######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.HukamaSabca.Hindawi73195169 #META# Tags: plays #META# ID: 73195169 #META# Title: الحكماء السبعة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # ملاحظات‏ # الإهداء‏ # تقديم‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # ملاحظات‏ # | الحكماء السبعة # | الحكماء السبعة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الإهداء # إلى ذكرى يوسف كرم # الفيلسوف الحق # والقدوة العالية، # في أيام صرعت فيها القيم # وغابت عنا القدوة. # | تقديم # كان أفلاطون هو أول من ذكر الحكماء السبعة وأسماءهم في محاورته ~~«بروتا جوارس (343ق.م.)، ثم جاء مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجينيس ~~اللائرسي «حوالي سنة 220 بعد الميلاد» فروى في كنزه النفيس، وهو كتابه ~~عن حياة الفلاسفة المشهورين وآرائهم، الكثير من أخبارهم وحكمهم ~~الموجزة التي تلخص تجربة حياتهم، وأورد أسماءهم السبعة المعروفة، ~~وقال: إن آخرين يضيفون إليهم «أناخارسيس»، و«ميسون»، و«فيريكيديس»، ~~و«إبيمينيدس»، وربما زيد عليهم اسم الطاغية «بيزيستراتوس»، وأسماء ~~أخرى تصل بهم إلى ثلاثة وعشرين حكيما! وظل الناس يتناقلون أنباءهم ~~وحكاياتهم وكلماتهم من العصر اليوناني إلى عصر النهضة. # وكان من الطبيعي أن تتغير صورهم وأسماؤهم وتفسير الرواة لهم من عصر ~~إلى عصر، حتى لقد وصل ذكرهم وطرف من أخبارهم إلى الشرق، فسجلت قصة ~~من روائع الأدب الفارسي بعض أقوالهم الجامعة على لسان سندباد الحكيم ~~والوزراء السبعة، في كتاب السندباد (سندباد نامه). وأشار إليهم بعض ~~فلاسفة الإسلام ومؤرخي الحكمة وطبقات الحكماء إشارات لا تخلو من ~~الطرافة «كالبيروني، والشهرستاني، وابن النديم، والشهرزوري، والمبشر بن ~~فاتك». # لم يكن هؤلاء الحكماء فلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة. لقد كانوا - ~~باستثناء «طاليس» أبي الفلسفة و«صولون» الشاعر والمشرع الأثيني المعروف ~~- رجال عمل وبناة دول، اشتهروا بالأمانة والصدق وقهر النفس واحترام ~~القوانين. وكانت تجارب حياتهم، بين القرن السابع والسادس قبل الميلاد، ~~التي تبلورت في حكمهم وكلماتهم بمثابة البذور التي نمت بعد ذلك في ~~أشكال فكرية حية. فأصبحت «اعرف نفسك» عند سقراط نظرية عن ارتباط ~~الفضيلة بالعلم والمعرفة، وتطورت ms01 «لا تسرف في شيء» عند أرسطو إلى ما ~~يسمى بنظرية الوسط الذهبي، وتغلغلت فكرتهم المحورية عن التزام الحد ~~والاعتدال في روائع العقل والوجدان اليوناني في الفلسفة والشعر، ~~وأناشيد الجوقة في المأساة. # التقيت بالحكماء السبعة في سنوات الطلب قبل ما يزيد على الربع ~~قرن. فقد هداني الحظ - في لحظة نادرة من تلك اللحظات التي يفتر فيها ~~ثغره عن بسمة ضنينة - إلى كتاب استوعب عباراتهم وحكاياتهم وأخبارهم ~~الأصيلة، وحققه ونشره العالم الألماني الأستاذ برونو سنيل، «حياة ~~الحكماء السبعة وآراؤهم، ميونيخ، سلسلة توسكولوم 1952م». ثم ظلت ~~أمواج الأيام والأحداث تتقاذف قارب شوقي للكتابة عنهم، حتى سألني زميل ~~كريم # 1 # أن أشارك في كتاب تذكاري عن مؤرخ الفلسفة العظيم وأستاذ ~~الأساتذة، المرحوم يوسف كرم. وما كان لي أن أتخلف عن ركب الوفاء لهذا ~~الحكيم الحق، الذي كان وسوف يظل القدوة والمثل الأعلى، خصوصا وأنا ~~أشهد في جيلي وزماني مصرع الحكمة وسفهها وتشويهها على أيدي عدد من ~~الصغار الذين ابتليت بهم، وبدأت العمل في المشروع القديم. وما لبثت ~~المادة المترامية الأطراف أن أقنعتني بالتخلي عن صورة المقال والبحث ~~التقليدية، وفرضت علي هذا الشكل الذي يجمع بين النثر والشعر، ويزاوج ~~بين الفلسفة والمسرح، ويمر في حياة الحكماء والتأمل في مصير الحكمة ~~بعدهم إلى الحد الذي يحرمهم من الدخول بين دفتي ذلك الكتاب ... ثم ~~توالت أمواج الأيام والأحداث، فعصفت بشراع حياتي في محنة شخصية ~~فجعتني في بعض الزملاء والأبناء، الذين توهمت ذات يوم أنهم ذخر ~~البقية الباقية من العمر. # وقد علمتني المحنة أن الشر والغدر المتعمد وصمة على جبين البشرية ~~كلها، كما علمتني في الوقت نفسه أن الظالم والمظلوم والقاتل والمقتول ~~صائرون في النهاية إلى التراب الذي يسوي بينهم على صدر أمنا الأرض. ~~ومع أن المحن الشخصية لا تكفي لإقامة علم ولا فن؛ إذ لا بد أن تجد ~~معادلها الموضوعي، في شكل فكري أو أدبي باق، وأن تبلور دموعها في ~~لآلئ صلبة صافية؛ فقد دفعتني بقوة الضرورة القاهرة لإتمام هذا العمل ~~الذي تراه بين يديك. وهو عمل ms02 ربما أثار في نفسك، كما أثار في نفسي، ~~شجونا تتصل بمحنتنا العربية التي لا تخرج المحن الفردية والجماعية ~~المتوالية عن أن تكون صورا مصغرة منها، وشظايا وشرارات من نيران ~~جحيمها الذي نصنعه لأنفسنا بأنفسنا. # ربما سألتني: لماذا الحكماء السبعة في زمن نعلم أن الحكمة غابت ~~عنه، وصارت ضعفا واستسلاما أو يأسا وركودا وظلاما، وتحولت عند ~~عدد كبير ممن جعلوها مهنتهم إلى كتب ميتة ومذكرات ركيكة، وإملاء ~~وتلقين واجتراء وتكرار، تجني كلها على النشء جناية لا تغتفر؟ ما جدوى ~~التذكير بهذه الشخصيات التي تنتمي إلى حضارة وثقافة أخرى، في ظروفنا ~~الحضارية والثقافية التي أصبحت أزمات تدهورها وانهيارها غير خافية ~~على أحد؟ وهل تستطيع بعض الشخصيات أو الكلمات المضيئة فوق بحار الظلمات ~~التاريخية أن تمد طوق النجاة للسفينة الغارقة؟ # إذا كانت الحكمة والحكماء قد غابا عن المسرح العالمي والمحلي ~~(باستثناء قلة من شيوخنا ورعاتنا الأجلاء قد لا يزيد عددهم عن أصابع ~~اليد الواحدة)؛ فإن ورثة الحكماء، وهم المثقفون، وسليلة الحكمة، وهي ~~الثقافة، يستحقان أن نقف معهما قليلا، ونذكرهما بالماضي العريق ~~والأجداد المنسيين. وأسارع فأبشر القارئ بأنني سأكفيه وأكفي نفسي ~~عبء الجدل الممل العقيم عن تعريف الثقافة ومقوماتها، والفرق بينها ~~وبين الحضارة والمدنية ... إلخ. وسأتجه مباشرة إلى حملة الثقافة وهم ~~المثقفون، بل سأحصر نفسي في دائرة واحدة من دوائرهم الكثيرة، وهي ~~دائرة المربين والمعلمين - وأنا واحد منهم - لعلنا نستطيع أن نستوحي ~~الحكمة والحكماء، ونقيم لأنفسنا محاكمة نقف فيها أمام أنفسنا ~~ونراجعها ونحاسبها، فمراجعة النفس ومحاسبتها، بالمعنى الكوني الشامل، ~~قد كانت على الدوام جزءا لا يتجزأ من الحكمة. # لا شك في أن التعميم يمكن أن يبتعد بنا عن الحق والإنصاف، ولا شك ~~أيضا في أن حياة المثقفين في الظروف التاريخية الصعبة التي مرت بنا ~~في العقود الثلاثة الأخيرة لم تكن سهلة ولا يسيرة، بل كانت في معظم ~~الأحيان شبه مستحيلة، وأدت في كثير من الأحيان إلى شعور المثقف ~~بالاغتراب المضاعف، وكادت أن تصل به إلى حافة الجنون. كما أن الحياة في ~~ظل النظم الفردية ms03 المطلقة التي غابت عنها الحرية والقانون قد أفرخت ~~مسوخا شتى من الطفيليين، والانتهازيين والنرجسيين المتضخمين، وتجار ~~الكلمة والعلم، وحواة الشعارات، والمغازلين للسلطة بعين وللتقدمية ~~بالعين الأخرى، حتى ليأخذنا العجب وتغلبنا الحسرة، فنهتف مع الشاعر ~~صلاح عبد الصبور، على لسان سعيد في مسرحيته «ليلى والمجنون»: «ربي! كيف ~~ترعرع في وادينا الطيب، هذا القدر من السفلة والأوغاد؟!» # ومع ذلك، فإن الظلام لم يستطع أن يطبق علينا تماما. فهنالك ~~إنجازات حقيقية في مختلف ميادين الإبداع والبحث العلمي قد تمت، ~~وروائع قليلة العدد قد استطاعت أن تبرز فوق مياه الطوفان وتتحداه. ~~والذي يعصم النفس من الغرق في اليأس والحزن أن حياتنا لم تخل من ~~المخلصين العاملين في صمت، والمتفانين إلى حد الاستشهاد، ~~والمترفعين المتعففين مهما أصابهم من الضيق والضنك والإملاق، وإن ~~بقي علينا أن ندركهم قبل أن يهلكهم الموت البطيء بسموم المرارة ~~والإحباط! # بيد أن الأهم من ذلك كله أن مفاهيم الثقافة والعلم والتعليم قد ~~أصبحت في أشد الحاجة إلى المراجعة الشاملة، كما أصبحت نظمها ~~ومناهجها وغاياتها وفلسفاتها، إن كانت هنالك فلسفات، في حاجة إلى ~~البداية من الصفر. وكما يحدث في أوقات الأزمات والمحن التي تلم ~~بالأفراد والشعوب، وتطرح فيها الأسئلة الكبرى والنهائية، ويتحتم ~~على ملاحي السفن المهددة بالغرق أن يواجهوا أنفسهم بهذا السؤال: إلى ~~أين ينتهي بنا السير؟ كذلك تقتضي الضرورة أن نسأل أنفسنا: ماذا نعلم ~~ولماذا نعلم؟ هل استطعنا أن نعلم الشباب، وننمي فيهم روح التفكير ~~النقدي المستقل، والبحث المتحرر من التميز والهوى؟ هل حققنا أقل قدر ~~من النجاح في إزالة الأوهام الراسخة وتحطيم الأصنام العقلية والتمييزات ~~البالية؟ ولماذا أخفقت الثقافة والعلم في تغيير واقع ملايين الناس ~~ووعيهم تغييرا ملحوظا، ولم تخط بهم خطوات ملموسة على طريق الحرية ~~والتقدم والاستنارة؟ هل اكتفينا بنقل المعلومات والمذاهب والنظريات - ~~وليته كان نقلا أمينا في كل الأحوال - وشاركنا، عن قصد أو غير قصد، ~~في قمع الفكر النقدي المستقل، ومد ظلال الركود القبيح والتهاوي ~~والعناء على مجتمعاتنا ككل؟ ألم يساعد ذلك في النهاية - بجانب عوامل ~~تاريخية واجتماعية ms04 وسياسية معروفة ولا حاجة لذكرها - في ظهور تلك ~~النباتات الشيطانية التي تشابكت وتضخمت في حقل المعرفة والأدب ~~والفن، حتى أوشكت أن تحيله إلى غابة تمرح وتصفر فيها أفاعي الانتهازية ~~والتسلط واستغلال العلم والمعرفة، في جمع الثروة وممالأة السلطة ~~والسعار إلى الشهرة والمنصب والمجد الكاذب؟ هل وعينا الدرس القائل ~~إن المعلم في حاجة إلى تعليم، والمربي في حاجة إلى تربية، فتحملنا ~~المسئولية بشجاعة وتشبثنا بإعلاء القيم في زمن سقوط القيم، ~~وتمسكنا بالراية شأن الجنود المناضلين؟ وهل استطعنا أخيرا أن نقف ~~متساندين جبهة واحدة للضمير اليقظ، كما وقف الحكماء والمعلمون ~~الحقيقيون على الدوام، لنرد المحنة عن حضارتنا التي يطبق عليها الحصار ~~وتتعرض للتصفية - لا بفعل الصهيونية والاستعمار وحدهما - وتضطر إلى ~~التراجع والانكماش، كأنها كائن خرافي آن أوان انقراضه، بعد أن لم ~~يعد له مكان في عالم تجاوزه وأنكره وسخر منه، اللهم إلا أن يصبح ~~حقل تجارب من كل نوع؟ # قلت إن الظلام لم يطبق بعد، فما زال هناك أمل، ولا بد أن يكون ~~الأمل. إن الكثيرين قد سقطوا أو تاهوا. وكثيرون أيضا قد تحملوا ~~وصمدوا صمود الرواقيين في عصور الشك واليأس والوحشية والجبروت. ولو ~~قدر لحكمة هؤلاء الحكماء وغيرهم أن تبعث حية؛ لمدت يدها لمن سقطوا ~~أو تاهوا قائلة: إن كل شيء لم ينته بعد. تعالوا إلى طريقي ولنبدأ من ~~جديد؛ فالأمر لا يتعلق بنا بقدر ما يتعلق بحضارة تخترمها الكوارث، ~~وتنتظرها كوارث أكبر. وإذا اختنق الإبداع وتهاوت إرادة الفكر الحر ~~المستقل حكمت الحضارة على نفسها بالانتحار. أما أولئك الذين تحملوا ~~وصمدوا؛ فسوف تواجههم قائلة: ليست الشجاعة في الصمود والكبرياء الجريحة ~~فحسب. إن الشجاعة والحقيقة في تغيير الواقع بالفعل. أعلم أنكم تعبتم ~~وعانيتم، ولكن تذكروا عشرات من المفكرين الذين انتهت حياتهم في ~~السجن أو المحرقة على الصليب أو المشنقة. إنهم لم يفاجئوا في لحظاتهم ~~الأخيرة بالشر والغدر، وإن لم يتوقعوا أن يصل إلى ما وصل إليه من ~~القسوة والخسة. ومع ذلك لا يصح أن تنسوا أن بقايا رمادهم هي الأرض ~~التي تقف ms05 عليها الحقيقة والحرية والأمل في التطور، ولولا أنوار إبداعهم ~~وكفاحهم؛ لصار تاريخ البشرية ظلمات فوق ظلمات. # إن الحكم التي ستقرؤها على ألسنة الحكماء السبعة لا يمكنها بطبيعة ~~الحال أن تثير كل هذه الأسئلة، أو توحي بكل هذه القضايا والمشكلات. ~~فلا بد من الاعتراف بأن بعضها سخيف وساذج، وبعضها الآخر مجرد وصايا ~~عملية ترتبط بالعادات والتقاليد الشعبية في ذلك العهد البعيد من عهود ~~الحضارة الإغريقية المبكرة. ثم إن أروع أقوالهم، مثل «اعرف نفسك»، ~~و«ابتغ الحد والقصد في كل شيء»، و«أدرك قيمة اللحظة» ... إلخ، يمكن أن ~~تفسر، وقد فسرت بالفعل تفسيرات متنوعة. ولكن المهم بعد كل شيء هو ~~قراءة هذه الحكم الماضية على ضوء الحاضر. وإذا كان الماضي لا يعود ولا ~~يتكرر أبدا، فإن نفس المشكلات والأخطار يمكن أن تواجه الشعوب ~~والحضارات المختلفة عندما تجد نفسها على مفترق طريق تاريخي يقتضي حكمة ~~جديدة يحققها حكماء من نوع جديد. وإذا كان العلم قد حل اليوم محل ~~الحكمة القديمة؛ فإن من واجب العلماء والمعلمين أن يضفوا عليه ~~كبرياءها وجلالها وإخلاصها في السعي إلى الحقيقة المنزهة. ولا بد ~~كذلك أن يعيدوا إليه دورها العريق في إنقاذ المدينة، والدفاع عن ~~أسوارها، وحرية أهلها ... لقد قيل إن الأنبياء غير المسلحين يخفقون ~~دائما (مكيافيللي). ومع أن المثقفين الذين نقصدهم قبل غيرهم، وهم ~~العلماء والمعلمون، ليسوا رسلا ولا أنبياء - على الرغم من بيت شوقي ~~المشهور الذي لم يعد أحد يصدقه، أو يأخذه مأخذ الجد - فإن سلاحهم ~~الوحيد الذي لا يجوز أن يتخلوا عنه هو الشجاعة. فلا قيمة لعلم أو فكر ~~لا يؤصل الحرية، ولا جدوى من تعليم فقد شجاعة التساؤل والنقد ~~المستقل. ولذلك لم يدهشني كثيرا أن أكتشف، بعد الفراغ من كتابة هذه ~~الحوارية، أنها تنتهي بسطور تتردد فيها أصداء أبيات من قصيدة شهيرة ~~عن يوميات نبي يحمل قلما، يتنظر نبيا، يحمل سيفا (من مسرحية ليلى ~~والمجنون لصلاح عبد الصبور). ولا تريد هذه السطور الغاضبة أن تهاجم ~~أحدا، ولا أن تدين وضعا محددا. وهي كذلك لا تهدف إلى تعرية ms06 جوانب ~~ضعف لا يخلو منها البشر بحكم طبيعتهم البشرية، كما أنها بعيدة كل ~~البعد عن أن تضع على رءوس المثقفين أو المعلمين هالة شاعرية وهمية. إن ~~الأمر في الواقع لأكبر من ذلك وأخطر؛ لأن الخطر الذي يتهدد حضارتنا ~~يتخطى الأشخاص والظواهر والأوضاع المحددة بالأزمان والبلدان. وقد ~~أكدت السطور السابقة أن المثقفين والعلماء والمعلمين بوجه خاص هم ~~ملاحو السفينة الموشكة على الغرق. # واليوم آن الأوان لكي يوجهوا السفينة ويصححوا اتجاهها، ويوقظوا ~~ركابها. ولن يقدروا على ذلك حتى يبدءوا بأنفسهم، ويستيقظوا من ~~سباتهم، ويحاسبوا ضمائرهم، ويراجعوا علمهم ومعرفتهم وفكرهم وسلوكهم. ~~فإذا استطاعت هذه المحاورات مع الحكماء السبعة أن تدعوهم إلى محاورة ~~النفس، وتذكرهم بأن الحكمة لم تمت ولا يمكن أن تموت، وأنها تحيا ~~وتتجدد وتقاتل عند الضرورة كلما أرادوا الحياة لأنفسهم وحضارتهم ~~وثقافتهم، إذا استطاعت أن تحقق شيئا من ذلك؛ فقد بلغت غاية ما ~~أتمناه. # عبد الغفار مكاوي # | الفصل الأول # المؤرخ يقلب في الأوراق، يجمع الوثائق ويتحقق من الحقائق التي ~~اختلطت بالغرائب والخرافات والأساطير، وحكايات الخوارق. وعندما ~~يدلهم الأفق وتأخذه الحيرة من كل سبيل يرفع صوته: يا أشباح الزمن ~~الماضي، من عمق القرن السادس قبل الميلاد. صوت من زمن المحنة يدعوكم، ~~فاستمعوا له، شبح يتشبث بالصدق وبالحكمة في عصر الكذب الشائن والغدر ~~الخائن، يرجو أن يتحاور معكم، أن يسألكم وتجيبوه. وتتزاحم الأشباح ~~وترتفع الأصوات. السبعة صاروا سبعة عشر وأكثر، والحيرة تزداد عليه ~~فيهتف: # المؤرخ ~~: # عشتم مثلي في زمن المحنة، والمحنة عاناها الشعر وقاستها ~~الكلمة. في العقود الأولى من قرنكم السادس، كانت أصوات الشعراء ~~ما تزال عالية شجية: «سافو» و«ألكايوس» من جزيرة «لسبوس»، ~~«سيمونيدس» و«ميمنيرموس» من «أيونيا»، «صولون» الشاعر ~~والمشرع الشهير من أثينا. لكن لا بد أنهم قد ماتوا جميعا ~~قبل انتصاف القرن، ولم يخلفهم أحد، ولا بد أن الجيل الذي ~~تلاهم قد خبت فيه نار الشعر، وخرست قيثاره، حتى حلت سنة ~~530، فانطلقت شرارته المقدسة من جديد. هذا الجيل المجدب هو ~~الذي ازدهرت فيه حكمتكم، حكمتكم التي لم تكن شعرا ولا ~~فلسفة، بل ms07 تجسيدا للفطنة والخبرة والتجربة ~~العملية. # الحكماء ~~: # تتسرع في توجيه التهمة، وتضن علينا بالحكمة، مع أنا ~~منذ القدم نسمى الحكماء. # المؤرخ ~~: # معذرة، أنا لا أتهم ولا أدافع، بل أتلمس آثار الحكمة، ~~أو أبكي فوق الأطلال. ما ذنبي إذا كان عصري هو عصر سقوط القيم، ~~وزمني ضاعت فيه الحكمة والعقل؟ ما ذنبي إن كانت كتب التاريخ ~~تمجدكم أحيانا، أو تبخل في أحيان أخرى فتسميكم الرجال ~~الأذكياء؟ هلا أجبتم على سؤالي؟ # الحكماء ~~: # لا ندري كيف نرد عليك! ربما لأن الواقع العملي في أيامنا ~~بدأ يفرض سلطانه فازدرى الشعر، واستصغر شأن الكلمة، وأخذ ~~يولي وجهه شطر حقائق الحياة. # المؤرخ ~~: # ربي! هذا ما نلقاه الآن. # الحكماء ~~: # أتدين زمانك وزماني؟ # المؤرخ ~~: # لا لا، بل أهمس من عجز لساني وجناني. أكمل قولك. # الحكماء ~~: # أو لأن العاطفة الدينية شطت في التعليق، حتى تاهت وسقطت في ~~الهاوية العميقة التي تستعصي على العبارة والخطاب. # المؤرخ ~~: # مهما يكن الأمر؛ فقد راجت حكمتكم. # الحكماء ~~: # حكمتنا؟ ها أنت تعود إلى الحق. لقد تناقلتها الأفواه، فلم ~~تكن بحاجة إلى التدوين، اللهم إلا على أحجار «أوستيا» # 1 # أو على جدران معبد «دلف». ولهذا ليس عجيبا أن ~~ينسبها الإغريق إلى الإله أبوللو، أو إلى جني بحري حكيم كانوا ~~يدعونه عجوز البحر الإلهي. # المؤرخ ~~: # معنى هذا أنها وجدت قبل وجودكم؟ انتظروا ... لقد وردت في ~~اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجاميش البابلية سيرة سبعة حكماء ~~أسسوا مدينة أوروك، كما تلقى حكماء الهند السبعة الذين يسمون ~~«الريشي» الحكمة وفن الغناء من الآلهة، ووضع شاعركم ~~«هوميروس» مجلس حكماء سبعة تحت تصرف «أجاممنون» ~~و«برياموس». # 2 # حكمتكم أقدم مما أتصور أقدم مما كنت ~~أقدر. # الحكماء ~~: # ولكن لم يتأكد صدقها إلا بنسبتها إلينا. نحن الذين كافحنا ~~وأسسنا، وتجولنا فوق الأرض الغانية بدمنا ~~ولحمنا. # المؤرخ ~~: # ورفعتم لمصاف الأبطال، ونسجت حولكم الحكايات ~~والخرافات. # الحكماء ~~: # هل يقع الذنب علينا؟ كنا بشرا مثل البشر، صمدنا لأعاصير ~~الزمن القلقة، أعلينا بناء حياتنا وحياتنا وحياة شعوبنا؟ ~~أتلومنا؛ لأن الناس جللت رءوسنا بغار الحكمة الذي بخلت به ~~على رءوس الشعراء، ms08 أم لأن الأفكار العظيمة لا يصدقها الناس حتى ~~ينسبوها إلى عظيم حقها في الواقع؟ أم لأن الحكايات والخرافات ~~والأساطير عادة ما تغزل خيوطها بعد موت أبطالها؟ # 3 # أولا يكفينا أن حكمتنا راجت؟! # المؤرخ ~~: # بل ما زالت رائجة وعلى كل لسان، انتشرت بين الأمم وفي ~~مختلف الأزمان. # الحكماء ~~: # حكمتنا راجت في قرن سكتت فيه أوتار الشعر. # المؤرخ ~~: # وبدأت تزدهر شجرة الفلسفة. # الحكماء ~~: # الفلسفة؟ # المؤرخ ~~: # صفة أخرى للحكمة ... ولحب الحكمة ... كان من الممكن ألا تبدأ ~~لولاكم. كان من الممكن ألا تزدهر الشجرة لولا ~~البذرة. # الحكماء ~~: # والبذرة ألقيناها في التربة. هل ما زلت تضن علينا؟ # المؤرخ ~~: # لست أضن عليكم بالحكمة، لست بخيلا باسم الحكماء. لكن ~~التاريخ يحيرني وتحيرني الأسماء، حتى العدد اختلفت فيه ~~الآراء. # الحكماء ~~: # هذا ليس جديدا. من منتصف القرن السادس قالوا: سبعة. زادوا ~~العدد، فقالوا: سبعة عشر حكيما ... ليس جديدا ما نسمعه ~~منك. # المؤرخ ~~: # بل ما تشهد به الوثائق أو تشهد عليه. مع ذلك تتردد فيها ~~أربعة أسماء. صولون المشرع. # صولون ~~: # والشاعر أيضا، لا تنس. # المؤرخ ~~: # كيف لأحد أن ينساك؟ الشك يحيط بأخبار الحكماء الستة. أما ~~أنت فرأس الجبل يطل على تاريخ اليونان. # صولون ~~: # رأس الجبل؟ كلامك هذا يضحكني ... مع أن الكاهن العجوز في مصر ~~قال لي: يا صولون، يا صولون، ستبقون على الدوام أطفالا أيها ~~الإغريق؛ إذ لا يوجد شيخ إغريقي. # المؤرخ ~~: # تلك رواية أفلاطون. # 4 # لكن حفظ التاريخ لنا أشعارا منك. # صولون ~~: # هل تذكرون مرثيتي التي بدأتها بهذه السطور: # الآن عرفت الأمر، # والألم عميق في أعماق الصدر، # وأنا أشهد أكبر أبناء أبوينا ينهار ويدحر. # المؤرخ ~~: # هكذا بدأتها بعد أن اشتد النزاع في الدولة، واستعبدت ~~الأقلية أغلبية المواطنين، وثار الشعب على الأغنياء ~~والأعيان. احتدم الصراع بينهما وطال، وانتخبوك رئيسا وقاضيا ~~يفصل بينهم، وكلفوك بتدبير نظامهم ووضع دستورهم. كنت حكيما ~~ورحيما، لم تؤثر أي الحزبين على الآخر، فوقفت في صفهما، ~~ونصحتهما بالصلح ووقف الصراع. كان الكل يجلك ويقدر موهبتك، ~~مع أنك لم تكن أغناهم أو أرفعهم في المنصب والجاه . ورحت ~~تحذر ms09 الأغنياء من الترف والتطرف، وتنصحهم بالتواضع ~~والاعتدال، وتلقي الذنب عليهم وعلى تكبرهم وجشعهم إلى المال ~~فيما حاق بالمدينة من خراب. اسمع شهادة حكيم آخر بعدك: حرر ~~صولون الشعب في الحاضر والمستقبل، عندما حرم اقتراض المال في ~~مقابل رهن الجسد، وضع القوانين، وأصدر تشريعا بالإعفاء من ~~الديون العامة والخاصة أو بنفض الأعباء. # 5 # المؤرخ ~~: # ويذكرنا هذا باسم آخر. # بيتاكوس ~~: ~~«بيتاكوس» من ميتيلينه. سموني الطاغية، وكنت رحيما ~~بالأوغاد. # صولون ~~: # طاغية ورحيم! ... حقا ما أغرب هذا! # بيتاكوس ~~: # وما وجه الغرابة يا صولون؟ أنت نفسك سمعت عني كما سمعت ~~كلمتي. # صولون ~~: # لما بلغني قولك «من الصعب أن يكون المرء طيبا»، أعجبتني ~~حكمتك، وقلت: «ومن الصعب أن يكون جميلا.» # بيتاكوس ~~: # وهل عرفت متى قلتها أو كيف؟ لقد رأيت أعدائي يتكاثرون، ~~ولاحظت الكراهية في عيون الشعب الذي أنصفته وكافأته؛ لكي أرفعه ~~من وهدة بؤسه، وفي ضمائر الأغنياء والنبلاء الذين قلمت ~~مخالبهم من أجله. ونفيت بعضهم من المدينة، فأخذوا يهددونني ~~ويتآمرون على قتلي. واشتد بي اليأس، فذهبت إلى معبد الإله، ~~وتوسلت أمام المذبح أن يحررني من السلطة. # المؤرخ ~~: # نعم، نعم. أدركت صعوبة أن يكون الإنسان طيبا في عالم ~~شرير. # أدركت بأن الحاكم مهما فعل يظل كريها مكروها ... فالأغنياء، ~~كرهوك؛ لأنك وقفت بجانب الشعب وانحدرت من صلبه. والشعب كرهك؛ لأنك ~~كنت فقيرا مثله، وجلست على كرسي الحكم. # وردد الجميع أغنية تسخر منك: # اطحني أيتها الطاحونة اطحني؛ # فقد كان «بيتاكوس» نفسه يطحن، # بيتاكوس الملك في ميتيلينه العظيمة. # طاليس ~~: # سمعت الأغنية بنفسي، لما زرت جزيرة «لسبوس»، وتوقفت بقرية ~~«أريسوس». # بيتاكوس ~~: # هل سمعت كذلك أناشيد الحقد والهجاء التي أطلقها الشاعر ~~«ألكايوس» وعصابته؟ أنا لم أكرهه ولم أكره شعره. تمنيت أن ~~يضع يده في يدي، ويساعدني مع غيره من النبلاء على النهوض ~~بالمدينة، لكنهم أنكروا عدلي وشجاعتي التي اعترف بها الإغريق ~~في كل مكان. لم يغتفروا لي أبدا أنني تزوجت امرأة من ~~طبقتهم، هي ابنة «دراكون» ومن نسل الأتريديين. وأخذ الشاعر ~~الحقود يعيرني بقدمي المفلطحة التي كنت أجرها بصعوبة، ~~ويصفني بالدعي والمتسخ ms10 والمبطون، بل أشاع أنني أوفر ضوء ~~المصباح وسماني ملتهم الظلمات. # المؤرخ ~~: # ولهذا نفيته عن المدينة، ولم ينقطع هجاؤه ولا دعواته للآلهة ~~الأقوياء بأن يخلصوه من محنة المنفى ومرارته، ويطلقوا ~~ربات القصاص عليك، ويعينوه وعصبته على قتلك بالسيف، وتحرير ~~الشعب من آلامه ومخاوفه، زاعمين أنك حنثت بالقسم الذي ~~قطعته على نفسك، وابتلعت المدينة في جوفك. # بيتاكوس ~~: # ومع أني عفوت عنهم بعد القبض عليهم ... فلم يرحمني التاريخ ~~من وصمة الطغيان. # المؤرخ ~~: # ولا رحمك المؤرخون ... فاللقب ارتبط باسمك في كل المأثورات. ~~أما «بياس» القاضي من آسيا الصغرى؛ فقد سخا عليه الزمن بلقب ~~«الحكيم». # بياس ~~: # معلم الناس أشرار، هذا ما قلته. لما حاصر «ألياتيس» ملك ~~الليديين مدينتنا «بريينه»، أصدرت الأمر بأن يعلف بغلان إلى ~~حد التخمة، ويساقا إلى معسكر الأعداء. وفزع الملك حين ~~رآهما، وعرف أن لدينا من مخزون الغلة ما يكفي حتى ~~الحيوانات؛ ولهذا بعث إلينا رسولا يطلب السلم ~~والسلام. # المؤرخ ~~: # وكيف لفظت الأنفاس؟ # بياس ~~: # اسمع يا ولدي. لما شخت وطعنت بي السن استدعيت للشهادة ~~أمام المحكمة. وتكلمت وأبرأت المظلوم من التهمة. وانطلق ~~محامي الخصم، وأخذ يدافع عنه فسئمت، وأملت الرأس على حجر ~~حفيدي حتى نمت ... هل بلغك يا ولدي ما فعلوه ~~بالمظلوم؟ # المؤرخ ~~: # برأه القضاة من التهمة، ثم وجدوك ميتا على حجر ~~حفيدك. # بياس ~~: # حمدا للآلهة؛ فقد صدق كذلك ما قلته: «إن أردت أن تقيم في ~~مدينة؛ فكن طيبا مع جميع المواطنين.» # 6 # المؤرخ ~~: # كلمة بليغة من رجل خلدته البلاغة ... والاسم الرابع هو ~~«طاليس الملطي». # طاليس ~~: # أول من نقى الحكمة من سحب الأسطورة وضباب الغيب، أول ~~من سأل سؤال العقل عن المبدأ والأصل وقال: ... # المؤرخ ~~: ~~«أصل جميع الأشياء هو الماء، بالآلهة امتلأت كل ~~الأشياء.» # طاليس ~~: # وكذلك قلت: «اعرف نفسك.» # المؤرخ ~~: # أأنت القائل، أم نقشت قبلك فوق جدار المعبد في «دلف»؟ ما ~~أعمقها كلمة! لكن تتنازعها الأسماء. # بيرياندر ~~: # أي جحود هذا؟ كيف نسيتم اسمي؟ # الحكماء ~~: # مهلا يا «برياندر»! هل ينسى الطاغية القاسي من «كورنثة»؟ ~~من بلغ الذروة في القسوة؛ ولهذا احتاج إلى الحرس ms11 ~~الخاص؟ # المؤرخ ~~: # وكان قوامه ثلاثمائة من حملة الدروع والحراب. # بيرياندر ~~: # أتذكرون صرامتي وتنسون عدلي؟ لقد حرمت على المواطنين أن ~~يكون لهم عبيد. نهيتهم عن تبديد الوقت في اللهو والفراغ، ~~وأوجدت لكل منهم عملا. أعلنت الحرب على الترف وعاقبت ~~المتسكعين في الأسواق. لم أثقل على الناس بالضرائب، ~~واكتفيت بما نحصله من السوق والميناء. وزعت أراضي النبلاء ~~على الفقراء. لم أتخط حدود العدل، ولم أتعد على إنسان، ~~وكرهت الشر وألقيت القوادات بقاع البحر! أنسيتم كيف ~~صالحت بين أهل «ميتيلينه» (تحت قيادة بيتاكوس)، وأهل «أثينا» ~~(تحت زعامة فرينون)، عندما تصارعا على ملكية «سيبايون»، ففصلت ~~بينهم بالحق، واحتفظ كل منهم بما كان يملكه؟ لقد ازدهرت في ~~عهدي التجارة والحضارة. يكفي أن الشاعر «أريون» كان ~~صديقي! # المؤرخ ~~: ~~«أريون الميثميني» من أهالي «لسبوس»؟ من تمت في عهدك ~~معجزته؟ أشجى الأصوات غناء فوق القيثار، وأول من أنشد شعر ~~«الديثيرامب» وسماه، وقدم جوقته فوق المسرح في «كورنثة»؟ ~~لا لن ينساك التاريخ ولن ينساه. لن ينسي معجزته التي رواها ~~علينا أبو التاريخ إذ استقل مركبا كان عليها قراصنة ولصوص، ~~تآمروا عليه عندما ظنوه يخفي الكنوز، مع أنه لم يكن يملك ~~إلا قيثاره! وانطلق يغني؛ عل غناء الشاعر يسكت فيهم نزعات ~~الشر. جاء الدلفين صديق الإنسان على صوت غنائه، وسرعان ما ألقى ~~الشاعر بنفسه على ظهره، فحمله إلى البر، ورسا به على رأس ~~تانياروس. # المؤرخ ~~: # لا لم ينس التاريخ ... وكذلك يذكر قولك: «كل شيء يرجع إلى ~~المران.» لكن سؤالا يحضرني الآن. # خيلون ~~: # قبل سؤالك، هل يمكن أن تهمل اسمي؟ أم تهمل تحذيري: «إن ضمنت ~~غيرك حلت بك المصائب»؟ أو لم يبن أهالي أسبرطة لي المعبد ~~في الطريق من المغزل إلى أبواب المدينة؟ # المؤرخ ~~: # وهناك قدسوك ورفعوا ذكر البطل الخالد ... لكن أرجع لسؤالي: لم ~~آثرتم هذا الكلم الموجز؟ # 7 # الحكماء ~~: # من يستصغر شأن الكلمة يقتصد في استعمالها. كانت أيامنا توجب ~~العمل وحسم القرار؛ ولهذا بقيت كلماتنا القليلة قواعد ~~لهداية الحياة، تحذيرات من الوقوع في الأوهام الساذجة، والتسرع ~~في الثقة بالناس، نصائح ms12 باللجوء إلى التحفظ والحرص والاعتدال ~~والتزام الحد. # المؤرخ ~~: # لكن بالغتم في الإيجاز. يكفي أن يروي الشاعر «ألكايوس» هذه ~~الكلمة التي يقولها على لسان «أريستوداموس» الذي ضم إليكم في ~~العصور المتأخرة: «الرجل - المال»، # 8 # وأن يضيف الشاعر «يندار» وكأنه يشرحها: قال هذا ~~عندما اختفى أصدقاؤه مع اختفاء أملاكه ... يكفي أيضا أن تقرأ ~~كلمات أخرى توحي بتشكككم في الإنسان، ورؤيتكم للوجه الشائه ~~خلف قناع البهتان: «لا تتطرف في شيء»، «صعب على المرء أن يكون ~~طيبا»، «الحد هو الأفضل»، «أغلب الناس أشرار». # الحكماء ~~: # هل آمنت بما قلناه؟ هل صدقت الحكماء؟ # المؤرخ ~~: # بل صدقت الأيام الصعبة والأرزاء. مع ذلك، فالحكمة أوسع من ~~هذا. # الحكماء ~~: # لم تكن الحكمة في أيام المحنة شيئا يختص به الشعراء أو ~~الحكماء. كانت ملك الشعب العامل والفقراء. فالنجار البارع ~~يبني سقفا يصمد للعاصفة، فيصبح أحد الحكماء ... وكذلك شأن ~~الحوذي، أو الخباز، أو الملاح، أو الشاعر والفنان ... هل ما زلت ~~تسيء الظن، توازن بين الآراء؟ # المؤرخ ~~: # الحكمة والحيرة صنوان. # الحكماء ~~: # فانظر في الأوراق وراجع. وابدأ قصتنا بالقول المحكم والكلم ~~الرائع. قد يقطع ذلك شكك، ويزيل الحيرة. # المؤرخ ~~: # أو ينفع جيلا قد بيعت فيه الكلمة بفتات زائل، والحكمة ~~صرعت بسهام الخسة والغدر القاتل. # الحكماء ~~: # ولهذا تبقى الحكمة ... # المؤرخ ~~: # في جوف الكتب المنسية. # الحكماء ~~: # أو أعماق القلب ... ابدأ يا ولدي ... أسمع جيلا يفتقر لحب ~~الحكمة. # المؤرخ ~~: # أو يفتقر إلى الحب. # | الفصل الثاني # المؤرخ ~~: # آه! ... تتضارب كل الأقوال وتتناقض كل الآراء. الأسماء ~~مختلف عليها من كاتب إلى آخر، والقول الواحد قد ينسب إلى ~~أكثر من واحد. # طاليس ~~: # اعرف نفسك ... هذا ما قلت. # المؤرخ ~~: # بل هذا ما تتصوره أنت وبعض الكتاب. هل تعلم أن «تيوفراسط» ~~يرجح أن يكون مثلا شعبيا من قديم الزمان، وأن بعض ~~المؤرخين يرجعه إلى زميلك «خيلون»، والبعض الآخر يأتي به على ~~لسان خصي مغمور، كان من حراس قدس الأقداس في معبد «دلف»؟ ~~بل إن «أرسطو» في محاورته عن الفلسفة ينسبها إلى عرافة هذا ~~المعبد، # 1 # وكل هذا يؤكد أنها كانت قد ms13 نقشت قبلك، وقبل ~~«خيلون الأسبرطي» على معبد «دلف»، قبل أن يدعيها كلاكما ~~لنفسه. # خيلون ~~: # أنا لم أدع شيئا ... بل قدمت النذر ووفيت العهد. ~~فبعد أن وصلت إلى «دلف»، وضحيت وأحرقت البخور، أمرت بأن تحفر ~~هذه الحكم على عمود المعبد: «اعرف نفسك»، «لا تتطرف في ~~شيء»، «سبب المصائب أن تضمن غيرك». # طاليس ~~: # حتى هذه الحكم تقال على لسان غيرك وغيري. # المؤرخ ~~: # فلنقرأ ما اتفق عليه الإجماع، في أقدم قائمة بالأسماء ~~والأقوال. # طاليس ~~: # قل، وسيهتف كل منا باسمه! # المؤرخ ~~: # اعرف نفسك! # طاليس ~~: # طاليس! # المؤرخ ~~: # لا تتطرف في شيء! # صولون ~~: # صولون! # المؤرخ ~~: # أن تضمن غيرك، فتوقع كل مصيبة! # خيلون ~~: # خيلون! # المؤرخ ~~: # اعرف فضل اللحظة. # بيتاكوس ~~: # بيتاكوس. والأفضل من هذا: «اللحظة إن واتتك؛ فلا تتركها ~~تفلت منك!» # المؤرخ ~~: # معظم الناس أشرار. # بياس ~~: # بياس. عن تجربة، وبحق «زيوس»، ما قلت! # المؤرخ ~~: # كل شيء يرجع للمران. # بيرياندر ~~: # برياندر. عن تجربة أيضا، والآلهة شهود! # المؤرخ ~~: # تبقى حكمة كل الحكمة، قائلها المجهول يلخص فيها. # كليوبولوس ~~: # كليوبولوس ... هذا هو «كليوبوليس»! كيف تجاهل هذا الزمن الجاحد ~~ابن «أويجاروس»، من «لندوس» فوق جزيرة «رودوس»؟ كيف تناسى من ~~كتب النقش على قبر «ميداس» الملك الأسطوري؟! # المؤرخ ~~: # ميداس؟ من أعطاه «ديونيزيوس» أن يتحول ما يلمسه ~~ذهبا؟ # صولون ~~: # حتى المطعم والمشرب. مسكين يا «ميداس»! # كليوبوليس ~~: # كانت فوق القبر المشهور فتاة أخذت شكل الهولى؛ ولهذا قلت: ~~فتاة من البرونز أنا، وأرقد على قبر «ميداس»، ما دام الماء ~~يسيل، والشجر يخضر، والقمر يطلع ويضيء، والشمس تنير الكون، ~~ما دامت الأنهار تتدفق، وموج البحر يوشوش للشاطئ، فسأبقى ~~في هذا الموضع، فوق التل المرتفع على المنطقة المنكوبة، أعلن ~~للعابر ولكل مسافر: هاهنا يرقد «ميداس» تحت الثرى # المؤرخ ~~: # لم ينس التاريخ كذاك أشعارك، لم تتسرب ألغازك من ~~كفيه. # صولون ~~: # لكن تبقى حكمته أخلد ما قال. # كليوبوليس ~~: # قلت من الحكم كثيرا ... أية واحدة تقصد؟ # المؤرخ ~~: ~~«الحد هو الأفضل.» # الحكماء ~~: # هي حكمتنا، كنز العقل الإغريقي وآية وجدانه، كلمته للعالم ~~أجمع. # المؤرخ ~~: # ولهذا ليس عجيبا أن يلتقط الحكماء الكلمة، من كل الأجناس ms14 ~~وكل الأديان يقول العقلاء فلا يسمع قول: لا تتطرف! لا تشتط! ~~الزم حدك ... واعرف أنك إنسان. # الحكماء ~~: # إنسان فان، لست إلها، فتذكر هذا واترك سيف الطغيان ~~يسقط من يدك، فلست سوى بشر فان! # المؤرخ ~~: # حقا! هذا شيء أكدتموه أيها الحكماء وأجمعتم عليه، وعندما ~~اجتمعتم كما يقول القدماء. # الحكماء ~~: # اجتمعنا؟ أجل أجل، عند الملك «كرويزوس». # المؤرخ ~~: # أو قارون. أغنى ملك في عصره. # الحكماء ~~: # وتكلم صولون فقال: # صولون ~~: # أنا؟ للملك كرويزوس. ذاكرتي ضعفت يا ولدي. # المؤرخ ~~: # سأذكرك، فأنصت. # | الفصل الثالث # المؤرخ ~~: # كانت أعينكم تلتفت إلى الشرق الساحر باستمرار، الشرق ~~الغامض ذي القوة والترف الباذخ والجبروت. # الحكماء ~~: # لكننا ذهبنا إليه لنتعلم أيضا. # المؤرخ ~~: # وتعلمتم الكثير. وإن كنا نفتقد الأدلة والأسانيد. # طاليس ~~: # أنا مثلا سافرت إلى مصر. # المؤرخ ~~: # وتعلمت الرياضة، وجلبت الهندسة إلى الإغريق ... أما أنت ~~... # صولون ~~: # أنا طوفت بآسيا لأشاهد هذا العالم. وحديثي مع كاهن مصر ~~الشيخ حديث مشهور ... كم يعجبني حين أفكر فيه الآن! # الحكماء ~~: # أنا ما زلنا أطفالا؟ ... رغم مرور قرون وقرون؟! # صولون ~~: # ولماذا الغضب، وقد صدق الشيخ؟ # الحكماء ~~: # أم سخر كعادة أبناء النيل؟ # صولون ~~: # بل صدق وحق «زيوس». وامتدح الإغريق مديحا أتمنى لو كانوا ~~أهلا له. أطفال نحن وفي كل منا طفل. # الحكماء ~~: # وتريد من الحكماء السبعة أن يصدقوه؟ أنت يا ~~صولون؟ # صولون ~~: # من قال بأن الحكمة تعني العجز أو الشيخوخة؟ من ينكر حكمة ~~الطفولة وطفولة الحكمة؟ أليست حكمتنا في بساطتنا، وبساطتنا هي ~~التي جعلتنا نصمد لتحدي الملك الجبار، ونواجه قوته وغناه ~~الفاحش بالبراعة والقناعة والحكمة؟ # المؤرخ ~~: # معذرة يا صولون (ولقد أدهشته بالبراءة الحكيمة أو بالحكمة ~~البريئة وتعجب مما قلت وغضب وثار) نريد الآن أن نعرف ماذا ~~قلت لهذا الملك وماذا قال؟ كيف التقيت به؟ وأين كان ~~اللقاء؟ # صولون ~~: # لم أره وحدي! طلب لقاء الحكماء السبعة. # المؤرخ ~~: # وذهبتم لزيارته، وذهلتم لما رأت العين كنوزه. # الحكماء ~~: # ورثينا له. # المؤرخ ~~: # لأغنى ملك في الأرض؟ # الحكماء ~~: # ورفضنا أن يوصف هذا الملك بأسعد إنسان. فليتكلم عنا ~~صولون. # المؤرخ ~~: # أرجوك ... تكلم. # صولون ~~: # لما فرغ «كرويزوس» ms15 من إخضاع آسيا الصغرى بأكملها، وضمها ~~إلى مملكة الليديين، زحفت حشود الإغريق الحكماء إلى عاصمة ~~ملكه المزدهرة «سارديس»، وزحفت كذلك معهم. كنت قد ذهبت إلى ~~مصر التي يحكمها «أمازيس»، وشاهدت العالم وتجولت فيه عشر ~~سنوات، واستقبلني الملك في قصره مع بقية إخواني فأحسن ~~الاستقبال. وفي اليوم الثالث لزيارتنا أمر الملك خدمه وعبيده ~~أن يأخذونا إلى دهاليزه ومخازنه؛ لنتفرج على التحف ~~والكنوز التي أودعها فيها، ثم رجع بنا الخدم والعبيد إلى قاعة ~~العرش، حيث كان الملك يجلس في أبهته محاطا بأعوانه ~~وقواده وأعيان مملكته. لم يكن يراني حتى هتف صائحا: ~~«أيها الضيف من أثينا، وأنتم أيها الضيوف، وصلتنا عنكم وعن ~~حكمتكم الأخبار. وسمعنا عنك يا صولون، وعن أسفارك التي قمت ~~بها؛ حبا في الحكمة. والآن تحركني الرغبة في أن أسالك: هل ~~رأيت في أسفارك أحدا يمكن أن يوصف بأنه أسعد إنسان؟» # لم يخف علي أن الملك وجه إلي هذا السؤال، وفي نيته أن ~~أقول أنت أيها الملك الغني العظيم أسعد إنسان. لكني لم ~~أتملقه، بل صارحته بحقيقة رأيي: «أيها الملك، إنه تيلوس ~~الأثيني.» تعجب الملك من قولي، وأسرع بالسؤال: «وكيف حكمت ~~بأن تيلوس هذا هو أسعد إنسان؟» قلت: «عدة أسباب يا مولاي. ~~أولها أن كان لتيلوس هذا عدة أبناء تحلوا بالذكاء ~~والصلاح والجمال، ولقد سعدت عيناه برؤية أبنائهم في ~~حياته. والثاني أن الرجل بعد أن تقدم به العمر وعاش أطيب ~~حياة ممكنة مات كذلك في النهاية أروع ميتة ممكنة؛ فقد شارك ~~مواطنيه الأثينيين في الحرب التي اشتبكوا فيها مع جيرانهم في ~~إيلويزيس، وطارد الأعداء الذين فروا مهزومين، ومات أثناء هذه ~~المطاردة أجمل ميتة. ودفنه الأثينيون، حيث سقط صريعا، على ~~نفقة الدولة، وكرموه وأقاموا له طقوس التوديع ~~والإجلال.» # استمع الملك إلى قصة تيلوس، وهو يعض على شفتيه وأسنانه. ~~سكت قليلا، ثم غالب غيظه وسأل: «ومن هو أسعد إنسان رأيته ~~بعد تيلوس؟» قلت: «هما اثنان أيها الملك العظيم.» قال في لهفة: ~~«احك علي قصتهما يا صولون.» قلت: هما كليوبيس وبيتون. كانا ~~من حيث ms16 المولد من أرجوس ، ولهذا وجدا ما يكفيهما للحياة. وكان ~~كلاهما حسن الصورة قوي الجسد، وحصلا على جوائز كثيرة في ~~المسابقات الرياضية. تسألني يا مولاي أن أحكي قصتهما؟ إنهما ~~سيغنيانني عن هذا، ويرويان القصة بنفسهما. # كليوييس وبيتون ~~: ~~«كان أهالي أرجوس يحتفلون بعيد هيرا، ربة السماء وسيدة ~~الآلهة، وشقيقة زيوس وزوجته. وكان علينا أن نذهب بأمنا ~~المريضة إلى معبد الآلهة؛ للتبرك وزيارة قدس الأقداس. لكن ~~الثيران التي تجر العربة التي تستقلها لم تكن قد رجعت ~~بعد من الحفل. وضاق الوقت عن الانتظار، فوضعنا رقابنا في ~~النير، وجررنا العربة التي حملتها إلى الاحتفال مسافة خمسة ~~وأربعين فرسخا # 1 # حتى بلغنا المعبد. ورآنا الناس على هذه الحال ~~فهللوا. لكن الأنفاس تخلت عنا، فختمنا حياتنا الفانية ~~أجمل ختام. وأثبت الإله بموتنا أن من الأفضل للإنسان أن يموت ~~على أن يحيا دون وفاء أو إحسان. فقد التف أهالي أرجوس ~~حولنا، وأثنوا على قوتنا وشبابنا، وراحوا يحيون أمنا ~~العجوز ويهنئونها بابنيها. أما الأم التي أفعم فؤادها ~~الفرح؛ فقد وقفت أمام تمثال الآلهة، وأخذت تبتهل إليها أن ~~ولديها أفضل ما يمكن أن يلقاه الإنسان. وبعد أن أدت الصلاة ~~تقدمنا نحن، وضحينا للربة وأكلنا مع الآكلين، ثم أرحنا ~~أجسادنا المنهكة على أرض المعبد، ولم نقم من رقدتنا أبدا. ~~وأقام لنا الأرجيون تمثالين، نصبوهما بعد ذلك في معبد دلفي ~~ليضمنا لنا الخلود.» # استمع الملك إلي في هدوء ثم قال: # كرويزوس ~~: # أيها الضيف القادم من أثينا، أهكذا تبدو سعادتي في نظرك ~~هباء، ولا أستحق أن تسوي بيني وبين عامة الناس؟ عرفت مقصده ~~فأجبت في خشوع: مولاي الملك كرويزوس، تسألني عن حياة الإنسان ~~ومصيره؟ وأنا لا أعلم إلا أن أحكام الإلهة غامضة، وأن ~~مقاديرهم مظلمة الأسرار. هب أن الإنسان يعيش سبعين سنة، وهي ~~الحد الذي أضعه لعمر البشر على الأرض، فكم عليه أن يرى في ~~حياته مما لم يكن يريد رؤيته، وكم يتحمل من آلام ويقاسي! وإذا ~~أكمل السبعين، فقد عاش خمسة وعشرين ألف يوم ومائتين، هذا دون ~~حساب للشهر الزائد. فإذا ms17 أضفت شهرا لكل سنتين ، حتى تتواءم ~~فصول السنة مع بعضها، فلقد قدرت على مدى السبعين سنة خمسة ~~وثلاثين شهرا زائدا، ومن الأيام على قدر السنوات السبعين ~~كانت ستة وعشرين ألف ومائتين وخمسين يوما، ليس فيها يوم واحد ~~يشبه سواه. هكذا ترى يا كرويزوس أن حياة الإنسان مصادفة بحتة، ~~وها أنت ذا ملك غني واسع الثراء، تتحكم في بشر لا يحصيهم عد. ~~لكن سؤالك إن كنت سعيدا لا أملك عنه الآن جوابا، لا أملك هذا ~~حتى أسمع أنك أنهيت حياتك خير نهاية. فليس الغني الفاحش ~~الغنى بأسعد ممن لا يجد سوى قوت يومه، إلا أن يواتيه الحظ ~~فينتهي أجله وهو متمتع بأملاكه وجميع خيراته. ما أكثر ~~الأغنياء الأشقياء، وما أكثر الراضين بنصيبهم القليل! فالغني ~~الذي يشعر رغم غناه أنه تعس وشقي يتقدم خطوتين على المغتبط ~~بحظه الطيب، أما هذا فيتقدم على الغني خطوات وخطوات. ~~والأول يمكنه أن يحقق الرغبة التي تعتمل في نفسه، وتحمل ~~الأذى الذي يصيبه، أما الثاني فلا يسعه أن يطمع فيما يطمع ~~فيه الأول أو يتحمل ما يتحمل، فقدره الطيب قد أغناه عن الطمع ~~ووقاه الأذى والضرر. أضف إلى هذا أنه لا يشكو ضعفا ولا ~~علة ولا ألما، وأن الحظ باركه بالبنين وجمله بالجمال. ~~فإذا حسنت خاتمته، وأنهى حياته نهاية جميلة، فهو الذي تبحث ~~عنه أيها الملك، ويستحق أن يوصف بأنه سعيد، وعلينا أن نحترس ~~فلا نقول عنه أثناء حياته وقبل موته إنه سعيد. بل يجب أن نكتفي ~~بقولنا إنه طيب الحظ. من المستحيل على الإنسان الواحد أن يملك ~~كل شيء، ومن المتعذر على أي بلد أن يكفي نفسه من كل شيء؛ ~~فلديه شيء، وعليه أن يحصل من بلد آخر على شيء. وكلما زاد نصيبه ~~مما لديه كان هذا أفضل. ويصدق الأمر نفسه على الفرد الواحد، ~~فهو لا يكفي نفسه بنفسه، وهو يملك شيئا ويفتقر إلى شيء آخر. ~~أما من كان لديه ما يكفيه حتى آخر عمره، ثم ختم حياته ~~ختاما حسنا؛ فذلك، يا مولاي، هو الذي يستحق ms18 أن يوصف بأنه ~~إنسان سعيد. يجب علينا أن ننظر إلى نهاية كل شيء، فما أكثر ~~الذين منحهم الإله شيئا من السعادة ثم غير أحوالهم رأسا ~~على عقب ... هكذا ختمت حديثي للملك. # المؤرخ ~~: # ولم يعجبه كلامك، ولا رضي عنك. # صولون ~~: # قاطعني ولم يكترث بوجودي ولا ببقائي أو رحيلي. اقتنع بأني ~~أحمق، وأن الأحمق من يتخلى عما بين يديه، وينظر في نهاية كل ~~شيء. # 2 # المؤرخ ~~: # وليته نظر في نهايته هو! # الحكماء ~~: # بل ليته حاول أن يفكر فيما قاله عزيزنا صولون. لقد تجهم ~~وجهه، واربدت ملامحه بسحابة سوداء كثيفة أطبقت عليها، ~~وحولته إلى وحش كاسر. نظر إلى زميلنا «بياس» والشرر يتقد ~~من عينيه الغاضبتين وسأله: # كرويزوس ~~: # هل هذا رأيك أيضا؟ أتعتقد أن صاحبك قد أجاب بالحق؟ # بياس ~~: # بالحق وبالعدل أجاب يا مولاي. لقد أراد أن يرى الكنوز التي ~~في نفسك، فلم يجد إلا الكنوز التي في يدك. # كرويزوس ~~: # أترد على مثله بالألغاز؟ أريد منك جوابا قاطعا، ماذا ~~يقصد بكلامه؟ # بياس ~~: # أن البشر تسعدهم كنوز النفس، لا كنوز الذهب والفضة. # كرويزوس ~~: # إذا كنتم لا تقدرون السعادة ولا الثروة الحقيقية بما أملكه ~~من كنوز، ألا ترون أن عندي من الأصدقاء والأنصار أضعاف ما ~~عند أي ملك أو حاكم آخر؟ هذا واحد منهم جاء إلي من أثينا. ~~أيها العبيد! أحضروا ألكميون. # الحكماء ~~: # وفجأة فتحت الأبواب، وظهر إنسان عجيب وسط عدد من الحراس ~~والعبيد. كان يبدو تائه العينين زائغ البصر. وبدا عليه ~~الاضطراب، وكأنه قد عجز عن السير خطوة واحدة. فقد انتفخ ثوبه ~~الواسع بصورة مذهلة، كأنه بطن امرأة أوشكت على الوضع. وعندما ~~دفعه الحراس وشدوه قريبا من الملك، وقعت أبصارنا على شعره ~~الذي حشاه بسبائك الذهب، بل لقد تعجبنا من انتفاخ أوداجه، ~~وأدركنا أنه حشا فمه بقطع ذهبية صغيرة سقطت إحداها على ~~الأرض، عندما حاول أن يسعل. وهلل الملك وصاح، وهو يتلوى من ~~الضحك: # كرويزوس ~~: # قل لهم يا ألكميون! ألست أسعد إنسان؟ ألم تصبح أنت أيضا ~~أسعد إنسان بعد أن سمحت لك بزيارة كنوزي، وأخذ ms19 ما تستطيع ~~أخذه منها؟ ألا يكفي هذا الذهب الذي حملته في ثيابك، ودفنته ~~في طيات جسدك، وحشوت به فمك أن يجعلك سعيدا؟ أم أن المفلسين ~~والجوعى أسعد منك وأحكم؟ ... حاول ألكميون أن يضحك، فسقطت قطع ~~الذهب من فمه، ورنت على الأرض، وازداد ضحك الملك فقلنا ~~له: # الحكماء ~~: # العقل هو أعظم الكنوز، والسعيد من يبقى سعيدا إلى ~~النهاية. # المؤرخ ~~: # نعم نعم! ليت الملك فكر عندئذ في نهايته! # الحكماء ~~: # تكلم. ماذا حدث له؟ # المؤرخ ~~: # تمضي الأيام، فيغزو قورش الثاني ملك الفرس مدينة سارديس ~~عاصمة المملكة الليدية، ويأسر كرويزوس بعد أن حكم أربعة عشر ~~عاما، وحوصرت عاصمة ملكه أربعة عشر يوما. # 3 # ويحضره الجنود مقيدا في الأغلال، فيمثل بين ~~يدي الملك الذي أمر بتجهيز المحرقة، ووضع الأسير عليها مع سبعة ~~من شباب الليديين. ربما قصد قورش من وراء ذلك أن يقدمهم ~~قربانا لإلهه، أو يفي بوعد قطعه على نفسه. وربما بلغه أن ~~كرويزوس كان ورعا تقيا، فأراد بإحراقه حيا أن يختبر قدرة ~~إلهه على إنقاذه. مهما يكن الأمر فقد أصدر قورش أمره، فلما أن ~~وقف الملك المسكين على المحرقة خطر على باله وهو في محنته ما ~~قاله له صولون: ما من حي يمكن أن يوصف بأنه سعيد. وانكشفت له ~~الحجب فتأوه بعد صمت طويل، وهتف ثلاث مرات: صولون! صولون! ~~صولون! سمع قورش صيحته، فطلب من المترجمين أن يسألوه عن الاسم ~~الذي استغاث به. وتقدم منه المترجمون وسألوه، فلاذ بالصمت ~~طويلا قبل أن يقول: «هو إنسان كان حديثه أقيم من كل ما ملك ~~جميع الطغاة من ثروات عظيمة.» بدا لهم القول لغزا، فألحوا ~~عليه بالسؤال عما يقصد. وبدأ الملك المنكوب يروي عليهم كيف حضر ~~إليه صولون الأثيني. # كرويزوس ~~: # ها أنت قد رأيت كنوزي. ما رأيك يا صولون؟ # صولون ~~: # رأيي؟ في أي شيء يا مولاي؟ # كروزوس ~~: # هل آمنت بأني أسعد إنسان؟ # صولون ~~: # ربما تكون سعيدا، والحظ الطيب يرعاك. لكنك لست بأسعد ~~إنسان. # كرويزوس ~~: # ومن في رأيك هو أسعد إنسان؟ # صولون ~~: # هو من بقي سعيدا حتى ms20 آخر عمره. قبل حلول الأجل بلحظات ، ~~يمكن أن ينقلب الحال ويصبح أشقى الناس. # كرويزوس ~~: # غضبت عليه وصحت: يا لك من إغريقي فظ! أتضن علي بالسعادة ~~بعد كل ما رأيت من كنوزي وأملاكي؟! # صولون ~~: # ستكون سعيدا لو حضرك الموت، وهي ملك يمينك. # كرويزوس ~~: # وها أنا ذا أذكره الآن وأذكر ما قال. أتذكر حكايته عن الأب ~~الذي سعد برؤية أبنائه والموت في سبيل وطنه، وعن الولدين ~~اللذين جرا العربة التي حملت أمهما إلى المعبد بدلا من ~~الثيران، ثم ماتا راضيين بعد أن أدت الصلاة. إن كلمات هذا ~~الأثيني لم تصدق علي وحدي. أعرف الآن أنها تصدق على كل ~~إنسان، خصوصا من زينت له الأوهام أنه أسعد السعداء. # المؤرخ ~~: # استمع قورش إلى حديث كرويزوس. كان الملك الأسير يقف صلبا ~~متجلدا فوق المحرقة، والنيران تئز حواليه وتطلق شررها ~~عليه. وتفكر قورش فيما قاله المترجمون، وحدثته نفسه قائلة: ~~حقا، إن كلمات الملك المنكوب لا تنطبق عليه وحده، ها أنا ذا ~~إنسان مثله، أحسب نفسي منتصرا أو سعيدا، أسلم للنار إنسانا ~~لم يكن أقل مني سعادة. من يدري؟ هل تقتص الأقدار مني؟ من ~~يضمن ألا يحدث لي ما يحدث له؟ آه! من يضمن شيئا في هذا ~~العالم؟ لا شيء أكيد فيه، لا أمان للحياة! ونظر إلى الملك ~~الذي التفت حوله النيران، فأمر بأن تطفأ على الفور، وينزل ~~هو ومن معه من فوق المحرقة. # وحاول الجنود أن ينفذوا أمر الملك، لكنهم عجزوا عن السيطرة ~~على النار. ولاحظ كرويزوس أن الملك غير رأيه، وأن الخدم ~~والحشم يكافحون النار ولا يستطيعون إطفاءها، فاستغاث بأبوللو ~~وهو يصرخ: إن كنت تذكر تضحياتي وهداياي إليك، إن كنت قد استطعت ~~أن أرضيك، فاذكرني في محنتي وخفف عني الويل، الطف بي يا رب ~~النور الساطع واكشف عني ضنك الليل. وبكى كرويزوس كما لم يبك ~~في حياته، وابتهل وتمتم بالدعوات وسالت أنهار دموعه، ورفع ~~بصره إلى السماء الصافية فوجدها تتلبد فجأة بالسحب ~~المظلمة.وخطف البصر بريق البرق، وانهمر المطر سيولا أطفأت النار. ~~كان قورش ورجاله يتابعون ms21 المشهد وهم يحبسون الأنفاس، وعرف ~~الملك الجبار أن إهاب الملك المنكوب يشف عن إنسان طيب. وصاح ~~بالرجال أن يعجلوا بإنزاله من فوق المحرقة. وقربه منه، وسأله ~~وهو يشد على يده: كرويزوس، من حرضك على محاربة بلادي ~~ومعاداتي، بدلا من أن تكون صاحبي وصديقي؟ قال كرويزوس: أيها ~~الملك ... فعلت هذا لما حالفك الحظ وخاصمني، والذنب في هذا هو ~~ذنب إله الإغريق الذي دفعني إلى الحرب، وليس يفضل الحرب على ~~السلام إلا الأخرق والأحمق؛ ففي ظل السلام يدفن الأبناء ~~آباءهم، أما في الحرب، فيواري الآباء أبناءهم التراب. لكن ~~الإلهة اختارت، شاءت هذا ومشيئتها كانت. هكذا قال ومد قورش ~~يده ففك قيوده، وأجلسه بجانبه، وأظهر له المودة والهيبة ~~والكرامة. وتطلع إليه الملك والحاضرون بإجلال وإعجاب. # الحكماء ~~: # لا تقل إنك ما دمت حيا ... والإنسان لا يأمن ما تأتي به ~~الحياة قبل لحظات من مفارقة الحياة. # | الفصل الرابع # المؤرخ ~~: # لم يستجب الطاغية الشرقي لحكمتكم، بل ثار عليكم واتهمكم ~~بالحمق، وربما يكون قد طردكم من قصره ومملكته. وتفرقتم يا ~~حكمائي السبعة، ورجع كل منكم إلى بلده. لكن هل سكت عنكم ~~الطغيان؟ وهل خلت بلادكم من الطغاة والمستبدين؟ تكلم يا ~~صولون! # صولون ~~: # لا تنكأ جرحي يا ولدي. # المؤرخ ~~: # كيف واجهت العاصفة والبركان؟ ماذا فعلت حكمتك أمام الطغيان؟ ~~هل لجأت إلى جدار يحميك، أم نفيت نفسك بنفسك، أم نفاك الطاغية ~~من أثينا؟ # صولون ~~: # بيزيستراتوس؟ نعم نعم. لقد انتزع السلطة لنفسه، وأقام حكمه ~~المطلق، لم يقف في وجهه أحد ممن كنت أتوقع أن يقاوم ~~استبداده. أما التشريع الذي وضعته لإصلاح أمور أثينا فلم يمسه، ~~ولكنه تركه يبدو وكأنه قد أضر بها، بدلا من أن ينفعها، ويقر ~~السلام بين أبنائها المتصارعين. وتركت أثينا ورحت أتنقل بين ~~البلاد. # المؤرخ ~~: # تتنقل وحدك؟ # صولون ~~: # لم أكن وحدي أبدا؛ فالحكماء دائما معي. ومن لم أستطع ~~زيارته كتبت إليه وتشاورت معه. # 1 # المؤرخ ~~: # وهل رد عليك أحد؟ # صولون ~~: # لم يكتفوا بالرد، بل دعوني للإقامة معهم، أو عرضوا الحضور ~~إلي والإقامة معي. لا لم أكن وحدي ms22 أبدا ... كان معي طاليس ~~وبياس وكليوبويس و... # المؤرخ ~~: # نريد أن نسمع ما قلته لهم في رسائلك. فبمن تبدأ؟ # صولون ~~: # أبدأ بالكاهن الذي خلص أثينا من لعنة الطاعون. # المؤرخ ~~: # أبيمينيدس؟ الكاهن الكريتي؟ # صولون ~~: # نعم. فقد كان أول من كتبت إليه. # المؤرخ ~~: # وبدأت بقولك إن القوانين التي شرعتها للأثينيين لم تستطع ~~أن تساعدهم كثيرا، كما لم يستطع هو نفسه أن يساعدهم برفع ~~اللعنة عنهم. فالشرائع والطقوس لا قيمة لها في ذاتها؛ لأنها ~~تستمد قيمتها من الحاكم الذي يطبقها، فإن صادفت الحاكم السيئ ~~انعدمت فائدتها. ولم تكن القوانين والنظم التي وضعتها لتشذ ~~عن ذلك. بيد أن المسئولين قد أضروا بالصلح العام للمدينة حين ~~تقاعسوا عن الوقوف في وجه بيزيستراتوس الذي استبد ~~بالسلطة. # صولون ~~: # وا أسفاه! لم يصدق أحد نبوءتي. وثق الأثينيون بنفاقه لهم، ~~ولم يثقوا بحقيقتي. # المؤرخ ~~: # وذهبت إلى القاعة التي تجمع فيها القواد، وألقيت بأسلحتك ~~أمام الباب، وقلت: # صولون ~~: # إنني أحكم من أولئك الذين لم يلاحظوا أن بيزيستراتوس قد ~~صمم على أن يكون طاغية، وأشجع من أولئك الذين ترددوا عن ~~مقاومته. خرج القواد وهم يلوحون في وجهي قائلين: إنك أحمق يا ~~صولون. قلت محتجا: يا وطني، أنا صولون، على استعداد لحمايتك ~~بالكلمة والفعل، ومع ذلك فهم يعتبرونني مجنونا. ولهذا سأغادر ~~بلدي، وأنا الخصم الوحيد لبيزيستراتوس. عليهم إن شاءوا أن ~~يجعلوا أنفسهم حرسه الخاص، أما أنا فلن أبقى. # المؤرخ ~~: # وهل فعلوا هذا يا صولون؟ # صولون ~~: # لقد استغل دهاءه في التغرير بهم والاستبداد بالسلطة. ابتدأ ~~بتمثيل دور القائد والزعيم، ثم جرح نفسه، وذهب إلى قاعة ~~المحكمة، وهو يصرخ مؤكدا أن خصومه قد اعتدوا عليه، وأن على ~~المجلس أن يعين له أربعمائة حارس شاب. ورفعت صوتي معترضا، ~~ولكنهم لم يستمعوا إلي، بل وافقوا بالإجماع على تعيين ~~الحراس. وكان أن ألغى الديمقراطية، واستعبد الفقراء الذين ~~حررتهم أنا من الديون والسخرة، وضاعت جهودي هباء، فهم الآن ~~عبيد فرد واحد اسمه بيزيستراتوس. # المؤرخ ~~: # ومرت الأيام واستقر حكمه الفردي المطلق، وجاءك رد صديقك الذي ~~حاول أن يعزيك ويحيي الأمل ms23 في نفسك. # أبيمنيديس ~~: # صبرا يا صديق ! لو كان بيزيستراتوس قد وجه ضربته ~~للأثينيين، وهم لا يزالون عبيدا، وقبل أن يعرفوا القوانين ~~الصالحة؛ لأمكنه أن يقبض على السلطة، ويحتفظ بها عن طريق ~~استعباد المواطنين. لكنه الآن يحكم في عبيد، فالرجال الذين ~~يحكمهم يتفكرون في تحذيرك يا صولون، وهم خجلون متألمون. إنهم ~~لا يتحملون الطغيان، لأن من المستحيل على من عرف الحرية في ~~ظل أفضل القوانين أن يرضى بالعبودية، أو يحيا حياة ~~العبيد. # المؤرخ ~~: # ويشفق عليك الصديق من مشقة التجوال والترحال ~~فيقول: # أبيمنيديس ~~: # لا تتنقل بين البلاد، تعال إلينا هنا في كريت. ستحيا معنا ~~في أمان، ولن تحتاج إلى الخوف من سيد مطلق. أما إن أصررت على ~~أسفارك؛ فأخشى أن يلقاك أنصاره ويصيبك مكروه. # المؤرخ ~~: # لم تكن هذه هي الدعوة الوحيدة. فلم يكد طاليس يسمع عن عزمك ~~على ترك أثينا، حتى دعاك إلى الحضور إلى ملطية، حيث تعيش وسط ~~أهلك الذين سبقوك إلى تعمير هذه المدينة. # طاليس ~~: # يمكنك أن تعيش هنا مطمئنا بلا خوف. وإذا كان يؤلمك أن يكون ~~الحاكم هنا طاغية - فأنا أعلم مدى كرهك لجميع الطغاة - فسوف ~~يسعدك أن تعيش هنا مع أصدقائك. لقد بلغني أيضا أن بياس قد ~~دعاك للذهاب إلى بريينه، فإن آثرت الاقامة في هذه المدينة ~~فسوف أنتقل إليها. # المؤرخ ~~: # وتنافس الأصدقاء في الوقوف بجانبك. # صولون ~~: # نعم! كان لي أصدقاء عديدون. في كل مكان كنت أشعر أنني في ~~بيتي. # المؤرخ ~~: # وهذا ما كتبه لك كليوبوليس. ثم أضاف قوله: # كليوبوليس ~~: # أعتقد أن ليندوس الديمقراطية ستكون أحب مكان إلى قلب ~~صولون، فالجزيرة تقع على البحر، من سكنها فهو آمن من شر ~~بيزيستراتوس، وسوف يحج إليك الأصدقاء من كل ناحية. # المؤرخ ~~: # وعز على الطاغية أن يشهر به في كل مكان، وأن يقف مكتوف ~~اليدين أمام الخصم الذي خدم مدينته وأجمع الناس على إجلاله، ~~وتسابقت المدن على الترحيب به، ولهذا أسرع بالكتابة إليك، وراح ~~يدافع عن حكمه ويبرر استبداده. # صولون ~~: # ويلح كذلك في عودتي إلى الوطن. # المؤرخ ~~: # فلنقرأ رسالته العجيبة. # بيريستراتوس ms24 ~~: # لست أنا الإغريقي الوحيد الذي استبد بالحكم الفردي المطلق. ~~ثم إنه وصل إلي، لأنني أنحدر من نسل كودروس. # 2 # هكذا أكون قد استرددت ما تعهد به الأثينيون ~~لكودروس وذريته، وإن كانوا مع ذلك قد عادوا فسلبوه إياه. أضف ~~إلى هذا أنني بريء من الذنوب في حق الآلهة والبشر. وكما شرعت ~~للأثينيين قوانينهم، فسوف أترك حياتهم تسير بمقتضاها، وبهذا ~~يحكمون حكما أفضل من الديمقراطية؛ ذلك أنني لن أسمح بأي تعد ~~على الحدود المرعية، كما أنني لا استأثر لنفسي بأي شرف أو ~~تكريم باستثناء ما كان يتمتع به الملوك السابقون، وقد فرضت على ~~كل أثيني أن يسدد العشور عن أرضه، لا لكي آخذها منه، بل لكي ~~تحصلها الخزانة للإنفاق على القرابين العامة وغيرها من أوجه ~~الإنفاق، كما في حالة الحرب. # إنني لا ألومك لأنك كشفت عن خطتي؛ إذ فعلت هذا عن حب ~~للدولة أكثر مما فعلته عن كراهية لي، ثم لأنك لم تكن تعلم أي ~~نوع من الحكم سوف أقيمه. ولو علمته فلربما رضيت به ولم تهاجر. ~~ارجع إذن إلى وطنك وثق بي، حتى بغير أن أقسم لك قسما واضحا ~~بأنه لن يصيب صولون أي مكروه من بيزيستراتوس. واعلم أنني لم ~~أنل أي واحد من أعدائي بأذى. فإن شئت أن تكون أحد أصدقائي، ~~فسوف تكون أولهم في المكانة عندي. فأنا لا أجد فيك خيانة ولا ~~خداعا، وإني لأضمن لك أن تحيا في أثينا أي حياة ترضاها، ولست ~~أحب أن تفقد وطنك بسببي. # المؤرخ ~~: # ثقة بالنفس لم نعهدها في طاغية. # صولون ~~: # ولهذا قابلتها بثقة لا تقل عنها ... ثقة الحكمة في نفسها، ~~مهما كانت عزلاء ومنفية. # المؤرخ ~~: # وكتبت إليه، ولم تخش غضبه. # صولون ~~: # بل وعملت على إشعال وقوده ... أعتقد أنه لن يصيبني منك شر. ~~لقد كنت صديقك قبل أن تنفرد بالسلطة وتصبح طاغية، ولست الآن ~~بأكثر عداء لك من أي أثيني آخر لا يعجبه حكم الطغيان. وسواء ~~أكان الأفضل لهم أن يحكمهم فرد واحد، أم أن يعيشوا في ظل الحكم ~~الديمقراطي، فسوف نترك تقدير ms25 ذلك لكل منا حسب علمه. إني ~~لأعترف بأنك أفضل الطغاة جميعا. أما أن أعود إلى أثينا؛ فلن ~~أستحسن ذلك أبدا. لقد منحت المساواة للأثينيين دون تفرقة، ~~وكان في إمكاني أن أصبح طاغية، لكنني أبيت ذلك على نفسي، ~~وسوف يوجه إلي اللوم لو رجعت إلى وطني وقبلت ما ~~تفعله. # المؤرخ ~~: # مبلغ علمي أنك لم ترجع إليه، ولم تقبل ما فعله. # صولون ~~: # وفضلت أن أبقى غريبا أغير بلدا ببلد، وألقى صديقا بعد ~~صديق. # المؤرخ ~~: # ومع ذلك التقيتم في مأدبة الحكماء السبعة. # صولون ~~: # مأدبة واحدة؟ هل أنت بخيل كالتاريخ؟ # المؤرخ ~~: # كانت في دلف، أو في قصر كرويزوس. # صولون ~~: # أو أي مكان آخر ... المهم أننا التقينا ... وشربنا ... ~~وغنينا. # المؤرخ ~~: # وتباريتم وتناقشتم. # صولون ~~: # حقا؟ من أكثرنا شربا أو أكثرنا جلدا أو صبرا. # المؤرخ ~~: # بل من أحكمكم يا حكماء. # صولون ~~: # عجبا ... ولمن سيكون الحكم؟ # المؤرخ ~~: # لفتي مجهول يبحث عنكم ... ويفتش في كل مكان عن كلمات صدرت ~~منكم ... حتى تهديه الريح إليكم ... ويقدم أعجب شيء عثر عليه ~~الصيادون. # | الفصل الخامس # المؤرخ ~~: # في أركاديا، جنة الرعاة والرعويين، كان العجوز باثيكليس يرقد ~~على فراش الموت منذ شهور. واشتد عليه المرض ففتح عينيه بصعوبة، ~~واتكأ على ذراعه، وأسرع إليه الخادم الذي يسهر على راحته وهمس ~~له: # الخادم ~~: # هل تطلب شيئا يا مولاي؟ # باثيكليس ~~: # تعرف ما أطلب. ألم يصل منهم أحد؟ # الخادم ~~: # لا بد أنهم في الطريق. اصبر قليلا. # باثيكليس ~~: # وهل يصبر علي؟ لقد رأيته الآن في نومي. # الخادم ~~: # من؟ ابنك أمفالكيس؟ # باثيكليس ~~: # بل خارون يا غبي. يقف وسط النهر العكر الكسول، ويشير إلي ~~ويمد ذراعيه؛ لكي يحملني على عنقه، ويعبر بي إلى بيت ~~الظلال. # الخادم ~~: # انتظر يا سيدي ... انتظر أنت أيضا يا خارون ... ربما يكون ~~الطارق (يسمع طرق شديد على الباب). # باثيكليس ~~: # افتح ... افتح ... ليته يأتي الآن! # الخادم ~~(وهو يفتح الباب) ~~: # سيدي ... تنتظر واحدا ... ~~وها هم ثلاثة! مرحبا ... مرحبا. # باثيكليس ~~: # أولادي! # المؤرخ ~~: # ويسرع الأولاد الثلاثة بالدخول، ويعانقهم الأب، فيبللون ~~خديه ويبلل خدودهم بدموعه. ويقولون بين الضحك ~~والبكاء: # الولد الأكبر ~~: # تفرقنا ms26 في البلاد ثم التقينا، وجمعنا ما استطعنا جمعه من ~~حكم الحكماء السبعة. # الولد الأصغر ~~: # وقدرت «توخيه» إلهة الحظ والنصيب أن نجدك يا أبي. # الأب ~~: # وأنا في آخر أنفاسي ... هيا أسمعوني يا أولادي؛ فخير ما يغمض ~~عليه المرء عينيه وأذنيه هو الحكمة. # الولد الأكبر ~~: # بل حكم لا حصر لها يا أبتي. # الولد الأصغر ~~: # يحفظها الشعب، ويذكرها في كل مكان. # الولد الأوسط ~~: # يتركها الأب لأبنائه ... أنفس كنز يمكن أن يوصي به. # الأب ~~: # عندي كنز آخر أوصي به. # الولد الأكبر ~~: # المزرعة وحق زيوس. # الولد الأصغر ~~: # بل معصرة الزيت. # الأب ~~: # شيء آخر ... هو في مخبئه الآن. # الولد الأكبر ~~: # ومتى تظهره؟ # الولد الأصغر ~~: # ولمن توصي به؟ # الأب ~~: # لأحكم رجل حاز كنوز الحكمة. # الولد الأكبر ~~: # هل هو أحد منا؟ # الولد الأصغر ~~: # ماذا قلت؟ نحن جمعنا حكم الحكماء، ولسنا بالحكماء. # الأب ~~: # فلنسمعها الآن ... ولأحكمهم سيكون الكنز. # الولد الأكبر ~~: # أنا أحمله له. # الولد الأصغر ~~: # مهما بعد مكانه ... سأسافر له. # الولد الأوسط ~~: # وأنا أبذل عمري الباقي بحثا عنه. # الأب ~~: # القاضي يسمع قبل صدور الحكم ... قل يا ولدي! # الولد الأكبر ~~: # هذه هي الحكم التي قالها كليوبوليس من لندوس في جزيرة ~~رودوس: «الحد هو الأفضل - على المرء أن يكرم أباه - كن صحيح ~~الجسد والنفس - استمع كثيرا وتكلم قليلا - انصح مواطنيك ~~خير نصيحة - تحكم في اللذة - لا تلجأ في عملك للعنف - ~~ليكن عدو الشعب عدوك - لا تتشاجر مع زوجك، ولا تبالغ في ~~الغرور والتكبر عليها أمام الآخرين؛ ففي الحالة الأولى يعدك ~~الناس أحمق، وفي الحالة الثانية يعتبرونك مجنونا - لا تضرب ~~العبيد في مجلس الشراب حتى لا يحسبك الناس سكران - تزوج من ~~طبقة تناسب طبقتك؛ لأنك إن تزوجت من طبقة أعلى منك كسبت سادة ~~عليك لا أقارب لك - لا تضحك مع من يهزأ بغيرك؛ لأن من وقع ~~عليه الهزء سيكرهك - إن حالفك الحظ فلا تغتر بنفسك، وإن ~~أصابك الشقاء فلا تكن وضيعا.» # الأب ~~: # ألم تجمع شيئا آخر يا ولدي؟ # الولد الأكبر ~~: # بلى يا أبي! هذه هي الحكم التي يتناقلها الناس عن ~~خيلون. # الأب ms27 ~~: # ابن «داما جيتوس»، وفخر «لاكيمدايمون» في أسبرطة . # الولد الأكبر ~~: # اعرف نفسك. # الولد الأوسط ~~: # سمعناها عن طاليس وصولون. # الأب ~~: # استمر يا ولدي. # الولد الأكبر ~~: ~~«لا تثرثر مع الشراب حتى لا تندم - أبطئ في الذهاب إلى ~~أعياد أصدقائك، وسارع إليهم إذا حل بهم مكروه - لا تسرف في ~~الإنفاق على حفلات العرس - أثن على الأموات - كرم كبار ~~السن - خذ الخسارة مأخذ الكسب السيئ، لأن الخسارة تؤلم ~~مرة واحدة، أما الكسب السيئ غير المشروع فيؤلم أبدا - لا ~~تضحك على إنسان سيئ الحظ - لا تجعل لسانك يسبق عقلك - ~~تحكم في غضبك - لا تسع إلى مستحيل - لا تسرع في السير على ~~الطريق لتسبق غيرك - لا تحرك يدك من الكلام حتى لا تبدو ~~كالمجنون - أطع القوانين - تسامح مع الظلم، وتوق شر ~~الوقاحة.» # الأب ~~: # ما أحكمه من قائل! ... وأنت يا ولدي. # الولد الأصغر ~~: # أنا جمعت ما يتناقله الناس على ألسنة الطغاة. # الأب ~~: # الطغاة؟ ... ربما يحذروننا من أنفسهم. # الولد الأصغر ~~: # لم يكن كل ما فعلوه شرا ولا ظلما ... فالطاغية في لساننا ~~هو الحاكم الفرد. # الولد الأوسط ~~: # وهل تنتظر الخير من المستبد بحكمه؟ هل تنتظر ~~الحكمة؟ # الأب ~~: # فلنسمع يا ولدي قبل الحكم عليهم. # الولد الأصغر ~~: # هذا هو ما أثر عن العادل بيتاكوس. # الأب ~~: # ابن هيراس، حاكم ميتيلينه في جزيرة لسبوس. # الولد الأصغر ~~: ~~«اعرف قيمة اللحظة - لا تتكلم عما تنوي فعله؛ لأنك إن لم ~~توفق فيه جعلت نفسك أضحوكة - لا تفعل ما تأخذه على ~~جارك - سلم ما عهد به إليك - لا تتكلم بالشر عن صديقك، ~~ولا بالخير عن عدوك؛ حتى لا تتناقض مع نفسك - الأرض أمان ~~والبحر لا أمان له - الكسب لا يشبع.» # الأب ~~: # كلمات لا تصدر إلا عن طاغية عادل. # الولد الأوسط ~~: # طاغية عادل؟ ما هذا يا أبي؟ # الأب ~~: # هو ما تشهد به حياته وعمله يا ولدي ... استمر يا ~~بني! # الولد الأصغر ~~: # وهذا ما توصلت إليه من حكم بياس. # الأب ~~: # نعم نعم. ابن تويتاميديس، حاكم بريينه. # الولد الأصغر ~~: ~~«معظم الناس أشرار - انظر في المرآة.» # الولد الأوسط ~~: # لا بد أنه نظر ms28 في المرآة قبل أن يقول هذا. # الأب ~~: # صبرا يا أمفالكيس. # الولد الأصغر ~~: ~~«انظر في المرآة؛ إن رأيت نفسك جميلا؛ فعليك أن تفعل ~~الجميل، وإن بدوت قبيحا؛ فعليك أن تعوض نقص الطبيعة بجمال ~~الطبع ونبله - اعمل بتأن، أما ما بدأت من عمل؛ فعليك أن ~~تمضي فيه - لا تكن طيب النية ولا سيئ الطوية - قل عن ~~الآلهة إنهم موجودون - استمع كثيرا - تكلم في الوقت ~~المناسب - إذا كنت فقيرا فلا توجه اللوم لغني؛ إلا أن تكون ~~قد نفعت الناس بعمل عظيم - لا تثن على عديم القيمة بسبب ~~ثرائه - اكسب بالإقناع لا بالقوة - ما تقدم من خير فأرجع ~~الفضل فيه للآلهة لا لنفسك.» # الأب ~~: # حقا ... حكم لا تصدر إلا عن طاغية عادل. # الولد الأوسط ~~: # هو أيضا يا أبي؟ # الأب ~~: # لا تجادل أباك وهو في آخر أنفاسه ... والطاغية الثالث؟ # الولد الأوسط ~~: # من لا يمكن أن يوصف بالعدل ... أليس هو برياندر؟ # الولد الأصغر ~~: # هو من قلت ... طاغية كورنثة، برياندر ابن كيبسيلوس. # الأب ~~: # أسرع يا ولدي (يسعل سعالا شديدا). # الولد الأصغر ~~: # اشرب يا أبي ... اشرب. # الأب ~~: # شكرا يا ولدي ... (يشرب)، ماء الحكمة يروي أفضل. # الولد الأصغر ~~: # هكذا قال برياندر: «كل شيء يرجع للمران - السكينة شيء ~~جميل - التهور خطر - الديمقراطية أفضل من الطغيان.» # الولد الأوسط ~~: # أشك في هذا القول، أو لعله قاله وهو على فراش ... # الأب ~~: # ربما يا ولدي ... استمر! # الولد الأصغر ~~: ~~«اللذات فانية، والفضائل خالدة - إن واتاك الحظ فكن ~~معتدلا، وإن أصابك سوء الحظ فكن عاقلا حكيما - كن ~~جديرا بأبويك - التمس الثناء في حياتك، والجزاء بعد موتك - ~~لا تغير معاملتك للأصدقاء، سواء كانوا في النعماء أو ~~الضراء - لا تثرثر بالأسرار - راع في غضبك أن ترتد عنه ~~بسرعة إلى المودة والصداقة - تمسك بالقوانين القديمة، ولكن ~~تمسك كذلك بالأطعمة الطازجة - لا تكتف بمعاقبة الآثم، بل ~~امنع كذلك النية والقصد الدافعين إليه - إذا أصابك سوء الحظ ~~فأخف نفسك حتى لا تشمت فيك أعداءك.» # الأب ~~: # حكم رائعة ... وأنت يا أمفالكيس ... ماذا تحمل يا ولدي؟ # الولد الأوسط ~~: # أحمل كنز الحكماء الحق. # الأب ms29 ~~: # التهور خطر يا بني ... ألم تسمع الآن ؟ # الولد الأوسط ~~: # طاليس وصولون شيء آخر ... والحكم المنسوبة لهما. # الأب ~~: # فلنبدأ بالشاعر والمصلح لنظام أثينا. # الولد الأوسط ~~: # أمفالكيس يقرأ حكم صولون: «لا تبالغ في شيء.» # الولد الأكبر والأصغر ~~: # سمعت؟ # الأب ~~(ضاحكا) ~~: # واصل يا صولون. # أمفالكيس ~~: ~~«لا تجلس للقضاء، حتى لا تصبح عدوا للمحكوم عليه - اهرب ~~من اللذة التي تلد الألم - حافظ على مروءتك أكثر مما تحافظ ~~على قسمك - اختم كلماتك بالصمت، واختم صمتك باللحظة المناسبة ~~- لا تكذب، بل قل الحقيقة - ابذل جهدك في أمر جاد - لا ~~تدع أن لديك من الحق أكثر مما لدى أبويك - لا تتسرع ~~في كسب الأصدقاء، أما من لديك منهم فلا تتسرع في التخلص ~~منهم - تعلم كيف تطيع، وسوف تتعلم كيف تحكم - حاسب نفسك ~~قبل أن تحاسب غيرك - لا تنصح مواطنيك بما هو ممتع، بل بما ~~هو خير - تجنب صحبة الأشرار - لا تتكلم عن شيء لم تره - ~~اعلم واسكت - كن رفيقا بأهلك - استنتج ما لا تراه مما ~~تراه.» # الأب ~~: # حكم تليق بالمشرع العظيم ... وماذا يقول طاليس؟ # أمفالكيس ~~: ~~«إن ضمنت غيرك حلت بك المصائب - تذكر أصدقاءك في ~~حضورهم وغيابهم - لا تزين مظهرك، بل كن جميلا في عملك - ~~لا تثر عن طريق الظلم - لا تتردد عن مجاملة والديك - ما ~~تقدم من خير لأبويك توقعه من أبنائك في شيخوختك - من ~~الصعب أن يعرف الإنسان نفسه - أمتع شيء أن تحصل على ما ~~تتمنى - الكسل عذاب - عدم التحكم في النفس مضرة - ~~الجهل عبء ثقيل - لا تكن كسولا حتى ولو ملكت المال - أخف ~~الشر الواقع في بيتك - خير لك أن يحسدك الناس من أن ~~يشفقوا عليك - الزم حدك - لا تثق بكل ما ~~تلقاه.» # 1 # الأب ~~: # حكم صائبة ... حتى لو جاءت متأخرة. # الولد الأصغر ~~: # أنت بخير يا أبي؟ # الولد الأكبر ~~: # الحكمة خير دواء. # أمفالكيس ~~: # وخصوصا حكمة طاليس وصولون. # الولد الأكبر ~~: # اترك الحكم لأبينا. # الأب ~~: # لا وقت يا أولادي ... ~~آخر نفس يوشك أن يخرج مني ... استمعوا لي ... استمعوا لي. # الأولاد ~~: # تكلم يا أبي. # الأب ~~: # قبل سنين حصلت ms30 على هذا الكنز ... ~~(يخرج شيئا من خزانة بجواره ). # الأولاد ~~: # ما هذا؟ كأس ذهبي. # 2 # الأب ~~: # نعم يا أولادي ... كنت أتجول على شواطئ مسينا، وأتسلي ~~بمشاهدة الصيادين. اقتربت منهم، وقلت لهم وأنا أضحك: الصيد ~~القادم لي. قالوا: أيا كان الصيد ستدفع ثمنه؟ قلت: أيا ~~كان! ألقوا بالشبكة في البحر مرة ومرتين. لم تخرج سمكة ولا ~~حجرا، وفي المرة الثالثة رأينا شيئا يلمع في الشبكة. # الأولاد ~~: # هذا الكأس الذهبي! # الأب ~~: # نعم نعم ... وانبهر الصيادون وقالوا: لم نتفق على هذا، نحن ~~نصيد السمك ولا نصطاد كئوسا ذهبية. قلت: بل اتفقنا، وكلام ~~الرجال قسم. قالوا وماذا تريد؟ قلت: أريد صيدي. قالوا: ولكنه ~~كأس ذهبية. قلت: ذهبي أو برونزي. لقد اتفقنا ... أخرجوه ~~وانظروا فيه ... قالوا: نخرجه، ولكن هل تدفع ثمنه؟ قلت: أدفع فيه ~~ما أملك. إن آلهة الحظ قدرته لي، فهل تمنعونه عني؟ تفكروا ~~قليلا ونظروا إلي، عرفوا أنني مصمم على الكأس مهما كان ~~الثمن. أخرجوه من الشبكة وقلبوا فيه ثم هتف أحدهم: تعال! ~~اقرأ ما عليه! وتناولت الكأس بين يدي وقرأت. كانت قد نقشت ~~عليه هذه العبارة: لأحكم الحكماء. هتفت: صدقت النبوءة يا ~~إخواني! تعجبوا قائلين: النبوءة؟ قلت: نعم! فقد شاءت الإلهة ~~أن أقدمه هدية لأحكم حكماء اليونان. قالوا: إذن فلن تبيعه؟ ~~قلت: أبيعه؟ مثل هذا الكنز لا يباع. إنه يعطى لأحكم ~~الحكماء، أو يوضع في معبد الإله ليراه كل الأتقياء. قالوا: خذه ~~على بركتهم. خذه واذهب! رفض الصيادون أن يأخذوا مني ~~شيئا. # وانصرفت بالكنز الذي حافظت لكم عليه يا أبنائي، وها قد جاءت ~~اللحظة لأقدمه لكم. # الأولاد ~~: # لنا يا أبي؟ # الأب ~~: # نعم ... لتسلموه لأحكم الحكماء. # الأولاد ~~: # ومن يحكم بأنه أحكم الحكماء؟ # الأب ~~: # الحكماء أنفسهم يا أبنائي. # الأولاد ~~: # ومن يتحمل مشقة السفر إليهم؟ ... من يقدر أن يقطع أرض ~~اليونان وبحارها وجبالها بحثا عنهم؟ # أمفالكيس ~~: # لن نحتاج إلى هذا ... لقد سمعت أنهم ... # الأب ~~: # نعم يا بني ... ماذا سمعت؟ # أمفالكيس ~~: # سمعت أنهم مجتمعون في مأدبة الحكماء السبعة. # الأصغر والأكبر ~~: # أين؟ # أمفالكيس ~~: # في دلفي، أو عند كرويزوس ms31 في ليديا. # الأكبر ~~: # اذهب أنت. # الأصغر ~~: # سافر أنت إليهم . # الأب ~~: # نعم يا ولدي ... سافر أنت بهذا الكنز ... نفذ وصية أبيك ... أما ~~أنت يا ولدي فتأخذ المزرعة ... وأما أنت فلك معصرة الزيت ... خذ ~~يا ولدي. # المؤرخ ~~: # واقترب الابن الأوسط أمفالكيس من أبيه. مد يده إليه ليأخذ ~~الكأس الذهبي من يده. ارتعشت يد الأب وذراعه وصدره وجسده، ثم ~~توقفت الحركة في يده وذراعه وجسده، وسقط على الفراش. صرخ ~~الابن: أبي! أبي! وبكى الولدان الآخران. وبعد أن جففا ~~دموعهما، وباركا أباهما قال أمفالكيس: # أمفالكيس ~~: # وداعا يا أخوي، كرما أبي وأعدا له الطقوس اللائقة. ~~أما أنا فسأذهب. # المؤرخ ~~: # قال الأخوان: ابق معنا يا أخي. ألم تتعب من السفر؟ أتظن ~~أنك ستجدهم بسهولة؟ # أمفالكيس ~~: # إنها وصية أبي، ولا بد أن أذهب، لا بد أن أذهب. # | الفصل السادس # المؤرخ ~~: # وتجتمعون يا حكمائي السبعة في مأدبة الحكماء. # 1 # وتلتقون في دلف أو في ليديا بعد لقاء الملك ~~كرويزوس (لا نعلم شيئا بالتحديد عن المكان ولا الزمان) لكن ~~مآدبكم كثرت في العصور المتأخرة، والكتب التي سجلت أحاديثكم ~~وأوردت أغانيكم على الشراب قد ضاع معظمها، ولم يبق منها إلا ~~القليل. ولا بد أن كاتبا مجهولا من القرن الخامس قد ألف ~~الكتاب الشعبي الذي دونت فيه هذه الأغاني والأحاديث. ولا بد ~~أن الحياة السياسية والاجتماعية في هذا الزمن البعيد قد غصت ~~بشيء من الكذب الذي يسمم اليوم حياتنا، حتى أصبح من الصعب ~~تمييز الحق من الباطل والأصالة من الزيف. وها أنتم أولاء ~~تقفون مع الحقيقة كما تقضي الحكمة الخالدة على من ينتسب إليها ~~أو ينطق باسمها. # صولون ~~: # أين الكئوس يا أولاد؟ أين الشراب؟ # بيتاكوس ~~: # انتظر يا صولون، لم تأت اللحظة المناسبة. # صولون ~~: # بل جاءت يا طاغية لسبوس العفيف، أنت وحدك الذي لا يعرف ~~قيمتها. # بياس ~~: # على الرغم من حكمتك المعروفة. حقا! من الصعب أن يعرف ~~الإنسان نفسه. # صولون ~~: # هذا قول طاليس. ولكن ليس من الصعب أن نعرفه. طاليس! لماذا ~~تجلس وحدك؟ # طاليس ~~: # هكذا عشت دائما، وحيدا مع نفسي. # 2 # كليوبوليس ms32 ~~: # وبعيدا عن السياسة والعمل. # طاليس ~~: # لقد ابتعدت عن السياسية، لكنني لم أبتعد عن العمل. # خيلون ~~: # أنت وحدك انصرفت للنظر في أمور الطبيعة وتأمل ~~الأفلاك. # كليوبوليس ~~: # وغرقنا نحن جميعا في متاعب الحكم والمحكومين. # طاليس ~~: # اتهموني في ملطية بالفشل في حياتي، وعابوا علي فقري. كنت ~~كلما مررت في الشارع أشار الناس إلي قائلين: انظروا إلى ~~فقره! إنه دليل كاف على عقم الفلسفة! وقررت أن أثبت لهم ~~أن الفلاسفة يمكنهم إذا شاءوا أن يجمعوا الثروة بسهولة، ولكن ~~هذا ليس هو هدفهم. # خيلون ~~: # وماذا يا طاليس؟ # طاليس ~~: # دلتني ملاحظاتي الفلكية أن محصول زيت الزيتون سيكون ~~وفيرا. كنا في فصل الشتاء، وكان معي بعض المال، وأجرت معاصر ~~الزيت كلها في ملطية وخيوس بثمن قليل؛ لأن أحدا لم يتقدم ~~بثمن أعلى منه، ولما آن الأوان، اشتد الطلب على المعاصر، ~~فأجرتها بالثمن الذي حددته، وكسبت أموالا طائلة. # 3 # صولون ~~: # وأثبت أنك حكيم عملي. # طاليس ~~: # بل أني حكيم بعيد عن الحكم؛ إذ سرعان ما رجعت للنظر ~~والتأمل. # 4 # صولون ~~: # فلنشرب نخبة المال والزيتون، قبل أن ترجع لتأملاتك في ~~السماء! # صولون ~~: # وقبل أن تجلس وحيدا مع نفسك. # صولون ~~: # لن يسمح له هذا الصبي بذلك؟ # كليوبوليس ~~: # أي صبي يا صولون؟ # صولون ~~: # ألا تعرفونه؟ ... تعال يا بني ... أنت تعال! # الصبي ~~: # نعم يا عمي. # صولون ~~: # غننا يا بني شيئا ... غننا كما كنت تفعل في أثينا. # الصبي ~~: # الأغاني التي تحبها؟ # صولون ~~: # نعم يا ولدي ... ولا داعي لاستئذان بيتاكوس. # بيتاكوس ~~: # يستأذنني؟ # صولون ~~: # ستعرف بعد قليل ... استمع الآن. # الصبي ~~(يرتفع صوته ببعض أغاني سافو) ~~: # الآن قد غاب بالقمر، # وكذلك الكواكب السبعة. # انتصف الليل، # وزمن الانتظار فات، # وأنا أنام وحدي. # صولون ~~: # حقا يا ولدي، زمن الانتظار فات. # بيتاكوس ~~: # سمعت هذا من قبل ... سمعته من قبل. # الصبي ~~: # كل النجوم حول القمر الجميل # تخفي وجهها المضيء من جديد، # عندما يغمر البدر الناصع الأرض بنوره. # صولون ~~: # قل هذا لطاليس، أو انتظر. قله لهذا الفتى. # الفتى ~~(يدخل على استحياء، يتطلع للجميع في ~~ذهول) ~~: # صولون ~~: # أليس كذلك يا ولدي؟ تعال ... اقترب ms33 منا. # بيتاكوس ~~: # أين سمعت هذه الأغنية؟ متى؟ ... آه ... تذكرت. # صولون ~~: # تعال يا بني ... صب له كأسا يا غلام. # بيتاكوس ~~: # إنها لسافو ... الشاعرة التي هاجمتني هي وصديقها ألكايوس، ولكن ~~شعرها ... # صولون ~~: # استمر يا ولدي ... اسمع هذا الفتى الجميل. # الصبي ~~: # عندما تموت # ينتهي كل شيء. # ما من ذكري، # ولا من شوق # سيسأل عنك. # تذهب غير مرئي، # إلى بيت هاديس، # تهبط إلى الظلال، # تتلاشى مثلها، # تصبح عدما. # هولون ~~: # نعم يا ولدي. نعم، تصبح عدما. # الصبي ~~: # كما تحمر التفاحة، # التفاحة الحلوة # على الشجرة العالية، # على أعلى غصن. # نسي القاطفون أن يجنوها، # آه! لم ينسوها! # هم لم يستطيعوا فحسب أن يبلغوها! # 5 # صولون ~~: # آه! ما أجملها! أليست جميلة يا ولدي؟ # الفتى ~~: # نعم يا سيدي. # صولون ~~: # ليتك تعلمها لي يا ولدي! # الصبي ~~: # ولماذا يا عمي؟ # صولون ~~: # أريد أن أحفظها عن ظهر قلب، ثم أموت. # 6 # الفتى ~~: # مثلك لا يموت يا سيدي ... وكذلك هؤلاء الحكماء. # صولون ~~: # ولكننا سنهبط إلى بيت هاديس. # الفتى ~~: # ستبقى حكمتكم، يا مولاي. # صولون ~~: # سمعتم يا أصدقاء؟ ... هذا الفتى يزعم أنكم خالدون. # خيلون ~~: # أعطوه كأسا ... وإذا شرب يغير رأيه! # الفتى ~~: # لن أغير رأيي ... لقد عشت لهذه اللحظة ... إنني أسعد ~~إنسان. # كليوبوليس ~~: # سألني الملك كرويزوس: من هو أسعد إنسان فوق الأرض؟ قلت: أيها ~~الملك ... إنها الوحوش؛ لأنها تموت في سبيل الحرية. لو رآك يا ~~بني لما سأل سؤاله. # الفتى ~~: # كنت سأقول له: أنا أسعد إنسان يا كرويزوس ... فقد رأيت الحكماء ~~السبعة وسمعتهم. # صولون ~~: # لو سمعت نصيحتي، ما حكمت هذا الحكم إلا في آخر أيامك. # الفتى ~~: # ليكن هذا آخر أيامي ... فأنا أسعد إنسان يا صولون. ~~انظروا! # الحكماء ~~: # ما هذا؟ ماذا تخرج من جرابك؟ # الفتى ~~: # هدية أبي إليكم، أرسلني بها قبل أن يلفظ آخر أنفاسه. # الحكماء ~~: # كأس ذهبي! لنا نحن؟ # الفتى ~~: # بل للأحكم فيكم ... انظروا. # صولون ~~: # حقا كتب عليه نقش ذهبي. # خيلون ~~: # لأحكم الحكماء. # بيتاكوس ~~: # كيف ستعرفه يا ولدي؟ لمن سيكون الحكم؟ # الفتى ~~: # لكم أنتم. # كليوبوليس ~~: # من أحكمنا؟ من؟ # صولون ~~: # هذا الكأس يجيبك. # خيلون ~~: # ولماذا هذا الكأس؟! ms34 أجبني أنت. # صولون ~~: # ستعرف حين تفرغه في جوفك ... هيا يا غلمان ... كأس فارغة ... ~~ألا تخجلون ؟ ... ~~(تملأ كأسه. يرفع ~~صوته بالغناء بعد أن يفرغها في جوفه) ~~. # اتق شر الناس، # وانظر للواحد منهم! # هل يخفي الحربة في قلبه؟ # وإذا حدثك بوجه طلق وبيان جذل؛ # فهو حديث لسانين # انشقا من قلب أسود كالليل. # طاليس ~~(يتسلم الكأس من صولون) ~~: # كثرة كلماتك لا تكشف عن عقل راجح، # فتخير منها الطيب، # والتمس الأحكم والأوفق؛ # كي لا يغرقك السيل الجامح # من ألسنة الثرثارين فتغرق. # خيلون ~~(يتسلم الكأس من طاليس) ~~: # يختبر الذهب الخالص # فوق محك المعدن والحجر. # أما أفكار الناس؛ # فتوضع فوق محك الزمان؛ # ليفصل فيها الخير المحض عن الشر. # بيتاكوس ~~(يتسلم الكأس من خيلون) ~~: # كن حذرا وأعد القوس مع السهم، # حين تقابل شريرا، # فلسان الحاقد لا يتحرك في الفم؛ # إلا أن أطلق من لهب القلب سعيرا. # بياس ~~(يتسلم الكأس من بيتاكوس) ~~: # كن طيبا مع الجميع، وانبذ الخشونة، # إذا أردت أن تقيم في المدينة. # أما الشذوذ فهو يشعل المصائب اللعينة. # كليوبوليس ~~(يتسلم الكأس من بياس) ~~: # الجهل عميم بين الناس، # وسقط الكلمات ركام، # لكن الحد مع المقياس # يعين المرء على الأيام. # فكر في الخير، # وعود نفسك # أن تختار الأصحاب. # 7 # الحكماء ~~(للفتى) ~~: # اشرب يا فتى ... اشرب ... هل عرفت الآن أحكم الحكماء؟ ~~(يناولونه الكأس ~~الذهبي) ~~. # الفتى ~~(يشرب) ~~: # كلكم حكيم ... كل أغانيكم تقطر حكمة ... لكن من هو أحكمكم؟ ~~من؟ # الحكماء ~~: # اشرب ... اشرب. # الفتى ~~(يمد يده بالكأس) ~~: # لا ... لا ... أنا لا أستحق الشرب منه ... لن أستحقه أبدا. خذه ~~يا خيلون. # خيلون ~~: # أنا؟ إني أعرف نفسي. # الفتي ~~: # أنت يا طاليس. # طاليس ~~: # من الصعب أن أعرف نفسي ... ولكن من السهل أن أعرف أنني لا ~~أستحقه. # الفتى ~~: # وأنت يا صولون. # صولون ~~: # أعرف وأسكت؛ ولهذا لا أتكلم ولا أحرك يدي. # الفتى ~~: # وأنت يا بياس ... ألا تريد أن تأخذه؟! # بياس ~~: # يأخذه من ينسب الخير لنفسه، أما أنا فأنسبه للآلهة. # الفتى ~~: # وأنت يا حاكم ميتيلينه العادل؟ # بيتاكوس ~~: # رد الأمانة لأهلها ... هل نسيت ما قلته؟ # الفتى ~~: # لم يبق إلا ms35 برياندر ... أرجوك ... لا بد أن يأخذه ~~أحدكم. # برياندر ~~: # التهور خطر. # الفتى ~~: # والحد هو الأفضل ... لكن ماذا أفعل؟ # الحكماء ~~: # تسأل. # الفتى ~~: # أهناك أحد أحكم منكم؟ # الحكماء ~~: # بل تسألنا نحن، وتحكم. # الفتى ~~: # أسألكم ... أي سؤال أسألكم؟ # الحكماء ~~: # اسألنا مثلا عن أفضل دولة. # الفتى ~~: # حقا ... ما هي أفضل دولة؟ # صولون ~~: # هي التي يتهم فيها المجرم، ويعاقب من جميع أولئك الذين لم ~~يضرهم بشيء، كما يتهم ويعاقب ممن وقع عليهم الضرر ~~منه. # بياس ~~: # هي التي يخاف فيها الجميع القانون كما يخافون طاغية. # طاليس ~~: # هي التي تخلو من المسرفين في الثراء والمسرفين في ~~الفقر. # أناخارزيس ~~: # هي التي يحترم فيها الناس كل شيء على حد سواء، ولكنهم يقيسون ~~المزايا بمقياس الفضيلة، والعيوب بمقياس الرذيلة. # بيتاكوس ~~: # هي التي يستحيل فيها أن يصل الأشرار إلى الحكم، كما يستحيل ~~ألا يحكم الأخيار. # خيلون ~~: # هي التي يغلب فيها سماع القوانين ويقل سماع ~~الخطباء. # 8 # الفتى ~~: # أجبتم عن أفضل دولة، هل أسألكم الآن عن أفضل بيت؟ # صولون ~~: # أفضل بيت هو الذي لا يقترن فيه كسب المال بظلم، ولا يجلب ~~الحرص عليه سوء الظن، ولا يعقب إنفاقه ندم. # بياس ~~: # هو الذي يسلك رب البيت في داخله ومن تلقاء نفسه، مثلما ~~يسلك خارجه بسبب القوانين. # طاليس ~~: # هو الذي يستطيع فيه رب البيت أن يجد الفراغ أكثر مما يجده ~~في أي مكان آخر. # كليوبوليس ~~: # هو الذي يكون فيه عدد من يحبون رب البيت أكثر من عدد من ~~يخافونه. # بيتاكوس ~~: # هو الذي لا يشتهي شيئا غير ضروري، ولا يحرم من شيء ~~ضروري. # خيلون ~~: # هو الذي يشبه إلى أقصى حد مملكة يحكمها ملك. # 9 # الفتى ~~: # صعب ... صعب أن أختار الأحكم ... هل تجيبني أنت يا صولون؟ # صولون ~~: # عن أي شيء يا ولدي؟ # الفتى ~~: # عن رأيك في أفضل دولة. # صولون ~~: # ألم أتكلم الآن؟ # الفتى ~~: # نعم نعم، لكنني أريد المزيد. # صولون ~~: # هي التي تكثر فيها الجوائز التي تمنح للفضيلة. # الفتى ~~: # إجابة أخرى. # صولون ~~: # هي التي يكرم فيها الخيرون كما يتقى الأشرار. # الفتى ~~: # وثالثة. # صولون ~~: # هي الدولة التي فيها ~~يطيع ms36 المواطنون الحكام، أما الحكام فيطيعون القوانين ... # الفتى ~~: # أحكم ما سمعت أذناي ... زدني يا صولون. # صولون ~~: # آخر ما عندي : هي التي يثور فيها على الظلم أولئك الذين لم ~~يصابوا منه بسوء، كما يثور عليه من أضيروا بسببه سواء ~~بسواء. # الفتى ~~: # وأنت يا طاليس؟ هل تظل وحدك كما قالوا عنك؟ # طاليس ~~: # ألم أجب على أسئلتك يا بني؟ # الفتى ~~: # من كان في شهرتك نتوقع منه المزيد. # طاليس ~~: # اسأل يا بني! # الفتى ~~: # ما أقدم الكائنات؟ # طاليس ~~: # هو الإله؛ لأنه لم يولد. # الفتى ~~: # وما أجملها؟ # طاليس ~~: # العالم؛ لأنه من خلق الله. # الفتى ~~: # وأعظمها؟ # طاليس ~~: # المكان؛ لأنه يستوعب كل شيء. # الفتى ~~: # وأحكمها؟ # طاليس ~~: # الزمن؛ لأنه يكشف كل شيء. # الفتى ~~: # وأسرعها؟ # طاليس ~~: # العقل؛ لأنه يتخلل كل شيء. # 10 # الفتى ~~: # وأقواها؟ # طاليس ~~: # الضرورة؛ لأنها تحكم كل شيء. # 11 # الفتى ~~(يسرع إليه ويحاول أن يناوله الكأس) ~~: # رائع! خذه أرجوك! # طاليس ~~: # بل يأخذه صولون. # صولون ~~: # لن أغير رأيي ... أعطه لخيلون. # خيلون ~~: # بيتاكوس أولى به. # بيتاكوس ~~: # بل برياندر، هو أحكم مني. # برياندر ~~: # آخذه وكليوبوليس معنا؟ # كليوبوليس ~~: # مد يدك يا بياس! # بياس ~~: # إن خارزيس له يدان مثلي. # الفتى ~~: # الكأس لأحكمكم ... اختاروا أحدا منكم. # الحكماء ~~: # ليتك جئت ومعك باريس. # الفتى ~~: # هذا اللص؟ سارق هيلينا؟ # الحكماء ~~: # عندما نشب النزاع بين الإلهات الثلاثة هيرا وأثينا ~~وأفروديت، أرسله أبوللو ليحكم من هي أكثر جمالا، ويعطيها ~~التفاحة الذهبية. # الفتى ~~: # الكأس إذن من حق أبوللو. # الحكماء ~~: # ما أحكم هذا القول! إنك أحكم منا يا ولدي ... هي من حق أبوللو. ~~فلتوضع في معبده في ثيبه أو دلفي. # طاليس ~~: # أو في معبده الأقدس في ديديما، وقريبا من مسقط رأسي ~~ملطية. # الحكماء ~~: # هو أجدر بالكأس الذهبية منا؛ فهو حكيم. أما نحن فأحباب ~~الحكمة. # الفتى ~~: # وأنا أحببت الحكماء السبعة، أحباب الحكمة. # الحكماء ~~: # اذهب ونفذ وصيتنا. # الفتى ~~: # ووصيتك يا أبي ... فتقبلها يا رب الحكمة. # الحكماء ~~: # وداعا ... وتقبله يا رب النور أبوللو ... يا رب الحسن ورب ~~الحكمة والعدل. # | الفصل السابع # المؤرخ ~~: # بعد المأدبة يجيء المسرح. # الحكماء ~~: # المسرح؟! # المؤرخ ~~: # نعم. فقد مرت الأيام والسنون، ومالت ms37 إلى المغيب شمس العصر ~~القديم. نسيكم الناس، ولكن لم ينسوا حكمتكم بعد. وها هو ذا ~~شاعر عالم وقنصل ومربي أمراء يذكر بكم الأجيال، # 1 # ويقدمكم فوق المسرح، أو يجعلكم تقدمون أنفسكم ~~واحدا بعد الآخر. # الحكماء ~~: # نحن؟ نظهر على المسرح؟ # المؤرخ ~~: # سموه مسرح العقل أو الخيال أو التاريخ. # الحكماء ~~: # وماذا نقول غير ما قلناه؟ # المؤرخ ~~: # لا تنسوا ... أوشكت الناس أن تنساكم؛ ولهذا ستقفون على الخشبة، ~~ويردد كل منكم حكمته الخالدة على الآذان. # الحكماء ~~: # كي تنساها بعد سنين أو أجيال. # المؤرخ ~~: # طبع الانسان هو النسيان ... قد ينساكم أو يظهركم في شكل آخر. ~~قد ينسج عنكم في كل زمان أسطورة ... لكن الحكمة باقية حتى ~~اليوم. مهما احتاجت من يخرجها من ظلمات التاريخ. # الحكماء ~~: # أو ظلمات النسيان. # المؤرخ ~~: # ها هو ذا رجل لا ينسى، يظهر ليقدمكم للجمهور، كي يتذكر ~~شعب الرومان مآثركم، كي يتعلم من حكمتكم، حتى تصبح أسلوب ~~حياة. # الممثل ~~(يتقدم على المسرح، ويلقي بالتمهيد) ~~: # الحكماء السبعة. من أعطاهم العصر القديم هذا الاسم، ولم ~~تأخذه منهم العصور التالية، يقفون اليوم على خشبة المسرح في ~~ثيابهم الإغريقية. # 2 # لم يحمر وجهك، أيها الروماني في ثوبك الأبيض، ~~لدى ظهور هؤلاء الرجال المشاهير؟ # نحن وحدنا نشعر بالخجل، أما الأثينيون فلم يشعروا به؛ إذ ~~كان المسرح عندهم مجلس رأي أو شورى. # لكل فعل عندنا مكانه الخاص به. # فمجلس الشعب يشغل ميدان مارس، ومجلس الشيوخ يحتل المبنى ~~الحكومي، والقضاء مقره في السوق والمحكمة. لكن في أثينا ~~وبلاد الإغريق مكان يتجمع فيه الناس للتشاور في الرأي. وهذا ~~المكان أهداه الترف المتأخر لمدينتنا؛ فقد أقام لنا ناظر ~~الشرطة خشبة المسرح، وعلى وجه السرعة أعلى بناءها بغير أحجار ~~ثقيلة، مورينا وجاليوس فعلا هذا كما هو معروف. إن السادة ~~العظام الذين لم يتهيبوا النفقات الباهظة، قد اعتقدوا أنهم ~~سيخلدون أسماءهم بإقامة مبنى عال مؤسس على الأحجار، يتيح ~~إلى الأبد فرصة التمثيل المسرحي. وهكذا ارتفع هذا البيت الهائل ~~المقسم إلى أدوار وطوابق، بعدما تنافس في الإنفاق عليه ~~بومبيوس وبالبوس وأغسطس. لكن لماذا أثرثر ms38 بهذا الكلام؟ # إني لم أظهر أمامكم لأحكي عمن أقام المسرح والسوق والأسوار، ~~بل لأقدم لكم رجالا أجلاء أثنت عليهم الآلهة، ولكي أعلن عن ~~مقصدهم. # لقد تعودا على النطق بعباراتهم؛ فكل حكيم منهم يلقي حكمته ~~الأثيرة. إنكم تعرفون هذه الحكم والعبارات، لكن حين تضمحل ~~ذكرى الأخبار القديمة، عندئذ يظهر هذا الشخص المرح؛ لكي يشرح ~~الحكم التي غابت عني. # الشخص المرح ~~: # في دلفي، كما يقال، كتب صولون الأثيني: اعرف نفسك. # 3 # غير أن البعض يزعم أن قائل هذه الكلمة هو خيلون. ~~يا خيلون الأسبرطي، ما زالت الآراء كذلك مختلفة حول هذه ~~العبارة التي تنسب إليك: «على كل إنسان أن يتبصر بنهاية ~~الحياة»؛ فهل أنت الذي قلتها، عندما أوصيت أن ينتظر المرء ~~نهاية العمر الطويل (قبل أن يحكم على أحد بالسعادة أو ~~الشقاء)؟ # 4 # كذلك يزعم الكثيرون أن صولون قد قال هذه العبارة ~~يوما للملك كرويزوس. أما بيتاكوس، من جزيرة لسبوس، فيروى عنه ~~أنه قال: اعرف اللحظة، وأنه نبه إلى معرفة الوقت الملائم. وأما ~~بياس المنسوب إلى مدينة برينيه فقد قال: معظم الناس أشرار، ~~وعليك أن تفهم من قوله إن الحمقى في رأيه هم الأشرار. ويقول ~~برياندر من مدينة كورنثة: المران هو كل شيء. وهو يقصد أن ~~التروي يحقق للمرء كل ما يريد، ويعلم كليوبوليس من لندوس أن ~~الحد هو الأفضل. أما طاليس فيحذر من أن تضمن غيرك، فتجلب ~~الضرر على نفسك. وطبيعي أن يسخط مقترض المال على هذا التحذير. ~~لقد قلت ما عندي، وسأنسحب الآن، لكي يتقدم المشرع ~~صولون. # صولون ~~: # ها أنا ذا أخطو على هذه الخشبة على طريقة الإغريق، أنا صولون ~~الذي وهبه المجد أول جائزة منحت للحكماء السبعة. غير أن ~~المجد شيء يختلف عن صرامة الحكم الصحيح؛ ولهذا لا أحب أن ~~أكون أول الحكماء، بل أريد أن أكون واحدا منهم؛ لأن المساواة ~~لا تطيق التقسيم إلى مراتب ودرجات. وبحق نصح إله دلفي ذلك ~~«الشاب» الذي سأل هذا السؤال الطائش: من هو أول الحكماء؟ نصحه ~~أن يكتب باقة أسماء الحكماء على ms39 هيئة دائرة، حتى لا يكون منهم ~~أول ولا أخير. # ولهذا أتقدم من دائرتهم، أنا صولون، حتى أبلغ كل الناس ما ~~قلته يوما للملك كرويزوس : أدعو الإنسان لأن ينظر في خاتمة ~~حياته. وليحذر كل منهم أن يتكلم عن إنسان، فيقول هذا تعس، أو ~~ذاك سعيد؛ لأن السعادة والتعاسة يحوطهما الغموض على الدوام. ~~الأمر كذلك، فاسمحوا لي أن أثبته باختصار. كان الملك كرويزوس، ~~لا بل طاغية ليديا، أحد هؤلاء السعداء. وكان يملك الكنوز التي ~~لا حد لها، وبنى للآلهة معابد رفع أسوارها الذهبية، ودعاني ~~الملك إليه فأطلعت حتى يتسنى لليديين أن يجلس على عرشهم ~~أفضل الملوك. سألني الملك إن كنت أعرف إنسانا سعيدا؟ وسميت ~~له تيلوس، ذلك المواطن النبيل، الذي سقط قتيلا وهو يدافع عن ~~وطنه. وبدا له هذا المواطن حقيرا، فأعاد السؤال. وخطر على ~~بالي أجلاوس الذي لم يغادر حدود حقله مرة واحدة في ~~حياته. # ضحك الملك وقال: أين أكون إذن، وأنا الموصوف بأني السعيد ~~الوحيد على ظهر الأرض؟ قلت له: «على المرء أن ينتظر نهاية ~~الحياة، ثم يصدر الحكم بأنه سعيد إذا دامت له السعادة.» كانت ~~العبارة قاسية على الملك، ولكنني انصرفت من عنده ... وكان أن ~~أعلن الحرب على الفرس ... ودخل المعركة وهزم. مثل أمام الملك ~~مقيدا بالأغلال، وعرفت أنه سيموت فوق المحرقة؛ إذ كان اللهب ~~يملأ المكان، ويرفع ألسنة الدخان المتوهج إلى السماء. # وارتفعت صيحة كرويزوس بعد فوات الأوان، فصرخ بصوت رهيب: ~~«صولون! صولون! صولون! يا من صدقت نبوءتك بحق!» وحرك النداء ~~قلب قورش، فأمر بإطفاء النار ورفعه عن المحرقة. وانهمر المطر ~~من السحب. # فقهر الحريق، وتقدمت كتيبة من الجنود فأمسكت بكرويزوس، ~~وقادته إلى الملك. # سأله عن صولون وعن سبب هتافه باسمه، فأخذ يروي عليه تجربته ~~بالتفصيل، وأشفق عليه الملك، وأثنى على صولون الذي أدرك قوة ~~القدر فأحسن الإدراك. # وأصبح كرويزوس منذ ذلك الحين صديق قورش الذي أمر بتطويق ~~عنقه بقلادة ذهبية، وجعله يقضي بقية عمره بجانبه. أما أنا ~~فشهادة الملكين مديح وثناء علي، إذ قال كلاهما: معك ~~الحق. ms40 # وعلى كل منكم أن ينتبه لما قلت لأحدهما. # لقد انتهيت مما جئت لأجله. # انظروا! ها هو خيلون قادم فوداعا، وصفقوا! # خيلون ~~: # يؤلمني فخذاي من الجلوس، كما تؤلمني من النظر عيناي، وقد ~~انتظرت حتى انصرف صولون. # آه! ما أقل ما يقوله «الأتيكي» في خطبة طويلة! # فلقد ألقى عبارته الوحيدة في أكثر من مائة بيت ... ها هو ما ~~يزال يتلفت نحوي، لكنه قد ذهب لحاله. # أنا خيلون الأسبرطي الذي يتقدم منكم الآن، ألجأ للإيجاز ~~المعروف عنا وأوصيكم بحكمتي: «اعرف نفسك». # وهي الحكمة المنقوشة على عمود معبد دلفي. إنه لجهد شاق - وإن ~~كان يجلب أجمل الجزاء - أن تعرف ما تقدر عليه وما لا تقدر، ~~وأن تفحص في الليل والنهار ما عملته وما لم تعمله، وتدقق ~~في أدق تفاصيله. # إن جميع الواجبات، من شرف وحياء وصمود، كلها هنا (في هذه ~~الحكمة)، ومعها كل المجد الذي أسكت عنه. # لقد تكلمت وقلت ما عندي، فوداعا وتفكروا فيه! # لن أنتظر التصفيق! # كليوبوليس ~~: # أنا كليوبوليس، أصلي من جزيرة صغيرة، ومع ذلك فقد عثرت على ~~حكمة كبيرة، يشيد بذكرها الناس: «الحد هو الأفضل.» # تلك هي الحكمة التي تنسب إلي. # ترجمها أنت، يا من تجلس بالقرب من الخشبة على أول درجة من ~~الدرجات الأربع عشرة. أليس الحد هو الأفضل؟ # قل رأيك! هل أطرقت برأسك؟ شكرا لك! # سأتابع قولي بالترتيب. فقديما قال شاعركم تيرينس في هذا ~~المكان: «لا تبالغ في شيء». وكذلك قال أحد شعرائنا: «لا تسرف ~~على نفسك»، والقولان من الروماني والإغريقي مرتبطان بما نحن ~~بصدده: في أثناء كلامك أو صمتك في يقظتك ونومك. # يصدق هذا الحد، في الإحسان إلى الناس، وتقديم الشكر في العمل ~~وفي الدرس وفي الإيذاء أو الضر، في كل أمور حياتك يجب عليك أن ~~تلتزم الحد. # ها أنا ذا أنهيت حديثي، ولهذا أذهب، فارعوا الحد، ارعوا ~~الحد. # ها هو طاليس يتقدم منكم. # طاليس ~~: # اسمي طاليس. مسقط رأسي ملطية. # علمت، كما علم بندار، أن الماء هو أصل جميع الأشياء. ووعاء ~~البخور الذهبي ذو القوائم الثلاثة # 5 # أحضره ms41 إلي الصيادون الذين سحبوه بشباكهم من ~~البحر. # وساقتهم إلي نبوءة أبوللو الذي جعل هذا الوعاء من نصيب ~~أحكم الحكماء. لم أشأ أن أحتفظ به، فرددته إليهم؛ لكي يحملوه ~~إلى غيري ممن اعتقدت أنهم أولى به. # هكذا دار الوعاء دورته وأرسل إلى الحكماء السبعة جميعا، ثم ~~أعاده الصيادون إلي بعد أن أرسله الحكماء، فأخذته منهم ~~ونذرته للإله أبوللو. # وإذا كان أبوللو قد أمر باختيار حكيم (ليكون الوعاء من ~~نصيبه)؛ فمن الحق أن يسري هذا الأمر على إله لا على ~~إنسان. # هذا هو أنا. وقد ظهرت على المسرح مثلما ظهر الاثنان اللذان ~~سبقاني؛ لأنقل إليكم حكمتي من هذا المكان. # ربما تثير السخط عليها، لكنها لن تسوء الأذكياء الذين ~~أنضجتهم الخبرة، وحنكتهم التجربة. # لقد قلت باليونانية ما ترجمته: خذ قرضا من غيرك بضمان، ~~وبذلك تؤذي نفسك! # يمكنني أن أضرب أكثر من ألف مثل لأبين ندم المواطن على ما ~~فعل. # لكني لن أذكر أحدا باسمه، وسأترك لكم الأمر لتتدبروه ~~بأنفسكم وتعرفوا مدى الألم والأذى الذي جلبه الدين بالضمان ~~على أصحابه، ومع ذلك يبقى هذا العمل حبيبا إلى نفوس الصبية ~~الخليعين. # وإذن فليصفق لي جزء منكم، وليصفر الجزء الباقي سخطا ~~واستهجانا. # بياس ~~: # أنا بياس من بريينه، الذي قال: «أغلب الناس أشرار.» وودت لو ~~لم أقل هذه العبارة أبدا؛ «فقول» الحقيقة يولد ~~الكراهية. # وقد وصفت بالشر البرابرة والحمقى الذين يزدرون الحق والقانون ~~والحرمات المقدسة. # أما الشعب الذي يحوط هذا المكان، فهو من الأخيار ~~الخالصين. # إن الأشرار لا وجود لهم إلا في بلاد الأعداء، هذا ما قصدت ~~قوله فصدقوني. # لكن ما من أحد يرضى لنفسه أن يكون قاضيا سيئا، بحيث لا ~~ينضم إلى زمرة الأخيار الطيبين، سواء أكان طيبا بحق أم أراد ~~أن يحسب من الطيبين. # بهذا تكون الكلمة السيئة عن الشرير قد كشفت عن معناها. ~~وبهذا أنسحب من المسرح. فوداعا، وصفقوا، يا من أغلبكم ~~أخيار! # بيتاكوس ~~: # أنا بيتاكوس، أصلي من ميتيلينه في لسبوس، ولقد قلت: اعرف ~~قيمة اللحظة. # فاللحظة تدعو وتنبه «الغافل» إلى معرفة الزمن. ولهذا ms42 يقول ~~الرومان: تعال في الوقت المناسب. كذلك أوصى شاعركم الهزلي ~~«يترنس» بإدراك أهمية هذا الوقت المناسب، عندما حضر العبد ~~درومو لسيدته أنتيفيلا في أشد اللحظات حرجا ودقة. # تفكروا جميعا في المصاعب التي يتعرض لها ذلك الذي لا ~~يقدر قيمة الفرصة المواتية! # إن الزمن ينبئني ألا أثقل بالقول عليكم، فصفقوا! # بيرناندر ~~: # وها أنا ذا أظهر أمامكم، برياندر الذي ولد في كورنثة، والذي ~~أعلن أن كل شيء يرجع للمران. # وأنا أؤيد قول القائل إن ما يحسن المرء أداءه إنما يقوم ~~على التأمل، ولا ينجح في عمله إلا من يتدبره قبل الإقدام ~~عليه. # والشاعر الهزلي تيرنس يعلمنا أن ننظر في فرص الحظ وسوء ~~الحظ. # وكل من يريد أن يستأجر بيتا، أو يعلن حربا، أو يعقد صلحا ~~وسلاما، أو يرسم خطة شيء عظيم أو حقير، فعليه أن يتفكر ~~ويدبر. سيرين الكسل عليك إذا أقبلت على عمل لم تتدبره ~~قبل شروعك فيه. # ولا شيء أولى بالحرص والعناية من التفكير في خطوة جديدة. إن ~~الغافلين يوجههم الحظ لا الذكاء. # ومع ذلك فها أنا ذا أتراجع جانبا. صفقوا، وتدبروا الأمر ~~من أجل بلدكم. # المؤرخ ~~: # هكذا انتهت هذه اللعبة المسرحية. # الحكماء ~~: # كانت لعبة أطفال وتلاميذ مدارس ... الحمد لرب الحكمة إذ ~~انتهت أدوارنا. # المؤرخ ~~: # ماذا تقولون؟ لم ينته دوركم بعد؛ فالحكاية ما تزال على نول ~~الأيام، وخيوط أخرى تغزلها في ثوبكم الأجيال. # الحكماء ~~: # ألا تنتظر حتى نغير ثيابنا. # المؤرخ ~~: # وأصفق لكم، ثم أنسحب لاستراحة قصيرة. # | الفصل الثامن # المؤرخ ~~: # وتمر الأيام وتأتي الأجيال بعد الأجيال، فيتغير كل شيء. ~~هذا قانون لا يسلم منه حي أو جماد؛ فكل ما في الوجود يتبدل ~~ويتحول ويصير إلى ضده. هذا ما سيقوله حكيم جاء بعدكم، ~~وأشاد بذكركم، واسمه هيراقليطس. حتى قصتكم يا حكمائي السبعة لم ~~تسلم من التغير والتحول و... # الحكماء ~~: # قصتنا؟ ... هذا جائز ... لكن حكمتنا؟ # صولون ~~: # اعرف نفسك! الزم حدك! لا تتطرف! لا لا ... لا يمكن أن ~~تتغير. # الحكماء ~~: # هل يمكن أن ينقلب الخير إلى الشر، أو يرضى الناس بتقديس ~~الخسة والغدر؟ # المؤرخ ms43 ~~: # معذرة يا حكماء ... حكمتكم فوق الشك، ولكن ... # الحكماء ~~: # ماذا تعني؟ # المؤرخ ~~: # أعني أن الحال تحول، والقيم تغير سلمها الراسخ ~~وتتبدل. # الحكماء ~~: # أوضح قولك. # المؤرخ ~~: # بل هو قول التاريخ وحكمه ... صار العصر غير العصر، وتبدلت ~~العقيدة غير العقيدة، ودخلت بلادكم في دين جديد هو دين ~~المسيح. # الحكماء ~~: # المسيح؟ # المؤرخ ~~: # أجل. وهو عند المؤمنين به: ابن الله الذي افتدى البشر؛ ليكفر ~~عن خطاياهم. # الحكماء ~~: # ابن زيوس؟ أم أبوللو؟ # المؤرخ ~~: # بل ابن الواحد والثالوث ... جاء إلى الأرض بميلاد معجز، جاء ~~على صورة بشر يحيا في الزمن ويأكل مثل البشر ويشرب، وأخيرا ~~يصلب ثم يقوم ويرفع. # الحكماء ~~: # لم نره، لم نسمع عنه. # المؤرخ ~~: # بل تروي القصة أنكم تنبأتم به. # الحكماء ~~: # نحن الحكماء تنبأنا به؟! # المؤرخ ~~: # والنبوءة صارت هي حكمتكم الوحيدة. وها هو ذا واحد من آباء ~~الكنيسة الذين علموا في مصر، وهو كليمنس السكندري، # 1 # يسميكم في حوالي سنة مائتين بعد ميلاد المسيح ~~بالأنبياء. لقد راح هذا الأب المسيحي يفسر أقوالكم الأثيرة. ~~إنكم تعرفون هذه الحكم والعبارات تفسيرا رمزيا يضع عليها ~~ثوبا إلهيا ... فعبارتكم «اعرف نفسك» صارت: «اعرف سبب ولادتك، ~~وصورة من أنت، ماذا تملك، ماذا تصنع، واعرف صلتك بالله وقربك ~~منه.» # الحكماء ~~: # غريب ... شيء غريب. # المؤرخ ~~: # الأغرب من هذا أن ~~أسماءكم المشهورة بدأت تلتف في ضباب الأفق البعيد، ومعها ~~عالمكم القديم كله، لم يبق من هذه الأسماء إلا أصداء غامضة. ~~واختلطت بأسماء أخرى ظهر أصحابها قبلكم أو بعدكم؛ فالكاتب ~~المتدين لا تهمه الآن إلا حكمة واحدة، ولا يعنيه إلا حدث ~~تاريخي واحد. # 2 # إنه لا يعرف حكايتكم ولا يذكر أقوالكم، ولا يرى ~~بأسا من أن يدخل في زمرتكم شاعرا كهوميروس، أو فيلسوفا ~~كأفلاطون وتلميذه أرسطو، أو مؤرخا كتوكيديدس الذي سجل وقائع ~~الحرب الأهلية التي وقعت بعد عهدكم بين أثينا وأسبرطة، أو ~~مؤرخا متأخرا مثل بلوتارك. بل إنه لا يجد حرجا في أن يجعل ~~شاعر الملهاة ميناندر واحدا منكم. # الحكماء ~~: # هل يمكن أن ينسانا العالم كل النسيان؟ أو لا يذكر أحدا ~~منا؟ # المؤرخ ~~: # بل ms44 ما زال الكاتب يرفع ذكراكم، وإن كان لا يعرف شيئا عنكم. ~~مع ذلك لا يصح أن نجحد فضله في إحياء ذكراكم، والإيحاء إلى ~~الفنانين برسم صوركم ونقوشكم على الأيقونات، وجدران الكنائس ~~الأرثوذكسية في بلدكم. استمعوا الآن. لقد أصبحتم أنبياء أو ~~متنبئين ومنجمين. # الحكماء ~~: # ما أشقانا! ... متنبئين ومنجمين؟! # المؤرخ ~~: # وجئتم إلى معبد أبوللو في أثينا لتسألوه. # الحكماء ~~: # نبئنا أيها النبي أبوللو ... قل لنا يا ساطع الضوء: ماذا ~~سيكون حال بيتك هذا؟ ولمن سيئول من بعدك؟ # المؤرخ ~~: # ويرد عليكم إله النور والفن على لسان العراف، ~~فيقول: # أبوللو ~~: # سيكون بيتا للفضيلة ~~والطاعة والنظام. إني أبشر بالثالوث، بالرب الحاكم في ~~الأعالي، الذي تحولت كلمته الخالدة إلى ثمرة جسدية في رحم ~~عذراء طاهرة؛ لأن كلمة الرب ستنطلق كصاعقة من نار في العالم ~~كله، وتقدمه للرب هدية. أما هذه العذراء فاسمها مريم. # الحكماء ~~: # إنك تكذب يا أبوللو. # أبوللو ~~: # بل أخبر بالحق وبالصدق، وأقسم بمن يمسك بزمامي ويهز ~~أعنة صدري. # الحكماء ~~: # ولم نصدقه بطبيعة الحال. # المؤرخ ~~: # بل صدقتم ومضيتم في نبوءتكم بالنور الطالع والرب الآتي من ~~علياء سمائه، يفدي البشرية في صورة بشر، ثم يقوم ويرتفع إلى ~~عرش أبيه. # الحكماء ~~: # نحن نفعل هذا؟! # المؤرخ ~~: # وتبشرون بالوعد والخلاص على لسان بياس وصولون وخيلون ... ~~ويكون بياس أول المتكلمين فيقول: # بيباس ~~: # مستحيل أن أقول ما أقوله لغير المريدين والمؤمنين؛ إلا أن ~~تعوا بعقولكم ما أنطق به ... هذا الرب هو النور الروحاني ~~الطالع من نور الروح القدس، بالنور وبالأنفاس تلقى الوحدة ~~من روحه، كل شيء منه وعن طريقه، خصبا نزل إلى الطبيعة ~~الخصبة، فخلق الماء الخصب بالماء الخصب. # صولون ~~: # وهو الذي جاء قادما من أعالي السموات، أقوى من نار اللهب ~~الأبدي الخالد. ترتعش أمامه السماء، وترتجف الأرض والبحر ~~والمحيط الذي تسبح فيه الأرواح السفلية. وهو نفسه أبوه المثلث ~~البركات. # خيلون ~~: # يوما سيجيء إلى هذه الأرض المتصدعة، وبلا خطيئة يتجسد ... ~~وبنعمة الألوهية ومشيئتها، سيرفع الفساد ويخلص من الآلام التي ~~لا تداوى ولا تشفى. # ولسوف يصيبه حسد الشعب ويعلق على الصليب، كأنه استحق ms45 ~~الموت عقابا له، ثم يتحمل كل شيء في هدوء. # توكيديديس ~~: # إن طبيعة الخلق الإلهي لا تعرف الكلل، والرب يحول كلمته إلى ~~وجود. # ميناندر ~~: # اخش الرب وآمن به ، لكن لا تسأل من هو ولا كيف هو. وسواء ~~أدركت وجوده أم لم تدركه، فاخشع لهذا الوجود واعرفه؛ لأن من ~~يحاول معرفة الله إنسان خلا قلبه من التقوي. # 3 # أفلاطون ~~: # الشيخ شاب والشاب شيخ، الأب هو الابن والابن هو الأب، الواحد ~~ثلاثة والثلاثة واحد، الذي بلا جسد متجسد، والأرض ولدت خالق ~~السماء. # الحكماء ~~: # نحن نقول هذا كله؟ # المؤرخ ~~: # والأدهى من هذا أن تقولوه وأكثر منه على لسان أشخاص ولدوا ~~بعد أن شبعتم موتا. # الحكماء ~~: # أي أشخاص؟ لم نعرفهم أبدا! # المؤرخ ~~: # بل عرفتموهم وقابلتموهم أيضا. # الحكماء ~~: # ماذا تقول؟ كيف نعرفهم أو نقابلهم؟ # المؤرخ ~~: # هذا ما يقوله الكتاب الورعون الذين دونوا المخطوطات ~~التي وصلتنا عنكم في عصر متأخر # 4 # لقد جعلوكم تقابلون فيلسوفا سموه ديوجينيس، ~~وتدخلون بيته القائم في أثينا الذهبية. # الحكماء ~~: # حقا؟ نحن الحكماء السبعة؟ # المؤرخ ~~: # ولكن بأسماء أخرى بعد أن نسي أولئك الكتاب أسماءكم. أتدرون ~~من هم الحكماء السبعة الذين دخلوا بيت ديوجينيس، فأجلسهم ~~ورحب بهم، وأخذ يسمع حديثهم عن الهندسة والفلك والتنجيم ~~وطبيعة الأرض وغيرها من العلوم والفنون؟ # الحكماء ~~: # ألم تقل إنهم الحكماء السبعة؟ # المؤرخ ~~: # نعم، ولكن بأسماء أخرى، لم يراع فيها اختيار ولا ترتيب: ~~بلوتارك وآريس. # الحكماء ~~: # آريس؟ حتى إله الحرب والشقاق أصبح واحدا منا؟ # المؤرخ ~~: # نعم نعم. وكذلك هيريس مثلث العظمة، ولكنهم نسوا اسمه ~~الحقيقي، فسموه «دون» مثلث العظمة. # الحكماء ~~: # مع أنا لم نعرف هيرميس هذا ولا ... ماذا قلت؟ # المؤرخ ~~: # بالطبع ولا كليو ميديس. # كليوبوليس ~~: # حتى اسمي أخطئوا فيه؟! # المؤرخ ~~: # وأدخلوا فيكم أفلاطون وأرسطو وهوميروس. # الحكماء ~~: # حتى شاعرنا الأكبر؟ # المؤرخ ~~: # أجل أجل ... وبعد أن فرغوا من حديثهم، وقف ديوجينيس الشيخ، ~~الذي لا نعرف إن كان هو ديوجينيس الأبولوني أم الكلبي ... وخطب ~~فيهم قائلا: «أيها الرجال الأجلاء من فلاسفة الإغريق ~~ومعلميهم الأوائل، إني أسألكم: ماذا تهيئ عناية السماء لأجيال ~~الإغريق في ms46 أواخر الزمان؟ لأني أعلم أن أبناء الإغريق قد ~~استبد بهم الحمق، فراحوا يهيمون أذلاء بين الأصنام، ~~ويخوضون في كل رجس، بعد أن تخلوا عن خالق كل شيء. اذكروا لي ~~علامة تدل على أنكم أعظم العظماء، وأكبر المنجمين والحكماء. ~~إني أتوسل إليكم أن تخبروني بها. ولم يكد ديوجينيس ينهي ~~خطبته، حتى فتح بلوتارك فمه وقال: # بلوتارك ~~: # ذات يوم سيجيء من لا بداية له وابن من لا بداية له، سيجيء ~~الكلمة إلى هذه الأرض الممزقة، ويسكن جسد عذراء بريئة اسمها ~~مريم. وسوف يتعرض لحسد الشعب الجاحد ويعلق على الصليب. ~~وأخيرا يقوم من بين الموتى، وينقذ العالم بأسره. أما اسمه فهو ~~يسوع، أي الطبيب. # المؤرخ ~~: # ثم تكلم آريس. # الحكماء ~~: # إله الحرب؟ وهل لديه ما يقوله؟ # المؤرخ ~~: # نعم نعم. أليس غريبا أن يتحدث عن الحب والخلاص والسلام ~~فيقول: # آريس ~~: # سيأتي الابن من الابن، ويطلب، وهو ابن الابن، أن يسكن رحم ~~أم، ويولد إلها كاملا في صورة إنسان، وسوف ينقذ جميع الأجيال ~~من آدم إلى شخصه ذاته، ويقدمهم هدية لأبيه. # المؤرخ ~~: # وتكلم دون مثلث العظمة، فقال: # مثلث العظمة ~~: # الرب عقل وكلمة وروح، والكلمة الذي تجسد بإرادة الأب، ~~سينقذ كل إنسان من الضلال المريع، ويقضي على الشيطان، ويمنح ~~شعبه العماد. طوبى لمن يستجيب له! # المؤرخ ~~: # ثم قال كليوميديس الذي يحمل بعض حروف اسمك يا ~~كليوبوليس. # كليوميديس ~~: # الذي بسط السماء وأقام الأرض على المياه سيولد بعد ذلك من ~~مريم الطاهرة، وسيأخذ منها الجسد، ويصبح إنسانا كاملا وخالق ~~الكون. وسيسحق الموت ويقضي على الشيطان، ويهب للعالم ~~الحياة. # المؤرخ ~~: # ثم يأتي دور أفلاطون الشهير، فيرتدي ثياب مسيحي مؤمن، ~~ويقول: # أفلاطون ~~: # كان الله على الدوام وهو كائن، وسوف يكون بخير بداية ولا ~~نهاية. أما ابنه المسيح فسوف يولد من مريم العذراء، وأنا مؤمن ~~به. وأنت أيتها الشمس سترينني من جديد تحت ظل ملك تقي. أما ~~معبد أبوللو فسوف يهدمه، وسوف يطلق على هذا الأخير اسم أمه ~~مريم. # المؤرخ ~~: # ثم يجيء دور المعلم الأول، فيواصل كلام أستاذه ويقول: # أرسطو ~~: # في تلك ms47 الأيام سيسطع نور الثالوث الأقدس فوق جميع الخلق، ~~والأصنام التي صنعتها يد الإنسان، تلك الأصنام الخرساء الجامدة ~~التي يؤلهها شعب الإغريق، سيقضي عليها قضاء مبرما. أما اسمه ~~فسوف يعظمه ملوك الأرض كلها وسادتها الأقوياء، وسوف يعين ~~اثني عشر قاضيا وسبعين معلما؛ ليحكموا الأرض جميعا ويهدوها. ~~أما هو فسيرفع بعد عذابه وقيامته، ويجلس إلى يمين الأب، ~~ويعود مرة أخرى ليقاضي الأحياء والأموات، وسيعطي كل إنسان حسب ~~عمله. # المؤرخ ~~: # وأخيرا يأتي دور الشاعر هوميروس فيقول: # هوميروس ~~: # يوما سيجيء إلينا سيد الأرض والسماء، ويظهر على هيئة جسد ~~بلا خطيئة. وسيأخذ صورته البشرية من عذراء عبرانية، سيسمونه ~~الغفران والفرح. وسيصلبه شعب العبرانيين الكافر. طوبى لمن ~~يستمعون إليه، وويل لمن لا يستمعون! # المؤرخ ~~: # لما سمع ديوجينيس الجليل هذا الكلام، تعجب من نبوءات ~~الحكماء السبعة، ثم دونها في كتابه عن الطبيعة، ووضعها في ~~معبد أبوللو. ومنذ أن سادت بيننا ديانة الخلاص والرحمة حكمنا ~~قسطنطين العظيم الذي كان أول الملوك المسيحيين. وعندما زار ~~الملك أثينا أبدى رغبته في هدم معبد أبوللو، وبناء معبد آخر ~~لأم الإله. غير أنه عثر على الأوراق التي دونت عليها نبوءات ~~الحكماء السبعة. وقرأها الملك التقي وتعجب تعجبا شديدا، ~~لكنه أخذها معه على طريق عودته إلى ملكة المدن؛ لكي تثبت ~~إيماننا وتمحو الشر وتقضي عليه. # | الفصل التاسع # المؤرخ ~~: # وتتركون بيزنطة يا حكمائي السبعة، وترجعون مرة أخرى إلى ~~الشرق، وتلتقون في بلاط ملك شرقي. إن قصتكم لا تزال منتشرة ~~في الغرب والشرق على السواء، وهي تجري الآن على ألسنة الناس في ~~بلاد العرب والفرس، وتوغل في البعد حتى تصل إلى بلاد الهند. ~~وتبلغ الحكاية في القرن العاشر آذان الغرب المبهور بسحر ~~الشرق وأساطيره، وحكاياته التي تفوح منها عطور المسك والعنبر ~~والقصور والحريم ... ويطلع عليها رجل ألماني أطلق على نفسه اسم ~~يوحنا السكسوني، فينقلها باللاتينية سنة ألف وأربعمائة وسبعة ~~عن نص فارسي أو عربي، نقل بدوره عن أصل هندي أن حكايتكم ~~تتلفح الآن في ثوب شرقي، وتروى بأسلوب شرقي يهيئ الأنس ~~والسمر في مجالس الشرب ms48 والرقص والخدر، وليال من ألف ليلة ~~يهمس فيها ضوء القمر. لكن لا تنسوا أنكم قد أصبحتم في آخر ~~المطاف شرقيين تواجهون الغرب المذهول بسحركم، واطلاعكم على ~~الغيب المسطور من خيوط الكواكب والنجوم، بعد أن كنتم إغريقا ~~تتحدون ملوك الشرق، بحكمتكم وكبريائكم. إن هذه الحكاية ~~... # الحكماء ~~: # حكاية أخرى؟ ... ألا تنوي أن تعيدنا إلى قبورنا؟ # المؤرخ ~~: # حكمتكم لا تسكن قبرا، بل تحيي قلبا أو فكرا ... إنها آخر ~~حكاية طافت بكم في جهات الأرض الأربع. # الحكماء ~~: # آخر حكاية؟ # المؤرخ ~~: # نعم. فقد جاء عصر النهضة، فرجع للأصول القديمة، وارتوى من ~~المنابع الأصلية. وبذلك لم يترك فرصة لخيال راوية يضيف من عنده ~~ما يشاء، ولا لمؤرخ ضعفت ذاكرته وأصابها الوهن ~~والانطفاء. # صولون ~~: # آه! تعبت من الرحيل والتجوال. # طاليس ~~: # وأريد أن أستريح في التراب، أو حتى في الماء. # بيتاكوس ~~: # وأنا أريد أن أرجع لقبري ... فلكم تجرعت المرارة في الحياة ~~وبعد الحياة. # خيلون ~~: # أما أنا؛ فشبعت من النسيان. # برياندر ~~: # وأنا ممن صب على اسمي اللعنة وعلى الطغيان. # الحكماء ~~: # من تقصد؟ # المؤرخ ~~: # ومن غير سندباد الحكيم؟ إن الملك والوزراء السبعة، وابن ~~الملك الذي سيربيه سندباد ويعلمه الحكمة، والجارية التي ~~ستحاول إغواء الأمير، والحكايات التي سترويها الجارية لتتعجل ~~قتل الأمير الذي رفض أن يستجيب لغوايتها، ثم الحكايات التي ~~يرويها الوزراء السبعة؛ لكي ينقضوا ما أبرمت الجارية، ~~ويؤجلوا قرار الملك بقتل ابنه. وأخيرا حكايات الأمير نفسه ~~بعد أن انفكت عقدة لسانه، فتساقطت الدرر من عقد حكمته، ~~وتناثرت اللآلئ من حبات سنبلته. # الحكماء ~~: # حكاية غريبة كأحلام الشرقيين. # المؤرخ ~~: # بل حكايات وحكايات، ممتدة كليالي أسمارهم، بطيئة وطويلة ~~مثل صبرهم ونومهم ... ولكنني سأكتفي بحكاية السندباد ~~الحكيم. # 1 # الحكماء ~~: # وبقية الحكماء؟ ألم نتكلم عن سبعة؟ # المؤرخ ~~: # نعم نعم. إنهم الوزراء السبعة. وكل واحد منهم يدخل على ~~الملك؛ ليروي عليه حكاية تبصره بعاقبة التعجيل بالقرار ~~الرهيب ... ثم تأتي الجارية في صباح اليوم التالي لتستحثه على ~~اتخاذ القرار، وتروي له حكاية أو حكايتين ... ويدخل عليه وزير ~~آخر. # صولون ~~: # قل لنا إذن ماذا فعل طاليس، بعد أن ms49 ركب سفينته، وطاف ببلاد ~~الهند والعجم. # طاليس ~~: # أو الرحالة صولون الذي أخفى عنا أخبار رحلاته. # المؤرخ ~~: # اسمعوا بداية الحكاية وكل حكاية. # الحكماء ~~: # وعدتنا بحكاية واحدة. # المؤرخ ~~: # وكل حكاية تبدأ هذه البداية ... كان في قديم الزمان، وسالف ~~العصر والأوان، ملك اسمه «كورديس» هو الملك المتوج على عرش ~~هندوستان ... بالغ رواة الحديث وأصحاب التاريخ في بيان فضله ~~وكماله، والثناء على عقله وعلمه، والإشادة بعدله ورحمته ~~ورعايته للرعية، بحيث تسامح الصقر مع الحمامة، وتصالح الذئب مع ~~الشاة، ورعت السوائم مع الأسود في أطراف الممالك وأكناف ~~المسالك ... لكنه على الرغم من سعده وعظمة مملكته، كان يقضي ~~الساعات في الفكرة والحيرة ... كان يقول لنفسه في غرفة خلوته: ~~طائر الملك بلا فرخ، ودوحته بلا غصن، وأصله بلا فرع. # ودخلت عليه جارية جمعت بين جمال الكياسة وكمال الفراسة، ولما ~~رأته على هذه الحال قالت: # الجارية ~~: # ما هذا التغير؟ وما موجب هذا التفكر؟ # الملك ~~: # ألم تخبرك عين فراستك عن ثلوج الشيب في شعري؟ ألم تري يد ~~الأجل توشك أن تطوي بساط عمري، وتجرعني كأس قدري، وتدفع بي ~~إلى ليل قبري؟ # الجارية ~~: # وماذا في هذا يا مولاي؟ # الملك ~~: # ماذا فيه؟! # الجارية ~~: # لا بد من سماع نداء الأجل؛ لأنه لا ربيع بغير خريف، ولا ~~اجتماع بغير وداع. # الملك ~~: # وأودع، وليس لي ولد يجلس على سرير ملكي، ويحفظه من حسد ~~الأصدقاء وغدر الأعداء، ويشرق في سمائه حين تأفل ~~شمسي. # الجارية ~~: # الأمل في فضل الخالق أن يكون وارث أعمارنا وأعمالنا. ورغبة ~~الملك في خلق لائق وأمنية في عقب رشيد تتيسر بصفاء ~~الطوية، وتتهيأ بخلوص النية وعرض الحاجة في حضرة أكرم ~~الأكرمين وأرحم الراحمين. ألم يأمرنا عز وجل: # ادعوني أستجب ~~لكم ~~؟ # 2 # المؤرخ ~~: # وتصدق الملك على الفقراء والزهاد والعباد، وأدي نذور ~~الخيرات، وأقام الصلوات ونوافل الطاعات. وخلا بالجارية ~~المحبوبة، فولد البدر والشمس كوكبا في جمال يوسف، وكمال ~~المسيح، على جبينه أنوار الكرم والعظمة، ومخايل النجابة ~~والشهامة. ولما خرجت هذه الثمرة من زهرة الوجود، صرف الملك ~~نعما فاخرة، وأموالا وافرة في الخيرات وفاء بالنذور، ms50 ~~وإتماما للسرور، وأمر الحكماء والمنجمين. # الحكماء ~~: # آه! أصبح الحكماء مرة أخرى منجمين! # المؤرخ ~~(مستمرا) ~~: # أمرهم أن يقرءوا طالع الأمير، فنظروا وحسبوا وقابلوا، ~~وقالوا للملك العظيم: اهنأ وعش مخلدا! إن ولدك سيفوق ملوك ~~الأرض في العلم والحكمة، والسخاء والمكرمة. ولم يطمئن الملك ~~فأمرهم بمعاودة النظر والحساب والمقابلة، فنظروا وقالوا: بعد ~~انقضاء سنين من عمره، سيعرض له خطر على حياته، ولكن الخالق ~~سيسهل تلك المعضلة، فلا يرى بعدها أي مكروه، ولا يحط غبار ~~على صفحات كماله ... ولما بلغت سنه الثانية عشرة، أرسله الملك ~~إلى المؤدب ليتعلم آداب الملوك، ومرت عشر سنين، فلم يتعلم ~~الصبي أي شيء من مدارك العلوم. # الملك ~~: # كل هذه السنين ولم يظهر عليه أثر. آه! لقد اغتم فؤادي ~~وتولاه اليأس والضجر. هيا أحضروا الفلاسفة والحكماء! ... ولما ~~مثلوا في حضرته، صاح فيهم: من منكم يعلمه دقائق العلم ~~ويلقنه أسرار الحكمة؟ من منكم يجعله خليقا بتيجان الملوك؟ ~~أيها الحكماء السبعة، اختاروا واحدا منكم، وأسلموه زمام هذه ~~المهمة. # المؤرخ ~~: # وتدبر الحكماء السبعة ذلك الأمر ثلاثة أيام بلياليها. ~~تناقشوا طويلا ونظروا في طالع الأمير، وأدلى كل واحد برأي. ~~وأحجم الجميع عن تعليم الصبي الذي لم يتعلم شيئا في عشر ~~سنين. # حكيم ~~: # إن العود نبت أعوج، إذا زاد التكلف في تقويمه ينكسر ~~ويتلف. # حكيم آخر ~~: # والحديد الذي صدئ في الأرض الملحة، لن تنفع النار ولا العقار ~~في إصلاحه وخلاصه. # حكيم ثالث ~~: # إذا كان لم يتقبل التعليم في بدء نشوئه ونموه، فالآن مستحيل ~~أن يقبل التعليم. # حكيم رابع ~~: # كان النحس متصلا بطالع هذا الصبي. # المؤرخ ~~: # ولكن سندباد الذي حضر هذا الاجتماع فتح فمه وقال: # سندباد ~~: # الآن يزول هذا النحس. أنا أقبله وأعلمه. # المؤرخ ~~: # نظر الحكماء إلى بعضهم، وخافوا على أنفسهم. لاذوا بالصمت ~~مليا، قبل أن يقول واحد منهم: # حكيم ~~: # إن كلمات السندباد تشبه البرق والرعد والسحاب الذي جفت ~~منه قطرات المطر. # المؤرخ ~~: # وابتسم سندباد حين لمح ضباب الحقد يغشى نظراتهم، ~~وقال: # سندباد ~~: # ألا تعلمون أن الحكمة في الإنسان مثل المسك والعنبر، كلما ~~ابتل عوده بالماء ms51 ذاع شذاه وانتشر عبيره؟ ألم يستطع الإنسان ~~بالعقل والحيلة أن يستنزل الطائر من الهواء، ويستخرج السمكة من ~~قاع البحر، ويروض الأسد والنمر والوحش الجامح؟ # أحد الحكماء ~~: # إن هي إلا كلمات لا يعرف حقيقتها إلا من يري ثمرتها. وشأنها ~~يا سندباد شأن حبات القمح قبل أن يطحن ويخبز ويؤكل، ~~والسفن الطافية على ظهر البحر قبل بلوغ الميناء، والشجعان ~~قبل رجوعهم إلى ديارهم ظافرين، والمرضى حتى يشفوا من ~~الأسقام، والحوامل حتى يضعن حملهن. # حكيم آخر ~~: # ولهذا لا نستطيع أن نمتدح كلامك حتى نتبين نتيجته. # سندباد ~~: # ولكنني أعد الملك أن أتولى تربية ابنه، حتى تفوق حكمته ~~حكمتكم أجمعين، وإذا لم أنجز وعدي، سأقدم رأسي لتقضي فيها ~~بحكمة وعدل قضاءها. # الحكماء ~~: # مهلا يا سندباد مهلا! لقد استغرقت في تحصيل المعارف ~~والعلوم حتى كاد بحر حكمتك أن يغرقنا. كل طائر أعطيته حبة ~~تربيتك جعلته ندا للعنقاء والطاووس، وكل من زينته بحلي ~~فضلك وعقلك يستطيع مساواة الشمس ومناظرة القمر. # سندباد ~~: # إني لا أغتر بمقالكم، ولا يخفى علي خوفكم ~~وترددكم. # الحكماء ~~: # إن كان ثمة خوف فهو عليك. # سندباد ~~: # حقا؟ سأذهب للملك، وأعلن استعدادي لتربية الأمير. # الحكماء ~~: # وسنذهب معك، ونعلن أنك ستجعله أحكم الحكماء. # سندباد ~~: # حقا؟ وسأنجز وعدي في أقصر وقت ممكن ~~(يذهب) ~~. # حكيم ~~(همسا) ~~: # وبعدها تسقط رأسك في حجرك. # الحكماء ~~(همسا) ~~: # أو تسقط رءوسنا في سلة الجلاد. # | الفصل العاشر # المؤرخ ~~: # واتفق الحكماء على اختيار السندباد الحكيم لتعليم الأمير، ~~وعهد أبوه إليه بتربية ابنه وتعليمه مكارم الأخلاق، وقوانين ~~السياسية، وآداب السلطنة، ودقائق الشريعة، وحقائق الطريقة. ~~وشغل سندباد بتعليم الأمير جهد استطاعته، وقدم له كل ما في ~~وسعه من الجهد والطاقة، وبذل كل ما في صدره من مدخر ~~المعارف والطرائف. لكن الصبي لم يوطن قلبه على العلم، ولم ~~يتحمل مشقة الحفظ والتحصيل. وظل سندباد يقول لنفسه: لعل ~~وعسى! والولد لا يتقدم ولا يتأخر، وبلغ الملك عما كان من ابنه ~~فتفكر وتحير، وظهرت على صفحات وجهه آثار التغير، ثم ملكه ~~الغضب فصاح فيمن حوله: # الملك ~~: # هل ولد ابني بلا قلب ms52 ولا رأس؟ أكان سندباد يضرب بالمطرقة ~~على حديد بارد، أم كان ينقش على سطح الماء؟ أحضروا سندباد! ~~أحضروه في الحال! # المؤرخ ~~: # وحضر السندباد، فبادره الملك قائلا: # الملك ~~: # لماذا لم تألف قريحة ~~الأمير الأدب والحكمة مع مشقة التعليم؟ هل قصرت في تربيته ~~ورعايته، أم كنت كمطرب الأصم، وحامل المرآة إلى الأعمى؟ ~~تكلم! لا تخف عني شيئا. # سندباد ~~: # لا يخفى على جلال مولاي، ولا على هؤلاء الأكابر - وهم نجوم ~~سماء الفضل، ورياحين بستان العدل - أن هذا الذي يشرف بالكلام ~~إليكم قد تبحر في الحكمة والعلم، وقضى عمره في التعليم ~~والتعلم. لقد قدمت كل ما يمكن ويتصور من الاجتهاد، ولكن ~~ما كل من طلب وجد وجد، ولا كل من ذهب ورد. # الملك ~~: # إن الجواد الجامح أو الفيل الوحشي يعطونه لمن يروضه ~~ويهذبه، فيودع جموحه ويغير طباعه في مدة يسيرة. فما ~~بالك لم تروض الأمير؟! # سندباد ~~: # لقد عجزت عن تغيير قلبه وطبعه؛ لأن ذلك أمر خفي عني، لا ~~يتيسر بغير التأييد السماوي. # الملك ~~: # أتحمل السماء ذنب تقصيرك؟ # سندباد ~~: # بل يحمله طالع الأمير. # الملك ~~: # ماذا تقصد؟ # سندباد ~~: # لقد زال النحس الذي تربص به طوال تلك المدة، وبدأت ~~السعود تطلع في فلكه، وأتعهد بأن أعلمه في ستة شهور. # الملك ~~: # ما لم يتعلمه في اثنتي عشرة سنة؟ # سندباد ~~: # نعم يا مولاي. أعلمه معالي الأخلاق، ودقائق العلوم ~~وأسرار التنجيم، وطرق علم الطب وخواص الأدوية. # الملك ~~: # في ستة شهور؟ # سندباد ~~: # بلا زيادة ولا نقصان. # الملك ~~: # وإذا حدث التقصير والتأخير؟ # سندباد ~~: # أكون مستوجبا عقوبة ملك الملوك. # الملك ~~: # أهو وعد آخر؟ # سندباد ~~: # بل وعد أخير أشفعه بطلب صغير. # الملك ~~: # تكلم ... قل ما بدا لك. # سندباد ~~: # أن تأمر ببناء بيت مكعب تصقل سطوحه بالجص والمحارة، ~~وتهيأ للنقش عليها والكتابة. # الملك ~~: # وماذا ستكتب عليها؟ # سندباد ~~: # هذ ا ما سوف يعرفه الملك والحضور، عندما تسألون الأمير، ~~فيتكلم بعد ستة شهور. # المؤرخ ~~: # أخذ سندباد يبذل جهده في تربية الأمير، وواظب الأمير ~~وتحمل الآلام في مطالعة الصور والأشكال بقوة البصر، وسماع ~~دقائق العلوم ولطائف الحكم بحاسة ms53 السمع، حتى حفظ الغرر ~~والدرر، واستوعب العجائب والغرائب. وكان سندباد قد أمر بأن ~~تنقش صور البروج والكواكب على أحد سطوح البيت المكعب، ~~وتسطر على سطح آخر أنواع المعاملات والأخلاق والآداب ~~والعبادات ، وتثبت على سطح ثالث أسباب العلل، وأسماء الأدوية ~~وصنوف الأمزجة، وتبين على سطح رابع أنواع الأصوات ومراتب ~~الأوتار ومدارج الأوزان والألحان، وترسم على سطح خامس ~~الأشكال الهندسية من مثلثات ومربعات ومستقيمات ومنحنيات، ~~ويسطر على سطح سادس قواعد تدبير الرياسة والسياسة، وقوانين ~~العدل والإنصاف. ولما انقضت المدة وانتهت المهلة بعث الملك ~~إلى السندباد رسولا يقول: ها قد حل الموعد؛ فهل أنجزت الوعد؟ ~~وبعث سندباد إلى الملك على لسان الرسول: إن شئت أيها الملك ~~أحضر إليك ولدك في الغد. ثم التفت للأمير، وقال: # سندباد ~~: # لقد أبلغت أباك أنك ستكون عنده صباح الغد. سنعرض عليه ما ~~حصلت، وتظهر ما حفظت، وتشهد الجميع أنك قد أصبحت ~~نوارة شجرة الملك، وكوكب سماء الحكم. # الأمير ~~: # ليكن ما تريد يا معلمي. # سندباد ~~: # غير أنني لم أنظر بعد في النجوم لأعرف طالعك. # الأمير ~~: # افعل يا سيدي كما تقول، وانظر في النجوم؛ لتعرف طالعي ~~ونصيبي. # المؤرخ ~~: # ونهض سندباد على قدميه ووضع الاصطرلاب، وظل ينظر درجات ~~الطالع ويتحقق من الصور والأشكال والهيئات، ثم صرخ ولطم ~~وجهه وصاح: # سندباد ~~: # ويلي! ويلي! ماذا أفعل؟! # الأمير ~~: # ماذا بك يا معلمي؟ ماذا رأيت حتى تفعل هذا بنفسك؟! # سندباد ~~: # انظر بنفسك يا ولدي، وستعرف لماذا صرخت ولطمت وجهي. في ~~طالعك نحوسة وخطر إلى سبعة أيام متصلة. وإذا تكلمت في هذه ~~الأيام السبعة مع أي مخلوق يكون في ذلك هلاكك. # الأمير ~~: # إن أمرت ألا أفتح فمي سبعة شهور كاملة؛ فلن أعصي أمرك. ~~اطمئن يا معلمي. # سندباد ~~: # كيف أطمئن يا ولدي؟ إذا صحبتك إلى الحضرة العلية تقع في ~~الخطر، وإذا لم أصحبك أتعرض لعقوبة الملك. من لي بعلاج هذا ~~المشكل وتدبير هذا المعضل؟! إنهم سيصحبونك غدا. # الأمير ~~: # وأين المشكل والمعضل يا معلمي؟ سأطيع أمرك ولن أفتح فمي ~~... وعندما يقتضي الحال تتدخل حكمتك. # سندباد ~~: # وإذا كانت طوالع ms54 النجوم تقول: توار أنت يا سندباد في هذه ~~الأيام السبعة؟ # الأمير ~~: # فلتتوار أنت إذن ... ولتتدخل حكمتي. # المؤرخ ~~: # ولما ظهرت أنوار ملكة الكواكب، ذهب الأمير إلى حضرة أبيه ~~ووقف صامتا. وكلما ألح الملك والوزراء، وسألوه أن يتكلم لم ~~يسمعوا منه أي جواب. فقال الملك: # الملك ~~: # لعله يخجل من هذه الجماعة، ولا يطلق لسان المقال في ~~حضرتنا. أرسلوه إلى سراي الحرم؛ عساه يتكلم مع أهل ~~الحجاب. # المؤرخ ~~: # كان في حرم الملك جارية هي الجمال بعينه، وكانت قد عشقت ~~الأمير من مدة مديدة، فلما أن غاب عنها قنعت من وصاله ~~بالخيال، وعللت قلبها عن فراقه بالآمال، وما كادت تسمع بما ~~جرى، حتى ذهبت إلى الملك وقالت: # الجارية ~~: # يا منبع الجلال ومطلع الكمال، أرسل الأمير إلى حجرة ~~جاريته، لقد رعيت الدر اليتيم، وعوضته عن حنان أمه. # الملك ~~: # نعم الرأي ما رأيت يا درة قلبي وقرة عيني ... ليذهب إلى ~~حجرتك؛ عساه أن يتكلم معك. # المؤرخ ~~: # وأخذت الجارية بيد الأمير، ودخلت معه في حجرة الخلوة. ~~واقتربت منه وهي تبثه لواعج الشوق، وتفتح قفص الصدر؛ ليغرد ~~طائر العشق. لم يفتح الأمير فمه، فمدت يدها إلى يده، ~~وقربت صدرها من صدره، وتلوت وهمست في أذنه: # الجارية ~~: # افتح فمك كالوردة بوعد صادق، حتى لا أمزق القميص كزهرة ~~الشقائق. إنها دعوى القلب، أنا معك، لا تصرخ! ها هو باب حكم ~~العشق، وها أنت وأنا. # المؤرخ ~~: # وبقي فم الأمير مختوما بشمع الصمت. فمالت عليه، حتى كادت ~~أن تلمس شفتيه وقالت: # الجارية ~~: # ضع يدك في يدي. عاهدني أن أسلمك هذا الملك، وإذا وفيت ~~الوعود ولم تنقض العهود. # المؤرخ ~~: # ولم يستطع الأمير أن يكتم إعصار غيظه، فأطلق من فمه بركان ~~غضبه: # الأمير ~~: # كيف تدخلين هذا المستحيل في حد الإمكان؟ # الجارية ~~: # أسم الملك بالحيلة، وأضع تاج المملكة على رأسك. # الأمير ~~: # هل يليق بالابن أن يتعرض لحرم الأب؟ هل أبطل حق الشريعة ~~والفتوى، من أجل قضاء شهوة؟ إنني إذا قلت كلمة في هذه الأيام ~~السبعة تكون سبب هلاكي وضياعي. ولولا كوكب النحس والخطر، ~~لأبلغت أمرك ms55 للملك المنتقم. لكنني سأسكت وأنتظر، حتى تنقضي ~~أيام النحوس وساعات البؤس، فتنالين جزاء العقوق، وتعاقبين ~~على خيانة الحقوق. # المؤرخ ~~: # وخرج الأمير من حجرة الجارية، وهو في أشد الغضب. وفكرت فيما ~~بينها وبين نفسها، وقالت وهي تعض بنان الندم على سوء تدبيرها، ~~وتغص بالدمع المنهمر على هول مصيرها: # الجارية ~~: # ويلي ويلي! لقد لوثت عرضي بالخيانة والفضيحة، وصيرته هدف ~~سهام العقاب والعذاب، ولو سمع الشاه الأعلى بما جرى لبطلت ~~ثقته في عهدي وكمال محبتي، وأنكر قديم إخلاصي وودي. ويلي! ~~ويلي! لقد عرضت نفسي لسخطه: ولا أمان للبحر والنار والسلطان. ~~وإذا أمكنني تجنب البحر والنار؛ فكيف أتجنب غضب الملك؟ ليس ~~أمامي إلا أن ألجأ إلى لطف الحيلة، وبديع التمويه والتزوير. ~~ليس أمامي إلا أن أطأ الروح بالقدم في هذا الطريق! وقبل أن ~~تنقضي مهلة الأيام السبعة ويقرر الأمير خيانتي، فلا بد أن ~~أسبقه وأتهمه بالخيانة. # المؤرخ ~~: # ومزقت الجارية ثيابها على الفور، وانتزعت شعرها وخمشت ~~وجهها، وصاحت وهي تجري إلى تخت الشاه متنكرة متحيرة. # الجارية ~~: # الغياث يا مسلمين! يا أيها السلطان! يا ملك العالم! يا ظل ~~الله في الأرض ومأوى كل مظلوم! أيجوز أن يصير في عهد عدلك ~~ظلم، وترتكب في حق ذاتك خيانة؟ # الملك ~~: # ومن الذي ارتكب هذه الخيانة؟ من تجرأ على هذا ~~الظلم؟ # الجارية ~~: # لما صحبت الأمير إلى حجرتي، أشفقت عليه شفقة الأمومة، ~~وقلت له: يا ثمرة الشجرة الملكية! لم هذا الصمت؟ ولماذا لا ~~يغني بلبل لسانك على شجرة الكلام؟ فما كان منه إلا كما ~~قالوا: سكت دهرا ونطق كفرا. # فتح فمه وقال: موجب صمتي داء حبك الذي لا علاج له، وهجرك ~~الذي لا ينتهي. آه! لقد وضعت يد العشق قفل السكوت على فمي، ~~فاعلمي أن حبك امتزج بمائي وطيني، واستقر في قلبي من المهد ~~إلى هذا العهد. لقد أسعف الحظ، وأرسلني الشاه الي حجرتك، ~~فأطلقي روحي من قيد هواك، واروي عطش فمي من ماء بحرك، واقبلي ~~خدمتي في كعبة جمالك، حتى أقضي على أبي بالسيف أو بالسم. ولما ~~رأيت أن الجنون ms56 قد استولى على قلبه، وخفت أن يتبع الأقوال ~~الذميمة بارتكاب الفاحشة والجريمة، خلصت شرفي من خناجر يديه، ~~وجريت إلى ظل رحمتك، وعدت لك وأنا أقول ما قالت زليخا: ما جزاء ~~من أراد بأهلك ~~سوءا؟ # المؤرخ ~~: # وتأثر الملك وتعكر، ثم قال في غضب الأسد الغضنفر: # الملك ~~: # إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم ... لا لا ... ليس هذا ولدي ... إنه ليس من أهلي ... لا بد من ~~قلع الشوكة وقتل الأفعى! ولا علاج للعضو المريض إلا القطع ~~أو الحرق! # المؤرخ ~~: # وأشار للسياف أن ~~أخرجه وأهلكه، ولولا أنكم كنتم هناك ... # الحكماء ~~: # نحن؟ ... هناك في بلاط السلطان! # المؤرخ ~~: # نعم نعم. الحكماء والوزراء السبعة، كلكم كامل وعاقل، وناصح ~~وعادل، تزينون سماء المملكة كالسيارات السبعة، وتثبتون قواعدها ~~برأيكم الصائب، وذهنكم الثاقب. فقد اتفق أن كان الوزراء في ~~طريقهم إلى الحضرة، فلما سمعوا ما قالته الجارية، اجتمعوا ~~للتشاور والتأمل، وقال الوزير الأكبر: # الوزير الأكبر ~~: # لا يليق أن يلتفت السلطان إلى مقال امرأة ناقصة ~~العقل. # وزير ~~: # ويهلك ابنه في سورة غضبه. # وزير ~~: # ثم يتحسر ويندم، حين لا تنفع الحسرة والندامة. # وزير ~~: # وعندئذ لن يتهم رأي السلطان، ولن يشك في ~~عقله. # وزير ~~: # بل سندان نحن ونرمي بسهام السخف والحمق. # وزير ~~: # ويلقي علينا ذنب تعجله، ويعاقبنا على جريمته. # الوزير الأكبر ~~: # ويبقى عرش المملكة بغير وريث، ويطمع العدو في الديار، ويودي ~~بالطيب والخبيث. # وزير ~~: # وإذا أمضى السلطان عزيمته، ونفذ أمره ... # وزير ~~: # لم يسبق أن فعل هذا بغير مشورتنا وتدبيرنا. # الوزير الأكبر ~~: # فلنسرع إليه قبل أن يقر قراره. # وزير ~~: # ويندم على حمقه وطيشه. # وزير ~~: # ونندم نحن على عقلنا وحكمتنا! # | الفصل الحادي عشر # المؤرخ ~~: # أخذ الوزراء والحكماء السبعة يتشاورون ويتدبرون، واتفقت ~~كلمتهم على الطريقة التي يخلصون بها الأمير من هول المصير؛ ~~فيذهب كل واحد منهم إلى حضرة السلطان، ويروي له حكاية في مكر ~~النساء وكيدهن، وبذلك يبطل الحكاية التي تكون الجارية قد ~~روتها له في اليوم السابق لتستحثه على قتل الأمير. وأعجبتهم ~~الفكرة الحكيمة، ومضوا في تنفيذها لعلها تدفع الداهية العظيمة ~~وتؤجل العقوبة الجسيمة، حتى ms57 تمر أيام النحوس، وتتبدل بأوقات ~~السعود التي تحيي موات النفوس. وأسرع الوزير والحكيم الأول إلى ~~السياف وقال له: # الوزير ~~: # أوقف عقوبة الأمير، حتى تتكشف الأمور. # السياف ~~: # لقد أبلغني رسوله الآن، بمشيئة حضرة السلطان. # الوزير ~~: # قلت أوقفها يا غبي، وحذار أن تلمس شعرة من رأس ~~الصبي. # السياف ~~: # وإذا وصلني المرسوم والفرمان، وعليه ختم السلطان؟ # الوزير ~~: # تلقيه في النار بلا إبطاء، ما لم تجد عليه أختام الحكماء ~~السبعة والوزراء. # المؤرخ ~~: # وذهب الوزير إلى حضرة السلطان، وقدم شروط الطاعة ولوازم ~~الثناء، ثم قال: ليس يوافق رأي السلطان الكافي، وعقله الوافي، ~~الإقدام على مثل هذه العقوبة الهائلة، والتي يتعذر تداركها ~~حين تنكشف شمس اليقين، من حجاب الشبه والظنون، ويصبح حالكم ~~كحال ذلك الرجل الذي قتل ببغاءه بافتراء امرأته. ولما ميز ~~الحق من الباطل، والزور من الصدق، لم تجده الحسرة، ولم ~~تنفعه الندامة ... وهنالك مسألة الملك. # الملك ~~: # وكيف كانت تلك الحكاية؟ قل يا وزير. # المؤرخ ~~: # وروى الوزير حكاية عن كيد النساء، أتبعها بحكاية أخرى عن ~~دهائهن ومكرهن، لكي يصرف الملك عن تسليم الأمير لريح الفناء، ~~بتزوير واحدة من بنات حواء. وسمعت الجارية في اليوم التالي أن ~~الملك أجل عقوبة ابنه؛ لأن أحد الوزراء الحكماء ثناه عن ~~إمضاء عزمه، فذهبت أمام تخت الشاه، واستغاثت بعدله وإنصافه، ~~وحثته على الإسراع في تنفيذ العقوبة، حتى لا يحدث له عين ما ~~حدث للقصار من ولده العاق. # الملك ~~: # وكيف كانت تلك الحكاية؟ احكي أيتها الجارية! # المؤرخ ~~: # وروت عليه حكاية القصار الذي كان مشغولا بغسل الثياب في ~~النهر، فرأي ابنه الأحمق الجاهل يغرق مع حماره في الدوامة، ~~واندفع في الماء لينقذه، فتشبث به الولد وأغرقه معه. فلما سمع ~~الملك الحكاية قال: # الملك ~~: # هيا يا سياف! عجل برقبة ابني الفاسق العاق! # المؤرخ ~~: # وعندما وصل الخبر إلى الوزير الثاني أسرع للسياف، ~~وقال: # الوزير ~~: # أحذرك كما حذرك الوزير الأول! أجل القتل حتى أرى ~~السلطان، وأحدثه عن فوائد ترك التهور والبعد عن مكائد ~~النساء. # المؤرخ ~~: # وجاء الوزير الثاني، فروى رواية وحكى حكاية عن الرجل الذي ms58 ~~ترك طفله الوحيد مع قط يحرسه، ثم رجع إلى بيته فوجد على فمه ~~آثار دماء. وجن جنونه حين تصور أنها دماء ابنه، فقتل القط ~~شر قتلة، ثم اكتشف سوء فعله، عندما دخل بيته، ووجد الطفل ~~نائما في مهده وعلى الأرض مزق من لحم ثعبان أسود أنشب فيه ~~القط الوفي مخلبه ونابه ... وعادت الجارية في اليوم التالي، ~~فروت رواية وحكت حكاية لإحباط تدبير الحكماء لنجاة الأمير، ~~وتأجيل القرار المهلك الخطير. وهكذا استمر الحال إلى أن ~~انقضت الأيام السبعة التي حكم على الأمير بأن يلزم فيها الصبر ~~والسكون، حتى يرتفع من درجات النحوس إلى كواكب الخير والسعود. ~~وانطلق لسان الأمير فأرسل إلى الوزير الكبير، وأثنى على حكمته ~~هو ومن معه من الوزراء، وطلب منه أن يذهب إلى أبيه، ويحمل ~~إليه البشرى بنجاته من كل مكروه، ويطلب منه الأمر بإقامة محفل ~~يضم الأعيان والكبراء، ويعرض فيه الأمير محصوله من علم العلماء ~~وحكمة الحكماء. واجتمع الجمع العظيم، وطفق الأمير يظهر علمه ~~المكنون، ويبرهن بالحكايات على مخالفة التقارير للتدابير، ~~وكيفية تحول حاله من التعسير إلى التيسير، واتجاه همته إلى ~~تحصيل أنوار العلم والعرفان، وأزهار الحكمة والبيان ... والفضل ~~لله ولسندباد ... فالتفت الملك إلى السندباد الحكيم، ~~وقال: # الملك ~~: # كنت واثقا من عقلك وحكمتك، وفضلك وشهامتك. ولكن قل لي يا ~~سندباد: كيف ساعدت ولدي على تحصيل هذه الحكمة الجليلة، في هذه ~~المدة القليلة؟ # سندباد ~~: # ليأذن مولاي بأن يرد الأمير على سؤاله. # الملك ~~: # قل يا ولدي. # الأمير ~~: # أصل كل العلوم العقل، وأصل العقل الحكمة، والحكمة فيض ~~رباني، أو من يكون مسعود الحظ، تتهيأ له الأسباب فتتنزل ~~عليه. # الملك ~~: # والأسباب من تقدير الله يا ولدي. # الأمير ~~: # جلت قدرته، وهو مسبب كل الأسباب! # الملك ~~: # وبحكمة هذا الشيخ العاقل. # الأمير ~~: # حكمته ورعايته وفضله. أما الأسباب فعدة حكم أو ~~كلمات. # الملك ~~: # كلمات؟ ماذا تقصد؟ # الأمير ~~: # كلمات دونها الشيخ على جدران القصر. # الملك ~~: # يدهشني قولك. تقصد ذلك البيت المكعب الذي طلب السندباد ~~بناءه؟ # الأمير ~~: # وعلى كل جدار سطر حكمه. # الملك ~~: # أسمعني بعضا منها ... قل. ms59 # الأمير ~~: # من يستمع لأقوال الواشي والنمام، يندم إذ لا يجدي الندم ~~ويحيا في الآلام. # الملك ~~: # الحمد لله الذي نجانا منه. # الأمير ~~: # من يتربى في حضن الفطنة والعقل التام لا يغفل عن مكر عدو ~~كالثعبان السام. # الملك ~~: # نعم يا بني. أوشكت أن أغفل عنه. # الأمير ~~: # مهما فعل الإخوان؛ فلا تبغض أحدا، فالجرح المؤلم من كف ~~صديق لا يؤلم أبدا. # الملك ~~: # صدقت يا ولدي. لولاهم لجرحت جرحا لا يداوى. # الأمير ~~: # شاور - إن رمت الرأي الصائب - أرباب الحكمة والعقل ~~الثاقب. # الملك ~~: # ونعم ما أشار به الحكماء السبعة من غير استشارة! # الأمير ~~: # احذر أعداءك في الداخل، واضمم حاشية الثوب؛ فالسهم المارق ~~من قوسك سيصيب القلب. # الملك ~~: # الحمد لله الذي أطاش السهم الغادر. # الأمير ~~: # العاقل من لزم الصمت وصام الدهر، إن نطق بقول يتدبر عاقبة ~~الأمر. # المؤرخ ~~: # ورفع الملك يديه إلى السماء، وقال: الحمد لله الذي زين ~~ولدي بزينة العقل والحكمة، والآن أوان العزلة، والاستعداد ~~للزاد، والتهيؤ للمعاد. ذهب القادمون واحدا واحدا، ولا أحد ~~يدل على العائدين. # الحكماء ~~: # آه ... وذهبنا نحن أيضا. # المؤرخ ~~: # ورجعتم يا حكماء اليونان السبعة ... في أجيال منها الحكماء، ~~ومنها أعداء الحكمة. # الحكماء ~~: # أما الحكماء فقد تابعت خطاهم، لكن من هم أعداء ~~الحكمة؟ # المؤرخ ~~: # الدجالون ومن نطقوا باسم الحكمة، تجار الكلمة، والقوالون ~~الوراقون الكتبة. يتحرك قلم ولسان، والقلب الغادر خوان، وكر ~~أفاع يفزع منه الشيطان ... والكذبة كالجارية بقصر ~~السلطان. # الحكماء ~~: # قلب خوان؟ والكذبة كالجارية بقصر السلطان؟ ماذا تقصد؟ # | الفصل الثاني عشر # المؤرخ ~~: # ذهبت الجارية والأمير والسلطان والسندباد. لكن بقيت تلك ~~الكلمات على جدران القصر. # الحكماء ~~: # الكلمات على جدران القصر؟! # المؤرخ ~~: # تلك التي رددها الوزراء السبعة والأمير، تلك التي حفظت ~~حكمتكم وحفظته. # الحكماء ~~: # حكمتنا نحن؟ # المؤرخ ~~: # ربما تغيرت قليلا، ربما صارت خيوطا في بساط شرقي، ونسجت ~~منها حكايات وحكايات ... لكنها أنقذت رأس الأمير. # الحكماء ~~: # وكيف عرفها الوزراء أو الحكماء السبعة؟ # المؤرخ ~~: # لا ندري كيف. هل نفختها ريح الوجدان الشعبي، فطارت من جزر ~~اليونان لأرض العرب # 1 # وأرض الفرس؟ هل نقلتها قوافل التجار المسافرين، ms60 ~~أو حملتها سيوف المحاربين؟ كل ما ندريه أنها تسللت إلى القلوب ~~قبل أن تظهر في وقت الشدة. # الحكماء ~~: # وهل لاحظت وجه الشبه بينهما؟ # المؤرخ ~~: # وأنتم؟ ألم تلاحظوه؟ # صولون ~~: # حذار! لا تبالغ في شيء! # المؤرخ ~~: # قالها الوزراء السبعة كل بطريقته. وعندما أسرف السلطان في ~~تهوره علموه أن العاقل هو من يلزم حده. # طاليس ~~: # الزم حدك! هذا قولي. # المؤرخ ~~: # ولما سبق لسانه عقله حذروه. # خيلون ~~: # لا تجعل لسانك يسبق عقلك. # كليوبوليس ~~: # استمع كثيرا، وتكلم قليلا. # المؤرخ ~~: # وكذلك حذر الوزراء السبعة: العاقل من لزم الصمت وصام ~~الدهر، إن نطق بقول يتدبر عاقبة الأمر. # بيرياندر ~~: # ليتهم قالوا للملك ما قلت: إن حالفك الحظ فراع العدل، ~~وإذا النحس أصابك فارع الحكمة والعقل. # المؤرخ ~~: # وهل قالوا له غير هذا؟ لقد اندفع وراء طيشه وغضبه، فظلوا ~~يلحون عليه أن يتريث ويؤجل قراره: # شاور إن رمت الرأي الصائب، # أرباب الحكمة والعقل الثاقب. # صولون ~~: # لو بدأ بمعرفة النفس. # طاليس ~~: # ألم أقل إنها أصعب شيء؟ # المؤرخ ~~: # ولكنه عرفها في النهاية ... ولولا حكمتكم ... # صولون ~~: # قلت لا تبالغ في شيء! # المؤرخ ~~: # لولاها ما بقيت رأس الأمير على رقبته، فالحكمة تتدخل في ~~وقت المحنة. وإذا غابت، وافتقد الناس الحكماء ولم يجدوا ~~القدوة ... # الحكماء ~~: # فالكارثة أو اللعنة! # المؤرخ ~~: # ذلك حق؛ ولهذا نحيا في المحنة. # الحكماء ~~: # كيف وما زلت تردد حكمتنا؟ # المؤرخ ~~: # وأعلمها ويعلمها غيري. نكتب عنها ونرددها، لكن من يحييها؟ ~~ومن يذكرها ويحققها في نفسه؟ # الحكماء ~~: # هل غاب الحكماء، وجفت آبار الحكمة؟ # المؤرخ ~~: # بل أصبح كهان الحكمة أعدى أعداء الحكمة. # طاليس ~~: # دعنا نسمعهم صوت العقل. # صولون ~~: # أو ندعوهم للمأدبة الكبرى. # طاليس ~~: # ونذكرهم - قبل فوات الوقت - بأقوال الحكماء السبعة. # المؤرخ ~~: # هل يجدي هذا مع من لا يعرف نفسه؟ # طاليس ~~: # لن يجدي شيء غيره! ... أنا أبدأ قولي: # اعرف نفسك! # معرفة الناس هي الحكمة، # لكن معرفة النفس ضياء. # والنور الأكمل لا يتدفق، # لا يترقرق إلا من مهجة شمسك. # صن نبع صفائك. # ذد عنك السحب؛ لكيلا تغشي شمس سمائك، # واعرف نفسك يا صاح بنفسك! # المؤرخ ~~: # أتفيد الحكمة من ms61 لا يعرف حده؟ # كليوبوليس ~~: # اسمع قولي له: # الزم حدك، لا تطمع! # وإذا أحسست الرغبة؛ فارغب في شيء واحد: # ألا ترغب شيئا! # ليس هنالك جرم أبشع، # لا نكبة في العالم أفظع # من أن تأسرك الشهوة، # ويسوقك ثور الجشع الأعمى # للثور الأجشع. # فارض بما عندك واقنع. # الألوان الخمسة تعمي البصر فلا تطمع. # والنغمات الخمس الناشزة تصم السمع، # فارقد في حضن الصمت، # وازهد في اللذة فاللذة باب الموت. # مر على الحان ولا تتطلع. # حتى المعرفة أو الفطنة، # حتى الحكمة إن جاوزت الحد، # فنبذ الحكمة أنفع! # من ربح العالم فهو الخاسر، # أما من خسر النفس # فإن خسارته أوجع. # المؤرخ ~~: # والمتظاهر ... لا يشغله إلا المظهر، # هل يجدي معه النصح؟ # بياس ~~: # تدبر! # واصدق مع نفسك. # كن، لا تظهر! # واسمع قول «بياس» وتفكر: # هل تظهر علمك، وتؤكد أنك في العلم مقدم؟ # ليتك تعلم # أن العلم يميت الحكمة، # والأعلم ليس هو الأحكم! # في أوقات المحن وزحف الطوفان الأعظم، # يصبح أذكى الناس كأغباهم، # والأفصح فيهم أبكم. # هل تظهر أنك أنت البطل الأوحد؟ # أنك بعد المذبحة الكبرى # صرت المنتصر الأعظم؟ # البطل الأوحد - فيما يؤثر من أقدم عهد - # كسب المعركة ووفى الوعد، # ثم توارى لم تره إلا عين الرب. # عبر إلى الشط الآخر وانتظر الشعب، # انتظر الموكب والبطل الظافر؛ # ليتوجه إكليل المجد. # مالت شمس نهار، وانحدرت شمس أخرى للغرب. # أما البطل فغاب، ولم يظهر بعد! # 2 # المؤرخ ~~: # من يتخذ الحكمة ترفا، أو يجعل منها حلية، ويثرثر - مثل ~~الحاوي - في زمن الضنك عن الحرية، ما قولك له؟! # بيتاكوس ~~: # لن ينفع قول في زمن يسقط معنى القول. # فاجدل من قولي حبل الثورة والفعل، # يا من تلبس ثوب الحكمة في زمن المحنة ~~والأحزان، # اصنع من قولك حجرا وارجم كل الأوثان. # الشعب العاجز لا يملك دفعا للطغيان. # هل تتأمل ضوء القمر، وشعبك في الوحل مهان؟ # الثورة هي فصل الحكمة، ثر وتحرك! # واغضب للحق، وأعلن للعالم سرك وارفع صوتك! # وإذا اختل نظام الشعب، وساد الرعب، # وضاع الواجب والقانون؛ # فالحكمة في المحنة خوف والطيبة ضعف، # والعقل جنون. ms62 # عندئذ تستل الحكمة سيف العدل، # وترفع أعلام الثورة والحرية، # وتقاتل؛ كي لا يسقط هذا العالم # في كف العسف الدموية. # جاء الحكماء وجاء الرسل، وتركوا للناس وصية. # للفقراء المحتاجين، لخبز الحكمة والحرية. # فروا من وجه طغاة الأرض ولبوا صوت الشعب، # واجتمعوا تحت لواء البؤس زمانا. # ثم تواروا في ليل الغيب: # رهبان الهند وكهنة طيبة والفقراء بمكة، # أتباع البوذا وزرادشت، وكونفوشيوس والطاوية، # والمحزونون مع المحزون على جبل الزيتون، وفي جلجلة ~~يوم الصلب مدوا حكمتهم طوق نجاة للبؤساء، وعاشوا من ~~أجل قضية الحكمة في وقت المحنة تثأر وتثور ~~وتضرب! # كن نورا في ليل العالم والحكمة شمسا ~~وسماء، # تنقشع السحب وتقصر عنك سهام السفلة ~~والسفهاء، # واترك هذا العالم خيرا مما كان عليه، # حين أتيت إليه. # المؤرخ ~~: # حق ما قلت، ويبقى القول هو القول. # أعداء الحكمة لن ينفع معهم قول أو فعل. # الحكماء ~~: # جرب! # المؤرخ ~~: # جربت وألقيت البذر، # لم أحصد غير الحسرة والثمر المر. # الحكماء ~~: # قد يقع المطر على أرض صالحة خصبة، # ويمر الصدق على الكاذب فيحرك قلبه. # المؤرخ ~~: # أعداء الحكمة في هذا العصر # صم كالصخر. # شبوا في حجر المكر، وشابوا في حضن الغدر. # ماذا تنتظر من الأوغاد الكذبة، # القوالين الوراقين الكتبة، # شهود الزور ونهازي الفرص، # لصوص الموتى والأحياء النهبة؟ # هل ينبت زرع في أرض خربة؟ # اغتالوا الحق وراحوا يبكون الميت، # وأقاموا المأتم، وانطلقوا وبأعلى صوت: # الكاذب ينعى الصدق، وينشد أروع مرثية، # والمتسلط يبكي الحرية. # والمتسلق يندب حظ الشرف الضائع وعبيد السلطة يفتون ~~عن الثورة. # والساجد للدولار يحض الناس على الزهد، # ويسهب في مدح الفقر وإخلاص النية. # والكل يصيح، ويصرخ ويثير من اللاشيء قضية. # الحكماء ~~: # الكل؟ ألا تستثني أحدا؟ # المؤرخ ~~: # أستثني القلة وأقل من القلة ... من بالطبع أو العزة ~~والأنفة ... عاشوا في كنف الغربة. # الحكماء ~~: # أتعيش الحكمة في تلك الغربة؟ # المؤرخ ~~: # وتعزي النفس بذكرى الحكماء السبعة. # الحكماء ~~: # ومن سيعزي الحكماء السبعة؟ # المؤرخ ~~: # إن الحكمة تبكي أيضا. # الحكماء ~~: # ابكي أيتها الحكمة، # ابكي أيتها الحكمة. # عبد الغفار مكاوي # يناير 1987م # | ملاحظات # تقديم # الفصل الأول # الفصل الثاني # الفصل ms63 الثالث # الفصل الرابع # الفصل الخامس # الفصل السادس # الفصل السابع # الفصل الثامن # الفصل التاسع # الفصل الثاني عشر ms64