######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.LahnHurriyyaWaSamt.Hindawi36382579 #META# Tags: literature #META# ID: 36382579 #META# Title: لحن الحرية والصمت: الشعر الألماني في القرن العشرين #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لحن الحرية والصمت‏ # لحن الحرية والصمت‏ # | لحن الحرية والصمت # | لحن الحرية والصمت # | الشعر الألماني في القرن العشرين # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | لحن الحرية والصمت # الشعر الألماني في القرن العشرين ~~(1) تمهيد الأرض # تتميز الحياة الأدبية في ~~مرحلة زمنية معينة وفي ظل الظروف السوية، بأن إنتاج الجيل ~~السابق يبلغ ذروته الناضجة، فلا يكون على الجيل اللاحق إلا أن ~~يواصل السير على طريقه، أو يرفع في وجهه راية العصيان، ولكن ~~الأوقات التي تشتعل فيها الأزمات قد تؤدي بالصراع الطبيعي بين ~~الأجيال إلى القطيعة والحرب المهلكة، والأدب الألماني بعد الحرب ~~العالمية الأولى شاهد على هذا؛ إذ اندفع أصحاب الحركات التعبيرية ~~- التي ازدهرت وانطفأت في حوالي عشر سنين # 1 ~~- في هجومهم على الأجيال السابقة، وأصبح أدبهم بأجمعه ~~صرخة حارة في سبيل أدب جديد يعبر عن إنسان جديد وقيم جديدة ~~تحقق العدل والحرية والكرامة والإخاء البشري. # أما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الموقف مختلف تمام ~~الاختلاف، لقد انشق الجيل السابق على نفسه بسبب الطغيان النازي ~~الذي اضطر أنبل الأصوات إلى الهجرة أو النفي أو الصمت، كان هناك ~~الأدب الذي أنتجه المهاجرون، ولا يزال قسم كبير منه مجهولا، ~~وما عرف منه لم يتغلل بعد في وعي القراء والأدباء، وكان هناك ~~أدب الكتاب الذين فضلوا البقاء في بلادهم أو اضطروا إليه، ~~ونشروا كتبهم في ظل الطغيان (ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنهم ~~انضووا تحت لوائه القذر). # تسبب هذا الصدع في تشويه الصراع الطبيعي بين الأجيال على أنحاء ~~مختلفة، وجاءت الأجيال الشابة فبدأت الحساب الشامل مع الأجيال ~~السابقة على سنة الكارثة (1945م)، ثم أخذت تتطلع لحوار آخر مع ~~أدب المهاجرين الذي بدأ يعود بالتدرج إلى وطنه الأصلي، وتبين ~~للأجيال الشابة أن جيل المهاجرين جيل مختلف عنهم، وأن أصحابه ~~الذين قاوموا الطغيان وتنبئوا بسقوطه ليسوا رفاقهم في السلاح، ~~وتعذر على الشباب أن يجدوا نقطة الالتقاء مع الجيل الذي سبق ~~الكارثة، فكان عليهم أن يبدءوا من نقطة الصفر المخيفة، # 2 # ولكنهم من ناحية أخرى لم يعدموا فرصة اللقاء مع أدب ~~عظيم ms01 آخر كانت بلادهم قد فقدت الصلة به تماما؛ ألا وهو الأدب ~~الأوروبي والأمريكي، ونشطت حركة الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية ~~بوجه خاص، وشارك فيها أدباء ما بعد الحرب بنصيب موفور، وتعرف ~~القراء على أسماء كبيرة ولامعة في الرواية، مثل: جويس وبروست، ~~وهنري جيمز وفرجينيا وولف، وهمنجواي وشتينبك وتوماس وولف فوكنر، ~~بالإضافة إلى كافكا الذي كان مجهولا لهم حتى كتب عنه توماس مان ~~ونشر أعماله ماكس برود، كما عرفوا أشعار باوند وإليوت وأودن ~~وديلان توماس، وإنجاريتي ومونتاله وخيمينث ولوركا وجين وألبرتي ~~ونيرودا، وبريتون وميشو وإلوار ورينيه شار وغيرهم وغيرهم من ~~الشعراء والكتاب الذين استوعبتهم القارة، وبقي على الأديب ~~الألماني أن يقرأهم ويتأثر بهم ويتحاور معهم، ولقد أقبل الأديب ~~الألماني على هذا الزاد الوافد بشهية مفتوحة أوشكت أن تفسد ~~معدته! ولم يستطع في البداية أن يتمثلهم ويبرأ من تأثيرهم، فكاد أن ~~يفقد شخصيته ويضيع فرديته، وجدير بالذكر أن بعض الشباب ترجموا ~~للشعراء الأوروبيين أو الأمريكيين، نذكر منهم على سبيل المثال: ~~إنجبورج باخمان التي ترجمت إنجاريتي، وباول رسلان الذي ترجم رامبو ~~وكوكتو ورينيه شار وإلكسندر بلوك وسرجي إيزينين وأوسيب باندلستام، ~~واريش فريد الذي ترجم ديلان توماس وكارل كرولوف الذي ترجم عن ~~الشعر الفرنسي والإسباني، إلى جانب عدد من النقاد والدارسين ~~الذين أسهموا في هذه الحركة النشيطة. # وهنا نجد ملمحا يسري على الشعر كما يسري على الرواية، على ~~اختلاف الأسلوب والموضوع والرؤية، وهو محاكمة الماضي، وتعرية أوهام ~~الأجيال السابقة وآمالها الكاذبة في المستقبل، ومواجهة قيم الواقع ~~والحضارة والمدنية والتقدم ... إلخ، على ضوء الكارثة البشعة ~~والمستقبل الضائع والماضي الذاهب بلا عودة، تلاشى الأمل الساذج في ~~مستقبل إنساني ومثالي، واختفى الإيمان الطيب بماض يرجى إحياؤه ~~وبعثه، وبقي على الأديب أن يحدق في هوة واقع خرب بغيض لا ~~يحتمل! # وليس معنى هذا أن الأدب صار محدودا بالواقع، بل معناه أنه اكتشف ~~آفاقه اللامتناهية التي يحقق فيها إمكانياته المحدودة، بعد أن ~~أغلق باب المستقبل في وجهه، ونفض يديه من ماض ثبت خداعه، صحيح ~~أنه عزف عن رسم صورة الإنسان ms02 في المستقبل أو استلهام صورته من ~~الماضي، ولكنه - وهذا هو سر اتصال التراث الذي لا يستطيع أحد ~~أن ينكره مهما تنصل منه - قد استأنف التجربة العظيمة التي ~~يتميز بها الأدب الألماني منذ أجيال: كيف يربى الإنسان؟ أو ~~بالأحرى: كيف يستطيع الإنسان أن يحقق نفسه في هذا العالم؟ وسواء ~~أجاب عليه - كما فعل بعد الحرب - باتهام المجتمع والبيئة أو القول ~~بأن الإنسان حصيلة ظروفه ووضعه، فإنه لم يستطع في الحالين أن يكف ~~عن إلقاء هذا السؤال الذي شغل به أدبه على مر العصور، ولم يستطع أن ~~يعفي نفسه من مسئولية هذه الأمانة التي تقتضي منه الوعي بواقعه، ~~والشهادة على عصره الذي يحاصره من كل ناحية، وليس عجيبا بعد هذا ~~أن يغلب الطابع الأخلاقي بوجه عام على أدب ما بعد الحرب، وأن يذهب ~~الشعر والقصة والمسرحية والمقال والتمثيلية الإذاعية في حساب ~~الضمير كل مذهب، وهذا يؤكد صدق عبارة الفيلسوف الإسباني أورتيجا ~~جاسيت، حين قال: «إن الإنسان يضطر إلى الفعل بوحي من ضميره ~~وشعوره بالمسئولية، حين يعجزه الوهم والخيال عن التحليق ...» # لعل الدهشة أن تكون هي الدليل المقنع على جودة عدد كبير من ~~القصائد التي كتبت بعد الحرب، الدهشة من قدرة الأديب الألماني ~~على الكتابة والإبداع على الرغم من كل شيء ... على الرغم من كل ما ~~كابده وكابدته بلاده - في ساعة الصفر المخيفة - من جوع وشقاء ~~وذل وخراب، ولن تكفينا الصفحات الطوال للحديث عن كل ما تنطوي ~~عليه عبارة «على الرغم من ...» وقد يكون أول ما يرد على الخاطر أن ~~الشعر استطاع أن يعري الواقع من أقنعته الزائفة، وأن يصمد له ~~ويتحداه وجها لوجه، ويطرح كلمات وتعبيرات كانت عزيزة على المعجم ~~الشعري الموروث، فأصبحت أكاذيب تثير الضحك والسخرية! ومن الصعب أن ~~نؤلف بين أشعار ما بعد الحرب في نسق معين؛ لأن معنى هذا أن نتسرع ~~بفرض النظام على واقع متفجر مضطرب لم يعرف النظام. # وقد تساعدنا النظرة العاجلة إلى المجموعات التي توالت في ~~الظهور على تبين بعض الخصائص التي يمكن - مع الحذر الواجب! ms03 - أن ~~تهدينا إلى خيط أو خيوط مشتركة بينها، ففي سنة 1948م ظهرت ~~مجموعة شعرية لجنتر آيش # 3 ~~(1907-1972م) بعنوان «أحواش نائية» # Abgelegene Gehöfet ~~، وظهرت معها ~~بعض «العلامات» الدالة على طابع الشعر المعاصر: الصور التي لم ~~تأت من الأفكار، بل ألفت بينها مجموعة من التركيبات اللفظية ~~والصوتية، الاقتصار على «الهنا» و«الآن»، «تعقيل» اللغة إلى الحد ~~الذي أصبحت معه قادرة على استيعاب الواقع الجديد بلا صيغ مسبقة أو ~~كليشهات محفوظة، التشكك في العواطف والمشاعر التقليدية المتجانسة ~~إزاء واقع قاس مجرد من كل عاطفة وتجانس، تجريد الشعر من عاداته ~~القديمة وكأنه مريض يعالجه الطبيب من أدوائه المزمنة، واحتفاظه مع ~~ذلك بنبض الشعر وعصبه الحي، على الرغم من مبضع الجراح وأدواته ~~الحادة! ولا نبالغ إذا قلنا: إن عذاب الأسر والاعتقال والجوع ~~والحيرة المطلقة أمام الأسئلة المصيرية «من أين؟ وإلى أين؟» التي ~~أصبحت تغرز في جلد البشر بعد أن كانت من نوع القلق الفلسفي ~~والميتافيزيقي الذي علاه الصدأ - كل هذا جعل الشعر ضرورة ملحة ~~كالخبز والماء والعلب المحفوظة، التي كان يعيش عليها الشعراء بعد ~~المحنة! # وبدأ الحوار النقدي مع ~~الأسلاف، وسؤال النفس وحسابها، وبحث الشاعر عن اتجاهه وطريقه في ~~ديوان لاحق لنفس الشاعر هو «رسائل المطر # Botschaften des Regens ~~»، أو في ~~قصائد كارل كرولوف # Karl Krolow ~~(1915م-...)، تحولت القصيدة إلى أداة لا غنى عنها، سكين أو فتاحة ~~علب محفوظة، إنها تستخدم في غرض حيوي أو يومي، دون أن يكترث ~~الشاعر في كثير أو قليل بقيمة ما ينتجه، بل دون أن يسأل نفسه إن ~~كانت له قيمة على الإطلاق، فالشاعر الذي تألم وجاع وأهين في ~~معسكرات الأسر والاعتقال والسخرة، وراح يلتقط أعواد القش أو ~~أدوات التعذيب والعصي التي ضرب بها ليصنع منها آلة موسيقية ~~يعزف عليها، أو زخرفة تعزيه عن الجمال الذي حرم منه؛ هذا ~~الشاعر لن يبالي بقيمة ما يكتب، لقد تخلى عن طموح سلفه القديم ~~ودعاواه العريضة وأحلامه الضخمة، ورد الشعر إلى وظيفته ~~البدائية عندما كان مرتبطا بضرورات الحياة الأولية ارتباط الأخ ~~بإخوته، وعندما ms04 كان ينشر رموزه وعلاماته السحرية في حقل التجربة ~~البشرية الضيق المحدود، إنه لا يحلم بإنشاء أسطورة أو سرد حكاية؛ ~~لأنه يعي الأخطار المحدقة به من كل ناحية، أقصى ما يتطلع إليه أن ~~يتمتم لنفسه بتعاويذه السحرية؛ ليحميها من الخطر المباشر الذي ~~يتهدده، إنها ليست حكايات أو أساطير يرويها الآخرين، ولا هو ~~يضني نفسه بالتماس الكلمة العذبة الرنين أو اللحن الموسيقي الصافي ~~- كما كان يفعل آباؤه من الرومانتيكيين الجدد أو الرمزيين مثل: ~~رلكه وجورجه وهسه ... إلخ - وليست القصيدة التي يفزع إليها من قبيل ~~السحر؛ لأنه لا يبالي إن خرجت تعاويذه وتمتماته لنفسه، كما تخرج ~~همهماته الآلات الصاخبة أو نشيج الأطفال الجياع، أو أصوات الأطلال ~~المتداعية في المدينة المحتضرة ... # ومع هذا، فإن الشاعر إذا كان لا «يسحر» ولا «يطرب»، فهو لا يحرم ~~نفسه من حرية اللعب، ها هو ذا واحد من أشعر أبناء الجيل القديم - ~~وهو كرستيان مورجنشتيرن (1871-1914م) # Christian ~~Morgenstern # يستنكر على بني وطنه ما اتهمهم به ~~نيتشه من «الجد الوحشي»، فيبعث بنماذجه العجيبة في «أغاني ~~المشنقة» (1905م) # Galgenlieder # عبثه البريء العميق الساخر، وها هو ذا يواخيم رنجلنتز (1883-1934م) # Joachim Ringelnatz # يستسلم ~~لخواطره العذبة الضاحكة التي تنبعث من حياته الشريدة البائسة، فإذا ~~بالجدد على لسان جنتر جراس (1927م-...) # Gunther ~~Grass # وفولفجانج فايراوخ (1907م-...) # Wolfgang Weyrauch # وهانز ماجنوس ~~إنسنز برجر (1929م-...) # Hans Magnus ~~Enzensberger ~~، وفالتر هولرر (1922م-...) # Walter Hollerer ~~، وغيرهم يصلون ~~بالمغامرة إلى مداها، ويلجئون للصور والمعاني القديمة لإبراز ~~تفاهتها وعدم جدواها، ويلعبون أو بالأحرى يعبثون بالحيل والأساليب ~~الفنية الموروثة؛ ليزيدوا التأثير حدة والوعي يقظة ~~وتوترا. # ولعل أهم ألوان هذه المخاطرة أو هذا العبث أو هذا التجريب، أن ~~يكون هو اكتشاف «الدادية» التي تأسست أثناء الحرب الأولى وبعدها ~~بقليل، أو بالأحرى إعادة اكتشافها من جديد، مع التخلي عما كان فيها ~~من تهويلات وبهلوانيات وفرقعات لفظية، والحرص على ما يمكن أن ~~تقدمه من طاقات تجريبية هائلة، والتفتت الأنظار إلى الشاعر ~~والرسام والنحات هانز ~~آرب # Hans Arp ~~. (1887م-...)، الذي كان من أوائل مؤسسي الحركة، ms05 ~~وبدأ الشباب يتأثرون به في قصائدهم التجريبية وبزميله ~~كورت شفيترز # Kurt Schwitters ~~(1887- 1948م)، وما زالت هذه التجارب تجري اليوم على قدم وساق، ~~وتهدد بكسر رقبة الشعر وإلغاء الشاعر نفسه من القصيدة؛ ولهذا ~~فسوف نقف عندها بعد قليل وقفة قصيرة. # ولا يمكننا أن نتحدث عن الشاعر الألماني بعد الحرب الثانية، ~~بغير أن نلفت نظر القارئ إلى جوهر هذا الشعر نفسه وطبيعته في هذا ~~القرن، وما بقي منه بعد الحرب أو بعد ساعة الصفر، إن الشعر ~~الألماني - كما يقول الشاعر الكبير كارل كرولوف # 4 ~~- كان دائما من وحي الساعة، وعكس على طريقته الجانب ~~الموقوت المحدود بالظروف السياسية والاجتماعية، فبدا بدوره ~~موقوتا ومرهونا بظروفه - ولم يكن الاتصال من طابع القصيدة ~~الألمانية فيما مضى من تاريخها، ولا أظن أنه كان طابعها في أي ~~أدب من الآداب، لقد كان دائما شعرا يتسم بالجهد والعناء، ولا ~~يطفر طفرة حتى تستهلك، ولا يتصل بالتراث حتى يعلن عليه القطيعة - ~~أي إنه كان مرهونا بظروف بلده ومبدعه في أغلب الأحوال؛ لهذا فقد ~~الهدوء والاستقرار اللازمين لتطوره في مرحلة معينة من تاريخه ~~- ولهذا أيضا يتحتم علينا أن نرصد موقفه وردود فعله على الأزمات ~~التي هزت وطنه في سنوات 1914 و1918 و1933م. # كانت القصيدة تهرب من مواجهة الأزمة، أو تنقل رد الفعل إلى عالم ~~جمالي منعزل، ربما لأنها تعودت على أنماط معينة من ردود ~~الفعل، لم تستطع أن تخرج عليها أو تتخلص منها، فلم تلبث في كل ~~أزمة واجهتها أن عادت إلى نفسها ولاذت بوحدتها، يؤكد هذا أنها ~~عندما حاولت أن تخرج من عزلتها التقليدية - كما حدث مثلا في بداية ~~الحرب العالمية الأولى - تفجرت لفترة محدودة، فبدت محمومة، ~~مسرفة في الشطط والجموح، وشوهت نفسها بنفسها، وشعر التعبيريين ~~الذين أشرنا إليهم إشارة عابرة فيما سبق، مثل واضح على هذه الهزة ~~المفاجئة التي استنفدت إمكانياتها، وكشفت عن عجزها، فانطفأت شعلتها ~~المشبوبة في فترة قصيرة كعمر الزهور، لقد عبرت قصيدتهم عن صرخة ~~نبيلة متأججة بالعاطفة الصادقة - ولكن لم يلبث الشلل أو الموت ~~أن ران ms06 عليها وأخمد أنفاسها، وكأن نجاحها السريع كان السبب في ~~إخفاقها السريع. # ولعل هنا سببا آخر لهذا التوقف المفاجئ الذي يعتري الشعر ~~الألماني في معظم مراحل تطوره، ذلك أنه - شأن الشعر في كل الآداب - ~~يصدر عن أناس متوحدين مع أنفسهم، عن طاقات متفرقة تميل إلى ~~التصادم والتصارع أكثر مما تميل إلى الانضواء تحت لواء حركة أو ~~مدرسة متجانسة (وما أكثر الحركات والمدارس في تاريخ الأدب الألماني ~~بوجه عام، وما أكثر ما كانت تلتئم لتفترق، وتتحد لتنفصم!)؛ ولهذا ~~فقد يكون من الأنسب أن نتحدث مثلا - في سياق الكلام عن تطور هذا ~~الشعر حتى أواخر الثلاثينيات - عن شعراء تعبيريين مثل: تراكل ~~وهايم وبن # 5 # وبرشت في المرحلة الأولى من تطورهم، بدلا من الحديث ~~عن حركة تعبيرية عامة تنكر لها معظمهم أو فقد الصلة بها، أو لجأ ~~إلى أحضان القصيدة السياسية مثل: يوهانيس بيشر (1891-1958م) # Johannes Becher ~~، أو مات أو لاذ ~~بالصمت أو آثر الانتحار. # ولكن إصابة القصيدة بالشلل بعد انطفاء الحركة التعبيرية لا يعني ~~أنها توقفت، لقد ظلت باقية، وإن كان البقاء لا يعني الحياة، أخذت ~~تجتر أيامها أو تحملها على ظهرها، ولم تجد القدرة أو الشجاعة ~~على التجربة والمغامرة، وسقط معظم أصحابها الذين لم يهاجروا ~~من وطنهم ضحية الفاشية، والتيار الوحيد الذي نجا من هذا المصير ~~وتشبث بالراية بعد احتضار التعبيرية هو شعر الطبيعة - (وقد كان ~~التغني بالطبيعة الجليلة الغامضة من أبرز ملامح الشعر الألماني ~~فتاريخه يرجع إلى أكثر من مائتي عام، منذ أيام البرشت فون هالر ~~(1708-1777م)، بل منذ أيام بروكيس (1680-1747م)، حتى أيام جوته ~~(1749-1832م) وهلدرلين (1778-1842م) وأيشندورف (1788-1857م)، ~~والشاعرة العظيمة أنيته دروسته - هيلز هوف (1797-1848م))، هرب ~~الشاعر إذن من جبروت السلطة أو تعاسة الواقع إلى معبد الطبيعة، ~~وراح يداوي جراحه أو يلتمس النجاة من الرعب والوحشية، أو يتزود ~~منها بالإيمان والعزاء، ولا شك أن شعر الطبيعة هو الشعر الوحيد ~~الذي استطاع أن ينقذ نفسه من الكارثة الشاملة، فبقي وحده في ~~الميدان، وتلقفه المحافظون العظام فنوعوا فيه ووسعوا ~~آفاقه. # والمحافظون ms07 يتمتعون دائما بطول العمر، ويجيدون «المحافظة» ~~على أنفسهم في أسوأ الأحوال، لقد لجئوا إلى عزلتهم أمام الضرورة ~~القاسية، وعكفوا على شعر الطبيعة الذي لم تفكر يد الإرهاب في ~~مصادرته أو إحراقه، وبذلوا جهدهم في الإبقاء على قصيدة الطبيعة فلم ~~يطمحوا إلى تغييرها وتجديدها، واعتصموا بسطح الماء، بينما كان ~~طوفان التجديدات الثورية يزحف على الأبواب ! # والعجيب أن الذين بدءوا بعد سنة 1945م في إرساء القصيدة ~~الألمانية على أساس جديد كانوا من الأسماء المعروفة التي تتمتع ~~بالاحترام والتقدير، وقد حظيت مجموعاتهم التي صدرت بعد الحرب ~~بنجاح كبير، وأقبل عليها القراء أيما إقبال، ~~نذكر من بينها «يوم الغضب» # Dies Trae # للكاتب القدير المتدين ~~فيرنر برجنجرين (1892-1964م) # Werner ~~Bergengruen ~~، و«عقيدة البندقية» # Venezianisches Credot # لرودلف فون ~~هاجلشتنجه # Rudolf Hagelstange ~~(1912م-...)، وكان في ذلك الحين موهبة شابة تسعى على الدرب المحافظ، ~~وإن قدمت شهادة نادرة على قدرة الشعر على المقاومة، (وقد صدرت ~~المجموعتان الأخيرتان في سنة 1945م). # وبينما كان شعر الطبيعة عند المحافظين والمجددين يمضي في طريقه ~~إلى التطور، وكان شعر «المحنة والأطلال» - وهو رد فعل عاطفي مباشر ~~للحيرة واليأس والفوضى والذهول الذي جاء في أعقاب الحرب - قد خبأ ~~وانطفأ في حوالي سنة 1948م، طرأت على القصيدة الألمانية بعد سنة ~~1950م تغيرات شاملة، كانت في مجموعها أقرب إلى روح المغامرة ~~الجسورة، كان بعض هذه التغيرات من وحي الساعة، وكان بعضه الآخر ~~تأثرا ومحاكاة للشعر الأوروبي الزاحف، سواء منه الشعر الأبوللي ~~أو العقلي المحض، أو الشعر الديونيزي # 6 # الذي يغترف من ينابيع الخيال وغياهب العقل الباطن ~~والأحلام والكوابيس، أو الشعر السياسي الملتزم. # ولعل أول من يخطر على ~~البال في هذا المقام شاعران كبيران، كان لهما تأثير ضخم على ~~مجموعة من الشعراء الذين يمارسون نشاطهم في هذه الأيام، وهما: ~~جوتفريد بن (1886-1956م) # Gottfried ~~Benn ~~، وبرتولد برشت (1898-1956م) # Berthold Brecht ~~، أما جوتفريد بن - ~~الذي ولد ومات في برلين، وكان طبيبا للأمراض الجلدية ~~والتناسلية - فقد سطع نجمه وتوهج في سماء الشعر الألماني المعاصر ~~حتى أوشك أن يطفئ كل من عداه، ms08 وأثر بقصائده ومحاضراته ~~ومقالاته تأثير السحر، أو تأثير المخدر على الأجيال الشابة ~~والمخضرمة جميعا، وبدا لفترة طويلة وكأنه قد احتل مكان الشاعر ~~العظيم رلكه، كان بن قد رحب بالنظام النازي في بدايته، وتوهم أنه ~~سيخلص بلاده من الجمود والعقم والعدمية، فلما تبين خطأه الرهيب ~~لزم الصمت اثنتي عشرة سنة، بعد صدور «قصائده المختارة» # Ausgewählte Gedichte # سنة 1936م، ~~ثم ظهرت «قصائد الساكنة» # Statische ~~Gedichte # في سويسرا سنة 1948م، معلنة عن عودته ~~إلى الأدب بعد غيبة طويلة. # واختتم بن نشيده أو بالأحرى نشيجه الشعري العظيم في الفترة ~~الواقعة بين سنة 1949م - حين أصدر ديوانه الطوفان النشوان - # Trunkene Flut ~~، وسنة 1954م عندما ~~ظهرت مجموعته «لحن ختامي» # Apreslude # قبل موته بسنتين، ~~وقصائده «الأيام الأولى» Primare ~~Tage # التي ظهرت سنة 1958م بعد وفاته. # ولعل المجد الذي حظي به «بن» في هذه السنوات المتأخرة التي ~~وصفها بالمرحلة التعبيرية الثانية في حياته كان نتيجة نوع من سوء ~~الفهم ... فقد خلت قصائده الأخيرة من ذلك الوهج الشاذ، الذي تميزت ~~به أشعار رجل كتب قبل ذلك بثلاثين أو أربعين سنة، أدق وأغرب شعر ~~عرفه ذلك العصر. # كانت قصائده التي ظهرت بعد الحرب قد فقدت كثيرا من العنف ~~والتحدي الذي تميز به؛ الكلمات ذات المعاني المتعددة الطبقات ~~والمستويات، والاصطلاحات العلمية والحضارية المختارة من بحر ~~ثقافي فياض، والأساطير والرموز المستمدة من روح البحر الأبيض ~~المتوسط. # سحر «بن» القراءة فترة طويلة، ولكن السحر عمره قصير، فلم تلبث ~~الأجيال الشابة أن تحررت من موهبته الخطرة، وطغت عليه أسماء أخرى ~~أخذت تقدم للقارئ صدق التعبير وشجاعته، ولا تبهره بسحر الألفاظ ~~الغريبة المخدرة، ولعلها أيضا أن تكون قد انصرفت عن كثير من ~~القيم الفنية والروحية التي تنتمي للقرن التاسع عشر، والتي كانت ~~لا تزال باقية في أعمال «بن». # أما برشت # 7 # فكانت شهرته أكثر إصرارا وأشد عنادا من «بن»، الذي ~~مات قبله بأسابيع قليلة في برلين، ولم تأت هذه الشهرة وحسب من ~~أعماله المسرحية التي غزت مسارح العالم في الشرق والغرب، ولا من ~~نظريته عن ms09 المسرح الملحمي التي دعمها بكتاباته النقدية العديدة، بل ~~جاءت كذلك من قصائده التي كتب لها طول العمر؛ لأنها ارتبطت بموقف ~~فكري وأخلاقي صلب لا يلين، وهذا هو الذي يجعله الشاعر الوحيد بين ~~شعراء وطنه، الذي لم يضعف إنتاجه ولم يتغير أو ينقطع منذ أن هاجر ~~منه سنة 1933، وراح على حد قوله: «يغير بلدا ببلد كما يغير ~~حذاء بحذاء» ... كان قبل هجرته قد بلغ مكانة مرموقة في الأدب، ثم ~~أنضجته سنوات التجوال والعذاب، وصارت لغته أكثر اقتصادا وإيجازا، ~~وتوارت لهجته التعليمية أو كادت، واكتسب وجهه الأدبي قناع الحكيم ~~الشرقي الماكر الحزين، وشغلت الحياة الأدبية بمسرحه كما شغلت ~~بقصائده الملتزمة الهادئة، ولعلها ستظل مشغولة به بعد أن تضاءل ~~تأثير «بن»، وخبت هالة السحر التي شعت من صنعته الفنية ~~الباهرة. # وشعر «برشت» يخلو من ~~الكلمات الضخمة، حتى ليوشك أن يحذرنا من الشعر نفسه بمعناه ~~التقليدي (أو بالأحرى بكل أمراضه البرجوازية!)، ونحن نظلم برشت إن ~~قلنا أن شعره سياسي، وقد ننصفه لو قلنا أنه في مجموعة شعر نقدي أو ~~موضوعي أو عقلاني، نضرب لهذا مثالا بإحدى قصائده التي يتحدث فيها ~~أحد سكان الغرف المؤجرة في المدينة الكبيرة، إلى إحدى الأشجار التي ~~تنمو في فناء البيت الذي يسكن فيه، إنه يخاطبها كما لو كانت تمثل ~~نظاما يستبعده وينبذه وينفيه، فالشجرة هنا «ملك» صاحب البيت، ~~والشاعر يكلمها ويتذكر أسلافه الذين عاشوا مع الطبيعة في مودة ~~وألفة، واستطاعوا أن يتحدثوا عنها أو معها حديث الحبيب للحبيب، ~~أما هو فتفصله عنها مسافة البعد - ولا بد أن يخاطبها باحترام! ~~ومعنى هذا أن الواقع الذي يحيا فيه الشاعر يحدث فيه شيء أهم، شيء ~~يعنيه أكثر مما تعنيه كل العواطف التقليدية التي نسميها شعرا، إن ~~مجرد اعتبار صاحب البيت أن الشجرة ملك له، وإثبات حقه المطلق في ~~التصرف فيها يغضبه ويستفزه للهجوم عليه، وموقفه هو موقف من ~~يرفض أن يغمض عينيه على الفظائع التي ترتكب أمامه، ويأبى السكوت ~~على نظام فاسد أو الهرب منه إلى نظام آخر لا يقل عنه فسادا ms10 ~~وزيفا، فليواجه إذن هذا النظام ويمسك الثور من قرونه، بدلا من ~~الفرار إلى نظام لغوي أو فني متضخم بالكلمات الطنانة والعواطف ~~الكاذبة، وليكن شعره أداة النظر الموضوعي والعقلي البارد المصقول ~~كالسيف، وليجتث به أدغال المبالغة والعذوبة المسمومة ~~والزيف! # و«برشت» في الحقيقة يمثل مشكلة بالنسبة للنقد الحديث، فالحكم ~~الموضوعي عليه في هذه المرحلة التاريخية يكاد يكون مستحيلا؛ لأن ~~أعماله التي تركها بعد وفاته لم تنشر كلها بعد؛ ولأن موجة التحمس ~~له أو السخط عليه لم تنحسر إلى اليوم، كما أن موقفه من التطبيق ~~العملي للاشتراكية في النظام الذي عاش سنواته الأخيرة في ظله وموقف ~~هذا النظام منه لم يتضحا كل الوضوح، هذا إلى أن الموضوعية التامة ~~المطلقة (وهي فيما أظن تكاد تكون مستحيلة في الأدب أو في غيره من ~~الفنون والعلوم) تتنافى مع صميم إنتاجه والغاية منه، فنحن إن ~~اعتبرنا الشقاق بين مذهبه النظري وبين الممارسة العملية، وحاولنا ~~أن نحسب له أو عليه ظلمناه في الحالين؛ لأنه سيكون في الحالة ~~الأولى مثاليا أو «يوتوبيا» بغير نزاع، وسيكون في الحالة ~~الثانية مروجا أو داعية لمذهب أو نظرية، تجمدت في مرحلة ~~معينة من مراحل تطورها، واعترفت هي نفسها بضرورة تجددها وإذابة ~~ثلوجها، ونحن مضطرون في الوقت الحاضر على كل حال إلى التفرقة ~~بين القيمة الفنية التي تنطوي عليها أعماله، وهي قيمة لا شك فيها، ~~وبين النظرية أو المذهب الذي دافع عنه، وليس من حقنا على أية حال ~~أن نتشكك في إخلاصه الدائم للاشتراكية، وجموع الكادحين والفقراء ~~والمضطهدين في كل مكان وزمان. # كان من الطبيعي أن يؤثر شعر «برشت» الملتزم على المواهب الشابة، ~~أصبحت القصيدة عنده دعوة سياسية تهم الرأي العام، سلاحا للكفاح ~~في سبيل العدل والتقدم والسلام، أداة للفعل والثورة والتغيير، ~~واستقبل الناس في الشرق والغرب نموذجه المستفز المتحدي بالغضب أو ~~الترحيب، وتلقف الشباب منه الكرة فساروا في موكبه، وإن تحرر ~~معظمهم من «أيديولوجيته»، وجددوا مصطلحه ومقصده إلى حد كبير، ~~ولكنه ظل في نظرهم قدوة رفيعة للفعل والكفاح، نذكر من بين الذين ~~تأثروا ms11 به فولفجانج فايراوخ (ولد سنة 1907م) الذي سبقت الإشارة ~~إليه، وهو شاعر وكاتب تمثيليات إذاعية، اتسم كل إنتاجه ~~بالالتزام الواعي والنقد العنيف للعصر، والنظر للقصيدة كسكين تقطع ~~وتحسم وتغير! # 8 # تلمس هذا في كل مجموعاته الشعرية ابتداء من «رحمة ~~الحظ» (1946م) و«قبرة وصقر» (1948م)، و«نهاية وبداية» (1949م) ~~إلى «مكتوب على الحائط» (1950م)، و«غناء لكي لا نموت» (1956م)، # 9 # ولنذكر له على سبيل المثال إحدى قصائده التي تعبر عن ~~تيار القصيدة الملتزمة، وعنوان القصيدة هو «شكوى»: # لأني أشعر بالخوف، أريد يا سادة هذه الأرض، # أن أقدم إليكم هذه الشكوى: # أنا رجل صغير، وأنا غبي ، # لهذا أرجوكم، آه، ألا تسيئوا بي الظن، # لأني أسألكم، ماذا تفعلون بنا؟ # هل فكرتم في سعادتنا جميعا؟ # السعادة، أيها السادة، شيء ضئيل، # إنها صيحة ديك، إنها فراشة. # السعادة هي الليل بأغانيه، # عندما يردد الرجل والمرأة صرخته. # إنها النهار، عندما يلعب أطفالنا، # وهي الصبي، والعجوز التي يضنيها العمل إلى حد ~~الموت. # السعادة هي الذهاب إلى المدرسة، هي التجوال، # هي شذى العسل، وعفونة السماد. # أيها السادة، السعادة هي مرور الأعوام، # هي دخان الغليون وصيد الأسماك. # السعادة يا أيها السادة فوق العروش البعيدة، # هي كذلك عذابنا نحن الملايين، # عندما تلد نساؤنا المساكين الأطفال، # وعندما نرقد على الفراش ساعة الاحتضار، # ويرسلنا الموت الناعم للشيطان. # السعادة أيها السادة هي العالم كله # والعالم، أيها السادة، رائع الجمال، # أتوسل إليكم أن تتسلقوا إحدى القمم، # وتهبطوا إلى أعمق الوديان، # تطلعوا للسماء في شهر مارس وهي في شدة الشحوب، # للسماء في شهر مايو وهي صافية خضراء، # انظروا النحلة والدب، إلى آخر ما هناك، # فكل ما ترونه، وإن يكن هو التراب، # فهو، إن أذنتم، ترابنا، يا أيها السادة العظام. # 10 # وكل ما كتبه ~~الشاعر النابه هانز ماجنوس إنسنز برجر (1929م-...)، وتأثر فيه تأثرا ~~واضحا ببرشت ينبع من نفس الإحساس برسالة الشعر الذي يجب أن يكون ~~عونا على الفعل، كما تقول عبارة الوار، صحيح إنه لا يلتزم بنظام ~~فكري (أو أيديولوجية) معينة، أو حزب سياسي محدد، ولكنه لا ms12 يزال ~~يتحدى المجتمع - والبرجوازي البليد العنيد بنوع خاص! - ويثيره ~~ويستفزه ويحركه، ولا تزال القصيدة في أغلب الأحوال أشبه بمنشور ~~ثوري، أو خطاب مهرب من غياهب السجون، أو كتابة على الحائط (لنذكر ~~قصيدة لبرشت بهذا العنوان: هم يطلبون الحرب، والذي كتبها، قد سقط ~~صريعا!)، وقد شاع هذا النوع من القصائد من منتصف الستينيات عند ~~شعراء مثل: فولفديتريش شنوره (1920-...) # Wolfdietrich ~~Schnurre ~~، الذي عرف كذلك بقصصه القصيرة الناجحة، ~~والشاعرة كريستا راينج، والشاعر النمسوي أريش فريد (1921-...) # Erich Fried ~~(الذي ترجم اليوت ~~وديلان توماس)، والشاعر ستيفان هرملين (1915-...) # Stephan Hermlin ~~، الذي تأثر ~~بالتيار السياسي في الحركة السيريالية الفرنسية، وبخاصة الوار، كما ~~عني بترجمة شعر الزنوج الأمريكيين، وجورج ماورر # Georg Maurer ~~(1907-1971) وفرانز ~~فيمان (1922-...) # Franz Fuhmann ~~، ~~وغيرهم من الشعراء الذين يعيشون في ألمانيا الديمقراطية. # ولنقف وقفة قصيرة عند الشاعر أريش فريد، بقدر ما تسمح المادة ~~الشحيحة التي بين يدي عنه، وهو يعبر عن الشعراء الذين يواصلون تراث ~~برشت، ويجندون فنهم من أجل الحرية والسلام، وأحد دواوينه المتأخرة ~~الذي سمعت عنه، ولم يتح لي الاطلاع عليه عنوانه «وفيتنام و...» ~~ويتميز بلغة جريئة تعتمد على تداعي الكلمات والإيقاعات والتلاعب ~~بها، كما تتميز بالإيجاز الشديد الذي يجعل البيت الواحد أقرب إلى ~~الإشارة الموحية أو المثل المركز، وقد وقع في يدي بمحض الصدفة منذ ~~سنوات قليلة أحد أعداد مجلة اشتراكية، # 11 # يحررها الأدباء التقدميون الساخطون، الذين يجمعون بين ~~الالتزام السياسي والتجريب المستمر في لغة القصيدة، وسأنقل إليك ~~قصيدتين تعرفنا إحداهما بهذا الاتجاه العام، وتقدم لنا الثانية ~~شهادة حق وإنصاف من شاعر لم «تمنعه الدعاية المغرضة» من إدانة ~~الوحشية الإسرائيلية، وإليك القصيدة الأولى بعنوان «نادي الصحافة»، ~~وستلاحظ اللهجة التعليمية الواضحة، والفكرة المنطقية التي تتحول ~~إلى شعر رقيق، والسخرية المرة التي تؤثر بالهمس أكثر من ~~الضجيج: # ابحث عن الأصدقاء # يشاركونك # رأيك # إن الأمر يستحق هذا # ولو وجدت # أنهم ليسوا # من رأيك تماما # وأن الأمر يستحق # أن تضحي بشيء # من رأيك # لكي تتفق معهم # ستكون الصداقة # أمتن وأوثق # عن طريق # هذا التقارب # إن التسلط ms13 بالرأي # أضعف # وأقل نفعا # من الاتحاد # هل كان لك # رأي # في يوم من الأيام؟ # أما القصيدة الثانية، فعنوانها «اسمعي يا إسرائيل»، # 12 # ويبدو أن الشاعر تابع أخبار العدوان وشاهد بعض صوره، ~~ورأى كيف تباهى أعداؤنا من اللصوص المسلحين «بشجاعتهم»، فتحرك ~~ضميره الأدبي والإنساني، وكتب هذه الأبيات: # عندما كنا مضطهدين، # كنت واحدا منكم، # كيف أظل كذلك، # بعد أن اضطهدتم غيركم؟ # كانت أمنيتكم، # أن تصبحوا شعبا بين الشعوب، # واليوم أصبحتم، # كالشعب الذي سفك دماءكم، # ذهب الذين قسوا عليكم، # وبقيتم، # أو ما زالت قسوتهم، # تعيش اليوم فيكم؟ # صحتم بالمهزومين: ~~«اخلعوا أحذيتكم.» # كمثل كبش الفداء، # طاردتموهم في الصحراء، # في جامع الموت الكبير، # كانت صنادلهم رمالا، # لكنهم لم ينحنوا، # لم يركعوا مثل الضحايا ، # أثر الأقدام العارية، # على رمال الصحاري، # سيبقى بعد أن تمحى، # آثار قنابكم ودباباتكم. # ولعل من الأفضل الآن أن ننتقل من هذا الحديث الذي ~~لا يخلو من التعميم إلى القصائد نفسها، إن الشعر في حركة دائمة ~~وتحول لا يعرف الراحة ولا الاستقرار، والكلام عن المدارس والحركات ~~والاتجاهات أمر نضطر إليه من باب التبسيط والتنسيق، ومن أصعب ~~الأمور أن نفرض على الشعر في عصر أو مرحلة معينة شكلا ثابتا أو ~~قالبا جامدا؛ ولذلك يحسن أن نتحدث عن «القصيدة» بدلا من الحديث ~~عن «الشعر»، وأن نعرض في أثناء ذلك لبعض الشعراء البارزين بشيء من ~~التفصيل؛ ولهذا سنتناول قصيدة الطبيعة والحب، والقصيدة التي تميل ~~إلى التجريب أو اللعب؛ لكي نتأمل في النهاية ظلال الصمت التي خيمت ~~عليها ... ~~(2) الطبيعة # كان أوسكار ليركه (1884-1941م) # Oskar ~~Loerke # هو النبع النقي الذي تدفق منه شعر ~~الطبيعة الذي بلغ ذروته في منتصف هذا القرن، ولقد صدر ديوانه ~~الأول «تجوال» # Wanderschaft # في ~~سنة 1911م، ثم ظهر ديوانه الثاني «موسيقى بان» # 13 # إبان الحرب العالمية الأولى سنة 1916م (وقد صدر أولا ~~بعنوان «قصائد»، ثم ظهر بالعنوان المذكور سنة 1929م)، ولم يلبث ~~النقاد أن احتفوا به وقدروا رعايته لتراث شعري عريق، بل لقد قال ~~أحدهم: إن الطبيعة تثبت وجودها في شعره، وهو قول يصدق ms14 عليه وعلى ~~كثيرين ممن ساروا على دربه - ومن أهمهم صديقه المقرب فيلهلم ~~ليمان # Wilhelm Lehmann ~~(1882م-...)، ~~الذي وصفه بأنه «طبيعة عظيمة ...» # وأخص ما يميز شعر الطبيعة عند «ليركه» أنه أبعد عنه شخصيته ~~الفردية، وأراح الوجود من تدخل ذاتية الشاعر ومثله وأحزانه ~~وأفراحه، وترك هذا الوجود يتحدث مع نفسه ويحاور نفسه، وقد كان ~~أبعاد الفردية عن الشعر شيئا جديدا في ذلك الحين، وبخاصة بعد ~~التعبيرية التي جعلت العالم يبدأ من الفرد (كما قال أحد أقطابها ~~وهو فرانز فيرفل # Franz Werfel ~~)، ~~وهذا ما عبر عنه «ليركه» نفسه، عندما قال: إنه يهتم بالاستماع إلى ~~«غناء الأشياء» أكثر مما يهتم بسماع صوته. # هكذا أصبحت «التجربة» طبيعية، وتحررت الذات من المبالغات التي ~~كانت تخنق أنفاسها، وعكفت الطبيعة على نفسها، وأصبح الإنسان جزءا ~~يستمد الحياة منها، واتجهت الأبعاد المكانية والزمانية نحو مركز ~~حسي واحد، تحاول القصيدة أن تثبته وتكثفه. # صار للطبيعة وجود سحري، وأصبح هم الشاعر أن يجمع المكان والزمان ~~والأشياء في لحظة الحضور الأزلي، وأن يضم الإنسان في نسيج ~~المخلوقات الطبيعية؛ ولهذا سميت هذه الحركة الشعرية باسم «الطبيعة ~~السحرية»، وتميزت كما قلت بتجردها من الفردية والذاتية، بحيث ~~أصبح واجب الإنسان أن يصمت «لكي يترك الكون يخلق نفسه»، ولعل هذه ~~الأبيات التي كتبها «ليمان» أن تعبر عما نريده بالطبيعة ~~السحرية: # كلمني كما تكلم الشجرة النحيلة، # غن أنت عني يا سرب الزرازير! # القدم والذراع ترف رفيف الأوراق، # وتحلم بها أحلام العصافير. # ولنضرب مثلا لشعر الطبيعة السحرية من قصائد ~~«ليركه» نفسه، لنلمس بأنفسنا كيف حاول بكل جهده أن يتخلص من عبث ~~«العواطف الغبية»، وكيف ازدحمت قصائده بالتفاصيل النباتية ~~والحيوانية والمعدنية المرهقة، وران عليها هدوء وصمت واتزان يوشك ~~ألا يجعل فيه مكانا للإنسان - يقول في قصيدته «الجبال تنمو» من ~~ديوانه «نفس الأرض» # Atem der Erde ~~(1930م): # لكن غير بعيد ترف الغابة بأجنحتها الكثيرة، # كأنها موكب الملائكة، وقد حجبتها غابة أقدم ~~عمرا، # ومن تحت أجنحتها السفلى، # تحرك غابة الغد جناحيها. # ما أعجب الأزمنة هنا، طبقة فوق طبقة، # آهلة بالنبات والحيوان، ms15 وهي تتحصن في الحيوان ~~والنبات! # وتعرف نفسها في، وأنا لا أسأل. # مملكة الحيوان والنبات. # ورقة تهوى، # صقر يرتفع من بين أشجار البلوط: # ما هي بعلامة شر يمكن تأويلها. # بل هي شعوري الأخير الصريح، # الذي حرم النطق كما حرم الحب، # في الألسن # 14 # يتردد نغم الصخر الأجرد، # أنا لا أسأل، لكن الجواب تعطيه، # مملكة المعادن التي في. # هنا يتكدس صمت الحيوانات فوق صمت المعادن ~~والنباتات، وتسود الدهشة التي يغترب فيها الإنسان ويعجز عن الحوار ~~ويكاد يفنى فيما حوله، صحيح أن «الأنا» لا تختفي تماما من ~~القصيدة، ولكن طبقات الطبيعة الخارجية تكتم أنفاسها أو تجعلها ~~طبيعة أخرى، انظر إليه وهو يتحدث في ديوانه «موسيقى بان» عن ~~اكتئاب الجسد في الليل، فيصفه بأنه ليل يذوب في البرودة، ولا ~~يقوى على تحريك الظلمة، ولا على تحريك دمه الفاتر الثقيل، ثم ~~يسأل: # ما هي الأنا إذن؟ # القدمان كالجبال التي ترى من بعيد، # شديدتا الغربة والثقل، لا أستطيع تحريكهما، # القلب كالوعاء الوحيد، # 15 # تفصله عني أميال كثيرة موحشة. # أعرف: # أن اليد تغوص في غابة من الفحم، # الجبين يحمل عاصمة باهرة الأضواء، # فوق قدمي ينام ثلج القطبين، # وتحتهما يبتلع البحر الدوامات. # سوف لا أخشى شيئا ولا أفقد شيئا، # وسأرقد بلا ألم ولا جوع، # وسأعرف ما تعرفه الأجنحة العظيمة، # وارف على نجم مع سائر النجوم. # هنا نجد ما ~~عبر عنه «ليركه» في قصيدة أخرى بقوله: «بعيدا تنام مني القدم ~~واليدان، على صدر شبحي ترقدان.» فالأنا الفردية أصبحت شبحا تجثم ~~الكائنات الطبيعية فوق صدره، إنها لا تعبر عن نفسها من خلال الشجر ~~والصخر، والنجم والنهر، وإنما تذوب فيها، تصبح لحظة من تاريخ ~~الغابة والصخرة والنهر، والعناصر والنبات والمعدن والحيوان، وهي ~~تعبر عن نفسها حقا، ولكنها توشك في نفس الوقت أن تتلاشى وتفنى ~~وتذوب. # ولنقرأ قصيدة أخرى من أجمل وأشهر قصائد «ليركه»، لنرى كيف يغوص ~~الإنسان أو الكون الصغير في الكون الأكبر، إنها قصيدة «قبر ~~الشاعر»، وهي إحدى «قصائده المختارة» التي ظهرت في برلين سنة ~~1954م: # في الصباح الباكر رأيت ms16 أمامي على عتبة الباب، # حيث يجتث الفلاح في الظل الرطيب الأعشاب، # رأيت أشواك الصباح النارية، # تشتد وتغدو أضواء بغير حدود. # الرب ينعم بالفراغ. # أما الآخرون فكتب عليهم أن يمضوا إلى تعب النهار، # وكتب علي الرقاد، # تحت أقدام الريح الحزين الثرثار. # عندما تعود الكرمة العجوز، # الكرمة السوداء متربة ودافئة، # يوقظني هذا الإيمان على الدوام: # إياك والنشيج، فالفقر لن يصيب الإله. # هذا شعر يظل - إن جاز التعبير - فوق الأرض أو ~~تحتها، إنه يعيش في طبقاتها، وينبض مع كل كائن يتنفس أو لا ~~يتنفس فيها، غير أن هذه النظرة الكونية ستختفي بالتدريج من ~~قصيدة الطبيعة، وبخاصة عند «فيلهلم ليمان»، الذي يمكن أن نقول: إنه ~~يعيش على الأرض بعينين مفتوحتين تدركانها وتستوعبانها، وسيزداد ~~هذا عند غيره من الشعراء فيتسع الأفق، وتنطلق المغامرة محلقة في ~~الفضاء، ويمعن الشاعر في التخلي عن ذاته، ويكثر من الحديث غير ~~المباشر، برموزه وعلاماته وإشاراته الهامسة، التي توشك أن تصبح ~~نوعا من الكتابة الهيروغليفية عند «جنتر آيش» # Gunther Eich ~~، الذي سنتحدث عنه ~~بشيء من التفصيل. # حدث إذن نوع من التطور بعد «ليركه»، وارتفعت أصوات المواهب ~~الجديدة فدفعته إلى منطقة الظل، وانتهى الانبهار السحري بالطبيعة ~~النباتية والحيوانية، ليحل محله الإغراق في التفاصيل الجزئية ~~والواقعية - حذر الإغراق في الكلمات «الشعرية» والعواطف الذاتية! ~~أصبح الشاعر هو «حافظ الواقع» و«مدير التفاصيل»، وأصبح الشعر ~~تصويرا لأعراس المادة وأفراحها ... وراح «ليمان» يدعو إلى هذا الشعر ~~المعني بالتفاصيل الموضوعية والواقعية، ويبين أنه هو طريق الخلاص ~~من أعباء الفردية وأمراض الذاتية، ويؤكد على سبيل المثال في إحدى ~~محاضراته أن «سلسلة صغيرة من العلامات يمكنها أن تتحكم في قوة ~~امتصاص بعض التفاصيل الدقيقة، لكي تعي ظواهر أخرى متعددة الأبعاد ~~والمستويات، هذا الاقتصاد والإيجاز في القصيدة الناجحة هو دليل ~~العمق والنظام.» # 16 # ورؤية «ليمان» للشعر والحياة قريبة من رؤية «ليركه» صديق عمره، ~~وقد عبر عن هذه الرؤية بتعبير أخذه عن جوته وهو «النظام ~~المتحرك» أو «النظام المرن» # Bewegliche ~~Ordung ~~، وليس هذا النظام شيئا محددا، ولا هو ~~شيء يثبت الظواهر أو ms17 يقيدها، وإنما يشير إلى قانونها الباطن الذي ~~يتجلى في علاقتها المتبادلة مع غيرها من الظواهر، والشاعر يعكس ~~هذا النظام المرن في مجال مشابه هو مجال اللغة، فلو تصورنا سربا ~~من البط البري يطير على هيئة شكل مخروطي، فلن يكون هذا شكلا ~~مجردا منعزلا عما حوله، وإنما يتحدد بمقاومة الهواء، وحركة ~~الأجنحة التي تجدف في الرياح، وتجانس اتجاه الطيران، هذه الصورة ~~المعبرة عن النظام المتحرك المرن الذي يسري على كل الظواهر ~~الطبيعية تستدعي صورا أخرى شبيهة بها، من حركة السفينة في البحر ~~إلى زحف الجيش في ميدان الحرب، وهي كذلك شبيهة بالنظام الذي ~~يتجلى في اللغة والصور والاستعارات، وما على الشاعر إلا أن ~~يحاكي ذلك النظام الطبيعي محاكاة أمينة، ويعكسه في قصيدته التي ~~ينبغي بدورها أن تكون نظاما نابضا بالمرونة والحياة ... # ويتجلى التوافق الأمثل بين مرونة الظواهر الطبيعية ومرونة ~~اللغة في الأسطورة والحكاية الخرافية (أو الحدوتة!)، فليست هذه ~~صورا تعكس نظاما ثابتا جامدا، بل تعبر عن نظام يتحرك ويتغير ~~ويتحقق باستمرار، والقصيدة فيما يرى ليمان تعكس الأسطورة كما ~~تعكس القطرة البحر، ولكنها لا تكتفي بهذا، وإنما تسعى على الدوام ~~إلى التكامل والكمال، ولما كانت حركتها تتم في مجال اللغة، فإن ~~العلاقات تدق وترهف، والروابط تشف وتلطف، ونقاط التماس ~~تتباعد وتخف. # 17 # تخلص الشاعر إذن أو حاول على الأقل أن يتخلص من نفسه ومن الشعر ~~بمفهومه التقليدي، ولكنه كتم أنفاسه بيديه، وطرد نفسه بنفسه من ~~القصيدة، وتضخمت قائمة التفصيلات فاختنقت القصيدة في غابة الألفاظ ~~الخضراء ... لننظر في شيء من شعر ليمان لنرى فرحة الحواس ونشوة ~~القرب من الأشياء، ومعظم قصائده لا يقدر على فهمها أو نقلها إلى ~~عالم في النبات، أو ضليع في مصطلحاته وفنونه، ولما كنت لا أدعي ~~شيئا من هذا، فقد تخيرت لك قصيدتين من شعره، لم تكونا في حاجة ~~إلى علم لا أملكه أو معاجم متخصصة لا تقع تحت يدي! إليك أولا ~~قصيدته «فرحة القمر»: # الغسق يقرب مطلع القمر، # العالم يبزغ من الاكتئاب، # ويخاطر بمحاولة أخرى، # بعدما أوهنه النهار. ms18 # الحياة التي ضاعت قديما، # توهب لي من جديد، # بعدما استحمت في النور الوديع، # مع جسد ديانا، # 18 # الشاب # أعضاؤها رطبة كالأوراق، # إن حاولت أن أدنو للعناق، # لا تسمح لي غير أشجار الحور، # أن أمسها كأنفاس الليل والظلام. # لكنها تشكر اللقاء، # وترف على جنبي. # ارتفع القمر في الأعالي، # وأنا لا أخشى الانتهاء! # وهذه قصيدة أخرى بعنوان «وصية صيف»، تعبر عما ~~يتحلى به الشاعر من الحكمة والتقوى والاطمئنان: # اجعلني جميلا، قبل أن أغيب، # هكذا قال نهار الصيف. # لتنثر الوردة الحرير، # وليكن زخرفها الأخير. # ومثل هذا الكفن، # حكه بخيط نحيل. # ولتدع دودة قز، # لغزل هذا النسيج. # إن بددتني الرياح، # فما تجوز الشكاة، # دع شاعرا مجهولا، # يردد الأبيات! # هكذا راح «ليمان» يتغنى في دواوينه المختلفة # 19 # بالحياة الطبيعية والنباتية، وازدحمت قصائده بالتفاصيل ~~الجزئية المرهقة، حتى أوشكت الطبيعة أن تثأر لنفسها فتطرد الشاعر ~~نفسه من القصيدة! # كذلك فعلت الشاعرة «إليزابيث لانجيسر» # Elisabeth ~~Langgässer # في قصائد أبراج النجوم # Die Tierkreisgedichte ~~(1935م)، ~~فأصبح شعرها أشبه بدغل كثيف تشابكت فيه الزهور والأشجار والنباتات ~~التي لا حصر لها، والتف حول القصيدة حتى خنقها، وتحولت القصيدة ~~إلى فهرس مفصل من أسماء لا آخر لها، وغلب عليها التكرار والملل ~~والإسراف الشديد، ووقع الشاعران تحت إغراء التجريد من الذات، حتى ~~استقلت الطبيعة بنفسها وجثمت بحيواناتها ونباتاتها على أنفاس ~~الشاعر! # ولكن هذا لم يقض على قصيدة الطبيعة، فقد كانت من القوة والأصالة ~~والغنى بالمرئي والمسموع والمحسوس بحيث تعمر طويلا، وحاولت ~~الشاعرة لانجيسر أن تجد لقصيدة الطبيعة مخرجا، فحولتها إلى قصيدة ~~مسيحية أو كاثوليكية، ونشرت مجموعة منها في ديوانها الأخير «رجل ~~الخضرة والوردة» # Der Laubmann und die ~~Rose ~~، الذي ظهر في خريف سنة 1947م؛ أي قبل موتها ~~بثلاث سنوات، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، وعانت القصائد ~~الطويلة المضنية من إرهاق الخيال وزحام التفاصيل، حتى باتت ~~الطبيعة أشبه شيء بميدان حرب تكدست فيه الجثث والأشلاء! # هكذا وصلت قصيدة الطبيعة إلى طريق مسدود، وأصبح عليها أن ~~تجدد نفسها أو تلوذ بعزلتها أو تخلد إلى الصمت، لقد ms19 استطاعت أن ~~تملأ فراغ الشعر الموحش أو أرضه الحرام المهجورة بعد انتهاء الحرب، ~~كما استطاعت أن تتغنى بالطبيعة الساحرة، وتنثر في سماء الشعر ~~«أقواس قزح» مفعمة بالصور والألوان والأنغام الصافية والأشكال ~~النقية، وتحافظ على التوازن بين الموضوع والأداء، وتكفكفت من غلواء ~~الفردية وإسراف «العواطف الغبية»، وتقتصد في اللفظ وتبعده عن ~~المبالغة والتهويل - ولكنها ~~استسلمت من ناحية أخرى لإغراء التفاصيل الطبيعية المضنية، حتى ~~انتقمت الطبيعة لنفسها كما قلت، وطردت الإنسان من القصيدة، أي طردت ~~الشاعر منها! # وفقدت القصيدة التوازن الذي وجدناه عند «ليركه» بين الإنسان ~~والطبيعة، وتحول التناسب الهادئ بين الموضوع والشكل إلى برنامج ~~أدبي جامد، ومنهج صارم متزمت، وبدا الشاعر كالسادر في متاهة ~~نباتاته وأدغاله وغاباته، وتعذر عليه أن يرجع للواقع والإنسان، أو ~~يلتقي بالشعر العالمي الذي بدأ يطرق الأبواب بعنف، ويطلب الدخول ~~بعد طول حرمان! أضف إلى هذا أن صدمة الكارثة المفجعة كانت أقوى من ~~هذا التيار الهادئ المتواضع، كما كانت المشكلات الجديدة أعنف من أن ~~تقنع بالقيم الجمالية الصافية، والأشكال الفنية المحكمة، والأساليب ~~الكلاسيكية الوقورة. # استمرت قصيدة الطبيعة التي جددها ليمان وإليزابيث لانجيسر حتى ~~ماتت هذه الأخيرة سنة 1950م، واستمر أصحابها القدامى في السير على ~~الدرب كل حسب قدرته وطاقته، ولكن الأصوات الشابة لم تلبث أن ~~أدركت ضرورة إعادة النظر في شعر الطبيعة والريف والغابة وفصول ~~السنة، وصمد أصحاب هذه الأصوات في الدفاع عن قصيدة الطبيعة، ~~واستطاعوا أن يبقوا بعيدا عن الأعين طوال اثني عشر عاما من ~~الإرهاب، كان منهم: جورج فون دير فرينج # Georg Von ~~der Vring ~~(1889م-...)، وجورج بريتنج # Georg Britting ~~(1891م-...) وريتشارد ~~بيلنجر # Richard Billinger ~~(1893م-...) - الذي تطفل عليه شعراء «الدم والأرض» النازيون وأفسدوا ~~شعره وشوهوا مقصده - وكان منهم أيضا جنتر آيش # Gunther Eich ~~(1907-1972م) - الذي ~~سبقت الإشارة إليه، وسنتحدث بعد قليل بشيء من التفصيل - وكارل ~~كرولوف # Karl Krolow ~~(1915م-...) ~~وبيتر هوخل Peter Huchel ~~(1903م-...) ~~وأودا شيفر # Oda Schaefer ~~(1900-...)، ~~ثم جاء بعدهم جيل أصغر سنا نذكر من أهم وجوهه هينز بيونتيك # Heinz Piontek ~~(1925-...) الذي كان ms20 ~~ديوانه «المعبر» # Die Furt ~~(1952م) ~~أول ما ظهر من دواوين الشباب وأهمها، وتلته مجموعة أخرى «علامات ~~الماء» # Wassermarken ~~(1957م)، ~~ومجموعة ثالثة لشاعر سويسري هو رينيه برامباخ # R. ~~Brambach ~~(1917م-...) بعنوان «عمل اليوم» (1960م)، ~~ثم فوجئت الحياة الأدبية بموهبة خارقة جاءت من الشرق؛ إذ ظهر ~~للشاعر القاص «يوهانيس بويروفسكي» # Johannes ~~Bobrowski ~~(1917-1965م) مجموعتان رائعتان هما «زمن ~~زرماتي» # Sarmatische Zeit ~~(نسبة ~~إلى منطقة زرماتيا في بروسيا الشرقية) (1960م) و«بلد الظلال، ~~أنهار» # Schattenland Strome ~~(1962م) جلبتا المجد والشهرة، وأعادتا قصيدة الطبيعة التي ~~استهلكتها الصنعة الفنية والمبالغة المضنية إلى أصالتها الريفية ~~الساحرة، فاكتسبت ملامح الوطن الذي نبعت منه وعذاباته، وعبرت عن ~~موهبة نضيرة لم ترها تعقيدات المذاهب والبرامج الفنية، وابتعد شعر ~~الطبيعة الجديد عما يمكن أن نسميه شعر الطبيعة المطلق، ونفض عنه ~~سأم «الطبيعة الساحرة»، واتجه إلى الالتزام بالواقع الحي والإنسان ~~المخرب المعذب، بل لقد نفذت إليه بعض أفانين الهوس السيريالي ~~والعبث الدادي (كما نرى مثلا عند جنتر زويرن في «بيانو شتوي ~~للكلاب»، وديتر هوفمان في «أيروس في الشجر الحجري».) # لن يمكننا بطبيعة الحال أن نقف عند هؤلاء الشعراء كل على حدة، ~~وإن كانوا يستحقون دراسات مستقلة لا يتسع لها المجال، ولكن لا بد ~~من وقفة قصيرة عند واحد منهم يعد اليوم من أعلام الشعر المعاصر ~~في بلاده، ومن وجوه الأدب البارزة التي أصلت «التمثيلية الإذاعية» ~~كنوع أدبي معترف به، والشاعر الكاتب الذي نعنيه هو جنتر آيش، # 20 # الذي استطاع مع غير من أبناء جيله الذين ذكرت لك ~~أسماءهم، أن يستفيدوا من خير ما قدمته قصيدة الطبيعة على يدي ليركه ~~وليمان، وأن يتجنبوا الوقوع في عيوبها وأخطائها، وكان أول ما ~~تعلموه منها هو الاقتصاد في اللفظ، والبعد عن العواطف المسرفة، ~~وتجريد القصيدة بقدر الإمكان من الأنا الفردية للشاعر، والقرب ~~الحميم من الموضوع المحسوس، وتنقية التجربة، وصفاء الشكل. # وإذا نظرنا في شعر «آيش» وجدناه يميل إلى الإيجاز في اللفظ إلى ~~حد الاكتفاء بالإشارة وإيراد العبارات المأثورة، ولمسنا روح ~~الحكمة الصينية التي تفيض على كل أعماله ms21 (وقد كانت أنفاس هذه الروح ~~الحكيمة المقتصدة تتردد أيضا في قصائد ليركه وليمان، حتى لقد صرح ~~هذا الأخير بأنه كان دائما من المعجبين بشعراء الصين الكبار، ~~وأنه تعلم منهم واستلهمهم، وتمنى يوما لو قدر له أن يعيش في ~~الصين في عهد حضارتها الزاهية!) # غير أن الطابع الذي يميز شعر آيش عن سابقيه هو أنه بدأ يدخل ~~ذاته في القصيدة، وإن وجب الاحتراس في هذا القول، والتنبيه إلى ~~أنها في الحقيقة ذات محايدة أو غير شخصية، انظر إلى هذه القصيدة ~~التي جعل عنوانها «نهاية صيف»: # من ذا الذي يحب أن يعيش بغير عزاء الأشجار! # ما أطيب أن تشارك في الموت. # حصد الخوخ، وثمار البرقوق اكتست ألوانها، # بينما يسمع خرير الزمن تحت أقواس الجسور، # أسر يأسى لموكب الطيور، # إنه يحسب نصيبه من الأبد في هدوء، # المسافات التي يقطعها، # ترى على أوراق الشجر كالقهر المظلم، # حركة الأجنحة تلون الثمار، # معنى هذا أن نتعلم الصبر. # قريبا تنزع الأختام عن كتابة الطيور، # تحت اللسان يستعذب طعم الفينيج. # 21 # هنا نجد القصيدة مقتصدة في التعبير، شديدة الميل ~~إلى الاحتراس في اللغة إلى حد الخوف من تسمية الأشياء! وهذا هو ~~أسلوب آيش في شعره وتمثيلياته الإذاعية وخواطره: الإشارة المركزة، ~~والرمز الذي يحتمل عدة تأويلات، والعبارة التي تكاد أن تتحول ~~إلى نقش مختصر أو رسالة مكتوبة على جناح طائر، والصورة المكثفة ~~البسيطة التي تشير إلى واقع خفي وراء الواقع المرئي والملموس، ~~والعناية بالمسائل الفلسفية والدينية والأخلاقية التي تورق إنسان ~~العصر، لم يكن أبدا من الشعراء الثرثارين، بل حرص كل الحرص في ~~شعره ونثره على أكبر قدر من الدقة والإحكام والتعقل والزهد، تجد ~~هذه في واحدة من أولى قصائده وأشهرها؛ إذ أصبحت نموذجا ~~«كلاسيكيا» لما يسمى بأدب ساعة الصفر أو أدب الخراب والأطلال، ~~الذي قلنا أنه جاء في أعقاب الحرب مباشرة، لنقرأ هذه القصيدة التي ~~كتبها آيش سنة 1945م، ووضع لها هذا العنوان الدال «جرد»: # 22 # هذه هي قبعتي، # هذا معطفي، # هنا أدوات حلاقتي، # في كيس من القماش! ~~••• # علب ms22 محفوظة: # طبقي، كوبي، # في الصفيح الأبيض، # حفرت اسمي! ~~••• # حفرته هنا، # بهذا المسمار الثمين، # الذي أخفيه، # عن العيون النهمة! ~~••• # في كيس الخبز، # جورب من الصوف، # وأشياء أخرى، # لا أبوح بسرها لأحد! ~~••• # أجعل منه مخدة، # بالليل تحت رأسي، # لوح الورق هنا، # بيني وبين الأرض، ~~••• # أحب الأشياء إلي: # أنبوبة القلم الرصاص، # بالنهار تكتب لي أبياتا، # فكرت فيها بالليل! ~~••• # هذه مفكرتي، # هذه خيمتي، # هذا منديلي، # هذا خيطي. # سار (آيش) في هذا الطريق من دواوينه الأولى مثل: ~~«أحواش نائية» (1948م)، و«رسائل المطر» (1955م)، إلى مجموعاته ~~الأخيرة مثل: «الرجوع للوثائق» (1964م)، و«مناسبات وحدائق حجرية» ~~(1966م)، وازدادت لغته كما قلت إيجازا وتركيزا حتى أوشكت الكلمات ~~أن تتحول إلى إشارات وعلامات، ولكنه مع هذا لا ينتهي إلى ~~التجريد ولا يقف عنده، بل سرعان ما تتحول القصيدة فجأة من الرمز ~~والصور السيريالية إلى الواقع الملموس - هل معنى هذا أن شاعرنا نسي ~~قصيدة الطبيعة، التي نهل منها وعرف بها وجرى وراء البدع الجديدة ~~الغريبة؟ الواقع أن هذا غير صحيح، فلم يزل «آيش» هو شاعر الطبيعة، ~~ولكن بعين جديدة ومفهوم مختلف عن الجيل السابق، ولم تزل اللغة ~~الحقة في نظره هي التي يلتقي فيها الشيء والكلمة، ولكنها في نفس ~~الوقت لغة تريد أن تنفذ إلى سر العالم الذي تأتي منه «رسائل ~~المطر»، وتتم فيه «القرارات الحاسمة في تحليق الحمام»، والشعر هو ~~تجربة الاقتراب من هذا العالم، وتطويق أسراره بالكلمات؛ ولهذا نجد ~~الغضب يثور به في إحدى قصائده فيقول: # احملوا أخيرا هذا الطعام، # الذي لا وجود له، # وانزعوا السدادات عن المعجزات! # وليس هذا بالطبع هروبا من الواقع، بل محاولة ~~للاقتراب من سره في هذا العالم الأرضي الذي نحيا فيه؛ لهذا أصبح ~~شعر الطبيعة عنده ملتزما إلى أبعد حد، إن جاز لنا أن نستخدم هذه ~~الكلمة بأشمل معانيها، لا بالمعنى المحدود المتزمت الذي تردده ~~بعض الألسنة عندنا دون علم ولا إحساس، إنه شعر إنسان يشارك ~~معاصريه آلامهم، وهو على حد قوله في خطبته التي ألقاها عندما احتفل ~~بمنحه جائزة «بوشنر» الأدبية المرموقة: «شعر ms23 مكتوب لأولئك الذين ~~لا يسمحون بترتيبهم في نظام معين، للمتوحدين وغير المنتمين، ~~للمجدفين في أمور السياسة والعقيدة، للساخطين لأعداء الحكمة، ~~للمحاربين في معارك خاسرة، للحمقى والخائبين، للحالمين التعساء، ~~للمزعجين، لكل الذين لا يمكنهم أن ينسوا بؤس العالم حينما يكونون سعداء.» # 23 # وقد عبر «آيش» عن هذا الالتزام في أعماله الأولى بلهجة خطابية ~~أو تعليمية، تذكرنا «ببرشت» في مسرحياته الأولى المعروفة ~~بالمسرحيات التعليمية، ويمكننا أن نستشهد على هذا ببضعة أبيات ~~ينثرها بين الفصول الخمسة، التي تتألف منها تمثيليته الإذاعية ~~الشهيرة «أحلام» (1953م)، وهي أبيات أريد بها أن تقلق المستمعين ~~وتنبههم إلى «الكوابيس» المتربصة بهم، حتى لا يستسلموا للأحلام ~~الغبية السعيدة، تبدأ القصيدة التي تمهد للحلم الأول (وهو يصور ~~مجموعة من الناس حشروا في عربة مظلمة مقفرة، يحسون بالأصوات ~~التي تأتيهم من الخارج، ولكنهم لا يعلمون إلى أين المصير) بهذه ~~الأبيات: # إنني أحسد كل القادرين على النسيان، # الذين ينامون نوما هادئا ولا يحلمون. # وتختتم بهذه الأبيات: # انظروا إلى الواقع: سجن وتعذيب، # عمى وشلل، موت من أشكال عديدة، # الألم الذي لا شأن له بالجسد، والقلق الذي ينصب على ~~الحياة. # الأرض تجمع التنهيدات المنبعثة من أفواه كثيرة، # ومن عيون الناس الذين تحبهم يطل الذهول، # كل ما يجري يهمك أمره ويعنيك. # وتقول القصيدة التي تسبق الحلم الثاني (الذي يصور ~~عجوزا صينيا يشتري طفلا من أبويه، ليمتص دمه ويستعيد ~~الشباب!): # تذكر أن الإنسان عدو للإنسان، # وأنه يفكر في الخراب، # تذكر أن كوريا وبيكيني لا توجدان على الخريطة، # بل في قلبك. # تذكر أنك مسئول عن كل الفظائع، # التي تحدث بعيدا عنك. # ولكن لهجة «لا تناموا» و«استيقظوا لأن أحلامكم ~~سيئة» و«لا تكونوا مريحين بل كونوا رملا لا زيتا في زحام ~~العالم!» - هذه اللهجة اختفت وحلت محلها لغة خالية من علامات ~~التعجب، وإن كانت أقدر على التأثير والنفاذ، إنه يتحدث الآن عن ~~«تنهدات أولئك الذين يموتون جوعا، وعن الصرخة التي تهدم كل النظم، ~~والآمال الكاذبة في أن صرخات المعذبين يمكن أن تجعل المستقبل أخف»، ~~إنه يلتزم بالمعنى الإنساني الشامل ms24 كما قلت، بنفس «الحكمة الصينية» ~~التي نكشف عنها قصيدة كهذه عن «الرجل ذي السترة الزرقاء» أو الفلاح ~~البائس الذي يعمل - في كل البلاد وكل العصور - في صمت ~~خالد: # الرجل ذو السترة الزرقاء، # العائد إلى بيته، والفأس على كتفه، # أراه خلف سور الحديقة! ~~••• # هكذا كانوا يمشون مساء في أرض كنعان، # هكذا يرجعون إلى بيوتهم من مزارع الأرز في بورما، # من حقوق البطاطس في مكلنبرج، # 24 # من جبال الكروم في بورجند، # 25 # ومن بساتين كاليفورنيا! ~~••• # عندما يضيء المصباح خلف ستار النوافذ، # أحسدهم على حظهم، الذي لا أستطيع أن أشارك فيه، # على الأمسية العائلية، # بدخان المدفأة، والقناعة، وغسيل الأطفال. ~~••• # الرجل ذو السترة الزرقاء يرجع إلى بيته، # فأسه التي وضعها فوق كتفه، # تشبه في الشفق الهابط بندقية. # قد تسأل مرة أخرى على «آيش» شاعر ملتزم؟ - لقد ~~حير النقاد بالفعل في أمر هذا الالتزام غير المألوف، الذي يحتمل ~~تأويلات عديدة، والسؤال على هذه الصورة يبدو غليظا وسخيفا، ولا ~~يمكن أن يصل إلى حقيقة فنه الذي يفلت من كل تأويل صريح، إن كل ~~شيء في شعره يبدو واضحا ملموسا، ولكنه ملفوف في غلالة شفافة من ~~الرموز والأسرار، لقد ابتعد عن الانفعال الكاذب، والكلمات الطنانة، ~~واكتست أبياته مسحة من الحزن والزهد والمرارة التي تكسو وجه حكيم ~~صيني طيب، إنه في أعماقه إنسان واحيد ، متواضع، حبيس داخل ذاته، ~~يحب الحقيقة أكثر مما يحب الجمال أو يثق به، ويخفي احتجاجه على ~~نظام العالم أو بالأحرى على فوضاه وبؤسه وراء الحزن والاكتئاب الذي ~~يغلب على أشعاره الأخيرة، وهو في النهاية حزن يوجهه العقل الناصع ~~والوعي الدقيق. # هل معنى هذا أنه لم يعد شاعر الطبيعة الذي تغنى به في بداية عهده ~~بالشعر - الجواب بالنفي، فما زال هو نفسه شاعر الطبيعة الذي يرقبها ~~الآن من فوق قمة جبل عال، إنه لا يكتب «أدبا» أو ينفث سحرا أو ~~يدبج نظرية أو مذهبا لإصلاحها، وإنما يحاول أن يكتشف حقيقتها، ~~هكذا تكون قصيدة الطبيعة قد تطورت على يديه إلى الالتزام الشامل ~~بالعالم والإنسان، وخرجت عن ms25 حدودها الجمالية (أو بالأحرى ~~الاستطيقية!) القديمة إلى الصدق بمعناه الفني الرحب. ~~••• # وتغيرت قصيدة الطبيعة مرة أخرى عند شعراء الجيل الجديد، فأدخلوا ~~عليها عناصر سريالية، ومالوا إلى التخفف والعبث واللعب باللغة ~~والصور والرموز، مما سنجد أمثلة له عند الكلام عن القصيدة ~~التجريبية أو قصيدة اللعب والتركيب، ولكنها ابتعدت على كل حال عن ~~قيود القصيدة القديمة، وقيمها وطموحها وشطحاتها المسرفة، ولا بد من ~~التريث قبل الحكم على هذا التطور أو له (فالصبر - لو علمنا - هو أب ~~كل فكرة أو فن أو شعر جدير بهذا الاسم!) # فهل سيتجه هذا التطور المذهل بالقصيدة إلى التحلل والتمزق، أم ~~سيصلها بتراث غني من شعر الطبيعة، يصعب أن نجد له مثيلا في أي ~~آدب آخر؟ # لا بد من الانتظار! ~~(3) الحب # الحب ... ماذا بقي من العاطفة الأليمة الخالدة في عالم خرب ~~منهار؟ ماذا يفعل الشاعر الذي يأكل الجوع ويسكن بين الأنقاض ~~بالحمامة الذهبية التي ترفرف بين ضلوعه؟ بأي عين ينظر إلى عروس ~~السماء الرائعة البائسة، التي تزف إليه كل لحظة وتهجره وتعذبه ~~كل لحظة؟ ألا يزال في قدرته أن يغني لها غناءه الحلو العذب كما فعل ~~آباؤه وأجداده، أم امتلأت قصيدته بالنشاز والأشواك، وانعكست عليها ~~صورة العصر الذي لم يعد عصر القلوب الخفاقة والعواطف ~~الدافئة؟ # حدثتك عن مبدأ هام يصدق على الشعر الحديث منذ عهد بودلير ~~ورامبو ومالارميه إلى كبار المجددين في القصيدة الأوربية المعاصرة، ~~وأعني به إلغاء «الأنا» واستبعاد النزعات الشخصية والعواطف ~~الفردية، وطردها من القصيدة بكل سبيل! فماذا يبقى من قصيدة الحب ~~بعد أن طردت الذات من بيتها الطبيعي، وزال «الشخص» في مجتمع ~~الجماهير والزحام، وتحطمت القدرة على التوحد مع العاطفة، التي كانت ~~تعبر عنها قصيدة الحب التقليدية؟ كيف يمكنها أن تواصل الحياة ~~وتثبت قدرتها على البقاء؟ # أثبتت قصيدة الحب بالفعل قدرتها على الحياة، والنماذج العديدة ~~التي نجدها في أية مجموعة شعرية مختارة أو النماذج القليلة التي ~~ستقرؤها بعد قليل تؤكد ما نقوله، غير أنها اضطرت أن تغير طبيعتها، ~~وتحيا في حدود الإمكانيات المتاحة لها، والضرورات ms26 والواجبات ~~الملقاة على عاتقها. # وأول ما يخطر على البال أنها تجد في البحث عن المحبوب، والتماس ~~الطريق إلى الحب المستحيل! إنه يفلت منها في الزحام، وهي تخفي ~~خصوصيتها الحميمة فتكتسي بأكثر من قناع، وتقاوم حياءها وحساسيتها ~~باللجوء إلى «الموضوعية»، والتخلي عن العواطف الكاذبة ~~والانفعالات الصارخة، والخضوع لقوانين التفتت والتغير والتشوه ~~والآلية التي تطبع حياتنا العادية، بحيث تبدو في معظم الأحيان ~~كأنها تؤكد عداءها لهذه العاطفة القديمة الغالية، أو تجاهد ~~للتنفيس عن إحساسها الفردي الذي لا تريد أن تبوح به حتى لا تتهم ~~بالسذاجة؛ ولهذا تعكس قصيدة الحب قلق الشاعر الحديث وتناقض وجوده، ~~وتبدو أشبه بمسرح داخلي تتصارع عليه الأشباح، ولعل بعض النماذج ~~تمكننا من توضيح ما نحاول الإشارة إليه، وتسمعنا بعض الألحان التي ~~تطلقها هذه القصيدة، وتطلعنا على قبس ضئيل من جمالها القاسي ~~الأخاذ، ونبدأ بإحدى قصائد «جو تفريد بن» المتأخرة - وقد سبقت ~~الإشارة إليه - وعنوانها «ساعة زرقاء»، ترف عليها ظلال من الحب ~~بمعناه القديم، لمحات من الجمال الساحر الغابر، من تنهدات ترستان ~~لحبيبته إيزولده، وشكوى أورفيوس لمعبودته الضائعة في ظلام العالم ~~السفلي: # أخطو في الساعة الزرقاء المظلمة، # ها هو ذا المدخل، الرتاج ينغلق، # وفي الحجرة (تبدو الآن) حمرة على فم، # ووعاء ورود أخيرة - أنت! # كلانا يعلم أن تلك الكلمات، # التي كثيرا ما قلناها للغير وحملناها إليه، # هي بيننا الآن كالعدم، وليس لها من مكان. # هذا هو كل شيء، وهو كذلك الملمح الأخير. # نما الصمت بيننا وانتشر، # وأخذ يملأ المكان ويتفكر مع نفسه، ~~- لم يأمل شيئا ولم يتعذب بشيء - في الساعة ~~(الزرقاء)، # ووعاء الورود المتأخرة - أنت. # رأسك يتبدد، أبيض ويريد أن يحمي نفسه، # بينما تتجمع البهجة كلها على فمك، # والأرجوان والأزاهير، # التي تتدفق عليك من نبع الأسلاف، # ما أشد بياضك، تبدين كأنك ستنهارين، # كأنك ثلج خالص، وقد تجردت من كل الأزهار، # أعضاؤك وردات في بياض الموت - المرجان، # فوق الشفاه وحدها، ثقيل وكبير كالجراح. # ما أشد شحوبك، تتكلمين عن شيء ما، # عن سعادة السقوط والأخطار، # في ساعة زرقاء، مظلمة زرقاء، # وعندما ms27 مرت، لم يدر أحد أنها كانت. # أسألك، وأنت ملك إنسان آخر، # لم حملت إلي الورود الأخيرة؟ # تقولين الأحلام تنقضي، الساعات تمر، # ما معنى هذا كله: هو وأنا وأنت؟ # كل ما يبدأ، يريد كذلك أن ينتهي من جديد، # كل ما نجرب - من ذا الذي يعلم على وجه التحديد، # الرتاج يغلق، ونصمت بين هذه الجدران، # وهناك الفضاء البعيد، عال وفي زرقة السماء. # القصيدة تفيض بالاكتئاب والتعب والحنين المظلم ~~الذي يكسو قصيدة «بن» الأخيرة، إن عاطفة الحب فيها متأججة دافئة، ~~ولكنه حب يسعى ثقيلا بين النور والظل، أشبه بالوردة التي تروي ~~الأساطير اليونانية أنها تزدهر في العالم السفلي، وتزيد الثقافة ~~الحلوة - التي تعجز الترجمة للأسف عن نقلها - من الحزن الهادئ ~~الكسير، كما تزيده الورود المتأخرة التي تجيء بعد موسمها، وبياض ~~الشعر، وألوان الأزرق الغامق والأبيض والأرجوان والأزهار التي ~~يلفها صمت توحي به الكلمات والإيقاع، وكأنها تحاول أن تعيد ~~ماضيا ذهب، أو تحيي مشهد وداع لم يوجد إلا في ضمير الشاعر ~~... # في القصيدة عاطفة لا تخطئ الأذن ولا القلب موسيقاها، ولكنها تعرف ~~كيف تنتصر على نفسها بالزهد والكتمان، والأنا المعذبة حاضرة بغير ~~شك، ولكنها توشك أن تفنى وتذوب في أنا أخرى غير شخصية، أو في «جو ~~عام» يشع من القصيدة كلها إشعاعات عديدة، ولو فتشنا عن الأنغام ~~المتنافرة لسمعنا منها الكثير، ولو بحثنا عن العاطفة لوجدناها وراء ~~غلالة من الهدوء والبرود واللامبالاة، التي تعبر عن نفسها «بسعادة ~~السقوط والأخطار». # ومع هذا، فالقصيدة غنية بالشجى والحسرة والشعور بالفقدان ~~والحرمان، بعاطفة تنتمي إلى زمان ذهب وانقضى، ولكنها تحاول أن ~~تنهض من جديد في عالم أشبه بجبانة هائلة، وهي تختلف بغير شك ~~عن قصائد الحب التي كتبها جيل آخر بعد «بن»، حاول أن يتحرر من ~~العاطفة ويبين استحالتها، وأتى بالعديد من عناصر الإغراب والاغتراب ~~والبعد والصدود، إنه جيل يؤكد العجز المرير عن الاتصال ~~بالمحبوب، ويطرق باب الحب في حياء لكي يرتد عنه في الحال! والشاعر ~~يدخل العشاق والمحبين في أفق أوسع وأكبر، ويقوم بعملية «موضعة» - ~~إن صحت ms28 هذه الكلمة - أو تجريد ذهني للعواطف الفردية والكلمات ~~التقليدية ليخلص نفسه ويخلصهم منها. # وتخطر على البال في هذا المقام شاعرة أصيلة هي «إنجبورك باخمان» # Ingeborg Bachmann # 26 ~~(ولدت سنة 1926م في كلاجنفورت بالنمسا)، إن الحرية ~~التي أتاحتها المغامرة الجريئة المتناهية في الصدق والأمانة، قد ~~سمحت لشعرها أن ينطلق في رحلته اليائسة إلى أرض الخيال ورحاب الكون ~~الواسعة، والمجال الذي يرفرف فيه ليس هو الممكن بل المستحيل، أصبح ~~من العسير أن نضع حدا فاصلا بين استحالة الحياة واستحالة الشعر، ~~فبقدر ما تتداعى القيم الاجتماعية الملزمة، بقدر ما يكتسب الحب ~~قيمة مطلقة، أهي الرغبة في التعويض عن عالم موحش لا قيمة فيه ولا ~~معيار؟ - وإلى أين يفزع الشاعر الذي يتداعى فوقه الحطام، إن لم ~~يفزع إلى الحب يستغيث به ويستجير؟ أليس هذا شيئا إنسانيا ~~مفهوما بعد كل كارثة تلم بالفرد أو الجماعة؟ ألا نجد شاعرنا ~~العربي بعد النكبة يفزع إلى صدر الحبيبة ليبكي زمنا بلا أبطال، ~~وأياما بلا أعمال؟ # الحب المطلق إذن ولا شيء سواه، الحب الذي يعتصم بقلعته ويصر ~~على حقه، وبهذا يثبت من جديد استحالته، إن القمة التي يرقى إليها ~~تكشف عمق الهوة التي يتردى فيها، هبوطه إلى الجحيم يعلمه أن ~~اللعنة الأبدية هي الصورة الوحيدة المقابلة للمطلق، وقد عرفت ~~اللغة الشعرية هذا على يد كهنة الرمزية وأئمتها - وبالأخص ~~مالارميه - فحاولت أن تبلغ الصفاء والنقاء الخالص من كل شيء وكل ~~مادة لعلها تلمس المطلق، ولكنها انتهت إلى الصمت والعدم! # هذا هو حصاد المغامرة الأمينة اليائسة التي انطلقت فيها الشاعرة ~~العظيمة إنجبورج باخمان، لقد زهدت في كل الإمكانيات المتاحة، فلم ~~تكشف كواكبها الشعرية المتلألئة بالكلمات الشجية الناصعة إلا عن ~~الفراغ والعدم والمحال، وغاصت بشعرها الجليل المثقل بالرموز ~~والأسرار في الهاوية، فلم تجد في العدم والفراق والعري والعذاب سوى ~~إشارات كطلاسم العرافين، إلى تلك اللانهاية التي لا تقوى الكلمات ~~على التشبث بها أو التعبير عنها، ولعل هذا هو الذي يجعلنا نحس ~~عند قراءة شعرها كأننا نستمع إلى بكائية رتيبة لا تنقطع، لكنها ms29 ~~بكائية على لسان نبي يقرع أجراس الخطر، وإن عرف أن صوته سيضيع في ~~صحراء القلوب المقفرة من الحكمة والمحبة والإيمان، نبي يريد ~~للعالم أن يبدأ من البداية، بعد أن غارت نجومه وفسدت ثماره، لكن ~~نهاية العالم أو بدايته ليست في الحقيقة إلا خفقة قلب أو غمضة جفن، ~~إذا قيست بالصوت الخالد الآتي من وراء الزمن، الصوت الذي يتردد ~~منذ الأزل وسوف يتردد إلى الأبد؛ لأن لغة الشعرب تتجاوب به ~~دائما في أوقات المحن والنكبات. # لتنطلق الشاعرة إذن في مغامرتها الجسورة، لا تبالي إن هوت إلى ~~الدوامة المظلمة، أو جذبتها الكواكب والأفلاك إلى دائرة الدب الأكبر! # 27 # لنقرأ إحدى قصائدها الرائعة لنرى كيف يتم التحرر والتجريد ~~اللذان أشرت إليهما - في لغة نقية كلاسيكية الإيقاع والجلال، ~~بعيدة عن البدع و«المودات» والرغبة في التجديد للتجديد، تقول ~~الشاعرة في هذه القصيدة التي سمتها «اشرح لي، يا حب»: # قبعتك تهتز بهدوء، تحيي، ترف في الريح، # السحب تحب أن تلمس رأسك العارية، # قلبك مشغول بشيء آخر، # فمك يحصل لغات جديدة، # العشب المرتعش على الشاطئ ينمو بكثافة، # الزهور النجمية يلفحها الصيف هنا وهناك، # تعميك الندف المتطايرة فترفع وجهك. # تضحك وتبكي وتنهار، # ما عسى أن يحدث لك أيضا؟ # اشرح لي، يا حب! ~~••• # الطاووس يحرك ذيله بدهشة مهيبة، # الحمامة ترفع ياقتها المصنوعة من الريش، # الهواء يفعم بالهديل فيتمدد، # البط يزعق، والأرض كلها، # تتزود من العسل البري، وفي البستان الهادئ، # أحاط الغبار الذهبي بكل أحواض الزهور. # السمكة يحمر لونها، تسبق السرب، # وتندفع من الكهوف إلى حوض المرجان. # العقرب يرقص في حياء على نغم الرمل الذهبي. # الجعران يشم رائحة المحبوبة الفاتنة من بعيد، # أو لدي إحساس واحد لشعرت أيضا، # بأن الأجنحة تلمع تحت ترسها، # ولتوجهت إلى شجيرات التوت البعيدة! # اشرح لي، يا حب! ~~••• # الماء يجيد الكلام، # الموجة تسحب الموجة من يدها، # في الكرمة ينتفخ العنقود ويثب ويسقط، # ما أطيب الحلزون وهو يغادر بيته! # الحجر يعرف كيف يلين حجرا آخر! # اشرح لي، يا حب، ما لا أستطيع شرحه: # أحتم علي أن أقضي ms30 الأجل القصير المخيف، # وحيدة مع الأفكار وحدها، # لا أعرف شيئا يحب ولا أقوم بعمل محبوب؟ # أحتم على الإنسان أن يفكر، أليس هناك من ~~يفتقده؟ ~~••• # تقول: إن روحا أخرى تعول عليه. # لا تشرح لي شيئا، أرى السمندر، # 28 # ينفذ في النيران، # لا خوف يطارده، ولا شيء يؤلمه. # حب مر يعلنه العاشق بشفتين مضمومتين، عبارات ~~تقريرية متجاورة تقول كل شيء ولا تقول شيئا، ثناء على الحب، ~~لكنه منبعث من فؤاد جريح كتوم، حساب مع النفس يبتعد جهده عن ~~التحسر والندم، حقائق متتالية تستعصي على كل تفسير، جهد عنيد ~~يحاذر من الاقتراب من الأنا ويكتفي بلمسها من بعيد، جهد يمكنك أن ~~تقول إنه كلاسيكي أصيل. # هكذا تعبر الشاعرة عن إحساسها بالحب - ونخطئ لو تصورنا أنها لا ~~تصدر عن عاطفة صادقة، على الرغم من تحاشيها الإغراق في العاطفة! - ~~بحيث يصبح هذا الإحساس في النهاية قوة عليا غير شخصية، تسيطر على ~~كل شيء وتهيمن على كل حي، إنها ترسم لوحات متتابعة في صورة ~~تقريرية ومحايدة كما قلت، وتروح تعدد معجزات الحب وتشيد به في ~~أشكاله المختلفة، على نحو ما تعود الشعراء من أقدم العهود، تبدأ ~~بالتجوال في بستان الحب، وتقدم أعاجيبه واحدة بعد الأخرى، وتنتهي ~~بالشكوى الصامتة والحزن المتوحد، غير أنه حزن غير شخصي كما ~~قدمت، سواء في شعورها به أو تعبيرها عنه، صادرة عن قوة شعرية ~~مستقلة تخلق الصور والرموز، وتبدع في الاستعارات والتشبيهات التي ~~تنوب عن العواطف التقليدية المألوفة في قصائد الحب؛ ولهذا فليس ~~غريبا أن تنتهي بهذه الأبيات المفعمة بالبعد والزهد ~~والكتمان: # أحتم علي أن أقضي الأجل القصير المخيف. # وحيدة مع الأفكار وحدها. # لا أعرف شيئا يحب ولا أقوم بعمل محبوب؟ # هكذا تنجح الشاعرة في تقديم نموذج بديع لقصيدة ~~الحب الجديدة، التي تشهد على استحالة الحب في هذا الزمن المعقد ~~الجريح، قصيدة من أجمل ما يمكن أن يقدمه الشعر الحديث، كتبتها ~~شاعرة تعيش عصرها بوجدان كلاسيكي جليل، وتترفع عن البدع، ~~و«المودات» التي يبدو أنها لا تنتشر وتستفحل إلا إذا غابت الأصالة ~~الحقة، ms31 وكثرت الببغاوات والطفيليات التي لا تقول شيئا - إذ ليس ~~لديها شيء يقال ... ~~••• # ولنقرأ الآن قصيدة أخرى تضارع القصيدة السابقة في قوة إقناعها ~~واعتمادها على الصورة والتشبيه، وإن جاءت من قلم شاعر مختلف كل ~~الاختلاف في المزاج والعقيدة والغاية، وهو الشاعر والكاتب الأشهر ~~برتولت برشت، تلك هي قصيدة «المحبين» التي تعد من قصائد الحب ~~النادرة التي كتبها برشت: # انظروا إلى طائري الكركي وهما يحلقان في دائرة ~~واسعة! # السحب التي ترافقهما، # بدأت السفر معهما، عندما طارا، # من حياة إلى حياة أخرى، # على ارتفاع واحد وبسرعة واحدة، # يبدو كلاهما شيئا ضئيلا، # بحيث يتقاسم الكركي مع السحاب، # السماء الجميلة التي يحلقان فيها، # بحيث لا يبقى أحدهما فترة أطول من صاحبه، # ولا يرى غير اختلاجه مع الريح، # التي يشعران بلمساتها وهما راقدان معا على مخدع ~~الهواء، # قد تغويهما الريح وتلقي بهما في العدم، # لكن لم يمسهما السوء، # ما لم يتغير أحدهما أو ينوي الفراق، # ولن يبعدهما أحد عن كل مكان، # تهدده الأمطار أو تدوي فيه الطلقات، # هكذا يرفرفان بعيدا، غارقين في الحب والهيام، # تحت وجهي الشمس والقمر المختلفين، # إلى أين تذهبان؟ إلى غير مكان! # ممن تهربان؟ من كل إنسان. # تسألون: منذ متى وهما معا يطيران؟ # منذ وقت قصير، ومتى يفترقان؟ # سريعا. # كذلك يبدو الحب سندا للعشاق والأحباب. # 29 # في هذه القصيدة - التي أضاعت الترجمة إيقاعها ~~وقافيتها الجميلة! - يعمد الشاعر إلى الهروب من واقعه وحاضره ~~المؤلم، إلى قناع أو ستار يتخفى وراءه، ويسقط عليه تصوره للحب ~~أو رجاءه فيه أو رأيه في الدور الذي يمكن أن يؤديه، إن خيبة الأمل ~~في الحب الأرضي ظاهرة، ولكنها ليست خيبة الأمل اليائسة المتعبة ~~التي سلمت باستحالته بين البشر، وإنما هو حب أقرب إلى المثل ~~الأعلى، وهو لا يخلو من نزعة التوجيه والتعليم، وقد يصعب على ~~القارئ الذي لا يعرف شيئا عن «برشت»، أن يتصور أنها لرجل نذر ~~حياته وقلمه للدفاع عن عقيدة سياسية واجتماعية، التزم بها وعبر ~~عنها في كل ما كتب، وقد لا يصدق القارئ الذي يعرفه أنها ms32 له ... ولكن ~~القراءة المتأنية تكشف ولو من بعيد عن تصور الشاعر لرسالة الحب، ~~وإيمانه بأن تضامن المحبين هو الذي يعينهم على مواجهة العقبات، ~~وتحدي الفظائع والأمطار والطلقات! ~~••• # ولكن قصيدة الحب عند الشعراء الجدد لا تقوم على هذا البناء ~~العقلي المنسجم، ولا تكتفي بالتحرر من الذات الفردية أو اللجوء إلى ~~الأقنعة والتشبيهات، وإنما تبتعد كل الابتعاد عن المفهوم القديم ~~للقصيدة العاطفية كنوع أدبي، بحيث ينبغي علينا أن نتردد كثيرا ~~قبل أن نسمي قصائدهم قصائد حب! نلمس هذا عند «جنتر آيش» وكرال ~~كرولوف وباول سلان (1920-1970م)، كما نلمسه عند شعراء أقل منهم ~~سنا مثل: هانز ماجنوس انسنز برجر (1929م-...)، وهلموت هيسنبوتل ~~(1921م-...) وجنتر جراس (1927م-...). # لنقرأ أولا هذه القصيدة من شعر آيش وهي بعنوان «حاضر» (عن ~~ديوانه رسائل المطر الذي سبقت الإشارة إليه): # أشجار الحور في شوارع ليوبولد، # ترى في أيام مختلفة، # لكنها خريفية دائما، # دائما أشباح شمس ضبابية، # أو من نسج المطر، ~~••• # أين أنت، عندما تمشين بجواري؟ ~~••• # دائما أشباح من أزمنة بعيدة، # في الماضي والمستقبل: # سكنى الكهوف، # عصر الكهوف الأبدي، # المذاق المر أمام أعمدة اليجابال، # 30 # وفنادق سان موريتز، # الكهوف الكئيبة والأكواخ، # حيث تبدأ السعادة، # السعادة الكئيبة، # ضغطة ذراعك، الذي يستجيب لي، # الأرخبيل، سلسلة الجزر، وأخيرا اليم والأغوار، # مجرد بقايا لا تكاد تحس، # من عذوبة الاتحاد، ~~(لكنك من دمي، # فوق هذه الأحجار، بجوار شجيرات الحديقة. # والعجائز الممددين فوق المقاعد المتناثرة. # وهدير الترام رقم ستة، # شقائق النعمان، حاضرة، # مع قوة الماء في العين، # ورطوبة الشفة.) ~~••• # ودائما أشباح، تنسج لنا الأوهام، # إلغاء الحاضر، # الحب الباطل، # الدليل على أننا زائلون، # أوراق قليلة على أشجار الحور، # حسبتها بلدية المدينة، # خريف في البالوعات، # والأسئلة المجابة عن السعادة. # كلمات موجزة وإشارات مقتضبة، لا أقنعة ولا أستار ~~ولا هروب إلى عالم التشبيهات «الشاعرية» البعيدة، بل مشاهد ~~متكررة في حياة كل منا: «أين أنت، عندما تمشين بجواري؟» ~~ولكنها تضعنا على الفور في «الجو» الروحي، الذي تريد القصيدة أن ~~توحي به: المصاعب التي تواجه الحب والمحبين، استحالة الاتصال بين ~~الإنسان ms33 والإنسان، بطلان الأمل وزيفه، وكل هذا في لغة طبيعية تجري ~~على سجيتها، وتتحرك قلقة بين لغة الشعر ولغة النثر، تحولت الأنا ~~إلى صوت يتحدث بلسان إنسان آخر، يتحدث لنفسه ولكل من يهمه أن ~~يصل إليه صوته، أو لعله لا يقصد بحديثه أي إنسان، وإنما يبدو كمن ~~يقرأ من تقرير محايد، دون انفعال ولا اهتزاز ولا رغبة في ~~التعبير عن عاطفة أو تجربة خاصة، ولهجته هادئة جافة، ولكنها مرة ~~قاسية، إنها تبدد الأوهام الغالية، وتعري وجه الحياة الباطلة ~~والحب المستحيل، لقد خنق عاطفته بإرادته، وسجن ذاته بيديه فلم يفرج ~~عنها إلا في لحظات خاطفة كالبرق، إنه يعرف سلفا ولا يخدع نفسه، ~~يعرف أن الحب وهو أخص علاقات الناس، شيء يوجهه غيرنا ويرتبونه ~~لنا، من الماضي السحيق إلى الحاضر الراهن، الذي دخل في تخطيط بلدية ~~المدينة! وكل هذا في صور متجاورة وإن كانت لا تجمع بينها علاقة ~~الجوار، هدير خط الترام إلى جانب أزهار شقائق النعمان، أوراق أشجار ~~الحوار إلى جوار بلدية المدينة، كأنما يريد الشاعر أن يضعف ~~ويعترف، ثم لا يلبث أن يتراجع ويعمد إلى الخشونة والمرارة - يحمله ~~على ذلك شكه وزهده وقلقه، وإن شئت حكمته الصينية، وفي النهاية ~~يمنعه الحياء من الظهور بمظهر الشاعر الرومانتيكي المزهو بتعذيب ~~نفسه وعرض جراحه! # هكذا تؤكد «قصيدة الحب» - إن كان من الممكن أن تظل محتفظة ~~بهذا الاسم! - استحالة الاتصال بين الناس، والملل والآلية التي ~~تهيمن على الحياة، وسخف العلاقات والتجارب الإنسانية من حب ~~ولقاء وفراق. # وقريب من هذا العالم الذي عشنا فيه قليلا مع «آيش» نجد عالم ~~«كارل كرولوف» الذي يميل إلى المزيد من التجريد والتجريب، ويكثر من ~~الصور والاستعارات الغريبة على دنيا المنطق والواقع، ويحافظ على ~~موسيقى اللغة وشفافيتها ونقائها، ولن يخفى عليك تأثره الواضح ~~بشاعري الطبيعة الذين تحدثنا عنهما في الصفحات السابقة (ليركه ~~وليمان) من ناحية، وبالسرياليين الفرنسيين وبعض الشعراء الإسبان ~~المعاصرين - خصوصا البرتي وجين - الذين ترجم لهم جميعا، ولن يخفى ~~عليك كذلك الاقتصاد في اللفظ إلى حد الاقتراب من الرموز ~~الرياضية، ms34 والصور الرقيقة التي يلتقطها الشاعر كيفما اتفق، وإن كان ~~يزيل بها الأوهام والصور التقليدية في لغة الحب، إلى جانب الحنان ~~الغامر الذي يسري في القصيدة على لسان إنسان حرم الحنان والاتصال ~~بالمحبوب، لنقرأ معا «قصيدة حب»: # بصوت خافت أكلمك، # هل ستسمعينني، # خلف الوجه العشبي المر، # للقمر الذي يتفتت؟ # تحت الجمال السماوي للهواء، # عندما يطلع النهار، # ويكون الفجر سمكة محمرة بزعانف مرتعشة؟ # أنت جميلة، # أقولها للحقول المليئة بالنباتات الخيمية، # 31 # جلدك رطب وجاف، # أقولها بين مكعبات البيوت في هذه المدينة التي أعيش ~~فيها. # نظرتك ناعمة وواثقة كنظرة طائر، # أقولها للريح الرفيفة، # عنقك - أتسمعين - من هواء، # يشبه حمامة تندس بين شباك الشجر الأزرق، # ترفعين وجهك، # يبدو مرة أخرى على الجدار الحجري كظل. # جميلة أنت، أنت جميلة. # رطبا كالماء كان نومي بجانبك، # بصوت خافت أكلمك. # والليل يتكسر كالصودا، أسود وأزرق. # ونأتي إلى أجمل قصائد الحب التي عرفها الشعر ~~الألماني في السنوات الأخيرة، فنقرأ قصيدتين للشاعر الكبير باول سلان، # 32 ~~(1920-1970م)، الذي انتحر منذ حوالي ثلاث سنوات في ~~مياه نهر السين، هل قلت: «قصائد الحب»؟ لا شك أنني تسرعت قليلا، ~~فلنقرأ أولا هذه القصيدة التي سماها «أغنيات سيدة في الظل» (لاحظ ~~تقطيع الجملة إلى كلمات مفردة، وترتيبها على الصفحة): # عندما تأتي الصامتة وتقطع أزهار الخزامى: # من يكسب؟ # من يخسر؟ # من يقترب من الشباك؟ # من يذكر اسمها أولا؟ # إنه واحد، يحمل شعري. # يحمله، كما يحمل الموتى على الأيدي. # يحمله كما حملت السماء شعري في السنة التي، # أحببت فيها. # يحمله عن زهو وغرور. # يكسب، # لا يخسر. # لا يقترب من الشباك. # لا يذكر اسمها. # هو واحد، يملك عيني. # يملكها، منذ إغلاق البوابات. # يحملها في إصبعه كالخواتم، # يحملها - كأنهما شقف من لذة ولازورد: # كان شقيقي في الخريف # وهو يحصي الأيام والليالي. # يكسب. # لا يخسر، # لا يقترب من الشباك. # يذكر اسمها آخر الأمر. # هو واحد، يملك ما قلت. # يحمله كحزمة تحت إبطه. # يحمله كما تحمل الساعة أسوأ لحظاتها. # يحمله من عتبة إلى عتبة، لا يلقى به. # لا يكسب. # يخسر، ms35 # يقترب من الشباك. # يذكر اسمها أولا. # تقطع الخزامي. # هل هذه قصيدة حب؟ هل تذكر الكلمات الهامسة شيئا ~~عنه؟ # لا ريب في أن هذا الوصف لن يساعدنا على تذوقها، ولن يقربنا ~~منها خطوة واحدة، بل ربما لم يبق من الحب شيء في هذه الأبيات ~~الجنائزية الرقيقة الشاحبة، كالظلال التي تتحرك في مكان لا وجود ~~له على سطح الأرض؛ لأنه مكان باطني خالص، بل إنها في الحقيقة لا ~~تتحرك وإنما ترقص رقصة باليه، وتقترب من الموضوع لكي تفلت منه، # 33 # حركة مد وجزر، شهيق وزفير، لا ينبغي أن تتوقف وإلا ~~توقف النفس الشعري وتحول إلى حجر، وهي تشير وتومئ، وتحاول أن توجد ~~علاقة بين أنا وأنت لا نتبين ملامحهما؛ لأن كل إنسان وكل شيء في ~~هذه الأبيات، يبدو كالشبح الغائم الذي يتنقل بين النور والظل، إنها ~~لا تحدد شيئا ولا تلمسه، بل سرعان ما تسحبه إلى عالم باطن ~~كالحلم، ثم تخرجه منه لتلتقطه من جديد، في دورة زمنية رتيبة ~~وحزينة، وهي تثبت ثم تنفي، وتنفي لتثبت من جديد، لا تقف عند شيء ~~بعينه ولا تستقر، اللهم إلا في جوار الصمت، وما أشبهها ببعض قصائد ~~«مالارميه» التي تستحي من لمس الأشياء، بل تكاد أن تستحي من ~~الكلمات فتحولها إلى موسيقى خافتة، تقترب من السكون أو من العدم، ~~والواقع أن السكون والصمت هو الجو العام الذي تتحرك فيه قصائد ~~«سلان»، فه تكشف عن ارتباك دائم أمام اللغة، وهي لهذا تبتعد ~~وتتكتم، وتحاذر من الأنا الشعرية فتنأى عنها بقدر الإمكان، ولكن ~~من يدري؟ لعلها بهذا البعد والكتمان والصمت الوديع الكسير، تكشف ~~لنا عن عمق جديد في تجربة الحب في هذا الزمان: الحب المستحيل، ~~هذا الصمت الذي نحسه ونلمسه في القصيدة السابقة وفي معظم قصائد ~~«سلان» الأخرى، يشبه صراطا رفيعا كحد السيف يفصل بين صمت مفعم ~~بالمعاني وصمت فارغ من كل معنى، إنه وليد حساسية مفرطة بالكلمة، ~~وشك متصل في اللغة ودلالاتها الأدبية العتيقة، وهو أقرب إلى ~~الابتعاد والكتمان منه إلى الصمت الثقيل، الذي بدأ يزحف ms36 على تجارب ~~القصيدة المعاصرة، التي تحاول أن تلغي وجود الكلمة أصلا، عن طريق ~~تفتيتها إلى حروف أو وحدات خرساء. # وهو إذا كان يبتعد عن الأنا الفردية - شأنه في هذا شأن أغلب ~~الشعر المعاصر كما رأينا - فلا يزال مفعما بالشوق والحنين إلى ~~«الأنت»، ولا يزال مستعدا للقائها المفاجئ، إنه يتحرك كما قلت ~~على حدود الصمت، ولكنه لا يضحي بوجود الأشياء ولا الكلمات، ولا ~~يصل به الأمر إلى التجريب المتعمد على الشكل والبناء اللغوي على ~~نحو ما يحاول بعض المعاصرين، ولعله أن يكون الشاعر الوحيد الذي ~~استفاد من الرمزيين والسرياليين الفرنسيين، واستطاع أن يحمي نفسه ~~من تأثيرهم المهلك، فلم تقوه التجارب الجمالية، ولم يستخفه ~~العبث الطائش، ولم يحاصره العدم الخانق والصمت الأخرس، إن شعره ~~غني بالصور الحية، والرؤى الجسورة، والحساسية اللغوية النادرة، ~~والإيقاع الموسيقي القريب من موسيقى الشعر المحض، ولكنه كذلك يفيض ~~بالنغم الموحي واللحن الشجي، ويعبر عن وجدان قلق غني بالعاطفة - ~~مهما حاول أن يكتمها ويبتعد عنها، أتراه هوى باختياره إلى الصمت ~~الأخير قبل أن يلتف حول شعره ويخرسه؟ هل جذبته الهاوية بعد أن ~~ظل يحوم حولها في جوار الصمت؟ ما من أحد يملك الجواب، لكن يبدو أن ~~قوس الشعر - الذي توتر حتى تمزق، وظل يعزف لحن الموت حتى أطبق ~~عليه الموت - لم ينته إلى اليأس المطلق، فهناك أمل تعبر عنه آخر ~~كلمات ديوانه قبل الأخير: «تحول النفس» # Atemwende ~~(1967م): ~~«النور كان: النجاة .» # كما تعبر عنه واحدة من أهم قصائده (في ديوان سابق «شباك لغوية» ~~1959م) # Sprachgitter ~~، حاولت أن تجد ~~الكلمة في الصمت، أن تستخرج الحرف من التراب والليل، أن تعثر على ~~«الأنا» بين أناس لا اسم لهم: # رماد، # رماد، رماد، # ليل، # وليل وليل، # اذهب للعين، # العين الرطبة. # وعلى الرغم من هذا فقد استطاعت أن تهلل للنور، ~~وتثبت مرساة الأمل في أرض لا أحد، وتختم لحن الموت والصمت بهذه ~~الأبيات: # هكذا، # لا تزال المعابد باقية، # نجم، # لا زال يشع ضوءه، # لا شيء، # لا شيء ضياع. # نفي للنفي، فما زلنا موجودين، ما ms37 زال الوجود ~~حاضرا، ما زال الكل على الرغم من كل الجرائم التي ترتكب ضد ~~الإنسانية، ضد الحب ... ~~••• # هكذا تجنب الشاعر المعاصر الإغراق في العاطفية المسرفة، وكذلك ~~فعل الموسيقي والفنان التشكيلي، لقد أخفى ذاتيته خلف قناع، فبدت ~~العلاقة الخالدة بين الأنا والعالم، وقد لفها الظلام والضباب، إنه ~~يحس الخجل أو الخوف والارتباك أمام الآخر كما يحسه أمام الكون، ~~فيرجع إلى مملكته الخاصة ويلوذ بوحدته مع الكلمات التي لم يبق له ~~سواها، ولقد عبر الروائي الأشهر «إميل زولا» عن هذا الإحساس في ~~قصته «رجون ماكار» أو التاريخ الطبيعي والاجتماعي لعائلة عاشت في ~~عهد الإمبراطورية الثانية، نرى فتاة تبهرها السماء الساطعة النجوم ~~فتهتف: «النجوم، ما أجمل هذا!» فيجيبها الحبيب خائفا مذعورا: ~~«أنا لا أحب النظر إليها ... إنها تخيفني!» # 34 # ونظرة واحدة إلى قصيدة «بن» السابقة أو بعض قصائده الأخرى، # 35 # تجعلنا نتأكد من هذا الخوف، إنه الآن - إن صح هذا ~~التعبير - إحساس عقلي، يواجه قوة الحب بقوة العقل وقسوته وصرامته، ~~وإذا كنا قد لمسنا الروح الحزينة والألم الفاجع في قصيدته السابقة، ~~فإن معظم الشعراء الذين جاءوا بعده من الجيل الحاضر، قد تطرفوا في ~~نزعتهم العقلية إلى حد السخرية والتهكم، ومن أوضح الأمثلة على هذا ~~قصيدة للروائي الشهير «جنتر جراس» # 36 ~~(1927م-...)، سماها قصيدة حب، وإن لم يبق فيها من الحب ~~بمعناه التقليدي شيء يذكر، والقصيدة تتحدث من وراء قناع عن إحدى ~~راقصات الباليه أو إحدى الفنانات على المسرح (ولعلها هي زوجة ~~الشاعر نفسه التي تشتغل بالرقص وتعليمه) أو بالأحرى عن إحدى ~~كرياتها الدموية، التي يريد أن يبتكر لها رقصة تناسبها: # ولكنك تثيرين شفقتي، # وأنت عارية هكذا، # ولا وجود لك إلا في النسب والمقاييس. # وأحاول أن أصحح وضع ركبتيك، # مشيتك المتصلبة تجعلني أستغرق في التفكير. # لست أدري، لم كنت قبيحة إلى هذا الحد، # ولا لماذا لا تقدر عيني أن تتحول عنك، # إلى الحقول الخضراء مثلا أو على امتداد النهر، # وهو طبيعة كله، # وليست له عظمة ترقوة، # أحبك، # بقدر الإمكان. # أريد أن أبتكر رقصة باليه، ms38 # لكرياتك الدموية البيضاء والحمراء. # وعندما تسدل الستار، # سأبحث عن نبضك لأتأكد، # إن كان الجهد المبذول، # قد حقق نتيجته. # والقصيدة غامضة بعض الشيء، ولكنها تحرص على ~~الإغراب والبعد عن كل حديث مباشر، حرصها على المحافظة على التعارض ~~بين العالم الباطن والعالم الخارجي بحيث لا يلتقيان. # ونجد بين أشعار «هلموت هيسنبوتل» # Helmut ~~Heissenbuttel ~~(1921م-...) قصيدة تعكس هذا الجو ~~نفسه، وإن تعمدت الإيجاز والإحكام الشكلي، وتطرفت في الإغراب ~~واللامبالاة، والبعد عن النزعة الشخصية والاستهتار بالعاطفة ~~الخالدة ... والقصيدة تبدأ ببيتين مقتبستين من أحد شعراء عصر ~~الباروك، وهو يوهان نيقولاس جوتس (1721-1781م): # كانت في زيها غنية بالجمال، # أما في عريها فشبيهة بالجمال، # الشعر سخام، # 37 # والعنق مزرق بالعروق، # رجل يتفتت في عيني امرأة وينهار. # مصراع النافذة الذي يرمز لليل، # يربع احتكار النجوم للشوق. # 38 # عدم المبالاة بالحياة البرجوازية، # يخفي ميلا إلى السعادة العائلية. # أغنية المثل الأعلى للغرفة المزدوجة، # 39 # تقول ربما تحين الفرصة مرة ثانية. # لا ريب أن الترجمة قد جنت على القافية المتسقة؛ ~~ففي كل ترجمة جناية لا مفر منها! ولكن لا ريب أيضا أن القارئ ~~يلمس الإهمال والبرود المحسوب الذي يتناول به الشاعر عاطفة الحب، ~~ويكفي أنه صبها في أغنية تشبه «الطقطوقة» التي نعرفها اليوم، ~~ويتألف كل مقطع فيها من سطرين ينتهيان بروي عذب الرنين، ولكن ~~لعل القارئ قد أحس أيضا بشيء من الحزن الذي يزيد قليلا عن ~~مجرد عدم الاكتراث، وهو في الحقيقة حزن صلب، أقرب ما يكون إلى ~~الغضب والسخط، إن العاشق الذي كان يقطع الصحاري والبحار، ويبارز ~~الوحوش والأخطار في سبيل محبوبته، قد أصبح الآن لا يحس نحوها إلا ~~بالرغبات المكبوتة في «الليبيدو» والحلم بغرفة بسريرين! وهو في ~~سبيل هذا يقترب من الأسلوب التعليمي، فيشرح ويستخدم أمثالا ~~وألفاظا عامية شائعة، ويبتعد بنفسه بقدر الإمكان عن الموضوع الذي ~~يعذبه، فيعرضه «في السوق» على الرأي العام ليتخلص منه! فهل ~~يمكننا أن نصف مثل هذه القصيدة بأنها قصيدة حب؟ لعل الشاعر لا ~~يزال يحن إلى مثال الحب القديم؛ إذ قدم لقصيدته بيتين مأثورين ms39 لا ~~شك في جمالهما، أم تراه قد صنع هذا من قبيل اللامبالاة وإثبات ~~استحالة الحب، وهو الموضوع الذي يدور حوله عدد كبير من معاصريه، ~~على اختلاف طريقتهم في التصور والتعبير والأداء. # مثل هذه القصيدة التي تصلح أن تكون إعلانا أو كتابة على الحائط، ~~نجدها أيضا عند شاعر آخر تعلم كثيرا من «برشت» - وإن لم يلتزم ~~بفكره وعقيدته - وحقق وظيفة الشعر في الاحتجاج والتغيير وتعرية ~~الأوهام، وإيقاظ الضمائر المستغرقة في أكذوبة الرخاء والمعجزة ~~الاقتصادية، ذلك هو الشاعر الشاب هانز ماجنوس إنسنز برجر ~~(1929م-...)، هنا نجد القصيدة تتعمد الابتعاد عن الأنا الفردية، ~~وتنطق على لسان شخصية جمعية محايدة، قد تكون أنت أو أنا أو ~~سوانا، ها هو ذا يلجأ إلى الشرح والعرض والتعليم في قصيدة جعل لها ~~عنوانا بالإنجليزية: «سمه ~~حبا» # Call it love ~~، يقول فيها (لاحظ تفريق السطور على ~~الصفحة!): # الآن تطن السلال في البيوت العارية، # صاعدة هابطة، # تشتعل اللمبات، # ينفذ أبريل خلال أوراق الشجر الزجاجية، # ويصم الآذان، # ينتفش الفرو (على ظهور) النساء في الحديقة، # أجل وفوق أسطح البيوت يثني اللصوص على المساء، # وكأن حمامة من الباتستة البيضاء، # وكأن البيضاء المتلألئة التي اختفت فجأة، # وراء الجبال، وراء الصيغ المحفوظة، # الطريدة فوق النجوم المتهرئة، # المنفية بلا ذاكرة، # بلا جواز سفر بلا حذاء، ~~(كأنها) قد حطت فوق صياديها المريرين، # المتعبين حتى الموت، # جميل هو المساء. # نرى الشاعر في هذه «القصيدة» يلتزم الصمت التام، ~~فلا يتحدث عن الموضوع صراحة - اللهم إلا في العنوان! - ومع هذا ~~فكل شيء فيها يشير إليه، وكأنما يشير إلى سر أو معجزة أو خرافة ~~أو أمر خارق بعيد عن التصديق، ويستمر التوتر في التصاعد والحدة، ~~حتى نصل إلى العبارة الأخيرة التي تفاجئنا ببساطتها: جميل هو ~~المساء، فنشعر بالراحة ونلتقط الأنفاس بعد رحلة طويلة، طفنا فيها ~~بين البيوت والأشجار واللصوص والحمامة البيضاء المنفية خلف الجبال ~~وفوق النجوم، الحمامة التي تحط فجأة فوق صياديها المتعبين ~~المريرين ... إنها أشبه بحكاية ساحرة من حكايات «الحواديث»، تروى عن ~~الذين خرجوا من بيوتهم وديارهم ليكتشفوا الحب ms40 ويعرفوه، فإذا به ~~يهبط عليهم فجأة، بعد أن أشرفوا على الموت، والحمامة مطرودة ~~ومنفية، بلا ذاكرة ولا جواز سفر ولا حذاء، وكأن الشاعر يستحي أن ~~يصرح باسمها، بل يترك لنا مهمة اكتشافه، ويضع للقصيدة عنوانا يصلح ~~لإحدى الاغنيات المبتذلة - ولكنها في النهاية حكاية خرافية عجيبة، ~~تنذر كل من يحاول السير على أرضها بكسر رقبته! # 40 # هذا الشعر يسير إذن في طريق التجريد من الموضوع أو المضمون إلى ~~أبعد مدى ممكن، ويتعمد البعد عن ذات الشاعر بعده عن الموضوع، ~~ويصطنع في سبيل ذلك مختلف الحيل والأساليب، كالتخفي وراء الأقنعة ~~أو تعرية كل الأقنعة، والتشتت المقصود وتجميع الصور المتنافرة ~~والعناصر المتباينة والمواقف والأعمال اليومية المبتذلة، وتضمين ~~الاصطلاحات العلمية المتخصصة أو الأمثلة الشعبية الجارية، أو ~~العبارات المكتوبة على اللافتات والإعلانات وأعمدة الصحف، وعرض ~~القيم المقدسة والمشاعر المحترمة في صورة تافهة أو شائهة، ~~وتفتيت النظام العقلي والواقعي المألوف، وكأنه لوح من الزجاج ~~يكسره الشاعر ليفحصه من جديد. # وينعكس هذا التفتيت والتشويه واللعب على البنية اللغوية، ~~فتختزل الجملة وتحطم العبارة ويعتدى على القواعد المحفوظة، ~~ويغير ترتيب الطباعة وشكلها، ويبلغ هذا مداه في قصيدة «حب»، يقول ~~فيها الشاعر السويسري أويجن جومر ينجر # Eugen Gomringer # في مجموعته «كوكبات»: # 41 # أنت زرقاء، # أنت حمراء، # أنت صفراء، # أنت سوداء، # أنت بيضاء، # أنت، # ماذا جرى للقصيدة؟ ماذا بقي منها؟ # تم اختزال النص الشعري إلى أقصى درجة ممكنة، بلغ تجريد ~~«المادة» أبعد حد، بحيث لم يبق منها سوى «هيكل عظمي» ضئيل من ~~العلامات والإشارات والأسماء الدالة على مجموعة من الألوان، ~~تحولت الجملة، بل تحولت الكلمة نفسها في بعض الأحيان، إلى ما ~~يشبه نواة الذرة التي انشطرت إلى جزئيات وجسيمات أخرى أصبح لها ~~وجود مستقل، وهذا شيء بدأه الشاعر التعبيري أوجست شترام (1874-1915م)، # 42 # ولكن لم يتطرف فيه أحد - بقدر علمي - كما تطرف ~~جومرنجر وطائفة من الشعراء الذين يكتبون في هذه الأيام مثل: فرانز ~~مون، وأرنست ياندل، وبيتر هيرتلنج وكونراد باير وجرهاردروم، # 43 # وغيرهم ممن سنتحدث عن بعضهم بعد قليل، ويعد جومر ms41 ~~ينجر أول من نادى بما يوصف اليوم بالشعر المجسم أو الشعر الملموس Poesie Concrete # الذي يحاول أن ~~يعيد للكلمة المفردة أهميتها ووزنها وفاعليتها واستقلالها، بحيث ~~تصبح هذه الكلمة - فيما يقول أحد رواد هذا التيار - كالزنزانة ~~المنفردة التي تحمل كل إمكانيات تأثيرها، وهناك تجارب عديدة من ~~هذا النوع نرجو أن نعرض لشيء منها في القسم التالي من هذا الحديث، ~~وما أوردنا «القصيدة» السابقة في هذا السياق إلا لأنها قد ظلمت ~~نفسها، أو ظلمتنا وظلمت الأحباب والعشاق، حين سمت نفسها قصيدة حب ~~... ~~(4) اللعب # الشعر نهر حي، حركة دائمة لا تتوقف، وقد لمحنا بعض المقومات ~~التي تميز القصيدة الحديثة، وتترك أثرها على معظم ما يكتب من الشعر ~~منذ أن أتم نسيجه، وأحكم بناءه الرواد الثلاثة الكبار، كما أشرنا ~~إلى ما يبذل في الشعر الألماني منذ سنوات قليلة من جهود في سبيل ~~مزيد من التجريد، والتجريب، والموضوعية، والبعد عن الفردية، ~~والنزعة العاطفية، والتأثر بالأنظار والتصورات الجديدة في العلوم ~~والفنون المختلفة، إلى جانب محاولات جديدة يائسة مع اللغة - وهي ~~محاولات مخيفة حقا، ولكنها تلمس القلب بأمانتها وإخلاصها، وتأسر ~~العقل بذكائها وسعة اطلاع أصحابها. # أتكون هذه التجارب والمحاولات صادرة عن نزعة اللعب التي تميز ~~الإنسان منذ أن بدأ ينتج فنا، وتجعله إنسانا بحق كما قال ~~الشاعر الكبير فريدريش شيلر (1759-1805م)؟ أليست التجربة والمغامرة ~~في الأدب أو في غيره نوعا من اللعب الفطري الكامن في نفوس الأطفال ~~الكبار الذين نسميهم فنانين وشعراء؟ # إن ما أقصده باللعب مرتبط باتجاه الشعر الحديث والمعاصر إلى ~~المزيد من التجريد والتخلي عن الذات، فهو يساعدها من ناحية على ~~حماية نفسها من القوى الخارجية، التي تريد أن تدمرها وتلغيها؛ ~~ولهذا يصبح محاولة للاحتجاج والنجاة في آن واحد، الاحتجاج على ~~عوامل القهر والظلم والإحباط المحيطة بها، والسخط على «غابة» ~~العواطف والانفعالات، التي فتحت عينيها فوجدتها تتكاثف في أرض ~~الشعر، وتهدد بالالتفاف حول الشاعر وخنق أنفاسه - ومن الطبيعي أن ~~يفزع الشاعر إلى اللعب والتجربة، لينجو من الأدغال القديمة ~~والطوفان الموروث، الذي يغرق ذاته بأمواج العواطف ms42 والأحزان والآلام ~~... وأن يميل إلى «العبث» بالألفاظ والتراكيب والصور والاستعارات ~~والرموز والأساطير، لينقذ نفسه من المحنة التي توشك أن تطبق ~~عليه، ويتخفف من أعباء التراث الذي يشعر أنه لا يستطيع أن يستمر ~~فيه ... ليلعب إذن لعله أن يجد مخرجا من المحنة، أو يجد البهجة في ~~الفرحة البريئة التي تصاحب اللعب، وليحذر كذلك من المجازفة التي ~~تلازمه! # ويصف هانز آرب # Hans Arp. ~~- (وهو ~~كما تقدم شاعر ورسام ونحات تجريدي كتب قصائده بالفرنسية ~~والألمانية، وأسهم في تأسيس الحركة الدادية والسيريالية في سويسرا ~~وفرنسا) - يصف هذه الحالة بأبيات يقول فيها عن الشاعر الذي ~~تهيأ للعب الحر: # بعد أن انتزع الورقة والريشة والورقة، # صمم على أن يغادر، # مملكة الأرض الثابتة إلى الأبد، # ويواصل عمله، # عاليا عاليا في الآفاق الرفيفة، # ولكن أليس اللعب في الفن وثيق الصلة بالعودة إلى ~~الطفولة البريئة؛ أي إلى بستان الحلم والحكاية الخرافية (أو ~~«الحدوتة»)؟ # إن الحياة والانطلاق في الآفاق الرفافة هو ما فعله هذا اللاعب ~~الماهر «هانز آرب» منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولعله كان ~~أجرأ من حاول التحليق فوق مملكة الأرض الثابتة - أي أرض المعاني ~~التقليدية والوصايا والقواعد المتواضع عليها - والتحرر من ~~الأنا الفردية وإطلاق طاقات الكلمة المفردة، وقد ساعدته الدادية ~~والسيريالية على القيام بقفزاته البهلوانية الخطيرة، وأمدته ~~بعدد لا حصر له من الصور والاستعارات المستقلة بنفسها عن كل سياق ~~أو معنى. # ولكن السقوط إلى الهاوية السحيقة يهدد دائما من يحلق إلى ~~الذرى العالية؛ ولهذا كان من الطبيعي أن تخسر القصيدة السيريالية ~~العابثة عند «آرب» أو غيره أكثر مما كسبت، وأن تغرق في ألعاب ~~لفظية ولغوية صادرة عن رغبة في العبث والإغراب والدعابة، ومعظم ~~قصائد «آرب» الأولى التي نشرها في مجموعته «رداء الأهرام» Pyramiden rock ~~(1924م)، يصعب بل ~~يستحيل ترجمتها؛ لأنها تتلاعب بكلمات اللغة الألمانية وتستخرج ~~كلمة من كلمة وصورة من صورة، وتمعن في هذا بلذة عجيبة، كأنما ~~تعبر عن ذات أضاعت نفسها وأضاعت العالم الواقعي المعقول، فلم تجد ~~ما تفعله إلا العبث بصندوق اللغة، وتركيب قطعة وتوزيعها من ms43 جديد! ~~إنه يلعب بالألفاظ، وينشئ منها تركيبات غريبة، ويشتق من الأسماء ~~أفعالا لا تعرفها اللغة، ويعيد تشكيل أبيات مشهورة من التراث ~~القديم أو الحديث، ويقتبس كلمات وتعبيرات مختلفة من إعلانات ~~الشوارع والجرائد، ويتسمع أصوات الأشياء وهمساتها وتنهداتها ~~ورقصاتها، ويستوحي حكايات الأطفال وأغاني العشاق المشاهير والرعاة ~~والمغنين المتجولين ... إلخ، ولكن يبدو أن الشاعر قد حدث له ما حدث ~~لصبي الساحر في قصيدة معروفة بهذا الاسم # 44 # لشاعر الألمان الأكبر «جوته»؛ فقد انتهز هذا الصبي ~~فرصة غياب معلمه العجوز، ونطق بالكلمة السحرية التي حركت المكانس، ~~فأخذت تحمل الأوعية وتجلب الماء من النهر القريب، حتى فاضت به ~~حجرات البيت وقاعاته، ونسي التعويذة التي توقفها، إلى أن جاء ~~المعلم فأبطل سحرها ... # هذا هو ما حدث للشاعر «آرب» في تجاربه الأولى مع اللغة - وذلك ~~باعترافه هو نفسه في كتابه «أحلام الكلمات والنجوم السوداء» ~~(1953م)؛ إذ أطلق سحر الكلمات ولم يستطع بعد ذلك أن يبطله! وقد ~~انعكس هذا على عناوين مجموعاته نفسها: «مضخة السحب» (1920م)، «رداء ~~الأهرام» (1924م)، «تبيض تسود» (1930م)، «أصداف ومظلات» (1939م)، ~~«أشعار بلا ضمائر» (بالفرنسية 1941م)، «ضحكة القوقعة» (بالفرنسية ~~1944م)، «أحلام ومشروعات» (بالإنجليزية 1952م)، «قلوب كثيفة ~~الشعر»، «ملوك قبل الطوفان» (1953م)، «أحلام الكلمات والنجوم ~~السوداء» (1953م)، «على ساق واحدة» (1955م)، «حلمنا اليومي» ~~(1955م)، «كلمات بمرساة وبغير مرساة» (1957م)، «رمال القمر» ~~(1960م)، «شعلات تشدو بالغناء» (1961م)، - وقد استمر تأثير ~~المرحلة الدادية الأولى على إنتاجه المتأخر، فأخذ يكتب قصائد ~~مؤلفة من عدد محدود من الكلمات، تظهر بفعل الصدفة في تأليفات ~~أو «كوكبات» مختلفة، وتكشف ببساطتها عن ثراء لا حد له في تنويع ~~الكلمات وتوزيعها، بحيث أصبحت القصيدة وحدة حية أو لعبة أطفال، ~~تتداعى كلماتها وصورها ومعانيها دون أي تدخل من جانب المؤلف، ~~وأصبحت العلاقة بين الشاعر والقصيدة أشبه بلعبة القط ~~والفأر! # ونضرب مثلا لهذا التركيب والتشكيل والتنويع الهائل للكلمات ~~والأسماء والأشياء بإحدى قصائد «آرب»، التي وضع لها عنوانا يدل ~~عليها ويعبر عن إعجابه الشديد بمجموعة من القصائد الشعبية ~~الشهيرة، التي جمعها وأعاد كتابتها الشاعران الرومانتيكيان ms44 «أخيم ~~فون أرنيم» (1781-1831م) و«كليمنس برنتانو» (1778-1842م) بين سنتي ~~1805و1808م، ونشراها تحت هذا العنوان المعروف «بوق الصبي العجيب» # Des Knaben Wunderhorn ~~، وعنوان هذه ~~القصيدة الطويلة هو «تشكيلة البوق العجيب»: # الصبية المتعانقون ينفخون في البوق العجيب، # ملائكة بأحذية ذهبية يفرغون أكياسا مملوءة بالأحجار ~~الحمراء، # في كل أعضائها، # وها هي ذي الصواري والكوكبات تتشكل، # الراهبات، # 45 # يعرضن آثار قصور هوائية وأكياس نقود، # ولقطاء وبقرات بخارية وأرانب مسرجة، # وأسودا منجدة حديثا، # من أسلاك العجلات الملتهبة تتدحرج الطيور إلى ~~السماء، # النجوم تعطس من أنوفها الشمعية من باقات الزهور، # الرجال والفيران سكارى ويسبحون على الأصابع ~~الطرية، # الأسود المشتعلة تركض فوق أشجار التامول ~~المرتعشة، # وكل من له ذيل يعلق فيه فانوسا، # الليلة كلها توقف على رأسها وترقص رقص الخيالة على ظهر ~~تنين. # التسلق على العصي ومباريات المصارعة تملأ الليل بواو ~~واو ... ~~••• # الطيور الحمراء ملك الصبية أو الرجال، # القصور الحمراء ملك الراهبات، # النجوم الحمراء ملك الملائكة، # الليل ذو صواري من شمع وأزهار من ذهب، # المعجزة تتدحرج في الليل على أسلاك مشتعلة، # الليل له أقدام من الشمع وأكياس مملوءة بالنجوم على ~~أصابع لينة، # السماء المملوءة بباقات اللهب تتسلق العصا ~~المشتعلة، # وتصعد إلى الزهرة، # الأنوف الذهبية تعطس نقودا، # أفراد التنين تسبح في النقود، # النجوم تسبح في السماء حاملة أكياسا ممتلئة ~~بالأطفال، # الأزهار المشتعلة تسبح على الأصابع اللينة، # الفيران تعلق فوانيس في ذيولها، # أكياس النقود تعلق فوانيس في ذيولها، # البقرات البخارية تعلق فوانيس في ذيولها، # الأرانب المسرجة تعلق فوانيس في ذيولها، # الأسود المنجدة تعلق فوانيس في ذيولها، # الفوانيس لا يجوز أن تعلق إلا بالذيول، # الذيول تكفي لتعليق عدد من الأسود المشتعلة بحيث يصبح ~~الليل ذهبيا، # ذيول الطيور أزهار، # الفيران تصنع قطة من الشمع وترقص عليها رقصة ~~الخيالة، # الهواء ينزل عن سرجه وبعض البخار في أنفه، # الأزهار السكرى تتحكم في الأزهار الندية، # الأحذية المتعانقة الأعضاء الأنوف الأصابع ~~الذيول، # تدل على المعجزة دلالة كافية، # 4 # هكذا يمد القصر الهوائي يده إلى كيس النقود، # وكيس النقود قدمه للقيط، # واللقيط أذنه للبقرة البخارية، # والبقرة ms45 البخارية فاها للأرنب المسرج، # والأرنب المسرج خده للأسد المنجد، # 5 # الصبية يتسلقون أشجار التامول إلى السماء، # أفراد التنين المشتعلون والأسود المشتعلة ينزلون ~~الصاري المشتعل، # الأنوف الشمعية تتسلق العصي السكرى، # مباراة المصارعة بين النجوم تسقط الفانوس المملوء ~~بالأزهار، # الأسود المنجدة تركض بجانب الأصابع الطرية، # الملائكة يلتهمون الأصابع الطرية كأنها أزهار ~~مستأنسة، # أشجار التامول ترتعش أمام الراهبات، # العصي والصواري السكرى ترقص مع أفراد التنين ~~السكارى، # النجوم تمتطي ظهور الأسود كالخيالة، # الليلة تقف على رأسها وتعطس، # الأحذية تشتعل بالنيران، # الرجال والصبية يطفئون فوانيس الأرانب. # لعبة رشيقة مجنونة، تعبث بقطع لا حصر لها ~~وتجمعها وتفكها كما تشاء الصدفة أو يشاء التداعي الحر: صبية ~~ورجال وملائكة وراهبات، نجوم وفيران وأرانب وأسود، وحوش وأزهار ~~وفوانيس وأكياس نقود ... إلى آخر هذا البستان الخرافي أو هذه ~~المتاهة العجيبة التي تتشابك دروبها وتختلط معالمها، إن اللعبة ~~كلها أشبه بساعة أوتوماتيكية تعمل دون تدخل المؤلف، أو بتمثيلية ~~عرائس تدور على مسرح كوني هائل، والشاعر يقف بعيدا عنه أو فوقه، ~~ويكتفي بتحريك الخيوط والأسلاك أو التفرج على تشكيلات الكلمات ~~والمعاني وتنويعاتها، التي تتسع وتنداح أمواجها كالدوامات ~~المائية إلى ما لا نهاية. # لا شك أن هذه الألعاب قد صدمت القصيدة الألمانية وساعدتها على ~~التخلص من كثير من أعبائها القديمة، من النزعة الصوفية الغامضة، ~~والتعقيد باسم التعمق، وأدغال الاستعارات والصور المتشابكة ~~الكثيفة، ولا شك أنها قصرت وجودها على الوجود اللغوي أو اللفظي ~~البحت، وجعلتها تبتعد عن نفسها وعن صاحبها في وقت واحد، وتنطلق ~~رشيقة خفيفة كدمية صممت على العبث وحسب! # وقد كتب «آرب» مجموعة من القصائد عن الدمى والعرائس، أقدم لك ~~من إحداها هذه الأبيات، التي يقول فيها مخاطبا نفسه على لسان هذه ~~الدمى البائسة: # رضعت مني، # لوت أعضائي، # وقبلتني وعادت ترضع مني، # وتلعب معي لعبة القرود، # وقبلاتي تناثرت، # أزهاري انطفأت ، # ينابيعي خرست واحدة بعد الأخرى. # أنا الآن متعب، ذابل، فارغ، # مثل كأس أفرغها الشاربون، # الأرض كذلك كأس فارغة، # لست كبيرا ولا صغيرا ... # جئت من أفق بلا حدود. # هناك لا يعبق عبير الشفاه، ms46 # هناك لا تسطع النجوم الحية، # في وجه الحلم الحبيب، # ألعب تحت سماء عمياء، # بثمرات زجاجية، # وأتركها تسقط في حذر إلى الأعماق، # لست صاعقة، # لست دمية، # لست شعلة، # إنني دمية، # غير أنني أتمنى دائما، # أن أبرق كالصاعقة وأشتعل كالنار، # وكذلك يسعدني لو كانت لي روح، # لم لم أكن أغنية؟ # لم لا تكون لي أجنحة؟ # قبعة من الصيني على رأسي، # لن تكون كثيرة علي، # نعم، وستكون ضرورية لي، # كالصليب على قمة برج الكنيسة، # أنا فقيرة، # أنا عارية، # أهناك شيء، # لم يعدني به الناس؟ # يبدو أن هذه اللعبة الساحرة قد انتهت إلى الآلية ~~الميتة، وفقدت السحر والحياة فأصبحت الكلمات والمعاني والأشياء ~~أشبه بالعرائس الجامدة الباردة، وخيم عليها الحزن والاكتئاب، ~~فراحت تدور في فراغ الصمت الموحش، وكأنها لا تحيا ولا تموت ~~... # وقد جاء شعراء وأدباء آخرون فواصلوا السير على هذا الدرب الذي ~~شقه هانز آرب، وبالغوا في حرية اللعب البريء - أو المقصود - ~~والحركة المطلقة من كل قيد ففقدوا طريق العودة، وأسرفوا في ~~التركيب والتنويع والتجريب والإغراب في الصور والاستعارات، واختزال ~~الكلمات وتفتيتها وترتيب رسومها على الصفحات بغير نظام، كما تنتشر ~~النجوم على صفحة السماء (وقد سبق أن حاول «مالارميه» هذا في نص ~~محير يتحدث عن إنسان غريب يتأرجح بين المطلق والعدم، ويجاهد للتخلي ~~عن كل وجود مادي أو تجريبي خاضع للصدفة). # 46 # يتزايد اليوم عدد الشعراء المتأثرين بهذا التيار أو ~~المتطورين به على صور مختلفة، ومن الصعب أن نتكلم عن ~~اتجاهاتهم أو نقدم نماذج لهم جميعا، فبعضهم يميل إلى التحليل ~~الاجتماعي ونقد العصر والسخط والغضب والاحتجاج السياسي، وبعضهم ~~يتجه للأسلوب العلمي والعقلاني، ويقترب كثيرا من مجال العلماء ~~المتخصصين ومصطلحاتهم العويصة، ويطبق مناهجهم على بناء الجملة ~~وإيقاع الكلمات وترتيبها، وينهل بعضهم من ينابيع الأسطورة والحكاية ~~الشعبية، والطقوس البدائية والعقل الباطن والرؤى والأحلام ~~والكوابيس، ويمكننا أن نذكر من أسمائهم: هلموت هيسنبوتل (1921م-...) ~~وجنتر كونرت (1929م-...) وأويجن جومر ينجر (1924م-...)، وأ. أ. شول ~~(1926-...) وأرنست ياندل (1925-...) وفريدريكه مايروكر (1924-...) وهانز ~~كارل أرتمان (1921-...) وفرانزمون (1926-...) الذين أشرت إلى معظمهم من ~~قبل. ms47 # أسرف هؤلاء جميعا وغيرهم كثير في التركيب والتشكيل والتنويع ~~... # فهل انتهى بهم اللعب إلى الصمت؟ # أم ليس من حقنا أن نتسرع بإلقاء هذا السؤال؟ ~~(5) الصمت # هل يزحف الصمت في السنين الأخيرة - كما يقول الشاعر الكبير كارل كرولوف # 47 ~~- على القصيدة الألمانية؟ # ليس من السهل أن نقطع بهذا، وليس من السهل أيضا أن نعمم ~~الحكم على الشعراء - وحتى لو ثبت صحة هذا الرأي في حالات كثيرة، ~~فلا يمكن أن نقصره على شعراء بلاده وحدهم، ولكننا نستطيع أن نقول ~~إنهم في الغالب - وبقدر ما تسمح النماذج القليلة التي بين أيدينا ~~بالحكم عليهم - يزدادون حرصا وحذرا في استخدام الكلمة، وكأنهم ~~يحاولون أن ينتزعوها من هوة الصمت أو يعيدوها إليه، وربما ~~استطاعت بضعة أبيات للشاعر السويسري «أويجن جومر ينجر» الذي سبقت ~~الإشارة إليه أن تمهد لنا الدخول في هذا الجو المشبع بالظل ~~والصمت والكتمان: # الكلمات ظلال، # الظلال تصير كلمات، # الكلمات ألعاب، # الألعاب تصير كلمات، # حين تكون الظلال كلمات، # تصير الكلمات ظلالا، # حين تكون الكلمات ظلالا، # تصير الكلمات ألعابا، # حين تكون الكلمات ألعابا، # تصير الظلال كلمات. # ربما تتردد كثيرا - وأنا معك - قبل أن تسمي ~~هذا شعرا، ولكن النص المركز يوضح الظاهرة التي نتحدث عنها؛ ~~فالكلمات والألعاب والظلال تتداخل في بعضها البعض، وتكون تركيبة ~~لغوية أو كوكبة لفظية، تصور الحالة النفسية التي يحسها الشاعر، وهو ~~يتعامل مع الكلمات ويتأملها، ويرصد حركتها واتجاهها وهدفها - أو ~~بالأحرى يتركها تحدد لنفسها الحركة والهدف والاتجاه، وليس هذا ~~أمرا مستغربا من الشاعر المعاصر، الذي ورث قدرا كبيرا من ~~التأمل في «فن الشعر»، ووظيفته وماهيته عن أجداده من الرمزيين ~~وأصحاب الشعر «الأبولي»، أو العقلي المحض وأصحاب الشعر ~~«الديونيزي»، أو الشعر السادر في غياهب الحلم وأعماق العقل الباطن، # 48 # لقد استقر في ضميره أن العمل الشعري مغامرة من ~~مغامرات العقل، الذي يعمل ويتأمل عمله في وقت واحد ، وإذا كان ~~يحاول الآن أن ينشئ تركيبات شعرية عجيبة، تختلط فيها الصور ~~الشعرية العريقة كالنجوم والرياح والبحار والظلال والأزهار، بصور ~~الحضارة الآلية والعقلية واصطلاحات العلم ودقة ms48 الرياضة والحساب، ~~فهو إنما يعبر عن احتجاجه على العصر وتأثره به في وقت واحد ... وهل ~~نفهم عصرنا إن لم نفهم أنه عصر المحاولة والتجربة والمغامرة ~~والحرية التي لا تقف عند حد؟ # ومهما يكن رأينا في النص السابق فهو شاهد على الميل إلى ~~الاختزال والتركيز، والرغبة في التشكيل والتركيب والتعديل في مادة ~~البناء الشعري عن شغف باللعب الحر أو عن تعمد ذهني مقصود، ويجب ~~ألا يغيب عن بالنا على كل حال، أن مثل هذه «القصائد» لا تخلو ~~تماما من العاطفة ولا من التنغيم والإيقاع، بل لقد تكون هذه ~~التركيبة التي تنفر منها لأول وهلة، هي الوسيلة لتحقيقها في ~~عالم يبدو أنه أقفر من فيض العاطفة وعذب الأنغام. # ولكن هذه الظلال التي تحدث عنها «جومر ينجر» يرين عليها صمت ~~أليم عند شاعر حساس عميق جاد، وهو «باول سلان» الذي التقينا به في ~~سياق الكلام عن قصيدة الحب، ويكفي أن نقرأ هذه الأبيات من قصيدة ~~«تكلم أنت أيضا» التي نشرت في مجموعته الشعرية «من عتبة إلى ~~عتبة» (1955م): # تكلم أنت أيضا، # تكلم كآخر إنسان، # قل كلمتك، # تكلم، # لكن لا تفصل اللا عن النعم، # أضف المعنى إلى كلمتك، # أعطها الظل، # أعطها ما يكفي من الظلال، # أعطها بقدر ما ترى نفسك، # موزعا بين منتصف الليل والظهيرة ومنتصف ~~الليل. # تطلع حولك: # انظر كيف تدب الحياة من حولك، # بحق الموت! الحياة! # ينطق بالحق من ينطق بالظلال! # أما الآن فينكمش المكان الذي تقف فيه: # إلى أين تمضي الآن، أيها العاري من الظلال، # إلى أين؟ # اصعد وتحسس (طريقك) إلى أعلى. # ستزداد هزالا، سيصعب التعرف عليك، ستكون ~~أرق! # أرق: خيطا. # يود النجم أن يهبط عليه: # ليسبح في الأعماق، الأعماق، # حيث يرى نفسه وهو يسبح: # على أمواج الكلمات المسافرة. # ها هي ذي الظلال تزحف على الكلمة، والكلمة تحيا ~~وسط الأخطار المميتة المحدقة بها (أهي أخطار العصر نفسه؟)، والشاعر ~~لا يستطيع أن يخفي فجيعته وقلقه من هذا المصير، والقارئ لا يستطيع ~~أيضا أن يمنع نفسه من المشاركة فيه، بل إن الشاعر نفسه ms49 يطالبه ~~بهذا: # أما الآن فينكمش المكان الذي تقف فيه: # إلى أين تمضي الآن، يا من تعريت من الظلال، # إلى أين؟ # اصعد، تحسس طريقك إلى أعلى ... إلخ. # وأشعار «سلان» غنية بهذه المشاعر والمخاوف ~~والأفكار، التي تعبر عن أزمة حقيقية مع اللغة والواقع، أزمة بلغت ~~به إلى حدود ما لا يقال أو ما يستعصي على التعبير، وظلت تلح عليه ~~وتعذبه حتى أنهى حياته اليائسة بالانتحار، # 49 # ويبدو أن الكلمة أخذت تراوغه وتصر على إغلاق فمها حتى ~~وصفها (في مجموعته شباك لغوية) بأنها: «صمت صغير لا سبيل إليه» أو ~~بقوله: # هذه كلمة، مشت بجانب الكلمات، # كلمة على صورة الصمت. # ويبدو أيضا أن الصمت ازداد إلحاحا عليه فتحول أو ~~كاد إلى خرس أو بكم: # بكم، من جديد، متسع، بيت: # تعال، عليك أن تسكن فيه. # ويبلغ التعبير عن أزمة الكلمة التي تغرق في الصمت ~~أو الصمت الذي يغرق الكلمة أقصى مداه في هذه الأبيات الرقيقة ~~المؤلمة التي نقرأها في إحدى قصائد ديوانه «شباك لغوية» ~~(1959م): # جاءت، جاءت. # جاءت كلمة، جاءت، # جاءت عبر الليل، # ودت لو تسطع، تسطع. # رماد. # رماد، رماد. # ليل. # ليل معه ليل. # اذهب للعين، # العين المبتلة. # ماذا بقي لهذا الشاعر؟ هل يبقى غير الصمت الأخرس ~~وسط حفيف الألفاظ؟ هل يبقى غير سكون يرجو عبثا أن يهمس؟ ألم ~~مختنق يلجأ للكتمان؟ قدر، عكاز أعمى وأصم، يسعى في الليل ~~المظلم: # كلمة، أنت الأدرى: # جثة. # دعنا نغسلها، # ونمشطها، # دعنا نلفت عينيها # نحو سماء عالية السمت. # هكذا يكون «سلان» أول شاعر اتجه إلى تلك الأرض ~~التي رفعت فوقها رايات الصمت السوداء، ولكن عواطفه الحساسة كانت ~~أقوى من أن تخفي فرديته، وحذره الشديد من الكلمة كان أضعف من أن ~~يترك لها الحق في الاستقلال بنفسها، بيد أنه اقترب على كل حال من ~~تلك الحدود اللغوية التي عبرها غيره من بعده، فراحوا يكتبون ~~«قصيدة» هي في الحقيقة تركيبة لغوية خالصة، أو بالأحرى كلمات مفردة ~~محسوبة تذكرنا في بعض الأحيان بجداول الكلمات المتقاطعة التي تفتن ~~عددا كبيرا من قراء صحفنا ms50 اليومية ومجلاتنا الأسبوعية! # كان «هلموت هيسنبوتل» من أوائل الشعراء الذين لفتوا الأنظار بمثل ~~هذه «النصوص» أو التدريبات المحسوبة، وقد سار في تجريد الكلمة ~~وتعريتها إلى الحد الذي بدت معه «قصائده»، كالأبنية الهندسية أو ~~الحسابية بالقياس إلى القصائد التي ذكرناها لهانز آرب أو باول ~~سلان! لنقرأ معا هذه السطور التي كتبها «هيسنبوتل»، لنرى كيف زحفت ~~صحراء الصمت على الكلمات، وكيف ازدحمت بما يسميه المناطقة قضايا ~~«تحصيل حاصل»: # الظل الذي ألقيه هو الظل الذي ألقيه، # الحالة التي وصلت إليها هي الحالة التي وصلت ~~إليها، # الحالة التي وصلت إليها هي لا ونعم، # الموقف موقفي موقفي الخاص، # مجموعات مجموعات تتحرك فوق سطوح فارغة، # مجموعات مجموعات تتحرك فوق ألوان فارغة، # مجموعات مجموعات تتحرك فوق الظل الذي ألقيه، # الظل الذي ألقيه هو الظل الذي ألقيه، # مجموعات مجموعات تتحرك فوق الظل، # الذي ألقيه وتختفي، # و«تحصيل الحاصل» هو التعبير عن نفس الفكرة بكلمات ~~مختلفة؛ أي إنه كلام لا يفيدنا شيئا ولا يزيدنا علما بشيء ~~جديد. # وهيسنبوتل يحاول في السطور السابقة أن يجعل الكلمة البسيطة ~~قادرة على التنوع والتكرار، وهو يقلبها على وجوه مختلفة وبطريقة ~~منطقية محكمة، تذكرنا بطرائق المنطق الرياضي أو الرمزي، أيريد هذا ~~الشاعر وأصحابه أن يحموا القصيدة من التردي في هوة الفراغ والصمت ~~الذي كان يتهددها؟ وهل تراهم حققوا هذا التوازن العسير عن طريق ~~المبالغة في التركيز والاختزال والحساب الدقيق والتكرار وتكرار ~~التكرار إلى ما لا نهاية؟ # يقول «هيسنبوتل» في قصيدة بعنوان «قصيدة تعليمية عن التاريخ» ~~(1954م): # ما يقبل التكرار. # ما يقبل التكرار هذا هو موضوعي، # ما يقبل التكرار هذا هو موضوعي، # ما يقبل التكرار هذا هو موضوعي، # ما لا يقبل التكرار، # وهناك نصوص أخرى لنفس المؤلف يصعب بل يستحيل ~~نقلها إلى العربية؛ لأنها تعتمد على الاشتقاق من الكلمات الأصلية ~~وتشريحها، والتنويع على مقاطعها وأجزائها. # أهو تجديد عن طريق «التصعيد» والمبالغة في تأكيد الكلمة أو ~~معناها بالتكرار الصوتي، أم هي تمارين عقلية يمكن أن تخرج من معمل ~~صوتيات أو حاسب إلكتروني؟ وماذا يبقى للشاعر أو للقارئ ms51 من هذه ~~الصحراء اللغوية التي يصفها أصحابها بأنها كوكبات # Konstellationen # أو تأليفات أو ~~تركيبات # Kombinatorik - ~~Kombinationen ~~(والكلمة تتردد بالفعل في عناوين ~~بعض المجموعات التي تضم أمثال هذه النصوص). # لعل الشاعر السويسري «إويجن جومر ينجر» الذي أشرت إليه من قبل أن ~~يكون قد سبق «هيسنبوتل» إلى هذا النوع من التركيبات أو الكوكبات ~~كما يحب أن يسميها، وإن كان يفوق الأخير خفة وطلاقة وتحررا، ها ~~هو ذا يصف منهجه بقوله: «أقصد بالكوكبات تجميع كلمات قليلة مختلفة، ~~بحيث لا تنشأ العلاقة المتبادلة بينها بالدرجة الأولى عن طريق ~~الوسائل المتبعة في تركيب الجمل وإعرابها، بل عن طريق حضورها ~~المادي والحسي الملموس في نفس المكان، بهذا تنشأ علاقات متعددة في ~~اتجاهات متباينة بدلا من علاقة واحدة؛ بحيث يتيح هذا للقارئ أن ~~يتقبل ويجرب تفسيرات معنوية عديدة، من خلال البناء الذي يحدده ~~الشاعر (عن طريق اختيار الكلمات)، ويكون موقف القارئ الذي يطلع على ~~الكوكبات هو موقف المشارك في اللعبة، وموقف الشاعر ومصمم اللعبة.» # 50 # ويمكن أن نوضح ما يقوله «جومر ينجر»، بقصيدة مشهورة كتبها أ. ~~أ. شول (1926م-...)، ووضع لها عنوانا لا يخلو من المفارقة وهو «شعر»، # 51 # وهي تعبر عما يسميه بالشعر البنائي أو التركيبي # Strukturlyrik ~~، وأرجو أن يلاحظ ~~القارئ ترتيب أبياتها على مساحة الصفحة بحيث يتقابل الطرفان ~~باستمرار: # الشعر # يبدأ حيث ينتهي المضمون، # الوردة الصوفية تتفتح، # وراء الكلمات الذهبية، # خارج أسوار المدينة، # وراء الأشكال العقلية، # خارج النظم الفكرية، # في توهج الصقيع، # في نموذج الحصان الأبيض المرسوم على السجاد، # على الحائط الخلفي للمذابح المقدسة، # في بؤرة الأشياء، # التي لا تتحدث، # القصيدة # 52 # نموذج جزئ مؤلف من صوتيات، # نافذة كنيسة مركبة من أسماء، # شبكة عنكبوت منسوجة من ذكريات، # منشور من # 53 # يوتوبيات # كوكب من محذوفات، # نظام شمسي، # وراء النظام الشمسي، # فان # لهذا فهو غير فان، # مؤقت # لهذا فهو نهائي، # زمني # لهذا فهو بغير زمان، # مؤلف من شذرات # لهذا فهو كامل، # عاجز # لهذا فهو قوي، # قابل للمحاكاة # لهذا فهو لا يقبل التكرار، # لا منطقي # لهذا فهو منطقي، ms52 # غير واقعي # لهذا فهو واقعي، # غير ملموس # لهذا فهو ملموس، # قريب # لهذا لا تبلغه سفن الفضاء، # قابل للجرح؛ # لهذا فالأسلحة التكتيكية والاستراتيجية لا ~~تجرحه، # يحمله الإنسان، # في سلسلة ضئيلة، # تحت القميص، # على الجدار العاري. # 54 # هذه التجارب البنائية لا تخلو من سحر أخاذ؛ ~~فالكلمة، بل الحرف، ينسلخ عن التعبير العضوي الحي ويستقل ~~بنفسه، وليس من الضروري أن يذهب بنا الخيال إلى الألعاب ~~العبثية والتهريجية التي صورها «أندريه بريتون» وأصحابه من ~~السيرياليين، ولا إلى الأدباء الذين يتعمدون التكلف والتصنع ~~والإثارة بأي سبيل، بل يكفي أن نقلب مجموعة شعرية مختارة ~~لشاعر كبير كان له - كما رأينا - أكبر الأثر على الأجيال ~~المعاصرة، قبل أن تزحزحه الموجات الأخيرة إلى منطقة الظل، ~~والمجموعة الشهيرة التي أقصدها هي «قصائد ساكنة» (1948م)، ~~والشاعر هو جو تفريد بن (1886-1956م)، والقصيدة التي سنختارها ~~هي «الأنا الضائعة»، وسبب اختيارها أنك ستلمس فيها أصول النظرة ~~الجديدة للمكان والزمان، كما تعثر على مفاتيح اللغة الجديدة ~~التي تشهد على الاتجاه إلى التفتيت والتقطيع، والتجريد من ~~الشخصية الفردية، واللجوء إلى المصطلحات والمناهج العلمية ~~والفنية المعقدة، ولعلك ستلاحظ أيضا تردد بعض الكلمات ~~التي تدل على المعجم الشعري المألوف في السنوات الأخيرة ~~كالضياع، والتفجر، والتفتت، والجزيء، والمجال، وأشعة جاما، ~~ودالة اللانهاية ... إلخ: ~~«أنا ضائعة» # 55 # أنا ضائعة، تفجرت من الغلاف الهوائي، # ضحية الأيون: أشعة جاما - لا - # جزيء ومجال: أوهام لا نهاية، # على حجرك المعتم في نوتردام، # الأيام تمضي بك بلا ليل ولا صباح، # السنوات تتوقف بلا ثلج ولا ثمر، # تنذر وتهدد واللانهائي خفي، # العالم هروب، # أين تنتهي، أين تقيم، # أين تمتد أفلاكك؟ خسارة، مكسب، # لعبة وحوش، أبد وأزل، # تفر إلى قضبانها. # نظرة الوحوش: النجوم تبدو كأمعاء حيوانات، # الموت في الأدغال كأنه أصل الخلق والوجود، # بشر، مجازر شعوب، حقول كروم، # تهوى إلى حلوق الوحوش. # العالم فتته الفكر، والمكان والأزمان، # وما نسجت البشرية وأبدعت، # ليس إلا دالة اللانهائية، # الأسطورة كذبت ... # من أين، إلى أين، لا ليل، لا صباح ، # لا تهليل ولا قداس، # تود أن تقترض شعارا، # لكن ممن؟ ms53 # آه، لما انعطفوا جميعا نحو مركز واحد، # ولم يفكر المفكرون إلا في الله، # توزعوا بين الرعاة والحمل، # عندما طهرهم الدم المنساب من الكأس، # واندفق الكل من الجرح الواحد، # كسروا الرغيف، الذي تذوقه كل من شاء، # آه أيتها اللحظة البعيدة القاهرة الممتلئة؟ # التي عانقتها الأنا الضائعة أيضا ذات يوم. ~~••• # أطلال على أطلال، وأنقاض فوق أنقاض! # قصيدة لا شك في أنها تعد قمة ما وصف بأدب الخرائب، الذي ~~كان رد فعل لكارثة الحرب، وإن كانت تفوقه عمقا ونفاذا ~~ووعيا، وإذا كان أدب الأنقاض والخرائب قد انقضى وذهبت أيامه، ~~فلا شك أنه لا يزال يؤثر بصورة أو بأخرى على وجدان ~~المعاصرين وعقولهم، حتى ولو لم يشهد بعضهم هذه الخرائب ~~والأنقاض بنفسه، لقد أصبح الأمر الآن برامج ومناهج يقوم فيها ~~العقل والمنطق والحساب بالدور الأكبر، تحولت اللغة إلى أنقاض ~~متناثرة من جمل مفتتة وكلمات ممزقة، وأصبح الشاعر هو مهندس ~~الكلمة الذي ينظم التعبير الشعري أو بالأحرى ينظم اللغة ~~نفسها. # وقصائد «هلموت هيسنبوتل» العديدة توضح لنا كيف تتولد ~~الكلمة من الكلمة، والفكرة من الفكرة، وكيف يبلغ الاقتصاد في ~~القول مداه، وتتداخل الجملة من الناحية النحوية في جملة أخرى ~~أو تخرج على قواعد النحو، ومن الصعب كما سنرى من المثال القادم ~~أن نصف هذه التكوينات اللغوية بأنها قصائد، فهي خالية من ~~البداية والنهاية والمعنى والسياق الذي يميز القصيدة ~~التقليدية، ولعل أفضل وصف لها هو الذي أطلقه عليها «مهندسو ~~الكلمات» وفي مقدمتهم هيسنبوتل، الذي سيوضح ما نقول بهذه ~~السطور التي جعل عنوانها: # تركيبية 7 ~~(1) الزمن ~~مرير! # لكن في ثقب السحاب يحترق حجر التحول الأخضر. # سطوح ملونة تنساب خلال هياكل مجردة. ~~(2) حنين للوطن. # حقول الكلمات تكشف عن تركيبات، # مستمدة من الاختراع. ~~(3) حياة عجيبة! # شذرات نص تضمن فيها باستمرار، # شذرات أخرى. # ولكن أيها هو النص الصحيح؟ ~~(4) أيادي الخريف ورقة الشتاء. # الأيام الجميلة مجهزة (كعينات) الفراشات. ~~(5) وتسقط أوراق الشجر. # على الأرض المظلمة، # فتقدم لها جميعا، # فمها المفتوح! # ولكن ألا يمكن أن تتحول القصيدة مع هذا التطور إلى مجرد ~~مادة لغوية ms54 أو حشو لفظي جامد رتيب؟ ألم تتحول عند هيسنبوتل ~~إلى ما يشبه أن يكون جدولا رياضيا يتألف من كلمات مفردة ~~ذات قيمة مطلقة؟ أليس في هذا قضاء على النص الشعري ككائن عقلي ~~أو روحي حي؟ هل تصبح القصيدة كالعقرب الذي يسمم نفسه بنفسه؟ ~~وهل يصل الأمر بها إلى الانتحار على يد بعض هؤلاء المجددين ~~والمجربين؟ # لنعتصم بالصبر، ولنتوقف عن الحكم حتى نقرأ إحدى هذه ~~«القصائد»، على يد أحد مجربيها وأشدهم تطرفا، وهو الشاعر ~~النمسوي «أرنست ياندل» الذي سبقت الإشارة إليه، وأرجو أن يلاحظ ~~القارئ أن القصيدة مجرد تنويع على أربع كلمات هي: الحب ~~والباب والكرسي والبطن، وأن الحب قد كتبت في الأصل بالفرنسية، ~~والباب بالألمانية، والكرسي بالإنجليزية، والبطن بالألمانية ... ~~وحجة ياندل هي أن هذه الأغنية (!) التي ستقرؤها الآن هي ~~المحاولة الوحيدة الممكنة لخلق لغة يستطيع المجتمع الأوروبي ~~بأسره أن يفهمها! طموح ضخم ... ولكن لنقرأ القسم الأول من هذه ~~الأغنية؛ لأن القسم الثاني منها يعتمد على عملية تباديل ~~وتوافيق، وقص ولصق تتم بين حروف الكلمات المختلفة ومقاطعها، ~~وإضافة أدوات التعريف لبعض الكلمات من لغة أخرى، مما يستحيل ~~بالطبع نقله إلى العربية: # الحب. # الباب. # الكرسي. # البطن. ~~••• # الكرسي. # الباب. # الحب. # البطن. ~~••• # البطن. # الباب. # الكرسي. # الحب. ~~••• # الحب. # الباب. # الكرسي. ~~••• # الباب. # الحب. # الكرسي. # البطن. # ثم تنتقل أدوات التعريف لكلمة فرنسية مثلا ~~إلى كلمة إنجليزية أو ألمانية، ويتكرر هذا التداخل بين ~~الكلمات وأدوات التعريف إلى حد محير، وطبيعي أن هؤلاء ~~الشعراء ليسوا مجانين، بل أناس يجربون ويثيرون السخط أو الضحك ~~والابتسام ... (وياندل نفسه مدرس في إحدى المدارس الثانوية ~~بفينا، وصدرت له عدة مجموعات من «القصائد المضادة للقصيدة»، ~~كما ترجم إلى الألمانية رواية الجزيرة للشاعر الأمريكي روبرت ~~كريلي)، وهم يجربون القصيدة الصوتية أو قصيدة الحروف التي ~~تعتمد على التكرار الصوتي لنفس الكلمات أو نفس الحروف، وأحداث ~~تشكيلية موسيقية عجيبة هدفها الوحيد هو الإيقاع والتلوين ~~الصوتي، متأثرين في ذلك بما وصل إليه التعبيريون والداديون، ~~وبنية العبارة في اللهجة العامية ، والاقتصاد والإيجاز إلى أبعد ~~مما حققه شعراء مثل: برشت ms55 وجاك بريفير وساند بورج، والتلذذ ~~بمتعة اللعب بالألفاظ بصرف النظر عن المعنى أو اللامعنى، وليس ~~هذا في الحقيقة عجزا بل هو رغبة في التجريب وفتح آفاق جديدة ~~للقصيدة، وهناك قصائد عديدة «لياندل» يمكن فهمها بل تذوقها، ~~وهناك عدد آخر يسميه «قصائد لغوية» كل همها أن تحدث صدى ~~معينا، اقرأ من النوع الأول هذه الأبيات التي وضعها تحت عنوان ~~«علامات»، وأراد بها أن عصر البطولة الكلاسيكية قد انقضى دون ~~أن يمنع هذا من الاستمرار في التجارب الأدبية والشعرية: # انكسرت الجرار المنسجمة، # والأطباق التي رسم عليها وجه إغريقي، # ورءوس الكلاسيكيين المذهبة، # لكن الطين والماء لا يزالان يدوران، # في أكواخ صانعي الفخار. # أما النوع الثاني فتوضحه قصيدة من أربع ~~مقطوعات، لا تختلف عن بعضها إلا في الحرف الأول لكل كلمة ~~تتكرر فيها، ومن رأي المؤلف أن هذه المقطوعات الأربع تمثل ~~العنصر الشعري الغنائي، ثم التراجيدي ثم الشيطاني ثم بقرة الفن ~~على الترتيب! # رش ... # رش ... # رش ... # رش ... # لي إي إي إي إي إي ... # والمقطع الثاني يغير الكلمة فتصبح جيش وتنتهي ~~بالصوت ترا آ آ آ آ ... وفي الثالث تصبح فليش وتنتهي تو و و و إي ~~ي ي ي، وفي الرابع تتكرر سيش أربع مرات وتنتهي بالصوت ~~المحدود مو و و و و ... إلخ، هذا إلى جانب قصائد أخرى تقدم ما ~~يسميه «ياندل» بالأشكال «الفارغة»، ومنها قصيدة عن السوناتة ~~تسير على نفس ترتيب السوناتة إلى أربعة عشر سطرا، مقسمة إلى ~~مقاطع 4، 4، 3، 3، والغريب أن قصيدته لا تفعل شيئا في كل هذه ~~السطور إلا أن تكرر كلمة «سونيت» نفسها بحسب النظام المعروف! # 56 # وهناك كما قلت شعراء عديدون ذكرت لك أسماءهم من قبل يسيرون ~~في هذا الطريق، ولا يمكن الحكم عليهم لقلة المادة التي بين يدي ~~عنهم، والتريث في الحكم لا يمنعنا من إلقاء بعض الأسئلة حول ~~هذه التجارب التي سيفصل المستقبل وحده في أمرها: أيكون الهدف ~~من هذه المحاولات هو إعطاء الكلمة المفردة، بل الحرف الصغير، ~~حقه في الوجود والحياة؟ أتكون الكلمات أشبه بقطع النرد ms56 أو ~~الزهر التي يلقي بها الشاعر كيفما اتفق وبطريق الصدفة، أم تكون ~~عودة إلى لغة الطفولة أو بالأحرى أصواتها إلى هذه اللغة الأم؟ ~~وماذا يريد هؤلاء الشعراء من تحويل القصيدة في بعض نماذجهم إلى ~~أصوات تسمع أو رسوم ترى متناثرة على الصفحات البيضاء، ~~بعيدا عن أي دلالة أو معنى؟ هل يريد «ياندل» وأصحابه ~~النمسويون والألمان أن يتركوا خيول الكلمات تسوق عربة الشعر ~~كما تشاء، أم أنهم في الحقيقة أعداء الشعر على الإطلاق أو على ~~الأقل بمفهومه التقليدي؟ # لا شك أن القصيدة كانت دائما تقاوم الشاعر وتراوغه ولا شك ~~أيضا أن أمثال هذه التجارب تنطوي على شيء غير قليل من الظرف ~~والذكاء والتشويق والدعابة ... ولو تتبعنا شجرة نسبها - لوجدنا ~~أنها هي الحفيدة الشرعية لمحاولات مختلفة سبقتها على يدي ~~رامبو ومالارميه وبعدهم عدد كبير من التعبيريين والسيرياليين ~~والداديين الذين أطلقوا - كما رأينا - حرية الكلمة، أو بالأحرى ~~إيقاعها ونبر حروفها، في استدعاء كلمات أو أصوات أخرى دون ~~اعتبار للسياق أو المعنى أو البناء اللغوي والنحوي. # ما مصير هذه المحاولات؟ # هل يمكن أن تؤدي إلا إلى الصمت والفراغ؟ # وما مصير الكلمات التي أصبحت عندهم أشبه بالعرائس البائسة أو ~~الطيور المحنطة المحبوسة في أقفاص وحيدة تتأرجح في فضاء ~~الكون؟ # أتكون في النهاية نزعة صوفية جديدة تواصل ما بدأه ~~«الرمزيون»، من تطهير الكلمة وتجريدها من كل أثر مادي أو ~~معنوي؟ # أسئلة متهورة كما ترى، خارجة بطبيعتها عن مجال العلم ~~الذي لا يتنبأ بالمستقبل، بل يعني نفسه بالظواهر الحاضرة بين ~~يديه، فلنق أنفسنا شر التعميم وشر الظلم، ولنتريث في الحكم ~~عليهم أو لهم، فربما لم يحن الوقت بعد للتمييز بين الأصالة ~~والسخف، والصدق والزيف، ولا يزال هؤلاء «المتطرفون» لحسن ~~الحظ قلة ضئيلة، ولا يزال هناك شعراء يتغنون بالطبيعة أو الحب ~~أو يرفعون أصواتهم بالاحتجاج والالتزام بقيمة الإنسان، صحيح ~~أن بناء الشعر قد تغير على أيديهم واختلف كثيرا عن شعر آبائهم ~~وأجدادهم، كما اختلف عما كنا نفهمه من الشعر أو نرجوه منه، ~~ولكنه ظل في أفضل نماذجه محتفظا ms57 بصوت الشعر الخالد وروح ~~الغناء، وفي هذا عزاء لأحباب الشعر أي عزاء. ms58