######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.MadrasatHikma.Hindawi30828081 #META# Tags: philosophy #META# ID: 30828081 #META# Title: مدرسة الحكمة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تقديم‏ # الفكر ... تطور‏ # أنت لا تنزل النهر مرتين‏ # وعلو وتحرر‏ # كهف أفلاطون‏ # وحيدا مع الواحد‏ # تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان‏ # ودهشة واحتجاج‏ # الدهشة أصل الفلسفة‏ # لا‏ # وشجاعة وتواضع‏ # أيها الإنسان! لست إلها؟‏ # عن الشجاعة‏ # والفكر قدر‏ # قدر المفكرين حزين‏ # العود الأبدي‏ # والفكر عزاء‏ # عزاء الفلسفة‏ # وحوار ولقاء‏ # لوحة رفائيل‏ # مدرسة الحكمة‏ # خلاف حول الإنسان‏ # ومعرفة وحقيقة‏ # ما هو الشيء؟‏ # حذاء فان جوخ‏ # إشارة إلى المراجع‏ # الإهداء‏ # تقديم‏ # الفكر ... تطور‏ # أنت لا تنزل النهر مرتين‏ # وعلو وتحرر‏ # كهف أفلاطون‏ # وحيدا مع الواحد‏ # تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان‏ # ودهشة واحتجاج‏ # الدهشة أصل الفلسفة‏ # لا‏ # وشجاعة وتواضع‏ # أيها الإنسان! لست إلها؟‏ # عن الشجاعة‏ # والفكر قدر‏ # قدر المفكرين حزين‏ # العود الأبدي‏ # والفكر عزاء‏ # عزاء الفلسفة‏ # وحوار ولقاء‏ # لوحة رفائيل‏ # مدرسة الحكمة‏ # خلاف حول الإنسان‏ # ومعرفة وحقيقة‏ # ما هو الشيء؟‏ # حذاء فان جوخ‏ # إشارة إلى المراجع‏ # | مدرسة الحكمة # | مدرسة الحكمة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الإهداء # إلى أستاذي الدكتور «ف. شتروفه» بجامعة فرايبورج (بألمانيا) أهدي بعض ما ~~تعلمته منه. # | تقديم # ليس هناك فلسفة بغير تفلسف، أعني بغير مشاركة في مسائلها، وتجربة حية لمشكلاتها، صحيح أن ~~هناك عددا لا حصر له من الحقائق التي يستطيع الإنسان أن يتعلمها من تاريخ الفلسفة، وصحيح ~~أيضا أن تاريخ الفلسفة لا غنى عنه لكل من يريد أن يتفلسف، غير أن الاقتصار على ترديد آراء ~~الفلاسفة - كما يقول «كانط» في عبارته الجميلة في نهاية «نقد العقل الخالص» - يحيل الإنسان ~~إلى «نسخة من الجبس» تكتفي بالترديد وتعجز عن الإضافة والإبداع. فتاريخ الفلسفة هو تاريخ ~~البحث في المشكلات الفلسفية قبل أن يكون مجموعة من المذاهب والنظم والنظريات، والفلاسفة ~~أناس مثلنا من لحم ودم، لا آلات مفزعة تصنع أفكارا مجردة وكلمات جافة مخيفة، لقد واجهوا ~~مشكلات عذبتهم، ووقفوا أمام ألغاز في الكون أو في أنفسهم حاولوا أن يجدوا لها حلا. ولا ~~جدوى على الإطلاق من أن «نعرف» أن «أفلاطون» كان ينادي بنظرية المثل، أو أن «أرسطو» كان ~~يقول بتركيب الأشياء من مادة ms001 وصورة، أو أن «كانط» قد وصف المكان والزمان بأنهما صورتان ~~أوليتان للعيان أو المشاهدة، لا يتم للإنسان فهم أو إدراك إلا في إطارهما؛ لا جدوى من ~~معرفة هذا كله إذا لم نعرف قبل هذا شيئا عن «الإشكال» الذي جعل أفلاطون وأرسطو و«كانط» ~~ينظرون هذه النظرة إلى الواقع أو إلى المكان والزمان، وإذا لم نشعر باللغز الذي أرقهم ~~ودفعهم إلى البحث عن الحل الذي ذهبوا إليه. وإذن ففهم المشكلات الفلسفية لا يكون بحفظ مذاهب ~~الفلاسفة وآرائهم، بل بتجربتها ومكابدتها على أنها مشكلاتنا نحن، وطبيعي أننا لن نستطيع أن ~~نفهمها الفهم الصحيح حتى نضعها في داخل تطورها التاريخي، ولكننا لن نستطيع كذلك أن ننظر ~~إليها على أنها «مشكلاتنا نحن»؛ حتى نعود فنضعها في تاريخنا ونسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن ~~تقوله اليوم لنا؟ فالفلسفة مجموعة من المشكلات والأسئلة التي لا تكاد تختلف من عصر إلى عصر ~~إلا في أسلوبها وطريقة صياغتها والإجابات التي يحاول أبناء كل جيل أن يقدموها لها، ويعكسوا ~~على مرآتها أفكارهم وهمومهم وضعفهم وقوتهم وأحلامهم وأشواقهم وتخريفهم وسخفهم أيضا؛ ولذلك ~~كان من أصعب الأمور على دارس الفلسفة أن يجد المرجع الذي يعطيه كل شيء عنها؛ لأنه سيكتشف ~~بعد قراءة مئات الصفحات - بل آلافها - أنه لم يعرف بعد ما هي الفلسفة! وليس الأمر كذلك في ~~سائر العلوم التي نصفها بالعلوم الوضعية، فيكفي أن نمد أيدينا إلى كتاب في تاريخ الفلك ~~أو الطبيعة أو النبات أو الاجتماع؛ لنعرف موضوع هذا العلم وحدوده وغايته. ذلك هو سر الخطر ~~والإغراء الذي تنصب الفلسفة شباكه لكل من يغامر بالسير على دربها الممتع الخطر، إنه لا ~~يلبث أن يجد أن كل المصابيح التي أخذها من أيدي الفلاسفة لا تكفي لإنارة طريقه، وأن عليه أن ~~يكتشف هذا الطريق بنفسه، ويفكر فيه بالاعتماد أولا وأخيرا على نفسه. صحيح أنه لن ~~يستغني عن هذه المصابيح التي زوده بها تاريخ الفلسفة، ولكنها كذلك لن تعفيه من البحث عن ~~مصباحه ووضع الزيت فيه وتنظيف زجاجه من حين إلى حين! # في هذا ms002 البحث الدائب المستمر تكمن حقيقة ما يسمى عادة بالفلسفة الخالدة Philosophia ~~perennis ~~، فليست هذه ~~الفلسفة الخالدة هي التي تبحث في علاقتنا بالوجود الكلي وفي علاقته بنا فحسب، وليست هي التي ~~تكتفي بالإجابة على الأسئلة التقليدية، بل هي التي تحيي مشكلاتها الباقية وتخلق مشكلات ~~جديدة كلما استطاعت، وتجعلنا نفكر فيها ونحياها اليوم، لا بل نفكر فيها ونحياها الآن، بذلك ~~تصبح الفلسفة هي التفلسف، كما يصبح التفلسف ضرورة باطنة، ورسالة دائمة لا يستطيع الإنسان ~~أن يتخلى عن حمل أمانتها ومسئوليتها إلا إذا أراد التخلي عن حقيقته كإنسان. # إن الفلسفة هي التي تفتح عيوننا على معنى وجود العالم ووجودنا، وتضع أيدينا على ما فيهما ~~من إشكال في ذاته، إلى الحد الذي نكف معه إلى الأبد عن التماس الحلول «النهائية» أو ~~وضعها في صيغة مريحة أو قالب ثابت من تلك الصيغ والقوالب التي يزخر بها تاريخ الفلسفة. ~~إنها تريد أن تفهم، ولكي تفهم لا بد أن تبحث، ولكي تبحث لا بد أن تكون حرة، ~~فليست الفلسفة ولن تكون في الكتب أو الحروف المكتوبة التي فقدت مع الزمن سحرها القديم، ~~وجدير بنا أن نذكر أن سقراط إمام الفلاسفة ونموذج الفلسفة لم يكتب - لحسن الحظ - حرفا ~~واحدا، وأن حياته وموته ما زالا يخجلان الجميع، سواء أكانوا من المثقفين العاديين أم من ~~موظفي الفلسفة الأكاديميين. فلقد تفلسف سقراط بحق، والفلسفة عنده كان معناها البحث؛ معناها ~~أن هناك أشياء يمكن أن ترى وأن تقال، وإلا كانت مجرد ثرثرة وهراء وسحب نعيش فيها، كما ~~كان أرسطوفان يزعم عنه ظلما، ولا شك أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن يحيا هذا الفيلسوف الحق ~~إلى جانب البسطاء من الناس يناقشهم ويناقشونه في الشوارع والطرقات، فلعله قد وجد لديهم ~~فهما للتهكم الفلسفي واستعدادا للدهشة لم يستطع أن يعثر عليه عند أدعياء المعرفة ~~وكهنتها الرسميين، ولعله قد أحس بفطرته أن مكان الفيلسوف مع الناس، وأن جذوره ممتدة في ~~نفس العالم الذي يضمهم وإياه. وهل يفعل شيئا آخر غير التعبير بالكلمات عما يحسونه ~~جميعا ms003 من أسرار الروح والجسد والموت والحياة؟ ألا يعبر عن اللحظات التي تتجدد فيها ~~حياته ويتسع أفقه محاولا أن يجعل تجربته الذاتية تجربة مشتركة، وأن يوقظ معاصريه ويفتح ~~أعينهم على مفارقات الوجود التي يطوونها بين جوانحهم في صمت؟ ألا يقول لهم: إن الموت كامن ~~في الحياة، وإن الفلاحين - بل شعوبا بأكملها كما يقول مونتني - تموت باستمرار كما يموت ~~الفيلسوف؟ ألا يعلمهم أن الإنسان، لكي يكون إنسانا بحق؛ ينبغي عليه أن يكون شيئا أكبر ~~قليلا من الإنسان وأقل قليلا منه؟ # 1 # كل هذا يؤكد أنه إذا كان التفلسف هو محاولة الكشف عن معنى العالم أو الوجود الشامل، فإن ~~الإنسان لا يمكنه أبدا أن يتفلسف بالخروج عن الموقف الإنساني أو من خارجه، فهو لا يستطيع ~~أن يفكر في الحقائق الأبدية حتى يبدأ من حقيقته الفانية، ولا يمكنه أن يعلو فوق العالم ~~حتى يهبط إلى أعماقه، ولا يسعه التفكير في الأسئلة الخالدة: من أين؟ وإلى أين؟ حتى يعيش ~~لحظته الحاضرة ويبدأ من يومه الراهن؛ فالفيلسوف ملتزم بالتاريخ الذي يعيش فيه، والناس الذين ~~يحيا معهم، ولكنه كذلك غير ملتزم، بمعنى أنه لا بد له من الاحتفاظ لنفسه بحق التحرر من كل ~~قيد ممكن، سواء جاء من الدين أو التقاليد أو أفكار العصر؛ ولذلك فهو مضطر أن يحيا في هذه ~~الازدواجية، أعني أن يعيش على الدوام في حالة من الارتباك، والارتباك هو نقطة ضعف الفيلسوف، ~~وهو كذلك فضيلته، إنه يعلم أن بحثه الدائم عن الوجود الشامل أو المعنى والحقيقة ... إلخ؛ لا ~~يجيز له أن يبعده عن تيار التاريخ ولا عن عالم الظواهر من حوله، كما يعلم أن انشغاله ~~الضروري بعالم الطبيعة والبشر لا يصح أن يشغله عن الكل والمطلق والمعنى، إنه لا يتعالى فوق ~~تناقضات العالم والعصر، ولكن كذلك لا يريد أن يغرق نفسه فيها، ولعل هذا هو معنى العبارة ~~التي ذكرها أفلاطون في محاورة ثيايتيتوس # Theaitetos # عن تلك ~~الفتاة الثراقية التي أغرقت في الضحك عندما رأت الفيلسوف طاليس يسقط في نبع الماء؛ لفرط ~~استغراقه في ms004 تأمل النجوم. # 2 # بهذا يضمن الفيلسوف - إن كان في مغامرة التفلسف ضمان لشيء! - ألا يتلاشى فكره في ~~التجريد أو يتحجر في الجمود، وأن يظل فعله الفلسفي حيا وخالدا، إنسانيا ومتعاليا فوق ~~الإنسان، واضحا ومحاولا الكشف عن الغموض، وبهذا أيضا تكون «الفلسفة الخالدة» هي في نفس ~~الوقت «الفلسفة الحية»، ولا تكون الفلسفة إلا هذه الحركة المعذبة المتصلة بين السؤال ~~والجواب والغموض والوضوح والمطلق والنسبي والإنساني وما يتجاوز حدود الإنسان، ويصبح من واجب ~~هذا «الكائن الوسط» - الذي نسميه الإنسان - أن يقبل هذا القدر القاسي النبيل في شجاعة وثقة، ~~ويحمل مسئوليته في أمانة وكبرياء، حتى يمكنه أن يحيا مشكلات الفلسفة ويحييها، ولا يكتفي ~~فحسب بتأملها والتفكير فيها، وبهذا يصبح أول حرف في الفلسفة هو الإنسان نفسه، الذي يحاول ~~ويعاني ويصارع ويتقدم على الدوام ويحقق نفسه في كل فعل يقوم به كجهد خلاق، وثورة حية ~~متجددة. وتسكن الفلسفة في قلب الحياة والتاريخ، في المكان الذي تولد فيه الأحداث، باحثة عن ~~المعنى والغاية، مبتعدة بنفسها عن طموح العمليين وتجريد المذهبيين. # في هذا البحث الدائم تكمن حقيقة «الفلسفة الخالدة» التي أشرت إليها من قبل؛ فهي أشبه ما ~~تكون بنظام شامل يتسع للفلاسفة في كل العصور، وتتنفس فيه آراؤهم، وتنبض أفكارهم وهمومهم. ~~ولكنه كذلك نظام معاصر نستطيع نحن أيضا أن نجد مكاننا فيه، ونحس بالمشكلات التي عذبت ~~من قبلنا، ونجيب عليها كذلك إجابات مختلفة عن إجاباتهم. «فالشك» مثلا ليس مسألة أثارت ~~بعض الفلاسفة ومرت من زينون الإيلي إلى السفسطائيين إلى ديكارت، بل هو مسألة تطرح نفسها ~~علينا في زمننا الحاضر وفي موقفنا الراهن. وليس معنى هذا أننا لا ندخل «مدرسة الحكمة» أو ~~«معبد الفلاسفة» إلا لنلتقي بأفكارهم الخالدة فحسب، بل لا بد لنا كذلك أن نعرف حكمتهم ~~وحماقاتهم وهزائمهم وانتصاراتهم وحقائقهم وسخافاتهم. وليس ما يمنع أيضا من الاهتمام ~~بالأمراض التي كانوا يشكون منها في المعدة أو الصدر؛ اهتمامنا بتفاصيل مذهبهم أو ظروف ~~مجتمعهم وحياتهم؛ ذلك لأن الفلسفة - هذا الجنون المعقول! - حاضرة دائما في كل فيلسوف، ~~وليست حقائق ms005 الفلاسفة أو خرافاتهم سوى ذكريات على طريق واحد، مهما تعرج أو امتلأ بالسدود ~~والمطبات، فهو يتحرك على الدوام حركة تبدأ في كل لحظة ولا تنتهي؛ فليست الفلسفة في نهاية ~~الأمر مجموعة من المذاهب والآراء التي تعبر عن نفسها بالأفكار المجردة، بل هي قبل ذلك ~~ملحمة من تجارب الحكمة، تمتلئ فصولها بالسلب والإيجاب والنجاح والفشل والتقدم والتأخر، ~~ويتصل فيها الماضي بالحاضر، ويلتقي المفكرون من حيث لا يعلمون؛ ليضعونا أمام المسئولية التي ~~تحتم علينا في كل لحظة حاسمة من لحظات حياتنا أن نجرب تلك الحكمة، ونسير على هذا ~~الطريق؛ لنثري حياتنا ونوسع آفاق شعورنا، ونكون نظرتنا الشاملة في العالم والإنسان، ~~ونتمسك بالقيم التي نادى بها الفلاسفة ودفع بعضهم حياته من أجلها. # لذلك كانت الخطوة الأولى على هذا الطريق هي إيقاظ السؤال الفلسفي في نفس القارئ من جديد، ~~والرجوع به إلى الحالة الأولى للتفلسف، أي إلى الدهشة الأصيلة التي جعلت أقدم الفلاسفة يسأل ~~هذا السؤال السهل العسير: ما هو الوجود؟ وكانت لحظات الاندهاش أو العلو أو الشجاعة والتواضع ~~أو الاحتجاج ... إلخ، التي تتحدث عنها الصفحات القادمة لحظات من فعل التفلسف نفسه، ومحطات على ~~هذا الطريق الطويل الشاق، وألوان من المواقف الحاسمة التي وقفها المفكرون، واستطاعت فيها ~~الفلسفة أن تكون عونا لهم على مواجهة قدرهم أو أدت بهم على العكس من ذلك إلى مأساة هذا ~~القدر؛ ولهذا كله فإن هذا الكتاب لا يهدف إلى التعرض لتاريخ الفلسفة أو مذاهبها، بقدر ما ~~يهدف إلى تمهيد الأرض الصالحة لفعل التفلسف نفسه، وتطهيرها من كل ما يعوقه من عقبات تنجم عن ~~التزمت أو الكسل أو الإغراق في التفاصيل والجزئيات. إنه يريد أن يشرك القارئ في ذلك البحث ~~الخالد عن المعرفة ويأخذ بيده إلى «مدرسة الحكمة» التي لا يحدها مكان ولا زمان، لعله أن ~~يدخل في حوار مع أصحابها، ويذوق طعم المشكلات التي تعذب عقولهم أو تملأ عليهم وجدانهم، حتى ~~يفوز من ذلك بزاد يعينه على طريق الحياة، ويحيي فيه جذوة السؤال عن حقيقته وغايته ومعنى ~~وجوده وحريته. ms006 # وإذا كان الكتاب لا يهدف - كما قلت - إلى عرض مذاهب فلسفية ولا الوقوف منها موقف المؤيد ~~أو المعارض، فليس معنى هذا بالطبع أنه يسوي بين الفلسفات جميعا كما لو كانت - على حد ~~تعبير هيجل - قططا سوداء في حجرة مظلمة، بل معناه أنه يعرض جوانب من فعل التفلسف الخالص ~~نفسه؛ فهو الخيط الذي يمكنه أن يهدينا في متاهات الآراء المختلفة، ولا بد من البدء بتفهم ~~حروفه لنفهم بعد ذلك لغات الفلاسفة المركبة الغامضة، ولا بد أيضا من تجربته والتمرس عليه ~~قبل الخوض في الكلام عن المذاهب أو التصدي لها بالمعارضة أو التأييد، فإذا أفلح هذا الكتاب ~~في أن يوقظ في القارئ محبة الحكمة أو يغريه بممارستها، وإذا استطاع - على الأقل - أن يقدم ~~له بعض اللحظات الأولية التي تعبر عن الجهد الفلسفي وتضع قدم المتفلسف على الطريق، فقد ~~حقق أقصى ما يطمح إليه كاتبه. # عبد الغفار مكاوي # القاهرة في يناير 1967 # | الفكر ... تطور # | أنت لا تنزل النهر مرتين # سماه بعض القدماء ب «المعتم»، وبعضهم الآخر ب «الفيلسوف الباكي»، وغلبت عليه هذه ~~التسمية جيلا بعد جيل، منذ أن كانت كتاباته كاملة بين أيدي معاصريه. ويقال إنه أودعها ~~في معبد الآلهة أرتيميس، وتعمد أن يدونها بخط غير واضح حتى لا يقربها إلا ~~القادرون على فهم أسرارها، إلى أن ضاع معظمها ولم يبق منها سوى مائة وثلاثين شذرة ~~متفرقة يتألف بعضها من عبارات صغيرة، وبعضها من جملة واحدة أو كلمة مفردة. أما ~~الاسم الذي خلعه عليه أبوه فهو هيراقليطس بن بلوسون من مدينة أفيسوس في بلاد اليونان، ~~وأما تاريخ ميلاده فيرجع إلى حوالي عام 500 قبل الميلاد. # وهيراقليطس هو آخر الفلاسفة المعروفين بالأيونيين وأكبرهم، أحاطت به هالة من العظمة ~~والوحدة والكبرياء والتفرد، جذبت المفكرين إلى شخصيته العجيبة على مدى العصور، وتمثلت ~~فيه غضبة المفكر الذي يدق ناقوس الخطر ليوقظ النيام ويرفع عصاه ليعيد موكب الجماهير ~~إلى منبع الحكمة، نشأ في بيت ثري نبيل، وتخلى عن وظيفة الكاهن الموروثة في أسرته ~~إلى شقيقه الأصغر، ورفض أن ms007 يشارك في حكم المدينة التي ولد فيها، أو يشرع لها ~~القوانين؛ لا عن أنانية أو تكبر، بل لاعتقاده بأن دستور هذه المدينة ومواطنيها قد ~~بلغوا من الفساد حدا يعجز معه عن إصلاحهم: «من الخير للأفيزيين أن يشنقوا أنفسهم ~~واحدا واحدا، وأن يتركوا المدينة لغير الذكور؛ فهم الذين طردوا هرمودوروس (أحد أصدقاء ~~هيراقليطس) أكرم رجالهم قائلين له: ليس منا من يفضلنا في الكرامة، وإن وجد فينبغي ~~له أن يعيش في بلد آخر وعند قوم آخرين.» # 1 # وراح هيراقليطس يعبر عن احتقاره المر للجماهير الذين يسميهم بالكثيرين ~~والذين يرقدون على حد قوله: «شباعا كالبهائم»، # 2 # ويسفه آراءهم ويزري بشعائرهم وطقوسهم، إيمانا منه بأن «الواحد حين يكون ~~عظيما يفضل عنده عشرة آلاف»، # 3 # وأخذ يسلط نظرة القاضي القاسية على أسلافه، فهو يعترف أن هوميروس هو ~~أحكم اليونانيين جميعا، # 4 # ولكنه ينصح هؤلاء اليونانيين مع ذلك بأن يطردوه من مدينتهم، وينهالوا عليه ~~وعلى الشاعر أرخيلوخوس ضربا بالسياط! # 5 # ولم ينج الشاعر هزيود من هجومه المفزع، ولا نجا أعظم اليونانيين من لسانه ~~السليط، إنه يتهمهم جميعا بأنهم علموا الناس أن يحشوا رءوسهم بالحفظ والمعرفة، مع أن ~~«كثرة المعرفة لا تعلم العقل.» # 6 # وأنهم يتبعون منشدي الشعب، ويجعلون من الرعاع معلمين لهم؛ لأنهم لا يدرون ~~أن الكثيرين أشرار، وأن القليلين طيبون. ويغالي في هجومه فيصف فيثاغورس وأصحابه ~~بالنصابين والغشاشين، ولا يعترف لأحد من السابقين بفضل المعلم، بل يقول في كبرياء ~~واعتزاز بالنفس: «أنا الذي قمت بالبحث في نفسي.» # 7 # وفي هذه الكلمة الأخيرة نغمة لم تسمع من قبل في فجر الفلسفة، ف «الأنا» تعلن ~~لأول مرة عن نفسها وتطالب بحقها، ويتكشف أفق جديد لم يعرفه الإنسان من قبل: هو أفق ~~الذات، فها هي ذي عميقة عمق الهاوية، لا يستطيع غواص أن يصل إلى قرارها، متسعة الأرجاء، ~~لا يملك أحد أن يلمس حدودها: «لن تستطيع خطاك أن تعثر على حدود النفس، ولو سرت في كل ~~طريق، عميق هو معناها «لوجوس» شديد العمق.» # 8 # وفي هذه العبارة يبدأ ms008 علم النفس ويصل أيضا إلى أبعد غاياته، فلا نكاد نعرف ~~شيئا قيل عن النفس الإنسانية أشمل أو أصدق من هذه العبارة، إنها تحملنا على تصديق ما ~~يروى عن رأي سقراط في هيراقليطس؛ فقد قيل: إن الشاعر المسرحي يوريبيدز قدم إليه مؤلف ~~هيراقليطس وسأله عن رأيه فيه، فرد عليه سقراط قائلا: «إن ما فهمته منه شيء رائع، ~~أما ما لم أفهمه فإنني أومن بصحته، غير أنه يحتاج إلى غواص من ديلوس!» # 9 # ولقد حاول الغواصون على مر العصور أن يخوضوا في بحره المظلم، ويصطادوا اللؤلؤ والنضار ~~من لغته الزاخرة بالصور والرموز والأسرار، رأى فيه هيجل الأب الحقيقي لمذهبه في «الروح ~~المطلق» الذي تتلاقى فيه الأضداد فتستريح، ويتعانق عنده الفكر والوجود بعد طول فراق، ~~وترسو عليه سفينة المصير بعد رحلة الصراع والضياع، وأحبه نيتشه حتى كاد أن يكون ~~هيراقليطس ثانيا يحيا في العصر الحديث حياته ويتعذب عذابه، ويواجه العالم كله ~~بتحديه وتمرده وانفراده، وفتنت هيدجر منه دعوته الجريئة إلى الاستماع إلى صوت ~~الوجود أو الحقيقة أو «اللوجوس»، فتحدث عنه حديث من يحاول الرجوع إلى المنبع ~~الحقيقي الذي تدفقت منه الفلسفة في تاريخها الطويل، والتربة الأصيلة التي انقدحت فوقها ~~شرارة التفكير الملهم في الوجود، قبل أن يتحول هذا التفكير الخالص على يد سقراط إلى بحث ~~في الإنسان والأخلاق، ويصب على يد أفلاطون وأرسطو ومن تبعهما في قوالب العقل والمنطق ~~والمذهب. فلنحاول اليوم معا أن نقف على شاطئ هذا البحر المعتم الزاخر ما دمنا عاجزين ~~عن السباحة معهم فيه، ولنجرب القناعة بالصدف والمحار ما دمنا لا نملك الغوص فيه بحثا ~~عن اللؤلؤ والنضار. ~~••• # ها هو ذا هيراقليطس يبرز من بين الأمواج الأبدية وينادي: لست أرى إلا التحول ~~والتغير، لا تخدعوا أنفسكم ولا تلوموا حقيقة الأشياء، بل لوموا قصر نظركم إن ظننتم ~~أنكم تبصرون أرضا ثابتة في بحر الكون والفساد. أنتم تخلعون على الأشياء أسماء، ~~وكأنما هي ستبقى إلى الأبد، ولكن النهر الذي تنزلون فيه للمرة الثانية ليس هو نفس النهر ~~الذي نزلتم فيه أول ms009 مرة. # إنه ينظر إلى العالم بعين الفنان أو بعين الطفل، # 10 # وكما يلعب الفنان والطفل لعبهما البريء، فكذلك يلعب العالم مع نفسه، وكذلك ~~تلعب النار الحية الخالدة، فهي تتحول تارة إلى ماء وتارة أخرى إلى أرض، وتبنى وتخرب ~~كما يبني الطفل قصورا من الرمال على شاطئ البحر ثم يملها فيهدمها. # ولكن وراء هذا المهرجان البهيج الذي يتقلب عليه النور والظلام، واللعب والضرورة، ~~والهدم والبناء، يكمن القانون والعدالة والنظام، أو ما يسميه في كلمة واحدة ب ~~«اللوجوس»، «إن استمعتم إلى اللوجوس ولم تستمعوا إلي، فإن من الحكمة أن تتفقوا على ~~القول بأن الواحد هو الكل.» # 11 # كلمة مشهورة من كلمات هيراقليطس، أو شذرة من الشذرات المأثورة عنه. الكلمة تتحدث عن ~~الاستماع والإنصات إلى اللوجوس (المعنى أو العقل أو الكلمة أو المقال)، كما تتحدث عن ~~المفكر الذي ينصت مع المنصتين ويدعوهم إلى الاستماع إلى صوت الحقيقة لا إلى أصوات ~~الفانين، إنه يعبر لهم عما يقوله «اللوجوس»: الواحد هو الكل، ويكاد أيضا أن يقول: الكل ~~هو الواحد، غير أنه لا يعطيهم حكمة مريحة توفر عليهم مشقة التفكير، ليستخدموها في ~~شئونهم اليومية مثلما يلجئون إلى حكمهم البليدة المأثورة، بل الأولى أن يقال: إنه ~~يسير بهم على طريق شاق عسير، لعل معاصريه لم يطيقوا السير عليه، ولعله يبدو لنا نحن ~~بعد أكثر من عشرين قرنا وقد ازداد مشقة وعسرا. # الواحد هو الكل، والكل هو الواحد # ما أسهل أن ينطق اللسان بهذه الكلمات! وما أسرع ما يوهم نفسه بأنه قد فهم معناها ~~وأدرك المراد منها! ولكن ما أكثر المعاني التي تعشش في هاتين الكلمتين: الواحد ~~والكل! قد ترد الكلمتان على لساننا للتعبير عن فهم سطحي أو تصور من تصوراتنا ~~اليومية العابرة، ألا نقول في حديثنا اليومي حين يفيض بنا الملل أو عدم الاكتراث: ~~كله واحد؟! كأنما نحاول بالحكمة المتعبة الكسولة أن نتخلص من همومنا ومتاعبنا؟! ~~ألا نلجأ إلى هاتين الكلمتين فنصنع منهما قالبا نضع العالم كله فيه، أو نؤلف ~~منهما صياغة نفسر بها الكون كله؟ ومع ms010 ذلك فقد تطوي الكلمتان كل مشقة التفكير ~~وكل كتمان المفكر، عندئذ نحاول أن نقتفي خطاه ونسير على طريقه، لا نكاد نملك إلا ~~السؤال الذي يولد السؤال، والترجمة المألوفة لكلمة هيراقليطس المحيرة - وكل ما ~~قاله هذا المفكر المظلم محير! - نقول: إن من الحكمة أن ننصت لما يقوله ~~«اللوجوس»، وأن ننتبه إلى معنى ما يقول: إن الواحد هو الكل، فاللوجوس يقول شيئا، ~~أو بالأحرى يريد أن يعلن عن شيء، هذا الذي يقوله ويريد أن يعلنه هو: الواحد هو ~~الكل، أو الكل هو الواحد. # ولكن هل في وسعنا أن نزعم أننا نفهم ما يقوله اللوجوس؟ وكيف نتصور أن الكل هو ~~الواحد، أو الواحد هو الكل؟ إن هذه الكلمة تحيرنا وقد كنا ننتظر منها أن ~~تهدينا، وربما كان عزاؤنا الوحيد معها أن نعرف أن من الخير دائما للفكر أن يتجول ~~بين أحراش المجهول بدلا من أن يسير على الطريق الهين اليسير، وأن يتعذب ويقلق ~~بدلا من أن يخلد إلى الراحة والسكون، فقد عذب المفكر اليوناني المبكر سؤاله ~~عن الموجود، فكان هذا السؤال هو نقطة انطلاقه، وكان «اللوجوس» هو الأحرف الأولى ~~لقدره ومصيره. وإذا كان العالم كله اليوم يطبق نماذج العلم الغربي والتكنيك ~~الغربي، فلم تكن هذه النماذج المعقدة إلا نهاية تطور طويل بدأ بسؤال الحكم اليوناني ~~الأول عن طبيعة الموجود. # 12 # الواحد هو الكل، هو التعبير عن طبيعة اللوجوس، واللوجوس يقول لنا كيف يكون الواحد ~~هو الكل، ذلك أنه يجمع الأضداد المتفرقة في ذاته، كما يجتمع الليل والنهار، ~~والخريف والصيف، والحرب والسلام، واليقظة والمنام. واللوجوس هو وحده الذي يقدر ~~لهذه الأضداد المتباعدة أن تجتمع فيه، وهو وحده الذي يحملها على التجلي والظهور، ~~فإذا نحن استمعنا إلى ما يقوله «اللوجوس» استمعنا إلى حقيقة «الكل» التي اجتمعت في ~~«الواحد»، الواحد الأبدي الخالد يتحدث إلى هيراقليطس وإليه وحده، ماذا يقول؟ يقول: ~~إن الواحد هو الكل، وكل ما في الكون من موجودات - مهما قل شأنها وتضاءلت قيمتها - ~~فهي عنده الحقيقة كلها، وما خرج عن الأصل والمنبع فلا بد ms011 أن يرتد إلى الأصل والمنبع ~~من جديد. # الكل هو الواحد والواحد هو الكل # ونستطيع أيضا أن نقول: إن الكل يصدر عن الواحد، كما أن الواحد يصدر عن الكل، ~~كلاهما مرتبط بالآخر في تجانس وانسجام متبادل، وكلاهما متفق ومختلف في آن واحد ... ~~ولن نتبين العلاقة بينهما حتى نفهمها فهما «ديالكتيكيا»، أعني في إطار علاقة ~~التوتر القائمة بينهما. # يقول هيراقليطس: # 13 ~~«على أن الكل يديره (يحكمه، يدبره، يوجهه) البرق، فالبرق يكشف ~~الكل، ونوره الخاطف يظهره ويجليه.» والبرق هنا هو الاسم الذي كان اليونانيون ~~يطلقونه على «زيوس» كبير الآلهة، ورب البرق والرعد والصواعق؛ ومن ثم كان زيوس ~~كبير الآلهة هو اللوجوس، وكان اللوجوس أو «الواحد هو الكل» هو أكبر الآلهة، وهو ~~القدر الذي يحكم الكل، ولكن هل يجيز لنا هذا أن نقول: إن زيوس واللوجوس والواحد ~~والكل شيء واحد؟ هل نفهم منه أن هيراقليطس يقول بوحدة الوجود؟ إن هيراقليطس لا ~~يعلم مذهبا ولا يقول بنظرية، إنه مفكر، والمفكر يدعوك إلى التفكير معه، ولا شيء ~~غير هذا، ولقد حير معاصريه كما حير الأجيال التي جاءت بعده حين قال كلمته المشهورة: # 14 ~~«إن الواحد - المتصف وحده بالحكمة - يريد ولا يريد أن يسمى باسم ~~«زيوس»، هو يريد أن يسمي نفسه زيوس، وهل هناك اسم يليق به أفضل من اسم كبير ~~الآلهة؟! ولكنه يعود فينفي ما يريد؛ إذ أين لمنبع الحكمة كلها وكيف لقدرها الوحيد ~~أن يحيط به اسم من الأسماء؟» # هيراقليطس هنا ينفي ويؤكد في آن واحد، وينسب للآلهة ما يسلبه من البشر، ويدفع ~~بالتفكير لأول مرة على طريق «الديالكتيك» الذي يسمح بالتناقض والمفارقة، ويجمع بين ~~الأضداد والمتقابلات على الطريق الطويل الذي وصل إلى قمته عند هيجل، وها نحن أولاء ~~نلمس اليوم آثاره في الصراع السياسي والمذهبي الدائر بين الشرق والغرب، فكلمته ~~السابقة تحتوي في ظاهرها على التناقض؛ حين تؤكد أن الواحد الحكيم يريد ولا يريد أن ~~يتسمى باسم زيوس. غير أن هذا التناقض لا يعبر عن ضعف في الفهم أو خطأ في الحكم، ~~بل ينبع ms012 من تفكير لا يطيق الجمود عند حالة واحدة ولا الوقوف عند طرف واحد، بل ~~يتحرك دائما من حالة إلى حالة ، ومن طرف إلى طرف (وهو ما نسميه عادة بالتفكير ~~الديالكتيكي). # ثم يعود هيراقليطس فيحيرنا معه حين يقول عبارته المشهورة: «إن الطبيعة (فيزيس) ~~تحب التخفي»، فالطبيعة هنا (أو الجوهر أو الحقيقة) التي من شأنها أن تظهر وتنمو ~~وتتجلى، تحب مع ذلك أن تكمن وتتخفى. عبارة تنطوي على المفارقة، ولكن المفارقة ~~قائمة في جوهر الطبيعة نفسها، فمن دأبها أن تحجب نفسها، وأن تخفي عن الإنسان حقيقتها، # 15 # ولولا أنها تحب الاختفاء وتمنع نفسها عن طالبيها لما جذبت إليها ~~الفلاسفة، ولما سمي هؤلاء محبي الحكمة والمشتاقين أبدا إلى القرب منها والتشبه ~~بها. ~~«الطبيعة (ونستطيع أيضا أن نقول: الحقيقة أو الجوهر) تحب الاختفاء.» # هذه الكلمة تلخص جوهر الفلسفة كلها. # فالفلسفة طريق صاعد إلى الحكمة، وشوق دائم إليها، وكلما ازددنا ~~تفلسفا؛ ازددنا توغلا في هذا الطريق الموحش الوحيد، هذا الطريق الصاعد هو الذي ~~نسميه عادة «بالديالكتيك»، وكلما ازداد نصيبنا من التفلسف ازداد حظنا أيضا من هذا ~~الديالكتيك، عندئذ نجد كل شيء في الوجود في صراع وتغير دائمين، فما من شيء إلا ~~وهو في صراع مع الضد المقابل له، وما من شيء إلا وهو في صيرورة متصلة وتحول ~~مستمر، ونهر الحياة يسيل على الدوام؛ فنحن لا ننزل فيه مرتين. ومن العبث أن نتشبث ~~بالموجة؛ إذ لا تلبث أمواج أخرى أن تجرفنا، ولا يلبث تيار الماء أن يتجدد تحت ~~أقدامنا. أنت تنزل في النهر الواحد ولا تنزل فيه؛ ذلك أن النهر الواحد لا يبقى نفس ~~النهر، وأنت أيضا لا تبقى على ما أنت عليه، فنحن ننزل في نفس الأنهار ولا ننزل ~~فيها، ونحن نكون ولا نكون؛ ذلك أننا نتغير على الدوام، وإن احتفظنا أمس واليوم ~~وغدا بأسمائنا. كل شيء يسيل على الدوام، كل شيء يخطو إلى الأمام ولا يبقى على ~~حاله، كل شيء يتغير ويتبدل، وما لشيء على وجه الأرض من ثبات، وكل ما هو موجود فلا ms013 ~~بد له أن يهوي إلى العدم، إن كان يريد أن يتشبث بالوجود، والدهر طفل يلعب، ويرتب ~~الأحجار على لوح كبير، وما أروعه من لعب ملوكي يقوم به طفل صغير: # 16 # نهار وليل، شتاء وصيف، حرب وسلام، شبع وجوع. وتعم الحرب وينشب الصراع ~~بين جموع الأشياء، وينشأ كل ما في الوجود بمقتضى الصراع والتنازع؛ فالحرب هي أم ~~الأشياء وملكتها جميعا، تجعل البعض آلهة وأبطالا، وتجعل البعض الآخر بشرا، ~~وتحيل البعض عبيدا، كما تجعل غيرهم أحرارا. # 17 # غير أن الأضداد تلتقي في النهاية، والأعداء لا يلبث الصلح أن ينعقد ~~بينهم، ويجتمع الكل وما ليس بكل، ويتألف المتجانس والمتنافر، وينسجم القوس مع ~~الوتر. وليس معنى هذا أن الصراع سيتوقف إلى الأبد، أو أن تيار الحياة سيجف، ~~وعجلتها ستكف عن الدوران، بل معناه أن التحول مستمر، وإن كنا سندرك الثبات ~~من وراء التحول؛ ذلك أنه يتفرق ثم يتجمع، ويبتعد ثم يقترب، ولا يلبث المجتمع أن ~~يتفرق من جديد، ولا يلبث القريب أن يبتعد. غير أن الواحد في تحوله باق، ونفس ~~الشيء هو الحي والميت، والمستيقظ والنائم، والشاب والعجوز، والحلو والمر، والطريق ~~الصاعد والهابط والمستقيم والملتوي واحد ونفس الشيء، والخير والشر واحد ونفس الشيء ~~أيضا، إنه عنده هو الكل، كما هو عنده الواحد. والحياة جرة تمزج العسل والمر، ~~والنصر والهزيمة، والليل والنهار بلا انقطاع. وإذا كان نهر الوجود يسيل على الدوام، ~~فإن الأبدي يتدفق أيضا على الدوام في جميع الأشياء، وإنما يكشف الصراع بين ~~الأضداد عن العدالة الكامنة وراءه، وتدل الكثرة المتغيرة على الوحدة ~~الباقية. # ولكن ما هو هذا الذي يبقى وإن تحول، ويدوم على رغم التغير والتبدل؟ إن ~~هيراقليطس يسميه تارة بالإله، وأخرى بالدهر، وثالثة بالطبيعة أو الحقيقة أو الجوهر، ~~إنه عنده هو الكل، كما هو عنده الواحد. النهر الذي يسيل دائما وتتغير مياهه في كل ~~لحظة، ويظل مع ذلك هو نفس النهر؛ فأنت تخوض فيه وتحس بتدافع الأمواج من حولك، ~~وانسياب المياه على جسدك، وتعرف أن النهر واحد، ولكنك تعرف أيضا أن المياه ms014 تتغير ~~فيه، والأمواج تذهب وتجيء، وأن حياتك موت لغيرك، كما أن موتك حياة للآخرين، وفي كل ~~لحظة تسبح فيها في النهر يأتيك الدليل على أن النهر واحد ومتغير، وأن جسدك واحد ~~ومتغير أيضا، وتعرف أن الزمن باق وإن أفنى كل ما فيه؛ ذلك أنك لا تنزل النهر ~~الواحد مرتين. # | وعلو وتحرر # | كهف أفلاطون # يمهد أفلاطون للحديث عن رمز الكهف في نهاية الباب السادس من جمهوريته، لكن الحديث ~~نفسه يبدأ مع بداية الباب السابع. إن سقراط - الذي يجري أفلاطون على لسانه كل فلسفته ~~- يتحدث إلى جلاوكون. الأول يصور الحكاية ويصف الكهف، والثاني يعلن عن دهشته التي ~~تستيقظ في نفسه شيئا فشيئا، لنسمع الحديث معا قبل أن نبدأ في الكلام عنه: # سقراط: والآن، قارن طبيعتنا من وجهة نظر التربية ونقص التربية، بمثل هذه ~~التجربة. # تأمل هذا: أناس يقيمون تحت الأرض في مسكن أشبه بالكهف، مدخله الممتد إلى أعلى يواجه ~~ضوء النهار، في هذا المسكن يقيمون منذ الطفولة مقيدين بالسلاسل من سيقانهم ورقابهم، ~~حيث يظلون في نفس الموضع، فلا يملكون إلا أن ينظروا إلى الأمام ليروا ما يواجههم، إنهم ~~- بسبب هذه القيود والسلاسل - عاجزون عن إدارة الرءوس فيما حولهم، في استطاعتهم مع ذلك ~~أن يبصروا نورا يأتي من أعلى ومن بعيد، وإن كان ينبعث من نار تلمع خلفهم، بين النار ~~وبين المقيدين بالسلاسل [أعني في ظهورهم] # 1 # يمتد في الجهة العلوية طريق بني على طوله - تصور هذا - حائط منخفض ~~شبيه بالأسوار التي يقيمها المهرجون [أصحاب الألعاب البهلوانية] أمام الناس، لكي يعرضوا ~~عليهم ألعابهم. # قال: هذا ما أراه. # تأمل كذلك كيف يعبر الناس على طول هذا الحائط الصغير حاملين مختلف الأشياء؛ من تماثيل ~~وصور حجرية وخشبية، وغير ذلك مما يصنع البشر، فيتحدث بعضهم مع بعض كما هو منتظر، ~~ويصمت البعض الآخر. ~~- صورة غريبة هذه التي تتكلم عنها، هكذا قال، ومساجين من نوع غريب. # قلت: إنهم يشبهوننا، نحن البشر، ماذا تحب أن يكون عليه الأمر؟ مثل هؤلاء الناس لم ~~تقع أعينهم منذ البداية - سواء كان ms015 ذلك من أنفسهم أو من غيرهم - إلا على الظلال التي ~~تلقيها النار على حائط الكهف المواجه لهم. # قال: وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ما داموا قد أجبروا على عدم تحريك رءوسهم ~~طوال حياتهم؟ ~~- ولكن ماذا عساهم يرون من هذه الأشياء التي يحملها الناس [خلف ظهورهم]؟ ألا يرون هذه ~~[الظلال] نفسها؟ ~~- كذلك الأمر في الواقع. ~~- لو أنه كان في مقدورهم أن يتحدثوا بعضهم مع البعض عما يرون، ألا تعتقد أنهم كانوا ~~سيحسبون أن ما يرونه هو الوجود؟ ~~- بالضرورة. ~~- ماذا يكون الأمر إذا لو أن هذا السجن كان يتردد فيه صدى من الحائط المواجه لهم؟ ~~ألا تظن أنهم كلما صدر صوت عن واحد من الذين يمرون وراء المسجونين اعتقدوا أن الحديث ~~إنما يصدر عن الظلال التي تمر أمامهم؟ ~~- لا شيء غير ذلك، بحق زيوس. # قلت: إن أمثال هؤلاء المساجين لن يعتقدوا في واقع الأمر أن هناك شيئا حقيقيا سوى ~~ظلال الأدوات [التي يحملها العابرون]. # قال: بالطبع هذا أمر ضروري. # قلت: تتبع إذن بنظرتك، كيف يفك هؤلاء المسجونون قيودهم ويشفون في نفس الوقت من ~~فقدان البصيرة، وتفكر عندئذ، كيف تكون طبيعة فقدان البصيرة هذه إذا حدث لهم ما يلي: ~~كلما فكت السلاسل عن أحدهم وأجبر على الوقوف على قدميه فجأة والالتفات برقبته ~~والسير قدما والتطلع إلى النور، فلن يقوى على ذلك إلا إذا عانى ألما [شديدا]، ~~ولن يستطيع من خلال الوهج أن ينظر إلى تلك الأشياء التي رأى ظلالها من قبل. [لو أن ذلك ~~كله حدث له] فماذا تحسبه يقول لو أن أحدا قال له إن ما رآه من قبل لم يكن إلا عدما، ~~وأنه الآن أقرب إلى الوجود، وأن نظره أكثر صوابا لأنه يلتفت إلى ما هو أكثر وجودا؟ ~~ولو أن أحدا عرض عليه الأشياء التي مرت عليه واحدا بعد الآخر واضطره أن يجيب عن ~~سؤاله عما هو هذا الشيء، ألا تعتقد أنه سيحار كيف يرد عليه وأنه سيعتبر أن ما رآه ~~بعينه من قبل أكثر حقيقة مما يعرض عليه ms016 الآن؟ ~~- بالطبع. ~~- وإذا أجبره أحد على النظر إلى النور [المنبعث من النار]، ألن تؤلمه عيناه ويتمنى ~~أن يحولهما عنه ويفر إلى ما يقوى على النظر إليه ويعتقد أن ما رآه أوضح في الواقع ~~بكثير مما يعرض الآن عليه؟ ~~- الأمر كذلك. # قلت: وإذا حدث أن أحدا جذبه بالقوة من هناك وشده على الطريق الوعر [إلى خارج ~~الكهف]، ولم يتركه قبل أن يعرضه لضوء الشمس، ألن يشعر عندئذ بالألم والسخط؟ ألن يحس - ~~وقد وقف في نور الشمس - بأن عينيه قد بهرهما الضوء الساطع، وأنه لن يكون في وسعه أن يرى ~~شيئا مما يقال له الآن إنه الحق؟ ~~- لن يقوى أبدا على ذلك، أو لن يقوى عليه فجأة على الأقل. ~~- أعتقد أن الأمر يحتاج إلى التعود إذا كان عليه أن يرى ما هناك [أي خارج الكهف في ~~ضوء الشمس]، إنه سيستطيع في أول الأمر [نتيجة لهذا التعود] أن ينظر في يسر شديد إلى ~~الظلال، وسيكون في وسعه بعد ذلك أن يرى صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ~~إلى أن يتمكن أخيرا من رؤية هذه الأشياء نفسها [أي الموجودات الحقيقية بدلا عن ~~انعكاساتها]، ألا يكون في وسعه أن يرى من بين هذه الأشياء ما [يتجلى] منها في قبة ~~السماء، كما يرى السماء نفسها، وأن تكون رؤيته لها بالليل حين يتطلع ببصره إلى نور ~~النجوم والقمر أيسر من رؤيته للشمس وضوئها بالنهار؟ ~~- لا شك في ذلك. ~~- أعتقد أنه سيتمكن آخر الأمر من النظر إلى الشمس نفسها، لا إلى صورتها المنعكسة في ~~الماء أو حيثما ظهرت فحسب، [وسيتمكن من النظر] إلى الشمس نفسها كما هي عليه في ذاتها ~~وفي الموضع المحدد لها؛ لكي يتأملها ويتعرف طبيعتها. ~~- من الضروري أن يصل به الأمر إلى ذلك. ~~- وبعد أن يبلغ ذلك سيكون في مقدوره أن يجمل القول عنها [أي عن الشمس] فيعرف أنها ~~هي التي تضمن [تعاقب] فصول السنة كما تضمن [مر] السنين، وتتحكم في كل ما هو موجود ~~الآن في محيط الرؤية، بل إنها [أي الشمس] ms017 هي علة كل ما يجده أولئك [المقيمون في ~~الكهف] على نحو من الأنحاء حاضرا أمامهم. ~~- واضح أنه سيصل إلى هذا [أي إلى الشمس وما يستضيء بنورها] بعد أن تجاوز ذاك [أي ما ~~كان ظلا وانعكاسا فحسب]. ~~- ماذا يحدث إذن لو أنه تذكر مسكنه الأول، وتذكر المعرفة التي كانت سائدة فيه، ~~والمساجين الذين كانوا معه؟ ألا تعتقد أنه سيسعد بهذا التغيير الذي حدث له بينما يأسف ~~لأولئك؟ ~~- أسفا شديدا! ~~- فإذا حددت في المكان القديم [بين من كانوا يقيمون في الكهف] جوائز وألوانا معينة ~~من التكريم لكل من يرى الأشياء العابرة رؤية حادة، ويتذكر ما يمر منها في المقدمة، ثم ~~ما يتبعها أو ما يتفق مروره معها في وقت واحد ويكون أقدرهم على التنبؤ بما سيأتي منها ~~في المستقبل قبل غيره، أتعتقد أنه [أي ذلك الذي غادر الكهف ورأى نور الشمس والحقيقة] ~~سيحس بالشوق إليهم [أي إلى الذين لا يزالون في الكهف] لكي يتنافس مع الذين يضعونهم ~~موضع التكريم والقوة؟ أم لا تعتقد معي أنه سيأخذ نفسه بما يقول عنه هوميروس «من خدمة ~~رجل غريب فقير» [أي أنه سيفضل - مثل أخيل - أن يعمل كأجير حقير في عالم العقل ~~العلوي، على أن يكون ملكا في عالم الأشباح] وسيحتمل كل ما يمكن احتماله بدلا من أن ~~يعتنق تلك الآراء [التي يؤمنون بها في الكهف] ويعيش على هذا النحو. ~~- أعتقد أنه سيؤثر أن يحتمل كل شيء على أن يحيا تلك الحياة [التي يعيشونها في ~~الكهف]. # قلت: والآن تفكر في هذا، إذا حدث لذلك الذي خرج على هذا النحو من الكهف أن هبط ~~مرة أخرى إلى الكهف وجلس في نفس المكان [الذي كان يجلس فيه]، ألن تمتلئ عيناه بالظلمات ~~بعد رجوعه فجأة من رؤية الشمس؟ # قال: طبيعي جدا أن يحدث له ذلك. ~~- فإذا عاد إلى الجدال مع المقيدين الدائمين هناك حول الآراء المختلفة عن الظلال، ~~في الوقت الذي لا تزال فيه عيناه تعشيان [من الضوء] قبل أن تعودا سيرتهما الأولى - ~~الأمر الذي سيستغرق منه زمنا غير ms018 قليل حتى يتعود عليه - [ألا تعتقد] أنه سيعرض ~~نفسه هناك للسخرية، وأنهم سيحاولون أن يقنعوه بأنه لم يغادر الكهف إلا ليعود إليه ~~بعينين مريضتين ، وأن الأمر لا يستحق أبدا أن يشق الإنسان على نفسه بالصعود إلى ~~هناك؟ وإذا حاول أحد أن يمد يديه ليفك عنهم قيودهم ويصعد بهم إلى أعلى، [ألا تعتقد] ~~أنهم لو استطاعوا أن يمسكوا به ويقتلوه فسوف يقتلونه حقا؟ # قال: يقينا سيفعلون ذلك (الجمهورية: 7، 14، 514أ، 2 إلى 517أ، 7). ~~••• # ما معنى هذا الرمز؟ ماذا تدل عليه هذه الحكاية؟ # إن أفلاطون يتولى بنفسه الجواب؛ فبعد الحكاية يأتي دور التفسير (517أ، 8 إلى 518د، ~~7)، فالمسكن الشبيه بالكهف صورة لمكان الإقامة الذي تقع عليه أعين من ينظرون حولهم كل ~~يوم، والنار التي تتوهج خلف ظهور ساكني الكهف - أعلى منهم بقليل - هي صورة الشمس التي ~~تسطع في الخارج، وقبة الكهف أو سطحه الذي تتطلع إليه عيون المساجين، تصور قبة السماء ~~المزدانة بالقمر والنجوم. تحت فلك القبة يحيا الناس مقيدين بالأرض، إنهم يحسون أن ما ~~يحيط بهم هو الواقع، وأن ما يرونه هو الحق. لا وجود إلا الوجود الذي يرونه حولهم، ولا ~~حقيقة إلا لما تلمس أيديهم، إن كانت أيديهم تستطيع أن تلمس شيئا! في هذا المسكن الشبيه ~~بالكهف يشعرون أنهم يعيشون في بيوتهم، ويقيمون في العالم، مطمئنين أن لا بيت لهم سواه ~~ولا عالم غيره. # ولكن ما شأن الأشياء في خارج الكهف لا تنعكس إلا ظلالها على حائطه؟ هي رمز لما لا ~~يقوم للموجود وجود إلا به، وما يجعله يتبدى على هيئته التي تراه بها العين، هذه ~~الهيئة أو هذا المظهر الذي تتبدى به الموجودات هو ما يسميه اليونان الإيدوس أو ~~الإيديا [المظهر، المثال]. # والأشياء الموجودة خارج الكهف التي يغمرها ضوء النهار، ويتفتح عليها نور العين، هي ~~رمز للأفكار أو «المثل» كما يسميها الفلاسفة، لو لم تقع عين الإنسان على «مظهر أو ~~مثال» الكائنات من أشياء وبشر وأعداد وأشجار ... إلخ؛ لما استطاع أن يعرف أن هذا الشيء أو ~~ذاك بيت أو شجرة ms019 أو إنسان إلخ، لكن الإنسان يحسب عادة أن يرى هذه الشجرة وذلك البيت وما ~~أشبه ذلك من موجودات دون أن يخطر بباله أنه لا يرى شيئا مما يرى إلا على ضوء «المثل»، ~~ولا أن ما يسميه بالواقع مما يرى ويسمع ويلمس ويعد ليس إلا انعكاسا لهذه المثل ~~وظلالها، إنه يحيا حياته بين الظلال، والظلال تتحكم في حياته وعاداته وأحكامه، وتقيم ~~حوله سجنا يحجب عنه نور المثل الساطع وراء جدرانه، إنه لا يدرك أن هذا السجن سجن، ربما ~~لأنه سجن واسع بلا جدران؛ لذلك يظن أن حياته اليومية تحت قبة السماء هي مسرح تجربته ~~الذي لا مسرح سواه، وهي التي يستمد منها المقياس والقاعدة لكل ما يربطه بالكائنات من ~~علاقات. # ولكن ماذا عسى أن يحدث لو أن إنسان الكهف هذا التفت وراءه فجأة فرأى النار التي ~~تتوهج، وعرف أنها هي التي تلقي على الجدار المواجه له ظلال الأشياء؟ لا شك أن تغيير ~~النظرة لن يعقبه كشف الغطاء. إنه في الكهف يملك «الواقع» ويعرف «الحقيقة»، ولن يخطر ~~بباله أن هذا الواقع ظل، أو أن هذه الحقيقة خيال. إن أقصى ما يمكن أن تأتي به أن ~~تخل قليلا بالسلوك المعتاد دون أن تغيره، أو تزعج الظن المألوف دون أن تهدمه من ~~أساسه، وأنى له أن يعرف شيئا عن الظلال، وهو لا يريد أن يعرف أي شيء عن النار التي ~~تشتعل في الكهف أو عن الضوء المنبعث منها، مع أن النار شيء «مصنوع» ولا بد أن يكون ~~مألوفا لديه؟ أما ضوء الشمس في خارج الكهف فهو على العكس من ذلك؛ شيء لم تصنعه يد ~~الإنسان، فعلى نوره تتجلى الأشياء والكائنات تجليا مباشرا بغير حاجة إلى ظل أو ~~انعكاس، إنه هو صورة المثل، أما الشمس فهي صورة لما «يظهر» المثل كلها أو هي صورة ~~لمثال المثل جميعا، الذي قد نسميه مثال الخير. # ذلك هو التقابل الذي نقيمه عادة بين الظلال في الكهف وبين الواقع الذي نجربه كل يوم، ~~بين ضوء النار المشتعلة فيه وبين النور ms020 الذي يغمر الأشياء من حولنا، بين المساجين ~~المقيدين بالسلاسل وبيننا نحن البشر، بين الموجودات خارج الكهف وبين المثل، بين ~~الشمس وبين مثال المثل، غير أن هذا التقابل لا يستنفد مضمون الرمز الغني كله؛ ذلك لأنه ~~لا يكتفي بأن يروي لنا أحداثا تجري داخله أو خارجه فحسب، ولا يقف عند تقرير وضع ~~الإنسان فيه أو فيما وراءه؛ فالأحداث التي يرويها لنا تصف كيف ينتقل الإنسان من الكهف ~~إلى ضوء النهار، وكيف يعود من ضوء النهار إلى الكهف، ماذا يحدث في هذا الانتقال؟ كيف ~~يتم؟ وما الضرورة التي تعود إليه؟ وما نصيبه من الأهمية؟ # الانتقال من الكهف إلى ضوء النهار ومن ضوء النهار إلى الكهف يتطلب تحولا وتغييرا ~~فيما تعودت عليه العين من الظلام إلى النور ومن النور إلى الظلام، إن العين ترتبك مرتين ~~- على حد قول أفلاطون - وارتباكها يكون لسببين: فإما أن يخرج الإنسان فجأة عن جهله الذي ~~لا يكاد يحس به ليصل إلى حيث يتجلى له الوجود أكثر وجودا وأكثر حقيقة، دون أن يكون ~~قد بلغ درجة من النضج تهيئه لذلك، وإما أن يسقط من سماء المعرفة الحقة إلى ظلام ~~المعرفة المألوفة بالواقع، ويفقد القدرة على النظر إلى المألوف والمعتاد على أنه هو ~~الواقع. # كما ينبغي للعين أن تتعلم كيف تتعود شيئا فشيئا على النور أو على الظلام، فلا ~~بد للنفس كذلك أن تتعلم خطوة فخطوة كيف تتعود على الوجود الجديد. إن عليها أن ~~تغير نزوعها واتجاهها من أساسه، كما أن على الجسد أن يغير من وضعه إذا أرادت العين ~~أن تغير مجال الرؤية، ولكن لماذا يستغرق التغيير كل هذا الوقت الطويل؟ لماذا يحتاج ~~التعود إلى هذا البطء الشديد؟ لأنه تغيير يتصل بوجود الإنسان كله ويشمل جوهره بأجمعه، ~~ويحول سلوكه إلى اتجاه جديد، هذا التغيير الشامل في وجود الإنسان وحقيقته هو ما يسميه ~~أفلاطون بالتربية «بايديا»، وهو ما يعبر عنه بقوله «تعديل النفس بأكملها»، وهو لذلك ~~انتقال من حال إلى حال، وليس رمز الكهف كله سوى حكاية أو صورة تجسم ms021 لنا طبيعة التربية ~~وتوضحها، فليست التربية أن نملأ النفس بالمعارف التي لم تتهيأ لها كما لو كنا ~~نصبها في وعاء فارغ، بل التربية الأصيلة هي التي تغير النفس وتحولها، فتضع ~~الإنسان في مكانه الحق وتعوده على الحياة فيه. وأفلاطون نفسه يؤكد أن رمز الكهف إنما ~~هو صورة للتعبير عن جوهر التربية حين يقول في مطلع الكتاب السابع من الجمهورية: «اتخذ ~~لنفسك إذن من مثل هذه التجربة [التي سيشرحها ويصورها فيما بعد] نظرة إلى [جوهر] ~~التربية وعدم التربية الذي يتصل بوجودنا الإنساني في أساسه.» # صورة الكهف إذن تعبر لنا عن رأي أفلاطون في التربية، إنها تصور المراحل التي ~~تنتقل فيها النفس من الظلام إلى النور، من حالة نسيان للوجود إلى لقائه وجها لوجه، من ~~معرفة الحس والظن إلى معرفة العقل واليقين، ولكنها تصور لنا كذلك رأيه في الحقيقة ~~[ولا أقول مذهبه، فهذه الكلمة البشعة لم تكن قد عرفت بعد!] التي تحدد بدورها شكل ~~التربية وتجعلها ممكنة. # فالتربية تعني تغيير الإنسان كله حين تنقله من مجال تعود عليه إلى مجال آخر يظهر ~~فيه الوجود على حقيقته. بهذا الانتقال يتغير كل ما كان مألوفا للإنسان ويتحول ~~شيئا آخر؛ ما كان يحسبه حقيقة يصبح ظنا، والحقيقة التي لم يكن يعرف عنها شيئا ~~تتجلى له بعد طول تعود ومراس. إنه ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ويترك مجالا ليدخل في ~~مجال، كما يترك وراء ظهره حقيقة ليشاهد حقيقة أخرى جديدة عليه. # رمز الكهف يصور لنا هذه المراحل وكيف ينتقل الناس منها وإليها؛ فهم في المرحلة ~~الأولى يعيشون في الكهف تغلهم السلاسل من أقدامهم ورقابهم، وتقيدهم الموجودات التي ~~يفتحون عيونهم عليها ليل نهار، ليس هناك شيء يربطهم بالعالم الخارجي سوى الظلال الصامتة ~~المضطربة التي تنعكس فوق جدار أمامهم، هذا إذا تنبهوا إلى أنها تأتي من عالم خارجي ~~على الإطلاق. هم يستيقظون وينامون على الأشياء التي تحيط بهم، وهم يأخذونها معهم أيضا ~~في أحلامهم، وهم يتحدثون - إن تحدثوا - عن الظلال التي تهيم أمامهم، ولا تكاد توقظ فيهم ~~أثرا ms022 للدهشة أو السؤال: «أمثال هؤلاء المساجين لن يعتقدوا في واقع الأمر أن هناك شيئا ~~حقيقيا غير الظلال.» # وتأتي المرحلة الثانية، فها هي ذي السلاسل تفك عنهم، وها هم أولاء يستطيعون أن ~~يحركوا رءوسهم وأقدامهم كما يشاءون، صحيح أنهم ما زالوا أسارى الكهف، ولكن في وسعهم ~~الآن أن يلتفتوا إلى ما لم يكونوا يلتفتون إليه، وصحيح أن عيونهم ما زالت ترى الظلال ~~المنعكسة على الجدار، وأجسادهم ما تزال ترتعش من الرطوبة المنبعثة من الأرض، ولكن في ~~مقدورهم الآن أن يشاهدوا النار التي تشتعل خلف ظهورهم وأن يقتربوا بذلك كثيرا من ~~الوجود. # اتضحت الأشياء بعض الوضوح، واستراحت العين قليلا من الظلال، وعرف المساجين أن هناك ~~مصدرا للضوء الشاحب الذي كان ينسكب على الأشياء، والظلال القاتمة التي كانت تتراقص على ~~الجدار. تحررت العيون من الظلال، واستطاعت بذلك أن تقترب مما يزيد عليها في الحقيقة. ~~ولكن هل أدركت حقا أن ما تراه الآن أكثر حقيقة مما كانت تراه؟ إن السجين الذي نال ~~هذه الدرجة من الحرية ما زال في الواقع سجين عادته؛ إنه سيعتقد أن ما كان يراه من قبل ~~[أي الظلام] أكثر حقيقة مما يتبين له الآن. # ولكن ما الذي يمنعه من اكتساب حريته على الفور؟ أي قناع هذا الذي لا يزال يغشي ~~عينيه؟ إن النار المشتعلة - على ضعفها واضطرابها - تعشي عينيه، لقد تحرر حقا من ~~سلاسل الحديد، ولكنه لم يتحرر بعد من قيود التعود والتقليد. # إن عشى العينين يمنعه من أن يرى النار نفسها، ويدرك أن ضوءها هو الذي يسقط على ~~الأشياء ويجعلها تظهر على ما هي عليه، وهو لذلك لا يستطيع أن يدرك أن ما كان يراه من ~~قبل إنما هو ظل الأشياء الذي كانت تعكسه هذه النار. حقا إنه يرى الآن شيئا يختلف عن ~~الظلال، ولكن كل ما يراه يضطرب أمام عينيه اضطرابا عجيبا، وهو حين يقارنه بالظلال ~~التي كان يراها منذ حين، تبدو له هذه الظلال ثابتة الأطراف محددة الأبعاد. ولن نستغرب ~~عليه أن يظن في اضطرابه واختلاط الأمر ms023 عليه أن الظلال أكثر حقيقة من الأشياء التي يراها ~~الآن على ضوء النار المتوهجة وراءه، إنه لم يستطع بعد أن يميز بين الحقيقة والوهم، ~~ولا بين الموجود والظل؛ فالخلاص من القيود ما يزال بعيدا عن الحرية الحقيقية. # هنا ننتقل إلى المرحلة الثالثة، فقد صعد «السجين الحر» على الطريق المؤدي إلى خارج ~~الكهف، خرج - كما نقول اليوم - إلى الحرية؛ كل شيء الآن واضح أمامه وضوح النهار، ~~والأشياء التي تقع عليها العين لم تعد تضطرب في الضوء الشاحب الذي كانت ترسله عليها نار ~~الكهف. الآن فقط انتقل حقا إلى الحرية، لا لأن المكان اتسع فصار بلا حدود، بل لأن ضوء ~~الشمس يغمر كل ما هو موجود، العين ترى كل شيء على ما هو عليه، وكل شيء يبدو للعين ~~ويتجلى في مظهره [أيدوس] أكثر حقيقة وأشد صفاء مما كانت عليه تلك الأشياء التي ~~تضيئها النار «الصناعية» في الكهف إذا قورنت هذه الأشياء نفسها بالظلال. # ولكن هل يعرف سجيننا الذي تحرر منذ لحظة أن الأشياء الآن أكثر حقيقة مما كانت عليه ~~في أي وقت مضى؟ هل يكفي أن يغمض عينيه قليلا لتستريحا من قسوة الضوء الباهر ليعرف ~~الحقيقة دفعة واحدة؟ إن كان تحويل البصر من الظلال إلى النار في داخل الكهف قد تطلب ~~منه كثيرا من الجهد والمشقة، فما أشد ما يحتاج إليه الآن من صبر وعناء ليرى الشمس وما ~~تغمره من موجودات! # إن عليه أن يتعلم أولا أن التحرر من القيود والأغلال هو أضعف درجات الحرية، وأن ~~الحرية الحقيقية لن تبدأ قبل أن يعود عينيه على النظر والتفكير، وليست التربية إلا ~~هذا «التوجه» ناحية الحقيقة، لا بل إلى ما هو أكثر حقيقة، ولن تكون التربية غير هذا ~~«التعليم» والتعويد الصابر الشاق على رؤية الحقيقة، فجوهر التربية إذن يقوم على جوهر ~~الحقيقة، ولا سبيل إلى الفصل بينهما. وإذا كانت ماهية التربية في هذا التوجيه الشامل ~~المتصل للنفس بكليتها، فإنها تظل كذلك محاولة متصلة للتغلب على نقص التربية. وما دام ~~رمز الكهف هو الذي يصور ms024 ماهية التربية ويرسم الطريق الصاعد إليها، فهو يصور كذلك ~~الوسيلة إلى التغلب على الجهل والغباء والبلادة وكل ما نسميه بنقص التربية؛ لذلك لم يكن ~~الوصول إلى نور الشمس أو نور الحقيقة هو الغاية الأخيرة من حكاية الكهف، بل إنها [وتلك ~~هي المرحلة الرابعة والأخيرة من رحلة الكهف] تعود بسجيننا الذي تحرر من أغلاله إلى ~~الكهف مرة أخرى، إنه يعود إلى رفاقه السابقين إنسانا آخر، ورسولا للتحرر والخلاص، ~~فالحياة بين جدران الكهف لن تقنعه بعد ذلك أو ترضيه، وهو لا شك يدرك مدى الخطر الذي ~~سوف يتعرض له، فرفاقه المساجين لا يعرفون أنهم مساجين، والحرية كلمة لا يفهمون عنها ~~شيئا، والحقيقة الوحيدة التي يعرفونها هي هذا الواقع الحسي الشاحب الذي يحيط بهم، ~~ولو تجرأ رفيقهم على الحديث إليهم عن الحقيقة الأخرى أو عن الحرية أو النور فلا شك ~~أنهم سيسخرون منه، بل إن السخرية ستكون أهون ما يتعرض له، فليس بعيدا أن يهجموا ~~عليه؛ لا ليضعوا قدميه ورقبته في الأغلال مرة أخرى وإلا لهان الأمر أيضا! بل ليمسكوا ~~به ويقتلوه، وهو مصير يعرف أفلاطون تمام المعرفة أنه غير مستبعد في العالم؛ فلقد راح ~~أستاذه سقراط ضحية له. وحين يسأل أفلاطون في نهاية الحكاية على لسان سقراط: وإذا حاول ~~أحد أن يمد يديه ليفك عنهم قيودهم ويصعد بهم إلى أعلى، ألا تعتقد أنهم لو استطاعوا ~~أن يمسكوا به ويقتلوه فسوف يقتلونه بالفعل؟ وحين يسأل هذا السؤال نجد محدثه لا يتردد ~~لحظة في الجواب، بل يقول يقينا: سيفعلون؛ ذلك لأنه قد آمن مع أفلاطون بأن الصراع من ~~أجل الحقيقة ليس مجرد نزاع حول المبادئ والقيم والأفكار، بل هو في صميمه مسألة حياة أو ~~موت. # ماذا يقصد أفلاطون من وراء هذا الرمز؟ # إنه - كما قدمنا - يفسره بنفسه حين يقول: إن الهدف منه هو إعطاء صورة محسوسة ~~لماهية التربية، وماهية التربية هي تحرير النفس الإنسانية بكليتها، وتحرير البصر حتى ~~يرى الجوهر والحقيقة، وتحرير النفس والبصر مرادف للأخذ بيد الإنسان على الطريق الصاعد ~~إلى ما يسميه ms025 أفلاطون مثال المثل، أو الخير الأسمى، كما تقول الترجمة الشائعة. لكن ~~ما السبب في كل هذه الأهمية التي يضفيها أفلاطون على مثال المثل؟ سيقول: «إن مثال ~~الخير هو السيد الذي يضمن الحقيقة كما يضمن إدراكها.» (517ج)، إنه هو الوجود الأسمى ~~الذي يتيح لكل موجود أن يتجلى على ما هو عليه، أو هو الذي يضفي عليه الوجود الحق، ~~بل إن من الأمور الواضحة لدى الناس جميعا أنه علة كل صواب [في سلوكهم]، كما هو سبب ~~كل جمال (517ج)، إنه هو الذي يضفي الحقيقة على ما يعرف، ويهب ملكة المعرفة لمن يعرف ~~(الكتاب السادس، 508)، وكل إنسان يحرص على أن يكون على بصيرة في سلوكه الخاص أو العام، ~~لا بد له أن يحرص كذلك على ألا يغيب المثال عن بصره (517ج، 4، 5). # إن الكهف المليء برموزه الغنية يجعل لمثال المثل أو مثال الخير مكانه الفريد بينها؛ ~~فهو يقابل الشمس ذات البهاء والجلال، ومصدر الدفء والحقيقة والحياة، إنها تتوهج في ~~سناها الأبدي خارج الكهف، وعلى من يريد أن يجتلي بنورها أن يتجشم عناء الطريق الصاعد ~~الطويل من باطن الكهف الرطب، حيث تسود معرفة الظن والحس، وحيث ترتعش الظلال والأصداء، ~~إلى حيث تشاهد العين فتسعد، وتتملى النفس فتستريح، وهل أدل على خطورة شأنه من أن ~~النار الشاحبة المتواضعة التي تعصم المساجين من التصادم في الظلام هي نفسها قبس ضئيل ~~منه؟ وأن السجين الذي واتاه الحظ فرآه لا يستطيع أن يستأثر لنفسه بهذا الجمال، بل ~~يستجيب لصوت الواجب فيهبط إلى إخوانه المساكين ليدعوهم إلى الوجود الأسمى، ويبشرهم ~~بالحقيقة الرائعة؟ ما أنبله من رسول منقذ! إنه يعرف أن خطر الموت يحدق به، ومع ذلك لا ~~يتردد عن أداء رسالته، لقد تجاوز المحسوس إلى ما وراء المحسوس، وارتفع من معرفة زائلة ~~إلى حكمة باقية، وصعد من الكهف المعتم إلى الشمس المضيئة، لا كما يصعد الساكن من ~~البدروم إلى الدور الأعلى، بل كما يخرج السجين من كهف الظلام والنسيان ليعود المربي ~~الذي يبني الإنسان. ~~••• # رمز الكهف صورة تجمع بين صدق ms026 الشعر ووضوح المنطق، إنها التعبير الحي عن الخير الأسمى، ~~ذروة فلسفة أفلاطون كلها وتاجها المضيء، وهل تهدف رحلة الخروج من الكهف - أو قل من هذا ~~العالم - إلى نور الشمس الساطع - أو قل إلى مثال الخير الأكمل - إلى غاية أخرى غير هذه ~~الغاية؟ إن فكرة الخير هي مصدر العدل والجمال كله (505أ) وكل معرفة نحصلها تظل ~~بدونها عبثا لا طائل وراءه، لكن الخير ليس هذا الخير الجزئي أو ذاك، بل هو الخير ~~الكلي، أو هو مثال الخير الذي يشارك كل ما ينطوي على شيء من جمال أو صدق أو انسجام أو ~~بهجة بنصيب فيه، أو ليس الخير بعد هذا كله ما لا يمكن أن يتنازع حوله اثنان. # على أن أفلاطون لم يقدم في أي كتاب من كتبه تعريفا محددا للخير، وإن كان في ~~إحدى محاوراته المتأخرة «فيليبوس» يضع ثلاثة من المثل هي الجمال والتجانس والصدق، ~~ويجعل منها معايير للحكم على ما إذا كان التعقل أو اللذة أقرب إلى الخير. # ويبدو أن المفكر حين يقترب من ذروة تفكيره لا يجد المنطق الذي يسعفه بالتعريف ~~والتجديد؛ فيلجأ - والعذر لبشريتنا المحدودة! - إلى الرمز والصورة، ويستعير من الشاعر ~~خياله ومن الرسام فرشاته، وهذا هو ما فعله أفلاطون في جمهوريته حين لم يجد وسيلة يصور ~~بها طريق التربية الشاق إلى الخير الأسمى خيرا من رمز الكهف، هذا الطريق الصاعد [أو ما ~~يسميه الفلاسفة بالديالكتيك] يصل إلى غايته عندما يتأمل سجين الكهف القديم نور ~~الشمس. # ولكن كيف له أن يعبر عن هذه الرؤية بالكلمات؟ لا بد إذن من اللجوء إلى الرمز ~~والصورة؛ فالخير الأسمى - كما يقول في موضع سابق (507أ) - يكشف عن طبيعته في ولده ~~هليوس [أي الشمس]، أسمى الآلهة وأكثرها تألقا في السماء. ولكن ما العلاقة بين قوة ~~البصر وبين إله النور السماوي؟ قد نقول: إن العين هي أكثر الأعضاء شبها بالشمس # 2 # ولكنها لا تستمد قدرتها على الرؤية إلا من نور الشمس، بهذا النور الذي ~~تستمده من الشمس يمكنها أن ترى الشمس نفسها، وإذا كانت ms027 الشمس هي مصدر النور، فهي ~~بالمثل مصدر الرؤية. # والنفس في مجال المعرفة كالعين في مجال الرؤية، فإذا نحن وجهنا العين إلى عالم ~~الليل والظلال بدلا من عالم النور والنهار؛ وهنت قدرتها على الإبصار، والنفس إن لم ~~نوجهها إلى العالم الذي تضيئه أشعة الحقيقة والصدق؛ فقدت القدرة على الفهم والتفكير، ~~وأصبحت معرفتها ظنا ورؤاها ظلالا وأشباحا، وكما تسكب الشمس نورها على المرئيات، ~~كذلك يجود مثال الخير على كل ما تدركه النفس بالصدق والحقيقة، إنه الأصل في كل معرفة أو ~~حقيقة من شأنها أن تجعل العالم المعقول قابلا للتعقل، وتهبه الواقعية والنبل والصفاء، ~~كما أن الشمس هي مصدر النور الذي يجعل العالم المحسوس قابلا للرؤية، كما تمده بقوة ~~الحياة والدفء والنماء، ومع أن أفلاطون لم يصف مثال الخير الأسمى صراحة بأنه إله، فهو ~~في الحقيقة أولى المثل جميعا بصفات الإله. وإذا كانت كل ألوان الخير والفضيلة تشارك في ~~الخير المطلق الأسمى، وكانت غاية حياة الفيلسوف الذي يهتدي بالخير والفضيلة هي التشبه بالإله؛ # 3 # فهل هناك كمال أقصى من هذا الكمال الذي يسعى إليه سجين الكهف في رحلته ~~المضنية إلى نور الشمس، مثال المثل وخير الخيرات أجمعين؟ وهل يكون التشبه بالإله ~~شيئا غير هذا؟ ~~••• # تعددت التأويلات التي ذهب إليها المفسرون لهذا الرمز الشاعري الجميل من العصور ~~القديمة إلى اليوم، ومع ذلك فلعل التفسير الذي قال به أفلاطون نفسه في مبدأ الكلام عنه ~~من أنه يدل على التربية أو نقص التربية؛ هو أقربها إلى الصواب، فصورة الشمس التي ترمز ~~إلى مثال الخير الأسمى وصورة الكهف؛ كلتاهما تعبير عن طبيعة التربية، وعن موقف الإنسان ~~من المعرفة أو الجهل، واليقين أو الظن، والتقدم أو التأخر؛ إنهما ترسمان الطريق الذي ~~تصعد فيه الروح إلى الصدق والحقيقة والنور، حتى تصل إلى قمة المعرفة الفلسفية، ونعني ~~بها مثال الخير. # 4 # ولم يكن هناك شيء يستطيع أن يعبر عما ستجربه النفس من تحول وما ~~تكابده من مشقة وجهد حين تنتقل من الظلام إلى النور، ثم وهي تعود مرة أخرى من ms028 النور ~~إلى الظلام لتدرك مقدار ما في وجود الإنسان بين الظلال والأشباح من هوان ومذلة؛ أقول: ~~لم يكن هناك شيء يمكن أن يعبر عن هذا كله خيرا من صورة الكهف. كان من السهل على ~~أفلاطون أن يلجأ إلى الطريقة المجردة المطلقة في شرح أفكاره، ولكن خطورة الموضوع - ~~الذي هو بصدده - جعلته يعالجه على هذا النحو الإنساني الرائع؛ ليستطيع أن يبرز ما ~~تعانيه النفس وهي تترك الشر إلى الخير وتنتقل من الظلام إلى النور، وتكابد كل ألوان ~~العذاب التي توشك أن تنتهي بها إلى الهلاك. ولو أن الأمر كان يتعلق بالمعرفة فحسب لما ~~كانت هناك حاجة إلى هذا الرمز الخصب، ومن ثم كان في حقيقته أكبر من ذلك وأخطر، إنه ~~«تحرير» الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وإذا كان سقراط - بتواضعه المشهور - ~~يصف صعود النفس إلى الخير الأسمى على أنه أمله الشخصي الذي يعلم الرب وحده مدى نصيبه من ~~الحقيقة (الجمهورية 517 ب6)، ففي استطاعتنا اليوم أن نقول: إنه الواجب الأكبر على ~~الإنسان، ومهما يكن فهمنا لهذا الكهف وللمساجين الذين يقيمون فيه وللعالم الخارجي الذي ~~تضيئه الشمس، فلا شك في أننا نحمل على الدوام مسئولية التحرر منه إلى أرض العدل والحق ~~والنور، ولا شك أن هذا سيظل واجبا على الإنسان، اليوم وغدا وإلى آخر الزمان، ويا ~~ويلنا إن كانت حياتنا على الأرض وكان العالم الذي نعيش فيه هو هذا الكهف المظلم! ويا ~~ويلنا إن لم نحاول كل يوم أن نخرج منه إلى نور العدل والحرية والحقيقة! # | وحيدا مع الواحد # كلمات صغيرة عن مفكر كبير # يبدو أنه لم يكن يعير الكلمة المكتوبة ما نعيرها الآن من اهتمام، فلم يخطر بباله أن ~~يمسك بالقلم إلا بعد أن تجاوز الخمسين، وعلم عشر سنوات في مدرسته الفلسفية في روما في ~~النصف الثاني من القرن الثالث بعد المسيح. راح يكتب في عجلة كأنه ملهم أو ممسوس، في ~~خط لا تكاد العين تتبين حروفه، ويظهر أنه شعر بما يشعر به كل من يكتب من خيبة ms029 الأمل ~~حين يرى أفكاره الحية قد ذوت في رداء شاحب من الكلمات المكتوبة، ومن يدري؟ لعله ~~ندم على ما فعل؛ فعاش بقية حياته - فيما يروي تلميذه وناشر أعماله فور فيريوس - لا ~~يحتمل أن يسمع أحدا يقرأ عليه رسائله، ولا يحاول أن يعيد النظر فيها مرة ~~واحدة. # وانتهت إلينا هذه الرسائل الساحرة كما نشرها تلميذه فور فيريوس الذي قسم منها أربعة ~~وخمسين رسالة إلى ست مجموعات اشتهرت إلى اليوم باسم التاسوعات، غير أن أفلوطين لم ~~يكتبها على هذه الصورة، بل أغلب الظن أنه كتبها في فيض من الإلهام، وتركها بلا فواصل أو ~~عناوين. وليس مرجع ذلك - كما يرى تلميذه - أن بصره كان قد ضعف في أواخر حياته ضعفا ~~شديدا، بل لا بد لنا أن نبحث عن سببه في طبيعة الموضوع نفسه، فما هو هذا الموضوع الذي ~~سنحاول أن نقترب من حقيقته؟ # على الرغم من أننا نلاحظ في السنوات الأخيرة ما يشبه حركة البعث لفلسفة أفلوطين كما ~~تتجلى في نشر أعماله باليونانية نشرا دقيقا محققا وفي ترجمتها إلى معظم اللغات ~~الأوروبية؛ إلا أن أفلوطين لم يقدر له أبدا أن يكون من الفلاسفة الذين يقبل ~~الناس على قراءتهم ومناقشة آرائهم والتحمس لأفكارهم، ومع ذلك فيكاد كل مثقف أن يعرف ~~شيئا عنه أو يردد بعض كلماته المعروفة: الواحد، الفيض أو الإشعاع الذي تصدر به ~~الموجودات الكثيرة من الموجود الواحد الأول، التدرج الذي يهبط من العقل إلى النفس إلى ~~المادة، المادة أصل الشر، الفناء والوجد ... إلخ. كما يكاد كل من له إلمام بالفلسفة أن ~~يعرف أن أفلوطين قد علم أن مصير النفس التي سقطت عن الواحد هو أن تعود مرة أخرى إلى ~~الأصل الأول الذي نبعت منه، وتتحد معه في لحظات نادرة من حياتها بما يشبه الوجد ~~والانجذاب؛ الأمر الذي وفق إليه أفلوطين أربع مرات في حياته، على نحو ما يروي عنه ~~تلميذه ومؤرخ حياته! # ولكن هذا التصوير لفلسفة أفلوطين لن يفرق كثيرا بينها وبين غيرها من المذاهب ~~الفلسفية المأثورة في تاريخ الفكر الغربي، حقا ms030 إنها قد تبدو شيئا مشوقا عميقا ~~غريبا، ولكنها ستبدو للقارئ المعاصر - الذي يفهم عن «الحقيقة» و«الواقع» - شيئا ~~مختلفا أشد الاختلاف عما كان يفهمه القدماء منهما، وكأنها أثر تاريخي عفى عليه ~~الزمان، وسكنت فيه نبضات الحياة. وربما كان للقارئ الذي يرى هذا الرأي عذره، فأفلوطين ~~هو أعظم الناطقين باللسان اليوناني في المرحلة الأخيرة من مراحل الفلسفة اليونانية، ~~اتحدت فيه عناصر هذا التراث الضخم وأينعت ثمرتها الناضجة المتأخرة، وتشكلت في صورة ~~مذهب شامخ يطل كالفنارة الوحيدة على شاطئ بحرها الزاخر غير المحدود. # من المعلوم أن أفلوطين هو الجسر العظيم الذي انتقلت عليه الفلسفة اليونانية إلى ~~الفلسفة المسيحية والإسلامية في العصور الوسطى، وكان اتجاهه إلى الباطن هو الخطوة ~~الحاسمة الأولى على طريق التصوف الطويل، وكانت تأملاته في العلاقة بين العقل # 1 # وبين الفكرة # 2 # هي التي جعلته يضع المثل الأفلاطونية في العقل، ويمهد بذلك للفكرة السائدة ~~في العصور الوسطى عن «العقل ~~الإلهي # Intellectus divinus ~~» التي أدت في العصور الحديثة - على يد ديكارت - إلى تصورها ~~عن «العقل الإنساني # Intellectus humans ~~» الذي ما يزال ~~يحاول إلى اليوم - باسم شعارات التقدم المختلفة على مر الأجيال - أن يشكل العالم ~~ويتحكم فيه ويسيطر عليه. # كل هذا معروف مشهور، يستطيع القارئ إذا شاء أن يجده في أي كتاب من كتب تاريخ الفلسفة ~~الكثيرة، ولكن ما نريد أن نتحدث عنه اليوم شيء آخر غريب وجديد وفريد، ربما لم يكن له ~~دور يذكر في تأثير أفلوطين على العصور التالية، وربما لم يكن من المستطاع أن يكتب ~~له مثل هذا الدور، فما هو هذا «الشيء» الجديد؟ # يقول عنه أفلوطين: # 3 ~~«أما ما هو الواحد الحقيقي الخالص الذي لا يتعلق بشيء آخر سواه، فهو ما ~~نريد الآن أن نراه، إن كان ذلك ممكنا على أي نحو من الأنحاء.» # فما هو هذا الواحد؟ # ربما كان السؤال على هذه الصورة ساذجا أو مجانبا للصواب؛ فهو يسأل عن «ما» هو ~~الواحد، بينما يجوز أن يكون الواحد مما لا يقال عنه «ما»، ولكننا سنتركه كذلك إلى ~~حين. ms031 # يصل أفلوطين من الناحية الفلسفية الديالكتيكية إلى فكرته عن الواحد في معرض سؤاله ~~عن الأصل. # 4 # والسؤال عن الأصل أو المبدأ ليس سؤالا أفلوطينيا خالصا؛ ذلك أنه ~~قديم قدم الفلسفة نفسها، بل إن في استطاعتنا أن نقول: إنه السؤال الأول لكل ~~متفلسف، لقد حرك الفلسفة اليونانية منذ نشأتها الأولى، ويكفي أن نتذكر أن ~~الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط (طاليس وأنكسمندر وأنكسمانس) قد فرقوا تفريقا ~~حاسما بين الأصل وبين ما يصدر عنه من أشياء، أي أنهم رأوا أن الموجود أو الشيء ~~يصدر عما لا يتصف بمحدودية الشيء والموجود، تشهد بذلك عبارة أنكسمندر المشهورة: ~~«أصل الموجودات هو اللامحدود.» # 5 # وتتصل هذه التفرقة بين الأصل وبين ما يصدر عنه من موجودات في الفلسفة ~~اليونانية من بعد وبخاصة عند أفلاطون، بينما نجد تلميذه العظيم أرسططاليس يحاول أن ~~يغير من هذه التفرقة ويمهد لضياع ملامحها. # ليست قيمة أفلوطين في أنه رجع إلى هذا التراث الفلسفي الذي ميز بين الأصل وبين ~~ما ينبع منه، بل في أنه أخذ هذا التمييز مأخذ الجد فحدده تحديدا حاسما، واهتم ~~به اهتماما لم يصل إليه مفكر قبله ولا بعده. إنه يقول مثلا في إحدى رسائله المبكرة: # 6 # أما العلة فليست هي نفس المعلول، إن علة كل شيء ليست شيئا من ~~الأشياء. # ثم يقول في إحدى رسائله المتأخرة: # 7 # إن ذلك الذي يصدر عنه كل موجود، ليس هو نفسه ككل موجود، بل هو مختلف عنها ~~جميعا. # هذا المعنى نفسه يتكرر في مواضع لا حصر لها من كتاباته. والواقع أن أفلوطين لا ~~يأتي في ذلك بجديد، فقد ذهبت الفلسفة اليونانية دائما في تاريخها الطويل إلى أن ~~الكثرة والتعدد هما الصفتان الغالبتان على العالم والموجودات، وكان من الطبيعي أن ~~يكون الأصل فيها مختلفا عنها، أعني أن يكون واحدا وبسيطا، ويتردد هذا المعنى ~~نفسه في أقدم عبارة فلسفية أثرت عن أب الفلاسفة طاليس، فالمشهور عنه أنه قال: إن ~~الأصل في جميع الموجودات هو الماء، وليس هذا الماء شيئا أسطوريا ولا هو الماء ~~الذي يحدد الكيميائيون ms032 معادلته بأنها «يد2 أ» والذي ندير الصنبور لنغسل وجوهنا منه ~~كل صباح، بل هو - على حد تعبير هيجل - «ماء تأملي»، أي يستطيع الفكر وحده أن ~~يتخيله في وحدته وبساطته. # قلنا: إن ما يميز أفلوطين عن المفكرين من قبله ومن بعده هو نظرته الحاسمة إلى ~~وحدة الأصل وعدم تعدده أو كثرته. وكلمة «الواحد» من الكلمات التي يمكن أن يساء ~~فهمها بسهولة، ولعل ذلك ألا يكون من قبيل المصادفة، بل يرجع إلى طبيعة اللغة ~~نفسها؛ ذلك أن أفلوطين حين يفكر في الواحد فإنما يتصوره على أنه ما ليس بمتعدد ~~ولا بكثير، أي على أنه ذلك «الآخر» المخالف في طبيعته للعالم ولكل ما يحتويه هذا ~~العالم، وهو حين يحاول أن يصفه يكشف عجزه فيقول: إنه لا يمكن أن يوصف لا بالكلام ~~ولا بالكتابة، # 8 # ولكنه مضطر أن يفكر فيه عن طريق اللغة؛ فقد يكون هناك فكر بلا كلام، أو ~~فكر لا يجد الكلمات التي تعبر عنه، ولكن لا يمكن أن يكون هناك فكر بلا لغة، وهذه ~~اللغة التي يستخدمها للتعبير عما ليس في العالم ولا منه قد جعلت من أجل هذا ~~العالم، وإذن فهو مضطر بالضرورة إلى التعبير عنه بالوسيلة القاصرة التي لا يملك ~~وسيلة سواها، وتعجز الكلمة التي يلجأ إليها فلا تستطيع أن تسمي، بل تكتفي بالإشارة ~~إلى ما يفلت من كل تسمية، وتصبح لها وظيفة أخرى غير وظيفتها الطبيعية. إنها لم تعد ~~تقربنا مما نسميه بل أصبحت توضح عجزنا عن إيجاد اسم له. وليس عجيبا بعد ذلك أن ~~يجد أفلوطين نفسه في موقف من لا يكاد ينطق بكلمة حتى يجد نفسه مضطرا إلى ~~التراجع عنها وإيثار السكوت الخاشع عليها. # الوحدة تقابلنا في كل مكان، كل ما هو موجود فهو واحد، وليس في الوجود شيء واحد ~~يمكن أن يقال عنه إنه متحد مع شيء آخر من جميع الوجوه «حتى الأوراق على الشجرة ~~الواحدة ليس بينها ورقة واحدة يمكن أن يقال عنها إنها هي نفسها الورقة الأخرى، ~~كما لاحظ ليبنتس بحق.» ونحن لا ms033 نستطيع أن نرى شيئا أو نفكر في شيء إلا إذا رأينا ~~على وجه من الوجوه أنه واحد وأدركنا أنه وحدة بمعنى من المعاني، كل موجود فهو إذن ~~واحد على الدوام، ولكن كل موجود في نفس الوقت هو أيضا كثير. فالنفس مثلا واحدة؛ ~~لأنها تتلقى هذه الوحدة من الواحد وتشارك فيها، ولكنها في نفس الوقت كثيرة؛ إذ ~~تنطوي على قوى متعددة كالفكر والنزوع والإدراك، تتحد بدورها ويؤلف بينها الواحد ~~(6-9، 1-2، ص173) حتى أبسط مضمونات الفكر - كالوجود أو الوحدة مثلا - تحتوي دائما ~~على الكثرة، وإذن فكل ما هو موجود فهو واحد وكثير في وقت واحد، أو هو كثرة ألفت ~~بينها وحدة، وإذا كان هناك ما لا حصر له من الموجودات الكثيرة، فهناك أيضا ما لا ~~حصر له من الموجودات الواحدة. # كل الوحدات إذن هي دائما واحدة على نحو نسبي، أي أنها ليست واحدة بشكل مطلق، ~~بل هي واحدة من ناحية وكثيرة من ناحية أخرى. # ولكن أفلوطين يفكر في «الأصل»؛ فيرى أنه واحد مطلق، ولا بد أن تكون هذه الوحدة ~~التي يعنيها شيئا مختلفا تمام الاختلاف عما كان يقصد بها من قبل، إنها لم تعد ~~تفهم عن طريق الإيجاب، بل عن طريق السلب؛ فهي بهذا المعنى الجديد ما ليس بكثير، ~~إنه يتحدث في هذا المقام عن «رفض» الكثير أو تجريده، ويشير إلى الرمز الفيثاغوري ~~عن أبوللون # 9 # أو غير الكثير # 10 # كما يتحدث عن الهروب من الكثرة والتقسيم، # 11 # وليست الوحدة هنا مفهوما عدديا-كميا ولا مكانيا، ولا هي ~~بالمعنى الذي نفهمه من الواحد حين نذكر العدد «1»، ولا بمعنى النقطة حين نقصد منها ~~العنصر المكون للمكان؛ ذلك أن الواحد عند أفلوطين ليس عنصرا من العناصر ~~المكونة للعالم، بل هو «الآخر» المختلف عن كل ما هو عالمي أو من العالم. # النقطة والعدد وكل ما هو موجود وكل وحدة يمكن أن تتعدد وتتكاثر، أما الواحد فهو ~~ما يختلف عن كل كثرة ووحدة، وما لا يمكن أن يتعدد على أي نحو من الأنحاء؛ ذلك أنه ~~الوحيد ms034 على وجه الإطلاق؛ فهو إذن ليس كثرة ولا وحدة على هذا المعنى، بل هو وراء هذه ~~التفرقة كلها. والواحد باعتباره الأصل في كل موجود لا يمكن أن يكون هو نفسه ~~موجودا، أي لا يمكن أن يكون «هذا» # 12 # ولا «ما» # 13 # ولا «ذلك»، وربما أوهمتنا أداة التعريف «ال» - التي تضاف إلى لفظة ~~الواحد - أنه شيء محدد، ولكن الواحد ليس كأي شيء، فلا هو موضوع ولا هو ذات، ولا ~~هو موجود نصفه فنقول عنه: إنه واحد؛ ذلك أن كل موجود فهو ذو شكل، وهو بهذه الصفة ~~محدود معين. أما الواحد باعتباره «الآخر» المختلف عن كل ما هو موجود فهو حقيقة ~~لا شكل لها ولا سبيل إلى تحديدها أو التعبير عنها. # لا بد إذن أن نقول: إن الواحد لا يسمى ولا يوصف؛ ذلك لأن كل اسم أو وصف إنما ~~يطلق على شيء ما، ولو شئنا الدقة لما جاز أن نسميه «بالواحد»، ولو أن هذه ~~التسمية هي أنسبها جميعا في رأي أفلوطين، إن كان لا بد لنا من الاختيار، # 14 # بل ولا أن نسميه بذلك # 15 # وهي أكثر أسماء الإشارة نصيبا من الاتساع وعدم التحديد، ولو سرنا في ~~هذا الطريق الديالكتيكي إلى آخره؛ لتبين لنا أن الواحد لا هو كثير ولا هو غير ~~كثير، وأن كل ما نصفه به فإنما يلغي نفسه بنفسه؛ إذ أين نجد الكلمة التي تستطيع أن ~~تعبر عما لا سبيل إلى التعبير عنه، أو تسمى التجربة التي تحار أمامها ~~الأسماء؟ # هل نكون بهذا كله قد ضللنا في متاهة جدلية لا مخرج منها؟ ألا يمكن أن تؤدي بنا ~~هذه التأملات أو الشطحات إلى العدم أو ما يشبه العدم؟ ومن أين لعقلنا الطبيعي ~~المحدود بهذا العالم أن يجد الجناحين اللذين يرفرفان به إلى ما ليس من هذا ~~العالم؟ # الحق أن أفلوطين قد شعر بهذه المخاوف التي تصيب كل من يفكر تفكيرا طبيعيا؛ ~~فهو يقول: # 16 ~~«كلما أوغلت النفس فيما لا شكل له، وهي عاجزة كل العجز عن الإحاطة به؛ ~~لأنها لم ms035 تحدد به ... انزلقت وخافت من أن يكون نصيبها هو العدم.» إن ما لا شكل له - ~~وهو مجال الواحد - ليس هو العنصر الطبيعي الذي تسبح فيه النفس والفكر؛ ذلك أن ما لا ~~شكل له فلا سبيل إلى وصفه أو فهمه؛ لأن الخيال لا يستطيع أن يدركه أو يتشبث به، ~~فإذا تجاوزت النفس كل ما هو ذو شكل - أي كل موجود؛ إذ لا يخلو موجود من أن يكون له ~~شكل - فلا بد لها أن تنزلق عنه، ولا بد أن ترتجف ارتجافة الرهبة والخوف حين لا تجد ~~أمامها سوى العدم والفراغ، ولا تهتدي إلى شيء يمكنها أن تتشبث به. إنها ما زالت ~~غفلا لم تجرب ولم تتمرس؛ فلا عجب أن تظن أن ما لا شكل له فلا وجود له، ولكن ما ~~لا وجود له لا يتساوى مع ما هو عدم، وأفلوطين نفسه يسأل في موضع هام من الرسالة الثالثة # 17 # في سياق حديثه عن القفزة الحاسمة إلى الواحد إن كانت قفزة إلى العدم، # 18 # وهنا يلجأ إلى التعبير المدهش حين يقول: «أجل، إنه هو العدم بالقياس ~~إلى كل ما هو أصل له؛ إذ ما من شيء يمكن أن يقال عنه: لا إنه وجود، ولا إنه جوهر، ~~ولا إنه حياة؛ إذ هو يرتفع فوقها جميعا.» # 19 # الواحد المطلق إذن عدم، لا بمعنى العدم المفتقر إلى الوجود، بل بمعنى ~~ما يتفوق في القوة والجود والامتلاء على كل ما هو موجود، إنه ليس موجودا، بل هو ~~فوق كل موجود، على حد تعبير أفلوطين في ختام الرسالة السادسة. # 20 # فما هو إذن هذا العدم أو هذا الواحد، أو ما نشاء له من أسماء لا تستطيع أن ~~تسميه؟ ما هذا الذي يفوق كل موجود في الجود والقوة والامتلاء والوجود؟! # القارئ يعرف الآن أنه ما من جواب على هذا السؤال، ذلك أن كل جواب طال أو قصر ~~سيكون بالضرورة على هذه الصورة: «إنه هو «يكون» هذا أو ذاك»، لكن الواحد ليس «هذا» ~~ولا «ذاك»، ولا سبيل إلى التعبير عنه ms036 بفعل «يكون»؛ فالجواب إذن سيخطئ السؤال، بل إن ~~كل سؤال سيؤدي بطبيعته إلى توجيه الجواب وجهة خاطئة؛ إذ ما من سؤال يسأل إلا كان ~~عن موجود على نحو من الأنحاء. # هل نكون بذلك قد أوغلنا في المتاهة التي لا أمل في الخلاص منها؟ إن القارئ قد ~~يغفر لنا عجزنا عن إيجاد الجواب، ولكن كيف نطلب منه أن يغفر لنا العجز حتى عن توجيه ~~السؤال؟ ألا نكون بذلك قد خرجنا عن دائرة الفهم البشري وتهنا في فراغ يخرس فيه ~~السؤال ويضيع الجواب؟! # ولكن كيف نقترب إذن مما يسميه أفلوطين «بالواحد»؟! # إن ما ينطبق على أية فلسفة ينطبق على أفلوطين؛ فنحن لا نستطيع أن نعزل فكرة ~~الواحد عن السياق الشامل الذي وردت فيه، ولن يجدينا التأمل فيها شيئا ما لم نضعها ~~في الكل الذي يحتويها. إن الحجر الواحد لا قيمة له بغير البيت الذي يكون فيه، ~~وكذلك الفكرة المفردة لا أهمية لها إذا انسلخت عن البناء الشامخ الذي وضعت ~~فيه. # لا فائدة إذن من التفكير في «الواحد» أو «العدم» أو «ما وراء» أو غيرها من ~~الكلمات الأثيرة عند أفلوطين بمعزل عن حركة الفكر عنده، هذا الفكر يتحرك حركة ~~صاعدة نحو الواحد، ويلتزم في سيره بمنهج أو طريق يتدرج خطوة فخطوة إلى ~~غايته. # هو طريق صاعد متدرج كما قلنا، # 21 # كل درجة منه تمهد للدرجة التي تليها وتسبق الدرجة التي تركتها وراءها، ~~هذه الدرجات المشهورة هي على الترتيب الجسد (سوما # soma ~~) والنفس (بسيخي Psyche ~~) ~~والعقل (نوس # Nous ~~)، وكلما بلغ الفكر درجة منها ~~أحس بما يعتورها من نقص، وشعر بالحاجة تدفعه إلى تجاوزها إلى الدرجة التي تليها ~~على السلم الصاعد، ولكن إلى أين؟ إلى الواحد الذي يكفي نفسه بنفسه. # 22 # ولا يحتاج إلى شيء عداه، وأي إنسان هذا الذي يستطيع أن يصعد إلى هناك؟ ~~لعله أن يكون ذلك الذي رأى كل شيء، أو كما يقال: رأى معظم الأشياء. # 23 # ليس هذا الطريق الصاعد المتدرج شيئا جديدا عند أفلوطين؛ فالمعروف أن تفكير ~~أفلاطون في جوهره ms037 تفكير صاعد أو كما يقول الفلاسفة تفكير ديالكتيكي، وقد حدد ~~أفلاطون معالم هذا الطريق - بوجه خاص - على لسان «ديوتيما» (في محاورة المأدبة أو ~~المشرب (سيمبوزيوم) - إن شئنا الدقة - في حديثها عن الطريق الصاعد إلى «الجميل ~~نفسه»). # غير أن ما يميز أفلوطين عن أفلاطون، بل ويتفوق عليه فيه، هو أن «الصعود» عنده هو ~~في نفس الوقت «رجوع» وعودة إلى الأصل أو هو ما سميناه من قبل «بالاتجاه إلى ~~الباطن»، وهو سر أصالة أفلوطين وتفرده في تاريخ الفكر الغربي كله. # هذا الطريق يصعد إذن من درجته الدنيا - وهي الجسد - إلى درجته العليا - وهي العقل ~~- ولكن الدرجتين ما زالتا في دائرة العالم، هنا نصل إلى القفزة الحقيقية في تفكير ~~أفلوطين، فعندما يصل التفكير إلى الدرجة الأخيرة فإنه يثب إلى ما يخرج عن حدود ~~العالم أو يعول عليه، أعني إلى الواحد المطلق، أو ما نسميه عادة بالعلو أو بالعالي ~~(الترانسندنس). يقول أفلوطين في الرسالة السادسة: # 24 ~~«أما إذا وصلت بملكة المعرفة عندك إلى اللامحدود؛ لأنه ليس من هذه ~~الأشياء، فاستند إلى هذه الأشياء نفسها، ومنها شاهد». ومعنى هذا أن الحركة الصاعدة ~~لا تبدأ في الفراغ أو الخيال الغامض غير المحدود، بل ترتكز على أرض هذا العالم، ~~وتنطلق من أشيائه وموجوداته. # لقد طالما أسيء فهم أفلوطين، واتهم بعداوته للجسد واحتقاره للعالم، وتلميذه ~~فرفريوس هو المسئول عن هذه الخرافات التي رواها عنه؛ ألم يقل: إن معلمه كان يخجل من ~~جسده، ويرفض أن يرسمه مصورا، ويضن بسر حياته؛ فلا يبوح لأحد عن وطنه وآبائه؟ # 25 # غير أن الحقيقة تختلف عن ذلك تماما؛ فقد كان أفلوطين يعرف قدر هذا ~~العالم الحسي، ويتذوق مباهج الجمال والحسن فيه، ويكفي أن نقرأ معا هذه القطعة من ~~رسالته الثانية المتأخرة # 26 # التي يقف فيها موقفا حاسما من الغنوصيين محتقري الجسد ~~والعالم: # وكذلك فإن احتقار العالم والآلهة الذين فيه # والأشياء الجميلة الأخرى ليس هو # الطريق إلى الخير ... فكيف لامرئ # أن يكون على هذا الكسل في التفكير وألا يؤثر فيه # شيء، حين يرى كل ms038 هذا الجمال في العالم المحسوس، # وكل هذا التجانس والتوافق المذهل # والمنظر المتألق الذي تتيحه الكواكب على # الرغم من بعدها؟! ألا يحس بشيء يختلج في فؤاده، # وبالرهبة تستولي عليه وهو يرى كيف ينشأ البديع # من البديع؟ إنه عندئذ لم يفهم هذا العالم ولا رأى # العالم الآخر. أما إذا زعموا أنهم لا يتأثرون ولا # يميزون بين الأجساد # القبيحة أو الأجساد الجميلة التي يرونها، فإنهم لا # يستطيعون كذلك أن يميزوا بين الأفعال القبيحة # والأفعال الجميلة، ولا أن يتبينوا العلوم # الجميلة، ولا أن يبلغوا الرؤية ولا الله. # فالطريق إذن إلى مشاهدة الواحد يبدأ من مشاهدة هذا العالم الجميل، ~~ولا يتسنى للإنسان أن يرى الرؤية الحقة حتى يغوص بكليته في هذه الأرض، ويملأ عينيه ~~من هذا الواقع المحسوس. العقل هو الدرجة الأخيرة على سلم الفكر الصاعد، ولا بد ~~هنا من الإشارة إلى خطأ شائع يتهم فيه أفلوطين بمعاداة العقل، فالواقع أنه قد ~~قدر العقل وأعلى من شأنه، ولكن تقدير العقل أو احتقاره ليسا في الحقيقة بالأمر ~~الأساسي، فإن عظمة أفلوطين تكمن في أنه لم يقف عند هذا العقل على الرغم من تقديره ~~لقوته، بل تجاوزه إلى ما وراءه، وحقق ما سميناه بالعلو عليه، ومضى في الطريق ~~الصاعد نحو الواحد. # قلنا: إن النفس تعلو درجة درجة إلى الواحد، وأفلوطين يصور هذا العلو في حديثه ~~عن المشاهدة، وذلك في رسالته الثالثة الهامة، # 27 # ولا يصح أن يفوتنا هنا الإشارة إلى أن المشاهدة (ثيوريا) # 28 # تلعب دورا هاما في تاريخ الفلسفة اليونانية، وبالأخص في عصرها ~~الذهبي الرائع عند أفلاطون وأرسطو. والفعل من هذه الكلمة يعني التفرج في المسرح ~~والمشاركة في طقوس العبادة؛ فأصبح بعد ذلك يستخدم للدلالة على علاقة الإنسان ~~بالحقيقة، بحيث يكون أسمى ما يصل إليه هو مشاهدتها والتملي منها، وليس غريبا بعد ~~ذلك أن يعود أفلوطين إلى هذه الكلمة ذات التاريخ الطويل؛ ليصور ارتفاع النفس إلى ~~الواحد، ويبالغ في معناها إلى الحد الذي تخالف به مفهومها القديم. # فالمشاهدة تكتسب عند أفلوطين معنى أنطولوجيا (وجوديا) شاملا، يفوق ms039 بكثير ~~ما كانت عليه عند أفلاطون وأرسططاليس، وتصبح شكلا أساسيا للموجود على وجه ~~الإطلاق، إنه يؤكد شمول المشاهدة في بداية رسالته التي ذكرناها فيما تقدم، وذلك حين ~~يتحدث في مطلع هذه الرسالة عن التقابل بين الهزل واللعب، ويذهب إلى أن كل سلوك ~~الإنسان من لعب الصبي إلى جد الرجل، ومن الفعل الذي يشبع به حاجاته الضرورية إلى ~~الفعل الذي يتجه في حرية إلى الباطن؛ إنما ينبع من مصدر واحد هو النزوع إلى ~~المشاهدة. ويستطرد أفلوطين فيعمم هذه الفكرة على دائرة الوجود كلها، بين درجته ~~الدنيا «وهي الطبيعة» # 29 # إلى الدرجة التي تليها «وهي النفس» # 30 # ثم إلى العقل # 31 # وكل منها تمثل درجة من المشاهدة، تظل ترتفع إلى السلم الصاعد حتى تبلغ ~~درجة الاتحاد مع المشاهد، وتصل إلى ما يعبر عنه هذا التعبير المحير الغريب حين ~~يقول: إنها هي المشاهدة التي لا تشاهد أو الرؤية التي لا ترى ... # يبدأ أفلوطين من أدنى الدرجات على السلم الصاعد إلى الواحد فيبين أن جوهر الطبيعة ~~الخلاقة (فيزيس) هو المشاهدة، إن عملية الخلق المبدعة التي لا تفتأ الطبيعة ~~تمارسها في كل لحظة لا يمكن تفسيرها على أساس آلي: «ولكن على الإنسان أن يستبعد ~~العمل بالروافع من عملية الخلق في الطبيعة؛ إذ كيف يستطيع الدفع والضغط أن يبدع هذه ~~الألوان والأشكال البهيجة المتعددة.» # 32 # ليست الطبيعة إذن كالعامل اليدوي الذي يصنع شيئا بآلاته وأدواته، وهي ~~لا تخلق الأشياء بعد إمعان في التفكير لتؤلف بينها بعد ذلك في وحدة شاملة، بل ~~الأولى أن يقال: إن الكل هو الذي يسبق الأجزاء في عملية الخلق الطبيعية: ~~«الطبيعة تبدأ من الأصل وليست في حاجة إلى التفكير.» # 33 # مبدأ الفعل الخلاق في الطبيعة إذن قوة مبدعة، باقية قادرة على التكوين والتشكيل، ~~تخرج الكليات والأشكال المشاهدة فيها إلى الوجود، هذه القوة الخلاقة هي التي ~~يسميها أفلوطين في بعض الأحيان باللوجوس (كلمة - معنى - عقل)، ويرى أن جوهرها هو ~~الرؤية والمشاهدة، «والآن فبقدر ما تخلق (أي القوى الطبيعية) على الدوام، وتظل ~~متماسكة في ms040 نفسها، وبقدر ما هي لوجوس؛ فإن من الممكن أن تكون هي نفسها مشاهدة»، # 34 # هذه القوة المبدعة التي تفيض فيضا مستمرا هي في رأي أفلوطين مبدأ كل ~~حياة، وسر كل وجود، وهذا السر هو الذي يسميه بالرؤية أو المشاهدة. # ومع أن الطبيعة تعمل في صمت، فإن أفلوطين يحاول أن يهدينا إلى سرها العظيم - لا ~~أن يفسره - فيجعلها تتحدث عن نفسها فتقول: # وإذا سألها أحد: لماذا تخلق؟ وكان لديها # الميل إلى الاستماع إلى السائل والحديث إليه فإنها # ستجيبه قائلة: خير لك ألا تسأل، بل أن تفهم أنت # نفسك في صمت كيف أنني أنا أيضا أخلد إلى الصمت وليس # من عادتي الكلام. ولكن ماذا تفهم؟ أن المخلوق رؤياي، # أي رؤيا نتجت عن ماهيتي، وأنني، وقد نشأت أنا نفسي عن مثل هذه # الرؤيا، مفطورة على محبة الرؤية والمشاهدة، وأن الرؤيا من جانبي ~~تخلق # المرئي، على نحو ما يرسم الرياضيون # أثناء رؤيتهم، والفرق أنني لا أرسم، # بل تخرج معالم الأجسام إلى الوجود في أثناء # رؤيتي، كما لو كانت تتساقط عني. # ولا بد لنا لكي نفهم هذا الجواب الغريب أن ننتبه إلى أن الرؤيا أو ~~المشاهدة ليست مجرد تطلع سلبي، بل إنها قد تكون فعلا إيجابيا خلاقا؛ ~~فالمثل الأفلاطونية لا ترى كما لو كانت أشياء ماثلة أمامنا؛ لأن وجودها يختلف ~~عن وجود الأشياء في العالم الحسي، ولا تتصور كما لو كانت محض خيال أو وهم، بل ~~هي ترى بفعل فريد من أفعال الرؤية والمشاهدة العقلية الخالصة، # 35 # ويأتي أفلوطين فيؤكد هذا العنصر الخلاق الكامن في كل رؤية، ويذهب إلى ~~أن كل ما هو موجود - من أدنى درجات المادة إلى أسمى درجات العقل - إنما ينشأ عن ~~الرؤية والمشاهدة. # الطبيعة تقول للسائل: خير لك ألا تسأل، بل أن تفهم أنت نفسك في صمت كيف أنني ~~أيضا أخلد إلى الصمت وليس من عادتي الكلام. والطبيعة لا تقول هذا لأنها أدنى درجات ~~الحياة وأقلها حظا من الوعي والشعور فحسب، بل لأن سر الطبيعة وسر الحياة لا ~~يمكن التعبير عنه ms041 بالكلمات، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوعا للتفكير، ونسأل ~~أفلوطين: وما هو السبب؟ فيجيب: لأن السر يرى في صمت؛ لأنه رؤيا (وربما كان هذا هو ~~الذي جعله يوضح صدور الموجودات عن الواحد عن طريق ما سماه بالفيض أو الإشعاع، أي عن ~~طريق صورة حسية لا عن طريق فكرة عقلية). # وقد نعود فنسأل: وما الذي يجعل الأشكال والماهية التي تراها قوة الطبيعة تخرج إلى ~~الوجود المادي؟ فيقول: إن ذلك نتيجة ضعف الرؤية لدى الطبيعة، ثم يفسر ذلك بمثال ~~مستمد من السلوك البشري حين يقول: # لأن البشر أيضا، حين يفقدون القدرة على الرؤية، ينتجون # ظلا للرؤية وللعقل، هو الفعل والسلوك. # فالفعل عند أفلوطين لا يصدر عن القوة بقدر ما يصدر عن الضعف، وهو ~~يوضح ذلك فيقول: # ذلك لأنهم نتيجة لضعف في نفوسهم لا يستطيعون أن يستسلموا للرؤية # بدرجة كافية، ولأنهم تبعا لذلك عاجزون عن إدراك الصورة المرئية # رؤية كافية، ومن ثم لا يصلون إلى حد الرضا # والإشباع، بل يسعون إلى مشاهدتها؛ لذلك يندفعون # إلى الفعل، لكي يروا بالحواس ما عجزوا عن رؤيته # بالعقل. # سوف نجد دائما أن العمل والفعل إما أن يكون ضعفا في الرؤية # أو يكون نتيجة مصاحبة لها. هو ضعف حين لا يجد المرء ~~«شيئا يراه» أكثر من المعمول، وهو نتيجة مصاحبة لها، حين # يكون لديه شيء يراه أقوى من المعمول ويتقدم عليه. # إذ كيف يتجه إلى ظل الحقيقة من يملك # القدرة على رؤية الحقيقة؟ إن الدليل على هذا هو # الأطفال الخاملون من الناحية العقلية الذين # يعجزون عن التعلم والرؤية؛ فينتهون إلى الصنعة ~~(التكنيك) والحرفة اليدوية. # ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن أفلوطين ينكر قيمة الفعل أو ~~يقلل من شأنها؛ ذلك أنه لا يقصد إلا أن يبين أن الفعل وجه من وجوه الرؤية، أو ~~هو رؤية ضعيفة ناقصة، فالفعل عنده إما أن يكون نتيجة ضعف في الرؤية، يحاول به ~~المرء أن يشغل نفسه بشيء مصنوع ماثل الوجود، لكي يستعيض به عن نقص الرؤية ~~الباطنية لديه، ويملأ الفراغ الذي يحس ms042 به في نفسه، وإما أن يكون ظاهرة مصاحبة ~~لرؤية النفس، ناجمة عن فساد أو قصور فيها، ولعل هذا هو السبب فيما ذكرناه في أول ~~هذا الحديث من أن أفلوطين لم يكن يكترث كثيرا بتدوين مؤلفاته، ولم يحتمل، بعد أن ~~سطره فيما يشبه الإلهام المحموم، أن يعيد قراءتها مرة واحدة. # والدرجة التالية للطبيعة هي النفس، فكما أن الطبيعة الخارجية # 36 # تعد رؤية ضعيفة للقوة الطبيعية الباطنة أو الطبيعة الطابعة، # 37 # فإن هذه القوة الطبيعية تعد كذلك رؤية ضعيفة للنفس الكلية، كما أن ~~هذه النفس الكلية بدورها رؤية ضعيفة للعقل الذي يمثل أكمل درجات الرؤية. # رؤية النفس أوفر حظا في «الباطنية» من الطبيعة، والتي تتبدد رؤيتها في المادة ~~الخارجية، وكلما ازدادت النفس رؤية ازدادت ميلا إلى الهدوء والسكون، أي قل نصيبها ~~من الفاعلية؛ لأنها لا تعود تبحث عن شيء خارجها، بل تستريح في ذاتها؛ حيث تجد هناك ~~كل ما تتوق إليه. # ولكن لما كانت النفس لا تملك المرئي ملكا باطنيا كاملا؛ فإنها تسعى إلى ~~درجة أعلى من الرؤية، وتلك هي درجة العقل المفكر في نفسه؛ فالنفس إذن تشغل من هذا ~~السلم الصاعد مكان الوسط، بين اتجاه الطبيعة إلى الخارج اتجاها كاملا وبين ~~الاتجاه إلى الباطن اتجاها تاما عند العقل، فإذا كانت قوة الطبيعة تتبدد عند ~~الرؤية في عالم المادة الخارجية، فإن العقل يظل مع نفسه فحسب، خالصا للتفكير ~~الخالص في نفسه، هنا يتحد الرائي والمرئي، ويتعانق الفكر والوجود. إن العقل الذي ~~يفكر في نفسه، أو - إن شئنا الدقة - الذي يفكر نفسه هو الحياة الأولى، أو هو ~~الحياة التي تهب نفسها الحياة، أو هو الرؤية الحية. # ولكن هل نصل مع العقل حقا إلى أعلى درجات الرؤية؟ وهل ينتهي السلم الصاعد فلا ~~نجد درجة أخرى نصعد إليها؟ الظواهر كلها تدل على هذا؛ فالسلم قد انتهى بالفعل، ولكن ~~الشوق إلى الصعود ما زال متقدا، واللهفة إلى الارتفاع لم تهدأ بعد. # لا بد إذن من أن نلقي بالسلم بعيدا، ماذا تفعل؟ لم يبق أمامنا إلا أن ms043 نقفز ~~القفزة الأخيرة، لعلنا أن ندرك الواحد، غير أنها ليست قفزة الخيال الجامح، ولا طفرة ~~العاطفة المتحمسة؛ فقد مهدت لها ودفعتنا إليها المراحل التي تركناها ~~وراءنا. # كل رؤية تفترض وحدة الرائي والمرئي واختلافهما في آن واحد، غير أن الوحدة هي ~~الأصل، فليس الأمر في عملية الرؤية - مهما يكن نوع وطريقة تفسيرها - أن تكون هناك ~~ذات ترى من ناحية وأمامها الموضوع الذي تراه من ناحية أخرى، ثم تتصلان ببعضهما ~~على وجه من الوجوه، بل الأصح أن يقال: إن فعل الرؤية يسبق كل تفرقة بين الرائي ~~والمرئي ويمكن لهما من الالتقاء، وكلما توثقت الوحدة بين الرائي والمرئي في الوجدان ~~الباطن؛ زاد نصيب الرؤية من «الباطنية»، وكلما نقص حظ الرؤية منها، كان ذلك دافعا ~~إلى الارتفاع إلى رؤية أتم. # ولكن لم لا يكون العقل الذي يصفه أفلوطين بأنه هو الفكر الذي ينكر نفسه، والذي ~~تتمثل فيه أكمل وحدة ممكنة بين الرائي والمرئي، لم لا يكون هذا العقل هو نفسه ~~أعلى درجات الرؤية؟ الجواب ليس بعيدا؛ فالعقل وإن يكن في حالة نقية خالصة مع ~~نفسه، ولا يفكر في شيء آخر سوى نفسه، فإنه مع ذلك لا يخلو من الثنائية الكامنة ~~بالضرورة في كل تفكير، ونقصد بها ثنائية المفكر والموضوع الذي يفكر ~~فيه. # ما هي إذن هذه الرؤية الكاملة التي ما زلنا في سعي دائب للوصول إليها؟ إنها كما ~~قلنا من قبل الرؤية التي لا ترى، فإن سألنا ما هي طبيعتنا؟ أو كيف لنا أن ندركها؟ ~~أعفانا أفلوطين نفسه من الجواب، وقال في عبارة قد لا تخلو من الغموض: «فإن أنت ~~تركت الوجود «وراءك» لكي تستحوذ عليه (أي لكي تفهمه وتدركه) فسوف تقع في الدهشة، ~~عندئذ عليك أن تلقي بنفسك عليه (تلقي بصرك أو تسدد سهمك إليه) وتصيبه، وأن ~~تستريح في مملكته وتحيط به، وذلك بأن تفهمه عن طريق اللمس فهما أفضل، أما العظمة ~~(أو العظيم) فيه فاعرفها عن طريق الموجود، الذي جبل على مثاله ومن خلاله.» # 38 # أفلوطين هنا يحاول - باللفظ القديم الشاحب الذي ms044 لا يستطيع أن يسعفه - أن يعبر عن ~~الاتحاد مع الواحد، وأهم ما يلفت انتباهنا في هذه القطعة هو قوله: «ألق بنفسك عليه!» # 39 # على الإنسان إذن أن يترك الموجودات كلها وراءه ويلقي بنفسه على ~~الوجود. وتركه للموجودات كلها سيشعره بالدهشة؛ هذه الدهشة هي التي ستدفعه إلى إلقاء ~~نفسه على الوجود، على الواحد. إنه الآن لا يقف منه موقف الرائي من المرئي لكي يحاول ~~بعد ذلك أن يتحد به، بل يهب نفسه له، يلقي بكيانه بين ذراعيه، يلامسه من كل ~~ناحية ويعانقه ويتحد به، لقد ترك وراء ظهره كل ما هو شيء وموجود، وتملكته رعشة ~~الاندهاش فألقى بنفسه عليه حين أصابه وجد الراحة في الاتحاد معه اتحادا يختلف عن ~~كل ما يمكن أن نتحد به من موجودات هذا العالم، ولكنه لا يطيل المكوث هناك، ولا ~~يستمرئ النعيم المتاح، بل يعود ثانية إلى هذا العالم، ويرجع إلى الموجودات ليراها ~~بعين جديدة، ويدرك سر عظمتها التي استغلقت عليه من قبل. # ونعود فنسأل كما سألنا من قبل: ولكن ما هو هذا الواحد الذي نلقي بأنفسنا عليه، ~~ونسدد كل سهامنا إليه، ونصعد لعلنا نتملى منه؟ # ونعود أيضا فنقول: إن السؤال بهذه الصورة مجانب للصواب؛ إذ كيف نسأل عما عسى ~~أن يكون الواحد مع أنه يعلو على كل وجود ويرتفع فوق كل كينونة؟ # ومع ذلك فلنترك الكلمة لأفلوطين، وسوف يعلمنا كيف نصمت حين يعجز كل ~~كلام: # ولكن هذا الذي لا يأتي إلى الوجود، ما هو؟ # أجل، على الإنسان أن ينصرف صامتا، وليس # له، بعد أن تاهت به حججه، # أن يبحث بعد عن شيء. # 40 # استطاع أفلوطين أن يعبر عن تجربته في هذه العبارة الكاملة: ~~«وحيدا مع الواحد»، # 41 # وإذا كان الإنسان - وما أكثر التعريفات التي تقال عليه، لأنه ما أشد ~~تعقده وغناه! - في تعريف أرسطو هو الكائن الوحيد الذي يعيش بطبعه في جماعة «المدينة»، # 42 # فهو كذلك - بل وقبل ذلك - الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يكون وحيدا: ~~هذه الوحدة أبعد ما تكون عن الانعزال والانطواء؛ لأنها ms045 في صميمها التفتح الخالص ~~الذي هو شرط كل اجتماع أصيل. فالسجين في زنزانته ليس وحيدا بحق؛ لأن الوحدة انطلاق ~~وتحرر، والحيوان وإن ثبت عن بعض أنواعه أنها تعيش في مجتمعات، لا يستطيع كذلك أن ~~يكون وحيدا؛ لأنه حبيس في هذا العالم، عاجز عن العلو عليه أو الخروج منه. # وقد استطاع أفلوطين - ربما لأول مرة في تاريخ الفكر البشري - أن يخرج من هذا ~~العالم، وتجربته التي توصف بالوجد أو الانجذاب هي بمعناها الحرفي الخروج من # EK-stasis ~~، ولكنه لم يخرج من هذا العالم إلا ~~لأن الواحد كان يجذبه بكليته إليه، لم يخرج منه إلا ليعود إليه، بهذا - وبهذا وحده ~~- استطاع أن يحب العالم ويقترب من سره، ويرى مواطن الجمال فيه بعين جديدة لا ~~تغيب عنها الدهشة، إنه لم يرتفع فوق العالم إلا لكي يغوص فيه إلى الأعماق، فليس في ~~استطاعة الإنسان أن يغادر حدود كرته الأرضية؛ فهي ضيقة، هذه الكرة مزدحمة بالسجون ~~والأقفاص، برغم أبعادها غير المتناهية. إن باب الخروج من هذه الغرفة الأرضية ~~الواسعة لا يقع على حدودها وأطرافها، وإنما هو في باطنها، في نقطة المركز منها. ولن ~~يرتفع الإنسان فوق النجوم ما لم يهبط إلى الجذور الضاربة في الوحل. # إن أقدم شواهد الشعر الغنائي عند اليونان تنطق بهذه الوحدة؛ فشاعرة الحب والجمال «سافو» # 43 # تقول في أبياتها الأربعة الشهيرة: # الآن قد غاب القمر، # وكذلك الكواكب السبعة # انتصف الليل، وزمن الانتظار فات. # وأنا أنام وحدي. # وطريق المفكر والشاعر الغنائي طريق وحيد، وقد ارتفع أفلوطين فوق ~~ذاته وفوق العالم، وأعتقد أنه سيجد في الواحد عزاءه الأخير، ولكنه ظل مع ذلك ~~وحيدا، حتى مع الواحد، هنالك لم يبق أمامه إلا الصمت والسكون. # ومع ذلك فسوف يجد الإنسان دائما ما يعزيه عن وحدته أو ما يبعده عنها، في العمل ~~أو الحب أو الطموح أو الكفاح اليومي من أجل لقمة العيش، أما من لا يجد العزاء ~~في شيء، فماذا تكون حاله؟ وكم يا ترى تكون قسوته وحدته؟ # | تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان # في زمن ms046 يطغى عليه ضجيج الآلة، ويكسر جناحيه الخوف من المصير، لا تكاد كلمة باسكال ~~هذه تجد أذنا صاغية: «تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان علوا غير متناه»، # 1 # تعلموا أنه يعلو على كل شيء كما يعلو على ذاته التي بين جنبيه، نقول: ~~يعلو، وقد نستطيع أيضا أن نقول: يرتفع أو يصعد أو يتعالى، ولكن إلى أين يرتفع ويصعد ~~ويتعالى؟ ما الذي يجنيه من هذا العلو؟ وأي سلم يرتقي ليصل إليه؟ وإذا كان الإنسان ~~يعلو على الإنسان، أي على ذاته وعلى ذوات الآخرين، فهل يستعصي عليه كذلك أن يعلو على كل ~~شيء؟ # علو أو تعال، كلمتان حفظهما لنا تراث فكري بعيد، لن نستطيع في هذه السطور ~~القليلة أن ننقل هذا التراث أو نوغل بالبحث فيه، فكل ما نريد هو أن ندخل معه في حوار، ~~أن نسأله ونسأل أنفسنا معه: ماذا نريد بهذه الكلمة الشهيرة في تاريخ الفلسفة ~~«الترانسندس»؟ هل يهمنا في عصر العلم أن نعلو أو نتعالى؟ أنشيد له برج بابل جديدا أم ~~نطير إليه في صاروخ؟ هل في مقدورنا اليوم أن نعود إلى «المتعالي» أو نعيده إلينا؟ وكيف ~~نستطيع؟ إذا أردنا أن نتحدث عنه فبأي لغة؟ وإذا حاولنا أن نفكر فيه فبأي تفكير؟ أترانا ~~حين نصل إليه - إن كان ثمة وصول - أن تخرس لغتنا فلا نملك إلا الصمت ولا نجد إلا ~~السكوت؟ ألا نوصف عندئذ - من جانب أهل الجدل والفطانة، وما أكثرهم في هذا الزمان! - ~~بالتصوف أو حتى بالدروشة؟! ~~«التعالي هو الارتفاع فوق كل شيء على الإطلاق»، تعريف نسوقه في بداية هذا الحديث، ~~ولكن ما أشد ما يحتاج إلى تفسير! # الكلمة في اللغات الأوروبية # Transzendenz - Transcendence # تنحدر من الفعل ~~اللاتيني # Trans-scendere # المؤلف من السابقة (عبر ~~وراء) # Trans ~~، والفعل # scendere ~~(يصعد، يرتفع، يتجاوز، يعلو)، ولكن إلى أين ~~هذا العلو ولأية غاية؟ ألا يؤدي بنا العلو فوق كل شيء إلى اللاشيء؟ ألا يفضي بنا ~~التصعيد فوق الوجود إلى الوقوع في العدم؟ ألسنا نخاطر بأن يكون علونا من قبيل التحليق ~~الخيالي الذي نعزوه إلى ms047 الشعراء وقد نتهمهم به؟! # سنسارع قبل الإجابة على هذه الأسئلة فنقدم بين يدي القارئ مجموعة من القضايا التي ~~سنحاول فيما بعد أن نحققها ونتثبت من صحتها: # أولا: # مشكلة المتعالي هي مشكلة المشكلات، ليست في الحقيقة مشكلة من مشكلات ~~عديدة، بل هي «المشكلة» على الإطلاق، فإذا كنا نقول: إن التعالي هو ~~الارتفاع فوق كل شيء، فلا بد أن تحوي مشكلته سائر المشكلات، كما يحوي ~~الكل بقية الأجزاء. # ثانيا: # مشكلة المتعالي فريدة في بابها، متميزة عن سائر ما عداها، وكيف لا ~~تكون كذلك وهي - كما تقدم - ليست مشكلة من بين مشكلات عديدة، بل هي ~~التي تحويها جميعا؟ # ثالثا: # هي أعظم المشكلات ، إذ ما عساه أن يكون أعظم من محاولة العلو فوق كل ~~شيء على وجه الإطلاق؟ وأي فعل يمكن أن يقارن بالارتفاع فوق كل شيء حتى ~~الارتفاع نفسه؟ # رابعا: # المتعالي الذي يسمو فوق كل شيء هو في نفس الوقت أكثر الأشياء عمقا؛ ~~فكما أن العلو يكون من أسفل إلى أعلى، فكذلك يكون من أعلى إلى أسفل، من ~~القمة إلى الأعماق. حقا إن هذه مفارقة تأباها لغتنا وتفكيرنا اليومي، ~~كما يرفضها ما نسميه عادة بالحس السليم، ولكن لا بد من قبولها في ~~الفلسفة والفن والدين؛ إذ لا حياة لها جميعا بغير المفارقة التي ~~تتجاوز منطق المعقول والمقبول. # خامسا: # مشكلة المتعالي هي آخر المشكلات، وهي كذلك أخطرها، وهل هناك أخطر من ~~أن يطمح الإنسان إلى العلو فوق كل شيء، بينما يتهدده السقوط إلى ~~أعمق الأعماق؟ أليس أقرب الناس إلى التردي في الحضيض أعلاهم فوق ~~القمة؟ # سادسا: # مشكلة المتعالي هي أقرب المشكلات إلينا وألصقها بوجودنا، ولما لم ~~يكن هناك وجود ولا حياة بغير موت وفناء، كان ارتباط التعالي بالموت ~~أوثق ما يكون الارتباط، وكانت مشكلته أكثر مشكلات الإنسان إنسانية، ~~ألسنا نقول الآن ونريد أن نبين فيما بعد أننا لا نعلو على أنفسنا ~~إلا لنعود إليها، وأن الإنسان لا يشعر بإنسانيته حتى يعلو عليها ~~ويتجاوزها؟ # قلنا: إن مشكلة التعالي هي المشكلة على وجه الحقيقة. ونذهب إلى ms048 أبعد من هذا فنزعم أنه ~~حيث لا وجود لمشكلة التعالي فلا وجود لمشكلة الموت ولا لمشكلتي الزمان والمكان، بيد ~~أن التعالي موجود، وسيظل موجودا ما بقي الإنسان حريصا على إنسانيته، وإذا كنا ~~نلاحظ اليوم أنه تراجع من وجدان هذا الزمان، بحيث لم يبق منه سوى بضعة حروف سوداء في ~~معاجم الفلسفة، فليس معنى هذا أنه اختفى من هذا الوجدان (إذ ما من شيء يختفي الحقيقة كل ~~الاختفاء، وإنما كل شيء يتغير)، بل معناه أنه راقد فيه يحتاج إلى من يوقظه من سباته، ~~ولا مفر لكل من يفكر فيه من المخاطرة على الطريق الخطر. إنه مضطر إلى التفكير في عصره ، ~~وربما اضطر أيضا إلى التفكير ضد عصره. # كذلك قلنا: إن مشكلة التعالي هي أولى المشكلات وآخرها، وإنها أعمقها وأخطرها وأشدها ~~التصاقا بوجود الإنسان، ولا نعني بهذا القول أنها مشكلة كسائر المشكلات تقارن بها ~~فتزيد عليها أو تنقص عنها في الأهمية، فالواقع أن هذه الصفات التي نطلقها عليها شبيهة ~~بتلك السلالم التي تحدث عنها الفيلسوف المنطقي المتصوف فتجنشتين في نهاية «رسالته ~~المنطقية الفلسفية» حيث يقول: إن على المرء أن يلقي بها بعيدا بعد أن يصعد عليها ويصل ~~إلى حيث أراد الوصول، نقول إلى «حيث»، وكأننا نريد أن نصل بالعلو إلى مكان أو موضع، وفي ~~هذا القول خطأ لا بد من الاعتذار عنه؛ فالتعالي فعل فريد، وكل تعال يكون «فوق» شيء ~~و«إلى» شيء، أما التعالي الذي نتحدث عنه فهو كما عرفناه علو على كل شيء على وجه ~~الإطلاق، علو تقف لغتنا حياله عاجزة لا تملك التعبير، إنها تغير عندئذ دلالتها كما ~~تغير وظيفتها، فتكتفي بالتلميح إلى ما لا تستطيع أن تصرح به كلمة أو ينطق به ~~لسان. # ولكن ما هو هذا التعالي الذي وصفناه بأنه مشكلة المشكلات، وبأنه عمل فريد في بابه يجب ~~على الإنسان أن يحققه ليجد إنسانيته؟ وصفنا التعالي بأنه «الارتفاع فوق كل شيء على ~~وجه الإطلاق»، فماذا يفهم عادة من فعل التعالي أو من كلمة المتعالي حين نستخدمها في ~~الفلسفة ms049 أو في غير الفلسفة؟ # قد تفهم على أنها التعالي فوق التجربة، بوصفها التجربة الحسية قبل كل شيء، وذلك هو ~~الرأي الميتافيزيقي (بالمعنى الحرفي للكلمة)، أي الذي يتصور المتعالي على كل ما تجاوز ~~عالم الطبيعة وجاء بعده، وإن بقي لهذا السبب نفسه متعلقا به مضافا إليه، وقد ~~يفهم التعالي على أنه الارتفاع فوق الذات، أو صعود الذات فوق نفسها متجهة نحو ~~الموضوع، وهو ما نستطيع أن نسميه بالفهم الذاتي للتعالي، وسنجد في سياق حديثنا أننا لا ~~نستطيع أن نأخذ به أو نوافق عليه؛ لأننا نفهم من التعالي ما يرتفع فوق كل شيء، وبالتالي ~~فوق الموضوعات والذات جميعا. # ونعود فنسأل : «وما هو المتعالي؟» لا بد لنا قبل الإجابة على هذا السؤال أن نعرف أن ~~المتعالي لا يمكن التفكير فيه من ناحية الإنسان أو العالم، بل يجب أن نفكر في الإنسان ~~والعالم من ناحيته، وعلينا أن نذكر دائما أنه ليس مشكلة يضعها الإنسان، بل هو مشكلة ~~يوضع فيها الإنسان فتستأثر به وتملك عليه كيانه، ولن يتم هذا قبل أن نعاني التحول ~~الكبير الذي لا يمكن أن ننتظره من إنسان أو شيء سوانا، بل لا بد أن يكون ميدانه في ~~الذات ومن أجل الذات، وأخيرا لا بد أن ننقي كلمة المتعالي «الترانسندنس» من كل ما ~~يخالطها، وأن نفرق فيها بين فعل التعالي نفسه وبين القائم بهذا الفعل أو «الترانسندنت»، ~~كما نميز عنها ما نسميه بالكمون أو «الأماننس»، فهذا الكمون ليس عكس التعالي؛ لأنه صلة ~~انعكاسية به، وقد تكون هذه الصلة بين القائم بفعل التعالي وبين المتعالي نفسه، كما تكون ~~على العكس من ذلك بين المتعالي وبين من يتعالى إليه، أما المتعالي فليس من ذلك في ~~شيء، إنه يعبر عن علاقة لا يمكن عكسها؛ إذ إنها لا تبدأ من الذات التي تحاول أن تعلو ~~إليه ولا يكون الإنسان هو أصلها، بل تبدأ من المتعالي الذي نحاول أن نرتفع إليه، ~~والتعالي يختلف أيضا عن ذلك الذي نعلو إليه ونسميه بالمتعالي؛ ذلك أننا بفعل التعالي ~~نرتفع درجة ms050 درجة فوق الأشياء حتى نصل إلى الارتفاع فوق كل شيء، ولو كان المتعالي نفسه ~~شيئا لكان علينا أن نعلو عليه كذلك، فلا يبقى أمامنا إلا أن نقول عنه: إنه مطلق - ~~بالمعنى الحرفي الأصيل لهذه الكلمة - من قيد كل شيء، مستقل غير مشروط بغيره، كامل ~~وتام في ذاته، ومكتف بذاته. # يبدو أن أفلاطون هو أول من اقترب من المتعالي في جمهوريته، فكلما ذكر الخير تبادر إلى ~~الذهن ما نفهمه اليوم من العلو والتعالي؛ فالخير مثال، لا بل هو مثال المثل الذي يعلو ~~عليها ويزيد عنها قوة وصفاء، وقد يختلف في ماهية وجوده عن سائر المثل، كما تختلف هذه ~~عن سائر المحسوسات، ونظرة عابرة إلى رمز الكهف المشهور (الجمهورية من 514 إلى 517) ~~تدلنا على أن الخير هو أعظم الموجودات شأنا، وأشبهها بالشمس التي تغشي بنورها عيون ~~الذين يحاولون أن يتطلعوا إليها بعد خروجهم من الكهف. غير أن أفلاطون لا يستقر في ~~تعبيره عن الخير؛ فهو تارة كالمتعالي وتارة أخرى شيء آخر يختلف عنه، وقد لا نكون ~~مبالغين إذا قلنا: إن هذا القلق في التعبير عن المتعالي يسري في تاريخ الفلسفة كلها من ~~أفلاطون إلى اليوم، فالفلسفة اليونانية القديمة لا تكاد تعرفه، وحين اقتربت منه ~~واستطاعت أخيرا أن تسميه بالواحد كان يقع على أطراف حدودها ويتوج تطورها. والحق أن ~~ما نفهمه اليوم - بوجه عام - من كلمة المتعالي إنما جاء عن أفلوطين والأفلاطونية ~~المحدثة، بحيث نستطيع أن نقول: إنه كان أول من عانى من تجربة العلو على وجهها الأصيل، ~~وجعل من المتعالي مشكلة تفكيره الوحيدة (راجع رسالته عن الخير). # وفكرة المتعالي تشغل مكان الصدارة من فلسفة الوجود الحديثة، حتى لتذهب في بعض ~~الأحيان إلى حد القول بأنها اكتشفتها اكتشافا، وليس الارتفاع فوق الموجود إلى «الوجود» ~~نفسه عند هيدجر، ولا ارتفاع الإنسان إلى «الشامل المحيط» عند ياسبرز - وإن تعذر عليه ~~أن يدرك كنهه أو يدرك حقيقته - أقول: ليسا إلا تعبيرا آخر عن العلو والمتعالي، وليس ~~الوجود - كما قد يبدو لأول وهلة من تسمية الفلسفة المعاصرة ms051 نفسها بهذا الاسم - مبحثا ~~جديدا على الإنسان، لقد شغل بارمنيدز في فجر الفلسفة، فكان هو الموجود الذي ينبغي أن ~~يتجه إليه القول والفكر؛ لأن العدم هو ما ليس له وجود، ولأن السؤال عن الوجود كان ~~ولا يزال - كما يقول أرسطو - هو السؤال الرئيسي الأول الذي ينبغي على الإنسان أن يسأله ~~الآن وعلى الدوام، والحق أن كلمة الوجود - كما أوضح هيدجر في بداية كتابه المشهور ~~«الوجود والزمان» - ذات معان كثيرة متشابكة، فليس الوجود شيئا من جملة أشياء يوضع إلى ~~جانبها ويعد واحدا من بينها، له جملة خواص: إحداها ما نسميه بالوجود. إنه يختلف عن ~~الموجود اختلافا رئيسيا، سماه هيدجر «بالاختلاف الأنطولوجي»، وليس من همنا أن نفصل ~~القول في هذه الناحية، فكل ما نريد أن نؤكده هو أننا بمجرد أن نتصور المتعالي على أنه ~~الوجود أو الموجود فإنما نفقده إلى غير رجعة؛ فليس المتعالي شيئا يمكننني أن أتحدث ~~إليه أو عنه أو حتى أن أفكر فيه، ليس شيئا لأنه علو فوق كل ما هو شيء وما له شكل ~~الشيء، وليس مما يمكن الحديث إليه أو عنه؛ لأنني سأجد في نهاية المطاف أن لغتي عاجزة عن ~~التعبير عنه، وأن علي إما أن أبحث عن لغة جديدة - وهو ما لا أقدر عليه - أو أن ~~ألزم الصمت المطلق (وهو ما لا يقدر عليه إلا الأموات!) والقول بأن المتعالي لا يستطاع ~~التفكير فيه، ليس معناه أن أتخلى عن الفكر؛ فبالفكر وحده أعرف أن هناك مشكلة هي مشكلة ~~التعالي، وبالفكر وحده أستطيع أن أفكر فيما لا سبيل إلى التفكير فيه بوسائلنا ~~المألوفة وأشكالنا المنطقية المتواضع عليها، وليس المقصود بالعبارة الأخيرة إلا أنني ~~مطالب إزاء مشكلة المتعالي بتحمل أقصى ما يستطيع الفكر أن يتحمل من عناء، وبذل أقصى ~~ما يمكن أن أبذل من جهد وحركة وتوتر. # علينا إذن أن نوسع آفاق نظرتنا إلى المتعالي، وأول ما نفعله في هذا السبيل هو أن ~~نتغلب على العقبات التي تعترض سبيل هذه النظرة، ونكشف عن قصور تفكيرنا فيه حين نظن ~~أننا ms052 نتحدث عنه، بينما نحن في الحقيقة نتحدث ضده ونتجاوز محدودية التصورات ~~الميتافيزيقية والدينية والوجودية للعلو والتعالي، مهتدين في ذلك بالتعريف الذي ~~وضعناه في صدر هذا الكلام من أنه الارتفاع فوق كل شيء على وجه الإطلاق، علينا أيضا أن ~~نكشف عن العقبات الباطنية التي تعترض سبيلنا إلى المتعالي، وأن نواجه نزعتنا الطبيعية ~~الدفينة إلى الهروب منه أيا كانت أشكال هذا الهروب، فنحن نهرب منه، لا بل نتمرد ~~عليه بما طبع فينا من ميل إلى التفكير العملي أو التفكير السليم كما نسميه عادة، ~~مع أن هذا التفكير السليم يقف بطبعه موقف المعاند لكل تفكير فلسفي أو ميتافيزيقي على ~~وجه العموم، ونحن ندير له ظهورنا حين نضعه في عالم «آخر»، ونحسب بذلك أننا نعلو ~~بأنفسنا على هذا العالم بإعراضنا عنه وزهدنا فيه، كل هذا بغير أن يخطر ببالنا أننا في ~~كل الأحوال نهرب من المتعالي ونوفر على أنفسنا مشقة التفكير الجاد فيه ونؤثر ~~الطمأنينة على عذاب الصعود إليه. # إن أسباب الاعتراض على المتعالي كثيرة كثرة أسباب الهروب منه، فقد يسأل سائل فيقول: ~~إلى أين نرتفع فوق كل شيء؟ أليس ذلك ارتفاعا إلى الفراغ والعدم؟ والجواب على هذا ~~الاعتراض بسيط؛ فنحن حين نرتفع فوق كل شيء فإنما نرتفع أيضا فوق الفراغ والعدم، ~~والارتفاع والعلو بمعناهما الأصيل ارتفاع وعلو على الشيء وضده، أي على الكل والعدم على ~~السواء. # وقد يعترض آخر فيقول: ما لنا نحن وللمتعالي وهو غير معقول ولا سبيل إلى التفكير فيه ~~أو التعبير عنه؟ وهذا الاعتراض قديم قدم أفلاطون، وحديث حداثة المذهب الوضعي، إنه ~~يقوم في أساسه على نزعة كامنة فينا، تجعلنا ننكر المتعالي أو بالأحرى نتنكر له، ~~وربما كان خير اسم نطلقه على هذه النزعة التي تشتد لدى إنسان العصر الحديث هو «زوال ~~المتعالي» أو اختفاؤه من وجدانه. # لنحاول إذن أن نفهم فكرة المتعالي بمعناها الميتافيزيقي الأعم. التعالي فعل شخصي ~~(بكل ما في كلمة الشخصية من وحدة وذاتية وتفرد) يفرد الإنسان ويزيد من فردانيته، هذه ~~الفردانية (وهي بعيدة عن الانعزالية بعد ms053 السماء عن الأرض) شيء يكرهه الفهم السليم أو ~~«الكمون سنس» وينفر منه. والتعالي في جوهره انفتاح للفكر واتساع لآفاقه وتجاوز لكل ~~الحدود، والفهم السليم يحب الانحباس بطبيعته، ويستريح للتجمد والقيود. إن العناد من ~~طبعه، وتوكيد الذات دأبه وغايته، فإذا انحبس بين جدران ذاته فلكيلا يعلو عليها، وإذا ~~تجمد في عالمه فلكي يحمي نفسه من المتعالي ويؤكد شعوره بنفسه وسيطرته على الطبيعة. إن ~~من طبيعته أن يقول: كل شيء هو كل شيء ولا شيء هو لا شيء، أو يقول: الكل كل والعدم ~~عدم، وإذا كان كل ما هو عظيم يبهره، فليس ذلك لميله للعظمة، بل لأنه يحب الكثرة ولا ~~يعرف إلا الكم. # هذا الموقف الميتافيزيقي (وهو يظل كذلك وإن أنكر الميتافيزيقا) من جانب الفكر السليم ~~هو في صميمه موقف عدمي (لنذكر تعريف نيتشه للعدمية في كتابه الرئيسي الذي لم يتم ~~«إرادة القوة» بأنها تجريد القيم العليا من قيمتها، أو بأنها موت الإله كما عبر عن ذلك ~~زرادشت)، والعدمية بهذا المعنى هي ضد التعالي ونقيضه، وهي عدمية في تعبيرنا هذا؛ لأنها ~~تنكر كل ما يعلو على الحس وتنفي كل ما يجاوز الطبيعة، وتنفر من كل ما لا تستطيع أن ~~تلمسه وتقبض عليه بيديها. # والحقيقة إن ما نسميه بالفكر السليم لا بد أن ينفي وجود المتعالي ما دام لا يؤمن إلا ~~بالتجربة، وما دام لا يفهم منها إلا أنها كل معرفة يتوصل إليها عن طريق الإدراك ~~الحسي؛ فالمتعالي لا يقع بطبعه في مجال التجربة، وإذا أردنا بالتجربة تلك المعرفة التي ~~نكتسبها عن طريق الاتصال بالعالم الخارجي أو العالم الداخلي، فلا يمكن أن تكون هناك ~~معرفة بالمتعالي. وهذا هو الموقف الذي انساق إليه «كانط» بنقده للعقل الخالص؛ فلقد وجد ~~نفسه مضطرا إلى إنكار تجربة المتعالي، واستحالة معرفته معرفة مباشرة، وكان أن جعله ~~فرضا أو مثالا يرى العقل الخالص ضرورة وجوده، ويحاول بطبيعته أن يقترب منه وإن كان ~~يعلم أنه لن يستطيع أن يدرك حقيقته أو يصل إلى كنهه. نقول: إن «كانط» كان مضطرا إلى ms054 ~~اتخاذ هذا الموقف من المتعالي بعد أن حدد موقفه من التجربة؛ فالتجربة عنده هي معرفة ~~الموضوعات عن طريق الإدراك الحسي، أما موضوعية الموضوعات - إن جاز التعبير - فلا يمكن ~~معرفتها إلا بتطبيق أشكال الفهم ومقولاته عليها؛ فليست التجربة تلقيا سلبيا لمعطيات ~~العالم الخارجي، ولا هي فعل تلقائي من أفعال العقل، بل هي مزيج منهما جميعا، ومن هنا ~~عبارة كانط المشهورة: «الموضوعات بغير تصورات عمياء، والتصورات بغير موضوعات جوفاء». ~~المهم أن كانط ينازع في وجود موضوع متعال أو في إمكان التجربة والمعرفة المتعالية، وهو ~~في هذا منطقي مع نفسه، فما من شيء عنده يمكن أن يكون موضوعا للمعرفة حتى يستمد ~~من التجربة، ويطبق عليه الفهم أشكاله ومقولاته، ولن يغير من موقفه هذا تسليمه بوجود ما ~~يسميه بالشيء في ذاته (وهو تعبير كشف المثاليون من بعده عن تناقضه البين في الحدود، ~~فما هو في ذاته لا يمكن أن يكون شيئا)؛ ذلك أنه يجعل هذا الشيء في ذاته فكرة أو ~~مثالا للعقل الخالص، يفترض وجوده دون أن يستطيع بطبيعته معرفة حقيقته أو فهم ~~كنهه. # ولسنا في حاجة إلى بيان ما في فكرة المتعالي عند كانط من قصور، فهو - في فهمه لها - ~~ملتزم بالتراث الميتافيزيقي الذي تلقاه عن «فولف» وأتباعه، وهو في نقده لها ملتزم ~~بالمهمة التي أخذها على عاتقه حين أقام بناءه النقدي العظيم، وأراد به فيما أراد أن ~~يكفكف من غلواء هذا التراث الميتافيزيقي ويرسم له الحدود التي لا ينبغي له أن يتجاوزها ~~بحال، ولسنا كذلك في حاجة إلى أن نشير إلى القصور الذي نجده في تصور كانط للتجربة على ~~أنها المعطى الحسي الذي ختم عليه الفهم بخاتمه ووضعه في قوالبه ومقولاته، فمعنى التجربة ~~أوسع بكثير من أن تقتصر على المعطى المحسوس، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن التجربة ~~بمعناها الحق لا تكون كذلك حتى تكون تجربة بما لا يعطى أو يحس. ولو لم يكن الأمر ~~كذلك لما استطاع الفكر أن يفكر في نفسه - فجوهر الفكر في هذا الانعكاس على ذاته - ولا ms055 ~~قامت تجربة فنان أو شاعر أو متصوف، ولا تجربة حب أو مخاطرة أو موت، ولو لم تكن هناك ~~تجربة أخرى غير تجربة المحسوسات والعينيات لما استطاع ديكارت مثلا في التأمل الثاني من ~~تأملاته العميقة الصافية أن يذهب إلى أن تجربة الذات لنفسها أكثر يقينا من الأدلة ~~الرياضية، ولما أمكنه بالفكر وحده أن يصل إلى عبارته المشهورة التي ما تزال تحير ~~الناس: أنا أفكر فأنا إذن موجود. # ولتجربة المتعالي درجات تختلف في عمقها وأصالتها، فمن علاماتها أنها تصيب الإنسان ~~حين تصيبه بالدهشة الحقيقية والقلق الحقيقي، فمع الدهشة يصبح الموجود بما هو موجود ~~شيئا غريبا ومفاجئا غير مألوف، شيئا تنظر العين إليه فكأنها تراه لأول مرة، ويدركه ~~العقل فيسأله ما أنت؟ ومن أنت؟ وإلى أين تصير؟ هذا القلق الحقيقي الذي لا يكون قلقا ~~من شيء بل إحساسا غامرا مفاجئا بالضياع تعبر عنه فكرة باسكال المشهورة (الفكرة ~~212) أجمل تعبير حين تقول: «إنه لشيء مفزع أن يحس الإنسان أن كل شيء يملكه ينزلق ~~منه.» # لنقطع هذا الحديث لحظة لنسأل أنفسنا: هل هناك إذن تجربة بالمتعالي؟ والجواب على هذا ~~السؤال بلا ونعم، الجواب بلا إذا فهمنا التجربة بمعناها الحسي المباشر الذي نفهمه منها ~~كل يوم، والجواب بنعم إذا فهمنا التجربة بمعناها الأصيل، فهي عندئذ انفعال نعاني فيه ~~ما نجربه ونشقى به، بمعنى الانفعال كما فهمه أفلاطون فأطلقه على الدهشة وجعلها جوهر ~~التفلسف وأصله. # فتجربة المتعالي تختلف إذن عن كل تجربة حسية وغير حسية؛ ذلك أن كل ما نجربه مما يقع ~~في العالم من موجودات إنما يقوم على علاقة الذات والموضوع، وما كذلك تجربة الدهشة ~~الحقة ولا تجربة القلق الحق. # فنحن لا نندهش حين نندهش حقا؛ لأن هذا الموجود أو ذاك على هذه الصفة أو تلك، ونحن ~~لا نقلق حين نشعر بالقلق الحق من شيء بعينه نتوقع منه خطرا أو نخشى منه أذى، إننا ~~نشعر بأننا خارج العالم، بعيدين عن نطاق كل ما هو «عالمي» أو يمت إلى العالم بسبب، ~~على نحو ما شعر المتصوفون دائما ms056 في الشرق والغرب في تجربتهم بالمتعالي، وفي مقدمتهم ~~أفلوطين، هذا الخروج عن العالم # Ekstasis # هو ما يسميه ~~أفلوطين بالوجد، وذلك في رسالته عن الواحد في نهاية التاسوعة السادسة. والوجد بهذا ~~المعنى اندهاش ونشوة وسعادة قد تصل إلى حد الجنون، والوجد، بالمعنى اليوناني للكلمة، قد ~~يكون من معانيه كذلك الوقوف والسكينة والسكون. وأفلوطين يشير بذلك إلى المعنى الأصلي ~~لهذه الكلمة وهو مغادرة الموضع والتخلي عن المكان أو الخروج منه، أي خروج الإنسان عن ~~ذاته وعلوه عليها وعلى كل علاقة تربطه بالكون وما فيه، هذا الخروج من الذات هو في ~~الحقيقة دخول إليها ورجوع إليها. ولا بد لنا لكي نعيش هذه التجربة أن نجرد لفظتي ~~الدخول والخروج من كل مدلول مكاني يعلق بهما كما لو كنا ندخل من باب ونخرج منه، ~~ولا بد للتجربة من أن تتخلص من كل عنصر كوني أو عالمي، كما لا بد لها أن تتجرد من كل ~~صبغة نفسية أو اجتماعية. إن تجارب الدهشة والقلق الحقيقيين تجارب وجد، أي خروج من ~~العالم وعلو عليه. والدهشة والقلق هما الطريق إلى تجربة المتعالي، أو قل هما التجربة ~~نفسها، وليس معنى ذلك أن كل من يعاني القلق أو يجرب الدهشة فقد جرب المتعالي أو ~~اقترب منه، بل معناه أن كل من يعلو فوق ذاته وفوق العالم فلا بد أن تعصف به ريح القلق ~~وتغلف عينيه سحابة الدهشة. # قلنا: إن المتعالي ليس مما يدخل في العالم، وبالتالي لا يمكن أن يكون موضوعا للفكر؛ ~~لأن هذا يستمد موضوعه من العالم وما فيه، فإذا كان هذا هو شأن المتعالي، فهل يعفينا ذلك ~~من محاولة التفكير فيه والبحث عن اللغة التي نتحدث بها عنه؟ إن المتعالي لا يمكن أن ~~يظهر في اللغة ظهورا مباشرا؛ لأنه ليس ظاهرة من الظواهر على الإطلاق، ولكن هذا لا ~~يعني أن اللغة لا شأن لها به؛ إذ إن المشكلة ستكون عندئذ كيف نعبر باللغة عما ~~يتعذر التعبير عنه بوسائلنا اللغوية المألوفة؟ وكيف نتكلم عما يمتنع بطبعه أن يكون ~~موضوعا للكلام؟ ms057 # يقول فتجنشتين في رسالته المنطقية الفلسفية: «إن ما لا يستطيع الإنسان أن يعبر ~~عنه، عليه أن يسكت عن الخوض فيه.» فإن صحت هذه العبارة ففيم إذن كان كل هذا الحديث ~~إذا كنا سنلزم الصمت في نهاية المطاف؟ وهل يكون علينا أن نطبق كلمة فتجنشتين ~~الصادقة القاسية على المتعالي وقد قلنا: إنه لا يستطاع التعبير عنه؟ نعم ولا، والمهم ~~بعد كل شيء هو أن نتفق على ما نريد من الصمت، فالصمت لا يقدر عليه إلا من يستطيع ~~الكلام، والحيوان الأبكم لا يقدر على الصمت؛ لأنه لا يستطيع الكلام أصلا. # ومن ثم نستطيع أن نصوغ عبارة جديدة على نحو عبارة فتجنشتين وإن كانت تختلف عنها ~~كل الاختلاف، فنقول: «إن ما لا نستطيع أن نتكلم عنه، لا نستطيع أن نقول عنه: إننا لا ~~نستطيع الكلام عنه»، عبارة محيرة ولا شك! ولكنها على عكس ما قد يبدو من ظاهرها، لا نعرف ~~الخبث ولا نقصد التلاعب بالألفاظ، إنها تنقلنا إلى آخر حدود اللغة، حيث يكون العجز عن ~~الكلام أصدق من كل كلام، ولكن لماذا تقف اللغة الموروثة ويقف الفهم العادي موقف العاجز ~~أمام المتعالي؟ # لقد اعتمدنا في نقدنا السابق لما سميناه بالفهم السليم (أو الحس المشترك # Common-sense ~~) على أن المتعالي ليس شيئا ولا ~~يمكن الحديث عنه أو التفكير فيه كما نتحدث في العادة عن شيء أو نفكر في شيء، وكشفنا عن ~~الموقف غير الميتافيزيقي الذي يقفه ما نسميه بالفكر السليم والذي أوجزناه في هذه ~~العبارة التي لا يفتأ يرددها ويجعل منها شعارا لنفسه: «الكل كل والعدم ~~عدم.» # والواقع أننا لا ننكر أن الفهم السليم قد يتجاوز العالم ويعلو عليه، ولكن هدفه ~~الدائم من هذا العلو هو إثبات العالم. وإثبات العالم عنده هو وليد إثبات الذات التي ~~تريد تحقيق السيطرة على العالم. وإذا حدث له مرة أن فكر في الموت فهو عنده النهاية ~~الظاهرية للحياة، تلك النهاية التي تتبعها حياة لا تعرف الموت، والفهم السليم لا يريد ~~بذلك أن يفهم أن الموت ليس حدثا يختم كل ms058 أحداث الحياة ويضع نهايتها، بل هو شيء يحيط ~~بالحياة في كل لحظة، لا بل إن الحياة نفسها من لحظة الميلاد إلى لحظة الاحتضار ما هي ~~إلا موت متصل؛ ولهذا وحده استحقت أن تعاش، فالفهم السليم لا يهمه في الحالين إلا ~~أن يثبت قوته المطلقة ويؤكد سيطرته على العالم. ألا يعتقد أنه يفهم كل شيء أو يستطيع ~~أن يفهم كل شيء؟ فكيف لا يذهب إلى التحكم في كل شيء وإثبات أنه هو كل شيء؟ ألا ينسى ~~الفهم السليم بذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يتصور «كل شيء» بدون أن يتصور العدم ~~و«اللاشيء»، وأنه لا يستطيع أيضا أن يعلو فوق كل شيء حتى يتخلى عن كل شيء؟ وإذن ~~فالعلو الذي يحاوله الفهم السليم - إن حاول على الإطلاق - إنما هو علو فاسد لا يرتفع ~~بصاحبه فوق العالم إلا لكي يعود فيسقطه فيه؛ ذلك لأنه ليس علوا على الذات والعالم من ~~أجل العلو في ذاته، بل من أجل إثبات هذه الذات وتأكيد سيطرتها على العالم. # فإذا لم يكن هذا هو العلو الحق، فأين نجده إذن؟ # قلنا: إن العلو يكون فوق كل شيء على وجه الإطلاق، ولا بد لنا الآن من الوقوف عند هذا ~~الشيء الذي نريد أن نعلو عليه. # كل ما هو موجود فهو معين ومحدود، وكل ما هو معين ومحدود فهو محتوى في محل، وكل ما ~~يقال عنه: إنه «في غيره» فهو يقبل العلو عليه، لا بل يلزمنا بهذا العلو ويدعونا إليه، ~~ولكن العلو فوق كل شيء على وجه الإطلاق لا يمكن أن ينتهي بنا إلى شيء أخير، وإلا لزم ~~العلو عليه أيضا، كما لا يمكن أن يفضي بنا إلى ما «في محل»؛ لأن كل «ما في محل» فهو ~~قابل بالضرورة أن يعلى عليه، وعلى ذلك فإن العلو على كل شيء على وجه الإطلاق لا يمكن ~~أن يؤدي إلى شيء أو موضوع، ولا يمكن أن يصبح هو نفسه شيئا أو موضوعا. # لقد عرفت فلسفة الوجود - وبالأخص عند هيدجر - وجود الإنسان بأنه موجود في ms059 العالم، ~~وكلمة «العالم» في أصلها اليوناني واللاتيني تعني # cosmos ~~، كما تعني # Mundus # على الترتيب، ولكن معناها المكاني ليس هو ~~معناها الوحيد، بل إن معناها الأصلي معنى حضاري اجتماعي يدل على الإنسانية جمعاء. وما ~~زالت كلمة العالم في اللغة العربية تدل على مجموع الناس كما تدل على المكان الذي ~~يعيشون فيه، وقد ظل الناس من عهد اليونان إلى العهد الحديث يتصورون العالم على أنه ~~كرة أو دائرة، وليس المهم في هذا التعبير هو كروية العالم أو دورانه، بل تصور محتو ~~قائم بذاته مكتف بنفسه. وما زلنا نتحدث في لغتنا اليومية عن دائرة الأسرة أو دائرة ~~المجتمع أو محيط السياسة ... إلخ، فلا نقصد بذلك كله دوران الأسرة أو المجتمع بقدر ما ~~نقصد كيانا مستقلا يحتوي على غيره ويتميز عما عداه بالتمام والاكتفاء؛ فالعالم إذن ~~دائرة تامة وأفق محدود يدور فيه وجودنا وفكرنا. ولقد حاول ياسبرز في العصر الحديث (في ~~كتابه عن العقل والوجود) أن يستخرج فكرته عن المتعالي بوصفه الشامل المحيط من فكرة ~~الأفق، بيد أن كل أفق بما هو كذلك يحيلنا إلى ما هو أبعد منه، وكذلك العالم يشير ~~إلى ما هو أبعد منه، لا إلى عالم آخر - لأن هذا العالم الآخر لا بد وأن يشير إلى عالم ~~آخر سواه - بل إلى ما ليس بعالم ولا أفق على الإطلاق. ولكن ماذا عسى أن يكون هذا العالم ~~الذي ليس بعالم ولا من العالم، لا بأفق ولا في أفق، وكيف نجد له اسما؟ # سنحاول أن نعبر عما يدل عليه من تحرر وتفتح وانطلاق فنسميه «الانفتاح»، ~~وسنسرع فنقول عنه: إنه لا يمكن أن يكون موضوعا ولا شيئا؛ فكل موضوع أو شيء يكون ~~محتوى في غيره، والانفتاح ليس شيئا ولا في شيء، وهو كذلك يمكن أن يكون موجودا - لأن ~~الموجود يسري عليه ما يسري على الشيء والموضوع - وإن كان من المستحيل كذلك أن يكون ~~عدما؛ إذن فليس لكلمة الانفتاح من معنى إلا أن تكون رمزا أو شفرة نشير بها إلى ما ~~يحتجب بطبيعته عن الإنسان، ms060 أعني إلى المتعالي. # هل هذه هي نهاية المطاف؟ أهذا هو الذي سنصل إليه بالعلو؟ لا بد للإجابة على هذين ~~السؤالين من الإشارة إلى ما فيهما من قصور؛ فالمطاف ليس له نهاية، وبخاصة في الفلسفة! ~~والعلو لا يمكن في الحقيقة أن يوصل إلى شيء، وكل ما قد نستفيده من الانفتاح هو أن نقفز ~~منه إلى ما بعده؛ فهو يحيط بكل شيء ويتوغل في كل شيء (تكفي نظرة واحدة إلى السماء ذات ~~النجوم أو الصحراء الشاسعة أو البحر غير المحدود؛ لنشعر بالقشعريرة التي شعر بها باسكال ~~أمام اللانهاية! فما بالك لو أضفنا إلى ذلك معلومات ساعة واحدة نقضيها مع علم الفلك؟) ~~فإذا عدنا إلى سؤالنا الرئيسي: إلى أين يؤدي بنا العلو فوق كل شيء على الإطلاق؟ # استطعنا أن نجيب بقولنا: إلى الانفتاح، وهذا الانفتاح لا يؤدي بنا إلى شيء ولا إلى ما ~~يحتوي شيئا، وهنا نعود مرة أخرى إلى فكرة المتعالي بوصفها خروجا - من - أو وجدا، ~~وسنجد أننا لن نستطيع أن نتحدث عن الوجد حديثا شافيا حتى نتحدث عن القلق، ولقد تحدث ~~كيركيكجور ومن بعده هيدجر عن العلاقة الوثيقة بين القلق والعدم فأفاضا في الحديث، ولسنا ~~في حاجة إلى تكرار ما قالاه في هذا الصدد؛ فالقلق تجربة أساسية من تجارب الإنسان، وكلما ~~أحس بالوجد أحس معه بالقلق الذي يصحبه ويلازمه. # ولا بد من التفرقة بين القلق والخوف؛ فالقلق يكمن في شعور الإنسان بخطر يتهدده دون ~~أن يكون هذا الخطر صادرا من شيء أو موضوع بعينه، على عكس الخوف الذي يكون دائما خوفا ~~من شيء أو موضوع، والمهم الآن أن كل تجربة بالوجد تنتزع الإنسان من العالم كما تنتزعه ~~من ذاته لتغوص به فيما يشبه العدم أو الفراغ، وهذا الإحساس بأنه ينتزع من نفسه يحمل في ~~طياته معنى الفزع والجزع والقلق. # وإذن فتجربة المتعالي لا بد وأن تنطوي على القلق، وفي القلق يشعر الإنسان بأن كل شيء ~~يصبح عدما أو أشبه بالعدم، وأنه ينزلق منه، يتسرب من بين يديه، يغوص معه في لجة ms061 ~~معتمة، نقول: يشعر الإنسان، ولا نقول: «كل» إنسان؛ ذلك لأن الإنسان «العملي» من أصحاب ~~«الفهم السليم» - الذي تحدثنا عنه فيما تقدم - لا يمكن أن يعاني الإحساس بالقلق؛ لأنه ~~لا يحس أصلا بمعنى العدم؛ فالعدم في نظره عدم، أعني أنه لا يستحق منه أن يفكر فيه ~~أو يحفل بأمره، وفهمه له على هذا النحو وقوف عند أدنى مستويات الفكر، أعني عند مرحلة ~~العدم = لا شيء، وما ليس بشيء فهو أقل من أن يستحق منه تعب التفكير فيه لحظة واحدة، ~~والنتيجة المحتومة أن يصبح القلق عند أصحاب الفهم السليم هو الآخر عدما، فيغلق أبوابه ~~من دونه ليريح نفسه ويستريح. # بلغنا حتى الآن نقطتين هامتين نود أن نشير إليهما قبل الانتقال إلى غيرهما: # أولا: # كل ما هو موجود فهو موجود «في». # ثانيا: # كل ما هو «في» فهو قابل لأن يعلى عليه. # ورأينا كيف أن ضرورة العلو فوق كل ما هو «في» تتضح من المثال الذي سقناه عن العالم ~~بوصفه دائرة أو كلا مغلقا على نفسه، يشير باستمرار إلى ما يعلو عليه ويتجاوزه، ~~أعني إلى ما ليس بعالم ولا يمكن أن يكون في عالم، وهو ما سميناه بالانفتاح، وجعلناه ~~رمزا أو شفرة للمتعالي. فكل تعال هو في نفس الوقت تعال فوق كل ما هو «في» سواء في ~~ذلك أكان هو العالم أو الوجود أو المطلق أو الروح ... إلخ. ولكن علينا قبل أن نستطرد إلى ~~نقطة أخرى وأن نحدد بقدر الطاقة ما نريده من حرف «في»؛ فهو يستخدم في الأصل ~~ليدل على المكان، كما نقول: الماء في الزجاجة، والضيف في الحجرة، والميت في القبر، وقد ~~يستعار للدلالة على علاقة زمنية وتبقى الدلالة المكانية على ما هي عليه، وإن أصابها ~~شيء من الشحوب، فنحن نقول: «في» الماضي أو الحاضر أو المستقبل، ونستخدمها في الكلام عن ~~الباطن والنفس والروح، وبالجملة على ما ليس في مكان ولا يمكن أن يدخل في محل. ونحن نقول ~~كذلك: إن الوجود بعامة إنما يلحق بالموجود ويكون «فيه»، ولا يستطيع فكرنا أن يتصور ms062 ~~موجودا أيا كان حتى يتصوره على نحو من الأنحاء «في» ... ولن أستطيع - كما أوضح كانط ~~- أن أتصور جسما بغير أن أتصوره في مكان. وكذلك الأمر بالنسبة للزمان؛ فأنا لا ~~أستطيع أن أتصور حدثا من الأحداث حتى أتصوره واقعا «في» زمان. ولا أستطيع أن ~~أتصور حدثا بغير زمن، يشترك في ذلك كله المحسوس والمعقول، المادة والفكر، والواقع ~~والمتخيل، فكلها تحل على نحو من الأنحاء «في»، وإلا تعذر على فكري المحدود أن ~~يتصورها أو يفكر فيها. بل إن في وسعنا أن نقول: إن هذا الحرف الضئيل «في»، الذي لا يكاد ~~يحتمل غمضة عين ليصفه جامع الحروف في المطبعة وأقل من غمضة عين ليقرأه القارئ ؛ هذا ~~الحرف من العظم والشمول بحيث يزيد على «الوجود» نفسه، وهو أكثر الصفات ~~تعميما. # يمكننا الآن أن نقول: إن مشكلة المكان - التي عبرنا عنها بحرف «في» - تؤدي بنا إلى ~~مشكلة التعالي، وقد تعيننا على إيجاد حل لها؛ فكل امرئ منا يذكر المكان حين يذكر ~~الزمان، كما يذكر الزمان حين يفكر في المكان. إنه يضعهما إلى جانب بعضهما ولا يخطر له ~~واحد بدون الآخر؛ فالمكان هو نظام التجاور أو وجود الأشياء إلى جانب بعضها، والزمان هو ~~نظام التوالي أو تلاحق الأحداث إثر بعضها، كل هذا يعرضه كانط على وجه التفصيل في الجزء ~~الأول من كتابه الرئيسي «نقد العقل الخالص» تحت عنوان الإسطايطيقا الترنسندنتالية. ~~وما يقوله كانط وتؤكده بعده فلسفة الوجود يتصل اتصالا وثيقا بمشكلة تناهي الإنسان ~~(التي يدور حولها تفكير كانط النقدي كله) التي تتصل بدورها بطابع الزمانية والفناء الذي ~~يميز الإنسان. # ولقد سبق باسكال فلسفة الوجود في هذه الناحية أيضا، حيث يقول على سبيل المثال في ~~الأفكار: «أرى الغرفات المفزعة للكون وأجلس مقيدا في زاوية منه»، وباسكال بهذه ~~العبارة وأمثالها (وكلها تجعل منه الأب الشرعي لفلسفة الوجود) يشير إلى مشكلة أساسية ~~من مشكلات الإنسان، فهو لا يعرف لماذا كتب عليه أن يقبع في ركن من العالم دون غيره ~~(الفكرة 205). ولقد سبق باسكال أيضا إلى هذا التعبير نفسه، وإن ms063 كان الوجوديون قد زادوا ~~الكلمة تفصيلا وربطوها بتحليلات الوجود. # والمهم في هذا السياق هو أن الزمانية تعبر عن تناهي الإنسان بأكثر مما تستطيع ~~المكانية؛ فالزمانية من عهد عازف القيثار الفرعوني وسليمان الحكيم ترادف في ذهن ~~الإنسان معنى التناهي والفناء، والزمان ينقضي دائما من ماض إلى حاضر إلى مستقبل، أو ~~لنقل على وجه التحديد: إن الحاضر وحده هو الذي يصبح ماضيا كما يولد منه المستقبل، ~~ولكننا لا نستطيع في أية لحظة أن نقول: إن هذا هو الحاضر؛ لأنه سرعان ما يكون عندئذ قد ~~أفلت وصار ماضيا، وإن كنا نربط الزمان بالتناهي، فباستطاعتنا أن نربط المكان ~~باللامتناهي. وتعريفنا للتعالي باعتباره علوا فوق كل شيء - على وجه الإطلاق - يقوم ~~في أساسه على تصورنا للمكان؛ لأنه في حقيقته علو على المكان بكل ما يحل فيه من أشياء ~~إلى ما ليس بمكان، ولا يمكن أن يحل في مكان. # وإذا سأل الآن سائل: إلى أين نعلو حين نعلو على المكان؟ فإنا سنحار عندئذ بماذا ~~نجيب؛ ذلك أن المكان في الحقيقة أشمل من الزمان. ألسنا نطبق العلاقات والمقولات ~~والأبعاد المكانية على الزمان، كما في قولنا مثلا في الحاضر، أو في الماضي والمستقبل، ~~ولكن لا نفعل العكس؟ ليست هذه بالطبع هي الإجابة المنتظرة على سؤالنا عن طبيعة المكان، ~~فما هو المكان إذن؟ وماذا نقصد بظاهرة المكان بما هي كذلك وبالإضافة إلى مشكلة ~~المتعالي؟ # للمكان دلالتان: فهو يدل مرة على رقعة بعينها تكون محلا لحركة من موضع إلى موضع، ~~كما يدل مرة أخرى على المحل الذي يحده حد، والواقع أن المكان كما نفهمه اليوم، ~~بمعنى الخلاء الذي يحيط بالعالم؛ لا يدل على المعنى الأصلي للكلمة؛ فليس في هذا المعنى ~~الأخير أثر للفراغ أو الخلاء ولا للامتداد أو الاتساع؛ ذلك أن المكان الحر الخالص ~~المفتوح أسبق من المكان الممتد الذي يحيط بالعالم أو تحيط به الحدود، هذا المكان الخالص ~~- المكان الباطني العظيم الذي يحمله كل إنسان في ذاته - هو الذي يتحدث عنه شاعر مثل ~~رلكه في «مراثي دوينس»، حيث يبدأ ms064 المرثية الثامنة بقوله: بكل العيون ترى الخليقة ~~الانفتاح. # هذا المكان الذي يبصره الشاعر في وجوه الأطفال والحيوانات؛ مكان تحرر من الموت ومن كل ~~القيود والأشكال، ينتقل فيه الإنسان كما ينتقل في رحاب الأبدية، وهو المكان الذي ~~يتحسر عليه الشاعر أيضا حيث يقول: # نحن لا نجد المكان الخالص يوما واحدا أمامنا. # حيث تتفتح الورود بغير نهاية. # هنا يضع «رلكه» المكان الذي تتفتح فيه الورود في مقابل المكان الذي ~~يحيط بالعالم، فهو مكان لا يعدم النور أبدا، تستقبل الورود فيه الشعاع؛ فتتفتح وتزدهر ~~وتشرئب نحوه. # علينا أن نفهم المكان بمعناه الأوسع، ظاهرة أولية تظهر نفسها بنفسها، أو ظاهرة ~~أصلية كما قد يقول شاعر آخر مثل جوته؛ فالمكان هنا تفتح وحرية، لا فراغ أو خلاء، ~~وفهمنا له على هذا النحو ينبع من فهمنا للمتعالي كما يصب فيه. # ولكن ما هو هذا المكان الحر الخالص المنفتح المنير؟ # سيقول الشاعر: إنه لا حدود له حيث لا يوجد النور، بعكس العالم أو المكان الكوني الذي ~~قد يوجد حيث يسود الظلام وينعدم النور، وقد نزيد على ذلك فنقول: إنه المكان الذي لا ~~تحده الحدود؛ لأنه يعلو على كل ما هو معدوم وموجود. إنه بعبارة أخرى: مكان بلا مكان، هو ~~الانفتاح الخالص الذي تتحدث عنه المرثية الثامنة لتقول: بكل العيون ترى الخليقة ~~الانفتاح، ونحن لا نستطيع أن نعطي هذا الانفتاح الذي يتحدث عنه الشاعر اسما وإلا ~~حددناه بالقول ووضعناه هو نفسه في مكان. «فما نسميه تسمية عاجزة بالانفتاح لا يعرف ~~النوافذ والجدران، إنه لا يوجد «في» وليس له عالم ولا صلة له بما يوجد في العالم»، بل ~~الحقيقة أننا لا نستطيع أن نتحدث عنه على الإطلاق، وكل ما نملكه هو أن نترك الانفتاح ~~ينفتح، إن صح هذا التعبير، أعني أن نجربه تجربة باطنية لا أن نطلق عليه اسما من ~~الأسماء. # ليس من الصعب أن نخلص مما تقدم إلى هذه النتيجة: إن المكان هو راموز المتعالي أو ~~شفرته، وقد كان علينا - لنصل إلى هذه العبارة - أن نبين أن ما ms065 نقصده من المكان لا يقتصر ~~معناه على عالم الأجسام ولا على الخلاء المحيط به من كل جانب؛ فاستبعدنا المكان بمعنى ~~صورة عالم المادة والأجسام أو صورة العيان الأولية كما سماه كانط، وبمعنى الوعاء الذي ~~تتلامس فيه الأشياء وتتم فيه علاقات الحركة من موضع إلى موضع؛ ذلك أن تصورنا للمكان جاء ~~من فعل «التمكين» نفسه - إن جازت هذه الكلمة - أي من إعطاء المكان لا من الإحاطة به ~~وتطويقه. # وهنا يواجهنا سؤال بعد سؤال، وبخاصة إذا عرفنا أن المكان لا يذكر بمعزل عن الزمان، ~~فما هو أصل المكان والزمان؟ هل هناك جذع شجرة مشتركة يتفرعان منها؟ وأين نجد هذه ~~الشجرة؟ وفي أي أرض؟ ومن أين نفهم إحساس الإنسان بالتناهي؟ أمن شعوره بأن المكان غير ~~محدود في حين أنه هو نفسه محدود؟ أم من شعوره بأن الزمن الذي يفنيه هو نفسه لا يفنى؟ ~~وإذا كانت فكرة اللاتناهي لا تزال تشغله وتؤرقه ولن تزال كذلك ما بقي على الأرض إنسان، ~~فهل يأتي تصوره للاتناهي من رهبته أمام المكان الأبدي الصامت كما يعبر باسكال؟ أم من ~~خوفه من الزمان والدهر الذي يفني كل ما فيه؟ # من الخير عند الإجابة على مثل هذه الأسئلة أو محاولة الجواب أن يعود المرء إلى أول ~~من سألوها على الإطلاق؛ فقد سألت الفلسفة اليونانية وهي في مهدها الأول: ما هو ~~الوجود «وهو السؤال المشهور: تي تو أون»، وعبرت الفلسفة الحديثة على لسان ليبنتز عن نفس ~~السؤال في هذه العبارة: لم كان وجود ولم يكن بالأولى عدم؟ في كلا السؤالين استفسار ~~عن الموجود، ينبعث عما سماه اليونان ال «لتاومازين» أو الدهشة، والدهشة التي دفعت ~~إليهما كانت دهشة من وجود الموجود على الإطلاق، لا من كيفية وجوده أو علته، ولا من ~~قصر عمره أو تناهيه، إنهما لا يسألان عن الزمان أو الأبدية، لا يقولان مثلا: لم كان ~~زمان ولم تكن بالأولى أبدية؟ ولا يقولان: ما هو التناهي وما أصله على الإطلاق؟ وليس ~~معنى هذا أن هذه الأسئلة هينة الجواب أو غير جديرة ms066 بالسؤال، وليس معناه أننا نجد الحل ~~الحاسم لها حين نفر منها بوجه أو بآخر، حتى ولو كان هذا الفرار عبقريا «فما زال ~~التعبير اليوناني القديم عن دائرة الزمن التي لا تبدأ ولا تنتهي، ولا تكون ولا تفسد، ~~والذي أخذه نيتشه في العصر الحديث فزاده عمقا وزادنا حيرة في تفسيره، وأعني به ~~تعبيره المشهور عن عودة الشبيه الأبدية، أقول: إن هذا التعبير ما زال يحيرنا ويبعدنا ~~عن الجواب أكثر مما يقربنا منه»، بل معناه أننا نقدم المكان على الزمان، كما نعترف ~~له بالأسبقية عند مناقشتنا لمشكلة المتعالي. # وهنا نعود للكلام عن «المكان الخالص». # فما معنى هذه الكلمة الأخيرة؟ هل معناها المكان الخالي من كل شيء المجرد عن كل جسم؟ ~~لا شيء من ذلك، وإلا فهمنا المكان بمعنى الخلاء، الأمر الذي نفيناه من قبل. إن كلمة ~~«خالص» تفيد من دلالتها اللغوية معنى النقاء وعدم الامتزاج بعنصر غريب، والمكان الخالص ~~ليس شيئا غير ما سميناه بالانفتاح. # وكلاهما يكون وحدة جوهرية بسيطة، إنه يختلف عن المكان الذي «تكمن» فيه الأشياء، ~~ولكن مكان الأشياء أو العالم أو الكون لا يمكن تصوره بغير المكان الخالص، فما الفرق ~~بينهما إذن؟ ~~«المكان الخالص» هو الذي تجرد عن «أين»، ولم يعرف «هنا» أو «هناك»، بعكس المكان الذي ~~يحوي الأشياء ولا يمكن تصوره بغير «أين»، أي بغير أن يكون هو نفسه محتوى في مكان ~~سواه. # وقد رأينا أن كل ما هو موجود فهو شيء، وكل شيء فهو في «أين»، بل كل فكرة فهي «في» ~~... # ولكن ماذا عسى أن يبقى من مكان سقطت منه «أين»، وفي أي عالم نجده وفي أي كون، والعالم ~~والكون لا يمكن تصورهما بغير «أين»؟ إنه إن كانت قد سقطت عنه «أين» فقد بقيت منه «في» ~~خالصة وباطنة، ولا تعرف الموضع ولا المحل، فالمكان الخالص إذن باطن خالص لا ظاهر له؛ ~~وبالتالي لا يمكن التعبير عنه، كما لا يمكن للباطن أن يتخذ شكلا أو يظهر في ~~مظهر. # من المكان الخالص بهذا المعنى تصل إلى العلو، إنه بلوغ ms067 الباطن الذي لا ظاهر له. ~~والباطن الذي نعنيه يعلو بدوره على كل باطن وظاهر قد تعبر عنه لغة أو يلفظ به ~~لسان. # هل سينتهي بنا فعل التعالي إلى الباطن؟ # الأمر كذلك بالفعل، وليغفر لنا القارئ ما في هذه العبارة من مفارقة: إن التعالي هو في ~~الحقيقة تعال إلى الأعماق. # ونعود الآن فنسأل: ما هو هذا التعالي أو العلو؟ ومن الذي يقوم به؟ # الحق أن طبيعة العلو تبدو من الوهلة الأولى بسيطة غاية في البساطة؛ فالذهن ينصرف عند ~~التفكير فيه إلى أمور ثلاثة: ذلك الذي نحاول أن نعلو عليه، وذلك الذي نريد أن نعلو ~~إليه، وأخيرا ذلك الذي يعلو ويعاني عملية العلو نفسها . # ولكن من هو الذي يعلو ويعاني تجربة التعالي؟ # العلو فعل، وكل فعل يفترض من يقوم به، والقائم به هنا هو الفرد الذي يعلو بالفكر ~~ويحقق بذلك الفعل الفلسفي، أي الإنساني الأصيل، وقد يتبادر إلى الذهن أن المراد به ذات ~~متماسكة ترتفع من منطقة إلى منطقة تعلو عليها. # والاعتراض الشكلي البسيط على هذا نجده في تعريفنا السالف للتعالي، فالذي يعلو على كل ~~شيء يعلو بالضرورة كذلك على ذاته، على أن العلو على الذات ليس فرارا منها ولا إلغاء ~~لها، وسنلجأ إلى ضرب من المفارقة في التعبير حين نقول: إن الإنسان الذي يعلو على ذاته ~~هو وحده الذي يعود إليها بحق، ومصداق هذا هو ما نجده في تجربتي: الدهشة والقلق؛ ففي ~~الدهشة الحقة، عندما يفتح الإنسان عينيه فجأة على الوجود فيسأله: ما أنت ولم وجدت ~~ولم تكن بالأولى عدما؟ يتجلى كل شيء كأنه يستحم في نور جديد، ويصبح كل ما اعتدناه ~~شيئا غريبا غير مألوف. # وكذلك الأمر حين يفاجئنا الإحساس بالقلق فنشعر بأننا نعلو على كل شيء، بل بأننا نعلو ~~على قلقنا نفسه، وأن كل شيء ينزلق منا كما يقول باسكال، وفي تجربة الوجد التي تحدثنا ~~عنها شاهد على ذلك. # فقد رأينا - فيما تقدم - أن التعالي يحمل طابع الوجد أو الجذب، أي أنه حال يخرج فيها ~~الإنسان عن نفسه وعن ms068 العالم كله، فهل يكون التعالي بذلك فعلا كبقية الأفعال التي تجري ~~في الزمان؟ لا يمكن أن يكون كذلك؛ لأن الزمن نفسه يعلى عليه، أين إذن يحدث هذا العلو؟ ~~في اللحظة، فجأة وعلى غير انتظار، وقولنا «يحدث» اضطرار يدفع إليه قصور اللغة، فليس هنا ~~ثمة حادث يتم في زمان؛ لأن الزمان لا بد أن يعلى عليه، ما دمنا سنعلو على كل شيء، ~~وبالتالي على الزمان. # كذلك فإن التعالي ليس فعلا من أفعال الذات. # ومعنى هذا أن التعالي لا يقوم به الإنسان بنفسه، بل يحققه ذلك «الآخر» الذي نحاول ~~العلو إليه، وإذا شئنا الدقة وجب علينا - كما تقدم - أن نفكر في الإنسان من ناحية ~~المتعالي لا العكس، وهنا لا نكون في حاجة إلى القول بأن الإنسان «يعلو»، بل ينبغي ~~عندئذ أن نقول: إنه «يعلى به»، وليس معنى هذا أنه سلبي مستسلم ينتظر اليد التي ~~ترفعه فوق السحاب، بل معناه أن التعالي ليس على الحقيقة فعلا من أفعاله، يقوم به متى ~~شاء وكيف شاء «وإن يكن قد عانى كل ألوان المشقة وتخلى عن كل ما يشغله من هذا العالم؛ ~~لكي يكون على استعداد لتلقي شعاع واحد من نوره»، وليس معناه أيضا أننا نلغي الذات ~~الإنسانية أو نمحوها؛ لأن الذي يعلو فوق ذاته هو وحده الذي يستطيع أن يعود إليها ~~بحق. # لا بد الآن أن القارئ يسأل: ولكن كيف يعود من يعلو على نفسه أول ما يعود إلى ~~نفسه؟ # إن الإنسان الذي يعاني تجربة المتعالي إنسان وحيد، وحدته هذه ليست اعتذارا عن ~~تعاسته؛ لأنها وحدة مع الواحد، وليست وحدة فاسدة لمن يعيش بمفرده بعيدا عن الآخرين. ~~ولا أحسبني في حاجة لبيان الفارق الكبير بين الوحدة والانفراد؛ فالوحدة معناها الذي ~~نفهمه هنا لا تنفصل عن الجماعة؛ لأن الوحيد وحدة أصيلة هو في نفس الوقت من يعيش مع ~~الآخرين، أما المنفرد فهو الذي يعيش حقا «وحيدا» بمفرده، ولكنه يتلفت بقلبه على ~~الدوام صوب الآخرين. # فليس انفراده في الحقيقة تفردا أصيلا، ولو عاش بين جدران أربعة، إنه ms069 يفتقدهم ~~دائما ولا يستطيع أن يستغني عنهم لينفرد بحق مع من لا يصح الانفراد بأحد سواه، وأعني ~~به الواحد الآخر الهو، وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى العودة إلى المفارقة لنقول: إن ~~الوحيد بحق هو من لا يعيش وحيدا، ولقد كان أفلوطين - كما قدمنا - هو أول من عاش ~~حياة الوحدة، ولكنه لم ينطو على نفسه أو ينعزل عن الناس، بل عاش - على حد تعبيره - ~~«وحيدا مع الواحد»، فالوحيد حر لا تربطه صلة بأي شيء أو أي موجود، وقد نستطيع أن ~~نصفه بصفة صوفية أصيلة، فنقول: إنه عريان عن كل شيء، فهو مستغن عن كل شيء؛ لأنه غني ~~«بالكل» عن كل شيء، وهو متحرر من كل شيء؛ لأن باطنه متصل بأصل الأشياء جميعا، مكتف ~~بالوجود نفسه عن سائر الموجودات. # بهذا المعنى الأصيل للوحدة نجد الصلة الوثيقة بما سميناه بالانفتاح، فنحصل على راموز ~~أو شفرة جديدة للمتعالي، ألا وهي الحرية، وهنا أيضا يفاجئنا اعتراض خطير: إلى أين يفضي ~~بنا العري عن كل شيء إن لم يكن إلى الفراغ؟ # ونرد على هذا الاعتراض قائلين: إن خلاص الإنسان من كل صلة بالموجود، هو في الوقت ~~نفسه ارتباط بالمطلق، أي أن وحدته بعيدا عن كل موجود، هي في حقيقة الأمر وحدته مع ~~الواحد الموجود، والإنسان لن يستطيع أن يكون وحيدا وحدة حقيقية إلا في لحظة - وأقول ~~في لحظة - علوه فوق كل شيء على وجه الإطلاق، هنالك يتفتح له سر هذا الشيء الغامض الذي ~~كافحت الإنسانية على مر الأجيال لتؤكده، ألا وهو الشخصية، وليس معنى هذا أنه يكتشف في ~~تجربة العلو أنه فرد فريد وحسب، بل معناه أن العلو أو التعالي فعل شخصي محض، لا بل هو ~~الفعل الشخصي الذي لا يستطيع أحد أن يعاوننا على مكابدته أو ينوب عنا فيه. مثل تجربة ~~العلو في هذا كمثل تجربة الموت، إن صح أن للموت تجربة؛ فليس لأحد أن يحتمل عنا عذابه ~~أو ينوب عنا ساعة الاحتضار، كتب علينا أن نموت وحدنا، كما كتب علينا أن نحقق ~~تجربة العلو ms070 وحدنا. # إذن فلا تعالي بغير وحدة، ولا وحدة بمعناها الأصيل بغير تعال، والإنسان هو الكائن ~~الوحيد الذي يملك أن يكون وحيدا وحدة كاملة؛ لأنه هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن ~~يعلو على ذاته وعلى العالم، أي إلى معنى هذا العالم وقيمته العليا التي لا يمكن - حتى ~~من الناحية المنطقية البحتة - أن تكون قائمة في داخله، كما يلاحظ فتجنشتين بحق في نهاية ~~رسالته المنطقية الفلسفية، وهو على الرغم من كل ألوان التعاسة التي يلمسها كل يوم، يملك ~~تلك الغريزة التي لا يستطيع - على حد قول باسكال (الفقرة 411) - أن يكبتها في نفسه، ~~والتي ترفعه - على الرغم من كل شيء - فوق كل شيء؛ سيعجز حين يصل إليه أو يظنه أنه وصل ~~إليه عن التعبير، وسيجد أن المضمون الحق يمتنع أصلا على التفكير، وأن الواحد الفرد ~~المفرد - أو ما نشاء له من أسماء - لا يمكن أن يكون موضوعا للتفكير المنطقي المستمد ~~من العقل، ملكة الحساب والاستنتاج والترتيب (ليس معنى هذا أننا نغض من شأن العقل، فهو ~~أساس كل تفكير علمي، ولولاه ما كان علم فزيائي ولا رياضي، ولا قامت حضارة ولا صناعة)؛ ~~ذلك لأن الفكر الحق لا يفكر في موضوعه، ولا يجعل منه موضوعا يقابل الذات المفكرة ~~لتقبل عليه بالتفسير والتحليل والتعليل، وتقع في شباك الصراع الأزلي بين الذات ~~والموضوع، إنه يصطدم بالموجود الحق، أو قل: يشتعل به ويتقد. كذلك كان يفكر بارمنيدز ~~وهيراقليطس وأفلاطون حتى يصل هذا الفكر إلى ذروته عند أفلوطين ومن بعده من متصوفي ~~الشرق والغرب، فالفكر عندهم هو - قبل كل شيء - تجربة وجد وانفعال وحماس، وهو في ~~صميمه تجربة اندهاش بالمعنى الأصيل لهذه الكلمة التي جعلها أفلاطون أصل كل تفلسف، أمس ~~واليوم وغدا إلى أبد الآبدين، هنالك يفقد الإنسان نفسه ويجدها، يحترق ويصفو، يتعذب ~~ويصمت. # هل بقي في زمن أصبح يعادي المتعالي ويعانده بكل قوته - ربما لأنه يخافه ويهرب منه - ~~من لا تزال لديه المقدرة أو الرغبة في العلو إليه؟ وهل نجد بيننا من يحتمل مشقة ~~العلو على العالم والمجتمع ms071 والعصر، لا لأنه يتعالى عليه أو يفر منه، بل لأنه يريد أن ~~يجرب الحياة كأنما ولد فيه من جديد، ويبذل جهده لكي يحبه ويفهمه ويغوص بحق في ~~جذوره وأعماقه؟ # من يدري؟ # | ودهشة واحتجاج # | الدهشة أصل الفلسفة # بالدهشة نخطو الخطوة الأولى على طريقها الطويل، نسأل الموجود: ما أنت؟ من أين أتيت؟ ~~وإلى أين تصير؟ لم وجدت ولم تكن بالأولى عدما؟ نحن جميعا مطالبون بالسير على ~~هذا الطريق الذي قد لا يكون له آخر وقد لا يبدو له هدف، إنه طريق يسير عليه الإنسان ولا ~~يدري إن كان «سيصل»، فهو لا يعرف هنا معنى لكلمة «الوصول»، إنه يحمل على ظهره منتهى ~~شجاعته ومنتهى حزنه ، يتخبط في ليل السؤال ولا يدري إن كانت ستشرق عليه شمس الجواب، كلمة ~~«لماذا» هي عصا الوحيد على الطريق الوحيد، تلمس الحجر فتنبت له عينان تستفسران: من ~~أنا؟ ما أصلي؟ وما نهايتي؟ وتمس الحيوان فيرتعش، يفيض السؤال البريء من النظرة البريئة: ~~هل تعرف إلى أين؟ وتهز عقل الإنسان وقلبه فيفتح عينيه كما فتحهما آدم على الوجود أول ~~مرة ويسأل: من هو الإنسان؟ ماذا أريد من العالم؟ وماذا يريد العالم مني؟ # نقول: إن الدهشة أصل الفلسفة، ويوشك القارئ أن يسأل: وهل تحتاج الكلمتان إلى تفسير؟ ~~أما الدهشة فأراها كل يوم، في العيون المفتوحة والحواجب المرفوعة والأفواه الفاغرة، ~~وأما الفلسفة فأقرأ عنها في كل مكان، وأستطيع أن أتتبع تاريخها في كل مكتبة، وألم ~~بماضيها وحاضرها في بضعة أيام، غير أن من الكلمات ما يعاني نفس المصير التعس الذي عانته ~~الكلمات على يدي محدثي سقراط، فكلهم كان يدعي معرفتها، فإذا به ينتهي إلى اكتشاف ~~جهله بها، كل لسان يلوكها وكل قلم يجري بها يسدل عليها ستارا جديدا من النسيان ~~ويلفها في سحابة من الغموض. # لن نعرف الطريق إلى الكلمة حتى نبدأه من أوله، ولا طعم القطرة حتى نعود بها إلى ~~منبعها، وأول فم نطق بكلمة الفلسفة كان فما يونانيا، فلنحاول أن نستمع إليه كما خرج ~~منه أول مرة، ولنحاول أن نفتش ms072 عنه تحت أكوام المعارف التي تنهال عليه منذ أكثر من خمسة ~~وعشرين قرنا. # حين نسمع الكلمة في أصلها اليوناني نجدها تقول: «فيلوسوفيا»، الكلمة الآن تتحدث بلسان ~~يوناني، وتحدد بنفسها الطريق، الطريق يمتد أمامنا، فهناك دهر طويل يفصل بيننا وبين ~~من نطق بها لأول مرة، والطريق يمتد من خلفنا، فقد طالما سمعناها وأجريناها على ~~أفواهنا، وهو في الوقت نفسه طريق نسير عليه وما نزال نتابع المسير، ولكن ما أقل ما نعرف ~~معالمه، برغم كل ما نعرفه عن الفلسفة اليونانية من حقائق وما نقرأ في تاريخها من بحوث. # 1 # الكلمة اليونانية تقول لنا أيضا: إن الفلسفة هي التي حددت وجود اليونان في فجر ~~حضارتهم، وليس ذلك فحسب، بل إنها هي التي حددت ملامح التاريخ الغربي الأوروبي، والواقع ~~أن عبارتنا «الفلسفة الغربية الأوروبية» هي من قبيل تحصيل الحاصل، لماذا؟ لأن الفلسفة ~~في صميم جوهرها ونشأتها يونانية، فحين نقول إن الفلسفة يونانية فإنما نعني أنها مست ~~قلب اليوناني وعقله، واليوناني وحده، وسيطرت أول ما سيطرت على روحه؛ لتطبعها وتطبع ~~الروح الأوروبي من بعده حتى يومنا هذا؛ فعبارة «الفلسفة في صميم جوهرها يونانية» لا ~~تريد إلا أن تقول: إن تاريخ الغرب وأوروبا - وتاريخهما وحدهما - في صميمه فلسفي، ونشأة ~~العلم وسيادة الصنعة الفنية «التكنيك» في أيامنا هما دليلنا على هذا، إنهما الزهرتان ~~الشائكتان اللتان تنحدران من جذور الشجرة اليونانية. # 2 # ما كان للعلم أن يقوم لو لم تسبقه الفلسفة، ولن نعرف ما الذرة والصاروخ حتى نعود إلى ~~السؤال الذي ألقاه الحكيم اليوناني الأول: ما هذا «الوجود»؟ إن كلمة الفلسفة - كما ~~يقول هيدجر - مكتوبة على شهادة ميلاد أوروبا والغرب، وفي استطاعتنا لا بل من واجبنا أن ~~نقول: إنها مكتوبة على شهادة ميلاد عصرنا الذي نسميه في رهبة وإشفاق بعصر الذرة. # بالسؤال: «ما هذا؟» نحاول أن نحدد «ماهية» الشيء، فحين نسأل: ما هذا الذي يبدو على ~~البعد؟ ونتلقى الجواب: إنه شجرة، ثم نعود فنسأل: وما هو هذا الذي ندعوه شجرة؟ فإننا ~~نكون قد اقتربنا من طريقة اليونان في ms073 السؤال، أي اقتربنا من الفلسفة. هكذا كان يسأل ~~سقراط وأفلاطون وأرسطو، إنهم يسألون: ما هذا الذي نسميه بالجمال؟ وما هذا الذي نسميه ~~بالمعرفة والطبيعة والحركة؟ إن السؤال عن «ما هو الموجود؟» ليس سؤالا من أسئلة، ولكنه ~~«السؤال» الذي طبع الروح الغربي من المهد حتى لحظتنا الراهنة، فسؤالنا «ما هو» سؤال عن ~~ماهية شيء، عن جوهره وحقيقته، والسؤال عن الماهية يستيقظ في عقل الإنسان وقلبه حين يصيب ~~الاضطراب والغموض ماهية ما يسأل عنه، وحين تهن صلته به أو تهدد بالضياع والانهيار، ~~فسؤالنا إذن عن ماهية الفلسفة ينبع من إحساسنا بأن الفلسفة نفسها أصبحت موضع السؤال، ~~إنه يصدر عن شعور بالمحنة، محنتنا نحن، السائلين والمسئولين جميعا ؛ ذلك لأن الفلسفة لا ~~تصاب بالمحنة. والذين يحلو لهم أن يتحدثوا عن محنة الفلسفة إنما يتحدثون عن محنتهم هم، ~~عن عجزهم عن الاتصال بروحها وانقطاع الأسباب التي تربطهم بما هو حق وباق وخالد، وكم ~~مرت المحن المزعومة - من جانب الفلاسفة قبل كل شيء - كما تمر السحب على وجه ~~الشمس. # دار بنا الحديث في دائرة، كنا نسأل عن أصل الفلسفة، فساقنا الحديث إلى ماهيتها، ثم ~~إذا بنا نتهم أنفسهما ونتهم غيرنا بأننا نعيش من إهمال السؤال عنها في محنة. ولكي نعرف ~~سر هذه المحنة لا بد لنا من معرفة ذلك الذي أدرنا ظهورنا له، وعصبنا أعيننا عن رؤيته ~~حتى تعثرنا في المحنة، أعني لا بد لنا أن نعود فنسأل: ما هي الفلسفة؟ # الكلمة اليونانية «فلسفة» تعود إلى كلمة «فيلسوف»، كان أول من استخدم هذه اللفظة ~~الأخيرة وطبعها بطابعها هو هيراقليطس، ومعنى هذا أن كلمة الفلسفة لم توجد بعد عند ~~هيراقليطس، وكل ما نجده لديه هو كلمة الفيلسوف، مستخدمة استخدام الصفات، # 3 # فالفيلسوف عنده هو الذي يحب «السوفون»، والحب عنده فعل يحاول به المحب أن ~~يطابق بينه وبين المحبوب، فيتحدث كما يتحدث «اللوجوس»، ويعيش ويفكر في «هارمونية»، أي ~~في انسجام وتجانس معه، ومن العسير أن نعرف، على وجه الدقة، ما يريده هيراقليطس بكلمة ~~«السوفون»، إنه من أعقد الفلاسفة ms074 وأشدهم غموضا، حتى لقد سماه الأقدمون بالمظلم، ولكننا ~~نستطيع أن نعتمد على هيراقليطس نفسه: «إن لم يسمعوني واستمعوا إلى اللوجوس (المعنى، ~~الجوهر، الكلمة) فسيكون من صواب الرأي أن نقول بما يطابق الحكمة: إن الواحد هو الكل»، ~~أما «الكل» فيعني هنا كل ما هو موجود، وأما «الواحد» فتعني الواحد الفريد المتوحد، ~~كل الموجودات متحدة في الوجود، والسوفون تعني إذن كل موجود في الوجود، أو بعبارة ~~أشد حدة: الوجود هو الموجود، ورابطة الكينونة المضمرة في الجملة الأخيرة متعدية، ~~نستطيع أن نترجمها بقولنا: إن الوجود يجمع (يكون) الموجود، فيكون الوجود بهذا المعنى هو ~~التجميع «اللوجوس»، قد تبدو لنا هذه العبارة تافهة، وقد نحسب أن كل ما يوجد فهو بطبيعته ~~مشترك و«مجتمع» في الوجود، ومع ذلك فقد كان اجتماع الموجودات في الوجود وبقاؤها فيه هو ~~الذي أثار الدهشة في عيني اليوناني القديم (أقول في عينيه ولا أقول في سمعه أو قلبه؛ ~~ذلك أن فلسفة اليونان كلها فلسفة رؤيا وتأمل، وكلنا يعرف منزلة العين عند أفلاطون ~~وأرسطو، من يدري في أي اتجاه كان يمكن أن تسير الفلسفة والفكر الغربي كله لو أن ~~اليوناني أصغى سمعه وخشع بقلبه بدلا من أن يفتح عينيه ليسأل ما الوجود؟ فينتهي به ~~السؤال إلى السيطرة عليه والتحكم فيه؛ هذه السيطرة وهذا التحكم اللذين وصلا إلى قمتهما ~~فيما نسميه اليوم بالروح العلمية أو الروح الوضعية). # هذا الذي أدهش اليونان حاولوا أن يحموه وينقذوه ممن لا يحس بالدهشة، من حكماء السوق، ~~من السفسطائي الذي يعرف لكل مشكلة حلا ويجد لكل سؤال جوابا، ولم يكن من سبيل إلى ~~إنقاذ الدهشة إلا بالصعود في طريق المدهش، فأصبح الحكيم هو الذي يسعى إلى الحكمة، ويوقظ ~~بسعيه الشوق إليها في نفوس الآخرين، فمحبة الحكمة - بالمعنى الذي ذكرناه من الانسجام مع ~~الواحد أو الكل، والتجانس مع الجوهر أو المعنى - هي في السعي إليها سعيا يحدده الحب ~~ويبين له الطريق إلى وجود الموجود، إلى الكل. ربما كان هذا السعي هو الفلسفة التي قصد ~~إليها هيراقليطس، ومع ذلك فلم ms075 يكن هيراقليطس فيلسوفا بالمعنى الذي نتعارف عليه اليوم ~~كما ورثناه عن أفلاطون وأرسطو، وكل ما نستطيع أن نقوله عنه: إنه مفكر عظيم، محب للحكمة، ~~دائب السعي إلى التشبه بها، والمجانسة بين لغته ولغة «اللوجوس»، والحياة والتفكير بما ~~يطابق الواحد الكل. هذا السعي المفعم بالدهشة نحو مصدر كل دهشة هو الذي يعبر عنه فيما ~~بعد في هذا السؤال الذي يتحول به الفكر بمعناه عند هيراقليطس والفلاسفة قبل سقراط بوجه ~~عام إلى ما نسميه اليوم بالفلسفة: ما هو الوجود من حيث هو موجود؟ هذه الخطوة التي مهد ~~لها السفسطائيون وقام بها سقراط وأفلاطون يعبر عنها أرسطو في جملة مشهورة يقولها بعد ~~هيراقليطس بحوالي قرنين من الزمان : «وهكذا كان من قديم، ولم يزل الآن، وسيبقى أبدا؛ ~~السؤال الذي تسأله الفلسفة وتحار في الوصول إلى الجواب عنه وهو: ما هو الموجود؟» # 4 # السؤال يشير إلى ما يسأل عنه، إنه وجود الموجود، هو التغير الدائم عند هيراقليطس، ~~والمثال عند أفلاطون، والطاقة عند أرسطو، والأنا أفكر عند ديكارت، والأنا أتصور لنفسي ~~عند كانط، و«الأنا» عند المثاليين الألمان من بعده، وإرادة القوة عند نيتشه ... إلخ. ~~إجابات يطول بنا المقام لو حاولنا أن نتتبعها؛ لأن ما نريده أبسط من هذا بكثير، نريد أن ~~نقف عند الباعث على هذا السؤال ونعرف الدافع إليه؛ فالتحولات المختلفة التي مرت بها ~~الفلسفة في تاريخها الطويل لن تجدينا في الإجابة على سؤالنا، أجدى من ذلك أن نحاول ~~الاقتراب من جوهر الفلسفة نفسها، ونعرف الباعث الخالد الذي دفع الإنسان في كل مرة إلى ~~محاولة الإجابة على سؤالها الخالد. # يقول أفلاطون في محاورة ثيايتيتوس: # 5 ~~«هذا الانفعال أو العاطفة - يعني بذلك الدهشة - يميز الفيلسوف حقا، وليس ~~للفلسفة أصل سواه.» انفعال الدهشة إذن هو أصل «أرخيه» الفلسفة، كلمة الأصل هنا - ~~بمعناها اليوناني - تعني أمرين: أولهما ذلك الذي تصدر عنه الأشياء وتنبع منه، وثانيهما ~~ذلك الذي يسود ويسيطر على ما يصدر ويتفرع منه، فالدهشة بهذا المعنى ليست هي البذرة التي ~~تبدأ منها حياة الفلسفة فحسب، بل هي ms076 قوة الحياة نفسها التي تحملها وتسيطر على مراحل ~~نموها وتوجه مصيرها. يقول أرسطو في هذا المعنى: # 6 ~~«من خلال الدهشة بدأ الناس الآن وفي أول الأمر يتفلسفون.» أي أنهم توصلوا ~~من خلال الدهشة إلى المبدأ الذي تصدر عنه الفلسفة ويسري في تيارها الذي لا ~~ينقطع. # من الخطأ الظن بأن أفلاطون وأرسطو يتحدثان عن الدهشة والاندهاش كما لو كانا علة ~~الفلسفة والتفلسف، فلو صح هذا لما زادت الدهشة عن أن تكون مجرد دفعة ساقت الفلسفة في ~~طريقها حتى إذا سارت في هذا الطريق استغنت عنها وتقطعت أسبابها بها، ولكن الدهشة هي ~~الأصل - بالمعنى الذي أشرنا إليه - في كل فلسفة، إنها تلازم كل خطوة من خطواتها، وتسري ~~سريان الدم في مشكلاتها ومسائلها، الدهشة انفعال وعاطفة، لا بالمعنى النفسي الحديث لهذه ~~الكلمة، بل بالمعنى الذي يحتمل العذاب والتعذب والصبر والمعاناة، حيث ننفعل انفعال ~~الدهشة، نجدنا نقف وقفة مع أنفسنا، نفزع إليها من الموجود الذي أدهشنا أن نجده أمامنا، ~~وأن يكون على هذه الحال بعينها لا على حال أخرى، هذا التوقف عند الموجود وهذا الفزع ~~منه هو في نفس الوقت فزع إليه ووقوع في أسره. الدهشة هي الحال التي يتفتح لنا فيها ~~وجود الموجود ويكشف عن نفسه، هي الرجفة التي اقشعر بها كيان الحكيم اليوناني الأول ~~ففتح فمه ليسأل: ما أنت أيها الموجود؟ لم كنت ولم يلفني وإياك ليل العدم؟ أيها ~~القريب البعيد، لم لا تكشف عن وجهك إلا لتسدل عليه القناع؟ في هذه الحال سعى الحكيم ~~اليوناني إلى أن يطابق بينه وبين الموجود، أي إلى أن يكون حكيما. # 7 # نعود فنقول: إنه ليس من همنا هنا أن نتابع السؤال الفلسفي الأول: ما هو الموجود؟ ~~والتحولات التي طرأت عليه خلال الطريق الطويل الذي يمتد خلفنا وسيمتد أمامنا ما عاش ~~الإنسان. إن محاولتنا هنا أكثر تواضعا: نريد أن نفتش عن الدهشة في قلوبنا وعقولنا؛ ~~لنعرف إن كنا ما نزال قادرين على معاناتها، وإن كان في استطاعة الإنسان اليوم أن ~~يسأل ويتساءل، بالمعنى الحقيقي لهاتين الكلمتين. ms077 # يقول باسكال في كلمة مشهورة: «تعلموا أن الإنسان يعلو على الإنسان بما لا نهاية له»، # 8 # ولقد كان التفلسف من قديم وسيبقى دائما هو الفعل الذي يتعدى به الإنسان ~~عالم كل يوم ويتجاوز به حدود ذاته، ولا يتسنى له ذلك حتى يعلو فوق كل شيء، أعني فوق ~~العالم بوصفه كل الموجودات، نقول: إن الفيلسوف يعلو على عالم كل يوم ولا نقول يتعالى ~~عليه؛ ذلك لأنه بشر كسائر البشر، ملقى به في قلب الحياة اليومية التي لا يستطيع أن ~~يتفلسف بعيدا عنها، مسئول عن إشباع حاجاته الجسدية التي لا يستطيع أن يعيش بغيرها، ~~ولكنه يعلو على عالم كل يوم لا ليخرج منه بل ليعود إليه أوثق اتصالا بجذوره، لا عن ~~أنفة أو كبرياء، بل ليتفرغ لتأمله والنظر فيه، فعمل الفيلسوف إذن مجرد عن الهدف ~~والمنفعة، ولا سبيل إلى قياسه بالعمل اليومي (ليس الفيلسوف وحده هو الذي يعلو فوق ~~العالم. إن كل من تصيبه هزة تدنيه من حدود الوجود يفعل مثل ذلك، العاشق والشاعر ~~والثائر والمريض على فراش الموت والمؤمن في بيت الله، كل أولئك يعلون فوق العالم اليومي ~~وينفذون من دائرته الضيقة المتناهية، لا مكان للفلسفة والتفلسف في عالم يطغى عليه ~~العمل ويتحكم فيه، عالم لا تنمو فيه شجرة الدين، ولا يتنفس فيه إلهام الشعر، ولا تهزه ~~رجفة الحب أو يعمقه إحساس الموت). # قلنا: إن الفلسفة تعلو بالإنسان فوق حدود العالم اليومي، وتسمو به على أسواره الضيقة، ~~وكذلك زعمنا عن كل تجربة عميقة تقرب الإنسان من ذاته ومن الكل المحيط به، في الشعر ~~والحب والدين والموت، ولكننا لم نقل: إن كل فلسفة أو كل شعر أو كل حب يفعل به ذلك، إن ~~هناك ألوانا من التفلسف الظاهري التي تحكم أسر الإنسان في سجنه اليومي بدلا من أن ~~تخلصه منه، وهناك ألوان زائفة من الشعر والعبادة والحب لا تحمل من أصل معناها الحق ~~إلا الاسم والقناع، هناك لا نستطيع أن نعلو فوق العالم - هذا العلو الذي يستطيع وحده أن ~~يدنينا منه - ولا ms078 فوق وجودنا المحدود، ومن أين لنا هذا العلو ونحن نضع كل ما من شأنه أن ~~يتسامى بنا في سلة حياتنا اليومية؟ في العبادة الزائفة يصبح الإله نفسه حلقة في سلسلة ~~الأهداف والوسائل اليومية، ووظيفة نبغي بها تحقيق غاية أو إدراك أمل. في الحب الزائف ~~يصبح سر الحب وعاطفته وسيلة من وسائل الذات المحدودة الأنانية لا غاية في ذاته؛ فالمحب ~~الحقيقي يجد نفسه ملقى في أحضان العالم العظيم العميق، والحب هو الذي يزيد من عظمته ~~وعمقه. في الشعر الزائف والفن الظاهري لا ينفذ «الشاعر» من قبة العالم اليومي ولا يتصل ~~بقلبه النابض (فلو فعل لكان ذلك علوا به) وإنما يرقش زخارف خداعة على جدران هذه ~~القبة، ويضعها في خدمة الحياة اليومية، تارة باسم «الشعر الحالم» وأخرى باسم «الشعر ~~السياسي»، وهناك أخيرا الفلسفة الزائفة التي لا تعجز فحسب عن العلو بالإنسان على ~~الحياة اليومية، بل إنها تحكم إغلاقها عليه وتزيد من عذاب سجنه بين جدرانها، إنها ~~تشبه عندئذ فلسفة السفسطائي بروتاجوراس الذي يسأله سقراط: أي شيء إذن تعلم الشباب ~~الذين يتدافعون إليك؟ ويجيبه بروتاجوراس: عندي يتعلم الشباب الرشد سواء كان ذلك في ~~أمورهم الخاصة، فيتعلمون على سبيل المثال كيف يؤثر الإنسان بالقول والفعل أفضل تأثير ~~على الدولة. هذا هو برنامج الفلسفة الزائفة المتظاهرة التي ما زلنا نسمع المنادين به في ~~كل مكان من العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى، ارتفع به صوت هذا السفسطائي الذكي المتحمس ~~الثرثار منذ أكثر من عشرين قرنا في أسواق أثينا وشوارعها، وأثر هذه الفلسفة الزائفة في ~~محنة الإنسان المعاصرة، التي يمتحن فيها بقدرته أو عجزه عن توجيه السؤال الفلسفي من ~~جديد، بكل حرارته وجديته وخطورته، يفوق بكثير كل ما قد يلصقه الفلاسفة برجل الشارع من ~~احتقار لكل ما لا يتصل بالحياة العملية بسبب، وما أكثر ما يكون بريئا منه! ذلك أن رجل ~~الشارع لا يخلو في لحظات نادرة من حياته المتعبة أن يهتز لبيت من الشعر أو يرتجف لسؤال ~~عن معنى الحياة. أما الفيلسوف الزائف الذي ms079 يحشد قوى التفلسف في خدمة الحياة اليومية، ~~فأين ما يمكن أن يهزه أو ينقل الرجفة إلى قلبه وعقله؟! إن ما يحمل هدفه في ذاته، كما ~~تقول عبارة كانط المشهورة: لا يمكن بحال أن يصلح وسيلة لهدف من الأهداف أيا كان، ومع ~~ذلك فنحن لا نحاول هنا أن ننقد عصرنا، بل نريد أن نفهم من جديد العلاقة الخالدة بين ~~الإنسان والكون، ونعيد الدهشة إلى عيوننا وقلوبنا ونحن نسأل السؤال القديم الجديد: ما ~~هو الوجود؟ ومن هو الإنسان؟ # إن ضحكة الفتاة الثراكية التي جلجلت بها وهي ترى طاليس الميلي يتعثر فيقع في ماء ~~النبع لأن عينيه كانتا مشغولتين بتأمل السماء؛ هذه الضحكة هي - في نظر أفلاطون - الجواب ~~الذي يرد به «العاقلون» و«العمليون» في الحياة اليومية على كل سؤال فلسفي. # إن قصة هذه الفتاة ذات الضحكة البريئة - التي لا شك أن لها ما يبررها! - قصة يبدأ بها ~~تاريخ الفلسفة ولا تزال عالية الأصداء حتى يومنا هذا: # 9 ~~«ودائما وأبدا ما يكون الفيلسوف مدعاة للضحك، لا بالنسبة للفتيات ~~الثراكيات فحسب، بل للكثير من الناس على وجه الإجمال؛ ذلك لأنه - وهو الغريب عن العالم ~~- يسقط في نبع الماء وفي ألوان أخرى من الحيرة والارتباك.» # 10 # ولكن من يجرؤ على الادعاء بأن في إمكانه أن يغادر عالم هذه الفتاة الثراكية إلى ~~غير رجعة؟ من منا يستطيع أن يعيش بغير سقف فوق رأسه، ولا دفء حول جسده، ولا هدف ~~على طريقه؟ ثم من منا يستطيع أن يوفر لنفسه ترف التأمل في النجوم، إلا إذا كان ~~مستعدا للوقوع تحت عجلات الترام أو الانخراط في عداد المشبوهين؟ أليس هذا مخاطرة ~~بالخروج عن طبيعة الإنسان نفسه؟ ثم إلى أين يخرج الإنسان حين يخرج عن حدود العالم الذي ~~نعيش فيه كل يوم إلى عالم آخر؟ وماذا عسى أن يكون هذا العالم؟ هل هو عالم «آخر» يكون ~~عالمنا هذا ظله وشبحه - كما زعم البعض خطأ عن أفلاطون - ويقابله كما تتقابل المادة ~~والروح والليل والنهار والنسخة والنموذج؟ الإجابة على هذا السؤال إجابة على ms080 سؤالنا ~~القديم: ما هي الفلسفة؟ # إن الإنسان حين يتفلسف يعاني تجربة يهتز فيها العالم اليومي تحت قدميه، تقف فيها ~~دوامة العادات التي تجرفه صباح مساء: يقظة من النوم، ساعات يقضيها في العمل، ثم ساعات ~~يقضيها في فراغ ليستعد للعمل من جديد، ثم نوم فيقظة فساعات عمل ... إلخ «حتى يتفجر ~~ينبوع الدهشة ذات يوم في قلبه فيسأل: ما معنى هذا كله؟ ... ويقف أمامه شبح المحال المعتم، ~~كما وقف في السنين الأخيرة أمام المفكر العظيم ألبير كامي.» إنها التجربة التي تقول له: ~~إن العالم المحيط به، الذي تحدده أهداف الحياة القريبة المباشرة؛ يمكن أن يهتز يوما، ~~وينبغي أن يهتز لدعاء «العالم»، أن يرتجف من صوت «الكل» الذي يعكس الصور الأبدية ~~للأشياء ، التفلسف معناه: أن يعلو الإنسان على عالم كل يوم ليواجه «العالم»، أن يترك ~~الأمان إلى الخطر، أن يغادر بيته إلى حيث لا سقف يظله، أن يهجر الطرق التي تعرف ~~هدفها ليسير على «الطريق» التي قد لا يكون لها هدف. هل معنى هذا أن يهيم الفيلسوف على ~~وجهه، أشعث الشعر معلق البصر بالنجوم، عرضة في أيامنا هذه لأن يطرح عليه «القميص ~~الأبيض» أو يضع جندي الداورية في يديه الحديد؟ نحن إن فعلنا هذا نكون قد صورناه في ~~صورة خيالية سخيفة بقدر ما هي باطلة؛ إذ كيف نستطيع أن نقول مثل هذا الكلام عن أناس ~~عقلهم حاد كالسيف ولغتهم ساطعة لا تعرف ظلا من خيال أو عاطفة؟ إن الإنسان يستطيع أن ~~يتفلسف، أعني أن يتأمل تأملا نظريا، ويرى الوجود رؤية نقية (كلمة «ثيورين» ~~اليونانية ليس لها معنى غير هذا) مجردة عن كل هدف من الأهداف المتصلة بحياته اليومية، ~~قلنا: يستطيع، ومن حقنا أيضا أن نقول: ينبغي عليه أنه في تأمله النظري الخالص هذا الذي ~~سميناه بالتفلسف، يعلو على ذاته وعلى العالم، وهو بفعله هذا لا يحقق إنسانيته فحسب، بل ~~يعلو عليها أيضا (لنتذكر كلمة باسكال السابقة)، ولكن كيف وبأي شيء؟ بالدهشة التي هي ~~أصل التفلسف، بالاندهاش الذي هو أصل الحرية، وأين يجد الإنسان ms081 حريته إن لم يجدها في ~~النظرة الخالصة إلى الموجود وإلى العالم باعتباره كل الموجودات، نظرة مجردة عن كل ~~هدف، نقية من كل تغيير ومن كل محاولة في التغيير، لا لكي نعرف الموجود فنسيطر عليه كما ~~يقول بيكون، ولا لكي نجعل من أنفسنا سادة على الطبيعة وملاكا لها، كما يقول ديكارت ~~في مقاله عن المنهج، ولا لكي نغير العالم كما يقول ماركس، ولكن لأي غاية إذن؟ وأي منفعة ~~تعود عليك من وراء هذا العلو بالدهشة التي هي أصل كل تفلسف وبالتالي كل حرية؟ ولكن هذا ~~السؤال نفسه - ألا نسأل فيه عن «غاية» و«منفعة» - سؤال غير فلسفي. إن عين الفيلسوف ~~تتأمل العالم كله حين تتأمل، ولسانه يسأل عن مجموع ما هو كائن حين يسأل، إنه عندئذ ~~يكون «مع كل موجود» كما يقول القديس توماس الأكويني، ولا يسأل الفيلسوف حتى يكون في ~~فكره الوجود كله. # قلنا: إن الإنسان حين يتفلسف يعلو على «العالم اليومي» ليواجه «العالم»، ومن البديهي ~~أننا حين نتحدث عن العالم اليومي الذي نعلو عليه بالتفلسف إلى العالم ككل لا نتحدث عن ~~عالمين منفصلين، كما لو كانا مكانين يغادر الإنسان أحدهما ليدخل الآخر، فيترك هنا ~~وراءه أشياء ليجد هناك أشياء أخرى، أو لا يجد شيئا على الإطلاق، إنه لا ينفض يديه من ~~غبار أحدهما ليغسلهما بنور الآخر، وحين يعلو بالتفلسف على العالم المحيط به لا يدير له ~~ظهره، ولا يحول عينيه عنه، ولا يسبح ببصره بعيدا عن شقاء كل يوم، ولا يترك عالم ~~العرق والدموع ولقمة العيش ليتجه بفكره إلى عالم الماهيات أو الكليات أو المثل أو ما ~~شئت لها من أسماء، إن العالم الذي يمتد أمام أبصارنا ونتحسسه بأيدينا ونشقى به ويشقى ~~بنا هو نفس العالم الذي نتأمله بالتفلسف، ولكن هذا العالم، هذه الأشياء، هذه الحقائق ~~والموضوعات؛ تصبح موضع سؤال من نوع آخر، إنها تسأل عن جوهرها الأخير، عن حقيقتها ~~الكلية، عن طبيعتها الشاملة، وإذا بالأفق الذي يصدر عنه السؤال يصبح هو الأفق الذي يضم ~~الواقع كله. # السؤال الفلسفي يتجه ms082 إلى هذا الشيء أو ذاك مما نراه كل يوم، إنه لا يتجه إلى شيء ~~«خارج العالم» ولا إلى شيء موجود في عالم آخر بعيد عن تجربتنا اليومية، # 11 # لكنه سؤال يقول: ما هو هذا على الإطلاق وفي حقيقته الأخيرة؟ يقول أفلاطون ~~في محاورة ثيايتيتوس: «لا ما إذا كنت أظلمك ها هنا أو كنت تظلمني - ليس هذا هو الذي ~~يشتهي الفيلسوف أن يعرفه - بل ما هي العدالة على الإطلاق وما هو الظلم، لا ما إذا كان ~~الملك الذي يملك الكثير من الذهب سعيدا أو غير سعيد، بل ما هو الملك على وجه الإطلاق؟ ~~وما السعادة وما التعاسة على الإجمال وفي حقيقتها الأخيرة.» # 12 # سؤال الفيلسوف يتجه إذن إلى ما نراه وما نألفه كل يوم، وإذا بهذا الشيء يشف أمام ~~أعيننا، وكأننا نفتحها عليه لأول مرة، ويفقد ألفته ليكشف عن وجه غريب وعميق معا. إن ~~سقراط الذي يعرف كيف يسأل فيسلب الأشياء وضوحها الموهوم كما يسلب المسئول يقينه المزعوم ~~يشبه نفسه بالسمكة الرعاشة، تصيب ضربته بالذهول والاندهاش كل من يستمع إليه، في ~~كل يوم نقول هذا «صديقي»، هذا «بيتي» أو هذا «مالي»، ولكن ما من أحد يسأل نفسه ما هو ~~«الملك»؟ وما معنى أن «أملك» شيئا؟ وهل يمكن لإنسان أن يملك هذه الأشياء؟ أو هل يمكن ~~أن يمتلك شيئا على الإطلاق؟ هل من الأمور الواضحة بذاتها أن أوجد وأرى وأولد وأموت؟ هل ~~بلغت معرفتي بهذا كله من اليقين مبلغا لا أملك معه الشك فيها؟ وهل يمكن أن يوجد شيء لا ~~يحتمل الشك والسؤال؟ أليس في هذا كله ما يحمل على الدهشة؟! # الفلسفة ابتعاد وغربة، لا عما نراه ونحس به كل يوم من ناس أو أشياء، بل عن تفسيراتنا ~~السائدة لها، عن قيمها التي نسلم بها كل يوم، لا لأننا نهوى الشك والهدم أو نريد أن نشذ ~~فنفكر غير ما يفكر سائر الناس، بل لأن الأشياء نفسها تكشف لنا فجأة عن وجه جديد لم ~~نألفه من قبل، ولأن ما اعتدناه كل يوم يصبح ms083 في لحظة واحدة غير عادي ولا يومي ولا واضح ~~بذاته. إن الوجه العادي يختفي فجأة ليظهر مكانه وجه الواقع على حقيقته، ولا يحدث شيء من ~~هذا حتى يجري في أنفسنا شيء آخر ارتبط بمبدأ التفلسف من قديم، ذلك هو الدهشة: «نعم، ~~بحق الآلهة يا سقراط العزيز، إنني لا أستطيع أن أنتزع نفسي من الدهشة من معنى هذه ~~الأشياء، وفي بعض الأحيان يكاد يصيبني الإغماء من مجرد النظر إليها.» بهذه الكلمات يهتف ~~الرياضي الشاب ثيايتيتوس في وجه سقراط، بعد أن يستدرجه هذا الذكي الساخر الرحيم بالكلام ~~حتى يعترف بجهله ويسلم بحيرته، ويجيب سقراط: «أجل، إن هذه الحال نفسها هي التي تميز ~~الفيلسوف، هذا ولا شيء غيره هو أصل الفلسفة.» # 13 # بهذا المرح المشرق الوديع يعبر سقراط عن الحقيقة التي دخلت الفلسفة من قديم ~~كما دخلت ضمير كل إنسان يفكر، ولن تخرج منهما أبدا، ليس من قبيل الصدفة أن يبدأ الفكر ~~الفلسفي بهذه العبارة: «الدهشة أصل الفلسفة»، وأن يكتب ديكارت عبارة قريبة منها على ~~باب الفلسفة الحديثة تقول: «الشك أصل الفلسفة»، ولم يكن لشيء من ذلك أن يحدث لو لم يكن ~~بين الدهشة والشك ما بينهما من قرابة وجوار، كانت طريقة سقراط أن يثير في صاحبه الدهشة ~~بالنسبة لكل ما يعتقد في وضوحه وما يسلم به تسليما أعمى، وكانت طريقة ديكارت أن يحملنا ~~على الشك في كل ما آمنا به في الفلسفة وما ورثناه بالتسليم والتصديق، تمهيدا للبحث عن ~~أساس سليم أو عن «صخرة لا تتزعزع» تقيم عليها بناء الفلسفة من جديد، الشيء الرئيسي إذن ~~في الحالين هو الإرباك، على نحو ما يقول هيجل: «إنه الإرباك الذي ينبغي لكل فلسفة أن ~~تبدأ به. إن على الإنسان أن يشك في كل شيء، ويتخلى عن كل ما افترضه من قبل؛ لكي يحافظ ~~عليه من بعد شيئا ناتجا من خلال التصور.» # 14 # في الدهشة كما في الشك يحار الفكر مع نفسه، هذه الحيرة هي الدفعة التي لا بد منها لكي ~~يكون فكر على الإطلاق، وهي ms084 الدفعة التي لا بد منها لكي يستيقظ هذا الفكر ويجرب أن ~~«العالم» أعظم وأعمق وأغنى بالأسرار مما توحي به حياته اليومية، وأن الوجود بما هو وجود ~~غني بالأسرار، لا بل هو السر نفسه؛ لأنه غني بالتناقض والمشقة والغموض بالنسبة للإنسان، ~~بل لأن معين أسراره لا ينفد، ومنبع نوره لا يغيض. # في الدهشة تصمت الحياة اليومية - ولو للحظة واحدة - لنرى «الحياة». ترفع الموجودات ~~قناعها اليومي لتكشف عن وجه «الوجود»، ولكن ما الذي يدهشنا حين نندهش، فيصيبنا الذهول ~~ونتجمد كما لو كنا نجلس مع سقراط؟ ليس للمدهش صلة بالغريب المثير غير المعتاد، فمن ~~كان في حاجة إلى شيء يثيره ليبعث الدهشة في نفسه، شيء لم تره عين ولا سمعت به أذن كما ~~يقال، فقد كل حاسة للاندهاش، أعني ذلك الاندهاش الحق من معجزة الوجود؛ فالدهشة ~~التي تستثيرها عجيبة لا تحدث كل يوم ما زالت هي نفسها في حاجة إلى دهشة حقيقية تخلصها ~~من قيد كل يوم، دهشة تجعل الإنسان يرى المدهش فيما يألف، والغريب فيما اعتاد، والمعجزة ~~فيما تقع عليه عيناه كل يوم؛ هنالك يعرف وهو في الحقيقة لا يعرف شيئا، هنالك يبدأ فعل ~~التفلسف، ومعه يبدأ القلق والخطر؛ الجزيرة الآمنة لا تعود آمنة، الواحة السعيدة تصبح ~~مسكنا للشقاء، هنا يقترب الفعل الفلسفي من الفعل الشعري؛ فالفيلسوف والشاعر كلاهما يرى ~~العالم وكأنه يراه لأول مرة، وكلاهما يتصل موضوعه بما يبعث الإنسان على الدهشة وما ~~يطالبه بها، ولعل هذا هو الذي جعل توماس الأكويني في تعليقه على ميتافيزيقا أرسطو يقول: ~~«أما السبب الذي من أجله يقارن الفيلسوف نفسه بالشاعر فهو أن المدهش هو موضوع كليهما.» # 15 # أما الفيلسوف فقد عرفنا ما قاله على لسان أفلاطون، وأما الشاعر فيقول ~~جوته في نهاية قصيدة صغيرة بعنوان «بارابازة» # 16 # وهو في السبعين من عمره: # وجدت لكي أندهش: # كان الروح دائم المرح من قديم الزمان، # كان دائب السعي، # إلى أن يبحث ويجرب، # كيف أن الطبيعة تحيا بالخلق. # إنه هو الواحد أبدا، # يكشف عن ذاته في صور متعددة، ms085 # الكبير يبدو صغيرا، والصغير كبيرا، # وكل بما يوافق طبيعته، # دائما يتغير، ثابت على الدوام، # قريب وبعيد، بعيد وقريب، # يصوغ الأشياء، ثم يعود فيعدل صياغتها. # وأنا جئت إلى هذا العالم # لأحيا في اندهاش. # ثم يقول في حديث له مع أكرمان # 17 # بعد أن بلغ الثمانين: # إن الدهشة هي أسمى ما يستطيع أن يصل إليه الإنسان. # قدرة الإنسان على الاندهاش هي قدرته على الاحتفاظ ببراءته وحريته، إنها قدرته على ~~البقاء إنسانا، طالما بقي في استطاعته أن يسأل من هو الإنسان؟ إن دهشته نابعة من ~~علمه بتناهيه، من إحساسه بوجوده المحدود، الإله لا يندهش؛ لأنه يعرف كل شيء ويحيط بكل ~~شيء، والحيوان لا يندهش، فليس في حاجة إلى الدهشة؛ لأن الشوق إلى المعرفة الحقة لا ~~يقلقه. تقول ديوتيما في محاورة «المأدبة» موجهة حديثها إلى سقراط: «ما من أحد من ~~الفلاسفة يتفلسف، والحمقى كذلك لا يتفلسفون؛ ذلك لأن ما يفسد في الحمق أن يتوهم الإنسان ~~أنه مستغن بنفسه.» ويمضي سقراط قائلا: «سألتها من هم الفلاسفة إذن يا ديوتيما، إن ~~لم يكونوا هم الحكماء ولا الجهلاء؟» عندئذ أجابت قائلة: «إن هذا لأمر واضح حتى للطفل، ~~إنهم أولئك الذين يشغلون من الفئتين مكان الوسط»، هذا الوسط هو الذي يميز الإنسان، إنه ~~الكائن الوحيد الذي يملك أن يندهش، فلا هو يستطيع أن يعرف كل شيء، ولا هو بقادر على ~~ألا يعرف أي شيء، إنه الموجود الذي يقف بين هوتين، والمتناهي الذي يجد نفسه بين لا ~~متناهيين، بين العدم من ناحية والمطلق من ناحية أخرى (كما تقول عبارة باسكال المشهورة)، ~~الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تنطبق عليه «ليس بعد»، إنه لا يستطيع أن يمتلك الحكمة ~~ولا يستطيع أن يكف عن السعي في طلبها: «نحن لسنا شيئا، نحن نأمل أن نكون» (باسكال). ~~الإنسان وحده هو الذي كتب عليه أن يحس بفنائه وفناء من حوله، فيعجب لكل ما يراه، ~~ويكون أول ما يبدأ به هو العجب من نفسه، هذا العجب الدائم سيحتم عليه أن يعيش في خطر ~~دائم، ويبحر من ms086 جزيرة الاطمئنان إلى غير رجعة، فمع كل سؤال يولد خطر جديد، وليست ~~الفلسفة إلا سؤالا متصلا. وقدرة الإنسان على السؤال - بمعناه التأملي النظري المجرد ~~من كل هدف كما قدمنا - هي قدرته على الدهشة، هذه الدهشة هي ضمان إنسانيته، وهي ضمان ~~حريته (إن العبد لا يندهش ولا يسأل؛ لأنه إن فعل لم يعد عبدا؛ ذلك أن كل شيء بالنسبة ~~إليه واضح وطبيعي، كل شيء كما كان وكل شيء كما ينبغي أن يكون). # فلنتعلم كيف نندهش (من علامات الزمن التعيس أن يضطر الإنسان إلى تعلم ما لا سبيل ~~إلى تعلمه)، لنحاول أن نعيش لحظة واحدة ما يعيشه الفيلسوف والشاعر طول حياته، أن ننظر ~~إلى الموجود - وليكن زهرة أو حجرا أو وجه إنسان - كما لو كنا نراه لأول مرة، وإلى ~~الوجود كما وقعت عليه عينا آدم حين فتحهما أول مرة، لنذكر دائما أن أدهش المدهشات ~~ألا يندهش الإنسان، وإذا كنا لا نستطيع أن نقضي حياتنا في دهشة دائمة (من ذا ~~الذي بلغ به الظلم والجنون أن يطلب ذلك من إنسان العصر الحديث؟) أعني في هزة دائمة، ~~تزلزل كياننا كله، فإن كل إنسان في حاجة إلى أن يهتز، ولو مرة واحدة في حياته، من أعمق ~~أعماقه، في حاجة إلى أن يسأل السؤال الخالد الأليم: لم كان وجود ولم يكن بالأولى ~~عدم؟ # | لا # عن صعوبة الاحتجاج وضرورته في القرن العشرين # هل هناك أسهل من قول «لا»؟ # كلمة صغيرة، نقولها حين نصبح وحين نمسي، وقد نوفر على أنفسنا مشقة النطق بها، فنكتفي ~~بهز الرءوس. # حرفان صغيران، نسرع إليهما حين ننفي أو نرفض أو نحتج أو نرد على سؤال من يسأل فنؤكد ~~له أننا لا نعرف، أو نقطع بعدم معرفته فنمهد للجواب الصحيح. ~~«لا» و«نعم»، حرفان يقتسمان وجودنا وتدور حولهما حياتنا وتفكيرنا، في كل ما نقول ~~ونفعل؛ لا بد لنا أن ننجذب لأحد هذين القطبين، أو ندور في إحدى هاتين الدائرتين. # حرفان لا يبدو أن هناك ما هو أيسر منهما، ننطق بهما مع كل سؤال وجواب، ومع ms087 ذلك فما ~~أكثر ما يرتبط بهما من صعوبات! # لنقصر حديثنا على الحرف الذي وضعناه عنوانا لهذه السطور. ~~«اللا» هي صيغة الاحتجاج، ففي عالم يعطي لنا من الصباح إلى المساء أكثر من مناسبة ~~للاحتجاج، يصبح من حقنا أن نبحث عن طبيعة هذه الكلمة. # قد يبدو لأول وهلة أنه ليس هناك ما هو أيسر ولا أعم من قول «لا»، إنها تكاد تتردد على ~~اللسان في كل ما نقول وما لا نقول، حتى يخيل إلينا أنها فارغة من كل مضمون. إنها ~~تستطيع أن تخالف كل شيء وتوافق على كل شيء، وتستطيع بنفس القوة أن تنفي وتثبت، وتعارض ~~وتؤكد. # وقد يبدو أنها أكثر كلمات اللغة بعدا عن الاستقلال بنفسها؛ فهي تفترض سؤالا ~~يسبقها، بل هي جواب النفي على هذا السؤال، فالذي يسأل يريد أن يعرف، وحين نجيب على ~~سؤاله «بلا» فإننا نخنق معرفته الباطنة في مهدها، ونمهد بالنفي لمعرفة صحيحة أو نعتقد ~~أنها صحيحة، وقد يبدو أنه ليس هناك ما هو أخطر من قول «لا»، فإذا كانت اللا هي صيغة ~~الاحتجاج، فقد تكون كذلك هي صيغة الانهزام؛ فمن يصر عليها في كل ما يقول أو يفعل، يصر ~~على رفض كل شيء، ومن يرفض كل شيء يهرب من كل شيء، ويكون الموقف المنطقي الوحيد الذي بقي ~~له هو الهروب من الحياة كلها؛ ذلك لأنه لا يرفض حينئذ نظاما بعينه، بل يرفض كل نظام، ~~ولا ينفي موقفا بذاته، بل ينفي كل موقف، وهذا الرفض العنيد، هذا النفي المتصل الذي لا ~~يؤدي إلى تأييد شيء أو الموافقة على شيء، هو الفوضى بعينها، وما أسهل أن يقول الإنسان: ~~لا، ولكن ما أضيعها إن لم تحاول أن تثبت وراءها حقيقة، أو تؤكد قيمة، أو تدافع عن ~~«نعم». # وما أخطر أن يقول الإنسان: «لا»، خاصة إذا وجد المجتمع الذي يحرم هذه «اللا»، لا بل ~~يقمعها ويوقف عليها العقاب الشديد، ولكن ما أشبهها بالصدى الضائع في الصحراء، إذا كانت ~~تعبر عن تمرد يكتفي بالنفي دون أن يحاول الإثبات، ويقنع بالاعتراض على ms088 الباطل دون أن ~~ينادي بتأكيد الحق. # لكن هل يقف المفكر في «اللا» عند الصعوبات الخارجية التي تصادفه، وهي صعوبات تدخل في ~~مجال السياسة والاجتماع والقانون؟ إن المفكر الحقيقي يهتم - قبل كل شيء - بالماهية ~~والطبيعة والجوهر، فهل يقربه من حقيقة «اللا» أن نصفها بأنها صيغة الاحتجاج؟ أم تراها ~~تبعده عنها؟ أليس في لفظ «لا» نفسه تحديد لجانب واحد من الوجود، بينما المفكر - أو لنقل ~~الفيلسوف - يتجه بفكره إلى كل الوجود؟ # إن كلمة «لا» تحد وتحدد، أليس في هذا شيء من العزاء لمن يريد أن يصل إلى قلب ~~الوجود، ويطأ خاشعا قدس أقداسه؟ ألا تستطيع أن تسد الطريق على كل جواب سهل في مسألة ~~المسائل هذه، وأن تسكت كل «نعم» يسيرة وسطحية ومؤقتة تزعم أنها تنبئنا بشيء عن الوجود؟ ~~ألا يستطيع قائل «لا» أن يكون حارسا أمينا على الوجود، فيبدأ بحراسة نفسه من عواقب ~~«لا» تحتج وحسب، ولا تجلب على نفسها غير الخراب؟ # مهما يكن من شيء، فإن قول «لا» تعبير عن احتجاج، وفي عالم يعطي لنا من الصباح إلى ~~المساء أكثر من مناسبة للاحتجاج؛ يصبح من حقنا أن نبحث عن طبيعة هذه «اللا»، والبحث ~~هنا ضروري لنعرف كيف نقولها ومتى ولمن، ولنضمن ألا تكون مجرد صرخة نبيلة في الهواء، أو ~~كتابة بالدم على سطح الماء! # لنفكر معا في أمر هذه «اللا». ولكننا قبل أن نبدأ التفكير فيها، سنجد أنفسنا مضطرين ~~إلى التفكير في الفكر نفسه! والفكر عادة يسير خطوة فخطوة، على حسب منهج مرسوم، وهو ~~يصطدم بأول عقبة على هذا الطريق، حين يسأل نفسه في أي شيء يفكر، فهو يجرب هذا وذاك، ~~ينظر هنا وهناك، ويسير على طريق قد يعدل عنه بعد قليل ليسير على طريق سواه. حقا إن ~~فيلسوفا يونانيا قديما، هو «بارمنينيدز»، قد عرف طريقين لا ثالث لهما: طريق الحقيقة ~~الذي يسير فيه العارف ولا يسير على طريق غيره حتى يصل إلى الوجود الواحد، وطريق الباطل ~~الذي يسير فيه الجاهل أو تسير فيه العامة «المزدوجة الرءوس»؛ ليؤدي بها إلى ms089 اللاوجود؛ ~~فالطريق الأول هو الطريق الذي لا طريق سواه، وفي آخره سنجد الوجود الواحد الذي لا ~~يتبدل، الوجود الكروي الشكل، المحدود بحدود ثابتة. إن العارف يسير عليه، يعرف كلمة ~~السر التي توصل إليه، أما العامة «الأغبياء» كما يسميهم، فهم يجهلون هذه الكلمة، ~~ويترنحون حائرين بين الطريقين؛ ذلك لأنهم يجهلون هذه الكلمة القاطعة التي قالها ~~فيلسوفنا احتجاجا على اللاوجود وتأكيدا للوجود الحي، «اللاوجود غير كائن، والوجود ~~كائن»، ولكن كيف أعرف هذا الطريق؟ كيف أقترب من الوجود الحي لا الوجود الميت المتحجر؟ ~~كيف أصل إلى الوجود الشامل الذي أراده الفيلسوف، فأميزه عن الوحدة الميتة التي تجمع ~~الحق والباطل، والوجود واللاوجود؟ هل أجعل منه موضوعا لذاتي المفكرة؟ ولكن هذا الفعل ~~نفسه يثبته ويحدده كما يحددني، إنه يجعل الذات تصطدم بالموضوع فأتحرك في مجال لا أستطيع ~~أن أفرق فيه بينهما، ولكنني مضطر إلى هذه التفرقة، وإلا اختفى الموضوع الذي أبحث عنه، ~~فهل ألجأ أمام هذا الموضوع الشامل - موضوع الوجود - إلى إصدار حكم عليه يوحد بيني ~~وبينه؟ ولكن من أين لي - وأنا البشر المحدود - بهذه القدرة؟ أليس من طبيعة الأشياء ومن ~~طبيعتي البشرية أن يظل الموضوع على الدوام «موضوعا» أمامي، مقابلا لي في كل كلمة أو ~~إشارة أو فعل أقترب به منه؟ ها أنذا أجرب طريقا بعد طريق، وأصدر حكما بعد حكم، ولكن ~~الحقيقة مختلطة بالباطل، والوجود ممتزج باللاوجود، وأنا لا أستطيع أن أميز أحدهما عن ~~الآخر، أريد أن أقول للطريق الخاطئ: «لا»، فلا أستطيع أن أستعين بطريق بارمنيدز الوحيد؛ ~~لأنه لا يؤدي إلا إلى نعم مؤكدة، إنه لا يقول: «لا» فحسب، بل يبقى اللاوجود نفسه، ومعه ~~كل نعم كامنة فيه. قائل «لا» يقول للاوجود «لا»، وهو مضطر أن يقولها لتسمعها العامة ذات ~~الرءوس المزدوجة؛ لأنها تتعلق باللاوجود، وتظل في ليل الظن والجهل، لا تملك شجاعة ~~العارفين، ولا ترفعها «بنات الشمس» إلى أعلى (قارن الشذرة الأولى من شذراته الباقية). ~~غير أنه في الحقيقة ليس في حاجة إلى أن يقول «لا» للاوجود؛ ذلك لأن هذا اللاوجود ms090 لا ~~وجود له عند بارمنيدز، إنه يعيش على الدوام في نعم متألقة، في مملكة النهار والضوء ~~الساطع، ومع ذلك فإن نهاره لا يكشف الليل، وعلمه لا يفسر لنا وجود الجهل، وإذا سألناه ~~لم كان الجهلاء جهلاء؟ ولماذا لا يعرفون الوجود كما يعرفه سواهم؟ وهل نسيهم هذا ~~الوجود أم نسوه؟ أجابنا بأنهم يتعلقون باللاوجود، ولأنهم يتعلقون باللاوجود فهم دائما ~~ما يقولون: «لا»، وهم يقولون «لا»؛ لأنهم خاضعون لسلطان الحواس، يرون الظاهر حيث يكون ~~الباطن، والكثرة حيث تكون الوحدة، إنهم خائفون على الدوام؛ لأن «اللاوجود» يهددهم، ~~وتهديدهم يحملهم على قول «لا»، ويعجزهم عن قول «نعم» للوجود الواحد الحق. # إذا كان هذا هو حال من يقول «لا»، فإن قائل «نعم» عند بارمنيدز ليس أفضل منه حالا؛ ~~ذلك لأن الإنسان لا يصل إلى النعم الحقيقية إلا بعد أن يقول «لا» مرات ومرات، ولا يسير ~~على الطريق الحق حتى يعدل عن طرق الخطأ التي لا حصر لها. إن قائل نعم عنده أشبه بمن ~~اكتشف الطريق، ولكن ما كان أحوجنا إلى أن يشرح لنا المشقة التي عاناها حتى وصل إلى هذا ~~الكشف! وليس أحب إلى الإنسان من قول نعم، خصوصا إذا كان يقولها للحقيقة المضيئة ~~كالنور، على أن تأتي هذه النعم في نهاية الطريق لا في بدايته، لا بل أن تكون على ~~الدوام كامنة في كل «لا» يقولها وكل احتجاج يصرخ به. # كان إذن على الفيلسوف الوقور بارمنيدز أن يميز بين نعم كامنة في لا، بفضلها تستطيع ~~هذه أن تصمد لتهديد اللاوجود، وبين نعم أخرى «لا تبلغها رغبة» و«لا تلطخها لا» كما يقول ~~نيتشه؛ ذلك لأنني لا أستطيع أن أستمع إلى «النعم» الأولى إلا من خلال لا، ولا أن أجرب ~~الوجود حتى أقول لا لكل ما ليس بوجود، ولا أن أوافق حتى أحتج هذا الاحتجاج الأنطولوجي ~~«الوجودي»، ولا أستطيع كذلك أن أصل إلى النعم الأخرى حتى أتخلى عن كل شيء، وأشيح ببصري ~~عن كل ما يتهدد اللاوجود - ومنه نفسي - بالخراب، لا بل أتخلى عن اللغة التي ms091 تحتمل ~~الخطأ حتى أصل إلى الوجود الذي لا تعبر عنه لغة البشر، هناك أصل إلى تلك النعم، أو تلك ~~النعمة الغريبة اليائسة التي سماها نيتشه بالكوكب الأعلى، والوصية الفريدة والنعم ~~الأبدية للوجود، وهناك لا يملك الإنسان إلا أن يقول تلك النعم المقدسة، «ويحيي ظهر ~~الأرض والبشر العظيم.» # لولا هذه «النعم» الكامنة كمون البذرة في «اللا»؛ لكان شك الشكاك ويأس اليائسين في ~~معنى الحياة عامل تدمير لا يرحم، وإلا فمن أين جاء ديكارت اليقين، وقد راح يشك في كل ~~شيء؟! ألم تكن هناك «نعم» وراء اللا المجتاحة جعلته يطمئن إلى أنه مهما شك في كل شيء ~~حتى في شكه، فسوف تبقى حقيقة التفكير التي تسلمه إلى طمأنينة الوجود؟ ومن أين جاءت ~~«كامي» شجاعته، وقد راح يحتج ويتمرد ويصرخ بأن الوجود لا معنى له، لو لم تكن هناك ~~«نعم» وراء هذه اللا المعذبة، تؤكد له أن هناك معنى في احتجاجه على اللامعنى، وأن ~~الحياة تستحق أن نحياها، لا بل يجب أن نحيا كل لحظة فيها ولو كانت مجردة عن المعنى، بل ~~ربما لهذا السبب نفسه، وهل كان بارمنيدز ليحتج على اللاوجود ويرفضه لو لم يكن يريد ~~تأكيد الوجود الثابت والجوهر الخالد الباقي؟! هناك إذن قوة تتجلى في قول «لا»، وتتكشف ~~في كل احتجاج على الخطأ والباطل واللاوجود، قوة تحمي الشاك من الهلاك تحت سنابك الشك، ~~وتقي اليائس من الغرور كما تقيه من الاستسلام وتدمير النفس. لنسم هذه القوة الوجود ~~أو العقل أو حكمة الحياة ونعمة السماء؛ فوراء اختلاف الأسماء اتفاق على «النعم» الكامنة ~~كمون البذرة الحية في «اللا». ~~••• # وليس أمر «اللا» مقصورا على الفلاسفة والمفكرين؛ فالأنبياء أيضا قد يحملون أمانتها، ~~فيهربون من عبثها، ويفرون من وجه الرب الغاضب، ناسين أنه لا ينذر إلا ليبشر، ولا ~~يتوعد إلا ليعد، «صار قول الرب، كما يقول الإصحاح الأول من سفر يونان «يونس» إلى ~~يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها؛ لأنه قد صعد ~~شرهم أمامي.» # كان على يونس النبي أن ms092 يذهب إلى أهل نينوى «الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم» ~~ليبلغهم بأمر اللا الإلهية، وليحمل إليهم مع نذير السماء البشير بكلمة الله، ولكنه على ~~ما تصف القصة المشهورة هرب من وجه الرب، ونزل إلى يافا ليركب سفينة ذاهبة إلى ترشيش، ~~ويرسل الرب ريحا شديدة إلى البحر تهز السفينة حتى تكاد تنكسر، ويفزع الملاحون كل ~~إلى إلهه يستصرخه، بينما يغط يونس في نومه في جوف السفينة، ويسأله الرجال عن أمره ~~فيقول: إنه خائف من الرب إله السماء الذي صنع البر والبحر، ويسألهم أن يطرحوه في البحر ~~فيسكن البحر عنهم؛ لأنه بسببه كان هذا النوء العظيم عليهم، وأعد الرب حوتا عظيما ~~ليبتلع يونس، فكان في جوفه ثلاثة أيام وثلاث ليال. وظل يونس يدعو ربه ويعترف بذنبه ~~ويتوب إليه حتى أمر الحوت فقذف به إلى البر، وذهب يونس إلى نينوى مرة ثانية؛ لينادي ~~لها المناداة التي كلمه الرب بها، وهناك أنذر يونس وتوعد، قال لأهل نينوى: إن المدينة ~~العظيمة ستنقلب بهم بعد أربعين يوما، أنذر ولم يبشر، توعد ولم يعد، صرخ «باللا» ولم ~~يفطن إلى النعم التي يمكن أن تتفتح عنها، وآمن أهل نينوى بما قاله؛ صاموا وصلوا ولبسوا ~~من الملك إلى الراعي مسوح الرهبان، ندموا إلى الرب، ورجع كل واحد عن طريقه الرديئة وعن ~~الظلم الذي في أيديهم، ندم الرب أيضا عن الشر الذي تكلم على لسان يونس أن يصنعه بهم ~~فلم يصنعه. # لكن يونس الذي توقع أن ينفذ الرب وعيده؛ فيحول المدينة إلى أنقاض والأحياء ~~إلى جثث، قد «اغتاظ بالصواب»، ولم يعرف أن الإله الغاضب هو نفسه الإله الرحيم، وأن ~~كلمته التي تقول «لا» تقول معها «نعم» في نفس واحد، واستولى عليه اليأس فدعا ربه أن ~~يأخذ نفسه منه؛ «لأن موتي خير من حياتي.» ويخرج من المدينة ويجلس في الظل ليرى ماذا ~~يحدث للمدينة، ويعد الرب الإله يقطينة تظلله وتخلصه من غمه، ويفرح يونس فرحا ~~عظيما، ولكن لا يلبث الفجر أن يطلع حتى تيبس اليقطينة وتهب ريح شرقية حارة فتضرب ~~الشمس ms093 على رأسه فتذبل، ويحزن يونس على الشجرة، هو الذي بخل بحزنه على المدينة العظيمة، ~~ويعرف أنه شك في رحمة الله، وجلس بعيدا عن المدينة ينتظر أن يراها تنهار أمام عينيه، ~~ويعود يطلب الموت لنفسه ويقول موتي خير من حياتي. # انتهى يونس إلى اليأس؛ لأنه كلف بأمانة قول «لا»، ففر من تبعتها «بلا» الهروب، ~~صحيح أنه يتلقى الدروس من الرب، ويتعلم حكمته في جوف الحوت، فيخرج منه ليبلغها لأهل ~~المدينة العظيمة، ولكن مأساته أنه وقف موقف من يقول إما اللا أو النعم، ولم يعرف ~~أنهما يمكن أن يجتمعا في وحدة واحدة، وراح ينتظر انهيار المدينة التي أبلغها غضب الرب، ~~دون أن يعرف أن الرب نفسه رءوف رحيم، لقد وقف عند منطق أهل نينوى الذين لا يعرفون ~~يمينهم من شمالهم، ولم يستطع أن يسمو إلى رأي الأنبياء الذين يعرفون أن هناك طريقا ~~ثالثا غير طريق النعم أو اللا، طريقا يجمع بينهما في وحدة الوجود ونعمته وقوته، وهكذا ~~ظل يونس حائرا بين إخلاصه لكلمة الرب وخيانته لها، فقول «لا» أمر عسير دائما، وقائل ~~«لا» ينبغي أن يدخل في حسبانه الأهوال التي يمكن أن يتعرض لها، والشجاعة التي تلزمه ~~بها، وقد كان عسيرا على يونس أن يسمع أهل المدينة هذه اللا الإلهية بغير أن يفسد ~~علاقته بالله ويخون نفسه ويخون المدينة العظيمة، وترنح يونس بين لا الهروب ولا ~~الدمار، حتى علمه الرب درسا يمكننا أن نتعلم منه! ~~••• # من الصعب أن يقول الإنسان «لا». # ولكن من أين عرفنا هذا، ومن الذي عرفنا به؟ # نحن نعلم أن هناك نوعا من الناس يعجزه أن يقول «لا.» فهو يخشى إن قالها أن ينعزل عن ~~الناس أو يعزله الناس عنهم، وهو يخاف أن يؤذي أحدا كما يخاف أن يؤذيه أحد، وهو يظن إذا ~~سكت عن قول لا، أنه سيرضى عن كل شيء وعن كل إنسان، ولكنه لا يستطيع أن يرضى عن كل شيء ~~ولا عن كل إنسان، فالقوى التي يخشى إن هو عارضها أن تطرده وتتعقبه، تتصارع فيما بينها، ms094 ~~وهو إن سكت أو احتج محكوم عليه بالوقوع تحت رحمتها والتمزق بسببها. هل يستطيع أن يخلص ~~نفسه منها إذا واجهها بقول لا؟ هل يضمن أن ينجو من شرها جميعا فلا تناله إحداها؟ إنه ~~يحاول بالصمت أن ينجو من هذه القوى جميعا، يحاول ألا يبدي مقاومة، أن يصبح «لا أحد»، ~~ولكنه لا يستطيع أن يكون «لا أحد»، ومحاولته أن يكونه تفضحه، إنه في كل لحظة معرض ~~لألوان من الجزاء، وهو لا يستطيع أن يكتفي بموقف المعذب والضحية، بل لا بد له أن يقوم ~~بدور المنفذ والجلاد، مهما حاول أن يغسل يديه ويعلن براءته، ومن ثم يحاول أن ~~يسلم نفسه لإحدى هذه القوى، غير أنها لا تحميه، بل تهدد بابتلاعه، وفي طريقه إلى ~~الهروب من إحداها يقع في أسر الأخرى، ويبدأ في القفز من إحداها إلى الأخرى، لكنه لا ~~يحتاج إلا لقوة واحدة تعطيه القدرة على القفز، ويحاول أن يتعالى عليها جميعا، أن يقول ~~للكل لا، غير أن التعالي لا ينجح إلا في الظاهر، فهو ما يزال في حاجة إلى قوة تؤكد له ~~أنه متعال ومرتفع. وتتنافس القوى عليه، ويضطر أن يدافع عن ذاتيته التي يتهددها الضياع؛ ~~فيقول لهذه القوى لا، ويقول لنفسه لا، ولكنه يجد أنه لا يستطيع أن يقول لها جميعا ~~«لا»؛ فيوافق على إحداها أو بعضها، ويوحد بين ذاته وبينها، ويكتشف في التوحيد تهديدا ~~جديدا بفقدان الذات، ويرى نفسه وحيدا لا يجد شيئا يتمسك به، فيبدأ في البحث عما هرب ~~منه، ويفزع إلى المحدود هربا من غير المحدود، ويتلمس الشكل نجاة مما لا شكل له، ويدخل ~~مختارا في أسر الجبر والإلزام؛ ليخلص من حرية الفراغ، ويسأل نفسه: هل أستطيع أن أحتفظ ~~بذاتيتي إذا قبلت كل القوى والأنظمة ووحدت نفسي بها؟ وإذا رفضتها جميعا فهل أحافظ ~~عليها؟ وبعد أن كانت المسألة في أول الأمر مسألة تكيف مع القوى الخارجية والداخلية، ~~تصبح المشكلة عنده هي فقدان الذات أو الاحتفاظ بها، ويعرف الآن أن من الصعب على الإنسان ~~أن يقول «لا»، وأصعب ms095 عليه ألا يقولها، فهو يقولها ليحتج على إضاعة ذاته (وماذا يكون ~~بدونها؟) فإذا قالها عادت فهددت هذه الذات بالضياع، وهو إن امتنع عن قولها، وحاول أن ~~يعزي نفسه بالارتفاع فوق القوى والأنظمة والأشكال جميعا، عاجله الخوف والقلق من أن ~~ذاته لم تتحد مع شيء ولا ارتبطت بشيء، وهذا من أبشع ألوان الخوف والقلق في عصرنا الذي ~~نعيش فيه. # كيف ينجو من هذا القلق من يبحث عن النجاة؟ بالكلام؟ ولكن الكلام يبدو سخفا وعجزا، ~~حيث يصبح الكلام الحقيقي والحوار الحقيقي مستحيلا، بالصمت؟ ولكن هل يخلص الصمت من ~~الخوف، وقد تسبب الخوف فيه؟ إن الإنسان لا يستطيع أن يبقى بغير لغة، فحتى الصمت نفسه ~~نوع من الكلام مع الذات، حين تتكسر جسور الكلام مع الآخرين ، لا بد إذن أن يبحث الإنسان ~~عن لغة، هنا يختلف الناس بعضهم عن بعض، فالبعض يسكت، وهم ملايين في عالمنا الحديث، وفي ~~صمتهم - أو لنقل في عجزهم عن الكلام - نوع من الاحتجاج الأخرس، نوع من قول لا، ~~والبعض الآخر يهرب إلى الشعارات والحكم والكلمات المحفوظة؛ لعجزه عن الكلام الحق، فلا ~~يلبث أن يفزع من هذه الشعارات والحكم والكلمات المحفوظة، وفريق ثالث يبحث في الفن ~~والعلم عن لغة جديدة، لا بل يحاول أن يوجدها في كل عمل جديد، ولغته هنا نوع من قول لا، ~~أو من الاحتجاج على لغة لم تعد تقول شيئا. # قول «لا» أمر عسير؛ لأن القول نفسه أصبح عسيرا، واللغة أصبحت حملا ثقيلا مفروضا ~~من أعلى، وقول لا أمر صعب؛ لأنه احتجاج على ضياع اللغة الحق، لغة الحوار بين البشر، لغة ~~السؤال والجواب، والرأي والاعتراض عليه. قول «لا» في وسط الصمت السائد كإحداث ثقب في ~~سفينة، إنه نوع من الاحتجاج يهدد صاحبه بالخرس والصمت، والخوف من الصمت - حتى ولو هرب ~~الإنسان إليه - من أبشع أنواع الخوف في عصرنا الذي نعيش فيه. # خوف من ضياع الذات، وخوف من فقدان اللغة، وقلق من أن يصبح الإنسان شيئا بين الأشياء، ~~أو يصبح أخرس يخدع نفسه بالحياة في جنة ms096 الصمت أو يتحايل على الحياة في جحيمه، كلاهما ~~نوع من تدمير الذات، وكلاهما من أبشع ألوان الخوف في عصرنا الذي نعيش فيه. # قد يظهر هذا التدمير ملفتا للأنظار في الانتحار أو الجنون أو الفزع إلى حياة اللذة ~~المسعورة أو حياة العزلة والرهبنة المفروضة، ولكنها جميعا ألوان من تدمير الذات، تحاول ~~كلها أن تهرب من خيبة الأمل في نفسها وفي العالم لتقع من جديد في خيبة الأمل. # كيف نقاوم هذا التدمير الذي يتفشى كالوباء في كل مكان؟ كيف نستطيع أن نقول «لا» دون ~~أن نفقد ذاتنا أو نضطر إلى الصمت الأخرس؟ كيف نحافظ على هذه القوة الأصيلة في الإنسان؛ ~~قوة الاحتجاج وقول لا؟ كيف نصر على المقاومة وسط أمواج الدمار التي تلتف علينا، ~~بغير أن نخاف من الخوف، وبغير أن نخدع أنفسنا ببطولة زائفة أو نعزيها بالانعزال التعيس؟ ~~في أمواج الدمار نفسها ينبغي علينا أن نبحث عن قارب النجاة. وسط القوى المتصارعة يجب أن ~~نقاوم. بين أصوات الزيف وصيحات الخادعين لا بد أن نصرخ قائلين: لا. هنا أيضا يجب أن ~~نبحث عن كل من يصرخ مثلنا ويقول «لا»، سنجد بينهم كثيرين من المزيفين والدجالين ومن ~~لا يعلنون السخط إلا لكي يتعرفوا على الساخطين، وليست الصعوبة في أن نجد المحتجين ~~الحقيقيين بدلا من المحتجين المزيفين، بل هي في اكتشاف الحقيقيين بين صفوف المزيفين. ~~وإن لم نفعل كذلك فنحن نخون أنفسنا، ونخون الوجود الحق الذي نقول باسمه «لا». # قول لا أمر صعب؛ لأنه احتجاج على تدمير ذات الإنسان، ولأنه يهدد قائله بالدمار. ~~والخوف من الدمار - حتى ولو هرب الإنسان منه بتدمير نفسه بالموت أو الجنون أو الصمت - ~~من أبشع ألوان الخوف في عصرنا الذي نعيش فيه. ~~••• # لنضرب مثلين على الوقوف في وجه الموت، وعلى مقاومة العنف والوحشية. # أما أحدهما فنتعلمه من أب الشعراء هوميروس، وأما الآخر فمن شاعر حديث هو برتولت ~~بريشت، فالقارئ يذكر من قراءته للأوذيسة كيف مكر أوديسيوس بالوحش الخرافي الرهيب ~~«الكيكلوب»، وكيف استطاع أن يفقأ عينه الواحدة بعد أن ابتلع ms097 رفاقه الملاحين واحدا بعد ~~الآخر أمام عينيه. # في الأنشودة التاسعة من الأوديسة يحدثنا البطل المغامر أوديسيوس كيف اتجه مع رفاقه ~~الاثنى عشر إلى بلد الكيكلوب، هؤلاء العمالقة الجبارين، الذين لا يعرفون شريعة أو ~~قانونا، ولا يزرعون بأيديهم ولا يحرثون، بل ينمو كل شيء في أرضهم، اعتمادا على الآلهة ~~الخالدين. اقترب هو ورفاقه من الجزيرة التي يسكنها العمالقة، ورأوا من بعيد كهفا ~~يشرف على البحر، تظله أشجار الغار، «هناك اعتاد هذا العملاق الوحشي أن يقضي الليل ~~ويرعى الحيوانات بعيدا لا يختلط بغيره، بل يعيش في عزلته ويتفكر فيما يخالف القانون، ~~فلقد خلق كما تخلق الأعجوبة الخارقة، لا يشبه رجلا يأكل الخبز، بل قمة صخرية ~~كثيفة الشجر على جبل مرتفع، تبدو واضحة للعين، بعيدة عن غيرها من القمم.» # حمل أوديسيوس معه قربة نبيذ أحمر، وسلة مملوءة بالطعام، استعدادا لمواجهة رجل ~~شديد البأس، لا يعرف شريعة ولا يخضع لقانون. ودخل هو ورفاقه إلى الكهف، فأكلوا وأشعلوا ~~نارا وقدموا ضحية، وجلسوا ينتظرونه، ودخل العملاق أخيرا، يحمل حملا ثقيلا من ~~الخشب ليسوي عشاءه، ودفع ماشيته في الكهف، ثم رفع صخرة هائلة سد بها الباب، وبعد ~~أن حلب الماشية وفرغ من شئونه؛ أشعل نارا ولمح الغرباء على ضوئها فسألهم في صوت «تكسر ~~له القلب الحبيب»: «أيها الغرباء، من أنتم؟ ومن أين أتيتم سيرا على الدروب الرطبة؟ هل ~~جئتم في مهمة؟ أم تجوبون البحار المالحة كالقراصنة الذين يتجولون هنا وهناك ويخاطرون ~~بحياتهم حين يجلبون الأذى على غيرهم؟» ويجيبه أوديسيوس فيروي عليه أنباء رحلته من ~~طروادة وكيف ضل الطريق إلى الوطن، ويطلب منه أن يحميه ورفاقه وأن يخشى الآلهة فيكرمهم. ~~لكن العملاق يسخر من سذاجته؛ إذ كيف يدعوه إلى خشية الآلهة والعمالقة لا يكترثون بزيوس ~~ولا بغيره؟ وقفز العملاق ومد يده إلى الرفاق فتناول اثنين منهم قذف بهما على الأرض ~~كالكلاب الصغيرة، ثم أعدهما لوجبة العشاء وأكلهما - كالأسد الذي يتغذى في الجبال - فلم ~~يبق منهما لحما ولا عظما، وبعد أن فرغ من الطعام وشرب اللبن تمدد على الأرض ms098 ~~ونام. # خطر لأوديسيوس أن يطعنه في صدره، ولكنه تذكر أنه لن يستطيع هو ورفاقه وحدهم أن ~~يزحزحوا الصخرة الهائلة التي سد بها الكيكلوب باب الكهف، ولم يبق أمامهم إلا أن ~~ينتظروا الفجر الإلهي وهم يتنهدون. # ولم تكد تشرق أيوس ذات الأصابع الوردية، حتى أشعل نارا وبدأ يحلب ماشيته، ثم أمسك ~~باثنين من الرفاق وفعل بهما ما فعله بصاحبيهما! وراح أوديسيوس يفكر في وسيلة تكتب المجد ~~لراعيته أثينا وتجعل الكيكلوب يكفر عن ذنوبه، ورأى عصا خشنة تركها العملاق وراءه، ~~خضراء من خشب الزيتون، قدرها هو ورفاقه في ارتفاع سارية سفينة سوداء ذات عشرين ~~مجدافا، عريضة تحمل البضائع وتعبر الأعماق العظيمة، وأمر أوديسيوس رفاقه أن يشذبوها، ~~ثم سن طرفها الأعلى ووضعها في النار حتى حميت ، ثم أخفاها تحت أكوام التبن، وحين عاد ~~العملاق في المساء وفعل ما فعله من قبل، تقدم منه أوديسيوس وفي يده وعاء مملوء ~~بالنبيذ الأسود وطلب منه أن يشربه، وأفرغ الوحش الشراب العذب في جوفه، وطلب أن يسقيه ~~مرة أخرى وأن يقول له اسمه على الفور، حتى يقدم له هدية تفرح بها نفسه، وبعد أن شرب ~~ثلاث مرات، وبدأت الخمر تعبث برأسه، قال له أوديسيوس: أيها الكيكلوب! تسألني عن اسمي ~~المشهور، حسنا! سأقوله لك! أما أنت فأعطني هدية الضيافة كما وعدتني! اسمي هو «لا أحد»، ~~وأبي وأمي وكل رفاقي يدعونني «لا أحد!» ووعده الكيكلوب أن يقدم له الهدية، أما هذه ~~الهدية فهي أن يكون آخر من يأكلهم من الرفاق! # وقهر النوم ذلك القهار فتمدد على الأرض فاقد الوعي، وراح يلفظ النبيذ ولحم البشر ~~من فمه، وأخرج أوديسيوس الساري الجبار من تحت الرماد فحماه في النار حتى أصبح شواظا ~~ملتهبا، وأخذ يشجع رفاقه حتى حملوه، وأوديسيوس متعلق بطرفه، وراحوا يغرزونه في عين ~~الكيكلوب التي اندفع منها الدم الساخن، وأزت كما تئز فأس ملتهبة يضعها الحداد في ~~الماء البارد؛ زعق الوحش وزأر، واهتز الصخر لصوته، وراح ينادي على زملائه الساكنين في ~~الكهوف المجاورة، فتجمعوا على باب الكهف وأخذوا يسألونه إن ms099 كان أحد من الفانين قد ~~اغتصب خرافه؛ إذ لا يصدق أن يكون أحد منهم قد اعتدى عليه بالقوة أو بالخديعة. ورد ~~عليهم ذو الأسماء المشهورة: «يا أصدقائي! «لا أحد» هو الذي اعتدى علي بالحيلة لا ~~بالقوة! فأجابوه: إن كان لا أحد قد اعتدى عليك وكنت وحدك، فإن مرضا أصابك به زيوس ولا ~~سبيل إلى الشفاء منه، صل إذن لإلهك بوزيدون (إله البحار).» # هكذا تكلموا ثم انصرفوا إلى حالهم، أما أدويسيوس فقد ضحك «قلبه الحبيب من اسمه الذي ~~خدعهم، ومن الخاطر الذي لا يلام.» جلس الكيكلوب على باب الكهف، وفكر أوديسيوس في ~~حيلة أخرى تنجيه ورفاقه من الموت، فربط كل ثلاثة من الخراف السمينة بأكياس تعود ~~الوحش أن ينام عليها، كما ربط رجلا تحت كل واحد يتوسطها، ودفن نفسه في صوف جدي وثير، ~~وهكذا أخرج الكيكلوب الأغنام لترعى فأفلت المغامر الماكر من بطش ذلك الجبار! واستطاع ~~الضعيف العاجز أن يصيب العملاق «ذا الأسماء المشهورة» بالعمى بعد أن قهره بالخمر ~~والمكر! # هناك أبطال كثيرون علموا الإنسان كيف يقتل وكيف يموت، أما أوديسيوس فهو يعلمه ~~كيف يواجه خطر الموت، فيفلت منه في كل مرة ويبقى حيا! # لقد رأينا كيف مكر بالوحش ذي الأسماء المشهورة، فهو ينكر اسمه فينجو من بطش الوحوش ~~الأخرى: «إن لا أحد هو الذي اعتدى علي بالحيلة لا بالقوة.» وهو يتعلق ببطن الجدي ~~السمين فلا تصل إليه يد العملاق، ويفعل كل ما يستطيع لكي يكون «لا أحد»، غير أنه لا يظل ~~كذلك، ولا يحتمل أن يبقى مجهول الاسم، فحيلته الكبرى هي إنكار نفسه للإبقاء على نفسه، ~~وليس من قبيل الصدفة أن يظهر أوديسيوس مجهول الاسم أمام الوحش ذي الأسماء المشهورة، ~~فلعله رأى أن إنكار النفس هو أقصر طريق إلى الشهرة، وأن التخلي عن الذات هو أضمن ~~وسيلة للمحافظة عليها. # عرف أوديسيوس إذن كيف يحافظ على ذاته أمام الموت، لم يقض على الوحوش الهائلة، بل ~~فوت عليها فرصة القضاء عليه، ولم يبطل تأثيرها وسحرها، بل عرف كيف ينجو بنفسه منها، ~~ولم ms100 يدخل معها في صراع ولا صدام حقيقي، كما فعل هرقل مع قوى الشر في مغامراته ~~المشهورة، بل اكتشف نقط الضعف في قوتها الهائلة، وجانب القوة في ضعفه الإنساني. إنه لا ~~يستسلم أبدا لقوة تريد أن تمحوه أو تبتلعه، فالجزر المسحورة التي تعده بالسعادة عن ~~طريق النسيان، لا تستطيع أن تغريه بالبقاء، والساحرتان القديرتان «كاليبسو وكريكه» ~~تفعلان كل ما في قدرتهما لإقناعه بالزواج منهما فلا تستطيعان أن «تحركا الشجاعة في ~~صدره» على الارتباط بهما؛ ذلك أن الزمن الذي لا يتوقف ينجيه من العمالقة والوحوش، فهو ~~المسافر الذي لا يستقر في مكان (سلف السندباد!) يملأ الشوق صدره إلى وطنه إيثاكا ~~(خشنة هي إيثاكا، ولكنها طيبة، وصالحة لإطعام الرجال). وتمر عليه التجارب المرة ~~والعذبة، فلا تنسيه أنه ليس هناك ما هو أعذب من الوطن والأبوين، إنه المسافر الباقي، ~~المحافظ على ذاتيته دائما، في بعض الأحيان يضطره الأمر إلى تقديم الدليل، حين تنكسر به ~~السفينة على الشواطئ الغريبة أو يتخفى في ملابس الشحاذين، أو يعود إلى بيته، ولكن كيف ~~يتم له ذلك؟ بالتذكر؛ فالتذكر هو الخيط الذي يمسك به على محطات رحلته، والتذكر هو الذي ~~يحفظه من أن ينسى نفسه أو ينسى، وحين تتغلب عليه آلام التذكر تظهر حقيقته، فهدفه ~~واحد لا يتغير، وهو الرجوع إلى وجوده القديم، والعودة إلى بيته ووطنه، وحين يعود إلى ~~هذا الوطن، ويدخل بيته كما غادره شابا لم تغيره السنون، يبدو كأن الزمن الذي لم يكف ~~عن الجريان قد توقف، وأن شخصيته التي تهددتها أهوال الرحلة لم تتغير ولم تصب بسوء، ~~لقد كانت كالقدر المعلق فوق رأسه على طول الطريق، وإذا كانت النبوءة قد أخبرته من ~~قبل أنه سيتعذب وسيعود إلى وطنه، فقد ظلت هذه النبوءة كالمستقبل الذي يتذكره قبل ~~أن يحدث، لا الماضي الذي يستحضره بعد أن يفوت، وظل هو أوديسيوس الماكر الذي ينتصر على ~~الخطر قبل أن يقع له، كأنه لا يتعلم ولا ينسى، ومع ذلك فالمكر له حدود، فهو مهما بالغ ~~فيه لا يستطيع أن ينسى ms101 ولده، ولا أن يضحي باسمه، وهو مهما ادعى الجنون أو أنكر الاسم ~~فلا يلبث أن يفضحه حرصه على المجد، كما يفضحه حرصه على الابن، وكلاهما ضمان لتخليد ~~الذات عبر الزمن الدوار. # ونهاية أوديسيوس نفسها - على اختلاف رواياتها - تؤكد ذاتيته ولا تمحوها، فسواء كان ~~موته على يد ولده تليجونوس من الساحرة كيركه، أم على يد ولده تليماخوس من زوجته بنيلوبه ~~اللذين قتلاه دون أن يعرفاه، فإن موته لا يعني القضاء على شخصيته، على الرغم من محاولته ~~أن ينكر نفسه ويبدو كأنه «لا أحد»؛ ذلك أن الولدين - وإن كتب على يديهما هلاك الأب - ~~يحلان محله ويبقيان على اسمه من بعده، وذلك بأن يتزوج تليماخوس من كيركه وتليجونوس ~~من بنيلوبه، وهكذا يمتد ذكر أوديسيوس امتداده الطبيعي على طريق الابن، وامتداده المعنوي ~~عن طريق المجد والشهرة؛ لكي يبقى في ذاكرة الزمن رمزا للبطل الذي حاول أن ينكر نفسه ~~فلم يستطع أن يكون «لا أحد»! ~~••• # وتقابلنا شخصية أوديسيوس في العصر الحديث عند الشاعر برتولت بريشت في أقاصيصه «حكايات ~~السيد كوينر» هنا نجد السيد «ك» (وهو اختصار لاسمه كوينر) الذي يصر على تسمية نفسه ~~«لا أحد»، إنه يحاول أن يجعل عدم الاكتراث مبدأ حياته، فتكشف حياته وأقواله عن اكتراثه ~~بكل شيء! إنه يأخذ على سقراط أن منهجه هو عدم الاكتراث (لو أنه درس شيئا لعرف شيئا)، ~~وهو يقف في صف العدالة (فمسكنه يجب أن يحتوي على أبواب كثيرة للخروج)، وهو يؤثر الفيل ~~على كل الحيوانات؛ فالفيل يجمع بين المكر والقوة، ويستطيع أن يكون حزينا وغضوبا، وهو ~~لا يؤكل ويتقن العمل، ولا يلفت الأنظار بلونه ولكن بضخامته، وهو إذا أحس باقتراب ~~نهايته ذهب إلى الغابة فمات وحيدا وفي صمت. # إن أوصاف السيد كوينر للحيوان الأثير لديه تنطبق على نموذج الإنسان عنده، فهو لا يحب ~~أن يلفت الأنظار إليه، ويبالغ في ذلك إلى حد أن يسمي نفسه «لا أحد»، غير أن هذه التسمية ~~لا تخدعنا؛ فالسيد كوينر ليس «لا أحد»، وهو لا يحب لنفسه ولا يمكنه أن يكون ms102 كذلك، فما ~~الذي يدفعه إلى هذه التسمية؟ إن حكاية صغيرة من حكاياته توضح ذلك، «فقد التقى ذات يوم ~~برجل لم يره منذ زمن طويل، وحياه هذا بقوله: إنك لم تتغير أبدا، فرد عليه السيد ~~ك. قائلا: آه! وشحب وجهه.» # لا بد أن السيد ك. قد أحس بأن أمره افتضح، وإلا فلماذا شحب وجهه؟ هل شعر من تحية ~~صديقه أنه يتهمه بأنه وقف في مكانه فلم يتطور ولم ينضج ولم يتقدم خطوة إلى الأمام؟ قد ~~يكون هذا تفسيرا للشهقة التي انطلقت عنه، ولكن لو صح ذلك لتوقعنا أن يحمر وجهه ~~خجلا لا أن يشحب اصفرارا، أم لعله شعر أن الرجل قد كشفه وتبين أنه لا يزال كما هو ~~واحدا من الملايين بلا صفة تميزه ، و«سيدا» كآلاف غيره كلهم «كافات»؟ لو كان الأمر ~~كذلك لما حق له أن يشحب وجهه، بل لرضي بذلك وفرح؛ لأنه لم يتناقض مع نفسه، لا يبقى إذن ~~سوى أن نقول: إن وجهه قد شحب؛ لأنه غير راض عن الدور الذي يمثله دون أن يعبر عن ~~حقيقته، ولأن صديقه قد عرف أنه ليس ذلك «اللاأحد» الذي يحاول جاهدا أن يدعيه، فهو قد ~~أنكر ذاتيته، وراح يحملها كأنها عبء لا يستطيع أن يتخلص منه، ومع ذلك فقد أكدها بإنكاره ~~لها، وهذا هو الذي فضحه فشهق وشحب وجهه. # هل يكون «السيد ك.» صورة جديدة من أوديسيوس في كهف الوحش الكثير الأسماء؟ إن ~~أوديسيوس خائف من أن يكون لا أحد، إنه لا يمثل دور المنكر لنفسه كما يفعل شبيهه الحديث، ~~بل يدعيه دفاعا عن اسمه الحقيقي وتخليدا له، ذلك هو مصدر خوفه، أما السيد ك. فقد ~~تخلى عامدا عن اسمه، ولسنا ندري من حكاياته إن كان يحمل اسما سريا مما تحمله ~~الشخصيات الخرافية التي تعيش تحت الأرض. فتخليه عن اسمه لا يعني أنه تخلى عن ذاته، ~~بل العكس هو الصحيح؛ لأن اسمه الجديد نوع من الإفلات من الاسم، يتيح له في نفس الوقت أن ~~يعرف وأن يتجاهل ما عرف، أو يتظاهر ms103 بتجاهله. ولقد افتضح أمره؛ لأنه تعمد أن يستبعد ~~التسمية؛ فلم يفلح في أن يظل بغير اسم، ورغم أنه لا أحد فلم ينجح في أن يكون لا أحد، ~~أراد أن يبعد عن نفسه شبهة المعرفة، فتبين أنه عرف إلى حد السخط والثورة، وأصبح رمزا ~~لكل من يقف موقف الأعزل في وجه القسوة والظلم والوحشية، فيقاومها بعجزه عن ~~المقاومة! # أضف إلى هذا كله أن السيد «ك» ليس أي واحد من الناس، إنه يلقي المحاضرات، ويثبت أنه ~~نافع (الفيل كذلك حيوان نافع: فهو يؤدي شيئا في سبيل الفن إذ يقدم سن الفيل!) إنه ~~يستطيع في بعض الأحيان أن يحتج، فيعلن في إحدى خطبه العامة أنه يستنكر العنف ~~والإرهاب، هنالك يلاحظ أن الحاضرين انسحبوا من محاضرته ، ويلتفت السيد «ك» ليرى الإرهاب ~~نفسه واقفا وراءه! فإذا سأله ماذا كان يفعل؟ أجاب بأنه عبر عن سخطه عليه، يسأله ~~تلاميذه: لم لم يكن له ظهر يحميه؟ أو لماذا خلق بغير عمود فقري؟ فيروي لهم حكاية ~~عن «السيد إجه # Herr Egge ~~»، ففي زمن النازية الذي تعطلت ~~فيه القوانين وسادت شريعة الفوضى جاء أحد عملاء هذا «النظام» إلى السيد «إجه» عارضا ~~عليه المسكن والمأكل، وسأله: هل تقبل أن تخدمني؟ ومضى السيد «إجه» يخدمه سبع سنوات بدون ~~أن يقول كلمة واحدة، وسمن العميل من كثرة النوم والأكل وإصدار الأوامر حتى مات، وحمل ~~السيد «إجه» جثته إلى الخارج ونظف البيت وتنفس الصعداء، وقال: «لا.» ثم يعقب ~~السيد «ك» قائلا: أنا بالذات لا يصح أن يكون لي عمود فقري؛ إذ يتعين علي أن أعيش ~~أطول مما يعيش الإرهاب. # وهنا نسأل: هل كان في استطاعة السيد «إجه» أن يصلح العميل ويرده عن خدمة العنف ~~والإرهاب؟ لا شك أنه لم يكن يستطيع. هل كانت مصادفة أنه بقي حيا؟ نعم كانت مصادفة، هل ~~أثمر الاحتجاج الصامت أية ثمرة؟ وهل فهم أحد أنه احتجاج؟ نعم، فقد فهمه السيد كوينر على ~~أي شيء يحتج هذان السيدان إذن؟ من الواضح أن احتجاجهما البعيد المدى موجه ضد ~~الإرهاب، أما ms104 الاحتجاج الظاهر فهو على التورط في الكلام، هنا يختلفان عن أوديسيوس، ~~فلولا أناشيد هوميروس في ملحمته المشهورة لبقي أوديسيوس «لا أحد» مجهولا، أما السيد ~~كوينر فلا يمكنه في زمن البطش أن يغني أو يتكلم أو يعلن شيئا، حتى ولو كان هذا الشيء ~~هو اسمه؛ ولذلك فقد أنكر هذا الاسم، ولولا هذا الإنكار لظل «لا أحد». وأما السيد ~~«إجه» فلولا الصمت الذي لجأ إليه لبقي هو أيضا لا أحد، كلاهما هرب من العدم إلى العدم، ~~من ضياع طبيعي للاسم (أو قل للشخصية والذات في ظل الإرهاب) إلى ضياع مفروض للاسم، غير ~~أن حيلتهما العاجزة تثبت قوتها، واستسلامهما الصامت يثبت أنه هو السلاح الوحيد ~~للمقاومة. لقد بين كلاهما أننا نعيش في عالم يهدد ذاتية الإنسان بالتلاشي ؛ ولذلك فليس ~~عجيبا أن نجد بريشت يوصي طوال حياته «بالتنكر»، ويصف نفسه - لكثرة الأقنعة التي لبسها ~~- في نوع من الاعتزاز بمكره فيقول: أيا كان الذي تبحثون عنه، فأنا لست «هو»، وينصحنا ~~في قصيدة مشهورة فيكرر القول: «أقول لك: أخف الآثار.» ويصف المدن التي نعيش فيها اليوم ~~بأنها كالأدغال التي تموت فيها الفيلة؛ لهذا كله وجدنا الذات المهددة بالضياع في مركز ~~أعماله الشعرية والمسرحية، فشخصية جالي جاي في مسرحية «رجل برجل» عنوان الإنسان الذي ~~يمكن في العصر الحديث أن يتشكل بالشكل الذي يراد له، وسائقو الطائرة المحطمة في مسرحية ~~«بادن» التعليمية عن التفاهم والقبول، ويتحتم عليهم التضحية بشخصياتهم في سبيل المجموع ~~التاريخي الرهيب، وشن-تي، إنسانة ستشوان الطيبة والشريرة معا، تتصارع فيها شخصية ~~المحسنة الفقيرة والمستغلة الجشعة، وتظل على هذا الصراع بين الفردية والمجموع حتى تصرخ ~~في النهاية: لا بد من إيجاد حل. والسيد شميت في مشهد المهرج المفزع في المسرحية ~~التعليمية السابقة يتخلى عن أعضائه شيئا فشيئا ليحس بالسعادة حتى ينتهي به الأمر ~~إلى التخلي عن رأسه. كل هذه الشخصيات لا تحتج بالمعنى المألوف عن الاحتجاج، إنها ~~تخفي هذا الاحتجاج فتكون النتيجة أن تظهره، وتخنق صوته فيرتفع أعلى مما كان، وتحاول ~~بكل قوتها أن تنكر ذاتها فتؤكدها، ms105 وسواء كان بريشت صادقا فيما دعا إليه صراحة في بعض ~~مسرحياته التعليمية من سحق الفرد ليحيا المجموع، والتضحية بالثائر لتبقى الثورة «لنلاحظ ~~بهذه المناسبة أنه عدل عن هذا الموقف البشع في مسرحياته المتأخرة، وراح يبحث عن حل ~~آخر كما فعل مثلا على لسان تشن-تي في مسرحية إنسان ستشوان الطيب.» فإنه يشير إلى نوع ~~من الاحتجاج الأخرس الذي يخشى أن يكون هو الاحتجاج الوحيد الذي بقي للإنسان في عصر ~~التجمعات والمحاكمات ومعسكرات الاعتقال، والملايين الصامتة المستسلمة في ظل نظم الفوضى ~~التي نسميها بالفاشية والنازية، وإذا كان السيد «ك» والسيد «إجه» لا يقولان «لا» واضحة ~~عالية، بل يبعدان عن نفسيهما شبهة الاحتجاج بكل وسيلة حتى ولو استدعى الأمر أن يتخليا ~~عن أسمائهما، فإن سكوتهما يظل عالي الصوت، واستسلامهما يصبح هو السبيل الوحيد للمقاومة، ~~وامتناعهما عن قول «لا» يظل أقوى أثرا من كل صيحات المتمردين والغاضبين، ولا شك أن هذا ~~الاحتجاج الصامت الساخر من كل احتجاج هو في حقيقته أقوى من كل احتجاج. صحيح أن السيد ~~«ك» والسيد «إجه» لم يحلا مشكلة «اللا آحاد» الكثيرين في هذا العصر، ولكنهما قد أشارا ~~إليها على أقل تقدير. ~~••• # إذا كان في احتجاج أوديسيوس و«السيد ك» جانب من السخرية الخفية بالبطش والادعاء ~~والظلم والزيف الذي يرتدي رداء البطولة، فإن هناك أنواعا أخرى من السخرية والساخرين ~~تستطيع أن تملأ قلوبنا بالبهجة وتضيء عقولنا بالمعرفة، ولسنا في حاجة إلى البحث في ~~الملاحم القديمة، ولا لتنقيب في آداب الأمم الغربية لنجد آثار هذه السخرية المرحة؛ ~~فهناك حكاياتهم التي تدور على ألسنة الشعب في الأسواق والطرقات، وهناك مغامراتهم التي ~~نتذكرها في كل مناسبة تدعو إليها، هناك جحا في حياتنا، وهناك الأويلنشبيجل أو جحا ~~الألمان. ويكاد يكون لكل شعب جحاه الطيب الضاحك الزاهد في كل ادعاء أو إصلاح، القادر ~~مع ذلك على تصحيح كل وضع مقلوب أو شاذ. # 1 # ولا يسمح المجال بالإضافة في الحديث عن هذين الأحمقين العاقلين، ولا يصلح للكلام في ~~فلسفة الضحك والمضحكين؛ فذلك شيء يمكن أن يرجع فيه ms106 القارئ إلى كتب كثيرة تعالج هذا ~~الموضوع، ولكننا نلاحظ فحسب أن أسلوبهما هو أسلوب الإغراب الذي جعل منه بريشت وسيلة ~~المعرفة التي تكشف عن مجتمع كل ما فيه غريب ومحتاج إلى التغيير، فالمعرفة التي ~~يعلمنا إياها جحا أو الأويلنشبيجل هي بدورها معرفة كاشفة، وشخصيتهما تشترك مع شخصية ~~الأحمق أو المغفل في العصر القديم والوسيط إلى يومنا هذا في كشف «العالم المقلوب» الذي ~~نعيش فيه، وهم جميعا يسلطون لسانهم السليط أو نكتتهم اللاذعة عليه؛ لأنهم يرونه دائما ~~عالما يقف على رأسه. # ولعل في شخصية سقراط الفيلسوف المبتسم المتواضع من ملامح شخصية الأحمقين المشهورين ~~أكثر مما توحي به كتابات أفلاطون أو أكسينوفون التي بقيت لنا عنه، ولعل هذا أيضا هو ~~الذي دفع الكاتب الساخر أرسطوفان إلى هجومه اللاذع عليه، فهو في مسرحية «السحب» يصوره ~~حالما خياليا، ويعلقه في سلة بين السماء والأرض، ويمثله صاحب مذهب صوفي وخرافي، ~~ويجعله في النهاية يحرق مدرسته الفكرية، ومع ذلك فقد فشل هجوم أرسطوفان؛ ذلك لأن سقراط ~~لم يكن يحمل مذهبا بقدر ما كان يجسده، وهذا وحده هو الذي جعل أكثر الفلاسفة ~~المتأخرين والعصور التالية ترفعه إلى درجة التقديس. لقد كان - كما قال عنه كير كجارد ~~بحق - سخرية خالصة، ولكن هذه السخرية لم تكن تشبه في شيء تلك النزعة التهكمية ~~المرة التي يطلق عليها اسم «الكلبية» # cynicism ~~، فهي ~~- كما يقول عنها كير كجارد أيضا - «نفي مطلق لا متناه»، يعبر به صاحبه عن سخط ~~أبدي، ولكن هذا السخط يختلف عن خيبة الأمل، فهو لا يصدر عن مرارة الفشل، بل عن حرية ~~العلو فوق الأوضاع القائمة، بغية نقدها وتغييرها والكشف عن تناقضاتها. # ومع ذلك قد يكون من المبالغة أن نقول عن الأويلينشبيجل أو عن جحا أنهما ساخران بهذا ~~المعنى، فكلاهما لا يزعم أنه يلتزم بدعوى أو مذهب أو إصلاح، بل يدخل نفسه في مآزق لا ~~يستطيع أن يخرج منها؛ لكي يكشف بذلك عن حرجها أو تناقضها؛ ولذلك كانت حريته حرية الكشف ~~والتعريف وتسليط الأضواء. # وقد عرفت الفلسفة اليونانية القديمة ms107 شخصية جذابة هي شخصية الفيلسوف ديوجينيس، أو ~~ديوجينيس الكلبي كما اشتهر اسمه، ذلك المغفل الحكيم الذي راح في ضوء النهار يتجول في ~~الأسواق حاملا مصباحا في يده، باحثا عن إنسان. لم يكن ديوجينيس بالطبع يجهل أن ~~المصباح لا ضرورة له في وضح النهار، ولا كان غبيا إلى الحد الذي يجعله يبحث عن ~~«إنسان» لا وجود له، ولكنه اتبع أسلوبا في الإغراب يجعله أقرب إلى «الأويلنشبيجل» أو ~~إلى جحا، وإن اختلف عنهما في ملامح كثيرة؛ فهو لم يكن يدعو إلى حكمة «اللوجوس» التي ~~كانت تلزم الجميع، ولا كان يخضع للقوانين اليونانية التي آمن بها سقراط إلى آخر لحظة من ~~حياته كما ضحى من أجلها بهذه الحياة، ولكنه كان ساخطا على طريقته، فهو يريد أن يقول ~~للمدينة اليونانية «البوليس» إنه يكشف لها حقيقتها، ويقدم لها المرآة التي لا تحب أن ~~ترى وجهها فيها. إنه يعيش عيشة الكلب، ويسير في الشوارع والأسواق حاملا مصباحه المشتعل ~~في يده، وكأنه يريد أن يقول لأهل المدينة: لست أنا الكلب، بل أنتم الكلاب! لا بل إنني ~~لا أزعم أني إنسان، وإنما أبحث بينكم عن إنسان، أعرف سلفا أنني لن أجده؛ لذلك لم يكن ~~هو الساخر الحر الذي نعنيه، بل الباحث الذي خاب أمله في عالمه؛ فراح يبحث عن شيء يعرف ~~مقدما أنه لن يعثر عليه. إن بحثه عن الإنسان ليس بالبحث الحقيقي، وإنما هو أقرب إلى ~~محاولة يائسة يقوم بها رجل لم يجد ما يبحث عنه ولم يجده، ومن ثم قيل عنه بحق: إنه ~~الفيلسوف الكلبي، أو المتهكم الهازئ الذي لا يشارك مشاركة حقيقية في الفعل الذي يقوم ~~به، ولا يتوقع أن يصل من ورائه إلى نتيجة، بل يؤمن إيمانا مسبقا بأنه جهد عقيم لا ~~جدوى منه. # في أي شيء يختلف هذا الكلبي الحكيم عن الأحمق والمغفل؟ # قلنا: إن الأول يتهكم من أجل التهكم، ويصدر في سلوكه أو قوله عن مرارة وخيبة أمل في ~~نفسه وفي العالم، أما الثاني فيسخر سخرية الساخط الحر، وإن لم يزعم لنفسه ms108 أنه يقوم ~~بدور المصلح أو الداعية؛ ذلك أنه يحشر نفسه في مآزق محرجة؛ ليبين لنا أننا نحن أيضا ~~نعيش في مثل هذه المآزق، وهو لا يقسم العالم إلى مخدوعين وخادعين وضحايا ومذنبين، بل ~~يسلم الضحايا إلى قدرهم، ويبين للمذنبين أيضا أنهم ضحايا ومخدوعون، ففي كل مغامرة يقوم ~~بها، وفي كل حكاية من حكايات غفلته وعبطه يثبت لنا أنه قد دخل في مأزق لن ينجو منه إلا ~~بصعوبة، حتى ليخيل إلينا أنه يريد في كل حركة من حركاته أن يدمر نفسه. إنه يتعذب، ~~ولكنه العذاب الذي يسبق كل معرفة حق؛ ولذلك فهو إذا ضحك على ذقون الناس وأضحكنا لم ~~يتشف فيهم ولم يحاول أن يثبت أنه يعرف خيرا منهم، وإنما يتجاهل أو يعترف بجهله لكي ~~يفضح من يدعون المعرفة الحقة، كما كان يفعل سقراط سواء بسواء، ولكنه لا يهتم بأن ~~يثبت لنا جهل الغير، ولا بأن يعلمنا شيئا لا نعلمه، بل يكتفي بأن يظهر لنا كيف ~~يتعذب من تعالم الآخرين، ويعبر بكلماته المقلوبة عن ألمه لأحوال «العالم المقلوب» ~~الذي يعيش فيه، إنه يكشف لنا عن هذا العالم، ويرينا أنه عالم يقف على رأسه، ويدعونا - ~~بغير أن يقول حرفا - إلى إعادته لوضعه الصحيح. # إن لغة جحا أو أويلنشبيجل غالبا ما تكون لغة بسيطة تأخذ الكلمات مأخذا حرفيا ~~ساذجا سليم النية، إنه لا يلعب بالكلمات ولا يقلبها على وجوهها كما يفعل أصحاب النكتة ~~والقفشة، بل يقصد معناها الطبيعي القريب؛ فيكشف بذلك عن إساءة استخدامها على ألسنة ~~الناس، ويبين كيف تسهم بدور أساسي في «قلب العالم» ومسخ كيانه، إنها لغة لا تخدع نفسها ~~بأوهام الخيال ولا تتباهى بحيل الفصاحة، بل تبين ببساطة كيف تتعرض - وهي لغة الطبيعة ~~والإنسانية الأصلية - للخطر والدمار وسط لغة جديدة يستخدمها الناس فيسيئون استخدامها ~~ويبعدونها عن وظيفة اللغة الحقيقية. إن لغة هذا المغفل المسكين مثل شخصه يعكسان نموذجا ~~للإنسان الذي يبدو لنا سجينا مجبورا وسط عالم «حر»، بينما النظرة الدقيقة تكشف عن أنه ~~هو الحر حقا وسط عالم يعيش سجين ms109 لغته وحيله وشطارته. هذا العالم المقلوب على رأسه ~~لا يدعي الأحمق الحكيم أنه يعيده إلى الوضح الصحيح، بل يكتفي بإظهار ألمه لحاله وعجزه ~~عن إصلاحه، ومع ذلك فلم يكن جحا ولا أويلنشبيجل بالعجز الذي يصورانه لنا، بل إن كليهما ~~ساخر مكار، ترسم حكاياته وخرافاته عالما أصيلا عريق القدم، نحس بالحنين إليه، ~~كما نحس بالألم لأننا انفصلنا عنه. إن كل واحد منهما يبحث عن الحقيقة بالمعنى الأصيل ~~لهذه الكلمة، أو هو صديق للإنسان بكل ما في هذه اللفظة من دفء ونبل وإخلاص. # في كل يوم نسأل أنفسنا كما نسأل غيرنا: ماذا؟ لماذا؟ أين؟ وإلى متى؟ وكل سؤال من هذه ~~الأسئلة يعبر على نحو من الأنحاء من عدم الوجود. فنحن نقف أمام شيء غريب علينا ، مختلف ~~عنا، لا ندري شيئا عن أصله وسببه، وقد لا نعرف شيئا عن مكانه وموضعه، ولكننا حين ~~نسأل هذا السؤال معبرين عن غربته عنا نحس بأن هذه الغربة تعود فتشملنا؛ فنحن ~~أيضا غرباء وضائعون، مكاننا في العالم ليس مكاننا، والنور الذي يحيط بنا لا يضيء في ~~عتمة المصير، إننا سنموت حتما، وسؤالنا عن الشيء الغريب يجعلنا نتعاطف معه، فهو الشيء ~~الآخر بالنسبة لنا، كما أننا الآخر بالنسبة له. وفي كل سؤال نسأله عنه نوع من التضامن ~~معه؛ لأننا نفتقده ونأسى لما يصيبه، وكل سؤال يعبر عن نوع من الانفصال في الوجود، ولكنه ~~يعبر كذلك عن شوق إلى الاتحاد بما نسأل عنه؛ ذلك لأننا لا ننفصل عنه تمام الانفصال - ~~وإلا ما أمكننا أن نسأل عنه - وإن كنا لا نستطيع مع ذلك أن نتحد به تمام الاتحاد. ~~وحين نصوغ سؤالنا في شكل كلام فإنما نقول للانفصال «لا»، بل إن كل كلمة نقولها تعبر ~~بنفسها عن نوع من الاتحاد بالوجود ونوع من الاحتجاج عن الانفصال عنه، أي على عدم ~~الوجود؛ ذلك لأننا لا نتحد أبدا مع أنفسنا، ولا مع الآخرين، ولا مع جانب من جوانب ~~الوجود أو الوجود كله؛ فنحن «في» الوجود كما أننا كذلك في مواجهته، وحين نتحدث عن ms110 طريق ~~الكلمة أو الحركة فإننا نقيم جسرا إلى الوجود لنصل إليه ونتحد به. ومن هنا كانت كل ~~صورة من صور الكلام في نفس الوقت صورة من صور الوجود؛ لأنها لا تصوغ قطعة من الواقع، بل ~~تجسم الوجود كله، فلغتنا إذن لا تنفصل أبدا عن الوجود، ولكنها تعبر على الدوام عن ~~انفصال عنه، والذي يستطيع أن يتكلم، والذي يستطيع أن يصمت، كلاهما يعبر عن نوع من ~~الانفصال عن الوجود، وجهد للتغلب عليه؛ ذلك لأن اللغة في جوهرها هي قول «لا» لعدم ~~الوجود. # وصعوبة قول لا هي صعوبة أن نقول لعدم الوجود لا، ذلك هو التعريف الأول لها، ولكن ما ~~هو عدم الوجود؟ هل يجوز لنا أن نتحدث عنه؟ وما دمنا نتحدث عنه، أليس معنى هذا أنه ~~موجود؟ سيقول بارمنيدز: «لا» لأنه لا وجود له، ولكن إذا صح أنه لا وجود له فلم يقول ~~«لا»؟ أو بمعنى آخر كيف يستطيع أن يقول «لا»؟ أليس في كل قول «لا» عدم وجود؟ ألا تشهد ~~قول «لا» بقوة عدم الوجود؟ # هناك موقف واحد لا نستطيع فيه أن نشك في عدم الوجود، ذلك هو موقف الموت، وهو غير ~~البحث عن الموت أو السعي إليه، فذلك هو «اليأس». ولكن عن أي شيء يبحث الباحث عن الموت؟ ~~عن النهاية؟ وما هي النهاية؟ أهي الحد الأخير؟ أم نهاية كل الحدود؟ أهي التحرر من ~~الجبر؟ ولكن من أي جبر؟ أهي عدم الحرية؟ أم الحرية التي لا حد لها؟ # كل كلمة نقولها تجسم عالما، فحيث لا تكون هناك أجسام، أو حيث تكون الأجسام قد ~~استقرت معانيها مرة واحدة وإلى الأبد، فهي لا تجسم شيئا، وكلمة الوجود أو كلمة عدم ~~الوجود تجسم كل منهما عالما؛ ولذلك فهما مزدوجتا المعنى؛ ولذلك أيضا نحاول أن نحدد ~~معناهما في كل ما نقوله وننطق به من الكلام، ولكننا لا ننجح في هذا، وما السبب؟ ألأن ~~العالم مزيج من الوجود وعدم الوجود؟ أم لأن كل تجسيم - حتى ولو كان لكلمتي الوجود وعدم ~~الوجود - فهو غير حقيقي؟ لنقل: ms111 إن «اللا» التي ننطق بها موجهة إلى عدم الوجود، ~~ولكن ماذا نقصد بهذا؟ هل نوجهها له لأنه الشيء الآخر المخالف للوجود؟ ليس هذا هو ~~السبب، بل لأن عدم الوجود هو التجسيم غير الحقيقي ولا المقنع ولا الكافي للوجود، وذلك ~~هو معنى احتجاجنا حين نقول لا، فنعكس الصراع الذي نحس به في أنفسنا بين الحقيقة ~~والخطأ، والكمال والنقص، والأمل والياس؛ لأن في كل «لا» نقولها احتجاجا على الجانب ~~السلبي من الوجود، وتمردا على الانتقاص منه أو الجور عليه أو التفريط فيه. # لقد قلنا من قبل: إن الصمت من أبشع الأخطار التي نتعرض لها في العصر الذي نعيش فيه، ~~وصمت الصامت يكون في بدايته نوعا من الاحتجاج على لغو عقيم لا ينقطع من أفواه ~~الآخرين . إنه في هذه الحالة قد يكون صمتا مثمرا، وتعبيرا عن كبرياء تأبى مسايرة ~~الانحطاط، وترفع عن الخضوع للضعف، ورفض الواحد الذي يفكر لنفسه وبنفسه للضياع بين ~~الملايين التي تريد أن تفكر له أو تصنع به ما تشاء، ويتطور الأمر فتوشك اللغة التي ~~يتكلم بها «الناس» أن تصبح شيئا مرفوضا. ومع الزمن يرفض الصامت هذا العالم الذي خلقته ~~اللغة وخلقت له، ويتجه بكيانه إلى عالم آخر مسحور يتصور أنه في غير حاجة إلى لغة، ~~ويبعد في غربته فلا يكتفي بأن يرفض الكلام؛ لأنه خطر عليه، بل يرفض كذلك الصمت الذي ~~يعده الوجه الآخر للكلام، حتى يصل أو يخيل إليه أنه وصل إلى حال من الرضا والسعادة ~~التي قد نسميها حالا صوفية، وإن كان من المنطقي ألا نسميها بشيء؛ لأنها ليست مما ~~تسميه الأسماء، وقد نختلف فنسمي ذلك زهدا أو تصوفا أو وجدا، ولكننا لا نختلف في ~~أنه حال أشبه بالحياة في النعيم أو الفردوس، وأنه بجميع درجاته مصحوب بنوع من عدم ~~الاكتراث، وأن أقصى قممه هي حال التلاشي والفناء التي يتحدث عنها البوذيون بوجه ~~خاص. # مهما يكن الأمر - وبلا خوض في الحلول التي يقدمها الزهد والتصوف لعبثية العالم وذلك ~~بالفناء فيما ليس بعالم ولا في جدوى هذه الحلول ms112 - فلا يخفى على القارئ أن الهروب من ~~العجز عن الكلام بمعناه الحق حين تبتذل اللغة إلى الامتناع الكامل عن الكلام (سواء ~~كان عن رفض أو يأس أو بحث عن طريق آخر للخلاص) لا يمكن أن يكون بديلا عن اللغة، ولا ~~يمكن أن يحل مشكلة الموقف الإنساني المعين بتجاوزه إلى ما وراء اللا والنعم جميعا؛ ~~ذلك أن في الصمت الحقيقي - أي البشرى - نصيبا دائما من الاحتجاج، وفي السكوت المهيب ~~يرن دائما صدى اللا. وهذا الصمت مهما طال لا بد أن يكون قادرا في لحظة معينة ~~وموقف معين على أن يخرج عن صمته ويتحول إلى كلام يرفض أو يؤكد، وإلا أصبح هذا الصمت ~~- الذي كان في بدايته احتجاجا على امتهان اللغة أو اتقاء لضياع الذات - نوعا من ~~التمزق والتدمير والانتحار، يستر الضعف والفرار، كما يحاول أن يخفي النرجسية والإعجاب ~~الزائد بالذات. فكما انتهت رغبة نارسيس - بطل الأسطورة اليونانية الذي راح يتأمل ~~بإعجاب وجهه الجميل في صفحة النهر حتى غرق فيه! - في الاتحاد مع نفسه إلى الموت، فإن ~~المنتحر يرجو كذلك بالموت أن يتحد مع نفسه؛ فالنفس الفارغة الضائعة تحاول عن طريق ~~الموت أن تعود إلى نفسها التي لم تجدها، وتتحد بالكل الذي عذبها الانفصال عنه. ومن ~~العجب حقا أن المدمر لنفسه - أو المنتحر - الذي كان احتجاجه على «عدم الوجود» في صورة ~~من صوره دافعا له على الإقدام على الانتحار، هو نفسه الذي يندفع إلى العدم ويقول له ~~«نعم»، وبدلا من أن يصمد للحياة ويقاوم ويقول «لا» لكل ما يدمر نفسه، نجده يقاوم هذا ~~النفس لآخر مرة لكي يلقي بها بين أحضان «اللا» المطلقة أو العدم المطلق. ومن الواضح ~~أن المدمر لنفسه يتحرك بغير أن يتحرك، أعني أنه يبحث عن المنبع والأصل على الدرب ~~الخاطئ، في حين أن المنبع الحقيقي تقود إليه نعم كبيرة، سواء تصورنا أن هذا المنبع هو ~~الإله في السماء أو الحق أو الجمال أو كرامة الإنسان، المنتحر يبحث عن شيء فيندفع إلى ~~لجة اللاشيء، وكذلك تفعل الإنسانية كلها حين ms113 تلقي بنفسها في لجة حرب عالمية ~~يدفعها إليها في الحقيقة - كما تبين تحليلات فرويد - دافع الموت وتدمير الذات. ولعل ~~هذا الشوق الفاشل إلى المنبع الحق هو علة القلق واليأس الذي نقول اليوم إنه طابع العصر، ~~ونتعرف على آثاره فيما نقرأ من أدب أو فن أو فلسفة، بل فيما نعانيه من تجارب الحياة كل ~~يوم، ومن ثم تصبح مشكلة العصر هي كيف نوازن بين كفتي القلق والشجاعة؟ كيف نجد ~~القوة على تأكيد وجودنا المتناهي على الرغم من تهديد الموت والفناء؟ وبعبارة واحدة: ~~كيف نقول لا «لعدم الوجود» على اختلاف صوره الواقعية والأنطولوجية (الوجودية)؟ # هنا تصبح مسألة التغلب على القلق بالشجاعة، وعلى التطرف بالاعتدال وعلى اللامعنى ~~بالمعنى؛ مسألة المسائل في الزمن الحديث. ولن يجدينا هنا أن نطيل الوقوف عند تحليلات ~~القلق واليأس التي تزخر بها الكتابات المعاصرة؛ فالمشكلة التي تشغل الجميع - من مفكرين ~~وعمليين - هي البحث عن قيمة في الأشكال العقلية والحضارية التي فقدت قيمتها، أو ~~الاهتداء إلى أشكال جديدة تتجسد فيها قيم جديدة. ولن يكون الحل في تجاهل القلق من ~~العدم أو تناسي العبث واللامعنى أو إنكار اليأس في كل القلوب - فكلها حقائق رهيبة في ~~عصرنا - بل يكون الحل في تقبلها ومحاولة البحث عن قيمة توازنها. وليس أخطر على ~~الإنسان الحديث من أن يستسلم لها ويقول نعم؛ لأن ذلك معناه أن يفقد ذاته ويدمر نفسه، ~~ويهرب إلى نعيم الصمت الشقي. هذا البحث عن التوازن هو الواجب الأكبر لإنسان اليوم؛ ذلك ~~لأن القيمة التي تجسد له هذا التوازن ليست قيمة أبدية صالحة لكل مكان وزمان، وإنما ~~هي مثل أعلى عليه أن يبحث عنه بحثا متجددا على الدوام، ويخلقه في كل تجربة أو موقف ~~جديد، إنه تجسيد لعقيدته وسعادته وراحة قلبه، وهدف أشواقه وآماله وأحلامه، ولن تنقطع ~~مغامرته في البحث عنه والسعي إليه، ما دامت تحدوه الرغبة في التحرر من خيبة الأمل ~~واليأس والفراغ. ~~••• # لا هي صيغة الاحتجاج. # وقول لا أصبح اليوم مهمة الفيلسوف الأولى. # أما قول لا، فقد تبينا بما فيه الكفاية ms114 أن وظيفته الأساسية هي الاحتجاج، وأما ~~الفيلسوف فلسنا في حاجة إلى تعريفات قديمة أو حديثة تبالغ في شأنه حتى يصبح أسطورة ~~حية، أو تضع منه حتى يوشك أن يكون واحدا من البلهاء الذين قد يتسع صدرنا لسماعه، ~~ولكننا لا نتردد في طرده والتخلص منه! إنما الفيلسوف هنا اسم للإنسان الذي «ينصرف إلى ~~الكل» ويدخل كل مجالات الواقع ليبدي رأيه الحر فيها، دون أن يغلق الباب وراءه أو ~~يتقيد بواحدة منها. وإذا كان من حقه أن يتكلم عن كل شيء، فهو حق من يسأل على ~~الدوام، أعني من يملك في نفس الوقت حرية قول «لا»، حرية الاحتجاج، وهو في عصرنا إذا ~~احتج على مشكلة العصر كله، وأعني بها تشييء الإنسان وإهدار ذاتيته وجعله موضوعا يمكن ~~أن يصنع به ما يراد له، وتمزيق العالم بما يبعده ويبعد أعظم وأتعس سكانه (الإنسان) ~~عن الوحدة السعيدة وعن منبع الوجود الأول؛ إذا احتج على هذا كله فهو لا يحتج باسمه ~~فحسب، ولكنه يحتج على الخيانة التي ترتكب باسم الإنسان، كما يحتج كذلك باسم ~~الظالمين والمظلومين والجلادين والضحايا؛ لأنه احتجاج ينصرف - كما قلت - إلى «الكل»، ~~ولا يتقيد بدائرة أو طبقة أو مجال محدود، ولأنه احتجاج يحاول أن ينفذ إلى قلب الجميع؛ ~~لأنه يقصد النموذج الإنساني الأسمى في الجميع. ولكن على أي شيء يحتج؟ ولمن يوجه هذا ~~الاحتجاج؟ وأين هي حدوده التي تجعله تمردا مثمرا لا صراخا أجوف؟ ليس من العسير ~~الآن أن نتبين احتجاج من يقول «لا» لكي يؤكد النعم، وسخط من يؤذيه «عدم الوجود» الذي ~~يوشك أن ينفذ إلى كل مجال ظاهر أو باطن في الحياة من أجل وجود سعيد كامل متحد مع ~~نفسه. إنه صرخة اللا التي لا تضيع في صحراء، بل تحاول أن تلفت الآذان إلى صوت المثل ~~الأعلى، وتوجه الأنظار إلى قيمة تتجسد فيها كرامة الإنسان وحقه العادل المشروع في ~~السعادة والأمان. هو إذن احتجاج على الأخطار الثلاثة التي قلنا إنها من أبشع الأخطار ~~التي تواجهنا في العصر الذي نعيش فيه، وهي ms115 ضياع الذات وتدمير النفس والصمت المفروض على ~~الملايين. احتجاج يواجه هذه الأخطار بالأمل والشجاعة؛ فيقول «لا»، ويعمل على تأكيد ~~الذات وتكريم النفس وتحويل الكلام إلى حوار حقيقي بين البشر فيقول: «نعم.» # | وشجاعة وتواضع # | أيها الإنسان! لست إلها؟ # كلمات عن التواضع والاعتدال # لأنه لا يجوز لإنسان # أن يقيس نفسه بالآلهة. # إنه إن ارتفع بنفسه، # ولمس النجوم بهامته، # لا يثبت كعباه المرتعشان # في أي مكان. # بل تعبث به # السحب والرياح. # جوته: عن قصيدة «حدود الإنسانية» # موقف الإنسان في هذه الأيام موقف عجيب. # لا أحب في بداية هذا المقال أن أتسرع بالحديث عن انحلال الإنسان المعاصر وتفسخه ~~ومحنته وما شابه ذلك من الكلمات اليسيرة، ولكن القارئ قد يتفق معي إذا قلت إنه يشعر ~~بنوع من الإحساس بالغربة، وبأن العالم المحيط به قد أصبح يهدده ويعاديه على نحو من ~~الأنحاء. إنه يشعر - كما يقول الشاعر رلكه - بأنه «لم يعد مطمئنا في بيته.» ويحس ~~وسط العالم الذي فسر كل شيء فيه «بأنه غريب لا وطن له.» في خضم هذا الضياع ~~والاضطراب يصبح البحث عن الملاح الرائد أو عن النجم الهادي أمرا طبيعيا. وإذا كان ~~كثير من الكتاب والمؤرخين قد وصفوا القرن الثامن عشر بأنه القرن الذي يتميز بانتصار ~~العلوم الطبيعية، والتاسع عشر بالعلوم البيولوجية، فقد نادى عدد غير قليل منهم بأن ~~القرن العشرين هو قرن القلق. ولعل الوجودية لم تكن وحدها هي السبب في إطلاق هذه الكلمة، ~~بل كانت هي علة رواجها حتى أصبحت «موضة» على كل لسان. مهما يكن من شيء فإن المحنة قائمة ~~لا شك فيها، نحس بها في حياتنا اليومية كما نحس بها في صراع المذاهب والنظم ~~والأفكار، وطبيعي ألا يبلغ الغرور بكاتب هذه السطور إلى الحد الذي يزعم معه أنه ~~يشخص داء العصر أو يصف البلسم الشافي منه، ولكنه سيحاول - بغير أن يتعرض للتطور ~~التاريخي الطويل الذي أدى إلى هذا القلق - أن يضع يده على أحد أسباب أزمته، فيقول - وقد ~~لا يخلو حكمه من الخطأ أو التعجل: إنها قد ترجع في ms116 بعض جوانبها إلى فقدان التواضع، ~~والبعد عن الحد والاعتدال. # والكلام عن الاعتدال يؤدي بنا بالضرورة إلى الكلام عن طبيعة الإنسان، فمن صفاته ~~الأساسية، لا بل من أولى واجباته، أن يعرف لنفسه حدا يقف عنده، وأن يعين هذا ~~الحد بمحض اختياره؛ فالإنسان - دون غيره من الكائنات التي تعلو عليه، أو تدنو عن مستواه ~~- قد وهب هذه الملكة التي تدل عليه والتي نسميها ملكة الحد. فهذه الكائنات، بقدر ~~ما تسمح معرفتنا الراهنة بالحديث عنها، تلتزم بطبيعتها بحد لا تستطيع أن تتجاوزه، أو ~~لا تحتاج إلى تجاوزه. فالطبيعة مثلا قد تكفلت بألا تصل الأشجار إلى السماء، وهي ~~كذلك قد أعطت الحيوان إحساسا غريزيا بالحد الذي يقف عنده ولا يتعداه، والوحوش نفسها ~~لا تقتل إلا بالقدر الذي يساعدها على الحياة، فإذا شبعت لم تجد ما يحركها إلى مزيد من ~~القتل. إن الغريزة وحدها هي التي تدفعها إلى القتل، والغريزة وحدها هي التي توقفها عن ~~الإسراف فيه؛ ولذلك لا نبالغ إذا قلنا إن الوحش المفترس يظل بريئا حتى وهو يلتهم ~~ضحيته؛ لأنه لا يعرف شيئا عما نسميه بالجشع أو الحقد أو الانتقام، بل إن القوى ~~المادية نفسها في اندفاعها وبطشها الأعمى، تصل دائما إلى النقطة التي تلتزم فيها بحد ~~تقف عنده، أما الإنسان وحده فهو الذي يمكنه أن يفلت من الحدود والمقاييس، ويتوه في ~~ضلال التطرف والشطط، وينساق وراء العناد أو الغرور فيحاول القفز وراء حدوده البشرية؛ ~~ذلك أنه يستطيع أن يتحرر من قيود الغريزة ويسلم أمره إلى العقل والبصيرة، وهما ~~دائما موضع السؤال والإشكال. غير أن تعريفنا له بأنه حيوان عاقل لم يستطع أن يلزمه ~~بالتعقل؛ فهو يميل بطبعه إلى السخط على نفسه وعدم الاقتناع ولا القناعة بشيء يرضي ~~طموحه أو يشبع تطلعه، والذين يكررون عليه من أجيال طويلة أن «القناعة كنز لا يفنى» لم ~~يستطيعوا أن يقنعوه بذلك لحظة واحدة! ~~••• # عرف اليونان الأقدمون هذه النزعة الخطرة الكامنة في طبيعة الإنسان، وتحدثوا عنها في ~~حكاياتهم وأمثالهم، وحذروا منها على لسان حكمائهم وشعرائهم، فما من ms117 قدر عندهم أفدح من ~~أن ينساق الإنسان وراء التهور الأعمى ليحطم نفسه بنفسه. كذلك كان قدر «إيكاروس» ~~الذي أراد أن يطير فوق الأرض فسقط محطما عندما اقترب من الشمس، وكذلك نجد في أقوال ~~الحكماء السبعة الذين عاشوا حول عام 600 قبل الميلاد وتحدثت عنهم العصور التالية بما ~~يشبه حديث الأساطير؛ ما يحض الإنسان على التزام الحد والاعتدال، ويذكره على الدوام ~~بأنه بشر وليس إلها. # ولست أحب أن أثقل على القارئ بالكلام عن هؤلاء الحكماء، # 1 # فقد تتسع لذلك فرصة أخرى، ولكن ما يهمنا الآن منهم هو أنهم يكادون يتفقون ~~في التنبيه إلى ضرورة التزام الحد والبعد عن المبالغة والتهور والإسراف. وأشهر حكمة في ~~هذا الصدد هي الحكمة المشهورة: «لا تبالغ في شيء» (ميدين أجان) أو لا تزد عن الحد، ~~وهي قريبة من حكمة أخرى تنسب - كسابقتها - إلى هذا الحكيم أو ذاك: «الحد أفضل شيء» ~~(ميترون أريستون). والحكمة الأولى تنسب في معظم الأحيان إلى المشرع الآثيني المشهور ~~صولون، وقد تنسب كذلك إلى خيلون اللاكيديموني، بل إن هناك من يذهب إلى القول بأنها ~~كانت محفورة على أحد أعمدة معبد دلفي إلى جانب الحكمة المشهورة: «اعرف نفسك» التي ~~تنسب كذلك إلى أحد هؤلاء الحكماء (ولعله طاليس). والاختلاف بين الحكمتين ليس بعيدا؛ ~~فمعرفة النفس تنطوي بالضرورة على معرفة الحد الذي ينبغي على هذه النفس أن تلتزم به حتى ~~تكون معرفتها بنفسها أتم، وعدم المبالغة في شيء لا يتأتى إلا عن معرفة أتم بالنفس، ~~وإدراك لقدراتها وحدودها بحيث تستطيع التمييز بين ما تستطيع وما لا تستطيع. وليس عجيبا ~~بعد ذلك أن يروي الرواة أنها كانت محفورة على معبد دلفي المقام لأبولون إله النور ~~والشعر والموسيقى، الذي كان يفزع إليه الإغريق كلما ألمت بهم كارثة أو أظلم في وجههم ~~طريق؛ ليسمعوا من كهنته فصل الخطاب. مثل هذه الكلمة التي تكتب على المعبد المقدس ~~لا بد أن تكون نبراسا وشعارا (إن جاز هنا أن نستخدم هذه الكلمة التي مسخها العصر ~~الحديث) للروح اليونانية، وأن تخلع القداسة على ms118 قائلها أيا كان اسمه، وكذلك كانت ~~بالفعل عند اليونانيين في عصرهم الذهبي. ولن يستطيع أحد أن يحصي الصور التي وردت بها ~~في أشعارهم ومسرحياتهم وأساطيرهم وعلى لسان الحكماء والأدباء والمؤرخين منهم. # ولعل رسالة اليونان - إن لم تكن رسالة الإنسانية نفسها - في تحقيق هذا الحد الذي ~~يفتقر إليه البشر بطبيعتهم، وترويض نزعات التهور والتطرف التي تجر عليهم الخراب، ~~والعثور على «حكمة الوسط» التي يجدون فيها حقيقتهم؛ إنها في نفس الوقت رسالة الواجب ~~التي تدعو الإنسان إلى إنسانيته، بل إننا لنستطيع القول بأن تاريخ الإنسانية هو تاريخ ~~الصراع المستمر بين الاعتدال والتطرف. وإذا تأملنا هذا التاريخ وجدنا أن العصور تختلف ~~عن بعضها البعض بقدر ما تعترف بالحد أو تتنكر له؛ فمن هذه العصور ما شكل حياته على ~~أساس الوعي به، ومنها ما نظر إليه نظرة الازدراء وتردى في مهاوي الشطط والإسراف. من ~~تلك على سبيل المثال نذكر اليونان القديمة، والعصر الوسيط في ذروته، وعصر النهضة ~~الإيطالية، وازدهار الفن في فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر. والأدب الألماني في أواخر ~~القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، وكلمة «الكلاسيكية» في هذه العصور تكاد تكون ~~مرادفة للالتزام بالقيود والأشكال التي تفرضها معرفة الحد، سواء في الأدب أو الفن ~~والعلم، أما العصور التي نسيت الحد أو تنكرت له، فمن الصعب تحديدها؛ لأنها تتوقف ~~على الزاوية التي تنظر منها، كما أنها يمكن أن تكون موزعة بين العصور جميعا بقدر ما ~~أصاب الأفراد أو الجماعات فيها من كوارث نتجت عن التطرف في الأنانية أو استغلال السلطة ~~أو شهوة البحث. # 2 # لن نستطيع هنا أن نتتبع هذا الصراع بين الاعتدال والتطرف، ولكننا نستطيع أن نقول ونحن ~~مطمئنون إنه لم يبلغ في أي وقت ما بلغه في العصر الحديث، لم يبلغ التطرف في عصر من ~~العصور ما بلغه اليوم، ولم يحدث في تاريخ الإنسانية أن أفلتت قوى الشر والطيش ~~واللامعقول من زمام العقل كما تفعل اليوم. ولو أن الأمر اقتصر على بعض الحركات الأدبية ~~أو الصرخات الفنية لقلنا أوهام شعراء، ms119 ولابتسمنا ونمنا هادئين، ولكنه أصبح حقيقة واقعة ~~نحس بها في حياتنا اليومية، وخطرا نشفق منه على نظام العقل والمجتمع والوجود، ~~ونذيرا بدمار الحضارة كلها في لحظات. كل ما في العالم من جمال، كل ما في التاريخ من ~~تراث، وفي القلب من راحة أصبح معلقا بغضبة جنرال مشهور، أو صرخة سياسي كبير، أو ~~اكتشاف علمي رهيب، لا بل بغلطة جندي أو موظف بسيط في إحدى محطات التحكم في الصواريخ ~~أو الطائرات المحملة بالقنابل الذرية أو سفن الفضاء المتجسسة على مساكن البشر. نعم، ~~ليس ماكبث وحده هو الذي قتل النوم؛ فقد قتله كل هؤلاء. # هل يجرنا هذا إلى التشاؤم؟ ولكن كلمة التشاؤم تصبح كلمة ساذجة إذا أدركنا هول ما ~~يحيط بنا اليوم، فكل أحلام الرومانتيكيين أو شطحات اللامعقوليين أو الصرخات المثيرة على ~~لسان فيلسوف القوة والإرادة «نيتشه»؛ تصبح كألعاب الأطفال على شاطئ البحر المعتم ~~العاصف الذي نقف اليوم أمامه. أهناك ضرورة عمياء وراء ما نشهده اليوم من مظاهر الجنون ~~في السرعة والتسلح والتعصب الأعمى للمذاهب، والتحلل الخلقي في كل مكان، وتمجيد العمل ~~بأي ثمن، والحماس للبطولة أيا كانت، وتخزين قنابل الذرة والميكروبات؟ أم أن هذه ~~الضرورة القاتلة ليست في التاريخ نفسه، بل لا بد من البحث عنها في مكان آخر؟ أنجدها في ~~تلك الهوة المظلمة العميقة، في ذلك العالم السفلي المخيف الذي كشفت عنه أعمال فرويد ~~والرومانتيكيين واللامعقوليين والرمزيين ... إلى آخر القائمة؟! أم نجدها في خطب من ~~يعدوننا بفردوس قريب على الأرض وبغير مقابل، اللهم إلا دم بعض الأجيال وشبابهم ~~وسعادتهم؟! أم نجدها أخيرا في كارثة لا بد أنها حدثت للعقل البشري نفسه، فهدمت الأعمدة ~~التي كان يرتكز عليها هيكله النبيل، وأحدثت فيه صدعا لن يلتئم إلا إذا أعاد العقل نفسه ~~النظر في نفسه، وأدرك وظيفته الحقيقية التي ترتبط بالإنسانية منذ قال اليونان على لسان ~~أرسطو: إن الإنسان حيوان ناطق؟ # إن العقل هو الشيء الإنساني حقا في الإنسان، والمطالبة اليوم بسيادة العقل والتعقل ~~تصبح هي المطالبة بجعل الحياة إنسانية عن طريق الحد ms120 من القوى اللامعقولة وترويضها وكبح ~~جماحها. وإذا كان هناك واجب يلقي عبئه على الناس اليوم فهو واجب الإيمان بجوهر الإنسان ~~بوصفه كائنا عاقلا، وإدراك مسئولية هذا العقل في توجيه مصيره تجاه الفوضى والظلام ~~المحيطين به؛ إن عليه أن يتعلم كيف يطيع صوت العقل. طبيعي أننا لا نطلب منه أن يعود ~~إلى التفاؤل العقلي الذي اتسم به عصر التنوير في القرن الثامن عشر وأدى بأحد أقطابه ~~«ليبنتس» إلى رؤية النظام والانسجام في كل ما تقع عليه العين، والقول بأن هذا العالم هو ~~أفضل العوالم الممكنة؛ ذلك أن الرجوع بالزمن إلى الوراء شيء مستحيل، وأشد منه استحالة ~~أن نطالب الإنسان بأن ينظر بعين أجداده أو يفكر تفكيرهم أو يحس إحساسهم، هذا إلى جانب ~~أن الإيمان المطلق بالعقل في ذلك العصر لا يخلو اليوم من شيء من السذاجة والتفاؤل ~~اليسير وحسن النية في طبيعة الإنسان الخيرة، وقد أثبتت الكوارث التي مرت بالعالم في ~~حربين عالميتين أنها كانت نوعا من العبط أو التمني، ومع ذلك يظل الإيمان بالعقل ~~والثقة في قدرته على تأكيد قيمة الإنسان وإبراز مسئوليته هو الواجب الأول اليوم، الواجب ~~الذي لا يحتاج إلى الكلمات الكبيرة أو طبول الوعظ المدوية، بل يحتاج إلى أن يحمله ~~الناس في صمت وجد وبساطة وهم يباشرون حياتهم اليومية، ولا بد من التفكير لحظة في هذا ~~السؤال الخالد: ما هو الإنسان؟ سيعلمهم أن يتوقفوا قليلا وسط التيار الذي يجرفهم ~~كل يوم ليتذكروا أن الإنسان هو الكائن العاقل، أي الكائن الجدير بالاحترام ~~والتكريم. ~~••• # نقول: إن العقل هو مبدأ الاعتدال، ونصف الرجل في لغتنا اليومية بأنه «عاقل» إذا ~~وجدنا لديه الاستعداد للتفاهم، والالتقاء في وجهات النظر، والتسامح في قبول الرأي ~~المعارض، والبعد عن التعصب بوجهة نظره. إنه رجل نأخذ ونعطي معه في الكلام، ونشترك معه ~~في البحث عن الحل المعقول للمشكلات. ولكن ما هو الحل المعقول؟ ليس حلا لمسألة حسابية ~~أو رياضية، ولكنه العمل بروح من التسامح والمشاركة للتغلب على الخلاف والتناقض، والوصول ~~إلى حالة من التوازن والتلاقي تسمح ms121 بأن يحيا الناس بعضهم مع البعض في سلام، هذا الصوت ~~العاقل لا يمكن أن يسمع بالطبع حيث تثور الانفعالات وتنطلق النزعات، وتقذف بالإنسان ~~كأنه كرة من اللحم والأعصاب المتوترة إلى أقصى حدود التوتر؛ ذلك أنه حيث يكون العقل ~~يكون الاعتدال ويكون التزام الحد. ولكن هل يكون في حديثنا عن العقل إلغاء لكل ما توصل ~~إليه اللاعقل من إمكانيات وما كشف عنه في طوايا النفس من كنوز وأسرار على يد أصحاب حركة ~~«العاصفة والاندفاع» أو الرومانتيكيين أو الوجوديين واللامعقوليين من أبناء اليوم، لا ~~بل على يد الشعراء والمتصوفين والملهمين في كل العصور؟ لا يمكننا بالطبع أن نطلب ذلك؛ ~~فنحن لا ننكر ولا نستطيع أن ننكر ما في كل هذه الحركات الفنية والأدبية والنفسية من ~~جوانب إيجابية، ولا نستطيع أن نغمض أعيننا عن هذا العالم السحري المزدحم بالقوى الخفية، ~~الذي ظل مغلقا على أبناء العصور القديمة والعصر الوسيط وبداية العصر الحديث. كما أننا ~~لا نستطيع أيضا أن نغفل عما في إبراز الحياة اللامعقولة من فائدة للعقل نفسه، ولا ما ~~في تحليلات المعاصرين لألوان القلق والهم والضياع والاغتراب والتأزم من خصوبة حقة في ~~فهم الإنسان. ولكن ما يهمنا هنا هو النتائج «العملية» التي يؤدي إليها هذا الاهتمام ~~الزائد بجوانب اللامعقول، ومزالق التطرف والتهور التي يمكن أن تؤدي إليها؛ فقد يكون ~~الوقت قد حان لتوجيه النظر إلى الجانب المعقول من الحياة بمثل ما وجهناه إلى الجانب غير ~~المعقول، وقد يكون الوقت قد حان للقول بأن الجانب المضيء من الوجود لا يقل أهمية ولا ~~روعة عن الجانب المظلم، وأن الأمل والشجاعة والتعاطف والفرح والحياة تستحق أيضا - ~~بعيدا عن كل تفاؤل رخيص - أن نتكلم عنها كما نتكلم عن اليأس والقلق والهم والغربة ~~والموت. # إن من الصعب أن نتتبع الحركات اللامعقولة في التاريخ الحديث لندرك إلى أي مدى انحرفت ~~إلى التطرف ونسيت الحدود، ولكن يحسن أن نقف عند بعضها وقفة قصيرة قد تعيننا على ~~تبين ما نسميه بالحد والاعتدال. # وأول ما يخطر على البال هو «نيتشه» فيلسوف ms122 الإرادة والقوة والإنسان الأعلى، والعبقري ~~الذي دفع ثمن عبقريته بالدم والألم والجنون. إنه يقول على سبيل المثال في كتابه «وراء ~~الخير والشر»: «لقد أصبح الحد (أو المقياس) شيئا غريبا علينا، ولنعترف بهذا: إن ما ~~يدغدغنا الآن هو اللامتناهي اللامحدود، إننا نحن أبناء العصر الحديث نحن أنصاف البرابرة ~~أشبه بالفارس الذي يمتطي صهوة جواد راكض إلى الأمام، نترك زمام اللجام يسقط أمام ~~اللامتناهي، ولا نشعر أننا في قمة السعادة إلا حيث نكون في قمة الخطر.» # ولسنا في حاجة إلى اقتباس نصوص أخرى من نيتشه سيضيق عنها المقام؛ فهذا النص يصلح ~~لإلقاء الضوء على «عدم الاعتدال» الذي قلنا إنه يميز الطابع الأساسي للعصر الذي نعيش ~~فيه، وقد يصلح كذلك ليبين لنا جانبا من خيانة الإنسان الحديث لإنسانيته، فقد استطاع ~~نيتشه في كلمته الموجزة أن يشخص الداء ويعبر عنه في أتم صيغة: إنه احتقار الحد ~~والتنكر للمقياس، و«دغدغة» اللامتناهي واللامحدود التي تدفع بالإنسان إلى تحطيم نفسه ~~بنفسه، وهدم معبده فوق رأسه، وهو أخيرا تمجيد الخطر والإعلاء من شأن البطل الذي يتجاوز ~~بالمغامرة والبطولة حدود الإنسان الحالي بمثل ما تجاوز الإنسان حدود القرد. ولن تخفى ~~على القارئ هذه الكبرياء التي يصف نيتشه بها أبناء العصر الحديث - كما يصف نفسه - حين ~~يقول عنهم: إنهم «أنصاف برابرة»، فمما لا شك فيه أن نيتشه لم يكن يقصد بالبطل أو ~~الإنسان الأعلى أو نصف البربري ذلك «الوحش الأشقر» الذي راح ينشر الدمار في الحرب ~~الأخيرة، كما أنه لم يكن يفهم من ورائه أي معنى من معاني التفوق الحربي ولا العسف أو ~~الظلم من جانب «السادة» على «العبيد»، فالذي فهم هذا فأساء الفهم هم أنصاف المتعلمين أو ~~أنصاف الآدميين من العسكريين ورجال السياسة الألمان الذين حسبوا أن البطولة هي العسف، ~~والقوة هي العنف، والخطر هو الخطل والجنون. لقد ظنوا أنه يكفي أن يضع الإنسان الخوذة ~~على رأسه والنياشين على صدره ويمشي مشية الإوزة لكي يكون بطلا أو إنسانا أعلى! ولكن ~~ألا يقع جزء من التبعة على هذا التمجيد المطلق ms123 للحياة الخطرة والطاقة المنطلقة من كل ~~قيد والنزوع إلى المستحيل واللامتناهي؟ ألم يكن في هذا الشوق الفاوستي إلى المطلق غير ~~المحدود إغراء لمن لا يملكون براءة نيتشه وشهامته بالسقوط في هاوية الظلم والطغيان؟ ألم ~~يحمل ذلك البعض إلى تصوير الالتزام بالحد كأنه شيء جدير باحتقار الأقوياء، والجهد ~~الصامت المتواضع للحصول على الأمان والاطمئنان كأنه شيء لا يليق بمن يسعون وراء البطولة ~~والمطلق، والعمل في سبيل السلام والنظام كأنه تعبير عن الانحلال والضعف؟ وهل من العجيب ~~بعد ذلك أن تفهم الحياة الخطرة على أنها إشعال الحرب، والعظمة الخلاقة على أنها الظلم ~~والاستعباد؟ إن الإنسان هنا تأخذه النشوة بما يخيل إليه أنه هو العظمة الأخيرة ~~للإنسان، وبدلا من أن يرتفع إلى سماء «السوبرمان» نجده يسقط إلى هاوية الوحش، وبدلا ~~من أن يقوده الشعور المتكبر إلى أخلاق البطولة؛ نراه ينحدر إلى حضيض العبودية. # كلمة نيتشه إذن مثال واضح على ما يميز الإنسان الحديث من بعده، أعني فقدان الإحساس ~~السليم بالحد، والتنكر للمقياس والاعتدال، والاندفاع وراء التهور المخرب تحت ستار ~~السعي إلى المطلق واللامتناهي. إن هذا التهور والانفلات من الحدود قد تخلل حياتنا ~~الحاضرة من أخص خلجاتنا وهمومنا إلى أعم قضايانا في السياسة والاجتماع، وأصبحنا في غمرة ~~التهور الجارف نعيش في خطر الدمار الشامل بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة الرهيبة. # كذلك فإن جرينا وراء المتعة لم يعد يعرف حدا يقف عنده، وبحثنا عن اللذة ~~المتجددة لا يسلمنا إلا إلى الألم المتجدد. نريد أن نقتني التليفزيون، ولا نكاد ~~نحصل عليه حتى نلهث وراء الثلاجة والعربة الخاصة والمركز المرموق، ولا نكاد نصل إلى هدف ~~حتى تلهب السياط ظهورنا إلى هدف جديد، ولا نكاد نحقق حاجة حتى نشتهي حاجات وحاجات. ~~وطبيعي أن الدعوة إلى حكمة الحكماء أو نسك النساك تكون هنا سخفا يبعث على الضحك ~~والرثاء، ولكن ألا يحق لنا مع ذلك أن نسأل: إلى أين يؤدي بنا هذا القلق المستمر؟ إلى ~~أين يسوقنا التعجل الدائم واللهاث الذي لا ينقطع؟ وهل يعرف الراحة من يجري على الدوام؟ ~~وهل ms124 يشعر بالمتعة الحاضرة بين يديه من لا يكف عن السعي إلى متع جديدة لا تنتهي؟ ~~ألا يكون السؤال هنا على الحد والاعتدال ضرورة لازمة؟ # ولا يختلف الأمر في عالم الصناعة والتقدم التكنولوجي؛ فالاكتشاف يلحق الاكتشاف، ~~والرقم القياسي يضرب الرقم القياسي، والتقدم التكنولوجي يسير بسرعة مذهلة تنسيه السؤال ~~عن معناه أو غايته، وكأنه عربة تنحدر من قمة الجبل إلى قاع الوادي، بعد أن غاب سائقها ~~وفسدت فراملها. لقد أصبح الاهتمام بالكم على حساب القيمة، والكيف هو شعار العصر، ~~وأصبحت الإحصائية التي تترجم الزيادة والتفوق إلى أرقام قياسية هي مطلب الساعة. ومن ~~الطبيعي أن يكون الوقوف في وجه التطور أمرا مستحيلا، بل غير مرغوب فيه، والحنين إلى ~~فردوس الرعاة أو طبيعة «روسو» عاطفية وسذاجة. ولكن ألا يحق لسائل أن يسأل: نحن نتطور، ~~جميل، ولكن إلى أين؟ ما المعنى ولأية غاية؟ أهو التطور من أجل الإنسان؟ أم الإنسان من ~~أجل التطور؟ أليس من واجبنا في زحمة هذا العمل والتطور أن نفهم كيف نحافظ على هدوئنا ~~الباطني؟ أليس على العالم ورجل الاقتصاد أن يراعيا العدل والاعتدال؟ إن عليهما ألا ~~يتركا التطور و«التكنيك» يسيطر على الإنسان؛ لأنهما قد خلقا من أجله ولم يخلق ~~ليكون عبدا أو ضحية لهما، ذلك عبء يلقيه على الكتفين واجب المحافظة على الحد، وهو عبء ~~يزداد ثقلا كلما ازداد العلم والتكنيك تطورا، فلا شك أن أي إنسان محب للمعرفة ~~والتقدم يعجب من كل قلبه بالنجاح العلمي الذي يتحقق كل يوم والجهد العقلي الذي يكمن ~~وراءه، بل ويفتخر بأنه ينتمي إلى نفس الجنس الذي أخرج كل هذه المعجزات إلى الوجود، ~~ولكنه كذلك لا بد أن يأسف للقلق والعذاب الذي سببه لأبناء هذا الجيل، والخوف المستمر ~~من مصير هذا كله إن لم يتحكم العقل المتزن في زمامه. أما التطرف في مجال السياسة ~~فلأترك كوارث حربين عالميتين وحروب جانبيه لم تهدأ نارها يوما واحدا أن تتحدث ~~بنفسها عنه! # قلت: إن من الصعب أن أتتبع في هذا المجال الضيق تطور فكرة الحد والاعتدال، وبخاصة ~~في ms125 تلك العصور «الكلاسيكية» التي قد يرجع السبب في تسميتها كذلك إلى أنها عرفت كيف ~~تحافظ على المقياس الصحيح في كل شيء، وأن تزن قدرات الإنسان بالميزان العدل، وتضع له في ~~مجالات المعرفة والشعور والطموح تلك الحدود التي لا ينبغي للإنسان أن يتخطاها ما بقي ~~إنسانا. إنه كلما تطاول به التبجح والغرور إلى عرش الآلهة، أو هوت به الشهوة ~~العمياء إلى حضيض الوحوش؛ فقد إنسانيته ولف حبل المأساة حول رقبته. وقد رأى القارئ ~~كيف كتب اليونان الأقدمون شعارهم الرائع المضيء على بوابة تاريخهم، وكيف ظلت عبارتهم ~~«لا تبالغ في شيء» هي اللحن الأساسي في حضارتهم وأدبهم. والقارئ يعرف بالطبع مقدار ~~العذاب الذي قاساه بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر، مع أنه لم يكن ~~بشرا خالصا بل كان نصف إله. وطبيعي كذلك ألا يغفل من يتعرض للاعتدال عن رأي ~~الفيلسوفين العظيمين: أفلاطون وأرسطو، الأول بفكرته المشهورة عن «السوفروزيني» ~~(التعقل أو التدبر)، وهي فضيلة العلاقة والمقياس الصحيح الذي يحافظ به الإنسان على ~~حريته تجاه النزعات والانفعالات، دون أن يضطر إلى كبت هذه النزعات والانفعالات، أو ~~فكرته المشهورة عن العدالة كما شرحها في جمهوريته بوجه خاص، بحيث لا تقتصر على ما نفهمه ~~منها الآن من فضيلة العدل والإنصاف عن طريق القانون، بل تتسع فتشمل التوازن الذي يحققه ~~الإنسان بين ملكاته وقواه المختلفة، وتدل على المثل الأعلى للتجانس والانسجام. ولا ~~نستطيع أن نغفل الثاني بفكرته المشهورة عن الفضيلة بوصفها «الوسط العسير» بين زيادة ~~مفرطة في جانب ونقصان مخل في جانب آخر، فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط ~~بين الإسراف والبخل، ولا أن ننسى فضائل الفروسية في العصور الوسطى. وما نعرفه في التراث ~~العربي من فضائل الشهامة والعفة والكرم والإباء أشهر من أن نتعرض له. المهم في هذا كله ~~هو المقياس الحي الصحيح بين طرفين معيبين، والحد المعتدل بين الانفعال الطائش الأعمى ~~من ناحية والعقلانية الجافة الذليلة في ناحية أخرى، وليس هناك مقياس واحد يصلح لكل ~~زمان ومكان، وإلا ألغينا صفة أساسية من ms126 صفات الإنسان، وهي أنه كائن تاريخي، من حقه أن ~~يحدد نفسه تحديدا متجددا إزاء الظروف والمواقف الجديدة عليه. والمثل الذي قدمناه عن ~~«إيكاروس» أو عن «ابن فرناس» اللذين تجاوز كل منهما حدود الإنسانية في زمانه، ~~وأراد أن يستعير جناح الطير ويرفرف فوق أرض البشر؛ لم يعد من الممكن اليوم أن نذكره ~~كمثال على التطرف أو التهور، وإلا كنا كمن ينصح الطيارين بأن يعودوا إلى العقل ~~ويسيروا على الأرض فهي أسلم! المهم بعد هذا كله أن نؤكد نسبية الحد وانبثاقه عن حرية ~~الإنسان وتقديره للموقف الذي يجد نفسه فيه، وأن نعرف أن كرامته وواجبه في أن يخلق لنفسه ~~هذا الوسط المعتدل. # حين نذكر كلمة «الاعتدال» نذكر معها إحدى فضائل الرجولة التي كادت تفقدها ذاكرة ~~العصر . وليس من قبيل الصدفة أن الكلمة في لغتنا تقترب من كلمة العدل، على الأقل من ~~ناحية الحروف والظلال التي تلقيها؛ فبالاعتدال نشير إلى مسلك عملي نلتزم فيه بالتوسط، ~~ونتجنب التطرف والشطط. فإذا قلنا على سبيل المثال: إن فلانا من الناس معتدل في طعامه ~~وشرابه، فإنما نقصد بذلك أنه يلتزم بمقدار أو كم معين في تناوله لهما، وأنه يزيد في ~~هذا المقدار أو الكم إذا مال إلى التخمة أو الشراهة. ولكن الاعتدال الذي نريده هنا أبعد ~~في معناه وأعلى في درجته، إنه فضيلة أساسية لا تني مذاهب الأخلاق والأديان عن تأكيدها، ~~هو هذه الكلمة التي تعرفها اللغة اللاتينية حين تقول # Temperantia # حقيقة: إن معنى هذه الكلمة الأخيرة ~~مرتبط بضبط النفس عند الغضب، كما أننا لا نخلو في حياتنا اليومية من مقارنة الاعتدال ~~الذي نعنيه بشيء غير قليل من الخوف من كل غرور أو اغترار، والتوصية بنوع من الحذر ~~والتواضع. والكلمات المأثورة في هذا الصدد لا يكاد يحصيها العد، وسواء كانت حكما ~~متداولة، أو أبياتا قديمة من الشعر، أو آيات من القرآن أو مأثورات من الحديث، فهي ~~جميعا لا تخرج عن معنى التقيد بحد لا يصح أن يتجاوزه الإنسان في الفكر والعمل، بل إن ~~معظم الفضائل كالصدق والعفة ms127 والكرم تشارك في هذا المعنى بنصيب، وإذا كانت تشترك في هذا ~~المعنى الإيجابي، فهي تشترك أيضا في معنى سلبي؛ فهي تفيد التجدد، وعدم التطرف أو ~~المبالغة والغلواء، ومرادف الكلمة اليونانية لا يخرج عن هذا المعنى المألوف، فكلمة ~~«سوفروزين # sophrosyne ~~» تفيد الفهم المنظم المدبر، ~~بمعنى أنه يجمع الأجزاء والأشتات المتفرقة ليضمها في نسق واحد منتظم، وليس من ~~المصادفة أن تأتي كلمة «العقل» في اللغة العربية من «عقل البعير» أي ربطها إلى الوتد، ~~أي ألزمها المسلك الذي لا ينبغي أن تخرج عليه، أي ضبطها وأدخلها في نظام، وكذلك الأمر ~~مع الاعتدال، فهو لا يضبط الأعضاء الخارجية وحدها، بل يحقق النظام في باطن الإنسان، ~~ويخلق لديه ما نسميه راحة الضمير، لا بل إنه من دون الفضائل جميعا ينصرف على الإنسان ~~نفسه، فإذا كانت العدالة تتصل بإنصاف الغير، والشجاعة بإنكار الذات والتضحية بالمتاع ~~والحياة، والصدق بإيثار الحقيقة مهما كان الكذب مقترنا بالكسب والنجاح، فإن الاعتدال ~~دائما ما يتعلق بالإنسان نفسه؛ إنه يجعله يوجه نظرته وإرادته إليها وحدها، مهذبا ~~ومعلما ومربيا، وجاعلا من الأثرة إيثارا، ومن الشح كرما، والغضب اتزانا، ~~والشره عفة وقناعة، وبذلك تحافظ على النفس من حيث تعلم إنكار النفس، وتجعل من القوى ~~التي يمكن أن تدمرها عاملا على بقائها وبنائها. وبذلك تصبح العفة والقناعة والتواضع ~~والرأفة والصبر إلخ أسبابا لتحقيق ما سميناه بالاعتدال، كما يصبح الفجور والجشع ~~والغرور والغضب أشكالا للتطرف والغلواء. ولكن لماذا نكره بالفطرة كل ما يخرج عن ~~الاعتدال ويجنح إلى التطرف والمبالغة؟ نجيب باختصار: لأنه خروج على نظام العقل. ونسأل ~~مرة أخرى: وما هو نظام العقل؟ أهو ناموس مثالي من السنن والقوانين قد وجد قبل أن ~~توجد الأشياء؟ أم هو شيء كامن فيها؟ نجيب كذلك باختصار، وبغير أن ندخل في تفاصيل لا ~~حاجة إليها: إن نظام العقل هنا يفترض صلة الارتباط بالواقع، فما يتفق مع العقل يتفق ~~كذلك مع حقيقة الأشياء الواقعية، ويكون صوابا وحقا في ذاته، والعقل هنا هو الملكة ~~التي يدرك الإنسان بها الواقع، فإذا خرج الإنسان ms128 عن حقيقة هذا الواقع ونظامه خرج كذلك ~~عن حقيقة العقل ونظامه، فالعفة التي تتحكم في طاقات الجنس وتعصمها من الفحش أو الشذوذ، ~~والشجاعة التي تضبط قوى النفس وتقيها من التهور أو الجبن، والتواضع الذي يحدد الطريق ~~بين الغرور والضعة، كلها فضائل تحقق نظام العقل وترضي قوانينه الخالدة، وكل ما يحقق ~~نظام العقل فهو يحقق نظام العدالة. # لقد عرفت الإنسانية من قديم الزمان - في تجارب الزهاد والقديسين والصالحين - أن العفة ~~والقناعة هي الأصول الأولى للاعتدال وضبط النفس، كما عرفت أن فضيلة الاعتدال أوثق ~~اتصالا بالحياة الأخلاقية والعقلية للإنسان. # وينقلنا هذا إلى الكلام عن التواضع، فنحن لا نستطيع أن نتكلم عن الاعتدال بغير أن ~~نذكر التواضع، فمن المعروف أن من طبيعة الإنسان أن يطمح إلى تحقيق الصورة الكاملة ~~لوجوده، وأن يسعى جهده إلى التفوق والامتياز. وحين تنجح فضيلة الاعتدال في ربط هذه ~~النزعة الطبيعية بنظام العقل نطلق عليها اسم التواضع. ولكن ما هو التواضع؟ هو أن يقدر ~~الإنسان نفسه بما يطابق الحقيقة، دون أن يغالي في الزيادة أو النقصان، وما من شيء يوضح ~~حقيقة التواضع أفضل من القول بأنه لا يتنافى مع الإباء، بل إنهما متجاوران متقاربان، ~~فإذا أردنا أن نبحث عن ضدهما وجدناه في الغرور والضعة على التوالي. # فالأبي هو الذي يتجه بالفكر والعقل إلى عظائم الأمور، إنه يسعى إلى العظمة ويحقق ما ~~يجعله جديرا بها «وإذا كانت النفوس كبارا ...» وينظر فيما حوله فيختار ما يليق به، ويعد ~~نفسه لما يجلب له الشرف الرفيع، كل ما يخل بالشرف فهو غير خليق به، وكل صغار فهو ~~محتقر في همته على نحو ما يقول المتنبي، إنه صادق غير هياب، وما من شيء تستبشعه ~~نفسه كالخوف من إعلان كلمة الحق، والنفاق والخسة والخديعة وكل ما يصدر عن النفوس ~~الصغيرة أشياء يحتقرها، بل إنه لا يعرف الشكوى من شيء ولا الشكوى لأحد؛ لأن قلبه لا ~~يسمح لأي شر من الخارج أن ينتصر عليه، إنه كبير الأمل دائما، واثق على الدوام، مرتاح ~~القلب راحة من لا ms129 يعرف الخوف أو اليأس أو الارتياب، إنه لا يحني رأسه لإنسان، ولا ~~يخضع لقدر، ولا يستسلم لاضطراب العاطفة، وليس غريبا بعد هذا أن يكون الإباء مقترنا ~~بالتواضع، وألا يتنافى التواضع مع شيء بقدر ما يتنافى مع الضعة والمهانة. # والتواضع بمعناه الحق لا يتصل بعلاقة الناس بعضهم ببعض، إنه خضوع المخلوق لقوة تعلو ~~عليه، وإقراره بالفناء والعجز أمام الوجود الأكبر، وهو في صميمه موقف باطني، تختاره ~~الإرادة وتصر عليه، وليس مجرد مظهر خارجي في السلوك والعادات، إنه قبل كل شيء اعتراف من ~~الإنسان بأنه «ليس إلها» ولا هو كالإله، ولعلنا نستطيع أن نقول: إن في هذا الاعتراف ~~نوعا من الذكاء الفطري، أو من المرح والصفاء، وأن في الغرور شيئا من الكآبة والجهامة ~~جعلت البعض يقول: إن الذنوب جميعا تفر أمام وجه الله، إلا الغرور فهو يعانده ~~ويتحداه! ونصل إلى الاعتدال في مجال المعرفة. # هناك من يقرءون الكتب وكأنهم يبتلعونها، إنها لا تجر عليهم إلا المغص والتخمة ~~العقلية، وهناك من يتناولونها تناول الغذاء والشراب؛ لتصبح دما من دمهم ولحما من ~~لحمهم، أولئك تنطبق عليهم كلمة حب ~~الاستطلاع # curiositas ~~، والآخرون كلمة الاجتهاد ~~وحب المعرفة # studiositas ~~، ولا بد من التفرقة بين هاتين الكلمتين ~~اللتين تمثلان الاعتدال والتطرف في النزوع إلى المعرفة والتجربة وإدراك التنوع في ظواهر ~~الكون، والطموح الطبيعي إلى التعرف عليه. # 3 # إن إرادة المعرفة - هذه الملكة العالية من ملكات الإنسان - في حاجة دائمة إلى الحكمة ~~التي تضع لها الحدود التي ينبغي أن نقف عندها، فعلى الإنسان أن يعرف لنفسه حدا لا ~~يتجاوزه في معرفته للأشياء، حتى لا يقع في التناقض والوهم، ولا يسبح في التأمل الأجوف ~~بعيدا عن أرض الواقع المتاح. كذلك كان هم واحد مثل «كانط» أو مثل «نيتشه» في حربهما ~~على الميتافيزيقا، ولفتهما الأنظار إلى عالم التجربة والواقع. # ولكن كيف يكون هذا التطرف والخروج على الحد؟ نحن لا نستطيع بالطبع أن نصف جهود العقل ~~في الكشف عن أسرار الطبيعة بالتطرف، أو طموح العلم إلى حل ألغاز الكون بالخروج عن الحد؛ ms130 ~~فروح الفلسفة والعلم في السؤال، ولا يمكن أن يكون هناك حد لهذا السؤال، ومع ذلك فكثيرا ~~ما يفلت منا «الكل» حين نقصر البحث على «الأجزاء»، وكثيرا ما يكون سوء استغلال ~~النظرة العلمية المدققة إلى الظواهر سببا في ضياع «روحها» و«معناها» وفقدان الصلة ~~الحميمة التي كانت تربط الإنسان القديم بها، وما زالت تقرب الطفل والشاعر منها، وربما ~~كان هذا «النهم» العلمي الذي لا يقنع بحد يقف عنده سببا في كثير مما يعانيه عصرنا من ~~القلق والضيق اللذين لا يكف اليوم أهل المدن عن الحديث عنهما. ولعل كلمة من كلمات جوته ~~في شيخوخته تعبر عن ذلك حين تقول: «إن في إمكاننا أن نعرف كثيرا من الأشياء معرفة ~~أفضل، لو أننا لم نحاول أن نعرفها بالدقة المتناهية»، وعندما أطلق الروس قمرهم الصناعي ~~الأول هلل المتحمسون والمتعجلون بهذا النصر العلمي الذي كان وما يزال مفخرة للبشر في ~~كل مكان، ولكن بعضهم ذهب في غمرة حماسه إلى حد القول بأن الإنسان قد أصبح قادرا على ~~الكشف عن كل الأسرار، وكأن جيوش البشر قد ضربت الحصار حول مملكة الله! مع أن كل سر نكشف ~~عنه اللثام يفضي بنا إلى سر جديد، وكل انتصار حقيقي ينبغي أن يزيد من تواضعنا بقدر ~~ما يضيف إلى ثقتنا بأنفسنا، ومعارفنا مهما زادت ليست إلا مصباحا صغيرا نرفعه وسط ~~بحر مظلم من أسرار المجهول. # طبيعي أن الإنسان لم تخلق له عينان إلا ليرى بهما، وينظر الأعماق وراء السطوح، ولكن ~~هناك نوعا من لذة الرؤية يفسد عليه معنى الرؤية الأصيل، ويجلب عليه التشتت ~~والاضطراب؛ فالمعنى الأصيل للرؤية هو إدراك الواقع والحقيقة، غير أن نهم العينين لا ~~يحاول إدراك الواقع، بل ينصب على حب الاستطلاع. وإذا كان النهم في الطعام والشراب ~~لا يقصد الشبع بقدر ما يقصد التلذذ بالمأكل والمذاق، فإن نهم العيون المحبة ~~للاستطلاع لا يتجه إلى إدراك الحقيقة والتلبث فيها عن معرفة ويقين، بل يريد أن يسلم ~~نفسه للعالم (على نحو ما يقول هيدجر في كتابه «الوجود والزمان» ص172). إن حب ms131 الاستطلاع ~~بهذا المعنى المبتذل لا يزيد عن كونه نوعا من الهروب العقلي، كما يقول القديس توماس ~~الأكويني، يتجلى في لذة الثرثرة والكلام، والظمأ الدائم إلى الاستطلاع، وجمع المعلومات، ~~والقلق الذي لا يستقر على فكرة أو رأي. إن الإنسان يقتلع من جذوره، يعجز عن السكن في ~~ذاته، يظل يتقلب من موضوع إلى موضوع ومن مكان إلى مكان، يهرب يائسا من فراغ نفسه ~~ليبحث عن الوجود الخصب حيث يتعذر العثور عليه، وتظل شهوة الاستطلاع تلهث وراء ~~الانطباعات والإحساسات، وتتهالك على الإثارة والضجة والإغراب، فتفقد البصيرة حين تسيء ~~استخدام البصر، وتفتح نوافذ الحواس على مصراعيها فتضيع الإحساس، وتبني لنفسها عالما من ~~الفراغ واليأس لا تسكنه إلا أشباح التسلية والزينة والأضواء والألوان، عالم خداع هو ~~العدم بعينه، يخنق قدرة الإنسان على إدراك الواقع ، ويفقده هدوء العقل وتركيزه وكرامته، ~~ويبعده عن نفسه بقدر ما يبعده عن الحقيقة، فإذا طالبنا العين بالاعتدال فإننا نطالبها ~~بأن تحمي نفسها من بريق المظهر لتعود إلى الرؤية الأصيلة، وتأخذ نفسها بنوع من الصوم عن ~~حب الاستطلاع حبا في المعرفة، بذلك وحده تستطيع أن ترى نفسها وترى العالم، وتحافظ ~~على هدوء النفس وانسجام الوجدان بعيدا عن بريق المظهر وصراخ الألوان، ولن يخفى على ~~القارئ - خصوصا في زمان الكم والدعاية والإعلام - ما في هذا النوع من الاعتدال من ~~شجاعة ورجولة وجمال! # بالتطرف في اللذة أو التسلط أو مختلف أمراض الأنانية؛ يفقد الإنسان نفسه من حيث يريد ~~أن يثبت وجودها، فكل خطوة على طريق التطرف هي في الواقع خطوة على طريق اليأس. إن ~~المتطرف يخلق لنفسه جنة كاذبة من المتع الموهومة، كلما حاول إثبات نفسه عن طريق اللذة ~~ازداد نسيانا لها وهروبا منها؛ ذلك أنه سرعان ما يكتشف أن الخروج عن الحد هو اليأس ~~بعينه، وحيث يكون التهالك على اللذة عبئا وسخرة، يكون الاعتدال حرية ونقاء، وما ~~الاعتدال في نهاية الأمر إلى نقاء القلب. ولست في حاجة إلى أن أدعو القارئ إلى الصوم أو ~~التهجد أو الوحدة أو الصمت حتى يصل إلى هذا ms132 النقاء، فرجال الدين والتصوف أقدر مني ~~على ذلك، كما أن النقاء لا يصطنع وليست هناك وصفة مجربة لتحضيره. إن الإنسان يكون ~~في القلب أو لا يكون، قد تساعد على تطهيره تجارب الحياة من فرح عظيم أو ألم عظيم ~~(فليست المآسي التي تمثل على المسرح هي وحدها التي تطهر كما تقول عبارة أرسطو ~~المشهورة!) وقد ينقيه إحساس بالخطر الهائل، أو بالقرب من الموت، المهم أن نقي الروح ~~سيحس بأن كيانه كله قد تفتح للوجود، وأنه يقف موقف الشجاع الواثق من حقيقة الكون ~~والإنسان، وأن طريق العدل والاعتدال هو سبيله الوحيد إلى هذا الموقف الشجاع. ~~••• # مما يعزي النفس حقا أن يرتفع صوت واحد من أنبل المفكرين من أبناء هذا الجيل ~~دفاعا عن الحد ودعوة إلى المحافظة عليه، وأعني به الكاتب المفكر «ألبير كامي». إنه في ~~كتابه الرئيسي «المتمرد» الذي يستعرض فيه قدر الثورات الغربية - من ثورة سبارتاكوس محرر ~~العبيد إلى الثورة الفرنسية والثورة الماركسية - يشرح كيف انحرفت هذه الثورات عن التمرد ~~المعتدل وانفلتت من الحد الذي ترسمه الطبيعة الإنسانية، فبدأت بتحرير الإنسان من ~~العبودية وانتهت بفرضها عليه. وإذا كان التمرد بوجه عام هو ذلك الإنسان الذي يقول «لا» ~~في وجه الموت والظلم والعذاب، فهو كذلك الذي يقول «نعم» ليؤكد وجود حد ينبغي لمضطهده أن ~~يقف عنده، إنه يقول له: «إلى هنا ولا تزد»، كما يقول له: «هناك حد لا يجوز لامرئ أن ~~يتخطاه»، ولكنه بهذا النفي والاحتجاج يؤكد في الوقت نفسه وجود قيمة يريد لها أن ~~تحترم، كما يؤكد وجود طبيعة إنسانية مشتركة لا يجوز لأحد أن يمتهنها أو يجور عليها، ~~فالتمرد الحق لا بد أن يكون تمردا معتدلا يعرف حدوده أو لا يكون على الإطلاق، وفكرة ~~الحد هي الثمرة الخالدة التي أهدتها إلينا شجرة الفكر اليوناني أو فكر الظهيرة والبحر ~~المتوسط كما يسميه كامي، واجتمع فيها كل روحه وكل جوهره، وهي وحدها التي تستطيع أن تحمي ~~التمرد عبر التاريخ الطويل المزدحم بالتهور والتطرف والجنون، فتبين له النظام والمعيار، ~~وتخلقه في كل ms133 لحظة من جديد، وتحرص على ألا ينزلق في الانحرافات التي وقعت فيها ~~الثورات على اختلاف العصور. أما فكر منتصف الليل، أو فكر أبناء الشمال، فهو في نزوعه ~~إلى المطلق وشوقه المستمر إلى اللامتناهي، وانفلاته من كل القيود والحدود التي تفرضها ~~طبيعة البشر المحدودة، قد انتهى - على يد هيجل وأتباعه - إما إلى تأليه الإنسان أو ~~تشييئه، لقد أراد أن يحقق المستحيل في الممكن، والمجرد في الواقع، والمطلق في النسبي، ~~وكان هدفه هو تحقيق الحرية المطلقة عن طريق تأليه الإنسان، أو تحقيق العدالة المطلقة في ~~دولة مثالية بعيدة يجعله شيئا من الأشياء، إنه يندفع بأقصى سرعته في غزو الشمول، ~~ويفلت على الدوام من الحدود ليتوه في مغامرة اللا محدود، وما أبعده بذلك عن فكر ~~«الظهيرة» الذي وجد مثله الأعلى في الروح اليوناني الذي التزم دائما بفكرة الحد، ~~واستطاع أن يحافظ على التوازن بين الطبيعة والعقل، وبين الظل والنور، بعيدا عن النزعة ~~الشمولية التي تهدد اليوم بدمار العالم! # وإذا كان كل تفكير أو سلوك ينفي نفسه بنفسه كلما تجاوز نقطة معينة فلا بد أن يكون ~~هناك حد يلتزم به الناس كما تلتزم به الأشياء. ومن واجب الإنسان أن يبحث عن هذا الحد ~~ويوجده؛ لأن من واجبه على الدوام أن يبحث عن التوازن بينه وبين العالم الذي يعيش فيه، ~~ويعيش في توتر وصراع دائمين ليعثر على الوسط الملائم بين طرفين متباعدين، ولا بد أن ~~يكون سبيله إلى ذلك هو الفكر «التقريبي» الذي ينصف الواقع ويقدر إمكاناته، ويحترم ~~الممكن والنسبي فلا يحشره في قالب غريب عليه، ولا يفرض عليه مبدأ عدوا له. # إن كامي من القلائل الذين استطاعوا أن يقدروا خطورة الموقف الذي تمر به الإنسانية ~~اليوم؛ لقد عرف مدى التطرف الذي وقع فيه الزمن الحديث في الفكر والسلوك، ووجد أن ~~الوسيلة الوحيدة لمواجهة هذا الموقف الخطير هي إيجاد حد جديد يلتزم به الناس، ~~ويتعلمون منه احترام الإنسانية في الإنسان، وهو لذلك جاد كل الجد حين يقول: «إما أن ~~توجد قيمة الحد هذه بأية وسيلة، ms134 أو يجد التطرف الذي يتصف به زماننا قانونه وسلامه في ~~الدمار الشامل الأخير.» # 4 ~~••• # التزام الحد والاعتدال ليس إذن رأيا ولا فكرة يقبلان الجدل والمناقشة، بل واجب ~~ملح يلقي ثقله كله على أبناء هذا الجيل. وإذا كانت العصور السالفة قد عرفت أن في ~~فضيلة التوسط أو احترام الحدود تكريما للإنسان وضمانا لسعادته وسلامه، فإن العصر ~~الحاضر لا بد أن يدرك أن بقاءه أو زواله مرتبطان بمقاومة التهور والتطرف، والعودة إلى ~~الحد والوسط. إن حقيقته وسط هذا العالم المضطرب مرهونة بقدرته على التزام التواضع ~~والاعتدال، ولم يحدث في تاريخ الإنسان الطويل أن كان عليه أن يتعلم الرقص على حبل ~~مشدود بين هاويتين يتربص به الخراب فيهما كما يحدث له اليوم: بين الطموح المغرور الذي ~~يهيئ له أنه يمكن أن يتشبه بالآلهة ، والهوان المطلق الذي يجعل من البشر قطعانا ~~صامتة تسير معصوبة العيون إلى المصير المجهول، عليه أن يتعلم من جديد أن الاعتدال هو ~~ذروة الطبيعة الإنسانية، والجذر العظيم للعالم كما كان يقول أهل الصين القدماء، أعني أن ~~يتعلم التواضع بمعناه الشامل الأصيل فيقول لنفسه اليوم قبل الغد: «أيها الإنسان لست ~~إلها!» # | عن الشجاعة # ماذا نقصد بقولنا: إن فلانا من الناس شجاع؟ # قد نقصد بذلك أنه لا يهاب الخطر، ولا يتردد في قول الحق، ولا يحجم عن التضحية ~~بحياته في سبيل قضية يعتقد أنها عادلة، ولكننا لا نلبث أن نجد أن هذه الكلمة تلتقي فيها ~~مشكلات عديدة: أخلاقية واجتماعية ودينية وفلسفية، بحيث يندر أن نجد فكرة مثلها تكشف عن ~~طبيعة الوجود الإنساني، بل تضرب بجذورها في أعماق الوجود نفسه. # ولو قلبنا في تاريخ المناقشات الفلسفية للشجاعة؛ لوجدنا ذلك واضحا في محاورة ~~أفلاطون المبكرة «لاخيس»، فقد عاد المتحاورون لتوهم من حلبة الصراع، حيث شاهدوا عرضا ~~لألعاب السلاح لبطل يكنون له الإعجاب، ويبدأ ليزيماخوس، الذي حضر مع صديقه ميليزوس ~~ومعهما والداهما، في الكلام راجيا أن يسترشد برأي قائدين شهيرين هما: نكياس ولاخيس في ~~أمر تربية الأبناء، وفي أفضل الوسائل التي تعلمهم الفضيلة وحسن السمعة، ms135 وهو يسألهما ~~إن كان تعليم المبارزة والنزال من بين هذه الوسائل، ويتوجه الجميع بالسؤال إلى سقراط، ~~الذي يتخلص كعادته من إبداء رأيه قبل سماع بقية الآراء. ويتحدث نيكياس عن فوائد ~~تعلم السلاح في تربية الأبناء على الاستقامة والشجاعة في الحرب والسلام، ولكن لاخيس ~~يعارض كلامه، ويقرر أن الممتازين في المبارزة بالسلاح ليسوا بالضرورة شجعانا في ~~الحروب، وأن الجبان إذا تفوق في المبارزة اغتر بنفسه، وإذا أخطأ الشجاع فيها جلب ~~على نفسه سخرية الناس. ويتطرق الحوار إلى الوسيلة التي يمكن أن تصل بها نفوس الشبان ~~إلى الفضيلة، ثم إلى تعريف الفضيلة نفسها، غير أن هذه مهمة شاقة كما يقول سقراط؛ ~~ولذلك فهو يقترح أن يكتفوا بالكلام عن جزء منها، وهو الشجاعة التي تهدف إليها ألعاب ~~المبارزة والنزال. # وتبدأ سلسلة من التعريفات الأولية للشجاعة، تستبعد واحدا بعد الآخر؛ لقصورها عن ~~الإحاطة بمضمونها في مختلف المواقف والميادين؛ فهناك الشجاعة في الحرب وفي السلم، وفي ~~المرض والصحة، وفي مقاومة الألم والانتصار على الشهوة، بحيث لا يستطيع التعريف الواحد ~~أن يدل عليها جميعا. ويتجه سقراط أخيرا إلى القائد الحربي نيكياس، الذي ينبغي أن ~~يعلم ماهية الشجاعة خيرا من غيره، ويقول نيكياس، في ثقة تليق بأهل الحرب: إن الشجاعة ~~هي العلم بما ينبغي أن يخشاه الإنسان وما يستطيع أن يتجاسر على الإقدام عليه، سواء في ~~الحرب أو في غيرها من الأحوال، ولكن التعريف يلقى الاعتراض؛ فالشجاعة ليست علما ولا ~~حكمة، وإلا كان الأطباء الذين يعرفون موضع الخطر شجعانا، وكذلك الشأن مع الزراع ~~والصناع وسائر المتخصصين في فرع من فروع المعرفة أو العمل، ولا يقلل من هذا الاعتراض ~~أن يقول نيكياس: إنه يقصد الشجاعة العاقلة الذكية، أما الإقدام عن جهل - كما نرى لدى ~~الأطفال والحيوانات - فهو أقرب إلى الجسارة أو التهور أو الغباء، ويعود المتحاورون ~~فيضيقون الخناق على القائد، حتى يرى بنفسه أن تعريفه غير جامع ولا مانع، وأن الموضوع ~~أشمل وأوسع مما يزعم، فإذا كانت الشجاعة هي العلم بما يخشاه الإنسان وما يقدم عليه، ~~وكان الخوف ms136 والإقدام مرتبطين بما يحدث في المستقبل من خير أو شر، فإن العلم ينبغي أن ~~يشمل الحاضر والماضي والمستقبل؛ لأن العلم ينبغي أن يكون واحدا في جميع الأحوال، وأن ~~يتسع لكل ألوان الخير والشر على السواء؛ وإذن فالشجاعة ليست جزءا من الفضيلة كما زعم ~~نيكياس، بل لا بد أن تكون الفضيلة كل الفضيلة. ويختتم سقراط المحاورة بهذه العبارة ~~اليائسة: «وإذن فقد فشلنا في أن نكتشف ماهية الشجاعة»، وبوعد منه أن يبحث عن الرأي ~~السديد عند أصحاب الرأي، وأن يتعلم الفضيلة ممن يستطيع أن يعلمها له ولغيره. # هذا الفشل أو هذا الحيرة في تعريف الشجاعة أمر بالغ الأهمية في إطار التفكير عند ~~سقراط؛ فسقراط - كما نعلم - يرى أن الفضيلة معرفة؛ ولذلك فمن الضروري أن يكون الجهل ~~بحقيقة الشجاعة هو السبب في استحالة كل فعل يطابق هذه الحقيقة، وتعذر الوصول إلى تعريف ~~كاف لها. # غير أن هذا الفشل يعد مع ذلك أهم بكثير جدا من كل تعريف قد يبدو في ظاهر ~~الأمر أنه تعريف ناجح للشجاعة، حتى ولو قابلناه عند أفلاطون وأرسطو نفسيهما؛ ذلك لأنه ~~يكشف عن مشكلة أساسية من مشكلات الوجود الإنساني، ويبين أن فهم الشجاعة يشترط فهم ~~الإنسان وعالمه، كما يفترض معرفة ببناء هذا العالم وقيمه، ومن عرف ذلك عرف أيضا ما ~~ينفي وما يثبت، وما يأخذ وما يدع، فالسؤال عن طبيعة الشجاعة من الناحية الأخلاقية ~~يؤدي بالضرورة إلى السؤال عن طبيعة الوجود والعكس صحيح؛ لأن الشجاعة يمكنها أن تبين ~~لنا ما هو الوجود، كما أن الوجود يستطيع أن يكشف لنا عن حقيقة الشجاعة. ومع أننا لا ~~نضمن أن ننجح حيث فشل سقراط، فإن هذا لا يمنعنا من إثارة المشكلة من جديد، على ضوء ~~تاريخها في الفلسفة وموقف الإنسان في العالم المضطرب الحديث، فلعل هذه هي الطريقة ~~الوحيدة التي تحيي المشكلة وتحثنا على النظر فيها من جديد؛ ذلك لأن المشكلات الفلسفية ~~واحدة بطبيعتها في كل زمان ومكان، وإحياؤها في كل عصر أو موقف جديد يواجهه الإنسان - ~~لا الرد عليها ولا محاولة ms137 إيجاد حل نهائي لها - هو أقصى ما يمكن أن يطمع فيه ~~المفكرون. ~~••• # الشجاعة فكرة أخلاقية، من حيث هي فعل بشري قابل للتقييم، والشجاعة فكرة وجودية، من ~~حيث هي تأكيد كلي وجوهري للذات، وشجاعة الوجود هي ذلك الفعل الأخلاقي الذي يؤكد به ~~الإنسان وجوده على الرغم من كل العناصر التي يقابلها في حياته وتتعارض مع تأكيده لذاته. ~~فلنحاول الآن إلقاء نظرة سريعة على الشجاعة في تاريخ الفكر الغربي، مهتدين بالمعنيين ~~السابقين اللذين سنجدهما صراحة أو ضمنا في كل مرحلة من مراحل هذا الفكر. # ذكرنا أن أفلاطون كان أول من تعرض لمناقشة المشكلة وحاول إيجاد تعريف للشجاعة، ~~وعرفنا نتيجة هذه المحاولة في محاورة «لاخيس»، وقد عاد إليها مرة أخرى في جمهوريته، ~~فجعل الشجاعة متعلقة بذلك العنصر الشجاع من عناصر النفس الذي يسميه بالثيموس # thymos ~~، كما ربط بينها وبين ذلك المستوى الاجتماعي أو ~~تلك الطبقة التي يسميها طبقة الحراس «الفيلاكيس # phylakes ~~»، وتقع الثيموس بين العنصر العقلي والعنصر الحسي في ~~الإنسان، إنها ذلك الجهد الذي يجعل المرء يسعى سعيا غير إرادي إلى كل ما هو عظيم ~~ونبيل، وهي بهذا تحتل مكانة المركز أو الوسط من النفس، وتملأ الهوة الفاصلة بين العقل ~~والحس، أو تستطيع على الأقل أن تملأها، ولكن الثنائية الحاسمة في تفكير أفلاطون ~~ومدرسته، والازدواجية التي أكدت الصراع بين المعقول والمحسوس تأكيدا استحال معه إقامة ~~جسر حقيقي يربط بينهما، كان لهما أثرهما البعيد على مدى التاريخ حتى عهد ديكارت وكانط، ~~ولعلهما هما المسئولان عن تشدد القانون الأخلاقي المطلق عند كانط، وعن تقسيم الوجود إلى ~~الفكر والامتداد عند ديكارت. ومن المعروف أن تقسيم أفلاطون لملكات النفس يقابله تقسيم ~~مواز لطبقات المجتمع كما تصوره في جمهوريته، فالحراس عندهم هم الأرستقراطية ~~المسلحة التي تمثل النبل والشجاعة، ومن طبقة الحراس تخرج صفوة الحكماء والفلاسفة ~~الذين يضيفون الحكمة إلى الشجاعة. ولكن هذه الأرستقراطية انهارت وضاعت قيمها على أواخر ~~العالم القديم كما ضاعت على يد البورجوازية الحديثة؛ لقد حل المستنيرون والمتحررون ~~محل الحكماء، كما شغلت الجماهير الموجهة بأساليب العلم ms138 في الدعاية والمذهبية محل ~~الحراس، ومع ذلك فمما يحسب لأفلاطون أنه اعتبر مركز النفس ووسطها (التيموايديس # thumoeides ~~) وظيفة أساسية في كيان الإنسان، وجعل ~~منه قيمة أخلاقية وصفة اجتماعية. # وجاء أرسطو فاحتفظ بهذا المعنى الأرستقراطي للشجاعة وحدد مفهومه، فعنده أن الدافع ~~إلى احتمال الألم والموت في شجاعة هو أن من النبل أن يفعل الإنسان ذلك، ومن الوضاعة ~~ألا يفعله (الأخلاق إلى نيقوماخوس، 3، 7، 9)، فالشجاع يقدم على الفعل من أجل ما هو ~~نبيل؛ لأن هذا هو هدف الشجاعة، والنبيل والوضيع هنا ترجمة لكلمتي: كالوس # Kalos # وأيسخروس # Aischros # اللتين اصطلح على ترجمتهما بالجميل والقبيح، فالفعل الجميل أو النبيل هو ~~الذي يستحق الثناء، والشجاعة هي التي تقدم على ما يستحق الثناء وتتجنب ما يستحق ~~الاحتقار، أو هي - بلغة أرسطو - التي تثبت جوهر الإنسان وهدفه الباطن، وتحقق في الفعل ~~كماله وإمكانياته ، على الرغم مما قد يواجهه من مصاعب وعقبات. إنها تحتوي على الممكن، ~~كما تنطوي في بعض الأحوال على التضحية الضرورية لبعض العناصر المتعلقة بوجود الإنسان من ~~أجل تحقيق كماله الأخير، وقد تنطوي هذه التضحية على اللذة والسعادة، بل قد تصل إلى ~~التضحية بالحياة نفسها، ولكنها خليقة بالثناء في كل الأحوال؛ لأن الجانب الجوهري من ~~وجودنا يتفوق في فعل الشجاعة على الجانب الذي يقل عنه في الجوهر، وجمال الشجاعة ~~وخيريتها تأتي من تحقق الجمال والخير فيها، ومن أجل ذلك كانت نبيلة. # ويتحقق الكمال عند أرسطو وأفلاطون على مستويات طبيعية وشخصية واجتماعية، كما يختلف ~~مدى تحقق الشجاعة - كتأكيد للجانب الجوهري من وجود الإنسان - باختلاف هذه المستويات، ~~ولما كان المحك الأكبر للشجاعة هو الاستعداد للإقدام على أكبر تضحية ممكنة، وهي ~~التضحية بالحياة نفسها، وكان المفروض في الجندي بطبيعة مهنته أن يكون دائما على ~~استعداد لهذه التضحية، فقد اعتبرت شجاعة الجندي مثلا أعلى للشجاعة، # 1 # وظل هذا المعنى الأرستقراطي والعسكري للشجاعة مرتبطا ببقاء الطبقة ~~الأرستقراطية التي كان يحق لها وحدها أن تحمل السلاح، فلما انهارت التقاليد ~~الأرستقراطية وفهمت الشجاعة على أنها المعرفة الكلية بما هو خير وشر، تداخلت الحكمة ms139 ~~والشجاعة، وأصبحت الشجاعة الحقيقية شيئا متميزا عن شجاعة الجندي، هكذا كانت شجاعة ~~سقراط في مواجهة الموت شجاعة عقلية ديموقراطية لا بطولية أرستقراطية. # وعادت الصفة الأرستقراطية للشجاعة إلى الحياة مع بداية العصور الوسطى، وأصبح الشجاع ~~هو النبيل، والفارس هو الجندي الذي تتمثل فيه الشجاعة على الحرب والقتال. ولكن هذا ~~الفهم لم يستمر طويلا؛ فسرعان ما دخلت الشجاعة بمعناها العسكري المرتبط بأخلاق ~~الأرستقراطية والبطولة في بداية العصور الوسطى مع الشجاعة بمعناها المسيحي والإنساني ~~المرتبط بأخلاق الديموقراطية والنزعة العقلية في أواخر ذلك العصر الوسيط، ولعل أوضح ~~تعبير عن هذا الاتجاه هو مذهب القديس توماس الأكويني في الشجاعة، فهي عنده قوة العقل ~~القادرة على الانتصار على كل ما يهدد تحقيق الخير الأسمى، إنها تتحد بالفطنة أو ~~الحكمة، وهي عنده الفضيلة التي تتحد فيها الفضائل الأربع الأساسية، وهي الذكاء ~~والشجاعة والاعتدال والعدل. ويحلل توماس الأكويني هذه الفضائل ليخرج من هذا التحليل ~~بأنها ليست جميعا في مستوى واحد من الأهمية، فالشجاعة حين تتحد بالحكمة تنطوي على ~~فضيلة الاعتدال بالنسبة للإنسان نفسه كما تنطوي على فضيلة العدل بالنسبة للآخرين، فأي ~~الفضيلتين إذن أشمل من الأخرى، الشجاعة أو الحكمة؟ الجواب على هذا يرتبط بنتيجة ~~المناقشة المشهورة حول العقل والإرادة وأيهما له الصدارة في ماهية الوجود، كما يرتبط ~~نتيجة لذلك بالشخصية الإنسانية نفسها، والمعروف أن المفكر اللاهوتي الكبير يقف إلى جانب ~~العقل؛ ولذلك فهو يرتب الشجاعة بعد الحكمة في سلم الفضائل المسيحية الأربع، وبذلك ~~تصبح لديه «قوة العقل» التي تجعل الخضوع لأوامر العقل الكلي أو لتعاليم الوحي أمرا ~~ممكنا؛ ومن ثم كانت الشجاعة - التي يفضل دائما أن يسميها بالصلابة أو الصمود ~~«فورتيتيدو» - فضيلة من بين فضائل أخرى، وكانت إشارته المستمرة إلى شجاعة الجندي مثلا ~~واضحا على هذا المعنى المحدد للشجاعة، وهو في هذا متفق مع اتجاهه العام في الجمع بين ~~البناء الأرستقراطي للمجتمع الوسيط وبين العناصر الكلية الشاملة في التفكير المسيحي ~~والإنساني. مهما يكن من شيء، فإن الشجاعة الكاملة في رأي القديس توماس هدية يهبها الروح ~~الإلهي؛ فالقوة الطبيعية ms140 للعقل ترتفع عن طريق الروح القدس إلى الكمال الذي يتجاوز ~~الطبيعة، وهذا يعني أن الشجاعة تتصل بالإيمان والأمل والمحبة، وهي فضائل أساسية في ~~المسيحية. بهذا نلاحظ شيئا من التطور في مفهوم الشجاعة، بحيث يدخل جانبها الوجودي ~~(الأنطولوجي) في الإيمان والأمل، بينما يدخل جانبها الأخلاقي في المحبة، وهي مبدأ كل ~~أخلاق دينية. ولم يكن القديس توماس في الحقيقة هو أول من أدخل الشجاعة في حظيرة ~~الإيمان؛ فقد سبقه القديس «أمبروز» إلى هذا حين قال عن الصمود إنه «أسمى من سائر ~~الفضائل»؛ فالشجاعة عندهما تنصت إلى صوت العقل، وتنفذ ما تقول به الحكمة والذكاء. ولولا ~~قوة الروح وصمودها في مواجهة الخطر وإصرارها على تحقيق النصر لما كانت شهادة ولا شهداء، ~~ومن هنا كانت الشجاعة هي سبيل المؤمن إلى العزاء والصبر، ولا سبيل إلى تمييزها عن الأمل ~~والإيمان. ~~••• # من هذا العرض السريع يتبين لنا أن كل محاولة لتعريف الشجاعة لا بد أن تسير في طريق من ~~اثنين: فإما أن نعتبرها فضيلة من بين فضائل عديدة، وندخلها في فضائل أخرى أشمل منها ~~كالأمل أو الإيمان، أو تحتفظ بمعناها الأوسع وتفسر الفضائل الأخرى عن طريقها، وفي ~~الحالتين يتداخل المعنى الأخلاقي مع المعنى الوجودي بحيث يصبح من العسير الفصل بينهما، ~~ولعل الشجاعة بمعناها الأخلاقي والوجودي الشامل لم تصل إلى ذروتها في يوم من الأيام كما ~~وصلت إليها في أواخر العالم القديم وأوائل العصر الحديث على يد نفر من الحكماء الذين لا ~~نملك إلا الإعجاب المتجدد بهم على الرغم من اختلاف رأينا فيهم، وأقصد بهم الرواقيين ~~والرواقيين المحدثين، فكلاهما يمثل مدرسة من المدارس الفلسفية الكثيرة التي حفل بها ~~العالم القديم، وكلاهما يزيد على هذا المعنى المدرسي المحدود بكثير؛ فيندر أن نجد ~~مدرسة فلسفية اجتمع فيها كل هذا العدد من الشخصيات النبيلة التي وحدت بين الفكر ~~والسلوك، واستطاعت أن تجد الجواب العملي على كثير من مسائل الوجود التي كان غيرهم لا ~~يسأم من الجدل العقلي فيها، وأن تقهر الخوف من القدر وتتغلب على الفزع من الموت؛ ولذلك ~~فهي ms141 تعد فرقة دينية بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، سواء ظهرت في صورة مؤمنة أو ملحدة، ~~وسواء تحدث باسمها إمبراطور عظيم أو فيلسوف مسكين. # كانت الصفة الأساسية للمفكر الرواقي الواسع الثقافة البالغ الفردية، هي الشجاعة في ~~مواجهة القدر واحتمال الموت، ولكن هذه الشجاعة الزاهدة المتكبرة لم تكن من اختراع ~~الفلاسفة الرواقيين، لقد عبروا عنها تعبيرا عقليا. أما جذورها فترجع إلى الأساطير ~~القديمة وحكايات الأبطال وكلمات الحكماء والشعراء وكتاب المسرح القدامى، وقرون من ~~التفلسف سبقت ظهور المدرسة الرواقية، ولعل حادثة واحدة هي التي أضفت على الشجاعة ~~الرواقية قوتها الباقية، وهذه الحادثة هي موت سقراط؛ فقد كان موته بالنسبة للعالم ~~القديم كله حقيقة ورمزا، كشف عن أصالة الموقف الإنساني في مواجهة القدر والموت، ~~وعبر عن شجاعة استطاعت أن تؤكد الحياة؛ لأنها استطاعت أن تواجه الموت. لقد تغير ~~معنى الشجاعة القديم بموت سقراط؛ فلم تعد شجاعة البطولة كما كانت في الماضي، بل أصبحت ~~شجاعة العقل والحكمة، واكتسبت معنى ديموقراطيا يختلف عن معناها الأرستقراطي المرتبط ~~بالفروسية والجندية؛ ولذلك استطاع الناس على اختلاف طبقاتهم أن يستمدوا منها العزاء ~~الفلسفي الذي أعانهم على مواجهة كثير من الكوارث والتقلبات في العالم القديم. # عبر سنيكا الفيلسوف الروماني المشهور عن هذه الشجاعة في كتاباته خير تعبير، وبين ~~كيف يرتبط الخوف من الموت بالخوف من الحياة، كما ترتبط الشجاعة على احتمال الموت ~~بالشجاعة على تقبل الحياة، إنه يتحدث عن «أولئك الذين لا يريدون أن يعيشوا ولا يعرفون ~~كيف يموتون»، كما يتحدث عن غريزة ~~الموت # Libidp moriendo # حديثا يشبه ما يقوله عنها فرويد في الزمن الحديث، بل إنه يقترب ~~من كثير مما يتكرر اليوم على ألسنتنا ويملأ صفحات جرائدنا وكتبنا حين يتكلم عن أناس ~~يشعرون بأن الحياة سطحية وخالية من كل معنى، ويرى ذلك نتيجة للاعتقاد في مبدأ اللذة، ~~والسخط الدائم على النفس التي لا تستطيع تحقيق دوافعها؛ مما يؤدي بالضرورة إلى السأم ~~واليأس والاشمئزاز، ولكن سنيكا قد عرف - كما عرف فرويد - أن العجز عن إثبات الحياة لا ~~يعني القدرة على إثبات الموت، ms142 وأن الخوف من القدر والفزع من الموت قد يتسلطان أيضا على ~~الذين فقدوا إرادة الحياة، وإذا كنا نجد الرواقيين يثنون على الانتحار، بل ويوصون به ~~في بعض الأحيان، فهم لا يتجهون بهذا الرأي لمن قهرتهم الحياة، بل لمن انتصروا عليها، ~~بحيث أصبحت لديهم القدرة على الاختيار الحر بين الموت والحياة؛ ولذلك فإن الانتحار الذي ~~يمليه الخوف والهروب لا شأن له بالشجاعة التي يؤكدونها؛ لأنها في معناها الوجودي هي ~~شجاعة الوجود، إنها الشجاعة التي تقوم على التحكم في العقل، ولكنهم لا يريدون بالعقل ~~تلك القوة القادرة على التفكير والجدل، بل يريدون به «اللوجوس»، أو البناء المعقول ~~للواقع بوجه عام، وللعقل البشري بوجه خاص، فإذا لم تكن هناك صفة أخرى تتعلق بالإنسان ~~بما هو إنسان غير العقل، فإن العقل - كما يقول سنيكا - سيكون هو الخير الوحيد الذي ~~يملكه، وسيساوي كل أنواع الخير الأخرى مجتمعة. معنى هذا أن العقل هو طبيعة الإنسان ~~الحقة، وهو جوهره الذي يعد كل شيء عداه عرضا، ومعناه أيضا أن شجاعة الوجود هي ~~شجاعة إثبات الطبيعة العاقلة لدى الإنسان تجاه كل ما هو عرضي فيه، ومن الواضح أن العقل ~~هنا قريب مما نسميه اليوم بالشخصية، وأنه مركز كل القوى والملكات الذهنية والنفسية، ~~وجزء من العقل الكلي الذي يشارك فيه الحكيم الرواقي بنصيب واف، يمكنه من تحمل الألم ~~والارتفاع فوق الشهوات، ومواجهة القدر والموت؛ وإذن فشجاعة الوجود هي الشجاعة في إثبات ~~طبيعتنا العاقلة، على الرغم من كل ما يتعارض معها أو يعوق اتحادها بالطبيعة العاقلة ~~للوجود الكلي العام؛ ولذلك فهي تقهر الخوف من الموت بالصمود، وترتفع بالعقل والحكمة فوق ~~الشهوة والرغبة، وتنتصر على الألم بالزهد والكبرياء. # هذا الصمود والانتصار، هذا التأكيد لوجود الإنسان الحق برغم كل المخاوف والشهوات، لا ~~بد أن يخلق الفرح. إن سنيكا يحث تلميذه لوسيللوس في رسائله الجميلة إليه «أن يتعلم ~~كيف يفرح»، ولكن هذا الفرح الذي يريده له لا يمكن أن يأتي نتيجة تحقيق الرغبات (فالفرح ~~الحقيقي شيء قاس وعسير!) بل هو السعادة التي تحسها نفس ms143 «ارتفعت فوق جميع الظروف»، إنه ~~التعبير العاطفي عن «نعم» شجاعة نتقبل بها وجودنا الحق ونثبته ونؤكده. وفي هذا الإثبات ~~للوجود الذاتي الأصيل تتجمع الشجاعة والفرح، ويتحد الموت بالحياة، هناك يصل الإنسان إلى ~~قمة وحيدة ومخيفة؛ فلا تزعجه المخاوف ولا تتلفه اللذات، ولا يخشى من الموت ولا من ~~الآلهة كما يقول سنيكا في تعبيره القاسي الجميل. ولكن هل يستطيع الإنسان حقا أن ~~يرتفع إلى هذه القمة أو يبلغ هذه الحكمة؟ وهل تستحق أن يبذل في سبيلها ذلك الثمن الباهظ ~~الذي دفعه معظم الرواقيين؟ أليست هذه الشجاعة التي تعلو فوق الألم والعذاب - أو ~~تكابدهما بغير أن تسمح لهما بالتأثير على ملكة العقل والتفكير - شيئا يقتصر بطبيعته ~~على صفوة الناس دون غالبيتهم العظمى من البلهاء كما يحلو للرواقيين أن يسموهم؟ أليست ~~شجاعة نابعة من الوحدة، لا بل من اليأس المطلق كما يقول سنيكا نفسه؟ وأي يأس هذا الذي ~~يعلو بصاحبه فوق كل إحساس باليأس نفسه؟! أليس الصمود هنا اسما آخر للصدود، والعلو ~~تعبيرا خاطئا عن الاستعلاء؟ وهل وصل الحكيم الرواقي نفسه إلى هذه «الحالة» التي ~~تتجاوز كل حالة بشرية ممكنة؟! أسئلة كثيرة بغير شك، لا تحاول أن تشكك في صدق ~~الرواقيين، بقدر ما تحاول الكشف عن استحالة طريقهم، وبيان ما فيه من تطرف في العزلة ~~والتكبر والانفراد، وهو طريق يجد الحكيم فيه خلاصه، ولكن أين فيه الشجاعة التي تخلص ~~الغير؟ وهل هناك أبعد من الفرق بين طريق الصدود والكبرياء وطريق الخلاص والنجاة؟ ~~••• # تراجعت الرواقية عندما حل الإيمان بالخلاص الكوني محل شجاعة الزهد والصدود، ولكنها ~~عادت في صورتها الحديثة عندما بدأ نظام العصر الوسيط الذي سادته مشكلة الخلاص في التحلل ~~والانهيار، وأصبح ممثلوها صفوة من المفكرين الإنسانيين الذين رفضوا طريق الخلاص ~~المسيحي، ولم يسيروا مع ذلك على طريق الرواقيين في التخلي والصدود. على أن المسيحية قد ~~تركت أثرها على كل المذاهب الإنسانية الجديدة التي حاولت أن تحيي المذاهب القديمة، وإن ~~أنكرت أفكار المسيحية في الخلق والتجسد أو تجاهلتها. يصدق هذا على محاولات إحياء ~~الأفلاطونية ms144 والرواقية ومذهب الشك، كما يصدق على التجديد في الفن والأدب والسياسة ~~وفلسفة الأديان، فقد تراجعت النظرة السلبية المتشائمة التي غلبت على أواخر العصر القديم ~~أمام النزعة الإنسانية التي أصبحت تنظر إلى الحياة والتاريخ والإنسان نظرة متفائلة ~~بالمستقبل والتقدم والأمل، ولم يعد الفرد كفرد رمزا لقيمة كلية فحسب كما كان الحال في ~~العصر القديم، بل أصبح تعبيرا فريدا عن الكون كله، كما أصبح شيئا بالغ الخطر لا يمكن ~~أن يتكرر أو يقارن بشيء سواه. # كان لهذا كله أثره الحتمي على مفهوم الشجاعة، فالنزعة الإنسانية في مطلع العصر الحديث ~~ترفض فكرة الخلاص المسيحية، ولكنها ترفض كذلك فكرة الزهد الرواقية وتضع مكانها نوعا من ~~تأكيد الذات يعلو على ذلك الذي عرفه الرواقيون؛ لأنه يتضمن الوجود المادي والتاريخي ~~والفردي، ومع هذا فقط نستطيع أن نسمي هذا الاتجاه الجديد بالرواقية المحدثة؛ لما فيه ~~من عوامل مشتركة بينه وبين الرواقية القديمة، ولعل الفيلسوف الهولندي «إسبينوزا» (الذي ~~يعرفه القارئ بمذهبه في وحدة الوجود أو بعبارته المشهورة الطبيعة أو الله) # 2 # هو خير ممثل لهذه المدرسة، وأهم من حاول وضع الأساس الوجودي الذي يقوم ~~عليه الكيان الأخلاقي للإنسان، وذلك في كتابه الرئيسي «الأخلاق»، لا بل في عنوان هذا ~~الكتاب نفسه. ولقد ركز إسبينوزا مذهبه الأخلاقي فيما يمكن أن نسميه اليوم «بشجاعة ~~الوجود»، وهذه الشجاعة هي التعبير عن «تأكيد الذات»، وهو الفعل الأساسي الذي يشارك به ~~كل شيء في الوجود، وتتضح أهمية تأكيدات الذات في مذهب إسبينوزا في قضية كهذه: «إن الجهد ~~الذي يبذله كل شيء ليصمد في وجوده الخاص به، ليس إلا الماهية الفعلية لهذا الشيء نفسه ~~(الأخلاق 3، القضية 7). هذا الجهد أو هذا السعي هو الذي يجعل الشيء على ما هو عليه، ~~بحيث إذا اختفى فإن الشيء نفسه يختفي باختفائه، والسعي إلى المحافظة على الذات أو تأكيد ~~الذات هو قوة وجود هذا الشيء أو حقيقته الفعلية، وقوة وجود الشيء هي فضيلته، وفضيلته هي ~~جوهر طبيعته، والفضيلة هي القوة التي تجعل الإنسان يسلك وفقا لطبيعته الحقة، وتقاس ~~درجة فضيلته ms145 بقدرته على تأكيد وجوده، وتأكيد هذا الوجود أو تأكيد الذات هو جماع ~~الفضيلة، ولكن تأكيد الذات هو تأكيد الوجود الحقيقي، ولا تتأتى معرفة الوجود الحقيقي ~~إلا عن طريق العقل، وهو قدرة النفس على امتلاك الأفكار الكافية؛ ولذلك كان السلوك ~~النابع من الفضيلة مساويا للسلوك على هدي العقل من أجل تأكيد الوجود أو الطبيعة الحقة» ~~(الأخلاق 4، القضية 24). # هكذا تتضح العلاقة بين الشجاعة وتأكيد الذات، ويستخدم إسبينوزا في الأصل اللاتيني ~~لكتابه كلمتي: # Fortitudo # و # Animositas ~~، أما الكلمة الأولى فهي قوة النفس أو ~~قدرتها على أن توجد وجودها الحق، وأما الكلمة الثانية فهي مشتقة من كلمة # Anima # أو النفس، ويريد بها الشجاعة بمعنى الفعل ~~الصادر عن الشخص ككل، إنه يعرفها بقوله: «أريد بالشجاعة تلك الرغبة التي تجعل كل ~~إنسان يسعى إلى المحافظة على وجوده وفقا لتعاليم العقل وحده» (3، القضية 59). # ولكن هل يقف الأمر بتأكيد الذات عند هذا الحد؟ # إنه - كما يقول إسبينوزا - هو المشاركة في تأكيد الذات الإلهية، فالقوة التي يحافظ ~~بها كل موجود جزئي - وبالتالي الإنسان - على وجوده هي قوة الله (4، القضية 4). ومشاركة ~~النفس في القوة الإلهية تفسر من خلال المعرفة والحب، فإذا عرفت النفس أنها جزء من ~~الروح الأبدي، فستعرف وجودها في الله، وهذه المعرفة بالله وبوجودها في الله هي علة ~~السعادة الكاملة، وهي تبعا لذلك أيضا علة الحب الكامل لسبب هذه السعادة، هذا الحب ~~روحاني أو عقلي # intellectualis ~~؛ لأنه حب خالد؛ ولذلك ~~فهو عاطفة لا تخضع للانفعالات المرتبطة بالجسد، وعن طريق المشاركة في الحب الروحي غير ~~المتناهي يتأمل الله نفسه ويحب نفسه، وحبه لنفسه يجعله يحب ما يتعلق به من مخلوقات، أي ~~يجعله يحب البشر. # هذه العلاقات تكشف لنا عن طبيعة الشجاعة، فهي من ناحية تفسر لنا لماذا كان تأكيد ~~الذات هو الطبيعة الحقة لكل موجود، ومن ثم خيره الأسمى، فالتأكيد الكامل للذات ليس ~~في الواقع فعلا منعزلا ينشأ في نفس الفرد، بل مشاركة في الفعل الإلهي الشامل لتأكيد ~~الذات، وهو منشأ كل فعل فردي وقوته الدافعة، وفي هذا كله ms146 تعبير أساسي عن الشجاعة كفكرة ~~وجودية «أنطولوجية»، وهي من ناحية أخرى تكشف لنا عن القوة التي تجعل الانتصار على ~~الشهوة والقلق أمرا ممكنا، إن الرواقيين لم يستطيعوا أن يجدوا تفسيرا لذلك، حتى جاء ~~إسبينوزا بفكرته عن المشاركة، فلقد عرف أن العاطفة لا تقهرها إلا عاطفة مثلها، وأن ~~«عاطفة» العقل هي وحدها التي يمكنها أن تنتصر على عواطف الجسد وانفعالاته؛ لأنها هي ~~عاطفة الحب الروحي أو العقلي التي تحس بها الروح نحو أصلها الخالد، وتعبر بها عن ~~مشاركته في حب الله لنفسه؛ ولهذا كانت شجاعة الوجود ممكنة من حيث هي مشاركة في التأكيد ~~الذاتي للوجود نفسه. # غير أن هناك سؤالا أخيرا يظل بغير جواب، سواء عند إسبينوزا أو عند الرواقيين، إن ~~إسبينوزا نفسه يعبر عنه على هذا النحو في ختام كتابه العظيم «الأخلاق»: لماذا يهمل معظم ~~الناس طريق الخلاص الذي أوضحه؟ ويجيب الفيلسوف إجابة لا تخلو من كآبة؛ لأنه عسير ومن ~~ثم فهو نادر، ككل ما هو سام ونبيل ... ~~••• # الشجاعة إذن هي تأكيد الذات الإنسانية بالرغم من ... ونسأل الآن: بالرغم من أي شيء؟ ~~لا بد أن يكون الجواب: بالرغم من شيء يهدد تأكيد الذات أو يحاول أن يلغيه، أي أن الشجاعة ~~التي وصفناها بشجاعة الوجود لا بد أن تواجه كل «عدم وجود» يحاول تهديدها، سواء على ~~الصعيد الأنطولوجي أو الأخلاقي أو الاجتماعي ... إلخ. وإذا كانت هناك فلسفة اهتمت بألوان ~~«عدم الوجود» التي تواجهها الشجاعة فتؤكد ذاتها «على الرغم منه» فهي فلسفة الحياة على ~~اختلاف مذاهبها وأصحابها، فهي قد فسرت الوجود من ناحية الحياة أو التغير أو الصيرورة، ~~وبذلك جعلت لعدم الوجود أهمية لا تقل عن أهمية الوجود نفسه، وكان لا بد لفلسفة الحياة ~~أن تحاول تفسير هذا الشيء السلبي الذي يحاول - كما قلت - إلغاء الذات أو تهديد كيانها، ~~والذي تثبت الشجاعة في وجهه على الرغم من ذلك، ولم تستطع الرواقية ولا الرواقية المحدثة ~~أن تقدما تفسيرا لهذا الشيء أو هذه القوة السالبة، فإذا نظرنا إلى فلسفة إسبينوزا ~~وجدنا من الصعب أن ms147 يكون لهذا الشيء أو القوة أو العنصر السلبي مكان في مذهبه ... فما دام ~~كل شيء عنده ينبع ضرورة من طبيعة الجوهر الأزلي، فلن يكون لأي موجود من القوة ما يهدد ~~به وجود شيء آخر أو تأكيده لذاته، سيكون كل شيء في مكانه وعلى حاله المرسوم، ولن تزيد ~~كلمة تأكيد الذات عن كونها مبالغة في ذاتية شيء مع نفسه، صحيح أن إسبينوزا يتحدث عن ~~تهديد حقيقي للذات، وعن تجربته التي علمته كيف أن معظم الناس يخضعون لهذا التهديد، ~~وهو يتحدث عن الجهد أو السعي # Conatus # كما يتحدث عن ~~قوة Potentia # تأكيد الذات، ولكن هذه الكلمات ~~جميعا يجب ألا تؤخذ بحروفها بل من جهة التشبيه، فكلمة مثل كلمة القوة (سواء كانت قوة ~~الإمكان Potentia # أو قوة الطاقة والحركة # Dynamis ~~) أو كلمة الإرادة قد لعبت دورا كبيرا في ~~تاريخ الفكر الفلسفي منذ أيام أفلاطون وأرسطو، مارة بالقديس «أوغسطين» و«دونيس سكوتس» ~~و«بوهمه» و«شلنج» و«شوبنهور»؛ لتمهد الطريق لتعبير نيتشه الذي هز العصر الحديث ~~كالإعصار، ونقصد به «إرادة القوة»، وهو تعبير يجمع بين الكلمتين السابقتين، ولا بد من ~~تفسيره على ضوء معناه الأنطولوجي. ونستطيع أن نقول: إنه لا يريد به الإرادة ولا القوة، ~~أعني أنه لا يريد به الإرادة بمعناها النفسي ولا القوة بمعناها الاجتماعي أو البيولوجي، ~~فهي تدل في الحقيقة على تأكيد الحياة لنفسها بما هي حياة، أعني بما هي بقاء أو نمو ~~وتجاوز للحياة نفسها؛ ولذلك فالإرادة تريد نفسها ولا تريد شيئا خارجا عنها، تلك هي ~~قوتها التي تؤكد بها نفسها وتتجاوز بها نفسها في وقت واحد، وإرادة القوة هي إرادة تأكيد ~~الإرادة باعتبارها الحقيقة الأولى والأخيرة في الحياة. # والحياة بهذا المعنى هي العملية التي تحقق بها إرادة الحياة والوجود نفسها، ولكنها ~~حين تحقق نفسها تتغلب على كل ما يلغي الوجود والحياة في داخل الوجود والحياة، بحيث ~~نستطيع أن نسميها الإرادة التي تناقض إرادة القوة. ويشير نيتشه في أحد فصول كتابه: ~~«هكذا تكلم زرادشت» - وهو الفصل الذي سماه «وعاظ الموت» - إلى الأشكال المختلفة التي ms148 ~~تغري الحياة بقبول ما ينفي الحياة حيث يقول: «إنهم يقابلون مريضا أو شيخا أو جثة ~~فيسارعون قائلين: «لقد دحضت الحياة!» ولكنهم هم الذين يدحضون، وعينهم التي لا ترى إلا ~~جانبا واحدا من الوجود»، فالحياة ذات جوانب متعددة، وهي غامضة أو مزدوجة المعنى، (وقد ~~وصف نيتشه غموضها في الشذرة الأخيرة من مجموعة الشذرات التي جمعت بعد موته تحت عنوان ~~«إرادة القوة») والشجاعة هي قوة الحياة التي تجعلها تؤكد نفسها على الرغم من هذا الغموض ~~والازدواج، بينما الجبن هو سلب الحياة بسبب سلبيتها، أو إنكارها ونفيها لما فيها من ~~أوجه النفي والإنكار. والشجاعة التي يريدها نيتشه ويتنبأ بها هي شجاعة الإنسان الذي ~~تجاوز نفسه فأصبحت لديه إرادة القوة التي يؤكد بها الحياة - أو شجاعة الإنسان الأعلى - ~~في وجه عصر تتحلل فيه الحياة وتمرض وتنهار، عصر عدمي كان نيتشه قد رأى أشباحه ~~الزاحفة وحاول أن يحذر منه ويثير عاصفة القوة التي تقاومه. # كان المثل الأعلى للشجاعة عند نيتشه - كما كان عند الفلاسفة السابقين عليه - هو ~~المحارب، الذي يميزه عن الجندي العادي، إنه يقول في زرادشت: «تسألون ما هو الخير؟ الخير ~~أن تكون شجاعا» (1، 10)، والخير ألا تهتم بالحياة الطويلة، ولا بالنجاة من الأخطار، ~~وألا تحب الحياة حبا يجعلك تتعلق بها مهما نفت إرادة القوة والحياة فيك، فتأكيد ~~النفس تأكيد للحياة وللموت الذي يعد جزءا من الحياة، وموت المحارب والرجل الناضج لن ~~يكون ذنبا تلام الأرض عليه (1، 21)، والفضيلة هي كذلك تأكيد الذات، إنه يقول في فصل ~~«الفاضل»: «إنها نفسك العزيزة، إنها فضيلتك، إن عطش الخاتم (رمز العود الأبدي للشبيه) ~~فيك، كل خاتم يكافح من أجل الوصول إلى ذاته من جديد، ويدير نفسه» (2، 27). وليس هناك ~~تعبير عن تأكيد الذات أفضل من هذا التعبير؛ فالذات تملك نفسها، ولكنها تحاول في عين ~~الوقت أن تصل إلى نفسها؛ ذلك لأن حقيقة الفضيلة تكمن في أن الذات موجودة فيها ~~بكليتها، وليست شيئا خارجيا عنها، تشهد بذلك هذه العبارة الجميلة المؤثرة في ~~زرادشت: «أن تكون نفسك الحقة في فعلك، كما تكون ms149 الأم في طفلها، هذا هو مبدأ فضيلتك!» ~~(2، 27). # ما دامت الشجاعة هي تأكيد الذات أو تأكيد الحياة فهي الفضيلة الحقة، أو هي فضيلة ~~الفضائل، والذات التي يكون تأكيدها لذاتها هو الشجاعة أو الفضيلة هي الذات التي تتجاوز ~~نفسها: «وهذا السر باحت به الحياة نفسها إلي، انظر! أنا ذلك الشيء الذي لا بد له أن ~~يتجاوز نفسه على الدوام» (2، 34)، ولكن ما معنى هذا التجاوز؟ أهو التجاوز أو العلو الذي ~~يقول به المتصوفون وفلاسفة «الترانسندنس»؟ أم هو شيء آخر يضرب في جذور الحياة ويكشف عن ~~جوهرها الحق؟ إن نيتشه يكمل الكلام قائلا: «... هناك تضحي الحياة بنفسها من أجل القوة!» ~~وبذلك يبين كيف أن تأكيد الذات ينطوي على نفيها، وأن «النعم المقدسة» للحياة تحتوي على ~~«اللا» الرهيبة التي تسلبها وتلغيها، لا من أجل السلب والإلغاء، بل من أجل التأكيد ~~الأعظم، من أجل القوة: قوة الحياة، فالحياة تخلق ، والحياة تحب ما خلقته، ولكنها سرعان ~~ما تنقلب على نفسها: «فهكذا تريد إرادة حياتي»؛ ولذلك يصبح من الخطأ أن نتحدث عن إرادة ~~الوجود أو إرادة الحياة؛ إذ لا بد أن نتحدث عن «إرادة القوة» وأن نقصد بالقوة المزيد من ~~الحياة، الحياة التي تريد أن تتجاوز نفسها هي الحياة الخيرة، والحياة الخيرة هي الحياة ~~الشجاعة، إنها حياة «النفس القوية» و«الجسد المنتصر» الذي تكون فضيلته في التمتع بذاته. ~~مثل هذه النفس تنبذ كل ما يتصف بالجبن، إنها تقول لنفسها: الشر هو الجبن، ولكن هذا ~~النبل بعيد عن الفوضى والعصيان، فالنفس لا تصل إليه إلا بالطاعة والأمر أو بالأحرى ~~بالطاعة للأمر والخضوع للضرورة، وهو كذلك بعيد عن الذل والإذعان؛ لأنهما صورة الجبن ~~الذي لا يجرؤ أن يخاطر أو يغامر، والنفس الذليلة الخاضعة هي عند نيتشه نقيض النفس التي ~~تؤكد ذاتها، حتى ولو كان ذلها وخضوعها لإله، إنها تريد أن تهرب من ألم إيذاء الغير أو ~~إيذاء النفس، أما النفس المطيعة الخاضعة حقا فهي التي تصدر الأوامر لنفسها وبذلك ~~تغامر بنفسها (2، 34)، وهي - إذ تصدر الأوامر لنفسها ولا تخضع إلا لذاتها - تجعل ms150 من ~~نفسها القاضي والضحية في آن واحد؛ ذلك لأنها تأمر نفسها بما يقضي به قانون الحياة، ~~قانون تجاوز الذات، وهي حين تفعل ذلك تتحد بالحياة نفسها وبسرها الخالد. إن إرادتها ~~خلاقة؛ لأنها منبعثة من إرادة الحياة، وهي لا تنظر إلى الوراء، بل تتجاوز الضمير ~~المذنب، وترفض روح الانتقام التي هي أصل كل إحساس بالذنب؛ لأنها هي إرادة القوة وإرادة ~~الحياة. إن هذه النفس الشجاعة تتجلى في أبهى صورة في هذه القطعة من زرادشت: «ألديكم ~~الشجاعة يا إخوتي؟ ... لا الشجاعة أمام الشهود، بل شجاعة النساك والنسور التي لم تعد ~~تملكها الآلهة نفسها؟ ... شجاع من يعرف الخوف ولكن يهزمه، يرى الهاوية ولكن بافتخار، إن ~~من يرى الهاوية ولكن بعيني نسر، ومن يقبض على الهاوية بمخلبي نسر هو الذي يملك ~~الشجاعة» (4-73). # كلمات تكشف عن الجانب الوجودي في تفكير نيتشه، وتعبر عن الشجاعة التي تمكن صاحبها ~~من النظر في هاوية العدم، والوحدة المطلقة التي يحس بها ذلك الذي آمن برسالة زرادشت، ~~وسلم بأن الإله القديم قد مات ليبزغ فجر الإنسان الأعلى، الإنسان الذي تتجسد فيه ~~إرادة القوة والحياة؛ لأنه هو الذي استطاع أن يتجاوز نفسه، أو لأنه باختصار هو الإنسان ~~الشجاع. ~~••• # الشجاعة إذن هي تأكيد الذات على الرغم من ... أعني على الرغم مما يحول بينها وبين تأكيد ~~نفسها. هذا الذي يحول بينها وبين تأكيد نفسها يصل إلى ذروته فيما يلغي وجودها، أعني في ~~العدم. # والعدم فكرة من أصعب الأفكار الفلسفية التي أخذتها فلسفات الحياة - مختلفة في ذلك مع ~~الفلسفات الرواقية قديمها وحديثها - مأخذ الجد الخالص، فهي حين فسرت الوجود من ناحية ~~الحياة أو التطور أو الصيرورة، اضطرت أن تفسح للعدم مجالا لا يقل عن مجال الوجود، أو ~~قل: إنها اكتشفت العدم الكامن في قلب الوجود، لقد جعلت من الشجاعة مفتاحا لتفسير ~~الوجود نفسه، ولكنها حين أرادت هذا المفتاح وجدت أمامها الوجود وعدم الوجود، والوحدة ~~التي تجمع بينهما في صراع أبدي لا يهدأ. # والعدم - كما تقدم - من أصعب الأفكار الفلسفية، وأحفلها بالخطر والخصوبة والإغراء. ms151 ~~لقد شغل التفكير من عهد بارمنيدز إلى عهد سارتر وهيدجر، فالقارئ يعلم أن بارمنيدز قد ~~حاول أن يستبعده ويؤكد استحالة التفكير فيه، وذلك حين قال عبارته البسيطة «المعقولة» في ~~ظاهرها، غير الفلسفية في صميمها، من أن الوجود موجود والعدم عدم، وقد ضحى بالحياة ~~نفسها ليقولها، ثم جاء ديموقريطس فحاول أن يعيد للعدم مكانته، فجعله هو والفراغ شيئا ~~واحدا، وذلك لكي يجعل الحركة ممكنة، واستخدم أفلاطون فكرة عدم الوجود حين وجد أنه ~~بدونه لا يمكن فهم التعارض بين الوجود العيني وبين الماهيات الخالصة، وتضمنه تفكير ~~أرسطو عندما ميز بين المادة والصورة، وكان عند أفلوطين وسيلة يصف بها فقدان النفس ~~الإنسانية لذاتها، كما استعان به القديس أوغسطين لتفسير خطيئة الإنسان، ثم جاء ~~المتصوف البروتستنتي وفيلسوف الحياة يعقوب بوهمه، فقال عبارته المشهورة من أن كل ~~الأشياء تضرب بجذورها في نعم ولا، وانطوى مذهب «ليبنتس» في التناهي والشر على فكرة ~~الوجود، كما تضمنتها تحليلات «كانط» لمحدودية المقولات ومحدودية الوجود الإنساني بوجه ~~عام، وإيمانه بأن من واجب الإنسان إذا أراد أن يعرف شيئا أن يقصر نفسه على علم التجربة ~~وعالم الذهن الذي يضع قوانينه، بغير أن يتطلع إلى عالم المثل والأفكار والأشياء في ~~ذاتها، فيقع فيما لا آخر له من ضلالات وأوهام، وجاء «هيجل» بمنهجه الديالكتيكي فجعل ~~العدم هو القوة المحركة للطبيعة والتاريخ، وتبعه فلاسفة الحياة في أيام شيلنج وشوبنهور، ~~فجعلوا الإرادة هي المقولة الأساسية من مقولات الوجود؛ لأنها تملك القدرة على سلب نفسها ~~بغير أن تفقد نفسها، وكذلك فعل فلاسفة مثل برجسون وهويتهيد فجعلوا للعدم مكانا لا يقل ~~عن مكان الوجود في فلسفتهم عن التطور، وجاء فلاسفة الوجود المعاصرون - وفي مقدمتهم ~~هيدجر وسارتر - فوضعوا العدم في مركز تفكيرهم الأنطولوجي، بحيث قال هيدجر: إن العدم ~~«يعدم» فيفتح عيني الإنسان، فيما يشبه ضباب الغسق، على نور الوجود الذي يتجاوز كل ما هو ~~موجود، كما جعله سارتر أساس الأسس في مذهبه في الحرية والالتزام، وكل هذه الفلسفات ~~والآراء حول العدم ترتكز في الواقع على خلفية التجربة الدينية ms152 بزوال الحياة وفناء كل ما ~~هو مخلوق، وعلى قوة العنصر «الشيطاني» في النفس والتاريخ، فهذا المبدأ السالب أو العدمي ~~- وأقصد به الشيطان - يشارك في القوة الإلهية الخالقة على الرغم من معارضته الأزلية ~~لها؛ وهو لذلك مبدأ أساسي لا يمكن أن نتصور الخلق والوجود بدونه. # ولا يتسع المقام هنا بالطبع لتحليل فكرة العدم التي تحتاج في الحقيقة إلى مجلدات ~~ومجلدات، ولكننا إذا سئلنا عن العلاقة بين عدم الوجود والوجود، استطعنا أن نقول على ~~سبيل المجاز: إن الوجود يضم نفسه كما يضم عدم الوجود، أي أن الوجود يحتوي في ذاته على ~~عدم الوجود، باعتبار أن الأخير حاضر في عملية الحياة نفسها منذ الأزل وإلى الأبد، وأنه ~~هو العنصر الذي تصارعه وتهزمه الحياة كذلك من الأزل إلى الأبد؛ فالحياة تؤكد نفسها ~~بالخلق تأكيدا مستمرا، وتغزو ضدها أو عدمها غزوا مستمرا، ومن ثم كانت ~~الحياة أو كان الوجود هو أصل التأكيد الذاتي لكل حي أو موجود متناه، وكانت كذلك هي أصل ~~الشجاعة التي تحفظ عليه الوجود، وكان العدم أو عدم الوجود هو ذروة الخطر الذي تواجهه ~~الشجاعة ويواجهه الإنسان الحديث في سعيه إلى تأكيد ذاته والمحافظة على حضارته وحياته. ~~وإذا كانت الشجاعة توصف عادة بأنها قدرة العقل على مقاومة الخوف، فلم يسبق للإنسان أن ~~طولب بما يطالب به اليوم من شجاعة على تحدي الخوف من الفناء الشامل، ومواجهة الخطر من ~~الإلغاء المطلق لذاته، نقول: الخوف، ولعل الأصح أن نقول: القلق، فقد ميز المحدثون ~~بين الخوف الذي ينصب على موضوع بعينه (كالمرض أو الفقر أو الموت أو العار أو العدو) ~~وبين القلق الذي ينصب على إحساس الموجود بإمكان عدم وجوده، إنه الإحساس «الوجودي» ~~بالفناء، وبفنائه هو نفسه قبل كل شيء، لم يسبق للإنسان - كما قلت - أن أصبح القلق من ~~الموت أو الفناء تجربة عامة وذاتية في آن واحد، حتى سمي عصرنا بحق عصر القلق؛ فقد ~~أحس الإنسان دائما إحساسا خفيا أو واضحا بالموت، حين يرى غيره من الناس يموتون، ~~أو حين تداهمه الأوبئة أو الحروب ms153 أو كوارث الطبيعة، كان الموت دائما يتربص به سواء ~~جاءه على يد زلزال أو وباء أو طوفان، أو جاءه على يد عدو أو جلاد أو حاكم ظالم، وكان ~~يحس دائما أن هناك شيئا سيبقى بعد فنائه، وأن موته لا يمكن أن يكون مبررا لليأس ~~المطلق. وشكوى العازف الفرعوني الأعمى على القيثار، أو شكوى زميله «المتعب من الحياة»، ~~أو صرخات أيوب المبتلى من ربه، لم تكن في الحقيقة تعبيرا عن يأس شامل من كل شيء وكل ~~أمل، بل كانت تبكي قدر صاحبها الشخصي أو قدر قومه وشعبه، أما إنسان اليوم الذي يواجه ~~أخبار التهديد بالفناء الشامل صباح مساء، ويسمع بأنباء الحرب الذرية أو حرب الأوبئة مع ~~كل جريدة يفتحها على الإفطار، ويقرأ أنباء التعذيب بالجملة أو استعباد الإنسان في بلاد ~~الشرق والغرب، فهو يواجه ما لم يواجهه آباؤه وأجداده من خطر الموت الأكبر، ويجد في كل ~~يوم ما يدعوه إلى القلق الحقيقي على الحياة نفسها، لا على حضارته أو تاريخه أو تراثه ~~فحسب؛ ذلك لأن القلق هنا لا يتعلق بموضوع بعينه، بل هو القلق من انعدام كل موضوع، أو ~~هو القلق من مصدر كل قلق، ألا وهو العدم نفسه! قد يحس القارئ في هذا الكلام نوعا من ~~المبالغة أو التهويل، وقد يسأل مستنكرا: ألا تحمل الحياة دائما بذرة الأمل؟ ألا تكفي ~~الحياة بنفسها - حتى ولو لم يبق لها أثر إلا في البذرة أو الخلية الواحدة - لنفي كل ~~تفكير في اليأس المطلق؟ وكل هذا صحيح بالفعل، ولا يمكن أن يتحول الكاتب إلى بومة ~~الخراب، ولا يجوز أيضا مهما اشتد الخطر أو أطبق البلاء أن يدعو إلى العجز المطلق أو ~~ينذر بالفناء الأخير، وليست مهمته في الحقيقة أن يتنبأ أو يبكي، وليس كذلك أن يعظ أو ~~يدعو إلى التفاؤل، إن مهمته الحقة هي أن يفهم وأن يكون شاهدا على عصره، فإذا كان هذا ~~العصر - على اختلاف كل عصر سواه - قد جعل المستحيل ممكنا في كل لحظة، لا بل جعله على ~~أطراف أصابع بعض ms154 الجنرالات والأزرار، فليس من التهويل عندئذ أن يتوقع الخطر، ويطالب ~~معاصريه بأقصى قدر ممكن الشجاعة، وإذا فعل ذلك فلا يصح أن نصفه بالتشاؤم أو بالتفاؤل، ~~ولا أن نلبسه مسوح الواعظ ولا قناع الشيطان، إن عليه أن ينطق بما يشهده ويراه، أما ما ~~سيكون في المستقبل فشيء لا يدخل في مجال علمه ولا عمله، والذي يشهده اليوم ولا يستطيع ~~أن ينكره عليه أحد هو أن إمكانية «العدم» (على اختلاف صوره) قد أصبحت أقرب من أي وقت ~~مضى، وأن ضرورة الشجاعة قد صارت أشد الضرورات إلحاحا على عقل الإنسان الحديث وضميره، ~~وأن سؤال هاملت في وحدته: «هل أكون أو لا أكون»، لم يعد هو السؤال الذي يؤرق هاملت وحده ~~... ~~••• # لا نريد أن نخوض الآن في أشكال القلق المختلفة كما حللها علماء النفس والاجتماع ~~وفلاسفة الوجود، ولا نريد أن نفيض في الحديث عن القلق الوجودي من العدم أو العبث، ولا ~~عن شجاعة اليأس التي تعبر عنها اليوم أعمال الكثيرين من الفنانين والأدباء المفكرين، ~~فإن الحديث في ذلك يسوقنا إلى أبعد مما نريد أو نستطيع، كما أن القارئ يستطيع أن يلتمسه ~~في غير هذا المكان، # 3 # وعلينا الآن أن نعود إلى سؤالنا الحقيقي الذي نقصده من وراء هذا الكلام: ~~من هو الشجاع؟ # ليس شجاعا من لا يجرح، فالشجاع هو الذي يقدر أنه قد يجرح أو يموت في معركة، ~~فلا يمنعه ذلك من أن يظل شجاعا. والشجاعة لا يمكن تصورها بغير إمكانية الجرح أو الألم ~~أو الخوف أو الضرر أو الموت، وهو أقصى وأعمق الجراح. # لا الملاك ولا الحيوان يمكنهما أن يكونا شجاعين، فالملاك لا يمكن أن يجرح أو يموت، ~~والحيوان لا يعرف شيئا عن معنى الجرح أو الموت؛ ولذلك فهو لا يعرف شيئا عن معنى ~~الشجاعة. ما نصف به رجلا من أنه شجاع كالأسد، هو نوع من التشبيه الإنساني الذي يجعلنا ~~ننزع إلى تصوير عالم الأشياء والأحياء في رداء إنساني، فالأسد لا يمكنه أن يكون شجاعا؛ ~~لأنه لا يحسب حساب الموت في أية معركة ms155 يخوضها، ولو أدرك الأسد بإحدى المعجزات أنه يمكن ~~أن يموت لاستحال عليه أن يكون أسدا. # الشجاعة إذن متعلقة دائما بالموت، والشجاع هو الذي يواجه الموت في كل حين، بل إن ~~الشجاعة في حقيقتها ليست إلا الاستعداد للموت، أو هي بمعنى أدق استعداد الإنسان لأن ~~يسقط ميتا في معركة، وكل فعل نصفه بالشجاعة إنما يعيش على فكرة الموت، مهما بدا لنا ~~من الظاهر أنه بعيد عنه، وكل فعل لا يضرب بجذوره في أرض الموت، ولا يقدر احتمال السقوط، ~~فهو فعل فاسد بعيد عن الشجاعة، مجرد من قوة الوجود؛ ولذلك فإن الشجاعة تقاس عادة ~~بمدى الاستعداد للتحمل، والتحمل بمدى القدرة على ملاقاة الموت؛ ولذلك أيضا كان ~~الاستشهاد هو غاية الشجاعة، وكانت شهادة الدم هي تاج الشجاعة، يستوي بعد ذلك أن تكون ~~هذه الشهادة في سبيل العقيدة أو المبدأ أو الوطن أو تحقيق رسالة الحياة. وما أتعس الزمن ~~الذي تختفي فيه القدرة على الاستشهاد والاستعداد له، ويصبح المثل الأعلى للناس هو ~~المحافظة على الحياة وتقديس الراحة والأمن والاستقرار! وما أصدق كلمة «جوته» في القسم ~~الثاني من قصيدته الكبرى «فاوست»: «لا يستحق الحياة ولا الحرية إلا من يغزوهما كل ~~يوم!» # نقول: إن الشجاع هو الذي يرضى بالجراح. # ولكنه لا يسلم بالجراح من أجل الجراح، ولا يرحب بالموت من أجل الموت، إنه يقبل أن ~~يجرح أو يضار في جسده أو نفسه؛ لكي يبقى شيء آخر أكثر حقيقة من الجسد والنفس، وأعمق ~~من الجرح والموت جميعا، لنسم هذا الشيء مبدأ أو عقيدة أو فكرة أو ما شئنا من ~~أسماء، فهو عند الشجاع حقيقة تستحق منه أن يفنى لكي تبقى بعده، ويقين يقربه من قلب ~~الوجود وإن أبعده عنه في واقع الحياة؛ لذلك كان سقوط الشجاع ارتفاعا وهزيمته انتصارا ~~وموته حياة، وليس عجيبا - كما يقال - أن يموت الشجعان دائما وعلى شفاههم ظل ابتسامة! ~~ولا أن يقول أحدهم: إننا ننتصر حين نسحق، ونفلت من القضاة حين نساق أمامهم. # 4 # ومع ذلك فليس حتما أن يجرح الشجاع أو يموت، ms156 ولكن لا مفر من أن يعيش ويعمل دائما ~~وفي فكره أنه يمكن أن يجرح أو يموت؛ ذلك لأن من صميم الشجاعة أن تدخل دائما في ~~معركة، إما أن تنتهي هذه المعركة في أغلب الأحيان بموت الشجاع أو بإصابته، فذلك قدر ~~تفرضه طبيعة العالم الذي نعيش فيه، وهو عالم يغلب عليه الشر كما نعلم جميعا! # قد يقول القارئ: ولكن الشر قوة هائلة وطاغية، وهو لا يمكن أن يختفي من الوجود؛ لأنه ~~كامن في طبيعة الوجود، والحق أن الشر قوة لا يمكن إنكارها، فنحن نلتقي ببشاعتها كل ~~يوم، غير أن الصراع مع هذه القوة البشعة - بالمقاومة حينا وبالهجوم حينا آخر - هو - ~~على التحديد - وظيفة الشجاعة، بل إن وجود الشجاعة نفسها - كما يقول القديس أوغسطين - هو ~~الدليل الصريح على وجود الشر، # 5 # وإقدام الشجاع على محاربة الشر على اختلاف ألوانه وباختلاف البلاد والعصور، ~~هو كذلك دليل على أنه قوة يمكن أن تهزم، وقد يكون صحيحا أن هذه الهزيمة لن تكون ~~مطلقة، ولكن الشجاعة لا بد أن تحاول الانتصار عليها في كل مرة؛ لأن هذا الانتصار لن ~~يكون بدوره انتصارا مطلقا. # هل نكون بهذا قد أفسحنا المجال لنوع جديد من الشجاعة، لعله لم يكن معروفا في غير ~~هذا الزمان؟ إن الشجاع الذي يستشهد من أجل مبدأ أو عقيدة يحس يقينا أن موته لن ينصر ~~هذه العقيدة أو ذلك المبدأ نصرا مطلقا، ومع ذلك فإن لديه من التفاؤل والثقة ما ~~يدفعه على الإيمان بأن موته سيساهم في هذا النصر المؤكد الذي لا يشك في أنه آت حتما ~~في زمان قريب أو بعيد. # ولكن ما حال ذلك الذي يدخل في معركة مع عدو يعرف سلفا أنه لا يقبل الهزيمة، وأنه وإن ~~أفلح في نزع أظافره فلن يفلح في أن ينزع عنه الحياة؟ ألم يكن الأجدر به - وهو يحارب هذا ~~العدو الذي لا يهزم - أن يوفر على نفسه عناء الدخول معه في معركة؟ أهناك معنى لدمه ~~المسفوك وهو يعلم أنه يبذله بغير طائل؟ نعم، ذلك نوع من ms157 الشجاعة لم تعرفه عصور الشهداء ~~في مختلف العقائد والمذاهب والأديان، إنها شجاعة يمكن أن نسميها الشجاعة اليائسة، فهي ~~تتحدى وتحارب وتستشهد وتعلم أن هذا كله لا معنى له؛ لأن الوجود كله عبث ولا معنى له ~~أيضا! وهي على العكس من كل ألوان الشجاعة التي عرفتها الإنسانية من قبل، متشائمة ~~متجهمة الوجه، تقبل على الموت ثابتة العينين مزمومة الشفتين، مؤمنة بأن مغامرة ~~الإنسان كلها باطلة، إنها تدخل المعركة وكفى، لا تبتسم ولا تغني ولا تحلم بتاج النصر، ~~وإنما تقدم لأنه لا بد من الإقدام، وتدخل الحرب لأن العدو ينبغي أن يحارب مهما كانت ~~النتيجة، ربما لأنه ليس هناك أمل في القضاء عليه، وربما لأنه ليس هناك أمل في أي شيء ~~على الإطلاق! ولأنها لا تريد أن تثبت شيئا أو تؤكد مبدأ أو تنصر عقيدة، فكل هذه كلمات ~~ضخمة لا تساوي لحظة التفكير فيها، ما الذي يدفعها إلى هذه التضحية اليائسة؟ ما الذي ~~يدعوها إلى إسالة الدم المهدور؟ لا شيء أيضا، فالنفي هنا أو العدم يطغى على كل شيء، ~~ومع ذلك فلعله شيء يمكن أن نسميه كبرياء القلق أو عذاب الضمير أو غريزة المغامرة ~~المتجددة، مهما تكن هذه المغامرة فاشلة أو عقيمة، ولعلها أخيرا الرغبة في تأكيد أن ~~الإنسان الذي يعرف أن الموت لا مفر منه يريد كذلك أن يؤكد لهذا الموت نفسه أنه يرفض ~~الاستسلام له، وأنه لن يموت إلا واقفا على قدميه! كبرياء وتحد وعناد، لن تخلو في ~~الحقيقة من روح التفاؤل العظيم ونبل البطولة المعذبة! # ولكن لنترك هذه الشجاعة اليائسة جانبا، ولنعد إلى سؤالنا الأول عمن هو ~~الشجاع؟ # الشجاع يرضى أن يصاب بالجراح، لا بل قد يرحب بها ويذهب إلى حد أن يعانق الموت نفسه، ~~ولكن هل يرحب بالجرح أو الموت لذاتهما أم أن وراءهما شيئا يهون في سبيله الموت كما ~~تهون الجراح؟! # هنا ستختلف الآراء بسبب اختلافها في مفهوم الشجاعة؛ فهي ليست شيئا مطلقا، أو ~~معلقا في الفراغ، بل هي دائما شجاعة من أجل هدف نريد تحقيقه، فالقديس ms158 توماس ~~الأكويني مثلا يقول: «من أجل الخير يعرض الشجاع نفسه لخطر الموت»، وكذلك سيقول كل من ~~يفهم الهدف من الحياة فهما دينيا أو أخلاقيا، فهو لا يرحب بالموت لذاته، بل ~~يسلم به حين يكون هو الطريق الوحيد إلى الخير، غير أن هذا يفترض بدوره أن يعرف ~~الشجاع ما هو الخير، وأن تكون شجاعته في سبيل تحقيقه، وسواء بعد ذلك أن نصف هذا الخير ~~بأنه معرفة حقيقة الوجود أو تحقيق المجتمع الأفضل أو رفع الظلم عن المظلومين ... إلخ. ~~ومن ثم فإن في استطاعتنا أن نقول: إن الشجاعة - وإن كانت تتطلب أعظم التضحيات - ~~ليست هي أولى الفضائل ولا أعظمها، إنها بطبيعتها تردنا إلى فضيلتين سابقتين تتلقى منهما ~~معناها وحقيقتها، ألا وهما الذكاء والعدالة، فبغير الذكاء والعدالة لا توجد الشجاعة، ~~والذكي العادل هو الذي يستطيع وحده أن يكون شجاعا، «وليس عجيبا بعد ذلك أن نجد ~~المسيحية ترتب الفضائل الأساسية هذا الترتيب: الذكاء فالعدالة فالشجاعة فالاعتدال.» # 6 # أما الذكاء، فلا صلة له بما نفهمه اليوم تحت هذه الكلمة من معاني «الشطارة» ~~و«الدهاء» و«الفهلوة»؛ فليست هذه إلا حيلا يحتال بها الجبناء لتفادي الخطر وتحقيق أكبر ~~قدر ممكن من المنفعة، لا بل إن الذكاء بهذا المعنى أقرب ما يكون إلى الغباء والأنانية، ~~أما الذكاء الذي نقصده ونجعله شرطا لا غنى عنه للشجاعة فهو تلك الحكمة التي تجعل ~~الإنسان يفهم كل شيء على حقيقته، وينظم سلوكه ومعرفته على أساس هذا الفهم الموضوعي ~~للواقع؛ فالذكاء يعكس حقيقة الأشياء الموجودة من ناحية، كما يعكس «خيرية» السلوك من ~~ناحية أخرى، أو لعل الأفضل أن نقول: إنه يترجم المعرفة بحقيقة الأشياء إلى السلوك الطيب ~~الخير في الحياة، وهو يعد بهذا المعنى أب الفضائل جميعا، أو هو صورتها الباطنة، ~~كما تكون النفس هي الصورة الباطنة للجسد. والشجاع مطالب بأن يكون ذكيا، أعني أن تكون ~~لديه المعرفة بحقيقة الأشياء، وبالسلوك الخير الذي يطابق هذه المعرفة، فالذكاء هو ~~الذي «يخبر» الشجاعة أو ينقل المعرفة إليها، وإذا كان يبصرنا بالخير في الواقع والسلوك، ~~وكانت العدالة ms159 تسهر على تحقيق هذا الخير؛ فإن الشجاعة هي التي تحميه أو تمهد الطريق ~~لتحقيقه؛ ولذلك لا يكون الشجاع شجاعا حين يركب رأسه ويعرض نفسه لكل ما هب ودب ~~من الأخطار، وإلا لكان معنى هذا التهور الأعمى أن الحرص على حياته لا يساوي في قيمته ~~ذلك الشيء أو تلك الأشياء التي يقدم عليها بغير ترو. إن الشجاعة الحقة تفرض نوعا من ~~المعرفة والبصيرة والتقدير الصحيح للشيء الذي نضحي به وللشيء الذي نريد أن نصونه ~~ونبقي عليه بهذه التضحية؛ ولذلك فلا يستطيع أحد أن يقول: إن دون كيشوت شجاع حين يهجم ~~على طواحين الهواء ظنا منه أنها أرواح شريرة أو شياطين، فبقدر إعجابنا بمغامرته ~~الهائلة يكون أسفنا للاندفاع الأعمى الذي يصحبها، وللآلام البشعة التي يقاسيها الفارس ~~الحزين! # الشجاع بصير، فهو يرى الواقع على حقيقته، ويقدر الفعل الذي يناسب هذه الرؤية، إنه ~~لا يزور هذا الواقع ولا يبدل من قيمته؛ لأنه يعرف طعمه، ويقبله على علاته، إنه لا ~~يحب الموت، ولكنه لا يتردد عن الإقدام عليه إذا وجد أنه لا مفر منه لإنصاف قضية ~~عادلة أو تحقيق قيمة عالية، وهو لا يحتقر الحياة، ولكنه على استعداد للتخلي عنها إذا ~~كانت ترتبط بالمهانة أو تحط من الكرامة. والشجاع يخاف الموت؛ «فليس أبعد عن الشجاعة ~~من عدم المبالاة أو من مغامرة تصدر عن يأس أو سأم أو تعب من الحياة»، إنه يقبل الأذى ~~ويتحمل الجراح وقد يقدم على الموت وهو يعلم أنها جميعا شر لا غنى عنه. فليس الشجاع ~~هو الذي لا يعرف الخوف، وإلا كان ذلك شيئا ينافي طبيعة البشر، بل هو الذي لا يضطره ~~الخوف إلى قبول الشر ولا يمنعه عن تحقيق الخير، فالشجاع يخاف الشر ولا بد أن يخافه، ~~ولكنه لا يدفع بنفسه إلى الخطر قبل أن يعرف مداه ويتحقق من أن الاندفاع إليه هو السبيل ~~الوحيد لتحقيق الخير. إنه يعرض نفسه لهذا الخطر، لا عن طموح إلى البطولة أو خوف من ~~الاتصاف بالحبن، بل لأنه يعرف أنه شيء مخيف ومع ذلك ms160 لا يمنعه الخوف من خوضه. ويصل ~~الخوف من الخطر وانعدام الخوف منه مع ذلك إلى أقصى درجاته في الاستشهاد، هنالك يكون ~~الشهيد هو الشجاع بالمعنى الحقيقي للشجاعة، وتكون الشهادة هي المقياس الحقيقي للبطولة، ~~فهي عنوان الصبر والصمود - وهما من أهم ما يميز الشجاعة - ورمز الثقة بالنفس والإيمان ~~بقيمة تعلو على الحياة والموت، وليس الشهيد من لا يخاف (فالمسيح نفسه كان يبكي ويصرخ ~~وهو على الصليب)، بل هو الذي لا يمنعه خوفه من مواجهة المخيف، فإن سأل سائل: ولم ~~يستشهد الشهيد؟ قلنا: لأنه يجد أن الموت هو السبيل الوحيد للكشف عن عظمة الإنسان ~~وإصراره على سيادة الخير وتحقيق العدالة، إنه يريد أن يفقد الحياة؛ ومن هنا كان صبره ~~واستسلامه للعذاب، ومن هنا أيضا كانت ثقته في نفسه وأمله في الإنسان. ولعلنا لا نجد ~~أحدا تتمثل فيه مفارقة الوجود الإنساني كما تتمثل في الشهيد، إنه يجمع بين ذروة القوة ~~وهاوية الضعف، ولم يكن المسيح في يوم من أيام حياته أقوى منه وهو على الصليب ينزف ~~ويصيح: «لم تركتني؟» ألم يقل لحوارييه: «ها أنا أرسلكم كغنم بين ذئاب» (إنجيل ~~متى، 10، 16)، فالشهيد أو الشجاع العادل مضطر إلى الحياة بين الذئاب، والويل لمجتمع أو ~~زمن خلا من الشهداء؛ لأن هذا معناه أنه لم يبق فيه إلا الذئاب، أو لم يبق فيه إلا الغنم ~~والحملان! # هناك شجاعة سياسية، وهناك شجاعة صوفية، الأولى تقاوم ما يعترضها من صعاب من أجل تحقيق ~~العدل، والثانية تسير بالنفس في «ليل العالم»، وتخترق بها ظلام المادة والحواس من أجل ~~الاتحاد بالله، ومع أن النوعين من الشجاعة مختلفان، إلا أنهما ينبعان من نبع واحد، ~~وذلك هو التخلي عن الذات أو العالم والاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل قيمة أسمى. ~~كلاهما يحارب الشر في العالم، ويحدوه الأمل في النصر الأخير - فلولا هذا الأمل لاستحالت ~~الشجاعة - ولكنهما على ما بينهما من اختلاف في الوسيلة والهدف، يحلمان بعالم أسمى ~~وأسعد، فالشجاع الذي يحارب الشر يضحي بنفسه؛ لكي يبني عالما جميلا، أو مدينة فاضلة ~~وعادلة على هذه ms161 الأرض. وإذن فلا بد للشجاعة التي لا يهديها الذكاء ولا تجند نفسها لخدمة ~~قضية عادلة من أن تكون شجاعة فاسدة، فليست الجراح هي التي تصنع الشجعان والشهداء، بل ~~القضية التي يناضلون من أجلها. ولا بد أن نسأل أنفسنا دائما حين نسمع عن إنسان شجاع: ~~هل كان عادلا؟ وهل كانت شجاعته من أجل العدالة؟ # من المستحيل علينا إذن أن نقدر شجاعة الشجاع قبل أن تتوافر لدينا العدالة؛ فنحن لا ~~نستطيع أن نطلب من ظالم أن يعرف حق الشجاع أو يحتمل وجوده؛ ذلك لأن الشجاع عادل ~~بطبيعته، ولن يستطيع أن يفهمه إلا عادل مثله، أعني شجاعا مثله. # وإذا كنا اليوم نحاول أن نقضي على ظلم القرون والأجيال، ونسعى جادين لبناء مجتمع ~~اشتراكي تتوافر فيه الكرامة والحرية والعدالة، فإن من ألزم واجباتنا أن نسأل أنفسنا كل ~~يوم - بل كل لحظة - عن معنى الشجاعة، ونجاهد - على الرغم من كل شيء - أن نحيا حياة ~~الشجعان، على كل واحد منا في مجال عمله أن يسأل نفسه: هل قلت كلمة الحق؟ هل وجدت في ~~نفسي الشجاعة الكافية لأصرخ في وجه الظلم والتبجح والغباء والفساد بأعلى صوتي قائلا ~~«لا!» أم أذلني الحرص الذي يذل أعناق «الرجال»، ففقدت الرجولة، أعني فقدت ~~الشجاعة؟! # لا بد أن نسأل أنفسنا مثل هذه الأسئلة، إن كنا نريد إقامة مجتمع الكرامة والعدل، ~~أعني المجتمع الذي لا يبنيه إلا الشجعان. # | والفكر قدر # | قدر المفكرين حزين # «إن كان الفكر هو قدرك، فأجل هذا القدر إجلالك لله، وضح من أجله بأفضل شيء لديك، ~~وأحب شيء إلى نفسك.» # الذي قال هذا الكلام لم يكتف بقوله، بل عاشه وقدم حياته دليلا على صدقه، لم تعد ~~شخصيته اليوم موضعا للنقاش العقلي أو الجدل الفلسفي كما كانت منذ نصف قرن؛ فقد هدأت ~~العاصفة التي أثارها نيتشه، وسكنت الأمواج التي بعثتها روحه العتية الغاضبة، ولم تعد ~~هناك حاجة لأن يختصم الناس حوله، أو يحذروا أبناءهم من قراءته، أو يؤلفوا الكتب للتشهير ~~به، ولا عادت هناك أعياد «ديو نيزيوس» تقام باسمه، كما كان ms162 الحال في أواخر القرن ~~الماضي وأوائل هذا القرن، ومع ذلك فلا يكاد يتنازع اثنان اليوم حول مكانته، ولا يكاد ~~أحد ينكر دوره الكبير في تطور التفكير الحديث؛ فهو بمفرده يمثل بداية مرحلة أو بالأحرى ~~نهاية مرحلة في تاريخ هذا التفكير، مئات الكتب توضع عنه، حتى ليوشك عددها أن يزيد على ~~ثلاثة آلاف كتاب، ومئات العلماء يؤلفون الأبحاث التي تتناول فلسفته ومأساة حياته في دقة ~~وعمق لا مزيد عليهما، ومئات المحاضرات تلقى عنه في مختلف الجامعات والمحافل ~~العلمية. # ما الذي نستطيع أن نضيفه إلى هذا كله، وليس فيه على ما يبدو مجال لجديد؟ أنكتشف في ~~هذه الغابة الكثيفة دربا مجهولا والعلماء قد تركوا آثار أقدامهم في كل مكان؟ أم نواجه ~~اليوم في حياتنا شيئا يذكرنا بنيتشه ويدعونا إلى صحبته أو إعادة النظر فيه؟ لقد هدأت ~~العاصفة التي أثارها كما قلت، وأصبح في مقدورنا - على خلاف الجيل الذي عاش بين ~~الحربين العالميتين - أن نتأمل في فلسفته من مسافة بعد كافية، بحيث نتجنب الحماس في ~~مدحه أو المبالغة في اللوم عليه، وليست مسافة البعد هذه بالأمر الهين الذي يمكننا أن ~~نغفله أو نقلل من شأنه، بل هي في الحقيقة من أثمن ما يملك الإنسان في زمن ضاعت منه ~~«عاطفة البعد» في كل مجالات الحياة، على حد قول نيتشه نفسه، فهذا البعد كفيل بأن يصحح ~~نظرتنا إليه، ويزيل عنها سحابة الحقد أو غشاوة التعصب، وهو كفيل بأن ينأى بنا عن الحكم ~~على فلسفته أو لها، فذلك شيء بعيد عن الهدف من هذه السطور؛ لأنها تهدف إلى شيء أبسط من ~~ذلك بكثير، ألا وهو أن نعيش مع نيتشه بضع لحظات، أو بمعنى آخر: أن نحاول معا أن نفكر ~~فكره. ~~••• ~~«إن كان الفكر هو قدرك، فأجل هذا القدر كما تجل الله، وضح من أجله بأفضل شيء ~~عندك وأحب شيء إلى نفسك.» # الفكر إذن قدر، فكيف نشارك في هذا القدر، وهو - كما نعلم - قدر تعيس؟ والمفكر قد ~~انتهى به التفكير إلى الجنون، فما الذي يغرينا بصحبته، ونحن ms163 نحاول أن نحافظ على البقية ~~الباقية من عقلنا، في عالم يحملنا كل شيء فيه على الموت أو الجنون؟! لنحاول أن نغوص في ~~هذا التفكير، وسنجد أننا نغوص في متاهة تسلمنا إلى متاهة، ولنجرب أن نمسك بخيوط هذا ~~القدر، وسنرى أنها تتشابك وتتعقد، بحيث تسوقنا في النهاية إلى ظلام لا يمكن الاهتداء ~~فيه، أو غموض لا سبيل إلى التعبير عنه، ومع ذلك فلا داعي لليأس قبل أن نخطو الخطوة ~~الأولى على الطريق! ولنحاول أن ننظر في شيء يعبر عن هذا الفكر أو يصور قدره. # من أهم الشواهد التي تعبر عن قدر نيتشه في المرحلة الأخيرة من حياته تلك القصائد التي ~~يسميها بأناشيد ديونيزيوس، وهي مجموعة من الأشعار ذات إيقاع حر، تنتمي للمرحلة التي ~~وضع فيها كتابه «زرادشت»، وإن لم يجمعها أو يدونها في صورتها النهائية إلا قبل إصابته ~~بالجنون بزمن قليل، إنه يقول في إحدى هذه القصائد أو «الديثيرامب» # 1 # التي جعل عنوانها «بين الطيور الجارحة»: # الآن # مفردا معك، # مثنى في معرفتي # بين مئات المرايا. # مزيف أمامك أنت # بين مئات الذكريات، # مرتاب، # متعب في كل جرح، # بردان في كل صقيع، # مخنوق بيدي، # عارف بنفسي، # جلاد نفسي! # وبعد هذه القصيدة بقليل نجد في المجموعة قصيدة أخرى هي «الشمس تغيب» تختتم بهذه ~~الأبيات: # الوحدة السابعة! # ما أحسست أبدا # بالأمان الحلو أقرب إلي # ولا بنظرة الشمس أدفأ عندي. # ألا يتوهج الثلج فوق قمتي حتى الآن؟ # ها هو قاربي يسبح بعيدا، # فضيا وخفيفا كأنه سمكة ... # ثم تبدأ «شكوى أريادنه» بهذه الأبيات: # من يدفئني؟ من الذي لا يزال يحبني؟ # أعطوني يدين دافئتين! # أعطوني فحم القلب! # ممدد مرتعش، # أشبه بنصف ميت، يدفئون قدميه، # تنفضني - آه - نيران حمى مجهولة، # وأرتعد من سهام الصقيع الحادة، # مطارد أمامك، يا أيتها الفكرة! # وتنتهي قصيدة «المجد والأبدية» بالأبيات الآتية: # يا درع الضرورة! # يا كوكب الوجود الأعلى! # يا من لا تدركه رغبة، # ولا تلطخه «لا»، # يا «نعم» الوجود الأبدية # أنا «نعمك» إلى الأبد # لأنني أحبك، يا أيتها الأبدية! # في هذه المجموعة الواحدة من ms164 القصائد المذهلة نجد الشك والتمزق الأليم: ~~... مثنى في معرفتي # بين مئات المرايا # مزيف أمامك أنت، بين مئات الذكريات. # مرتاب. # إلى جانب الاطمئنان الجميل، والراحة السعيدة: ~~... ما أحسست أبدا ... # بالأمان الحلو أقرب مني ... # وفي المجموعة نفسها نجد البرودة الرهيبة، التي توشك أن تصير تجمدا: ~~... متعب في كل جرح # بردان في كل صقيع ... # إلى جوار الإحساس بالدفء الخالص الذي يوشك أن يتجاوز طاقة البشر: ~~... ما أحسست أبدا # بالأمان الحلو أقرب إلي # ولا بنظرة الشمس أدفأ عندي ... # تقف جنبا إلى جنب مع نوع من الأسر الذي يوشك أن يصبح اختناقا، ويكاد ألا يكون منه ~~هروب أو نجاة، لأن اليد تمتد بالحبل الذي يلتف حول الرقبة: # مخنوق بيدي، # عارف بنفسي! # جلاد نفسي! # وتتبعها خفة وانطلاق يخيل للإنسان أنهما لا يتصلان بهذه الأرض: # ها هو قاربي يسبح بعيدا # فضيا وخفيفا كأنه سمكة ... # نجد هذا كله في تلك المجموعة النادرة من الأبيات ، اليأس القاتل والضياع ~~الموحش: # من يدفئني؟ من ذا الذي لا يزال يحبني؟ # ممدد مرتعش، # أشبه بنصف ميت ... # مع التأكيد المفعم بالحياة، والترحيب المطلق بها: # ذلك لأنني أحبك، يا أيتها الأبدية! ... # مثل هذه الأبيات لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى سرها دفعة واحدة؛ إنها تحتاج إلى السير ~~على طريق طويل من الصبر والتفسير والتعمق، وتزداد هذه الحاجة إلحاحا كلما حاولنا فهم ~~هذه «النعم» التي تختتم بها قصيدة «المجد والأبدية»: # يا نعم الوجود الأبدية، # يا من لا تلطخها «لا»، # أنا إلى الأبد «نعمك» ... # والتي تصل إلى أقصى قوتها؛ لأنها تصل إلى أقصى درجة من التجريد في هذا البيت: «يا من ~~لا تلطخها لا» ... ذلك لأن من أقدم أنظار الفلسفة أن النعم الخالصة لا يمكن التعبير عنها ~~أو التفكير فيها إلا على هيئة النفي المزدوج، أي نفي النفي أو لا اللا، وإن دلتنا هذه ~~الحقيقة على شيء فهي تدلنا على أن قدر نيتشه - أو القدر الذي ساقه إليه تفكيره - لا ~~يمكن أن تفي بالتعبير عنه صيغة مبسطة، بل لا يمكن أن تفي به أية صيغة من الصيغ، ms165 على ~~كثرة محاولات المفسرين إلى يومنا الحاضر، أضف إلى ذلك أن فكرة القدر نفسها تنطوي ~~بطبيعتها على شيء قد نسميه بالغموض أو الألغاز، وقد نصفه بالعلو على كل ما هو بشري أو ~~أرضي، ومهما أشار المفسرون والشارحون بإصبع الاتهام إلى الجنون الذي انتهى إليه ~~نيتشه، زاعمين أن هذه النهاية وحدها تدين فلسفته وتحكم عليه بالتناقض، ومهما اعتقد فريق ~~منهم أن المحاولة التي قام بها للانتصار على ما سماه بالعدمية كانت محاولة ناقصة ~~وفاشلة، فلن يحملنا ذلك كله على النظر إلى قدر نيتشه نظرة النفي والإنكار، أو الزج به ~~في صيغة من الصيغ الجاهزة التي تتستر برداء المذهب أو التاريخ، لتحاول فيما تزعم أن ~~تفهمه، وسنتجنب في كل الأحوال أن نصدر عليه أو على فلسفته حكما من تلك الأحكام ~~الغليظة الشائعة التي كثيرا ما تبسط كل شيء لتفسد كل شيء، وسنتذكر ما يقوله في ~~الجزء الأول من زرادشت في الفصل الذي يتحدث فيه عن ذباب السوق: أنت يا من تحب الحقيقة! ~~لا تشعر بالغيرة من هؤلاء المطلقين والمتعجلين! فلم يحدث أبدا أن تعلقت الحقيقة بذراع ~~مطلق ... بطيئة هي تجربة كل الينابيع العميقة، عليهم أن ينتظروا طويلا، حتى يعرفوا ما ~~الذي سقط في أعماقها. # سنحاول إذن أن نتجنب هذا كله؛ لأن احترامنا لمثل هذا القدر أكبر من أن يصرفنا عن ~~الهبوط إلى هذا الينبوع العميق ... ~~••• # كان الفكر هو قدر نيتشه. # ولكن ماذا نقصد بالفكر؟ وماذا نريد بالقدر؟ أمن الممكن أن يصبح الفكر - وهو نشاط ~~العقل البشري - قدر الإنسان؟! # ألا يوضع نيتشه في تاريخ الفكر الفلسفي بين من نسميهم فلاسفة الحياة؟ أليست فلسفة ~~الحياة هي تلك الفلسفة التي تبتعد بنفسها عن كل معرفة نظرية أو عقلية، وتتجه إلى الحياة ~~الخصبة المباشرة؟ أليست هي التي تقدم الشعور على العقل، والتجربة على التأمل، والواقع ~~على الفكر؟ لقد تعودنا أن ننظر إلى الفكر - والفكر المجرد بنوع خاص - على أنه بعيد ~~عن الحياة بل غريب عليها، وتعودنا أن ننتظر من فلسفة الحياة تعبيرا شعوريا أو ~~شاعريا عن ms166 جوهر الأشياء لا أفكارا مجردة أو تصورات ذهنية. # صحيح أنه لا ينكر أحد أن نيتشه كان شاعرا، لا بالمعنى السطحي القريب لهذه الكلمة، ~~بحيث يقال إنه ألف القصائد الشعرية إلى جانب الكتابات النثرية، ووضع كتابا فلسفيا ~~- «زرادشت» - في صورة شعرية، بل المقصود أنه كان شاعرا بالمعنى الأعمق لهذه الكلمة، ~~بحيث يمكن أن نقول إن الفكر لديه قد استحال شعرا، وإن العلاقة بين الفكر والشعر، أو ~~بين الحقيقة والفن، كانت نوعا من التناقض الأساسي الذي حرك فلسفته من أولها إلى آخرها، ~~حتى لنجده يعترف في أواخر حياته قائلا: لقد فكرت تفكيرا جديا في وقت مبكر من ~~حياتي عن العلاقة بين الفن والحقيقة، وما زلت أشعر بالفزع المقدس وأنا أقف الآن أمام ~~هذا الصراع. # أنسمي نيتشه لهذا السبب شاعرا فيلسوفا؟ قد تكون التسمية جذابة، ولكنها لا تقول في ~~الحقيقة شيئا، والأفضل أن نعفيه من هذا الشعار السخيف؛ لكيلا نحرم أنفسنا من الإحساس ~~المقدس الذي شعر به في أواخر حياته حين أحس بالفزع من الصراع القائم بين الحقيقة ~~والفن. # ولكن ألا نلاحظ أن نيتشه لا يكف عن مهاجمة الفلسفة التقليدية لإيمانها البشع ~~بالتصورات واصطناعها الدائم للأفكار، ولا ينقطع عن تسديد سهامه إلى المنطق والديالكتيك ~~والإنسان النظري أو السقراطي أو غير ذلك من تسمياته المشهورة؟ أليس هو الذي قال في ~~الفترة التي وضع فيها أول كتبه الكبيرة «ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى»: إنه ما من ~~طريق يخرج من الفكرة ليؤدي إلى جوهر الأشياء؟ هل نستطيع أن نستخلص من هذا أن الفكر الحق ~~لا بد أن يكون بالضرورة تفكيرا بالتصورات، وأن من طبيعة هذا الفكر أن يتفكر في جوهر ~~التصور، أعني أن يكون شيئا أقرب إلى التفكير في التفكير؟ لعل الجانب الأكبر من فلسفة ~~نيتشه ألا يخرج عن كونه تفكيرا في التفكير نفسه. # ولكن كيف يتفق هذا مع ما قلناه من أنه فيلسوف الحياة؟ أهناك أبعد من الحياة أو أكثر ~~غرابة عليها من هذا الكلام؟ وما هي إذن حقيقة العلاقة بين الفكر والحياة عند ~~نيتشه؟ ms167 # إنه يقول في كتابه الأكبر الذي لم يقدر له أن يتمه هذه العبارة: «إن الفكر هو ~~أقوى شيء نجده في كل مستويات الحياة.» الفكر إذن هو أقوى ما نجده على اختلاف مستويات ~~الحياة، وأكثره تدفقا بالحياة، ألا يتبع ذلك أن يكون أكثر الموجودات حياة هو الفكر ~~الذي يصل إلى أقصى درجات التفكير؟ وأن تتمثل أقصى درجات الفكر في ذلك التفكير الخالص ~~الذي يتحرك في عنصره النقي، أعني التفكير المجرد، بحيث يكون هذا التفكير المجرد أكثر ~~ألوان الفكر حياة وحيوية؟ # ولكن ألا نكون بهذا قد سرنا على الطريق الخاطئ؟ لنستمع إلى ما يقوله فيلسوف الحياة في ~~ذلك، ها هو ذا يصرح في أحد كتاباته المتأخرة: «إن التفكير المجرد لدى الكثيرين عناء ~~وشقاء، أما عندي فهو في الأيام المواتية عيد ونشوة.» وليست النشوة التي يريدها نيتشه ~~هنا إلا حالة من حالات السكر بمعناه الأصيل الذي يجعله مقابلا للحلم ، بمعنى ~~الارتفاع إلى أقصى درجات القوة والحياة؛ فالتفكير المجرد إذن هو أقصى درجات ~~الحياة. # لكن هل يتسنى لكل من يفكر أن يجد في التفكير المجرد بهجة العيد ونشوة السكر؟ ~~لا شك أنه في حاجة إلى كثير من الصبر والمران حتى يجد البهجة والنشوة بدلا من المشقة ~~والعناء، ولن نجد بين فلاسفة العصر الحديث من راح يؤكد في إصرار أن التفلسف يحتاج - ~~قبل كل شيء - إلى الوقت والصبر والتفرغ كما فعل نيتشه، ولن تجد أحدا عبر عن سخطه ~~على التسرع والتفاهة كما عبر نيتشه، إنه يقول في إحدى حكم كتابه «العلم المرح» (رقم ~~329) تحت عنوان «التفرغ والفراغ»: «إن التعجل هو الرذيلة الحقيقية للعالم الحديث.» ~~كما يقول: «لقد بات الناس يخجلون من الراحة والهدوء، ويكاد التأمل الطويل أن يصيبهم ~~بلذع الضمير، إنهم يفكرون وهم ينظرون إلى الساعة في أيديهم، تماما كما يأكلون طعام ~~الغداء وأعينهم على أخبار البورصة.» ... أو يقول في ختام المقدمة التي وضعها لكتاب ~~«الفجر»: «مثل هذا الكتاب لا يعرف التعجل، ثم إننا أصدقاء الوقع البطيء، مثلي في ذلك ~~مثل كتابي، ولم يكن عبثا ms168 أن أكون لغويا، ولعلي ما زلت كذلك حتى الآن، أعني ~~معلما للقراءة البطيئة، وأخيرا يكتب الإنسان كذلك ببطء، هكذا أصبح الآن من عادتي، ~~لا بل من ذوقي ومزاجي - وربما كان ذوقا شريرا - ألا أكتب شيئا لا يصيب المتعجل ~~باليأس.» وكل من يقرأ نيتشه سيجد مثل هذه العبارات متناثرة في كتبه ورسائله، وكل من ~~يريد أن يقرأه حقا فلا بد له من التريث والصبر، أعني لا بد له من التفكير معه. ~~ألسنا نراه يقول في كتابه «هذا هو الإنسان»: «الرقاد في سكون، التفرغ ... الانتظار والصبر ~~... ولكن هذا معناه التفكير!» # أراد نيتشه أن يجعل عنوان كتابه الأكبر الذي لم يتمه «إرادة القوة»، ولكن أليست ~~إرادة القوة هي أصفى تعبير عن فلسفته؟ وما شأن فلسفة تتحدث عن القوة بالفكر والتفكير؟ ~~وأين نعثر على أثر للتفكير بين أولئك الحكام «الأقوياء» الذين راحوا بين الحربين ~~العالميتين يتمسحون بنيتشه ويهيبون بفلسفته؟ وهل قصد نيتشه بعبارته عن إرادة القوة ~~شيئا يتصل بالسياسة من قريب أو بعيد، كما أراد الذين أساءوا فهمه وجنوا عليه جناية ~~لن ينصفه منها أحد إلى آخر الزمان؟ أم كانت في الحقيقة تعبيرا ميتافيزيقيا يلخص ~~رأيه في حقيقة الحياة في كلمتين؟ أليس من واجبنا اليوم أن نبذل الجهد المضاعف لنفهم ما ~~يريده بالإرادة والقوة وما يقصده من عبارته عن إرادة القوة؟ # كتب على الفلاسفة العظام أن يساء فهمهم، كما كتب عليهم أن ينتشر تأثيرهم على ~~أساس من هذا الفهم السيئ. ولعل نيتشه قد أحس بأن الأجيال المقبلة لن تفهمه ولن تنصفه ~~فكتب يقول في أوراقه التي عثر عليها بعد موته: «إرادة القوة، كتاب هدفه التفكير، ولا ~~شيء غير هذا.» ... «فإرادة القوة» قد وضع ليفكر فيه الناس، أي إنه كلام ميتافيزيقي، ~~لا يقول شيئا عن أي شيء أو أية حالة تدخل في إطار هذا العالم، بل يتحدث عن العالم ~~ككل، ويتجاوز كل ما يضمه من أشياء. # لم يكن نيتشه مفكرا فلسفيا فحسب، بل كان قبل ذلك كاتبا لامعا يلمس القلوب ~~ببيانه الرائع ويهز العقول بأسلوبه ms169 الحي، ولقد كان يعرف ما يقول حين كتب لصديقته الشابة ~~لوسالومي - وهي التي ستصبح بعد ذلك صديقة مقربة للشاعر رلكه - يوصيها بقواعد الأسلوب ~~العشرة ويذكر من بينها أنه كلما زادت الحقيقة التي يريد الإنسان أن يعلمها للناس ~~تجريدا، كان عليه أن يغري بها الحواس، ولقد نجح نيتشه في هذا الإغراء، حتى غاب عن ~~خصومه وأنصاره على السواء ما في أفكاره العميقة من التجريد، وتشبث القراء بأنه شاعر ~~فيلسوف، ومع أن الوصف في جملته صحيح، إلا أنه لا يمنعنا من القول بأن فلسفته لا تقل ~~تجريدا ولا إحكاما عن فلسفة أرسطو أو كانط أو هيجل، بل إن النفاذ إلى فلسفته لا يقل ~~صعوبة عن النفاذ إلى فلسفة هؤلاء، إن لم يزد عليها بكثير، فبينما يفر القراء من لغتهم ~~الشاقة المعقدة التي تظهرهم على مشقة الموضوع الذي يتناولونه، يغريهم أسلوب نيتشه ~~اللامع المتدفق بأنهم يقرءون شيئا يسيرا، ويوقعهم في خطر الفهم السريع، في حين أنهم ~~يكونون أبعد الناس عن فهمه، بل إنهم في معظم الأحيان ينتشون بقراءته دون أن يدروا شيئا ~~عن الموضوع الذي يتكلم عنه! والذين صبروا منهم على دراسته يعلمون تماما أنهم يصادفون ~~لديه أصعب الأفكار والمشكلات التي تناولتها الفلسفة الغربية في تاريخها الطويل. ~~••• # كان الفكر هو قدر نيتشه. # ونحن لا نقصد من ذلك المعنى الخارجي الظاهر من حياته فحسب، على الرغم من أننا نعلم أن ~~عاطفة التفلسف قد حددت هذه الحياة القصيرة من كل نواحيها، والتهمتها في النهاية في ~~جنون مفزع مخيف، فمما لا شك فيه أن حياة هذا المفكر كانت وستظل مثلا مجيدا ~~مؤلما على نهاية الفكر الصادق الجاد. وسوف يحرك قلوبنا دائما أن نعرف كيف أن ~~عاطفة الفكر المتحمسة قد جعلته في الرابعة والعشرين من عمره أستاذا للغات القديمة ~~في جامعة بازل، وأبعدت بينه وبين الحياة الاجتماعية المطمئنة، ودفعت به شيئا فشيئا ~~إلى مواضع الخطر والعداوة والتهديد؛ فراح في سبيل هذا القدر يضحي بالمستقبل الجامعي ~~المشرق، وبالأصدقاء والمال والسمعة الطيبة، ويغوص بالتدريج في هاوية الوحدة والانفراد، ~~حتى ms170 جاءت كارثة «تورين» # 2 # المعروفة، فعجلت بالنهاية المخيفة لكل هذا العذاب. # كل هذا معروف ومشهور، ولكن نيتشه يقصد شيئا أكبر منه حين يتحدث عن «قدر الفكر»، وعن ~~التضحية بأفضل شيء لدى الإنسان وأحب شيء إلى نفسه. إنه يقول في الكتاب الخامس من «العلم ~~المرح» تحت عنوان: «نحن الذين لا نخاف» هذه العبارة: «هناك فرق شاسع بين أن يقف المفكر ~~بشخصه وراء مشكلاته بحيث يجد فيها قدره ومحنته وكذلك أسمى سعادته، وبين أن يقف منها ~~موقفا غير شخصي.» أعني أن يفهم كيف يلمسها ويمسك بها بقرون استشعار الفكرة الباردة ~~المتطفلة. في الحالة الأخيرة لا يخرج الإنسان بشيء، على كثرة ما يمني به نفسه؛ ذلك ~~لأن المشكلات العظيمة - إذا فرض أنها تسمح لأحد بأن يفهمها - لا تدع للضفادع ولا ~~المتخاذلين فرصة الاقتراب منها، إن هذا هو طبعها منذ الأزل، وهو بالمناسبة طبع تشارك ~~فيه كل الفاتنات! ولقد كانت المشكلات التي عذبت نيتشه، والحقائق التي أحس هو نفسه ~~بالرعب منها، هي قدر فكره، إنه يكتب إلى صديقه «أوفربك» فيقول: «لقد كنت أملي ساعتين ~~أو ثلاثا كل يوم تقريبا، ولكن «فلسفتي» - إذا كان من حقي أن أصف ما يعذبني حتى أعمق ~~جذور حياتي بهذا الاسم - لم يعد من الممكن نقلها إلى أحد، أو على الأقل لم يعد ذلك ~~ممكنا عن طريق النشر. # إنني أشتاق في بعض الأحيان إلى عقد مؤتمر سري معك أنت ويعقوب بورخارت - لأسألكما كيف ~~تواجهان هذه المحنة - أكثر من شوقي لرواية شيء جديد لكما.» ولكن المرجح أن زميلي ~~نيتشه في جامعة بازل ما كانا ليوافقا على عقد هذا المؤتمر، ولو عقداه لما استطاعا أن ~~يحسا بشيء من اليأس الذي أحس به في أواخر حياته، فلن يستطيع أن يشعر بهذا اليأس أو ~~يشارك في بعض عذابه إلا من يجد في نفسه الاستعداد لمتابعته على طريق الفكر الشاق ~~الطويل، والإرادة الكافية لتحمل قدره القاسي الأليم. إن نيتشه يقول بنفسه في إحدى ~~القطع التي جمعت بعد موته: «إن علينا - قبل أن يصيبنا القدر - أن ms171 نسوقه كما نسوق ~~الطفل ونضربه بالسوط، فإذا ما أصابنا فعلينا أن نبذل جهدنا لكي نحبه.» # ومن الصعب أن نفهم كيف استطاع نيتشه أن يخطو هذه الخطوة نحو حب القدر، وأن يسير من ~~النفي إلى نفي النفي، أو إلى النعم العليا، أو ~~محبة القدر # Amor fati # كما يسميها. # إنه يتحدث في «هكذا تكلم زرادشت» عن ~~الإرادة الكارهة # Widerwille # للزمن ول «قد كان»، كما يتحدث عن الخلاص ~~من هذه الإرادة الكارهة أو من عدم الإرادة (لا عن الإرادة بوجه مطلق؛ إذ إنه في حديثه ~~ذاك إشارة إلى شوبنهور والبوذية اللذين يستنكر كلاهما عن الإرادة ويصفه بأنه أغنية ~~الجنون الخرافية)، هذه الإرادة الكارهة للزمن أو المضادة له، والنزعة التي تميل إلى ~~المخالفة والهجوم بوجه عام، علامة من العلامات الدالة على تفكير نيتشه في مجموعه، # 3 # ولكننا نعلم أن كل نزعة مضادة أو مخالفة تظل على نحو من الأنحاء حبيسة لما ~~تخالفه أو تكون ضدا له، فما من مخالفة لا تنطوي على نصيب من المشاركة ولا من تفكير ~~يهاجم الميتافيزيقا أو الأفلاطونية أو المسيحية أو الزمن المعاصر له إلا ويظل بوجه من ~~الوجوه ميتافيزيقيا أو أفلاطونيا أو مسيحيا أو معاصرا، وهذا القول ينطبق على ~~نيتشه أكثر من أي مفكر سواه، بل نحن اليوم أقدر على قوله والإحساس به أكثر منه، ربما ~~لبعدنا عنه البعد الكافي لإصدار هذا الحكم الذي لم يكن في استطاعته أن يعيه أو يصدره ~~بنفسه. # مهما يكن من شيء، ففي إمكاننا - من وجهة النظر هذه - أن نضع فلسفة نيتشه في مكانها، ~~ونخطو خطوة على طريق النقد الشامل لها. يمكننا أن نقول - وهذا ما قاله الكثيرون وقاموا ~~به بالفعل: إن فلسفة نيتشه تمثل الكمال والنضوج في مرحلة من مراحل الفكر الغربي، كما ~~تمثل في نفس الوقت غاية هذه المرحلة ونهايتها، فهي في رأي هؤلاء المفسرين (والمقصود بهم ~~هيدجر وتلاميذه بنوع خاص) تمثل كلمة الختام في الفلسفة الحديثة من حيث هي فلسفة الفكر ~~والإرادة الإنسانية التي تنعكس على نفسها أو تضع نفسها بنفسها، ms172 ومن ثم يكون تفسيره ~~للحياة والوجود بأنه إرادة القوة هو أقصى مرحلة لميتافيزيقا الذاتية، أي للفلسفة ~~الحديثة التي يعرفونها أيضا بهذه الصفة، حيث تبلغ هذه الفلسفة غاية إمكاناتها من حيث ~~هي فلسفة ذاتية للإرادة. فإذا كان نيتشه قد وصل بهذه الذاتية إلى أقصى ما يمكن أن تصل ~~إليه، وبلغ بها عن طريق تطرفه الحاسم الصريح إلى آخر حدودها، فلا شك أيضا في أنه قد ~~ظل أسير مملكتها ورهين أفكارها، ومع ذلك فإذا كانت هذه النظرة تنطبق إلى حد كبير على ~~فلسفة نيتشه أو تمثل على الأقل جانبا هاما من جوانبها، فلا شك أيضا في أنها ليست هي ~~النظرة الوحيدة الممكنة إلى هذه الفلسفة الخصبة المتعددة الجوانب والوجوه، أضف إلى ذلك ~~أن الزج بإحدى الفلسفات في صيغة تاريخية أو مذهبية بعينها - مهما كان نوع هذه الصيغة - ~~لا بد أن ينطوي على شيء من الإجحاف والظلم لتلك الفلسفة. وإذا صدق هذا القول على فلسفة ~~ما، فهو أصدق ما يكون على فلسفة نيتشه؛ فالمتأمل لها لا بد أن تأتي عليه لحظة يسأل فيها ~~نفسه: هل هذه الفلسفة شكل من الأشكال العديدة للفلسفة الحديثة؟ أم هي إلى جانب ذلك وفوق ~~ذلك شيء آخر مختلف وجديد؟! ~~••• # ليست الكلمات التي تعبر عن «الضد» والمخالفة هي وحدها التي تدل على تفكير نيتشه، بل ~~إن الكلمات التي تعبر عن التجاوز والعلو والمفارقة - مثل فوق ووراء وبعد التي تتكرر ~~كثيرا في كتاباته وبخاصة في زرادشت - قد تكون أكثر دلالة على طابعه الفكري والفلسفي، ~~وكثيرا ما قيل: إن هذه الكلمات وحدها تعبير واضح عن تطرف نيتشه أو تهوره، وهذا صحيح ~~بالفعل، غير أنها لا تستخدم دائما للدلالة على صيغة التفضيل أو المبالغة، بل ~~كثيرا ما يراد بها التعبير عن تجاوز الضدين جميعا، والعلو فوق كل ما عرفته ~~الإنسانية من أشكال التصور والتفكير. وأوضح مثل على هذا هو حرف فوق # über # كما يرد في الكلمة المركبة ~~فوق الإنسان أو الإنسان الأعلى # über-Mensch, Superman # فليس الإنسان الذي يقصده ~~نيتشه بهذه الكلمة إنسانا ms173 أضخم حجما أو أقوى عضلا من بقية الناس، ولا هو ذلك الوحش ~~الأشقر الذي ظنت النازية البشعة أنها جاءت أخيرا لتحقيق وجوده على الأرض، بل هو في ~~الواقع مرحلة تتجاوز مرحلة الإنسان الحاضر، وتتحقق فيها فكرة نيتشه عن إرادة القوة ~~وتأكيد الحياة، وليس للإنسان الأعلى صلة من قريب أو بعيد بالبطل المحارب ولا بالعملاق ~~القوي، وإنما يقترب أكثر ما يقترب من ذلك «الطفل اللاعب» الذي يتحدث عنه زرادشت. # الأمر إذن أمر تجاوز وعلو وارتفاع؛ تجاوز للإنسان الحاضر، وعلو فوق الأخلاق ~~السائدة، وارتفاع على التركة الميتافيزيقية التي ورثها العالم عن أفلاطون. إن نيتشه لا ~~يزال يتحرك - كما هو منتظر - في إطار الفلسفة الحديثة بوصفها ميتافيزيقا الذات التي ~~تضع نفسها وتتمثل نفسها، تشهد على ذلك المواضع الكثيرة التي يمجد فيها الأنا المريدة ~~الخلاقة، أعجب الأشياء ومقياس الأشياء جميعا (كما تقول قطعة معروفة في زرادشت في ~~الفصل الخاص بسكان العالم الآخر)، ولكنه مع ذلك دائم البحث - كما لم يفعل أحد قبله أو ~~بعده من مفكري العصر الكبار - عن المنابع الجديدة والآفاق الغريبة المجهولة، شأن الرواد ~~والمكتشفين الذين لا تحلو لهم الحياة إلا بين مجاهل الكشف وأخطار الريادة! إنه يكتب في ~~القطعة الأخيرة من كتاب «الفجر» تحت عنوان «نحن ملاحو الروح!» فيصف نفسه بأنه ~~«كولومبوس» جديد، يوجه شراع سفينته نحو الغرب على أمل أن يكتشف الهند الجديدة، ولكن هل ~~استطاع نيتشه - بعد أن اتجه بسفينته إلى الغرب إلى هناك «حيث غابت كل شموس البشرية» - ~~أن يبلغ الهند، أي يبلغ الشرق الجديد أو يرى شطآنه على الأقل من بعيد؟! # مثل هذا السؤال لا يجاب عليه بلا أو نعم قاطعة، وتتعذر الإجابة كلما تصورنا مدى ~~خصوبة فلسفة نيتشه وعمقها وتعدد مستوياتها وأبعادها، والأفضل من ذلك أن نحاول البحث عن ~~نص يلقي بعض الضوء على السؤال. ها هو ذاته يقول في مقطوعة هامة من كتابه الكبير ~~«إرادة القوة» يصور فيه حالة من حالات الصفاء والاتزان النادرة في حياته الفكرية ~~العاصفة، ويعبر عن موقفه وهدفه الفلسفي فيقول: «الانتظار ms174 والاستعداد، انتظار تدفق ~~الينابيع الجديدة، الاستعداد في ظل الوحدة للقاء الرؤى والأصوات الغريبة، تطهير النفس ~~على الدوام من غبار السوق ومن ضجيج هذا الزمن، التغلب على كل ما هو مسيحي عن طريق شيء ~~يتفوق على المسيحية ولا يكتفي بالتخلص منها، اكتشاف الجنوب في النفس من جديد ورؤية ~~سماء الجنوب الساطعة الحافلة بالأسرار وهي تنتشر فوق رءوسنا، غزو الصحة الجنوبية والقوة ~~الكامنة في النفس غزوا جديدا، أن يصبح الإنسان بالتدريج أكثر شمولا واتساعا ويصير ~~عالميا وأوروبيا - وأكثر من أوروبي - وشرقيا إلى أن يصبح في النهاية إغريقيا؛ ~~لأن الروح الإغريقية كانت هي التأليف والمركب الأول العظيم لكل ما هو شرقي كما كانت - ~~لهذا السبب نفسه - مبدأ الروح الأوروبية: اكتشاف «عالمنا الجديد»، من ذا الذي يحيا ~~وفق هذه التعاليم؟ ومن يدري ما الذي يمكن أن يحدث له ذات يوم؟ لعله أن يكون نهارا ~~جديدا.» # إن نيتشه لا يتحدث هنا عن شيء يخالف المسيحية أو ينافي الروح الأوروبية ، ولا يذكر ~~شيئا عن الضد أو العكس، بل يتجاوز جميع المواقف والأحوال والآفاق إلى ما وراءها، حيث ~~ينتظره عالم جديد ونهار جديد، وهو لذلك في حاجة إلى منابع جديدة تروي عطشه الذي ~~يفوق احتمال البشر: «الانتظار والاستعداد، انتظار أن تنبثق منابع جديدة.» أو كما يقول ~~في إحدى القطع التي كتبها عن زرادشت: «أن ينتظر المرء عطشه ويتركه حتى يصل إلى أقصى ~~مداه؛ لكي يكتشف منبعه.» # والمنبع شيء يتدفق من تلقاء نفسه. إن الإنسان لا يصنعه، فأقصى ما يملكه أن يحاول ~~الكشف عنه وينتظر تدفقه، هناك لا يكون محل للذات المريدة المتسلطة، بل للصبر والتريث ~~والانتظار، وعندئذ نتذكر البيت الأول من قصيدته عن «سلس ماريا»: «هنا جلست أنتظر ~~وأنتظر، لكنني كنت أنتظر لا شيء»، «الاستعداد في ظل الوحدة للقاء الرؤى والأصوات ~~الغريبة.» # وهل فعل نيتشه شيئا غير هذا في خلال السنوات العشر التي سبقت تخبطه في ظلام الجنون؟ ~~ألم يبق مخلصا لطبيعته على الرغم من كل المواقف التي تفجرت فيها نزعته إلى الهدم ~~والعدوان والتظاهر بالعظمة؟ وهذه ms175 الرؤى الغريبة، أيمكن أن تكون شيئا غير رؤياه عن عودة ~~الشبيه الأبدية # 4 # والأصوات الغريبة؟ أليس من الممكن مقارنتها بتلك القطعة الأخيرة من القسم ~~الثاني من زرادشت التي نجدها تحت عنوان: «أشد الساعات سكونا»، حيث نسمع المجهول يتكلم ~~مع زرادشت «بغير صوت»؟ # أما تطهير النفس على الدوام من غبار السوق وضجيج الزمن فهو واضح الدلالة على ضرورة ~~العلو والتجاوز بوجه عام، حتى ولو كان هذا العلو فوق ما حققته أو أثارته ظاهرة ~~الفيلسوف نفسه وتأملاته التي جاءت في غير وقتها أو ضد وقتها من غبار النجاح وضجيجه، ولن ~~يخفى ما في «تطهير النفس على الدوام» من تذكير بمبدأ التطهير القديم عند الفيثاغوريين ~~والأفلاطونيين، وأما التغلب على كل ما هو مسيحي دون الاكتفاء بالتخلص منه، فأهم ~~ما نلاحظه فيه أنه لا يذكر شيئا عن عداوة المسيحية أو مخالفتها، بل يتحدث عن روح ~~تتجاوز المسيحية وتعلو عليها؛ فلم يكن من الممكن أن يوجه الفيلسوف همه إلى ~~التخلص ببساطة من المسيحية، وهو الذي يصف نفسه بأنه سليل جيل كامل من «القسس ~~المسيحيين»، ولم يكن من الممكن أيضا أن يدعو إلى نوع من الوثنية أو الإغريقية كما يزعم ~~بعض خصومه، بل إن أقصى ما يريده أن يعلو ويتفوق بالإنسان إلى «نهار جديد» و«عالم جديد» ~~يؤكد إرادة قوته وقدرته على العلو والتفوق فوق إنسانيته الحاضرة. # وتطالب السطور التالية بالعودة إلى اكتشاف الجنوب في النفس، والعودة إلى غزو الصحة ~~الجنوبية فيها، فما هو هذا الجنوب الذي يريد الملاح أن يوجه إليه سفينته؟ إن الحكمة ~~رقم 255 من كتابه «وراء الخير والشر» تصف الجنوب بإشراقه الباهر وشمسه الساطعة بأنه ~~«المدرسة العظمى لاستعادة الصحة في أمور الروح والحس.» وليس الجنوب رمزا للإشراق ~~الناصع فحسب، ولكنه كذلك رمز لكل ما هو عميق وقادر وغني بالأسرار؛ فلقد كان الشمال على ~~الدوام أكثر سذاجة وسطحية من الجنوب، كما تقول الحكمة 35 من كتاب «العلم المرح»، وكان ~~الجنوب هو وريث «الشرق العميق» ووريث آسيا العريقة الغنية بالأسرار، كما كان كذلك رمز ~~ما ms176 يسميه نيتشه بالروح الإغريقية. # ولكن هذا كله لا يعدو أن يكون تمهيدا للسطور التالية التي تريد للإنسان «أن يصبح ~~بالتدريج أكثر شمولا واتساعا، وأن يصير عالميا وأوروبيا وأكثر من أوروبي ~~وشرقيا إلى أن يصبح في النهاية إغريقيا.» والإغريقي هنا رمز لنهاية الرحلة، أو ~~لعالمنا الجديد كما يمضي الكلام بعد ذلك. ولكن ما هي بلاد الإغريق التي يريد نيتشه أن ~~يعيد اكتشافها من جديد؟ وما صلتها بذلك البلد الذي اكتشفته علوم الآثار واللغات ~~القديمة؟ # إن الحكمة رقم 419 من «إرادة القوة» تقول: «إن الفلسفة الألمانية في مجموعها هي أشد ~~ألوان الرومانتيكية والحنين التي وجدت حتى الآن أصالة، وهي الشوق إلى أفضل ما عرفه ~~الإنسان إلى اليوم، إن الإنسان لم يعد يشعر في أي مكان بأنه في وطنه، إنه يحن إلى ~~موضع يمكنه أن يقول عنه بطريقة ما إنه وطنه ... وهذا الموضع هو العالم الإغريقي! غير أن ~~جميع الجسور المؤدية إليه قد تحطمت، باستثناء أقواس قزح التصورات.» # إن نيتشه يعلم أنه لم تعد هناك جسور ترجع بنا إلى بلاد الإغريق غير جسور التصورات، ~~وما بقي هذا الطريق الوحيد قائما فسوف نظل «كالأشباح الرقيقة»، صحيح أنه يعترف لهذه ~~الأشباح ببعض الحقوق، ولكنها ستبقى شيئا مؤقتا، ممهدا لما يأتي بعده، وسنظل على ~~جهلنا ببلاد الإغريق ما بقي الطريق إليها مخفيا تحت الأرض، فعيون العلماء المتطفلة لن ~~تبصر الحقيقة في هذه الأمور، وإن كان من الواجب بالطبع أن يستمر العلم في خدمة الكشوف ~~والحفريات. # بلاد الإغريق الجديدة الخالصة لا شأن لها إذن ببلاد الإغريق القديمة، ونصيحته لنا بأن ~~نصبح إغريقيين لا صلة لها بالدراسات الكلاسيكية واللغوية، بل إن الطريق إليها يزداد ~~شمولا باستمرار، حتى يصير عالميا وأوروبيا، وأكثر من أوروبي، وشرقيا إلى أن يمر ~~أخيرا ببلاد الإغريق! ومن الواضح أن كلامه عن الشرق لا يعني أن يكون طرفا مقابلا ~~لأوروبا والغرب، بل عن شيء يسبق الغرب ويتجاوزه، ومن ثم نجده يلاحظ الملاحظة ~~التالية في أوراقه التي تحتوي على خططه ومشروعاته في الكتابة: «يجب علي أن ms177 أتعلم كيف ~~أفكر في الفلسفة والمعرفة تفكيرا شرقيا، النظرة الشرقية إلى أوروبا.» وبذلك يتضح ~~شوقه الغريب إلى أن يصبح الإنسان إغريقيا بعد أن يتم له بلوغ الروح الشرقية؛ ذلك لأن ~~الروح الإغريقية كانت هي التأليف والمركب الأول العظيم لكل ما هو شرقي. # بلاد الإغريق التي يريدها نيتشه لا صلة لها إذن بذلك البلد الغربي القديم؛ فهو يريد ~~بلاد الشرق الجديد مع الغرب الجديد، أي مع وطن إغريقي جديد، ومن هنا نفهم ذلك الشعار ~~الهندي الذي يقدم به لكتابه «الفجر» الذي يشرق معه فجر تفكيره والذي يقول فيه: «هناك ~~أشكال من الفجر لا حصر لها، لم يقدر لنورها أن يشرق بعد.» ومن هنا أيضا كانت تلك ~~الحكمة التي يختتم بها هذا الكتاب تحت عنوان: «نحن ملاحو الروح» والتي تنتهي بكلمة ~~غامضة عجيبة هي «أو»: «أيقول الناس عنا ذات يوم إننا نحن أيضا كنا نرجو - وقد ~~اتجهنا بسفننا نحو الغرب - أن نصل إلى بلاد الهند؟ وإنه كان من نصيبنا أن نتحطم على ~~«صخرة» اللانهاية؟ «أو» يا إخوتي؟ «أو»؟» # ما معنى هذه ال «أو»؟ وما هي بلاد الهند التي يريد نيتشه أن تصل سفينته إلى شاطئها؟ ~~أهي بلاد الديانة البوذية؟ ولكننا نعرف مدى احتقاره للبوذية، ونعرف كذلك أنه وصفها هي ~~والديانة المسيحية بأنهما الديانتان العدميتان الكبيرتان، أم تكون الهند رمزا للبلد ~~الذي ستشرق منه ديانة جديدة وفلسفة جديدة؟ # إن نيتشه يقارن نفسه هنا بكولومبوس، فالمعروف أن هذا قد اتجه بسفنه ناحية الغرب وهو ~~يرجو أن يكتشف جزرا هندية، غير أنه اكتشف بلدا جديدا لم يكن الهند بل أمريكا، ~~فماذا تعني «أو» في نهاية المقطوعة السابقة؟ أتعني أنه كان يرضيه أن يبلغ الهند لو لم ~~تتكسر سفينته على صخرة اللانهاية؟ لو فعل ذلك لكان متناقضا مع نفسه؛ فقد سبق له أن ~~أسقط الهند «بلد الديانة العدمية» من حسابه. لم يبق إذن إلا القول بأنه كان يريد مثل ~~كولومبوس أن يكتشف أمريكا أخرى أو عالما جديدا يسميه «عالمنا» الجديد، وسواء بعد ~~ذلك أن تكون سفينته ms178 قد تحطمت على صخور اللانهاية أو أن يكون قد اكتشف ذلك العالم ~~الجديد، فلا يمكن القطع في ذلك بالنفي ولا بالإيجاب، ولن نستفيد في الحالتين شيئا، ~~فأهم من ذلك بكثير أن نعلم أنه لم يكف عن البحث عن هذا العالم الجديد، ولم يبخل عليه ~~بجهد ممكن أو مستحيل، بل وهب له حياته حتى جن واحترق؛ ولذلك نجده يقول بحق على لسان ~~زرادشت: «كان طريقي كله محاولة وسؤالا.» ولعل هذه التجربة المتصلة وهذا الإلحاح ~~المستمر على السؤال الحر هما خير ما في فلسفة نيتشه، بل خير ما يمكن أن يوصف به الفكر ~~على وجه الإطلاق. # إنه يقول في إحدى قطع «الفجر» التي جعل عنوانها «مملكة أخلاقية متوسطة»: «نحن تجارب، ~~ونريد أيضا أن نكون كذلك!» ولقد كان نيتشه على وعي تام بوضعه التاريخي الخاص الذي ~~جعله يقف بين عواصف الزمن وأمطاره كالحارس العنيد على بوابة تفصل بين عهد قديم وعهد ~~جديد، ولقد بلغ هذا الوعي في السنوات الأخيرة من حياته درجة من التهور الذي لم يقف عند ~~حد. لنستمع إليه وهو يقول في بداية الفصل الأخير من كتابه «هو ذا الإنسان» تحت هذا ~~العنوان: لماذا كنت قدرا؟ «إنني أعرف نصيبي، سوف ترتبط باسمي ذكرى شيء مخيف، ذكرى ~~أزمة لم يحدث مثلها على وجه الأرض ... لست بشرا، إنني ديناميت.» # قد نسمي هذا تطرفا أو تهورا، وقد نرجعه إلى مرض نفسي لا شك أن نيتشه كان ~~يعاني منه، أو نعود به إلى الوحدة المطلقة الأليمة التي عاش فيها طوال حياته، أو إلى ~~تجاهل معاصريه لأعماله الفلسفية والأدبية تجاهلا وصل في بعض الأحيان إلى حد الاحتقار، ~~غير أن التطرف أو التهور لم يكن غريبا على نيتشه؛ فقد طبع حياته وأعماله منذ البداية ~~بطابعه، كما كان لسحر هذا التطرف أثره الكبير على التجاهل الذي أصابه في حياته، والمجد ~~الذي انهال عليه بعد موته، وطقوس العبادة التي قدمت إليه قبل الحرب العالمية ~~الأخيرة من جانب الفاشيين (الذين أساءوا إليه كما قلت وظلموه ظلما لا ندري كيف يمكن ms179 ~~التكفير عنه). # ومع ذلك كله فقد كان نيتشه - وهو الذي عاش حياته يحترم الإغريق ويستلهم منهم أنبل ما ~~فيهم وأقوى ما فيهم - يعرف قيمة الحد والتوسط والاعتدال أفضل معرفة، وها هو يكتب في ~~إحدى ملاحظاته التي وجدت بعد موته: «إيجاد الحد والوسط في أثناء السعي إلى تجاوز ~~الإنسانية.» ولكنه كان يملك من الشجاعة ما يجعله يعترف بأن التزام الحد والتوسط شيء ~~غريب عليه وعلى جيله. هل كانت طبيعته البركانية أقوى من كل الحدود؟ هل كانت «الرؤى ~~والأصوات الغريبة» - التي كانت تتدفق عليه طوال حياته تدفق موجات الإلهام العارمة - هي ~~المسئولة عن عدم التزامه بالحد والاعتدال؟ مهما تكن الإجابة على هذه الأسئلة التي يصعب ~~الجواب عليها، فإن نيتشه يعترف في الحكمة 224 من كتابه «وراء حدود الخير والشر» بأن ~~«الحد شيء غريب علينا.» ولا شك أنه يقصد بالحد شيئا يختلف كل الاختلاف عما يقصده أوساط ~~الناس العاديين «بخير الأمور الوسط» أو بالاعتدال الذي يفهمون منه القناعة والطمأنينة ~~والرضا بالقليل ؛ فقد كان دائم الاحتجاج على هؤلاء الأوساط والعاديين، دائم التمجيد ~~للأفراد المستثنين غير العاديين. وما دام العاديون يحمون أنفسهم من سيطرة الغوغاء ~~والشواذ على السواء، فسيكونون خصما جديدا للاستثنائيين، كما يقول في إرادة ~~القوة. ~~••• # يبدو كل شيء في حياة نيتشه وكأنه انجذب بسحر التهور والتطرف، وتمرد على كل القيود ~~والحدود. والسنوات الإحدى عشرة التي عاشها بعد انهياره في مأساة تورين، أشبه ببقايا ~~بركان محترق؛ تبدو هي أيضا بهولها وبشاعتها وقد جاوزت كل الحدود. لقد راح يغوص في ~~لجة الجنون المعتمة كل يوم، ويرسل بعد الكارثة خطابات إلى معارفه وأصدقائه يسمي ~~نفسه فيها قيصر أو ديونيزوس أو المصلوب، وحاولت شقيقته - التي طالما هاجمها الباحثون ~~المحدثون بحق أو بغير حق - أن تخفي من أسرار مرضه الفظيع ما استطاعت. ولكن هل هناك ما ~~هو أفظع من هذه الحكاية التي روتها على لسانه، وأوردها أندريه جيد في رسالة له عن نيتشه ~~إلى إنجيل في العاشر من ديسمبر سنة 1898؟ فالأخت تقول: «إنه يتحدث معي، ويهتم بكل ما ms180 ~~يراه حوله، وكأنه لم يصب أبدا بالجنون، غير أنه لم يعد يعرف أنه هو نيتشه، في بعض ~~الأحيان لا أستطيع أن أحبس دموعي عندما أنظر إليه، وإذا به يقول: لماذا تبكين؟ ألسنا ~~سعداء؟» # حاول نيتشه أن يشرح للناس لماذا هو قدر؟ ولقد عاش كالقدر، وأحب كل ما ساقه إليه ~~القدر، ووجد سعادته الأخيرة في الرضا بالضرورة والقدر، ودفع الثمن الذي لا بد أن يدفعه ~~كل من يجد في الفكر الشجاع الجاد مصيره ومسئوليته وقدره، فمرض وتعذب وجن واحترق، ~~لم يكن له مفر من ذلك؛ لأن قدر المفكرين حزين. # | العود الأبدي # أنتم تنظرون إلى أعلى حين تطلبون الارتفاع، أما أنا فأنظر إلى أسفل؛ لأنني ~~مرتفع. # نيتشه، هكذا تكلم زرادشت # القسم الأول: عن الكتابة والقراءة ~~«ماذا جرى لي يا أصدقائي؟» # أمس عندما اقترب المساء تكلمت إلى أشد ساعاتي سكونا: هذا هو اسم سيدتي ~~المخيفة. # وهكذا حدث الأمر؛ لأنني لا بد أن أقول لكم كل شيء، حتى لا يقسو فؤادكم على الراحل ~~المفاجئ! # أتعرفون فزع النائم؟ الفزع يستولي عليه حتى أطراف أصابع قدميه، من أن الأرض تلين تحته ~~والحلم يبدأ. # أقول لكم هذا على سبيل الرمز - بالأمس - في الساعة الساكنة، لانت الأرض تحت قدمي: ~~الحلم بدأ. # عقرب الساعة اقترب، ساعة حياتي التقطت أنفاسها. # أبدا لم أسمع مثل هذا السكون من حولي، حتى أن قلبي تملكه الفزع، عندئذ تكلمت ~~إلي بلا صوت قائلة: «أتعرفه يا زرادشت؟» # وصرخت رعبا من هذا الهمس، والدم غاب عن وجهي، ولكنني سكت. # عندها تكلمت مرة ثانية إلي: «أنت تعرفه يا زرادشت، ولكنك لا تنطق به!» # وأخيرا أجبت كما يجيب العنيد: «أجل، إنني أعرفه، ولكني لا أريد أن أنطق به.» عندها ~~عادت تتكلم بغير صوت وتقول لي: «ألا تريد يا زرادشت؟ أهذا أيضا حق؟ لا تتخف وراء عنادك!» # وبكيت وارتعشت مثل طفل وقلت: «آه! أنا أريد حقا، ولكن كيف أستطيع؟! تجاوزي عن هذا ~~فحسب، إنه يفوق طاقتي.» # عندها تكلمت إلي مرة أخرى بغير صوت: «ماذا جرى لك يا زرادشت؟! قل ms181 كلمتك ~~وتحطم!» # وأجبت: «آه، هل هي كلمتي؟ من أكون أنا؟ إنني أنتظر من هو أعظم شأنا، أنا لا أستحق ~~حتى أن أتحطم عليه.» # زرادشت يودع أصدقاءه، ليعود إلى وحدته من جديد، إن أشد ساعاته سكونا قد تحدثت ~~إليه، صوت سيدته المخيفة قد همس في أذنه، وملأ قلبه بالرعب، حقيقته الخفية الباطنة تريد ~~أن تكشف عن وجهها، فكرته المختبئة في أعماق نفسه تريد الآن أن تعبر عن نفسها، ففي أشد ~~ساعاته سكونا يتجلى له أشد الأشياء حبا في السكون، وسر الزمن الذي طالما عذبه ~~وطارده على وشك أن يعلن الآن عن نفسه، أن يكشف الغطاء عن جوهره وماهيته، اللحظات تمر ~~والعجلات تدور والأنهار تجري، وحبات الرمال تتساقط في الساعة الزجاجية، والزمن نفسه ~~يعبر في سكون؛ لأنه أشد الأشياء سكونا. إن السيدة المخيفة تقول لزرادشت: أنت تعرفه! ~~لكن ذلك الشيء الذي لا يقوى على أن يبوح به لنفسه، ذلك الذي يفوق طاقته، والذي سيعود من ~~أجله إلى وحدته ويفترق عن أصدقائه، هو إلهامه المفاجئ عن معنى الزمن، هو معرفته الجديدة ~~بسره الذي يتعدى حدود الحاضر والماضي والمستقبل. إن زرادشت في طريقه إلى القمة، في ~~طريقه إلى فكرته المحيرة عن عودة الشبيه الأبدية. # عجيب أمر زرادشت! فبعد أن أعلن على المجتمعين في السوق حول الراقص على الحبل عن مذهبه ~~في الإنسان الأعلى، وعلى رفاقه وتلاميذه عن فكرته المخيفة عن موت الله وعن إرادة القوة، ~~شمله الصمت والارتعاش فلم يجد مذهبا يعلنه، وعذبه إلهامه الجديد فلم يجد الكلمات ~~التي تعبر عنه. زرادشت الآن يعود إلى جولاته، ويسير إلى كهفه الراقد في أحضان الجبل؛ ~~ليواجه هناك وحدته الأخيرة الفظيعة، وينفرد مع فكرته التي تشبه الهاوية التي لا قرار ~~لها، وينتظر التحول الجديد في كيانه، إنه في القسم الثالث «عن الوجه واللغز» من كتابه ~~«هكذا تكلم زرادشت» يتحدث إلى الملاحين الذين يعبرون به البحر، وحديثه مملوء بالألغاز ~~والرموز، ويتحدث إلى «العبيط» في «المدينة العظيمة»، ولكنه لا يتحدث إلى الآخرين بقدر ~~ما يتحدث إلى نفسه. لقد تحدث ms182 عن الإنسان الأعلى إلى الجميع، وتحدث عن موت الإله وعن ~~إرادة القوة إلى القليلين، ولكنه الآن يتحدث عن عودة الشبيه الأبدية إلى نفسه وحدها. إن ~~فكرته الجديدة ترتفع فوق كل الأفكار، كما ترتفع به إلى القمة المخيفة التي تنتظره ~~بالسعادة أو بالجنون. # يقول نيتشه في كتابه «هذا هو الإنسان # Ecce Homo ~~» عن ~~زرادشت: «سأروي الآن حكاية زرادشت، إن الفكرة الأساسية في الكتاب، فكرة عودة الشبيه ~~الأبدية، هذه الصياغة السامية للإيجاب - التي لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى صياغة أسمى ~~منها - ترجع إلى شهر أغسطس من عام 1881.» # 1 # عودة الشبيه الأبدية إذن هي قلب الكتاب النابض، وهي الوسط والمركز الذي تدور حوله ~~أفكاره، إنها تأتي بعد فكرتيه الأخريين عن الإنسان الأعلى وعن إرادة القوة، ولم يكن من ~~الممكن أن تأتي بغير هذا الترتيب، لقد بدأ زرادشت بالتبشير بالإنسان الأعلى: أنا أعلمكم ~~الإنسان الأعلى، الإنسان الأعلى هو معنى الأرض هو الصاعقة، والإنسان شيء ينبغي التفوق ~~عليه، هو حبل مربوط بين الحيوان وبين الإنسان الأعلى، حبل ممدود فوق الهاوية. والإنسان ~~جسر لا هدف له، معبر إلى هذا الإنسان الأعلى الذي يريد أن تمتلئ به الأرض ذات يوم. ولكن ~~هذا الإنسان الأعلى الذي يطالب به زرادشت لا يمكن أن يتحقق حتى «يموت الله»، أي حتى ~~يتحطم التراث الغربي كله، وينهار صرح المثالية الأفلاطونية المسيحية بأسرها. فإذا عرف ~~الإنسان أن كل ما يعلو عليه من آلهة وأخلاق وعالم آخر هو سبب شقائه وغربته عن نفسه وعن ~~الأرض؛ أمكن للمثالية أن تنقلب رأسا على عقب. واستطاع زرادشت أن يقول كلمته الرهيبة: ~~«ماتت الآلهة جميعا، الآن نريد أن يحيا الإنسان الأعلى.» و«موت الله» أو سقوط المثالية ~~والإيمان بعدميتها (إذ ينبغي أن نفهم هذه الكلمة المخيفة من هذه الناحية وحدها، بعيدا ~~عن كل صلة بالإيمان أو الإلحاد) لا سبيل إليه إلا إذا سأل زرادشت كل موجود، وتسلل إلى ~~قلب كل حي، ليكتشف هناك إرادة القوة. سوف يعرف أن إرادة القوة هي حقيقة الموجود، وهي سر ~~حياته وحركته وصعوده ms183 وهبوطه وازدهاره وموته. إرادة القوة هي كل ما هو موجود، من حيث إنه ~~موجود في الزمان. والوجود في الزمان هو طريقها ومجالها، من حيث هو صراع في سبيل القوة، ~~وكفاح من أجل العلو والتفوق. ولكن إرادة القوة التي تتحرك في الزمان وتصارع في الزمان ~~هي نفسها تحت رحمة الزمان، وأسيرة سلطانه وقوته. والزمان هنا هو المستقبل الذي تتحرك ~~فيه وتسعى إلى تحقيق ممكناتها، وهو كذلك الماضي الذي يثبتها ويحد من قوتها. الإرادة ~~مقيدة إذن بمجرى الزمان، مجبورة على السير معه إلى الأمام، لا تستطيع أبدا أن تريد ~~العودة إلى الوراء. أفكار نيتشه الأربعة الأساسية إذن مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا؛ ~~فوجود الإنسان الأعلى مرتبط بموت الله، وموت الله مرتبط بإرادة القوة، وهذه بمجرى ~~الزمان، والفكر كله يسير من الوجود القائم في هذا العالم إلى وجود العالم ككل، هذا ~~العالم ككل هو موضوع فكرته عن العود الأبدي. # ولكن فكرته سر يتهيب من الكلمة، ولغز يخاف من التعبير. إن نيتشه يتردد في الإفصاح ~~عنه، ويحيطه بجدار من الكتمان بعد جدار؛ ذلك أنه وليد الرؤية والإلهام، بعيدا عن ~~المنطق والعقل. إنه يتخفى في ظل الرهبة والسكون، ويرتعش بحمى الكشف والجنون، ربما لأن ~~صاحبه قد ترك الآن طريق التراث الميتافيزيقي كله، ووجد نفسه لأول مرة حائرا بغير ~~طريق. # لقد رأينا كيف خاطبته ساعته الساكنة، كيف نادته فكرته الوحيدة المدهشة نداءها الهامس ~~المخيف، وكيف لمحت إليه بسر الزمان، كان جسده أضعف من أن يحتمل رعشتها؛ فهو الآن يعود ~~إلى التجول الوحيد، ويصعد جبلا بعد جبل، ويرتفع من قمة إلى قمة. إن عليه أن يصل إلى ~~قمته الأخيرة، أن يدخل دائرته المقدسة، أن يترك كل القمم وراءه ولكي يرى قلب العالم، ~~وينظر إلى هاويته السحيقة: «أما أنت يا زرادشت، فقد أردت أن ترى حقيقة الأشياء جميعا ~~وسببها الخفي، إن عليك أن ترتفع فوق ذاتك نفسها إلى أعلى، إلى أعلى؛ حتى تجد نجومك ~~أيضا قد أصبحت تحتك.» # 2 # إن القمة العالية التي يصل إليها الآن تفكير زرادشت هي ms184 القمة التي يرتفع فيها حتى فوق ~~ارتفاعه فوق نفسه، أي التي يرتفع فيها فوق إرادة القوة، ويتفكر في حقيقتها وسبب وجودها. ~~ولكن ارتفاعه إلى قمته الأخيرة هو في نفس الوقت - وهذه هي المفارقة التي لا يمكن بغيرها ~~أن نفهم تفكير نيتشه - هبوطه إلى أعمق الأعماق. # 3 # إنه يصل إلى القمة حين يغوص إلى الهاوية، أو هو يرتفع إلى أقصى حدود ~~الارتفاع حتى يصل إلى الموضع الذي تتحد فيه القمة والهاوية: «من أين تأتي أعلى ~~الجبال؟ هكذا سألت ذات يوم، عندما تعلمت أنها تأتي من البحر، هذه الشهادة مكتوبة في ~~حجارتها وعلى جدران قممها، من أعمق الأعماق يجب أن يصل أشد الأشياء ارتفاعا إلى ~~ارتفاعه.» إن زرادشت لن يصل إلى أعلى قمم الإنسان الأعلى حتى يهبط إلى أبعد أعماق بحر ~~الزمن، التحول الأخير الذي ينتظره مرهون بالتفكير في حقيقة العالم ككل، في علته وسببه ~~الأخير، إن أشد الناس وحدة يفكر الآن في أشد الأشياء شمولا، إنه وحده يستطيع الآن أن ~~يخرج إلى العالم الرحب، والذي تجرد من كل شيء يستطيع الآن أن يرى سر كل شيء، وها هو ~~يروي رؤياه إلى الملاحين، رؤيا الوحيد، إنه يختار هؤلاء المغامرين الباحثين الفرحين ~~بالألغاز، والجسورين الذين يقطعون الأسفار البعيدة ولا يحبون أن يعيشوا بغير خطر؛ لكي ~~يبوح لهم بفكرته عن عودة الشبيه الأبدية. إنه يحكي لهم تجربته الحافلة بالأحاجي ~~والرموز: «عطشان مضيت منذ عهد قريب خلال غبش الضباب الملون بلون الجثث؛ عطشان صلب ~~العود، بشفتين مضمومتين، لم تكن شمس واحدة قد أفلت في عيني.» لقد صعد ذات مرة على ~~الجبل، وعلى كتفيه جلس «روح الثقل» نصف قزم ونصف حيوان يدب في الطين، وظل يصعد ~~متحديا هذا الروح الذي يشده إلى أسفل، ويصب في أذنيه الرصاص، ويقطر في ذهنه أفكارا من ~~رصاص. إن طريقه هو الطريق الصاعد إلى أعلى درجات الإنسانية، المرتفع إلى الإنسان ~~الأعلى، على الرغم من روح الثقل، عدوه اللدود، وهو طريق المبدع الذي يعلو فوق نفسه، ~~طريق الإرادة الخلاقة التي ترتفع فوق ms185 ذاتها على الدوام. ولكن هل كان في وسعه أن يستمر ~~في الصعود؟ هل يستطيع الإنسان الخلاق أن يتجاوز ذاته إلى غير حد؟ أم لا بد له أن يصل ~~إلى نهاية يقف عندها؟ إن روح الثقل الذي يرزح فوق كتفيه يهمس في أذنيه بفكرته الثقيلة ~~الخانقة، ويحاول أن يغل إرادته المنطلقة إلى المستقبل: «زرادشت، يا حجر الحكمة، أنت ~~أيها الحجر المندفع، يا محطم النجوم! قذفت بنفسك إلى أعلى ارتفاع، ولكن كل حجر ~~يقذف به لا بد أن يسقط!» # طموح الإنسان لا بد أن يهبط في نهاية المطاف، والصعود اللامتناهي مستحيل؛ لأن الزمن ~~المتناهي يضع له حدا، إنه يستنفد كل طاقة، ويقوى على كل إرادة قوية، ويقوض كل أمل ~~شامخ، روح الثقل تجذب كل كرة يقذفها الطموح إلى الأرض، والنظر إلى هاوية الزمان أو إلى ~~عبث كل مشروع يقدم عليه الإنسان تشل الجسد وتصيب الفكر بالدمار، كل معنى يصبح الآن ~~بالقياس إلى الزمن اللامحدود عديم المعنى، وكل مغامرة عبثا، وكل عظمة حصاد ريح. إن روح ~~الثقل أو المعرفة بلاتناهي الزمن، يمنع انطلاق «الإنسان» إلى «الإنسان الأعلى»، ويحول ~~بينه وبين التفوق على ذاته، ويسحق طموحه تحت عجلات الزمن، الزمن اللامحدود يبتلع كل قوة ~~محدودة، ويجذب إلى قاعه السحيق كل سفينة تحاول أن تكتشف سره، وكيف يستطيع أن يعرف الزمن ~~من هو نفسه زمني؟ ألا تفترض المعرفة نوعا من «الخروج» عن الموضوع الذي نريد أن نعرفه، ~~أو نوعا من الاستقلال عنه؟ ولكن كيف نستطيع أن نخرج من الزمن ونحن سائرون في ~~تياره؟ # ولكن زرادشت لا ييئس، إنه يستنجد بشجاعته لكي يتغلب على هذا الروح الثقيل، هذا ~~القزم، هذه المعرفة القاتلة بجبروت الزمن ولا نهائيته، إنه يستنجد بالشجاعة التي ~~تعينه على احتمال فكرته العميقة عمق الهاوية، فكرته عن العود الأبدي. ولا بد أن تكون ~~هذه الشجاعة شيئا لم يسمع به أحد، شجاعة «تميت الموت»، تهاجم لأن في كل هجوم «لعبا ~~رنانا»، ولأن الإنسان هو أشجع الحيوانات، وبهذه الشجاعة تفوق على كل حيوان، كما تفوق ~~على ms186 كل ألم؛ لأن ألمه هو أعمق الآلام، إنه يواجه القزم بأشجع أفكار الإنسان، بفكرته ~~التي تجعله يقول للحياة: «هل كانت هذه هي الحياة؟ حسنا، فلتكن مرة ثانية، أيها القزم! ~~أنا أو أنت! إنك لا تعرف فكرتي العميقة عمق الهاوية، إنك لن تستطيع احتمالها.» ويقفز ~~القزم من فوق كتفيه، ويتحرر زرادشت من روح الثقل التي كانت تقيده، ويبدأ الحديث ~~بينهما عن الزمان. # كان زرادشت والقزم يقفان تحت بوابة على طريق، انظر إلى هذه البوابة، أيها القزم! إنها ~~ذات وجهين، هناك طريقان يجتمعان هنا، لم يحدث لمخلوق أن وصل إلى نهايتهما، هذه الحارة ~~الطويلة إلى الوراء، تمتد امتداد الأبدية، وتلك الحارة الطويلة إلى الأمام، إنها أبدية ~~أخرى. الطريقان يتقاطعان ويصطدمان تحت هذه البوابة يتلاقيان، واسم البوابة مكتوب عليها: ~~إنها «اللحظة». # لنتذكر الآن ما قلناه من أن إرادة القوة وصلت إلى حدها النهائي حين عرفت أن ~~الزمان هو طريقها ومصيرها، ففي استطاعة الإنسان أن يريد المستقبل، أما الماضي الثابت ~~الذي لا سبيل إلى تغييره فينفلت من قبضة إرادته. إن أقصى ما يستطيعه هو أن «يعترف» به ~~ويسلم بحتميته، وربما استطاع أيضا أن يعقد الصلح بين الحرية والضرورة عن طريق الخضوع ~~بحريته لهذه الضرورة، (وقد عبر شيللر عن هذه الفكرة فسماها الصلح بين القدر والحرية) ~~وانتزاع شوكة الجبر من مخلب القدر. # ولكن زرادشت يفهم الزمن فهما آخر؛ إنه يوجه حديثه ضد القزم، ويهاجم هذه الحتمية ~~الزمنية بالذات، فاللحظة هي النقطة التي يتلاقى فيها دربان طويلان، يسير أحدهما إلى ~~الأمام ويسير الآخر إلى الوراء. إن رأسيهما يصطدمان عند هذه اللحظة، فيتقاطعان ~~ويتناقضان، ومع أن الماضي هو ما كان وانتهى أمره، والمستقبل هو ما لم يكن بعد وما زال ~~مفتوح النوافذ على شتى الممكنات، فإنهما مع ذلك يصطدمان ببعضهما في اللحظة أو «الآن»، ~~ومن هذه اللحظة العابرة الفانية يمتد الدربان كل إلى غايته، فأما أحدهما فيعود إلى ~~الماضي الأزلي، وأما الآخر فيمضي إلى المستقبل الأبدي. # زرادشت إذن يبدأ من الزمن كما يدور في داخل العالم، إنه ms187 عنده سلسلة من اللحظات أو ~~«الآنات»، وهو يقف عند إحدى هذه الآنات ليرى سلسلة لا متناهية من الآنات الماضية تمتد ~~وراءه، وسلسلة أخرى من الآنات المستقبلة تمتد أمامه. ولكن السؤال الآن إن كانت هذه ~~الآنات تمتد حقا إلى غير نهاية، وان كان دربا الزمن يفترقان إلى غير التقاء، والماضي ~~البعيد يترك وراءه ماضيا آخر أبعد منه، وكذلك المستقبل إلى أبد الآبدين. هل يستطيع ~~الإنسان حقا أن يتصور هذه اللانهائية الزمنية؟ ألا يتوه الفكر الإنساني وهو يحاول أن ~~يتخيل الماضي السحيق ويلاحق المستقبل البعيد؟ ألا يقف الموت لمغامرته البائسة ~~بالمرصاد؟ # ويسأل زرادشت القزم: «ولكن من يمضي على أحد هذين الدربين، ويظل يمضي ويمضي على ~~الدوام؟ ألا تعتقد أيها القزم أن هذين الدربين يفترقان إلى الأبد؟» إنه يريد أن يعرف ~~منه إن كان التفكير في الزمان كما نألفه في داخل العالم، وكما نفرق فيه بين الدربين ~~اللذين يسير كل منهما في اتجاه معارض للآخر، هو الحقيقة الأخيرة عن الزمن، وهو يريد ~~أن يفهم منه معنى «الأبد» حين نقول: إن الدربين يسيران في طريقي المستقبل والماضي ~~الأبديين، هل هو الأبد حقا؟ أم هو اللاتناهي «السيئ» الذي نسميه عادة ~~بالتكرار؟ # ويرد عليه القزم قائلا: كل ما هو مستقيم فهو كاذب، هكذا تمتم القزم في احتقار، ~~الحقيقة كلها ملتوية، والزمن نفسه دائرة. «إن القزم قد وفر على نفسه عناء الإجابة، ~~حقا، إن إجابته صحيحة من وجهة نظر نيتشه، ولكنها سهلة يسيرة. فالزمن عنده دائرة؛ ~~الماضي والمستقبل يتعانقان هناك واللانهاية غير المنظورة، كما تفعل الحية التي تعض ~~ذيلها. والزمن إذن حلقة من اللحظات، أو دورة من الآنات؛ فهل هذا هو معنى العود الأبدي؟ ~~أم أن القزم قد أفسد الفكرة التي تحير زرادشت دون أن تستطيع التعبير عن نفسها؟ «يا ~~روح الثقل! هكذا قلت له في غضب، لا تأخذ الأمر بهذه السهولة!» وهل كان في مقدور القزم ~~أن يجد تصورا آخر يعبر به عن دورة الزمن داخل العالم الذي نعيش فيه غير التصورات ~~المألوفة كالدائرة أو الحلقة؟ ms188 أليس له عذره في ذلك طالما أنه لم يفكر في الزمن الكلي، ~~بل اقتصر على ما سميناه بالزمن داخل العالم؟» # ما معنى أبدية الزمان، أزلية الزمن الماضي وأبدية الزمن المستقبل؟ # إن زرادشت يستخلص النتيجة التي تترتب على هذه الأبدية المزدوجة في الزمان، إنه يقول ~~للقزم: «انظر إلى هذه اللحظة، من بوابة هذه اللحظة يسير درب أبدي طويل إلى الوراء، ~~خلفنا تمتد أبدية. أليس حتما أن تكون هذه البوابة قد وجدت من قبل؟ وأليست الأشياء ~~جميعا مرتبطة ببعضها على هذا النحو ارتباطا وثيقا، بحيث إن هذه اللحظة تجر وراءها ~~كل الأشياء المقبلة كما تجر نفسها بالتالي؟» # وبعبارة أخرى: فإن الماضي اللامتناهي لا يمكن تصوره كما لو كان سلسلة لا متناهية ~~من الأحداث المتجددة على الدوام، وإذا كان هناك ماض غير متناه، فلا بد أن كل ما يمكن ~~أن يحدث قد حدث بالفعل من قبل. الماضي أبدي لا يمكن أن ينقص منه شيء أو يخرج عنه شيء، ~~بل كل ما يحدث لا بد أن يكون قد حدث فيه من قبل؛ فأبدية الماضي تتطلب أن يكون كل ما ~~يحدث قد حدث بالفعل، وأن يكون الزمن كله قد مر من قبل، كما تتطلب أبدية المستقبل أن ~~يحدث في المستقبل كل ما يمكن أن يتم في داخل العالم من أحداث زمنية. ونحن حين نتصور ~~الماضي والمستقبل كأبديتين لا متناهيتين لا بد أن نتصور أنهما هما الزمان كله بكل ما ~~يشتمل عليه من مضمونات زمنية، ولكن هل نتصور الزمن الكلي مرتين؟ أليس في هذا تناقض؟ ~~ولكن هذا التصور هو الذي سيؤدي بزرادشت إلى فكرته عن عودة الشبيه الأبدية، فكل ~~الأشياء وكل ما يدخل في الزمن أو يسير فيه لا بد أن يكون قد سار فيه من قبل ولا بد أن ~~يسير فيه من المستقبل، فعودة الشبيه تقوم على أبدية دورة الزمان، لا بد أن يكون كل شيء ~~قد وجد من قبل، ولا بد لكل شيء أن يعود في المستقبل من جديد: «وهذا العنكبوت البسيط ~~الذي يزحف ms189 في ضوء القمر، وضوء القمر نفسه، وأنا وأنت ونحن نتهامس تحت هذه البوابة عن ~~الأشياء الأبدية، أليس حتما أن نكون قد وجدنا من قبل؟ أليس حتما أن نعود مرة ~~أخرى ونسير على ذلك الدرب الآخر، بعيدا، منطلقين إلى الأمام على هذا الدرب الطويل ~~المفزع؟ أليس حتما أن نعود عودا أبديا من جديد؟» # ولا يكاد زرادشت ينتهي من تساؤله حتى يسمع نباح كلب هائج مجنون، يرتعش وينتفض ~~ويتحدى ويستغيث، ويسحقه رعب وحشي مميت، وكأنه يحاول أن يعض يد الموت التي تريد ~~أن تقبض على رقبته: «حقا، إن ما رأيته لم تبصر عيناي مثله من قبل، رأيت راعيا ~~شابا يتلوى ويختنق وينتفض مقشعر الوجه، وقد برزت من فمه حية سوداء ثقيلة. هل حدث ~~لي أن رأيت كل هذا القرف والفزع الشاحب على وجه الإنسان؟ أتراه قد استسلم للنوم ~~فتسللت الحية إلى فمه، وراحت تعضه وتعضه؟ راحت يدي تشد الحياة وتشدها بلا جدوى! ~~فلم تستطع أن تنتزع الحية من فم الراعي، فانطلقت مني صيحة: عض ! عض! افصل الرأس! عض! كل ~~فزعي، حقدي، قرفي، إشفاقي، كل ما في من خير وشر صاح معي صيحة واحدة.» # فكرة العود الأبدي زحفت كما تزحف الحية إلى جوف الإنسان، إنها فكرة خانقة تلك التي ~~تهمس له بأن كل شيء سيعود، وإذا كان كل شيء سيعود، فكل طموح الإنسان عقيم، والطريق ~~الوعر الذي يؤدي إلى الإنسان الأعلى حمق وغباء، إذ لا بد أن يعود الإنسان التافه الصغير ~~من جديد. وإذا كان الزمن سيعيد كل شيء كما كان فكل مغامرة الإنسان عبث، وكل أتعابه ~~هباء. إن فكرة العود الأبدي تبدو الآن وكأنها تناقض إرادة القوة وتفوق الحياة على نفسها ~~أكثر مما فعلت مع روح الثقل التي تمثلت في القزم. ولكن هذا هو ما يبدو في الظاهر فحسب؛ ~~فزرادشت يصيح بالراعي أن يعض الحية ويفصل رأسها عن الجسد، ويفعل الراعي كما أمره النبي ~~المعذب الوحيد، وإذا بالراعي يتحول شيئا آخر: «لم يعد راعيا، لم يعد بشرا، بل ~~متحولا متجليا يضحك، أبدا ms190 لم يضحك من قبل إنسان على هذه الأرض كما ضحك!» # إن احتمال فكرة العود الأبدي قد أتى معه بالتحول العام في وجود الإنسان، لقد أحال ~~الجد مرحا، والثقل خفة، والعبوس البشري رقصا إليها. # غير أن فكرة العود الأبدي ذات وجهين، إنا نستطيع أن ننظر إليها من ناحية الماضي كما ~~ننظر إليها من ناحية المستقبل، فإذا كان كل ما يحدث مجرد تكرار لما حدث من قبل، فلا بد ~~أن يكون المستقبل بدوره ثابتا، وأن يكون عودا لما حدث في الماضي، ولا بد أن تصدق ~~العبارة التي تقول: إنه لا جديد تحت الشمس، ولا بد أن يكون كل فعل يقوم به الإنسان وكل ~~مغامرة يخاطر بها عبثا وباطلا، طالما أن كل شيء قد حدد وحسم أمره من قبل، ~~ولكننا نستطيع أيضا أن ننظر إلى المسألة من ناحية أخرى، فنقول على العكس مما قلناه: إن ~~فرصة الفعل ما زالت باقية أمامنا، وإن في وسعنا أن نحسم أمرنا دائما من جديد مثلما ~~نحسمه في هذه اللحظة ؛ فكل لحظة نعيشها لها دلالة تتجاوز حياتنا الفردية، وكل لحظة لا ~~تحدد المستقبل المعروف فحسب، بل تحدد كذلك كل مستقبل يتكرر فيما بعد، فاللحظة هي مركز ~~الثقل الذي يقع على كاهله عبء الأبدية، والقرار اللحظي الذي نتخذه على هذه الأرض هو ~~الذي يفصل في أمر جميع الأحداث المتكررة للوجود الأرضي، مثلما تفصل حياتنا الدنيوية في ~~رأي الأديان السماوية في مصير النفس في الآخرة. إن نيتشه يتشبث بهذا الإلهام المفاجئ ~~وكأنه هديته الأخيرة إلى الفانين، فاللحظة هي التي تحسم أمر الأبد، أو قل: هي الأبد ~~نفسه، وفكرة العود الأبدي تصبح هي الدعامة الأساسية للوجود الإنساني، كما هي حقيقته ~~وعمقه ومركز الثقل فيه. # غير أننا لو نظرنا إلى الناحيتين اللتين تحدثنا عنهما نظرة مدققة؛ لوجدنا أنهما معا ~~موضع سؤال؛ ففكرة العود الأبدي ترفع التضاد الموجود بين الماضي والمستقبل، أو بالأحرى ~~تضفي على الماضي طابع الثبات الذي يتميز به الماضي، إنهما يتداخلان في بعضهما على نحو ~~نادر عجيب، فالزمن يصبح شيئا ms191 ثابتا ومتحركا في وقت واحد، شيئا يتقرر بالفعل ويقبل ~~اتخاذ قرار في شأنه. والإرادة لا تستطيع أن تتجه إلى المستقبل فحسب، بل هي في نفس الوقت ~~تعود بإرادتها إلى الماضي، والزمن يفقد اتجاهه المستقيم المألوف، ويصبح ما للمستقبل ~~للماضي، وما للماضي للمستقبل. كل هذا لا بد أن يحيرنا ويدهشنا ويخيفنا؛ فنحن لا ندري ~~إن كان نيتشه يعبر عن فكرة خيالية مجنونة تبدد كل أفكارنا التي تعودنا أن نفهم بها ~~الزمن، أو إن كان يكشف لنا عن معرفة أعمق بالزمن، تحيط به في أفقه الكوني الشامل، لا ~~ندري إن كان يلاحظ الزمن كما يراه في حركة الموجودات «داخل» العالم، أو إن كان يتجاوز ~~مجال العالم كله حيث لا يستطيع أن يلحق به فكر ولا منطق؛ فالقسم الثالث من كتاب نيتشه ~~«هكذا تكلم زرادشت» مضطرب البناء، يشبه جزيرة العجائب التي تزدحم أدغالها بالألغاز ~~والأحاجي والرموز، إنه لا يكاد يبشر بفكرة العود الأبدي في الفصل الذي أشرنا إليه «عن ~~الوجه واللغز» حتى يقطع بشارته، ولكنه يعود في الفصول التالية فيؤكد البشارة من جديد، ~~ويعلن مقدم «الظهر العظيم»، الذي يتم فيه العود الأبدي، وينتصف الزمن ويكشف القناع عن ~~سره الشامل الرهيب: «انظر، إنه يتقدم، إنه يقترب، الظهر العظيم.» ثم يأتي فصل بعنوان ~~«قبل طلوع الشمس» قد نخطئ فنرى فيه إلهامات نفس شاعرية تسحرها روعة الفجر ويذهلها سر ~~النور؛ ذلك أن الصور الشاعرية عن نيتشه هي دائما رموز تدل على فكره، وما يراه زرادشت ~~وهو ينتظر مطلع الشمس هو «هاوية النور»، هو الأفق الكوني الواسع المتوهج، هو السماء ~~التي تظل الأشياء كلها من تحته، وتضيئها، وتجمع وحدتها: «أن ألقي بنفسي في عليائك، ~~هذا هو عمقي: أن أخفي نفسي في نقائك، هذه هي براءتي!» # فالمفكر هو الذي يواجه السماء ويفتح عينيه وصدره لنورها الساطع الشامل، ومدى العمق في ~~تفكيره يتوقف على قدرته على أن يفتح كيانه للنور الذي يسطع فوق الأشياء جميعا، وبراءة ~~الوجود هي نور العالم الذي يغمر كل الموجودات، والتفكير في العالم بكليته يبدد ms192 ~~«الخطيئة» و«الذنب» كما يمحو «الخير» و«الشر» وغيرها من كلمات البشر التي تغطي كالسحب ~~وجه السماء، وبالتفكير في العالم بكليته - العالم الذي سير الزمان وأوجد المكان - ~~ينقشع غضب الآلهة، وتتبخر سطوة القدر، وينهار بناء العالم الآخر، وينهدم كل تفسير ~~ميتافيزيقي أو أخلاقي للوجود، الإنسان يتحرر ويصفو ويستعيد براءة الأطفال: «فوق كل ~~الأشياء تقف السماء المصادفة، السماء البراءة، السماء الاحتمال، السماء الكبرياء»؛ ذلك ~~أن جميع الأشياء «قد عمدت في نبع الأبدية ووراء الخير والشر، والخير والشر أنفسهما ~~ليسا إلا ظلالا وأحزانا رطبة وغيوما.» لكن الأشياء لم تعمد في نبع الأبدية؛ لأن ~~لها وجودا آخر غير وجودها الأرضي، أو لأن لها حقيقة في ذاتها تتجاوز عمرها الفاني، بل ~~لأن الأبدية والزمانية ليسا شيئين مختلفين، بل هما في الحقيقة شيء واحد، فالزمن ~~باعتباره العود الأبدي، هو في الحقيقة الأبد نفسه، ورؤية الموجود في نور العالم رؤية ~~زرادشت البريئة النقية معناها أن نخلص هذا الموجود من كل ما ألقته الأجيال الطويلة على ~~صدره من قدر وأخلاق وعالم آخر، ونريحه من كل التفسيرات الغيبية والعقلية ونتركه يسير ~~في الزمن وكأنه طفل خفيف يرقص ويلعب: «أيتها السماء من فوقي، أيتها السماء النقية ~~العالية! هذا هو نقاؤك الآن عندي، أن ليس هناك عنكبوت أبدي للعقل ولا هناك شباك عنكبوت: ~~إنك عندي أرض ترقص عليها المصادفات الإلهية، وإنك عندي مائدة آلهة لزهر إلهي وللاعبي ~~الزهر!» فلعب الوجود قد أصبح الآن لعبا إلهيا، والمفكر الذي يفتح صدره وبصره لنور ~~السماء ويعانق العالم يقف وراء الخير والشر، ويقترب من حقيقة العالم كله، إنه يستطيع ~~الآن أن يسأل السماء قائلا: «ألست أنت نورا لناري؟ أليست عندك النفس الشقيقة لرؤيتي ~~وإلهامي؟» إن زرادشت قد تفتح كيانه كله للعالم، وهذا التفتح الشامل هو الذي يتوقف ~~عليه فهمه الأصيل للعود الأبدي، لقد رفعت الغشاوة عن بصيرته، وتحرر من قيود ~~الموجودات، واستحم بالنور الذي يغمر جميع الأشياء، وتخلص من روح الثقل التي ترهقها ~~معاني الأخلاق والدين وما وراء الطبيعة والمحسوس، وتوصل إلى سر الزمن حين وقف ms193 تحت ~~بوابة اللحظات الأبدية الفانية، بعيدا عن دربي الماضي الثابت المستقر والمستقبل ~~الغامض الذي لم يولد بعد. ~~••• # عودة الشبيه الأبدية هي مدار فلسفة نيتشه وأعمق أفكاره جميعا، إنها تفتقر إلى البناء ~~التصوري المحكم والمعالجة المنطقية المحددة، وتوشك أن تكون نبوءة معتمة أو سرا ~~مطلسما يحاول الشاعر الفيلسوف أن يكشف عنه. إنه يتكلم على لسان زرادشت، وزرادشت هو ~~معلم العود الأبدي، كما هو معلم الإنسان الأعلى وإرادة القوة، ولكنه الآن لا يعلم بقدر ~~ما يشير ويلمح، فرؤياه عن هاوية الزمان تعبر عن نفسها بالرمز واللغز، لكنه لا يلجأ إلى ~~ذلك حبا في التعمية، ولا ولعا بالأقنعة، بل لأن فكرته عن العود الأبدي ترتفع به إلى ~~القمة الوحيدة التي لا يصل إليها سلم اللغة، وتبتعد به وراء حدود الكلمة والعقل ~~والمنهج، وعجزه عن التعبير عن هذه الفكرة تعبيرا تصوريا ليس مجرد عجز فردي كامن ~~فيه، بل هو دليل على عجز التراث الفلسفي الذي يجف على أرضه، إنه يحارب الميتافيزيقا ~~التقليدية ويريد أن يقلبها رأسا على عقب، ولكنه يظل مع ذلك مقيدا بها، مرتبطا ~~بوسائلها وأدواتها، وإذا كان يصارع الأفلاطونية والمسيحية وأخلاق العبيد كما يصارع ~~التفسير التقليدي للوجود، فهو لا يزال يتحرك في أفق هذه الميتافيزيقا التقليدية، ~~ويستخدم مقولاتها وتصوراتها، ويحاربها بنفس أسلحتها، وهو حين يفكر في العود الأبدي يصبح ~~العالم ككل هو مشكلته الرئيسية، إنه ينظر إليه الآن نظرة زمنية؛ فكلية العالم تصبح هي ~~كلية الزمان أو أبديته. بهذا يدخل نيتشه أرضا لم يطرقها أحد قبله، ويحاول التعبير عن ~~شيء لا اسم له، إنه يتلفت حوله فلا يجد التصور الذي يسعفه، ويقف على حافة الهاوية ~~التي لا ينجيه منها تراث أو تقليد، ويحس برعشة الرائد حين تطرق قدماه أرضا مجهولة: ~~«آه يا إخوتي، إن من يكون رائدا، يكون هو الضحية دائما.» هو رائد الفكر الذي يتجاوز ~~الأشياء كلها ويحاول أن يدرك العالم بكليته، ولكن الصعود فوق جميع الأشياء التي تدخل في ~~العالم لفهم العالم نفسه، والعلو على الموجودات كلها لإدراك الوجود بذاته؛ ms194 يوقعه مع ذلك ~~في شباك هذا العالم الذي أراد أن يطير فوقه؛ ذلك أننا في كل مرة نحاول فيها أن نتصور ~~العالم على أنه ذلك الذي يحيط بالأشياء جميعا ويتجاوزها لا بد أن يظل تصورنا له محددا ~~بالأشياء؛ فنحن لا نستطيع أن نخرج من العالم إلا إلى العالم، ولا أن نعلو فوقه إلا ~~لنعود فنغوص في أعماقه، فتفكيرنا في العالم ككل لا بد أن يبدأ مما في داخل هذا العالم، ~~كما أن تصورنا للزمان مقيد بما يجري في داخل الزمان. # عودة الشبيه الأبدية هي إذن مذهب نيتشه في العالم ككل، أو رأيه في كلية الوجود، ~~وحديثه عن الأبدية التي تتجاوز كل ما يجري في الزمان من أحداث وكل ما يشتمل عليه من ~~معطيات تجاوزا لا نهاية له، هو في حقيقته حديث عن العالم، تردد كلماته معاني الاتساع ~~والرحابة والشمول، والحديث يصل إلى ذروته في فصل بعنوان: «عن الشوق العظيم»، فماذا ~~يقصده نيتشه بهذا الشوق؟ # الشوق لا يعرفه إلا من يكابده كما يقول الشاعر القديم، إنه حنين القلب إلى ما لا تراه ~~العين ولا تلمسه اليد، فنحن لا نشتاق إلى ما تستطيع أعيننا أن تراه، أو أيدينا أن ~~تلمسه، ربما استطعنا أن نشتهيه ونميل إليه، ولكن الشهوة والميل شيء. والشوق شيء آخر، ~~الشوق يتعلق بما هو بعيد، فنحن نشتاق إلى الحبيب الغائب، أو إلى أيام الطفولة وملاعبها، ~~أو إلى الحياة الهادئة المطمئنة، وقد نشتاق أيضا إلى الموت المريح. والشوق يخرج بنا عن ~~حدود الموقف الراهن ومطالبه وأهدافه، فنحن نبتعد به عن كل ما هو قريب، ونحن بالعين ~~والقلب إلى شيء ناء في الزمان والمكان، وحالنا أشبه «بأفيجينيا» على جزيرة تاوريس وهي ~~تفتش بعينها ووجدانها وراء البحر عن بلاد الإغريق. كلنا يعرف هذا الشوق، وكلنا يعرف ~~أيضا ذلك الشوق إلى المجهول، الذي يزيد عن أن يكون رغبة في الوصول إلى ما نشتاق إليه، ~~بل ربما كان ينطوي على ميل غامض لأن يظل بعيدا عنا، وهذا البعد الذي يشتاق إليه ~~نيتشه هو الذي ms195 يضع الإنسان في الزمان والمكان غير المحدودين، ويفتح نافذة كيانه ~~للعالم، هذا التفتح للعالم الشامل البعيد ابتغاء التقرب من الموجود القريب، هو الذي ~~يتخذ صورة العود الأبدي، إن زرادشت يتحدث إلى نفسه فيقول: آه يا نفسي، لقد علمتك أن ~~تقولي «اليوم» كما علمتك أن تقولي «قديما»، و«في عهد مضى»، وأن ترقص فوق كل ما هو ~~«هنا» و«هناك». لقد علم نفسه العود الأبدي، أعني علمها ألا تأخذ الفروق الثابتة ~~في الزمان والمكان مأخذ الجد، وألا تستسلم لروح الثقل الذي أوجد كل هذه الفروق، وأن ~~تنظر إلى «اليوم» و«الغد» و«الأمس»، وإلى «الهنا» و«الهناك» بالنظرة التي تساوي بينها ~~وتتجاوزها جميعا، ولكن كيف يتأتى لليوم أن يكون كالغد وكالأمس، و«للهنا» أن يكون ~~كالهناك؟ إنها جميعا تتساوى في فكرة العود الأبدي، فإذا كان جوهر الزمان هو التكرار ~~الأبدي، انهارت الفروق القائمة بين الماضي والمستقبل، عندئذ يكون المستقبل هو ما كان ~~دائما والعكس صحيح، وتكون النفس حاضرة في الزمن كله ، حين لا تكترث بالفروق الموضوعية ~~بين الأحداث، إنها عندئذ تكون حاضرة في «الكل» حيث تتلاشى الفروق الموجودة بين الأبعاد ~~الزمنية والمكانية: «آه يا نفسي، لقد خلصتك من كل الأوكار الضيقة، نفضت عنك التراب ~~والعنكبوت والظلال.» والنفس المشتاقة هذا الشوق العظيم تعانق العالم بكليته، وتغمر ~~ذاتها في النور الشامل، وتقف تحت سماء «البراءة والاحتمال». # الإنسان يعلو الآن العلو الحق الذي يربطه «بالعالم»، ويقف مثل زرادشت عاريا أمام ~~الشمس، وقد ترك وراءه كل الظلال القديمة التي فسرت الحياة بالخطيئة والذنب، وصورت له ~~عالما آخر وراء هذا العالم، وأخلاقا أخرى غير أخلاق القوة والشجاعة والخطر، إن روحه ~~الحقة تطارد السحب جميعا في سمائها، وتتحرر من ظلال التراث المسيحي- الأفلاطوني، ~~وتخرج إلى آفاق العالم الرحب، بعد أن وضعت يدها على العود الأبدي، واكتشفت سر الزمان ~~والمكان، «آه يا نفسي، لقد أعطيتك الحق في أن تقولي لا، كما تقول العاصفة لا، وأن تقولي ~~نعم، كما تقول السماء الرحبة نعم، وها أنت ذي تقفين ساكنة كالنور وتخوضين الآن العواصف ~~النافية.» # ويمضي زرادشت في ms196 حديثه إلى نفسه، فيبين لها أن فكرة العود الأبدي لا تلغي الحرية، بل ~~تحررها من القيد الذي رسفت فيه حتى الآن، ألا وهو الاعتقاد بثبات الماضي وحتميته، ولكن ~~عندما يكون الماضي كله هو في نفس الوقت المستقبل كله، فإن النفس تكون لها الحرية التي ~~تسود بها على «ما خلق وما لم يخلق»، ويتفتح الطريق أمام اسم الإنسان الخالق ~~المبدع كما لم يتفتح أمامه من قبل، وتتوثق الصلة بينه وبين العالم الخالق المبدع، الذي ~~يوجد كل ما هو موجود، في عود أبدي لا ينتهي. ثم يحدثها عن الاحتقار، الذي لا يفترس ~~النفس افتراس الدود؛ لأنه احتقار محب عظيم «يحب إلى أقصى حدود الحب، عندما يحتقر إلى ~~أقصى حدود الاحتقار.» # كل من يعرف حقيقة العود الأبدي، يعرف أيضا كيف يتخلص من الأغلال التي تقيده ~~بالموجودات وتجعله عبدا لها، وكيف يرتفع بنفسه فوق كل ما يدخل في نطاق العالم من أشياء ~~وموجودات، غير أنه لا يرتفع فوقها إلا ليعود إليها عودة أصيلة، ولا يتجاوزها إلى ~~العالم الرحب الشامل إلا لكي يجدها من جديد، إن زرادشت يحتقر الإنسان الحالي ويعده ~~شيئا وسطا بين العدم واللامتناهي، أو حبلا مشدودا بين الحيوان والإنسان الأعلى، هذا ~~الإنسان الأعلى هو الذي يصل إلى أقصى إمكانات الإنسانية، فقد عرف سر العود الأبدي الذي ~~لم يعرفه أحد قبله، واستطاع أن ينطلق إلى اللامتناهي، ويخرج بنفسه إلى آفاق العالم ~~الواسع. إنه يقف الآن عاريا أمام وجه الشمس، لا تتبعه ظلال «أخلاق العبيد» الموروثة، ~~ولا يوقر ظهره عبء عالم آخر، وإذا كان زرادشت يشتاق إلى شيء فشوقه العظيم كله يتجه إلى ~~هذا الإنسان الأعلى: آه يا نفسي، لقد خلصتك من كل خضوع وركوع، وقول «يا سيدي»، لقد ~~سميتك، تحول «الضرورة» و«القدر». الإنسان الأعلى قد جعل العالم كله مسكنه، وحرر نفسه من ~~العبودية على اختلاف أشكالها، واختفى بالنسبة إليه الفرق بين الإرادة والضرورة؛ ذلك لأن ~~ما تريده الإرادة عن حرية لا بد أن يأتي في دورة العود الأبدي، وإذا كان زرادشت ~~يسمي النفس ms197 قدرا فما ذلك إلا لأن الإرادة العظيمة الأخيرة هي التي تريد الضرورة، ~~لا التي تنحني لها أو تركع أمام صنمها الجامد القاسي. لقد عرفت العود الأبدي فراحت ~~تشارك في اللعبة الكبرى، وتقوم بدورها على مسرح العالم، هكذا تغلبت على التفرقة ~~التقليدية بين الحرية والضرورة، ومثلما اكتسب الماضي ملامح المستقبل، واكتسى المستقبل ~~بملامح الماضي، كذلك تكمن الضرورة الآن في الحرية كما تكمن الحرية في الضرورة: آه ~~يا نفسي، لقد أعطيتك أسماء جديدة وألعابا بهيجة الألوان، سميتك «القدر» و«الوعاء الشامل ~~لكل ما هو شامل» و«حبل سرة الزمان» و«الجرس السماوي»، لقد تحول فهم الإنسان للوجود ~~بفضل فكرة العود الأبدي، إنه يفهم الآن كل شيء في ضوء العالم الشامل المحيط، بل لقد علا ~~وارتفع حتى أصبحت نفسه هي الوعاء الذي يشمل كل ما هو شامل ومحيط، وارتبطت بالوجود ~~والزمان كما يرتبط الطفل بأمه، وصارت كالسماء التي تسدل قبتها الزرقاء على جميع ~~الأشياء: «آه يا نفسي، كل شمس صببتها فوقك وكل ليل وكل صمت وكل شوق، هنالك نموت ~~أمامي كما تنمو عناقيد الكروم.» إن نفس الإنسان تقف الآن بين الأرض والسماء، بين القريب ~~منها والبعيد، وكأنها كرمة شبت في جوف الأرض لتعانق النور، إنها مثقلة بشوقها إلى ~~لقاء العالم وجها لوجه، «آه يا نفسي، لا توجد الآن نفس أكثر منك حبا ولا أوسع ~~شمولا! وأين يمكن للمستقبل والماضي أن يلتقيا إن لم يلتقيا عندك؟» لقد ارتفعت فوق ~~العالم، فازدادت محبتها لكل ما في داخل هذا العالم. نودي الإنسان أن يخرج إلى الكل، ~~ولكنه بقي وسط الأشياء، عرف اللامتناهي، فتضاعفت صلته بالمتناهي، وأحس الفرحة ~~باللامحدود ففاض عذابه بمحدوديته، وحزنه على فناء العالم وفنائه، الارتفاع إلى القمة ~~قذف به إلى القاع، والعلو فوق المصير زاده شعورا بتعاسة المصير. إن نفس زرادشت لا بد ~~أن ترقص وتغني؛ حتى لا تهوي في عذاب شوقها العظيم: «أن تغني غناء مشبوبا حتى تسكن ~~جميع البحار، وتصغي إلى شوقك حتى يسبح القارب فوق البحار الساكنة المشتاقة حتى تسبح ~~المعجزة الذهبية، التي تخطر ms198 حول ذهبها كل الأشياء الطيبة الشريرة العجيبة، وكذلك الكثير ~~من الحيوانات الكبيرة والصغيرة، وكل ذي أقدام عجيبة، حتى يستطيع السير على دروب ~~البنفسج؛ إلى المعجزة الذهبية إلى القارب الحر، وإلى سيده زارع الكروم الذي ينتظر ~~وسكينه في يده ...» هذا الشوق الإنساني العظيم - الذي يعرف أن جوهر العالم هو العود ~~الأبدي - لا بد أن يتحقق، والباحث عن نفسه لا بد في النهاية أن يجد نفسه. # فكرة العود الأبدي تفهم الزمن على أنه تكرار أبدي، أما ما هو هذا التكرار الأبدي؟ ~~فإن زرادشت لا يريد أن يقوله، بل يريد أن يتغنى به، فالنفس التي انطلقت تسبح فوق ~~البحار الساكنة المشتاقة تقابل القارب الذهبي الذي يسبح فوق مياه الصيرورة، هذا القارب ~~هو آخر ما يمكن أن تصل إليه النفس، هو قلب الوجود ومركزه. الأشياء كلها تسبح حوله كما ~~تسبح الحيتان حول السفين، «إن قلب الأرض من ذهب.» كما قال زرادشت في موضع آخر، وقلب ~~الوجود هو المعجزة الذهبية أو القارب الذهبي الذي يتحدث عنه زرادشت، وملاح هذا القارب ~~هو ديونيزيوس، إله النشوة والحب والموت واللعب، وهو كذلك إله المأساة والملهاة، وإله ~~اللعب الجاد واللعب المرح الذي يقوم به العالم، ولكنه ليس إلها يظهر في داخل العالم، ~~بل هو الإله الذي يشكل كل شيء دون أن يكون له شكل، هو لعب الوجود نفسه، وهو كذلك سيد ~~الكرم وزارعه. هو ديونيزيوس وباخوس في آن واحد، هو الذي يشبع شوق الكرم إلى السكين ~~التي تخلصه من عناقيده، وهو خطوة الزمن الذي يسترد كل ما أعطاه، الزمن الذي يهدي ~~ويسلب ويبني ويخرب، ديونيزيوس هو المانح العظيم والسالب العظيم على مدى العود الأبدي. ~~«آه يا نفسي! مخلصك العظيم الذي لا اسم له الذي ستبحث له الأغنيات المقبلة عن اسم يليق ~~به! ها أنت ذي تتوهجين وتحلمين، وها أنت ذي تعبين في عطش من كل ينابيع العزاء ذات ~~الأصداء العميقة، وها هي كآبتك تستريح على نغمة الأغنيات المقبلة!» # ديونيزيوس هو الجواب على الشوق العظيم الذي يعذب صدر الإنسان، هو ms199 الذي يوجد ~~الموجودات وهو الذي يسلبها الوجود، هو الحاكم الذي يسيطر على كل تحول، ويدبر مجرى ~~الأشياء في الزمان، وحيثما تجلى ديونيزيوس تجلى معه سر العالم، ووجدت نفس زرادشت ~~وطنها الذي تبحث عنه، ديونيزيوس هو المخلص الأخير الذي يبشر به زرادشت، وهو الكلمة ~~الأخيرة التي يعلنها نيتشه: إن الإنسان المتفتح «للعالم» يقابله بهذه الكلمات: «آه يا ~~نفسي، الآن أعطيتك كل شيء ومنحتك آخر ما أستطيع، وها هما كفاي قد فرغتا من الإغداق ~~عليك: انظري، إن دعوتي لك بأن تغني كانت هي آخر دعواتي إليك!» # ويغني زرادشت أغنية ديونيزيوس الأخيرة، أغنية الرقص الأخرى، فيسبح بمجد الحياة، ~~ويهلل لروعتها وغموضها، إنها تظهر له في صورة الأنثى الفاتنة الإغراء، وتتحول أمام ~~عينيه فتارة تكون ساحرة وتارة تكون حية، أو إعصارا أو ليلا معتما كالهاوية، «في عينك ~~نظرت منذ عهد قريب يا أيتها الحياة، رأيت ذهبا يلمع في عينك الليلية، وتوقف قلبي ~~حيال هذه اللذة العارمة.» ولكن الحياة تقول لزرادشت: «ولكنك لست وفيا لي كما ينبغي ... ~~أعرف أنك تفكر في أن تهجرني وشيكا»، ويهمس زرادشت بشيء في أذن الحياة «بين خصلات شعرها ~~الأصفر المضطرب المجنون» وتجيبه الحياة قائلة: «أنت تعرف هذا يا زرادشت، ما من أحد قد ~~عرفه قبلك.» # زرادشت يفكر في أن يهجر الحياة، ولكنه لن يستطيع أن يهجرها إلى الأبد، سوف يموت ذات ~~يوم، ولكن لا بد له أن يعود مرة ومرة إلى غير نهاية، لا بد أن يدور في حلقة العود ~~الأبدي التي لا تكف عن الدوران، وأن يجرب يأسه وأمله، وعذابه وفرحته، ويولد ويموت ~~مرات لا حصر لها ولا عدد. # وتنظر إليه الحياة نظرتها إلى طفل ماكر عبقري، انتزع منها السر الذي ضنت به على ~~أبناء الأرض الفانين، ثم تقول بين الفرحة به والغيرة منه: «أنت تعرف هذا، يا زرادشت؟ ما ~~من أحد قد عرفه قبلك!» ... # | والفكر عزاء # | عزاء الفلسفة # أنا الذي كنت أنظم الأشعار بوجدان مبتهج بالحماس، # أجدني اليوم مضطرا إلى الشجو الحزين. # هكذا تأمرني ربات الفن المعذبات، # وتدفع ms200 العبرات إلى عيني بغنائها الباكي. # الرعب لم يستطع على الأقل أن ينتصر عليها، # فجاءت تتبع طريقي إلى هنا في وفاء. # كانت زينة شبابي السعيد، # وهي الآن للشيخ المقهور عزاء. # الشيخوخة أقبلت على غير انتظار، تتعجلها المصائب، # وراح الألم يضاعف من عبء الزمان. # المشيب أحاط مفرقي قبل الأوان، # والجلد الضامر يرتجف على الجسد الذابل. # مبارك هو موت البشر الذي لا يأتي في سنوات المرح، # بل يقبل على المقهور، الذي طالما اشتاق إليه. # قديما، عندما كان الحظ الغادر يغمرني بعطاياه العقيمة، # كادت ساعة حزن أن تحني رأسي، # والآن، وقد بدل ملامحه الخادعة، واكتسى بقناع قاتم، # أصبح وجودي لعنة، وراح الزمن يطول في سأم. # لم كنتم تصفونني بالسعادة، يا أيها الأصدقاء؟ # آه، من يسقط، فلم تكن واثقة خطاه. # من هذا الذي تخرج من شفتيه كل هذه الحسرات؟ وما هذا القدر الذي نزل عليه حتى يزفر ~~بكل هذه العبرات؟ أهو في شدة يرجو منها الخلاص، أم في زنزانة ينتظر حكم الجلاد؟ وإذا ~~كان سيف الجلاد يلمع فوق رقبته، فأي عزاء هذا الذي لم يفقد الأمل فيه حين يوشك الإنسان ~~أن يقطع كل أمل في العزاء؟ # هي شكوى سجين، قيلت في سجن بشع، وانتهت بموت أبشع، وهي أبيات يفتتح بها كتاب عظيم، ~~كان آخر ما دونه صاحبه، وجمع فيه خير ما يمكن أن تقدمه الفلسفة للإنسان، ضم فيه أشعة ~~من فكر أفلاطون وأرسطو والرواقيين، وصبغها في شفق تجربته الدموية، فصار قبسا غريبا لا ~~يزال يضيء للناس عبر العصور. # إنه بواتيوس # Boethius # أو أنيسيوس مانليوس توراكواتوس ~~سيفيرينوس بواتيوس، كما يدل اسمه الكامل! ولد في روما في عام 48 (ب.م) من سلالة ~~عريقة كان كثيرون من أفرادها من أعضاء مجلس الشيوخ، وفقد أباه وهو بعد صبي، فتربى ~~في بيت «كونتس أورليوس سيماخوس» وكان رجلا مهذبا رفيع المكانة، رعاه وتولى نشأته ~~وزوجه ابنته فيما بعد، ولم ينحرف به شبابه ولا ثروته التي تركها له أبوه، بل ساعدته ~~فطرته الجادة على الاتجاه إلى الدرس والتحصيل، حتى أدهش معاصريه وحاز ms201 إعجابهم. ويكفي أن ~~نعرف أنه كان أعظم الإنسانيين الذين اهتموا بالتراث اليوناني بين الرومان، حتى لقد جعل ~~رسالة حياته أن يترجم أعمال أفلاطون وأرسطو ويرتبها، لولا أن فاجأه الموت المبكر، ~~فسمي بحق «آخر الرومانيين». # 1 # تقلد منصب القنصل في عام 510، وشرف في عام 522 بتكريم لا يحظى به إلا ~~القليلون؛ إذ عين ولداه سيماخوس وبواتيوس قنصلين في وقت واحد، وأصبح رئيس مستشاري ~~البلاط في رافينا أو ما يسمى ب «المجستر أوفيسيوروم» فنال المجد والشهرة، وسار في ~~منصبه على الخلق الفلسفي القويم، وكانت رافينا في ذلك الحين هي عاصمة إمبراطورية الغوط ~~الشرقية، وكان يحكمها ملك عادل حكيم هو «تيودريش» (471-526) الذي ضم إيطاليا إلى ~~مملكته، ووصفه أعداؤه أنفسهم بالشجاعة والذكاء، لكن العلاقات ساءت فجأة بينه وبين ~~الكنيسة الكاثوليكية على عهد البابا يوحنا الأول (523-526)، فقد أصدر قيصر الإمبراطورية ~~الرومانية الشرقية جستينوس (518-527) قرارا باضطهاد الأريانيين # 2 # الذين كان الغوطيون وسائر القبائل الجرمانية يدينون بعقيدتهم، وأضمر ~~تيودريش العداء للإمبراطورية الشرقية، وهدد باتخاذ إجراءات مضادة، وسعى بعض رجال ~~البلاط بالدس والوقيعة، فقالوا لتيودريش: إن أحد أعضاء مجلس الشيوخ - وكان اسمه ~~ألبينوس - على صلة سرية بالسياسيين في بيزنطة، وهب بواتيوس للدفاع عن زميله، دون أن ~~يخطر بباله أن التهمة قد تمتد إليه، وفقد الملك ما عرف عنه من الحكمة والاعتدال؛ فأمر ~~بالقبض عليه، والإلقاء به في سجن بافيا، وأوعز إلى مجلس الشيوخ بالحكم عليه بالإعدام، ~~أو بالأحرى بالتصديق على الحكم الذي أصدره بالفعل عليه. وسواء أصحت التهمة أم لم تصح ~~- فلم يثبت عليها حتى الآن دليل - فقد أعدم بواتيوس في عام 524 بالقرب من مدينة ~~ميلانو، بعد سجن دام ستة شهور، ودفن في كنيسة سان بييترو أو القديس بطرس. # بقي بواتيوس إذن في سجنه ينتظر الموت، وراح يؤلف «عزاء الفلسفة» # 3 # في خمسة كتب، أملتها عليه تجربة أليمة، استطاع مع ذلك أن يرتفع فوقها ~~ويستعين عليها بالحكمة التي استمدها من ينابيع الفلسفة القديمة، من أفلاطون وأرسطو ~~والرواقية والأفلاطونية المحدثة جميعا، وأن يقترب فيه من ms202 الروح المسيحية السمحة التي ~~حدت برجال العصر الوسيط أن يجعلوا منه أحد شهداء الكنيسة، مع أنه كان من أتباع ~~الأفلاطونية المحدثة ولم يكن مسيحيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ~~••• # لم يكد بواتيوس يفكر في شكواه الصامتة ويحاول تدوينها على لوح أمسكه في يده اليمنى، ~~حتى خيل إليه أنه يرى سيدة جليلة المظهر نافذة العينين شامخة القامة، لم يدر كيف ~~دخلت عليه زنزانته ووقفت إلى جانبه تطل عليه كأنها رؤيا من زمن آخر بعيد، كانت تبدو ~~متقدمة في العمر، وإن كانت ما تزال تحتفظ بقوتها وشبابها، وكان عودها السامق الذي يكاد ~~يطاول السماء وهيئتها الجادة الرزينة تكسبانها شيئا لا يمت بصلة إلى البشر، أما ~~رداؤها فمن خيوط رقيقة، على هيئة الشباك المتوازية، ينتهي بذيل جرار، ولا يخلو من آثار ~~تمزيق، لعله نتيجة الأذى والاضطهاد الذي لقيته على مر العصور، وفي وسطه رسمت حروف ~~الألف باء اليونانية، بحيث تبدأ من أسفل بالحرف «ب»، وهي اختصار براكسيس أو الحياة ~~العملية، وتنتهي من أعلى بالحرف ثيتا وهي اختصار ثيوريا، أو الحياة النظرية التأملية، ~~وكانت تحمل في يدها اليمنى لفافة مكتوبة من الرق أو الورق، وفي اليسرى صولجانا ينطق ~~بمجدها وسلطانها حيث كانت أم العلوم. # غضبت السيدة الجليلة حين أبصرت ربات الشعر حول فراش السجين يملين عليه شكواه ~~الحزينة التي عرفناها من قبل، وأظلمت عيناها وتكلمت قائلة: من الذي سمح لهؤلاء ~~البغايا بالدخول إلى هذا المريض لا ليخففن آلامه، بل ليزدنها اشتعالا بسمهن الحلو؟ ~~إنهن يعكرن صفاء العقل بظلام العاطفة، ويجلبن عليه المرض بدلا من أن يخلصنه منه، وما ~~نفعهن لرجل قضى شبابه عاكفا على دراسة الإيلين # 4 # والأكاديميين؟ # 5 # فلتطردهن إذن ولتتركنه لرعاية ربات الفلسفة. # جرت الدموع على خد السجين، ولم يستطع أن يعرف من تكون هذه السيدة النبيلة الآمرة، ~~واستسلم لصمته وذهوله حتى اقتربت منه، وجلست على حافة سريره، وراحت تتأمل وجهه الحزين ~~وتشكو مما أصابه من اضطراب التفكير: # ويلي كيف هوى العقل إلى القرار السحيق # عاجزا مسلوبا من وضوحه وصفائه! # كان من عادته ms203 أن يبحث عن الأصول، # ويهبط إلى منابع الطبيعة الخفية، # أما الآن فهو مستضعف يحيط به الظلام، # والرقبة ترهقها القيود الثقيلة. # الوقت إذن وقت العلاج لا الشكوى، وسوف تثبت فيه عينيها العميقتين ~~اللامعتين، وتسأله: ألست أنت الذي أرضعته من لبني وغذوته من طعامي حتى بلغ نضج العقل ~~ورجولته؟ ألم أزودك بأسلحة كان يمكن أن تحميك لولا أن ألقيت بها بعيدا عنك؟ ألم تعد ~~تعرفني؟ لم تسكت الآن؟ أمن الخجل أم من الحيرة والاضطراب؟ # وجدته السيدة صامتا لا يقوى على الكلام، فوضعت يدها على صدره، وجففت الدموع المنسابة ~~على خده، وطمأنته إلى أن ما يعانيه ليس بالمرض الخطير، وأنه إنما نسي نفسه وسيذكرها ~~بمجرد أن يتعرف عليها من جديد. وأحس كأن ضباب حزنه قد انقشع، وكأن شمس الأمل كادت تعشي ~~عينيه، ورفع بصره إلى وجه طبيبته فعرف فيها مرضعته ومربيته، فلم تكن هذه السيدة النبيلة ~~إلا الفلسفة التي نشأ في بيتها وتعلم على يديها، كم يدهشه الآن أن تنزل عن عرشها العلوي ~~وتزوره في منفاه الوحيد! ألا تخاف على نفسها أن يتهموها زورا كما اتهموه؟ ألا تخشى ~~العقاب الظالم الذي ينتظره؟ # ولكن معلمة الفضائل لم تكن لتتركه وحيدا في محنته، ولا كان يرضيها أن تتخلى عنه ~~بغير أن تقاسمه الآلام التي تحملها في سبيلها، وهل كان لأم العدالة أن تترك البريء ~~المظلوم يسير وحيدا على طريق قدره؟ وهل يليق بها أن تخشى الاتهام وهو ليس جديدا ~~عليها؟ وهل هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الحكمة للخطر؟ ألم يكن على القدماء - حتى ~~قبل عهد أفلاطون - أن يكافحوا الغباء مر الكفاح؟ ها هي ذي تقول له: ألم ينتصر معلمك ~~سقراط على الموت الظالم بوقوفي إلى جانبه؟ لقد شرب السم كما تعلم، ومات قبله كثيرون في ~~المنفى أو على يد الجلاد، أنكساجوراس اضطر إلى الفرار أمام غضب الجماهير ليموت بعيدا ~~عن وطنه، زينون الإيلي # 6 # جلد وعذب وقتله الطاغية نيارخوس قتلة فظيعة، وكانيوس الرواقي أعدمه ~~القيصر المجنون كاليجولا، وسنيكا الحكيم اضطره نيرون إلى الانتحار، وسورانوس ms204 أدى به حبه ~~للعدالة إلى الموت ظلما، لا يدهشك إذن أن نسبح على أمواج الحياة فتتقاذفنا العواصف من ~~هنا ومن هناك، فقد قدر علينا أن نغضب الأشرار، وأن نكون همهم الدائم في حياتنا ~~وبعد مماتنا. إن كنت قد وعيت هذا الكلام فما الذي يدعوك إلى البكاء؟ لا تخف عني ~~شيئا، إن كنت في حاجة إلى معونة الطبيب؛ فلا بد أن تكشف عن الجرح. ويجمع بواتيوس أطراف ~~شجاعته فيسألها: أليس في رؤية هذا المكان ما يغني عن كل كلام؟ ألا ينطق بقسوة القدر ~~الذي حكم به علي؟ أهذه هي ملامح وجهي حين كنت أبحث معك في أسرار الطبيعة، وكنت ~~تعلمينني بمعونة الدائرة مسار النجوم، وتنظمين حياتي على هدي النظام السماوي؟ أهذا هو ~~جزاء طاعتك؟ ألم تزيني لي على لسان أفلاطون # 7 # أن الدول التي يحكمها الفلاسفة أو التي يدرس حكامها الفلسفة هي الدول ~~السعيدة، وأن الأشرار والمجرمين لا ينبغي لهم أن يتولوا شئونها حتى لا يهلك الأخيار ~~والطيبون؟ لقد استمعت إلى نصحك، وحاولت أن أطبق العلم على العمل، يشهد الله وتشهدين ~~على أنني لم أبلغ هذا المنصب إلا لحرصي على الصالح العام. وهكذا نشب النزاع بيني وبين ~~الأشرار، وجلبت علي حرية الضمير سخط الحكام، كم من مرة ثرت على وال يغتصب مال ~~المحروم، وحميت الفقير من استغلال الغني، وكم أنقذت الفلاحين من اللصوص الرسميين، ~~وخففت عنهم الضرائب التي أذاقتهم الجوع. وكم جلبت على نفسي حقد رجال البلاط، وعرضتها ~~للخطر حبا في العدل. القنصل باولينوس - الذي كاد الطفيليون من رجال البلاط يبتلعون ~~ثروته - أنقذته من أيديهم، والقنصل ألبينوس خلصته من عقاب كان ينتظره لتهمة باطلة، ~~وعرضت نفسي لكراهية الداهية كيبريان، ولكن من الذي وجه إلي الاتهام الذي أدى بي ~~إلى هذا المصير؟ إنه بازيليوس الذي طرد من قبل من خدمة الملك، وأوبيليو وجاودينتيوس ~~اللذان حكم عليهما بالنفي بسبب جرائمهما العديدة؛ فلجآ إلى معابد الآلهة هربا من ~~العقاب. أولئك هم الذين لطخوا اسمي، وكانوا أولى الناس بأن تلطخ جباههم وينفوا من ~~الديار. ولكن ms205 هل تريدين بعد هذا كله أن تعلمي التهمة التي وجهت إلي؟ لقد ادعوا ~~علي أنني أردت أن أحمي المجلس «السينات»، فحلت بين المدعي وبين تقديم الأسانيد ~~التي تثبت خيانة المجلس، ولكنني لم أفعل ذلك، وما كان لي أن أخون مبدأ سقراط فأخفي ~~الحقيقة وأظهر الكذب. لقد نسبوا إلي رسائل مزورة يدعون أنني طالبت فيها بتحرير ~~روما. ربما كانت إرادة الشر دليلا على عجزنا البشري، أما أن يتمكن الشرير من أن ينفذ ~~أمام الله خيانته، فتلك هي كبيرة الكبائر، وقد يكون هذا هو الذي حدا بواحد من تلاميذك ~~أن يسأل فيقول: «إذا كان الله موجودا، فمن أين يأتي الشر؟ ومن أين يأتي الخير لو لم ~~يكن هناك إله؟» ولو أن الأمر اقتصر على الأشرار بطبيعتهم، لما كان في ذلك شيء، أما أن ~~يشترك أعضاء المجلس كله في توجيه التهمة الكاذبة إلي، فذلك ما يدهشني حقا. إن هذا ~~المجلس نفسه هو الذي طالما تصديت للدفاع عنه وتفنيد التهم الموجهة إليه. ولعلك يا ~~معلمتي لا زلت تتذكرين دفاعي عنه عندما سعى الملك في فيرونا إلى القضاء على أعضاء ~~المجلس جميعا؛ بسبب تهمة الخيانة التي نسبت إلى ألبينوس وحده؛ فأراد الملك أن ~~ينسبها إلى الجميع. وها هو نفس المجلس يتهمني بالإجماع في غيابي، بينما تفصلني عنه ~~مسافة خمسمائة ميل، دون أن يحاول الاستماع إلى دفاعي، وبأي تهمة؟ بالخيانة طمعا في ~~منصب، وأنت التي طردت من قلبي كل مطمع في شيء أرضي، بل لم تتركي فيه مكانا للطمع، ~~وما زلت تهمسين في سمعي كل يوم بهذه الكلمة الفيثاغورية: اتبع طريق الله! لا بل يزيدون ~~على ذلك فيدعون أنك أنت التي دفعتني إلى ما يتهمونني به، وما دفعتني لغير التشبه ~~بالله! ويزيد من ألمي أن الشعب - الذي طالما وقفت إلى جانبه - يصدق دعواهم، ويؤيد ~~حرماني من أملاكي وتجريدي من مناصبي، وتنفيذ الحكم الذي ينتظرني. # قالت السيدة الجليلة: لقد رأيت دموعك فعرفت أنك منفي تعيس، ولولا ما قلته لي ما ~~عرفت شيئا عن قضيتك، غير أنك وإن ms206 كنت بعيدا عن الوطن، فأنت لم تنف، وإنما نفيت ~~نفسك بنفسك، وضللت الطريق بإرادتك. ألم أعلمك أن الحرية في أن يمسك المرء بزمام نفسه، ~~ويطيع الحق والقانون بمشيئته؟ ألم أجعل لك وطنا لا نفي منه؛ لأنه لا أسوار له ولا ~~أبواب؟ إن وجودك في هذا المكان لا يحزنني بقدر ما تحزنني رؤيتك على هذه الحال. إن ~~مرارة الألم تمزقك، والعواطف تعصف بك، وهذا ما يجعلني أسقيك الدواء قطرة فقطرة. ~~وتسأل السيدة: هل ترى أن هذا العالم تحكمه الصدفة؟ أم تعتقد أن هناك نوعا من التدبير ~~يتحكم فيه؟ فيجيب السجين: حاشاي أن يخطر لي ذلك على بال! إنما أومن بأن الخالق يسهر ~~على خلقه؛ وتهتف السيدة قائلة: ما أعجب أن يصيبك المرض مع هذا الرأي السليم! وما دمت ~~لا تشك في أن الله هو الذي يدبر العالم، فهل تستطيع أن تقول لي ما هي المبادئ ~~الأساسية التي تدبره؟ ويعجز السجين عن الجواب، فتعود إلى السؤال: هل تتذكر الغاية ~~الأخيرة من الطبيعة؟ ~~- كنت أعرفها ، ولكن الحزن أثلم ذاكرتي. ~~- ألست تعرف أصل الأشياء جميعا؟ ~~- قلت: إنه هو الله. ~~- فهل يجوز أن تعرف الأصل وتجهل الغاية؟ هل أنت واثق من أنك إنسان؟ ~~- وكيف لا أعرف؟ ~~- فهل تشرح لي ما هو الإنسان؟ ~~- إن كنت تقصدين به الكائن العاقل الفاني فأنا أعرفه. ~~- ألا تعرف أيضا أنك شيء آخر؟ ~~- لا. ~~- إذن فلم تعد تعرف من أنت، هذه هي علة مرضك الحقيقية، فلأنك نسيت نفسك رحت تشكو ~~من أنك منفي مجرد من أملاكك، ولأنك لم تعد تعرف الغاية الأخيرة، ظننت أن التافهين ~~وسيئي السمعة هم الأقوياء والسعداء، ولأنك نسيت الأفكار التي تدبر العالم فقد توهمت ~~أن الأقدار تترنح هنا وهناك بغير تدبير، ولكن ما دمت تؤمن بأن حكمة الله لا الصدفة ~~العشواء هي التي تدبر الكون، فلا شك أن شفاءك غير مستحيل. # أتريد أن تنظر نظرة صحيحة # وتعرف الحقيقة؟ # فسر في طريقك # بخطى عاقلة، # طارد الفرح والخوف، # وابتعد عن الأمل # يبتعد عنك الألم؛ # فالنفس تتعكر، # وتغل في القيود ms207 # إن تحكما فيها. # وصمت السجين قليلا، فاستطردت تقول: إن كنت قد أدركت علة مرضك، فلا بد ~~أنك تتحرك شوقا إلى حظك الماضي، وتقنع نفسك بأن التغيير الذي أصابه قد غير الكثير ~~من روحك وعقلك. ولكنني أعرف هذا الكائن الخرافي، وأعرف نفاقه وألعابه الساخرة، ولو ~~تذكرت حقيقته معك؛ لتبينت أنك لم تستفد منه ولا خسرت بفقده شيئا، ولست في حاجة إلى ~~تذكيرك بهذا، فقد طالما هاجمته بكلمات وأفكار استقيتها من مملكتي المقدسة. وكل تغيير ~~مفاجئ لا بد أن يترك أثره على النفس، وينتزعها من راحتها ولو إلى حين. وعلي الآن أن ~~أبصرك بحقيقة ما يدور في باطنك. # ما هذا الذي رماك بالحزن والألم؟ أنت تحسب أن الحظ أدار ظهره لك ولكنك مخطئ، فتلك هي ~~طبيعته وذلك دأبه، ولقد كان مخلصا لطبيعته حين راح يتملقك ويغريك بالسعادة. لقد ~~تبينت النظرة الزائفة التي أطلت من هذا الكائن الإلهي الأعمى، كانت تتخفى عن سواك ~~فإذا بها تكشف لك عن نفسها، هل تحزنك خيانتها؟ إذن فتذكر عبثها بك، واحتقر لعبتها ~~الباطلة. إن ما يسبب الآن لك الغم كان خليقا بأن يجلب لك السلام؛ فلقد تخلى عنك ~~شيء لا يأمن له أحد، ولا يشك في أنه سيتخلى عنه ذات يوم، أم تحسب أن للحظ قيمة، وأنت ~~لا تجهل أنه زائل؟ وهل تعز عليك سعادة تعلم أن بقاءها موضع شك، وأن اختفاءها يجلب ~~الحزن؟ إن العاقل لا يحكم على ما يراه بل يعتبر بالخواتيم، وتقلب الحظ يعلم من يريد ~~التعلم أن خطره لا يخيف وإغراءه لا يخدع، إنك إن أسلمت الشراع للريح فلن تبلغ الشاطئ ~~الذي تريد، بل ستصل إلى حيث تدفعك. وما دمت قد خضعت للحظ فعليك أن تسلم بأحكامه، أم ~~هل تريد أن توقف عجلته الدائرة؟ يا أشد الفانين حمقا! إنها إن بدأت تستقر، فلن تكون ~~إذن هي عجلة القدر! ستقول لك آلهة البخت والنصيب: لماذا تتهمني فتبالغ في الاتهام؟ أي ~~ظلم ألحقته بك؟ أتقول: إنك كنت تملك الثروة والجاه؟ ولكن متى بقيت ملكا للبشر ms208 الفانين؟ ~~حين خرجت عاريا من بطن أمك رعيتك وتعهدتك بعنايتي، ولكنني يحلو لي الآن أن أكف يدي ~~عنك، فبأي حق تشكو من ضياع شيء لم تكن تملكه؟ إن الثروة والجاه خاضعان لي، يأتيان معي ~~ويذهبان متى ذهبت، بأي حق يكرهني البشر على ما ليس في طبعي، إن عجلتي تدور إلى أعلى ~~وإلى أسفل، فاصعد معها إن شئت، ولكن لا ترمها بالظلم إن هبطت بك. وما الذي تقوم عليه ~~الفجيعة في المأساة، إن لم يكن هو القدر الذي يخرب الممالك ويخبط بضرباته خبط عشواء؟ ~~ألم تتعلم وأنت صبي أن هناك وعائين عند عتبة زيوس: أحدهما مليء بالعذاب والألم، والآخر ~~بالهناء والفرح؟ # 8 # ألم تغرف من الوعاء الأخير ما يزيد عن غيرك؟ وهل تخليت عنك يوما كل ~~التخلي؟ أتريد أن تخضع لقانون وضعته لنفسك دون القانون الذي يطيعه الجميع؟ # وترن هذه الكلمات في سمع السجين رنينا عذبا، ويذوق فيها حلاوة الخطابة والشعر، ~~غير أن عذابه أعمق من ذلك بكثير، وعقله المضطرب ما يزال في حاجة إلى البلسم الذي يشفيه، ~~والسيدة الحكيمة تحاول أن تسكن من روعه، أما العلاج الحاسم فلم يؤن أوانه بعد؛ ~~فها هي ذي تذكره بطفولته، عندما حرمه الموت من أبيه فتولته أيد أمينة بالرعاية ~~والحنان، حتى إذا بلغ سن الرجولة غبطه الناس على الزوجة النبيلة والأبناء النجباء، ~~وتوالت عليه أسباب المجد والتكريم، وشرف ولداه في يوم واحد بالتعيين في منصب القنصل، ~~بين تهليل الجماهير وتهنئة أعضاء المجلس. لقد غمرته آلهة الحظ بما لم تغمر به سواه، ولو ~~أحصى ألوان السعادة التي نعم بها لزادت عن ألوان الشقاء، أما ما يعانيه الآن من بؤس ~~وما ينتظره من جزاء فهو شيء عابر ككل شيء سواه، ومهما خيل للإنسان أن سعادته دائمة، ~~فإن اليوم الأخير من حياته يحمل معه الموت لهذه السعادة الدائمة. إن الكون نفسه يبدو ~~منقلبا، وكذلك حظ الإنسان، وما يملك من خير أو متاع أبعد ما يكون عن اليقين، أما ~~القانون الأبدي الوحيد فهو هذا: ما من شيء مخلوق ms209 له صفة الدوام. # ولا يشك السجين فيما تقوله أم الفضائل جميعا، ولا يجادل في أنه كان في يوم من الأيام ~~أسعد الناس، ولكنه يقول لها: إن أشد أنواع الشقاء أن يتذكر الإنسان أنه كان سعيدا ذات ~~يوم. وتدعوه أم الفضائل أن يجفف دموعه؛ فما زال بين الأحياء من يذكره ويذرف الدموع عليه ~~ويتحرق شوقا إليه، وما زال هناك عزاء عن الحاضر وأمل في المستقبل، فمن ذا الذي ~~اكتمل حظه من السعادة فلم يدع له سببا لشكوى؟ ألا ترى الغني يفتقر إلى النبالة، ~~والنبيل يعوزه الغنى؟ ألا ترى السعيد في زواجه محروما من الأبناء، ومن رزق الأبناء ~~شقيا بأعمالهم؟ ليس شقاء إلا ما تعده كذلك، وكل قدر تستطيع أن تراه سعيدا، لو أمكنك ~~أن تحتمله في هدوء واتزان. ومن ذا الذي بلغ من السعادة حدا لا يتمنى معه لو أنه ~~استطاع أن يغير حاله؟ وأية حلاوة في أقدار البشر لا تمتزج بالمرارة؟ يا لها من سعادة ~~ناقصة هذه التي تأتي من أسباب أرضية! فلماذا إذن، أيها الفانون، تبحثون عن السعادة خارج ~~نفوسكم وهي كامنة فيها؟ إن الجهل والضلال يعميان أبصاركم. دعني أشرح لك سر السعادة ~~الخالصة، هل هناك ما هو أعز لديك أو أعظم قيمة عندك من نفسك؟ لا شك أنك ستجيب بالنفي، ~~لو امتلكت السيطرة على هذه النفس، فسوف تمتلك شيئا لا يضيع منك ولا يستطيع القدر أن ~~يسلبك إياه، إن السعادة الحقة لا يمكن أن تعتمد على الصدفة، ولا هي مما يمكن أن يسلب ~~من الإنسان؛ ومن ثم فإن الحظ المتقلب لا يمكن أن يكون سببا من أسباب السعادة. ~~وكل من يقوده الحظ قد يجهل طبعه المتقلب وقد يعرفه، فإذا كان يجهله فأي سعادة يمكن أن ~~تصيب الإنسان مع هذا الجهل؟ وإذا كان يعرفه فلا بد أنه يخشى ضياع ما يعلم أنه عرضة ~~للضياع، ولا بد أن هذا الخوف سيحول بينه وبين السعادة. ألست مقتنعا بأن نفوس البشر ~~غير فانية، وأن السعادة العارضة تموت بموت الجسد؟ ولو كان في ms210 مقدور الحظ المتقلب أن ~~يهب البشر السعادة الحقة، فهل تشك في أنهم سيصيرون بعد الموت إلى الشقاء الدائم؟ ولو ~~سلمنا بأن عطايا الحظ ليست بطبعها زائلة، فأي شيء فيها لا يفقد قيمته مع الزمن، وأي ~~شيء فيها له قيمة في ذاته؟ لن تستطيع أن تقول هذا عن ذهب ولا فضة، فهي إن صارت ملكا ~~لواحد بمفرده تسببت في فقر الآخرين، وإن وزعت بين الجميع لم تصبح ملكا لأحد! ~~ولكن هل هناك صلة تربط بينها وبين نفسك التي تحس؟ أليس جمال النفس ونورها أروع من ~~الجمال والنور الذي ينبعث من الذهب والأحجار الكريمة؟ ولماذا تنسب للأشياء الخارجية من ~~القيمة ما تحرمه على ذاتك؟ أم ترى بلغ بك قصر النظر أن تجد السعادة في الملابس ~~الزاهية والخدم والحشم؟ ما الذي تسعون إليه إذن من وراء هذا الضجيج كله عن السعادة؟ ~~إنكم تحاولون بالشره إلى التملك والترف أن تبعدوا عن أنفسكم الإحساس بالنقص والحاجة، ~~ولكنكم لا تزيدونه إلا قوة واشتعالا! لقد انقلبت الأمور حتى ظن الكائن الإلهي العاقل ~~أن مجده لن يسطع إلا إذا امتلك ما لا حياة فيه، لقد أراد الخالق أن يرتفع الجنس البشري ~~فوق كل ما هو أرضي، ولكنه يشاء إلا أن يضع نفسه بين الأشياء الزائلة في أحط مكان! وهل ~~يستطيع أن يرتفع فوق الأشياء إلا إذا عرف نفسه؟ وهل يستطيع أن يعرف نفسه حتى يعرف أن ~~قيمته تعلو على كل ما عداها؟ أنت يا من تخاف الآن من السيف والرمح، تعلم أن تتجول ~~فقيرا على الأرض وسوف يمكنك أن ترفع صوتك بالغناء أمام قاطع الطريق! ثم ماذا أقول عن ~~المنصب والسلطان؟ وهل كان في وسع الحمم المتفجرة من بركان «إتنا» أن تسبب من الخراب ~~والدمار مثلما سببه المنصب والسلطان حين كانا في يد حاكم شرير، ألا تذكر كيف سعى آباؤك ~~إلى إلغاء لقب القنصل لما وجدوه من غرور القناصل، مثلما محوا كلمة «الملك» من قبل لما ~~لمسوه من جبروت الملوك؟ # 9 # إن الفضيلة لا تشرف بالمنصب، بل المنصب ms211 هو الذي يشرف بالفضيلة، ثم ماذا ~~يغريكم في السلطان ويحببه إليكم؟ هل تنسون أيها الفانون من أنتم ومن الذين تتحكمون ~~فيهم؟ أولا تنفجر ضاحكا لو سمعت أن فأرا أعطى لنفسه الحق في التسلط على غيره من ~~الفيران؟! وهل هناك من هو أشد عجزا من الإنسان؟ ألا تكفي لدغة بعوضة للقضاء عليه؟ ~~وهل يتسلط صاحب السلطة حقا على شيء سوى الجسد أو المتاع؟ وأين الذي يتحكم في العقل ~~الحر؟ وأين من يزحزح الخلق الثابت عن هدوئه؟ ألا يتذكر ذلك الطاغية الذي أخذ يعذب ~~رجلا حرا ليشي برفاقه في المؤامرة المنسوبة إليهم، فما كان من هذا الرجل إلا أن ~~عض لسانه وبصقه في وجه الطاغية؟! # لو كان المنصب أو كانت السلطة خيرا في ذاتها، لما وقعتا في يد الشرير، فالأضداد - ~~كما تعلم - لا تجتمع أبدا، وقل مثل ذلك عن ألوان الحظ والسعادة التي لا تصيب إلا سيئي ~~السمعة، فما استطاعت الكنوز أن ترضي النهم الذي لا يشبع، ولا استطاعت السلطة أن تتيح ~~لمن يرسف في أغلال الشهوات أن يكون له سلطان على نفسه، إنها ليست خيرا في ذاتها، فكيف ~~تستطيع أن تجعل من أصحابها أخيارا؟ # كلنا يعرف المفسد نيرون # الذي أحرق روما، وقتل الشعب # كلنا يعلم كيف قتل شقيقه، # وكيف لطخ يديه بدم أمه. # وعندما أبصر الجسد الهامد # لم يجد الدموع التي ترطب وجهه، # وإنما راح يطري الجمال الضائع. # هل استطاع السلطان الرفيع # أن يوقف جرائم نيرون؟ # يا له من قدر قاس، # حين تلتقي شهوة القتل # بسلطان السيف! # ويجيب السجين قائلا: أنت نفسك تعلمين أن الطموح إلى متاع الأرض لم ~~يكن من طبعي، ولكن نفسي كانت تشتاق إلى الفعل، حتى لا تشل طاقتها على العمل. فترد ~~عليه السيدة الحكيمة بقولها: إن من صفات الأرواح التي ميزتها الطبيعة، والتي لم تبلغ ~~كمال الفضيلة، أن نسعى إلى المجد والسمعة الطيبة عن طريق ما تحققه من أعمال في سبيل ~~الدولة، ولكن يا له من جهد ضائع وعقيم! فأنت تعرف من تعاليم الفلكيين ومن قراءتك ~~لبطليموس ms212 أن الأرض لا تزيد عن نقطة ضئيلة إذا قورنت بالفضاء الكوني الكبير، وأن الجزء ~~المسكون منها لا يزيد عن ربع مساحتها، فإذا طرحت من هذا الربع تلك المساحات الشاسعة ~~التي تشغلها البحار والصحاري والمستنقعات لما بقي للإنسان إلا جزء ضئيل. فما قيمة المجد ~~الذي يطمع صاحبه في أن ينشر ذكره على هذا الحيز الصغير؟ وهل يمكن أن تبقى لهذا المجد ~~قيمة في ذاتها؟ وإذا عرفت أن هذا الحيز الصغير تسكنه شعوب مختلفة اللغات والعادات ~~والطباع، فهل تحلم مدينة من المدن بأن يسير ذكرها فيه، ناهيك بفرد واحد؟ إن شيشرون ~~يعترف في أحد كتبه # 10 # أن سمعة الدولة الرومانية في قمة مجدها لم تستطع أن تتعدى جبال القوقاز، ~~فهل تشك بعد هذا أن من العبث أن يفكر امرؤ في نشر اسمه في مثل هذا الحيز الضيق ~~المحدود؟ وإذا تفكر الإنسان في خلود الزمن، فمن أين يأتيه الفرح بخلود الاسم؟ وإذا ~~استطاع أن يحفظه عبر آلاف السنين، فما هي هذه الآلاف إذا قيست بعمر الأبد؟ وما قيمة ~~المجد الذي أحرزه عظماء الرجال إذا كانت أجسادهم ستتحلل بعد الموت إلى تراب؟ وماذا ينفع ~~بعد ذلك أن تشتهر أسماء لا وجود لأصحابها؟ ولكن الغرور هو الذي يسول لكم أن تسعوا إلى ~~المجد والشهرة بين الناس. فاسمع حكاية الرجل الذي عرف كيف يسخر من هذا الغرور. فيحكى ~~أنه سمع أن رجلا سمى نفسه بالفيلسوف، لا عن حب للفضيلة، بل عن ولع بالشهرة، وقال ~~الرجل لنفسه: سأجرب معه السب والإهانة لأعرف من صبره عليها إن كان فيلسوفا حقا ~~كما يدعي، واحتمل الرجل فترة ثم قال في سخرية مما أصابه من أذى: «هل رأيت أخيرا ~~أنني فيلسوف؟» فرد عليه الأول في سخرية أشد مرارة: «لو أنك سكت لرأيت ذلك ~~حقا!» # راح السجين يستمع في دهشة وذهول إلى هذا العزاء العلوي للقلب المتعب، ولكنه كان ~~يسائل نفسه عما عسى أن يكون ذلك العلاج الحاسم الذي حدثته الفلسفة عنه. ولم يطل صمت ~~السيدة النبيلة عنه، فقد وعدت بأن تأخذ ms213 بيده إلى السعادة الحقة، واستحلفها بأن تعجل ~~به إليها، وأطرقت ببصرها قليلا إلى الأرض ثم بدأت تقول: إن مسعى الفانين وإن سار في ~~دروب عديدة، إنما يتجه في النهاية إلى هدف واحد هو السعادة، إنها هي الخير الأسمى ~~الذي ينطوي على كل خير، كما يسعى إليه كل امرئ على طريقته؛ فقد فطر الناس على البحث ~~عن الخير الحق، وإن كانوا يختلفون فيما بينهم حول معناه، فبعضهم يراه في الثروة والجاه، ~~وبعضهم في الشرف والمجد والسلطان. ولكنهم يتفقون في أن الخير الأسمى مرادف للذة ~~والسرور، أي لما يعتقدون أنه يحقق لهم السعادة؛ فالسعادة حال تصيب من يعتقد أنه يملك كل ~~ألوان الخير، وأنه يستطيع أن يكتفي بنفسه، فلا يحتاج إلى شيء يأتيه من الخارج. ألا ترى ~~الناس يبحثون عن الثروة والمنصب والسلطة والمجد والمتعة لاعتقادهم أنها تضمن لهم ~~الاحترام والشهرة والفرح؟ إنهم وإن اختلفوا في معنى الخير، فلن يختلفوا في سعيهم إلى ~~الخير الأسمى. # إن الكائنات تحن إلى أصلها، فالأسد المقيد بالسلاسل يحن إلى عرينه، والطائر ~~الحبيس في قفصه يشتاق إلى غابته، وأنتم يا أبناء الأرض تدفعكم الفطرة إلى أصل الخيرات ~~جميعا وغايتها إلى السعادة. # لنسلم بأن من يملك أسباب السعادة - من مال أو شرف أو منصب - يصبح سعيدا، فهل ~~هناك من اجتمعت له «كل» أسباب السعادة؟ هل منهم من نال السعادة التي لم يعكر صفوها هم ~~أو كدر أو ظلم ألحقه بغيره؟ ومتى كانت الثروة قادرة على أن تمكن صاحبها من الاستغناء ~~عن غيره والاكتفاء بذاته؟ وكيف تستطيع ذلك وهي لا تقدر أن تدافع عن نفسها من السرقة ~~والاغتصاب، بل تحتاج دائما لمن يحميها ويحفظها؟ وأين الغني الذي لا يشعر بالجوع ~~والعطش، أو لا ترتعش أعضاؤه لبرد الشتاء؟ قد تقول: إن الثروة تستطيع أن تسكن الجوع ~~وتروي العطش وتجلب الدفء، ولكن هل تستطيع أن تقضي على الحاجة تماما؟ ألا تجعل هي نفسها ~~الإنسان أكثر حاجة؟ ألا تزيده شرها وجشعا؟ إن الطبيعة يكفيها القليل، أما الجشع فلا ~~يشبعه شيء. # ويمكنك أن ms214 تقول مثل ذلك عن المنصب والسلطان، فأنا أسلم معك بأن صاحبهما يعيش ~~مكرما مرموقا، ولكن هل استطاع المنصب والسلطان أن يزرعا الفضيلة في قلوب أصحابهما أو ~~يقتلعا الرذيلة منها؟ ألا نرى أنهما لا تصيبان في الغالب إلا أقل الناس شأنا وأضعفهم ~~خلقا، وأنهما لا تزيدانه - في معظم الأحيان - إلا خسة وشرا؟ إن شرف المنصب لا يجعل ~~صاحبه شريفا، كما أن العاطل عنه لا يمنعنا من تسميته فاضلا وحكيما؛ لأن الفضيلة - ~~كما تعلم - تحتفظ بقيمتها في ذاتها، ولأن من احتقره الناس مرة لن يجلب المنصب له ~~الاحترام، ثم إن كرامة المنصب تتفاوت من عصر لعصر، وتختلف من شعب لآخر، فأي جمال إذن ~~يكمن فيها؟ # أتظن أن الملك يجلب السعادة؟ ولكن ماذا تقول إذا كان لا يستطيع أن يحافظ على نفسه؟ ~~ألم تسمع بذلك الطاغية ديونيزوس # 11 # الذي راح المنافق داموقليس يطري حظه وسعادته، وكيف أراد أن يثبت له هوان ~~هذه السعادة وتعرضها للزوال؛ فدعاه إلى مائدة فخمة حافلة، بينما علق فوق رأسه سيفا ~~حادا يتدلى من شعرة حصان؟ فأي سلطان لا تفترسه الهموم، وأي منصب لا يمشي صاحبه على ~~أشواك القلق؟ إنه كلما أظهر قوته، كشف عن ضعفه، وكلما بث الفزع في قلوب الناس، أثبت ~~فزعه منهم؛ ذلك أن صاحب السلطة هو أول من يعيش في خوف عليها، والذين يعيشون في خدمتها ~~هم أول ضحاياها، ألم يسلم «أنطونيوس كاراكاللا» # 12 # مستشاره لسيف الجلاد؟ ذلك أن المقربين إلى السلطان لا تقربهم إليه ~~الفضيلة بل الطمع في الثروة والجاه، فما أكثر ما يخدع المجد! وما أكثر ما يهين! وما ~~أصدق «يوريبيديس» حين قال: # يا مجد، أنت أيها المجد، # كم رفعت من حياة تافهة # لعدد لا يحصى من الفانين! # 13 # وما أجدر الحكيم - لولا أن الحكمة تمنعه من ذلك - بأن يغتر بنفسه، حين ~~يجد أن فضيلته لم تأته من رأي الناس فيه، بل من سلامة ضميره واستقامة فعله، وما أسخف أن ~~يعتز الإنسان بنسبه أو نبله، بينما الفضل فيه للآباء والأجداد. إن جنس البشر ms215 كله في هذا ~~العالم متشابه الأصل، واحد بمفرده هو والد الجميع، وهو وحده الذي يدبر الكل، أعطى ~~فيبوس «الشمس» سطوعها والقمر هلاله والأرض شعوبها والسماء كواكبها، جمع الأعضاء مع ~~الروح الذي أرسله من العرش، وبذر النبالة في كل بشر فان، أتفتخرون بالأجداد؟ اذكروا ~~إذن الأصل الذي انحدرتم عنه، اذكروا كذلك أباكم الإلهي، ولن يخلو من الدم النبيل من لا ~~يتنكر للأصل ولا يزيد الشر. # ثم ماذا أقول عن متع الجسد؟ إن السعي إليها محفوف بالهم، والشبع منها مملوء بالندم، ~~كم سببت للمتهالكين عليها من أمراض، ولو أنها كانت تجلب السعادة حقا، فلماذا لا تقول ~~عن البهائم إنها سعيدة وهي لا تسعى لشيء كما تسعى إلى إشباع الجسد؟! ماذا بقي إذن؟ ~~الزوجة والأبناء؟ ولكن الأبناء - كما قيل لي - معذبون، وأنت نفسك أدرى مني بذلك؛ فها ~~أنت ذا في سجنك قلق عليهم، فهل يبلغ قلقهم عليك هذا المبلغ؟ ألا يحق ليوريبيديز أن يصف ~~من لا أبناء له بأنه سعيد في الشقاء؟! إن من طبع اللذة أن تغري بالتمتع، ولكنها ~~كالنحلة التي تفر بعد أن تهدي عسلها وتترك في القلب لدغة لا تنسى، أتريد أن تغتر ~~بمحاسن الجسد؟ ولكن كيف تثق بملك زائل وفان؟ وهل يمكنك أن تتفوق على الفيل في ~~ضخامته، والثور في قوته، والنمر في خفته؟ انظر إلى اتساع السماء وثباتها وروعتها، ~~وسوف تكف عن التعجب مما لا يستحق العجب، أتذكر لينكويس الذي كانت عيناه تنفذان في ~~الحجر؟ لو أن ألكيبياديس الجميل كانت له عيناه، ونفذ بصره إلى ما وراء الجسد البديع، ~~فهل كان يعجبه قبح أحشائه؟ تعجب كما شئت بمفاتن الجسد، ولكن تذكر أن الحمى التي ~~تصيبه ثلاثة أيام لن تبقي لها أثرا. # هل اقتنعت الآن بأن هذه الأسباب جميعا ليست هي الطريق إلى السعادة، بل المتاهة التي ~~تضلك عنها؟ إن البحث عنها بهذه الوسيلة كالبحث عن الذهب على أغصان الشجر، أو الجواهر ~~على فروع الكروم، أو السمك في حضن الجبل، أو الغزال في عرض البحر، أو النجوم في تراب ms216 ~~الأرض، أتريد الآن أن تعرف الطريق إلى السعادة الحقة؟ هل تسلم معي بأن ما يكفي نفسه ~~بنفسه هو الذي ينطوي على الشرف والقوة والمجد؟ وهل توافقني كذلك على أن الذي لا يحتاج ~~لشيء غريب عنه ويحتوي في ذاته على الشرف والقوة والمجد لا بد أن يكون شيئا مسعدا ~~للقلب، وأن هذه جميعا لا بد أن تكون أسماء مختلفة لشيء واحد؟ إذن فأنت تتفق معي في أن ~~الناس حين يطلبون الأجزاء المنفردة مما هو كل متكامل بطبيعته إنما يفقدون الكل ~~والأجزاء جميعا؛ فالذي يطلب الثروة وحدها يضيع القوة والكرامة، والذي يسعى إلى السلطة ~~يضحي بالثروة ويحتقر الشرف والسمعة الطيبة، ولكنه حين يصل إلى السلطة يترك الخوف ~~يتسلط عليه، بذلك تضيع هي أيضا من يده. ألا ترى إذن أنه لا يمكن أن يجد السعادة في شيء ~~وعده بها فلم يسبب له غير الألم، وأن السعادة نفسها ليست شيئا يسعى إليه الإنسان؛ ~~لأنها ليست «شيئا» يمتلك أو يخشى عليه من الضياع؟ القوة والشرف والمجد ... إلخ، ~~ليست إذن إلا مظاهر خداعة للخير الحقيقي الكامل ولا يمكن أن تقربنا منه في كثير ولا ~~قليل، وعلينا الآن أن نرى أين نلتمس هذا الخير الحق، ولكن لنبتهل إلى الله أولا أن ~~يقف إلى جانبنا، فذلك ما يخلق بنا أن نفعله حتى في أقل الأشياء شأنا، كما علمنا ~~أفلاطون الحكيم في محاورته «طيماوس». لنحاول إذن أن نبحث عن هذا الخير الحق، ولنقل ~~بادئ ذي بدء: إنه لا شك في وجوده ولا في أنه منبع كل خير سواه؛ إذ لو استبعدنا الخير ~~فكيف نعرف أن الشر شر، ولو ألغينا الكمال فكيف نعرف أن الناقص يفتقر إليه؟ فإذا كانت ~~هناك سعادة ناقصة بخير زائل، فلا بد أن تكون هناك سعادة كاملة بخير باق، أما أين ~~يكون هذا الخير فدعنا نتأمله سويا. الله خير، والدليل على ذلك أن عقول البشر تتفق على ~~هذا الرأي، فما لم يكن هناك شيء يمكن التفكير فيه أفضل من الله، فلا سبيل إلى الشك في ~~أن ms217 ما لا يوجد خير منه فلا بد بالضرورة أن يكون هو نفسه خيرا، ولا بد أن يتحقق فيه ~~الخير الأكمل؛ إذ لو كان الأمر على غير ذلك لما كان الله سيد الأشياء جميعا، وقد قلت ~~لك من قبل: إن الخير الكامل هو السعادة الكاملة، فلا بد إذن أن تكون السعادة الكاملة ~~متحققة في الله، ولكن هذه السعادة ليست شيئا غريبا عن ذاته، تلقاه من الطبيعة أو من ~~شيء خارجي، وإلا كان المعطي أكمل من المتلقي، والفرع أفضل من الأصل، وذلك يخالف ما ~~سلمنا به من أن الله هو أسمى الموجودات، وإذا كنت قد اعترفت بأن الخير الأسمى هو ~~السعادة، فلا بد أن تعترف كذلك بأن الله هو السعادة. # الآن قد عرفت أنه لا يمكن أن يكون هناك خيران مختلفان كل منهما متناه في الكمال، ~~وإلا لزم أن يكون أحدهما أكمل من الآخر، واستحال عليهما معا أن يوصفا بالكمال المطلق، ~~إذن فلا بد من التسليم في آخر الأمر بأن السعادة الكاملة هي والألوهية الكاملة شيء ~~واحد. ولنستعن الآن بنوع من الاستدلال الذي يلجأ إليه الرياضيون. فلما كان الناس ~~يصبحون سعداء حين يبلغون السعادة، وكانت السعادة هي الألوهية، فمن الواضح أنهم يصلون ~~إلى السعادة حين يصلون إلى الألوهية، كما يصبحون عادلين حين يصلون إلى العدل، وحكماء ~~حين يبلغون الحكمة، ومن الواضح أيضا أنهم يصبحون آلهة حين يصلون إلى الألوهية، وأن ~~السعيد منهم لا بد أن يصبح إلها، أعني أن يشارك في الألوهية بقدر ما تسمح به طاقة ~~البشر؛ لأن الإله نفسه لا بد أن يكون واحدا. # ولكن السعادة الكاملة هي في الوقت نفسه الاكتفاء الكامل والقوة الكاملة، وهي كذلك ~~الشرف والمجد واللذة، وكلها تتجه إلى الخير الذي هو قمتها وتاجها؛ فالناس تسعى إلى ~~الاكتفاء لأنه خير، كما تسعى إلى القوة والشرف والمجد لأنها تعتبرها خيرا، وتعد ~~نفسها بالفرح والرضا من ورائها؛ فالرغبات جميعا تلتقي في الخير؛ لأن ما ليس خيرا لا ~~يمكن أن يرغب أحد فيه، وإذا كان الناس في بعض الأحيان ms218 يتوقون إلى ما ليس خيرا ~~فلاعتقادهم الخاطئ أنه خير، وإذا كان الناس يسعون إلى هذا الشيء أو ذاك لأنه خير، ~~فالأولى أن يقال إن سعيهم الحق إنما يتجه إلى الخير نفسه الذي يرغبون من أجله في ~~هذا الخير الجزئي أو ذاك. ولما كان الخير والسعادة شيئا واحدا كما اتفقنا، وكان الله ~~والسعادة الحقة شيئا واحدا كذلك، فلا بد أن ننتهي من هذا إلى أن جوهر الله يكمن في ~~الخير نفسه لا في شيء آخر سواه. إن كل ما هو موجود فهو يسعى إلى الوحدة، والوحدة ~~والخير شيء واحد، فكل موجود يسعى إذن إلى الخير، وقد بينت لك أن السعي إلى هذا ~~الخير الجزئي أو ذاك لا يمكن أن يؤدي إلى السعادة الكاملة، فلا بد إذن من التسليم بأن ~~الموجودات جميعا تسعى إلى الخير الأسمى، أعني إلى السعادة الكاملة، هذا الخير الأسمى ~~هو الله الذي يدبر الكون، ويضفي الوحدة على أجزائه المختلفة المتنافرة، وهو في سبيل ~~ذلك لا يحتاج إلى مساعدة من الخارج، وإلا ما كان مكتفيا بذاته، ولقد عرفنا أن الله هو ~~الخير، ولا بد الآن أن نعرف أنه يدبر العالم بالخير، ما دام يدبره بنفسه، وأن كل من ~~يسعى إلى الخير فلا بد أنه يسعى في الوقت نفسه إلى الله. # قالت الفلسفة هذا الكلام في هدوء واتزان يليق بجلالها وجدها، فهتف بها السجين: ~~«أنت يا أيتها الهادية إلى النور الحق! لقد ذكرتني كلماتك الإلهية المبينة بما أنساني ~~الظلم، وكنت من قبل أعرفه حق المعرفة، فلتعلمي الآن أن علة همي وحزني أن أرى الشر ~~ممكنا في عالم يدبره إله خير، وأن أجد هذا الشر يسير في طريقه بغير عقاب بينما الفضيلة ~~تبقى بغير جزاء، لا بل يدوسها الأشرار بأقدامهم، فهل لك أن تخلصيني من عجبي ~~ودهشتي؟» # وأجابته الفلسفة قائلة: «إنك لو تأملت حق التأمل فيما انتهينا إليه معا؛ لعرفت أن ~~الأخيار دائما أقوياء والأشرار عاجزون، وأن الرذيلة لا تعدم الجزاء، ولا الفضيلة تعدم ~~المكافأة، وأن الطيبين ينعمون بالسعادة في آخر ms219 المطاف، والمفسدين يتعذبون بالشقاء، لقد ~~عرفت معي أين تكون السعادة، وبقي علي أن أهديك إلى طريق العودة إلى الوطن الحق، وأمنح ~~روحك جناحين ترتفع بهما إلى الأعالي فتهتف قائلا: «هذا وطني، لقد أتيت منه وسأبقى ~~فيه.» عليك أولا أن تعلم أن الأخيار يملكون القوة وأن الأشرار ضعفاء عاجزون، ولكي ~~أثبت هذا أقول: إن النجاح في كل عمل إنساني يقوم على شيئين: الإرادة والقوة، وإذا غاب ~~أحدهما فشل العمل في تحقيق ما يريد، فإن غابت الإرادة لم تجد أحدا يتجه إلى ما يريد، ~~وإن نقصت القوة كانت كل إرادة هباء، وكل من يعمل عملا فهو قادر عليه، ومن لا يقدر ~~عليه لا يعمله.» # ولكن هل تذكر الآن أن السعادة هي غاية كل فعل إنساني، وأن السعادة هي الخير نفسه، ~~ومن يسعى إلى السعادة يسعى إلى الخير، يتفق في ذلك الأخيار والأشرار على السواء؟ وهل ~~بقي لديك شك في أن من يبلغ الخير يصبح خيرا، وأن الأشرار الذين يصلون إليه لا يمكن ~~أن يظلوا أشرارا؟ وإذا كان كلاهما يسعى إلى الخير، فيبلغه الأخيار ويعجز عنه ~~الأشرار، ألا يتضح من ذلك أن أولئك أقوياء وهؤلاء لا يملكون القوة؟ إن الخير الأسمى ~~ماثل أمام الأخيار والأشرار، يسعى إليه الأولون بما فطروا عليه من استعداد طبيعي ~~لممارسة الفضيلة، بينما يحاول الأشرار أن يبلغوه عن طريق شهواتهم، أعني عن غير الطريق ~~الذي رسمته الطبيعة لممارسة الأفعال. ألا ترى مدى ضعف أصحاب الرذيلة، هؤلاء الذين لا ~~يملكون القدرة على بلوغ ما تقودهم إليه الفطرة، لا بل تدفعهم الطبيعة إليه؟ وإذا عرفت ~~أن الخير الأسمى هو آخر ما يمكن أن يسعى إليه الإنسان، ألا توافقني على أن من يصل إليه ~~هو أعظم الناس وأقواهم إرادة؟ وأن من يعرف طريق الفضيلة ويتنكبه إلى طريق الرذيلة ~~هو أضعفهم وأشدهم عجزا؟ لا بل تستطيع أن تقول: إن من يتعامون عن الهدف الوحيد لكل ما ~~هو موجود، لا يثبتون عجزهم فحسب، بل يثبتون كذلك عدم وجودهم، وقد يدهشك أن أصف الأشرار ~~- وهم ms220 أغلبية الناس - بأنهم غير موجودين؛ ذلك أنني لا أنكر أنهم أشرار، ولكني أنكر أنهم ~~موجودون؛ لأنني أحب أن أحتفظ بهذه الصفة لكل ما يحافظ على طبيعته، أعني لكل ما يسعى إلى ~~الخير. قد تحتج بقولك: إن الأشرار يملكون مع ذلك الغلبة والبأس، ولست أنكر ذلك، ولكنني ~~أراه صادرا عن الضعف لا عن القوة، كما أرى أنهم لا يأتون الشر إلا لعجزهم عن فعل ~~الخير. ولما كان الشر عدما كما اتفقنا من قبل، وكان لا يسعهم إلا اقترافه، فهم في ~~الحقيقة لا يقدرون على شيء، أعني لا يقدرون إلا على العدم، فالقدرة على فعل الشر ليست ~~في الواقع إلا ضعفا؛ لأن القدرة الحقيقية تكمن في فعل الخير والسعي إلى قمة القوة ~~والسعادة جميعا، ألا وهو الخير الأسمى، وما من جزاء للخيرين أعظم من الخير نفسه، ~~فالخير هو السعادة، والسعداء الحقيقيون هم «الإلهيون»، فبقدر ما يكف الإنسان عن فعل ~~الخير، بقدر ما يكف عن الوجود نفسه، وبقدر ما يشارك في الخير، تزداد مشاركته في الكمال ~~الإلهي. # يكفي أن الله - وهو خالق الأشياء جميعا - ينظم كل شيء حين يوجهه إلى الخير، وأنه ~~يرضيه أن يتشبه به المخلوق بقدر طاقته، أما الشر الذي يحزنك أمره، فلو دققت النظر ~~وحاولت أن تراه بمنظار العناية الإلهية لما وجدت له أثرا على الأرض، ولعرفت أن كل ما ~~يصيب الإنسان من قدر فهو خير، سواء في ذلك أكان عقابا للمسيء أو جزاء للمحسن. # أنت يا من سرت قدما على طريق الفضيلة، إن قدرك في يدك، فتمسك بالتوسط ~~والاعتدال، ولا تكف عن صراع القدر، حتى لا تخذلك المصائب أو تفسدك الملذات، ومهما يبد ~~لك القدر قاسيا، فسوف ينفعك في الحالين، إن عاقبك عرفت العدل، وإن كافأك بلغت الخير، ~~بذلك تعود إلى وطنك المضيء الذي حدثتك عنه، وتجد العزاء عن هذا الظلم الذي حاق بك، لا ~~بل تعرف أنه ليس ظلما ذلك الذي ارتفع بك إلى العدل، وسما بك فوق الشر الموقوت إلى سماء ~~الخير الأبدي. # | وحوار ولقاء # | لوحة رفائيل ms221 # شخصيات اللوحة # الصف العلوي: «جماعة تفككت»: 48، 47، 46، 45، 44، 43، 39، 38، 37، ~~31، 28، 24، 23، 22، 20، 19، 16، 15، 14. # يمين 30، 29 شمال. # 17، 18، 21 «جماعة في طريقها للتكوين». ~~«جماعة سقراط على درجات السلم»: # 42، 41، 40 # يمين 30، 29 شمال. ~~••• # الفلكيون # أصحاب الهندسة # جماعة فيثاغورس # مدرسة صغيرة (أسفل) للمطالعة: # 50، 52 # 54، 55، 57 # 1، 2، 3 # 6، 9، 10، 11، 12 # 49، 51 # 53، 56 # 4، 5، 7، 8 ~~(1) # شخصيات متفق عليها: # 5 فيثاغورس. # 20 سقراط. # 29 أفلاطون. # 30 أرسطو. # 40 ديوجينيس. # 51 بطليموس. ~~(2) # شخصيات اتفق عليها عدد كبير من المفسرين: # 1 هيراقليطس. # 2 أنكساجوراس. # 6 ابن رشد. # 11 ديموقريطس. # 16 إيشينيس. # 17 ألكيبياديس. # 20 أكسينوفون. # 24 سبويسيبو أو الإسكندر الأكبر. # 37 زينون. # 41 أرستبوس الأصغر. # 42 أبيقور. # 44 بيرون. # 52 زرادشت. # 53 أرشميدز أو إقليدس. # | مدرسة الحكمة # حول لوحة لرافائيل # رسمها رافائيل في عام 1509-1510، وعرفت في تاريخ الفن باسم «مدرسة أثينا»، وجنت ~~عليها هذه التسمية المشهورة زمنا طويلا؛ فقد حاول المفسرون على مر القرون أن يروا ~~فيها صورة تعكس تاريخ الفلسفة، وترسم للعين كيف ولدت على أرض اليونان، وانتقلت من ~~مدرسة إلى مدرسة، ومن معلم إلى معلم، ثم جاء العصر الحديث فرأى فيها لوحة نفسية ~~تحررت من قيود المكان والزمان، عبر فيها الفنان عن مغامرة الفكر المجرد، وصور بها ~~كفاح أبطاله المساكين، حين يترددون بين النجاح والفشل، ويجربون السعادة واليأس، ~~ويشقون بالوحدة أو يبتهجون بالحقيقة. استطاع رافائيل أن يبدع هذه الملحمة الهائلة التي ~~تزدحم بالحكماء على اختلاف نماذجهم وأشكالهم، وتسجل الصراع بين الفكر والفكر، وتجسد ~~المعاني في شخصيات تملك إعجابنا وإجلالنا، أو تستثير ضحكنا وسخريتنا، نحن هنا شهود في ~~مسرحية لن يسدل عليها الستار أبدا. نعاين النور الذي انبثق في قلب الإنسان وعقله ~~لأول مرة، ونستمع إلى السؤال الخالد الذي انطلق من فم اليوناني القديم: «ما هو الوجود؟» ~~فردده الناس من شرق وغرب، وراحوا على اختلاف أجناسهم وأديانهم وتعدد ملامحهم ولون ~~بشرتهم يحاولون الإجابة عليه. على هذه الأرض الجديدة التي أقام عليها الفلاسفة جنتهم ~~الفانية، لا يوجد فقراء أو أغنياء، ولا سادة أو عبيد، ولا مؤمنون أو كافرون، ولا يسأل ~~أحد ما هو وطنك أو صناعتك؛ لأن الجميع ms222 مشغولون بالسؤال عن المعنى والمصير، عاكفون على ~~التأمل والتفكير. # لكن التفكير لا ينفصل عن المفكر، إنه مرتبط بتكوينه وطبيعته ارتباطه بجسده ودقات قلبه ~~(فالأفكار العظيمة تأتي جميعا من القلب)، واللوحة التي بين أيدينا تصور نماذج ثلاثة ~~من الفكر حين تصور ثلاثة نماذج رئيسية من المفكرين، فهناك القلقون دائما، الذين لا ~~يفهمون حين يعتقد الناس أنهم فهموا، والذين يندهشون على الدوام، حين يؤكد الجميع أن ~~ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة. إنهم يحملون بذور التمرد معهم إلى حيث يذهبون، ويسخطون ~~حيث يرضى الكل ويوافقون، حياتهم مقاومة مستمرة، فهم يقاومون العادة والتقاليد، كما ~~يقاومون الشك والتسليم، إنهم لا يرضون باتخاذ «موقف»، حتى ولو كان هذا الموقف هو الشك، ~~ويظل الواحد منهم ينسج كالعنكبوت عالمه الوحيد، ويغوص مثل هاملت من فكرة إلى فكرة، ~~وينحدر من هاوية إلى هاوية، وكأنه يغزل خيوط الحبل الذي سيلتف في النهاية حول ~~رقبته. # وهناك الذين لا يستطيعون أن يستقلوا برأي، أو ينفردوا على طريق، إنهم يتلقون ~~وينصتون، ويلتفون حول المعلم فيتحمسون له أو يعارضونه، ويطرقون برءوسهم موافقين ~~أو يهزونها مخالفين، ويتفانون في الوفاء له أو في الحرب عليه، ويسيرون صفوفا وراء ~~غيرهم فيعيدون كلامهم أو يعيشون عالة على تجربتهم، ولكنهم في كل الأحوال لا يستقلون ~~برأي، ولا يكشفون عن ذات تختلف عن بقية الذوات. # وهناك الباحثون والعلماء، الناقدون منهم والمتشككون، كل شيء بالنسبة إليهم يمكن أن ~~يبرهن على صحته أو خطئه، ويقام الدليل على وجوده أو عدمه، قد يكونون مفكرين مناضلين، ~~وقد يكتفون بالتملي والمشاهدة، قد يقضون حياتهم في التأمل والتجريد، وقد يقضونها في ~~انتظار الإلهام السعيد، أو الحنين إلى الأصل الذي خرجوا عنه والأمل في الرجوع إليه من ~~جديد. # ثم ننحدر درجة أخيرة في سلم التفكير، فنجد هذه النماذج قد تحولت إلى أضدادها، فالناقد ~~الأصيل يصبح شتاما هجاء، ينتقد كل شيء، ويلتمس العيب في كل إنسان، ويحقر من شأن ~~كل عمل، والشارح المدقق والمفسر المتعمق يصبح فأر مكتبة أو خرطوم خنزير، والمفكر القدير ~~ينقلب إلى مجادل لكل ms223 رأي، معارض لكل دليل، مؤيد للقول وضده، إنه يسمح بتجاوز الصواب ~~والخطأ، واجتماع الإله والشيطان، يدعي أنه يفهم كل شيء، ويحاول أن يرفع صوته في كل ~~سوق، المثل الأعلى للحقيقة غاب عنه، والموضوعية الأمينة لم تعد قضيته، ويصبح العالم ~~متعالما والأديب أدباتيا، والفيلسوف فيلسوفا (على نحو ما يقول التعبير العامي ~~اللطيف!) يلوك الأسماء الغريبة في فمه ويتحذلق بالنوادر العجيبة في كل «صالون»، ويلبس ~~كالمهرج في كل اجتماع رداء، ويستخدم كالبهلوان منطقا في كل سيرك. الشاك الأمين أصبح لا ~~يدري أين يغرز سهمه، والمتشائم الجاد لا يعرف أين يضرب معوله، ويصبح أحدهما عدوا ~~للفكر والآخر عدوا للإنسان، حاقدا على العالم محتقرا للثقافة، إنهما يفقدان كل ~~مقياس، وينكران كل قيمة، وينتهيان إلى النزعة العدمية، أو إلى عدمية النزعة والاتجاه، ~~أي إلى الفوضى بعينها، إن كل صورة نبيلة تمسخ وتشوه، وجلال الفكر الصامت الجاد يصبح ~~ضجيجا في يد أناس غايتهم لفت الأنظار. ~~••• # المتأمل في هذه اللوحة يشارك في مؤتمر فلسفي، يختلف عن كل المؤتمرات التي نعرفها في ~~القرن العشرين، فالفلاسفة هنا مجتمعون، لا يتعصبون لمدرسة، ولا يتقيدون ببرنامج، ولم ~~تبعث بهم دولة على حسابها. الواحد منهم لا يلقي محاضرة، بل يشارك في حديث، والحديث حر ~~منطلق سخي وكريم، يسمح بالمناقشة والاعتراض، ولا يعرف الخطبة المفزعة التي يتكلم فيها ~~واحد ويصمت الجميع؛ ذلك أنه هو الحديث الذي عبر عن الفكر في نشأته الأولى، قبل أن ~~تدون الكلمة في كتاب، أو تسجن الحروف في مخطوطة. هو مؤتمر دائم أو أكاديمية ~~مفتوحة لا تعرف المواعيد والجلسات ولا اللجان والندوات، ومع ذلك فقد اجتمعت هنا اتجاهات ~~ونزعات عديدة، تستطيع النظرة الأولى أن تميز منها مشاهد خمسة: # أول ما يلفت انتباهنا رجل نصف عار، يجلس في استرخاء وعدم اكتراث على درجات السلم ~~(شخص 40)، إنه هو الفيلسوف الشحاذ ديوجينيس، الذي عرف في تاريخ الفلسفة باسم ~~«الكلبي»، لعله كان أول من دخل إلى معبد الحكمة، فلم يستند إلى عمود أو جدار، ولم ينتظر ~~أن يتحلق حوله المريدون والأتباع، بل تمدد ms224 في جلسته كما يتمدد الكلب في دفء الشمس! إنه ~~في الصورة يدير ظهره للجميع، ويكاد يذكرنا بالحكاية التي تروى عنه، حين اقترب الإسكندر ~~الأكبر منه وأراد أن يتحدث إليه، فما كان منه إلا أن طلب منه أن يبتعد حتى لا يحجب عنه ~~نور الشمس! لقد استغنى عن كل شيء، ولم تعد به حاجة إلى إنسان، حتى الملعقة التي كان ~~يأكل بها قذف بها بعيدا عنه، حين رأى صبيا يشرب الماء من راحة كفه. وأما الوعاء ~~الذي يأكل منه فالبعض يؤكد أنه يراه في الصورة، والبعض الآخر لا يرى ضرورة إليه. وأيا ~~ما كان الأمر، فقد فرغ من أكله قبل أن يتوافد الحاضرون إلى «المدرسة»، ومضى يقلب البصر ~~- من بعيد - في المخطوطة التي يحملها في يده اليسرى، وكأنما يلقي عليها نظرة ازدراء ~~قبل أن يلقي بها بعيدا عنه، على نحو ما ألقى بكل شيء وتخفف من كل شيء! # ولكنه - شاء ذلك أو لم يشأ - مشترك في الصراع الدائر حوله، ومهما حاول إيهامنا بأنه ~~قد استغنى عن كل شيء، فهو لم يستغن بعد عن هذه الرغبة في الإيهام! وإلا فلماذا أتعب ~~نفسه بالحضور؟ ألم يكن يستطيع أن يبقى في برميله المشهور؟ لعله يشك في قدرة مظهره على ~~بيان مخبره، ولعله يندم على أنه لم يحضر برميله معه! هذا الفيلسوف الذي ظن أن التفلسف ~~شكل ورداء، قد أحضر كل ما يثبت «كلبيته»: اللحية الكثة المشعثة، والرداء الذي يكشف من ~~الجسد أكثر مما يخفي، والجسد الممدد على السلم كأنه ثوب قديم متسخ لا يدري صاحبه كيف ~~يتخلص منه، كل هذا يصرخ باحتقار من سمته العصور القديمة «بسقراط المجنون» للتمدن ~~والتهذيب، وينطق بأن الفيلسوف هو الشحاذ الأبدي الذي يسأل عما لا يدريه أحد، ويتصدق ~~بما لا يملك أحد أن يعطي. إنه فيلسوف المراعي والغابات، يهيم على الأرض كالوحش التعيس، ~~عاريا إلا من خرقة تستر عورته، جائعا إلا من كسرة تخطفه من الجوع، وما أكثر أتباعه من ~~العراة ودعاة الطبيعة والفطرة! سوف يحاول على الدوام أن ms225 يمد يده إلى الكتب التي لا ~~يفهمها، ويجادل في المسائل التي لم يتهيأ لها، وسوف يرتد دائما إلى طبيعته ~~الحيوانية، ويعرف أن الفلسفة عند أمثاله ليست سعيا إلى المعرفة، بقدر ما هي فن عملي ~~من فنون الحياة، ومع ذلك فلا يجوز أن نظلمه ونجرده من كل «عاطفة» فلسفية؛ فوحدته ~~الفاسدة في جوف برميله دليل على أنه يتصل بالفلسفة بسبب، وكلمته الأبية المتهورة ~~للإسكندر الأكبر - إن صحت الرواية - برهان على شجاعته النادرة المضحكة. # إن المفسرين جميعا يتفقون على أنه هو «ديوجينيس» بن «سينوب»، الشحاذ الذي زهد في ~~كل شيء، فلم يبق له من ترف إلا الفلسفة، والكلب الآدمي الذي أراد أن يثبت أن التفلسف ~~هو الشيء الوحيد الذي ليس كلبيا فيه، وأن الفكر هو الذي يعصم الإنسان من أن يعيش ~~ويموت كالكلاب ... # أما المشهد الثاني فهو - في أغلب الظن - يرينا أول القادمين بعد الفيلسوف الشحاذ، ~~إنه الساخر الأزلي، الذي لا تفارق الابتسامة شفتيه، سقراط الساذج المكار في آن واحد، ~~التفت حوله جماعة من كل شكل وصنعة وطبقة، وليس من المصادفة أن يكون سقراط هو أول ~~الحاضرين بعد ديوجنيس؛ ذلك أنه مثله يملك الوقت للجدل الذي يبدو كأنه لا ينتهي، ويملك ~~الوقت ليمضي من بيت إلى بيت، ويحمل فلسفته إلى الحواري والأسواق (وأين منها فلسفة اليوم ~~التي لا تستطيع أن تغادر تابوتها الحديث الذي نسميه الكتاب أو قاعة المحاضرات؟) هنا نجد ~~سقراط (شخص 21 وجماعته) وكأنهم يتهيئون للانصراف بعد أن طال بهم الحوار والنقاش، ~~والفيلسوف يفرد ذراعه اليسرى ويعد على أصابعه كأنه يريد أن يؤكد شيئا انتهى إليه لمن ~~لا يزالون يصغون إليه، والشك يطل من أعينهم يريدون أن يقولوا: «فلننصرف على كل حال، ~~وهل يمكن لسقراط اللبق أن ينتهي إلى شيء؟!» # يبدو من سقراط الجانب الأيسر من وجهه فحسب، تجلله لحية كثة، وتشع منه وداعة ~~أليفة، رداؤه بسيط فضفاض، في لون الزيتون الأخضر، يلتف حوله حزام يشد بطنه ~~المنتفخة، وحركة يديه معبرة بسيطة، يكاد يفرد أصابعه ليعد عليها حججه النافذة ~~المقنعة، ms226 وقبحه المشهور عنه قد عوضه النبل المعبر في حركاته وإيماءاته، ولعله الآن ~~يختم الحديث الذي طال بينه وبين الجماعة الملتفة حوله، ويحاول - بعدما اعترف ~~لمحدثيه بأنهم يعرفون ما لا يعرف - أن يتدخل بتواضعه الساخر المعروف، فيستخلص النتائج ~~ويحدد المفاهيم، ولعله لم يصل كالعهد به إلى نتيجة محددة، بل ترك الحديث مفتوحا ~~ليستأنفه في اليوم التالي على مأدبة صديق أو في زحام سوق، ومع ذلك فحركة يديه، والإشارة ~~القاطعة بسبابة يده اليسرى ترجح أنه قد توصل إلى نتيجة لا سبيل إلى الشك فيها، ~~ينصت إليها محدثوه في رضا واقتناع. # إن جماعة سقراط تتألف من ستة أشخاص، ترتبط بهم ارتباطا وثيقا جماعة أخرى (على ~~الجانب الأعلى من الصورة إلى اليسار) من ثلاثة أشخاص (13-15)، لقد حضروا مسرعين، ~~ورئيسهم الذي مد ذراعه اليسرى في هدوء وكأنه يعتذر أو يبرر موقفهم لواحد من جماعة ~~سقراط (يتميز بشعر رأسه وذقنه الكث المهمل الطويل): «ها نحن قد أتينا، إن رفيقي قد أتى ~~معه بالكتب التي كلفتمونا بإحضارها، لقد قطع الطريق جريا، يكاد الرداء أن يسقط عنه ~~لفرط تعجله ولهفته على إحضار مخطوطته، لا شك أنها ستعاون على حسم النزاع وإيضاح ~~البرهان، ولكن ماذا تريد أن تقول؟ هل كان تعبنا عبثا؟! ألم نتفق على الرجوع إلى الدليل ~~المكتوب؟ وا أسفا للجهد الضائع؟ لقد تحقق ما توقعته، سقراط الذكي قد كسب المعركة، ~~استطاع بسحر كلامه وخبث منطقه أن يجعلكم تتخلون واحدا بعد الآخر عن وجهة نظركم، ألم ~~أقل لك ذلك من قبل؟! ألم يكن في استطاعتنا أن ندخر تعبنا؟ تقول: إننا تأخرنا؟ ولكن ما ~~قيمة ذلك إذا كنتم أنتم قد تسرعتم بالاقتناع؟ هل جاءكم الآن كلامي؟!» # إن المتحدث بلسان الجماعة الثانية يبدو على وجهه ما يشبه الندم أو خيبة الأمل، والرجل ~~الأشعث الشعر الذي يبدو أنه يؤنبه أو ينهره أو يستفزه يلتفت إليه، ولكن أذنه ما زالت ~~معلقة بكلام سقراط. إن كل شيء يظهر له الآن سخيفا بعدما قال الفيلسوف كلمته، ربما كان ~~أحد معارضيه قبل لحظات مضت، ms227 وربما كان واحدا من أولئك السفسطائيين الذين يهمهم أن ~~يعلنوا هزيمة سقراط على الملأ، ولكن الأسانيد والحجج التي بعث في إحضارها لتأييد رأيه ~~قد تأخرت، والحكيم الساخر قد أوقعه في شبكته، وهو إن كان يلوم هؤلاء الشبان على ~~تكاسلهم؛ فلأنه لا يجد الشجاعة لكي يلوم نفسه. ألم يقف مع سقراط وينصت إليه؟ وكيف كان ~~له أن يفلت من سحره أو ينجو من خطره؟ ها هو كل شيء قد ضاع، والمجتمعون حول سقراط قد ~~اقتنعوا بما قال وأعطوه قلوبهم قبل أسماعهم، ولن تستطيع قيثارة هوميروس نفسه أن تصرف ~~انتباههم عن حديثه الخطر الجميل! # سقراط يختم حديثه، لعله لا يقيم الدليل على صدق رأيه بقدر ما يثبت خطأ معارضيه، إن ~~أهم شيء لديه الآن أن يجردهم من وهم قديم قبل أن يقنعهم بحقيقة جديدة، الشاب الأشقر ~~الذي يقف إلى جانبه ويضع يده اليمنى على أذنه يتطلع إلى المعلم في حب من يصدق الآن كل ~~كلمة يقولها دون حاجة إلى انتظار بقية الحجج والبراهين: «لا بد أن أنصرف الآن يا سقراط، ~~اعذرني إن كنت لا أستطيع أن أنتظر حتى تتم كلامك، لقد خلصتني من أخطائي المتزمتة ~~الموروثة، وإن كنت لا أتصور الآن كيف نجحت في ذلك. ها أنا أنصرف كما قلت لك، ولكن ~~إيماني بك لا يخلو من الدهشة منك!» وأما الشاب البديع - لعله فارس أو محارب - الذي ~~يضع على رأسه خوذة ويقف أمام الساحر الأصلع الفقير، وقد وضع ذراعه اليمنى في خصره، ووقف ~~في استرخاء وقفة المستسلم المذهول، فهو لا يملك إلا أن يعطي نفسه كلها في نظرته المحبة ~~الوفية لسقراط، إنه - كما يبدو - لم يشترك في الحديث اشتراكا فعليا، ولعله كان يعبر ~~الطريق مصادفة مزدهيا بردائه الجميل وقامته الفارعة وجسده الممتلئ بالحياة، ولعله كان ~~قد سمع بسقراط وشيطانه فيما يسمع بقية الأثينيين، فلما رآه يتحدث معهم وقف يستمع فيمن ~~يستمع إليه، ويشاهد بعينيه فن «القابلة» الذي أتقنه سقراط كما أتقنت أمه توليد النساء. ~~إن الشاب الجميل المسحور ببراعة سقراط في توليد ms228 الأفكار لا يملك الآن إلا الإعجاب ~~المطلق به، وإن كان لا يفهم كثيرا مما يقول، أو لا يهمه أن يفهم منه القليل ولا ~~الكثير، وكأنه يقول الآن لنفسه: ومع ذلك فهو يؤكد لكل من يصادفه أنه لا يعرف سوى أنه لا ~~يعرف! حقا ما أمتع الاستماع إلى سقراط هذا، وما أشد ما يختلف عن غيره من أدعياء ~~المعرفة! # جماعة سقراط من مختلف طبقات الشعب البسيط، ربما التقوا به بمحض الصدفة، فلم يشاءوا أن ~~يتركوا الفرصة تفلت من أيديهم، ليسوا علماء ولا متعالمين - فكم كان سقراط يكره هؤلاء! - ~~بل أناس استهوتهم طريقته في الحوار وتحديد المعاني والأفكار، إنه لا يتحدث عما وراء ~~الطبيعة، ولا يغوص في أسرار الكون، ولا يتعرض لمشاكل الفلسفة الكبرى، بل يتحدث عن أبسط ~~الأشياء التي تصادفهم في حياتهم العملية، جاعلا شعاره الذي يهتدي به قوله المأثور: ~~المعرفة فضيلة، إنهم يثقون بما يقول، ويتحققون الآن من أنه لا يهتم بأن يعجب ويدهش بقدر ~~اهتمامه بأن يعلم ويربي، لن يجدوا عنده شيئا من ألاعيب الجدليين التي يعرفها تاريخ ~~الفكر من عهد زينون الإيلي إلى مهرجي الفكر في القرن العشرين، إن موقفه موقف صادق ~~أمين، واضح محدد المنطق، وقد طالما جر عليه العداوة الظاهرة أو الخفية من جانب كثير ~~من الفلاسفة، ابتداء من هيجل إلى نيتشه. إن المحارب الجميل يتطلع إليه في ثقة ~~واطمئنان، ويضع يده على خده الأيسر وكأنه يصدق كل ما قال وما سيقول، والشاب الأشقر ~~الواقف إلى جانبه قد أمن على كل كلمة قالها، وإذا كان الآن يسرح بعينيه بعيدا عنه، ~~فهو يستأذنه في الانضمام إلى الجماعة الجديدة القادمة من الوسط، وكأنه يقول له: إنني لا ~~أنصرف عنك إلا لأعود إليك، لقد ازددت اقتناعا بأنه ما من تيار آخر إلا وهو منبثق من ~~منبعك. والعجوز الماثل في الوسط (لعله تاجر أو عامل يدوي) يميل برأسه نحوه، وترتسم على ~~عينيه الضيقتين ووجهه المتعب الهضيم آثار الإجهاد من تتبع كلامه. # إن سقراط يعلمهم جميعا ويتعلم منهم، العلاقة بينه وبينهم ms229 تظل علاقة الحر بالحر، إنه ~~ينمو معهم كما ينمون معه، وكل خطوة يخطوها تقربه منهم كما تقربهم منه، إنه لا يهدف إلى ~~إقناعهم تمهيدا للتحكم فيهم والسيطرة عليهم (كما كان الحال لدى السفسطائيين وكما هو ~~الحال اليوم لدى أصحاب الجدل والدعاية)، بل يعترف بجهله أمامهم ويحاول أن يتعلم منهم، ~~ولا يصل إلى معرفة إلا بالاشتراك معهم، هو لا يوجه تلاميذه إلا ليزيدهم معرفة ~~بأنفسهم، أعني ليزيدهم حرية؛ فهو لا يفكر لهم، ولا يخطب فيهم، ولا يحاول أن يخلقهم على ~~مثاله، بل يأخذ بأيديهم حتى يستخرجوا المعرفة من أنفسهم، ويدرب أقدامهم على السير على ~~طريقهم، ويفتح أعينهم على النور الكامن في باطنهم. هذه المعرفة التي يستخلصونها بأنفسهم ~~من أنفسهم هي التي ولدت معهم، وهي وحدها التي ستبقى معهم إلى يوم مماتهم، تلك هي ~~المعرفة «الأخلاقية» الحق، التي يحصلها الإنسان بالتأمل في نفسه، وهي المعرفة التي تبقى ~~بعد أن ينسى كل ما تعلم أو «عرف»! # ويأتي المشهد الثالث، فها هما مفكران جليلان رائعان قد دخلا إلى معبد الحكمة (29، 30) ~~الأنظار كلها تعلقت بهما، الواقفون على الجانبين أفسحوا لهما مكانا، والذين لم يلتفتوا ~~حتى الآن إليهما لا شك أنهم يحسون بهما، لقد جاءا في خطوات جادة ثقيلة حازمة، كأنها ~~إيقاع اللحن الثقيل الجاد الذي يصاحب أفكارهما ، الجميع يصغون إلى حديثهما، يتابعون ~~الذراعين الممدودتين، تشير إحداهما إلى السماء في إصرار وعزم، وتشير الأخرى إلى الأرض ~~في قوة وخشونة. اثنا عشر رجلا التفوا حولهما، استغرقوا في حديثهما الذي لن يصل إلى حد ~~النزاع أبدا، ثم تركوا كل شيء وراحوا ينصتون إليهما، ويتدبرون بينهم وبين أنفسهم إن ~~كانوا سينضمون في النهاية إلى صف الحكيم الإلهي، أو سيقفون إلى جانب العالم الواقعي، ~~إن كانوا سيحلقون في السماء أو سيتشبثون بالأرض، حتى الشيخ العجوز الأصلع الملتف في ~~ردائه الأصفر الفضفاض ترك جماعته وهم ما بين شاك ومتردد ومصر على موقفه وانضم إلى ~~هذا الموكب الجديد الرائع ليتعلم ويستفيد. # إن أميري الفكر العظيمين يتصدران اللوحة، ويضفيان عليها جوا من السمو ms230 والعظمة ~~والجلال، إنهما لا يقفان في مكانهما بل يتابعان سيرهما على طريقين متوازيين ولكنهما لا ~~يلتقيان، وكل شيء يدل على أنهما هما أفلاطون # 1 # وأرسطو، الأول يرفع يده إلى السماء، وكأنما يشير بها إلى عالم المثل، ~~والثاني يؤكد إشارته إلى الأرض، وكأنه يقول: «بل المثل هنا في عالم الأرض والواقع»! ها ~~هما يصلان الحوار الذي لن ينقطع بعدهما، إنهما مستغرقان فيه منذ حين، لا يشعران بمن ~~حولهما، وكل من حولهما يشعر بهما: شيوخ وشباب، أمراء وصعاليك، حكماء ومبتدئون من ~~الألف باء، كلهم التف حولهما، وألقى بنفسه مختارا في أشرهما، وهم لفرط الإعجاب الصامت ~~- العيون الصافية المستسلمة تشي به! - لا يدرون لمن يلقون الزمام: للشيخ العنيد الهادر، ~~أم للرجل الصلب المتزن؟ وإذا كان الشاب الأشقر السمح الوجه، المتشح في سترة بيضاء على ~~اليمين هو الإسكندر الأكبر كما يقول بعض المفسرين، فكم يصعب علينا أن نحدد ميله إلى ~~المشائين أو إلى الأفلاطونيين! لقد اندمج الجميع بكليتهم في الحديث، فلم نتبين حتى ~~وجوههم، إذا استثنينا الأول من كلا الصفين على اليمين واليسار، فالحكيمان يملآن المكان، ~~لا يقل أحدهما عن الآخر في عظمته وجلاله، ولا يتميز واحد عن الآخر في قوته ~~وإقناعه. # يبدو أفلاطون في روعة الشيخوخة، وأرسطو في قمة الرجولة، كلاهما يمسك بيده اليسرى ~~كتابا. أما أفلاطون فكتابه هو «تيماوس»، وأما أرسطو فكتابه هو «الأخلاق». حركة ~~الأول ونظرته المتحمسة تدل على أنه هو العجوز الناري الذي يذكر أبناء الأرض بالسماء، ~~وبنية الثاني ونظرته الواقعية الهادئة تدل على أنه هو المعلم الرزين الذي يعيدهم إلى ~~الأرض. الأول يشير متحمسا إلى عالم آخر، لعله هو عالم المثل أو التجريد أو الحب ~~الإلهي، ويدافع بالعاطفة الملتهبة عن المطلق والمثال. والآخر يرد عليه في قوة وعزم، ~~ولكن في حب وتعاطف، ويكاد يقول له في كلمات عاقلة مرتبة: يا أيها المعلم والصديق، إن ~~حبي لك لا يمنعني من مصارحتك بالحقيقة، حاول أن تنظر معي إلى الأرض، أن تعود إلى ~~التجربة، ألا ترى معي أن المثل لا تأتي معها ms231 بغير المشقة والتناقض؟ ألا ترى أن قسمة ~~العالم إلى عالمين أحدهما للمثل الخالدة الثابتة، والآخر للأشياء المحسوسة المشاركة ~~فيها؛ شيء يصعب على العقل تصديقه؟ أعرف أنك تقف بالقلب والشعر وراء هذا العالم البعيد ~~المضيء، ولكن عالم التجربة والواقع عالم قريب وعسير، آه فلتعد إليه! فلتعد معي إليه، ~~ما زلت تقول: إن المثل نماذج خالدة، وتصر على أن الأشياء تشارك فيها، ولكن لا هذا ولا ~~ذاك يثبت وجودها، لا يصح أن نبحث عن جوهر الأشياء خارجا عنها، المثال والظاهرة يا ~~معلمي، الصورة والمادة، العام والفرد، كلاهما مرتبط بالآخر. حقا إن المبدأ العام هو ~~أساس المعرفة بالجزئيات، والصورة هي التي تحدد المادة وتشكلها، والمثال هو الذي يعطي ~~الظاهرة «مظهرها»، ولكنهما متلازمان في الشيء الواحد، لا يتخلى أحدهما عن الآخر ولا ~~يحلق بعيدا عنه، لا لن أستطيع أن أوافقك على رأيك في المثل، وإن كنت أخاطر بأن يتهمني ~~الناس بمعارضتك حبا في المعارضة، نحن يا معلمي لا نختلف في معنى الكلمة، بل نختلف ~~حول الطريق، وإذا كانت غايتنا هي المعرفة التي تحرر الإنسان، فإن طريقينا مع ذلك ~~يختلفان. ستظل عينك تتأمل وترى، وستظل عيني تفحص وتدقق، ستظل قريبا من الله، وسأظل ~~قريبا من العالم، كل ما على الأرض بالنسبة لك ظلال وأشباح، والناس عندك مساجين كهف لا ~~يرون غير هذه الظلال والأشباح، فإذا خرجوا منه - ولكن كيف ومتى يخرجون؟! - أعشى أبصارهم ~~نور الشمس، وبهرهم سنى المثال، أما أنا فلن ألجأ إلى الرمز، لن أحلق على جناح ~~الشعر، لن أرتفع فوق الواقع، بل سأعيدهم إلى الأرض، سأنبههم إلى قيمة التجربة، سأغوص ~~معهم في زحام الحياة. ~~••• # بعد المأساة الجادة بأن المرح الرقيق، فعلى اليمين (38-39 ومن 42 إلى 44) انفضت ~~جماعة منذ قليل في هدوء وبغير ضجيج. إن الشاب الذكي الذي يعرف هدفه (44) ويلبس رداء ~~أزرق ويتلفح بعباءة بنفسجية - لعله كان لسان هذه الجماعة أو رائدها - يهبط درجات السلم، ~~ولم تزل أصداء الحديث الذي شارك فيه تتردد في سمعه، وهناك يقابله زميل آخر، لا نرى منه ms232 ~~إلا ظهره، نحس من إشارته أنه أقبل مسرعا، كأنما يخشى أن ينفض مؤتمر الحكماء قبل أن ~~يدرك نصيبه منه، إن ذراعيه الممدودتين ناحية الفيلسوف الكلبي المسترخي على درجات ~~السلم في غير اكتراث توحي بأنه يسأل صاحبه وهو يحاول أن يكتم الضحك: وماذا يصنع هذا ~~أيضا؟ أتسمي هذا الشيء الممدد فيلسوفا؟ أهكذا تفعل الفلسفة بأصحابها؟ إن كان ديوجينيس ~~كما تقول: فلماذا ترك برميله؟! لو أنه أحضره معه لما كنت على الأقل تعثرت فيه! ها أنا ~~قد جئت أبحث عن معلم يهديني في متاهات الحكمة، أليس هذا الذي تجنب الجميع وزهد في الترف ~~وصد عن مباهج الحياة هو أحكم الحكماء؟ ولكن صاحبه لا يكلف نفسه عناء الرد عليه، ولا ~~يحمل كلماته محمل الجد، بل يشير بذراعه إشارة مختصرة حاسمة ناحية الفيلسوفين العظيمين ~~اللذين أقبلا منذ لحظات، يشع منهما نور قاس يحيل كل ما عداهما إلى ظلال فقيرة باهتة: ~~«هنا تستطيع أن تتلقى الحكمة، هنا لا في أي مكان آخر أيها الصديق!» والكلبي يسمع الحديث ~~المهين الذي يدور عنه، لكنه لا يغادر هدوءه، ولا يخرج عن فلكه؛ لقد أدار ظهره للعالم ~~وللناس ولم يعد ثمة شيء يستطيع أن يثير اهتمامه، وبعد أن ينتهي من قراءة مخطوطته - ~~التي أقبل عليها في غير اكتراث، وكأنه يعرف سلفا أنها لن تأتيه بجديد - سيغمض عينيه ~~ويستسلم لحظات لنوم هادئ يساعده على هضم طعامه المتواضع الذي ازدرده منذ قليل (وبعض ~~الشارحين يؤكد أنه يرى وعاء طعامه على يمينه)، لا لن يهزه شيء أو يفقده هدوءه. ~~وهؤلاء المترفون المتخمون هم أبعد الناس عن ذلك؛ إذ ما شأن أصحاب الثياب الفخمة والبطون ~~الممتلئة بالفلسفة؟! الفيلسوف شحاذ من نوع غريب، لا يقف بباب ولا يمد يده بسؤال، وهل ~~يستطيع أن يصل إلى الحقيقة العارية إلا من تعرى مثلي عن كل شيء؟! لا لن يكون لي شأن ~~بهم حتى يتقنوا الشحاذة الفلسفية! فليتحدثوا أو ليسكتوا ما شاء لهم الحديث أو السكوت، ~~أما أنا فلن أغادر برميلي ولو لم أحضره معي! # كانت هناك ms233 جماعة ملتئمة كما قلنا، ثم انفضت منذ قليل، العجوز الأصلع ذو الذقن الكثة ~~البيضاء والرداء الأصفر القاتم قد شارك فيها من غير شك (شخص 47)، إنه يقف الآن وحده وكأنه ~~يتحدث مع نفسه، لعله قد اكتشف - بعد الجدال الصاخب اليائس مع الشاب القوي الذي يهبط ~~درجات السلم - أنه قد شاخ وأصبح من جيل قديم نسيه الموت ولم يعد يؤمن به الشباب، حتى ~~هذا الشاب الذي جاء يبحث لنفسه عن معلم لم يكد يلتفت إليه، بل أسرع متجها إلى أميري ~~الفكر الجديدين، هل كان عبثا كل ما أضعته من أيام عمرك في تلقي الحكمة وتلقينها؟ وهل ~~تعرف الحكمة آلام الشيخوخة التي يعاني منها أبناء الإنسان؟! ما أقسى وحدة الحكيم حين ~~يهرم فلا يستطيع أن يقنع أحدا ولا يستطيع أحد أن يصبر على الاستماع إليه! ها هو قد ~~أنفق الساعات يشرح ويؤيد ويثبت بالحجج والبراهين، فماذا كانت النتيجة؟ شاب قوي كان ~~يؤمل فيه الخير وينتظر منه العزاء لشيخوخته والاستمرار لتعاليمه ينصرف عنه غاضبا إلى ~~غير عودة، وصبي ساذج صغير لا يزال يتهجى أحرف «الفلسفة» أسند أوراقه على ركبته، ~~وراح يحاول أن يكتب ما فهمه مني إن كان قد فهم شيئا على الإطلاق، ويائس شاك وضع رأسه ~~الضخم المهمل الشعر على ساعده وبقي وحده يتأمل فيما قلت، أو بالأحرى يتشكك فيه ويفكر في ~~هدم البقية الباقية من أطلاله. إنه يتطلع في استخفاف ورثاء إلى كراسة الصبي المخلص ~~إخلاص الأبرياء، وينتظر حتى يفرغ من تدوين ما علق في ذاكرته ليقول له: «ألم تكتشف بعد ~~أن البرهان مشلول الساقين، وأن الحجج التي قدمها هذا العجوز المسكين لا تحتمل هبوب ~~نسمة واحدة فما بالك بأعاصير الفكر الجديدة؟!» أنا لا أجرده من كل فضيلة؛ فأفكار ~~الفلسفة تظل هي هي، ومشكلاتها لا تفنى ولا تستحدث، ولا تشيب ولا تتجمد، ولكن طريقة ~~تناولها هي التي تختلف، وطريقة هذا العجوز قد أفناها الدهر الذي أوشك أن يفنيه معها. ~~لعل الشاك المعذب لم يفصح عن شيء من هذا كله؛ لكيلا يعدي الصبي ms234 المتحمس، ولكن ظهره الذي ~~انحنى، ووجهه الناحل المستطيل الحاد التقاطيع ينبئان باليأس الذي يمزقه ولا يستطيع أن ~~يخفيه، إنه اليأس الذي أغرقه في الشك العقيم، ومنعه من أن يحاول مرة أخرى، أو أن ينضم ~~إلى تيار جديد يجد فيه الجواب على الأسئلة التي تحير قلبه، وإذا كان يشك في مقدرة ~~الإنسان على الوصول إلى الحقيقة، فربما يعزيه أن العجوز الأصلع ذا الرداء الأحمر القاتم ~~لم يخل كذلك من الشك والتردد، ها هو يقف حائرا لا يدري إلى أين يذهب ... رأسه وعيناه ~~تتجهان ناحية اليمين، بينما يحاول جسده أن يتجه به إلى اليسار، ويداه المعقودتان على ~~صدره تشيان بتردده، فإحداهما تميل يمينا بينما تشير الأخرى إلى اليسار، لعله مع ذلك قد ~~استراح من العذاب الذي وقع فيه، وتخلى في يأسه عن كل سؤال، ولعله يؤمن الآن بأن لكل ~~شيء وجهين، وأن كل شيء في نهاية الأمر حق وباطل وخير وشر وممكن ومستحيل. هذا هو عذاب ~~الفلسفة، وهذا هو صراع الفكر مع نفسه، سيصل مع هيجل في العصر الحديث إلى قمته، فيقدس ~~الديالكتيك ويمجد التغيير، ويضع يد الإنسان في الماء والأخرى في النار، ويؤرجح الكرة ~~الكونية على قرني الثور فلا تهدأ ولا تستريح! إن وجه العجوز مكفهر، وجبهته مقطبة، ~~وعيناه تكاد تطفر منهما الدموع؛ لقد خاب أمله في نفسه وفي العالم، ونفض يديه من السيطرة ~~على تناقضات الواقع، ووقف مترددا عاجزا عن الاختيار. انفضت الجماعة كلها من حوله ~~(لعله أيضا لم يكن رائدها أو مركز الوسط منها، بل مجرد شيخ محب للحكمة وقف يستمع ~~إلى الجدل الدائر بين أفرادها) حتى إذا اتجه كبيرهم - العجوز الأصلع العملاق ذو الرداء ~~الأصفر الفضفاض الذي يقف في أول الصف الأيمن يشاهد أفلاطون وأرسطو مكتفيا بالاستماع ~~إليهما والتعلم منهما - إلى أميري الفكر العظيمين، وأسرع الشباب منهم بالانصراف - كما ~~ترى الشاب العاري الذراع والكتف على أقصى اليمين في الجانب الأعلى من الصورة (شخص 48) ~~- وجد نفسه وحيدا لا يدري ماذا يفعل ولا يعرف ماذا يريد. ~~••• # في الواجهة الأمامية للوحة، ms235 يطالعنا مفكر وحيد متجهم (شخص 1)، إنه يجلس أمام ~~الدرجات الأربع، مستندا برأسه إلى ذراعه اليسرى، على وجهه المتعب النحيل أمارات كآبة ~~لا تخطئها العين، إن يده اليمنى تمسك بالقلم، ولكن العينين لا تتابعان ما تريد النفس ~~المهمومة أن تمليه عليها، ولا تريان شيئا مما أمامهما أو حولهما، بل تتجهان إلى ~~الداخل، وتتوهان في دروب الذات التعيسة المعتمة. إنه مثال المفكر الوحيد الذي يواجه ~~زمنه بالتحدي والعناد، ويغوص في أعماق نفسه ليبحث فيها عن أعماق الوجود، إن يده لا ~~تستطيع أن تلاحق أفكاره أو تعبر عن رؤاه، ولا تستطيع أن ترتبها في نسق أو نظام، ربما ~~كان من أسباب حزنه الجارف غير المحدود أنه قد أدرك الآن أن الكلمة المكتوبة لا تملك أن ~~تعطي للفكرة الشكل الذي يناسبها. إن الحزن المرتسم على وجهه أكبر وأعمق من أن يكون ذلك ~~الانطواء الذي يتحدث عنه علم النفس، ولكن حزنه لا يتناسب مع قوته البدنية، وتأمله لا ~~يتفق مع منظره الشاب، لعله يسأل نفسه - كما يسأل الشيخ الواقف على عتبة الموت: «ماذا ~~بقي بعد الآن؟ وما جدوى هذا كله؟» أو لعله يكرر بنفسه حكمة سليمان: «الكل باطل.» إنه ~~لا يفكر في العالم فحسب، بل يتعذب به، هو الوحيد حقا بين كل من نراهم في اللوحة من ~~نماذج وشخصيات، وما أشد شبهه بتمثال رودان المشهور «المفكر» الذي يبدو وكأنه يطل في ~~هاوية أعماقه الباطنة التي تجذبه إليها، ترى ماذا يقول لنفسه؟ هل يدرك الآن أن الحياة ~~لم تكن سوى خداع مستمر للنفس؟ هل يحن إلى العودة إلى أحشاء أمه؟ أم يتمنى لو لم يولد ~~على الإطلاق ولم تر عينه نور الشمس؟ # اختلف المفسرون في شخصية هذا المفكر الحزين، فالبعض يذهب إلى أنه هو «الفيلسوف ~~الباكي» - هيراقليطس من أفيسوس - الذي يقال: إن الدرس المضني أكسبه نظرة حزينة، وأن ~~الفنان قد رسمه كنموذج مضاد للفيلسوف الضاحك ديموقريطس الذي يظن أنه هو الشاب الوسيم ~~الطلعة الذي يستند بكتابه على قاعدة العامود (شخص 1، في أقصى اليسار من الصورة) وقد ms236 التف ~~حوله الأطفال والشيخ العجوز، والبعض يرى أنه هو النموذج المضاد للفيلسوف الواقف إلى ~~جانبه (شخص 2، ولعله هو بارميندز الإيلي) الذي ينتمي إلى مجموعة فيثاغورس الجالس على ~~اليسار، والبعض يقول: إن الفنان قصد به تصوير أحد الشكاك ولعله أركيز يلاوس أو ~~الرمز إلى الخطابة في شخصية ديموستينيس، أو إلى الفيلسوف الرواقي أبكتيت في ملبسه الخشن ~~وحذائه الروماني، الذي كان يوصي بأن يغلق الإنسان باطنه عن كل شيء خارجي، وألا يفتح ~~نفسه للعالم بل يجعل منها قلعة محصنة منيعة. مهما يكن الرأي في شخصية هذا المفكر ~~الحزين من الناحية التاريخية، فالمهم أنه يملأ فراغا في اللوحة كان سيظل شاغرا بدونه، ~~والمعروف أنه هو آخر من أضافهم رافائيل إلى لوحته، ولا شك أن العين كانت ستفتقد المفكر ~~الوحيد بحق وسط هذه الجماعات المختلفة من الحكماء والمعلمين والمتفرجين والمنصتين؛ ذلك ~~أن الفيلسوف الشحاذ «ديوجينيس» الممدد على سلم مدرسة الحكمة ليس وحيدا بحق، مهما حاول ~~أن يقنعنا أو يقنع نفسه بذلك! «فكلبيته» تلفت الأنظار إليه، ومظهره الشائن يضطر الجميع ~~إلى الاهتمام به والامتعاض منه، كما يجرده بالضرورة من طابع الوحدة الحقيقية التي ~~تكتفي بنفسها، وتبتعد عن كل ما يجذب العالم إليها أو يجذبها إلى العالم. ~~••• # اللوحة كلها يسودها هدوء نبيل يضفي عليها طابع السمو والجلال. الجميع من متحدثين ~~وصامتين مشتركون في حوار حقيقي قائم على التفاهم والمحبة، ليس هناك نزاع أو جدل أو ~~ادعاء أو اتهام أو طموح كاذب مما يعكر اليوم حياتنا الفكرية ويخجل معظم المثقفين - لو ~~كانوا أمناء مع أنفسهم - أن يطلقوا على أنفسهم اسم المثقفين، فليس هناك أكثر من المدارس ~~والاتجاهات على هذه اللوحة، وليس أشد من الصراع بين المثالي والواقعي والضاحك والباكي ~~والاجتماعي والمنعزل، والمتحمس المدافع عن رأيه والمتردد المرتاب في كل رأي، ومع ذلك ~~فنحن لا نحس بغير الانسجام الكلي ولا نلمس غير الجد العميق، إن فيثاغورس (شخص 7 على ~~اليسار، جالسا القرفصاء واضعا الكتاب على ركبته اليسرى) ومجموعته (من شخص 4 إلى ~~شخص 9) يمثلون أسرة فلسفية يربط بين ms237 أفرادها المختلفين حب المعرفة؛ فالفيلسوف ~~الرياضي الذي كان أول من سمعت أذناه موسيقى النجوم والأفلاك يشرح لأفراد عائلته ما ~~غمض عليهم من رسوم، واللوح الأسود يمسك به الصبي الجميل الذي يتطلع إلى وجه الفيلسوف ~~وصلعته أكثر مما يتابع شرحه! إن وجهه الرائع يفيض طيبة ووداعة لا تلبث أن تشع من وجوه ~~حوارييه الملتفين حوله وتنعكس عليه من جديد، والعجوز الأصلع ذو اللحية البيضاء الكثة ~~انكمش وراء المعلم - وكأنه يعتذر عن كل ما فاته بعد أن أدرك هذه السن! - لا يخجل من أن ~~ينقل عنه، والمعلم لا يضن عليه بنعمة المعرفة التي لا يصح أن يحرم منها أحد، ولو ~~كان هو هذا الشيخ الملتحي العجوز الذي يبدو أنه يتابعه في صعوبة، ويوسع عينيه لينقل ~~رسومه، ويحرك شفتيه ليجتر ما يقوله، إنه يقف عند الكلمة المكتوبة، ويحصر همه في النقل ~~والتجميع، وقد يفلح في أن يكون شارحا ومعلقا، ولكنه لن يكون فيلسوفا أبدا، فما أبعد ~~الفلسفة والحكمة عن فيران الكتب وحفظة العناوين والطبعات! أفكار الحكيم تنهمر كالمطر ~~وتتدفق كالنور، وهل تخشى الشمس على نفسها أن يسرقها من يتدفأ بنورها؟ وهل ينقص من ~~البحر أن يعطي للشاطئ موجة بعد موجة؟! في المعرفة كما في الحب لا يمكن التفرقة بين ~~الأخذ والعطاء، إن اليد تأخذ باليد، ولا يدري أحد من الذي يأخذ ولا من الذي يعطي. إن ~~الشرقي الذي يقف خلفه، ولا تخطئ العين ملامحه الأسيوية، وغطاء رأسه وشاربه المغولي، ~~يميل برأسه وصدره إلى الأمام، ويتطلع في ذهول المحب وخشوع التلميذ إلى الرسوم والأشكال، ~~وتسعفه يده التي تستقر على صدره كأنما يقول: ما أسعد قدري الذي جاء بي إلى هنا! ما أعجب ~~الأسرار التي تحملها الأعداد! وما أبدع الانسجام الموسيقي الذي يعكس الانسجام الكوني ~~الأكبر! هذا الشرقي يحاول أن يفهم، والحب هو طريقه إلى الفهم؛ فالمعرفة الحقة لا تصل ~~إلى العقل إلا إذا مرت بالقلب، وما أقرب هذا الحكيم من حكماء الشرق الملهمين! أما ~~الوجه السماوي النبيل والملامح الصافية الشفافة التي يحملها الشاب الوسيم ms238 الذي يتلفع ~~في رداء أبيض فخم (شخص 3) فلعله أحد رعاة الفنون، أو أحد الأثرياء النادرين الذين ~~اهتدوا إلى أن الحكمة هي أجمل رداء يمكن أن يزينهم، وأن الجمال الذي يشع من النفس يخسف ~~البريق الذي يشع من الذهب. لماذا يشق على نفسه بتفاصيل الفلسفة أو مشكلات العلم والفن؟ ~~ألا يكفيه أن يتذوق الثمار بعد أن تجتاز مراحل النمو والازدهار، وأن يجعل من نفسه ~~الخيمة التي تظل المفكرين، والبيت الذي يستضيفهم ويكرمهم ويشجعهم؟ # فإذا ألقينا نظرة إلى اليسار لفت انتباهنا معلم شاب وسيم ممتلئ الوجه بسام ~~التقاطيع، إن ذراعه اليسرى المفتولة تمسك بكتاب كبير وتسنده على قاعدة العامود، لقد ~~أحضر إليه المربي العجوز على أقسى اليسار تلميذين صغيرين، حمل أصغرهما على صدره فأجهد ~~الحمل الجميل شيخوخته. إن المعلم الشاب يجد متعة في التعليم، ويكاد يكون تمثالا ناطقا ~~لما يسميه نيتشه «بالعلم المرح»، وها هو صديقه أو زميله يشاركه في تهجية الكلمات ~~للصغار، ويضع ذراعه اليسرى على كتفه ليتمكن من تبين الحروف (لعلهما يقرآن نشيدا من ~~إلياذة هوميروس)، لقد انتهى الطفل الأول لتوه من تلقي درسه، إنه يقف الآن وراء ~~الأسيوي وعيناه الجميلتان المتسائلتان تقولان: ماذا لو استمعت قليلا إلى ما يقوله ~~هؤلاء، حبا مني لن أفهم شيئا؛ فالأشكال التي يرسمها الشيخ الجالس القرفصاء غاية في ~~الصعوبة، ويظهر أن هذا هو السبب الذي جعل هؤلاء الكبار يلتفون حوله ويتابعون كلامه في ~~صمت وخشوع! أستطيع أن أحشر نفسي وسطهم وأنقش الرسوم في رأسي لكي أدهش بعد ذلك زملائي في ~~اللعب. إن علي - على كل حال - أن أنتظر حتى يفرغ شقيقي الصغير من درس الهجاء، وهؤلاء ~~الفلاسفة الشيوخ لن يضايقهم أن ينضم إليهم فيلسوف صغير! # أما على اليمين فهناك مدرسة الهندسة (من شخص 53 إلى شخص 57)، إن المعلم يضع ~~برجله على شكل سداسي مكون من ستة نجوم يتألف من مثلثين متساويي الأضلاع. كانت ~~الهندسة ما تزال «ميتافيزيقية»، والمثلث ما يزال يحتفظ بطابعه الإلهي (المعروف من ~~أفلاطون كان يستبعد بصراحة كل من ليس لهم إلمام ms239 بالهندسة من أكاديميته). لقد قاس الله ~~العالم بمثلثات الهندسة ودوائرها، وكان هو نفسه مهندسه الأعظم، هذه الصفة الإلهية ~~للهندسة هي التي تستطيع أن تفسر الانبهار السماوي الذي يتجلى على وجوه الشبان الأربعة، ~~إن أحدهم يحاول أن يفهم، والثاني يستفسر، والثالث يوضح لزميله السر العجيب الذي أدركه، ~~ليشاركه النعمة التي حظي بها، والرابع يكاد يرقص من نشوة الفرح بما تراه عيناه ويحاول ~~عقله البريء أن يدركه. # وإلى جانب هذه الجماعة تقف حلقة الفلكيين على أقصى اليمين، إن الشيخ الملتحي يوازن ~~كرة الفلك الخفيفة على يده اليمنى، والشاب الذي يعطينا ظهره يمسك الكرة الأرضية بكلتا ~~يديه، كلاهما ملتفت إلى الشابين المشتركين في الحديث، ويبدو أن أحدهما - وهو الأصغر ~~سنا - هو رافائيل نفسه، والآخر معلمه بيرو جنيو. وكيف لا يضع الفنان نفسه في هذه ~~الجماعة، وهي لا تناقش درسا في الفلك بالمعنى الذي نفهمه اليوم من التفسير العلمي ~~لطبيعة الأجرام السماوية وحركتها، بل ترفع مفهومات الفلك إلى مستوى القداسة، وتتحدث عن ~~المثلث والهرم والدائرة والمكان والزمان كما تتحدث عن الخلود واللانهاية والنظام ~~والحكمة الإلهية؟! إن الهدوء يسود هذه الجماعة، والرهبة والخشوع أمام «القبة المزدانة ~~بالنجوم» تملك قلوبهم كما ملكت قلب كانط في العصر الحديث حين لم يجد شيئا يمكن أن يملأ ~~قلبه بالجلال والإعجاب غير القانون الأخلاقي المطلق في صدره والسماء ذات النجوم من فوق ~~رأسه، لقد شاهدوا ورأوا - بالمعنى الأصلي الذي تحمله كلمة تيوريا # Theoria # اليونانية (رؤية - مشاهدة) كما كانت عند أفلاطون، لا بمعناها ~~الشاحب الحديث (نظرية) - وملأوا القلب حين امتلأت العين ... كانت دورة الفلك عندهم حقيقة ~~رائعة أو ظاهرة أولى كما سيقول «جوته»، وكذلك بقيت من عهدهم إلى عهد كوبرنيكوس (آخر ~~الفلكيين القدامى) تغمرهم بنور الانسجام الأزلي، وتشعرهم بالجمال والنظام والحكمة ~~الخالدة. ~~••• # كانت هذه هي لوحة رافائيل أو ملحمته الملونة، حشدها بألوان من صراع النفس والفكر، ~~وعبر فيها عن نماذج إنسانية تكافح من أجل المعرفة. إنه لم يستبعد طبقة من طبقات ~~الشعب، ولا استثنى مرحلة من مراحل العمر؛ فأغنى الأغنياء يقف ms240 في معبد الحكمة مع أفقر ~~الفقراء، والزي الفخم مع الخرقة التي لا تكاد تستر الجسد، الأمير والحاكم والفارس ~~يستمعون إلى سقراط إلى جانب التاجر والعامل ورجل الشارع. فالفلسفة لا تعرف الغني ولا ~~الفقير، ولا تميز بين السلطان والشحاذ؛ إن عينها النافذة لا ترى الرداء الخارجي، بل ~~تتجه إلى الإنسان أينما كان. كذلك لا تفرق الفلسفة بين الشعوب والأجناس؛ في اللوحة نرى ~~اليوناني والمصري والمغولي والعبري، حتى الأطفال والنساء وجدوا مكانهم بين الحكماء: ~~فهناك ما يشبه أن يكون «روضة أطفال فلسفية» يتلقنون فيها مبادئ الكتابة والهجاء، ~~ويطالعون أسرار الرموز والأعداد، وهناك المرأة التي تضفي على جفاف الفلسفة جوا من ~~التجانس والانسجام، والكل تنتظمهم وحدة فلسفية توثق رباط الحكمة بين الإنسان ~~والإنسان. # من الخطأ أن نفسر شخصيات هذه اللوحة تفسيرا تاريخيا أو حرفيا (وإن كان هذا لا ~~يمنع أن معظمها ينطبق على شخصيات حقيقية وجدت بالفعل، واستطاع نقاد ومؤرخو الفن أن ~~يتعرفوا فيها على فيثاغورس وديوجينيس وسقراط وأفلاطون وأرسطو من شخصيات الفلسفة ~~القديمة، كما تعرفوا على شخصية رافائيل نفسه ومعلمه بيروجنيو والكاردينال بمبو)؛ ~~فالفلسفة القديمة ليست هي وحدها التي تواجهنا بتياراتها المختلفة على هذه اللوحة؛ ذلك ~~أنها أغنى من أن تقتصر على مدرسة بعينها وأشمل من أن تحد ببلد أو عصر بذاته، إنها ~~أقرب إلى أن تكون سمفونية للنفس البشرية التي لا تكف عن السعي إلى المعرفة، فالحكمة هي ~~قلب اللوحة النابض، والفكر العظيم هو الشخصية الرئيسية فيها، والعشق الفلسفي (أو ~~الإيروس) هو الرباط الذي يوحد الإنسانية في أشخاص مفكريها، ويحقق الجمهورية العقلية ~~التي طالما تمنوا تحقيقها على هذه الأرض «وها هي تقنع بالتحقق في لوحة، على جدار، في ~~متحف» وسواء بعد ذلك أن نضع «هيجل» أو «شيلنج» مكان أفلاطون، أو نتصور ابن رشد أو هيوم ~~مكان أرسطو، فسمو الفكر وشرف الغاية في الحالين واحد. # حقا إن فارق الكرامة بين الفكر الحديث والفكر القديم شاسع ومخيف، فأين نجد اليوم ~~الحاكم الذي يقف من المفكر أو العالم وقفة الإسكندر الأكبر من أرسطو؟ وأين ms241 نجد المؤتمر ~~الذي يتناقش أعضاؤه في مسائل الفكر والمصير بمثل هذا الحماس والتفاني والاستقلال؟ ومع ~~ذلك فإن المقارنة بين العصرين مستحيلة بقدر ما هي ظالمة، فمن المستحيل أن نبحث اليوم عن ~~أستاذ «بكرسي» يضع نفسه في «برميل» أو يتمدد في الشمس كما كان يفعل الفيلسوف الشحاذ، أو ~~يطوف بالأسواق ليعرف الناس بأنفسهم كما كان يفعل سقراط. وإذا كنا لا نستطيع أن ~~نطلب هذا من مفكري اليوم وعلمائه، فإن من حقنا مع ذلك أن نطلب منهم أن يبحثوا عن ~~المعرفة بحثهم عن أنفسهم، ويدافعوا عن الحرية دفاعهم عن الحياة. وما بقي صوت يرتفع في ~~سبيل شرف الفكر وكرامته وحريته من كل ما يقيد استقلاله، ففي استطاعتنا أن نطمئن إلى أن ~~مدرسة الحكمة يمكن أن توجد في القرن العشرين كما وجدت في القرون السابقة على ~~الميلاد، وأن نطمع في أن يكون لها ممثلوها الذين يعيشون بيننا، كما كان لها أربابها في ~~بلاد اليونان. # | خلاف حول الإنسان # بين كامي وسارتر # عندما ظهر كتاب «المتمرد» لألبير كامي في سنة 1951 استقبله معظم النقاد بالحفاوة ~~والتقدير، واعتبروه من أهم الأحداث الأدبية والفكرية في فرنسا وفي أوروبا بوجه عام، ~~وتعددت الآراء حول هذا الكتاب الذي يعالج قضية الثورة في الحياة الغربية منذ ثورة ~~العبيد بقيادة سبارتاكوس على سلطان روما حتى الثورة الماركسية الكبرى، ويكشف عن مدى ~~إخلاصها لطبيعة الإنسان وكرامته، أو انحرافها عن مبادئ التواضع والاعتدال وسقوطها في ~~مأساة القتل والجريمة. قال عنه البعض: إنه كتاب لم يظهر له مثيل منذ انتهاء الحرب ~~العالمية الثانية، ووصفوه بأنه أحد الكتب الأساسية التي تسجل بنبلها وإنسانيتها بداية ~~عهد جديد. وكان هناك اتفاق يشبه الإجماع على أنه - من الناحية الأدبية على الأقل - قد ~~نجح نجاحا تاما، فلم يبق هناك أحد لم يتأثر بسمو عبارته تأثره بسمو تفكيره، ولم ~~يختلف أحد من أصحاب اليمين أو اليسار على أسلوبه القوي الحساس الذي يكاد في جماله ~~وشجاعته وحدته ألا يكون قد جرى على قلم كاتب أوروبي بعد نيتشه. # غير أن هناك كاتبا ms242 خرج على هذا الإجماع، وراح يحمل على الكتاب وصاحبه حملة شديدة ~~كانت سببا في نزاع مؤسف أدى إلى القطيعة بين اثنين من أعظم المفكرين في عصرنا الحديث، ~~فقد كان هذا الكاتب هو «فرنسيس جانسون»، مساعد سارتر في تحرير مجلته «العصور الحديثة» ~~وأحد النقاد والمفكرين اليساريين. # لقد استفز كامي استفزازا جعله يرد عليه بلهجة غاضبة لا تخلو من التعالي ~~والكبرياء؛ مما حمل سارتر على الإجابة على هذا الرد في لهجة أشد غضبا وقسوة. ومع أن ~~الحساسية الشديدة للنقد كانت من أقوى الأسباب التي زادت من حدة هذا الخلاف، فإننا ~~نستطيع اليوم - بعد أربعة عشر عاما من وقوعه - أن ننظر إليه نظرة هادئة تبعد عنه ~~العوامل الذاتية المسرفة، وتوضح كيف أنه لم يكن في الواقع مجرد خلاف بين شخصيتين ~~كبيرتين، بل شيئا ينبع من صميم العصر الذي نعيش فيه ولا يزال يشغله ويعذبه إلى ~~اليوم. # يبدأ جانسون فيسأل هذا السؤال: هل يجوز لكتاب يعالج قضايا ينقسم حولها الناس وقد ~~يقتتلون من أجلها أن يكتب بمثل هذا الأسلوب الجميل، أو يبلغ هذه الدرجة من سمو اللغة ~~ونبلها وتعاليها؟ إن كامي نفسه يرفض الفنان الشكلي كما يرفض الفنان الواقعي، فهو في ~~الفصل الذي وضعه عن «التمرد والفن» يدين الاثنين معا، ويقول: إن عيب الأول أن الشكل في ~~أعماله يغرق المضمون، كما يأخذ على الثاني أن المضمون عنده يطغى على الشكل. كلاهما يبحث ~~عن الوحدة حيث لا مكان لها، فإذا ظن أنه وصل إليها لم تكن سوى وحدة خادعة ومخدوعة، ~~وإذا طبقنا هذا على أسلوب كامي وجدناه قد أغرق في الشكلية على حساب الروح الموضوعي ~~التي يحتمها مضمون يتناول مسائل الثورة والتاريخ، وأسرف في الاهتمام بالأسلوب إلى حد ~~وصل فيه إلى التطرف الذي وضع هو نفسه كتابه لإدانته. لقد قال في حديثه عن الأسلوب: ~~«عندما يبالغ الكاتب في الاهتمام بالأسلوب والتظاهر به، يصبح عمله حنينا خالصا، وتصبح ~~الوحدة التي يحاول اقتحامها شيئا غريبا على الواقع.» فهل ينطبق هذا القول على أحد كما ~~ينطبق عليه؟ إن ms243 الكتاب كله صرخة احتجاج على التطرف والظلم والتنكر للإنسانية الحقة، ~~ولكنه - على حد قول الناقد - احتجاج مفرط في جماله وجلاله وثقته بنفسه، مبالغ في دقته ~~وكماله وتعاليه. # ويعود الناقد إلى إنتاج كامي السابق على «المتمرد» ليحلله من وجهة النظر هذه، فقد ~~كانت روايته الوباء «تاريخا متعاليا» لمرض الطاعون الذي داهم مدينة وهران الجزائرية، ~~وهي في ذلك تختلف عن روايته الأخرى «الغريب» في أن مرسو - بطل هذه الرواية الأخيرة - ~~يرى العالم من وجهة نظر الذات الواقعية الوحيدة التي تجد نفسها غريبة بين ذوات أخرى ~~واقعية، في حين أن مؤرخ الوباء ينظر إلى الأحداث التي تقع في المدينة من عل، ويكتفي ~~بتأمل الموقف من خارجه؛ ولذلك فإن الوباء لا تمثل تحولا في تفكير كامي، بل تتابع ~~المرحلة التي يعبر عنها كتابه الفلسفي «أسطورة سيزيف»، فقد تعلمنا من هذا الكتاب كيف ~~نحافظ على العبث أو المحال، ونتمسك بالرهان الممزق العجيب معه، عندئذ يحتل الجسد ~~والحنان والخلق والفعل والنبل الإنساني مكانه في هذا العالم الخالي من المعنى. كانت ~~كرامة الإنسان تتمثل عند سيزيف في التمرد العنيد على قدره، والإصرار على مجهود يعلم أنه ~~عقيم. وكان عليه أن يقتدي بهذا البطل الإغريقي فينتقل باستمرار من فعل إلى فعل ويواجه ~~العالم، ويستزيد من الحياة بقدر ما يستطيع، ويستنفد طاقاته في سبيل لا شيء، ويفقد الأمل ~~في إدراك معنى الوجود، ويتجرد من كل الأوهام التي تعده بالخلاص. وهكذا قدمت أسطورة ~~سيزيف صورة منطقية أو منهجية لسلوك «الغريب» غير المنطقي ولا المعقول، ووضعت الإنسان ~~أمام قدره الظالم غير المفهوم، وعلمته أن الإنسان غريب أمام نفسه وأمام العالم، وأن ~~واجبه وكرامته معا في احتمال هذا الوجود العبثي وتحديه. ثم جاءت «الوباء» فعبرت ~~عن هذه المعاني كلها على نطاق أوسع، فلم يعد الأمر هنا يتعلق بمصير فرد واحد، بل ~~بمصير مدينة وقعت فريسة للطاعون وكتب عليها أن تحيا في حال حصار؛ ولذلك جاءت الرواية ~~«ميتافيزيقية»، واستحقت أن تسمى «بالقدر الإنساني». فالمشهد الحقيقي الذي تدور ~~أحداثها على مسرحه هو العالم كله ms244 لا مدينة وهران وحدها، وشخصياتها تعبر عن البشر جميعا ~~لا عن رجال هذه المدينة ونسائها فحسب، والوباء الذي تروي قصته ليس هو الطاعون، بل الشر ~~المطلق الذي يرزح بثقله على كل وجدان واع. غير أن هذا التشابه بين الموقفين كان في ~~الحقيقة نوعا من الخطأ الذي يتحمل المؤلف وزره؛ لأن الانتقال مستحيل من أحدهما إلى ~~الآخر، ولأن الصلة مقطوعة بين الوباء الذي يؤرخ له عقل خالص وبين القدر الإنساني ~~الذي يحياه أناس واقعيون. ولعل أسلوب كامي هو الذي كان مسئولا إلى حد كبير عن هذا ~~الخطأ أو عن هذا الوهم، فقد لجأ إلى أسلوب الرواية الذي يتميز بالتعالي والبرود، ويتأمل ~~الموقف ولا يعيش فيه؛ ذلك لأن صراع البشر مع فيران الأرض لا يمكن أن يكون خاليا من ~~المعنى إلا إذا نظرت إليه من أعلى، أما إذا عشت بينهم ووصفته من الداخل فستجد أن كل ~~واحد فيهم يضفي على حياته معنى من المعاني؛ لأن مجرد الحياة في ذاتها لا بد أن ينطوي ~~على المعنى، فإذا قررت أنها خالية من كل معنى فعليك عندئذ أن تضع لها حدا؛ لأن ~~المنتحر هو وحده الذي يقرر ألا يقرر شيئا ... # كان كامي إذن يعيش في تناقض مستمر لم ينكره لحظة واحدة من حياته، فهذا العقل الذي ~~يحب الوضوح، وهذه الروح التي تمجد النور، قد وجدت أنها تصطدم كل يوم بتناقضات العالم ~~وعذاب البشر، حتى اعتقدت أن الإنسان قد حكم عليه ظلما بأن يعيش، وهو الكائن العاقل ~~في عالم غير معقول، وأن ينشد الوحدة والانسجام وسط التناقض والاضطراب، وهو لذلك لا يملك ~~إزاء هذا «الظلم الميتافيزيقي» سوى أن يقابله «بالشرف الميتافيزيقي» الذي يمكنه من ~~الصمود لعبثية العالم، والتمرد عليها كذلك تمردا عبثيا. كذلك يفعل الدكتور «ريو»: ~~بطل الوباء الذي يتحدى المرض ويحاول أن ينتزع من بين مخالبه أكبر عدد من الأحياء، وإن ~~كان يؤمن مع ذلك أن كفاحه عقيم، وأن الوباء لا بد أن ينتصر عليه في النهاية. # حاول كامي إذن في أسطورة سيزيف أن يثبت ms245 وجود العبث أو المحال ويثبت معه أن الوعي به ~~لا يؤدي إلى الانتحار بل إلى التمرد، ثم عكف سنوات عديدة على وضع «مقاله» عن ~~التمرد، وفيه ينتقل من الفرد إلى المجموع، ومن قدر ظالم مقدور إلى قدر آخر مفروض على ~~الناس، فهو يتأمل في هذا الكتاب حقيقة العلاقة بين التمرد والجريمة، وبالأخص تلك ~~الجريمة التي يصفها بالجريمة المشروعة أو الجريمة المنطقية أو الأيديولوجية، وهو يسأل ~~إن كان من الممكن أن يؤدي التمرد - الذي هو بطبيعته احتجاج على قدر ظالم وغير مفهوم - ~~إلى تبرير الجريمة الشاملة والقتل الجماعي، أو إن كان من الممكن على العكس من ذلك أن ~~نكتشف فيه مبدأ ذنب معقول؛ فالفعل التاريخي لا يستطيع أن يدعي البراءة. والمهم أن ~~نعرف إن كان في طاقة الإنسان أن يعصم نفسه من الانزلاق إلى الذنب الشامل، ويلتزم بلون ~~من التمرد المعتدل الذي يحتج على الظلم والعبودية والمهانة في الوقت الذي يؤكد فيه ~~طبيعة الإنسان وكرامته. فالعبد الذي يتمرد على طغيان سيده ويقول له: «لا»، إنما يقول في ~~نفس الوقت «نعم»، ويؤكد قيمة إنسانية لا ينبغي أن تهدر أو تهان؛ لأن البشر جميعا ~~من مظلومين وظالمين يشاركون فيها بنفس المقدار، وبذلك يكون التمرد - الذي هو أصله تعبير ~~عن صرخة ذات وحيدة - تأكيدا للتضامن بين البشر، فإذا أنكر هذا التضامن فقد اسمه ~~وانحرف إلى القتل والجريمة. كان تمرد سيزيف تعبيرا عن سخطه على الموت وعاطفته الجياشة ~~بالحياة، وكان إنكارا للآلهة وتحديا للمحال أو العبث؛ ولذلك فقد كان من الممكن أن ~~يظل تمردا وحيدا، أما التمرد الذي نتحدث عنه الآن فهو ينتزع الفرد من وحدته، ~~ويجعل الإحساس بالغربة التي كان يقاسيها والشر الذي كان يعانيه وحده وباء «مشتركا» ~~بينه وبين الناس. وبذلك يصبح التمرد هو الحقيقة الواضحة الأولى التي تجمع البشر على ~~قيمة واحدة، كما يصبح من المستطاع أن نقول: نحن نتمرد، فنحن إذن موجودون. # وهكذا ينتقل كامي إلى دراسة التمرد الميتافيزيقي الذي يصفه بأنه حركة يواجه الإنسان ~~بها قدره والخليقة بأجمعها، محاولا أن ms246 يسترد الوحدة السعيدة ويتخلص من عذاب الموت ~~والحياة، ثم يبين بعد ذلك كيف يتحول هذا التمرد المتافيزيقي إلى تمرد تاريخي؛ فينسى ~~أصله ويتنكر لمنبعه ويزحف إلى السيطرة على العالم خلال جرائم لا نهاية لها، بعد أن كان ~~في مبدئه احتجاجا على الموت والشقاء، ومحاولة «لغزو الوجود الذاتي وإبقائه في وجه ~~الله» ويكون لويس السادس عشر أول ضحية لهذا الانحراف التاريخي، وتقيم الثورة الفرنسية ~~نظاما من القهر الذي لا ينتهي، وتنشئ الجمعية الوطنية نظاما مطلقا جديدا؛ فتجلس ~~الفلسفة على العرش بعد أن طردت الله من السماء، من ثم يفلت التمرد الإنساني الأصيل ~~من كل الحدود ليصبح ثورة ميتافيزيقية تجلت في ثورات العصر التي حاولت أن تؤله النوع ~~البشري، أو تنطلق إلى الغزو الشامل للعالم، أو تقيم مملكة غيبية في نهاية التاريخ، ~~فتشوه وجه التمرد الأصيل في كل الأحوال. # 1 # لم يكن غرض كامي إذن هو وصف ظاهرة الثورة ولا عرض أسبابها التاريخية والاقتصادية، بل ~~كان غرضه - على حد قوله - هو الكشف عن المسار المنطقي في بعض الوقائع الثورية، وبيان ~~الموضوعات الدائمة للتمرد الميتافيزيقي، ومن هنا يبدأ جانسون في توجيه نقده إليه، فهو ~~في رأيه ينظر إلى الثورات من وجهة نظر ميتافيزيقية، ويهمل أسبابها الاقتصادية ~~والتاريخية، وهو يذهب إلى أبعد من هذا، فيقتصر على اكتشاف المسار المنطقي للثورات، ~~ويرفض الاعتراف بأن للعوامل الاقتصادية والتاريخية دورا في نشوئها؛ وبذلك تصبح الثورة ~~عنده مرادفة لتأليه الإنسان. وتتكفل الشيوعية الروسية بتحقيق الطموح الميتافيزيقي الذي ~~يصفه كتابه بمحاولتها أن تشيد مملكة الإنسان الذي سيصل في النهاية إلى مرتبة ~~الألوهية. # في رأي الناقد بالمواقف الواقعية في هذا التصور الغريب للتاريخ لا بد أن يلغي التاريخ ~~نفسه؛ إذ إن كامي يضحي في سبيل حوار فكري مجرد، يدور بين الاحتجاج الميتافيزيقي على ~~الموت والعذاب من ناحية، وبين الطموح الميتافيزيقي الذي يغري الإنسان بالتسلط المطلق ~~والسيطرة الشاملة من ناحية أخرى، بحيث نجد التمرد الحق في الحالة الأولى، والثورة ~~الفاسدة في الحالة الثانية، وقد يصلح هذا المستوى الفكري للمناقشات اللاهوتية، ولكنه ms247 لا ~~يصلح للكلام عن المواقف الواقعية، ولا لفهم حياة البسطاء من الناس، والكادحين الذين ~~يجوعون ويكافحون المسئولين عن تجويعهم. ولا شك عند الناقد في أن كامي أرفع من أن يؤمن ~~بهذه «المستويات الدنيا» أو أن يسلم بالدور الرئيسي الذي تؤثر به الحتمية الاقتصادية ~~- أو الحتمية التاريخية كما يفضل أن يسميها - على أفعال الناس وأفكارهم. ويستمر ~~الناقد فيقول: إنه إذا كان هناك عيب كامن في الثورات، فلا ينبغي أن نفتش عنه عند ~~الفلاسفة، بل في الأفعال الثورية نفسها؛ ولذلك فلا صحة للقول بأن مذهب ماركس هو الذي ~~أدى إلى إرهاب ستالين، ولا مبرر للحكم على النظرية من نتائجها، وللزعم بأن المادية ~~الجدلية أو التاريخية هي المسئولة عن النظام البوليسي البشع على عهد ستالين. وهكذا يكون ~~كامي قد وقع في خطأين: أولهما أنه لم ينقد النظرية من داخلها بل حملها مسئولية أفكار ~~وأفعال بعيدة عنها بعدا كبيرا، وثانيهما أنه مر مرور العابرين على ظاهرة الثورة ~~نفسها وسكت عن ظروف نشأتها وحركة تطورها وعناصر السلوك البشري المكونة لها. # ويأخذ الناقد على كامي أنه عرض للثورات التاريخية عرضا ناقصا بالاعتماد على كتابة ~~تاريخية ناقصة للمذاهب الثورية. فمن الخطأ أن يوجه النقد إلى الثورات الكبرى في العصر ~~الحديث بالاعتماد على تحليل العقد الاجتماعي لروسو، أو سرد خطب سان جوست، أو تحليل ~~ظاهريات الروح لهيجل، أو عرض حركات التمرد الدامية والفوضوية والفاشية، أو الكلام عن ~~ماركس ولينين وستالين من وجهة نظر مسبقة، أضف إلى ذلك التحليل السطحي لمذهب هيجل، ففي ~~رأي كامي أنه أراد أن يجسد الحقيقة والعقل والعدالة ويلقي بها في مجرى التاريخ؛ فقذف ~~بالعقل المجرد الذي كان إلى عهده يخطط من أعلى للظواهر المتعلقة به في مسار التاريخ، ~~ومهد بذلك لعهد جديد يخلو من العلو أو «المتعالي»، # 2 # وينصرف بكليته إلى تنازع القوى والصراع على العالم. لقد بذل جهده لتدمير ~~كل حقيقة متعالية وكل حنين إلى التعالي، وقدم بذلك - على مستوى ديالكتيك السيد ~~والعبد - المبرر الحاسم لروح القوة التي تسيطر على القرن العشرين، وبذلك ms248 جعل من تاريخ ~~الإنسانية صراعا مميتا لغزو العالم والوصول إلى السيطرة المطلقة، وانتهى تفكيره إلى ~~«الدولة المطلقة» التي أقامها الجنود والعمال، وتمجيد النجاح البشع بكل ثمن، حتى ولو ~~كان هذا الثمن هو موت الملايين، كما استمد منه الثوريون في القرن العشرين تلك الأسلحة ~~التي دمروا بها مبادئ الفضيلة الشكلية. # فعل كامي هذا كله ليثبت أن كل الثورات تخون التمرد الحق من حيث تريد أن تؤله ~~الإنسان، وهو لهذا يلقي الذنب كله على رأس هيجل، فمنهجه الجدلي يريد أن يصل في نهاية ~~المطاف إلى اللحظة التي «تلتقي فيها مدينة البشر مع مدينة الله.» وستالين عنده هو أحد ~~أبناء هيجل الروحيين، والشيوعية في جوهرها محاولة متطرفة لتحقيق المساواة بين الإنسان ~~والإله، وجعل الأرض مملكة يصبح الإنسان فيها إلها، وإقامة ديانة تتعبد الإنسان وحده؛ ~~ولهذا أصبحت «الأرض المقفرة» اليوم نهبا للقوة المحضة التي ستقرر إن كان الإنسان إلها ~~أو لا. # وهكذا يبدأ نابليون وهيجل - الفيلسوف النابليوني - عهد الفعالية المحضة، كما توضع ~~المبادئ الخالدة والقيم غير المتجسدة والفضيلة الشكلية موضع الشك، ويبدأ العقل في ~~التحرك فلا يعود تجريدا خالصا بل غزوا متصلا، وتنتصر العدمية، فيجلس قيصر على ~~العرش، وينتشر الرعب في كل مكان. وينتهي كامي إلى اقتراح الشكل السياسي الذي يلائم ~~التمرد الحق في عصرنا الحاضر، ويقف في وجه الفعالية التاريخية المطلقة، هذا الشكل ~~السياسي هو النقابية الثورية التي ترتبط في رأيه بالحقائق الواقعية، وتتمثل في البلاد ~~الإسكندنافية، وليس للعالم نجاة إلا بالتمسك بالتمرد المعتدل في وجه الثورة القيصرية، ~~وإثبات فعاليته من خلال عذابه وتناقضاته وهزائمه المتكررة وكبريائه العنيد. # هكذا ينتهي كامي من حيث بدأ، أعني إلى التمرد الحقيقي الذي لا ينتهي بدوره إلى نتيجة؛ ~~لأنه موجه إلى «قدر ظالم وغير مفهوم» ولأنه لا يخرج عن كونه وجودا يحارب نفسه، ~~وتمردا يتمرد على ذاته. فيم كانت الحاجة إذن إلى هذه «اللفة» التاريخية كلها؟ لا شك ~~عند الناقد في أن الهدف منها هو إلغاء التاريخ بمعناه الواقعي؛ فكامي الذي يتطلع إلى ~~أوروبا العجوز المعتمة من ms249 شواطئ الجزائر الشابة المشمسة لا يرى إلا «تاريخ الغرور ~~الأوروبي»، أي وجه التاريخ المظلم الكئيب، وحين كان يتحدث على لسان سيزيف، كان يؤمن ~~حقا بضرورة الفعل، ولكنه الفعل العقيم الذي لا معنى له ولا أمل فيه، فلما اشترك في ~~مقاومة الاحتلال النازي لبلاده، بدأ يحس بأن للتاريخ معنى، وظن أن التحرير سيؤدي إلى ~~حياة نبيلة وسعيدة. ولكن ذلك لم يكن إلا وهما؛ فالتاريخ يتكلم من جديد بلغة البطش لا ~~بلغة الفضيلة، وسيزيف الذي ازدادت تجربته قد زادت كذلك خيبة أمله، ولا بد الآن من تناول ~~التاريخ لإثبات أنه غير موجود، أعني لإثبات أن الشر التاريخي ليس إلا صورة من صور الشر ~~المطلق، أو من العبث الذي كتب على الإنسان أن يتحمله ويتحداه في وقت واحد، ~~والدليل على هذا أنه يتكلم عن تمرد العبد على سيده - وهو تمرد تاريخي لا يفهم إلا في ~~مجتمع معين وظروف معينة - على ضوء التمرد الميتافيزيقي؛ ليستخرج منه «قاعدة التمرد ~~الذهبية» التي يصوغها في هذه العبارة الديكارتية: «أنا أتمرد، فنحن إذن موجودون.» وهكذا ~~يسمى تاريخا ما ليس بتاريخ، ويظل مغلقا على نفسه في هذا التمرد الميتافيزيقي ~~الخالص الذي يعجز - على حد قوله - عن إخراج الإنسان من عزلته، لا بل يحكم عليه بهذه ~~العزلة حين يضعه وجها لوجه أمام قدر ظالم لا معنى له. وما دام الإنسان سيظل معرضا ~~لهذا الظالم المطلق، فمن الظلم أن نأخذ ألوان الظلم النسبية مأخذ الجد أو أن نحاول ~~إيجاد حلول لها، فالأطفال الأبرياء سيظلون يموتون، حتى في ظل مجتمع كامل، والشر الأصيل ~~باق مهما حاولنا أن نتمرد عليه. # لا مفر إذن عند الناقد من الوصول إلى هذه النتيجة: إن تمرد «الإنسان المتمرد» قد ~~فقد النقاء الأصيل الذي وجدناه في تمرد سيزيف بعد أن التزم واهتم بالعالم، وتحول لحظة ~~عن حواره المتكبر مع العبث إلى شكل من أشكال التنكر للعقل، والإفلات من الحد، فكامي ~~قد أراد بكتابه أن يجد ملجأ يفزع إليه من شرور التاريخ؛ ليفتش عن الخير خارجه؛ ولذلك ~~كان تمرده ms250 هروبا من التاريخ أو رفضا له؛ لأنه وجد الاعتدال والبراءة في التمرد، ~~والانحراف والعبودية والعذاب الجماعي في التاريخ، ولا يشفع لكامي أنه يلح في مواضع ~~كثيرة من كتابه على الالتزام بالتاريخ وعدم إنكاره؛ لأن إنكاره يعني إنكار الواقع، ~~ولأن تاريخنا مهما يكن جحيمنا، فلا يمكننا أن ندير له ظهورنا أو نشيح عنه بوجوهنا؛ ذلك ~~لأن التاريخ هنا ليس إلا شكلا آخر من أشكال العبث أو المجال التي ينبغي علينا أن نحافظ ~~عليها ونتحداها وجها لوجه، وإن كنا لا نستطيع أن نغير منها شيئا أو نقدم ~~فيها على شيء، وكامي بذلك يجعل نفسه سجينا للتاريخ، أو خارجا عن مجرى التاريخ، ويحكم ~~على نفسه بما حكم به على الشيوعيين والوجوديين، وهو بذلك أيضا يسلخ نفسه من مجرى ~~التاريخ، ويضع نفسه على قمة وحيدة ليتأمله من بعيد، مع أننا مهما خرجنا عن التاريخ - ~~لإعطائه هدفا أو غاية - فنحن دائما نعيش فيه، وإذا كان التاريخ يصنعنا، فنحن كذلك ~~نصنعه على الدوام. ~~••• # كتب جانسون هذا النقد في شهر مايو سنة 1952 تحت عنوان لا يخلو من السخرية: «ألبير ~~كامي أو النفس المتمردة»، وكتب كامي في آخر يونيو ردا نشر في عدد أغسطس من «العصور ~~الحديثة»، تنبئ سطوره الأولى بالمرارة والكبرياء، لم يكتب الرد إلى سارتر، الذي كان ~~الناس جميعا يعلمون أنهما صديقان، بل أرسله باسم «السيد مدير تحرير العصور الحديثة» ~~معلنا بذلك في العنوان نفسه عن الجفوة التي ستستمر بينهما أكثر من سبع سنوات، حتى يضع ~~لها الموت حدا بالحادث الذي أودى بحياة كامي في مطلع سنة 1960. ويبدأ كامي - بلهجة ~~جادة ونبرة متعالية! - فيقول: إنه سيقصر حديثه على المنهج العقلي والاتجاه الذي يدل ~~عليه المقال؛ لأنه - في رأيه - ليس دراسة بقدر ما هو موضوع يستحق الدراسة. ويحمل كامي ~~سارتر مسئولية المقال كله، فيغفل اسم جانسون - الذي يصفه بقوله مساعدكم - ويتساءل عن ~~غرضه من تشويه موضوع كتابه وتلفيق تاريخ وهمي لحياة صاحبه، فإذا كان الناقد يورد تقريظ ~~الصحافة اليمينية لكتابه، فإن بعض المجلات اليمينية قد هاجمته، ms251 كما أنه لا يتردد في أن ~~يكون يمينيا إذا وجد الحق مع اليمينيين. هذا إلى أن مقال الناقد يثبت في رأيه أنه ~~ليس هناك حدود فاصلة بين اليمين الرجعي واليسار المتزمت؛ فكلاهما قد هاجم الكتاب وجرح ~~صاحبه. # لم يستطع الناقد في رأيه أن يضعه بين اليمنيين فحاول أن يبرهن على أن دراسته للتمرد ~~والثورة دراسة سطحية تلغي التاريخ وتنكر الواقع ولا تخدم غير الرجعية، ثم عاب عليه ~~أن أسلوبه «قد بلغ درجة من النجاح تكاد تكون كاملة.» وكأن الأسلوب الجميل لا يأتي إلا ~~من اليمين، أو كأن الثوريين ينبغي أن يكتبوا بأسلوب ركيك! ولا ينكر الناقد في هذا ~~الكتاب الذي يعالج موضوع التمرد والرعب في العصر الحديث نوعا من الاحتجاج، ولكن الشيء ~~الذي يغضبه أنه احتجاج بلغ ذروة الجمال والجلال، وكان التعبير عن الاحتجاج يتطلب من ~~الكاتب أن يبتعد عن الحياة، ويلجأ إلى جزيرة البرود والصفاء، ويستخدم لغة ركيكة تصلح ~~دون غيرها للكلام عن شقاء الإنسان! # ويتساءل كامي: كيف يمكن أن يتهم بالرجعية وعدم الواقعية والإيمان بالحقائق ~~المتعالية؛ وجميع كتاباته السابقة على «المتمرد» تشهد على قربه من الواقع والتصاقه ~~بالتاريخ؟ وكيف يمكن أن ينكر قارئ أو كاتب أن الطريق من «الغريب» إلى «الوباء» هو ~~الطريق إلى المشاركة والتضامن بين البشر؟ لا شك إذن عند كامي في أن ناقده قد اتبع أيسر ~~السبل وأكثرها رواجا، وهي أنه إذا تعذر على الناقد أن يجد عيبا في الكتاب فمن ~~السهل عليه أن يضعه فيه؛ فهو قد راح يتحدث عن موضوعات لا وجود لها في الكتاب أو ليست ~~على الأقل هي موضوعه الرئيسي، وترك المسائل الأساسية التي تناولها كالكلام عن الحد ~~والاعتدال اللذين يفرضهما فعل التمرد نفسه، ونقد العدمية التي جاءت بعد هيجل، والتنبؤ ~~الماركسي وفكرة الذنب ... إلخ. لقد راح يؤكد أنه - أي كامي - يرفض أن يعترف بأي دور ~~للعوامل الاقتصادية والتاريخية في نشوء الثورات. والواقع أنه لم يبلغ من الجهل والغباء ~~إلى الحد الذي يوقعه في هذا الخطأ، ولكنه لم يرد أن يضيف ms252 إلى مئات الكتب التي تبحث في ~~الأسس الاقتصادية التي يقوم عليها التاريخ كتابا جديدا، ولا أن يصف ظاهرة الثورة أو ~~يتتبع أسبابها التاريخية والاقتصادية، وهو الأمر الذي حاوله غيره آلاف المرات، وإنما ~~أراد أن يقصر نفسه على توضيح الخط المنطقي في بعض الوقائع الثورية، والكشف عن موضوعات ~~التمرد الميتافيزيقي الدائمة فيها، وإبراز ميلها الواضح إلى تأليه الإنسان. ومن ثم ~~عدم كلامه بالتفصيل عن تلك العوامل الاقتصادية لا يعني إهمالها أو إنكار أثرها، كما لا ~~يعني السكوت عن شقاء الجائعين. # وإذن فقد كان هم الناقد أن يثبت بعد المؤلف عن الواقع، في الوقت الذي يثبت فيه ~~بعده هو عن نصوص الكتاب! لقد كتب كامي يقول: إن من الممكن التسليم بالدور الأساسي ~~الذي تقوم به الحتمية الاقتصادية في نشأة السلوك والفكر البشري، وإن رفض مع ذلك التسليم ~~بأنها هي التي تقوم بالدور الوحيد، ولكن الناقد جاء يقول: إنه لا يعترف بالدور الأساسي ~~الذي تقوم به العوامل الاقتصادية ... إلخ. فلماذا الإصرار على نقد كتاب لا نصدق ما يقوله ~~صاحبه أو نفهم منه غير ما يقول؟ وما الفائدة إذا كان المؤلف يقول: إن السماء زرقاء ~~فيصمم الناقد على أنها سوداء؟! أليس معناه أن المؤلف مجنون أو أن الناقد أصم؟! إن ~~الناقد يكذب إذ يلخص الموضوع الرئيسي للكتاب على هذا النحو: الشر كله في التاريخ، ~~والخير كله خارجه . في الوقت الذي خصص فيه المؤلف قسما كبيرا من كتابه لمحاربة هذا ~~الرأي وإثبات بطلانه؛ فقد حاول أن يقيم الدليل على أن النزعة التاريخية والنزعة المضادة ~~للتاريخ كلتيهما على خطأ، فالذين لا يؤمنون إلا بالتاريخ يسيرون إلى الرعب، والذين لا ~~يؤمنون بالتاريخ يبررون الرعب أيضا، وكلاهما يسير في الحالين إلى العدمية. وكيف يستطيع ~~أن ينكر التاريخ وفي ذلك إنكار للواقع نفسه؟ إن الكتاب لا ينكر التاريخ، ولكنه يحتج ~~على الاتجاه العقلي الذي يجعل منه شيئا مطلقا، ولا يشهد على ذلك نص أو بضعة نصوص، بل ~~تشهد عليه تحليلات الكتاب وعاطفته العامة. لقد كان على الناقد أن يواجه ms253 رأي المؤلف ~~الأصلي، الذي يذهب فيه إلى أن خدمة التاريخ لذاته تؤدي إلى العدمية، أو يحاول بدلا من ~~ذلك أن يثبت أن التاريخ وحده يمكنه أن يقدم قيما أخرى غير القيم التي تمجد القوة ~~والعنف، أو يثبت أيضا أن في إمكان الإنسان أن يخوض التاريخ بغير حاجة إلى أية قيمة من ~~أي نوع. لو أنه فعل ذلك - وهو أمر عسير بغير شك - لاستحق منهجه الاحترام وربما حظي ~~بالقبول، ولكنه اختار الطريق الملتوي، وراح يلفق للمؤلف آراء لم يقلها، وينكر عليه ~~أشياء لم تخطر على باله، وينصب نفسه قاضيا يتهمه بالانعزال عن التاريخ والانسلاخ عن ~~ثورات العصر وكفاح الأحرار في مدغشقر والجزائر والهند الصينية! هذا في الوقت الذي يعرف ~~فيه الجميع موقفه من ثورات التحرير، ودوره في حركة المقاومة السرية في بلاده، أليس من ~~حق المؤلف بعد هذا كله أن يتهم الناقد بالتجرد عن النزاهة والإخلاص والبعد عن كل ~~مناقشة عميقة أو جادة؟ ~~••• # ويتخلى كامي بعد هذا عن موقف الدفاع ليبدأ في الهجوم! فهو يتهم ناقده بأن مقاله ~~يقوم من الناحية الفلسفية على التناقض والعدمية، ومن الناحية التاريخية على عدم ~~الفاعلية. أما التناقض فلأن مقاله يدافع عن الماركسية كعقيدة ويعجز عن تأييدها ~~كسياسة؛ ولذلك يحاول أن يصف كل نقد للماركسية بأنه يمين، وأن يثبت - اعتمادا على هيجل ~~وماركس - أن الفلسفة المثالية فلسفة رجعية، هذا إلى جانب أن يصمت صمتا تاما عن كل ~~الحركات الثورية فيما عدا الماركسية، وإذا ذكرها فلكي يسخر منها أو يتهكم عليها؛ فهو ~~يتجاهل الحركة الدولية الأولى وثورة الباكونيين، كما يصمت عن ثوار سنة 1905 في روسيا، ~~وهم الذين يصفهم كامي بالمتمردين المعتدلين أو القتلة الأبرياء، ويضعهم في مركز كتابه، ~~ثم يسخر بالحل الذي يقدمه كامي ممثلا في الحركة النقابية الاشتراكية كبديل ~~للاشتراكية القيصرية، وينكر أن يكون هناك حل آخر غير الاشتراكية الماركسية، ربما ~~لأنها هي التي أثبتت نجاحها وأصبح لديها جيش قوي ونظام بوليسي متين! # فعل الناقد هذا كله من وجهة نظر ماركسية متزمتة، ولكنه لم يستطع ms254 أن يناقش الماركسية ~~كسياسة مفتوحة، يدل على ذلك أمران: أنه لم يتعرض لآراء المؤلف عن ماركس وهيجل، ولم ~~يشر بالتأييد أو النفي إلى هذين السؤالين اللذين طرحهما في كتابه: أليست هناك نزعة ~~إلى التنبؤ في تفكير ماركس (أي التنبؤ بالمجتمع البشري السعيد الذي ستنتهي عنده كل ~~المتناقضات) تدحضها اليوم وقائع عديدة؟ ألم يكن كتاب «ظاهريات العقل» لهيجل سببا في ~~قيام نظرية في الانحطاط أو «الكلبية» السياسية وظهور هيجليين يساريين أثروا على ~~الحركة الشيوعية في القرن العشرين؟ # إن كامي لم يهاجم منهج ماركس النقدي، بل أثنى عليه، ولكنه انتقد فكرة التنبؤ ~~«اليوتوبية» وحملها مسئولية جانب كبير من الرعب والإرهاب الذي عرفته الاشتراكية على ~~عهد ستالين مثلا، وهو يرى أن آراء ماركس ليست آراء مقدسة لا تمس؛ إذ أصبح من ~~الضروري مناقشتها بعد مرور قرن من التطور الاقتصادي والعلمي والصناعي، ولو بعث ماركس ~~نفسه اليوم لكان أول من يحرص على تعديل آرائه. وإذا كان من الواجب مناقشة الماركسية، ~~فإن الماركسيين أنفسهم هم أول من يلزمهم هذا الواجب؛ ذلك لأن الفلسفة الماركسية قد وصلت ~~إلى مرحلة تحتم عليها أن تتجاوز نفسها أو تتناقض مع نفسها، وأن تصحح مبادئها أو ~~تتنكر لها. # وأخطر من هذا كله أن الناقد يصمت صمتا تاما عن كل مآسي الاشتراكية «الفردية» ~~المتسلطة، كما يتجاهل ما كتبه المؤلف عن الصلة بين الثورة في القرن العشرين وبين ~~الرعب والفزع السائدين فيه. وإذا صح أن هذه الاشتراكية المتسلطة هي التجربة الثورية ~~الأساسية في عصرنا الحديث، فلا بد من مواجهة صريحة لمشكلة الرعب والتعذيب والإرهاب ~~التي اقترنت ولا تزال تقترن إلى حد كبير بهذه الاشتراكية، وبالأخص مشكلة معسكرات ~~الاعتقال، ولا شك أن طرح هذه المشكلة يضايق الكثيرين ممن يفتخرون بأنهم يعيشون في ~~التاريخ أو يصفون أنفسهم بالواقعية، ولكنهم - على كل حال - لا يستطيعون أن يتجاهلوا ~~عذاب ملايين البشر الذين عاشوا في هذه المعسكرات. وتجاهل هذه المشكلة معناه أمر واحد، ~~وهو الموافقة على المذهب، والسكوت عن السياسة العملية التي يتبعها؛ وفي هذا تناقض دموي ms255 ~~صريح، ومغالطة يزعم معها صاحبها أن التاريخ الحديث - على الرغم من اضطرابه وبشاعة وجهه ~~- ينطوي على معنى ضروري ويسير نحو غاية محددة، تنتهي عندها كل التناقضات، ويقوم ~~المجتمع الحر السعيد. إن كتاب المتمرد يحاول أن يبين أن التضحيات التي اقتضتها الثورة ~~الماركسية أمس واليوم لا يمكن أن تبررها إلا النهاية السعيدة المفترضة للتاريخ، وأن ~~الديالكتيك الهيجلي والماركسي يستبعد - في نفس الوقت - هذه النهاية، ولا بد للتغلب على ~~هذه الصعوبة من القول بهذا الفرض: التاريخ ليس له غاية، ولكن له معنى غير متعال عليه. ~~ربما كان هذا الفرض ممكنا، ولكنه سيؤدي حتما إلى نتائج خطيرة، فتحرير الإنسان من كل ~~عقبة لحبسه بعد ذلك في سجن ضرورة تاريخية يساوي في الواقع تجريده من كل بواعث الكفاح ~~للإلقاء به في آخر الأمر في أحضان حزب من الأحزاب، بشرط أن يكون المبدأ الوحيد لهذا ~~الحزب هو الفاعلية والنجاح، ومعنى هذا - بحسب قانون العدمية - هو الانتقال من الحرية ~~القصوى إلى الضرورة القصوى، والنتيجة هي خلق جيل أو أجيال من العبيد. # إن الناقد يوافق على التمرد الذي يمكنه - على حد قوله - أن يساهم في سلامة أي مشروع ~~ثوري، ما دامت شعلته حية في قلب هذا المشروع، ومعنى هذا أنه يوافق على التمرد، بشرط ألا ~~يكون تمردا على الحزب أو الدولة الشيوعية، أما المؤلف فهو يتمرد باسم الطبيعة ~~الإنسانية، وباسم كرامة الإنسان، وهو يحس بكل ما قاسته أوروبا وما تقاسيه من تطرف ~~الثورات وانحرافها، فيقول: إن الروح الثورية في أوروبا تستطيع للمرة الأولى والأخيرة أن ~~تعيد التفكير في مبادئها، وتسأل نفسها ما هو الانحراف الذي أضلها وقادها إلى الرعب ~~والحرب، وتكتشف من جديد - بأسباب تمردها - روح الصدق والإخلاص الكامنة فيها. أما ~~التمرد باسم التاريخ، وجعله هو القاعدة والمبدأ والمعنى الوحيد، فلا بد أن يؤدي إلى ~~تأليه التاريخ، والتنكر للتمرد الحق، وإلغاء الحرية والمغامرة الوجودية، وفي هذا إلغاء ~~لروح المذهب الذي يدعو إليه سارتر صاحب مجلة العصور الحديثة والمسئول في رأي كامي عن ~~هذا النقد وصاحبه، وفيه كذلك ms256 إنكار لكل منهج نزيه ينبغي أن يلتزم به النقاد. ليس هناك ~~من حل إذن غير التخلي عن اللعب بالحجج العقلية والوقوف إلى جانب الضحايا والمقهورين ~~والملايين المجهولة التي تحمل التاريخ على ظهرها كما تحمل الصليب، ويستغلها المستبدون ~~كل يوم لأغراض الحرب وصراع القوة والدمار. ~~••• # كان من الطبيعي أن يرد سارتر على هذه السطور المتكبرة المريرة التي وجهها كامي ~~إليه؛ فجاء رده أشد قسوة ومرارة، وإذا كان كامي قد سماه «السيد مدير تحرير العصور ~~الحديثة»، فإنه يوجه إليه خطابه قائلا: «عزيزي كامي.» إنه يأسف في السطور الأولى على ~~الصداقة التي كانت تربط بينهما، ولم تكن صداقة يسيرة، لقد كان هناك الكثير الذي ~~يجمعهما، والقليل الذي يفرق بينهما، ولكنه كان يفضل أن ينصب الخلاف بينهما على ~~المسائل الأساسية، ولا تختلط به رائحة الكبرياء الجريحة، وكان يريد أن يسكت، لولا أن ~~لهجة كامي قد جعلت سكوته شيئا مخجلا، ولولا أن طريقته «البوليسية» في مهاجمة الناقد ~~جانسون قد أجبرته على مواجهته بالحقائق التي كان يجد حرجا في مصارحته بها. # إن سارتر يسأله قائلا: أين مرسو - بطل الغريب - يا كامي؟ وأين سيزيف؟ أين هؤلاء ~~الذين دعوا إلى الثورة الدائمة؟ لا شك أنهم قد قتلوا غيلة، أو أنهم يعيشون اليوم في ~~المنفى؛ فقد سيطرت ديكتاتورية مستبدة على صاحبهم الذي يريد تنظيم القانون الخلقي، إنه ~~لا يريد أن يناقش ناقده مناقشة الند للند، بل يريد أن يلقنه درسا، ويصوره كما لو ~~كان ظاهرة مرضية في الحياة العقلية، يتناولها تناول الطبيب للجثة الميتة في لوحة ~~رمبرانت المشهورة عن درس التشريح! ولكن من الذي قال: إن آراءه مقدسة؟ ومن الذي قال: ~~إن في مناقشتها تجريحا «لمبررات حياتنا وكفاحنا» ومساسا بمبادئ لا يجوز لها أن ~~تمس؟ وما الذي جعله مدافعا عن البؤساء وشقيقا لهم؟ وهل هو حقا شقيق للعامل ~~البائس الذي يتظاهر في بولندا، أو للصحفي المسكين الذي يكافح المستعمرين في الهند ~~الصينية؟ أليس هو الذي اختار بؤساءه وقال عنهم: إنهم إخوته؟ أم يريد أن يبين للناس أنه ~~تعب، ويحتج ms257 بذلك للخروج بنفسه من دائرة النقاش والكفاح؟ ولماذا يغضب كل هذا الغضب لأن ~~أحد النقاد الشبان قال له: إن تفكيره غير فعال، أو أن الحركة النقابية ~~السكندنافية واعتدال البحر الأبيض المتوسط اللذين يبشر بهما لا يعجبانه؟ كيف يتحول ~~السخط على العصر إلى موضوع إنشائي يزدحم بالبلاغة والإنشاء؟ ولم هذا التجاهل كله ~~للناقد، والكلام عنه كأنه شيء ميت، وتوجيه الخطاب باسم «مدير التحرير» في حين يعلم ~~الناس أنهما (سارتر وكامي) صديقان منذ أكثر من عشر سنين؟ ولم التخفي وراء المكافحين ~~والبؤساء والشهداء وأبطال المقاومة أو بالأحرى لم الوقوف أمامهم؟ وكيف نسمي هذا ~~كله؟ إرهابا؟ أم تهديدا؟ أم تخويفا باسم الأخلاق؟! ثم من أنت يا كامي حتى تتعالى ~~كل هذا التعالي؟! وما الذي يعطيك الحق في التكبر على جانسون على هذه الصورة التي لا ~~يوافقك عليها أحد؟ وإذا كنت تكتب أو تفكر خيرا منه، فهل يبرر هذا أن تتكلم عنه كما لو ~~كان نملة، أو تقف منه موقف القاضي من المتهم؟ ولماذا ترميه بالنية السيئة، والرغبة في ~~الافتراء عليك وتشويه كتابك، والادعاء بأن كل تفكير ليس ماركسيا فهو تفكير رجعي، ~~والسكوت على وجود معسكرات الاعتقال في روسيا؟ يا لسخف هذه الاتهامات جميعا! وماذا ~~يفعل الناقد إذا كانت أفكارك غامضة وضعيفة، وكان كتابك شاهدا على عجزك الفلسفي؟ وإذا ~~كنت تدافع عن المغامرة في التاريخ، فلماذا ترفضها في الأدب؟ ولماذا تحتمي بعالم من ~~القيم الخالدة التي لا تمس بدلا من أن تكافح ضدنا أو تكافح معنا؟ لقد قلت مرة: «إننا ~~نختنق بجانب أولئك الذين يعتقدون أنهم على حق مطلق، سواء أكان ذلك في آلاتهم أو في ~~أفكارهم.» ولكن يبدو أنك قد تخليت الآن عن أصدقائك القدامى من المخنوقين، ووقفت مع ~~الذين يقبضون على رقابهم! ~~••• # ولعل أهم ما يأخذه سارتر على كامي هو أن الأخير يخلط بينه وبين جانسون - كاتب ذلك ~~النقد الذي أثار ثائرته - فهو يوجه خطابه إلى مدير تحرير العصور الحديثة والمسئول عما ~~ينشر فيها، وليس في هذا ما يلام عليه، ولكنه يجعله ms258 كذلك مسئولا عن رأي جانسون ~~واتجاهه الفكري، وكأنه هو الذي حرك القلم في يده بالكتابة، وسب المكافحين والبؤساء ~~ورجال المقاومة، وسد أذنيه عما يقال من وجود معسكرات الاعتقال في روسيا! وكل هذا ليس ~~صحيحا، ولا يمكن أن يكون وسيلة مشروعة للجدال؛ فالعصور الحديثة - كما يقول سارتر - قد ~~خصصت أحد أعدادها لمناقشة موضوع معسكرات الاعتقال، واتخذت منه الموقف الملتزم الذي ~~ينتظر منها، كما أن صاحبها لم يتردد يوما في إعلان رأيه في الشيوعية، والدليل على هذا ~~أن الشيوعيين يكرهونه ولا يكرهون كامي. إن سارتر يدين معسكرات الاعتقال، ولكنه كذلك ~~يدين استغلال الصحافة البرجوازية لموضوعها كل يوم، وكأنها تفرح بتعذيب الروس ~~للتركمانيين كتبرير لتعذيب الفرنسيين للأحرار في مدغشقر أو الجزائر، وتخويف اليساريين ~~في داخل فرنسا نفسها، وفرض العبودية على الناس في ظل حكومة تدعي الاشتراكية. وهكذا ~~يقف البرجوازيون هذا الموقف العجيب من اليساريين، فإما أن يعترفوا بوجود معسكرات ~~الاعتقال في روسيا، أو يتهموا بالاشتراك في أكبر جريمة ترتكب على وجه الأرض، حتى إذا ~~اعترض أحدهم على شيء قالوا له: «والمعسكرات! إن معسكرات الاعتقال فضيحة للجميع، وليس ~~الستار الحديدي غير مرآة ينعكس عليها نصفا العالم المشتركان في الجريمة.» لقد كافح كامي ~~- كما يقول سارتر - بكل قواه طغيان فرانكو وسياسة فرنسا الاستعمارية، وكان من حقه أن ~~يتناول موضوع معسكرات الاعتقال في كتاب يبحث قضية الرعب في عصرنا الحديث ، ولكن استغلال ~~هذا الموضوع لإسكات ناقد هاجمه شيء لم يكن يليق به، هكذا يخلط بين الأسياد كما يخلط بين ~~العبيد. وما دام لا يفرق بين هؤلاء، فلن يشعر نحوهم بغير تعاطف من ناحية المبدأ؛ ولذلك ~~فإن سارتر لا يجد له حلا إلا أن يذهب بنفسه إلى جزر جالاباجوس! ~~••• # ويستطرد سارتر في الكلام عن قصور كامي الفلسفي، وكيف أنه يكتفي بالكتب الثانوية ولا ~~يكلف نفسه بالرجوع إلى المراجع الأصلية، سواء أكان ذلك في حديثه عنه أو عن هيجل أو ~~ماركس، بل إن سارتر يذهب إلى حد أنه لا ينصحه بالرجوع إلى «الوجود والعدم» الذي ستكون ~~قراءته صعبة ms259 عليه أيما صعوبة؛ لأنه تعود ألا يتعب نفسه في الفهم؛ لكي يستطيع بعد ذلك ~~أن يقول: إنه لم يجد شيئا يفهم. # ثم يمضي سارتر في إلقاء درس في الفلسفة على كامي، يعلمه فيه معنى الحرية، وكيف ~~أن الحرية الباقية هي «الاختيار الحر» للكفاح من أجل أن نصبح أحرارا، أي حرية الالتزام ~~الذي يخوض معركة التاريخ، لا حرية المتفرج من فوق قمة وحيدة «خارج» التاريخ، ثم يعود ~~بالذاكرة إلى الأيام التي تعرف فيها على كامي، وكان ذلك في سنة 1945، فيقول له: «لقد ~~كنت بالنسبة لنا - وقد تصبح كذلك غدا - مركبا عجيبا يتألف من الشخص والفعل ~~والمؤلفات.» كان ذلك في سنة 1945 عندما اكتشفنا كامي الذي اشترك في المقاومة كما ~~اكتشفنا كامي مؤلف الغريب، وعندما قارنا بين محرر جريدة الكفاح «كومبا» السرية وبين ~~«مرسو» الذي أدت به الأمانة إلى حد أن يرفض القول بأنه يحب أمه أو عشيقه، والذي حكم ~~عليه مجتمعنا بالإعدام، وعندما عرفنا قبل كل شيء أنك لم تكف يوما عن أن تكون أحدهما أو ~~الآخر، جعلنا هذا التناقض الواضح نتقدم في معرفة العالم، ولم تكن في ذلك الحين بعيدا ~~عن القدوة والمثل؛ ذلك لأنك تجمع في شخصك صراعات العصر، وتتجاوزها بالحماس الذي يجعلك ~~تحياها، كنت من أغنى الشخصيات وأشدها خصوبة، آخر ورثة شاتوبريان وأفضلهم والمدافع ~~المتمرس عن قضية اجتماعية، وكانت لديك كل فرص النجاح وكل ما يجعلك جديرا به، فقد كنت ~~تجمع بين عاطفة العظمة والإحساس الملتهب بالجمال، بين حب الحياة والشعور بمعنى الموت. ~~ويواصل سارتر كلامه عن تجربة كامي بالعبث أو المحال، وعاطفته التي تتمرد على العالم ~~وتحبه في نفس الوقت، وجعله من السعادة واجبا على الإنسان، وإضفائه المعنى على وجوده؛ ~~لأنه هو الكائن الوحيد الذي يبحث عن هذا المعنى ويطالب به، وكيف أن هذا المعنى كان ~~دائما «خارج» التاريخ أو فوقه؛ لأن الإنسان قد حكم عليه أن يبحث عن العدالة في مواجهة ~~الظلم الأبدي، ويخلق السعادة ليحتج على عالم الشر والشقاء. وإذن فقد ظل كامي حلقة في ms260 ~~تراث فكري معاد للتاريخ، يمكننا - إذا استثنينا باسكال - أن نقول: إنه بدأ بديكارت، ~~وهو قد رفضه رفضا سابقا على كل تجربة؛ لأن هذا التراث يرفضه، ولأنه - أي كامي - يجعل ~~القيم الإنسانية كلها في الصراع «ضد السماء»؛ ولذلك فقد انتهى إلى حكمة مريرة، تحاول ~~أن تنكر الزمن بسبب ما واجهته فيه من متاعب، وعندما جاءت الحرب واختار أن يشترك في حركة ~~المقاومة للنازيين، كان ذلك نوعا من الاحتجاج على شكل من أشكال الظلم والعبث الأبدي. ~~وهكذا دخل التاريخ مرغما، لكي يخرج منه بعد ذلك ويواصل تأمله من بعيد، وظل التاريخ ~~بالنسبة إليه هو الحرب وجنون الآخرين الذي «يمنع الطيور من الغناء، والناس من الحب.» ~~كما ظل الصراع فيه يحمل طابع الصراع غير الزمني ضد ظلم القدر الإنساني؛ ولذلك فلم يكن ~~يفكر حين اشترك في المقاومة في صنع التاريخ - كما قد يقول مفكر مثل ماركس - بل في إنقاذ ~~فكرة الإنسان من بين مخالب القوى العمياء التي توجه هذا التاريخ. وهكذا عاد إلى اليأس ~~الذي يرى من واجب الإنسان أن ينتزع منه سعادته لإثبات أننا «لا نستحق كل هذا الظلم.» ~~ولكن سارتر وأصحابه لم ينظروا إلى الحرب على أنها حالة من حالات التاريخ بل تمسكوا ~~بكلمة مالرو: «ليبق النصر من حظ أولئك الذين قاموا بالحرب دون أن يحبوها.» # وهكذا أصبح كامي رمزا للتضامن بين البشر، واستطاع أن يقول : «إن الناس يكتشفون ~~تضامنهم عندما يدخلون في صراع مع قدرهم المتمرد.» ولكن هذا هو الذي حجب عنه حقيقة أخرى، ~~وهي أن صراع الإنسان مع الطبيعة ليس إلا سببا ونتيجة لصراع من نوع آخر أقسى وأمر، ~~ألا وهو صراع الإنسان مع الإنسان. كان يتمرد على الموت، وكان غيره يتمرد على ظروفه ~~الاجتماعية، وكان الطفل البريء يموت فيلعن القدر الظالم، ولكن والد الطفل - سواء أكان ~~عاملا أو عاطلا - كان يلعن البشر الذين تسببوا في موته بسبب الفقر أو الجوع. وهكذا ظل ~~تمرده مثاليا لا تستطيع الملايين أن تسمع فيه صوت سخطها الحقيقي، وكان كلامه عن الفقر ~~أو ms261 الموت كلاما حقيقيا قبل الحرب، ولكنه لم يعد كذلك بعد انتهائها؛ فقد أصبح الناس ~~لا يتمردون على القدر، بل على الذين يصنعون قدرهم، ولا يريدون أن يتعلموا «فن الحياة» ~~أو يكتشفوا «أسرار الجسد والطبيعة» بل يحاولون أن يحتملوا عناء أجسادهم المتعبة في آخر ~~الليل، والطبيعة الغريبة التي يرون بها عدوهم الأول وهو يستغلهم في المصنع أو المعمل أو ~~الوظيفة؛ ولذلك أصبح تمرده صرخة مثالية لا تقنع مظلوما، وتضامنه صراعا يدور تحت ~~عينيه بين الطبقات، وراح يحمل التاريخ مسئولية الخطأ بدلا من أن يحاول تفسيره أو ~~يشارك في تقدمه، ويستعير من مالرو وغيره كلامهم عن تأليه الإنسان، ويصدر أحكامه على ~~الجنس البشري بغير تمييز، ويسأل عن معنى التاريخ - وهو سؤال جامد مجرد - بدلا من أن ~~يحاول إعطاءه ذلك المعنى بالمشاركة فيه. وهكذا أصبحت شخصيته - التي كانت عنوانا على ~~الأمل والحياة في خلال الحرب - مجرد سراب من آثار الماضي، ولم يفطن إلى أن الطبيعة التي ~~كان يتغنى بمجدها وجمالها قد تغيرت هي أيضا بتغير علاقات الناس بها. لم يبق له إذن ~~غير الذكريات واللغة التي تزداد تجريدا، وليس أمامه إلا أن يترك الناس ويعكف على نفسه ~~وحيدا في عزلة بعيدة قد يجد فيها الدراما الإنسانية التي افتقدها. ~~••• # بهذه اللهجة القاسية تحدث سارتر إلى كامي، ولكن من الإنصاف أن نقول: إنه كان كذلك ~~قاسيا في حديثه عن نفسه ، وإنما اشتد في لهجته معه؛ لأنه أحس أنه قريب منه، وأن ~~كليهما ملتزم بالتاريخ وإن اختلفت نظرتهما إليه، فكامي - في رأي سارتر - قد تجمد في ~~قلعة أفكاره المثالية وقيمه الأخلاقية المطلقة، بينما راح سارتر - بنزعته العقلية وفكره ~~التحليلي - يفسر هذا التاريخ الذي يصنعه البشر كل يوم، ويشارك في اتخاذ المواقف الحاسمة ~~من الظلم الاجتماعي والسياسي في بلاده وفي العالم كله على السواء، ولعله لم يشتد في ~~قسوته على كامي كما قلت إلا لأنه أحس أنه بعاطفته وجده وصدقه جزء منه، فالإنسان لا ~~يهاجم شيئا مقطوع الصلة به، بل يزداد في هجومه عليه كلما كان هناك ms262 شيء قوي يجمعه به ~~أو يفرقه عنه، وتلك هي إحدى المفارقات الكامنة في طبيعته؛ ولذلك فإن هجومه عليه - مهما ~~اشتدت قسوته - يخفي على الدوام عاطفة حبه وتقديره له، بل ويعبر عن رغبته في أن يمد ~~يده إليه ليسيرا معا - برغم كل الاختلافات - على طريق واحد إلى جانب المظلومين ~~والضحايا والمقهورين. وإذا كان الموت قد باغت كامي وهو في أوج شبابه ومجده - بعد سبع ~~سنوات من هذا الخلاف قضاها وحيدا كالبطل الجريح - ولم يقدر لهذه اليد أن تصافح يد ~~الصديق القديم، فإننا نحن الذين ننظر اليوم إلى هذا النزاع - بعد أربعة عشر عاما من ~~وقوعه - لا نملك إلا الأسف؛ لأنه فرق بين شخصيتين كبيرتين كان من الممكن أن تكمل ~~إحداهما الأخرى، ولكننا مع ذلك لا نملك إلا الإعجاب بهذا الخلاف الذي دار في صميمه حول ~~الإنسان وعذابه ومصيره في عصرنا الحديث، وطبيعي أن الفرد الواحد لا يمكنه أن يملك ~~الحقيقة كلها، كما لا يمكن أيضا أن يكون كل ما يقوله أو يفكر فيه خطأ كله. ولقد أظهرت ~~هذه المناقشة - إذا أحسنا فهمها وجردناها من الحدة والغضب والحساسية التي اتسمت بها ~~- أن الخلاف هو الشرط الأساسي للقاء، والحوار بين الأشخاص والأفكار هو الدليل الأول على ~~حرية الفكر والضمير، ولا شك أن هذا الخلاف لم تقل فيه الكلمة الأخيرة ولا يمكن أن ~~تقال، فما زال سارتر يتابع نشاطه المذهل ويثبت كل يوم مدى صدقه والتزامه بواقع ~~الإنسانية ومستقبلها، وإذا كان زميله قد تركه إلى الأبد، فلا شك أنه كلما فكر في هذا ~~الخلاف أحس بما يدين له به، واستمد منه مزيدا من العمق والشجاعة والإخلاص، ولا شك ~~أيضا أننا سنستطيع أن نستفيد من تأملنا في هذا الخلاف؛ لأنه كان وسيظل خلافا حول ~~الإنسان. # | ومعرفة وحقيقة # | ما هو الشيء؟ # الأبعاد كلها في الزمان والمكان تنكمش، المسافة التي كان يقطعها الإنسان في شهور ~~وأيام طويلة - في الصحراء على ظهر جمل، وفي الطريق الزراعي على سرج حمار - يعبرها اليوم ~~في مقعد مريح بالطائرة في بضع ساعات. ms263 الخبر الذي كان يحتاج منه إلى سنين طويلة قبل أن ~~يسمع به، وقد يعيش ويموت وهو لا يدري عنه شيئا، يستطيع اليوم دون أن يغادر باب بيته أن ~~يدير مفتاحا صغيرا في جهاز إرساله الأنيق فيعرف أخبار العالم كله في لحظات قصار. ~~البذرة التي تحتاج إلى شهور وسنين قبل أن تستوي ثمرة، تعرضها عليه الشاشة البيضاء في ~~دقيقة واحدة. آثار الحضارات القديمة في الشرق والغرب يقدمها له الشريط السينمائي وكأنها ~~تقع على جانب الطريق. وقمة الانتصار على الأبعاد والمسافات يبلغها من خلال هذه العين ~~السحرية التي نسميها «بالتليفزيون». غير أن المشكلة مع ذلك ما زالت باقية؛ فانكماش ~~البعد لم يقربنا من القرب نفسه، وأبعد الأشياء التي قربتها لنا الصورة في الفيلم، ~~والصوت في المذياع، يمكن مع ذلك أن يظل بعيدا عنا، وأبعد ما تستطيع العين أن تراه، ~~والخيال أن يتصوره، يمكن مع ذلك أن يظل قريبا منا. # 1 # ما هو ذلك الشيء الذي اختزلنا في سبيله المكان إلى أقصى مداه، ومع ذلك لا نصل إليه ~~ولا يصل إلينا؟ أحلنا من أجله الأعوام والشهور إلى لحظات ولم يزل ممتنعا علينا، أبعد ~~هذا كله يظل عنا بعيدا؟ أم يا ترى هو بطبيعته بعيد وقريب في آن واحد؟ هل كان ~~آباؤنا وأجدادنا أقرب إلى الوجود والموجودات منا اليوم؟ أم هل أبعدتنا هذه الأجهزة ~~القادرة عن حقيقة الوجود والموجود؟ # لنسأل معا: ما حقيقة القرب؟ كيف نصل إلى كنهه وماهيته؟ يبدو أنه لن يتركنا نتسلل إلى ~~سره بسهولة، فلنفتش إذن عما يدخل في دائرته، لنبحث عما هو قريب. قريب منا ما ~~تعودنا أن نسميه بالأشياء، ولكننا مضطرون أن نسأل مرة أخرى: وما هو الشيء؟ سؤال بسيط ~~يوشك ألا يسأله غير البلهاء! ولكن لعل الإنسان في تاريخه الطويل قد أهمل في السؤال عن ~~حقيقة الشيء، فلنق أنفسنا إذن من التورط في حكم سريع، ولنعد السؤال مرة أخرى: كيف ~~نصل إلى شيئية الشيء؟ وما الذي يجعل الشيء شيئا؟ ولا بد لنا لكي نجيب عليه أن نعرف ~~الدائرة ms264 التي يدخل فيها كل موجود نسميه باسم الشيء. # الحجر على الطريق شيء، وكومة التراب في الحقل، الجرة شيء والنبع في الصحراء، ولكن ما ~~حال اللبن في الجرة والماء في النبع؟ هذان أيضا شيئان، كما أن السحب في السماء أشياء، ~~وأوراق الخريف في مهب الرياح، وشجرة الصبار على الدرب المهجور، بل لعل من حقها جميعا ~~أن تكون أشياء. ما دمنا نضيف الكلمة نفسها إلى ما لا يظهر ولا تراه عين، هذا الذي لا ~~يظهر يسميه «كانط» مثلا بالشيء في ذاته، وقد يسميه غيره باسم «الله»، فالأشياء ~~في ذاتها، والأشياء التي تظهر للعين، وكل ما هو موجود على الإطلاق؛ يعرف في لغة ~~الفلسفة بالشيء، أعني كل ما ليس بعدم. غير أن التسمية مع ذلك تحتاج إلى شيء من التحديد، ~~فنحن نخجل أن نسمي الله شيئا، كما أننا لا نرضى أن ندعو الفلاح في الحقل، والعامل ~~في المصنع والمعلم في المدرسة أشياء، بل إننا لنتردد أن نسمي الغزال في الغابة، ~~والجراد في العشب، والقطة على عتبة البيت أشياء، والإنسان لا يمكن أن يكون شيئا، فهذه ~~الكلمة الأخيرة تفتقد كل ما نفهمه وراء الوجود الإنساني من معنى وقيمة. كما أن كلمة ~~الإنسان لا تشتمل على ما يجعل الشيء شيئا، الأولى إذن أن نطلق كلمتنا على ما يشبه ~~المطرقة والساعة والحذاء، غير أن هذه أيضا ليست مجرد أشياء وحسب، والأقرب إلى المعقول ~~أن نسمي كل ما تجرد عن الحياة - سواء في الطبيعة أو في محيط الاستعمال - باسم ~~الشيء، كأن يكون كتلة من الصخر، أو قطعة من الخشب، أو كومة من التراب. وهكذا نكون قد ~~خرجنا من المملكة الواسعة التي سمينا فيها كل موجود باسم الشيء، كما تركنا ما ~~سميناه بالأشياء في ذاتها وأردنا به أسمى الموجودات وأبعدها في الخفاء، لنعود إلى ~~أفق ضيق كل موجود فيه لا يزيد عن كونه «مجرد شيء»، وكلمة «مجرد» هنا قد يراد بها ~~الشيء المحض، وقد تعني كذلك الشيء ولا مزيد عليه، بمعنى تقويمي يضع من شأنه، مثل هذه - ~~فيما ms265 يبدو - هي الأشياء بالفعل، وهي التي ستساعدنا على تحديد ما نبحث عنه من شيئية ~~الشيء. # من الخير في مثل هذه الأحوال ألا نسير في الطريق المجهول معصوبي الأعين. لنرجع لحظة ~~إلى تاريخ الفكر، ولنستعن بما خلفه لنا التراث الفلسفي وهو يحاول الإجابة على هذا ~~السؤال العتيد. # ما سأل سائل عن ماهية الوجود والموجود إلا برز الشيء أمامه كأنما هو أظهر الموجودات ~~وأولاها بمعنى الوجود، وقد أدى هذا إلى أن أصبحت الإجابات المتوارثة عن ماهية الشيء ~~أمرا بينا واضحا بذاته، حتى إنه ما عاد أحد يحس بالحاجة إلى إثارة السؤال من ~~جديد، ويمكننا أن نعرض للتفسيرات التي حاولت بها الفلسفة أن توضح ماهية الشيء (أو بمعنى ~~آخر ماهية الوجود) فيما يلي: # لنأخذ مثلا على ما وصفناه بأنه «مجرد شيء»، هذه الكتلة من حجر الجرانيت، # 2 # هي كتلة ممتدة خشنة ثقيلة ذات لون وغير ذات شكل، تلمع تارة وتنطفئ تارة ~~أخرى، كل هذه صفات نستطيع - في غير عناء - أن نلاحظها عليها، وهي جميعا خصائص تتعلق ~~بها. والحجر كشيء، له هذه الصفات والخصائص، هل قلنا الشيء؟ ما الذي نفهمه الآن من هذه ~~الكلمة؟ من الواضح أن اجتماع هذه الصفات لا يكون ما أسميناه بالحجر أو بالشيء، كما أن ~~إحصاءنا لها لا يجعله يتمثل أمامنا ككل، الأولى أن نقول: إن الشيء هو ما اجتمع حوله ~~وعليه هذه الصفات، أو أن نقول : إنه هو الذي يحملها، وهنا نستطيع أن نتحدث عن لب الشيء ~~وحامل صفاته. # 3 # والتفسير الآخر هو الذي يحدد ماهية الشيء بالجوهر وما يحمله من أعراض، وهو تفسير يبدو ~~مطابقا لنظرتنا الطبيعية إلى الأشياء، وليس عجيبا أن ينعكس في سلوكنا المعتاد نحوها، ~~أعني في حديثنا عنها، فالقضية اللغوية البسيطة تتألف - كما هو معلوم - من موضوع # 4 # ومحمول، والموضوع هو الذي «يحمل» خصائص الشيء وصفاته، والمسألة بهذا الشكل ~~لا تكاد تحتمل الجدال: فمن ذا الذي يشك في العلاقة القائمة بين العالم واللغة، بين ~~بناء الشيء الخارجي وبناء القضية اللغوية؟ ومع ذلك يمكننا أن نسأل: ms266 هل يعكس بناء القضية ~~اللغوية (العلاقة بين الموضوع والمحمول) بناء الأشياء في العالم الخارجي (العلاقة بين ~~الجوهر والعرض)؟ أم هل نعكس الأمر ونقول: إن تصورنا لبناء الشيء قائم على أساس القضية ~~اللغوية؟ مهما يكن من أمر فإن الإجابة على هذا السؤال بوجهيه وتقرير أولوية أحدهما أصعب ~~من أن يبت فيها في هذا المجال، بل إن في استطاعتنا أن نقول: إننا لم نصل فيه إلى ~~جواب حاسم حتى اليوم، ولعل وضع السؤال على هذا النحو هو الذي جعل الإجابة عليه ~~مستحيلة، فلا بناء القضية اللغوية هو المقياس الذي يطبق عليه بناء الشيء، ولا هذا ~~الأخير مجرد صورة تعكس الأول، بل الأولى أن نقول: إن بناءهما معا - الشيء والقضية - ~~وما يقوم بينهما من علاقات متبادلة ينبثقان عن مصدر واحد أصيل. والأمر بعد في هذا ~~التفسير الأخير (الشيء هو الجوهر حامل الأعراض) يكشف عن أنه ليس تفسيرا بديهيا ولا ~~طبيعيا كما بدا لنا في أول الأمر، ولعل وجه الطبيعة فيه أنه نشأ عن «عادة» قديمة ~~أنستنا على مر العصور ذلك الأصل «غير العادي» الذي نبعت منه، هذا الشيء غير العادي هو ~~الذي عرفه فكر الإنسان في فجره الحر الفتي الثائر عند اليونان، فنبهه وعلمه الدهشة، ~~أعني علمه التفلسف. # 5 # هذا التفسير الذي لا يطلق على الشيء فحسب - بل على كل موجود على الإطلاق - تفسير لا ~~يبلغ جوهره، ولا يصل إلى كنهه، وإنما يكتفي بأن يغلفه ويدثره، إنه لا يتيح لنا أن نلتقي ~~التقاء مباشرا بحقيقة الشيء، بل الأولى أن نقول: إنه يأتينا عن طريق الحواس، أو ~~إنه يصطدم بجسدنا إن جاز هذا التعبير، وليس عجيبا بعد هذا أن يقوم تصورنا للشيء على ~~مجموع معطياته الحسية، أو مجموع إحساساتنا به. والواقع أن الأشياء أقرب إلينا من ~~إحساساتنا بها، ووقوفنا عند هذه الإحساسات يضيع علينا معناها وحقيقتها الكلية، نحن نسمع ~~العاصفة تهب، والباب يصفق، ولا نسمع مجرد إحساسات صوتية، ونحن نرى البيت ولا نرى مجرد ~~إحساسات بصرية أو لونية، ونلتذ بطعم التفاحة ولا نقف عند ms267 ملمسها ولونها ~~ورائحتها. # والتفسير الأخير يقول: إن ما يجعل الشيء شيئا هو المادة التي فيه، وهي التي تحدد ~~خصائصه الحية من شكل ولون وحجم وامتداد، غير أن هذه المادة # 6 # لا تكون وحدها أبدا، بل هي دائما مصحوبة بالصورة، # 7 # والذي يجعل الشيء شيئا هو التقاء صورته بمادته، فالتفسير كله يقوم على ~~أساس النظرة المباشرة للشيء أو على منظره # 8 # الخارجي الذي نراه منه، وهو ينطبق على ما نجده في الطبيعة من أشياء، وما ~~نستخدمه منها في حياتنا اليومية على السواء. # غير أن هذا التفسير الذي سيطر على الفكر الفلسفي زمنا طويلا، وحدد تصوره للموجود ~~عامة، سواء أكان مجرد شيء أم أداة لهدف أم عملا فنيا (يكفي أن نتذكر النزاع الأزلي ~~حول قضية الشكل والمضمون في الأدب والفن وعلم الجمال!) لا يقربنا مع ذلك من حقيقة ~~الشيء. # فالاعتراض الأول عليه: # أنه لا يمكننا من التمييز بين الموجودات - على اختلاف درجاتها - ~~بين مجرد الشيء كأداة تقصد إلى هدف، والعمل الفني الذي لا يشك أحد في أنه أبعد من أن ~~يكون مجرد شيء أو وسيلة لغاية، وإنما نتبين من خلاله تجربتنا بالوجود والحقيقة على ~~الإطلاق. # والاعتراض الثاني: # أن هذا المركب من الصورة والمادة قد أصبح مع الزمن قالبا آليا ~~يمكن أن يطبق في سهولة على كل ما يقع بين الأرض والسماء! فإذا فهمت الصورة على أنها ~~العنصر المعقول المنطقي، والمادة على أنها العنصر غير المعقول وغير المنطقي، وإذا ربطنا ~~هذه العلاقة بين الصورة والمادة بالعلاقة المشهورة بين الذات والموضوع، صارت لدينا ~~أداة سهلة تحيل الفكر إلى آلية بحتة يوشك ألا يستعصي عليها شيء. # والاعتراض الثالث: # أنه لا ينبع من تصور مباشر للشيء بما هو شيء، بل يتصوره أداة تهدف ~~إلى غرض، أعني أنه تفسير يأتي من جهة الإنتاج والصناعة، وهنا يمكننا أن نفهم ما يقوله ~~أرسطو من أن الصورة تحدد نوع المادة، كذلك يفعل الحداد قبل أن يطرق الفأس، والنجار ~~قبل أن يصنع السرير، والخزاف قبل أن يسوي الجرة، فارتباط الصورة بالمادة ms268 يقوم سلفا ~~على الغاية التي جعلت لها الجرة والفأس والسرير. من هذه «الغائية» يحدد شكل الصورة ~~كما اختير نوع المادة، واكتسب هذا النسق المؤلف من الصورة والمادة معناه، الشيء إذن ~~- بحسب هذا التفسير - أداة أنتجتها يد صانع، والمادة تعينه من حيث هو وسيلة فحسب، ولا ~~تعين بحال شيئيته بما هو شيء. # ولا نريد أن نعود بمركب الصورة والمادة إلى تطبيقاتها الواسعة على الموجود بإطلاقه، ~~وذلك من ناحية الخلق والعقيدة وخاصة في فلسفة العصور الوسطى، ونكتفي بأن نقول: إن هذا ~~التفسير الأخير مثله كمثل ما سبقه من تفسيرات لم يتقدم بنا خطوة في محاولتنا الولوج إلى ~~قلب الشيء بما هو شيء، أعني مجردا عن الغاية منه، وعن الصفات التي يحملها، والخصائص ~~الحسية التي تنضاف إليه، # 9 # فلنعد إذن مرة أخرى إلى سؤالنا القديم: ما حقيقة القرب؟ # أردنا أن نجيب معا على هذا السؤال، واتفقنا على أن نتناول شيئا نجده قريبا منا، ~~وقبل أن نمد أيدينا إلى هذا الشيء نفسه آثرنا الروية والصبر ورحنا نسأل عن حقيقة الشيء، ~~وكان لزاما علينا - قبل أن نتعجل السير في طريق مجهول - أن نناقش معا مختلف ~~التفسيرات التي حاول الفكر في تاريخه الطويل أن يجيب بها على هذا السؤال، وقد تبين لنا ~~أنها جميعا لم تقربنا من حقيقة الشيء، فلنتناول الآن شيئا قريبا منا، وليكن هذه ~~الجرة. # نحن نقول: إن الجرة شيء، فما الجرة؟ نقول: إنها وعاء، ذلك الذي «يعي » شيئا غيره ~~ويحويه، المحتوى فيها هو الأرضية والجدار، والجرة بما هي وعاء شيء مكتف بذاته، هذا ~~الاكتفاء الذاتي يجعل لها كيانا مستقلا يميزها عن كل شيء أو موضوع سواها، والشيء ~~المستقل بذاته يصبح موضوعا عندما «نضعه» أمامنا، سواء كان ذلك في الإدراك المباشر، أو ~~في ذلك الحضور الذهني الذي يتم عن طريق الذاكرة والتصور، ومع هذا فإن شيئية الشيء لا ~~تكون في تصورنا له كموضوع، ولا «موضوعيته» تحدد لنا كنهه وماهيته. # الجرة تظل وعاء سواء تمثلناها بالتصور الذهني أو لم نتمثلها، والجرة بما هي ~~وعاء، ذات ms269 قوام مستقل بذاته، فما معنى قولنا: إنها قائمة بذاتها؟ هل يفسر لنا ذلك ~~ماهية الجرة كشيء من الأشياء؟ الجرة لم تكن وعاء حتى وضعت في صورة الوعاء، وما تم لها ~~ذلك حتى «صنعت» على يد صانع، الخزاف جبل الجرة من طينة أعدها وانتقاها، والطينة من ~~الأرض، ومنها تخلقت الجرة جرة. من هذه الطينة يمكن لها أن ترتكز مباشرة على الأرض، ~~وبطريق غير مباشر على رف أو مائدة، بالصنعة ومن يد الصانع تم لنا ما سميناه بقوام ~~الجرة، إن تناولنا الجرة بما هي وعاء مصنوع جعلها تبدو لنا وكأنها شيء من الأشياء، لا ~~مجرد موضوع أيا كان، أو هل نعود فننظر إلى جرة على أنها «موضوع»؟ لنحاول ذلك، وسيتبين ~~لنا أنها لم تعد مجرد موضوع يتمثله التصور الذهني فحسب، بل هي موضوع سوته يد صانعه ~~«ووضعته» أمامنا. بهذا المعنى الجديد يبدو لنا قوام الجرة ذاتها وكأنه هو الذي جعل منها ~~شيئا. والحقيقة أننا نرى هذا القوام من جهة الصنع، من حيث إن صانعا قصد إليه وفكر ~~فيه، وهنا يتكشف لنا أننا قد رجعنا إلى ما أردنا أن ننفيه، أعني أننا سنفكر في الجرة من ~~حيث هي موضوع، وإن كانت موضوعيتها في هذه الحالة آتية من جهة الصنع لا من جهة التصور ~~المجرد، وسيتبين لنا أننا قد أخطأنا الطريق، وأن وقفتنا عند موضوعية الموضوع لم تؤد ~~بنا إلى شيئية الشيء، فلننظر الآن إلى المسألة من ناحية أخرى. # قلنا: إن شيئية الجرة تكمن في كونها وعاء، ونحن نعرف معنى الوعاء مما يعيه، أعني حين ~~نملأ الجرة، حتى لنوشك أن نقول: إن الأرضية والجدران هي التي «تعي» ما نصبه فيها، ~~ولكن لنحترس مرة أخرى من التورط في السرعة! هل إذا ملأنا الجرة خمرا كان معنى ذلك ~~أننا نصبها بين الجدران والأرضية؟ نحن نصب الخمر حقا بين جدارين وعلى أرضية، ~~والذي يحفظ السائل المصبوب هو الأرضية والجدران، وما يحفظ السائل ليس هو بالضرورة ما ~~يعيه. # الخمر حين نفرغها في الجرة تملأ ما فيها من فراغ، ms270 الفراغ هو واعية «الوعاء»، الفراغ، ~~هذا العدم في جرتنا هذه، هو الذي يجعلها وعاء، الجرة وحدها تتكون من قاع ومن جدار، ومن ~~هذا الذي تكونت منه يمكنها أن تستقر على رف أو مكتب. ولكن ماذا عسى أن تكون الجرة إذا ~~انكسر قاعها أو جدارها فلم تعد تحوي شيئا؟ إنها ما تزال جرة على كل حال، وإن أصبحت ~~عاجزة عن أداء وظيفتها، فالجرة وحدها هي التي تمسك السائل أو تدعه يفلت منها! # من القاع والجدار تتكون الجرة، وبهما على الأرض تستقر، غير أنهما لا يكونان هذه الصفة ~~الواعية فيها، فإذا سلمنا بما انتهينا إليه من أنها تكمن في الفراغ، كان علينا أن ~~نقول: إن الخزاف لا يسوي من الطين قاعا وجدارا، أو إنه لا يشكل الطين بل يشكل الفراغ، ~~من هذا الفراغ وفيه ومن أجله سوى الطين وأعطاه صورته، تصور الخزاف هذا الفراغ غير ~~الواعي أول ما تصور، ثم شكله في صورة الوعاء، الفراغ في الجرة حدد شكل الإنتاج، ~~ووجه كل ضربة من يد الخزاف، وشيئية الوعاء لا تكمن بحال في المادة التي صنعها منها، ~~ولكن في الفراغ الذي يحتوي السائل المصبوب ويعيه. # ونعود الآن فنسأل: هل كانت الجرة حقا فارغة؟ أم سرح بنا الخيال في تأملات شاعرية ~~حتى نسينا كلمة العلم؟ الفيزياء تؤكد لنا أن الجرة مملوءة بالهواء وما يتركب منه من ~~عناصر كيميائية، ونحن حين نملأ الجرة خمرا إنما نحل نوعا محل نوع آخر، فالسائل ~~المصبوب يزيح الهواء ويحل في مكانه، وهذه الحقيقة الفيزيائية لا شك في صحتها، وهي ~~تطابق التصور العلمي للواقع، ولكن هل هذا الواقع الذي قدمه لنا العلم هو الجرة؟ لا ~~مفر من الإجابة بالنفي؛ فالعلم لا يتعدى ما يسمح به منهجه من موضوعات ممكنة، حقا إن ~~المعرفة العلمية ملزمة، فما وجه الإلزام في حالتنا هذه؟ وجه الإلزام أنه يلغي وجود ~~الجرة كشيء ويتصورها مساحة جوفاء يحل السائل المصبوب فيها محل الهواء، أي إن حالة من ~~حالات المادة تحل محل أخرى، الجرة كشيء لا وجود لها ms271 في نظر العلم. إن المعرفة العلمية - ~~كما يقول هيدجر - قد بددت وجود الأشياء من زمن قديم، حتى قبل أن تصل إلى تفجير ~~القنبلة الذرية والهيدروجينية، وما انفجار هذه القنبلة وغيرها من أسلحة الفتك والدمار ~~إلا الحلقة الرهيبة الأخيرة من سلسلة طويلة تم فيها الإجهاز على وحدة الشيء ونفي واقعه ~~ووجوده. ولقد بقيت شيئية الشيء في تاريخ الفكر أمرا منسيا لم يكشف عنه حجاب، وظلت ~~حقيقة مطوية لم تجد التعبير عنها في لغة الإنسان. # لم إذن لم يكشف الشيء عن حقيقته كشيء؟ هل فات الإنسان أن يتصوره كذلك؟ ولكن الإنسان ~~لا يفوته أمر لم يكن موجودا من قبل، إذن ما حقيقة هذا الشيء كشيء، هذه الحقيقة التي ~~لم تستطع أن تكشف عن نفسها للإنسان حتى الآن؟ هل بقيت بعيدة لم تقترب منه ولم تنبهه ~~إلى وجودها؟ وما هو هذا «القرب» وما حقيقته؟ # 10 # سألنا هذا السؤال من قبل، ورحنا نبحث عن شيء قريب منا لكي نستطيع الجواب عليه، ~~ووجدنا الجرة، ولكي نصل إلى حقيقة الجرة كشيء، سألنا: ما الذي جعل الجرة جرة؟ وضاع ~~منا هذا السؤال حين توجهنا إلى العلم نسمع منه الكلمة الأخيرة في القضية. والحق أننا ~~لم نجد عنده إلا الفراغ كما تتصوره الفيزياء، لا فراغ الجرة كما بحثنا عنه، وأردنا أن ~~نصل به إلى شيئية الشيء. # كيف يعي الفراغ في الجرة؟ يعي الفراغ حيث يتلقى السائل المصبوب ويحتفظ به، فكلمة ~~«الوعي» إذن تتضمن تلقي السائل والاحتفاظ به في آن واحد، ووحدتهما معا تعين من وجه ~~الانسكاب، سواء في ذلك سكب السائل في الجرة أو منها، سكب السائل من الجرة إهداء، وفي ~~الإهداء ماهية الوعاء، والوعاء محتاج للفراغ الذي «يعي» ما يسكب فيه، وماهية الفراغ ~~تكمن في إهداء ما فيه، على أن الهدية والإهداء أغنى من السكب والانسكاب، والذي يجعل ~~الجرة جرة هو سكب ما فيها هدية للرفيق والحبيب، والجرة الفارغة أيضا تكتسب ماهيتها من ~~الإهداء، ولو لم يكن فيها من شيء نسكبه أو نهديه، هذا الإهداء أو الامتناع ms272 عنه أمر ~~يخص الجرة وحدها (فالمطرقة أو الحذاء مثلا لا يستطيعانه). # هدية الجرة شراب، الشراب قد يكون ماء أو خمرا، في الماء يكمن النبع، وفي النبع ~~الصخر، وفي الصخر نعاس الأرض تستقبل الندى والمطر من السماء، في ماء النبع تلتقي الأرض ~~والسماء في عرس بهيج، وتخضل الخمر عطية الكرم والعناقيد، ثمرة رضعت من خير الأرض، ~~وتغذت من شعاع الشمس في انسكاب الماء وإهداء الخمر تلتقي الأرض والسماء، وفي الإهداء ~~ماهية الجرة وحقيقتها، وفي الجرة تلتقي الأرض والسماء. # الهدية المسكوبة شراب للبشر الفانين، يروي عطشهم وينعش فراغهم ويملأ بالبهجة ناديهم، ~~والهدية من الجرة لا تكون دائما من نصيب الفانين، فقد تدخل المعبد، وقد توهب في عيد ~~مقدس، وقد تقدم قربانا للآلهة الخالدين، هنا تكون هدية الجرة هي الهدية الحقة، ~~وفي إهدائها يكون جوهرها النقي، صب الشراب حين نعود به إلى أصله الأول يفيد معنى ~~التضحية والقربان للآلهة، # 11 # أي الإهداء في معناه الخالص. # في إهداء الشراب يكمن البشر، وفيه تكمن الآلهة. في الشراب يجتمع الفانون والخالدون، ~~وفي إهدائه تلتقي السماء والأرض والبشر والآلهة، وهذه العناصر الأربعة - وإن توحد كل ~~منها بماهيته - مرتبطة في نسيج محكم، لا يستغني واحد منها عن الآخر. # إهداء الشراب يكون هدية بقدر ما تجتمع فيه الأرض والسماء، والخالدون والفانون، أي ~~بقدر ما يتحد فيه هذا الرباع الفريد، ولكن الإهداء هو الذي يكشف عن حقيقة الجرة، ~~والإهداء من الجرة - كما قدمت - يجمع كل ما يتصل به بسبب: تلقي الخمر والاحتفاظ بها، ~~القاع والجدار، الفراغ في الوعاء، صب الشراب باعتباره هدية وتضحية. # الهدية تجمع هذه الأمور كلها من حيث تجمع «الرباع» الفريد، وتجعله يتلبث في هذا الشيء ~~الذي أسميناه بالجرة، وهذا التجمع العجيب هو الذي يكشف لنا عن حقيقتها، فهي اللحظة ~~والموضوع الذي يحل فيه. # الجرة إذن تكشف عن ماهيتها كشيء، والجرة جرة من حيث هي شيء، لكن كيف يكشف الشيء عن ~~ماهيته؟ الشيء يتشيأ، # 12 # والتشيؤ يضم الرباع الفريد في لحظه وفي موضع نشير إليه قائلين: «هذا ~~الشيء!» ms273 # تحدثنا عن القرب والبعد في مبدأ هذا المقال، قلنا: إننا نعيش في عصر انكمشت فيه ~~الأبعاد وطويت المسافات. وبالرغم من ذلك فقد كتب علينا أن نبقى غرباء عن الأشياء ~~وتبقى غريبة عنا. نحن إذن لا نقترب من الأشياء، وهي لا تقترب منا، ونحن نعيش في ~~حال تختلف عن أحوال آبائنا الأولين، وعن الفنان والشاعر الذي يكاد يضم الأشياء إلى صدره ~~ويحس نبضها على قلبه، ويلمس طبيعتها العذراء بين يديه. والآن نسأل: ما هو ~~القرب؟ # للإجابة على هذا السؤال رحنا نفتش عن شيء قريب منا، فلما وجدنا الجرة رحنا ~~نفكر في ماهيتها كشيء، وبعد أن وجدنا حقيقة الشيء من حيث هو كذلك أحسسنا بأننا نزداد ~~قربا من حقيقة القرب، «فالشيء يتشيأ» وهو في تشيئه يجمع الأرض والسماء والفانين ~~والخالدين، ويقرب هذه العناصر الأربعة بعضها من بعض بعد أن كانت بعيدة غاية البعد، # 13 # في هذا «التقريب» تكمن حقيقة القرب، غير أن «القرب» يخفي حقيقته عنا، حتى ~~لنستطيع أن نقول: إن أقرب الأشياء إلينا هو في الوقت نفسه أبعدها عنا ... الشيء يجمع ~~العناصر الأربعة: يضم الأرض والسماء، ويجمع الفانين والخالدين. # الوجود على الأرض معناه كذلك الوجود تحت السماء، والوجود الفاني يكون كذلك بقدر ما ~~يتصور ذاته في مقابل وجود خالد غير محدود. # والعناصر الأربعة تلتقي في وحدة أصيلة تؤلف ما سميناه «بالرباع الفريد». # الأرض هي المهد واللحد، الغذاء والثمر ينبعان من قلبها، الماء واليابسة يمتدان على ~~صدرها، النبات والحيوان يعيشان على خيرها ويلقيان نصيبهما من حنانها. # إن ذكرنا الأرض رجع بنا الفكر إلى العناصر الثلاثة الأخرى، في وحدة الرباع الفريد، ~~السماء هي مشرق الشمس ومغربها، ومطلع القمر وانحداره، وانبلاج النهار وغسق المساء، ~~ورهبة الليل وروعة النجوم، وأحوال الطقس ودورة الفصول، وموكب السحاب وزرقة ~~الأثير. # إن ذكرنا السماء رجع بنا الفكر إلى العناصر الثلاثة الأخرى، في وحدة الرباع الفريد، ~~الخالدون هم رسل الربوبية، من جوهرها الأزلي المقدس يتجلى جوهر الإله لنا، أو يحجب ~~جلاله عنا. # إن ذكرنا الخالدين فقد ذكرنا العناصر الثلاثة الأخرى، ms274 في وحدة الرباع الفريد، الأرض ~~والسماء، الآلهة والفانون، كل منها مستقل بكيانه، غير أنها جميعا متحدة في نسق ~~فريد، وكل عنصر منها يعكس - على طريقته - جوهر العناصر الثلاثة الأخرى، كل منها يعكس ~~ذاته في داخل هذا النسق العجيب، وفي هذا الانعكاس يستضيء كل عنصر على حدة، كما تغمر ~~الكل هالة من النور، كل منها مستقل بذاته متمتع بحريته، غير أن الوحدة التي تتألف ~~منها جميعا وحدة ضرورية، سوف نطلق عليها اسم «العالم»، هي وحدة لا تعرف بالتفسير ~~والتعليل؛ لأنها بسيطة كلية، إن جزأناها إلى عناصرها أو فسرناها بغيرها فقد غاب عنا ~~جوهرها ومعناها. # الشيء يجمع العناصر الأربعة، والشيء يضم العالم - وهو الاسم الذي سمينا به وحدة ~~الرباع الفريد - في لحظة وفي موضع سميناه بالشيء. # ليس وجود الإنسان مجرد وجود على الأرض وتحت السماء وأمام الخالدين، ولكنه كذلك وجود ~~«مع» الأشياء، وفي الأشياء يتجمع الرباع الفريد كما قلنا، وعلى الإنسان أن يشعر بهذه ~~الوحدة الأصيلة للعناصر الأربعة، وأن يبقي عليها في الأشياء، وذلك هو معنى وجوده وسكنه ~~على الأرض، # 14 # بهذا نعود بالشيء إلى مملكته الأولى، إلى كهفه الأمين، وبهذا نكون قد ~~اقتربنا من حقيقة الشيء والعالم والقرب في آن واحد! # | حذاء فان جوخ # رأيان في الفن # نحن نسأل هنا عن الفن، والسؤال الجاد عن شيء هو سؤال عن حقيقته، ماذا نريد بالحقيقة؟ ~~نريد بحقيقة الشيء ما يجعله «ما هو» و«كيف هو»، أي ما يكون الأصل في ماهيته وجوهره . ~~وبالسؤال عن حقيقة الفن نسأل في نفس الوقت عن العمل الفني والفنان. وإذا قلنا: ما الذي ~~يجعل العمل الفني عملا فنيا، كان الجواب: الفنان. وإذا قلنا: ما الذي يجعل الفنان ~~فنانا؟ كان الجواب هو العمل الفني. ولن نستطيع أن نفكر في أحدهما دون الآخر. غير ~~أن العمل الفني والفنان - على توثق العلاقة بينهما - لا يكفيان وحدهما، ولا بد من شيء ~~ثالث يجمع بينهما ويكون حقيقتهما ويعطي اسمهما، هذا الشيء الثالث هو الفن. # 1 # بقدر ما يكون الفنان هو أصل العمل الفني وحقيقته، ms275 وبقدر ما يكون العمل الفني - على ~~نحو آخر - هو أصل الفنان وحقيقته، فإن الفن سيكون بالضرورة هو أصل كليهما وحقيقته. ~~ولكن ماذا نقصد بالفن؟ هل يمكن أن يكون أصلا وحقيقة؟ كيف نجده وفي أي مكان؟ هل هناك ~~شيء في العالم الخارجي يمكن أن نشير إليه بقولنا: هذا هو الفن، أم أن الفن فكرة عامة ~~ندرج تحتها جزئيات كثيرة من فنانين وأعمال فنية؟ نحن بهذه الأسئلة كلها نصطدم بلغز ~~قديم، بدأ منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن طبيعة الفن ويحاول تذوقه والتعرف على سره، أعني ~~منذ أن بدأ هو نفسه يبحث عن سر نفسه، ولا ندعي أننا سنحل هذا اللغز؛ فلم نصل بعد إلى ~~مهارة الحاوي الذي يخرج الكتكوت من جيبه، وكل ما نريده هو أن نحاول رؤية هذا اللغز، أن ~~نسلط الضوء عليه، أن نضعه في المكان الذي يهيئ لنا بعد ذلك أن نعثر على الطريق المؤدي ~~إليه. # لم نقرر بعد إن كان ما نسميه بالفن موجودا أو غير موجود، وإن كان هو الذي يكون ~~حقيقة العمل الفني والفنان أو إن كان من الواجب أن نبحث عنهما في مجال آخر، فلنجرب ~~إذن أن نبحث عن الفن حيث لا شك في وجوده، أعني في العمل الفني، فما هو العمل الفني وكيف ~~يكون عملا فنيا؟ # نحن نعرف الفن من خلال الأعمال الفنية، ونعرف الأعمال الفنية من خلال الفن، أنكون ~~بهذا القول كمن يدور في دائرة مفرغة يحرمها التفكير المنطقي ويرفضها الإحساس السليم؟ ~~إن صح أن حقيقة الفن لا تعرف إلا من تأمل الأعمال الفنية، فكيف نتأمل هذه الأعمال ~~إن لم تكن لدينا من قبل فكرة سابقة عما هو الفن؟ ومن قال: إن الملاحظات العامة ~~التي سنجمعها من تأملنا للأعمال الفنية يمكن أن تكشف لنا عن حقيقة الفن؟ كل خطوة نخطوها ~~من العمل الفني إلى الفن لا بد أن تسبقها خطوة أخرى من الفن إلى العمل الفني، وهذه ~~الدائرة لا مناص منها؛ علينا إذن أن نجرب طريقا جديدا، ولنبدأ بالسؤال عن العمل ~~الفني ms276 نفسه، ما الذي يجعله منه عملا؟ # الأعمال الفنية معروفة لكل إنسان، يكفي أن ننظر في الحدائق والميادين العامة لنرى ~~النصب والتماثيل، وفي المتاحف والمعارض والبيوت لنرى اللوحات من مختلف البلاد ~~والعصور، إن لها من الواقعية ما للأشياء، ومن الوجود ما لسائر ما نحسه ونراه ونستخدمه ~~من موجودات، الصورة تعلق على الحائط كما تعلق بندقية الصيد أو أصيص الورد، ~~واللوحة من رسم فان جوخ أو محمود سعيد تنقل من بلد إلى بلد كما ينقل الفحم ~~والبطاطس والأخشاب، ورباعيات بيتهوفن أو أغاني عبد الوهاب توضع في نوافذ المحلات كما ~~توضع القمصان والأقلام وألعاب الأطفال، كل الأعمال الفنية فيها هذه «الشيئية» التي لا ~~تخلو منها سائر الأشياء، ولكن ألا نغمطها بذلك حقها؟ ألا نعاملها معاملة التاجر ~~والمخزنجي؟ أليس من حقها علينا أن ننظر إليها من وجهة نظر المجرب والمتذوق؟ ولكن ما ~~حيلتنا إذا كان ما نسميه بالتجربة الجمالية لا تقوم له قائمة بغير «شيئية» العمل الفني؟ ~~ماذا يكون التمثال بغير الحجر؟ واللحن بغير الصوت؟ واللوحة بغير القماش والورق واللون؟ ~~فالشيء إذن ماثل في كل عمل فني، بل إننا لنستطيع أن نعكس الأمر فنقول: إن العمل الفني ~~ماثل في الشيء، فالتمثال في الحجر، والحفر في الخشب، والرسم في اللون، واللحن في ~~الصوت. # أنكون بهذا السؤال عن الشيء في العمل الفني قد أربكنا أنفسنا بغير طائل، في حين أن ~~العمل الفني يتجاوز «الشيء» ويشير إلى ما هو أبعد منه؟ حقا، إن العمل الفني شيء ~~مصنوع، ولكنه يقول لنا أكثر مما يقوله مجرد الشيء، كما يوحي إلى ما يرتفع عنه ويرمز إلى ~~ما يعلو عليه، ومع ذلك فقولنا: إن العمل الفني رمز لما وراءه لا يعفينا من البحث عما ~~يرمز به، أعني أنه لا يعفينا من النظر إلى شيئيته التي يقوم عليها كيانه والتي خلق منها ~~الفنان ما نسميه عملا فنيا. لا بد إذن من البحث عن واقع العمل الفني إذا كنا ~~نريد أن نعرف واقع الفن، ولا بد من البحث عما هو الشيء الذي يكون ms277 منه هذا الواقع، ~~أعني لا بد من السؤال عما هو الشيء، على الرغم من أننا نعلم سلفا أن العمل الفني أكثر ~~بكثير من أن يكون مجرد شيء. # فما هو الشيء من حيث هو شيء؟ وما هي طبيعة الموجود الذي نقول عنه في العادة: إنه شيء؟ ~~نحن نقول عن الحجر على الطريق: إنه شيء، كما نقول عن الجرة والنبع، ولكن ما هو الحال مع ~~اللبن في الجرة والماء في النبع؟ هما كذلك أشياء، مثلهما مثل السحاب في السماء، والشجرة ~~في الحقل، والورقة في مهب الريح، والطائر في الغابة، كل ما يظهر بنفسه إلى الوجود ~~يسمى في لغة الفلسفة شيئا، بل إن ما لا يظهر ولا تراه عين أو يدركه حس قد ~~نسميه شيئا. ألم يتحدث فيلسوف مثل «كانط» عن الشيء في ذاته؟ ألم يقصد به كلية الوجود ~~وما يجعل الوجود وجودا؟ كل ما ليس عدما فهو إذن شيء، سواء كنا نريد به آخر الأشياء ~~وأبعدها (كالموت والبعث) أو أقربها إلى عيوننا وحواسنا (كالحجر والجرة)، والكلام نفسه ~~ينطبق على العمل الفني من حيث هو موجود بين الموجودات، غير أن وجوده كشيء لا يعنينا ~~كثيرا في التعرف على وجوده كعمل فني، بل إننا لنشفق على أنفسنا أن نسميه شيئا كما ~~نشفق عليها من تسمية الفلاح في الحقل والمعلم في المدرسة أشياء؛ فالإنسان ليس شيئا، ~~وكرامته وتاريخه الحضاري يربآن به أن يكون شيئا، كما يقفان في وجه كل من تحدثه نفسه ~~أن يعامله معاملة الأشياء. والأفضل أن نسمي المطرقة شيئا أو الحذاء أو الفأس أو ~~الساعة، ومع ذلك فليست جميعها أشياء خالصة، بل الشيء الخالص فيها هو الخشب أو الحجر أو ~~الحديد، أعني كل ما ليس بحي في الطبيعة أو في مجال الاستعمال. فالشيء الذي يستحق هذه ~~التسمية هو الشيء الخالص الذي خرج عن مجال الحياة والاستخدام على السواء، إنه شيء وكفى. ~~هل اقتربنا بهذا من واقع العمل الفني الذي قلنا: إنه يزيد عن كونه مجرد شيء، لنبتعد ~~الآن عن التاريخ الميتافيزيقي الطويل الذي ms278 حاول على مر العصور أن يفسر شيئية الشيء ~~بأنها الشيء الباقي وراء الخصائص والصفات، أو «الموضوع» الذي يحمل هذه الخصائص والصفات، ~~أو الجوهر وراء الأعراض، أو المادة الأولى أو الهيولي التي تنطبع عليها الصورة فتتشكل ~~على نحو ما نراها أو نلمسها أو نحسها أو نتذوقها. لنبتعد عن هذا كله، ولنبعد ~~عنا كل ما يقف بيننا وبين الشيء نفسه مباشرة، لنحاول أن نلتقي بالأشياء أو نتركها ~~تلاقينا عن طريق ما توصله إلينا حواس البصر والسمع واللمس، أو عن طريق ما نحسه فيها من ~~لون أو صوت أو ملمس. لنحاول ما وسعتنا الطاقة أن نقترب منها القرب الخالص المباشر ~~بعيدا عن كل هدف يمكن أن تستخدم له أو تصنع من أجله. لنترك شيئية الشيء تتحدث ~~إلينا بنفسها - في تجربة اللقاء المباشر - بعد أن نتخلص من كل التصورات التقليدية التي ~~حاولت أن تصف لنا الشيء أو تحدد لنا الموجود، سواء على أنه «حامل» الصفات أو وحدة ~~الإحساسات المتنوعة أو المادة المشكلة. لنحاول كما قلت أن نفكر في الموجود من ناحية ~~وجوده ولا نفرض نظريات ولا تصورات غريبة عليه، وأن نواجه الشيء بغير وسيط، ونعانقه ~~كما يعانق الحبيب الحبيب، ونراه مرة بعين الطفل أو الشاعر أو الحكيم، هذه العين ~~التي تعرف معنى الدهشة والعجب والحب والسرور. # لنضرب مثلا شيئا من الأشياء: ليكن زوجا من الأحذية مما يلبسه الفلاحون، لنوضح ~~المثل في ضوء لوحة مشهورة من لوحات الأحذية الكثيرة التي رسمها الفنان العظيم ~~«فان جوخ»، هو زوج من الأحذية كما قلت، وكل إنسان يعرف ما هو الحذاء وما وظيفته وما ينبغي ~~أن يتوافر فيه لكي يكون حذاء، وكل إنسان يعرف أن الأحذية أنواع وأن اختلاف الهدف منها ~~له أثره في اختلاف مادتها وشكلها، فالحذاء الذي نلبسه في الصيف غير الذي نلبسه في ~~الشتاء، والذي نذهب به إلى حفلة رسمية غير الذي نلبسه في الحقل، ولكن هذا الشيء نعرفه ~~من قبل، كما نعرف أن وجود الحذاء كأداة أمر مرهون بالوظيفة التي يؤديها، فالفلاح في ~~الحقل يلبس ms279 الحذاء (أو هذا على الأقل ما نتمناه لأهلنا جميعا في الريف) وفي الحقل يكون ~~وجود الحذاء أول ما يكون، بل إن درجته في الوجود تزداد كلما استغرق الفلاح في عمله فلم ~~ينظر إليه أو يحس به أو يفكر فيه. إنه يسير به وحسب، وهناك يكون الحذاء حذاء بحق، ~~أعني يكون الأداة التي تحقق ما خلقت له، أما إذا اكتفينا بتأمل الحذاء بوجه عام، ~~أو نظرنا إلى زوج جديد من الأحذية لم توضع فيه قدم، فلن نستطيع بحال أن نعرف شيئا عن ~~طبيعة هذا الحذاء بما هو أداة صنعت لتحقق غرضا. صحيح أن الطفل الصغير يراه فيعرف ~~أنه خلق لتلبسه القدم، أما طبيعة هذا الحذاء الحقة فلا تتجلى بكل ما فيها من حضور ~~حتى تلبسها القدم الخشنة أو الرقيقة، الصغيرة أو الكبيرة، المرفهة أو التي كتب عليها ~~الشقاء. # ليستحضر القارئ في ذهنه صورة هذا الحذاء العجيب الذي رسمته ريشة فان جوخ؛ إن النظرة ~~الأولى إليه لا تكاد تتبين شيئا من حوله، اللهم إلا المكان الغامض غير المحدود، لن تجد ~~شجرة ولا ورقة ولا كومة تراب، إنه زوج من الأحذية ولا شيء سواه. # ومع ذلك فمن سحنة هذا الحذاء الخشن الثقيل تطل قسوة العمل وتعب النهار، في مظهره ~~الغليظ وتعاريجه العميقة يجتمع الإصرار والصبر على المشوار الطويل الذي يقطعه صاحبه في ~~أرجاء الحقل، ما بين ري وبذر وحرث، على الجلد الشاحب المتآكل آثار من عرق الأرض ~~وألمها، من عرفانها وخصوبتها، تحت النعلين تنداح وحدة الطريق إلى الحقل خلال ظلمة ~~النهار الغارب، وعلى وجه الحذاء المتعب الجاد تلمح العين طيبة الأرض وكرمها، وتسمع ~~الأذن صدى ندائها المكتوم وهي تهدي منحتها الذهبية من الغلة، أو عطيتها الحلوة من ~~الفاكهة. هل نسمع أيضا صدى أنينها من حد المحراث الذي يشق جسدها الأسمر من آلاف ~~السنين؟ أم نرى على خطوط الحذاء أثر القلق على لقمة العيش، والخوف من نزوات العاصفة ~~وغضب الأمطار، والفزع أمام خطر الدودة والموت والجفاف؟ هل نرى عليه ملامح الفرح ~~بالمحصول الجديد ودلائل ms280 الامتنان للأم الوفية؟ هذا الحذاء جزء من الأرض، جزء من عالم ~~الفلاح، قطعة من حياته وكده وأنفاسه. وانتماؤه على هذا النحو إلى حياته وتاريخه وشقائه ~~هو الذي يحقق وظيفته ويجعله ما هو عليه، أعني حذاء فلاح. إن الفلاح نفسه قد لا يعرف هذا ~~كله، إنه يلبسه فحسب، وحين يعود إلى بيته في المساء يخلعه بعد نهار حافل بالتعب والرضا ~~والألم، ولكنه حين يمد يديه إليه في الصباح سيحس بما قلناه دون حاجة إلى التأمل ~~والتفكير، وسيعرف أنه يؤدي وظيفته خير أداء، ولكنه سيعرف أيضا أنه يستطيع أن يعتمد ~~عليه، وأنه أحد هذه العوامل الكثيرة التي تجعله يحس بالراحة في ظل الأرض والأمان في ~~عالمه الصغير المحفوف بالأخطار. هل نقول: إن الأرض والعالم بالنسبة للفلاح مجتمعان في ~~هذا الحذاء؟ ربما كان في هذا شيء من المبالغة، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الفلاح ~~يحس منه بكثير مما يستشعره في حياته من تواضع وبساطة واطمئنان. في هذا الاعتماد على ~~الحذاء تكمن طبيعته كحذاء، في الاستعمال المتصل به حتى يبلى تكمن وظيفته كأداة، هل نكون ~~بهذا قد اقتربنا قليلا من طبيعة «الشيء» أو من حقيقة العمل الفني؟ # إن صح أننا عرفنا طبيعة الأداة بما هي أداة من مثال الحذاء الذي قدمناه، فلم تكن ~~معرفتنا به عن طريق وصف ولا تفسير لصناعة الحذاء، ولا عن طريق ملاحظة أو تقرير لأوجه ~~استعماله، لقد عرفنا ما عرفناه من سبيل واحد لا سبيل سواه: بلقائنا مع رسم فان جوخ، ~~تكلم إلينا الحذاء العجيب وأصغينا، شعرنا بأن كياننا في حضور هذا العمل الفني أصبح ~~غيره في أوقات أخرى، تعلمنا منه ما هي حقيقة الحذاء، ونخطئ كثيرا لو تصورنا أن ما ~~قلناه كان من قبيل الإسقاط الذاتي للمشاعر والأحاسيس، أو من قبيل الإعجاب المتحمس ~~بعمل يستحق الإعجاب والحماس، فالأصح أن ما قلناه عنه أقل بكثير مما يجب أن يقال، وما ~~جربناه أضعف مما ينبغي أن يجرب، وكذلك الشأن مع كل عمل فني عظيم لا مع هذا الحذاء ~~الفريد ms281 وحده! المهم أنه جلى لنا حقيقة الحذاء بما هو حذاء، نقول: جلى حقيقته ونقصد ~~أنه أظهرها بعد اختفاء، فالحقيقة هنا ظهرت أو تجلت، وهو ما كان يقصده اليونان من كلمة ~~أليثيا # Aletheia ~~(أي الحقيقة) أو الجلاء بعد ~~الغموض والاختفاء. # حقيقة الفن إذن هي إظهار حقيقة الوجود، وهنا يسأل القارئ: ولكن الفن يتعلق دائما ~~بالجميل والجمال لا بالحق والحقيقة؛ فالحقيقة مجالها المنطق، والفن الجميل هو الذي يظهر ~~الجمال، أم ترانا نريد بقولنا: إن الفن يظهر حقيقة الوجود أنه يحسن تقليده ومحاكاته، ~~وهو الرأي القديم الذي لم يعد له اليوم مكان؟ أم نقصد أن لوحة فان جوخ قد نجحت في ~~محاكاة حذاء واقعي وجعلت منه عملا فنيا؟ ليس الأمر كذلك. # فاللوحة لم تقتصر على إعطائنا صورة هذا الموجود الذي نسميه بالحذاء، بل نقلت إلينا ~~الحقيقة العامة للموجود، وهي لم تنقل لنا هذه الحقيقة عن مثال أو فكرة سابقة في الوجود، ~~(من يستطيع اليوم أن يزعم أن الفنان الذي يبني معبدا يونانيا أو فرعونيا قديما قد ~~نقله عن فكرة المعبد على وجه الإطلاق؟ أو أن المتنبي أو شكسبير قد حاكى بقصائده مثال ~~الشعر في ذاته؟) بل أظهرت الحقيقة في هذا العمل الفني، أو جعلتها تحدث في الزمان ~~والتاريخ، أو فتحت عين الموجود على الوجود، ولا بد هنا من أن نعود فنسأل: ما هي هذه ~~الحقيقة التي تتجلى في بعض الأزمان في صورة الفن؟ وماذا نقصد بأن الفن يظهر ~~الحقيقة؟ # الأصل في العمل الفني هو الفن، وما هو الفن؟ هو ما نجده في العمل الفني، ومن أجل هذا ~~رحنا نبحث عن طبيعة العمل كعمل، وقادنا هذا إلى البحث عن صفة «الشيئية» التي تكمن وراء ~~كل عمل فني أو غير فني، رأينا أننا لن نصل إلى نتيجة نرضى عنها بتصوراتنا التقليدية عن ~~الشيء، لا لأن هذه التصورات التي ورثناها من تاريخ الميتافيزيقا لا تكفي للتعرف على ~~شيئية الشيء فحسب، بل لأنها كذلك تسد علينا الطريق إلى طبيعة العمل بما هو كذلك، فلكي ~~نصل إلى حقيقة ms282 العمل لا بد أن ننتزعه من كل العلاقات التي تربطه بما عداه، حتى يقوم ~~وحده بذاته وفي ذاته. # العمل الفني يعرض في المعارض ويضم إلى المجموعات، المعجبون يتسابقون إلى رؤيته، ~~والتجار يتنافسون في الحصول عليه، الجهات الرسمية تسهر على رعايته والنقاد يهتمون ~~بأمره، والفلاسفة يجعلون منه موضوعا لعلم الجمال. # ولكن هل نلتقي بهذا كله بالعمل الفني في حقيقته؟ لقد انتزع العمل الفني من عالمه ~~ففقدنا القدرة على رؤيته على ما كان عليه، لوحات جويا أو أعمال باخ أو قصائد المعري هي ~~هي، ولكنها لم تعد تقول لنا كل ما كانت تقول لأصحابها أو معاصريهم، لقد أصبحت تراثا ~~نحافظ عليه، أو نحاول القرب منه، ولكنها أصبحت بذلك أيضا «موضوعات» للبحث والمناقشة ~~والتذوق، وابتعدت بذلك أيضا عن طبيعتها الأصلية. # بأي شيء إذن يرتبط العمل الفني إن نحن جردناه من كل علاقة بما عداه؟ نقول: إنه ~~ينتمي إلى عالمه الذي تتحقق ذاته من خلاله، فالحقيقة «تحدث» في العمل الفني وتتجلى ~~فيه، وقد رأينا ذلك على ضوء لوحة فان جوخ، فلنجرب أن نراه الآن على ضوء عمل فني آخر، ~~وليكن معبدا من معابد الإغريق. هذا البناء الذي نسميه بالمعبد لا يحاكي شيئا، إنه يقف ~~هناك في الوادي تحيط به الصخور من كل مكان، في داخله تمثال للإله، نراه من قاعة الأعمدة ~~وتشع حوله القدسية والجلال. المعبد هو الذي يجعل الإله يتجلى فيه ويغمره برهبته ~~وحقيقته، والمعبد هو الذي يجمع ويهيئ هذه الوحدة من العلاقات التي نرى من خلالها قدر ~~الإنسان اليوناني وتاريخه وميلاده وموته وهزيمته وانتصاره وارتفاعه وسقوطه، إنه يفسح ~~لنا هذا الأفق الواسع الذي نطلع منه على عالم هذا الشعب، وكأننا نراه وهو يعود إلى ~~نفسه ويتأمل قدره ومصيره. # المعبد يقف هناك فوق الصخور، يستريح فوق هذه الكتلة المعتمة الصابرة، ويقاوم العاصفة ~~الثائرة حوله، والمطر المتدفق عليه، ويبين كم هي غاضبة هذه العاصفة، وكم هو مقتدر هذا ~~المطر، لمعان الصخر الذي تباركه الشمس هو الذي يظهر روعة النهار ورهبة السماء ووحشة ~~الليل، صلابته ms283 التي لا تتزعزع تصطدم بها أمواج البحر الهائج فيذكرنا بهدوئه كم هي ~~ثائرة، الشجرة والعشب، الحية والفراشة تظهر في صورتها وتبدو على ما هي عليه، كل شيء حول ~~المعبد ينمو ويتشكل ويتخذ موضعه من الكل، والأرض كلها تظهر للإنسان في معناها الأصيل، ~~سكنا له وموطنا، لا نعود نقول: إنها كتلة هائلة من المادة، ولا إنها فلك من الأفلاك ~~التي تسبح حول الشمس، بل نقول: هي التي تظل كل ما ينمو ويتفتح ويتنفس، وهي التي تعطي ~~له المسكن والأمان، المعبد الشامخ في موضعه فوق الصخور هو الذي يفتح أعيننا على هذا ~~العالم ويعين له مكانه فوق الأرض، هذا الوطن الأصيل. إننا لا نقول: إن البشر والحيوان ~~والنبات والأشياء كانت موجودة ومعروفة من قبل ثم جاء المعبد فأصبحت الوسط الذي يحيط ~~به، بل الأولى أن نفكر بالعكس، الإنسان لا يعرف قدره وتاريخه، وأنواع الحيوان والنبات ~~لا تظهر حقيقتها إلا بعد أن يظهرها العمل الفني على عالمها ويضعها فيه؛ فالعمل الفني ~~هو الذي يظهر الحقيقة ويجليها ويخرجها إلى النور. # المعبد هو الذي يضع هذه الكائنات المحيطة به في عالمها الحقيقي، وهو الذي يعطيها ~~وجهها ويطلعها على ذاتها قبل أن تصبح موضوعات للعلم والدرس والتحصيل، وكذلك الأمر مع ~~صورة الإله المنقوشة بداخله وأمامه المحارب المنتصر الذي يقدم له القرابين، ليست الصورة ~~من قبيل المحاكاة، ولا هي تريد أن تعرفنا كيف يبدو الإله، ولكنها العمل الفني الذي ~~يدع الإله نفسه يظهر في حقيقته، أي الذي يجعله «يكون». من خلال العمل الفني «تظهر» ~~الحقيقة، يكون الإله، «يوجد» العالم، ما معنى قولنا: إن العالم «يكون»؟ معناه أننا نعرف ~~من خلال العمل الفني ما هو العالم، فليس العالم مجموعة من الأشياء والموضوعات مما نعرف ~~وما لا نعرف، نحصيها ونضعها إلى جانب بعضها البعض، وليس العالم فراغا حقيقيا أو ~~متخيلا نتصور مجموع الموجودات في إطاره؛ ذلك لأن العالم أعلى درجة في الوجود من كل ~~ما نلمسه أو ندركه من الموجودات، ولأنه لا يمكن أن يصبح «موضوعا» مما نجده أو ms284 نراه ~~أمامنا، ففي الفترات الحاسمة من تاريخنا حين نولد أو نموت، وحين ننتصر أو ننهزم، ~~ونكلل بالمجد أو نقع في الكارثة، في مثل هذه اللحظات يكون العالم عالما؛ ذلك لأن ~~الإنسان هو الكائن الوحيد الذي قدر عليه - سواء أراد أو لم يرد - أن يوجد في الوجود ~~ويسأل عن حقيقة العالم، فالحجر لا عالم له، وكذلك النبات والحيوان، إنهم منتمون ~~بالضرورة إلى وسط يرتبطون به على الرغم منهم، وعلى العكس من ذلك الفلاح، فهو يقيم في ~~العالم المفتوح أمامه، المتسع لأفراحه وهمومه، الذي تلقاه حين ولد وسيؤويه حين ~~يموت، ولكنه حين يزرع ويرعى البذور ويتعهد الثمار بفض أسرار الأرض ويكشف عن حقيقتها ~~ويجعلها تصبح أرضا، وكذلك المثال حين يعالج الصخر، والشاعر حين يتناول اللغة، والرسام ~~حين يمد ريشته في اللون، والموسيقي حين يؤلف بين الأصوات، ففي كل عمل فني يتفتح ~~العالم ككل، وتتجلى الحقيقة على حقيقتها. # في وقفة المعبد في مكانه الشامخ فوق الصخور «تحدث» الحقيقة، لا نقول: إن شيئا قد ~~صور هنا أو عبر عنه أو أتقن تقليده، بل نقول: إن الوجود كله قد تجلى وظهرت ~~حقيقته. وفي لوحة فان جوخ «تحدث» الحقيقة، لا نقول: إن شيئا قد أجيد رسمه أو ~~أحسنت محاكاته، بل نقول: إن طبيعة الحذاء كأداة قد ظهرت في هذه اللوحة، وفي ظهورها ~~تجلى الوجود كله - الأرض والعالم في تلاقيهما وفي تنازعهما - في نور الحقيقة، المعبد ~~واللوحة كلاهما لا ينبئنا بشيء عن شيء، فالجمال يظهر في بساطتهما وصفائهما، وبظهوره ~~تتجلى الحقيقة، حقيقة العالم والوجود كله، ألم نقل: إن الفن هو إظهار الحقيقة؟ # تأملنا العمل الفني حتى الآن من ناحية العمل نفسه، أعني من ناحية شيئيته وواقعيته، ~~ولم ننظر فيه من ناحية الفنان، أعني من ناحية الخلق والإبداع. إن سلوك الفنان والصانع ~~يكاد يتشابه، على الأقل من ناحية المظهر؛ فسلوك الخزاف والمثال والنجار والرسام ~~يكاد يكون واحدا، والفنانون العظام كانوا دائما يقدرون الصنعة والصانع، ويعرفون أهمية ~~الحرف اليدوية والمران اليدوي. ومن المعروف أن اليونان كانوا يطلقون كلمة واحدة ms285 على ~~العامل اليدوي والفنان هي «تخنيتس»، ولكن هذه الكلمة لا تعني في الحقيقة أي نوع من ~~أنواع الصنعة والإنجاز العملي، بل تعني أسلوبا من أساليب المعرفة، والمعرفة عندهم كانت ~~دائما ضربا من الرؤية بمعناها الأعم، أعني إدراك الموجود بما هو موجود، وجوهر هذه ~~المعرفة هو الحقيقة بالمعنى الذي ذكرناه، أعني تجلي الموجود وظهوره من الخفاء، ~~«فالتخني» بهذا الفهم اليوناني إظهار للموجود من الغموض والخفاء بالمظهر الذي تراه ~~العين منه، و«التخنيتس» ليس هو الصانع اليدوي، بل ذلك الذي يجعل الموجود يظهر على ~~الحقيقة، أو يجعل حقيقته تظهر فيه. ولا عجب إذن أن تتوقف عملية الخلق في العمل الفني ~~على طبيعة العمل نفسه، لا بوصفه شيئا مصنوعا بل باعتباره مجالا تحدث فيه الحقيقة. ~~ولكن ما هي هذه الحقيقة التي تظهر في العمل الفني؟ وما مدى صلتها به حتى تظهر فيه؟ ~~قلنا: إن الحقيقة هي عدم التخفي أو هي الجلاء بعد الاختفاء، وهي بهذا التعريف لا تبدو ~~إلا من خلال الشقاق القائم بين الإيضاح والإخفاء، والحقيقة بهذا هي مهد هذا الشقاق ~~الأصلي الذي يكافح فيه من أجل الوضوح أو الانفتاح. # وحين تظهر الحقيقة على هذا النحو في العمل الفني فليس معناه أنها لا تظهر إلا فيه ~~(هل نستطيع أن نقول هذا والفنانون الحقيقيون هم أبعد الناس عن الغرور؟) إنها قد تظهر ~~كذلك في تأسيس دولة أو في فداء بالروح، أو في سؤال جاد عن معنى الحياة، أو في القرب ~~من الوجود الحق . # فالحقيقة - بحسب جوهرها - تحب أن تستقر في الوجود؛ ولذلك فإن من جوهرها أيضا أن ~~«تكون» في العمل، واستقرار الحقيقة واتخاذها شكلا في مثل هذا العمل هو إبداع للموجود ~~الذي لم يكن من قبل ولن يتكرر من بعد، هو وضع له في الضوء والانفتاح، أعني في الحقيقة، ~~وإنقاذ له من التخفي والانغلاق، أعني من عدم الحقيقة. إننا نستطيع أن نقول عنه الآن: ~~إنه كائن وليس عدما، ولكن ألا يصح هذا عن كل موجود آخر، سواء أكان عملا فنيا أو ~~يدويا أو أي ms286 شيء مسته يد الصنعة والصناع؟ ما الذي يميز العمل الفني عنها ~~جميعا؟ يميزه عنها أننا نستطيع أن نقول عنه ما نقوله حين تظهر الحقيقة، أعني أنه ~~«يكون»، ولكن أليس هذا شيئا عاديا؟ ألا نقول عن كل ما نراه أو نلمسه أو نستخدمه: إنه ~~كائن؟ نعم ولا، فكل ما ذكرناه موجود حقا وكائن، ولكنه سرعان ما يسقط في النسيان ~~ويهبط إلى التعود ويصبح مجرد أداة أو وسيلة، أما «الكينونة» في العمل الفني المبدع ~~فهي أغرب ما فيه؛ ذلك لأنه «كائن» كهذا العمل الفني لا كشيء آخر سواه (العمل الفني لا ~~يريد ولكنه «يكون»، إن له معنى ولكن ليس له غرض، سواء كان هذا الغرض علميا أم ~~اقتصاديا أم إصلاحيا، إنه لا يقصد شيئا بل يدل ويشير)، وفي هذا التجلي والظهور ~~على حقيقته تكمن وحدته وتفرده، وكلما توحد العمل الفني في انفتاحه على الوجود، وبدا ~~كأنه يبتعد عنا؛ لأنه يبتعد عما ألفنا وتعودنا، خرج من عاديته وازداد منا ~~قربا، أو بالأحرى ازددنا نحن من حقيقته اقترابا، هنالك نعود إلى حقيقته ونصمد فيها، ~~أعني إلى الوجود الذي فتح أعيننا عليها، فهل من عجب إن قلنا بعد ذلك إننا نكون موجودين ~~بحق حين نكون أمام العمل الفني الحق؟ ما أبعد هذا عن التجربة والتذوق وكل ما يبدأ فيه ~~العلم ويعيد! وما أقربه إلى حقيقة العالم والوجود والإنسان! هذا الذي راح يكتشف العمل ~~الفني فاكتشف نفسه، ويبحث عن الشيء والصنعة فيه فوجد الأرض التي انتزع منها، والعالم ~~الذي جعل مقامه عليه، والوجود الذي أظهر الحقيقة فيه! # الفن هو الذي يظهر الحقيقة، في كل مرة يظهرها يبدأ التاريخ أو يعود فيبدأ من جديد، ~~والفن بذلك تاريخي، إنه إبداع الحقيقة في العمل الفني والمحافظة عليها، هو تاريخي لا ~~بالمعنى الخارجي للتاريخ - من تغير وتبدل في الزمان - بل بالمعنى الأصيل الخلاق من ~~إظهار الحقيقة، ولا يكون ظهورها إلا في التاريخ. نحن نسأل عن حقيقة الفن، ولم نسأل ~~عنها؟ لكي نعرف إن كان الفن في وجودنا التاريخي أصلا وحقيقة ms287 أو مجرد ادعاء ودعاية، ~~وحين يصبح الفن أصلا وحقيقة حاسمة في حياتنا فسوف نعرف كيف نهيئ له المجال وللفنان ~~الطريق، وكيف نساعد الإنسان العادي على أن يخرج مرة عن أفقه اليومي المعتاد إلى أفق ~~الحقيقة والنور. # العمل الفني إذن هو مجلى الحقيقة والفنان هو مجليها. ~~••• # ولكن لنحاول مرة أخرى أن نضع السؤال بطريقة أبسط، ونجيب عليه كذلك إجابة بسيطة، ما ~~هو هذا الشيء الغريب الذي يبدو كأن لا أثر له، ومع ذلك فتأثيره لا حد له، ويستخلص من ~~الحياة العادية، ومع ذلك فهو يلمس أعمق أعماق وجودنا، ونزنه بكل الموازين العملية فيبدو ~~شيئا كماليا، ومع ذلك فلا غنى عنه لكل من دخل مرة في حياته؟ # لنتصور إنسانا رزق موهبة الفن، أو لنقل على وجه التحديد: موهبة الرسم، ولنتصور ~~أنه يلتقي بمحض الصدفة بشيء من العالم الخارجي كشجرة أو حيوان أو وجه إنسان؛ إنه يحس ~~بشيء يلمسه أو يؤثر فيه، ينبعث من شكله أو لونه أو حركته ويدفعه إلى أن يعبر عن تأثره ~~بالقول أو بالفعل، ويستعين بقدرته على التشكيل والتصوير في اكتشاف حقيقته أو خاصيته. إن ~~كيانه الباطن ينفعل بهذا الشيء وتعروه حركة عجيبة، فهو يتفتح ويتلقى، وهو يستيقظ ~~ويتوتر ويستعد للعمل، هذه الحالة الوجدانية التي يحس بها قد تختلف درجتها قوة أو ~~ضعفا، فقد تكون لمسة خفيفة عابرة أو حالة من حالات التأثر الشديد والتسلط القاهر، إنه ~~يحس عندئذ بأن لديه جهازا عضويا خاصا ينتبه إلى حقيقة الأشياء والأحداث، ويحاول ~~أن يرصد شكلها المميز ويظهر طبيعتها الكامنة. # في مثل هذه الحالة الوجدانية يشعر الإنسان الذي تحدثنا عنه بأن لديه رغبة لا تقاوم ~~في تناول هذا الشيء الخارجي الذي يراه أمامه، لا لكي يستغله في تحقيق غرض عملي كما ~~يفعل الصانع الفني، بل ليخلقه من جديد، ولكن كيف يتم هذا الخلق الجديد؟ بأن يحاول إعادة ~~تشكيله، فيبدع من المادة التي لديه - وهي في حالتنا هذه الألوان والسطح الذي سيرسم عليه ~~- شيئا آخر يبدو شبيها بالشيء الذي وجده بالخارج، نقول: شبيها ms288 به، ونقصد بالطبع أن ~~هذا الشبه تحدده طبيعة المادة التي أشرنا إليها، فالقماش الذي سيرسم عليه لا يقدم له ~~إلا سطحا أملس، بينما الشجرة الحقيقية التي يريد أن يرسمها موجودة كجسم حي في العالم ~~الخارجي، كذلك يحدده الأسلوب الفني السائد في عصره، فالرسام من عصر النهضة مثلا يرى ~~هذه الشجرة بعين غير العين التي يراها بها فنان تجريدي حديث. # في هذا الفعل انتصار للفنان على الطبيعة، فهو فعل «خلاق»، يريد أن يبدع به عالما، ~~ولكنه عالمه هو، هذا الخلق ليس شيئا إراديا متعمدا، ولكنه يخدم هدفا معينا، ~~أي هدف؟ الوجود الإنساني. ولكن كيف يمكن للخلق الفني أن يخدم وجود الإنسان؟ # قلنا: إن شكل الشيء الخارجي - ونعني بالشكل كل ما يمكن أن يدرك إدراكا حسيا من ~~خط أو سطح، وبنية أو وظيفة، وحركة أو سلوك - يعبر عن جوهره وما يميزه، ويختص به ويعطي ~~له معناه، هذا التعبير يكون في الشيء الخارجي ناقصا وغير محدد، والفنان هو الذي ~~يحس برغبة تدفعه إلى إتمامه وإيضاحه، إنه يرى حقيقة الشيء تقترب منه فيضع نفسه في ~~خدمتها، حتى يمكنها أن تتضح على نحو أكمل، لا بالأفكار والتصورات والنظريات كما يفعل ~~العالم، بل على نحو حسي متصل بما يرى ويسمع ويلمس، إن شكل الأشياء يأخذ بيده ويتحكم ~~فيه في نفس الوقت، فيقبل عليها ليستكمل بناءها أو يبسطها أو يكثفها أو ينظمها أو يفعل ~~بها ما توحي به حاسته الباطنية التي أشرنا إليها لكي يرفع من درجة تعبيرها ويظهر ~~طبيعتها المميزة. طبيعي أن هذا يذكرنا بالمحاكاة أو «الميمزز» التي تحدث عنها القدماء، ~~ولكنها ليست تلك المحاكاة السطحية التي تنسخ الواقع، بل هي أعمق من ذلك بكثير، إننا ~~نفهمها إذا تصورنا العلاقة بين الفنان والشيء الخارجي، كالعلاقة بين الممثل والشخصية ~~التي يخلقها الشاعر أو الكاتب المسرحي؛ فالممثل يسخر كل طاقته على التشكيل وعلى ~~قدرته على الرؤية في تجسيم هذه الشخصية في صورة حية، كما تفعل الطبيعة في الشيء نفسه، ~~ولكن بصورة تتفوق عليها بقدر ما يتفوق الإنسان بفضل ms289 طبيعته العاقلة على الطبيعة، ~~وحين يدرك الفنان طبيعة الشيء؛ يدرك في نفس الوقت حقيقته، لا إدراكا نظريا كما يفعل ~~عالم النفس الذي يبحث الحياة النفسية الباطنة، بل على نحو حي مباشر؛ فالفنان حين ~~يشعر بأن كيان الشيء يلمسه، يشعر كذلك بأن شيئا يستيقظ في كيانه هو. # ذلك هو اللقاء بين الفنان والعالم الخارجي، فهو يرى الشيء، ويحس بتفرده وجماله ~~وعذابه، فيتردد على الفور شيء كالصدى في نفسه يستيقظ ويسمو ويتفتح، وكلما زاد حظ ~~الفنان من العمق والقوة والغنى الوجداني، كانت قدرته على هذا اللقاء أقوى وأعمق، وعلى ~~الاستجابة للوجود الخارجي أغنى وأدق. في هذا اللقاء وبهذه الاستجابة يعود الفنان ~~أيضا إلى نفسه، فقد رأينا أنه لا يدرك الشيء كما هو عليه من الواقع، بل يرى وراء ظاهره ~~باطنه، ويستشعر حقيقته من مظهره، وفي هذا اللقاء تظهر حقيقته هو أيضا، ويدرك وراء ~~وجوده اليومي وجودا آخر أعمق وأبعد. ليس هنا شيء من الغرور أو الأنانية، فكما برزت ~~حقيقة الشيء في حس الفنان، فكذلك تستيقظ حقيقته هو نفسه ويدرك رسالته التي خلق لها ~~ونودي إلى تحقيقها من خلال العمل الفني. # هكذا تتحد حقيقة الشيء وحقيقة الفنان في وحدة حسية تجاهد في سبيل التعبير، إحساس ~~الفنان بذاته يجري في طريقة رؤيته للشيء الخارجي، وشكل الشيء الخارجي يتم الإحساس به من ~~خلال التجربة الذاتية، وكلاهما يندمج بحيث يصبح شكلا أو عملا فنيا يختلف الدافع ~~إليه باختلاف العصور وتفاوت شخصيات الفنانين، فبعضهم يوجه اهتمامه إلى جوهر الشيء ~~وقوامه، ويعني بالأشكال في علاقاتها وقوتها، كما نرى في الفن القديم، وبعضهم يهتم بالجو ~~السائد بين هذه الأشكال، أي بالضوء أو اللون أو الجو العام، كما يفعل التأثيريون، ~~وبعضهم يبحث عن البناء والمعمار، كما فعل «أندريا دل سارتو» (1486-1531)، وبعضهم الآخر ~~بالقوة المتدفقة بالحركة الديناميكية، كما نرى في لوحات «ميكيل أنجلو» أو تماثيله. ~~أراد الفنان المصري القديم أن يصور الشيء المميز والقانون الباقي وراء التنوع الظاهر في ~~العالم، بينما أراد الفنان الحديث أن يعبر عن الطابع الفردي الذي ms290 لا يتكرر (لنذكر ~~رمبرانت أعظم الفنانين). كان الفن حتى الحرب العالمية الأولى يبدأ بما تقدمه الطبيعة؛ ~~لكي يبرز ما فيها من تعبير وشفافية، ثم حدث شيء جديد، وأخذ الفنانون يبحثون عن ~~الأشكال الأولية الكامنة وراء الأشكال الطبيعية، لكي يعبروا بها عما في الحياة من ~~عناصر أولية، ونشأ بذلك ما نسميه اليوم بالفن التجريدي. # كذلك تختلف عملية التأثر والبحث والتكوين، ونحن بهذا نطرق فصلا من أصعب وأمتع الفصول ~~في حياة الفنانين ونفسياتهم، ونطلع على تاريخ العمل الفني الواحد من خلال الفنان، كما ~~نتعرف على تاريخ تجربته في الخلق والإبداع، فمن الفنانين من يتحول انطباعهم إلى الفعل ~~مباشرة، وكأن هذا الفعل يقفز على الفور من لقائهم الحي مع الشيء الخارجي (كما في رسوم ~~دومييه)، ومنهم من يعاني هذا التأثر ثم تمر فترة طويلة من المعاناة قبل أن يتحقق في ~~صورة عمل فني، فالشكل ينمو شيئا فشيئا، ويظل ينتقل من مرحلة إلى أخرى، ويضيف لنفسه ~~عناصر شتى من تجارب سابقة، ويعالج انطباعات من أعمال قديمة، ويحاول محاولات يطرح بعضها ~~ويستبقي البعض الآخر حتى يصل أو يكاد يصل إلى التعبير الذي كان يبحث عنه، ولكل فنان في ~~ذلك عاداته وطبعه الخاص، فما يعين أحدهم على الخلق قد يضايق الآخر، وكميات القهوة ~~الرهيبة التي كان يستعين بها بلزاك على إنتاجه الخصب؛ تصبح تفاحة عطنة يحرص شاعر مثل ~~شيلر على شمها عند الكتابة! ~~••• # اقتصرنا حتى الآن على الكلام عن العناصر التي نراها مباشرة في العمل الفني ، على فرض ~~أن للإنسان عينين تريدان وتستطيعان الرؤية، على أن هناك عناصر أخرى تشترك في تكوين ~~العمل الفني لا تقل تأثيرا عن سابقتها، وإن لم تكن في مثل وضوحها، من هذه العناصر ما ~~يمكن أن نسميه «بالصور الأولية»، فلكل شكل من الأشكال - وليكن تفاحة أو بذرة أو خيطا ~~- معناه المباشر، قد يكون هذا المعنى مرتبطا بحياتنا العادية، وقد ندرس طبيعته من ~~الناحية العلمية أو الصناعية، أو نجعله رمزا يعبر عن معنى من المعاني التاريخية أو ~~الدينية أو الأسطورية. لنأخذ الخيط ms291 مثلا، فنحن نستطيع أن نستخدمه في غرض عملي، فنعلقه ~~بين نقطتين أو نحيك به ثوبا، نستطيع أيضا أن نبحث عن خصائصه العلمية لنفهم قوانين ~~المرونة التي يخضع لها أو مميزاته الاقتصادية في إنتاج الأقمشة، وما شابه ذلك، ويكتسب ~~هذا الخيط معنى أعمق حين نتحدث عن «خيط الحياة»، فنستعير هذه الصورة عن أسطورة قديمة، ~~ونعني بها أسطورة آلهات القدر «النورن» اللائي يجلسن عند نبع «أورد» في مبدأ الخلق ~~والتكوين، ويغزلن أقدار البشر في خيوط، فالأسطورة تصور الحياة خيطا تغزله آلهات القدر ~~ويمددن فيه زمنا لكي يقطعنه في النهاية، والحياة في هذه الصورة شيء تبدأه قوى مجهولة، ~~وتصله فترة ثم لا ندري كيف تنهيه، إنها شيء يمكن أن يسير في نعومة الخيط وسهولته، ~~ولكنه قد يتعقد ويلتف ويضل، وقد يكون ضعيفا واهنا يهدد في كل لحظة بالانقطاع، وقد ~~يحتمل الشد والجذب والتوتر، وقد نرى حاضره ولكن لا نعرف أبدا مستقبله. # في صورة الخيط إذن إشارة إلى وجود الإنسان، تكشف كل ما فيه من تشابك أو بساطة، من ~~عتمة أو إشراق، من خطر أو أمان، صورة الخيط المحسوسة هذه تلقي الضوء على غموض الوجود، ~~وتعكس ألم المصير وصدقه، إنها لا تقدم للإنسان تصورا علميا عن طبيعته، بل شعورا ~~حيا لكل من يستطيع وجدانه أن يتفتح على معنى الوجود، وهي تعطيه وسيلة وأداة، لا لكي ~~يحقق غاية علمية أو عملية، بل ليفهم معنى حياته واتجاهها، قد تعبر أسطورة آلهات القدر ~~عن هذه الصورة ولكنها لا تستنفدها؛ ذلك أنها أقدم من الأسطورة، كما أنها كامنة هناك في ~~جوهر الأشياء وفي أعماق الضمير، وقد تفلح الأسطورة في إبرازها والتعبير بها عن مصير شعب ~~من الشعوب، ولكن الصورة نفسها عنصر أولي من عناصر الوجود الإنساني؛ ولذلك استطاعت أن ~~تبقى بعد فناء التفكير الأسطوري، وزوال الاعتقاد في آلهات القدر، كما استطاعت أن تبقى ~~كإشارة مسعفة نرمز بها لحياتنا ونفهم بها وجودنا، وقل مثل ذلك في صورة أخرى كالميزان ~~والدائرة والأفق والكف والطريق، تشير جميعا إلى معنى من معاني ms292 الوجود أو ~~المصير. # ظهرت هذه الصور كلها أول ما ظهرت في مجال الرؤية على أرض الأسطورة والطقوس البدائية، ~~ثم ضعفت القدرة على الرؤية بالتدريج، وحل محلها الخيال الديني، وأصبحت حكمة لمن ~~يرى الغيب موعظة ومذهبا في الحياة، وتفقد الطقوس سلطانها القديم لتصبح في دور العبادة ~~التي لا تزال تحتفظ بها نوعا من إثارة الشعور الديني بالرهبة والتقوى، وتتحلل الأسطورة ~~لتحل في الحكاية الخرافية أو الشعبية أو العادة الموروثة، وتبقى الصورة في هذا كله ~~تعبيرا عن الحكمة الباقية مهما أضعف التفكير العقلي المجرد من قوتها أو قيمتها، ~~وتحيا في أعماق الوجدان فيما نسميه باللاشعور، ومن هناك تواصل تأثيرها على الشعور، ~~والتفكير والإلهام، بل قد تشارك في تكوين ما نسميه بالضمير، وتتحكم إلى حد لا يستهان ~~به في توجيه حكمنا على الأشياء والأحداث. # قد نكون فقدنا الشعور الواعي بهذه الصورة، ولكن هذا لا يمنع أنها لا تزال تتخلل ~~حياتنا، وقد نحس في بعض اللحظات بومضة من معناها القديم (عندما نقف إجلالا لذكرى ~~عزيز أو نقبل رأس ميت حبيب أو نتبادل خاتم الزواج مع شريك الحياة)، إنها مظاهر ~~واضحة في حياة الطفل ولعبه واحتفاله، كما تظهر في ألعاب الشعوب واحتفالاتها وما بقي من ~~طقوسها وأعيادها، ولكنها لا تظهر كأوضح ما تكون إلا في الفن؛ فالحالة التي تغزو الفنان ~~- وهو يباشر الخلق - قريبة من حالة الطفل والعراف القديم، هي حالة لا يحكمها العقل ~~الناقد ولا الإرادة الهادفة، بل تستثار فيها الحياة، فتتفتح على العالم الخارجي وتتفتح ~~للعالم الداخلي، هناك تظهر تلك الصورة، لا كما أرادها الوعي أو فكر فيها، بل تظهر ~~منسوجة في خيوط ذلك الشيء العجيب الذي يتشكل ويتخلق، قد نحس بها في رسم يصور طبيعة ~~مفتوحة تتلاقى فيه حدود السماء العالية بالأرض المنبسطة، وبينهما تلك المنطقة المحدودة ~~التي قدر للإنسان أن يعيش فيها بين العلو والعمق والاتساع والضيق، وقد نشعر بها في ~~رسم آخر يلتقي فيه البحر والشاطئ حين يقطعهما شكل صغير لإنسان عمودي عليهما، يقف ~~منتصبا هادئا مصمما على الفعل مستعدا ms293 لمواجهة المجهول، بذلك تثير هذه الصورة ~~المرسومة صورة أخرى سحيقة القدم ما زالت حية في أعماق الضمير، هي صورة الطريق والمصير، ~~تراها العين أو تسمعها الأذن فيفرح الوجدان ويشرق؛ لأنه يرى ويسمع فيها أثر حكمة قديمة ~~تسجل صراعه مع الظلام الأبدي أو مع الموت المحتوم، كذلك الأمر مع إيقاع يتكرر في لحن أو ~~قصيدة، أو مع دائرة تدخل في تكوين لوحة أو بناء، إنها جميعا تضع الموجود الراهن في ~~مكانه من الوجود الخالد العام. # ليس العمل الفني الأصيل إذن شيئا جزئيا أفصله عما يحيط به من وجود عام، بل هو ~~دائما كل متصل ووجود مستقل، فالكرسي الذي أراه الآن أمامي موجود في محيط أشمل منه، ~~فإذا التقطت له صورة فوتوغرافية اقتطعته من عالمه، أما إذا رآه فنان مثل فان جوخ ~~وصوره؛ فإنه يجعل منه المركز الذي يتوسط بقية المكان، كما يتشكل الكرسي نفسه بحيث ~~يبدو كلا مستقلا بنفسه يضفي على كل ما يحيط به روحه وشخصيته. هذا «التشكيل» ~~يتفاوت بين عمل وآخر، قد يكون شفافا مجردا كالشكل الهندسي، وقد يكون ظاهريا أو ~~عرضيا خالصا، وقد يبدو من كتلة الجسم الذي يصوره الفنان وقد يبدو من خلال الحركة ~~أو الجو العام، المهم أنه يحاول دائما أن يبرز الظاهرة الملقاة في عالم الواقع في ~~وحدة ممتلئة بالحياة، هكذا نحس دائما بأن هناك ما يعلو على الشيء المصور ونعني به ~~الوجود ككل، وهذا الوجود ككل لا أستطيع أن أزعم أنني أراه أمام عيني ، فما أنا نفسي سوى ~~جزء ضئيل من كل لا آخر له، وما كل شيء ألتقي به أو أتعامل معه سوى نقطة في بحر من ~~الأشياء والعلاقات، ولكن عملية التشكيل الفني التي أشرت إليها تبرز أمرا فريدا، فهذه ~~الوحدة التي نشأت عن لقاء الشيء المدرك بالإنسان المدرك تشبه صوتا يملك القدرة على ~~الدعاء والنداء. إن الوجود كله حاضر فيها، كل الطبيعة والحياة والتاريخ في وحدة حية، ~~وليس معنى هذا أن العمل الفني يجب أن يكون دائرة معارف للحياة والأحياء، وليس معناه ms294 أن ~~اللوحة الضخمة التي تصور مختلف العصور وألوان النشاط الإنساني في بلد من البلاد أو ~~عهد من العهود أقدر من غيرها على إبراز هذه الوحدة الكلية، فليس المهم هنا ماذا ~~يصور الفنان، بل كيف يصوره، المهم هو الأسلوب الذي تعالج به الظاهرة الواحدة في ~~عملية التشكيل الفني، وهنا يكون الحذاء أو الكرسي الوحيد الذي يرسمه فان جوخ على أرض ~~متواضعة أقدر على إبراز الكل من لوحة ضخمة على مبنى رسمي يصور أشتاتا من العصور ~~والشخصيات؛ ذلك لأنه أقدر منها على إسماعنا صوت الكل ونداء الوجود. # هكذا نحس «بالعالم» في كل عمل فني، قد تختلف طبيعة هذا العالم من فن إلى آخر، ~~ولكنها تظل في حقيقتها الأخيرة واحدة؛ فعالم الموسيقى يختلف عن عالم الرسم أو الهندسة، ~~والعناصر الأولى في العالم الأول هي الزمن والنغم، وهي في الثاني السطح والخط واللون، ~~وفي الثالث المكان والكتلة، ولكن اختلاف العناصر بين هذه الفنون لا يمنع أنها تتحد في ~~النهاية في شيء واحد، إنها تحاول أن تضفي على الوحدة - التي تجمع بين الكون والإنسان ~~- معنى تفتقر إليه في الواقع العادي؛ لكي تعبر من خلالها عن شمول الوجود وحقيقة ~~العالم. ~~••• # رأينا كيف أن الفنان يبرز جوهر الأشياء من خلال الرؤية والتشكيل، ويظهره في صورته ~~الخالصة، هو في هذه الصورة الخالصة يظهر جوهره هو نفسه كما يظهر جوهر الإنسان بوجه ~~عام، فالشيء يكتسب معنى جديدا من خلال الرؤية والإحساس والتقييم الذي يقوم به ~~الإنسان، كما يصل الإنسان نفسه من خلال هذا الشيء إلى الشعور بذاته، وحين يحدث هذا ~~يشف الوجود كله من خلال العمل، ويصبح الجزئي رمزا للوجود الكلي. ولما كانت عملية ~~التشكيل تتم على مادة واقعية - كاللون والحجر والنغم واللغة - فإن نتيجتها تتم على ~~هيئة عمل باق، وحيث يأتي المتفرج أو المتذوق ليتأمل هذا العمل، فهو يشارك في العملية ~~التي أخرجته إلى الوجود، وبذلك لا يكون الفنان الذي ولد ليشاهد وخلق ليرى - كما ~~يقول جوته - قد صنع شيئا لنفسه فحسب، بل للناس جميعا. إن في استطاعتهم ms295 الآن أن ~~يتأملوه ويفهموه ويجربوه؛ بذلك يتميز العمل الفني عن كل عمل سواه أيا كانت منفعته ~~أو أهميته، فهو لم يوجد من تلقاء نفسه، بل أوجده الإنسان، وهو ليس جزءا من ذلك العالم ~~الأول الذي وجد من قبل أن نوجد ونعني به الطبيعة، بل هو جزء من ذلك العالم الثاني ~~الذي ينتج عن التقاء الإنسان بالطبيعة، وهو يشغل مكانة خاصة بين موجودات هذا العالم ~~الأخير، تجعله - على الرغم من محدوديته وتناهيه - يمثل كلا منفردا، ورمزا للكون ~~والوجود بوجه عام؛ ذلك أن كل عمل فني حق مهما كان صغيرا فهو عالمي بطبيعته، إنه ~~مكان مشكل زاخر بالمعنى، يستطيع المرء أن ينفذ إليه بالرؤية والسمع والحركة، هذا ~~المكان يختلف في بنائه وتكوينه عن كل مكان يملؤه الواقع الخارجي، فليس أدق وأعمق ~~وأجمل وأكثر حياة من كل ما نقابله في حياتنا اليومية فحسب، بل إنه يختص بميزة فريدة: ~~فالشيء والإنسان فيه يتفتحان. إن الشيء والإنسان يكونان مقيدين محجوبين في المكان ~~الذي نحيا فيه حياتنا اليومية، وما ندركه منهما يكشف عن حقيقتهما ويخفيها عنا في نفس ~~الوقت، لكن الفنان الذي يقدر على رؤية الحقيقة - كما يقدر على التعبير عنها - يستطيع أن ~~يصل بها إلى التعبير الكامل عن نفسها؛ فالباطن قد أصبح ظاهرا يمكن للعين أن تراه، ~~والظاهر قد صار باطنا يمكن للوجدان أن يحس به ويضمه إلى تجاربه، ومن خلال ذلك تقترب ~~الأشياء من بعضها كما يزداد الإنسان منها قربا، بحيث يحس أنه يحيا في هذا العالم ~~الكلي الواحد حين يحيا في هذا العالم الجزئي الموحد الذي دخله من باب العمل الفني، ~~ليس يكفي عندئذ أن يرى ويسمع ولا أن يستمتع ويتذوق، كما هو الشأن مع سائر ما يحيط به ~~في حياته العادية، فالعمل الفني يفتح له أفقا جديدا يستطيع أن يتنفس فيه ويتحرك ~~ويتعامل مع مخلوقات تفتحت كذلك على حقيقتها؛ لذلك فإنه مطالب بأن يبذل جهدا كبيرا ~~في التأمل، وهو هذه الموهبة التي كادت تضيع منا من فرط ما نعمل ونجتهد ونفخر بالعمل ms296 ~~والاجتهاد، وننسى التركيز والسكون والمشاهدة والتفتح على حقائق الموجودات. إننا نسمع ~~الكثيرين يتكلمون عن الفن، ولكن القليلين هم الذين يتصلون به اتصالا أصيلا، صحيح أن ~~معظمهم يحس بأن هناك شيئا جميلا، ويتحدث بطلاقة عن الأساليب والمدارس، ويعنى ~~بإبراز الجديد في «الشكل» أو في «المضمون»، ولكن هذا كله لا يعبر عن صلة حقيقية بالعمل ~~الفني، فهذه الصلة لا تأتي إلا حين يجمع الإنسان نفسه أمام العمل الفني ويتعلم السكون ~~ويستعد للتلقي، ويدخل في عالمه متفتح النفس، يقظ الحواس؛ فيشاهد وينصت ويعايش؛ عندئذ ~~يتكشف لنا هذا العالم الذي نسميه عالم الفن كما تتكشف لنا نفوسنا بمقدار ما نقترب من ~~العمل الفني ونحاول أن نتعمقه، وهنالك تسقط الأقنعة اليومية وتتألق النفس بنور مباشر ~~ويخف وجودنا الذي نحس بثقله على مدى الأيام، وترتفع الأسوار التي كانت تسد علينا ~~الباب إلى قلب «العالم»، ونعرف معنى الأصالة والخصوبة والصفاء، كما نحس لمس الحقيقة ~~الخالدة على كياننا البائس الفاني. # | إشارة إلى المراجع # ليست هناك قائمة بالمراجع بالمعنى المعروف لهذه الكلمة - فقد ذكرت منها في سياق النص ~~ما وجدته ضروريا ليرجع إليه القارئ إذا شاء - بل هي إشارات إلى المصادر التي اعتمدت ~~عليها في بعض الأحيان اعتمادا كبيرا؛ اعترافا بالفضل لأصحابه، وتسجيلا لواجب الشكر ~~والأمانة نحوهم. # كهف أفلاطون # يعتمد هذا المقال على جمهورية أفلاطون، وعلى كتاب هيدجر نظرية أفلاطون في ~~الحقيقة، الذي نشر النص اليوناني الذي أوردنا ترجمته، وصدر في برن، مطبعة فرانكه، ~~1954 من ص5 إلى ص52، وعلى كتاب «ييجر # Jaeger ~~» ~~كالمعروف بأيديا (أو التربية) مثل الحضارة الإغريقية، الجزء الثاني، أكسفورد، ~~بلاكويل، 1944 من ص279 إلى ص301. # وحيدا مع الواحد # يستند هذا المقال - بجانب نصوص أفلوطين - على محاضرة كان قد ألقاها أستاذي ~~الدكتور ف. شتروفه قبل حوالي عشر سنوات في جامعة بازل بسويسرا، وعلى محاضراته عن ~~تاريخ التصوف بوجه عام. # تعلموا أن الإنسان ... # يستند هذا المقال أيضا إلى محاضرة ألقاها الدكتور شتروفه في خلال الفصل الدراسي ~~الشتوي 1961-1962 على طلبته بجامعة فرايبورج، مع إضافات وتعديلات كثيرة. # لا ms297 ... عن صعوبة الاحتجاج # يعتمد هذا المقال على كتاب أصدره صديقي الدكتور كلاوس هيزيش في دار نشر زور كامب، ~~فرانكلفورت، 1964، وحصل به على درجة الدكتوراه في فلسفة الأديان، وعلى ما دار بيننا ~~من مراسلات حوله. # Kgaus Heintich: Versuxh uber die Schwietigkeit nein zu sagen. ~~Frankfurt/Main, Suhrkamp. Verlag, 1964. # قدر المفكرين حزين # تعتمد هذه الدراسة عن نيتشه على مقال لأستاذي الدكتور شتروفه، مع زيادات وتعديلات ~~طفيفة عليه. # العود الأبدي # تعتمد هذه الدراسة عن نيتشه على كتاب للأستاذ الدكتور أوجن فنك عن فلسفة نيتشه، ~~سلسلة كتب أوريان، مطبعة كول هامر، شتوتجرات 1960. # Eugen Fink: Mietsches Philosophie. Urban-Bucher, ~~Kohlhammer-Verlag, Stuttgart, 1960. # مدرسة الحكمة # كانت نقطة الانطلاق في هذا المقال هي كتاب باول فللدكيللر عن لوحة رافائيل ~~المسماة مدرسة أثينا، وقد أخذت عنه الفكرة والمعلومات الواردة في المقال، أما ~~التأملات أو «الشطحات» فأنا المسئول عنها! Paul Feldkeller: Rataels Freske kie Philosophie genannt die ~~Schule von Athen. Berlin, Philos. & Leben, ~~1957. ms298