######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.IntihaziyyunLaYadkhulunJanna.Hindawi36384826 #META# Tags: plays #META# ID: 36384826 #META# Title: الانتهازيون لا يدخلون الجنة: مسرحيات مختارة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الانتهازيون لا يدخلون الجنة‏ # الموت والمدينة‏ # المرحوم‏ # الليل والجبل‏ # المرآة‏ # الكنز‏ # الطفل والفراشة‏ # السيد والعبد‏ # محاكمة جلجاميش‏ # الحكماء السبعة‏ # الانتهازيون لا يدخلون الجنة‏ # الموت والمدينة‏ # المرحوم‏ # الليل والجبل‏ # المرآة‏ # الكنز‏ # الطفل والفراشة‏ # السيد والعبد‏ # محاكمة جلجاميش‏ # الحكماء السبعة‏ # | الانتهازيون لا يدخلون الجنة # | الانتهازيون لا يدخلون الجنة # | مسرحيات مختارة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الانتهازيون لا يدخلون الجنة # مسرحية في ستة مشاهد # مهداة إلى عبد الرحمن فهمي. # الشخصيات # المريض. # زينب: # زوجته. # أحلام: # ابنتهما. # الطبيب. # محمد دربالة: # وهو الشق الآخر من نفس المريض المنقسمة. # صبري: # وكيل وزارة سابق. # الممرضون. # الملاك الأسود الصامت. # جوقة الأطفال. ~~(هذه المسرحية صياغة حرة لقصة «الجلسة» لصديق العمر الكاتب الفنان عبد الرحمن فهمي. ولو ~~سلمنا بوجود عدد من روائع القصة المصرية القصيرة - قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ~~أو اليدين - لكانت «الجلسة» في تقديري هي إحدى هذه الروائع بغير منازع (نشرت القصة في ~~مجموعته الأخيرة «العود والزمان»، القاهرة سنة 1969م، من صفحة 7 إلى صفحة 42).) ~~(حجرة واسعة في عيادة طبيب الأمراض النفسية والعقلية، مكتب كبير في ~~مواجهة النظارة، يجلس الطبيب على كرسي موضوع أمامه أو يقوم أحيانا ليعاين المريض أو ~~يكلمه، على اليمين أريكة مستطيلة يتمدد عليها المرضى أثناء التحليل، يقف خلفها أربعة ~~من الممرضين في ثياب بيض، وهم يمثلون الجوقة التي تراقب الأحداث أو تستفسر عنها ~~وتعقب عليها. المريض جالس على الأريكة بعد أن انتهى الطبيب من فحصه، يدفن رأسه بين ~~كفيه ويبكي. الممرضون يحاولون أن يساعدوه على ارتداء ملابسه، وفي يد كل منهم قطعة ~~منها.) # 1 # المريض ~~: # ابنتي ماتت يا دكتور. ابنتي ماتت. # الطبيب ~~: # أعرف، أعرف. # المريض ~~: # إنه يتهمني بقتلها، يتهمني بقتلها. # الطبيب ~~: # اهدأ أرجوك. # المريض ~~: # أهدأ؟ كيف أهدأ بالله عليك؟ هل تتصور أنني قتلتها؟ هل سمعت عن أب قتل ~~ابنته؟ ~~(يبكي.) # الطبيب ~~: # كفى بكاء. نريد أن نتناقش في هدوء، هيا ارتد ملابسك أولا. ~~(الممرضون يحاولون أن يساعدوه على ارتداء ملابسه فيصدهم ~~بعنف.) # المريض ~~: # بل قل أنت أولا، هل تعتقد أنني مجنون؟ # الطبيب ~~: # مجنون؟ لا لا، ms001 لا تبالغ. # المريض ~~: # هو الذي أقنعك بهذا. أليس كذلك؟ وزوجتي أيضا، لم يكتفوا باتهامي بقتل ~~ابنتي، اتهموني أيضا بالجنون. # الطبيب ~~: # قلت لك لا تبالغ في كلامك. نحن الأطباء حريصون في استعمال الألفاظ. إنه مجرد ~~فحص عادي. فحص انتهينا منه ويمكنك أن تطمئن. # المريض ~~: # أطمئن؟ أطمئن وأنت تعتقد أنني مجنون! # الطبيب ~~: # بل أعتقد أنك سليم، الكبد سليم، القلب سليم، الرئة سليمة، اهدأ الآن وارتد ~~ملابسك. # المريض ~~: # اهدأ، اهدأ، أليس عندك غير هذه الكلمة؟ هل جربت فقد عزيز أو حبيب؟ هل ~~رأيت في حياتك إنسانا يحتضر؟ ابنتي ماتت يا دكتور، ماتت. ~~(ينشج نشيجا مؤلما.) # الطبيب ~~: # وهذا هو سبب الأزمة. أزمة طارئة ستزول، كل شيء سيعود أفضل مما كان. # المريض ~~: # وتسميها أزمة؟ موت أحلام واتهامي بالقتل والجنون في رأيك أزمة؟ # الطبيب ~~: # قلت لك احترس في استعمال الألفاظ. # المريض ~~: # الجنون أو القتل. ما الفرق بينهما؟ إنهما يطاردانني في كل مكان، أصابعهما ~~تشير إلي حتى في المنام، تآمرا علي يا دكتور تآمرا علي، هل أنت معهم أم ~~معي؟ # الطبيب ~~: # سنتناقش الآن، ستحكي كل شيء. وسنعرف الحقيقة. # المريض ~~: # وهؤلاء؟ # الممرضون ~~(في صوت واحد) ~~: # نحن مع الحق، # لسنا معك ولا ضدك. # نحن مع الحق. # المريض ~~(يلتفت إليهم فزعا كأنه يكتشفهم فجأة. يرى أيديهم ~~الممدودة بقطع ملابسه) ~~: # سألتك من هؤلاء؟ # الطبيب ~~: # ما الذي يخيفك؟ أنهم يمدون أيديهم إليك. يريدون أن يساعدوك. # المريض ~~: # يساعدونني أم يخنقونني؟ ابتعدوا أيها الجلادون! # الممرضون ~~: # لسنا جلادين ولا نحن قضاة. # المريض ~~: # هو الذي أرسلكم. # الممرضون ~~: # لم يرسلنا أحد. من تقصد؟ # المريض ~~: # الذي يطاردني ويتآمر علي، هو ولا أحد سواه. محمد دربالة. # الممرضون ~~: # محمد دربالة؟ # المريض ~~: # كلكم محمد دربالة. كلكم تتربصون بي. كلكم تمدون إلي حبل المشنقة. # الممرضون ~~(ضاحكين) ~~: # أتسمي السترة مشنقة. # أم تتصور أن المعطف كفن أو تابوت؟ # نحن نمد إليك قميصك، # ياقة رقبتك، حزامك. # ساعدنا حتى نقف جوارك ونساعدك ونرعاك. # المريض ~~(ثائرا) ~~: # بل أنتم جلادون وقتلة. أبعدهم يا دكتور؟ # الممرضون ~~: # لسنا جلادين ولا قتلة. # نحن شهودك، ظلك، صوت ضميرك، # تابعناك طوال العمر، نظرنا ms002 في مرآتك، # فانفض تذكاراتك، # واجعلنا أهلك وصحابك، # ساعدنا كي نقرأ معك كتابك. # المريض ~~: # اسألوه أن يساعدكم. اذهبوا إليه. اقرءوا كتبه. أنا لا أقرأ كتبا مثله ولا ~~أؤلف كتبا. # الممرضون ~~: # من هو محمد دربالة؟ # نحن لا نعرف محمد دربالة، # الحقيقة هي ما نريد أن نعرف. # تهت في الظلام، نريد أن نضع مصباحا في طريقك. # اعوجت شجرة عمرك؛ دعنا نعالج جذورها. # لطخ الدنس ثوبك؛ دعنا نطهره. # مد يديك إلينا، وسوف نضعك على صدورنا. # الطبيب ~~: # مد يديك إليهم، ساعدهم. # المريض ~~: # مرهم أن يبتعدوا، أن يتخلوا عني. # الممرضون ~~: # نحن تخلينا عنك سنين، # فصرت إلى ما صرت إليه. # المريض ~~: # نفس كلامه. هذا هو نفس كلامه. # أبعدهم عني، أبعدهم عني (يبكي). # الطبيب ~~(يتقدم إليه) ~~: # ابتعدوا عنه. ما الذي تخشاه منهم؟ # إنهم يعاونونني ويعاونونك، # مد ذراعك، نعم هكذا. # استرح، نحن نريد راحتك، # بعد أن ترتدي ملابسك سنتفاهم في هدوء، # ستحكي لنا عن الملعون محمد دربالة. # المريض ~~(مستجيبا له كالطفل) ~~: # ملعون وقاتل! # الطبيب ~~: # وهو يتهمك ويظلمك. # المريض ~~: # صدقتني أخيرا يا دكتور؟ # الطبيب ~~: # أنا أصدقك من البداية. # المريض ~~: # ولكن لماذا يصدقني كل الناس ويكذبني؟ لماذا لا يرحمني؟ حتى الضحية ~~غفرت لي. # الطبيب ~~: # الضحية؟ # المريض ~~: # إنه يتصور أنني تسببت في سجنه، يتصور أنني أدخلته السجن وحكمت عليه ~~بالأشغال الشاقة، الحمار لا يريد أن يفهم، لا يريد أن يفهم أنني فعلت كل شيء ~~من أجلها. # الطبيب ~~: # فهمت، من أجل ابنتك. # المريض ~~: # وابنتي ماتت يا دكتور، ابنتي ماتت. # الطبيب ~~: # أعرف، أعرف، سنرى الآن كل شيء. # المريض ~~: # المهم أن يعرف هو، المهم أن يفتح عينيه ويرى، هل تعتقد أني مذنب يا دكتور؟ ~~هل تعتقد أنني قتلتها؟ # الطبيب ~~: # بالطبع لا. استرح الآن. مدد ساقيك وأرخ ذراعيك. استرح وتنفس بهدوء، ~~سنعرف كل شيء معا، سيخرج كل شيء إلى النور. # المريض ~~: # النور؛ هذا ما أريده أيضا كي يرى ويفتح عينيه. # الطبيب ~~: # وستحكي لنا كل شيء، كل شيء. # المريض ~~: # ما الفائدة إذا كان لا يصدق؟ # الطبيب ~~: # وربما اكتشفنا أنه غير موجود. # المريض ~~(يحاول أن ينهض في غضب) ms003 ~~: # هل صدقت كلام زوجتي؟ إنه موجود يا دكتور. # الطبيب ~~: # إذن فهو موجود. # المريض ~~: # كيف يكون غير موجود وهو يبكيني ليل نهار؟ # الطبيب ~~: # قلت لك هو موجود، المهم أن تستريح الآن. # المريض ~~: # حذار أن ترجع لاتهامي بالجنون. # الطبيب ~~(صارخا) ~~: # قلت لك لا تنطق هذه الكلمة. # المريض ~~(في خوف) ~~: # خفت أن تتهمني بالجنون كما اتهمني بالقتل، إنني بريء يا دكتور ~~(ينظر للممرضين) # إنني بريء. # الممرضون ~~: # نحن نصدقك تماما. # وسنعرف إن كنت بريئا، # والمجني عليه، # أو إن كان هو الجاني. # المريض ~~: # ساعدوني. # الممرضون ~~: # سنساعدك جميعا. # مدد رجليك، استرخ قليلا. # وتنفس في عمق. # الطبيب ~~: # أعمق، أعمق. # الممرضون ~~: # انفض أحزانك، # ساعد تذكاراتك كي تطفو فوق السطح؛ # لنساعدك فيلتئم الجرح. # الطبيب ~~: # هيا تذكر، ماذا حدث عندما عدت إلى بيتك؟ # المريض ~~: # وفي يدي اللعبة والدواء. # الطبيب ~~: # تطفر فرحا وتغني. # الممرضون ~~: # تضع المفتاح بثقب الباب. ~~(وتنادي): يا أحلام. # المريض ~~: # أحلام، أحلام. ~~(يخفت الضوء. يرى على اليمين فراش طفلة صغيرة، يتقدم المريض ~~نحوها وهو يثب فرحا. الزوجة والطبيب يجلسان صامتين أمام الجثمان.) # 2 # المريض ~~: # كنت فرحا كما لم أفرح في حياتي. # الممرضون ~~: # بالطبع؛ فالترقية بجيبك، # في قبضتك المجد، # وفيها جوهرة العمر. # كم عانيت طويلا حتى تصل، # وها أنت وصلت، # لكن وا أسفاه! # صعد السلم حتى طال النجم، # لكن سقط السلم في الطين ولوثه الدم. # وا أسفاه! وا أسفاه! # ماتت أحلام ومات الحلم. # المريض ~~: # أحلام، يا أحلام، افتحي ذراعيك لأبيك، انهضي لنلعب معا، أحلام. # الزوجة ~~: # تأخرت كالعادة، لن تستطيع أن تلعب معك. # المريض ~~: # لماذا؟ هل نامت الليلة مبكرة؟ # الزوجة ~~: # نعم نامت. # المريض ~~: # لا بد أن تصحو. سأزف إليك خبرا سارا يا أحلام. لن تفهمي كثيرا ولكنك ~~ستضحكين وترقصين. حتى العروس التي طلبتها سترقص وتغني معنا. # انظري يا أحلام. # الزوجة ~~: # لا تتعب نفسك. # المريض ~~: # ماذا حدث؟ قومي لتري عروسك يا أحلام. # الزوجة ~~: # يسأل ماذا حدث فقولوا له. # الممرضون ~~: # خيم صمت الموت على الإنسان، # جثم على الخدين، على الشفتين، # على الأجفان. # وامتد الظل على الجدران. # الزوجة صامتة كالبوم، # والطب العاجز، # في وجه ms004 طبيبك مهموم. # وتمد يديك لكي تتحسس صدر ابنتك، # فلا تسمع نبض القلب، # ولا تلمس إلا الجثمان. # المريض ~~: # صرخت وبكيت، نشجت واختنقت بالدموع، ضربت وجهي على سريرها حتى سال دمي، ~~تكلمي. ماذا حدث؟ # الزوجة ~~: # تأخرت عليها بالدواء. # الطبيب ~~: # ونفذ قضاء الله يا محمد، نفذ القضاء. # المريض ~~: # لم أتأخر، الوزير هو الذي وصل متأخرا، أخبرتك أنني سأكون في ~~استقباله. # الزوجة ~~: # وطلبت منك أن تعجل بإحضار الدواء. # المريض ~~: # ما ذنبي إذا كانت طائرة الوزير تأخرت؟ هل كنت أعلم أنها ستتعطل ساعتين؟ ~~هل كنت في علم الغيب؟ # الزوجة ~~: # وابنتك؟ ألم تكن أولى بك؟ # المريض ~~: # وهل فعلت ما فعلت إلا من أجلها؟ هل سعيت لاستقبال الوزير إلا لأسعدها؟ ~~أكان يرضيك أن تضيع مني الترقية؟ # الزوجة ~~: # أفضل من أن تضيع ابنتك. # المريض ~~: # قومي يا أحلام. أبوك أصبح وكيل وزارة، تعب من أجلك حتى وصل. افتحي ~~عينيك يا ابنتي. انظري إلي وكلميني. # الممرضون ~~: # الزوجة صامتة صمت البوم، # والطب العاجز في وجه طبيبك مهموم. # عبثا تصرخ يا مسكين، # عبثا تصرخ يا مسكين. # المريض ~~: # أحلام، أحلام، انتبهي يا ابنتي، تكلمي يا حبيبتي، نادي على أبيك. # الزوجة ~~: # نادت عليك ساعتين. # المريض ~~: # قلت لك لم أتأخر بإرادتي. # الزوجة ~~: # ظلت تبكي وتقول: أريد بابا، أريد بابا. # الطبيب ~~: # وأبوها ينتظر الترقية من الوزير. # المريض ~~: # حصلت عليها من أجلها. تعبت وشقيت طول العمر لأسعدها. هل بنيت الفيلا ~~واشتريت العربة إلا لها؟ # الزوجة ~~: # كانت تريدك أنت بجانبها. # المريض ~~: # اسمعيني أنت يا أحلام. أمك لن تفهمني ولن يفهمني أحد سواك. قومي ~~يا حبيبتي، تعالي وانظري عروسك الجميلة، أنت نائمة تحلمين، انهضي لتري ~~الحلم الجديد، قومي، قومي. # الممرضون ~~: # ناديت وناديت فهل سمعت صوتك؟ # المريض ~~: # سمعته وقامت، لم يرها أحد غيري. # الممرضون ~~: # كيف يقوم الموتى؟ # المريض ~~: # وقفت كعروس تخرج من نبع صاف كالفجر. ما كادت تلمح لعبتها حتى التقطتها، ~~ضمتها للصدر: عروسي، سآخذها معي ~~(تتمثل الرؤيا ~~أمامه في ضوء الحلم الوردي الأخضر، يتابعها بعينيه ولا يراها أحد ~~غيره) ~~. # المريض ~~: # إلى أين يا ابنتي؟ # أحلام ~~: # ألا تراه هناك؟ # المريض ms005 ~~: # من يا حبيبتي؟ # أحلام ~~: # هناك، هناك. # المريض ~~: # ونظرت حيث أشارت. كان يستند على حافة الشباك صامتا حزين العينين، ملاك ~~أسود ضخم، بجناحين كالليل الأسود، يحدق فيها ولا يتكلم، تقدمت منه ~~وقالت: # أحلام ~~: # من أنت؟ # هل أنت صديق؟ # أم أنت عدو؟ # المريض ~~: # والملاك الأسود صامت لا يحول عينيه عنها. # أحلام ~~: # لم لا تتكلم؟ جئت لتأخذني؟ # المريض ~~: # أطرق الملاك برأسه. لم يجب، شعرت أنه خجل أو نادم. لكنها مدت ذراعها ~~نحوه وقالت: # أحلام ~~: # ستكون رقيقا وحنونا، # لا تقس علي. # أدفئني تحت جناحيك، # ودثرني، # خذني بين ذراعيك، # ولا تقس علي. # المريض ~~: # مد الملاك يده إليها. وضع يدها في يده وسار صامتا كالنسر الكبير الذي ~~يقبض على فراشة، جريت وراءهما باكيا: تعالي يا ابنتي، تعالي، إلى أين ~~تذهبين؟ رفرفت طيور بيضاء بأجنحة بيضاء، انطلقت تغني: # الموت طفل صغير، # بوجه شيخ عبوس. # والموت باب كبير، # يفضي إلى الفردوس. # المريض ~~: # هللت أحلام وأشارت إلي: افرح يا أبي. موعدنا في الفردوس. # الله دعاني # لبيت الدعوة، # والملك الحاني # يعبر بي الهوة. # جريت وراءها وأنا أبكي: لا تتركيني يا أحلام، لا تتركيني. التفتت ~~إلي وصاحت: تعال يا أبي، تعال! أتعرفون ماذا فعل؟ # الممرضون ~~: # من؟ الملاك؟ # المريض ~~: # بل هو. محمد دربالة. انشقت عنه الأرض ووقف أمامي. سد علي الطريق ~~كالجبل. # الممرضون ~~: # وماذا قال؟ # المريض ~~: # صرخ كذئب جائع: الانتهازيون لا يدخلون الجنة. # الممرضون ~~: # الانتهازيون لا يدخلون الجنة؟ # المريض ~~: # بكيت وصرخت وضربت الأرض بقدمي. حاولت أن ألكمه ولكنه كان كالصخر. ~~ابتعد عن طريقي يا محمد، لماذا تطاردني يا محمد؟ دعني أذهب مع ابنتي. دعني ~~أخرج من هذا العالم ما دمت لا أستطيع أن أعيش معك فيه. # الممرضون ~~: # وهو الصامت كالجبل الأجرد، قاس كالصخر. # المريض ~~: # أقسى منه امرأتي، أقسى منه طبيب عجز على يده الطب. # الممرضون ~~: # ماذا فعلا؟ # المريض ~~: # راحا يناديان: تعال يا مجنون. ابنتك في فراشها. تعال لا تتعب نفسك. ~~وابنتي تبكي وتشير إلي: # تعال، تعال، # العالم وحش، # فلنهرب منه. # والعالم نعش، # فلنخرج منه. # وأنا أنادي إنهم يمنعونني يا حبيبتي. # إنهم يظلمونني. ms006 # الممرضون ~~: # من منهم ظلمك ؟ # المريض ~~: # كلهم، كلهم ظلموني. # الممرضون ~~: # الجنة لا يدخلها ... # المريض ~~: # أترددون قوله؟ ألا يكفي ما قاله منذ أيام؟ # الممرضون ~~: # ومتى قابلته؟ # المريض ~~: # في اليوم التالي. يوم جاء الناس لتهنئتي وتعزيتي. # الممرضون ~~: # ارو علينا ما حدث هناك. احك لنا ما قال. # الطبيب ~~: # نعم هكذا، استرح ومدد ساقيك. أرخ ذراعيك. # الممرضون ~~: # خذ نفسا أعمق # وارو علينا ما قال، # الجنة لا يدخلها ... # لا، لا تغضب. # الأفضل أن نسمعها منك، # أو نسمعها منه، # ارو علينا ما قال. ~~(يخفت الضوء على المريض الممدد على الأريكة، يسلط على ~~الجانب الآخر من المسرح، تظهر حجرة مظلمة كالقبر، معفرة بتراب الملفات ~~والسجلات. شخص يشبه المريض في مظهره وملبسه، يقف بجانب السلم المعدني ويقلب ~~في ملف قديم.) # 3 # المريض ~~: # لم أدر كيف وقفت أمام باب هذه الحجرة، ولا كيف فتحت الباب ~~ودخلت. # الطبيب ~~: # ألم تذهب أولا إلى الوزارة؟ # المريض ~~: # في اليوم التالي لدفن ابنتي، أفقت من الكابوس ورجعت لنفسي. # الممرضون ~~(يتضاحكون) ~~: # رجعت لنفسك؟ أم رجعت نفسك لك؟ # المريض ~~: # لا تسخروا بي. كان يوم تهنئتي بالترقية هو يوم تعزيتي. تزاحم السعاة ~~والموظفون على بابي. سمعت ضجيجهم وراء الباب فتقززت من كل شيء. # الممرضون ~~: # ولماذا تتقزز منهم سيان # أن يأتوا للتهنئة، # أو التعزية وتقديم القربان، # وصل النسر إلى القمة، # ما وجد سوى الديدان. # المريض ~~: # وهذا ما ضاعف اشمئزازي. واربت الباب قليلا ونظرت. كانوا يقفون في ~~طابور طويل وينتظرون. أيتها الكلاب الشامتة. لو مت وأنا في الدرجة الخامسة ~~ما مشى في جنازتي كلب واحد، ناديت الساعي وصحت به: اطردهم جميعا، لا ~~أريد أن أرى أحدا. ~~(يظهر الساعي.) # الساعي ~~: # مستحيل يا سعادة البيك. # المريض ~~: # ولماذا؟ قل لهم الوكيل مشغول. قل لهم ليس موجودا. # الساعي ~~: # إنهم يراقبون الأبواب من الصباح. # المريض ~~: # قل لهم لا أريد أن أقابل أحدا. # الساعي ~~: # هل ترفض تهنئتهم؟ # المريض ~~: # أم تعزيتهم؟ قلت لك اصرفهم حالا. # الساعي ~~: # لا أستطيع يا سعادة البيك. # المريض ~~: # ولماذا لا تستطيع؟ # الساعي ~~: # مراقب شئون العاملين يحمل دفترا للتوقيع، كل واحد منهم سيوقع قبل ms007 أن ~~يدخل لتهنئتك. # المريض ~~: # هل أعد دفترا آخر للتعزية؟ # الساعي ~~: # لا أدري يا سعادة البيك. # المريض ~~: # الصادر والوارد. سركي الابتسامات والدموع. # الساعي ~~: # نعم يا سعادة البيك. والمراقب أعد قصيدة عصماء. # المريض ~~: # قلت لك اصرفهم حالا. قل لهم لا أريد أن أرى أحدا. # الساعي ~~: # سينتظرون حتى الليل. سيبيتون هنا إذا لزم الأمر، إنهم مصممون على تقديم ~~الواجب. # المريض ~~: # أم على إظهار الحسد؟ # الساعي ~~: # أستغفر الله يا بيك. # المريض ~~: # قلت لك لا أريد أن أرى أحدا، لا أريد أن أراك أيضا، اذهب، اذهب، أغلق كل ~~الأبواب. # الممرضون ~~: # وغلقت الأبواب، # كم كافحت لتفتح هذي الأبواب، # وتجلس في نفس الحجرة، # وترى الخدم مع الحجاب، # والزوار على الأعتاب، # وكأنك صنم فوق العرش، # مطاع الأمر مهاب. # ماذا حدث؟ # انكسر الصنم، # انهار العرش، # وصرت وحيدا، # لا أتباع ولا أحباب. # المريض ~~: # نعم. وجدت نفسي وحيدا، خفت أن أنظر في عيونهم فلا أرى إلا دموع الحسد، أو ~~ابتسامة الشماتة بلا حياء، خفت أن تنطق الدموع والابتسامات: لقد وصلت، ~~وصلت. # الممرضون ~~: # وصلت وصلت، # فما معنى الكلمة؟ # كم تتردد بين الناس على كل لسان! # لكن ما غاية تعب الإنسان؟ # هل يصل لغير تراب الأرض وللأكفان؟ # يسعى البطل الظافر للمجد ويشقى قلب ويدان، # وعلى جبهته يضع الناس الإكليل، # وتحسده الأعين بل يحسده الثقلان. # لكن البطل الظافر بعد زمان، # يصبح مأدبة للديدان، # يصبح مأدبة للديدان. # المريض ~~: # نعم. لقد حسدوني، كانوا دائما يحسدونني، ولهذا هربت من عيونهم. # الطبيب ~~: # إلى أين؟ # المريض ~~: # تسللت من الحجرة دون أن يراني أحد، ساقت رجلي قوة مجهولة إليه. # الطبيب ~~: # من تقصد؟ # المريض ~~: # محمد دربالة. لم أكن أتصور أنني سأراه هناك، جريت على السلم الخلفي حتى ~~وجدتني في البدروم، أمام هذه الحجرة نفسها، كان الصمت يحيط بي والظلام. وكان ~~الباب مواربا فدفعته ودخلت. # الطبيب ~~: # لا شك أنه كان ينتظرك. # المريض ~~: # لم أعرف هذا في البداية. كان يقف وسط الملفات المعفرة بالتراب كأنه ~~ملف قديم. تقدمت منه وقلت: أنت هنا يا محمد؟ ~~(يظهر محمد دربالة في الضوء الخافت وفي يده ملف ms008 وحوله ~~ملفات.) # محمد دربالة ~~: # أنا هنا من ثلاثين سنة، منذ عينا في قرار واحد. # المريض ~~: # وكيف نعمل معا في وزارة واحدة ولا تسأل عني؟ هل نسيتني يا محمد؟ # محمد ~~: # لما نسيتني نسيتك. # المريض ~~: # أنا لم أنسك أبدا يا محمد، أنت الإنسان الوحيد الذي بقي لي. لا تتخل ~~عني. # محمد ~~: # تخليت عنك لما تخليت عن نفسك. # المريض ~~(باكيا) ~~: # ابنتي ماتت أمس يا محمد، لا تتركني. # محمد ~~: # لن أتركك بعد اليوم. لقد تركتك ثلاثين سنة فصرت إلى ما صرت ~~إليه. # المريض ~~: # وتقدم مني. ضمني إلى صدره وأخذ يربت على ظهري. شعرت بدموعه على ~~خدي. شعرت أنه الإنسان الوحيد الذي يحزن لحزني. بعد قليل قال لي: # محمد ~~: # يجب أن تتماسك. كنت رجلا فيما مضى. # المريض ~~: # نعم فيما مضى، أما الآن فابنتي ماتت. # محمد ~~: # أنت الذي قتلتها. # المريض ~~: # ما زلت قاسيا كما كنت يا محمد. أنا لم أقصر معها في شيء. # محمد ~~: # قصرت معها في أهم شيء. # المريض ~~: # لا تظلمني يا محمد. لقد شقيت من أجلها ووصلت الليل بالنهار ~~لأجلها. # محمد ~~: # بل شقيت من أجل الوصول، وها أنت قد وصلت. # المريض ~~: # وأنت الوحيد الذي لم تهنئني. # محمد ~~: # أهنئك أم أعزيك؟ # المريض ~~: # أرجوك لا تعذبني يا محمد، هل فعلت ما فعلت إلا لها؟ # محمد ~~: # وانشغلت عنها طوال الوقت. # المريض ~~: # ربما لم أعطها من نفسي إلا قليلا. # محمد ~~: # لم تعطها شيئا على الإطلاق. # المريض ~~: # أعطيتها لعبة جميلة. # محمد ~~: # ليست أجمل من أبيها. # المريض ~~: # أعطيتها فيلا وحديقة واسعة. # محمد ~~: # الدنيا كلها ضيقة إذا خلت من أبيها. # المريض ~~: # لما مرضت أحضرت لها أعظم الأطباء. # محمد ~~: # الطبيب الوحيد الذي كانت تحتاج إليه كان ينتظر الوزير في المطار. # المريض ~~: # ما ذنبي إذا كانت الطائرة تأخرت أربع ساعات عن موعدها؟ هل كنت أعلم ~~أنها ستتعطل في روما؟ # محمد ~~: # كنت تعلم أن ابنتك في انتظار الدواء. # المريض ~~: # أقسم لك أنني اشتريت لها العروس والدواء. قدرت أن الانتظار لن يطول ~~أكثر من ساعة. # محمد ~~: # كانت في انتظارك تنادي: بابا، أريد بابا. وكنت في ms009 انتظار الوزير لينعم عليك ~~بالدرجة . # المريض ~~: # هل كنت تريد ألا أنتظره فتطير مني الدرجة التي تعبت طول العمر لأصل إليها؟ ~~هل كنت تريد أن يخطفوها مني؟ بعد أن نزل الوزير من الطائرة وهنأته بسلامة ~~الوصول وهنأني بالترقية سارعت إلى البيت. # محمد ~~: # ووصلت بعد أن ماتت أحلام. # المريض ~~: # وهل أنا طبيب؟ هل اطلعت على الغيب؟ خالها الطبيب كان بجانبها. # محمد ~~: # ولكنها كانت تريد أباها. # المريض ~~: # حضرت ومعي الدواء والعروس. # محمد ~~: # ومعك الدرجة. # المريض ~~: # من أجلها، أقسم لك من أجلها. لماذا لا تريد أن تفهمني؟ لماذا تظلمني؟ ~~(يبكي) # لا تتركني كما تركتني في ~~الماضي. # محمد ~~: # تركتك لما تركتني، لما تجاهلتني ولم تسمع صوتي. # المريض ~~: # ومع ذلك لم ترحمني. # محمد ~~: # لما عرفت أنك أصبحت جلادا. # المريض ~~: # لا تؤلمني يا محمد. كان هذا من عشر سنوات. # محمد ~~: # والضحية قضت في السجن عشر سنوات بسببك. # المريض ~~: # أنا الآن الضحية يا محمد، أنت تعرف أنني لم أكن السبب. # محمد ~~: # ومن الذي هيأ له الطريق للاختلاس؟ من الذي أغراه بالرشاوى وزيف ~~الفواتير؟ # المريض ~~: # هو الذي دبر كل شيء، كان كل شيء بخطه، لم يجدوا كلمة واحدة بخطي، ~~وعند التحقيق كانت صفحتي بيضاء. ألا تذكر يا محمد؟ # محمد ~~: # أذكر أنك أنت الذي بلغت عنه. # المريض ~~: # بلغت عنه لأنه منحرف، واجب وطني، واجب إنساني. هل أسكت على مختلس ~~ومنحرف؟ ما ذنبي إذا كان قد ضيع أموال الخزينة في الخمر والقمار؟ # محمد ~~: # ذنبك أنك أردت أن تصل إلى درجته. # المريض ~~: # السيد الوكيل هنأني بنفسه، هنأني على نزاهتي وعينني مكانه. # محمد ~~: # وصلت، ووصلت الضحية إلى الليمان. # المريض ~~: # قلت لك أنا الآن الضحية يا محمد. # محمد ~~: # مجرد تبادل في الأدوار، كل الجلادين يصبحون في النهاية ~~ضحايا. # المريض ~~: # ولكنه غفر لي يا محمد، الضحية غفرت وأنت لا تريد أن تغفر. لقد قابلته ~~في الأسبوع الماضي. # محمد ~~: # أين قابلته؟ # المريض ~~: # في القهوة يا محمد، كان يجلس على القهوة. # محمد ~~: # واحتقرك بالطبع. # المريض ~~: # بل جرى ورائي ودعاني لفنجان قهوة. ~~(يظهر صبري وكيل الوزارة السابق وهو ms010 يسحب المريض من يده ليجلس ~~معه.) # صبري ~~: # تعال يا محمد، تعال نشرب فنجان قهوة. # المريض ~~: # تدعوني لفنجان قهوة بعد كل ما حدث. # صبري ~~: # وماذا حدث يا أخي؟ كل شيء انتهى. # المريض ~~: # ألا تكرهني يا صبري بيك؟ ألا تحقد علي؟ # صبري ~~: # السجن علمني ألا أكره، علمني ألا أحقد، ثم إنك لم تفعل شيئا. # المريض ~~: # يتهمونني بأنني بلغت عنك. # صبري ~~: # وافرض أنك فعلت. لقد أديت واجبك، ثم إنني أنا المسئول عن كل شيء، أنا ~~الذي شربت وقامرت، أنا الذي أمرتك بتزوير الفواتير واختلست المبالغ ~~الضخمة وبددتها في الليالي الحمراء. # المريض ~~: # هل تصفح عني؟ # صبري ~~: # استغفر الله، هو الذي يصفح عنا جميعا، أنت شاب طموح تريد أن تصل. # محمد ~~: # تريد أن تصل. # المريض ~~: # انتظر يا محمد، إنه لم يكتف بالصفح عني، سألني أيضا عن ابنتي أحلام ودعا ~~لها بالبركة، ثم دعا لي بالستر وقبلني. # محمد ~~: # الضحية تقبل جلادها. # المريض ~~: # افهمني يا محمد، افهمني وارحمني، أنا الآن الضحية، أنا الآن ~~الضحية. ~~(ينشج في ألم. ينهض محمد ويضع يده على رأسه.) # محمد ~~: # انهض يا محمد. # المريض ~~: # أتذكر اسمي؟ # محمد ~~: # وأذكر ماضينا. # المريض ~~: # كانت أياما حلوة. كل شيء ضاع الآن. # محمد ~~: # الطريق طويل، وما ضاع يسترد. # المريض ~~: # ألا ترى الشعر الأبيض يغزو رأسي؟ ألا تراني وحيدا؟ # محمد ~~: # قلت لك لن أتخلى عنك، بعد ثلاثين سنة عدت إليك. # المريض ~~: # ابق معي يا محمد، لم يبق لي أحد بعد أن ماتت ابنتي. # محمد ~~: # ماتت لما مات ضميرك، لما ضاع صوته وسط أصوات السياط التي ألهبت ظهرك ~~للوصول إلى القمة، وها أنت تتمرغ في الحضيض. # المريض ~~: # ساعدني يا محمد. # محمد ~~: # ستعود للحياة إذا عاد ضميرك. # المريض ~~: # وابنتي؟ لقد مت يا محمد بموتها. # محمد ~~: # ستعود هي أيضا للحياة. # المريض ~~: # معقول يا محمد؟ هل أنت المجنون أم أنا؟ # محمد ~~: # ستعيش في قلبك يوم تنصت لقبك. انهض، كن رجلا وانهض على قدميك. # المريض ~~: # إلى أين يا محمد؟ # محمد ~~: # إلى بيتنا القديم، حجرتنا القديمة المظلمة في الحسين. يوم كنا شبانا ~~نحلم ونغضب ونجوع. ms011 # المريض ~~: # أما زلت تذكرها يا محمد؟ # محمد ~~: # وما زلت أسكن فيها مع أولادي وزوجتي. # المريض ~~: # هل تدعوني إلى بيتك؟ # محمد ~~: # أنت لا تحتاج للدعوة. # المريض ~~: # ولماذا لا تأتي معي؟ هل تخجل مني؟ # محمد ~~: # أنت تعرف العنوان. ~~(ينصرف طيف موظف الأرشيف، ينهض المريض ويناديه.) # المريض ~~: # محمد، محمد، لا تتركني وحدي، يا محمد دربالة. لا تتركني في الظلام والحضيض ~~والوحل. أنت الوحيد الذي بقي لي، الكل يحتقرني فلا تحتقرني أنت، لا ~~تتركني، لا تتركني! # الممرضون ~~: # لا لن يتركك وحيدا. # لن يتخلى عنك، # فامض الآن لبيته. # وسنعرف منك ومنه، # إن كان الذنب عليه، # أو كان الذنب عليك. ~~(ينطفئ الضوء، يسقط من جديد على المريض الذي يجلس على نفس ~~الأريكة في حجرة مظلمة.) # 4 ~~(المريض ممدد على الأريكة في استرخاء، يمر بيده على جبهته بين ~~الحين والحين، كأنه يحاول أن ينفذ من الضباب الذي يغشى بصره. الطبيب أمامه، ~~والممرضون من حوله، وذكرياته تتمثل في مشهد الحجرة المظلمة التي يدور فيها الحوار بينه ~~وبين محمد دربالة ...) # الطبيب ~~: # وبحثت عن العنوان. # المريض ~~: # لم أكن في حاجة للبحث عنه، سرت في الحسين فإذا بأيام صباي وشبابي تبرز من ~~كل ركن ومنعطف، تصافحني وتأخذ بيدي وتتأمل وجهي. # الممرضون ~~: # ووجدت البيت المتداعي، # كعجوز فان منهار، # وهبطت السلم للقاع، # والليل يخيم في الدار، # كالأعمى يحلم بشعاع، # من فرح أو ضوء نهار، # وطرقت الباب. # المريض ~~: # وصحت، يا محمد! كيف تتحمل كل هذا الظلام؟ وخرج محمد وفتح الباب، ضحك، ~~وأمسك بذراعي وقال: # محمد ~~: # وأتحمل كل شيء. # المريض ~~: # كادت رقبتي تنكسر. # محمد ~~: # هل نسيت ما كنت تقوله لي: أنت أستاذ في الصبر؟ # المريض ~~: # وأولادك يا أخي، ما ذنبهم؟ # محمد ~~: # تعلموا في المدرسة نفسها. # المريض ~~: # ودخلت الحجرة، هي بعينها التي كنا نسكنها معا أيام شبابنا، الظلام بعينه، ~~الفقر نفسه، والمصباح الزيتي الذي يرتعش ضوءه على الحائط القديم، والحصيرة ~~المتهرئة على البلاط الأجرب، صحت: هي نفس الحجرة يا محمد! # محمد ~~: # والساكن هو نفسه. # المريض ~~: # الدنيا كلها تحركت يا محمد، وأنت واقف في مكانك، الناس كلهم ms012 صعدوا إلى ~~النور. # محمد ~~: # وأنا في بير السلم! # المريض ~~: # ثلاثون سنة في نفس الحجرة، في الظلام والبؤس والمرض. # محمد ~~: # الحمد لله، أنا راض على كل حال. # المريض ~~: # إذا كنت ترضى بهذا لنفسك، فكيف ترضاه لزوجتك وأولادك؟ # محمد ~~: # نحن مستورون والحمد لله، زوجتي قانعة وأولادي سعداء. # المريض ~~: # سعداء، في هذا الجب المعتم؟ لماذا لم تتصل بي وأنت تعمل معي في نفس ~~الوزارة؟ # محمد ~~: # ولماذا أتصل بك؟ # المريض ~~: # أدلك على شقة أخرى، أساعدك يا أخي، هل نسيت أننا إخوة؟ # محمد ~~: # لست أنا الذي نسي. # المريض ~~: # أنا مثلا أسكن في فيلا على النيل، حديقتها باتساع أربعمائة متر، يمضي ~~الزمن ولا تسأل عني، لا تزورني. # محمد ~~: # ولماذا أزورك؟ # المريض ~~: # كنت أنتظر زيارتك. # محمد ~~: # لما نسيتني نسيتك. # المريض ~~: # أنت جاحد يا محمد، وحسود أيضا، هل تنكر أنك تحسدني؟ # محمد ~~: # ولماذا أحسدك؟ # المريض ~~: # لأنني وصلت، هذا هو السبب. هل تدرون ماذا فعل؟ ظل يضحك ويضحك، غاظني ~~ضحكه، نفس الضحكات التي كانت تجلجل أيام كنا في الجامعة، في نفس الحجرة، ~~أتعلمون ماذا قال بعدها؟ # الممرضون ~~: # ماذا قال؟ # محمد ~~: # أحسدك؟ إنني أشفق عليك وأرثي لك. تصوروا، هذا اللئيم الحسود يشفق ~~علي، هذا الموظف درجة خامسة يرثي لي! # الممرضون ~~: # أنت تحركت كثيرا، # والويل لمن لا يتحرك قط. # وبلغت الذروة، # والويل الويل لمن يسقط. # وجلست على عرش القوة، # وصديقك باق في الهوة. # لكني أرجع لسؤالي: # أوصلت؟ فما معنى الكلمة؟ # ما الغاية منها؟ ما الحكمة؟ # المريض ~~: # غاظني ضحكه فقلت له: أهكذا تستقبلني في بيتك يا محمد؟ أما زلت ~~تحتقرني؟ # محمد ~~: # لم أحتقرك أبدا. # المريض ~~: # الشفقة نوع من الاحتقار. # محمد ~~: # ربما كنت أنت الذي تحتقرني وترثي لي. # المريض ~~: # نعم، أرثي لك. # محمد ~~: # لأنني ما زلت فقيرا؟ لأنني أسكن في نفس الحجرة في البدروم، وأعمل في نفس ~~الأرشيف في البدروم؟ # المريض ~~: # لأنك تظلم أولادك معك، تسكت على نفسك ولا تلجأ إلي. # محمد ~~: # ولماذا ألجأ إليك؟ كنت أراقبك فتزداد سعادتي بما أنا فيه. إنني أقرأ ~~وأكتب، أرسم وأسمع الموسيقى، أربي أولادي بشرف، وأنتظر الدرجة ms013 في شرف، ماذا ~~أريد من دنياي أكثر من هذا؟ # المريض ~~: # ونسيت طموحك القديم؟ نسيت طموحك النبيل؟ # محمد ~~: # لم أنس شيئا ... فعلت ما استطعت. # المريض ~~: # وأحلامك بالعدالة والحرية وبمستقبل البشرية؟ وتمردك وغضبك واستعدادك أن ~~تشنق في سبيل الإنسان؟ # محمد ~~: # عندما يطلبني الإنسان، سيجدني مستعدا لأن أشنق في سبيله. # المريض ~~: # وكتبك التي تؤلفها وتسهر فيها؟ # محمد ~~: # ها هي أمامك. # المريض ~~: # ولكنها مخطوطات، كل هذه المخطوطات ولم تفكر في نشرها؟ # محمد ~~: # عندما أحس أن الناس في حاجة إليها سأنشرها، أو ينشرها من يحتاجون إليها ~~بعد موتي. # المريض ~~: # وأحلامك؟ أين ذهبت أحلامك؟ # محمد ~~: # تقصد أحلامنا؟ # المريض ~~: # أنا حققت أحلامي. # محمد ~~: # نمت نوما سيئا، فرأيت أحلاما سيئة. # المريض ~~: # أتعود لاتهامي والحقد علي؟ ألا يكفيك أنها ماتت؟ # محمد ~~: # ولهذا لا أحقد عليك ولا أتهمك. # المريض ~~: # ولكنك تحتقرني وترثي لي. # محمد ~~: # ولا هذا أيضا، إنما أذكرك. # المريض ~~: # بأيام الفقر والجوع؟ # محمد ~~: # وأيام الحب والغضب والثورة على الفقر والجوع. تعال تعال، تذكر نفسك ~~الأخرى التي لم تحلم بالوصول. لم تفكر في الفيلا والمرسيدس والدرجة ~~والكرسي. # المريض ~~: # آه يا محمد! ما زلت قاسيا كما كنت. # محمد ~~: # لم أقس عليك أبدا. كانت لنا قيم قدسناها وأردنا لها أن تعيش، ~~تعاهدنا على الثورة في سبيلها والموت في سبيلها، وعندما كنت أراك تنحرف ~~عنها كنت أقسو عليك. # المريض ~~: # أذكر كيف شتمتني ولعنت أجدادي بسبب تلك المرأة البيضاء السمينة. # محمد ~~: # لأنني أردت ألا تمرغ حبك في الوحل. # المريض ~~: # نعم نعم، حبي لزينب. # محمد ~~: # كنت أعرف أن حبك الطاهر لها هو الذي سينقذك، وحكمت عليك بأن تمشي ~~على قدميك من الدراسة إلى العباسية وتحج إلى بيتها. # المريض ~~: # وطفت حوله سبع مرات. # محمد ~~: # وكفرت عن علاقتك بالحشاشة التي أغرتك بأن تتزوجها وتعمل ~~معها. # المريض ~~: # لا تقس عليها يا محمد، كانت طيبة القلب. أرادت أن تتزوجني على سنة الله ~~ورسوله. أتذكر يوم قالت لي: اترك الملعونة التي يسمونها الشيوعية وتعال ~~اعمل معي، ستأكل ذهبا؟ # محمد ~~: # وفضلت أن تجوع على أن تأكل ذهبا. # المريض ~~: # وجعت وتمردت في ms014 سبيل الحب. # محمد ~~: # وفي سبيل زينب . # المريض ~~: # زينب؟ نعم نعم. كانت جميلة كفينوس، شفافة كالملائكة في الفردوس، ولكن ما ~~الفائدة؟ لقد تزوجت بأخرى. # محمد ~~: # تزوجتها هي نفسها. # المريض ~~: # لا لا، لا تدنس ذكرى زينب القديمة. زوجتي الآن لا تفهمني، هي مثلك لا ~~ترحمني. # محمد ~~: # لأنك لم تشعر بوجودها، لم تشعر بوجود ابنتك. # المريض ~~: # تصور أنها تتهمني بقتلها! لا يمكن أن تكون هي زينب. # محمد ~~: # هي الحبيبة التي عبدتها وطفت حول بيتها. # المريض ~~: # تقدمت منه وحدقت في عينيه، صممت أن تنزل عليه الحقيقة كالصاعقة. ~~قلت له: لقد أحبتك أنت يا محمد! سألني وكأنه لا يعرف: أحبتني أنا؟ # المريض ~~: # وهجرتني بسببك. # محمد ~~: # ومتى كان هذا؟ # المريض ~~: # من عشر سنين، لا لا، ربما من عشرين. # محمد ~~: # ألم تسأل نفسك عن السبب؟ # المريض ~~: # قلت لك أنت السبب. بدأت ألاحظ أنها لا تكف عن ترديد اسمك. كلما عدت ~~في آخر الليل مهدودا من التعب تقول: ليتني تزوجت محمدا. وأقول لها: ألا ~~تخجلين من ذكر اسمه أمامي؟ فترد علي: بل أنت الذي تخجل منه. تثور عندما ~~يذكرك أحد بشبابه وأحلامه وحبه القديم. حتى بعد أن بنيت لها الفيلا على ~~شاطئ النيل واشتريت لها العربة ظلت تحلم بالحياة معك. وبعد أن أنجبنا ~~«أحلام» لم تتورع عن الكلام عنك وإلقاء سمومها في وجهي: لو كنت محمد ~~دربالة لاهتممت بها ورعيتها. وأصرخ في وجهها: لمن أتعب وأشقى إلا لها ~~ولك؟ لمن بنيت الفيلا؟ فتواصل كالنمرة المفترسة: كنت سعيدة ~~معه في حجرته المظلمة. وأصيح من جديد: في ~~ذلك القبر؟ فتثبت عينيها في: كانت الحياة فيها جنة. كنا سعداء ومستورين. ~~وتركتني يا محمد بعد أن ماتت أحلام. # محمد ~~: # إلى أين تركتك؟ # المريض ~~: # ثرت عليه ومددت يدي أريد أن أصفعه. صحت في ثورة عارمة: تسألني إلى ~~أين؟ هجرتني وجاءت إليك، فضلت أن تعيش معك في هذا القبر. أجاب وهو ~~يبتسم في سخرية. # محمد ~~: # ألم تقل إنه جنة؟ # المريض ~~: # هي التي قالت هذا. هي التي فضلت الحياة في جنتك الرطبة المظلمة على ~~الحياة ms015 في الفيلا. هي التي هجرتني وجاءت إلى هذا القبر. لمعت ابتسامته ~~على فمه كأنها عين ثعبان لئيم. # محمد ~~: # ليس قبرا يا محمد ما دام الحب والشرف يسكنان فيه. # المريض ~~: # صحت غاضبا القبر قبر ولا يمكن أن يكون جنة. ابتسم ولمعت السخرية على ~~فمه كالسم: بل هو الجنة يا محمد. ما دامت السعادة ترفرف عليه. رفعت صوتي ~~وناديت: يا زينب! هل أنت سعيدة معه يا زينب؟ هل أنت سعيدة في هذا القبر؟ ~~قال في هدوء: لا ترفع صوتك هكذا. لن ترد عليك. # صحت ولماذا لا ترد علي؟ # قال وابتسامة السخرية تتسع كبركة ماء آسن: لأنها تخجل أن تراني معك. ~~نزل علي قوله كالصاعقة: تخجل أن تراني معك؟ وأولادك؟ # عاد يبتسم في هدوء ~~: يخجلون أن يروك ~~معي. # المريض ~~: # إلى هذا الحد يا محمد؟ تخجلون مني أنا؟ تطردونني من جنتكم؟ # محمد ~~: # الانتهازيون لا يدخلون الجنة. # المريض ~~: # بكيت وسقطت على قدمي. لا تكن قاسيا يا محمد. حتى إبليس يعفو الله عنه ~~وأنت لا تعفو. # محمد ~~: # الانتهازيون لا يدخلون الجنة. # المريض ~~: # تطردني وتخجل مني؟ تطردني وتخجل مني؟ # محمد ~~: # اذهب يا محمد دربالة، اذهب وطهر ثوبك، اذهب، اذهب، اذهب. # 5 # الطبيب ~~: # وماذا بعد؟ # المريض ~~: # وجدتني وحيدا في الشارع، غريبا في الحي الذي احتضن أيام شبابي، مطرودا ~~من الحجرة التي جعت فيها وتمردت وأحببت. # الطبيب ~~: # تقصد من الجنة؟ # المريض ~~: # نعم نعم، تلك المغارة الرطبة بدت لي كأنها الجنة، ولكن رضوان وقف على بابها ~~كالجلاد القاسي. # الطبيب ~~: # رضوان؟ # المريض ~~: # أقصد محمد دربالة، هذا الموظف الحقير درجة خامسة، هذا الفقير الفظ يطرد ~~وكيل الوزارة. والذي أغاظني أكثر ... # الطبيب ~~: # ماذا؟ # المريض ~~: # أن أولاده وزوجته رفضوا أن يسلموا ~~علي، أن زينب خجلت من أن تراه معي! # الطبيب ~~: # زينب الجميلة كفينوس، الشفافة كالملائكة في الفردوس؟ # المريض ~~: # نعم هي، لقد تركتني وتزوجته. # الطبيب ~~: # هل كنت نسيت هذا؟ هل تذكرته فجأة؟ # المريض ~~: # بل كنت أعرفه؛ ولهذا تناسيته متعمدا. ~~قررت بيني وبين نفسي أنهما قد ماتا إلى الأبد. صممت أن أتركهما في الوحل ~~وأصعد بجهدي ms016 وعرقي إلى النجوم. اندفعت في طريق المجد وتركتهما ورائي في ~~الغبار والضباب. كنت أريد أن أحطم صنم غرورهما. # الطبيب ~~: # وغاظك أنه لم يتحطم. # المريض ~~: # هذان التعيسان، بقيا على غرورهما الكاذب، فضلا الحياة في الوحل والظلام ~~وتصورا أنهما في الجنة. # الطبيب ~~: # وزرته بعد ثلاثين سنة فطردك منها. # المريض ~~: # الحسود الحقير، ظل يلاحقني كالكلب المسعور بشتائمه. # الطبيب ~~: # ووجدت نفسك تقف وحيدا في الخلاء. # المريض ~~: # آه! إنك لا تدري ماذا جرى لي في هذه الليلة. # الممرضون ~~: # طرد الشيطان من الجنة. # يا للكارثة ويا للمحنة! # المريض ~~: # أنا الشيطان أم هو؟ حتى الشيطان يمكنه ~~أيضا أن يبكي. # الطبيب ~~: # كنت حزينا؟ # المريض ~~: # الحزن لا يكفي، سمها الزلزلة أو الصاعقة. أحسست كأني أتعرى في ~~الشارع. # الممرضون ~~: # من ثوبك المستورد البديع # من عرشك المنمق الرفيع. # الطبيب ~~: # أرجوكم. # المريض ~~: # لو كنتم معي لوقفتم بجانبي في تلك الليلة. # الطبيب ~~: # أكمل، كنت وحيدا. # المريض ~~: # عاريا من كل شيء؛ المنصب سقط مني، الفيلا تداعت وأصبحت حطاما. أنوار ~~المجد انطفأت، والمرسيدس بدت كعربة كارو يسوقها حصان عجوز أجرب. وملت على ~~جدار جامع الحسين وأخذت أبكي وأنادي ابنتي. # الطبيب ~~: # تناديها؟ ألم تكن تعرف أنها ماتت؟ # المريض ~~: # لا لا، كان العالم كله قد مات، إلا ابنتي، هي الوحيدة التي استجابت لندائي؛ ~~هي الوحيدة التي هرعت إلي ... تقدمت نحوي في ثوبها الأبيض المرصع بالذهب ~~وهي تقول: أبي، تعال يا أبي. ~~(يبكي.) # الطبيب ~~: # لا تبك، أرجوك تماسك ولا تبك. # الممرضون ~~: # ها أنت وحيد ضائع، # مع فيلتك وعربتك وزيف المجد الخادع، # ترقص مذبوحا وسط الشارع، # كمهرج سيرك يقف على جثمان ابنته، # يندب بالصوت الدامع. # نهاز الفرص البارع، # ذئب مسعور جائع، # اختلط الأمر عليه، # فحسب الطمع طموحا، # والجشع كفاحا، # وتسلل كالثعبان إلى العش الهاجع، # وجد الرزق متاحا؛ # قطعا من لحم الفقراء، # ومزقا من ثوب الفقراء، # وبقايا عفن سماه نجاحا. # نهاز الفرص البارع، # ذئب مسعور جائع. # ها أنت وحيد ضائع، # ها أنت وحيد ضائع. # الطبيب ~~: # بكيت كثيرا. # المريض ~~: # ككلب مريض يستند إلى جدار وينتظر الموت. # الطبيب ~~: # الدموع جسر ينقلك إلى ms017 بر الشفاء. # المريض ~~: # حذار أن تعود لاتهامي بالجنون! # الطبيب ~~: # إنني طبيب. # المريض ~~: # هم الذين أوحوا إليك بهذا، هم الذين تآمروا علي. إنني وحيد يا ~~دكتور. # الطبيب ~~: # لست وحيدا. إنهما معنا الآن. # المريض ~~: # من؟ الذين تآمروا علي؟ # الطبيب ~~: # لم يتآمر أحد عليك. # المريض ~~: # بالطبع يا دكتور، محمد دربالة يتهمني بقتل ابنتي. # الطبيب ~~: # أنت محمد دربالة. # الممرضون ~~: # أنت محمد دربالة. # المريض ~~: # إنه يتهمني بقتل ابنتي. # الممرضون ~~: # لم يقتلها غيرك. # المريض ~~: # أنا أقتل ابنتي؟ كيف تصدقونه؟ إنه يحسدني ويحقد علي. # الممرضون ~~: # لم يحسده ولا حقد عليه سواك. # المريض ~~: # أنا أحسد هذا الحقير؟ موظف الدرجة الخامسة؟ الجثة المتعفنة كالضفدعة ~~الغبية. # ثلاثون سنة في الأرشيف؟ # الممرضون ~~: # أنت محمد دربالة، # أنت الجثة والضفدع، # كنت ربيب الأرشيف، # وكنت الوحل، المستنقع. # المريض ~~: # وخرجت منه بعزيمتي. بهمتي طفوت على السطح، صعدت القمة وتركت محمد ~~دربالة في السفح. # الممرضون ~~: # أنت محمد دربالة، # ومحمد دربالة هو أنت. # المريض ~~: # مستحيل، مستحيل، قل لهم أيها الطبيب. # الممرضون ~~: # وطبيبك يعرفك الآن، # ويعلم أنك حين سرقت السلم وتسلقت، # وتوهمت بأنك فوق القمم جلست، # وللمجد وصلت، # قد خنت محمد دربالة. # المريض ~~: # أنا لم أخن أحدا. # الممرضون ~~: # نفسك خنت، # نفسك خنت. # المريض ~~: # ساعدني يا دكتور، مساعدوك تخلوا عني. # الممرضون ~~: # أنت الآن وحيد ضائع، # أنت الآن وحيد ضائع. # الطبيب ~~: # لا ليس وحيدا، ها هي زينب. # المريض ~~: # زينب ماتت، ماتت عندما تركتني وتزوجت محمد دربالة. # الممرضون ~~: # الصمت الصمت، # يموت الموت، # وحبك لا يعرف طعم الموت. # المريض ~~: # زينب ماتت. # زينب ~~(تظهر بجوار الطبيب) ~~: # لم أمت يا محمد، أنا زوجتك. # المريض ~~: # أنت زينب أخرى، قتلتني واتهمتني بالقتل والجنون. # زينب ~~: # أنا حبيبتك. # الممرضون ~~: # جميلة كأنها فينوس، شفافة كأنها الملاك في الفردوس. # المريض ~~: # لا لا، قلت لكم لقد تركتني وتزوجت محمد دربالة. # الممرضون ~~: # أنت محمد دربالة، # زينب لم تتركك ولم تتزوج دربالة، # هي هي تقف أمامك. # تدعوك: تعال، تعال. # المريض ~~: # محمد دربالة هناك، في حجرته المظلمة في الحسين. # زينب ~~: # ليتنا بقينا فيها، هل تذكر أيامنا الأولى؟ كنا مستورين كأنا في ~~الجنة. # المريض ~~: # سمعتم؟ ms018 وأنا أخرجتها من جنتها لتحيا في جحيم الفيلا على شاطئ النيل؛ ولهذا ~~تركتني وذهبت إليه. # زينب ~~: # لم أتركك ولم أذهب إليه. # المريض ~~: # وتذكرين؟ ذهبت إليه وخلفت منه عشرة أولاد وخمس بنات. # زينب ~~: # لم نخلف إلا بنتا واحدة يا محمد، وابنتنا ~~(تبكي) ~~. # المريض ~~: # قوليها، أنا الذي قتلتها؟ # زينب ~~: # تأخرت عليها بالدواء. # المريض ~~: # نفس القصة، ماتت وهي تنادي بابا، تعال يا بابا. # زينب ~~: # طالما نادت عليك، طالما اشتاق صدرها لحنانك، وعندما اشتدت عليها الحمى ~~... # المريض ~~: # وهل أنا طبيب؟ هل كنت في علم الغيب؟ ألم أفعل كل شيء من أجلها؟ هل تعبت إلا ~~لإسعادها؟ # زينب ~~: # وسعادتها بك، هل فكرت فيها؟ # المريض ~~: # والمبلغ المحترم في البنك بعد وفاتي؟ والمركز والمنصب والسمعة؟ ألم تكن ~~لإسعادها؟ # زينب ~~: # لا تساوي قبلة على وجهها، بسمة على فمها، ومرور يديك على شعرها ورأسها ~~قبل أن تنام. # المريض ~~: # أحلام نساء، تريد أن أتركها للكلاب تنهشها، للمستقبل المجهول يفترسها، ~~تريد أن أجلس في البيت لأداعبها. # زينب ~~: # كنت دائما مشغولا عنا، هل رأيتني لحظة واحدة؟ هل لاحظت المرأة التي ~~في نفسي وجسدي؟ هل نظرت في المرآة لترى الشخص الآخر الذي يأكل وينام ~~معي. # المريض ~~: # لهذا تخليت عنه؟ # زينب ~~: # نعم، ذهبت لمحمد دربالة الذي أحببته وأحبني عندما كنا في حجرتنا المظلمة ~~في الحسين، لموظف الأرشيف الذي عشت معه تحت سقف الستر والشرف. # المريض ~~: # سمعتم؟ تعترف بخيانتها، بعظمة لسانها تقول إنها تركتني. # زينب ~~: # بعد أن تركتنا أنا وابنتي ورحت تلهث وراء الدرجة والفيلا ~~والمرسيدس. # المريض ~~: # نفس كلام محمد دربالة. # زينب ~~: # أرأيت؟ أنت تتهم نفسك بنفسك. محمد دربالة خان محمد دربالة. كل شيء تغير ~~فيك، نظرة عينيك وحركة شفتيك، وجهك تغير من كثرة الخطوط التي حفرها ~~عليه التعب والخوف، والقلق والأرق، حتى جسدك لم أعد أعرفه من كثرة الانحناء ~~والركوع. # المريض ~~: # ولماذا لا تقولين من شدة الجهد والتعب. قضى علي المجتمع بالسقوط في ~~الحضيض. لكنني تحديته وارتفعت بكفاحي إلى السماء، أصبحت غولا لكي ~~أحميكما من الغيلان. # الممرضون ~~: # حجة كل الأبطال بهذا العصر وكل الفرسان؛ # ولهذا ms019 صار المجتمع بفضلك، # أنت وأمثالك غابة غيلان . # وتوارى عنه الفرسان. # زينب ~~: # ولهذا لم تنشغل عنا وحدنا، حتى أمك. # المريض ~~: # أمي؟ # زينب ~~: # نعم أمك، كانت في القرية تحتضر وأنت مشغول عنها. # المريض ~~: # أرسلت إليها كل شهر ما يكفيها، كلفت أحسن الأطباء بعلاجها. # زينب ~~: # وماتت وهي تنادي باسمك. # المريض ~~: # هل قصرت أبدا في حقها؟ هل بخلت عليها بشيء؟ # زينب ~~: # قصرت في أهم شيء، في نفسك. # المريض ~~: # عملت لها مأتما لم تشهده البلد كلها، أحضرت لها أعظم ~~المقرئين. # زينب ~~: # كانت تريد ابنها ولا تريد ماله. ماتت وهي تردد اسمك. كما ماتت أحلام، ~~كما ماتت أحلام ~~(تبكي) ~~. # المريض ~~: # نفس كلام محمد دربالة. # الممرضون ~~: # أنت محمد دربالة. # المريض ~~: # لقد تآمر مع زوجته علي. # الممرضون ~~: # زوجته هي زوجتك حبيبة عمرك. # المريض ~~: # لا لا، إنهما يتآمران علي، كلكم تتآمرون علي. إنني وحيد، وحيد. # الطبيب ~~: # ابك فإن دموعك هي جسر شفائك. # المريض ~~: # وأنتم أيضا؟ ألم يبق لي أحد؟ # الطبيب ~~: # يبقى أن تعرف نفسك. # الممرضون ~~: # تعرف سر دوائك، # أنت محمد دربالة، # فاعلم أن رداء الشرف، # على كتفيه نفس ردائك. # زينب هي زوجتك، حبيبة عمرك، # قبلة أملك ورجائك. # المريض ~~: # زينب تركتني، تركتني. # الطبيب والممرضون ~~: # تركت كلب السلطة والسلطان لترجع للإنسان. # وتخلت عن جنتك الزائفة؛ # لتسقط في نيران الأحزان. # المريض ~~: # أنتم ضدي، هذا حكم بالإعدام. # الطبيب والممرضون ~~: # لسنا بقضاتك، نحن شهود عيان. # لا شأن لنا بالحكم أو الأحكام. # المريض ~~: # الكل تخلى عني. لم تبق سوى أحلام. # الطبيب والممرضون ~~: # أحلام، في القبر الآن. # المريض ~~: # بل في الجنة، يا أحلام، يا أحلام. # الطبيب والممرضون ~~: # ارجع يا مسكين. # الزوجة ~~: # ارجع لحبيبة عمرك. # المريض ~~: # عودي أنت إليه. # الزوجة ~~: # قلبي هو نفس القلب، # وفي لك وأمين، # تعال، تعال. # المريض ~~: # هي تدعوني. # الزوجة ~~: # ردوه، ردوا العقل إليه. # مدوا جسرا ليسير عليه. # لا تدعوه يسقط منكم في جوف الموج. # هل قضي علي بموت الابنة وجنون الزوج؟ ... # المريض ~~: # أحلام تنادي. # الطبيب والممرضون ~~: # ارجع يا مسكين، ارجع يا مسكين. # المريض ~~: # أحلام، أحلام. # 6 ~~(تظهر الرؤيا التي عرفناها في المشهد الثاني. ms020 النور الأخضر الشاحب ~~يغمر المكان، الملاك الأسود الصامت يسحب «أحلام» من يدها، والممرضون في ثياب بيض ~~وأجنحة ملائكة يزفونها، إلى اليمين باب الجنة، تحيط به جوقة ملائكة في صورة ~~أطفال مجنحين مكللين بالزهور، أما في عمق المسرح فيبدو الطبيب والزوجة كأنهما ~~شبحان في الظلام.) # المريض ~~: # إلى أين تذهبين يا أحلام؟ # أحلام ~~: # الله دعاني، # لبيت الدعوة. # والملك الحاني، # يعبر بي الهوة. # المريض ~~: # انتظريني يا حبيبتي. # الممرضون ~~: # انتظرتك طويلا وتأخرت # راحت تحتضر وفات الوقت. # المريض ~~: # تأخرت يا حبيبتي، لم يكن الأمر في يدي. # الممرضون ~~: # نادت باسمك حتى اختنق الصوت، # نادت فأجاب الموت، # ورد الصمت. # المريض ~~: # وأحضرت الدواء معي. # الممرضون ~~: # لكن بعد فوات الوقت، بعد فوات الوقت. # المريض ~~: # والعروس يا حبيبتي، العروس الجميلة لم أنسها. # أحلام ~~: # ها هي يا أبي، تعال العب معي. # المريض ~~: # مدي ذراعيك يا حبيبتي. # أحلام ~~: # تعال يا أبي. # المريض ~~: # خذي بيدي. # أحلام ~~: # ساعده أيها الملاك. ~~(الملاك الأسود ينظر إليه في صمت.) # الممرضون ~~: # مثلك لا يدخل من باب الجنة. # طهر ثوبك، طهر قلبك؛ # فلعلك تجتاز المحنة. # المريض ~~: # أرجوكم، دعوها تساعدني. # الممرضون ~~: # لا تستطيع، لا تستطيع. # المريض ~~: # إنني أتألم يا حبيبتي. # أحلام ~~: # أيا حبيب روحي، # فراشتي تطير، # للنار أو للنور، # في صدرك الجريح. # المريض ~~: # ساعديني يا حبيبتي. # أحلام ~~: # لا تبك يا أبي، # فإنني فداك. # غدا سنلتقي، # موعدنا هناك. # المريض ~~: # الجرح عميق يا ابنتي. # أحلام ~~: # ستسكت الجراح، # وينطفي الحريق. # وزهرة الصباح، # تضيء لي الطريق. # المريض ~~: # طريقي مظلم يا حبيبتي. # أحلام ~~: # ودموعي ستضيء طريقك. # المريض ~~: # ذنبي أكبر من أن يغفر. # أحلام ~~: # غفراني أكبر من ذنبك. # المريض ~~: # إن أنت عفوت فهل يعفون؟ # أحلام ~~: # باب الجنة أوسع مما يدرون. # المريض ~~: # باب الجنة؟ # الممرضون ~~: # لا يتسع لمثلك يا ملعون. # المريض ~~: # سمعت؟ # أحلام ~~: # وشل الخوف جناني، # شل عيوني، # لم تقسون عليه، # وتسدون الباب، # وتتجنون؟ # يا أبت، كفكف دمعك. # الممرضون ~~: # طهر ثوبك يا مسكين، # واغسل بدموعك رجس سنين، # لن نغفر ذنبك نحن، # فهل تغفره أرض الوادي؟ # هل يغفره ماء النيل، العشب، الطين؟ # بنيت الفيللا، هل فكرت، # فيمن يسكن ms021 وسط الأموات؟ # وتسلقت على الأعناق، نهبت الفرص، # وفي رأسك أحلام المجد، # وفي جيبك دفتر شيكات، # ونسيت ألوف المحرومين من الأقوات، # ألوف حفاة وعراة، # إلا من حظ الأموات. # عشت لنفسك والنفس، # إذا لم تحي لغيرك، قبر وجحيم. # وظننت بأنك حلقت من الوحل إلى الأنجم، # لم تدر بأنك في الوحل مقيم. # طهر قلبك يا مسكين، # واغسل ثوبك بدموع العين، # لعلك تغسل رجس سنين. # أحلام ~~: # يا أبتي طهر ثوبك. # الممرضون ~~: # كفر ذنبك. # أحلام ~~: # والله غفور يا أبت، حنون. # الممرضون ~~: # سنسوق ابنتك إلى الجنة. # أحلام ~~: # وغدا ألقاك، ويهنأ قلب محزون. # الممرضون ~~: # لن يدخلها نهاز الفرص لعين، # لن يدخلها غير شريف ونزيه وأمين. # أحلام ~~: # يا أبت وداعا، # ها أنا ذا أسبقك إليها. # المريض ~~: # هذا يكفيني. ~~(الممرضون يلتفون حول الصبية ويغنون): # تقدمي يا صغيرة، # كنجمة أو أميرة، # على جناحي ملاك، # تزفك الأفلاك. # أحلام ~~: # يا أبت، وداعا، # لا تتأخر. # المريض ~~: # لن أتأخر، # لن يشغلني شيء عنك. # أحلام ~~: # يا أبت، سلاما. # المريض ~~: # لا تنسيني # لا تنسيني. ~~(الممرضون والجوقة من الأطفال الملائكة يحيطون بها. تتقدمهم ~~إلى الباب الذي يفتح للموكب الجميل بينما تغني.) # أحلام ~~: # الله دعاني # لبيت الدعوة # والملك الحاني # يعبر بي الهوة # الجميع ~~: # ستدخلين الحديقة # تحفك الأنغام # وتعرفين الحقيقة # وتقرئين السلام # على الزهور الرقيقة # والفجر والأنسام # أحلام ~~: # يا أبت، وداعا، # لا تنس الموعد. # المريض ~~: # لا، لن أتأخر، # فامضي بسلام، # هذا يكفيني. # الممرضون ~~(يلتفتون إليه قبل أن يغيبوا وراء الباب) ~~: # طهر قلبك، # كفر ذنبك، # رد الدين، # واغسل ثوبك، # يا مسكين بدمع العين. # أحلام ~~(هي تختفي وراء الباب) ~~: # يا أبت، وداعا. # المريض ~~(وهو ينشج) ~~: # سأطهر قلبي، # وسأغسل ثوبي، # فامضي بسلام، # امضي بسلام، # هذا يكفيني. # أحلام ~~: # يا أبت، وداعا. # المريض ~~: # لا، لا تنسيني، # لا، لا تنسيني. # الموكب ~~: # تقدمي يا صغيرة، # كنجمة أو أميرة، # على جناحي ملاك، # تزفك الأفلاك. ~~(بينما تتردد أنغام الأغنية الأخيرة يتقدم الطبيب والزوجة إلى ~~النور، ينحنيان على المريض ويمدان إليه أيديهما. ينهض في هدوء ويسلم إليهما ~~يديه ويمضي الجميع ليختفوا في قاع المسرح وتسدل الستار.) # 1982م # | الموت والمدينة ms022 # مسرحية في مشهدين # الشخصيات # الراوية. # الشبح. # الملك. # الكاهن. # القائد . # الوزير. # الكاتب. # الحكيم. # المتعب من الحياة. # رسول من ملك الهكسوس. # حراس. # أفراد من الشعب. # أصوات. ~~(تقوم هذه المسرحية على قصة مصرية قديمة هي قصة «الشبح». وتروي عن ملك عجوز تطارده ~~وتؤرق نومه روح ميت تهدم قبره ولا تهدأ حتى يأمر الملك ببناء قبر جديد له (انظر ~~كتاب «روايات وقصص مصرية»، ترجمها إلى الفرنسية جوستاف لوفيفر وإلى العربية الدكتور علي ~~حافظ). أما قصة ملك الهكسوس المتبجح - الذي تزعجه أصوات أفراس البحر في طيبة بينما هو ~~في شرق الدلتا! - فهي أشهر من أن تذكر، وأما الأشعار المنبثة في المسرحية فقد ~~استوحيت بعضها من «نذر أيب أور» وبعضها الآخر من حديث متعب من الحياة مع نفسه - في ~~ترجمتي أرمان وفوكنر - وكلاهما من أروع نصوص الأدب المصري القديم، وكنت قد قرأت نص ~~حديث المتعب في أصله الهيروغليفي قبل أكثر من عشرين عاما. كتبت المسرحية بعد نكسة 1967م ~~وقامت بتمثيلها فرقة المسرح الوطني ببنغازي وبعض فرق الهواة من جامعات الأزهر والمنصورة ~~والثقافة الجماهيرية ببورسعيد وكلية الآثار، كما أذيعت من البرنامج الثاني بإذاعة القاهرة ~~من إخراج الأستاذ هلال أبو عامر.) # المشهد الأول ~~(قاعة العرش والعدالة في قصر فرعون العجوز. إلى الخلف شرفة كبيرة ~~بابها مفتوح. يدخل الراوية في الظلام يقف في مقدمة المسرح ويسلط عليه الضوء. يلاحظ ~~أن الشبح لا يراه طوال المسرحية إلا الملك ولا يكلم أحدا سواه.) # الراوية ~~: # في أوقات المحن والأزمات، # وحين تتكاثر على الناس الظلمات، # ويبتعد النور ويغيب، # يتلفت القلب للتاريخ، # تقلب اليد أوراقه وسجلاته، # يحس دبيبه في قطرات دمه، # يشعر بعبئه فوق كاهله، # يقول: آه! ماذا فعل أجدادي؟ # وإذا رأى أنهم كانوا عاجزين، # يسأل نفسه: لماذا عجز الأجداد؟ # ونحن قد بحثنا كثيرا في الأوراق والنقوش والسجلات؛ # فقفز أمامنا ملك عجوز، # والقفز هنا من قبيل المبالغة والتهويل؛ # فهو في الحقيقة شيخ مريض مسكين # يعجز حتى عن تحريك إصبعه، # ينام على نفسه بالليل والنهار، # وإذا صحا فلكي يسأل: ما العمل يا أولادي؟ # ثم يعود ms023 للنوم أو للموت من جديد. # يقال إنه حكم أربعا وتسعين سنة، # وهذا أيضا، كما ترون، من قبيل المبالغة والتهويل، # على أن هذا كما قلنا لكم تاريخ قديم، # فلا تحكموا عليه بميزان العقل والتفكير، # بل عيشوا لحظة في جنة الخرافات والأساطير، # وشاهدوا ذلك الملك المسكين، # وارثوا له إن شئتم أو اضحكوا عليه؛ # لأنه سيظهر لكم بنفسه بعد قليل. ~~(ينحني الراوية معتذرا ويختفي.) ~~(بينما يدخل الملك العجوز وهو يجري مذعورا.) # الملك ~~: # الشبح عاد، الروح يطاردني، أيقظني من النوم وجرى ورائي، ها هو يتبعني، ها ~~هو يتقدم ويبتسم ويضحك، أنقذوني يا أولادي، أين أنتم يا حراس، يا ~~حراس؟ # الحارس ~~: # مولاي ينادي؟ # الملك ~~: # مولاك يصيح يا ولدي، مولاك يستغيث. # الحارس ~~(متثائبا) ~~: # ادع الآلهة يا مولاي. # الملك ~~: # ادعها أنت يا ولدي، اطلب منها الحماية والأمان لمولاك. # الحارس ~~: # أيها الإله رع، أيها الإله بتاح، يا كبير الآلهة آمون ... # الملك ~~: # ألم يتزحزح من مكانه؟! # الحارس ~~: # من يا مولاي؟ # الملك ~~: # ألا تراه، أيمكن أن يضحك ولا تسمعه؟ # الحارس ~~: # أيها الآلهة العظام، رع وآمون ... # الملك ~~: # كفى كفى، اذهب ونادهم، قل لهم يحضروا جميعا. # الحارس ~~: # من يا مولاي؟ من الذي تريده جلالتك الملكية؟ # الملك ~~: # أيها الغبي، إنك تنام فكيف توقظ النيام؟ اذهب ونادهم جميعا، أفزعهم ~~وهزهم من أكتافهم. قل لهم مولاك ينتفض ويرتعش ويصيح. # قل لهم: عاد يطارده من جديد. قل لهم. # الحارس ~~(متثائبا) ~~: # ولكن هل يتكرم مولاي ويقول لي من هم؟ # الملك ~~(صارخا) ~~: # حرسي وحاشيتي يا غبي، الكاهن والوزير، والقائد، والكاتب، هيا، ~~هيا. ~~(يذهب الحارس متباطئا وهو يهز رأسه تعجبا.) # الملك ~~: # ما زلت تقف هناك وتبتسم. ماذا تريد؟ هل أقذف بنفسي من الشرفة؟ هل يرضيك أن ~~تبقى البلاد بلا راع؟ تكلم. اصرخ في أذني قبل أن يأتوا. قل أي شيء، اطلب ~~من تشاء، من أين أتيت؟ عم تبحث؟ ماذا يرضيك؟ في كل ليلة تفزعني. ~~ألا ترى ضعفي؟ ألا ترحم شيخوختي؟ ألا تعلم أنني أحكم البلاد؟ ~~(الشبح يبتسم من بعيد ويقترب منه) # أرجوك، ابتسم ~~كما تحب ولكن لا تقترب مني، ms024 تسعون سنة وأنا أحكم البلاد، أتبتسم أيضا؟ ألا ~~يرضيك هذا العدد؟ ألا تقول كلمة واحدة؟ أتريد أن تتكلم أمامهم؟ هل تخشى أن ~~أكون قد أصبت بالصمم؟ هل تصدق أنني لا أحرك حتى إصبعي؟ تكلم. ~~تكلم. لا تنس أنني فرعون. لا تنس أن لدي القوة والرهبة والجلال، حتى ~~ولو كنت في التابوت، أما زلت تبتسم؟ ها هي خطواتهم قادمة، أتوسل ~~إليك. ~~(يدخل الكاهن الأكبر، يتبعه بعد قليل الوزير فالقائد. يرتبون ~~ملابسهم بسرعة أو يمسحون عيونهم أو يسوون شعورهم - فيما عدا الكاهن الأصلع ~~بالطبع - من أثر النوم.) # الملك ~~: # ها هم قد جاءوا. # الكاهن ~~: # مولاي الملك العظيم. # الملك ~~: # مولاك مسكين، مولاك مطارد. # القائد ~~(يدخل مسرعا) ~~: # من يجرؤ أن يطارد مولاي؟ أليس في القصر حراس؟ أليست معهم خناجر ~~وسيوف؟ # الوزير ~~(مسرعا) ~~: # تكلم يا مولاي، أين هم الأعداء؟ # الملك ~~: # لا لا. لا تقولوا هذا، أخفوا الخناجر والسيوف. اخفضوا أصواتكم. # الكاتب ~~(مسرعا بدفاتره وأوراقه) ~~: # ها أنا قد جئت يا مولاي، معي الدفاتر والوثائق والسجلات، ومعي الريشة ~~والمحبرة والأقلام. أمل علي وليسجل التاريخ. # الملك ~~: # إنه يقف هناك. # الجميع ~~: # أين يا مولاي؟ # الملك ~~: # ألا ترونه؟ ألا تخيفكم ابتسامته؟ ألم يطاردكم أيضا في الليل؟ ألم ~~يهزكم من النوم؟ # الجميع ~~: # نحن لا نرى شيئا يا مولاي، لكن عينكم الملكية ... # الملك ~~: # عيني الملكية؟ أيمكن أن تبصر ما لا تبصرون؟ تكلموا إليه يا أولادي، ~~تكلموا. # الجميع ~~: # ماذا نقول يا مولاي؟ # الملك ~~: # اسألوه ماذا يريد؟ لماذا يفزع مولاكم العجوز؟ # الجميع ~~: # تكلم، تكلم ~~(يذهب كل في ~~اتجاه) ~~. # الملك ~~: # هنا هنا، ها هو أمامي، ما يزال يبتسم. # الجميع ~~: # قل ماذا تريد؟ # الملك ~~: # تكلم أيها الروح الجليل، قل للكاهن: ماذا تريد؟ # الكاهن ~~(يتقدم إليه ولا يراه) ~~: # أخبرني: ماذا تريد؟ لماذا خرجت من قبرك المقدس؟ من أنت حتى أقدم ~~باسمك قربانا للآلهة وأعمل كل ما يجب علي. ألا تريد قربانا باسمك؟ باسم ~~أبويك العظيمين؟ # الملك ~~: # إنه يهز رأسه، تكلم تكلم. # الكاهن ~~: # أنا على استعداد لتنفيذ رغبتك، أقسم بآلهة السماء والأرض، والشرق ~~والغرب، والجنوب والشمال، قل لي أين ms025 تقع مقبرتك. سأعمل على تجديدها. سآمر لك ~~بتابوت جديد. لن تحتمل برد الشتاء إن كنت عاريا، وإذا جعت فلن تحرم من ~~الخبز والنبيذ. # الملك ~~: # ما يزال يهز رأسه، استمر، استمر. # الكاهن ~~: # لا تجعل قلبي يضطرب كالنيل في الفيضان. هل يرضيك أن أصوم عن الأكل والشرب؟ ~~إن لم تتكلم فلن أبصر أشعة الشمس ولن أتنسم نسيم الشمال. ما دمت أيها ~~الروح تأتي كل يوم ومعك الظلمات. # الملك ~~: # أرجوك، قل لهم: من أنت؟ # الوزير ~~: # أكنت رئيسا لخزائن الملك؟ # القائد ~~: # أم أميرا للجيش؟ # الوزير ~~: # أم رئيسا للديوان؟ # الكاتب ~~: # أم الكاتب الأول لفرعون؟ # الكاهن ~~: # ألم تمنح أوعية التحنيط الأربعة؟ ألم يضعوك في النعش المصنوع من الرخام ~~الأبيض؟ ألم تدفن في قبر مذهب الأبواب والجدران؟ # الملك ~~: # تكلم تكلم. هل تهدم القبر وانهار؟ هل أصبحت الرياح تهب ~~داخله؟ # الوزير ~~: # أقسم أنني سأعيد بناءه. # الكاهن ~~: # وسأجعل لك خمسة عبيد من الرجال وخمسا من النساء. # الوزير ~~: # ليصبوا لك الماء ويقدموا لك زكيبة قمح كل يوم. # الكاهن ~~: # ومن أجلك سنقدم القرابين ونريق الخمر والماء. # الكاتب ~~: # كلمني عن اسم أبيك وأمك العظيمين. الوثائق معي والسجلات. # الوزير ~~: # أو اسم أولادك وأحفادك. أقسم لك أن أعينهم في أعلى المناصب ~~وأعفيهم من الضرائب والرسوم. # القائد ~~: # وسآمر لكل منهم بخنجر من الذهب وسيف من البرونز، وسيذهبون معي لتأديب ~~البدو في الصحراء ~~(الشبح يبتسم) ~~. # الملك ~~: # ما زال يبتسم، بل إن ابتسامته تتسع. # الجميع ~~: # تكلم تكلم أيها الروح العظيم. # نتضرع إليك باسم الآلهة المقدسين، # وباسم هذا الملك الشيخ الجليل. # سيصعد الرجال بقارب في النيل نحو الشمال، # وسيبحثون عن المكان العظيم، # الذي ستخلد فيه أيها الروح. # الملك ~~: # شكرا يا أولادي. ها هو يفتح فمه. # الجميع ~~: # ماذا يقول؟ ماذا يقول؟ # الملك ~~: # أنصتوا. تكلم أيها الروح، لم جئت من بلد الموت؟ # الروح ~~: # عليك أن تحسن السؤال؟ # الملك ~~: # وماذا أقول؟ ماذا أقول؟ # الروح ~~: # تقول: لم جئت إلى بلد الموت والأموات؟ # الملك ~~: # بلد الموت والأموات؟ أين هي أيها الروح؟ من هم؟ # الروح ~~: # تحت أقدامك، أمام عينيك، في كل مكان. # الملك ~~: # لا ms026 أفهم أيها الروح. ما اسم هذه البلد؟ صفها لي. # الروح ~~: # هي البلد التي يحكمها الموت. # الملك ~~: # ألا تفسر كلامك أيها الروح؟ أهناك حاكم غيري؟ ~~(الروح يبتسم.) # الملك ~~: # عدت للابتسام. ~~(الروح يضحك.) # الملك ~~: # وتضحك أيضا؟ # الجميع ~~: # نحن لا نسمع الضحك ولا نرى الابتسام. # ليته يتكلم لنعرف ما يقول، # ليته يتكلم لنعرف ما يريد. # الروح ~~(ضاحكا) ~~: # لا يسمعون ولا يبصرون ولا يشعرون. ألم أقل لك إنها بلد ~~الأموات؟ # الملك ~~: # لكن يا ولدي، ماذا تريد بهذا الموت؟ من تقصد بالأموات؟ # الروح ~~: # الموت في الضمير، والموت في الصدور، والموت في التراب. # الملك ~~: # رجعت للألغاز؟ # الروح ~~: # أتريد أن تراهم؟ ها هو أحدهم. # الملك ~~: # أين؟ أين؟ ~~(يسمع صوتا عميقا مهيبا يأتي من بعيد) ~~: ~~لديك الحكمة والعدالة، لكنك تترك الفساد ينتشر في البلاد. # الروح ~~: # سمعت؟ # الملك ~~: # من هذا؟ # الروح ~~: # أتحب أن تراه؟ # الملك ~~: # إن كان هذا يرضيك. # الروح ~~: # ها هو يطرق الباب، هل تأذن له بالدخول؟ # الملك ~~: # أدخلوه، أدخلوه. # الجميع ~~: # من يا مولاي؟ من؟ # الملك ~~: # أيها الموتى، ألا تسمعون الطرق على الباب؟ ~~(الشبح يبتسم بينما يهرع الجميع لفتح الباب، يدخل شيخ عجوز ~~أعمى يتوكأ على عصا طويلة، يتحسس طريقه إلى الملك بعد أن يقترب من الكاهن والوزير ~~... إلخ. ويلمسهم بيده واحدا بعد الآخر.) # الملك ~~: # إنه أعمى. # الروح ~~: # إنه حكيم. # الملك ~~: # أهذا هو الموت؟ # الروح ~~: # استمع أولا لما يقول. # الحكيم ~~: # أين أنت أيها الملك؟ # الملك ~~: # إنه يتجه نحوي. # الحكيم ~~: # يا من تقبع في قصرك من مئات السنين؟ # الملك ~~: # غير صحيح. إنني، كما يقولون، لم أحكم أكثر من تسعين. # الحكيم ~~(بعد أن يتعرف عليه يمد يديه نحوه ويهزه من ~~صدره) ~~: # كذبوا عليك، كذبوا عليك. # الملك ~~: # من أيها الحكيم؟ من؟ # الحكيم ~~: # يقولون: لديك الحكمة والبصيرة والعدالة. # الملك ~~(للكاهن والوزير ... إلخ) ~~: # سمعتم؟ يقول لدي الحكمة والبصيرة والعدالة. # الجميع ~~: # يا له من شيخ حكيم! # الحكيم ~~: # ولكنهم كذبوا عليك. # الملك ~~: # هل كذبتم علي حقا؟ # الحكيم ~~: # فتركت الفساد ينتشر في البلاد، # والبلاد تشتعل والشعب على شفا الهلاك. # الملك ~~: # الشعب؟ سمعت هذه الكلمة من قبل. ms027 لماذا لم تقولوا لي من هو الشعب؟ # الروح ~~: # لا تقاطعه أيها الملك. انتظر ولا تقاطعه. # الحكيم ~~: # انظر. إن السرور قد مات. # ولم يبق حيا على الأرض إلا أنين المظلومين. # أنني أقف في قاعة العدالة ... # لكن العدالة موجودة باسمها فقط. # وحين يلجأ الناس إليها لا يلقون إلا الظلم. # الملك ~~: # ليس هذا صحيحا. لم يلجأ إلي أحد أيها الشيخ. # الروح ~~: # انتظر. قلت لك انتظر. # الحكيم ~~: # العظيم والحقير كلاهما يقول: ليتني كنت ميتا. الطفل الصغير يصرخ ويقول: ~~ليتني لم أولد. القطعان قلوبها تبكي. # الملك ~~: # حتى القطعان أيها الحكيم؟ # الشبح ~~(يبتسم) ~~: # ألم يقل إنهم كذبوا عليك؟ # الملك ~~(صائحا) ~~: # لم كذبتم علي؟ كيف حجبتم الناس عني؟ # ألم يهزكم بكاء الطفل وأنين القطعان؟ # الجميع ~~: # أتكلمنا يا مولاي؟ # أم تكلم الروح الخالد العظيم؟ # الكاهن ~~: # باسم الآلهة المقدسين. # الروح ~~: # أسكتهم. # الملك ~~: # اسكتوا، أنصتوا لما يقول الحكيم. # الجميع ~~: # الحكيم؟ يا له من أخرس حكيم! ~~(يضحكون بصوت ~~عال.) # الملك ~~: # تكلم أيها الحكيم، تكلم إلي بالحكم والأمثال. # الحكيم ~~: # ليتني كنت أعرف كلاما لا يعلمه أحد، أو أمثالا جديدة لم يرددها لسان، ~~أو أحاديث خالية من التكرار لم يقلها الأجداد. # انظر. القلب الشجاع هو رفيق صاحبه في الملمات، فتعال إذن يا قلبي لأتحدث ~~إليك. # الملك ~~(للروح) ~~: # سمعت؟ إنه لا يريد أن يتحدث إلي. أنا مولاك. إنني أسمعك. إنني أقف ~~أمامك. # الروح ~~: # قلت لك لا تقاطعه. # الحكيم ~~(مستمرا) ~~: # أجبني يا قلبي، وفسر لي ما يقع في البلاد. # الملك ~~(للروح) ~~: # أيعجبك هذا؟ أيرضيك أن يتجاهلني؟ # الروح ~~: # هش. # الملك ~~: # إنني لا أطيق هذا. # الروح ~~: # طالما تكلموا وتكلمت. تعلم الآن أن تسمع وتنصت. # الملك ~~: # وهل تقول الحقيقة أيها الحكيم؟ حذار. # الروح ~~: # حاذر أنت واستمع. # الحكيم ~~: # إن المصائب تقع اليوم، وكوارث الغد لم تأت بعد، # والناس كلهم لاهون، # مع أن البلاد في اضطراب عظيم. # إنهم يستيقظون كل صباح ليتألموا، # ولكن قلوبهم راضية بما حدث، # وما من أحد يدفعه الغضب إلى الكلام. # آه! ماذا أقول؟ ماذا أقول؟ # إن همي ثقيل ومرضى طويل. # ومن المؤلم أن يظل الإنسان ساكتا ms028 على ما يسمعه ويراه. # الملك ~~: # يسألني: ماذا أقول؟ هل قال لي: ماذا أفعل؟ # الروح ~~: # الحكيم لا يفعل، الحكيم يقول. # الملك ~~: # لكن صوته لم يصلني. # الروح ~~: # أتظن أنك كنت تصدقه؟ ~~(يشير إلى الكاهن والقائد ... ~~إلخ.) # الملك ~~: # كنت أظن أن كل شيء على ما يرام. # الكاهن ~~: # نعم، هذا ما قاله بتاح حوتب من أزمان. # الروح ~~: # لكنه انتهى إلى الأبد. ألا تفهم ما قاله الحكيم؟ # الملك ~~: # ألا يزال لديه ما يقول؟ # الروح ~~: # هل تحب أن يحكي لك عن اللصوص والأشرار الذين يجوبون الطرق ويملئون مخازنهم ~~بالغلال؟ أم عن قوانين العدل التي يدوسها الناس بالأقدام؟ # الحكيم ~~: # كل شيء يدور مقلوبا على رأسه كما تدور عجلة صانع الفخار. # الملك ~~: # قل له يكف عن الكلام، اسأله ماذا أفعل؟ ماذا لو كان مكاني؟ # الروح ~~: # ألا تنتظر حتى يحدثك عما فعله الأعداء؟ # الملك ~~: # الأعداء؟ وهناك أعداء ولا أدري؟ # الروح ~~: # ألم يقل لك لديك الحكمة والبصيرة؟ # الحكيم ~~(صارخا وضاربا بعصاه متجها إلى باب الخروج) ~~: # ولكنك تترك البلاد ينتشر فيها الفساد. # الملك ~~: # انتظر أيها الحكيم، إلى أين تذهب وتتركني؟ من هم هؤلاء الأعداء؟ من هم ~~هؤلاء الأعداء؟ # الجميع ~~: # الأعداء؟ # الملك ~~: # ألم تسمعوا بهم؟ ألم تروهم؟ # الجميع ~~: # نحن نعيش هنا يا مولاي في أمان، # والقصر يحيطه الحراس من كل مكان، # وكل شيء في طيبة على ما يرام. # الأعداء؟ من هم هؤلاء الأعداء؟ ~~(يلتفتون بعضهم إلى بعض.) # الصوت ~~: # الذي لم يكن يجد رغيفا يمتلك مخازن الغلال، # ومن لم يكن يملك زوجا من الثيران، # قد أصبح يملك القطعان. # الملك ~~: # أيحدث كل هذا ولا أعلم؟ لماذا كذب علي الكاهن والقائد والكاتب والوزير؟ ~~لماذا قالوا كل شيء على ما يرام؟ # الملك ~~(يناجي نفسه) ~~: # آه! لا تهتم بأخ، ولا تصاحب صديقا ولا تثق بأحد؛ فليس في ~~ذلك كمال. # إن نمت فاسهر على قلبك بنفسك؛ # إذ ليس للرجل في وقت البلية إخوان. # آه! لقد أعطيت الفقراء وأطعمت اليتامى، # وسمحت بدخول من لا قيمة له ومن له قيمة، # ولكن أولئك الذين أكلوا خبزي كذبوا علي، # وذلك الذي مددت ms029 له يدي نشر الذعر في البلاد، # والذين لبسوا كتاني الرقيق عادوني، # والذين تعطروا بعطري غدروا بي، # لا، ليس كل شيء على ما يرام، # ليس كل شيء على ما يرام. # الروح ~~(يصفق) ~~: # أكل هذا بسبب هذا العجوز الحكيم؟ # الملك ~~: # نعم. كان عجوزا، فهل من حقك أن تسميه الحكيم؟ # الروح ~~: # ربما أسميه باسم آخر. # الملك ~~: # ماذا تسميه؟ # الروح ~~: # هو الذي ذكرته لك. # الملك ~~: # إنني أنسى. أعده على عقلي المسكين. # الروح ~~: # الموت في الضمير. # الملك ~~: # الموت في الضمير؟ # الروح ~~: # جاء يقول إن العدالة نبذت، والظلم أخذ مكانه في قاعة العدل. # الملك ~~: # كان عليه أن ينصحني بما أفعل. انصحني أنت أيها الروح، تكلم أيها الحي بين ~~الأموات. # الروح ~~: # انتظر. كان يريد أن يقول: الرجال ينامون ويأكلون ويشربون، وينسون أن ~~الأعداء في البلاد. # الملك ~~: # تكلم عن الأعداء فلم أعرف معنى الكلمة، ولم يعرف أيضا هؤلاء. أرجوك أيها ~~الروح. # الروح ~~: # إنه الموت الأخير. # الملك ~~: # الموت الأخير؟ ذكرني أيها الروح. # الروح ~~: # هو الذي سميته الموت في التراب. أتريد أن يدخل عليك؟ # الملك ~~: # يدخل علي؟ # الروح ~~: # كما دخل الحكيم. ألا تسمع وقع أقدام؟ # الملك ~~: # قل لي أولا: ماذا أفعل؟ # الروح ~~: # لا أستطيع الآن ~~(يبدأ في ~~الاختفاء) ~~. # الملك ~~(يجري وراءه) ~~: # لا تستطيع؟ من يستطيع إذن؟ # الروح ~~: # ألا ترى الفجر يطلع؟ ألا تسمع الديك يصيح؟ # الملك ~~: # لكن ماذا أفعل؟ تكلم، تكلم. # الروح ~~: # انتظر حتى يحضر الرسول. مر الوزير أن يكرم وفادته. اجعل الكاهن. لكن لم ~~التسرع؟ انتظر قليلا حتى يشرق النهار ~~(يختفي) ~~. # الملك ~~: # أنتظر؟ أرجوك أيها الروح، هل قلت إنه رسول الأعداء؟ إلي أنا الملك العجوز ~~المسكين؟ ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ ~~(يهرع الكاهن والوزير ... إلخ، إليه ويحيطون به ويحاولون ~~العناية به.) # الجميع ~~: # مولاي، عوفيت يا فرعون. # الملك ~~: # ها هم الأعداء في الطريق، قولوا ماذا أفعل؟ ~~(الراوية يظهر بعد أن تسدل الستار ببطء ويقول): # الراوية ~~: # لكنهم وجموا وأصابهم الذهول. # دعا الكاهن باسم الآلهة أن يشفى المريض. # هز القائد رأسه وقال: # من قال إن هناك أعداء؟ # أليس هناك حصون؟ # أليس هناك حراس ms030 أشداء؟ # فتش الكاتب في الوثائق والسجلات والأوراق. # قال بعد أن نام فرعون من الإرهاق: # لا، ليس هناك ذكر للأعداء، # هذا شيء قديم شطب من النقوش والسجلات. # أما الوزير فخاف أن يكون في الأمر شيء، وسأل نفسه: # والوزارة؟ والأرض؟ والقصر؟ والأتباع؟ # أتكون مؤامرة دبرها اللصوص والرعاع؟ # فلنتركهم الآن حتى يفيق الملك الجليل. # لنسمع ما سيقوله الرسول بعد قليل. ~~(يختفي بسرعة.) # المشهد الثاني ~~(نفس المنظر. نفس الأشخاص. الكاهن والوزير والقائد والكاتب ~~يستيقظون. الملك نائم.) # الكاهن ~~(يستيقظ) ~~: # آه! ظهري يؤلمني. # الوزير ~~: # أف. من يصدق أن الوزير ينام على الأرض؟ ~~(يهز الكاتب والقائد.) # الكاتب ~~: # أين أنا؟ # الكاهن ~~: # وأين تريد أن تكون؟ في حضن إيزيس؟ # الكاتب ~~(مذعورا) ~~: # أين أوراقي؟ أين وثائقي وسجلاتي؟ # الوزير ~~: # نائمة بجوارك، حذار أن توقظها. # الكاهن ~~: # وإلا تحرك التاريخ ~~(يضحكون) # أيها ~~القائد، أيها القائد. # الوزير ~~: # أليس عجيبا أن نصحو جميعا بينما يعلو شخيره؟ # الكاتب ~~: # وما العجب في هذا؟ # الوزير ~~: # ألم يدخل الروح إلى القصر دون أن يفطن الحراس؟ # ألم يقل إن الأعداء في البلاد؟ # القائد ~~(متثائبا) ~~: # كل ما لا أراه بعيني فلا وجود له عندي. ليس هناك روح. ليس هناك ~~أعداء. # الكاهن ~~: # والضجة التي أثارها فرعون؟ # الوزير ~~: # وحديثه الطويل معه؟ # الكاتب ~~: # وصوت الحكيم الذي يردد حكمة التاريخ؟ # القائد ~~: # شيخ مريض وعجوز. ألسنا ننتظر موته من عشرات السنين؟ ألم ينتظره آباؤنا ~~وأجدادنا؟ # الكاهن ~~: # والروح، هل تشكون في عودته؟ هل تشكون في ظهوره؟ # الوزير ~~: # ليظهر عندكم في المعابد كما يشاء، أما أن يظهر ليلا لفرعون ... # القائد ~~: # فهذا تخريف رجل عجوز. # الوزير ~~: # وهو دليل على أنه يحتضر. # القائد ~~: # وأن روحه تدعوه إلى الغرب بعد أن ملت الانتظار. # الكاهن ~~(مشيرا إلى فرعون النائم) ~~: # انظروا. ها هو ينعس في النوم كطفل شاب شعره. انظروا كيف يبتسم. إن شفتيه ~~تتحركان ~~(يلتفون حوله) ~~... # الكاهن ~~: # ربما يناجي الروح. # الوزير ~~: # الروح؟ الروح؟ نحن لم نر شيئا. # الكاهن ~~: # الروح لا ترى يا ولدي. إنها تشعر وتحس. # الوزير ~~: # كيف خرجت من قبرها؟ كيف فتحت التابوت؟ # الكاهن ~~: # إنها تسكن مع الآلهة والأجداد. أيها الإله ms031 رع العظيم، أيمكن أن تشك؟ # الوزير ~~: # لست أشك يا أبي . أنا أيضا لي روح؛ ومن أجل أن تعود إلي بعد الموت أبني ~~الآن مقبرتي الفخمة وأزين تابوتي بالذهب والفضة، ولكن هذه الروح التي تزعج ~~سيدنا ... # القائد ~~: # بعد أن نام في سلام تسعين سنة. # الوزير ~~: # هذه الروح الضالة الهائمة. # القائد ~~: # بلا اسم ولا أب ولا أم. # الكاتب ~~: # ربما كانت روح التاريخ، هذه الوثائق. # الوزير ~~: # اسكت أنت بوثائقك وسجلاتك. # الكاهن ~~: # ولكنني أشعر بوجودها. # القائد ~~: # قلت لك أنا لا أشعر إلا بما أراه أمامي، بما أطعنه بخنجري وأنفذ فيه ~~رمحي. # الوزير ~~: # روح كهذا يعكر سلام المملكة. # القائد ~~(للكاهن) ~~: # يجب أن تطرده بتعاويذك ودعواتك. # الكاهن ~~: # هش. إنه يتحرك، يفرك عينيه، يبتسم ويهز رأسه، قولوا معي: أيها الفرعون ~~العظيم، لا تخف من الروح. # الوزير ~~: # سوف نبني له قبرا جديدا إن كان قبره تهدم. # القائد ~~: # ونجعل عليه من الحراس أربعة رجال وأربع نساء. # الكاهن ~~: # ونقدم القرابين من اللحم والفاكهة والنبيذ. # الكاتب ~~: # لكيلا يجوع أو يعطش أو يعرى في برد الشتاء. # الوزير ~~: # ولا يعكر صفو المملكة التي تعيش في سلام. # القائد ~~: # ولا يزعجنا بأخبار الموت والحرب والأعداء. ~~(يسمع طرق شديد على الباب يستيقظ له الملك من ~~نومه.) # الملك ~~: # هل سمعتم؟ ها هو يطرق الباب. # الجميع ~~: # الروح؟ # الروح ~~(يظهر على البعد ويقترب من الملك دون أن يراه أحد ~~سواه) ~~: # وهل مثلنا يطرق الأبواب؟ # الملك ~~(مذعورا) ~~: # إذن فمن الطارق؟ # الكاهن ~~: # أيتها الآلهة، عاد الملك يتحدث إلى نفسه. # القائد ~~: # أف. ما أطول ساعة الاحتضار عند الملوك! # الروح ~~: # ألم أقل لك؟ # الملك ~~: # إنني أنسى. ألا ترى أنني مريض وعجوز؟ # الروح ~~: # إنه الموت. # الملك ~~: # أي واحد فيهم؟ # الروح ~~: # الموت الأخير، الموت الأكبر. # الملك ~~: # أكبر من الموت في الضمير؟ # الروح ~~: # أكبر، أكبر. # الملك ~~: # تكلم بحق الآلهة المقدسين. أيكون موتى أنا؟ ~~(الروح يضحك.) # الملك ~~: # إذن اقتربت ساعتي؟ هل آمرهم بتجهيز الجنازة وإعداد التابوت؟ # الروح ~~: # ليته اقتصر على هذا. # الملك ~~: # إذن ماذا يكون؟ أتحل كارثة بالقصر؟ مجاعة بالبلاد؟ زلازل؟ براكين؟ هل يفيض ~~النيل؟ هل يجف ms032 ماؤه؟ # الروح ~~: # أكبر، أفظع. إنه الموت في التراب. # الملك ~~: # سمعتك تقول هذا. فسره بحق رع وآمون وبتاح. # الروح ~~: # عندما تموت الأرض. عندما يموت التراب. عندما يموت الوطن. # الملك ~~: # الأرض؟ التراب؟ الوطن؟ # الكاهن ~~: # تكلم أيها الروح الجليل. ارحم شيخوخة الملك وضعفه. # الروح ~~: # الطرق يشتد على الباب. # الملك ~~(صارخا) ~~: # افتحوا الأبواب، افتحوا الأبواب. ~~(يدخل أحد الحراس مندفعا.) # الحارس ~~: # مولاي، سيدي القائد، سيدي الوزير ~~(يلهث) ~~. # الملك ~~: # تكلم، تكلم. # الحارس ~~: # رجل عجيب يقف بالباب. يركب شيئا غريبا سألته عنه فقال اسمه عربة، لهذا ~~الشيء الغريب أربعة أشياء مستديرة سألته عنها فقال اسمها العجلات، وأمام هذا ~~الشيء الغريب الذي اسمه العربة التي تقف على أشياء غريبة اسمها العجلات يقف ~~مخلوق أشد غرابة. سألته عنه قائلا: ما هذا الشيء الغريب؟ فقال: اسمه ~~حصان. # الملك ~~: # أيها الأبله، ماذا يريد؟ لم جاء؟ # الحارس ~~: # انتظر يا مولاي. لم أصف لك شكله بعد. لم أصف لك ملبسه. # الملك ~~: # أيها الأحمق، ألم يكن الأولى أن تسأله من هو وماذا أتى به؟ # الحارس ~~: # هداني تفكيري يا مولاي أن أعرف لبسه وشكله ووجهه لكي يسهل بعد ذلك معرفة ~~مهمته. # القائد ~~: # ما شكله أيها الحارس؟ ماذا يرتدي؟ # الحارس ~~: # بعد أن سألته عن الشيء الغريب الذي يقف عليه فقال إنه العربة، وعن ... # القائد ~~(نافد الصبر) ~~: # وعن الأشياء الغريبة التي يقف عليها هو والعربة فقال إنها العجلات والمخلوق ~~الغريب الذي يقف أمامها ... # الحارس ~~: # فقال إنه الحصان. # القائد ~~(صارخا) ~~: # قلت لك ما شكله؟ ما لون وجهه؟ ماذا يرتدي؟ # الحارس ~~: # مهلا يا سيدي. لقد تفرست فيه جيدا، وتأملته من أصابع قدميه إلى شعر ~~رأسه. هل تعرف من هو؟ # القائد ~~: # من؟ من؟ # الحارس ~~: # رجل أسمر الوجه، ذو لحية طويلة، يبدو لون بشرته كأنه من رمال الصحراء وعليه ~~ملابس مصنوعة من الجلد والوبر. # القائد ~~(لنفسه) ~~: # وجه أسمر، لحية طويلة. # الملك ~~: # أدخلوه، أدخلوه. # القائد ~~(لنفسه) ~~: # هل هجم البدو من الصحراء؟ أم الأعداء الذين حدثني عنهم الأجداد؟ ... # الملك ~~(للقائد) ~~: # هل قلت شيئا أيها القائد؟ # القائد ~~: # أنا؟ أبدا يا مولاي. # الملك ~~: # أليس عندك ms033 شيء تقوله؟ # القائد ~~: # إن كان لا بد فكل شيء على ما يرام. # الملك ~~: # أحقا يا وزير؟ # الوزير ~~: # بالطبع يا مولاي، كل شيء على ما يرام. # الملك ~~: # وأنت؟ # الكاتب ~~: # التاريخ يؤكد هذا بالتمام. # الملك ~~: # والأعداء، ماذا يقول عن الأعداء؟ # الكاتب ~~: # كلمة قديمة شطبت من الأوراق والسجلات. # الوزير ~~: # بعد أن اشتدت طيبة وهزمت كل الأعداء. # الكاهن ~~: # ببركة رع وآمون وباقي الآلهة الأجلاء. # الحارس ~~(يدخل) ~~: # ها هو الرجل الغريب يا مولاي. # الرسول ~~: # سلاما أمير مدينة الجنوب. # الروح ~~(مبتسما) ~~: # أو أمير مدينة الموت. # الجميع ~~: # سلاما أيها الفارس. # الملك ~~(ينتبه) ~~: # سلاما أيها الفارس. لماذا جئت إلى مدينة الجنوب؟ لم قمت بهذه الرحلة ~~حتى مثلت بين يدي؟ # الجميع ~~: # تكلم أيها الفارس الشجاع؛ فمولانا يحب أن يسمع ما تريد. # الرسول ~~: # إنه أميري أبو فيس الذي أرسلني إليك لأقول. # الملك ~~: # ماذا يقول يا ولدي؟ # الرسول ~~: # أخل البحيرة الواقعة شرقي المدينة من أفراس البحر لأنها تحول بيننا وبين ~~النوم في الليل والنهار، وتملأ آذان سكان المدينة بالضوضاء. # الملك ~~: # أية مدينة يا ولدي؟ # الرسول ~~: # مدينة أواريس أيها الملك. # الملك ~~: # أواريس؟ لأول مرة أسمع هذا الاسم. أين هي أيها القائد؟ في الشمال أم في ~~الجنوب؟ في الشرق أم في الغرب؟ # القائد ~~: # أواريس؟ أواريس؟ # الكاتب ~~: # انتظر يا مولاي حتى أبحث في السجلات. # القائد ~~: # سمعت الأجداد يحكون عنها. # الكاتب ~~: # والوثائق والأوراق تقول ... # القائد ~~: # إنها في أقصى الشمال. # الوزير ~~: # والتحصينات المنيعة تحرسها. # القائد ~~: # وحائط الحاكم يحميها من غارات الآسيويين. # الرسول ~~(ضاحكا) ~~: # يحرسها ويحميها؟ مولاي وأجداده يقيمون فيها من مائة وخمسين سنة. الحصون ~~تهدمت والحائط خربه الفرسان الآسيويون. # الملك ~~: # فرسانكم الآسيويون؟ من هم يا ولدي؟ صفهم لي. # الرسول ~~: # لا يستقرون في مكان واحد، # أقدامهم صنعت لكي تتجول بهم بعيدا. # إنهم يحاربون منذ أيام الإله ست، # لا يقهرون ولا يقهرون، # يقاتلون ولا يحددون يوما للقتال، # كاللص الذي يفاجئ الإنسان إذا كان بمفرده، # ولا يهاجم مدينة بها سكان كثيرون. # الملك ~~: # أكمل يا ولدي. هل قلت التماسيح؟ # الرسول ~~: # أفراس النهر. # الملك ~~: # ماذا فعلت يا ولدي؟ ذكرني فقد نسيت. ms034 # الرسول ~~: # تزعج مولاي وتملأ آذان سكان المدينة ... # القائد ~~: # ولكن مدينتكم بعيدة، هناك في أقصى الشمال ونحن هنا في أقصى ~~الجنوب! # الملك ~~: # نعم نعم. هل سمع سيدك حقيقة وهو في تلك المدينة النائية عن البركة ~~الواقعة شرقي مدينة الجنوب؟ # الرسول ~~: # وسمع أصوات أفراس البحر التي تمنعه أن ينام بالليل أو بالنهار. # الملك ~~: # كيف يسمعها يا ولدي؟ كيف يسمعها؟ # الرسول ~~: # فكر فيما بعثني من أجله مولاي. ~~(الروح يضحك.) # الملك ~~(متجها إليه) ~~: # لماذا تضحك؟ أيمكن أن يحدث هذا؟ أيمكن أن يسمعها من هذا المكان ~~البعيد؟ # الروح ~~: # ما دمت لا تسمع ولا ترى، # فالعدو حاد البصر مرهف الآذان، # وأفراس البحر في البحيرة الهادئة، # التي لا يزعج صوتها أي إنسان، # يسمعها العدو في أقصى الشمال، # وتزعجه في الصحو كما تزعجه في المنام. # الجميع ~~: # مولاي، دع الروح الآن. كلم الرسول. # القائد ~~: # ما كنت أعرف أن أفراس البحر تزعجه إلى ها الحد. # الملك ~~: # هل قلت العدو؟ أهذا هو العدو؟ # الروح ~~: # بل هو الموت، الموت الأكبر. # الملك ~~: # ماذا أفعل؟ # الروح ~~: # من يسأل هذا السؤال لا يفعل شيئا. # الملك ~~: # أحب أن أعرف. أين ذهبت قوتي؟ # الروح ~~: # وأنا أحب أن تكرم الرسول. # الملك ~~(منتبها) ~~: # هيا، أكرموا وفادة الرسول، قدموا له الأشياء الطيبة. # الرسول ~~: # فكر فيما بعثني من أجله مولاي. # الملك ~~: # قل لسيدك إن الملك سيستجيب لطلبه. # لكن ليس قبل أن تذوق الفطائر واللحوم. # هيا أيها الحارس. # مره بما يجب عليه أيها الوزير. ~~(الوزير ينادي على الحارس، يذهب معهما ثم يعود بعد ~~قليل.) # أيها الروح، يا رسول الأجداد. # الروح ~~: # تريد أن تعرف ماذا تفعل؟ # الملك ~~: # أغثني، أرجوك. # الروح ~~: # ألا تسأل مستشاريك؟ # الملك ~~: # من؟ هؤلاء؟ # الروح ~~: # إن الذهول يبدو على وجوههم. # الملك ~~: # تخلوا عني، كذبوا علي. # الروح ~~: # ولكنهم مستشاروك. # الملك ~~(ملتفتا إليهم) ~~: # أشيروا علي. # هل حلت الكارثة بالبلاد؟ # هل فاض النيل أم جف الماء؟ # قل أيها القائد: أين عساكري وأسودي؟ # وأنت يا وزير: أين كنوزي وماشيتي وعبيدي؟ # وأنت أيها الكاهن: لمن توجه الدعوات وعلى من تصب ~~اللعنات؟ # ويا كاتبي: ماذا ستكتب عني ms035 في الوثائق والأوراق؟ # ماذا ستنقش على قبري ليذكره التاريخ؟ # هل ضاعت قوتي؟ هل داسني الأعداء؟ # أهذا هو اليوم الذي تنبأ به الحكيم؟ # أهذا هو الموت الأكبر الذي توعدني به الروح. ~~(الجميع واجمون.) # الملك ~~: # تكلموا، تكلموا، أحقا يقول الطفل ليتني لم أولد؟ # ويسير الأمير عاريا في الطرقات؟ # ويمتلك اللص مخازن الغلال؟ # أحقا أنني تركت الفساد ينتشر في البلاد؟ # والآسيويين يهدمون حائط الحاكم؟ # أين إذن ما قاله عني الحكيم؟ # الكاهن ~~: # مولاي، لديك الحكمة والبصيرة والعدالة. # القائد ~~: # ولديك القوة التي تهزم الأعداء. # الكاتب ~~: # والمجد الذي ورثته عن الأجداد. # الوزير ~~: # والمدينة العامرة باللحم والفطائر والنبيذ. # الملك ~~: # المدينة؟ أليست هي مدينة الموت؟ تكلم أيها الروح. # الروح ~~: # دعهم أولا يتكلموا. # الملك ~~: # أشيروا علي. ماذا أفعل؟ ماذا تفعلون؟ # الكاهن ~~: # سأصب اللعنات على الأعداء. # الروح ~~(ضاحكا) ~~: # بالسحر بدلا من السلاح. # الكاهن ~~: # سنكتب أسماءهم على الدمى والأواني ومعها الأوعية والتعاويذ. # الروح ~~: # ونحطمها في حضور الملك والملكة حسب المراسم والطقوس. # الوزير ~~: # ما لنا نحن وللأعداء في الشمال؟ # انظر. إن وسط البلاد معنا. # والناس هنا تعيش في أمان. # إنهم يزرعون لنا أحسن الأراضي، وماشيتنا ترعى في الحقول ~~والمستنقعات. # والقمح والشعير يرسل علفا للخنازير. # وقطعاننا سعيدة لم يسرقها اللصوص. # القائد ~~: # والأعداء الذين تخشاهم ليس لهم وجود؛ # فلو رأيناهم لذبحناهم وبقرنا البطون، # وأخذنا النساء والعبيد ومحونا الحصون، # وحرقنا مدنهم بأمر صادق المشورة آمون. # الكاتب ~~: # لم يأت ذكرهم في البردي والنقوش. # الملك ~~: # والرسول الذي بعثوه؟ # الوزير ~~: # سنكرم الرسول. # الملك ~~: # وأفراس البحر التي تزعجهم؟ # القائد ~~: # سنؤكد لهم أن صوتها عذب محبوب. # الملك ~~: # وأرقهم في الليل والضوضاء؟ # الكاهن ~~: # سندعو آمون ورع وسائر الآلهة الكبار أن يريحهم في الليل ويمتعهم في ~~النهار. # الملك ~~: # ألم يرسلوا هنا الرسول ليتحدانا؟ أليسوا أعداءنا؟ # الكاتب ~~: # سنثبت لهم من النصوص أن كلمة الأعداء لم تكتب على المعابد من مئات ~~السنين. # الجميع ~~: # بذلك نعيش في سلام وأمان، # فتملأ مخازننا بالغلال، # ومعابدنا بالبخور والتماثيل والصلوات، # وبيوتنا بالنبيذ واللحوم والنساء، # ونعيش في سلام، نعيش في سلام. # الروح ~~(ضاحكا) ~~: # ولكنهم لن يتركوكم في سلام. # الملك ~~(مرددا) ms036 ~~: # لن يتركوكم في سلام. # الجميع ~~: # ما دمنا نعيش في سلام ، # فسوف يتركوننا في سلام. # صوت ~~: # آه! أين ذهبت قوتي؟ # أين جيشي ليسير أمامي كالريح أو كالنار؟ # أصابتنا، ولست أدري لماذا، نقمة من الإله، # فاندفع نحونا أقوام مجهولون، # هدموا حائط الحاكم، واحتلوا أواريس. # صوت ~~: # بينما الحراس نائمون، بينما الحراس نائمون. # صوت ~~: # غزوا الأرض، وأخضعوا البلاد، # أحرقوا المدن، وهزموا حكام الإمارات. # صوت ~~: # دون أن ندخل معهم في حرب. دون أن ينشب بيننا قتال. # صوت ~~: # أتلفوا المعابد وأحرقوا التماثيل، # نهبوا الحقول وسرقوا القطعان، # غنموا الزوجات وذبحوا الرجال. # صوت ~~: # بينما نحن نأكل ونشرب وننام، # لا نفيق من الكابوس من مئات السنين. # صوت ~~: # آه! الدماء تنزف منا، متى تسكت الجراح؟ # متى نجفو النوم ما دام العدو يقظان؟ # متى نرفض اللقمة المعجونة بالعار؟ # متى نهجر القصور والبيوت التي يتربص بها الأعداء، # لنتعلم مثلهم كيف نضرب الخيام في الصحراء؟ # ونصاحب العطش والقحط والعواصف والرمال؟ # صوت ~~: # متى يترك الفلاح أرضه ومحراثه ومواشيه ليحمل الخنجر والسهم ~~والرماح؟ # متى ينزع أظافره من الطين ليغرزها في أعناق الأعداء؟ # متى يطهر الأرض السمراء من خيول الغرباء؟ # متى يكف عن قوله: كل شيء على ما يرام؟ # الملك ~~: # متى؟ متى؟ متى؟ # الجميع ~~: # عاد يكلم الروح. # الكاهن ~~: # لا بد من تحضير الجنازة. # الوزير ~~: # سأسرع بإعداد المقبرة وتجهيز التابوت. # الكاتب ~~: # وأجمع الكتبة والرسامين والحفارين. # القائد ~~: # وأعلن في البلاد، على رأسي سيستقر التاج. # الوزير ~~: # ألم نتفق أنني الوريث الوحيد؟ # الكاهن ~~: # بل على رأسي سيستقر التاج. # الكاتب ~~: # ألا تسألونني؟ إنني أدرى الناس بشجرة الأنساب. # الوزير ~~: # أنا. # القائد ~~: # أنا. # الكاهن ~~: # أنا ~~(يتنازعون) ~~. # الملك ~~: # اخرجوا، اخرجوا، آه! ~~(يخرجون.) # الروح ~~: # أتتألم؟ # الملك ~~: # تعبت من الحياة. # الروح ~~: # أم تعبت من الموت؟ # الملك ~~: # الموت، الموت، أليس عندك إلا الموت؟ # الروح ~~: # الموت يحكم المدينة. # الملك ~~(صارخا) ~~: # أنا الذي أحكم المدينة. ~~(الروح يضحك.) # الملك ~~: # قل لي: ماذا تريد؟ # الروح ~~: # أريد ما لا تستطيع. # الملك ~~: # هل هناك شيء لا يستطيعه فرعون؟ ~~(الروح يضحك.) # الملك ~~(يائسا) ~~: # لم تقل ماذا تريد؟ # الروح ~~: # أن ترفع الموت عن المدينة. # الملك ms037 ~~: # دلني عليه. # الروح ~~: # إنه الموت في الضمير. ألم تسمع ما قاله الحكيم؟ # الملك ~~: # ذلك المخرف العجوز؟ # صوت الحكيم ~~: # لديك الحكمة والبصيرة والعدالة. # لكنك تترك الفساد ينتشر في البلاد. # الملك ~~(باكيا) ~~: # تخلوا عني. # الروح ~~: # والموت في النفوس والصدور. # الملك ~~: # كيف أعرفه؟ أين أراه؟ # الروح ~~: # ألم يحدثوك عن ذلك الرجل المشهور؟ ذلك الرجل المسكين؟ # الملك ~~: # ما اسمه؟ في أي مكان ألقاه؟ # الروح ~~: # يسمونه المتعب من الحياة، وأسميه المتعب من الموت. # الملك ~~: # آه! الموت راحة، كيف يتعب من الموت؟ # الروح ~~: # اسمع. # الملك ~~: # لا، إنني أحتضر، لا أريد أن أكلم أحدا. # الروح ~~: # لا تخف؛ فهو لا يجد من يكلمه أو يشكو إليه. # صوت ~~(ويمكن أن يدخل شخص نحيل عليه أسمال بالية أشبه بشبح من ~~الماضي ويقول) ~~: # لمن أتكلم اليوم؟ # الظلم الذي يجوب البلاد، # ليس له آخر، # لا يوجد رجل عادل، # والبلاد تركت للأشرار والظالمين. # الملك ~~(هامسا) ~~: # نفس ما قاله الحكيم. # الروح ~~(هامسا) ~~: # لأن الشكوى خالدة. # الصوت ~~: # لمن أتكلم اليوم؟ # الأخوة سوء، # القلوب جشعة، # وما من أحد يمكنك أن تثق فيه. # الملك ~~: # ألم يكن له أم أو أب؟ ألم يكن له صديق؟ # الروح ~~: # كان له صديق واحد. # الملك ~~: # اذكر له اسمه. # الروح ~~: # ها هو يناديه. # الصوت ~~: # لمن أتكلم اليوم؟ # الموت أمامي، كالشفاء للمريض، # كرائحة بخور المر، # الموت أمامي، # كالجلوس تحت ظل الشراع في يوم عاصف الريح، # كعطر أزهار اللوتس، كالسماء عندما تصفو السماء من الغيوم. # الموت أمامي اليوم، # كعودة الرجل إلى بيته بعد سنوات في الأسر، # كالجلوس على شاطئ الحب والسكر. # الملك ~~: # إلى هذا الحد يشتاق للموت؟ # الروح ~~: # سيجد هناك من يشكو إليه. # الصوت ~~: # حقا. إن من يعيش هناك سيصبح إلها حيا. # إن من يعيش هناك سيصبح حكيما، # ولن يمنعه أحد من الشكوى لرع. # الملك ~~: # الموت الموت. أيمكن أن يحبه كل هذا الحب؟ # الروح ~~: # بحث حوله فلم يجد سواه. # الملك ~~: # والأمل؟ والحب والنور؟ والزوجة؟ والأولاد؟ # الروح ~~: # لم تكن إلا أسماء لشيء واحد. # الملك ~~: # حذار أن تقول إنه الموت. # الروح ~~: # ومن غيره؟ منذ القدم وهو يحكم ms038 المدينة، بنى الهرم والمصطبة والمعبد. # أقام التمثال ونقش على المسلة وزخرف التابوت. # أحب الأخت وأنجب الأولاد ليقدموا لروحه القرابين. أنشد الأشعار ونطق ~~بالأمثال وحفظ الوصايا لكيلا ينسى اسمه. عصر النبيذ وشرب الجعة وتمتع ~~بيوم سعيد قبل أن يغيب في الظلام. تعب في الحقل وحارب في الميدان وبرع في ~~البناء ليرضى عنه فرعون وينعم عليه بقبر صغير. الموت، الموت، الموت. يا أرض ~~الأكفان والتوابيت والندابين، يا أرض الجثث المحنطة وكتاب الموتى والمتعب ~~من الحياة والعازف الأعمى على القيثار، يا أرض السجلات والملفات واللجان ~~والدواوين، يا أرض البردي والجعارين والمساكين والدجالين ~~والجلادين. # الملك ~~: # إنه التاريخ. أتريد أن تلغي التاريخ؟ # الروح ~~: # ومن يستطيع أن يلغيه؟ # الملك ~~: # ماذا تريد إذن؟ # الروح ~~: # أريد أن نتحرر منه. # الملك ~~: # تتحرر منه؟ كيف؟ # الروح ~~: # نفك الأربطة عن الجثة الخالدة، نتخلص من تاريخ الموت لنبدأ تاريخ ~~الحياة. # الملك ~~: # يا لك من طموح! وهل هناك من تحرر منه؟ منذ زمن الأجداد الراقدين في ~~الأهرام هل هناك من تحرر منه؟ # الروح ~~: # ليس هذا ما أعنيه، أعني الموت الآخر. # الملك ~~: # أيهم يا ولدي؟ حيرتني فهم كثير. # الروح ~~: # ألم أقل لك إنه يحكم المدينة؟ # من عهد مينا وخوفو وهو يسكن القلوب والقبور. # الخوف في العيون، # الذل فوق الظهر والجبين، # الجوع والحرمان في البطون، # القهر والهوان والعذاب والأنين. # صوت ~~: # العدل يا مولاي للمظلوم. # صوت ~~: # من يفتح السجون؟ # صوت ~~: # من يقتل التنين؟ # صوت ~~: # من يطعم المسكين؟ # صوت ~~: # من ينصف المغبون؟ # صوت ~~: # من يهزم الظلام في الصدور والعيون؟ # صوت ~~: # من يمسك الميزان والأشرار من يدين؟ # صوت ~~: # العدل يا مولاي، العدل يا فرعون. # الملك ~~: # فرعونكم مسكين، فرعونكم مسكين ~~(يبكي) ~~. # الروح ~~: # أتبكي؟ # الملك ~~: # تخلوا عني، كذبوا علي. # الروح ~~: # تركت الفساد ينتشر في البلاد. # الملك ~~: # أنت أيضا؟ إنني أموت كاليتيم. # الروح ~~: # ما زلت بجانبك. # الملك ~~: # ما الذي جاء بك؟ لم طاردتني؟ من أنت؟ # الروح ~~: # أنا؟ # الملك ~~: # ما اسمك؟ ما اسم أبويك؟ # الروح ~~: # ليس لي اسم، أنا أيضا يتيم مثلك. # الملك ~~: # من أي قبر خرجت؟ هل جئت من عند الآلهة ms039 والأجداد؟ # الروح ~~: # أنا من تراب هذه الأرض. ليس لي اسم ولا مكان؛ لأنني في كل اسم وكل ~~مكان. # في الجبل وحبة الرمل، في الريح وقطرة النيل، في زهرة اللوتس وأغصان ~~النخيل، في الثور والفراشة، في التمساح والعصفور، في قلب المحتضر وابتسامة ~~الوليد. # الملك ~~: # تكلم. ماذا أفعل؟ # الروح ~~: # فات الوقت. # الملك ~~: # هل تتخلى عني؟ # الروح ~~: # أنا بجانبك. # الملك ~~: # أهناك أمل؟ # الروح ~~: # إذا خرج الموت من المدينة ... # الملك ~~: # فسيأخذني معه. # الروح ~~: # وسيأتي غيرك. # الملك ~~: # أيستطيع أن يحكم بعدي؟ أيستطيع أن يهزم الموت في الضمير، والموت في ~~الصدور؟ # الروح ~~: # والموت في التراب. # الملك ~~: # والذي يزعجه صوت أفراس البحر؟ # الروح ~~: # عندما يزعجه بصوت الفئوس والرماح والحراب. # الملك ~~: # ليتني أراه قبل أن أموت. # الروح ~~: # اسمع. ها هم يتحدثون عنه. # صوت ~~: # سيد كل الناس، # الراعي الشجاع الذي يجمع قطعانه الباكية، # يطفئ حريق الفتنة، # لا يحمل في قلبه شرا، # أين هو اليوم؟ # أين هو اليوم؟ # هل هو نائم؟ # انظر. إن بأسه لا يرى، # ولكنه سيظهر عما قريب، # سيظهر عما قريب. # الروح ~~: # أيها الملك ~~(يتحسسه فيجد أنه مات) # نعم ~~نعم. سيظهر عما قريب. ~~(الراوية يظهر في هالة من الضوء.) # هكذا يكون الملك قد مات، # الملك الذي عاش ومات في قصره كاليتيم، # بعد أن حكم، كما يقول التاريخ، من السنين أربعا وتسعين. # وبعد أن مات هذا الشيخ المسكين، # ظل الحكماء ينذرون، والندابون يندبون، # والمتعبون من الحياة يتألمون ويشكون، # حتى خرج من الشعب الذي نسيه الملك العجوز، # رجل عرف كيف يغضب وينتفض ويثور، # ويجمع حوله القطعان الباكية في الحقول، # والجياع من الشوارع، والمساجين من السجون، # أزعجه صوت ذلك المتبجح المغرور، # الذي أزعجته أصوات أفراس البحر، # نادى على المظلومين والمتعبين والفلاحين، # فخرجوا بالعصي والحجارة والفئوس، # وهجموا بالأظافر والأسنان على الهكسوس. # في أوقات المحن والكوارث والأزمات، # يرجع الإنسان للتاريخ وينبش الذكريات. # صوت ~~: # تذكروا العدو الذي لا يزال هناك. # صوت ~~: # لا تنسوا أنه هدم حائط الحاكم العجوز. # صوت ~~: # تذكروا أن أفراس النهر لا تزال تزعجه. # صوت ~~: # لا تنسوا أنه يذبح الرجال والأطفال والنساء. ms040 # صوت ~~: # تذكروا، تذكروا، تذكروا! # صوت ~~: # لا تنسوا، لا تنسوا، لا تنسوا! ~~(ستار) # 1968م # | المرحوم # مسرحية في خمسة مشاهد # الشخصيات # الأرملة. # الخادمة. # الفيلسوف (ممدد في تابوته). # الحارس. # حارس آخر. # تقديم ~~(تقوم هذه المسرحية على حكاية صغيرة وردت في الفصل الثالث من رواية «ساتيريكون» ~~للكاتب الروماني بترونيوس (أجبره نيرون على الانتحار سنة 66 ميلادية). وكنت قد قرأتها ~~لأول مرة في كتاب يضم مجموعة من الحكايات والقصص اليونانية والرومانية القديمة التي ~~اختارها الأستاذ هورست جاسه (سلسلة كتب ديتريش، ليبزج، 1969م) ووضعت لها تخطيطا ~~مسرحيا بقي مع غيره من المشروعات التي قضي عليها أن تكفن في الصدر والأدراج، ثم ~~أتيح لي الاطلاع على مسرحية «أكثر من عنقاء» للشاعر المسرحي الإنجليزي «كريستوفر فراي» ~~التي تتناول الموضوع نفسه تناولا حسيا مرحا شديد العذوبة والصفاء، فذكرتني ~~بالمشروع القديم. وربما تسربت إليه منها بعض الصور والمشاعر، على الرغم من الاختلاف ~~الكبير بين الصياغتين. # أما «الإليزيوم» و«هاديس» فترمز بهما الأساطير اليونانية القديمة إلى نعيم ~~المخلدين من الأبطال والأتقياء العادلين، وإلى ملك العالم السفلي أو عالم الظلال ~~السفلي نفسه. وأما خارون فهو الملاح الذي ينقل في قاربه أرواح الموتى إلى النعيم أو ~~الجحيم.) # المشهد الأول ~~(ضريح بالقرب من مدينة أفيسوس. تبدو من فتحة بابه ونافذته أرملة ~~جميلة منحنية على جثمان زوجها، وشعرها الأسود الطويل منسدل على التابوت. الضريح ~~مبني في شبه نفق سفلي على اليمين، أمام بابه سلالم درج يفضي إلى أعلى في ~~مستوى سطح الأرض، حيث نرى إلى اليسار مساحة نصبت فيها ستة صلبان علقت عليها ~~جثث رجال ستة، ويظهر بين الحين والحين حارس يقطع الساحة جيئة وذهابا. من الضريح ~~تنسرب أشعة ضوء خافت يرسله مصباح زيتي مثبت على جداره من الداخل، أما الساحة فشبه ~~معتمة إلا من انعكاسات النجوم البعيدة في سماء يوم من أيام الصيف الحار. نرى الخادمة ~~واقفة أمام الدرج، تطل برأسها حينا من حافة السور الواطئ المحيط بالضريح، وحينا ~~آخر من فتحة الباب على الأرملة التي غلبها النوم. تتنهد بصوت عال، ويبدو على ~~حركاتها الحيرة ms041 والقنوط.) # الخادمة ~~: # لا، لا، يجب أن أبكي! لا بد أن أبكي! أيتها الدموع الملعونة! لماذا تهربين ~~حين أطلبك، وتفاجئينني دون أن أدعوك؟ لماذا تمتنعين وكل شيء يدعو إلى البكاء؟ ~~هل جئت هنا إلا لأبكي معها؟ ألم أقسم لسيدتي أن أموت معها؟ فكيف أراها تغرق ~~في بحر دموعها بينما أقف أنا على الشاطئ؟ لأفكر قليلا. لماذا يجب أن أبكي؟ هل ~~هذا شيء يحتاج لتفكير؟ لا، لا، اذهب أيها الفكر، لا تكن سدا يوقف نهر ~~دموعي. أبكي بالطبع على سيدي، الرجل الحكيم الذي تركنا منذ ثلاثة أيام؛ أبكي ~~الفضيلة نفسها، صمته ووحدته وإشاراته الطيبة لي، مجده وشهرته على كل لسان في ~~المدينة. ~~(تحاول أن تبكي) # تبا لي. ولكن ~~الدموع لا تريد أن تأتي. إذن فلأبك سيدتي، حبيبة أفروديت الجميلة التي تقتل ~~جمالها بيديها، عروس البحر الفاتنة التي تذوي على الرمال وتنعى حظها. ها هي ~~آلهة النوم تضعها على صدرها بعد أن مزقت خدودها، وجرحت عينيها من البكاء. ~~ومع ذلك فلم تسقطي أيتها الدموع الجاحدة وأنا أعزيها وأحاول أن أصبرها. ~~لم تسقط قطرة واحدة منك حين كان ينبغي أن تنهمري كالمطر في ليلة عاصفة. وا ~~خجلي منك! وا خيبة أملي فيك! كيف يسمح لي خارون بركوب قاربه بعيون لم ~~تندها الدموع؟ كيف يكون نهر الموت إن لم يكن من دموعنا؟ إذن فلأجرب أن ~~أبكي على زوجي. نعم، نعم، أنا أيضا كان لي زوج، وكم أشتاق إلى الوغد! لكنه ~~خانني وغدر بي. لا، لا، إنه لا يستحق دمعة واحدة، آه! بل إن ذكراه تكاد ~~تضحكني. لا بد أن أبكي لأنني لا أستطيع أن أبكي، حتى عندما رأيتهم يبكون لم ~~تسقط قطرة على خدي، لم أحس ملمسها على يدي. انصرفوا وهم يبكون، رجال ~~المدينة ونساؤها الطيبون، بكوا عليك يا سيدي وقطعوا أوتار القلوب، ولكنني ~~صرفتهم ووقفت أودعهم كأنني تمثال من الحجر. آه يا سيدتي الجميلة! يا ~~سيدتي الحزينة! ~~(تطل عليها فتجدها لا تزال مستسلمة ~~للنوم) # ثلاثة أيام وثلاث ليال لا تأكلين ولا تشربين، نذرت ~~الصوم ms042 والعطش وفشلت كل محاولاتي معك. ربما لو أكلت وشربت كأسا واحدة، ~~ربما أبكي عندئذ كما أريد وأكثر مما أريد. ربما ربما، ولكن من أين وقد ~~حرمت علي أن أحضر معي الزاد والماء؟ ثم أنني أقسمت أن أشاركها كل شيء. ~~فكيف يا عيني لا تشاركان عينيها؟ ها هي ذي تحرك رأسها الجميل، وشعلة ~~المصباح تحرك رأسها النحيل أيضا، تريد أن تنطفئ كما تنطفئ حياتها وحياتي، ~~فلأدخل إليها سريعا وأسقيها قطرات من الزيت، حتى المصباح لا يمكنه الصمود ~~للعطش والجوع. ~~(تفتح الباب وتدخل. تتحرك سيدتها قليلا ثم تسكن. ~~الخادمة تضع الزيت في المصباح وتتأملها!) # آه يا سيدتي! عندما ~~أتصور جسدك ممددا بجانبه كالوردة الجميلة الذابلة، وأنا أيضا بجانبك ~~كشجرة البلوط اليابسة، والظلام من حولنا بعد أن ينطفئ المصباح. لا، لا، سيضيء ~~مصباح جسدك هذا الضريح، سترف حوله فراشات الطهر والوفاء وترقص حوله وتدور ~~كالباخيات في سكرة الحب والنشوة. وأنت يا سيدي المسكين ~~(تقترب منه وتتأمله) # دائما صامت ووحيد. ~~سترقبنا كما كنت تفعل في حياتك وتوصد عليك أبواب حكمتك. هل يرضيك أن تموت ~~من أجلك؟ هل يسرك أن أموت أنا أيضا؟ أرأيتها وهي تشق صدرها وتدمي وجهها ~~وتنثر التراب على شعرها؟ آه! لماذا أكلمك وأنت كما كنت دائما صامت ~~ووحيد؟ ~~(تتحرك الأرملة ثم تهتف.) # الأرملة ~~: # دعني، دعني. # الخادمة ~~(تسرع إليها) ~~: # سيدتي، هل صحوت؟ # الأرملة ~~: # قلت لك دعني، دعني. # الخادمة ~~: # أنا بجانبك يا سيدتي، أنا ... # الأرملة ~~: # من؟ ~~(تفتح عينيها.) # الخادمة ~~: # لم تنادي علي. لقد ناديت عليه، ناديت رجلا. # الأرملة ~~: # رجل؟ أية رجل؟ كيف يدخل رجل إلى هنا! # الخادمة ~~: # رجل يدخل إلى هنا؟ # الأرملة ~~: # ألم أحرم عليك هذا؟ ألم أحذرك من أفروديت؟ # الخادمة ~~: # وما شأنهم بنا؟ ونحن هنا في ضريح يا سيدتي. # الأرملة ~~: # نعم نعم لم يبق إلا أن نتأهب للموت. لقد ودعنا الحياة والنور والأمل، ~~ودعنا الرجال وكل ما يذكرنا بهم. # الخادمة ~~: # ولكنك ناديته، ناديت رجلا. # الأرملة ~~: # لا، لا، لم يكن رجلا. # الخادمة ~~: # وماذا كان؟ تذكري يا سيدتي. # الأرملة ~~: # كان نسرا. # الخادمة ~~: # كان نسرا ms043 وأنت الحمامة. فهمت. # الأرملة ~~: # لم تفهمي شيئا. هل رأيت حلمي؟ هل كنت معي؟ # الخادمة ~~: # كنت معك طول الوقت. ولكني لم أر حلمك. دعيني الآن أره. # الأرملة ~~: # لماذا تذكرينني به؟ الحمد لزيوس أنه كان حلما. # الخادمة ~~: # ومن يدري؟ ربما كان زيوس نفسه. # الأرملة ~~: # رب الأرباب؟ ولماذا يهبط من عليائه ويحملني معه؟ # الخادمة ~~: # هذا ما يفعله دائما. أرملة جميلة مثلك. هل يمكن أن يغفل عن هذا ~~الصيد؟ # الأرملة ~~: # النسور لا تصيد الجثث. إنني أنتظر من يدفنني بجانبه. آه يا زوجي! # الخادمة ~~(ضاحكة) ~~: # الزوج نام إلى الأبد. والأرملة الجميلة ... # الأرملة ~~: # قلت لك لست أرملة ولست جميلة. ثم كيف تضحكين في هذا المكان؟ # الخادمة ~~: # معذرة يا سيدتي، كان يجب أن أبكي. ~~(تشهق وتحاول ~~أن تبكي فلا تسقط دمعة. الأرملة تبتسم رغما عنها) # إنه الحلم يا ~~سيدتي. # الأرملة ~~: # لا بأس. كان حلما عجيبا. # الخادمة ~~: # هل اختطفك يا سيدتي؟ # الأرملة ~~(تغالب الضحك) ~~: # حاول فلم يستطع. انقض علي. كنت بسفح الجبل وحولي الغربان والبوم، ~~تتشممني وتقفز على جسدي. وإذا به ينقض علي فجأة. لم أفق إلا على ~~عينيه الكبيرتين الواسعتين تحدقان في، وجناحيه الهائلين يرفرفان ~~فوقي كالظل المخيف. وقبل أن أصرخ حملني وطار إلى أعلى (صرخت غاضبة) لا ~~أريد أن أحلق إلى أعلى، دعني هنا في السفح، هنا مكاني مع زوجي، مع البوم ~~والديدان والغربان، لم أعد أصلح للسماء ولا للقمم والنور، دعني، دعني، ~~دعني. # الخادمة ~~: # وسمعت صراخك يا سيدتي. # الأرملة ~~: # سمعتني؟ # الخادمة ~~: # نعم. # الأرملة ~~: # هل يمكن أن يكون هو زيوس؟ # الخادمة ~~: # أو إله غيره، رآك فأشفق عليك واختطفك. # الأرملة ~~: # ولكنه كان حلما، وأنا الآن بجانب زوجي. # الخادمة ~~: # سيدي المسكين لا يزال كما هو، لم يتحرك لينتشلك. # الأرملة ~~: # ماذا تقولين؟ كيف يتحرك وهو ميت؟ ألم أجئ إلى هنا لأموت معه؟ # الخادمة ~~: # وأنا أيضا لأموت معك. # الأرملة ~~: # لم أطلب منك هذا. أنت التي صممت. # الخادمة ~~: # وأقسمت ألا أتركك. # الأرملة ~~: # يمكنك أن تذهبي. إني آمرك. اذهبي. # الخادمة ~~: # إلى أين؟ ليس لي أحد غيرك. أقسمت أن أعيش معك أو أموت ms044 معك. # الأرملة ~~: # ولماذا أحمل ذنبك على رأسي؟ لماذا أحمله معي إلى قبري ؟ إني أموت من أجل ~~زوجي. # الخادمة ~~: # وأنا من أجلك ومن أجل زوجك. # الأرملة ~~: # ولا أحد سوانا؟ # الخادمة ~~(ضاحكة) ~~: # معذرة، ولكنه لا يستحق، عاش وغدا ومات كالأوغاد. لن يصدق أحد أنني دفنت ~~نفسي حزنا عليه. أما أنت فالمدينة كلها تعرفك وتفتخر بك. # الأرملة ~~: # وماذا يقولون عني؟ # الخادمة ~~: # يقولون؟ إنهم يبكون يا سيدتي. ليتك رأيتهم وهم يئنون ويتأوهون حزنا ~~عليك. ليتك سمعتهم وهم يرددون اسمك كما يرددون الصلاة في المعبد. هذه ~~الأرملة الطاهرة، تمثال الوفاء ومثال العفاف. لقد سمعت النسوة وهي تطلب من ~~أعضاء مجلس المدينة أن يقيموا لك تمثالا في وسط المدينة؛ حتى يمر عليه ~~أزواجهم الجاحدون فيتعلموا. أتعرفين ماذا خطر ببالي؟ تذكرت زوجي وقلت ~~لنفسي: ليتك كنت حيا لتتعلم! # الأرملة ~~: # هل كنت تأتين معي لو كان حيا؟ # الخادمة ~~: # بالطبع يا سيدتي، كنت سأجد سببا كافيا لأدفن نفسي حية. # الأرملة ~~: # من شدة غيرتك عليه. أما الآن فمن شدة شوقك إليه. # الخادمة ~~: # أنت تسيئين الظن بي يا سيدتي. # الأرملة ~~: # ألا تشتاقين للقائه هناك؟ # الخادمة ~~: # وهل يمكن أن ألقاه هناك؟ إن روح سيدي ترفرف الآن فوق أشجار الإليزيوم. أما ~~الوغد فلا بد أن روحه الشقية تهوي في قاع هاديس. # الأرملة ~~: # سنعرف قريبا أين هو، لا، لا، سأعرف أنا وحدي. # الخادمة ~~: # اطمئني. إنني أعرف من الآن. لا حاجة بي للبحث عنه هناك. # الأرملة ~~: # هكذا رجعت لعقلك. كانت صراحتك دائما تعجبني. إنني أموت من أجل زوجي ~~وحبيبي. أما أنت، فلأي شيء؟ # الخادمة ~~: # لأجلك ولأجله أيضا يا سيدتي. هل تتصورين أن أتركك وحدك؟ وإلى أين ~~أذهب بعدك؟ # الأرملة ~~: # وما ذنبك أنت؟ # الخادمة ~~: # ذنبي أنني أحبك أيضا. قلت لك لن أتركك وحدك. # الأرملة ~~: # آه! # الخادمة ~~: # سيدتي! # الأرملة ~~: # آه آه! # الخادمة ~~: # ماذا بك؟ # الأرملة ~~: # بدأت الرحلة يا عزيزتي. سألقاه هناك. إنه يشير إلي. # الخادمة ~~(تنهض وتنظر للميت) ~~: # إنه لم يتحرك يا سيدتي، ما زال كما هو، لا يتحرك ولا يتكلم. # الأرملة ~~: # بل يدعوني إليه. انظري ابتسامته. ms045 # الخادمة ~~: # لم أرها أبدا يا سيدتي، وجهه صارم كما كان، جبهته عابسة كما هي. # الأرملة ~~: # إنها الحكمة يا ساذجة. ألا ترين كيف يتزاحمون حوله؟ # الخادمة ~~: # من يا سيدتي؟ # الأرملة ~~: # الأرواح، الأشباح والظلال تتسابق نحوه. # الخادمة ~~: # أنا لا أرى إلا ظلال المصباح يا سيدتي، تتثاءب حوله كما كانت تفعل، ~~سيدتي. # الأرملة ~~: # أحس أن قدمي لا تحملاني، الزحام شديد. # الخادمة ~~: # إنه الضعف يا سيدتي، الصوم والعطش هما السبب، لا بد أن تأكلي شيئا. # الأرملة ~~: # ماذا قلت؟ آكل؟! # الخادمة ~~: # إذا فاشربي يا سيدتي. إنك لم تعاهديه على العطش أيضا. # الأرملة ~~: # وتقولين هذا يا خائنة؟ هل أخفيت الطعام والشراب من ورائي؟ # الخادمة ~~: # أنا يا سيدتي؟ إنني أموت مثلك من الجوع والعطش. عليك أن تأكلي شيئا ~~يقويك على الرحلة. # الأرملة ~~: # وتكررينها يا خائنة؟ # الخادمة ~~: # جرعة ماء واحدة، لا يمكن أن أتركك على هذه الحال. لا أستطيع أن أواصل ~~الرحلة معك. # الأرملة ~~: # وماذا يقول الناس عني؟ ماذا تقول المدينة؟ الطاهرة تراجعت بعد أول خطوة؟ ~~عجزت عن تقديم أول تضحية؟ # الخادمة ~~: # لن يقول أحد شيئا، لن يرانا إنسان. إنهم يتصورون أننا متنا وانتهى ~~الأمر. # الأرملة ~~: # بينما نبحث عن الطعام والماء. # الخادمة ~~: # لن تبحثي عن شيء، سأذهب أنا وأعود. # الأرملة ~~: # بل تذهبين ولا تعودي أبدا ~~(تئن) ~~. # الخادمة ~~: # بل سأعود. قل لها يا سيدي، لا تتخل عنها. # الأرملة ~~: # تعلمين أنه سكت إلى الأبد. # الخادمة ~~: # ما دمت تعلمين هذا، فلماذا تدفنين نفسك حية؟ # الأرملة ~~(تبكي) ~~: # وتسألين لماذا؟ # الخادمة ~~: # لو كان حيا لدعاك للحياة. # الأرملة ~~(تبكي) ~~: # وعدته أن أذهب معه. # الخادمة ~~: # وتضحين بحياتك قبل اليوم المحتوم؟ ستذهبين يوما ما، سنذهب ~~جميعا. # الأرملة ~~: # قلت لك اذهبي. دعيني لدموعي. # الخادمة ~~: # لن أذهب ولن أدعك. إلى متى أقول لك هذا؟ معذرة يا سيدتي ~~(تركع عند قدميها وتضع يديها على ركبتيها) # أتظنين أن دموعك تهم تراب القبر؟ هل تهم روح المرحوم؟ # الأرملة ~~: # ولكنه يراني. ينتظرني هناك ويشير إلي. # الخادمة ~~: # ويبتسم أيضا، يبتسم كما لم يفعل طول حياته؛ لأنك ما زلت تحت الشمس، لأنك ~~تستطيعين أن ms046 تستمتعي بالنور وتخرجي للحياة. # الأرملة ~~: # أخرج؟ بعد أن دخلت بقدمي إلى عالم الظلال؟ # الخادمة ~~: # لم تدخليه بعد. قدمك لا تقوى على حملك. قدمي أيضا لا تقوى على ~~حملي. # الأرملة ~~: # ولكنها ستقوى على أن تخرجك من هنا. هيا اذهبي واتركيني. ~~(يسمع صوت بالخارج.) # الخادمة ~~: # ما هذا؟ # الأرملة ~~: # قلت لك اذهبي واتركيني. # الخادمة ~~: # سأذهب. ولكني لن أتركك، سمعت؟ # الأرملة ~~: # لم أسمع شيئا. # الخادمة ~~: # إنه صوت أقدام، لا بد أن أحدا ... # الأرملة ~~: # لا أحد هناك، لا أحد سوى الموت القادم. # الخادمة ~~: # أذني لا تكذبني. أكاد أراها وأشمها أيضا. إنها أقدام رجل! # الأرملة ~~: # لا مكان هنا إلا لرجل واحد. أخرجي إذا شئت ولا تعودي ~~(يسمع صوت أقدام تسرع صاعدة على ~~الدرج) ~~. # الخادمة ~~: # قلت لك أقدام رجل. # الأرملة ~~: # وأنا قلت لك اخرجي. # الخادمة ~~: # حالا، حالا، سأخرج وأعود، لا بد أن نعود! ~~(تفتح الباب وتخرج مسرعة.) # المشهد الثاني ~~(الخادمة تصعد الدرج مسرعة، الحارس واقف أمام الجثث المصلوبة، ~~يقوم بنوبته ولا يلتفت إليها، تتقدم منه غاضبة.) # الخادمة ~~: # أنت! أنت! # الحارس ~~: # ما هذا؟ من أنت؟ # الخادمة ~~: # سمعت خطواتك على الدرج. لا تنكر. أنا التي تسألك. # الحارس ~~: # بل علي أن أسألك أنت: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ # الخادمة ~~: # لا تحاول أن تهزأ بي. ألم تتلصص علينا الآن؟ كان ظني في محله. # الحارس ~~: # وماذا ظننت؟ # الخادمة ~~: # قلت لسيدتي: أقدام رجل. وها هو يقف أمامي ويدعي الجهل والخبل. كأنه لم ~~يرنا ولم يسمعنا. # الحارس ~~: # رأيت، نعم، ولكن ليس بما فيه الكفاية. وسمعت الأنين الذي جذب قلبي. # الخادمة ~~: # أم جذب قدميك؟ ألا يمكن أن تتركوا الناس تموت في هدوء؟ # الحارس ~~: # أهذا ما تفعلانه هنا؟ # الخادمة ~~: # لا شأن لك بما نفعل. ماذا تفعل أنت؟ # الحارس ~~: # كما ترين. أحرس هذه الجثث من اللصوص. # الخادمة ~~: # لص يحرس لصوصا. لا يكفيه هذا بل يتلصص أيضا على الغرباء المساكين. # الحارس ~~: # إنني حارس ولست لصا. ألا ترين هذه الجثث؟ # الخادمة ~~: # وهل تحتاج إلى حراسة؟ إنها لن تهرب على كل حال. من يسرق جثة عفنة؟ # الحارس ~~: # اللصوص. الكل ms047 هنا لصوص يسرقون لصوصا؛ ولهذا عينوني لحراستها. # الخادمة ~~: # شاب مثلك يحرس الموتى ؟ ألم يجدوا سواك؟ ألم تجد عملا آخر؟ # الحارس ~~: # إنها قصة طويلة، لا أظن أنك جئت في هذا الوقت من الليل لأحكيها ~~لك. # قصة طويلة يا عزيزتي. # الخادمة ~~: # ومتكررة أيضا، لا بد أنك غدرت بهم؟ # الحارس ~~: # أما زلت تتصورين أنني لص؟ # الخادمة ~~: # لا تكتفي بسرقة الجثث وتسرق أسرار الناس. # الحارس ~~: # قلت لك إنني حارس، ثم إن هؤلاء ... # الخادمة ~~: # لصوص بالطبع. # الحارس ~~: # لا، ليسوا لصوصا، انظري إليهم. إنهم إخوتي ورفاقي، إخوتي ورفاقي ~~(يخفي رأسه بين يديه) ~~. # الخادمة ~~: # لقد صدق ظني. والآن تبكي لأنك خنتهم. # الحارس ~~: # كيف ستفهمين هذا؟ هو الذي خاننا. # الخادمة ~~: # هو؟ من؟ # الحارس ~~: # ومن غيره؟ الطاغية بالطبع. المستبد الذي داس على جثة المدينة، وأنا الذي ~~ثرت عليه مع رفاقي أصبح حارسا على جثثهم ~~(يبكي) ~~. # الخادمة ~~: # لا تبك يا رجل. دعهم فلن يهربوا. # الحارس ~~: # لو هرب واحد منهم فسيعلقونني مكانه. # الخادمة ~~: # قلت لك لن يهرب أحد. إنهم ساكنون كالتماثيل في قاع البحر. أليس كذلك أيها ~~الطيبون؟ # الحارس ~~: # قلت لك إنها قصة طويلة. لو عرفتهم قبل أن يقتلوا لأحببتهم. # الخادمة ~~: # يظهر أن السماء لا تمطر في هذه الليلة إلا جثث الموتى والقتلة. # الحارس ~~: # قلت لك المقتولين. إنهم يسمونها جريمة سياسية. # الخادمة ~~: # لا أحب الجريمة ولا السياسة. أعطهم ظهرك وانظر للسماء. ألا تستحق النجوم أن ~~تنظر إليها في ليلة كهذه؟ # الحارس ~~: # النجوم؟ إنها هي الأخرى جثث محترقة، انظري إليها، إنها تحرسهم ~~وتحرسني. # الخادمة ~~: # إذن لا تنظر إليها. دع كل الجثث واسمعني. # الحارس ~~: # لا أستطيع. قلت لك سأعلق مكانها. إن عقابه صارم وقاس ~~(يشرب من زجاجة في يده) ~~. # الخادمة ~~: # ودعك من هذه أيضا. # الحارس ~~: # الحر شديد يكاد يخنقني، هل لك في جرعة؟ # الخادمة ~~: # ليتني أستطيع. # الحارس ~~: # ولماذا لا تستطيعين؟ # الخادمة ~~: # أقسمت ألا أبلل فمي بقطرة واحدة، ثم إن سيدتي أقسمت أيضا. # الحارس ~~: # أهي التي في الضريح؟ # الخادمة ~~: # نعم هي. أقسمت أن تموت جوعا وعطشا. # الحارس ~~: # كيف تتركينها لتثرثري؟ لماذا لم تقولي من ms048 البداية؟ # الخادمة ~~: # لقد قلت إنها أقسمت أن تصوم عن الأكل والشرب، حتى النوم أرادت أن تصوم عنه ~~لولا أن غلبها في النهاية فاستسلمت له. إنني أقسمت معها أيضا. # الحارس ~~(يشرب) ~~: # ولماذا؟ لماذا تفعلان هذا؟ # الخادمة ~~: # بعد أن مات زوجها لم تجد معنى للحياة بعده. # الحارس ~~: # زوجها؟ # الخادمة ~~: # نعم، المدينة كلها تتحدث عنه وعنها، مات من ثلاثة أيام، ألم تسمع عنه؟ # الحارس ~~: # أنا هنا لا أسمع ولا أرى، ومن يكون زوجها؟ # الخادمة ~~: # من يكون؟ من يكون؟ # الحارس ~~: # ماذا كان يفعل؟ # الخادمة ~~: # لم يكن يفعل شيئا، كان يفكر، بالنهار والليل يفكر، أحيانا يرفع صوته ويطلب ~~كتبا أو أوراقا، لا أعرف إلا إنه كان يفكر، تذكرت، كانوا يسمونه ~~الفيلسوف. # الحارس ~~: # الرواقي؟ تذكرت أنا أيضا. # الخادمة ~~: # لا أعرف. كل ما أعرفه أن سيدي مات منذ ثلاثة أيام. # الحارس ~~: # أخيرا، هذا الأخرس الأبكم. # الخادمة ~~: # لا تقل هذا عنه، سيدي لم يفعل شيئا يستحق هذا. # الحارس ~~: # حقا، لم يفعل شيئا، وهذه أرملته؟ # الخادمة ~~: # أرملته الوحيدة المسكينة، تركها كالقطة الصغيرة تموء وسط القبور. # الحارس ~~: # وتموت جوعا وعطشا، هيا أيتها الجاحدة. # الخادمة ~~: # إلى أين؟ لو رأت ظل رجل لتحولت إلى قطة متوحشة. # الحارس ~~: # هذه التي تحتضر من الجوع والعطش؟ إن كانت قطة فأنت نمرة مفترسة. # الخادمة ~~: # أنا؟ وماذا أفعل؟ # الحارس ~~: # نذهب إليها الآن. # الخادمة ~~: # وتراني مع رجل؟ لن تغفر لي هذا أبدا. # الحارس ~~: # المهم أن ننتشلها من الغرق. # الخادمة ~~: # ليتك تفعل هذا، قل لها أنت خارون نفسه، جئت تصحبها إلى هناك، جئت ومعك ~~القارب. # الحارس ~~: # فهمت فهمت، ومعي طعام وشراب كاف، هيا، هيا. ~~(يهبطان الدرج سريعا، يقفان على باب الضريح.) # الخادمة ~~: # انتظر. # الحارس ~~: # هل بقي وقت للانتظار؟ # الخادمة ~~: # المسكينة عادت للنوم. # الحارس ~~: # أو سقطت فيه بلا وعي. # الخادمة ~~: # ننتظر قليلا حتى تفيق، أنا أيضا أسقط على الأرض. ~~(تجلس.) # الحارس ~~: # خذي هذه الجرعة، لا وقت نضيعه. # الخادمة ~~: # لا أستطيع. # الحارس ~~: # قلت لك اشربي، إنه الجوع والظمأ، ألا ترين كيف غابت عن كل شيء؟ # الخادمة ~~: # لا أستطيع أن أشرب قبل ms049 سيدتي. # الحارس ~~: # هي أيضا شاحبة الوجه، أراه على ضوء المصباح كنجم ينطفئ على البعد، سيدتي ~~الرائعة، سيدة الحزن الجميل والألم المعبود، وجهك هذا أم وردة الفجر ~~المحتضرة؟ جسدك أم شلال ضياء ينثر بلوره في الظلام؟ هل يمكن أن تذبلي ومعي ~~ندى الخمر؟ هل أترك نهرك تطويه الرمال ومعي القارب والماء؟ أفيقي يا عروس ~~البحر! أمواج الحياة تناديك وتتشهى لمسة جسدك، أفيقي واضربي الأرض بخطاك ~~وارقصي مع الجدي المرح، نعم إنني أستطيع أن أرقص وأضحك وأغني على الرغم من ~~الجثث المعلقة، قومي يا شمسي الصغيرة لتراك الشمس في الصباح، لم تخلق الأرض ~~لتكون قبرا لك بل لترقصي عليها كالشعلة الضاحكة، أفيقي! أفيقي! جاء خارون ~~ومعه قارب النجاة ~~(يهم بالدخول فتوقفه ~~الخادمة) ~~. # الخادمة ~~: # مهلا مهلا، أليس لي مكان في القارب؟ # الحارس ~~: # ولك جرعة من الزجاجة ~~(يقدم لها ~~الزجاجة) ~~. # الخادمة ~~: # لن أشرب قبلها. # الحارس ~~: # جرعة في صحتها. # الخادمة ~~: # هي أولا، ليتها تقبل منك. # الحارس ~~: # ستقبل وتشرب، هل تراهنين؟ # الخادمة ~~: # وستلعنني وتطردني. # الحارس ~~: # هل تراهنين؟ # الخادمة ~~: # ليس عندي ما أقدمه. # الحارس ~~: # أما أنا فأقدم الأمل والمصير، أقدم الحياة، ألا تشربين نخب ~~الحياة؟ # الخادمة ~~: # قلت لك لن أذوق جرعة قبلها. # الحارس ~~: # صوتك يقول إن فمك كالصحراء، دعيني أسقه. # الخادمة ~~: # كالصحراء أو كالجحيم، هيا لا تضع الوقت. # الحارس ~~: # أما أنا فأسقي النهر المتدفق للصحراء أو الجحيم. ~~(يشرب.) # الخادمة ~~: # هيا، هيا. # الحارس ~~: # هيا ~~(يدخلان) ~~. # المشهد الثالث ~~(في داخل الضريح، الحارس والخادمة والأرملة، تتقدم الخادمة على ~~أطراف قدميها يتبعها الحارس مبهوتا.) # الخادمة ~~(تنادي) ~~: # سيدتي! سيدتي! # الحارس ~~: # دعيها نائمة، يمكننا أن ننتظر ~~(يتلفت ~~حوله) ~~. # الخادمة ~~: # ننتظر حتى تغرق؟ ألست خارون؟ # الحارس ~~: # ماذا؟ نعم، نعم ~~(يتجه نحو التابوت ويطل على ~~الميت) ~~. # الخادمة ~~(همسا) ~~: # ألم تره قبل هذا؟ نفس الصمت والسكون، كوكب يسبح في فلكه، بعيد ومكتف ~~بذاته. # الخادمة ~~: # حقا حقا، بعيد ومكتف بذاته. # الخادمة ~~: # سيدتي هي التي تقول هذا. # الحارس ~~(يتأمل النائمة) ~~: # بالطبع، لا يمكن أن تقول غير هذا. # الخادمة ~~: # وتقول أيضا: الربة أثينا أعطته الحكمة، والرب أبولو أعطاه العقل. ms050 # الحارس ~~: # ووجهه؟ من أعطاه وجه البومة؟ # الخادمة ~~: # تبا لك، لو كان حيا لما جرؤت على هذا. # الحارس ~~: # لو كان حيا. # الخادمة ~~: # لوقفت أمامه كالعابد أمام تمثال الإله. # الحارس ~~: # وكسرت التمثال نفسه ~~(الأرملة تحرك رأسها ~~وتئن) ~~. # الخادمة ~~: # ما هذا الهراء؟ تثرثر وسيدتي تحتضر، سيدتي! سيدتي! # الأرملة ~~: # من؟ من يدعوني؟ # الخادمة ~~: # جاء يا سيدتي، جاء ومعه القارب والمجذاف. # الأرملة ~~(مفزوعة) ~~: # النسر؟ # الخادمة ~~: # لا تخافي، لن يحلق إلى أعلى، سيسبح فوق النهر. # الأرملة ~~(تفتح عينيها) ~~: # من هذا؟ ماذا أري؟ # الخادمة ~~: # إنه هو يا سيدتي، خارون بنفسه. # الأرملة ~~(تتأمله) ~~: # كاذبة، ألم أقل لك اذهبي؟ # الخادمة ~~: # وقلت لك لن أذهب، لن أتركك وحدك وسأعود إليك. # الأرملة ~~: # تعودين ومعك رجل؟ # الخادمة ~~: # هذا؟ ليس رجلا. إنه خارون. # الحارس ~~(الذي ظل يتأملها كالعابد) ~~: # ومعي الطعام والماء، لا بد منه قبل الرحلة. # الأرملة ~~: # ويريدني أن آكل وأشرب؟ ألا يكفي أنه رجل وأنه تسلل إلى مخدع امرأة تريد أن ~~تكون وحيدة مع زوجها؟ اذهب أيها الغريب، لا مكان لك هنا، ألا ترى بنفسك؟ ألا ~~تراه؟ # الحارس ~~: # وأراك يا سيدتي. لم أتحمل أن تكوني وحدك. # الأرملة ~~: # لست وحدي، لا أريد حارسا علي. # الحارس ~~: # كلانا يقوم بالحراسة، أنت تحرسين جثة واحدة وأنا ... # الخادمة ~~: # يحرس ستة يا سيدتي. # الأرملة ~~: # زوجي ليس جثة، إنه حي، أكثر حياة منك ~~(للخادمة) # أتكذبين علي؟ # الخادمة ~~: # لم أكذب يا سيدتي، لقد رأيتها بنفسي، لصوص مساكين معلقون من أقدامهم في ~~الليل والبرد. # الأرملة ~~: # خارون ويحرس الجثث؟ # الحارس ~~: # أوامر الآلهة يا سيدتي، وقد أمرته من الليلة أن يحرس الأرواح أيضا، وها هو ~~أمامك لينقل روحك الجميلة جمال جسدك. # الخادمة ~~: # إنه قوي وشاب يا سيدتي، ثقي به وسوف يحملك إلى هناك. # الأرملة ~~: # يظهر أنك مغرور بقوتك وشبابك. وجثثك المعلقة في الليل والبرد ~~والريح؟ هل تتركها لتذهب معي؟ # الحارس ~~: # أتركها؟ لا أستطيع، لا أستطيع. # الخادمة ~~: # اطمئن، لن تستطيع أن تهرب. # الحارس ~~: # تعرفين الجزاء الذي ينتظرني لو سرقها أحد. # الأرملة ~~(ضاحكة) ~~: # يسرقون جثة؟ # الحارس ~~: # ويعلقونني مكانها، لا بد أن أطمئن عليها. ~~(يتجه فزعا ms051 نحو الباب.) # الأرملة ~~: # الآن عرفت كم أنت قوي وشاب ~~(للخادمة) # اذهبي أنت ، انظري وطمئنيه. # الخادمة ~~: # والرحلة يا سيدتي؟ رحلتك إلى العالم السفلي. ألا تأخذاني معكما؟ # الحارس ~~: # انتظري، سأذهب بنفسي. # الخادمة ~~: # بل ابق أيها الشاب، أريد أن أقول يا خارون، لست بحاجة للذهاب معكما، إذا ~~رأيتما كلب الجحيم المسعور فاعرفا أنه هو ... # الحارس ~~: # من؟ # الأرملة ~~(ضاحكة) ~~: # زوجها بالطبع. # الخادمة ~~(وهي تنصرف) ~~: # خانني في الدنيا ولا بد أنه يخونني في الآخرة، المصلوبون أولى منه. # الحارس ~~: # افتحي عينيك جيدا، حذار أن تغمضيهما. # الخادمة ~~: # أعرف أعرف، حتى لا تجد نفسك مكانهم، لا تنس أن تسلم على الكلب المسعور ~~(تنصرف، يتضاحكان ثم تخيم الكآبة فجأة على وجه ~~الأرملة، تنظر إلى الحارس المدله بإعجاب خفي) ~~. # الأرملة ~~: # هل استعد خارون؟ # الحارس ~~(منتبها) ~~: # بالطبع يا سيدتي. وهل جئت إلا لهذا؟ ~~(يتجه مرتبكا ناحية الزوج الراقد في التابوت وكأنه يريد أن ~~يحمله على ظهره.) # الأرملة ~~: # ماذا تفعل؟ أتريد أن تحمله على ظهرك؟ # الحارس ~~: # ولم لا؟ ما دمت تريدين هذا. # الأرملة ~~: # أنا أريد هذا؟ الآن فهمت. # الحارس ~~: # ماذا فهمت؟ # الأرملة ~~: # أنك خارون مبتدئ، هل نسيت أنه ينقل الأرواح؟ # الحارس ~~: # ألم تنتقل روحه بالفعل إلى هناك؟ # الأرملة ~~: # وتسألني أنا؟ # الحارس ~~: # بالطبع، بالطبع، إنه هناك، في هاديس. # الأرملة ~~: # بل مع الخالدين المنعمين. # الحارس ~~: # هاديس أو الإليزيوم، لا يهم أنه هناك، هيا نذهب إليه، أيها الحكيم! أيها ~~الحكيم ~~(يمد ذراعه نحوها، تمد يدها مترددة، يقبض ~~عليها بشدة) ~~. # الحارس ~~: # أولا لا بد أن تهبطي القارب، هيا، لا تخافي. ~~(الأرملة ترتعش يدها في يده، تترنح وتكاد تسقط، يضمها إليه ~~بشدة.) # الحارس ~~: # امسكي ذراعي بقوة، لا بد أنها الريح. # الأرملة ~~: # دعني ~~(تستسلم له) ~~. # الحارس ~~: # نعم نعم، نسيت أنك منهوكة من الصوم والعطش ~~(يبحث ~~عن حزمة الطعام والزجاجة ويقدمهما مرتبكا) ~~. # الأرملة ~~: # ونسيت أنني أقسمت على الصوم حتى الموت؟ # الحارس ~~(مرتبكا) ~~: # هذا ما قالته الخادمة، ولكن لا يمكنك أن تقطعي هذه الرحلة ~~الطويلة. # الأرملة ~~: # بل لا بد أن أقطعها. # الحارس ~~: # أتوسل إليك. # الأرملة ~~: # لقد عاهدته ولن أتراجع عن ms052 عهدي. # الحارس ~~(يشرب) ~~: # تذكري وعورة الطريق، الأرواح الشرسة والوحوش الكاسرة، جرعة واحدة . # الأرملة ~~: # لقد مت وانتهى الأمر، إنها لن ترد الحياة إلي. # الحارس ~~: # ولن تردك للحياة، لا تخافي، جرعة واحدة. # الأرملة ~~: # واحدة فقط. # الحارس ~~: # نعم نعم، كما يقولون: جرعة للطريق ~~(يناولها، ~~تشرب) ~~. # الأرملة ~~: # والطريق وعرة. # الحارس ~~: # هات يدك ~~(تناوله يدها، يلفها حول خصره فلا ~~تمانع) # أفسحي مكانا أيتها الأرواح اللزجة! ابتعدي أيتها ~~الأشباح المتطفلة! يا لهذا الزحام! أين نراه؟ من يدلنا عليه؟ # الأرملة ~~(كأنها ترافقه وتبحث عنه) ~~: # لا بد أن نجده، سنجده حتما، إنه أشهر من أن يضيع في الزحام. # الحارس ~~: # نعم نعم، الحكيم الصامت الوحيد، لا بد أنه وحيد هناك. # الأرملة ~~: # ناد عليه، نادي. # الحارس ~~: # يا سكان هاديس. # الأرملة ~~: # قلت لك الإليزيوم. # الحارس ~~: # أيها الخالدون، من رأى منكم حكيم الرومان العظيم؟ من يعرف الرواقي المشهور؟ ~~أيتها الأرواح، أيتها الظلال والأشباح، حكيم على رأسه تاج المجد والفخار، على ~~جبينه إكليل الغار، الإكليل الذي وضعه عليه الطاغية بنفسه. # الأرملة ~~: # ليس هذا صحيحا، زوجي رفض هذا الإكليل من يده. # الحارس ~~: # حقا؟ إذا فهي إشاعة كاذبة. # الأرملة ~~: # بالطبع كاذبة، ما زلت أتذكر ما قاله بالحرف الواحد للرسول الذي جاءه من ~~القيصر. # الحارس ~~: # ماذا قال؟ # الأرملة ~~: # قل لسيدك: لن أسمح له أن يصنع من دمي وردة يزين بها صدره. # الحارس ~~: # ولم يفعل شيئا؟ # الأرملة ~~: # من؟ لا أفهم ماذا تعني، زوجي كان يميل إلى الصمت. # الحارس ~~: # هذه هي المصيبة. # الأرملة ~~: # إنه مفكر، عمله أن يفكر. # الحارس ~~: # مصيبة أخرى، يفكر ولا يعمل، يتأمل ويملأ الكتب كلاما. # الأرملة ~~: # يملؤها حكمة، حكمة لا يفهمها حارس جثث مثلك. # الحارس ~~: # تقصدين خارون؟ # الأرملة ~~: # خارون الفاشل، يقطع الرحلة قبل أن يبدأها. # الحارس ~~: # بل لا بد أن نستمر فيها، لا بد من البحث عن الحارس الآخر. # الأرملة ~~: # من تقصد؟ # الحارس ~~: # ألم يكن يحرس الجثث أيضا؟ ~~(ينادي فجأة) # ابتعدي أيتها الأرواح اللعينة! يا هاديس!! ساعدنا يا زوج برسيفونة المخيفة! ~~أنت يا أقسى القضاة وأعدلهم! يا من تجلس وسط النيران على عرشك وفي يدك ms053 ~~الصولجان! يا من تحاكم أرواح الموتى هل حاكمته؟ يا ملك الموت وملك الحياة ~~ساعدنا في العثور عليه! هل هو ميت في مملكة الموت كما كان ميتا في مملكة ~~الحياة؟ # الأرملة ~~: # جاوزت الحد، توقف. # الحارس ~~: # لا بد أن نستمر، لا بد أن نعثر عليه، انظري، ها هو ذا، صامت ووحيد، يقف ~~بعيدا عن كل الأرواح، تماما كما هو الآن في تابوت حكمته، أنت أيها الشيخ! ~~تكلم! تكلم! # الأرملة ~~: # اصمت أنت ولا تتكلم. # الحارس ~~: # لا بد أن يتكلم، لا بد أن يقدم الحساب. # الأرملة ~~: # هل تحاكمه أيضا؟! # الحارس ~~: # ويحاكمه الموتى الأحياء، تحاكمه المدينة الميتة. # انظري! ~~(يشير بذراعيه إلى المدينة في ~~الخلفية) # ألا ترين! هنا أيضا أشباح وظلال، ملايين الموتى يمص ~~دماءهم الذئاب، ملايين الفقراء تطاردهم الكلاب، كلاب تغش وتخادع وتحتال، ~~تنشد أغنية الولاء لحذاء القيصر، والضفادع والصراصير والهوام، كلها تدوس على ~~جثة المدينة، انظري، هناك أيضا يجلس الحكيم، ينكس أعلام الفكر المشلول، ~~يتأمل ولا يحرك ساكنا، يتفرج ويبحث عن الحقيقة. # الأرملة ~~: # أجل! كان يبحث عن الحقيقة. # الحارس ~~: # قلتها بنفسك! يبحث عنها، الحقيقة تصنع أيتها الجميلة ~~(يشدها إليه) ~~. # الأرملة ~~: # ما هذا؟ دعني. # الحارس ~~: # وهذه الحقيقة؟ هل أحسست بها؟ ~~(يحاول أن يضمها ~~إليه) # هل شعرت بدفئها وحنانها وجمالها؟ أيها الميت على الأرض ~~وفي هاديس. # الأرملة ~~: # لقد أخطأت الطريق، قلت لك الإليزيوم. # الحارس ~~(مستمرا) ~~: # أنت أيتها البومة الخرساء، عشت الموت ومت الحياة. # الأرملة ~~: # اسكت! اسكت! لقد عاشها أكثر منك، أكثر وأعمق من أي إنسان، اسكت يا حارس ~~الجثث. # الحارس ~~: # ألم أقل إننا شبيهان؟ أنا أحرس الموتى مثله، ولكنني أحرس موتى لم أقتلهم، ~~إنما قتلهم الطاغية، أما أنت فتحرسين جثة رجل قتلك. # الأرملة ~~: # أنت لا تفهم، لقد كان يحبني، طالما أطرى جمالي. # الحارس ~~: # أطراه؟ نعم، بالكلمات، لا شيء إلا الكلمات، تركك تطفين عليها كما يطفو ~~الغريق على الأخشاب الباقية من سفينة غارقة، أما هذا النهر الملتهب فلم ~~يعرفه، لم يحبه ~~(يضمها بشدة) ~~. # الأرملة ~~: # أنت تكذب، تكذب، لقد أحبني كما أحببته. # الحارس ~~: # وترك العطر نائما في هذه ms054 الوردة ~~(يحاول أن ~~يقبلها فتبتعد عنه صارخة) # وها هي تذبل، تذبل. # الأرملة ~~(وهي تبكي على التابوت) ~~: # ليتني ما سمحت لك بالدخول. # الحارس ~~(مرتبكا) ~~: # معذرة يا سيدتي، معذرة. # الأرملة ~~: # الذنب ذنبي. # الحارس ~~: # جاوزت الحد كما قلت. # الأرملة ~~: # وظلمته أيضا. إنك لا تعرف شيئا عنه ولا عني. لقد عرفت السعادة ~~بجانبه. # الحارس ~~(ذاهلا) ~~: # السعادة؟ # الأرملة ~~: # انظر إليه، الفضيلة نفسها لا يمكن أن تكون أجمل من هذا، الاستقامة ~~والترفع فوق هذا العالم، الكبرياء في صورة إنسان. # الحارس ~~: # هل قلت إنسان؟! # الأرملة ~~: # إنسان وحكيم، كنت أدور في فلكه ولا أقترب منه، أرف في نوره ولا ~~أحترق. # الحارس ~~: # نعم، ولا تحترقين. # الأرملة ~~: # ما زلت أسمع رنين كلماته حتى الآن. # الحارس ~~: # كلماته؟ نعم نعم. # الأرملة ~~: # يا زوجتي الصغيرة، السعادة أن تعيشي في وفاق مع الطبيعة، أنت جزء من الكل ~~الواحد الحي، أنت جزء من ال... # الحارس ~~: # اللوجوس، هكذا يسمونه. # الأرملة ~~: # أجل! أجل! نسيت هذا، يظهر أنك تفهم هذه الأمور. # الحارس ~~: # لقد قرأتهم جميعا. # الأرملة ~~(تترك التابوت وتتجه نحوه) ~~: # قرأتهم جميعا؟! # الحارس ~~: # وألقيتهم في النار. # الأرملة ~~: # أحرقت كتبهم؟ # الحارس ~~: # وذهبت إلى الغابة. # الأرملة ~~: # شاب مثلك يترك المدينة ودور العلم ويذهب للغابة؟ # الحارس ~~: # نعم؛ لكي أعيش، أنا ورفاقي الستة قررنا أن نعيش. # الأرملة ~~(تقترب منه) ~~: # رفاقك الستة؟ تقصد الذين تحرس جثثهم. ~~(الحارس يصمت.) # الحارس ~~: # كل شيء قد انتهى كما ترين. # الأرملة ~~(تقترب منه وتمد يدها وتجفف خديه، يمد ذراعيه ~~ويهم بضمها إليه ثم يتردد ويسقطان بجانبه) ~~: # قل لي: من أنت؟ # الحارس ~~: # ومن أنت؟ # الأرملة ~~: # ألم تقل إننا شبيهان؟ # الحارس ~~: # الآن، نعم، ولكنني كنت شيئا آخر. عندما رأيتك أيقنت أنني سأكون شيئا ~~آخر. # الأرملة ~~: # حدثني أولا عما كنته. # الحارس ~~: # آه! وهل تصدقين؟ # الأرملة ~~: # إن لم تعد للكذب. ماذا كنت؟ # الحارس ~~: # كنت وما زلت. ثائر فاشل وشاعر فاشل وعاشق ... # الأرملة ~~: # شديد الفشل. صدقت في هذا، ثم ماذا؟ # الحارس ~~: # الباقي تعرفينه. إنهم معلقون هناك. # الأرملة ~~: # في البرد والريح، ولكنني لم أرهم. # الحارس ~~: # وأنا كدت أنساهم. لا بد أن أذهب. # الأرملة ~~: # قبل ms055 أن تحدثني عنهم؟ # الحارس ~~: # لا بد أن أطمئن أولا عليهم. # الأرملة ~~: # نعم ، نعم. وأطمئن عليك. # الحارس ~~: # أخشى أن تكون الخادمة ... ولكنني لا أتصور هذا، لا بد أن أذهب. # الأرملة ~~: # أسرع أسرع. # الحارس ~~: # وأعود؟ # الأرملة ~~: # نعم، نعم، عد، يا حبيبي ~~(تودعه إلى الباب. ~~يقفز السلالم بسرعة) ~~. # المشهد الرابع ~~(الخادمة تندفع مذعورة نحو الضريح، في الخلفية يتخبط الحارس في ~~الساحة مشرعا سيفه، تبدو ظلال الجثث وقد نقص عددها واحدة.) # الخادمة ~~: # النجدة يا سيدتي! النجدة. # الأرملة ~~(التي كانت تتجمل وتتزين) ~~: # ما هذا؟ ماذا بك؟ # الخادمة ~~: # الوحش الكاسر، أنقذيني منه. # الأرملة ~~(تواصل زينتها) ~~: # وحش؟ أين رأيته؟ # الخادمة ~~: # الحارس يا سيدتي. # الأرملة ~~: # خارون الفاشل؟ ماذا فعل أيضا؟ # الخادمة ~~(تركع عند قدميها) ~~: # أرجوك يا سيدتي، كاد أن يقتلني. # الأرملة ~~: # يقتلك؟ هل ينقل الأرواح أم يقتلها؟ # الخادمة ~~: # بحق زيوس، أسرعي وإلا حدثت جريمة. إن لم يقتلني فسوف يقتل نفسه. إنه ~~يقطع الساحة كالمجنون وسيفه في يده. # الأرملة ~~(تترك زينتها) ~~: # وهل أفهم السبب؟ لا بد أنك السبب. # الخادمة ~~(تبكي) ~~: # نعم أنا. لا لا، بل هو، أقصد هي. # الأرملة ~~: # تكلمي أيتها العنزة الغبية. # الخادمة ~~: # صدقت، عنزة غبية، وهي المسئولة عن كل ما جرى. # الأرملة ~~: # قلت تكلمي. هو أم هي؟ # الخادمة ~~: # الكلب المفترس يا سيدتي، جرى ورائي وكاد يغرز أنيابه في لحمي، وأفقت من ~~النوم. # الأرملة ~~: # إذن فقد نمت، ألم أحذرك أن تغمضي عينيك؟ # الخادمة ~~: # هو المسئول، ألح علي بالشرب، جرعة واحدة وحق زيوس، لكنها أثقلت ~~جفوني. # الأرملة ~~: # وجرى الكلب المفترس وراءك. # الخادمة ~~: # بل جرد سيفه وهجم علي، أخذ يلطم وجهه ويشد شعره ويبكي ويستغيث، ثم ~~هجم علي بسيف يلمع كزيوس نفسه فجريت إليك. # الأرملة ~~: # ألم أحذرك؟ لا بد أن اللصوص سرقوا الجثث. # الخادمة ~~: # واحدة فقط يا سيدتي، لا بد أنهم غافلوني وسرقوها، وهو الآن يصرخ ويتوعد من ~~أجل جثة واحدة. # الأرملة ~~: # لأنهم سيعلقونه مكانها. # الخادمة ~~: # هذا ما يقوله. إن لم تدركيه قتلني أو قتل نفسه. # الأرملة ~~: # يقتل نفسه؟! # الخادمة ~~: # الذنب ذنبي، لو كنت اختفيت كما أمرتني ما حدث شيء، ms056 سيدتي. # الأرملة ~~(عند الباب) ~~: # كفى ثرثرة. ابتعدي عن الباب. # الخادمة ~~: # دعيه يقتلني . دعيه يعلقني في مكانها. إنني على استعداد يا سيدتي، سأتمدد ~~هنا بجانب سيدي وأنتظر طعنته. # الأرملة ~~(وهي تفتح الباب وتقفز الدرج) ~~: # ليتك تصلحين لشيء. # الخادمة ~~(وهي تطل عليها من الباب ثم تندفع وراءها) ~~: # لا أصلح لشيء؟ كان دائما يقول لي هذا، ومع ذلك اشتقت إليه، وحين رآني حاول ~~أن يعضني فجريت. أيها الوغد! أيها الكلب المفترس! ألم تكتف بما فعلته في ~~الدنيا؟ وماذا تفعل الآن؟ ماذا تفعل الآن؟ # الأرملة ~~(ترى الحارس واقفا كالتمثال أمام المصلوبين الخمسة. سيفه ~~مشرع في يده وعلى وجهه أمارات اليأس والجنون) ~~: # خارون! # الحارس ~~: # لا تقتربي مني. # الأرملة ~~(تتقدم نحوه) ~~: # هات هذا السيف. هل أصبح حارس الأرواح قاتلا؟ # الحارس ~~: # قاتل ومقتول: لا مفر من قتل نفسي. # الأرملة ~~: # وجبان أيضا؟ # الحارس ~~: # شجاعتي الآن في قتل نفسي. # الأرملة ~~: # هات السيف. # الحارس ~~: # قلت لك لا مفر، سترينه الآن ينغرز في صدري، أم تفضلين أن تريني معلقا ~~بجانبهم؟ # الأرملة ~~: # لن أسمح بهذا. قلت لك هات السيف. # الحارس ~~: # سيعلقونني مكانها. أنت لا تعرفين عقابهم. الأفضل أن أقتل نفسي ~~بيدي. # الأرملة ~~: # وتقتلني معك؟ # الحارس ~~: # ليتني أموت بيدك. هذا هو السيف، ادفعيه بكل قوتك في صدري، خذي، ضربة واحدة ~~تريحني. ~~(يسلمها السيف.) # الخادمة ~~(تظهر من وراء سيدتها) ~~: # سلمت يداك يا سيدتي. # الحارس ~~: # أيتها الملعونة! ~~(يجري وراءها.) # الخادمة ~~(تجري) ~~: # سيدتي، سيدتي، اقتليني إذا كان هذا يريحه. # الحارس ~~: # لن يريحني أن تبتلعك كلاب هاديس بأجمعها. # الخادمة ~~: # كلب واحد يا سيدي، الذنب ذنبه، ليته ابتلعني ولم أصح من النوم. # الأرملة ~~: # لو كنت اختفيت من البداية. # الخادمة ~~: # سأختفي حالا يا سيدتي، دعي السيف يحل المشكلة. # الأرملة ~~: # وهل يحلها يا غبية؟ # الخادمة ~~: # بالطبع يا سيدتي، يمكن أن أعلق في المكان الخالي. # الأرملة ~~(ضاحكة) ~~: # ما رأيك في هذا الحل؟ # الحارس ~~: # امرأة مكان رجل؟ هل تظنين أن هذا يرحمني من العقاب؟ اختفي أيتها ~~الملعونة. # الأرملة ~~: # نعم اختفي الآن من وجهه ~~(لنفسها) # تعلق في مكانه؟ حقا حقا. # الخادمة ~~: # ماذا قلت ms057 يا سيدتي؟ # الأرملة ~~: # قلت اذهبي الآن. اذهبي بلا عودة. # الخادمة ~~: # أذهب؟ قبل أن تقتليني يا سيدتي؟ # الأرملة ~~: # قلت اذهبي. لن أقتلك ولن أحتاج إليك. # الخادمة ~~: # إذن فعلقيني حية، افعلي بي ما شئت. # الأرملة ~~: # قلت اذهبي بعيدا عني. # الحارس ~~(يجري وراءها) ~~: # ألا تريدين أن تختفي. # الخادمة ~~(وهي تنصرف مذعورة) ~~: # لا أحد يريدني، حتى الموت لا يريدني. سأذهب، سأذهب. ~~(الحارس والأرملة يضحكان ثم يسكتان فجأة، الأرملة تتأمل ~~الجثث المعلقة لحظات ثم تخاطب الحارس.) # الأرملة ~~: # إنهم صامتون، والليل من حولهم صامت، حتى النجوم الساهرة فوقهم لا تريد أن ~~تتكلم، من ينظر إليهم لا يحسبهم لصوصا، بل حكماء يفكرون في الحياة ~~والموت. # الحارس ~~: # إنهم ليسوا لصوصا. # الأرملة ~~: # أكنت تعرفهم؟ # الحارس ~~: # قلت لك هم رفاقي، عشنا سنين في الغابة والجبل، دبرنا الثورة وفشلنا، وها ~~أنا أصبح حارسا على جثثهم، هذا هو عقاب الطاغية، أليس من المحزن أن يفشل ~~الإنسان إلى هذا الحد؟ # الأرملة ~~(تجلس على مقعد حجري باسترخاء) ~~: # لم تفشل في كل شيء. تعال حدثني عنهم. # الحارس ~~: # عن أي شيء أحدثك؟ عن صلبهم أمام عيني؟ عن فرحة الطاغية وشماتته؟ عن ~~حظي الذي أوقعني في يده ليجعلني حارسا عليهم؟ بعد قليل سترينني معلقا ~~بجانبهم. # الأرملة ~~: # قلت لم أسمح بهذا. لن يسرقوا مني حبيبين في يوم واحد. # الحارس ~~: # وماذا يمكنك أن تفعلي؟ هل ستسرقين جثتي كما فعل أقارب رفيقي ليواروه ~~التراب؟ # الأرملة ~~: # بل سأسرقك حيا لا ميتا. # الحارس ~~: # فات الوقت. بعد لحظات يأتي حارس آخر ليتسلم نوبته. إن لم تسرعي بطعن ~~هذا السيف في صدري فسيتولى هو ذلك. هاتي السيف. # الأرملة ~~: # خذه بشرط واحد، أن تقتلني أولا. # الحارس ~~: # وما ذنبك أنت؟ # الأرملة ~~: # ألم تعرفه بعد؟ # الحارس ~~: # أعرف أنني لا بد أن أعاقب نفسي. # الأرملة ~~: # ولماذا تعاقبها؟ # الحارس ~~: # لأنها أحبت أكثر مما ينبغي، لأنها ركبت معك في قارب يغرق. # الأرملة ~~: # أنا التي كنت أغرق، وقد جئت لتنقذني. # الحارس ~~: # وها هي الموجة التي سبحت عليها تغرقني، لا لا، لا أريد أن تغرقي معي، يجب ~~أن تبقى عروس البحر. # الأرملة ms058 ~~: # لتغرق وحدها؟ # الحارس ~~: # لتسبح على موجة أخرى. إن بوزيدون القاسي يريد أن أموت وحيدا على ~~الشاطئ. # الأرملة ~~: # وتتركني يا خارون؟ # الحارس ~~: # أتركك للحياة، لنور الشمس. لقد عبرت بك البحر المعتم وعلي الآن أن ~~أغرق نفسي قبل أن يغرقني الطاغية. # الأرملة ~~: # ألم تفكر في؟ # الحارس ~~: # أكثر مما أستحق. أكثر مما يجب. وها هي الآلهة تعاقبني وتصدر حكمها علي. ~~يا خارون الفاشل، دع القارب والمجذاف، أبحرت أبعد مما ينبغي، حلمت بالشواطئ ~~التي لن تزورها، خدعت عروس البحر فدعها لربان أقدر منك. # الأرملة ~~: # عروس البحر ما زالت بجانبك. # الحارس ~~: # بعد قليل تراني معلقا هناك. # الأرملة ~~: # قلت لك لن أسمح بهذا. # الحارس ~~: # أتسمعين الأجراس؟ # الأرملة ~~: # لتدق كما تشاء، لن يأخذوك مني. # الحارس ~~: # لحظات ويأتي الحارس الآخر. # الأرملة ~~: # لن يأخذك مني، لن تموت وأنا حية. # الحارس ~~: # أسرعي وسددي الطعنة، يكفيني أن أموت على صدرك. # الأرملة ~~: # بل ستعيش وأدفئك بصدري. # الحارس ~~: # إذن فأعطيني السيف. # الأرملة ~~: # أعطيك شيئا آخر ~~(تمد شفتيها إليه فيبعد ~~وجهه) ~~. # الحارس ~~: # اطبعيها على جبين رجل آخر. # الأرملة ~~: # ترفضها؟ # الحارس ~~: # لا أستحقها، هاتي السيف! # الأرملة ~~: # هل تقبل شيئا آخر؟ # الحارس ~~: # لا شيء الآن سوى السيف، لا شيء سواه. # الأرملة ~~: # بل شيء آخر. # الحارس ~~: # إذن فهاته. لا تضيعي الوقت. # الأرملة ~~: # لا أستطيع وحدي، لا بد أن تحمله معي. # الأرملة ~~: # لغز هذا أم حل؟ # الأرملة ~~: # اقترب مني. # الحارس ~~: # قلت لك لا أستحق. # الأرملة ~~: # طلبت أذنك! ~~(يمد أذنه لها، تهمس فيها فيصيح مستنكرا.) # الحارس ~~: # المرحوم! # الأرملة ~~: # هو نفسه! # الحارس ~~: # مستحيل. لا يمكن أن تكون هذه فكرتك! لا يمكن أن أتصورها منك! # الأرملة ~~: # إنها من الخادمة. # الحارس ~~: # هذه الملعونة؟ # الأرملة ~~: # انتظر. ألا تذكر أنها عرضت عليك أن تعلقها هناك. سمعتها فأضاءت ~~الفكرة في عقلي كالبرق. # الحارس ~~: # أتفعلين هذا وأنت تحبينه؟ # الأرملة ~~: # أفعله لأني أحبه. # الحارس ~~: # وترضين أن يعلق مع اللصوص؟ # الأرملة ~~: # أرضى لأنني أحبك، ثم إنهم ثوار لا لصوص. لقد أحببته وأحبني في ~~حياته. وهو في موته يثبت أنه لا يزال يحبني. # الحارس ~~: # وسمعتك في المدينة؟ # الأرملة ~~: # سنترك ms059 المدينة. # الحارس ~~: # وتذهبين معي إلى الغابة؟ # الأرملة ~~: # وتجعلني كوخك وحطبك. # الحارس ~~: # بل ناري التي استدفئ بها. # الأرملة ~~: # حبيبي. # الحارس ~~: # حبيبتي. ~~(يتعانقان لحظة. تنتزع نفسها منه وتقف وهي ~~تقول) ~~: # الأرملة ~~: # أجراس الليل تدق. هيا يا خارون العجوز! # الحارس ~~: # هيا يا عروسي. # الأرملة ~~: # ماذا تفعل؟ # الحارس ~~: # أعد القارب. # الأرملة ~~: # أخشى أن يغرق من ثقل الحمل. # الحارس ~~: # سأحمله على ظهري. # الأرملة ~~: # سنحمله معا، هيا، هيا. # المشهد الخامس ~~(نفس المنظر، الساحة على ضوء النجوم البعيدة. ظلال المصلوبين الستة ~~تمتد على الأرض، الخادمة تدخل على أطراف قدميها وهي تتلفت يمنة ويسرة.) # الخادمة ~~: # أمراني أن أذهب، لعناني وطرداني كأني كلبة من هاديس. لتغفر لكما الآلهة، ~~لتبارككما الآلهة. لكني أرجع مرة أخرى، وإلى أين أذهب؟ بحقك يا رب الأرباب، ~~إلى أين أذهب؟ هل لي أحد غيرك يا سيدتي؟ هل لي أحد غيرك يا سيدي؟ وماذا ~~أفعل في المدينة؟ لا أحد يعرفني؟ لا أحد يسأل عني. ولو رأتني جارة أو جار عجوز ~~فسوف يهتفون هذه هي خادمة الطاهرة العفيفة، أقسمت على نفسها أن تموت معها ~~حزنا على السيد، ما بالها تمشي في المدينة؟ هل هي شبح هرب من هاديس؟ لا لا؛ ~~لهذا لم أذهب للمدينة. لم أر وجهي العجوز لأحد؛ لهذا لن أذهب إلى هناك. لن ~~يرى أحد وجهي، سيدتي، سيدتي، لا أحد يجيب، والمصباح الزيتي قد انطفأ في الضريح، ~~أين ذهب الحارس؟ أيها الحارس! أيها الحارس! أيمكن أن يكون قد اختفى؟ أيمكن أن ~~يلقى عقابه بهذه السرعة؟ وهؤلاء اللصوص المساكين، لقد زادوا واحدا، أيمكن أن ~~يكون قد صلب نفسه مكان اللص الذي سرقوه؟ ويلك يا زوجي الوغد! أكان من الضروري ~~أن تزورني في الحلم؟ لن أسامحك أبدا. سترى كيف أشدك من أذنيك وأجلد ~~ظهرك عندما أراك، لا تتعجل! سنلتقي حتما، وإلى أين أذهب؟ إلى أين أذهب؟ ~~(تتجه نحو الجثث المعلقة وتعدها) # ستة، ~~لا بد أنهم زادوا عما تركتهم. أيها الحارس المسكين، لا بد أنك قد فعلتها قبل ~~أن يحاكموك. لا بد أنك سددت السيف إلى صدرك. يا ms060 للشباب المتهور! أتكون سيدتي ~~قد علقتك مكانه؟ وأين هي الأخرى؟ ~~(تقترب من ~~المصلوبين وتتأملهم واحدا واحدا) # مساكين. مساكين، صامتون كما ~~تركتهم. وعندما تطلع الشمس ستفزع نومهم الصقور والجوارح والكلاب والذئاب. ~~ويلي! من هذا؟ من هذا؟ سيدي المرحوم؟ سيدي المسكين؟ نعم نعم. هو نفسه. جسده، ~~وجهه. شعره، هذا أنفه الطويل أيضا، وعيناه الصابرتان الراضيتان، سيدي نفسه، ~~سيدي المسكين نفسه، معلق من قدميه. لا ليس هذا رداءه الذي دفن فيه، وقميصه ~~الأبيض الناصع، أين ذهب؟ من أين له بهذه الخرق؟ رحمتك يا رب الأرباب؟ كيف ترضى ~~بهذا؟ أيمكن أن تمرغ رأس النسر في التراب بعد أن سكنت القمم؟ ويلي! ويلي! ~~ماذا فعلوا بك يا سيدي؟ ماذا فعلوا بك يا سيدي؟ ~~(تبكي، يظهر الحارس في الجانب الآخر من الساحة، يتجه ~~إليها.) # الحارس ~~: # ما هذا؟ من أنت؟ # الخادمة ~~: # من أنا؟ # الحارس ~~: # ماذا تفعلين هنا؟ # الخادمة ~~: # وأنت! من أنت؟ لماذا تسألني؟ # الحارس ~~: # عجوز مخرفة. أنا الحارس بالطبع. # الخادمة ~~: # احرس كما تشاء ودعني لحالي. وهل هؤلاء يحتاجون إلى حراسة؟ # الحارس ~~: # ولماذا ترينني هنا إذن؟ بالطبع يحتاجون لحراس. والحراس إلى حراس. هل ~~أنت قريبة أحد منهم؟ # الخادمة ~~: # هؤلاء اللصوص؟ # الحارس ~~: # من يدري؟ ربما كنت تفكرين في سرقة واحد منهم. # الخادمة ~~: # أنا؟ لآكله أم أستند عليه في شيخوختي؟ # الحارس ~~: # سنعرف الآن. ربما كنت عابرة سبيل. يا زميل! أنت! # الخادمة ~~: # ناديت فلم يجب أحد. # الحارس ~~: # ناديت أم فعلت شيئا آخر؟ # الخادمة ~~: # وماذا تفعل عجوز مثلي؟ # الحارس ~~: # من يدري ما يفعله الناس في هذه الأيام؟ انتظري حتى أبحث عنه، قفي هنا ولا ~~تتحركي. # الخادمة ~~: # وأين أذهب يا ولدي؟ # الحارس ~~: # يا حارس! أنت! أنت! # الخادمة ~~: # لن يرد أحد. تسلم أمواتك ولا تتعب نفسك. # الحارس ~~: # ما شأنك بهذا؟ قفي حتى نتحقق منك ~~(ينادي ~~وينصرف) ~~. # الخادمة ~~: # ها أنا أجلس أيضا. وإلى أين أذهب؟ ~~(تقترب من جثة ~~سيدها) # سيدي، سيدي، هل ذهبوا جميعا وتركوك؟ والموت في كل مكان. ~~والمدينة البعيدة ميتة. ماذا خبأ القدر لك؟ ماذا يخبئ لنا؟ يا سيدي ~~الطيب المسكين، ماذا فعلوا ms061 بك؟ ماذا فعلوا بك؟ # الحارس ~~(يسمع صوته من بعيد) ~~: # يا حارس، يا حارس. # الخادمة ~~: # سيدي، سيدي. ~~(تبكي. يشتد بكاؤها قبل أن تنزل الستار.) # 1983م # | الليل والجبل # الشخصيات # المقهوي العجوز. # زوجته. # تاجر. # فتى: # يبحث عن أبيه في صنعاء. # زوج: # عائد إلى زوجته وبيته في صنعاء. # طفلة: # ابنة التاجر. # عروس: # تقوم بدور ابنة المقهوي. # شاب: # مغن جوال. # أبوه الضرير: # ضارب على الدف. # الفتى والزوج والطفلة والعروس: # ضيوف ينزلون في الفندق أو النزل الليلي ~~«السمسرة» ويشاركون في التمثيل. # الليل والجبل ~~(مقهاية في وادي الحوبان، تمر بها القوافل الصاعدة إلى صنعاء ~~والهابطة منها، تربض بجوار عين ماء بنيت عليها قبة لضريح أحد الأولياء، وأمامها ~~بركة تروى منها الدواب يسميها المسافرون «سبيل المزحل»، ترتفع بجانب المقهاية ~~شجرة «طولق» عجوز، مدت فروعها عليها وعلى السبيل، وبجوارها «سمسرة» تؤوي الجمال ~~والدواب. الوقت بعد الغروب، خمدت الحياة على سطح الجبل الأشم الذي يبدو من بعيد، ~~وسكنت حتى فروع الأشجار المطلة من على الصخور الجهمة العالية، فلا يسمع إلا صفير ~~الحشرات الصغيرة يقطعه نعيق البوم ونباح كلاب في القرى المجاورة. عواء كالفحيح ~~المحموم يدوي بين حين وحين في أحشاء الجبل والوحشة ويتردد صداه طوال المسرحية «فيتجلمش» # 1 # المسافرون النائمون على الوسائد والحشايا في مدخل المقهاية المتسع، ويخمد ~~الصفير، ويسكن النباح والنعيق وتجفل الدواب، والخيول يرتفع صهيلها خوفا ورعبا. خلف ~~المدخل الذي تكوم فيه عدد قليل من المسافرين الذين فرغوا من مضغ «القات» وشرب ~~القهوة، درج صغير تؤدي سلالمه الخشبية إلى أعلى المقهاية، حيث يسكن المقهوي ~~العجوز وزوجته، ويعدان للزبائن ما يحتاجون إليه من الزاد والشراب. في هذا المكان ~~المرتفع عدد من الأرائك والموائد والكراسي، ربما تكون مخصصة للضيوف الممتازين أو ~~لمجالس السمر النادرة. وفي الجانب الأيسر نافذة كبيرة تفتح على شرفة يمكن أن نرى ~~منها ضوء القمر الفضي الذي بزغ فوق قمم الجبال منذ قليل. السكون شبه تام، يتخلله ~~شخير النائمين وأصداء النباح والعواء وضربات أقدام الخيل والجمال والدواب في ~~السمسرة المجاورة. يدخل المقهوي، وهو «شيبة» # 2 # نحيل، محني ms062 الظهر، له وجه صغير ذو ذقن مدببة متناثرة بالشعر ~~الأبيض كوجه الجدي الحزين، يقلب في صندوق خشبي طويل ويستخرج منه حزمة كبيرة من ~~الثياب والأمتعة، وقبل أن يفكها تظهر زوجته مسرعة إليه، وهي كذلك امرأة رسم عليها ~~الزمن نقوش الشيخوخة، وإن كان في سرعة حركاتها وحدة صوتها وإشارات يديها وملامح ~~وجهها ما يكذب صحة هذه النقوش.) # المرأة ~~: # بندت # 3 # الباب؟ ~~(المقهوي لا يرد. يحتضن حزمة الثياب التي يحاول ~~إخفاءها.) # المرأة ~~: # دائما تنسى. آه يا ربي! أعلي أن أذكرك كل ليلة؟ ~~(المقهوي صامت، كأنه طفل مذنب، يطرق برأسه إلى الأرض، ~~تواصل كلامها المندفع.) # المرأة ~~: # رحمتك يا رب. تعب من الفجر، وعندما يحل الظلام أطفئ المسرجة بنفسي، أطمئن ~~على الباب، أتمم على الضيوف وأمسيهم بالخير، لماذا لا نغلقها ونستريح؟ ~~أستريح يوما واحدا. ~~(المقهوي لا يرد، يشرع أذنيه كمن يتسمع أصواتا ~~بعيدة.) # المرأة ~~: # ألا تسمعني يا رجل؟ # المقهوي ~~: # ألا تسمعين أنت؟ ~~(أصوات مختلطة تتردد من ~~بعيد.) # المرأة ~~: # أسمع؟ وإذا تصنت مثلك فمن يعمل؟ # المقهوي ~~: # حاولي أن تغلقي فمك وتسمعيه. # المرأة ~~: # أسمع، أسمع، عواء وصفير، صهيل وزفير، نفس الشيء كل يوم وليلة، نفس الأصوات ~~طول العمر. # المقهوي ~~: # إنه صوته. اسكتي قليلا وسوف تسمعين. # المرأة ~~: # ولماذا أسكت أو أسمع؟ أهو شيء جديد علينا؟ # المقهوي ~~: # إنه هو، في كل مرة يرن بصوت جديد، فزع جديد ورعب جديد. # المرأة ~~: # تعودنا عليه من سنين، نصبح عليه ونبيت عليه. أي جديد في هذا؟ ~~(يسمع صوت فحيح مكتوم يزداد ارتفاعا كلما أوغل ~~الليل.) # المقهوي ~~: # تعرفين ما بيني وبينه، حتى الضيوف يحسونه أكثر منك. # المرأة ~~: # دعهم في حالهم، لم يجف عرقهم بعد، أتريد أن تقلقهم؟ # المقهوي ~~(يتقدم نحو الحاجز الخشبي ويطل على النائمين) ~~: # ها هم يتململون. # المرأة ~~: # قلت دعهم في حالهم. أحلام المتعبين من الشمس والصخور والرياح. لم أصدق ~~أنهم ناموا لكي يكفوني شرهم. # المقهوي ~~(مشيرا إليهم) ~~: # الطفلة فتحت عينيها ثم تكومت على نفسها، التاجر تقلب على جنبه الأيمن ~~وضم ابنته إلى صدره، الفتى الباحث عن أبيه أفاق وتحسس جنبيته. # 4 ms063 # الزوج العائد لزوجته في صنعاء هز رأسه ووضع كفه على أذنه. ~~انظري للشفاه التي تتمتم والشفاه التي تتحرك، حتى العروس المهاجرة. # المرأة ~~: # لن أنظر شيئا، سأذهب لأطفئ المسرجة وأغلق الباب. # المقهوي ~~: # وإذا صحوا من نومهم فزعين؟ # المرأة ~~: # لن يصحو أحد. اسهر أنت مع فزعك ~~(صوت فحيح ~~مكتوم) ~~. # المقهوي ~~: # يا الله! ألا تسمعين يا امرأة؟ ~~(تسقط منه حزمة ~~الثياب.) # المرأة ~~: # نعم أسمع. رجعنا لما فات؟ # المقهوي ~~: # لم نرجع، ولم يفت. أنت تعرفين. # المرأة ~~: # معزية بعد شهرين. مذكرة كل الأحزان؟ ألم نتفق على إخفائها في ~~الصندوق؟ ~~(تهجم على الحزمة وتقبض ~~عليها.) # المقهوي ~~: # لم نتفق على شيء. هاتها يا امرأة. # المرأة ~~: # تشتهي # 5 # مأتما تنوح فيه؟ # المقهوي ~~: # قلت لك هاتها. ألم تسمعيه؟ # المرأة ~~: # أسمعه كل ليلة، لم ينقطع أبدا، كلما مات واحد ولد عشرة. تعلم هذا من ~~زمان. # المقهوي ~~: # ولهذا أخرجتها من الصندوق. # المرأة ~~: # لتقلب فيها وتتذكر. # المقهوي ~~: # لم أنس حتى أتذكر. إنما الليلة ... # المرأة ~~: # تريد أن تعلقها على الحائط لتعذبني وتعذب المسافرين المساكين. هل ~~تنتظر ابن ذي يزن؟ # المقهوي ~~(أخذ منها حزمة الثياب وبدأ يفكها ويقلب ~~محتوياتها) ~~: # ولماذا لا أنتظره؟ ألم أقل لك إنه سيأتي حتما، الليلة. # المرأة ~~: # انتظر كما تشاء. أما أنا فأشقى، أشقى ليل نهار حتى أسقط. ~~(تهبط الدرج وتنشغل بترتيب بعض المساند المتناثرة، ~~وجمع أوراق القات وأغصانه الملقاة على الأرض. تذهب إلى الباب وتحكم ~~إغلاقه بالمزلاج. يتقلب بعض المسافرين ويفتحون عيونهم ثم يغمضونها. ~~تفتح الطفلة عينيها وتتأوه. يطل عليها المقهوي من فوق الدرج ~~ويناجيها ثم ينكب على أشيائه ويتلمسها كأنها كنوز عروس في ليلة ~~زفاف.) # المقهوي ~~: # نامي يا حبيبتي، لا تخافي. إنه جبان، يفح في المزجل وبين الأشجار ~~والمستنقعات، جبان وغدار، لكنه لا يقترب، النور عدوه وعندنا نور، لا يهاجم ~~غير المسافر الوحيد، جبان وغدار، جبان وغدار ~~(يبدأ في استخراج محتويات اللفافة ويناجيها) # العمامة. وصل ~~إليها الدم أيضا، والسيف المكسور انكسر مرتين، مرة على الصخر ومرة بين ~~أنيابه. والجلباب الأسود، ما زالت آثار الفم الكريه تلطخه، حتى الكيس الجلدي ms064 ~~لم يسلم من عضته، كأنه ينتقم من الرسائل أيضا، يلوكها في فكه ليكشف ~~أسرارها - كما لاك جسده وجرده من ثيابه - آه يا ولدي! حذرتك فما ~~استمعت. نبهتك للخطر الأسود ففتحت له ذراعيك. يا جنون الشباب! تحتضن ~~الموت كأنك تحتضن عروسك. هل تذكرت أباك؟ لعنني ولعن آبائي، ثم اشتعلت فيه ~~النار وأكلت حطب الشيخوخة والأيام، وانطلق زئير الأسد الغاضب من جوف الشيخ ~~الصالح، ما زالت جنبيتك تنز دما، دمه أم دمك؟ قتلك وقتلته، ~~واجتمع الأشبال عليك، ما تركوا إلا العظم، واختلط ترابك بترابه ~~(يخرج قطعة ثياب ملوثة ويضعها على عينيه ويجهش ~~بالبكاء، يمد يده المعروقة إلى أشياء أخرى؛ عقد وأسورتين وملابس نوم، ~~يشمها ويسندها على صدره ووجهه وعينيه. يهمس لنفسه آه يا ابنتي، يا ~~حبيبتي! يبكي، تعالجه زمجرة المرأة من أسفل) ~~. # المرأة ~~: # يا رجل، يا رجل، ألا تسمع الكلام أبدا؟ # المقهوي ~~: # وأنت، ألا تسمعينه؟ ~~(يتردد صوت صفير مخيف ~~مكتوم.) # المرأة ~~: # ولكني لا أنبش القبور. دعني الليلة أستريح. # المقهوي ~~: # الليلة، نعم. الليلة ~~(يبدأ في تعليق قطع الثياب على ~~مسامير في الحائط، كأنها مخلفات أثرية لمغامرة قديمة. يضع كل قطعة في ~~مكانها بحب وعناية، ومع الدموع تنسكب دندنة من فمه الخالي من الأسنان. ~~المرأة فرغت من ترتيب «المقيل» # 6 # في المدخل وصعدت الدرج ووقفت تنظر إليها. تزفر ~~يائسة) ~~: # المرأة ~~: # الليلة أشتهي أن أستريح. # المقهوي ~~: # الليلة، إحساسي لا يخيب. # المرأة ~~: # فض مأتمك أو اجلس فيه وحدك. # المقهوي ~~: # تشتهين الراحة. اذهبي بسلامة الله ~~(يواصل تعليق ~~القطع والهمهمة بأغنية لا نتبين حروفها) ~~. # المرأة ~~: # وأترك البومة تنعق وحدها؟ # المقهوي ~~: # لن أكون وحدي. # المرأة ~~(وهي تنصرف) ~~: # رحمتك يا رب، رحمتك يا الله. ~~(ترفع يدها محذرة.) # المقهوي ~~: # أفهم ما تقصدين، سأهتم بالمعزين. # المرأة ~~: # ولكن حذار أن توقظني، القهوة عندك والقات، وإذا اشتهوا طعاما فلينتظروا ~~الفطور ~~(يسمع صوت غناء خافت من بعيد، يشرع ~~أذنيه ويتلفت نحو النافذة) ~~. # المقهوي ~~: # سمعت؟ إنهم قادمون. # المرأة ~~: # قادمون أو ذاهبون. أريد أن أنام ~~(يقترب الصوت، ~~يتجه إلى النافذة) # شيبة ومجنون. رحمتك يا رب، رحمتك يا ms065 الله ~~(تختفي وهي تدمدم. بعد قليل يتضح الصوت. يخرج ~~العجوز من الشرفة وهو يتمتم # عن ساكني صنعا، عن ساكني صنعا حديثك ~~هات. يقترب الغناء ويعلو شيئا فشيئا ليطغى على دمدمة الرياح وصفير الحشرات ~~وعواء الكلاب، صوت شيء يشبه صوت حادي القافلة يصاحبه طرق على دف مخنوق، ~~يقترب الصوت أكثر فنميز أصداء من الأغنية المشهورة، تنبعث من حنجرة حزينة ~~على طرقات الدف ونغمات أنين القيثار): # عن ساكني صنعا # حديثك هات وا فوج النسيم # وخفف المسعى # وقف كي يفهم القلب الكليم # هل عهدنا يرعى؟ # المقهوي ~~(مرددا) ~~: # وما يرعى العهود إلا الكريم ~~(يطل من النافذة، ثم ~~يهبط الدرج وهو لا يزال يردد الأغنية، طرق على الباب: يا مقهوي، يا ~~مقهوي. يشد المزلاج فيصر الباب، يفتحه ويطالعه وجه شاب عليه آثار ~~السفر والتراب. تستقبله نغمات الأغنية بصوت يوشك أن يوقظ ~~النائمين: وما يرعى العهود إلا الكريم) ~~. # المقهوي ~~: # حيا الله، حيا الله. # الشاب ~~: # حيا الله. عطاش وجائعون. # المقهوي ~~: # تفضلوا، عندنا الطعام والشراب، تفضلوا. # الشاب ~~(وهو يسحب ربابته) ~~: # مساء الخير، مساء الخير، كريم والله يا مقهوي. # المقهوي ~~(يحاول أن ينبهه إلى النائمين) ~~: # وبقية القافلة؟ # الشاب ~~(ضاحكا) ~~: # قافلة، ليس معي إلا أبي، ادخل يا أبتاه ~~(يدخل شيخ ~~أعمى، تسبقه ذراعاه اللتان تتحسسان الباب) ~~. # المقهوي ~~(لا يخفي خيبة أمله) ~~: # تفضلوا، تفضلوا، يدك يا والدي. # الأعمى ~~: # حياكم الله، حياكم الله. ~~(المقهوي يجلسه على ~~حشية في المقيل. يسمع أنفاس النائمين ويقول): # الأعمى ~~: # لا تعتب عليه يا رجال، # 7 # هكذا حال الشباب. مشتاق إلى صنعاء. # المقهوي ~~: # ومن لا يشتاق إليها؟ يا مرحبا، يا مرحبا. # الشاب ~~(يغني) ~~: # وسرنا مكتوم، لديهم أم معرض للظهور؟ # الأعمى ~~: # يا ولدي، الصبر جميل. # المقهوي ~~: # زين ما قلت يا والدي، الصبر جميل. # الشاب ~~(رافعا صوته) ~~: # من عشق صبر، وإلا فما جهده واحتياله؟ # الأعمى ~~: # يا ولدي بالله عليك، غدا يظهر سرك. غدا والصبر جميل. # الشاب ~~: # غدا غدا، من الليلة يا والدي. # المقهوي ~~(سارحا ببصره) ~~: # الليلة؟ # الشاب ~~: # نعم الليلة، الليلة يظهر السر والمستور ~~(يرفع ~~صوته) ~~: # نسيمة لما بي حركت لي ms066 شجن # كادت تحدثني بسري علن # فقلت ما بك يا نسيم اليمن # ما حال نازح وسط قلبي سكن # 8 ~~(الأعمى يصاحبه بطرقات خفيفة على الدف، يتوقف، يحس ~~تردد أنفاس النائمين وتقلبهم على الفراش، تفتح الطفلة عينيها وتجلس ~~وتنادي على أبيها، يصحو.) ~~(الأب مستنكرا ثم تتبعه أصوات غاضبة في البداية ثم ~~مندهشة.) # صوت ~~: # نامي يا ابنتي، نامي. # صوت ~~: # زمار وطبال. # صوت ~~: # طلع الفجر يا مسلمين؟ # صوت ~~: # القمر في السما طالع، الحمد لله. # صوت ~~: # الحمد لله، الحمد لله، كاد يخنقني ويكتم أنفاسي. # الشاب ~~(يلمح العروس تجلس في فراشها متيقظة وهي تتأمله بإعجاب ~~فيطلق صوته) ~~: # نسيمة لما بي حركت لي شجن. # المقهوي ~~(منتشيا) ~~: # كادت تحدثني بسري علن. # الشاب ~~(مصفقا بيديه) ~~: # الليلة، نكشف سرك يا مقهوي، هيه، هيه. ~~(ثم ~~ناظرا للفتاة) # الليلة نسمر ونغني، نسمر ونغني حتى ~~الفجر. # الأعمى ~~: # يا ولدي، الناس جاءت لتنام. # الشاب ~~: # بل لتصحو وترجع معنا يا أبي: # يا ربة الصوت الرخيم رجعي # وافشي هواك قبلي وذيعي # صوت ~~(من أحد النائمين) ~~: # ويا حمامات الغصون أسجعي. # المقهوي ~~: # وطارحيني في سجوعي. # الشاب ~~: # ويا غصون البان نوحي معي. # المقهوي ~~(موشكا على البكاء) ~~: # وشاركيني في ولوعي. # الأعمى ~~: # يا ولدي. # الشاب ~~: # اسكت يا شيبة! نجونا منه بأعجوبة. # الأعمى ~~: # يا ولدي، الناس نيام. # الشاب ~~: # نجونا منه ونجاهم ربي، هل أخطأت يا إخوان؟ ~~(أصوات ~~مختلطة، صحا الجميع الآن وبدءوا يتابعون الغناء والضجيج، يتساءلون ويردون ~~في نفس واحد ويصفقون ويدندنون ويثرثرون.) # صوت ~~: # أنتم أيضا؟ الحمد لله. # أصوات ~~: # الحمد لله، الحمد لله. # الشاب ~~: # لولا الوالد لوقعنا في فخه. # صوت ~~(ضاحكا) ~~: # لا بد أنه رآه قبلك. # الشاب ~~: # قلتها بنفسك، ظل فحيحه يطاردنا وأنا أطارده بأغنيتي، حتى برز وجهه ~~الأسود من خلف الصخرة وكدت أشم أنفاسه. # الأعمى ~~: # وجذبته من ثوبه وصحت: ابتعد عن المزحل. # الشاب ~~: # شرعت ربابتي لأضعها في فكه، شدني أبي وهو يصيح. # الأعمى ~~: # يا ولدي، هذا وحش يبتلع السيف. # الشاب ~~: # معي ربابتي يا أبي. # الأعمى ~~: # لو معك سيوف الأرض جميعا، سيبتلعها يا ولدي. # الشاب ~~: # ستخيفه أغنيتي. # الأعمى ~~: # مغرور مجنون، أتخيف أغنيتك ms067 من لا يخاف الله؟ # الشاب ~~: # سيظن أنها قافلة، وهو جبان لا يهاجم إلا المسافر الوحيد. # الأعمى ~~: # لكنه غدار يا ولدي، هيا نبتعد عن المزحل. # الشاب ~~: # وتخفينا خلف صخرة، صخرة عالية ملساء لا تتسلقها حتى النملة، ورفعت ~~صوتي. # الأعمى ~~: # وأنا أحذرك وأتوسل إليك. # الشاب ~~: # وأنا أغني ألف أغنية وأصدر من فمي وربابتي ودفي ألف صوت. # صوت ~~(أحد المسافرين) ~~: # حتى صدق. # الشاب ~~: # ورأيته يبتعد ويجري بين المنحنيات. # صوت ~~: # لا بد أنه لجأ لعرينه، ألم تسمعوا فحيحه بعد ذلك؟ # الشاب ~~: # أسود مسموم كفحيح الريح المجنونة في ليل ممطر. # صوت ~~: # نجاكم ربي، نجاكم. # صوت ~~: # لولا القافلة لضعنا. # صوت ~~: # ولكنت الآن ببطنه أو في بطن عياله. # صوت ~~: # أولاده يرعون معه، يخرجهم معه ويدربهم كل ليلة. # المقهوي ~~: # كل ليلة، كل ليلة. # صوت ~~: # لطف الله بنا. # صوت ~~: # أكرمني لأجمع مالي من فم وحش آخر. # صوت ~~: # لأجد عيالي. ابن أو بنت. العلم عند الله. # صوت ~~: # كي ألقى وجه أبي، هاجر منذ سنين. # صوت ~~(الطفلة) ~~: # الله كريم، كي أحضن أمي والمولود. # صوت ~~: # ويزف عروسان الليلة. # المقهوي ~~: # الليلة. # الشاب ~~: # الليلة، نحتفل ونسمر. # المقهوي ~~(لنفسه) ~~: # أحتفل، وآخذ ناري. # الشاب ~~(مصفقا ومغنيا) ~~: # عواقب الصبر الجميل تحمد، فيها المنى ~~(أصوات ~~تصفيق وترجيع) # تحمد فيها المنى. # الشاب ~~(للمقهوي) ~~: # هيا يا صاحبي. # المقهوي ~~: # جمنة # 9 # قهوة؟ # الأعمى ~~: # ومداعة. # 10 # أصوات ~~: # وقات. # أصوات ~~: # قات على حسابي. # أصوات ~~: # قات على حسابتي. # الشاب ~~(رافعا صوته بالغناء. أبوه يوقع على الدف) ~~: # إن صاحبي مثل روحي، # وإلا فلا كان صاحب. # والصاحب الجيد وسلة. # 11 # أصوات ~~(تردد) ~~: # لحين تبدي البوادي # 12 # الشاب ~~: # وحينما تحتضي له. # أصوات ~~: # يشرفك في البوادي. ~~(المقهوي والأعمى تخالطهما أصوات أخرى): # على ولد زايد # 13 # وفي السنين المحيلة. ~~(الجميع يستعدون للسمر. الطفلة تضحك وتقبل وجه أبيها. الفتاة ~~تغالب خجلها وتداعب شرشفها # 14 # بينما يتفرس فيها المغني بإعجاب، التاجر يقلب جرابه باحثا عن ~~شيء ثم يخرج يديه فارغتين ويتنهد، الأب يناوله سيجارة، يشكره ويحييه، ~~تتردد أصوات: حيا الله، حيا الله، مساء الخير يا جماعة، مساء الخير يا جماعة، ~~يغتنم ms068 الشاب فرصة غياب المقهوي ويتجول في المقيل، يلمح الدرج فيتجه نحوه ويلاحظ ~~الثياب المعلقة على الجدران، يتأملها ويناجي نفسه، يعود المقهوي حاملا «جمنة» ~~قهوة و«مداعتين» كبيرتين ، تصحو زوجته على الأصوات والضجيج وتندفع داخله، تلاحظ ~~جو السرور المتفشي بين المسافرين الذين كانوا نائمين قبل لحظات فتكتم ~~صياحها.) # المرأة ~~: # قهوة، وقات؟ # صوت ~~: # طاب السهر يا حاجة. # صوت ~~: # نشكر الله الذي نجانا. # صوت ~~: # والفضل لله وللمقهوي. # صوت ~~: # وللمغني على الربابة. # صوت الأعمى ~~: # والشيبة صاحب الدف لا تنساه. # صوت ~~: # تفضلي يا حاجة، لا يحلى السهر من غيرك. # المرأة ~~(بغضب لزوجها) ~~: # الديب ما يأكل الشاة، إلا إذا الراعي أهيس # 15 ~~. # المقهوي ~~: # اسكتي يا امرأة. # المرأة ~~: # سأسكت، الثور لا يتعلم أبدا. # المقهوي ~~: # قلت اسكتي. # المرأة ~~: # تدور في الساقية، وتفرح بالنواح. # المقهوي ~~: # تعرفين ما أريد، اجلسي إذا شئت أو اذهبي. # المرأة ~~: # سأجلس، وستعرف في النهاية عواقب السهر والسمر. # المغني ~~(هابطا الدرج. يلاحظ ما بين المقهوي وزوجته. يرفع صوته ~~بالغناء) ~~: # لو تشتغل بالله يا قلب إن كان مستريح، # وخل خلق الله على الله إن يكن دينك صحيح. # مساء الخير يا حاجة. # المرأة ~~: # مساء الخير. # المغني ~~: # أسأل من الله المعطي السميع، # أن يصبح الشمل بك جميع. # الأعمى ~~(على دفه) ~~: # بالمصطفى الشافع النفيع، # محمد الغوث في القيامة. # المغني ~~(مواصلا) ~~: # للناس إن ضاقت الخنوق، # صلاة ربي عليه مدامة، # والآل ما لاحت البروق. # أصوات ~~: # عليه الصلاة والسلام. # المغني ~~: # اسمع يا مقهوي الخير. # المقهوي ~~: # نعم يا صاحب الصوت الرخيم. # المغني ~~: # الليلة تطيب الأسمار، وتروى الأشعار. # المقهوي ~~: # حرفتك يا جار، والجار يخطي علينا، وليس نخطي على الجار. # المغني ~~: # إن كنت أنا الراوي، فأنت كاشف الأسرار. # المقهوي ~~: # ماذا تقصد؟ # المغني ~~: # يا صاحبي أنت صاحب هذه الدار، والدار بها أسرار ~~(يشير إلى الثياب والأشياء المعلقة على الجدران، يلتفت الحاضرون إليها ~~ويتعجبون) ~~. # أصوات ~~: # في الدار أسرار، ومن فمك يا جار، يحلو لنا التذكار. # المقهوي ~~: # حتى ولو فيه ألم، والكاس مر مرار؟ # المغني ~~: # الكاس علينا تدور، مهما يكون ابن آدم، لا بد ما المقدور. ~~(تسمع صيحات الطاهش # 16 ms069 # من بعيد، تتخلل الحوار التالي كأنها حد السيف المعلق فوق ~~الرءوس.) # المقهوي ~~: # سمعتم؟ # صوت ~~: # وحش غدار، نجانا منه الله. # المقهوي ~~: # غيركم لم ينج منه، هل تريدون ...؟ # المغني ~~: # نعم نريد، باسم الحاضرين والغائبين. # المقهوي ~~: # الحكاية تطول. # المغني ~~: # أنا الحكواتي، وأفهم في التمثيل. # المقهوي ~~: # نبدأ بذكر الله المعطي السميع. # المغني ~~: # والمصطفى الشافع النفيع. ~~(المقهوي يتجه إلى الدرج ويصعد عليه، يجمع قطع الثياب وبقية ~~الأشياء من على الجدران، يكون الجميع قد تحلقوا في ~~دائرة فيضعها أمامهم. تتردد صيحة الطاهش من بعيد. تجفل الدواب في السمسرة ويسمع صهيل ~~الخيل.) # المقهوي ~~: # سمعتم صوته يا إخوان، وهذه ضحاياه ~~(ينثر الثياب ~~والأشياء أمامهم) ~~. # المغني ~~: # العمامة عليها دم. # صوت ~~: # والجلباب الأسود. # الطفلة ~~: # الله، سيف مكسور، سآخذه يا أبي. # أبوها ~~: # اسكتي يا بنت. # صوت ~~: # وكيس عليه دم. # المقهوي ~~: # ورسائل لم تصل لأصحابها. # صوت ~~: # وثوب امرأة. # المرأة ~~: # يا حسرتي يا ابنتي، دمك على رأس أبيك. # المقهوي ~~: # الله بيني وبينك، وستحكمون يا إخوان. # المغني ~~: # سنعرف البريء والمدان، ونحكم بالعدل والميزان. # المرأة ~~: # الحكم يا ولدي لله ~~(تبكي) ~~. # المغني ~~: # آمنا بالله، هيا يا مقهوي. # أصوات ~~: # هيا، هيا. # المرأة ~~: # حرام نبش القبور. # المقهوي ~~: # ليتهم استراحوا في القبور ~~(يسمع فحيح ~~بعيد) ~~. # أصوات ~~: # من هم يا مقهوي؟ بالله اكشف لنا المستور. # المقهوي ~~: # أرواحهم تهيم حولكم وتدور. # المغني ~~: # أقرأ لنا الكتاب، ليسمع الأحباب، نادي على من غاب، يا صاحب الجلباب، اطرق ~~علينا الباب. # المقهوي ~~: # رأيته قبل أن يطرق الباب، كانت ليلة كهذه الليلة، نام المسافرون في هذا ~~المكان كما تنامون، وخيم السكون على الجبال والأشجار والظلال، وعلى ضوء القمر ~~رأيت شبحه يسابق الريح ويطارده الفحيح، اقترب من ينبوع الماء وشرب حتى ارتوى، ~~تبينت شبحه على الضوء الفضي، شاب في مقتبل العمر، حافي القدمين يلبس ~~السواد وحول خصره جنبية وسيف يتدلى من حزامه، تنحنحت ففزع من صوتي ~~والتفت نحوي. # المغني ~~(مشيرا إلى الفتى الجالس في الحلقة) ~~: # هيا أيها الشاب. # الفتى ~~: # لكن. # المغني ~~: # تكلم معه قبل أن تطرق الباب. # الفتى ~~(يتلجلج قليلا ثم يسأل) ~~: # من؟ من هناك؟! # المقهوي ~~: # أنا ms070 المقهوي. # الفتى ~~: # هل لديك قهوة ساخنة؟ # المغني ~~(هامسا للشاب) ~~: # وعشاء، أنت جائع ولا تنس العشاء. # المقهوي ~~: # نعم وفراش وثير. # المغني ~~: # أنت متعجل وتريد أن توصل البريد للملكة قبل طلوع النهار. # المقهوي ~~: # جزاك الله يا مغني، تعرف الدار وأهل الدار. # المغني ~~: # وأفهم لغات العيون والطيور والأشجار. # الفتى ~~: # لا حاجة بي لفراشك الوثير، انزل وافتح الباب. # المقهوي ~~: # وفتحت الباب، تفضل يا ولدي، البرد شديد، اقض الليلة معنا، عندنا ما ~~تريد. # الفتى ~~: # لا أستطيع؛ فالطريق بعيد. # المقهوي ~~: # الليل مخيف وأنت وحيد. # الفتى ~~: # لا بد من السفر الليلة، معي بريد. # المقهوي ~~: # اطرح حملك يا ولدي وانتظر الفجر. # الفتى ~~: # حملي لن يبرح ظهري، لا بد من وصوله قبل الفجر. # المقهوي ~~: # طيش شباب وحماس. قلت لنفسي ربما يعبر الطريق لأول مرة ولا يدري شيئا عن ~~أخطاره، لا تنفع معه الحجة واللين، فلآمر بعشاء ساخن، لعله يتدفأ ويسترخي ~~حتى الفجر، يا امرأة، يا فاطمة. # المغني ~~(مشيرا إلى زوجة المقهوي) ~~: # وتجيبين: نعم، نعم، عندنا ضيوف. # المرأة ~~: # بل أقوم من نومي صارخة: ضيوف في هذه الساعة، أعد له القهوة ~~بنفسك. # المقهوي ~~: # بعد أن تعدي له الفرخة والخبز في الحال. # المغني ~~(مشيرا إلى الفتاة) ~~: # وتصحين من نومك على صياح أمك وأبيك. # المقهوي ~~: # وتحضرين المصباح الزيتي وتقولين مساء الخير. # المرأة ~~: # لم تقل شيئا، جاءت تتعثر في أطياف نومها وخجلها، وعيناها مغمضتان. # المغني ~~: # أما أنت فتفتح عينيك. # الفتى ~~: # بل أفتح قلبي للنور. # الفتاة ~~(ضاحكة للمغني) ~~: # وأنا أيضا لم أغمض عيني. # المغني ~~: # السنا لاح، والشذا فاح. # المقهوي ~~: # انتظر يا مغني، جلسنا في انتظار العشاء. # المغني ~~: # قبل أن نسمع ما تم بينكم وما دار، نترك الأشعار، وعزف الأوتار، تنطق بما ~~كان بين العيون من حوار: # ساقني القدر مضى زماني في شرك حباله، # إيش ذا الحوار وإيش هذا السحر في نباله. # الفتى ~~(للفتاة) ~~: # صدقت والله يا مغني # النار شبت بقلبي ~~فانشد بحبي وزدني. # المغني ~~: # جنانية مثل القمر حورية # تزري بحور العين فردوسية # بحسنها لي ملهية مسبية # إن همت فيها ما علي جناح # الفتى ~~: # غزال تلحظني ms071 بألحاظ ريم # رفت معانيها كمثل النسيم # لها كلام يطرب ونغمة رخيم # يهزني مثل اهتزاز الرماح # المغني ~~: # في صدرها الفضي تفاحتين # وجيدها السامي ككأس اللجين # والسحر ينفث به من المقلتين # وفي لماها البرق لألأ ولاح # الفتى ~~: # ناديت حين لاحت بداجي الشعر # موردة أو جانها بالخفر # من ألف الماء في الخدود والشرر # ومن جمع بين المسا والصباح # الفتاة ~~(ضاحكة) ~~: # أحقا هذا ما صار؟ # الفتى ~~(بإعجاب) ~~: # وكل ما تقوله أشعاري شرارة واحدة من ناري. # المقهوي ~~: # انتظروا، انتظر يا مغني الأشعار، جلسنا ننتظر العشاء، ونتكلم عن الدنيا ~~وعجائب الأحوال والأنباء، لا أخفي عنكم أنني شعرت بما دار بينه وبين ابنتي ~~من حوار. # الفتاة ~~: # أنا لم أتكلم حتى الآن. # المقهوي ~~: # قلب الأم والأب يا ابنتي. # الفتى ~~: # ولم تكوني وحدك ابنته. # المقهوي ~~: # أخذت أنظر إليه وأكلمه كأنه ابن غائب عاد من الأسفار، وجاءت فاطمة ~~بالعشاء فظل ينظر إليها ويغرف من عينيها الزاد والماء، أشرت لابنتي ~~فانسحبت في حياء ~~(تنسحب الفتاة) # سألته: ~~من أنت يا بني وما شأنك؟ قال: هل تعرف ساعي بريد الملكة أروى؟ قلت: الحاج ~~صالح؟ قال: نعم. قلت: الرجل الطيب الذي يزورنا كل شهر؟ قال: نعم، نعم. قلت: ~~وماذا يجبرك على السفر وحيدا بالليل؟ قال: أبي مريض، والبريد عاجل لا بد ~~من وصوله قبل الفجر. سمعنا الصوت المخيف يفزع الليل والجبل والنجوم. قلت: ألم ~~يحذرك من الأخطار؟ قال: معي سيفي البتار. قلت: يا ولدي، ألم يخبرك عن ~~الطاهش الجبار؟ قال: لا، القبيلي لا يخاف، ومن معه سيفه لا يضار. ربت ~~على ظهره وقلت: يحميك الله يا ولدي، لكنه وحش غدار. ألم تسمع صوته ~~المسموم؟ فما بالك بوجهه المشئوم؟ ليتك سافرت مع قافلة؛ فهو لا يهاجم إلا ~~المسافر الوحيد. جاءت ابنتي ووضعت جمنة القهوة أمامه ~~(الفتاة تفعل هذا) # نظر إليها واحمر وجهه وقال: ليس وحيدا من ~~سحره هذا الجمال. أطرقت برأسي إلى الأرض وأشرت إلى ابنتي فتراجعت في هدوء ~~(تتراجع الفتاة) ~~. يا ولدي بالله عليك. ~~قاطعني: أرجوك اجعلني ابنك. قلت: أنت في مقام ابني الذي ms072 يطلب العلم في زبيد. ~~مد إلي يده وقال: إذن فاجعلني أخاه. لم أفهم قصده. اندفع يقول: جئت إليك ~~وحيدا حرا ولا أريد أن أخرج من عندك إلا ويداي ورجلي في القيود! ماذا تقصد ~~يا ولدي؟ قال: عدني أن أصبح منذ الساعة ابنك. أخطب منك ابنتك فقل وافقت ~~وباسم الله. وحين أعود ستجد أبي يخطبها منك. أمي ماتت منذ سنين. قلت: يرحمها ~~الله. لكن الأمر ... وقف وقال: لا وقت لدي، وسأذهب من فوري الآن. قلت: ~~تمهل يا ولدي. أتوسل بالله وأستحلفك بحق نبيه. ابق الليلة لا تهلك ~~نفسك. # المرأة ~~(باكية) ~~: # وتضرعت إليه: ارحم زهرة عمرك يا ولدي، ارحم شيخوختنا، ابق الليلة معنا ~~والفجر قريب، اسمع نصح أبيك وأمك. # المقهوي ~~: # لن نغتفر لأنفسنا هذا الذنب، لن يغفره الله ولن يغفره والدك الطيب. ضحك ~~وقال: # الفتى ~~: # إني قبلي ومعي سيفي. # المقهوي ~~: # الوحش مخيف يا ولدي. # الفتى ~~: # إن خفت فهل تغفر فاطمة خوفي؟ # المقهوي ~~: # ناديت على ابنتي: يا فاطمة يا فاطمة ~~(تحضر ~~الفتاة) ~~. # الفتاة ~~: # أمرك يا أبي. # المقهوي ~~: # هذا الفتى خطبك مني يا ابنتي. لكنه يريد أن يرحل الآن ولا يعود. # الفتى ~~: # بل أعود بعد أيام ومعي أبي. # المرأة ~~: # وهل يعود من يقابل الطاهش؟ نم الليلة هنا في أمان. # الفتى ~~: # لا آمن غضب الملكة. # المرأة ~~: # غضب الطاهش أدهى وأشد، ارحم يا ولدي دمعة شيخين، ارحم دمع عروسك. # الفتاة ~~: # أنا لم أبك يا أمي، لم تدمع عيني. # صوت ~~: # لم تدمع عينك؟ ألم تحذريه؟ # الفتاة ~~: # نظرت إليه ونظر إلي. هل ظهرت الدموع في عيني؟ لا أدري، ضمنا عناق في ~~ومضة كالبرق، رأيتني أضع رأسي على جناحه، نحلق فوق قمم الجبال ونسبح بين ~~النجوم ونحيا قبل الميلاد وبعد الموت. # المغني ~~: # عقد الهوى مبروم، # أكيد ما ينقضه مر الدهور. # الفتى ~~: # ساقني القدر. # مضى زماني في شرك حباله. # وأطبق عليك الجفون، # حتى لا يراك دوني، # وإن شاكلتك عينيا، # قلعت السواد منهم. # الأعمى ~~: # امشي بحال الأعمى # حتى خبيك عنهم # المقهوي ~~: # دوت صيحة الطاهش. # الطفلة ~~: # هو يصيح الآن، أبي. # أبوها ~~: # اسكتي ms073 يا بنت. # الطفلة ~~: # أخاف يا أبي. # أبوها ~~: # الطاهش هناك في الجبل البعيد، نحن هنا في أمان. # الفتاة ~~: # انتفض كنسر مجروح، سقطت ورفرف قلبي المذبوح، هل يبكي الحمام؟ ربما طفرت ~~الدموع وأنا أراه يحلق ويرتفع، يتحسس خنجره ويستل سيفه من جرابه ويصيح ~~صيحة الحرب في جنون. ~~(الفتى يصيح صيحة الحرب ويشرع سيفه في يد وخنجره في ~~يد.) # المقهوي ~~: # نبكي، نتوسل. # المرأة ~~: # إن لم ترحم نفسك، فارحم شيخوختنا. # المقهوي ~~: # وارحم دمع عروسك. # الفتى ~~(للفتاة) ~~: # من أجلك أذهب. # الفتاة ~~(للفتى) ~~: # وتعود. # الفتى ~~: # وأقدم مهري وهدية. # الفتاة ~~: # أي هدية؟ # الفتى ~~: # أشبال الطاهش مشوية! # الفتاة ~~(تضحك بافتخار) ~~: # أقبلها منك بلا دية. # الفتى ~~: # جني يهدي جنية. # المقهوي وامرأته ~~(للفتاة) ~~: # أتضحكين؟ # الفتى ~~: # وأدعوكم أن تضحكوا معنا حتى تسيل الدموع. # المقهوي ~~: # لم نضحك ولكن سالت الدموع، شرع سيفه وأخذ يلوح به في وجه عدوه. ناديت: يا ~~ولدي، لا تضرب إلا أن تتمكن منه. # الفتى ~~: # لا تخف فقد صرعت طاهشا من قبل. # المرأة ~~: # يموت طاهش ويولد طاهش جديد، عد يا ولدي. ~~(ينصرف الفتى.) # المقهوي ~~: # عد يا ولدي، عد يا ولدي، يئست ورحت أتابعه بعيني وهو يختفي مسرعا كما ~~جاء. أردت أن أغلق باب الشرفة فلاحظت ابنتي تحدق في الظلام وتتمتم. كان ~~يشع من عينيها بريق كأنه سراج الأمل يهديه على الطريق، غاب في منحنيات ~~المزحل. وغاب القمر الفضي وراء الجبال. بعد قليل سمعنا طرقعة الحصى تحت أقدام ~~الوحش ودوت صيحة الحرب في جنون. ما هي إلا لحظات وانفجرت فرقعة ~~السيف. # الفتاة ~~: # عرسي الليلة، عرس الدم. # المرأة ~~: # ادعي له يا ابنتي، نجه يا رب. # المقهوي ~~: # يا رب، خمدت كل الأصوات، إلا صوتا يرتطم على الصخر كما تسقط شجرة، سطعت ~~في عين ابنتي المسكينة شعلة نار، وتوهج برق وانطفأ شهاب. # المرأة ~~: # وا حسرتا عليك يا ابنتي! # الفتاة ~~: # لم أبك ولم أذرف دمعة. # المقهوي ~~: # بل أخذتها حمى الضحك المجنون. # الفتاة ~~(تضحك بجنون) ~~: # عرسي الليلة، عرس الدم. # المرأة ~~: # طوقت جسدها وضممتها إلى صدري. # المقهوي ~~: # أسرعت إليها وبكيت، هل لامستم جسدا يتحول جمرا؟ # المرأة ms074 ~~: # الحمى يا حبيبتي. # المقهوي ~~: # دوى صوت الطاهش، صوت أسود محموم، جحر أفاع وذئاب وضباع. # أب الطفلة ~~: # والفتى؟ ألم تهبط إليه؟ # المقهوي ~~: # أهبط إليه؟ في الليل الموحش يغلي الوحش كبركان، تتحول كل الأشياء الراقدة ~~وحوشا تتربص بالإنسان. الجبل القانت والليل الصامت والقمر الشامت والظل الخافت ~~والوديان. والطاهش وحش يزأر في السجن الواسع، في الليل يسحب ضحيته إلى عرينه، ~~بعد أن ينطحها ويفصل رأسها عن جسدها ويجردها من ثيابها. عريانة تقع بين ~~أنيابه ومخالب أشباله. ماذا يفعل شيخ مثلي وعجوز؟ # التاجر ~~: # والجلباب والعمامة؟ # المقهوي ~~: # والكيس والسيف المكسور. # الطفلة ~~(باكية) ~~: # أريد السيف يا أبي، السيف يا أبي. # أبوها ~~: # اسكتي يا بنت، اتركيه في مكانه. # المقهوي ~~: # لما طلع الفجر جررت خطاي على الدرب الوعر. اختفى الفتى في ليلة عرسه. شده ~~الوحش إلى عرينه، أما آثار العرس فما زالت فوق ثيابه، بقع الدم اللزجة دافئة ~~فوق الجلباب، متخثرة في حد السيف المكسور، متناثرة فوق بريد الملكة، وعلى ~~الجنبية لطخ سوداء ~~(يقلب في القطع التي أمامه ~~وكأنه يعرضها على الحاضرين) ~~. # صوت ~~: # دم الطاهش. # المقهوي ~~: # لا يعلم إلا الله من القاتل والمقتول! # أصوات ~~: # نجانا الله، نجانا الله. # المقهوي ~~: # الطاهش فك مفتوح. # التاجر ~~: # قبر جوعان. # المرأة ~~(باكية) ~~: # لا تنبشوا القبور، حلفتكم بالله لا تنبشوا القبور. # المغني ~~(يقترب من المقهوي ويضع يده على ظهره ويبدأ الغناء) ~~: # سبح ذا البقا، # إن غايبك لا يعود، # قد زار القبور واللحود. # المقهوي ~~(مسترسلا في البكاء) ~~: # قد كان في الكتاب مسطور، # حرمانهم حتى من القبور، # يبقى الله ويفنى البشر، # ما للعبد من مفر. # أصوات ~~: # حياك الله يا مغني، حياك الله يا والدي. # أصوات ~~: # يا مقهوي صبر جميل. # المغني ~~: # عواقب الصبر الجميل تحمد فيها المنى. # أبوه الأعمى ~~: # يقول على ولد زايد: لا بد من داعي الموت. # ما يأمن الدهر عاقل، # ولو سبر واستوى له. # 17 # المقهوي ~~: # آه! لا هو سبر، ولا استوى له. # المرأة ~~: # والفك جوعان ونابه حادة وقوية. # المقهوي ~~: # والقبر مفتوح وله في كل ليلة ضحية. # الفتى ~~: # ورجعت بالسيف وبالجلباب والجنبية. # صوت ~~(ضاحكا) ~~: # إن ms075 كنت أنت الطاهش فأين هي الضحية؟ # أصوات ~~: # سبحانه جل علاه، له معجزات في البرية. ~~(يضحكون ثم يغرقون في الصمت.) # المقهوي ~~(يحاول أن يضحك. يزم شفتيه ويمسح دموعه من على ذقنه ~~ويواصل حديثه) ~~: # رجعت بالثياب والحزام والجنبية، وحملت الكيس الجلدي على ظهري. زوجتي كانت ~~تنتظر في الشرفة، وابنتي في جحيم الحمى لاهثة مرتجفة. وضعت الأشياء في ~~الصندوق، صندوق عرسي القديم الذي ترونه وراءكم. بعد أيام وليال تقلبت فيها ~~على الجمر أخرجتها وعلقتها على السقف والجدار. قلت ربما يتعرف عليها أحد ~~المسافرين، ربما يظهر أبوه أو قريبه أو صاحبه أو جاره. ومرت الأيام ولم يظهر ~~أحد، ومرت العيون على الثياب والآثار فلم يطرف جفن. قلت: لا بد أن أباه قد ~~مات. ألم يقل الفتى إنه على فراش المرض؟ الرجل الصالح شيبة مثلي. لا يعرف سر ~~الأعمار إلا واهب الأقدار. # الفتى ~~: # لكنه شفي من مرضه وعاد يحمل بريد الملكة. مرت أيام وأسابيع وشهور. لم أعد ~~من الغربة فسلم أمره لله. # المقهوي ~~: # وليلة كهذه الليلة كنت أجلس في الشرفة كعادتي أدخن المداعة وأنظر للقمر ~~والنجوم. السكون خيمة سوداء تلف الجبال والسحب والصخور والأشجار الباسقة على ~~رءوس الصخور والوادي الموحش والمقهاية والمسافرين النائمين بعد شرب القهوة ومضغ ~~القات. سمعت طرقعة الحصى على صخور المزحل السوداء التي تعكس بريق القمر، ~~دققت النظر فرأيت شبحا أسود يهبط الدرجات الصخرية مسرعا. اقترب الشبح: ~~الأقدام الحافية، الجلباب الأسود، الكيس الكبير على الظهر، الجنبية يلمع ~~مقبضها العاجي من الحزام. هل ترجع أرواح الموتى؟ أم نجح الشاب في قتل الطاهش ~~وسلم البريد للملكة وعاد؟ زاد الوهم يقينا حين اتجه الشبح إلى ينبوع الماء، ~~انحنى على الفجوة ومد يديه وشرب، ثم وقف ومسح بكفيه ضريح الولي ورفعهما ~~بالدعاء، واقترب من الباب فتنحنحت، فزع قليلا حتى كدت أحس بأنفاسه، ثم رفع ~~صوته: المقهوي؟ # المغني ~~(مشيرا إلى التاجر العجوز الذي يضع مسبحته في جيب ~~جلبابه وينهض) ~~: # سألته قائلا: المقهوي؟ # التاجر ~~(مرتبكا) ~~: # أنا؟ # المغني ~~: # نعم، وبعد قليل تسأل عن القهوة والعشاء. # المقهوي ~~: # لا لم يطلب ms076 عشاء، اكتفى بالقهوة. # المغني ~~: # وتطرق الباب وتدخل وتتكلم وتسأل عن ابنك، هيا. # التاجر ~~: # يا مقهوي. # المقهوي ~~: # من؟ هذا صوت الحاج صالح؟ # التاجر ~~(ضاحكا) ~~: # صوته وجسمه أيضا. # المقهوي ~~: # الرجل الطيب الصالح، ساعي البريد والخير، من شهور لم نرك، يا مرحبا، ~~حيا الله. # المغني ~~: # وينزل ليفتح لك الباب، وتسلم سلاما يمنيا ويطول السلام. ~~(التاجر يندفع إلى المقهوي ويسلم عليه على الطريقة ~~اليمنية.) # المغني ~~: # وتدخل وتسلم على أهل الدار. # التاجر ~~: # يا الله. # المغني ~~(مشيرا إلى المرأة والفتاة) ~~: # هيا، هيا. # المرأة والفتاة ~~(تسلمان ويتحلق الثلاثة حول التاجر الذي يقوم بدور ~~الحاج صالح) ~~: # يا مرحبا يا حاج، شفاك الله وعافاك. # المقهوي ~~(ينظر إلى زوجته محذرا) ~~: # العشاء والقهوة يا حاجة. ~~(تنهض المرأة. الفتاة تسلم وتنسحب.) # التاجر ~~: # لا، لا داعي للعشاء، عندي أمر بتسليم البريد. # المقهوي ~~: # إلى الملكة قبل الفجر. # التاجر ~~: # بارك الله، ولأصلي معها في الجامع الكبير. # المقهوي ~~(لنفسه) ~~: # يا الله، لولا الشيبة وضمور الوجه، لو يسألني عن ابنه، ماذا أفعل؟ # المغني ~~: # نسيت أنك جمعت الثياب والأشياء بسرعة من السقف والجدران. # المقهوي ~~: # نعم، نعم، ووضعتها في الصندوق. # التاجر ~~: # لم يمر من هنا فتى منذ شهر؟ # المقهوي ~~: # حيا الله، حيا الله. # المغني ~~: # وتحاول أن تصرفه عنه، أما أنت، فلا تنسى، ستسلمه رسالة من ~~ابنه. # التاجر ~~: # قبل أن أنسى، معي رسالة من ابنك في زبيد. # المقهوي ~~: # بارك الله فيك وفيه. # التاجر ~~(يقلب في كيس الرسائل ويخرجها) ~~: # ها هي ذي. # المقهوي ~~(يرفعها إلى وجهه ويقبلها) ~~: # لكنك تعرف. # التاجر ~~: # أقرؤها لك، بعد التحيات لكم وللأم العزيزة والأخت. # المغني ~~: # تتلكأ وتتلفت حولك وتقول: الجميلة، نعم والله جميلة! # المقهوي ~~: # ابنتك يا حاج. # التاجر ~~: # لم ترد علي، ألم يمر من هنا شاب؟ # المقهوي ~~: # ننتهي من رسالة ولدنا. # التاجر ~~: # نعم، زبيد مدينة جميلة وتهديكم السلام، الأحوال مستقرة والجميع بايعوا ~~الملكة وأنا سعيد فيها أطلب العلم في مساجدها ومدارسها الفقهية، وأخبركم يا ~~والدي ... # المغني ~~: # تأتي الآن إلى خبر زواجه. # التاجر ~~: # أخبركم أنني نويت بإذن الله على الزواج بعد أن أصبح فقيها. # المقهوي ~~: # ألم يكتب عن ms077 عروسه؟ # التاجر ~~: # يخبركم فيما بعد. # المقهوي ~~: # ابحث يا حاج. # التاجر ~~: # هكذا الأبناء يا مقهوي، في الغربة ينسون. # المقهوي ~~: # الأبناء، نعم نعم ~~(يمسح دموعه) ~~. # التاجر ~~: # ولماذا البكاء؟ ابنك يتزوج وتبكي ؟ # المقهوي ~~: # لا أبكي لهذا يا حاج، إنما ... # التاجر ~~: # تكلم يا مقهوي. # المقهوي ~~: # لا أستطيع. # التاجر ~~: # هل تخفي شيئا؟ # المقهوي ~~: # سر كتمته عنك. # التاجر ~~: # سر؟ # المقهوي ~~: # لم أعد أستطيع. # التاجر ~~: # هل مر من هنا؟ # المقهوي ~~: # نعم، قبل شهرين. # التاجر ~~: # وتسكت حتى الآن؟ وكان معه البريد؟ # المقهوي ~~: # لولا أن الكيس الجلدي عندي لقلت إنه نفس الكيس. # التاجر ~~: # لم يسلمه إذن، هل بات هنا؟ # المقهوي ~~: # لا. # التاجر ~~(غاضبا) ~~: # وتركته يذهب في الليل ~~(تسمع صيحة الطاهش من ~~بعيد، زئير أسود مكتوم) ~~. # المقهوي ~~(مع زوجته التي تدخل بالقهوة) ~~: # فعلنا المستحيل يا حاج. # التاجر ~~(يشتد غضبه وهياجه) ~~: # الله يلعنك، كيف تركته يخرج في الليل؟ # المقهوي ~~: # اهدأ يا حاج، قلت لك فعلنا المستحيل، حذرناه بلا فائدة. # التاجر ~~: # يا ولدي. # المقهوي ~~: # واسترحمناه بحق شبابه، بضعف شيخوختنا، بالله ونبيه الكريم. # التاجر ~~(يضع وجهه بين يديه) ~~: # يا ولدي. # المقهوي ~~: # امتشق سيفه وقال: القبيلي لا يخاف ومعه سيفه. # التاجر ~~(في صوت رهيب) ~~: # وأين ثيابه؟ # المقهوي ~~: # موجودة يا حاج، في هذا الصندوق. # التاجر ~~: # هاتها، أخرجوها واتركوني. ~~(المقهوي يضع الثياب أمامه ويخرج هو وزوجته.) ~~(التاجر يتحسس الثياب، يلثم بقع الدم، يشمها ويضعها ~~على عينيه ويجهش بالبكاء، بعد قليل يتماسك ويغالب دموعه، يخلع جلبابه ويرتدي ~~جلباب ابنه ويتحزم بجنبيته ويقبض على سيفه المكسور، يشع من عينيه بريق ~~مجنون.) # المغني ~~(للفتاة) ~~: # وتدخلين في نفس اللحظة. # الفتاة ~~(مرتبكة) ~~: # وماذا أقول؟ # المغني ~~: # ماذا تقولين؟ ما تقوله عروس. # الفتاة ~~: # فهمت فهمت، حيا الله يا حاج. # التاجر ~~: # من؟ ابنه المقهوي ~~(ينظر ويثبت عينيه ~~عليها) ~~. # الفتاة ~~: # وعروس ابنك. # التاجر ~~: # عروس ابني؟ # الفتاة ~~: # نعم، خطبني من أبي، وعد أن يسلم البريد ويرجع معك. # التاجر ~~: # ورجعت بدونه. ~~(الفتاة تنتبه إلى أنه قد ارتدى ثياب ابنه، تتفرس في عينيه ~~ووجهه والسيف المكسور المشرع في يده.) # التاجر ~~: # نعم يا ابنتي ~~(يتردد صوت الطاهش، ويعلو فحيحه ms078 ~~المجنون) ~~. # الفتاة ~~(في تصميم مفاجئ) ~~: # هل معك سيفك؟ # التاجر ~~: # نعم يا ابنتي، القبيلي لا يترك سيفه. # الفتاة ~~: # أعطني هذا السيف. # التاجر ~~: # ستحافظين عليه؟ # الفتاة ~~: # وسأذهب معك. # التاجر ~~: # تذهبين معي ؟ أتعرفين إلى أين؟ # الفتاة ~~: # نعم. # التاجر ~~: # وأنني قد لا أعود؟ # الفتاة ~~(ساهمة) ~~: # لا نعود. # التاجر ~~: # وقد يسيل دمي. # الفتاة ~~: # ودمي. # التاجر ~~: # وقد تكون آخر ليلة في عمري. # الفتاة ~~: # بل ليلة زفافي ~~(تبرق عيناها بوميض ~~مخيف) ~~. # التاجر ~~: # زفافك؟ # الفتاة ~~: # الليلة يسيل دمي أو دمه، ستباركنا بنفسك يا عمي، فوق الصخر الأسود نتعانق، ~~أغرز سيفي، سيف حبيبي، في نحره، أو يغرز في صدري نابه، أقتحم عليه عرينه، أو ~~يسحبني عارية لعرينه. هناك أزف إليه، في نفس البطن الجائع، نفس الجوف ونفس ~~القبر. # التاجر ~~: # مهلا يا ابنتي. أجلي الأمر. # الفتاة ~~: # حفل زفافي لا يؤجل. # التاجر ~~: # وأبوك، ألم تفكري فيه؟ # المرأة ~~: # وأمك ~~(تبكي) ~~. # الفتاة ~~: # فكرت طويلا، وعزمت. # التاجر ~~: # يا ابنتي، أنا آخذ ثأري منه. # الفتاة ~~: # وثأري؟ # التاجر ~~: # أرجوك يا ابنتي. # الفتاة ~~: # هيا، هيا، هذا وقت الثأر، لا وقت الفكر. # المقهوي ~~: # ونفاجأ أنا وهذه العجوز بالشيخ والفتاة يخرجان من الباب، لم أعرفه في ~~البداية، لم أعرف ابنتي، الجنون يشرع سيفا، الغضب يمتطي فرس النار والريح، ~~ماذا يجدي الدمع؟ ودعائي وصلاتي ماذا تجدي؟ # المرأة ~~: # يا ابنتي، ليس لي غيرك. # الفتاة ~~: # وأنا ليس لي غيره. # المقهوي ~~: # أنت نخلتنا الوحيدة. # المرأة ~~: # غرسناك في شبابنا. # المقهوي ~~: # لنستظل بك في شيخوختنا. # الفتاة ~~: # وأنا آوي الآن إلى ظله. # المقهوي ~~: # ويدوي صوت الطاهش فنبكي ونحذر، وتهب علينا أنفاسه فنشم رائحة ~~الموت، يا ابنتي، يا ابنتي. # الفتاة ~~: # لا فائدة يا أبي. # المقهوي ~~: # تعقل يا حاج، أرجعها أنت إلى العقل. # المرأة ~~: # فكر في شيخوختنا ~~(يسمع صوت ~~الطاهش) ~~. # الفتاة ~~: # إنه يدعوني يا أبي، يناديني. # المقهوي ~~: # من يا ابنتي؟ # الفتاة ~~: # أتكره أن أزف إليه؟ # المرأة ~~: # إنه الوحش يا ابنتي. # الفتاة ~~: # وهو ينتظرني ويفتح ذراعيه. # المقهوي ~~: # جذبتها بقوة من ثوبها، ركعت العجوز وقبلت ساقها، مدت السيف نحوي وصرخت ~~في جنون، زفافي الليلة، الليلة سأزف إليه، اتركاني، اتركاني. # المغني ms079 ~~: # جرت ولسان حالها يقول: لبيك، لبيك. ~~(ينشد): # حبيبي لو أنك # جعلتك سواد عيني # وأطبق عليك الجفون # حتى لا يراك دوني # أبوه الأعمى ~~(يواصل ضاربا على الدف) ~~: # وإن شاكلتك عينيا # قلعت السواد منهم # امشي بحال الأعمى # حتى خبيك عنهم # المقهوي ~~: # لم تر سواه ولم تسمع إلا صوته، جريت أنا وأمها نتعثر في ضعفنا، وننكفئ ~~على الصخور، يا ابنتي، يا ابنتي، ارجع يا حاج، أرجعها يا حاج، صوت الطاهش سحر ~~أسود يجذب جسديهما المسرعين على درجات المزحل، زئيره سد يأجوج يمنع تقدمنا. ~~كان الحاج قد سبقها بقليل وكمن خلف صخرة عالية، أطلقت صيحة الحرب الجنونية ~~ولحقت به، هل رأيتم الكابوس؟ هل جثم على لحمكم وأنفاسكم حتى بعد اليقظة من ~~النوم؟ ارتفع عواء الطاهش وزئيره، وعلى ضوء القمر مددنا الأبصار فلم نتبين ~~غير الأشباح، أشباح تثب وتتوقف، تزحف تتراجع، تصرخ وتئن، وصياح الحرب المجنون ~~يصارع حشرجة الطاهش وزئيره، وأنا وامرأتي شيخان عجوزان، تنهار سماء العالم ~~فوقهما وهما مشلولان، حتى يسقط شيء كالحجر فتختنق الأرض، يختنق سكون الليل، ~~تختنق الأنفاس وتسقط ~~(يسقط المقهوي. يدركه التاجر ~~وتسرع إليه الفتاة وينشد المغني) ~~. # المغني ~~: # لا حول يا مالك الموت، # ذي ما نجي منك هارب. # الأعمى ~~: # سبح ذا البقا، # إن غايبك لا يعود، # قد زار القبور واللحود. # المرأة ~~(باكية) ~~: # قلت لكم لا تنبشوا القبور، لا تنبشوا القبور. # الفتاة ~~: # يا ليت لي قبرا، يا ليت لي لحدا. # المغني ~~: # ما كان في الكتاب مستطر، # 18 # لا يؤخر # عن وقته إذا ما حضر. # الأعمى ~~: # والمقدر، # ما للعبد من مفر، # يبقى الله ويفنى البشر. # المغني ~~(ينحني على المقهوي ويحاول أن يفيقه) ~~: # وعندما فتحت عينيك كان الفجر قد طلع. # الفتاة ~~: # وصعدت على المزحل تجر حطام شجرتك. # التاجر ~~: # وتفتش عما بقي من الكابوس ~~(يدوي صوت الطاهش ~~كالكابوس) ~~. # الفتاة ~~: # وعثرت على ثوبي. # المغني ~~: # في ليلة عرسك مصبوغا بالدم. # التاجر ~~: # ووجدت الكيس الجلدي. # المغني ~~: # ورسائل لم تقرأها الملكة لطخها الدم ~~(الصوت ~~كنهر أسود يتدفق في الآذان) ~~. # التاجر ~~: # والسيف المكسور. # المغني ~~: # إلى نصفين ~~(يرفع السيف ويريه ~~للجميع) ms080 ~~. # الطفلة ~~(فجأة) ~~: # أريد السيف يا أبي ~~(تتسمع ~~للصوت) ~~. # أبوها ~~: # اسكتي يا بنت، اسكتي. # التاجر ~~: # وتحسر على السيف المكسور. # المغني ~~: # سيف ابن ذي يزن المشهور، وعلى الكنز المستور. ~~(الصوت يعلو ويدمدم كحشرجة شياطين في الجحيم يقترب من المقهوي، ~~يربت على ظهره وتسقيه امرأته كوب ماء، يفتح عينيه قليلا.) # لما طلع الفجر رجعت، رجعت كقافلة الموت. # المقهوي ~~(متطلعا إلى الحاضرين) ~~: # لأستقبل القادمين وأودع الذاهبين. # المرأة ~~: # ولا تتوب أبدا. # المغني ~~: # تحكي، تروي، تعرض قطع ثيابك، تنذر وتقول. # المقهوي ~~: # آه! اروي يا ولدي عني. # المغني ~~: # الطاهش في كل مكان وحش، غول أو بركان، ليل، صاعقة، طاعون يفتك بالإنسان، لن ~~ينجو أحد يا إخوان؛ فالكل مدين ومدان، الكل مدين ومدان. ~~(يسمع صوت الطاهش وكأنه يحوم حول ~~المقهاية.) # المقهوي ~~: # وتمر قوافل بعد قوافل، والركبان، تروي تروي عن سحر الإنس أو ~~الجان. # المغني ~~: # والطاهش ينمو، يتناسل، يزحف كالتنين، ويمد إلينا ألف ذراع وذراع، في كل ذراع ~~سكين، كان قديما يثب على الأعزل وهو ضعيف مسكين، ويجر ضحيته لعرين في جوف ~~الجبل دفين، واليوم له في السهل وفي الجبل النائم ألف عرين وعرين، لن تنجو ~~القرية والسوق ولن تصمد أسوار الطين، ويظل الطاهش يطلب قربان الدم وسيفك في ~~دارك صدئ مدفون، سيفك يا سيف كسير مطعون ~~(يسمح ~~فحيح الطاهش) ~~. # الطفلة ~~(فجأة) ~~: # السيف يا أبي، السيف يا أبي. # المغني ~~: # وتقيم الليلة بعد الليلة، تروي، تحكي، تدمع عيناك وفي الصدر جنون، وتقول ~~لمن مضغ القات ونام. # المقهوي ~~(يتطلع للحاضرين) ~~: # سيف صدئ مدفون، سيف مطعون. # المغني ~~: # ويقول التاجر: # التاجر ~~: # للعاصمة سأذهب وأحصل منه ديوني. # المغني ~~: # والابن الباحث عن ظل أبيه. # الابن ~~(الباحث عن أبيه) ~~: # هاجر عنا منذ سنين، ترك الأبناء يتامى، ترك الأم وترك الأمل بقلب ~~الجد المحزون. # المغني ~~: # وتقول عروس، تنتظر الفجر. # الفتاة ~~: # سأزف ويفرح قلبي وعيوني. # المقهوي ~~: # وأستقبل القادمين وأودع المسافرين، وأقيم الليلة بعد اللية أروي ~~عنه. # المرأة ~~(نائحة) ~~: # تنبش القبور ولا تتوب، # معزية بعد سنين، # مذكرة كل الأحزان. # المغني ~~: # وتظل تخاطب سيفك فوق الجدران، يا سيف ابن اليزن ms081 تكلم أين الفتيان؟ سيفي ~~مكسور منذ زمان، سيفي مكسور منذ زمان ~~(يعلو صوت ~~الطاهش بينما تصرخ الطفلة فجأة) ~~. # الطفلة ~~: # السيف المكسور. # أبوها ~~: # قلت اسكتي يا بنت. ~~(الطفلة تلقي بنفسها فوق السيف. تلتقطه وتلوح به في كل اتجاه، ~~تحاول أن تجري نحو الباب فيسرع إليها الأب والمغني.) # الأب ~~: # تعالي يا ابنتي. # الطفلة ~~: # اتركني يا أبي، إنه يناديني. # المغني ~~: # خذي ربابتي وهاتي السيف. # الطفلة ~~(غاضبة توجه السيف إلى صدره) ~~: # تعال وحارب معي. # المغني ~~: # الربابة ليست سيفا يا حبيبتي. # الأب ~~(يلتقط منها السيف فتبكي) ~~: # قلت لك اسكتي. # المغني ~~: # غدا سنذهب معا يا صغيرتي. # المقهوي ~~: # غدا في الليل يا حبيبتي. # الطفلة ~~: # وستحكي وتروي. # المقهوي ~~: # كما فعلت الليلة. # المغني ~~: # وسأغني كثيرا حتى تضحكي. # الطفلة ~~: # غدا، غدا، غدا، ألا تسمعون؟ # المغني ~~: # بالطبع يا حبيبتي، نسمع ونتكلم ونسمر ونغني. # الطفلة ~~: # وماذا تنتظرون؟ # الأب ~~: # قلت اسكتي يا بنت، والله ... # المغني ~~: # دعها يا أخي، حقا. ماذا تنتظرون؟ # المقهوي ~~: # ماذا تنتظرون؟ # أصوات ~~: # ننتظر الفجر. # أصوات ~~: # انظروا، طلع الفجر. # صوت ~~: # وانتهت الليلة. # صوت ~~: # وانفض السمر ~~(يتراجع فحيح الطاهش) ~~. # صوت ~~: # طلع الفجر. # صوت ~~: # طلع الفجر. # المغني ~~: # ما كان في الكتاب مستطر، # لا يؤخر، # عن وقته إذا ما حضر. # المقهوي ~~: # انتهت الليلة. # الطفلة ~~: # هل طلع الفجر؟ # المغني ~~: # والجميع يذهبون؛ أنت لتقبلي المولود، وأنت لتأخذ دينك، أنت لليلة ~~عرسك، أنت لتحصيل ديونك. # المقهوي ~~: # وأنت يا مغني. # أصوات ~~: # وأنت يا مغني، وأنت يا مغني. # المغني ~~: # وأنا، هيا يا أبي ~~(يساعد أباه على النهوض، بينما ~~يجمع المسافرون أغراضهم ويتجهون إلى الدواب والخيل والجمال التي يسمع ~~وقع حوافرها في السمسرة) ~~. # الأب ~~: # هيا يا ابنتي. # الطفلة ~~(للمغني) ~~: # وأنت؟ # المغني ~~(وهو يتجه مع أبيه إلى الباب) ~~: # سأغني يا حبيبتي. # الطفلة ~~: # حتى مطلع الفجر. # المغني ~~: # حتى يطلع الفجر ~~(ينصرف الجميع. يجذب الأب يد ~~ابنته ويختفيان. يجمع المقهوي وزوجته الثياب والأشياء، يسمع من بعيد ~~صوت المغني) ~~: # عن ساكني صنعا، # حديثك هات وا فوج النسيم، # وخفف المسعى، # وقف كي يفهم القلب الكليم. ~~(المقهوي يمسح دموعه وهو يجمع حاجياته ويتجه إلى الدرج ~~فيصعد ms082 عليه في خطوات بطيئة ويعلق الثياب والأشياء على الجدران.) # هل عهدنا يرعى؟ # وما يرعى العهود إلا الكريم. # المرأة ~~(تدندن في نواح) ~~: # تبدلوا عنا وقالوا # عندنا منهم بديل # والله ما حلنا # ولا ملنا عن العهد الأصيل. # المقهوي ~~(من فوق الدرج) ~~: # ما بعدهم عنا يغيرنا # ولو طال الطويل. ~~(وبينما تهبط الستار شيئا فشيئا يسمع صدى رحيل ~~القافلة ووقع حوافر الدواب ونداءات المسافرين وغناء بعيد): # هل عهدنا يرعى # وما يرعى العهود إلا الكريم. # 1982م # | المرآة # الشخصيات # جحا. # تيمور لنك. # حارس تيمور لنك الخاص. # قائد. # حراس وجنود مختلفون. ~~(فكرة المسرحية مستوحاة من حكاية ذكرها شاعر الألمان الأكبر «جوته» في ~~تعليقاته على ديوانه الشرقي؛ فقد رأى القائد المغولي المرعب وجهه لأول مرة في المرآة ~~فاستبشعه وانخرط في بكاء مر؛ عندئذ قال له بعض المحيطين به: إذا كنت قد بكيت بعد ~~رؤية وجهك مرة واحدة، فماذا نفعل ونحن نراه كل يوم؟! أما عن لقاء جحا وتيمور لنك فتذكره بعض ~~نوادر جحا وبعض كتب التاريخ.) ~~(خيمة تيمور لنك الحريرية، وفرسانه يحاصرون مدينة جحا «آق شهر» ~~بالأناضول استعدادا لغزوها، حارسه الخاص يساعده على ارتداء ملابسه، تسمع بين حين وحين ~~أصوات أبواق وصلصلة سلاح، كما ترى أشباح جنود تتحرك في الخلف.) # الحارس ~~(ممسكا بفردة حذاء) ~~: # لم تبق إلا هذه الفردة يا مولاي. # تيمور ~~: # قلت لك لا أريد. # الحارس ~~: # ويسير مولاي حافيا؟ # تيمور ~~(ينهض ويمشي) ~~: # وما الضرر؟ هل قالوا لك إني ولدت بحذاء في قدمي؟ # الحارس ~~: # لم يقل أحد هذا، ولكن لن يصدق أحد أن تيمور لنك العظيم ... # تيمور ~~: # دعني وشأني، قلت لك اذهب واتركني وحدي. # الحارس ~~: # عفوا يا مولاي، ولكن من يتصور أن الملك الذي يضع التاج على رأسه يسير بقدم ~~حافية؟ من يتصور أن القدم التي تدوس على نصف العالم تظل عارية؟ # تيمور ~~: # نفاق، نفاق، كلكم تجيدون النفاق، سواء كنت تيمور لنك السفاح الجبار أو كنت ~~أضعف خلق الله، المهم أن تروا التاج على الرأس أو السيف في اليد. # الحارس ~~: # ولكن يا مولاي ... # تيمور ~~: # قلت لك دعني، ألا ms083 ترى كيف لا أحتمل الكلام؟! # الحارس ~~: # أجل يا مولاي، وقد عرفت دائما عنك ... # تيمور ~~: # تكلم، ماذا عرفت؟ # الحارس ~~: # عرفت حبكم للصمت، سمعت أنكم تجلسون دائما وحدكم، بجبين مقطب ووجه مكفهر ~~حزين . # تيمور ~~: # حزين؟ نعم هذه هي الكلمة المناسبة، هل جربت البكاء مرة واحدة في حياتك يا ~~ولدي؟ # الحارس ~~: # مرة؟ بالطبع يا مولاي، أظن أنني لا أختلف في هذا عن أي إنسان، ولكنني لا أصدق ~~... # تيمور ~~: # لا تصدق أن تيمور لنك يمكنه أن يبكي؟ # الحارس ~~: # لم أقصد هذا يا مولاي؛ فأنت أيضا بشر. # تيمور ~~: # لأول مرة تترك النفاق. نعم أنا أيضا بشر، ولكن الناس تنتفض رعبا إذا سمعت ~~باسمي. إنهم يسمونني الشيطان الأكبر والسفاح الأعظم والأسد الفاتك والإله ~~الأعمى، لا يعرفون أن تيمور له قلب مثلهم ولا يتصورون أنه يبكي في بعض ~~الأحيان. # الحارس ~~: # إن أذنتم يا مولاي، متى؟ # تيمور ~~: # متى بكيت؟ بكيت دائما يا ولدي، بدموع جامدة تغيب في نفسي كأنها تغيب في أعماق ~~البئر. كنت في طفولتي أجلس على سطح بيتنا في المدينة الخضراء، أمد بصري إلى ~~القوافل الذاهبة إلى سمرقند، وأسمع نشيد الفلاحين في عودتهم من الحقول، ونداء ~~المؤذن يدعو الناس للصلاة، وأحاديث التجار والدراويش والشحاذين عن القوافل والحروب ~~والمعارك. كانت أمي قد ماتت وأنا صغير، فلم أتذكر ملامح وجهها، وكان أبي دائم ~~الجلوس مع المشايخ والعلماء، ثم ذهب إلى صومعة انصرف فيها إلى العبادة. # الحارس ~~: # طفولة حزينة يا مولاي، ألم يكن لك رفاق، أتراب لعب؟ # تيمور ~~: # هؤلاء أيضا كانوا دائما يعجبون لحالي، كنت أسير بينهم مطرق الرأس كثير ~~التفكير قليل الضحك. لم يكن عبثهم يحرك في شعرة واحدة، وكلما سألوني عن السر ~~في ذلك أقول: على المرء أن يسلك الطريق الذي كتبه القدر. # الحارس ~~: # وهذا القدر يا مولاي؟ # تيمور ~~: # الحزن يا ولدي. # الحارس ~~: # الحزن؟ أيمكن أن يصنع الحزن رجلا؟ لا بل ... # تيمور ~~: # نعم الحزن. إنه المسئول عن كل شيء؛ عبوس الوجه، تقطيب الجبين، الصمت، الصمت ~~الدائم الذي لم أكن أخرج عنه. # الحارس ~~: # لا أفهم يا مولاي. # تيمور ms084 ~~: # لم أكن كما تعلم ابن ملك كالإسكندر ولا ابن زعيم قبيلة مثل جنكيز خان، ولكن ~~الحزن هو الذي علمني الطموح. هل تعرف من الذي حببني في الدم؟ الحزن. هل تعرف ~~من الذي فتح شهيتي لرؤية آلاف الرءوس المقطوعة؟ الحزن. هل تعرف من الذي علمني ~~القسوة التي لا ترحم الطفل ولا المرأة ولا الشيخ؟ الحزن، الحزن، الحزن. # الحارس ~~: # مولاي، لا أتصور أن الحزن يمكنه أن يغلب ملوك الهند والصين وفارس وما بين ~~النهرين، أن ينتصر على كل الأعداء ويقتحم كل الحصون، أن يبث الخوف في نفوس ~~الملوك والفرسان والعامة، أن يكون ملك العالم. # تيمور ~~: # نعم هو الحزن، الحزن الذي جعلني أمشي وحيدا إلى سمرقند لا أملك غير سيفي وليس ~~معي سوى خادمي عبد الله، الحزن هو الذي جعلني أصبح ملك العالم كما تقول. # الحارس ~~: # معذرة يا مولاي، هل أتوسل إليكم بلبس هذه الفردة حتى يتم الحزن؟ # تيمور ~~: # ويحك! ألا يتم الحزن إلا إذا لبستها؟ # الحارس ~~: # ولكن منظركم هكذا، أخاف أن أقول ... # تيمور ~~: # منظر مضحك؟ ولكنه لا يضحكني كما ترى، ولن يضحك أحدا؛ إذ لم يخلق من يجرؤ ~~على الضحك في وجه تيمور. ~~(بعد قليل) # أين ذلك ~~الرجل الذي طلبته؟ لماذا تأخر؟ # الحارس ~~: # جحا؟ إنهم يبحثون عنه من ثلاثة أيام. # تيمور ~~: # أريد اليوم أن أضحك، أضحك من القلب، أضحك وأضحك وأضحك. # الحارس ~~: # إذن فليضحك مولاي، يكفي أن يراني أجري وراءه بهذا الحذاء فيضحك ~~(يحاول أن يجري فينظر إليه تيمور فيتجمد في ~~مكانه) ~~. # تيمور ~~: # قلت أريد هذا الرجل، ماذا كان اسمه؟ # الحارس ~~: # جحا يا مولاي. # تيمور ~~: # وماذا تعرف عنه؟ # الحارس ~~: # أعرف عن حماره أكثر مما أعرف عنه. # تيمور ~~: # حماره؟ ألم أسمع أنه قاض؟ هل يتاجر أيضا في الحمير؟ # الحارس ~~: # إنه لا يكاد ينفصل عن حماره، الناس لا يعرفونه من ملابسه لأنه يغيرها كل يوم، ~~ولا من صنعته فهو يوما قاض أو واعظ في جامع أو معلم في مدرسة أو سائح في بلاد ~~الله، ولا حتى من زوجته فهم يقولون إن له أكثر من ms085 زوجة وربما كان هو نفسه لا ~~يعرفهن، ولكنهم إذا رأوا حماره عرفوا مكانه. # تيمور ~~: # وكيف سيهتدي إليه فرساني؟ هل يعرفون ذلك الحمار؟ # الحارس ~~: # يعرفونه؟ إنه أشهر حمار في المدينة، بل أشهر حمار في التاريخ، إنه ابنه ~~ورفيق عمره، ومستشاره وكاتم سره. ~~(تيمور ضجة في الخلف، صوت جحا يصيح مستغيثا: حماري، حماري! ~~ويدخل وهو يقول في غضب شديد): # حماري، حماري أيها الملاعين! حماري أيها اللصوص! والله لا أعدل به قافلة جمال، ~~والله لا أرضى بفرسان تيمور كلها عوضا عنه، والله ولا حتى بتيمور نفسه ~~(يتلفت حوله ويستعيذ بالله) # أقصد لا أرضى أن يركبه ~~غيري، ولو كان هو نفسه، أعوذ بالله من اسمه. حماري يا ناس، حماري يا عالم. # الحارس ~~: # ما هذه الضجة أيها الرجل؟ ألا تعرف أين أنت؟ # تيمور ~~(همسا للحارس) ~~: # حذار، لا تقل شيئا. # جحا ~~: # وأين أكون إذن؟ في جنة عدن؟ في قصر أمير المؤمنين؟ حماري أيها اللصوص، ألستم من ~~فرسان تيمور؟ أليست صناعتكم هي السلب والنهب والسطو على أملاك الناس ~~وحميرهم؟ # الحارس ~~: # هل أحتمل هذه البذاءة كلها؟ # تيمور ~~: # هش، قلت لك لا تفتح فمك، أوصهم أيضا ألا يدخل علينا أحد. ~~(لجحا) # هيه ماذا تريد أيها الرجل؟ عم تبحث؟ هل ~~أستطيع أن أساعدك؟ # جحا ~~: # ماذا تريد؟ عم تبحث؟ وكيف تساعدني بالله عليك وأنت أصم؟ # تيمور ~~: # قل لي ماذا تريد؟ # جحا ~~: # يظهر أنك لست أصم فقط، بل غبي أيضا، ألم أصح بملء صوتي؟ ألم أصرخ ~~كالمجنون؟ # تيمور ~~: # هيه، فهمت، لقد ضاع منك شيء وتبحث عنه. # جحا ~~: # ما شاء الله! # تيمور ~~: # هل قلت إنه حمار؟ # جحا ~~: # نعم والله، وفيه شبه منك. # تيمور ~~: # وكيف دخل إلى هنا؟ # جحا ~~: # كيف يدخل إلى هنا؟ كما يدخل كل شيء بقدرة قادر ~~(يشير إشارة السطو والسرقة) ~~. # تيمور ~~: # هل هرب منك مثلا؟ هل ضاع؟ # جحا ~~: # هرب، ضاع؟ والله إن لك أسئلة لا يسألها حماري، وهل يهرب شيء أو يضيع وفرسان ~~تيمور أحياء يرزقون؟ إن الهواء نفسه يخاف منهم، الشمس نفسها تخشى أن يسرقوا ~~نورها، البحر والسماء والرياح ... # تيمور ms086 ~~: # كفى، كفى، أين كنت حين اختفى حمارك؟ # جحا ~~(مقلدا صوته) ~~: # كنت أنا وهو نختفي منكم. # تيمور ~~(بصبر شديد) ~~: # وأين؟ # جحا ~~: # وأين أختفي حتى لا يروني؟ أين أختفي حتى لا يعرفوا أنني حي أرزق؟ في ~~الجبانة طبعا، نزلت في أحد القبور المفتوحة حين أبصرتهم من بعيد. # تيمور ~~(مبتسما وهو يقترب منه) ~~: # ومعك حمارك؟ # جحا ~~: # يا لذكاء الفرسان! هل كتب علي أن أتحمل ذكاءكم بعد أن تحملت ~~شجاعتكم؟ # تيمور ~~: # تكلم، هل كان الحمار معك؟ # جحا ~~: # بالطبع لا أيها الفارس الذكي الشجاع، تركت حماري يرعى وأسرعت بإخفاء نفسي في ~~قبر مفتوح وجدته صدفة أمامي. # تيمور ~~: # كيف كان هذا؟ ارو الحكاية. # جحا ~~: # يا عم أنا لم أجئ لأروي حكايات، إنما جئت لأبحث عن حماري، حبيبي وصديقي ومنى ~~عيني. # تيمور ~~: # ورفيق عمرك ومستشارك وكاتم سرك. # جحا ~~: # ومن أين عرفت؟ إن أحدا لا يعرف هذا، هل قاله لك الحمار بنفسه؟ # تيمور ~~: # ربما. # جحا ~~: # إذن ساعدني في البحث عنه. # تيمور ~~: # ألم أعرض عليك هذا من قبل؟ هيا نتكلم، ماذا فعلت حين رأيت الفرسان؟ # جحا ~~: # وماذا أفعل بالله عليك؟ ماذا أفعل أيها الفارس الطيب؟ ~~(يرى قدمه الوحيدة حافية فيضحك) # ماذا يفعل رجل على نياته مثلك ~~حين يرى أحد فرسان تيمور؟ # تيمور ~~(متجاهلا نظراته إلى قدميه) ~~: # نعم ماذا يفعل؟ # جحا ~~: # يرتعش وينتفض، يتصور عزرائيل أمامه، يقرأ الشهادة على روحه. # تيمور ~~: # حسن جدا؛ ولهذا أسرعت إلى القبر المفتوح؟ # جحا ~~: # خلعت ملابسي أولا، ثم دخلت القبر كما ولدتني أمي، ولما اقترب الفرسان ~~ورأوني في القبر عاري الجسم استغربوا حالي وسألوني: ماذا تفعل في القبر يا هذا؟ ~~فحرت في الجواب ولكنني استدركت بسرعة: أنا يا سادتي الفرسان من أهل القبور، ~~أرقد هنا من عشرات السنين، وقد سئمت طول المكث فاستأذنت ربي أن أخرج قليلا ~~للفسحة. ~~(تيمور يضحك بصوت عال.) # جحا ~~(ينظر إليه) ~~: # هكذا ضحكوا يا سيدي، ولكنهم لم يكتفوا بالضحك. # تيمور ~~: # وماذا فعلوا؟ # جحا ~~: # أعوذ بالله، أبعد هذا كله تسألني ماذا فعلوا؟ سرقوا حماري الذي جئت أبحث عنه ~~فإذا بحضرتك تعطلني كل ms087 هذا الوقت ~~(جحا يبحث في كل ~~ركن في الخيمة، تحت المقاعد وبين الكراسي، تحت السرير، وراء قماش الخيمة وهو ~~يقول) # حماري، حماري، اظهر يا نور عيني، اظهر ولا تخف، أنا لست من ~~فرسان تيمور السفاح، أنا صاحبك، صاحبك جحا المسكين، أرجوك يا حماري، نهقة واحدة ~~ترد روحي ~~(يقترب من تيمور لنك) ~~. # جحا ~~(يرفع ثوب تيمور لنك وينظر في داخله وتحته) ~~: # هل أنت هنا يا حبيبي؟ # تيمور ~~: # ماذا تفعل يا جحا؟ # جحا ~~: # عدت للسؤال يا ذكي؟ # الحارس ~~(يتقدم إليه غاضبا) ~~: # أجننت أيها الأحمق؟ أتبحث في ثوب ...؟ # تيمور ~~: # حذار. # الحارس ~~: # في ثوب هذا الفارس الشجاع عن حمارك؟ # جحا ~~(بثبات وهو يواصل البحث) ~~: # ولم لا؟ وهل يصعب شيء على الفرسان الشجعان من أمثاله؟ إنهم يسرقون مال النبي ~~ويخطفون الكحل من العين ويلهفون الرءوس من على الأجسام، انحن قليلا يا ~~رجل. # الحارس ~~: # كيف تخاطب الفارس بهذه اللهجة؟ # جحا ~~: # وما المانع؟ وهل بقي شيء بعد أن ضاع الحمار؟ ~~(يمد يده إلى عمامة تيمور وتيمور مستسلم له.) # الحارس ~~: # وهل يختفي الحمار في العمامة يا أحمق؟ # جحا ~~: # وهل هي ككل العمامات يا غبي؟ هل تضيق عمامة أحد فرسان تيمور عن حمار صغير لطيف ~~مثل حماري؟ أسنانك يا رجل. # الحارس ~~(صارخا) ~~: # وتبحث في أسنان مولاك أيضا؟ # جحا ~~: # وما المانع أيها الغبي العنيد؟ ثم من الذي أسماه مولاي؟ هذا الجلف الضخم ~~ال... # الحارس ~~(وقد نفد صبره) ~~: # إنه تيمور لنك يا أحمق، إنه تيمور لنك. # جحا ~~: # من؟ ماذا قلت؟ # تيمور ~~(يربت عليه بهدوء، للفارس) ~~: # لا فائدة منك يا غبي. لا لا تخف يا جحا. ~~(جحا يسقط على الأرض مغشيا عليه، تيمور لنك ينحني ~~ويحاول أن يفيقه من غشيته، جحا يفتح عينيه ثم يقفلهما بسرعة، يرفع رأسه ثم لا ~~بليث أن يخفضها ويتماوت) # اصح يا جحا، اصح. # جحا ~~: # من ينادي على ...؟ # تيمور ~~: # أنا يا جحا بجانبك. # جحا ~~: # من؟ عزرائيل؟ # تيمور ~~: # بل السلطان تيمور لنك. # جحا ~~: # آه! الله يرحمني، ظننت أنني ما زلت أطالع في الروح ~~(يتماوت) ~~. # تيمور ~~: # أفق يا جحا، قلت ms088 لك لا تخف. # جحا ~~: # الحمد لله أنني مت من زمان. # تيمور ~~: # لم تمت بعد، ألا تسمع صوتك؟ # جحا ~~: # ضعت وضاع حماري أيضا، كنت على ظهره فضعت معه. # تيمور ~~(يضحك) ~~: # هيا! أفق . قلت لك لا تخف ~~(ينهضه ~~بالقوة) ~~. # جحا ~~: # أسرع يا مولاي، أسرع. # تيمور ~~: # وما الداعي للسرعة يا جحا؟ # جحا ~~: # ألم تأمر بالسيف والنطع؟ هيا اضرب رأسي قبل أن أفيق من نومي؟ # تيمور ~~(مدعيا الغضب) ~~: # قلت لك ألف مرة لا تخف، أم تريد أن ترى كيف يتصرف تيمور لنك السفاح؟ # جحا ~~: # أرجوك يا مولاي ~~(يزحف إلى قدمه) # ها هي قدمك ~~أقبلها. إنها حافية وهذا يسهل الأمر ~~(يقبلها) ~~. # تيمور ~~: # انهض، قلت لك أفق وإلا ... # جحا ~~: # لا، لا، أفقت وصحوت ~~(يتحسس رأسه) ~~، وما زال ~~رأسي على كتفي أيضا، أشكرك يا مولاي، أشكرك وأتوسل إليك. # تيمور ~~(يأخذ بيده في لطف ويتجه به إلى أريكة) ~~: # بل أنا الذي أتوسل إليك. # جحا ~~: # أنت يا مولاي؟ ملك العالم يتوسل لحمار مثلي؟ ~~(يمتنع عن الجلوس.) # تيمور ~~: # اجلس. # جحا ~~: # وأجلس أيضا؟ # تيمور ~~: # قلت لك اجلس، أتدري لماذا أرسلت إليك؟ # جحا ~~: # مولاي أرسل إلي أنا؟ # تيمور ~~: # فرقة كاملة من الفرسان تبحث عنك في كل مكان، من ثلاثة أيام وهم يسألون عنك، كان ~~يجب عليهم أن يسألوا عن حمارك. # جحا ~~: # وقد سألوا يا مولاي وسرقوه. # تيمور ~~: # سأتحقق من هذا بنفسي، اجلس الآن بجانبي ~~(جحا ~~يجلس) ~~. # جحا ~~: # وإذا لم تجده يا مولاي؟ # تيمور ~~: # أعوضك عنه، هل قالوا لك إن تيمور لنك فقير أو بخيل؟ # جحا ~~: # عفوا يا مولاي، ولكن حماري لا يعوضه شيء. # تيمور ~~: # إذا لم أعثر عليه فسأعوضك تعويضا كافيا، سأعطيك جرابا مملوءا بالذهب في ~~حجم الجراب الذي تضع له العلف فيه. # جحا ~~: # المهم هو أن تجده يا مولاي، وتستطيع أن تعطيه الذهب وتترك لي العلف. # تيمور ~~: # أتحبه إلى هذا الحد يا جحا؟ # جحا ~~: # أحبه؟ إن كلمة الحب لا تكفي يا مولانا، لقد ربيته كابني، أخلص لي أكثر من ~~زوجتي وأولادي، فهمني أكثر من كل الناس، واساني حين لم أجد أحدا ms089 يسمع شكواي، ~~تحمل حماقاتي حين ضاق بها الجميع، أتقول أحبه؟ في بعض الأحيان أتصور أنه ظلي، لا ~~بل إنني ظله. # تيمور ~~(يضحك) ~~: # لا بد أنه شديد الإخلاص لك يا جحا، ألم تفكر مرة في بيعه؟ # جحا ~~: # كلما ضاقت بي الحال وسدت في وجهي أبواب الرزق فكرت في بيعه، ولكني كنت ~~أشترط على الشاري شرطا لم يرض به أحد. # تيمور ~~: # وما هو هذا الشرط يا جحا؟ # جحا ~~: # أن يشتريني معه، أن يأخذني لأكون بجانبه. # تيمور ~~(ضاحكا) ~~: # الناس معذورون لرفضهم هذا الشرط يا جحا. # جحا ~~: # إنني أخشى عليه حتى من نفسه، يخيل لي أنه لو ضاع لضعت معه، ولو مات فلا بد ~~أن أموت أنا أيضا. جاء جاري يطلب إعارته له فقلت إنني ذاهب للحمار أستشيره عساه ~~يقبل، ثم دخلت إلى الإصطبل وعدت لأقول له: لقد استشرت الحمار فلم يرض لأنه ~~يزعم أن ملاك الحمير أوحى إليه بأنك ستضربه ضربا مبرحا وتشتمه وتسبه ~~هو وصاحبه. # تيمور ~~: # ملاك الحمير؟ ها ها، وماذا تفعل لو خانك الحمار فنهق مثلا. # جحا ~~: # فعلها يا مولاي. جاءني جار آخر يطلب نفس الشيء، فقلت له إن الحمار في السوق، ~~وما كدت أتم عبارتي حتى بدأ الخائن ينهق بصوت منكر من داخل الإصطبل، ~~فقال جاري: يا شيخ، هذا الحمار يملأ الدنيا نهيقا وتنكر أنت وجوده؟ أسعفني طول ~~لساني فهززت رأسي وقلت: ما أغربك من رجل! أتصدق الحمار وتكذب هذه ~~اللحية الشائبة ~~(تيمور يضحك) ~~. ~~(يدخل أحد قواد الجيش، ينحني لتيمور لنك ويحيي بجلبة السلاح ~~ويقول): # القائد ~~: # مولاي، الفرسان ينتظرون الإشارة. # تيمور وجحا ~~(معا) ~~: # هل وجدتم الحمار؟ # القائد ~~(مرتبكا) ~~: # حمار؟ ماذا تريد يا مولاي؟ # تيمور ~~: # ماذا تريد أنت أيها القائد؟ ماذا يريد فرساني الشجعان؟ # القائد ~~: # ماذا يريدون؟ لا يريدون إلا ما تشاء إرادتكم يا مولاي. # تيمور ~~: # تبا لك يا جحا، لقد نسيت لماذا كلفت الفرسان بالاستعداد، ذكرني أيها ~~القائد. # القائد ~~: # إنهم على أهبة الاستعداد يا مولاي، سيوفهم تتحرك شوقا لطعن هؤلاء ~~الخبثاء. # تيمور ~~: # الخبثاء؟ من هم أيها القائد؟ طالما أرحنا خبثاء ms090 كثيرين من نفوسهم ورءوسهم ~~الخبيثة. # القائد ~~: # ومن غيرهم يا مولاي؟ أهالي آق شهر. # جحا ~~(قافزا من مكانه) ~~: # من؟ # القائد ~~: # الذين لا يخافون بقدر ما يعبثون بنا. # تيمور ~~: # يعبثون؟ وكيف هذا أيها الفارس؟ # القائد ~~: # لم يخلق بلد فيها من الحمير ما في بلدهم. تصور أنهم يرسلون الحمير ~~للتجسس علينا. # تيمور ~~(فجأة) ~~: # وهل وجدتم بينهم حمار جحا؟ # جحا ~~: # نعم يا ولدي، إنني أستطيع التعرف على نهيقه من بين ألف حمار، أرجوك ~~يا ولدي. # القائد ~~: # إننا نقتلها أولا بأول، ونستعد الآن لتأديب أهلها. # جحا ~~: # مولاي، أتوسل إليك. # تيمور ~~: # أيها القائد، دعني الآن قليلا، قل للفرسان يستريحوا حتى يأتي تيمور. # جحا ~~: # أتوسل إليك يا مولاي، إنهم ضعاف مساكين. # تيمور ~~: # قلت أنا الذي أتوسل إليك. هيا عد إلى مكانك. # جحا ~~: # العجزة والأطفال والنساء. # تيمور ~~: # قلت لك اجلس، نعم هنا بجانبي، هل تعلم لماذا أرسلت إليك؟ # جحا ~~: # لو كان حماري معي لعرفت يا مولاي. # تيمور ~~(ضاحكا) ~~: # لا أشتهي سماع نهيق الحمار، أريد أن أسمعك أنت يا جحا، ماذا كنت تقول؟ # جحا ~~: # ماذا كنت أقول؟ انتظر حتى أستشير حماري. # تيمور ~~: # ولكنه ليس معنا يا جحا. # جحا ~~: # ولكن روحه دائما معي يا مولاي، انتظر، انتظر، ما رأيك يا حماري؟ صحيح، ~~صحيح. # تيمور ~~(ضاحكا) ~~: # زدني يا جحا. # جحا ~~: # ماذا أقول يا مولاي؟ # تيمور ~~: # لا تقل شيئا، أضحكني، أضحكني. # جحا ~~: # إنك تضحك يا مولاي. # تيمور ~~: # لا أريد هذا الضحك، أريد أن أضحك من القلب، الضحك الذي يغسل الروح ويطهر ~~الجسد، الضحك الذي يغسل الدماء من ضميري وينسيني منظر الرءوس المقطوعة والأجسام ~~المصلوبة والبيوت المحترقة والمآذن المهدمة، الضحك الذي ينسيني الخراب والموت ~~والدم في كل مكان داسته قدماي. ~~(جحا ينظر إلى قدمه الحافية ويضحك.) # تيمور ~~: # ما الذي يضحكك يا جحا؟ # جحا ~~: # تمنيت لو كان حماري هنا. # تيمور ~~: # وماذا كان يفعل؟ # جحا ~~: # ربما كنت استعرت حدوته وأعطيتها لك. # تيمور ~~(ضاحكا) ~~: # قل لي يا جحا: كيف تضحك الناس؟ كيف تزيل العبوس من وجوههم؟ كيف تحيي ~~الابتسامة على شفاههم؟ # جحا ~~: # أنا أضحك الناس؟ من ms091 قال هذا يا مولاي؟ إنهم هم الذين يضحكون على أنفسهم. ~~أريهم العالم المقلوب الذي يعيشون فيه فيكتشفون أنه عالمهم ويضحكون، أسير ~~أمامهم على رأسي أو أمشي على أربع كما يفعلون فيكتشفون أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~دائما فيضحكون، أبين لعلمائهم ومشايخهم أنهم يقلبون اللغة أيضا على رأسها ~~فيضحك الناس منهم ويطاردونني في البلاد. إنني لا أضحك الناس يا مولاي، لم ~~يخلق إنسان له هذه الموهبة الخارقة، إنني أريهم وجوههم في المرآة. # تيمور ~~: # تريهم وجوههم في مرآة؟ وما هي المرآة يا جحا؟ # جحا ~~(بينما يبحث في جيوبه) ~~: # اختراع غريب يا مولاي لا أدري إن كنتم قد سمعتم به أو لا، ربما اخترعه ~~الناس في أرض فرعون! # تيمور ~~: # زدني يا جحا، زدني عن هذه المرآة. # جحا ~~(يخرج بعض الأشياء من جيوبه وعبه) ~~: # رغيف أعطته لي امرأتي لأتغدى به، أوصتني أن أطعم منه الحمار وآكل ما ~~يفيض منه. # تيمور ~~(يضحك) ~~: # ثم ماذا يا جحا، ثم ماذا؟ # جحا ~~(يبحث في جيوبه) ~~: # ولباسي أيضا، كان منشورا على الحبل وما زال مبتلا، هل تدري لماذا أعطته لي ~~امرأتي؟ لأنني كثيرا ما أبول على نفسي يا مولاي، عادة قديمة لم أستطع التخلص ~~منها. # تيمور ~~(ضاحكا) ~~: # والمرآة يا جحا! المرآة! # جحا ~~(يبحث في جيوبه) ~~: # أظن أنها أعطتها لي أيضا؛ لأنظر فيها كلما أردت أن أضحك. # تيمور ~~: # أين هي يا جحا؟ أين هي؟ # جحا ~~(يخرج من جيبه مرآة صغيرة في حجم الكف) ~~: # أخيرا! ها هي يا مولاي. # تيمور ~~(يسرع نحوه) ~~: # أرني يا جحا. # جحا ~~: # انتظر يا مولاي، انتظر، أتظنها مرآة عادية؟ أتحسب أن كل من هب ودب ~~يستطيع أن ينظر فيها؟ إنها مرآة يستطيع الإنسان أن يرى فيها كل شيء. # تيمور ~~: # وماذا يرى يا جحا؟ هل هي حقا البلورة المسحورة التي سمعنا عنها؟ # جحا ~~: # في بعض الأحيان يا مولاي تطل فيها كما تطل في أعماق بئر. قد ترى هناك ~~قصورا مسحورة وعذارى جميلات وبساتين وفاكهة من كل نوع. # تيمور ~~: # أرني يا جحا، أرني هذه المرآة، هذه البلورة المسحورة. # جحا ~~: # وقد ms092 ترى فيها شياطين مردة بذيول وقرون في جباهها ونيران تخرج من عيونها ~~وأفواهها وأنوفها. # تيمور ~~: # لنترك هذه الشياطين يا جحا، لنر القصور المسحورة والعذارى. # جحا ~~: # قد ترى وجها لم تره من سنين وسنين، وجه أبيك أو أمك أو معلمك أو ~~حبيبتك. # تيمور ~~: # شيء غريب يا جحا، وماذا أيضا؟ # جحا ~~: # وقد ترى شيئا تضحك له، تضحك كما لم تضحك في حياتك أبدا. # تيمور ~~(مقاطعا) ~~: # هذا ما أريده يا جحا، هذا ما أتوسل إليك أن تحققه لي؛ لهذا أرسلت فرساني ~~يبحثون عنك ثلاثة أيام وليال، أرجوك يا جحا، أتوسل إليك، أريد أن أضحك، أضحك ~~من قلبي كما لم أضحك في حياتي، أريد أن أنسى حزني وعبوسي وصمتي، أرجوك يا ~~جحا. # جحا ~~: # ما دمت ترجوني فلا مانع، هيا تعال هنا. # تيمور ~~(طائعا) ~~: # أين يا جحا؟ أين البئر؟ ~~(يبحث حوله.) # جحا ~~: # أية بئر يا ... ~~(يتدارك نفسه) # يا مولانا؟ ~~انظر هنا. # تيمور ~~: # نعم، نعم، ماذا أرى؟ أهو وجه إنسان يا جحا؟ # جحا ~~: # المسألة ليست سهلة إلى هذا الحد ~~(لنفسه) # وجه ~~إنسان؟ أيعقل أن يكون وجه إنسان؟ أيمكن أن يكون وجه إنسان؟ # تيمور ~~: # ماذا تقول يا جحا؟ # جحا ~~: # نعم، ماذا أقول؟ أولا عليك أن تسكت تماما، أن تنظر فقط وتسكت، تماما كما ~~يجلس الأطفال أمام صندوق الدنيا. هل جلست؟ # تيمور ~~: # نعم يا جحا، وأنتظر أن تفسر لي ما أراه. # جحا ~~(آمرا) ~~: # قلت لك اسكت، هل ترى هذا الوجه؟ ~~(يمسك المرآة ~~أمام وجه تيمور) # انظر جيدا، هل تبصر قرنين في جبينه؟ هل تلمح ~~النار التي تخرج من عينيه وأنفه وفمه؟ # تيمور ~~: # لا يا جحا، ولكنه وجه غريب. # جحا ~~: # قلت لك اسكت، نعم هو وجه غريب، صاحبه قوي الجسم، مفتول العضل، كبير الرأس ~~كالمجانين، واسع العينين تظهر فيهما الصرامة والقسوة والتكبر. هل ترى جبينه؟ إنه ~~عريض، ممتلئ بالتجاعيد، لا يرى أحد ماذا يدور في داخله، رأس محموم يغلي كقدر ~~الساحرة الشمطاء بالأوهام والخيالات والأحلام. أتدري من صاحبه؟ قلت لك اسكت، كان ~~طفلا عاديا نشأ في بيت عادي، بيت ms093 من الطين والأخشاب، حوله سور من الطين ذو ~~جدران أربعة، ماتت أمه وهو صغير فحرم من عطفها، وانعزل أبوه يتعبد في ~~صومعته فحرم من حنانه، هل تدري ماذا كان يفعل؟ # تيمور ~~(لنفسه) ~~: # هذا الشارب، أيمكن؟ # جحا ~~(بشدة) ~~: # قلت لك لا تفتح فمك، كانت تسليته الوحيدة أن يجلس على سطح البيت وينظر ~~للفضاء البعيد ويحلم بمدينة القوافل والذهب والنساء الجميلات، المدينة التي ~~يحدثه عنها التجار والفرسان والدراويش، من هنا بدأ يعرف الوحدة، والوحدة ~~علمته الصمت، والصمت علمه العبوس، والعبوس علمه الطموح، والطموح دفعه ~~أن يمسك السلاح، والسلاح أغراه أن يهدم ويخرب ويقتل، والقتل دفعه إلى المزيد ~~من القتل، والمزيد من القتل إلى المزيد منه. # تيمور ~~: # عجيب يا جحا، هل يستطيع رجل واحد أن يفعل هذا كله؟ # جحا ~~: # ألم أقل لك لا تفتح فمك؟! # تيمور ~~: # جحا، أنسيت أنك تكلم ...؟ # جحا ~~: # هش! أتريد أن تختفي الرؤية من أمامك؟ أتظن أن الإنسان يمكن أن يرى مثل هذا الوجه ~~مرتين في حياته؟ اجتمع القتلة حوله من كل الأجناس والشعوب والقبائل، وكلما غزا ~~قبيلة أو أسقط قلعة أو أحرق مدينة انضم إليه المزيد من القتلة، ومضى ~~بفرسانه من بلد إلى بلد، يغلبون خصومهم في كل مكان، ينتصرون على كل عدو، يقتحمون ~~كل حصن، يفتكون بكل إنسان وحيوان. # تيمور ~~: # أيمكن أن يكون هذا؟! # جحا ~~: # هش، قلت لك اسكت. # تيمور ~~(لنفسه) ~~: # ترى هل يكرر التاريخ نفسه؟ # جحا ~~: # أتريد أن يختفي الوجه من أمامك؟ انظر، ألا ترى العين تزداد حزنا والشعر شيبا، ~~والجبين يمتلئ بالتجاعيد؟ # تيمور ~~: # ماذا كان يريد صاحبنا؟ # جحا ~~: # ماذا يريد؟ أن يفتح العالم كله؟ أن يقف فوق الأرض ويقول: هل فيك شبر لم تمش ~~عليه أقدام خيولي وفرساني؟ أن يحرق كل مدينة ويمعن السيف والسلب والنهب في كل ~~شيء؟ هل تعلم ماذا فعل في مدينة حلب؟ # تيمور ~~: # وهل ذهب إلى هناك أيضا؟ # جحا ~~: # أتريد أن يغضب منك ويختفي؟ # تيمور ~~: # لا، لا، إنه وجه غريب حقا! تكلم يا جحا. # جحا ~~: # ترك جنوده يقتلون ويحرقون وينهبون كما يشاءون ms094 حتى صار الإنسان لا يكاد يقع إلا ~~على جثة إنسان، هل تذكر شكل المآذن؟ هل سمعت بأهرام فرعون؟ يقولون إنه بنى من ~~رءوس القتلى عشر مآذن وثلاثة أهرامات! عشرون ألف طفل وشيخ وامرأة وشاب ماتوا ~~تحت أرجل الخيل أو بسيوف الفرسان. # تيمور ~~: # يخيل إلي يا جحا ... # جحا ~~: # لا تتخيل شيئا، قلت انظر وأنت ساكت، هل تعلم ما يقوله الناس عما فعله في ~~دمشق؟ # تيمور ~~: # وهل دخل دمشق أيضا؟ # جحا ~~: # وهل بقيت هنالك مدينة لم يدخلها؟ يقول العجائز إنه أمر رجاله باقتحام ~~المدينة وسيوفهم مشهرة في أيديهم، نهبوا ما قدروا عليه وسبوا النساء جميعا، ~~وساقوا الرجال والأولاد بعد أن ربطوهم في الحبال، وأشعلوا النار في المنازل ~~والمساجد حتى صار اللهب يناطح السحاب وعصفت المدينة مثل جهنم، أتعرف بماذا ~~كان يتسلى وهو يرى هذا كله؟ # تيمور ~~: # يتسلى؟ هل وجد الوقت لهذا أيضا؟ # جحا ~~: # بالطبع، إنها تسلية قديمة. # تيمور ~~: # وماذا كان يفعل يا جحا؟ # جحا ~~: # كان يلعب الشطرنج. # تيمور ~~: # الشطرنج؟ هل أنت متأكد يا جحا؟ # جحا ~~: # وهل تعلم أيضا ماذا كان يقول لأتباعه وهو يرى النار تأكل الأخضر واليابس، ~~وتأتي على الحي والميت؟ # تيمور ~~: # إلهي، ماذا كان يقول؟ # جحا ~~: # إن طريقي هو طريق القدر، كل ما فعلته كان مقدرا. # تيمور ~~: # نفس الكلام يا جحا، نفس الكلام. # جحا ~~: # قلت لك اسكت حتى لا يختفي في البئر. # تيمور ~~: # يخيل إلي أنه وجه عجيب يا جحا. # جحا ~~: # بل وجه مضحك يا مولاي، ألا تحس بالرغبة في الضحك وأنت تراه؟ ألا تريد أن ~~تضحك؟ ~~(يضحك بشدة) # أليس من المضحك أن يحاول ~~الإنسان أن يكون قدرا، أن يصبح شيطانا، أن ينوب عن الموت؟ تصور يا مولاي ~~ماذا كنت تفعل لو قالوا لك: إن صاحب هذا الوجه هو الموت نفسه؟ ~~(يبعد المرآة.) # تيمور ~~(مفكرا، يذرع المكان جيئة وذهابا) ~~: # جحا، هل نظرت مرة في هذه المرآة؟ # جحا ~~: # نعم يا مولاي، كلما اشتقت إلى رؤية حماري. # تيمور ~~: # جحا، هل خدعتني يا جحا؟ # جحا ~~: # خدعتك؟ حاشاي أن أفعل يا مولاي، وهل غاب ms095 عني أنك ...؟ # تيمور ~~: # لماذا سكت؟ أكمل عبارتك، أنني السفاح الأكبر، الرجل الذي أصبح هو القدر ~~والشيطان والموت. # جحا ~~: # وهل جننت يا مولاي حتى أفعل هذا؟ إنها المرآة، البلورة المسحورة. # تيمور ~~: # أريد أن أعرف هذا الاختراع، والويل لك إن اكتشفت أنك كنت تضحك علي. # جحا ~~: # خوفي يمنعني أن أفعل هذا يا مولاي، حتى الحمار نفسه ... ~~(يدخل القائد بينما يشير جحا مصادفة في اتجاهه، تيمور يغالب الضحك ~~ولكنه يتماسك بينما يقول القائد): # القائد ~~: # الفرسان سئموا الانتظار يا مولاي، وسيوفهم تشتاق. # تيمور ~~(ناظرا إلى جحا) ~~: # إلى رءوس سكان آق شهر، أليس كذلك؟ ~~(جحا لا يرد.) # القائد ~~: # ولأي شيء يشتاقون غير الرءوس يا مولاي؟ # تيمور ~~: # ولن ينسوا الحمير أيضا، أليس كذلك؟ # جحا ~~: # إلا الحمير يا مولاي، أتوسل إليك، بحق حماري المسكين، أرجوك، أقبل ~~قدميك. # تيمور ~~: # هيا أيها القائد ~~(يغالب الضحك) # ولنجرب ~~مذبحة الحمير لأول مرة ~~(يخرج مع القائد بينما يقف جحا ~~وحده حائرا) ~~. # جحا ~~(لنفسه) ~~: # أهكذا تفشل يا جحا؟ هل انكشفت لعبتك بهذه السهولة؟ ومن الذي كشفها؟ هذا ~~السفاح الغبي الغليظ؟ أين حكمتك وذكاؤك؟ أين عبطك وخبثك؟ أتضحك على ذقون العلماء ~~والمشايخ والفرسان والتجار ويفلت منك هذا الجلف المتكبر؟ ماذا يكون مصيرك ~~الآن؟ ماذا يكون مصير آق شهر؟ أهلك وأولادك وجيرانك وزوجتك الحمقاء وحمارك ~~الطيب العجوز، أيكون عبطك هو السبب أم هذه المرآة اللعينة؟ أكنت تحسب أن هذا ~~التتري المتوحش الذي غزا نصف العالم سيعجز عن معرفة وجهه؟ ويلي، ويلي، ويلك ~~أيتها المرآة الملعونة، يا من تزيدين النساء غرورا والملوك ظلما والمجانين ~~جنونا، هل يصعب عليك أن تضحكيهم على أنفسهم؟ ولماذا أضحك أنا على نفسي كلما نظرت ~~فيك؟ أأنا أكثر منهم حكمة أم أكثر منهم غباء؟ أف، تعالي ~~(يكسرها بقوة على الأرض فتتناثر قطعا صغيرة في كل مكان، ~~يحاول أن يبكي فيختلط ضحكه وبكاؤه، يدخل تيمور) ~~. # تيمور ~~: # جحا، جحا، ها أنا قد جئت، أين المرآة؟ هاتها ليرى الفرسان فيها أنفسهم، نعم نعم، ~~كما رأيت نفسي. أيها الأحمق، ماذا فعلت؟ أيمكن أن يكسر الإنسان بلورة ms096 ~~مسحورة؟ ~~(ينحني على الأرض ويجمع القطع المتناثرة، يأخذ ~~قطعة منها وينظر فيها، ثم يضحك.) # جحا ~~: # لماذا تضحك يا مولاي؟ # تيمور ~~: # لماذا أضحك؟ وكيف لا أضحك يا جحا وأنا أرى هذا الوجه لأول مرة؟! # جحا ~~: # مولاي. # تيمور ~~: # اسكت يا جحا، هل أطلب منك شيئا؟ شيئا واحدا؟ # جحا ~~: # بالطبع يا مولاي، ما دمت أنتظر بين لحظة وأخرى ... # تيمور ~~: # أف، ألم أقل لك لا تخف؟ اسمع، أريد أن تصبح نديمي مدى الحياة. # جحا ~~(مذعورا) ~~: # أنا يا مولاي؟ # تيمور ~~: # نعم أنت؛ لكي أنسى وجهي كلما نظرت في وجهك، لكي أستطيع ... ~~(جحا ينفجر باكيا.) # تيمور ~~: # لماذا تبكي يا جحا؟ ألا يرضيك أن تكون رفيقي ونديمي؟ ألا يشرفك أن تكون ~~بجوار أشجع رجل وأقوى رجل؟ ~~(يزداد بكاء جحا) # تكلم يا جحا، تكلم. # جحا ~~: # ارحمني يا مولاي. # تيمور ~~: # إنني لا أفهمك. # جحا ~~: # لقد رأيت وجهك مرة واحدة، فماذا أفعل أنا لو رأيته كل يوم؟ ~~(تيمور ينظر في وجهه ثم يضحك.) # تيمور ~~: # جحا، جحا، أيها المغفل، أيها الأحمق، أيها الحكيم ~~(ينظر في وجهه ويضحك) ~~. # أتدري ماذا خطر لي الآن؟ وجهك أيضا مرآة، الآن عرفت لماذا يضحك الناس عندما ~~ينظرون فيه، أتعرف كيف اكتشفت لعبتك؟ من شاربي، تذكرت فجأة أن السفاح الذي ~~تكلمت عنه لا يمكن أن يكون غيري. تسألني لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يجتمع سفاحان ~~بشارب من نوع واحد، شارب تتري نحيل مبروم إلى أسفل ومنسدل تحت الذقن، ~~شاربي الذي طالما شددت شعراته وأنا مطرق صامت أفكر في كل مذبحة قادمة، ~~ها ها ~~(يضحك، يدخل القائد فيلمحه) # اذهب أيها ~~القائد، قل للفرسان إن تيمور سيخيب ظنكم لأول مرة في حياته، لن يأمركم بالحرق ~~ولا بالموت ولا بالتدمير، قل لهم إن السفاح الأكبر يضحك، يضحك لأول مرة على نفسه، ~~يضحك لأول مرة من قلبه، أليس كذلك يا جحا؟ ~~(يعانقه ~~ويقبله ويكتشف أنه يبكي وينشج) # لماذا تبكي أيها الأحمق؟ ألم أقل ~~إنني أضحك على نفسي؟ ألم تعلمني المرآة هذا؟ لم تخاف إذن على نفسك؟ على أهل ~~بلدتك؟ آه! هيا ms097 يا جحا، اضحك، اضحك، اضحك، هل أعلمك كيف تضحك أنت ~~أيضا على نفسك؟ خذ، هذه قطعة من المرآة ترى فيها أنفك الطويل ورأسك الغبي ~~وفمك المضحك، هيا، اضحك، اضحك ~~(جحا ~~يضحك ) ~~. # جحا ~~: # ألم تذهب أيها القائد؟ خذ، هذه قطعة من المرآة، وهذه قطعة أخرى، وهذه، أعط ~~كل فارس مرآة، قل لهم إن تيمور نظر فيها فضحك، أليس كذلك يا جحا؟ ضحك لأول مرة ~~في حياته، قل لهم من يضحك على نفسه لا يقتل غيره. أتخشى أن يمسك كل منهم في يده ~~مرآة، فيتعلموا الضحك وينسوا الحرب؟ أليس هذا أيضا شيئا مضحكا؟ اضحك أيها ~~القائد، اضحك، اضحك على نفسك، كما يفعل تيمور لنك، لا، ليس هكذا، ضحكا أقوى، ~~أشد، أعلى نبرة، أعلى، أعلى، أعلى. ~~(القائد يقف مسمرا في مكانه، يفتح فمه من الدهشة، ثم لا يلبث ~~أن يشاركهما ضحكهما الذي يرتفع شيئا فشيئا قبل أن تسدل الستار.) # 1968م # | الكنز # (عن الأديب الصيني.) ~~(تكفي لتصوير المشهد قضبان قفص حديدي أو زنزانة سجن انفرادي، يقف ~~وراءها فلاح نحيل يرتدي ثوبا متواضعا من الكتان ويخاطب من خلالهما بقية الشخصيات. ~~الملابس تتدرج في سلم الأبهة والفخامة من الحارس إلى مدير السجن إلى القائد ~~والوزير حتى تبلغ ذروتها لدى القيصر. الفلاح يهز قضبان القفص ويدقها بشدة.) # الفلاح ~~: # يا حارس! يا حارس! # الحارس ~~(يسمع صوت من بعيد) ~~: # هدوء! هدوء! # الفلاح ~~: # اسمعني يا حارس! # الحارس ~~(من بعيد) ~~: # هدوء، قلت الزم الهدوء! # الفلاح ~~(رافعا صوته) ~~: # أريد القيصر، أريد القيصر. # الحارس ~~(متجها إليه) ~~: # ما هذا؟ تريد أن أفقد عملي بسبب صعلوك مثلك؟ ماذا يحدث لو رآني مدير السجن أو ~~سمعني أكلمك؟ قلت لك الكلام ممنوع! # الفلاح ~~: # القيصر، أريد أن أقابل القيصر. # الحارس ~~(يضرب كفا بكف) ~~: # القيصر نفسه؟! هل التهم الجوع بقية عقلك؟ هل سكرت من العطش؟ ومع ذلك ~~فلم أقصر في حقك. # الفلاح ~~: # حقا، يمكنك أن تهنئ نفسك لأنني لم أمت جوعا وعطشا أمام أطباقك ~~الفارغة! # الحارس ~~: # فارغة؟ ألم أقدم لك ما يكفي من الأرز والخبز؟ إن مدير السجن يتهمني ms098 بسرقة طعام ~~المساجين، وهو الذي يعلم الجميع أنه يبيع طعامهم في السوق، بيني وبينك يا صاحبي، ~~لقد أثرى ثراء فاحشا وله بيت فخم كالكبار، وحتى لو كنت أسرق كما يقولون، هل ~~أسرق طعام فلاح مسكين مثلك؟ شبح هزيل يرتعش أمامي؟ # الفلاح ~~: # احمد السماء لأن هذا الشبح لم يمت جوعا. لو مت لقطعوا رأسك. # الحارس ~~(ضاحكا) ~~: # لن يقطعوه بسبب لص مثلك. # الفلاح ~~: # لص؟ وماذا سرقت؟ أتسمي هذا ...؟ ~~(مشيرا إلى جيب ~~الحارس.) # الحارس ~~: # هذا الغليون الذي ضبطتك وأنت تضعه في جيبك؟ # الفلاح ~~: # لست أنا الذي وضعته في جيبي، ثم إنه قديم ورأسه مشروخ. أتتهمني بالسرقة بدلا ~~من أن تشكرني لأنني رفعته من التراب والوحل والطين؟ لأنه لم ينكسر تحت أقدام عابر ~~سبيل أو تحت عجلات عربة مارة على الطريق؟ إن كان ملكا لك فقد أخذته؟ وإن لم ~~يكن ملكا لأحد فلماذا تضعني في السجن؟ # الحارس ~~: # لأنها سرقة، لم يكن من حقك أن تمد يدك إليه. # الفلاح ~~: # ولكنه ليس ملكا لأحد. # الحارس ~~: # ما لا يملكه أحد يملكه القيصر، هذا هو القانون. # الفلاح ~~: # قانون القيصر؟ إذا فدعني أقابله، أريد القيصر، أريد القيصر. # الحارس ~~: # رجعت لجنونك؟ أتظن أن القيصر لديه وقت لأمثالك؟ أتحسب أن مهام المملكة تترك ~~له لحظة لمقابلة لص مثلك؟ # الفلاح ~~: # لست لصا. قلت لك وجدت شيئا على الطريق. # الحارس ~~: # وجدت شيئا على الطريق؟ هذه حجتكم دائما، نسيت أن الطريق ملك القيصر؟ وكل ~~ما يوجد على الطريق هو بحسب القانون ملك القيصر. ثم إنني ضبطتك متلبسا بالجريمة، ~~ربما لا تعلم أنني ضبطتك بجوار سور القصر. # الفلاح ~~: # قصر القيصر؟! لماذا لم تقل لي ذلك؟ # الحارس ~~: # ولماذا تندهش؟ إن كل القصور ملك القيصر، وكل الأسوار ملكه أيضا. # الفلاح ~~: # ليتني عرفت هذا. # الحارس ~~: # وعرفت أيضا أن الطريق ملك القيصر، والوحل الذي على الطريق، والعربات التي تسير ~~على الطريق، والسائقون والخيول والأبقار التي تجر العربات، والأرز في حقول ~~الفلاحين وفي أطباق طعامهم، والتفاح والكمثرى على رءوس الشجر، وأجور الموظفين ~~والجنود التي يوزعها الوزراء والقواد، والذهب في خزانة ms099 الدولة وخزائن ~~القصر، كلها ملك القيصر، ومن يمد يده ليسرق غليونا تافها ملقى في وحل الطريق ~~فسيمد يده ... # الفلاح ~~(ساخرا) ~~: # ليسرق الأرز من حقول الفلاحين وأطباقهم، وثمار التفاح والكمثرى من على ~~رءوس الأشجار، والعربات والسائقين والخيول والأبقار وأجور الموظفين والجنود، والذهب ~~في خزانة الدولة وخزائن القصر. # الحارس ~~: # أخيرا فهمت! ثم يمد يده في النهاية ليسرق التاج من على رأس القيصر! # الفلاح ~~: # ولهذا أريد مقابلة القيصر. # الحارس ~~: # لتسرق تاجه؟! # الفلاح ~~: # بل لأهديه ألف تاج مثله، لأملأ خزائنه بالذهب وأملأ قلبه بالسرور. # الحارس ~~(يضحك) ~~: # فلاح بائس مثلك يفعل كل هذا؟ # الفلاح ~~: # وأكثر منه. # الحارس ~~(يخرج الغليون من جيبه ويتأمله، يضربه على كفه ثم ~~يقول) ~~: # يظهر أن الكلام معك مسل، برغم الأوامر المشددة من مدير السجن بعدم الكلام ~~مع المسجونين. وأين هذا الكنز أيها الصعلوك؟ أين تخفيه؟ # الفلاح ~~: # أخفيه هنا في قلبي، سر لن أعلنه إلا للقيصر نفسه، ثم إنني لست ~~صعلوكا. # الحارس ~~: # لص من الريف، هل يرضيك هذا؟ # الفلاح ~~: # ولا هذا، لقد جئت من بلدتي البعيدة وتحملت عذاب السفر والجوع. # الحارس ~~: # لتتسكع في طرقات المدينة حتى تبلغ سور القصر وتنادي يا قيصر فيقول ~~لبيك! # الفلاح ~~: # سيكون هذا في صالحه هو، إنني لن أكسب شيئا. # الحارس ~~: # نسيت أن أسألك: من أي بلد أنت؟ # الفلاح ~~: # مع أن السؤال من حق القيصر وحده، ومع أنني عاهدت نفسي وأهل بلدتي ألا أفضي ~~بالسر إلا للقيصر نفسه، فإن وجهك الطيب يشجعني على القول بأنني من بلدة هان ~~هان. # الحارس ~~: # في المقاطعة الشمالية، أليس كذلك؟ # الفلاح ~~: # بلى. # الحارس ~~: # وما الذي جعلك تتحمل السفر الطويل لتأتي إلى هنا؟ # الفلاح ~~: # عيناك تقولان إنك طيب، لكن لا تقولان إنك غبي. # الحارس ~~: # حاذر في كلامك، لا تنس أنني حارسك ويمكن أن ... # الفلاح ~~: # يمكن أن تأمر بجلدي أو حتى قطع رقبتي، لكنك لن تستطيع أن تجلد السر الذي ~~أحمله في قلبي أو تقطع رقبته، ألم أقل إنه سر خطير؟! # الحارس ~~: # وما هو؟ # الفلاح ~~: # كيف أقوله لك وهو سر؟ ألم تسمع أنني عاهدت نفسي ms100 ...؟! # الحارس ~~: # وعاهدت أهل بلدتك ألا تعلنه إلا للقيصر نفسه، ومع ذلك يا صاحبي يمكننا أن ~~نتكلم عنه من بعيد. # الفلاح ~~: # هل أفهم من هذا أنك ستساعدني؟ # الحارس ~~: # ربما، إذا اقتنعت بأنه يستحق أن يبلغ إلى هناك ~~(يشير ~~إلى أعلى) ~~. # الفلاح ~~: # إذن ستكلم مدير السجن، ومدير السجن ... # الحارس ~~: # ومدير السجن يكلم القائد، والقائد يكلم الوزير، والوزير يكلم رئيس ~~الحرس، ورئيس الحرس ... # الفلاح ~~: # اعلم يا صاحبي أنه كنز، كنز أثمن من كل الكنوز التي تتخيلها، كنز لا يصح أن ~~يلمسه إلا أرفع إنسان وأطهر إنسان. # الحارس ~~: # ولماذا لم تبحث عن هذا الإنسان في بلدتك؟ ألا يمكن أن تجده فيها أو في البلاد ~~المجاورة؟ # الفلاح ~~: # مستحيل، لا أنا ولا أهل بلدتي ولا البلاد المجاورة إلى ما وراء حدود المملكة، لو ~~كان الأمر بهذه السهولة لاحتفظت به لنفسي، أو لأحد أولادي، أو أحد أقاربي. # الحارس ~~: # هذا ما يقوله العقل السليم، أو لحارسك الذي يتكلم معك الآن برغم أوامر مدير ~~السجن. # الفلاح ~~: # لو أمكن هذا ما ترددت. # الحارس ~~: # ولو فعلت لأمكنه أن يفعل شيئا من أجلك. # الفلاح ~~: # قلت لك إن الشخص الوحيد الذي ... # الحارس ~~: # القيصر، سمعت هذا من قبل، ولكن القيصر أيها الغبي ليس فقيرا مثلي أو مثلك، ما ~~قيمة كنز يضاف إلى كنوزه التي لا تعد ولا تحصى؟ ثم إنه لا ينفعك الآن ~~وأنت وراء القضبان، أما أنا فيمكنني مثلا أن أخفف عنك، أزيد كمية الأرز التي ~~تصرف لك، بدلا من أن تذهب إلى زكائب مدير السجن الذي يبيعها في السوق، أقدم ~~لك وعاء به ماء عذب بدلا من الطين الذي تشربه كل يوم، أسمح لك بنزهة أطول في ~~فناء السجن، أستعطف المدير ليخفف عنك العقوبة التي تنتظرك. # الفلاح ~~: # لتكن العقوبة ما تكون، لن يمكنكم أن تمنعوني من مقابلة القيصر. # الحارس ~~: # وما الذي يؤكد لك هذا؟ # الفلاح ~~: # سأصرخ بأعلى صوتي حتى لو كنت على أعلى درجات المشنقة، أريد مقابلة القيصر، ~~أريد ... # الحارس ~~: # اخفض صوتك! عرفت ما تريد، سمعته حتى أصبت بالصمم. # الفلاح ~~: # لن يرحمكم ms101 إذا بلغ مسامعه أنني اختفيت أو مت ومعي السر، سيعلقكم جميعا ~~على المشانق إذا عرف أنكم حرمتموه من أغلى كنوز المملكة، وستصرخ روحي من ~~القبر. # الحارس ~~: # لم تصل روحك ولا جسمك إلى القبر بعد، هيا نتكلم كأصحاب، لم تقل لي لماذا ~~لم تأخذ الكنز لنفسك أو تعطه لأحد من أقاربك أو أهل بلدك. # الفلاح ~~: # لأن أحدا لا يستحقه، لا أنا ولا هم. # الحارس ~~: # ولماذا؟ # الفلاح ~~: # قلت إنه لا يصلح إلا لأطهر إنسان وأصدق إنسان وأرفع إنسان في المملكة، نظرت في ~~نفسي وراقبت جيراني وأهل بلدتي «هان هان» فلم أجد أحدا يصلح له. # الحارس ~~: # لم تجد أحدا؟ عجيب! # الفلاح ~~: # وما وجه العجب في هذا؟ إننا جميعا فقراء، فقراء غارقون من رءوسنا إلى آذاننا في ~~مستنقع الذنوب، قد تكون ذنوبنا صغيرة، ولكننا لسنا الأنقياء الطاهرين، هل تعرف ما ~~قاله لي صاحب اليد المباركة التي أعطتني الكنز؟ قال لي صوته العميق الذي لم أستطع ~~أن أرى وجه صاحبه: اذهب وابحث عن أطهر إنسان، ابحث عنه في كل مكان، لا تيأس أبدا ~~وستجده حتما. سألت زوجتي فقالت مذعورة: لا يمكن أن تكونه أنت! لا يمكن أبدا أن ~~تكونه! لقد كسرت اليوم ذراعي من الضرب، ورأيتك أمس وأنت تسرق التفاح ~~والكمثرى من بستان جارنا، ثم إنك تنظر خفية إلى زوجته، هل تظن أن هذا ~~يخفى علي؟ لا، لست أطهر إنسان في المملكة ولا في البلدة. قلت: يا امرأة ~~وماذا أفعل؟ قالت: استشر أهل البلدة. قلت: أتظنين أني واجد بينهم من أسلمه ~~الكنز وأستريح؟ قالت: من يدري؟ اسألهم وافعل ما يمليه عليك الواجب. قلت لنفسي: ~~ربما يكون هذا الإنسان الطاهر شحاذا مسكينا أو فلاحا مغمورا أو راهبا في ~~مغارة بالجبل أو سائق عربة صغيرة أو حمالا عليه ثوب يكشف عريه، ودرت على ~~الجميع، لم أستثن حتى لصوص الجبال والهاربين في الغابات من وجه القانون، ضحكوا ~~جميعا من سذاجتي وقال لي الراهب الذي ألححت عليه بالكنز: اذهب يا ولدي، لن تلقى ~~أطهر إنسان إلا في المهد، في ms102 طفل ولد حديثا، طفل يبتسم ويبكي كملاك صاف. ~~قلت: يا سيدي وماذا يفعل طفل في المهد بهذا الكنز؟ الصوت المبارك قال لا بد أن ~~يكون رجلا، رجلا طاهر القلب، كالثلج على قمة الجبل والنور في الفجر. قال: اذهب ~~وابحث عنه في كل مكان. ولما ضاقت بي الحال قال لي الفلاحون وهم يضحكون: اذهب ~~للمدينة. سألتهم: وإن لم أجده هناك، فهل أعود يائسا وأنا أنفض كفي وأقول: ~~ألم أقل لكم؟ قالوا: ربما تجد أرفع الرجال وأطهرهم هناك. سألت: تقصدون القيصر؟ ~~تقصدون أكبر الكبار؟ قالوا: من يدري؟! ربما يكون كذلك، وإذا أخذ منك كنز الكنوز ~~فربما يتذكرنا، ربما يحضر بنفسه وينتشلنا. وهكذا يا صاحبي ... # الحارس ~~: # هكذا جئت إلى المدينة؛ لأضبطك متسكعا حول أسوار القصر. # الحارس ~~: # نسيت أن أقول لك ما قاله الراهب، ابحث يا ولدي عن الحقيقة، إن لم تجدها فيكفيك ~~أنك تعبت في البحث عنها. # الحارس ~~(ضاحكا) ~~: # وهل قال لك أيضا أن تبحث عن هذا الغليون وتضعه في جيبك؟ # الفلاح ~~: # أما زلت تتهمني بالسرقة؟! أأنا الذي وضعته في جيبي؟ # الحارس ~~(يتأمل الغليون) ~~: # إنه مكسور كما تعلم، ومع ذلك فهو خدش بسيط، لا بأس، لا بأس، يمكنني أن أستعمله ~~قبل النوم، حين أنظر لأولادي الخمسة المكومين في حضن أمهم على بقايا الفرش ~~البالي. # الفلاح ~~: # أنت أيضا؟ # الحارس ~~: # بالطبع يا صاحبي، كنت أظن أنك ستعترف لي بسرك. # الفلاح ~~: # وهل تظن أنك تصلح؟ # الحارس ~~: # لا أخفي عنك أنني لست من تبحث عنه، أنا أيضا لا أخلو من ذنب هنا وذنب هناك، ~~ثم إنني أقول لك من الآن ... # الفلاح ~~: # ماذا تقول؟ # الحارس ~~: # أقول لا تتعب نفسك. ولكن ما شأني أنا بهذا؟ إنني مجرد حارس صغير. # الفلاح ~~: # وضعني وراء هذه القضبان كأني لص. # الحارس ~~: # أنا أنفذ القانون، وقانون القيصر يقول إن ما لا يملكه أحد يملكه القيصر، حتى ~~الوحل. # الفلاح ~~: # حتى الوحل على الطريق، والأرز في حقول الفلاحين وأطباقهم ~~(فجأة يرفع صوته) # ولكنني لست لصا، لست لصا، ~~لقد سافرت ثلاثة أشهر لأقابل القيصر، أريد مقابلة القيصر. ms103 # الحارس ~~: # اسكت اسكت، تريد أن تقابل القيصر أم تريد أن يطردني مدير السجن؟ ~~(يدخل مدير السجن، يفاجأ الحارس وينحني نصف ~~انحناءة.) # المدير ~~: # جميل! جميل! ماذا أسمع؟ ماذا أرى؟ # الحارس ~~: # إنه يا سيدي ، هذا الفلاح الصعلوك. # المدير ~~: # أعرف أعرف، أتظن أن عيني مغمضة؟ أتظن أن أذني لا يصل إليها دبيب النمل ~~على الجبل والفئران في الجحور؟ # الحارس ~~: # إنه يا سيدي ... # المدير ~~: # سرق من الطريق ما لا يملكه أحد. والطريق كما يقول القانون ملك القيصر، وكل ما ~~على الطريق. ~~(الحارس يقدم إليه الغليون فيأخذه منه عنوة ويتأمله قبل أن ~~يلقي به من يده ويلتقطه الحارس.) # المدير ~~: # غليون، مشروخ من رأسه أيضا، أتظن أنني لا أعرف؟ ووضعته في جيبك كما تضع ~~حفنة أرز من طعام المساجين، لا تنكر، أتظنني لا أعرف؟ ثم من سمح لك بالكلام مع ~~هذا الرجل؟ ألم أمنع الحراس من الكلام مع المساجين؟! # الحارس ~~(يزداد انحناؤه) ~~: # بلى. # الفلاح ~~: # أنا الذي بدأ الكلام يا سيدي. # المدير ~~: # ومن أمرك بفتح فمك؟ # الفلاح ~~: # أن الذي ناديت بأعلى صوتي: أريد مقابلة القيصر. # المدير ~~(يتفرسه في هدوء) ~~: # هكذا؟ فلاح مثلك؟ # الفلاح ~~: # نعم يا سيدي، وصعلوك وفقير وجائع وعطشان. ~~(الحارس ينظر إليه مستعطفا فيستطرد.) # الفلاح ~~: # لا تخش شيئا يا صاحبي ... لقد قمت بواجبك وقدمت لي طبقا مملوءا بالأرز، ~~ووعاء شربت منه الماء الصافي، ولكن هذا لم يمنعني من الصياح في طلب القيصر؛ لأنني ~~يا سيدي المدير أملك أنفس شيء في الوجود. # المدير ~~: # تملك أنفس شيء؟ # الفلاح ~~: # أجل يا سيدي، أملك أغلى كنز في المملكة، كنز الكنوز. # المدير ~~: # سمعت يا حارس؟ # الحارس ~~: # نعم يا سيدي، هذا ما يردده طول الوقت. # المدير ~~: # تملك كنز الكنوز، أنت؟ # الحارس ~~: # ويصر على ألا يقدمه إلا للقيصر نفسه. # المدير ~~(يتفرس في وجهيهما قليلا، يتفكر ثم يقول لنفسه) ~~: # من يدري؟ ربما يكون هذا الفلاح صادقا، ثم إنه لو ظل يصرخ هكذا فلا بد أن يبلغ ~~صوته القيصر، ولو عرف القيصر أننا منعناه من مقابلة جلالته فسيعاقبنا حتما، ~~لا أريد أن أضيف جريمة إلى ms104 جرائمي التي يعلمها، فلأجرب مع هذا، أنت ... # الفلاح ~~: # نعم يا سيدي. # المدير ~~: # أتقول الحقيقة؟ # الفلاح ~~: # كل الحقيقة يا سيدي. # المدير ~~: # وتصر على أنك تملك كنزا؟ # الفلاح ~~: # وأصر على تقديمه للقيصر. # المدير ~~: # القيصر لديه من الكنوز ما يكفي، استمع إلي. # الفلاح ~~: # أريد أن يستمع القيصر نفسه إلي، سيجعله الكنز غنيا بلا حدود. # المدير ~~: # أيها الأحمق، إنه غني بلا حدود، ثم إنه لن يكترث بفلاح مثلك لا يختلف عن ملايين ~~الفلاحين، وحتى لو حدثت معجزة وتكلمت معه فسيأخذ منك الكنز دون كلمة شكر ~~ويتركك هنا تحت تصرفي. إنني أنا مدير السجن، إن سلمتني الكنز فسوف أختصر مدة ~~عقوبتك أياما أو أسابيع، وربما زدت في إكرامك وحصلت لك على بعض المال من ~~خزينة القائد الذي يسرق أجور الجنود، أليس من مصلحتك أن تقدمه لي بدلا من ~~القيصر؟! ~~(يظهر القائد الذي كان يتسمع منذ قليل للحوار، ينحني الحارس ~~انحناءة شديدة، يلتفت مدير السجن فينحني نصف انحناءة.) # القائد ~~: # يقدمه لك بدلا من القيصر؟ ما هذا الذي تتحدث عنه يا مدير السجن؟ # المدير ~~: # لا شيء يا سيدي القائد، لا شيء. # الحارس ~~: # فلاح مجنون يا سيدي، وسيدي المدير ... # القائد ~~: # اخرس أنت ~~(للمدير) # منذ سنين وأنت تهرب ~~الأرز من السجن إلى السوق، أتريد الآن أن تحول السجن إلى سوق؟ هيا ~~تكلم. # المدير ~~: # هذا الفلاح الأحمق يا سيدي يزعم أن معه شيئا نفيسا يصر على تقديمه إلى ~~القيصر نفسه. # القائد ~~(للفلاح) ~~: # أنت؟ # الفلاح ~~: # نعم أنا، كنز لا أقدمه إلا للقيصر نفسه. # القائد ~~: # كنز لا تقدمه إلا للقيصر نفسه ~~(متفكرا وحده ثم ~~بصوت عال) # أنا لا أعرف إلا كنزا واحدا يمكن أن يقدمه فلاح ~~مثلك للقيصر، هذا الكنز هو حياتك، ولا أعرف إلا مكانا واحدا يمكنك أن ~~تقدمه له فيه، هذا المكان هو ميدان الحرب، ولكن من الذي ينفق على الحرب التي ~~ترفع الوطن لأعلى القمم وتخفض الفلاحين إلى الحضيض؟! إنه أنا؛ لهذا فإن الكنز لا ~~يقدم إلا لي، هيا! مد يديك! وسوف أنظر في أمر الإفراج عنك قبل الموعد ms105 ~~المحدد والإغداق عليك من خزينة المملكة. # الوزير ~~(يدخل فجأة) ~~: # خزينة المملكة لا يتصرف فيها سواي، لا أحد سواي، أنا وزير المال أيها ~~القائد. # القائد ~~: # بالطبع بالطبع ~~(ينحني نصف انحناءة) ~~. # الحارس ~~: # يقينا يا سيدي ~~(ينحني انحناءة عميقة تقترب من ~~الركوع) ~~. # الوزير ~~: # يقينا وبالطبع؛ فكما أن الأرز ليس ملكا للحقل ولا للفلاح، وكما أن الثور ليس ~~ملكا للعربة ولا للسائق، كذلك خزينة المملكة لا تملكها المملكة ولا الشعب، وإنما ~~أتحكم فيها أنا، أنا وحدي. # القائد ~~: # صحيح! # المدير ~~: # تماما! # الحارس ~~: # لا شك في هذا! # الوزير ~~: # لا شك في هذا، من الذي يجرؤ إذن على أن يمد أصابعه إليها؟ مهما طالت كأشعة ~~الشمس في المساء، أو قصرت كظل المشنقة في الصباح فلا بد أن أقطعها. # القائد ~~: # من يتجرأ على هذا؟ لا أحد! # المدير ~~: # ومع ذلك تريد أن تمد يدك إليها؟ # القائد ~~: # لا لأقلل منها بل لأملأها بالكنز الذي يقدمه هذا الفلاح. # المدير ~~: # من؟ هذا الفلاح؟ # الفلاح ~~: # لن أقدم شيئا إلا للقيصر. # الوزير ~~: # قل لي أولا ما هذا الذي تقدمه؟ أي كنز هذا؟ # الفلاح ~~: # ولن أرد إلا على أسئلة القيصر. # الوزير ~~(للفلاح) ~~: # هكذا؟ اسمع أيها السجين، أنا أستطيع أن أحررك. # الفلاح ~~: # القيصر وحده هو الذي سيحررني. # الوزير ~~: # قلت اسمع وكفى ثرثرة، كما أن الشمس لا تغيب في الصباح ولا تشرق في المساء، ~~كذلك ليس لفلاح مثلك أن يقدم شيئا وإنما عليه أن يعطي، وليس للوزير أن يرجو ~~وإنما الوزير يأمر. إن الثلج يوجد على قمم الجبال، والتاج الذي سرقه القيصر ~~يحمل من الكنوز فوق كفايته، هيا، هيا، هات كنزك المزعوم! إن مكانه الصحيح ~~في خزينة المملكة، وخزينة المملكة أنا المتصرف فيها، وأنا الذي يمكنه أن ~~يطلق سراحك أسرع من أي إنسان آخر، ويمكنه أن يغدق عليك أكثر من مائة ~~قيصر. # أصوات تنادي ~~: # القيصر، القيصر. ~~(يظهر القيصر الذي استمع في غفلة من الحاضرين إلى العبارات ~~الأخيرة، يركع الحارس ثم تصبح ركعته سجودا خاشعا أمامه، يركع مدير السجن، ينحني ~~القائد انحناءة عميقة، أما الوزير فينحني نصف انحناءة، ms106 القيصر يدور عليهم ويتفرس ~~طويلا في وجوههم.) # القيصر ~~: # شيء مدهش! لا لا، شيء يدعو للحزن، أليس كذلك؟ # الوزير ~~: # صاحب الجلالة! # القائد ~~: # فداء العرش! # مدير السجن ~~: # في خدمة مولاي! # الحارس ~~: # مولاي المقدس! # القيصر ~~: # شيء محزن! محزن، مؤامرة على تاجي في قبو السجن! وخيوطها السوداء أمام ~~عيني يا وزير! # الوزير ~~: # افتراءات يا صاحب الجلالة! محض افتراءات من أعداء المملكة، تنتفخ كالفقاقيع ~~فوق سطح المستنقع ثم لا تلبث أن تختفي، كالحشرات في الجحور. # القيصر ~~: # حسن! حسن! وقائدي الهمام؟ هو أيضا بالقرب من الحشرات؟ # القائد ~~: # لا أعرف يا مولاي إلا نوعا واحدا من الحشرات أعداء مولاي! # القيصر ~~: # عظيم! # المدير ~~: # أن أؤدي واجب الطاعة نحو العدالة، وطاعة العدالة هي طاعتكم! ~~(يركع أمامه مرتعد الفرائص.) # القيصر ~~: # اخجل من نفسك وانهض! الشعور بالذنب متوقع من مساجينك وحراسك لا منك! ~~(يركل الحارس بقدمه.) # الحارس ~~: # الرحمة، الرحمة يا مولاي. # المدير ~~: # صدقت يا مولاي، إنه الحارس، هو المسئول ولا أحد سواه. # القيصر ~~(للحارس) ~~: # أنت أيها الحارس، من هذا الذي تحرسه؟ # الحارس ~~(وهو لا يزال ساجدا) ~~: # هذا يا مولاي؟ هذا الفلاح؟ # المدير ~~: # نعم يا صاحب الجلالة، هذا الفلاح التعس. # القيصر ~~: # وماذا فعل حتى تتجمعوا حوله؟ # المدير ~~: # سرق غليونا من الطريق. # القائد ~~: # من أمام السور المحيط بقصر مولاي. # المدير ~~: # ومن يمد يده إلى شيء يقع بجانب السور ... # الحارس ~~(وهو يقدم الغليون للقيصر) ~~: # ولو كان غليونا مشروخ الرأس ولا نفع فيه. ~~(القيصر ~~يتأمل الحارس والغليون ووجوه الحاضرين باحتقار.) # القائد ~~: # يمكنه أن يمد يده إلى الصناديق التي أحفظ فيها أجور الجنود. # الوزير ~~: # وإلى الخزينة التي أحافظ فيها على كنوز المملكة. # القيصر ~~: # وأخيرا إلى تاج القيصر نفسه، شيء محزن، شيء محزن أيها الفلاح. # المدير ~~: # ولهذا أمرت بوضعه وراء القضبان ليكفر عن ذنبه. # القائد ~~: # كان من رأيي أن يداس بالأقدام كما يداس أعداء القيصر. # الوزير ~~: # اليوم يمد يده إلى غليون قديم، من يدري إن كان سيمدها غدا إلى خزينة ~~المملكة؟ # القيصر ~~: # لص خطير، بل وباء ينهش جسم المملكة، أليس كذلك أيها الفلاح؟ # الفلاح ~~: # معهم الحق يا ms107 مولاي، قانونك أيضا معه الحق: ما لا يملكه أحد يملكه القيصر، ~~وأنا وامرأتي وأولادي وأهل بلدتي «هان هان» وأهل البلاد والمدن جميعا ملكك. إن ~~ذنبي في عين القانون فظيع؛ ولهذا طلبت من عبيدك هؤلاء أن يساعدوني على التكفير ~~عنه. # القيصر ~~: # وكيف تكفر عنه؟ # الفلاح ~~: # طلبت منهم أن يسمحوا لي بمقابلتك. # القيصر ~~: # أهذا صحيح يا وزير؟ # الوزير والقائد والمدير ~~: # صحيح يا مولاي. # القيصر ~~: # ولماذا تريد مقابلتي؟ # الفلاح ~~: # لأقدم لك شيئا نفيسا، أنفس شيء في الوجود، كنزا. # القيصر ~~: # كنز؟ أنت تملك كنزا؟ # الفلاح ~~: # بل كنز الكنوز أيها القيصر، لا يليق إلا بأرفع إنسان تحت الشمس، لا يمسه ~~إلا أطهر إنسان تحت السماء، ناديت وصحت وصرخت ولكنهم حاولوا أن يستولوا ~~عليه. # الحارس ~~: # أنا؟ بريء والله يا مولاي. # المدير ~~: # كذاب ومنافق. # القائد ~~: # يريد أن ينجو بجلده؟ # الوزير ~~: # لا تصدقه يا صاحب الجلالة، إن أمثاله يزيد كذبهم كلما قل طعامهم؟ # القيصر ~~: # اسكتوا! إنها مؤامرة، مؤامرة واضحة كل الوضوح، وكل واحد يريد أن يستولي عليه، ~~يستأثر به لنفسه، هل يحسب كل منكم أنه أرفع إنسان في المملكة وأطهر إنسان تحت ~~الشمس؟ أنت؟ وأنت؟ أم أنت؟ أم أنت أيها الحشرة؟ # الحارس ~~: # بريء، الرحمة. # المدير ~~: # العدل يا مولاي. # القائد ~~: # أتصدق فلاحا ولا تصدق قائدك يا مولاي؟ # الوزير ~~: # وإذا صدقته وكذبتني فافتح خزائن المملكة لفئرانهم وبراغيثهم، وألق بتاجك ~~وصولجانك في أجرانهم وحقول أرزهم! # القيصر ~~(للجميع) ~~: # متآمرون ووقحون أيضا، أيها الرعاع ~~(للفلاح) # ناولني كنزك أيها الفلاح! هات أيها العبد ~~الطيب! # الفلاح ~~: # في الحال يا مولاي! ~~(هاتفا) # أين أنتم ~~لتروني وتسمعوني يا أهل هان هان؟! ألم تقولوا ستجد أرفع إنسان وأطهر إنسان تحت ~~الشمس؟! ها هو ذا! وها هو الكنز! ~~(يحفر بيده عميقا في جيبه، يستخرج لدهشة العيون المحملقة ~~لفافة من قماش متسخ وضع فيها نواة، يأخذها القيصر متأففا ويناولها للوزير ~~الذي يناولها بدوره للقائد، ويسلمها هذا لمدير السجن الذي يضعها أخيرا في يد ~~الحارس المذهول.) # القيصر ~~: # أف، افتح اللفافة! # الوزير ~~: # افتحها. # القائد ~~: # افتحها. # المدير ~~: # قلت لك افتحها. ~~(يفتحها الحارس ويستخرج ms108 النواة، يناولها لمدير السجن حتى تصل ~~إلى القيصر الذي يتفحصها مأخوذا.) # الحارس ~~: # عجيب! نواة كمثرى. # المدير ~~: # نصب وخداع واحتيال، نواة. # القائد ~~: # وقاحة! نواة! # الوزير ~~: # لا خجل ولا حياء! نواة! # القيصر ~~(للفلاح) ~~: # نواة ؟ نواة كمثرى؟ # الفلاح ~~: # أجل، نواة كمثرى. # القيصر ~~: # وهي الكنز؟ # الفلاح ~~: # بل كنز الكنوز، أنفس شيء في الوجود. # القيصر ~~: # إنها نواة كمثرى عادية! # الفلاح ~~: # لأجل أطهر إنسان تحت الشمس، لتهديه أعظم ثروة تحت الشمس. # القيصر ~~: # لا بد أنك جننت، لا بد أنك تكذب، كيف يمكنني أن أتصور هذا؟ # الفلاح ~~: # عفوا يا مولاي، إنها ليست نواة عادية، تفضل بغرسها في الأرض وسوف تنمو ~~وتصبح شجرة في نفس العام. # القيصر ~~: # شجرة؟ وما قيمة شجرة؟ # الفلاح ~~: # عفوا يا مولاي، ليست شجرة عادية، إنها شجرة تطرح كمثرى ذهبية، كمثرى ~~من ذهب خالص. # الجميع ~~(يتدافعون على النواة) ~~: # آه! آه! من ذهب خالص! # الفلاح ~~: # ابتعدوا، ابتعدوا، لا يلمسها إلا أطهر إنسان تحت الشمس. # القيصر ~~: # ابتعدوا أيها الرعاع! # الفلاح ~~: # هذا هو سرها يا مولاي، لا يلمسها إلا صاحب قلب كالثلج الأبيض على قمم ~~الجبال، كالنور الصافي في الفجر. # القيصر ~~: # قلت ابتعدوا، ولكن أيها الفلاح. # الفلاح ~~: # مولاي. # القيصر ~~: # لماذا لم تغرسها بنفسك في الأرض؟ # الفلاح ~~: # حاشاي يا مولاي، لو فعلت لنمت ببطء ككل الأشجار، لو لمستها يدي لما ~~أثمرت غير كمثرى عادية. # القيصر ~~: # أنا لا أفهم هذا، كيف؟ # الفلاح ~~: # لا بد لكي تطرح ثمرات ذهبية أن يتحقق شرط لا غنى عنه. # القيصر ~~: # أي شرط هذا؟ # الفلاح ~~: # لا يحققه سواك يا مولاي القيصر. # القيصر ~~: # لا يحققه سواي؟ تكلم! # الفلاح ~~: # لقد ذكرته منذ قليل يا مولاي، إن هذه النواة لن تنمو شجرة تطرح الكمثرى ~~الذهبية حتى تغرسها في الأرض يد إنسان طاهر، إنسان شريف، ولكن هذا لا يكفي، إذ ~~يمكن أن يدعي كل إنسان ... # القيصر ~~: # مفهوم، مفهوم، أكمل. # الفلاح ~~: # لا بد أن يكون أطهر إنسان سطعت عليه الشمس. # القيصر ~~(كأنه يكلم نفسه) ~~: # صحيح، قلبه كالثلج فوق قمم الجبال، كالفجر ... # الفلاح ~~: # إنسان لا يسرق ولا يرتشي، ولا يمد يده إلى ms109 ما يملكه سواه، لا يحقد على ~~أحد. # القيصر ~~: # أكمل، أكمل. # الفلاح ~~: # وأنا لست هذا الإنسان يا مولاي، لست هذا الإنسان، وإلا ما رأيتني الآن وراء ~~القضبان، إنني غارق في الذنوب، ولست أخجل من الاعتراف بهذا، أما أنت يا مولاي ~~القيصر ... # القيصر ~~: # مفهوم، مفهوم. # الفلاح ~~: # أما أنت فتجلس فوق العرش كالشمس في سماء يوم من أيام الربيع، مثل أعلى للناس ~~وقدوة، أنت وحدك يا قيصر، أنت وحدك أرفع إنسان فوق الأرض وأطهر إنسان تحت ~~الشمس، أنت وحدك الذي يمكنني أن أهديه النواة؛ ولهذا أقدمها إليك ومعي ~~أهل بلدتي هان هان، نقدمها ونحن ... # القيصر ~~(مضطربا) ~~: # أجل، أجل، أنت وأهل هان هان ~~(ينتحي جانبا ويكلم ~~نفسه) # ورطة حقيقية! ومن الذي يوقعني فيها؟ فلاح مجهول من بلدة ... ~~ماذا كان اسمها؟ أف لذاكرتي، بلدة حقيرة مجهولة، قطرة ضائعة في بحر مملكتي ~~الشاسعة، ويريد مني أن أكون أطهر إنسان. أنا؟ أنا الذي سرقت كل شيء من الشعب، كل ~~ثروتي، كل شيء حتى التاج والنساء! والحصان النبيل الذي أمتطي صهوته في رحلات الصيد، ~~ألم يكن ملك فلاح كهذا؟! لا، لا، ليس من حقي أن أغرس النواة في الأرض، لن ~~أستطيع هذا أبدا، وماذا يكون مصيري إذا لم تطرح الشجرة إلا الكمثرى العادية؟ ~~ماذا أفعل إذا أشار الناس إليها وإلي وقالوا: هذا هو أطهر إنسان! ~~(للفلاح) # اسمع أيها الفلاح، إن جلالة القيصر ~~يشكرك بنفسه، هذه هدية رائعة أيها الفلاح الطيب، وهي تدل على أن مملكتي لم تخل ~~من الرعايا المخلصين، ولكن قصري غني بالذهب، حيثما تلفتت عين جلالتي رأيت ~~الذهب في التحف والأواني والأثاث وفي الخزائن العامرة؛ لهذا فكرت في وزيري ~~المخلص العجوز. ~~(للوزير) # لقد كنت أفكر منذ ~~فترة طويلة في مكافأتك على خدماتك للقصر والمملكة، والآن وقد حان وقت إحالتك ~~للتقاعد فقد جاءت الفرصة تسعى إليك، خذ يا وزيري الأمين ~~(يناول النواة للوزير الذي ينزعج ويتراجع للخلف) # جاء اليوم الذي ~~كنت أنتظره منذ سنين، خذ هذه النواة العجيبة، اغرسها بنفسك لتطرح الثمار ~~الذهبية التي تستحقها أنت وأولادك ms110 وأحفادك! ~~(القيصر ~~يعانق الوزير بحماس وتأثر مبالغ فيهما، الوزير يخلص نفسه من بين ~~أحضانه وينتحي جانبا.) # الوزير ~~(لنفسه) ~~: # هذه العاطفة غريبة عليه وعلي، لقد ألهبت جسدي كأنها بركان صب حممه في ~~دمي آه! ضعت وانتهى الأمر! # القيصر ~~: # ماذا قلت يا وزيري الأمين؟ # الوزير ~~: # كنت أقول: شكرا يا مولاي، شكرا من قلب عبدك المخلص طول العمر، ولكن ألا ترى ~~جلالتك أن السن قد تقدمت بي كثيرا وأنني ...؟! # القيصر ~~: # وما المانع من قبول الهدية؟ ستحصد الفاكهة الذهبية في شيخوختك المباركة ثم ~~يحصدها ... # الوزير ~~: # أقصد يا صاحب الجلالة أن المرء في الشيخوخة لا يتطلع للذهب والمال. إن قلب ~~الشيخ المحنك الذي غمرته بهداياك يشتاق إلى الحكمة كما يشتاق النهر للبحر. ~~اعذرني يا مولاي، هذا القلب الذي طالما خفق في طاعتك لم يعد نزقا كالجدول ~~الصغير الذي يعبث بالحصى والرمال، وهو يتمنى أن يخفق من أجلك حتى آخر لحظة، ~~وأنا الذي أمضيت العمر حارسا على خزائن مملكتك أعرف من هو أحوج مني للذهب ~~الذي ستحمله الشجرة وأكثر منه. # القائد ~~(مفزوعا) ~~: # لا تقل إنه الجيش والجنود! # الوزير ~~: # قائدك الأمين. # القائد ~~: # لا يا مولاي! وألف لا؛ فالجيش لديه من السلاح ما يكفيه، ومن الذي يسهر على ~~تسليحه؟ أنا! ومن الذي يمكنك الاعتماد عليه أكثر من أي شجرة؟ إنه أنا؛ لهذا فإن ~~مدير السجن أولى بالهدية السامية، ثم إن عمله لا يضطره للسفر والتنقل، كما ~~أن لديه الوقت الكافي لغرس النواة ورعاية الشجرة، هيا تقدم لمولاك ~~(مدير السجن يطيع أمر القائد مترددا خائفا) # تعال، لا تتردد. صحيح أنه معروف بقسوته على المساجين، ولكنه في النهاية رجل ~~أمين ونفسه طاهرة؛ ولهذا أفضله على نفسي وأدعوه لغرس النواة. # القيصر ~~: # عظيم! أنا أيضا كنت أقول هذا لنفسي. # مدير السجن ~~(ينتحي جانبا ليكلم نفسه، بينما يصفق القيصر والوزير ~~والقائد إعجابا) ~~: # معنى هذا أن أضع نفسي وراء القضبان. هذا القائد الشريف النظيف يعلم تمام العلم ~~أنني أنهب من المساجين نصيبهم من الأرز وأبيعه في السوق ~~(ثم يواجه الحاضرين ويقول) ~~: شكرا لكم على ms111 هذا ~~الشرف العظيم. إنكم بهذا تخجلونني وتعطونني أكثر مما أستحق، ولكنني وهبت ~~حياتي لخدمة العدالة، والعدالة تطالبني بأن أرد الفضل لأصحابه. هل يمكنني أن ~~أنسى حراسي الساهرين على ميزان العدل؟ ماذا أكون بغيرهم؟ ماذا يكون البرج ~~الشامخ بغير قاعدته؟ وما قيمة الشجرة بدون جذورها؟ هل كنت أقدر على شيء بغير ~~حراسي الأمناء؟ تعال أيها الحارس الطيب! تعال فأنت أحق مني بتكريم مولاي ~~ومولاك! # الحارس ~~(صارخا) ~~: # لا، إلا هذا! # المدير ~~(للقيصر) ~~: # اسمح لي يا مولاي بأن أناوله وسامك الرفيع. # الحارس ~~(باكيا) ~~: # مصيبة، هذه مصيبة، ماذا أفعل ولا أحد تحت سلطتي؟ لمن أسلم النواة ولا أحد ~~تحتي؟ لا أحد. # المدير ~~: # انظروا، إنه لا يصدق، الفرحة جعلته يهذي! # الحارس ~~(يسرع نحو القيصر ويركع تحت قدميه) ~~: # إلا هذا يا مولاي! إلا هذا! افعل بي ما شئت، ضعني مكان هذا الفلاح إذا ~~أحببت، لكن أعفني من هذه النواة، إنني رجل عادي، رجل ضعيف وصغير. اليوم في ~~الصباح شتمت جاري ولعنت زوجتي وأولادي وحظي وصفعت مسجونا عجوزا على وجهه ~~وقفاه وسرقت من هذا الفلاح غليونه، نعم ها هو ذا، نهبته منه وسقته إلى ~~السجن وهو بريء، أعترف بهذا يا مولاي، أعترف أمامكم يا سادتي، سولت لي نفسي ~~الخبيثة أن أحتفظ به لنفسي، ها هو ذا إن شئتم، لا، لا، إلا النواة يا مولاي! لن ~~تحمل شجرتي الكمثرى الذهبية ولا الخشبية، كيف يكون حالي حين أصبح سخرية ~~الناس؟ كيف أعيش؟ أي إنسان آخر أولى بها مني، أصدر أمرك يا مولاي ~~فأناولها هذا الفلاح، إنه رجل طاهر. # الفلاح ~~: # من كان يظن هذا؟ أنا يا مولاي؟ # الجميع ~~: # نعم أنت. # الفلاح ~~: # إذن فلن تنمو الشجرة الذهبية أبدا. # المدير ~~: # تنمو أو لا تنمو، المهم أن تغرسها بنفسك في الأرض. # الحارس ~~: # إنه لم يفعل شيئا يا مولاي، غليون قديم كان ملقى في الوحل. # المدير ~~: # صحيح، وجريمته لا تساوي شيئا بجانب الكمثرى التي سيحصدها. # القائد ~~: # ومن أحق منه بغرسها في الأرض؟ أليس هو الذي عثر عليها؟ # الفلاح ~~: # لا يا مولاي القيصر! لا، إنني ms112 مذنب، لص حسب قانونك المقدس. # الوزير ~~: # ما الداعي للمبالغة؟ وما قيمة غليون قديم مشروخ؟ ما أهميته؟ حبة رمل في ~~صحراء الجريمة؟ قطرة ماء في بحر الذنوب؟ لا، لا، أنا لم أر في حياتي أشرف من ~~هذا الفلاح، لماذا انحنى على الطين والتقط الغليون؟ لأنه تعود أن يغوص ~~بقدميه ورجليه في الطين، فلتأمر بإطلاق سراحه يا مولاي، إن هلاهيله المرقعة ~~تثبت براءته، أكثر من ألف حارس ومدير سجن! مره بأن يغرس النواة في الأرض، ثم ~~إن هذه هي مهنته. # الفلاح ~~: # لا، لا، يا مولاي، بحقك وبحق الأرض، إنني مذنب، مذنب. # القيصر ~~(بعد أن يمر عليهم واحدا واحدا وهو يتفكر) ~~: # ليكن ما تقول يا وزيري المخلص الأمين، اسكت يا رجل! أنت من الآن حر ~~(القيصر يشير بأصبعه فيطلق سراح الفلاح، النواة تنتقل ~~من يد الحارس إلى يد مدير السجن فالقائد فالوزير فالقيصر الذي يناولها له ~~بنفسه) ~~. ~~(الفلاح يمسكها في يد ويتأملها طويلا قبل أن يلفها بعناية في ~~الخرقة البالية، يتتابع عليه القيصر والوزير والقائد والمدير، يلقون عبارتهم الأخيرة ~~وينصرفون واحدا بعد الآخر.) # القيصر ~~: # ستبقى الكمثرى الذهبية ملك القيصر، القانون هو القانون. # الوزير ~~: # ولا بد من تسليمها إلي، أقصد إلى خزينة المملكة التي ستظل كالبئر عميقة ~~وبغير قرار. # القائد ~~: # من يحتاج إلى الذهب والمزيد من الذهب؟ من يحرسك ويحرس بلدتك وكل بلاد ~~المملكة؟ إنه الجيش، إنهم الجنود، لا تنس هذا. # المدير ~~: # إذا تذكرتني من وقت لآخر ببعض الكمثرى فسوف أغمض عيني في المرة ~~القادمة. ~~(ينصرف الجميع، يبقى الفلاح الذي لا يزال يقلب اللفافة في ~~يده وأمامه الحارس، ينظران إلى بعضهما لحظات يسودها الصمت ثم يقول الفلاح): # الفلاح ~~: # وأنت؟ ألا تريد أن تحجز نصيبك من الكمثرى الذهبية؟ # الحارس ~~(يمد يده بالغليون) ~~: # خذ يا أخي، هذا هو غليونك، أنت أولى به. # الفلاح ~~(ضاحكا) ~~: # من كان يظن هذا؟ ~~(يفتح اللفافة البالية بعناية، ~~يرفع النواة إلى فمه ثم يقضمها ويقدم بقيتها للحارس.) # الحارس ~~: # ما هذا؟ ماذا تفعل؟! # الفلاح ~~: # خذ يا صاحبي، هذا نصيبك من الآن. # الحارس ~~(يتناولها ms113 منه وتغيب في فمه ثم يقول ضاحكا) ~~: # ألم أقل لك؟ # الفلاح ~~(وهو يتوجه للجمهور) ~~: # ألم أقل لكم يا أهل هان هان؟! ~~(يواصلان الضحك ثم ينصرفان وتسدل الستار.) # | الطفل والفراشة # الشخصيات # الحكيم تشوانج تسو. # الحكيم هوى تسو. # امرأة شابة. # طفلها. ~~(حديقة صينية عامة، الحكيمان تشوانج-تسو وهوى- تسو يجلسان على أريكة في ~~ظل شجرة ضخمة، يتطلعان إلى أحواض الزهور والفراشات التي تحوم حولها والأطفال الذين ~~يجرون وراءها.) # تشوانج تسو ~~: # آه! مشكلتي صعبة. # هوى تسو ~~: # آه! مشكلتي أصعب. # تشوانج تسو ~~: # كيف عرفت! إنني لم أحك لك شيئا بعد. # هوى تسو ~~: # وهل من الضروري أن تحكي؟ يكفي أنني سمعتك تتنهد بعمق. # تشوانج تسو ~~: # ولكنك تنهدت أعمق مني. # هوى تسو ~~: # هل أفهم من هذا أنك أحسست بمشكلتي؟ # تشوانج تسو ~~: # وكيف أحس بها قبل أن أعرفها؟ # هوى تسو ~~: # كما أحسست عندما سمعتك تقول آه. # تشوانج تسو ~~: # أنا أيضا سمعتك تقول آه، كانت صادقة ومن القلب. # هوى تسو ~~: # وماذا تصورت عندما سمعتها؟ # تشوانج تسو ~~: # بل قل عندما شعرت بلفح نارها، شعرت أنك بدأت تحن إلى بلدتك «تشو» وإلى ~~نهر «هاو» الذي يشقها، مع أن زيارتك لم تطل عندنا. # هوى تسو ~~: # صدقت، ولكنني لم أحن إلى نهر «هاو» نفسه، بل إلى الأسماك التي تسبح ~~فيه. # تشوانج تسو ~~: # الأسماك التي تسبح فيه؟ حقا إنها لمشكلة. # هوى تسو ~~: # لا تسخر يا صديقي تشوانج تسو؛ إذ يمكن أن يحدث لك هذا حين تشعر أنك أصبحت ~~سمكة. # تشوانج تسو ~~(ضاحكا) ~~: # هوى تسو الحكيم المشهور في الصين كلها يصبح سمكة؟ # هوى تسو ~~: # أو السمكة تصبح هي صديقك المشهور في الصين كلها هوى تسو. # تشوانج تسو ~~: # هي على كل حال مشكلة هينة إذا قيست بمشكلتي. # هوى تسو ~~: # مستحيل، قلت لك مستحيل. # تشوانج تسو ~~: # وكيف تجزم بشيء لم تره ولم تعرفه؟ # هوى تسو ~~: # ولكنني أحسست به، قلت لك أحسست به. # تشوانج تسو ~~: # وبماذا أحسست؟ # هوى تسو ~~: # هل تظن أنني لا أعرفك بعد هذا العمر الطويل؟ ألم نتعلم معا عند معلم ~~واحد؟ # تشوانج تسو ~~: # بلى بلى، ولكن ms114 ... # هوى تسو ~~: # أحسست أنك حلقت عاليا في السماء وطفت العالم فوق سحابة، ثم هبطت ~~فجأة. # تشوانج تسو ~~: # فجأة؟ أكمل، أكمل. # هوى تسو ~~: # نعم هبطت في هذه الحديقة، وأخذت تنظر مذهولا إلى الأشجار والزهور والأطفال ~~التي تجري وراء الفراشات، والفراشات التي ... # تشوانج تسو ~~: # تأكد مما تقول، لقد كانت فراشة واحدة. # هوى تسو ~~: # فراشة واحدة أو أكثر، لا يهم. # تشوانج تسو ~~: # إنه أمر في غاية الأهمية، لقد كانت فراشة واحدة. # هوى تسو ~~: # المهم أنك رأيتني جالسا على هذه الأريكة. # تشوانج تسو ~~: # قلت لك كانت فراشة واحدة، هذا أمر في غاية الأهمية. # هوى تسو ~~: # وما أهميته يا تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # إن هذه الفراشة كانت هي تشوانج تسو. # هوى تسو ~~: # أو كان تشوانج تسو هو هذه الفراشة! # تشوانج تسو ~~: # بالضبط، وهذه هي المشكلة. # هوى تسو ~~: # المهم أنك صحوت من الحلم ورأيتني على هذه الأريكة. # تشوانج تسو ~~: # الحلم، أجل، أجل، وهذه هي المشكلة. # هوى تسو ~~: # وماذا في هذا؟ أنا أيضا رأيت ما رأيت في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # لا يمكن أن تكون قد رأيت نفس الحلم، هل تحولت مثلي إلى فراشة؟ # هوى تسو ~~: # بل إلى سمكة. # تشوانج تسو ~~: # سمكة؟ لكن مشكلتي أصعب. # هوى تسو ~~: # بل مشكلتي. # تشوانج تسو ~~: # دعني أروي عليك الحلم. # هوي تسو ~~: # بل أنا أولا، سترى بنفسك. # تشوانج تسو ~~: # لا يمكن أن تكون قد رأيت ما رأيت، اسمعني أولا. # هوى تسو ~~: # مشكلة أخرى، تكلم إذن. # تشوانج تسو ~~: # تصور يا هوى تسو، بالأمس حلمت أنني تحولت إلى فراشة، أنا تشوانج تسو، بكل ~~شحمي ولحمي، تحولت إلى فراشة ترف هنا وهناك، تصعد وتهبط، تسقط على حوض ~~الزهور ثم ترفرف وتطير إلى أشجار الورد والتين والبلوط، فراشة حقيقية، بكل ما ~~في الفراشات من طيش ونقاء وحنين، وكأن وعيي كإنسان قد تعطل، كأني دخلت في جلدها ~~وشعرت بأحاسيسها ونبض قلبي بنبضها، كأن ذراعي أصبحتا جناحين ملونين ~~بألوان قوس قزح التي تخلب ألباب الأطفال، وكأن فمي صار فم فراشة لا تشتاق ~~إلى أكثر من قطرة ماء أو رشفة ms115 ندى أو نفحة شذا، فراشة تدور سعيدة في كل ~~مكان، وكل مهمتها في الحياة أن تنقل تحية السماء والآلهة إلى كل زهرة وكل ~~نسمة وكل عبير، وفجأة ... # هوى تسو ~~: # ماذا ؟ لا تقل إنك وجدت نفسك في كف طفل صغير! # تشوانج تسو ~~: # ليت هذا ما حدث. # هوى تسو ~~: # وقعت في شبكة صياد أو صيادة رقيقة؟ # تشوانج تسو ~~: # قلت لك ليت هذا هو الذي حدث. # هوى تسو ~~: # وماذا حدث؟ # تشوانج تسو ~~: # إنها المشكلة، لقد صحوت من النوم فجأة. # هوى تسو ~~: # مشكلة أن تصحو من النوم؟ # تشوانج تسو ~~: # بل أن أجد نفسي مرة أخرى كما أنا، تشوانج تسو كما يعرف نفسه ويعرفه الناس، ~~راقدا على نفس الفراش الذي رقدت عليه قبل النوم، لابسا نفس المنامة التي ~~لبستها قبل أن أتحول إلى فراشة. # هوى تسو ~~: # ولم تستطع التمييز بين الحلم واليقظة، ولا بين الوهم والحقيقة. # تشوانج تسو ~~: # ليت الأمر اقتصر على هذا؛ فنحن نعيش ليل نهار في هذه الحيرة الدائمة، لا نعرف ~~أين هو الحاجز بين الوهم والحقيقة، لا ندري متى ينتهي الحلم وتبدأ اليقظة. # هوى تسو ~~: # آه! كأنه نفس الحلم. # تشوانج تسو ~~: # مستحيل، قلت لك مستحيل. # هوى تسو ~~: # وما هو المستحيل يا تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # مستحيل يا هوى تسو أن تكون قد واجهت مشكلتي، هل أنا تشوانج تسو أم أنا الفراشة ~~التي ما زالت تحوم فوق الزهور والأشجار؟ هل كنت أنا الإنسان الذي حلم بأنه ~~فراشة، أم كنت الفراشة التي حلمت بأنها الإنسان؟ هل هناك حاجز بين الإنسان ~~والفراشة؟ هل تخطيت هذا الحاجز؟ فتحت عيني وأغمضتهما، ثم فتحتهما ورحت ~~أتحسس رأسي ويدي وذراعي وساقي وأنا أسأل: إنسان أم فراشة؟ فراشة أم ~~إنسان؟ # هوى تسو ~~: # هذا أهون على كل حال من أن تسأل: إنسان أنا أم سمكة؟ سمكة أنا أم ~~إنسان؟ # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة. # هوى تسو ~~: # ومن أين عرفت؟ # تشوانج تسو ~~: # أنت الآن بجانبي ولست في بحيرة أو نهر. # هوى تسو ~~: # ذلك ما رأيت في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # أنت أيضا؟ # هوى ms116 تسو ~~: # ألم أقل لك؟! # تشوانج تسو ~~: # ولكن لا يمكن أن يكون نفس الحلم. # هوى تسو ~~: # اسمع واحكم بنفسك، هل تذكر نهر «هاو» الذي مشينا على شاطئه عندما زرتنا في ~~«تشين »؟ # تشوانج تسو ~~: # نعم، نعم، وأذكر الجسر الذي وقفنا عليه ورحنا نتطلع إلى دوائر ~~الماء. # هوى تسو ~~: # وثعابين السمك الصغيرة التي كانت تلمع تحته كأنها نجوم ترتدي ثياب السحب، ~~أتذكر ما قلته لك عندئذ؟ # تشوانج تسو ~~: # لا لا أذكر، لقد كنت صامتا في ذلك اليوم. # هوى تسو ~~: # ربما. ربما أكون قد قلته لك في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # لي أنا؟ # هوى تسو ~~: # نعم، نعم، لقد رأيتك معي فوق ذلك الجسر، كنا نطل على الماء وقلت لك: انظر يا ~~صديقي تشوانج تسو، انظر كيف تتسابق الأسماك، هذا ما أسميه فرحة الأسماك. # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة، كيف يمكنك أن تعرف أن للأسماك فرحة؟ # هوى تسو ~~: # وهذا هو الذي قلته أيضا في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # شيء غريب! أنا قلت هذا؟ # هوى تسو ~~: # وأجبتك قائلا: أنا لست أنا، فكيف يمكنك أن تعرف أنني لا أعرف فرحة ~~الأسماك؟ # تشوانج تسو ~~: # معقول؛ فأنا لست أنت؛ ولهذا لا أعرفك. # هوى تسو ~~: # وهذا ما قلته أيضا، ثم أضفت إلى ذلك أنك تعرف شيئا واحدا، وهو أنني لست ~~سمكة؛ ولهذا لا يمكنني أن أعرف الأسماك. # تشوانج تسو ~~: # شيء غريب حقا، ولكن لنرجع إلى سؤالك. # هوى تسو ~~: # ورجعت بالفعل إلى سؤالي. # تشوانج تسو ~~: # وماذا قلت؟ # هوى تسو ~~: # لقد سألتني: كيف يمكنك أن تعرف فرحة الأسماك؟ الواقع أنك كنت تعرف أنني أعرف، ~~ومع ذلك أصررت على سؤالك. # تشوانج تسو ~~: # وماذا كان جوابك؟ # هوى تسو ~~: # هو الذي أجبتك به في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # وما زلت تذكره؟ # هوى تسو ~~: # نعم، نعم، كأني نطقت به الآن، أعرفها من الفرحة التي أشعر بها وأنا أنظر ~~للماء. # تشوانج تسو ~~: # غريب! شيء لا يصدق. # هوى تسو ~~: # أنني تحولت إلى سمكة؟ # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة. # هوى تسو ~~: # وهل أنت فراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # إنني أراك وأستطيع أن ألمسك، أنت ms117 هوى تسو. # هوى تسو ~~: # وأنا أراك وأستطيع أن ألمسك، أنت تشوانج تسو. # تشوانج تسو ~~: # إنسان أنت ولست سمكة. # هوى تسو ~~: # وأنت إنسان ولست فراشة. # تشوانج تسو ~~: # ولكني تحولت إلى فراشة . # هوى تسو ~~: # وأنا تحولت إلى سمكة. # تشوانج تسو ~~: # كان هذا في الحلم، أستطيع الآن أن أهز كتفيك أو أضربك على رأسك فتستيقظ ~~منه. # هوى تسو ~~: # أنا أيضا أستطيع أن أهز كتفيك أو أصفعك على وجهك وأوقظك من ~~الحلم. # تشوانج تسو ~~: # وهل يثبت لك هذا أنك لا تحلم؟ # هوى تسو ~~: # ما دمت لا أتلقى الصفعة. # تشوانج تسو ~~: # إذن فخذ هذه ~~(يصفعه) # هل أنت الآن في اليقظة ~~أم في الحلم؟ # هوى تسو ~~: # وأنت، خذ هذه ~~(يركله ركلة شديدة في بطنه) # هل ما زلت تحلم أم استيقظت؟ ~~(يدخل طفل يجري ليمسك بفراشة وهو يصيح): # الطفل ~~: # الفراشة، الفراشة، أمسكها أيها السيد، ساعدني، أنت يا سيد. # هوى تسو ~~: # ألست فراشة؟ ساعده أن يمسك بك. # تشوانج تسو ~~: # تعال يا ولدي، تعال. # هوى تسو ~~: # تقدم يا بني، هذه هي الفراشة. # تشوانج تسو ~~: # من حسن الحظ أنني لست سمكة. # هوى تسو ~~: # ولكنك ما زلت تحلم. # تشوانج تسو ~~: # وأنت، هل استيقظت من حلمك؟ # هوى تسو ~~: # على الأقل عندما ركلتك في بطنك. # تشوانج تسو ~~: # كانت ضربة شديدة. # هوى تسو ~~: # وصفعتك أشد. # تشوانج تسو ~~: # معذرة يا صديقي، هوى تسو، لا بد أنني كنت أحلم. # هوى تسو ~~: # معذرة يا صديقي تشوانج تسو، اختلط علي الحلم واليقظة ~~(يتعانقان، الطفل ينظر إليهما متعجبا، تدخل أمه على ~~عجل) ~~. # الأم ~~: # ولدي، ولدي، ماذا تفعل؟ # هوى تسو ~~: # ها هو ابنك، لا تخافي. # تشوانج تسو ~~: # كان يجري وراء الفراشة. # هوى تسو ~~: # لقد حسب هذا السيد فراشة وأراد أن يمسك به. # تشوانج تسو ~~: # ولو كان معه سنارة لأمسك بك. # الأم ~~: # معذرة أيها السيدان، أخشى أن يكون قد أزعجكما، كنتما في شجار على ما ~~أظن. # تشوانج تسو ~~: # أبدا، أبدا، مجرد اختلاف في الرأي. # هوى تسو ~~: # أو في الحلم. # الأم ~~: # اختلاف في الرأي أو في الحلم؟ # تشوانج تسو ~~: # رأى هذا السيد ms118 في الحلم أنه سمكة. # هوى تسو ~~: # ورأى هذا السيد أنه فراشة. # الأم ~~(ضاحكة) ~~: # فراشة وسمكة؟ كنتما تحلمان! # هوى تسو ~~: # ولا نعرف حتى الآن إن كنا في حلم أم في يقظة . # الأم ~~: # في حلم أم يقظة؟ # تشوانج تسو ~~: # ألا تحلمين أيتها المرأة؟ ألا يحلم طفلك؟ # الأم ~~: # هذا الغبي، كم رأى في الحلم أنه تحول إلى فراشة! # تشوانج تسو ~~: # سمعت؟ # هوى تسو ~~: # وأنت يا سيدتي، هل تحلمين أيضا؟ # الأم ~~: # أنا لا أحلم أيها السيدان، نحن الفقراء لا نحلم، إنني أوقظ ولدي من ~~حلمه. # تشوانج تسو ~~: # ولماذا توقظينه؟ لماذا لا تتركينه يحلم بأنه فراشة؟ # هوى تسو ~~: # أو بأنه سمكة؟ # الأم ~~: # آه! الحياة قاسية بما فيه الكفاية. # تشوانج تسو ~~: # تقصدين أنك في يقظة دائمة؟ # هوى تسو ~~: # أم إنك لا تستطيعين التفرقة بين اليقظة والحلم؟ # الأم ~~: # أقصد؟ لا أدري ماذا أقصد، أمثالنا ليس لديهم الوقت ليفكروا في هذا. # تشوانج تسو ~~: # أسألك بكل احترام: ماذا تعنين بقولك هذا؟ # هوى تسو ~~: # وأنا أسألك بكل خضوع نفس السؤال. # الأم ~~: # تعال يا ولدي، إنني لا أفهم السؤال ولا أعرف الجواب، لا أعرف إلا أن أمثالنا لا ~~يفكرون في هذه الأمور، إنهم يشقون فحسب. # تشوانج تسو ~~: # تشقون فحسب، هذا مفهوم، ولكن في الحلم أم في اليقظة؟ # هوى تسو ~~: # نعم نعم، في الحلم أم في اليقظة؟ # الأم ~~: # تعال يا ولدي. # الطفل ~~: # الفراشة يا أمي، الفراشة. # الأم ~~: # قلت تعال، أتريد أن تحلم مثلهم؟ ~~(تشد طفلها بعنف وتمضي.) ~~(تشوانج تسو ينظر صامتا إلى هوى تسو.) ~~(هوى تسو ينظر في صمت إلى تشوانج تسو.) # هوى تسو ~~: # هل تعرف يا صديقي تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # ماذا يا صديقي هوى تسو؟ # هوى تسو ~~: # لقد شعرت بالخجل أمام هذه المرأة. # تشوانج تسو ~~: # وأنا شعرت بالخجل أمام الطفل. # هوى تسو ~~: # لأنك لم تكن فراشة كما أراد. # تشوانج تسو ~~: # ولأنني لا أعرف إن كنت فراشة تحولت إلى إنسان، أم إنني إنسان تحول إلى ~~فراشة، وأنت أيضا. # هوى تسو ~~: # نفس الشيء يا صديقي، ما زلت لا أدري إن كنت الإنسان ms119 الذي شعر بفرحة السمكة ~~أم السمكة التي أحست بفرحة الإنسان، هل تدري السبب في حيرتنا؟ # تشوانج تسو ~~: # وما هو السبب؟ # هوى تسو ~~: # كلانا لم يتحول بعد. # تشوانج تسو ~~: # نعم، نعم ، كلانا لم يتحول بعد. # هوى تسو ~~: # ما زلنا أطفالا في بداية الطريق. # تشوانج تسو ~~: # وليتنا استطعنا أن نتحول إلى أطفال، هل تذكر معلمنا العجوز؟ # هوى تسو ~~: # كونج-فو-تسو؟ ومن يمكنه أن ينساه؟ # تشوانج تسو ~~: # وتذكر الحوار الذي دار بيني وبينه ورحت أبكي بعد انتهائه وأنت تربت على ~~ظهري وتمسح دموعي؟ # هوى تسو ~~: # كم فعلت هذا! لقد كنت كما قال طفلا صغيرا، أنا أيضا كنت طفلا على بداية ~~الطريق. # تشوانج تسو ~~: # ما زلت أذكر ذلك الحوار كأنه دار بيننا صباح اليوم. # هوى تسو ~~: # أما أنا فقد نسيت، مرت سنوات طويلة شاب فيها شعر الأطفال. # تشوانج تسو ~~: # وما زلنا أطفالا لم نتعلم بعد، دخلت عليه في صباح ذلك اليوم فوجدته كما ~~تعودنا أن نراه، وديعا ساكنا كأنه شجرة عظيمة، شجرة ممتدة الجذور وارفة ~~الظلال، لم يتحرك من مكانه ولم ينظر إلي، سألت نفسي يومها: هل صار المعلم ~~سحابة محلقة فوق العالم؟ أم أصبح أما تحتضن الكائنات والأشياء كأنها ~~تحتضن أولادها؟ # هوى تسو ~~: # وتربعت على الأرض أمامه ورحت تنظر إليه، كانت هذه هي عادتك، بدلا من أن ~~تسأله عن حاجته. # تشوانج تسو ~~: # بل تشجعت في ذلك اليوم وتقدمت منه وسألت سيدي، إنك تجلس في هدوء فأجلس ~~في هدوء مثلك، تمشي خطوة فأمشي خطوة، تسرع في السير فأسرع معك، تركض ~~فأركض، ولكن عندما تخرج من حدود التراب أرتبك وأتوقف وأكتفي بأن أحدق ~~فيك، ضحك وقال ~~(مقلدا صوت المعلم) ~~: أجل ~~أجل، كما تفعل الآن. # تشوانج تسو ~~: # كيف يحدث لك هذا؟ # صوت المعلم ~~: # ماذا تقصد بسؤالك؟ # تشوانج تسو ~~: # أقصد هذا، عندما تتكلم أتكلم، وعندما تقيم الحجة أقيم الحجة، ~~وعندما تعلم الطريق، أعلم الطريق مثلك، ولكن عندما تخرج من حدود التراب ~~أتوقف مذهولا وأحدق فيك. # صوت المعلم ~~: # سألتك: ماذا تقصد؟ ماذا تريد أن تقول؟ # تشوانج تسو ~~: # أريد يا ms120 معلمي أن تفسر لي هذا السر؛ إنك تلوذ بالصمت ولا تتكلم، ومع ذلك ~~يصدقك الجميع، لا تتحمس ولا ترفع صوتك، ومع ذلك يوافقك كل إنسان، لا ~~تحاول أن تجذب أحدا، ومع ذلك ينجذب الجميع إليك؛ هذا هو اللغز الذي لا أفهمه، ~~اللغز الذي يؤرقني ويلسعني كالشوكة. # صوت المعلم ~~: # اللغز؟ الشوكة؟ ولماذا لا تحاول أن تصل إلى أصله وجذوره؟ توقعت أن تجهد ~~عقلك وروحك لتعرفه؛ فليس في الدنيا شيء أدعى إلى الحزن من موت العقل والروح، ~~إن موت الجسد لا يقاس بموت الروح. # تشوانج تسو ~~: # تهورت ورفعت صوتي قائلا: أهو لغز آخر يا معلمي؟ تطلع في صمت أمامه ~~ولم يحرك شفتيه، حدق في الفراغ حتى شعرت أنه أصبح جزءا منه، بعد لحظات ~~نظر إلي وقال: # صوت المعلم ~~: # إن الشمس تشرق في الشرق وتغرب في الغرب، ما من شيء يفلت من تأثيرها، ما من ~~حي يمكنه أن يخرج على نظامها، وكل من له عيون وأقدام يتعلق بها ليحيا حياته ~~ويتم عمله؛ فعندما تظهر تظهر الحياة، وعندما تختفي تختفي معها الحياة. # تشوانج تسو ~~: # سألت في حيرة: وما العلاقة بين الشمس والروح؟ ما العلاقة بينهما يا ~~معلمي؟ # صوت المعلم ~~: # العلاقة واضحة يا بني، في كل إنسان شمس تشرق وتغرب، شمس الروح التي تتعلق ~~بها حياته وموته، إن ذهبت مات، وإن رجعت عادت إليه الحياة، هذا هو الذي أسميه ~~التحول الذي يجدد الحياة ويحافظ عليها، فإن جررت جسدي نحو النهاية دون أن ~~أحقق ذلك التحول الذي يجدد الحياة، إن تركت نفسي أستهلك ليل نهار ~~كأنني شيء من الأشياء، إن لم أشعر بالموت الأبدي الذي يتم في كل لحظة، إن أحسست أن ~~شمسي الروحية قد انطفأت وأنه لا يوجد شيء يمكنه أن ينقذني من القبر؛ عندئذ ~~تضمحل شمسي وتصبح شمعة ضعيفة تذبل وتلفظ أنفاسها، حتى يفاجئنا الموت ~~فنشعر أنت وأنا كأن أكتافنا قد تلامست مرة واحدة قبل أن نفترق إلى الأبد! أليس ~~هذا شيئا محزنا؟ # تشوانج تسو ~~: # قلت: هو شيء محزن يا معلمي، غير أنني ما ms121 زلت لا أفهمك. # صوت المعلم ~~: # قل إنك لا تفهم نفسك، إنك الآن تنظر إلي. # تشوانج تسو ~~: # بل أحدق فيك يا معلمي، ألم أقل إنني أفعل هذا كلما شعرت أنك تخطيت ~~حدود التراب؟! # صوت المعلم ~~: # نعم قلت هذا، ولكنك تحدق ببصرك الآن لكي ترى في شيئا قد اختفى عندما ~~نظرت إلي، ومع ذلك ظللت تحدق في بحثا عن شيء قد تلاشى، وكأنك رجل ~~ذهب إلى السوق ليبحث عن خيول بيعت قبل وصوله، انظر! # تشوانج تسو ~~: # قلت: ما زلت أنظر يا سيدي. # صوت المعلم ~~: # إن ما يعجبني فيك قابل للتحول، وما يعجبك في قابل للتحول. لماذا ~~تحزن إذن؟ إذا كانت نفسي تموت في كل لحظة، فعلي أن أحولها في كل لحظة لكي ~~تكون أبدية، وإذا كنت تريد الأبدية، فعليك أن تتحول. # هوى تسو ~~: # نعم، نعم، صدق معلمنا العجوز، ما زال علينا أن نتحول. # تشوانج تسو ~~: # وما زال الطريق بعيدا عنا ~~(يبكي) ~~. # هوى تسو ~~: # ونحن بعيدون عنه، ربما كان هذا هو سر حزنك يا تشوانج تسو. # تشوانج تسو ~~: # وحزنك أيضا يا هوى تسو، هل تنكر؟ # هوى تسو ~~: # وحزني أيضا ~~(يبكي) # ولكنني تحولت إلى سمكة، ~~ألم أشعر بفرحة الأسماك؟! # تشوانج تسو ~~: # كان مجرد حلم، أنا أيضا ... # هوى تسو ~~: # لا تقل تحولت إلى فراشة. # تشوانج تسو ~~: # مثلك تماما، في الحلم! # هوى تسو ~~: # ولهذا لم يستطع الطفل المسكين أن يمسك بك. # تشوانج تسو ~~: # وهذا هو سر حزني. # هوى تسو ~~: # وحزني أيضا، هل يغرك أنني أضحك؟ لقد تحولنا في الحلم. ثم عجزنا أن ~~نتحول في اليقظة! # تشوانج تسو ~~: # عدت إلى الحلم واليقظة؟ أين الحلم من اليقظة؟ وأين اليقظة من الحلم؟ آه! أكاد ~~أجن. # هوى تسو ~~: # بدلا من أن تجن، حاول أن تتعلم كيف تتحول. # تشوانج تسو ~~: # وأنت؟ هل حاولت هذا؟ هل تحولت منذ أن مات معلمنا؟ هل وصلت إلى الأبدي؟ ~~هل أصبحت الأبدي؟ # هوى تسو ~~: # أصبحت سمكة؛ أي إنني الآن على الطريق. # تشوانج تسو ~~: # سمكة أم إنسان؟ إنسان أم سمكة؟ # هوى تسو ~~: # لأنك لم تتحول؛ لأنك ما ms122 زلت مثاليا كما كنت. # هوى تسو ~~: # وأنا، واقعي ما زلت. # تشوانج تسو ~~: # ولكنني مثالي واقعي، مثالي. # تشوانج تسو ~~: # بل أنا الواقعي، والموضوعي. # هوى تسو ~~: # أنا موضوعي مثالي. # تشوانج تسو ~~: # وأنا مثالي موضوعي. # هوى تسو ~~: # وهل هنالك فرق؟ # تشوانج تسو ~~: # وأي فرق! # هوى تسو ~~: # قله إذن أيها الفراشة! # تشوانج تسو ~~: # قله أنت أيها السمكة! # هوى تسو ~~: # أنا يقظ يحلم، وأنت تحلم في اليقظة. # تشوانج تسو ~~: # بل أنت الذي تحلم، هل يمكن أن يشعر إنسان بفرحة الأسماك؟ # هوى تسو ~~: # وهل يمكن أن يتحول سمين مثلك إلى فراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # تعيرني بشحمي ولحمي؟ أشرف لي على كل حال أن أكون فراشة. # هوى تسو ~~: # وأشرف لي أن أترك بلدك وأسبح في مياه نهر هاو. # تشوانج تسو ~~: # يقظ يحلم مفتوح العينين. # هوى تسو ~~: # أفضل من حالم لا يستيقظ. # تشوانج تسو ~~: # مثالي موضوعي. # هوى تسو ~~: # موضوعي مثالي. ~~(يوشكان أن يتضاربا عندما يدخل الطفل الصغير فجأة ووراءه أمه ~~التي تحاول أن تلحق به.) # الطفل ~~: # لن تمسكيني قبل أن أمسك الفراشة. # الأم ~~: # تعال، قلت لك تعال. # الطفل ~~: # ساعداني أيها السيدان. # الأم ~~: # دع السيدين في حالهما. # تشوانج تسو ~~: # تعال يا صغيري، تعال. # الطفل ~~: # هل وجدت الفراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # أنا الفراشة، إذا أردت صرت فراشة. # الطفل ~~: # أنت؟! انظري يا أمي! هذا السيد فراشة! # تشوانج تسو ~~: # وإذا أردت صرت طفلا! # الطفل ~~: # طفل أم فراشة؟ تعالي يا أمي. # الأم ~~: # معذرة أيها السيد، معذرة. # تشوانج تسو ~~: # إنه لا يزعجنا على الإطلاق. # الأم ~~: # لقد قطع حديثكما، معذرة يا سادة. # هوى تسو وتشوانج تسو ~~: # بل أيقظنا من حلم طويل، نحن الآن ... # الأم ~~: # معذرة، معذرة، ليس لدينا وقت، لا بد أن أشقى لأطعم هذا الطفل اليتيم، تعال ~~أيها الملعون، العمل ينتظرنا ويحلم بأنه فراشة. # الطفل ~~: # هذا السيد هو الفراشة. # تشوانج تسو ~~: # أعاهدك على هذا يا بني، سأكون فراشة إذا شئت. # هوى تسو ~~: # وأنا أيضا، ألا تحب السمك يا بني؟ # الطفل ~~: # أمي، أريد سمكة، هذا السيد سمكة. # الأم ~~: # عفوا أيها السيدان، هذا الصغير لا يعرف ما يقول، ms123 إنه لا يريد فراشة ولا سمكا، ~~هل تعرفان ما يريد؟ # تشوانج تسو وهوى تسو ~~: # ماذا يريد؟ # الأم ~~: # يريد رغيفا يملأ بطنه، سقفا يدفئ جسده. # تشوانج تسو ~~: # حقا، حقا ، رغيف يملأ بطنه، سقف ... # هوى تسو ~~: # يدفئ جسده. # الأم ~~: # تعال يا بني، تعال. ~~(تسحب ابنها من يده بشدة وتنصرف.) # تشوانج تسو ~~: # أيتها الأم المبجلة. # هوى تسو ~~: # أيتها الأم الحكيمة، نعدك أن نتعلم. # تشوانج تسو ~~: # نعدك أن نتحول. # هوى تسو ~~: # أن نتحد بكل شيء. # تشوانج تسو ~~: # ونعانق كل شيء. # هوى تسو ~~: # أن نصبح مثلك أما تحتضن جميع الأطفال. # تشوانج تسو ~~: # تحتضن جميع الأشياء. # هوى تسو ~~: # أن نصبح أرضا وسماء. # تشوانج تسو ~~: # سقفا ورغيفا. # هوى تسو ~~: # لابنك ولكل الأبناء. # تشوانج تسو ~~: # سأكون أنا فراشة. # هوى تسو ~~: # وأنا سمكة. # تشوانج تسو ~~: # الفراشة أولا. # هوى تسو ~~: # بل سمكة، سمكة. # تشوانج تسو ~~: # قلت فراشة. # هوى تسو ~~: # وأنا قلت سمكة. # تشوانج تسو ~~(ضاحكا) ~~: # عندما نتحول سنكون كل شيء. # هوى تسو ~~(ضاحكا) ~~: # نعم، نعم، كل شيء. # تشوانج تسو ~~(يمسك يده) ~~: # كل الفراشات والأسماك، كل الأطفال. # هوى تسو ~~: # كل الأطفال الفقراء. ~~(يضحكان، يضع كل منهما يده في يد الآخر وينصرفان.) # 1987م # | السيد والعبد # (قاعة فسيحة، تتوسطها منضدة كبيرة يجلس إليها رجل على مشارف ~~الكهولة. أمامه ومن حوله ألواح مسمارية كثيرة، ولوحات معلقة على الجدران تطل منها ~~نقوش بابلية بارزة لملوك وآلهة ومناظر من الحياة اليومية والاجتماعية، نافذة كبيرة تبدو ~~من ورائها خرائب مدينة قديمة، يتململ الرجل في جلسته، يحاول أن يبدأ عمله ثم ينفض يديه ~~من المحاولة وينهض على قدميه صائحا): # السيد ~~: # أيها العبد، أيها العبد ~~(يتأخر عليه العبد فيقول ~~لنفسه) ~~: ما هذا؟ ماذا جرى لي؟ أنا الذي فكرت وكتبت أكثر من عشرين ~~سنة لم أعد قادرا على تفكير ولا كتابة، حتى المخطوطات القديمة التي كنت أجد ~~متعتي وسلواي في نسخها أصبحت لا أطيق النظر إليها، وتمر الأيام والليالي وأنا ~~أحاول بيتا واحدا من الشعر فلا يستجيب، مع أني كتبت للملك عشرات الحكايات ~~والحكم والأمثال والأشعار حتى أطلقوا علي اسم ms124 شاعر القصر! نعم، نعم، يا عبدي! أنت ~~أيها العبد! ~~(يظهر العبد داخلا مسرع الخطى، وهو شاب لا تفارق الابتسامة ~~شفتيه.) # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا . # السيد ~~: # أسرع، أسرع، نفذ ما أقوله لك. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك. # السيد ~~: # هيا أحضر المركبة وأعدها لأمضي إلى القصر. # العبد ~~: # امض يا سيدي، امض، سأكون تحت تصرفك. ~~(يتلكأ قليلا، السيد يكتشف أنه لم يتحرك من مكانه، يرفع حاجبيه ~~ويفتح فمه دهشة ويهم بالكلام فيسأله العبد): # العبد ~~: # معذرة يا سيدي، هل قلت القصر؟ # السيد ~~: # ألم تسمع ما قلته؟ لماذا لا تتحرك؟ # العبد ~~: # أي قصر تقصد يا سيدي؟ قصر الملك، أم الحاكم، أم الوزير، أو كبير ~~الكهنة؟ # السيد ~~: # ما أغرب أسئلتك في هذا الصباح الغريب! # العبد ~~: # اعذرني يا سيدي، فلا بد أن أعرف لأي قصر ستتجه. إن الزينة التي أضعها على ~~المركبة والخيل ستختلف في كل حال. # السيد ~~: # أتقول أي قصر؟! الذي تعودت أن أذهب إليه. # العبد ~~: # اعذرني مرة أخرى إذا ذكرت سيدي بأن هذه العادة قد توقفت منذ شهور ~~(ينظر إليه مشفقا ثم يسير خطوات نحو الباب ويقف عنده، السيد ~~يحول وجهه عنه وينظر من النافذة وهو يكلم نفسه) ~~. # السيد ~~: # نعم، نعم، كيف غاب هذا عني؟ لقد تنافسوا على طعني وتسديد حرابهم إلى صدري وظهري، ~~أولئك الشعراء الصغار والكتبة الأوغاد، حتى الملك الذي كان يجلسني بجواره ~~ويستعذب سماع شعري لم يستطع أن يفعل شيئا، وعندما أسرعت إليه غاضبا ثائرا ~~قال وهو يتحاشى النظر في عيني: لقد أحكموا المؤامرة عليك، أعدوا القوس ~~والسهم ووضعوه في يدي لأصوبه إلى قلبك، اذهب، اذهب، لكن لا تنس أبدا أنني ~~أحب شعرك. # العبد ~~(مقاطعا) ~~: # سيدي. # السيد ~~: # لا أيها العبد، لن أذهب للقصر، لن أذهب أبدا. # العبد ~~: # لا تذهب يا سيدي، لا تذهب، ربما يوقعونك في حفرة جديدة، أو يلفون حبلا ~~آخر حول رقبتك، ستسير في طريق لا تعرفه، وستندم على ذلك ليل نهار. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # أندم؟ وهل سأكون حيا لكي أندم؟ ما زلت طيبا أيها العبد، ms125 وربما جعلتك ~~الأيام والمحن المتوالية حكيما ~~(للعبد بعد فترة ~~صمت) # أنصت إلي أيها العبد، أنصت إلي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا ~~(يقفز مقتربا منه في ~~خشوع) ~~. # السيد ~~: # أسرع، أسرع، سنتجه وجهة أخرى. # العبد ~~: # وإلى أين يا سيدي؟ # السيد ~~: # إلى الخلاء، إلى الريف الواسع المفتوح، أريد أن أشم رائحة الخضرة، أريد أن ~~أتنفس هواء نقيا. # العبد ~~: # هل أجهز أدوات الصيد؟ # السيد ~~: # وكلاب الصيد أيضا، هل كنا نفعل غير هذا في الخلاء؟ # العبد ~~: # اذهب يا سيدي، اذهب؛ # فالصياد يملأ جوفه، # وكلاب الصيد ستكسر عظام الفريسة، # والصقر سينقض عليها، # والحمار الوحشي سيعدو مسرعا؛ # فالحراب ذات العيون النافذة ستتعقبه وتخترق لحمه. # السيد ~~(بعد قليل يكلم نفسه متأففا، لا يلحظ أن العبد ~~يسمعه) ~~: # لا يا عبدي، لا، لن أذهب للخلاء، لن أمضي ~~في رحلة الصيد ~~(ملتفتا إلى النافذة) # في كل مرة ~~اصطدت فريسة كنت أقول لنفسي: إنني أنا الفريسة. أنظر في عيونها الميتة التي ~~تحدق في وأقول: عبث وباطل ما فعلت، عبث وباطل. وهل أنسى العيون الجائعة ~~التي كانت تلتهم أجساد الفرائس الذبيحة على طريق العودة؟ عجائز وصبية وأطفال ~~تجرحني نظراتهم الخرساء وتتهمني: لعنتك الآلهة ولعنت كل الصيادين! وتظل ~~العيون المحرومة تتابعني حتى أصل إلى عتبة داري وأتخفى في فراشي ~~(ملتفتا إلى العبد وهو يصيح) # لا يا عبدي، لن أذهب ~~أبدا. # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل، # إن حظ الصياد متقلب، # وكلب الصيد ستتكسر أسنانه، # وصقر الصياد سيرجع إلى عشه، # والحمار الوحشي سيهجع في حظيرته، # حظيرته الآمنة ببطن الجبل العالي، # لا تذهب يا سيدي، لا تذهب. # السيد ~~: # معك الحق، سأبقى، سأبقى، ولكن أنصت إلي أيها العبد. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # أحضر الماء لأغسل يدي. # العبد ~~: # على الفور يا سيدي، على الفور، هل تريد ...؟ # السيد ~~(بغضب) ~~: # أريد أن أتناول طعامي. # العبد ~~: # أجل يا سيدي، أجل، تناول طعامك مرة ومرة، لقد أعددت كل شيء، الإفطار الذي ~~نسيته والغداء الذي لم تطلبه. إن الطعام الشهي يريح الذهن ms126 من متاعبه، و«شمش» ~~نفسه يرعى من يطهر يديه. ~~(يذهب ليحضر الماء.) # السيد ~~: # إفطاري وغدائي معا! يا لك من عبد طيب القلب! أم إن الحكمة قد فاضت منك ~~فأغرقتك في بحار السذاجة؟ ألم تلاحظ أنني أغص باللقمة والشربة التي تحضرها ~~إلي؟ إفطاري وغدائي؟ في كل يوم أسأل نفسي: لماذا كتب علي أن آكل وأشرب وحدي؟ ~~كانت الكلمة هي خبزي، كان الشعر هو إكسير حياتي، وها أنا لم أشبع ولم أرتو، كلما ~~وضعت اللقمة في فمي رأيت العيون الجائعة تلاحقني كأنها تمد مخالبها لتسحبها من ~~حلقي، أبصرت عيون الأطفال الذين لم أنجبهم وهي تصرخ باكية: لماذا لا يكون لنا ~~نصيب في هذه اللقمة؟ لا يا عبدي، لا، لن آكل ولن أشرب! # العبد ~~(يرجع وينحني أمامه ويريد أن يصب الماء على يديه) ~~: # ولكنك ستغسل يديك يا سيدي. # السيد ~~(مفاجئا) ~~: # ولا هذا أيضا، لن أغسل يدي، ولن آكل ولن أشرب! # العبد ~~: # لا تأكل يا سيدي، لا تأكل، # الجوع والأكل، العطش والشرب، # ماذا أفاد الإنسان منها؟ ~~(يتطلع من النافذة إلى الأفق البعيد حيث تلوح أكوام الخرائب ~~القديمة.) # اسأل هؤلاء، # ماذا أفاد الإنسان؟ # ماذا أفاد الإنسان؟ # السيد ~~(الذي لم ينتبه لما قصد إليه العبد) ~~: # اسمع يا عبدي، اسمع. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # قررت أن أكون أسرة! # العبد ~~: # مرحى! مرحى! تكون أسرة؟! # السيد ~~: # نعم، وأنجب أطفالا. # العبد ~~: # خيرا تفعل يا سيدي، لتكن لك أسرة وأطفال؛ # فالرجل الذي يبني بيتا ويربي أطفالا، # يجعل من نفسه ملكا، # على عرش مملكة صغيرة، # يسكنها شعب صغير، # يصبح راعيا مسئولا، # عن مصير قطيع محبوب، # يعتمد عليه في زاده ومائه، # وصحته ومرضه، ونومه ويقظته، # افعل يا سيدي! افعل! # ستجد طعاما ينتظرك، وسراجا يضيء بيتك، وفراشا يدفئ ~~جسدك. # كون أسرة وأنجب أطفالا؛ # فما أحلى أن يجروا حولك في هذه القاعة، # وهم يقفزون ويتصايحون: # علمنا أن نقرأ هذي الألواح، # أسمعنا شعرك يا أبتاه! # السيد ~~(لنفسه) ~~: # أقرأ لهم الألواح التي لا يقرؤها أحد؟ أسمعهم شعري الذي لا أطيق سماعه؟ ~~أواه! ms127 ما أشد سذاجتك أو حكمتك! # العبد ~~: # ماذا تقول يا سيدي؟ # السيد ~~: # أقول لا، لا يا عبدي. # العبد ~~: # لن تكون أسرة؟ # السيد ~~: # ولن أنجب أطفالا. # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل. # تفتح بابك لعروسك، # فيصير الباب هو الفخ المطبق بالفكين عليك، # تحملها يوما لفراشك، # وإذا بك في اليوم التالي، # تحمل جبلا يرهق كتفيك، # ويمر الزمن على العذراء الضاحكة العين، # الباسمة الفم، # يخرج من شفتيها النصل المسنون الحد، # أو الأفعى النافثة السم. # لا، لا تفعل! لا تبن بيتا، لا تستسلم، # لا تغرق نفسك في بحر الدين! # السيد ~~: # لا، لن أفعل، لن أستسلم، هل تعرف ماذا أنوي الآن؟ # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك. # السيد ~~: # سأعشق امرأة! # العبد ~~: # اعشق يا سيدي، اعشق. # العاشق ينسى الحزن ويطرد خوفه، # يحيا في حلم وردي يصحو منه، # على حلم آخر وردي، # يخطو العاشق للمعشوق وتسكره الخفة، # يحدوه الأمل وتعروه الرجفة، # يضنيه اليأس وتتجدد في الصدر اللهفة، # اعشق، ما أحلى العشق إذا حاول # أن يفتح أسوار العفة! # وبعود ومعه الصيد الرائع، # إن ساعدت الصدفة! # السيد ~~: # هل هذا رأيك يا عبدي؟ # العبد ~~: # رأيي؟ ألم تقله لك هذه الألواح؟ ألم تسمعه من هذه الأشعار؟ أين أغانيك ~~يا عشتار الجميلة؟ أين ذهبت ألحانك التي عزفتها للراعي البريء فخلبت ~~لبه؟ ~~(يتجول بين الألواح والتماثيل ويبتعد قليلا.) # السيد ~~(لنفسه) ~~: # وأين لعناتها الرهيبة على رأس جلجاميش وفوق أطلال أوروك؟ أيها العبد المسكين! ~~إنك لا تعرف هذا، ويعود ومعه الصيد الرائع إن ساعدت الصدفة! لكن الصدفة لم تساعد، ~~وعشتار الجميلة لم تغن لي لحنا ولم تصب على رأسي لعنة، كم ذهبت إليها أحمل ~~أثقال الألواح التي دونت عليها شعري! كانت تضحك في طيش وهي تردها بيدها قائلة: ~~شعرك صعب جدا، يبدو أنك ضليع في اللغة! وليلة وقفت معها تحت بوابة المدينة، ~~كانت عين الإله الأكبر مردوخ تطل غاضبة علينا، وسيل المطر ينهمر بلا رحمة فوق ~~رءوسنا ويحيل أشعاري إلى طين عكر يتساقط على الأرض، مددت يدي لأدفئ يدها ~~فأبعدتها، حاولت أن أدفئها بثوبي وأنفاسي فأدارت ms128 وجهها وظهرها، عرفت ~~ليلتها أنها ليست لي، وفي ضحى اليوم التالي لمحتها تدخل معبد الإله «شمش» # 1 # وذراع الكاهن الأكبر القوية تلتف حول خصرها كما تلتف شبكة الصياد ~~حول حمامة بيضاء، وما هي إلا ليلة حتى تركها الكاهن الأكبر لتنهشها الأنياب، ~~وعندما دفعت المبلغ المحدود ودخلت عليها حجرتها رفعت رأسها ببطء ونظرت إلي ~~طويلا، ثم خفضتها وجرت الدموع على وجنتيها، لملمت ثوبي واستدرت خارجا في ~~صمت، هذا هو الصيد الرائع أيها العبد الخبيث، لا، لا، لم تساعدني الصدفة ولم ~~أساعدها؛ لذلك امتلأت داري بهذه الألواح. # العبد ~~(يرجع وهو يمد يده بأحد الألواح) ~~: # وجدتها يا سيد. # السيد ~~: # وأنا لم أجدها ولن أبحث عنها، أعد هذا اللوح إلى مكانه. # العبد ~~: # ألا تريد؟ ... # السيد ~~: # قلت أعده إلى مكانه، لا أريد أن أقرأ ولا أريد أن أعشق. # العبد ~~: # كما تشاء يا سيدي، لا تعشق، لا تعشق. ~~(يضع اللوح جانبا وينظر إلى النافذة.) # فالمرأة جحر أو حفرة، # فخ، مصيدة، هاوية خطرة، # المرأة خنجر حديدي مسنون يقطع رقبة الرجل، المرأة ... # السيد ~~: # أرجوك، الزم الصمت. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، ما دمت تريد هذا. # السيد ~~: # أريدك أن تطيع صمتي كما تطيع كلامي. # العبد ~~: # هل أتركك لصمتك يا سيدي؟ # السيد ~~: # نعم، أريد أن أكون وحدي ~~(يصمت، يتحرك العبد للخروج ~~فيناديه فجأة) # أنت. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي. # السيد ~~: # لا، لن أصمت، لن ألزم الصمت! # العبد ~~: # علي أن أطيع كلامك كما أطيع صمتك. # السيد ~~: # اسمع يا عبدي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # سأقود ثورة! # العبد ~~: # ماذا يا سيدي؟! # السيد ~~: # قلت لك: سأقود ثورة! # العبد ~~: # ثورة؟! # السيد ~~: # نعم، نعم، لا يمكن أن أبقى هكذا كمؤشر الميزان الذي تميل به كفة وتخفضه أخرى، ~~قلت لك لقد صممت. # العبد ~~: # على أن تقود ثورة؟ # السيد ~~: # لا بد، لا يمكن أن أنظر وأسكت. # العبد ~~: # قد ثورة يا سيدي، قد ثورة. # لأنك إن لم تفعل، # فمن يثأر لك، # من يخلص حقوقك، # من يفضح الكذابين والمزيفين؟ # من يفتح عين الشعب عليهم؟ ~~(يتقدم نحو ms129 النافذة مشيرا إلى مدينة الموتى.) # السيد ~~: # الشعب؟ هل قلت الشعب؟ # العبد ~~(مستطردا في حماس، بينما السيد غارق في رؤاه) ~~: # نعم، نعم، هؤلاء، كلهم منسي في مدن منسية، لو وجد الأموات من يثور لأجلهم ما ~~ماتوا تعساء إلى هذا الحد، ولو وجد الأحياء من ينصفهم وينتقم لهم ما عاشوا ~~كالأموات. # السيد ~~(لنفسه، في نفس الوقت تقريبا مع العبد) ~~: # الشعب؟ أين هو هذا الشعب؟ أين هي عينه التي تتكلم عنها؟ هل رأتني أو شعرت بي؟ ~~لو ذهبت إليه فلن أنجو منه، سيسلمني أو يسخر مني ~~(ثم بصوت مرتفع) # لا يا عبدي! لا. # العبد ~~(كأنه يستيقظ من حلم، يسرع إليه) ~~: # ماذا يا سيدي؟ بماذا تأمر؟ # السيد ~~: # لن أقود ثورة، لن أقود ثورة. # العبد ~~: # كما تشاء يا سيدي؛ # فالثائر إما أن يقتل أو يسلخ جلده، # تسمل عيناه ويلقى القبض عليه، # وينسى كالكلب الميت في سجنه، # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل. # السيد ~~: # لن أفعل، معك الحق ~~(بعد قليل ولكن لنفسه) # كيف ~~أنظر في وجوه أهلي؟ كيف ألاقي المساكين عندما أزور قريتي وأتجول في ضيعتي؟ لا، ~~لا، اسمع يا عبدي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # سنعطي المساكين يا عبدي، سأقرض الفقراء في قريتي، وأتصدق بالطعام على أهل ~~ضيعتي. # العبد ~~: # تصدق يا سيدي تصدق، # أعط المساكين وأقرض الفقراء. # من يتصدق تزداد غلته ويكثر مكسبه، # ومن يحسن للفقراء يبقى قمحه هو قمحه. # السيد ~~: # لا يا عبدي، لن أقرض أحدا، لن أتصدق على أحد. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك. # لا تتصدق ولا تحسن إلى أحد؛ # فالإحسان كالعشق، # واسترداد القرض كإنجاب الأطفال، # سيأتون على قمحك ثم يصبون اللعنات على رأسك ويسلبونك الفوائد ~~التي جنيتها. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # معك الحق، # فعلوا هذا دائما، فعلوه دائما ~~(يسرح ببصره خلال ~~النافذة) ~~. # العبد ~~(لنفسه) ~~: # نسي سيدي أنه لا يملك شيئا يقرضه، وأنهم أخذوا منه ضيعته. # السيد ~~: # أنصت إلي يا عبدي، أنصت إلي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # لا يصح أن أفكر في قريتي وضيعتي ms130 وأنسى بلدي. # العبد ~~: # وماذا تنوي أن تفعل يا سيدي؟ # السيد ~~: # سأقدم خدمة عامة إلى بلدي. # العبد ~~: # قدم يا سيدي، قدم. # من يفعل ذلك يبارك مردوخ عمله. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # بلدي وشعبي؟ # ما أغرب هاتين الكلمتين، # حين تخرجان من فمي، # بعد كل ما عانيت! # العبد ~~(الذي سمعه بصوت خفيض) ~~: # حقا حقا. # ما أغرب هاتين الكلمتين، # حين تخرجان من فمك! # السيد ~~: # هل قلت شيئا؟ # العبد ~~: # لا يا سيدي، لا. # السيد ~~: # لن أقدم خدمة إلى بلدي. # لن أفعل شيئا ولن أتبرع بشيء. # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل! ~~(مشيرا إلى ~~النافذة.) # اصعد فوق أكوام الخرائب وتمش هناك، # وانظر لجماجم الأعلين والأدنين، # من كان الظالم منهم ومن المظلوم؟ # من كان الشرير ومن كان الطيب؟ # كلهم منسي في مدن منسية. # السيد ~~: # كلهم منسي في مدن منسية، # ألم تقل هذا من قبل؟ # العبد ~~: # ربما يا سيدي، ربما. ~~(لنفسه): # من ذا الذي طالت قامته، # حتى صعد إلى السماء؟ # ومن ذا الذي اتسع منكباه، # حتى احتضن العالم السفلي، # واحتوى العالم بذراعيه؟ # السيد ~~: # هل قلت شيئا؟ # العبد ~~: # لا شيء يا سيدي، لا شيء. # السيد ~~: # إذن فأنصت إلي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # أحضر ماء لأغسل يدي. # العبد ~~: # هل أعد الطعام لسيدي؟ # السيد ~~: # لا، لا، أريد أن أضحي لإلهي. # العبد ~~: # ضح يا سيدي ضح، # قدم القربان لإلهك؛ # فمن يقدم الأضاحي لإلهه، # يسر للصفقة التي يقوم بها، # إنه يبادل قرضا بقرض، # ويرد دينا بدين. # السيد ~~: # حقا يا عبدي، ما أصدق قولك! # العبد ~~: # خلق الإنسان ليكون عبدا للآلهة، # هو خادمهم، يطلب منهم الحماية، # ويتوقع الجزاء، # الذي يتوقعه الخادم من سيده؛ # فطريق الطاعة والعبادة، # هو طريق النجاح والتمتع بالحياة. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # كم ضحيت لإلهي الخاص! # كم خاطبته قائلا: # لم أهملتني؟ # لم غادرت معبدك في بيتي؟ # من ذا الذي يعوضك عني، # بواحد يطيعك ويعبدك مثلي؟ # كم تضرعت إليه وقبلت قدميه! # كم توسلت إليه، # أن يذكرني عند الإله «مردوخ»، # لعل مردوخ يتوسط لي عند «شمش»، وشمش يسترحم «إنليل» من أجلي، ms131 وإنليل ~~يستعطف سيد الآلهة «إيا»، # لكن عونه تأخر عني، # وها أنا ذا كما يقول عبدي، # منسي في مدينة منسية، # قبر بلا شاهد منصوب فوقه، # ولا زائر يطوف عليه. # اسمع يا عبدي، اسمع. # العبد ~~: # نعم يا سيدي، نعم. # لك الأمر وعلي الطاعة. # السيد ~~: # لن أضحي لإلهي، لن أفعل أبدا. # العبد ~~: # لا تضح يا سيدي، لا تضح. # علم إلهك الخاص أن يركض وراءك، # سواء سألك أن تقدم له الطقوس، # أو طلب منك أن تؤدي له فريضة، # أو توسل إليك لأي شيء آخر. # السيد ~~: # صدقت يا عبدي، سأعلمه أن يسعى ورائي، سأهمله كما أهملني، وعليه أن يعلم أنه ~~محتاج لعبادتي كما أنا محتاج لطاعته، لكن يا عبدي، لكن ... # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك. # السيد ~~: # لا يمكن أن تكون صادقا وكاذبا في وقت واحد، لا يمكن أن تكون خيرا ~~وشريرا، عاقلا وأبله، حكيما ومخادعا في نفس واحد، ماذا أفعل إذن؟ # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك. # السيد ~~: # هل أذهب للقصر أو لا أذهب؟ أرحل للصيد أو لا أرحل؟ هل آكل أو لا آكل؟ أكون ~~أسرة أو أبقى وحيدا؟ أعشق أو لا أعشق؟ أتصدق أو لا أتصدق؟ أقدم خدمة عامة ~~أو لا أقدم؟ أضحي لإلهي أو لا أضحي؟ هل يمكن أن يستوي الفعل وعدم الفعل؟ ~~أن يتكافأ الخير والشر والظلم والعدل؟ # العبد ~~: # أنت الذي تسأل يا سيدي؟ # السيد ~~: # وأريدك أن تجيبني بلا مواربة. # العبد ~~: # تفضل يا سيدي، تفضل. # السيد ~~: # ما الخير إذن؟ # العبد ~~: # الخير؟! # السيد ~~: # نعم، الخير، إذا كان كل شيء يتساوى مع كل شيء، الصدق والكذب، الإحسان والإساءة، ~~العشق والكره، الزواج وعدم الزواج، الوفاء والجحود والعبادة والتجديف، أين الخير ~~إذن؟ # العبد ~~: # في مدن منسية كهذه المدينة؟ # السيد ~~: # ما شأننا بهذا؟ لقد قلت هذا من قبل. # العبد ~~(رافعا صوته بالتدريج) ~~: # أنا الذي يسأل الآن: # في حضارة محتضرة كهذه الحضارة؟ # وسط خرائب القيم، # التي تشبه هذه الخرائب؟ # السيد ~~: # ليكن، ليكن، المهم أين الخير؟ # العبد ~~(رافعا صوته) ~~: # الخير أن أدق عنقك. # السيد ~~(مقاطعا) ~~: # كيف تجرؤ على هذا القول؟ ms132 # العبد ~~(مستمرا) ~~: # أو تدق عنقي، # أن ألقيك في البحر، # أو تلقيني فيه. # السيد ~~: # ما هذا؟ ماذا أسمع؟ # العبد ~~: # ما لا بد أن أقوله ولا بد أن تسمعه، لقد استمعت حتى الآن يا سيد، عشرون عاما ~~وأنا أسمع وأطيع، وعليك من اليوم أن تستمع. # السيد ~~: # عبدي، إنني أحذرك، سأقتلك قبل أن تقتلني، سأرسلك إلى هناك قبل أن ~~ترسلني، سأحطم رأسك. # العبد ~~: # لا بأس، أنا راض بهذا، المهم أن تفعل شيئا، أي سلاح تختار؟ بأي شيء ~~ستقتلني؟ ~~(يقلب أدوات مختلفة ينتقل بينها بسرعة.) # بهذه الفأس؟ هذا الإزميل الذي طالما نحت به كلماتك؟ هذه المطرقة وهذا ~~المخراز وهذه المسامير التي لم تستخدم حتى الآن في عمل مفيد؟ المهم أن تفعل يا ~~سيد، حتى لو كان هذا الفعل هو قتلي، تكلم، تكلم. # السيد ~~(يرتج عليه) ~~: # لا أصدق، لا أصدق. # العبد ~~: # بل صدق كل شيء، لا بد أن تتكلم. # السيد ~~: # وماذا تريدني أن أقول؟ # العبد ~~: # تقول كيف تفعل هذا وأين. # السيد ~~: # أفعل، ماذا أفعل؟ # العبد ~~: # هذا السؤال الأوحد، تفعل، تفعل، تفعل، حتى ولو كان هذا الفعل هو قتلي، هل اخترت ~~هذا الإزميل؟ هذه المطرقة؟ هذه الفأس؟ أتفضل واحدا من هذه التماثيل لتهشمه ~~فوق رأسي، أم لوحا من الألواح المزدحمة بأشعارك؟ # السيد ~~: # فظيع، فظيع. # العبد ~~: # أم تختار مكانا آخر تتنفس فيه للمرة الأخيرة هواء نقيا، على شاطئ النهر ~~مثلا، أو بعيدا في الخلاء، وسط الأحراش التي تعودت أن تذهب إليها في رحلة ~~الصيد؟ # السيد ~~: # ما هذا الذي تطلبه مني؟ كيف تتصور أن أفعل هذا؟ # العبد ~~: # المهم أن تفعل شيئا، هل تؤثر أن أقتلك أنا؟ # السيد ~~: # تقتلني؟! # العبد ~~: # نعم نعم، إما أن تفعل أو لا تفعل، بهذا الإزميل؟ هذه الفأس؟ هذه المسامير؟ هذه ~~التماثيل؟ هذه الألواح؟ # السيد ~~(مذعورا) ~~: # أيتها الآلهة! أين أنت يا إلهي الخاص؟ إلي يا مردوخ. # العبد ~~: # تعلم أنك استجرت بهم فلم يكترث بك أحد، تعلم أنك رفضت أن تقدم لهم ~~الأضاحي أو تمتنع عن تقديمها. # السيد ~~: # حقا، حقا، لكن ماذا أفعل؟ # العبد ~~: # أنت وحدك ms133 تجيب على هذا السؤال. # السيد ~~: # تكلم أنت؛ فلم أعد أقوى على التفكير. # العبد ~~: # اسمعني إذن للمرة الأولى والأخيرة، فلتكن شاهدا على هذه المدينة الميتة، ~~ما دمت لا تستطيع أن تنقذها، فلتكن على الأقل شاهدا عليها. # السيد ~~(كأنه يكلم نفسه) ~~: # شاهد عليها؟ # العبد ~~: # وتخرج من سأمك ومللك، تفعل شيئا بدلا من ألا تفعل. # السيد ~~: # وأنت يا عبدي، ماذا ستفعل؟ # العبد ~~: # لم أعد عبدك، ولا أسأل هذا السؤال. # السيد ~~(مستعطفا) ~~: # تعلم أنني لا أحتمل العيش بعدك ثلاثة أيام، تعلم أنني لا أستغني ~~عنك. # العبد ~~: # أنا أيضا كنت كذلك. # السيد ~~: # كنت كذلك؟! والآن؟ # العبد ~~: # الآن لم أعد عبدا لك، ولم تعد سيدا لي. # السيد ~~: # ماذا أسمع؟! # العبد ~~: # لقد سمعت بالفعل. # السيد ~~: # ولكنه فظيع، فظيع. # العبد ~~: # المهم الآن أن تبدأ، أن تكون شاهدا. # السيد ~~(مقاطعا) ~~: # فهمت، فهمت، وأنت؟ # العبد ~~: # ماذا سأفعل؟ حسبتك في غنى عن هذا السؤال، سأخرج إلى هذه المدينة، وإذا لم ~~تكترث بي فسوف أمضي إلى القرى والحقول، هنا أو هناك، ينتظرني الكثير، ينتظرني ~~الكثير. # السيد ~~: # وتتركني وحدي؟ ألن تعود لسيدك أبدا؟ # العبد ~~(متهيئا للخروج) ~~: # نعم نعم، عندما لا يقول أحد يا سيدي ولا يقول أحد يا عبدي. # السيد ~~: # لك هذا، المهم أن تعود. # العبد ~~: # عندما تبدأ شهادتك. # السيد ~~: # سأبدؤها من الآن، ها أنا ذا أدون أول كلماتي. ~~(يمسك الإزميل، يبدأ الكتابة.) # العبد ~~: # الآن بدأت تفعل، الآن يمكنني أن أذهب. # السيد ~~: # قبل أن تعدني بأنك ستعود. # العبد ~~: # أعدك بهذا، وأودعك أيضا. ~~(يتجه العبد إلى سيده، يمد يده إليه فيعانقه السيد، يغيبان في ~~عناق طويل قبل أن يتجه العبد نحو الباب.) # السيد ~~: # الوداع، لا تنس وعدك. # العبد ~~: # الوداع، ولا تنس أن تفعل ما اتفقنا عليه. # السيد ~~: # لقد بدأت بالفعل. # العبد ~~: # وأنا بدأت قبل أن أبدأ. ~~(يضع الفأس في كيس به ملابسه.) # السيد ~~: # الوداع يا ... # العبد ~~: # الوداع يا ... سيد! # 1987م # | محاكمة جلجاميش # اللوحة الأولى # الاستهلال # الشخصيات # جلجاميش: # الملك الخامس على أوروك. # إنكيدو: # وحش البرية وصديقه. # نينسون: # أمه الحكيمة. # شمخات: # كاهنة الحب. # سيدوري: # ساقية الحانة ms134 على شاطئ بحر الموت. # أورشنابي: # ملاح بحر الموت. # أوتنابشتيم: # نوح البابلي. # زوجة أوتنابشتيم. # الرجل العقرب وزوجته. # عشتار: # إلهة الحب والخصب والحرب. # خمبابا: # حارس الغابة. # آنو: # آلهة في مجمع الآلهة. # إنليل : # آلهة في مجمع الآلهة. # شمش: # آلهة في مجمع الآلهة. # إيا: # آلهة في مجمع الآلهة. # الراوية. # جوقة الشيوخ. # جوقة الرجال العقارب. # شباب ونساء وأطفال - جنود وحراس - كهنة وعرافون ومعزمون. # أصوات مختلفة. # بدء الكلام ~~(المسرح مستويات متعددة: في المستوى الخلفي تبدو من بعيد أسوار ~~أوروك وأطلالها الخربة. إلى اليمين يقف الراوية على منصة عالية، في يده بضعة ألواح ~~طينية أو أوراق يقرأ منها بين الحين والحين ويعلق على الأحداث. في المستوى الأدنى ~~يتوالى على الخشبة ظهور الشخصيات واحدة بعد الأخرى، وتتجمع إلى اليسار منها جوقة ~~الشيوخ والعجائز من أهل أوروك، ثم ينضم إليهم عدد من الشباب والنساء والأطفال في ~~المستوى نفسه. إلى أقصى اليسار، شبح كومة بشرية يصدر عنها أنين وبكاء متصل، حتى ~~يسلط عليها الضوء فيظهر حطام جلجاميش البائس اليائس. في عمق الخلفية أمام الأسوار ~~المخربة، منصة تظهر عليها بعض الشخصيات أو تسقط عليها بعض الصور والرسوم، ثم ~~تطفأ أنوارها أو تسدل عليها الستائر، تسمع من البداية دقات الطبول الخافتة التي ~~ترتفع شيئا فشيئا مع تتابع ظهور الشخصيات واحتدام الأحداث. الراوية في ملابسه ~~الحديثة مشغول بالتقليب في الألواح والصحائف.) # صوت يهتف مع دقات الطبل الخافتة ~~: # جلجاميش، # جلجاميش، # جلجاميش. # الصوت ~~(في نغمة مهيبة عميقة) ~~: # هو الذي رأى كل شيء حتى تخوم البلاد، # هو الذي عرف البحار وأحاط علمه بكل شيء، # هو الذي تغلغل ببصره في الهاوية المظلمة، # امتلك الحكمة وتعمق كل الأشياء، # رأى الأسرار وكشف الخفايا، # وجاء بأنباء ما قبل الطوفان. # الراوية ~~: # أعرف هذه الكلمات، قرأتها في اللوح، إنها الكلمات التي تبدأ بها الملحمة، ~~وهي التي سميت باسمها كما كانت عادة الكتاب والنساخ ~~البابليين. # الصوت ~~(متابعا دقات الطبول) ~~: # مضى في سفر بعيد، حتى حل به الضنى والعناء. # ثم حفر على لوح حجري كل ما أصابه من تعب وشقاء. # الصوت العميق مع ارتفاع ms135 دقات الطبول ~~: # جلجاميش، # جلجاميش، # جلجاميش. # الراوية ~~(وهو يقلب في الألواح أو الأوراق) ~~: # جلجاميش، يمكن أيضا أن تنطق كلكاميش بالكاف الفارسية أو «قلقميش» في الرسم ~~العربي، الاسم الأصلي كما ورد في النصوص السومرية ~~(يتتابع دق الطبول) # مهلا، سأحدثكم بعد قليل عن شعب ~~السومريين العجيب وعن هذه النصوص الباقية. قلت مهلا، لن أطيل الحديث، إنها ~~تالفة ومملوءة بالثغرات والفجوات، مثل كل النصوص المنقوشة بأيدي السومريين ~~والبابليين والآشوريين بالخط المسماري على الرقم والألواح الطينية ~~(تتوالى الدقات مع ارتفاع الصوت الهاتف ~~قليلا) ~~: # جلجاميش، # جلجاميش، # جلجاميش. # الراوية ~~(مسرعا) ~~: # هي أقدم ملحمة في التاريخ، جرت أساطيرها وحكاياتها على ألسنة الناس منذ الألف ~~الرابعة قبل الميلاد، وبدأ تدوينها في العصر البابلي القديم على عهد حمورابي ~~الذي حكم من عام 1792ق.م. إلى عام 1750ق.م. أعظم إمبراطورية بابلية وخلد ~~اسمه بشريعته المشهورة، عثر على نصها الأساسي الأخير في «نينوى» عاصمة ~~الآشوريين بين آلاف الألواح التي وجدت في أطلال مكتبة قصر آشور - بانيبال ~~ملك العالم وملك آشور كما كان يسمي نفسه من سنة 667 إلى 626 قبل الميلاد، ~~هذا الملك المجنون بالقتل والمعرفة، بقطع رءوس أعدائه وتمزيق أشلائهم وحرق ~~مدنهم، وبتذوق الغناء والموسيقى وجمع تراث الآباء والأجداد. يعزى هذا ~~النص إلى كاهن بابلي يدعى سن-ليكي-أونيني، عاش في القرن الثاني عشر حوالي ~~عام 1100 قبل الميلاد، ومن المؤسف أننا لا نعرف شيئا عن هذا الشاعر الموهوب ~~الذي نسج من القصص السومرية التي ذكرتها هذا العمل الأدبي الفريد. # الصوت ~~(وهو يتوالى مرتفعا بعض الشيء) ~~: # جلجاميش، جلجاميش. # الراوية ~~: # انتظروا، لا بد من كلمة عن هذا العمل الذي لا نكاد نعرفه ونحن ورثته، ولا ~~يكاد يقرؤه أو يدرسه إلا المختصون بعلوم الآثار والتاريخ القديم واللغات ~~السومرية والأكدية، مع أنه أثر على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة على أجيال ~~وأجيال من شعوب الشرق الأدنى القديم، بل يحتمل أن يكون قد أثر على بعض ~~أساطير الإغريق، وعلى شاعرهم هوميروس حتى استحق أن يسمى أوديسة ~~البابليين. # الصوت ~~(مع دقات طبول مرتفعة) ~~: # جلجاميش، جلجاميش. # الراوية ~~(مندفعا حتى ms136 لا يكاد يبين) ~~: # عاش هذا الذي تسمعون اسمه المدوي بين سنتي 2750 و2600 أو 2500 قبل ~~الميلاد، وذكر ثبت الملوك السومريين أنه خامس ملك حكم مدينة أوروك بعد ~~الطوفان. بلغت المدينة في عهده أوج العظمة والازدهار، وإليه ينسب بناء ~~سورها العظيم، ومعبد إيانا المقدس، وهيكل إله السماء آنو. فاض الخير والخصب على ~~بلاده في حياته، وأله في حياته وبعد موته، ونصبته الأسطورة قاضيا لأرواح ~~الموتى في العالم السفلي المخيف. وبناء السور العظيم ~~(يسلط الضوء على أطلاله وخرائبه في أقصى الخلف) # دليل على اشتعال ~~نيران الصراعات والحروب بين مدن السومريين التي كانت كل منها دولة مستقلة ~~تذكرنا بدولة المدينة عند الإغريق. والسومريون ~~(يزداد ارتفاع الطبول) # أرجوكم، لا بد من كلمة وفاء لهذا الشعب ~~الجدير بالوفاء. ~~(يهدأ قرع الطبول) # نعم نعم، ~~فهو الذي وضع التقاليد الثقافية والحضارية، وأسس النظم والمعتقدات والنماذج ~~الأدبية، واخترع أول كتابة عرفتها البشرية بالخط المسماري، وأبدع أساطير ~~الخلق والبعث والجنة والطوفان، وكذلك أسطورة جلجاميش. # الصوت ~~: # جلجاميش، جلجاميش، # الملك الحكيم، # البطل الوسيم. # الراوية ~~: # حقا حقا، هذا ما يثبته اللوح الأول، وتؤكده كل الألواح الاثني ~~عشر، هل قلت لكم إن اسمه معناه الرجل الذي سينبت شجرة، أو المحارب الذي ~~يسير في المقدمة؟ لقد اختلطت منذ القدم الأساطير التي تروى عنه بالأخبار ~~التاريخية التي ترجع للألف الثالثة قبل الميلاد، وارتبط اسمه بالبحث في مصير ~~الإنسان، ومعنى الحياة والموت، والسعي إلى الخلود الذي استأثرت به الآلهة دون ~~البشر. # الصوت ~~(في شبه استغاثة أو دعاء) ~~: # جلجاميش، # ثلثاه إله والثلث الباقي بشري فان، # جلجاميش، # حباه الحسن إله الشمس شمش، # وإله الرعد أداد القوة والبطش، # جلجاميش، # راعي أوروك الملك الحق على العرش، # والثور الناطح والأسد الكاسح كالوحش. # الراوية ~~(مؤمنا على ما قاله الصوت) ~~: # وهذا أيضا تثبته الصور المنحوتة على النقوش والأختام الأسطوانية، ~~فتمثله ببطل يحمل في إحدى يديه ساطورا، وفي الأخرى أسدا أو ثورا يمسكه ~~من ذيله أو من رجليه الخلفيتين، بينما تبرز من رأسه القرون التي كانت من ~~شارات الألوهية ~~(تسقط في هذه الأثناء ms137 صورة أو لوحة ~~تمثل جلجاميش وهو يمسك أسدا من ذيله وأخرى على هيئة ثور ~~بشري) ~~. # الراوية ~~(يسترسل في كلامه دون أن ينتبه إلى الجموع التي بدأت تتوافد ~~من يمين المسرح) ~~: # لكنه كان على الدوام مضطرب الفؤاد؛ هذا ما قالته أمه الحكيمة نينسون، وهي ~~تشكو حالها إلى شمش رب الشمس والعدالة ~~(وكأنه يغني ~~أثناء تقليبه في الألواح) ~~. # عملاق؛ فالصدر عريض، تسعة أشبار، # والقامة، عذرا فأمامي فجوات، عشرة أشبار، # أو أحد عشر، # جلجاميش طاغ جبار، # هو جذوة نار، # يقتل في ثورة غضبه، # ويثور الندم بقلبه، # ويفيض الألم بشعبه. # الجموع ~~(التي لم يفطن إليها الراوية بعد؛ إذ يحسبها من الأصوات ~~التي كان يسمعها) ~~: # يوقظنا في أعماق الليل، # على صوت الطبل، # جلجاميش. # الراوية ~~(مرددا كالحالم) ~~: # جلجاميش. # الجموع ~~: # لا يترك ابنا لأبيه، # ماض في الظلم الفادح ليل نهار. # الراوية ~~: # الملك العادل، # والراعي الكامل! # الجموع ~~: # جبار ظالم، # طاغية آثم. # الراوية ~~(مكملا) ~~: # أم بطل حالم؟ # جلجاميش شاعر، # وحكيم ثائر، # ثلثاه إله، # والثلث الباقي # بشري زائل، # في الصدر الحائر والقلب الطاهر # تتصارع أرض وسماء، # والطين مع النور الباهر. # الجموع ~~: # كذب، كذب، # أسطورة شاعر. # الراوية ~~(ملتفتا إليهم) ~~: # ما هذا؟ من أنت؟ # الجموع ~~: # الشعب المقهور الثائر. # الراوية ~~: # كيف أتيتم؟ # ما مطلبكم؟ # الجموع ~~: # نشكو للعصر الحاضر، # من ظلم العصر الغابر، # نشكو جلجاميش. # الراوية ~~: # الملك الشاعر، # والبطل الظافر؟ # الجموع ~~: # والثور الهادر، # والوحش الغادر. # أصوات ~~: # لا يترك بكرا لأمها، # ولا ابنا لأبيه، # ليل نهار يمعن في ظلمه، # هو راعي أوروك الحمي، # وهو القوي الوسيم الحكيم، # لا يترك العذراء لحبيبها، # ولا الابنة لأبيها المحارب، # ولا الزوجة لزوجها. # الراوية ~~(يسترد نفسه، يقلب في الصحائف والألواح) ~~: # حقا، حقا، أذكر هذا. # ورفعتم أصواتكم بالشكوى والأنين، # لآنو إله السماء، وإله أوروك. # الجموع ~~: # واستمع الآلهة لشكوانا، # فدعوا سيدة الخلق آرورو قائلين: # أنت يا من خلقت جلجاميش، # اخلقي له الآن ندا جامح الفؤاد، # فيدخلان في تنافس وتستريح أوروك. # الراوية ~~: # إنكيدو، # صاحبه الطيب إنكيدو. # صوت من الجموع ~~: # وحش البرية، # يرعى الكلأ مع الغزلان، # ويرد الماء مع الحيوان، # خلقته على صورة آنو، ms138 # وحباه القوة نينورتا، # رب القنوات وراعي الشطآن. # الشعر المنسدل سنابل قمح، # والملبس جلد الحيوان، # كرب القطعان سموقان، # لا يعرف شيئا عن طبع البشر ولا البلدان. # صوت آخر ~~: # رآه صياد عند مورد الماء؛ # فتجمد وجهه واضطرب قلبه، # شل الرعب لسانه ودخل جوفه، # فانطلق مذعورا إلى أبيه: # وحش البرية تشبه قبضته قبضة آنو، # ردم الحفر التي حفرت، # مزق الشباك التي نصبت، # جعل طرائد البرية تفلت مني. # فتح الأب فمه وقال للصياد: # يا ولدي، في أوروك يقيم الملك الرائع جلجاميش، # من لا يشبهه أحد في قوة بأسه، # امض إليه وأنبئه بنبأ الوحش الجبار، # وسيعطيك بغيا من معبد سيدة الحب الكبرى عشتار، # خذها للبرية، تغلب قوتها قوته، # وصنعتها توقظ فيه الإنسان، # فيهرب منه الوحش وتنكره الغزلان. # شمخات ~~(تظهر على المسرح) ~~: # ونضوت ثيابي، وكشفت مفاتن صدري. # أصوات الجموع ~~: # شمخات، بغي المعبد؟ # شمخات ~~: # بل قولوا كاهنة الحب، # قاربني وحنوت عليه، # عانقني فرويت العطش وأشبعت الجوع، # وهدهدت القلب، # يوما، يومين، # سبعة أيام وليال، نصل الصبح مع الليل. # وإلى أوروك قدت خطاه على الدرب، # كما تفعل أم مع طفل. # الراوية ~~: # وقسمت الثوب الواحد نصفين، # فلبس الثوب، # وبفضلك أكل الخبز. # وذاق مع الناس رحيق الخمر العذب. # شمخات ~~: # ودخلنا أوروك، # وقلبي يهتف: يا أهلي، يا أحباب القلب، # هذا هو إنكيدو المنقذ، # عون المظلوم التعس، # وأمل الشعب. # الجموع ~~: # كنا ننتظر هناك، # على الأبواب وفي الساحات، # ننتظر شهابا أرسله آنو، # نجما يخترق الظلمات، # ننتظر الفأس المطروحة في الطرقات، # وتجمعنا حول البطل، # ضحكنا، صحنا، قبلنا الثوب، # لثمنا اليد والقدم، # هتفنا: هذا هو حلم الشعب. # آه! وا أسفاه! # أصوات ~~: # الحلم تبدد مات، # الحلم تبدد مات. # الراوية ~~: # لماذا؟ ما الذي حدث؟ # ألم يصبح إنكيدو صديق جلجاميش؟ # ألم يحقق الحلم الذي رآه وفسرته أمه؟ # ألم يشغله عنكم يا أبناء أوروك. # صوت من الجموع ~~: # معك الحق، شغله عنا. # الراوية ~~: # واسترحتم منه. # الصوت ~~: # إن كانت في الموت الراحة. # صوت آخر ~~: # إن كانت في الجوع أو القحط الراحة. # صوت ثالث ~~: # إن كانت في اليتم الراحة. # الراوية ~~: # الجوع، القحط، اليتم؟ ms139 # ماذا تقصد؟ # الصوت ~~: # تركانا، # وانطلقا للمجهول. # شمخات ~~: # ومع الأيام انهارت أوروك، # وطمعت فيها الأعداء، # مات الحلم الوردي، # وخاب الأمل المأمول. # أصوات ~~: # مات الحلم الوردي، # وخاب الأمل المأمول. ~~(تتجه إلى مقدمة اليسار مجموعة من الشيوخ والعجائز، وجوههم ~~كاسفة، ورءوسهم مطرقة، ويؤلفون جوقة مستقلة عن بقية الجموع.) # الشيوخ ~~: # نحن شهدنا موت الحلم، # ووقع الظلم، # على المرأة والشاب اليافع، # والطفل العاجز والأب والأم. # الراوية ~~: # لكن من أنتم؟ # من أين أتيتم؟ # الشيوخ ~~: # نحن شيوخ أوروك، # فينا الكاهن والسادن، # والكاتب والحاجب، # والصانع والزارع، # والراعي المسئول عن القطعان. # كنا أعضاء الشورى في أوروك، # وأرباب الحكمة والأعيان. # جئنا من هاوية الزمن الموغل في ظلمات القدم، # ومن أغوار الوجدان؛ # كيما ننذر ونذكر، # من أنسته المحنة والآلام ومر الأزمان، # بحقيقة ما قد كان، # وما أغفله الكتبة والكهان. # نحن المتهم، ونحن القاضي، # نضع الميزان، # ونشارك في محكمة الحاضر والماضي. # الراوية ~~: # أية محكمة؟ # الشيوخ ~~: # ولماذا نجتمع الآن؟ # جلجاميش. # الراوية ~~: # قلت نحاكمه؟ # الشيوخ ~~: # ونحاكم أنفسنا، # ونحاكمكم، # نجتث جذور اللعنة من أرض الإنسان؛ # فالداء قديم، والشجرة يثقلها الشوك على الأغصان، # تسكنها القردة والحيات، تعشش فيها الغربان. # الراوية ~~: # أتحاكم فخر الأجيال، # وبطل الأبطال؟ # من سافر في الأرض وغامر، # عبر بحار الموت، # وقطع الأنهر والوديان، # واقتحم الأرض المجهولة، أرض الأحياء، # وقتل الوحش الغادر، # ومحا الشر وصد العدوان؟ # أنحاكم من دخل أوروك دخول البطل، # فصحتم في موكبه الظافر، # بطل الأبطال! # أشجع من كل الشجعان؟ # أنحاكم من خلد ذكر أوروك، # فوق المدن الأخرى والبلدان؟ # الشيوخ ~~: # غير صحيح بالمرة، # أبدا ما خلد جلجاميش إلا اسمه. # ما حفر على الحجر، # وفي النقش البارز إلا رسمه. # الراوية ~~: # لكن الملحمة تؤكد. # الشيوخ ~~: # نحن الشعب، # ولم تذكرنا الملحمة بكلمة؛ # ولهذا جئنا لنحذركم، # ونذكركم، # لنعيد قراءتها معكم، # ونطالع فيها الدرس الخالد والحكمة. # الراوية ~~: # هل تنكر ما فعل البطل؟ # الشيوخ ~~: # وأنفي عنه المجد الفاسد، # وأدين طموحه. # الراوية ~~: # لكن الملحمة ستشهد. # الشيوخ ~~: # وسيشهد هذا الجمع الحاشد، # ويفض على الملأ جروحه، # والميت منذ قرون، # سيغادر في التو ضريحه، # وستشهد شمخات. # الراوية ~~: # بغي المعبد؟ # شمخات ~~(تظهر في ms140 المستوى الأعلى) ~~: # بل كاهنة الحب، # وكم حذرت حبيبي. # الشيوخ ~~: # وكذلك إنكيدو الطيب، # شبح المسكين المتعب، # يفد علينا من عالمه السفلي المرعب. # إنكيدو ~~(تظهر صورته في المستوى الأعلى) ~~: # أنا إنكيدو، # وحش البرية، # أرعى الكلأ مع الغزلان، # وأرد الماء مع الحيوان، # ما زلت وفيا لعهود الحب، # وإن عهود القلب وثيقة، # وسواء سماني الكتبة خادمه، # أو سمتني الملحمة صديقه، # فلقد كنت ضحيته، # والسكين بيده، # والفأس المطروحة في طرقات أوروك، # والنجم الثاقب يشتاق بريقه. # آه! كم حذرتك يا جلجاميش، # وظللت أردك لجموع الشعب، # لنبض القلب، # وأمر الحب، # لعلك أن تستمع نداه، # وتأخذ منه الكأس العذب، # وتمتص رحيقه. # آه! كان حبيب القلب، # رفيق الدرب، # وكنت رفيقه. # وبكاني حين مرضت، # ولما اختطف الطير الصاعق روحي، # شبت فيه النار، # فما أطفأ مر الأيام حريقه، # ومضى كالثور الجامح والنسر الجارح، # خاض بحار الموت، # غريبا يبحث عن حلم لا يدركه البشر، # وما من حي يملك تحقيقه. # آه! كنت المصباح أضاء طريقه، # وسفينته في بحر التيه، # وكنت غريقه. ~~(ينبعث من الكومة البشرية المعتمة في أقصي اليسار ~~نواح مر، يتلفت الحاضرون نحو الصوت الذي لا يتبينون مصدره، تعقد الدهشة ~~ألسنتهم لحظات قبل أن تتحرك رءوسهم وأيديهم بالإشارات والإيماءات وتند عن ~~شفاههم صيحات التعجب والاستفسار.) # إني أبكيك، # أنصتوا إلي يا شيوخ أوروك، # أنصتوا إلي. # إنني أبكي إنكيدو، # أبكي صديقي، # أطلق شكواي المرة كالندابة. # أنت يا من كنت الفأس إلى جنبي، # وفي متناول يدي. # أيها السيف في حزامي، # والدرع الذي يحمي صدري. # أنت يا حلة عيدي، # وحزام بأسي وقوتي، # سرقك مني شيطان ملعون. # إنكيدو، يا صديقي، # ما هذا النوم الذي أطبق عليك، # حتى غشيك فلم تعد تسمعني؟ # الشيوخ ~~(يتلفتون حولهم) ~~: # هذا الصوت المفجوع المحزن ينسكب كدمع العين. # هل أعرفه؟ # هل أذكره؟ # هل هو؟ لا، لا. # من هو من؟ # إنكيدو ~~(يردد أغنيته) ~~: # آه! كنت المصباح أضاء طريقه، # كنت سفينته في بحر التيه، # وكنت غريقه. # أورشنابي ~~(وهو ملاح أوتنابشتيم أو نوح البابلي، يظهر في المستوى ~~الأعلى، ويقول في مرح) ~~: # بل أنا ملاح سفينته، # خضت به ms141 في بحر الموت، # ليجد لأوتنابشتيم طريقه، # كم أنذرت وحذرت، # من الملل القاتل، # للجد المكتئب الخامل، # فأصر ولم يبلع ريقه. # لما طردني الخالد من جنته، # قلت لنفسي: # صعلوك وجد رفيقه. # الشيوخ ~~(يضحكون) ~~: # حتى سيدوري الحلوة ، # تعبت معه، # مدت بالكأس يديها؛ # لتبل عروقه، # لكن الوهم تمكن منه، # فعجزت حكمتها المرحة أن تنتشل، # المفتون الذاهل، # من سحب الحلم القاتل وتفيقه. # سيدوري ~~(تظهر في أعلى المسرح) ~~: # بالحق نطقت، # وأنا ساقية الحان، # على شاطئ بحر الموت، # مددت إليه الكأس، # دعوت، دعوت، # لعل الخمر تزيل اليأس، # تمنيت الموت الرابض، # في أعماق النفس، # آه! كم حذرت وكم أنذرت، # لعل النسر التائه في سحب الحلم، # يعود لحضن الزوجة والبيت. # قلت وكررت وبح الصوت: # يا جلجاميش هذا بستان البهجة، # فاقطف فاكهة اللحظة، قبل فوات الوقت. # لم تتعجل سيرك؟ # أين تقود خطاك؟ # إن حياة تبحث عنها، # لن تدركها، لن تحياها، # مهما حاولت. # لما أن خلق الآلهة البشر، # قديما قسموا لهم الموت، # واحتفظوا في قبضتهم، # بخلود يتحدى الحد، # ويوقف عجلات المولد والموت، # فاملأ بطنك، # متع نفسك ليل نهار، # واجعل أيام حياتك أعياد البهجة، # وارقص والعب يا جلجاميش ما شئت. # اخطر في ثوب زاه، # واغسل رأسك بالماء، # وضمخ جسدك بالعطر وبالزيت، # انظر للطفل الراقد بين يديك، # وأسعد زوجك في أحضانك، # ذلك هو حظ البشر، # وقسمتهم ما عاش الناس وعشت. # صوت جلجاميش ~~: # آه! لا أقدر أن أفعل هذا، # ماذا أصنع؟ # وإلى أين أوجه وجهي؟ # مذ سقطت من أنف صديقي الدودة، # لا أحتمل العيش ولا أحتمل الموت. # أنى قلبت الطرف وجدت الموت، # يربض في مخدعي ويسكن عيني، # يلازم خطوي، # أني رحت وأنى جئت. # صوت من الجموع ~~: # هذا الصوت، هذا الصوت. # صوت آخر ~~: # لكأني ألمح ظله. # صوت ثالث ~~: # وأراه وأبصر شكله. # صوت رابع ~~: # لكأن عيون الرعب علي من الأسوار مطلة، والأمس الذاهب والغد واليوم ~~الشاحب بؤس ومذلة. # صوت خامس ~~: # صوت مرعب، # حتى وهو يئن ويندب، # أوشك أن أسمع معه صوت الطبل، # يوقظ أوروك بجوف الليل، # ويسوق الخلق لنير السخرة وسياط الذل، # يخشاه الرجل ولا يرحم ms142 حتى العذراء أو الطفل. # صوت سادس ~~: # صوت مرعب، # صوت مرعب، # أسمعه فترفرف أطيار الصدر، # وقد أعماها الذعر، # فأسأل نفسي: # هل يبكي الأسد أو النمر، # أو الذئب؟ # أورشنابي ~~(يظهر أعلى المسرح) ~~: # أما أنا فضحكت، # لما ضاعت منه النبتة، # قطع الثوب، # مزق شعر الرأس، # وجدف في حق الرب. # الراوية ~~(يستوقفه) ~~: # أية نبتة؟ # ذكرني إن كنت نسيت. # أورشنابي ~~: # ظلت لغزا يطويه البحر ولا يعلن سره، # حتى كشف أوتنابشتيم أمره، # صارت أملا يحمله معه إلى أوروك؛ # لكي يتعزى عن خيبة أمله. # أخرجها من جوف الماء، # فجرح الشوك يديه، # ولما ضاعت جرح القلب. # الراوية ~~: # ضاعت أم أكلتها الحية؟ # من سموها أسد الترب؟ # أورشنابي ~~: # لن أنسي الفرحة في عينيه، # ولا الدم ينزف من كفيه، # وهو ينادي: # صوت جلجاميش ~~: # يا أورشنابي، # ما أعجبها نبتة! # يأكلها الشيخ فيرجع لصباه بغتة، # أحملها معي إلى أوروك، # وأقسمها بين شيوخ الحكمة. # آكل ما يتبقى، # ليعود شبابي وأجدد عهده. # الراوية ~~(للشيوخ) ~~: # أرأيتم؟ # لم يستأثر بالنبتة وحده. # آثر أن يسبقه الشيخ الهرم، # ويتذوقها بعده. # الشيوخ ~~: # لا تغتر بكلمات لا تكشف قصده، # أبدا ما غير جلجاميش جلده، # حتى آخر نفس لم يتذكر إلا نفسه، # والمجد الكاذب مجده. # صوت جلجاميش ~~(وقد بدأ الضوء الخافت يظهر ظله) ~~: # أورشنابي، # يا أروشنابي، # يا أوتنابشتيم الخالد، # يا ساقية الحانة سيدوري، # يا روح صديقي الطيب إنكيدو، # ضاعت مني النبتة، # راح الأمل وتاه؛ # فلمن أضنيت يدي؟ # لماذا نزف القلب دماه؟ # ضاع العمر سدى، # لم أكسب شيئا (يبكي). # أورشنابي ~~: # أقبلت عليه، # أخفف عنه، # حمول القلب المتعب، # ودعونا شمش الطيب، # راعي الغرباء الحيرى، # في الليل الأعمى، # والتيه المرعب. # يا جلجاميش لا تتلف نفسك، # لا تذرف دمعك، # كالطفل المذنب. # بعد قليل يصل الموكب، # تدخل أوروك الساحة والملعب، # أوروك البيت الدافئ، # والأم الثكلى، # والأب والجد الطيب، # سرنا الساعات مضاعفة، # وتزودنا من زاد الأرض، # وبارك شمش الرحلة، والركب، # حتى لاح على البعد السور، # ومعبد آنو رب الأرباب، # وهيكل إينانا سيدة الحب، # وراعية الخصب. # وجرى جلجاميش نحو السور، # ولثم العتبة والأبواب، # وصاح كطفل غاب وعاد إلى صدر ms143 الأب. # صوت جلجاميش ~~: # انظر يا أورشنابي، # اعل السور، # تمش عليه، # تفحص صنعة آجره. # المس قاعدته، # أوليس الحكماء السبعة، # من أرسوا أسسه؟ # وانظر للإفريز المعجب، # يتوهج بنحاس، # يسطع كالنجم الأشهب. # اعل السور، # تمش عليه، # ومد الطرف إلى الأفق الأرحب. # ثلث للبستان، # وثلث آخر للمرج، # وثلث لأوروك، # الساحة والمعبد والملعب، # انظر والمس قاعدة السور، # تعجب! # الشيوخ ~~(يتجهون نحو جلجاميش وأورشنابي في غضب) ~~: # السور تهدم، # والمعبد والبرج تحطم، # والمرج هشيم ورماد، # والساحة والملعب مأتم. # انقضت كيش، # على أوروك، # فغرقت في بحر الدم. # والمجد الكاذب، # شب حريق فيه، # فلم يبق سوى، # الطلل الأبكم. # الراوية ~~: # واللوح المشهور؟ # الشيوخ ~~: # تفتت والنقش تهشم. # الراوية ~~: # لكن الملحمة تقول: # بأن البطل العائد ... # الشيوخ ~~: # أعلم، أعلم. # لم يبق من المجد الغابر، # حتى الاسم. # الراوية ~~: # والحلم الرائع؟ # الشيوخ ~~: # سقط الحلم. # صوت ~~: # سقط على رأسي، # في جوف الليل. # صوت ~~: # وقتل الزوجة والطفل. # صوت ~~: # صرع الكرمة والحقل، # واغتال الشجرة والظل. # صوت ~~: # وتركنا الدار إلى النار، # وضنك الحال إلى الذل. # الراوية ~~: # جلجاميش، هل هذا حق؟ # أأصدق قول الشاعر، # في ملحمتك، # أم هذا القول هو الصدق؟ # الشيوخ ~~: # فرق أزلي، # بين الشعر وبين الشعب، # إن كنت تريد الحق، # اسمعنا، واسمع جلجاميش، # واحكم أيهما الكذب، # وأيهما الصدق؟ # الكلمة ينقشها القلم، # أم الكلمة تنطقها الشفة من القلب؟ # الراوية ~~: # جلجاميش، أرجوك تكلم. ~~(جلجاميش يلوذ بالصمت.) # الراوية ~~: # جئنا نقرأ ملحمتك؛ # كي نفهم. # الشيوخ ~~: # بل لنحاكم من سمته البطل ونحكم. ~~(جلجاميش صمت.) # أورشنابي ~~: # لن يتكلم، # إني أنظر في عينيه وأفهم. # الراوية ~~(مخاطبا جلجاميش) ~~: # أشعر أنك تتألم، # ألأن الحلم تحطم، # تقف هناك كتمثال أبكم؟ # ألأن النبتة ضاعت، # وانكشف الوهم؟ # أرجوك تكلم، # ننتظر الكلمة منك لنفهم. # الشيوخ ~~: # بل لنحاكم # ثم يكون الحكم. # الراوية ~~: # من سيحاكمه؟ # أنتم؟ نحن؟ # الشيوخ ~~: # سنحاكمه، # ونحاكم أنفسنا معه، # باسم العدل، # وباسم الظلم، # باسم الأرملة الثكلى، # والشيخ العاجز، # والأب والأم. # أورشنابي ~~(ضاحكا) ~~: # ما زال الحالم يحلم، # يملس أحجار السور، # كتمثال أبكم، # يتجول بين خرائب أوروك، # شبحا أضناه الهم، # كيف تكلمه؟ # كيف سيسمع أو يفهم؟ # الراوية ~~: # حقا، ما زال الحالم يحلم. ms144 # أورشنابي ~~: # هذا ما قلت الآن، # وأخشى ما أخشاه، # لن يستيقظ أيضا من هذا الحلم. # الراوية ~~: # نحن سنحلم معكم، # ونعيد الحلم. # أورشنابي ~~: # أأعود إلى بحر الموت؟ # الراوية ~~: # ولأوتنابشتيم الخالد، # في واحته النائمة، # على صدر الصمت . # سيدوري ~~: # وأنا للحانة والنشوة والكأس؟ # إنكيدو ~~: # وأنا للمرض ولعنة عشتار، # والموت الظالم والبؤس؟ # شمخات ~~: # وأنا للحب الصامت واليأس؟ # الراوية ~~: # سنرجع للملحمة، # نعيد قراءتها معكم، # نتعلم منها العبرة والدرس. # الشيوخ ~~: # ونعود لأوروك، # ونرفع عنها الظلم، # ونحاكم أنفسنا معكم، # ونحاكمكم. # الراوية ~~: # سنرى لمن سيكون الحكم، # هيا نبدأ رحلتنا، # يا إنكيدو، يا سيدوري، يا أروشنابي، يا شمخات، أيتها الأسماء ~~الأخرى، # عودوا للملحمة الكبرى، # هيا، هيا. # الجميع ~~: # نحن على استعداد، # حتى أرواح الموتى، # حتى الآلهة، # ستحضر، # وتشاركنا في نطق الحكم. # الراوية ~~: # هيا يا جلجاميش، # يا من تحلم بالمجد الرائع، # وخلود الاسم، # دعنا نحلم معك قليلا، # ثم نفيق من الحلم. # صوت ~~: # هو الذي رأى. # صوت آخر ~~: # هو الذي طغى. # أورشنابي ~~: # جلجاميش، # جلجاميش، # ماذا يفعل؟ # الشيوخ ~~: # جلجاميش يحلم، # بعد قليل سيفيق البطل من الحلم. # أورشنابي ~~: # أسمع صوت بكاء، # كسقوط المطر على الحجر الصلد، # عد يا جلجاميش عد. ~~(تسمع أصوات نشيج مكتوم وبكاء يختلط فيها صوت شمخات ~~وجلجاميش.) # الشيوخ ~~: # دعه يحلم بخلود الذكر، # إن كان بكاء ما أسمع، # فالدمع يطهر. ~~(جلجاميش يسمع صوت بكائه المستمر، بينما ترتفع أصوات ~~متقاطعة.) # صوت ~~: # هو الذي رأى. # صوت ~~: # هو الذي طغى. # الراوية ~~: # لا توقظه من الحلم، # ولا تتعجل إصدار الحكم، # هيا يا جلجاميش، # يا إنكيدو، يا شمخات، # يا سيدوري، يا أورشنابي، # يا ننسون، ويا أوتنابشتيم الخالد، # يا شمش، ويا عشتار. # أصوات متداخلة ~~: # هو الذي رأى، هو الذي طغى، هو الذي رأى، هو الذي طغى. # صوت جلجاميش ~~(مع قرع طبول عالية) ~~: # ضاعت مني النبتة، # ضاع الأمل وتاه، # فلمن أضنيت يدي؟ # لماذا نزف القلب دماه؟ # آه! لم أكسب شيئا، # وأضعت العمر سدى. ~~(الجميع ينسحبون على صوت الطبول.) # 1990م # | الحكماء السبعة # المشهد الأول ~~(المؤرخ يقلب في الأوراق، يجمع الوثائق ويتحقق من الحقائق التي ~~اختلطت بالغرائب والخرافات والأساطير وحكايات الخوارق، وعندما ms145 يدلهم الأفق وتأخذه ~~الحيرة من كل سبيل يرفع صوته: يا أشباح الزمن الماضي، من عمق القرن السادس قبل ~~الميلاد، صوت من زمن المحنة يدعوكم فاستمعوا له، شبح يتشبث بالصدق وبالحكمة في عصر ~~الكذب الشائن والغدر الخائن، يرجو أن يتحاور معكم، أن يسألكم وتجيبوه، تزدحم ~~الأشباح وترتفع الأصوات، السبعة صاروا سبعة عشر وأكثر، والحيرة تزداد عليه ~~فيهتف): # المؤرخ ~~: # عشتم مثلي في زمن المحنة، والمحنة عاناها الشعر وقاستها الكلمة، في ~~العقود الأولى من قرنكم السادس كانت أصوات الشعراء ما تزال عالية شجية: ~~سافو وألكايوس من جزيرة لسبوس، سيمونيدس وميمنيرموس من أيونيا، صولون الشاعر ~~والمشرع الشهير من أثينا. لكن لا بد أنهم قد ماتوا جميعا قبل انتصاف القرن ~~ولم يخلفهم أحد، ولا بد أن الجيل الذي تلاهم قد خبت فيه نار الشعر وخرست ~~قيثاره، حتى حلت سنة 530 فانطلقت شرارته المقدسة من جديد، هذا الجيل ~~المجدب هو الذي ازدهرت فيه حكمتكم، حكمتكم التي لم تكن شعرا ولا ~~فلسفة، بل تجسيدا للفطنة والخبرة والتجربة العملية. # الحكماء ~~: # تتسرع في توجيه التهمة وتضن علينا بالحكمة، مع أنا منذ القدم ~~نسمى الحكماء. # المؤرخ ~~: # معذرة، أنا لا أتهم ولا أدافع، بل أتلمس آثار الحكمة أو أبكي فوق الأطلال، ~~ما ذنبي إذا كان عصري هو عصر سقوط القيم وزمني ضاعت فيه الحكمة والعقل؟ ما ذنبي ~~إن كانت كتب التاريخ تمجدكم أحيانا أو تبخل في أحيان أخرى فتسميكم ~~الرجال الأذكياء؟ هلا أجبتم على سؤالي؟ # الحكماء ~~: # لا ندري كيف نرد عليك، ربما لأن الواقع العملي في أيامنا بدأ يفرض سلطانه ~~فازدرى الشعر، واستصغر شأن الكلمة، وأخذ يولي وجهه شطر حقائق ~~الحياة. # المؤرخ ~~: # ربي، هذا ما نلقاه الآن. # الحكماء ~~: # أتدين زمانك وزماني؟ # المؤرخ ~~: # لا لا، بل أهمس من عجز لساني وجناني، أكمل قولك. # الحكماء ~~: # أو لأن العاطفة الدينية شطت في التحليق حتى تاهت وسقطت في الهاوية ~~العميقة التي تستعصي على العبارة والخطاب. # المؤرخ ~~: # مهما يكن الأمر فقد راجت حكمتكم. # الحكماء ~~: # حكمتنا؟ ها أنت إلى الحق تعود؟ لقد تناقلتها الأفواه فلم تكن بحاجة ms146 إلى ~~التدوين، اللهم إلا على أحجار «أوستيا» أو على جدران معبد «دلفي»؛ ولهذا ليس ~~عجيبا أن ينسبها الإغريق إلى الإله أبولو أو إلى جني بحري حكيم ~~كانوا يدعونه عجوز البحر الإلهي. # المؤرخ ~~: # معنى هذا أنها وجدت قبل وجودكم؟ انتظروا، لقد وردت في اللوح الحادي عشر ~~من ملحمة جلجاميش البابلية سيرة سبعة حكماء أسسوا مدينة أوروك، كما ~~تلقى حكماء الهند السبعة الذين يسمون «الريشي» الحكمة وفن الغناء من ~~الآلهة، ووضع شاعركم هوميروس مجلس حكماء سبعة تحت تصرف أجاممنون وبرياموس، ~~حكمتكم أقدم مما أتصور، أقدم مما كنت أقدر. # الحكماء ~~: # ولكن لم يتأكد صدقها إلا بنسبتها إلينا، نحن الذين كافحنا وأسسنا ~~وتجولنا فوق الأرض الفانية بدمنا ولحمنا. # المؤرخ ~~: # ورفعتم لمصاف الأبطال ونسجت حولكم الحكايات والخرافات. # الحكماء ~~: # هل يقع الذنب علينا؟ كنا بشرا مثل البشر، صمدنا لأعاصير الزمن القلقة، ~~أعلينا بناء حياتنا وحياة شعوبنا. أتلومنا لأن الناس جللت رءوسنا بغار ~~الحكمة الذي بخلت به على رءوس الشعراء، أم لأن الأفكار العظيمة لا يصدقها ~~الناس حتى ينسبوها إلى عظيم حققها في الواقع، أم لأن الحكايات والخرافات ~~والأساطير عادة ما تغزل خيوطها بعد موت أبطالها؟ أولا يكفينا أن حكمتنا ~~راجت؟! # المؤرخ ~~: # بل ما زالت رائجة وعلى كل لسان، انتشرت بين الأمم وفي مختلف ~~الأزمان. # الحكماء ~~: # حكمتنا راجت في قرن سكتت فيه أوتار الشعر. # المؤرخ ~~: # وبدأت تزدهر شجرة الفلسفة. # الحكماء ~~: # الفلسفة؟ # المؤرخ ~~: # صفة أخرى للحكمة، ولحب الحكمة، كان من الممكن ألا تبدأ لولاكم، كان من ~~الممكن ألا تزدهر الشجرة لولا البذرة. # الحكماء ~~: # والبذرة ألقيناها في التربة، هل ما زلت تضن علينا؟ # المؤرخ ~~: # لست أضن عليكم بالحكمة، لست بخيلا باسم الحكماء، لكن التاريخ ~~يحيرني وتحيرني الأسماء، حتى العدد اختلفت فيه الآراء. # الحكماء ~~: # هذا ليس جديدا، من منتصف القرن السادس قالوا سبعة. زادوا العدد فقالوا سبعة ~~عشر حكيما. ليس جديدا ما نسمعه منك. # المؤرخ ~~: # بل ما تشهد به الوثائق أو تشهد عليه. مع ذلك تتردد فيها أربعة أسماء: ~~صولون المشرع. # صولون ~~: # والشاعر أيضا، لا تنس. # المؤرخ ~~: # كيف لأحد أن ms147 ينساك؟ الشك يحيط بأخبار الحكماء الستة، أما أنت فرأس ~~الجبل يطل على تاريخ اليونان. # صولون ~~: # رأس الجبل؟ كلامك هذا يضحكني، مع أن الكاهن العجوز في مصر قال لي: يا ~~صولون! يا صولون! ستبقون على الدوام أطفالا أيها الإغريق؛ إذ لا يوجد شيخ ~~إغريقي. # المؤرخ ~~: # تلك رواية أفلاطون، لكن حفظ التاريخ لنا أشعارا منك. # صولون ~~: # هل تذكرون مرثيتي التي بدأتها بهذه السطور: # الآن عرفت الأمر، # والألم عميق في أعماق الصدر، # وأنا أشهد أكبر أبناء أيونيا ينهار ويدحر. # المؤرخ ~~: # هكذا بدأتها بعد أن اشتد النزاع في الدولة، واستعبدت الأقلية أغلبية ~~المواطنين، وثار الشعب على الأغنياء والأعيان، احتدم الصراع بينهما وطال، ~~وانتخبوك رئيسا وقاضيا يفصل بينهم، وكلفوك بتدبير نظامهم ووضع ~~دستورهم. كنت حكيما ورحيما، لم تؤثر أي الحزبين على الآخر، فوقفت ~~في صفهما ونصحتهما بالصلح ووقف الصراع. كان الكل يجلك ويقدر ~~موهبتك، مع أنك لم تكن أغناهم أو أرفعهم في المنصب والجاه، ورحت تحذر ~~الأغنياء من الترف والتطرف، وتنصحهم بالتواضع والاعتدال، وتلقي الذنب ~~عليهم وعلى تكبرهم وجشعهم إلى المال فيما حاق بالمدينة من خراب. اسمع ~~شهادة حكيم آخر بعدك: حرر صولون الشعب في الحاضر والمستقبل عندما حرم ~~اقتراض المال في مقابل رهن الجسد، ووضع القوانين وأصدر تشريعا بالإعفاء ~~من الديون العامة والخاصة أو بنفض الأعباء. # المؤرخ ~~: # ويذكرنا هذا باسم آخر. # بيتاكوس ~~: # بيتاكوس من ميتيلينه، سموني الطاغية وكنت رحيما بالأوغاد. # صولون ~~: # طاغية ورحيم، حقا ما أغرب هذا! # بيتاكوس ~~: # وما وجه الغرابة يا صولون؟ أنت نفسك سمعت عني كما سمعت كلمتي. # صولون ~~: # لما بلغني قولك: من الصعب أن يكون المرء طيبا. أعجبتني حكمتك وقلت: ~~ومن الصعب أن يكون جميلا. # بيتاكوس ~~: # وهل عرفت متى قلتها أو كيف؟ لقد رأيت أعدائي يتكاثرون، ولاحظت الكراهية ~~في عيون الشعب الذي أنصفته وكافحت لكي أرفعه من وهدة بؤسه، وفي ضمائر ~~الأغنياء والنبلاء الذين قلمت مخالبهم من أجله، ونفيت بعضهم من المدينة ~~فأخذوا يهددونني ويتآمرون على قتلي، واشتد بي اليأس فذهبت إلى معبد ~~الإله وتوسلت أمام المذبح أن يحررني من السلطة. ms148 # المؤرخ ~~: # نعم نعم، أدركت صعوبة أن يكون الإنسان طيبا في عالم شرير. # أدركت أن الحاكم مهما فعل يظل كريها مكروها؛ فالأغنياء كرهوك لأنك ~~وقفت بجانب الشعب وانحدرت من صلبه، والشعب كرهك لأنك كنت فقيرا مثله ~~وجلست على كرسي الحكم. # وردد الجميع أغنية تسخر منك، # اطحني أيتها الطاحونة اطحني؛ # فقد كان بيتاكوس نفسه يطحن، # بيتاكوس الملك في ميتيلينه العظيمة. # طاليس ~~: # سمعت الأغنية بنفسي لما زرت جزيرة لسبوس وتوقفت بقرية ~~أريسوس. # بيتاكوس ~~: # هل سمعت كذلك أناشيد الحقد والهجاء التي أطلقها الشاعر ألكايوس وعصابته؟ ~~أنا لم أكرهه ولم أكره شعره، تمنيت أن يضع يده في يدي ويساعدني مع غيره من ~~النبلاء على النهوض بالمدينة، لكنهم أنكروا عدلي وشجاعتي التي اعترف بها ~~الإغريق في كل مكان، لم يغتفروا لي أبدا أنني تزوجت امرأة من طبقتهم هي ~~ابنة دراكون ومن نسل الأتريديين، وأخذ الشاعر الحقود يعيرني بقدمي ~~المفلطحة التي كنت أجرها بصعوبة، ويصفني بالدعي والمتسخ والمبطون، ~~بل أشاع أنني أوفر ضوء المصباح وسماني ملتهم الظلمات. # المؤرخ ~~: # ولهذا نفيته عن المدينة ولم ينقطع هجاؤه ولا دعواته للآلهة الأقوياء بأن ~~يخلصوه من محنة المنفى ومرارته، ويطلقوا ربات القصاص عليك، ويعينوه ~~وعصبته على قتلك بالسيف وتحرير الشعب من آلامه ومخاوفه، زاعمين أنك حنثت ~~بالقسم الذي قطعته على نفسك وابتلعت المدينة في جوفك. # بيتاكوس ~~: # ومع أني عفوت عنهم بعد القبض عليهم، فلم يرحمني التاريخ من وصمة ~~الطغيان. # المؤرخ ~~: # ولا رحمك المؤرخون؛ فاللقب ارتبط باسمك في كل المأثورات. أما «بياس» ~~القاضي من آسيا الصغرى فقد سخا عليه الزمن بلقب الحكيم. # بياس ~~: # معظم الناس أشرار؛ هذا ما قلته. لما حاصر إلياتيس ملك الليديين بريينه ~~أصدرت الأمر بأن يعلف بغلان إلى حد التخمة ويساقا إلى معسكر الأعداء، وفزع ~~الملك حين رآهما وعرف أن لدينا من مخزون الغلة ما يكفي حتى الحيوانات؛ ولهذا ~~بعث إلينا رسولا يطلب السلم والسلام. # المؤرخ ~~: # وكيف لفظت الأنفاس؟ # بياس ~~: # اسمع يا ولدي، لما شخت وطعنت بي السن استدعيت للشهادة أمام المحكمة، ~~وتكلمت وأبرأت المظلوم من التهمة، وانطلق محامي ms149 الخصم وأخذ يدافع عنه ~~فسئمت، وأملت الرأس على حجر حفيدي حتى نمت، هل بلغك يا ولدي ما فعلوه ~~بالمظلوم؟ # المؤرخ ~~: # برأه القضاة من التهمة، ثم وجدوك ميتا على حجر حفيدك. # بياس ~~: # حمدا للآلهة فقد صدق كذلك ما قلته: إن أردت أن تقيم في مدينة فكن طيبا ~~مع جميع المواطنين. # المؤرخ ~~: # كلمة بليغة من رجل خلدته البلاغة، والاسم الرابع هو طاليس ~~الملطي. # طاليس ~~: # أول من نقى الحكمة من سحب الأسطورة وضباب الغيب، أول من سأل سؤال ~~العقل عن المبدأ والأصل وقال ... # المؤرخ ~~: # أصل جميع الأشياء هو الماء، بالآلهة امتلأت كل الأشياء. # طاليس ~~: # وكذلك قلت: اعرف نفسك. # المؤرخ ~~: # أأنت القائل أم نقشت قبلك فوق جدار المعبد في دلفي؟ ما أعمقها كلمة! ~~لكن تتنازعها الأسماء. # بيرياندر ~~: # أي جحود هذا؟ كيف نسيتم اسمي؟ # الحكماء ~~: # مهلا يا بيرياندر، هل ينسى الطاغية القاسي من كورنثه؟ من بلغ الذروة في ~~القسوة ولهذا احتاج إلى الحرس الخاص؟ # المؤرخ ~~: # وكان قوامه ثلاثمائة من حملة الدروع والحراب. # بيرياندر ~~: # أتذكرون صرامتي وتنسون عدلي؟ لقد حرمت على المواطنين أن يكون لهم عبيد، ~~نهيتهم عن تبديد الوقت في اللهو والفراغ وأوجدت لكل منهم عملا، أعلنت ~~الحرب على الترف، وعاقبت المتسكعين في الأسواق. لم أثقل على الناس ~~بالضرائب، واكتفيت بما نحصله من السوق والميناء، وزعت أراضي النبلاء على ~~الفقراء، لم أتخط حدود العدل ولم أتعد على إنسان، وكرهت الشر وألقيت ~~القوادات بقاع البحر! أنسيتم كيف صالحت بين أهل ميتيلينه (تحت قيادة بيتاكوس) ~~وأهل أثينا (تحت زعامة فرينون) عندما تصارعا على ملكية ~~«سيجايون» ففصلت بينهم بالحق، واحتفظ كل منهم بما كان يملكه؟ لقد ازدهرت في ~~عهدي التجارة والحضارة، يكفي أن الشاعر «أريون» كان صديقي! # المؤرخ ~~: # أريون الميثميني من أهالي لسبوس؟ من تمت في عهدك معجزته؟ أشجى الأصوات ~~غناء فوق القيثار وأول من أنشد شعر الديثيرامب وسماه وقدم جوقته فوق ~~المسرح في كورنثه؟ لا لن ينساك التاريخ ولن ينساه، لن ينسى معجزته التي رواها ~~علينا أبو التاريخ إذ استقل مركبا كان عليها قراصنة ولصوص تآمروا عليه ms150 ~~عندما ظنوه يخفي الكنوز، مع أنه لم يكن يملك إلا قيثاره! وانطلق يغني عل ~~غناء الشاعر يسكت فيهم نزعات الشر. جاء الدلفين - صديق الإنسان - على صوت ~~غنائه، وسرعان ما ألقى الشاعر بنفسه على ظهره فحمله إلى البر ورسا به على رأس ~~تانياروس. # لا لم ينس التاريخ، وكذلك يذكر قولك: كل شيء يرجع إلى المران. لكن ~~سؤالا يحضرني الآن. # خيلون ~~: # قبل سؤالك، هل يمكن أن تهمل اسمي؟ أم تهمل تحذيري: إن ضمنت غيرك ~~حلت بك المصائب، أولم يبن أهالي أسبرطة لي المعبد في الطريق من المغزل ~~إلى أبواب المدينة؟ # المؤرخ ~~: # وهناك قدسوك ورفعوا ذكر البطل الخالد، لكني أرجع لسؤالي: لم آثرتم ~~هذا الكلم الموجز؟ # الحكماء ~~: # من يستصغر شأن الكلمة يقتصد في استعمالها، كانت أيامنا توجب العمل ~~وحسم القرار؛ ولهذا بقيت كلماتنا القليلة قواعد لهداية الحياة، تحذيرات ~~من الوقوع في الأوهام الساذجة والتسرع في الثقة بالناس، نصائح باللجوء إلى ~~التحفظ والحرص والاعتدال والتزام الحد. # المؤرخ ~~: # لكن بالغتم في الإيجاز، يكفي أن يروي الشاعر «ألكايوس» هذه الكلمة التي ~~يقولها على لسان «أريستوداموس» الذي ضم إليكم في العصور المتأخرة: «الرجل - ~~المال» وأن يضيف الشاعر «بندار» وكأنه يشرحها: قال هذا عندما اختفى أصدقاؤه ~~مع اختفاء أملاكه. يكفي أيضا أن تقرأ كلمات أخرى توحي بتشكككم في ~~الإنسان ورؤيتكم للوجه الشائه خلف قناع البهتان: «لا تتطرف في شيء»، «صعب ~~على المرء أن يكون طيبا»، «الحد هو الأفضل»، «أغلب الناس أشرار». # الحكماء ~~: # هل آمنت بما قلناه؟ هل صدقت الحكماء؟ # المؤرخ ~~: # بل صدقت الأيام الصعبة والأرزاء، مع ذلك فالحكمة أوسع من هذا. # الحكماء ~~: # لم تكن الحكمة في أيام المحنة شيئا يختص به الشعراء أو الحكماء، كانت ملك ~~الشعب العامل والفقراء؛ فالنجار البارع يبني سقفا يصمد للعاصفة فيصبح أحد ~~الحكماء، وكذلك شأن الحوذي أو الخباز أو الملاح أو الشاعر والفنان، هل ما ~~زلت تسيئ الظن، توازن بين الآراء؟ # المؤرخ ~~: # الحكمة والحيرة صنوان. # الحكماء ~~: # فانظر في الأوراق وراجع، وابدأ قصتنا بالقول المحكم والكلم الرائع، قد يقطع ~~ذلك شكك ويزيل الحيرة. # المؤرخ ms151 ~~: # أو ينفع جيلا قد بيعت فيه الكلمة بفتات زائل، والحكمة صرعت بسهام ~~الخسة والغدر القاتل. # الحكماء ~~: # ولهذا تبقى الحكمة. # المؤرخ ~~: # في جوف الكتب المنسية. # الحكماء ~~: # أو في أعماق القلب، ابدأ يا ولدي، أسمع جيلا يفتقر لحب الكلمة. # المؤرخ ~~: # أو يفتقر إلى الحب. # المشهد الثاني # المؤرخ ~~: # آه! تتضارب كل الأقوال وتتناقض كل الآراء، الأسماء مختلف عليها من كاتب إلى ~~آخر، والقول الواحد قد ينسب إلى أكثر من واحد. # طاليس ~~: # اعرف نفسك؛ هذا ما قلت. # المؤرخ ~~: # بل هذا ما تتصوره أنت وبعض الكتاب، هل تعلم أن «تيوفراسط» يرجح أن يكون ~~مثلا شعبيا من قديم الزمان، وأن بعض المؤرخين يرجعه إلى زميلك خيلون، ~~والبعض الآخر يأتي به على لسان خصي مغمور كان من حراس قدس الأقداس في معبد ~~دلفي؟ بل إن أرسطو في محاورته عن الفلسفة ينسبها إلى عرافة هذا المعبد، وكل هذا ~~يؤكد أنها كانت قد نقشت قبلك وقبل خيلون الأسبرطي على معبد دلفي قبل أن ~~يدعيها كلاكما لنفسه. # خيلون ~~: # أنا لم أدع شيئا، بل قدمت النذر ووفيت العهد؛ فبعد أن وصلت إلى دلفي ~~وضحيت وأحرقت البخور أمرت بأن تحفر هذه الحكم على عمود المعبد: اعرف ~~نفسك! لا تتطرف في شيء! سبب المصائب أن تضمن غيرك! # طاليس ~~: # حتى هذه الحكم تقال على لسان غيرك وغيري. # المؤرخ ~~: # فلنقرأ ما اتفق عليه الإجماع، في أقدم قائمة بالأسماء وبالأقوال. # طاليس ~~: # قل وسيهتف كل منا باسمه! # المؤرخ ~~: # اعرف نفسك! # طاليس ~~: # طاليس! # المؤرخ ~~: # لا تتطرف في شيء! # صولون ~~: # صولون! # المؤرخ ~~: # إن تضمن غيرك فتوقع كل مصيبة! # خيلون ~~: # خيلون! # المؤرخ ~~: # اعرف فضل اللحظة. # بيتاكوس ~~: # بيتاكوس، والأفضل من هذا: اللحظة إن واتتك فلا تتركها تفلت منك! # المؤرخ ~~: # معظم الناس أشرار. # بياس ~~: # بياس، عن تجربة، وبحق زيوس، ما قلت! # المؤرخ ~~: # كل شيء يرجع للمران. # بيرياندر ~~: # بيرياندر، عن تجربة أيضا، والآلهة شهود! # المؤرخ ~~: # تبقي حكمة كل الحكمة، قائلها المجهول يلخص فيها ... # كليوبولوس ~~: # كليوبولوس، هذا هو كليوبوليس! كيف تجاهل هذا الزمن الجاحد ابن أوجاروس، من ~~لندوس فوق جزيرة رودوس؟ كيف تناسى من ms152 كتب النقش على قبر ميداس الملك ~~الأسطوري؟ # المؤرخ ~~: # ميداس؟ من أعطاه ديونيزيوس أن يتحول ما يلمسه ذهبا. # صولون ~~: # حتى المطعم والمشرب، مسكين يا ميداس! # كليوبوليس ~~: # كانت فوق القبر المشهور فتاة أخذت شكل الهولى؛ ولهذا قلت: فتاة من ~~البرونز أنا وأرقد على قبر ميداس، ما دام الماء يسيل، والشجر يخضر، والقمر ~~يطلع ويضيئ، والشمس تنير الكون، ما دامت الأنهار تتدفق، وموج البحر يوشوش ~~للشاطئ، فسأبقى في هذا الموضع، فوق التل المرتفع على المنطقة المنكوبة أعلن ~~للعابر ولكل مسافر في هذا الموضع يرقد ميداس تحت الأرض. # المؤرخ ~~: # لم ينس التاريخ كذلك أشعارك، لم تتسرب ألغازك من كفيه. # صولون ~~: # لكن تبقى حكمته أخلد ما قال. # كليوبوليس ~~: # قلت من الحكم كثيرا، أية واحدة تقصد؟ # المؤرخ ~~: # الحد هو الأفضل. # الحكماء ~~: # هي حكمتنا، كنز العقل الإغريقي وآية وجدانه، كلمته للعالم أجمع. # المؤرخ ~~: # ولهذا ليس عجيبا أن يلتقط الحكماء الكلمة، من كل الأجناس وكل الأديان يقول ~~العقلاء فلا يسمع قول: لا تتطرف! لا تشتط! الزم حدك، واعرف أنك ~~إنسان. # الحكماء ~~: # إنسان فان، لست إلها، فتذكر هذا واترك سيف الطغيان، يسقط من يدك ~~فلست سوى بشر فان! # المؤرخ ~~: # حقا! هذا شيء أكدتموه أيها الحكماء وأجمعتم عليه، وعندما اجتمعتم ~~كما يقول القدماء. # الحكماء ~~: # اجتمعنا؟ أجل أجل، عند الملك كرويزوس. # المؤرخ ~~: # أغنى ملك في عصره. # الحكماء ~~: # وتكلم صولون فقال ... # صولون ~~: # أنا؟ للملك كرويزوس، ذاكرتي ضعفت يا ولدي. # المؤرخ ~~: # سأذكرك فأنصت. # المشهد الثالث # المؤرخ ~~: # كانت أعينكم تلتفت إلى الشرق الساحر باستمرار، الشرق الغامض ذي القوة ~~والترف الباذخ والجبروت. # الحكماء ~~: # لكننا ذهبنا إليه لنتعلم أيضا. # المؤرخ ~~: # وتعلمتم الكثير، وإن كنا نفتقد الأدلة والأسانيد. # طاليس ~~: # أنا مثلا سافرت إلى مصر. # المؤرخ ~~: # وتعلمت الرياضة وجلبت الهندسة إلى الإغريق، أما أنت. # صولون ~~: # أنا طوفت بآسيا لأشاهد هذا العالم، وحديثي مع كاهن مصر الشيخ حديث ~~مشهور، كم يعجبني حين أفكر فيه الآن! # الحكماء ~~: # أنا ما زلنا أطفالا؟ رغم مرور قرون وقرون؟! # صولون ~~: # ولماذا الغضب وقد صدق الشيخ؟ # الحكماء ~~: # أم سخر كعادة أبناء النيل؟ # صولون ~~: # بل صدق ms153 وحق زيوس، وامتدح الإغريق مديحا أتمنى لو كانوا أهلا له، ~~أطفال نحن وفي كل منا طفل. # الحكماء ~~: # وتريد من الحكماء السبعة أن يصدقوه؟ أنت يا صولون؟ # صولون ~~: # من قال بأن الحكمة تعني العجز أو الشيخوخة؟ من ينكر حكمة الطفولة وطفولة ~~الحكمة؟ أليست حكمتنا في بساطتنا، وبساطتنا هي التي جعلتنا نصمد لتحدي ~~الملك الجبار ونواجه قوته وغناه الفاحش بالبراعة والقناعة والحكمة؟ # المؤرخ ~~: # معذرة يا صولون، ولقد أدهشته بالبراءة الحكيمة أو بالحكمة البريئة ~~وتعجب مما قلت وغضب وثار. نريد الآن أن نعرف ماذا قلت لهذا الملك وماذا ~~قال، كيف التقيت به وأين كان اللقاء. # صولون ~~: # لم أره وحدي، طلب لقاء الحكماء السبعة. # المؤرخ ~~: # وذهبتم لزيارته، وذهلتم لما رأت العين كنوزه. # الحكماء ~~: # ورثينا له. # المؤرخ ~~: # لأغنى ملك في الأرض؟ # الحكماء ~~: # ورفضنا أن يوصف هذا الملك بأسعد إنسان، فليتكلم عنا صولون. # المؤرخ ~~: # أرجوك، تكلم. # صولون ~~: # لما فرغ كرويزوس من إخضاع آسيا الصغرى بأكملها وضمها إلى مملكة الليديين، ~~زحفت حشود الإغريق الحكماء إلى عاصمة ملكه المزدهرة سارديس، وزحفت كذلك ~~معهم، كنت قد ذهبت إلى مصر التي يحكمها أمازيس وشاهدت العالم وتجولت فيه ~~عشر سنوات. واستقبلني الملك في قصره مع بقية إخواني فأحسن الاستقبال. وفي اليوم ~~الثالث لزيارتنا أمر الملك خدمه وعبيده أن يأخذونا إلى دهاليزه ومخازنه لنتفرج ~~على التحف والكنوز التي أودعها فيها، ثم رجع بنا الخدم والعبيد إلى قاعة ~~العرش حيث كان الملك يجلس في أبهته محاطا بأعوانه وقواده وأعيان ~~مملكته. لم يكد يراني حتى هتف صائحا: «أيها الضيف من أثينا، وأنتم أيها ~~الضيوف! وصلتنا عنكم وعن حكمتكم الأخبار، وسمعنا عنك يا صولون وعن أسفارك ~~التي قمت بها حبا في الحكمة، والآن تحركني الرغبة في أن أسالك: هل رأيت ~~في أسفارك أحدا يمكن أن يوصف بأنه أسعد إنسان؟» # لم يخف علي أن الملك وجه إلي هذا السؤال وفي نيته أن أقول أنت أيها ~~الملك الغني العظيم أسعد إنسان. لكني لم أتملقه بل صارحته بحقيقة رأيي: ~~«أيها الملك! إنه تيلوس الأثيني!» تعجب الملك من قولي ms154 وأسرع بالسؤال: ~~«وكيف حكمت بأن تيلوس هذا هو أسعد إنسان؟» قلت: «عدة أسباب يا مولاي: أولها ~~أن كان لتيلوس هذا عدة أبناء تحلوا بالذكاء والصلاح والجمال، ولقد سعدت ~~عيناه برؤية أبنائه في حياته. والثاني أن الرجل بعد أن تقدم به العمر وعاش ~~أطيب حياة ممكنة مات كذلك في النهاية أروع ميتة ممكنة؛ فقد شارك مواطنيه ~~الأثينيين في الحرب التي اشتبكوا فيها مع جيرانهم في إيلويزيس، وطارد الأعداء ~~الذين فروا مهزومين، ومات أثناء هذه المطاردة أجل ميتة، ودفنه الأثينيون حيث ~~سقط صريعا على نفقة الدولة، وكرموه وأقاموا له طقوس التوديع ~~والإجلال.» # استمع الملك إلى قصة تيلوس وهو يعض على شفتيه وأسنانه، سكت قليلا ثم ~~غالب غيظه وسأل: «ومن هو أسعد إنسان رأيته بعد تيلوس؟» قلت: «هما اثنان أيها ~~الملك العظيم.» قال في لهفة: «احك علي قصتهما يا صولون.» قلت: هما كليوبيس ~~وبيتون. كانا من حيث المولد من أجروس؛ ولهذا وجدا ما يكفيهما للحياة، وكان ~~كلاهما حسن الصورة قوي الجسد، وحصلا على جوائز كثيرة في المسابقات ~~الرياضية، تسألني يا مولاي أن أحكي قصتهما؟ إنهما سيغنيانني عن هذا ويرويان ~~القصة بنفسهما. # كليوبس وبيتون ~~: # كان أهالي أرجوس يحتفلون بعيد هيرا ربة السماء وسيدة الآلهة وشقيقة زيوس ~~وزوجته، وكان علينا أن نذهب بأمنا المريضة إلى معبد الآلهة للتبرك وزيارة ~~قدس القداس، لكن الثيران التي تجر العربة التي ستستقلها لم تكن قد رجعت ~~بعد من الحقل، وضاق الوقت عن الانتظار فوضعنا رقابنا في النير وجررنا ~~العربة التي حملتها إلى الاحتفال مسافة خمسة وأربعين فرسخا حتى بلغنا ~~المعبد، ورآنا الناس على هذه الحال فهللوا، لكن الأنفاس تخلت عنا فختمنا ~~حياتنا الفانية أجمل ختام، وأثبت الإله بموتنا أن من الأفضل للإنسان أن يموت ~~على أن يحيا دون وفاء أو إحسان؛ فقد التف أهالي أرجوس حولنا وأثنوا على ~~قوتنا وشبابنا وراحوا يحيون أمنا العجوز ويهنئونها بابنيها. أما الأم التي ~~أفعم فؤادها الفرح فقد وقفت أمام تمثال الالهة وأخذت تبتهل إليها أن يلقى ~~ولداها أفضل ما يمكن أن يلقاه الإنسان. ms155 وبعد أن أدت الصلاة تقدمنا نحن ~~وضحينا للربة وأكلنا مع الآكلين، ثم أرحنا أجسادنا المنهكة على أرض المعبد ~~ولم نقم من رقدتنا أبدا. وأقام لنا الأرجيون تمثالين نصبوهما بعد ذلك في ~~معبد دلفي ليضمنا لنا الخلود . # صولون ~~: # استمع الملك إلي في هدوء ثم قال: # كرويزوس ~~: # أيها الضيف القادم من أثينا، أهكذا تبدو سعادتي في نظرك هباء ولا أستحق أن ~~تسوي بيني وبين عامة الناس؟! # عرفت مقصده فأجبت في خشوع: مولاي الملك كرويزوس، تسألني عن حياة الإنسان ~~ومصيره. وأنا لا أعلم إلا أن أحكام الآلهة غامضة وأن مقاديرهم مظلمة الأسرار. ~~هب أن الإنسان يعيش سبعين سنة - وهي الحد الذي أضعه لعمر البشر على الأرض - فكم ~~عليه أن يرى في حياته مما لم يكن يريد رؤيته، وكم يتحمل من آلام ويقاسي؟ وإذا ~~أكمل السبعين، فقد عاش خمسة وعشرين ألف يوم ومائتين، هذا دون حساب للشهر ~~الزائد، فإذا أضفت شهرا لكل سنتين، حتى تتواءم فصول السنة مع بعضها، فلقد ~~قدرت على مدى السبعين سنة خمسة وثلاثين شهرا زائدا، ومن الأيام على قدر ~~السنوات السبعين، كانت ستة وعشرين ألفا ومائتين وخمسين يوما، ليس فيها يوم ~~واحد يشبه سواه. هكذا ترى يا كرويزوس أن حياة الإنسان مصادفة بحتة - وها أنت ذا ~~ملك غني واسع الثراء، تتحكم في بشر لا يحصيهم عد، لكن سؤالك إن كنت سعيدا لا ~~أملك عنه الآن جوابا، لا أملك هذا حتى أسمع أنك أنهيت حياتك خير نهاية؛ فليس ~~الغني الفاحش الغنى بأسعد ممن لا يجد سوى قوت يومه، إلا أن يواتيه الحظ ~~فينتهي أجله وهو متمتع بأملاكه وجميع خيراته، ما أكثر الأغنياء الأشقياء وما ~~أكثر الراضين بنصيبهم القليل! فالغني الذي يشعر رغم غناه أنه تعس وشقي يتقدم ~~خطوتين على المغتبط بحظه الطيب، أما هذا فيتقدم على الغني خطوات وخطوات، ~~والأول يمكنه أن يحقق الرغبة التي تعتمل في نفسه، ويتحمل الأذى الذي يصيبه، ~~أما الثاني فلا يسعه أن يطمع فيما يطمع فيه الأول أو يتحمل ما يتحمل، فقدره ~~الطيب قد أغناه عن ms156 الطمع ووقاه الأذى والضرر. أضف إلى هذا أنه لا يشكو ضعفا ~~ولا علة ولا ألما، وأن الحظ باركه بالبنين وجمله بالجمال، فإذا حسنت ~~خاتمته وأنهى حياته نهاية جميلة، فهو الذي تبحث عنه أيها الملك ويستحق أن ~~يوصف بأنه سعيد، وعلينا أن نحترس فلا نقول عنه أثناء حياته وقبل موته إنه ~~سعيد، بل يجب أن نكتفي بقولنا إنه طيب الحظ. من المستحيل على الإنسان الواحد أن ~~يملك كل شيء، ومن المتعذر على أي بلد أن يكفي نفسه من كل شيء، فلديه شيء ~~وعليه أن يحصل من بلد آخر على شيء، وكلما زاد نصيبه مما لديه كان هذا أفضل، ~~ويصدق الأمر نفسه على الفرد الواحد؛ فهو لا يكفي نفسه بنفسه، وهو يملك شيئا ~~ويفتقر إلى شيء آخر. أما من كان لديه ما يكفيه حتى آخر عمره ثم ختم حياته ~~ختاما حسنا فذلك، يا مولاي، هو الذي يستحق أن يوصف بأنه إنسان سعيد. يجب ~~علينا أن ننظر إلى نهاية كل شيء؛ فما أكثر الذين منحهم الإله شيئا من السعادة ~~ثم غير أحوالهم رأسا على عقب؛ هكذا ختمت حديثي للملك. # المؤرخ ~~: # ولم يعجبه كلامك ولا رضي عنك. # صولون ~~: # قاطعني ولم يكترث بوجودي ولا ببقائي أو رحيلي. اقتنع بأني أحمق، وأن الأحمق ~~من يتخلى عما بين يديه وينظر في نهاية كل شيء. # المؤرخ ~~: # وليته نظر في نهايته هو. # الحكماء ~~: # بل ليته حاول أن يفكر فيما قاله عزيزنا صولون. لقد تجهم وجهه واربدت ~~ملامحه بسحابة سوداء كثيفة أطبقت عليها وحولته إلى وحش كاسر. نظر إلى ~~زميلنا «بياس» والشرر يتقد من عينيه الغاضبتين وسأله: # كرويزوس ~~: # هل هذا رأيك أيضا؟ أتعتقد أن صاحبك قد أجاب بالحق؟ # بياس ~~: # بالحق والعدل أجاب يا مولاي. لقد أراد أن يرى الكنوز التي في نفسك فلم يجد ~~إلا الكنوز التي في يدك. # كرويزوس ~~: # أترد علي مثله بالألغاز؟ أريد منك جوابا قاطعا: ماذا يقصد بكلامه؟ # بياس ~~: # أن البشر تسعدهم كنوز النفس لا كنوز الذهب والفضة. # كرويزوس ~~: # إذا كنتم لا تقدرون السعادة ولا الثروة الحقيقية ms157 بما أملكه من كنوز، ألا ~~ترون أن عندي من الأصدقاء والأنصار أضعاف ما عند أي ملك أو حاكم آخر؟ هذا واحد ~~منهم جاء إلي من أثينا. أيها العبيد! أحضروا ألكميون. # الحكماء ~~: # وفجأة فتحت الأبواب وظهر إنسان عجيب وسط عدد من الحراس والعبيد. كان يبدو ~~تائه العينين زائغ البصر، وبدا عليه الاضطراب وكأنه قد عجز عن السير خطوة ~~واحدة؛ فقد انتفخ ثوبه الواسع بصورة مذهلة كأنه بطن امرأة أوشكت على الوضع، ~~وعندما دفعه الحراس وشدوه قريبا من الملك، وقعت أبصارنا على شعره الذي حشاه ~~بسبائك الذهب، بل لقد تعجبنا من انتفاخ أوداجه وأدركنا أنه حشا فمه بقطع ~~ذهبية صغيرة سقطت إحداها على الأرض عندما حاول أن يسعل، وهلل الملك وصاح وهو ~~يتلوى من الضحك: # كرويزوس ~~: # قل لهم يا ألكميون! ألست أسعد إنسان؟ ألم تصبح أنت أيضا أسعد إنسان بعد أن ~~سمحت لك بزيارة كنوزي وأخذ ما تستطيع أخذه منها؟ ألا يكفي هذا الذهب الذي ~~حملته في ثيابك ودفنته في طيات جسدك وحشوت به فمك أن يجعلك سعيدا؟ أم إن ~~المفلسين والجوعى أسعد منك وأحكم؟ ~~(حاول ألكميون أن يضحك فسقطت قطع الذهب من ~~فمه ورنت على الأرض، وازداد ضحك الملك فقلنا له): # الحكماء ~~: # العقل هو أعظم الكنوز، والسعيد من يبقى سعيدا إلى النهاية. # المؤرخ ~~: # نعم نعم! ليت الملك فكر عندئذ في نهايته. # الحكماء ~~: # تكلم، ماذا حدث له؟ # المؤرخ ~~: # تمضي الأيام فيغزو قورش الثاني ملك الفرس مدينة سارديس عاصمة المملكة ~~الليدية، ويأسر كرويزوس بعد أن حكم أربعة عشر عاما، ويحاصر عاصمة ملكه ~~أربعة عشر يوما، ويحضره الجنود مقيدا في الأغلال فيمثل بين يدي الملك ~~الذي أمر بتجهيز المحرقة ووضع الأسير عليها مع سبعة من شباب الليديين. ربما ~~قصد قورش من وراء ذلك أن يقدمهم قربانا لإلهه، أو يفي بوعد قطعه على نفسه، ~~وربما بلغه أن كرويزوس كان ورعا تقيا، فأراد بإحراقه حيا أن يختبر قدرة ~~إلهه على انقاذه. مهما يكن الأمر فقد أصدر قورش أمره، فلما أن وقف الملك ~~المسكين على المحرقة خطر ms158 على باله وهو في محنته ما قاله له صولون: ما من حي ~~يمكن أن يوصف بأنه سعيد. وانكشفت له الحجب فتأوه بعد صمت طويل وهتف ثلاث ~~مرات: صولون! صولون! صولون! سمع قورش صيحته فطلب من المترجمين أن يسألوه عن ~~الاسم الذي استغاث به، وتقدم منه المترجمون وسألوه فلاذ بالصمت طويلا قبل أن ~~يقول «هو إنسان كان حديثه أقيم من كل ما ملك جميع الطغاة من ثروات عظيمة.» ~~بدا لهم القول لغزا فألحوا عليه بالسؤال عما يقصد، وبدأ الملك المنكوب يروي ~~عليهم كيف حضر إليه صولون الأثيني. # كرويزوس ~~: # ها أنت قد رأيت كنوزي، ما رأيك يا صولون؟ # صولون ~~: # رأيي؟ في أي شيء يا مولاي؟ # كرويزوس ~~: # هل آمنت بأني أسعد إنسان؟ # صولون ~~: # ربما تكون سعيدا والحظ الطيب يرعاك، لكنك لست بأسعد إنسان. # كرويزوس ~~: # ومن في رأيك هو أسعد إنسان؟ # صولون ~~: # هو من بقي سعيدا حتى آخر عمره، قبل حلول الأجل بلحظات يمكن أن ينقلب الحال ~~ويصبح أشقى الناس. # كرويزوس ~~: # غضبت عليه وصحت: يا لك من إغريقي فظ! أتضن علي بالسعادة بعد كل ~~ما رأيت من كنوزي وأملاكي! # صولون ~~: # ستكون سعيدا لو حضرك الموت وهي ملك يمينك. # كرويزوس ~~: # وها أنا ذا أذكره الآن وأذكر ما قال، أتذكر حكايته عن الأب الذي سعد ~~برؤية أبنائه وبالموت في سبيل وطنه، وعن الولدين اللذين جرا العربة التي ~~حملت أمهما المريضة إلى المعبد بدلا من الثيران ثم ماتا راضيين بعد أن ~~أدت الصلاة. إن كلمات هذا الأثيني لم تصدق علي وحدي، أعرف الآن أنها تصدق ~~على كل إنسان، خصوصا من زينت له الأوهام أنه أسعد السعداء. # المؤرخ ~~: # استمع قورش إلى حديث كرويزوس. كان الملك الأسير يقف صلبا متجلدا فوق ~~المحرقة والنيران تئز حواليه وتطلق شررها عليه، وتفكر قورش فيما قاله ~~المترجمون، وحدثته نفسه قائلة: حقا إن كلمات الملك المنكوب لا تنطبق عليه ~~وحده، ها أنا ذا إنسان مثله، أحسب نفسي منتصرا وسعيدا، أسلم للنار إنسانا ~~لم يكن أقل مني سعادة، من يدري؟ هل تقتص الأقدار مني؟ من ms159 يضمن ألا يحدث لي ما ~~حدث له؟ آه! من يضمن شيئا في هذا العالم؟ لا شيء أكيد فيه؟ لا أمان للحياة! ~~ونظر إلى الملك الذي التفت حوله النيران فأمر بأن تطفأ على الفور وينزل هو ~~ومن معه من فوق المحرقة. # وحاول الجنود أن ينفذوا أمر الملك، لكنهم عجزوا عن السيطرة على النار، ~~ولاحظ كرويزوس أن الملك غير رأيه، وأن الخدم والحشم يكافحون النار ولا ~~يستطيعون إطفاءها، فاستغاث بأبولو وهو يصرخ: إن كنت تذكر تضحياتي وهداياي ~~إليك، إن كنت قد استطعت أن أرضيك، فاذكرني في محنتي وخفف عنى الويل! ~~الطف بي يا رب النور الساطع واكشف عني ضنك الليل! وبكى كرويزوس كما لم يبك ~~في حياته، وابتهل وتمتم بالدعوات وسالت أنهار دموعه، ورفع بصره إلى السماء ~~الصافية فوجدها تتلبد فجأة بالسحب المظلمة. # وخطف البصر بريق البرق، وانهمر المطر سيولا أطفأت النار، كان قورش ~~ورجاله يتابعون المشهد وهم يحبسون الأنفاس، وعرف الملك الجبار أن إهاب ~~الملك المنكوب يشف عن إنسان طيب، وصاح بالرجال أن يعجلوا بإنزاله من فوق ~~المحرقة، وقربه منه وسأله وهو يشد على يده: كرويزوس، من حرضك على ~~محاربة بلادي ومعاداتي بدلا من أن تكون صاحبي وصديقي؟ قال كرويزوس أيها الملك، ~~فعلت هذا لما حالفك الحظ وخاصمني، والذنب في هذا هو ذنب إله الإغريق الذي ~~دفعني إلى الحرب، وليس يفضل الحرب على السلام إلا الأخرق والأحمق؛ ففي ظل ~~السلام يدفن الأبناء آباءهم، أما في الحرب فيواري الآباء أبناءهم التراب، لكن ~~الآلهة اختارت، شاءت هذا ومشيئتها كانت؛ هكذا قال. ومد قورش يده ففك قيوده ~~وأجلسه بجانبه وأظهر له المودة والهيبة والكرامة، وتطلع إليه الملك والحاضرون ~~بإجلال وإعجاب. # الحكماء ~~: # لا تقل إنك سعيد ما دمت حيا، والإنسان لا يأمن ما تأتي به الحياة قبل ~~لحظات من مفارقة الحياة. # 1989م ms160