من أمثال نيتشه وليوباردي وشوبنهور، وذهب بعض المحدثين من ~~أبناء وطنه إلى القول إنه أعظم عبقري نطق بلغتهم، ووصفوه بأنه نبي ~~الأمة - وضحيتها في آن واحد - ومجدد الروح ورائد شعراء ~~المستقبل. # ومهما يكن الرأي في هذه الأحكام فليس هناك شك في أن هلدرلين واحد ~~من أعظم الشعراء في كل اللغات والعصور، وأنه جدير بالقراءة والفهم ~~والحب. وليس هذا الكتاب إلا محاولة متواضعة لتأكيد بعض معاني ms016 الحب ~~والتعاطف والإجلال التي يجب أن نوقظها في أنفسنا ونحن نواجه هذا ~~الشعر وكل شعر أو فن عظيم. # احتفل العالم في شهر مارس سنة 1970م بذكرى مرور مائتي عام على ميلاد ~~هلدرلين، كما احتفل في نفس الوقت بذكرى هيجل وبيتهوفن اللذين ولدا في ~~نفس العام. وقد أردت بهذا الكتاب أن يكون محاولة متواضعة للوفاء بهذه ~~الذكرى، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للاتصال بروح الشعر الخالص، ~~والقرب من نبعه النقي الأصيل، والالتزام برسالته ومسئوليته .. كما أردت ~~في نفس الوقت أن يكون محاولة لتذكير شعرائنا برسالة الشعر والشاعر ~~بالمعنى الخالد الذي فهمه القدماء من هذه الكلمة عندما نظروا إليه ~~نظرتهم إلى العراف الملهم والمتنبئ والمبشر والنذير ورائد القوم ~~وموقظهم من غفلة النعاس والضلال. وأول ما نتعلمه من هذا الشاعر أن ~~الشعر الحقيقي فوق كل طموح إلى الشهرة والمنفعة، وأنه لا يعطي شيئا ~~إلا لمن يعطيه كل شيء. # وأردت من الكتاب أيضا أن يكون تمهيدا لقراءة هذا الشاعر العسير؛ ~~ولذلك أكثرت من النصوص بقدر الإمكان، وتناولت حياته وتجاربه من خلال ~~شعره في مراحل تطوره المختلفة. ومع أنني لا أميل إلى الربط بين حياة ~~الشاعر أو المفكر وإنتاجه، وأفضل العناية بالنص والتوفر على دراسته، ~~فقد اضطررت إلى الخروج قليلا عن هذا المنهج، لأن هلدرلين من الشعراء ~~القلائل الذين اتحدت حياتهم وفنهم على نحو يجعل من الصعب التمييز ~~بينهما، بل يجعل من المستحيل الحديث عنهما، كأن الحياة شيء والفن شيء ~~آخر. وكل ما أرجوه أن يخرج القارئ من هذا الكتاب بأن هذا الكلام ليس من ~~باب الإنشاء ولا التحمس العاطفي. # ولم أقصد أيضا أن يكون الكتاب «بحثا» في شعر هلدرلين أو ظروف ~~حياته بالمعنى المفهوم من تلك الكلمة. ورأيي في هذا بسيط، ففي ظني ~~أننا لم نصل بعد إلى مرحلة البحث المتخصص الدقيق في إنتاج الأدباء ~~والمفكرين الذين لا نكاد نعرف عنهم شيئا؛ إذ ينبغي علينا قبل ذلك أن ~~نقرأ لهم ونترجم عنهم ونحاول أن نحبهم ونتعاطف معهم ونتعرف إلى إنتاجهم ~~بقدر ما ms017 نستطيع .. وعسى أن تنجح هذه الصفحات في التعريف بهلدرلين أو ~~تشجيع القارئ على قراءته والتعاطف معه والتعلم منه. # وأخيرا فقد اعتمدت على طبعة أعمال هلدرلين الكاملة التي صدرت عن ~~دار النشر «إنزل» وعني بتحقيقها وترتيبها الأستاذ فريدريش بيسنر، كما ~~اعتمدت اعتمادا كبيرا على كتاب الأستاذ ألريش هويسرمان عن حياة ~~هلدرلين الذي ظهر في سلسلة «روفولت» التي قامت بنشره في سلسلة الكتب ~~التي تصدرها عن أعلام الأدب والفن والفكر من مختلف البلاد والعصور ~~بأقلام المتخصصين، مع عدد كبير من الصور والوثائق المتصلة بحياتهم ~~وإنتاجهم .. وأحب أن أسجل اعترافي بفضل هذا الكتاب القيم علي؛ فقد ~~سرت على نفس الخط الذي سار عليه، واهتديت به في كل ما قرأت لهلدرلين ~~أو قرأته عنه في المراجع الأخرى التي استطعت التوصل إليها، وهي قليلة ~~جدا إذا قيست بالمكتبة الضخمة التي صدرت عنه. ومن هذه المراجع كتاب ~~فيلسوف العلوم الإنسانية «فيلهلم دلتاي» عن التجربة والشعر، وبه فصل ~~قيم عن هلدرلين، وكتاب «هلدرلين، كتاب مطالعة لعصرنا» وقد صدر عن دار ~~الشعب في فيمار ضمن السلسلة المعروفة بهذا الاسم وأشرف على نشره ~~والتقديم له وشرح الكلمات والاصطلاحات الكلاسيكية فيه الأستاذان تيلي ~~بيرجر ورودلف ليونهارد، إلى جانب تاريخ الأدب الألماني للأستاذ فريتز ~~مارتيني، وروح عصر جوته للأستاذ كورف، والروح اليونانية وعصر جوته ~~لأستاذي المرحوم فالترريم. وأود أن أنوه بالترجمة الإنجليزية الممتازة ~~لعدد كبير من قصائد هلدرلين في مراحل تطوره المختلفة؛ وهي الترجمة ~~النثرية الدقيقة التي قام بها الأستاذ «ميخائيل هامبورجر» ومهد لها ~~بمقدمة قيمة عن حياة هلدرلين وشعره وظهرت سنة 1961م في سلسلة ~~«بنجوين» المشهورة .. وقد استفدت منها فائدة لا تقدر في فهم كثير ~~من غوامض النص الأصلي، وبخاصة في القصائد الكبرى المتأخرة مثل خبز ~~ونبيذ، وباطموس والوحيد، والاحتفال بالربيع، وذكرى، وغيرها من القصائد ~~التي ستجد مقتطفات منها على صفحات الكتاب، أو تجدها مع النصوص الكاملة ~~التي انتقيتها لك. أما عن الترجمة فقد التزمت الدقة والإخلاص لروح النص ~~وكلماته بقدر ما استطعت. ولست أدري هل أعتذر عن بعض الأبيات ms018 التي جاءت ~~موزونة في سياق الكتاب، ومن بينها قصيدة كاملة فرضت نفسها فرضا، أم ~~يغتفر لي الشعراء هذا التطفل غير المقصود .. ولكني أحب أن أطمئن القارئ ~~إلى أنني توخيت الأمانة التامة في نقلها، ووضعت بين قوسين كل كلمة ~~اضطررت لزيادتها سواء في هذه الأبيات أو ما عداها من النصوص، توضيحا ~~للمعنى أو مراعاة لمقتضيات الأسلوب العربي. # ولا بد من الاعتراف أخيرا بأنني شغلت بهذا الكتاب في فترة أصبت ~~فيها باليأس وخيبة الأمل في الحياة والناس. ولست أريد أن أشغل القارئ ~~بحياتي الشخصية التي لا تهم أحدا، ولا أريد أيضا أن ألوم هلدرلين ~~أو أحمله مسئولية هذه الكآبة التي تشع من حياته وأعماله، وإنما أسجل ~~تجربة عشتها معه حتى كدت أن أتقمص روحه النقية الحزينة .. وأنا أعلم أن ~~هذا شيء مكروه في الدراسات العلمية والموضوعية. ولكن عذري الوحيد أنني ~~قصدت من الكتاب أن يكون تمهيدا متواضعا لقراءة هذا الشاعر ~~الوحيد. # القاهرة في سبتمبر 1971م # عبد الغفار مكاوي # | هلدرلين # | الوطن # «وسأبقى ابنا للأرض، للحب خلقت وللألم.» # يقول سيد شعراء الألمان «جوته» في مقدمة دراساته وتعليقاته على ~~ديوانه الشرقي: «من أراد أن يفهم الشاعر فليذهب إلى وطن الشاعر.» ~~فكيف يبدو وطن شاعرهم العبقري المسكين هلدرلين؟ وكيف أثرت عليه ~~طبيعة هذا الوطن، وسماؤه الصافية، وتلاله الوديعة، وغاباته ~~الغامضة، وأنهاره الهادئة الحنون؟ # لكلمة الوطن عند هلدرلين سحرها الغريب. فليس أرضا تقيدها ~~الجمارك والحدود والحكومات، بل هو قوة وسر وحياة .. الفراق عنه ~~وداع أسطوري، والعودة إليه عيد بهيج. هو الأرض التي يمشي فيها ~~وحيدا، والحقل الذي تنمو فيه الكلمة «زهرة الفم» # 1 # كالزنبقة البرية، نقية وأبية، خشنة وبسيطة وبريئة ~~من الخوف: # وما ينبغي لأحد # أن يلومني على جمال اللغة، # لغة الوطن، # كلما سرت، وأنا الغريب الوحيد، # إلى الحقل الذي تنمو فيه # الزنبقة البرية، # بلا خوف ... # 2 # والوطن كذلك ~~مملكة مسحورة، أنغامه وعطوره لا تبارح ذاكرة الطفل. فإذا ما صحت ~~صحا الوطن كله في خياله كأنما مسته عصا سحرية: # وأشواك الورد # والزيزفون الحلو يتضوع بالأريج ... # وهواء الوطن ms019 ليس كمثله هواء. إنه نسيم يهب من ~~النهر الذي نشأ على ضفته، ويرف من جبال الألب التي تشرف عليه. ~~ونهر الوطن هو صاحبه الوحيد ورفيق صباه وألعاب طفولته. ها هو ذا ~~يخاطبه في أغنيته عن نهر «النيكار»: # 3 # في وديانك صحا قلبي على الحياة، # أمواجك لاعبتني، # وكل التلال الحبيبة التي تعرفك ~~- أنت أيها المسافر الوحيد - # ليس بينها من هو غريب عنك. # فوق ذراها كان نسيم السماء # يحررني كثيرا من آلام العبودية، # ومن الوادي، كالحياة من كأس الفرح، # كانت تلمع الموجة الفضية الزرقاء. # ينابيع النهر كانت تسرع هابطة إليك، # ومعها قلبي أيضا، وأنت أخذتها معك، # إلى «الراين» الساكن المجيد؛ # إلى مدنه وجزره المرحة. # والمدينة التي ولد فيها الشاعر بقعة مقدسة، يحج ~~إليها بالكلمة في تقوى وخشوع: # مقدس عندي هو المكان، على الضفتين، وكذلك الصخر # الذي يرتفع مخضرا من بين الأمواج مع البيت ~~والبستان. # هناك تلاقينا، آه أيها النور الحنون! # حيث أصابني لأول مرة أحد أشعتك # التي تلمس الفؤاد في الصميم. # قرية لاوفن على نهر النيكار (حفر يرجع لسنة ~~1800م). # في بلدة «لاوفن» الصغيرة، على ضفة نهر النيكار في ~~منطقة «شفابن»، وفي دير قديم يسميه الفلاحون هناك «القرية ~~الصغيرة»، ولد هلدرلين في العشرين من شهر مارس سنة 1770م ... # هناك كان وطنه المقدس الحبيب ... # عرف هلدرلين الوطن، وأحبه واشتاق دائما للرجوع إليه. ومع هذا ~~فلم يعرف (قبل أن يصيبه الجنون على الأقل) مكانا يستريح إليه أو ~~يقيم فيه. فهو دائما الغريب والمتجول الوحيد. لهذا تحمل كلماته ~~التي يثني فيها على الوطن نغمة الكآبة والأنين. لقد أحب الوطن وصبر ~~على الجراح العميقة من أجله وأعطاه كل ما يستطيع الإنسان أن يعطيه ~~من قلبه وضميره. وظل هذا الوطن بالنسبة إليه عالما يفوح بالعطر ~~ويموج بالسحر وترفرف عليه أجنحة الأساطير وأرواح الخالدين ~~والأبطال. ولكنه لم يجد «البيت» الذي يهدأ تحت سقفه، ويشعر ~~بالاطمئنان أمام موقده. شاء له القدر أن يبقى غريبا، قلقا، لا ~~يكاد يستريح إلى مكان حتى يهجره إلى غيره. هو دائما التائه الذي ~~يتردد ms020 نداؤه: إلى أين؟ وهو الغريب بلا وطن ولا سكن. يفتقد السعادة ~~والزوجة والدفء والأمان. يفتقد الأرض الراسخة تحت قدميه. وتتكرر في ~~شعره صورة الغريب الذي قدر عليه أن يقضي حياته بلا جذور، ويطارد ~~كالوحش الجريح الذي لا يجد ظلا يأوي إليه ولا نبعا يبل فيه ~~جراحه. وهو لهذا يتحسر على الحياة البعيدة كالحلم: # سعيد من يحب زوجته الطيبة في هدوء، # ويحيا أمام موقده في الوطن المجيد، # على أرض ثابتة تشع السماء # للرجل المطمئن بضوء جميل. # لأن روح المخلوق الفاني، # الذي يتجول مع ضوء النهار وحيدا # مسكينا فوق الأرض المقدسة؛ # تنطفئ وتخبو # إن لم تمد جذورها في الأرض كالنبات. # هو المتجول الوحيد المسكين، يشعر أن روحه تنطفئ ~~وتخبو، وأنه مهما تغنى بالأرض والوطن فسيبقى بلا وطن ولا بيت ~~ولا حب. أكان هذا إحساسا منه بأن جذوة العقل ستنطفئ بعد توهج؟ ~~أكان تنبؤا منه بليل الجنون الذي سيحاصره نصف حياته على ~~الأرض؟ # والكنز المقدس الذي يحمله الغريب في صدره ويحرص عليه ويرعاه هو ~~كنز العذاب. والعذاب هدية السماء لكل من يجسر على اقتحام مملكة ~~الشعر والحب. وجرح الحب المحروم يدمي قلبه ويبدد راحته، ويشرده ~~في الآفاق، ينفي عنه الاطمئنان لشيء أو التعلق بإنسان. فإذا عاد ~~يوما إلى وطنه أحس لأيام أو شهور قليلة كأنه يعود لنفسه. وإذا ~~أبصر ضفاف نهره الغالي شعر من جديد بأنه «عذابه المقدس ممتد بلا ~~ضفاف»: # مرحا يعود الملاح إلى وطنه على النهر الهادئ # من الجزر النائية حيث كان يجمع الحصاد، # هكذا كنت أعود لوطني. # لو أنني حصدت من الخيرات مثل ما حصدت من عذاب # أيتها الضفاف الغالية التي نمتني ذات يوم، # أتراك تسكنين عذاب الحب، # أتراك يا غابات شبابي # تعدينني بالهدوء لو رجعت من جديد؟ # ثم يناجي الجدول الرطب، والنهر الذي يهدهد السفن ~~كالأم التي تهدهد أطفالها في المهد، والجبال الحبيبة التي رعته ~~ذات يوم، والأم والأشقاء الذين سيعانقونه ويقبلونه ويشفون قلبه. ~~ثم يعود فيقول إنه يعلم أن عذاب قلبه ليس له شفاء، وأنه سيظل ~~محروما من ms021 أغنية المهد التي يترنم بها الفانون للعزاء: # لأن الآلهة التي تعيرنا النار السماوية # تنعم كذلك علينا بالعذاب المقدس، # لذلك سأبقى ابنا للأرض، # خلق للحب والعذاب. # هكذا يصبح الوطن هو الأم التي تغني أغنية المهد، ~~فتربي وترعى وتعانق وتشفي من الداء. وتكتسب الأم البعيدة كل ما في ~~الأسطورة من عمق وسكون وجلال. بيد أنه يعلم أنه في صميم قلبه ~~مطارد غريب، لا تستطيع أغنية المهد أن تعزيه عن حزنه ولا الأنغام ~~أن تسكن ألمه ... إن حبه مطلق وبغير حدود. ومتى عرف الحب ~~الحقيقي شفاء أو عزاء؟! # وشخص الشاعر يتوارى خلف هذه القوى الأسطورية (ومنها الوطن) التي ~~يهديها أغنيته. وهو يكتم قدره أو يظهره في بعض الأحيان على ~~استحياء. إنه فرح بلقاء الوطن والأم والبيت وأشجار الغابة، فرح ~~بالشمس والنور في العيون، والوفاء في الأصوات والصدور، وطائر ~~السلام الذي يرفرف على الذكريات القديمة. وهو من فرحته يتحول إلى ~~طفل بريء طائش: ~~«أتكلم في طيش. إنه الفرح!». # 4 # هذه النغمة البريئة الطاهرة، هذا الصوت البعيد عن جفاف العقل ~~وإسراف العاطفة، هذا النقاء والصفاء هو أهم ما يميز شعر هلدرلين ~~وحياته. # كان وهو صبي صغير يرى أمه كل يوم في ملابس الحداد، تذرف ~~الدموع على أبيه الذي مات وهو صغير. ولم تفارقه الكآبة أبدا بعد ~~ذلك، لم يفارقه الجد والعبوس، لم يفارقه العذاب: ~~«الحياة تتغذى بالعذاب ...» # إنه يرى نفسه في مرآة أمه الحزينة. يعرف أن حزنها من حزنه، ~~وحدادها من حداده، وأساها من أساه. بل إن الشفقة لتأخذه عليها ~~فينصحها ألا تفنى في الألم ولا تستسلم له: ~~«كوني أكثر مرحا يا أمي الحبيبة ...» # لكنه هو نفسه كان يفنى في الألم والعذاب كل الفناء. يكفي أن ~~نقرأ هذه السطور من روايته الوحيدة «هيبريون» لنعرف مدى عمق جراحه: ~~«أجل .. أجل! إن الألم جدير بأن يرقد على قلوب البشر ويكون أليفك، ~~يا أيتها الطبيعة .. لأنه هو وحده الذي يقودنا من بهجة إلى بهجة، ~~وليس لنا من رفيق سواه ...» # لكنه مع هذا حزن صابر، ساكن، مطمئن على صدر ms022 الإيمان، وجد حقيقته ~~الأخيرة في الكلمة الخالدة التي قالها من قبل أوديب: ~~«كل شيء حسن .. طيبة كل الأشياء.» # 5 # وهو حزن من لا يملك أن يخفف من أحزان غيره. فقد كانت أمه التقية ~~الهادئة دائمة الاكتئاب، حتى بعد زواجها الثاني من عمدة مدينة ~~نورتنجن المجاورة . وما أكثر ما فعل هلدرلين مرضاة لخاطرها! وما ~~أكثر ما احتمل من آلام لكيلا يخيب أملها فيه أو يزيدها حزنا على ~~حزن! وفي إنتاج كل أديب، بل في حياة كل رجل، بصمات لا تنكر من ~~أمه. لكن الأم الحزينة تصبح بلمسة الفن صورة وشكلا وكيانا ~~أسطوريا. إنها تتحول في يد الشاعر فتصبح هي الأرض والطبيعة ~~والسماء. وتذوب تجربة الأمومة في تجربة الأرض والطبيعة، بحيث تصبح ~~الأرض والطبيعة هي جسد الأم الحي. وتكتسب الأبيات التي يقولها عن ~~الأرض الأم وشاحها الأسطوري الذي يكسو كل شعره ويلفه برداء السر ~~والجلال. ويصبح الشاعر هو الكاهن الذي يقدم فروض العبادة للأم؛ ~~يقدمها على استحياء، لأنه يقترب من صورتها كأنما يقترب من سر ~~الغابة الأزلية: # مع ذلك، يا أيتها السماوية، مع ذلك # أريد أن أحتفي بك وما ينبغي لأحد # أن يلومني - وأنا الغريب - على جمال العبارة، # جمالها (المستمد) من الوطن، # لأنك نائية، خفية أنت، # في قبو الغابة الأزلية ... # | الطفل والصبي # «رباني نغم يهمس في البرية، وتعلمت الحب، بين ~~الأزهار.» # ذلك لأن أب الأرض يفرح أيضا # بأن الأطفال موجودون، # بهذا يبقى يقين الخير. # 1 # للطفل في قلب هلدرلين وشعره ونثره حب غريب وعميق. هو الزهرة ~~التي تمد الجذور وتنشر العطور. هو الصورة الحية للأمل، واليقين ~~المرئي للخير. هو الذي ينطوي على سر الأصل والمبدأ. فما أكثر ما ~~يتجلى أعظم الكائنات في أصغرها! «إن أول صور الوحدة التي نحتفظ ~~بها في عقولنا تظهر لنا من جديد في خلجات قلوبنا المسالمة وتعبر عن ~~نفسها في وجه الطفل ...» # والطفل خالد: # إنه بكليته على طبيعته، ولهذا فهو جميل. # إن قهر القانون والقدر لا يلمسه، # الحرية في الطفل وحده، # فيه السلام، وهو لم ينشق على نفسه ms023 بعد. # 2 # الغنى كامن فيه، فؤاده لا يدري شيئا عن ضنك ~~الحياة. # إنه خالد، لأنه لا يعرف شيئا عن الموت. # وليس في هذه الفكرة رجوع بالعاطفة إلى الوراء، بل ~~فيها معرفة بحقيقة الطفولة التي تنمو مع الإنسان، وتعيش في أعماقه ~~بعيدا عن الوعي والشعور. إنها تظهر فجأة عندما يتم اللقاء بين ~~الإنسان والآلهة: # فهكذا تكون زيارة السماويين، # يسعى إليهم الأطفال، # تأتي السعادة مشرقة، تعشى الأعين. # وتشتد جسارة هذه الفكرة التي يأباها المنطق ولكن ~~يقبلها الوجدان عندما يعود إليها الشاعر ليصف طفلا نائما؛ وما ~~أكثر ما أحب هذه الصورة من كل قلبه: # بلا قدر يتنفس السماويون، # أشبه بالرضيع النائم، # أعفاء باقين # في البرعم الطيب، # تزدهر روحهم # إلى الأبد. # 3 # وترجع الصورة مرة أخرى في أنشودة تقية يتجه بها ~~إلى العذراء: # وعندما يتفكر أحد بالمستقبل في الليلة المقدسة، # ويحمل هم الذين ينامون بلا هموم، # من أجل الأطفال المزدهرين؛ # تأتين أنت باسمة، وتسألين # مم يخاف وأنت الملكة؟ # 4 # لكن الحياة الإلهية لا تلف الأطفال في النوم وحده، ~~بل تنسكب عليهم كذلك في اليقظة. انظر معي هذه الصورة التي يرسمها ~~الشاعر في ختام روايته «هيبريون»: ~~«أبصرت من عهد قريب صبيا راقدا على جانب الطريق. ~~كانت الأم التي تسهر عليه قد نشرت فوقه بعناية وحنان ~~غطاء يتيح له النوم في الظل ويقيه ضوء الشمس. غير أن ~~الطفل لم يشأ أن يخلد للسكون فأزاح عنه الغطاء، ورأيته وهو ~~يحاول النظر إلى الضوء الودود، ويعود للمحاولة مرة بعد ~~مرة حتى آلمته عيناه وأطرق بوجهه إلى الأرض باكيا ~~... # قلت لنفسي: يا للولد المسكين! .. ليس غيره بأفضل منه، ~~وكدت أنفض يدي من هذا التطفل الجريء، لكني لم أستطع، لم ~~أجد أن ذلك يليق بي .. لا بد أن يخرج هذا السر العظيم، ~~الذي تعطيني الحياة إياه أو يعطينيه الموت ...» # والصورة دقيقة مرسومة بعناية. جمع الشاعر في ملامحها كل الخطوط ~~والألوان التي يرسم بها القدر وجه الطفل، فيصبح أسطورة يتغنى ~~بها الشاعر في أناشيده. إن الأم تريد أن تنشر الغطاء على ms024 الطفل، ~~تريد أن تحميه من وهج النور، لكن الطفل نفسه جزء من هذا النور؛ ~~ولذلك فلا بد أن يحاول لقاءه، ولا بد أن يحييه ويبتسم له مهما آذى ~~عينيه. # لنتجه الآن إلى طفولة هلدرلين وصباه. وسيدهشنا كل هذا النقاء، كل ~~هذه البراءة التي ستحدد موقفه من الوجود، وتطبع تجربته المؤمنة ~~الورعة الفياضة بالطاعة والاستسلام. ها هي ذي أبيات من قصيدة كتبها ~~في السادسة عشرة من عمره، وكان يجلس مع صديق له يدعى كارل على ~~شاطئ نهر «النيكار» ويعاين القداسة الماثلة في الطبيعة ويحس رجفتها ~~في صدره: # يا كارل الطيب .. في تلك الأيام الجميلة # كنت أجلس معك على شاطئ النيكار. # كنا نشعر بالفرح ونحن نرى الموجة تلطم الشاطئ، # ونحفر الجداول في الرمال. # ثم وقفت أخيرا. كان النهر يجري # في بريق المساء .. إحساس مقدس # سرت رجفته في قلبي، وفجأة عزفت عن المزاح، # فجأة نهضت جادا وانصرفت عن لعب الصبا. # همست وأنا أرتجف: نريد أن نصلي. # ركعنا في خجل بين الأوراق والأشجار. # كان النقاء، كانت البراءة هي ما نطقت به قلوبنا الصبية ~~... # يا إلهي الرحيم .. كم كانت تلك الساعة رائعة ~~الجمال! # كم هتف الصوت الهامس بك: يا أبانا! # وكم تعانق الصبيان ومدا الأيدي نحو السماء! # وكم احترق قلباهما وهما يقسمان على العودة ~~للصلاة! # هلدرلين في الثامنة عشرة من عمره. # كل شيء في هذه القصيدة الساذجة الحلوة يشهد بعاطفة ~~الإيمان الصادقة؛ الرعشة الإلهية التي تعرو الصبي، الانصراف عن لهو ~~الصبا وألعابه إلى منبع الوجود وسره، عهد الوفاء للقسم المقدس ~~وإخلاص النية من القلب الخاشع والنظرة التقية. ~~وكلمات تتردد هنا في حياء لتعلن ~~عن نفسها بعد ذلك في قصائده الكبرى: الجد والقداسة والحياء والنقاء ~~والبراءة. والقلم الموهوب القادر على إضفاء اللون البارز على ~~اللوحة كلها بعبارة واحدة: # كان النهر يجري # في بريق المساء. # عبارة تطلق الإحساس كله كما يطلق البرق الخاطف ~~شرارات اللهب. لم يتعلمها الصبي من الكنيسة ولا من كتب الدين، بل ~~تعلمها من اللقاء المباشر مع النور والنهر والعالم، فنطقت بها ~~لغة القلب ms025 لا لغة الناس: ~~«كان النقاء، كانت البراءة هي التي نطقت بها قلوبنا ~~الصبية ...» # وهنا تكمن بذرة الخلاف العميق الذي أحسه هلدرلين طوال حياته مع ~~الدين التقليدي في عصره، والصراع الذي عاناه من الكنيسة التي أرادت ~~أن يؤمن بالوصايا والقوانين، في الوقت الذي راح يستمد فيه إيمانه ~~بالله من لقائه مع الأرض والنور والزهرة والنسيم. # ويكفي أن نستمع إلى أغنية أنشدها الصبي في عيد السلام ... # إنه يصغي في يوم الراحة لسكون الزهور وخرير الجداول والينابيع. ~~من بعيد يتردد صوت الجوقة من حناجر «الكبار» وهم يرتلون نشيد ~~الصلاة في الكنيسة .. كان هذا النشيد يهدئ همومه وشكوكه. ومع ذلك ~~فقد ظل فيه شيء غامض لم يستطع أن يفهمه أبدا ... لقد دخل الطفل ~~بعد ذلك إلى الكنيسة، وأصبح قدره في أيدي الكهنة والقساوسة، وبقي ~~سؤاله الحائر الأليم يتردد: «لماذا؟» .. لماذا كتب عليه أن يغشى ~~الظلام عينيه ويسد الطريق على النظرة الحرة؟ لماذا قدر عليه أن ~~يحرم من أفراح الأرض والسماء كأنما صارت الفرحة بمعجزاتهما إثما ~~من الآثام؟ أليست روح الله كامنة في التحول الدائم والصيرورة التي ~~لا يتوقف نهرها عن الجريان؟ ألا تتدفق من الينابيع الحية وتزدهر في ~~الأزهار الساكنة؟ أمن الضروري أن تقيده الكنيسة والتقاليد في حين ~~نجد الإيمان يهفو إليه بالحرية والحياة في الجداول والوردة والنور؟ ~~لن يسكت هذا السؤال المعذب الذي نطق به الصبي في يوم عيد: # نحن أيضا قد عرفنا البهجة ذات يوم، # في ساعة الصباح عندما كانت «الورشة» هادئة # يوم العيد والزهور ساكنة، # كانت هي أيضا أنضر جمالا، # والينابيع الحية تدفقت مشرقة # 5 ~~... # غير أنه يسمع صوت الجوقة المخيف يأتيه من بعيد .. ~~إنه صوت المصلين في كنيسة القرية .. كان هذا الصوت في الماضي أشبه ~~بالنبيذ المقدس. وكانت الكلمات الحبلى بالأسرار أقدم عهدا وأشد ~~قوة، تنحدر من السماوات وتنمو في الصيف. وكانت تهدئ همومه وآلامه ~~.. لكنه لا يدري ما الذي جرى له وجعل الشك يطبق عليه وهو الذي لم ~~يكد يولد بعد: # لماذا نشرتم ليلا على عيني، # فلم أستطع أن ms026 أرى الأرض، # واستعصى علي أن أتنفسك # أيتها الأنسام الإلهية؟ # 6 # وتعود النغمة الحزينة في أغنية أخرى (لعله أراد ~~في البداية أن يضعها في روايته هيبريون ثم عدل عن رغبته). إن ~~سطورها الأولى ترجع بنا إلى صباه، وتصور لنا صراخ البشر ورنين ~~سياطهم من ناحية، كما ترسم لنا من ناحية أخرى صورة الطفل الذي ~~يلعب في سلام مع الأزهار والأنسام، ويهب الإله لنجدته وينقذه من ~~أيدي البشر ومما في ~~أيديهم: # عندما كنت صبيا، # كان كثيرا ما ينقذني إله # من صرخات البشر وسياطهم، # هنالك كنت ألعب في طهر وأمان # مع أزهار البرية، # ونسمات السماء # كانت تلعب معي. # 7 # والشاعر يستعير لهذا اللعب الطيب الغني بالنعمة ~~والخير صورة شعرية ساحرة يحن لها ويلجأ إليها في حب وشغف، ~~صورة النبات الذي يمد ذراعيه للشمس: # وكما تفرح # قلوب النباتات، # عندما تمد إليك # أذرعها الرقيقة، # كذلك أفرحت قلبي # أيها الأب هليوس. # 8 # وكمثل أنديميون، # 9 # أصبحت حبيبك # أيها القمر المقدس. # إن الشاعر يستمد صوره بطبيعة الحال من كنز ~~الأساطير اليونانية الذي لا يفنى. فالأب هو هليوس (الشمس)، وهو ~~نفسه شبيه بأنديميون؛ ذلك الفتى الجميل الذي أنعم عليه زيوس كبير ~~الآلهة بالنعاس الحلو والشباب الخالد وأمر القمر أن يزوره كل ~~ليلة. والصبي غارق في هذا الحلم السعيد، كالزهرة الملفوفة في ~~نومها العذب، المتفتحة مع ذلك لأفراح الشمس والقمر والآلهة. # ثم تنتهي هذه المقدمة الراقصة وتبلغ الأغنية ذروتها الأولى حين ~~يقول الشاعر: # آه. أنتم أيتها الآلهة # الأوفياء الودودون. # ليتكم تعلمون # كم أحبتكم روحي! # من الروح الحيية الوديعة ينطلق هذا الاعتراف. ~~لكنها لا تلبث أن تحول نظرها عن هذه الذروة العالية التي تحيط بها ~~هالة السكون الإلهي العميق إلى منطقة بشرية يسودها العقل البارد ~~الجاد: # صحيح أنني لم أكن في ذلك الحين # أناديكم بأسمائكم، وأنتم أيضا # لم تنادوني أبدا باسمي، # كما يتنادى البشر # وكأنهم يعرف بعضهم بعضا. # إلا أن هذه المعرفة العاقلة تخفي وراءها معرفة ~~أليمة بالناس، وخيبة أمل في البشر. وتصل القصيدة إلى ذروتها ~~الثانية حين تقول: # ومع ms027 ذلك فقد عرفتكم # بأفضل مما عرفت البشر. # فهمت سكون الأثير، # لكن لم أفهم أبدا كلمات الناس. # ومع ذلك فهناك عزاء عن هذا الألم القاسي، يجده ~~الشاعر الوحيد عندما يتجه إلى السماء بحثا عن الخلاص، وعندما تلعب ~~معه الأنسام ويسعده النور، كما يجده في أنغام الرياح الهامسة ~~لأشجار البرية، وفي الأزهار التي علمته الحب: # رباني نغم # يهمس في البرية # وتعلمت الحب # بين الأزهار # إنه يتعلم من سكون الأثير ما يغنيه عن تعليم ~~البشر، ويؤمن بأن التربية الحقيقية تأتي من الإنصات الخاشع لصوت ~~البرية، وأن الطاعة الحقيقية لا تكون إلا لقوة تتنزل من أعلى. في ~~هذا السكون ينمو الحنان. ويزدهر الحب، وتصبح الطبيعة هي المدرسة ~~الخالدة. وليس عجيبا بعد هذا أن تنتهي القصيدة البسيطة المتواضعة ~~نهاية كلها اعتزاز وكبرياء: # بين ذراعي الآلهة نموت وكبرت # فهو لم ينم بين ~~أحضان الآلهة فحسب، بل ترعرع واشتد عوده وعرف سر العظمة الكامنة ~~في نفسه ووجد ما يزهده في البشر ويغنيه عن صراخهم وسياطهم. # هكذا ترسم لنا القصيدة عالم الطفولة عند الشاعر .. وتصور ~~ملامحه البارزة. صحيح أن ذكريات الطفولة هي الجذور التي تتفرع منها ~~شجرة الوجود عند أي إنسان أو أي شاعر. ولكنها عند هلدرلين بوجه ~~خاص بالغة الدلالة على كل أبعاد حياته المقبلة، وكل ملامح هذه ~~الحياة ماثلة يمكن أن تقرأ في ملامح طفولته. # هنا نجد «النعاس» العبقري الشفاف، والقدرة على الاهتزاز مع ~~أرجوحة الانسجام الكوني، بحيث يصبح الشعر «أكثر الأعمال براءة» ~~وأشبه الأشياء بلعب الأطفال. وهنا نجد اللقاء المستمر مع الأم التي ~~يدفعها الحنان إلى أن تسحب الغطاء على وجه الطفل، فيدفعه الشوق إلى ~~النور للتحديق في الشمس التي تؤذي عينيه. # هنا الوفاء للتجربة الدينية الأصيلة التي تلمسها الروح في لقائها ~~مع الأرض والنور والنسيم. وهنا الخشوع والإنصات لسماع أنغام ~~الحقيقة، والشك المعذب الذي يساور الشاعر أينما وجد نفسه مع الناس. ~~وهنا أخيرا كل معالم الدروب التي سنصحب فيها هذا الشاعر الوحيد ~~لنتعرف على حياته وشعره. # علينا الآن أن نكمل الصورة ببعض الخطوط البارزة ms028 في لوحة صباه. ~~فقد زار الشاعر المدرسة اللاتينية في مدينة نورتنجن، وقضى العام ~~الأخير فيها مع صديق عمره الفيلسوف المثالي شيلنج الذي كان يصغره ~~بخمس سنوات، والذي طالما حماه هلدرلين الرقيق من عبث الصغار به ~~وسخريتهم من قصر قامته وغروره بنفسه. # وفي الرابعة عشرة تقدم الشاعر لامتحان تجريه منطقة ~~«فبرتمبورج» وتختار الناجحين فيه لدخول إحدى مدارس الأديرة التي ~~تؤهلهم ليكونوا من رجال الدين. # نجح هلدرلين في الامتحان ودخل في خريف سنة 1784م مدرسة ~~«دنكندورف» التي تبعد عن نورتنجن بمسيرة ساعة ونصف ساعة، وتقع على ~~مقربة من نهر النيكار. وقضى سنتين في هذا الدير الصغير الوحيد، ~~الراقد كالناسك المعتزل بين جدران صخرية وعرة، وعلى كنيسته ~~وأشجاره ودروبه وبستانه وبركته الصغيرة غلالة منسوجة من خيوط ~~الأحلام والأساطير. ثم انتقل إلى مدرسة دير «ماولبرون» القديم ~~الشهير الواقع وسط غابة مخيفة، ليقاسي فيه حياة صارمة متقشفة ~~مليئة بالحرمان. ولنقرأ ما يقوله الشاعر عن تجربته فيه: «أود ~~بالمناسبة أن أعترف بأن نصيبي من القهوة والسكر قد نفد وأنني كنت ~~أشتاق أحيانا إلى طعام الإفطار عندما أستيقظ مبكرا من نومي، ~~وكنت أعاني من آلام صداع شديد في رأسي. وقد تحاملت على نفسي ~~أخيرا، وكانت معدتي خاوية، لأتناول الحساء الذي يمجه أشد ~~الكادحين جوعا؛ عندئذ أصابني ألم بشع حتى أوشكت من غضبي أن أقذف ~~الطبق عرض الحائط ...» # إذا أردنا أن نتحدث عن الشخصيات والعناصر الأدبية التي أثرت على ~~هلدرلين في هذه الفترة، كان أولها هو تأثير ذلك الشاعر العبقري ~~المتهور الذي قضى معظم حياته بين المنفى والزنزانة، وأطلقت الأغلال ~~لسانه بشعر وطني مفعم بالعاطفة المتأججة والأنغام الشعبية ~~الصادقة؛ هذا الشاعر هو كرستيان شوبارت (1739-1791م) الذي عرفه ~~هلدرلين سنة 1789م، وقال إنه لقي منه الحنان الأبوي .. ولا شك أنه ~~تأثر بحبه الفياض للوطن «القريب والبعيد»، ونزعته الدينية المؤمنة، ~~ولكنه لم يسترح لنبرته العالية وصوته الجهير وعاطفته ~~الصاخبة. # ولا بد أيضا أن يكون شاعرنا قد تأثر بأشعار «يونج» # 10 # الحزينة وأفكاره الليلية التي كانت شائعة في ذلك ~~الحين، وبقراءته ms029 للأغنيات الحالمة الباكية المنسوبة إلى أوسيان # 11 ~~«الطيب الأعمى الذي تضج مغامراته في رأسي على ~~الدوام». غير أن تأثره بالشاعر الألماني كلوبشتوك (1724-1803م) ~~صاحب الملحمة الشعرية الكبرى «المسيح»، وبعاطفته الغنائية والدينية ~~الصادقة، ولغته الغنية بالصور العميقة، ورؤاه المحلقة المعبرة ~~عن تجربة دينية وشخصية خصبة، كان تأثرا حاسما على شعره ~~وتفكيره، وإن اختلف الشكل بينهما اختلافا كبيرا. وظل كلوبشتوك ~~المثل الأعلى الذي راح هلدرلين يتطلع إليه بإعجاب وإجلال حتى وهو ~~في مرحلة نضجه المتأخرة. وانطبع بحسه الموسيقي الدقيق وعنايته ~~بالصنعة الفنية المحكمة واهتمامه بالأوزان القديمة الفخمة، وتمسكه ~~بالقواعد والقوانين الشعرية الصارمة في أغانيه الدينية والوطنية ~~التي كان هلدرلين يفضلها على إنتاج المحدثين وأغانيهم العاطفية ~~«المتعبة التحليق». # بيد أن تجربته العميقة بالطبيعة ربما كانت أبقى أثرا من كل ~~الشعراء والأدباء الذين قرأ لهم في هذه الفترة من حياته. وقد أشرت ~~من قبل إلى صلاته الخاشعة مع صديقه على ضفة نهر النيكار (كان ~~النهر يجري في بريق المساء ...) ويمكن أن أشير أيضا إلى تجربته ~~الروحية على شاطئ نهر الراين في منطقة «شباير»، وقد كانت تجربة لا ~~تنسى. ولعل كلمات قليلة من مذكرات رحلاته التي كتبها لأمه وهو في ~~الثامنة عشرة من عمره أن تكون كافية للتعبير عن إحساسه عند مشاهدة ~~نهر الراين لأول مرة، وهو الإحساس الذي سيعبر عنه بعد ذلك في ~~قصائده الكبرى عند منبع الدانوب، والراين والأستر: «نهر يزيد في ~~اتساعه ثلاث مرات على نهر النيكار، وتظلل الغابات ضفتيه وهو ينحدر ~~من مجراه الأعلى، ويمتد على مدى البصر امتدادا يوشك أن يصيب المرء ~~بالإغماء والدوار، كان منظرا لن أنساه أبدا، أثر على نفسي أبلغ ~~تأثير. وأخيرا أقبل الملاحون على الشاطئ، كانت المراكب التي يعبر ~~بها الناس إلى الضفة الأخرى بحيث تتسع لعربتين بخيولهما كما تتسع ~~لعدد كبير من العابرين ... ومرت نصف ساعة ووجدت نفسي على شاطئ ~~الشباير ...» # كان أعز أصدقائه وأصفاهم وأقربهم إلى قلبه هو «إمانويل جوتلوب ~~ناست» الذي يكبره بسنة واحدة. وكان هذا الصديق أشبه بالوعاء الذي ~~يصب فيه همومه ms030 وعذابه وأسراره واعترافات روحه البريئة الساذجة. فهو ~~يسر له ذات مرة أنه رأى قدره فجأة أمام عينيه، ووجد أنه يريد ~~بعد إتمام دراسته في الجامعة أن يصبح ناسكا. وقد أعجبته الفكرة، ~~ولكنه أخذ يناشد الصديق أن يخفي رسالته عن أعين الغرباء حتى لا ~~يضحكوا عليه ويصفوه بالحمق والجنون .. بل إنه ليشك في قدرة الصديق ~~على مشاركته هذا الإحساس فيقول: «يا عزيزي، إنك لا تكاد تعرفني ~~...» # هلدرلين في العشرين من عمره. # والواقع أن هذه الصداقة لم تكن من القوة بحيث يكتب لها الدوام. ~~فقد بقيت على هامش قصة الحب الأولى في حياة شاعرنا، وتصادف أن كانت ~~هذه الحبيبة من أقارب «ناست» من جهة أبيه، كان اسمها «لويزة ناست»؛ ~~مخلوقة رقيقة، صافية، تقية القلب نقية الوجدان. أحبها هلدرلين - ~~والحب الأول ناري عذب، حلو مر كما تقول «سافو»! - وكتب إليها ~~رسائل قليلة وبادلته رسائله، وحملت كلتاهما أشواق القلوب التي ~~يلمسها الحب لأول مرة، وأحزان العشاق ودموعهم التي يريقونها من أجل ~~الحب نفسه لا من أجل الحبيب. # ولم تلبث الأيام أن كشفت عن بعد الشقة بين المحبين، بل عن ~~غربة روحيهما وتنافر طبعهما .. كانت لويزة تحب بفطرة الأنثى ~~الخالدة التي تبحث عن «الرجل» و«البيت» .. ولم يكن هلدرلين، الذي ~~بدأت عبقريته تتفتح وتتدفق بالقلق والحيرة والعذاب، يدري ماذا ~~يبحث عنه .. ولعله كان يتصور مثالا آخر للمرأة يتخيله الشعراء ~~ويحوطونه بالغموض والأسرار، ولكنه يبعدهم دائما عن المرأة كما ~~يبعد عنهم المرأة الواقعية بفطرتها .. وهكذا لم يكن بد من التحلل ~~من هذا الرباط. وكتب إليها (في مارس سنة 1790م) بالقرار الذي صمم ~~عليه .. فقد اختار أن يتحرر من هذا الحب، وإن اقترن هذا الاختيار ~~بما يخجل الرجولة أو يعيبها. ولكنه لم ينس أن يقدم لها صداقته ~~ووده، ويعدها على الرغم من كل شيء بإخلاصه ووفائه الأبدي! # | الثائر # «نحن كذلك أغنياء بالأفكار فقراء في الأعمال.» ~~«إنسان منطو على الدوام، عابس الملامح.» # 1 # هكذا صور هلدرلين نفسه فيما بعد، عندما أطبق عليه ليل الجنون ~~المظلم ما يقرب من نصف ms031 حياته. # أخفق حبه الأول كما رأينا، وكتب إلى حبيبته الأولى رسالة فيها من ~~العذاب بقدر ما فيها من الكبرياء .. ولكنه اضطر كذلك إلى تبرير ~~تصرفه أمام أمه التي ظلت تتمنى له الراحة والدفء والاستقرار. فبعث ~~إليها بسطور يقول فيها إنه صمم منذ سنوات على عدم الزواج. وسواء ~~جاء هذا التصميم عن خيبته في الحب أو سوء حظه أو غيبة الظروف ~~والفرص المواتية، فلا شك أنه كان يتفق مع طبيعته وينبع من إحساسه ~~بنفسه، ولا شك أيضا أنه بقي وحيدا في رحلة الحياة والعذاب. ولعله ~~كان يشعر شعورا قويا بالقدر المظلم الذي ينتظره، ويعتز بالهدف ~~الذي رسمه له وحيه ووجدانه. ها هو ذا يستطرد في رسالته إلى أمه ~~ويقول: «إن طبعي العجيب، وأهوائي المتقلبة، وميلي إلى المشروعات ~~البعيدة، (ولأعترف لك بالحقيقة كاملة) وطموحي، كلها ملامح لا يمكن ~~أن تمحى من الوجود بغير آثار خطيرة، وهي لا تجعلني أتوقع السعادة ~~في الزواج الهادئ ...» # ولكنه لا يريد أن يزيد الأم حزنا على حزن، فيختم رسالته بقوله: ~~«ومع هذا فقد يغير المستقبل ذلك.» ولم يغير المستقبل شيئا، لأن ~~العبارة لم تكتب إلا رحمة بالأم. # والطموح الذي يذكره هلدرلين في هذه الرسالة بما يشبه الاعتذار ~~يدل في الحقيقة على الصراع الذي كان يعانيه وهو يحس إرادته تتمرد ~~على وجدانه، وروحه تصطدم بجدران الكآبة المتسلطة عليه. ولا بد أنه ~~كان يريد التعبير عن هذا الصراع حين وصف طبعه بأنه عجيب، وحين قال ~~عن نفسه في صباه المبكر إنه أحمق وطائش وهو قول لا يملك من يعرف ~~الآن قصة حياته إلا أن يرتعش لسماعه وتختلج كل جارحة فيه. # كان عليه إذن أن يحتمل هذا الصراع طوال حياته، ويعيش هذا التوتر ~~الذي جعله يتمزق بين التهور والاتزان، والتمرد المفاجئ والاستسلام ~~المبكي. والذين التقوا به يحكون عن هدوئه وطيبته والسحر المنبعث من ~~قسمات وجهه اللطيف، وقامته المديدة، وهندامه الجميل، وإشاراته ~~المهذبة، وتعبيرات ملامحه التي تنم على النبل والسمو، ومشيته ~~التي «تشبه مشية أبوللو في بهو المعبد» .. ولكن يبدو أن ms032 نعمة ~~الهدوء التي تشع منه لم تكن إلا القشرة الناعمة التي تخفي وراءها ~~جمرات الحزن واليأس. وهو نفسه يعبر عن هذا بكلام يختلف عما يقول ~~رواته، وينضح بالشكوى من كآبته الملازمة؛ فهو في عين نفسه «أحمق»، و«لوح». # 2 # وهو يسأل: «أأنا وحدي هكذا؟ أأظل إلى الأبد، إلى الأبد ~~أتصيد النزوات والأهواء؟ لقد قال عني الدير كله # 3 # إنني مصاب بكآبة من نوع خطير؟» # ويكتب إلى صديقه «نويفر» إنه أصبح عاجزا عن البهجة، ويتوسل إليه ~~أن يسري عنه كلما اشتدت محنته، ولا ينسى وهو يرجوه الكتابة إليه ~~عن أحواله أن يقول «ربما بعث هذا نورا يبدد ظلامي.» وتبلغ ~~الشكوى ذروتها في كل كلمة من كلمات هذه العبارة: «... هكذا أجلس بين ~~جدراني المظلمة، وأحسب كم أنا فقير من بهجة القلب فقر الشحاذين، ~~وأعجب من زهدي وصدودي!» هنا نجد جدران السجن الذي يطويه والظلام ~~الذي لا يقوى على الخلاص منه، والتفكير الذي لا ينقطع في فقره، ~~والعجب الذي لا ينقضي من زهده وصده وتخليه. وما أشد المرارة ~~والسخرية جميعا في هذه الكلمات! # لم يدخر هلدرلين وسعا في تعذيب نفسه، وتلك سمة المنطوين ~~والمنعزلين المتوحدين. ولكننا نخطئ إن حاولنا تفسير ذلك تفسيرا ~~نفسيا أو مرضيا. صحيح أنه وصف نفسه وهو في الثانية والعشرين من ~~عمره بأنه شاعر مريض .. ولكنه قال عن نفسه كذلك إنه فقير كالشحاذ، ~~وهو قول لا يستغرب من إنسان يسعى إلى الحقيقة ويكافح من أجلها، ~~ويحتمل العذاب والحرمان والهوان في حجه إليها. إن الفقر هو زاد ~~الباحث عن الحقيقة، والتجرد عصاه على الطريق. وبحثه عن الحقيقة بحث ~~عن المطلق. ووجود هلدرلين كله تحرر وانطلاق من أشكال الحياة ~~المألوفة، من التقاليد الدينية، من الأنظمة والمذاهب الفكرية، من ~~المفاهيم الفنية الشائعة في بيئته .. وهو يبني حياته وشعره بعيدا ~~عن كل التصورات المألوفة على عهده. ولا يركن إلى شيء أو إنسان حتى ~~يتحرر منه ويفلت من أسره. وكأنه المسافر الغريب أبدا، قد يمد ~~يده لعابر طريق، ولكن ليلتقط أنفاسه ويستأنف رحلته .. فإذا طال ~~السلام ms033 والكلام، ووجد أن الغريب سيهدد حريته أو يعطل سفره، نبهه ~~قدره أو وحيه، وأعاده من جديد إلى فقره. ستكون هذه اللقاءات ~~العابرة في أواخر حياته هي المصائب والمحن التي تضفي عليه سمت ~~الأنبياء وتجعل لأغانيه رنين الوحي الملهم من ربات الفن وآلهة ~~الأوليمب. وستكون في سنوات شبابه أشبه بتكسر الأغلال على صوت ~~الضحكات، ليخرج منها الشاب أشد حرية وجسارة. # استمع إليه وهو يعبر عن هذا في قصيدته عن نهر الراين: # لذلك كانت كلمته تهليلا. # إنه لا يحب، كسائر الأطفال، # أن يبكي في الأربطة، # فحيث يتسلل الشاطئان # المتعرجان على جانبيه، # ويلتفان من الظمأ حواليه، وهو غافل عنهما، # ويتشوقان إلى جذبه وحمايته، ~~(تراه) يمزق الحيات وهو يضحك من بين أسنانه، # ويندفع بالفريسة، وإن لم يسارع # من هو أكبر منه بترويضه، # ويدعه ينمو كما ينمو البرق، # فإنه يضطر إلى شق الأرض، # وتفر الغابات مسحورة وراءه # وتنهار الجبال. # وكلمات القصيدة ~~خشنة قاسية، ولكنها تعبر عن جموح الشباب وكبريائه .. فهناك الحيات ~~الملتوية التي لا تجرؤ على مواجهته فتتسلل على جانبيه، وتحاول ~~جاهدة أن تشده وتجذبه. إنها تريد أن تصيده، وهو الحر، وتشتاق أن ~~تروي عطشها من صفائه .. فالراين هو الشاب الذي تستمد حياتها منه، ~~بل هو «هرقل» الذي تذكر الأسطورة الإغريقية أنه مزق الحيات التي ~~التفت حوله بذراعيه الجبارتين. وكأن هذا النهر القوي الرائق قد ~~استحال قدرا من أقدار الطبيعة .. والفكاك من قيود القدر لا يتم ~~بغير تضحية ومرارة وعذاب. # والكآبة بطبعها ملازمة للجمود وعدم الاكتراث .. وقد طالما شكا ~~أصدقاء هلدرلين من فتوره معهم، وقطيعته لهم بغير سبب معروف. إن ~~«إمانويل ناست» الذي جمعته به في صباه أواصر الود والمحبة، يكتب ~~إليه في رسالة لا نعرف أنه كتب له رسالة أخرى بعدها: «لست أدري إن ~~كان من الواجب علي أن أتعارك معك أو أتوسل إليك لتتعارك معي ... ~~وداعا يا أخي العزيز .. البارد؟ .. وتأكد أن بقاء تلك الصداقة ~~القديمة الدافئة أمر يتوقف عليك ...» # ولم تجد كل الآلام التي قاستها حبيبته الأولى «لويزة ناست» ولا ~~كل العتاب ms034 الذي وجهته إليه من تغيير قراره بالبعد عنها. إن حبها ~~لم يستطع أن يشبع شوقه إلى الحب الحقيقي الذي ستعبر عنه هذه ~~الأبيات من قصيدته السابقة عن الراين: # من الذي بدأ # بإفساد أواصر الحب، # وجعل منها قيودا؟ # والجواب عسير عن هذا السؤال، ولكنه يشير إلى جانب ~~من طبيعته المظلمة الملغزة في نظر أصدقائه ومعارفه، ويعبر عن حيرته ~~من نفسه التي لا تطمئن لشيء ولا تستطيع أن ترتبط بإنسان بحيث تعطيه ~~وتضحي من أجله وتفنى فيه. # كان هلدرلين في هذه الأثناء قد انتقل إلى المعهد الديني في مدينة ~~«توبنجن» فدخله في أكتوبر سنة 1788م. واستطاع بعد سنتين أن يحصل ~~على شهادة الماجستير. وكانت دراسته الأولى في هذا المعهد تشمل ~~المنطق والفلسفة العملية وما بعد الطبيعة، والتاريخ والرياضة ~~والفيزياء واللغتين اليونانية والعبرية. ثم اتجه بعد إتمامها إلى ~~اللاهوت الخالص فأخذ يتعلم الأصول والجدل وتفسير النصوص والأخلاق، ~~وأصبح من حقه أن تصرف له كل يوم قنينة من النبيذ بشرط أن يدرس ~~معها اللاهوت! # وكان هذا المعهد الديني في صرامته وجهامته أشبه بالدير، بل كان ~~في الأصل أحد الأديرة الأوغسطينية الرابضة عند أقدام «الشلوسبرج». ~~إن أسواره أشبه بأسوار السجون، وغرفه العتيقة الخشنة أشبه ~~بالزنزانات الرطبة التي تنفذ إليها الريح والمطر والثلج. والطلبة ~~يتكوم بعضهم بجانب بعض اتقاء للبرد؛ إذ لم تكن التدفئة تصل ~~إلا لثلاث عشرة غرفة في المعهد كله، بحيث لم يكن الواحد منهم ~~يستطيع أن يكتب خطابا بغير أن تلتهمه عين جاره .. وكان نظام ~~التربية يقضي بالتجسس على الطلبة ومراقبتهم مراقبة شديدة، وكان ~~هذا يثير ثائرة هلدرلين ويجرح شعوره بالفردية والكبرياء جرحا ~~عميقا .. ومع ذلك فقد ظل يحتمل هذه الحياة القاسية ويصبر على ~~قيودها ومكارهها، مستجيبا لتوسلات أمه المسكينة التي لولاها ما ~~قضى في هذا الدير يوما واحدا. ها هو ذا يعبر عن سخطه على الوصاية ~~المفروضة عليه فيقول: # لم أعد أطيق هذا! # أن تسير خطى الصبي أبدا أبدا، # خطاه القصيرة المحسوبة كل يوم # كالسجين المغلول، لا لم أعد أحتمل هذا! # كما ms035 يثور على كل طموح أكاديمي سخيف: «يستوي ~~عندي أن تستقر كل ألقاب الماجستير والدكتوراه وكل ما يقترن بها من ~~توقير واحترام في خرائب المورة.» # 4 # ولكن السخط يتجه قبل كل شيء إلى اللاهوت وأصحابه ~~المتزمتين الذين يسميهم حفاري القبور في توبنجن! # المعهد الديني بمدينة توبنجن (من رسم الشاعر إدوارد ~~موريكه). # وكانت هذه القيود والسدود هي التي ألهبت في نفس الجيل الجديد ~~شعلة التحرر والانطلاق من أسر الأنظمة الجامدة، وجعلته يتطلع إلى ~~فجر الحرية والشباب والمعرفة الحقة، ويطالب بنظرة جديدة للتاريخ ~~وشكل جديد للدولة والدين. واستمد هؤلاء الشباب الشجاعة والأمل ~~من شخصية إمبراطور النمسا العظيم يوسف الثاني الذي حاول أن يحقق ~~حلم الدولة المطلقة المستنيرة التي تكاد تشبه حلم اليوتوبيا ~~القديم؛ مما جعل الشاعر الكبير «كلوبشتوك» يعبر عن حلمه بيوتوبيا ~~أكاديمية سماها «جمهورية العلماء الألمان» سرعان ما تبنى الشباب ~~فكرتها والتفوا حولها. # وتسنى لهلدرلين واثنين من رفاقه في الدير - وهما نويفر ~~وماجيناو - أن يجتمعوا على الحب العميق، حتى قال شاعرنا المنعزل عن ~~صديقه «نويفر»: «لقد كان أول من علمني كيف أسعد بالصداقة سعادة ~~حقيقية أصيلة.» كما استطاع هذا الصديق أن يكون على مدى سنوات ~~طويلة نورا يشع بالأمل لروحه المعتمة الحائرة، وأن يتحكم في ~~أهوائه ونزواته «وكل الأرواح الشريرة التي تسومه العذاب»، ويجد ~~عنده الاتزان والمثابرة اللذين افتقدهما في نفسه، بمثل ما وجد ~~التواضع والسخرية والمرح عند صديقه الآخر ماجيناو. # كان من عادتهم أن يجتمعوا كل يوم على زجاجة من الجعة أو النبيذ، ~~وكراسة يقرأ منها كل منهم ما جادت به عليه ربات الفن والشعر .. ~~وانضم إليهم الشاعر فريدريش ماتيسون (1761-1831م) الذي لم يكد يسمع ~~أنشودة هلدرلين «إلى روح الجسارة» حتى ألقى بنفسه بين ذراعيه وراح ~~يضمه بعنف إلى صدره ... كانت هذه الأنشودة - مثلها مثل سائر الأناشيد ~~التي كتبها في هذه المرحلة من شبابه - قريبة في العاطفة والفكرة من ~~روح شيلر. وكان شيلر هو الخبز اليومي على مائدة هؤلاء ~~الأصدقاء .. فحديثهم عنه لا ~~ينقطع، وإعجابهم بإنسانيته ونبله ومثاليته وشجاعته وطاقته الهائلة ms036 ~~لا يقف عند حد .. وكان لشيلر في هذه المرحلة وفيما سيأتي من ~~مراحل العمر أثر لا يقدر على حياة هلدرلين؛ فهو الذي تعاطف معه ~~ولمس موهبته ووجهه في رفق إلى تدارك عيوبه، وهو الذي أمده بالثقة ~~في نفسه، وساعده على التغلب على تردده والمضي إلى إتمام رسالته، ~~ونصحه بالتمسك بالقيم الموضوعية، واستشراف الآمال البعيدة الجسورة، ~~والبعد عن «الذاتية العنيفة» .. وكانت قصائده في هذه الفترة التي ~~قضاها في توبنجن تعبر عن الجهد الذي يبذله في البناء والصنعة، ~~ولكنها تفتقر إلى ذلك الشيء الذي يجعل الفن حياة، أعني الضرورة ~~الباطنة التي تدفع للكتابة فكأنما يستجيب الإنسان لقدر لا فكاك ~~منه، ويضع نفسه ودمه في كل حرف تخطه ريشته. غير أنها ظلت قصائد ~~فخمة اللغة، موغلة في التحليق، شديدة التشتت، مغتصبة التعبيرات ~~والصور، بعيدة عن النغمة الوديعة الهامسة المنكسرة التي تميز أجمل ~~شعره وأبقاه. انظر إلى هذه المقطوعات من قصيدته إلى روح الجسارة أو ~~شيطانها العبقري وستلمس مدى التعب والضنى الذي تكبده الشاعر في مثل ~~هذه القصائد التي كتبها أيام شبابه في توبنجن: # من أنت؟ كالفريسة # يتمدد اللامحدود أمامك، # أنت أيها الرائع! عزف أوتاري # يهبط معك أيضا إلى بيت «بلوتو» # 5 # المظلم، # هكذا جرت المينادات # 6 # المترنحات على ضفاف أورتيجيا # 7 ~~- في حين راحت عاصفة الغناء تبدد السحاب - # إلى الأيكات والأخاديد وراء رب الكروم، # وقد أخذتهن اللذة العارمة. ~~••• # قديما صحت لك، كما صحت لي، الشرارة الهادئة، # واشرأبت شعلة حرة صافية، # رحت تفور، وقد أسكرك الفرح الشاب، # مزهوا في ليل غاباتك، # وذراعك الغضة تلوح بالهراوة، # كما علمتك الشدة والبلوى، # وأخذت تتوعد أعداءك الأول الذين غنمت منهم # جلد الأسد الذي طوقت به كتفيك. ~~••• # كم تحدت الطبيعة قوة الأبطال، # في الحرب الشابة الفتية! # آه! كم نسيت الروح نهاية الفانين، # وقد أسكرها النصر المبين! # أولئك الفتيان الأباة! الأمجاد الجسورون! # قيدوا النمر بالأغلال وهم فرحون، # وروضوا المحيط الملكي، # ومن حولهم ترقص الدلافين المبهورة. ~~••• # كثيرا ما أسمع صليل أسلحتك، # أنت يا حامي # 8 # الجسورين. # وبهجة الإنصات إلى معجزات شعبك ms037 البطل، # تشد صدري المتعب من الحياة، # على أن الإقامة تطيب لك بين الآلهة الوادعين # 9 # حيث عالم الفنانين يبعث الجسارة في الحياة، # وحيث ينسج روح الشعر النبيل النقاب، # حول جلال الوجود غير المنظور. ~~••• # روح الكون ومباهجه # 10 # حياها ابن ميون # 11 # مقتفيا آثارها المقدسة؛ # وقفت الطبيعة الأزلية أمامه، # مفعمة بالجد وقد نزعت الغطاء، # ناداها بجسارة من أرض الأرواح المظلمة، # فظهرت الملكة التي لا اسم لها باسمة، # تصحبها جوقة الأفراح، ساحرة في رداء بشري. ~~••• # ومع ذلك فقد كانت مفزعة، يا رب الجسورين! # كلمتك المقدسة، عندما ظهر المبشرون # بالنور الأبدي بين الليل والنعاس، # وأصمت شعلة الحقيقة الكذب والخداع؛ # مثلما ينثر رب الرعود بروقه، # على الوديان الخائفة من ليالي الأنواء الشاهقة، # كذلك بينت للأجيال المنهارة، # سقطة العمالقة وفناء الشعوب. ~~••• # وزنت بالقسطاس العادل المستقيم، # لما استبدلت بالسيف الرداء الطويل؛ # 12 # تكلمت، فترنحوا، أولئك السارداناباليون، # 13 # إذ أسكرهم كأس غضبك الشديد، # عبثا حاول الظلام القديم بجهامة النمور # أن يخيف قضاءك الأمين # 14 # أنصت جادا لصوت البراءة الخفيض # وقدمت التضحيات لربة العدالة المقدسة. # 15 ~~••• # لا تتخل، يا روح الجسورين # يا من يلتف بدرع الآلهة، # لا تتخل عن البراءة أبدا! # تقدم واعمر قلوب الفتيان بلذة الانتصار! # آه لا تتوان. حذر، عاقب، انتصر! # وأيد جلال الحقيقة على الدوام، # حتى يخرج السلام الخالد - طفل السماء - # من مهد الزمن الحافل بالأسرار! # قصيدة محلقة في سماء الأساطير، مفعمة بجلال الروح ~~اليوناني القديم وقداسته، مزدحمة بأسماء الآلهة والأبطال، معبرة عن ~~جهد الشاعر في الصنعة والبناء. ومع ذلك فهي لا تخلو من كلمات ~~رقيقة هامسة تلمع في ثناياها كما تلمع زهرات البرق وسط العواصف ~~والأنواء. كلمات من لغة الشاعر التي تميزه عن غيره كالبراءة ~~والسلام والطفل والصوت الهامس الخفيض، وكلها أوتار سيعزف عليها ~~أناشيده وأغانيه المقبلة، لتلمس القلب بهدوئها وانكسارها ووداعتها ~~وانطوائها على آلامها وجراحها. # لم يكد هلدرلين يغادر مدينة توبنجن حتى توارت هذه اللغة الفخمة ~~المحلقة التي تكاد تغتصب الصور والكلمات. ها هو ذا يقول في شهر ~~أبريل سنة 1794م عن قصيدة ms038 أخرى كتبها في تلك الفترة من حياته ~~وسماها «قصيدة إلى القدر» قال: «لم أعد أقوى على احتمالها» ... لقد ~~بدأت تسود أشعاره الأنغام النقية الرفافة التي تميزه حقا. كما ~~بدأت تجربته الفكرية تتضح وتكتمل لتصبح رسالة شاعر يريد أن يربي ~~ويتنبأ ويبشر بالطهر والقداسة والبراءة والجلال. # وبدأ إحساسه بسر عبقريته وقدره يلقي ظلالا حزينة على علاقته ~~بالأصدقاء .. لقد فتحوا له الطريق إلى سر الصداقة نفسه، فما حاجته ~~الآن إليهم؟ هكذا أخذوا ينتقلون إلى منطقة الظل، وما أكثر ما تلقى ~~العبقرية من ظلال على حياة صاحبها وصلته بمن حوله من الأهل ~~والأحباب .. وتراجع الصديقان ماجيناو ونويفر من حياته شيئا فشيئا ~~حتى خرجا من دائرتها تماما. وأخذت الدائرة تضيق شيئا فشيئا على ~~الشاعر نفسه قبل أن تطبق عليه في النهاية وتخنقه يد الجنون. وها هو ~~ذا الأمر يتخذ الآن صورة أسطورية ويلتف في وشاح غيبي. إنه يقول ~~عن علاقته بأصدقائه: «القدر يدفعنا للأمام ويدور بنا في دائرة، ~~ونحن لا نملك الوقت الكافي للبقاء مع صديق، وكأننا أشبه بالفارس ~~الذي انطلقت به الجياد.» لقد حملته العاصفة وبعدت به عن صديقيه. ~~ربما عبر عن إعجابه بثبات صديقه: «ومع ذلك فأنت تملك الهدوء ~~والاطمئنان .. وبودي أن أملكهما.» ولكنه يدرك أن قدره يطارده ~~ويحكم عليه بالقلق الذي يتمكن من الشاعر الحق؛ ولذلك فسوف يتلفت ~~حوله مع نهاية القرن فلا يجد أحدا من أصدقائه. # ولعل أبرز الأصدقاء وأنشطهم وأشدهم أثرا عليه في هذه الفترة ~~من حياته هو جوتهولد فريدريش شتويدلين (1758-1796م) وكان بتربيته ~~من رجال القانون، وبطبعه المكافح الهادئ صحفيا من أنصار الثورة ~~الفرنسية والعاملين على نشر مبادئها في وطنه. إن هلدرلين يشكر ~~اللحظة التي أتاحت له أن يلقى «هذا الرجل الرائع حقا»، وأن «يعثر ~~على قلبه». استطاع هذا الصديق النبيل الذي كان يكبره باثنتي عشرة ~~سنة أن يؤدي له خدمات جليلة. فقد نشر له عددا من قصائده التي ~~كتبها خلال وجوده في توبنجن في الحولية التي أصدرها في سنتي 1792م ~~و1793م، وعرفه في صيف سنة 1793م بالشاعر ms039 «ماتيسون» الذي سبقت ~~الإشارة إليه، وسعى إلى لقائه بشيلر الذي كان لإنسانيته وفكره أعظم ~~الأثر على حياته وتطوره. ولا بد أن هذه العبارة التي قالها في ~~ذروة تحمسه للثورة الفرنسية قد كتبت تحت تأثير شتويدلين: «يجب ~~علينا أن نضرب المثل للوطن وللعالم على أننا لم نخلق لكي يعبث بنا ~~التعسف كما يشاء.» ولا بد أن كفاح هذا الصديق المثالي في سبيل ~~الحرية، ودعوته للأصدقاء أن يعملوا في هدوء من أجل هذه القضية ~~الكبرى، ثم اضطهاد الحكومة له وطرده من البلاد، ويأسه الذي أدى به ~~إلى إلقاء نفسه في مياه الراين سنة 1796م ... لا بد أن هذا كله لم ~~يعدم أثره القوي على وجدان هلدرلين ... بيد أنه ظل بعيدا عن ~~الثائرين المتطرفين من شباب توبنجن وصخبهم ومظاهراتهم، على الرغم ~~من إيمانه بقضية الحرية وتحمسه لها وعمله من أجلها. وكانت تجمعه ~~بأحد هؤلاء الثائرين علاقة ود خالص حميم. وكان هذا الصديق - وهو ~~كرستيان فريدريش هيلر (1769-1817م) شابا مرحا نقي السريرة صافي ~~البصيرة، يؤمن بالحرية والسلام أعمق الإيمان، ويصون قلبه وعينيه ~~من سحابات اليأس والأحزان. إن الشاعر يصفه في هذه الأبيات القليلة ~~بقوله: # أخي، منحك رب الحب شرارة إلهية، # حسا رقيقا صافيا تتلمس به الروعة والجمال، # فؤادك يتوهج بالحرية الأبية وبراءة الأطفال ... # أخي، تعال وذق معي الكأس الساحرة. # ولكنه لم يشأ أن يشاركه عنفه وثورته مع غيره من ~~الشباب في أسواق المدينة وشوارعها. لا لأنه كان بطبعه هادئا ~~عاكفا على نفسه، بل لأن الانضمام إلى الجمعيات والاشتراك في ~~المظاهرات كانا من أبغض الأشياء إليه. # وربما كانت أجمل الذكريات التي يحملها هلدرلين لصديقه هو قيامهما ~~معا في صحبة صديق ثالث كان يدرس الطب (ميمنجر) برحلة للتعرف على ~~سويسرا «بلد الحرية الإلهية» التي اجتمع فيها الكفاح الأبي مع ~~السلام الرعوي الجميل. # تجول الأصدقاء الثلاثة في أنحاء سويسرا، وملئوا عيونهم بمباهجها ~~ومجاليها، وكشفت البحوث الحديثة منذ حوالي عشر سنوات عن زيارتهم ~~لواحد من أشهر رجالات العصر، وهو يوهان كاسبار لافاتر (1741-1801م) ~~الكاتب الشاعر المتدين، مؤسس علم ms040 الطباع، وأحد رواد حركة العصف ~~والاندفاع، المكافحين ضد الظلم والطغيان في بلاده، المتحمسين ~~للثورة الفرنسية وصديق جوته وهردر وهامان. ولا بد أن هذه الزيارة ~~تركت أثرا لا يمحى في نفس الشاعر وخياله، ولا بد أن العالم ~~المرموق قد أدرك بإحساسه وثاقب بصره سر «النار المركزية» - فهكذا ~~كان يسمي العبقرية! - التي تتوهج في كيان هلدرلين. ولا بد أنه ~~استعان بنظرياته في علم الطباع فقرأ ملامح وجهه، وحسب أبعاد رأسه، ~~وعرف أن هذا الشاب الوديع المنكسر الذي يقف أمامه شاعر حق، بل هو ~~الشعر نفسه مجسدا في كيان إنسان مسكين. ومن يدري؟ فلعل هذه ~~الزيارة أن تكون من بين الأسباب التي دفعته إلى كتابة قصيدة رائعة ~~عن سويسرا أهداها إلى صديقه هيلر وحيا فيها بلد الحرية وأبطالها ~~المقدسين، وتذكر رحلته إليها مع هذا الصديق الذي يقول له بعد ~~الأبيات التي قرأتها منذ قليل: # هناك حيث يكسو شعاع المساء السحابة الغربية ~~بالذهب، # هناك أرسل الطرف وأذرف دموع الشوق! # آه! هناك رحنا نتجول! وسرحت العين وتاهت # في المشاهد الرائعة من حولنا! - كم حاول الصدر أن ~~يتسع # ليضم هذه السماء! .. كم التهبت الخدود # وقد رطبتها نسمات الصباح العذبة، # وتوارت زيوريخ بين الأغاني والأناشيد، # عن عيون الراحلين في القارب المنساب بهدوء! # يا سلام أركاديا # 16 ~~... # أيها السلام العذب المجهول، وأنت أيتها البراءة ~~القدسية، # كم تزدهر الفرحة النادرة في شعاعك. # لو أمكنني أن أنساك، يا بلد الحرية الإلهية، # لصرت أسعد حالا، فما أكثر ما يعروني الخجل ~~اللاذع # والحزن، كلما تذكرتك وتذكرت المكافحين المقدسين. # آه! عبثا تبتسم لي السماء والأرض ابتسامة الحب ~~السعيد، # عبثا تبسم عيون الإخوة المتطلعة إلي. # لكني مع ذلك لا أنساك! إني أنتظر وأرجو أن يأتي ~~اليوم # الذي يتحول فيه الخجل والحزن إلى فعل يسعد ~~الفؤاد. # كان هلدرلين إذن يشارك أصدقاءه وأبناء جيله حماسهم ~~لمبادئ الثورة الفرنسية وسخطهم على المهانة والطغيان في بلادهم، ~~وشوقهم إلى حكم جمهوري حر يخلصهم من المستبدين. ولكنه لم يكن من ~~أنصار العنف والشغب وتحطيم النوافذ والأبواب والتماثيل .. كانوا ~~جمهوريين بالجسد ms041 والحياة، وكان جمهوريا بالعقل والحقيقة .. صحيح ~~أن حياته الأولى في مدينة توبنجن الحالمة الصغيرة لم تخل من ~~تصرفات تنم عن النزق والطيش وقد تصل إلى حد المغامرة .. غير أن هذه ~~الميول المتهورة بدأت تنطوي إلى الباطن شيئا فشيئا وتصبح جزءا ~~من حلم أسطوري كبير يؤرق صاحبه بالحسرة والشوق إلى عالم الآلهة ~~والأبطال والقديسين الخالدين. وبدأ الإحساس بهذا العالم والتنبؤ به ~~والبكاء عليه يستولي على قلبه، وينأى به عن المشاغبين والمتظاهرين ~~المؤمنين بالتحرك والفعل؛ مما جعله يقول في قصيدته الشهيرة «إلى ~~الألمان» (1799م) إنه من أولئك الأغنياء في الفكر، الفقراء في ~~الفعل ... # وهو في هذه القصيدة يعبر عن موجة من موجات الثورة الباطنة التي ~~اندفعت به إلى شاطئ النضج والتحرر والطهر. إنه يناجي فيها «الروح ~~الخلاق» و«العقل المربي» هذا الروح الخلاق المربي هو في ~~الحقيقة روح الوطن الذي يدعوه أن يتجلى لأبنائه التائهين. وهو روح ~~هادئ ساكن لا يكاد يظهر للشاعر حتى يخرس أشد أوتاره خفوتا. وهو ~~يختلف عن ذلك «الجديد» المقبل بالصخب والعنف على أيدي الشباب ~~المتحمس، الجديد الذي يحطم الآلات القديمة ويخنق العزف والغناء. إن ~~الروح الخلاق سيظهر لأبنائه فتسكت الأوتار، وتستحيل الهمسات ~~صمتا وصلاة، ويذوب النغم الهامس في فرحة الروح ... اقرأ معي بعض ~~مقطوعات هذه القصيدة الهامة التي تبدأ بهذه الأبيات ~~المشهورة: # لا تهزءوا أبدا بالطفل الذي تصور له السذاجة، # وهو فوق الحصان الخشبي أنه رائع وعظيم، # آه أيها الطيبون! نحن كذلك؛ # فقراء في الفعل أغنياء بالأوهام! # ثم لا يلبث أن يسأل سؤالا يكشف عن شكه في قدرة ~~الفكر وإيمانه به وبالحرف المكتوب في آن واحد: # ولكن هل يأتي الفعل، كما يأتي الشعاع من ثنايا ~~السحب، # هل يأتي ناصعا وناضجا من الأفكار؟ # هل تتبع الثمرة الكتابة الهادئة # كما (تفعل) الورقة المظلمة في البستان؟ # ويرى الصمت المخيم على الشعب فيحس بوجدان الشاعر ~~وقدرته على التنبؤ أنه الصمت الذي يؤذن بمقدم الإله: # والصمت الذي يخيم على الشعب، أيكون هو الاحتفال # الذي يسبق العيد؟ أم الخوف الذي ينبئ عن الإله؟ # آه! ms042 خذوني إذن أيها الأحباب، # حتى أكفر عن (خطيئة) تجديفي. # ويتذكر رحلة عذابه في البحث عن هذا الإله أو هذا ~~الروح، وضياعه بين الشك والحيرة والحنين: # ها أنا ذا كالجاهل أتخبط في التيه من زمن طويل ~~طويل، # هنا في «مصنع» الروح المصور الخلاق، # لا أعرف إلا ما تزدهر براعمه # لكن لا أعرف فيم يفكر ويدبر. # ويعود إلى الإحساس الذي كان يشده على الدوام إلى ~~هذا الروح، وهو إحساس عذب، لكنه ممزوج بالعذاب، إحساس المحب الذي ~~ينتظر القادم ويستشرف ساعته، وإن كان لا يعرف حقيقة هذا الحب ~~والانتظار والاستشراف: # والإحساس # 17 # عذب، غير أنه كذلك عذاب، # وقد عشت سنوات طوالا تساورني الريب والشكوك # في حب فان لا يفهم، # ويهزني التأثر أمامه على الدوام، # وهو الذي يقرب مني الفعل الثابت، # النابع من روحه المحبة، ويبتسم للإنسان الفاني، # حيث يغلبني التردد، # ويعين الأعماق الخالصة للحياة على النضوج. # ثم يعرف حقيقة دعائه ونجواه، ويدرك أن الروح الذي ~~يبتهل إليه أن يظهر للفانين هو روح شعبه الذي سيركع أمامه ليسأله ~~الصفح عن شكه وجحوده، ويقدم له صلاة الشكر والعرفان: # أيها الخلاق، متى يا روح شعبنا # متى تتجلى في كامل نورك يا روح الوطن؟ # كي أركع أمامك في خشوع، # ويصمت في حضرتك أشد أوتاري خفوتا # وأشتاق أن أموت فرحان بين يديك، # خجلان كأني زهرة ليل # يا أيها النهار السماوي. # ويصبح كل الذين جمعتني بهم الشكوى والأحزان ~~قديما، # وكل مدننا مشرقة ومفتوحة ومتيقظة .. # مفعمة بالنار الصافية # وتصبح جبال بلاد الألمان # هي جبال ربات الفنون، # كما كانت قديما جبال بندوس # 18 # وهليكون # 19 # وبارناس # 20 # الرائعة # وتتألق حولنا الفرحة الحرة الساطعة الناصعة، # تحت سماء الوطن الذهبية. # تلك هي الفرحة الحرة الصافية المنبعثة من أعماق ~~الروح، الفرحة التي لن تتم حتى يتجلى الإله في سماء الوطن، ويشمل ~~جباله ووديانه وأفئدة أبنائه الفانين بالطهر والبراءة والسكون .. ~~وهي كذلك الفرحة التي تتألق بنور المحبة والصداقة التي جمعته ~~بأصحابه المتحمسين لمبادئ العدل والحرية والمساواة التي بشرت بها ~~الثورة الفرنسية الكبرى ... # صحيح أن هذه ms043 الصداقة بطبعها قصيرة العمر، محدودة إذا قيست بأعمار ~~الأمم والشعوب: # حقا إن آجالنا محدودة، # ونحن نرى سنوات عمرنا ونحصيها، # ولكن هل قدر لعين بشر # أن ترى سنوات الشعوب؟ # ولكن قصر الأجل لا يمنع الرؤية، وتعاسة الفناء لا ~~تحول بيننا وبين الوقوف على الشاطئ والتطلع عبر حاضرنا المحدود، ~~وترقب الموعودين الذين نأمل فيهم، وننتظر أن يدفئوا أيدينا ~~بمحبتهم: # ومع أن روحك المشتاقة تحلق فوق عصرك، # فسوف تتوقف محزونا على الشاطئ البارد # مع أهلك ولن تعرفهم أبدا، # ولن تعرف أبناء المستقبل الموعودين، # أين، أين يمكنك أن تراهم، # حتى تدفئك يد الصديق من جديد، # وتستمع روح إلى ما تقول؟ # فهل سيقدر له حقا أن يتدفأ بيد الصديق؟ هل يجد ~~الروح التي تستمع للروح؟ # لقد سبقت الإشارة إلى هذه الصداقة التي ألفت بينه وبين صاحبيه ~~«نويفر» و«ماجيناو» أيام (التلمذة) في دير ماولبرون بمدينة توبنجن، ~~ثم لم تلبث أن بهتت ورانت عليها الظلال. ولكن هذه الصداقة بلغت ~~ذروتها في تلك الأيام مع رجلين آخرين ذاع صيتهما بعد ذلك وحفر ~~اسمهما في سجل العبقرية، وهما الفيلسوفان هيجل وشيلنج. ولا بد أن ~~نتكلم عنها الآن قبل أن تبهت هي الأخرى وترين عليها ظلال النسيان ~~... # بدأت هذه الصداقة الحميمية بين هلدرلين وهيجل وشيلنج في خريف سنة ~~1790م وانتهت سنة 1793م. صحيح أنها استمرت قائمة بينه وبين هيجل ~~حتى نهاية القرن، ولكنها سرعان ما ذبلت بينه وبين شيلنج وحل ~~محلها شيء أقرب إلى التباعد والتقدير والاحترام ... # والصداقة إحدى معجزات الوجود. قد نشهدها مرة في حياتنا فتهتدي ~~الروح إلى صديق الروح الذي لا يفرقنا عنه إلا الجسد الآخر، وقد ~~تنقضي الحياة فيحرمنا القدر من نعمتها النادرة. وقد شاء القدر أن ~~ينعم الأصدقاء الثلاثة بهذه المعجزة وإن فرق بينهم بعد ذلك فسار ~~كل في طريق؛ هلدرلين على طريق «الروح المزدهر» # 21 # مهما شابت خصلات الشعر، وهيجل على طريق «الروح ~~المنطلق» الذي تنتهي عنده الأضداد ويتحقق السلام الأخير، وشيلنج ~~على درب الفيلسوف المتصوف الذي يحلم «بكنيسة يوحنا» ... # ولقد كانت الصداقة بين هلدرلين ms044 وهيجل أشد عمقا وأطول عمرا من ~~صداقته بشيلنج. ولم يكن السبب في ذلك هو أنهما من سن واحدة فحسب ~~(كان شيلنج يصغرهما بأربع سنوات) بل لعله يرجع إلى اختلاف ~~موهبتهما وطباعهما - والضد يسعى إلى ضده كما يقولون - كما يرجع إلى ~~عاطفة الحب الحنون الجارف الذي يحمله كل منهما لصاحبه. # كان من قدر هذه الصداقة الحميمة - وفي كل صداقة عظيمة جانب من ~~القدر! - أن تؤثر على روح العصر كله، كما أثرت على الحياة ~~الشخصية والعقلية للشاعر والفيلسوف. كانت بالنسبة لهيجل أكثر ~~الصداقات دفئا في شبابه. وكان هلدرلين يحس بالراحة والهناء كلما ~~التقى بهيجل. وليس أجمل من تواضعه حين يعترف بذلك فيقول: «إنني ~~أحب رجال العقل الهادئين؛ إذ يستطيع الإنسان أن يهتدي برأيهم ~~كلما التبس عليه الأمر في علاقته بنفسه وبالعالم.» # وليس من المبالغة أن يقال من ناحية أخرى إن الأساس الوجودي في ~~فلسفة هيجل لا يمكن أن يفهم إلا إذا فهمت صلته الشخصية بهلدرلين. ~~أما هلدرلين نفسه فيعترف في رسالة له إلى هيجل بأنهما على يقين من ~~استمرار صداقتهما إلى الأبد. ثم يقول في حسرة: «كثيرا ما كنت ~~روحي الملهم؛ أشكرك جزيل الشكر. إني أشعر بهذا منذ فراقنا شعورا ~~تاما .. لا زلت أتمنى أن أتعلم منك أشياء، وأخبرك في بعض الأحيان ~~بأحوالي ... يجب علينا من حين إلى حين أن نتنبه إلى أن لكل منا عند ~~صاحبه حقوقا واجبة ...» # وقد يدهش القارئ إذا عرف أن الفيلسوف الذي لا يكاد يقرأ له حتى ~~يتصبب العرق على جبينه قد أهدى صديقه الشاعر قصيدة تحمل من الرقة ~~والحنان والدفء ما يندر أن نجده في كتاباته المعقدة المخيفة .. ~~استمع إليه وهو يقول: # أقبل المساء، السكون من حولي وفي وجداني # صورتك، أيها العزيز، تتمثل لي، # وأتصور بهجة الأيام الماضية، # لكنها سرعان ما تتوارى أمام آمال اللقاء العذبة، # ويرتسم في خيالي مشهد العناق الملتهب # الذي أشتاق إليه من زمن طويل؛ # ثم أتخيل الأسئلة التي نتبادلها، # وتأمل كل منا لصاحبه في الخفاء، # وكيف غير الزمن من هيئته وملامحه وتفكيره، ms045 # وأتخيل متعة اليقين بأن عهد الوفاء القديم # لا زال أشد رسوخا ونضجا مما كان؛ # عهد الوفاء الذي لم يختمه قسم، # بل نذرناه للحياة من أجل الحقيقة الحرة وحدها ... # أما صلة هلدرلين بشيلنج فكانت أكثر تعقيدا. صحيح ~~أنها استمرت - في الظاهر على الأقل - فترة أطول من صلته بهيجل، ~~كما كانت عميقة الجذور في حياة كل منهما، غير أن اعتداد شيلنج ~~بنفسه من ناحية، وخجل هلدرلين الفطري وعكوفه على ذاته من ناحية ~~أخرى، قد عملا على قطع أسباب الصداقة بينهما بعد انتهاء سنوات ~~الطلب في توبنجن .. ويبدو أن شيلنج لم يستطع أن ينسى صديق شبابه كل ~~النسيان. فهو يكتب في سنة 1795م إلى هيجل ويقول: «هلدرلين! ... إنني ~~أصفح عن مزاجه المتقلب الذي لم يجعله يفكر فينا أبدا.» وهي كلمات ~~تعبر بوضوح عن الإشفاق على الصديق المسكين، الصديق الذي تشده ~~الوحدة دائما من أحضان أصحابه: # ما عاد صوت يتردد في القاعة من أجلك # أنت أيها الرائي المسكين! عينك المشوقة تنطفئ، # والنعاس يجرفك إلى الأعماق، فلا يذكرك أحد ولا يبكيك ~~إنسان. # وقد تذكر هلدرلين صديقه فكتب إليه في سنة 1799 ~~يرجوه أن يسهم في مشروع صحيفة أدبية كان يفكر في إصدارها. إلا أن ~~شيلنج لم يرد على رسالته ولم يشارك في المشروع الخيالي الذي لم ~~يعرف النور. ومن الظلم أن نتهمه ~~بالجحود أو الجفاء، لأن مشاركته في ذلك المشروع الفاشل لم تكن ~~لتقدم أو تؤخر. ويكفي أن نقول إنه تألم ألما لا حد له ~~عندما بلغته أخبار المرض الأخير الذي أودى بعقله، وهو ما سنعرض له ~~في فصل قادم. # سار الأصدقاء كل في طريقه كما قلت، لكنهم اشتركوا في نسيج ~~واحد أو شبكة واحدة قدم لها كل منهم خيوطه. ويصعب أن نسمي ~~هذا النسيج المشترك باسم محدد. ولكن لعلنا لا نجاوز الصواب كثيرا ~~إذا سميناه «الفكر الديالكتيكي»، على الرغم مما في هذه الكلمة ~~الأخيرة من رنين مخيف! أسهم كل منهم في هذا النسيج بالخيط الذي ~~يميزه عن صاحبه؛ هلدرلين بالورع والخشوع المطلق، وشيلنج بالفكر ms046 ~~الجسور الدقيق الحاد، وهيجل بالبناء الضخم والقدرة الخارقة على ~~الاستدلال والتمحيص. # تأثر الثلاثة في مبدأ الأمر بلغة هردر (1744-1803م) المتدفقة ~~ومنهجه العضوي الحي في التفكير، ثم شجعتهم فلسفة «فشته» المثالية ~~المطلقة ونظريته الضخمة المتعسفة عن العلم (وكان يقصد به الفلسفة) ~~وأمدتهم بالمران والقدرة على مواجهة الحياة على اختلاف صورها. وليس ~~التفكير الديالكتيكي إلا مواجهة الحياة المتطورة المتغيرة من خلال ~~التوتر بين قطبين متضادين؛ أي إدراك الصيرورة والتحول الناجم عن ~~الصراع بين طرفين بحيث يتحقق الطرف أو المبدأ الثالث الذي يصالح ~~بينهما ويتجاوزهما. # لم يكن هذا التفكير الديالكتيكي أو الجدلي منهجا طبقه ~~الأصدقاء الثلاثة كل في مجاله، بقدر ما كان الفعل الفكري الأصيل ~~الذي جمع بينهم. ومن طبيعة هذا الفكر المتغير المتطور تطور الحياة ~~نفسها أن يفهم العقل أو الروح فهما تاريخيا. أي أنه لا يتم إلا ~~في التاريخ، لأن التاريخ جوهره وقوامه. # يقول هلدرلين في قصيدته عن «عيد السلام»: «إن الروح العظيم يفض ~~صورة الزمان.» ويقول هيجل: «إن الروح يشرح أو يفسر نفسه في ~~التاريخ.» كما يطرق شيلنج نفس المعنى حين يقول: «كل لحظة خاصة من ~~لحظات الزمان هي كشف عن جانب خاص من الله، يكون مطلقا في كل واحد ~~منها.» # هكذا يفضي التوتر بين المرحلة الأولى (مرحلة الوجود الخالص ~~البسيط الذي لم يتميز أو لم يتفتح بعد) والمرحلة الثانية (وهي ~~مرحلة الوجود الذي يتفكر في ذاته ويتبلور على نفسه) إلى مرحلة ~~ثالثة يتم فيها التصالح والسلام في الوجود. وهكذا أيضا نستطيع أن ~~نتصور هذا الطريق بخطواته الثلاث التي سارها هيجل وشيلنج ~~وهلدرلين كل على طريقته، ~~بالتأمل أو الرؤية أو الشعر. ولا شك أن هذا تبسيط مخل بهذا ~~الطريق المعقد المتنوع الذي لا حد لتعدد صوره ومستوياته. ~~ولكن الذي يعنينا في هذا السياق هو أن الأصدقاء الثلاثة - كل على ~~طريقته وبقدر طاقته وملكاته كما قلت - يشتركون في الغاية الأخيرة، ~~وهي السلام الذي ينتهي عنده موكب الصراع، وتتحقق أمنية العقل ~~والقلب. # ونعود فنسأل: كيف سيبدو هذا السلام السماوي الهادئ الجبار كما ms047 ~~يسميه هلدرلين؟ وفي أي مكان أو زمان يفي بوعده ويبني بيته؟ # سيقول الأصدقاء الثلاثة «في مملكة الله». وسيراها كل منهم على ~~طريقته في الرؤية والتفكير ... # إن هلدرلين يكتب إلى هيجل في صيف سنة 1794م - وبعد تسعة شهور من ~~وداعهما لمدينة توبنجن - فيذكره بكلمة السر التي افترقا عليها، ~~ويؤكد له أنها ستجمعهما بعد كل تحول وتغير واغتراب. ولم تكن ~~كلمة السر هذه سوى «مملكة الله». ولم تكن مملكة الله في تصورهم ~~شيئا مجردا متعاليا غريبا عن الواقع، بل شيئا يستطيع كل واحد ~~منهم أن يشارك فيه بجهده وإيمانه وحبه وأمله. ها هو ذا هيجل يصف ~~هذه المملكة الإلهية الصغيرة فيقول إنها دائرة الحب والأفئدة التي ~~تتنازل عن حقوقها الخاصة بعضها تجاه بعض فلا يجمع بينها غير ~~الإيمان المشترك والأمل المشترك. # ويبحث الأصدقاء الثلاثة عن ~~نواة هذه المملكة الإلهية فيجدونها في الفكرة التي قال بها قبلهم ~~«لوثر» و«كانت» و«هردر» عن «الكنيسة غير المنظورة». ويتلقفون ~~الفكرة ويتعمقونها كل من جانبه. ويكتب هيجل إلى شيلنج في سنة ~~1795م فيقول: «لتأت مملكة الله، ولنعمل بأيدينا على تحقيقها ولا ~~ندعها تسترخي فارغة في حجرنا. ليبق العقل والحرية دائما قدرنا ~~وكلمة السر بيننا، ولتكن الكنيسة غير المنظورة هي النقطة التي ~~نلتقي عندها ...» # ومملكة الله هذه لا صلة لها بمملكة الأرض ودولتها ... # لقد كان هذا هو ظن تلامذة المسيح ومعاصريه .. ولكنه أعلنها قوية ~~أمام «بيلاتوس» عندما قال إن مملكتي ليست من هذا العالم. # 22 # وهي كذلك لا تتصل بالكنيسة المنظورة ولا شأن لها بطقوس ~~العبادة، لأنها من شأن العقل والقلب والحرية. ستأتي إذن مملكة ~~الله، وسيشدو بها هلدرلين بعد ذلك في حماس وحنين لا نظير له في ~~روايته «هيبريون» وسيقول إن الدولة لن تقيمها، بل سيمنحنا إياها ~~ربيع الشعوب، وتدثرنا في سحابة ذهبية وتحملنا بعيدا فوق الموت ~~والفناء. سنندهش ونصاب بالذهول، وسنسأل نحن التعساء الذين طالما ~~اشتقنا إلى الربيع: أحقا أصبحت مملكة الله لنا؟ # ولكن متى يتم هذا؟ عندما تبزغ الكنيسة الجديدة، حبيبة الزمان، ~~أجمل بناته وأصغرها من ms048 بين الأشكال القديمة البالية، عندما يستيقظ ~~الإحساس بالإله في قلب الإنسان فيعيد إليه الشعور بألوهيته وشبابه ~~ونضارته. إن هلدرلين لا يستطيع أن يبشر بها، بل يعترف أنه لا يحس ~~بها ولا يمكنه أن يتنبأ بموعدها ولكنه على يقين من أنها ستأتي. ~~فالموت هو رسول الحياة. وما دمنا نرقد اليوم كالمرضى ونحس دبيب ~~الموت في أجسامنا ونفوسنا، فهذا بشير باليقظة القريبة، بشير ~~بالربيع الجديد: # لهذا أحتفل اليوم بالعيد، وفي المساء في ظل ~~السكون # تزدهر الروح حولي ولو جلل شعري المشيب، # مع ذلك أنصحكم يا أصحابي أن تعدوا # المأدبة والغناء، والباقات الوفيرة والأنغام، # في مثل هذا الزمن وكأننا شباب خالدون. # 23 # إن هلدرلين يطالب أحبابه وبني وطنه وعصره بالسكون ~~والهدوء. فالسكون هو شرط التجديد الروحي المأمول. وكلاهما موصول ~~بالقدرة على الإنصات وحسن الاستماع لصوت الوجود الحق، أو صوت ~~الخالدين السماويين الذين لا يفنون ولا يبخلون. ولا بد للاتحاد مع ~~الخالدين أن نكون قادرين على الانسجام معهم، أي أن يتجانس الصوت ~~البشري مع الصوت الإلهي في نغم واحد وسر واحد ... ولا بد أيضا أن ~~نحسن الإنصات لندخل في الحوار الشجي، ومن لا يحسن الإنصات فلن ~~يحسن إلا النزاع والخلاف: # فعندما تطلعوا في البداية بعضهم إلى بعض # بدأ الآخرون يقتربون، # عندئذ جلس رجالنا المتشوقون تحت شجرة الزيتون. # ولكن عندما تلامست ثيابهم # ولم يستطع واحد منهم # أن يسمع قول الآخر، # نشب بينهم نزاع # 24 ~~... # ولكنهم لا يكادون يتبادلون «الكلمة» حتى يتم الصلح ~~بينهم: # وتطلعوا إلى بعضهم لحظات، # ثم مدوا الأيدي بعضهم إلى بعض في حب. # وسرعان ما تبادلوا السلاح، # وكل ما في البيت من زاد طيب، # وتبادلوا الكلمة أيضا ... # وتبلغ المحبة ذروتها في «الحديث» والحوار. إنه روح ~~الحياة وحياة الروح: # ليس حسنا # أن تستحوذ الخواطر الميتة # على المرء وتسلبه الروح. # لكن الحوار حسن وكذلك التعبير عن رأي القلب # 25 # وأفضل منه الاستماع # إلى الكثير عن أيام الحب # والأعمال التي تتم .. # ستتحقق مملكة الله على الأرض ويتحقق معها الروح الشامل عندما ~~تتحد النغمة الوحيدة في النغم ms049 العام، ويذوب وفاء الفرد في تطور ~~الكل ونمائه: # لتكن لغة الأحباب # هي لغة الأرض. # 26 # هنالك يزدهر الروح حولنا نحن البشر. وحين تأتي هذه ~~الساعة تتسع شريعة المحبين فتصبح هي شريعة السلام: # أما الشرائع التي تصدق على المحبين، # وتحقق التوازن الجميل، # فستصدق على كل الكائنات # من الأرض إلى أعلى السماوات. # تلك هي مملكة الله التي سيأتي بها المستقبل. مملكة ~~يحكمها الله، وتدبرها شريعة الحرية والحب والوفاء التي يخضع لها ~~الخالدون .. وليست في نهاية الأمر إلا البوليس # 27 # أو المدينة المستقلة الحرة المزدهرة بالحضارة والكرامة ~~والجمال ... # عبر هلدرلين عن هذه المملكة المقبلة بشعره المنبعث من القلب ~~كما عبر عنها صديقاه بالتأمل المجرد أو بالحدس والرؤية. # ولكن مملكة الحق والخير والعدل لن تهبط من السماء، بل لا بد أن ~~تنبع من إرادة الفرد، ولا بد أن يبنيها بجهده وعرقه وفكره .. لا ~~بالثرثرة كما يتخيل الكثيرون ... # | الوحيد # «لكن إلى أين أذهب؟» # كان لدى هلدرلين إحساس فريد بالنماء والنضوج. ويكاد المرء يصدق ~~أنه كان يسمع «النمو وهو يفور»، وينصت للقوى التي تحرك الحياة من ~~الجذور. إن الفنان قريب من مبدأ الخلق نفسه الذي «يجدد الأزمان»، ~~وهو يحيا في جذور الوجود «حيث تدبر الطبيعة الأيام الآتية»، وحيث ~~«تنمو الأعوام» وتمتزج الساعات والأيام. وقربه من الحركة المطلقة ~~والقوى التي تسيرها هو الذي يعطيه الحق في التصرف في قوانين الزمان ~~والمكان، وحرية المزج والتقريب بينها كما يقضي بذلك فكره ويوحي به ~~شعره. # والشاعر يتمتع بهذه الحرية نفسها في تصوره للمكان. إنه يقول في ~~إحدى قصائده المتأخرة التي لم تتم: # الغناء حر كالعصافير، # تطير وتتجول فرحة من بلد إلى بلد. # 1 # والشاعر القريب من مبدأ الوجود المطلق والنماء ~~والتغير لن يكون الوطن عنده مكانا ضيقا تحده الحدود والسدود، بل ~~حقلا تزدهر فيه قوى الحياة وتترعرع، وقلبا وبستانا وأرضا للحب ~~والإلهام: # عسى الوطن لا يصبح مكانا ضيقا # بل هواء فحسب # 2 ~~... # فالهواء هو عنصر الفنان المبدع الخلاق الذي لا ~~يبدأ شيئا ولا يتمه إلا في ظل الحرية. # انهل نسمات ms050 الصباح # حتى تتفتح، # وسم ما يتمثل لعينيك. # 3 # فالانفتاح مغامرة من يريد أن يجرب كل شيء، ويعرف ~~كل شيء، ويذوق كل شيء .. وعليه بعد ذلك أن يتعلم الشكر والعرفان ~~لكل النعم المنبثة حوله أو فيه: # هذا ما عرفته. لأنكم، فيما أعلم، # أيها السماويون، يا من تحفظون كل شيء، # لم تقودوني أبدا في رفق على الطريق السوي، # كما يفعل المعلمون الفانون # 4 ~~(من أبناء البشر). # يقول السماويون، فليمتحن الإنسان كل شيء، # حتى يمكنه، بعد أن يشتد (عوده) بالغذاء، # أن يتعلم الشكر على كل شيء، # ويفهم حرية الانطلاق إلى حيث يشاء. # 5 # والانطلاق هنا بمعنى الانفتاح على كل جديد ممكن، ~~والتهيؤ للسفر والتنقل والرحيل. وليست حرية الرحيل التي يتحدث عنها ~~الشاعر شيئا هينا يمكنه أن يقوم به ببساطة على أي نحو شاء. إنما ~~هو ~~شيء يستلزم الفهم الدقيق، ويتطلب من الإنسان عناء ~~التعلم الجاد. # قضى هلدرلين السنوات القصيرة التي تمتع فيها بقواه العقلية في ~~سفر ورحيل لا ينقطع. ففي الرابعة عشرة من عمره غادر بيت أمه إلى ~~بلدة دنكندورف، وفي السادسة عشرة انتقل إلى «ماولبرون»، وفي ~~الثامنة عشرة إلى مدينة توبنجن، حيث استجاب لتوسلات أمه بدراسة ~~اللاهوت، وعاش في مدرسة الدير خمس سنوات. ~~وفرغ من دراسته فترك المدينة ~~الصغيرة الحالمة على ضفة «النيكار» وأقام ما يقرب من العام في بلدة ~~فالترزهاوزن ثم غادرها ليقيم ستة شهور في مدينة «يينا» التي كانت ~~كعبة الفلسفة المثالية حينذاك. وفي ديسمبر سنة 1795م دخل بيت عائلة ~~جونتار كمعلم خصوصي، ثم انتقل في خريف سنة 1798م إلى مدينة باد ~~هومبورج. ولم تطل إقامته في هذه المدينة أكثر من سنتين، عاش بعدها ~~ستة شهور في مدينة شتوتجارت. وفي سنة 1801م قام بزيارة قصيرة ~~لبلدة «هاوبتفيل» لم تزد عن أربعة شهور ثم قضى بقية السنة في بلدة ~~نورتنجن التي سبق ذكرها عند الكلام عن نشأته وصباه. وفي شتاء سنة ~~1802 سار على قدميه متجها إلى مدينة «بوردو» الفرنسية، ليعود ~~منها في الصيف وقد اضطربت حالته العقلية والنفسية اضطرابا شديدا. ms051 ~~ولجأ مرة أخرى في صيف سنة 1804 إلى مدينة «هومبورج» ولكن حالته ~~ازدادت سوءا، فنقل في شهر سبتمبر سنة 1806م إلى مستشفى مدينة ~~توبنجن. ومرت سنة أخرى قبل أن يسلم للنجار «تسيمر» الذي تولى ~~رعايته. وبقي الشاعر الذي تخلى عنه ملاكه الحارس أو شيطانه الملهم ~~ستا وثلاثين سنة - أي ما يزيد على نصف عمره - في نفس المكان فلم ~~يغادره إلا إلى التراب. # لعل السطور السابقة قد أعطت القارئ صورة عن هذه الحياة القلقة ~~التي لم تستطع أن تجد الأمن والهدوء في أي مكان. شاء الحظ أن يظل ~~صاحبها دائما «على الطريق»، أن يقضي أيامه القليلة التي سبقت ليل ~~جنونه الطويل بين السفر والتجوال بدون أن يهدأ في مكان أو يطمئن ~~لإنسان . لذلك كان عليه أن يبدأ باستمرار، أن يواجه المطلق وحده. ~~ولم يبق أمامه لكي يستمر في الحياة إلا أن يتجه للحياة نفسها ~~ليستمد منها القدرة على التجدد والبقاء. ولذلك ظل «نبع الحياة» ~~هو وطنه الوحيد، وظل الالتصاق «بجذر الوجود» والإنصات إلى دبيب ~~القوى الكامنة النامية فيه هو ملاذه وملجأه، والفزع إلى الخالدين ~~والسماويين والمقدسين عزاؤه ورسالته. # إنه يعبر عن تجارب هذه الحياة التي قضاها في الرحيل والتجوال - ~~بالمعنى الظاهر والباطن معا - في واحدة من أجمل قصائده، وهي قصيدة ~~«خيالية المساء» أو «فانتازيا المساء»، # 6 # التي تتشابك فيها تجربته الذاتية بالقلق والعذاب مع ~~تجربة موضوعية أخرى بالقدر الأسطوري القديم: # الفلاح # 7 # يجلس هادئا في الظل أمام كوخه، # وينظر راضيا قنوعا إلى الموقد الذي يرسل ~~الدخان. # ناقوس المساء يرحب بالمسافر الوحيد # 8 # وهو يدلف إلى القرية المسالمة. # والآن يعود الملاحون أيضا للميناء، # وتخفت في المدن البعيدة جلبة الأسواق. # في البستان الهادئ تتألق وجبة الطعام، # الذي سيشترك في تناوله الأصدقاء. # لكن إلى أين أذهب؟ إن البشر الفانين # يعيشون على الأجر والعمل، كل شيء يتقلب فرحا # بين الراحة والعناء، لكن لم لا تنام أبدا # هذه الشوكة المغروزة في صدري؟ # في السماء يزدهر الربيع عند المساء؛ # تتفتح الزهور بلا عدد ويبدو العالم الذهبي ~~هادئا، ms052 # آه! خذيني إلى هناك أيتها السحب الأرجوانية! # وليذب هناك حبي وعذابي في النور والهواء! # لكن السحر يفر بعيدا # كأنما أفزعته ضراعتي الحمقاء؛ # ينتشر الظلام وأظل وحيدا، # كما كنت دائما تحت السماء. # تعال أنت الآن أيها النعاس اللطيف! # القلب يسرف في رغباته، لكن شعلتك، # أيها الشباب القلق الحالم، ستنتهي إلى رماد! # أما الشيخوخة فستكون هادئة وصافية. # القصيدة كما ترى تبدأ بصور قليلة رحبة ترسم عالم ~~المتجول الوحيد، وهو عالم أليف إلى نفسه وغريب عنها في آن واحد. ~~وتتردد في المقطوعة الأولى كلمات أربع، أشبه بالأثقال التي توضع في ~~كفة الميزان فلا يميل، كلمات تعبر عن الهدوء والقناعة وكرم الضيافة ~~والسلام. ولكن القناعة والكرم هما المحوران اللذان تدور حولهما ~~القصيدة بأسرها، فالقناعة تحمل أقصى ما يطمح إليه فكره ويقصر عنه ~~أمله وهو الكمال والاكتفاء بالنفس، والكرم يصور العاطفة التي تعذبه ~~وتؤرق وجدانه؛ إذ لا يجد المتجول الوحيد مكانا يطمئن إليه ويلقى ~~فيه كرم الضيافة. أما الظل المنعش، وسحابة الدخان الرقيق، وأنغام ~~النواقيس التي تدق في المساء فهي ترفرف على القصيدة كلها كحمامات ~~السلام. # وتهتز القصيدة بالحركة عندما يدخل إليها الملاحون، ومهنتهم ~~قريبة من مهنة الشاعر والفنان المتجول. إنهم يعودون أيضا إلى ~~الميناء؛ إلى المدينة البعيدة. ومع أن العودة مقرونة بالفرح وتألق ~~الضياء، إلا أن القلب لا يخطئ نغمة الألم المكتوم في كلمة ~~الأصدقاء، لا لأن الشاعر سيسأل بعدها مباشرة سؤاله الأول والأخير ~~الذي يعذب حياته: «لكن إلى أين أذهب؟»، بل لأن الصداقة بالقياس ~~إليه - وهو الباحث الذي لا يهدأ عن المطلق - لم تكن في يوم من ~~الأيام ولن تكون سوى فترة عابرة أو جزيرة منعزلة في خضم ~~وحدته. # والشاعر لا يصرخ وهو يسأل سؤاله: «لكن إلى أين أذهب؟»، بل يهمس ~~به في حياء وسكون. ويوشك السؤال أن يتوه في عالم يتقلب بين تعب ~~العاملين وفرحتهم باللقاء، ورضاهم عن نصيبهم من الأجر ~~والجزاء. # وسؤال الشاعر - على خلاف الرومانتيكيين من بعده - تمتزج فيه ~~الشكوى بالإباء. فهو لا يتلذذ بجراحه ولا يستسلم لعذابه، بل سرعان ms053 ~~ما يرفع بصره عنه ليتطلع إلى البريق الذي يشع من حوله، في ألق ~~الربيع وازدهار الورود وألوان السحب الأرجوانية. # وتتضح الحدود الفاصلة بين الفكر والشعر؛ فالفكر يهيئ السؤال ~~ولكنه يعجز عن الجواب المقنع، والشعر يخلق واقعه ولكنه يتجاوز ~~السؤال إلى بعد آخر مختلف: # في السماء يزدهر الربيع عند المساء. # أي يحاول أن يقدم الجواب الشعري على السؤال الذي ~~يعذب المطارد الوحيد. ومع ذلك فإن الواقع الآخر الذي يخلقه ليس إلا ~~المظهر الساحر الذي «يبدو» للعين أو النور الذي لا يدري الشاعر ~~كنهه ولا تستطيع عينه أن تتغلغل فيه: # العالم الذهبي يبدو هادئا. # وسرعان ما يتخفى السر مع أول رغبة حمقاء .. ~~وتتحول اللغة إلى الاتزان والعقل، ويعترف الشاعر بكل آلامه: # ينتشر الظلام وأظل وحيدا، # كما كنت دائما تحت السماء. # ونقرأ المقطوعة الأخيرة فنحس بأن الواقع نسيج من ~~الرضا والزهد والتسليم، وأن الشعلة التي تحولت إلى رماد لم تخب ~~فيها جمرات الصدود والانكسار. # من الغريب أن يقضي الإنسان حياته في التنقل والتجوال. ولكن ~~الأغرب منه أن يتم ذلك دائما في عز الشتاء. # لقد سافر الشاعر في ديسمبر سنة 1796م إلى فرانكفورت، وفي يناير ~~سنة 1801م إلى هاوبتفيل، وفي يناير سنة 1802م - «في رحلة باردة ~~طويلة» - إلى مدينة بوردو الفرنسية، أما رحلته الأولى - على ظهر ~~عربة بريد كئيبة - فكانت في شهر ديسمبر سنة 1793م إلى فالترزهاوزن ~~القريبة من مدينة ميننجن، عن طريق نورمبرج وارلانجن وبامبرج ~~وكوبرج. كان الشاعر «شيلر» قد توسط له عند صديقته شارلوته فون كالب ~~التي كانت على صلة طيبة بالحياة الأدبية ليعمل مربيا خاصا ~~لابنها «فرنس» البالغ من العمر عشر سنوات. وكان هذا العمل بداية ~~سلسلة من المحاولات الفاشلة لكسب قوته من إعطاء الدروس الخاصة. كما ~~كان يفعل معظم الكتاب والشعراء البؤساء في ذلك الحين. # وتتضارب الأقوال حول الفترة التي قضاها هلدرلين في هذا العمل ~~وانتهت بإعفائه منه بصورة مفاجئة، كما تختلف حول علاقته بهذه ~~السيدة الغريبة الأطوار. كان من رأي الشاعر نفسه أن هذه السيدة - ~~التي تكبره بتسع سنوات ms054 - امرأة نادرة لا نظير لها في اتساع أفقها ~~وعمق شخصيتها ورقتها. وكانت السيدة نفسها امرأة متقلبة ملتهبة ~~العاطفة تنتقل في سرعة خاطفة من حنان الأمومة إلى الغلظة والجفاء. ~~ولقد استطاعت بفطرتها أن تحس بعذاب هلدرلين وتلمس آثار المحنة على ~~كيانه الهش الرقيق. ولا نستطيع أن نجزم بشيء عن طبيعة العلاقة التي ~~كانت بينها وبينه وخاض فيها كثير من الباحثين، ولكن لا بد أنها ~~كانت شيئا أقرب إلى الصداقة العفيفة المترفعة، ولا بد أنها كانت ~~تنطوي على شيء كثير من الإشفاق على الشاعر من حرفة التعليم التي لم ~~يخلق لها، بل ورطه فيها أكل العيش، وأكل العيش مر كما نقول! ~~ويكفي أن نقرأ الرسالة التي كتبتها إلى شيلر راجية أن يبحث للشاعر ~~عن عمل آخر خفيف: «إن طيبتك تستطيع أن تفعل الكثير من أجله. حاول ~~أن تبحث له عن أعمال خفيفة يمكن أن تيسر له معاشه بشكل سريع ~~وتخلصه من الهموم التي قد تفيد فلسفته العملية، ولكنها لن تزيد ~~الهدوء والاطمئنان في حياته. ليكن المجد والقناعة والثبات من نصيب ~~هذا الإنسان القلق! إنها عجلة مسرعة في الدوران!» # ويبدو أن السيدة الذكية قد نفذت ببصرها الثاقب وراء حجب الغيب، ~~ورأت العجلة المسرعة وهي تنقلب بصاحبها في ليل الجنون! # مهما يكن من شيء فقد أعفي هلدرلين في شهر يناير سنة 1795م من ~~عمله، بعد الإخفاق في مهمته التربوية العسيرة. وكان قد انتقل مع ~~تلميذه وربيبه إلى مدينة «يينا» في نوفمبر من السنة السابقة. وظل ~~يعيش هناك بعد إعفائه من عمله إلى أن قرر فجأة أن يغادر المدينة، ~~فتركها في أواخر شهر مايو وقفل راجعا إلى بلدته «نورتنجن». # بقي السر وراء هذا السفر المفاجئ محوطا بالغموض. وظلت الإشاعات ~~تلاحق الشاعر الذي راح يشكو بعد ذلك في إحدى رسائله التي كتبها من ~~مدينة فرانكفورت من علاقات نسائية نسبت إليه ظلما: «سيلاحقني ~~الناس بأحكامهم القاسية حتى أخرج أخيرا من ألمانيا ...» وسواء أكان ~~السبب في هذه الإشاعات والأحكام الظالمة هو جماله الرائع الذي عرف ~~عنه في شبابه، ms055 أو حساسيته المريضة المرهفة، أو شعوره بالغربة في كل ~~مكان يأوي إليه، فقد كانت كلمة واحدة تكفي لإثارة غضبه وحمله على ~~الفرار بنفسه من بلد إلى بلد. # كان أقطاب الشعر والفكر الألمان يقيمون في ذلك الحين في مدينتي ~~«فيمار» و«يينا». وكان كل هم شاعرنا القلق المتردد أن يتصل ~~بهؤلاء الأعلام «ذوي القلوب الجريئة» علهم يبثون الشجاعة في قلبه ~~ويعصمونه من الهروب إلى الزهد والانعزال. كان القرب منهم - على حد ~~قوله - يسحقه ويسمو به في آن واحد. وكان يتمنى أن ينتزع نفسه من ~~الضباب والنعاس الذي يخيم على حياته، ويوقظ الطاقات التي أوشكت أن ~~تموت في صدره. # وكان شيلر في طليعة هذه الأرواح والقلوب الجريئة التي أثرت عليه ~~تأثير السحر، وشدته إلى عالمها المثالي النبيل كأنها القدر. وكان ~~موقفه منه هو موقف الإجلال والخوف الذي يجذبه إليه ويبعده عنه في ~~وقت واحد، الإجلال لشخصيته القوية الواثقة، والخوف من أن تتحكم ~~فيه وتسيطر عليه. ولذلك فهو يعترف بأنه لم يستطع أن يقترب منه بروح ~~الصفاء والمرح، ولم يستطع كذلك أن يبتعد عن فلكه أو يخلص من ~~تأثيره، ولو فعل لكانت سقطة لا يغتفرها لنفسه. # أقام هلدرلين ستة شهور في مدينة «يينا» وقدر له أن يحظى بعطف ~~شيلر ورعايته. ولكنه ظل على الدوام يحس أنه لا يستحق هذه الرعاية ~~الأبوية، حتى إنه كتب إلى أمه فقال إنه اعترف للرجل العظيم بدهشته ~~من اهتمامه به! وتتكرر نفس الكلمات المنكسرة في بعض رسائله التي ~~كان يكتبها لشيلر فيرجوه في إحداها أن يتعطف عليه بنظرة اهتمام أو ~~يعترف في إحداها بأنه حاول بمختلف الوسائل أن يفوز منه بكلمات ودية ~~قليلة ... # ووصل به الأمر في أحد الأيام - وكان في اليوم التالي على موعد مع ~~شيلر - أن يقضي الليل مؤرقا والنهار معذبا لا يستطيع أن يجد ~~نفسه أو يهتدي إلى فكرة. # ومهما يكن الأمر في شأن هذه العلاقة بين الشاعرين فلم تكن علاقة ~~بين شريكين يقدر كل منهما عبقرية صاحبه - كما كانت مثلا بين ~~شيلر وجوته - بل شابها ms056 إشفاق هلدرلين من تفوق «الرجل العظيم»، وكان ~~ذلك في أغلب الظن من الأسباب التي دفعته إلى الفرار من المدينة ~~والعودة إلى حياة التجوال. # والمؤكد أن شيلر قد عطف عليه من الناحية الإنسانية وحاول أن ~~يعينه على مواجهة الحياة، ولكنه لم يستطع أن يقدر عبقريته حق قدرها ~~ولم يتح له أن يسبر أغوارها ويدرك عمقها ... # أما عن جوته - عملاق الأدب وكعبة حجاج الفكر في فيمار - فقد كان ~~لقاؤه الأول معه مصادفة لم تجلب معها إلا المرارة والانكسار .. ~~ذهب هلدرلين لزيارة شيلر، ودخل من الباب فحياه الشاعر الإنسان ~~ورحب به. وكان هناك زائر آخر سبقه إليه، ولكنه لم يفطن إلى وجوده، ~~إذ لم تصدر عنه إشارة تدل عليه، ولم يفه بكلمة تكشف عن شخصيته. ~~وقدمه شيلر إليه، كما نطق باسمه لهلدرلين، ولكن هذا لم يفهم ~~اسمه، ولذلك حياه في برود، دون أن ينظر إليه؛ إذ كان لفرط ~~ارتباكه مشغولا عنه بشيلر وحده. # وظل الغريب صامتا. وجاء شيلر بنسخة من مجلة «تاليا» التي كان ~~يصدرها آنذاك فقدمها لهلدرلين، وكان قد نشر فيها قطعة من روايته ~~الوحيدة «هيبريون» وقصيدته إلى القدر. ومد الغريب يده فتناول ~~المجلة من على المائدة، وتصفحها لحظات دون أن يقول كلمة واحدة. ~~وشعر هلدرلين أن وجهه يحمر ويزداد احمرارا. ونطق الغريب كلمات ~~قليلة، كانت لعمقها كفيلة بأن تلفت شاعرنا إلى شخصية ~~صاحبها. # الشاعر فريدريش شيلر. # وأقبل زائر آخر هو الرسام «ماير» الذي كان يعيش في مدينة فيمار. ~~وأخذ الغريب يتحدث معه في شئون مختلفة، وبقي هلدرلين لا يفطن ~~إلى شيء .. ثم انصرف بعد قليل، وسمع في نفس اليوم من نادي الأساتذة ~~أن «جوته» نفسه هو الذي كان في زيارة شيلر! # هكذا يصف لنا هلدرلين هذا اللقاء الأول الذي تم بمحض الصدفة، ~~وإن لم يكن للصدفة دخل في أن يظل هذان الكوكبان بعيدين يسبح كل ~~منهما في فلكه. صحيح أنه يحدثنا في بعض رسائله إلى صديقيه نويفر ~~وهيجل، عن لقاء آخر مع جوته كما يذكر هذا اللقاء بالشكر والعرفان ~~ويقول بالحرف ms057 الواحد: «إن أجمل متعة نحظى بها في حياتنا هي أن نجد ~~كل هذه الإنسانية مقترنة بكل هذه العظمة ... إنه هادئ، في نظرته ~~سمو وجلال، وفيها كذلك حب، وهو في حديثه بسيط غاية البساطة ...» ~~غير أن هذه الكلمات المخلصة لا تغير من الحقيقة شيئا .. والحقيقة ~~هي أن الشاعرين الكبيرين لم يعرفا هلدرلين ولم يقدر لهما إدراك ~~عبقريته. ربما كان المسئول عن هذا هو شخصيته القلقة المضطربة التي ~~اعترف جوته بحيرته إزاءها، وربما كان السبب هو أنهما ظلا حبيسين ~~في عالمهما الشامخ الواضح المحدد، فلم تتح لهما النظرة الحرة إليه. ~~وكانت النتيجة أن اعتبره شيلر من أصحاب النزعة الذاتية المتطرفة، ~~ووضعه جوته بين الشعراء الغنائيين الحالمين (وأوضح دليل على هذا ~~أنه نصحه بالاتجاه إلى كتابة القصائد القصيرة، وهي نصيحة لا تتفق ~~بحال مع طبيعة هلدرلين ونفسه الطويل)! ولعلهما في النهاية قد شعرا ~~نحوه بشيء غير قليل من الخوف والإشفاق جعلهما عاجزين عن وضعه في ~~إطار معروف أو قالب محدد. # ومن سوء الحظ أيضا أنه لم يقدر له أن يلتقي لقاء حقيقيا ~~بالكاتب المؤرخ الفيلسوف هردر (1744-1803م) وكان مثل هذا اللقاء ~~خليقا أن يكشف عن القرابة الروحية التي تجمع بينهما، والجذور ~~الفكرية المشتركة التي تجعلهما يقفان من الوجود الحي النامي موقف ~~الخشوع والورع. لقد ذهب هلدرلين إليه، واحتفى به «الرجل النبيل» ~~حفاوة قلبية صادقة، تركت في نفسه أثرا لا ينسى. ومع ذلك فإن هذا ~~اللقاء العابر لم يؤت الثمرة المرجوة، ولم يتح لذلك الكاتب ~~المتدفق الواسع الأفق أن يعرف شاعرنا عن قرب أو يوجهه ويرعاه، وهو ~~الذي يدين له عشرات الأدباء - ومنهم جوته نفسه - بفضل الرعاية ~~والتوجيه. # ويتكرر هذا الإخفاق أيضا - ولكن في صورة أكثر اختلافا وأشد ~~إثارة - في صلة هلدرلين بفيشته (1762-1814م)، وهو «روح مدينة ~~يينا» في ذلك الحين. ولكن لعل السبب في هذا الإخفاق أن يكون كامنا ~~في موقفه من الفلسفة لا من الفيلسوف. # كان صديقه «إمانويل نيتهامر» قد قدمه إلى كوكبة الفلاسفة الذين ~~يشغلون المدينة بأخبارهم وأفكارهم. ويحدثنا هذا الصديق ms058 في مذكراته ~~عن اجتماع ثلاثة من أقطاب الفكر والشعر في إحدى أمسيات الصيف في ~~بيته. وكان الثلاثة هم فيشته وهلدرلين ونوفاليس الشاعر الرومانتيكي ~~الرقيق الحزين (وكان في ذلك الحين في الثالثة والعشرين من عمره) .. ~~ولسنا ندري ماذا تم في هذا اللقاء. ولكن إشارة واحدة من نيتهامر ~~عن النصيحة التي وجهها إليه صديقه هلدرلين بأن يحمي نفسه من ~~الأفكار المجردة، يمكن أن تلقي شيئا من الضوء على صلة شاعرنا ~~بالفلسفة والفلاسفة. # اعترف هلدرلين بعد ذلك (وكان هذا في شهر يناير سنة 1799م) في ~~سياق كلامه عن «صنعة الشعر العذبة» بأن الفلسفة قد أضنته إلى ~~حد اليأس، ووصفها بأنها نوع من السخرة وأن الحياة معها أشبه ~~بحياة الجندية! لقد أقبل عليها في صبر وعناد، ولكنها حرمته من ~~الطمأنينة والسلام. وظل حائرا لا يدري السر في هذا حتى اكتشف أنها ~~ابتعدت به عن ميله الحقيقي، وأنه كلما انصرف إليها شهق قلبه حنينا ~~إلى «عمله الحبيب»، كما يحن الرعاة السويسريون أثناء فترة ~~تجنيدهم إلى المراعي والسهول والقطعان .. ثم يسأل نفسه قائلا: ~~لماذا أكون إذن كطفل مسالم طيب عندما أفرغ للإلهام العذب بدون أن ~~يزعجني شيء، وأنصرف «إلى أشد الأعمال براءة»؟ .. لا عجب إذن أن ~~يغضب المشتغلين بالفلسفة فيصفها بأنها طاغية، وأن يعلن ضيقه بها ~~ويتمرد على قيودها وجبروتها! # ولعل المسئول عن هذه اللعنات التي صبها هلدرلين على رأس ~~الفلسفة هو فيشته نفسه. لقد كان ظاهرة وحده. وكان بفكره وشخصه ~~طاغية تجسد في هيئة إنسان. ولا نزاع في أنه يمثل قمة التفكير ~~الاستنباطي الذي مهد له ديكارت، والذي راح يتأمل الواقع منطلقا ~~من التجريد. [وجدير بالملاحظة أن هيجل لا ينتمي إلى هذا الخط، على ~~الرغم من كل ما في فلسفته من تجريد، لأنه يضع الفكرة الواقعية ~~المتحققة دائما نصب عينيه] .. وينظر هذا الفكر الاستنباطي إلى ~~الواقع المتشابك - الذي تمتزج فيه الفكرة بالجسد بالإرادة بالإحساس ~~بالقدر بغيرها من العناصر - نظرة أخلاقية خالصة .. [وكذلك كان ~~الأمر أيضا عند «كانت»] .. أي أن هذه النظرة الكونية تعتبر أن ~~الواقع ms059 بأكمله ليس إلا المادة التي تعين على تحقيق رسالة أخلاقية ~~معينة. هذا وحده هو الذي يجعله «واقعا»، ولذلك فليس له وجود ~~إلا حيث يصلح أن يكون جوابا على فعل [الذي يتم وفق مبادئ وأصول ~~أخلاقية]. أي أن هناك جانبا يجرد من الواقع، وهو الجانب الذي ~~يساعد على تأكيد «ذاتي عن طريق الفعل الذي أقوم به». والغاية في ~~نهاية الأمر هي تأكيد هذه الذات أو هذه الأنا. # ومن هنا بدت هذه الفلسفة أرستقراطية متعالية، جسورة ووحيدة. ومن ~~هنا أيضا بلغ إعجاب هلدرلين بفشته وتحمسه لفلسفته أن قال في ~~نوفمبر سنة 1794م إنه لا يعرف له نظيرا في عمقه وطاقته العقلية .. ~~وهي عبارة يدهشنا أن يصرح بها أثناء وجوده في مدينة «يينا» بالقرب ~~من شيلر الذي كان يؤمن بتفوقه الرائع ويخشاه في وقت واحد ! # بيد أن هذه العبارة كانت بنت اللحظة. فلم يلبث بعد قليل أن أدرك ~~آفة التسلط الكامنة في هذه الفلسفة المجردة، وإن تردد مع ذلك في ~~توجيه النقد الصريح إليها. فها هو ذا يعترف لهيجل # 9 # بأنه اشتبه في مبدأ الأمر في جموده وتزمته (أو ما ~~يعرف في لغة الفلسفة بالنزعة الدجماطيقية) وبدا له أن الفيلسوف ~~يقف في مفترق الطرق. ولعل شبهة التزمت أن تكون من أقسى وأصدق ما ~~يوجه إلى هذه الفلسفة المثالية المتطرفة التي تقوم في أساسها على ~~أن «الأنا» هي التي تضع الواقع أو الوجود الخارجي. ومهما حاول فشته ~~أن يدفع التهمة فإن المحاولة تستند إلى نفس الغرض الذي بنى عليه ~~فلسفته! # مهما يكن من شيء فإن الحوار الفكري الجاد مع فشته لم يأت إلا ~~بعد فترة طويلة في أواخر سنة 1799م عندما كتب هلدرلين مقاله الذي ~~لم يتمه عن الدين. فقد حاول أن يرد على فلسفة فشته في المطلق، ~~وفكرته في أن الذات هي التي تضع الوجود، أي أن الوجود الخارجي لا ~~قيمة له إلا من جهة تأكيده لوجود الذات. أما فكرته عن الذات ~~الأخرى أو «الأنت» التي اعتبرها «مجرد وسيط لتأدية وتوضيح واجباتي ~~الأخلاقية» ms060 فقد رد عليها هلدرلين بفكرة أخرى مطلقة نابعة من ~~تفكيره الإلهي العميق عن علاقة الأنا والأنت. ولا بد من باب ~~الإنصاف أن يقال إن هذه الفكرة كانت جديدة كل الجدة في تاريخ ~~الفلسفة، وأنها انتظرت أكثر من قرن ونصف قرن حتى تناولها الوجوديون ~~في الزمن الحديث - وبخاصة هيدجر وسارتر - فتعمقوها إلى أبعد حد في ~~فكرتهما عن «الوجود من أجل الآخرين» [وإن اختلفت هذه الفكرة بالطبع ~~عن مثيلتها عند هلدرلين]. # لننظر في كلمات هلدرلين التي عبر بها عن فكرته الفلسفية ~~تعبيرا يلائم حقيقة حياته ووجدانه ... فإذا أراد الإنسان - في رأيه ~~- أن يتحدث عن الألوهية وأن يصدر حديثه من القلب لا من الذاكرة ~~«ولا بحكم الصنعة» فلن يستطيع بالرجوع إلى نفسه وحدها أو إلى ~~الموضوعات الخارجية المحيطة به أن يتبين أن في هذا العالم شيئا ~~أكبر من جهاز آلي سيار، وأن فيه روحا أو إلها، وإنما يمكنه أن ~~يتبين هذا لو اتصل بما يحيط به اتصالا حيا مترفعا عن الحاجات ~~الضرورية. من هنا يكون لكل إنسان إلهه الخاص به، بقدر ما تكون له ~~دائرته الخاصة التي يعمل فيها، وبقدر ما يشترك عدد من الناس في ~~دائرة واحدة يعملون فيها ويتعذبون بصورة إنسانية، أي بصورة ~~تسمو على كل حاجة ضرورية، بقدر ما يشاركون في الألوهية. ثم يستطرد ~~هلدرلين في مقاله الذي أشرت إليه عن الدين فيقول: # 10 # إنه لا ينبغي علينا أن ننسى أن الإنسان يستطيع أن يضع ~~نفسه في موضع الآخر كما يستطيع أن يجعل الدائرة التي يحيا فيها ~~«الغير» دائرة خاصة به، أي أنه لن يعجزه بالطبيعة أن يقر بطريقة ~~الإحساس بالألوهية وتصورها على نحو ما تتأتى من العلاقات الخاصة ~~التي تربطه بالعالم الذي يعيش فيه، بشرط ألا يكون هذا التصور وذلك ~~الإحساس صادرين عن حياة متطرفة في العاطفة أو الغرور أو ~~العبودية. # هكذا تبدأ تجربة الروح أو الإله على حدود الفرد. فحيث تنفتح هذه ~~الحدود على القدر والكل والأنت تتم تجربة المطلق. # والواقع أن هذه الفكرة لا تختلف عن فكرة ms061 فشته إلا في الظلال ~~الطفيفة التي تكسوها. فكلاهما يرى أن الإنسان لا يجرب واقعه إلا ~~من خلال لقائه مع شريكه، أو مع الآخر كما تقول الفلسفة المعاصرة. ~~غير أن نقطة البداية التي ينطلقان منها تختلف عند الفيلسوف عنها ~~عند الشاعر. # فالفيلسوف يعنيه أن يصنع الإنسان نفسه عن طريق تحقيق «مجال ~~طاقته» أو «دائرته» الخاصة به، أي إنه لا يشعر بتحقيق طاقاته ~~وإمكانياته إلا من خلال الاصطدام بمجال آخر أو دائرة أخرى. إنه ~~«يضع نفسه» - بالتعبير الشائع في المثالية الألمانية - عندما يقيم ~~«الوضع المضاد» أو الضد المقابل له. أما الشاعر فينصب اهتمامه ~~على اللقاء الذي يتم بين الأنا والأنت التي يضعها القدر في طريقه، ~~بحيث يبرز «الثالث» أو المطلق الذي «يقوم بيني وبينك». وليس لنا أن ~~نتوقع من الشاعر أن يتولى هذه الفكرة بالتحليل والتفصيل - فما خلق ~~الشعراء لشيء من هذا - فذلك لا يتفق مع طبيعته وموهبته. ولذلك نجده ~~يقف فجأة عند هذا الحد، في حين يمضي فشته مع فكرته على ترتيب ~~دقيق حتى يصل بها إلى الغاية المرسومة لها في فلسفته وهي ~~«الفعل». # على أن الشاعر لن يعدم فرصة أخرى تتيح له أن يعبر عن فكرته ~~تعبيرا ملموسا. فهو يكتب إلى شقيقه في شهر نوفمبر سنة 1798م ~~رسالة يقول فيها: «هكذا يجب علينا أن نقدم التضحية للألوهية التي ~~تجمع بيني وبينك، فنحتفل باللطف والنقاء اللذين يتمثلان في حديثنا ~~عنها بعضنا إلى بعض، كما نحتفل بالروح الأبدي الذي يربط بيننا ~~...» # وتعود هذه الصورة في رسالة متأخرة إلى صديقه بولندورف، بعد أن ~~تغيرت قليلا واكتسبت شيئا من العمق: «أنا في حاجة إلى أنغامك ~~النقية. إن الروح # 11 # التي تؤلف بين الأصدقاء، ونمو الفكرة في مجرى الحديث ~~وعلى صفحات الرسائل المتبادلة بينهم؛ أمور لا يستغني عنها ~~الفنانون. ولو لم يكن الأمر كذلك ما بقيت لنا فكرة، ولظلت ملكا ~~للصورة المقدسة التي نكونها.» # والفكرة الأصلية هنا واضحة متميزة، على الرغم من غموض العبارة ~~وبخلها، فالشاعر يكرر رأيه الذي عرفناه ويزيده قربا ~~منا. # إنه يؤكد ms062 لنا أن تجربة المطلق (أو الروح التي تجمع بين الأصدقاء) ~~ليست تجربة مجردة أو معلقة في الفراغ أو فوق السحاب، بل هي تجربة ~~«بيني وبينك»، يمكن استخلاصها من الأحاديث العادية التي تدور بين ~~الناس كل يوم. أما الصورة المقدسة التي نكونها بأنفسنا، كما تقول ~~الكلمات الأخيرة في العبارة، فهي تشير إلى بعد أسطوري عميق ~~وجديد. فلعلها تريد أننا نحن البشر نشارك في عمل المبدع الأعظم، ~~ونسهم في جهود القوى الخلاقة وفي نسج «صورة الزمان التي يرسمها ~~الروح الأكبر» على نحو ما تقول قصيدة «الاحتفال بالربيع» التي ~~تحدثنا عنها في الصفحات السابقة. وواجبنا في هذه الحياة هو أن ~~نقف من الخالق المدبر موقف الطاعة والخشوع، ونتأمل حكمته التي ~~تتجلى في الطبيعة والروح على السواء. # كانت هذه هي منزلة هلدرلين من المثالية الألمانية، عرضنا لها ~~بإيجاز شديد وتبسيط نرجو ألا يكون مخلا. ومع أننا لم نحاول أن ~~نجعل منه فيلسوفا على الرغم منه، فلا يمكن الإغضاء من مكانته ~~كشاعر مفكر، لأن الحدود الفاصلة بين الفكر والشعر دقيقة كالزجاج ~~الشفاف، وهما في صميمهما متقاربان، يسكنان على قمة جبلين ~~متجاورين وإن كانا منفصلين. # إن فكر هلدرلين فكر ملتزم بالمعنى الواسع الشامل لهذه الكلمة ~~لا بمعناها الضيق الذي شاع في هذه الأيام. فبينما يحاول التفكير ~~الاستنباطي أن ينطلق إلى نوع من التفكير الحر المجرد المطلق [وهو ~~الهدف الذي لا يكاد يبلغه لأن الوعي أو الذات لا وجود لها بغير ~~الموضوع] نجد أن تفكير هلدرلين يبتعد جهده عن مجال التجريد، ويلتزم ~~على الدوام بالواقع المجسد المتحقق، كما يرتبط بتيار التحول ~~والتغير والصيرورة في الحياة على اختلاف صورها وأشكالها وألوانها. ~~إنه يصغي على الدوام لدقات قلب الحياة، ويرصد عمليات التغير والنمو ~~التي تتم في تيارها الدافق. ليس من طبيعته أن يكون فكرا مغلقا أو ~~نهائيا أو تاما في ذاته، لأنه في حالة نشوء مستمرة. ولا يهم ~~صاحبه أن يقيم بناء من الأفكار، بقدر ما يهمه أن يتحرك حركة ~~متصلة ويتغلغل فيما يحيط به من أسرار القدر والوجود، ms063 ويتتبع الخيوط ~~التي يتألف منها نسيج الحياة. إنه فكر يعرف حدوده - وهذه هي أول ~~خطوة على درب المتواضعين الخاشعين! - وهو لا يريد ولا يخطر على ~~باله أن يبني مذهبا أو يشيد بناء يرتفع طبقة فوق طبقة، لأن ~~هذا البناء لا يناسب طبيعة شاعر قلق لا يهدأ في مكان ولا يطمئن ~~إلى شيء. # والطبيعة نفسها تتكفل بتحديد معالم الصورة التي ينبغي أن يتعلم ~~منها الناس. إن الإله يتدثر بثوبه، يحجب وجهه عن فضول البشر، ويستر ~~جلاله المهيب خلف غلالة الهواء والزمان، حتى يوشك أن يستعصي على ~~صلوات الروح وضراعتها. أما الطبيعة فتنبسط أمام أعينهم كأوراق ~~الشجر، وعليهم أن يحبوها ويتعلموا منها: # لأن الطبيعة مفتوحة من قديم الزمان # ليتعلموا منها، كالأوراق والخطوط والزوايا. # 12 # وهلدرلين يقف من هذه الطبيعة المعلمة موقف الطاعة ~~والخشوع، ويستمد منها تفكيره المحكم الدقيق الذي يختبر كل فكرة ~~بمقدار تحققها في صورة عيانية مرسومة بارزة المعالم. ولذلك فهو ~~لا يحاول أن يعبر عن الروح بالتصورات المجردة، وإنما ينظر إليها ~~بعين الشاعر فيرى سحرها المنثور على جسد الواقع: # لذلك أحتفل اليوم بالعيد، # وفي المساء عندما يسود السكون # تزدهر الروح حوالي ... # 13 # والروح يتغير ويتحول أمام بصره وقلبه، يحتفل ~~الأحياء بعرسه الخالد، وينعم الشجعان في ظله بالنعاس الهادئ، ويفرح ~~العشاق بالدفء والعناق، ويفزع الهائمون إلى ملجأ يؤويهم، ويمد ~~الحيارى أيديهم إلى بعضهم البعض، ويرف الروح هامسا حول الأشجار ~~المعتمة والأزهار المبتهجة بالنور: # هناك يحتفل البشر والآلهة بالعرس، # يحتفل به الأحياء جميعا، # ويهدأ القدر لحظة. # واللاجئون يلتمسون المأوى، # والشجعان (يلتمسون) عذب النعاس، # أما العشاق فهم # كما كانوا على الدوام، # مطمئنون في بيوتهم؛ # حيث تبتهج الزهرة بالوهج الذي لا يضر # والأشجار المعتمة يرفرف الروح حولها ويهمس، # أما الحيارى القلقون فيتغيرون، # ويمدون الأيدي بعضهم إلى بعض مسرعين، # قبل أن يأفل النور الودود، # ويقبل الليل. # 14 # إن الشاعر لا يصور الروح بالأفكار المجردة، بل ~~يلتمسها في الواقع الحي، بلغة مكثفة تعكس هذا الواقع «فإذا أراد ~~أن يعبر عن الأمل أصبح عنده وهجا حيا ملموسا، ms064 وإذا صور ~~السلام لم يلجأ للفكرة المجردة بل للحدث المحسوس الذي تشاهده العين ~~ويهتز له القلب ...» # استمع إليه وهو يخاطب الخالدين في صياغته الأخيرة لقصيدة ~~الاحتفال بالسلام: # الأنسام اللطيفة الأنفاس # تبشر بكم، # الوادي الذي يتصاعد منه الدخان، # والأرض التي لا تزال تدوي بالأنواء، # تعلن عنكم، # لكن الأمل يكسو الخدود بالاحمرار، # وأمام باب البيت # تجلس الأم مع طفلها، # وتتطلع للسلام. # ولقد نوه الشراح بالقرابة الروحية التي تجمع بين ~~هلدرلين وبين المفكرين السابقين على سقراط. كان هؤلاء يفكرون في ~~الطبيعة، ويحيون في قلب الأسطورة، ويدهشون لمعجزات الوجود الممتدة ~~أمام أبصارهم. ولذلك كانوا مفكرين شاعريين، يعبرون عن انبهارهم ~~بالوجود بلغة الصورة والرمز والخيال والأساطير. ولذلك أيضا كانوا ~~هم الفجر الذي سبق ظهور الفلسفة بمعناها الدقيق. فإذا رأينا واحدا ~~منهم وهو هيراقليطس يصور الروح أو العقل في صورة البرق الذي يلمع ~~في السماء، فإن هلدرلين لا يبتعد عنه كثيرا حين يرسم التفكير على ~~هيئة الأثير الرفاف، ويصور الحب بلون البنفسج الأزرق الذي يكسو ~~الأرض: # النيران أسيرة بين الشطآن المعشبة، # وكذلك العناصر الأربعة .. # أما الأثير فيحيا في الأعالي في تفكير خالص. # وأما النور فهو فضي في الأيام الصافية، # والأرض زرقاء بلون البنفسج # علامة على الحب. # 15 # هكذا ينظر إلى الأشياء والأحداث بعين الشاعر، ~~ويعبر عنها بلغة تصدق عليها كل الصدق، في جمل مكثفة واضحة محددة ~~المعالم والأطراف، مغروسة في أعماق الرؤية الأسطورية بكل جلالها ~~وقداستها. ولذلك تأتي هذه الأبيات بسيطة وبريئة وساذجة، أعني أنها ~~بعيدة كل البعد عن الافتعال والصنعة والتجريب بهدف التجريب. ولذلك ~~أيضا يقترب هذا الشعر من روح الفلسفة، وإن ابتعد عن نهجها ~~المرتب ولغتها المجردة. صحيح أن هلدرلين قد اشتغل بالفلسفة واتصل ~~بالفلاسفة، ولا شك أنه لم يخرج من ذلك صفر اليدين، ولكن طبيعته ~~الشاعرة تمردت عليها، بل بلغ به السخط عليها أن وصفها بالطغيان ~~واتهم أحد أعلامها بالتزمت، وضاق بفنونها الجدلية وحيلها النقدية ~~وغرائبها الصورية أشد الضيق! وأعلن مقته للتفكير الميتافيزيقي ~~المجرد الذي غلب على روح العصر، حتى يمكن أن نقول ms065 معه إن «عقول ~~الهواء ذات الأجنحة الميتافيزيقية» كانت من أقوى الأسباب التي عجلت ~~بفراره من مدينة «يينا». فقد كانت هذه المدينة أشبه بالحلبة التي ~~يتصارع عليها الفلاسفة، والحياة فيها كالحياة في معسكر أو قشلاق. ~~ولذلك فليس عجيبا أن يتسلل منها في جنح الليل، إذ كيف يعيش الراعي ~~الطيب في معسكرات الجنود، وكيف يطيق الشاعر المسكين أن يحيا في ~~حلبة يتصارع فيها المتلاكمون بالمذاهب والأفكار؟ .. وكيف لا يشعر ~~المتجول القلق أنه غريب في المدينة، ووحيد أمام القصر الرائع الذي ~~شيدته المثالية المجردة؟ # | العاشق # «لا بد أن أصل لهذا السر الأكبر، الذي يمنحني الحياة أو ~~الموت!» # ديوتيما ... # هكذا أسماها قبل أن يلتقي بها ويجد فيها مثال الحب الذي طالما ~~اشتاق إليه. ولا بد أنه تنبأ بإلهامه الصادق، بما سيكون لها على ~~حياته وشعره من أثر عميق، فجعلها محور الصياغة الأولى لروايته ~~الوحيدة التي تعرف بشباب هيبريون. فلما عرفها والتقى بها وقام ~~بتعليم ابنها خلع عليها هذا الاسم الحبيب؛ فخلدها في تاريخ ~~الأدب. ومن يدري؟ فربما كان حبه الجريح الكسير من أقوى الأسباب ~~التي عجلت بانهياره إلى هاوية الجنون المظلم الطويل! # ولكن من أين أتى بهذا الاسم الساحر القديم؟ أكان استغراقه في ~~الروح الإغريقية والأدب والأساطير والآلهة الإغريقية - وقد ترجم ~~بعض أشعار بندار ومسرحيتي أوديب وأنتيجونا لسوفوكليس، وظل هذا ~~العالم المقدس مثله الأعلى وغاية لحنينه وشوقه - هو الذي أوحى إليه ~~باسم هذه العرافة الحكيمة؟ # إن كل قراء الفلسفة المطلعين على محاورات أفلاطون يعرفون هذه ~~الشخصية الرائعة الغامضة التي ترد في محاورة المأدبة. فهي الكاهنة ~~التي يقف منها سقراط موقف التلميذ من الأستاذ .. وهي المرأة ~~الوحيدة التي اختارها أفلاطون ليجري على لسانها رأيه في «الإيروس» ~~أو الحب. وهي التي يعترف سقراط أيضا بأنها علمته معنى الحب ~~الفلسفي وهدته إلى معارج الجمال المطلق والحكمة الحقة. # تلك هي ديوتيما القديمة. أما ديوتيما الحديثة فهي التي يهبها ~~الشاعر قلبه وحياته، ويقف منها موقف سقراط من معلمته الغامضة، بل ~~يزيد عليه فيركع كالعابد عند قدميها. سقراط وهلدرلين كلاهما ms066 تلميذ ~~يتعلم من أستاذته الحب والحكمة. والفرق بينهما هو الفرق بين ~~الفيلسوف الماكر الساخر المتسامح العجوز الأفطس الأنف، والشاعر ~~القلق الوحيد الرائع في جماله وشبابه. والفرق بين المعلمتين هو ~~كذلك الفرق بين عرافة وكاهنة تفتي بالقول الفصل بعد اختلاف ~~الآراء في شأن الحب - ولا بد أنها كانت عجوزا حتى تؤتى هذه الحكمة ~~- وبين شابة هادئة رقيقة تفيض عيناها وقلبها بالطيبة والحنان ~~والفهم للشاعر الذي ألقت به المقادير في طريقها، وشاءت أن يعيش في ~~بيتها، ويروي عطشه الأبدي من نبعها، ويغرق كذلك آخر الأمر فيه .. ~~ولكنه قبل كل هذا يتعلم من حكمتها العذبة الحية، وهي التي لم ~~تعمر أكثر من ثلاثة وثلاثين ربيعا .. ويجد كيانه القلق السكينة ~~التي ينشدها في نظرة التلميذ المتطلع إلى معلمه: ~~«دعنا نهدأ يا ولدي، ولنتعلم أبدا» ... # غير أنه لا يريد أن يتعلم شيئا بعينه. فهو الباحث المتعب عن ~~المطلق، وهو الظامئ دوما إلى العلم الحق؛ إلى الحياة والحركة ~~الدائمة والميلاد المتجدد والتيار الذي لا يتوقف عن التدفق ~~والجريان: ~~... لا، لست أريد أن أكون شيئا، # إنما أريد أن أتعلم ... # أرادت الأقدار القاتمة الطيبة التي طالما رفع ~~إليها أجمل صلواته، أن يصادف هذه المربية وأن تمد له يدها، لتربت ~~على رأسه المتعب، وتشفي جرحه العنيد .. لكن إلى حين لن ~~يطول: # لأنني تعلمت كيف يكون التبجيل الإلهي الهادئ # عندما شفت ديوتيما «جراح» وجداني ... # ولكن لنبدأ القصة من أولها ... # يبدو أن لقاء هلدرلين مع ديوتيما قد تم بالروح والوجدان قبل أن ~~يناديها باسمها أو يتعرف على شخصها بفترة طويلة. لقد رأينا في ~~الصفحات السابقة كيف كان يعاني مرارة الإخفاق في الحب، والخيبة مع ~~المرأة التي قد تعطيه شيئا، ولكنها تبخل عليه بكل شيء، وقد يجد ~~لديها المودة والعطف، ولكنه يفتقد فيها مثال الحب المطلق، الذي ~~يتمنى أن يفنى فيه ويهبه كل حياته، كما يفتقد «السر الأكبر الذي ~~يمنحه الحياة أو الموت» ... هكذا أخفق في حبه لإليزه ليبريت التي ~~أعطاها أكثر مما أخذ منها، وضاق بهذا الحب الذي ظل طافيا على ms067 ~~السطح حتى استطاع أن يتخلص منه وهو يشهق ويتنهد: «طوبى لي، إن ~~خلصني رب طيب، خلص قلبي من هذا الحب ...» # 1 # ثم كانت علاقته بصديقة مجهولة عرفها في مدينة شتوتجارت، علاقة ~~غلب عليها الحياء والهمس والكتمان. ويبدو أن هلدرلين قد عرف هذه ~~الصديقة معرفة سريعة عابرة، ولكنها كانت كافية لتحريك أعماقه، ~~إذ رف عليه منها نسيم الصفاء الذي ينتظره من الحب الخالص المرتسم ~~في خياله. ها هو ذا يكتب إلى صديقه نويفر بعد أول لقاء له معها: ~~«كان مسلكي معها غريبا شاذا. وكلما تذكرت كيف غفلت عن صحبتي لها ~~في ساعة الوداع تمنيت لو أصفع جبهتي بيدي. ولكن أحلام طفولتي قد ~~تبددت كما قلت لك. ولو أنها ضحكت على الشاعر المريض ضحكة ~~مجلجلة لما كان من حقي أن أغضب. إلا أن روحها كانت أطيب وأرق من ~~أن تفعل هذا. إلهي! سوف أكن لها الاحترام إلى الأبد. إن النبل ~~والهدوء اللذين يملآن كيانها يخالفان ما أعرفه من المخلوقات التي ~~أراها هنا أو في غير هذا المكان، والتي لا تحرص على شيء حرصها على ~~جذب الأنظار إليها والزهو بفطنتها والاستغراق في ضحك لا تريد أن ~~تكف عنه ...» # ثم يكتب إلى صديقه بعد ذلك بستة شهور أنه يشق عليه أن ينساها ~~كما كان ينوي أن يفعل، وأنه توسل إليها في صوت هامس ألا تحرمه ~~مودتها، ولم يزد على ذلك ولم يطلب سواه. # بيد أن علاقته بهذه الصديقة المجهولة ظلت كما قلت علاقة سريعة ~~عابرة. لقد أثارت نفسه وحركت شوقه إلى الحب النقي، ولكن لم يتح لها ~~أن تتغلغل في قلبه أو ترضي شوقه. ومع ذلك فقد استطاعت أن تبعث فيه ~~ما لم تستطعه امرأة قبلها، وصورت له أنها تحقق مثال الجمال ~~الكلاسيكي الذي عبر عنه فنكلمان - مؤرخ الفن الملهم المتيم بالروح ~~اليونانية والجمال اليوناني # 2 ~~- بكلمته المشهورة «بساطة نبيلة وعظمة هادئة» ... وهو ~~كذلك قد وجد عندها ما ينشده في المرأة من الجد؛ إذ كانت تختلف عن ~~كل النساء اللاتي عرفهن، كما لمس منها ms068 الحنان والتفهم والعطف؛ ~~فواتته الجرأة أن يطلب ودها، وهو ما لم يطلبه من امرأة أخرى ~~قبلها. # غير أن هذه البذرة الطيبة لم تجد الظروف المواتية التي تجعل منها ~~ثمرة ناضجة، وإن كانت على كل حال قد أفلحت في تمهيد الأرض لتلقي ~~بذرة أخرى تؤتي الثمرة الحلوة المرة، وتجلب عليه نعمة الحب الكبرى ~~ونقمته الكبرى في آن واحد. # بدأت أمواج الشوق والصفاء تغمر كيانه في هذه المرحلة من حياته، ~~وأخذت تنثر رذاذها وزبدها على شاطئه الموحش، وتروي رمال عطشه ~~القديم. واتجه فكره بطبيعة الحال إلى عالم اليونان ليستمد منه ~~مادته، وبدأت التجربة الأولى في سلسلة تجاربه العديدة لصياغة ~~روايته الوحيدة التي حملت عباراتها الغنائية المجنحة كل أشواق قلبه ~~وعذاب فكره. ونشرت هذه الصياغة القصيرة التي تعرف بشذرة هيبريون ~~في صيف سنة 1794م في مجلة «ثاليا» التي كان يصدرها الشاعر شيلر. ~~ومن يقرأها اليوم يعرف ظمأ الأرض العطشى لأمطار الحب، وحنينها ~~لعناق البذرة الطيبة القاسية. إن سطورها الأولى تتحدث عن البطل ~~الشاب الذي راح يبحث عن الحقيقة، أي عن كل شيء، لأن كل ما عداها ~~باطل وعدم. وهو لهذا يبغض أوساط الأمور كما يبغض الموت، فلا يستطيع ~~أن يقنع بشيء إلا أن يكون «الكل» وإلا فهو عنده عدم. هذه الحقيقة ~~الكاملة، هذا الكل، هو الذي يمكن أن يجد عنده «الراحة» .. أجل! ~~الراحة التي تسعى إليها الروح الظامئة. ولكن من يقدر أن يعيد ~~إلينا اللحن الذي تغنى به القلب في أيام الطفولة السعيدة ~~المباركة؟ لقد فتش عنها حينا بين الإخوة والأصحاب، وبدا له أن ~~فقره سيصبح ثروة عريضة لو وجد القلب الذي يتحد به، والحياة التي ~~لا يحرمه منها فراق ولا خداع. ولكم احترق شوقا إلى ضحكة من القلب، ~~وذاب حنينا إلى ظل من الحب. إلا أن الخيبة كانت دائما من نصيبه، ~~وكل صداقة جديدة كانت تتركه فقيرا معدما كما كان، أشبه بصبي ~~أعمى، حاول أن يبتاع اللؤلؤ من شحاذين أشد منه فقرا، وإن كانوا ~~مزهوين بأسمالهم، غافلين عن الخرق التي تلف أجسامهم. ms069 # فإذا مضينا في قراءة هذه الشذرة وجدنا المشكلة الوجودية التي ~~تعذبه على لسان هيبريون # 3 # تزداد حدة، والبحث عن المجهول يزداد ضراوة. إن ~~العبارة التي تختتم بها الشذرة تقول: «لا بد أن يخرج هذا السر ~~الأكبر .. السر الذي يمنحني الحياة أو الموت» .. فالروح الظمأى ~~تفتش عن هذا السر؛ سر الحقيقة والوجود نفسه. وهي في طريقها إليه لا ~~تعرف راحة ولا تدخر جهدا. ومع ذلك تقف آخر الأمر أمامه كأنها تقف ~~أمام حبيبة تخفي وجهها وراء ألف قناع. ويمضي في سعيه إليها، ويصور ~~له الوهم أو الأمل أنه سيجدها في كل ما يراه حوله، وأنها لن تلبث ~~أن تبرز أمامه فجأة، من واد يختفي وراء الجبل، أو على سطح الماء ~~في رحلة يقوم بها في قارب. ويظل واقفا أمام باب المجهول الموصد في ~~وجهه. ويتخيل لحظة أن الباب يفتح، والمجهول يتقدم نحوه كأميرة ~~جميلة وجليلة، ويحس أنه يتحد بكل ما يراه ويتلاشى فيه، حتى يوقظه ~~رفيف الأغصان من حوله، ويدعوه أن يصحو من نومه أو من موته السعيد ~~... # بقي شاعرنا إذن على بؤسه وفقره، والفقر تجربته الأصيلة التي صحبت ~~خطوات عمره وصبغت أنغام شعره. وعرف الكثيرين والكثيرات وظن أنهم ~~أصدقاء وصديقات. ولكنه كان كالفراشة القلقة التي لا تعثر على ~~الزهرة التي تشبع جوعها وتريحها من عناء السفر وتعب الرحلة. وكان ~~يفرح بكل إنسان يظن أنه وجد فيه ضالته، ثم ينفض يديه منه ويلوذ ~~بوحدته. وربما وجد فيهم شيئا مما يبحث عنه، ولكنه لم يجد أبدا ما ~~يشتاق إليه. وليس غريبا أن يخيب أمله في الجميع، لأنه يريد ~~المطلق، يريد «الكل» بينما كان كل واحد منهم يعطيه شيئا، أي لا ~~يقدم له في الحقيقة أي شيء! # في هذا الفقر الموحش ظهرت ميليته (وهي في الشذرة التي نتحدث عنها ~~الآن بديل ديوتيما في الرواية المكتملة). ظهرت في هيئة كاهنة الحب، ~~رائعة ونقية ومقدسة. لا يكاد ينقصها من صفات العرافة القديمة ~~الغامضة إلا الاسم. ها هو ذا يصف كيف ظهرت له أول مرة: «وسط ms070 هذا ~~الشعور الأليم بوحدتي، بهذا الفؤاد الجريح المقفر من البهجة؛ ظهرت ~~لي، وقفت أمامي حلوة مقدسة، كأنما هي كاهنة الحب، أو كأنها نسجت من ~~النور والعطر فصارت روحا شفافة رقيقة، ترى عينها الواسعة ~~المتوثبة بالحياة تستوي فوق ابتسامتها المفعمة بالهدوء والطيبة ~~كأنها إله جليل يتربع على عرشه، وخصلات شعرها الذهبي تتموج في ~~نسمات الربيع حول جبينها كالسحب الصغيرة التي تسبح في ضوء الصباح. ~~ويعجز قلمه عن أن يعبر لصديقه «بلارمين» عما لا سبيل إلى التعبير ~~عنه؛ عن رعشة قلبه، عن شعوره بأن عذاب حياته وليلها وفقرها وضنكها ~~وفناءها قد زال في لحظة واحدة، لحظة أسمى وأسعد من كل اللحظات، ~~لأنها لحظة الخلاص التي تعدل دهورا من حياتنا الرتيبة المجدبة ... ~~لحظة تموت فيها أيامنا الأرضية، ويتوقف الزمن، وتبعث الروح، وتتحرر ~~النفس من قيودها لتعود إلى أصلها ومنبعها .. لأنها لحظة الحب! لقد ~~ظهرت في حياته وتمثلت له كما تتمثل ربة من ربات الأساطير، ~~منسوجة من النور والعطر، طيبة كالسماء، جليلة كالآلهة، ذهبية ~~الشعر كملكة ساحرة في حواديت الأطفال ...» # ويحس الشاعر البائس أن وجوده قد عثر على ضالته، وأن قوة الأبد ~~أصبحت حقيقة، وأن الدهر قد تجمع في لحظة الخلاص. لم تكن ~~«ميليته» هذه إنسانة بل قدرا تمثل له أبهى من كل خيالاته وأحلامه، ~~فارتجف وعجز عن الكلام ... وشعر أن روحه هربت من جسده، وتحولت إلى ~~ضراعة العابد الذي يتبتل لمعبود لا يكاد يدري شيئا عما يدور ~~حوله! وتقف كاهنة الحب أمامه، وترتفع فوق كيانها الإنساني الفاني ~~وتعلمه سر القدرة. وتتحدث إليه فتكشف عن عطفها الجارف عليه ~~وإشفاقها العميق من الأحزان التي تعذب روحه. وتتمنى لو أمكنها أن ~~تعيد إليه الطمأنينة المقدسة، والعيد الهادئ الذي يأتي من أغوار ~~الروح، كما يأتي من كل شيء يلمسه أو يراه؛ من النور والنسيم ~~والسماء والأغصان والأزهار ... أما العابد الخاشع فيقف كالأخرس، ~~ويصمت فيه كل صوت أرضي، ويحس أن الطبيعة الإلهية التي تجلت له هي ~~المجهول نفسه .. ويصل إليه صوتها ليعلمه حكمة الحب: «قل لقلبك من ~~العبث ms071 أن يفتش الإنسان عن السلام في الخارج إذا كان لا يستطيع أن ~~يمنحه لنفسه.» وتهديه إلى طريق الحب المطلق، وتفتح عينيه على ~~اللحظة الوحيدة التي يمكن أن تنقذه وتداويه، وتوقظ فيه الشوق إلى ~~الحب الذي عليه أن يبحث عنه ويجده بنفسه .. ويخفق قلبه الشاب ~~ويزداد خفقانه، ويشعر أن عاطفة الحب الغامض، وهي أم كل عاطفة وكل ~~حياة، لم تمت فيه بعد. ويدفعه الشوق إلى أحضان الطبيعة. ويجلس في ~~مساء يوم من أيام الخريف الهادئة تحت أشجار الحور التي يهمس النسيم ~~لأوراقها الجافة. ويوشك أن يسمع نداء الطبيعة صاعدا إليه من أعماق ~~الأرض والبحر: لماذا لا تحبني أنا؟ ويزداد العالم قداسة في عينيه، ~~ولكنه يزداد غموضا. ويترك وطنه ليفتش عن الحقيقة فيما وراء البحر ~~.. ويقول لنفسه ما يقوله كل من يريد أن يبحث عنها بحق وصدق: لسنا ~~شيئا. إن ما نبحث عنه هو كل شيء. # كتب هلدرلين هذه الشذرة قبل أن يلتقي بديوتيما بحوالي عام ونصف ~~عام. والغريب أنه سجل فيها بإحساس الشاعر وإلهامه تجربته الحية مع ~~هذه السيدة الطيبة الرائعة. ولا يهمنا إن كان قد رسم صورتها بوحي ~~الشاعر وإلهامه أو استمدها من تلك الصديقة المجهولة التي لا نعرف ~~عنها شيئا. فالمهم أن معظم ملامح هذه الصور قد تأكد صدقها ~~وانطباقها على «الأصل»، وأن كاهنة الحب التي عرفها بلحمها ودمها ~~قد فاقت كاهنة الحب الخيالية في الصدق والعمق والجد ~~والجمال. # كتب هلدرلين الصياغة التالية لروايته أثناء إقامته القصيرة في ~~مدينة «يينا» وسماها «شباب هيبريون». # 4 # وحلت «ديوتيما» في هذه الصياغة الجديدة محل ~~«ميليته». ولم ينقض العام حتى التقى بديوتيما الحقيقية «سوزيته ~~جونتار». # كانت زوجة أحد رجال البنوك الكبار، واسمه يعقوب فريدريش جونتار. ~~وكان قد بدأ كرجل أعمال متواضع الحال ثم ظل يصعد على سلم المال ~~حتى أصبح من أصحاب الملايين. وكانت الحياة في بيته هي حياة رجل ~~الأعمال الذي لا ينسى مصالحه، والبرجوازي الذي لا يحرم نفسه من ~~المتع التي يتيحها له حب الظهور. # فالحفلات الصاخبة لا يهدأ لها ضجيج، ms072 والضيوف على اختلاف طباعهم ~~وسحن وجوههم يترددون على الأسرة طوال العام. إنهم - كما يصفهم ~~هلدرلين في رسالة إلى أمه - مخلوقات كاريكاتورية مخيفة، يذهب ~~الثراء بألبابهم كما يذهب النبيذ الجديد بعقول الفلاحين. وهم لا ~~ينقطعون عن اللهو والصخب والمرح، ولكنه لهو غليظ وصخب مزعج ومرح ~~مغرور. ولذلك فلا عجب أن يقف الشاعر منهم موقف الدهشة والذهول، وأن ~~يتعلم الصمت والوجوم في حضورهم. # كان رجل الأعمال يفهم على حد قوله شيئا في شئون التجارة والمال، ~~ولكنه يجهل كل شيء عن تربية الأطفال! ولذلك فقد سأل طبيب الأسرة ~~«يوهان جوتفريد إيبل» أن يبحث له عن مرب يقوم على تعليم أبنائه. ~~وكان الطبيب يعرف شاعرنا؛ فسعى لدى رجل المال ليلحقه بالعمل الذي ~~تولاه في شهر يناير سنة 1796م. وسرعان ما اكتشف الشاعر أنه يشغل ~~وظيفة رقيقة الحال، وأن من واجب المعلم المسكين ووظيفته أن يبقى ~~دائما في الظل تحت سقف بيت لا يقيم وزنا إلا للمظهر والمال. ~~صحيح أن من حقه أن يحضر الحفلات المختلفة التي تقام فيه، ولكن هذا ~~شيء يسمح به من باب اللياقة وحدها. ولا بد أن يتذكر دائما أنه ~~«هو العجلة الخامسة في العربة»، وأن المعلمين خدم أيضا، ولا يحق ~~لهم أن يطالبوا بميزة خاصة لأنهم يؤجرون على عملهم. وليس هناك شك ~~في أن هلدرلين - الذي نعرف عنه اعتزازه بنفسه على الرغم من بؤسه أو ~~ربما بسببه - لم يكن ليتحمل هذا الهوان لو لم تكن هي هناك؛ كاهنة ~~الحب ... الرقيقة الطيبة سوزيته جونتار! # كانت في نقائها وجمالها الشاعري الهادئ أشبه «بفينوس» في لوحات ~~الرسام الإيطالي الشهير تيسيان (1490-1576م). وكان يشع من جسدها ~~الناصع ووجهها اللطيف وعينيها الزرقاوين اللامعتين وشعرها ~~الكستنائي وملامحها الناعمة الطيبة وشخصيتها الحنون العطوف؛ كانت ~~تشع منها هالة من السحر الذي لا يقاوم، ولا يتصور إنسان لفرط جماله ~~ونقائه وترفعه أنه يمكن أن يكون من هذا العالم .. كانت تحضر ~~الحفلات التي يقيمها زوجها ولا تشارك فيها، وكانت كل عين تنظر ~~إليها تدرك على الفور أنها أمام روح نبيلة ms073 مهذبة وقلب هادئ ~~مفعم بالرحمة والخير. وكانت أجمل ما تكون وهي تداعب أولادها أو ~~تجرب النغمات على أصابع معزفها .. هناك تبدو مشرقة طيبة مضحية ~~حريصة على الواجب الأسمى، سعيدة به كل السعادة. وهناك يحلو للإنسان ~~أن يقترب منها كما يقترب من نبع طاهر .. وكان حبها للموسيقى ~~والغناء يفوق كل شيء. ولا بد أن وجود الشاعر في بيتها قد حرك ~~شفتيها بعد صمت طويل. ولا بد أن هذا الغناء هو الذي ألهم هلدرلين ~~هذه السطور من روايته «هيبريون»: «عندما كانت تغني، كان الإنسان ~~يعرف فيها تلك المحبة الصامتة التي لا تميل بطبعها للكلام. هناك ~~تتبدى تلك الأبية السماوية في جلالها وحسنها، هناك ترف الأغنية ~~في معظم الأحيان متضرعة ودودا من الشفاه الرقيقة المتقدة، ~~وتنبعث في أحيان أخرى كأنها وصية من وصايا الآلهة. وكم كان القلب ~~يجيش في هذا الصوت الإلهي! وكم كانت العظمة والتواضع! كم كانت كل ~~أفراح الحياة وأحزانها تبدو أجمل مما هي عليه في نبل هذه الأنغام ~~وروعتها! لم نكن نحس بالبهجة ولا بالإعجاب، كنا نشعر بأن السلام ~~يهبط علينا من السماء. ألف مرة قلت لها ولنفسي: أجمل الأشياء هو ~~أقدسها. هكذا كان كل شيء فيها. وكما كان غناؤها، كذلك كانت حياتها ~~...» # سوزيته جونتار (ديوتيما). # لكن كل هذا الجمال يظل كملك عاري الرأس لا يكسوه إلا تاج العطف ~~والحدب على آلام الناس. يظل نارا لا تضيء، شمسا لا تدفئ، سيفا ~~قاسيا براقا يسلط علينا ويشعرنا بفنائنا وضعفنا وقدرنا ~~الحزين .. هنالك لا يطلب الإنسان المتعة في حضن الأنثى، بل ينشد ~~الأمان على صدر من أصبحت هي الأم والأخت والحبيبة التي تحنو وتفهم ~~وتعلم. وهناك تبدو له كل همومه القديمة كحماقات الأطفال .. ويعجب ~~لنفسه كيف عاش حتى هذه اللحظة تعيسا بلا أمل ولا حب ولا إيمان .. ~~وينتفض كالنسر الذي تذكر جناحيه، ويشع نور الربيع على حياته ~~المظلمة فتدب فيها الصحة والقوة والفرحة والشباب .. وهناك أخيرا ~~يتوقف المطارد الغريب الذي طالما هام على وجهه ويفكر في المأوى ~~والبيت .. إن لقاءه القدري يرفعه ms074 فوق سأم أيامه المكرورة، ينبت له ~~جناحين يرفرفان في أعياد البهجة، يذيب كيانه الواحد في الكل ~~الأكبر، يجعل قطرة اللحظة العابرة تتسع لبحر الزمن الأبدي .. «ربما ~~أوفق إلى رسم لمحة واحدة من ملامح وجودها، ولكن لا بد أن أجد ~~ساعة مواتية بعيدة عن كل إزعاج لكي يتاح لي الكتابة عنها ...» هكذا ~~يكتب هلدرلين بعد دخوله بيت هذه الأسرة ببضعة شهور. # 5 # ثم لا يلبث بعد ذلك أن يكتب في روايته هذه العبارة: ~~«أحسسنا أن كلا منا خلق للآخر، قبل أن يفطن أحدنا ~~إلى ذلك.» # كانت سوزيته قد سمعت بهلدرلين قبل أن تلقاه بسنة واحدة. فقد ~~أهداها صديقها السويسري الشاب «تسيرليدر» نسخة نقلها بخط يده من ~~«شذرة هيبريون» التي نشرت في مجلة «ثاليا» التي يصدرها شيلر .. ~~ولعل هذه الكلمات التي لا شك أنها قد قرأتها في الشذرة لم تكن ~~وليدة الصدفة: «سوف أعثر عليها مرة أخرى، في أية مرحلة من مراحل ~~الوجود الأبدي.» # ولم يكن من محض الصدفة أن يتحول الشاعر في قربها إلى خاشع ينصت، ~~وتلميذ يتعلم. لقد التقى «هيبريون» «بديوتيما». لا بل إنه يعيش ~~الآن في بيتها ويربي أبناءها .. ويكفي أن نستمع إلى هذه القصيدة # 6 # التي كتبها بعد فراقه لها لنرى كيف كان يتطهر من نبعها ~~وينصت لصوتها: # 7 # اغربي، أيتها الشمس الجميلة، فما انتبهوا إليك إلا ~~قليلا، # لم يقدروك، أيتها المقدسة، # لأنك أشرقت في هدوء # وبلا تعب على المتعبين. ~~••• # أنت تغرب وتشرق لي في عطف ووداد، # وعيني تأنس إليك، أيها النور الرائع، # فقد تعلمت الإجلال الإلهي الهادئ # منذ أبرأت ديوتيما أوجاعي # أنت يا رسول السماء الحبيب، كم أنصت إليك! # إليك يا ديوتيما! وهذه العين # كم تطلعت إليك ثم إلى النهار الذهبي، # وهي متألقة ممتنة. هنالك بدا خرير الينابيع # أكثر حياة، وبراعم الأرض المظلمة # كأنما ترسل أنفاسها الحبيبة إلي، # والأثير المبتسم خلال السحب الفضية # ينحني ليمنحني بركته. # استطاعت ديوتيما أو سوزيته جونتار بطيبتها ~~وانعطافها أن تطلق الطاقات الدفينة في وجدان الشاعر. كان قد عاش ~~طويلا مع الأفكار الفلسفية ms075 المجردة، وكانت حياة أشبه بحياة الجنود ~~في المعسكرات .. ولكن الحب النقي أعاده إلى نفسه الحقة؛ الحب الذي ~~ينمو في ظل التقوى والخشوع والإنصات، الحب الذي يصبح الإله فيه ~~حقيقة ماثلة للقلب والعين: # ألم يصبح قلبي مقدسا، مفعما بالحياة الجميلة، # منذ أن أحببت؟ لماذا كنتم تهتمون بي # عندما كنت أكثر غرورا وتوحشا، # وأغنى بالكلمات وأشد خواء؟ # آه! الجمهور لا يعجبه إلا ما يروج في الأسواق # والعبد لا يحترم إلا [السيد] الجبار؛ # وليس يؤمن بالإله # إلا من كانوا بطبعهم إلهيين. # لا شك أن تأثير ديوتيما الجديدة لم يأت بمحض ~~الصدفة. لقد كانت من العقل والوعي والذكاء بحيث تفهم هلدرلين وتمد ~~له طوق النجاة. وقد استطاعت أن تتغلغل في سراديب روحه المعذبة، ~~وتكتشف جرحه الذي ينتظر الشفاء والعزاء، وتدرك أنه جاء إليها «ممزق ~~العواطف» من مدينة «يينا»، لينقذ نفسه بين ذراعيها. ولذلك فليس ~~غريبا أن يقول على لسانها بعد فراقهما بوقت قصير: ~~«بعث الفتى بين ذراعي، # وقد جاء وحيدا وحزينا # 8 # من بلاد بعيدة ...» # علمته ديوتيما إذن، ووقف منها موقف التلميذ ~~الشاكر المطيع. حدث هذا بلا جهد أو عناء. فالكاهنة الطيبة تعرفه، ~~وهي تستمد معرفتها به من قلبه. ولهذا تستطيع أن تنصت لصوت هذا ~~القلب، وتستطيع أن تخلصه وتنقذه «حين تنصت لمد القلب وجزره» .. وهي ~~تبذل أيضا كل ما في طاقتها لتنزع شوكة اليأس والشك المغروزة في ~~هذا القلب: «هتفت قائلة: اسكت ولا تتهكم بقدرك، لا تتهكم بقلبك؛ ~~لأنني أفهمه، وأفهمه خيرا منك.» أليست هذه الكلمات من «هيبريون» ~~هي التعبير عن عقيدة الشاعر التي طالما رددها في شعره ونثره؟ ~~«قلب الإنسان هو قدره!» # في هذا الجو المعطر بأريج الحنان عرف هلدرلين الراحة والاطمئنان، ~~في ظل الشجرة الطيبة التي لا تبخل بشيء استطاع أن يصل إلى حقيقة ~~نفسه. في هذه الحقيقة التقى البشر والخالدون، اجتمع المبدأ الأول ~~والزمن المتغير. إنها وراء كل تصور، فوق كل تفكير، لأنها هي حقيقة ~~الحب: «ما قيمة كل ما فعله الناس وفكروا فيه منذ آلاف السنين، ~~بالقياس إلى لحظة ms076 حب واحدة؟ .. إن كل الدرجات على عتبة الحياة تؤدي ~~إليها .. منها نأتي، وإليها نمضي ...» # هو الحب إذن! ليس هو «الجوع الذي تسمونه حبا» # 9 ~~.. بل هو رسول السماء الذي طالما انتظرناه. الحقيقة ~~التي نكتشفها في العذاب، حين نكتشف أن للعذاب رسالة إلهية. استسلم ~~الشاعر لقدره، أي لقلبه. وهو يعلم الآن أننا لا نستمع إلى الأغنية ~~الإلهية التي تشدو بها الحياة ويترنم بها العالم حتى نكابد العذاب ~~العميق. وهو يعلم أيضا أن كنه هذه الحقيقة هو المعرفة المطلقة ~~بقوة الحياة. ها هو ذا يقول في موضع آخر من روايته: «ما يحيا لا ~~يتبدد، يبقى حرا حتى في أعماق أشكال عبوديته، يظل واحدا ولو ~~فرقته من أساسه، ولو مزقته حتى النخاع، وإن جوهره ليفلت ظافرا ~~من بين يديك ...» # بقي أن نتتبع باختصار رحلة قدره مع ديوتيما، مع سوزيته ~~جونتار. # يبدو أن هذا القدر لم يعلن عن نفسه إلا خلال سفرهما إلى مدينة ~~دريبورج، هربا من وجه القوات الفرنسية الزاحفة. ويبدو أيضا أن ~~المهاجرين الشابين قد عاشا أياما سعيدة حقا، وانطلقا معا في ~~نزهات ذهبية. كانت سوزيته في صحبة أولادها. وكان معهما رجل آخر ~~نبيل الروح، غارق إلى أذنيه في عبادة الحس والفن والجمال هو ~~الكاتب الثائر فيلهلم هينزه (1746-1803م) الذي كان من أشد المعجبين ~~بها (ويروى عنه أن نبأ وفاتها قد صدمه صدمة قوية أدت إلى إصابته ~~بالشلل النصفي بعد موتها بخمسة أيام) - كان هذا الكاتب المعروف ~~بمقالاته في الفن وقصصه ورواياته عن الفنانين، ودعوته للحب والمتعة ~~ولذة الحس إلى حد الخروج على الأخلاق في سبيل الجمال - كان في ذلك ~~الحين كهلا في الخمسين من عمره. ويظهر أن هلدرلين انجذب إلى ~~شخصيته التي جمعت بين ثقافة العقل وبراءة الأطفال في وحدة نادرة ~~جعلته يصفه بقوله: «إنه شيخ رائع. لم يسبق لي أن عثرت على هذه ~~الثقافة الهائلة مع هذه البساطة التي تشبه سذاجة الأطفال.» كان ~~هينزه في سنوات نضجه قد بدأ يولي الموسيقى جانبا كبيرا من ~~اهتمامه الذي ظل حتى ذلك الحين ms077 مقصورا على الرسم والنحت. ويظهر أن ~~لقاءه مع هلدرلين وسوزيته قد أكد صحة العبارة التي قالها قبل ذلك ~~بسنوات قليلة حين وصف الموسيقى بأنها ساحر حقيقي يصور حياة ~~النفوس والأرواح .. فقد كان الأصدقاء الذين يترددون على بيت جونتار ~~يعرفون أن هلدرلين وسوزيته ثنائي جمعت الأنغام بين روحيهما إلى ~~الحد الذي جعل بعض النفوس والألسنة الصغيرة تنشر حولهما الشائعات. ~~كان الشاعر يعزف على البيان، فتجاوبه سيدة البيت بالغناء .. ومن ~~يدري؟ فربما ترنمت في بعض الأحيان بأشعاره التي تنقلها إلى أثير ~~الآلهة الخالدين، وتفعم روحها التقية بجلال الأساطير. # ولا بد أن «هينزه» قد أثر على هلدلين من ناحية أخرى. فالمعروف ~~أنه كان في شبابه من أشد المتحمسين للثورة والثوار، ثم لم يلبث هذا ~~الحماس أن خمدت شعلته؛ ليصبح الثائر القديم من أشد المتحمسين ~~للحياة التي لا تكف عن التدفق والتغير والجريان. ولا بد أن هلدرلين ~~كان واقعا تحت تأثير هينزه عندما كتب في أكتوبر سنة 1796م إلى ~~شقيقه الأصغر الذي كان في ذلك الحين من أكبر المتحمسين للثورة: ~~«ستجد عندما تراني أن حالة الثورة قد خفت عما كانت عليه من قبل .. ~~لقد أصبحت الآن ألتزم الهدوء التام حول الأمور التي تجري حولنا ...» ~~وشاء القدر أن يؤيد هذا الإحساس الجديد في نفس هلدرلين؛ إذ تلقى ~~بعد كتابته لهذه السطور رسالة محزنة من الطبيب أيبل [صديق عائلة ~~جونتار الذي توسط له في الالتحاق بوظيفته]، وكانت الرسالة التي ~~وصلته من باريس تفيض حزنا على مصير الثورة الفرنسية وتعبر عن خيبة ~~آماله وآمال الناس في الحرية والعدالة والإخاء ... # ورد عليه هلدرلين محاولا أن يصبره ويواسيه. فمن المؤلم ~~حقا أن يودع الإنسان مكانا تصور أن كل أزهار البشرية وثمارها قد ~~ازدهرت فيه، ومن المحزن أن يتوهم رؤية الحقيقة والعدل حيث لا وجود ~~لهما، ويشعر أن قلبه أنبل من أن يحتمل الحياة في عصره. ولكن لا ~~حيلة للإنسان في هذه الحالة إلا أن يعتصم بنفسه وبأصحابه القليلين، ~~ويجد فيهما العالم الذي افتقده في الواقع، ويبقى على إيمانه بثورة ms078 ~~مقبلة تغير إحساس الناس وطرائقهم في التصور والشعور .. فكلما نمت ~~الدولة في هدوء ازداد حظها من العظمة والمجد واقتربت من النضج ~~والكمال .. ومن الواضح أن هذه الأفكار تشهد بالتحول الذي طرأ على ~~هلدرلين .. فهو الآن في بيت المحبوبة وتحت رعايتها أكثر هدوءا ~~وأقدر على الإنصات والتعلم، وأقدر على تعهد البذرة الباطنة حتى ~~تنضج في سلام وسكون. وهو الذي كان ثائرا متحمسا للجمهورية فأصبح ~~«جمهوريا بالعقل والحقيقة» كما قال عنه أحد أصدقائه أو بالأحرى ~~أحد الذين اتصل بهم أو اتصلوا به. ولا ريب أن هذا كله يشهد على ~~التحول الخطير في تفكيره وإحساسه ورؤيته بعد لقائه بسوزيته، ولا ~~ريب أيضا في أن «كاهنة الحب» الجديدة قد جعلت منه كاهنا طيبا ~~وصبورا، يستطيع أن يلوذ بالحكمة إذا أعجزه أن يسعد بالحب! # يأتي على الفنان حين لا يطلب فيه من الناس إلا أن يتركوه في ~~حاله، ولا ينغصوا عليه حياته ووحدته بالأقوال الصغيرة التي لا ~~تصدر إلا عن نفوس صغيرة. لكن تجارب الفنانين والشعراء والأدباء ~~والمفكرين تثبت دائما أن هذه الأمنية المتواضعة البسيطة طموح ~~بعيد المنال ... # لم يترك الناس هلدرلين وسوزيته في حالهما، بل سرعان ما انتشرت ~~حولهما الشائعات، وتطفلت الأعين، ولهجت الألسنة الصغيرة بما يصح ~~وما لا يصح أن يقال. بدأ الناس يتحدثون، سواء منهم من كان يعيش مع ~~عائلة جونتار أو من يتردد عليهم من الضيوف والأصدقاء. ولم تقف ~~غربان الشائعات عند حدود فرانكفورت بل تجاوزتها إلى قلب العاصمة ~~برلين. فها هو ذا أحد المترددين على بيت جونتار يصف في سنة 1799م ~~اهتمام أهالي فرانكفورت بأخبار العاشقين المسكينين وهلعهم من ~~الأخبار التي تصل إلى أسماعهم أو يتطوعون بإذاعتها عنهما: «لقد حرم ~~علي أن أذكر اسمه هنا في فرانكفورت، حتى لا يصرخ الناس فزعا من ~~أخباره، لمجرد أنه أحب امرأة واستلهم هذا الحب في كتابة روايته ~~هيبريون» .. وها هو ذا صدى الشائعات المنتشرة عنهما في برلين يصل ~~في صيف سنة 1797م إلى آذان الناس في فرانكفورت مع قول القائل: ~~«العشاق يعيشون لأنفسهم ms079 وبأنفسهم، والعالم كله بالنسبة لهم ميت لا ~~حياة فيه.» # وبدأت سحب الأزمة التي نشأت بين الزوجين تتجمع وتكفهر وتضيق ~~الخناق على شاعرنا المسكين وحبيبته العفيفة الصابرة. كانت تعيش مع ~~زوجها الغني الناجح في إطار العرف والتقاليد (وقد زف إليها وهي ~~في السابعة عشرة من عمرها) وكانت بإحساسها وكيانها تحيا بعيدة عنه ~~بعد الحمل الطيب الذي كتب عليه أن يعاشر الذئب القوي المعتد ~~بنفسه، والقمر الشاحب الحالم عن الشمس الجبارة المنتصرة. ومع ذلك ~~فهي تحتمل في صبر الملاك الطاهر، ولا تبخل على الناس بابتسامتها ~~ونظرتها الطيبة الحنون. حتى إذا ذكر زوجها أو رأته قادما طافت ~~بالنظرة والابتسامة سحابة حزن عميق. وها هو ذا أحد الزوار يقول ~~عنها: «قطعة اللحم المقدد حين تجوع، الكلب الذي تربت عليه يداها، ~~العصفور الذي تطعمه، وأنا حين أحكي لها ... نحن جميعا نتلقى منها ~~نفس النظرة الودودة الطيبة التي لا تتعكر إلا إذا وقعت عيناها على ~~زوجها أو سمعت اسمه.» # أما هلدرلين فكان دائم الشكوى من سوء معاملة الزوج وتحقيره له ~~بسبب وبغير سبب. وبلغت إهانات الزوج للمربي الفقير ذروتها في شهر ~~سبتمبر سنة 1798. ويبدو أنه قد دخل عليهما في لحظة من لحظات ~~الانسجام الإلهي مع النغم والغناء أو مع التجاوب الرقيق مع الشعر ~~.. هنالك قرر الحبيبان المحرومان أن ينفصلا على الفور عن بعضهما عن ~~بعض، وأن يبقيا على نبل العلاقة التي تجمع بينهما بالفراق الأبي ~~المتكبر ... وهكذا غادر هلدرلين الطفل الذي يربيه والأم التي يقدسها ~~ويتبتل إليها بالحب المحروم والشعر الكسير ... وآثر أن يمضي إلى ~~مدينة هومبورج القريبة ليعيش فيها عاما ونصف عام ... # لم يستطع الحبيبان صبرا على هذا الحرمان الذي يفوق كل قدرة على ~~الاحتمال .. وبدآ يتراسلان في خطابات شحيحة مذعورة من الرقابة ~~الغاشمة التي فرضها رجل المال والأعمال .. ومن الصعب أن نقول إنهما ~~رضيا بهذا الحرمان أو احتملا هذا الفراق. فقد طالما عبرت كلماتهما ~~عن حنين اللقاء، لكن اللقاء ظل بعيدا كأحلام الفقراء، وظل هذا ~~السؤال الحزين يتردد بينهما في صور مختلفة: «يجب علينا ms080 الآن أن ~~نتسول من القدر، وبألف وسيلة ووسيلة، دربا واحدا يجمع بيننا. ~~ماذا عسى أن تكون حالنا لو اختفى كل منا بالنسبة لصاحبه؟» ~~... # وظل السؤال الأخرس يتردد كهتاف الغريق في الرسائل المتبادلة ~~بينهما [ولا زالت رسائل سوزيته محفوظة إلى الآن، أما رسائل هلدرلين ~~فلم يبق منها سوى ثلاث مسودات لم تصل إلى يديها ...] # ويكفي أن نقتبس شذرات قليلة من هذه الرسائل التي يعرفها العشاق ~~المقهورون في كل زمان .. هذه بعض سطور كتبتها سوزيته إلى هلدرلين ~~في شهر ديسمبر سنة 1798م: «إن لمست مني الهدوء والجفاف فلا تتشكك ~~في، لأن النار تشتعل في أعماقي، ولا بد لي ولك أن نحفظ أنفسنا من ~~الانفعال. إن الهم يمضي قليلا، غير أن الكآبة الحلوة الشافية تأتي ~~دائما في الوقت المناسب من السماء وتصب نعمتها في القلب. لن ~~أيئس أبدا من الطبيعة، ولو أحسست بالموت يتسلل إلى كياني فسوف ~~أقول: إنها توقظني من جديد، ترد إلي كل مشاعري التي صنتها في ~~وفاء، ولم يحرمني منها إلا ظلم القدر. ولكنها تنتصر، تنتزع لي من ~~الموت حياة جديدة جميلة، فبذرة الحب ثابتة وعميقة الجذور في ~~كياني.» # احتدم الصراع في نفس الحبيبين. وأصبح الفراق هو الحل الوحيد ~~الذي فرض عليهما، وحاولا بكل طاقتهما على الزهد والحرمان ~~والكبرياء أن يقبلاه. لكن ماذا ~~في وسع الطائر أن يفعل وهو يرى قضبان الأسر تشيد حوله، قفص ~~التقاليد يضيق الخناق عليه، يد الجلاد الشرعي تقص ريشه وتلوي ~~رقبته وتخنق صوته؟ هل نلومه إذا صرخ ورفرف بجناحيه واستنجد بربة ~~الحرية والحب من بطش الناس؟ ها هي ذي كاهنة الحب تجد نفسها وحيدة ~~ذابلة، بلا معبد ولا إله ولا وثن ولا أتباع، بعيدة عن الإنسان ~~الذي يمكنه أن يقف معها ويملأ وحشتها ويعطي معنى لوجودها. ومع ذلك ~~فهي تحاول أن تمد إليه حبل العزاء عبر الجدران والأسوار، أن تطمئنه ~~إلى لقاء الأرواح على الرغم من فراق الأجساد المحتوم، أن تحمل عنه ~~عبء الاختيار الذي ليس منه بد: «لا تترك عبء القرار الثقيل يقع ~~علي ms081 وحدي. إن ما تراه خيرا هو كذلك رأيي وإرادتي، وإذا اعتقدت ~~أن من الخير أن نفترق فراقا تاما فلن أنكرك لهذا السبب. إن ~~الوشائج الخفية بيننا سوف تظل مع ذلك قائمة. الحياة قصيرة. إنني ~~أحس البرودة! هل من حقنا أن نستخف بها لأنها قصيرة؟ آه قل لي! ~~أين نلتقي مرة أخرى؟ أيها الروح العزيز الحبيب! أين أجد الراحة؟ ~~دعني أعرف واجبي وأنسى نفسي، وإذا كان هذا الواجب عسيرا فأعني ~~على القيام به؛ ولكني ما زلت أجهله. الإبقاء على نفسي شيء لا ~~أستغني عنه، ونسيان نفسي شيء آخر يتناقض معه، لأنني أشعر أن كل ما ~~يمكن أن أقاوم به حبي إنما يدمرني ويفضي بي للهلاك. يا للحب من ~~فن عسير! من ذا الذي يفهمه؟ من ذا الذي يفلت منه؟» # لم يعد إذن من الفراق بد. ويمضي الزمن فيثبت للحبيبين أن كل ~~ألوان الزهد والصبر والحرمان والكبرياء ليست إلا أوهام عزاء. لقد ~~استمرت الحبيبة تخدع نفسها بالجلد والاحتمال، حتى تبين لها قرب ~~النهاية أن الحياة بغير الحبيب ذبول بطيء وموت محتوم. وها هي ذي ~~تقول في إحدى رسائلها المتأخرة: «شعرت شعورا حيا أن حياتي من ~~غيرك تذبل وتجف وتخطو للموت ببطء ...» ويرد عليها هلدرلين برسالة ~~لم تبق منها إلا مسودتها، ويبدو أنه أشفق على المحبوبة من كآبتها ~~السوداء فلم يتمها ولم يبعث بها إليها. ها هي ذي سطور قليلة ~~منها، كل حرف فيها جرح ينزف ويئن: «لو أمكنني أن أرقد عند قدميك ~~وأرعى موهبتي الفنية في هدوء وحرية، لاستطعت فيما أعتقد أن أعجل ~~بتحقيق ذلك الهدف الذي يشتاق إليه قلبي المعذب المفجوع في أحلامي ~~وفي وضح النهار، وكثيرا ما يحن إليه في يأس صامت .. انظري! هذا ~~ما يجعلني أحيانا ألتزم الصمت المطبق، إذ لا بد أن أحمي نفسي من ~~مثل هذه الأفكار. مرضك، رسالتك ... لقد وضح أمام عيني ... وكنت أتمنى ~~لو أصبت بالعمى ... أنك لا زلت تعانين وتتألمين ... قولي لي، ~~أيهما أفضل، أن نتكتم ما في ~~قلبينا أم أن نعلنه ونبوح؟ .. لهذا ms082 تظلم الرؤية غالبا أمام ~~أعيننا، فلا ندري من نحن ولا ما نملك، لا نكاد نعرف أنفسنا، هذا ~~الصراع الأبدي وهذا التناقض الذي تحسينه في أعماقك لا بد أن يحكم ~~عليك بالموت البطيء، وإذا لم يخفف الرب وطأته فلن يكون أمامي إلا ~~الهلاك يأسا عليك وعلى نفسي، أو إغفال كل شيء إلاك والبحث معك ~~عن طريق يريحنا من هذا الصراع. لقد خيل إلي أن في استطاعتنا ~~أن نعيش على التجاهل وأنه قد يشد من عزمنا أن نودع الأمل إلى غير ~~رجعة ...» # انقطعت سطور هذا الخطاب فجأة. ولعل الشاعر قد أحس أنه يخدع نفسه ~~أيضا، ويحطم رأسه على جدار المستحيل. ولعله قد لجأ في هذه الفترة ~~إلى الشعر [وهل يملك ملجأ غيره؟!]؛ فراح يؤلف أغنية ربما كانت ~~أرق أغانيه التي كتبها في ذلك الحين وأكثرها يأسا وعذابا. ولكن ~~أغنية الفراق لم تتم كما لم يتم الخطاب الذي قرأت بعض سطوره. ~~وأنى لها أن تتم وسط هذا الصراع الذي ينهشه ويحرقه ؟ إليك أبيات ~~الأغنية التي جعل عنوانها «في الحق أمضي كل يوم» ولم يستطع أن ~~يكملها فترك مقطوعتها الثانية ناقصة: # أمضي كل الأيام على درب غير الدرب، # أحيانا للشجر الأخضر في الغابة، أحيانا للنبع، # للصخرة حيث الأزهار مفتحة الأكمام، # أنظر من فوق التل إلى السهل، # لكني لا أجدك أبدا يا حبي، # في أي مكان لا أجدك أبدا في النور، # تتطاير مني كلماتي تذروها الأنسام، # كلماتي الطيبة وكانت في ماضي الأيام ... # حقا كم أنت بعيد، ناء يا وجه النعمة! # يخبو نغم حياتك، # وأنا لا أملك أن أنصت ... # يا أيتها الألحان الساحرة الصوت، # يا من أفرغت على قلبي الراحة من نبع الخلد # ومن كف الأرباب العلويين # طال العهد وغاب، شب الولد وشاب. # حتى الأرض - وقد كانت تتبسم لي - # عابسة الوجه. ~~••• # الآن أقول وداعا، عيشي في خير. # روحي كل نهار ترحل عنك، تعود إليك، # عيني تبكيك، تريق الدمع، # تتمنى يوما أن تصفو كي ترنو لك، # فتراك هناك وتهنأ بك ... # كل شيء إذن قد انقضى، واللقاء أبعد ms083 وأتعس من أشواق ~~الشعراء المساكين. وإذا كان العاشق يتلفت بقلبه وعينيه إلى هناك ~~حيث تقيم المحبوبة، فهو لا يستطيع أن يخدع قلبه ولا عينه عن بعد ~~الشاطئ واستحالة اللقاء. ليقل إذن وداعا، ولتسقط الكلمة على أرض ~~الواقع بعدما رنت في أنغام الشعر! # وهذا هو الذي حدث بالفعل! # فقد تم الوداع النهائي في شهر مايو سنة 1800م. # وحاول الحبيبان أن يؤجلا الفراق الأخير بالوهم والأمل، ولكنهما ~~كانا يعلمان في قرارة نفسيهما أنه قدر لا مناص منه. ومع ذلك فهما ~~يعلمان أيضا أن الفراق هو فراق الجسد، والحرمان هو حرمان العين أن ~~ترى العين، واليد أن تسعد بلمس اليد، ولذلك فلا حيلة لهما إذا ~~استمر القلب يحس بالقلب، وظلت الروح تهفو إلى الروح وتتشبث بأمل ~~بعيد في مستقبل أبعد. # إن سوزيته تكتب إليه في إحدى رسائلها المتأخرة فتقول بعد أن ~~استحكم اليأس من الحاضر، ولم يبق لأتقياء القلب إلا الثقة ~~والانتظار: «عدني أنك لن ترجع مرة أخرى، وأنك سترحل من هنا بهدوء، ~~لأنني إذا لم أعرف هذا فسوف أظل إلى الصباح ملازمة للنافذة وأنا في ~~أفظع حالات القلق والتوتر، ولا مفر لنا في النهاية من أن نسترد ~~الهدوء؛ لذلك دعنا نمض على طريقنا في ثقة واطمئنان، ولنحاول في ~~صميم ألمنا أن نشعر بالسعادة، ولنتمن أن يدوم لنا هذا الألم ~~طويلا طويلا لأننا نستمد منه إحساسنا بالنبل الكامل والقوة على ~~احتمال قدرنا. وداعا! وداعا! ولتباركك السماء!» # واستجاب الشاعر لهذا الدعاء .. وبدأ يحس في نفسه قدرة جديدة على ~~الرضا بالألم أو النظر إليه كقدر حقيقي لا مفر منه. ولذلك أصبح ~~موقفه الجديد هو موقف التحمل والصمود، أي الانتقال إلى مرحلة أخرى ~~من مراحل العذاب الهادئ الطويل، لا يستطيع الإنسان أن يبلغها حتى ~~يصطدم كما قلت بآخر حدود الألم. هناك تسمو الذات فوق عذابها ~~«الذاتي» وتتأمله كما يتأمل الخالق مخلوقه، في صمت وصبر وأسى لا ~~يخلو من الشعور بالموت والفناء ... # وطبيعي أن يحلق الشاعر في مثل هذه المرحلة إلى أسمى ما يمكن ~~أن يصل إليه ms084 جناحاه، وأن يبدع أبقى أعماله وأنقاها وأبعدها عن ~~الشكوى والكآبة والأنين .. فقد وصل إلى مرحلة «موضوعية» - إن صح ~~هذا التعبير - وانفصل عن ذاته أو ارتفع فوقها، وراح ينظر إليها من ~~أعلى. وهل جوهر الفن إلا في هذا البعد أو الابتعاد عن موضوعه؟ وهل ~~يستطيع الفنان أن يخلق فنا جديرا بهذا الاسم إذا ظل غارقا في ~~حمى عواطفه وأشجانه وأحزانه؟ وهل يمكن أن يملك السخرية والدعابة ~~الصافية، أو القدرة على التجربة المتجددة والرؤية الشاملة إذا لم ~~يرتفع فوق مادته ليسيطر عليها لا لتسيطر عليه؟ # لا أريد أن أستطرد في هذا الرأي الذي عبرت عنه في مجال آخر، ~~وإنما أحب أن أنتقل منه إلى قصيدة أو بالأحرى «مرثية» من أجمل ~~المرثيات التي كتبها هلدرلين وهو في قمة نضجه وشموخه بين سنتي ~~1799م و1800م. وعنوان المرثية نفسه وهو «نواح مينون على ديوتيما» ~~يدل على روحها. فاسم «مينون» قد ورد كثيرا في التراث اليوناني، ~~وهو بمعناه اللغوي يفيد الصبر والريث والتحمل والصمود. ولا بد أن ~~نقف قليلا عند هذه القصيدة التي تحتل مكانة هامة في شعر هلدرلين ~~وحياته على السواء، شأنها في هذا شأن المرثيات الأخرى الطويلة ~~(كالخبز والنبيذ والعودة). ولن نستطيع بالطبع أن ننقل كل أبياتها، # 10 # بل سنكتفي بتقديم عدد قليل منها يفيدنا في الإحساس ~~بموقف الصمود والصبر والأمل اليائس الذي انتهى إليه الشاعر بعد ~~رحلة العذاب والحيرة الطويلة. # وأبدع ما في المقطوعة الأولى هي صورة الضياع على الدروب ~~المختلفة، والقلق على القمة أو في الحضيض، والروح الهائم الذي ~~يلتمس الراحة عبثا في كل مكان، أشبه بالحيوان الوحشي الذي فقد دفء ~~العرين وأخذ يضل في الغابات، لا يدفئه النور ولا تعينه رطوبة ~~الليل، ولا تشفي الأمواج ولا الرياح ولا الأعشاب جراحه: ~~«في كل يوم أخرج من بيتي # 11 # وأواصل البحث عن شيء آخر، # سألتها جميعا، سألت كل الطرقات والدروب؛ # هناك أزور القمم الرطبة، أزور الظلال جميعا ~~والينابيع؛ # الروح يهيم حائرا في صعود وهبوط ينشد الراحة، # كذلك يفر الوحش الجريح إلى الغابات، # بعد ms085 أن كان في الظهيرة يستريح آمنا في الظلام ... # لا دفء النور ولا رطوبة الليل تعين # وفي أمواج النهر يغمس جراحه عبثا ... # وكما أن الأرض تمد إليه العشب الشافي بغير طائل # وما من نسمة تهدئ دمه الفوار، # كذلك فيما يبدو، يا أحبابي، قد أصبح حالي # ما من أحد يمكنه أن يرفع عن جبهتي الحلم المحزن.» # وتغالبه خواطر الموت فيخاطب إلهته قائلا: لا يليق ~~بك أن تمسكي الرجل المقهور وتقيديه وتأخذيه معك إلى ليل الموت ~~المرعب، ليستمر هناك في البحث أو الدعاء أو العراك معك، أو يصبر ~~على القيد المخيف الذي حكمت به عليه، أو يستمع مبتسما لأغنيتك ~~الرهيبة. ثم يخاطب نفسه ويقول: إن كل الأمر كذلك فانسي كل أمل في ~~النجاة واستسلمي للنوم بلا صوت. ولكنه يعود فيلمح شعاعا في ~~الظلام، ويتذكر أن اليأس لن يستطيع الإطباق عليه فيقول لنفسه: «ومع ~~ذلك فإن صوت الأمل يبعث في صدرك. ولن يمكنك يا نفسي أن تتعودي على ~~الظلام ومملكة الظلام، ولذلك فأنت تحلمين وسط النوم الحديدي ! إنك ~~لست وحيدة كما تتصورين، فهناك شيء حبيب يقترب منك على الرغم من ~~بعده، ولا بد أن أبتسم وأعجب كيف أحس السعادة والنعمة وأنا في ~~قلب العذاب ...» # ثم تعاوده صور الحب القديم وأيامه الذهبية التي أضاءت ظلام ~~لياليه، ويتذكر الحدائق الجميلة والجبال المكسوة بحمرة الشفق، ~~والدروب الصامتة التي تشهد كلها بالسعادة السماوية التي عرفها في ~~شبابه، ويناجي النجوم التي طالما أطلت عليه وهو يسير مع محبوبته ~~وأرسلت إليه نظراتها الحنون، ويسمي «أطفال الربيع الجميلة» من زهور ~~وزنابق بأسمائها، فكم كانت كلها قريبة من قلبه، أنيسة إلى نفسه، ~~وكم كانت صادقة ومشرقة وبديعة. غير أن الأيام تأتي وتذهب، والعام ~~يطارد العام، والزمن يركض مسرعا فوق رءوس الفانين. ومع ذلك ~~فالعيون التي باركها الحب ترى الأمر رؤية أخرى، والأحباب تكتب لهم ~~حياة مختلفة. فهم جميعا قد توجوا الساعات والأيام وأعوام النجوم ~~والبشر بالبهجة والفرح والجد، وهم جميعا أبناء الأثير الأصلاء وقد ~~عاشوا من حولنا، يا ديوتيما، يجمعهم الحب الأبدي ms086 الحميم ... # لكن ديوتيما قد غابت عنه والبيت أصبح خرابا: # آه! أين أنت الآن يا حبيبة؟ # أخذوا مني عيني، وقلبي فقدته معها. # لهذا أهيم هنا وهناك، وعلي أن أعيش # كما تعيش الظلال وكل شيء يبدو لي بلا معنى. # إنه يريد أن يحتفل، ولكن بأي شيء؟ يريد أن يقدم ~~الشكر، لكن على أي شيء؟ ويريد أن يغني، ولكن لمن، وهو الآن وحيد ~~محروم من كل نعمة إلهية؟ إن الألم الأخير يأكل كل ذكرى ويسلب ~~الشفاه كل كلام، والحياة تتوقف والوجود يصبح كالعدم: # هذا هو ضعفي، أعرف أن اللعنة تشل عروقي # وتطرحني بعيدا كلما بدأت شيئا، # فأجلس بالنهار جامدا أخرس كالأطفال، # تنساب الدموع الباردة من عيني في أحيان كثيرة، # ونبات الحقل وشدو الطيور يعكر صفوي، # آه! والسماء باطلة جوفاء كجدران السجن، # معلقة فوق رأسي كأنها عبء ثقيل ... # ثم تتجه النفس إلى الحبيبة وتتعلق بها كما يتعلق ~~الغريق بطوق النجاة. وينفتح لها أفق جديد. فطالما أشارت له ~~الحبيبة إلى شيء آخر أكبر منها؛ شيء أعظم وأجمل: # ولكن أنت، يا من أشرت لي قديما وأنا على مفترق ~~الطرق # عندما سقطت أمامك، وعزيتني بشيء أجمل، # أنت يا من علمتني بصمتك وأوحيت لي في هدوء # أن أرى العظمة وأغني للآلهة الصامتة، # أنت يا ابنة الآلهة ... هل تتجلين لي # وتحيينني كما كنت تفعلين، وهل تلهمينني الحياة والسلام ~~من جديد؟ # لقد تعلم منها الشاعر وما زال يريد أن يتعلم. ~~وهو في حيرته ويأسه لا يدري لمن يتجه إن لم يتجه إليها. تحت ثقل ~~الألم تحطمت قدرته على الشكر، أي قدرته على الصلاة، ولكنه لا يزال ~~يأمل أن تهديه ديوتيما إلى منطقة الأمان التي يبدأ منها حياة أخرى ~~جديدة، لا يزال يرجو أن تعيده لنور الباطن، لكهف الرضا وملجأ الشكر ~~والصلاة، وما الصلاة عنده إلا الخلق وإبداع الشعر: # هكذا أريد، أيها السماويون، أن أشكر أيضا، # فتتنفس صلاة المنشد من صدر خفيف. # وكما كنت قديما أقف معها على قمة مشمسة، # يتحدث إلي من داخل المعبد إله يبعث في ~~الحياة، # أنا أيضا ms087 أريد أن أعيش! ها هي ذي الأرض تخضر! # وينادي صوت مشجع من جبال أبوللو الفضية # كأنه ينساب من قيثارة مقدسة! # تعال! قد كان (الماضي) أشبه بالحلم. الأجنحة ~~الدامية # شفيت من جراحها، وكل الآمال عادت للشباب. # كثير أن نعثر على شيء عظيم، ولم يزل أمامنا ~~الكثير، # ومن أحب هذا الحب يسير، ولا بد أن يسير # على طريق الآلهة. # لم يصل الشاعر إلى هذه المرحلة بجهده، بل قدمت له ~~هدية. إن الحياة دبت فيه بكلمة من الله، والشباب عاد إليه وجدد ~~قلبه العجوز فهتف بفرحته لعودة الربيع واخضرار الأرض. # غير أن الفرحة بمعجزة الحياة والشباب والربيع توحي في نفس الوقت ~~بأن فكرة الموت كانت تغرز شوكتها في قلبه. وقد يبدو أن عاطفة ~~الحماس للحياة أبعد ما تكون عن عاطفة الموت. والحقيقة أن النقيضين ~~أقرب مما نتصور. فما من قلب يهتف للحياة إلا وهو يحس بثقل الموت، ~~وما من صوت يضحك إلا وهو منبعث من صميم المأساة، وما من فم يشدو ~~للربيع إلا ويحس الرعشة من كآبة الشتاء! # والحق أن فكرة الموت كانت في ذلك الوقت جاثمة على صدر الحبيبين. ~~وربما أشفقت «سوزيته» عليه من شبحها المظلم فتضرعت إليه قائلة في ~~إحدى رسائلها في فبراير سنة 1800م: «أبق على نفسك من أجلي!» وربما ~~أحس هلدرلين أنه كان قاسيا أكثر مما ينبغي عندما تنبأ بموت ~~ديوتيما المحتوم في روايته هيبريون فكتب يقول لها: «اغفري لي موت ~~ديوتيما ...» ولكن النبوءة كانت صحيحة. # فقد سارت الحبيبة على طريق القدر حتى بلغت نهايته. سارت عليه في ~~رضا وهدوء وعلى شفتيها هذه الكلمة: «أفضل لي أن أموت ضحية الحب من ~~أن أعيش بدونه.» وأسلمت أنفاسها الأخيرة في شهر يونيو سنة 1802م ~~بعد أن زارها الضيف النحيل الشاحب الوجه الذي يحب الإقامة في صدور ~~الشعراء والفنانين والعشاق .. كانت صديقتها الوحيدة «مارجريتا ~~سومرنج» قد سبقتها إلى الموت في شهر يناير. ولا بد أنها شعرت ~~بوحدتها الرهيبة بعد موتها، ورأت أن حياتها لم يعد لها معنى بعد ~~أن أقفرت من الحبيبة ms088 والحبيب. لقد كتبت ذات يوم لهلدرلين: «شعرت ~~بأن حياتي تذبل من غيرك وتموت ببطء.» وها هي ذي تذبل وتحترق بنار ~~السل .. ويشتد عليها المرض في الأسبوعين الأخيرين من حياتها ~~فتسلم الروح في مساء اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو سنة ~~1802م. # سوزيته جونتار (1769-1802م). قناع من صنع الفنان ~~لاندولين أوماخت. # تزوج رجل المال والأعمال بعدها مرتين. ولكنه لم يعف الشاعر ~~المسكين من شكوكه وإشاعاته التي بلغت ذروتها عندما اتهمه بأنه تسبب ~~في موتها، وأنه يعرف تماما على من يقع ذنبها .. أما الشاعر نفسه ~~فقد سار على طريق العذاب بعد فراقه الطويل لحبيبته، ولم يعزه عنه ~~قليلا إلا قدرته على الحب والشكر، أعني قدرته على الشعر .. ~~وبدأت الكآبة المميتة تهاجمه؛ كانت نوعا من الانتحار البطيء الذي ~~عبر عنه على لسان الفيلسوف اليوناني إمبادوقليس في # 12 # القصيدة والمسرحية اللتان كتبهما عنه بين سنتي 1798م ~~و1800م. # وإمبادوقليس فيلسوف وطبيب وكاهن يوناني ولد حوالي سنة 482 أو ~~490 قبل الميلاد في مدينة أجريجنت عاصمة صقلية، ومات حوالي سنة 423 ~~أو 430 بعد أن كاد أهلها يؤلهونه ثم طردوه منها أو اضطروه ~~للفرار! نسجت حوله الأساطير والخرافات، والتف حوله التلاميذ ~~والأتباع، ونسبوا له قدرة على التنبؤ بالغيب وقوى سحرية خارقة لا ~~تنسب إلا للسحرة والأنبياء وأنصاف الآلهة. والمعروف أنه قال: إن ~~اختلاط العناصر الأربعة وتنافرها هو أصل الأشياء، وإن الحب والكره ~~هو مبدأ الوجود. والمعروف أيضا أنه بنى أفكاره على أساس نظرية ~~بارميندز عن الوجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، ولا ينشأ من ~~العدم ولا يفنى في العدم. كما اشتهر بقدرته على التأثير بالكلمة ~~حتى قال عنه أرسطو إنه أبدع فن الخطابة .. ولكن القصة التي تروى ~~عن موته هي التي خلدت اسمه وأوحت للشعراء بالكتابة عنه. # 13 # فيقال إنه ألقى بنفسه في فوهة بركان «إتنا» وترك حذاءه ~~بجانبها ليكون أثرا يدل عليه .. هل كان ذلك الانتحار العجيب ~~استجابة لنداء الأرض الأم، أم رغبة في الاتحاد بالطبيعة الإلهية، ~~أم حيلة ماكرة يقصد منها تخليده ذكره؟ ms089 # 14 ~~... المهم أنه شغل هلدرلين فترة طويلة من حياته، وتمثل ~~له بطلا مقدسا استجاب بجسارة لدعاء الأرض وضحى بحياته فوق سطحها ~~ليجدها في أعماقها. # ولو قرأنا هذه الأبيات من قصيدة هلدرلين الأولى عنه: # أنت تبحث عن الحياة، تبحث عنها، وتنبثق وتلمع لك # نار إلهية من أعماق الأرض، # وأنت بالشوق الواجف # تلقي بنفسك في لهب «إتنا». # مع هذا فأنت عندي مقدس، مثل قوة الأرض # التي اختطفتك، أيها المقتول الجسور! # وكم تمنيت أن أتبع البطل إلى الأعماق # لولا أن الحب يمنعني. # لو قرأنا هذه الأبيات لرأينا أن الكآبة لم تكن ~~بعد قد أحكمت حصارها حوله، فلا زال يتشبث بالحب، ولا زال يأمل في ~~النجاة على يديه. ولكن «الموت البطيء» أو الكآبة السوداء كانت قد ~~بدأت تهاجمه عندما راح يكتب مسرحيته أو مأساته «موت إمبادوقليس» ~~التي صاغها في ثلاث صور مختلفة، تعبر كلها تعبيرا أسطوريا عن ~~فكرة الانتحار. # وبعد أن كان هبوط الفيلسوف العراف في فوهة البركان تكفيرا عن ~~ذنبه الذي اقترفه عندما وضع نفسه في مصاف الآلهة، أصبح في الصياغة ~~المتأخرة تعبيرا عن شوق صوفي إلى رحم الأرض ، كما أصبح العراف هو ~~البطل الذي يضحي بنفسه ويدمر سعادته ليرجع إلى حضن الأم وأصل ~~الأشياء: # عندما ينوح الآن قلب الأرض # في وحدته الأليمة، وتنشر الأم المظلمة ~~- وهي تذكر الاتحاد القديم - # ذراعها النارية للأثير، # ويأتي الحاكم # 15 # في هالة إشعاعه # هنالك نغوص في اللهب المقدس # علامة على قرابتنا له. # ولقد غاص هلدرلين في هاوية اللهب الأسود، وبدأت ~~الكآبة المميتة تحاصره من كل ناحية، وتضطره للتسليم شيئا فشيئا. ~~وبدأ جسده الرقيق يذبل ويشف بالتدريج حتى تحول في نظر الأصدقاء إلى ~~شبح أو ظل يائس. أما الروح فحاولت أن تتشبث بذكرى الحب أو بشيطان ~~الشعر ليحميها من السقوط. ولكنها كانت قد بدأت الرحلة المخيفة ~~إلى الأعماق، كما بدأت ظلال عالم الجنون تلتف حولها يوما بعد يوم. ~~كان الحب قد أصبح جرحا وحيدا ينزف دمه في صمت. والشعر الذي بلغ ~~قمة نضجه في السنوات القليلة التي تلت ms090 وفاة الحبيبة لم يستطع أن ~~يتماسك على الطريق الموحش بلا أمل ولا عزاء ولا صديق ... # | العابد # «لكن حيث يكون الخطر تلوح كذلك سبل النجاة» # 1 # من الأدباء من يكتب «أدبا»، ومن الشعراء من يؤلف «شعرا» .. ~~أما الأديب الحق «فيكتب» الأدب والشعر من خلاله، لأنه «وسيط» ~~يملي عليه فيطيع، وينادي فيستجيب، ويؤمر فيمتثل للأمر الأعلى .. ~~هذا النوع من الأدباء يعيش للأدب ولا يعيش منه أو عليه. إنه يتحد ~~بحياته، وحياته تتحد به. الشعر عنده هو الشاعر، والشاعر هو ~~الشعر. الشعر عنده رسالة، نبوءة، تبشير وتحذير، عبادة وطاعة. ~~ولهذا كان في كل شاعر حقيقي جزء من النبي .. فكلاهما يلهم ويوحى ~~إليه، وكلاهما يبلغ ويعلن، وإن اختلف مصدر الوحي واختلفت طبيعة ~~الرسالة. # وشعر هلدرلين صلاة وعبادة، شكر وعرفان، يفيض من نبع التقوى ~~العميقة، والنقاء المحض. ولهذا فهو يعد نفسه من خدمه وعباده، ~~ولا يجد حرجا في أن يكون عبدا له. بل يعتبر ذلك نعمة كبرى من ~~نعم السماء. هكذا يقول عن نفسه في قصيدته إلى العذراء: # أيتها العذراء، # كثيرا ما تعذبت في سبيلك، # وفي سبيل ابنك، # منذ أن سمعت عنه # في شبابي الحلو؛ # فليس الرائي وحده # بل كذلك العابدون # يخضعون معه لقدر واحد. # وهكذا يسمي نفسه «العبد» في قصيدة «باطموس» التي ~~تعد من أجمل ما قاله في شعره الأخير الذي بلغ ذروة نضجه ~~وكماله. # وتنقسم هذه المرحلة الأخيرة من حياة هلدرلين إلى قسمين؛ قضى ~~أحدهما بين سنتي 1800م و1801م في شتوتجارت وهاوبتفيل ونورتنجن، ~~وقضى الآخر بين سنتي 1802م و1806م في مدينة بوردو الفرنسية وفي ~~مدينتي نورتنجن وهومبورج. # ودع حبيبته «ديوتيما» الوداع الأخير وذهب إلى بلدته نورتنجن. ولم ~~يكد يقيم فيها عشرة أيام حتى اضطرته لقمة العيش إلى الرحيل. فهو ~~مدرس خصوصي يتسول من أسرة إلى أسرة، وقدره البائس يدفعه للبحث عن ~~بيت جديد يعمل فيه. ودخل هذه المرة بيت تاجر القماش «كرستيان ~~لانداور» في مدينة شتوتجارت، وكان بيتا جميلا وجد فيه «الحب ~~والوفرة والهدوء». ولم تمض أيام على وجوده فيه حتى أحس الراحة ms091 ~~بعد طول السير على «درب ضيق»، وأكبر صاحبه الكريم المغرم بالأدب ~~والفن، وفتح له قلبه حتى صار عنده «صديق الأصدقاء». وكان من حسن ~~حظه أن يجد رب البيت من هواة الموسيقى والغناء، وأن تتاح له ~~ساعات ذهبية يقضيها وسط الأنغام. كان كل هذا يدفعه إلى الإحساس ~~العميق بالشكر والعرفان، كما يدفعه إلى المقارنة بين هذه الحياة ~~التي يحياها في بيت غريب وبين حياته القلقة التي ختمت عليها ~~الأقدار بالحرمان: ها هو ذا يعبر عن هذا حين يخاطب مضيفه ~~بقوله: # تختلف حظوظ الناس من العيش # كما يختلف النور عن الظلمة، # أما أنت فتسكن في الوسط الذهبي. # ويعود في بداية شهر يونيو إلى وطنه في نورتنجن. ثم ~~يمضي الصيف والخريف في صحبة أصدقائه في مدينة شتوتجارت. ولا ندري ~~متى ولا كيف ترك بيت «لانداور» ولكن المهم أنه خرج منه وهو صديقه ~~الحميم. وربما كان السبب في تركه هو إخفاقه المستمر في مهنة ~~التعليم التي لم يخلق لها ولم تتفق في يوم من الأيام مع إحساسه ~~بالكبرياء، وربما كان المسئول عن ذلك أيضا هو قلقه المستمر ورغبته ~~الملحة في الوحدة والتجوال. # برج هلدرلين والبيت الذي عاش فيه بمدينة توبنجن على ~~نهر النيكر. # وغادر وطنه من جديد بحثا عن لقمة العيش .. وذهب في شهر يناير ~~سنة 1801م إلى مدينة هاوبتفيل (في سويسرا) ليلتحق بعمله عند عائلة ~~«فون جونزنباخ» ويقضي ثلاثة أشهر في كنفها قبل أن يتأكد مرة أخرى ~~من إخفاقه. وكان رب هذه الأسرة - كما يقول شاعرنا نفسه - رجلا ~~مهيبا يبدو عليه أنه جرب كثيرا في حياته، وإن لم يمنعه هذا من ~~الاحتفاظ ببراءته وبساطته. أما زوجته فكانت امرأة عملية نشيطة ~~تعيش وتفكر كما يعيش التجار ويفكرون! وعلى الجملة فقد كان الرجل ~~وزوجه كما يقول الشاعر أيضا في عبارة لا تخلو من الحدة والسخرية: ~~«من أولئك المستقيمين الذين يشاركون الغرباء بالقدر الذي لا يضعف ~~قلوبهم ...» # تبين للشاعر كما قلت أنه أخفق في مهمته التربوية، فعاد إلى أهله ~~في «نورتنجن» مع بداية شهر أبريل سنة ms092 1801م. وقضى بقية السنة في ~~وطنه الصغير، عاكفا على كتابة أنضج أشعاره، ومن بينها المرثيات ~~والأناشيد الكبرى. وحاول في أثناء ذلك بعض المحاولات التي باءت ~~بالفشل. فقد دخل في روعه على ما يبدو أنه يستطيع أن يلقي محاضرات ~~في الفلسفة أو الأدب في جامعة «يينا». وسعى إلى ذلك لدى المسئولين ~~فأغلقوا الباب في وجهه! ولا شك أنهم أدوا له وللشعر نفسه خدمة ~~لا يمكن أن تنسى. فقد استطاع في هذه المرحلة أن يجد نفسه ويبلغ ~~قمة نضجه وعبقريته. # ولا شك أن الفيض الذي تدفق منه في هذه السنوات القليلة التي سبقت ~~انحداره إلى هاوية الجنون (سنة 1806م) سيظل لغزا من ألغاز الخلق ~~الفني، وأن قصائده الطويلة التي كتبها ستبقى من أجمل وأنقى ما ~~تعتز به مملكة الشعر. # كان قد وجد نفسه واطمأن إليها وظهر أثر ذلك في قصيدته التي أشرنا ~~إليها في الفصل السابق عن نواح مينون على ديوتيما. ويبدو أنه ازداد ~~بعد ذلك عكوفا عليها وثقة بطاقاتها ورغبة في التعبير عنها. تدل ~~على هذا سطور قليلة كتبها إلى صديقه «لانداور» في شهر فبراير سنة ~~1801م يقول فيها: «كلما زادت ثقة الإنسان في نفسه وتركيزه على ~~حياته الفضلى، وكلما سهل عليه الخروج من أجواء مشاعره الجانبية ~~والعودة إلى التحليق في جوه الأصيل، ازدادت عينه قدرة على الرؤية ~~الواضحة الشاملة واستطاع أن يهب قلبه لكل سهل وعسير وعظيم ومحبب ~~إليه في هذا العالم ...» # وهذه السطور القليلة تكشف عن «المعرفة» التي اطمأن إليها الشاعر ~~في هذه المرحلة من حياته. فالحياة عنده «مدرسة» يتربى فيها ~~ويتعلم منها وينمي مواهبه بالتأمل فيها والإخلاص لها والإقبال على ~~خير ما فيها. أما العالم - وهو الكلمة التي تختم بها السطور ~~السابقة - فهو الإمكانية الشاملة التي لا تحد ولا تنتهي، وهو ~~منبع كل عظيم وحبيب إلى القلب. وأما الفعل الذي يحقق به نفسه ~~ويستجيب لإرادة الخلق في طبيعته فهو توجيه انفعالاته ومشاعره من ~~التشتت إلى التركيز، ومن العرضي إلى الثابت، ومن الظواهر المتعددة ~~إلى الحقيقة الباقية. أبدا لن ms093 يتوصل إلى هذه الحقيقة - وهي في ~~نهاية الأمر حقيقته هو - بالعقل والتفكير المجرد ولا بقسر عواطفه ~~والضغط عليها، بل بالتحليق بجناحيه في «جوه» الأصيل، والاستجابة ~~لصوته الباطن، وتلبية نداء الخلق، وهو في نهاية الأمر أيضا نداء ~~القلب. وهذا النداء الآتي من الأعماق له رنين اللحن ووقع الغناء، ~~وهو شيء لا يسمعه الإنسان ولا يستجيب له إلا إذا كان قادرا بفطرته ~~على الانفعال باللحن والغناء .. أعني أن الخلق في ذاته عمل موسيقي ~~يصدر عن طبيعة موسيقية. وربما كانت قصيدة «بلاد اليونان» التي ~~صاغها في هذه المرحلة ثلاث مرات هي خير ما يعبر عن الجو النفسي ~~الذي عاش فيه الشاعر في هذه الفترة التي لم تستمر، للأسف، طويلا. ~~فهي تصور في صيغها الثلاث ما حاولت السطور السابقة أن تصوره فخانها ~~التوفيق إلى حد كبير - وهو في الغالب يخون الناثر! - وتعبر عن ~~الاطمئنان والثقة والراحة التي أحس بها هلدرلين وهو يرى أنضج ~~قصائد عمره تفيض منه كما يفيض الماء من النبع. وليس أدل على هذا ~~من أن القصيدة تعبر عن هذه الحالة مرة بالثقة والاطمئنان وأخرى ~~بالفرح والسرور، كما ترسم لنا صورة الإنسان الوحيد الذي يسبح في جو ~~الموسيقى والأساطير، بعد أن استقر على قمة طاقاته الفنية، وجمع ~~شتات نفسه، ووجد الأمان في التجمع والتركيز، ولمس النغمة الخاصة به ~~وحده. ومن فوق هذه القمة ترى العين رؤية مشرقة، ويتكشف أمامها ~~العالم الواسع الممتد، وينفتح القلب لتجربة هذا العالم الرحيب. ولا ~~شك أنه لم يصل إلى هذا الاطمئنان أو هذه السعادة بمحض الصدفة، بل ~~جاهد في سبيلها وعانى من أجلها وتعب حتى ارتقى إليها. ولذلك فإن ~~خير ما يوصف به هذا الشعور المطمئن السعيد هو الحرية. الحرية بأدق ~~معانيها وأنبلها. الحرية التي يشقى الإنسان في السعي إليها ويغامر ~~من أجلها ويقتحمها ويغزوها ... فهكذا تتطلب كل حرية حقيقية، لأنها ~~لا تسقط أبدا في حجر الضعيف العاجز المتواكل. لنقرأ معا بعض ~~أبيات «بلاد اليونان» في صيغتها الثالثة والأخيرة: # آه يا أصوات القدر، أنت يا دروب المتجول ms094 (الوحيد) # لأنه في زرقة المدرسة، # 2 # من بعيد، في ضجيج السماء # يرن جو # 3 # السحب المرح # وقد استراح لوجود الإله، وللرعد والبرق، # ورنينه أشبه بغناء الشحرور، # ونداءات كالاستشراف، # للخلود والأبطال؛ # كثيرة هي الذكريات. # حيث تنغم الأرض # كأنها جلد العجل، # 4 # من بعد الخراف وإغواء القديسين ~~- لأن العمل يتكون في البدء - # وتتبع القوانين العظيمة # التي تغني للمعرفة # 5 # والحنان # وتظهر بعد ذلك للسماء منشدة أناشيد السحب. # لأن صرة الأرض ثابتة. # إذ إن (ألسنة) اللهب والعناصر العامة # سجينة بين الشطآن المعشبة # أما في الأعالي فيحيا الأثير منصرفا للتفكير. # ولكن في الأيام الصافية، # يكون النور فضيا. # وكعلامة على الحب، # تكون الأرض زرقاء كالبنفسج. # البدء العظيم. # قد يصبح كذلك قليلا. # 6 # أما اليوم العادي فعجيب محبب للبشر # الرب يلبس رداء. # ويخفي وجهه عن [أسباب] المعرفة، # ويتفنن في تغطية الهواء. # والهواء والزمن، # يحجبان المخيف # حتى لا يفرط أحد في حبه بالصلوات، # أو [تحبه] النفس. لأن الطبيعة # مفتوحة [الأبواب] للتعلم [منها] # 7 # كالأوراق أو الخطوط والزوايا، # والشموس والأقمار أشد صفرة، # لكن في بعض الأوقات، # عندما تريد ثقافة الأرض القديمة أن تبرز، # وذلك في الحكايات، ~~(الحكايات) التامة المحاربة بشجاعة # يسير الرب الأرض (وكأنما تسير) فوق الذرى. # بيد أنه يحد الخطى المعوجة، # أما طاقات النفس ووشائجها # فتتجمع كالنورات الذهبية، # حتى يؤثر الجمال # الساكن على الأرض # ويأنس أحد الأرواح # بعشرة البشر. # تبدأ القصيدة بالمتجول الوحيد الذي يجوب الدروب ~~والآفاق، ويتعلم من زرقة السماء وصفاء السحاب كما يتعلم التلميذ من ~~مدرسة، ويستثير ذكريات الماضي الجليل ويستشرف حكايات الأبطال ~~الخالدين، ويتأمل قوانين الخلق الأزلية التي تغني لحن المعرفة ~~والحنان، ويرى كيف يروض اللهب والعناصر المعربدة، فيخضع النهر ~~للشطآن ويتجلى النور الفضي وتتطهر الأرض وتبزغ عروسا زرقاء بلون ~~البنفسج، ويتلفت البشر لصوت الإله ومعجزة الوجود فإذا به يخفي وجهه ~~المهيب عنهم، ويفتح لهم كتاب الطبيعة لعلهم أن يروا النور في ~~انعكاساته ويدركوا سر الخلود من تاريخ الخالدين .. هذا المتجول ~~الوحيد يستقر في نهاية الرحلة ويطمئن إلى نفسه ويلم أشتات طاقاته ~~«حتى يؤثر ms095 الجمال أن يسكن على الأرض وتأنس الروح بعشرة البشر». ~~لقد انتهت به الرحلة إذن إلى نفسه، وكأنه لم يضطرب بين معجزات ~~الطبيعة والتاريخ ولم يشق في البحث عن السر الأكبر إلا لكي يعثر ~~على هذه النفس الراقدة بين جنبيه! حتى إذا وجدها وجد معها الجمال ~~على الأرض، والسعادة على وجوه الناس، وأحس أن كل شيء قد رد ~~إليه حين استعاد الطمأنينة إلى قدرة الخلق والإبداع الكامنة في ~~قلبه، أي استعاد حريته. # وهذه رسالة أخرى كتبها إلى نفس هذا الصديق (لانداور) تعبر عن ~~الصراع الطويل الذي انتهى به إلى الحرية السعيدة المبدعة. فقد وقف ~~يوما أمام جبال الألب الرائعة، وارتعش ذاهلا وهو يتأمل جلالها ~~وهدوءها، ثم أفاق على أعياد الربيع من حوله، وشعر أن هذا الربيع قد ~~أقام عيدا آخر في نفسه. # ولا بد من قراءة سطور قليلة من هذه الرسالة لنعرف أن هذا الربيع ~~لم يكن كله غناء وجمالا ونورا بل امتزج فيه الغناء بالبكاء، ~~والجمال بالعذاب، والنور بالظل: «ما زلت أقف مذهولا أمام جبال ~~الألب التي تمتد على مسافة ساعات قليلة من حولي. الحق أنني لم ~~أجرب مثل هذا الانطباع في حياتي. إنها أشبه بخرافة عجيبة من ~~خرافات الشباب البطولي لأمنا الأرض - تذكرنا بالعماء القديم الذي ~~خرج منه التكوين - على حين تطل من عل في هدوء، وفوق ثلوجها ~~الزرقاء الصافية تسطع الشمس والنجوم ليلا ونهارا. يمكنك إذن أن ~~تتصور حالي وأنا أنعم بكل العناصر في أوائل الربيع، وأمتع عيني ~~بمشهد التلال والجداول والبحيرات من حولي، فهذا هو أول ربيع يأتي ~~علي منذ ثلاث سنوات وأتذوقه بنفس حرة وأحاسيس حية منتعشة ~~...» # هي إذن رحلة صراع طويلة سبقت هذا الشعور الطيب بالسعادة والراحة ~~والحرية. ولكنه شعور مهدد في كل لحظة. لأن النور فيه لا ينفصل عن ~~الظل، والسعادة لا تخلو من الشقاء. فلا تكاد تمضي بضعة أسابيع على ~~هذه الرسالة حتى نجد رسالة أخرى إلى نفس هذا الصديق يقول فيها: «... ~~أحس منذ بضعة أسابيع أن رأسي يدور على نحو عجيب. آه! ms096 أنت أدرى ~~بهذا، لأنك تطلع على نفسي حين أقول لك إن هذه المشكلة لا تنفك تلح ~~علي كلما ثابرت على كتمانها؛ مشكلة أن لي قلبا وإن كنت لا ~~أعرف هدفا لوجوده، وأنني لا أجد أحدا أبوح له بسري وأفضي إليه ~~بما أجد. قل لي، أهذه الوحدة التي كتبت علي، نعمة أم ~~نقمة؟» # ثم يواصل الشاعر حديث القلب إلى أن يقول هذه الكلمات: «اذكرني إن ~~ذهبت إلى فرانكفورت.» ونحن نعرف لمن تهفو نفسه في ~~فرانكفورت! # هو الصراع إذن بين نقيضين: بين ربيع الحرية التي يحس أنه يستريح ~~على قمتها وبين محنة المتجول الوحيد الذي لا بيت له ولا وطن. ولقد ~~باح للصديق بما يجد، ولمس حد المأساة التي ستصرعه في النهاية. ~~ولكنه يكتب لأخيه [من أمه] فيحاول أن يكون أكثر تماسكا وتجردا، ~~وإن لم يستطع مع ذلك أن يخفي عنه هول المأساة: «لقد تسلط علي ~~الكفر بالحب الأبدي. وكان علي أن أستدرج إلى هذا الإيمان ~~الخرافي المخيف بما هو في الواقع علامة على النفس والحب، فإذا أسيء ~~فهمه أصبح علامة على موتها. صدقني أيها الحبيب! لقد كافحت حتى ~~أصابني الإعياء المميت لكي أثبت الحياة العليا بالإيمان والرؤية. ~~أجل! لقد كافحت وأنا أعاني من ألوان العذاب ما يفوق في النهاية كل ~~ما تقوى إرادة الإنسان الحديدية على احتماله ...» # هكذا يفرق هلدرلين تفرقة صارمة بين سوء الفهم الذي يحيل الإيمان ~~«بعلامة النفس والحب» إلى موت للحب الأبدي، وبين الحياة العليا في ~~ظل الحرية التي يحققها هذا الحب الأبدي عن طريق الصراع الذي ينهك ~~صاحبه إلى حد الموت. ولا بد أنه كان يتعذب بين هذين القطبين ~~الأليمين عندما راح يكتب أروع قصائده وأناشيده في هذه السنوات ~~القليلة التي كانت أنضج مراحل عمره. # ولا بد أن محنة الوجود وإرادة الخلق قد تعاونتا معا على تهيئة ~~الشاعر لطاعة الشعر، ووضعه في خدمة روحه الملهم. ولا شك أن ~~وجدانه الرقيق المعذب الباحث أبدا عن المطلق قد أصبح مسرحا لهذه ~~الفورة الروحية النادرة. غير أنه لم يكد يشف ms097 وينفتح لاستقبال ~~الحرية حتى بدأ يتفتت شيئا فشيئا تحت وطأة محنته الوجودية، ولم ~~يكد ينضج الثمرات العذبة حتى ذبلت جذوره في الأرض العطشى إلى الحب ~~والحنان .. كان عيد الربيع الذي تحمس له الشاعر هو عيد الكلمة. ~~وقدم القربان في هذا العيد الخالد قبل أن يهجم عليه شتاء الصمت ~~والمرض والجنون. وليس في مقدورنا أن نتناول في هذا المجال كل زهور ~~هذا الربيع وفواكهه - وقد أربت على خمس مرثيات وتسع قصائد وأغنيات ~~رائعة نشأت كلها في خلال سنتين عكف فيهما الشاعر على وحيه الملهم ~~وانتزع من اللغة أقصى ما يمكن أن تعطيه - ولهذا سنكتفي بالإشارة ~~إلى الأبيات الأولى من قصيدة واحدة تعد قمة هذه المرحلة وتاجها ~~البديع، وهي قصيدة باطموس # 8 # التي أشرنا إليها على الصفحات السابقة. وليس من الممكن ~~أيضا أن نقف عند أبيات هذه القصيدة الحافلة بالأسرار والألغاز ~~التي تزخر بها أشعار هلدرلين في هذه المرحلة المتأخرة من حياته، بل ~~يكفي أن نقرأها ونتركها تؤثر على قلوبنا ونقف أمامها كما نقف أمام ~~ظاهرة معجزة تكاد تستعصي على التحليل. إن كل كلمة فيها تستريح في ~~ذاتها، وتتجلى نقية طاهرة كأنها خلقت لأول مرة. وكل كلمة تحمل ~~طاقة أكبر منها، ومعنى أبعد من السياق الذي وضعت فيه. ولذلك فهي ~~تكاد تقف وحدها كما قلت، أشبه بنجوم القدر الذي يسير حياة ~~الشاعر ومصيره وعبقريته. ومن العبث كما ذكرت أن نبحث عن معناها في ~~الجملة أو السياق، إذ لا بد من البحث عنه في إنتاج الشاعر ~~كله: ~~«قريب # وعصي على الإدراك هو الإله. # لكن حيث يكون الخطر، # تلوح كذلك النجاة. # 9 # في العتمة تسكن النسور، # وبلا خوف يعبر أبناء الألب # فوق الهاوية، # على جسور خفيفة، # لهذا تتراكم حولنا # قمم الزمان، وأحب الأحباب # يسكنون قريبا، # منهكين فوق جبال متباعدة، # 10 # أعطنا إذن أيها الماء البريء، # أيتها الأجنحة أعطنا # أن نعبر إليها بحس عميق الوفاء # ثم نعود. # ليس في استطاعتنا كما قلت أن نقدر عظمة هذا ~~الشعر إلا إذا وضعناه في سياق العمل الكامل، ونظرنا ms098 إليه كحجر في ~~معبد ضخم، وهو أمر يخرج عن حدود هذا الكتاب الذي لا يريد إلا أن ~~يكون تمهيدا لقراءة الشاعر والإلمام بمأساة حياته. ولعل هذه ~~المرحلة المتأخرة من حياته أن تكون مفترق الطريق الخطر أو القمة ~~الوحيدة التي بدأت عندها تتفتت وتنحدر إلى الهاوية. ولعله قد أحس ~~بهذا فأخذ يتدبر مصيره ويفكر في قدر حياته وشعره على السواء. إن ~~هذه العبارة الموجزة تصور علاقته بشعره أدق تصوير: ~~«أردت أن أغني الغناء الخفيف، غير أنني لا أوفق أبدا ~~إليه ...» # تمنى الشاعر أن يوفق إلى هذا الغناء الخفيف؛ الغناء المتحرر من ~~ثقل قدره وظلام وجدانه. أراد أن يكون الشعر «عيد الكلمة»، أن ~~يكون مرآة فرحته النقية العالية التي لا تعكرها قتامة قدره في الحب ~~والحياة. وأراد أيضا أن يصل إلى هذه الفرحة نفسها، إلى هذه الخفة ~~المطلقة، إذ كان الإحساس المطمئن في رأيه هو الإحساس المرح، وكانت ~~خطوة الشجاع «الذي لا يخاف» تسير فوق «جسور خفيفة». # ولكنه لم يوفق إلى شيء من هذا. كان اليأس أكبر منه. ولعلنا نحمد ~~الآن لهذا اليأس أن ألهمه أنضج شعره وأحفله بالمعاني والأسرار. ~~ولم يكن هذا اليأس مجرد كآبة عبر عنها في شعره أو نفس بها عن ~~كربه [فنحن نظلم الشعر والفن بوجه عام لو قصرناه على هذه ~~المهمة!] بل كان قدرا مظلما مميتا صحب الشاعر في كل حياته ~~وشعره. ونحن نظلم الشاعر أيضا لو حاولنا أن نفسر هذا القدر ~~تفسيرا نفسيا أو مرضيا. فالعبارة التي أوردناها تبين كيف اتحد ~~الشعر بالشاعر فلم يستطع أن ينفصل عنه، وكيف اتحد الشاعر ~~بالشعر فلم يكتبه، بل عاشه وكانه، وخضع له وفني فيه فناء العبد ~~في معبوده. لنستمع إليه وهو يتحدث إلى قوى السماء في ختام أغنيته ~~الجميلة «عند منبع الدانوب»: # أنت أيتها الأرواح الطيبة، أنت أيضا موجودة هناك، # 11 # غالبا، عندما ترف السحابة المقدسة فوق إنسان # يصيبنا الذهول ولا ندري كيف نفسر معناها. # أما أنتم فتمزجون # 12 # أنفاسنا بالنكتار # 13 # وعندئذ نفرح في معظم الأحيان أو تفجؤنا ms099 الحيرة، # لكن إن أحببتم إنسانا حبا شديدا # فلن يجد الراحة حتى يصبح واحدا منكم. # لهذا، يا أيها الطيبون! التفوا حولي خفيفين # كي يتسنى لي أن أبقى، فلم يزل بي شوق للغناء. # 14 # أما الآن فتختم أغنيتي الطيبة النواحة # كأنها خرافة حب، # وكذلك انقضى شأني معها منذ البداية # بين الخجل والشحوب، # وكذلك ينقضي كل شيء. # والنزعة الصوفية الواضحة تغلب على هذه الأبيات. ~~فالبشر الفانون لا يدرون كيف يفسرون ظهور السحابة المقدسة، بعد أن ~~تاهوا في الأرض كالأيتام - كما تقول القصيدة نفسها في موضع آخر - ~~وفقدوا الإحساس بالوفاء للبطولة والألوهية والقداسة. والحيرة ~~تفاجئهم وتصيبهم الدهشة والذهول - ربما لأنهم لم يتوقعوا ظهور ~~القداسة على الأرض أو لأنهم نسوها وفقدوا الصلة بها. ولهذا تضيع ~~الأغنية من الشاعر كما ضاعت منه منذ بدأ يحاول الغناء. ولهذا أيضا ~~يحس في نفسه حاجة للمزيد من الغناء على الرغم من انقطاع أغنيته، إذ ~~لا تزال الأرواح الطيبة تناديه وتؤثر على حياة الإنسان لترده ~~للطاعة والوفاء. # ولا يخفى على القارئ أن مثل هذا الشعر يصبح مستحيلا بغير ~~الإيمان العميق. فهو مؤمن بأن الآلهة أو الخالدين أو الأرواح ~~الطيبة تحب الإنسان حبا شديدا. ولقد عبرت عن حبها للشاعر نفسه ~~بما احتمله في سبيلها من عذاب قاس انتهى به إلى التسليم. فكل شيء ~~طيب وخير، والشاعر الذي فقد كل شيء حين فقد نعمة الحب لا يملك إلا ~~الشكر؛ أي لا يملك إلا الشعر. والشعر هو سبيله الوحيد للتعبد ~~والطاعة والوفاء ... # ولقد وهب هذا الشعر أو هذا الغناء الطيب الحزين كل حياته. ~~فالشعر يجري في حياته جريان الدم في عروقه. ولكنه كذلك يمر ~~وينقضي. والشاعر يقف على الشاطئ، يجرفه تيار النغم ويحس نحوه ~~بالخجل والشحوب .. ربما لأنه عجز عن الغوص في تيار الحياة فقنع ~~بتيار الشعر الذي راح ينشده بين النشوة والبكاء. ويمضي التيار، ~~وتتساقط الدموع التي كان يدخرها للحب، ولا يبقى له غير هذا ~~العزاء؛ وهكذا ينقضي كل شيء! # كانت محنته في قلبه. أراد «الغناء الخفيف» فأثقل قلبه بالحب ~~المحروم، بمرارة ms100 الفقد والفراق وخيبة الأمل. لم يتعلق هذا الحب ~~بشخص واحد ولا موضوع واحد، ولو اقتصر عليه لكان من السهل تعويضه ~~أو التعزي عنه. # بدأ هذا الحب مع «مليته» في الشذرة أو الصياغة الأولى لروايته ~~هيبريون، فكانت هي «الوحيدة». ثم أصبحت ديوتيما، في الخيال ~~والواقع، هي «سلام السماء». وعبر ليل الحزن والمعرفة فتجاوز شخص ~~الحبيبة ذات الأسماء المتعددة إلى المطلق. وتجسد هذا المطلق في ~~أواخر حياته في شخص المسيح وعذابه وصعوده. وهنا أصبح المسيح هو ~~«السلام المبارك» وهو «الوحيد»: # لكن الحب # يتعلق بواحد. # إذ إن الغناء # قد خرج في هذه المرة # من صميم القلب، # أريد أن أصلح الخطأ # حين أغني لآخرين. # أبدا لن أجد المقياس # كما أتمنى. # لكن إلها يعرف # متى يأتي الخير الذي أتمناه. # فالقلب متعلق الآن بحب واحد، أو هو يحاول هذا ~~على الأقل. إنه يفور ويجيش في باطنه، ويريد لذلك أن يتعلق بموضوع ~~واحد، ويجد الحد والمقياس العدل في الحب والشعر على السواء. وهو ~~يعرف أنه طالما اضطرب وتمزق وتشتت، ولهذا يحاول أن يجد الحبيب ~~الوحيد الذي يتشبث به كطفل يتيم يفتش عن جدار يمكنه أن يستند إليه ~~ليبكي ويبكي. إذن فقد أخطأ وأذنب، وهو يعرف هذا ويعترف به. # لكني أعرف، # إنما هو ذنبي، # فيا شد ما أتعلق بك # أيها المسيح! # وجد الآن سيده ومعلمه. ولكن هل استراح؟ إن روحه ما ~~زالت مترعة بالحزن، وكأن الآلهة قد آلت على نفسها أن تتركه في ~~الحيرة والعذاب: # سيدي، مولاي # أنت يا معلمي! # لم بقيت بعيدا؟ # ولما أبصرت الأبطال والآلهة # بين الأرواح القديمة # لم غبت عنهم؟ # والآن روحي مفعمة بالكآبة، # وكأنكم، يا أيها السماويون، # قد آليتم على أنفسكم، # إن صليت لمعبود، # أن أفقد معبودا آخر. # غير أن هذه الحيرة نفسها، هذا الوهج الباطن ~~والجيشان الدائم الذي أنساه الحد والمقياس هو نفسه الذي أعطاه ~~القدرة على الغناء. صحيح أنه اشتاق «للغناء الخفيف» فلم يوفق إليه. ~~ولكن متى استطاع الشعراء أن يغنوا بغير بكاء، ومن أين يأتيهم الشوق ~~إلى الغناء الخفيف لولا الحزن ms101 الذي يثقل قلوبهم؟ المهم بعد كل شيء ~~أنه غنى، وترك لنا في هذه الفترة القصيرة - بين سنتي 1800م ~~و1801م - أغنيات باقية تعبر عن شكره وطاعته، أي عن تسليمه لقدر ~~الحب والشعر. # سافر هلدرلين في اليوم العاشر من شهر ديسمبر سنة 1801م إلى مدينة ~~«بوردو» ليواصل مهنته البائسة في تربية أبناء القنصل الألماني ~~المقيم في ذلك الميناء الفرنسي على نهر الجارون. وقد أرسل قبل ~~رحيله بأيام قليلة بضعة سطور إلى صديقه بولندورف تكشف كالبرق ~~الخاطف عن رؤيته للقدر الذي يهيمن على حياته، وإحساسه بالموت الذي ~~يتربص بطريقه: «كنت فيما مضى من الزمان أستطيع أن أفرح وأهلل ~~لحقيقة جديدة، وأرى ما يمتد فوقنا وحولنا رؤية أفضل. أما الآن ~~فإني أخشى أن تكون نهايتي كنهاية تنتالوس # 15 # العجوز الذي أعطته الآلهة أكثر مما يطيق أن يهضم. غير ~~أني أفعل ما أستطيع، بقدر ما أستطيع، وحين أرى أنني سائر على ~~الطريق الذي سيؤدي حتما إلى نفس المصير الذي سينتهي إليه غيري، ~~أحس أن من الكفر والجنون أن يبحث الإنسان عن طريق مأمون من ~~العثرات، وأن الموت لا يستعصي عليه شيء. والآن وداعا يا صديقي ~~الحبيب! وإلى رسالة أخرى. قلبي الآن مفعم بالوداع.» # والسطور تكشف كما ترى عن حزن عميق فاجع يعبر عن رؤية الشاعر ~~لقدره ومصيره، وإحساسه بأن الطريق العسير الذي يخطو عليه لا بد أن ~~ينتهي به إلى نهاية محزنة فاجعة. هذه الرؤية أو هذه الرؤى ~~القاتمة التي يتصورها شاعر - يتحقق فيه معنى الرائي أو العراف ~~القديم - تعبر عن تنبئه بانهياره الوشيك. فالعذاب الذي يتحمله ~~والحياة التي يحياها بلا حب ولا أمل إلا في ماض أسطوري ذهب ولن ~~يعود، تفوقان في النهاية قدرة العقل البشري. ولا بد في النهاية ~~أيضا أن تسوقاه إلى حافة التمزق والدمار. # ها هو ذا يتعذب ويتحمل، ويفنى في الشعر والخيال إلى الحد الذي ~~يفقده الصلة بالأرض والواقع، ويحاول أن يحافظ على نقائه وبراءته ~~وحقيقته وسط صحراء الرؤى المميتة، ويعبر عن هذا في أبيات من قصيدة ~~«الوحيد» التي قرأنا ms102 جزءا منها على الصفحات السابقة: # صحراء زاخرة بالرؤى، # هائلة على الدوام، # وتغري بالموت، # بحيث يصبح البقاء # في الحقيقة البريئة # عذابا ... # وطبيعي أن تنضم صورة الموت إلى هذه الرؤى. فهو ~~يغري الإنسان أو يغويه بالموت، والموت عند شاعرنا يرادف البعد عن ~~الحقيقة والبراءة، أي التحلل من المطلق. ويبدو أن فكرة الموت كانت ~~في هذه الفترة مسيطرة على عقل هلدرلين ووجدانه. ويكفي أن نعيد ~~قراءة السطور السابقة لنرى أنه يذكره مرتين، مرة حين يقول إنه لا ~~شيء يستعصي على الموت، # 16 # وأخرى بالفراق والوداع. ولا يمكن أن تبتعد رؤيا الموت ~~عن شاعر ظل يصارع قدره حتى أنهكه وأهلكه، وظل يحيا حياته وعينه لا ~~تكف عن التطلع إلى الصور الأولى والنماذج الخالدة للبطولة ~~والقداسة والنقاء. ولا بد أنه عرف بوضوح ما يعترف به الآن في ~~رسالته إلى صديقه؛ لا بد أنه عرف أن شبح الموت يحوم كنسور القدر ~~القاتم فوق الرحلة العظيمة. وهل اختلف مصير الأبطال والشعراء ~~العظام عن هذا المصير؟ # سافر هلدرلين إلى «بوردو» عن طريق ستراسبورج وليون، ومعه جواز ~~سفر يحدد شخصيته بأنه «أديب» .. وعبر طريقا موحشا تطل عليه أعالي ~~جبال الأوفيرون المخيفة، وتعصف به الرياح، ويخيم عليه الليل البارد ~~برودة الثلج .. وبجانبه مسدسه المحشو الذي يتحسسه باستمرار وهو ~~يتقلب على فراشه الخشن .. ووصل إلى بوردو في الثامن والعشرين من ~~شهر يناير سنة 1802م. وجاءت أول رسالة منه وكلماتها تحمل ذلك ~~الرنين المعدني الذي نعرفه من أغنياته الطويلة المتأخرة. فقد عود ~~نفسه على العيش الخشن واحتمل الدور المكتوب عليه. وجاءت رسالته ~~التالية معبرة عن السكون الشامل الذي بدأ يطوي حياته، في لغة ~~زجاجية تكشف على الرغم من سحرها وشفافيتها عن بوادر الجنون التي ~~أخذت تظهر عليه. فهو يطلب من أحبائه أن يذكروه ويفكروا فيه بالقدر ~~الذي لا يزعج حياتهم. وهو يصارحهم بأن مشاغله العديدة وغربته عن ~~الوطن ومسافة البعد التي تفصله عنهم تجعله ضنينا بالكتابة إليهم. ~~(وواضح أن هذا البعد لم يكن بعدا جغرافيا فحسب!). # ونحن نكاد نجهل كل شيء عن ms103 حياة هلدرلين في «بوردو». وكل ما نعلمه ~~أنه نزل في بيت القنصل الألماني «دانييل كرستوف ماير» الذي كان ~~يتاجر في النبيذ إلى جانب عمله الرسمي .. وكان رجلا أنيقا ~~ذكيا، يعيش في بيت فخم بني على الطراز الكلاسيكي. وقد كتب ~~هلدرلين إلى أمه عن هذا البيت فقال إنه يعيش فيه عيشة بالغة ~~الأبهة والفخامة، ويتمنى لو كانت حياته أكثر بساطة وهدوءا .. ولا ~~بد أنه استمتع مع ذلك بالطبيعة الحالمة التي كانت تحيط به، فعبر عن ~~ذلك في قصيدته المشهورة «ذكرى» التي تزخر بذكرياته على ضفاف ~~الجارون وبين حدائق «بوردو» وغاباتها. ولا بد من قراءة هذه القصيدة ~~لنستطيع الإلمام بتفاصيل البيئة التي عاش فيها الشاعر وعرض مشاهدها ~~وانطباعاتها في نفسه كما يعرض طفل مجموعة من الصور التي تسجل ~~ألعابه الحلوة البريئة: # تهب ريح الشمال، # أحب الرياح إلى نفسي؛ # لأنها تعد الملاحين # بالروح المشبوبة والرحلة الطيبة. # لكن اذهب الآن، # وحي «الجارون» الجميل، # وحدائق بوردو، # هناك حيث يمتد الطريق # على الشاطئ الوعر، # وينحدر الجدول # إلى أعماق النهر، # أما من فوقه # فيطل زوج نبيل # من أشجار البلوط والحور الفضية. # ما زلت أذكر هذا، # وكيف تحني الغابة # ذراها العريضة فوق الطاحونة، # أما في الغابة فتنمو شجرة تين. # أما في أيام الراحة # فتمشي النساء السمراوات هناك # على أرض من حرير، # في فصل الربيع # 17 # عندما يتساوى النهار والليل، # وفوق الممرات البطيئة # ترف الأنسام، # مثقلة بالأحلام الذهبية. # فلتمتد إلي يد # بالكأس العطرة # المترعة بنور مظلم؛ # علي أجد الراحة. # ما أحلى النوم # تحت الظل! # ليس حسنا # أن تحيا بلا روح، # وتستحوذ عليك الخواطر الميتة. # لكن الحديث حسن، # والإفضاء برأي القلب، # والإنصات إلى الأخبار الكثيرة # عن أيام الحب، # وما تم من الأعمال. # لكن أين الأصحاب؟ # أين بيلارمين # 18 # ورفاقه؟ # أكثر الناس يمنعهم الخجل # من الذهاب إلى النبع، # لأن الثراء # يبدأ في البحر. # إنهم كالرسامين، # يجمعون جمال الأرض # ولا يزدرون الحرب المجنحة، # ولا الحياة لأعوام طويلة، # وحيدين تحت الشراع الجاف، # 19 # حيث لا تسطع أعياد المدينة في الليل، # ولا أنغام الأوتار ms104 ولا الرقص القومي. # أما الآن فقد ذهب الرجال # إلى الهنود، # هناك على القمة التي يرف حولها الهواء، # بين التلال التي تغطيها الكروم، # حيث ينحدر «الدوردوني» # 20 # وينسكب التيار عريضا كالبحر # مع الجارون الرائع. # لكن البحر يهب الذكرى ويستردها، # والحب كذلك يثبت أعيننا، # أما ما يبقى فيؤسسه الشعراء. # لم يكد ~~هلدرلين يمضي أربعة شهور في «بوردو» حتى فكر في العودة إلى وطنه. ~~ولم يكتف بالتفكير فأخرج في اليوم العاشر من شهر مايو (1802م) ~~جواز سفر لرحلته. ولسنا ندري شيئا محددا عن سبب عودته المفاجئة. ~~أكان هو الإخفاق من جديد في مهمته التربوية التي لم يخلق لها ~~بطبيعته بل أجبرته عليها لقمة العيش المرة؟ أم ألوان أخرى من الذل ~~التي لم يحتملها قلبه الجريح؟ أم ضيقه بالمسكن الفخم الذي جعله يحن ~~للوحدة والبساطة والسكون؟ أم هي أخبار وصلته عن مرض حبيبته الطاهرة ~~التي لم تنقطع عنه رسائلها على الرغم من الفراق الحاسم الأخير؟ ~~لسنا ندري شيئا كما قلت. صحيح أن هناك من يفسر رحيله بأسباب تتصل ~~بكرامته وكبريائه ويذهب إلى أنهم هناك في بوردو قد «فرضوا عليه بعض ~~المطالب التي عجز عن الوفاء بها أو وجدها جارحة لشعوره»، ولكنها ~~كما ترى فروض لم تتحقق حتى الآن. والمهم أنه عبر الحدود الألمانية ~~الفرنسية عند مدينة كيل # 21 # في اليوم السابع من شهر يونيو على قدميه، ثم لم يلبث ~~أن ظهر بعد ذلك بقليل في مدينة شتوتجارت، ولفت الأنظار بملامحه ~~المرتبكة وغضبه العارم وحالته التي تنم عن الجنون واليأس الفظيع. ~~وفهم منه الناس أن اللصوص سطوا عليه في الطريق، أو أنه أصيب بضربة ~~شمس وهو يخترق الجنوب الفرنسي الحار. ولكن الكارثة كانت قد بدأت ~~بالفعل. ~~«من الكفر والجنون أن يبحث ~~المرء عن طريق مأمون من كل العثرات.» هكذا كتب قبل بداية رحلته ~~الكبرى إلى صديقه بولندورف. ولقد قرأنا سطورا من هذه الرسالة ~~ورأينا كيف تقمصته روح الشاعر العراف الذي انكشفت له حجب الغيب ~~في لمحة خاطفة. فقد تحدث فيها عن الجنون والموت. ولكنه حديث ms105 ~~المؤمن الذي يعتقد أن من الكفر وجحود النعمة أن يرفض السير على ~~طريق حددته له السماء من قبل. إن عليه أن يقطع هذا الطريق مهما ~~انتهى به إلى الجنون أو الموت. بل إنه يعلم أن الجنون والموت ~~ينتظرانه في نهايته. ولكن لا مفر من السير عليه، لأن هذا هو واجب ~~الطاعة والخضوع الذي لا يوجد واجب أسمى منه. ولقد كتب يقول أيضا ~~في هذا الخطاب إنه قد تعود على الحياة الخشنة وأصبح مستعدا لما ~~يأتي به المستقبل. فهل معنى هذا أنه استعد للحادث العظيم والكارثة ~~المخيفة؟ لا بد أنه أحس بهذا؛ فحديثه عن الموت في هذه الرسالة، ~~وقوله إن قلبه مفعم بالفراق، يدلان على أنه كان ينتظر شيئا أكبر ~~من طاقته وقدرته .. ولكنه انتظار الرضا والاستسلام .. لقد ظهرت ~~عليه بوادر الجنون الذي تمكن منه بعد ذلك بأربع سنوات. وتفتتت ~~شخصيته مزقا متناثرة، وفقدت الوسط والمركز والرباط الذي يوحد ~~بينها. تكسرت سفينة العبقرية على صخرة اليأس والجنون، وتحولت إلى ~~حطام لا يستطيع أن يحمل فكرة أو عاطفة. أما الموت فقد أخطأه في هذه ~~المرة وأصاب حبيبته .. ولكن هل أخطأه حقا وهو الذي فني فيها ~~واتحد كيانه بكيانها؟ # ماتت «سوزيته جونتار» في نفس الوقت الذي فقد فيه هلدرلين عقله ~~أو كاد. انتهى صراعها القصير مع السل في الثاني والعشرين من شهر ~~يونيو سنة 1802م. وظهر هلدرلين قبل ذلك بحوالي أسبوعين «بملامح ~~مرتبكة» في مدينة شتوتجارت .. هل كانت هناك صلة بين الحادثين؟ وهل ~~يمكننا أن نربط بينهما كما نربط بين السبب والنتيجة؟ إن مأساة ~~الموت أو مأساة الجنون أكبر من أن ننظر إليها هذه النظرة العلمية ~~أو شبه العلمية. إنها سر من أسرار الحياة تعجز الأسباب والنتائج عن ~~إدراك حقيقته. وكل ما نملك حياله هو أن نشعر بما فيه من عذاب ~~الإنسان وجرحه وانكساره. وماذا عسى أن تفعل الحجج والأسباب أمام ~~القلب الذبيح والعقل الجريح؟ ماذا يملك العلم أمام السر؟ ~~«كنا زهرة واحدة لا غير .. عاشت روحانا في كيان واحد ...» هكذا ~~يقول هلدرلين ms106 في روايته هيبريون. فهل يدهشنا بعد هذا أن يكون الموت ~~قد أصابه حين أصاب حبيبته؟ وهل كان الجنون الذي بدأت نيرانه تلتهم ~~عقله إلا نوعا من الموت؟ وهل هذا الذي جرى له ولحبيبته إلا تحقيق ~~الرؤيا التي رآها قبل ذلك بشهور معدودة؟ .. كان هلدرلين قد اتحد ~~بالفكر والروح والشعور بحبيبته إلى حد الفناء الذي يعرفه شهداء ~~العشق في كل العصور. وكل كلام عن هذا الاتحاد يفسده ويفقده معناه. ~~وكل شرح يصبح ثرثرة سخيفة من النوع الذي تفوق فيه عصرنا إلى حد ~~مخيف. لا بد إذن أن نحس به. وليس أمامنا إلا أن نفعل ذلك إن ~~استطعنا، فهذا هو السبيل الوحيد للشعور بعذاب الإنسان خلف قناع ~~الموت أو الجنون. ويكفي أن إحساس هلدرلين بفنائه في شخصية حبيبته ~~قد وصل إلى تلك الدرجة التي يصفها علماء النفس كما يصفها المتصوفون ~~في آخر الطريق. ويكفي أن الشاعر سئل عن «ديوتيما» وهو في الواحد ~~والسبعين من عمره (أي وهو في قمة جنونه وقبل موته بسنتين) فقال: ~~لقد أصابها الجنون.» # كان لقاء هلدرلين بالموت من وحي إلهامه كشاعر وهب حياته للشعر ~~وحده. وقد يبدو هذا شيئا بعيدا عن العلم قريبا من الخرافة، ولكن ~~لا بد من التسليم به ونحن إزاء شاعر كبير مثله .. وفي كل شاعر ~~كبير شيء من العراف القديم الذي يحس بالغيب ويتنبأ ~~بالقدر. # ومع ذلك فهناك من يقول إن للصدفة دورا في هذا اللقاء. وهناك من ~~مؤرخي حياته من يرجح أن يكون قد تلقى رسالة من سوزيته أثناء ~~وجوده في «بوردو» تخبره فيها بمرضها الأخير، وتودعه وداع من يشعر ~~أن الموت قريب منه. ولقد قال بهذا الرأي شقيقه من أمه «كارل جوك» ~~الذي أرخ لحياته. ثم تشكك الدارسون في هذا الرأي بحجة أن سوزيته ~~لم تمرض بداء السل إلا عشرة أيام قبل موتها. ثم تبين بعد ذلك ~~للباحثين أنها قاست من هذا الداء شهورا طويلة. ومهما يكن الأمر في ~~هذه المسألة فقد أبلغ هلدرلين بوفاة حبيبته في الأيام الأولى من ~~شهر يوليو ms107 سنة 1802م على لسان صديقه «إسحاق فون سنكلير» الذي قال ~~له في خطابه إليه: «إنني أبكي وأنا أكتب إليك بهذا النبأ ...» # عاش هلدرلين السنتين التاليتين في تمزق وانهيار. وبدأ الموت ~~البطيء يفترس عقله وقلبه، وينخر هيكله المحطم قبل حلول الكارثة ~~الفظيعة. ومع ذلك فقد أتيح له في أيام أو ساعات قليلة أن يجمع ~~نفسه ويلم شتات عبقريته. واستطاع في هذه الأيام والساعات النادرة ~~أن يكتب أغنياته الأخيرة أو على الأصح ما بقي منها من شذرات لم ~~تتم. # والمتأمل لهذه الأغنيات والترانيم يكتشف أن علاقة الشاعر ~~بالشعر قد تغيرت عما كانت عليه. كنت تحس في أشعاره السابقة ~~بأنه متحكم في مادته وصوره وأفكاره وأنغامه، وأن هناك «ذاتا» ~~تنظم وترتب وتبني. أما الآن فأنت تحس أن هذه الذات قد فقدت ~~السيطرة على مادتها وأن الصور والأشكال والخواطر والأنغام تتحكم ~~فيها وتستغلها أداة للتعبير عن نفسها، بدلا من أن تتحكم هي فيها ~~وتعبر بها. لقد أصبح الشاعر موضوعا لها - إن جاز أن نستعير هذه ~~الكلمة من لغة الفلسفة - كما أصبح موضوعا لقوى أخرى أكبر منه ~~تعمل عملها على نول القدر والوجود: # لأن قوى هائلة # تتجول فوق الأرض، # ويهيمن قدرها # على من يكابده ويراقبه، # كما يهيمن على قلب الشعور. # لأنه لا يقدر أن يحيط بكل شيء # إلا نصف إله أو إنسان، بحسب عذابه، # عندما ينصت وحده، # أو عندما يتحول هو نفسه، # إذ يحس خيول الرب من بعيد. # ولا يقتصر الأمر على تغير الذات وحيرتها وتفتتها، ~~بل يتعداه إلى الموضوعات التي يطرقها الشاعر. فقد كانت الأغنيات أو ~~الترانيم أو التراتيل # 22 # التي كتبها في المرحلة التي بلغ فيها ذروة نضجه الفني ~~تدور حول مبدأ أعلى ينظم كل شيء ويرعاه رعاية الأب لأبنائه. وكانت ~~موضوعاتها الرئيسية تدور حول شخصية هرقل أو المسيح أو حول الروح ~~والكلمة. ثم تحولت في المرحلة المتأخرة التي نتحدث عنها إلى مبدأ ~~أو قوة أخرى أسطورية ذات طابع أمومي. فهناك الهاوية المظلمة ~~العميقة، وهناك المملكة الساكنة، المادونا أو العذراء المقدسة، ~~وهناك الوطن. ms108 ونلمس في كل هذه الموضوعات روحا شفافة هامسة، تدير ~~حديثا خافتا عذبا مع الأم الأولى؛ مع الأرض، ونحس فيها شيئا ~~أشبه بعودة البطل إلى بيته ووطنه من غربة بعيدة. تقول أغنية ~~«الوطن»، وهي إحدى هذه الشذرات التي ترك الشاعر بعض أبياتها ~~ناقصة: # ولا أحد يدري # ثم ينقطع الكلام قبل أن يتصل بعد ذلك ~~بقليل: # لكن دعيني أتجول، # وأقطف التوت البري، # كي أطفئ حبي لك، # على دروبك، يا أيتها الأرض # هنا حيث ... # وينقطع الكلام مرة أخرى ثم يقول: # وأشواك الورد، # والزيزفون الحلو ينشر عبيره # بجوار أشجار الزان، # في وقت الظهيرة # عندما يهمس النماء في حقل القمح المصفر الشاحب # للأعواد المستقيمة، # وتحني السنبلة عنقها جانبا # كما يفعل الخريف، أما الآن فتحت قبة السنديان ~~العالي، # حيث أتفكر وأتطلع بسؤالي للسماء، # ترن في سمعي من بعيد دقات الناقوس # الأليفة إلى نفسي رنينا ذهبيا، # في الساعة التي يصحو فيها الطائر. # عندئذ يطيب كل شيء ... # ويلاحظ القارئ أن الجملة الأخيرة في القصيدة ~~الزاخرة بالصور الحية الملموسة تعبر عن روح متدينة ترحب بكل شيء ~~وتثني على كل شيء. ولن يغيب عنه أيضا أن مثل هذه الروح التقية ~~المستسلمة لا تخلو من الإحساس بسلطان الموت. ولقد رأينا كيف عبر ~~الشاعر عن هذا الإحساس القاتم المضيء في قصيدة الذكرى التي قرأناها ~~على الصفحات السابقة أجمل تعبير وأصفاه حين قال: # فلتمتد إلي يد # بالكأس العطرة # المترعة بنور معتم # فلعلي أجد الراحة، # ما أجمل أن يحلو النوم # تحت الظل ... # يبدو أن وطأة الإحساس بالموت والفناء قد اشتدت على ~~الشاعر في هذه السنوات التي تلت وفاة حبيبته فخنقت قدرته على الخلق ~~أو كادت. ولذلك وجد متنفسه في ترجمته الرائعة لمسرحيتي سوفوكليس ~~«أوديب» و«أنتيجونا» التي كان قد بدأها مع نهاية القرن. وهي ترجمة ~~رائعة تعد من درر اللغة الألمانية، ولا يقلل من روعتها أنها بعيدة ~~عن الترجمة الحرفية والعلمية الدقيقة، لأنها ستظل أثرا باقيا من ~~آثار الترجمة الخلاقة التي لا يقدر عليها إلا الأدباء والشعراء ~~الكبار. ولذلك جاءت أخطاؤها أخطاء رائعة، لأنها خرجت ms109 من يد شاعر ~~كبير، ولأنها في مجموعها خلق جديد لا ترجمة حرفية دقيقة. وقد ~~قدر لهذه الترجمة أن تجد ناشرا جريئا سخيا في كرمه ونبله، وهو ~~«فريدريش فيلمانس» الذي لم يمنعه بؤس الشاعر وظلم الحياة الأدبية ~~له من طبع ترجمته التي ظهرت في مدينة فرانكفورت سنة 1804م. والمجال ~~لا يتسع لمناقشة هذه الترجمة الخالدة التي تعد جزءا لا يتجزأ من ~~أدب هلدرلين وشخصيته وحنينه إلى عالم أسطوري جميل وجليل. ولعل ~~الأيام أن تسعفني بالحديث عنها وعن أثر الفكر والأدب اليوناني على ~~شاعرية هلدرلين وأسلوبه وخياله ومثاليته. # يبدو أن هلدرلين وصل في هذه الفترة من حياته إلى حال مؤلمة من ~~الاختلاط والفوضى العقلية والنفسية. تشهد على هذا رسالة كتبها ~~الفيلسوف «شيلنج» في الثانية والسبعين من عمره، وراح يتذكر فيها ~~اللقاء المحزن الذي تم بينه وبين الشاعر المسكين في ربيع سنة ~~1803م. فقد سعى الشاعر إليه وعبر المسافات الطويلة على قدميه ~~ليراه، وكأنما ساقته غريزته أو صداقته القديمة للفيلسوف الصوفي ~~الكبير ... كان لقاء حزينا كما قلت، أقنع الفيلسوف العجوز بأن «هذه ~~الآلة الموسيقية ذات الأوتار الرقيقة» قد اختلت إلى الأبد. كان ~~شيلنج كلما عرض لفكرة أو شيء يتعلق بحياتهما الماضية وجد منه ~~الجواب الصحيح، ثم لا يلبث الخيط أن ينقطع، ويضطرب كلام الشاعر ~~ويغمغم بحديث لا يفهم. ومع ذلك فقد تأكد للفيلسوف - كما يشهد ~~بنفسه - أنه أمام عبقري لم يفقد شيئا من فطرته النقية ولا رقته ~~الأصيلة. ولقد لبث هلدرلين ستا وثلاثين ساعة في ضيافته فلم يصدر ~~من سلوكه أو حديثه ما يناقض خلقه النبيل أو جوهره النقي الذي عرفه ~~في شبابه الباكر # 23 ~~... # أما صديقه القديم «إسحاق سينكلير» فقد أسرع لنجدته، وبذل أقصى ~~جهده ليرد إليه إيمانه بنفسه وينقذه من الجنون الذي يتهدده. فقد ~~جاء به في صيف سنة 1804م إلى مدينة هومبورج وسعى لدى أميرها الحاكم ~~لتعيينه أمينا لمكتبته وتعهد أن يدفع راتبه من جيبه؛ لكي يوفر ~~له الحياة التي تعينه على الخروج من محنته. # وكانت طريقة الحياة في بلاط ms110 الأمير «الناسك فريدريش» - كما لقب ~~نفسه ذات مرة - شيئا غير مألوف في ذلك الحين. فقد كان في أعماقه ~~رجلا زاهدا يؤثر العيش مع أفكاره النقية التقية على الحياة بين ~~مشاغل السياسة والحكم. وكان كل من يقترب منه - كما يروي واعظ ~~بلاطه بريدنشتين - يضطر إلى طاعته والثناء عليه، وكل من يراه ~~ينحني أمام عظمته وهيبته. كان يشع من هيئته وملامحه ذلك السحر ~~الآسر الذي ينم عن الانتصار على كل المشاعر المنحطة والانفعالات ~~الدنيئة. وليس غريبا على مثل هذا الأمير الناسك أن يترك الحكم ~~لزوجته الباهرة الجمال. أما ابنته «أوجستا» فكانت أشد منه حياء ~~وانطواء. ويظهر أن لقاءها بالشاعر البائس الرقيق قد فجر في ~~صدرها عاطفة عميقة لم تكاشفه بها أبدا. وقد شهدت في وصيتها بأن ~~ظهوره في حياتها كان بمثابة الصحوة التي أيقظتها من سباتها وجعلتها ~~تتطلع إلى وجود أسمى. ولكن جو التدين العميق الذي كانت تعيش فيه، ~~وحرصها على التقوى والصلاح إلى حد التشدد قد جعلها تكتم عاطفتها ~~وتقسو على مشاعرها. ومن يدري؟ فلعلها لو أبدت له شيئا من ~~الاهتمام أو باحت له ببعض ما تجده نحوه لأعانته على الخروج من ~~محنته. ولكن أمثال هذه المعجزات نادر في حياة الموهوبين المساكين؛ ~~إذ يبدو أن دائرة تعاستهم لا بد أن تكتمل! # ويظهر أن هلدرلين قد لقي من عطف الأمير فوق ما كان يتوقع أو ~~يتصور، فعبر عن شكره له في قصيدة أهداها إليه تعد من أروع قصائده ~~إن لم تكن أروعها - وأصعبها أيضا - على الإطلاق، وهي قصيدة ~~«باطموس» التي قدمت لك بعض مقاطعها. # أما عن حياته في بلاط أمير مقاطعة «هسن» الزاهد فلا نعرف عنها ~~شيئا كثيرا. غير أن ظواهر الأمور وروايات الشهود توحي بأنها كانت ~~حياة بائسة يلفها ظلام المحنة من كل ناحية. ومع ذلك فيبدو أنها لم ~~تخل في أحلك لحظاتها ظلاما من آثار تدل على رقة الشاعر وفطرته ~~النقية وصمته ووحدته المؤثرة. ولدينا رواية مشهورة سجلتها الكاتبة ~~الرومانتيكية الرقيقة «بتينافون أرنيم» زوجة الشاعر الكاتب ~~الرومانتيكي المشهور «أخيم فون ms111 أرنيم» عندما رأته وهي لم تكد تبلغ ~~العشرين. والسطور القليلة التي كتبتها «بتنيا» تعبر عن روح هلدرلين ~~وفكره أكثر مما تعبر عن حياته في ذلك الحين. وهي تشهد بأثره على ~~نفسها، وتكاد تشهد أيضا بأثر شعره على كل من يقرؤه: «كل شيء ~~إيقاع. قدر الإنسان كله إيقاع سماوي واحد، وكذلك فإن كل عمل ~~فني إنما هو إيقاع واحد فريد، وكل شيء يرف أمام شفتي الرب ~~الشاعريتين، وحيثما امتثل الروح الإنساني لهذا؛ نشأت تلك الأقدار ~~الملهمة التي يتجلى فيها روح الفن ...» # ساءت حال هلدرلين وظهرت عليه علامات الجنون الواضح. وأسرع إليه ~~الصديق الوفي سينكلير فنقله في شهر سبتمبر 1806م من هومبورج إلى ~~مدينة توبنجن وأدخله المصحة ليعالج تحت إشراف الطبيب أوتنريت ~~وتلميذه يوستينوس كيرنر. وكان يتردد عليه نجار ماهر «إرنست تسيمر» ~~عرف في مدينة توبنجن بحبه للثقافة والأدب والشعر. ويبدو أن هذا ~~النجار المثقف الطيب القلب كان يحب هلدرلين حبا دفعه إلى أن ~~يأخذه إلى بيته في صيف سنة 1807م ليرعاه بنفسه. قال له الطبيب وهو ~~يسلمه له إن المريض ميئوس من شفائه ولن يعيش أكثر من ثلاث سنوات .. ~~فهل قدر هذا النجار الطيب أن المريض «الميئوس من شفائه» سيعيش في ~~بيته وتحت رعايته ستا وثلاثين سنة أخرى قبل موته؟ أي نصف حياته ~~الأخيرة الذي قضاه في ليل الجنون المقدس؟! # لا بد أن المريض المسكين قد أحس بهذا الليل الذي سيحاصره من كل ~~جانب ويمنع عنه النور الحبيب. فها هو ذا في قمة يأسه ومرضه يكتب ~~مجموعة من القصائد يسميها «أغنيات الليل (1803م)». وها هو ذا يناجي ~~النور - وقد كان دائما عزاءه الوحيد وصاحبه الذي يسير دائما إلى ~~جانبه وهو مستغرق في التفكير - ويسأله أين أنت؟ وإذ يغيب النور ولا ~~يطل بوجهه من الخارج ولا من الباطن يجلس وحده في صمت وسكون وينتظر ~~وينتظر ... لعل «المنقذ الحبيب» أن يلوح له من بعيد: # أين أنت أيها النور؟ # القلب صحا من جديد، لكن الليل الجبار # يشدني بلا قلب على الدوام ... # الآن أجلس وحدي ms112 في سكون، # وتمتد بي الساعات، ~~- ولأن السم بيننا - # تخلق أفكاري أشكالا # من الأرض الغضة ومن سحب الحب، # وأمد سمعي بعيدا # عل منقذا عطوفا يقبل نحوي. # 24 ~~••• # فهل جاء هذا المنقذ العطوف؟ # هل أخلف وعده أم أتى كعادته في موعده؟! # | الصامت # «الحياة موت، والموت أيضا حياة.» ~~(عن مقطوعة نثرية كتبها في سنوات ~~جنونه) # هلدرلين المسكين ... # هكذا سماه الناس من حوله .. وبهذا شهدت أقوالهم وذكرياتهم ~~عنه. # قدر عليه أن يتوه ستة وثلاثين عاما في صحراء الجنون، أن يجرب ~~الموت في الحياة والحياة في الموت .. حتى حن عليه فمنحه الخلاص ~~الأخير في اليوم السابع من شهر يونيو سنة 1843م. # وتتفق أقوال الشهود في أمور كثيرة. فهم يجمعون على أن صاحب ~~الوجه الآسر الجميل أصبح شبحا يتجول في بيت النجار الطيب كالحالم ~~أو كالنائم أو كالميت. وكل الذين رأوه أو حاولوا التحدث إليه وجدوه ~~لا يكف عن الكلام مع نفسه، وآلمهم حرصه على أن «يظل بعيدا عن كل ~~إنسان يحاول الاقتراب منه». # وأفاض المعاصرون في الكلام عن جنون الشاعر ووحدته وهدوئه ~~واستسلامه. وكتب اثنان # 1 # منهم سيرة حياته فزحموها بالوقائع والتفاصيل، وأكثروا ~~من الحديث عن مظاهر المرض وأطواره. واختلط الحق بالباطل، والحقيقة ~~بالخيال. وأصبح الشاعر العظيم ~~«حالة» مرضية في تاريخ الأدب، حتى أنقذته البحوث الجادة في ~~الخمسين سنة الأخيرة فقدرته واكتشفته وعرفت منزلته، وأوشكت أن ~~تجعل منه (بعد جوته!) أكبر عبقرية نطقت بالشعر في تاريخ لغته ~~وأمته . # هناك عدد لا بأس به من الصور والرسوم والنقوش البارزة من الشمع ~~التي تعطينا فكرة عن مظهر الشاعر في محنته الطويلة. غير أن ~~تقديرنا لموهبته وعبقريته أكبر من أن يجرفنا للحديث عن تفاصيل مرضه ~~وعذابه. وإن كان هذا لا يمنع من تسجيل بعض الشواهد التي تدل على ~~عبقريته الذابلة أكثر من دلالتها على مرضه أو شذوذه. # فنحن نخرج من تأمل صوره وذكريات معاصريه بإعجاب لا حد له ~~بجبهته العالية المثقلة بالخواطر والهموم - وما أكثر مشروعاته ~~الأدبية التي صرعها المرض وبقيت أشباحها تطارده - ولعل هذه الجبهة ~~الشامخة أن ms113 تكون شاهدا على الثروة الفكرية الهائلة التي كانت ~~تزدحم بها ذات يوم. أما عيناه المعبرتان فلم يمح الجنون شيئا من ~~بريقهما وصفائهما، وإن أضفت عليهما الفجيعة هدوءا وانكسارا ~~واستسلاما يجرح القلب. يقول أحد الشهود بعد أن رآه: «لم يسبق لي ~~أن رأيت أجمل من هاتين العينين في وجه إنسان فان.» وليس هناك ~~أصدق من هذه الكلمات تعبيرا عن مأساة الشاعر التي تجلت في نظرته ~~الكسيرة الحائرة. لقد فقد كل قدرة على تجميع الفكر وتركيزه، ~~فازدادت نظرته مع الزمن جمودا، وسبحت في تيه الغيب المظلم ~~البعيد. # وعلى الرغم من إعيائه النفسي والجسدي، وتفكك أفكاره، وغموض ~~كلامه، وعنائه في البحث عن الكلمة، وانصرافه الساعات الطويلة إلى ~~تأمل السماء في الليالي القمرية من النافذة، فقد أعجب كل من رآه ~~أو تحدث إليه بسمو فكره، ودهش لأصالة تعبيره ونقاء روحه، وأحس ~~بوحدته العميقة المخيفة التي جعلت الاتصال به مستحيلا، وحبسته بين ~~جدران وجدانه أشبه بالميت يرقد في تابوت، أو لؤلؤة نائمة في جوف ~~محار أو صدفة. # راح الشاعر يتجول في ليل الجنون المظلم كمن يحلم حلما مخيفا ~~ويسير في نومه بعيون مفتوحة. وكان جنونه الطويل أشبه بموت طويل. ~~ويبدو أنه أسلم نفسه للموت قبل أن يأتي إليه ويأخذه، واتحد ~~بالطبيعة الإلهية قبل أن يرجع إليها ويذوب فيها بجسده وروحه. ولعله ~~قد عمل بوصية «إمبادوقليس» لأهل مدينته، في الفصل الثاني من ~~مسرحيته عن موت هذا الفيلسوف الشاعر والساحر اليوناني ~~القديم. # هلدرلين في الخامسة والخمسين من عمره (من رسم يوهان ~~جورج شرينر). # وصمت الشاعر صمته الطويل عندما أحس - كما أحس إمبادوقليس - ~~بأن الطبيعة الإلهية الحاضرة أبدا لا تحتاج للكلام. ولعله قد صمت ~~عندما أحس أيضا أنه قال كل ~~ما أرادت الروح أن تقوله على لسانه، وأعلن النبوءة التي أوحت بها ~~الآلهة إليه: «لا بد أن يذهب من تكلمت الروح من خلاله ...» هكذا قال ~~في مسرحيته. فهل كان مصيره عقابا له على الإفشاء بالسر المقدس كما ~~كان مصير الحلاج، # 2 # أم كان جزاء له على صبره وشجاعته؟ ms114 هل أسرف في حبه ~~للآلهة أم بالغ في التشبه بهم والتطلع إلى حياتهم الخالدة فحق عليه ~~ما قاله هو نفسه على لسان الكاهن «هرموقراطيس» في حديثه عن عدوه إمبادوقليس: # 3 # لقد أحبته الآلهة حبا شديدا، # ومع ذلك فليس أول من ألقوه # من ذروة ثقتهم واعتزازهم # في ليل بهيم جامد الإحساس. # لأنه أسرف على نفسه في أوج سعادته، # فنسي الفارق بينهم وبينه، # ولم يشعر إلا بنفسه. # هذا ما كان من أمره # ولذلك عاقبته بالفراغ الذي لا حد له ... # ولكن هل أسرف هلدرلين في حبه للآلهة والطبيعة ~~والأبطال الخالدين أم أسرفت هي في حبه؟ لقد تبتل لها وظل يقدم ~~لها القربان تلو القربان، وظلت هي تطالبه بالمزيد من التضحية حتى ~~لم يبق إلا عقله وحياته فلم يبخل بهما. فهل كانت هذه التضحية هي ~~الثمن المحتوم الذي يفرضه الحب اللامتناهي؟ هل هذه هي نهاية الوفاء ~~المطلق والإخلاص المطلق والعطاء إلى حد الفناء؟ # مهما يكن من شيء فقد وجد نفسه وحيدا في النهاية. # وراح يتخبط في ظلام الجنون ويستغيث بالآلهة كما استغاث بطله ~~الوحيد الطريد إمبادوقليس: # أأنا الآن وحدي تماما؟ # وهل ينتشر ظلام الليل في وضح النهار؟ # إن الذي رأى أبعد مما رأت عين إنسان فان، # والذي أصيب بالعمى يتخبط الآن هنا وهناك، # أين أنت يا آلهتي؟ # أتتركينني كالشحاذ؟ # هكذا كان صمته الطويل أجل وأعظم من كل كلام ~~قاله. # كان السكون يتنفس من كيانه الجميل الذابل ومن كل ما حوله. ولم ~~يخل هذا السكون من حزن غامر ينشر ظلاله الطيبة عليه. ولم يكن ~~غريبا عليه وهو الذي صاحب السكون في كل شيء، وظل حتى في كلامه ~~ورسائله إلى أمه ومعارفه حييا وصموتا وضنينا بالكلمة. لقد بقي ~~في أتعس سنوات عمره من أولئك الذين وصفهم بقوله: «أغنياء في الفكر ~~فقراء في العمل». وهذا السكون الذي التف حوله هو علامة الغنى ~~والخصب والثراء. وإذا كان لم يخل من الحزن الفاجع الأليم - فأشد ~~الأحزان فجيعة وألما هو أشدها سكونا وصمتا - فهو كذلك لم يخل ~~من الشعور بالهدوء ms115 والطمأنينة والسلام. إن كل أشعاره التي قالها ~~وهو في هاوية الجنون لا تخلو من الحديث عن هذا السلام والسعادة ~~بتغير المواسم والفصول، ومعظمها يتحدث عن الربيع والخريف والصيف ~~والشتاء، ويصفها كما تراها عين طفل يسعد بالصور الحية الملونة ~~الملموسة ويلاعبها ويداعبها ويناجيها. # كتب عن الربيع وحده تسع قصائد، أما الصيف فقد كتب فيه خمسا، ~~والخريف اثنتين، وبلغ مجموع ما كتبه عن الشتاء ست قصائد. وليس هذا ~~الإحصاء بغير دلالة على وجدان الشاعر واتجاه فكره وشعوره في هذه ~~المرحلة المظلمة من حياته. فقد فقدت نظرته كما فقدت حياته لونها ~~الذاتي ونغمتها الخاصة المتوترة، وأصبحت رؤيته للظواهر والأشياء ~~رؤية موضوعية هادئة. اقرأ مثلا إحدى قصائده التسع التي كتبها ~~كما يقول المؤرخون في عيد ميلاده الأخير: # 4 # ربيع # عندما يأتي الربيع إلى الحياة قادما من الأعماق، # يتعجب البشر وتحلق من عقولهم كلمات جديدة، # يرجع الفرح من جديد، # وينطلق الشعر والغناء في زينة الأعياد. # تجد الحياة نفسها في انسجام الفصول، # كي تصحب الطبيعة والروح وجداننا على الدوام، # ويصبح الكمال واحدا في عقولنا. # هكذا تجد نفسها معظم الأشياء، وأغلبها يأتي من ~~الطبيعة. # إن الشاعر يتجه بفكره إلى الطبيعة، والطبيعة تغلب ~~على كل هذه القصائد المتأخرة، وكأنها هي التي تشعر وتفكر له بدلا ~~من الذات الغائبة التائهة في ليل الجنون. ولهذا يندر أن تحس فيها ~~بعذابه الشخصي، بقدر ما تحس بالنظام الكوني الذي يهيمن على كل شيء ~~ويبارك كل شيء ويضفي عليه الراحة والسلام. ويظهر هذا في لغة الأصل ~~التي تعجز الترجمة عن نقلها، فهي حريصة على تجانس الإيقاع ~~في القافية والبريق الهادئ الذي ~~يشع من الصور المتنوعة، والضوء الذي ينبعث من وجدان تقي لا يسأل ~~ولا يشكو ولا يتشكك ... لقد دحض الربيع كل هموم الإنسان. وإحدى قصائد ~~الربيع تعبر عن هذا حين تقول: # ينسى الإنسان هموم روحه، # أما الربيع فيزدهر، وتتألق بالبهاء معظم الأشياء، # الحقل الأخضر ممتد رائع، # حيث ينحدر الجدول في جماله الساطع. # الجبال المنتصبة تغطيها الأشجار، # والهواء بديع في الفضاء المفتوح، # الوادي الرحب ms116 ممتد في العالم، # والبرج والبيت مسنودان على التلال. # والغريب أن معظم هذه القصائد موقع بإمضاء اسم ~~عجيب مجهول هو «سكاردانيللي الخاضع الذليل» ... ومعظمها يحمل ~~تاريخا يدل على أن الشاعر فقد الوعي بالزمن. فبعضها يحمل تاريخا ~~سابقا على مولد الشاعر أو لاحقا لوفاته .. بل إن إحدى قصائده عن ~~الشتاء ترجع إلى الرابع والعشرين من شهر يناير سنة 1676م، أي قبل ~~مولده بحوالي مائة سنة! # أما قصائده عن الشتاء فهي أكثر تعبيرا عن السكون الشامل الذي ~~لف أيامه الأخيرة، والرضا الكامل الحزين الذي عبرت عنه كلمته ~~الأخرى من قبل «طيبة كل الأشياء» ها هو ذا يقول في إحدى هذه ~~القصائد: # تبدو السنة بكل مواسمها # أشبه بالحفل الفخم انتشرت فيه الأعياد، # ويقبل الناس على النشاط بهدف جديد، # وهكذا تظهر العلامات في الكون وتكثر المعجزات. # وليس معنى هذا أن تناقضات النفس المعذبة قد ~~اختفت من الوجود، بل معناه أنها استراحت على صدر الوجدان الهادئ ~~المستسلم الذي صالح بينها وجمع أطرافها في «دائرة الكل». ها هي ذي ~~قصيدة أخرى عن الشتاء تعكس هذا الإحساس الهادئ بالكون ~~الأكبر: # الحقل مجدب، وعلى القمة البعيدة # لا تسطع إلا السماء الزرقاء، وكما تمضي الدروب # تظهر الطبيعة أشبه بكيان واحد، # النسيم منعش، والطبيعة لا يتوجها إلا النور. # دائرة الأرض تشاهد من السماء # طوال النهار، يحوطها الليل المنير، # عندما يظهر الزحام عاليا من (مواقع) النجوم # وتتجلى الحياة الرحبة الممتدة أغنى بالروح. # لم يعد الشاعر يعاني أو يتألم، بل هو الآن يشاهد ~~ويتأمل من غربته البعيدة الهادئة. أصبحت عينه مرآة محايدة، وكل ما ~~ينعكس عليها مظهر من مظاهر الوجود الكبير، وجزء من الدائرة التامة ~~الشاملة. الطبيعة صارت أشبه بمسرح هائل، من ورائه الكواليس، ومن ~~أمامه ستارة الغيب المجهول. # هلدرلين في الثانية والسبعين من عمره (من رسم لويزه ~~كيلر). # وعلى الرغم من هذا السكون الشامل الذي خيم عليه فأطفأ سراج ~~ذاته، وظلل كل أشعاره في هذه السنوات البائسة بالطمأنينة والرضا ~~والسكون،تفاجئنا قصيدة واحدة انتفضت فيها الذات ونبشت جراح ماضيها ~~وحاولت أن تستعيد أحلى ms117 ذكرياتها مع الحبيبة الغائبة تحت التراب. ~~والقصيدة مكتوبة على لسان «ديوتيما» التي يبعث إلى نفسه رسالة على ~~لسانها، وكأنما اتحدت ذاته بذاتها فصارا كيانا واحدا يتحدى ~~المكان الغادر والزمن الظالم. وفي القصيدة عذوبة لا نظير لها، ~~وفيها كذلك يأس لا نظير له. ولكنه اليأس الذي ارتفع فوق السخط ~~والمرارة. لنقرأ القصيدة معا، فهي درة نادرة في كنز الشاعر، ~~وجوهرة غالية بين نفائس شبابه وشيخوخته: # إن كنت لا تزال تعرفني من مسافة البعد # التي فرقت بيننا، وإن كان الماضي ~~- أنت يا شريك أحزاني! - # لا يزال يحمل إليك بعض الخير # 5 # فأخبرني إذن، كيف تنتظرك الحبيبة، # في تلك الحدائق التي جمعت شملنا # بعد سنوات مظلمة ومخيفة؟ # هنا على أنهار العالم الأقدس القديم. # لا بد أن أقول هذا، كانت نظراتك # تشرق بالخير، عندما التفت في مرح # إلى الآفاق البعيدة، # أنت أيها الإنسان المنطوي أبدا # بمنظرك العابس على الدوام. كم انسابت الساعات؟ # وكم هدأت روحي عندما أيقنت # أنها لم تكن بعيدة عنك؟ # أجل! لقد اعترفت بأنني لك. # حقا. كما تريد أن تذكرني بكل ما ألفت # وتدونه في رسائل (تبعثها إلي) # كذلك أجدني أبوح # بكل ما مضى. # أكان ربيعا؟ أكان صيفا؟ # البلبل بغنائه العذب عاش مع الطيور، # التي لم تكن بعيدة في الآجام، # والأشجار أحاطتنا بشذاها. # الممرات المعبدة، والشجيرات الدانية، والرمال # التي خطونا عليها جعلت أزهار الزنبق # أو الخزامى والبنفسج والقرنفل # أكثر بهجة ورواء. # اخضر اللبلاب على الحيطان والجدران، # واخضر الظلام المبارك في الطرقات العالية. # كثيرا ما اختلفنا إلى هناك في المساء والصباح، # فتجاذبنا الحديث وتبادلنا النظرات في سرور. # بين ذراعي تجددت حياة الشاب، # الذي كان لا يزال وحيدا حين جاء من الحقول، # التي دلني عليها في حزن واكتئاب، # لكنه احتفظ بأسماء تلك الأماكن النادرة. # وبكل جميل يزدهر على الشطآن المباركة ~~- وهو عزيز علي في أرض الوطن - # أو خفي لا يرى # إلا من بقعة عالية، # حيث يستطيع الإنسان أن يشاهد البحر # وإن لم يرد أن يكونه. # فلتقنع بهذا، وتذكر من لا تزال سعيدة، # لأن النهار ms118 الخلاب طلع علينا، # النهار الذي بدأ بالاعتراف أو ضغط اليدين، # ووحد بيننا. آه! ويل لي! # كانت أياما حلوة. لكن تبعتها # ظلمة غسق محزن. # ها أنت تؤكد أبدا يا حبي # أنك وحدك في هذا العالم # لكنك لا تدري شيئا عن هذا ... # وتنقطع القصيدة التي لم يتمها الشاعر. إن نغمة ~~الشكوى والأنين تصل إلى الأسماع. وهي تحمل كل عذاب الذات وعجزها ~~ويأسها. لكن هذه النغمة نادرة قصائده المتأخرة والعودة إلى الماضي ~~البعيد توشك ألا تتكرر، اللهم إلا في قصيدة واحدة تفاجئنا بقلق ~~وجودي غريب على الشاعر والعصر جميعا. إنها قصيدة واحدة كما ~~قلت، سماها الشاعر «نعيم هذا العالم»، وتلفت فيها على غير عادته ~~للوراء، وختمها بالاعتراف بسأمه وحنيه إلى الموت: # هذا العالم ذقت نعيمه، # انصرمت ساعات شبابي، # ما أبعدها! ما أبعدها! # أبريل بعيد، مايو، يوليو # أنا لا شيء، وحياتي # ما عادت تحلو في عيني. # بيد أن هذه النغمة تختفي فجأة كما ظهرت فجأة. ~~وتغوص الذات المتألمة في بحر الوجود الذي يغسل آلامها، ويحل الوصف ~~الخالص محل التوتر والقلق، وتضيع أصوات الشكوى بين أنغام الرضا ~~والسلام والانسجام. وينشر السكون العميق خيمته على أيام الشاعر ~~المسكين. ويصبح السؤال لا معنى له، لأن السلام دخل القلب ولن يخرج ~~منه. السلام الذي طالما اشتاق إليه المتجول الوحيد في أرض الحب ~~والشعر. وهو سلام قريب من الصمت والسكون، لأنه لا يعرف الشكوى ~~ولا الأنين: ~~... هناك تعلوها شجرة الفاكهة المزدهرة، # ويستقر الشذا على الشجيرات البرية ، # حيث تتفتح أزهار البنفسج الخفية؛ # غير أن المياه تتحدر قطرات، # ويسمع هناك همس ناعم طوال النهار، # أما الأماكن المحيطة # فتستريح وتصمت طوال العصر. # هلدرلين في شيخوخته (نحت بارز من الشمع أعده و. ~~نويبرت ويوجد الآن في متحف شيلر القومي بمدينة ~~مارباخ). # وجاء الموت ~~... # كان ذلك في ليلة السابع من يونيو سنة 1843م، بعد أن ظل يتأمل ~~القمر كعادته ويتطلع إلى النجوم ساعات طويلة من نافذته .. مات في ~~هدوء وسلام، كأنما يعتذر عن حياته وموته جميعا ولا يريد أن يزعج ~~أحدا أو يلفت أحدا ms119 إليه. وخرج من العالم كما جاء إليه، ضيفا ~~بائسا متعبا. وبدا لسنوات طويلة أن الدنيا لم تفطن لدخوله أو ~~خروجه، كما لم تعبأ بحياته أو موته. ولكن الموت الرحيم يأتي ~~دائما، وقد زاره في تلك الليلة المقمرة؛ فاستراح الشاعر وصمت صمته ~~الأخير. # | لوحة بحياة هلدرلين وأعماله وعصره # 1770م # ولد يوهان كرستيان فريدريش هلدرلين في العشرين من ~~شهر مارس في بلدة لاوفن الواقعة على نهر النيكار، ~~وكان أبوه هينريش فريدريش هلدرلين معلما في مدرسة ~~الدير في هذه البلدة ومديرا للأملاك التابعة ~~للكنيسة، أما أمه فكانت تدعى يوهانا كرستيانا ~~هاين. # 1772م # وفاة أبيه في السادسة والثلاثين من عمره، مولد ~~شقيقته هينريكه في الخامس عشر من شهر أغسطس، وقد ~~تزوجت بعد ذلك من كرستيان برويلن الذي كان أستاذا ~~في الدير الواقع بمدينة بلاوبويرن. # 1774م # زواج أمه من «جوك» عمدة مدينة نورتنجن وعضو المجلس ~~البلدي بها وانتقالها مع صغيريها إلى بيته. # 1776م # مولد كارل جوك، شقيق هلدرلين لأمه، في التاسع ~~والعشرين من شهر أكتوبر في «نورتنجن». # 1779م # وفاة زوج أمه في الثامن من شهر مارس على أثر ~~إصابته بالتهاب رئوي. هلدرلين يدخل المدرسة ~~اللاتينية في نورتنجن وتصر أمه وأسرته على أن ~~يدرس اللاهوت ويصبح قسيسا. # 1784م # دخوله مدرسة الدير الابتدائية ببلدة دنكندورف حيث ~~يقضي فيها سنتين. # 1786م # دخوله مدرسة الدير العليا في ماولبرون في الخريف ~~وتعرفه على إمانويل ناست، وفرانز كارل هيمر، ~~وكرستيان لدفيج بلفينجر الذين جمعته بهم صداقة ~~حميمة، وقراءته لأعمال كلوبشتوك، وشوبارت، وشيلر ~~الذين أعجب بهم في مطلع شبابه، وكان لروحهم ~~المثالية والوطنية أكبر الأثر على قصائده الأولى. ~~اطلاعه على مجموعة الأشعار العاطفية الحزينة التي ~~قلدها «ماكفرسون» ونسبها إلى شاعر اسكتلندي ~~خرافي يقال إنه عاش في القرن الثالث، وكان لها ~~تأثير هائل على الأدب الألماني في النصف الثاني ~~من القرن الثامن عشر حتى اكتشف الأصل وترجم سنة ~~1807م. # 1788 - 1789م # تكوين رابطة أدبية مع صديقيه لدفيج نويفر ورودلف ~~ماجنا، وتبلغ ذروة نشاطها في سنة 1790م. زيارته ~~لمدينة توبنجن وتأثره بشخصية شيلر وشعره. ms120 كتابة ~~القصائد الغنائية المعروفة بقصائد توبنجن. # 1789م # تعرفه على جوتهولد فريدريش شتويدلن الذي كان ~~يلقب «بالكاهن الأعظم» لربات الفن في منطقة ~~«شفابن»، ولقاؤه بالشاعر الوطني الثائر شوبارت ~~(1739-1791م). بداية الثورة الفرنسية الكبرى في ~~الرابع عشر من يوليو. # 1790م # دخول امتحان «الماجستير» في شهر سبتمبر بمدينة ~~توبنجن، ومواصلة الدراسة في المعهد الديني بها. ~~تعرفه على إليزه ليبريت في الخريف من هذه السنة ~~وقيامه برحلة قصيرة مع بعض أصدقائه إلى سويسرا ~~حيث يزورون الكاتب والفيلسوف السويسري «لافاتر» ~~(1741-1801م)، الذي أثر على الأدب الألماني في ~~العصر المعروف بعصر الحساسية بإيمانه العميق ~~وأسلوبه العاطفي المتوهج بالدفء والإنسانية، وكان ~~صديقا حميما لجوته وهردر. # 1791م # ظهور بعض قصائد هلدرلين لأول مرة في مجلة «نتيجة ~~ربات الفنون» التي كان يصدرها شتويدلن، وإسهامه ~~بالكتابة فيها في العدد السنوي التالي. خروج ~~صديقيه نويفر وماجناو من المعهد الديني. وفاة ~~الشاعر شوبارت في العاشر من أكتوبر بمدينة ~~شتوتجارت. # 1792م # لقاؤه في الصيف بالمجهولة «ذات الوجه النقي ~~الجميل» التي لم يعرف الباحثون شيئا عنها حتى ~~الآن! # 1793م # خروجه في شهر سبتمبر من المعهد الديني الذي قاسى ~~فيه ألوانا من الشظف والحرمان، وتوسط «شيلر» في ~~البحث له عن وظيفة معلم خصوصي لابن السيدة ~~شارلوته فون كالب التي كانت على صلة بالحياة ~~الأدبية. اجتيازه امتحان شهادة اللاهوت في السادس ~~من سبتمبر بمدينة شتوتجارت وسفره في العشرين من ~~نفس الشهر إلى بلدة فالترسهاوزن الواقعة بالقرب من ~~مدينة يينا وتسلمه العمل في بيت السيدة فون ~~كالب. # 1794م # فيلسوف المثالية الألمانية «فشته» يبدأ في شهر ~~مايو محاضراته في جامعة «يينا». عودة الشاعر شيلر ~~مع أسرته إلى «يينا»، وبداية صداقته الوطيدة مع ~~الشاعر الأكبر جوته في صيف هذا العام. سفر هلدرلين ~~في شهر نوفمبر مع تلميذه المزعج الذي أتعبته مهمة ~~تربيته إلى مدينة يينا حيث يستمع إلى محاضرات فشته ~~ويتردد على شيلر ويتعرف على جوته وهيردر. ظهور ~~الجزء الذي كتبه من روايته «هيبريون» في مجلة ~~«تاليا» التي كان شيلر يصدرها. # 1795م # ظهور رواية جوته «فيلهلم ميستر» في شهر ms121 يناير، ~~وتعد أهم حدث أدبي في أواخر القرن الثامن عشر. ~~شيلر يصدر مجلته الجديدة «الهورن». هلدرلين يتخلى ~~عن وظيفته التربوية ويغادر بيت السيدة شارلوته فون ~~كالب في السادس عشر من يناير، ويقوم برحلة إلى ~~مدينة ليبتسج في أواخر شهر مارس. وفاة روزينه ~~شتويدلن عروس صديقه الحميم نويفر في الخامس ~~والعشرين من أبريل. هروبه من مدينة يينا في أواخر ~~شهر مايو وعودته إلى وطنه في «نورتنجن» حيث يقضي ~~الصيف تعيسا وحيدا، ويقرر السفر إلى مدينة ~~فرانكفورت على نهر الماين فيصل إليها في الثامن ~~والعشرين من ديسمبر. # 1796م # تضطره لقمة العيش إلى العودة للدروس الخصوصية ~~ويعمل ابتداء من شهر يناير في بيت رجل المال ~~والبنوك جونتار، ويخفق قلبه بحب ربة البيت سوزيته ~~جونتار. سوزيته تغادر فرانكفورت مع أولادها بسبب ~~ظروف الحرب مع جيوش نابليون وتسافر في صحبة ~~هلدرلين والشاعر الكاتب «فيلهلم هنسه» إلى مدينة ~~كاسيل ومنها إلى باد-دريبورج في منطقة فستفالين ~~حيث يقيمون هناك حتى شهر أكتوبر. جوتهولد شتويدلين ~~صديق هلدرلين يموت منتحرا في نهر الراين. # 1797م # ظهور الجزء الأول من رواية هيبريون في أعياد الفصح ~~عند الناشر كوتا. (أما الجزء الثاني فيظهر بعد ذلك ~~في سنة 1799م). نشر قصيدته «المتجول» في شهر أغسطس ~~في مجلة «الهورن». هلدرلين يزور جوته في الثاني ~~والعشرين من شهر أغسطس في مدينة فرانكفورت، وتكشف ~~هذه الزيارة الشكلية عن عجز جوته عن تقدير موهبته ~~الشعرية. # 1798م # يضطر في منتصف شهر سبتمبر لمغادرة بيت جونتار على ~~أثر إهانة الزوج له، ويقيم في مدينة هومبورج ليظل ~~قريبا من حبيبته سوزيته، وهناك يستضيفه صديقه ~~إسحاق فون سنكلير ويرعاه. يبدأ العمل في مسرحيته ~~الشعرية «موت أمبادوقليس» ويفكر في إصدار مجلة ~~أدبية ويكتب بعض المقالات الفلسفية. # 1799م # وصول صديقه بولندورف إلى مدينة هومبورج. # 1800م # يعود في أوائل شهر يونيو إلى قريته ثم يقضي الصيف ~~والخريف في صحبة أصدقائه في مدينة شتوتجارت. # 1801م # عقد معاهدة السلام بين فرنسا والنمسا في مدينة ~~لونافيل. هلدرلين يغادر قريته مرة أخرى في محاولة ~~لكسب قوته خارج وطنه، ms122 فيعمل مدرسا خصوصيا لدى ~~عائلة جونسنباخ في بلدة هاوبتفيل في سويسرا، ولكنه ~~لا يكاد يقضي فيها أربعة شهور حتى يضطره الفشل ~~للرجوع إلى بلدته «نورتنجن»، ويسعى للالتحاق ~~بجامعة «يينا» للتدريس بها فيخفق أيضا في مسعاه. ~~يكتب مرثياته وقصائده الكبرى. يبدأ رحلته الأخيرة ~~إلى فرنسا في العاشر من ديسمبر. # 1802م # يصل إلى مدينة «بوردو» في الثامن والعشرين من شهر ~~يناير بعد رحلة شاقة على قدميه عبر جبال ~~الأوفيرون ويعمل مدرسا خصوصيا ومربيا لأبناء ~~القنصل الألماني دانييل ماير. ولكنه لا يلبث أن ~~يتخلى عن عمله بعد شهور قليلة ويغادر المدينة في ~~ظروف غامضة. ويصل في منتصف شهر يونيو إلى نورتنجن ~~وقد ظهرت عليه آثار الاختلال العقلي الواضح. وفاة ~~سوزيته جونتار في الثاني والعشرين من شهر يونيو ~~بمدينة فرانكفورت. يسافر في الخريف إلى مؤتمر ~~أمراء المقاطعات الألمانية المنعقد في مدينة ~~ريجنسبورج. # 1803م # حياته مع أمه في نورتنجن. # 1804م # ظهور ترجمته لمسرحية أوديب ملكا عند الناشر ~~فريدريش فيلمانس في فرانكفورت. يزداد عليه المرض ~~ويعوده صديقه سينكلير ويأخذه معه إلى مدينة ~~هومبورج حيث يعيش هناك سنتين. # 1805م # وفاة الشاعر شيلر في التاسع من شهر مايو. # 1806م # سينكلير يسلم صديقه لمستشفى أوتنريت بمدينة توبنجن ~~بعد أن استفحل مرضه. # 1807م # يتقدم النجار سيمر للمستشفى ويأخذ الشاعر الميئوس ~~من شفائه إلى بيته في مدينة توبنجن ويتولى رعايته ~~حتى يخلصه الموت من عذابه. # 1815م # وفاة صديقه سينكلير في الثامن والعشرين من شهر ~~أبريل بمدينة فيينا. # 1826م # يقوم بعض شعراء منطقة شفابن وهم جوستاف شفاب ~~ولدفيج أولاند ويوستينوس كيرنر بجمع قصائد هلدرلين ~~ونشرها في أول طبعة كاملة. # 1828م # وفاة أمه في السابع عشر من شهر فبراير. # 1839م # وفاة صديق شبابه نويفر. # 1843م # وفاة هلدرلين في اليوم السابع من شهر يونيو بمدينة ~~توبنجن. # | نصوص مختارة # | من قصائده الأولى1 # عزيمتي # 2 ~~(1787م) # أيها الأصدقاء! أيها الأصدقاء! يا من تخلصون لي ~~الحب! # ما هذا الذي يكدر صفو نظراتي الوحيدة؟ # ما الذي يكره قلبي المسكين # على هذا الهدوء المميت الذي تلفه سحب الليل؟ # أهرب ms123 من ضغط أيديكم الرقيقة، # من القبلة الأخوية الطيبة الحنون. # ناشدتكم ألا تغضبوا علي، لأني أهرب منها! # انظروا في أعماق نفسي! اختبروها ثم احكموا! # أهو العطش الحار إلى كمال الرجولة؟ # أهو الحرص الخفي على مكافأة الأضاحي؟ # 3 # أهو الطموح الضعيف إلى تحليق بندار؟ # أهو الكفاح للوصول إلى عظمة كلوبشتوك؟ # 4 # آه أيها الأصدقاء. أي ركن في الأرض # يمكنه أن يخفيني، حتى أبكي هناك # وقد لفني الليل إلى الأبد؟ أنا لن أقوى أبدا # أن أطوف حول العالم وأحلق تحليق العظماء. # 5 # لكن لا! هيا اسلك درب المجد الرائع! # عاليا! عاليا! في الحلم المشبوب الجسور، # الذي يوصلك إليهم، وإذا يوما كتب علي # أن أتلعثم (في كلماتي) وأنا أحتضر، فانسوني أيها ~~الصغار! ~~(MEIN VORSATZ) ~~(1787) # O Freunde! Freunde! die ihr so treu ~~mich liebt! # Was trübet meine einsame Blicke ~~so? # Was zwingt mein armes Herz in ~~diese # Wolkenumnachtete ~~Totenstille? # Ich fliehe euren zärtlichen ~~Händedruck, # Den seelenvollen, seligen ~~Bruderkuss. # O zürnt mir nicht, dass ich ihn ~~fliehe! # Schaut mir in's Innerste! Prüft und ~~richtet!- # Ists heisser Durst nach ~~Männervollkommenheit? # Ists leises Geizen um ~~Hekatombenlohn? # Ists schwacher Schwung nach Pindars ~~Flug? ists # Kämpfendes Streben nach ~~Klopstocksgrösse? # Ach Freunde! Welcher Winkel der Erde ~~kann # Mich decken, dass ich ewig in Nacht ~~gehüllt # Dort weine? Ich erreich ihn nie ~~den # Weltenumeilenden Flug der ~~Grossen. # Doch nein, hinan den herrlichen ~~Ehrenpfad! # Hinan! hinan! im glühenden kühnen ~~Traum # Sie zu erreichen; muss ich einst ~~auch # Sterbend noch stammeln; vergesst mich, ~~Kinder! # كبلر # 6 ~~(1789م) # روحي تسري بين النجوم، # تسبح فوق ساحات السماء # 7 # وتتفكر، دربي وحيد وجسور # يتطلب الخطوة الثابتة. # 8 # تجول بقوة كما يفعل البطل! # ارفع وجهك، لكن لا تسرف في الغرور، # فها هو ذا يقترب، انظر، ينحدر من الساحات ~~العالية، # حيث يهلل الانتصار، ذلك الرجل # الذي قاد المفكر في ألبيون، # 9 ~~- رقيب السماء في منتصف الليل - # إلى ساحة التأمل العميق، # وتقدم بجسارة ليضيء (ظلمات) التيه، # حتى إن كبرياء «التيمز» الجليل، ms124 # نادته وهي تركع بالروح أمام قبره، # وتدعوه إلى ساحة الشرف العظيم: # 10 ~~«بدأت يا بن سويفيا» # حيث زاغ البصر آلاف السنين، # وها أنا ذا أتم ما بدأت، # فقد كنت، أيها (الرائد) المجيد، أول من أضاء ~~المتاهة، # واستنزل الشعاع إلى (غياهب) الليل. ~~«لتلتهم الشعلة التي تتأجج في الصدر # نخاع الحياة .. فسوف ألحق بك وأتم ما بدأت! # لأن الطريق الذي سلكت عظيم، جاد وعظيم، # يزدري الذهب، ويكافئ نفسه بنفسه.» # يا لبركة القاعة التي تزدحم بأجداث الأبطال! # 11 # هل وطني هو الذي وهبه الحياة؟ وهو من أثنى عليه ~~التيمز؟ # وأول من أرسل الشعاع إلى (ظلمات المتاهة) # وهدى الكواكب إلى القطب (البعيد). # هكذا أنسى رعود «هيكلا» # 12 # ولو كتب علي أن أسير على الأفاعي # لما هزتني الخيلاء لأنه نشأ على أرضك # يا سويفيا. # 13 # ولنا الشكر من ألبيون. # 14 # يا أم الأوفياء! يا سويفيا! # أنت أيتها الوديعة! الدهور تهلل لك، # ربيت رجالا نورانيين لا يحصرهم عد، # وفم الأجيال القادمة يحييك ويلهج باسمك. ~~(KEPLER) (1789) # Unter den Sternen ergehet ~~sich # Mein Geist, die Gefilde des ~~Uranus # Uberhin schwebt er und sinnt; einsam ~~ist # Und gewagt, ehernen Tritt heischet die ~~Bahn. # Wandle mit Kraft, wie der Held, ~~einher! # Erhebe die Miene! doch nicht zu ~~stolz, # Denn es naht, siehe es naht, hoch ~~herab # Von dem Gefild, wo der Triumph jubelt, ~~der Mann, # Welcher den Denker in ~~Albion, # Den Späher des Himmels um ~~Mitternacht # Ins Gefild' tiefern Anschauns ~~leitete, # Und voranleuchtend sich wagt' ins ~~Labyrinth, # Dass der erhabenen Themse ~~Stolz # Im Geiste sich beugend vor seinem ~~Grab # Ins Gefild' würdigern Lohns nach ihm ~~rief: # Du begannst, Suevias Sohn, wo es dem ~~Blick # Aller Jahrtausende ~~schwindelte; # Und ja! ich vollende, was du ~~begannst, # Denn voran leuchtetest du, ~~Herrlicher! # Im Labyrinth, Strahlen beschwurst du in ~~die Nacht. # Möge verzehren des Lebens ~~Mark # Die Flamm' in der Brust - ich ereile ~~dich, # Ich vollend's! denn sie ist gross, ~~ernst und gross, # Diene ms125 Bahn, höhnet des Golds, lohnet ~~sich selbst.” # Wonne Walhallas! und ihn ~~gebar # Mein Vaterland? ihn, den die Themse ~~pries? # Der zuerst ins Labyrinth Strahlen ~~schuf, # Und den Pfad, hin an den Pol, wies dem ~~Gestirn. # Heklas Gedonner vergäss ich ~~so, # Und, ging ich auf Ottern, ich bebte ~~nicht # In dem Stolz, dass er aus dir, ~~Suevia! # Sich erhub, unser der Dank Albions ~~ist. # Mutter der Redlichen! ~~Suevia! # Du stille! dir jaqchzen Äonen ~~zu, # Du erzogst Männer des Lichts ohne ~~Zahl, # Des Geschlechts Mund, das da kommt, ~~huldiget dir! # | قصائد من مرحلة النضج # أمبادوقليس (1797م) # أنت تفتش عن الحياة، تفتش عنها، ونار إلهية # تنبثق لأجلك من أعماق الأرض وتتألق، ~~(ويغلبك) الشوق الجارف فتقذف نفسك # في لهيب «إتنا». # كم كان مجون الملكة يتمنى، # أن يذيب اللآلئ في النبيذ! # لو أنك، يا شاعر، لم تلق بثروتك # في الكأس المزبدة الفوارة! # لكنك عندي مقدس قداسة قوة الأرض، # التي انتزعتك، أيها القتيل الجسور! # ولكم أتمنى أن أتبع البطل إلى الأعماق، # لولا أن الحب يمنعني. ~~(EMPEDOKLES) ~~(1797) # Das Leben suchst du, suchst, und es ~~quillt und glänzt # Ein göttlich Feuer tief aus der Erde ~~dir, # Und du in schauderndem ~~Verlangen # Wirfst dich hinab in des Ätna ~~Flammen. # So schmelzt' im Weine Perlen der ~~Übermut # Der Königin; und mochte sie! Hättest ~~du # Nur deinen Reichtum nicht, o ~~Dichter, # Hin in den gärenden Kelch ~~geopfert! # Doch heilig bist du mir, wie der Erde ~~Macht, # Die dich hinwegnahm, kühner ~~Getöteter! # Und folgen möcht' ich in die ~~Tiefe, # Hielte die Liebe mich nicht, dem ~~Helden. # بونابرت (1797م) # 1 # الشعراء أوعية مقدسة # تحفظ فيها خمر الحياة، # وروح الأبطال. # لكن روح هذا الفتى، # هذا الفتى الخفيف، # 2 # ألم يضطر لتحطيم الوعاء # الذي أراد أن يحويه؟ # 3 # فليتركه الشاعر ولا يقترب منه، (لأنه) يشبه روح ~~الطبيعة، # والمادة التي من هذا النوع تجعل المعلم (الصناع) يصبح ~~صبيا (مبتدئا). # إنه لا يستطيع أن يحيا ويبقى في ms126 القصيدة، # بل يحيا ويبقى في العالم. ~~(BUONAPARTE) # Heilige Gefässe sind die ~~Dichter, # Worin des Lebens Wein, der ~~Geist # Der Helden sich ~~aufbewahrt, # Aber der geist dieses ~~Jünglings # Der schnelle, müsst' er es nicht ~~zersprengen, # Wo es ihn fassen wollte, das ~~Gefäss? # Der Dichter lass ihn unberührt wie den ~~Geist der Natur, # An solchem Stoffe wird zum Knaben der ~~Meister. # Er kann im Gedichte nicht leben und ~~bleiben # Er lebt und bleibt in der ~~Welt. # إلى ربات القدر # 4 ~~(1798م) # جدن علي بصيف واحد، يا ذوات الجبروت! # وخريف واحد لأغنيتي الناضجة # عل فؤادي يموت راضيا # بعد أن يشبع من الألحان العذاب. # الروح التي لم تنل حقها الإلهي في الحياة، # لن تجد الراحة أيضا في عالم الظلال؛ # 5 # لكن لو حالفني التوفيق في إنشاء القصيد، ~~- وهو الذي أقدسه ويهيم به الفؤاد - # فمرحبا بك إذن، يا سكون عالم الظلال! # سأكون راضيا، وإن لم يصحبني عزف أوتاري # في رحلتي إلى أعماق الحضيض، # عشت يوما كالآلهة، وهذا يكفيني. ~~(AN DIE PARZEN) # Nur einen Sommer gönnt, ihr ~~Gewaltigen! # Und einen Herbst zu reifem Gesange ~~mir, # Dass williger mein Herz, vom ~~süssen # Spiele gesättiget, dann mir ~~sterbe! # Die Seele, der im Leben ihr göttlich ~~Recht # Nicht ward, sie ruht auch drunten im ~~Orkus nicht; # Doch ist mir einst das Heil'ge, das ~~am # Herzen mir liegt, das Gedicht, ~~gelungen, # Willkommen dann, o Stille der ~~Schattenwelt! # Zufrieden bin ich, wenn auch mein ~~Saitenspiel # Mich nicht hinabgeleitet; ~~Einmal # Lebt' ich, wie Götter, und mehr bedarfs ~~nicht. # ديوتيما (1798م) # تسكتين وتصبرين، وهم لا يفهمونك، # يا أيتها الحياة الغالية! تذبلين في صمت، # لأنك واحسرتاه، تبحثين عبثا بين البرابرة # عن أهلك في نور الشمس، # عن تلك الأرواح النبيلة الحنون، التي ما عاد لها ~~وجود! # غير أن الزمن يسرع (الخطا). ولا زالت أغنيتي ~~الفانية # ترى اليوم الذي تشبهك فيه، يا ديوتيما، وتسميك # بعد الآلهة ومع الأبطال. ~~(DIOTIMA) # Du schweigst und duldest, und sie ~~verstehn ms127 dich nicht, # Du heilig leben! Welkest hinweg und ~~schweigst, # Denn ach! Vergebens bei ~~Barbaren # Suchst du die Deinen im ~~Sonnenlichte, # Die zärtlichgrossen Seelen, die nimmer ~~sind! # Doch eilt die Zeit. Noch siehet mein ~~sterblich Lied # Den Tag, der, Diotima! Nächst ~~den # Göttern mit Helden dich nennt und dir ~~gleicht. # دعاء بالغفران (1798م) # أيها الكائن المقدس! كثيرا ما أقلقت # راحتك الذهبية الإلهية، ومني تعلمت # بعض أحزان الحياة # شديدة العمق والخفاء. # آه! انسي ذاك، واغفري لي! فسوف أمضي # كما تمضي تلك السحب التي تغطي القمر الوديع، # أما أنت، أيها النور الحلو، فسوف تستريحين # ويسطع جمالك من جديد. ~~(ABBITTE) # Heilig Wesen! gestört hab' ich die ~~goldene # Götterruhe dir oft, und der ~~geheimeren, # Tiefern Schmerzen des ~~Lebens # Hast du manche gelernt von ~~mir. # O vergiss es, vergib! gleich dem ~~Gewölke dort # Vor dem friedlichen Mond, geh' ich ~~dahin, und du # Ruhst und glänzest in ~~deiner # Schöne wieder, du süsses ~~Licht! # دورة الحياة # 6 ~~(1798م) # تطلعت روحي إلى السماء، غير أن الحب # جذبها (إلى الأرض) جذبا جميلا؛ # والعذاب قهرها بقوة شديدة؛ # هكذا أعبر قوس الحياة # وأعود إلى حيث جئت. ~~(LEBENSLAUF) # Hoch auf strebte mein Geist, aber die ~~Liebe zog # Schön ihn nieder; das Leid beugt ihn ~~gewaltiger; # So durchlauf' ich des ~~Lebens # Bogen und kehre, woher ich ~~kam. # الذنب الذي لا يغتفر (1798م) # إن نسيتم أصدقاءكم، إن هزأتم بالفنان، # ونظرتم للعقل العميق نظرة السوقة والصغار، # فليغفر الله لكم، لكيلا تزعجوا أبدا # سلام المحبين. ~~(DAS ~~UNVERZEIHLICHE) # Wenn ihr Freunde vergesst, wenn ihr den ~~Künstler höhnt, # Und den tieferen Fleiss klein und ~~gemein versteht, # Gott vergibt es, doch stört ~~nur # Nie den Frieden der ~~Liebenden. # إلى شعراء الشباب (1798م) # أيها الإخوة الأعزاء! ربما نضج فننا عن قريب # بعدما اختمر، كالفتيان، وقتا طويلا، # وبلغ سكون الجمال، # المهم أن تكونوا أتقياء (بالروح) كما كان ~~اليونان! # أحبوا الآلهة واعطفوا على الفانين! # 7 # اكرهوا نشوة السكر، كما تكرهون الصقيع! # لا تعظوا ms128 ولا تصفوا. وإذا أخافكم الأساتذة # 8 # فالتمسوا النصح من الطبيعة العظيمة. ~~(AN DIE JUNGEN ~~DICHTER) # Liebe Brüder! es reift unsere Kunst ~~vielleicht, # Da, dem Jünglinge gleich, lange sie ~~schon gegärt, # Bald zur Stille der ~~Schönheit # Seid nur fromm, wie der Grieche ~~war! # Liebt die Götter und denkt freundlich ~~der Sterblichen! # Hasst den Rausch, wie den Frost! lehrt ~~und beschreibet nicht! # Wenn der Meister euch ~~ängstigt, # Fragt die grosse Natur um ~~Rat. # إلى الألمان # 9 ~~(1798م) # لا تسخروا بالطفل الذي يتصور نفسه أشجع الفرسان # 10 # وهو على صهوة الحصان الخشبي (وفي يده) السوط ~~واللجام، # لأنكم كذلك أيها الألمان # فقراء في الأفعال أغنياء بالأوهام # 11 # أم هل يأتي الفعل من الأفكار # كما يأتي الشعاع من السحاب؟ # 12 # هل تدب الحياة في الكتب عن قريب؟ # آه أيها الأحباب، خذوني إذن، # حتى أكفر عن خطيئتي وتجديفي. ~~(AN DIE DEUTSCHEN) # Spottet ja nicht des Kinds, wenn es mit Peitsch’ und Sporn # Auf dem Rosse von Holz mutig und gross ~~sich dünkt. # Denn, ihr Deutschen, auch ihr ~~seid # Tatenarm und ~~gedankenvoll. # Order kömmt, wie der Strahl aus dem ~~Gewölke kömmt, # Aus Gedanken die Tat? Leben die Bücher ~~bald? # O ihr Lieben! so nehmt ~~mich, # Dass ich büsse die ~~Lästerung! # سقراط وألكبياديس # 13 ~~(1798م) ~~«لم، يا سقراط الأقدس، # تمجد هذا الفتى على الدوام؟ ألا تعرف شيئا أعظم ~~منه؟ # لم تتطلع عينك إليه في حب # كأنما تتطلع للآلهة؟» # من تفكر في أعماق الأشياء، أحب أوفرها حياة، # ومن نظر في العالم، فهم طموح الشباب. # وكثيرا ما ينحني الحكماء # للجميل في نهاية المطاف. ~~(SOKRATES UND ~~ALKIBIADES) ~~“Warum huldigest du, heiliger ~~Sokrates, # Diesem Jünglinge stets? kennest du ~~Grössers nicht, # Warum siehet mit ~~Liebe, # Wie auf Götter, dein Aug’ auf ~~ihn?” # Wer das Tiefste gedacht, liebt das ~~Lebendigste. # Hohe Tugend versteht, wer in die Welt ~~geblickt, # Und es neigen die ~~Weisen # Oft am Ende zu Schönem ~~sich. # أغنية هيبريون إلى القدر # 14 ms129 ~~(1798م) # أنت تسيرين هناك في النور # على أرض ناعمة، يا أيتها الأرواح المباركة! # النسمات الإلهية الوضيئة، # تلمسكم لمسا خفيفا، # مثل أصابع العازفة # على الأوتار المقدسة. # بلا قدر، كالرضيع النائم # يتنفس الإلهيون؛ # أعفاء مصونين # في البرعم الطيب. # 15 # تزدهر أرواحهم أبدا، # وعيونهم المباركة # تطل في هدوء # وصفاء خالد. # أما نحن فكتب علينا، # ألا نهدأ في موضع، # والبشر المعذبون # يتلاشون ويسقطون، # كالعميان من ساعة لأخرى، # كما تندفع المياه # على مر السنين # من صخرة لصخرة، # إلى الهاوية الغامضة. ~~(HYPERIONS ~~SCHICKSALSLIED) # Ihr wandelt droben im ~~Licht # Auf weichem Boden, selige ~~Genien! # Glänzende ~~Götterlüfte # Rühren euch ~~leicht, # Wie die Finger der ~~Künstlerin # Heilige Saiten. # Schicksallos, wie der ~~schlafende # Säugling, atmen die ~~Himmlischen; # Keusch bewahrt # In bescheidener ~~Knospe # Blühet ewig # Ihnen der Geist, # Und die seligen ~~Augen # Blicken in ~~stiller # Ewiger Klarheit. # Doch uns ist ~~gegeben, # Auf keiner Stätte zu ~~ruhn, # Es schwinden, es ~~fallen # Die leidenden ~~Menschen # Blindlings von ~~einer # Stunde zur ~~andern, # Wie Wasser von ~~Klippe # Zu Klippe ~~geworfen, # Jahrlang ins Ungewisse ~~hinab. # خمسة إبيجرامات # 16 ~~(1799م) # إلى نفسه # 17 # تعلم الفن في الحياة، وتعلم الحياة في العمل ~~الفني، # إن رأيت أحدهما رؤية صحيحة، فسوف ترى الآخر ~~كذلك. # FUNF EPIGRAMME ~~(Pros Heauton π P O # Σ # E A # Υ # T O N) # Lern im Leben die Kunst, im Kunstwerk ~~lerne das Leben, # Siehst du das Eine recht, siehst du das ~~andere auch. # سوفوكليس # كثيرون حاولوا عبثا أن يعبروا عن غاية الفرح تعبيرا ~~فرحا # وأخيرا وجدته هنا في الحزن والنواح. ~~(SOPHOKLES) # Viele versuchten umsonst das Freudigste ~~freudig zu sagen # Hier spricht endlich es mir, hier der ~~Trauer sich aus. # الشاعر الغاضب # لا تخافوا الشاعر عندما يغضب غضبه النبيل، # إن حرفه يقتل، ولكن روحه تحيي الأرواح. ~~(DER ZÜRNENDE ~~DICHTER) # Fürchtet den Dichter nicht, wenn er ~~edel zürnet, sein Buchstab’ # Tötet, aber es macht Geister lebendig ~~der Geist. # العابثون # أتعبثون أبدا وتمزحون؟ لا مفر لكم من هذا ms130 يا ~~أصحاب. # هذا شيء يحز في نفسي، إذ لا يضطر إليه إلا ~~اليائسون. ~~(DIE SCHERZHAFTEN) # Immer spielt ihr und scherzt? ihr ~~müsst! o Freunde! mirgeht ~~dies # In die Seele, denn dies müssen ~~Verzweifelte nur. # جذور الشر كله # الاتحاد شيء إلهي وخير، ولكن كيف تسلط على عقول ~~الناس # أنه لا وجود إلا «للواحد»، و«لشيء واحد»؟ ~~(WURZEL ALLES ~~UBELS) # Einig zu sein, ist göttlich und gut; ~~woher ist die Sucht denn # Unter den Menschen, dass nur Einer und ~~Eines nur sei? # روسو (1799م) # كم هي محدودة مدة أيامنا! # كنت ورأيت ودهشت، ولقد أقبل المساء، # نم الآن، حيث تعبر سنوات الشعوب # على بعد سحيق. # والبعض يرى أبعد من عصره # يهديه رب للأفق الرحيب، # 18 # أما أنت فتقف بأشواقك على الشاطئ، # أذى لمواطنيك، ظل، ولا تحبهم، # وأولئك الذين تسميهم، أولئك الموعودون، # أين هم القادمون الجدد، حتى تتدفأ بيد الصديق، # من أين يقبلون، حتى يتاح لك مرة واحدة # أن تجد من يسمعك، أيها القول الوحيد؟ # القاعة لا يتردد فيها صوت، أيها المسكين، # وأنت كالأموات الذين لم يواروا التراب # تهيم على وجهك باحثا عن الراحة والهدوء # وما من أحد يدلك على الطريق المرسوم. # كن راضيا إذن! ... الشجرة تنمو # من تربة الوطن، لكن أذرعتها # العاشقة الشابة تتدلى، # وتحني رأسها وهي تنوح. # فيض الحياة، فيضها اللامتناهي، # الذي ... # 19 # حوله، ويخطف نوره الأبصار، # لن يناله أبدا. ومع ذلك فهو يحيا فيه # ويدفئه ويؤثر عليه، ومنه تنبثق الثمرة. # لقد عشت! ... وهامتك، هامتك أنت أيضا # تسعدها الشمس البعيدة # وأشعة أيام أجمل. # الرسل عثروا على قلبك. # سمعتهم، فهمت لغة الأغراب، # لمست # 20 # روحهم! والمشتاق كفته إشارة ، # ومن قديم الأزمان كانت الإشارات # هي لغة الآلهة. # وعجيب، كأن عقل الإنسان من قديم الأزل # قد عرف كل ما ينمو ويصير، # وأحاط بكنه الحياة ~~... ... ... # 21 # تبين الكمال في أول إشارة، # وطار روحه الجسور كما تطير النسور # ليسبق العواصف والأنواء، # معلنا عن آلهته القادمة ... # 22 ~~(ROUSSEAU) # Wie eng begrenzt ist unsere ~~Tageszeit. # Du warst und sahst und ms131 stauntest, schon ~~Abend ists, # Nun schlafe, wo unendlich ~~ferne # Ziehen vorüber der Völker ~~Jahre. # Und mancher siehet über die eigne ~~Zeit # Ihm zeigt ein Gott ins Freie, doch ~~sehnend stehst # Am Ufer du, ein Argernis ~~den # Deinen, ein Schatten, und liebst sie ~~nimmer, # Und jene, die du nennst, die ~~Verheissenen, # Wo sind die Neuen, dass du an ~~Freundeshand # Erwarmst, wo nahn sie, dass du ~~einmal # Einsame Rede, vernehmlich ~~seiest? # Klanglos ists, armer Mann, in der Halle ~~dir, # Und gleich den Unbegrabenen, irrest ~~du # Unstet und suchest Ruh und ~~niemand # Weiss den beschiedenen Weg zu ~~weisen. # Sei denn zufrieden!... der Baum ~~entwächst # Dem heimatlichen Boden, aber es sinken ~~ihm # Die liebenden, die ~~jugendlichen # Arme, und trauernd neigt er sein ~~Haupt. # Des Ledens UberfluB, des ~~Unendliche, # Das um ihn ... und dämmert, er fasst es ~~nie. # Doch lebts in ihm und ~~gegenwärtig, # Wärmend und wirkend die Frucht ~~entquillt ihm. # Du hast gelebt!... auch dir, auch ~~dir # Erfreuet die ferne Sonne dein ~~Haupt, # Und Strahlen aus der schönern Zeit. ~~Es # Haben die Boten dein Herz ~~gefunden. # Vernommen hast du sie, verstanden die ~~Sprache der Fremdlinge, # Gedeutet ihre Seele! Dem Sehnenden ~~war # Der Wink genug, und Winke ~~sind # Von Alters her die Sprache der ~~Götter. # Und wunderbar, als hatte von ~~Anbeginn # Des Menschen Geist das Werden und ~~Wirken all, # Des Lebens Weise schon ~~erfahren # Kennt er im ersten Zeichen Vollendetes ~~schon, # Und fliegt, der kühne Geist, wie Adler ~~den # Gewittern, weissagend ~~seinen # Kommenden Göttern voraus, ~~... # الحب # 23 ~~(1800م) # إن نسيتم أصحابكم، إن أسأتم إليهم جميعا، ~~- أيها العارفون بالجميل - إن أسأتم إلى شعرائكم، # فليغفر الله لكم، # لكن حاولوا دائما أن تحترموا أرواح العشاق. # لأني أناشدكم أن تخبروني إن كانت الحياة # لا تزال حية فيمن عداهم، بينما الهم الوضيع يقهر الآن ~~كل الأشياء؟ # لهذا أيضا يتحرك الرب من زمن طويل # فوق رءوسنا بغير اكتراث # لكن مهما تكن ms132 السنة باردة وعاطلة من الغناء # في الفصل الموعود، فسوف تبزغ الأعشاب الخضراء # من الحقل الأبيض، # وسوف يتردد غناء طير وحيد، # عندما تتمدد الغابة شيئا فشيئا، ويترجرج النهر، # ويهب النسيم الناعم هامسا من الجنوب # 24 # في الساعة الملائمة، ~~(وعندما تظهر) علامة على الزمن الأفضل # الذي نؤمن به، فينمو الحب فريدا في قناعته، # فريدا في نبله وتقواه # فوق الأرض الصلدة الموحشة، ~~(الحب) ابن الرب الذي خرج منه وحده. # 25 # بوركت، بوركت أيتها النبتة السماوية # ولتترعرعي في ظل أنشودتي، # عندما تغذوك قوى النكتار # 26 # الأثيري، # وينضجك الشعاع المبدع الخلاق. # ترعرعي وصيري غابة! صيري دنيا # أغني بالروح وبالأزهار! ولتكن لغة المحبين # هي لغة الوطن. # وليكن روحهم هو صوت الشعب! ~~(DIE LIEBE) # Wenn ihr Freunde vergesst, wenn ihr die ~~Euern all, # O ihr Dankbaren, sie euere Dichter ~~schmäht, # Gott vergeb’ es, doch ~~ehret # Nur die seele der ~~Liebenden. # Denn, o saget, wo lebt menschliches ~~Leben sonst, # Da die knechtische jetzt alles, die ~~Sorge, zwingt? # Darum wandelt der Gott ~~auch # Sorglos über dem Haupt uns ~~längst. # Doch, wie immer das Jahr kalt und ~~gesanglos ist, # Zur beschiedenen Zeit aber aus weissem ~~Feld # Grüne Halme doch ~~sprossen, # Oft ein einsamer Vogel ~~singt, # Wenn sich mählich der Wald dehnet, der ~~Strom sich regt, # Schon die mildere Luft leise von Mittag ~~weht # Zur erlesenen ~~Stunde: # So, ein Zeichen der schönern ~~Zeit, # Die wir glauben, erwächst einzig ~~genügsam nah, # Einzig edel und fromm über dem ~~ehernen, # Wielden Boden die ~~Liebe, # Gottes Tochter, von ihm ~~allein. # Sei gesegnet, o sei, himmlische Pflanze, mir # Mit Gesange gepflegt, wenn des ~~ätherischen # Nektars Kräfte dich ~~nähren, # Und der schöpfrische Strahl dich ~~reift. # Wachs’ und werde zum Wald! eine ~~beseeltere, # Voll entblühende Welt! Sprache der ~~Liebenden # Sei die Sprache des ~~Landes, # Ihre Seele der Laut ~~Volks! # دورة الحياة # 27 ~~(1800م) # أنت أيضا تطلعت لأمر أعظم، لكن الحب # يقهرنا جميعا، والعذاب أشد وطأة، # غير أن قوسنا ms133 لا يرجع عبثا # إلى حيث جاء! # يستوي الصعود والهبوط! أولا تغلب الاستقامة # على الليل المقدس الذي تدبر فيه الطبيعة الصامتة # ما يقبل من أيام؟ ألا يسود الحق ~~(قاع) العالم السفلي # 28 # شديد الالتواء؟ # هذه (هي الحقيقة) التي توصلت إليها. فأنتم أيها ~~السماويون، # يا من تحفظون جميع المخلوقات، لم يسبق لكم - بقدر ما ~~أعلم - # أن قدتم خطاي يوما من الأيام على الطريق ~~المستقيم، # كما يفعل المعلمون من أبناء البشر الفانين. # فليختبر الإنسان كل شيء بنفسه، هذا ما يقوله ~~السماويون، # كيما يتعلم - حين يشتد عوده بالغذاء - # أن يكون شكورا (عارفا بالجميل)، # 29 # ويفهم حرية الانطلاق # إلى حيث يشاء. ~~(LEBENSLAUF) # Grössers wolltest auch du, aber die ~~Liebe zwingt # All uns nieder, das Leid beuget ~~gewaltiger, # Doch es kehret umsonst ~~nicht # Unser Bogen, woher er ~~kommt! # Aufwärts order hinab! herrschet in ~~heil’ger Nacht, # Wo die stumme Natur werdende Tage ~~sinnt, # Herrscht im schiefesten ~~Orkus # Nicht ein Grades, ein Recht noch ~~auch? # Dies erfuhr ich. Denn nie, sterblichen ~~Meistern gleich, # Habt ihr Himmlischen, ihr ~~Alleserhaltenden, # Dass ich wüsste, mit ~~Vorsicht # Mich des ebenen Pfads ~~geführt. # Alles prüfe der Mensch, sagen die ~~Himmlischen, # Dass er, kräftig genährt, danken für ~~alles lern’, # Und verstehe die ~~Freiheit, # Aufzubre chen, wohin er ~~will. # العودة للوطن (1800م) # أيتها النسمات الرقيقة! يا رسل إيطاليا! # وأنت وأشجار الحور (على شاطئيك) أيها النهر ~~الحبيب. # ويا أيتها الجبال المتلاطمة كالأمواج! # أيتها القمم المشمسة جميعا، أهذه أنت من جديد؟ # أيتها البقعة الهادئة! في الأحلام تجليت للمشتاق من ~~بعيد # إثر يوم يائس حزين، # وأنت يا بيتي، ويا رفاق لعبي، # يا أشجار التل المألوفة منذ سنين! # كم من زمن فات على هذا! كم من زمن فات! # ذهبت راحة الطفل، وذهب الشباب والحب والمراح؛ # أما أنت فلم تتغير يا وطني، # يا وطني المقدس الصبور. # ولأنهم يصبرون إذا صبرت، ويشاركونك الفرح # رحت تربي أبناءك أيضا يا وطني الغالي! # وتذكرهم حتى في الأحلام، وهم الجاحدون، # حين يهيمون على أوجههم ويضلون. ms134 # وإذا قرت النزوات الجامحة # في صدر الفتى المشبوب # وسكتت أمام القدر # سلم لك عن طيب خاطر. # وداعا إذن يا أيام الشباب، ويا درب الحب ~~(المفروش) بالورود، ويا طرقات العابر جميعا، # وداعا! واستردي حياتي وباركيها # أنت يا سماء الوطن. ~~(RUCKKEHR IN DIE ~~HEIMAT) # Ihr milden Lüfte! Boten ~~Italiens! # Und du mit deinen Pappeln, geliebter ~~Strom! # Ihr wogenden Gebirg! o all ~~ihr # Sonnigen Gipfel! so seid ihr’s ~~wieder? # Du stiller Ort! In Träumen erschienst ~~du fern # Nach hoffnungslosem Tage dem ~~Sehnenden, # Und du mein Haus, und ihr ~~Gespielen, # Bäume des Hügels, ihr ~~wohlbekannten! # Wie lang ist’s, o wie lange! des Kindes ~~Ruh’ # Ist hin, und hin ist Jugend, und Lieb’ ~~und Lust, # Doch du mein Vaterland! Du ~~heilig- # Duldendes! siehe, du bist ~~geblieben. # Und darum, dass sie dulden mit dir, mit ~~dir # Sich freun, erziehst du, teures! die ~~Deinen auch # Und mahnst in Träumen, wenn sie ~~ferne # Schweifen und irren, die ~~Ungetreuen. # Und wenn im heissen Busen dem ~~Jünglinge # Die eigenmächt’gen Wünsche ~~besänftiget # Und stille vor dem Schicksal sind, ~~dann # Gibt der Geläuterte dir sch ~~lieber! # Lebt wohl dann, Jugendtage, du ~~Rosenpfad # Der Lieb’ und all ihr Pfade des ~~Wanderers, # Lebt wohl! und nimm und segne du ~~mein # Leben, o Himmel der Heimat, ~~wieder! # المغني الأعمى (1801) # أين أنت، أيها الشاب اليافع الذي يوقظني دائما # في الفجر مع الندى، # 30 # أين أنت أيها النور! # القلب يقظان، لكن الليل ما فتئ يأسرني # ويقيدني بسحره المقدس. # كنت قديما أهوى الإنصات عند الغسق، # وكنت أنتظرك شغوفا على جانب التل، وما كان الانتظار ~~عبثا! # أبدا لم تخدعني رسلك، أيها الحبيب، رسل ~~الأنسام، # فقد كنت تأتي على الدوام، # وتنفث روحك في كل الموجودات، على الدرب المعهود # تدلف إلى (بستان) جمالك، أين أنت أيها النور! # القلب صحا من جديد، لكن الليل اللامتناهي # ما زال يأسرني ويعوق [خطاي]. # قديما كنت أرى العرش # 31 # خضراء؛ # وكانت الأزهار تنير لي (الطريق) كأني عيوني؛ ms135 # ووجوه أحبابي المضيئة # لم تكن عني بعيدة # وفوق الغابات وحولها كنت أرى أجنحة السماء # وهي مسافرة، عندما كنت في أيام الشباب؛ # وها أنا ذا الآن أجلس وحيدا صامتا، # من ساعة لأخرى وأفكاري # تصنع أشكالا من حبي وعذابي # في أيامي المضيئة لتبتهج بها، # وأمد سمعي بعيدا علي أرى # منقذا رحيما يقبل نحوي. # عندئذ أسمع أحيانا في وقت الظهيرة # صوت إله الرعد الرهيب عندما تقترب [خطاه]، # ويزلزل بيته وتدوي الأرض تحته، # ويردد الجبل صوت الرعود. # هناك أسمع المنقذ في الليل، # أسمع المخلص وهو يميت ويحيي، # رب الرعود المسرع من المغرب # إلى المشرق، وأنت يا أوتاري # ترددين صوته! أغنيتي تحيا معه، # وكما أن الغدير يطيع النهر، # كذلك أمضي وألاحق أفكاره # وأتابع الواثق بنفسه على طريق الحائرين. # إلى أين؟ إلى أين؟ أسمعك هنا وهناك # أيها الرائع المجيد! وحول الأرض تتردد الألحان. # أين ينتهي بك المسير؟ وماذا، ماذا فوق السحب؟ # ويا ويلي ماذا يجري لي؟ # أيها النهار! أيها النهار فوق السحب المتداعية! # مرحبا بك! عيني تتفتح لك. # آه يا نور الشباب! وآه أيتها النعمة! # النعمة القديمة التي تعود من جديد! لكنك يا أيها ~~النبع # تنساب من الكأس المقدسة وروحك تزداد صفاء! # وأنت أيتها التربة الخضراء، يا مهد السلام! # وأنت يا بيت آبائي. ويا أيها الأحباب # الذين لقيتهم ذات يوم، # اقتربوا، تعالوا، حتى تصبح الفرحة من نصيبكم، # تعالوا جميعا، حتى يبارككم من يرى! # آه خذوها حتى أقوى على الاحتمال، # ارفعوا عبء الحياة المقدسة عن فؤادي. ~~«رفع آريس # 32 # الهول المخيف عن عيني.» ~~(سوفوكليس، مسرحية أجاكس الفصل الأول، البيت ~~706) ~~(DER BLINDE ~~SÄNGER) # Wo bist du, Jugendliches! das immer ~~mich # Zur Stunde weckt des Morgens, wo bist ~~du, Licht? # Das Herz ist wach, doch bannt und hält ~~in # Heiligem Zauber die Nacht mich ~~immer. # Sonst lauscht’ ich um die Dämmerung ~~gern, sonst harrt’ # Ich gerne dein am Hügel, und nie ~~umsonst! # Nie täuschten mich, du Holdes, ~~deine # Boten, die Lüfte, denn immer kamst ~~du, # Kamst allbeseligend den gewohnten ms136 Pfad # Herein in deiner Schöne, wo bist du, ~~Licht! # Das Herz ist wieder wach, doch bannt ~~und # Hemmt die unendliche Nacht mich ~~immer. # Mir grünten sonst die Lauben; es ~~leuchteten # Die Blumen, wie die eigenen Augen, ~~mir ~~; # Nicht ferne war das Angesicht ~~der # Meinen und leuchtete mir, und ~~droben # Und um die Wälder sah ich die ~~Fittiche # Des Himmels wandern, da ich ein ~~Jüngling war; # Nun sitz’ ich still allein, von ~~einer # Stunde zur anderen, und ~~Gestalten # Aus Lieb und Leid der helleren Tage ~~schafft # Zur eignen Freude nun meim Gedanke ~~sich, # Und ferne lausch’ ich hin, ob nicht ~~ein # Freundlicher Retter villeicht mir ~~komme. # Dann hör’ich oft die Stimme des ~~Donnerers # Am Mittag, wenn der eherne nahe ~~kommt, # Wenn ihm das Haus bebt und der ~~Boden # Unter ihm drohnt und der Berg es ~~nachhallt. # Den Retter hör’ ich dann in der Nacht, ~~ich hör ~~’ # Ihn tötend, den Befreier, belebend ~~ihn, # Den Donnerer vom Untergang ~~zum # Orient eilen, und ihm nach tönt ~~ihr, # Ihm nach, ihr meine Saiten! es lebt mit ~~ihm # Mein Lied, und wei die Quelle dem ~~Strome folgt, # Wohin er denkt, so muss ich fort ~~und # Folge dem Sicheren auf der ~~Irrbahn. # Wohin? wohin? ich höre dich da und ~~dort # Du Herrlicher! und rings um die Erde ~~tönt’s. # Wo endest du? und was, was ist ~~es # Uber den Wolken und o wie wird ~~mir? # Tag! Tag! Du über stürzenden Wolken! ~~sei # Willkommen mir! es blühet mein Auge ~~dir. # O jugendlicht! o Glück! das ~~alte # Wieder! doch geistiger rinnst du ~~nieder # Du goldner Quell aus heiligem kelch! ~~und du, # Du grüner Boden, friedliche Wieg’! und ~~du, # Haus meiner Väter! und ihr ~~Lieben, # Die mir begegneten einst, o ~~nahet, # O kommt, dass euer, euer die Freude ~~sei, # Ihr alle, dass euch segne der ~~Sehende! # O nehmt, dass ich’s ertrage, ms137 mir ~~das # Leben, das Göttliche mir vom ~~Herzen. # | من أناشيد الليل # كتب هلدرلين أناشيد الليل وهو على الحافة بين قمة نضجه ~~وهاوية جنونه، حين بدأ يبحث لنفسه عن أسلوب شعري جديد ولغة ~~شعرية جديدة، ويتخلص من البحور والأوزان الكلاسيكية التي ~~تعلمها من ألكايوس وهوراس وغيرهما. وهي في جملتها قصائد ذات ~~عنوان غامض غريب، تكتسب فيها الآلهة والأبطال معاني وأبعادا ~~جديدة، وتزدحم بالصور الغريبة التي تأثرت بانطباعاته الحية في ~~رحلته إلى الجنوب الدافئ، كما تزدحم بأبطال تحتاج الآلهة ~~إليهم (لأن الآلهة - كما يقول في قصيدته الطويلة عن نهر الراين ~~- لا تشعر من نفسها بشيء، ولهذا فهي في حاجة لمن يشاركها ~~الشعور ويغني باسمها ...) وهكذا نجد سقراط بجانب المسيح، ~~وديونيزيوس بجانب روسو. وتصل الألوهية إلى الوعي بنفسها من ~~خلال البطل والشاعر، ولكن هذين يعرفان فداحة الثمن الذي لا بد ~~أن يؤدياه في سبيل ذلك. وقد دفع إمبادوقليس وهيبريون وهلدرلين ~~نفسه هذا الثمن الفادح، فقد طرد إمبادوقليس من بلده واختار ~~الانتحار في فوهة بركان إتنا، ويئس هيبريون من الثورة الفاسدة ~~ومن جدوى الفعل والواقع كله فتنسك كالكاهن الزاهد في محراب ~~الطبيعة الأم، وعكف هلدرلين على نفسه في هذه المرحلة الخطرة من ~~حياته وراح يتأمل قدره البائس في الأدب والحب والحياة. ولعل ~~هذه الأبيات من قصيدته الطويلة التي لم يتمها - وهي قصيدة ~~«منتصف الحياة» التي تجدها في هذه المجموعة - أن تكشف عن حالته ~~الروحية والعقلية في ذلك الحين: # ويلي! أين أعثر على الأزهار # حين يأتي الشتاء؟ # وأين أجد نور الشمس # وظلال الأرض؟ # الجدران تقف صامتة باردة # وفي الريح ترفرف الأعلام ... # أناشيد الليل (1803م) # دموع # أيها الحب السماوي! أيها الحنون! # ليتني استطعت أن أنساك، ليتني يا بنات القدر، # يا أيتها الناريات الغارقات في الرماد والتراب # وكنتن قديما مقفرات موحشات، ~~(ليتني أنساك) أيتها الجزر الحبيبة، يا عيون دنيا ~~العجائب! # فقد أصبحت الآن همي الوحيد الفريد، ~~(وكذلك) شواطئك التي يكفر فيها الحب - عابد الأوثان - ~~عن خطاياه # لكنه لا يكفر عنها إلا للسماويين. # لأن المقدسين والأبطال الغاضبين # قد ms138 أدوا هناك فروض العبادة في أيام الجمال # وكانوا جميعا من الحامدين الشاكرين؛ # والأشجار الكثيرة والمدن كانت ماثلة في ذلك ~~المكان، # تراها العين أشبه برجل عاكف على التفكير؛ # أما الآن فقد مات الأبطال، وجزر الحب # تشوهت أو كادت. لذلك لا عجب # أن يصبح الحب خداعا وسخفا في كل مكان. # أيتها الدموع الرقيقة، لا تطفئي نور عيني # كل الإطفاء، أبقي لي، أيتها الخوانة المتلصصة، # ذكرى واحدة تحيا بعدي # حتى أموت ميتة نبيلة. ~~(TRÄNEN) # Himmlische Liebe! zärtliche! wenn ich ~~dein # Vergässe, wenn ich, o ihr ~~geschicklichen, # Ihr feug’gen, die voll Asche sind ~~und # Wüst und vereinsamet ohnedies ~~schon, # Ihr lieben Inseln, Augen der ~~Wunderwelt! # Ihr nämlich geht nun einzig allein mich ~~an, # Ihr Ufer, wo die ~~abgöttische # Büsset, doch Himmlischen nur, die ~~Liebe. # Denn allzudankbar haben die ~~Heiligen # Gedienet dort in Tagen der Schönheit ~~und # Die zorn’gen Helden; und viel ~~Bäume # Sind, und die Städte daselbst ~~gestanden, # Sichtbar, gleich einem sinnigen Mann; ~~izt sind # Die Helden tot, die Inseln der Liebe ~~sind # Enstellt fast. So ~~muβ übervorteilt, # Albern doch überall sein die ~~Liebe. # Ihr weichen Tränen, löschet das ~~Augenlicht # Mir aber nicht ganz aus; ein Gedächtnis ~~doch, # Damit ich edel sterbe, lasst ~~ihr # Trügrischen, Diebischen, mir ~~nachleben. # إلى الأمل # أيها الأمل! أيها الحبيب العطوف! # يا من لا تزور عن بيت الحزانى، # وتظل، أيها النبيل، تسعى بالخير # بين أبناء الفناء وقوى السماء، # أين أنت؟ عشت قليلا، لكن مسائي # ينفث أنفاسه الباردة. وها أنا ذا أجلس هنا في ~~سكون # كالظلال، وقلبي المرتجف # ينعس في صدري محروما من الغناء. # في الوادي الأخضر، هناك حيث ينساب الغدير النضير # كل يوم من الجبل، وتتفتح (أغصان) الزعفران ~~الفاتنة # في أحد أيام الخريف، هناك في ظل السكون # أريد أيها الجميل الرقيق # أن أفتش عنك، أو عندما تموج الحياة غير المنظورة # في البستان إذا انتصف الليل، # وتلمع فوقي النجوم المتفتحة (اليانعة) # هذه الأزهار الدائمة الفرحة، # هناك أطل يا بن الأثير # من ms139 حدائق أبيك! وإذا لم يقدر لك # أن تأتي على هيئة روح الأرض، # فأفزع قلبي، أفزعه برؤية أخرى. ~~(AN DIE HOFFNUNG) # O Hoffnung! holde! ~~gutiggeschäftige! # Die du das Haus der Trauernden nicht ~~verschmähst, # Und gerne diened, Edle! ~~zwischen # Sterblichen waltest und ~~Himmelsmächten, # Wo bist du? wening lebt’ ich; doch ~~atmet kalt # Mein Abend schon. Und stille, den ~~Schatten gleich, # Bin ich schon hier; und schon ~~gesanglos # Schlummert das schaudernde Herz im ~~Busen. # Im grünen Tale, dort, wo der frische ~~Quell # Vcm Berge täglich rauscht, und die ~~liebliche # Zeitlose mir am Herbsttag ~~aufblüht, # Dort, in der Stille, du Holde, will ~~ich # Dich suchen, oder wenn in der ~~Mitternacht # Das unsichtbare Leben im Haine ~~wallt, # Und uber mir die ~~immerfrohen # Blumen, die bluhenden Sterne, ~~glänzen, # O du des Äthers Tochter! erscheine ~~dann # Aus deines Vaters Gärten, and darfst du ~~nicht # Ein Geist der Erde, kommen, schröck’, ~~o # Schröcke mit anderem mut dar Herz ~~mir. # عصور # يا مدائن الفرات! # يا حارات تدمر! # 1 # يا غابات الأعمدة في سهول الصحراء، # ما أنت؟ # 2 # قممك وذراك # انتزعتها منك النار ودخان السماويين # لما اجتزت حدود الأنفاس؛ # أما الآن فإني أجلس تحت السحب ~~(من كل منها ينبعث سلام خاص) # في ظل أشجار البلوط المنسقة، # وعلى مرج (تمرح فيه) الأيائل # تبدو لي أرواح المباركين # غريبة وميتة. ~~(LEBENSALTER) # Ihr Städte des ~~Euphrats! # Ihr Gassen von Palmyra! # Ihr Säulenwälder in der Eb’ne der ~~Wuste, # Was seid Ihr? # Euch hat die ~~Kronen, # Dieweil ihr über die ~~Grenze # Der Omenden seid ~~gegangen, # Von Himmlischen der Rauchdampf ~~und # Hinweg das Feuer ~~genommen; # Jetzt aber sitz’ich unter Wolken ~~(deren # Ein jedes eine Ruh’hat eigen) ~~unter # Wohleingerichteten Eichen, ~~auf # Der Heide des Rehs, und ~~fremd # Erscheinen und gestorben ~~mir # Der Seligen ~~Geister. # منتصف الحياة # بالكمثرى الصفراء # والوردات البرية # يتدلى الشاطئ # في ماء بحيرة، # أيتها البجعات الحلوة، # خمر القبلات أشاعت # فيك النشوة، # وغمست رءوسك # في الماء الطاهر ms140 # ويلي، لو جاء شتاء # أين سأقطف أزهاري # وألاقي نور الشمس # وظل الأرض؟ # تبدو الجدران أمامي # باردة خرساء # والرايات # ترفرف في الريح. ~~(HÄLFTE DES ~~LEBENS) # Mit gelben Birnen ~~hänget # Und voll mit wilden ~~Rosen # Das Land in den ~~See, # Ihr holden ~~Schwäne, # Und trunken von ~~Küssen # Tunkt ihr das ~~Haupt # Ins heilignüchterne ~~Wasser. # Weh mir, wo nehm’ ich, ~~wenn # Es Winter ist, die Blumen, und ~~wo # Den Sonnenschein # Und Schatten der ~~Erde? # Die Mauern stehn # Sprachlos und kalt, im ~~Winde # Klirren die ~~Fahnen. # أشعار من مرحلة جنونه # 3 ~~(1805-1843م) # إلى تسيمر (1812م) # إن خطوط الحياة متنوعة # تنوع الدروب وحدود الجبال. # ما نحن هنا يمكن أن يكمله رب هناك # بالانسجام والثواب الأبدي والسلام. ~~(AN ZIMMERN) # Die Linien des Lebens sind ~~verschieden, # Wie Wege sind, und wie der Berge ~~Grenzen, # Was hier wir sind, kann dort ein Gott ~~ergänzen # Mit Harmonien und ewigem Lohn und ~~Frieden. # إلى تسيمر # 4 ~~(حوالي سنة 1825م) # إذا كان الرجل طيبا وحكيما # قلت عنه: ما الذي يحتاج إليه؟ # أهناك شيء يمكن أن يشبع روحه؟ # هل ينمو على هذه الأرض عود من العشب أو كرمة ~~ناضجة # يمكن أن تغذيه؟ إليك معنى هذا القول: # غالبا ما يكون الصديق هو الحبيبة، وفي أكثر ~~الأحيان # يكون هو الفن. أيها الغالي، إني أصارحك بالحقيقة. # روحك هي روح دادالوس # 5 # والغابة ... ~~(AN ZIMMERN) # Von einem Menschen sag ich, wenn der ~~ist gut # Und weise, was bedarf er? Ist irgend ~~eins # Das einer Seele gaüget? ist ein Halm, ~~ist # Eine gereifteste Reb’ auf ~~Erden # Gewachsen, die ihn nähre? Der Sinn ist ~~des # Also. Ein Freund ist oft die Geliebte, ~~viel # Die Kunst. O Teurer, dir sag ich die ~~Wahrheit. # Dädalus Geist und des Walds ist ~~deiner. # اقتناع # 6 ~~(1841م) # كمثل ما يغمر النهار البشر بضوئه # وبالنور الذي ينبثق من الأعالي، # ويؤلف بين الظواهر الغائمة، # كذلك الشأن مع المعرفة التي يسبر العقل أغوارها ... ~~(UBERZEUGUNG) # Alswie der ms141 Tag die Menschen hell ~~umscheinet, # Und mit dem Lichte, das den Höh’n ~~entspringet, # Die dämmernden Erscheinungen ~~vereinet, # Ist Wissen, welches tief der ~~Geistigkeit gelinget. # | خبز ونبيذ1 # (إلى هينسه) (1800م) # 1 # المدينة يشملها الهدوء، الشارع المضاء أخلد ~~للسكون، # والعربات المزدانة بالمشاعل تهدر على الطريق. # الرجال الذين شبعوا من مباهج النهار راجعون إلى بيوتهم ~~ليرتاحوا، # ورأس مدبر يزن الربح والخسارة في بيته وهو راض؛ # السوق المزدحم أقفر من الأعناب والأزهار، # ومن السلع التي صنعتها أيدي الناس. # لكن رنين الأوتار يسمع من بعيد وهو يرف آتيا من ~~البساتين؛ # ربما كان هناك عاشق يعزف ألحانه أو رجل وحيد # يتذكر شبابه وأصحابه البعيدين؛ # والينابيع الرطبة لا تزال تتدفق وتنثر رذاذها على حوض ~~الزهور الذي يفوح منه العبير. # في الهواء الشاحب الضوء تتردد أصداء الأجراس في ~~هدوء، # وأحد الحراس ينبه للساعات ويهتف بالأرقام. # وتأتي الآن نسمة وتحرك ذرى الأشجار في البستان، # انظر! ها هو ذا القمر - وهو ظل أرضنا - يأتي أيضا على ~~استحياء؛ # ويأتي الليل الحالم الذي ترصعه النجوم ولا يعيرنا غير ~~قليل من الاهتمام، # الليل المدهش الغريب بين البشر، # يتألق هناك في حزن وروعة فوق أعالي الجبال ... # 2 # عجيبة هي نعمة هذا الليل الجليل وما من أحد يدري # من أين ولا ما الذي يصيبه منه. # هكذا يحرك الكون وروح البشر المفعمة بالرجاء، # والحكماء أنفسهم لا يفهمون شيئا عن تدابيره، # فتلك هي مشيئة رب الأرباب الذي يؤثرك بالحب ~~العظيم، # ولهذا فما يزال النهار الأريب أعز عليك من الليل. # لكن العين الصافية أيضا قد تحب ظلاله # وتعالج النوم لتستمتع به قبل أن تشتد حاجتها ~~إليه، # وقد يحلو للرجل الوفي أن يتملى الليل في سرور، # بل قد يخلق بالناس أن يقدموا له الأكاليل ~~والأناشيد، # لأنه مقدس لدى التائهين والأموات، # وإن بقي إلى الأبد ثابتا متحرر الفكر والروح. # لكن عليه أيضا أن يمنحنا النسيان والنشوة ~~المقدسة؛ # حتى نجد شيئا نتشبث به في لحظة التردد وفي غياهب ~~الظلام، # وعليه أن يمنحنا الكلمة المتدفقة التي يهجرها ~~النعاس # كما يهجر [جفون] العشاق، ms142 # ويهبنا الكأس المترعة والحياة الجسورة، # والتذكار المقدس أيضا لنقضي الليل ساهرين ... # 3 # كذلك نحاول عبثا أن نخفي القلوب في الصدور، ونحاول ~~عبثا ~~- من صبية ومعلمين متمرسين - أن نكبح جماح ~~الإقدام، # فمن ذا الذي يمكنه أن يقف في وجهه، من ذا الذي يحرم ~~علينا الابتهاج؟ # والنار الإلهية أيضا تحفزنا بالليل والنهار على ~~الانطلاق. # هيا إذن نطالع الأفق الرحيب، # 2 # ونلتمس (الحقيقة) التي تعبر عن نفوسنا، # 3 # مهما تكن بعيدة [الدار]. # أمر واحد لا سبيل للشك فيه؛ وسواء أكان ذلك في وقت ~~الظهيرة # أم امتد به الزمن إلى منتصف الليل، فهناك مقياس ثابت على ~~الدوام، # يشارك فيه الجميع، وإن يكن كذلك لكل واحد نصيب ~~مقسوم، # وكل منا يغدو ويروح إلى حيث يستطيع. # ولهذا قد يطيب للجنون المرح أن يسخر بالسخرية، # إذا تمكن في الليل المقدس فجأة من المنشدين. # تعال إذن إلى البرزخ! # 4 # حيث يهدر البحر الواسع بالقرب من البارناس # 5 # والثلج يلمع فوق صخور دلفي، # 6 # إلى بلاد الأوليمب، # 7 # وقمة كيثايرون، # 8 # هناك بين أشجار الصنوبر والشربين، بين الأعناب ~~والكروم، # إلى حيث ترقد «طيبة» في الوادي # ويهدر «أزمينوس» في بلاد كادموس؛ # 9 # فمن هناك أقبل الرب القادم وإليها يشير. # 4 # يا بلاد اليونان المباركة! أنت يا منزل السماويين ~~أجمعين، # أحق ما سمعناه عنك في أيام الشباب؟ # وعن بهو الاحتفالات، وأرضه كالمحيط، وموائده ~~كالجبال، # وقد بني لغرض واحد من أقدم الأزمان؟! # لكن أين العروش؟ أين المعابد والأواني # التي كانت تملأ بالنكتار # 10 # لإسعاد الآلهة، وأين الغناء؟ # أين، أين تتألق إذن نبوءات الوحي ذات المرمى ~~البعيد؟ ~~«دلفي» تغط في النعاس، وأين يتردد صوت القدر ~~العظيم؟ # أين ذلك الخفيف السريع! أين ينشق بصوت الرعد من السماوات ~~الصافية # وهو يفيض بالسعادة الغامرة ويشرق لعيون الفانين؟ # يا أبانا الأثير! هكذا هتفوا وطار النداء من لسان ~~للسان # وتضاعف [رنينه] آلاف المرات، وما من أحد استطاع # أن يتحمل وحده عبء الحياة؛ # وتوزع هذه الثروة فتدخل البهجة على النفوس، ويتبادلونها ~~مع الأغراب، # فتنقلب إلى فرح وتهليل، وتنمو قوة ms143 الكلمة وهي مستسلمة ~~للنعاس: # يا أبانا! أيها الأثير الصافي! وتنتشر أصداء الإشارة ~~القديمة # التي ورثوها عن الآباء، وتهز وتخلق بقدر ما ~~تستطيع. # فهكذا يجيء السماويون، ويصل نهارهم الذي يزلزل ~~الأعماق # إلى البشر من عالم الظلام والظلال. # 5 # يأتون في مبدأ الأمر دون أن يفطن إليهم أحد، ويندفع ~~نحوهم الأطفال، # ويقبل الحظ معهم، باهر الضياء يعشي الأبصار، # ويهابهم الإنسان ويوشك حتى نصف إله # ألا يعرف أسماء المقبلين عليه بالنعم والعطايا. # لكن شجاعتهم فائقة، ومباهجهم تملأ قلبه، # وهو لا يكاد يدري كيف يتصرف في ثروته، # فينشط للعمل، ويبذرها ويكاد يقدس أشياء مدنسة # باركتها لمسة يده في حمق وحنان. # يصبر السماويون على هذا بقدر ما يستطيعون، # ثم لا يلبثون أن يظهروا بأنفسهم، ويعتاد الناس، # الحظ الطيب والنهار ويألفون رؤية من تجلوا لهم # ومطالعة وجوه أولئك الذين دعوا من قديم الزمن باسم ~~الواحد والكل، # وأفرغوا الاعتزاز والرضا في القلب الكتوم، # وكانوا وحدهم أول من أرضى الشوق ولبى الحاجات؛ # هكذا الإنسان؛ حين تكون الثروة بين يديه، # ويؤثره الرب نفسه بالنعم والهدايا، # لا يفطن إليها ولا يراها. # عليه أولا أن يتحمل ويقاسي، لكنه الآن يسمي أعز ~~الأحباب إلى نفسه، # ولا بد الآن أن تتفتح الكلمات التي تدل عليه كما تتفتح ~~الأزهار. # 6 # وهو الآن يفكر جادا في إكرام الآلهة المباركين، # وكل شيء يرى من واجبه أن يتجه إليهم بأصدق الحمد ~~والثناء. # لا ينبغي لشيء أن يرى النور إن لم يرض عنه ~~الأعلون، # وغير خليق بالأثير كل سعي فارغ لاه. # لهذا تنهض الشعوب وتصطف صفوفا رائعة # 11 # لتقف وقفة أبية في حضرة السماويين # وتتنافس على المجد وتشيد المعابد والمدن الجميلة، # التي ترتفع عالية فوق الشواطئ والضفاف ... # ولكن أين هم؟ أين يزدهر أولئك الأغنياء عن التعريف، ~~تيجان المهرجان؟ # طيبة تذبل وأثينا؛ ألم تعد الأسلحة تصلصل في ~~أوليمبيا، # ولا العربات الذهبية التي كانت تهدر في الألعاب، # وهل أصبحت سفن كورنثة عارية من الأكاليل؟ # ولماذا صمتت أيضا المسارح القديمة المقدسة؟ # لماذا لا يبتهج الرقص المكرس [للآلهة]؟ # لماذا لا يطبع رب ms144 جبهة الرجل كما كان يفعل من ~~قبل، # ولا يختم بخاتمة من أصابه بسهمه؟ # 12 # أم هل جاء بنفسه وتقمص هيئة إنسان، # وأتم العيد السماوي وبالمواساة أنهاه؟ # 7 # لكننا يا صديق قد أتينا جد متأخرين. صحيح أن الآلهة ~~حية، # لكنها تحيا فوق رءوسنا، هناك في عالم مختلف. # هناك يعملون بغير حدود، ولا يبدو عليهم أنهم يحفلون ~~كثيرا بوجودنا، # فهكذا يرأف السماويون بحالنا ويسبغون رحمتهم علينا. # 13 # إذ ليس في وسع إناء هش أن يحتويهم، # ولا يقدر الإنسان أن يحتمل كمالهم # 14 # إلا في بعض الأحيان. # لهذا كانت حياتنا حلما يطوف بهم. غير أن الحيرة # 15 # تعين، # كما يعين النعاس، والمحنة والليل يجعلاننا ~~أقوياء، # حتى ينمو عدد كاف من الأبطال في المهد الحديدي، # وتصبح الأفئدة في قوتها شبيهة بالسماويين. # هنالك يأتون بصوت الرعود. ويبدو لي في هذه ~~الأثناء # أن من الخير لي أن أنام # على أن أكون بغير صحاب دائم الانتظار كما هي حالي ~~الآن، # ولست أدري عندئذ ماذا أفعل وأقول، # ولم الشعراء في الزمن الضنين؟ # لكنهم، كما تقول، مثل كهنة رب الخمر المقدسين، # الذين سروا في الليل المقدس من بلد إلى بلد. # 8 # لأنهم لما صعدوا جميعا إلى السماء، وهم الذين أشاعوا ~~السعادة في الحياة، # وكان ذلك من زمن يبدو لنا اليوم بعيدا، # ولما حول الأب وجهه عن البشر، # وبدأ الحداد - بحق - يخيم على الأرض، # ولما تجلى آخر الأمر روح هادئ # يحمل معه العزاء من السماء، وأعلن نهاية النهار ثم ~~غاب، # تركت الجوقة السماوية وراءها بعض الهدايا، ~~- علامة على أنها كانت هنا وسوف تعود - # وابتهجنا بهذه الهدايا كما فعل الناس من قبل، # إذ إن بهجة الروح قد زادت عظائم الأمور عظمة بين ~~البشر، # وما زلنا نفتقر إلى الأقوياء القادرين # على التمتع بأسمى المباهج والأفراح، # وإن كان بعض العرفان بالجميل لا يزال يحيا في صمت ~~وسكون. # الخبز ثمرة الأرض، ولكن النور يباركه، # ومن رب الرعود تأتي مسرة النبيذ. # لهذا يطيب لنا أن نتذكر السماويين، # الذين كانوا هنا ذات يوم وسوف يعودون # عندما ms145 يئين الأوان، # ولهذا يترنم المنشدون أيضا برب النبيذ، # ويبتهلون إليه بروح جاد، # ولا يبدو باطلا ذلك الحمد والثناء على [الرب] ~~القديم. # 9 # أجل! ويقولون بحق إنه يصالح النهار مع الليل، # ويوجه حركة الكواكب أبد الدهر هبوطا وعلوا، # ويظل فرحا في كل الأوقات كأغصان شجرة الصنوبر المخضرة ~~على الدوام # التي يحبها، وكالإكليل الذي انتقاه من أعواد ~~اللبلاب # لأنه يدوم ويبلغ آثار الأرباب الغائبين أنفسهم # للجاحدين # 16 # الذين يعيشون في هاوية الظلام. # 17 # انظر! نحن الذين تنبأت بهم أنشودة القدماء عن أطفال ~~الله، # نحن الذين صدقت عليهم، وإنها لثمرة بلاد الغرب. # 18 # تحققت في الإنسان على نحو عجيب ودقيق، # فليؤمن بها كل من ثبتت لديه! غير أن أمورا كثيرة ~~تحدث، # ولا شيء منها يترك أثرا، لأننا نظل [قساة] بلا ~~قلوب، # محض أشباه وظلال، حتى نعرف أبانا الأثير، # ويصبح ملكا لنا أجمعين. # لكن السوري، ابن الرب الأعلى، # 19 # يهبط في هذه الأثناء # إلى الظلال وهو يهز مشعله، ويراه الحكماء ~~المباركون، # وتشرق الابتسامة في النفس السجينة، # ويذيب النور [الثلج المتجمد] فوق عيونهم. # 20 # ويحلم «التيتان» # 21 # بين ذراعي الأرض وينعم بالنعاس، # بل إن «سيربيروس» # 22 # الحسود يشرب وينام. ~~(BROT UND WEIN) ~~(AN HEINZE) # 1 # Rings um ruhet die Stadt; still wird ~~die erleuchtete Gasse, # Und, mit Fackeln geschmückt, rauschen ~~die Wagen hinweg. # Satt gehn heim von Freuden des Tags zu ~~ruhen die Menschen, # Und gewinn und Verlust wäget ein ~~sinniges Haupt # Wohlzufrieden zu Haus; leer steht von ~~Trauben und Blumen, # Und von Werken der Hand ruht der ~~geschäftige Markt. # Aber das Saitenspiel ~~tönt fern aus Gärten; vielleicht, ~~daß # Dort ein Liebendes spielt oder ein ~~einsamer Mann # Ferner Freunde gedenkt und der ~~Jugendzeit; und die Brunnen # Immerquillend und frisch rauschen an ~~duftendem Beet. # Still in dämmriger Luft ertönen ~~geläutete Glocken, # Und der Stunden gedenk rufet ein ~~Wächter die Zahl. # Jetzt auch kommet ein Wehn und regt die ~~Gipfel des Hains auf, # Sieh! und das Schattenbild ms146 unserer ~~Erde, der Mond, # Kommet geheim nun auch; die ~~Schwärmerische, die Nacht ~~kommt, # Voll mit Sternen und wohl wenig ~~bekümmert um uns, # Glänzt die Erstaunende dort, die ~~Fremdlingin unter den ~~Menschen, # Uber Gebirgeshöhn traurig und prächtig ~~herauf. # 2 # Wunderbar ist die Gunst der ~~Hocherhabnen und niemand # Weiss von wannen und was einem ~~geschiehet von ihr. # So bewegt sie die Welt und die hoffende ~~Seele der Menschen, # Selbst kein Weiser versteht, was sie ~~bereitet, denn so # Will es der oberste Gott, der sehr dich ~~liebet, und darum # Ist noch lieber, wie sie, dir der ~~besonnene Tag. # Aber zuweilen liebt auch klares Auge ~~dcn Schatten # Und versuchet zu Lust, eh’es die Not ~~ist, den Schlaf, # Oder es blickt auch gern ein treuer ~~Mann in die Nacht hin, # Ja, es ziemet sich, ihr Kranze zu weihn ~~und Gesang, # Weil den Irrendcn sie geheiliget ist ~~und den Totcn, # Selber aber besteht, ewig, in freiestem ~~Geist. # Aber sie muss uns auch, dass in der ~~zaudernden Weile, # Dass im Finstern für uns einiges ~~Haltbare sei, # Uns die Vergessenheit und das ~~Heiligtrunkene gönnen, # Gönnen das strömende Wort, das, wie die ~~Liebcndcn, sei, # Schlummerlos und vollern Pokal und ~~kühneres Leben, # Heilig Gedachtnis auch, wached zu ~~bleiben bei Nacht. # 3 # Auch verbergen umsonst das Herz im ~~Busen, umsonst nur # Halten den Mut noch wir, Meister und ~~Knaben, denn wer # Möcht’ es hindern und wer möcht’ uns ~~die Freude verbieten? # Göttliches Feuer auch Treibet, bei Tag ~~und bei Nacht, # Aufzuberchen. So komm! ~~daβ wir das Offene ~~schauen, # Daβ ein Eigenes ~~wir suchen, so weit es auch ~~ist. # Fest bleibt Eins; es sei um Mittag oder ~~es gehe # Bis in die ~~Mitternacht, immer bestehet ein ~~Maβ, # Allen gemein, doch jeglichem auch ist ~~eignes beschieden, # Dahin gehet und kommt jeder, wohin er ~~es kann. # Drum! und spotten des Spotts mag gern ~~frohlockender ms147 Wahnsinn, # Wenn er in heiliger Nacht plötzlich die ~~Sänger ergreift. # Drum an den Isthmos komm! dorthin, wo ~~das offene Meer rauscht # Am Parnaβ und der Schnee ~~delphische Felsen umglänzt, # Dort ins Land des Olymps, dort auf die ~~Höhe Cithärons, # Unter die Fichten dort, unter die ~~Trauben, von wo # Thebe drunten und Ismenos rauscht im ~~Lande des Kadmos, # Dorther kommt und zurück deutet der ~~kommende Gott. # 4 # Seliges Griechcnland! du Haus der ~~Himmlischen alle, # Also ist wahr, was einst wir in der ~~Jugcnd gehört? # Festlicher Saal! der Boden ist Meer! ~~und Tische die Berge, # Wahrlich zu einzigem Brauche vor alters ~~gebaut! # Aber die Thronen, wo? die Tempel, und ~~wo die Gefässe, # Wo mit Nektar gefüllt, Göttern zu Lust ~~der Gesang? # Wo, wo leuchten sie denn, die ~~fernhintreffenden Sprüche? # Delphi schlummert und wo tönet das ~~grosse Geschick? # Wo ist das schnelle? Wo brichts, ~~allgegenwärtigen Glücks voll # Donnernd aus heiterer Luft über die ~~Augen herein? # Vater Ather! so riefs und flog von ~~Zunge zu Zunge, # Tausendfach, es ertrug keiner das Lebcn ~~allein; # Ausgeteilet erfreut solch Gut und ~~getauschet, mit Fremdcn, # Wirds ein Jubel, es wächst schlafend ~~des Wortes Gewalt: # Vater! heiter! und hallt, so weit es ~~gehet, das uralt # Zeichen, von Eltern geerbt, treffend ~~und schaffend hinab. # Denn so kehren die Himmlischen ein, ~~tiefschütternd gelangt so # Aus den Schatten herab unter die ~~Menschen ihr Tag. # 5 # Unempfunden kommen sie erst, es streben ~~entgegen # Ihnen die Kinder, zu hell kommet, zu ~~blendend das Glück, # Und es scheut sich der Mensch, kaum ~~weiβ zu sagen ein ~~Halbgott # Wer mit Namen sie sind, die mit den ~~Gaben ihm nahn. # Aber der Mut von ihnen ist gross, es ~~füllen das Herz ihm # Ihre Freuden und kaum weiβ er zu ~~brauchen das Gut, # Schafft, verschwendet und fast ward ihm ~~Unheiliges heilig, # Das er mit segnender Hand törig und ms148 ~~gütig berührt. # Möglichst dulden die Himmlischen dies; ~~dann aber in Wahrheit # Kommen sie selbst, und gewohnt werden ~~die Menschen der Glücks # Und des Tags und zu schaun die ~~Offenbaren, das Antlitz # Derer, welche, schon längst Eines und ~~Alles genannt, # Tief die verschwiegene Brust mit freier ~~Genüge gefüllet, # Und zuerst und allein alles Verlangen ~~beglückt; # So ist der Mensch; wenn da ist das Gut, ~~und es sorget mit Gaben # Selber ein Gott für ihn, kennet und ~~sieht er es nicht. # Tragen muss er, zuvor; nun aber nennt ~~er sein Liebstes, # Nun, nun müssen dafür Worte, wie Blumen ~~entstehn, # 6 # Und nun denkt er zu ehren in Ernst die ~~seligen Götter, # Wirklich und wahrhaft muss alles ~~verkünden ihr Lob. # Nichts darf schauen das Licht, was ~~nicht den Hohen gefället, # Vor dcn Äther gebührt ~~Müssigversuchendes nicht. # Drum in der Gegenwart der Himmlischen ~~würdig zu stehen, # Richtcn in herrlichen Ordnungen Völker ~~sich auf # Untereinander und baun die schonen ~~Tempel und Städte # Fest und edel, sie gehn über Gestaden ~~empor- # Aber wo sind sie? Wo blühn die ~~Bekannten, die kronen des ~~Festes? # Thebe welkt und Athen; rauschen die ~~Woffen nicht mehr # In Olympia, nicht die goldnen Wagen des ~~Kampfspiels, # Und bekränzen sich denn nimmer die ~~Schiffe Korinths? # Warum schweigen auch sie, die alten ~~heilgen Theater? # Warum freuet sich denn nicht der ~~geweihete Tanz? # Warum zeichnet, wie sonst, die Stirne ~~des Mannes ein Gott nicht, # Drückt den Stempel, wie sonst, nicht ~~dem Getroffenen auf? # Oder er kam auch selbst und nahm des ~~Menschen Gestalt an # Und vollendet’ und scholoss tröstend ~~das himmlische Fest. # 7 # Aber Freund! wir kommen zu spät. Zwar ~~leben die Götter, # Aber über dem Haupt droben in anderer ~~Welt. # Endlos wirken sie da und scheinens ~~wenig zu achten, # Ob wir leben, so sehr schonen die ~~Himmlischen uns. # Denn nicht immer ~~vermag ein schwaches Gefäβ ms149 sie zu ~~fassen, # Nur zu Zeiten ertägt göttliche Fülle ~~der Mensch. # Traum von ihnen ist drauf das Leben. ~~Aber das Irrsal # Hilft, wie Schlummer, und stark machet ~~die Not und die Nacht, # Bis dass Helden genug in der ehernen ~~Wiege gewachsen, # Herzen an Kraft, wie sonst, ähnlich den ~~Himmlischen sind. # Donnernd kommen sie drauf. Indessen ~~dünket mir öfters # Besser zu schlafen, wie so ohne ~~Genossen zu sein, # So zu harren, und was zu tun indes und ~~zu sagen, # Weiss ich nicht, und wozu Dichter in ~~dürftiger Zeit? # Aber sie sind, sagst du, wie des ~~Weingotts heilige Priester, # Welche von Lande zu Land zogen in ~~heiliger Nacht. # 8 # Nämlich, als vor einiger Zeit, uns ~~dünket sie lange, # Aufwärts stiegen sie all, welche das ~~Leben beglückt, # Als der Vater gewandt sein Angesicht ~~von dcn Menschen, # Und das Trauern mit Recht über der Erde ~~begann, # Als erschienen zuletzt ein stiller ~~Genius, himmlisch # Trsteönd, welcher des Tags End ~~verkündet’ und schwand, # Liess zum Zeichen, dass einst er da ~~gewesen und wieder # Käme, der himmlische Chor einige Gaben ~~zurück, # Derer menschlich, wir sonst, wir uns zu ~~freucn vermöchten, # Denn zur Freude, mit Geist, wurde das ~~Grössre zu gross # Unter den Mcnschcn und noch, noch ~~fehlen die Starkcn zu höchsten # Freuden, aber es lebt stille noch ~~einiger Dank. # Brot ist der Erde Frucht, doch ists vom ~~Lichte gesegnet, # Und vom donnernden Gott kommet die ~~Freude des Weins. # Darum denken wir auch dabei der ~~Himmlischen, die sonst # Da gewesen und die kehren in richtiger ~~Zeit, # Darum singen sie auch mit Ernst, die ~~Sänger, den Weingott # Und nicht eitel erdacht tönet dem Alten ~~dass Lob. # 9 # Ja! sie sagen mit Recht, er söhne den ~~Tag mit der Nacht aus, # Führe des Himmels Gestirn ewig ~~hinunter, hinauf, # Allzeit froh, wie das Laub der ~~immergrünenden Fichte, # Das er Liebt, und ms150 der Kranz, den er von ~~Efeu gewählt, # Weil er bleibet und selbst die Spur der ~~entflohenen Götter # Götterlosen hinab unter das Finstere ~~bringt. # Was der Alten Gesang von Kindern Gottes ~~geweissagt, # Siehe! wir sind es, wir; Frucht von ~~Hesperien ists! # Wunderbar und genau ists also an ~~Menschen erfüllet, # Glaube, wer es geprüft! aber so vieles ~~geschieht, # Keines wirket, denn wir sind herzlos, ~~Schatten, bis unser # Vater Äther erkannt jeden und allen ~~gehört. # Aber indessen kommt als Fackelschwinger ~~des Höchsten # Sohn, der Syrier, unter die Schatten ~~herab. # Selige Weise sehns; ein Lächeln aus der ~~gefangnen # Seele leuchtet, dem Licht tauet ihr ~~Auge noch auf. # Sanfter träumet und schläft in Armen ~~der Erde der Titan, # Selbst der neidische, selbst Cerberus ~~trinket und schläft. # | المصادر # Hölderlin, ~~Sämtliche Werke. Herausegegeben von Friedrich ~~Beiss ner. Frankfurt/M, Insel-Verlag, 1961. ~~1343S. # Friedrich ~~Hölderlin. In Selbstzeugnissen und ~~Bilddokumenten dargestellt von ulrich ~~Häussermann. Hamburg, Rowohlt, 1961. ~~175S. # Hölderlin. ~~Ein Lesebuch für unsere Zeit. Von Tilly Bergner ~~und Rudolf Leonhard. Weimar, Volksverlag, 1956. ~~VIII 490S. # Dilthey, ~~wilhelm. Das Erlebnis und die Dichtung. 14 ~~Auflage, Göttingen, Vandenhoeck & ~~Ruprecht. S. 242-317. # Martini, ~~Fritz: Deutsche Literaturgeschichte, Neunte ~~Auflage. Stuttgart, Alfred Krôner Verlag, 1958. ~~S. 287-292. # Rehm, ~~Walther: Griechentum und Goethezeit. Geschichte ~~eines Glaubens. Dritte Auflage. Bern, A. Francke ~~Verlag, 1952. S. 319-381 # Hölderlin. ~~Introduced and edited by Michael Hamburger. With ~~plain prose translations of each poem. Penguin ~~Books, 1961, P. XXVII, ~~269. # Heidegger, ~~Martin: Erläuterungen zu Hölderlins Dichtung. ~~Frankfurt am Main, V. Klostermann, 1951, ~~147S. # الدكتور عبد الرحمن بدوي؛ في الشعر الأوروبي ~~المعاصر، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1965م، ~~ص32-47. # عبد الغفار مكاوي؛ لم الشعراء في الزمن الضنين؟ بين ~~القلب والعقل والشعر والفلسفة، مجلة الفكر المعاصر، ~~عدد سبتمبر 1971م، 65-80. ms151