######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.LimaFalsafa.Hindawi84951942 #META# Tags: philosophy #META# ID: 84951942 #META# Title: لِمَ الفلسفة: مع لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - ما الفلسفة؟‏ # 2 - لم الفلسفة؟‏ # 3 - كلمة أخيرة‏ # تعليقات وإضافات‏ # لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة‏ # تمهيد‏ # 1 - ما الفلسفة؟‏ # 2 - لم الفلسفة؟‏ # 3 - كلمة أخيرة‏ # تعليقات وإضافات‏ # لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة‏ # | لم الفلسفة # | لم الفلسفة # | مع لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # بسم الله الرحمن الرحيم # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ~~. ~~(قرآن كريم - 177ك - هود 11) # لو علمتم مثل ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. ~~(حديث شريف) # استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها. ~~(حديث شريف) # يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة يا رسول الله، قال: بل أنتم كثرة، ولكنكم يومئذ غثاء كغثاء السيل. ~~(حديث شريف) # إن الفلسفة وحدها هي التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تقاس حضارة الأمة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. ~~(ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة المرحوم الدكتور عثمان أمين) # إن في السماء والأرض يا هوراشيو لأكثر بكثير مما تحلم به فلسفتك. ~~(هاملت، الفصل الأول، المشهد الخامس) # | تمهيد # هل تنبع الفلسفة من الدهشة - كما قال أفلاطون - أم من التعجب الذي اتخذ منذ لينتز وشيلنج حتى هيدجر صورة السؤال الميتافيزيقي الأساسي: لم كان وجود ولم يكن بالأولى عدم؟ أهي تعبير عن رجفة الإنسان أمام الموت، والألم، والشر، والعذاب، والمحال؟ أم عن غربته في العالم وغربة العالم في عينيه؟ هل تصدر عن تجربته الأليمة حين يحس الهاوية التي تفصل الأنا عن الأنت، أم عن عاطفة متقدة للوجود الذاتي الحق «كيركجار ونيتشه»؟ هل تأتي من حيرته من فعله وسلوكه وتساؤله عن معناه، أم أن الإنسان حيوان ميتافيزيقي «شوبنهور» تدفعه الحاجة والفطرة لطرح أسئلة لا يمكنه أن يجيب عليها، ولا يمكنه كذلك أن يتخلى عنها «كانط» أهي السؤال المنهجي العقلي! عن مشكلات تعذبه وتضنيه، أم أن مهمتها الوحيدة هي علاج الفيلسوف نفسه من الفلسفة «فتجنشتين»؟ أهي عقيدة عقلية (أيديولوجية) تحمل ms001 في يدها الحلول وبرامج الإصلاح، أم هي الداء الذي يتصور أنه الدواء؟ هل الفيلسوف هو ضمير العصر المثقل بالذنب «نيتشه» أم هو الحكيم البصير، والمتخصص في «الكل» و«العام»؟ أتكون الفلسفة في النهاية هي عصرها معبرا عنه بالأفكار «هيجل» وتكون مهمتها هي تحليل ثقافته ونقدها ووضعها في نسق عقلي موحد، أم أصبحت في عصر العلم الذي نعيش فيه ترفا لا داعي له، وثرثرة لا غناء فيها؟ وأخيرا هل هي تعلم الموت «أفلاطون» أم تعلم الحياة «اسبينوزا وياسبرز» أم هما معا؟ # من المستحيل أن نذكر كل تعريفات الفلسفة على مر التاريخ؛ فهي تبدأ مع القدماء من البحث النظري الحر في مبدأ الوجود، ومعرفة «المثل» الخالدة والأسباب الأولى والأخيرة «للموجود بما هو موجود»، والسعي الخالص يدفعه الحب! إلى الحكمة والفضيلة والسعادة، لتصل مع المحدثين والمعاصرين إلى «العلم الكلي» الذي يحيط بكل شيء وينظم كل شيء، ونظرية المعرفة العقلية التي تحدد شروطها وأشكالها الأولية، والعلم بالعقل أو الروح المطلق الذي يعي ذاته، والتحليل «الظاهرياتي» للشعور المتعالي الخالص، والتحليل «الوجودي للإنسان وأحواله» وتأكيد إرادة الحياة والمنفعة والبقاء، والوصف الدقيق لأساليب الاستخدام اللغوية والمنطقية الصحيحة بغية الكشف عن أوهام الفلسفة التقليدية ومشكلاتها الزائفة، والنقد الجدلي للواقع الاجتماعي القائم ... إلخ. من المستحيل كما ترى أن نصل إلى تعريف جامع يحدد ماهية الفلسفة، لأن التعريفات تختلف باختلاف النظرة إلى طبيعتها ومنهجها ورسالتها والغاية منها. ولا بد أن نسلم أمام هذه الكثرة من التعريفات بأن الفلسفة «مفهوم عام» يصدق على جهود عقلية متنافرة أشد التنافر، وإن كان يجمع بينها الاهتمام بالسؤال عن المشكلات الكبرى للوجود، والمعرفة، والسلوك، والإرادة، والقيمة، أو الاتجاه إلى التفسير الشامل للعالم، أو تفسير طبيعة الإنسان ووضعه بين الكائنات ووعيه بذاته ومستقبله ومصيره. # ربما سألت: ماذا نفعل أمام هذا الحشد الهائل من التعريفات؟ بماذا ننتفع من سؤال تختلف عنه الإجابات؟ أليس تعدد الفلسفات نفسه «فضيحة» (كما قال كانط)؟ ألا تقول إحداها إن «غايتها» هي فحص المعرفة، وتقول الأخرى بل هي فهم الذات! ألا تدعو الثالثة إلى ms002 الهداية العملية في الحياة، بينما تؤكد الرابعة أنها نظرية العدل الاجتماعي أو التغيير والتأثير السياسي؟ # 1 # ولكنك بهذا تكون قد فرضت على الفلسفة - دون أن تشعر - هدفا واحدا لا تتعداه، ونسيت أن «المشروعات» الفلسفية بطبيعتها متعددة الأهداف، وأنها - برغم طموحها إلى المطلق - أعمال بشرية مؤقتة ومحدودة كسائر أعمال البشر، (وإن كان هذا لا يمنع وجود أمثلة للمعرفة المؤكدة كما في المنطق!) ومع ذلك فأنت محق إذا وجدت نفسك تختار إحداها وتفضلها على غيرها. ~~ فطبع الإنسان هو الذي يحدد فلسفته (كما تقول عبارة وليم جيز)، واختيار الإنسان لإحدى الفلسفات يتوقف على طبيعته كإنسان (كما يقول فشته). ومع أن هاتين العبارتين الشائعتين غير موفقتين تماما؛ (إذ لا يستطيع الإنسان أن يختار ما يشاء من «الفلسفات» كما يختار ما يشاء من ألوان الطعام والشراب والثياب!) فإن كل واحد منا يميل في النهاية إلى فلسفة دون غيرها. ~~ قد تكون وراء هذا الميل نزعة عقلية أو عملية، رغبة في الإصلاح والتغيير الاجتماعي، أو حاجة إلى الراحة والتدبر والعزاء، شغف أرستقراطي بالمعرفة لذاتها أو ... ولكنه في النهاية يميل إليها بدافع غلاب يمتد إلى جذوره نفسها؛ إذ لا يكفي - إذا كان جادا ومخلصا بحق - أن يكون له حظ من البراعة والذكاء لمعرفة إحدى الحقائق، بل لا بد أن تملك هذه الحقيقة عليه نفسه، أن يجريها ويتعذب بها بما هو شخص وإنسان، خصوصا إذا كانت تتعلق بمعنى العالم وحقيقة الحياة. # ولقد اخترت أن أقدم لك «تعريف» الفلسفة كما تعلمناه من تاريخها القديم والوسيط، وأن أجعله مدار الفصل الأول الذي يتناول هذا السؤال: ما الفلسفة، وخلاصة هذا التعريف من اشتقاق الكلمة نفسها أنها سعي إلى الحكمة، أي نظر كلي عقلي حر في «الكل». ولا يزال هذا التعريف في رأيي صالحا في إجماله، وإن كانت ضرورات العصر والتطور العلمي والاجتماعي تحتم تطبيقه تطبيقا مختلفا عما كان عليه عند الأقدمين، فمن المستحيل اليوم أن نقبل المثل الأعلى الذي ينطوي عليه، وهو المعرفة الخالصة من كل علاقة بالحياة اليومية والسياق الاجتماعي. ومن ms003 الغفلة أيضا أن نصر عليه في صورته الأولى بعد أن تدخلت كثير من العلوم المستقلة في بحث مشكلات فلسفية عريقة، وانتهت فيها إلى نتائج لا تستطيع الفلسفة تجاهلها. أضف إلى هذا أن التشبث بمضمون ذلك التعريف سيصور الفيلسوف في صورة رجل تائه غريب عن العالم والناس، يقع في المشكلات المربكة كما وقع طاليس قديما في بئر الماء. وهي صورة «رومانسية» تثير السخرية بقدر ما تثير الإشفاق! ولهذا نجد الفصل الثاني أشبه ب «نقيض الموضوع» بالقياس إلى الفصل الأول الذي قدم «الموضوع». فهو يحاول الإجابة على السؤال المطروح «لم الفلسفة؟» مستعينا بتعريف هيجل السابق الذي حددها في مقدمته لأصول فلسفة الحق بأنها «عصرها معبرا عنه بالأفكار». وقد أخذت بهذا التعريف، لأنه ينطوي على النظر الكلي الشامل كما يتضمن النقد والتحليل، وكلاهما ضروري في عصر يهيب بالفلسفة أن تقترب من الواقع، وتغادر أبراجها الجامعية من حين إلى حين، وتتابع علوم العصر ومشكلاته وإنجازاته التقنية، وتتخذ موقفا من أزماته الاجتماعية والسياسية، وتعين الإنسان على تعميق فهمه لنفسه ومجتمعه وتاريخه ومصيره. # إننا نعيش اليوم في واقع متغير. هذا الواقع «حدث جدلي» شامل نتحرك فيه مع إخوتنا في الإنسانية. نحن جميعا مسئولون عنه وأمامه، مشاركون في حركته واتجاهه، ملتزمون بتطويره والتقليل من شروره وآلامه. فما الذي ينتظره الناس من الفيلسوف، إن كان هناك من لا يزال ينتظر منه شيئا؟ هذا هو الذي تتصدى له الكلمة الأخيرة التي ستكون بمثابة «التأليف» بين الموضوع ونقيضه السابقين، وسنحاول الإشارة إلى معالم فلسفة قريبة من العمل والواقع ومشكلاته اليومية التي نحيا فيها ونتعذب بها، كما تحاول أن تبين الدور الذي يمكن أن ينهض به الفيلسوف لإيجاد حل لهذه المشكلات بالتعاون مع زملائه من العلماء والمتخصصين، وذلك إذا تمكن من اكتشاف «سقراط» القديم الجديد وتبني دوره السقراطي. إن السؤال عما ينتظره الناس من الفيلسوف سيظل مطروحا. وستختلف الآراء في الإجابة عليه حسب الفلسفة التي يقتنع بها كل منا والهدف الذي يضعه في عنقها. واحترام هذه الآراء المختلفة شيء تقتضيه الحرية ms004 التي تقوم عليها الفلسفة. ولكن فعل التفلسف نفسه - الذي يشترك فيه أصحاب الآراء المختلفة - لا بد أن يساعدنا على فهم هذا الواقع الجدلي وتوضيحه وتوحيد شتاته، وأن يمدنا بالوعي الضروري لتفسيره وتغييره. ثم إن التفلسف نفسه فعل جدلي مفتوح. وكلمة الجدل هنا لا تقصد رغبة في التحذلق أو التعقيد والانسياق وراء الجديد. وإنما هي تعبير عن واقع لا يكف عن التغير، وعن روح التفلسف الذي لا يمكنه بدوره أن يتجمد أو يفتر. فهو جدلي لأنه في حركة متصلة، كما أن منهجه نفسه لم يتوقف عن التغير منذ غرسه «هيراقليطس» في قلب العالم حتى وضع «هيجل» صيغته ومبادئه الأساسية. ولهذا لا تتصلب نظرتنا الجدلية عند مذهب بعينه، لأن الجدل في صميمه حوار، وتقييده بقالب معين هو خيانة له وقضاء عليه. ومع ذلك فهو يحتفظ في كل «تحولاته» واستخداماته المختلفة بثورته العقلية المتجددة، ورفضه للواقع القائم، واتجاهه إلى النقد والمقاومة. # لم يكن الهدف من هذا «الكتيب» أن يكون «مدخلا» إلى الفلسفة يضاف إلى غيره من المداخل الكثيرة في اللغة العربية أو اللغات الأجنبية. ولو كان الأمر كذلك لوجب علي أن أتناول العديد من مشكلات المعرفة والوجود والقيم وغيرها من المشكلات التي لا يكاد يخلو منها مدخل واحد. لقد كان في الحقيقة هدفا متواضعا، لا يخرج عن تحديد ماهية التفلسف «ووظيفته» - خصوصا في عالمنا العربي المتخلف الذي طغت عليه مظاهر «الانقراض» والانهيار، وأصبح في حاجة إلى فكر علمي حر ينفذه ويثبته في وجه الأخطار - ولهذا أرجو أن يخرج منه القارئ وهو أكثر استعدادا لطرق أبواب «الفلسفات» المختلفة والدخول في حوار حر مع أصحابها. لا شك عندي أنه سيفتقد تفصيلات أوفى عن هذه الفلسفات. ولكن الهدف المتواضع الذي رسمته لنفسي جعلني أكتفي بالإشارة إليها، أو التعرض لمناهجها ومشكلاتها في عبارات سريعة قد تنكمش أحيانا في كلمة واحدة! والمهم عندي أن يجد القارئ نفسه بعد الانتهاء من قراءته وهو أقدر على التساؤل غير المحدود، لهذا التساؤل هو الضمان الوحيد لحريته وشجاعته ومسئوليته عن صنع عالم ms005 مشترك لا يشكو الفقر من الخير والعقل ، والحرية والعدل. # صنعاء في شتاء 1978م # عبد الغفار مكاوي # الفصل الأول # | ما الفلسفة؟ # 1 # ضحكت عليه الفتاة الثراقية وأغرقت في الضحك. فقد كان طاليس العجوز - أول من حاول وضع السؤال الفلسفي بصورته العقلية الملزمة إلى اليوم - يسير في طريقه لا يلتفت إلى أحد. لم يكن يسير كما يفعل سائر الناس ممن يعرفون هدفهم ويتأكدون من مواضع أقدامهم. فقد كان رافعا رأسه إلى السماء، مشغولا بتأمل صفحتها المرصعة بالنجوم. وما هو إلا أن وقع المسكين في نبع أو حفرة من الماء لم ترها عيناه. ولا بد أن المشهد الطريف قد استهوى الشقراء الخبيثة فأطلقت ضحكتها العالية الصافية. ربما كانت تقف على جانب الطريق عندما رأت الشيخ المهيب يسقط في الماء، وربما كانت تعرف عنه ما يعرفه أهل مدينتها «ملطية» من ولع بتأمل النجوم وحساب الكسوف والخسوف والتنبؤ بأحوال الملاحة والبحار. وربما سمعت الناس يخاطبونه باسم الفيلسوف أو يتحدثون عن نجاحه وشهرته وأفضاله. ولكن هذا كله لم يشفع له ولم يمنعها من إطلاق ضحكتها التي لا زالت تتردد حتى اليوم. ذلك لأن الفيلسوف - كما يقول أفلاطون الذي يروي الحكاية # 1 ~~- سيظل دائما أبدا موضع الضحك، لا من الفتيات الثراقيات وحدهن، بل من أغلب الناس بوجه عام، لأنه - وهو الغريب عن العالم - يسقط في نبع الماء وفي ألوان أخرى من الحيرة والارتباك. # ماذا تعني هذه الضحكة التي بدأت بها قصة الفلسفة؟ أكان بمحض الصدفة أن تطلقها فتاة عادية ساذجة؟ هل نفهم منها أن الفلسفة تخالف الحياة الطبيعية، وأن فعل التفلسف يعارض كل فعل مألوف؟ هل توحي ضحكة الفتاة المجهولة بأن التفلسف شيء غير عملي لا جدوى منه ولا نفع فيه، ولهذا استحق منها ومن كل إنسان «يعرف ما يصنع» أن يكون موضع السخرية والاستهزاء، بل موضع الاستنكار والمقاومة؟ # لنؤجل الإجابة على هذه الأسئلة إلى حين. ولنمض مع أفلاطون في تصويره لهذا الموقف؛ موقف التعارض الأساسي بين الرجل العادي وبين الفيلسوف، بين السلوك العملي وبين التفلسف. ~~ إنه ms006 يجسمه لنا في صورة واحدة من الشباب الذين يلتفون حول سقراط ويتحمسون له تحمسا جارفا لا يعرف النقد ولا يقف عند حد. هذا الشاب هو «أبوللودور» الذي يظهر كشخصية جانبية في محاورتي فيدون والمأدبة (هل كان أفلاطون يرسم به صورته هو نفسه عندما كان في سن الشباب؟) ولو تذكرنا اللحظات الأخيرة من محاورة فيدون ومن حياة سقراط نفسه في السجن عندما رفع كأس السم إلى فمه، لتذكرنا أن أبوللودور كان هو الوحيد من بين الحاضرين الذي انفجر يشهق ويبكي بصوت عال، وأن سقراط التفت لأحد تلاميذه قائلا عنه: «إنك تعرف هذا الإنسان وتعلم طبعه.» # 2 # لو رجعنا كذلك إلى محاورة المأدبة # 3 # لسمعنا أبوللودور يروي عن نفسه فيقول إنه ظل ثلاث سنين يبذل كل يوم أقصى ما في وسعه ليعرف ما يقول سقراط وما يفعل. كان قبل لقائه به يهيم هنا وهناك كيفما اتفق، وكان يتوهم أنه يصنع شيئا بينما كان في الحقيقة وحيدا منسيا، أتعس من أتعس إنسان. ~~ غير أن اللقاء بدله وحوله، فأسلم نفسه لسقراط وأعطى زمامه للفلسفة. الناس في المدينة يدعونه «أبوللودور المجنون». وهو يثور غاضبا على نفسه وعلى كل إنسان، لكن لا يملك أن يفعل ذلك مع سقراط. يمضي في كل مكان يحكي في طيبة قلب عن إحساسه الطاغي بالفرح كلما أمكنه أن يتكلم عن الفلسفة أو يستمع إلى أحد يتكلم عنها! لكنه لا يلبث أن يرتد إلى الحزن واليأس كلما وجد أنه لم يتوصل بعد إلى التشبه بسقراط. ثم يجيء يوم يلتقي فيه ببعض أصحابه القدامى الذين طالما وصفوه بالطيش والجنون. إنهم - كما يؤكد أفلاطون - جماعة من رجال المال والأعمال، أولئك الذين يعرفون تمام المعرفة ما يصنعون، ويتفقون على قدرتهم على «تحقيق شيء في هذا العالم». يطلب الأصحاب من أبوللودور أن يروي لهم شيئا مما جر من أحاديث الحب في مأدبة أقيمت في بيت الشاعر «آجاثون». ولا يخفى أن هؤلاء الرجال العمليين الناجحين لم يطلبوا منه هذا الطلب لشعورهم بالحاجة إلى معرفة معنى العالم أو ms007 سر الوجود، ولا كان رأيهم في أبوللودور ليسمح لهم بأن يتعلموا ذلك منه. إنما دفعهم إلى ذلك ولعهم بالطريف والعجيب، وشوقهم للتفرج على لعبة الحوار التي جرت في تلك المأدبة وما تم فيها من تراشق بالعبارات الفصيحة والطرف المثيرة. وأبوللودور يعرف محاوريه ولا يخدع نفسه بأشواق فلسفية غريبة عليهم. أنه يبادرهم برأيه فيهم، ويواجههم بإشفاقه عليهم ورثائه لهم: «لأنكم تحسبون أنكم تصنعون شيئا حيث لا تصنعون أي شيء على الإطلاق. ربما ظننتم أن حالي سيء، وأعتقد أنكم على حق فيما تظنون، غير أنني لا أقف عند حد الاعتقاد بسوء حالكم، بل أعلم ذلك علم اليقين.» ويستجيب أبوللودور لرغبتهم أو بالأحرى لتطلعهم لسماع أحاديث الحب، لم يمنعه من ذلك رأيهم فيه ولو يدفعه إلى الصمت والسكوت أهم بعيدون عن كل شوق حقيقي إلى الفلسفة: «ما دمتم تريدون، فلا بد لي أن أفعل.» وهكذا يروي أفلاطون محاورة المأدبة في صورة تقرير من فم أبوللودور! ونسأل أنفسنا اليوم: لماذا اختار أفلاطون أن يروي أعمق أفكاره عن الحب الفلسفي «الأيروس» على لسان هذا الشاب المتحمس المندفع، هذا التلميذ الصغير المفتقر إلى الروية والتدبر؟ ولماذا جعله يروي ما رواه لجماعة من رجال المال والأعمال الذين لا يقدرون على استيعاب هذه الأفكار ولا يأخذونها مأخذ الجد، بل لا يريدون ذلك ولا يفكرون فيه؟ ألا يدل هذا على أن أفلاطون قد تعمد رسم هذا الموقف العجيب الذي يدفع إلى اليأس والقنوط لكي يؤكد أن السعي المخلص إلى الحكمة هو وحده القادر على مواجهته، وأن الفلسفة الحقة هي القادرة على الصمود له؟ مهما يكن من شيء فإن أفلاطون قد أوضح بهذا المثل الفريد مدى التعارض بين عالم الفلسفة وعالم كل يوم، كما بين أن فعل التفلسف يختلف في صميمه عن كل فعل عملي آخر؛ لأنه فعل نظري حر يحمل هدفه في ذاته، ويرتفع بصاحبه - وهو إنسان مثل غيره من الناس - فوق حياته وحياتهم في نفس الوقت الذي يكون فيه بينهم، يتعذب كما يتعذبون ويقاسي ما يقاسونه. # 2 # يكاد ms008 الناس ألا يتفقوا على شيء اتفاقهم على الشك في الفلسفة وقيمتها وجدواها! ~~ فالفيلسوف عندهم رجل سفسطائي ثرثار، أو ملازم لبرجه العاجي بعيدا عن الواقع العملي الملموس. وإذا أحسنوا به الظن فلهو متخصص في المجرد والعام، أو بالأحرى مصاب بالتجريد والتعميم، باحث عن الكل والوحدة والمعنى حيث لا ظل لها ولا أثر، متجه ببصره وبصيرته إلى «ما فوق» و«ما وراء» وما في الباطن والأعمال حيث لا توجد إلا المدركات الظاهرة والأشياء الكثيرة والموجودات الحسية المتعددة. ولا يقتصر الشك في الفلسفة على عامة الناس الذين يتهمونها بالتحليق في السحب (كما اتهم أرسطوفان قديما سقراط ووضعه في «سلة» معلقة بين الأرض والسماء!) ويصورون الفلاسفة في صورة من يزرعون بذور القلق والسخط ويسببون الإزعاج في حياتهم وبعد موتهم أيضا، ويلتمسون «الغابة» حيث لا توجد إلا الأشجار! بل أن هذا الشك والسخط ليمتد بصورة أشمل وأسوأ إلى الفلاسفة أنفسهم؛ فهم لم يتفقوا منذ بداية الفلسفة على مفهومها وماهيتها، ولا على مضمونها ومنهجها، حتى ليزداد الاضطراب والاختلاف بينهم - كما سنرى بعد - كلما أوغل بحثهم في الماهية والمضمون. وليس كذلك الأمر مع رجل الشارع الذي «يعرف» ما يريد، ويعلم ب «فطرته السليمة» كيف يبلغه ويحققه، ويطمئن إلى العالم المحيط به اطمئنانه إلى خطاه السائرة على أرض ثابتة نحو أهداف وغايات ثابتة. وليس الأمر كذلك أيضا مع «العلماء» على اختلاف مجال بحثهم في الطبيعة أو الكيمياء، أو الطب والنبات، أو الجغرافيا والتاريخ ... إلخ. فهؤلاء يعرفون حدود عملهم وطبيعته وأهدافه، والمجتمع أيضا يعرف وظيفتهم ولا يختلف حول قيمتها وفائدتها. لو سئل أحدهم عن طبيعة علمه وخصائصه ومنهجه وغايته لأجاب في عبارة بسيطة محددة. ولو سئل الفيلسوف لاحتاج لسرد ملحمة تاريخية عن اختلاف مفهوم الفلسفة باختلاف العقول والمذاهب والعصور، وربما اكتشف هروب السائل قبل أن يروي فصلا واحدا من فصول ملحمته! ولو حاول أن يجد الإجابة التي تغري سائله بالصبر والانتظار لما وجد الإجابة النهائية المحددة. وحتى لو قدم له إجابة عقل بعينه أو مدرسة بذاتها المنسية أو من حشود ms009 المتخصصين المحيطين به في أركان المعاهد والجامعات وأروقة المؤتمرات والندوات. # ومع ذلك فلو سأل عالم الفيزياء هذا السؤال: ما هي الفيزياء أو ما معنى البحث الفيزيائي، لكان بذلك يسأل سؤالا يسبق علم الفيزياء ويتجاوزه، ولكف هو نفسه عن مزاولة البحث الفيزيائي ليصبح في عداد الفلاسفة! أما لو سأل: ما هي الفلسفة وما هو التفلسف لكان بذلك يزاول الفلسفة، لوجد نفسه على الفور مبتلا بمائها، غارقا في أمواج بحرها! ذلك أنه سؤال في صميم الفلسفة، بل إن تاريخها كله لا يعدو أن يكون محاولة مستمرة للإجابة عليه. ثم إن الإنسان هو الذي يضع السؤال وهو الذي يهتم بالإجابة عليه، لأنه يتعلق بصميم وجوده ومصيره. فليس في استطاعتي أن أقول شيئا عن الفلسفة والتفلسف دون أن أتكلم في نفس الوقت عن الإنسان. ولهذا لم يخطئ كانط عندما صاغ الأسئلة الكبرى على هذه الصورة: ماذا أستطيع أن أعرف؟ ماذا ينبغي علي أن أفعل؟ ما الذي يجوز لي أن آمل فيه؟ ~~ لكي يتوجها جميعا بهذا السؤال: ما الإنسان؟ (أ). # ولما كان السؤال عن الفلسفة والتفلسف سؤالا إنسانيا بالضرورة، فليس من الممكن أن تكون الإجابة عليه نهائية، لأن من ماهية هذا السؤال ألا يكون الجواب عليه «كالحقيقة الكاملة الاستدارة» - على نحو ما تقول عبارة بارمنيدز - ولا أن يكون ثمرة نقطفها ونضعها مطمئنين في أيدينا، ولهذا فلن نستطيع أن نعد القارئ أو نعد أنفسنا بتعريف محدد للفلسفة، ولا بجواب أخير يحيط بموضوعها إحاطة القشرة بالنواة. وكل ما سنحاوله هو أن نغوص معا في فعل التفلسف نفسه ونجرب معه قدرتنا على الحرية ومعرفة النفس وبالتالي معرفة الآخرين والعالم المشترك بيننا. # 3 # لنبدأ محاولة الاقتراب من التفلسف بأن نقول إنه فعل نتجاوز فيه عالم العمل # 4 # اليومي. ولا بد بطبيعة الحال أن نحدد ما نقصده ب «عالم العمل» ثم بالتجاوز (أو الارتفاع والعلو والتخطي). # عالم العمل هو العالم الذي نضطرب فيه كل يوم لنكسب قوت يومنا ونؤدي «واجبنا» و«وظيفتنا». هو عالم «الجهد» و«النفع» و«الإنجاز»، عالم إشباع الجوع وتلبية ms010 الحاجات: إن الهدف يتحكم فيه، وتحقيق المنفعة يسوده ويطغى عليه. هو عالم العمل، ما دام هذا العمل مرادفا للنشاط النافع والفاعلية التي تحمل معنى الكدح والكد. وما دام ينطوي على تحقيق النفع العام (لنلاحظ مؤقتا أننا نقول النفع العام ولا نقول الصالح العام؛ فالفلاسفة - منذ أرسطو وتوماس الأكويني حتى اليوم - يؤكدون أن مفهوم الصالح العام أشمل وأعم، وأن من الصالح العام أن يتفرغ البعض لمزاولة التفلسف، أي لحياة النظر والتأمل البعيدة عن المنفعة المباشرة) صحيح أن النفع العام يختلط اليوم بالصالح العام ويكاد أن يكون مرادفا له. وصحيح أن عالم العمل يمتد ويتسع وتزداد مطالبه إلحاحا حتى ليوشك أن يلتهم وجود الإنسان كله يصبح هو «العالم» على وجه الإطلاق (من منا لا يستغرق السعي إلى المأكل والمسكن والدفء كل وقته؟ من منا يجد من يومه ترف التفكير في معنى حياته أو معنى العالم الذي يعيش فيه ومصيره؟ من منا يمكنه أن يتردد عن المشاركة في بناء بلاده وتأكيد حرية الإنسان وكرامته وقداسة شخصيته وتقليل الشر والقهر والبؤس في مجتمعه؟ بل من منا يتردد عن العمل بقدر طاقته على جعل عالمنا البشري عالما ممكنا ومحتملا؟) فإذا افترضنا أن التفلسف فعل يتجاوز عالم العمل اليومي ويعلو فوقه وجدنا أنفسنا مع هذا السؤال «النظري» المجرد فجأة وسط سؤال معاصر وشديد الإلحاح. فعالم العمل اليومي الذي نلتزم به جميعا يطبع حياة الملايين ويختم الوجود الإنساني بخاتمه. كيف يتفق هذا مع القول بأن فعل التفلسف يرتفع فوق عالم العمل؟ هل يعني أن عالم العمل اليومي لا مكان فيه للفلسفة الأصلية والتفلسف الأصيل؟ أم يعني أن فرصة التفلسف لن تتاح إلا على حسابه وعن طريق التهرب من مسئولية المشاركة فيه والبعد عن أوجه نشاطه وحاجاته وضروراته؟ # الواقع - مهما آلمنا أو فاجأنا هذا القول لأول وهلة - أن فعل التفلسف يتعارض تعارضا مبدئيا مع عالم النفع العام والنشاط اليومي. وكلما ازدادت مطالبه وضروراته ازدادت حدة هذا التعارض. بل يمكن القول بأن تهديد هذا العالم الذي يزداد خطره كل ms011 يوم هو الذي يهدد الفلسفة ويضيف إلى موقفها من التأزم والحرج أكثر بكثير مما يمكن أن تسببه لها الإشكالات الناجمة عن صميم ماهيتها ومضمونها وحاجتها المستمرة لمواجهة نفسها في مواجهة ظروف العصر وثقافته. ولهذا ليس عجيبا أن يعدها الناس شيئا غريبا، وأن تغترب هي أيضا عن نفسها فتصبح ترفا عقليا أو جدلا عقيما غير مسئول أو محاولة يائسة لتقليد العلوم الدقيقة تكشف في النهاية أنها تسير في طريق مسدود. وكلما تراكمت ضرورات الحياة اليومية وجثمت أعباء العمل على صدور الناس انطوت الفلسفة على نفسها في قاعات الدرس التي يمولها دافع الضرائب دون علمه أو على رغمه! وانزوى أصحابها في زوايا الكتمان أشبه برواد الجمعيات السرية أو جماعات الهواة! # مع ذلك يبقى هذا القول صحيحا: إن فعل التفلسف يعلو فوق عالم كل يوم ويتعارض معه من حيث المبدأ، وليس من قصدنا بطبيعة الحال أن نقلل من شأن هذا العالم اليومي الذي نشقى به ويشقى بنا ويكون جزءا جوهريا من عالم الإنسان، وتوضع فيه أسس وجوده المادي الذي لا يمكنه أن يتفلسف! وليس القصد أيضا أن نتعالى عليه وننظر إليه من برج تأملي مريح! فمن بين الأصوات التي تتزاحم حول ضرورات المعيشة اليومية (من أين أحصل على الزيت والسكر والأرز واللحم؟ كيف أجد القماش الشعبي وبأي سعر؟ أين وكيف أحصل على المسكن والمأوى ... إلخ) قد يرتفع فجأة أحد الأصوات بدافع اليأس أو الملل أو التعجب أو الصحوة المفاجئة لمعنى الوجود؛ ليسأل هذا السؤال القديم، هذا السؤال الأكبر الذي قامت عليه «الميتافيزيقا» وانبعث نداؤه من أغوار الدهشة: لم كان وجود ولم يكن بالأولى عدم؟ # 5 # ولسنا في حاجة للقول بإن هذا السؤال الفلسفي العريق يصطدم بعالم النفع والعمل والوسائل والغايات القريبة المحددة (لو انطلق به صوت ضجر في زحام الطوابير لاتهم صاحبه بالجنون أو نصحه الناس بالصبر!) ولكن ما إن يهتف أحد بالسؤال، ولو ناجى به نفسه! ~~ حتى يتضح الفرق بين العالمين، وتتم الخطوة التي يرتفع بها السائل فوق عالمه اليومي، وينفذ من ms012 القبة السميكة التي تحيط به. وقد يكون السؤال من القوة والعمق بحيث لا ترتفع هذه الخطوة فوق عالم كل يوم فحسب، بل تعلو بصاحبها فوق كل شيء على الإطلاق، وتتجاوز به العالم وكل ما هو «عالمي» أو محتوى في مكان لكي يغوص به من جديد في أعماق هذا العالم وجذوره بعد أن يكون قد جرب بفعله الفلسفي تجربة العلو المطلق، والتحرر المطلق، تجربة الكل والمعنى الأخير. # 6 # وليس فعل التفلسف (ونلاحظ مؤقتا أنه فعل ونشاط وحركة، بل هو أقصى فعل يمكن أن يحقق به الإنسان حريته ومعرفته بذاته وتجربته بالوجود في مجموعة!) ليس هو الوحيد الذي تتم به هذه الخطوة إلى ما فوق العالم كل يوم وما وراءه. ففي صوت الشاعر الأصيل، وابتهال العابد المتبتل، وهمسة المحب المتفاني، وصرخة الثائر النقي، ورجفة المحتضر أمام الموت، ورعشة المبدع بخفقات الخلق ... إلخ، في كل هذه التجارب التي تهز كيان الإنسان وتدفعه إلى حدود الوجود وتملؤه دهشة من الكل؛ فيها شيء من فعل التفلسف الذي يرتفع فوق العالم اليومي ويعلو فوق مقولات النفع والتنظيم والاستخدام العقلي والعملي. سنستبعد بطبيعة الحال كل شعر كاذب، وتمرد زائف، وتدين منافق، وحب غير نقي، وتفلسف غير أصيل، لأنها جميعا لا تحقق العلو فوق عالم العمل اليومي ولا تتيح النظر الكلي إليه، وإنما تسخر لخدمته ترسا في آلته، ووظيفة محددة ضمن نظامه وبرنامجه، وبذلك لا تمكن من مراجعته وتوجيهه وإدراك معناه، وإنما تضاعف من سجن الإنسان في محبسه، ولهذا كان السفسطائي الفيلسوف الكاذب أسوأ حالا من رجل الشارع؛ لأن الأول لن يعرف الاندهاش الحقيقي، أما الثاني فقد تصيبه الدهشة فجأة من حكمة عابرة أو مثل سائر أو بيت شعر مأثور، أو لحظة صدق مع النفس أو وقفة تأمل وسط الزحام أو تجربة فشل ومعاناة ... إلخ. # 7 # 4 # هذا الجانب السلبي الذي يبرزه التعارض بين فعل التفلسف وبين العمل اليومي - وقد جسمه أفلاطون كما رأينا في موقف الفتاة الثراقية البريئة من طاليس وموقف أبوللودور المتحمس للفلسفة تجاه رجال المال ms013 والأعمال - ليس هو الوجه الوحيد للمسألة. إن الوجه الآخر لفعل التفلسف هو الحرية. فالفلسفة لا «تستخدم» بالمعنى المباشر من كلمة الاستخدام. وهي كذلك لا تسمح بأن تستخدم في سبيل هدف غريب عنها؛ لأنها هي نفسها هدف في ذاته. إنها معرفة «حرة» لا معرفة «نافعة». هذه الحرية تفترض أن المعرفة الفلسفية لا يسوغها الاستخدام والتطبيق. ولا تستنفد «الوظيفة» الاجتماعية رسالتها (فلها بدون شك وظيفتها في المجتمع - كما سنوضح هذا بالتفصيل - بغير أن تفقد لهذا السبب حريتها أو تصبح تابعة للمجتمع أو فرعا من فروع علم الاجتماع!) بهذا المعنى وضع القدماء الفلسفة بين الفنون الحرة - في مقابل الفنون العملية التي تسخر لتحقيق منفعة معينة - بل جعلوها أكثر هذه الفنون نصيبا من الحرية. # 8 # ويستوي أن أقول إن فعل التفلسف يتجاوز عالم كل يوم، أو أقول إن المعرفة الفلسفية لا تقبل أن تستخدم لهدف خارجي غريب عنها، أو أقول أخيرا إنها فن حر. وليس معنى هذا أن العلوم الجزئية تخلو من الحرية، بل معناه أنها تكون حرة بقدر ما يزاولها العالم بطريقة فلسفية ويحرص على ألا يضيع طابعها الفلسفي والنظري الحر، أي عندما يلمس حدود علمه ويسأل عن معناه وغايته، وقيمته ومنهجه، وأسسه وشروطه، وعلاقته بالعلوم الأخرى وبوحدة المعرفة الشاملة. وأوضح مثل لهذا هو ما يحدث للعلوم الجزئية فيما يسمى بأوقات «الأزمات» التي تراجع فيها مناهجها وتعيد النظر في مبادئها ومسلماتها. # لنضرب مثلا واقعيا. ولنفترض أن المسئولين في دولة حديثة قالوا: نحن نحتاج لتنفيذ خطة السنوات الخمس إلى عدد معين من الأطباء وعلماء الفيزياء والكيمياء والزراعة ... إلخ؛ لتحقيق التنمية في هذا المجال أو ذاك. ولنتصور أنهم قالوا أيضا: نحن في حاجة الآن إلى عدد من الفلاسفة، ولكن ماذا سيقولون لتسويغ هذا الطلب؟ هناك مسوغ واحد: لكي يدعموا «أيديولوجية» معينة أو يدافعوا عنها. ولنتصور أيضا أنهم قالوا: نحن في حاجة إلى عدد كذا من الشعراء، فإذا سئلوا لماذا؟ كان هناك جواب واحد يتردد في صيغ وعبارات مختلفة: لكي تكون الكلمة سلاحا للنضال في سبيل ms014 مثل وأهداف وضعها المجتمع. غير أنهم بذلك يدمرون الفلسفة والشعر جميعا، بحيث تكف الفلسفة عن أن تكون فلسفة، ويتوقف الشعر عن أن يكون شعرا. وليس معنى هذا أنه لا توجد علاقة بين الفلسفة والشعر في بلد معين وبين تحقيق الصالح العام. ولكن معناه أن هذه العلاقة لا ينبغي أن تترك للقائمين على الصالح العام لتنظيمها وتدبيرها ووضع قواعدها. فكل ما يحمل معناه وهدفه في ذاته لا يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق هدف آخر. وكما أننا نحب إنسانا لذاته لا لكي نحقق هذا الهدف أو ذاك من وراء الحب، فنحن لا نستطيع أن نتفلسف أو نبدع الشعر لهدف خارجي عنهما، وإلا قضينا عليهما وسلبناهما حرية النظر والنقد والمقاومة. # هذه الحرية التي يقوم عليها التفلسف مرتبطة ارتباطا حميما بالطابع «النظري» للفلسفة. فالفلسفة هي أنقى صور التأمل في الواقع. وحيثما ينظر الإنسان إلى أي شيء أو أي موجود نظرة فلسفية، فهو في الحقيقة يسأل عنه سؤالا نظريا خالصا من كل غرض نفعي أو عملي. وتحقيق هذا النظر الخالص مرتبط بدوره بوجود علاقة بين الإنسان والعالم، علاقة خالية من كل غرض، اللهم إلا الرغبة في معرفة ماهيته وواقعه، ولن تتيسر له هذه النظرة حتى يكون العالم أو الواقع أو الوجود أكثر من مجرد مجال أو مادة خام لنشاطه وفاعليته. ~~ ولن تكون هذه النظرة فلسفية بحق حتى تحيط بالوجود كله وتحاول أن تجربه في مجموعه، وبذلك تحقق تلك العلاقة الأصيلة التي نبعت من حرية التفلسف وجعلت الفلسفة ممكنة. # كانت هذه العلاقة الأصيلة حية وحاضرة في فجر الفلسفة وعند مؤسسي التفلسف. وعندما بدأت تنهار خطوة فخطوة انهار معها الطابع النظري الحر للفلسفة وتدهورت الفلسفة نفسها. ولو تتبعنا الخط الذي يبدأ في العصور الحديثة من كلمة فرانسيس بيكون المعروفة: «العلم قوة»، أو من عبارته التي لم يفتأ يرددها في صور مختلفة: «إن معنى العلم كله هو تزويد الحياة البشرية بالاختراعات الحديثة.» # 9 # إلى ديكارت الذي يؤكد في «مقاله عن المنهج» أن غرضه هو وضع فلسفة «مقاله عن ms015 المنهج» أن غرضه هو وضع فلسفة «عملية» في مكان الفلسفة «النظرية» القديمة، بحيث نستطيع أن نجعل من أنفسنا «سادة مسيطرين على الطبيعة مالكين لها»، # 10 # حتى عبارة ماركس المشهورة: «لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم تفسيرات مختلفة، ولكن المهم هو تغييره.» # 11 # لو تتبعنا هذا الطريق التاريخي المتصل حتى اليوم لكنا في نفس الوقت نتتبع طريق تدمير الفلسفة لذاتها وتخليها بالتدريج عن طابعها النظري الحر، ورؤيتها للعالم وكأنه مجال أو مادة خام للفعل البشري. ولا تحسب أننا نقلل من صدق العبارات السابقة وأهميتها، أو من أي جهد فكري يطمح لتغيير العالم المادي والاجتماعي والتقدم به نحو الأفضل. فلولا القدرة على النظر الخالص الحر ما استطاع هؤلاء الفلاسفة أنفسهم أن يصوغوا عباراتهم المذكورة. ولكننا نلاحظ فحسب بداية انهيار حرية التفلسف مع بداية العصر الحديث، وغلبة الطابع العملي عليها، والميل «لتوظيفها» لخدمة نظام اجتماعي معين. ولا يمكننا أن نرفض هذا كله رفضا مطلقا - فكم تمخضت عنه ثورات حقيقية - بشرط ألا يتم على حساب الحرية الأساسية للفلسفة، ولا ينال من ماهية التفلسف الذي وصفناه بأنه يتجاوز عالم العمل اليومي، لا لكي ينكره أو يزدريه أو يتعالى عليه، بل لكي ينعكس عليه من جديد ويتغلغل في أعماقه وهو أقدر على النظر الحر إليه ومراجعته وتحليله وتوجيهه وإضفاء الوحدة والمعنى عليه. # إن الفلسفة تقوم على الإيمان بأن ماهية الإنسان وثروته الحقيقية لا تكمن في إشباع الحاجات الضرورية، ولا في أن يصبح «سيد الطبيعة ومالكها» ومسخرها، بل في قدرته على رؤية الموجود، كل ما هو موجود. وليست الفلسفات الكبرى سوى مجموعة التجارب الكبرى عن الوجود في كليته. كما أن الفلسفة القديمة قد بينت أن أقصى كمال يمكن أن تبلغه هو أن يرتسم في نفوسنا نظام الأشياء الموجودة في مجموعها، وهذا كله متضمن في تحديدنا لفعل التفلسف بأنه تجاوز لعالم كل يوم. ولكن تجاوزه إلى أين؟! إلى عالم «آخر» كلي وراء هذا العالم الجزئي؟ أم إلى عالم حقيقي وراء عالم المظهر؟ هل نقف عند ذلك العالم ms016 أم يحتم علينا فعل التفلسف، أي فعل العلو الذي لا يقف عند حد! أن نتجاوزه بدوره إلى عالم آخر وراءه وهكذا إلى ما لا نهاية؟ ألا يمكن أن ينتهي بنا ذلك إلى الفراغ والعدم فتحق علينا التهمة التي يلصقها بنا العمليون والناجحون وأصحاب الفطرة السليمة؟ أيكون الرد عليهم أن من يتجاوز «كل شيء» لا بد أن يتجاوز الشيء وضده، أي الوجود والعدم جميعا؟ فإلى أين أذن وأي شيء نجنيه من هذا الارتفاع؟ وماذا يعود علينا أو على عالمنا منه؟ # أيا كانت الإجابة على هذه الأسئلة فلا شك أن كلا العالمين ينتمي إلى عالم الإنسان، وأنه وحده - دون سائر الكائنات من جماد أو نبات أو حيوان - هو القادر بفضل العقل على الوجود في العالم بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة (ب) ولا بد أن نضيف إلى هذا أنه هو الكائن الوحيد الذي يقدر على العلو والارتفاع فوق هذا العالم وفوق ذاته وكل شيء على وجه الاطلاق «لنتذكر كلمة باسكال في خواطره: تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان علوا غير متناه!» # 12 # فالتفلسف يعني فيما يعنيه أن نجرب اهتزاز عالم كل يوم كلما سمعنا نداء «العالم»، وأن نخطو خارج حيز البيئة العملية الضيقة لكي نواجه «الكون». هي تجربة خطرة، تسلمنا للغربة حيث لا سطح يظلنا. وهي لا تتم في كل لحظة ولا في كل يوم؛ إذ لن نستغنى عن الرجوع إلى سقف يحمينا. ومن ذا الذي يمكنه أن يهجر عالم الفتاة الثراقية إلى الأبد؟ ~~ من يقدر أن يتخبط في نبع الماء طوال حياته؟ من يملك ترف النظر إلى الأنجم طول العمر؟ # إن حياة التأمل والنظر ليست حياة بشرية خالصة، وإنما هي شيء يسمو فوق البشرية. لأن في الإنسان نفسه شيئا يفوق الإنسان. بيد أنه ينظر ويتأمل - أي يتفوق على الإنسان - بما هو إنسان، وبقدر ما تغوص قدماه في الوحل تكون قدرته على التطلع للنجوم. بقدر ما ينغمس في أعماق الواقع اليومي بقدر ما يرتفع فوقه ليراه في كليته. من ثمة هذا الوضع الغريب الفاجع: ms017 سقراط يغوص «حافي القدمين» في حارات أثينا وفي نفس الوقت يحلق فوق السحب، يكون في كل لحظة يتحاور فيها مع الناس في العالم وخارجه، يسأل عن هذا الشيء أو ذاك ويسأل في نفس الوقت عن الكل، يتكلم عن المعرفة والعدالة والفضيلة ... إلخ، ويسعى في نفس الوقت إلى «ماهية» المعرفة و«جوهر» العدالة و«حقيقة» الفضيلة. إنه في كل سؤال فلسفي حقيقي إنما يسأل عن «كل» ما هو موجود، عن ماهيته وحقيقته الأخيرة. إذ ليس سؤالا فلسفيا ذلك الذي لا ينصب على «الكل». # 5 # في فعل التفلسف يرتفع الإنسان فوق عالم كل يوم ليتجه إلى «العالم»، يعلو فوق البيئة التي يحتاج إليها ويتكيف معها ليندفع إلى مجموع الموجودات. ولكن هل نريد أن نرسم للفيلسوف صورة رومانسية بقدر ما هي مضحكة؟ أيوافق أحد منا على أن يظل غريبا عن العالم ومثارا للسخرية والإشفاق؟ هل يفهم من هذا العلو أنه يغادر مكانا ليدخل مكانا آخر، أو أنه يترك أشياء في عالم كل يوم ليستقبل أشياء أخرى في «العالم»؟ إن المتفلسف لا يحول وجهه عن عالم العمل اليومي عندما يرتفع فوقه، ولا يشيح ببصره عن أشيائه الواقعية والعملية الملموسة عندما يسأل عن معناه وحقيقته، ولا يوجه عينيه من مجاله إلى مجال آخر يرى فيه عالم «الحقائق» و «الماهيات»، فليس الأمر هنا أمر مجالين للواقع بحيث يترك أحدهما لينفذ في الآخر. ليس الأمر كذلك مهما تبادر للظن من كلمات «العلو» و«الارتفاع» و«التجاوز» التي ترددت على الصفحات السابقة. إن هذا العالم نفسه، هذا العالم بأشيائه وكائناته التي تقع أمام أعيننا، بموضوعاته التي نلمسها بأيدينا ونعرفها بحواسنا وعقولنا، هو موضوع التأمل الفلسفي. غير أن هذا العالم، هذه الأشياء التي نراها والموضوعات التي نلمسها والحقائق التي نفكر فيها ونتعامل معها ليل نهار تصبح موضوعا للسؤال على نحو خاص. إنها تسأل عن ماهيتها وحقيقتها الكلية الأخيرة، بحيث يصبح أفق السؤال هو أفق الواقع الكلي. السؤال الفلسفي ينصب على «هذا» الشيء أو «ذاك» مما يقع أمام بصرنا، لا يتجه إلى شيء يقع ms018 «خارج العالم» أو في عالم آخر وراء عالم التجربة اليومية. ولكنه يسأل عنه بطريقة تمس جذوره وتفتح فيه أعماق الدهشة المتجددة: ما هو «هذا الشيء» على الإطلاق وفي أصله ومعناه الأخير؟ يقول أفلاطون: لا يريد الفيلسوف أن يعرف إن كنت أظلمك في هذا الأمر أو كنت تظلمني، وإنما يريد أن يعرف ما هي العدالة بوجه عام وما هو الظلم، ولا يريد أن يعرف إن كان الملك الذي «يملك» الذهب الكثير سعيدا أم غير سعيد، وإنما يريد أن يعرف ما هو الملك بوجه عام، وما هي السعادة والشقاء على وجه الإطلاق وفي أساسها الأخير. # 13 # السؤال الفلسفي إذن يتجه إلى الأشياء التي تقع أمام أعيننا كل يوم، ولكن هذه الأشياء تشف أمام السائل، تفقد كثافتها وبداهتها المعهودة، تكشف عن وجهها العميق الذي لم نألفه من قبل. كان سقراط يشبه نفسه ب «السمكة الرعاشة»، # 14 # فأسئلته تجمد المسئول وتخلع عن وجه الأشياء قناعها العادي. في كل يوم نقول: هذا صديقي، هذا بيتي، هذه زوجتي، وكأنما «نملك» هذا كله. وفجأة يرن السؤال فنتوقف: هل نملك هذا كله؟ هل يمكن حقا أن نملك؟ ما معنى «الملك» على الإطلاق؟ عندئذ نتفلسف، فنبتعد ونغترب، لا عن الأشياء المعتادة في حياتنا اليومية، بل عن تفسيراتها وقيمها المألوفة. ونحن لا نفعل هذا لكي نشذ عن الآخرين، أو لكي يقال إننا نفكر بخلاف بقية الناس، بل لأن وجها جديدا للأشياء قد ظهر أمامنا فجأة، وجها مختلفا عن ذلك الذي تعودنا عليه وسلمنا به في لقائنا معه كل يوم. هذه التجربة الباطنة هي التي اتفق على أنها أصل التفلسف. إنها تجربة الدهشة. # يهتف الرياضي الشاب «ثيآيتيتوس» بسقراط الماكر الطيب بعد أن جعله يقر بجهله: ب «حق الآلهة يا سقراط، إنني لا أفيق من الاندهاش من معنى هذه الأشياء، وأحيانا يصيبني الدوار بمجرد النظر إليها.» عندئذ يرد عليه سقراط هذا الرد المرح البسيط الذي أصبح حقيقة مقررة في تاريخ الفلسفة: «أجل. إن هذه الحال بعينها هي التي تميز الفيلسوف، هذا وحده ms019 دون سواه (أي الاندهاش) هو أصل الفلسفة.» # 15 # فعل التفلسف يبدأ مع الدهشة. هذه الدهشة تكشف عن طابع الفلسفة «غير البرجوازي» والذي نقصده بالبرجوازية العقلية هنا (دون أدنى رغبة في الإساءة إلى البرجوازيين، فنحن جميعا منهم، سواء كنا كتابا أو قراء!) هو وجهة النظر التي تأخذ البيئة المحيطة بكل ما فيها من أغراض حيوية مباشرة مأخذا نهائيا جادا بحيث لا تشف الأشياء عن وجهها الأعمق ومعناها الأخير. فالأشياء لا تدهش البرجوازي. وهو نفسه عاجز عن الاندهاش. إن كل شيء عنده واضح مألوف لا غرابة فيه. # ولكن هل هناك شيء بديهي؟ هل عرفنا معنى «الشيء» أو حاولنا التساؤل عنه؟ أبديهي أن نوجد أو نبصر أو نتحرك؟ أمن الأمور البديهية أن نولد ونعيش ونموت؟ هل حياة الكائنات والقيم والنظم والنظريات والمواضعات ... إلخ وموتها شيء واضح بذاته؟ أليس في نشوئها وفسادها ما يثير العجب والدهشة؟ لكن البرجوازي لا يخطر على باله أن يسأل هذه الأسئلة. ~~ فهو يحيا سجين يومه. أسير أهدافه الحيوية المباشرة، في حين أن صوت هذه الأهداف الحيوية يصمت - ولو في لحظة الاندهاش- فلا يعود يسمعه من يهتز برؤية العالم الأعمق، ومن يتعجب من وجود الموجودات وأنها ليست عدما، وأن مجرد وجودها يثير السؤال عن معناها وحقيقتها ولو لم يتوصل إلى معنى ولا حقيقة. هذا الاندهاش هو الذي مكن أول من أطلق السؤال الفلسفي (سواء عند الإغريق بصيغته المعروفة: ما هو الوجود أو الموجود؟ أو عند حكماء الشرق القديم في ثوب ديني أو أسطوري)؛ هو الذي مكنه من النظر الخالص من كل غرض، النقي من كل رغبة أو منفعة. والذي أدهش أول السائلين لم يكن شيئا مثيرا أو شاذا، ولا كان حدثا غير مألوف لم يسمع به أحد؛ فالذي يحتاج إلى المدهش لكي يندهش لا يعرف في الحقيقة ما هي الدهشة! بل كان هو وجود الموجود نفسه، هذا الذي نراه كل لحظة ولا نراه، في هذا الشيء اليومي المعتاد أدرك المتفلسف الذي اندهش لأول مرة ما ليس بيومي ولا معتاد. هزه من ms020 كل كيانه أن الأشياء موجودة فسأل السؤال الميتافيزيقي الأول: لم كان وجود؟ تعجب مما يلقاه من أشياء يمر عليها الناس مر الكرام دون أن يصيبهم العجب. لم يكن في حاجة للاستغراق في تأمل النجوم كي يسقط في نبع الماء. فكل ما هو موجود قد كشف له عن وجهه العميق وأسقطه في نبع الحيرة. ولا بد أن هذه التجربة قد عرضته للخيبة والفشل في التعامل مع تلك الأشياء التي كان الهدف منها قبل ذلك واضحا وكانت منفعتها محددة. ولا بد أنه تعرض للسخرية أو السخط من الناس فاغترب عن حياتهم اليومية وانتزع من جذور الطمأنينة تحت سقف نظام مستقر. ولكن لا شك أنه لم يطل به البقاء في هذه التجربة، إذ لا مفر من الرجوع إلى الحياة اليومية! ولا شك أيضا أنه قد عاد إليها بأعين جديدة ونظرة جديدة، ربما نقول اليوم: كان شاعرا يحيا في جنة الأساطير، أو طفلا يحبو في مهد العلم. ~~ وفي هذا القول نصيب من الحقيقة. ففي الفيلسوف دائما شيء من الطفل والشاعر، وان اختلف عنهما في طريقة تعبيره عما يدهشه (ج) ولهذا اتفق - كما أسلفنا القول - أرسطو والأكيني على أن الفعل الفلسفي قريب من الفعل الشعري، لأن الفيلسوف والشاعر يتعاملان مع المدهش (د). # 6 ~~«الاندهاش أصل التفلسف». ولكن ربما فهم من هذه العبارة أنه مجرد بداية أو تمهيد سابق عليه، بحيث يمكن أن يزول بعد فترة قصيرة أو طويلة. والواقع أن الاندهاش هو مبدأ التفلسف وجوهره الثابت وقوته المحركة، ولو زال عنه لتوقف التفلسف نفسه. والدليل على هذا أن الاندهاش لم يقتصر على الفلسفة القديمة بل ظهر وجهه واضحا مع بداية الفلسفة الحديثة. ~~ ولو تذكرنا أب الفلسفة الحديثة لأمكننا أن نقول إن الشك هو أصل الفلسفة. فلولا أنه قال لا وشك في كل شيء: فيما تلقاه عن طريق التعليم، في الحس والمحسوس والمعقول، في أبسط الحقائق الرياضية، في وجود جسمه ووجود العالم المادي المحيط به وفي الله نفسه، لولا ذلك ما أمكنه أن يتوصل إلى صخرة ms021 اليقين التي لا تتزعزع؛ فهو لا يستطيع أن يشك في أنه يشك، وهو في شكه يفكر، ولا فكر بغير «أنا » تفكر، وهذه الأنا التي لا سبيل للشك فيها هي الحقيقة البديهية الواضحة التي سيشهد عليها بناء الفلسفة والعلم من جديد، وسيصعد على سلمها (النوراني اللحظي) كي يثبت وجود الله ثم يهبط لإثبات وجود العالم، ولولا حرف النفي البسيط «لا» الذي بدأ به فلسفته لما بدأ تاريخ العصر الحديث. # يقول هيجل في محاضراته عن تاريخ الفلسفة (وهو بصدد الكلام عن سقراط ومنهجه في إدهاش محدثه مما يبدو واضحا مسلما به): «إن الإرباك هنا هو أهم شيء، ولا بد للفلسفة من أن تبدأ به وتعمل على ظهوره، لا بد للإنسان من الشك في كل شيء والتخلي عن كل افتراض لكي يعود بعد ذلك فيتلقاه نتاجا للتصور.» # 16 # هل يعني هذا الاندهاش في صورته القديمة أو في صورة الشك الحديثة أن يقتلع الإنسان من جذوره ويخيب أمله في واقعه، أم معناه أن يمد جذوره في أعماق أرض جديدة؟ إن الذي يجرب الدهشة لا بد أن يصاب بخيبة الأمل ويحس أنه خدع. هذا هو الجانب السلبي من التجربة. ~~ ولكنه لا يستطيع أن يخفي الجانب الإيجابي، وهو التحرر من الوهم والخداع؛ فكل ما كان يسلم ببداهته ويقينه أصبح نهبا للشك واهتزت الأرض من تحته. غير أن معنى الدهشة يكمن في تجربة أكبر: إن العالم أعمق وأكبر وأغنى بالأسرار مما قد يبدو للعين اليومية والنظر العادي. فالاندهاش يتحقق في الإحساس بالمعنى والسر. وهو لا يتجه لإثارة الشك والحيرة بقدر ما يتجه لإيقاظ الوعي بأن الوجود يثير أسئلة لم نجب عليها، ويحفل بأسرار لم نبلغ كنهها بعد. ولعل فيه أيضا نوعا من التواضع والخشوع أمام عظمته، نوعا من القرار بأن حقائق العلم التي نملكها ونعتز بها بطبيعة الحال لم تستنفد بعد كل ما ينطوي عليه من حقائق. # في الاندهاش إن سلب وإيجاب. فالمندهش لا يعرف السبب الخفي وراء ما يدهشه، لأن الذي يعرف لا يندهش. # 17 # وهو ms022 كذلك لا يفتقر إلى المعرفة وحسب، بل هو مثل أب الدهشة سقراط: يعرف أيضا أنه لا يعرف. ومع ذلك فهو لا ييأس ولا ينفض يديه، وإنما يمضي سائرا على الطريق. ~~ قد تخرسه الدهشة لحظة، لكن لا يلبث أن يصحو ويواصل سيره، يدفعه الشوق إلى المعرفة القصوى. إن ما يثير في عقله الدهشة ليفجر في قلبه الفرح، # 18 # فحيثما وجدت الفرحة العقلية وجد المدهش، وحيثما كانت القدرة على الفرح، كانت القدرة على الاندهاش (والمشتغلون بالعلم وبالإبداع الفني والأدبي بوجه خاص يجربون هذه الفرحة الأليمة المتجددة ويتكتمون سرها!) والفرحة تأتي من «الأمل» الذي تنطوي عليه دهشة المتفلسف ويكمن في صميم الوجود البشري نفسه. فنحن دائما «على الطريق»، لم نوجد بعد (كما قال باسكال ويقول أرنست بلوخ في أيامنا) ولكن نأمل أن نوجد. ولهذا فإن الله لا يندهش، لأنه لا يفتقر إلى علم أو وجود، والحيوان لا يندهش، لأن نفسه الحسية لا يقلقها السعي إلى معرفة الأسباب. # 19 # إن الاندهاش الذي ينطوي على الأمل يدخل في صميم وجودنا البشري، وهو دليل على أننا نتفلسف ضرورة - أي نشتاق إلى المعرفة الحقة - مهما يتراكم من صدأ العادة والأيام المرة فوق العين وفوق العقل. وكما أن الاندهاش مقصور على البشر، فإن التفلسف أمر يميزهم دون غيرهم. تقول الكاهنة الحكيمة ديوتيما لسقراط: «لا أحد من الآلهة يتفلسف، ولا أحد من الحمقى؛ إذ إن المهلك في الحمق أن يتصور المرء أنه مكتف بنفسه.» ويسألها سقراط: من هم إذن المتفلسفون يا ديونيما إن لم يكونوا هم الحكماء ولا الحمقى؟» فتجيبه قائلة: «هذا شيء واضح حتى للطفل. إنهم أولئك الذين يكونون وسطا بينهما.» # 20 # هذه الكائنات الوسط لا يمكنها أن تكف عن الدهشة، وإلا كفت عن الوجود (لا عن التفلسف وحده!) فهي لن تملك العلم كله، ولن تقنع بالجهل وعدم العلم. هي دائما على الطريق، يحدوها الأمل في الوصول إلى جواب. ولكن هل يمكن أن تشبعها إجابة نهائية على أسئلة من هذا النوع: ما هو هذا الشيء على الإطلاق وفي ms023 أصله وأساسه الأخير؟ ما المعرفة؟ وما الإنسان؟ إن العلوم الجزئية تسأل. والعالم يخرج من دهشته عندما يهتدي إلى «نتيجة» بحثه. ~~ وفي هذا تكمن عظمة العلم وحدوده في آن واحد. أما الفلسفة فتسأل دون أن تصل إلى جواب نهائي أخير (وإلا أصبحت علما أو مذهبا وعقيدة!) لهذا لا يخرج المتفلسف أبدا من الدهشة؛ لأنه دائما على الطريق. سيظل يسأل ويسأل دون أن ييئس ودون أن يصل إلى جواب يتفق عليه الجميع (فكل أفكار الفلاسفة - كما يقول الأكويني - لم تنجح في الكشف عن طبيعة بعوضة واحدة!) غير أن هذا القول وأمثاله لن يفت في عزيمته أو يوهن من إقدامه وصبره. ~~ ولهذا يبقى مصدر قلق وإزعاج دائم (كلمة نيتشه: لست فيلسوفا، ولكني ديناميت! إنني أتفلسف بالمطرقة!) وإذا وجد بحق فهو إما إنسان خطر يجب الحجر عليه، أو مثل أعلى لا سبيل إليه! # 7 # والمعنى السلبي الذي ينطوي على الأمل ملازم لمفهوم الفلسفة نفسها منذ البداية. # 21 # فهي لم تقدم نفسها في صورة علم يقيني موثوق به، بل أكدت بوضوح أنها شكل من أشكال التواضع الذي يعرف قدر نفسه (ه). وكلمة «الفلسفة» و«الفيلسوف» - فيما تقول الحكاية القديمة التي نعرفها جميعا - قد صاغهما فيثاغورس (من حوالي 582ق.م إلى حوالي 496ق.م/ 97ق.م) متعمدا أن يجعل معناهما مقابلا لكلمتي (السوفيا) و«السوفوس». فما من إنسان حكيم أو عالم، وإنما العلم والحكمة لله وحده. ولهذا فإن السعي إلى الحكمة ومحبتها هو أقصى ما يمكن أن يصف به الإنسان نفسه (فيلسوف). وبمثل هذا يتحدث أفلاطون في محاورة فايدروس. # 22 # فعندما يسأل هذا عن الاسم الذي يليق بصولون وهوميروس يرد عليه سقراط هذا الرد الحاسم: «أحسب يا فايدروس أن إطلاق اسم الحكيم عليه (سوفوس) شيء أعظم بكثير مما يستحق، وأنه لا يليق إلا بإله، أما تسميته بالفيلسوف، أي من يسعى للحكمة ويحبها، أو بشيء من هذا القبيل، فيبدو لي أنه أنسب له.» # هذه الحكاية معروفة لا يخلو منها كتاب في الفلسفة. ولكننا نميل إلى أخذها مأخذ النوادر والطرائف، ولا نكاد نقف ms024 عندها لنحقق أصلها ومعناها. فما الذي تنطوي عليه الحكاية التاريخية، ما الذي تقوله! # إنها تؤكد أمرين: أولهما أننا لا «نملك» الحكمة أو العلم الذي يهدف إليه السؤال الفلسفي. كما أن افتقارنا إليهما ليس مسألة مؤقتة أو عارضة، وإنما نحن من ناحية المبدأ لا نستطيع أن نملكهما. إن السؤال الفلسفي (أي السؤال عن الحقيقة والماهية) ينطوي على الرغبة في الفهم. والفهم معناه معرفة الشيء الذي نسأل عنه معرفة تامة نهائية. ولكن الحكاية القديمة تؤكد أن الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى معرفة من هذا النوع، كما تؤكد أنه لا يوجد شيء يمكن أن يعرف على هذه الصورة. فمن طبيعة الفلسفة أن تسعى في طلب الحكمة التي تظل ممتنعة عليها (نقول ممتنعة ولا نقول مستحيلة؛ إذ لا بد من وجود علاقة بينهما، حتى يكون ثمة معنى للسعي والشوق والحب!) هذه الحكمة هي موضوع الفلسفة. ولكنه موضوع تسعى إليه ولا تملكه. وقد تناول أرسطو هذا المعنى الأول في «الميتافيزيقا» وزاده تحديدا، ثم انتقل إلى كتب كبار المفكرين في العصر الوسيط من إسلاميين ومسيحيين وبخاصة في شروحهم على كتاب أرسطو السابق. وخلاصة ما يقولونه إن الحكمة تطلب لذاتها، ولهذا لا يمكن أن يملكها الإنسان تماما. ربما كان في وسعنا أن «نملك» الحقائق التي تزودنا بها العلوم الجزئية. ولكن هذه الحقائق بطبيعتها «وسائل» و «أدوات»، ولا يمكن أن نكتفي بها تماما بحيث تطلب لذاتها، أما الشيء الوحيد الذي يمكن أن نكتفي به ونطلبه لذاته - وهو الحكمة - فنحن لا نعطاه إلا على سبيل الأمل والرجاء، لا على سبيل التملك أو «وضع اليد»! # 23 # من طبيعة الفلسفة إذن ألا «تملك» موضوعها إلا عن طريق السعي إليه والاشتياق لطلبه (أي ألا تملكه أبدا!) قد يبدو هذا أمرا بديهيا لكل من يفكر في طبيعة الفلسفة وتطورها التاريخي. غير أنه ليس بالوضوح والبداهة التي نتصورها ولم ينعقد عليه إجماع الفلاسفة (فالاختلاف بينهم حول تعريفها ومنهجها ومضمونها وغايتها شيء مستمد من طبيعتها!) ها هو ذا «هيجل» يخالف المعنى الذي أشرنا إليه ms025 ويقول في مقدمة ظاهريات الروح: «إن الأمر الذي عقدت عليه العزم هو المشاركة بجهدي في أن تقترب الفلسفة من هدفها وتتمكن من طرح الاسم الذي توصف به وهو «حب العلم» من أجل أن تصبح علما حقيقيا.» ولا شك أن الهدف الذي وضعه هيجل لنفسه يفوق القدرة البشرية، وإن الفلاسفة الذين شاركوه طموحه في جعل الفلسفة علما شاملا دقيقا لم يحالفهم التوفيق الكامل (مثل أفلاطون وليبنتز من قبله وهسرل، وبعض المناطقة الوضعيين من بعده). لقد ساروا جميعا في طريق مسدود، إذ أحسوا قليلا أو كثيرا بالشعور بالنقص تجاه العلوم الدقيقة، وصور لهم الوهم أن الفلسفة يمكن أن تتطور كما تتطور تلك العلوم، على حين أنها بطبيعتها لا يمكن ولا يجوز لها أن تحقق مثل هذا التطور. ولعل هذا الطموح المخيف هو الذي جعل شاعر الألمان الأكبر «جوته» يسخر من هيجل وأمثاله من الفلاسفة ويصفهم في إحدى رسائله بقوله: «هؤلاء السادة الذين يعتقدون أنهم تحكموا في الله والنفس والعالم وأشباه ذلك مما لا يفهمه أحد!» # 24 # والأمر الثاني الذي تؤكده الحكاية القديمة على لسان فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو هو المقابلة بين الحكمة «الإلهية» ومحبة الحكمة «البشرية». فالإنسان لا يسعى في طلب الحكمة أيا كانت، وإنما يسعى إلى الحكمة الإلهية. ولهذا نجد فلاسفة العصر الوسيط من إسلاميين ومسيحيين يتابعون أرسطو في تعريفه للفلسفة بأنها «العلم الإلهي» # 25 # لأنها تسعى لطلب الحكمة التي لا يملكها إلا الله، أو بأنها «التشبه بالله بقدر الطاقة»، كما يعرفها أفلاطون. # 26 # هكذا تعجز الفلسفة - لأنها شيء بشري - عن درك موضوعها والإحاطة به. وهي بهذا تضع الحد الفاصل بين الإنسان وبين الله، إذ لو أدرك إنسان كل الحكمة زالت عنه صفة الإنسان (والأسطورة المصرية القديمة تحكي عن شاب ألح على كهنة معبد أيزيس المقدس أن يرى وجه الربة، فما أن دخل إلى قدس الأقداس وكشف القناع ولمح الوجه الغامض حتى توقف قلبه وسقط ميتا!) # 27 # والحكمة التي لا يملكها إلا الله «معرفة العلة القصوى» (والمراد هو العلة الغائبة لا السببية)، ms026 أي علة كل شيء على الإطلاق: من أين وإلى أين، الأصل والمصير، معنى الواقع ومبدأه، أي معرفة العالم في مجموعه وأساسه الأخير. مثل هذه المعرفة لا تتأتى إلا للمطلق، أي الله . فهو وحده الذي يعرف العالم ويحيط بسببه الأول والأخير، وهو وحده الذي يمكن أن يوصف بالحكمة. لهذا كانت الفلسفة بطبيعتها «على الطريق» إلى هذا الهدف، ولكنها لن تستطيع من ناحية المبدأ أن تبلغه. إن الإنسان ليسعى بالحب إلى طلب الحكمة، أي إلى فهم العالم من خلال مبدأ واحد أخير. ولكن من طبيعته كإنسان ألا يبلغه وألا يكف في نفس الوقت عن السعي إليه (من ثم كان إخفاق المذاهب العقلية الكبرى في تفسير العالم انطلاقا من مبدأ واحد، وكان وجود المذهب المغلق المتكامل شيئا ضد طبيعة الفلسفة!) ولعل هذا هو الذي جعل أفلاطون يقول إن التفلسف مأساوي؛ لأنه سبقي متعلقا بالأسطورة ولأن تفسير الفلسفة للعالم لا يسمح أبدا بأن يكون مستديرا استدارة الخاتم. # 28 # إذا صح هذا كله، فما الذي جعل أرسطو - في الموضع السابق من الميتافيزيقا - يصف الفلسفة بأنها أسمى العلوم؟ وما الذي يجعلها حتى اليوم تصر صراحة أو ضمنا على تسمية نفسها «ملكة العلوم» وتحاول - في عصر العلم - أن تفلسفها وتوحد بينها، وتسأل عما لا تسأل هي نفسها عنه من مشكلات تتصل بطبيعتها وأسسها وحدودها ومناهج البحث فيها ... إلخ؟ ~~ الجواب على هذا أنها لا تزال تحاول - على الرغم من إنكار المنكرين - أن تبلغ ذلك الهدف الأسمى، وهو معرفة العلة الأخيرة، والفهم الشامل الموحد للواقع أو للكل. # 29 # وهي تسعى إليه، كما سبق القول، على طريق الأمل والرجاء: فالاندهاش يدفعها للسير على الطريق، والطريق نفسه لا نهاية له. هذا التمزق بين الأمل واليأس يدل على أنها شيء بشري خالص، وسواء أكانت هي محبة الحكمة أم حكمة الحب، # 30 # فهي في النهاية ملازمة لوجود الإنسان، بل هي تحقيق هذا الوجود نفسه. ومهما حاول أن ينكرها فهي تؤكد حضورها الشامل حتى في مواقف الإنكار (و) لأن تجاهل الفلسفة - كما تقول عبارة ms027 أرسطو المشهورة - لا يصدر إلا عن فلسفة تجهل أنها فلسفة! # 31 # الفصل الثاني # | لم الفلسفة؟ # 1 # نسأل الآن: لم الفلسفة؟ # والسؤال يتعلق بهدف الفلسفة أو غايتها. ولما كانت - كما رأينا - فعلا إنسانيا يختص به البشر دون غيرهم من الكائنات، فلا بد أن ينصب على دورها أو «وظيفتها» في المجتمع. ~~ وربما تبادر إلى الظن أن السؤال نفسه غير مشروع، وذلك بعد كل ما قلناه عن علو الفلسفة فوق عالم الحياة اليومية والمنافع العملية المباشرة. فهل نترك طاليس يتأمل السماء ويقع في بئر الماء خمسة وعشرين قرنا متواصلة؟ هل تظل الفتاة الثراقية تتردد ضحكتها عليه لانشغاله عن الناس والأشياء من حوله بالنظر إلى النجوم؟ أم يعني طرح السؤال أن الفتاة قد كفت أخيرا عن الضحك وأخذت تطالب بحقها في السؤال عن معنى تأمل النجوم والنظر إلى الكل والبحث عن أصل كل شيء ومعناه؟ صحيح أن قلبها الطيب يحدثها بأن الجواب على هذه الأسئلة لن يساعدها في الحصول على رغيف الخبز أو ترقيع الثوب أو جني الكروم. ولكن ربما خالجها إحساس غامض بأن ما يفعله الشيخ الغارق في تأمل السماء وفي نبع الماء قد يعود بشيء على حاضر «ملطية» ومستقبلها، ونظامها وقوانينها، وربما ساعد أبناءها - بطريقة لا تفهمها - على الصمود لغارات الفرس الذين لم ينقطعوا عن تهديدها وتدمير معابدها. ومع ذلك فقد يدفعها حب الاستطلاع إلى سؤال أحد جيرانها أو معارفها عن «عمل» طاليس. ستفهم بغير شك إذا قال لها إنه عليم بالفلك وشئون الملاحة، أو أنه يملك مزارع كبيرة من الكروم أو الزيتون تحملها السفن من ساحل «أيونيا» إلى موانئ البحرين الأبيض والأسود، أو أنه نجح في التنبؤ بكسوف الشمس الكبير. # 1 # بيد أنها ستقف حائرة إذا ختم كلامه وهو يبتسم ابتسامة ماكرة بقوله: إنه فيلسوف! ولا بد أنها ستسأل نفسها ما الفيلسوف وما الفلسفة؟ ربما هزت المسكينة كتفيها يأسا أو سخرية وهي تقول لنفسها: «إن كانت الفلسفة هي الحكمة أو النظر الخالص فسوف أظل أضحك عليها وعلى أصحابها كلما رأيتهم ينظرون ms028 إلى السماء أو يبحثون عن الكل! ومع ذلك فربما دفعها العناد لأن تتسلل إلى عالم الفلسفة وتسأل: ألا يمكن أن ترتبط بحياتنا اليومية في البيت والشارع والسوق وتبقى مع ذلك فلسفة! ألا يمكن أن تهتم بحياتي وحياة الفقراء والمتعبين من أمثالي دون أن تفقد حقيقتها؟ وهل هناك تناقص بين قيامها بدور مؤثر في المجتمع وبين الاحتفاظ بمعناها الذي حدثوني عنه؟ # فلنتصور فتاة أو فتى في مثل سنها يحاولان اليوم أن يستفسرا عن ماهية الفلسفة وطبيعتها ووظيفتها لن تنتابهما الحيرة إذا سمعا من يحدثهما عن مفهوم الكيمياء أو الطب أو الطبيعة أو التاريخ ... إلخ فتعريف هذه العلوم أمر ميسور، ووظيفتها في المجتمع واضحة محدودة. أما الأمر مع الفلسفة فهو مختلف أشد الاختلاف. وستزداد الحيرة على وجوههما لو جمعتهما الصدفة بأحد المتخصصين في الفلسفة أو القائمين على تدريس تاريخها أو أحد فروعها. بل أن الحيرة ستبلغ حد الاضطراب لو ألحت عليهما الرغبة في البحث عن ماهيتها وطابعها العام. سيسمعان أو يقرآن من يقول لهما - وحجتهم في هذا أفلاطون وكانط وأتباعه من الكانطيين الجدد وهسرل - إن بعض المفكرين يرون أن الفلسفة علم دقيق له موضوعه الخاص ومجال بحثه المشروع، وأن بعضهم الآخر - مثل أرنست ماخ (1838م-1916م) وغيره من الوضعيين منذ كونت واسبنسر وأصحاب الفلسفة العلمية - يؤكدون طابعها العلمي ويرون أنها تطوير نقدي للعلوم المتخصصة وتأليف بينها في كل موحد. # 2 # وربما حدثهما عن «رسل» المشهور الذي سمعا بغير شك عن شخصيته الفذة الحرة وحكمته وبصيرته وشجاعته وتظاهره مع أمثالهم من الشبان تأييدا للسلام؛ فهو يرى أنها تحليل منطقي يتبعه تأليف منطقي وأن هدفها النهائي هو التأليف بين العلوم. غير أنهما سيسمعان كذلك من يقول لهما إن فريقا ثالثا ينفي عنها الصفة العلمية ويقربها من الفن. ~~ فالشاعر شيلر (1759م-1805م) # 3 # يرى أن غايتها هي إضفاء نظام جمالي على أفكارنا وسلوكنا، وأن نتائجها تتحدد بمقياس الجمال وحده. ويشاركه في هذا الرأي فلاسفة مثل شيلنج (1775م-1854م) وبرجسون (1859م-1941م) وشعراء مفكرون مثل هلدرلين (1770م-1843م) ونوفاليس (1772م-1801م). # ولا ms029 يقتصر اختلاف الآراء على طبيعة الفلسفة وماهيتها، بل يمتد إلى مضمونها ومنهجها. ~~ فلا يزال هناك فلاسفة يؤمنون بأن مضمونها هو معرفة التصورات العليا للوجود وقوانينه، أي في النهاية معرفة الله (كالمدارس الأرسطية والطوماوية الجديدة). وهناك من يؤمنون برأي مشابه، وهو أنها تهتم بالقبلي، بحيث تصبح هي البحث الوصفي-التجريبي فيما ليس بتجريبي، وفي المشكلات المتصلة بعلاقة التجريبي بالقبلي كالمكان والزمان والألوهية (صمويل إلكسندر 1859م-1938م). وبعضهم الآخر ينصرف إلى التجربة الباطنة من جوانبها المعرفية أو الدينية (كالحسيين الإنجليز ومدرسة «فريز» 1773م-1843م). وفريق ثالث - كالوضعيين أو التجريبيين المناطقة - يقصرون اهتمامها على التحليل اللغوي والتوضيح المنطقي، بينما يحاول فريق رابع - وهم أصحاب الكانطية الجديدة بفرعيها في شمال ألمانيا (ماربورج) مثل كوهن وناتورب، وفي جنوبها (هيدلبرج وفرايبورج) مثل ركزت وفندلباند - أن يجعل منها نظرية في العلم الرياضي-الطبيعي والعلوم الإنسانية وأن يقصر مهمتها على تحليل القيم الموضوعية القبلية التي يقوم عليها الوعي في المنطق ونظرية المعرفة والأخلاق والجمال والتاريخ. # ويسري هذا الاختلاف على المنهج. فلا يكاد الفتى والفتاة يتصفحان كتابا في تاريخ الفلسفة حتى تطلعهما متاهته بدروب ومسالك عديدة، يأتي معظمها من مفهوم أصحابها لطبيعة الفلسفة ووظيفتها وغايتها. فالكانطيون الجدد - كما تقوم - يرون أن نشاطها وفاعليتها الوحيدة هي تحليل القيم والتصورات وردها إلى العناصر الأخيرة للمعرفة، بينما يرى برجسون وماكس شيلر (1874م-1928م) أن الفعل الفلسفي الحق هو رؤية (أو حدس وعيان) الماهيات. أضف إلى هذا أن منهج هسرل وهيدجر الظاهرياتي (مع الفارق بينهما!) هو نقيض النزعة الحسية التجريبية (ماخ وأفيناريوس). والتحليل المنطقي والرياضي عند رسل ووايتهد واتباعهما نفيض المنهج الجدلي عند هيجل واتباعه المثاليين أو الماديين. # هذا العرض السريع - المخل بطبيعة الحال - يبين أن الموقف مع الفلسفة يختلف عن غيرها من أنواع النشاط العقلي. فالمشتغلون بالعلوم متفقون بوجه عام على موضوع علمهم ومنهجه ومفاهيمه الأساسية. أما المدارس الفلسفية فقد كانت ولا تزال متضاربة حول موضوع الفلسفة ومنهجها وغايتها، حتى لتبدو في نظر المتأمل من الخارج كما بدت لكانط نفسه! وكأنها لم تخط خطوة واحدة إلى الأمام، ms030 أو كأن حركتها الوحيدة هي حركة «محلك سير» التي يعرفها الجنود والمساجين والأطفال! ومع ذلك فإن الفلسفة الجدلية - عند هيجل بوجه خاص - ترى الحقيقة النسبية في كل مدرسة وكل وجهة نظر، وتحاول أن تستوعبها جميعا في نظرتها الشاملة، فتعدها لحظات من تطور العقل أو الروح الكلي المطلق نحو تمام الوعي بذاته، بحيث لا يموت القديم ولا يسقط لقدمه، وإنما يحتويه الجديد الذي يناقضه فينتج عنهما «مؤلف» يوحد بينهما، ولا يلبث هذا المؤلف أن يجد نقيضه ويجمع بينهما مؤلف جديد وهكذا (ز). وفي مقابل ذلك نجد الواقعيين الجدد والوضعيين المحدثين يغرزون مشارط التحليل في جسم الفلسفة التقليدية ليستأصلوا جانبا كبيرا منه ويستبعدوه تماما من مجال المعرفة، وبخاصة «الأورام» المثالية والميتافيزيقية التي لم يعد لها مكان إلا في متحف التاريخ. # 2 # إذا كانت الفلسفة تعاني هذا الاضطراب والارتباك اللذين تستلزمهما طبيعتها «المفتوحة» المتسائلة على الدوام! # 4 # فإن العلوم قد نجت منهما إلى حد كبير بفضل اتجاهها لحل مشكلات محددة تقتضيها حياة المجتمع. هذه المشكلات نفسها التي ارتبطت بعلوم معينة قد تمخضت عن حاجات البشرية في نظمها وأشكالها الماضية والحاضرة. ويكفي أن يطلع القارئ على أي كتاب في تاريخ العلم ليرى أن معظم الابتكارات العلمية والصناعية قد نشأت عن ضرورات اجتماعية وسياسية وعسكرية، وأن الاهتمام بالأسس النظرية للعلوم لم يبدأ قبل عصر النهضة، ولم يتأكد إلا منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. وليس معنى هذا بطبيعة الحال أن كل البحوث العلمية تلبي حاجة ملحة للمجتمع. فكثير من النتائج التي أدت إليها بعض العلوم كان من الممكن أن تستغنى عنها البشرية (والعلم ليس استثناء من سوء استخدام الطاقة في جميع المجالات!) ولكن تطور بعض الأنظمة العلمية - التي لم تكن في حينها ذات نفع مباشر أو كان نفعها على الأقل مشكوكا فيه - هو جزء من النشاط العملي الضروري لتطور العلم وتطبيقاته «التقنية». ولنتذكر مثلا أن بعض فروع الرياضيات التي كانت تبدو كالألعاب المسلية أثبتت بعد ذلك أهميتها وفائدتها في التطبيق. فالمشروعات العلمية تتميز بأنها ms031 تقبل التطبيق ب «القوة»، مهما بدا هذا التطبيق اليوم بعيدا أو غير واضح. ومهما قيل عن العلوم الرياضيات البحتة وضآلة نفعها المباشر، فلا يصح أن يغيب عنا أن كل «تطبيق» يسبقه «نظر»، أن الصنعة أو «التقنية» هي ثمرة البحث في الأسس البحتة. والمهم أن جهد العالم - سواء أكان تطبيقيا أم بحثا - يمكن بحسب ماهيته أن يثري الحياة في صورتها الحاضرة. ~~ أضف إلى هذا أن مجال هذا الجهد محدد من قبل، ومحاولات تطوير العلوم المختلفة وتهذيبها وتوحيدها والمزج بينها تتحدد كلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحاجة المجتمع. # 5 # وهذه الحاجة الاجتماعية لا تتمثل في المصانع والمعامل والشركات وحدها، وإنما تتمثل، قبل كل شيء، في معاهد البحث وقاعات المحاضرات وحقوق التجارب. # إذا كان هذا هو حال العلوم بوجه عام. # 6 # فإن الفلسفة تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه! فهي لا تعرف هذا الاتجاه الاجتماعي المحدد، ولا تزعم أنها تلبي حاجة اجتماعية مباشرة. صحيح أن الناس يتلفتون حولهم في أوقات المحن والأزمات بحثا عن «الفيلسوف» ذي الحكمة والبصيرة الذين يلتمسون لديه الهدى والمشورة. فعلوا هذا في كل العصور وفي عصرنا الحديث قبل أن يختفي آخر الفلاسفة الكبار (من أمثال برجسون وكروتشه ورسل وتوينبي وأورتيجاجاسيت وياسبرز وهيدجر وشيلر وكامي ومونييه وميرلو بونتي وأدورونو وبلوخ ... إلخ) ولكنهم كانوا في معظم الأحيان يخلطون بين مهمة الفيلسوف ومهمة رجل الدين والواعظ والكتاب، كما كانوا يكتشفون أن الفيلسوف الذي انتظروا منه الرأي والعون والعزاء لم يقدم لهم حلولا أو أجوبة نهائية، وإنما اكتفي بتحليل ثقافتهم وقيمهم وأفكارهم تاركا لهم - لشدة غيظهم - تبعة التفكير ومسئولية العمل المستقل بأنفسهم ولأنفسهم (وسنرى بعد قليل أن الشاعر والكاتب والمحامي والشباب الثائر على الإرهاب والاستبداد في تاريخنا العربي المعاصر قد قاموا بنفس المهمة في غيبة الفلاسفة) صحيح أنهم يتوقعون من الفلسفة أن تحل مشكلات لا تمسها العلوم المتخصصة أو تمسها بصورة غير مرضية. ولكن العمل والتطبيق الاجتماعي لا يقدمان لها معايير ملزمة، كما أن تقديم الحلول «والبرامج» و«الوصفات» العملية الناجحة ليس ms032 من شأنها. وإذا كان بعض أعدائها يحتجون على سبيل المثال بكشوف ديكارت وباسكال وليبنتز الرياضية، وبحوث هيوم النفسية، ونظريات ماخ الفيزيائية ... إلخ زاعمين أنها لا تنتمي للفلسفة بقدر ما تنتمي للعلم، وأن كل ما عداها في مذاهبهم ثرثرة قد تثير الفكر والشعور أحيانا، ولكنها عقيمة ولا جدوى منها، أو على أحسن الفروض «إسقاطات» ورؤى نفسية وأخلاقية وتمنيات عقلية لا تتصل بالعلم ولا بالمعرفة العلمية بسبب؛ إذا كان بعض خصوم الفلسفة يذهبون إلى هذا الرأي، فإنهم في الواقع يتجنون على الحقيقة، ناسين أن إنجازات الفلاسفة في مجال العلم - وما أكثرها منذ الفلسفة القديمة حتى يومنا الحاضر! - قد لا ترجع دائما لأسباب فلسفية خالصة. ومهما تكن قيمتها فلا يصح أن تجعلنا نتجاهل مشكلاتهم ومواقفهم وتجاربهم الأصلية التي لم تكن صدى مباشرا لمجتمعاتهم ولا استجابة مباشرة لحاجاته في زمان ومكان محددين. وقد يحتج البعض الآخر أيضا بأن حصان الفلسفة لم يكن حرا طليقا كم يزعم عشاقه، وأنه علق مرة في عربة الدين (عندما كانت الفلسفة في العصر الوسيط خادمة الدين) ومرة أخرى في عربة العلم (كما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بوجه خاص ولا يزال يحدث في عصرنا الحاضر، إما «لغيرة» الفلاسفة من العلماء أو لرغبتهم في «علمنة» الفلسفة تماما والبعد بها عن مفهومها التقليدي وشفائها من أمراضها «الميتافيزيقية» التي أصابتها نتيجة سواء استخدام اللغة وسوء فهم نحوها ومنطقها!) ويبالغ فرق ثالث في ذكر الحالات التي تنازلت فيها الفلسفة عن حريتها واستقلالها وانزلقت إلى مجاراة الوضع السياسي القائم أو تبريره أو تمجيده. ولكنهم مهما أسرفوا في إظهار سقطات الفلاسفة (أفلاطون وديونيزيوس، أرسطو والإسكندر، بيكون وإليزابيث، هيجل وملك بروسيا، هيدجر وهتلر، جنتيله وموسوليني ... إلخ) فإنهم ينسون أنهم بشر يتعثرون كما يتعثر سائر الناس، وأنهم - بعين الإنصاف وفي نهاية التحليل - لم يتخلوا تماما عن المهمة الأساسية للفلسفة في تحليل الواقع القائم وبالتالي في إعداد العقول لنقده ومقاومته وتجاوزه. لا شك أنهم يتفاوتون في أداء هذه المهمة وتحمل ما يترتب عليها من مواقف ms033 عملية وتبعات أخلاقية، ولكن تبقى الحقيقة قائمة. ما من فيلسوف جدير بهذا الاسم إلا ورفض الواقع وحاول تصحيحه وتوحيد شتاته الممزق، مهما اتخذ هذا الرفض في كثير من الأحيان صورة التحليل الهادئ لتصوراته وقيمه وأفكاره (والتحليل نوع من النقد أو هو على الأقل شرط سابق عليه). # إن الفلسفة مهما اختلفت تعريفاتها هي في النهاية وعي عصرها أو عصرها معبرا عنه بالأفكار كما يقول هيجل. # 7 # وهي دائما في قلب الواقع، والواقع دائما في قلبها. وإذا كانت علاقة التوتر بينهما وبين الواقع لا تبلغ دائما حد الثورة السافرة عليه، فإن مجرد النظر الكلي الحر إليه، ووضع تصوراته وقيمه ونظمه ومعتقداته السائدة موضع التحليل، إنما يدل على رفض التسليم به تسليما أعمى؛ أي يدل على التوتر الدائم بينها وبينه. # 3 # ويضاعف من هذا التوتر أن الفلاسفة أنفسهم كثيرا من يصرون على عدم الاكتراث بحكم العالم الخارجي. فمنذ محاكمة سقراط (سنة 399ق.م) والعلاقة بينهم وبين الواقع والجماعة التي يعيشون فيها متوترة. قد يكتفي الناس بتجاهلهم أو السخرية بهم أو القول بأن لغتهم غامضة غير مفهومة. وقد يبلغ هذا التوتر حد الاضطهاد، من نفي أو تشريد أو حكم بالصمت، أو قتل بالحرق أو التعذيب أو الصلب (أكزينوفان وانباذوقليس وهيراقليطس وزينون الإيلي، سقراط وأفلاطون وأرسطو وإبيكتيت وسنيكا، الحلاج والسهروردي والكندي وابن رشد، جوردانو برونو واسبينوزا وماركس ولوكاتش وأونست بلوخ، أعداد مجهولة من أصواتهم أو حرمهم أرزاقهم أو فرض عليهم الصمت أو زج بهم في السجون ...) ولهذا فإن موقفهم في صميمه - كما ذكرنا منذ قليل - موقف مأساوي فاجع، وما أكثر ما اضطرتهم الأحوال الاجتماعية والسياسية إلى العمل بنصيحة أبيقور: «عش في الخفاء»، فلم يخفوا عقولهم وأفكارهم فحسب، بل أخفوا كذلك أجسامهم. # 8 # ربما قيل ردا على هذا أن العلماء أيضا طالما تعرضوا للاضطهاد، واضطر بعضهم للركوع أمام السلطة والتنازل عن نظرياتهم إلى حين (جاليليو!) ولكن الواقع أيضا أن اضطهاد العلماء يرجع إلى آرائهم الفلسفية والفكرية لا إلى نظرياتهم العلمية في ذاتها. فقد مات كوبرنيقوس (1543م) وعلى ms034 رأسه بركة البابا والكنيسة. ولو كان جاليليو وضع نظريته عن مركزية الشمس في سياق ديني ولاهوتي لما تعرض للاضطهاد؛ إذ سبق أن ناقشها ألبرت الكبير (1280م) في «المجموع اللاهوتي» دون أن يصيبه شيء. أما عن اضطهاد بعض علماء الطبيعة والرياضيات في العصر الحديث (مثل أوبنهايمر) فلا يرجع في الحقيقة إلى نظرياتهم العلمية بقدر ما يرجع إلى آرائهم ومواقفهم الاجتماعية والسياسية، أي إلى «فلسفتهم» في الحياة. # إن مقاومة الفلسفة للواقع تنبع من طبيعتها. فهي تصر على أن أفكار الناس وأفعالهم وغاياتهم لا يصح أن تكون وليدة الضرورة العمياء، كما تحث الناس باستمرار على نقدها وتوضيحها وتجاوزها بالسؤال عن حقيقتها وعدم التسليم بها كما لو كانت وصايا أبدية أو قواعد أزلية راسخة. وهي لا ترضى أن تسلم بشيء بغير نقد، لا بالأفكار العلمية ولا أشكال الحياة الاجتماعية، لا بالقيم السائدة ولا التقاليد «المستقرة». لو تخلت عن النقد لتخلت عن روحها ولم يبق منها إلا جسد ميت تتقاذفه كالكرة الصماء أقدام الطغاة والسلطات والأيديولوجيات. وقد طالما سمعنا من يردد أن الفلاسفة أحد اثنين: إما راض بالواقع مبرر له (مثل أرسطو أو كانط)، أو ثائر عليه مطالب بتغييره (مثل الفارابي وابن رشد وبرونو واسبينوزا وماركس). ولكن لا يصح أن يخدعنا هذا القول عن الحقيقة. لقد كان بعض الفلاسفة يتصالحون مع الواقع - ولو إلى حين - ولكن الإنصاف يقتضينا القول بأنهم لم يقصروا في تحليله وتسليط أضواء النقد عليه. ولو أخذنا أكثر الفلاسفة تحفظا وميلا للسكون (مثل أرسطو وكانط) لوجدنا أن تحليلاتهم لطبقات الوجود أو مقولات المعرفة لا تخلو - في نظر التحليل الاجتماعي - من نقد لثقافة عصرهم وقيمه، ومناقشة مجموع عاداته «الثابتة» في السلوك والتفكير والدين والسياسة ... إلخ. إن أعدى أعداء الفلسفة هو «العادة» التي يسلم بها الناس بغير نقد. فهي تحارب التقليد الأعمى، وتقاوم الاستسلام واليأس تجاه القضايا الحاسمة للوجود. ألقيت على عاتقها «الأمانة» الصعبة: تسليط أنوار الوعي على أشكال التفكير والعقل والسلوك التي تبدو في ظاهره طبيعية، بديهية، أبدية، والأخذ بيد الفرد نحو معرفة ms035 نفسه، وتشكيل حياته بإرادته، والتفكير المستقل لنفسه وبنفسه. # لنضرب مثلا حيا يخرجنا من ساحات التعميم. ولنتذكر سقراط فما أحوجنا أن نذكره باستمرار؛ إذ لا يخلق بالأبناء جحود الآباء، أو نسيان أب الفلسفة، نموذجها الحي المتجدد. # 4 # كشفت محاكمة سقراط وسجنه وموته عن معدن الفيلسوف الأصيل. وجاءت السنة التي أعدم فيها (399ق.م) في وقت أرادت فيه الديمقراطية الأثينية أن تردع كل محاولة للثورة على النظم والتقاليد العريقة، بل كل محاولة لمناقشتها وتحليلها. ونص الاتهام الذي وجه إليه معروف: ازدراء آلهة المدينة وعدم تبجيلها، إفساد الشباب، إدخال أرواح شيطانية (أو آلهة أخرى) إلى المدينة. أما التهمة الأولى فكاذبة، وأما الثانية فتقوم على الخلط بينه وبين السفسطائيين - كما فعلت عمدا مسرحية السحب لأرسطوفان - وأما الثالثة فتقوم على سوء الفهم؛ لأنه لم يكن يتحدث إلا عن «جنيته» (أو أن شئنا لغة العصر فعن وحي ضميره). # لا شك أنه كان من بين قضاته من استمع إليه أو رافقه في جولاته. ولا شك أنه كان بينهم من آمن ببراءته من تلك التهم الملفقة (بدليل أن مائتين وعشرين من بين قضاته ومحلفيه الخمسمائة حكموا ببراءته، أي أقل من العدد اللازم بعشرة أصوات!) ولكن المحكمة أدانت «الجديد» في شخصه، وحاربت النبوغ الذي يحارب في كل مكان وزمان. أعلنت عليه الحرب لأنه حاول أن يغير وعي الأثينيين بواقعهم، ويوقظ صوت الضمير الراقد في أعماقهم، ويعلمهم أن الحقيقة التي يسلمون بها ليست إلا الزيف المتراكم من أجيال، وأن عليهم أن يهتدوا «لحقيقتهم» بإرادتهم وتفكيرهم المستقل وحريتهم الباطنة. دعا الفرد للإخلاص والصدق في أداء واجبه كمواطن، والاستقلال بعقله وقراراته كإنسان، والاتصال بالناموس الكوني المعقول والروح الإلهي الخالد والتشبت به وايقاظه في نفسه. وبقي على إيمانه بأن انهيار العقل في الإنسان معناه انهيار الناموس الكوني نفسه. وأخيرا استسلم الفيلسوف «لقوانين» المدينة التي رضي بها من قبل باختياره، وحول خطبة الدفاع إلى مرافعة اتهام لقضاته. ~~ وحكموا عليه بالموت، تاركين له حرية النفي إلى مكان يختاره أو الخروج من السجن بكفالة (راجع محاورة كريتون!) ms036 ولكنه رفض. آثر أن يموت ليحيا. وغيره ميت وهو حي. وقضى ساعاته الأخيرة في حوار مع تلاميذه عن خلود النفس «وماذا عسى أن يفعل الإنسان غير ذلك حتى يحين غروب الشمس؟» (فيدون، 61). وأحس السم يجري في أعضائه فتحمل في صبر ومرح وشجاعة. ولم ينس في لحظاته الأخيرة دينا في عنقه نحو رب الطب والشفاء: «علينا باكربتون دين لأسكلبيوس، فلا تنس أن تفي بالنذر!» # لم يستطع قضاة سقراط أن يلتقوا معه على أرض واحدة. وقفوا على أرض السذاجة، والتسليم الأعمى، والاعتقاد الراسخ، في الوقت الذي كان فيه يقف على أرض المعاني، والتفسير العقلي، والتساؤل المستمر، والتجربة الميتافيزيقية. ولو كان له فلسفة نهائية محددة في صيغة ثابتة أو قالب مريح لأمكنهم على الأقل أن يقتربوا منه أو يفهموه ويشاركوه. ولكنه - لحسن الحظ! - لم يكتب حرفا واحدا فكان - كما يقول هيدجر - أنبغ إنسان أنجبه الغرب. ~~ ومعظم العبارات المشهورة عنه مشكوك فيها أو يمكن ردها للحكم الشعبية المأثورة! ولهذا زاد حيرتهم وضاعف غيظهم منه. وبقيت حياته وموته سؤالا حيا مطروحا عليها وعلى قضاته. ~~ لقد واجه مواطنيه ب «الحقيقة» في وضوح واتزان وشجاعة، مهما كانت هذه الحقيقة غامضة أو ملتبسة. ولو شاء أن يختار الطريق السهل لفعل معهم كما يفعل الراشدون مع الأطفال عندما يخفون عنهم الحقائق ويحتفظون بالشكوك لأنفسهم، ويعلنون لهم الحلول المريحة. ولكنه تفلسف بحق. وكان معنى التفلسف عنده هو البحث والسؤال ولو لم يصل الإنسان إلى جواب أخير (والجانب الأكبر من محاورات أفلاطون التي خلدته وجعلته الشخصية الرئيسية فيها لا ينتهي إلى جواب حاسم بل يكتفي بطرح السؤال وتقليبه على وجوهه الممكنة). وكان معناه أيضا أن هناك أشياء يمكن أن ترى وأن تقال، وإلا كانت الفلسفة ثرثرة وهراء وسحبا نلتف فيها ونلف فيها الواقع (كما زعم أرسطوفان عنه ظلما). # لم يكن من قبيل الصدفة أن يحيا إلى جانب البسطاء من الناس يناقشهم ويناقشونه في الشوارع والأسواق محاولا أن يقيم علاقته وعلاقتهم مع الحقيقة على نحو جديد، بعد أن فطن إلى أنه ليس ms037 ثمة معرفة مطلقة. راح يعلمهم احترام الدين وطاعة القوانين على أساس روحي لا على أساس شكلي أو تقليدي، وأخذ يشككهم في علمهم المزعوم ليكونوا أقدر على النقد والاستقلال والمقاومة، أي أقدر على وضع العقل في أنفسهم وفي واقعهم الذي خلا من العقل، لا شك أنه وجد لديهم فهما للتهكم الفلسفي وقدرة على الاندهاش لم يجدهما عند أدعياء المعرفة والتدين والشجاعة والفضيلة وكهنتها الرسميين. ولا شك أيضا أن اختياره للحوار والجدل الحي قد عصمه من تحنيط فلسفته في مذهب مدون مكتوب (فالكلمات المكتوبة - كما قال أفلاطون في الرسالة السابعة - تميت الفلسفة وتطفئ شرارتها المتوقدة بالحوار و«احتكار الآراء») ولقد عرف بفطرته أن مكان الفيلسوف مع الناس، وأن جذوره ممتدة في نفس العالم الذي يشاركهم الحياة والموت فيه. # 9 # صحيح أنه ظل يبحث في معنى الحياة والإنسان، ولكنه لم يبحث عنه خارج الموقف الإنساني وفكر في الأسئلة الخالدة: من أين وإلى أين وماذا نفعل، ولكنه بقي ملتزما باللحظة التي عاش فيها والناس الذين شاركهم حياتهم وهمومهم، وطعامهم وشرابهم. ظل الإنسان عنده هو أول حرف في الفلسفة وآخرها، واستطاع أن يجعلها تسكن في قلب الواقع والتاريخ، ويجعلها في نفس الوقت تغادر مسكنها وترتفع فوقه لتسأل عن الحقيقة الكلية والمعنى الثابت الأخير. لهذا يبقى سقراط سؤالا حيا لا ييئس، رمزا متجددا للنقد والمقاومة، تعبيرا خالدا عن روح التفلسف. # 5 # هكذا نرى أن التوتر بين الفلسفة والواقع توتر أساسي لا يمكن أن تقارن به بعض الصعوبات التي يقابلها العلم والعلماء في المجتمع. فالفلسفة تميل بطبيعتها للمضي في التفكير إلى أقصى مداه، وإخضاع كل العوامل التي تشكل الحياة - ويظن أنها قوانين أزلية ثابتة - للنقد والتمحيص والتحليل. إن نقد الواقع القائم هو روحها التي لا يكون لها وجود بغيرها. ~~ وإذا خلت منه صارت كالعين التي لا تبصر، واللسان الذي لا ينطق، والفؤاد الذي لا ينبض. ~~ وإذا وجدنا الفيلسوف (أي الحكيم المعتدل المتواضع!) يمسك عن استخدام الكلمات الرنانة (كالرفض والتمرد والثورة) فسنرى في تحليلاته لعناصر المعرفة والوجود والقيم ما ms038 يكفي لوضعها موضع النظر والإشكال، أي تغييرها ورفضها على نحو من الأنحاء. وليس من الضروري أن يصيح الفيلسوف ويثير الزوابع لكي يدمغ بخاتم «الثورية» أو «التقدمية»، فربما كان هؤلاء الصائحون أقل الناس تأثيرا في تيار الفكر البشري، وأبعدهم عن الاهتمام بقضية حقيقية، وأكثرهم انشغالا بنفوسهم المريضة وذيوع صيتهم وشهرتهم (يلاحظ القارئ أننا نتكلم هنا عن الفلاسفة الحقيقيين الذين كان لهم أثر حاسم على الحوار الفلسفي في زمن معين لا عن أشباه الفلاسفة أو أنصافهم وأرباعهم من الأدعياء ذوي الأصوات المرتفعة). ~~ ولقد تكلمنا عن سقراط الذي عاش في هدوء ومات في هدوء، لكنه بقي إلى اليوم مثال الثورة الفلسفية المتجددة. ولو أسقطناه لما أمكننا أن نتصور تاريخ الفلسفة ولا تاريخ الحضارة. ~~ لقد راح - بنشاطه الفلسفي القائم على الحوار - يرفض التسليم بالعادات الشائعة والخضوع الأعمى لأشكال الحياة التقليدية. علم الإنسان أن يتبصر في فعله ويشكل قدره بنفسه (فقدره في داخله، أي في عقله وإرادته). ولو نظرنا اليوم إلى وضع الإنسان لوجدنا أنه ليس أفضل مما كان عليه في أيامه. صحيح أننا لا نختلف حول وجود الآلهة، ولا يفكر أحد في اتهام المفكرين بإفساد الشباب. ولكن من يمكنه الزعم بأن حياتنا أكثر معقولية مما كانت عليه في أثينا؟ من يمكنه القول إن العقل والواقع قد تصالحا، أو أن استقلال الإنسان مكفول في المجتمعات المعاصرة، أو أنه أصبح أكثر إنسانية وسعادة وحرية ومعرفة بنفسه وبالآخرين وبالعالم؟ ألم تزد حيرته وقلقه وعجزه عن الفهم عما كانت عليه في أي وقت مضى؟ أليست كلمة «الاغتراب» اليوم على كل لسان؟ ألم تصبح «آخر صيحة» يزعجنا بها العليمون والمدعون؟! # ربما يقول القارئ: وهل تشك في أن العلم قد غير الحياة المعاصرة عما كانت عليه من عشرين أو ثلاثين سنة مضت، وزلزل العادات والتقاليد والقيم في المجتمعات الصناعية المتقدمة - وسيزلزلها حتما في مجتمعاتنا التي تحاول الإفلات من قبضة التخلف - وسيطرت عقلانيته الصناعية حتى على الفن نفسه فأصبح يتحكم في ذوق الجماهير وأسلوب الأداء في الفيلم والراديو والتليفزيون ... إلخ. وأوشك ms039 أن يحكم بالانقراض على الفنان المتفرد الذي يكتب ويبدع لتحقيق ذاته واشباع حاجاته الوجدانية (حتى صار الآن - على الأقل في جزء هام من نشاطه - يشترك مع فريق عمل كامل ويتقيد بأساليب الإنتاج والإخراج وأحكام السوق والذوق العام والرقابة ... إلخ). # كل هذا صحيح. فأسس المجتمع باستمرار تحت تأثير العلم. وما من مجال من محالات النشاط الصناعي والإداري والاقتصادي والإعلامي والتربوي ... إلخ إلا ويحاول العلم تبسيطه وتحسينه والإسراع بإيقاع حركته. والتطور العلمي والتقني الذي أحرزته البشرية في الخمسين بل العشرين سنة الأخيرة يزيد - فيما يردد الثقاة - عما أحرزته في تاريخها المعروف كله. ومع ذلك يبدو أن هذا التطور العلمي والتقني بكل إنجازاته ومعجزاته قد ثبت أوهاما قديمة وخلق عادات جديدة، ولم يتطور معه تفكير الإنسان وفعله وخلقه ووعيه كما نتصور. بل إن الحديث عن الخطر الذي يهدد الإنسان بالتحول إلى آلة أو شيء قد أوشك اليوم أن يكون حديث الجميع. ولسنا نحب أن ننظر بأعين المتشائمين والمتحسرين على الماضي، فنصيبنا من العلم لا يزال جد قليل، وإنما نكتفي بالإشارة إلى جانب واحد من جوانب هذا التطور حتى لا نسرف في التحمس له وننسى واجبنا في تسليط شعاع الفكر الحر عليه: فمن الواضح أن تصنيع الإنتاج الثقافي والفني لم يؤد إلى زيادة طاقات الإبداع الفردي، بل أصبح الحديث عن ذبول هذه الطاقات يتردد في الشرق والغرب على السواء. ومن الواضح أن سوء استخدام الأجهزة العلمية في التجسس على الناس والتلصص على حياتهم الخاصة قد أصبح اليوم موضع الشكوى والتحقيق في معظم بلاد العالم المتحضر. ربما قيل إن العلم نفسه برئ من تهمة سوء استخدامه على أيدي القوى الأخرى. ولكن هذا لا يعفي العالم من مسئوليته الأخلاقية عما يبتكر ويصنع؛ أي لا يعفيه من أن يكون فيلسوفا على نحو ما! # ما من عاقل في بلادنا أو غير بلادنا يمكنه اليوم أن يقف في وجه العلم أو يتردد عن ضم صوته إلى المنادين بالمشاركة في حضارة العلم. ولا تستطيع الفلسفة أن تتجاهل النشاط العلمي، أو ms040 تناقش مشكلاتها التقليدية بمعزل عنه. غير أن «وظيفتها» تحتم عليها أن تفكر فيما لا يفكر فيه العلماء: هل نشاطهم العلمي - في بعض ميادينه على الأقل - يخدم البشرية في لحظتها التاريخية الراهنة؟ هل التنظيم الاجتماعي الذي نشأ من التنظيم العلمي ملائم لسعادة البشر وحريتهم وسلامهم؟ أليس من الجائز أن يكون الناس في عصر العلم والصناعة قد ازدادوا فقرا في النواحي العقلية والوجدانية؟ إن العلم والصناعة عنصران في واقع اجتماعي وتجربة إنسانية. أليس من المحتمل أن يكون تقدمها قد تم على حساب عناصر أخرى، وأن يكون المجموع الكلي قد ذبل وتأخر؟ وإذا لم يكن هذا صحيحا، فلماذا يزداد البشر شقاء باستمرار؟ لماذا يهدد الفرد - في ظل الأنظمة الموجودة - في استقلاله وحريته، ويزداد بعدا عن ذاته وعن غيره؟ لماذا تتعرض حياة أمم بأكمله للخراب؟ أيكون الخطأ في التطبيق وحده؟ أتسير عقلانية العلم يدا في يد مع لا عقلانية (كما يؤكد مفكر مثل «ماركوزه» في كتابه المعروف عن الإنسان ذي البعد الواحد) كالثمرة الناضجة التي تحمل في جوفها دودة الفساد؟ أتكون العلة - في العلم والصناعة كما في غيرهما - هي افتقار النظر إلى «الكل» والانصراف إلى «الجزئيات»؟ أم يرجع - كما رأينا من قبل - إلى بداية الفكر والفلسفة الحديثة عندما نادت - على لسان بيكون - بأن العلم قوة، وطالبت - على لسان ديكارت - بأن نكون سادة الطبيعة ومالكيها؟ أيرجع أخيرا إلى السؤال الذي ألقاه الفيلسوف اليوناني: «ما الموجود، تي تو، أون» فبدأ معه انتصار «اللوجوس» على البصيرة، والمنطق والحساب على القلب والوجدان؟ أم أن السبب هو ابتعاد العلم عن روح الفلسفة، أعني عن التفكير في أسسه وقيمته وغايته، والجزء النظري من العلم هو نفسه فلسفة (ح)؟ أم أن الفلسفة أيضا قد شاركت في الأزمة عن طريق بعض مدارسها واتجاهاتها التي «حدست» العلوم الدقيقة وجعلت نفسها تابعة أو خادمة لها وكان الأحرى بها أن تكون خادمة للحقيقة؟ # هذه الأسئلة وأمثالها - على الرغم مما تنطوي عليه من تعميم أو إطلاق لا يسمح المجال بتقييده - لا تأتي إلا من جانب فلسفة ms041 تعرف مسئوليتها ودورها، وهو أن تكون ناقدة للعلم والمجتمع، لا تابعة للعلم والمجتمع. وحرمان الفلسفة من هذا الدور لا بد أن يعود عليها بالضرر، ولا يؤدي إلا إلى الحيرة والتشكك والعدمية. إنها - على عكس العلم - لا تتمتع بمكان معترف به ولا مجال ثابت تمارس فيه نشاطها داخل النظام الاجتماعي (ولا يخدعنك وجود أقسام للفلسفة داخل أسوار المعاهد والجامعات ولا الإقبال المتزايد عليها من جانب الشباب عندنا، فقد لا يرجع هذا الإقبال لأسباب فلسفية بحتة، وقد يكون وجودها نفسه داخل هذه الأسوار من أقوى أسباب أزمتها، وقد لا تكون نجاتها إلا بالمشاركة الفعالة في ميدان الثقافة العامة بل في زيادته وتوجيهه). ومما يزيد من حرج موقعها أن هذا النظام الاجتماعي - كنظام حي من القيم والتصورات والتقاليد - هو نفسه إشكال في نظرها؟ ومع ذلك فلا بد أن نسجل لعدد كبير من الفلاسفة والعلماء المتفلسفين في عصرنا أنهم قد طرحوا هذه الأسئلة وأمثالها، وساهموا في الإجابة عليها بمئات البحوث والمحاضرات. وهذا يشهد على أن الفلسفة - على الرغم من كل أزمات الحرة في عصرنا - لا تموت بسهولة! # 6 # نعود إلى سؤالنا الأول: لم الفلسفة؟ # والجواب: إن وظيفتها الحقة هي نقد الواقع القائم وتحليله. وإذا كانت كلمة الواقع التي نقصدها أشمل من الواقع الاجتماعي وأعم، فإن العبارة تفيد أن إحدى مهامها الأساسية هي نقد الواقع الاجتماعي، ولكنها ليست مهمتها الوحيدة؛ فهي - كما رأينا - تفكير نظري حر في «الكل». وهي بحكم أنها فعل بشري متناه لا تنفصل عن زمانها ومكانها؛ لأنها تصدر عن بشر يعيشون «هنا والآن» إلى بشر مثلهم يعيشون «هنا والآن». ولا يعني هذا أن يكون تفكير الفلاسفة جزئيا أو محدودا، لأنهم - حسب التعريف السابق وتعبير أفلاطون - يضعون «الكل» في بالهم ونصب أعينهم. فالمجتمع الذي ينقدونه جزء من المجتمع البشري في تاريخه الماضي والحاضر والمستقبل، والمعرفة التي يحللونها تدخل في سياق المعرفة الشاملة، وواقع الأشياء والقيم والنظم التي يسألون عنها مرتبط بواقع كل شيء وكل قيمة وكل نظام على الإطلاق. وليس معناه أيضا أنها ms042 يمكن أن تصبح علم اجتماع أو فرعا من فروعه، أو أن تتحول إلى «أيديولوجية» أو جزء من أيديولوجية (ط). إذ لو فعلت هذا لأنكرت موضوعيتها وماهيتها، بل لتنكرت لدورها الاجتماعي نفسه! والأخطر من هذا أنها ستجرد من وظيفتها في نقد الواقع ككل، وتحرم شجاعتها في التوجيه إلى المستقبل، وتسلب حريتها في النظر الخالص والتساؤل بغير مسلمات؛ أي إنها ستحرم في النهاية من دورها العملي العريق. كذلك لا يعني نقد الواقع القائم - كما أشرنا من قبل - أن تعمد إلى الصراخ والضجيج، أو تندفع وراء الرغبة في الهدم والتهكم، وإلا أصبح الفيلسوف مهرجا يتلذذ بالنظر في مرآة نفسه، أو بطلا مشوشا يهاجم أوضاعا معزولة ويحطم أوثانا منصوبة في عقله، أو «نجما» يسعى إلى الشهرة الرخيصة والزعامة الكاذبة التي لم يكترث بها فيلسوف حقيقي، وانشغاله بنفسه لا بد أن يصرفه عن النظر الموضوعي حتى لنفسه، ناهيك عن النظر إلى الواقع والآخرين، وسينتهي به حتما إلى ما يسمى ب «الأنا وحدية» التي وقع فيها «ماكس شتيرنر» وكانت خليقة أن تسوقه إلى مصحات المجانين! إن الهدف الدائم من النقد الفلسفي هو ألا يضيع الناس في واقع مزيف، أو يستسلموا لحقيقة كاذبة، أو يخضعوا لأفكار وألوان من السلوك يزين لهم نظاما اجتماعيا معينا أنها «أبدية» أو «فوق النقد» (راجع ما سبق عن سقراط!) إنه يبصرهم بالعلاقة بين حياتهم وحياة المجتمع ككل، بين نشاطهم الفردي وبين أهدافه العامة وأفكار العصر الكبرى، وهو يكشف لهم عن التناقض الذي يقعون فيه عندما يتمسكون في حياتهم اليومية بأفكار وتصورات معزولة عن الوحدة الكلية للمجتمع والبشرية. ~~ وهو يهديهم، في النهاية، إلى وضع العقل في الواقع، لا سيما إذا خلا هذا الواقع من العقل وغرق في صور اللاعقل وأشكاله المختلفة (من تمزق وتشتت، وتسليط وخرافة، وتزييف وطغيان، وتهالك على الملذات العاجلة دون القيم الباقية، ونسيان للكل والأصل في غمرة الضياع في الجزئيات، والانبهار بالبدع والمستحدثات والاستعباد للشعارات والمثيرات). # لنسق مثلا من تاريخ الفلسفة يوضح ما نقول. فالفلسفة الأفلاطونية - وهي أول الفلسفات الغربية ms043 الشاملة - حاولت أن تلغي النظرة الجزئية المتحيزة لترفعها في نسق فكري أشمل وأنسب للواقع (وليست نظرية المثل غير هذا النسق الموضوعي الذي يوحد أسس المعرفة ونماذج الوجود). ومن يطلع على محاورات أفلاطون يلمس الجهد المضني الذي يبذله سقراط لتخليص محاوره من نظرته الضيقة التي توقعه في التناقض. ولم يكن من قبيل الصدفة - كما ذكرنا من قبل - أن يختار أفلاطون أسلوب الحوار للتعبير عن فلسفته؛ إذ لا يكفل الحوار حرية التفكير وسماحته فحسب، بل يؤكد أيضا أن الفكرة لا تكون لها قيمة إلا في داخل السياق العام والنسق الموحد. ولو تذكرنا بعض محاوراته التي تناقش ماهية الفضائل (لاخيس والشجاعة، أو يثيفرون والتقوى، الجمهورية والعدالة ثيآيتيتوس والمعرفة، فيليبوس واللذة ... إلخ) لوجدناه ينظر لكل فضيلة في إطار الصالح العام. وأوضح مثل على هذا هو مناقشة فضائل الخباز والطباخ والترزي وصانع السفن والبناء والحذاء ... إلخ في محاورة «جورجياس». # 10 # فكلها نافعة في ذاتها، ولكنها تضر بالمجموع إذا تحيزت لنفسها وأهملت الاعتبارات العامة. ولو تعصب كل إنسان لخبرته وحدها (كالطبيب لطبه، والطباخ لصنعته، والتاجر لربحه، والحاكم لقوته، بل والفيلسوف لفلسفته!) لكانت النتيجة هي الدمار للجميع (كما حدث لأوروبا في الحربين العالميتين، وكما يحدث اليوم من صراع الأشباح العربية بينما يتربص الذئب الأعور بالقطيع الغارق في الدماء والضوضاء) وحتى لو نظرنا للفلاسفة الحكام في جمهورية أفلاطون نظرة منصفة لوجدناهم متخصصين في رؤية الكل، لا في المنطق مثلا أو أي فرع آخر من فروع الفلسفة. إن الفلسفة عند أفلاطون تعني التوحيد بين ألوان المعرفة وتنسيق فروعها بحيث تصبح عناصرها الجزئية مثمرة خلاقة في وحدتها وفي سياق المعرفة الكلي. فلا حياة للعقل إلا داخل نظام من الأفكار، والتعصب لفكرة واحدة أو عنصر واحد من عناصر المعرفة والوجود لا يمكن أن يجر معه إلا الخراب. وهجوم أفلاطون على الطاغية الفرد في الرسالة السابعة والجمهورية وغيرها من المحاورات يوضح آثار هذا التعصب في أجلي صورة. فالطاغية هو أشقى الناس وأشدهم عبودية (الجمهورية 576)؛ لأنه يتصدى لحكم الآخرين في الوقت الذي يعجز ms044 فيه عن حكم نفسه (579)، وهو كلب حراسة المدينة الذي تحول إلى ذئب، يخشى أعداءه في الداخل أكثر مما يخاف أعداءه في الخارج. وهو السكير الأحمق، يحلم بالتحكم في الناس بل وفي الآلهة. وهو الابن العاق، قاتل أبيه، آكل أولاده (566، 569، 573، 619) ولو سمع نصيحة هوميروس (الأوديسة، 11، 489) لفضل أن يكون عبدا أجيرا في أرض مالك فقير محدود الرزق على أن يكون حاكما على كل الأموات الفانين (386) ولهذا ليس عجيبا أن تكون دولة الطغيان أشقى الدول، وأن يكون الطاغية أتعس من أتعس إنسان (576-579). # كان هذا التنظيم والتوحيد - على الأقل في عصر ازدهار الفلسفة اليونانية - مرادفا لتحقيق فكرة الخير. وهل كانت جهود الثلاثة الكبار في تربية الفرد على التفكير والسلوك الصحيح، وتنقية تصوراته اليومية والعلمية من الغموض والتحيز والانفعال إلا تمهيدا للطريق إلى هذا الخير؟ وهل كان الخير الأسمى إلا «العين الإلهية» التي تحرس عالم أفلاطون وتتوج عالم أرسطو؟ وإذا كان أرسطو (في الميتافيزيقا) يرى أن السعادة القصوى تكمن في السلوك النظري، أي في تأمل النفس لذاتها تأملا خالصا، فإنه يقول صراحة إن تحقيق هذه السعادة يحتاج إلى أساس مادي وشروط اجتماعية واقتصادية. فقد كانت الظروف الاجتماعية العادلة عنده وعند أفلاطون شرطا ضروريا لنمو القوى العقلية عند الإنسان. ~~ لم يكن من الممكن في رأيهم، أن تسير الحياة والبؤس يدا في يد كما كان يزعم الكلبيون، ولا أن يتطور عقل الإنسان بينما يحيا حياة الكلاب! هذه الفكرة التي أكدها أفلاطون وأرسطو هي في الواقع أساس النزعة الإنسانية الأوروبية كلها. ومن المستحيل أن نتصور تاريخ الفلسفة الحديثة بغير تصور المشكلات الاجتماعية التي ارتبط بها وكان لها دور مباشر أو غير مباشر في تشكيله (هوبز وفلسفته في الدولة والمجتمع وكيف يخرج الناس من الحالة الطبيعية - حيث يكون كل إنسان ذئبا يتربص بكل إنسان ويعلن الجميع الحرب على الجميع! - بالاتفاق على العقد الاجتماعي الذي تنشأ معه الدولة «التنين» ويخضعون لها باختيارهم، اسبينوزا ورسالته في اللاهوت والسياسة ودفاعه الحار عن حرية الفكر والإيمان، وتصوير المثل الأخلاقي الأعلى في التحرر ms045 من سيطرة الانفعالات بالرؤية العقلية الواضحة لقوانين الوجود الحتمية. حتى الجوانب التأملية المجردة عند ليبنتز وكانط تكشف عند التحليل الأخير عن المقولات الاجتماعية والتاريخية التي تقوم عليها ... إلخ) ولكن مهما تكن أهمية بحث المشكلات الاجتماعية ودورها في الفلسفة، فلا يجب مرة أخرى أن يغيب عن بالنا أن وظيفتها الاجتماعية لا تجعل منها علم اجتماع ولا فرعا من فروع علم الاجتماع. ~~ إن هذه الوظيفة الاجتماعية تقوم قبل كل شيء على تنمية الفكر النقدي والجدلي. فالفلسفة هي المحاولة العنيدة المستمرة لوضع العقل في العالم. وإذا كانت تبدو مقلقة غير مريحة (فالفلاسفة - كما قال همنجواي - يزعجون الناس في حياتهم ويشتد ازعاجهم لهم بعد موتهم!) وإذا كانت باستمرار في وضع خطر ومريب مختلف عليه، وكان الناس يتشككون في دورها ومعاييرها وأدلتها، وينفرون عادة من الاهتمام الجدي بمتاعب حياتهم الخاصة والعامة، ويفوضون أمرها لرجل السياسة ورجل الدين، أو الصحفي والكاتب والشاعر، أو المصلح والمربي، أو يتعزون عنها بالأمل في مستقبل غامض يصبح فيه كل شيء على ما يرام، إذا كان هذا صحيحا فإن الحاجة إلى نظرية فلسفية في عالم تقسيم العمل المعقد الذي نحيا فيه أصبحت أشد إلحاحا من أي وقت مضى. ربما كانت هناك أوقات عاش فيها الناس بغير نظرية. ~~ وربما شعروا دائما بالهاوية التي تفصل بين أفكارهم عن أنفسهم وعن العالم وبين الواقع الاجتماعي الذي يشاركون فيه بمعملهم وانتاجهم. وربما لازمهم الإحساس بأن معظم أفكارهم زائف أو غامض، وأن الواقع الذي يشقون فيه ليس هو الواقع الذي يتمنون أو «ينبغي» أن يكون. ولكن لا شك أيضا أنهم كانوا يحسون إحساسا غامضا بحاجتهم إلى نظرية أو نسق فكري محكم يحميهم ويضيء لهم الطريق، خصوصا في أوقات المحن والأزمات القومية والعالمية، حين يرون أنفسهم يسرعون نحو الدمار، ويواجهون أشباح الرعب والخراب وهم عزل إلا من أفكار بالية وتصورات غامضة وشعارات كالطبل الأجوف لم تصمد عند التجربة. وعالمنا اليوم يواجه الأخطار ويحاول أن يروضها ويقلم أظافرها ليل نهار (للأسلحة صليل في كل مكان، نذر الحرب الكبرى ms046 - أو مقبرة الكل - تلوح لتطوى أو لتؤجل في الكتمان، مع كل فطور نجرع أنباء القسوة والوحشية والعدوان، والأخوة - يا للحسرة! - يقتتلون ولا يردعهم زحف الأفعى والتنين). # 7 # إذا كان هيجل قد عرف الفلسفة قبل قرن ونصف قرن بأنها روح عصرها مبلورة في الأفكار، وأنها بنت زمانها، فإن الحركة التاريخية المعاصرة قد وضعت الفلسفة في قلب الواقع الاجتماعي، كما وضعت الواقع الاجتماعي في قلب الفلسفة (ي). والأمر الحتمي الواجب - كما يقول الشاعر رامبو - هو الحداثة بشكل مطلق. وهو كذلك أمر مطلق موجه إلى الفلسفة # 11 # فقد بات واجبا على أصحابها أن يغادروا - ولو من حين إلى حين! - أبراج تخصصهم ليروا الفلسفة في تيار عالم متغير، ويشاركوا في صنع نظرية أو نظريات تجعل حياتنا أكثر احتمالا وترد عالمنا أقل قسوة وقهرا، وتبصر كل فرد منا بدوره الذي يشارك به - بالوعي والفعل الحر - في تشكيل وجوده الخاص والوجود العام، وتحيى مسئوليته الأخلاقية عن مصيره ومصير التاريخ البشري. والمهم ألا تسقط هذه النظرية أو النظريات (المؤقتة بالضرورة!) في المثالية الجوفاء أو التعصب الجامد، وألا تدعي لنفسها الحقيقة المطلقة. ~~ والمهم أيضا ألا تتحول إلى «يوتوبيا» حالة، لأن التأمل الخالص البعيد عن الفعل لا يمكنه أن يحل تناقضات الفكر ولا مفارقات الواقع ولا ضرر بطبيعة الحال في أن نحلم ونأمل، فالإنسان حيوان يأمل في المستقبل ويشرع له (وهناك جانب هام من الفلسفة المعاصرة يدور حول «مبدأ الأمل» واليوتوبيا «الواقعية» و«حضارة الحب»: أورتيجا أي جاسيت، إرنست بلوخ ومركوزه) سيحلم الناس دائما - كما فعلوا على الأقل منذ أفلاطون! - بالمجتمع العادل والمدينة الفاضلة، بإمكان «توطين» العقل بين الناس والأمم والشعوب. ولكن المهم أن تنبع أحلامهم من الوصف العلمي للظروف العينية والاتجاهات الواقعية حتى يمكن أن تؤدي إلى أوضاع أفضل، وأن يطرحوا المثالية الزائفة التي ترسم صورة الكمال دون وسائل تحقيقه وشروطه. لا بد أن يرتبط الفكر والعمل، ويتحد المثال والتجربة، وإلا كان ذلك خيانة للإنسانية. فحتى جمهورية أفلاطون التي رسمت للمدينة الفاضلة «نموذجا في السماء لكل من شاء أن ms047 يطالعه» وبقيت حلما بعيدا كسائر «اليوتوبيات» القديمة والحديثة، قد بينت على كل حال أن المعرفة الفلسفية لها شروط اجتماعية ونفسية وأخلاقية، وأن الحب الفلسفي (الإيروس) هو الذي يهدي الحكيم «المنقذ» ويدفعه للخروج من كهف عبوديته للظلال والأصداء إلى نور الوجود والحرية، وشمس نهار المعرفة والخير. # لا شك أن هناك عددا كبيرا من هؤلاء «المنقذين» (الذين سبقت الإشارة إلى بعض أسمائهم ويصعب حصرهم في بلاد الغرب والشرق المختلفة أو في بلادنا) وأنهم حاولوا جهد طاقتهم واستعدادهم أن يؤدوا أمانة الفلسفة في تحرير الفرد من الأوهام وتبصيره بنفسه وغيره، وتعميق وعيه بالواقع والعالم الذي يشارك في صنع مصيره. وإذا كنا نتحسر أحيانا ونحن نراهم وكأنهم يهتفون في فلاة، وينادون ولا حياة لمن تنادي (فأرباب السلطة والسلطان مشغولون عنهم بطموحهم وعروشهم، والناس منصرفون عنهم إلى لقمة عيشهم وتسلية يومهم، وإذا كرمهم هؤلاء أو أولئك فكللوا رءوسهم بالغار أو وضعوا الجوائز في أيديهم والأوسمة على صدورهم فسرعان ما يودعونهم بعد الاحتفال ولسان حالهم يقول ما قاله أفلاطون للشعراء: انصرفوا الآن أيها الأحباب إلى كتبكم وأفكاركم وأحلامكم، أما نحن فإلى عاداتنا الثابتة التي لا نستطيع للأسف أن نتحول عنها!) وإذا كان اليأس يخالجنا من جدوى الكلمة والفكرة وسط ضجيج السلاح والآلات والإذاعات والأيديولوجيات (واليأس يتحول إلى حسرة تخنق كل من أنفق حياته مع الكلمة في بلادنا التي تعاني من كل صور التخلف)، وإذا كنا نتلفت حولنا فلا نكاد نجد تفكير واحد منهم قد تحول إلى سياسة أو طبق في نظام أو ألهم أحد المسئولين عن مصائر الشعوب، فمن الخطأ مع ذلك أن ننتظر الإنقاذ كما ننتظر سقوط ثمرة في الحجر أو الكفين. إن الفيلسوف ينقذنا - بالمعنى الأفلاطوني السابق - حين يبصرنا بالواقع «الحقيقي» وراء الواقع «الظاهر». ولكنه يترك لعقلنا المستقل وإرادتنا الحرة وضميرنا المسئول أن تغير ما شاءت من واقع أنفسنا وحياتنا. إن قصارى جهده أن يهدينا لإنقاذ أنفسنا بأنفسنا. أقصى ما في وسع المنقذ أن يجعل كلا منا ينقذ نفسه (طريق إنقاذنا واضح ومعروف، مهما ms048 غلفناه في ضباب الفصاحة أو حاولنا الهروب منه في دروب ومتاهات جانبية: اشتراكية علمية نطبعها بخاتم شخصيتنا ونصونها بقيم تراثنا الحية من الإرهاب والشمول الذي عانى منه التطبيق عندنا أو عند غيرنا). # إن الناس تتطلع «للمنقذ» عله يزودنا بنظرة أو نظرية نقدية وجدلية عن الواقع الكلي الذي نعيش فيه. وكل مفكر حق يحاول أن يصنع هذا حسب اجتهاده ومجال بحثه بصورة مباشرة أو غاير مباشرة. غير أن المسألة ليست بهذه البساطة. فالنقد في الفلسفة لا يعني أبدا - كما نرى في الحياة اليومية أو شئون السياسة والاقتصاد أو النقد الفني والأدبي الهابط في بلادنا - لا يعني إدانة شيء أو صب اللعنات على هذا الوضع أو ذاك، ليس هو مجرد الرفض والنفي، ولا يصح أن يتحول من نقد إلى «نقض». وليس هو الاتهام والتطاول، ولا الصياح والصراخ. إنما الجهد العقلي والعملي لعدم تقبل الأفكار والقيم وأساليب الفعل والسلوك والظروف الاجتماعية والتاريخية تقبلا أعمى. وهو جهد يبذل للتوفيق بين جوانب الحياة الاجتماعية وبين الأفكار والأهداف العامة للعصر، وتمييز المظهر فيها من الجوهر، والبحث في أصول الأشياء والظواهر وجذورها وارتباطها بحقائق الواقع من حولها، أي معرفتها معرفة حقه. وهو في النهاية التحدي الحقيقي الذي يتحتم على الفلسفة أن تقبله كي تثبت إمكان المحال، والمحال هو تسويغ وجودها في عالم اليوم، العالم الذي يزداد فيه التخصص ويتراكم كل يوم بل كل لحظة، وتنظر العلوم الجزئية إليها من طرف خفي وتهمس قائلة: إما أن تصبحي علمية مثلنا وتضعي نفسك في خدمتنا، أو تبقى الأم المهجورة في ملجأ العجزة أو متحف التاريخ، وفي العالم الذي لا تزال تتجول فيه أشباح فلسفات زيفت الواقع بتصورات فارغة من كل مضمون: خلفت أسطورة «الوجود» أو الفردوس الأرضي، أو هربت إلى كهف الماضي لتعلن أن الحياة دبت بمعجزة في الجثث المهيبة المقدسة. # إن عودة الفلسفة إلى مزاولة دورها النقدي هو عودة إلى مهمتها التقليدية التي نمت وتطورت عبر العصور، إلى الوحدة الإيجابية لتاريخها الحاضر باستمرار. وإذا كان الفلاسفة الحقيقيون قد قاموا ms049 دائما بهذا الدور الذي تفرضه أفكارهم نفسها (أكزينوفان نقد فكرة الوجود الإلهي وحاول تخليصها من أثواب الأسطورة والتشبه بالإنسان. أرسطو نقد أفلاطون الذي جعل من التصور الكلي موجودا في ذاته. ديكارت انتقد العقائد والمناهج المدرسية الجامدة. ليبنتز نقد المنهج التجريبي. كانط نقد ليبنتز وهيوم معا وبين أن النقد هو الطريق الوحيد الباقي للفلسفة. هيجل نقد كانط، وماركس نقد هيجل ... إلخ ) فإنهم لم يتوقفوا عن نقد الواقع المحيط بهم حسب طاقتهم وقدرتهم على الرؤية وبصورة مباشرة أو غير مباشرة كما ذكرنا من قبل. ومع ذلك فلا يمكن القول إن أكثر الفلاسفة تأثيرا على التقدم كانوا أقساهم نقدا أو أعلاهم صوتا أو كانت برامج الإصلاح في أيديهم. فالنظرية الفلسفية دائما ذات جوانب متعددة، وكل جانب منها يمكن أن يكون له تأثيره التاريخي. قد لا يأتي هذا التأثير إلا بعد أجيال وأجيال. ومن الخطأ أن نخلط بين النظرية الفلسفية والمظاهرة السياسية؛ فلم يحدث إلا في أوقات نادرة أن تحولت الفلسفة إلى سياسية (ك). وحتى في هذه الحالات لم تكن السياسة دائما هي التطبيق الأمثل للفكر (فمن المعروف مثلا أن الثورة الفرنسية تمخضت عن فلسفة عصر التنوير في فرنسا) لم تكن الفلسفة حينئذ هي المنطق أو نظرية المعرفة، بل نقد السلطة الكنيسة والإقطاعية وطبقة النبلاء والنظام القضائي الظالم وتقييد حرية الفرد في الاعتقاد والتفكير. ولقد أفادت - مع مرور الزمن وتراكم تجارب الوعي - في زحزحة كثير من الأحكام المسبقة فانفتح الباب على عالم أفضل، وكان للنقد دوره التاريخي في التغيير الحاسم. لكن الثورة لم تلبث أن انزلقت إلى أيدي البرجوازية، وجاء الطاغية نابليون فجر عربة «الحرية والإخاء والمساواة» في أوحال الحروب التوسعية والطموح الإمبراطوري! والثورة الاشتراكية الكبرى التي شبت على نيران نظرية ماركس وإنجلز ولينين، ماذا فعل بها عند التطبيق أرهاب ستالين وطموح القومية التوسعية وتمزق الدولة الاشتراكية إلى معسكرين متعاديين؟ هل نجحت في تحقيق حلم ماركس بتحرير الإنسان من اغترابه عن ذاته وعمله، أم قيدته في عجلة الآلية التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية الرهيبة؟ ثم ماذا ms050 كان من أمر «القومية العربية» ثم «الاشتراكية العربية» اللتين ناضل لإرسائهما عشرات المفكرين المخلصين؟ كيف كان التطبيق وماذا كان الحصاد؟ كيف توقعنا أن تخضر الجنة تحت أقدام الجراد، أو تتفتح الزهور في كف الجلاد؟ # لنأخذ مثلا من هيجل، وهو إمام الثورة العقلية الحديثة غير منازع. كان أبعد الناس عن السخط الساذج والتمرد الأهوج. وصورت ملحمته الجدلية الجبارة طريق العقل المطلق عبر أشكال اللاعقل التي يغترب فيها عن نفسه في الطبيعة والتاريخ والوعي والفن والدين والسياسة والفلسفة ... إلخ، حتى يتصالح الواقع مع العقل وتتحقق الفكرة العينية الشاملة. ~~ لهذا دعاه ملك بروسيا وهو يظن أنه أقدر الناس على تلقين الطلبة فروض الولاء له وتحصينهم من معارضته. وفعل هيجل كل ما في وسعه. أعلن أن الدولة البروسية هي «واقع الفكرة الأخلاقية الموضوعية» على الأرض. وأعلنت الدولة البروسية أنه فيلسوفها الرسمي! ولم ترحمه الألسنة الطويلة والنفوس الصغيرة فانهالت عليه الاتهامات وما زالت تنهال على رأسه إلى اليوم: المجاراة، والتنازل، الانتهازية، والاستسلام ... إلخ، بيد أن للفكر طريقه المرسوم. فلكي يبرر الدولة البروسية كان عليه أن يعلم تلاميذه كيف يتجنبون ضيق الأفق السائد عند الرجل العادي، وكيف يربطون بين الأفكار والوقائع ويرون الأشياء في سياقها الشامل ووحدتها الكلية كذلك علمهم كيف يفهمون بنية التاريخ البشري المركب المتناقض، وكيف يتتبعون فكرة الحرية في حياة الشعوب ليعرفوا أن ماهية التاريخ هي «التقدم في الوعي بالحرية»، وأن تطور البشرية مرهون بهذا الوعي، وأن الشعوب تندثر إذا ثبت أن مبادئها لم تعد تلائم روح العصر الذي أصبح في حاجة إلى مبادئ وأشكال اجتماعية أنضج، وأن مهمة الفلسفة الكبرى هي استرداد الوحدة والحرية المفقودين، وتعقيل الواقع والمصالحة بينه وبين الفكر. # ماذا كانت النتيجة؟ أضر تفكير هيجل (المثالي المحافظ فيما يزعمون) بالدولة البروسية أكثر مما أفادها بتمجيده لها. وما هو إلا أن مضى على موته تسع سنوات حتى استدعى الملك البروسي أستاذا آخر # 12 # وكلفه بمكافحة «بذور التنين التي زرعتها وحدة الوجود الهيجلية» ومحاربة «ادعاء مدرسته» وجنايتها على القواعد والتقاليد المرعية حتى ms051 يمكن أن تبعث «الأمة» بعثا علميا جديدا. # الفصل الثالث # | كلمة أخيرة # لنكتشف سقراط من جديد # سقراط، سقراط، سقراط # لو هتف لساني باسمك مائة مرة # ما وفيتك حقك أبدا. # كيركجارد # 1 # التقينا على الصفحات السابقة ب «ملكة العلوم» في أطوار عمرها المختلفة وصورها وثيابها المتعددة: وجدناها في الفصل الأول تزهو على عرشها المطلق، يسطع من جبينها نور الحكمة والنظر الكلي الحر، ويتألق في عينيها بريق نافذ إلى الأسباب الأولى والأخيرة. ثم رأيناها في الفصل الثاني يتيمة وحيدة، هجرها الأبناء واحدا بعد الآخر، وانصرف عنها الناس قائلين إنها ماتت من زمن بعيد، وأن لم يكلفوا أنفسهم عناء السير في جنازتها وتشييعها إلى مقرها الأخير، ورحم بعض المحسنين شيخوختها فآووها في ركن من أركان الجامعات كأنها شاهد أثري على تراث عقلي يحرسونه من الضياع ويروون تاريخه لزواره القليلين. وتخلي الكهنة عن الملكة العجوز بعد أن أصبح الكهنة الجدد يأتون من المعامل ومعاهد الأبحاث. ولم تجد الملكة المخلوعة عن العرش شيئا يملأ فراغها ويؤنس وحدتها سوى اجترار ماضيها والتأمل في مرآتها، أو التسلي بتقليب كتاب حياتها ونقد لغته وتحليل عباراته، أو التطفل على أبنائها المغرورين وتذكيرهم بأصلهم والتنبؤ بمستقبلهم وتعذيب ضمائرهم. أما الذين نذروا حياتهم لحراستها فقد صار الناس يتفرجون عليهم كما يتفرجون على مجموعة من الحمقى الذين يعيشون على هامش المجتمع ويؤدون لعبة لا خطر فيها ولا ضرر منها، لعبة عقيمة لا يصدقون اليوم أنها كانت تبهر أجدادهم وتقلق حياتهم وتؤرق نومهم، ولا يتصورون كيف ضاق بهم الأجداد حتى حكموا على نفر منهم بالسجن والتعذيب أو القتل والحرق والنفي والتشريد! إنهم الآن لا يرون بأسا في أن يتركوهم تسلية لمجتمع العمل والإنتاج، أو قطعا نادرة في متحف ذاكرته، أو دليلا على اهتمامهم ب «الثقافة» وعنايتهم ب «التراث» و«التقاليد» وبذخهم في الإنفاق عليها (أنتم تمثلون القيم! هكذا قيل لفيلسوف أمريكي دعي صدفة إلى حفل ضم مديري البنوك وأصحاب الملايين) ثم إنهم لا يفكرون اليوم في قتلهم؛ إذ لا داعي لقتل الموتى، ولا يسعون لكسب ms052 مودتهم أو التماس الرأي والمشورة عندهم؛ إذ لا يحرص أحد على مودة العجزة أو مشورة المعتوهين! # 2 # ولكن هل ماتت الفلسفة حقا وانتهى دورها على مسرح الحياة العقلية؟ هل زالت فضيحتها التي رماها بها «كانط» عندما احتضرت بعيدا عن العيون؟ أم أنها تظاهرت بالموت - كما تفعل بعض الحيوانات الماكرة! - لكي تنهض أكثر قوة وحيوية؟ لقد تحملت اللعنات التي انهالت على رأسها (ملعون هو المطلق! هكذا زفر وليم جيمز زعيم البراجماتيين) وصبرت على شماتة أبنائها الجاحدين (من أقطاب العلوم المتخصصة المنتشية بالنصر!) وتمددت برضاها على مشرحة النقد اللغوي والتحليل المنطقي كالطبيب الذي أجرى على نفسه عملية جراحية تشفيه نهائيا من مرضه، فلم يلبث الجمهور المتحمس من حوله أن هتف صائحا: نجحت العملية ومات المريض! # غير أنها خيبت ظنون الجميع عندما فوجئوا بها ترفرف بجناحيها كالعنقاء التي نفضت عنها بقايا الصدأ والرماد. وتبدلت الصورة الحزينة التي خيمت عليها في السنوات الأخيرة عندما أسرع قصار النظر فجللوها بالسواد. وعادت «الفضيحة» تثير اهتمام الناس وتنشر حولها عاصفة من النقد والجدل والحوار اهتزت لها الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية. وتعمدت «الحية الخالدة» أن تغير اسمها كما تغير جلدها. ظهرت هذه المرة تحت أسماء أخرى كالنظرية النقدية، والنظرية العلمية والاجتماعية، ومشكلة المنهج والقيم، والنقد الأيديولوجي، والماركسية الجديدة، ونظرية البنية ... إلخ، وانتعشت المشكلات الفلسفية - وبخاصة المشكلات الاجتماعية والأخلاقية - انتعاشة حركت الشارع السياسي، وأطلقت ثورات الشباب، وزلزلت قلاع السلطة والبيروقراطية، وأجبرت الفلسفات التي تعرج على المسرح (فلسفات الوجود والأنطولوجيا الجديدة والمدارس الأكاديمية ... إلخ) على الانزواء في ركن خفي، وأغضبت حراس القبور الذين ظنوا أن جثمانها التاريخي قد استقر إلى الأبد في مرقده الأخير. # 3 # برزت الحاجة إلى فلسفة اجتماعية جديدة. لم يأت هذا الإحساس في الغالب من قاعات الدرس (المشغولة بتحنيط الجثمان الموقر وتدليك أعضائه وإعلان موته النهائي) بل جاء من قلب المجتمع المتغير الذي يبحث عن قيم ومعايير جديدة: من الشباب الثائر على النظم الجامدة، من رجال السياسة والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، من العلماء والمهندسين والمشرعين ms053 لمستقبل عصر العلم والتقنية ونموذج المجتمع العالمي (ولا يزال القراء يذكرون ندوة المستقبل «مصر في سنة 2000» وموضوعها في صميمه موضوع فلسفي، وإن كان نصيب الفلسفة والعلوم الإنسانية فيها ضئيلا أو شبه معدوم) وتزايد حركات التحرر بين شعوب العالم الثالث ومحاولات التقارب والتعاون الدولي والبحث القلق عن طريق ثالث ونظرية جديدة ... إلخ. # واختلف الناس في تقدير الفلسفة. طالبها البعض بما يفوق طاقتها أو يخرج عن اختصاصها (على نحو ما عبر أحد رجال التخطيط الاجتماعي بقوله: لقد قام علماء التقنية بدورهم، وبقي أن تقوم الفلسفة بدورها!) # 1 # وانتظر منها البعض أن تقدم وصفات علاج أكيد المفعول (كأن أفكار الفلاسفة أجهزة تتحرك بنفسها وتفرز قيما وحلولا لكل المشكلات الممكنة!) ويئس البعض من تأثيرها العملي فلجئوا إليها أحيانا لتوضيح أفكارهم أو تركوها تنشغل بنفسها وتثرثر حول طبيعتها ومنهجها، ولم تعدم الفلسفة من يعيد اكتشافها أو يتنبه لإمكان تأثيرها على الرأي العام. صحيح أنها طالما عاشت منكمشة على نفسها، أشبه بعنكبوت يتأمل الخيوط التي تفرزها أحشاؤه، وبدت في كثير من الحالات كأنها «علم لغتها» أو «تاريخ تاريخها» أو مجرد تحليل للمفاهيم والمصطلحات التي تستخدمها أو يستخدمها غيرها، أو وصف خالص للظواهر الخارجية أو الباطنية، أو حسابات علمية ومنطقية لا تهم غير القلة النادرة. وباستثناء «الوجودية» التي أثارت الرأي العام بعد الحرب العالمية الثانية وأن بقيت في مجموعها فلسفة غير اجتماعية، والماركسية التي ظلت فلسفة اجتماعية وإن تحجرت فترة طويلة - على العكس مما أراد لها ماركس - في معتقدية متزمتة متسلطة، أو في الدوران حول نصوص شبه مقدسة، # 2 # لم يكن الاتجاه إلى الفلسفة النقدية الاجتماعية قد اتضح بالصورة التي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة (ولم يفطن إليه كثير من أساتذة الفلسفة المتخصصين إلى اليوم). واشتدت الحاجة إليه بعد أن توالت التحولات العلمية والتقنية، واقتضت تغيرات الوعي وبنية المجتمع في مناطق عديدة من العالم المتقدم والنامي ضرورة مراجعة القيم والأحكام والتقاليد والنظم «الراسخة». وتداخلت التخصصات ومجالات الحث المختلفة بحيث ذابت في بعضها وتطلعت للتكامل في نظام أو ms054 أنظمة توحد بينها، وتزايد الإحساس بضرورة التعاون مع الخبراء في مشروعات تتخطى حدود التخصص، و«مجموعات عمل» تبحث عن قيم وأحكام تصلح لارتياد آفاق جديدة، وتشجع على ترك الطرق المألوفة والمسالك المعتادة، وتلتمس الحلول لمشكلات نجمت عن غزو أراض جديدة تتشابك فيها مجالات العلم والتقنية والاقتصاد والتخطيط والسياسة والثقافة ... إلخ، ونشأت عن هذه التحديات ضرورة البحث عن أشكال جديدة وقيم جديدة، وظهرت الحاجة الماسة إلى مشاركة الفلاسفة في توضيح الأفكار واقتراح الحلول، وإعادة التوجيه والتنظيم، وجسارة النقد والتقييم، واستشراق آفاق ومنظورات لم يفكر فيها أصحاب الخبرة المحددة. والفيلسوف - وهو كما عرفنا المتخصص في الكلي والعام! - يستطيع هنا أن يساهم بدور فعال مثمر في تقديم الرؤى والقيم والأهداف، لا في مجرد توضيح لغوي للأفكار المعطاة، وهو في مواجهة هذه التحديات الملقاة على عاتق المجتمعات المتقدمة والنامية على السواء لا يستطيع هذا فحسب، بل يجب عليه أن يواجهها مواجهة نقدية وبناءة في وقت واحد. لا شك أن حسه العميق بالمسئولية يدفعه إلى هذا. فلقد طالما انعزل الفلاسفة في أبراجهم العقلية المترفة، منصرفين في أغلب الأحوال إلى رعاية كنوز الماضي، ومع أن هذه مهمة جليلة القدر، فإن ضرورات العصر وحاجات الجماعة التي يعيشون فيها (كما يعيشون على كدها!) أصبحت تحتم عليهم أن يقتربوا من الواقع اليومي، ولا يقفوا موقف عدم الاكتراث من ضجيج الأيديولوجيات والشعارات، ودوي الخطط والمشروعات، وصراع القيم والمعايير والتصورات، صحيح أن من حق الفيلسوف - كما هو حق الكاتب والأديب - أن يغلق عليه باب «صومعته» من حين إلى حين؛ فالعزلة والتفرغ من أجل النظر الكلي الحر الخلاق ستظل، كما أكد فلاسفة اليونان، ضرورة لا يستغنى عنها عمله ولا يستغنى عنها المجتمع. ~~ ولكن عليه أن يقتنع أخيرا بأن الفلسفة الحية لا تولد بين أربعة جدران معفرة برائحة الكتب، وأن يضع أمامه نموذج سقراط الذي لم يتوقف عن التجول في الطرقات، ولم يدخر وسعا في الدخول في حوار مع عامة الناس أو خاصة الخبراء في كل مجال. وإذا كان من المستحيل عليه اليوم أن ms055 يتحاور في الشارع والسوق، فليقم مأدبة الحوار في شارع الصحافة أو في أسواق الإذاعة والتليفزيون، ولتحرص هذه الأجهزة عليه وعلى نفسها فلا تحرمه من هذا الحق، وهذا الواجب. # 4 # ماذا ننتظر اليوم من المتخصص في العام الذي يعيد اكتشاف دوره «السقراطي» ويضع نموذج سقراط نصب عينيه؟ كيف يمكنه الجمع بين النظر الكلي الحر وبين الاعتدال والتواضع العقلي الملازم لطبيعته؟ # لا يمكن أن تقف مهمة المتخصص في العام عند التخصص في إشاعة «القلق والاضطراب! ~~ فالمشكلات الملحة على مجتمعه وعالمه تفرض عليه أن يكون محامي الصالح العام، والتزامه التقليدي بالعقل ومسئوليته الأخلاقية يحتمان عليه أن يقرن النقد بالبناء والإنشاء. ~~ إنه يواجه التطور العلمي في كل مجال، وعليه أن يلم بنتائج العلوم (التجريبية والنظرية البحتة) دون أن يسمح لفكره أن يذوب فيها ويستبعد لها أو تصبح بديلا عنه (ل)، وتخصصه في الكلية والشمول يتجلى في اهتماماته التي تتخطى الأنظمة المختلفة، وأحكامه المعيارية التي تنصب على أهدافها ومناهجها، ومساهمته في اقتراح حلول مقنعة (لا مطلقة!) لمشكلاتها، والمخاطرة في بعض الحالات بعرض بدائل وحلول ومنظورات مفاجئة أو خيالية لا بد أن يتهيب منها المتخصص المقيد بحدود خبرته. وهو في النهاية مشارك في الحوار الضروري بين علماء التخطيط والسياسة والتقنية والاجتماع والنفس والتاريخ والثقافة ... إلخ، بل هو في الحقيقة مركز الدائرة من هذا الحوار، والواجبات والمشكلات التي تزكي تعاونه معهم كثيرة ومتنوعة. فالأزمات الاجتماعية والثقافية تحتاج إلى عقله النقدي الذي ينبش أرض التراث والتقاليد بحثا عن جذورها، كما تحتاج إلى بصيرته الملهمة التي تستشف مستقبلها أو تقدم الحلول الممكنة لها وتصف الدواء الذي يساعد على الشفاء منها، وليس معنى هذا أن دوره يقتصر على تسكين الأزمات وتحليل أسبابها، فربما رأي من واجبه أن «يوجد» الأزمات الروحية الخلاقة، وأن يحارب ضيق الأفق والعقم العقلي والثقافي حيثما انتشرت ظلالهما. وكم من فيلسوف أطلق أزمات الضمير وحرك تغيرات الوعي، وإن لم يعش معظمهم حتى يشهد نتائجها. ~~ وإذا لم تر الفلسفة «الأشكال» في كل اتجاه، فهي معصوبة العينين أو غارقة ms056 في غيبوبة الأحلام. ستكون جارية في حريم السلطان، لا كاهنة في معبد الحقيقة، أو تلوذ في أحسن الأحوال بكهفها الذاتي ... # إن المناقشات الدائرة حول أسس العلوم الجزئية تحتاج إلى دور المنظر للعلم ومنطقه ومناهجه؛ أي إلى فيلسوف العلم. والمناقشات الفلسفية تحتاج بدورها - كما قدمنا - إلى التعرف على نتائج العلوم المختلفة والاستعانة بها في تحليل مشكلاتها وقضاياها. والفلسفة لن تستغنى عن الرجوع إلى تراثها كما لا يستغنى الإنسان عن ظله. ولكنها تخدع نفسها إذا تصورت أن التراث وحده أو التأمل المجرد المعزول عن حقائق الواقع يمكن أن يجعل منها «عصرها معبرا عنه بالأفكار»، وتحليل الأنظمة والخطط التي يتداخل فيها أكثر من نظام علمي تحتاج للنظرة الكلية التي ترتفع فوقها لتلقي الضوء على مناهجها وتتمكن من المقارنة بينها وتوحيد منطلقاتها وأهدافها. ولا يمكن أن ينهض أحد غيره (أي الفيلسوف!) بمهمة تقييم المناهج، إذ يتصور كل منهج على حدة أنه يملك المعيار الصحيح الوحيد. وعلوم التخطيط وتحليل الأنظمة والمشروعات تحتاج إلى مشاركته في وضع القيم واتخاذ القرارات وتحديد الأولويات، بشرط أن تأتي هذه المشاركة عن فهم لهذه العلوم واتصال بها، لا عن تأمل معزول عنها أو تنظير مطلق سابق عليها. ودخول الفيلسوف في هذا الحوار المشترك يحتم عليه ألا يتجمد داخل أسوار الخلافات المدرسية، لأن تعدد الآراء ووجهات النظر لا بد أن يخصب الحوار. وضرورة التعاون بين الفلاسفة وغيرهم من العلماء في مواجهة المشكلات الملحة يجعل تعصب المدارس والأيديولوجيات (أي نظام المعتقدات الشمولي الذي يزعم لنفسه القدرة على تفسير الإنسان والطبيعة تفسيرا أحاديا نهائيا ويتحول - باسم العلم والحقيقة والتقدم والإصلاح - إلى غيبية جديدة!) أشبه بعصبيات القبائل والعشائر التي تصر على تقاليد الثأر، أو صراع الحيوانات التي تحافظ على مناطق النفوذ. إن أربعة عيون ترى أكثر مما تراه عينان، وإذا اجتمعت عشرة عيون فلا بد أن تبصر أبعد من أربعة. وادعاء الزعامات والبطولات شيء غريب على العلم والعلماء، وهو بالتأكيد لا يليق بتواضع الفلاسفة وحكمة الحكماء، ثم إن الكمال والشمول واليقين المطلق صارت كلها ms057 أمورا غير ممكنة ولا مطلوبة. لقد اقترنت من ناحية بالطموح إلى المعرفة الموسوعية. ومن ناحية أخرى بالمحاولات «الميتافيزيقية» لتفسير العالم في مجموعه. وعالمنا اليوم شديد التعقيد وملكاتنا شديدة القصور (وليس من المعقول ولا المطلوب أيضا أن يبعث بيننا اليوم أمثال أرسطو والغزالي وليبنتز وديدرو وهيجل ورسل والعقاد!) كما أن المحاولات الميتافيزيقية لتقديم نسق فكري شامل يتضمن اليقين والتبرير والتعليل النهائي قد ثبت فشلها. ولن تكون مهمة الفلسفة في المستقبل هي تقديم نسق من القضايا النظرية الخالصة التي لا تكترث بإمكانيات تحقيقها في الواقع أو فرص اختبارها على محك العقل والخبرة العملية (ومن يصر على هذا لن يزيد عن تقديم تجربة جمالية أو خبرة ذاتية قد نتذوقها ونستمتع بها، ولكننا لا نقبلها عادة إلا من الأدباء والفنانين!) ولهذا فإن الفلسفة التي تقترب من الواقع تفرض التخلي عن التعصب للمطلق بكل أشكاله (لا عن مذهب أو معتقد متزمت فحسب، بل كذلك عن التعصب للنزعة العلمية-العلموية! التي تسرف في الإيمان الساذج بالعلم، والتعصب للنزعة غير العلمية التي تسرف في العداء له!) وهذا الاقتراب من الواقع سيجعلها تتناول مشكلات جزئية تدرسها بموضوعية وتأن وحياد، كما سيجعلها نوعا من العمل الاجتماعي والسياسي بالمعنى الواسع لهاتين الكلمتين (دون أن تتحول إلى علم اجتماع أو سياسة أو أحد علوم الوقائع كما ذكرها من قبل). ولا يمنع هذا من تأكيد ما قلناه من أن الشمول والتوحيد والنظر الكلي والنقدي الحر سيظل دائما هو صميم روحها، وهو شمول النظر إلى وحدة المعرفة والإنسانية، وحرية التنظيم والتكامل والتقييم والتوجيه والتصحيح. # واتجاه الفلسفة إلى مشكلات الواقع يفرض عليها أخيرا أن تتجه إلى الرأي العام. وهذا يحتم عليها أن تتنازل قليلا عن لغتها التقليدية لتتكلم بلغة مفهومة تفيد الحوار المشترك بينها وبين أبنائها «الجاحدين»، كما تفيدها في توضيح أفكارها والإقناع بحججها. ~~ إن الوضوح لا يتنافى مع العمق، واللغة البسيطة ليست دائما دون المستوى. ومن أراد أن يتجه إلى الشارع والسوق فلا بد أن تكون لديه القدرة على مخاطبة الشعب «والنظر إلى فمه» ms058 (كما يقول تعبير لوثر المشهور). إن شعوره بالمسئولية يدفعه إلى هذا، وتواضعه يجعله يتعفف عن اعتباره «نزولا» إليه. كان سقراط متواضعا وبلا غرور. والتفلسف على طريقة سقراط مستحيل بغير التخلي عن الغرور. # إن مهمة الفيلسوف في أيامنا هي أن يتبين أن الأفكار والمفاهيم الرئيسية في الفلسفة تتصل بالمشكلات الواقعية التي يواجهها الإنسان في حياته؛ لأنه إذا انصرف عن الواقع انصرف الواقع عنه، وإذا أدار ظهره لليومي والعيني والمعتاد أدارت ظهورها له. وإذا لم تتجمع المشكلات الفلسفية التقليدية حول مشكلات حقيقية تهمنا في حياتنا التاريخية فقدت حياتها وأصبحت تماثيل فارغة أو تحفا عتيقة لا تهتم بها إلا عناكب النسيان. كل هذا يقتضي منه الاقتصاد في إغراق الناس في التحليلات والتفصيلات والتفريعات والمناقشات، كما يفرض عليه الاختيار فيما يتناوله: فمشكلات الإنسان، والحرية، والديمقراطية، وعلاقة الفرد بالدولة، والحياة والتاريخ والتعريف بتيارات التفكير المعاصرة قد تكون - في لحظتنا الزمنية الحاضرة وموقفنا الاجتماعي وسط أشواك التخلف الرهيب في كل شيء - أولى من مشكلات متخصصة أخرى أشد بعدا وتجريدا. وليس هذا تنازلا من الفيلسوف، وإنما هو ضرورة تحتمها وتسوغها طبيعة الفلسفة نفسها: فليس «لمقال» الفيلسوف من سبب يبرره إلا إذا اتجه إلى غير الفيلسوف، # 3 # ولن يحقق وظيفته حتى يكون مقالا واضحا وتكون لديه القدرة على توضيح تصور الإنسان عن ذاته والذوات الأخرى التي يشاركها الحياة ويتحمل المسئولية تجاهها. إن تاريخ الفلسفة نفسه - كما ذكرنا من قبل بشيء من التفصيل - يشهد بأن مذاهب الفلاسفة متصلة بالواقع، وأنها يمكن أن تتحول إلى قوى تاريخية فعالة؛ فأفلاطون كتب الجمهورية على أمل إصلاح المجتمع الإغريقي، والعقد الاجتماعي لروسو - في رأي الكثيرين - هو الذي صنع الثورة الفرنسية، وديكارت كتب بالفرنسية - التي كانت في عهده لغة شعبية - لكي يفهمه الناس، والأخلاق عند كانط - كما يقول ألان - هي أخلاق صانعي الأحذية. أراد كبار الفلاسفة دائما أن يقولوا شيئا عن الواقع ويؤثروا على الناس بكلمات معقولة ومحسوسة. ~~ وليست رسالة الفلسفة الباقية في بناء معرفة «سرية» أو مجردة، بل في التغلغل في حياة البشر، ms059 وتكوين أحكامهم وتوضيح قراراتهم. وإذا كان تاريخ الفلسفة هو رصيد المشكلات الحاضرة أبدا، فهو كذلك مجموع الحلول الممكنة لها في كل عصر وعند كل مفكر، وإذا لم يستطع أن يثبت «حضور» هذه الحقائق الدائمة ويلقي الضوء على المحاورات الدائرة حولها، فلن يكون تاريخا بل متحف تاريخ. # 5 # ربما قال القارئ: ما لنا نحن وهذه المهام والواجبات التي تقتضيها ضرورات المجتمعات الصناعية والعقلانية المتقدمة، وماذا نفعل بها في مجتمعاتنا المتخلفة (التي نعزي أنفسنا فنسميها مجتمعات نامية!) والسؤال صادق ومشروع، ولكنه يعبر عن يأس لا داعي له. فمواجهة الفكر الفلسفي لمشكلات الواقع لازمة لنا لزومها من البشر (ما دمنا نؤمن بحضور التفلسف بالفعل أو بالقوة والإمكان في كل إنسان!) والمشكلات التي يفرضها العصر الذي نعيش فيه، وهو عصر الحضارة العلمية والتقنية الذي نسعى جاهدين للدخول فيه، وإن كانت معظم مجتمعاتنا تعيش فيه حسب (النتيجة الفلكية) وحدها ولا زالت تغوص برءوسها وأقدامها في عصور كهوف سحرية سابقة، مهما كان نجاحها في جعل هذه الكهوف مكيفة الهواء ومكدسة بالمستورد من كل صنف! هذه المشكلات متشابهة في نوعها وإن اختلفت من حيث الدرجة والعمق. ومعظم بلادنا العربية لديها خطط خمسية ومشروعات تنمية وتصورات عن المستقبل. ~~ ومشاركة الفيلسوف في المناقشات الدائرة حول هذه الخطط والمشروعات والتصورات وغيرها من قضايا التقدم والرخاء ستكون كما قدمنا مشاركة خصبة نافعة. وتعاونه مع زملائه من أهل الخبرة الدقيقة لا بد أن يفيد في نقد القيم والتصورات والقرارات وتحليلها وتوضيحها ومراجعتها وإضفاء التكامل والشمول على الأنظمة المختلفة التي تنحصر عادة في حدودها الضيقة. ولا شك أيضا أنه سيسهم في ربط هذه القضايا والمشكلات بقيم المجتمع ككل وسيكون أقدر على وصلها بجذور التراث والتقاليد ومدها إلى آفاق الغد والمستقبل. ولنتصور بعين الخيال أحد المشتغلين بالفلسفة في حوار مع أترابه من رجال الدين والقلم وعلماء الاجتماع والنفس والتربية والسياسة والاقتصاد والتقنية ... إلخ حول إحدى المشكلات التي تزخر بها حياتنا (كالحرية والعدالة، والسلطة والقانون، والحق والواجب، والتربية والتعليم، والقيم والأخلاق، والعادات والتقاليد، وحاضر الثقافة ms060 ومستقبلها، والنمو السكاني والهجرة من الريف، والتعمير و«التحضير» وإعادة توزيع خريطة السكان، ورعاية آثار الشعب وفنونه ... ~~ إلخ) ولنتخيل أيضا - بعيون الروح - أن المناقشة يمكن أن تدور على هذه الصورة الموسيقية المتناغمة! في مؤتمرات أو ندوات عامة، أو في أجهزة الإعلام وأنهار الصحف والمجلات الجادة التي نفتقدها اليوم. ألا يمكن أن نفيد من هذا التقليد المتبع في البلاد المتقدمة؟ ألم نفد منه بالفعل فيما تم - على ندرته وانعدام تأثيره! - من ندوات ومؤتمرات ومناقشات؟ وإذا حدثت المعجزة ودعي الفلاسفة إليها ألا ينعكس هذا على الفلسفة وعليهم هم أنفسهم كما ينعكس على عامة الناس؟ وإذا قيل إن الأفكار وحدها لا تغير من الواقع (وهذا تحذير واجب من التفاؤل الساذج!) وأن العبرة بالتنفيذ والتطبيق والممارسة حتى يتحد الفكر والعمل ويتصالحا بعد طلاقهما «العربي» الأزلي، ولا تصدق علينا كلمة الشاعر هلدرين عن قومه: أغنياء بالأفكار فقراء في الأعمال، إذا قيل هذا ألا يمكن الرد عليه بأن تغير الوعي لا بد أن يسبق التطبيق والتنفيذ، مهما طال بهما الزمن؟ # إن روح الفلسفة وصميم عملها يفترض أن كل القيم والمفاهيم معرضة من حيث المبدأ للنقد. ~~ ولا ينصرف هذا فحسب إلى نقد الفلاسفة بعضهم لبعض بصورة لم تتوقف ولا يتصور توقفها، ولا إلى نقد المصطلحات والمعاني والتصورات التي لا تستغنى عن استخدامها (م)، وإنما يصدق أيضا على الظواهر والمشكلات التي نصادفها في حياتنا اليومية ونتصور أنها أتفه من أن تستحق النقد والتحليل الفلسفي. لقد علمنا فلاسفة التحليل والوجود والظاهراتية وفلاسفة الاجتماع المعاصرون أن «كل شيء» يمكن أن يكون موضع أشكال في نظر الفلسفة، وأن عددا لا حصر له من مواقف السلوك والكلام والمعرفة والشعور والتقييم والتعامل مع الآخرين ... إلخ يمكن أن تكون موضوعات للنظر والتحليل. صحيح أن الكاتب والصحفي والمربي والرسام الساخر والسينمائي والإذاعي والقراء والناس العاديين يمكن - كما ذكرنا من قبل - أن يتناولوا هذه الموضوعات نفسها بصورة أو بأخرى. ولكن تناول الفيلسوف لها يختلف عنهم. فهو يتعمقها من حيث الحقيقة والماهية، ويربطها بتراث الفلسفة وأدواتها من ناحية ms061 وبنتائج العلوم الجزئية من ناحية أخرى، وينظر إليها من حيث دلالتها على أحوال ومواقف أساسية في وجود الإنسان وبحثه عن معنى حياته وحياة الآخرين وعلاقته بالعالم والوجود والتاريخ ... ~~ إلخ. # لننظر معا في بعض المشكلات والمواقف التي نصادفها في حياتنا اليومية ولا يمكن أن يغيب بعضها عن النظرة العجلى إلى حياة الشارع والأسرة وديوان العمل، وسترى أنها وكثير غيرها لا تزال مطروحة أمام النقد والتحليل الفلسفي : تحديد حياة الفرد من المهد إلى اللحد بدلا من تحديد نفسه بنفسه (وهو منذ عصر النهضة وديكارت آية الحرية وهدف كل نزعة إنسانية)، موقفنا من الماضي: تسلط الموتى على الأحياء حتى كادت الآية تنعكس ويصبح الموتى هم الأحياء، والأحياء هم الموتى، مع أن الماضي لا يرجع، والأمس لا يسترد، وكل ما نملكه حيالهما أن «نستحضر» قيمتهما الخلاقة وفضائلهما الموروثة بالوعي والتذكر والاقتداء، السكون - لحد الجمود - الذي يحيط بحياتنا كحبل المشنقة، ويحول بيننا وبين التحرك والتغير أو تحريك الواقع وتغييره، سوء استخدام الحرية وإساءة فهمها وبالتالي ضعف الإحساس بالمسئولية وتضاؤله، المسلمات التي لا حصر لها وكيف تتحكم في سلوكنا وأحكامنا كأنها الوصايا الأزلية، تسلط الكلمات الجارية علينا وتضخمها إلى شعارات نتركها نفكر لنا بدلا من أن نفكر فيها (ولو تعلمنا أن العبارة ذات المعنى هي التي تترجم إلى فعل أو تشير إليه لتغير بناء تفكيرنا وتصورنا للواقع، ولصارت علاقتنا به هي علاقة وعي فعال بموضوع يتأثر به ويؤثر عليه) # 4 ~~«طبائع الاستبداد» الغالب علينا من الأب في المنزل، والشرطي في الشارع، والموظف في المكتب، والمعلم في المدرسة عبر درجات الهرم الموروث المشئوم، آثار التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية على تغيرات الوعي والتقييم، اندحار معظم القيم الإيجابية في مجتمع الاستقرار (الزراعي) القديم لتحل محلهم قيم (المدينة) السلبية الضارية: الانتهازية، والفهلوة، والبكش والشطارة وما يصاحبها من ادعاء وتطاول وتشوش وبطولة زائفة، وكلها «ماركات مصرية مسجلة» لم يسلم منها حتى العلم والمعرفة اللذين ارتبطا دائما بالإخلاص والأمانة، والترفع والنزاهة، والزهد والتجرد، الانسلاخ عن الذات إلى حد الخجل منها والتنكر لها ms062 وتعذيبها أو تضخيمها والتمركز حولها، والنتيجة هي الاغتراب عن الذات الحقيقية التي لا تنمو نموا صحيحا إلا في ظل الحرية والحوار والنقد، وفقدان الثقة بأنفسنا وضياعنا بين تراثنا الخاص - الذي لم نتمثله ولم «نكرره» بحيث يعيش فينا ويصبح مستقبلنا - والحضارة العالمية التي نواجهها بالذعر والقلق وعقد النقص: بالتدلة والاستخذاء أو بالتطاول والاتهام والتفاخر بماض لا نحرص حتى على صونه من التبديد والضياع، # 5 # حرص الإنسان - خصوصا في مجتمع الطبقة الوسطى في المدينة - على أن «يظهر» أكثر من حرصه على أن «يكون»، وعلى أن يملك ويأخذ أكثر من أن يعطي ويبذل، العجز عن الحب والتواصل والانشغال بالنفس وطغيان الأنانية، والحرمان العاطفي والجنسي اللذان لو صلحت أمورهما في مناخ يحترم الشخص الإنساني ويرعاه لصلحت أمور كثيرة في حياتنا السياسية والعلمية واللغوية والأدبية، جحيم الزحام والشراسة وطوفان البذاءة والتبجح والضوضاء ليل نهار في مدن عامرة بالصخب والضجيج، خالية من كل ذرة أمل أو يقين، انكماش فرص تحقيق الذات وإمكانات الوجود الأصيل نتيجة السقوط - على حد تعبير هيدجر! - في الفجاجة والابتذال وغسل المخ الإعلامي - المنهمر كشلال اللعنة - للمستورد وأخبار النجوم والأغاني الجديدة والأفلام والمسرحيات الرخيصة وسعار الكرة ... إلخ، وأثره على تعطيل الفكر المستقل وخلق «النموذج-الضد» وصياغة الوجدان السلبي وتكريس الغيبوبة العقلية وأحلام اليقظة، تعبد السلطة على اختلاف أصنامها وسيطرة روح القطيع (كما تتجلى مثلا في حملات الإعلانات عن التهنئة بالترقية وسلامة الوصول ... إلخ)، مظاهر الإحباط والتثبيط للمواهب والطاقات المبدعة، اعتماد الحياة الأسرية والاجتماعية والتعليمية في معظم الأحوال على الفرض والإملاء وحشو الذاكرة # 6 # لا على الحوار المشترك وتربية الشخصية المستقلة، ظواهر التعاليم والادعاء و«النجومية» والتهالك على الظهور «في الصورة» والزهو بالشعر المستعار والاتجار بالعلم في دوائر المثقفين والجامعيين (أين الخجل من النفس وكيف تطيب حياة الكذابين، في وطن عربي مقهور ومريض وحزين؟) الاكتئاب والسأم وعدم الاكتراث وفقدان الحماس والهدف وروح المخاطرة وغيرها من نتائج العجز عن الاستقلال «والتحديد الذاتي» وغيبة الحرية الحقيقية آلاف السنين، مظاهر الحزن والخوف والصمت أو التهريج والعبث والاستهتار - وكلاهما في ms063 النهاية سواء - ميلنا، أفرادا وجماعات في المواقف الحاسمة إلى الانتقائية المترددة وهي الابنة الشرعية التي ولدتها نزعة التوفيق والتلفيق التي كانت أهم سمات التدهور في حضارتنا الوسيطة ونهضتنا الحديثة، # 7 # سيطرة التفكير الخرافي والنفاق والاتجار بالدين - حتى على بعض كتابنا «اللامعين» - وردود الأفعال لا الأفعال على سلوكنا، كراهيتنا لأنفسنا وبراعتنا في هدم بعضنا (العرب هم أعدى أعداء أنفسهم! هكذا قالت «التايمز» غداة النكسة) مظاهر التطرف لدى الجماعات الداعية إلى الأصل والماضي والجماعات المتحمسة للأجنبي والمعاصر وتعبيرهما عن اضطراب «الهوية» والتطلع للإنقاذ والخلاص «اللاعقلي» في غيبة العقل والحوار المعقول، فساد المدينة وحنينها إلى تقاليد القرية، وبؤس القرية وحنينها إلى فساد المدينة، الضائقة الاقتصادية وتأثيرها على قيم الجماعة والحب والزواج والصداقة (حكايات شارع الهرم والمفروش، استغلال الانفتاح في خلق الحاجات المزيفة التي تستعبد الناس وتوهمهم في نفس الوقت بتحريرهم وتغريمهم بالانغماس في الترف، وهو أقوى أسباب التدهور والانهيار، لكن من يتذكر ابن خلدون؟) الثراء بغير عرق والطبقة الجديدة، إهمال كنوز التراث وتعرضها للنهب والتبديد والتسول بها في العالم بدلا من جذب العالم إليها، تشويه كل القيم، سواء ما تلقيناه من تراثنا أو من التراث العالمي: اختلط لدينا التدين بالتعصب، والثورية بالجريمة، والتقدمية بالانتهازية، والاشتراكية بالتساوي في الذل والضنك، والحرية بالاستغلال واللصوصية، ولهذا لم نستطع أن نكون مسلمين بحق، ولا اشتراكيين بحق، ولا ديمقراطيين بحق، ولا أصلاء ولا معاصرين (دخلنا حقا عصر التكنولوجيا، لكن من دهليز التعذيب وأنفاق الإرهاب) بدأنا من السقف بدلا من الأساس، ولهذا نصاب بالذهول كلما أنهار السقف فوق رءوسنا: نفسر العمل ابتداء من النظر، والواقع الحي انطلاقا من الأفكار، ونلوذ بالتعميم هربا من الفردي والعيني، ما أكثر ما نتكلم عن الفقر والجهل والمرض وننسى أسماء الفقراء والجهال والمرضى ووجوههم! وكم نعيد ونزيد عن إصلاح الخلق والضمير والوعي والفكر، بدلا من تغيير الظروف المادية والاجتماعية التي كانت الضمائر والأفكار والمبادئ صدى لها وتعبيرا عنها، وكم حاولنا أن نقيم الوحدة العربية المأمولة ابتداء من الحكام لا من المحكومين، ومن الحكومات لا ms064 من الشعوب فصدمنا بالفشل وسألنا عن الأسباب، والسبب واضح: بناء السقف قبل الأساس! الضغط والوصاية وسائر عوامل الإرهاب العلني والمستور التي تعوق طريق الشخصية العربية إلى هويتها وانتمائها واعتزازها بنفسها وتنحرف بها إلى تعذيب الذات والانغماس في المغيبات والمخدرات والأحلام المستحيلة والبعد عن التفكير العلمي والواقعي المتوازن ... إلخ إلى آخر ظواهر «الانقراض» # 8 # التي ليست في الحقيقة أسبابا بل نتائج ترتبت على ظروف «اللاحرية» الشائكة التي جثمت على صدر بلادنا زمنا طويلا، وما زلنا نتحسس خطواتنا نحو تأكيد الوعي بضرورة الحرية وسيادة القانون. لا شك في وجود الصور الإيجابية المضيئة المقابلة لهذه الصور السلبية القاتمة، ولا شك أيضا في وجود المخلصين العاملين في صمت وأمانة في كل مجال (إن لم ندركهم ونساندهم فسينقرضون!) ولكنني أردت أن أدق أجراس الخطر، وأقدم أمثلة جزئية مباشرة يمكن أن يتناولها الفكر الفلسفي بطريقته الكلية غير المباشرة. أقول إن هذا في إمكانه، لأنه لم يقدم عليه حتى الآن بصورة حاسمة، ولا يزال مدعوا إليه ليحقق دوره السقراطي. # 6 # ربما يعود للقارئ فيقول: كيف تدعو المشتغلين بالفلسفة في بلادنا العربية إلى هذا الدور السقراطي مع كل ما تعرفه من أعباء التعليم الثقيلة وتزايد أعداد الطلاب بصورة شاذة تهدم فكرة الجامعة ومفهوم العلم نفسه من أساسهما؟ ألا يكفي أن تستعرض مؤلفاتهم لترى أنهم أدوا واجبهم ويؤدونه بأمانة وإخلاص، وأنهم عرفونا بثقافة العصر جهد طاقتهم واجتهادهم؟ ألا يمكن أن يكون اختيار أحدهم لفيلسوف أو مدرسة أو مذهب بعينه من تراث الأجداد أو تراث الأقدمين والمحدثين تعبيرا غير مباشر عن انعكاس الواقع الحي على عقولهم وضمائرهم (فاختيار أفلاطون على سبيل المثال تعبير عن الشوق إلى النظام الأمثل للدولة العادلة، والبحث في المعتزلة أو ابن رشد دليل على الانحياز لجانب العقل والمعقول، ودراسة ديكارت أو كانط أو هيجل اعتراف ضمني بحرية الشك واستقلال الذات، واحترام الواجب كرامة العقل الإنساني «المشرع» لقوانين المعرفة والأخلاق، وتأكيد الحركة والتطور في مسيرة الوعي والتاريخ). أليس من الممكن أيضا أن تحقق هذه الأعمال آثارها الاجتماعية ms065 والسياسية والأخلاقية إذا قدر للفلسفة أن تشغل المكان اللائق بها في المجتمع، وتصبح مدرسة للتربية العقلية والنقدية، وتتغلغل في وعي الناس وفي مراحل التعليم المختلفة (كما يحدث مثلا من تدريس المنطق وفلسفة العلوم وتاريخ النظم والمذاهب في المراحل الثانوية والعالية بالخارج وفي السنوات الإعدادية للكليات العلمية في بعض الجامعات العربية). وهل غاب عنك أن معلمي الفلسفة ليسوا بالضرورة فلاسفة ولا يكلفهم أحد إلا ما في وسعهم، وأنهم في النهاية موظفون عند السلطة، وليس يليق بالحكيم أو معلم الحكمة أن يدعي البطولة أو يعمد إلى التحدي الطائش أو يحشر نفسه في ثياب المصلح والواعظ (راجع ما سبق عن سقراط وفولتير وهيجل!) وأخيرا كيف تطالب ب «التفلسف» في غيبة الحرية الحقيقية طوال سنوات الاستبداد الماضية، وهل يمكن أن تقوم له قائمة إذا لم يسبقه وجود الثقافة المتكاملة - من علم وفن وأدب واقتصاد وسياسة ... إلخ - التي يستطيع بعد ذلك أن يحللها ويقيمها؟ # كل هذا حق. ولكنه ينصب على جانب واحد من مهمة الفلسفة فتعليم تاريخها وأنظمتها المختلفة (من منطق وجمال وأخلاق ومناهج ... إلخ) ضرورة علمية كتعليم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وسائر العلوم الوضعية والإنسانية. لسنا في ذلك بدعا بين الأمم، فالبحث عن الحقيقة الخالصة جهد إنساني مشترك، والأجيال التي قامت وتقوم بهذه المهمة قد بذلت جهودا تستحق التقدير والعرفان. غير أن تعليم الفلسفة يختلف عن غيرها من نظم المعرفة. ~~ فهو لا يمكن أن يتم - حتى ولو لم يشعر المعلم بذلك - بغير تفلسف» # 9 # أي بغير اتخاذ موقف من الحياة والمجتمع والتاريخ والقيم السائدة ... إلخ ولهذا قيل منذ عهد هيجل واتباعه إن التاريخ لها هو نفسه فلسفة تاريخها. وقد يكون من الظلم وتكليف الأمور غير طبيعتها أن نطالب معلم الأدب العربي بأن يكون هو نفسه أديبا، فلهذا ملكات ومواهب لا تتيسر إلا للقلة النادرة. # 10 # ولا يطلب أحد من المشتغل بالفلسفة أن يكون مثلا في قامة يوسف كرم أو زكي نجيب محمود. ولكنه مع ذلك كله محق إذا طالبه بالنظر في الواقع الحي الذي يعيش ms066 فيه، وتحليل المشكلات والأزمات التي يعانيها والقضايا التي يهتم بها بطريقته الكلية الحرة غير المباشرة، # 11 # لأنه لو ترك المجال لغيره فسوف يحتل السفسطائي مكانه (كما تعلمنا فلسفة أفلاطون كلها على نحو ما أشرنا أكثر من مرة)، ولأن الفلسفات الكبرى كانت في نهاية التحليل تعبيرا عن الواقع الذي عاشه الفيلسوف كما كانت في نفس الوقت تعبيرا عما فوق الواقع ووراءه (وهذا هو سر خلودها واهتمامنا بها حتى اليوم!) لقد كانوا بشرا مثلنا . ~~ ومن العبث أن نلتمس عندهم الحقيقة الأخيرة أو المعرفة المطلقة التي لا وجود لها. ~~ ومذاهبهم وأنظارهم وإجاباتهم على الإشكالات الخالدة هي - ككل أعمال البشر - محاولات مؤقتة ومرتبطة بثقافة عصرها ولغة أصحابها وقدرتهم على النظر والفهم والتصور. وفصلها عن الواقع الذي نشأت فيه - بكل عناصره الاجتماعية والسياسية والفنية والاقتصادية ... إلخ - أمر مستحيل. كان معظمهم موظفين أيضا عند السلطة. ولكنهم كانوا قبل ذلك خداما للحقيقة (ن). وإذا كان هذا سيظل واجبنا ومسئولياتنا الأولى، فسيظل من واجبنا أيضا أن نواجه تحديات العصر والواقع ومشكلاتهما، وأن ندرك أن المعرفة الخالصة من كل تأثير على الواقع قد أصبحت ترفا يصعب الدفاع عنه، وليس المهم هو «نوع» المشكلات التي يتناولها النظر الفلسفي، بل المهم هو «كيف» يتناولها، مهما بدأت هذه المشكلات عادية أو يومية. هل يمكننا في النهاية أن نهدأ في قبورنا إذا اتهمتنا الأجيال المقبلة بأننا حولنا وجوهنا عن مشكلات عذبت مواطنينا الذين تلفتوا يبحثون عنا فوجدونا في السحب؟ # 12 # إن هذه التهمة التي ألصقها أرسطوفان بسقراط غير صحيحة. ولو أعدنا اكتشاف دورنا السقراطي فلن تصح كذلك علينا (س). # ربما جاز القول بعد كل ما سبق أن الدور السقراطي وحده لا يكفي في مواجهة واقعنا. إن المتفلسف العربي (ولا أقول الفيلسوف، فلعل أو أنه لم يأت بعد، ولعلنا جميعا نعمل بقصد أو غير قصد للإعداد لمولده!) لا يستطيع أن يكتفي بحوار سقراط ولا بمصباح ديوجينيس. فلا بد أن يضيف إليهما نواقيس الخطر وأجراسه، و«ديناميت» نيتشه ومطرقته! عليه أن ينبه ويحذر بكل وسيلة: نحن ms067 متخلفون متخلفون متخلفون. العدو أمامكم والانقراض فيكم ووراءكم. تعلموا أن تفكروا بعقولكم لا بألسنتكم. غيروا ما بأنفسكم وواقعكم حتى يغير الله ما بكم. آمنوا بالعلم والمنهج والخبرة. أعطوا العيش لخبازيه، هذا روح العدل كما بينه أفلاطون. ~~ اتحدوا اتحدوا اتحدوا. فالذئاب تتربص بكم في كل ركن وعند كل منعطف. وذئاب أشرس ترعى في داخلكم، أمراضكم الثلاثة الاستبداد والتخلف والكذب لن يشفيكم منها إلا أدوية ثلاثة: الحرية والحرية والحرية. لكن هل يغني التنبيه والصراخ ؟ ماذا يجدي القول أو المكتوب؟ ~~ أليس في النهاية كلاما في كلام في كلام؟ أليس عليه أيضا أن يدعو لفلسفة العمل ويحدد معالمها ويكون قدوة لها؟ إن الكتابة - فلسفة كانت أم غير فلسفة - لم تعد تصلح لمقاومة الموت المستشري في داخلنا، وهذا الكتاب الذي تقرأه الآن عقيم لهذا السبب. ربما كان الطريق الباقي هو أن «يعمل» الإنسان لا أن يكتب أو يتكلم. ففلسفة «الفعل» وحدها هي التي يمكن أن تبرر نفسها وسط الاختناق بالتخلف والصمت والندم والهزيمة. # 7 # إن عصرنا هو عصر التغير والتحول # فهل في وسع الفلسفة أن تعبر عنه وتستوعبه بالأفكار؟ هل يمكنها اليوم أن تكون عصرها معبرا عنه بالفكر كما أراد لها هيجل في مقدمته لأصول فلسفة الحق؟ وإذا كانت سطوة العلم والتقنية قد امتدت إلى كل شيء فيه، وطغت على ما يسمى ب «أبنيته الفوقية» حتى أصبحت تحدد أفعال الفرد وآفاق فهمه، فهل بقي للفلسفة مكان فيه؟ ألا تزال أمامها فرصة للتوجيه والهداية، والمراجعة والسؤال، والتغيير والاحتجاج، والنظر الكلي الحر في واقع تفتت إلى مناطق ومجالات مختلفة؟ أم أن عليها أن تتواضع فتتخلى عن طموح أسئلتها «الماهوية» الكبرى، أو تسند إليها على الأقل وظيفة أخرى تلائم الواقع الجدلي المتغير؟ (ع). # إن مهمة الفلسفة هي أن تكون المفهوم الجديد عن الواقع وتلتزم به. وليس الواقع هو عالم الموضوعات المعطى من قبل، ولا هو كذلك من وضع الذات. إنما هو «عملية» أو سياق جدلي من الأحداث، يتشابك فيه الموضوع والذات و«يشرط» أحدهما الآخر فيؤثر عليه كما يتأثر ms068 به (ف). ~~ وعلى الفيلسوف أن يبين تركيب الواقع كما هو عليه «هنا والآن» فيميزه بذلك عن الماضي ويستشرف منه المستقبل. وتحليله للغة العادية الجارية، أو للغة العلم ومفاهيمه، أو اللغة الفلسفية المستخدمة في التراث القديم والحديث ينبع دائما من هذا الواقع ويحاول أن يوضح مدى ملاءمته للتعبير عن صوره وظواهره المتغيرة لتستطيع الفلسفة في النهاية أن تكون «معاصرة بشكل مطلق»، وهو المطلب الذي حدده الشاعر «رامبو» للأدب ويمكن كذلك أن ينطبق عليها . # لقد أكدنا، أكثر من مرة، أن الفلسفة منذ بدايتها تتخذ موقفا من مشكلات واقعها وعصرها. ومع أن هذا الموقف لم يكن على الدوام ايجابيا مؤثرا على مجرى الحياة الفعلية، فقد كانت تعكس عصرها وتعبر عن واقعها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. يكفي أن نذكر بعض الأسماء بمحض الصدفة: سقراط وأفلاطون وأوغسطين، الفارابي وابن رشد وإخوان الصفا، برونو وديكارت واسبينوزا وكانط وفشته، كيركجارد وماركس ونيتشه وهيدجر وياسبرز وسارتر وماركوز وبلوخ، الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ولطفي السيد وطه حسين والشيخ مصطفى عبد الرازق وأمين الخولي وخالد محمد خالد، سلامة موسى وعمر فاخوري ويوسف كرم وعثمان أمين وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وغيرهم وغيرهم (وإذا لم يكن بعض أصحاب هذه الأسماء فلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة، فهم كذلك بمعنى الإصلاح والتجديد والتطور على طريق الحرية والتقدم والحداثة والديمقراطية) ويبلغ تحليل الفلسفة لعصرها أوجه وغايته مع المثالية الألمانية، خصوصا لدى فشته وهيجل، وتيارات «اليمين» أو اليسار التي صدرت من بحره. ففلسفة فشته حوار نقدي مع عصره - يكفي أن نتذكر كتابه معالم العصر الحديث - وفلسفة هيجل محاولة لتحديد مكان عصره من التطور التاريخي الشامل نحو الحرية والوعي (وبخاصة في فلسفته عن التاريخ وفي ظاهريات الروح)، وتجميع ثقافته وعلومه في نظام أو نسق شامل (كما فعل في دائرة معارف العلوم الفلسفية). # ولكن هل ما يزال هذا التحليل والتأليف الفلسفي الشامل الذي نعرفه من التراث - حتى هيجل على الأقل - أمرا ممكنا؟ ألم يصبح اليوم جزءا من الماضي؟ لقد كان الفيلسوف يعبر عن عصره من خلال تصوره ms069 الكامل للعالم والوجود كله. وكان تصوره يقوم على أساس ميتافيزيقي، أي كان يريد له قيمة مطلقة ولا يقصره على زمنه وحده. غير أننا لم نعد نعيش اليوم في عصر الميتافيزيقا. هذه حقيقة قد تحزن الكثيرين منا، ولكن لا مفر من قولها، فالميتافيزيقا تقوم على تصور بناء راسخ متكامل للعالم في مجموعه (ينطلق في الغالب الأعم من مبدأ أو فكرة واحدة موجهة هي مركز الدائرة الذي تدور حوله عناصر النسق). ولا يزعم أحد اليوم وجود مثل هذا البناء الثابت المنظم بعد تمزقه إلى مناطق ومجالات عديدة وتعرض عناصره للتغير المستمر. يمكن أن نستثنى من ذلك العقيدة الدينية والمعتقد السياسي الشامل (الأيديولوجية)، فالإيمان فيهما يقوم على وجهة نظر ميتافيزيقية متماسكة. أما الميتافيزيقا بمعناها التقليدي الذي قدمه لنا التراث منذ أفلاطون حتى هيجل (بل حتى أصحاب الأنطولوجيا الجديدة وفلسفات الوجود وبعض التيارات الأخرى - كالكانطية الجديدة والروحية - التي حاولت «قهر» الميتافيزيقا) فقد انتهى دورها على المسرح الذي يسيطر عليه العلم بغير نزاع، وإن كانت تحاول التسلل إليه تحت قناع نظرية العلم وفلسفته وغيرها من «الأزمات # isms ~~» الجديدة! ثم إن هذا التحليل والتأليف الشامل يفترض قدرة الفيلسوف على استيعاب ثقافة العصر شكلا ومضمونا. وقد أصبح هذا - كما أشرنا من قبل - أمرا غير ممكن ولا مطلوب، كما كانت موسوعة هيجل هي آخر المحاولات الجبارة في هذا السبيل (وربما أضفنا إليها محاولة هسرل المستميتة لجعل الفلسفة علما أول، وعلم العلوم، وأنطولوجيا كلية، وهي المحاولة التي انتهت في رأي معظم المفسرين إلى اعتبار الظاهريات منهجا خصبا أكثر من اعتبارها نسقا شاملا) ومن المتعذر اليوم أن نجد أحدا يزعم لنفسه هذه القدرة أو يؤمن بجدوى تكرار المحاولة. ولو أراد أن يقدم تفسيرا كليا للعالم لعد ذلك منه - كما ذكرنا من قبل - محاولة فردية نعجب (ص) بها كما نعجب بعمل فني ينبع من رؤية ذاتية، ولكننا لن نأخذها مأخذ الجد. # نكرر السؤال: هل معنى هذا أن فرص الفلسفة قد ضاعت، أو أن دورها أصبح ثانويا وسطحيا؟ إن دور الفلسفة في ms070 النقد والتحليل والتوجيه لا يزال قائما. هذا هو الذي نلح عليه ونرجو أن يكون القارئ قد وافقنا عليه. والشرط الوحيد الذي يستلزمه اليوم هذا الدور الملازم لطبيعتها هو أن يأخذ الفيلسوف مكانه من عالمه المتغير، ويتدبر الإمكانات المتاحة له، ويعرف أن دور الفلسفة في التقييم والنقد يفرض عليها أن تبدأ بنقد نفسها وإعادة النظر في وظيفتها. وعليه كذلك أن يعرف أن آراءه وأحكامه موقوتة مثل حياته، وأنه قد يضطر لاستخدام أدوات التراث (الذي لن يستغنى كما قدمنا عنه تذكره أو «تكراره» بالمعنى الذي أراده كيركجارد وهيدجر!) بطريقة مختلفة أو طرح بعض قضاياه جانبا، أو وضعها في منظور آخر أو صيغة جديدة تتمثل نتائج العلم الجديدة والسياق الجدلي لعالمنا المتغير. وسيكون عليه في النهاية ألا يستسلم لليأس إذا وجد أن فرص الفلسفة أصبحت ضئيلة وأن مجال تأثيرها يضيق يوما بعد يوم، وأن كل الأطراف التي يدخل معها في الحوار تزيحه إلى الحافة أو تدفعه للهاوية! وما دام الواقع أو بعض مجالاته لا يزال غامضا غير مفهوم، ممزقا غير موحد، وما دام الفرد يواجه الأسوار - الخفية أو الظاهرة - التي تخنق حرية الفكر والقول والاعتقاد ولا يدرك علاقته الكلية بمجتمعه وعصره والإنسانية التي ينتمي إليها، ولا يشعر بمسئوليته الأخلاقية تجاهها، وما دامت هناك أسئلة «على الحدود» لن يسألها العلماء المتخصصون الذين تستغرقهم بحوثهم النوعية، فسيبقى من واجبه أن يكافح للوقوف في مكانه ويثبت للآذان اللاهية أن صوته يستحق ألا يتردد في وحشة الصحراء! # هكذا نرى أن مهمة النظرة النقدية الجدلية هي في النهاية مهمة إنسانية: تقوية القدرة على النظر الحر والعمل الذي يجب أن ينبع منه ويتحد به، إيقاظ الوعي بتركيب الواقع لمواجهة متناقضاته، وضع العقل فيه لتكون الحياة أكثر وضوحا واحتمالا. ومهمته أيضا عدم الإعلان عن الجديد الصارخ قبل البحث في القديم لمحاولة إصلاحه، والتخلي عن كل تصور للعالم يزعم لنفسه الحقيقة المطلقة ويدعي بلوغ الضمان النهائي والتبرير الأخير ويخفي إرادة التسلط تحت ستار البرهان الفلسفي، وإحياء الأمل في القلوب لكيلا تفقد ms071 الشجاعة الكافية لمواجهة آلام الحاضر، والإيمان بمجتمع محلي وعالمي جدير بالإنسان، ومستقبل للبشرية الواحدة يزداد فيه نصيب العقل والتعاطف والتراحم والإحساس بالمسئولية الأخلاقية والتاريخية، عالم تقل فيه مظاهر الشر والقهر والقسوة والاستبداد، وتلوح في سمائه وعلى أرضه أشعة الحب والسعادة الممكنة. # بهذا نعيش في واقع جدلي مفتوح، ينطلق من الممكن لا من المستحيل، وينشد الوحدة التي تعترف بالجوار بين العناصر المختلفة، واقع لا نجمده بقوانين وقيم مسبقة، بل نشارك بتفكيرنا وعملنا واختيارنا الحر في وضعه والتعرف عليه بمثل ما يضعنا ويعرفنا بأنفسنا. ~~ وعلينا أخيرا أن ندرك أن فعلنا مشروط ومؤقت وقاصر، وأن تكون على وعي بأن النجاح غير يقيني ولا نهائي؛ لأنه يحتمل الفشل والهزيمة والتراجع. ومع ذلك فلا بد لنا أن نعمل في كل لحظة كما لو كان من الممكن أن تصبح الإنسانية الأفضل واقعا يتحقق ذات يوم. # 8 # إن المعرفة الفلسفية - كغيرها من ألوان المعرفة - تهدف إلى مواجهة مشكلات الإنسان والتغلب عليها. وحقائقها ليست مطلقة الصدق واليقين (باستثناء بعض قواعد المنطق). فهي تحظى بالقبول بقدر ما تصمد للنقد وتخلو من التناقض، وتثبت على محك العقل والتجربة. ~~ ولهذا تقاس بمقياس القيمة التي ترتبط بها والغاية التي تهدف إليها. ومن المستحيل - كما رأينا - أن نعثر على معرفة مجردة من كل هدف أو قيمة. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن تكون قيمة عملية محسوسة. فخدمة الحقيقة الخالصة، وتغيير وعي الإنسان وفهمه لذاته وعالمه، واستقلال الفكر «المستنير» الذي يرفض الوصاية عليه، والنقد العقلي الذي لا يسلم بشيء تسليما أعمى ... إلخ، كلها قيم مطلوبة لذاتها، مهما تأخر تأثيرها العملي، أو لم يظهر للعيان في صورة ملموسة. وستظل الفلسفة هي مدرسة النقد الحر وتربية العقل على التساؤل المستمر: تفتح أمام الإنسان إمكانيات الرؤية، وتقدم وجهات النظر، وتوسع آفاق الشعور، وتنمي فيه الاستعداد للتأمل، وتحفزه على اتخاذ القرار الأخلاقي الحر، وتقوي إحساسه بمسئوليته عن مواجهة مشكلاته وأزماته وصراعاته، وتساعده على بحثها وتنظيمها وإيجاد حلول لها، كما تساعده على مواجهة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقانونية والجمالية ... إلخ، ms072 ومحاولة تفهمها وحلها. وإذا استطاعت أن تشارك في الحوار مع غيرها من أنظمة المعرفة المتخصصة - مع احتفاظها باستقلالها وشمولها - فسوف تجني أعظم الفائدة لنفسها وللإنسان، وستغادر أبراجها العالية لتصحب سقراط الجديد في جولاته، سيكون عليها - كما كررنا مرارا - أن تدرك أنها مرهونة بزمانها، لا تقدم مذاهب مقفلة ولا وصايا خالدة ولا حلولا جاهزة، تصلح لكل موقف وتطبق في كل حالة. عندئذ تودع الطموح المطلق بغير رجعة، وتعين الإنسان على التسامح والتواضع كما أعانته على الاستقلال والنقد الحر. أن التفاتة واحدة إلى ماضيها الحافل يمكن أن تعيدها إلى الحكمة السقراطية. فهو ماض غني بالمذاهب والمدارس، زاخر بالمشروعات التي ادعت لنفسها الحقيقة المطلقة وتصورت أنها قدمت التفسير النهائي المقنع ولم يخل الصراع بينها من آثار العنف والتسلط والتزمت. ومع ذلك فإن هذا الصراع نفسه يشهد بأنها لم تكن مطلقة ولا نهائية، وأن الحوار المشترك بين اتجاهاتها المتعارضة قد أثبت أنها نسبية ومؤقتة ككل ما يفعله البشر ويفكرون فيه. # إن التفلسف أشبه بالرقص المستمر على حبل. ولكنه ليس حبلا منصوبا في سيرك (يعرض مأساة مضحكة مبكية!) وليس معلقا في الفراغ والخلاء. إنه حبل ممدود على جسم الواقع، ينفذ فيه بقدر ما يرتفع فوقه (وتلك هي المفارقة الجدلية التي أشرنا إليها). وقد أصبح لزاما على اللاعب الأبدي أن يهبط من عزلته الخطرة في الأعالي ليشارك غيره من اللاعبين على أرض الواقع، ويدخل معهم في الحوار المشترك بين الآراء المتعارضة والمشروعات المتباينة ليناقش ويحكم ويقيم ويوجه. أنه يتميز عنهم بالتزامه التقليدي بالعقل ودوره الحر المسئول. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى العقل. وتزداد هذه الحاجة الملحة في مجتمعاتنا المتخلفة. # لقد تعقدت المشكلات التي يواجهها الإنسان، وكل الشواهد تدل على أنها تزداد تعقيدا. ~~ والذين آمنوا بالعلم والتقنية ومعجزاتها يزدادون اقتناعا بأنهما خلقا من المشكلات أكثر مما قدمنا من حلول. والذين أسرفوا في التعصب لبعض المذاهب والمعتقدات الفكرية (الأيديولوجيات) وانتظروا منها النجاة يحسون أنهم يسيرون في طريق مسدود. وقد توالت في السنوات الأخيرة محاولات التجديد ونقل الدماء ms073 للأجساد المنهوكة ومحاولات البحث عن الطريق الآخر. ولم تستطع الفلسفة كعادتها أن تكتفي بالتفرج على غيوم الحيرة التي تتلبد في الوجوه والعيون، فراحت تقدم الجديد، أو تجدد القديم، أو تنبذ العقيم، أو تؤلف بين الجهود المختلفة وتعمق النظرة إلى الواقع. وإذا كنا قد اخترنا لحياتنا طريق الاشتراكية، واقتنعنا أخيرا بحتمية الحرية واحترام القانون، وآمنا بعروبة مصر ووحدة المصير العربي، وأكدنا تطلعنا للحرية الحقيقية والديمقراطية الحقيقية بعيدا عن كل وصاية، فإن حاجتنا إلى التفلسف العاقل المسئول ستؤمن سيرنا على الطريق، وتساعدنا على تجنب العثرات الماضية، وتأخذ بأيدينا لحل مشكلات التحضر والبناء وسائر المشكلات «العلمية» التي يمكن أن تشارك فيها الفلسفة بالحوار والنقد والتقييم. لم تعد الفلسفة الأوسع تسلية ذهنية تستمتع بها نخبة من المترفين. عليها أن تعيد اكتشاف دورها السقراطي وتمضي في تحقيقه بشجاعة. ولن يمكنها الوفاء بهذا الدور حتى تلتزم - كالعهد بها دائما - بتربية العقل على الاستقلال والنقد الحر، وتنبيه الضمير للحكم والاختيار المسئول، وتنمية الشعور بالإشكال والتساؤل والدهشة. بذلك تخلص لتقاليدها التي صانتها من الخضوع إلا للحقيقة، وتؤدي الأمانة نحو الواقع الذي تعيش فيه فتوطن فيه العقل: # كذب الظن لا إمام سوى العقل # مشيرا في صبحه والمساء # نعم. كذب الظن. وصدق أبو العلاء وسقراط! # صنعاء في نوفمبر 1978م # | تعليقات وإضافات # (أ) # لم يكن من قبيل الصدفة أو توجه الهولي (الفتاة الوحش أو الكلبة التي تغني!) سؤالها عن الإنسان لأوديب الباحث عن قدره، المعتز بإرادته وذكائه في مواجهة الغيب. وربما كان المعنى الباقي من المسرحية الخالدة هو أن أوديب لم يتمكن من حل اللغز الأبدي، إذ عرف من هو الإنسان من ناحية المظهر والشكل فحسب، وعجز عن معرفة نفسه التي بين جنبيه. وإذا كانت إجابته الذكية قد قضت على الوباء المنتشر في «ثيبه» ومكنته من اعتلاء عرشها والزواج من ملكتها، فقد اكتشف - بعد فوات الأوان! - أنه أصبح هو نفسه الوباء الجديد (ارتكب أفظع أثم يمكن أن يرتكبه إنسان) وأنه لم يستطع في غروره وتهوره وجهله بنفسه أن يجيب الإجابة الحقيقية ms074 عن اللغز، لأن هذه الإجابة مرهونة بمعرفة الإنسان لنفسه؛ أي معرفته لحدوده البشرية. وما دامت المعرفة المطلقة هنا مستحيلة؛ فقد تحتم أن تنتقم منه الربة «نميزيس» (ربة العدالة والناموس) ليصبح عبرة لكل من تسول له نفسه تجاوز الحد، والوقوع في وهم التأله، وتصور القدرة على نيل المطلق، بل على تجسيده في ردائه البشري الفاني! ربما لا يرضيك هذا التفسير لأوديب، ولكنك قد توافقني عليه إذا تأملت حياتنا العربية التي ابتليت في السنوات الأخيرة بالرجال الجوف والأبطال الكذابين الذين يحسبون أنهم انتصروا على الوباء، ونسوا في غمرة إعجابهم بأنفسهم أنهم هم الوباء نفسه! لقد قضى أوديب على نفسه بالعمى، ولكنه أصبح في النهاية «الأعمى المبصر»، واكتسب «عينا ثالثة» لا يملكها المبصرون. ~~ وهكذا رأى في «عماه البصير» ما حاول الكاهن الأعمى «تيريزياس» أن يفتح عينيه عليه: أنه هو سبب الوباء، وأن الطغيان هو الوباء الأكبر نفسه. أما «أودييو» زماننا المنتشرون كالكوارث في كل مجال فلا يشعرون بعماهم ولا يكتفون به، وإنما يتباهون به ويفرضونه على غيرهم. وليتهم يملكون شيئا من نبل أوديب الأسطوري وشجاعته وحنانه. ~~(ب) # هناك عوالم متدرجة في مستواها. فالحجر يوجد في عالم أو مجال يتجاوز فيه مع غيره من الأحجار والأشياء. والنبات يوجد في عالم أو «نسق» أوسع يستمد منه الغذاء. ويرتفع المستوى مع الحيوان بفضل قدرته على الإدراك الحسي فيتسع مجال علاقاته أو محيطه وبيئته. وللإنسان كذلك - كما أوضح العالم البيولوجي فون أوكسكيل - محيطه وبيئته التي لا يمكنه أن يزعم أنها أكثر واقعية من بيئة الحيوان أو النبات؛ لأنه كائن حي محصور فيها محدد بمطالبه الحيوية منها. ومع ذلك فإن قدرته على المعرفة العقلية هي التي تجعله يتخطى بيئته المحدودة، أي تجعله يحيا في «عالم» ويرتفع في نفس الوقت فوقه، لأنه العقل في صميمه - وهنا سر حريته ومكمن الخطر عليه! - هو القدرة على الاتصال بمجموع الموجودات والانفتاح عليها. لهذا قال أرسطو في كتاب النفس: «إن النفس في الحقيقة هي كل شيء.» (أي كل ما هو موجود أو كائن). ms075 ومعنى هذا أنها بقدر ما تدرك نفسها وتكون في ذاتها - كوجود شخصي مستقل - بقدر ما تكون في الخارج وتدرك كل الموجودات وتواجه «العالم» بأكمله (أرسطو، في النفس، 3، 8-421ب) حقا إن الإنسان يحتاج إلى سطح يظله ويدفئه، ولكنه يتطلع للنجوم من فوقه، وهو يعيش ويتكيف في بيت الحياة اليومية، ولكنه يستطيع أن ينفتح على مجموع الموجودات، وهو مقيد بالبيئة أو العالم المحيط به - شأن النبات والحيوان - ولكنه قادر على الخروج منه إلى العالم، ولهذا فالأصح أن نقول إنه لا يعيش في «عالم» أو في «عالمه» بل في العالم، والأكثر من هذا صحة أن نقول إنه لا يكون في العالم وفي مواجهته فحسب، بل هو دائما على طريق البحث عن «ماهيته». ~~(ج) # كثيرا ما يسأل الأطفال أسئلة لا تختلف عن الأسئلة التي يرددها الفلاسفة وتدور حولها بحوثهم الميتافيزيقية (الطفل يفجؤني بأسئلة محيرة عميقة: من قصيدة عيد الميلاد لسنة 1954م للشاعر صلاح عبد الصبور في ديوانه الأول الناس في بلادي) وقد ذكر «ياسبرز» أمثلة لبعض هذه الأسئلة التي تبدر من الأطفال، ولا يكاد الآباء يبدءون في الرد عليها حتى يلاحظوا انصراف الطفل وملله وعدم اكتراثه! (راجع لكارل ياسبرز مدخل إلى الفلسفة، الترجمة العربية للدكتور محمد فتحي الشنيطي، القاهرة، مكتبة القاهرة الحديثة، 1967م، ص43-46) والمجانين يسألون كذلك أسئلة لا تقل عمقا وإرباكا. وفي هذيان بعض العباقرة المصابين بأمراض عقلية - كالاكتئاب والفصام وجنون الاضطهاد - شواهد كثيرة على هذا؛ إذ يتمزق الحجاب الذي نحيا عادة وراءه وتنبعث من المجنون كشوف ميتافيزيقية مذهلة. ~~ غير أن هذه الكشوف عند الطفل والمجنون تفتقر إلى الشكل واللغة اللذين يتيحان لها التعبير المتسق عن معنى موضوعي (انظر على سبيل المثال القصائد التي فاض بها وجدان الشاعر هلدرين أثناء مرضه الطويل في كتابي عن هلدرين، دار المعارف بالقاهرة، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، 1972م، ص221-223). ولعل قول القائل إن الفلسفة جنون معقول لم يكن من قبيل التخريف والمبالغة! ~~(د) # هذا ما يقوله الفيلسوفان «العقلانيان»: أما الشعراء والنقاد فقد أكد الكثيرون منهم أن الاندهاش ms076 أو التعجب هو أصل الخلق الأدبي. وربما كان «جوته» في حياته وإنتاجه من أشدهم إلحاحا على ضرورة الاحتفاظ بالقدرة على الاندهاش. فهو يقول في ختام قصيدة بعنوان «بارباس»: «أني وجدت هنا لكيما أندهش.» كما يقول في أحد أحاديثه الرائعة مع «أكرمان»: «الاندهاش هو أسمى ما يمكن أن يبلغه الإنسان» (الحديث بتاريخ 18 فبراير سنة 1829م) ويلاحظ كذلك أن الشاعر الإنجليزي «وردزورث» - في نظريته عن الشعر - قد جعل «التعجب» مصدر اللذة الجمالية أو متعة التذوق الفني عند الشاعر والمتلقي حتى بإزاء القبيح والمؤلم. وغني عن الذكر أن هذه النظرية ترجع إلى ميتافيزيقا أرسطو، وإن الشراح قد توسعوا فيها منذ العصور القديمة والمدرسية وعصر النهضة حتى عهدنا الحاضر. وقد فسر ألبير الأكبر على سبيل المثال عبارة أرسطو المشهورة: «لأن الناس يبدءون في التفلسف كما بدءوا به قديما بسبب تعجبهم.» فسرها بأن التعجب شيء يشبه الخوف في تأثيره على القلب. هذا التفسير يربط بين أرسطو وبين «لونجينوس» الذي يدور كتابه المشهور «عن الجليل» حول فكرة التعجب أو الاندهاش # Admiratio # وقد ألح شراح لونجينوس في القرن الثامن عشر (مثل بيرك # Burke ~~) على أن اللذة المستمدة من الفن الجليل شبيهة بانفعال الخوف من المؤلم والقبيح. وكان «لوردزورث» الفضل في رد هذا التفسير السخيف واكتشاف العلاقة بين التعجب وبين الفرح أو السرور. وقد عرف الأستاذ ج.ف. كننجهام في كتابه «الرهبة أو العجب» شعور التعجب بأنه «الحد الأقصى للشعور بالصدمة»، كما أشار إلى أن حديث شكسبير الذي يتردد في مسرحياته المتأخرة عن المعجز والمعجب تدل على أنه لا يرتبط فحسب بأقصى مشاعر الخوف، وإنما يتصل كذلك بأشد انفعالات الفرح، وأنه يتميز بالسكون والثبات وعدم الحركة. ~~ وكل من يقرأ قصائد وردزورث القصصية # Iyrical Ballads # يلاحظ أن حالات السكون تغلب عليها، مما يؤكد رأي الشاعر في أنها تنتج عن الفرح والتعجب (انظر كتاب كننجهام المشار إليه فيما سبق # J. V. Cunningham; woe or wonder, Denver. ~~ 1951 # وقد ذكره الأستاذ «ف. ن. سنها» في مقال له بعنوان نظرية وردزورث عن ms077 الشعر، مجلة كلية الآداب، جامعة صنعاء، العدد الأول، 1977-1978م، ص36-37 # V. N. Sinha, William Wordsworth’s theory. ~~ Bulletin of the Faculty of Arts, Sanaa University. P. ~~ 36-37 ~~). ~~(ه) # لم يكن من قبيل الصدفة أن يعبر الحكماء السبعة - الذين عاشوا بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد - عن معنى التواضع والاعتدال والتزام حدود البشرية. ~~ نجد هذا في حكمهم المأثورة التي تلخص تجربة الحياة العلمية عند اليونان قبل بداية الفلسفة، كما يسري في عروق حياتهم الفكرية والأدبية وروائعهم الفلسفية والمسرحية. ويختلف المؤرخون حول هذه الحكم المأثورة ونسبتها إلى أشخاص قائليها. ولعل أهمها وأدلها على الروح اليونانية هو القول المشهور الذي كان منقوشا على معبد أبوللو في دلفي وهو «اعرف نفسك» (جنوثي زياوتون) أي اعرف أنك مجرد إنسان، وهو القول الذي خلده سقراط وجسده في شخص حي، وكذلك «لا تتطرف في شيء أو لا تسرف على نفسك» (ميدين أجان) الذي ينسب لطاليس، والحد أفضل شيء (ميترون أريستون) الذي ينسب «لبيتاكوس» حاكم مدينة ميتيلينه في جزيرة لسبوس (مسقط رأس الشاعرة الغنائية المشهورة سافو والشاعر الفارس ألكايوس الذي تمرد عليه). وربما كان الوسط الذهبي الذي حدد به أرسطو الفضيلة، والتوسط الذهبي # Aurea mediocritas # الذي طالب به هوراس استمرارا لهذه النزعة «الإنسانية» المتصلة في التراث الغربي، وهي التي تجعل الحكمة مرادفة لمعرفة الحد والتمسك بالاعتدال، أي لمعرفة الإنسان حدوده في الفكر والعمل، والتسليم بأنه مؤقت وفان ككل ما يعمله ويفكر فيه. وغني عن الذكر أن التوسط والاعتدال والعدل هو صميم الروح الإسلامية، وفي كثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين وسير الصحابة والصفوة من العلماء والمجاهدين ما يشهد على هذا (راجع إن شئت مقالي عن التواضع والاعتدال في كتاب مدرسة الحكمة تحت عنوان: «أيها الإنسان لست إلها» ص133-150، وانظر كذلك النصوص المنسوبة للحكماء السبعة والشواهد الفلسفية والتاريخية والأدبية عنهم منذ العصور القديمة حتى أواخر العصور الوسطى في الكتاب الذي حققه ونشره الأستاذ برونو سنيل وظهر في سلسلة «توسكولوم» تحت عنوان: حياة الحكماء السبعة وآراؤهم: # Bruno Sneli, Leben ms078 und Meinungen der Sieben Weisen München Tusculum, 1952 ~~). # ولو تأملنا الكشوف والبحوث التي تجرى الآن على قدم وساق في مجال ارتياد الفضاء لوجدنا أنها ستغير من النظرة الراهنة إلى وضع الإنسان في الكون. لقد أزيحت الأرض عن مركز الكون (بفضل أرسطورخوس ثم كربونيق!) وجعلها العلماء تقنع بمكان ضئيل على حافة طريق لبني صغير. ولو أمكن التوصل إلى اكتشاف كائنات عضوية حية أذكى منا وأقوى وأكمل لانتهى غرور الإنسان الذي لا يزال يتصور أنه «تاج الخليقة» وقمة التطور وصورة الله على الأرض. ولو حدث هذا فلن نستطيع أن نتخيل مدى التحول الذي سيطرأ على وعي الإنسان. ولكن المؤكد أنه سيؤثر على الرأي العام وتصور الإنسان العادي لنفسه وللعالم أكثر بكثير من تأثيره على الفلسفة. إذ يكفي من الناحية المنطقية أن يثبت إمكان وجود كائنات أرقى في مكان آخر من الكون لكي يكون هذا مصداقا لتواضع الفيلسوف واعتداله، والواقع أن تواضعه ليس فضيلة يحمد عليها، وإنما هو مكون أساسي من مكونات شخصيته وعمله. وعبثا تحاول - ولو ملكت عصا موسى وفصاحة ديموستين وبلاغة علي وصبر أيوب - أن تقنع بهذه الحقيقة البسيطة طواويس الغرور التي تمشي مرحا في أرضنا الثقافية البائسة. ~~(و) # الإنسان لا يفلت أبدا من الفلسفة؛ فهي حاضرة دائما، ماثلة في كل مكان، قد تذبل أو تتجمد في صورة شعبية في الأقوال المأثورة والحكم الجارية والآراء المتواترة والأساطير. ولكن حضورها الشامل، على اختلاف صوره ودرجته في كل موقف وفكر وسلوك وتقييم، يدل على أن كل من ينبذ الفلسفة يثبت بهذا الموقف نفسه - على غير وعي منه - أنها موجودة (ياسبرز، المدخل إلى الفلسفة، الترجمة العربية للدكتور محمد فتحي الشنيطي، ص47) والإنسان ما يزال يشعر في قرارة نفسه أنه وعي وحرية. وهذا الشعور هو الذي يدفعنا إلى القول بأنه لن تزول الفلسفة اللهم إلا بزوال آخر مخلوق بشري على هذه البسيطة (المرحوم الدكتور زكريا إبراهيم، مشكلة الفلسفة، القاهرة، مكتبة مصر، 1971م، ص16). ~~(ز) # يثير هذا الموضع من السياق سؤالا لا غنى عن طرحه؟ هل ms079 حدث تقدم في الفلسفة يشبه التقدم والتطور الذي تم في سائر العلوم؟ أم لا زالت «فضيحتها» - التي تكلم عنها كانط، وحاول بفلسفته «العلمية» أن يقضي عليها - تتردد عالية الصوت في اختلاف الفلاسفة والمذاهب؟ هل توصلنا لإجابات عن المسائل الفلسفية الكبرى أم لا زلنا نقف في نفس المكان الذي تركنا فيه الفلاسفة السابقون؟ لا شك أن الفلسفة قد صقلت مفاهيمها ومناهجها وبلغت مأمونة لا يمكن التراجع عنها، وانتهت إلى وجهات نظر لم يعرف الأقدمون عنها شيئا، وألقت أضواء جديدة على مشكلات قديمة «خالدة»، ويكفي أن نفكر في بعض قوانين المنطق الصوري والرمزي، أو في النظرية الفلسفية عن المنطق (ما يعرف بما بعد المنطق أو «الميتالوجيك») أو في «الثورة الكوبرنيقية» التي حققها كانط في نظرية المعرفة. فالقول بأن الذات العارفة هي التي تشكل المعرفة بفاعليتها وتصورات «فهمها» الأولية (القبلية أو الفوقانية الشارطة!) بل هي التي «تبني» الموضوعات وتنشئها، كل هذا شيء لم يعرفه القدماء ولم يكن ليخطر لهم على بال. لقد راح هؤلاء القدماء - وبخاصة أفلاطون - ينظرون بعيون الروح إلى عالم من المثل الخالدة الثابتة التي يندرج تحتها عالم الواقع و«النسخ» الحسية الباهتة. لم يدر بخلدهم أنه يجوز أن يكونوا هم أنفسهم قد شاركوا في بناء هذه النظرية إلى العالم بتكوينهم العقلي واللغوي. فلما جاء «كانط» بنظرته النقدية الترنسندنتالية (أي المتعلقة بالشروط القبلية للمعرفة) بلغت الفلسفة مستوى جديدا من التأمل لم تستطع بعده أن تغفله أو تهبط عنه (ولا يؤثر على هذه الحقيقة أن نجد فريقا رفض منطلقه رفضا تاما - كالحسيين والجدليين - أو فريقا آخر تطور به على نحو قد لا يرضيه، كالكانطيين الجدد!) ولو سرنا خطوة أخرى لوجدنا فتجنشتين وأصحابه يقفون على مستوى جديد وينظرون نظرة جديدة. فقواعد الاستخدام اللغوي تقوم في رأيهم بدور حاسم في تصور العالم وبناء الموضوعات. كانت اللغة عند أفلاطون أداة التمييز بين الماهيات الأبدية المختلفة، فأصبحت أداة «تخلق» «ماهية» الموضوعات أو تشارك في تكوينها. # هذه الأسئلة القليلة - وغيرها كثير - تبين أن الفلسفة الحديثة قد طرحت مشكلات ms080 لم يعرفها القدماء، وقدمت إجابات جديدة عما يسمى بالأسئلة «الخالدة»، بل وصل بها الأمر في بعض الأحيان إلى رفض هذه الأسئلة نفسها والكشف عن أقنعتها اللغوية الكاذبة! (يكفي أن نتذكر أن ديكارت لم يكن ليستحق اسم «أب الفلسفة الحديثة» لو لم يبدأ من «الذاتية» بداية جديدة كل الجدة جعلت تاريخ الفلسفة من بعده في الجانب الأكبر منه هو تاريخ الذاتية) ولهذا لا يمكن أن نوافق «وايتهيد» (وامرسون أيضا!) على قولهما المشهور بإن الفلسفة الغربية كلها هوامش على أفلاطون. ولا نحسب أن أفلاطون نفسه (وهو أب الجدل الحي والحوار الحر!) كان ليوافق على رأيهما. ومع ذلك فلا بد من إبداء شيء من التحفظ حتى لا تقع في التفاؤل الساذج، فلم تزل هناك مشكلات أساسية لم تحقق فيها تقدما يذكر، ونكتفي على سبيل المثال بهذه المشكلة التي طرحها أفلاطون: كيف يمكن إدراك شيء واحد فريد عن طريق المفاهيم العامة، مع أن هذه المفاهيم لا يمكن أن تشير إلا إلى فئة عامة من الموضوعات؟ وعلى كل حال فإن مشكلة التطور أو التقدم في الفلسفة لا تزال موضع نظر بين أنصارها وخصومها، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من التعمق الذي لا يتسع له هذا المجال. ~~(ح) ~~«أن كثيرا من التغيرات الأساسية في العالم كانت تتحقق دائما بالتعمق بحثا عن الأسس الفلسفية. فالتحول من النظام البطليموسي إلى النظام الكربونيقي، ومن الهندسات الإقليدية إلى الهندسات اللاإقليدية، ومن الميكانيكا النيوتونية إلى الميكانيكا النسبية وإلى المكان المنحني ذي الأبعاد الأربعة؛ كل هذه التغيرات كانت مدفوعة بالبحث الفلسفي المتعمق، كما أنها أحدثت تغييرا جذريا في تفسير الحس المشترك للعالم» (عن كتاب «في فلسفة العلوم ومناهج البحث» للدكتور محمد مهران، والدكتور حسن عبد الحميد، القاهرة مكتبة سعيد رأفت، 1978م، ص7). ~~(ط) # يرى بعض العلماء (مثل عالم الاجتماع كارل مانهايم) أن الفلسفة مرادفة لوظيفة اجتماعية عامة هي «الأيديولوجية»، أي أن الفلسفة تعبير عن موقف اجتماعي محدد وطبقة اجتماعية محددة. فالفلسفة العضوية الحية مثلا قد نشأت عن مجتمع النبلاء وتسلسله، والفلسفة الميكانيكية ms081 المجردة تصوير للمجتمع البرجوازي الذي يمجد قيم النجاح، وفلسفة ديكارت تعبير عن ارستقراطية البلاط وجماعات الجزويت لا عن الطبقة المتوسطة وجماهير الشعب الفقير. وفي هذا الرأي جانب من الصواب، ولكنه ليس صحيحا كل الصحة؛ إذ لا يكفي أن نقول إن فلسفة أفلاطون وأرسطو كانت تعبر عن الطبقة المحافظة في أثينا؛ لأنها - مثل مسرح أرسطوفان وسوفوكليس - كانت محاولة مخلصة من وجهة نظر «الفلسفة الخالدة» لإنقاذ أثينا وبلاد الإغريق من التدهور والانهيار والفساد. ولا يكفي أن نرجع الفلسفات لأسسها الاجتماعية التي لا شك في تأثيرها عليها، بل لا بد من الرجوع بها إلى العملية التاريخية الشاملة التي نشأت عنها الجماعات والطبقات نفسها. فعلم الاجتماع لا يكفي وحده لتفسير فلسفة ديكارت ذات الطابع الرياضي الميكانيكي؛ إذ لا بد من الرجوع لنظام الإنتاج في عصره، ولنظرية تاريخية شاملة تتجاوز الطبقة الارستقراطية والبرجوازية إلى حركة المجتمع الأوروبي كله في ذلك الحين. وإذا لم نفعل هذا فسنضطر لنسبة بعض النظريات الفلسفية لجماعات لا أهمية لها أو لإساءة تفسير دور جماعة أو طبقة معينة والسياق الاجتماعي والحضاري بأسره. والأخطر من هذا هو الزعم بأن كل الحقائق الإنسانية - من فلسفية أو غير فلسفية - وأن كل فكر الإنسان مرتبط بوجوده الاجتماعي ارتباطا يجعله تعبيرا عن طبقة معينة لا يصدق إلا عليها. ~~ وهذا إنكار لماهية الفلسفة بل لدورها الاجتماعي والنقدي نفسه، ومحاولة لجعلها علما متخصصا أي علم اجتماع وحسب (وقارن كتاب كارل مانهايم: الأيديولوجية واليوتوبيا، بون 1929م. # K. Mannheim; Ideologie und Utopie, Bonn, 1929 ~~. ~~(ي) # على الرغم من أن كاتب هذه السطور يؤمن بأن «كل» الفلسفات تعبر عن روح عصرها بصورة من الصور، كما يحاول جهد طاقته أن ينتفع بما فيها من خير وحق وجمال، فإنه يرى أن تعريف هيجل السابق هو أقربها إلى الصواب. وإذا كان من المستحيل فصل الفلسفة - أي مجموع المعرفة الحرة المتسقة - عن حقائق التطور التاريخي والاجتماعي، فلا يمكن القول بأن «كل» الفلسفات المعاصرة قد عبرت عن هذا التطور بدرجة متساوية أو حاولت أن تقف في ms082 جانب الحقيقة وتمكن الوعي من مواجهة أشكال الزيف واللاعقل واللاإنسانية؛ لأن مثل هذا القول سيكون نوعا من التسامح وحسن النية المفرط! قد يمكن الاعتذار عن بعض الاتجاهات المعاصرة بأنها لا تعترف أصلا بتعريف هيجل ولا تلزم نفسها بهذه المهمة النقدية الجدلية، وإنما تنصرف إلى مشكلات فلسفية متخصصة كالتحليل المنطقي واللغوي وقضايا فلسفة العلم ونظرية المعرفة ... إلخ، ولكن هذه الاتجاهات وبحوثها التي لا شك في قيمتها وإمكان الاستفادة من بعضها في تقوية الوعي النقدي (بدلا من الاندفاع وراء موجة الهجوم عليها السائدة في أغلب الكتب العربية، وبخاصة الهجوم على الوضعية المنطقية دون درس وتمحيص كافيين، على الرغم من حاجة العقل العربي إلى تحليلاتها المنطقية الدقيقة التي يمكن أن تشفيه من أمراض الإنشائية الجوفاء وإطلاق أشباه العبارات التي لا تدل على شيء ولا فعل!) أقول إن هذه الاتجاهات التي لا شك في قيمتها لا تمنع من القول بأنها ليست معاصرة بالمعنى الذي نفهمه من الفلسفة ودورها وغايتها، خصوصا في عالمنا العربي الذي يطغى فيه مظاهر اللاعقل على العقل. ~~ ولهذا يمكن القول إن الوضعية الجديدة تسير في طريق مسدود، وأن الفلسفات الانطولوجية قد انعزلت عن الواقع وخلق بعضها أسطورة «الوجود» التي لم يلبث الناس أن اكتشفوا سحرها الوهمي، وأن الفلسفات المثالية قد ثبت أنها خاوية كالتماثيل الضخمة التي تقف على أقدام من طين. وهذا الذي نقوله من وجهة نظر خاصة لا يعطينا ولا يعطي غيرنا الحق في التهجم عليها وإنكار إنجازاتها الحقيقة، لأنها في النهاية - حسب رأي هيجل نفسه! - تمثل لحظات تطور لا يمكن أن تموت أو تطرح ببساطة، وإنما تستوعب في فلسفات تالية أشمل منها وأقدر على التعبير عن الواقع وفهم تركيبه ونقده ومقاومته. وقد كانت النظرية النقدية الاجتماعية - كما عبرت عنها مدرسة فرانكفورت وأصحابها مثل آدورنو وهوركهيمر وهابرماس وغيرهم - آخر محاولة نعرفها لصياغة مثل هذه الفلسفة. وبذلت هذه المدرسة جهودا طيبة لاستيعاب فلسفات أخرى أو عناصر أخرى في داخلها - كالتحليلية الإنجليزية والتجريبية المنطقية والتحليل النفسي والظاهرياتية - بيد أن هذه المدرسة قد ms083 تفرق شملها بعد موت روادها، وإن كان هناك من يحاول متابعة طريقها بأفق أرحب وارتباط أعمق بالتراث، مثل فالترشولس في كتابه «الفلسفة في عالم متغير» بفولنجن، 1974م الذي يعد موسوعة نقدية ضخمة لاتجاهات الفكر المعاصر في الفلسفة العلمية، وفلسفة التاريخ، والقيم، والإنثربولوجيا الفلسفية ... إلخ، من وجهة نظر جدلية وإنسانية معتدلة. # Walter Schulz; Philosophie in der veränderten Welt. Pfullingen, Neske, 1974 ~~. ~~(ك) # كثيرا ما نسمع من عامة المثقفين أو نقرأ لكبار المتخصصين في الفلسفة (مثل برتراند رسل) أن بعض الأفكار والاتجاهات الفلسفية ترتبط في أغلب الأحوال بمذاهب سياسية معينة، كارتباط الفلسفات «اللاعقلية» والمثالية بنظم الحكم المستبدة المطلقة، والفلسفات العقلانية والتجريبية بأشكال الحكم الديمقراطية والليبرالية. فإذا صح هذا الحكم (وقد صح بالفعل في حالات كثيرة بغير ذنب الأفكار الفلسفية نفسها!) فهل يؤثر هذا على سمعة الفلسفة وكرامتها؟ وهل نطالبها بالوقوف من المذاهب السياسية موقفا نقديا أم محايدا؟ إن المذاهب السياسية بطبيعتها معيارية وأيديولوجية. وهي من الناحية التاريخية قد نشأت في الغالب عن فلسفة اجتماعية وسياسية وإنسانية (أنثروبولوجية) شوهها الطموح إلى السلطة والتطلع للأهداف العملية (لنذكر مثلا صورة الحكم الشمولية التي استندت على فلسفة ماركس، وصورة الحكم الفاشية التي زعمت - نتيجة سوء فهم لا يغتفر - أنها تستوحي فلسفة نيتشه). وقد حدث في كثير من الأحيان أن نسي معتنقو المذهب السياسي أصوله الفلسفية الخالصة! فقد اهتم البعض بالجانب العقلاني من فلسفة هيجل، واتجه البعض الآخر إلى جانبه اللاعقلاني. واتهمت فلسفته السياسية والاجتماعية تارة بأنها مهدت للحركة الفاشية العنصرية، ووصفت تارة أخرى بأنها كانت وراء كل الثورات التحررية التي جاءت بعد الثورة الفرنسية الكبرى (بل لا يخلو الأمر من وصف فلسفة هيجل بوجه خاص والمثالية الألمانية بوجه عام بأنها «الثورة الفرنسية عند الألمان»، وأن هيجل نفسه هو نابليون على صهوة جواد العقل المطلق!) فالفريق «اليميني» الأول يتهم نزعته الصوفية العقلية بأنها أصل البلاء فيما زعمته الفاشية والنازية عن تجسد العقل في جنس أو عنصر معين، ومحاولتها تغليف هذا الزعم بغلاف بيولوجي وتطوري، كما يأخذون على ms084 تصوره للدولة (بوصفها واقع الفكرة الأخلاقية وتجسيد العقل المطلق والسلطة الأخلاقية العليا) أنها لا تخضع لأي التزام، بل تذهب إلى حد تبرير البطش والكذب والخداع لخدمة مصالحها الجمعية، وربما بررت الحرب نفسها تبريرا أخلاقيا، بالإضافة إلى قهر إرادة الفرد ودفن ذاتيته في ذلك الشبح الموضوعي الرهيب. وقد يصل بهم الأمر إلى تفسير نظرية هيجل المشهورة عن جدل السيد والعبد وأقواله عن الشخصية البطولية ودورها القدري في تأريخ العالم بأنها كانت السبب في مصيبة «الفوهرر» (القائد الملهم والزعيم المعصوم) التي ابتلى بها عصرنا الحديث، خصوصا في الدول العربية ودول العالم الثالث النامية. والذين يوجهون هذا الاتهام لهيجل لا ينسون، من ناحية أخرى، أن فلسفته تدور حول العقل الكامن في كل شيء (المعقول هو الواقعي، والواقعي هو المعقول!) ولا ينكرون أن إلحاحها على التطور المطلق للأفكار وضرورتها الباطنة يجعلها تستحق أن تكون فلسفة عقلانية. ومع ذلك فهم يقولون أن مقياس «العقلانية» هو ثبات الفكرة للامتحان المنهجي والنقدي من الناحية التجريبية أو المنطقية، وأن فلسفة هيجل عن العقل أو الروح المطلق تظل على هذا الأساس فلسفة متزمتة غير نقدية ولا عقلانية. والدليل على هذا أن هيجل لم يكن يتردد عن اتهام الوقائع نفسها إذا لم تستطع فكرته أن تثبت لها (راجع دفاع الدكتور إمام عبد الفتاح عن «ثورية المثالية الهيجلية» ورده على أمثال هذه التهم في مقالة بنفس العنوان في مجلة «الحكمة»، العدد الأول، أكتوبر 1976م، شوال 1396ه، طرابلس، ص161-179). ~~ وأهم ما يؤكده في هذا المقال أن مثالية هيجل ثورية وتقدمية، لأن المعيار الأول للعقل عندها هو فقدان الثقة في سلطة الواقع. وتجاوز الوجود المتناهي ورفضه، على حين أن الفلسفات الوضعية والتجريبية والمادية - على عكس الرأي الشائع - فلسفات محافظة، لأنها تنحصر في حدود ما هو معطى وتستسلم للواقع القائم وتبقى عليه). ~~ وما قلناه عن هيجل يمكن أن ينطبق على فلسفة أفلاطون عن المثل الخالدة والدولة (الجمهورية) ذات الطبقات الثابتة على نحو ما عرضها بطريقة سقراطية جدلية معقولية. فهي فلسفة يمكن أن توجه إليها ms085 تهمة التزمت والتسلط والشمولية (كارل بوير في كتابه المجتمع المفتوح وأعداؤه!) أما إذا جعلت مقياس «العقلانية» هو منهج الفيلسوف في تبرير أفكاره وإقناعنا بحججه، فلن نملك في هذه الحالة إلا التخلي عن هذه التهم، لأن معظم الفلسفات التي تدمغ بها ستكون فلسفات عقلية مقنعة! # وإذا التفتنا إلى الجانب الآخر الذي يؤكد الصلة بين الفلسفات العقلانية والتجريبية وبين النظم الديمقراطية والنيابية وجدنا الأمر أصعب مما كان عليه مع الفلسفات اللاعقلانية. فقليلة هي الفلسفات التي تبتعد تماما عن التزمت والقطعية وادعاء الحقيقة لنفسها. وهي إذا وجدت لا تخلو من التشبث بالفروض الأساسية التي تقوم عليها. ومع ذلك يمكنك أن تضع المذاهب التجريبية الإنجليزية وفلسفة التنوير (عند فولتير وليسنج بوجه خاص)، وفلسفة كانط الأخلاقية (وخصوصا حديثه عن استقلال الإرادة الخيرة التي تشرع قانونها لنفسها) والفلسفة البرجماتية، يمكنك أن تضعها جميعا بين الفلسفات العقلانية التي يتعذر عليك أن توجه إليها تهمة التزمت والتسلط، لأنها لا تخشى أن تتعرض للنقد والاختبار التجريبي والمنطقي بل تخرج منه سالمة ! والمهم على كل حال أن يكون مقياس العقلانية هو ثبات الفلسفة من هذا النوع أو ذاك لامتحان العقل والتجربة، لا مجرد الاتساق والتبرير المنطقي الخالص للأفكار التي تقوم عليها. وقد يكون من الخير أن نترك صفة العقلانية المختلف عليها لتحل محلها صفة «النقدية»، بحيث تصمد الفلسفة لنقد العقل والخبرة الواقعية والعملية صمود الأحزاب المتنافسة مثلا لنقد الناخبين واختيارهم الحر في أي انتخابات تتم بطريقة ديمقراطية حقيقية بعيدة عن التزوير والتزييف. # يبقى بعد هذا أن نقول إن الفلسفة لن تضار في سمعتها أو كرامتها واستقلالها إذا تمحك فيها هذا المذهب السياسي أو ذاك، وتصور أنه عثر فيها على الثوب الفلسفي الذي يناسب وجهة نظره الأيديولوجية أو يلائم طموحه إلى القوة والسلطة. ~~ فالحركات السياسية لم تصدر في معظم الأحيان عن التأمل الفلسفي الخالص بقدر ما كانت تستغله لأغراضها العملية. وكم من مذاهب سياسية جنت على الأفكار الفلسفية التي تذرعت بها لتسويغ بطشها واستبدادها، فأفرغت هذه الأفكار من مضمونها الحي وأحالتها ms086 إلى صيغ وشعارات خاوية. وكم اضطر الفلاسفة إلى مداراة النظم التي عاشوا في ظلها وتحاشى الاصطدام العلني بها وبقوا، على الرغم من ذلك، رواد الثورة والتجديد بفضل أفكارهم النقدية الحرة. فقد نشر فولتير أفكاره التنويرية في ظل نظام سياسي مطلق، كما عاش ليسنج وكانط في ظل حكومات ملكية مستبدة. وعلى الفلسفة أن تحرص، في كل الأحوال، على روحها النقدية والعقلية الحرة، وأن تقاوم البطش والتسلط في أي نظام يهدد حرية الفرد والجماعة واستقلالهما. ولا يعني هذا - كما ذكرنا مرارا - أن يكون النقد كله هدما ونفيا؛ إذ لا يمنع من تأكيد الجوانب الإيجابية وتدعيمها. فإذا سمعت الفلسفة من يهمس في أذنها بالوقوف موقف الحياد المطلق أو يزين لها التحصن في برجها الأكاديمي، فسيكون معنى هذا أن تترك الساحة لقوى الفساد التي تحاول المحافظة بأي ثمن على الأوضاع القائمة. ولا بد عندئذ أن يدفعها الإحساس بمسئوليتها إلى امتشاق حسام النقد من جرابه: نقد النظام الفكري والنظام الاجتماعي على السواء. أن الفلسفة هي حارسة المدينة . وهي تحميها من ذئاب التسلط والإرهاب، ولصوص الحرية والقوت. وقد نقد سقراط مدينة أثينا وقضت ديمقراطيتها الزائفة بموته. حرسها بنقده، وأحبها في موته. ومن كرم الحارس أن يعيش ويموت في سبيل ما يحميه. ومن الأمانة أن يعمل الإنسان ولا ييئس؛ لأن هذا الشعور هو أسمى ما يمكن أن يبلغه الإنسان الحر الذي حدد نفسه بنفسه واختار نفسه بنفسه: أن يعمل في صمت وسكون، دون أن ينتظر إكليل الغار أو يفرح باضطهاد موهوم (كالبطل الزاهد الذي يذكره «شوانج تسو»: انتصر على الأعداء وحمى مدينته، ثم ركب القارب واختفى ولم يعد أبدا، بينما كانت مدينته تنتظره بأقواس النصر وباقات الورد وصيحات التهليل) ولو لم يقل سقراط كلمته لخلا الجو ليصفر فيه السفسطائي الثرثار، ومن أمثال كاليكليس وثرازيماخوس دعاة أخلاق الطبيعة ومصلحة الأقوى. ولا يغيب عن القارئ أن هاتين الشخصيتين لا تعيشان في محاورات أفلاطون (كالجمهورية وجوجياس) وحدها (انظر عن البطل الذي يتم عمله ولا يجذب الأنظار إليه ما يرويه «تشوانج ms087 تسو» في حكاياته عن الحكيم الطاوي «فان-لي» من القرن الخامس قبل الميلاد، في كتاب الطريق والفضيلة (تاو-تي-كنج) للحكيم الصيني لاو-تسي الذي نقله للعربية كاتب السطور، مؤسسة سجل العرب، الألف كتاب (643) 1967م ص24، وهو كتاب أتمنى أن تسمع به جيوش الجراد الانتهازية التي التهمت الخضرة في أرضنا العربية الطيبة). ~~(ل) # حققت العلوم في المائة سنة الأخيرة خطوات مذهلة على طريق فهم الإنسان وبحث الطبيعة، ودفعت الفلاسفة في حالات كثيرة إلى تصحيح نظرياتهم وإعادة النظر في مناهجهم، كما أثارتهم نتائجها الجديدة (من الناحية الفلسفية على الأقل!) إلى طرح مشكلات وحلول جديدة. وليس من الممكن اليوم أن يتفلسف أحد بغير أن يضع في اعتباره الموقف الذي وصل إليه البحث في الطبيعة والإنسان. فهناك عدد لا يستهان به من الفلاسفة الذين اتخذوا من نتائج العلوم وآفاقها الجديدة ومشكلاتها «مناسبة» لتناول الأسس التي تقوم عليها بالنقد والتمحيص. كذلك أدت هذه المشكلات إلى «فلسفات جزئية» - إن صح هذا التعبير - عن قضايا التقنية والتصور الكوني الجديد الذي تمخضت عنه الفيزياء الحديثة ووضع الإنسان بين الكائنات الحية ... ~~ إلخ. ومع ذلك يجب ألا يغيب عنا محاولتهم العقلية لتقديم حلول لهذه المشكلات لم تستمد من نتائج العلوم، ولم تعتمد عليها من الناحية المنطقية. والأصح أن يقال إن العلوم لا تستغني عن المناقشات النقدية والفلسفية التي تدور حول القضايا المتصلة بأسسها والفروض والميتافيزيقية التي تعتمد عليها دون أن تشعر. ومهما يكن الأمر فإن النتائج العلمية قد أثرت بغير شك على فهم الإنسان لنفسه وتصوره لعالمه. وانعكس هذا التعبير في الوعي على عدد من الفروض و«المشروعات» الفلسفية التي تؤكد وجود علاقة غير مباشرة (وغير منطقية كما ذكرنا) بينها وبين العلوم (كما نرى على سبيل المثال لا الحصر في فلسفات رسل ووايتهيد وكارناب ونيقولاي هارتمان وماكس شيلر وأرنولد جيلين وفون فايسيكر ووهلموت بلسنر وغيرهم وغيرهم). # ولكن كيف تفسر الفلسفة قضايا العلوم المختلفة ومعارفها بحيث تضعها في سياق موحد؟ هل يمكنها اليوم أن تحقق طموحها القديم لأن تكون علما كليا (كما أراد لها أفلاطون ms088 ولينتز وهسرل؟) أم أنها تخلت عن هذا الطموح؟ تستطيع الفلسفة أن تناقش الفروض التي تقوم عليها العلوم المختلفة وتوازن بينها، وتضعها موضع الفحص والاختبار (ومشكلات المنهج متشابهة في كثير من العلوم). وهذا يحتاج إلى فلاسفة علم ذوي اطلاع كاف على العلوم التي يوازنون بينها، وقدرة كافية على النظر للإشكالات التي تثيرها واستشراف حلول لها بصورة تأملية وفرضية. ذلك أن مشكلات الأسس والمسلمات والفروض التي تعتمد عليها هذه العلوم، والمناهج التي تسير عليها، لا يمكن معالجتها بهذه المناهج نفسها، وإلا وقعنا في الدور: فمشكلة تطبيق منهج معين لا يمكن مناقشتها عن طريق هذا المنهج نفسه؛ إذ يستحيل مثلا أن نبرهن على خلو نسق منطقي ورياضي من التناقض بوسائل هذا النسق نفسه، كما يستحيل بغير نظرية فلسفية أن نميز بين مناهج المستويات اللغوية المختلفة في علم الدلالات والمعاني (السيمانطيقا)، كأن نطبق المنهج على موضوعات علمية ثم نطبقه على المناهج نفسها في مستوى أعلى. وهذا يؤكد ما سبق قوله من أن العلماء لا يمكنهم، في مسائل الأسس والمناهج، أن يستغنوا عن النقد الفلسفي. # وتستطيع الفلسفة أيضا أن تضع نتائج العلوم المختلفة في سياق كلي (أنثروبولوجي أو طبيعي أو اجتماعي أو أنطولوجي ... إلخ) لتصل إلى تفسير نقدي للكون أو المجتمع أو الإنسان. وطبيعي أن تبقى هذه المحاولات كلها محاولات تأملية لا تقاس صحتها بمقياس التجربة (كما هو الحال في البحوث التجريبية المختلفة)، كما أنها ليست مجرد «تجميع» لنتائج العلوم المختلفة، بل هي تفسير شامل من وجهة نظر فلسفية تحكمها قيم وغايات فلسفية. وليس الفيلسوف بحاجة إلى التخصص الدقيق في العلوم الجزئية ومناهجها؛ لأن من الصعب الجمع بين النظر الشامل والتعمق الكامل عند التعرض لمشكلة بعينها. إنه إنسان متناه محدود القدرة، ولا بد أن يعرف حدوده، ويقتصد في وقته. وإذا كانت تفترض فيه النظرة المحيطة بنتائج العلوم، فليس في قدرته ولا يطلب منه التعمق فيها جميعا (مما لا يتيسر إلا للقلة النادرة التي بدأت بالبحث العلمي قبل أن تبلغ قمته الفلسفية!) لقد تطورت العلوم وازداد ms089 فيها التخصص وأصبح من المستحيل أن تبعث بيننا عبقرية موسوعية مثل ليبنتز. لم يبق أمامنا خيار إزاء التطور المذهل: فإما أن نكون متخصصين نعرف الكثير عن القليل، أو نعرف القليل عن الكثير فنصبح متخصصين في «العام»، أي فلاسفة! وكلا الأمرين ضروري لتقدم الإنسان والمجتمع والعلوم. ~~(م) # لا ينصرف النقد، كما قلنا، إلى نقد الفلاسفة بعضهم لبعض بصورة لن تتوقف (إلا إذا تمت السيطرة المطلقة على العالم لفلسفة سياسية أو نظام معين من الأفكار والمعتقدات - أيديولوجية - يفرض نفسه بالقهر والبطش لا بالإقناع والاختيار)، ولا يقتصر على نقد الأوضاع القائمة والقيم السائدة في الثقافة والاجتماع والسياسة والفن والأخلاق، ولا يقف أيضا عند نقد وتحليل الأسس والفروض التي يقوم عليها العلم (إذ لو سلم فلاسفته بمسلمات ومصادرات هندسة إقليدس كلها ما نشأت الهندسات غير الإقليدية، ولو سلموا بقواعد منطق أرسطو تسليما أعمى ما أمكن قيام المنطق الرمزي ومنطق القيم المتعددة والاحتمالات) ولكنه ينصرف كذلك إلى الفلسفة نفسها ومنهجها وأهدافها ومصطلحاتها ومفاهيمها وتصوراتها . خذ مثلا مفهوم «الواقع» الذي أعترف بأنني أسرفت في استخدامه على الصفحات السابقة إسراف عدد كبير من الباحثين والكتاب العرب وكأنه مفتاح سحري يفتح كل الأبواب! ~~ ستجد عند التحليل أن له معاني متعددة تتجه وجهات مختلفة نجملها فيما يلي: ~~(1) # قد يكون «الواقعي» هو ما يتسق مع الشروط المادية للتجربة كما قال كانط. عندئذ ينصرف معنى الاتساق إلى العلاقة القائمة بين العبارات (أو التصورات والأحكام) وما تشير إليه؛ لأن المادي في العبارة السابقة هو الشيء الخارجي الذي يثير الإحساس، ونعرفه عن طريق التجربة، كما هو من ناحية أخرى مجموع الشروط المادية (من جسد وأحداث فسيولوجية ... إلخ) التي تمكن الأنا العارفة من تحقيق التجربة. ~~(2) # وقد يكون «الواقعي» هو كل ما يؤثر تأثيرا سببيا. ولا بد في هذه الحالة أن تثبت العبارات والقضايا الدالة على علاقات سببيه على محك التجربة حتى تؤدى الى معرفة بالواقع. فمبدأ السببية نفسه يعبر عن قاعدة منهجية أكثر مما يعبر عن معرفة، ولهذا لا يمكن أن تستقل العبارات الدالة ms090 على السببية عن التجربة الواقعية. ~~(3) # وقد يفسر «الواقعي» بأنه ذلك الذي يؤثر تأثيرا نفسيا أو اجتماعيا. بهذا المعنى تصبح الأفكار والقيم واقعية، وتكون معظم أحكام القيمة عبارات عن واقع مستقل عن التجربة؛ لأننا لا نجرب الأفكار والقيم وإنما نضعها معايير للسلوك أو ندركها بصورة غير تجريبية أو نخلقها خلقا، وفي هذه الحالة تؤثر هذه القيم والأفكار أو «تفعل» عن طريق الرموز اللغوية التي تشير إليها والرموز المعنوية التي تنسب إليها. ~~(4) # وقد لا يكون «الواقعي» مجرد فكرة أو رأي أو إمكانية أو مظهر، ويلاحظ أن هذا تفسير سلبي لا يسمح بأن نستخلص منه الصفات الإيجابية للواقع. وحتى الكلمات المستخدمة في مثل الفكرة والإمكانية ... إلخ تتضمن نوعا من التحديد الإيجابي للواقع. ~~(5) # وأخيرا فإن بعض الفلاسفة - مثل مين دو بيران وماكس شيلر ودلتاي ولوسين - يقررون أن الواقعي هو كل ما يمثل عقبة أو مقاومة لإرادة الإنسان وفعله ومسعاه. وهو مفهوم يقوم على الاعتراف بتناهي الإنسان وعدم ميله للالتزام بحدوده، بحيث يمكن أن نقول - بغير حاجة للرجوع للتجربة - إن كل طموحه وجهده العملي والأخلاقي لا بد أن يصطدم بالمقاومة، وأن المعرفة عنده تبدأ من هذا التصادم مع الواقع لا من فعل التأمل الذاتي كم تصور ديكارت، وأن الواقعي بهذا المعنى هو كل ما يبدي هذه المقاومة. # وهكذا ترى أن التحليل النقدي للمفاهيم والمصطلحات التي تستخدمها الفلسفة أو العلوم المختلفة مهمة عريقة اضطلع بها الفلاسفة دائما وزادتها دراسات التحليليين المعاصرين دقة وثراء. ~~(6) # لا يمكن أن تنفصل الفلسفة على الحقيقة، ولا عن الحرية اللازمة لتأملها والمخاطرة في سبيل البحث عنها. وإذا كنا نؤكد باستمرار أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها في الفلسفة - وتاريخها نفسه يشهد بأنها مؤقتة ومتعددة الوجوه ومتناهية كالمفكرين الذين بحثوا عنها - فإن العلم الحديث أيضا يؤكد أن النظريات العلمية أبعد ما تكون عن تمثيل حقائق مطلقة ثابتة. فحقائقها جزئية موقوتة ضرورية لنا، وهي بمثابة درجات نستند إليها من أجل التقدم في البحث، ولا تمثل غير الحالة الراهنة لمعارفنا. # وكذلك يجب أن تتعدل مع ms091 نمو العلم، وتعديلها يكون أكثر بقدر ما تكون العلوم أقل تقدما في تطورها (عبد الرحمن بدوي، مدخل جديد إلى الفلسفة، الكويت، وكالة المطبوعات، 1975م، ص99). # إن النظريات الفيزيائية تقدم تفسيرا للمعرفة المبنية على الملاحظة، وهي لا تستطيع أن تدعي أنها حقائق أزلية. فالمعرفة الفيزيائية الحديثة تخرج عن إطار المبادئ الكانطية التي أرادت بلوغ اليقين والضرورة المطلقة، وذلك بعد انهيار نسق إقليدس الهندسي ونيوتن الميكانيكي (بالنسبة للعالم المتناهي في الصغر - الذرة - والعالم المتناهي في الكبر وعجزها عن تفسير كثير من ظواهره تفسيرا مطلقا). # إن في استطاعتنا الآن أن نستغني عن اليقين. ولكن كان لا بد من السير في طريق طويل قبل أن نصل إلى موقف من المعرفة متحرر على هذا النحو. وكان من الضروري أن يهدم البحث عن اليقين نفسه في المذاهب الفلسفية الماضية قبل أن يتمكن من تصور مفهوم للمعرفة يستغنى عن جميع ادعاءات الحقيقة المطلقة. وإذا كان علينا أن نتكلم عن اليقين في العلم الحديث، فهو كما وصفه «هينريش هيرتز » وهو يقدم إثباته التجريبي عن النظرية الموجبة للضوء في خطابه أمام الجمعية الألمانية للعلماء «يقين بقدر ما يتسنى للبشر الكلام عن اليقين». ~~وليس هناك أبلغ من هذا الوصف في التعبير عن تواضع العلماء ومعرفتهم لحدود علمهم. # والواقع أن صورة المنهج العلمي كما ترسمها الفلسفة العلمية الحديثة مختلفة كل الاختلاف عن المفاهيم التقليدية (العقلية والمثالية)؛ فقد اختفى المثل الأعلى لعالم يخضع مساره لقواعد دقيقة، أو لكون متحدد مقدما، يدور كما تدور الساعة المضبوطة. ~~واختفى المثل الاعلى للعالم الذي يعرف الحقيقة المطلق. واتضح أن أحداث الطبيعة أشبه برمي الزهر منها بدوران النجوم في أفلاكها. في خاضعة للقوانين الاحتمالية، لا للعلية، أما العالم هو أشبه بالمقامر منه بالنبي. فهو لا يستطيع أن ينبئك إلا بأفضل ترجيحاته، ولكنه لا يعرف مقدما أبدا إن كانت هذه الترجيحات ستتحقق، ولكنه مع ذلك مقامر أفضل من ذلك الذي يجلس أمام المائدة الخضراء؛ لأن مناهجه الإحصائية أفضل، والهدف الذي يسعى إليه أسمى بكثير؛ وهو التنبؤ برميات الزهر ms092 الكونية. فإذا ما سئل عن أسباب اتباعه لمناهجه، وعن الأساس الذي يبني تنبؤاته عليه، لم يكن في وسعه أن يجيب بأن لديه معرفة بالمستقبل تتصف باليقين المطلق، بل أنه يستطيع فقط أن يقدم أفضل ترجيحاته. ولكن في وسعه أن يثبت أن هذه بالفعل هي أفضل الترجيحات، وأن القول بها أفضل ما يمكن عمله. وإذا كان المرء يعمل أفضل ما يمكن عمله، فهل يستطيع أحد أن يطلب منه المزيد؟ (عن هانز ريشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، القاهرة، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، صفحات (1967م)، 53-54، 153، 218) إن الحقيقة ليست ملكا لأحد، وإنما البشر جميعا ملك الحقيقة (كما يقول ياسبرز) ولو استقرت هذه «الحقيقة» البسيطة في عقولهم ووجدانهم لتجنبوا كوارث رهيبة نجمت في تاريخهم القديم والحديث عن التسلط والتحكم والتزمت، وكلها مسوخ تولدت عن ادعاء الحقيقة المطلقة، والانغلاق في سجن الرأي الواحد الذي لا يأذن للرأي الآخر بالدخول إليه، والتحجر في معتقد فكري مجرد عن الوجود بدلا من لقاء الموجود الدافئ الحي. ولا ننس أبدا أن محاكم التفتيش المتربصة عن الدوام هي بنت التزمت والتسلط والتشبث بمعتقد يدعي لنفسه الحقيقة المطلقة، ويغلق على نفسه باب الحوار، وهو جوهر كل حرية وأساس كل احترام لكرامة النسيان الذي لا يصح أبدا - كما تقول عبارات كانط الخالدة - أن يعامل معاملة الوسيلة، بل يجب أن يبقى غاية في ذاته ولذاته. ~~(7) # الواقع أنها لا تصح كذلك بصورة مطلقة على المشتغلين بالفلسفة في بلادنا العربية. ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر «ثلاثية» أستاذنا زكي نجيب محمود عن مشكلة ثقافتنا بين التقليد والتجديد والأصالة والمعاصرة (تجديد الفكر العربي، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ثقافتنا في مواجهة العصر) بجانب العديد من مقالاته الرائعة. كما نذكر أيضا دراسات الدكتور فؤاد زكريا وتحليله النقدي للثورة المصرية وما أثير حوله من مناقشات، ونداءات المرحوم الدكتور زكريا إبراهيم إلى الشباب العربي، وبعض مقالات الدكتور حسن حنفي التي تتسم بقدر كبير من التحصيل وقدر أكبر من التشوش وارتفاع الصوت، وبعض كتابات ms093 عبد الله العروي، ومالك بن نبي، وصادق العظم، وأبي بكر السقاف، وأحمد صبحي، وعاطف العراقي ومحمد عزيز الحبابي، وبعض دراسات كاتب السطور في «مدرسة الحكمة» وغيرها من كتبه. وهناك أمثلة أخرى لبحوث ودراسات وكتابات في النقد الاجتماعي والسياسي والديني والأدبي والنفسي ... إلخ لا تدخل في الفلسفة بمعناها الدقيق ولا يتسع المجال لذكرها. ولكنني أحاول أن أشير إلى قضية عامة تكررت الإشارة إليها في صلب الكتاب، وهي أن تترك الفلسفة أبراجها الجامعية من حين إلى حين، وتعنى بالنظر في الواقع المحيط بها عنايتها بمشكلاتها العلمية المتخصصة. وإن اقتراب الفلسفة من الواقع «وتوظيفها» (على الرغم من ثقل الكلمة على السمع والنفس!) للنقد الحر ضرورة ملحة تنبع من طبيعتها وهدفها نفسه، كما تحتمها مشكلات التخلف التي نشقى بها جميعا، ومرارة المحن التي تعرضنا لها عندما تجاهل الاستبداد صوتها وفرض عليه الانطواء في كهوف الكتب وقاعات الدرس. وفي ظني أنه مما يخجل المشتغلين بالفلسفة أن يقول مؤرخو الأجيال القادمة أن الذين وقفوا من المحنة موقف النقد والمقاومة وتعرضوا لانتقامها وأذاها لم يكونوا من صفوفهم، بل كانوا في الغالب من الكتاب والشعراء والصحفيين والمثقفين والطلبة والعمال والمواطنين البسطاء. وربما يعزي النفس على كل حال أن هؤلاء قد رفعوا أصواتهم باسم «فلسفة» كامنة وراء مواقفهم، مهما تكن هذه الفلسفة غامضة غير محددة المعالم، أو سجينة معتقد سياسي أو ديني بعينه (انظر كذلك آراء الصفوة من أساتذة الفلسفة واستجابتهم للثورة المصرية في بداية عهدها في كتاب مشكلة الفلسفة للدكتور زكريا إبراهيم ص227-342). ~~(8) # لا تزال مهمة الفيلسوف هي تحليل مشكلات عصره ليصل إلى مفهوم عن الواقع يلائم هذا العصر بقدر الإمكان. ومن الطبيعي أن يناقش هذه المشكلات على ضوء التراث الفلسفي وأدواته، ولكن بغير أن يلتزم بصيغتها التقليدية. فهو مثقل بتصورات أساسية انتقلت إليه من هذا التراث مثل: الطبيعة والتاريخ، الروح والمادة، العقل والدوافع، الحرية والجبرية، الوعي واللاوعي ... إلخ، وهو لا يستطيع أن يستبعدها تماما - كما يذهب بعض أصحاب الفلسفة العلمية - وإلا عجز عن مناقشة مشكلات معاصرة مثل ms094 العلاقة بين العلم والحياة، بين الفرد والمجتمع، بين العقلانية والتحديد الذاتي في الأخلاق والمسئولية والاختيار ... ~~إلخ، ومعنى هذا أنه لا يستطيع أن يستخدمها كما فعل أسلافه (الميتافيزيقيون!) ولا يستطيع كذلك أن يلقي بها في البحر! فعليه أن يدرك ازدواجيتها وتغير معانيها باختلاف المجالات. إنه لا يسأل مثلا عن ماهية الإنسان أو حقيقة النفس، وإنما يسأل عن العلاقة بين النفس والجسم كما تبحثها الإنثربولوجيا الفلسفية وعلوم الحياة والسلوك والاجتماع والنفس والطب والعقل ... إلخ، وعلى ضوء نتائجها (انظر في العربية مثلا كتابي الدكتور محمود فهمي زيدان، في النفس والجسد، بحث في الفلسفة المعاصرة، الإسكندرية، دار الجامعات المصرية (1977م)، والدكتور حبيب الشاروني، فكرة الجسم في الفلسفة الوجودية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1974م). وإذا نظر في مشكلة التاريخ لا يكتفي بالسؤال عن ماهية التاريخ وهدفه ومعناه كما يفعل أجداده الذين كانوا يقفون على أرض ميتافيزيقية صلبة، وإنما ينظر في تطور فلسفة التاريخ حتى يصل إلى مشكلة التاريخية كما تبدو اليوم بين أنصارها (كالوجوديين) وأعدائها (كأصحاب فلسفة العلم والوضعيين الجدد والبنيويين ). وإذا بحث في مشكلة المعرفة تتبع تطورها من اليونان حتى ديكارت وهيوم وكانط وسائر المحدثين والمعاصرين ليبين طبيعة المعرفة التي تتشابك فيها الذات والموضوع بحيث ينشأ نوع جديد من الأسلوب العلمي والتقني (كالسيبرنيطيقا) الذي يكمن وراء إمكانية التخطيط، وإذا تناول مشكلة الميتافيزيقا نفسها بين من وجهة نظر الحاضر والمستقبل أنها أصبحت تنتمي للماضي، وأنها منذ أفلاطون وأرسطو وأوغسطين حتى اكتمالها وتمامها في المثالية الألمانية ثم في فلسفة الوجود المعاصرة كانت «ميتافيزيقا الذاتية» التي أعطت الصدارة للباطن والذات على حساب الموضوع وأصبح حتما أن تقهرها النظرة الجدلية والنقدية للواقع. بهذا تأخذ المشكلات التقليدية والأسئلة «الماهوية» الكبرى صورا جديدة تتحدد بمجالات بحثها النوعية والعينية، بل تفقد أحيانا كل صلتها بالماضي، وإن ظل هذا الماضي ستارا أو خلفية لا غنى عنها لكل من ينطلق تحليله من الحاضر ويتجه للمستقبل ويحاول أن يكون رؤية متسقة عن الواقع والإنسان الذي يحيا هنا والآن. # ليس معنى هذه من ناحية أخرى ms095 أن المشكلات الفلسفية التقليدية قد سلمت نهائيا للعلوم الجزئية المتخصصة. فلا يجب أن ننسى أن إثارة هذه المشكلات نفسها - كمشكلة العلاقة بين النفس والجسم - قد جاءت عن طريق النظر الفلسفي، وأن تحليل مفاهيم غامضة متعددة المعاني مثل «جسمي» ومادي، وعقلي ونفسي، وكلمات ذات تاريخ طويل مثل الحياة والموت والحركة والسكون والوجود والعدم والمكان والزمان ... إلخ، يبقى بغير شك تحليلا فلسفيا لا تستغنى عنه العلوم التجريبية. ~~وقس على هذا سائر المشكلات التي يتصور البعض أن العلوم قد اهتدت فيها إلى حلول نهائية أو على الأقل إلى الطريق لهذه الحلول. والشيء الذي نود أن نؤكده من وراء هذا كله هو أن الفلسفة لم يعد في إمكانها أن تتجاهل النتائج التي تتوصل إليها علوم العصر، وأن هذه النتائج لا يمكنها في الوقت نفسه - مهما يكن من اليقين والثبات - أن تربح الفلسفة أو تمنعها من معاودة السؤال. # أضف إلى هذا أن تحليل الفلسفة لثقافة عصرها وقيمه المختلفة - بما في ذلك تحليل مفاهيم العلوم ونقد أسسها ومناهجها وفروضها - لا يزال إمكانية مشروعة أمام الفلسفة، ولا يزال مهمة لا تستطيع العلوم المختلفة ومناهجها مجتمعة أن تنهض بها. كل هذا يجعلنا نأخذ تعريف هيجل لها مأخذ الجد، مهما يبدو من طموحه وصعوبة تحقيقه (راجع الكتابين السابقي الذكر: لفالتر شولس، الفلسفة في العالم المتغير، وخصوصا المقدمة والخاتمة؛ وهانز لنك، ما الهدف من الفلسفة؟) ~~(9) # من الضروري أن تحدد ما نقصده بالجدل (أو الديالكتيك) في هذا السياق. فالجدل من المفاهيم الأساسية في التراث الفلسفي، وقد خضع هو نفسه - منذ حكماء الصين وفلاسفة اليونان حتى عصرنا الحاضر - للتحول والتطور شأنه شأن غيره من مفاهيم هذا التراث. وقد تتبعت تطوره وأشكاله في كتاب مستقل أرجو أن أفرغ منه قريبا. ويمكن القول باختصار إنه مر بثلاث مراحل أساسية: فبعد أن كان أسلوبا في الحوار والمناقشة، ثم جدلا للفكر الذي يتخطى حدود ما يمكن معرفته إلى ما لا سبيل لمعرفته عن طريق الفهم ومقولاته وبذلك يوقع الإنسان في النقائض والمتناقضات، أي في شبكة الجدل ms096 نفسه (كما عند كانط) أصبح عند هيجل هو جدل الوجود ومبدأه وقانون حركته، وأصبح التفلسف عنده مرادفا للتفكير الجدلي نفسه الذي يعده التفكير الوحيد الممكن والصحيح. ولكن فلسفة هيجل في التأمل المطلق والمصالحة بين الفكر والواقع تمثل اكتمال الميتافيزيقا الغربية نفسها كما تصورها الإغريق وبخاصة أفلاطون. ونحن - كما قلنا مرارا على هذه الصفحات - لا نعيش اليوم في عصر الميتافيزيقا؛ أي في عصر التصور النهائي التام لبناء عالم راسخ؛ إذ لم يعد لمثل هذا العالم الراسخ أو لهذا البناء (أو النسق) وجود. ولهذا تحتم الضرورة التاريخية ألا ننظر للجدل نفسه وكأنه مبدأ أو تحديد ماهوي ثابت في ذاته، سواء كانت هذه النظرة مثالية أو مادية، بل أن نجعله جدلا مفتوحا حيا، تثبت صحته عن طريق استخدامه وحسب. ولما كان من المستحيل اليوم أن نتحدث عن واقع كلي موحد؛ لأن الواقع قد تمزق إلى مناطق ومجالات متعددة، فإن استخدامنا للجدل سيختلف باختلاف مجال الواقع العيني المحدد الذي نطبقه فيه. وهذا الواقع - كما قدمنا - ليس واقع الموضوع المعطى من قبل ولا واقع الذات التي تضعه وتشكله حسب أفكارها وتصوراتها الأولية المسبقة. وإنما هو سياق الأحداث الذي يتشابك فيه كلاهما ويتأثر كل منهما بالآخر ويؤثر عليه في حوار لا ينقطع. بهذا يمكننا أن نطبقه على مجالات البحث المختلفة سواء في فلسفة العلم (كما فعل باشلار مثلا!) أو التاريخ والأخلاق ... إلخ تطبيقا مفتوحا يقتضيه اسمه نفسه، وبهذا أيضا نضمن أن ينبع تحليلنا الفكري الحر (أي فلسفتنا!) من النظر في مشكلات عصرنا المختلفة، بحيث نضع أنفسنا في واقعنا المتحرك ونتحمل مع الناس الذين نحيل معهم مسئولية تحديده من خلال العقل، ونلتزم ب «المعية» الإنسانية المشتركة في توجيهه نحو أكبر قدر ممكن من الخير لأكبر عدد ممكن من الناس. فنحن جميعا مسئولون عن سياق هذا الواقع الجدلي الذي تحدده علاقات الناس ومسئوليتهم أمامه وعنه. وبهذا نضمن أخيرا أن نزداد وعيا بلحظتنا التاريخية الحاضرة ودورنا فيها، ولا تذهلنا الغيبوبة والخدر على فراش القيم المطلقة أو الآمال المستحيلة عن ms097 محنه ومفاجآته وصدماته التي أفزعت سنواتنا وأوشكت أن تهوي بنا إلى الانقراض، ولا نتجمد في بحوثنا عند عصر فات أو مفكر من مفكري الحاضر أو الماضي مهما جل شأنه، ناسين أننا لا نعيش في عصر ابن رشد أو الغزالي أو ابن تيمية أو الأكويني أو ديكارت أو كانط أو هيجل أو نيتشه، أو حتى هيدجر وماركوزه! وأن تحمسنا وإخلاصنا المشكور لهؤلاء المفكرين العظام أو لغيرهم من المفكرين لا يجب أن يشغلنا عن واقعنا الحاضر، بل يجب أن ينعكس عليه فيزيدنا وعيا بتناقضاته ومشكلاته، وقدرة على انتشاله من حضيض التخلف والجمود واللاعقل. ولنذكر أخيرا أنهم كانوا يفكرون لعصرهم وواقعهم وحاضرهم، وأنهم لن ينهضوا من قبورهم ليفكروا لنا! ~~(10) # سألني يوما أحد المستشرقين: هل عندكم مذاهب فلسفية؟ قلت بصراحة أخافتني: لن تجد مذهبا مغلقا ولا مفتوحا! ربما عثرت على اجتهادات طيبة لدى رواد النهضة الحديثة وعند معظم المشتغلين بالتفكير والتعليم الفلسفي في بلادنا العربية، ولكنها لا تزال تقف على أرض تهتز بين تمثل تراثنا وعرض التراث المعاصر. قال: ولماذا تخشى الاهتزاز؟ أليست هذه هي حال كل الشعوب والحضارات؟ قلت ضاحكا: صدقت. ولكنها عندما تصيب بالدوار وتهدد بالزلازل! سأل وهو يقطب وجهه: فأين أجد بذور الفلسفة العربية؟ قلت: ربما تلمس بذورها الكامنة في ضمير الشعب: في عاداته وتقاليده، وأمثاله وحكاياته، ومواويله وبكائياته، وربما تلمح خطوطها البعيدة أو خيوطها الرقيقة عند الشعراء والكتاب. ولكنها ستحتاج إلى النساج الذي ننتظره. قد يأتي أو لا يأتي. هذا شيء لا نعلمه. ولكن الذي يجب أن نعمل من أجله هو تهيئة النول الصالح وإعداد خيوط الغزل من القطن والصوف والحرير! # مر على هذا الحوار العابر زمن طويل. ولم يزل السؤال الحائر عن «الفلسفة العربية» يعذب الضمير، خصوصا بعد سنوات من المحن القاسية والتجارب الفاشلة، هي حصادنا المر الذي جنيناه من أرض غابت عنها الحرية والمعرفة الحقة وافتقدت النظرية أو النظريات المتكاملة القادرة على توجيه الفعل وهداية التطوير والتغيير. لم تتوقف الاجتهادات والجهود الطيبة بطبيعة الحال - وإن حاصرتها أشواك الثرثرة ms098 والادعاء والانسياق الأعمى وراء البدع «والأزمات» - ولم يتوقف كذلك عذاب الضمير ولست أملك ولا أظن أن غيري يملك مفتاحا سحريا يريحنا من هذا العذاب. ~~ ولكنني مؤمن بأن الصدق مع النفس والواقع - بمعناه التاريخي الشامل - والمضي على طريق التمثل الواعي لتراثنا وتراث غيرنا، والإخلاص في عرضه بأمانة علمية لا تنفصل عن أمانة نقده والحوار معه بحرية واستقلال، مؤمن بأن هذا هو الطريق المأمون نحو فكر عربي حر وأصيل. ~~ ولا شك عندي في أن كل خطوة نقطعها على هذا الطريق أولى من الدوران حول تعذيب النفس، وأن كل فعل نحققه عليه خير من التجمد عند سؤال عقيم. ويخيل إلي في هذا السياق أن تحليل الوجدان الشعبي والأدبي تحليلا فلسفيا (مع الاستعانة ببحوث علماء النفس والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والمأثور الشعبي وعلم الانسان ... إلخ) قد يكون خطوة ملموسة على هذا الطريق ولو اتجهنا إلى كتابات الأعلام من أدبائنا لوجدنا مادة خصبة لمثل هذا التحليل. وأن في كل أدب عظيم فلسفة، وفي كل فلسفة عظيمة أدب. وليس من الصعب أن تعثر في المكتبة الغربية والعربية على أعمال تبرز «المعادل الفلسفي» لإنتاج كبار الأدباء، وأن تجد الصورة النثرية والشعرية التي تعكس بطريقتها أفكار الفلاسفة (هيوميروس وآراؤه «الفلسفية» قبيل الفلسفة، يوربييدز والنقد السفسطائي والسقراطي، المعري والشكاك، المتنبي وأبو تمام والمنطق الأرسطي، دانتي وتوماس الأكويني، فولتير وفلسفة التنوير، جوته واسبينوزا، شيلر والمثالية الكانطية، ديستوفيسكي والروحانية الصوفية الروسية، إقبال وفلسفة الحياة عند نيتشه وبرجسون، هلدرلن وفلسفة هيدجر، توفيق الحكيم والثنائية الأفلاطونية والديكارتية بين الجسد والروح والمادة والفكر والواقع والحقيقة ... إلخ). وليس معنى هذا أن نلتمس الفيلسوف في الأديب، أو نفتش عند الأخير عن أبنية نظرية تفتقر إلى الخلق والتشكيل الفني. فلا يمكن أن تكون أفكار الأديب بديلا عن إبداعه الفني، ولا يجب أن يكون فنه - أي صوره واستعاراته وشخصياته ومواقفه وصيغه اللغوية والإيقاعية - ترجمة حرفية لأفكاره. إن الأدب جزء من ثقافة عصره. وتحليله «وبلورته» في صورة فلسفية يمكن في كثير من الأحيان أن يساعدنا على استخلاص وعي العصر أكثر ms099 من المذاهب الفلسفية نفسها. # ولأقدم مثلا واحدا من إنتاج أديب عربي يتفق الجميع على احترامه وحبه. هذا الأديب هو نجيب محفوظ. لن تخفى عليك الخطوط الفلسفية التي ترسمها لوحاته الروائية المتنوعة الخصبة، ولا القضايا والأفكار التي تعبر عنها مختلف شخصياته ولم يستمدها من ثقافته وقراءاته الفلسفية فحسب، بل من وعي أجيال وشرائح طبقية وتيارات متلاطمة في بحر الوجدان المصري. ستجد عنده مكونات هذا الوجدان المتناقض تناقض الأجيال والأحداث والأمواج الثقافية التي صبت فيه: الثورية والانتهازية، المعقول واللامعقول، المشاركة والعبث، العذاب والسخرية، القلق والاستهتار، الإيمان والشذوذ، الطغيان والعبودية، التحدي والانهيار الفاجع ... إلخ، وربما استطاعت هذه النصوص المختارة أن تقدم طرفا من مادة «المعادل الفلسفي» الذي ينتظر تحليلا أوفى وبحوثا أعمق. وربما استطاعت كذلك أن توحي بمحاولات أخرى في إنتاج أدبائنا وشعرائنا «الحقيقيين» الذين اتحد وجدانهم بوجدان شعوبهم، وعبروا عن آلامها وآمالها ووقع الأحداث عليها تعبيرا نجا في معظم الأحيان من التزمت للقديم أو الانبهار بالجديد الذي طغى أو كاد على الجهود الفلسفية. وإليك هذه النصوص التي لا تغني بطبيعة الحال عن دراسة الأعمال الفنية في مجموعها والنظر إليها في سياقها الفكري والاجتماعي والتاريخي المترابط: ~~«الحياة مأساة، والدنيا مسرح ممل، ومن عجب أن الرواية مفجعة ولكن الممثلين مهرجون» (أحمد عاكف في خان الخليلي). ~~«إذا كنا نموت كالسوائم وننتن فلماذا نفكر كالملائكة. هبني ملأت الدنيا مؤلفات ومخترعات فهل تحترمني ديدان القبر؟ الدنيا أكاذيب وأباطيل. وما المجد الا رأس الأكاذيب والأباطيل» (خان الخليلي). ~~«عندما نتحسس موضعنا في البيت الكبير المسمى بالعالم فلن يصيبنا إلا الدوار» (ميرامار). ~~«يا أي شيء، أفعل شيئا فقد طحننا اللاشيء» (ثرثرة فوق النيل). ~~«أشقى ما تصاب به أن تكون ذا قلب حنون وعقل شاك» (السكرية). ~~«الحرية المطلقة طظ، المطلقة ... ليكن لي أسوة حسنة في إبليس، الرمز الكامل للكمال المطلق، هو التمرد الحق والكبرياء الحق والطموح الحق والثورة على جميع المبادئ» (محجوب في القاهرة الجديدة). ~~«لا قيمة لإنسان مهما علا شأنه. نحن في بلد الفقاقيع» (سعيد الدباغ في السمان والخريف). ~~«إذا ms100 أردت التفوق في مجتمعنا فعليك بالقحة والكذب والرياء، ولا تنس نصيبك من الغباء والجهل» (أحمد عاكف في خان الخليلي). ~~«نحن شعب من الشحاذين وحفنة من أصحاب الملايين، فليس يتاح للشعب غير العمل الوضيع أو امتهان الشحاذة، والعمل الوضيع لا يغني عن الشحاذة. ولست أدري كيف تطيب الحياة لقوم عقلاء وهم يعلمون أن غالبية قومهم جياع، جهلاء، مرضى، ألم يخطر لهم أن ينادوا بمبدأ المساواة بين الحيوانات والفلاحين مثلا؟» (أحمد راشد المحامي في خان الخليلي). ~~«إن مصر تأكل بنيها بلا رحمة، ومع هذا يقال عنا أننا شعب راض، هذا لعمرى منتهى البؤس. أجل غاية البؤس، أن تكون بائسا راضيا هو الموت نفسه ... لست حاقدا ولكني حزين، حزين على نفسي وعلى الملايين، لست فردا ولكنني أمة مظلومة» (حسين في بداية ونهاية). ~~«كل قلم يكتب عن الاشتراكية، على حين تحلم أكثرية الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس في المعمورة ...» (خالد عزوز في ثرثرة فوق النيل). ~~«عجبت لحال وطني: ما بال الإنسان فيه قد تضاءل وتهافت حتى صار في تفاهة بعوضة ، ما باله يمضى بلا حقوق ولا كرامة ولا حماية، ما باله ينهكه الجبن والنفاق» (الكرنك). ~~«إن قومي في حاجة دائمة إلى الثورة ليقاموا موجات الطغيان التي ترصد نهضتهم، في حاجة إلى ثورات دورية تكون بمثابة التطعيم ضد الأمراض الخبيثة، والحق أن الاستبداد هو مرضهم المتوطن» (كمال عبد الجواد في السكرية). ~~«... تلك السلسلة المشئومة من الطغاة التي تمتد إلى ما قبل التاريخ، كل ابن كلب غرته قوته يزعم لنا أنه الوصي المختار وأن الشعب قاصر» (السكرية). ~~(راجع كذلك بحث الدكتور رجاء عيد: «دراسة في أدب نجيب محفوظ، الإسكندرية منشأة المعارف، 1974م» خصوصا من ص90 إلى ص108.) # | لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة # أطلس فلسفي # تقديم # خرجت من تجربتي المتواضعة في تعليم الفلسفة بأن الطلاب والمثقفين كثيرا ما يخلطون بين العصور الفلسفية وتواريخ مولد الفلاسفة وموتهم، فكم وضعوا أرسطو في العصر الوسيط أو الحديث، وألقوا بكانط في غياهب العصر القديم أو الوسيط! وقد أوحى إلي هذا بفكره ms101 لوحة زمنية تكون أشبه بتخطيط عام أو «خارطة» تاريخية تسعف القارئ في التعرف إلى المعالم الكبرى في تاريخ الفكر الفلسفي، على نحو ما يلجأ السائح إلى خارطة مدينة أو بلد غريب فتطمئن نفسه إلى دليل يحميه من التيه. وغنى عن الذكر أنها تسعفه وتهديه، ولكنها لا تعفيه من الاطلاع بنفسه على هذه المعالم، وإلا اكتفى الناس بالمكوث في بيوتهم والتفرج على الخرائط! وقد استعنت على وضع هذه اللوحة بالجدول التاريخي الذي ألحقه الأستاذ «إرنست فون أستر» بكتابه المعروف عن تاريخ الفلسفة (الطبعة الخامسة عشرة، كرونر، شتوتجارت، 1968م) واللوحة الزمنية التي ذيل بها المعجم الفلسفي الذي أسسه الأستاذ هينريش شميث وأكمله ونشره في طبعته الرابعة عشرة الأستاذ جورجي شيشكوف (شتوتجارت، كرونر، 1957م) وقد كان في نيتي أن أقتصر على الخطوط العريضة والحقائق البارزة، حتى لا تخرج اللوحة عن حجمها المحدود ولا تبعد عن هدفها المقصود. ولكن مثل هذا العمل يحمل دائما في طياته أخطار الإغراء، فوجدتني أتوسع في بعض الفلاسفة الكبار، وأشحذ الذاكرة لأفرغ ما بقي في غربالها من معلومات عن المؤلفات التي ترجمت لهم أو وضعت عنهم في لغتنا، مكتفيا بذلك عن ذكر أسمائها في لغاتها الأصلية حتى لا أزيد الأمر تعقيدا. وقد كان اعتمادي الأكبر على الذاكرة وبعض المراجع القليلة التي وجدتها بين يدي أثناء وجودي في صنعاء، ولهذا فاللوحة أبعد ما تكون عن الوفاء والاستقصاء، كما تعاني قدرا كبيرا من عدم التوازن بين أجزائها. ولكني أرجو أن تتاح الفرصة في المستقبل لتهذيبها واستيفائها بقدر الإمكان. وقد استعنت ببعض القواميس الفلسفية غاير ما ذكرت، وهي قاموس هيردر الفلسفي للأستاذ ماكس مولر، وقاموس المفاهيم الفلسفية للأستاذ يوهانيس هوفميستر، وقاموس لاروس الفلسفي للأستاذ ديدييه جوليا، والقاموس الفلسفي الذي نشره الأستاذان «م. روزنتال» و«ب. يودين» موسكو 1967م كما اعتمدت اعتمادا كبيرا على المواد التي أضافها أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود عن الفلاسفة المسلمين إلى الموسوعة الفلسفية المختصرة التي تفضل بمراجعتها والإشراف عليها (صدرت عن سلسة الألف كتاب، العدد 481، مكتبة الأنجلو المصرية، 1963م) ms102 وألحقت بكل شخصية بعض المراجع التي ربما يحتاج القارئ للاطلاع عليها دون أي طموح للاستقصاء كما ذكرت من قبل. ولست بحاجة للقول بإنها ليست قاموسا فلسفيا بأي معنى من المعاني، مهما شابهت القواميس من قريب أو من بعيد. وإذا كانت قد غابت عنها بعض الأسماء الهامة من علماء الكلام والمتصوفة والفلاسفة والحكماء في الشرق والغرب، أو أسقط بعضهم دون وجه حق واختصر الكلام عن بعضهم الآخر اختصارا مخلا، فأرجو على كل حال ألا يحرمها هذا القصور من بعض الفائدة. ~~(1) الهند # عصر «الفيدا» القديم (من حوالي 2500 إلى 600ق.م): # أناشيد الرجفيدا. التفكير في الأصل والمبدأ الأول وراء عالم البشر والأرباب. # عصر الفيدا المتأخر؛ الأوبانيشاد (من حوالي 1000-400ق.م): # وحدة «الاتمان»، أي الذات، مع «براهمان» الإلهي، تناسخ الأرواح والخلاص. # حوالي سنة 500ق.م: # ظهور بوذا، أقوى الشخصيات الروحية تأثيرا في تاريخ العالم. # من القرن الثالث حتى القرن الخامس بعد الميلاد: # فلسفة «السامخيا» و«اليوجا» يبلغان ذروة تطورهما الذي استمر حوالي ألف سنة. # حوالي سنة 800 بعد الميلاد: # مذهب «الفيدانتا» في وحدة الوجود المرتبط بالأوبانيشاد يبلغ ذروته. ~~(2) الصين # كتاب «أي جينج»: ~~(التحولات) أقدم وثيقة فلسفية في تاريخ الحكمة الصينية ولا يعرف تاريخ كتابته. وهو كتاب تنبؤات يهدي الفرد لمعرفة نفسه والسلوك في مواجهة المواقف والأخطار حسب ما تقضي به طبيعته. وقد ظهر تأثيره على لاوتسي (في كتاب الطريق والفضيلة) كما شرحه كونج تسو (كونفوشيوس) وهما أكبر شخصيتين في تاريخ الفلسفة الصينية. # حوالي 604ق.م: # مولد لاوتسي، كتاب تاروني-كنج الطريق والفضيلة (الترجمة العربية لكاتب السطور)، مؤسسة سجل العرب. الألف كتاب. القاهرة 1966م. # حوالي 551ق.م: # مولد كونج تسي (كونفوشيوس) أكبر «متصوف» أخلاقي ومؤسس التراث الصيني. # كلمة «تاو» هي الكلمة الأساسية في الحكمة الصينية، وكانت في الأصل تعني «الطريق» أو «الخط المرسوم» (للأجرام السماوية) ثم أصبحت التصور الميتافيزيقي الرئيسي الدال على الوجود الحق والنظام الأبدي (يمكن مقارنتها من بعيد ب «البراهمان» الهندي و«اللوجوس» اليوناني مع فروق أساسية بينها جميعا). # مو تي (النصف الثاني من القرن الخامس ق.م). # شوانج تسي (القرن ms103 الرابع ق.م) شارح لاوتسي بأمثاله وحكاياته الشاعرية الخلابة. ~~(انظر: «الفلسفة في الشرق» لبول ماسون أورسيل وترجمة الدكتور محمد يوسف موسى، و«حكمة الصين» للأستاذ فؤاد شبل، و«الفلاسفة الكبار» لكارل ياسبرز، وقد سمعت عن ترجمة لبنانية لبعض أجزائه، و«ما قبل الفلسفة: الإنسان في مغامراته الفكرية الأولى» تأليف ه/و ه/أ. ~~ فرانكفورت وجون ولسون وتوركيلد جاكويسون وترجمة الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، بغداد 1960م، و«الفكر الفلسفي الهندي» لسرفبالي راداكرشنا وشارلز مور وترجمة ندره اليازجي (وبه نصوص من الأوبانيشاد وبهاجفاد جيتا وغيرهما من روائع الفلسفة الهندية) دمشق، دار اليقظة العربية، 1967م.) ~~(3) الفلسفة الغربية القديمة ~~(3-1) المفكرون قبل سقراط # 600-500ق.م؛ الملطيون: ~~(أو الطبيعيون) السؤال عن الأصل والمبدأ، طاليس (الماء) أنا كسمندروس (الأبيرون: اللامحدود أو اللامعين) وأنا كسيمنيس (الهواء) يبدأ الفكر بالسؤال العقلي عن وجود الموجود (الفيزيس)، وهو سؤال عن الأصل والمبدأ الأول (أرخيه). # فيثاغتورس الساموسي ينشيء مدرسته (أو فرقته السرية) في كروتون بجنوب إيطاليا. ~~ العدد هو وجود الموجود، والوجود هو الكون. # حوالي سنة 500ق.م: # ذروة الحركة الفكرية قبل سقراط. بارمنيدز الإيلي (من إيليا في جنوب إيطاليا) يؤسس «الأنطولوجيا» (علم الوجود) عن طريق نظريته عن الوجود الثابت الذي يعبر عنه الفكر، وهيراقليطس من إفيسوس يفكر في الوجود كصراع بين الأضداد، يعرف عن طريق «اللوجوس» في الصيرورة. ~~ ربما كان أكزينوفان (من كولوفون) - وهو مؤسس وحدة الوجود الفلسفية وتنزيه الألوهية عن التشبيه - قد مهد لبارمنيدز الذي عبر تلميذه النابغة «زينون» عن نظريته تعبيرا جدليا بمفارقاته المشهورة عن اللامتناهي (كالسهم وأخيل والسلحفاة والحبة وكومة الشعير). # القرن الخامس ق.م؛ أمبيدوقليس: ~~(أنبا ذوقليس) من أجريجنت (صقلية) وأنكسا جوراس (من كلازوميناي)، أساس الواقع عند الأول هو العناصر الأربعة التي تتحد وتتفرق عن طريق الحب والكراهية، والثاني يرجعه إلى مواد أولية غير متناهية العدد، يحدد «النوس» (العقل أو الروح) حركتها. # 460-370ق.م؛ ديموقريطس: ~~(من أبديرا) التفسير الذري-الآلي للعالم. فلسفة مادية وحتمية مطلقة. # السفسطائيون: أزمة التفكير الفلسفي في الحقيقة. يمثلون «عصر التنوير» المبكر في تاريخ الغرب. وضع القيم والتقاليد والحقائق الراسخة موضع السؤال والمغالطة. # 480-410ق.م؛ بروتاجوراس: ~~(من ms104 أبديرا) «الإنسان مقياس الأشياء جميعا، ما وجد منها وما لم يوجد». النسبية. # 480-375ق.م؛ جورجياس: ~~(من ليونتينوى في صقلية)، قضاياه الثلاث: لا يوجد شيء، إن وجد شيء فلا سبيل إلى معرفته، وإن أمكن معرفته فلا يمكن توصيله للغير (الشك والعدمية). # راجع في العربية: فجر الفلسفة اليونانية للمرحوم الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، ربيع الفكر اليوناني للدكتور عبد الرحمن بدون، تاريخ الفلسفة اليونانية للمرحوم الأستاذ يوسف كرم، الفلسفة عند اليونان، الدكتورة أميرة حلمي مطر، تاريخ الفكر الفلسفي، الجزء الأول من طاليس إلى أفلاطون للدكتور محمد علي أبو ريان. ~~(3-2) المفكرون الكلاسيكيون # 469-399ق.م؛ سقراط: # حكمت عليه «الديموقراطية» الأثينية بالموت وهو في السبعين من عمره. لم يؤثر عنه شيء مكتوب. تفلسف سقراط جدل متهكم يتفكر في ماهية الفضيلة «الأريتية». نموذج الفلسفة الحي وشهيدها. # 427-347؛ أفلاطون: # تجديد التفكير في الحقيقة - الذي هدده السفسطائيون بالغرق في النسبية والفردية والعدمية - عن طريق نظرية المثل، معرفة المثل هي «السلم» الذي نرتفع عليه لتجربة وجود الموجود. فلسفة الحب (الإيروس) في المأدبة، والعدالة في الجمهورية (البوليتابا) التي يتيح تركيبها للإنسان أن يعرف نفسه، وتهدف لإيجاد الإنسان العادل في المجتمع العادل، وهي أساس كل المدن المثالية (اليوتوبيات) التي تصورها المفكرون والأدباء في التراث الغربي والشرقي (الفارابي ومدينته الفاضلة!) المحاورات المتأخرة (بارمنيدز والسفسطائي) محاورات أنطولوجية جدلية. شكل المحاورة تعبير عن روح الفلسفة الأفلاطونية التي تؤمن بانقداح شعلة الفكر عن طريق الاحتكاك والحوار الحر ب «لا لؤم ولا حسد»، لا عن طريق الكلمة المدونة والحرف الميت (الرسالة السابعة التي كتبها في العقد الثامن من عمره وسرد فيها جزءا من سيرة حياته وكفاحه لتطبيق أفكاره عن الدولة العادلة على الواقع) تأسيس الأكاديمية حوالي سنة 388 لتخريج الفلاسفة الصالحين «لإنقاذ» أثينا والبشرية (ظلت قائمة حتى أمر الإمبراطور الروماني جستنيان في سنة 529 بعد الميلاد بإغلاقها) انظر في العربية عن أفلاطون: أفلاطون للمرحوم الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، أفلاطون للدكتور عبد الرحمن بدوي، أفلاطون للأب الدكتور جيروم غيث، تاريخ الفلسفة اليونانية للمرحوم الأستاذ يوسف كرم، الفلسفة عند اليونان ms105 للدكتورة أميرة مطر، الحكمة الأفلاطونية للدكتور عزت قرني، والمنقذ، قراءة لقلب أفلاطون لكاتب السطور. ومن محاوراته المترجمة عدد كبير بأقلام الدكتور زكي نجيب محمود (الدفاع، أقريطون، أو يطفرون، فيدون) الدكتور فؤاد زكريا (الجمهورية ومعها دراسة قيمة عنها) والدكتورة أميرة مطر (فايدروس وثيآيتيتوس) والدكتور عزن قرني (فيدون) والدكتور وليم الميري (المأدبة) والدكتور سهير القلماوي والمرحوم الدكتور محمد صقر خفاجة (أيون) والأب فؤاد جورجي بربارة الذي ترجم معظم محاورات أفلاطون. # 384-322ق.م؛ أرسطاطاليس: ~~(من ستاجيرا) تتلمذ منذ سنة 369 على أفلاطون حتى وفاته، وفي سنة 343 استدعاه فيليب ملك مقدونيا لتربية أبنه الإسكندر الأكبر، رجع إلى أثينا بعد اعتلاء الأخير العرش حيث أسس «اللوقيون» وظل يرأسها حتى سنة 323. اضطر لترك أثينا بعد موت الإسكندر الأكبر لاتهامه بصداقة المقدونيين ومات في خالقيس. منسق العلم القديم ومصنفه، يرجع له الفضل في تقسيم العلوم الفلسفية. يجمع تفكيره بين القدرة على النظر والبناء والعناية بالظواهر التجريبية. وإذا كان أفلاطون «المثالي» قد اهتدى بالرياضة واعتبرها الطابع المميز لكل معرفة حقه، فإن أرسطو «الواقعي» قد اهتدى بعلوم الطبيعة والحياة والتجربة التاريخية. مؤسس المنطق والميتافيزيقا التي عرفها بأنها «البحث عن الموجود بما هو موجود» والسؤال «عن الموجود من جهة وجوده» وبالتالي عن الموجود الأسمى (الثيون أو الله) وهو تفكير خالص في الفكر، ومحرك لا يتحرك، ومبدأ تطور العالم وغايته. جمعت كتاباته المنطقية وعرفت بعده باسم «الأورجانون» (آلة الفكر الصحيح أو أداته) (وتشتمل على كتابه عن المقولات الذي كانت له شهرة كبيرة عند العرب) وتتصل بذلك مباشرة بحوثه عن المبادئ (الأرخاي) أو العلل الأربع الأولى: الصورة والمادة، والفعل (علة الحركة) والغاية. مشكلة الحركة مشكلة أساسية في (الطبيعة)، علم النفس تقسم إلى ثلاثة مستويات أو طبقات الغاذية والحيوانية والعاقلة، وهي العلة الصورية أو «الأنتليخيا» للجسد، الأخلاق: مبدأ الفضيلة هو اختيار الوسط العدل (الميتروباثيا)، الشعر وفلسفة السياسة، تنظيم البحث العلمي وترتيبه، إذ يعد أرسطو أول «عالم» بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة في تاريخ التراث الغربي. # انظر الترجمات العربية القديمة التي يرجع الفضل لأستاذنا الدكتور ms106 عبد الرحمن بدوي في نشرها وتحقيقها (النفس والشعر والخطابة والطبيعة والمنطق) وكذلك كتابه عن أرسطو ومخطوطات أرسطو في العربية، وترجمة كتاب النفس للمرحوم الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، وترجمات المرحوم الأستاذ لطفي السيد (عن الترجمة الفرنسية لبارتليمي سانت هيلار) للسياسة والأخلاق إلى نيقوماخوس، ونظام الاثينيين للمرحوم الدكتور طه حسين، وترجمات كتاب الشعر للأساتذة الدكاترة: شكري محمد عياد واحسان عباس وعبد الرحمن بدوي، وكتاب أورجانون أرسطو عند العرب (بالفرنسية) للأستاذ الدكتور إبراهيم بيومي مدكور والكتب المذكورة آنفا عن تاريخ الفلسفة اليونانية. ~~(3-3) العصر الهلينستي # حوالي سنة 300ق.م: # تأسيس المدرسة الرواقية والمدرسة الأبيقورية في أثينا. ~~(أ) الرواقية # أسسها زينون (336-264ق.م) من كيتيون (في قبرص) ونظمها وأضفى عليها الصورة المنهجية كريزيبوس من سولوى (حوالي 280-207ق.م): إمكان معرفة الحقيقة والواقع، ميتافيزيقا تؤمن بوحدة الوجود: فالعقل الإلهي المنبث في الكون يسيره، الأخلاق: تهتدي بنموذج «الحكيم» الذي يتحقق فيه التجانس بين ذاته وبين العقل أو «اللوجوس» الكوني، الاتجاه للأخوة العالمية، (الكوزموبوليتية). # 341-271؛ أبيقور: ~~(من ساموس) النظرية الذرية الآلية للعالم تتكفل بتحرير الإنسان من الخوف من الآلهة والموت والطبيعة وتسمح بقيام أخلاق اللذة التي تتحد فيها الصداقة مع الاستمتاع بالحياة. فلسفة الحياة الخاصة الكتفية بذاتها (شعاره المشهور: عش في الخفاء! لاثي بيوزاس). # حوالي 360-270ق.م: # مذهب الشك، بيرون (أو فرون) من إيليس: عدم إمكان المعرفة بالواقع تتطلب الامتناع أو التوقف عن الحكم (الإيبوخيه) من الناحية النظرية كما تحقق السكينة والطمأنينة وراحة النفس (الأتاراكسيا) من الناحية الأخلاقية. # 314-240ق.م: # أكيزيلاوس يتبنى مذهب الشك في الأكاديمية «الوسطى». ~~(ب) الرواقية الوسطى # 185-110ق.م؛ بانايتيوس: ~~(من جزيرة رودوس) ينشر الفلسفة الرواقية في روما وتلميذه بوزيدونيوس (135-51ق.م) من أباميا (في سوريا) يجمع بين البحث الموسوعي والتأملات الخيالية. # 96-55ق.م: # الأبيقورية المتأخرة تجد التعبير الشعري الرائع عنها في قصيدة: لوكريسيوس كاروس «المشهورة» عن طبيعة الأشياء (راجع بحثا عنها في مجلة «تراث الإنسانية» للمرحوم الدكتور أحمد عبد الرحيم أو زيد). الأكاديمية تتحول عن مذهب الشك عند كارنياديس القورينائي (214 إلى 129ق.م) وفيلون اللاريسي وأنطونيوخوس العسقلاني، وهو معلم شيشرون (الذي ms107 يعد وسيطا انتقلت بفضله الفلسفة اليونانية - والرواقية بوجه خاص - إلى الرومان) إلى نوع من الفلسفة القطعية التوفيقية. ~~(3-4) العصر الروماني # من حوالي سنة 50ق.م إلى سنة 200 بعد الميلاد: # اتجاهات فيثاغورية جديدة وأفلاطونية تغلب عليها التأملات و«الشحطات» في السحر والتنجيم وأرواح الجن والشياطين والمبادئ الثنوية، وكلها تنبع حنين ديني إلى النجاة والخلاص. أهم شخصيات هذه المرحلة هو أبولونيوس التياني (عاش تحت حكم نيرون ودوميتيان) وفيلون السكندري (عاش بالإسكندرية من 25ق.م إلى 50 بعد الميلاد) وقد سعى - متأثرا بروح التصوف الهللينستي - إلى الربط بين التراث الأفلاطوني والرواقي وبين التراث اليهودي والعهد القديم عن طريق تفسيره تفسيرا رمزيا. تأكيد العلو المطلق لله الذي يخلق العالم بتوسط من «اللوجوس» الذي تصوره في صوره شخصية حية. ~~(أ) الرواقية المتأخرة أو الحديثة أو الرومانية # 3-65ب.م؛ سنيكا، لوسيوس أنايوس: ~~(ولد في كوردوبا) فيلسوف أخلاقي ومؤلف تمثيليات مأساوية (تراجيديات). تأثر بالرواقيين تأثرا شديدا، وبخاصة بوزيدونوس. الفلسفة عنده طريق إلى الحياة الخيرة التي تتمثل في الصرامة والقسوة على النفس، والوفاء للمبادئ، ومحبة الناس، كما تتجلى في التعاطف، والوداعة والغفران والإحسان. يقترب من المسيحية في إجلاله لإله شخصي، وإيمانه بخلود الروح، وأنصافه للعبيد. من مؤلفاته في الفلسفة: الأسئلة الطبيعية (وهي محاورات) ورسائله الأخلاقية (ومن أهمها رسالتاه عن الحياة السعيدة وعن قصر الحياة). # من حوالي 50 إلى حوالي 138م: # يشتد الاتجاه الأخلاقي-الديني ونزعة الأخوة العالمية عند إبيكتيت، الذي كان عبدا ثم أطلق سراحه، وقد تأثر تأثرا قويا بسينيكا. دون أحاديثه تلميذه أريان. وتجد الرواقية آخر شخصياتها الهامة في القيصر ماركوس أورليوس (حكم من 166 إلى 180م) وكتابه «التأملات» من منابع الحكمة الخالدة (انظر كتاب الفلسفة الرواقية لأستاذنا المرحوم الدكتور عثمان أمين). # حوالي سنة 150م؛ سكستوس إمبيريكوس: # وهو أحد أعضاء مدرسة الأطباء التجريبيين، جمع مذاهب الشكاك وحجبهم ضد المنطق والميتافيزيقا والأخلاق، المطالبة بتكييف السلوك الأخلاقي مع المألوف والمعتاد. # من حوالي 203 (أو 205) إلى حوالي 270م؛ أفلوطين: # ولد في ليقوبوليس - أسيوط - في صعيد مصر وتعلم بالإسكندرية على يدى أمونيوس ساكاس (من حوالي ms108 175 إلى 242م الذي لم يؤثر عنه شيء مكتوب) ومات في مينتورنا (ولاية كامبانيا بإيطاليا). هو مؤسس آخر حركة فلسفية كبرى في العصر القديم وهي الأفلاطونية الجديدة أو المحدثة. الفيض: من الواحد الأول (توهين) يفيض العقل الالهي (نوس) والمعقولات. فالنفس الكونية والنفوس الفردية والأشكال البذرية (لوجوي سبير-ماتيكوى) للأجسام الطبيعية حتى المادة الخالصة. ويقابل هذه الصيرورة الكونية للألوهية ارتفاع النفس وعلوها (أو رجوعها) فوق عالم الحس عن طريق الجدل والكشف حتى الوجد (أو الإكستازيس، أي الخروج من العالم) حيث تبلغ حالة الفناء والاتحاد مع الواحد الالهي، وهناك تكون - كما يعبر أفلوطين - وحيدة مع الواحد. كتب تلميذه بورفيريوس (فرفور يوس الصوري) سيرة حياته وجمع كتاباته التي كان قد بدأها بعد الخمسين من وصنفها إلى ست مجموعات تضم كل منها تسعة كتب أو رسائل (التاسوعات أو التساعات) وقد أثر أفلوطين تأثيرا كبيرا على الفلسفة الإسلامية عندما نسبت ترجمة إحدى تاسوعاته (وهي الجزء الأكبر من التاسوعة الرابعة عن النفس ومن التاسوعتين الخامسة والسادسة) لأرسطو، وكان هذا من الأخطاء «المباركة» في تاريخ الفكر؛ إذ كان له دور كبير في إضفاء الطابع الصوفي والإشراقي على الفلسفة الإسلامية وبخاصة على ابن سينا. # راجع الترجمة العربية القديمة في كتاب «أفلوطين عند العرب» للدكتور عبد الرحمن بدوي، والترجمة الحديثة مع دراسة لحياة أفلوطين وفلسفته في كتاب «التاسوعية الرابعة لأفلوطين» للدكتور فؤاد زكريا، وكذلك ما كتب عنه في تاريخ الفلسفة اليونانية للمرحوم الأستاذ يوسف كرم، والفلسفة عند اليونان للدكتورة أميرة مطر، وخريف الفكر اليوناني للدكتور عبد الرحمن بدوي بجانب دراسة عنه «وحيدا مع الواحد» في «مدرسة الحكمة» لكاتب السطور. # تلميذ أفلوطين وصديقه السابق الذكر «فرفوريوس الصوري»، الذي عاش بين سنة 233 إلى سنة 300م يؤلف مدخلا لكتاب المقولات لأرسطو باسم «الأيساجوجي» أو إيساغوجي، وقد ظل هذا الكتاب الذي اشتهر عند العرب يستخدم ككتاب مدرسي طوال قرون عديدة. # حوالي سنة 300م؛ يامبليخوس السوري: # تلميذ فرفوريوس، يحول الأفلاطونية الجديدة إلى مذهب ميتافيزيقي ولاهوتي تغلب عليه النزعة التوفيقية التي اتسمت بها أواخر العصر ms109 القديم. وقد أثبت البحث الحديث أنه نقل الجزء الأكبر من كتاب «بروتريبتيقوس» أو الحث على التفلسف الذي ذكره الرواة القدامى ضمن مؤلفات أرسطو وعد كتابا ضائعا حتى تم هذا الاكتشاف. ~~ راجع الطبعة العربية لهذا الكتاب تحت عنوان «دعوة للفلسفة» لكاتب السطور. # 410-485م؛ بروقليس: ~~(ولد بالقسطنطينية ومات في أثينا) أضفى على الأفلاطونية الجديدة صورتها المنهجية والمذهبية النهائية، نشر أعماله فيكتور كوزان في ستة أجزاء (1864م). # 529م؛ الإمبراطور جستنيان: # يأمر بإغلاق أبواب الأكاديمية الأفلاطونية في أثينا. سنة سوداء في تاريخ الفلسفة! بينيديكت (من نورسيا) يؤسس الدير في مونت كاسينو. ~~(4) عصر الآباء والعصر المدرسي (مشكلة الإيمان والمعرفة والتوفيق بين الدين والفلسفة) ~~(4-1) آباء الكنيسة # القرن الثاني والقرن الثالث بعد المسيح: # كان للعهد الجديد، وبخاصة إنجيل يوحنا ورسائل بولس، أثر قوي على الفلسفة. الدفاع عن المسيحية، خصوصا ضد مذهب «الغنوص». # حوالي سنة 150م؛ جستينوس مارتير: # عرف بإلمامه الواسع بالفلسفة الرواقية والأفلاطونية، واللوجوس عنده منبع كل ما هو حق وكل ما هو مسيحي، وإذا كان أثره وفعله يسري في كل شيء - بوصفه اللوجوس سبيرماتيكويس أو أصل الحياة والتشكل البذري في الطبيعة كما عرفناه عند أفلوطين - فهو في رأيه يسري بصورة كاملة في شخص السيد المسيح. # 140-202م؛ إيرينايوس : # الشر ينشأ عن حرية الإنسان لا عن المادة (كما كان يذهب الغنوصيون). # 160-230م؛ ترتوليان: # ظل متأثرا بالفلسفة الرواقية على الرغم من رفضه للفلسفة الوثنية القديمة (اليونانية). # حوالي 150 إلى 215م؛ كليمنس السكندري: # تولى إدارة مدرسة التعاليم الكنسية في الإسكندرية. وقف موقفا إيجابيا من الفلسفة الوثنية واعتبرها ممهدة للمسيحية، من رأيه أن الإيمان ينبغي أن يتحول إلى علم ومعرفة، مؤسس الأفلاطونية المسيحية في الشرق «الإغريقي». # 185-254م؛ أوريجنيس: # أضفى الشكل المنهجي والمذهبي لأول مرة في الشرق على تعاليم الدين المسيحي الذي بين موافقته للعقل، تتحد في تفكيره عناصر من الفلسفة الهلينستية والأفلاطونية الجديدة. # 235-394م؛ جريجور: ~~(من نيسا) ذهب إلى ضرورة الفصل بين المعرفة والإيمان، وإن أكد صلة المودة بينهما. # 354-430م؛ القديس أوغسطين: ~~(أورليوس أوجستينوس): ولد في طاجسطا (وهي الآن سوق ms110 الأخرس بالقرب من مدينة عنابة بالجزائر). ~~ في 13 / 11 / 354م ومات في أيبونا (من أعمال نوميديا أو الجزائر). أعظم الأفلاطونيين المسيحيين في الغرب اللاتيني وذروة الحركة الفكرية لآباء الكنيسة، أثره ضخم على التفكير الديني والفلسفي للأجيال التالية، يقف على العتبة الفارقة بين العصر القديم والعصر الوسيط، ويجمع في تفكيره بين الميتافيزيقا الأفلوطينية المعدلة وبين النظرة الإنسانية عند بولس الرسول. كافح الثنوية المانوية ومذاهب الشك اللذين اعتنقهما في أوائل حياته. من قضاياه الأساسية: إله التثليث (عن التثليث) والنفس التي يوجهها ويهديها من الضلال (الاعترافات سنة 400) بقدر ما يحدد تاريخ العالم وغايته (مدينة الله 413-426م التي وضع بها أسس الفلسفة المسيحية للتاريخ). عكف في شيخوخته على تصحيح مؤلفاته المبكرة ومراجعتها (المراجعات). # حوالي سنة 500م؛ ديونيزيوس: ~~(المعروف بالبسيدو أريوباجيتا) نشأة التصوف المسيحي الفلسفي من الجمع بين الأفكار المسيحية والأفلاطونية الجديدة. التفرقة بين اللاهوت الإيجابي واللاهوت السلبي، أثرت كتاباته تأثيرا قويا على الفلسفة المدرسية (الاسكولائية) والتصوف في العصر الوسيط، وقد تناولها العديد من الشراح ابتداء من ماكسيموس كونفيسور في القرن السابع الميلادي. # 480-525م؛ بوئسيوس: ~~(أنيسيوس مانليوس سيفيرنيوس)، فيلسوف وسياسي روماني، أعدم في حكم تيوديريش قيصر الإمبراطورية الرومانية الغربية بتهمة التجسس لصالح الإمبراطورية الشرقية، مسيحي متأثر بالأفلاطونية الجديدة، كان في نيته أن يترجم مؤلفات أفلاطون وأرسطو إلى اللاتينية ليثبت عدم التعارض بينهما، ولكنه لم يتمكن من إتمام مشروعه، اعتبر في بداية العصور الوسطى حجة في فلسفة أرسطو، وذلك من خلال ترجماته لمؤلفات أرسطو وفرفوريوس المنطقية وشروحه عليها. أشهر ما كتب هو «عزاء الفلسفة» الذي يعد من كنوز المكتبة الفلسفية. وقد وضعه في زنزانته في مدينة «بافيا» وتصور الفلسفة في صورة سيدة مهيبة تزوره وتتحدث معه عن الحياة والقدر والحظ حديثا عذبا يتراوح بين الشعر والنثر لتخفف عنه كربه وتهديه السبيل إلى الروح الأبدي (انظر مقالا عن هذا الكتاب وصاحبه في «مدرسة الحكمة» لكاتب هذه السطور). # القرن الثامن؛ يوحنا الدمشقي: ~~(يوهانيس دامسكينوس) آخر صورة مذهبية ومنهجية لتعاليم آباء الكنيسة على أسس أرسطية وأفلاطونية جديدة. ~~(4-2) الفلسفة ms111 المدرسية والتصوف في العصر الوسيط: ما قبل الفلسفة المدرسية # القرن الثامن: # عصر النهضة في ظل شرلمان (النهضة الكارولينجية)، ألكوين 730-804م مستشاره في شئون التعليم والكنيسة ومؤسس مدرسة للمخطوطات في «تور»، يؤثر بكتاباته وبشخصيته الحية على هذه النهضة في الفن والعلم والشعر والنحو والبلاغة. # 810-877م؛ يوحنا الاسكتلندي أو أريوجينا: ~~(يوهانيس سكوتوس) أكبر مفكري العصر، مزج بين الأفكار المسيحية والأفلاطونية الجديدة وأسس مذهبا صوفيا فلسفيا يقوم على صدور الموجودات عن الله ورجوعها إليه، في رأيه أن الفلسفة والدين شيء واحد على الحقيقة. والعقل عنده متفوق على الإيمان. أهم مؤلفاته: تقسيم الطبيعة. ~~(5) العصر المدرسي المبكر (المشكلة الأساسية: وضع الأسس الفلسفية للإيمان المسيحي) # القرن الحادي عشر: # النزاع بين الجدليين: تقديم المعرفة على الإيمان، والفلسفة العقلية على اللاهوت عند الجدليين (بيرينجار)، وعلى العكس من ذلك خصوم الجدليين (بطرس الدامياني). النزاع حول مشكلة الكليات: النزعة الواقعية التصويرية (فيلهلم فون شامبو 1070-1121م) تنتصر على النزعة الاسمية (روسيلين 1050-1125م). # 1033-1109م؛ أنسيلم: ~~(من كانتربوي) لقب بأب الفلسفة المدرسية، مفكر حي، أراد أن يرفع الإيمان إلى مرتبة العلم بإرساء العقائد على أسس عقلية: «أومن لكي أعقل» أو الإيمان الباحث عن العقل. اشتهر دليله الانطولوجي على وجود الله (الله هو الموجود الذي لا يمكن تصور موجود أعظم منه) وهو الذي يرى أن تصور ماهية الله ينطوي على وجوده، وقد رجع إليه ديكارت فيما بعد ونقده كانط. # 1079-1142م؛ بيتر أبيلار: # ناقد نافذ البصيرة، وضع «المنهج المدرسي المعروف # sic et non ~~(كذا وليس كذا، نعم ولا، الرأي ونقيضه) وهو الذي يقابل بين الحجج المتعارضة ويوازن بينها قبل الجواب على أي مسألة، وقد أكمله القديس توماس الأكويني وبلغ فيه الغاية (اشتهر أبيلار بقصة حبه لهلوييز). # 1091-1153م؛ برنهاردفون كلارفو: # مؤسس التصوف «العاطفي» في العصور الوسطى. # 1096-1141م؛ هوجو فون سانت فيكتور: # مؤسس التصوف الفلسفي-اللاهوتي في العصور الوسطى؛ وريتشارد فون سان فيكتور (مات سنة 1173م) يتطور بنظرية التأمل الصوفي. # 1150-1152م: # كتب العبارات الأربعة التي جمع فيها بطرس اللورمبادري آراء آباء الكنيسة تظل هي الكتاب التعليمي طوال أربعة ms112 قرون، تعددت شروحه، وأضيفت إليه آراء الفلاسفة مثل أرسطو وبوئتيوس. ~~(6) الفلسفة الإسلامية واليهودية ~~(6-1) الكندي، أبو يوسف يعقوب بن اسحق # ولد بالكوفة (حوالي سنة 803م) وهو من قبيلة كندة، أي أنه من أصل عربي، ولذلك لقب بفيلسوف العرب. ألم بعلوم عصره، ونزع في آرائه الكلامية نزعة المعتزلة (كالقول بالعدل والتوحيد، والبحث في قدرة الإنسان على أداء فعل ما، وهل توجد قبل الفعل أو تكون معه) مدار فلسفة الكندي هو الفلسفة الطبيعية والرياضيات التي طبقها في بحوثه في الطب والموسيقى اللذين يقومان على التناسب الهندسي. ذهب الكندي إلى أن العالم مخلوق لله، وفعل الله في العالم إنما يكون بوسائط كثيرة، فالأعلى يؤثر فيما دونه، أما المعلول فلا يؤثر في العلة؛ لأنها أرقى منه في مرتبة الوجود، وكل ما يقع في الكون يرتبط بعضه ببعض ارتباط علة بمعلول، ونستطيع من معرفتنا بالعلل أن نتنبأ بالمستقبل، وكل موجود في الكون يعكس سائر الموجودات كأنه مرآة لها، فإذا عرفت موجودا واحدا عرفت بقية العالم، وهو رأي شبيه برأي ليبنتز في الجواهر الروحية الفردة أو المونادات. والكندي ذو مذهب عقلي؛ إذ يرى أن وجود المادة مرهون بتصورها في العقل، على أن ثمة مرحلة وسطى تقع بين العقل الإلهي والعالم المادي، وتلك هي النفس التي عنها صدرت الأفلاك كما فاضت عنها النفس الإنسانية، هذه النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد، هبط من عالم العقل مزودا بذكريات من حياته في ذلك العالم؛ فهي من حيث جوهرها مستقلة عن مادة الجسم، لكنها مقيدة بمادة الجسم من حيث أفعالها لأن الجسم هو وسيلة الأداء. واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي، فمن شاء نعيما مقيما وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية وفي طلب العلم وفي تقوى الله. جعل الكندي من سقراط مثله الأعلى في الفلسفة، وكتب عن محنته وآرائه، وحاول التوفيق بينه وبين أرسطو، على أن المأثور عن الكندي هو أنه أخذ بالفلسفة الأرسطية، فدرس ما ترجم منها إلى العربية وحول إصلاحه وشرحه وتهذيبه، كما فعل بالكتاب المنحول لأرسطو ms113 والمسمى «أثولوجيا أرسطو طاليس» أو كتاب الميامر في الربوبية، وهو في الواقع أجزاء متفرقة من تاسوعات أفلوطين الرابعة والخامسة والسادسة، نشره الدكتور عبد الرحمن بدوي - أفلوطين عند العرب - ص164، كما ترجم الدكتور فؤاد زكريا التاسوعة الرابعة وقارنها بالترجمة العربية القديمة لعبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي (راجع رسائل الكندي الفلسفية، في جزأين 1950-1953م، تحقيق الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده، وكتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، وفيلسوف العرب والمعلم الثاني للمرحوم الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، وفيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكندي للأستاذ إسماعيل حقي الأميري ونقله عن العربية عباس العزاوي، بغداد 1963م وبه قائمة مفصلة بمؤلفات الكندي، والكندي فيلسوف العرب للدكتور أحمد فؤاد الأهواني 1964م، وتاريخ الفلسفة العربية للدكتور خليل الجر وحنا فاخوري 1957-1958م، وتاريخ الفلسفة في الإسلام لدى بور وترجمة الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده، وتاريخ العلم لجورج سارتون وترجمة العربية بإشراف الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، ودراسات في الفلسفة الإسلامية للدكتور محمود قاسم، وفي الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه للدكتور إبراهيم بيومي مدكور، ودراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية للدكتور يحيى هويدي، ومناهج البحث عند مفكري الإسلام، ونشأة الفكر الفلسفي في الإسلام وكلاهما للدكتور علي سامي النشار، وتاريخ المذاهب الفلسفية لسنتلانا (نسخة مصورة بمكتبة جامعة القاهرة)، والفلسفة الإسلامية (بالإنجليزية) للدكتور أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1957م، وتاريخ الفلسفة الإسلامية لهنري كوريان، وترجمته العربية لنصير مروة وحسن قبيسي وتقديم الإمام موسى الصدر والأمير عارف تامر، بيروت 1966م، وفلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية للأب جورج قنواتي وجارديه وترجمة الدكتور صبحي الصالح وفريد جبر، بيروت 1967م، دراسات في مذاهب فلاسفة المشرق (الباب الأول) وتجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية للدكتور محمد عاطف العراقي، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى للشيخ مصطفى عبد الرازق، وتاريخ الفلسفة الإسلامية (بالإنجليزية) لمحمد شريف، فيزبادان، هاراسوفيتس، 1963م). ~~(6-2) الفارابي، أبو النصر محمد # لسنا نعرف كثيرا عن حياة الفارابي، فقد كان رجلا يخلد إلى السكينة والهدوء. وقف ms114 حياته على التأمل الفلسفي، يستظل به الملوك، ثم تزيا آخر الأمر بزي المتصوفة. ~~ يقال إن والد الفارابي كان قائدا عسكريا ومن أصل فارسي، وأن الفارابي قد ولد حوالي سنة 870م في وسيج، وهي قرية صغيرة تقع في ولاية فاراب من بلاد الترك (التركستان الحالية). حصل الفارابي علومه في بغداد، ودرس بعضها على معلم مسيحي هو يوحنا بن شيلان. ألم في دراسته بالأدب والرياضيات، ومؤلفاته في الموسيقى (ومن أهمها كتاب الموسيقى الكبير) شاهد على سعة دراسية للرياضيات. ارتحل الفارابي من بغداد إلى حلب، ولعل ذلك راجع إلى الاضطرابات السياسية التي وقعت ببغداد. وفي حلب استقر في مجلس سيف الدولة، إلا في أخريات حياته حيث ترك القصر وخلا إلى نفسه بين البساتين ومظاهر الطبيعة، فما كان يرى - فيما يقول ابن خلكان - إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك نهر، حالما بمدينة فاضلة تتحقق فيها للبشر على الأرض السعادة القصوى، ومات في دمشق في شهر ديسمبر عام 950م عن ثماني عاما. سمي الفارابي بالمعلم الثاني، والمعلم الأول هو أرسطو، وفي ذلك يقول ابن خلدون في مقدمته: إن أرسطو سمي بالمعلم الأول لأنه هذب وجمع ما تفرق من مباحث المنطق ومسائله، فأقام بناءه متماسكا وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها، وسمي الفارابي بالمعلم الثاني لما قام به من تأليف كتاب يجمع ويهذب ما ترجم قبله من مؤلفات أرسطو خاصة (ولعله كان يقصد كتاب فلسفة أرسطوطاليس الذي حققه ونشره - بجانب عدد آخر من كتب الفارابي - الدكتور محسن مهدي ) فمنذ أيام الفارابي أحصيت كتب أرسطو ورتبت على صورة لم تتغير في جملتها، وصارت تفسر وتشرح على طريقة الفارابي (راجع إحصاء العلوم بتحقيق المرحوم الدكتور عثمان أمين). # حاول الفارابي أن يقيم البرهان على أن أفلاطون وأرسطو متفقان، وإذا كان يختلفان في المنهج والأسلوب وسيرة الحياة فإن مذهبهما الفلسفي واحد (الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطو). وقد تأثر في ذلك تأثرا مباشرا بالأفلاطونية الجديدة، كما تأثر بها في كون العالم يجئ صدورا عن الله في صورة فيض، فمرتبة تفيض ms115 عن المرتبة الأعلى منها وهكذا حتى نصل إلى أدنى المراتب. # كان الفارابي ذا نظرة شاملة تعمم أكثر مما تجرئ، فلم يكن يرضيه الوقوف عند الجزئيات، ولم يكن يحفل بالعلوم الجزئية، بل حصر جهده كله في المنطق وفيما بعد الطبيعة وفي علم الطبيعة. والفلسفة عنده - كما هي عند أرسطو - العلم بالموجودات بما هي موجودة، وهي العلم الوحيد الجامع الذي يضع أمام العقل صورة شاملة للعالم. ويذهب الفارابي إلى أن كل موجود فهو إما واجب الوجود وإما ممكن الوجود، ولا ثالث لهذين الضربين من الوجود، ولما كان الممكن لا بد أن تتقدم عليه علة تخرجه إلى الوجود، ولما كانت العلل لا يمكن أن تتسلسل إلى غير نهاية، وكان لا بد من الانتهاء إلى موجود واجب الوجود لا علة لوجوده، وهو أزلي، وهو موجود بالفعل من جميع جهاته ولا يعتريه التغير، وهو عقل محض، وخير محض، ومعقول محض، وعاقل محض، وهو البرهان على جميع الأشياء، وهو العلة الأولى لسائر الموجودات، ويحمل في ذاته البرهان على أنه يجب أن يكون واحدا لا شريك له. ومعرفتنا بالله عن طريق الاستدلال من الموجودات التي صدرت عنه أوثق من معرفتنا به معرفة مباشرة، فمن الواحد يصدر العالم، وذاك حين يتعقل الله ذاته، وعن الله يفيض منذ الأزل وجود ثان هو ما يسمى بالعقل الأول، وهو العقل الذي يحرك الفلك الأكبر، وبعده تأتي عقول ثمانية يختلف بعضها عن بعض، برغم أن كلا منها كامل في ذاته، وهذه العقول الثمانية التي نيطت بها الأجرام السماوية تضاف إلى العقل الأول فتصبح العقول تسعة، وهي كلها تؤلف المرتبة الثانية من مراتب الوجود. وفي المرتبة الثالثة يجئ العقل الفعال الذي يكون حلقة الاتصال بين العالم العلوي والعالم السفلي. وفي المرتبة الرابعة تأتي النفس، وهذا العقل الفعال وهذه النفس من شأنهما أن يتكثرا في أفراد البشر فيكون منهما بمقدار ما هنالك من بني الإنسان. وفي المرتبة الخامسة من مراتب الوجود توجد الصورة. وفي السادسة توجد المادة، ومن هاتين تتكون الأشياء؛ إذ إن كل ms116 شيء قوامه صورة ومادة. وبهذه المراتب الست تنتهي سلسلة الموجودات التي ليست ذواتها أجساما، مع ملاحظة أن الثلاث المراتب الأولى كائنات ليست أجساما. ولا هي تحل في أجسام، وأن الثلاث مراتب الأخيرة تلابس الأجسام وإن لم تكن في ذاتها أجساما. أما الأجسام فهي ستة أجناس: الأجسام السماوية، والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، وأجسام النبات، والمعادن، والعناصر الأربعة (الماء والهواء والتراب والنار). # تأثر الفارابي في آرائه السياسية بجمهورية أفلاطون (آراء أهل المدينة الفاضلة، فلسفة أفلاطون بتحقيق روزنتال وفالزر، والسياسات المدنية، وكتاب تحصيل السعادة والتنبيه على سبيل السعادة وكلها طبعه حيدر آباد) وقال بفكرة أن يملك زمام الدولة حاكم فاضل وعادل يجمع صفات النبي والملك الفيلسوف والإمام الشيعي المعصوم، ويحقق حلمه بالمدينة الفاضلة فالأمة الفاضلة «التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة» لكي يتجاوزها إلى إطار الإنسانية أو «المعمورة الفاضلة» عندما تتعاون الأمم فيما بينها على بلوغ السعادة. ويختار المفكر والحكيم طريق التضحية «فلا يبالي أن يموت أو يؤثر الموت على الحياة كما فعل سقراط» لتغيير واقع المدن الظالمة والضالة الجاهلة. وتحقيق حلم العدل يجعل للفارابي مكانة ممتازة في تاريخ الفكر الطوباوي (انظر مقال الدكتور جابر عصفور عن نظرية الفن عند الفارابي بمناسبة الاحتفال بذكراه المائة بعد الألف، مجلة الكاتب، ديسمبر 1975م، العدد 177، ص10-35، وكذلك فيلسوف العرب والمعلم الثاني للشيخ مصطفى عبد الرازق، ومنزلة الفارابي من المدرسة الفلسفية الإسلامية (بالفرنسية) باريس 1934م وفي الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، ومنطق أرسطو في العالم للعربي (بالفرنسية) الطبعة الثانية، المكتبة الفلسفية، فران، باريس 1969م، والكتب الثلاثة الأخيرة للدكتور إبراهيم بيومي مدكور، ومجلة المورد، المجلد الرابع، العدد السادس، 1975م، بغداد (عدد خاص عن الفارابي)). ~~(6-3) ابن سينا (980-1037م) # فيلسوف وطبيب وشاعر، وهو أكثر الفلاسفة المسلمين أصالة. أقام مذهبا فلسفيا في الوحدانية يقترب إلى أقصى حد ممكن من تركيب يؤلف بين مبادئ الإسلام وتعاليم أفلاطون وأرسطو. امتزجت فيه رغبة فارسية عارمة في الحياة بسعي دائب نحو الحقيقة، فأنتجت نسقا فلسفيا يتجلى فيه عقل مبدع ناقد مفعم ms117 بشعور ديني عميق. وابن سينا - على خلاف الفارابي الذي يدين له بالكثير، وعلى خلاف ابن رشد الذي ينحصر جهده الفلسفي الأصيل في شروحه إلى حد كبير - قد استطاع أن يصوغ «مجموعة فلسفية» بناء على دراسته لأرسطو دراسة ناقدة، مستعينا في ذلك بمن يشايع الأفلاطونية الجديدة من الشراح وبالرواقيين. وكان لكتاب «الشفاء» تأثير كبير على المسلمين واليهود والمسيحيين، على الرغم من أنه قد أثار مع كتاباته الفلسفية الأخرى عداوة المتكلمين له. تمسك ابن سينا في ميدان «المنطق» تمسكا صارما بفكرة أرسطو عن العلة والمعلول فاصطدمت جبريته المنطقية بجبريتهم الدينية، ومزج في ميدان علم النفس بين أرسطو وأفلوطين في فكرته عن خلود النفس العاقلة التي هي جوهر من حيث هي صورة، كما استعان في ميدان الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) بأفلوطين وفرفوريوس الذي حاول أن يوفق بين أفلاطون وأرسطو، ووجه فكر أفلاطون وجهة تقربه من الوحدانية الدينية فمكن المسلمين من أن يوفقوا بين المعتقدات التقليدية والفكر اليوناني. وقد أحرزت فكرته عن الله الذي يتوحد في ذاته الوجود والماهية رواجا واسعا في الغرب، وخاصة على يدى موسى بن ميمون اليهودي وتوماس الأكويني المسيحي، ولكي يسد ابن سينا الفجوة بين الوحي والعقل لاذ بنزعة صوفية عقلية (في كتاب الإشارات). فالصوفي المتأمل و(العارف) الذي بلغ أعلى مرتبة من المعرفة يصل إلى الاتحاد العقلي مع الله عن طريق الإدراك الحدسي، والفلسفة العملية جزء من «ميتافيزيقا» ابن سينا؛ لأن بلوغ السعادة الإنسانية لا يتيسر إلا في مجتمع، والنبوة والشريعة لا غنى عنهما لبقاء الإنسان وسعادته . فالنبي المشرع يأتي للبشرية بقانون إلهي يضمن لها الرفاهية في هذه الدنيا والسعادة في الحياة الآخرة، وقد وحد الفارابي النبي المشرع بالملك الفيلسوف عند أفلاطون، أما ابن سينا فيسلم للنبي بمعرفة حدسية تلقائية، وبذلك يضعه في مرتبة أعلى من الفيلسوف، والدولة الإسلامية المثلى التي تتخذ من الشريعة المحمدية دستورا هي (في فلسفة ابن سينا) قسيمة ل «جمهورية» أفلاطون التي بينت للفلاسفة المسلمين - مع كتابه «القوانين» - ما للشريعة من دلالة سياسية، وزودتهم بفكرة العدالة ms118 والقانون، وهما الأساس المشترك بينهم، الذي أتاح لهم أن يحاولوا التوفيق بين العقائد الإسلامية الأساسية والأفكار الإغريقية، وهنا موضع أصالتهم بوصفهم فلاسفة دين يتخذون من الشريعة محورا لفلسفتهم وأساسا (ابن سينا للدكتور أحمد فؤاد الأهواني 1958م، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا ودراسات في مذاهب فلاسفة المشرق للدكتور محمد عاطف العراقي، مجلة الكتاب، أبريل 1952م، المجلد 11 (عدد خاص عن ابن سينا)، ومؤلفات ابن سينا للأب جورج شحاتة قنواتي 1950م، مجموعة البحوث والمحاضرات التي ألقيت في العيد الألفي لابن سينا، القاهرة 1952م، الإدراك الحسي عند ابن سينا للدكتور عثمان نجاتي، الشيخ الرئيس لعباس محمود العقاد، الشفاء (المنطق والخطابة والإلهيات تقديم الدكتور مدكور وتحقيق عدد من الأعلام، القاهرة 1953م، 1960م) والإشارات والتنبيهات، القاهرة 1957م، والنجاة في الحكمة الطبيعية والمنطقية والإلهية، القاهرة 1938م، وعيون الحكمة تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي 1954م، والمباحثات تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي، القاهرة 1947م (ضمن كتاب أرسطو عند العرب)، ورسالة في الحدود تحقيق جواشون، القاهرة، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية 1963م، وتسع رسائل في الحكمة والإلهيات، القاهرة 1908م، والفيض الإلهي، طبعة حيدر آباد الدكن 1353ه، ومجموعة رسائل لابن سينا تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني 1952م، ورسالة العروس تحقيق شارل كونس (ضمن العدد الخاص من مجلة الكتاب السابق الذكر عن ابن سينا)، ومجموعة الرسائل الصوفية نشرة مهرن، ليدن 1889م، وثورة العقل في الفلسفة العربية (الفصل الثالث)، ودراسات في مذاهب فلاسفة المشرق (الباب الثاني) للدكتور محمد عاطف العراقي، وشرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا (لفخر الدين الرازي، القاهرة، المطبعة الخيرية 1325ه وهو في الرد على ابن سينا)، وشرح الإشارات والتنبيهات لنصير الدين الطوسي (وفيه تأييد لموقف ابن سينا، القاهرة 1325ه)، وابن سينا واليسار الأرسطي (بالألمانية) لأرنست بلوخ، وكتاب مهرجان ابن سينا، جامعة طهران، 1956م، ومجموعة ذكرى ابن سينا من منشورات المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة 1952م، ومادة ابن سينا بدائرة المعارف الإسلامية، مجلد 1 عدد 4 ترجمة وتعليق الدكتور محمد ثابت الفندي، وابن سينا مؤلفاته وشروحها المحفوظة بدار الكتب المصرية ms119 للمرحوم فؤاد السيد، مؤلفات ابن سينا وفلسفته وتأثيره للدكتور جميل صليبا في دائرة المعارف للبستاني مجلد 3 ص221، ومن أفلاطون إلى ابن سينا لجميل صليبا، دمشق 1951م، ابن سينا: الفيلسوف والعالم (بالإنجليزية) نشره وكنز، لندن، لوزاك، 1952م وهو مجموعة محاضرات جامعة كمبردج عن ابن سينا). ~~(6-4) الغزالي، أبو حامد (1059-1111م) # ولد في طوس بخراسان، ودرس علم الكلام في نيسابور على إمام الحرمين «الجويني»، ثم قدم على مجلس نظام الملك - وزير السلطان السلجوقي - وظل فيه حتى أسند إليه منصب التدريس في بغداد. أخذت الشكوك تستبد به، فأقبل على دراسة الفلسفة لعلها تخرجه من شكوكه. وقد درس كتب الفلاسفة - ولا سيما الفارابي وابن سينا - ثم ألف كتابا - مقاصد الفلاسفة - يلخص فيه مسائل الفلسفة غير متعرض لنقدها، مرجئا ذلك إلى كتب تالية، أهمها «تهافت الفلاسفة» الذي يعد أقسى هجوم على الفلسفة، حتى لقد تصور الناس زمنا طويلا أنه قضى عليها نهائيا أو اضطرها لاتخاذ موقف الدفاع عن نفسها. لم يلبث بعد تأليفه هذا الكتاب طويلا في منصب التدريس ببغداد، فانقطع عنه، عاودته الشكوك، وبعد تردد طويل بين نوازع الدنيا ودواعي الآخرة هتف به هاتف باطني فاعتزل وخلا إلى نفسه يروضها استعدادا لما هو مقبل عليه (راجع المنقذ من الضلال!) وانتهى به الأمر إلى مغادرة بغداد حيث لبث عشر سنين متنقلا، ينصرف إلى العبادة والتأليف. وأغلب الظن أن أكبر كتبه وهو «إحياء علوم الدين» قد ألف في الشطر الأول من هذه الفترة. ذهبت به الأسفار إلى دمشق وبيت المقدس والإسكندرية ومكة والمدينة، ثم رجع إلى وطنه حيث استأنف مهنة التدريس زمنا وجيزا في نيسابور، حتى وافته منيته في مسقط رأسه طوس. # استعرض الغزالي مختلف التيارات في ثقافة عصره فوجد أربعة اتجاهات تتمثل في جماعات أربع هي جماعة المتكلمين الذين يؤدون مهمة المدافع عن العقيدة، ولكنهم يبنون دفاعهم على أساس التسليم أولا بالوحي المنزل، وهو دفاع أن أقنع المؤمن فهو لا يقنع غير المؤمن، وجماعة الباطنية الذين يزعمون أنهم يقتبسون علمهم من الإمام المعصوم، فكل ms120 ما يعرضونه مستند إلى النقل عن معلمهم لا إلى حجة مقنعة، وأما الفلاسفة، فعلى الرغم مما لهم من فضل في تثقيف الناس بعلوم برهانية لا سبيل إلى الشك فيها كالرياضيات والفلك والطبيعيات في بعض جوانبها التي لا تخالف الدين، إلا أنهم قد يتعرضون في سائر بحوثهم للتناقض وفساد الرأي (ومن أهم المسائل التي عني الغزالي بإبطال رأي الفلاسفة فيها ثلاث: نظرية قدم العالم، والقول بأن الله يعلم الكليات وحدها دون الجزئيات، وإنكار بعث الأجساد على أساس قولهم بإن الأرواح وحدها هي التي لا يجوز عليها الفناء) ثم جماعة المتصوفة الذين لا يجدون في الأقيسة العقلية أداة صالحة لمعرفة الحق، بل الأداة الصالحة عندهم هي الحدس أو الذوق الباطني ومن ثم فقد أخذ بنظرتهم دون الجماعات الثلاث الأخرى. ~~(مؤلفات الغزالي للدكتور عبد الرحمن بدوي، دراسات في مذاهب فلاسفة المشرق (الباب الثالث) للدكتور محمد عاطف العراقي، وانظر تحقيقات الدكتور سليمان دنيا ومؤلفاته عنه كالحقيقة في نظر الغزالي.) ~~(6-5) ابن باجة، أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ # ولد في سرقسطة ولا نعرف عن حياته أكثر من أنه في إشبيلية عام 1118م بعد سقوط سرقسطة ثم نراه بعد ذلك في غرناطة، ثم انتقل إلى فاس حيث التحق ببلاط المرابطين، ومات عام 1138م. # كانت مؤلفات ابن باجة شروحا للمذهب الأرسطي أقرب منها إلى أن تكون مذهبا فلسفيا خاصا به، ومن أهم ما يلفت النظر عنده هو طريقته في بيان تكامل العقل الإنساني ومبلغ الإنسان من العلم ومكانه بين الموجودات. ويقيم ابن باجة مذهبه على أساس أن المبدأين الأساسيين هما الهيولي والصورة، وبينما يجوز أن توجد الصورة مجردة من الهيولي، فلا يمكن للهيولي أن توجد بغير صورة، والصور تتدرج في تسلسل صاعد، فأدناها هي الصورة الهيولانية التي تتصل بالمادة، وأعلاها هي صورة العقل المفارق. والعقل الإنساني في تطوره وتكامله إنما يصعد في هذا السلم المتدرج من أدناه إلى أعلاه، فيبدأ بإدراك الصور الماثلة في الأجسام المادية، فإدراك تصورات النفس التي هي مرحلة وسطى بين الحس ms121 والعقل، ثم إدراك العقل الإنساني في ذاته، فالعقل الفعال الذي هو في مرتبة تعلو على مرتبة العقل الإنساني، ثم إدراك عقول الأفلاك، حتى يعلو إلى حيث يدرك العقل الأول وهو الله. وهكذا يتم الصعود مسترشدا، لا بالتصوف، بل بالفلسفة التأملية، أي إن العقل الإنساني يصل إلى كماله بالمعرفة العقلية، والنظر العقلي هو السعادة العظمى. ولابن باجة كتاب مشهور هو «تدبير المتوحد» (وقد نشره مع عدد من رسائله الدكتور ماجد فخري، بيروت 1968م) يقول فيه إن الحياة الإنسانية التي تجئ وفقا لإملاء العقل لا تتحقق إلا إذا اعتزل الإنسان حياة المجتمع أحيانا، ويجوز للحكماء أن يؤلفوا من أنفسهم جماعات صغيرة أو كبيرة ليعيشوا حياتهم العقلية الرفيعة بمعزل عن شواغل العامة (انظر رسالة الاتصال تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، نشرت مع تلخيص كتاب النفس لابن رشد، 1950م. وتجدها مع مجموعة رسائل ابن باجة الإلهية (نشرة الدكتور ماجد فخري السابقة الذكر)). ~~(6-6) ابن طفيل أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي # ولد في قادس - إحدى المدن الصغيرة بالأندلس - ومات في مراكش عام 1185م. أراد ابن طفيل أن يمزج العلم اليوناني بحكمة أهل الشرق لعله يخرج برأي مبتكر في الكون، وقد اهتم - كما اهتم ابن باجة - بالعلاقة بين الفرد والمجتمع، لكن على حين كان ابن باجة يكتفي من عزلة أصحاب الفكر عن سواد المجتمع وشواغل الدنيا بأن يلتقي جماعة المفكرين معا في مجتمع صغير يربط بينهم، ذهب ابن طفيل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ وصل بتحليله إلى الفرد الواحد باعتباره النواة التي نشأ عنها المجتمع، ويتضح ذلك من قصته الفلسفية الرائعة «حي بن يقظان» (راجع نشرة أحمد أمين، 1949م، دار المعارف بالقاهرة) التي يقسمها قسمين: يصور في أولهما المجتمع الإنساني بما تواضع عليه من عرف، ويصور في ثانيهما فردا واحدا يتركه للفطرة ينمو نموا عقليا حتى يصير فيلسوفا كاملا في مستطاعه وحده أن يعرف الطبيعة بمشاهداته، وأن يعرف الله وأن يعرف نفسه بالتفكير. ~~(الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل للدكتور محمد ms122 عاطف العراقي، دار المعارف بالقاهرة، 1979م، الكتاب الرابع من سلسلة العقل والتجديد.) ~~(6-7) ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد (1126-1198م) # فيلسوف وفقيه وقاض وطبيب. ولد في قرطبة بإسبانيا، وتوفي في مراكش، أما في الغرب فإن أشهر ما يعرف به هو أنه شارح أرسطو، وقد ساعدت شروحه الأرسطية على فهم المعلم الأول، ونشرت نفوذه في الغرب بين اليهود والمسيحيين، وأدت إلى قيام المدرسة الرشدية (التي أدانتها الكنيسة وحاربها ألبير الأكبر وتوماس الأكويني، وإن كانت قد أثرت تأثيرا كبيرا في فرنسا في القرن الثالث عشر على سيجر البراباني، وفي إيطاليا من القرن الرابع عشر حتى السادس عشر على مدرسة بادوا) ويبدي ابن رشد في شروحه المختلفة لمؤلفات أرسطو (الملخصات والشروح المتوسطة والشروح الطويلة) بصيرة نافذة، وعرضه جلي موجز، وهو أكثر التزاما بآراء أرسطو من الفلاسفة المسلمين الأول. ويستحق تنفيده لهجوم الغزالي على الفلاسفة (تهافت التهافت) اهتماما خاصا، بالإضافة إلى ثلاث رسائل دينية فلسفية تنمو نموا جدليا (وأهمها فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) وشرحه على «جمهورية» أفلاطون. وقد أخذ على عاتقه أن يوفق بين الشريعة والفلسفة بأن يقرر وحدة المقصد لكل منهما في «الفصل» وبأن يقول في شرحه على «الجمهورية» إن كلا منهما للأخرى «رفيقة وأخت شقيقة». فالحقيقة واحدة لا تتجزأ، كل ما هنالك أننا نسعى إليها ونفسرها على أنحاء مختلفة، ومن هنا كانت نظرية الحقيقة المزدوجة قد نسبت إليه خطأ، وهي إنما تنتمي إلى الرشديين اللاتين. ويجعل ابن رشد للفيلسوف وحده الحق والواجب في أن يعرض بالحجة البرهانية ما في الشريعة التي أوحى بها للنبي من معنى باطني، أما المتكلمون فيستخدمون الحجج الجدلية ويبلبلون جماهير العوام، وأما العوام فعليهم أن يسلموا بما ورد في الكتاب المنزل من قصص وأمثال ومجازات بمعانيها الظاهرة . هو قبل كل شيء فيلسوف العقل والنزعة العقلية الحرة في الإسلام. ~~«تهافت التهافت»، القاهرة 1903م - وله ترجمة إنجليزية قام بها فان دين برج، لندن 1954م وأخرى ألمانية هورتن، بون 1913م - تفسير ما بعد الطبيعة، ms123 تحقيق الأب موريس بويج 1938-1952م، في ثلاثة مجلدات، المطبعة الكاثوليكية ببيروت، مناهج الأدلة في عقائد الملة تحقيق الدكتور محمود قاسم، رسائل ابن رشد، نشرة حيدر آباد الدكن، تلخيص كتاب النفس لأرسطو تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني 1950م، تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو تحقيق الدكتور عثمان أمين 1959م، تلخيص كتاب الخطابة، تلخيص كتاب الحس المحسوس (طبع مع كتاب النفس لأرسطو)، تلخيص كتاب الشعر والكتب الثلاثة الأخيرة بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي، وراجع أيضا ابن رشد لعباس محمود العقاد 1953م، وفجر وضحى وظهر الإسلام لأحمد أمين، وابن رشد وفلسفته لفرح أنطون 1903م، وتاريخ الفلسفة في الإسلام لدى بور وترجمة الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة. وتاريخ الفكر الأندلسي لبالنثيا وترجمة الدكتور حسين مؤنس 1955م، والمدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية لليون جوتييه وترجمة الدكتور محمد يوسف موسى، وتاريخ المذاهب الفلسفية لسنتلانا وهي نسخة مصورة في مجلدين بمكتبة جامعة القاهرة، وابن رشد الفيلسوف المفترى عليه، وفي النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، ونظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توماس الأكويني وكلها للدكتور محمود قاسم، والنزعة العقلية في فلسفة ابن رشد للدكتور محمد عاطف العراقي، وفي الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه للدكتور إبراهيم بيومي مدكور، وبين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط للدكتور محمد يوسف موسى، المادية والمثالية في فلسفة ابن رشد للدكتور محمد عمارة، وابن رشد للأب يوحنا قمر، في جزأين، المطبعة الكاثوليكية ببيروت وابن رشد فيلسوف المغرب لعبده الحلو، بيروت، ابن رشد والرشدية لإرنست رينان وترجمة عادل زعيتر. والمجددون في الإسلام للمرحوم الأستاذ أمين الخولي، الجزء الأول 1965م، وفي فلسفة ابن رشد، الوجود والخلود للدكتور محمد بيصار. ~~(6-8) ابن خلدون، ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون # ولد بتونس عام 1332م وتوفي بالقاهرة عام 1406م. حصل علومه في تونس، وبعد أن درس كل العلوم المعروفة في عصره اشتغل بخدمة الدولة حينا، وارتحل مسافرا حينا آخر، وسفر لدى حكومات كثيرة في إسبانيا وإفريقية، والتقى بتيمورلنك في دمشق. هو واضع فلسفة التاريخ أو ms124 فلسفة المجتمع المبنية على تتبع الحوادث التي عللها وكشف قوانينها. وموضوع علم التاريخ هو الحياة الاجتماعية وما يعرض فيها من ثقافة مادية وعقلية، فالتاريخ يبين أعمال الناس، وطرائق معاشهم، ومنازعاتهم، وحكوماتهم، وصناعاتهم، وعلومهم، ثم يبين كيف تزدهر المدنية قليلا قليلا بادئه من مبادئ بسيطة، ثم تأخذ في الزوال. وتتقلب الجماعة في صور مختلفة هي حالة البداوة، ثم القبيلة، ثم الدولة في مدينة، وعند ابن خلدون أن الدين والعصبية هما أقوى عاملين يتم بهما اتحاد الجماعة بإرادة الحاكم وبما يؤلف بين أفرادها من حاجات، فإذا ما حدث تحلل في بناء المجتمع بسبب ما قد تحدثه الحضارة من رغد وانغماس في الشهوات، ومن فقدان الناس لبأسهم الحربي وللتمسك بدينهم، ظهرت قبيلة قوية تأتي من الصحراء، أو ظهر شعب غير مترف يتمتع بعصبية قوية، وانقض على المدينة المترفة لينشئ دولة جديدة. فشأن الدول والجماعات الكبرى هو هكذا: الجيل الأول يبني ويؤسس، والثاني يحافظ على ما بناه الأول، والأخير يهدم، وتلك هي حال المدنيات كلها؛ إذ إن للمدينة والعمران البشري قوانين ثابتة. وتعد نظرية ابن خلدون «الدورية» عن نشوء «العصبيات» وازدهارها وزوالها سابقة على نظريات مشابهة عن فلسفة التاريخ عن التعاقب «الدوري» للحضارات عند فيكو ونيتشه واشبنجلر وتوينبي. ~~(انظر مؤلفات ابن خلدون للدكتور عبد الرحمن بدوي، والمقدمة من تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي، الطبعة الأولى 1960م، وفي فلسفة التاريخ للدكتور أحمد محمود صبحي. ومقدمة ابن خلدون لساطع الحصري.) ~~(6-9) ابن ميمون (الربي موشى) # فيلسوف وطبيب يهودي إسباني، من أبرز المفكرين اليهود في العصر الوسيط الذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة الأرسطية والدين اليهودي في مركب واحد عن طريق التأويل المجازي للتوراة والتلمود. ولد عام 1135م في قرطبة ومات بالفسطاط عام 1204م، كان رئيس (ناجد) الطائفة اليهودية في مصر وطبيب صلاح الدين. كان ابن ميمون أحد رواد النزعة العقلية في اللاهوت اليهودي وحاول في نظريته عن المعرفة أن يقدم أساسا عقلانيا للحقيقة الدينية. # أثرت شروحه وكتاباته - وخاصة كتابه دلالة الحائرين - تأثيرا كبيرا ms125 على الفكر اليهودي كله، والفلسفة المدرسية المسيحية، وبخاصة توماس الأكويني، كما أثرت على اسبينوزا. وقد اعتمدت محاولته في التوفيق بين الفلسفة الأرسطية من جهة وحرفية الحقيقة كما وردت في العهد القديم من جهة أخرى. اعتمدت على الفلاسفة المسلمين من أمثال ابن سينا الذي يدين له بنظريته في الخلود، وابن رشد الذي استقى منه فكرته عن هوية الماهية والوجود في الله. ~~(انظر رد موسى بن ميمون القرطبي على جالينوس في الفلسفة والعلم الإلهي، صححه يوسف شخت وماكس مايرهوف، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، مايو 1937م، ص77-88.) ~~(7) قمة الفلسفة المدرسية # حوالي سنة 1200م: # تأسيس جامعتي باريس وأكسفورد، وجماعات الدومينيكان والفرنسيسكان، الأولى تتمسك بالتراث الأوغسطيني على الرغم من ظهور وانتشار مؤلفات لأرسطو لم تكن معروفة من قبل، والثانية تتمثل الفلسفة الأرسطية وتجعل منها فلسفة مسيحية، إلى جانب بدايات هامة للبحث في العلوم الطبيعية والرياضية واتجاهات أفلاطونية محدثة. # حوالي 1210 (أو 1220)-1294م؛ روجر بيكون: ~~(فرانسسكاني) ولد في الشستر (سومرسيت) ومات في أكسفورد، سمي الدكتور «العجيب». فيلسوف وباحث في الطبيعة على أساس رياضي وعالم في اللغة، أكد أهمية التجربة بوصفها الضمان الوحيد للحقيقة، مزج بين نظرية أوغسطين في الكشف وبين النزعة التجريبية، نقد المنهج اللاهوتي التقليدي نقدا هداما. # 1193-1280م؛ البيرت الأكبر: ~~(دومينيكاني) أول عرض شامل لفلسفة أرسطو مع تمثلها تمثلا مسيحيا. علم نفسه بنفسه في الفلسفة، وتتلمذ عليه القديس توماس الأكويني، حارب النزعة الرشدية، وقدم للمدارس المسيحية مذهبا فلسفيا موسوعيا محكما أدخل فيه قدرا كبيرا من المعلومات عن النبات والحيوان والجغرافيا والمعادن مما جعل له مكانة مرموقة في تاريخ العلوم الطبيعية في العصر الوسيط. # 1221 (أو 1217 / 1218-1274م)؛ بونافنتورا: ~~(فرانسسكاني) أكبر ممثل مذهبي للنزعة الأوغسطينية أو المثالية المسيحية، ولهذا جمع فكره بين الفلسفة واللاهوت والتصوف. يرى استحالة استقلال الفلسفة واكتفاءها بنفسها؛ لأن الإنسان بعد السقطة متعلق بالله. ولهذا كانت الفلسفة بالضرورة خادمة اللاهوت، وهدفها النهائي أن تنصب في التصوف. يؤمن بنظرية الإشراق عند أوغسطين (الحقائق الأبدية تشرق في باطن الروح الإنساني عن طريق الروح الإلهي) ms126 ويترتب مستويات العالم على أساس الفيض والإشعاع والاكتمال. أما المراحل التاريخية فهي الزمان قبل القانون (الإلهي)، والزمان الخاضع له، وزمان النعمة والعناية الذي ينطوي على طريق الكنيسة. وطريق الفرد هو التوحد مع طريق الكنيسة الذي تعبر عنه مراحل الاتجاه الصوفي إلى الله، والاستنارة بنوره، والاكتمال برؤيته. بهذا يصيب طريق الكنيسة والفرد في المعرفة الكلية بابن الله (السيد المسيح). # 1225-1274م؛ القديس توماس الأكويني: ~~(دومينيكاني) أهم مفكر فلسفي ولاهوتي على قمة العصر الوسيط، وأكبرهم تأثيرا - بجانب أوغسطين - على تطور الفلسفة المسيحية. متمم البناء المذهبي والمنهجي للأرسطية المدرسية (الواقعية المسيحية) لقب ب «المعلم الملائكي» ومعلم الجميع، يجمع تفكيره التأليفي العجيب بين التراث المسيحي السابق عليه وبين الفلسفة الأرسطية في وحدة أصيلة (لا تخلو في كثير من الأحيان من تحريفات تاريخية!) يفسر بناء الوجود والموجودات مستعينا بالتصورين المعروفين في فلسفة أرسطو: القوة (الإمكان، الإنيرجايا) والفعل (الواقع، ديناميس) ليبني أونطوجيا رائعة للخلق في مجموعة، معتمدا على فكرته الأساسية عن تدرج بنائه المنظم وتسلسله من «المادة الأولى» إلى «الواقع الخالص» أو الفعل الإلهي المحض. وإذا كان توماس يحرص على الفصل والتمييز بين الإيمان والعلم، واللاهوت والفلسفة تبعا لاختلاف مصادرهما (بين النور الفائق للطبيعة الذي هو مصدر الإيمان بالوحي، والنور الطبيعي مصدر كل معرفة طبيعية) فإنه يجمع بينهما دائما في سياق أعماله (خصوصا مجاميعه المشهورة: المجموعة اللاهوتية، والمجموعة للرد على الأمم). لعل أروع ما في الأكويني هو قدرته على الوصف «الظاهرياتي» والتحليل والتحليل الكاشف للحقائق والموضوعات، خصوصا وصفه لألوان السلوك النظري (المعرفي) والعملي (الأخلاقي) للإنسان وتحليل شروطهما وبنيتهما. ومع ذلك فقد غلب عليه التفكير اللاهوتي وشغل حيزا كبيرا من كتاباته (باستثناء شروحه العديدة على أرسطو وبعض كتاباته المبكرة مثل كتابه عن الموجود والماهية) كما توارت فلسفته الاجتماعية والأخلاقية وراء نظرته الإنطولوجية التي تقوم على الوحدة العقلية للموجودات. # المجموعة اللاهوتية، ترجم منها المطران بولس عواد خمسة مجلدات بعنوان الخلاصة اللاهوتية (بيروت 1887م وما بعدها). # ونقل المطران نعمة الله أبو كرم المجموعة الفلسفية إلى العربية بعنوان «مجموعة الردود على ms127 الخوارج» ونشر ترجمة المقالة الأول (جونيه، لبنان 1931م). ~~(عن يوسف مكرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط.) # 1235-1284م؛ سيجر البرابنتي: ~~(دي بربان) ولد في برابنت (هولندا) واغتيل في أورفيتو (بإيطاليا). قام بالتعليم في باريس، وأدانت الكنيسة آراءه عامي 1270-1277م. أكبر ممثلي النزعة الرشدية اللاتينية (التي تفسر أرسطو بالاعتماد على شروح ابن رشد دون الرجوع إلى العقائد المسيحية) حاربه توماس الأكويني وألبيرت الأكبر حربا شعواء بسبب آرائه عن أبدية العالم ووحدة العقل عن البشر جميعا، وإبطال حرية الإرادة وفكرته عن «الحقيقة المزدوجة»، أي إمكان أن تكون العبارة الواحدة صادقة في أمور الدين والإيمان، وكاذبة في حكم العقل الطبيعي. # 1260-1327 / 1328م؛ إكهارت: ~~(الميستر أو المعلم) أعظم وأعمق مفكر صوفي في العصور الوسطى المسيحية. ولد حوالي سنة 1260م بالقرب من مدينة جوتا ومات حوالي سنة 1328م في مدينة كولن (كولونيا) قبل نهاية محاكمته. عاش تجربته الإلهية وعبر عنها تعبيرا جدليا صادقا مؤثرا. تغذت جذور هذه التجربة الحية على تراث أوغسطين والأفلاطونية الجديدة من ناحية، والأفكار الرئيسية عند كبار الدومينيكانيين في القرن الثالث عشر - مثل ألبيرت الأكبر وتوماس الأكويني - من ناحية أخرى. متصوف ومفكر وواعظ وضع تجربته الحية - التي تتسم بالغموض والجسارة - في خدمة الحياة والأحياء من المؤمنين الذين كانوا يقبلون على سماع مواعظه بحماس وخشوع بالغين. ~~ على الإنسان في رأي إكهارت أن يتخلى عن كل شيء، ولا يثبت نفسه أو يبحث عنها في علم ولا إرادة ولا فعل. فإذا حقق هذا التخلي الكامل صار واحدا مع كل ما هو موجود، واحدا مع الحقيقة الأبدية، مع الله. وهي وحدة تحقق، لا وحدة مادية، أشبه بوحدة العين المبصرة مع ما تبصره. يصف هذه الوحدة بمختلف الأوصاف: فالنفس تعود إلى أصلها أو «أساسها» الأبدي، والله يولد فيها ويحيا، كما يحيا من يصور نفسه في صورته، والنفس ذاتها تولد على صورة ابن الله، إذ تصبح حياة الله هي حياتها، بل إن الله ليولد من النفس ويحيا فيها كما يولد العرفان بهدية المحسن من فؤاد المتلقي لهديته. أدانت ms128 الكنيسة ثمانية وعشرين قضية وردت في مواعظه ورسائله، في عهد البابا يوحنا الثاني والعشرين، وصدر الحكم سنة 1329م بعد موت إكهارت، ولعلها كانت في الحقيقة إدانة لتطرف صيغتها وغرابتها خشية أن يسيء العامة فهمها. أثر إكهارت تأثيرا كبيرا على التصوف والفلسفة الألمانية ابتداء من «زويزه» و«تاولر» حتى نيقولا الكوزي (نيقولا فون كوز) ويعقوب بوهمه وإنجليوس سيلزيوس وفرانز فون بادر، بل إن تأثيره ملموس في الفكر الحديث (شيلنج) والمعاصر (مثل هيدجر). # 1270-1308م؛ دنس سكوتس: ~~(فرانسسكاني) من أشهر الفلاسفة واللاهوتيين في العصر الوسيط، ولد في اسكتلندا وتولى التعليم في أكسفورد وكامبردج وباريس وكولونيا التي مات فيها. عرف بنقده اللاذع لفلسفة توماس الأكويني ونزعته العقلية، وكذلك لأرسطو وشراحه العرب. # أسس مذهبه الإرادي - الذي اعتمد فيه على القديس أوغسطين - المدرسة الفرنسسكانية التي نسبت إليه في اسكتلندا. وتقوم هذه «السكوتية» على تحديد المعرفة الفلسفية لصالح الإيمان، وأسبقية الإرادة الحرة على الفهم والعقل، فالإرادة هي التي تختار الاتجاه إلى الله والتعلق به، ولهذا كانت مبدأ السعادة. ~~(7-1) الفلسفة المدرسية المتأخرة # من حوالي 1300 حتى 1349 / 1350م؛ وليم الأوكامي: ~~(فرانسسكاني) ولد قبل سنة 1300م بقليل في إمارة ساري بإنجلترا ومات في ميونيخ. مؤسس النزعة الاسمية - أو التصورية - المتأخرة التي نقول بالوجود الواقعي للأشياء الفردية والجزئية وحدها وتعتبر المفاهيم العامة موجودة من حيث هي تصورات عقلية (لا مجرد تسميات لغوية كما ذهبت إلى ذلك النزعة الاسمية في الخلاف المبكر حول مشكلة الكليات) - في رأيه أن العقائد لا يمكن البرهنة عليها ولا تصلح أساسا للبرهان، وأن اللاهوت العقلي مستحيل - تفكك الارتباط الذي أقامه الفكر الوسيط بين الإيمان والمعرفة. تنسب إليه وإلى مدرسته بعض البحوث الطبيعية والعلمية التي تأكدت بعد ذلك على يدي كبلر وجاليليو. # 1401-1464م؛ نيقولاوس فون كوز: ~~(نيقولا الكوزي أو الكوزاني) نسبة إلى بلدة كوز على نهر الموزل بألمانيا. اسمه الأصلي نيقولا كريفس أو كرييس. بلغ منصب الكاردينال سنة 1448م. مفكر أصيل يقف على حدود الفلسفة الحديثة، ولهذا يصعب تصنيفه. جمع تفكيره عناصر فيثاغورية وأفلاطونية جديدة وصوفية (استمدها ms129 من ديونيزيوس الأريوباجي والميستر إكهارت) بجانب تأثره بأفكار أصحاب النزعة الاسمية بحيث انتهى إلى تصور عن العالم يفاجئنا بحداثته واختلافه عن تصور الفكر الوسيط. ~~ لهذا استحق أن يسمى أول مفكر حديث ومؤسس الفلسفة الألمانية. عرف بنظريته عن «العلم الجاهل» (دوكتا اجنورانسيا) أي العلم البشري الذي يعي حدوده ويدرك تناهيه بالقياس إلى الحقيقة الإلهية اللامتناهية التي تلتقي فيها الأضداد (فكرته عن تلاقي الأضداد) ولا يمكن أن يعرف كنهها وإن كان في إمكانه أن يراها رؤية كشفية عن طريق الوجد. ولما كان الله هو علة العالم أو أساسه، فهو - أي الله - هو إمكانه الواقعي ( Possest ~~)؛ ولهذا يشارك العالم في لا نهائية الله، كما يصبح مثله «سرا» لا يمكن تفسيره إلا عن طريق الرموز الرياضية. والسيد المسيح هو الوسيط بين العالم اللامتناهي في الكبر والعالم اللامتناهي في الصغر. # راجع في العربية: «تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط» للأستاذ يوسف كرم، و«فلسفة العصور الوسطى» للدكتور عبد الرحمن بدوي، و«الفلسفة في العصر الوسيط» للدكتور إمام عبد الفتاح إمام (عن جيلسون)، و«نماذج من الفلسفة المسيحية» للدكتور حسن حنفي حسنين (وبه نصوص مدروسة لأوغسطين وأنسيلم والأكويني وهي على الترتيب: المعلم، وآمن كي تعقل، والوجود والماهية)، و«معالم الفكر الفلسفي في العصور الوسطى: فلسفة إسلامية ومسيحية» للأستاذ عبده فراج. ~~(8) فلسفة العصر الحديث ~~(8-1) عصر الانتقال ~~(أ) النهضة في إيطاليا # 1433-1499م؛ مارسيليو فيتشينو: # مترجم أفلاطون وأفلوطين إلى اللاتينية ومؤسس الأكاديمية الأفلاطونية في فلورنسا. ~~ «اللاهوت الأفلاطوني»، أفلاطونية مسيحية جديدة. # 1463-1494م؛ بيكو ديلا ميراندولا: # يؤلف بين تجديد الأفلاطونية والفلسفة الأرسطية. # 1462-1525م؛ بييترو بومبونازي: # ترجع أهميته إلى تعبيره عن نظرية «الحقيقة المزدوجة» تعبيرا واضحا. # 1469-1527م؛ نيكولو مكيافيلي: # سياسي ومؤرخ ومفكر إيطالي عرف بمقالاته عن الحوليات الأولى لتيتوس ليفيوس (وهو مؤرخ روماني في عصر أغسطس ولد عام 59ق.م ومات عام 17 بعد الميلاد وتتبع التاريخ الروماني منذ تأسيس روما حتى عصره في 142 كتابا لم يبق منها سوى الكتب العشرة الأولى والكتب من 21-45) وقد تأثر بقراءاته له فأعجب بسياسة الدولة الرومانية القائمة على ms130 القوة والبطش والتكبر، كما اشتهر بكتابه «الأمير» الذي يمجد الاستقلال القومي ويجعل من قوة الدولة وعظمتها المثل الأعلى الذي يتعين على الأمير أن يسعى بكل الوسائل الممكنة إلى تحقيقه، مهما تعارضت هذه الوسائل مع القيم الأخلاقية، وبذلك سوغ اللجوء إلى القسوة والخداع في صراع الحكام من أجل السلطة. وتطور المجتمع البشري يخضع في رأيه للأسباب الطبيعية، كما أن القوة والمصالح المادية هي التي تحرك التاريخ. يعد من رواد النظرة الإنسانية للتاريخ، أولئك الذين حاولوا استخلاص قوانينه من العقل والتجربة لا من اللاهوت. ~~(ب) النهضة في ألمانيا # حوالي 1467-1536م؛ إرازموس فون روتردام: # أحد ممثلي النزعة الإنسانية الكبار (الذين تولوا ترجمة التراث اليوناني-الروماني واحتذوا بمثله الفكرية والفنية والإنسانية) أبعدته نزعته الشكلية المتطرفة عن «لوثر»، وكان هذا الانفصال شاهدا على الاختلاف بين المعرفة والإيمان، وبين الفلسفة والدين. قال في هذا الصدد عن نفسه: إن ما قلته باعتدال وبالقياس إلى حالات محددة قد تطرف لوثر في تعميمه وإطلاقه. حاول إرازموس، بمقارنته بين الكتاب المقدس والمفكرين القدامى (وبخاصة سقراط وأفلاطون) أن يؤكد «الوحي الشامل» و«الإنجيل الخالص» و«فلسفة المسيح»، وأصبح بذلك مؤسس النزعة العقلية في اللاهوت المسيحي، والنزعة الفردية التي تعني بالجوانب الجمالية والأخلاقية والدينية في تحقيق المثل الأعلى في التربية. # 1481-1531م؛ ألريش تسفينجلي: # أحد ممثلي النزعة الإنسانية ومصلح ديني، مزج بين عناصر مسيحية وأخرى من التراث الفلسفي القديم. ~~(ج) استمرار الفلسفة المدرسية وتحولها # 1497-1565م؛ فيليب ملانشتون: # يؤسس النزعة الأرسطية المطبوعة بطابع بروتستنتي مدرسي. # 1548-1617م؛ فرانز سواريز: # يضع كتابا تعليميا كبيرا (المجادلات الميتافيزيقية) يقوم على أساس الوحي. ~~(8-2) الموضوع الجديد: الطبيعة ~~(أ) الفلسفة الطبيعية في ثوب إنساني (إنثروبولوجي) # الطبيعة والإنسان # 1493-1541م؛ باراسيلزوس: # طبيب وفيلسوف. ~~ الكون إنسان أكبر، والإنسان كون أصغر، تصبح التجربة الجديدة بالطبيعة الحية تجربة خصبة يفيد منها الطب. مجده الناس في عصره ولقبوه «لوثر الطب» ثم لقى الأمرين من أعدائه فعاش في أواخر حياته مطاردا مضطهدا. عنده أن الطب هو العلم الكلي الذي يقوم على علوم الطبيعة والكيمياء ووظائف الأعضاء ويصب في الفلسفة والدين. ms131 وقد بدأ من نظرية جالينوس عن العصارات الأربع وانتهى إلى تصور ديناميكي ووظيفي عن عمليات الحياة. كل معرفتنا في رأي باراسيلزوس تجل ذاتي، كما أن كل فعلنا وجهدنا مشاركة في الطبيعة الصادرة عن الله. وجميع الكائنات تتركب من جسم أرضي عنصري ظاهر وروح حيوية سماوية أو نجمية غير منظورة. ويتمتع الإنسان - أو الكون الصغير - بروح إلهية هي منبع المعرفة والفضيلة والسعادة. ~~ ولهذا يمرض الإنسان عندما يمرض في ثلاثة: في جسده وروحه وعقله ولا بد أن يعالج بطرائق ثلاثة من العلاج. واصل الطبيب الفيلسوف فان هلمونت (1577-1644م) تراث باراسيلزوس في فلسفته عن الطبيعة الحية. # 1499-1542م؛ سباستيان فرانك: # الطبيعة والتاريخ (اشتهرت قصته سفينة الحمقى وصوره التاريخية عن الجرمان وعن عصره) عنده أن الله هو الحب والخير الأعظم، وهو يبرهن على وجوده في الإرادة الحرة للإنسان. ~~ وليس الكتاب المقدس إلا استعارة أو مجازا أبديا أو «ثوبا» يدثر الحقيقة السامية المستعصية، أما التاريخ نفسه فهو عنده الكتاب المقدس الحقيقي. تفلسف كذلك حول تاريخ الشعب الألماني وأمثاله المأثورة. ~~(ب) الفلسفة الطبيعية الكونية (الكوزمولوجية) # الطبيعة والعالم # 1473-1543م؛ كوبرنكوس كوبرنيق: # التحول من النظام الفلكي البطليموسي (مركزية الأرض) إلى مركزية الشمس. # 1564-1642م؛ جاليليو جاليلي: ~~(مهد له الفنان والرياضي العالم الأديب المشهور ليوناردو دافنشي 1542-1519م) يرجع إليه الفضل في تأسيس المناهج الدقيقة للسيطرة العلمية على الطبيعة. # 1571-1630م؛ كبلر: # يصل بالتحول الجديد في التصور الفيزيائي للعالم إلى غايته، ظل متأثرا بالأفكار الأفلاطونية الجديدة والفيثاغورية والتنجيم القديم. ~~(ج) الفلسفة الطبيعية ذات النزعة الصوفية # الطبيعة والله # 1575-1624م؛ يعقوب بوهمه: # مفكر صوفي و «ثيوصوفي» بروتستنتي شديد العمق والغموض، تنساب في تفكيره التأملات في فلسفة الطبيعة وفي اللاهوت. يعد ذروة الحركة الفكرية الألمانية ما بين نقولا الكوزاني (الذي سبق ذكره) وليبنتز. المشكلة الميتافيزيقية الرئيسية التي تشغله هي ماهية الله وفعله. ويميز «بوهمه» في الأساس الأبدي الإلهي (الذي يسميه أحيانا باللاأساس!) بين الروح (أو العقل) الذي يتصف بالإرادة، وبين الطبيعة الأبدية. ومن «اللاأساس» يلد الله ذاته بصورة أبدية كما يعرف ذاته ويشكل (الآخر) المختلف عن ms132 ذاته. أثر عالمه الضبابي الغريب تأثيرا قويا على فشته (نظريته عن تحقيق الأنا) وشيلنج (نظريته عن الحرية) وهيجل (فلسفته الجدلية) وفرانز بادر (في فلسفته «التأملية» التي لا تفصل بين الذات - أو الأنا - وموضوع تفكيرها، ولا تعطي الأولية للأنا - على العكس من ديكارت - وترى أن الإنسان الواقعي لا يفكر أولا في الله ثم يقترب منه وإنما يفكر في الله ومعه وبعون منه) كما أثر أخيرا على فلسفة مكس شيلر - المبكرة - في فصلها بين العقل والدافع وكذلك لا تخفى لمساته الصوفية المظلمة على تفكير مارتن هيدجر (انظر مثلا رسالته عن ماهية الحقيقة وكتابه قانون السبب، أو الأساس). ~~(8-3) أصحاب البرامج الكبرى # 1533-1592م؛ مونتيني: ~~(ميشيل دي) فيلسوف أخلاقي فرنسي من عصر النهضة. يعرض نزعته الشكية بأسلوبه الرائع وقلمه الساخر في مقالاته (أو محاولاته) المشهورة. يعبر عن سؤاله المستمر «ماذا أعرف؟» الذي صار عنوان سلسلة ثقافية فرنسية معروفة! عن فلسفته الصريحة في الشك، وهي، بخلاف اللاأدرية، لا تنكر قابلية العالم للمعرفة، وإن كانت تؤكد حق الإنسان في التشكك في كل شيء. سلط مونتيني سخريته القاسية على غرور الإنسان بنفسه وبعقله الذي يبدأ بالجهل وينتهي إلى الجهل. ~~ فسؤاله الذي يقترب من كلمة سقراط (أعرف أنني لا أعرف شيئا) هو في نفس الوقت «من أكون؟» و«ماذا أستطيع؟» وجوابه الدائم «القليل»؛ فالإنسان ضعيف فإن، وهو يحثه على الاعتدال والعمل بالحكمة الخالدة «اعرف نفسك»، كما يرسمه على ما هو عليه، هنا والآن، لا كما ينبغي أن يكون، وهو نفسه بتجاربه ومشاهداته هو المضمون الوحيد لكتابه، كما كتب يقول في مقدمة مقالاته. تأثيره ضخم على الفكر الفرنسي حتى برجسون (وكذلك كان صديقه بيير شارون 1541-1603م من الشكاك). # 1548-1600م؛ جوردانو برونو: # أهم الفلاسفة الطبيعيين في عصر النهضة. انتهت حياته الشريدة المغامرة على المحرقة في روما. مفكر شاعري ثائر، تغلب عليه العاطفة الحية المتمردة، أول من أقام فلسفة عن «وحدة الوجود» في العصر الحديث، العالم في نظره «مونادة» حية لا متناهية، وكل ما فيه من موجودات إنما هو مونادات - كائنات أو ms133 جواهر متفردة - (تأثيره على ليبنتز وشيلنج) وتقوم وحدة المادية الحية التي يتركب منها العالم على النفس الكونية الإلهية. مزج في تفكيره الشاعري بين عناصر يونانية وأفلاطونية جديدة وبين نظرية كوبر نيقوس الفلكية التي جعل منها نظرية ميتافيزيقية عن كثرة لا متناهية من العوالم غير المحدودة. # 1561-1626م؛ فرانسيس بيكون: # المبشر بالعلم والمنهج التجريبي الاستقرائي الجديد على باب العصر الحديث. الأورجانون الجديد (1620م) جزء من «الإصلاح العظيم» الذي لم يتمه. الدعوة البليغة إلى التجربة والملاحظة لأجل السيطرة على الطبيعة واستغلال قوانينها لسعادة الإنسان ورخائه (المعرفة قوة!) اليوتوبيا العلمية (في رواية أطلانطيس الجديدة التي لم يتمها). ~~(8-4) المذاهب الكبرى ~~(أ) المفكرون العظام # 1596-1650م؛ رينيه ديكارت: # مفكر حدد العصور التالية واستحق أن يسمى أب الفلسفة الحديثة. أساس الفلسفة والعلم عنده: اليقين الذاتي للأنا (أنا أفكر فإذا إذا موجود! كوجيتو إرجو سوم) فأصبحت الميتافيزيقا من بعده هي ميتافيزيقا الذاتية. ثنائية الجواهر عنده حاسمة: الجوهر المفكر أو الشيء العارف (أي الوعي والروح والنفس والعقل) والجوهر الممتد (أي العالم والطبيعة والأجسام): «التأملات في الفلسفة الأولى» (1641م). وعي منهجي متطور أثر على التالين له ففكروا في مشكلة المنهج وضرورته وكتب معظمهم عنه (مقال عن المنهج 1637م) محاولة إنشاء ميكانيكا الجواهر الممتدة على أساس الهندسة التحليلية (مبادئ الفلسفة 1644م) رسالته عن انفعالات النفس (1649م). # راجع عنه في العربية كتاب «ديكارت» لأستاذنا المرحوم الدكتور عثمان أمين وترجمته للتأملات و«مبادئ الفلسفة»، وكذلك ترجمة المقال عن المنهج للمرحوم الأستاذ محمود الخضيري، وديكارت للدكتور نجيب بلدي، وتاريخ الفلسفة الحديثة للأستاذ يوسف كرم، ودراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة للدكتور يحيى هويدي، وتاريخ الفلسفة الغربية لراسل، الجزء الثالث من ترجمة الدكتور محمد فتحي الشنيطي. # 1558-1679م؛ توماس هويز: # أعنف المفكرين الإنجليز ومن أقواهم أثرا، الفلسفة عنده «نظرية عن الأجسام»، وهي فلسفة اسمية-عقلانية، والتفكير فيها نوع من الحساب. تصوره للموجود تصور مادي، وللمعرفة تجريبي، وللإنسان طبيعي، وللدولة مطلق (التنين 1651م). كان لنظريته الطبيعية عن المجتمع والدولة تأثير ضخم: ففي «الحالة الطبيعية» تسود «حرب الجميع على الجميع»، ولا ms134 ينهي هذه الحالة إلا «العقد» الذي تنشأ الدولة بمقتضاه فيخضع كل سكانها «للتنين». إلغاء الجوهر المفكر الذي قال به ديكارت. # 1632-1677م؛ بنيدكت اسبينوزا: # مفكر عظيم وحيد، اتبع في عرض فلسفته في وحدة الوجود منهجا رياضيا دقيقا (وضع كتابه في الأخلاق «على الطريقة الهندسية») تتداخل فيه دوافع عقلية صوفية. ألغى ثنائية الجواهر التي قال بها ديكارت، بحيث أصبح هذان الجوهران هما الصفتان المعروفتان لنا عن الجوهر الإلهي الواحد (عبارته المشهور: الله أو الطبيعة) وبذلك أحل التوازي بين الجوهرين محل التأثير المتبادل الذي حاول ديكارت وأتباعه أن يقيموه بينهما فلم يحالفهم التوفيق كثيرا. المثل الأخلاقي الأعلى عنده هو التحرر من سيطرة الانفعالات عن طريق الإدراك الواضح والتبصر العقلي بالقوانين الأبدية (الحتمية!) للوجود، هذا الإدراك العقلي الواضح والمعرفة التامة المتميزة بالأشياء والانفعالات والسيطرة عليها هي في نفس الوقت محبة الله وفيها تكمن الحرية والسعادة والفضيلة. أثر تأثيرا كبيرا على ليسنج وهيردر وجوته بوجه خاص وشيلنج وشلير ماخر وهيجل وغيرهم. # راجع عنه في العربية: اسبينوزا للدكتور فؤاد زكريا، والحقيقة بحث فلسفي للدكتور نظمي لوقا، وترجمة رسالته في اللاهوت والسياسة للدكتور حسن حنفي، وتاريخ الفلسفة الحديثة للأستاذ يوسف كرم. # 1632-1704م؛ جون لوك: # الممثل الرئيسي لعصر التنوير في إنجلترا وللنزعة التجريبية التي اكتملت على يديه (مقال عن الفهم الإنساني 1690م) يرفض الأفكار الفطرية التي قال بها ديكارت، ويستمد المعرفة كلها من التجربة الباطنة والظاهرة (أي من الإحساس والتأمل) ويؤيد الدين الطبيعي أو التدين العقلي الذي يسلم بوجود الله وخلقه للطبيعة وقوانينها ولكنه ينكر الوحي، كما ينكر كل تأثير إلهي فائق للطبيعة (معقولية الديانة المسيحية 1695م) وقد سادت هذه النزعة العقلية عصر التنوير، وبدأت في إنجلترا قبل أن تمتد إلى فرنسا وألمانيا لتنتهي إلى المادية والإلحاد. والأخلاق عنده هي أخلاق السعادة، ونظريته السياسية فردية ومتحررة (ليبرالية). وقد طور «مونتسكيو» نظريته عن العقد السياسي أو الدولي وتوزيع السلطات، كان له تأثير كبير على ليبنتز وكانط. # راجع عنه في العربية: جون لوك للدكتور عزمي إسلام، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، ms135 دار المعارف بالقاهرة. # 1646-1716م؛ جوتفريد فيلهلم ليبنتز: # فيلسوف، ورياضي، ومنطقي، وباحث طبيعي، ودبلوماسي، ومؤرخ، ... إلخ وأكبر عقلية موسوعية في القرن السابع عشر. اتجهت جهود حياته وفلسفته إلى التوفيق بين الاتجاهات التعارضة: بين النظرية والتطبيق، والإيمان والعلم، والتصور الآلي والتصور العضوي والغائي للطبيعة، بين الفلسفة القديمة واللاهوت المسيحي والعلم الطبيعي الآلي في عصره، بين الفرق والكنائس المسيحية (البروتستنتية والكاثوليكية) وبين الرياضة الكلية والميتافيزيقا الفردية (المونادولوجيا 1714م) حيث يتصور أن كل الكائنات جواهر فردة بسيطة، تتسلسل حسب وضوح تصورها وإدراكها وانعكاس العالم عليها من الجماد والنبات والحيوان والإنسان حتى المونادة العظمى (الله) الذي رتبها عند الخلق بحيث يتسق التصور عند كل منها مع أحداث العالم في مجموعه (الاتساق المدبر أو التجانس بقدر) وبحيث يصبح هذا العالم أفضل عالم ممكن (التيوديسية، عن خيرية الله وحرية الإنسان وأصل الشر 1710م). # اكتشف حساب التفاضل والتكامل مستقلا عن نيوتن، وبدأ خطوات هامة على طريق المنطق الرمزي، وشرع في وضع «رياضة كلية» تختصر المعرفة البشرية وتستعيض بالأرقام والحساب عن الكلمات والخلافات. مهدت أفكاره لعصر التنوير، وأثر على كانط والمثالية الألمانية. # راجع عنه في العربية: المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي (ترجمة ودراسة لكاتب السطور) وتاريخ الفلسفة الحديثة للأستاذ يوسف كرم، وليبنتز للدكتور جورج طعمة. ~~(ب) معاصرون للمفكرين العظام # 1583-1648م؛ شريري، هربرت: # مؤسس نزعة التدين الطبيعي في إنجلترا (راجع ما سبق عن جون لوك) الذي يخضع الدين (في الكتاب المقدس) لتبرير العقل والغرائز العليا المشتركة بين البشر كما تصدر عنه قواعد الأخلاق العملية. # أهم مؤلفاته باللاتينية: الحقيقة (1624م)، أسباب الأخطاء (1645م)، ديانة الناس (1645م)، بجانب ترجمة ذاتية ظهرت بالإنجليزية بعد موته. # 1592-1655م؛ جاسندي، بيير: # محاولة التوفيق بين النزعة الذرية والحسية وبين العقائد المسيحية. تجديد فلسفة ديموقريطس الطبيعية وأخلاق اللذة والسعادة عند أبيقور وديموقريطس. خصم ديكارت وعدو النزعة الأرسطية والمدرسة الغالبة. من مؤلفاته باللاتينية: حياة أبيقور وعاداته ومذهبه، عبارات أبيقور الفلسفية. # 1623-1662م؛ بليز باسكال: # فيلسوف وعالم رياضي وطبيعي، كتب في السابعة عشرة من عمره رسالة هامة عن القطاعات المخروطية ms136 كما توسع في حساب المجاميع والاحتمالات واكتشف المثلث المعروف باسمه. يعد تفكيره رد الفعل على النزعة العقلانية التي سادت العصر في العلم والفلسفة واللاهوت فتشكك فيها وواجهها ب «منطق القلب» المؤمن الذي لا يعرف العقل عنه شيئا؛ فيقين العقل الإنساني (كما يتجلى خصوصا في الرياضيات بوصفها أكمل مناهج البحث العلمي في نظام الطبيعة) لا يكفل اليقين والأمان للوجود والسلوك الإنساني الذي يتجاوز حدود السلوك العلمي. وهداية الإنسان لا تأتي أيضا من أي دليل فلسفي على وجود الله، وإنما تأتي من الجواب على هذا السؤال: ماذا يحدث للإنسان بعد الموت، هل يصير إلى النعمة الأبدية أم إلى اللعنة الأبدية؟ وهو سؤال قلق عن نجاة الإنسان أو خلاصة، يعجز العقل أن يجيب عنه بالاعتماد على نفسه. ازداد إحساس باسكال بوحدة الإنسان وتناقضه وتعاسته وعجزه وضياعه وهو يرى نفسه ملقى كالعدم بين لا نهايتين، وليس له أمام الكون غير المحدود إلا أن يشعر بعظمته التي تجعله يحيطه بفكره ووعيه بأنه كذلك كون في مواجهة العدم. وقد ظل باسكال يعاني من هذا القلق اليائس حتى عاين في ليلة الكشف المشهورة (23 / 11 / 1654م) حضور الرب الحي الذي بشر به الإنجيل (رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويسوع المسيح لا رب الفلاسفة!) وسجل رؤيته لهذه النار المقدسة في «وصية» خاطها في ثوبه الخشن ولم تكتشف إلا بعد موته. لم يمكنه المرض المستمر من إتمام كتاب يدافع فيه عن المسيحية، ويكشف عن مغالطات العقل الذي يتصور في نفسه القدرة المطلقة، ونشرت الشذرات الباقية منه في كتابه الخالد «خواطر» (عن الدين)، وتولى نشر مؤلفاته (في 14 مجلدا من سنة 1908 إلى سنة 1923م) وترقيم خواطره ترقيما علميا الفيلسوف الفرنسي ليون برونشفيج. # راجع عنه في العربية: كتاب باسكال للدكتور نجيب بلدي. # 1625-1669م؛ أرنولد جيلنكس: # مؤسس النزعة التي يطلق عليها «نزعة المناسبة» وهي النظرية التي قال بها مع مالبرانش (1638-1715م) ونشأت عن مشكلة العلاقة بين الجسم والنفس التي تركها ديكارت بغير حل مقنع، ومن رأيهما أن كل حدث ترتبط فيه العلة ms137 بالمعلول لا تؤثر الأشياء ولا تفعل فعلها على بعضها البعض، وإنما تكون مجرد شروط أو أدوات لفعل وحيد هو الفعل الإلهي. وقد ألغت فكرة تبادل التأثير والتأثر بين الجواهر على أساس القول بأن الفاعل الحقيقي هو الله وأن أفعال الإرادة والأعضاء ما هي إلا «مناسبة له». # 1647-1706م؛ بيير بايل: # كاتب وفيلسوف فرنسي من عصر التنوير. يفصل بين العلم والإيمان ويبشر باستقلال الأخلاق العقلية. ~~ كتابه عن «مذهب «أو نسق» الفلسفة» (1737م) يكشف عن نزعته الديكارتية، أما قاموسه التاريخي والنقدي (1695-1697م) الذي أحرز شهرة كبيرة في أيامه فيكشف عن نزعة الشك الغالبة عليه. دخل في مجالات مع معظم رجالات عصره، وخصوصا ليبنتز. ~~(8-5) عصر التنوير # سيادة العقل المستقل ~~(أ) في إيطاليا وإنجلترا # 1643-1727م؛ إسحاق نيوتن: # كوكب العلم الساطع في عصره، الذي حاول «كانط» بعد ذلك أن يبرر أصوله الفلسفية. فلسفة طبيعية ميكانيكية، المكان المطلق بمثابة «الجهاز الحسي» للألوهية، اكتشاف قوانين الجاذبية. # 1668-1744م؛ جامبا تمستا فيكو: ~~«العلم الجديد» (1725م) وضع الأسس الجديدة لفلسفة التاريخ وعلم النفس الاجتماعي. خالف النزعة العقلية التحليلية عند ديكارت وانطلق من الأفلاطونية المحدثة في عصر النهضة (كامبانيلا) بحثا عن القوانين - التي تحددها العناية الإلهية - وتتحكم في تطور التاريخ وتتابع مراحل الحكم الإلهي المطلق (الثيوقراطي) والبطولي والمدني في تاريخ الشعوب. الدين في رأيه مبدأ إيجاد المجتمع وحفظه. أثرت فلسفته في التاريخ والمجتمع على فلسفة التاريخ الحديثة، وبخاصة عند هيردر. يذكرنا رأيه عن الروح الإلهي الذي يحدد الروح البشري العام في مساره التاريخي بفلسفة هيجل عن التاريخ، كما تذكرنا نظريته عن ازدهار الحضارات وانهيارها في دورة دائمة بفلسفة شبنجلر، أما نظريته السابقة عن المراحل الثلاث فتشبه قانون الأحوال الثلاثة المشهور عند أوجست كونت. # 1671-1713؛ شافتسبري: # النزعة الأخلاقية الجمالية، الفضيلة والجمال شيء واحد. أثره كبير على الأدب الكلاسيكي (خصوصا جوته وشيلر) والرومانتيكي في ألمانيا. # 1685-1753م؛ جورج بركلي: # وضع أسس المثالية الذاتية، ميتافيزيقا روحية (الوجود إدراك أو تصور) الكائنات العقلية (أو الروحية) المفردة هي الموجودات الواقعية بحق، وماهيتها تكمن في الفعل الإرادي والتصور ms138 الواعي. أما الطبيعة، من حيث هي مجال الأجسام الحسية، فلا واقع لها إلا من حيث إنها متصورة (فكرة)، وهي في مجموعها وفي سياقها المنتظم تقوم على تصور الله، والله هو الكائن العقلي (الروحي) الأسمى الذي يوجد عن طريق تصوره الكائنات العقلية المتكثرة كما يوجد تصوراتها عن الطبيعة (رسالة من مبادئ المعرفة البشرية 1710م). # راجع عنه في العربية: كتاب جورج باركلي للدكتور يحيى هويدي، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، وكذلك ترجمته وتقديمه لمحاوراته الثلاث بين هيلاس وفيلونوس. # 1711-1776م؛ ديفيد هيوم: # فيلسوف ومؤرخ استكتلندي، أهم فلاسفة عصر التنوير في إنجلترا، والمؤسس الحقيقي للنزعة الوضعية والنفسية (السيكلوجية). يمثل النزعة التجريبية الشكية: هدم القصور العقلي (أو القبلي) لفكرتي الجوهر والعلية (رسالة عن الطبيعة الإنسانية 1738-1740م) فالفكر الإنساني عنده خلو من أية فاعلية أو تلقائية، وما «الأفكار» إلا مدركات حسية، تنشأ «بعد» التجربة، فمقولة العلية مثلا تأتي من التعود والتجربة المتكررة. وقل نفس الشيء عن فكرة الجوهر وفكرة الله والأفكار الأخلاقية التي سلط عليها هيوم نقده النفسي النافذ. بل إن النفس عنده لا تعدو أن تكون «حزمة» من التصورات والإحساسات. هذا الشك في يقين الأفكار والقوانين «القبلية» (أي التي تسبق التجربة ولا تستمد منها) هو الذي أفزع «كانط» وأيقظه - على حد تعبيره - من سباته! # راجع في العربية كتاب «ديفيد هيوم» للدكتور زكي نجيب محمود وفلسفة هيوم والنظرية السياسية عند ديفيد هيوم ومحاورات في الدين الطبيعي لهيوم وكلها للدكتور محمد فتحي الشنيطي. ~~(ب) في فرنسا # 1689-1755م؛ مونتسكيو: # تحليل التاريخ والقانون والدولة بروح عصر التنوير (روح القوانين 1748م) تخلى في هذا الكتاب عن التفكير القانوني الشكلي وحاول أن يفسر القوانين والأخلاق وأشكال الحكم لدى الشعوب المختلفة على أساس نظرية البيئة، مؤكدا أنها مشروطة بظروفها التاريخية والطبيعية، من مناخ وتربة ومعالم جغرافية. انتقد الحكم المطلق بشدة، وتأثر بالدستور الإنجليزي - الذي أوضح في رسائله الفارسية (1721م) أنه أكثر الدساتير تقدما وأن الدستور الفرنسي هو أشدها تخلفا! - كما تأثر بفلسفة لوك السياسية في نظريته عن الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ms139 وبحث في كتابه «خواطر عن أسباب عظمة الرومان وانهيارهم 1734م» عن ازدهار الإمبراطورية الرومانية وانحلالها. # 1694-1778م؛ فولتير: # أشهر كاتب ومؤرخ وفيلسوف فرنسي في عصر التنوير. تأثر تأثرا كبيرا بفلسفة التنوير في إنجلترا (لوك ونيوتن) سلط نقده الساخر على النظامين الاقطاعي والكنسي الذي اعتبره العدو اللدود للتقدم والتطور، وراح يطالب بالتسامح الديني والمساواة أمام القانون، وفرض الضرائب على الملكية، وحرية القول والتفكير والاعتقاد. تحفل نظراته الفلسفية بالمتناقضات، فهو يميل لمادية لوك ويدعو إلى التجربة والبحث العلمي للطبيعة، ويرفض أفكار ديكارت عن النفس وينتقد الثنائية، ويرى استحالة معرفة الحقائق المتعالية كخلود النفس وحرية الإرادة، ولكنه يقرر أن التجربة تشير إلى وجود عقل أسمى ومهندس أزلي هو المبدأ الفعال الكامن في الطبيعة. صور في كتابه الأساسي «مقال عن عادات الأمم وروحها» (1756م في ستة مجلدات) التاريخ العالمي في صورة الكفاح البشري المتصل في سبيل التقدم والتحضر. يرجع إليه الفضل في صياغة مصطلح فلسفة التاريخ. هاجم في روايته الفلسفية «كانديد أو التفاؤل» (1759م) فكرة خلود النفس وحمل حملة شديدة على تفاؤل ليبنتز. من أهم مؤلفاته الفلسفية: رسائل فلسفية عن الإنجليز 1734م، عن الإنسان 1738م، مبادئ فلسفة نيوتن 1738م، القاموس الفلسفي 1764م، التاريخ العالمي 1769م. وقد شارك ديدرو في تأليف الموسوعة الشهيرة. # 1709-1751م؛ لامتري: # فيلسوف وطبيب، يمثل النزعة المادية الصريحة (الإنسان الآلة 1748م). من أصحاب هذه النزعة أيضا هلفيتيوس (عن العقل 1758م) والبارون هولباخ (نسق الطبيعة أو قوانين العالم الطبيعي والأخلاقي 1770م) وقد انتهت هذه المادية إلى الإلحاد. # 1751-1772م: # ظهور الموسوعة (أو المعجم المرتب للعلوم والفنون والحرف في 28 مجلدا) بإشراف مؤسسها الأديب الفيلسوف «ديدرو» (1713-1784م)، واشترك معه فيها «دالمبير» (1717-1783م) وروسو وفولتير. ~~ ساهمت الموسوعة بأكبر نصيب في نشر أفكار عصر التنوير (استقلال العقل، النزعة المادية والطبيعة، التدين الطبيعي). # 1712-1778م؛ جان جاك روسو: # أديب وناقد حضارة وفيلسوف فرنسي سويسري، تجاوز أفكار عصر التنوير في فرنسا و«نظرت» أفكاره السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية التي مات قبل قيامها. كتاباته متأثرة بحياته الشخصية: القلب في مقابل العقل، والطبيعة الأصلية ms140 «البريئة» في مقابل النقص والفساد والشر الذي تولد عن المجتمع والعلم والفن (كما عاناه في نفسه واعترف به!) الأولية عنده لقوانين الطبيعة والقلب والضمير الذي يميز بين الخير والشر (مقال عن العلوم والفنون 1750م) كان البشر يعيشون في الأصل في حالة من الفقر والبراءة الطبيعية، ثم حلت الموهبة (أو البراعة) والتحصيل محل الفضيلة فأوجدوا الفرقة بينهم وعدم المساواة التي زادتها نشأة الملكية، مما دعاهم إلى إبرام عقد سياسي لتكوين الدولة (هوبز!) وتدخل الطغاة الذين قلبوا النظام الطبيعي من أساسه (مقال عن الأصل في عدم المساواة وأسسها 1754م). ولما كان الإنسان حرا بطبيعته، وكان الإكراه القانوني من ناحية أخرى ضروريا في ظل الحالة الحضارية السائدة (التي لا يمكن التراجع عنها) فلا بد أن يراعى في تشكيل الدولة ألا يطيع الإنسان إلا نفسه، ولا يتحقق هذا حتى تصبح سلطة الدولة تعبيرا عن «الإرادة الجماعية» (وهي تختلف اختلافا تاما عن إرادة الجميع التي هي محصلة الإرادات الفردية الأنانية!) وتتألف هذه الإرادة الجماعية عن طريق «العقد الاجتماعي» (1762) الذي يمثل إرادات الأفراد، وتحاول نظريته في التربية (السلبية!) أن تحافظ على «الإنسان الطبيعي» بتخليصه من «الخطيئة الأصلية» (إميل أو التربية، 1762م). # راجع عنه في العربية: جان جاك روسو للمرحوم الدكتور محمد حسين هيكل، العقد الاجتماعي ترجمة الأستاذ عادل زعيتر، إميل أو التربية ترجمة الدكتور نظمي لوقا، اعترافات جان جاك روسو ترجمة الأستاذ محمد بدر الدين خليل. # 1727-1781م؛ ترجو: # فلسفة في التاريخ ذات نزعة وضعية واجتماعية. شارك هولباخ وديدرو وهلفيتيوس في أفكارهم المادية وبين في درساته التاريخية أن تطور المجتمع مرتبط ارتباطا وثيقا بتطور أشكال الحياة الاقتصادية، وأكد أهمية التنمية وتقدم العلوم والصناعات في التقدم الاجتماعي. ~~ كما شارك مدرسة «الفيزيوقراطيين» رأيهم في أن «فائض القيمة» يوجد في مجال الإنتاج لا في مجال التوزيع. توصل إلى بعض الأفكار المتقدمة عن التقسيم الطبقي للمجتمع وطبيعة الأجور واقترب من التحديد العلمي لمفهوم الطبقة. أهم كتبه هو «تأملات عن تكوين الثروات وتوزيعها» (1776م). ~~(ج) في ألمانيا # 1679-1754م؛ كرستيان فولف: # أهم ممثل ms141 لعصر التنوير في المانيا. نزعة عقلانية معتدلة ذات اتجاهات أخلاقية وتوفيقية. أكد الفصل بين الفلسفة واللاهوت وقسم الميتافيزيقا، لأول مرة، إلى فروع مستقلة. ~~ أدت فلسفته بثقتها المطلقة في العقل البشري وقدرته على المعرفة، إلى انتشار العقلانية الدجماطيقية (لتي تقطع بقدرة العقل وحده على إثبات الحقائق المتعالية) التي أثرت في البداية على كانط قبل أن يتصدى للهجوم عليها بنفس القوة التي هاجم بها النزعة الشكية، كان له دور كبير في خلق المصطلح الفلسفي في اللغة الألمانية. # 1729-1781م؛ جوتهولد إفراييم ليسنج: # كاتب مسرحي وناقد أدبي (اللائوكون!) ومفكر من أتباع فلسفة التنوير. نشر في سنة 1774-1777م شذرات من كتاب أحد أصحاب التدين الطبيعي والعقلي وهو هرمان صمويل رايماروس (1694-1768م) (كتاب لحماية عبيد الله العاقلين)، وكذلك تربية الجنس البشري (1780م) حاول أن يوازن بين عقلانية القرن الثامن عشر والتراث الديني الغربي. ولكن توحيده بين العقل والوحي يلغي تاريخية المسيحية ويسيء فهم الوحي الذي اعتبره «حيلة تربوية» من العقل الذي لم يشفع له أنه تصوره تصورا إلهيا! ~~ ولعل أبقى ما في «فلسفة» ليسنج هو دعوته إلى الحب والتسامح بين الشعوب والأديان (كما تعبر عنه مسرحيته المشهورة ناتان الحكيم التي يصور فيها صلاح الدين الأيوبي نموذجا للنبل والمروءة) وحربه الدائمة على الظلم والتعصب وخنق الحريات والحجر على العقل. # راجع عنه: تربية الجنس البشري من ترجمة الدكتور حسن حنفي، وكذلك ترجمة الدكتور مصطفى ماهر لمسرحيته «مينافون بارنهيلم». # 1729-1786م؛ موسى مندلسون: # فيلسوف يهودي، كان صديق ليسنج ودافع عنه ضد من اتهموه بالإلحاد (مثل ياكوبي). روج فلسفة التنوير وبسطها بجانب جهوده في تطوير اليهودية في عصره تطويرا عقليا. ~~(8-6) خصوم فلسفة التنوير # 1730-1788م؛ يوهان جورج هامان: # سمي «المجوسي القادم من الشمال» بسبب غموض لغته المجنحة وازدحام أسلوبه بالصور والرموز والاستعارات. علاقة الإنسان بالعالم تقوم في رأيه على عاطفة الإيمان والتسليم، وذلك على عكس الروح العامة لعصر التنوير. هذه العاطفة هي مصدر الشعور بتجلي الله في الطبيعة والتاريخ. والحقائق العليا لا تقبل البرهنة عليها، وإنما تجرب فحسب كتجربة أسرار الإيمان ms142 المسيحي. ويخالف هامان كانط في فصله بين عالم «الظواهر» وعالم الحقائق، وتمييزه ملكة الحساسية من ملكتي الفهم والعقل؛ إذ يرى أن الخلق وحدة جسدية وعقلية واحدة، وأن ملكات الإنسان كذلك موحدة، وتتحقق هذه الوحدة في اللغة التي يرتبط فيها الحدس (العيان) والفكر برباط وثيق. تأثر بجوردانو برونو وليبنتز واسبينوزا، وكان صديق جوته - شاعر الألمان الأكبر - وهيردر وياكوبي وكانط الذي لم يتوان مع ذلك عن معارضته! # 1744-1803م؛ يوهان جوتفريد هيردر: # مؤسس فلسفة التاريخ في الفكر الألماني الحديث ورائد النظرة الروحية والإنسانية في ميادين عديدة، وبخاصة في ميدان الأدب (إذ يعد مؤسس الحركة المعروفة بالعصف والدفع التي أطلقت عبقرية الخيال من قيود العقلانية وألهمت جوته في صدر شبابه) كان تلميذ كانط ثم أصبح خصمه (ما بعد النقد 1799م) طبق فكرته العضوية الحية على تطور الطبيعة والتاريخ، فالإنسان هو أعلى أشكال التطور الطبيعي، وتحقيق فكرة الإنسانية هو هدف التطور التاريخي الذي تزدهر فيه الحضارات وتتدهور في دورات متعاقبة (أفكار عن فلسفة تاريخ الإنسانية 1784-1791م). وتذكر لهيردر بحوثه عن نشأة اللغة، واهتمامه بترجمة الشعر الشرقي وتقديم كنوزه للقارئ الغربي. # 1743-1819م؛ ياكوبي، فريدريش هينريش: # فلسفة الشعور والإيمان لفت الأنظار بكتابه عن «مذهب اسبينوزا» (1785م) الذي وضعه في شكل رسائل موجهة إلى موسى مندلسون، وقد أدان فيه كل فلسفة مبنية على العقل، وبين أن الفلسفة الحقة تقوم على الشعور والإيمان ولا تبدأ إلا حيث تنتهي «السبينوزية» المؤدية للإلحاد. وبهذا المعنى لقب نفسه «الوثني بالعقل، والمسيحي بالوجدان». ~~ عارض كلا من هيوم وكانط في كتابه «ديفيد هيوم ورأيه في العقيدة أو المثالية والواقعية» (1787م) كما اشتبك في حوار مع كل من فشته «كتاب إلى فشته» (1799م) وشيلنج «الأمور الإلهية» (1811م). يعد معلم الرومانتيكيين في الفلسفة والمبشر بالنزعة الفردية الحديثة. فهو يهاجم العقل ويؤكد عجزه عن تخطي حدود التجربة الحسية التي هي مصدر المعرفة، كما يؤكد قصوره عن إثبات وجود الأشياء. ولهذا فإن الشعور الديني الذي تقوم عليه الفلسفة الحقة لا يمكن فهمه من وجهة نظر عقلانية: «أن الأشخاص ms143 جميعا، بل كل الأشياء توجد في الحياة التي هي الله» نمت بعض بذور تفكيره بعد ذلك في شجرة فلسفة الحياة وفلسفة الوجود المعاصر. ~~(8-7) المثالية الألمانية # 1724-1804م؛ إمانويل كانط: # بدأت معه مرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ التفلسف الغربي، ومنه انطلقت «المثالية الألمانية» التي وضع أسسها. أعظم مفكري القرن الثامن عشر. بعد المرحلة الأولى من تطوره الفلسفي التي تسمى مرحلة ما قبل النقد، جاءت مرحلة «التحول الكوبرنيقي» التي اتجه فيها إلى بناء فلسفته النقدية أو «المثالية الترنسندنتالية» فأتم مؤلفاته النقدية الكبرى: «نقد العقل الخالص» (1781م، الطبعة الثانية مع مقدمة جديدة وتغييرات هامة 1788م) و«نقد العقل العملي» (1788م) و«نقد ملكة الحكم» (1790م) و«الدين في حدود العقل وحده» (1793م)، التغلب على التعارض التقليدي بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية عن طريق المثالية النقدية أو الترنسندنتالية (الشارطية المتعلقة بالشروط القبلية لكل معرفة ممكنة بالتجربة)، ثنائية عالم الظواهر وعالم الحقائق أو الأشياء في ذاتها. ~~ نقائض العقل الخالص، الأمر الأخلاقي المطلق. # راجع عنه في العربية: كانط والفلسفة النقدية للدكتور زكريا إبراهيم، كانط وفلسفته النظرية للدكتور محمود فهمي زيدان، إمانويل كنت للدكتور عبد الرحمن بدوي، رواد المثالية للدكتور عثمان أمين، ومن ترجمات مؤلفاته: التمهيد لكل ميتافيزيقا مقبلة تريد أن تصبح علما للدكتورة نازلي إسماعيل، أسس ميتافيزيقا الأخلاق للدكتور محمد فتحي الشنيطي، ونفس الكتاب من ترجمة كاتب السطور «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق»، والسلام الدائم للدكتور عثمان أمين. # 1762-1814م؛ يوهان جوتليب فشته: # المثالية «الذاتية». الفلسفة عنده هي «التأمل الذاتي العارف للفاعلية الأخلاقية الخلاقة للشخصية» (أو الأنا على حد تعبيره)، ولهذا يسمي فلسفته مذهب العلم أو نظرية المعرفة (التي عالجها منذ عام 1794م في عشر صيغ مختلفة!) وبهذا المعنى يقرر فشته ثلاثة أفعال للأنا: (1) الأنا تضع ذاتها. (2) الأنا تضع اللا-أنا. (3) الأنا تضع داخل «الأنا» لا-أنا منقسمة في مقابل الأنا المنقسمة. وليست هذه الأنا إلا مضمون العقل والإرادة والأخلاقية والإيمان، أما اللاأنا فهي تدل على الطبيعة والمادة، والعلاقة بينهما تعبير عن إرادة الإنسان الساعية إلى التحرر. والأنا لا تحددها الأشياء، وإنما هي التي ms144 تحدد الأشياء، ووعيها بوجود العالم خارجها - وهو نتاج تصورها - هو الذي يمدها باليقين عن حريتها، فليس العالم إلا مادة فاعليتها ومسئوليتها عن أداء الواجب. ومن ثم ضرورة تثقيف العقل والجسم والاندماج في مجتمع إنساني يكفل لمواطنيه الحرية والملكية وفرص العمل والحماية (دولة الفعل المغلقة 1800م) من مؤلفاته: مذهب العلم (1794-1795م)، مصير - أو غاية - الإنسان (1804م)، معالم العصر الحديث (1806م)، نداءات إلى الأمة الألمانية (1805م). # راجع عنه في العربية: «غاية الإنسان» ترجمة وتقديم الدكتورة فوقية حسين محمود، المثالية الألمانية، شيلنج للدكتور عبد الرحمن بدوي (به فصل عن فشته)، رواد المثالية للدكتور عثمان أمين، تاريخ الفلسفة الحديثة للأستاذ يوسف كرم. # 1775-1854م؛ فريدريش فيلهلم شيلنج: # المثالية «الموضوعية» مرحلة الفلسفة «السلبية» 1794-1815م التي اتجه بعدها إلى فلسفة الطبيعة (نسق الفلسفة الطبيعية 1798-1799م)، ثم مرحلة الفلسفة «الإيجابية» التي اتجه فيها إلى فلسفة الدين (فلسفة الأساطير والوحي). فيلسوف الرومانتيكية الألمانية الذي انتهى إلى مناقشة مشكلة حرية الإنسان وعلاقته بالله وبلغ أعماقا صوفية مظلمة. # راجع عنه في العربية: المثالية الألمانية، شيلنج، للدكتور عبد الرحمن بدوي. # 1770-1831م؛ جورج فيلهلم فريدريش هيجل: # المثالية «المطلقة». استطاع أن يؤلف الحركة المثالية والفلسفة الغربية الحديثة في نسق موسوعي هائل: «ظاهريات الروح» (1807م)، علم المنطق (1812-1816م)، دائرة معارف العلوم الفلسفية (1817-1830م)، فلسفة الحق (1821م)، محاضرات نشرها تلاميذه عن فلسفة تاريخ العالم، وتاريخ الفلسفة وعلم الجمال وفلسفة الدين. # راجع عنه في العربية: المنهج الجدلي عند هيجل للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، والمنهج الجدلي بعد هيجل لنفس المؤلف (رسالة تحت الطبع)، هيجل أو المثالية المطلقة للدكتور زكريا إبراهيم، هيجل للدكتور عبد الفتاح الديدي، المثالية الألمانية، شيلنج للدكتور عبد الرحمن بدوي (وبه فصلان عن فشته وهيجل)، ومن مؤلفاته المترجمة: محاضرات في فلسفة التاريخ للدكتور إمام عبد الفتاح إمام (ظهر الجزء الأول والثاني تحت الطبع) وموسوعة العلوم الفلسفية وأصول فلسفة الحق (لنفس المترجم تحت الطبع). ~~(8-8) معاصرون للمثاليين الكبار # 1748-1832م؛ جيريمياس بنتام: # مؤسس الفلسفة النفعية عن اللذة أو السعادة الاجتماعية (أكبر قدر ممكن من اللذة لأكبر عدد ms145 ممكن من الناس). # 1765-1841م؛ فرانزفون بادر: # تأملات صوفية إلهية. كان في الأصل عالما طبيعيا (متخصصا في المناجم) ثم تحول إلى النزعة الرومانتيكية الصوفية تحت تأثير يوهمه وشيلنج وهيجل والمتصوف الفرنسي سان مارتان الذين أثر بدوره عليهم. المعرفة عنده مشاركة الإنسان في العقل الإلهي والمعرفة الإلهية؛ لأن الفكر الواقعي - الذي لا يمكن أن تنفصل فيه الذات عن الموضوع - لا يبدأ بالتفكير في الله، وإنما يفكر به ومعه وبواسطته. حاول في فلسفته الاجتماعية الأصلية تجديد الطبقات والفئات على أساس غير رأسمالي. # 1767-1835م؛ فيلهلم فون همبولت: # فلسفة اللغة والنزعة الإنسانية (نظرية فردية وجمالية عن فكرة الإنسانية) وفلسفة السياسة. أثر على مناهج البحث التاريخي واللغوي المقارن (تفهم الشخصيات والعصور تفهما حيا متعاطفا واعتبار اللغة تعبيرا عن روح الجماعة وحماية لها). ساهم في إصلاح التعليم وتأسيس جامعة برلين سعيا وراء مثله الإنساني الأعلى. حدد مهمة الدولة في كتابه «خواطر عن محاولة تعيين حدود فاعلية الدولة» (1851م) بالحماية من العدوان الخارجي ورعاية الأمن والقانون في الداخل، بشرط الاقتصاد بقدر الإمكان في التدخل في شئون الأفراد والشعوب حتى لا تعوق تطورهم. # 1768-1834م: فريدريش دانيل إرنست شلير ماخر: ~~«واقعية مثالية»، فلسفة الدين (أحاديث عن الدين إلى محتقريه من المثقفين 1799م) ترجمة محاورات أفلاطون إلى اللغة الألمانية (1804م وما بعدها). # 1772-1829م؛ فريدريش شليجل: # نزعة مثالية جمالية، فلسفة الحياة، التعبير الفلسفي عن «قدر» الرومانتيكية يبدأ بالحنين الغامض وينتهي إلى التشكيل الفني والفكري وفلسفة الأنا الشاملة، وإخضاع العقل لحقائق الكنيسة الكاثوليكية. # 1772-1801م؛ نوفاليس: # شاعر فيلسوف، المثالية «السحرية» القائمة على أسس رومانتيكية ومسيحية، وهي فلسفة الاستقطاب أو التوازن الدينامي بين الواقع والمثال والخيال في الإنسان، وبين الإنسان والعالم. # راجع عنه في العربية: الموت والعبقرية للدكتور عبد الرحمن بدوي، وثورة الشعر الحديث (الجزء الأول) لكاتب السطور. # 1773-1843م؛ ياكوب فريدريش فريز: # تفسير إنساني (أنثوبولوجي) ونفسي لنقد العقل عند كانط. نقد جديد أو أنثربولوجي للعقل (1807م) تأثر «بياكوبي» فأقام الدين على «استشعار» المتعالي أو فوق المحسوس (المعرفة والإيمان والاستشعار 1805م). # 1776-1841م؛ يوهان فريدريش هربارت: # فيلسوف ms146 وعالم نفس وتربية. عنده أن الفلسفة هي توضيح الأفكار (المنطق) وتصويبها (الميتافيزيقا) وتكملتها (علم الجمال والأخلاق). كان لآرائه في التربية والتعليم تأثير كبير في القرن التاسع عشر. # 1781-1832م؛ كارل كرستيان فريدريش كراوزه: # تتلمذ على فشته وشيلنج. فلسفة وحدة وجود حلولية، ومحاولة تطوير مذهب كانط. الروح والجسد عنده متضادان وتأثيرهما متبادل، أما الكل الأسمى فهو الله، وهو الماهية والمطلق والواقع. لهذا تبدأ الفلسفة عنده من رؤية الماهية، ويهدف تطور البشرية إلى وحدة الشعوب. أثر تأثيرا كبيرا على الحياة الفكرية في بلجيكا وأمريكا الجنوبية وإسبانيا بوجه خاص (الكراوزيزمو). # من مؤلفاته: النموذج الأصلي للبشرية (1811م)، معالم نسق الفلسفة 1825-1828م، محاضرات عن نسق الفلسفة 1828م، محاضرات عن حقائق العلم الأساسية 1829م. # 1781-1848م؛ برنارد بولزانو: # منطقي من خصوم النزعة السيكلوجية (نظرية العلم 1837م) ورياضي ولاهوتي كاثوليكي. كان هسرل (مؤسس فلسفة الظاهريات أو الفينومينلوجيا) هو أول من لفت الأنظار (في سنة 1901م) إلى بولزانو ووصفه بأنه «واحد من أعظم المناطقة في كل العصور». أحيت الظاهريات أفكاره وأفادت منها في حملتها على النزعة النفسية في المنطق. كان من القلائل الذين رفضوا فلسفة كانط ورجع إلى التراث المنطقي في العصر الوسيط. تذكر له الرياضة نظريته عن الدالات الحقيقية وبحوثه التي مهدت لنظرية المجاميع. من أهم كتبه: نظرية العلم (1837م) ومفارقات اللامتناهي (1851م). # 1788-1860م؛ أرتور شوبنهور: # فلسفة إرادية مثالية (العالم إرادة وتصورا 1819م، نمت صيغته النهائية 1859م) تقوم فلسفته على هاتين القضيتين: (أ) العالم في ذاته إرادة. (ب) العالم بالنسبة لي تصور. وكل ما يعرف - أي العالم بأكمله - موضوع متعلق بذات، رؤية راء، قصور أو تمثل، فلا ذات بغير موضوع، ولا موضوع بغير ذات. غير أن هذه المعرفة لا تكفي، فذات الفرد العارفة تجد - من تجربتها بجسدها - أنها في صميمها إرادة. هذا الجسد هو التحقق الموضوعي للإرادة، والإرادة هي الوجود في ذاته للجسد، ذلك هو مفتاح الباب إلى جوهر كل ما يظهر في الطبيعة؛ إذ لا بد أن يكون كل ما في الوجود إرادة، والتأمل المتصل يؤدي للتعرف على ms147 الإرادة الكامنة في نمو النبات، واكتمال البللور، وانجذاب المغنطيس لقطب الشمال، وتفرق المادة واتحادها. هذه الإرادة هي الشيء في ذاته، الذي رفضه شوبنهور بمعناه الكانطي! الذي يقع خارج المكان والزمان والعلية، وهو بلا سبب، ولا قرار، ولا هدف، فإذا تمثل للمعرفة الموضوعية في مكان وزمان خضع لمبدأ التفرد وصار بذلك إرادة حياة. ودرجات «تموضعه» ابتداء من أعم الطاقات الطبيعية حتى فعل الإنسان هي المثل الأفلاطونية. وإذا كان العلم ينظر للموضوعات المحددة في المكان والزمان (أي التصورات) على أساس مبدأ العلية، فإن العبقري هو القادر وحده بالتأمل الخالص وقوة التخيل على إدراك هذه المثل والتعبير عنها في الشعر والتصوير والموسيقى (التي تعبر تعبيرا مباشرا عن تحقق إرادة العالم فينا، وقد أثرت ميتافيزيقا الفن هذه على فاجنر ونيتشه). ويصور شوبنهور عذاب الحياة في صوره المختلفة تصويرا رائعا، ولا نجاة في رأيه إلا بنفي إرادة الحياة و«رفع» مبدأ التفرد، وبلوغ حالة اللاوجود أو النرفانا التي تمثل قمة فلسفته المتشائمة المتأثرة بالبوذية، والداعية إلى التعاطف قاعدة للأخلاق. من مؤلفاته الأخرى: «الجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي» (1813-1847م)، «الإرادة في الطبيعة» (1836م)، «المشكلتان الرئيسيتان في الأخلاق» (1841-1860م)، «شذرات عن حكمة الحياة». وفي العربية: «شوبنهور» للدكتور عبد الرحمن بدوي، و«الفرد في فلسفة شوبنهور» للأستاذ فؤاد كامل، و«فن الأدب: من مختارات شوبنهور» ترجمة الأستاذ شفيق مقار. ~~(أ) ما بعد المثالية # المثالية المتأخرة # 1796-1879م؛ إمانويل هرمان فشته: # فلسفة ذات نزعة إلهية تأملية أو أخلاقية، لم تستطع أن تتغلب على «وحدة الوجود». تذكر له كتابة سيرة حياة أبيه (يوهان جوتليب فشته الذي سبق الكلام عنه) ونشر مؤلفاته. # 1801-1866م؛ كرستيان هرمان فيسه: # نزعة هيجلية ذات طابع مسيحي وإلهي. تأثر في فلسفته اللاهوتية التأملية بوحدة الوجود عند هيجل ولكنه حول فكرة المطلق «المباطن للعالم» عنده إلى فكرة الله المسيحية. ~~ أكد دور التجربة في مسار الفكرة، وأثر بذلك وبفلسفته في الجمال على «لوتزه» (انظر بعد). # 1801-1887م؛ جوستاف تيودور فشنر: # مؤسس علم النفس الفيزيائي (أي علم القوانين التي تربط بين الجسم والنفس باعتبارهما ظاهرتين ms148 منفصلتين بينهما مع ذلك تجاوب وتأثير متبادل). تأثر بفلسفة شلينج الرومانتيكية عن الطبيعة، وحاول أن يقهر النزعة المادية من وجهة نظره المثالية ولنفسية «الكلية» إلى العالم. # 1817-1881م؛ رودلف هرمان لوتزه: # حاول أن يؤلف بين التراث الميتافيزيقي للمثالية الألمانية والعلوم الطبيعية الدقيقة في مركب واحد (ميكرو كوزموس، أو الكون الصغير 1856-1864م) فهو يميز في هذا الكتاب بين مجالات الواقع والحقيقة والقيم وبين وضع الإنسان بينها على أساس العلاقات السببية والمعنوية والغائية المقابلة لها. تدين له فلسفة القيم الحديثة بالتفرقة الحاسمة التي أقامها (في كتابه عن المنطق 1843م) بين «وجود» الأشياء و«صدق» القيم. # الاتجاه إلى التاريخ # 1802-1872م؛ فريدريش أدولف ترندلنبرج: # رجعة إلى أرسطو وأفلاطون (البحوث المنطقية 1840م) اشتهر بعدائه لهيجل وهربارت. تقوم وجهة نظره «العضوية» للعالم على التوحيد بين الفكر والوجود عن طريق الحركة والغاية. # 1805-1892م؛ يوهان إدوارد إردمان: # مؤرخ الفلسفة الحديثة من وجهة نظر هيجلية. كتب تاريخها في ستة أجزاء بين سنتي 1834م و1853م. # 1814-1908م؛ إدوارد تسلر: # من أعظم المؤرخين للفلسفة اليونانية، إلى جانب ما كتبه عن تاريخ الفلسفة الحديثة (فلسفة الأغريق، صدر في ثلاثة أجزاء بين سنتي 1844م و1852م وتولى بعد ذلك عدد من المؤلفين نشره في طبعات مختلفة) مجمل تاريخ الفلسفة اليونانية (1883م، نشره بعد ذلك فيلهلم نستله سنة 1928م وله ترجمة إنجليزية) تاريخ الفلسفة الألمانية منذ ليبنتز (1873-1875م). # 1824-1907م؛ كونو فيشر: # أرخ لأهم شخصيات الفلسفة الحديثة (في عشرة مجلدات نشرت ابتداء من سنة 1854 حتى سنة 1910) كان هيجليا من الجيل الثاني ثم رجع إلى كانط ومهد للحركة الكانطية الجديدة. ~~ تتلمذ على يديه مؤرخ الفلسفة المشهور فندلباند وكتب سيرة حياته. # 1828-1875م؛ فريدريش ألبرت لانجه: ~~«تاريخ الفلسفة المادية» (1866م). # التحول إلى النزعة المادية # 1804-1872م؛ لودفيج فويرباخ: # نقد «أنثربولوجي» للدين (جوهر المسيحية 1841م، جوهر الدين 1845-1851م) مهد فويرباخ بنقده الموجه لفلسفة هيجل (التي وصفها بأنها لاهوت فاشل!) وللمسيحية لنشأة التفسير الإلحادي لهيجل والمادية التاريخية لليسار الهيجلي. تقلب فلسفته المادية الاسمية فلسفة هيجل الروحية رأسا على عقب، مؤكدة أن الموجود الحسي الفردي ms149 هو وحده الموجود الواقعي. يفسر الدين تفسيرا إنسانيا محضا ويعتبر أن المطلق في الفلسفة والدين مجرد تعمية صوفية للموجود اللامتناهي. الإنسان هو أساس فلسفته وموضوعها في وقت واحد، والله نفسه لا يعدو أن يكون تحقيقا للصورة التي يتمناها قلبه، وهكذا تصبح السياسة عنده هي دين المستقبل. هاجم ماركس وإنجلز فلسفته المادية «التأملية» المجردة. # 1806-1856م؛ ماكس شتيرنر: ~~(اسمه الحقيقي كاسبار شميت) النزعة الفردية العدمية. انطلق من فلسفة هيجل وفويرباخ وعرض في كتابه «الفرد وملكيته» (1845م) فلسفته «الأنا وحدية» المادية التي لا تعترف بغير الأنا المتسلطة. وهي من وجهة النظر الأخلاقية والعملية فلسفة أنانية، لا تقتصر أنانيتها على إنكار أي وجود متعال عليها، بل تمضي إلى حد إنكار الوجود الواقعي للشيء إلا إذا كان متعلقا بالأنا ومسخرا لخدمتها. هاجمه ماركس وإنجلز في كتابهما «القديس ماكس» (ضمن الأيديولوجيا الألمانية) كما أكد شوبنهور أن «الأنا وحدي» (أي الذي لا يؤمن بغير الأنا) ليس له مكان إلا في مستشفيات المجانين! # 1808-1874م؛ ديفيد فريدريش شتراوس: # حياة يسوع (1835-1836م)، العقيدة القديمة والعقيدة الجديدة (1872م) وفي الكتاب الأخير يسأل هذه الأسئلة الأربعة: (1) هل ما زلنا مسيحيين؟ (والإجابة بالنفي). ~~ (2) هل ما زلت لدينا عقيدة؟ (والإجابة نعم: وحدة الوجود). (3) كيف نتصور العالم؟ (والإجابة: عن طريق مناهج العلم الطبيعي التجريبية بصورة تطورية وتاريخية). (4) كيف ننظم حياتنا؟ تخلى عن تاريخية الأناجيل واعتبرها نتاج التفكير الأسطوري. نقد نيتشه نزعته التاريخية نقدا قاسيا (في كتابه تأملات في غير أوانها). # 1809-1882م؛ برونوباور: # المسيحية المكتشفة (1843م) (والأخيران متأثران بالفلسفة الوضعية وبتطور العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر، ونزعتهما المادية موجهة ضد المثالية الدينية والديانة المسيحية). ~~ وجه ماركس (في كتابه العائلة المقدسة) نقدا قاسيا إلى «نقده النقدي» لفلسفة هيجل عن التاريخ، وبين أنه نقد روحاني لاهوتي بعيد عن إدراك الواقع التاريخي المادي. # 1852-1855م: # ظهور مؤلفات تعبر عن النزعة المادية الشعبية: موليشوت، دورة الحياة (1852م)، كارل فوجت، عقيدة كولر والعلم، لودفيج بوشنر (شقيق الكاتب المسرحي النابغة جورج بشنر): الطاقة والمادة (1855م) وأصحابها متأثرون بفلسفة فويرباخ وبالعلم الطبيعي. والإنسان ms150 من وجهة نظرهم المادية والإنسانية الصريحة نتاج ظروفه المادية، والعلاقة بين تفكيره ومخه كالعلاقة بين المرارة والكبد، وبين البول والكلية (وهي عبارة معروفة من كتاب فوجت السابق الذكر). # مفكرون لهم دور حاسم # 1798-1857م؛ أوجست كونت: # مؤسس الفلسفة الوضعية في فرنسا (دروس في الفلسفة الوضعية 1830-1842م) ينطلق من علم الاجتماع الذي يرجع له الفضل في تسميته بالاسم الإفرنجي سوسيولوجيا وجعله علما دقيقا يبحث قوانين الاجتماع البشري. يقوم الإيمان بالتطور والتقدم الذي يميز الفلسفة الوضعية على قانون الأطوار أو المراحل الثلاث التي يمر بها في زعمه تطور البشرية: المرحلة اللاهوتية فالميتافيزيقية فالوضعية العلمية. # 1806-1873م؛ جون ستيورات مل: # الممثل الرئيسي للنزعة التجريبية ومذهب المنفعة في إنجلترا «نسق المنطق 1843م»، «مذهب المنفعة 1863م»، جون ستيورات مل، للدكتور توفيق الطويل (سلسلة نوابغ الفكر الغربي). # 1813-1855م؛ سورين كيركجار: # مثالية «وجودية» وإيمان مسيحي. فلسفة الفرد الوحيد القلق المرتعش في مواجهة المطلق ومفارقة حلوله - وهو السرمدي - في الزمان (على هيئة السيد المسيح كما ترى العقيدة المسيحية). الهجوم على الكنيسة الرسمية وعلى فلسفة هيجل التأملية المثالية وحقيقتها «العامة» غير الملزمة دفاعا عن الحقيقة «الذاتية» والدينية التي لا يهرب منها الفرد إلى تذكر (الحقائق التاريخية والعلمية أو الموضوعية اللازمنية) وإنما يحقق «تكرار» المفارقة المسيحية في اللحظة، ويواجه الاختيار الحاسم بين إما ... أو ، وهو اختيار يتم بوثبة يائسة وبقوة الإيمان وحده. تتميز كتاباته بصدقها العاطفي وصورها الشعرية وقوتها الجدلية وسخريتها التي تذكرنا بتهكم سقراط «المفكر الذاتي» الذي اعتبره مثله الأعلى. فلسفته - أو بالأحرى فكره الديني الذي يكاد أن يكون اعترافا مطولا - رد فعل للمثالية المطلقة وباعثه التجديد في الحركات الفلسفية والدينية بعد الحرب العالمية الأولى، وإليه تنسب أبوة فلسفة الوجود واللاهوت الجدلي. # من مؤلفاته: مفهوم القلق 1844م، فتات فلسفي 1844م، الحاشية الختامية غير العلمية 1846م، المرض حتى الموت 1849م. # سورين كيركجار للدكتورة فوزية ميخائيل، ودراسات في الفلسفة الوجودية للدكتور عبد الرحمن بدوي، والوجودية للدكتور زكريا إبراهيم، ونيتشه وكيركجار، تاريخ محنة لكاتب هذه السطور. # 1818-1883م؛ كارل ماركس: # فيلسوف وسياسي واقتصادي ألماني ومؤسس ms151 الاشتراكية العلمية. كانت حياته نفسها ملحمة كفاح ومطاردة بين ألمانيا وبروكسيل وكولونيا ثم لندن التي لجأ إليها وعاش فيها حوالي نصف حياته حتى موته. انطلق فكره الثوري من هيجل (الذي أخذ عنه أصول المنهج الجدلي وطبقه تطبيقا ماديا - اقتصاديا واجتماعيا وتاريخيا - كما أخذ عنه فكرته عن المجتمع البرجوازي التي كانت حجر الزاوية في نقده للتراث والحضارة السابقة، معتمدا على الأوضاع الرأسمالية والكنسية الفاسدة التي كانت سائدة في عصره) ومن كونت وفويرباخ والهيجليين اليساريين والأفكار الديمقراطية الثورية. ~~ كتب رسالته في الدكتوراة عن اختلاف الفلسفة الطبيعية عند كل من ديموقريطس وأبيقور (1841م)، وشارك سنة 1842م في تحرير صحيفة الراين التي أصبح رئيس تحريرها. اصطدم بفلسفة هيجل واليسار الهيجلي وتحول إلى الفلسفة المادية متأثرا بظروف التطور الاقتصادي والصراع الطبقي في أوروبا وثورة العمال الألمان في سيلزيا (1842م) ومشاركته في ثورة باريس وانتقاله إليها بعد مصادرة صحيفة الراين (1843م) وظهور موقفه الجديد في مقاليه اللذين نشرا في العدد الوحيد من الحوليات الألمانية الفرنسية (1844م) وهما مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل والمسألة اليهودية، تحوله إلى الشيوعية والإيمان بالدور التاريخي للطبقة العاملة وحتمية الثورة الاجتماعية والنظرة العلمية التي شاركه فيها صديقه إنجلز. ظهرت نتائج هذه المرحلة في «المخطوطات الاقتصادية والفلسفية» (مخطوطة 1844م التي نشرت سنة 1932م وتلخص مبادئ مذهبه) والعائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي (1845م) التي تهاجم «تصحيح » برونو باور لفلسفة التاريخ عند هيجل، كما تهاجم المادية الفرنسية في القرن الثامن عشر، والأيديولوجية الألمانية (1845-1846م) اللذين كتبهما بالاشتراك مع إنجلز وهس. أصدر مع إنجلز بيان الحزب الشيوعي (1848م) الذي يحتوي على الخطوط العامة للماركسية والمنهج الجدلي ونظرية الصراع الطبقي والدور التاريخي للطبقة العاملة - البروليتاريا - وهو خلق مجتمع شيوعي جديد. الماركسية منهج لمعرفة العالم وتغييره (لم يصنع الفلاسفة شيئا غير تفسير العالم تفسيرات مختلفة، ولكن المهم الآن هو تغييره!) وماركس نفسه فيلسوف وثائر جمع بين النظر والعمل اللذين يؤكد وحدتهما باستمرار (مشاركته في الثورة الألمانية سنة 1848-1849م وفي الاتحاد الشيوعي الذي حلته السلطات سنة ms152 1852م وتأسيس الدولية الأولى 1864م، ومتابعة الحركات الاشتراكية الثورية في أوروبا، الصراعات الطبقية في فرنسا 1850م، الثامن عشر من برومير لويس بونابرت 1852م، الحرب الأهلية في فرنسا 1871م، نقد برنامج جوتا 1875، ورأس المال الذي وهبه معظم حياته وظهر الجزء الأول منه سنة 1867م والثاني الذي نشره إنجلز 1885م والثالث 1894م). # كان ماركس ملتقى ثلاثة تيارات فكرية تمخضت عن تكوينه العقلي وكفاحه السياسي ودراساته ورحلاته ولقاءاته: الفلسفة المثالية الألمانية، والاشتراكية الفرنسية، والاقتصاد السياسي الإنجليزي. وتبدأ فلسفته من الإنسان العامل لا من الإنسان المفكر. ومذهبه يضم في وقت واحد نظرية للمعرفة تقوم على المادية الجدلية التي احتفظت - كما تقدم - بمبادئ المنهج الجدلي عند هيجل مع تطبيقها تطبيقا ماديا وإحلال الإنسان محل المطلق، والوعي البشري مكان الوعي الإلهي، وفلسفة في التاريخ فيها تتحكم القوانين الاقتصادية (أو البنية الاقتصادية السفلية) في مسار التطور التاريخي - الاجتماعي والسياسي - كما يحركه الصراع بين الطبقات المستغلة والطبقات المستغلة، وأخيرا نظرية اقتصادية ثورية تفسر ظلم الاقتصاد الرأسمالي (نظرية فائض القيمة!) وتعلن عن تدمير المجتمع الرأسمالي لنفسه بنفسه وفتح الطريق لقيام دولة تسيطر عليها الطبقة العاملة. # وإذا كانت أفكار ماركس ومؤلفاته قد تجووزت اليوم بعض الشيء، فلا يقلل هذا من تأثيره الهائل على عصرنا كله، سواء في ميدان الاقتصاد أو نظم الحكم. وقد أدى التراجع التدريجي للصراع الطبقي منذ أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، والتطور الداخلي للنظم الشيوعية والرأسمالية إلى أن تصبح الماركسية قضية إيمان بمنهج خصب أكثر منها قانونا «حتميا» للتاريخ. أضف إلى ذلك الاجتهادات العديدة لمراجعة النظرية الماركسية (كالماركسية الفرويدية - عند هربرت ماركوز - والطوباوية الواقعية - مبدأ الأمل عند إرنست بلوخ - والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت الاجتماعية الجدلية - تيودور أدورنو وماكس هوركهيمر ويورجن هابرماس - والبنيوية النظرية، عند التوسير ... إلخ). # 1820-1903م؛ هربرت سبنسر: # فلسفة التطور (نسق الفلسفة التأليفية 1860-1893م) أهم ممثلي هذه الفلسفة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. # 1842-1910م؛ وليم جيمس: # مؤسس البرجماتية (1907م) الفلسفة العملية أو فلسفة الذرائع، التي مهد لها تشارلز بيرس. # وليم جيمس للدكتور محمود ms153 زيدان (سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف بالقاهرة)، وليم جيمس للدكتور محمد فتحي الشنيطي، وبعض مشكلات الفلسفة ترجمة الدكتور الشنيطي. # 1844-1900م؛ فريديش نيتشه: # المفكر الوحيد الأمين في زمن العدمية. شاعر وفيلسوف. عذبه المرض طوال حياته حتى أصيب سنة 1888م بالشلل والجنون وعاش غائبا عن الوعي حتى مات. ليس فيلسوفا بالمعنى التقليدي أو الأكاديمي أو التأملي المجرد، وإنما هو - على حد قوله في كتابه هو ذا الإنسان - ديناميت ويتفلسف بالمطرقة! لا يمكن وضع تفكيره الحي في نسق أو مذهب، وإنما يفهم من محنة قدره الشخصي والتاريخي وتجربته بضرورة تجديد الإنسان وإنقاذه من خطر العدمية الذي تواجهه الحضارة الغربية. صراعه الممزق المرير مع المسيحية والدين بوجه عام هو صراع نابع من صميم وجدان ديني وشعري. مرت حياته وفكره بثلاث مراحل تشبه تحولات الروح الثلاثة التي صورها في بداية كتابه المشهور: هكذا تكلم زرادشت 1883-1884م (له ترجمة عربية للأستاذ فليكس فارس عن الفرنسية): ~~(1) # التأثر بحضارة الإغريق وفلسفتهم وأدبهم وبشوبنهور وفاجنر، وفيها تتكشف ماهية العالم عن التناقض المأساوي بين المبدأ الديونيزي (نسبة لديونيزيوس رب النشوة والخمر في أساطير اليونان) وهو مبدأ البطولة التراجيدية والانطلاق العبقري الخلاق، والمبدأ الأبولوني (نسبة لأبولو رب النور والفن) وهو مبدأ العقل والمنطق والاتزان الذي طغى على الروح الغربية من عهد سقراط (مولد التراجيديا من روح الموسيقى 1872م، وتأملات في غير أوانها 1873-1874م). ~~(2) # مرحلة تأتي بعد القطيعة مع فاجنر والتخلص من تأثير شوبنهور وتتسم بالاتجاه للإنسان في واقعه في العالم، وبانقضاض «الروح الحر» على صروح التراث - الميتافيزيقا والدين والأخلاق والفن - وتعرية أصنامها «الماورائية» وأوهامها المثالية والثنائية - كالظاهرة والشيء في ذاته وهذا العالم وذاك العالم - التي تسرق من الإنسان واقعه الأرضي وتغريه بعالم آخر. وشعار هذه المرحلة هو كلمته المخيفة عن موت الله، أي انهيار بناء الميتافيزيقا الأفلاطونية، المسيحية تحت ضربات معوله الغاضب (إنساني، إنساني إلى أقصى حد 1878-1880م، الفجر 1881م، العلم المرح 1882م). ~~(3) # العودة لتجربة المرحلة الأولى في صورة جديدة تمجد الحياة والعلاء بالذات، فيصبح المبدأ الديونيسي هو «إرادة القوة» ms154 (عنوان آخر مؤلفاته الذي بقي على شكل شذرات لم تتم وظهر سنة 1906م) التي تريد ذاتها، أي تريد الحياة والمزيد من الحياة، بحيث تتجاوز نفسها في «الإنسان الأعلى» الذي سيصبح الإنسان الحالي بالقياس إليه كالقرد بالقياس إلى الإنسان! وهذا يقتضي تجريد القيم الموروثة من قيمتها (قلب القيم) بحيث يستحيل خيرا ما كان يعد حتى الآن شرا، ويستعاض عن «أخلاق العبيد» بأخلاق السادة الذين يمهدون لمولد جيل الإنسان الأعلى (ونموذجه هو الحكيم المأساوي القديم مثل هيراقليطس والسيد النبيل من عصر النهضة مثل شيزار بورجيا وقبلهما الفنان المبدع كالطفل الأبدي) وما دام التاريخ يدور دورة أبدية بلا بداية ولا نهاية ولا مبدأ عال يوجهه، فلا بد أن يكون المستقبل اللامتناهي هو نفسه الماضي اللامتناهي وأن تصبح اللحظة الحاضرة هي الخلود نفسه والحياة فيها هي الواجب الأسمى والسر الأكبر لإرادة القوة والعلو على الذات وخلقها في كل لحظة (فكرته أو الهامه المحير عن عودة الشبيه الأبدية التي لم يستطع توضيحها أبدا) وبذلك يصبح عالم الصيرورة، هذا العالم هو نفسه المبدأ العالي. # تحتمل فلسفة نيتشه تفسيرات متعددة، وبعض نصوصه الشاعرية المتوهجة مسئول عما تعرض له فكره الميتافيزيقي من تشويه وإساءة فهم أدى إلى نشوء نزعات لا عقلية معادية للدين ونزعات بيولوجية وعنصرية فاشية فهمت إرادة القوة عنده بمعنى إرادة العنف والبطش البربري، بينما هي إرادة العلو نحو الإنسان الذي يبدع نفسه وقيمه وحقيقته «في اللحظة» في وجه العدم والفناء (هكذا تكلم زرادشت، الأقسام الثلاثة الأولى 1883-1884م والقسم الرابع 1885م، وراء الخير والشر 1886م). # نيتشه للدكتور عبد الرحمن بدوي، نيتشه للدكتور فؤاد زكريا (سلسلة نوابغ الفكر الغربي) فلسفة نيتشه للأستاذ أويجن فنك وترجمة إلياس بديوي دمشق 1974م ومدرسة الحكمة لكاتب هذه السطور. ~~(9) الكانطية الجديدة # رد الفلسفة، على يد أساتذتها الجامعيين، إلى نظرية المعرفة ومناهج البحث في العلوم الطبيعية والرياضية والعلوم الإنسانية ~~(9-1) جناح الكانطية الجديدة في ماربورج يتجه لبحث مشكلة المعرفة في العلوم الطبيعية # 1842-1918م؛ هرمان كوهن: ~~«نظرية كانط عن التجربة» (1871م)، «نسق الفلسفة» في ms155 ثلاثة أجزاء 1902-1912م. # 1854-1924م؛ باول ناثورب: # فيلسوف وباحث في التربية الاجتماعية شارك في تأسيس مدرسة ماربورج. تفسير جديد لنظرية المثل عند أفلاطون (1903م)، الأسس المنطقية للعلوم الدقيقة (1910م)، «بستالوتزي» (1909م). # 1874-1945م؛ إرنست كاسيرر: # من أهم ممثلي النزعة الكانطية الجديدة في العصر الحاضر. يجمع بين المنهج الصوري والنظري (الذي أخذه عن مدرسة ماربورج وأعلامها السابقين) والحس التاريخي الأصيل. هدف فلسفته كما يقول هو التمييز بين الأشكال (التاريخية) الأساسية المختلفة لفهم العالم بدلا من الاكتفاء ببحث الفروض والمبادئ العامة للمعرفة العلمية بالعالم. أهم كتبه: مشكلة المعرفة في الفلسفة والعلم في العصر الحديث (في ثلاثة مجلدات 1906-1920م)، فلسفة الأشكال الرمزية (في ثلاثة أجزاء عن اللغة والتفكير الأسطوري والدين، وظاهريات المعرفة، صدرت بين سنتي 1923م، 1929م) الفرد والكون في فلسفة عصر النهضة (1927م) نشر مؤلفات كانط وحققها، راجع عنه: فلسفة إرنست كاسيرر بإشراف ب. أ. شيلب (1949م) وكذلك في العربية رسالة ماجستير عن فلسفة الفن عند إرنست كاسيرر للدكتور محمد مجدي الجزيري، جامعة القاهرة 1977م. وفي المعرفة التاريخية ترجمة الدكتور أحمد حمدي محمود. ~~(9-2) جناح الكانطية الجديدة في جنوب ألمانيا (هيدلبرج وفرايبورج) يتجه لبحث مشكلة المعرفة في العلوم الإنسانية والتاريخية (أو علوم الروح والقيم) # 1848-1915م؛ فيلهلم فندلباند: # مؤسس المدرسة الكانطية الجديدة في بادن، فرتمبرج (الجنوب الألماني) التفرقة بين علوم الطبيعة وعلوم الحضارة، والعناية بتأسيس فلسفة القيم. يعرف بوجه عام بفضل تأريخه للفلسفة حسب المشكلات الأساسية. تاريخ الفلسفة الحديثة (1878-1880م)، المرجع في تاريخ الفلسفة (1892م ويطبع منذ ذلك الحين في طبعات متجددة)، التاريخ والعلم الطبيعي (1894-1904م)، مدخل إلى الفلسفة (1914م) كتب عنه تلميذه وزميله هينريش ريكرت. # 1863-1936م؛ هينريش ريكرت: # توسع في أفكار فندلباند: «حدود بناء التصورات في العلوم الطبيعية» (1896م و1926م)، «موضوع المعرفة» (نشر لأول مرة سنة 1892م ثم أعاد كتابته في طبعته الثالثة 1915م)، «علم الحضارة وعلم الطبيعة» (1926م)، «مشكلات تاريخ الفلسفة» (1894م)، «المشكلات الأساسية في الفلسفة» (1934م)، «المباشرة وتأويل المعنى» (نشر سنة 1939م بعد وفاته). # 1875-1915م؛ إميل لاسك: # أعاد التفكير في المشكلات التي ms156 أثارتها الكانطية الجديدة، محاولا تجاوزها ووضع ميتافيزيقا عقلية على أسس جديدة. من أهم مؤلفاته: «منطق الفلسفة ونظرية المقولات» (1910م)، «نظرية الحكم» (1912م) لم يمهله الموت حتى يتم فلسفته، ونشر «هريجل» كتاباته المتفرقة في مجلدين (1923-1924م)، كان لفلسفة القيم عنده تأثير كبير على كل من ماكس فيبر (1864-1921م) وإرنست ترولتش (1865-1923م). ~~(أ) فلسفة الحياة # الاتجاه للتاريخ # 1833-1911م؛ فيلهلم دلتاي: # أحد أعلام فلسفة الحياة. تذكر له التفرقة المشهورة بين علوم الروح (العلوم الإنسانية) وعلوم الطبيعة ووضع منهج علم تأويل النصوص (الهيرمينويتيك) الذي يعد حلقة الوصل بين الفلسفة والتاريخ وتأسيس علم النفس «الفهم» الذي يعتمد على الوصف والمعايشة لا على التفسير السببي بمناهج العلم الطبيعي. استعان بفكرة الفهم (أو بالأحرى التفهم!) على إدراك البناء الكلي للإنسان في فرديته الحية وفهم التاريخ العقلي والروحي منذ العصور القديمة بعيدا عن مقولات العلوم الطبيعية ومناهجها. ~~ إن الحياة هي الأساس المشترك الذي يظهر خلال التاريخ في تعبيرات مختلفة، وكما أن هناك بناءات كلية مختلفة للنفس الإنسانية، ففي تاريخ العلوم الروحية أنماط ونماذج من «وجهات النظر» تعبر عن ملامح وجه عصر تاريخي معين، وتشكل إحساسه بالحياة، وتحدد أشكال الحضارة والدين ونظم الحكم السائدة فيه. # يرى دلتاي أن مهمة الفلسفة هي فهم الفلسفة في نشأتها والارتفاع أثناء ذلك فوقها (فالفلسفة هي علم العلوم أو هي تعليم عن العلم)، وهو يميز في وجهة النظر الغربية ثلاثة أنماط تعبر تعبيرا صادقا عن الطبيعة الإنسانية: المادية أو الوضعية، والمثالية الموضوعية، ومثالية الحرية (ومن ثم كانت النسبية الفلسفية الغالبة عليه). يستند إلى كانط في رفض الميتافيزيقا التقليدية بمعناها التصوري والثنائي (فلسفة الفلسفة 1931م) ويرى أن الإنسان لا يعرف ماهيته ويجريها إلا من خلال التاريخ الذي يعتمد كما تقدم على الفهم والاسترجاع الحي لأحداثه الروحية والعقلية، على نحو ما يفعل كاتب السيرة الذاتية الذي يعيد إحياء حياته الماضية و «إحضارها». وقد طبق دلتاي هذا المنهج في دراساته لتاريخ الحياة العقلية الغربية والألمانية في عصورها وشخصياتها المختلفة. تأثرت فلسفة الوجود بفكرته عن التاريخ (أو التاريخية) ms157 وبمنهجه في تفسير النصوص. # من مؤلفاته: مدخل إلى علوم الروح 1883م، أفكار عن علم نفس وصفي وتحليلي 1894م، نشأة الهيرمينويتيك 1900م، التجربة والأدب 1908م، بناء العالم الخارجي في العلوم الإنسانية 1910م، من الأدب والموسيقى الألمانية 1933م، رسائله المتبادلة مع صديقه الأمير بول يورك فون فارتنبورج (1835-1897م) التي نشرت سنة 1923م. # 1880-1936م؛ أوزفالد شبنجلر: # فيلسوف حضارة وتاريخ، تأثر بجوته ونيتشه في فهمه للتاريخ العالمي من خلال الفن والأدب والتصور المورفولوجي والبيولوجي (الحيوي). اشتهر كتابه «انهيار الغرب 1918-1922م» في زمن المحنة والخوف من المستقبل وتوقع الخراب (خصوصا بين الحربين العالميتين) ينظر إلى الحضارات التي تؤلف مجرى التاريخ العالمي (وهي في نظره ثماني حضارات راقية) نظرته إلى كيانات عضوية حية، مستقلة، مقفلة على نفسها، تخضع للقدر الذي يمر به الكائن الفرد من ميلاد وازدهار وموت. وهو يقدر عمر كل منها بحوالي ألف سنة. ويقرر من التقابل والتوازي المورفولوجي المزعوم بينها ومن المقارنة بين الحضارة الإغريقية والحضارة الغربية الحديثة أن الأخيرة دخلت دور التمدن الذي سيسوقها حتما إلى الانحلال (نظرية التعاقب الدوري للحضارات) استند في هذا إلى فكرة العداوة أو التضاد بين الحياة والعقل، وهي فكرة شاعت في عصره عند فلاسفة الحياة وأدبائها (مثل كلاجيس وإرنست يونجر). ~~ يقع كثيرا في الافتعال والسطحية والتبسيط ومجافاة الروح الموضوعية والعناية ب «الوقائع» على حسب «الحقائق»، ولهذا وجب الحذر والتمسك بميزان النقد عند قراءته. # شبنجلر للدكتور عبد الرحمن بدوي، في فلسفة التاريخ للدكتور أحمد محمود صبحي. # الاتجاه للطبيعة # 1859-1941م؛ هنري برجسون: # علم منذ سنة 1900م في «الكوليج دي فرانس» وانتخب سنة 1914م عضوا في أكاديمية الخالدين. ~~ ممثل فلسفة الحياة الروحية التي وقفت في وجه النزعة العقلانية والآلية السائدة في عصره، وأسهمت بتدفقها وجمالها الفني المفتوح على «المعطيات» الخارجية والباطنية، في قهر النزعة الوضعية الغالبة في فرنسا، كما أثرت بروحها العذبة المفعمة بالأمل على الحياة الفلسفية فيها سنوات طويلة قبل أن تزيحها وجودية سارتر المتشائمة إلى الظل بغير وجه حق، ومع أن فلسفة الحياة عند برجسون - مثلها مثل شقيقتها ms158 في ألمانيا - قد مهدت لفلسفة الوجود المعاصرة، فقد كان تأثر برجسون بنيتشه والحركة الرومانتيكية أقل بكثير من تأثره بالمتصوفة المسيحيين وإيمانهم بحقيقة الحب. # يرى برجسون أن التفكير يستخدم المخ استخدام الأداة، وأن العقل لا يمكنه أن يدرك غير الجانب الجامد الساكن من الطبيعة غير العضوية، ولهذا يقتصر دوره على قياسها وتحليلها واستعمالها لأغراضه العملية. أما الحياة التي هي في صميمها فعل خلاق و«ديمومة حية» فلا يدركها غير الحدس (العيان أو الوجدان) المتعاطف النافذ في أعماق موضوعه، المتحد بما فيه من تفرد حميم. والعالم أيضا يحيا وينمو في «تطور خلاق» وتتفتح صوره العليا بحرية تحت تأثير «الدفعة الحيوية» الكامنة فيه. ورأيه عن «منبعي الأخلاق والدين» يعبر عن نفس الاتجاه المزدوج إلى إدراك الواقع، مع الاعتراف بإله متعال فوق الطبيعة، ويبعد عن فلسفته كل أثر لوحدة الوجود التي نسبت إليه خطأ. تكمن عظمة برجسون في توجيه موقف الإنسان من العالم والروح وجهة جديدة تقوم على المحبة للعالم، والثقة العميقة بالمعطى الخالص، وهبة النفس لرؤيته ومعاينته. ولعل هذا هو الذي جعل الشعراء يستجيبون لندائها (مثل الشاعرين بيجي وكلوديل). ارتفعت أمواج الإعجاب به في عصره، ثم وجهت إليه سهام النقد القاسي، وهو يحتل الآن مكانته «الكلاسيكية» في تاريخ الفلسفة. # انظر الطاقة الروحية ومنبعا الأخلاق والدين من ترجمة المرحوم الدكتور سامي الدروبي والدكتور عبد الله عبد الدايم، والمدخل إلى الميتافيزيقا ترجمة الدكتور محمد علي أبو ريان، وبرجسون للمرحوم الدكتور زكريا إبراهيم (سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف بالقاهرة). # 1867-1941م؛ هانز دريش: # فيلسوف النزعة الحيوية. كان في الأصل عالما بيولوجيا. تأثر بفيلسوف الوراثة والتطور «الشعبي» إرنست هيكل ووضع فلسفة حيوية ونقدية معادية للمادية والآلية (فلسفة الكائن العضوي 1909م) تستفيد إلى حد كبير من أرسطو وفكرته عن «الأنتيلخيا» (المبدأ الصوري الفعال الذي ينقل الممكن إلى الواقع ويبلغه كمال وجوده) كما تؤكد نزوع الحياة إلى تحقيق الشكل الكلي والغائية. # يميز بين نظرية التنظيم أو المنطق (1912م) ونظرية الواقع أو الميتافيزيقا (1917م) فالمنطق هو نظرية المعاني، والفلسفة الطبيعية هي ms159 نظرية المعاني المتحققة في المكان والزمان والمادة، والتاريخ أو فلسفة الحضارة هي نظرية الواقع ذي الدلالة الأخلاقية والعقلية. تحمس في أواخر حياته لعلم الظواهر النفسية والروحية الخفية (الباراسيكلوجيا 1932م). # 1872-1956م؛ لودفيج كلاجيس: # فلسفة في الحياة تعتمد على طبيعة النفس وتعادي العقل والمنطق. كان كذلك من علماء النفس، ويرجع إليه الفضل في تأسيس «علم الخط» و«علم النفس التعبيري». ينطلق تفكيره من فلسفة الطبيعة عند الحركة الرومانتيكية المتأخرة (باخئوفن ونيتشه الذي ألف كتابا عن إنجازاته النفسية) تضيق نظريته عن «طبقات» النفس والحياة من مجال العقل الذي يهدف في رأيه إلى العام ويقتصر على المعرفة العقلية المحسوبة، ولهذا كان العقل عنده نقيض النفس (وهو عنوان كتاب معروف له 1929-1933م) وهو في رأيه يدمر العلاقة الوثيقة التي تربط النفس بالواقع الحي أي ب «الأرض الأم» من أهم كتبه، بجانب ما تقدم: «الخط والطبع» (1956م)، «أسس علم الطباع» (1951م)، «أسس علم التعبير» (1950م)، «اللغة من حيث هي منبع معرفة النفس» (1948م). # الاتجاه إلى الحضارة والمجتمع # 1858-1918م؛ جورج زميل: # فيلسوف حضارة واجتماع. تبنى في بداية حياته فلسفة وحدة وجود نسبية، وفلسفة ذات نزعة تطورية تأثر فيها بكل من داروين وسبنسر، ثم هدته قراءاته «لكانط» إلى التسليم بمقولات معرفية قبلية وإن تكن في نفس الوقت تاريخية، وأخيرا ساعدته فلسفة برجسون على القول بميتافيزيقا الحياة التي تحقق العلو على ذاتها. ويرجع إليه الفضل في التنظير لعلم الاجتماع الصوري. # من مؤلفاته: «فلسفة المال» (1900م)، «علم الاجتماع» (1900م)، «مشكلات فلسفة التاريخ» (1919م)، «الحضارة الفلسفية» (1911م)، «الرؤية الحيوية» (1918م)، «المشكلات الأساسية في الفلسفة» (1921م)، بالإضافة إلى كتب أخرى عديدة تصور حياة بعض أعلام الفكر والأدب والفن مثل كانط (1921م) وشوبنهور ونيتشه (1923م) وجوته ورمبرانت. # 1882م-؟؛ إدوارد شبرانجر: # فيلسوف وعالم في التربية. تتلمذ على «دلتاي» (سبق الكلام عنه!) واهتم مثله بالتوسع في وضع الأسس الفلسفية للعلوم الإنسانية أو علوم الروح وبخاصة علم النفس، تذكر له جهوده في مجال تاريخ الحضارة والتربية الحضارية وعلم النفس التطوري والنمطي (الأنماط السيكلوجية للبشر). # من أهم مؤلفاته: ms160 «فيلهلم فون همبولت وفكرة الإنسانية» (1909م)، «أشكال الحياة» (1914م)، «سيكلوجية الشباب» (1924م)، «الحضارة والتربية» (1919م)، «نمط شيلر العقلي» (1941م)، «سحر النفس» (1947م)، «أشكال الفكر عند بستالوزي» (1947م)، «منظورات تربوية» (1951م)، «المسائل الحضارية في العصر الحاضر» (1953م). # 1883-1955م؛ أورتيجا أي جاسيت: # فيلسوف أسباني يتميز بأسلوبه الرائع الحي، اهتم بمشكلات الحضارة والاجتماع. تولى التدريس في جامعة مدريد، ولما اشتعلت الحرب الأهلية وقف في صفوف الجمهوريين ضد فاشية فرانكو، هاجر سنة 1936م إلى البرتغال ثم رجع إلى إسبانيا سنة 1948م حيث استأنف التدريس حتى اعتزله قبل موته بسنتين. # تأثر بهيجل ونيتشه ودلتاي وماكس شيلر والمدرسة الكانطية الجديدة - التي تعلم على يد بعض أعلامها - عارض الاتجاهات العقلانية والتجريدية من ناحية والتيارات الحيوية والبيولوجية - التي تورط بعضها في تأييد الحكم الشمولي المطلق - من ناحية أخرى وحاول أن يتجاوزهما معا في نظريته عن «العقل الحي». فهذا العقل التاريخي الحي لا يملك الحقيقة المطلقة ولا يقع فريسة النزعة النسبية، وإنما يعترف بالخصائص المميزة لكل عصر على حدة والمهام والواجبات التي حمل أعباءها (فلسفة وجهة النظر أو المنظور!) ويسعى لمواجهة مطالب عصرنا الذي نعيش فيه ومعرفتها على حقيقتها ومحاولة تلمس المعنى فيما يبدو خاليا من كل معنى. على أن التحقيق الكامل لهذا المعنى غير ممكن، مهما حاول الإنسان - وهو بطبيعته كائن يوتوبي حالم! - أن يبلغ هذا الهدف. # من أهم مؤلفاته: «مهمة عصرنا» (1930م)، «ثورة الجماهير» (1931م)، «عن الحب» (1933م)، «كتاب المتأمل» (1934م)، «التاريخ من حيث هو نسق» (1943م)، «حقيقة الأزمات التاريخية» (1951م)، «تأملات عن التقنية» (1949م)، «المثقف والآخر» (1949م)، «ضراعة لجوته» (1951م)، «الإنسان بما هو كائن يوتوبي» (1951م)، «الإنسان والناس» (1957م). ~~(ب) فلسفة الظاهريات (الفينومينولوجيا) # 1838-1917م؛ فرانز برنتانو: # تتلمذ هسرل - مؤسس فلسفة الظاهريات ومنهجها - على يديه في فيينا. يرجع إليه الفضل في إعادة اكتشاف الفكرة الأساسية في فلسفة الظاهريات، وهي فكرة «القصدية» (أي توجه الوعي في كل أفعاله من حكم أو حب أو رغبة ... إلخ إلى موضوع أو مضمون يقصده بفعله وهي فكرة ترجع إلى فلسفة العصر الوسيط ms161 المسيحية والإسلامية)، وكذلك يذكر له إرساء «علم النفس الوصفي» (لأفعال الشعور والوعي) على أسس جديدة. وقد ساعدته فكرة «القصدية» على التغلب على النزعة النفسية - خصوصا في المنطق - التي سيهدمها تلميذه هسرل من أساسها. أدخل فكرة «البداهة» التي أكدها في بحوثه المنطقية إلى ميدان الأخلاق، خصوصا في التعرف على حقيقة الحب والكراهية، وأفاد «ماكس شيلر» من ذلك في فلسفته عن القيم. عرف أخيرا بعدائه لفلسفة كانط وإلمامه الدقيق بفلسفة أرسطو، بقيت ميتافيزيقاه الإلهية بغير أثر يذكر، أهم كتبه: «علم النفس من وجهة نظر تجريبية» (1874م)، «أصل المعرفة الأخلاقية» (1889م)، «المعنى المتعدد للموجود عند أرسطو» (1862م) وقد كان له تأثير كبير على هيدجر في أوائل حياته، «تأسيس الأخلاق وبنيتها» (1952م)، «الدين والفلسفة» (1954م). # 1859-1938م؛ إدموند هسرل: # مؤسس فلسفة الظاهريات (الفينومينولوجيا) «الكلاسيكية»، حارب النزعة التجريبية والنفسية في المنطق وحاول وضع أسس جديدة للفلسفة كعلم كلي وقبلي دقيق. انطلق من فلسفة بولزانو ومعلمه برنتانو وبعض مشكلات الفلسفة الرياضية (شغل في بداية حياته بالأسس المنطقية للحساب وألف كتابه عن مفهوم العدد عام 1887م) ليبين أن قوانين المنطق ليست تجريبية ولا معيارية من وضع ذوات واقعية، وإنما هي قوانين مثالية وقبلية لوعي محض أو شعور خالص من طبيعته أن يتعلق دائما بموضوع أو يقصد إليه (الجزء الأول من بحوثه المنطقية بعنوان تمهيدات لمنطق خالص 1900م) وعلى هذه القصدية يقوم المنهج الظاهرياتي الذي يبدأ من الوصف المباشر للموضوعات (لنرجع إلى الموضوعات ذاتها! أي لتجربة ظهورها الحدسية الحية في الشعور) ولكنه بصرف النظر عما هو واقعي سعيا وراء رؤية الماهيات. والخطوة التالية في هذه الفلسفة هي «التعكيف» أو «التقويس» بطرقه المختلفة؛ أي وضع كل ما ليس متعلقا بالوعي الخالص بين قوسين. ولعل منهج هسرل الظاهرياتي نفسه كان أشد خصوبة من ظاهريات الوعي - أو الأنا - الكلية التي انتهت إلى نزعة مثالية ومتعالية متطرفة قريبة من المثالية الذاتية؛ إذ تمسك معظم تلاميذه بصورته الأولى قبل أن يغوص في مرحلته الأخيرة في متاهة الاستبطان الذاتي ودوامته الرملية، وطبقوه في بحوثهم في ms162 فلسفة الوجود (هيدجر وسارتر وميرلو بونتي) والأخلاق والقيم (ماكس شيلر) والمنطق وعلم النفس (إلكسندر بفندر) والفن (إنجاردين) وفهم العالم (أوبجن فنك) ... إلخ. # من مؤلفاته: بحوث منطقية (في جزأين 1900م-1901م)، الفلسفة علما دقيقا (ظهر 1910م في العدد الأول من مجلة لوجوس، وله ترجمة عربية تحت الطبع للدكتور محمود رجب)، أفكار عن ظاهريات خالصة وفلسفة ظاهرياتية 1913م، المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي 1929م، تأملات ديكارتية (وله ترجمة عربية للدكتورة نازلي إسماعيل). # ونشر بعد موته: التجربة والحكم 1939م، خمس محاضرات عن فكرة الظاهريات. ولا يزال أرشيف هسرل بجامعة لوفين ببلجيكا يتابع نشر مخطوطاته الغزيرة التي تركها وراءه في سلسلة مؤلفات هسرل (الهسرليانا) التي ظهر منها أكثر من عشرين مجلدا. # المنهج الظاهرياتي عند هسرل (رسالة دكتوراه من كلية الآداب جامعة عين شمس للدكتور محمود رجب)، دراسات في الفلسفة المعاصرة للدكتور زكريا إبراهيم، الظاهريات وأزمة العلوم الأوروبية، وفينومينولوجيا الدين عند هسرل للدكتور حسن حنفي في: قضايا معاصرة، الجزء الثاني. # 1870-1941م؛ إلكسندر بفندر: # مؤلفات هامة لتأسيس المنطق وعلم النفس من وجهة نظر ظاهرياتية: المنطق 1929م، مشكلات علم الطباع الأساسية 1924م، ظاهريات الفعل الإرادي 1930م، نفس الإنسان 1933م، الأهداف الفلسفية للحياة 1948م. # 1874-1928م؛ ماكس شيلر: # طبق منهج هسرل الظاهرياتي في ميدان الأخلاق وفلسفة الدين والحضارة، وبين أن القيم الأخلاقية «ماهيات» ثابتة تقوم على الشعور بالقيمة والحدس الانفعالي بمضمونها القبلي وحقيقتها الموضوعية، وبذلك وضع نظرية في القيم المادية في مقابل قيم الأخلاق الصورية عند كانط (النزعة الصورية في الأخلاق وأخلاق القيم المادية 1913م). وهو يرتب القيم بحيث تقابل كلا منها شخصية تتحقق فيها: (1) قيمة الشعور الحسي أو السار، ويقابلها الفنان المستمتع بالحياة. (2) قيمة الشعور الحيوي أو النبيل ويقابلها البطل. (3) قيمة الشعور العقلي أو الجميل والصواب والمعرفة الخالصة بالحقيقة، ويقابلها العبقري. (4) قيمة الحق المطلق أو المقدس ويقابلها القديس. # كتب في علم نفس الفهم - وبخاصة مشاعر التعاطف والإحساس بالمرارة - وعلم اجتماع المعرفة بمعناه الأوسع الذي ميز فيه بين أنماط التفكير الديني والميتافيزيقي والعلمي حسب مواقفها من الله والعالم والقيمة والواقع، محاولا ms163 الربط بينها وبين أشكال محددة من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ~~ والفلسفة في رأيه هي العلم الأسمى والأشمل بالماهيات أو هي عيان (حدس، رؤية) الماهيات. فالإنسان عندما يعرف ويعاين إنما يواجه عوالم موضوعية ليست من خلقه، ولكل منها ماهياته وقوانينه التي تتجاوز القوانين التجريبية التي تتحكم في وجودها وظهورها وتعلو عليها. ابتعد في أواخر حياته عن الكاثوليكية واتجه إلى ميتافيزيقا تتميز بالنزعة الشخصانية ووحدة الوجود «التطورية»، محاولا أن يضم فيها كل «العلوم البعدية» بما فيها الأنثروبولوجيا الفلسفية التي يعد أكبر مؤسسيها في العصر الحاضر. أثر على نيقولاي هارتمان وفلسفة الظاهريات نفسها والنزعة الشخصانية في فرنسا والبلاد العربية (الدكتور محمد عزيز الحبابي). # من مؤلفاته الأخرى: المنهج الترنسندنتالي والمنهج النفساني 1900م، انقلاب القيم 1955م، الأبدي في الإنسان 1921م، ماهية التعاطف وأشكاله 1923م، كتابات في الاجتماع ونظرية وجهة النظر الكونية 1923-1924م، مشكلات علم اجتماع المعرفة 1924م، أشكال المعرفة والمجتمع 1926م، وضع الإنسان في الكون 1927م. # الدكتور زكريا إبراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة. # 1882-1950م؛ نيقولاي هارتمان: # بدأ حياته الفكرية مع المدرسة الكانطية الجديدة في «ماربورج» ثم تخلى عن نزعتها الذاتية العقلانية (التي نتصور أن المعرفة خلق للموضوع وأن الفكر والوجود شيء واحد) واستقل بوجهة نظر «قريبة من المثالية والواقعية» تحسب حساب الوعي الطبيعي بالواقع، وتعتبر أن المعرفة إدراك لموجود في ذاته متقدم على كل معرفة ومستقل عنها، موجود يتجاوز الوعي إلى ظواهر الواقع، ولهذا اتجه جل اهتمامه إلى مقولات الوجود أكثر من مقولات المعرفة. فمهمة الفلسفة في رأيه هي البحث في عالم الظواهر الذي ينبني من «طبقات» مختلفة للوجود (غير عضوية، عضوية، عقلية) تمد كل منها جذورها في الطبقة الأدنى منها دون أن تتحدد بها بصورة نهائية. تأثر بهوسرل وماكس شيلر ففهم الوجود المثالي فهما جديدا أثبت خصوبته في تناوله لمشكلة المعرفة ونظرية القيم وأدى به إلى وضع «أنطولوجيا» أو علم وجود جديد بعيد عن التأمل المجرد، ينطلق من التجارب المتنوعة بالعالم ويفيد من حقائق العلوم الجزئية ونتائجها. # أهم مؤلفاته: معالم ميتافيزيقا المعرفة 1921م، الأخلاق ms164 1926م، مشكلة الوجود العقلي، بحوث عن تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الروح 1933م، حول تأسيس الأنطولوجيا 1935م، الإمكان والواقع 1938م، بناء العالم الواقعي، موجز النظرية العامة للمقاولات 1940م، طرق جديدة للأنطولوجيا 1942م، علم الجمال 1953م، أحاديث فلسفية 1954م. ~~(10) الفلسفية الوضعية والوضعية المنطقية ~~(10-1) النقدية التجريبية والتصورية # 1838-1916م؛ إرنست ماخ: # عالم في الطبيعة وفيلسوف. واحدية الإحساس. اهتم بنقد العلم والمعرفة العلمية من وجهة النظر الوضعية، وهو من ممثلي الفلسفة النقدية التجريبية بجانب أفيناريوس وفايهنجر. ونظرية المعرفة عندهم ترى أن سياق التجارب الحسية هو وحده الشيء الواقعي. أما المضامين الفكرية فلا تعدو أن تكون تصورات وهمية لا نصيب لها من الحقيقة، وليس لها في أحسن الأحوال إلا قيمة نفعية. # من أهم مؤلفاته: تحليل الإحساسات (1886م) المعرفة والخطأ (1905م). # 1840-1896م؛ ريشارد أفيناريوس: # مؤسس النقدية التجريبية التي تقصر مهمة الفلسفة على وصف واقعة التجربة الخالصة مع استبعاد الميتافيزيقا تماما، وذلك بهدف استخلاص «المفهوم الطبيعي» للعالم والتوفيق بين الضدين: الوعي والمادة، والنفس والفيزيقي وتأكيد التآزر بين الذات والموضوع. # أهم مؤلفاته: «نقد التجربة الخالصة» (1888-1890م). # 1892-1933م؛ هانز فايهنجر: # التصورية أو التخيلية. تأثر بلانجه وشوبنهور. فلسفته المعروفة بفلسفة (كما لو # Als ob-As if ~~) تفسر جميع الحقائق النظرية والعملية والدينية بأنها مجرد «تصورات أو تخيلات» في خدمة الإرادة التي تتجه لتحقيق أهداف الحياة. # من أهم مؤلفاته: «شرح نقد العقل الخالص لكانط» (1881-1892م)، «نيتشه فيلسوفا» (1902م)، «فلسفة كما ... لو» (1911م). ~~(10-2) الوضعية أو التجريبية المنطقية # 1882-1936م؛ موريتس شليك: # مؤسس جماعة أو «حلقة فيينا» (الوضعية الجديدة أو المنطقية) تأثر بفتجنشتين وكارناب في نزعته الواقعية التجريبية. كتب عن مشكلة الحقيقة ونظرية المعرفة والطابع القبلي للمنطق والرياضيات (رفض إمكان قيام الأحكام التأليفية القبلية التي أكد كانط ضرورتها لكل معرفة يقينية) وقصر مهمة الفلسفة على توضيح الأفكار توضيحا منطقيا، وتولى ذلك بنفسه في تحليل مفاهيم المكان والزمان والمادة والعلية والاحتمال والإرادة الحرة والتقييم والدافع الخلقي واللذة ... إلخ. # أهم مؤلفاته: محكمة الحياة 1908م، المكان والزمان في الفيزياء المعاصرة (وهو شرح لنظرية النسبية) 1917م، النظرية العامة ms165 في المعرفة 1918م، مشكلات الأخلاق 1930م، العبارات العلمية وواقع العالم الخارجي (بالفرنسية) 1934م، الطبيعة والحضارة 1952م. # 1889-1951م؛ لودفيج فتجشتين: # فيلسوف ومنطقي نمسوي، أحد رواد الوضعية الجديدة والفلسفة التحليلية واللغوية، تلميذ رسل وصديقه. ~~ المعرفة عنده صورة من الوقائع المستقلة عن بعضها، والأحكام «دالات الحقيقة أو الصدق» لعبارات تقال عن الوقائع. والمنطق والرياضة تحصيل حاصل خالص، فهما لا يقولان شيئا عن الواقع، ومن الخطأ لهذا السبب أن يعول العلم على منطق اللغة. ~~ والشيء المشترك بين الفكر والوجود أو بين العبارة والواقعة - وهو العلاقة التصويرية بينهما - لا يمكن التعبير عنه لأنه يكشف عن نفسه بنفسه، وإنما يمكن الإشارة إليه عن طريق الرموز. اقترح في «رسالته المنطقية الفلسفية 1921م» فكرة لغة منطقية كاملة يكون نموذجها هو لغة المنطق الرياضي بحيث يصبح كل ما لا يدخل في نموذج هذه اللغة المثالية - كالميتافيزيقا والأخلاق - فارغا من كل معنى علمي، وبذلك تصبح مهمة الفلسفة هي نقد اللغة وتوضيحها، وكأن المعرفة كلها لا تعدو أن تكون مجموعة تقريرات أولية أو قضايا ذرية تربط بينها علاقات منطقية. وقد أعطى هذا التصور المنطقي والمعرفي أساسا أنطولوجيا في نظريته عن الذرية المنطقية التي تأثر فيها برسل، وأدى رفضه لوجود الواقع الموضوعي المستقل عن اللغة والوعي - باعترافه هو نفسه - إلى موقف الأنانة (أو الأنا وحدية) وبذلك لم يستطع التخلص من الميتافيزيقا كما تصور. بل لقد أثبت بمنهجه المنطقي والعقلي وجود اللامعقول عندما قال في آخر رسالته: «أن ما لا يستطاع الكلام عنه يجب السكوت عن الخوض فيه.» ويبدو أنه استخلص من ذلك الموقف الذي التزم به بعد ذلك فلم ينشر شيئا من كتاباته وعاش بقية أيامه حياة أشبه بما تكون حياة الزهاد والمتصوفة، واهبا جهوده لمساعدة المساكين والمحتاجين (كأنه قديس عصري بارع في إصلاح جرارات الفلاحين والأدوات الكهربية والمنزلية لربات البيوت الفقيرات). # تطورت فلسفته المتأخرة فنبذ آراءه السابقة عن اللغة الكاملة، وبين الاستخدامات الاجتماعية - الفعلية والممكنة - للغة وسمى كلا منها لعبة لغوية، ولو عرفنا قواعد استعمال كل لعبة بطريقة صحيحة لزالت الحيرة ms166 الفلسفية. # بحوث منطقية وفلسفية (في حوليات الفلسفة الطبيعية 1921م) وقد ظهرت سنة 1938م تحت عنوان رسالة منطقية فلسفية (باللغتين الألمانية والإنجليزية) نقلها للعربية الدكتور عزمي إسلام الذي ألف كتابا عنه في سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف بالقاهرة. # الكتابان الأزرق والبني (1958م)، بحوث فلسفية (1958م)، ملاحظات على أسس الرياضة (1956م) وقد نشرت جميعا بعد موته. # ما هو علم المنطق؟ للدكتور يحيى هويدي، دراسات في الفلسفة المعاصرة للدكتور زكريا إبراهيم. # 1891-1971م (؟)؛ رودلف كارناب: # من رواد الوضعية الجديدة (التجريبية المنطقية) والعلم الموحد وأحد أعضاء حلقة فيينا، ينكر على الفلسفة أن تكون علما كليا ويقصر مهمتها على دراسة البناء المنطقي للغة العلم وتوضيحها على أساس المنطق الرياضي. يتداخل تصور كارناب الفلسفي للوضعية الجديدة مع دراساته عن المنطق والتحليل المنهجي للعلم. تطورت آراؤه المنطقية في مرحلتين: تركيبيه كان فيها منطق العلم هو البناء المنطقي للغة العلم، ودلالية تهتم بالجانب المعنوي للغة بالإضافة إلى الجانب الصوري. حاول في هذه المرحلة الأخيرة بناء نسق منطقي صوري يعتمد على الدلالات المنطقية. لم يتخل تفكيره عن طابعه العلمي المعادي للميتافيزيقا، وإن كانت آراؤه في كثير من المسائل قد تعرضت لتعديلات هامة، وذلك مثل نظريته عن قابلية التحقيق في المعنى، وتصوره لمجال الفلسفة الذي توسع فيه بحيث أصبح يعد مطابقا للتحليل السيميوطيقي (أي تحليل اللغة من حيث هي رموز) لبناء الكلام المعرفي. # من مؤلفاته: البناء المنطقي للعالم 1928م، أشباه المشكلات في الفلسفة 1928م، مجمل المنطق الرياضي 1929م، البناء المنطقي للغة 1934م، مدخل إلى علم الدلالات (السيمانطيقا) 1948م، المعنى والضرورة 1947م، الأسس المنطقية لنظرية الاحتمالات 1950م، مدخل إلى المنطق الرمزي 1954م. # دراسات في الفلسفة المعاصرة للدكتور زكريا إبراهيم، نحو فلسفة علمية وخرافة الميتافيزيقا للدكتور زكي نجيب محمود. # 1910م؛ الفرد ج. آير: # أحد رواد الوضعية الجديدة. يذكر له كتابه «اللغة والصدق والمنطق» (1936م) الذي تبنى فيه آراء حلقة فيينا وأهمها رفض الميتافيزيقا واعتبار القضايا الأخلاقية قضايا وجدانية تعبر عن أوامر ورغبات وتمنيات ولا تقرر الواقع، وقصر دور الفلسفة على التحليل والتوضيح. ms167 ~~ ابتعد بعض الشيء عن الآراء «التقليدية» للوضعية المنطقية في كتبه المتأخرة (مثل أسس المعرفة التجريبية 1940م، التفكير والمعنى 1947م، مشكلة المعرفة 1956م وغيرها) وإن بقي محافظا على نزعته التجريبية التحليلية. # س. ج. همبل: ~~«طبيعة الصدق الرياضي» (1949)، «مشكلات وتغيرات في المعيار التجريبية للمعنى» (1952م). # س. ك. أوجدن، أ. أ. ريتشاردز: ~~«معنى المعنى». ~~ دراسة عن تأثير اللغة على التفكير وعن علم الرمزية» (1923م). # س. و. موريس: ~~«العلامات واللغة والسلوك» (1946م). ~~(أ) المنطق الرياضي # 1848-1925م؛ جوتلوب فريجه: ~~«أسس الحساب» (1888م). # رسل-وايتهيد: # أصول الرياضيات (البرنكيبيا ماثيماتيكا) 1910-1913م. # د. هلبرت، و. أكرمان: ~~«أصول المنطق النظري» (1928م). ~~(ب) فلسفة الوجود # 1889-1076م؛ مارتن هيدجر: # أسس «أنطولوجيا» الوجود، التي بدأها بالأنطولوجيا الأساسية التي تحلل حالات الإنسان ومقوماته «في أفق الزمان» للوصول إلى الأنطولوجيا العامة التي تسأل عن «معنى» الوجود نفسه و«تحطم» الميتافيزيقا الغربية أو تقهرها لتبدأ مرحلة جديدة من «التفكير في الوجود» يتراجع فيها دور «الآنية» أو الإنسان الفرد ليقتصر على الاستماع إلى نداء الوجود نفسه ويصبح «راعي بيت الوجود». # أهم مؤلفاته: الوجود والزمان (1927م)، طرق مسدودة (1949م)، مدخل إلى الميتافيزيقا (1953م)، قانون الأساس (السبب) (1957م)، كانط ومشكلة الميتافيزيقا (1929م)، نظرية أفلاطون عن الحقيقة مع رسالة عن النزعة الإنسانية (1947م)، ماهية الحقيقة (1943م)، شروح لشعر هلدرين (1944م)، ما الميتافيزيقا (1929م)، ما هو التفكير؟ (1954م)، محاضرات ومقالات (1954م)، الهوية والخلاف (1957م). # راجع عنه في العربية: دراسات في الفلسفة الوجودية للدكتور عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة المعاصرة، والفلسفة الوجودية للمرحوم الدكتور زكريا إبراهيم، ترجمة «ما الفلسفة» وحقيقة الشعر للمرحوم الدكتور عثمان أمين، ترجمة ما الفلسفة وما الميتافيزيقا وماهية الشعر للدكتور محمود رجب والأستاذ فؤاد كامل، نداء الحقيقة لكاتب السطور مع مقدمة عن فلسفته وثلاثة نصوص: نظرية الحقيقة عند أفلاطون، ماهية الحقيقة، أليثيا (مفهوم الحقيقة عند هيراقليطس). # 1883-1969م؛ كارل ياسبرز: # فيلسوف الوجود المؤمن. بدأ حياته طبيبا للأمراض العقلية والنفسية، وساهم في تأسيس العلم الخاص بها بكتابه (علم النفس المرضي العام 1913م). حاول - متأثرا بدلتاي - أن يضع في كتابه «سيكلوجية وجهات ms168 النظر في العالم 1919م» نظرية عن أنماط الرؤية الفلسفية. تأثر - مثل هيدجر - بكيركجار ونيتشه، مفكري الحقيقة الذاتية والوجود الأصيل. تنطلق فلسفته مما سماه «المواقف الحدية» (أو النهائية) للإنسان التي يتكشف فيها المتعالي، الشامل، المطلق، في أحوال المرض والإثم والإخفاق والعذاب والصراع والموت، وهي أحوال ومواقف طالما أهملتها المذاهب التقليدية (الموقف الروحي للعصر 1932م، فلسفة الوجود 1938م). والمقولات الأساسية في فلسفته هي الحرية، والتاريخية، والتواصل مع الآخرين. وهو يميز الحضور - أو مجرد التواجد - في العالم من الوجود «الوجودي» الأصيل والوجود المتعالي في ذاته. ~~ بهذا تصبح الفلسفة عنده إضاءة للوجود توجيها وهداية في العالم، ميتافيزيقا مهمتها حل «شفرة» المتعالي أو العالم المطلق الذي لا يمكن تحديده ولا التعبير عنه، ومع ذلك لا يشعر الإنسان بوجوده إلا في علوه إليه، وتكسر عقله «العلمي والموضوعي» عليه، وإخفاقه المستمر في إدراكه. يصف الفلسفة في كتابه (العقل والوجود 1935م) بأنها محاولة التقاط اللامعقول الظاهر في الواقع واعتباره منبع معقولية أرقى، ويمثل لذلك بكيركجار ونيتشه اللذين وثبا وثبتهما إلى العالي (الأول إلى المفارقة المسيحية، وهي تجسد السرمدي في إنسان متناه، والثاني إلى ذروة فكرته المحيرة عن عودة الشبيه الأبدية) لكي يبلغا الحقيقة في فهم الذات. ~~ قاوم في أواخر حياته فكرة توحيد ألمانيا خوفا من العسكرية البروسية التي كانت تستيقظ كلما توحدت فتدمر تراثها الإنساني وتسقط في حضيض البطش والعنف والتوسع، كما صدرت مؤخرا ملاحظاته التي يدين فيها صديقه «اللدود» مارتن هيدجر (1978م). # من مؤلفاته الأخرى: ماكس فيبر 1932م، نيتشه 1936م، ديكارت 1937م، مشكلة الإثم (الألماني) 1946م، نيتشه والمسيحية 1946م، فكرة الجامعة 1946م، الحقيقة، المنطق الفلسفي 1947م، الإيمان الفلسفي 1948م، أصل التاريخ وهدفه 1949م، المدخل إلى الفلسفة 1950م (ترجمة للعربية الدكتور محمد فتحي الشنيطي) العقل وضد العقل في عصرنا 1950م، شلينج 1955م، الفلاسفة الكبار 1957م، مستقبل الإنسانية لياسبرز (للمرحوم الدكتور عثمان أمين 1963م) ودراسات في الفلسفة المعاصرة للمرحوم الدكتور زكريا إبراهيم. # 1905-1980م؛ جان بول سارتر: # فيلسوف وناقد وكاتب روائي ومسرحي وسينمائي. أشهر ممثلي فلسفة الوجود في فرنسا. انطلق ms169 من هسرل وهيدجر وعبر عن وجهة نظر واقعية عن معنى وجود الإنسان وغايته. حاول في مؤلفه الفلسفي الأكبر (الوجود والعدم 1943م، الترجمة العربية للدكتور عبد الرحمن بدوي) أن يؤسس أنطولوجيا وجودية يثبت فيها أن على الإنسان - وهو الموجود لذاته - مواجهة كابوس الوجود في ذاته - أي وجود الأشياء والموضوعات - ونظره الآخر المعادية بالثقة في قدرته على صنع نفسه ورد الأشياء إلى عدم بقوة حريته. ~~ فالوجود يسبق الماهية، كما تقول عبارته المشهورة. والخلق الفكري للعدم هو الشهادة على حرية الإنسان، لأن فكرة العدم خاصة به وحده دون سائر الحيوانات والكائنات الأخرى، وهو وحده الذي يختنق بها ويحس الاشمئزاز «الوجودي» من كل ما هو محال ولا معقول وشيئي وطبيعي ومحدد، ومن إرادة البقاء على قيد الحياة وإرادة رفض اللاوجود، هذا الوعي بالقلق من العدم يجعله محكوما عليه بالحرية، أي بأن يختار ويقرر بحريته المطلقة تحقيق حياته التي ليست إلا سلسلة من الاختيارات الحرة التي لا تبرر أبدا تبريرا كافيا، وصنع ماهيته التي ليست قدرا فرض عليه من أي نظام أعلى منه. إن الوجود الإنساني أو الوجود في ذاته، هو عدم اكتفاء أو عدم اكتمال وجودي. لقد انشق في الوجود صدع تسلل منه العدم. ~~ وظهور الوجود الإنساني معناه تبعا لذلك وضع الوجود موضع التساؤل ومن ثم انتصار العدم (مونييه، مدخل إلى فلسفات الوجود، 1949م). تطور موقفه في أعمال الفلسفية التالية، خصوصا في «نقد العقل الجدلي» 1960م، الذي سلم فيه بحتمية الماركسية منهجا وفلسفة تاريخ، وإن رفض رد مبادرة الإنسان الحرة إلى الضرورة التاريخية وحاول التأليف بين الماركسية والوجودية الفردية في مركب واحد، كما انتقل في أعماله الأدبية من السلبية (الغثيان 1938م، ودروب الحرية 1945-1949م) إلى موقف اجتماعي وإنساني ملتزم ومسئول (الشيطان والرحمن 1951م، سجناء الطونا 1960م). # تميز سارتر من بقية فلاسفة الوجود بتأكيد إرادة الحياة والبقاء للجنس البشري وبنشاطه العملي والسياسي الواسع. وقد اهتم في السنوات الأخيرة بالقضية العربية، وإن كان موقفه لا يزال بعيدا عن الوضوح والإنصاف، كما أثر على الحياة الثقافية العربية ms170 خصوصا بفكرته عن الالتزام في الأدب (ما الأدب؟ 1950م ترجمة المرحوم الدكتور محمد غنيمي هلال) وترجمت معظم مؤلفاته إلى العربية، وذلك بفضل دار الأدب في بيروت ومديرها الأديب الدكتور سهيل إدريس. # انظر: سارتر عاصفة على العصر للأستاذ مجاهد عبد المنعم مجاهد، ودراسات في الفلسفة المعاصرة للدكتور زكريا إبراهيم، ودراسات في الفلسفة الحديثة للدكتور يحيى هويدي، وبين برجسون وسارتر، أزمة الحرية، والوجود والجدل في فلسفة سارتر للدكتور حبيب الشاروني، والغير في فلسفة سارتر للأستاذ فؤاد كامل، وتعالي الأنا موجود ترجمة وتقديم الدكتور حسن حنفي، ونقد العقل الجدلي تلخيص للدكتور إمام عبد الفتاح إمام في رسالته عن المنهج الجدلي بعد هيجل (تحت الطبع) ودراسات في الفلسفة الوجودية للدكتور عبد الرحمن بدوي. # 1908-1962م؛ موريس ميرلو-بونتي: # من أكبر ممثلي فلسفة الوجود في فرنسا. علم في الكوليج دي فرانس منذ سنة 1956م حتى موته المبكر. طبق نظرية الشكل الكلي (الجشطالت) في دراسة السلوك (بناء السلوك 1942م) مبينا تداخل العنصر النفسي والفسيولوجي في كل سلوك بشري، كما طبقها - بمنهج ظاهرياتي - على دراسة الإدراك (ظاهريات الإدراك الحسي 1945م، وبه مقدمة ممتازة عن الفينومينولوجيا أو فلسفة الظاهريات). يتغلغل تأثير هسرل - خصوصا في مؤلفاته المتأخرة - في تفكيره. شارك سارتر في تحرير مجلة العصور الحديثة (ابتداء من سنة 1945م) قبل أن تقع الجفوة بينهما (1953م) على أثر انشغاله بالمشكلات السياسية وبالماركسية بوجه خاص، واتجاهه إلى اليسار البعيد عن الشيوعية. الإنسان عنده ملتزم بالعالم والتاريخ، والفلسفة «متعثرة» وازدواجية بين الفعل والفكر، واللامعنى والمطلق، ولهذا تدور تأملاته حول الإنسان في وجوده العيني من روح وجسم، وعقل ولحم، ووعي ولا وعي (النزعة الإنسانية والرعب، مقال عن المشكلة الشيوعية 1947م، مخاطرات الجدل 1955م، ثناء على الفلسفة 1960م) قضى موته المبكر على مشروعاته الفلسفية التي كان يزمع التوفر عليها عن أصل الحقيقة، واللغة (تمهيد لنثر العالم) وميتافيزيقا المعرفة (الإنسان المتعالي). # دراسات في الفلسفة المعاصرة للدكتور زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة للدكتور يحيى هويدي. # 1913-1960م؛ ألبير كامي: # مفكر أخلاقي وأديب. شخص وباء العصر - أثناء ms171 الحرب العالمية الثانية وبعدها - وهو انعدام المعنى أو المحال ودعا لمواجهته بالتحدي وتعمق الحياة في كل لحظة على نحو ما واجه سيزيف قدره (أسطورة سيزيف 1942م، الغريب 1940م، كاليجولا 1938م، سوء فهم 1943م): «أنا أتمرد على المحال فأنا إذن موجود». تردد صوته الأمين في المرحلة التالية التي درس فيها تاريخ الثورة في الغرب داعيا إلى مواجهة أشكال المحال المعاصرة - التعذيب والإرهاب والشمولية والتطرف - بالتمرد الجمعي المعتدل: «نحن نتمرد فنحن إذن موجودون» (المتمرد 1951م، الوباء - أو الطاعون - 1947م، العادلون 1949م، حالة الحصار 1949م). # ترجمت مؤلفاته الفلسفية والروائية والقصصية والمسرحية (خصوصا بفضل دار الآداب ببيروت) وحظيت في العالم العربي برواج وتأثير كبيرين. انظر لكاتب السطور: ألبير كامي، محاولة لدراسة فكره الفلسفي (1964م)، وكامي، أو التمرد لروبير لوبيه وترجمة الدكتور سهيل إدريس. ~~(ج) الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة الجارية # جلبرت رايل 1900-1978م: # مفهوم العقل 1949م. # جون وزدم 1904-؟: # الفلسفة والتحليل النفسي 1957م. # جون أوستن 1911-1965م: # العقول الأخرى. # ستراوسون 1919-؟: # الجزئيات: مقال في الميتافيزيقا الوصفية، مقدمة للنظرية المنطقية. ~~(د) النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) # هربرت ماركوز ؟-1979م: # الإنسان ذو البعد الواحد، إيروس والحضارة. # تيودور أدورنو: # الديالكتيك السلبي. # ماكس هور كهيمر: # الوظيفة الاجتماعية للفلسفة. # يورجن هابرماس: # المعرفة والمصلحة - مناهج العلوم الاجتماعية - النظر والعمل. # عبد الغفار مكاوي: # النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي، حوليات كلية الآداب جامعة الكويت، الكويت، 1994م. ~~(ه) نظرية البنية (البنيوية أو البنائية) # فردينان دي سوسير: # البنيوية اللغوية. # كلود ليفي شتراوس: # البنيوية الأنثروبولوجية. # ميشيل فوكوه: # البنيوية الثقافية أو الإبستمولوجية. # جاك لاكان: # البنيوية في التحليل النفسي. # لويس التوسير: # البنيوية الماركسية. # انظر مشكلة البنية للمرحوم الدكتور زكريا إبراهيم، ونظرية البنائية في النقد الأدبي للدكتور صلاح فضل. ms172