######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Mahagonny.Hindawi84031590 #META# Tags: plays #META# ID: 84031590 #META# Title: أوبرا ماهاجوني #META# AuthorID: 85861914 #META# Author: برتولد برشت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 46308160 #META# Translator: عبد الغفار مكاوي #META# Related_books: 1376BertholdBrecht.Mahagonny (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # أوبرا ماهاجوني‏ # تقديم‏ # أوبرا ماهاجوني‏ # | أوبرا ماهاجوني # | أوبرا ماهاجوني # تأليف # برتولد برشت # ترجمة # عبد الغفار مكاوي # | تقديم # (1) للمدن، كما للبشر، أقدار ومصائر، تولد المدينة وتنمو وتزدهر، ثم ~~يصيبها ما يصيب الكائن الحي فتضمحل قواها وتتدهور، أو تداهمها كارثة ~~طبيعية أو غزوة همجية فتندحر وتندثر. كان السومريون - الذين استقروا في ~~جنوب أرض النهرين منذ الألف الرابعة قبل الميلاد ووضعوا النماذج ~~الأولية للثقافة والفن والأدب في حضارة وادي الرافدين القديمة - أول ~~من عرف أدب بكاء المدن، وخلدوا دموعهم وحسراتهم عليها في نقوشهم ~~وألواحهم الطينية بالخط المسماري. ومرثية أور - المدينة السومرية ~~الشهيرة التي اكتشفت كنوز مقبرتها الملكية في عام 1926م - تعبر ~~بلسان ملكتها الإلهية «ننجال» عن الأسى والرعب الذي ملأ قلبها عندما ~~شعرت بالنهاية المحتومة لمدينتها، وأحست بأن مجمع الآلهة على وشك إصدار ~~قراره بضربها وتدميرها، والقضاء على شعبها، وتسليط العاصفة والطوفان ~~عليها. ها هي الملكة التي رأت علامات الشؤم في كل مكان تنخرط في النواح ~~والعويل كالحمامة المذعورة التي تتوقع هبوط النسر الذي يحوم وسط السحب ~~السوداء وينذر بالانقضاض على عشها والتهام أفراخها: # عندما كنت - وكلي حزن وأسى - أتوقع يوم العاصفة ذاك، يوم ~~العاصفة المقدر لي، وكلي دمع وبكاء، يوم العاصفة الظالم المكتوب علي ~~أنا المرأة، لم يكن لي مهرب من اليوم المحتوم ذاك. # ارتجفت وارتعدت في تلك الليلة، حط الخوف على كاهلها من تدمير ~~العاصفة الشبيهة بالطوفان، وقضت الليل في فراش الدمع المر، وقد حرمت ~~الأحلام كما حرمت النسيان، وبعد أن تأكدت من عجزها عن استعادة شعبها - ~~«حتى ولو بسطت جناحي كالطير، وكالطير طرت لمدينتي» - ويئست من إنقاذ ~~مدينتها وإبعاد يوم العاصفة عنها، توجهت إلى الآلهة بالضراعة، وأغرقت ~~في الدموع أسئلتها المترحمة ل «آنو» كبير آلهة المجمع السماوي ولإنليل ~~رب العواصف الغضوب: ألا يجوز لمدينتي ألا تدمر؟ ألا يحق لأهلها ألا ~~يذبحوا؟ ولكن «آنو» لاذ بالصمت ولم يتلفت لكلماتها، وإنليل لم يفه ب ~~«يسرني ذلك فليكن ما تريدين.» لتهدئة روعها، لقد أمرا بأن تدمر «أور»، ~~ولم يرجعا عن قرارهما بأن ms01 يقتل أهلها كما نص القدر. وهكذا سقطت ~~المدينة صريعة تحت أقدام البرابرة «الجوتيين» ونفذ الآلهة عزمهم على ~~تغيير أيامها وخططها، ورفعوا ألواحهم الملكية عنها وأعادوها للسماء، ~~وانقلبت بعد ذلك طرق سومر الحضارية رأسا على عقب، وتوالى خراب مدنها ~~بسبب عدوانها المستمر على بعضها أو بفعل الغزاة المتوحشين حتى درست ~~رسومها وانقرضت شعوبها، وتحولت بيوتها وأبراجها ومعابدها وعمائرها ~~إلى أطلال مع أواخر الألف الثانية قبل الميلاد. # 1 ~~(2) لم تكن «أور» أول مدينة يخبرنا التاريخ المكتوب عن مأساة ~~سقوطها، ويسجل الشعراء والكتاب المجهولون من أبناء سومر أو آكد ~~رثاءهم لها؛ إذ وجد أقدم نموذج لأدب بكاء المدن مدونا على لوح طيني ~~عثر عليه بين أطلال مدينة لجش «أولكش-السومرية»، ونقش عليه وصف ~~دمارها الفظيع على يد عدوتها القاسية مدينة «أوما» التي طالما اشتبك ~~الصراع بينهما على الحدود، كما كان يحدث عادة بين دول المدن في حضارة ~~وادي الرافدين القديمة. ولن تكون مدينة «ماهاجوني» - التي سيأتي الحديث ~~عنها بعد قليل - هي آخر «القرى» التي حق عليها الفساد والدمار ~~والهلاك، ولا آخر المدن التي نزلت بها المحن والنكبات، إما لعجزها عن ~~الاستجابة الملائمة للتحديات التي واجهتها، كما يقول أحد فلاسفة ~~التاريخ وهو توينبي. أو لوقوعها تحت أقدام الغزاة الأجانب وضربات ~~الكوارث الطبيعية والبشرية؛ من براكين وزلازل وأعاصير وسيول وقحط ~~وجفاف، أو طواعين ومجاعات، وأوبئة وحرائق وثورات وكوابيس عسكرية تؤدي ~~جميعها إلى تساقط البشر، وافتراس بعضهم لبعض وتسلط بعضهم على بعض، ~~وسحق كل نبتة أو نبضة توحي بحياة أو حرية أو سعادة، وتنصيب أشباح ~~الإرهاب والطغيان والظلم والرعب والقهر والعقم والملل والاغتراب وسائر ~~أفراد العائلة المشئومة ملوكا على عروش خاوية فوق مقابر جماعية هي مدن ~~الموتى-الأحياء. لقد حفل تاريخ البشر بعشرات القرى والمدن التي ارتفعت ~~إلى ذرى المجد والازدهار، ثم جاءها أمر ربها بغتة وفي غفلة من أهلها ~~فانكفأت على وجهها في حفرة الاندحار، أو هوت إلى الحضيض، كما يهوي ~~الرأس المقطوع في سلة المحكوم عليهم بالإعدام وفوق ركام المزبلة الكبرى ~~للتاريخ. وما دمنا بصدد الحديث ms02 عن مصير مدينة «رأسمالية» قضى عليها ~~شيطان المال وقانونه الجهنمي الأسود بالزوال والاندثار بعد التألق ~~والازدهار، وكنا نتنفس اليوم في جو تخيم عليه سحب السقوط والانهيار ~~للمدن الاشتراكية وغير الاشتراكية، وتضيء سماءه المكفهرة بين الحين ~~والحين بروق الأحلام المستحيلة والأشواق اليائسة إلى المدن «اليوتوبية» ~~الفاضلة التي ستنعم بالحرية والعدالة والإخاء، وتخضر فيها أشجار الحب ~~والتضامن والرخاء. ما دام الأمر كذلك فلنحاول أن نقلب معا في كتاب ~~المدن لنعرف وجه الحلم العنيد الذي يطل علينا من وراء العصور برغم ~~التشويه والحروق التي أصابته، ونلتمس جذور الفاكهة المرة والشوك الجارح ~~الذي طالما أدماه وملأه بالندوب والأخاديد، ولنحلق معا على أجنحة ~~التذكر والخيال في رحلة خاطفة نطوف فيها ببعض المدن التي لا يزال ~~صراخ الحلم القديم المتجدد يتردد بين أنقاضها وركام أحجارها كاستغاثة ~~اليتيم المتلهف إلى عين ترعاه وحضن يدفئه. وبعيون لم يجف منها الدمع ~~على ضحايا الزلزال الذي ضرب أمنا القاهرة وما فتئ يهددها هي وغيرها، ~~نتأمل أقدار مدن ارتفعت وازدهرت حتى كادت تصبح جنات على الأرض، ومصائر ~~مدن أخرى سقطت في أزمنة أخرى واندثرت فلم يبق منها حتى الأطلال، في ~~الوقت الذي يدق فيه أسماعنا ويطعن ضمائرنا دوي ارتجاج مدن معاصرة ~~تخرب تحت ضربات المجاعة المخجلة للإنسانية، أو تسحق تحت أقدام ~~الأحقاد العرقية وضغائن العصبيات القومية والدينية، بينما تضج مدن أخرى ~~بضجيج القوى المجنونة والمجد الزائف، والرخاء الخداع، والرقص الهمجي ~~المغرور لسادة المال والعنف والاضطراب العالمي الشامل الذي أسموه ظلما ~~وكذبا باسم النظام العالمي الجديد. ~~(3) ربما خطر الآن ببالك أنني سآخذك معي في سياحة خيالية إلى بعض ~~المدن الشهيرة التي سمعت أو قرأت عنها، أو حالفك الحظ بزيارتها ورؤية ~~معالمها، وربما رست بك سفن الذاكرة على شواطئ مدن ذاع صيت مجدها، أو ~~بقيت فرقعة ارتطامها بصخور الهاوية عالقة بالآذان إلى يومنا الراهن؛ ~~بابل وآشور وبيرسيبوليس وقرطاجة، طيبة وأثينا وأسبرطة وروما، دمشق ~~وبغداد والقاهرة وفاس والقيروان ... إلخ. إن طموح الطائر الذي سنحلق ~~على جناحيه أكثر تواضعا من أن يرفرف فوق تاريخ مدن ms03 ومدنيات يحتاج ~~سرده إلى مجلدات، ولهاث أنفاسه المتلاحقة لا يسمح بطول المكوث عند ~~حدائق هذه المدينة أو تلك، ولا عند أطلالها وخرائبها وأسوارها وأكوام ~~التراب المتبقي من أفراحها ومآسيها. وسواء تصورنا أن المدنية ~~والحضارة البشرية قد بدأت في الصين منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، أو ~~على ضفاف النيل وبين شاطئ دجلة والفرات منذ أواخر الألف الرابعة وبداية ~~الألف الثالثة؛ حيث تم في زمن متقارب فوق هذين المهدين الخصبين ~~اختراع الكتابة وسن القوانين، وتقدم فنون البناء والنحت والتصوير، ~~ووضع بذور النماذج والبنى الأصلية للأدب والعلم والدين، والعمل والزرع ~~والحكم، والضمير والقيم وسائر مظاهر التحضر والتنور في الحضارتين ~~المصرية والرافدية (السومرية والبابلية والآشورية) فالذي يعنينا في ~~جولتنا السريعة، ويلفت نظرتنا الطائرة هو قدر هذه المدن الذي لم يمسك ~~الغيب المجهول بخيوطه، وإنما صنعه البشر بكدهم وعرقهم ودمهم، وصراعهم ~~على البقاء والرئاسة والتسلط، وغبائهم الأزلي الذي منعهم إلى اليوم ~~من الوعي بتاريخهم والتعلم منه، كما فرضته طبائعهم المتناقضة المركبة ~~من الخير والشر، والبناء والهدم، وقلقهم الدائم بين قطبي الحياة ~~والموت، والطبيعة والحضارة، والعقل واللاعقل، وسمو الملائكة والشهداء ~~والقديسين والأولياء، وحضيض التوحش والضعة والخسة والغدر الذي تقصر ~~دونه الذئاب والعقارب والأفاعي. ~~(4) هل نبدأ (بدول-المدن) في سومر وأكد وآشور التي ظلت تتصارع - كما ~~سبق القول - مع بعضها وتفني بعضها بأيديها أو بأيدي الغزاة من الشمال ~~(كالجوتيين والحوريين والحيثيين) أو من الشرق (كالعيلاميين) حتى لم ~~يبق من قصورها وأسوارها ومعابدها الفخمة وأبراجها المستديرة سوى أحجار ~~مبعثرة كالأشلاء الملوثة بالدم والطين؟ أخذ السومريون ينقرضون بتأثير ~~عوامل مختلفة، وراح الآشوريون يقضون على البابليين قبل أن يدمرهم هؤلاء ~~- في القرن السابع قبل الميلاد - بعد تحالفهم مع الميديين ثم يفنون ~~البقية الباقية من حضارة الحيثيين في القرن الثامن قبل الميلاد، ~~ويزحفون بإعصار الخراب والسلب والنهب والحرق على معظم جيرانهم، بينما ~~كان الجميع - في النصف الأخير من الألف الثانية وحتى النصف الأول من ~~الألف الأولى - يوسعون حدود إمبراطورياتهم، ويتفننون في تمزيق ~~أعدائهم وتسوية مدنهم بالتراب، في الوقت نفسه الذي انشغلوا ms04 فيه بتشييد ~~قصورهم ومعابدهم وبوابات مدنهم البديعة المترفة. ولك أن تتخيل تلك ~~المدن الكبرى كما يصورها الرسامون والأثريون، وتدلف من بواباتها ~~الفخمة المهيبة؛ مثل بوابة عشتار وأبواب طيبة الألف، وتتجول في رياض ~~قصورها وغابات أعمدتها ومعابدها بين صفوف من الثيران والتنانين والأسود ~~المجنحة والكباش والحيوانات ذات الرءوس الآدمية التي تكاد تسمع ~~أصواتها وهي تقول: «كنا نحرس ونزين مدنا جبارة، لكنها لم تكن مدنا ~~فاضلة ولا سعيدة.» # وهل نستطيع أن نتصور طروادة على شواطئ بحر إيجة - أو بالأحرى المدن ~~التسع التي تراكمت فوق بعضها تحت تل حيسار ليك الصغير في تركيا - كيف ~~أحرقت أكثر من مرة، وصمدت سادستها لحصار طويل في الحرب المشهورة بينها ~~وبين اليونانيين بقيادة ملكهم أجاممنون، ثم دمرت بأيدي أعدائها قبل أن ~~تحرق حرقا منظما في حوالي سنة 421ق. م. وهو أحد التاريخين ~~المتواترين في القصص والتاريخ الإغريقي عن حرب طروادة التي روت ~~أحداثها إلياذة هوميروس؟ وأسبرطة بنظامها الوحشي الصارم الذي وضع ~~دستوره مشرعها ليكورجوس «حوالي أواخر القرن التاسع ق.م.» وتحولت ~~إلى معسكر ضخم للتدريب الخشن الفظ على القتل والعدوان، لا يعفى منه ~~حتى الأطفال والصبية والنساء، وقرطاجة التي بنيت فوق نتوء صخري - في ~~الموضع الذي يقوم فيه الآن خليج تونس - على شكل حصن هائل تحوطه ثلاثة ~~أسوار ضخمة سميكة ترتفع فوقها الأبراج الدفاعية؛ ماذا نقول عن تحديها ~~لروما وانتصارها عليها في الحربين البونيتين بينهما (264-241، ~~218-210ق.م) ثم سقوطها وحرقها وإفناء كل من فيها على أيدي الرومان ~~(149-146ق.م). # وبيزنطة ذات الأبواب السبعة على الضفة الغربية للبوسفور «أو ~~القسطنطينية التي جعلها قسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية عام 330 ~~للميلاد بعد دخوله في المسيحية وتعرف اليوم باسم إسطنبول»؛ تلك ~~المدينة التي احتفظت بأبهتها وفخامة قصورها وكنائسها وقبابها الذهبية ~~وتحصيناتها وقلاعها وأبراجها في وقت غدت فيه روما أنقاضا مملوءة ~~بأكواخ الفقراء وعششهم، لقد حمتها أسوارها المنيعة من الغزوات المتكررة ~~ما يقرب من ألف عام، وردت حملات الهون والفرس والآفار والعرب ~~والفايكنج، ثم تدهورت بها الأحوال فلم تستطع أن تتقي جحافل الطامعين من ms05 ~~الصليبيين اللاتين الذين اقتحموها في سنة 1204م. ونهبوا نفائس قصورها ~~وتحف كنائسها، إلى أن حلت نهايتها وسقطت معها الإمبراطورية الرومانية ~~الشرقية تحت ضغط الأتراك العثمانيين «بقيادة محمد الفاتح في التاسع ~~والعشرين من شهر مايو سنة 1453م». # وبومبيي، إلى الجنوب من مدينة نابولي الإيطالية، المدينة المنكوبة ~~التي دفنت حية تحت سيول الحمم عندما داهمها بركان فيزوف مع جارتها ~~هيركو لانوم على الجانب الآخر منه؛ هل سمعت في تاريخ سقوط المدن ~~وتحطمها صرخة أفظع من صرختها الخرساء التي انطلقت في اليوم الرابع ~~والعشرين من شهر أغسطس سنة 79م؟ لقد وقعت تحت حكم الرومان في بداية ~~القرن الأول قبل الميلاد، ثم ازدهرت مع القرن الأول الميلادي لتصبح مع ~~جارتها التي سبق ذكرها مدينة المتع والملذات للمصطافين من أثرياء ~~الرومان، هذه المدينة التي لم تبدأ الحفائر في الكشف عنها إلا في عام ~~1784م، إن كنت قد قرأت عنها أو شاهدت أحد الأفلام التي صورت مأساتها ~~أو زرتها وتجولت في شوارعها، هل فكرت في النساء والأطفال والحيوانات ~~والتجار والحرفيين والفقراء والأغنياء الذين طمروا تحت ركامها ~~المحترق؟ في الأجساد المنكفئة على وجوهها، والكلاب التي حاولت التخلص ~~من قيودها، والحراس الذين لزموا مواقعهم وتشبثوا بسلاحهم حتى آخر نفس ~~فيهم، والحانات والقدور وأقداح النبيذ التي لم يفرغ العملاء من شربها، ~~والموائد والأواني والأوعية التي احتفظت بأصناف الطعام والفاكهة ~~والبيض في مواضعها، ورغيف الخبز الذي احترق وتفحم وظل ينتظر آكله ~~الغائب أكثر من سبعة عشر قرنا، وحوانيت الحدادين والنجارين ~~والخزافين والخبازين والطحانين وأدواتهم التي لبثت تترقب أصحابها ~~ليبعثوا فيها الحياة التي أطفأتها الكارثة، والبيوت الرحبة التي أعيد ~~بناؤها، والحمامات والأسواق والملاعب والمسارح والمشارب والمنتديات ~~العامة والخاصة والشوارع والحارات والباحات والساحات، والنقوش والصور ~~والكتابات على الجدران، والكلمات والضحكات والقبلات والهمسات والصرخات ~~والزفرات التي اختنقت فجأة ولم تترك لها الفرصة حتى للبكاء والاسترحام ~~أو اللعن والاحتجاج. # 2 # سوف تتحسر على الكارثة الفظيعة، وربما استرسلت في تأملات ~~حكيمة - وإن تكن غير مجدية - عن معنى الحياة وقيمتها أو انعدام قيمتها، ~~وعن هول القدر ms06 الذي يمكن أن يصيب الإنسان وما زال من الممكن أن يصيبه، ~~ولكنك ستجد نوعا من السلوى والعزاء عن تلك المصائب التي لا حيلة ~~للإنسان فيها ولا سلطان لعلمه عليها (حتى الآن على أقل تقدير)، وسيختلف ~~شعورك أشد الاختلاف عما أحسست به وأنت تشاهد بقايا مدينة زاهرة خربها ~~مستبد طاغية أو قائد عسكري فظ أو قبيلة أو طائفة أو جماعة من ~~الجماعات الهمجية التي كان القتل الوحشي غايتها وتسليتها في تلك العصور ~~الغابرة - ولم يزل كذلك حتى أيامنا هذه التي نشهد فيها ذبح ألوف ~~الأبرياء والأطفال، واغتصاب ألوف البنات والنساء، وإهانة الجسد والروح ~~البشري وإذلالهما في البوسنة - بينما يدير حماة الديمقراطية والحرية ~~رءوسهم وأبصارهم بعيدا، مكتفين بشجب العدوان والمطالبة بالتحقيق في ~~انتهاكات حقوق الإنسان دون أن يحددوا من هو هذا الإنسان؛ هل هو الذي ~~يسارعون بتحريك جيوشهم الجرارة لمساعدته وضمان أمنه حتى لو كان دولة ~~الإرهاب المسلط على الأطفال العزل إلا من الحجارة، أم هو الذي يكتفون ~~بإلقاء فضلات صدقاتهم إليه باسم المساعدات الإنسانية، أم هو أخيرا ذلك ~~الذي يحتشدون لتأديبه وتعريته من أسلحة «الدمار الشامل» التي يمتلكها ~~طفلهم الإرهابي المدلل المزروع في قلب أمتنا، ولن يتورع عن إلقائها ~~على مدننا متى شاء؟ ~~(5) لن نستطيع بطبيعة الحال أن نستسلم لإغراء الحديث عن مصائر المدن ~~في الزمن القديم والوسيط والحديث والمعاصر، ولا في الأسباب المتناهية ~~التعقيد وراء نشوئها وتطورها ثم انحلالها وتدهورها أو خنقها وحرقها في ~~أيام أو ساعات أو حتى في لحظات. فمن الممكن أن نذكر روما قاهرة العالم ~~القديم وكيف خربها برابرة القوط الغربيين بقيادة الأريك عام 410 ~~ميلادية قبل أن تسقط سقطتها النهائية عام 476م، ومن غير الممكن أن نغفل ~~شأن الإمبراطورية العربية الإسلامية التي طلعت شمسها في الوقت الذي ~~مالت فيه شموس إمبراطوريات أخرى إلى الأفول - الرومانية والبيزنطية ~~والفارسية الساسانية - وكيف توغلت جيوش الفتح رافعة راية الحق ~~والإخاء والمساواة في شمال أفريقيا وآسيا وأوروبا، وانتقلت مراكز ~~الحضارة العالمية الجديدة من مكة والمدينة إلى مدن وعواصم أخرى جرى ~~عليها ms07 ما يجري على مدن البشر من نشوء وتطور وذبول وانهيار، وسرى عليها ~~ما يسري على الحياة والأحياء من سنن الصراع والتحول التي تتحكم فيها ~~قوانين موضوعية وأخرى ذاتية معقدة متشابكة يحاول المؤرخ أن يستخلصها من ~~أمواج الأحداث التي تبدو في الظاهر كأنما تحركها المصادفة العمياء. ولن ~~نستطيع في هذا المجال المحدود أن نذكر كم من المدن الإسلامية ازدهر وكم ~~منها اندحر واندثرت معه عمائر ومساجد وقصور ومدارس وقلاع وأسوار ~~وبيمارستانات (دور استشفاء) وحمامات وطرق وجسور وبيوت لم يبق من ~~معظمها إلا آثار وشواهد نادرة أو بقايا كنوز ومخطوطات وقطع فنية محفوظة ~~في متاحف الشرق والغرب، وإن بقيت شعلة الإيمان حية في قلوب ما يزيد على ~~ربع سكان الأرض تقاوم رياح السموم التي تهب عليها اليوم من كل ~~الجهات كما قاومت من قبل أعاصير التخريب والتدمير مع زحف هولاكو على ~~بغداد وحرق جيوشه لها سنة 656ه/1258م وقتلهم آخر الخلفاء العباسيين، ~~واحتلال غازان خان التتار وحفيد هولاكو لدمشق وبلاد الشام في نهاية ~~القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي على عهد سلطان المماليك ~~الناصر محمد بن قلاوون، وغزو تيمورلنك لها في سلطنة الناصر فرج بن ~~الظاهر برقوق، في القرن التاسع الهجري والخامس عشر الميلادي. # إن كل المدن التي مررنا عليها مرور العابرين لا تخرج عن كونها أمثلة ~~على ارتفاع مدن البشر وازدهارها، وتعرضها بالأمس واليوم - ربما أكثر من ~~أي وقت مضى - للسقوط والانهيار، فهل نقول إن هذه المدن كانت تحمل بذور ~~الفساد والهلاك من بداية أمرها، وأنها كانت وما تزال حفيداتها كذلك ~~أبعد ما تكون عن «اليوتوبيات» التي تصورها الأدباء والفلاسفة في ~~مختلف العصور والحضارات، أو عن المدن الفاضلة على حد تعبير الفارابي ~~(255-339ه/870-950م) في كتابه المشهور؟ هل يمكننا القول بأن بعضها قد ~~اقترب من المثال البعيد أو المستحيل في مرحلة من مراحل تطوره التاريخي ~~والحضاري على أقل تقدير، أم نصفها - في بعض مراحل عمرها أيضا - بما ~~وصف به هذا الفيلسوف المتصوف ما سماه بالمدن الجاهلية أو الجاهلة، ~~والمدن الفاسقة والمبدلة والضالة، هذا ms08 إن لم نسمها المدن الظالمة أو ~~المظلومة؟ وهل يصلح المثل الأعلى الذي رسمه كتاب المدن الفاضلة أو ~~اليوتوبيات لأن تقاس عليه المدن الواقعية التي تضطرب بأنفاس بشر ~~واقعيين تتضارب مصالحهم وطباعهم ونزعاتهم وأحلامهم، مع العلم بأن صور ~~«اليوتوبيات» نفسها وملامحها وأهدافها قد تنوعت إلى حد التعارض ~~والتناقض بين اليوتوبيا المجردة إلى حد الاستحالة، والمذهبية إلى درجة ~~التصلب وإنكار طبيعة البشر، واللامعقولية المغرقة في التشاؤم من ~~المستقبل المخيف إلى الحد الذي وصفت معه باليوتوبيات المضادة «وإن لم ~~يمنع هذا من تحقق بعض تنبؤاتها المرعبة بصورة جزئية، على الأقل في ~~مجتمع الإرهاب والتجسس والتصفية وغسل المخ كما في رواية 1984 لجورج ~~أورويل، أو مجتمع تصنيع البشر وتفريخهم كما في رواية العالم الشجاع ~~الطريف لألدوس هكسلي». ~~(6) لنصل الآن إلى «ماهاجوني» هذه المدينة «غير الفاضلة» أو ~~اليوتوبيا المضادة التي ترسم نموذجا أسود السخرية للمدينة ~~«الرأسمالية» الواقعية واللامعقولة في آن واحد. والحق أن صاحب هذه ~~الأوبرا المضادة «وهذا هو الذي سنعرض له بعد قليل» وهو الشاعر والكاتب ~~المسرحي الاشتراكي الشهير برتولد برشت (1898-1956م) # 3 # لم يصرح بأن أوبراه يوتوبية أو مضادة لليوتوبيا. ولكن من ~~الواضح أنها تقدم أبشع نموذج يمكن تصوره للمجتمع الرأسمالي بكل شره ~~وقسوته وموبقاته. وهذا النموذج نفسه ينطوي ضمنا على الإحالة إلى ضده، ~~ألا وهو نموذج المجتمع الاشتراكي الذي يفترض الشاعر خلوه من صور ~~العسف والقمع واستغلال الإنسان واستعباده. # ولا بد من الحديث عن هذه الأوبرا والظروف التي أحاطت بكتابتها ~~والأهداف التي ابتغاها برشت من ورائها، بجانب الحديث عن محتواها وشكلها ~~وشخصياتها ومواقفها التي تجسد في جملتها الجحيم الرأسمالي على الأرض، ~~وذلك قبل أن نناقش مشكلة المدينة اليوتوبية الفاضلة التي تطرحها بديلا ~~عن ذلك الجحيم لكن نتحقق من وجودها أو عدمها. ~~(7) تبدأ هذه الأوبرا بالشروع ~~في تأسيس مدينة الذهب ماهاجوني، فبالذهب يمكن أن تقام مدينة الجنة أو ~~جنة المدن التي يذهب إليها المتعبون الساخطون على المدن القديمة، مدن ~~الفوضى والضجيج التي لم يبق فيها شيء يمكن أن يتمسك به الإنسان؛ لأن ~~الشر ms09 قد انتشر في كل مكان، والرحمة والأخوة اختفيا من الأرض. وتطالعنا ~~اللوحة الأولى بثلاثة مغامرين هم فيللي وموسى ومعهما تاجرة نشطة تدعى ~~الأرملة بجبيك. لقد توقفت بهم عربة نقل قديمة في منطقة جرداء إلا من ~~نفر يعملون في استخراج الذهب، وتغادره محملة برجال امتلأت جيوبهم ~~بالذهب! وتقترح الأرملة أن ينصبوا خيمتهم ويرفعوا فوقها علما ينبه ~~السفن الرائحة الغادية إلى مدينة السعادة واللذة والأحلام التي تقترح ~~إقامتها في المكان نفسه، ونفهم من كلام الأرملة أنها لن تكون نسخة من ~~مدن الضجيج والصراع والعمل والشقاء التي «تسيل تحتها المجاري وينتشر ~~فوقها الدخان» بل ستكون الفردوس الذي يباح فيه كل شيء، وتمر أيام ~~الأسبوع بلا عمل، ويتوافر «الجن والويسكي ولحم الخيول والنساء»، ويجلس ~~الرجال كسالى بجانب الجدران وهم يدخنون ويتأملون منظر الغروب. # ويوافق الجميع على تأسيس مدينة الحب والأحلام الجديدة التي ستكون ~~كالشبكة تصطاد كل طائر يمر، وتعوض اللاجئين إليها عن حياة الضياع ~~التي عاشوها في المدن اللعينة التي عصفت بها رياح الغدر والجريمة ~~«فماتت السكينة، وفقد السلام، والأمان». ~~(8) ستكون ماهاجوني إذن هي النموذج؛ الضد للمدن القديمة التي يعذب ~~فيها الإنسان ويستعبد ويهان، وستقدم البديل عن فساد الرأسمالية ~~بالمزيد من الفساد الرأسمالي، وسرعان ما تنمو المدينة الجديدة وتزدهر. ~~فما هي إلا أسابيع قليلة حتى يهاجر إليها «الحيتان وأسماك القرش»، وتفد ~~إليها «جيني» ومعها ست عاهرات يغنين بالإنجليزية أغنية «ألاباما» ~~التي يسألن فيها عن أقرب بار، ويؤكدن أن «السيدات» لا يستغنين عن ~~الرجال والدولارات، وإلا هلكن كما تهلك الحيوانات. ولا تكاد تمر سنوات ~~قليلة - كما تقول اللوحة الرابعة - حتى تزحف مواكب الساخطين من المدن ~~اللعينة إلى جنة المدن ماهاجوني. ومن هؤلاء الساخطين أربعة رجال قضوا ~~سبع سنوات من عمرهم في قطع الأشجار من غابات ألاسكا وسط البرد والثلوج، ~~ثم جاءوا إليها وفي جيوبهم أوراق بنكنوت، وعلى أفواههم أغنية «هيا إلى ~~ماهاجوني» التي تقول إنها جديرة بأن يعيشوا فيها لأن هواءها رطب منعش، ~~وفيها الويسكي وموائد البوكر، ولا أحد يلقي عليهم بالأوامر والنواهي ~~والتعليمات. # ويهبط ms10 الرجال الأربعة - باول أكرمان وياكوب شميت وهينريش ميرج ويوسف ~~ليتنر الذي يسمونه ذئب ألاسكا - ميناء ماهاجوني فتستقبلهم الأرملة ~~النشطة مرحبة، وتعرض عليهم كل المتع الممكنة وفي مقدمتها النساء. ~~ويحتاج الأمر إلى شيء من المساومة والفصال، وتضطر التاجرة إلى تخفيض ~~أسعارها مرتين حتى ترضي الزبائن العائدين من ألاسكا، في جيوبهم ذهب، ~~وفي عظامهم برد الشتاء. ويهم الأربعة بالاتجاه إلى المدينة فيلفت ~~أنظارهم رجال يحملون حقائبهم. # في طريقهم إلى الميناء لانتظار السفينة التي تقلع بهم. ويقول أحد ~~الزبائن إن شيئا لا بد أن يكون فاسدا في المدينة، وإلا ما تركها ~~هؤلاء المسافرون. وتخفض الأرملة أسعارها للمرة الثالثة، وتغني جيني ~~مع العاهرات الست طالبة من باول أكرمان أن يجلس على ركبتها ويشرب من ~~كأسها، فيصمم الرجال الأربعة على الذهاب إلى ماهاجوني! # وتعلن اللوحة السابعة أن للمشروعات الكبرى أزماتها، ومنها بطبيعة ~~الحال هذا المشروع الرأسمالي لمدينة الغرائز والأحلام، كما تعرض ~~اللافتات على المسرح إحصائية بالجرائم التي ترتكب في ماهاجوني وبحالة ~~الأسعار المتقلبة فيها. ويؤكد فيللي وموسى أن تجارة المدينة لم تحقق ~~الأرباح المنتظرة منها، وتشكو الأرملة الجشعة من قسوة الحياة عليها! ~~وتخيب آمال الحطاب الطروب «باول أكرمان» في المدينة بعد أن يرى لوحة ~~كتب عليها «ممنوع»؛ لأنه دخلها وهو يعتقد أن كل شيء فيها مباح. لقد ~~سئم الشراب الرخيص، والتدخين، والنوم والسباحة، كما سئم الهدوء الذي ~~يسودها والحياة البسيطة والطبيعة العظيمة؛ ولهذا قرر أن يتركها إلى مدن ~~أخرى أكثر صخبا وضجيجا، وألا يرجع إليها أبدا مهما حاول أصدقاؤه ~~إقناعه لأن فيها جرعة السلام زائدة، وفي الحياة راحة ليس اسمهما الملال ~~والسأم، وفي الوجود جنة ليس اسمها الفراغ والعدم، وبعد الإقناع ~~والتهديد من جانب أصحابه الذين لا تأخذهم الشفقة به حتى يرتد لوعيه ~~ويصبح إنسانا، يجرونه معهم إلى المدينة وهو يبكي متوسلا: «من قال ~~بأن لدي الرغبة في أن أصبح إنسانا.» ~~(9) وتطالعنا اللوحة العاشرة بكارثة توشك أن تقع على رأس ماهوجوني؛ ~~ففي خلفية المسرح كتابة بحروف ضخمة تقول: «الطيفون.» تعقبها كتابة أخرى ~~تحذر أهالي ماهوجوني ms11 بهذه الكلمات: «الإعصار يتحرك نحو ماهاجوني.» ~~وتئن الجوقة باكية: «أواه للحدث الخطير، أواه من هول المصير.» إن مدينة ~~السرور والأفراح يزحف نحوها الخراب، والجوقة حائرة لا تدري ماذا تفعل ~~في الليلة المرعبة: «أي جدار ها هنا يحميني. وأي كهف ها هنا ~~يئويني؟» # ويشتد إعصار الرعب في قلوب سكان المدينة في انتظار الإعصار الحقيقي. ~~وبين اليأس والرجاء تحاول جوقة الرجال أن تهدئهم وتشد أزرهم: «تماسكوا، ~~لا تقلقوا من نذار الدمار، إذا انطفت من أرضنا الأنوار، لا تيأسوا ~~وكونوا أقوياء، هل ينفع البكاء من ينازل الإعصار.» وبينما تتردد نغمة ~~عدمية لا تخطئها الأذن في أغنية العاهرة المسكينة جيني التي لم تجد ~~السعادة ولا الحب في ماهاجوني ولا في أي مكان: «وأينما ذهبت لا أمل ~~هناك، وحيثما وجدت، مصيرك الهلاك، وخير ما تفعله، أن تنزوي في صمت، حتى ~~يجيء الموت.» تفاجأ بصديقها باول أكرمان، الذي سبق الكلام عنه يقتحم ~~حصار الخوف والوجوم بضحكاته المجنونة، وصيحات أغنيته التي يمجد فيها ~~الإنسان بكلمات تذكرنا بالعبارات الشهيرة التي تقولها الجوقة في ~~مسرحية أنتيجونا لسوفوكليس: «شر هو الإعصار والطيفون شر منه، وأسوأ ~~الشرور كلها الإنسان!» # ويواصل الحطاب باول أكرمان غناءه ودعوته للمرح واستباحة كل متعة ~~ممكنة في كل لحظة متاحة قبل أن يداهمهم الموت وينزل الستار، ويسترسل في ~~عدميته المادية المستفزة التي تسري في إنتاج برشت الغنائي والمسرحي ~~منذ مسرحيته المبكرة «بعل» إلى آخر أعماله الناضجة، ويحاول أن يقنع ~~أهالي ماهاجوني بارتشاف اللحظات الباقية في كئوس حياتهم التي توشك أن ~~تتهشم دون أمل في أن تلتئم من جديد: «لا تحلموا أن يرجع الصباح من ~~جديد، فكل راحل مضى على الطريق لا يعود.» ولماذا يقلقون إذا كانوا ~~سينتهون في آخر المطاف وينفقون مثلما ينفق كل حي، يعود للتراب ~~للظلام الأبدي، ولن ترى عيونه، أشعة النهار، فليثبتوا إذن في مواجهة ~~الإعصار، وليكونوا إعصارا أقوى منه! لأن كل ما يجلبه الإعصار من دمار، ~~وكل ما يحدثه الطيفون من جنون، يمكنهم أيضا أن يجلبوه ويحدثوه بصورة ~~أقوى وأشد، وكيف يفعلون هذا؟ ms12 بالتخلي عن كل أمل أو عزاء والاستسلام ~~لجنون المرح والسعادة والكبرياء. ~~(10) هكذا يكتشف الحطاب البسيط دستور السعادة البشرية، ويعلن إنجيل ~~الفردية الرأسمالية التي تبيح للإنسان أن يسرق ويغتصب حقوق الآخرين ~~ويقتحم بيوتهم وينتهك أعراضهم ويفعل ما يعجبه ويفكر فيما يحلو له ~~وينفذه على الفور. # ويقف الجميع تحية للحطاب البسيط باول، ويتقدمون نحوه - بعد خلع ~~قبعاتهم - ليقدموا إليه تهانيهم الحارة، وتتراجع الأرملة، وهي العقل ~~المدبر للمدينة والرمز المجسد للعقلية الرأسمالية، عن القوانين ~~والأوامر التي أصدرتها بمنع الضحك والأغاني الخليعة في ليلة الإعصار، ~~وذلك بعد أن «يرش» عليها أوراق البنكنوت التي أخرجها من جيبه كما يخرج ~~الساحر الكتاكيت! بل يصل بها الأمر إلى حد مخاطبة الجميع قائلة: ~~«افعلوا ما تشتهون، كل ما يحلو لكم، طالما الإعصار آت بالخراب كل شيء ~~مستباح يا صحاب.» وهكذا يصبح كل شيء مباحا في المدينة، ويتحول الإنسان ~~إلى إعصار لمواجهة الإعصار، ويغني الحطابون الأربعة لمجرد أن الغناء ~~ممنوع أو مكروه في ليلة الخطر التي يليق بها الصمت والخشوع. ويتقمص ~~الحطاب الذي اكتسب قوانين السعادة البشرية مسوح القسيس، ويلقي موعظة ~~طويلة من إنجيل الفردية العاتية التي بشر بها: «كما يوسد الإنسان ~~نفسه ينام، ولن يغطيك سواك، لن يقيك لفح البرد والظلام، كلما داس أحد، ~~فأنا ذاك الهمام، وإذا ديس أحد، فهو أنت في الرغام.» ويظل يهتف بالناس ~~أن يرتكبوا كل محرم قبل أن يرتكبه الإعصار. ولكن الإعصار يتجنب ~~المدينة في اللحظة الأخيرة. ومن هذه اللحظة أيضا يصبح شعار المدينة هو ~~كلمة «مباح» التي تعبر عن مضمونها الأغنية التي يغنيها الجوقة: ~~«تذكروا تذكروا، في البدء يأتي الأكل والطعام، وثانيا العشق ~~والغرام، تتلوهما الملاكمة، والشرب طبق العقد، والملاكمة، وقبل كل شيء ~~والمهم يا رجال، تأكدوا على الدوام واذكروا في كل حال، هنا يباح كل ~~شيء، كل شيء ها هنا حلال.» ~~(11) ويمر العام على المدينة فتزداد تجارتها ازدهارا، ويقبل الناس ~~على متع الأكل والحب ومباريات الملاكمة، وتتعاقب المشاهد الأربعة ~~التالية لتبين لنا كيف يقبل الرجال والنساء على المتع المتاحة في ~~هذه ms13 المدينة الملعونة دون غيرها من المدن الفقيرة المحرومة؛ ففي المشهد ~~الأول يموت ياكوب النهم بعد أن يلتهم عجلا بأكمله! وفي المشهد الثاني ~~نستمع إلى حوار بين جيني وباول نفهم منه أن الحب يشترى ويباع مثل أي ~~سلعة أخرى. وتمر الجماهير المنطلقة كالوحوش لتعلن الحريات الأربع التي ~~سبق أن أكدها الحطاب باول أكرمان في موعظته، ومنها يتضح أن الإنسان ~~يمكنه أن يفعل ما يشاء بشرط واحد هو أن يكون لديه المال الكافي للشراء، ~~ويأتي المشهد الثالث ليعرض علينا مباراة الملاكمة التي تدور بين موسى ~~العتل الضخم - ذي الأقانيم الثلاثة كما تسميه المسرحية - وجو ~~الضعيف الهزيل الذي سمته ذئب ألاسكا، وهي مباراة يراهن فيها المتفرجون ~~على الفائز كما في كل المباريات، ويسأل جو أصدقاءه أن يراهنوا عليه، ~~ولكن الأصدقاء - باستثناء باول - يرفضون تضييع أموالهم في مباراة غير ~~متكافئة على الرغم من استعطافه لهم بحق ذكريات البرد والكد والعذاب ~~المشترك أثناء وجودهم في صقيع ألاسكا. وتنتهي المباراة - كما هو متوقع ~~لها - بموت ذئب ألاسكا بضربة قاضية وخاطفة. ويعرض علينا المشهد الرابع ~~كيف تصيب الحطاب البسيط باول أكرمان نوبة كرم مفاجئة تجعله يدعو ~~الجميع إلى الشراب على حسابه، بعد أن رأى كيف يسقط الإنسان في لحظة ~~واحدة كما حدث لصديقه جو. وتدور الكئوس على رجال ماهاجوني الذين ~~رحبوا بالدعوة وأخذوا يغنون: «في البر والبحر، يسلخ جلد الناس، ~~يعرضه النخاس، بباهظ السعر، لأجل هذا يجلسون طول الليل والنهار، ~~ويعرضون جلدهم للعابرين والتجار، لأن جلدهم بضاعة توزن ~~بالدولار!» # لكن الأرملة المتيقظة لتجارتها لا يعجبها الحال، فتقطع أغنية الجلود ~~قائلة: «والآن ادفعوا الحساب يا سادتي!» غير أن باول لا يملك شيئا، ~~ويستنجد بحبيبته جيني لتسعفه بالمال أو تهرب معه إلى أي مكان. ويحاولان ~~أن يصرفا الأنظار عن ورطتهما، فيصعدان فوق مائدة البليارد مع صديقهما ~~هنيريش ويمثلون أمام الجميع رحلة بحرية تحاصرها الرياح والأمواج ~~المضطربة والسحب السوداء في طريقهم عبر المحيط إلى ألاسكا، ويستمتع ~~الجمهور باللعبة ولكنه ينفض عنها عندما يفاجئ موسى كالوحش قبطان الرحلة ~~ويطالبه بدفع الحساب. ms14 ويفتش باول في جيوبه فلا يجد شيئا، وتطلب ~~الأرملة من هينريش وجيني أن يمدا له يديهما، فينصرف الأول صامتا، ~~وتسخر الثانية من الطلب الغريب مؤكدة استحالته بأغنية طويلة عن العبر ~~التي استفادتها من حياتها القاسية التي علمتها أن الإنسان العاقل ~~يختلف عن الحيوان، وأنه كما يوسد الإنسان نفسه ينام، ولن يغطيك سواك، ~~لن يقيك لسع البرد والظلام، وأن الحب شيء رائع ولكنه لا ينفع ولا يدفئ ~~ولا يطعم الجوف عندما يعمر المرء ويشيب شعره. # ويقيد باول تمهيدا لمحاكمته، ويهتف موسى الضخم بمن بقي من ~~الحاضرين: «مرحى يا ناس، رجل لا يملك أن يدفع ثمن الكاس، قحة وغباء ~~ورذيلة، والأسوأ منها الإفلاس.» ثم يقول لهم وهو يصرفهم: «بالطبع جزاء ~~الرجل الشنق، وحكم القانون الموت.» ~~(12) ويقدم باول إلى محكمة ليست أسوأ من غيرها، ويتولى موسى مهمة ~~المدعي، وتجلس الأرملة على منصة القضاء، ويقوم فيللي بالدفاع. وتعرض ~~في البداية قضية رجل ثري متهم بالقتل العمد. ويتحمس موسى في بيان التهم ~~الفظيعة في حق الإنسانية، ولكنه يختم مرافعته بطلب البراءة بعد أن أفهم ~~المتهم القاضية بالإشارة أنه سيدفع للمحكمة رشوة ضخمة. وإذ تسأل ~~المحكمة عن الأضرار التي أصابت المجني عليه فلا يستطيع المقتول أن يجيب ~~على السؤال، تعلن المحكمة براءة المتهم. ثم تنتظر قضية باول وتوجه ~~إليه تهمة الامتناع عن دفع الحساب. وتعلن الأرملة ومعها موسى وفيللي ~~أنهم هم المجني عليهم. وتعرض على هيئة المحكمة تهم أخرى سبقت تهمته ~~الأخيرة، فهو يستحق الحبس يومين بتهمة القتل غير المباشر لصديقه ذئب ~~ألاسكا في حلبة الملاكمة، كما يستحق الحرمان من شرفه لمدة سنتين بسبب ~~الإزعاج الذي سببه في ليلة الإعصار، والسجن أربع سنوات مع وقف التنفيذ ~~لإفساده الفتاة جيني، وعشر سنوات لإنشاده أغاني ممنوعة في ليلة الإعصار ~~الرهيبة، أما العجز عن دفع الحساب فهي تهمته الكبرى التي يستحق عليها ~~الموت كما ينطق بذلك ضمير الرأسمالية على لسان القاضية: «ولأنك ترفض أن ~~تدفع، ثمن ثلاث زجاجات، حكم عليك حضوريا بالإعدام.» ويؤمن أعمدة ~~الرأسمالية الأربعة الذين تولوا المحاكمة ms15 على كلامها بقولهم: «بسبب ~~الفقر، أعظم جرم يرتكب على ظهر الأرض، وفي البر أو البحر.» ~~(13) وتأتي اللوحة التاسعة عشرة لتعرض علينا تنفيذ الحكم بالإعدام، ~~ويقرر برشت في عنوان اللوحة أن القراء أو المشاهدين قد يستنكرون إعدام ~~باول أكرمان، ولكن لم يكونوا ليقبلوا دفع الحساب عنه، فإلى هذا الحد ~~بلغ احترام المال في عصرنا، ويبدأ المشهد بوداع مؤثر بين باول وجيني ~~يؤكد فيه كل منهما أنه أمضى مع صاحبه أياما جميلة. ويتجه باول مع ~~صديقه الوحيد هينريش إلى مكان التنفيذ بينما تمر بهم جوقة الرجال ~~التي تعيد أغنيتها عن الحريات الأربع في المدينة: تذكروا، في البدء ~~يأتي الأكل والطعام، وثانيا العشق والغرام ... إلى آخر الأبيات التي ~~سمعناها من قبل. ويسأل باول في دهشة إن كانوا سيعدمونه حقا، فتطفئ ~~التاجرة-القاضية دهشته بكلماتها الباردة: «بالطبع! هذا أمر معتاد.» ~~ويسأل باول: «أفلا تخشون الله؟!» # فيجيبونه على سؤاله بتمثيل مشهد عن إله أسطوري هبط إلى ماهاجوني، ~~وذلك بعد أن يأمروه بالجلوس على الكرسي الكهربائي. # ويبدأ أربعة رجال في تمثيل المشهد الذي يحكي كيف هبط ذلك الإله ~~الأسطوري إلى ماهاجوني ليكتشف بنفسه جرائمهم ويصب لعنته عليهم، ثم ~~يأمرهم بأن يسبقوه إلى الجحيم فيرفضون الذهاب معه لسبب بسيط، وهو أن ~~حياتهم على الأرض كانت جحيما في جحيم: «حذار يا أصحاب، لا تنقلوا ~~قدما، وغلقوا الأبواب، وأعلنوا الإضراب، والثورة العظمى، لا لن تجر ~~أحدا من شعره إلى الجحيم؛ لأننا عشنا الحياة في العذاب والجحيم!» ~~وينتهي تمثيل المشهد باكتشاف باول أكرمان الحقيقة التي غابت عنه. ~~فعندما جاء إلى هذه المدينة ليشتري السعادة بالمال، كان قد أصدر قرار ~~سقوطه بنفسه وختمه بخاتمه. وها هو ذا يجلس على الكرسي الكهربائي وهو ~~فارغ من كل شيء، أو كأنه الفراغ نفسه. كان يقول إن من حق كل إنسان ~~أن يقتطع اللحم الذي يعجبه بالسكين التي تعجبه. لكن اللحم كان فاسدا، ~~والسعادة التي اشتراها كانت أبعد ما تكون عن السعادة، والحرية من أجل ~~الكسب والربح هي العبودية ذاتها، شرب فازداد عطشا، وأحب ولم يزده ms16 الحب ~~إلى شعورا بالوحدة. وهو الآن يستجدي شربة ماء فيطوق موسى الضخم رأسه ~~بالخوذة فجأة وهو يقول: «انتهى كل شيء!» ~~(14) وتأتي اللوحة الأخيرة فتقرأ عنوانها: في ظل الاضطراب المتزايد، ~~والغلاء الفاحش، وعدوان الجميع على الجميع، تظاهر الباقون على الحياة ~~في مدينة الشباك دفاعا عن مثلهم العليا، دون أن يتعلموا، وتطالعنا ~~في خلفية المسرح لوحات تمثل المدينة وهي تحترق. ثم تتوالى مواكب ~~المظاهرات التي تتدافع ويختلط بعضها ببعض حتى النهاية، يمر الموكب ~~الأول بقيادة المغامرين الثلاثة المسئولين عن صعود المدينة وسقوطها، ~~حاملا لافتة كتب عليها: من أجل الغلاء. ولأجل صراع الكل مع الكل. ~~لحالة الفوضى في مدننا، لاستمرار العصر الذهبي. وكل شيء في مدينة ~~الجمال ماهاجون، وكل ما صوره الخيال من جنون، يمكنكم شراؤه بالمال؛ ~~لأن كل شيء سلعة تباع. ويعبر المتظاهرون في الموكب التالي حاملين ~~لافتات كتب عليها: لأجل الملكية، ولتجريد الغير من الملكية، للتوزيع ~~العادل للخيرات العلوية، والتوزيع الظالم للخيرات الأرضية، لشراء الحب ~~وبيعه، للفوضى الفطرية للأشياء، لاستمرار العصر الذهبي، ثم يمر الموكب ~~الثالث بلافتات كتب عليها شعارات أخرى معبرة عن عفن النظام الرأسمالي ~~ومبلغ فساده، لحرية الأغنياء، للشجاعة ضد العزل، لشرف القتلة، ومجد ~~القذارة، لخلود الحقارة، واستمرار العصر الذهبي. ويرجع الموكب الأول ~~الذي يؤكد فيه المتظاهرون أن من يملك المال يجد كل شيء في ماهاجوني؛ ~~لأن المال هو الشيء الوحيد الذي يجب أن يتمسك به الإنسان، وكل شيء ~~يشترى بالمال أو يباع، وليس للفقير غير الذل والضياع. ويلحق به الموكب ~~الثالث، فلا يلبث أن يتحول إلى جنازة على الطريقة الأمريكية، ينشد فيها ~~المتظاهرون على روح باول: «والآن لا بد من الدولار.» وغيره من أبيات ~~مقاطع أغنية ألاباما التي رددتها الجوقة قبل ذلك كثيرا؛ ينشدونها على ~~روح باول أكرمان وغيره من ضحايا مجتمع رأس المال الهمجي المستغل، ثم ~~يتبع موكب الجنازة موكب خامس يحمل المتظاهرون فيه جثة باول أكرمان، ~~وفوق رءوسهم لافتة كتب عليها: «من أجل العدالة» بينما يغنون قائلين ~~إنهم لا يستطيعون أن يصنعوا له شيئا. # وأخيرا يأتي ms17 الموكبان السادس والسابع وفوق رءوس المتظاهرين لافتتان ~~كتب عليهما: لأجل الغباء، ولاستمرار العصر الذهبي، بينما ينشد ~~المغنون أغنية تؤكد مرة أخرى أنهم لا يستطيعون أن يصنعوا للميت ~~شيئا. وتتلاحق المواكب وتختلط وتتداخل ويتصارع بعضها مع بعض ليرتفع في ~~النهاية صوت ممدود يائس: «لن نستطيع أن نساعد أنفسنا أو نساعد أحدا ...» # 4 ~~(15) تلك هي أوبرا «ماهاجوني» التي أتم برشت كتابتها بين عامي 1928م ~~و1929م وعرضت بصورة تجريبية في الاحتفالات الموسيقية المشهورة التي ~~تقام في مدينة بادن-بادن، ثم رفع عنها الستار لأول مرة في شهر مارس ~~عام 1930م في مدينة ليبزيج. ويبدو أن النجاح المثير الذي لقيته أوبرا ~~القروش الثلاثة في سنة 1928م (وقد أعدها عن أوبرا الشحاذين للكاتب ~~الإنجليزي جون جاي (1827م) كما لحنها كذلك صديقه الموسيقي كورت فايل) ~~قد شجعه على مواصلة محاولاته مع «الأوبرا الملحمية» التي تصور ~~تناقضات العادات والأخلاق والقيم السائدة، وتدفع المتفرج إلى الفعل ~~السياسي واتخاذ موقف نقدي وثوري مما يشاهده ويسمعه، وتجمع بين العاطفية ~~المسرفة (التي تشي بحنين رومانسي وتشاؤم عدمي لم يبرأ منهما أبدا!) ~~والسخرية المرة المستفزة، والأغاني العدوانية والبكائية التي تذكرنا ~~بمواويل المغنين الفقراء المتجولين - من نوع البالاد؛ أي الحكايات ~~الشعرية أو القصائد القصصية - وبأغنيات ومرثيات الشاعر المتشرد الضائع ~~فرانسو فيون (ولد حوالي 1431م) الذي طالما تأثر به وبمواطنه رامبو ~~(1845-1891م) هذا العبقري الشريد ورائد التجديد في بنية الشعر الأوروبي ~~الحديث، غير أن حظ ماهاجوني كان أسوأ من حظ القروش الثلاثة؛ فقد أثار ~~عرضها الأول الذي أشرنا إليه فضيحة هائلة بين النقاد والمتفرجين، ~~وقوبلت بمظاهرات الاحتجاج والاستنكار من الجمهور «البرجوازي» ردا على ~~مواكب التظاهرات الاشتراكية والثورية التي ضجت بها اللوحة الأخيرة ~~للأوبرا. وقد حاول برشت أن يبرر الفضيحة بقوله إن منظر ياكوب النهم ~~- الذي مات على المسرح كما رأينا بعد افتراس عجل كامل! - كان أكثر ما ~~أثار أعصاب الجمهور؛ لأنه أوضح بغير تعليق من المؤلف أن هناك من يموتون ~~من التخمة، وترك للمتفرج أن يعرف بنفسه أن هناك أيضا من يموتون من ~~الجوع. ولعل ms18 أكثر ما أشعل غضب المتفرجين من الطبقة الوسطى في ~~الثلاثينيات من هذا القرن هي تلك اللوحة التي تبشر بالعصر الذهبي ~~(وقد قصد به العصر الذي ينتهي فيه صراع الطبقات بانتصار الاشتراكية ~~«العلمية» واستيلاء طبقة العمال على الحكم وعلى وسائل الإنتاج)، ~~بالإضافة إلى الشعارات الصارخة التي تحملها مواكب المتظاهرين في نهاية ~~العرض، وتفضح فيها جرائم الرأسمالية: من صراع الجميع ضد الجميع، ~~والتوزيع العادل للخيرات السماوية مع التوزيع الظالم للخيرات الأرضية، ~~والحب الذي يشترى بالمال، والفوضى الطبيعية للأشياء، وحرية الأغنياء، ~~وشجاعة الجبناء، وشرف السفاحين، وعظمة القذارة، وخلود الحقارة، وكلها ~~تعرب عن الأفكار والأشواق والأحلام التي كانت تضطرم في قلوب ~~الاشتراكيين والفوضويين في ذلك العصر المضطرب، فكيف لا تثير ثائرة ~~«البرجوازية» في المجتمع وفي السلطة الحاكمة؟ وكيف لا تغضب ~~الرأسماليين الذين راحت تشهر بفوضى مبادئهم التي تمثلها المواكب ~~الكاسحة على خشبة المسرح، ويرمز لها الرجل الميت الذي لن يستطيع أن ~~يساعد نفسه ولن يستطيع أحد أن يساعده، وهو بطبيعة الحال لا يعبر إلا ~~عن الرأسمالية التي لن تنجو من الهزيمة والفناء الحتمي كما تتنبأ بذلك ~~قوانين المادة والتاريخ «الحتمية»؟ ومن أغرب مصادفات الفن وتقلبات ~~أقداره أن هذه الأوبرا نفسها عرضت بعد ذلك بعام ونصف العام على مسارح ~~برلين فتلقاها الجمهور البرجوازي نفسه بالتصفيق الحماسي! وربما يرجع ~~السبب في رد الفعل غير المنتظر إلى أن التناقضات والأزمات الاجتماعية - ~~وسط أزمة التضخم والإفلاس المعروفة في الثلاثينيات - كانت قد أصبحت ~~موضوعا يشغل الجميع، وتوالت الأعمال الفنية المختلفة التي تتناولها ~~بالوصف والتحليل والتهكم والاحتجاج (ومن أنجحها عروض المسرح السياسي ~~الشعبي أو مسرح الكباريه الذي ازدهر في ذلك الحين ازدهارا ~~كبيرا). # ومن أغربها وأعجبها كذلك أن معظم النقاد الواقعيين أو الاشتراكيين لم ~~يرضوا عنها كل الرضا، فاتهموها بأنها رومانسية وغير علمية ولا موضوعية ~~في تفسيرها للظواهر الاجتماعية، وأنكروا منها عدم تصريحها ب «الحل ~~الإيجابي» - أو الحتمي! - الذي سيتم بقيادة «البرولتياريا» المناضلة ~~التي تحمل مسئولية توجيه التاريخ البشري نحو غايته السعيدة (أي ~~الشيوعية). ~~(16) ومع أن هؤلاء النقاد قد اعترفوا ms19 بأن الأوبرا تعبر عن الفوضى ~~السائدة في المجتمع الرأسمالي، وهي في أساسها فوضى اقتصادية - ومن ثم ~~سياسية - ترجع إلى اضطراب علاقات الإنتاج، وافتقارها إلى التخطيط ~~العلمي الذي يحسب حساب الطلب والتوزيع فينتهي بالضرورة إلى التنافس ~~المروع، وتحكم الإنتاج في المنتج، واستغلال صاحب العمل للعامل، ~~وظواهر الاغتراب وأزماته في ظل العلاقات السائدة في المجتمع البرجوازي ~~والرأسمالي (وهي الظواهر التي بدأ هيجل الحديث عنها في فلسفة الحق في ~~سنة 1831م، وأفاض ماركس في وصفها وتحليلها في مخطوطاته الاقتصادية ~~والفلسفية لسنة 1844م التي اكتشفت في القرن العشرين، واستغلها ~~اليساريون الجدد بوجه عام وأصحاب النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ~~بوجه خاص في تأكيد اغتراب الفرد وقمعه في المجتمعات الصناعية المتقدمة ~~سواء أكانت شمولية اشتراكية أو رأسمالية ليبرالية)، ومع أنهم يسلمون ~~أيضا بأن الأوبرا قد نجحت في التعبير عن الأزمة التي تتعرض لها ~~مجتمعات المال والاستغلال، وفضحت المبدأ الأساسي لكل الكوارث التي ~~تداهم المجتمعات الرأسمالية بصورة تكاد تكون دورية، وتقوم على تحكم ~~المال في العلاقات الإنسانية بحيث لا يبقى معه مجال للقيم والأخلاق، ~~وبحيث يصبح كل شيء مباحا ما دام كل شيء وكل شخص سلعة تشترى وتباع، ~~مع كل هذا فإن أولئك النقاد قد ساءهم أن يكتشف هذا المبدأ حطاب بسيط ~~- وهو باول أكرمان - وأن يرضخ له عمال مطحونون قضوا سبع سنوات من عمرهم ~~في قطع الأشجار في غابات ألاسكا وثلوجها، فهل أراد برشت أن يكونوا ~~رمزا لملايين المستغلين؟ وإذا جاز هذا فكيف يستقيم مع تفكيرهم أن ~~يعيشوا ويمارسوا مبدأ طبقه أعداؤهم من زمن طويل؟ وكيف يسقطون كالخنازير ~~المتوحشة في حمأة الرذائل التي اختص بها هؤلاء الرأسماليون، ويتحمسون ~~للمتع والملذات المادية التي تنفيها الأخلاق الاشتراكية وتترفع ~~عنها؟ أم أراد برشت أن يقول إن العمال تحت جناح الرأسمالية قد ينالون ~~حقوقا محدودة ويتمتعون بمتع محدودة، ولكنها مؤقتة ومرهونة بازدهار ~~رأس المال والتوسع الاستعماري؟ ربما يكون الأمر كذلك. ولكن كيف يستساغ ~~أن يكون الرجل الميت - وهو بلا ريب رمز الرأسمالية - هو العامل البسيط ~~باول أكرمان؟ هل نفهم من ms20 ذلك أن الرأسمالية مقضي عليها بالانتحار ~~الحتمي كما زعم منظرو الاشتراكية وزعماؤها طوال العقود الأخيرة وقبل ~~الزلزلة المفاجئة؟ أم أن قيمة الإنسان وكرامته مرتبطة بثروته ورصيد ~~شيكاته، وأنها تتلاشى حين يعجز عن دفع الحساب؟ أليس في هذا تبسيط شديد ~~لواقع الرأسمالية العالمية التي ما فتئت «تجدد نفسها» (كما يقول كتاب ~~قيم لعالم الاقتصاد المرحوم الدكتور فؤاد مرسي)؟ # 5 # ثم كيف ينطبق هذا على رجل لا يستغل أحدا ولا يملك وسيلة ~~من وسائل الإنتاج في مجتمع مدينة الذهب التي لا تنتج أصلا، وإنما هي ~~أشبه ببار أو ماخور كبير يستقبل العمال والمنتجين ويستنزفهم؟ وهل من ~~المقبول أو المعقول أن تأتي ظواهر الضعة والشر والانحطاط - حتى ولو كان ~~المال من ورائها - من عمال مستغلين لا أصحاب أعمال مستغلين، كخيانة ~~الصديق لصديقه وتخليه عنه في وقت الشدة، بل تخليه عن الجزء الأفضل من ~~ذاته وتنكره للتضحية والوفاء بمجرد أن يتدخل المال بينهما؟ # 6 ~~(17) بيد أن هذه الانتقادات وأمثالها التي انصبت على جوانب «عدم ~~الاتساق» لم تمنع النقاد من الإشادة ب «الجديد» في هذه الأوبرا ~~والأوبرا التي سبقتها (القروش الثلاثة) والتي لحقتها بفترة زمنية طويلة ~~(وهي إدانة أو محاكمة لوكو للوس التي كانت في الأصل تمثيلية إذاعية ثم ~~تحولت إلى أوبرا في سنة 1951م). وحقيقة التجديد هنا أنها أوبرا ~~«ملحمية» مختلفة تمام الاختلاف عن الأوبرا التقليدية، التي يصفها برشت ~~وصفا لاذع السخرية بأنها أوبرا «مطبخية» تهدف إلى إدماج المتفرج أو ~~المستمع في التجربة وإغراقه في وهم الاستمتاع السلبي بدلا من حفزه على ~~اتخاذ موقف نقدي وثوري واع مما يراه ويسمعه بحيث يشارك رواد هذا ~~الفن العريق في تغيير المجتمع من جذوره وتجاوز الواقع السائد إلى واقع ~~أكثر تقدما وعدلا وإنسانية. # ولكن هل معنى هذا أن ماهاجوني ضد المتعة والتجربة الوجدانية والعقلية ~~والمواقف الفلسفية التي يتيحها فن الأوبرا الرفيع، على الأقل في بعض ~~نماذجه الكبرى - مثل الناي السحري ودون جوفاني وفيجارو وفيديليو - التي ~~لم تكن «مطبخية» خالصة؟! # الواقع أن الأوبرا الملحمية ينطبق عليها ما ينطبق ms21 على المسرح الملحمي ~~من الناحيتين النظرية والعملية. ولست في حاجة إلى نقل الجدول المشهور ~~الذي يضع فيه «برشت» الشكل الدرامي التقليدي أو الأرسطي للمسرح في ~~مقابل شكله الملحمي أو الجدلي والثوري؛ إذ طالما ورد هذا الجدول في ~~الدراسات التي وضعت بالعربية عن مسرح برشت أو في الترجمات التي تمت ~~عنه إلى حد الملل # 7 # فقضية التجديد في الأوبرا كما في المسرح تتجاوز التجديدات ~~الشكلية والتقنية وتتعلق أساسا بالنظرة المختلفة إلى الوظيفة ~~الاجتماعية للمسرح من حيث هو مؤسسة فنية وتعليمية وأخلاقية ينبغي أن ~~تشارك مشاركة جادة في التحول التاريخي والاجتماعي نحو واقع متقدم ~~ومتطور وإنساني على الحقيقة (لا من باب التظاهر والنفاق والزهو ~~بالأقنعة «الثقافية» الزائفة كما يحدث حتى الآن في معظم المجتمعات ~~الرأسمالية والصناعية المتقدمة وفي معظم المجتمعات النامية - أو ~~النائمة في غيبوبتها الطويلة - إن لم يكن فيها جميعا!) هذا التغيير في ~~النظرة إلى الأوبرا وغيرها من الفنون يستجيب بغير شك لمطالب الطبقات ~~الشعبية التي أصبح من حقها أن تستمتع بالفنون - وبخاصة فن الأوبرا - ~~الذي ظل مقصورا على الطبقة الأرستقراطية ردحا طويلا من الزمن؛ أي ~~إنه يلبي حاجة أصيلة إلى إضفاء الطابع الديمقراطي عليها، شريطة ألا ~~تكون هذه الديمقراطية من النوع الذي يقر حقوق الشعب ويمنعه في الوقت ~~نفسه من ممارستها! والأهم من إتاحة فرص استمتاع الطبقات الشعبية ~~المحرومة بالأوبرا هو بطبيعة الحال أن تؤدي دورها بجانب الفنون ~~والمؤسسات الثقافية الأخرى في التعجيل بتغيير المجتمع القائم من جذوره ~~- إذا تعلق الأمر بالمجتمعات الرأسمالية - وتدعيم وجهة النظرة ~~الاشتراكية الثورية، ونقد سلبيات التطبيق ومعوقاته إذا تم عرضها في ~~مجتمع يأخذ بالاشتراكية. ومجمل القول إن «ماهاجوني» أوبرا تمتع المتفرج ~~الذي يسعى إلى المتعة والتجربة الوجدانية لذاتها، فالفن الذي لا يمتع ~~المتلقي لا بد أن يكون فنا فاشلا، ولكن الفرق بينها وبين سائر ~~الأوبرات التقليدية هو أن مضمونها وتشكيلها وموسيقاها وبقية أدواتها ~~«التقنية» تنطوي على عناصر عقلانية وثورية تؤدي - بلغة الجدل - إلى ~~«رفع» المتعة الوجدانية والانفعالية البحتة أو إلغائها أو على الأقل ~~«تنويرها» و«توظيفها» ms22 لتحقق الهدف الاجتماعي الأساسي من الفن، وهو ~~تغيير المجتمع القائم وتعزيز التفكير الواعي المستقل والنقد العقلي ~~والموضوعي للتناقضات القائمة؛ أي متعة الثورة على الأوضاع غير ~~الإنسانية التي تنتج الاغتراب وتكرسه، ومن ثم تكون - بلغة الجدل مرة ~~أخرى! - هي متعة نفي النفي أو سلب السلب! # 8 ~~(راجع ما سبق قوله عن المشهد الثالث عشر الذي يأكل فيه ~~شميت النهم حتى يسقط ميتا) ومعنى هذا في النهاية أن يغدو الاستمتاع ~~موضوعا للنقد، وهذا نفسه موضوع الاستمتاع، ولكن هل يمكن أن يجرب ~~الإنسان وينفصل في الوقت نفسه عن تجربته ليتأملها وينقدها؟! وحتى إذا ~~جاز هذا الانفصال أو الإغراب بالنسبة للمثل والمتفرج في المسرح الملحمي ~~- وهو أمر تشكك فيه أكثر النقاد وتعذر في تقديري تحقيقه في معظم ~~أعمال برشت على الرغم من كل الأسباب النظرية والعملية التي حشدها له! - ~~فهل يتسنى هذا للأوبرا التي يتركز فيها انتباه المتلقي عادة على ~~الغناء والموسيقى أكثر بكثير من التركيز على المضمون؟ إن برشت لا يعدم ~~الإجابة على هذه الأسئلة. فلو وضعت الموسيقى والمناظر والمؤثرات ~~المختلفة في خدمة المضمون ولم تصبح هي الغاية - كما حدث في رأيه مع ~~التجديدات التي أدخلت على أوبرات فاجنر - لخرجت الأوبرا التقليدية من ~~عزلتها الأرستقراطية ولم تبق أوبرا مطبخية وحسب. ولكن هل نجحت ~~ماهاجوني والقروش الثلاثة في تحقيق هذا الطموح؟ هنا تقتضيني الأمانة أن ~~أتوقف عن الكلام. فلم يتح لي أن أشاهد أيا منها في دور الأوبرا، ~~كما أن معلوماتي عن الأوبرا بوجه عام لا تسمح بأن أفتي بغير علم فيما ~~لا أعرف ولا أتذوق؛ إذ اقتصر حبي للموسيقى الغربية حتى الآن على ~~الموسيقى الكلاسيكية، كما أن تجاربي مع الأوبريت والأوبرا لم يزد عددها ~~على عدد أصابع اليد الواحدة، وربما يكون المعنيون بالأوبرا لبرشت أو ~~غيره أقدر مني على الكلام عن إمكان عرضها على مسارحنا بعد تكييفها ~~لظروفنا، أو إمكان الاستفادة من أسلوبها وهدفها في إبداع أوبرات أو ~~أوبريتات عربية تؤدي الوظيفة الاجتماعية المتوخاة منها (بصرف النظر ~~عن أن فن الأوبرا لم يستطع ms23 حتى الآن أن يستميل الأذن العربية والمصرية، ~~أو يؤكد حضوره في وجدان الأغلبية الساحقة من شعبنا) ومن يدري؟ فلعل ~~التفكير في أوبرا محلية بنفس المفهوم الذي أراده لها برشت أن يكون خطوة ~~أولى على طريق توطين هذا الفن العظيم في أرضنا. ولا أنسى في نهاية عرضي ~~لهذه المسألة أن أذكر القارئ بالمحاولة التي قام بها في السبعينيات ~~المرحوم نجيب سرور عندما قام باقتباس أوبرا القروش الثلاثة وتقديمها ~~على مسرح البالون تحت اسم «الشحاتين». وإذا كان هذا العرض لم يكتب ~~له التوفيق في حينه، فليس ما يمنع من استلهامه أو تكراره في صورة ~~جديدة، وفاء لذكرى هذا الشاعر الملحمي الأصيل. ~~(18) إذا صح وصفنا لهذه الأوبرا بأنها «يوتوبيا-مضادة» تقدم ~~صورة لاسعة السخرية والقسوة إلى حد التشويه والتشهير بالمجتمع ~~الرأسمالي، وأنها تتضمن في الوقت نفسه ملامح الأصل الذي تحيل إليه ~~بشكل غير مباشر - وهو «اليوتوبيا» الاشتراكية أو الشيوعية التي تعلقت ~~بها أحلام برشت وجيله، وسخروا لتحقيقها كل الوسائل المتاحة والأسلحة ~~الممكنة في كفاحهم الفني والأدبي والثوري، ولقوا في سبيلها ما لقوا من ~~ألوان الاضطهاد والنفي والتشريد والتعذيب - فلا بد من أن نقف قليلا ~~عند مفهوم «اليوتيوبيا» ونضعها كذلك في تراث صاحبه وفي سياق التاريخ ~~الأيديولوجي والثوري الذي توقف قلبه فجأة عن النبض وانطفأ حريقه الكبير ~~أمام أبصارنا وأسماعنا، وكأنما انقضت عليه صاعقة ثلجية مباغتة ~~فجرته وحولته - على الأقل حتى الآن - إلى شظايا ورماد. # ولا بد قبل هذه الوقفة عند «اليوتوبيا» والفكر اليوتوبي من التمهيد ~~لها ببعض الملاحظات الضرورية لإضاءة النص في أبعاده المختلفة بقدر ~~الإمكان. وأول هذه الملاحظات يتصل بالشكل الأدبي الذي اختاره المؤلف. ~~فالمعروف أن اليوتوبيا - أي الصورة الأدبية والفنية المتخيلة للنظام ~~الاجتماعي والسياسي الأفضل والأمثل - قد ظهرت في أثواب مختلفة وقامت ~~بأدوار متنوعة وجربت كل الأشكال الأدبية المعروفة كالمحاورات والرسائل ~~والرحلات واليوميات والروايات والمسرحيات، بجانب المقالات والبحوث ~~الفلسفية والاجتماعية الجادة في بعض الأحيان. وقد كان من الطبيعي أن ~~تتنوع أهدافها كما تنوعت أشكالها ومضامينها الفكرية والسياسية، فتقصد ~~إلى التهكم من «لامعقولية» ms24 الوجود الإنساني وامتناع وصوله للكمال ~~والتجانس والسعادة، أو إلى الهروب من الواقع السائد المشوه نفورا ~~منه وعجزا عن تغييره وإصلاحه إلى أرض الأحلام - كما يقول عنوان كتاب ~~جميل لأستاذنا الجليل زكي نجيب محمود # 9 ~~- بغية التسلي بألعاب خيالية أو التعبير عن أشواق يائسة أو ~~تقديم رؤى للتأمل الخالص والتفكير الممتع، أو لمجرد كتابة قصة فلسفية ~~أو قصة مما يسمى بأدب الخيال العلمي (الذي يصعب علي التسليم بانتمائه ~~للأدب إلا في القليل النادر من نماذجه!) ولا شك أن تجربة الشكل ~~الأوبرالي بالإضافة إلى الأشكال السابقة سيبقى محل الدهشة ~~والاستغراب. ولكن لو تمعنا الأمر قليلا لوجدنا أنه إضافة حقيقية ~~للأدب اليوتوبي، لا سيما إذا تذكرنا أنها أوبرا ملحمية وليست أوبرا ~~عادية أو «مطبخية». # وثاني هذه الملاحظات أن الأوبرا التي بين أيدينا عمل تشوبه من ~~الناحية الفنية والأدبية أوجه نقص عديدة، لعل أوضحها هو التصنع ~~والمبالغة والاختزال، والبعد عن الواقع التاريخي والموضوعي إلى حد ~~التجني، واللغة الباردة المحشوة بالشتائم والسباب والسخرية «الكلبية» ~~المألوفة في معظم كتابات برشت، والتسييس المتعمد للمادة الأدبية إلى ~~حد تحويلها إلى مظاهرة صاخبة في اللوحة الختامية، وغير ذلك من جوانب ~~الضعف التي عرضنا لها على الصفحات السابقة. وربما يشفع للمؤلف أن ~~الروائع الأدبية الحقيقية بالغة الندرة في تراث الأدب اليوتوبي، وذلك ~~لصعوبة الكتابة عن عالم شديد الكمال أو عالم شديد النقص؛ لأن كليهما ~~سكوني وغير تاريخي ومصطنع، يخلو عادة من الصراعات الحية التي تشكل ~~مادة الأدب، فضلا عن أن الشخصيات اليوتوبية تكون في معظم الأحيان ~~شخصيات مختزلة مجردة أو أنماطا عامة مفتقرة إلى سمات الفردية الحميمة. ~~وإذا كان من الواجب الاحتراز من الوقوع في التعميم الذي يظلم بعض ~~المواقف الإنسانية المؤثرة في هذه الأوبرا - مثل مناجاة «جين» لنفسها ~~ومشاهد الحوار مع حبيبها باول أكرمان ومشاهد إعدام هذا الأخير - فإن ~~الإنصاف يقتضينا القول بأن الذنب في التصنع والتجريد يقع جزئيا على ~~الأقل على رأس النمط اليوتوبي نفسه الذي سيظل انتماؤه للأدب موضع جدل ~~ونقاش إلى أن تفرض الروائع الحقيقية ذاتها، ms25 ويبقى أهم عذر لهذه الأوبرا ~~ولمحاولة تقديمها للقارئ العربي، وهو أنها قد أثارت في حينها ولم تزل ~~قادرة على إثارة مناقشات طويلة حول الرأسمالية والاشتراكية ، ~~والتقدمية والرجعية، وطبيعة التفكير الأيديولوجي نفسه والدور الذي ~~قامت به الأيديولوجيات على اختلافها في تخريب الأدب والفن والحياة طوال ~~العقود الأخيرة من القرن العشرين (وهذا رأي خاص ربما أعود إليه بعد ~~قليل) والأهم مما سبق أنه إذا كان التاريخ السياسي الحديث - على الأقل ~~حتى لحظة كتابة هذه السطور - قد كذب رؤية برشت التنبئية بانهيار ~~الرأسمالية والانتصار «الحتمي» للاشتراكية، فإن القيمة الأساسية التي ~~لا تزال هذه الأوبرا تحتفظ بها في تقديري المتواضع، أنها توقظ فينا ~~الوعي الشقي بحاضر المدينة البشرية، وتلقي جمرة مستعرة على ضرام قلقنا ~~المتزايد على مصيرها ومستقبلها، والآمال الهشة في إنقاذها من السقوط ~~والاندثار تحت أقدام زبانية القوة والمال والعلم والتعصب والدهاء ~~والإرهاب المقنع بأقنعة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في ~~«النظام» العالمي الجديد، بهذا تكون «ماهاجوني» شهادة لها قيمتها على ~~محنة عصرنا ومحنه المحتملة إن لم تسرع البشرية العاقلة المسئولة ~~بالتفكير والعمل الجدي لإقامة المدينة الإنسانية الممكنة - ولا أقول ~~المثالية أو الفاضلة! - على أرضنا البائسة المبلية بالتلوث والاستبداد ~~وتخريب البيئة واتساع ثقب الأوزون ... إلخ مع اتساع الفك الغربي ~~الرأسمالي المفترس بقيادة «الكاو-بوي» المتباهي بجبروته ~~«وإنسانيته». ~~(19) ويضيق المجال بطبيعة الحال عن وضع هذه الأوبرا بصورة مرضية في ~~مكانها من تراث صاحبها أو من التراث اليوتوبي الذي فاضت «أدبياته» حتى ~~أصبحت بحرا لا شاطئ له، ولكن ربما تكفي الإشارة الموجزة إلى أن برشت ~~لم يقدم فيما أعلم عملا يوتوبيا خالصا يضمنه تصوره لمدينة ~~المستقبل الفاضلة وأفكاره السياسية والاجتماعية والثورية في ثوب أدبي ~~وبلغة فنية. ومع ذلك فقد أحال عليها - كما سبق القول - بطريقة غير ~~مباشرة تشبه طريقة «برهان الخلف» عند المناطقة؛ أي بتصوير الضد ~~الرأسمالي والفاشي لتلك «اليوتوبيا» التي ترك لقرائه أن يرسموها ~~بخيالهم ويؤسسوها ويرفعوا بناءها بعرق أيديهم ودماء تضحياتهم وتصميم ~~إرادتهم وجهد عقولهم وقلوبهم المبدعة. ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن ~~هذه ms26 المدينة المثالية كانت بالنسبة له ولجيله موجودة بالفعل ومعتكفة أو ~~عاكفة - وراء ما سماه الغرب «البرجوازي» بالستار الحديدي - على نسج ~~الحلم الكبير الذي تعلقت به قلوب ملايين الحالمين الثوريين ~~المضطهدين في بلادهم، الشاخصين بأبصارهم وأفئدتهم إلى الأم الاشتراكية ~~(في الاتحاد السوفيتي السابق)، واللائذين بأحضانها بعد ذلك من طغيان ~~ذئاب الفاشية وأعداء الحياة والسلام والإنسانية. ولا شك أن مآسي ~~التجربة الاشتراكية الكبرى لم تتكشف تماما لهؤلاء الحالمين الثائرين ~~إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يعلموا شيئا عن أهوال ~~التصفيات ومعتقلات التعذيب والمقابر الجماعية وبشاعة الآلة المباحثية ... ~~إلخ إلا بالتدريج وبعد أن عاشوا في ظل النظم الشرقية التي أجبرت على ~~الدوران في فلك «الأم»، والمهم في هذا السياق أن برشت حين مر بهذه ~~التجربة الأليمة في السنوات القليلة التي قضاها قبل وفاته (1956م) فيما ~~كان يسمى بجمهورية ألمانيا الديمقراطية؛ كان قد أتم أهم أعماله ~~الشعرية والمسرحية والقصصية والنظرية. وكلها واضحة الدلالة على انصراف ~~جهده إلى رسم «اليوتوبيا الرأسمالية المضادة» من جميع جوانبها وبأبشع ~~ملامحها؛ ففي المرحلة التعبيرية المبكرة نجد الفردية الفوضوية والعدمية ~~التي أنبتتها مدينة المال والأعمال متمثلة في شخصية «بعل» 1922م، كما ~~نجدها تسحق الفرد المطحون العائد من الحرب بلا مأوى ولا بيت ولا ~~مستقبل في «أحراش المدن» 1924م و«طبول في الليل» 1929م، وفي المرحلة ~~التعليمية - التي تندرج فيها من الناحية التاريخية والفنية أوبرا ~~القروش الثلاثة 1928م، وماهاجوني 1929م - نراه يحرص على تدمير تلك ~~المدينة الظالمة الفاسدة، والثأر من أبطالها المزيفين في الماضي ~~والحاضر، وإنزال أقسى العقاب ب «الدعاة» والمروجين المتخاذلين، وذلك ~~في قائل نعم وقائل لا (1930م) و«الاستثناء» والقاعدة ومحاكمة لوكولوس ~~(1939م) ومسرحية بادن-بادن التعليمية عن التفاهم و«الإجراء». وهو في ~~هذه المرحلة الناضجة المتأخرة يبين استحالة أن يعيش الإنسان الطيب في ~~هذه المدينة، واضطراره أن يضع قناع الشر والدهاء والاستغلال لكي يتمكن ~~من التعامل مع سكانها كما في «الإنسان الطيب في سيتشوان» 1924م، ويثبت ~~كذلك استحالة اكتشاف الحقيقة العلمية وإذاعتها في مدينة إرهابية يحكمها ~~رجال الدين المتزمتون، ويحاكمون علماءها ms27 الذين يضطرون لإنكار الحقيقة ~~أو التراجع عنها إنقاذا لعلمهم وحياتهم (جاليليو جاليلي 1934م) وهو ~~يقيم الحجة - بعد عرض الدليل الملحمي الطويل - على أن الطفل لمن ~~يربيه لا لمن ينجبه، وأن الأرض لمن يفلحها لا لمن يملكها (كما في ~~دائرة الطباشير القوقازية 1949م)، وأن الإنسان الغبي لا يتعلم أبدا، ~~حتى لو كلفه ذلك أبناءه؛ لأن هذه المدينة تعتبر البشر سلعة والحرب ~~تجارة (كما في الأمم شجاعة 1941م) وأن المجانين المأفونين يمكنهم - إذا ~~توافرت لهم وسائل البلطجة الكافية! - أن يروعوا مدينة بأكملها ~~ويلفقوا «نظاما» دمويا ينفي كل نظام ويلغي كل حرية وحياة؛ وذلك كما ~~في مسرحيته «الصعود الذي يمكن أن يوقف لارتورو-أوي» (1941م) والخوف ~~والارتعاش في ظل الرايخ الثالث 1945م، إلى آخر أعماله التي يعرفها ~~القارئ أو يعرف معظمها من أصولها أو ترجماتها الميسرة، بل إلى سائر ~~أعماله المسرحية التي أقتبسها وأعدها إعدادا جديدا عن مؤلفين ~~مشهورين، مجندا ذلك كله في حربه العادلة التي أعلنها على الفاشية ~~(مثل أنتيجونا لسوفوكليس، وكوريولانوس لشكسبير، والأم لماكسيم جوركي، ~~وجان دارك التي طالما تناول قصتها أدباء مختلفون). ~~(20) وأما عن وضع هذه الأوبرا في التراث اليوتوبي، واليوتوبي المضاد ~~الذي لا أشك في أنها تأثرت به بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فإن ذلك أمر ~~لا مناص منه لأي عمل أدبي مهما حاول أن يقاطع التراث أو يعلن رفضه له ~~وثورته عليه، على الرغم من أن تحديد ذلك الوضع شيء بالغ الصعوبة ~~والتعقيد. ولا يمكننا أن نتصور غياب التراث اليوتوبي الممتد عن ذهن ~~برشت، لسبب بسيط أنه تراث «أيديولوجي» غني بالرؤى والنظريات والأفكار ~~السياسية والاجتماعية والفلسفية التي دعا معظمها وأهمها إلى المجتمع ~~الشيوعي أو الاشتراكي المثالي، وإذا كان هو وجيله، أو على الأقل دائرة ~~أصدقائه المقربين من الفلاسفة والأدباء اليساريين المجددين قد آمنوا ~~بالاشتراكية «العلمية»، فإن هذه الاشتراكية لم تخل من عناصر يوتوبية ~~وتنبئوية مهما احتج الكثيرون من أنصارها على هذا الزعم، كما أن ~~اليوتوبيا «الواقعية»؛ أي الشيوعية التي ستحقق مجتمع الحرية والأخوة ~~والعدالة والمساواة والسلام وتكون هي «الثمرة» ms28 الأخيرة الناضجة على ~~شجرة الكفاح البشري والتاريخ الحضاري الممتد للوعي الإنساني - بل ~~والتاريخ الكوني السحيق للمادة نفسها! - هذه اليوتوبيا «الواقعية»، ~~التي ستكون بمثابة «الوطن» والمأوى و«الأمل» الذي سيتحقق معه «الكل» ~~والوحدة ويتصالح فيه الإنسان مع الطبيعة، ويتلاقى الوجود والماهية (إلى ~~آخر ما أفاض فيه صديق برشت الحميم «أرنست بلوخ» 1858-1977م، في كتابه ~~الأكبر مبدأ الأمل (من 1954 إلى 1959م) وفي سائر مؤلفاته) لا يمكن ~~بالطبع أن نتصور وجودها أو أن نفكر فيها إذا نحن بترنا جذعها وفروعها ~~عن بذورها وجذورها. وهذه البذور والجذور قد نمت وتشربت الماء والغذاء ~~على مدى تاريخ طويل ممتد من حكايات الشعوب وأساطيرها عن «ماض ذهبي» ~~ضاع ويمكن أو لا يمكن أن يستعاد، إلى جمهورية أفلاطون وقوانينه ~~وكتابات أخرى عديدة في العصر اليوناني، وبعض التصورات في العصر الوسيط ~~عن مدينة المستقبل الإلهية - كمدينة الله للقديس أوغسطين - والمدينة ~~«الفاضلة» المندمجة في بناء ميتافيزيقي فيضي وصوفي تحت رئاسة رئيس نبوي ~~حكيم، كما عند الفارابي، إلى «اليوتوبيات» بمعناها الدقيق، كما عبرت ~~في عصر النهضة عن النزعة الإنسانية الجديدة ووعيها بذاتها وثقتها ~~بالعقل والمعرفة والمستقبل بأقلام فلاسفة مشهورين هم توماس مور وتوماسو ~~كامبانيلا وفرنسيس بيكون، إلى صف طويل من الروائيين والمصلحين ~~الاجتماعيين والاشتراكيين المثاليين والمنظرين السياسيين من القرن ~~السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، وصولا إلى القرن العشرين الذي ~~ازدهرت فيه اليوتوبيات الجديدة المؤمنة بالاشتراكية المعتدلة - ومن ~~أشهرها اليوتوبيات الحديثة للكاتب الإنجليزي ه. ج. ولز ~~- كما تفتحت أروع زهورها السوداء ~~في العديد من اليوتوبيات المضادة، ومن أشهرها وأجملها الروايتان ~~البديعتان اللتان ترجمتا لحسن الحظ ترجمة ممتازة إلى اللغة العربية، ~~وهما عالم شجاع طريف لألدوس هكسلي، و1984 لجورج أورويل. # إن جمرات الإصلاح والنقد ~~والتغيير التي توهجت بومضات الاشتراكية والشيوعية في «يوتوبيا» توماس ~~مور (1478-1535م) ومدينة الشمس لكامبانيلا (1568-1639م) على الرغم من ~~ارتدائها مسوح الرهبة! قد توقدت بدرجات مختلفة في سائر اليوتوبيات ~~المثالية منذ عصرهما وعلى امتداد ما يقرب من ثلاثة قرون (راجع من ~~فضلك الملحق التالي)، حتى اشتعلت ~~كالحريق الكبير مع ms29 ظهور «البيان الشيوعي» لكارل ماركس وفريدريش إنجلز ~~سنة 1848م، واستيلاء الثورة البلشفية على مقاليد الحكم في روسيا سنة ~~1917م، وذلك قبل أن تأكل نفسها وتتفجر بدوي هائل كبركان الحمم الذي ~~دفن تحته آمال الملايين من الثوريين والمتحمسين والأيديولوجيين ~~والحالمين والمقهورين والمهانين الذين طالما لجئوا إليه وأسندوا ~~ظهورهم عليه (خصوصا في عالمنا الثالث أو الجنوب الذي بدأ «الشمال» ~~يتحرش به تمهيدا للانقضاض عليه!) وإذا كان من الصعب التنبؤ في أوقات ~~المحن والكوارث بما سيكون عليه مستقبل المدينة البشرية في المستقبل ~~البعيد أو القريب، فإن من الضروري وضع هذه الأوبرا وغيرها من الأعمال ~~والإنجازات في سياقها التاريخي والاجتماعي والفكري الذي نشأت فيه، حتى ~~يتسنى الحكم المنصف عليها وتمييز الصالح منها للبقاء وتحدي تقلبات ~~النظم وشروط التاريخ من الزائل المرهون بالظروف والمناسبات، ولا شك ~~عندي أن في هذه الأوبرا - وفي الكثير من أعمال برشت - ما يشهد على عظمة ~~الشاعر والكاتب المسرحي وانتصاره على الأيديولوجي الماركسي وتجاوزه ~~لحدوده وقيوده الضيقة. ~~(21) ونصل لمحاولة الوفاء بوعدنا للقارئ بتقديم شرح شديد الإيجاز ~~لكلمة «اليوتوبيا» التي رددناها كثيرا حتى الآن. وترجع هذه الكلمة ~~إلى كلمتين يونانيتين هما «أويتوبوس» (أي المكان الطيب أو الصالح) ~~وأو-توبوس (أي اللامكان). وقد انعكست هذه الازدواجية في المعنى على ~~الكتابات اليوتوبية؛ فكانت في بعض الأحيان رؤى عن مجتمعات صالحة يمكن ~~تصورها والاقتداء بها، وفي أحيان أخرى تخيلات حالمة أو وهمية مجردة ~~لنموذج اجتماعي كامل ومستحيل، وإن لم يكف الإنسان عن أن يحلم به في ~~صور وتجارب مختلفة. أضف إلى هذا كله أن البعد اليوتوبي - إذا جاز هذا ~~التعبير - كامن في وجود الإنسان، ملازم لجوهره وحقيقته. فهو الكائن ~~الهش الممزق بين حاضر لم يحقق فيه ذاته الفردية والجماعية، ومستقبل ~~يطمح أن ينجز فيه الكل الذي يعبر عن ماهيته. وما من إنسان يخلو من درجة ~~من الوعي بأنه لم يصبح هو نفسه بعد، وأنه ما يزال على الطريق إلى ~~كينونته. بل إن هنالك من يجعل هذه «الليس بعد» مقولة وجودية أو ~~أنطولوجية كما يقول الفلاسفة مستخدمين ms30 اللفظ اليوناني، ويذهب إلى أنها ~~تميز الوعي البشري في كل مظاهره وتجلياته الحضارية عبر التاريخ، كما ~~تصدق على المادة الغنية بإمكانات التفتح والازدهار في أشكال متجددة على ~~الدوام (على نحو ما عرف أرسطو المادة بأنها وجود بالقوة أو استعداد ~~وإمكان، وتصورها بعده فلاسفة عديدون من ابن سينا وابن رشد إلى بعض ~~فلاسفة عصر النهضة والعصر الحديث حتى أصحاب المادية الجدلية التي كان ~~برشت ملتزما بها). # هكذا يمكن القول بأن البعد اليوتوبي من أهم أبعاد الوجود الإنساني؛ ~~لأنه يقوم على حقيقة بسيطة هي أن الإنسان بطبيعته كائن مستقبلي، يشعر ~~في كل لحظة من لحظات حياته المتناهية أنه كائن لم يكتمل بعد، وأن عليه ~~- على حد تعبير نيتشه - أن يصبح ما يكونه أي يحقق هويته وكيانه الأصيل ~~الذي يتحد فيه الوجود والماهية، ويتصالح الواقع والحلم، والنهائي ~~واللانهائي، والطبيعة والعقل، والفعل والإمكان ... ومن هنا يأتي قلقه ~~الدائم أو قل عطشه وجوعه الذي لا يرتوي ولا يشبع أبدا! فهو يشده إلى ~~المستقبل هربا من الحاضر أو سخطا عليه، ويدفعه إلى نقد الواقع السائد ~~ونفيه وتجاوزه إلى واقع أفضل وأعدل وأقل تناقضيا ونقصا وكأن فيه ~~بلغة الفلك الحديث ثقبا عدميا أسود يريد له أن يمتلئ بمستقبل ~~«يوتوبي» يجذبه إليه، ويحاول أن يبدعه بجهده وإرادته ومعرفته، ليعانق ~~الوحدة الكلية والسعادة المطلقة والأمل الذي لا يخيب. وما دامت هذه ~~الوحدة السعيدة قد تعذر حتى الآن تحقيقها على الأرض، وما دام الأمل ~~قد خاب باستمرار فليحلق إليها على أجنحة الخيال الهارب أو الساخر أو ~~الجاد. ~~(22) «لا يسمع فيها نعيب الغراب، ولا صرخة طائر الموت، ولا يفترس ~~الأسد والذئب الحمل الضعيف، ولا تنوح الحمامة، ويختفي الترمل واليتم ~~والمرض والشيخوخة والشكوى والبكاء.» (عن لوح طيني من مدينة نيبور أو ~~نفر السومرية.) ~~«وكانت الأرض الخصبة تقدم للبشر الفواكه الوفيرة بغير حد، وكانوا ~~يعيشون في مزارعهم في راحة وسلام مع أشياء كثيرة طيبة، أغنياء بقطعان ~~الماشية ومحبوبين من الآلهة المباركين.» (عن هزيود، الأعمال والأيام، ~~109-121.) # يشهد هذان النصان الموغلان في القدم من ms31 حضارتين مختلفتين بأن الحلم ~~ب «الحالة اليوتوبية» قد خفق في صدر الإنسان منذ البداية (1)؛ فالنص ~~الأول يرجع للسومريين الذين تصوروا الجنة التي يصفها اللوح المذكور ~~في مكان مطل على الخليج العربي - ربما يكون هو البحرين الحالية - ~~سموه ديلمون أو تيلمون . والثاني يعبر عن حنين شاعر الرعاة والفلاحين ~~البسطاء في بلاد الإغريق في العصر الملحمي والبطولي (عاش في أوائل ~~القرن الثامن قبل الميلاد) إلى ماض ذهبي فقد إلى الأبد ويصعب أن ~~يستعاد، وكلاهما يوحي بالدلالة المباشرة التي كانت ولا تزال تفهم من ~~كلمة اليوتوبي، وهي الحالة الأولية لنظام أو تجمع بشري يفضل أي نظام ~~سائد وتتمثل فيه الحياة الطيبة المتجانسة، ويرفرف عليه السلام ~~والسعادة والعدل، والخير والبساطة والتناغم مع الطبيعة. وإذا جاز لنا ~~أن نطلق كلمة النظام على مثل هذا التجمع البدائي البسيط فلا بد أنه كان ~~ينطوي على أحد معاني اليوتوبيا، وهو التحرر من أسباب الشر والجشع ~~والتنازع والظلم (كالصراع على الملكية والسلطة والقوة وسائر الصراعات ~~المقترنة بالتطور المدني والتاريخي والاجتماعي والاقتصادي والديني ... ~~إلخ). ولا بد أنه كان في نفس الوقت هو الصورة المضادة للنظام الذي عاش ~~فيه كل من تخيل أو كتب اليوتوبيا بأنواعها وصيغها المختلفة، وعبر ~~عن سخطه على ذلك النظام وتحسره على الحياة السعيدة التي ذهبت ولن ~~تعود، وتعبير الشاعر هزيود لا يقتصر على تقييم العصور الكونية حسب قيمة ~~المعادن إلى عصور ذهبية وفضية وبرونزية وحديدية، إنما يضيف صراحة أنه ~~يعيش في أسوئها طرا وهو عصر الحديد الذي لمس فيه بوادر التحلل ~~والسقوط والانهيار. وتنبأ باستفحال ظواهرها التي يبدو أنه عانى منها ~~أشد المعاناة كالكذب والغرور والعنف والعدوان وخيانة العهود وفقدان ~~الاحترام للحق والقانون وغياب كل إحساس بالخشوع والإجلال، وكأنما كان ~~ينفذ بحدسه الصائب إلى عصرنا وحياتنا ومدننا اليوم! ولذلك لا نعجب إذا ~~سمعناه يقول: «ليتني ما عشت مع هؤلاء الناس!» (الأعمال والأيام، 5-174) ~~بل إن تشاؤمه ليصل إلى حد التنبؤ بإهلاك زيوس لهؤلاء البشر الذين لا ~~يستحقون العيش على أرضه، وذلك قبل أن يبلغ هذا التشاؤم ms32 ذروته الفاجعة ~~في القرن الخامس بقول سوفوكليس على لسان الجوقة في أوديب (البيت 1224): ~~«أفضل شيء أن لا تولد أبدا، وإذا أنت ولدت فعد وبأسرع وقت من حيث ~~أتيت!» (2). ~~(23) لا شك أن برشت الذي تفتحت عيناه في إحدى مدن الغابة السوداء ~~في الجنوب الألماني - كان أبوه برجوازيا مدير مصنع للورق في مدينة ~~أوجسبورج - قد عرف المدينة الفاسدة والساقطة وعانى ما عانى من اضطراب ~~علاقاتها وظلم أهلها قبل أن يرسم خطوطها وملامحها على هذه الصورة في ~~ماهاجوني وغيرها من أوبراته ومسرحياته في الثلاثينيات. ولذلك تبرأ من ~~طبقته وعاش حياة التشرد الفوضوي في أحياء الفقراء والمغنين ~~المتجولين، وصادق الأفاقين واللصوص والملاكمين والعاطلين وبؤساء ~~الشعراء والفنانين. ولم تمر هذه المرحلة التعبيرية في حياته وفنه إلا ~~بعد أن استقرت في نفسه تلك الصورة السوداء، وأخذ في المرحلة التعليمية ~~التي تلتها في إعلان الحرب على المدينة الرأسمالية الظالمة؛ على نحو ~~ما رأينا قبل أن يقترب في مرحلته الناضجة والأخيرة من اليوتوبيا التي ~~لم يقدم لها - بقدر علمي - تصورا واضحا متكاملا وإن كان قد أحال ~~إليها بطريقة ضمنية كما ذكرت من قبل. في خضم هذه الحياة المضطربة ~~اضطرته نذر النازية وجحافلها الزاحفة في أوائل الأربعينيات إلى مغادرة ~~بلاده والتشرد في منفاه من مدينة إلى مدينة، حتى رست به سفينة الضياع ~~على شواطئ كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية التي جرب فيها مع ~~بعض أصدقائه المقربين (ومنهم بلوخ الذي سبق ذكره) مرارة البؤس والضنك ~~وعاش شبه مجهول ومتجاهل من الحياة الثقافية والفنية، ومطاردا من ~~زبانية المباحث المكارثية، متهما بتهمة الشيوعية التي جرته من ~~محاكمة إلى محاكمة. # ولما انتهت الحرب واستدعته الجمهورية الاشتراكية الجديدة ووعدته ~~بمسرح خاص بفرقته وهو مسرح البرليزنر أنسيمبل أو فرقة برلين عند ~~الشفباور دام، أسرع إليها من منفاه في الولايات المتحدة، ووضع فنه ~~وجهده في خدمة الأيديولوجية التي طالما دعا إليها وروج لها. ويضيق ~~المقام عن ذكر المضايقات التي تعرض لها بعد ذلك من الحزب وأجهزته - ~~كالتدخل في عمل المسرح، ومنع بعض عروضه التي كانت غالبيتها من ms33 تأليفه - ~~ولا يتسع كذلك للكلام عن علاقته بالنظام المتشدد وحكومته. ويكفي أن ~~نقول إن سخطه عليه قد بلغ أقصاه بعد قيام التمرد الشعبي المشهور - الذي ~~سحقته الدبابات الروسية - ضد هذا النظام في شهر يونيو سنة 1953م، إذ ~~يقال إنه كتب رسالة طويلة إلى زعيم الحزب ورأس الدولة آنذاك - وهو ~~ألبرشت - يقول له فيها عبارته المشهورة: «إذا كان هذا الشعب لا يعجبكم، ~~فابحثوا عن شعب آخر تحكمونه.» # 10 # ولا بد أن نزعته العدمية قد غلبت عليه في سنواته الأخيرة بوجه خاص، ~~وهي السنوات التي قضاها تحت سقف «اليوتوبيا» وجنة العمال والفلاحين ~~التي ظهرت له في صورة مختلفة عن الصورة التي رسمها في خياله أو في ~~أعماله، وإن لم يتخل أبدا عن الحلم بها والدعوة إليها حتى آخر ~~أنفاسه. ولا بد أيضا أن هذه العدمية المتأصلة هي التي جعلته يكتب ~~بكائيته الشهيرة التي رثى فيها نفسه وجيله كما نعى مدن البشر التي لن ~~تسلم من السقوط، وأقصد بها قصيدته عن ب. ب؛ أي برت برشت ~~المسكين: # أقمنا، ونحن جنس طائش، # في بيوت حسبناها بمنجى من الخراب. # وهكذا بنينا صفوف العمائر الشاهقة في جزيرة مانهاتن، # ورفعنا الهوائيات النحيلة التي تداعب المحيط ~~الأطلنطي. # لن يبقى من هذه المدن # إلا الريح التي جاست فيها. # البيت يسعد الآكلين؛ لإنهم يفرغونه مما فيه. # نحن نعلم أننا عابرون مؤقتون # وأن ما سيأتي بعدنا # شيء لا يستحق الذكر (1). ~~(24) ولكن ما جاء بعده يستحق الذكر؛ فقد سقطت مدينته ~~المثالية وأصبحت نهبا للجوع والإفلاس والجريمة والحروب الطائفية ~~والعرقية والذهول من هول الكارثة والرعب من المستقبل المجهول. وبدأت ~~تغير جلدها وتنسلخ عن هويتها وتطمس شعاراتها وتهدم تماثيل أبطالها ~~ورموزها وتقدم فروض الندم للأجيال من سكانها على الحرية التي خنقتها - ~~وما درت أنها دائما تنتصر حيثما أريد لها أن تقهر - والدين الذي ~~حاولت اقتلاعه من جذوره والثورة التي حولتها إلى إرهاب، والتاريخ ~~الذي أرادت أن تتحكم فيه فقضت عليها محكمته، والحياة التي أهدرتها، ~~والعقل الذي حجرت عليه، والسؤال الذي حرمته، والجماهير التي فرضت ms34 عليها ~~الوصاية والصمت؛ فمزقت أكفانها وخرجت للثأر من ثوار الأمس الذين صاروا ~~جلادين. # انقلبت الأحوال وخابت قوانين الجدل. وانتهى تاريخ ولم يبدأ تاريخ ~~جديد. ومدينة الحلم تتخبط في الكابوس وتتعثر في التيه. هل تترك دفة ~~السفينة للربان المخمور الأرعن؟ أتسلم مفاتيح العالم للغول الجبار؟ ~~أليس هنالك أمل في أن تنهض المدينة الاشتراكية من عثرتها وتداوي جراحها ~~وتراجع أخطاءها؟ أم أن الأمل معقود على مدينة أخرى تبدأ بداية أخرى ~~وتقوم على قيم مختلفة؟! # إن الثائر المحبط - ومعه أجيال من الثوار المحبطين - لن يصدق عينيه، ~~ولو كان حيا فلربما سأل مثل هذه الأسئلة التي تلح علينا ونحن نشاهد ~~المقتلة والخراب في كل مكان، ما الفرق بين هذه المدن التي تحرق بيوتها ~~وتمتلئ شوارعها بجثث القتلى وتصب عليها نيران الجحيم ليل نهار ~~وبين المدن القديمة التي كانت تحرقها قبائل الغزاة وتذبح رجالها وتغتصب ~~نساءها وتنهب كنوزها؟ ما الفرق بين سراييفو ولواندا ومقديشيو وكردستان، ~~والقدس وبيروت والكويت أيام المحن التي مرت بها، وبين أور وبابل وآشور ~~وروما وقرطاج ودمشق وبغداد أثناء سقوطها واشتعال الحرائق فيها؟ أليست ~~هي الوحشية نفسها وإن اختلفت الأسباب وأسلحة القتل والتدمير؟ وهل تقل ~~تعاسة الإنسان العادي في المدن التي تخرب أمام أعيننا عن تعاسة زميله ~~ساكن المدن المنقرضة؟ والمدن الأخرى التي تتفجر بالزحام والضجيج ~~والقبح والظلم وتجوس فيها أشباح الفقراء وعصابات الأوغاد ولصوص القوت ~~والشرف والعلم والفن والمال، وعبيد السلطة وجيوش الانتهازيين والشطار ~~والانفتاحيين والأفاقين والمنافقين. هل يمكن أن تتطهر أو تبزغ من ~~مستنقعاتها عروس المدينة؛ الحلم أو المدينة الإنسانية المحتملة؟ وإذا ~~كان الأمل قد تبدد من مدن القوة والهيمنة فهل ينتظر الخلاص من مدن ~~لا تزال تطبق عليها التاءات الثلاثة: التفرق والتخلف والتبعية؟ أفلا ~~يمكن أن تبعث مدينة الحرية والحب والإيمان واحترام الإنسان وتقديس ~~الحياة على أنقاض مدن القوة والعنف والسيطرة والتوسع والتعصب من كل ~~الألوان؟ أم أن الأمل الوحيد معلق بحكومة عالمية تملك الضمير الرادع ~~لكل طغيان بعد أن تصفي كل الجيوش وتطهر الأرض من أسلحة الدمار ~~كما ms35 تطهر الإنسان من أنياب الحيوان؟ # سيقول القارئ: أحلام أحلام أحلام! وكيف يستعاد الماضي الذهبي الذي ~~تغنى به الرعاة والشعراء في عصر الإلكترونيات والحاسوبات، وثورة ~~المعلومات والاتصالات، وآلهة المخابرات والمؤامرات، وملوك المال والجنس ~~والمخدرات وصناع الطغاة والحروب والانقلابات والإبادة بالجملة للشعوب ~~والجماعات؟ ويرد الحالم وهو يتلفت حوله ويرى المدن الممتلئة بالجثث ~~والحرائق والأنقاض: «لن أيأس فالحلم عنيد! ربما نكون أنا وجيلي قد ~~أصبحنا ترابا فوق تراب، وذرات هائمة في فضاء الأكوان قبل أن تولد ~~مدينة الإنسان. لكن الحلم لا بد أن يعيش ومعه الأمل الجديد، والإرادة ~~والتصميم على البدء من جديد؛ لإنقاذ الأرض، لإنقاذ المدينة، لإنقاذ ~~الإنسان.» # ولو كان صاحب هذا العمل حيا بيننا لما تخلى عن الحلم والأمل؛ فقد ~~أحب هذا العالم عندما عمل وكافح ليهدم المدينة الظالمة الفاسدة، ~~سيتمسك بالأمل في مدينة أخرى جديدة تنهض على أسس وقيم جديدة حتى بعد ~~خيبة الأمل الشديدة. ألم يقل إن كل إنسان يوشك أن يكون قد أحب العالم ~~والإنسان عندما تلقى عليه حفنتان من تراب هذه الأرض: # وكل من تلقى عليه حفنتا تراب ساعة الفراق، # فقد أحب هذا العالم الصغير مثل سائر العشاق. ~~(25) ملحق عن اليوتوبيا وتطورها: # يشهد النصان المذكوران من قبل على أن هذه المجتمعات المثالية قد ~~وجدت في نهاية العصر الجليدي المتأخر، بعد نجاح الإنسان في استئناس ~~بعض الحيوانات وإقامة جماعات صغيرة ~~توافر لها قدر كاف من الاستقرار والطعام. وربما تكون اليوتوبيات ~~الأولى هي الذكريات الشعبية السارة والحزينة أيضا عن هذه الحالة ~~الأولية التي رسمتها مخيلة الناس وأشواقهم في أساطير معظم الحضارات ~~القديمة وحكاياتها عن عصر ذهبي مضى وأصبح من الصعب استعادته، ويمثل ~~الصورة المضادة للحياة المدنية المعقدة التي عرفت الحروب والصراعات ~~ومتاعب العمل والشقاء مع تزايد عدد السكان في العصر الحديدي، ووضعت ~~نظم التحكم الدينية والعقلانية مع تأسيس المدن القديمة، ويمكن القول ~~بأن المدن القديمة كانت تمثل نماذج ثابتة لليوتوبيات التي انطبعت ~~مؤسساتها الراسخة بخاتم النظام الإلهي والغائبة البشرية. # وجمهورية أفلاطون تدين لذلك التنظيم الاجتماعي الذي كان قد تقادم ms36 ~~عهده وأخذ الناس يحنون إليه أيام أفلاطون نفسه. وهي تعد أول عمل ~~يوتوبي يقدم نظاما اجتماعيا مثاليا بكل تفاصيل بنائه ومؤسساته، ~~ومع أنه ليس أول نظام تخيله الإغريق؛ إذ يذكر أرسطو في الفصل السابع ~~من الكتاب الثاني من السياسة، أن فالباس الخلقدوني كان أول من أكد ~~ضرورة المساواة في الملكية بين المواطنين في دولة المدينة، وأن ~~هيبوداموس الملطي هو أول شخص شغل بالبحث عن أفضل أشكال الحكم، إلا ~~أنه ظهر وقت ثبت فيه فساد «البوليس» أو دولة المدينة واشتبكت فيه مدن ~~الإغريق في الصراعات الدامية - ومن أخطرها الحرب بين أثينا وأسبرطة - ~~ولذلك حاول أفلاطون أن يقدم نموذجا معقولا لنظام اجتماعي صالح ودائم ~~يؤكد للمواطنين الصالحين أن السعي للحياة الفاضلة والعادلة يكافأ في ~~الدنيا ويثاب عليه في الآخرة (الكتاب العاشر من الجمهورية 106). ولكن ~~جمهورية أفلاطون - شأنها شأن معظم اليوتوبيات قبل القرن الثامن عشر - ~~كانت أبعد ما تكون عن الديمقراطية وعن الطبيعة البشرية. ويبدو هذا في ~~نظام الطبقات المغلق الذي يدير العمل والتربية فيه صفوة الحكام الحكماء ~~ويحميه الحراس الأشداء ويطعمه الشعب المنتج، وفي إلغاء الملكية الخاصة ~~والحط بالتالي من شأن الأسرة والمرأة وفي تحديد الوظائف والأدوار ~~الاجتماعية وتقرير الأوضاع القائمة والإجابة على كل الأسئلة في هذه ~~الدولة التي فاقت كل النظم الاجتماعية اليوتوبية في سكونيتها وعدم ~~تاريخيتها وبعدها. وإذا كانت أسبرطة بنظمها الصارمة التي جعلتها أشبه ~~شيء بمعسكر تدريب ضخم على الشجاعة والبساطة والتضحية والخشونة إلى حد ~~الوحشية قد حاولت أن تشكل الإنسان الكامل كما تصوره مشرعها ~~ليكورجوس الذي وضع نظاما في التربية والتدريب العسكري. يمكن مواطنيه ~~من الدفاع عن حريتهم ونمط حياتهم الذي اعتقدوا أنه إلهي لا يقبل ~~التغيير (على نحو ما وصفه وأشاد به المؤرخ اليوناني بلوتارك في الفصل ~~الذي عقده عنه في تاريخ المشهور) فالواقع أن أفلاطون لم يكن هو الوحيد ~~الذي أعجب بنظام أسبرطة، وإنما جذب الكثير من اليوتوبيين بعد ذلك وقدم ~~لهم نموذجا مثاليا للتحكم العقلاني في حياة الإنسان وإمكان تحقيقه ~~إذا توافر له قائد نموذجي ms37 مثل ذلك المشرع الذي رفعه مواطنوه إلى مصاف ~~الآلهة. # ولو صرفنا النظر عن الأوصاف المتتالية للعصر الذهبي والمجتمعات ~~الصالحة (كما في أعمال أويهميروس القوريني وأوفيد ولوقيان السميساطي ~~وغيرهم، أو في قوانين أفلاطون وسياسة أرسطو وتربية قورش لإكزينوفون ~~التي لا تعد كلها يوتوبيات وإن كانت قد ألهمت كتاب اليوتوبيا ~~المتأخرين بنظم وأفكار كثيرة عن السعادة والخير اللذين يمكن أن يوجدا ~~في مجتمع مدني يحكم حكما مستنيرا، بالإضافة إلى زينون الكتيومي مؤسس ~~الرواقية وغيره من الرواقيين المتأخرين وبعض المفكرين التوفيقيين - مثل ~~شيشرون - توسعوا في فكرة النظام الاجتماعي المثالي ليشمل البشرية ~~كلها ولا يقتصر على المواطنين داخل أسوار المدينة) ولو صرفنا النظر ~~كذلك عن الجماعات الدينية الأولى - اليهودية والمسيحية - التي تشاركت ~~في الملكية وطلبت الخلاص عن طريق الإيمان والفضل الإلهي ولم تكن ~~يوتوبيات بالمعنى الخيالي ولا الواقعي المتصور قيامه بجهد الإنسان ~~وتخطيطه - على الرغم من احتوائها على عناصر مثالية ورؤى يوتوبية في ~~وصف نعيم الجنة - وهي اليوتوبيا الوحيدة التي ضاعت ويمكن أن تستعاد، ~~وفي نظام الحكومة الإلهية (الثيوقراطية) ومدينة الله أو مملكته التي ~~ليست من هذا العالم، وفي عقائد الخلاص الألفية - في المسيحية خاصة - ~~حتى القرن السادس عشر عن قيام مملكة الرب المختلفة عن عالمنا التعس ~~الفاسد وبشره الخطائين، لو صرفنا النظر عن ذلك كله، فإن البعث ~~الحقيقي للكتابات اليوتوبية لم يتم إلا في عصر النهضة ومع نشأة المدن ~~البرجوازية وسيطرة النزعات الطبيعية والإنسانية والعلمانية المتفائلة ~~بالمستقبل. فقد تكونت رؤى شبه يوتوبية عند رجال مثل نيقولا الكوزي ~~(1401-1464م) وليوناردو دافنشي ~~(1452-1529م) تصوروا فيها إمكان إعادة تشكيل العالم وإصلاح نظمه على ~~ضوء دولة المدينة المثالية في عصرهم لتحقيق القيم والغايات الأرضية ~~والبشرية التي سادت العصر. وأول عمل يوتوبي بالمعنى الحديث هو يوتوبيا ~~توماس مور (1516م) الذي صك المصطلح بمعنييه السابقين، وقد أثرت ~~عليها الاضطرابات الدينية التي سبقت ثورة الإصلاح، وارتفاع المدن ~~والدول القوية نتيجة النمو الاقتصادي، ورحلات الاستكشاف إلى سواحل ~~نائية وجزر مجهولة. تصور «مور» أفضل مجتمع مثالي يمكن أن يتوصل إليه ~~البشر الناقصون ms38 الخطاءون بغير عون من الوحي الإلهي (وربما كان هذا صدى ~~لتأثير قصة حي بن يقظان الفلسفية لابن طفيل (ت 1185م) عليه وعلى كثير ~~من اليوتوبيات وقصص الرحلات إلى الجزر البعيدة مثل روبنسون كروزو ~~وجليفر ...) # ولذلك كانت يوتوبيا مور تعبيرا عن مثالية اجتماعية تحتج على ~~الشرور والمظالم في وطنه من ناحية، كما كانت من ناحية أخرى تأكيدا ~~لحدود العقل والبشرية في مجتمع يفتقر إلى المعرفة بالمسيحية والإيمان ~~بها. وقد امتلأت مدينة مور بأنظمة التحكم والرقابة الشمولية الصارمة ~~التي تقيد من غرور سكانها وتقدم الحلول المثالية لمشكلات الفقر والحكم ~~الفاسد والاضطراب الاقتصادي التي عرفتها المجتمعات الأوروبية في القرن ~~السادس عشر، كما أرست النموذج اليوتوبي الذي بقي بغير تغيير حتى أواخر ~~القرن الثامن عشر. ولكنها قد رسمت في النهاية عالما سكونيا خارج ~~الزمن والتاريخ وقدمت نماذج شمولية للضبط الاجتماعي والتحكم الدقيق في ~~الإنتاج والتوزيع ونمو السكان والحياة المشتركة التي تشبه حياة الأديرة ~~أو مجتمعات الشيوع البدائية التي تدين بالدين الطبيعي وتحتقر الذهب ~~والمال وسائر مظاهر الملكية الفردية. # وتنعكس الاتجاهات العقلية الشائعة في القرن السابع عشر على ~~يوتوبياته، ومن أهمها مدينة الشمس للدومينيكاني توماسو كامبانيلا ~~(1568-1639م) التي كتبها في فترة سجنه الطويل من 1602م إلى 1627م وراح ~~فيها يدافع عن فكرة إقامة حكومة كاثوليكية و«شيوعية» عالمية تخضع جميع ~~الدول القومية تحت رئاسة البابا ويتولى إدارتها كهنة فلاسفة (وقد حاول ~~الجوزيت أن يقيموها على أرض الواقع أثناء فترة حكمهم لباراجواي من عام ~~1588 إلى عام 1768م) وتكشف مدينة الشمس عن شغف كامبانيلا بالتنجيم ~~وعلوم الأسرار من ناحية، وعن تحمسه لجاليليو والعلم الجديد وكراهيته ~~لأرسطو من ناحية أخرى، كما تدل على نزعة واضحة إلى الخلاص، مقرونة ~~بالإيمان بالتقدم من خلال تطبيق المعرفة العلمية والاختراعات المستحدثة ~~لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهيته. والغريب أن يوتوبيا المدينة المسيحية ~~(1619م) للألماني يوهان فالنتين أندريا قد صدرت قبل صدور الصياغة ~~الأخيرة لمدينة الشمس بوقت قصير، وهي تشبهها من نواح كثيرة؛ إذ ~~تعبر عن شغف صاحبها بعلوم الأسرار واهتمامه بالعلم الجديد ومحاولة ~~ربط ms39 العقيدة المسيحية بتصور نظام اجتماعي يخفف عبء موتنا وفنائنا. ~~ونأتي إلى أطلنطا الجديدة لرائد العلم التجريبي والمنهج الاستقرائي ~~والمبشر بحضارة العلم الجديد فرانسيس بيكون ~~(1561-1626م) هذه اليوتوبيا القصيرة ~~التي لم يتمها صاحبها وتبلورت فيها أجرأ الخيالات العلمية، وعملت شهرة ~~صاحبها على ذيوع صيتها وقوة تأثيرها حتى اليوم على ما يسمى بروايات ~~الخيال العلمي ، كان هدف بيكون مثل السابقين له واللاحقين، كسمويل ~~هارتليب في يوتوبيا وصف المملكة الشهيرة ماريكا، هو أن يوضح لمعاصريه ~~أن المجتمع المسيحي يمكن إصلاحه بالمزيد من المعرفة العلمية وتطبيقاتها ~~التقنية النافعة؛ ولذلك جعل بيت سليمان - وهو مركز مدينته العلمية ~~والعقل المفكر لها وللبشرية كلها - أول معهد للبحوث العلمية التي تقوم ~~على تضافر جهود العلماء في ابتكار الاختراعات والآلات التي توفر ~~السعادة والرخاء للإنسان. وقد تحققت كل تنبؤاته كالتبريد وتهجين النبات ~~والحيوان وأجهزة الاتصال عن بعد ... إلخ، وقد كانت هذه اليوتوبيا الصغيرة ~~وراء تأسيس الجمعية الملكية في لندن 1662م كما كانت مصدر إلهام لكتاب ~~الموسوعة الفرنسية الشهيرة التي أشرف على تحريرها دنيس ديدرو-لورن ~~دالمبير وكان لها دور كبير في نشر المعرفة العلمية والنقدية في القرن ~~الثامن عشر. # لم يقتصر الاهتمام بآفاق العلم والتقنية على الأسماء السابقة، وإنما ~~امتد إلى بعض الكتاب المسيحيين الأقل منهم شأنا والذين برزوا على ~~سطح الخضم الجياش للثورة الإنجليزية ضد الملكية في منتصف القرن ~~السابع عشر، مثل جيرادر وينستانلي في قانون الحرية (1651م) وروبرت ~~بيرتون في مخططه الموجز «من ديموقريطس الصغير إلى القارئ» الذي تضمنه ~~كتابه تشريح الاكتئاب 1620م وكلاهما ينطوي على تصورات يوتوبية إصلاحية ~~في ثوب مسيحي خلاصي، بالإضافة إلى سوليما الجديدة لصمويل جوت ~~1614-1671م بجانب مقاله عن السعادة الحقيقية للإنسان والسيفراميين أو ~~سكان أستراليا لدنيس فيراس في أواخر القرن السابع عشر والإقيانوسة ~~1656م لجيمز هارينجتون الذي تميز بنزعته الواقعية وموقفه النقدي من ~~دعاة الملكية المستندة إلى الحق الإلهي مثل توماس هوبز غيره، وتهتم ~~الإقيانوسة مثل غيرها من يوتوبيات هذا المؤلف بمواجهة المشكلات ~~المحتدمة في عصره كالاستقرار السياسي والإصلاحات الدستورية والأسس ~~الاقتصادية التي ms40 يقوم عليها؛ إذ كان هارينجتون من أنصار الحكم الجمهوري ~~واهتم اهتماما كبيرا بالشئون الزراعية والنظام العام والتسامح ~~الديني. ولا نستطيع أن نترك القرن السابع عشر قبل أن نذكر اثنتين من ~~يوتوبياته مهدتا للقصة الفلسفية في عصر التنوير وللكثير من أفكاره ~~النقدية والعقلانية، وهما الحكاية الهزلية أو الرحلة إلى القمر 1650م، ~~للأديب الفرنسي سيرانو دي بيرجيراك الذي عرفنا به المنفلوطي، والأرض ~~الأسترالية المجهولة 1676م لجبريل دي فواني، فضلا عن الاتجاه إلى نقد ~~المسيحية مع أواخر القرن من وجهة نظر التدين الطبيعي، وقد ظهر تأثير ~~هذا الاتجاه العلماني في يوتوبيات عديدة أهمها رحلات ومغامرات جاك ~~ماسيه (1710م) للفرنسي سيمون تيزو دي باتو. # وجاء عصر التنوير في القرن الثامن عشر ليفصح عن هذه الاتجاهات في ~~يوتوبيات خفتت فيها النغمة الأخلاقية المرتفعة لتصبح أماكن للسعادة ~~والمتع الحسية. نجد هذا في تصوير ديدرو - وهو من أهم فلاسفة التنوير ~~وأدبائه والمسئول عن الموسوعة الشهيرة كما سبق القول - لحياة السكان في ~~جزر تاهيتي في يوتوبيا، ملحق لرحلة بوجا نفيل 1762م، وفي يوتوبيات تؤكد ~~المساواة المطلقة في مجتمع شيوعي متكامل وتمجد العمل من جوانبه ~~الإبداعية لا الأخلاقية وحسب، مثل قانون الطبيعة 1755م والجزر العائمة ~~1753م للفيلسوف الاجتماعي الفرنسي موريللي 1716-1781م ويعدان إضافة ~~هامة إلى فكر الثورة الفرنسية التي اندلعت نيرانها بعد وفاته بثماني ~~سنوات. وبجانب اليوتوبيات الأخيرة التي صورت مجتمعات شيوعية مثالية ~~وإنسانية اختفت منها الملكية الفردية - مصدر الشرور والصراعات جميعا ~~من أفلاطون إلى اليوم - نجد يوتوبيات أخرى تندفع إلى المستقبل في تفاؤل ~~شديد، متأثرة بأفكار فلاسفة العصر ومصلحيه الكبار الذين رسم بعضهم ~~مشروعات نظرية وحضارية تدور حول فكرة التقدم الحتمي في الفنون والعلوم ~~والأخلاق ونظم الاجتماع وإمكان تشكيل الطبيعة البشرية والوصول بها إلى ~~الكمال عن طريق التربية المعرفية والأخلاقية والجمالية، مثل تيرجو ~~وكوندورسيه ودي كاريتا والبارون دولباخ وهلفيتيوس وديتريك. وتبلورت هذه ~~الأفكار المستقبلية خرجت باليوتوبيا لأول مرة من سكونيتها ولا ~~تاريخيتها السابقة، في يوتوبيا بعنوان سنة 2440م أو الحلم الذي لم يسبق ~~له مثيل 1770م لمؤلفها لوي ms41 سباستيان ميرسييه. وجمهورية الفلاسفة أو ~~تاريخ الأجويين لبرنار فونتينيل 1657-1757م، وفي القسم الأخير من لوحة ~~التقدم الاجتماعي الشهيرة التي رسم فيها الماركيز كوندروسيه الذي ~~تقدم ذكره معالم مستقبل عام للبشرية التي ستحيا في النهاية حياة حرة ~~تحت سقف نظام اجتماعي عقلاني وطبيعي تشارك فيه الشعوب بدرجات متفاوتة، ~~ويزداد اكتماله بصفة مستمرة، وذلك في مخطط لوحة تاريخية لجوانب تقدم ~~العقل البشري 1794م، ولا جدال في أن هذه الأفكار اليوتوبية قد صبت ~~بصورة غير مباشرة في الثورتين الكبريين في أواخر القرن الثامن عشر، ~~وهما ثورة الاستقلال الأمريكية والثورة الفرنسية، كما حملت أصداء كثيرة ~~من أزمات العصر وطموحاته. # هكذا تسلم القرن التاسع عشر فكرة اليوتوبيا بعد أن أفعمت بالحركة ~~والتفاؤل بالمستقبل. وأصبحت مهمة الاشتراكيين المثاليين (مثل سان سيمون ~~1760-1825م وأتباعه، وروبرت أوين 1771-1859م). تتركز على وسائل بلوغ ~~اليوتوبيا أكثر من التركيز على الشكل المحدد للمجتمع اليوتوبي، ويكفي ~~أن نطلع على عنوان كتابي أوين اللذين يعبران عن وجهة نظره في ~~إمكان تعديل الطبيعة البشرية لدى الأطفال بوجه خاص بصور لا حصر لها عن ~~طريق التوجيه الرشيد إلى حب الغير والتربية العاقلة للفكر والسلوك ~~المستقيم وهما: النظرة الجديدة إلى العالم أو مقالات عن مبدأ تشكيل ~~الطبع الإنساني وتطبيقاته في الواقع العلمي 1816م وكتاب العالم ~~الأخلاقي الجديد 1836م، بيد أن التربية لم تكن غير طريق واحد من ~~الطرق الموصلة إلى الهدف؛ إذ رجع بعض اليوتوبيين الثوريين إلى مثل ~~الثورة الفرنسية وأعمالها عند اليعاقبة وعند بابيف واقتنعوا بأن الفعل ~~السياسي - ولو بلغ حد العنف الثوري - هو الطريق الوحيد لتحقيق ~~اليوتوبيا، ورأى بعضهم الآخر أن تقديم نموذج حي وناجح لمجتمع يوتوبي هو ~~السبيل لإقناع الجنس البشري بتبني مثل هذا النموذج؛ وذلك مثل الفيلسوف ~~الاشتراكي شارل فورييه (1772-1835م) ~~رائد الحركة التعاونية في نظريته عن تكوين اقتصاد جديد مجرد عن ~~الأنانية، من خلال تقسيم الدولة إلى مناطق أو معسكرات تعاونية. # ورفرفت أحلام اليوتوبيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ~~فبلغ طموح بعضهم إلى حد القول بإمكان الانتصار على المرض ms42 والموت، ~~والقضاء على الفقر والجهل والفوضى والجريمة. وازداد تفاؤلهم بقدرات ~~العلم والتقنية في ظل الأنظمة الاجتماعية الجديدة على تحقيق الوفرة ~~والرخاء، وتخليص العمال بفضل الآلة من سخرة العمل وشقائه، والرقي ~~بالبشر إلى الذرى العقلية والروحية بعد إتمام السيطرة على الطبيعة ~~دون أن يتنبئوا بالطبع بكوارث التلوث وتدمير البيئة وأخطار سوء استخدام ~~التقنية التي تزحف اليوم على الأرض وتهدد بإبادة البشر! وأصبحت كلمة ~~اليوتوبي مرادفة لكلمة الاشتراكي، الأمر الذي أدى إلى زيادة تأثير ~~الأفكار اليوتوبية على الحياة السياسية والاقتصادية وذلك على النحو ~~الذي تجلى في يوتوبيا نظرة إلى الخلف من سنة 2000م التي ظهرت سنة ~~1819م لإدوارد بيلامي 1850-1898م واعتمدت عليها الحركات الاشتراكية في ~~الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر، وكذلك مع الأرض ~~الحرة، صورة اجتماعية للمستقبل لمؤلفها تيودور هيرتسكا 1845-1925م التي ~~كانت بمثابة يوتوبيا للمغامرين الرأسماليين على أرض القارة ~~السوداء! # وجاء القرن العشرون فتزايد عدد اليوتوبيات واليوتوبيات المضادة زيادة ~~هائلة تحت تأثير حرية الصحافة، ونمو التواصل بين البشر، واستفحال ~~الأزمات الاقتصادية، وانخراط المثقفين في العمل السياسي والاجتماعي، ~~واحتدام ظواهر الاغتراب وخيبة الأمل بينهم في الأيدولوجيات والثورات ~~السياسية والاجتماعية التي فشلت في تحقيق التغيير إلى الأفضل. وبقيت ~~الكتابة اليوتوبية مطلبا ملحا على كل أديب حساس لأزمات عصره ~~وهمومه، وتعبيرا عن نزعة مثالية واشتراكية كامنة في كيان الإنسان نفسه ~~وأمله العنيد في النظام الأمثل والأعدل، واشمئزازه من النقص والظلم ~~والفوضى والاستبداد والإرهاب والادعاء والكذب والنفاق وسائر الشرور ~~التي خرجت من صندوق القرن العشرين أو تسلطت داخل الجدران والأسوار ~~وحالات الحصار التي طوقت الإنسان المعاصر فخنقت حرياته وحقوقه ~~الأساسية التي لا يستقيم له وجود بغيرها، ولا يهدأ له بال حتى يحاول ~~هدمها بالخيال والفانتازيا والفكر المسرف في التمني، النفس عن ~~واقعها وعالمها التعس الذي لا تستطيع أن تأبق منه أو تهرب كما يقول أبو ~~العلاء، ونكتفي في هذا المجال المحدود بذكر أهم اليوتوبيات التي ~~تصورت أن التقدم العلمي هو نوع من اليوتوبيا، مثل يوتوبيا حديثة ~~1905م للكاتب الإنجليزي ه. ج. ويلز، ms43 ووالدين 1974م لعالم النفس السلوكي ~~الأمريكي بوروس فردريك سكنير. والغريب حقا أن التقدم العلمي نفسه قد ~~تجاوزها بمراحل! وربما كانت اليوتوبيات المضادة - كما سبق القول - أروع ~~وأكثر تأثيرا من الناحيتين الأدبية والإنسانية؛ إذ عبرت عن شكوك نفر ~~من أفضل كتاب العصر في إمكان أي إصلاح حقيقي عن طريق الأنظمة الشمولية ~~الإرهابية كما في رواية 1948 لجورج أورويل. وعن تشاؤمهم من اليوتوبيا ~~العلمية والتقنية التي تتحول إلى كابوس مرعب يكتم أنفاس القلب ويخنق ~~نبضاته الأزلية للحب والرحمة والشعر والجمال والحياة، كما في العالم ~~الطريف الشجاع لالدوس هكسلي، بجانب عدد آخر من هذه الرؤى القاتمة ~~لأدباء مثل إ. م. فورستر، وإيفيلين وو، ويفجيني زامياتين وغيرهم ممن ~~سجلوا فزعهم من كل المدن المسرفة في التنظيم التقني والعقلانية ~~الأداتية كما يسميها فلاسفة مدرسة فرانكفورت. # ولم يخل أدبنا العربي المعاصر من بعض اليوتوبيات التي اقتربت من ~~الأزمات والإشكالات السابقة وتفاوتت في أصالتها أو في تأثرها ~~باليوتوبيات الغربية وفي تعبيرها عن أحلام العربي وهمومه، كبعض قصص ~~توفيق الحكيم ومسرحياته (العالم سنة 2000م ورحلة إلى الغد) وجمهورية ~~فرحات ليوسف إدريس، ورحلة ابن فطومة لنجيب محفوظ، وكهف الأخيار لشكري ~~محمد عياد، والسيد من حقل السبانخ لصبري موسى، وغير ذلك من الأعمال ~~التي لم تبلغ إلى علمي وربما تضمنت عناصر يوتوبية (راجع مادة يوتوبيا ~~في قاموس الأفكار الأساسية تحرير فيليب فينر. نيويورك 1937م والمدينة ~~الفاضلة عبر التاريخ لماريا لوزيري برنيري وترجمة الدكتورة عطيات أبو ~~السعود ومراجعة كاتب السطور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد (225) ~~سبتمبر 1997م، ومبدأ الأمل لإرنست بلوخ 1959م في طبعات مختلفة ~~والإيطوبيا والإيطوبيات الكلمة والأصناف والدلالات لعبد العزيز لبيب، ~~مجلة فصول، القاهرة، المجلد السابع، أبريل، سبتمبر 1978م وأرض الأحلام ~~لزكي نجيب محمود، كتاب الهلال، مايو 1977م، القاهرة في ديسمبر 1991م، ~~عبد الغفار مكاوي). # | أوبرا ماهاجوني # الشخصيات # باول. # هينريش. # ياكوب. # يوزيف (حطاب). # ليوكاديا بيجبيك. # موسى ذو الأقانيم الثلاثة. # فيللي ممثل الاتهام. # جيني. # رجال ونساء من ماهاجوني. # 1 ~~(منطقة موحشة. تتوقف سيارة تحميل - لوري - ضخمة ~~ومستهلكة.) # فيللي ممثل الاتهام ms44 ~~: # هاللو. لا بد أن نسير للأمام. # موسى ذو الأقانيم الثلاثة ~~: # تعطل الموتور. # فيللي ~~: # إذن فلن نسير. ~~(صمت.) # موسى ~~: # تحركوا. لا بد أن نسير. # فيللي ~~: # أمامنا الصحراء. # موسى ~~: # إذن فلن نسير. ~~(صمت.) # فيللي ~~: # الآن لا مفر. # رجوعنا حتمي. # موسى ~~: # وخلفنا «المرور» # كأنهم نسور # قد عرفوا وجوهنا، # وحددوا المصير. # فيللي ~~: # إذن فلن يكون في إمكاننا الرجوع. ~~(يجلسون على الرصيف ويدخنون.) # موسى ~~: # هناك عند الشط يعثرون على الذهب. # فيللي ~~: # أجل! كما تقول. # لكنه طويل. # موسى ~~: # وليس من سبيل، # تعذر الوصول. # فيللي ~~: # لكنهم هناك # في الشط يعثرون ... # موسى ~~: # قد قلت مستحيل؛ # لأنه طويل. # السيدة ليوكاديا بيجبيك ~~(تطل من نافذة السيارة) ~~: # توقف المسير؟ # أليس من أمل؟ # موسى ~~: # لا. # بيجبيك ~~: # إذن نبقى هنا. خطر الآن على بالي إذا كنا لا نستطيع ~~الصعود، فعلينا أن نبقى هنا. كل الذين جاءوا من هناك قالوا ~~الأنهار تضن بالذهب. إنه عمل مرهق، ونحن لا نطيق العمل. ~~لكنني رأيت هؤلاء الناس، ويمكنني أن أقول لكم إنهم ينفقون ~~الذهب! والحصول على الذهب من الرجال، أسهل عليكم من الحصول ~~عليه من الأنهار! # لذا فهيا نقيم # هنا أساس مدينة، # لندعها مدينة الشباك # تصيد كل طائر يمر # ولحمه اللذيذ لا يضر! ~~••• # إن كان حظ الجميع # هو الضنا والكفاح # فعندنا الأفراح، # وكل شيء مباح. # وكل شيء متاح # بالذهب الرنان، # والجن والويسكي، # والحظ والحسان. ~~••• # وعندنا الأسبوع # يمضي بلا عمل، # وتنقضي الأيام # في الحب والأحلام، # ويعبر الطيفون # عنا بلا وجل! # ويجلس الرجال هادئين في صفاء # وهم يدخنون حين يقبل المساء. ~~••• # وكل ثالث يوم # سيلتقي الأبطال # في حلبة الأهوال، # وتطلق الصيحات، # وتسمع الآهات # لكم وضرب عنيف # لكن صراع شريف! # والآن حطوا الرحال # في هذه الأرض، # وثبتوا الأعلام # علياء كالشهب؛ # يلمحنا الرجال # من شاطئ الذهب، # ويهتف الأبطال # مرحى ماهاجوني. # ويقبل الزوار # بالشوق والدولار # على ماهاجوني. ~~••• # وضعوا «البار» تحت تلك الشجرة، # وافتحوا «فندق النزيل الغني»، # وليكن ها هنا بقلب المدينة # ساحة الأنس والهوى المجنونة! ~~(يرتفع علم ماهاجوني الأحمر فوق صار ~~طويل.) # لا، لم تقم ماهاجوني. # فيللي وموسى ~~: # على مدى الأيام # إلا ms45 لأن الخطايا، # والغدر والإجرام، # هبت على المدينة # رياحها اللعينة # فماتت السكينة، # وفقد الإنسان # الأمن والأمان. # 2 # في الأسابيع التالية نمت هنا مدينة على وجه ~~السرعة، وأقامت فيها «الحيتان» الأولى. ~~(تظهر جيني ومعها ست فتيات في أيديهن حقائب ~~كبيرة، يجلسن على الحقائب وينشدن أغنية ألاباما): # آه أرشدنا إلى أقرب بار! # آه لا تسأل لماذا! # آه لا تسأل لماذا! ~~••• # لأننا إن لم نجد أقرب بار. # لأننا إن لم نجد أقرب بار. # لا بد أن نموت! # لا بد أن نموت! # يا قمرا يضيء ألاباما. # الآن حان الوقت كي نقول باي باي. # نحن فقدنا أمنا العجوز ماما # فكيف نحيا بعدها وكيف نقرأ السلام # على تراب قبرها # ولا نعاقر المدام؟ # آه لا تسأل لماذا، # أنت أدرى بالجواب! ~~••• # آه أرشدنا إلى أقرب بار! # آه لا تسأل لماذا! # آه لا تسأل لماذا؛ # لأننا إن لم نجد أقرب دولار صغير # لا بد أن نموت! # لا بد أن نموت! ~~••• # يا قمرا يضيء ألاباما # لا بد أن نقول باي باي. # نحن فقدنا أمنا العجوز ماما، # والآن لا بد من الدولار. # آه لا تسأل لماذا # أنت أدرى بالجواب! ~~(تنصرف الفتيات ومعهن حقائبهن.) # 3 ~~(يصل خبر تأسيس مدينة الفردوس إلى المدن ~~الكبرى.) ~~(صور على شاشة العرض في قاع المسرح تبين ~~منظرا لإحدى المدن الكبرى التي يسكنها الملايين من الناس مع صور ~~مختلفة لرجال عديدين.) # الرجال ~~: # في المدن اللعينة # يعذب الإنسان # بالحقد والضغينة، # والموت والهوان. ~~••• # نعيش لم نزل # فيها كما الديدان # من تحتها المجاري، # وفوقها الدخان. ~~••• # نحيا ولم نزل # في وحلها نسير. # في نيرها ندور. # نسعى بلا أمل، # ونعرف المصير، # وسوف ننتهي # وينتهي الزمن # بهذه المدن # للموت والعفن. ~~(يدخل فيللي ممثل الاتهام وموسى ذو ~~الأقانيم الثلاثة ومعهما لافتات.) # فيللي ~~: # بعيدا عن زحام العالم. # موسى ~~: # القطارات الكبيرة لا تمر بنا. # فيللي ~~: # تقع مدينة ماهاجوني. # موسى ~~: # سألوا عنكم أمس لأول مرة. # فيللي ~~: # في عصرنا كثيرون لا تعجبهم الأحوال في المدن الكبرى، وهم ~~يتوجهون إلى مدينة الذهب ماهاجوني. # موسى ~~: # المشروبات فيها رخيصة. # فيللي ~~: # في المدن الكبيرة، ms46 # وضجة الزحام، # والقتل في الظهيرة، # والغدر والخصام # لا أمن لا سلام. # لا شيء يرتجى، # وتركض الأيام. # لا أمل أو حب. # موسى ~~: # لأن فيها الشر، # لأن فيها الغدر، # وكلها آلام! # فيللي وموسى ~~: # مع ذلك تجلس أنت مع الخلان # تسامر أهل ماهاجوني. # تتصاعد سحب دخان # من جلدكم المصفر. # يلوح الأفق هناك كلوح الرق الباهت، # أو كطباق ذهبي! # وغدا تحترق مدينة سان-فرانسيسكو، # فانظر هذا هو كل المجد، # وهذا ما كنت تسميه الخير، # يوضع في كيس أسود، # أو كيس بني؛ # كي يحمله الزبال البائس، # أو يحمله السجان # للجبانة أو للحان! # الرجال ~~: # في المدن اللعينة # يعذب الإنسان # بالحقد والضغينة، # والموت والهوان. ~~••• # نعيش لم نزل # فيها كما الديدان، # وتحتها المجاري، # وفوقها الدخان. ~~••• # نحيا ولم نزل # في وحلها نسير، # في نيرها ندور. # نسعى بلا أمل، # ونعرف المصير. ~~••• # وسوف ننتهي، # وينتهي الزمن # بهذه المدن # للموت والعفن. # فيللي ~~: # لهذه الأسباب # هيا لماهاجوني! # موسى ~~: # لأنهم هناك يسألون # عنكمو، ينتظرون. # 4 # وفي السنوات التالية توجه الساخطون من جميع القارات نحو مدينة ~~الذهب ماهاجوني. ~~(يدخل أربعة رجال ومعهم حقائبهم، وهم باول ~~وياكوب وهينريش ويوزيف.) # هيا إلى الأمام # إلى ماهاجوني! ~~••• # رطب هو الهواء # في الصبح والمساء. ~~••• # لحم الخيول وافر. # لحم النساء فائر. # وتشربون الويسكي، # وتلعبون البوكر. ~~••• # يا قمرا يضيء ألاباما. # يا أخضر، يا أيها الجميل، # أنر لنا السبيل! ~~••• # فها هنا في ~~الجيب # وطي هذا الثوب # أوراق بنكنوت # لضحكة كبيرة # من فمك الغبي، # من فمك الكبير. # هيا إلى الأمام # إلى ماهاجوني! # فها هي الرياح # هبت من الشرق # تزف للأرواح # روائح اللحم، # والخمر والعشق. ~~••• # وليس من مدير، # وليس من رقيب # يحكم في القلوب، # ويطلق النفير # بالويل والثبور. ~~••• # يا قمرا يضيء ألاباما، # يا أخضر جميل، # أنر لنا السبيل. ~~••• # فها هنا في الجيب # وطي هذا الثوب # أوراق بنكنوت # لضحكة كبيرة # من فمك الغبي، # من فمك الكبير. ~~••• # هيا إلى الأمام # لجنة الأحلام # إلى ماهاجوني! ~~••• # قد أقلع الشراع، # وانطلق السفين، # والزهري اللعين # يشفى من الغرام، # والحب والمدام، # في جنة الأحلام # هنا في ماهاجون. ~~••• # يا قمرا صغير # يطل كالقنديل # الأخضر ms47 الجميل # على ألاباما # أنر لنا السبيل. ~~••• # فتحت هذا الثوب # وطي هذا الجيب، # أوراق بنكنوت # لضحكة كبيرة # من فمك الغبي # من فمك الكبير. # 5 # وكان باول أكرمان من بين الذين وفدوا على مدينة ماهاجوني، وهذه ~~هي حكايته التي سنرويها لكم. ~~(مرفأ مدينة ماهاجوني الرجال الأربعة واقفون ~~أمام إحدى علامات الطريق التي كتب عليها «ماهاجوني» كما علقت ~~معها لوحة بالأسعار.) # باول ~~: # عندما يصل الإنسان إلى شاطئ غريب، فلا بد أن ~~يشعر بشيء من الارتباك. # ياكوب ~~: # ولا يدري إلى أين يتجه. # هينريش ~~: # ولا يعرف أحدا يمكنه أن يزعق في وجهه! # يوزيف ~~: # ولا من يرفع قبعته أمامه. # باول ~~: # هذا هو عيب الوصول إلى شاطئ غريب. ~~(تدخل السيدة ليوكاديا بيجبيك ومعها قائمة ~~طويلة.) # بيجبيك ~~: # آه يا سادة. مرحبا بكم في بيتكم ~~(تراجع القائمة.) # أليس هذا هو السيد باول أكرمان المشهور بسن ~~السكين؟ في كل مساء قبل النوم، يطلب الجبن مع ~~الفلفل؟ # باول ~~: # تشرفنا. # بيجبيك ~~: # الأرملة بيجبيك. ~~(يتبادلان التحية.) # واحتفاء بوصولك يا سيد ياكوب شميت # فقد سوينا الزلط. # ياكوب ~~: # شكرا لك. # بيجبيك ~~: # وأنت يا سيد ميرج؟ # باول ~~(وهو يقدمه لها) ~~: # هينريش ميرج. # بيجبيك ~~: # وأنت؟ ألست السيد يوزيف ليتنر؟ # باول ~~(وهو يقدمه لها أيضا) ~~: # ذئب ألاسكا-جو. # بيجبيك ~~: # إكراما لكم سنخفض الأسعار. ~~(تغير الألواح التي كتبت عليها ~~الأسعار.) # هينريش ويوزيف ~~: # نشكرك من القلب. ~~(يتبادلون التحايا.) # بيجبيك ~~: # أتحبون أن تنعشوا أنفسكم في البداية بالبنات ~~الطازجات؟ # موسى ~~(يعرض عليهم بعض صور البنات ويقدمها ~~كما لو كانت صور مجرمين أو مشبوهين) ~~: # يا حضرات السادة. كل رجل يحمل صورة حبيبته في قلبه؛ ~~فالتي تبدو لرجل سمينة، يراها الآخر نحيفة. مثل هذه ~~الأفخاذ المدملجة شيء يناسبكم يا سيد جو. # ياكوب ~~: # ربما كانت أنسب لي. # جو ~~: # أنا على كل حال فكرت في شيء لونه أغمق. # بيجبيك ~~: # وحضرتك يا سيد ميرج؟ # هينريش ~~: # لا تتعبي نفسك. # بيجبيك ~~: # والسيد أكرمان؟ # باول ~~: # لا، أنا لا أعتمد على الصور. من عادتي أن أنتظر حتى أعرف ~~إن كان ما أشعر به هو الحب. # ابرزن يا حسان ماهاجون # فعندنا الذهب، وماذا ms48 عندكن؟ # ياكوب وهينرش وجو ~~: # في غابات ألاسكا # عشنا سبع سنين # نقاسي البرد، # نعد النقد، # ونحصي المال، # فاظهرن يا حسان # بالظرف والحنان، # وسوف ندفع فورا # إن أعجبتنا الحال! # جيني ومعها الفتيات الست ~~: # صباح الخير عليكم # يا زهر شباب ألاسكا! # هل كان البرد شديدا. # ألديكم مال كاف؟ # باول ~~: # صباح الخير يا حسان ماهاجون! # جيني والفتيات الست ~~: # نحن الحسان الفاتنات # من بنات ماهاجون # إذا دفعتم يا شباب # نلتمو ما تشتهون! # بيجبيك ~~(مشيرة إلى جيني) ~~: # هذه هي فتاتك، يا سيد ياكوب شميت، وإذا لم يعجبك فخذاها ~~الممتلئان فلا بد أن تكون الخمسون دولارا التي ستدفعها ~~من الصفيح. # ياكوب ~~: # ثلاثين دولارا؟ # بيجبيك ~~(لجيني وهي تهز كفيها) ~~: # ثلاثين دولارا! # جيني ~~: # آه! # فكر يا سيد ياكوب شميت، # فكر يا سيد ياكوب شميت، # ماذا تنفعنا اليوم # ثلاثون دولارا؟ # هل تكفي لشراء جوارب ~~- عشرة لا غير - # ولا شيء سواها؟ # فكر يا سيد ياكوب شميت، # فكر في البنت المسكينة # ولدت وتربت ب «هافانا». ~~••• # كانت ~~أمي # امرأة بيضاء حزينة، # كم نصحتني # وأسرت في أذني! # يا طفلتي حذار # لا تبيعي جسدك # من أجل دولارين، # وصدقيني يا ابنتي # وإن شككت في الكلام # فانظري إلي # كيف صار حالي # فكر يا سيد ياكوب شميت، # فكر يا سيد ياكوب شميت. # ياكوب ~~: # إذن عشرون دولارا! # بيجبيك ~~: # ثلاثون، يا سيد، ثلاثون. # ياكوب ~~: # مستحيل! # باول ~~: # ربما آخذها أنا. (لجيني) ما اسمك إذن؟ # جيني ~~: # جيني سميث. # أنا التي يدعونها جيني، # جئت إلى هنا من أوكلاهوما. # من فترة تربو على الشهرين # هناك من المدائن الواسعة الكبيرة، # لقيت ما يلقاه كل حي، # وإنني يا سيدي الغني # أفعل ما يرضيك، كل شيء. ~~••• # أعرفكم، أعرف كل باولي # قد عاد من هناك، من ألاسكا # وحالهم في البرد حال الموتى، # بل إنها لأقسى. ~~••• # قد جمعوا الدولار للدولار، # ورجعوا يقلهم قطار، # جيوبهم تكاد تنفجر، # والنار في القلوب تستعر، # ليسعدوا هنا في ماهاجون. ~~••• # يا باولي الحبيب، # يا باولي الفتي، # أواه يا صغيري القوي! # فدائما يحدق الرجال في رجلي. # تعال خذ يدي، # تعال يا صغيري الحيي، # واجلس هنا لدي، ms49 # وفوق ركبتي. # قد عشت طول العمر لا أحب، # فذق رحيق الكاس من يدي # وضمني، واسمع وجيب القلب! # باول ~~: # طيب. سآخذك. # جيني ~~: # ارفع رأسك يا باولي! ~~(يهم الجميع بالذهاب إلى ماهاجوني، ~~فتقابلهم مجموعة من الناس وفي أيديهم حقائب السفر.) # جو ~~: # من هؤلاء الناس؟ ~~(يلمون الحقائب وهم يمرون ~~مسرعين.) # أقلعت السفينة؟ # نحمدك اللهم # فلم تزل هناك. ~~(يتدافع حاملو الحقائب هابطين صوب ~~المرفأ.) # بيجبيك ~~(تلاحقهم بالشتائم) ~~: # أغبياء! جماجم مضلعة! يجرون إلى السفينة وجيوبهم مليئة ~~بالذهب. # سلالة ملعونة! ناس لا تعرف المرح! # ياكوب ~~: # غريب أن يهرب هؤلاء! فالإنسان يبقى حيث يكون الجمال إلا ~~إذا كان هناك خلل ما. # بيجبيك ~~: # أما أنتم يا حضرات، فتأتون معي إلى ماهاجوني، لا يهمني ~~أن أخفض سعر الويسكي مرة أخرى. ~~(تضع لافتة ثالثة عليها أسعار مخفضة فوق ~~اللوحة الثانية.) # يوزيف ~~: # هذه الماهاجوني التي مدحوها لنا، تبدو في غاية الرخص، ~~وهذا شيء لا يعجبني. # هينريش ~~: # وأنا أجد كل شيء فيها شديد الغلاء. # ياكوب ~~: # وأنت يا باولي، هل ترى الحال هناك على ما يرام؟ # باول ~~: # حيثما أكون وتكون قطتي، # تكون جنتي، # تحس بالهناء والسرور مهجتي. # جيني ~~: # أواه يا باولي # اجلس على رجلي. # الفتيات الست ~~: # أواه يا باولي # اجلس على رجلي. # جيني والفتيات الست ~~: # قد عشت طول العمر لا أحب # فذق رحيق الكاس من يدي # وضمني واسمع وجيب القلب! # جيني والفتيات الست ~~: # أعرفكم، أعرف كل باولي. # باول وياكوب وهينريش وبيجبيك ~~: # قد عاد من هناك، من ألاسكا. # جيني والفتيات الست ~~: # وحالهم في البرد حال الموتى، # بل إنها لأقسى. # باول وياكوب وهينريش ويوزيف ~~: # كم تعبوا وجربوا الأهوال، # لكنهم قد جمعوا الأموال. # جيني والفتيات الست ~~: # قد جمعوا الدولار للدولار، # ورجعوا يقلهم قطار. # جيوبهم تكاد تنفجر، # والنار في القلوب تستعر، # ليسعدوا هنا في ماهاجون. ~~(ينصرف الجميع في اتجاه ماهاجوني.) # 6 # إرشادات ~~(خريطة مدينة ماهاجوني. باول وجيني يتحدثان في ~~الطريق.) # جيني ~~: # علمتني الأيام، عندما أتعرف على رجل، أن أسأله عما ~~يرضيه. # قل لي إذن، كيف تحب حضرتك أن أكون؟ # باول ~~: # أنت تعجبينني كما أنت، لو قلت «يا ms50 عزيزي» فسوف أتصور ~~أنني أعجبك. # جيني ~~: # أرجوك، يا باول، كيف تحب منظر شعري؟ للأمام أو ~~للوراء؟ # باول ~~: # الأمر يختلف حسب الأحوال. # جيني ~~: # وما رأيك في الملابس الداخلية يا صديقي؟ هل تحب أن ~~أرتديها أم أبقى بغيرها؟ # باول ~~: # بغيرها. # جيني ~~: # كما تحب يا باولي. # باول ~~: # وطلباتك؟ # جيني ~~: # ربما لم يأت أوان الكلام عنها. # 7 # كل المشروعات الكبرى تمر بأزمات ~~(صور على شاشة العرض في عمق المسرح تبين ~~إحصاءات بالجرائم وحوادث الغش والاختلاس في ماهاجوني. تظهر سبع ~~لوحات عليها أسعار مختلفة. داخل «فندق الرجل الغني» يجلس على مائدة ~~البار فيللي ممثل الاتهام وموسى ذو الأقانيم الثلاثة. تدخل السيدة ~~بيجبيك فجأة ووجهها ملطخ بالمساحيق البيضاء.) # بيجبيك ~~: # فيللي وموسى! أنت يا فيللي وأنت يا موسى! هل عرفتما أن ~~الناس بدءوا يرحلون؟ # إنهم بالفعل هناك على الشاطئ. رأيتهم بنفسي. # فيللي ~~: # وما الذي يدعوهم للبقاء؟ بضع حانات وأكوام من الصمت ~~والملل. # موسى ~~: # ثم أي رجال هؤلاء؟ إنهم يصطادون سمكة ويتصورون أنهم ~~سعداء. ويدخنون أمام بيوتهم وهم قانعون راضون. # بيجبيك ~~: # فيللي وموسى! آه! هذه الماهاجوني مشروع ~~فاشل. # بيجبيك ~~: # ثمن الويسكي اليوم اثنا عشر دولارا. # فيللي ~~: # وغدا ينزل حتما إلى ثمانية. # موسى ~~: # ولن يرتفع أبدا. # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # آه. هذه الماهاجوني مشروع فاشل. # بيجبيك ~~: # لا أدري ماذا أفعل! الجميع يريدون شيئا مني، ~~وأنا لا أملك شيئا. # ماذا أعطيهم حتى يبقوا ويتركوني أعيش؟ # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # آه هذه الماهاجوني مشروع فاشل. # بيجبيك ~~: # أنا أيضا أيام شبابي # جربت الحب، # أويت لظل جدار يمتد عليا، # ووقفت هناك، # وهزتني رعشات القلب، # مع رجل كان بعيني # زينة كل رجال الدنيا. # وتبادلنا الكلمات طويلا، # وتحدثنا بحديث الحب. # لكن المال تبدد. # ومع المال اختفت الرغبة والميل، # وانقشع الظل. # فيللي وموسى ~~: # المال يثير الشهوة. # المال يثير الشهوة. # بيجبيك ~~: # قبل تسعة عشر عاما عصف بي البؤس، وخربني الصراع في ~~سبيل الحياة. كان هذا هو آخر مشروع كبير أفكر ~~فيه. # كان اسمه ماهاجوني، # مدينة الشبكة، # لكنما الشبكة # لم تقتنص سمكة! # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # آه إن ماهاجوني مشروع فاشل. ms51 # بيجبيك ~~: # والآن سنرجع من حيث بدأنا، # ونجوب المدن الألف، # ونعود لعد الأعوام التسعة عشر # فلموا الأمتعة، # قفوا في الصف. # سنرجع من حيث بدأنا. # فيللي ~~: # أجل يا أرملة بيجبيك. أجل يا أرملة بيجبيك. فهم ينتظرونك ~~بالفعل هناك. ~~(يقرأ من ~~صحيفة) # وصل إلى بنساكولا ضباط مرور يبحثون عن ~~امرأة اسمها ليوكاديا بيجبيك، وقد فتشوا جميع البيوت ثم ~~واصلوا سيرهم. # بيجبيك ~~: # آه! # الآن لا سبيل للنجاة! # فيللي وموسى ~~: # صدقت يا أرملتي، # والحق ما نطقت؛ # فالظلم ليس يجدي، # والشر لو علمت # مآله للشر، # ولن يطيل العمر! # بيجبيك ~~: # أجل! لو كان لدينا المال! لو أمكننا أن نكسب مالا من ~~مدينة الشباك هذه التي خلت من الشباك، إذن لأمكن أن ~~يأتي ضباط المرور! ألم يحضر اليوم بعض الناس؟ لقد بدا من ~~منظرهم أن معهم المال. ربما يعطونه لنا. # 8 # كل الذين يبحثون بصدق تخيب آمالهم ~~(مرفأ ماهاجوني، يظهر باول قادما من المدينة، ~~مثل الذين ظهروا من قبل ومعهم حقائبهم. أصحاب باول يحاولون منعه من ~~الرحيل.) # ياكوب ~~: # باولي، ما الذي يدعوك للرحيل؟ # باول ~~: # وما الذي يحملني على البقاء؟ # هينريش ~~: # ولماذا يتجهم وجهك؟ # باول ~~: # لأنني رأيت لوحة كتب عليها «ممنوع». # جو ~~: # ألم تشرب الجين والويسكي الرخيص؟ # باول ~~: # أرخص من اللازم! # هينريش ~~: # ألم تجد الهدوء والوئام؟ # باول ~~: # هدوء مميت. # ياكوب ~~: # إذا أردت سمكة # فاذهب إلى النهر # وألق بالشبكة. # باول ~~: # لن يسعدني هذا. # جو ~~: # يمكنك التدخين. # باول ~~: # يمكنني التدخين. # هينريش ~~: # وتستطيع النوم. # باول ~~: # أستطيع النوم. # ياكوب ~~: # وتستطيع العوم. # باول ~~(يقلده كالقردة) ~~: # وأكل إصبع موز! # جو ~~: # ورؤية الماء. ~~(باول لا يزال يهز كتفيه.) # هينريش ~~: # يمكنك النسيان. # باول ~~: # مع ذلك ينقص شيء. # ياكوب وهينريش وجو ~~: # ما أروع المساء والغروب يهبط. # ثرثرة الرجال حلوة واللغط! # باول ~~: # مع ذلك ينقص شيء. # ياكوب وهينريش وجو ~~: # ما أجمل الهدوء والسلام. # وأسعد الوفاق والوئام. # باول ~~: # مع ذلك ينقص شيء. # ياكوب وهينريش وجو ~~: # وتصبح الحياة # بسيطة وديعة، # وروعة الطبيعة # نادرة بديعة. # باول ~~: # مع ذلك ينقص شيء. # أحيانا تخطر لي الفكرة # لم لا ألتهم قلنسوتي؟ # ويخيل لي أني متخم. ms52 # وأسائل نفسي أيحرم # أن يبلع رجل قبعته؟ # إن ضقت وضاقت بي الدنيا. # وسئمت سئمت فلا ألقى # شيئا أفعله بالمرة! # أحيانا يفجأني الخاطر، # وتلح الأفكار عليا # لا بد من السفر لجورجيا؛ # فهناك، ولا شك، مدينة، # لم لا نتجه إلى جورجيا # إن كنا لا نجد لدينا # شيئا نفعله بالمرة؟ ~~••• # أصحابي يا ~~أحباب، # في الحان عرفتم فن الشرب # من الألف إلى الياء، # ورأيتم ضوء القمر طوال الليل. # البار الكائن في «مانديلاي» # أغلق بابه، # لكن لم يحدث شيء، # لم يحدث شيء بعد. # لم يحدث يا أصحاب! # ياكوب وهينريش وجو ~~: # باولي، اضبط أعصابك، # هذا هو بارك في مانديلاي . # جو ~~: # باولي تدفعه الرغبة في أن يأكل قبعته. # هينريش ~~: # لم تدفعك الرغبة أن تأكل قبعتك؟ # جو وهينريش وياكوب ~~: # باولي أنت جننت # وأصبحت دجاجة! # ياكوب ~~: # لا، لا يمكن أن تفعل هذا، # لا يا باولي. # ياكوب وجو وهينريش ~~: # لا ترهقنا بسخافاتك. # باولي حكم عقلك، # واخش أذانا. # خذ! هذا حبل يصلح لك! ~~(الثلاثة يزعقون في وجهه.) # حاذر فسننهال عليك، # ولن تأخذنا الشفقة بك # حتى ترتد لوعيك # تصبح إنسانا! # باول ~~(بهدوء) ~~: # أصحابي، يا أصحابي # يا خلان # من قال بأن لدي الرغبة # أن أصبح هذا الإنسان؟ # ياكوب وجو وهينريش ~~: # الآن كشفت قناعك وتكلمت، # وسترجع معنا غصبا عنك # إلى ماهاجوني. ~~(يسوقونه معهم عائدين إلى المدينة.) # 9 ~~(أمام «فندق الرجل الغني» وتحت سماء رائعة ~~الجمال يجلس رجال ماهاجوني على كراسي هزازة وهم يدخنون ويشربون، ~~وبينهم أصحابنا الأربعة الذين سمعناهم قبل قليل. الرجال مستغرقون ~~في الاستماع للموسيقى والنظر بعيون حالمة إلى سحابة بيضاء تتحرك ~~على صفحة السماء من اليسار إلى اليمين ثم في الاتجاه المضاد ... إلخ، ~~من حولهم وضعت لافتات كتب عليها: «حاسبوا من فضلكم على الكراسي»، ~~«لا تثيروا الإزعاج»، «تجنبوا الأغاني الخليعة».) # باول ~~: # في الغابات المكسوة بياض الثلج، # وفي أعمال ألاسكا # مع أحبابي وصحابي، # خشب الأشجار قطعت # إلى الأنهار حملت. # وأكلت اللحم النيئ وجمعت المال. # أنفقت السنوات السبع؛ # لأحضر لماهاجوني. # في الكوخ هناك يطل على شط النهر، # والليل الشتوي القارص عبر السنوات السبع # رحنا ms53 نحفر بالسكين اللعنة # تلو اللعنة في المائدة على الدهر، # وتفكرنا أين سنذهب أين سنذهب # حين يكون المال وفيرا، وتدبرنا الأمر. # آه وتحملت شقاء العمر # إلى أن جئت # إلى ماهاجوني. ~~••• # لما أن مر الوقت # جمعنا المال الحر # من العرق المر، # وخبأناه تحت الجلد، # وفي ظلمات الصدر، # واخترنا من بين المدن جميعا # ماهاجوني. # جئنا من كل سبيل، # وقطعنا الدرب الوعر # لم نتردد، لم نتوقف. # جئنا ورأينا رأي العين # وعرفنا # أن ليس هنالك ما هو أسوأ، # ما هو أغبى، # من أن ندفن # في هذا القبر # المدعو ماهاجوني! ~~(يهب واقفا على قدميه.) # ما هذا؟ ما خطبكم؟ # ماذا قد خطر ببالك؟ # ما هذا الغدر؟ # لن يأكل أحد من لحمي المر. # أبرز إن كنت شجاعا يا سبع البر. # فأنا باولي ذئب ألاسكا # لا يعجبني الحال، # ولا أسلم ظهري لسياط القهر. # بيجبيك ~~(تدخل مندفعة) ~~: # ماذا لا يعجبك لدينا؟ # باول ~~: # كومة قاذوراتك. # بجيبيك ~~: # أنا أفهم أمثالك دوما # أو لم تقل القاذورات؟ # باول ~~: # طبعا. هذا هو ما قلت. # أنا باولي أكرمان. ~~(السحابة ترتعش وتختفي بسرعة.) # باول ~~: # سبع سنين، # سبع سنين، # بغابات ألاسكا # كم قطعت الشجر بسكين! # الفتيات الست وياكوب وهينريش وجو ~~: # قطع الشجر. # ياكوب وهينريش وجو ~~: # وقطع الشجر بسكين. # ياكوب ~~: # اهدأ يا باولي! # باول ~~: # والماء، الماء البارد # تحت الصفر بأربع درجات. # الفتيات الست وياكوب وهينريش وجو ~~: # الماء البارد أربع درجات. # باول ~~: # تعبت، تعبت كثيرا، # وتحملت شقاء العمر؛ # لأصل إلى ماهاجوني، # والآن مللت ولا يعجبني الحال، # ولن أخفي السر، # في ماهاجوني لا يحدث شيء، # لا يحدث شيء، # هذا هو كل الأمر! # جيني ~~: # عزيزي وحبيبي باولي، # اسمعنا، # ألق السكين بعيدا. # ألق السكين! # باول ~~: # من يقدر منكم يمنعني. # ياكوب وهينريش وجو ~~: # قلت اسمعنا # وتعقل، # ألق السكين! # جيني ~~: # باولي هيا اذهب معنا، # كن جنتلمان! # باول ~~: # من يقدر منكم يمنعني! # ياكوب وهينريش وجو ~~: # تعال، تعال # وكن جنتلمان! # باول ~~: # تحملت سبع سنين # أقطع فيها الشجر، # وعانيت سبع سنين # من البرد لسع الإبر، # تحملت عانيت كل الألم # لألقى هنا كل هذا العدم! # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # لقيت ms54 ها هنا الهدوء والوئام والسلام، # وذقت لذة المدام، # والعناق والغرام. # باول ~~: # يا للهدوء، والوئام والمدام والغرام! # جيني وياكوب وهينريش وجو ~~: # اترك سكينك في جيبك. # الجوقة ~~: # هدوء! هدوء! # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # لك أن تغرق في النوم، تدخن، تسرح # تصطاد السمك إذا شئت وتسبح. # باول ~~: # أغرق في النوم أدخن أسرح، # أصطاد السمك وأسبح. # جيني والفتيات الست وياكوب وهينريش وجو ~~: # باولي. دع سكينك في جيبك. # الجوقة ~~: # هدوء. هدوء. # بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # هكذا شأن الذي يرجع من برد ألاسكا. # هكذا شأنك يا باولي وأمثالك # ممن حملوا في عظمهم برد ألاسكا. # باول ~~: # أوقفوني وامنعوني من حدوث الكارثة، # فهنا لا شيء، لا شيء جديد! # وهنا لا شيء، لا شيء جديد! ~~(يقف فوق إحدى الموائد.) # ويلكمو، ويل مدينتكم ماهاجوني # لن يسعد فيها إنسان. # لن يسعد أبدا! # لأن فيها راحة الهدوء سائدة؛ # لأن فيها جرعة السلام زائدة. # وفي الحياة راحة ليس اسمها الملال ~~والسأم! # وفي الوجود جنة ليس اسمها الفراغ والعدم! # 10 ~~(تظهر على اللوحات في خلفية المسرح كتابة ضخمة: ~~«الطيفون» تعقبها كتابة أخرى «إعصار يتحرك نحو ماهاجوني».) # الجميع ~~: # أواه للحدث الخطير! # أواه من هذا المصاب! # مدينة الأفراح والسرور # تسير للخراب. ~~••• # على الجبال يقف «الطيفون» يعصف الإعصار # والموت في اليم يطل بالفناء والدمار. # أواه للحدث الخطير! # أواه من هول المصير! ~~••• # أي جدار ها هنا يحميني؟ # وأي كهف ها هنا يئويني؟ # أواه للحدث الخطير! # أواه من هول المصير! # 11 # في هذه الليلة المرعبة عثر حطاب بسيط يدعى باول أكرمان على ~~قوانين السعادة البشرية. ~~(ليلة الإعصار، جيني، والأرملة بيجبيك، وباول، ~~وياكوب وهنريش وجو يجلسون على الأرض مستندين إلى جدار. # الجميع يائسون باستثناء باول الذي يضحك ~~وحده. # تسمع في الخلفية أصوات المراكب التي تمر وراء ~~الجدار.) # رجال ماهاجوني ~~(من خارج المسرح) ~~: # تماسكوا، تماسكوا. # لا تقلقوا من نذر الدمار. # يا إخوتي، إذا انطفت من أرضنا الأنوار # لا تيأسوا، وكونوا أقوياء. # هل ينفع البكاء # من ينازل الإعصار؟ # جيني ~~(في همس حزين) ~~: # يا قمرا يضيء ألاباما # لا بد أن نقول جودباي. # نحن فقدنا أمنا ms55 الطيبة العجوز ماما، # والآن حان الوقت كي نعاقر المداما؛ # فأنت أدرى بهذا # وأنت تدري لماذا! ~~••• # وأينما ~~ذهبت # لا أمل هناك، # وحيثما وجدت # مصيرك الهلاك # وخير ما تفعله # أن تنزوي في صمت # حتى يجيء الموت. # رجال ماهاجوني ~~(من خارج المسرح) ~~: # تماسكوا. تماسكوا. # لا تقلقوا من نذر الدمار # يا إخوتي، إذا انطفت من أرضنا الأنوار # لا تيأسوا وكونوا أقوياء، # هل ينفع البكاء # من ينازل الإعصار؟ ~~(باول يضحك.) # بيجبيك ~~(لباول) ~~: # لم تضحك؟ # باول ~~: # ألا ترين الحال أم دهاك النوم؟ # كيف تدور الأرض كل يوم؟ # الأمن والسلام، # والحب والوئام # خرافة ووهم. # وإنما الإعصار # والموت والطوفان # حقيقة لا حلم. ~~••• # وهكذا الإنسان # من دأبه العدوان، # وأين منه النار # والريح والإعصار # إذا انتشى بالدم؟ ~~(من بعيد تسمع أصوات تردد.) # تماسكوا، تماسكوا. # لا تقلقوا من نذر الدمار. # يا إخوتي، إذا انطفت من أرضنا الأنوار # لا تيأسوا، هل ينفع البكاء # من ينازل الإعصار؟ # ياكوب ~~: # اهدأ يا باولي. # جو ~~: # ما الداعي أن تتكلم؟ # باول ~~: # لم نبن الأبراج لتصبح كجبال الهملايا. # إن لم نقدر أن نهدمها فتكون شظايا، # وتدوي الضحكات دويا. ~~••• # المستوي لا بد أن يعوج، # وكل برج شاهق لا بد أن يرتج؛ # ليلعق الغبار والتراب! # ونحن لا نحتاج للإعصار، # ونحن لا نحتاج للطيفون؛ # فكل ما يجلبه الإعصار من دمار، # وكل ما يحدثه الطيفون من جنون # فنحن نجلبه، # نحن نسببه، # ونحن قادرون أن نخرب الخراب! ~~••• # شر هو الإعصار، # والطيفون شر منه، # وأسوأ الشرور كلها الإنسان! ~~(من بعيد تسمع أصوات تردد): # تماسكوا. تماسكوا. # لا تقلقوا من نذر الدمار. # يا إخوتي، إذا انطفت من أرضنا الأنوار # لا تيأسوا. # لا تيأسوا. # هل ينفع البكاء # من ينازل الإعصار؟ # باول ~~(للأرملة بيجبيك) ~~: # انظري، لقد علقت لوحات كتبت عليها: ممنوع، وهذا ليس من ~~حقك. لذلك لم يعرف أحد طعم السعادة. هذه يا أصحابي لوحة ~~كتب عليها: الغناء المرح ممنوع الليلة، ولكن قبل أن تدق ~~الساعة الثانية، سوف أرفع عقيرتي، أنا باول أكرمان، ~~بالغناء المرح؛ لكي تروا أن ليس هناك شيء ممنوع! # ياكوب ~~: # ونحن لا نحتاج للإعصار. # ونحن ms56 لا نحتاج للطيفون؛ # فكل ما يجلبه الإعصار من دمار، # وكل ما يحدثه الطيفون من جنون # فنحن نجلبه، # نحن نسببه، # ورعبه والهول # نحدثه بالفعل. # جيني ~~: # اهدأ يا باولي. لم تتكلم؟ # هيا نخرج ونجرب طعم الحب! # باول ~~: # لا، لن أخرج # بل أتكلم، والآن! # لا تسلموا أنفسكم لهذه الغواية؛ # فليس من رجوع # وها هو النهار واقف، منتظر بالباب، # والريح في المساء رطبة وترسل العتاب، # أتسمعون صوتها الحنون يا صحاب؟ # لا تحلموا أن يرجع الصباح من جديد؟ # فكل من مضى على الطريق لا يعود؛ # لأنها النهاية. # ويسدل الستار. ~~••• # حذار أن تصدقوا التضليل والخداع، # ونافث السموم في القلوب والأسماع، # لو قال ويحكم حياتكم قليلة المتاع؛ # فاغترفوا من نبعها واستنفدوا المتاح؛ # لأنكم لن ترتووا، لن تسكت الجراح. ~~••• # وحينما يدعوكم النذير بالبوار # ستعرفون أنها نهاية الطريق، # وأنكم لا زلتم العطاش والجياع، # والنار في قلوبكم تئز كالحريق. # لا تسلموا رقابكم للنير والسخرة # ليد من يسومكم تعذيبه وقهره. ~~••• # حذار أن تغتروا # به وأن تخافوا، # فما الذي يقلقكم # سينتهي المطاف، # وتنفقون مثلما ينفق كل حي # يعود للتراب، للظلام الأبدي، # ولن ترى عيونه # أشعة النهار. ~~(يتقدم لمواجهة الجمهور.) # إذا وجدت شيئا # يؤخذ بالمال # فاغتصب المالا. ~~••• # إن مر بك أحد # والمال في جيوبه # فاضربه فوق الرأس، # ثم اغتصب نقوده # فذاك من حقك! ~~••• # إذا أردت ~~سكنا # فاذهب لأي بيت، # وارقد على السرير. ~~••• # لو دخلت عليك # صاحبة البيت # فضمها إليك، # ولو تداعى السقف # فاتركه وانصرف # فذاك من حقك! ~~••• # إذا وجدت فكرة # جديدة عليك # ففكر الفكرة! # إن كلفتك مالك، # إن كلفتك دارك # ففكر الفكرة! # فذاك من حقك! # لصالح النظام، # وصالح البشر، # وخدمة لنفسك، # فذاك من حقك! ~~(يهب الجميع واقفين، عراة الرءوس بعد ~~خلع قبعاتهم، يستدير باول راجعا إلى الخلف ويتلقى تهانيهم ~~الحارة.) # رجال ماهاجوني ~~(من خارج المسرح) ~~: # تماسكوا. تماسكوا. # حذار أن تخافوا، # لا تقلقوا من نذر الدمار؛ # هل ينفع البكاء # من ينازل الإعصار؟ # بيجبيك ~~(تشير لباول وتتجه معه إلى أحد أركان ~~المسرح) ~~: # هل تقصد أنني كنت مخطئة عندما منعت بعض الأمور؟ # باول ~~: # أجل. لأنني رجل ms57 يحب المرح والانبساط والسرور، ولن أتردد ~~عن تحطيم لوحاتك وقوانينك وهدم جميع أسوارك، سأفعل ما ~~يفعله الإعصار، وستحصلين على المال مقابل ذلك. خذي! ها هو ~~ذا! # بيجبيك ~~(مخاطبة الجميع) ~~: # افعلوا ما تشتهون # كل ما يحلو لكم؛ # فغدا يأتي «الطيفون» # يتولى أمركم. ~~••• # طالما الإعصار آت بالخراب، # كل شيء مستباح يا صحاب. # كل ما يحلو لنا. # كل ما يحلو لنا. # من حقنا. # باول وياكوب وهينريش وجو ~~: # وهكذا نريد أن نعيش يا صحاب، # نفعل ما نحب. # نحيا كما نحب. # كأنما الإعصار، # والموت والدمار # منتظر بالباب. ~~••• # إن زارنا فإننا نلقاه بالترحاب، # نعانق المصير ثم نشرب الأنخاب، # وعندما نلقاه # نودع الحياة ، # وتنطفي الشموع # لن نحني الجباه. # لن نذرف الدموع، # فلتعصف الرياح، # وتهدر الأمطار، # عشنا كما الإعصار! # عشنا كما الإعصار! # 12 ~~(يدخل فيللي ممثل الاتهام وموسى ذو الأقانيم ~~الثلاثة مندفعين في حالة شديدة من الهياج والانفعال.) # فيللي وموسى ~~: # قد دمرت بنساكولا، # وخربت بنساكولا. ~~••• # وها هو الإعصار # يزحف بالدمار، # والنار والخراب للديار # نحو ماهاجوني! # بيجبيك ~~(تصيح منتصرة) ~~: # بنساكولا! # بنساكولا! # ها هم رجال الأمن والمرور # صرعى مجندلون، # والعادلون كلهم والظالمون # قد سقطوا في الطين، # وللمصير نفسه ستنتهون. # نفس المصير. # باول ~~: # ولهذا فأنا أطلب منكم # افعلوا الليلة ما يعجبكم، # كل ممنوع مباح! # كل ممنوع مباح! ~~••• # وعندما يفجأنا الإعصار بالفناء # سيختفي الجميع؛ # فبادروا بالعزف يا صحاب والغناء؛ # لأنه ممنوع! # رجال ماهاجوني ~~(يسمع صوتهم القريب من وراء ~~الجدار) ~~: # اهدءوا! # اهدءوا! # باول مع جيني وجو ~~: # هيا نغني سويا # أغاني البهجة؛ # لأنهم منعوها # وحرموها عليا. ~~••• # هيا نغني سويا # أغاني البهجة؛ # حتى تدوي دويا، # وننعش المهجة! ~~(باول يقفز فوق الجدار.) # باول ~~: # كما يوسد الإنسان نفسه ينام. # ولن يغطيك سواك، لن يقيك البرد والظلام. ~~••• # كلما داس أحد # فأنا ذاك الهمام، # وإذا ديس أحد # فهو أنت في الرغام. # الجميع ~~: # كما يوسد الإنسان نفسه ينام، # ولن يغطيك سواك، لن يقيك لفح البرد ~~والظلام. ~~••• # وإذا داس أحد # فأنا ذاك الهمام، # وإذا ديس أحد # فهو أنت في الرغام! ~~(تنطفئ الأنوار، ولا يظهر على ألواح الشاشة ~~في عمق المسرح سوى ms58 رسم جغرافي مع سهم يتحرك ببطء نحو مدينة ~~ماهاجوني، ويبين اتجاه الإعصار الزاحف.) # الجوقة ~~(من بعيد) ~~: # تماسكوا! تماسكوا! # حذار أن تخافوا! ~~••• # لا تجبنوا! لا تقلقوا من نذر الدمار؛ # هل ينفع البكاء من ينازل الإعصار؟ ~~(في الضوء الخافت ينتظر رجال وفتيات على ~~الطريق الممتد أمام مدينة ماهاجوني. ولوحات العرض في عمق ~~المسرح تبين السهم الزاحف ببطء نحو ماهاجوني، على نحو ما ~~رأينا في ختام الفصل السابق. ومكبر الصوت يعلن الأنباء ~~التالية على فترات متقطعة تتخللها الموسيقى وغناء ~~الجوقة.) # النبأ الأول ~~: # الإعصار يتحرك في اتجاه «أتسينا» بسرعة مائة وعشرين ~~ميلا في الساعة. # النبأ الثاني ~~: # تدمير «أتيسنا» تدميرا شاملا. لا أخبار. والاتصالات ~~مقطوعة. # النبأ الثالث ~~: # تزايد سرعة الإعصار، وتحركه في خط مستقيم نحو ~~ماهاجوني. انقطع الاتصال السلكي مع ماهاجوني. وبلغ عدد ~~ضحايا الإعصار في بنساكولا أحد عشر ألف ضحية. ~~(الجميع يحملقون في السهم وقد تملكهم ~~الهلع. يتوقف السهم لمدة دقيقة عند وصوله إلى مشارف ماهاجوني. ~~صمت مميت. وفجأة يدور السهم في نصف دائرة حول ماهاجوني ثم ~~يواصل سيره. مكبر الصوت يعلن أن الإعصار قد دار في منحنى ~~حول ماهاجوني ثم استأنف مساره.) # أصوات الجوقة والفتيات والرجال ~~: # أي حل رائع! # مدينة الأفراح قد نجت من الدمار، # وعاليا من فوقها قد عبر الإعصار. # والموت للحياة قد تراجع. # فأي حل رائع! # وأي حل رائع! ~~(وأصبح شعار سكان ماهاجوني من الآن فصاعدا ~~هو كلمة «مباح» التي تعلموها في ليلة الرعب والفزع.) # 13 ~~«بعد مرور عام على انحراف الإعصار العظيم. حركة كبيرة في ~~ماهاجوني تدل على الازدهار ورواج الأحوال.» ~~(يتقدم الرجال ويخاطبون جمهور النظارة وهم يغنون): # الجوقة ~~: # تذكروا. # تذكروا. # في البدء يأتي الأكل والطعام؛ # فانتبهوا للكلمة. # وثانيا العشق والغرام، # تتلوهما الملاكمة! # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # وقبل كل شيء والمهم يا رجال # تذكروا. # تأكدوا على الدوام. # واذكروا في كل حال، # هنا يباح كل شيء # للجميع. # كل شيء، # كل شيء ها هنا حلال! ~~(يدخل الرجال إلى المسرح ويشاركون في ~~الأحداث. على اللوحات الموضوعة في عمق المسرح تظهر كلمة ~~«الأكل» بحروف ms59 ضخمة. مجموعة من الرجال يجلس كل منهم إلى إحدى ~~الموائد التي تكدست عليها كميات كبيرة من اللحوم. نرى باول ~~بينهم، أما ياكوب، الذي يطلق عليه الآن اسم «النهم»، فيجلس ~~على مائدة تتوسط بقية الموائد وهو منهمك في التهام الطعام بغير ~~انقطاع. على الجانبين يظهر العازفان الموسيقيان.) # ياكوب النهم ~~: # الآن أكلت العجلين. # والآن إلى العجل الثالث! # مع ذلك لا يكفي هذا # لو أمكن فسآكل نفسي! # باول وياكوب ~~: # يا أخي! إن كان هذا يسعدك # فتفضل يا أخي أكمل جميلك! # بعض الرجال ~~: # يا من سميت النهم شميت # أنت سمين يا سيد جدا، # فتفضل عجلا آخر! # ياكوب ~~: # إخوتي! يا أصدقاء! # انظروا لي ، لو سمحتم # انظروا لي كيف آكل، # فإذا الأكل تلاشى # هدأت نفسي تماما، # وتطلعت إلى شيء جديد. # إخوتي! هاتوا المزيد! ~~(يسقط ميتا.) # الرجال ~~(يصطفون خلفه في نصف دائرة وقد خلعوا ~~قبعاتهم) ~~: # انظروا! مات شميت! # انظروا! يا للسعيد! # لاحظوا تعبير وجهه، # نهم يرجو المزيد! # متخم عبأ كرشه # وله للأكل وحشة، # وشجاع لا يبارى # كيف بالله توارى # وهو صنديد حديد؟! ~~(يضعون القبعات على رءوسهم.) # الرجال ~~(وهم يعبرون على مقدمة المسرح) ~~: # وثانيا العشق والغرام. # 14 ~~(على لوحات العرض في عمق المسرح تظهر كلمة ~~«العشق» مكتوبة بحروف ضخمة. حجرة بسيطة مشيدة فوق المنصة. في وسط ~~الحجرة تجلس الأرملة بيجبيك، على يسارها فتاة، وعلى يمينها رجل. ~~رجال ماهاجوني يصطفون تحت المنصة. تسمع موسيقى في ~~الخلفية.) # بيجبيك ~~(ملتفتة للرجل الجالس بجوارها) ~~: # ارم اللبان من فمك. # واغسل يديك أولا، # واترك لها فرصة، # وقل لها كلمتين. # الرجال ~~(بغير أن يرفعوا رءوسهم) ~~: # ارم اللبان من فمك، # واغسل يديك أولا، ~~••• # واترك لها فرصة، # وقل لها كلمتين. ~~(ينتشر الظلام ببطء في الحجرة.) # هلم يا شباب! أسرعوا! # غنوا لنا نشيد مانديلاي؛ # فالحب لا يحده الزمان. # هلم يا شباب أسرعوا ~~••• # فالأمر ها هنا أمر ثوان # والبدر لن يطل في سماء مانديلاي # لآخر الزمان! ~~(ينتشر الضوء في الحجرة بالتدريج. الكرسي ~~الذي كان يجلس عليه الرجال خال. تلتفت الأرملة بيجبيك للفتاة ~~الجالسة بجوارها.) # بيجبيك ~~: # المال وحده لا يستثير ms60 الحب، # ولا يهز القلب. # الرجال ~~(بغير أن يرفعوا رءوسهم) ~~: # المال وحده لا يستثير الحب، # ولا يهز القلب. ~~(تظلم الحجرة مرة أخرى.) # هلم يا شباب! أسرعوا! # غنوا لنا نشيد مانديلاي. # الحب لا يحده الزمان. # هلم يا شباب أسرعوا؛ # فالأمر ها هنا أمر ثوان # والبدر في سماء مانديلاي # لن يطل فوقنا # لآخر الزمان! ~~(تنتشر الإضاءة في الحجرة من جديد. يدخل ~~رجل آخر، يعلق قبعته على الحائط ويجلس على الكرسي ~~الخالي.) ~~(تخفت الإضاءة في الحجرة بالتدريج.) # الرجال ~~: # والبدر لن يطل في سماء مانديلاي. # لن يطل فوقنا # لآخر الزمان! ~~(عندما يسلط الضوء من جديد، نرى باول ~~وجيني جالسين على كرسيين متباعدين. باول يدخن ، بينما تضع جيني ~~زينتها.) # جيني ~~: # انظر إلى زوج اليمام رف في الأعالي، # 1 # باول ~~: # والسحب تحدو الموكب الصغير كالظلال. # جيني ~~: # وهو يطير هائما. # باول ~~: # من عالم لعالم جديد. # جيني ~~: # يلتصق الجناح بالجناح # في الهبوط والصعود. # جيني وباول معا ~~: # مجاورين للسحاب لحظة ومبعدين، # يقسمان صفحة السماء بين بين. # جيني ~~: # ويمضيان مسرعين # عاشقين ذاهلين. # باول ~~: # عن الوجود أسلما الزمام للمغامرة. # جيني ~~: # ما شعرا إلا بخفق الريح # في الأجنحة المهاجرة # تهدهد التوءم في المهد وتحنو في حذر، # فما درى بغير صحبة الحبيب في السفر. # باول ~~: # ولو رمته الريح في اللجة # أو في هوة من العدم # ماذا يهم، والأليف صنوه # في فرحه وفي الألم؟ # جيني ~~: # وهل يصيبه أذى # مادام يرعى عهده ويفتدي؟ # باول ~~: # وهكذا يحلقان فوق كل معتد، # وينجوان من رصاص الغدر أو زخ المطر. # جيني ~~: # يرفرفان تحت قرص الشمس أو قرص القمر # مستسلمين زاهدين في الحياة والبشر. # باول ~~: # أين تقصدان يا ترى؟ # جيني ~~: # لا لمكان. # باول ~~: # ترى وعمن تبعدان؟ # جيني ~~: # عن الجميع. # باول ~~: # وتسألون # كم مضى عليهما. # منذ تعارفت روحاهما وائتلفا؟ # جيني ~~: # منذ قليل. # باول ~~: # وتسألونني عن ساعة الفراق # هل دنت؟ # جيني ~~: # بعد قليل. # جيني وباول معا ~~: # وهكذا الحب العظيم # سند للعاشقين # الطيبين واليمام! # الرجال ~~: # تذكروا. # تذكروا. # في البدء يأتي الأكل والطعام؛ # فانتبهوا للكلمة! # وثانيا العشق والغرام، # تتلوهما الملاكمة! # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # وقبل ms61 كل شيء والمهم يا رجال # تذكروا # تأكدوا على الدوام # واذكروا في كل حال، # هنا يباح كل شيء # للجميع. # كل شيء. # كل شيء ها هنا حلال! # 15 ~~(يظهر الرجال مرة أخرى على المسرح، حيث يجري إعداد حلبة ~~الملاكمة أمام خلفية كتبت عليها كلمة «الصراع». على منصة جانبية ~~تعزف موسيقى آلات نحاسية.) # جو ~~(واقفا على كرسي) ~~: # سنقيم الآن يا سادتي حفلة كبرى للملاكمة، ولن ينتهي ~~اللعب إلا بالضربة القاضية. وسيكون الصراع على البطولة بين ~~موسى صاحب الأقانيم الثلاثة وبيني أنا ذئب ~~ألاسكا-جو. # فيللي ~~: # ماذا؟ أنت تصارع موسى صاحب الأقانيم الثلاثة؟ أحسن لك يا ~~بني أن تهرب بجلدك. فليست هذه ملاكمة عادية، بل جريمة قتل ~~مؤكدة. # جو ~~: # على كل حال أنا لم أمت حتى الآن. وكل ما جمعت آخر قرش. ~~لهذا أرجوكم جميعا أن تراهنوا علي، أنتم يا من تعرفونني ~~وتقدرونني منذ الطفولة، أنت يا جيم، لقد حسبت حسابك أنت ~~بالذات. كل إنسان عاقل يغلب الرأس على قبضة اليد، ويضع ~~الدهاء فوق القوة، والذكاء فوق الغلظة، فهو مدعو للمراهنة ~~بماله على ذئب ألاسكا-جو. ~~(جو ~~يتجه إلى هينريش.) # هينريش ~~: # جو، أنت غال عندي. أما أن أرمي نقودي في الهواء، فهذا ~~شيء لم تحتمله أعصابي بعد أن رأيت موسى صاحب الأقانيم ~~الثلاثة. ~~(جو يتجه إلى باول.) # باول ~~: # جو، أنا قدرتك على الدوام، وسوف أقدرك منذ المهد ~~إلى اللحد. ولهذا سأراهن عليك اليوم وبكل ما أملك. # جو ~~: # باول، عندما أسمع هذا منك، تقفز صورة ألاسكا أمام عيني. ~~شتاء السنوات السبع، والبرد القارص، كيف قطعنا الأشجار ~~سويا. # باول ~~: # جو، يا صديقي القديم، أقسم لك أنني على استعداد للتضحية ~~بكل شيء. # بشتاء السنوات السبع، بالبرد القارص، وبقطع ~~الأشجار سويا. حين أسمع سيرة ألاسكا تقفز صورتك أمامي يا ~~جو. # جو ~~: # مالك مضمون، أقسم لك. وأفضل أن أخسر نفسي ولا ~~تخسر. ~~(في هذه الأثناء يتم إعداد حلبة الملاكمة ~~التي يدخلها موسى ذو الأقانيم الثلاثة.) # الرجال ~~: # سلام مثلث لموسى! صباح الخير يا موسى! أره كيف يكون ~~الضرب الموجع! # صوت امرأة ~~: # هذه ms62 جريمة قتل! # موسى ~~: # يؤسفني هذا! # الرجال ~~: # تكفيه لكمة واحدة! # الحكم ~~(يقدم اللاعبين) ~~: # موسى مائتا رطل. ذئب ألاسكا-جو مائة وسبعون. # رجل ~~(ينادي) ~~: # نصب وتحايل! ~~(تتم الاستعدادات الأخيرة لبدء ~~الملاكمة.) # باول ~~(من أسفل) ~~: # هاللو، جو! # جو ~~(يحييه من الحلبة) ~~: # هاللو، باول! # باول ~~: # لا تبلع ضرسك. # جو ~~: # ضرسي ينخر فيه السوس. ~~(تبدأ الملاكمة.) # الرجال ~~(بالتناوب) ~~: # انطلقا الآن! أوقعه أرضا! # هراء. ها هو يضرب. # خذ بالك! تقع على وجهك. # لا تتوقف! # لا بأس! شقت شفته! # اهجم يا جو! ضربة بطل ومعلم! # معلوم! يسبح في عرقه! ~~(موسى وجو يتبارزان في إيقاع ~~منتظم.) # موسى ~~: # افرمه! # فتت عظمه! # موسى! اضرب في المليان! الضرب الموجع! ~~(جو يسقط على الأرض.) # الحكم ~~: # الرجل مات! ~~(ضحك متواصل. ينصرف الجمهور.) # الرجال ~~(وهم ينصرفون) ~~: # الضربة القاضية هي الضربة القاضية، # لم يتحمل الضرب في المليان. # الحكم ~~: # الفائز موسى ذو الأقانيم الثلاثة. # موسى ~~: # يؤسفني هذا. ~~(ينصرف.) # هينريش ~~(لباول. وحدهما داخل الحلبة) ~~: # تنبأت بهذا. وهو الآن صريع بالضربة القاضية. # باول ~~(بصوت خافت) ~~: # هاللو جو! ~~(يخرج الرجال من مقدمة المسرح.) # الرجال ~~: # تذكروا. في البدء يأتي الأكل والطعام. # وثانيا العشق والغرام. # تتلوهما الملاكمة، # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # وقبل كل شيء والمهم يا رجال # تذكروا تأكدوا على الدوام، # واذكروا في كل حال # هنا يباح كل شيء. # كل شيء للجميع. # ها هنا حلال. # 16 ~~(يرجع الرجال للظهور على خشبة المسرح، على ~~اللوحات في الخلفية كتابة بخط كبير «الشرب». الرجال يجلسون ~~ويمدون أرجلهم على المائدة ويشربون. في المقدمة ينهمك باول وجيني ~~وهينريش في لعب البلياردو.) # باول ~~: # أيها الأصدقاء، تعالوا. أنتم مدعوون على الشرب؛ فقد ~~رأيتم كيف يسقط الإنسان في لحظة مثل جو. يا أرملة بيجبيك. ~~كأس للسادة على حسابي! # الرجال ~~: # برافو يا باول. مقبول منك. ولم لا؟ بكل سرور. كل من بقي ~~في ماهاجوني، احتاج كل يوم إلى خمسة دولارات. وربما احتاج ~~للمزيد لو أنفق على الملذات والمسرات. لكنهم في ذلك ~~الزمان اللعين تجمعوا للشرب واللعب في صالون ~~ماهاجوني: # خسروا في كل الأحوال المال، # لكن كسبوا المتعة وهدوء البال. # في البر ms63 والبحر # يسلخ جلد الناس # يعرضه النخاس # بباهظ السعر؛ # لأجل هذا يجلسون طول الليل والنهار، # ويعرضون جلدهم لعابري السبيل والتجار؛ # لأن جلدهم بضاعة توزن بالدولار! # باول ~~: # يا أرملة بيجبيك. كأس أخرى للسادة! # الرجال ~~: # برافوا باولي! ممنونون! # في البر والبحر # يسلخ جلد الناس؛ # لأجل هذا يجلسون طول الليل والنهار # ويعرضون جلدهم لعابري السبيل والتجار؛ # لأن جلدهم بضاعة توزن بالدولار! ~~••• # ويزيد الطلب يزيد على جلد الناس، # وتعض الشوكة لحمكمو بالألم القاسي، # لكن من يقدر أن يدفع ثمن الكأس؟ # فالخمر بالدولار، # وجلدكم بالعار. # كل من بقي في ماهاجوني احتاج كل يوم إلى خمسة ~~دولارات، وربما احتاج للمزيد لو أنفق على الملذات ~~والمسرات. لكنهم في ذلك الزمان اللعين، تجمعوا ~~للشرب في صالون ماهاجون. # لعبوا خسروا في كل الأحوال المال # مع ذلك خرجوا بالمتعة وهدوء البال. # بيجبيك ~~: # والآن! الحساب يا حضرات! # باول ~~: # جيني تعالي، ساعديني! # نفدت نقودي، أدركيني! # أفضل شيء أن نهرب في طرفة عين. # فلنذهب هيا نذهب، ليس يهم إلى أين! ~~(بصوت عال للجميع، وهو يشير لمائدة ~~البلياردو): # يا سادتي الكرام! ~~••• # تركبوا في قاربي المطاط # في نزهة تجدد النشاط! # نعبر فيها البحر والمحيط! ~~(ثم بصوت هامس لجيني): # ابقي معي، لا تتركيني يا جيني؛ # فالأرض تحتي زلزلت زلزالها. ~~(ولصاحبه هينريش): # وأنت يا هنري، # يا رفقة العمر، # ابق معي الآنا. ~~••• # لقد سئمت عيشتي في هذه المدينة؛ # لأنها ... لأنها كئيبة حزينة. # كما عزمت أن أعود من جديد # إلى ألاسكا كي أجدد العهود. ~~(بصوت مرتفع): # الليلة أرحل لألاسكا بطريق البحر. ~~(في هذه الأثناء يكون الجميع قد فرغوا من ~~بناء «سفينة» يصعد إليها باول وهينريش وجيني، مستعينين على ذلك ~~بمائدة البليارد وعمود من المخزن وما شابه ذلك من أدوات، جيني ~~وباول وهينريش يتصرفون فوق المائدة تصرف البحارة.) # باول ~~: # دلقنا الخمرة في بيت الراحة، # وسحبنا الشيش الورديا، # ونفثنا أنفاس دخان، # ونعمنا بالعيش سويا، # واليوم سنرجع لألاسكا. ~~(الرجال في أماكنهم يتابعونهم باستمتاع ~~شديد.) # الرجال ~~: # اضربوا لباولي سلاما # يا له من قبطان. # وانظروا كيف يقود المركب النشوان مثل ~~البهلوان! ~~••• # أنت يا جيني، اخلعي ms64 ثوبك؛ # فالحر شديد عند خط الاستواء. # أنت يا هينريش خذ بالك من ريح الخليج، # واحترس كي لا تطير القبعة. # جيني ~~: # يا إلهي! # هل أرى الطوفان يأتي من هناك؟ # أم هو الإعصار آت بالهلاك؟ # الرجال ~~(بطريقة استعراضية كأنهم من فرق ~~الإنشاد.) ~~: # انظروا كيف تدلهم السماء # وتغير السحائب السوداء! ~~(يصفر الرجال ويعولون كأنهم يحسون بعاصفة ~~تقترب منهم.) # جيني وباول ~~(يجأران بالشكوى) ~~: # المركب ليست كالكنبة. # فالريح تدمدم غاضبة، # والبحر يدوي مضطربا، # والمركب يتحسس دربه، # والظلمة تهوي مكتئبة، # ودوار البحر يداهمنا # ويقلب في دمنا رعبه. # الرجال ~~: # انظروا كيف تدلهم السماء، # وتغير السحائب السوداء! # جيني ~~(وهي تتشبث بالشراع في خوف) ~~: # أفضل شيء ننشد أغنية «الليل العاصف». # هينريش ~~: # أفضل شيء للقلب الخائف # أغنية الليل العاصف! # باول ~~: # فلنشد سويا ونغني. # جيني وباول وهينريش ~~: # الليل داج عاصف، # والبحر عال كالجبال، # والموج مصطخب ومركبنا، # يناضل لا يزال. ~~••• # اسمعوا الأجراس دوت كالنذير، # واحذروا أن تقربوا هذي الصخور. # جيني ~~: # أسرعوا في السير كونوا حذرين. # سيركم عكس اتجاه الريح طيش وجنون! # الرجال ~~: # اسمعوا! # اسمعوا الريح تدوي في الصواري! # وانظروا! # يدلهم الأفق في عز النهار! # هينريش ~~: # نتشبث بعمود الصاري. # لو جن جنون الإعصار. # باول ~~: # أبدا لا داعي يا صحبي؛ # فاللون الأسود عن بعد # غابات ألاسكا في القطب. # والآن يا صحاب، # هيا اتركوا السفينة، # واستشعروا السكينة، ~~(ينزل من السفينة وينادي): # هاللو! # أهذه ألاسكا؟ # موسى ~~(يظهر فجأة إلى جواره) ~~: # ادفع حساب الشرب! # باول ~~(بخيبة أمل شديدة) ~~: # أواه ثم آه! قد وصلنا ماهاجون! ~~(يتقدم الرجال للأمام ومعهم ~~كئوسهم.) # الرجال ~~: # باولي، # لقد سقيتنا. # أطعمتنا. # رويتنا. # ندعوك يا إلهنا # بارك له في عمره، # ولتبقه لنا. # بيجبيك ~~: # والآن ادفع حسابك؟ # باول ~~: # طبعا طبعا. # أرملتي بيجبيك # هذا حقك. # والحق معك. # لكني اللحظة أدرك # وا أسفا لن أقدر أن أدفع لك؛ # إذ يظهر أني أنفقت نقودي. # بيجبيك ~~: # ماذا؟ ترفض أن تدفع؟ # جيني ~~: # باولي، فتش جيبك؛ # لا شك ستجد نقودا. # فتش ثوبك. # باول ~~: # وأنا أتحدث معكم # قبل قليل. # موسى ~~: # ماذا؟ # السيد ليس لديه نقود؟ # ماذا؟ # السيد يرفض أن يدفع؟ # هل تعرف ما ms65 معنى هذا؟ # فيللي ~~: # معناه ضعت، # ويرحمك المولى. ~~(يبتعد الجميع، باستثناء هينريش ~~وجيني.) # بيجبيك ~~(لهينريش وجيني) ~~: # هل يتكرم أحدكما # فيمد يديه # ويقرضه شيئا؟ ~~(هينريش ينصرف صامتا.) # جيني؟ ما رأيك أنت؟ # جيني ~~: # أنا؟! # بيجبيك ~~: # لم لا؟ # جيني ~~: # شيء مضحك! # كم نتحمل نحن الفتيات! # بيجبيك ~~: # لا أمل إذن؟ # جيني ~~: # لا، لا، # ما دمت مصممة # قطعا لا! # موسى ~~: # اربطوه. ~~(تقطع جيني مقدمة المسرح ذهابا وإيابا ~~وهي تغني، بينما يتم ربط باول وتقييده.) # 1 # جيني ~~: # حسنا يا سادة، # أمي نصحتني يوما، # قالت كلمة، # والكلمة قد صارت لعنة # سيكون مصيرك للمبغى، # أو ما هو أسوأ منه وأدهى. # ما أسهل الكلام عندما يقال، # لكنني أقول مستحيل، # لن يكون مما تقصدون شيء! ~~••• # لن تفعلوا هذا معي، # وفي غد سوف نرى! # إن الإنسان العاقل يختلف عن الحيوان؛ # لأنه كما يوسد الإنسان نفسه ينام # ولن يغطيك سواك، # لن يقيك لسع البرد والظلام. ~~••• # وإذا داس أحد، # فأنا هذا الهمام # وإذا ديس أحد، # فهو أنت في الرغام. # 2 ~~: # موسى ~~: # مرحى يا ناس! # رجل لا يملك أن يدفع ثمن الكاس! # قحة وغباء ورذيلة # والأسوأ منها الإفلاس! ~~(يساق باول إلى خارج ~~المسرح.) # بالطبع جزاء الرجل الشنق، # وحكم القانون الموت، # مع ذلك عفوا يا سادة، # لا تقفوا، وامضوا في صمت. ~~(يرجع الجميع إلى أماكنهم ويواصلون ~~الشرب ولعب البلياردو.) # الرجال ~~: # عذرا يا سادة، # في العادة، # من يلزم مأواه البائس # لا ينفق في اليوم الواحد # دولارا أو دولارين، # لو أسرف دولارا خامس. # أما إن كان له زوجة # فالخمسة تكفي وزيادة. ~~••• # في أرخص ناد قد جلسوا، # والحظ موات والأنس، # والمكسب شيء مضمون. ~~(يخبطون بأقدامهم على ~~الإيقاع.) # مع ذلك هل كسبوا شيئا؟ ~~(يتوقفون عن الخبط بأقدامهم ويمدون ~~أرجلهم على الموائد. يعبر بعض الرجال مقدمة المسرح ~~متجهين إلى خلفيته وهم ينشدون): # تذكروا، # تذكروا الكلام. # في البدء يأتي الأكل والطعام، # وثانيا العشق والغرام، # تتلوهما الملاكمة! # والشرب - طبق العقد - والمنادمة. # لكنما المهم والأهم يا رجال # تذكروا على الدوام # واذكروا في كل حال # هنا يباح كل شيء للجميع، # كل شيء عندنا حلال. # 17 ms66 ~~(باول أكرمان في الأغلال. الوقت ليلا.) # باول ~~: # عندما تصفو السماء # يبتدي يوم لعين، # والسماء الآن ما زالت # ظلاما في ظلام. ~~••• # يا ليت ليلي يدوم، # والصبح لا يطلع؛ # أخشى أن يصلوا الآن؛ # الحارس والسجان، # ويحيط بي الأوغاد، # وأسلم للجلاد. ~~••• # يا ليت ليلي يدوم، ~~••• # يا أيها المسكين، # يا كهلي الحزين، # قد ضاعت السنين # والعمر في ثوان. ~~••• # فاحش به الغليون # وانفثه كالدخان؛ # فكل ما قد فات # قد انقضى ومات، # وما تبقى الآن # سيختم الأحزان؛ # فاحش به الغليون # وانفخه كالدخان. ~~••• # يا ليت ليلي يدوم، # والصبح لا يطلع. ~~••• # والسماء الآن مازالت ظلاما في ظلام. ~~(ينتشر الضوء.) # ليته لا ينجلي كي لا أرى اليوم اللعين. # 18 # لم تكن المحاكم في ماهاجوني بأسوأ منها في غيرها. ~~(خيمة المحاكمة. مائدة وثلاثة كراسي، وهيكل ~~حديدي صغير على شكل مسرح دائري - يشبه قاعات العيادات الجراحية - ~~يجلس فيه جمهور النظارة الذين يقرءون الصحف، ويمضغون اللبان ~~ويدخنون. الأرملة بيجبيك تقوم بدور القاضي، بينما يتولى فيللي ~~مهمة الدفاع. رجل يدعى توبي هيجنز يجلس في جانب على الأريكة ~~المخصصة للمتهمين.) # موسى ~~(الذي يتولى الادعاء، في مدخل ~~الخيمة) ~~: # هل حصل كل المتفرجين على التذاكر؟ بقيت ثلاثة أماكن ~~خالية، الواحدة بخمسة دولارات. ثلاث قضايا مهمة، والتذكرة ~~بخمسة دولارات. خمسة فقط يا حضرات، لنسمع كلمة العدالة. ~~(لا يأتي أحد، فيرجع لمكانه أمام منصة ~~الادعاء.) ~~: ~~(وأثناء الخطبة السابقة لممثل الادعاء ~~يدور صراع صامت ويائس بين المتهم والأرملة بيجبيك. وقد أفهم ~~المتهم هيئة المحكمة عن طريق رفع أصابعه إلى أعلى بمقدار ~~المبلغ الذي يعلن عن استعداده لدفعه؛ بينما تحاول الأرملة بنفس ~~الطريقة أن ترفع المبلغ الذي يعرضه، وقد عبر التردد الذي ~~أبداه ممثل الادعاء مع نهاية خطبته السابقة عن أقصى حد وصل ~~إليه عرض المتهم بعد المفاوضات الصامتة مع المحكمة.) # بيجبيك ~~: # طلب الدفاع؟ # فيللي ~~: # من هو المتضرر؟ ~~(صمت.) # الرجال ~~(وهم المتفرجون في المكان الذي ~~وصفناه) ~~: # الموتى لا يتكلمون. # بيجبيك ~~: # طالما أن المتضرر لم يعلن عن نفسه، فنحن مضطرون ~~للحكم ببراءته. ~~(ينتقل المتهم إلى مكان المتفرجين.) # موسى ~~(يستأنف القراءة من ms67 ملف ~~الاتهام) ~~: # ونصل إلى قضية باول أكرمان المتهم بالسرقة ~~والابتزاز. ~~(يظهر باول مقيدا بالأغلال ويقوده ~~هينريش.) # باول ~~(قبل الجلوس على أريكة ~~المتهمين) ~~: # هيني، أرجوك! # هبني، من فضلك # مائة دولار؛ # كي ينظر في أمري الآن # كإنسان. # هينريش ~~: # باولي # أنت قريب مني، # لكن نقودي شيء آخر # مختلف عني. # باول ~~: # هيني، أولا تتذكر # صحبتنا # في غابات ألاسكا؟ # وشتاء السنوات السبع # ونوبات البرد؟ # كيف قطعنا الأشجار سويا؟ # هيني، # اذكر تلك الأيام # وهبني مائة دولار. # هينريش ~~: # باولي، # أيام ألاسكا # في ذاكرتي # وشتاء السنوات السبع # ونوبات البرد. # قطع الأشجار سويا، # والكد لجمع الأموال. # ولهذي الأسباب جميعا # لن أعطيك المال. # موسى ~~(لباول) ~~: # أنت متهم بالامتناع عن دفع ثمن الويسكي والعمود الذي ~~استوليت عليه من المخزن. # لم يسبق أن ارتكب إنسان مثل هذا الفعل البشع الفظ لقد ~~جرحت كل الأحاسيس البشرية بغير حياء، فارتفعت من العدالة ~~المهانة صرخة القصاص. لهذا أطالب، أنا مرافع الاتهام، بأن ~~تأخذ العدالة مجراها. ~~(لم ينتبه باول - أثناء خطبة الاتهام - إلى ~~الإشارات التي ترسلها الأرملة بيجبيك بإصبعها.) ~~(بيجبيك وفيللي وموسى يتبادلون نظرات لها ~~مغزاها.) # بيجبيك ~~: # حسن. فلنبدأ فورا، # أفتتح التحقيق العام # ضدك يا باولي أكرمان؟ # التهمة أنك أغويت فتاة # باسم جيني سميث # بعد وصولك لماهاجوني، # أنك أجبرت المسكينة كرها # أن تستسلم لك # من أجل المال. # فيللي ~~: # من المتضرر؟ # جيني ~~(تتقدم لهيئة المحكمة) ~~: # أنا جيني سميث ~~(همس بين صفوف النظارة.) # بيجبيك ~~: # وقت الشدة في ماهاجون # ليلة زحف الطيفون، # وعد الناس الأنفاس # غنيت أغاني فاحشة # وانعدم لديك الإحساس. # فيللي ~~: # من المتضرر؟ # الرجال ~~: # لم يعلن أحد عن نفسه # لم يشك إليكم إنسان. # معناه بصيص من أمل # في العدل يا باولي أكرمان. # موسى ~~(مقاطعا كلامهم) ~~: # مع ذلك في نفس الليلة # يتعمد هذا المأفون # أن يلعب دور الإعصار # ويروع أمن ماهاجون. # الرجال ~~: # برافو، يحيا باولي # هينريش ~~(يهب واقفا على المنصة) ~~: # هذا الحطاب الطيب # من غابات ألاسكا # سن قوانين اللذة والحرية، # كشف الدستور الخالد # لسعادة جنس البشرية، # وسعادتكم أنتم # أهل ماهاجوني. # الرجال ~~: # ولذلك نرفع صوت الحق # نطالب ببراءة باولي أكرمان، ms68 # هذا الحطاب الطيب من غابات ألاسكا # من غابات ألاسكا # رمز النخوة والصدق. # هينريش ~~: # باولي، # من أجلك أفعل هذا # ولأني أذكر أيام صبانا # في غابات ألاسكا، # وشتاء السنوات السبع، # ولذع البرد القارص # إذ نقتطع الأشجار سويا. # باول ~~: # هيني، هيني، # صاحبي وقرة عيني # ما قد قدمت لأجلي # قد ذكرني بألاسكا # بشتاء السنوات السبع، # وبالبرد القارص # وبقطع الأشجار سويا. # موسى ~~(يضرب المنضدة بيده) ~~: # من غابات ألاسكا # وحضيض البؤس # سلم للموت صديقا # في لعب البوكس؛ # كي يكسب مالا جما. # هينريش ~~(ينتفض واقفا) ~~: # أنا أسألكم يا محكمة العدل # من قتل صديقه؟ # الأرملة بيجبيك ~~: # من قتل المدعو # ذئب ألاسكا-جو؟ # موسى ~~(بعد فترة صمت) ~~: # شيء مجهول # لا تعرفه محكمة العدل. # هينريش ~~: # لم يتطوع أحد # ممن وقفوا حوله # كي يفديه بماله، # لما رهن حياته # في وسط الحلبة # إلا الواقف في القفص الآن # باولي أكرمان. # الرجال ~~(بالتبادل) ~~: # ولذلك نطلب أن يشنق باولي أكرمان. ~~- بل يتحتم تبرئته. ~~- هذا الحطاب الطيب # من غابات ألاسكا. ~~(الرجال يصفقون ويصفرون.) # موسى ~~: # والآن إلى صلب التهمة: # طلبت ثلاث زجاجات «ويسكي» # وأخذت عمودا من خشب البار # وكأنك في غمرة سكرك # تعبث بعمود كالصاري. # أسألك فأخبرني حالا # أنت المتهم أكرمان: # كيف سمحت لنفسك # ألا تدفع كشف حسابك؟ # باول ~~: # لا مال لدي. # الرجال ~~(بالتبادل) ~~: # لا مال لديه. ~~- يرفض أن يدفع كشف حسابه. # يسقط باولي أكرمان! ~~- يسقط باولي! # الأرملة بيجبيك ~~: # لكن من وقع عليه الضرر # من المجني عليه؟ ~~(الأرملة بيجبيك وفيللي وموسى ينهضون ~~واقفين.) # الرجال ~~: # ها هم يقفون هناك # من وقع الضرر عليهم. # فيللي ~~: # محكمة العدل! # ننتظر الحكم! # الأرملة بيجبيك ~~: # بالنظر لحالتك الضنك # لا مانع عند المحكمة # من الشفقة بك. # ثبتت تهمتك، # ونصدر هذا الحكم عليك # يا باولي أكرمان. # موسى ~~: # فبسبب القتل بلا إصرار أو عمد # لصديقك ذئب ألاسكا-جو. # الأرملة بيجبيك ~~: # صدر الحكم بحبسك يومين. # موسى ~~: # ولأنك أزعجت الأمن # وعكرت الصفو. # الأرملة بيجبيك ~~: # صدر الحكم بتجريدك من شرفك # ولمدة عامين. # موسى ~~: # ولأنك أغويت فتاة تدعى جيني سميث. # الأرملة بيجبيك ~~: # قضت المحكمة بحبسك أربع سنوات # مع وقف نفاذ الحكم. # موسى ms69 ~~: # وبسبب صياحك ليلة زحف الإعصار # بأغاني الفحش الممنوعة. # الأرملة بيجبيك ~~: # قضت المحكمة بسجنك عشر سنين # لكن يا باولي أكرمان # ولأنك ترفض أن تدفع # ثمن ثلاث زجاجات # وعمود الصاري # من خشب البار # حكم عليك حضوريا بالإعدام. # الأرملة بيجبيك وفيللي وموسى ~~: # بسبب الفقر! # أعظم جرم يرتكب # على ظهر الأرض # وفي البر أو البحر. ~~(عاصفة من التصفيق.) # 19 # إعدام باول أكرمان وموته. قد يستنكر القراء أو المشاهدون ~~إعدام باول أكرمان في المنظر التالي. ولكنهم في رأينا لم يكونوا ~~ليتبرعوا بدفع الحساب عنه. هكذا بلغ احترام المال في عصرنا. ~~(في الخلفية تظهر على شاشة العرض صورة لمدينة ~~ماهاجوني التي تغمرها الإضاءة الناعمة. يتجمع حشد كبير من الناس في ~~مجموعات. يرفع الرجال قبعاتهم عندما يمر باول عليهم ومعه موسى ~~وجيني وهينريش. إلى اليمين ينشغل العمال بإعداد الكرسي ~~الكهربائي.) # موسى ~~(لباول) ~~: # رد السلام! # ألست ترى أنهم أقرءوك السلام؟ ~~(باول يحيى الناس.) # أنه مشاغل دنياك الآن # وعلى الفور # فالسادة ممن قد حضروا # لوداعك ومشاهدة سقوطك # لم يبدوا الرغبة في معرفة خصوصياتك. # باول ~~: # جيني # وحبيبة قلبي # الآن سأمضي، # كانت أيامي معك جميلة، # والخاتمة جميلة. # جيني ~~: # باولي حبيبي، # أنا أيضا عشت بقربك # أجمل أيام حياتي، # لا أعرف كيف يكون # مصيري بعدك. # باول ~~: # صدقيني # إن أمثالي في الدنيا كثير. # جيني ~~: # ليس هذا بصحيح. # ضاع عمري وانطوت تلك السنين # ذاك ما أعلمه علم اليقين. # باول ~~: # أو لم تضعي الثوب الأبيض # مثل الأرملة الثكلى؟ # جيني ~~: # حقا. أنا أرملتك. # أبدا لن أنسى حبك # حين أعود لفتياتي. # باول ~~: # جيني # أعطيني قبلة. # جيني ~~: # باولي، قبلني. # باول ~~: # لا تنسيني بالمرة! # جيني ~~: # بالتأكيد. # باول ~~: # أرجوك الصفح. # جيني ~~: # عن ماذا؟ # باول ~~: # جيني، أعطيني قبلة. # جيني ~~: # باولي، قبلني. # باول ~~: # والآن سأعهد بك # لصديقي هيني # آخر وأعز صحابي # من غابات ألاسكا. # هينريش ~~: # وداعا باولي. # باول ~~: # وداعا هينريش. ~~(يتجهون إلى مكان الإعدام.) # بعض الرجال ~~(يمرون بهم وهم يقولون بعضهم ~~لبعض) ~~: # تذكروا، # تذكروا الكلام. # فأولا يجيء الأكل والطعام، # وثانيا العشق والغرام، # تتلوهما الملاكمة. # ورابعا - وطبق العقد - # يأتي الشرب والمنادمة! ~~(باول يتوقف في ms70 مكانه ويتابعهم ~~بنظراته.) # موسى ~~: # في نفسك شيء آخر؟ # باول ~~: # أنويتم حقا إعدامي؟ # الأرملة بيجبيك ~~: # طبعا شيء عادي. # باول ~~: # أولا تخشون الله؟! # الأرملة بيجبيك ~~: # ماذا قلت؟ # باول ~~: # قلت إله! # بيجبيك ~~: # آه! لم آخذ بالي! # ولدينا رد لسؤالك # سنعيد أمامك # عرض إله أسطوري # هبط مدينة ماهاجوني، # أما أنت فتجلس فوق الكرسي! ~~(يتقدم أربعة رجال مع جيني ويعرضون أمام ~~باول أكرمان قصة الإله الأسطوري في ماهاجوني.) # الرجال الأربعة ~~: # في صبح يوم كئيب # ونحن نشرب «جين» # أتى إله عجيب # يزور ماهاجون. ~~••• # ونحن نشرب «جين» # شفناه في ماهاجون. # موسى ~~(الذي يمثل دور الإله الخرافي، ينفصل ~~عن الباقين ويتقدمهم إلى الأمام وقد غطى وجهه ~~بالقبعة) ~~: # أتطفحون جميعا # من غلتي وشعيري، # وما حسبتم حسابي # ولا انتظرتم حضوري، # فهل ترى للقائي # أنتم على استعداد؟ # جيني ~~: # رجال ماهاجون # تبادلوا النظرات # قالوا له آمين # رجال ماهاجون. # الرجال الأربعة ~~: # في صبح يوم كئيب # ونحن نشرب «جين» # أتى إله عجيب # يزور ماهاجون ~~••• # ونحن نشرب «جين» # شفناه في ماهاجون. # موسى ~~: # ويوم عطلتكم # لعبتمو وضحكتم # رأيت «ماري ويمان» # هناك كالعادة # تعوم في البركة # كأنها سمكة # خرساء مرتبكة # ولن تجف بتاتا # يا أيها السادة. # جيني ~~: # تبادلوا النظرات # رجال ماهاجون # قالوا له آمين # رجال ماهاجون. # الرجال الأربعة ~~(كأنهم لم يسمعوا شيئا) ~~: # في صبح يوم كئيب # ونحن نشرب «جين» # أتى إله عجيب # يزور ماهاجون. ~~••• # ونحن نشرب «جين» # شفناه في ماهاجون. # موسى ~~: # أتنكرون الصادقين # من دعاتي المخلصين؟ # أتقتلون بالرصاص أفضل المبشرين؟ # وتطلبون أن أراكم # تشربون، تسكرون # وتحلمون بالدخول # في جنان الصالحين؟ # جيني ~~: # تبادلوا النظرات # رجال ماهاجون # قالوا له آمين # رجال ماهاجون. # الرجال الأربعة ~~: # في صبح يوم كئيب # ونحن نشرب «جين» # أتى إله عجيب # يزور ماهاجون # ونحن نشرب «جين» # شفناه في ماهاجون. # موسى ~~: # هيا إلى الجحيم # للنار أجمعين، # وأطفئوا السيجار، # وظهركم للبار، # وامشوا إلى الجحيم، # يا أيها الأولاد # للنار والغسلين # يا أيها الأوغاد. # جيني ~~: # تبادلوا النظرات # رجال ماهاجون # قالوا له: لا، لا. # رجال ماهاجون. # الرجال الأربعة ~~: # في صبح يوم كئيب # ونحن نشرب «جين» # تأتي إلى ماهاجون # ونحن نشرب «جين» ms71 # حذار يا أصحاب # لا تنقلوا قدما # وغلقوا الأبواب، # وأعلنوا الإضراب، # والثورة العظمى، # لا لن تجر واحدا من شعره إلى الجحيم؛ # لأننا عشنا الحياة في العذاب والجحيم. # جيني ~~(تنادي من مكبر للصوت) ~~: # تبادلوا النظرات # رجال ماهاجون # قالوا له لا، لا. # رجال ماهاجون. # باول أكرمان ~~: # ها أنا ذا أكتشف الحقيقة عندما وطئت قدماي أرض هذه ~~المدينة لأشتري السعادة بالمال، كنت قد أصدرت قرار سقوطي ~~وختمته بخاتمي. وها أنا أجلس هنا ولم أجن شيئا. أنا الذي ~~كنت أقول على كل إنسان أن يقتطع لنفسه شريحة من اللحم بأي ~~سكين يتوصل إليها. لكن اللحم كان فاسدا، والسعادة التي ~~اشترتيها أبعد ما تكون عن السعادة، والحرية من أجل الربح ~~والمال لم تكن من الحرية في شيء. أكلت ولم أشبع، شربت ~~وازددت عطشا. أتوسل إليكم. أعطوني كوبا من الماء. # موسى ~~(وهو يطرق رأسه بالخوذة فجأة) ~~: # انتهى كل شيء. # 20 # ووسط الاضطراب المتزايد والغلاء وعدوان الجميع على الجميع، تظاهر ~~الباقون على الحياة في مدينة الشباك في الأسابيع الأخيرة دفاعا عن ~~مثلهم العليا - كأنهم لم يتعلموا شيئا. ~~(تشاهد على شاشة العرض في عمق المسرح صورة ~~ماهاجوني التي تشتعل فيها النيران. ثم تبدأ مواكب المظاهرات التي ~~تتدافع وتختلط بعضها ببعض حتى النهاية.) # الموكب الأول # الأرملة بيجبيك، فيللي ممثل الاتهام وموسى ذو الأقانيم ~~الثلاثة وتابعوهم. المتظاهرون. # يحملون لافتات كتبت عليها هذه الشعارات والعناوين: # لأجل الغلاء # لصراع الكل مع الكل، # لحالة الفوضى في مدننا، # لاستمرار العصر الذهبي # فهذه مدينة الجمال # ماهاجون. # وكل ما صوره الخيال # من جنون # من زينة الحياة والمتاع، # ما دام في جيوبكم أموال # فكل شيء كل شيء يشترى بالمال # وكل شيء سلعة تباع. # الموكب الثاني # المتظاهرون يحملون لافتات كتبت عليها هذه العناوين: # لأجل الملكية، # ولتجريد الغير من الملكية، # للتوزيع العادل للخيرات العلوية، # والتوزيع الظالم للخيرات الأرضية # للحب # لأجل شراء الحب وبيعه، # للفوضى الفطرية للأشياء # لاستمرار العصر الذهبي. ~~••• # ونحن لا نحتاج للإعصار، # ونحن لا نحتاج للطيفون؛ # فكل ما يجلبه الإعصار من دمار، # وكل ما يحدثه الطيفون من جنون، # ورعبه ms72 والهول # نحدثه بالفعل! # الموكب الثالث # المتظاهرون يحملون لافتات كتب عليها: # لأجل حرية الأغنياء، # للشجاعة ضد العزل، # لشرف القتلة، # لمجد القذارة، # لخلود الحقارة، # لاستمرار العصر الذهبي؛ ~~••• # لأنه كما يوسد الإنسان نفسه ينام، # ولن يغطيك سواك أو يقيك لفح البرد والظلام. # وإذا داس أحد # فأنا هذا الهمام، # وإذا ديس أحد # فهو أنت في الرغام. # الموكب الأول # يرجع بلافتاته السابقة: # وهذه المدينة اللعوب # مقفرة تكون أو خراب # إن أقفرت من مالها الجيوب. ~~••• # فكل شيء يشترى بالمال أو يباع، # وليس للفقير غير الذل والضياع، # ولذاك كان المال وحده # للمرء عدته وسنده. # الموكب الرابع ~~(فتيات يحملن مخدات صغيرة عليها ساعة يد ~~ومسدس ودفتر شيكات باول أكرمان، وعمودا خشبيا ربط فيه ~~قميصه.) # يا قمرا يضيء ألاباما # لا بد أن نقول جود باي. ~~••• # نحن فقدنا أمنا العجوز ماما، # والآن لا بد من الدولار. ~~••• # آه لا تسأل لماذا # أنت أدرى بالجواب! # الموكب الخامس ~~(المتظاهرون يحملون جثة باول أكرمان. ترتفع ~~وراءهم لافتة كتب عليها: «لأجل العدالة».) # يمكننا أن نحضر خلا؛ # كي نمسح وجهه، # أو نحضر أيضا كماشة؛ # كي ننزع منه لسانه، # لن يمكننا أن نصنع للميت شيئا. # الموكب السادس ~~(المتظاهرون يحملون لافتة صغيرة كتب ~~عليها: «لأجل الغباء».) # قد يمكن أن نتحدث معه # أو نزعق فيه، # يمكن أن نتركه فوق فراش الموت، # أو نأخذه معنا للبيت، # لن يمكننا أن نصدر للميت أمرا. ~~••• # يمكن أن نضع المال بكفه، # أو يمكننا أن نحفر حفرة # نحشره فيها ونهيل ترابا، # أو بالجاروف نحطم رأسه. # لن نقدر أن نصنع للميت شيئا # أو نقف بصف الموتى. # الموكب السابع ~~(لافتة هائلة الحجم كتب عليها: «لاستمرار ~~العصر الذهبي».) # يمكننا الحديث عن عصوره العظيمة. # يمكننا نسيانه وعصره العظيم. # لن نقدر أن نصنع للميت شيئا، # أو نصبح في عون الموتى. ~~(مواكب لا آخر لها في حركة مستمرة.) # جميع المواكب # لكن # لن يمكننا أبدا # أن ننقذ أنفسنا # أو ننقذكم # أو ننقذ أحدا! ms73