######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.MasrahMalhami.Hindawi95314142 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 95314142 #META# Title: المسرح الملحمي #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المسرح الملحمي‏ # المسرح الملحمي‏ # | المسرح الملحمي # | المسرح الملحمي # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | المسرح الملحمي # أليس في عنوان هذا الكتيب قدر من التعسف نحس فيه شيئا من التناقض؟ وإن نحن ~~غيرنا فيه قليلا فجعلناه «الدراما الملحمية»، أفلا يثير في نفوسنا مع ذلك شيئا من ~~الغرابة؟ # الدراما - كما يعرف القارئ وكما يعلمنا الفعل اليوناني الذي اشتقت منه - هي الفعل. ~~وهي فعل مباشر في الزمن الحاضر، تام في ذاته، ينمو بين بدايته ونهايته نموا عضويا ~~على هيئة مناجاة (مونولوج) أو حوار (ديالوج)، لا عن طريق الكلمة التي تؤثر على الخيال، ~~بل عن طريق حدث أو تيار من الأحداث يجري على خشبة مسرح، ويدعو المتفرج للغوص في ~~لجته. # أما الملحمة فهي نوع آخر من أنواع التعبير الأدبي الرئيسة، يمتد امتدادا موغلا ~~في المكان والزمان، ويصور صراع الآلهة والأبطال بلغة شاعرية فخمة. وسواء أكانت ~~الملحمة شعبية أم فنية، فقد وجدت عند كل الشعوب، وكانت أقدم أشكال القصة وأشملها ~~وأوفرها حظا من الجلال؛ فكيف يمكن الجمع بين هذين النوعين المستقلين؟ وكيف يمكن ~~التوفيق بينهما على الرغم مما بينهما من اختلاف في البناء والأسلوب والحركة في المكان ~~والزمان؟ # لا شك أن القارئ يعرف هذا المصطلح، ولا شك أنه اطلع على بعض نماذجه أو شاهدها على ~~المسرح. ولعله قد ارتبط في ذهنه باسم واحد من أعظم كتابه في الثلث الثاني من هذا القرن، ~~وهو الشاعر الكاتب المخرج الألماني برتولت برشت (1898-1956م) الذي حدد المصطلح ودعمه ~~بكتاباته النظرية. ولعله أيضا قد قرأه على نحو آخر؛ لأن صاحبه يصفه بأوصاف أخرى كالمسرح ~~العلمي أو الجدلي أو غير الميتافيزيقي أو غير الأرسطي أو مسرح الاحتجاج ... ولكن المسرح ~~الملحمي قديم قدم المسرح الغربي كله، وجذوره ممتدة في تاريخ هذا المسرح، وبعض عناصره ~~نجدها في المسرح الشرقي والصيني بوجه خاص وفي كثير من ظواهر «المسرحة» في الحياة الشعبية ~~والأدب الشعبي عندنا وعند غيرنا من الشعوب، كما أن مسرح برشت ليس هو المسرح الملحمي الوحيد؛ ~~فهناك مسرح يول كلوديل المعاصر له، وهناك جوانب ملحمية ms01 كثيرة نلمسها لدى كبار الكتاب ~~المحدثين من أصحاب المسرح الشعري والمسرح الحي ومسرح اللامعقول والمسرح التسجيلي أو ~~مسرح الوثائق ومسرح التجارب اللغوية (عند بيتر هاندكه) ... إلخ. وإذا كان برشت هو الذي حدد ~~هذا المصطلح وأثراه بأعماله الفنية والنقدية في إطار النظرية الاشتراكية، فهو في الحقيقة ~~يصف به بناء دراميا لم يخترعه من العدم، وإنما وجدت الدراما الملحمية أو غير الأرسطية ~~خلال الدراما الغربية وعلى مر العصور، كما أن محاولة الفكاك من النظرية الأرسطية ~~المشهورة لم تتوقف منذ عهد التراجيديا اليونانية نفسها حتى يومنا الحاضر. وإذا كان من ~~العسير علينا في هذا المجال أن نناقش هذه القضايا الكثيرة، فلا أقل من إلقاء نظرة تاريخية ~~عليها؛ لنتبين ملامح الدراما غير الأرسطية وآثارها والجهود التي بذلت للوصول بها إلى ~~التجارب الجديدة التي ما زالت تشق طريقها وتبحث عن أنسب شكل لها. ~~••• # ما زالت الدراما الغربية منذ عهد الرومان خاضعة لتأثير أمها الأولى (وهي التراجيديا ~~الإغريقية)، وما زالت واقعة تحت تأثير النظرية الفنية الفريدة التي ورثناها عنها، وهي ~~النظرية الواردة في كتاب الشعر لأرسطو. ويبدو أن اسم المعلم الأول لا بد أن يظهر في كل ~~نقاش يدور حول نظرية الدراما قديمها وحديثها، وأن التشبث بقواعده أو الثورة عليها هما في ~~الحالتين اعتراف بفضله وسلطانه! فقد دخلت الأجيال على مر العصور في حوار مع نظريته ~~المشهورة (التي أشار إلى بعض أسسها أو استخلصها النقاد من كلامه الموجز وأجملوها في ~~الوحدات الأساس المعروفة كالمكان والزمان والحدث، وعلية التسلسل والاتساق في الفعل ~~المسرحي، وتشابك المشاهد وتداخلها، والأزمة والصراع أو العقدة التي تنتهي بالحل والتكشف). ~~وتمسكت بعض الأجيال بالنظرية، وخرج عليها بعضها الآخر وأخذ يفسرها ويعدل فيها أو ~~يخالفها ويثور عليها متأثرا بمسرح شكسبير (وهو مسرح غير أرسطي بالأصالة ...) وهذا كله ~~أمر طبيعي؛ فلكل عصر مسرحه. وكل عصر ينتظر من المسرح شيئا يخالف العصر السابق أو اللاحق. ~~وقد لا نظلم الحقيقة إذا قلنا إنه كانت هناك على الدوام نظرية أخرى غير أرسطية في بناء ~~الدراما، ظهرت بصورة واضحة ms02 في العصور الوسطى المسيحية عندما كتبت المسرحيات الدينية ~~المعروفة بتمثيليات الأسرار، كما ظهرت في العصر الحديث لتثور على نظرية أرسطو عن قصد ~~ووعي في بعض الأحيان، أو عن ضرورة اقتضتها المادة الحديثة والمضمون الجديد في أحيان أخرى. ~~وكلامنا عن الدراما غير الأرسطية لا يعني أنها تعارض تلك معارضة تامة؛ فقد تلتقيان في بعض ~~النقاط، ولكنها تغض النظر عن المكان والزمان ولا تخضع لعلية التسلسل، كما نجد أن بناء ~~المشاهد والمناظر يسير على مبدأ التجاور بحيث تستقل في وحدات قائمة بنفسها، وبحيث يتسع ~~أفق الدراما فيكون رحبا شاملا أقرب إلى أفق الملحمة. # ونحن نشير بهذا الكلام عن الملحمة والدراما إلى مشكلة من أدق المشكلات التي عرضت للنقد ~~الحديث وهي مشكلة الأنواع الأدبية. ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نتعرض لها بالتفصيل في ~~هذا المجال. ولكننا نلاحظ بوجه عام أن المناقشات الطويلة التي دارت ولا تزال دائرة حولها ~~قد سارت في طريقين. أحدهما يتابع تراث النقد المعياري وينظر إلى الأنواع الأدبية نظرة ~~ثابتة مطلقة، والآخر ينظر إليها نظرة جدلية متأثرا بفلسفة هيجل الذي أدخل التفكير ~~التاريخي والجدلي على علم الجمال مما أدى إلى التوحيد بين الشكل والمضمون والنظر إلى ~~الأنواع الأدبية نظرة تاريخية تخضعها للتطور الذي يسري على المجتمع والفكر والوجود. ولعل ~~الرسائل الرائعة التي تبادلها الشاعران الكبيران جوته وشيلر أن تكون أهم وثيقة أدبية ~~سجلت الأزمة الدائرة حول مشكلة الأنواع الأدبية. وعبرت عن الآلام التي كابداها في ~~أعمالهما المتأخرة (مثل فاوست لجوته، وعذراء أورليانز أو جان دارك لشيلر، ومسرحياته الأخيرة ~~التي تركها بغير أن تتم). لقد حاولا المحافظة على الشكل الموروث والقواعد الأرسطية التي ~~التزما بها أو رغبا على الأقل في الالتزام بها. ولكنهما وجدا أنفسهما مع ذلك مدفوعين دفعا ~~إلى الخروج عليها، بحيث اقتنعا في النهاية - كما يقول شيلر في رسالة إلى صاحبه بتاريخ 26 من ~~يوليو سنة 1800 - بأن الشاعر يجب ألا يتقيد بفكرة عامة، وإنما يجب عليه، وهو يواجه ~~المادة الجديدة، أن يغامر بالبحث عن الشكل الجديد ويجعل فكرة ms03 النوع الأدبي فكرة مرنة ... وقد ~~أدت بهما هذه المناقشة إلى الاشتراك في كتابة بيان هام عن «الأدب الملحمي والأدب ~~الدرامي» حددا فيه طبيعة كل منهما، وذهبا إلى ضرورة امتزاجهما وتداخلهما؛ الأمر الذي ~~نلمسه كما تقدم في «فاوست» التي تعد في الواقع قصيدة ملحمية كبيرة اختفى منها عنصر ~~التوتر الدرامي أو كاد، وأصبح حلقة واحدة من حلقات متصلة تؤلف بينها رؤية متزنة ~~شاملة للكون والإنسان والمصير. ~~••• # لنحاول الآن أن نتبين بعض ملامح البناء غير الأرسطي في الدراما الغربية. ولا مناص لنا ~~من البدء بالسؤال عن أصل التراجيديا. وهو موضوع لا يزال يحيط به الغموض ويثور حوله الجدل. ~~ولعلنا لن نصل فيه إلى جواب يقيني حتى يتم الكشف عن نصوص مسرحية كتبها مؤلفون سابقون ~~على الشعراء الإغريق المعروفين. والشيء المؤكد على كل حال هو أن الشكل الأرسطي ~~للتراجيديا قد جاء نتيجة تطور تم في مرحلة متأخرة، وأن هذه التراجيديا قد نشأت عن روح ~~الموسيقى، كما يقول نيتشه في كتابه المعروف عن مولد التراجيديا. # كانت التراجيديا ذات طابع طقوسي تعبر عنه بالرقص والموسيقى. وكانت هذه الطقوس تتم ~~في صورة إنشاد متبادل بين الكورس (الجوقة) وقائده الذي يجسد الإله أو البطل. وارتبطت ~~هذه الطقوس بعبادة ديونيزيوس، رب الخمر والنشوة، التي بلغت أوجها في القرن السادس قبل ~~الميلاد، ثم دخلت الكلمة المنطوقة لأول مرة - ويروى أن ثيسبيس هو الذي فعل هذا! - ~~فجعلت المنشد الذي كان يقوم بالرد على الكورس هو المتحدث الوحيد، كما وضعت بذلك أول ~~حجر في البناء الدرامي ... # كانت التراجيديا القديمة احتفالا طقوسيا لا يمكننا أن نصفه بأنه تراجيدي إلا على ~~سبيل التجاوز أو على سبيل المجاز. فقد كانت هذه الطقوس تحتوي على عناصر شعبية وديونيسية ~~توضع بعضها بجوار بعض في حرية وبغير تقيد بموضوع أو غرض معين. ثم استخدمت بعد ذلك ~~- على نحو ما يروي أرسطو - موضوعات من الأساطير كيفما اتفق أو كيفما أحب الناس. حتى إذا ~~جاء الشعراء المتأخرون اختيرت أساطير يمكن أن توصف بأنها تراجيدية. وبدأت مع إيسخيلوس - ~~الذي أدخل ms04 الممثل الثاني - مرحلة يمكن أن نسميها «درامية» تمثلت في تبادل الحوار ~~والأخذ والرد واستغراق الكورس في تأملاته الطويلة. ولو نظرنا إلى «الفرس» لإيسخيلوس ~~لوجدناها خالية من أي حدث مسرحي؛ فنحن نسمع أخبار المعركة وهي تروى أمامنا، فترد ~~عليها الشخصيات والكورس بالتفجع والشكوى. الحدث إذا غير مرئي، والدراما - إن جاز لنا أن ~~نستخدم هذه الكلمة للدلالة على نوع أدبي معين - تقوم على عناصر ملحمية وغنائية ~~تؤلف في مجموعها أحد الطقوس التي أشرنا إليها. ونفس الشيء ينطبق على مسرحيته الأخرى ~~«السبعة ضد طيبة». # هذه العناصر الملحمية الغنائية التي أخذت تقل لمصلحة الحدث الدرامي - في مسرحيات ~~سوفوكليس ومسرحيات إيسخيلوس المتأخرة - لم تختف بعد ذلك ولم تنقطع عن القيام بدورها. فقد ~~ظلت رواية الخبر وظل التأمل الشاعري عنصرين أساسين من عناصر الدراما. ومن يقرأ كتاب ~~نيتشة السابق الذكر يجد كيف شاعت الجوانب الملحمية في أعمال يوريبيدز، وكيف ربط نيتشه هذه ~~الملحمية بما سماه التنوير السقراطي الذي جعله علامة على ضمور التراجيدية أو الديونيسية ~~الأصلية وظهور المرحلة «الأبولونية» أو العقلانية التي كانت بداية انحلال الروح اليوناني ~~البطولي وتدهوره ... ~~••• # يبدو أن الدراما الغربية قد ولدت ولادة ثانية عن طقوس العبادات، ونقصد بهذا نشوء ما ~~يسمى بتمثيليات الأسرار في العصور الوسطى عن القداس المسيحي. # كانت الطقوس المسيحية الأولى تصور الأحداث الواردة في الأناجيل الأربعة في صورة ~~رمزية، كموت المسيح بعد العشاء الأخير وصلبه وقيامته. ثم دخلت عليها بالتدريج ألوان من ~~الزخرفة والتمثيل الصامت أو المنطوق. وفي القرن التاسع كانت تتخلل تلاوة نص القداس ~~إضافات نثرية تلقى بطريقة تمثيلية منغمة، كما كانت إشارات القساوسة والرهبان ~~وحركاتهم الرمزية - من مسير إلى الأمام والخلف وتبخير المكان، وتسليم الأكفان تمهيدا ~~للقيام بتمثيلية عيد الفصح - تتزايد شيئا فشيئا وتحفل بألوان من الزينة في الملبس ~~والإشارة للتأثير على جمهور المصلين. ثم دخل عليها نوع من «الدرامية» بإضافة أصوات ~~أخرى لم تكن قائمة من قبل، فانضمت إلى الإنشاد المتبادل بين القسس والمصلين ~~أصوات أخرى تغني على لسان الملائكة والرسل والنساء كل على حدة، وكان ms05 الرهبان والصبية ~~الذين يمثلون الجوقة ينشدون هذه الأدوار من المكان المعد للجوقة. # ثم اتسع الأمر في القرن الرابع عشر عندما أضيفت إلى الأحداث التي تصور عيد الفصح ~~أحداث أخرى مستمدة من الأناجيل، مما أدى بطبيعة الحال إلى زيادة عدد الأشخاص الذين ~~يؤدونها. ولا ينبغي أن يغيب عنا أن هذه النزعة الدرامية المتزايدة كانت تعتمد باستمرار ~~على طقوس القداس التي كانت تقطعها بين الحين والحين تراتيل يتبادلها القسيس ~~والمصلون، وتأملات شاعرية في نصوص الإنجيل أو أناشيد المصلين ... وعلى هذا الأساس ~~الملحمي من نصوص الإنجيل - التي تروى غناء على لسان الرسل وتمثل حركات وإشارات ~~وإيماءات يتخللها حوار بين أشخاص مختلفين - نشأ شكل تمثيلي قريب من الأوراتوريوم ~~المعروف في عصر الباروك. # ويتألف قسم منه من عناصر ملحمية غنائية، وقسم آخر من عناصر درامية تكون في ~~مجموعها تمثيلية غنائية للأصوات الفردية والجوقة بمصاحبة عزف الأرغن أو الأوركسترا، وتقوم ~~في الأصل على نص ديني أضيفت إليه بعد ذلك نصوص دنيوية. وهو من الناحية الموسيقية قريب ~~الشبه بالأوبرا، وإن كانت المشاهد فيه غير منظورة في ~~الغالب. وقد نشأ في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر ~~لمصاحبة قصص الإنجيل والصلوات والأدعية، ومن ~~أهم من وضع أسسه نيري وأنيموشيا وبالسترينا وكافالييري، ثم بلغ الذروة عند «باخ» ~~«الباسيونات أو عذابات المسيح» وهيندل «المسيح» وهايدن «الخلق والفصول». # ولما ازدادت هذه الزخرفة ولم يعد التمثيل مقصورا على القسس والرهبان بل اتسع لسكان ~~المدن وخرج من داخل الكنيسة ليمثل في ساحتها، قويت هذه النزعة الدرامية وحلت ~~اللهجات المحلية محل اللاتينية، كما قام مقام الرسول شخص آخر - كالقديس أوغسطين مثلا - ~~كان يتقدم بين المشهد والآخر ليروي الأحداث، ثم اختفى الراوية أيضا، ولم يقف الأمر عند ~~تمثيل أحداث عيد الفصح، بل أخذ يحيط بحياة المسيح كلها في مشاهد متتالية. وأخيرا أصبحت ~~تمثيلية الأسرار تشمل أحداث العالم كما تتصورها المسيحية، ابتداء من الخطيئة الأولى ~~حتى يوم القيامة والحساب الأخير. # ومع ذلك فقد بقي الطابع الملحمي هو الغالب على تمثيليات الأسرار (على الرغم من اختفاء ~~الراوية) ms06 كما بقي الطابع الطقوسي عن طريق ما كان يدخل على التمثيل من الموسيقى وإنشاء ~~الجوقة. ويجب أن نتصور التمثيل في صورة رمزية. فقد كانت الأحداث التي تدور أمام جمهور ~~المتفرجين معروفة لكل واحد منهم. ولم يكن على التمثيل إلا أن يجسمها لهم ويعمقها ~~في صورة غير واقعية. ولم يكن الممثل يتقمص الشخصية التي يقوم بها، ولم يكن الجمهور ~~ليصدق بالطبع أن الممثل الذي يقوم بدور المسيح هو المسيح نفسه. فالممثل كان يقوم ~~بعدد من الحركات التعبيرية والرمزية المدروسة من قبل. وكان يأتي من الحركات ما يصور ~~للمشاهدين أنه مستغرق في حالة نفسية معينة. ولا يخفى على القارئ أن هذا موقف ~~ملحمي يعتمد على الحكي والرواية، على عكس ما نراه في تقمص الممثل للشخصية التي ~~يؤديها في الدراما التقليدية. # وبلغت مسرحيات الأسرار ذروة الكمال شكلا ومضمونا في ذلك العدد الكبير الذي تركه لنا ~~الشاعر الإسباني «بيدرو كالديرون دي لاباركا» (1600-1681م) من المسرحيات المعروفة بالأوتو ~~ساكر منتال # 1 # أو الفصول المقدسة التي تعبر تعبيرا رمزيا مركزا عن تمثيلية ~~الأسرار بوجه عام كما تنتقل بها نقلة أدبية أساسا. (وقد وصل عددها إلى ثلاث وسبعين ~~مسرحية!) # وتبلورت تمثيليات الأسرار، التي كانت قد تضخمت حتى امتدت فترة عرضها في القرن ~~السادس عشر في مدينة بورج # 2 # الفرنسية مثلا إلى خمسين يوما! وتركزت في فصل واحد طويل يصور ~~العشاء الأخير. وتطور كالديرون بشكلها التقليدي فأدخل عليها الموسيقى وغناء الجوقة، ~~وأضفى عليها الطابع الطقوسي من جديد. ومن ثم كانت مسرحيات كالديرون تصويرا رمزيا أو ~~مجازيا للقداس المسيحي، يدخل فيه عدد كبير من الحكايات والأساطير والقصص الخرافية ~~والاستعارات المستمدة من العهد القديم والجديد، بل تدخل فيه كذلك بعض الأساطير القديمة ~~إلى جانب الصور والأحداث المبتكرة التي تخدم الطقوس التمثيلية في إطار الفصل الواحد. هذه ~~الطقوس التمثيلية المعبرة عن نظام فكري له قداسته تدل - ~~إلى جانب طابعها الكنسي - على طابع ملحمي؛ فلا ~~مجال هنا للكلام عن الجانب التراجيدي والدرامي بالمعنى الذي فهمهما به أرسطو؛ لأن الحركة ~~الدرامية في هذه ms07 التمثيليات تخضع للرؤية الدينية والكونية التي غلبت على العصور ~~الوسطى. # كانت سلسلة التقاليد المسرحية قد انقطعت خلال عدة قرون. صحيح أن رجال الدين في العصور ~~الوسطى عرفوا المسرح الروماني تمام المعرفة. ولكن تأثير هذا المسرح كان تأثيرا نظريا ~~أكثر منه عمليا، كما كان ينحصر في مجال المسرح الهزلي في تمثيليات بلاوتوس ~~وتيرينس. # ولا نريد أن نطيل الوقوف عند هذه النقطة، ونكتفي بالحديث عن نوع من سوء الفهم له أهميته ~~في كلامنا عن المسرح الملحمي الحديث. فقد عرفت العصور الوسطى، كما قدمت، مسرحيات ~~بلاوتوس وتيرينس الهزلية، ولكنها عرفتها كمسرحيات للقراءة؛ أي من ناحيتها الأدبية قبل ~~كل شيء، فلما حاول القوم أن يحققوها بالفعل على المسرح، تصوروا - نتيجة خطأ في ~~الترجمة! - أن من الضروري أن تتلى على لسان شخص يقرؤها، على حين تصور النصوص على ~~المسرح في صورة تمثيل صامت فحسب (بانتوميم). بهذا فصلوا بين الحدث والكلام. ولسوء الفهم ~~هذا أساسه في أصول تمثيليات الأسرار، وهو يتفق مع الموقف العام في العصر الوسيط، كما يتمثل ~~في الطقوس التي كانت تصاحب القداس الكنسي. أضف إلى هذا أن الفصل بين الكلمة والصورة أو ~~بين الراوية الذي كان يتلو النصوص الدينية من مشهد # 3 # أو بيت صغير مستقل عن المسرح وبين الحدث المقدس الذي كان يعرض مستقلا ~~عنه، شيء يتصل بعقلية العصور الوسطى وتصورها، وسوف نلاقيه في المسرح الحديث عندما نرى ~~كيف يتم الفصل بين الكلمة والحدث الذي يجسمها في بعض التمثيليات المعاصرة. # هذا الطابع الملحمي لمسرح العصور الوسطى - الذي نجده في تمثيليات الشاعر والكاتب ~~والإسكافي الألماني هانز زاكس (1494-1576م) التي بلغت حوالي مائتي تمثيلية تعرف ~~بتمثيليات أربعاء الرماد # 4 ~~- ستحتفظ به كذلك تمثيليات الجزويت الكبرى. ربط الجزويت أخبار بعض النفوس ~~الخاطئة وحكاياتها التي كانت تتلى لغرض تعليمي وأخلاقي بكثير من التهاويل والزخارف ~~المسرحية التي أخذوها عن عصر الباروك. ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسرحيتا «أكولاستوس» # 5 # لجنافيوس # 6 # وكينودوكسوس # 7 # ليعقوب بيدرمان # 8 ~~(1578-1639م). ويتمثل الطابع الملحمي في مثل هذه المسرحيات في إغراق المناظر ms08 ~~بكثير من الزخارف والأحداث الجانبية التي لا ضرورة لها ولا تتصل كثيرا بالحدث الدرامي ~~الأساسي. # وظل الأمر على هذه الحال حتى جاء العصر الإليزابيثي حاملا معه وعي عصر النهضة ليجعل من ~~هذا الشكل المعتمد على الحكايات والأخبار المتفرقة شكلا دراميا يتميز بالوحدة والترابط. ~~وهكذا وجدنا البناء الزخرفي، المعقد عند الجزويت، يخلي مكانه لبناء آخر يختار المشاهد ~~ويرتبها بعضها إلى جانب بعض بطريقة يمكن أن نصفها بأنها غير إيقاعية، ويخضع في ذلك لقانون ~~آخر يعنى بقوة الأثر الدرامي المباشر لا مجرد الزخرفة أو تكديس المشاهد التي ترمز إلى ~~معنى ديني أو خلقي معين. وجدير بالذكر أن الحركة الأدبية المعروفة في تاريخ الأدب ~~الألماني بحركة العاصفة والاندفاع أو العصف والدفع # 9 ~~(والتي تؤرخ عادة من حوالي سنة 1767 إلى سنة 1785 وتنادي بإطلاق العبقرية ~~الخلاقة من كل القيود) قد سارت على هذه الطريقة غير الإيقاعية في ترتيب المشاهد ~~متأثرة بمسرح الجزويت ومسرح شكسبير. ويكفي أن يتصفح القارئ مسرحية «جوتس» المشهورة لجوته ~~ليتيقن ذلك. # لن نقف عند هذه المرحلة الطويلة التي تحتاج لتفصيلات أوفى، بل سنتخطاها لمرحلة أكثر أهمية ~~بالنسبة لتتبعنا للظواهر الملحمية التي سبقت المسرح الحديث ومهدت له. وسنجد أن إنتاج ~~الحركة الرومانتيكية في المسرح - ودلالته الأدبية والشعرية أكبر بكثير من دلالته المسرحية - ~~ينطوي على ظاهرة نلاحظ استمرارها في الدراما الملحمية الحديثة من الناحيتين الشكلية ~~والموضوعية، ألا وهي ظاهرة التأمل الذي يوقف الحدث ويكسر حاجز الخيال ويقوم بتبديد ~~الوهم. وأوضح مثل على هذا مسرحية الشاعر الكاتب الرومانتيكي لودفيج تيك (1773-1853م) ~~المعروفة «القط ذو الحذاء»؛ إذ نجد «حدوتة» الأطفال المشهورة تتحول إلى مناسبة لتوجيه ~~النقد والسخرية بحركة التنوير وتكلف كتاب المسرح وغباء الجمهور ... إلخ. ويستمر التحطيم ~~للوهم المسرحي بحيث تبدو مستويات الوهم والواقع المختلفة كأنها مسرح يكشف القناع عن نفسه ~~أو يؤكد أنه ليس إلا مسرحا أو تمثيلا في تمثيل! بهذا يظهر الواقع والتمثيل في صورتين، ~~تبدو إحداهما لدى الممثل الذي يكسر الموقف المسرحي ويخترق الخشبة متجها بحديثه للجمهور، ~~وتبدو الأخرى لدى الجمهور ms09 الذي لا يتوقف عن توجيه تعليقاته أو صفيره للممثلين فيكسر بدوره ~~حاجز الوهم! ومن الصعب القول بأن الأمر هنا يقتصر على تذويب الشكل وحده؛ فالمضمون أيضا ~~يذوب معه، وتصبح المسألة كشفا مستمرا للأقنعة يتعذر تفسيره من الناحية الجمالية ~~الصرفة. ولعل التفسير الذي قدمه جورج لوكاتش لهذه الظاهرة من الناحية التاريخية ~~والاجتماعية أن يكون هو أصح تفسير لها؛ فهو يرى أن الرومانتيكية جاءت في عصر هرب من ~~مواجهة الواقع التاريخي للثورة الاجتماعية؛ ولهذا انقلبت لديه العاطفة إلى نوع من التهكم ~~والمعارضة والسخرية التي تحاول أن تخلق من موقف النفي الذي وقفته لونا من الواقع ~~تعويضا عن الواقع التاريخي الذي هربت منه إلى الخيال. ويزداد هذا التفسير وضوحا إذا ~~ألقينا نظرة على بقية المسرحيات الرومانتيكية، ورأينا كيف يثقل السرد الملحمي والشاعرية ~~الغنائية القائمان على العاطفة والشعور البحت مشاهد هذه المسرحيات وفصولها، بحيث تعطل ~~التأثير المسرحي بل تلغيه إلغاء. وليس مرجع هذا إلى إدخال الراوية - كما في مسرحية تيك ~~الأخرى «حياة وموت القديسة جنيفوفا» - ولا إلى ترتيب المشاهد الكثيرة بعضها بجانب بعض ~~بشكل تاريخي، ولا نثر القصائد والأغنيات هنا وهناك، ولا تغيير المكان والوثب من زمن إلى ~~آخر - فقد تزيد هذه الوسائل جميعا من فاعلية التأثير المسرحي ولا تقلل منه - بل مرجعه ~~إلى أن «الحكاية» في هذه المسرحيات الرومانتيكية تقوم على موقف شعري خالص، بحيث يصبح ~~المكان وسيلة للتناول العاطفي المثالي، كما يصبح الحدث سببا لخلق الموقف الشعري؛ ولهذا ~~كان العنصر السائد في هذا المسرح هو «الجو العام» والمناظر الزخرفية الجانبية، كما أن ~~الخوارق والمصادفات تتحكم في تكوين مشاهده، ويكثر استخدام الرمز والاستعارة والموسيقى ~~بتأثير من كالديرون الذي أساء الرومانتيكيون فهمه (وإن كانوا قد ترجموه فيما ترجموا من ~~روائع). وخلاصة القول أن الواقع التاريخي والمسرحي أفلت من أيدي الرومانتيكيين، وكان ~~لا بد من الانتظار حتى يأتي نفر من المتأخرين الذين أتقنوا فن التهكم والسخرية ~~والمعارضة بعد أن ملكوا رؤية أعمق وأشمل للواقع والتاريخ ... ~~••• # إذا كانت أرض المسرح قد زلقت تحت أقدام الرومانتيكيين، فقد ms10 ثبتت تحت أقدام كاتبين ~~لهما دور خطير في تاريخ المسرح الحديث. وهما كرستيان ديتريش جرابه # 10 ~~(1801-1836م) وجورج بوشنر # 11 ~~(1813-1837م) اللذان يظهر لديهما الشكل غير الأرسطي للدراما بصورة واضحة؛ ~~فهو عند «جرابه» مرتبط بطموحه لتصوير المواقف التاريخية الكبرى؛ إذ يتمثل الواقع في نظره في ~~عصر تاريخي بأكمله. وهو يعيد بناء هذا العصر في صور تمثل مواقف وأحوالا مفردة، ~~وترسم لوحات ضخمة للجماهير العريضة إلى جانب لوحات أخرى ضيقة ومحدودة. هذه الرغبة في ~~تصوير موقف تاريخي كامل تقوم - كما قدمت - على أساس نظرة ملحمية، كما تلجأ لتحقيق ~~غرضها إلى مجموعة من الصور واللوحات المرصوصة بعضها إلى جنب بعض في شكل وثبات سريعة؛ ~~الأمر الذي سيظهر بعد ذلك ويتأكد في الدراما الملحمية للعصر الحديث. # ويستحق بوشنر وقفة أطول وأعمق من زميله، لا لقدرته وعمقه وأصالته ومعاناته فحسب، بل ~~لأثره العظيم على المسرح الحديث بوجه عام. وبوشنر شديد القرب من جرابه من الناحية الزمنية، ~~ولكنه يخالفه في أنه يمهد تمهيدا مباشرا للمسرح الملحمي الحديث، بقدر ما يمهد ~~لكثير من التيارات المعاصرة في المسرح الاشتراكي والتعبيري والشعري واللامعقول. ويزداد ~~اهتمامنا بهذا الكاتب الطبيب إذا تذكرنا أنه لم يترك في عمره القصير كالزهور أو الشموع سوى ~~ثلاث مسرحيات، ظلت اثنتان منها شذرتين لم يتمكن من إتمامهما. والواقع أنه لم يؤثر على ~~المسرح الملحمي فحسب، بل ترك له ثلاثة نماذج درامية تقوم على رؤيته الفكرية والوجدانية ~~للعالم والتاريخ والإنسان؛ ولذلك لن نقف عند حدود الشكل الفني لديه، بل ستمتد نظرتنا إلى ~~هذه الرؤية المتشائمة المعذبة. # لا يسع الدارس لمسرح بوشنر إلا الدهشة والإعجاب بالتحول الهائل الذي تم على يديه ~~بالقياس إلى النزعة المتفائلة المؤمنة بالتطور والتقدم نتيجة لحركة التنوير والثورة ~~الفرنسية. إنه لا يؤمن بالتاريخ ذلك الإيمان الطيب الأعمى، بل يعتقد أنه يدوس البطل ~~ويحطمه، ويعبث بقدره وسعادته عبثه بالدمية العاجزة المسكينة. ومسرحيته الكبرى «موت ~~دانتون» تصور الثورة الفرنسية تصويرا متشائما، وتكفر بما تردد في عصره عن خلاص ~~الإنسان على يد التاريخ. إن دانتون يقف ms11 على خشبة المسرح وقفة المتشكك المرتاب الذي يفكر ~~ويطيل التفكير حتى يشل هذا التفكير نشاطه ويمنعه من إنقاذ نفسه وإنقاذ أصدقائه من حد ~~المقصلة. ومرجع هذا إلى إيمانه بأن التاريخ يعجز الإنسان ويشل إرادته. ولن نستطيع أن ~~نفهم بوشنر حتى نتتبع هذه الفكرة التي ستؤدي دورا هاما في تفسيرنا للدراما ~~الحديثة، وندرس تأثيرها على بناء الشكل لديه. # تتضح هذه الفكرة في مسرحية موت دانتون (1835م). وبوشنر يقترب هنا من «جرابه» في ميله ~~لتصوير الواقع التاريخي في صورة شاملة تتشابك فيها العوامل المؤثرة. فنحن نرى أمامنا ~~جماعات من الشعب وأفراد الطبقة المتوسطة وقادة الثورة وأنصارهم وأعدائهم كما نرى ~~الشحاذين والجلادين والعاهرات؛ كل هذا في مشاهد متتابعة مكثفة تسري فيها - على ~~العكس من مسرح جرابه - نبضات إيقاع يشبه الإيقاع الذي نجده في الدراما الإليزابيثية وفي ~~مسرح حركة العاصفة والاندفاع. ويظهر الطابع الملحمي في محاولة الكاتب تصوير الموقف بكل ~~أبعاده ومستوياته، كما يظهر في استقلال اللوحات والمشاهد استقلالا يوشك أن يجعل منها ~~تمثيليات قائمة بذاتها. وتتقدم الفكرة خطوة أخرى في ملهاته «ليونس ولينا»، فتتغلغل ~~في الشكل نفسه، وتذوب - بكل ما فيها من مأساة - في السخرية والملهاة، وإن كانت الحكاية ~~الخرافية التي تقوم عليها الملهاة تعود مرة أخرى فتلتقطها من ناحية المضمون. إن ليونس ~~ولينا - هذه الملهاة المبكية أو المأساة الباسمة! - لا تخرج عن كونها تفسيرا للحياة بما هي ~~ملهاة. إنها تصور الإنسان في لحظة انتصار التاريخ عليه، بل في لحظة تدميره إياه فتصبح ~~الحياة وجها له أكثر من قناع، كما يصبح الإنسان دمية تشدها خيوط غير مرئية، على نحو ~~ما يقول دانتون في المسرحية. # لنقرأ ما يقوله بوشنر لعروسه التي لم يقدر له أن يزف إليها: «لقد درست تاريخ ~~الثورة، وشعرت بأن قدرية التاريخ البشعة تدمرني. إنني أحس في الطبيعة البشرية ~~تشابها مفزعا، كما أجد في العلاقات الإنسانية قوة قاهرة لا مفر منها، أعطيت لكل ~~إنسان ولم تعط لأحد ... ليس الفرد إلا زبدا يطفو على سطح الموجة، وليست العظمة إلا مصادفة ~~مضحكة، ولا ms12 سلطان العبقرية سوى لعبة من ألعاب الدمى، وصراع مضحك مع قانون حديدي ~~معرفتنا له هي أقصى ما نستطيع بلوغه، وسيطرتنا عليه ضرب من المحال.» # ويعبر دانتون عن هذا المعنى نفسه بقوله: «نحن نقف دائما على المسرح، وإن كنا نطعن ~~طعنة جادة في نهاية الأمر.» كما يقول هذه العبارة التي يمكن أن تلخص مسرحية ليونس ولينا ~~وتفكير بوشنر كله: «ما نحن إلا دمى، تشدنا من الخيوط قوى مجهولة، والفارق الوحيد هو ~~أننا لا نرى الأيدي التي تجذبها، كما يحدث في الحكايات الخرافية تماما ...» # وقد عارض بوشنر هذه الحكاية الخرافية وسخر بها في شكل الحكاية أو الحدوتة أو في صورة ~~المسرح المألوفة في المسرح الحديث. يدل على هذا ما يقوله أحد المواطنين لزميله في مسرحية ~~موت دانتون: «أجل، الأرض قشرة رقيقة، إنني أخشى على الدوام أن أسقط حيثما وجدت فيها ~~ثقبا. يجب على المرء أن يخطو فوقها بحذر وإلا سقط فيها. ولكن اذهب إلى المسرح. إني أنصحك ~~بهذا!» # المسرح إذا هو المرآة الساخرة بالحياة التي أصبحت هي نفسها مسرحا، كما أصبح المسرح ~~بدوره نوعا من العزاء، أو نوعا من التهكم من ملهاة الحياة. تلك هي حقيقة ليونس ولينا. ~~إن القناع الذي يجسد الجانب المسرحي من الحياة يصبح في هذه السخرية قناع القناع، كما ~~تصبح المسرحية كلها تمثيلا للتمثيل. وإن مضحك الأمير (فاليريو) يسأل وهو يقلب الأقنعة ~~المختلفة بين يديه: «أأنا هذا، أو هذا؟ حقا إنني لأخشى أن أنتزع عن نفسي قشرتها ~~وأتصفحها أمامي.» # ودانتون يقول لصديقه كولو الذي يطالبه بانتزاع الأقنعة: «قد تنتزع معها الوجوه.» # وتعود مسرحية فويسك (التي نشرت سنة 1839م) لتعالج الموضوع نفسه، وهو تدمير التاريخ ~~للإنسان وشل إرادته. فإذا كان الثوار مثل دانتون لا يزالون قادرين على نوع من الفعل، فإن ~~فويسك - وهو شخصية منتزعة من غمار الشعب الكادح البائس - هو المخلوق المسكين الذي لا ~~يقوى على الفعل؛ لأن هناك قوى غيبية مجهولة تدفعه على الحركة وكأنه أداة عاجزة في يدها. ~~يظهر فويسك على خشبة المسرح فتظهر بظهوره شخصية ms13 البطل السلبي في المسرح الحديث. إن الوسط ~~الاجتماعي هو الذي يحدد قدره، والمؤلف يحاول من خلاله أن يرسم طريقة لعلاج مجتمع ~~مزقته الأمراض وسحقه الظلم والادعاء (راجع مشهد فويسك مع الطبيب في المسرحية). إنه ~~ضحية هذا المجتمع. وهو البطل المضاد - إن صح هذا التعبير الذي شاع اليوم - الذي سيلعب دورا ~~بارزا في الدراما الحديثة. وشكل المسرحية يعبر عن هذا المضمون أفضل تعبير؛ إذ نجد فويسك ~~المضطهد المطارد يجري كالمجنون من مشهد إلى مشهد، ومن لوحة إلى أخرى، باحثا عن مخرج من ~~الكابوس المخيف الذي يخنقه ويحاصره من كل ناحية. إنه أسلوب في بناء المشاهد وشحنها ~~بالرموز والإشارات يذكرنا بالأسلوب الذي سارت عليه الحركة التعبيرية فيما بعد. # نخلص من هذا كله إلى أن مسرحيتي بوشنر الأخيرتين (ليونس ولينا، وفويسك) علامتان ~~هامتان على طريق المسرح الملحمي المعاصر، وأنهما تنطويان - من ناحية الشكل والمضمون - على ~~مواقف وعناصر ساهمت إلى حد كبير في تحديد صورة هذا المسرح. ~~••• # رأينا من الكلام السابق عن مسرح بوشنر كيف بدأت مرحلة جديدة في الشكل والبناء المسرحي. ~~لقد اقتضت المادة أو المضمون الذي عالجه بوشنر أن يخلق لنفسه بالضرورة أشكالا جديدة ~~تلائمه، فنفذ إلى أرض جديدة لا سبيل إلى تفسيرها من خلال المفاهيم الفكرية والفلسفية ~~العامة، بل لا بد من تفسيرها تفسيرا اجتماعيا وحضاريا؛ فلقد بدأت بمسرح بوشنر ~~عملية تاريخية أخذت تنفذ شيئا فشيئا في أعماق الدراما الحديثة وتعين شكلها إلى ~~حد كبير، كما ظهرت صورة جديدة للبطولة والفعل والفرد بوجه عام. # وإذا كانت الدراما الكلاسيكية الألمانية قد واجهت مسألة الفرد والفردية وحاولت أن ~~تنقذها وتحافظ عليها وتنظر إليها نظرتها إلى مسألة حيوية هامة، فقد وجدنا الفرد يفقد ~~فرديته فجأة في مسرحية بوشنر، أو بمعنى أدق وجدنا فرديته تحدد من خارجه، بحيث اكتسبت ~~البطولة معنى جديدا ولم تعد هي بطولة الفعل، بل بطولة العذاب والتحمل والانكسار. أصبح ~~الإنسان ملتقى قوى تاريخية وغيبية مجهولة توجهه وتحكم تصرفاته التي لم يعد من ~~المستطاع محاسبته عليها. أصبح دمية عاجزة في عالم تحكمه ms14 قيم ومواضعات اجتماعية يعجز ~~عن فهمها والمشاركة فيها. # ولكن ما تأثير هذه البطولة السلبية الجديدة على الدراما؟ كيف أثر عليها هذا الشلل الذي ~~أصاب الفعل بعد أن تحدد من خارج الإنسان لا من داخله؟ كانت نتيجتها المباشرة هي تفتت ~~لحظة الفعل وانهيار الحدث في الدراما؛ فالفعل والتجربة اللذان لا يجدان مكانا في الحياة ~~الخارجية ينسحبان إلى باطن الإنسان ويفتشان عن مكان لهما في مسرح ذاته. ولقد كانت لهذا ~~آثاره في أوائل القرن التاسع عشر على الدراما التي حاولت أن تحافظ على البناء الأرسطي ~~بأي ثمن، فقد عدلت فكرة الدراما نفسها، وبعد أن كانت في أصولها الأولى تعبيرا عن صراع ~~مع القدر والآلهة، أصبحت تعبيرا عن صراع مع حتمية التاريخ وقانونه الحديدي، كما أصبحت ~~مسرح الصراع مع المجتمع. وما فتئت تسير في هذا الطريق حتى صارت مسرحية اجتماعية، ومسرحية ~~حوار فكري، ومسرحية متقنة الصنع. وأصبح موضوعها ملحميا صريحا، وبدأ نوع من الانفصال ~~بين الشكل والمضمون، كشف بصورة واضحة عن أزمة الدراما الأرسطية إزاء العالم الحديث ~~ومشكلاته الجديدة. # احتفظت الدراما عند أصحاب النزعة الطبيعية بالبناء الأرسطي من حيث التزامها بوحدة الزمان ~~والمكان وتشابك الأحداث وتسلسلها تسلسلا عليا مبنيا على أساس نفسي وواقعي. غير ~~أنها اخترقت هذا البناء الأرسطي بتضييقها لمعنى الفعل كما فهمه القدماء. فالبطل السلبي ~~يعطل في معظم الأحيان نمو الدراما وتطورها بالمعنى الأرسطي، بل إنه يوقف حركة الأحداث ~~الخارجية ويقيدها في حدود الحدث النفسي. ولن نستطيع في هذا المجال المحدود أن نتتبع هذا ~~التطور بالتفصيل؛ إذ يكفي من وجهة النظر السابقة نظرات عاجلة على المسرح الحديث لنرى كيف ~~تطورت أزمة الدراما وكيف حاولت أن تجد لها مخرجا في محاولات وتجارب عديدة من أهمها ~~تجربة المسرح الملحمي. ~~••• # ونبدأ بمسرح إبسن (1828-1906م) فنلاحظ أن أسلوبه التحليلي في الدراما يتفق مع البناء ~~الأرسطي. ولكننا لو نظرنا إليه نظرة أدق لوجدناه يختلف عن الأسلوب التحليلي الذي أشاد ~~به أرسطو في حديثه عن أوديب سوفوكليس؛ فإبسن لا يجعل من الماضي وظيفة للحاضر كما فعل ~~سوفوكليس، ms15 بل هو يهيب بالماضي ويدعوه من خلال الحاضر؛ ولذلك يصبح التحليل الدرامي عنده ~~وسيلة يلجأ إليها ليدخل مادة الماضي (التي كانت تحتاج إلى معالجة ملحمية ) في نسيج ~~الحاضر. وأوضح مثل على هذا نجده في مسرحيته جون جابرييل بوركمان (1896م). إنه مدير بنك ~~سابق يعيش مع زوجته جونهيلد في بيت واحد، ولكنه يحيا بعيدا عنها في وحدة تامة ولم يرها ~~من سنوات طويلة ... وفي إحدى ليالي الشتاء تزور البيت «إلارنتهايم» شقيقة جونهيلد وحبيبة ~~بوركمان السابقة. ويدور الحوار فنتبين ماضي هذه الشخصيات الثلاث، ونرى كيف يعيشون في ~~ذكريات الماضي بعيدين كل البعد عن العالم الخارجي. إن قوة الماضي وجبروته لا تدع أي ~~مجال يتنفس فيه الحاضر. إنها تخنقه في بدايته، فلا يكاد البطل يجرب الفعل حتى ينتهي ~~نهاية فاجعة. فحين يقرر بوركمان الهرب من سجن الماضي ليجرب الحياة تنتهي محاولته ~~بالموت. # ومسرحية «الأشباح» (1881م) تصور هذا الموقف نفسه بشكل أوضح؛ فالبطل الفنج الذي تسيطر ~~آثامه الماضية على جو المسرحية وتتسبب في وقوع الكارثة قد مات قبل بداية المسرحية نفسها ~~بزمن طويل. ويتكشف لنا ماضيه من خلال التذكر والرواية، فنعرف مدى سلطانه وبأسه، ونرى ~~أنه لا يترك للحاضر إلا بقايا ثلاث شخصيات محطمة بائسة. وليس نمو الحدث الخارجي إلا ~~تكثيفا خانقا لأشباح عاشت في حياة سابقة، فنراه يتجسد أمامنا في شخصية أزفالد الفنج ~~الذي يجن في نهاية المسرحية، وتسدل عليه الستار وهو يمد يده عبثا إلى نور ~~الشمس. ~~••• # ويصل تشيكوف (1860-1904م) إلى أبعد مما وصل إليه إبسن. بل إنه ليقترب بموضوعاته من عالم ~~صمويل بيكيت وإن لم يستخلص النتائج الدرامية اللازمة عنها. وتشيكوف هو كاتب المتعبين من ~~الحياة - إن صح هذا التعبير المصري القديم! شخصياته - مثل إيفانوف والخال فانيا - أسارى ~~عجزهم عن الفعل. وحوارهم لا يدور في حقيقته إلا حول العجز عن الحياة والعمل، أي حول ~~السأم والملل. ها هو ذا إيفانوف يقول: «الكسل يقيد روحي. وأنا عاجز عن أن أفهم نفسي. ~~إنني لا أحس بحب ولا تعاطف؛ فكل ما أشعر به هو ms16 نوع من الفراغ والإرهاق ... أما الآن فأنا ~~لا أعمل شيئا ولا أفكر في شيء، بل أحس التعب في جسدي وروحي. إنني أجلب الملل على ~~نفسي.» فإذا ما قرر إيفانوف أن يعمل، كان أول عمل يقوم به هو محاولة الانتحار. والواقع أنه ~~ليس وحده في هذا، ومن الخطأ أن ننظر إليه كحالة مرضية. فمشكلته ترزح فوق صدور شخصيات ~~تشيكوف كلها. وسواء أكان اسم هذه الشخصيات هو إيفانوف أم الخال فانيا أم غيرهما من الأسماء ~~فهم يوشكون أن يهتفوا بصوت واحد: «لا بد أن يعمل الإنسان شيئا ... لا بد أن نعمل ... ~~نعمل!» # ولكنهم مساكين متعبون، يحاولون بثرثرتهم الدائمة عن العمل والأخلاق أن يداروا موقف ~~عجز وإحباط لا نجاة منه. # ومسرحيات تشيكوف الأخرى تتناول نفس الموضوع. فطائر البحر (1899م) يسيطر عليها ذلك الماضي ~~الذي لمسنا جبروته في مسرح إبسن. والشقيقات الثلاث (1901م)، يتخلين عن الحاضر ويحيين في ~~ذكريات الماضي. فإذا بحثنا عن الفعل وجدناه يتأثر بأحداث تنفذ إلى العالم الساكن الذي تعيش ~~فيه الشقيقات ولكنها لا تؤثر عليه تأثيرا يذكر. فالحدث الحقيقي ساكن وجامد في مكانه. ~~والحوار لا يولد فعلا ولا يدفع حدثا إلى الأمام. والشخصيات التي صدت نفوسها عن ~~الحاضر تكتفي بتحليل ذاتها واجترار سأمها أو أملها في مستقبل خيالي لا أساس له في أرض ~~الواقع. وكل من قرأ «بستان الكرز» (1904م) يعلم أن تشيكوف قد جعل هذا التعب من الحياة ~~عنوانا على طبقة اجتماعية تتحلل وتنهار، وما بستان الكرز إلا رمز حياتها الباطنة التي ~~تتحطم. والمسرحية لا تنمو ولا تتطور بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة، بل تصف حالة تزداد ~~سوءا على سوء. والشخص الوحيد الذي يمكن أن يقال عنه إنه يعمل ويفرح بنتيجة عمله - وهو ~~«لوباخين» الذي سيرث البستان - إنما يجسد في الواقع روح العصر الجديد، روح رجل الأعمال ~~الصغير الذي لا سبيل إلى التفاهم بينه وبين الشخصيات. ولعل بستان الكرز هي أوضح مسرحيات ~~تشيكوف تعبيرا عن الجزر المنعزلة التي تعيش فيها شخصياته منطوية على أحزانها. ما من ~~أحد يجد جسرا يصله ms17 بالآخر، بل كل منها يعيش وحيدا في عالمه الوحيد. كل واحد يتحدث ~~في الحقيقة مع نفسه، ويتكلم بكلام لا يفهمه غيره، حتى يصبح الحوار في النهاية وسيلة ~~للاغتراب والتباعد، لا للاقتراب والتفاهم. إنه يفرغ من مضمونه، ويصبح نوعا من ~~المونولوج الذي يدور في الفراغ، وهو ما سنجده في مسرح بيكيت فيما بعد. # والنتيجة الطبيعية المترتبة على هذا الموقف هي أن الشخصية التي تقف خارج المجتمع ~~ويجسد فيها بيكيت رفضه لهذا المجتمع ويجعلها المحور الذي تدور عليه رؤيته للعالم هي ~~الشخصية البارزة في مسرح تشيكوف. ونحن إذا استعرضنا شخصيات بستان الكرز وجدناها تضم نبلاء ~~بؤساء، وطلبة صعاليك، وعاجزين فاشلين من كل نوع، وفتاة تشيخ وتتحسر على العمر الذي ~~يفلت منها، كما نجد المربية شارلوت التي نسمع في كلماتها تلك النغمة الأساسية التي ~~تحدد طابع المسرحية كلها: «إنني لا أملك بطاقة شخصية صحيحة ولا أعرف سني ... عندما كنت ~~صغيرة كان أبواي يرحلان إلى كل الأسواق ويعرضان ألعابهما الممتازة، أما أنا فكان علي ~~أن أقفز قفزات الموت ... إنني دائما وحيدة، دائما وحيدة، وما من أحد يمكنني أن أقول عنه ~~إنه ينتمي إلي أو إنني أنتمي إليه ... أنا لا أعرف أبدا من أنا ولا لماذا وجدت.» # والمهم أن الطبقة الاجتماعية التي تعيش هذه الشخصيات في ظلها وتأكل من طعامها - وتمثلها ~~صاحبة الضيعة وشقيقها - طبقة تقف على شفا السقوط والاندثار. وهم جميعا ينطوون في ~~النهاية على عجزهم ووحدتهم، ويخفقون في صراع الحياة مكتفين بأن يحلموا بالبدء من جديد، ~~دون أن يعرفوا كيف ولا من أين يبدءون ... # وأخيرا نجد في بستان الكرز أسلوبا مسرحيا يظهر ويتكرر ظهوره في مسرح اللامعقول فيما ~~بعد، وتعني به ملء خشبة المسرح وإخلاءها، فوصول الشخصيات ورحيلها - وهما العنصران اللذان ~~يمثلان الحدث المرئي فوق الخشبة - تصبح لهما وظيفة محدودة. وفي ختام المسرحية تظل ~~الخشبة خالية لفترة طويلة قبل أن يسدل الستار. ولو رجعنا لإرشادات تشيكوف للمخرج لوجدناه ~~يقول: «تغلق النوافذ من الخارج وتوصد بالمسامير، يحل الظلام على خشبة المسرح. ثم يعود ~~النغم ms18 البعيد كأنما يهبط من السماء، ويسمع صوت عزف على القيثارة، يتوثب ثم يحتضر في ~~حزن. يخيم السكون ولا يبقى إلا صوت ضربات الفئوس المختنق فوق الأشجار آتيا من أعماق ~~البستان.» # هكذا يصل مسرح العالم الباطن عند تشيكوف إلى أقصى درجات التعبير. فالكلمة التي لم تعد ~~تحمل الفعل ولا تربط بين الشخصيات تحتضر وتموت، ووسائل التعبير تتركز في الصوت ~~والصورة. # أين هي أوجه التعارض مع الدراما الأرسطية؟ # ليس من العسير أن نتبين أن التركيز على عالم الباطن والتذكر، والعجز عن الفعل، ~~واستحالة التواصل بين الشخصيات، والغربة والإحساس بالفراغ والسأم، كلها عناصر تتجاوز ~~الدراما الأرسطية وتجردها من معناها. ~~••• # إذا كان أبسن وتشيكوف من الكتاب الذين استطاعوا أن ينفذوا من إطار الدراما الأرسطية عن ~~غير قصد أو وعي منهم، فإن هناك كاتبا متأخرا عنهما فعل ذلك عن قصد ووعي. ذلك هو الكاتب ~~النمسوي روبرت موزيل (1882-1942م) الذي نلاحظ لديه نفس التباعد بين الشكل والمضمون، في ~~مسرحيته المسماة «المتحمسون». لنقرأ معا ما يقوله في مذكراته: «إن مسرحي، وهو مسرح ~~المتحمسين وستانسلافسكي، مسرح يوتوبي # 12 # ومضاد للتطور أو بمعزل عنه.» أما عنوان المسرحية فيدل على مضمونها، وأما ~~الإشارة إلى اسم المخرج الروسي الكبير فلعلها تشير إلى النزعة الطبيعية التي تغلب على جو ~~المشاهد فيها. # وموزيل كاتب يشغل القراء والنقاد في هذه الأيام. وقد اشتهر بروايته الكبرى «رجل بلا ~~أوصاف» التي تستعرض انهيار الأفكار والمثل الأوروبية بطريقة موسوعية هائلة. وهو يعد ~~من هذه الناحية خلفا لجيل كتاب الرواية الاجتماعية وإن كان الشكل المعروف لهذه الرواية قد ~~تفجر لديه نتيجة لتوسعه في أسلوب البحث والمقال في فصولها المختلفة. وهو يفعل نفس ~~الشيء في مسرحيته «المتحمسون» التي يمكن أن تعد من ناحية الشكل من مسرحيات المجتمع، وإن ~~كان يفجره من ناحية الموضوع الذي سبق له أن عالجه بطريقة ملحمية في روايته القصيرة ~~«إضرابات الفتى تورليس». # والمتحمسون - أو الفوضويون كما سماها في مبدأ الأمر - تتناول شخصيات تتحرك في مجال ~~الحياة الاجتماعية، وإن كانت منشقة عليها من الناحية النفسية والوجدانية. ms19 وموزيل نفسه ~~يصفها بأنها «ضباب من مادة روحية»، وأن موضوعها يحتاج أن يخلق خلقا؛ أي يحتاج إلى إعادة ~~خلقه حتى يملأ إطار البنية الأرسطية للدراما. وهي تعالج مشكلة فقدان العاطفة ... إنها تبحث ~~عن باعث على الفعل والحياة بعد أن ضاع الباعث عليها. وشخصياتها عاجزة عن التواصل الذي يتم ~~بين إنسان وإنسان، عاجزة عن الفعل. لقد تحولت حياتها إلى الداخل. فهي تحيا في وهج ~~الوهم والحماس والخيال المشبوب. وإذا جاز أن نتحدث عن بناء أرسطي في هذه المسرحية فلا ~~بد من القول بأن المؤلف يتعسف طبيعة المضمون الذي يتناوله، أعني أنه لا يصور هذا ~~المضمون في صورة لوحات درامية، بل يتفكر فيه ويتأمله. ومن الصعب أن نتائج أحداث ~~المسرحية؛ إذ إنها لا تزيد عن كونها هيكلا خارجيا يعطي المؤلف فرصة التفكير والتأمل ~~دون أن يبررها تبريرا كافيا. لنسمع البطل توماس الذي يقف في النهاية مع شقيقة روحه ~~ريجينا ويلخص عالمه الباطن في هذه العبارة: «لا يا ريجينا. إن كان هناك أحد يحلم فأنا ~~هو هذا الحالم، وأنت أيضا حالمة.» # إنهم أناس بلا عاطفة أو شعور. إنهم يسعون في الأرض، وينظرون ما يعمله الناس الذين ~~يتوهمون أنهم يعيشون في هذا العالم كله كما يعيشون في بيوتهم! وهم يحملون في نفوسهم ~~شيئا لا يشعر به هؤلاء الناس. إنه الغوص كل لحظة في أعماق كل شيء إلى غير قرار، دون أن ~~يندثروا أو يهلكوا، إنها حالة الخلق. # ومن الخير أن نسجل هنا تلك اللوحة التي دونها «موزيل» في مذكراته عن شخصيات ~~المتحمسين، ويمكن أن نلمح وصفا نفسيا للتطور الاجتماعي، كما يمكن - بطبيعة الحال - ~~أن نجد فيها تعبيرا عن خصائص المسرح الملحمي والأرسطي على الترتيب: # غير محدد # محدد # يتجاوز الحقيقة # حقيقي # يتجاوز نطاق المشروع # مشروع # حالمون مجردون من العاطفة # متعاطفون # غير اجتماعيين # اجتماعيون # قلقون من الناحية الميتافيزيقية # مطمئنون من هذه الناحية # منبوذون # منتمون # سلبيون ومعارضون لكل نظام قائم ولكل إصلاح # عمليون # وتعود مشكلة التفاهم والتواصل بين الناس في المجتمع الحديث إلى الظهور عند شاعر وكاتب ms20 ~~كبير من مواطني موزيل، وهو «هوجو فون هوفمنستال» (1874-1929م) في ملهاته التي سماها «الصعب»، # 13 # وهذا الصعب أو المتعنت هو الدوق «بول» الذي صور الشاعر في شخصيته طبقة ~~النبلاء النمسويين في القرن الماضي لحظة سقوطهم في الحضيض. وجعله رمزا لكل علامات ~~التدهور والانحلال. ويصبح هذا الدوق العاجز عن اتخاذ قرار حاسم في حياته، الخائف كل الخوف ~~من التعبير عن نفسه بوضوح أو الإقدام على أي فعل أو تحقيق أي اتصال بينه وبين غيره من ~~الناس؛ يصبح رمزا للواقع المتغير من حوله. ونجد البيئة المحيطة به التي لا تكف عن ~~الإلحاح عليه بالفعل والكلام أولى منه بالسخرية وأبعث على الضحك، وإن كان نشاطها لا ~~يؤدي إلا إلى سلسلة من سوء التفاهم شبيهة بما نعرفه من مسرح تشيكوف: إن أكثر ما يشغل ~~بال كارل فون بول هو شكه في قيمة الكلمة وجدواها، إنه يقول لهيلينة ألتنفيل: «مما يبعث ~~قليلا على الضحك أن يتوهم الإنسان في نفسه القدرة على إحداث تأثير كبير عن طريق كلمات ~~محبوكة، في حياة يتوقف فيها كل شيء في نهاية الأمر على آخر الأمور وأعصاها على التعبير، إن ~~الكلام يقوم على تقدير سخيف مبالغ فيه.» ويعمد هوفمنستال في أثناء اللقاء الذي يتم ~~بين بول وهيلينة إلى القضاء على صعوبة التفاهم بينهما في اللحظة التي يهدد فيها هذا ~~التفاهم بأن يصبح شيئا فاجعا وساخرا، ثم يعود فيحقق التوازن في شكل كوميديا اجتماعية ~~تعد من خير الكوميديات التي عرفتها اللغة الألمانية القليلة الحظ من هذا اللون الأدبي. ~~ذلك لأن الكوميديا، كما يقول هوفمنستال لصديقه ومواطنه بورخارت، هي أصعب الفنون الأدبية. ~~فهي قادرة على تصوير أعقد الأمور وأحفلها بالخطر والرهبة في صورة من التوازن المشحون بأقصى ~~طاقة ممكنة، بحيث تثير دائما ذلك الانطباع الذي يوحي بالخفة واللعب. # هنا نجد، مرة أخرى، كيف تمكن المؤلف من التعبير بالشكل الكلاسيكي عن موضوع يتجاوز ~~هذا الشكل وينافيه. وطبيعي أن هذا الموضوع الذي عالجه الكاتب بحيطة وحذر أبعد ما ~~يكون عن ملاءمة الإطار التقليدي للدراما الأرسطية. ms21 ~~••• # فإذا اتجهنا إلى كاتب آخر مثل جرهارت هاوبتمان (1862-1946م) وجدنا صعوبة التفاهم تعبر ~~عن نفسها بشكل أوضح قليلا. ومن المعروف أن شخصيات هاوبتمان تفقد القدرة على الكلام في ~~المواقف الحافلة بالإثارة والانفعال. إنها عندئذ تتعثر وتبحث عبثا عن الكلمة المناسبة. ~~ولقد لاحظ الكاتب النمسوي موزيل أن شخصيات مسرحية هاوبتمان المشهورة «ميخائيل كرامر» لا ~~تستطيع أن تعبر تعبيرا دقيقا عما يحركها ويهزها، وإنما تشير فحسب إلى أن هناك ~~شيئا يحركها ويهزها. ولهذا نجد «روزه بيرند» و«أرنولد كرامر» يهلكان بسبب عجزهما ~~عن الكلام. فالمخلوقة البائسة روزه بيرند لا تستطيع أن تتكلم ولذلك تدفعها البيئة المحيطة ~~بها إلى الموت. وأرنولد كرامر يكتم سره فيحرم الحياة على نفسه. وهكذا تتحول كلمات ~~كرامر العجوز على تابوت ابنه إلى تعبير شاعري خالص عن عالمه الباطن: «أين نرسو؟ إلى أين ~~نسير؟ لم نهلل في بعض الأحيان للمجهول؟ نحن الصغار، الضائعين في العالم المخيف؟ وكأننا ~~نعرف إلى أين. هكذا هللت وفرحت! وماذا عرفت؟ لا أثر لأعياد الأرض ولا لسماء ~~القديسين! لا هذه ولا تلك، فماذا ... ماذا سيكون المصير في النهاية؟» # هذه الكلمات التي لا تكاد تفهم، والتي ~~تلمس ذلك الشيء الذي طالما حاول الدوق «بول» عند «هوفمنستال» أن يعبر عنه فوجده عصيا ~~على التعبير، هذه الكلمات لا تكاد تعبر عن شيء. إنها تنتهي بسؤال حائر حزين. # إن مسرحيات هاوبتمان الأولى ذات النزعة الطبيعية تلتقي مع مسرحيات إبسن وتشيكوف وموزيل ~~وهوفمنستال التي تلمس مشكلة الفعل كما تعبر عن عجز شخصياتها عن التفاهم مع المجتمع أو ~~الاتصال بالغير. ومن المعروف أن هاوبتمان تأثر تأثرا كبيرا بأعمال «بوشنر»، وأن معظم ~~أبطاله في مرحلته الطبيعية أبطال سلبيون - مثلهم مثل فويسك لبوشنر - يتبدد فعلهم في ~~دوامة الصراع بين ذواتهم وبين العالم المحيط بهم. وإذا كانت الظروف والضغوط الاجتماعية ~~تحاصرهم من كل ناحية، فإن عواطفهم المشبوبة تغلهم وتقيدهم. وإذا كان العالم الخارجي ~~يحدد تصرفاتهم، فإن عالمهم الباطن ليس بأقل تحديدا لهم. إن شخصيات مثل «أرنولد كرامر» ~~أو السائق «هينشل» أو «روزة بيرند» أو هيلنه ms22 كراوزة في مسرحية «قبل شروق الشمس»؛ كل هذه ~~الشخصيات تختنق في جو البيئة المحيطة بها كما تختنق في مأساتها الباطنة. ولا يكفي أن ~~نردد هنا شعار الطبيعيين عن البيئة والوارثة؛ فالمضمون في هذه المسرحيات أكبر من أن ~~يحده إطار تقليدي. ~~••• # ثم جاء من يعارض هاوبتمان ويواجه النزعة الطبيعية بأشكال درامية جديدة. ها هو ذا فرانك فيديكند # 14 ~~(1864-1918م) يوسع من نطاق مسرحية فويسك - التي كانت في جوهرها دراما غنائية ~~قصصية - ويضيف إليها نغمة الاحتجاج، ويصوغ مسرحياته في ثوب الأشكال المسرحية البسيطة - ~~الصاخبة بالتهريج والألوان والصراخ - التي نعرفها في الموالد والأسواق والاحتفالات ~~الشعبية والسيرك حيث يروي الراوية حكاية مخيفة أو يطالب بأخذ ثأر أو إنقاذ عرض. كان ~~المجتمع في المسرحية الطبيعية موضع هجوم واحتجاج، ولكنه ظل وسطا معترفا به. وجاء ~~«فيديكند» فعبر عن رفضه له واحتجاجه عليه عن طريق مسرحياته (غير الاجتماعية) التي تدور ~~في جو السيرك أو أوساط الفنانين والفنانات. وتتغلغل العناصر الفنية الراقصة في بناء ~~الدراما وتصبح وسيلته للهجوم على النظام الاجتماعي السائد. وهكذا يفسح «فيديكند» مجالا ~~واسعا للمشهد الراقص ومشاهد التمثيل الصامت (البانتوميم) على خشبة المسرح، كما يتابع ~~تراث «بوشنر» و«جرابه» وحركة العاصفة والاندفاع فيسير مثلا في بنائه لمشاهد مسرحيته «صحوة ~~الربيع» (1891م) على طريقة اللوحات المفردة المستقلة بعضها عن البعض، التي تبدو كأنها ~~مراحل متعددة من حدث واحد، صفت إلى جانب بعضها البعض كما تصف قطع الفسيفساء. وقد ~~كتب فيديكند مسرحيته «شراب الحب» (1891م) التي يحتل فيها التمثيل الصامت حيزا أوسع، ثم ~~اتجه بعد ذلك إلى تأليف مسرحيات توشك أن تكون تمثيليات صامتة خالصة، وراح يؤكد أسلوب ~~ألعاب الأسواق الشعبية والأعياد السنوية، فجعل لكل لوحة عنوانا ملحميا على طريقة ~~المنادين والهتافين في تلك الأسواق، كأن يقول مثلا في بداية إحدى اللوحات: # 15 ~~«كيف راحت الإمبراطورة فيليسيا تشكو لكبير معلميها عن آلامها النفسية، وأي ~~أنواع العلاج وصفها لها طبيبها الخاص دبدي زويدوس للتغلب على هذه الآلام والاختيار ~~العجيب الذي صممت عليه الإمبراطورة فيليسيا لتبني عليه سعادتها؟» # حاول فيديكند ms23 أن يكمل خشبة المسرح التقليدية بالمشاهد والمناظر المعروفة في مسارح ~~المنوعات الاستعراضية، فخرج على اتجاه المدرسة الطبيعية وأخذ يؤكد الجانب الملحمي، ~~والرقص، واستخدام الأقنعة، والدلالة الرمزية والمعنوية للمحسوسات. وإذا كانت شخصيات ~~هاوبتمان لم تستطع أن تعبر عما يجيش في باطنها تعبيرا صريحا، فقد راحت شخصيات فيديكند ~~تتكلم بوضوح وتعرض على الأنظار ما يجب على كل عين أن تراه. ولهذا تحولت الغنائية ~~الشاعرية في المسرح الطبيعي إلى ألوان من التهكم والمعارضة الساخرة، عبرت عنها ~~القصائد القصصية التي تتلى في الأسواق، واقتربت بهذا كله من طريقة المغنين ~~المتجولين والشحاذين والدجالين. وهذا التركيز على عناصر ملحمية إلى جانب عناصر ~~أخرى مسرحية خالصة، واستخدامها معا للاحتجاج والسخرية بأوضاع اجتماعية بعينها، يخلق أهم ~~ركيزة يعتمد عليها المسرح الملحمي، ألا وهي البعد عن الحدث الدائر على خشبة المسرح أو ما ~~يمكن أن نصفه تجاوزا بالموضوعية المتهكمة. ولا شك أن هذه العناصر التي ظهرت في مسرح ~~فيديكند كان لها أثر كبير على تطور الشكل الدرامي فيما بعد، وبالأخص عند برشت. # أما أوجست استرندبرج (1849-1912م) فقد كان له دور كبير في «خلخلة» المسرح الطبيعي ~~والنفاذ من جدران النزعة الطبيعية. هنا نجد أن الرؤيا أو اللوحة الباطنة هي التي فجرت ~~بناء الدراما الأرسطية ونقلت المشهد، إن جاز هذا التعبير، من الخارج إلى الداخل. فبعد أن ~~أسس استرندبرج ما سماه ب «المسرح الحميم» سنة 1906م انتقل إلى شكل الفصل الواحد فيما ~~يسمى بمسرحيات الغرفة مثل المحرقة، والبرق، وصوناتة الأشباح. ونستطيع أن نعتبر كل هذه ~~المسرحيات بمثابة لوحة واحدة مركزة في عدة مشاهد. لم يعد الحدث هو الذي يسيطر عليها، ~~بل أصبح الآن يقوم بدور الوسيط ويحمل الرؤيا الباطنة في أعماق النفس. # ثم سار استرندبرج في تطوره من مسرح ~~الغرفة إلى مسرحية الحلم (1901-1902م) وإلى دمشق (1897-1904م). وما حدث في مسرحيات الفصل ~~الواحد تكرر في مسرحيته المشهورة «حلم»، نفذت الرؤيا الباطنة من إطار المسرحية ~~الطبيعية، وأفسح المنطق والتسلسل العلي مكانهما لمنطق الحلم وقوانينه الداخلية، وأصبح ~~المكان والزمان مجرد وسائل درامية لا ms24 وحدات تقليدية، يلجأ الكاتب إليها لتجسيم عالم ~~الذكريات والوعي الباطن في مشاهد ولوحات، وبذلك يسبق التحليل النفسي وعلم النفس الفردي ~~بسنوات طويلة، ويزوده بحقائق قيمة عما يجري في عالم اللاشعور من غرائب وأسرار ~~ومتناقضات. لنقرأ ما يقوله استرندبرج نفسه في تقديمه لمسرحية الحلم : «حاول المؤلف في ~~هذه المسرحية أن يحاكي الشكل غير المترابط للحلم، وهو الذي يبدو مع ذلك في شكل منطقي. كل ~~شيء يمكن أن يحدث، وكل شيء جائز ومحتمل. الزمان والمكان لا وجود لهما، والمخيلة تواصل ~~نسج خيوطها على أساس واقعي لا أهمية له وتستحدث نماذج جديدة. خليطا من الذكريات والتجارب ~~والخواطر الحرة والأفكار المتناقضة المفاجئة. إن الشخصيات تنقسم وتتضاعف وتذوب وتتكاثف ~~وتسيل وتتجمع. غير أن هناك شعورا يسيطر على كل شيء. ذلك هو شعور الحالم، وليس هناك ~~بالنسبة إليه أسرار ولا تناقض ولا شكوك ولا قانون. إنه لا يدين ولا يبرئ، بل يقرر ما ~~يجده فحسب.» # وليس من العسير أن نلاحظ من هذا النص أن ~~استرندبرج يتحدث بنفسه عن وصف موضوعي يقوم على أساس موقف ملحمي. فالواقع أن دراما الحلم ~~والدراما المرحلية (أي التي تبني الدراما من مواقف أو مشاهد متتابعة تمثل كل منها ~~مرحلة قائمة بذاتها) يلتقيان التقاء كاملا من حيث البناء والأسلوب. ومن هنا نجد في مسرح ~~استرندبرج مجموعة من المشاهد المتتالية التي لا يجمع بينها حدث أو فعل واحد بقدر ما ~~تؤلف بينها ذات الحالم نفسه أو «أنا» البطل. وهذا الحالم يمكن في الحقيقة أن نسميه ~~«الأنا الملحمية» التي تتحرك خارج الحدث المسرحي وتعلق عليه وتصفه عن بعد. والواقع أن ~~مسرحية «الحلم» تحافظ على الشكل الاستعراضي المألوف في عروض المنوعات أكثر مما تحرص على ~~شكل الحلم. ولهذا يسود المسرحية طابع العرض والبيان، بحيث تصبح محاولة لعرض العالم الذي ~~تعيش فيه بكل ما يزخر به من مآس وآلام، على ابنة الإله أندرا. وينطبق هذا الكلام على ~~مسرحيات فيديكند التي تحدثنا عنها؛ فهي تحرص على طابع العرض والاستعراض الذي سيلعب دورا ~~هاما في مسرح برشت فيما ms25 بعد. صحيح أن الفرق بين الكاتبين فرق أساسي؛ إذ اهتم فيديكند ~~بإبراز الحركة الخارجية على عكس استرندبرج الذي اعتمد على الصورة الداخلية أو الرؤية ~~الباطنة التي تحدد البناء الدرامي لديه. ومع ذلك فقد فتحا للمسرح أبواب عالم جديد ~~تتناثر فيه الأفكار والآراء والمشاعر دون أن تدور حول مركز واحد، ويهتم بواقع جديد هو ~~واقع الحلم والرؤية الذي يختلف عن الواقع المحسوس. لم تعد اللوحة فوق خشبة المسرح مجرد ~~ديكور أو زينة تابعة للنص أو الشخصية. بل أصبحت رمزا وموضوعا من موضوعات الأدب والفن. ~~ويكفي أن نتذكر مشهد الباب السري أو مغارة الدموع التي تتسمع لها أذن أندرا «في مسرحية ~~الحلم»، أو قاعة انتظار الأرواح «في مسرحية إلى دمشق». # ولا شك أن استرندبرج قد مهد الطريق ~~للحركة التعبيرية، بل لعله قد عبده كذلك للحركة السيريالية. والمهم أن الدراما لديه قد ~~أصبحت هي دراما الأنا أو الذات الباطنة، وأن تفاصيل الحدث الواقعي - من مشاعر الإثم والذنب ~~أو المنازعات العائلية المألوفة أو مشكلة المال الذي يحصل عليه البطل - صارت مسائل تافهة، ~~بل إن فلسفة المؤلف ورأيه في الكون والحياة لم تعد ذات خطر؛ لأن مسرحية مثل «إلى دمشق» ~~قد أصبحت مسرحية «الأنا» التي تعرض المراحل التي تمر بها هذه الأنا عرضا ملحميا هائلا، ~~ولأن هذه الأنا قد أصبحت هي الدراما نفسها، وكل ما نراه أمامنا من شخوص وأحداث وصور ولوحات ~~وحوار ليس في حقيقة أمره غير مناجاة (مونولوج) يتحدث فيها المؤلف مع نفسه ويحاور رؤياه ~~الباطنة أو يحاول استكشاف أغوارها والتعليق على ما يدور فيها، وكأن كل هذه الشخصيات التي ~~تتحرك على خشبة المسرح من شحاذين وأطباء وقسس وأمهات وأبناء ... إلخ لا تخرج عن كونها ~~تعبيرات مادية عن ذات الكاتب القلقة، صورا تجسم ما يضطرب فيها من قوى متناقضة. ~~ولذلك ليس عجيبا أن نرى الحدث الخارجي والحوار يتحولان إلى الشكل الطقوسي المعروف في مسرح ~~العصور الوسطى، وأن نلاحظ اتساع الرقعة التي تشغلها المسرحية فتتخذ بأجزائها الثلاثة شكلا ~~ملحميا تدور أحداثه في دائرة بحيث ms26 تخرج المشاهدين من نقطة المركز لترجع إليها في النهاية ~~وتقفل هذه الدائرة مع ختام المسرحية، ولا شك أننا نلتقي هنا بذلك الشكل الساخر المتجانس ~~الذي التقينا به في ملهاة «ليونس ولينا»، كما نلتقي كذلك بالشكل الذي عرفناه في «فويسك» ~~بمشاهدها التي تتتابع لاهثة محمومة، لنتبين في الحالين أننا أمام صورة جديدة من صور ~~الدراما غير الأرسطية سيكون لها شأن كبير فيما بعد. # وعلى العكس من استرندبرج الذي تعبر ~~رؤاه الباطنة عن واقع خارجي ممزق منهار، نجد أنفسنا الآن أمام «بيراندللو ~~1867-1936م» الذي يتفكر في هذا الواقع ويتأمله. إن أعماله الأدبية كلها تدور حول مشكلة ~~المظهر والحقيقة، والقناع والوجه، والواقع الخارجي والواقع الداخلي، وانقسام شخصية ~~الإنسان في المجتمع الحديث أو بالأحرى تفتتها إلى شخصيات (ذرية) عديدة ... إنه يسأل في ~~كتاباته كلها هذا السؤال البسيط: أين القناع وأين الوجه؟ لذلك يصبح المسرح عنده، كما كان ~~عند بوشنر، رمزا للمجتمع الحديث. كما يصبح وسيلة للكشف عن وجهه الحقيقي أو عن الهاوية ~~الفاصلة بين المظهر والحقيقة، وهي الهاوية التي انشقت بالفعل تحت قدمي بوشنر. # وليس من المستطاع في هذا المجال الضيق أن نستعرض مسرحيات بيراندللو العديدة أو رواياته ~~وأقاصيصه التي لا تقل عنها أهمية. ولكننا سنكتفي بالنظر في بعض هذه المسرحيات التي تخدم ~~الغرض الأصلي من هذه السطور. فمسرحية «كل على طريقته» (1924م) هي في الحقيقة مسرح في مسرح، ~~على النحو الذي رأيناه من قبل عند «لودفيج تيك». فهناك مسرحية اجتماعية تعرض على خشبة ~~المسرح، وفي الفترات التي يتوقف فيها التمثيل يتناقش المتفرجون «من فوق الخشبة» حول ~~المسرحية، وتتكشف فضيحة عامة فيوقف عرض الفصل الثالث. ويعلق بيراندللو على هذا بقوله: ~~«إن إظهار ممرات المسرح والجمهور الذي شاهد الفصل الأول يهدف إلى بيان أن التمثيل الذي ~~ظهر منذ البداية كأنه شأن من شئون الحياة اليومية ليس في حقيقته إلا وهما أو خيالا متقن ~~الصنع ...» فالكوميديا التي تعرض على خشبة المسرح تعكس كوميديا المجتمع، والكاتب يكشف القناع ~~عنها ويوجه الهجوم إليها وهي على الخشبة. # أما مسرحيته ms27 المعروفة «هنري الرابع» (1922م) فبطلها نبيل شاب يعتقد المحيطون به أنه ~~مصاب بالجنون. وهو يقوم بتمثيل دور الملك البائس العظيم هنري الرابع (1553-1610م) ~~ويتقمص شخصيته إلى الحد الذي يدفع من حوله لمحاولة شفائه من هذا الجنون. ولكن الأحداث ~~تكشف عن أنه ليس مجنونا كما يظن الناس، وأنه لعب دوره عن وعي كامل ليفصح حقيقة بيئته ~~وأصدقائه. إن الثوب الذي لبسه هو - على حد قوله - صورة مشوهة من تلك اللعبة الضخمة الساخرة ~~التي نقوم فيها مختارين بدور الحمقى عندما نتنكر عن غير علم منا في زي ما يبدو لنا أنه ~~الواقع. وهكذا يصر على إبقاء القناع على وجهه متحديا العالم المحيط به ... # المسرح عند بيراندللو يؤدي نفس الدور الذي أداه هاملت عندما وضع قناع الجنون على ~~وجهه ليتمكن من اكتشاف الحقيقة. وبيراندللو يفعل ما فعله هاملت كذلك عندما يجعل من المسرح ~~مرآة ينعكس عليها الواقع، لكي يكشف عن حقيقة هذا الواقع الخارجي أو بالأحرى عن كذبه. ويبدو ~~أن بيراندللو قد يئس في أواخر حياته من جدوى هذه اللعبة الخطرة. فهو في مسرحيته الأخيرة ~~التي لم تتم «عمالقة الجبل، 1936م» ينتهي إلى أن هذا الكشف عبث لا طائل وراءه. فالعمالقة - ~~وهم يرمزون للعالم الخارجي - يحطمون عالم التمثيل الذي يعلن لهم الحقيقة. لقد أساءوا فهم ~~ثورة الدمى. وهي علامة سيئة لأنها تدل على أن بيراندللو قد يئس من مهمته؛ إذ لم يعتقد - ~~كما اعتقد برشت فيما بعد - أن باستطاعته تغيير العالم عن طريق المسرح. # إذا كانت هذه المسرحيات تبين لنا نوعا من التأمل المفارق ~~للحدث - وهو من أهم عناصر المسرح الملحمي كما ~~سبق القول - فإن مسرحيته الشهيرة «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» (1921م) تدفع به دفعة قوية داخل ~~إطار المسرح الملحمي الحديث. إنه هنا يناقش الموضوعات التي يطرحها على المسرح مستخدما شكل ~~مسرحية المجتمع. بل إنه يقترب من المدرسة الطبيعية عندما يضع الشكل موضع الشك والسؤال عن ~~طريق الموضوع الذي يعالجه. وهو في مسرحيته «الليلة نرتجل التمثيل» (1930م) كما في مسرحيتيه ~~السابقتين ينفذ ms28 من هذا الشكل أو يفجره عن طريق الموقف المسرحي نفسه. فليس هذا الموقف ~~إلا نموذجا يقدمه للمناقشة أو مناسبة تمكنه من قطع خيوط الحدث أو إيقافه تماما عن ~~طريق التأمل فيه والتعليق عليه. وليست مسرحية «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» سوى نموذج مسرحي ~~خالص، ولا تخرج عن كونها وسطا يجسم أفكاره وخواطره بشكل درامي في مشاهد متخيلة. ~~فثمة مسرحية تدور تجاربها، وإذا بالشخصيات الست تندفع إلى خشبة المسرح بحثا عن ~~المؤلف الذي تركها ناقصة على الورق وتعرض على مدير المسرح والمخرج «مسرحيتها» على أمل ~~أن يحققها على الخشبة. هذه الشخصيات الست التي خلقها خيال مؤلف إنما تمثل الواقع ~~الداخلي أو الحقيقة الباطنة. إنها تقتحم العالم الخارجي الذي يحيا فيه الممثلون كما تفوقه ~~صدقا وواقعية. وفي اللحظة التي يتحول فيها هذا الواقع الداخلي إلى واقع خارجي ملموس، في ~~اللحظة التي تنطلق فيها رصاصة المسدس فتقتل أحد الأشخاص، يهرب الممثلون ملتمسين ~~النجاة؛ لأنهم ليسوا إلا قوالب جوفاء للواقع الخارجي. # بهذا تنتهي المسرحية. ولكنها لا تنتهي إلى حل. فلا يزال البحث مستمرا عن جسر يصل ~~الواقع الداخلي بالواقع الخارجي. ولو نظرنا للمسرحية من ناحية الشكل لوجدناها تتحرك على ~~مستويين مثل مسرحية «لكل حقيقته». فالشخصيات الست تعرض مسرحيتها على الممثلين، ومدير ~~المسرح والممثلون يقطعون هذه المسرحية بأحاديثهم أو اعتراضاتهم. والشخصيات نفسها تخرج عن ~~دورها من حين إلى حين لتشرح موقفها أو تبرره، كما ينعكس انقسامها بين المستويين - بين ~~الواقع الداخلي والخارجي، بين الشخصيات والممثلين - مرة أخرى على الواقع الداخلي الذي ~~تقوم بتمثيله والخارجي الذي يتجلى في تأملاتها وتعليقاتها؛ أي أنها تبرر موقفها أو ~~عالمها الداخلي للمثلين الذين يصورون العالم الخارجي أو «الحقيقي». وهكذا يتم نوع من ~~التبادل بين طبقتين من طبقات الواقع يعمل على إلغائهما معا، وبهذا يتذبذب الشكل الدرامي ~~بين المستويين، أو قل إنه يذوب، كما يصبح التأمل أهم من الحكاية والحدث. فالحكاية تنسحب ~~إذا أمام التأمل، وهذا أمر سيكون له دور كبير في المسرح الملحمي الحديث. # إن الشخصيات الست المشهورة تتعذب لأنها ms29 لا تستطيع أن تتحقق في الواقع، وإن كان المؤلف قد ~~أعطاها من الحيوية والحياة ما لا يحلم به الأحياء! تصرخ إحدى هذه الشخصيات قائلة: «الحقيقة ~~يا سيدي، الحقيقة!» فيرد عليها مدير المسرح: «نعم نعم. ستكون الحقيقة. ولكن يجب أن تفهموا ~~أن مثل هذه الحقيقة لا وجود لها على خشبة المسرح .» هنا تنفتح هاوية بين الواقع والحقيقة ~~نستطيع اليوم أن نقول إنها من أهم خصائص الوجود الحديث. ولقد كان لبيراندللو الفضل في ~~الإشارة إليها. ولعله قد أراد شيئا من ذلك حين قال عبارته المشهورة: «قال نيتشه إن اليونان ~~قد نصبوا تماثيل بيضاء أمام الهاوية لكي يحجبوها عن الأنظار. أما أنا فأحطم التماثيل ~~لأكشف عن هذه الهاوية ...» ~~••• # كان بيراندللو آخر الكتاب المسرحيين ~~الكبار الذين مهدوا للدراما غير الأرسطية في العصر الحديث. رأينا عنده وعند غيره من ~~الكتاب من أمثال بوشنر واسترندبرج وفيديكند وتشيكوف وغيرهم كيف تخلل إطار الدراما الأرسطية ~~من وجوه عديدة، ووضعنا أيدينا على بعض العناصر التي تطور بها المتأخرون حتى تكون ما ~~نسميه اليوم بالمسرح الملحمي. ونحب أن نسأل الآن عن العوامل التي أدت إلى هذا ~~التطور: هل كانت هناك ضرورة لتجاوز البناء الأرسطي للدراما؟ وهل تكمن هذه الضرورة في ~~تطور المجتمع والحضارة الحديثة أو أنها كانت مجرد نزوة فنية أمعن فيها الكتاب كيفما شاء ~~لهم الهوى؟ # الحق أن تاريخ الدراما يسجل أشكالا عدة من الدراما غير الأرسطية ولا يدع مجالا للشك ~~في وجود عوامل كثيرة أدت إلى هذه الأشكال أو الأساليب المختلفة من البناء المسرحي. ~~ونستطيع أن نقرر - بادئ ذي بدء - أن المادة أو المضامين التي عالجها الكتاب في معظم ~~أشكال المسرح الملحمي كانت مضامين لها طابع الامتداد والاتساع المكاني والزمني والفكري. ~~ولعل عبارة شيلر التي أشرنا إليها فيما تقدم أن تكون مصداقا لهذا الكلام. فقد قال إن ~~التراجيديا - وهو يقصدها بالمعنى الأرسطي - لا تتناول إلا اللحظات الحاسمة أو الاستثنائية ~~في تاريخ البشرية. أما الملحمة فتتناول تاريخ البشرية كله بما فيه من ثبات واستقرار ~~ونظام. # يبدو أننا أصبحنا الآن ms30 في حاجة إلى تحديد معنى الدراما والشروط التي تجعلها ممكنة، ولقد ~~قام بذلك الباحث «بيتر زوندي» في كتابه «نظرية الدراما»، واعتمد على محاضرات هيجل في علم ~~الجمال لينتهي إلى أن الدراما الأرسطية تقوم على العلاقات الموجودة بين الناس، وأنها مكان ~~الاختيار الحر، وأنها أولية مطلقة بمعنى أنها لا تتعلق بشيء يأتي من خارجها، كما أنها ~~تتم في وحدة زمانية مكانية مطلقة، وتقوم على الترابط العلي. # ولو نظرنا إلى الإنتاج الدرامي في أواخر القرن التاسع عشر على ضوء هذه الحقائق لوجدناه ~~يتخلص منها واحدة بعد الأخرى، بعد أن زلزلت الأرض من تحتها نتيجة للرؤية الجديدة والواقع ~~الجديد. فالعزلة والتفكك في العلاقات بين الناس قد حلت محل الترابط الوثيق بينهم، ~~والظروف والضغوط الاجتماعية التي تحدد فعل الإنسان أخذت تخنق اختياره وإرادته الحرة، ~~والرؤية الكونية أو الأيديولوجية الجديدة قد أدخلت الفرد في علاقات جديدة أو - ~~بالأحرى - فرضت عليه العزلة وجردته من كل علاقة خارجة عنه، والعلنية والترابط ~~المنطقي قد تحطما، والمكان والزمان صارت لهما وظيفة جديدة. # وأدت أزمة الدراما الأرسطية أو الكلاسيكية إلى ظهور مجموعة من التجارب الدرامية التي ~~نظر إليها النقاد التقليديون نظرة الشك والارتياب. ولكن هذه التجارب تأكدت اليوم بعد أن ~~شارك فيها كبار الكتاب وأصبحت جزءا لا يتجزأ من رصيد المسرح العالمي. ولذلك بات من ~~الضروري أن ننظر إلى الأشكال الدرامية الجديدة نظرة الجد والاهتمام، لنجد ما يبررها في ~~روح العصر التي كانت استجابة له. وإذا كان المضمون الجديد أو المادة الحديثة كما قال «جوته» ~~قد استلزمت أشكالا درامية غير أرسطية، فقد وجب أن نبحث طبيعة هذا المضمون الجديد وهذه ~~المادة الحديثة. ~~••• # رأينا كيف كانت الدراما عند استرندبرج ~~وبيراندللو في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن رد فعل للتغير الاجتماعي والتطور ~~الاقتصادي. ولقد أدى هذا إلى غلبة النزعة العقلانية على الإنسان الحديث وإهمال نزعاته ~~الباطنة أو سد الطريق في وجهها. فلم يكن أمام الفن - والفن الدرامي بوجه خاص - إلا التعبير ~~عن هذا الواقع الجديد أو التنفيس عنه بالإغراق في تصوير ms31 العالم الباطن بكل ما يجيش به من ~~اضطرابات وأزمات أو الهجوم على العالم الخارجي - عالم الطبيعة والمجتمع على السواء - الذي ~~تحطم وتفتت ولم يعد من الممكن التمييز فيه بين الواقع والمظهر والحقيقة ~~والقناع. # حاولت الدراما - بعد انحسار موجة المدرسة الطبيعية - أن تقدم على المسرح «صورة ~~للعالم» من خلال العالم الباطن ، كما حاولت أن تكون هذه الصورة وافية وشاملة على قدر ~~الإمكان (على نحو ما حاول استرندبرج على سبيل المثال أن يصور العالم من خلال الحلم في ~~مسرحيته المعروفة بهذا الاسم). وهكذا برزت أهمية وجهين من وجوه الدراما الملحمية في ~~المسرح الحديث، فراحت من ناحية تعالج مواد لها طابع الشمول وتقدم مضامين تعبر عن ~~مواقف كلية ممتدة في المكان والزمان، كما استطاعت - من ناحية أخرى - أن تدخل العالم ~~الباطن في بنائها بكل ما ينطوي عليه هذا العالم من ذكريات وأحلام ورؤى ومفارقات. # هذه الصورة التي حاولت الدراما الملحمية ~~أن تنقلها عن العالم من خلال تصورها للعالم الباطن يمكن أن نصفها بأنها رؤية للكون أو ~~نطلق عليها كلمة «الأيديولوجية» التي شاعت اليوم على الألسنة. والواقع أن عصرنا، سواء شئنا ~~هذا أو لم نشأ، هو عصر الرؤية الشاملة أو عصر الأيديولوجيات. ولقد حاول هيدجر في كتابه «طرق ~~مسدودة» أن يحدد معنى هذه الكلمة التي أصبحت طابع العصر. فالمقصود بالعالم هو وصف الموجود ~~بأكمله، والعالم بهذا المعنى ليس مقصورا على الطبيعة أو الكون، بل يدخل فيه التاريخ كما ~~يدخل فيه علة الوجود ومبدؤه أيا كان تصورنا لعلاقته بالعالم. # وإذا فصورة العالم أو الرؤية الكونية أو الأيديولوجية أو ما شئنا من أسماء تعبر عن ~~وجهات النظر الشاملة التي أصبحت طابع العصر الحديث، وهذه الصورة في الواقع لوحة يقدمها ~~الإنسان عن عالم الموجودات بأكمله، العالم الذي نتصل به ونرتب حياتنا فيه وننظر إليه ~~كنظام قائم أمامنا. فالإنسان الحديث، كما يقول هيدجر، يتصور صورة عن العالم أو عن ~~الموجود. وهو حين يتصور هذه الصورة إنما يضع نفسه فيها أو يعرض نفسه ضمن المشهد الذي يصوره ~~ويتصوره. عالمه ms32 إذا قد أصبح هو العالم كما يتصوره هو، لا العالم الذي حاول مثلا الحكيم ~~الإغريقي القديم قبل سقراط أن يتصوره ويفهمه كما هو في ذاته. ووجود العالم مرتبط برأيه ~~فيه، وهو كذلك موضوع أحلامه ومستقبله ومستقبل البشرية التي تعيش فيه. ولذلك أصبحت علاقته ~~بالعالم أو بالموجود في مجموعه هي علاقة رؤية وتصور، وأصبح يتنازع مع غيره من بني الإنسان ~~أو يتفاهم معهم بمقدار قربهم أو بعدهم عن رؤيته وتصوره ووجهة نظره في هذا العالم، كما ~~أصبح تاريخ العالم الحديث هو تاريخ الصراع والشر والحرب وأنهار الدماء التي تفرق بين ~~الرؤى ووجهات النظر والأيديولوجيات، وهو صراع مرير يستخدم الإنسان فيه كل قدراته في العلم ~~والتخطيط والتدمير، بل كذلك في الفن والخلق والإبداع. # إذا صح هذا تفسيرا للعصر الذي نعيش ونتعذب فيه ليل نهار، فمن الطبيعي أن يكون المسرح ~~تعبيرا عنه وأن يصبح بدوره مسرح وجهات النظر الشاملة في الوجود أو مسرح الأيديولوجية ~~(مهما كان من كراهيتنا لهذه الكلمة الأخيرة التي طالما سببت ولا زالت تسبب الكوارث ~~لأبناء الأرض). وطبيعي أيضا أن الدراما الأرسطية يمكن أن تصور وجهات النظر الشاملة كما ~~يمكن أن تصورها الدراما غير الأرسطية. فهي في الدراما الأرسطية تعبير عن ألوان الصراع ~~الفردي الذي يدور بين الناس في علاقاتهم بعضهم ببعض. وهي في الدراما الملحمية تصوير للكون ~~في مجموعه ومحاولة للتعبير عن العالم تعبيرا شاملا يتجاوز حدود العلاقات الفردية ويسمح ~~بالنظرة التاريخية أو بالنظرة المتعالية على التاريخ. والواقع أن الدراما غير الأرسطية قد ~~قدمت هذه الصورة الشاملة للعالم بطريقتين: إما بتصوير موقف كلي تصويرا تاريخيا (كما ~~هو الحال مثلا في مسرحية موت دانتون لبوشنر) أو برسم صورة شاملة للعالم على أساس نموذج ~~مثالي (كما في مسرحية المسرح العالمي الكبير لكالديرون). والنموذج الذي نشاهده كذلك في ~~مسرحيات كالديرون - التي سبق الحديث عنها - يمكن أن يعالج المكان والزمان والمواقف والأحداث ~~كما يشاء وتشاء الصورة التي يريد تقديمها للعالم. # ومسرح الأيديولوجية الذي تعبر عنه ~~تجارب القرن الماضي وأوائل هذا القرن يتصف بصفة ms33 أخرى تعكس رؤية الإنسان لهذا العالم كنظام ~~قائم يسعى بكل قواه إلى فهمه والسيطرة عليه، وهي صفة التأثير والتعليم. ويتصل بهذا التأثير ~~والتعليم أو يكرس لخدمتهما عنصر نقابله في المسرح التقليدي كما نقابله في المسرح ~~الملحمي الحديث بوجه خاص، ألا وهو عنصر التأمل والتعليق؛ فالمسرح الملحمي قد جعل المتفرج ~~هو البطل والأنا الملحمية قد أصبحت تفرض نفسها بقوة وتتدخل بين خشبة المسرح وبين القاعة ~~التي يجلس فيها جمهور المشاهدين. ونعني بالأنا الملحمية المغني أو الراوية أو مدير ~~المسرح أو الشخصية التي لا تراقب الأحداث الجارية على الخشبة فحسب، بل تعلق عليها بوجه ~~عام ومطلق، وتحدد مسارها الملحمي، وتتصرف في الزمان والمكان، وتخلق من الشخصيات ~~والأشكال والأحداث ما يعينها على تصوير المثل الذي تريد أن تضربه للمتفرجين بقصد تعليمهم ~~وتوجيههم والتأثير عليهم. هي إذا تقوم بدور الوسيط بين المسرح والجمهور، وهي تتأمل الحدث ~~المسرحي من أعلى وتعلق عليه. وهي لا تكتفي بالتأمل الذاتي بل تتجه أيضا إلى الجمهور ~~لتشركه فيه. وإذا أردنا أن نفهم الوظيفة الملحمية التي يقوم بها الراوية فعلينا أن نرجع ~~إلى ما قاله عنه «جوته» في مقاله الذي سبق أن ذكرناه عن الأدب الملحمي والأدب الدرامي. يقول ~~جوته في وصفه لهذا الراوية المنشد: «إن الراوية الذي يتناول الكل ويقتصر على حكاية الماضي ~~وحده يظهر في صورة رجل حكيم يستعرض الأحداث في هدوء وتدبر، ويهدف بأسلوبه في الرواية إلى ~~تهدئة السامعين حتى ينصتوا إليه ويطيلوا الإنصات عن طيب خاطر، كما أنه يوزع عليهم ~~الاهتمام بالتساوي ... إنه يتقدم للأمام أو يتراجع للخلف حسبما يشاء ويتابعه المستمعون حيث ~~ذهب ...» وبقدر ما يستطيع الراوية أن يدمج المتفرج في تأمله، بقدر ما يبعده عن الحدث ~~المسرحي نفسه؛ ومن ثم يصبح الحدث بالنسبة للمتفرج المتأمل شيئا يمكن أن يراقبه من عل؛ ~~وبهذا يبتعد عنه هذا الحدث كما يبتعد هو عنه. هذا البعد يضفي طابع الموضوعية على الحدث ~~المسرحي بما يجعله «مثلا» أو «نموذجا»، ويجرد الشخصيات من فرديتها ويجعلها أشكالا أو ~~نماذج أو أمثلة لجماعة ms34 أو طبقة من الناس. # وفي تاريخ الدراما أمثلة عديدة على هذا الانشطار أو الانقسام الذي يتجلى في الحدث ~~ومناقشة الحدث، أعني كسر حاجز الوهم عن طريق التأمل والتعليق والمناقشة (كما رأينا عند ~~تيك وبيراندللو، وكما لاحظنا عند بوشنر في أثناء الكلام عن القناع والوجه في مسرحية ليونس ~~ولينا وإن لم يؤثر هذا على الشكل الدرامي كما فعل عند الكاتبين السابقين) هذا الانقسام أو ~~الانشطار لم يقتصر على المسرح وحده. لقد كان نتيجة موقف تاريخي وظروف تاريخية معينة؛ ~~ولذلك امتد إلى وجوه الفن المختلفة في العصر الحديث، وأصبح ظاهرة ملازمة له، سواء في ذلك ~~الفن التشكيلي أو الشعر أو الرواية الحديثة. المهم أن ظاهرة الانقسام هذه بين الفعل والكلمة ~~أو بين الحدث والتعليق عليه قد أصبحت كما تقدم وسيلة للتعليم والتأمل والتأثير وضرب ~~الأمثلة. ولا بد هنا من التفرقة بين التأمل في المسرح الأرسطي أو التقليدي عندما يتحدث ~~الممثل مع نفسه في مونولوج وبينه في المسرح الملحمي؛ لأن التأمل هناك ليس إلا لحظة يعود ~~فيها البطل إلى نفسه ليستجمع قواه أو يستريح قبل الدخول في صراع جديد. إنه تأمل لا يخرج ~~به عن مسار الحدث؛ لأنه خيط داخل في نسيج هذا الحدث. وفرق كبير بين موقفه وموقف الراوية ~~أو المتحدث والمعلق في الدراما الملحمية؛ فتأمله أو تعليقه لا يندمج في تيار الحدث ~~الدائر على المسرح، بل يسير موازيا له أو خارجا عنه، بل إن هذا التأمل والتعليق أو هذه ~~الرواية هي الخيط الذي يمسك البناء الدرامي بأجمعه. إن الراوية يخرج عن دوره كما يخرج عن ~~الحدث ويتجه للجمهور ليتحدث أو يروي أو يغني أو يشترك في حوار مع مدير المسرح، على نحو ~~ما نرى مثلا في مسرحية «بلدتنا» لتورنتون وايلدر. # هكذا نرى أن التأمل في الدراما الملحمية ~~الحديثة هو الذي يحدد الحدث، في حين أن التأمل في الدراما القديمة يرتبط بالحدث ويدخل ~~في بناء المسرحية؛ ولذلك كان ارتفاع التأمل فوق الحدث أو تبعية هذا لذاك في المسرح الحديث ~~ذا أثر بالغ ms35 على الشكل نفسه. لقد أصبح الحدث كله مجرد موقف أو حالة أو مثل يضربه ~~المعلق أو الشخصية المتأملة بقصد التأثير أو التعليم؛ ولذلك نجد في كثير من الأحوال ~~أن الحدث الذي يصور على خشبة المسرح يسبب نوعا آخر من الانفصال بين الفعل واللغة ~~بحيث يمكن تصوير كلام الراوية في صورة حركات تمثيلية صامتة على خشبة المسرح. # ونكتفي بهذا القدر من الكلام عن العناصر الشكلية التي جدت على الدراما الملحمية ~~الحديثة، على أمل أن يتضح ما غمض عند تناولنا لنموذج تطبيقي منها. ويحسن بنا أن نجمل ~~النقاط السابقة في جدول نقابل فيه بين المسرح من وجهة النظر الأرسطية والمسرح غير ~~الأرسطي: # المسرح الأرسطي # المسرح غير الأرسطي # البطل هو الشخصية الرئيسية # التأمل هو الشخصية الرئيسية # الحدث هو الأساس # التأمل هو الأساس # الحدث يحدد التأمل # التأمل يحدد الحدث # التأمل داخل في بناء الحدث # التأمل مواز للحدث # الدراما والحكاية شيء واحد # الراوية ينفصل عن الحكاية # الرأي العام أو الجمهور يحدد # الرأي العام يشترك في المناقشة # المسار الزمني متضمن في الحدث # المسار الزمني يشعر به عن وعي # حدث يخطو إلى الأمام # صورة، موقف، حالة، مثل # شريحة من حدث # الحدث في مجموعه # تركيز الزمان والمكان في أضيق نطاق # اتساع رقعة الزمن والمكان # الاهتمام بالعلاقات بين الناس # الاهتمام بتجاوز الجانب الفردي # تقريب الحدث إلى المتفرج بطريقة وجدانية # إبعاد الحدث عن المتفرج # أما هذا الجدول فيلخص وجوه الانقسام أو الانشطار الذي تحدثنا عنه في الدراما الحديثة ~~وما يقابله في الدراما القديمة: # الدراما الأرسطية # الدراما غير الأرسطية # حدث # تأمل # ممثل # راوية أو محدث أو مدير مسرح # مسار الحدث بصري # مسار الحدث لغوي سمعي # منظر # مكان العرض # ديمومة زمنية # إشارة إلى الديمومة # مكان # إشارة إلى المكان # نظرية أو رأي # مثل أو عبرة أو درس # ومن الخير أن نوضح التقابل في هذين الجدولين بتطبيقه على نموذجين من الدراما الأرسطية ~~والدراما الملحمية على الترتيب. أما النموذج الأول فنستمده من إحدى مسرحيات «شيلر» ~~(1759-1805م) وهي مسرحية «دون كارلوس» التي بدأ بها، كما يقول ms36 النقاد ومؤرخو الأدب، ~~المرحلة الكلاسيكية في إنتاجه. وأما النموذج الثاني فهو من خير الأمثلة على المسرح ~~الملحمي بوجه عام ومسرح برشت 1898-1956م بوجه خاص، ونعني بها مسرحية «دائرة الطباشير ~~القوقازية» التي عرضت لحسن الحظ على مسرحنا القومي منذ سنوات قليلة. # وشيلر يسير في بنائه لمسرحيته «دون ~~كارلوس» على الأسلوب الأرسطي؛ فهو يضع الصراع في موضعه من العلاقات الإنسانية المتشابكة بين ~~الناس، ويقيم بناءه على أساس من الأحداث التي يرويها التاريخ. إن الدسائس والمؤامرات هي ~~التي تحدد سير الحدث الدرامي، كما تحدده المصالح المعقدة المتشابكة بين الشخصيات ~~المختلفة بحيث يصل الصراع إلى قمته ثم يميل إلى الحل والنهاية. والنسيج الداخلي للحدث هو ~~الذي يحدد بناء المسرحية. والمشاهد المختلفة تتداخل من ناحية المكان والزمان في بعضها ~~البعض كما تتداخل تروس العجلة. والمكان لا يتغير في المسرحية تغيرا ملحوظا سوى مرة ~~واحدة؛ إذ يدور الفصل الأول في مدينة «إرانخويز» وتدور بقية الفصول في البلاط الملكي في ~~مدريد. غير أننا لا نحس كثيرا بهذا الفارق أو هذا الفراغ الكبير الذي يفصل مكانين ~~بعيدين لأن مسار الحدث الدرامي واتساقه المنطقي يملآن الفراغ ويقللان الشعور به إلى ~~أقصى حد؛ فنحن نرى تصميم الأمير دون كارلوس في المشهد الأخير من الفصل الأول على أن يرجو ~~أباه الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا أن يسلمه قياد البلاد الواطئة، كما نراه ينفذ ما ~~صمم عليه في بداية الفصل الثاني. وتتغير الأمكنة في الفصول الثلاثة التالية تغييرات شتى، ~~ولكنها تظل محصورة في نطاق القصر الملكي، كما أن الأحداث التي تتسبب في تغيير الأمكنة ~~تلتحم ببعضها البعض من الناحية الزمنية أو تسير متوازية وتتم في وقت واحد. والمهم أن ~~المتفرج أو القارئ لا يشعر بالفواصل المكانية أو الزمنية لأن تسلسل الأحداث على المسرح ~~تسلسلا منطقيا مترابطا ترابط العلة والمعلول يسد الفراغ ويمد جسرا يتم عليه ~~العبور بينها؛ بحيث نحس أن هناك حدثا مسرحيا متكاملا يندفع إلى الأمام ولا يسمح لشيء ~~أن يوقفه أو يحيد به عن طريقه. هكذا يتركز الحدث بكل مواقفه ms37 الدرامية من ناحية المكان ~~والزمان في كل متصل مترابط الحلقات. صحيح أن هناك لحظات توقف في هذا الحدث، ~~كالحكايات التي تروى أو الذكريات أو المونولوجات التي تتحدث بها الشخصيات إلى نفسها أو ~~المناقشات الفكرية، إلا أنها لا توقف الحدث تماما ولا تسمح كما قلت بالخروج عليه. ~~والسبب هو أنها جميعا تدخل في نسيج الحدث العام فلا توقفه ولا تعطله، بل تكون بمثابة ~~محاور أو عوامل دافعة له. # فإذا تأملنا مسرحية دائرة الطباشير القوقازية، وجدنا أنفسنا أمام شكل آخر مما سميناه ~~مسرح الأفكار ووجهات النظر الشاملة أو مسرح الأيديولوجية. فهي تتألف من ثلاثة أقسام مستقلة ~~عن بعضها البعض هي المقدمة وقصة الخادمة جروشا وقصة القاضي أزداك. والقسمان الأخيران ~~تربطهما صلة وثيقة، ويمكن أن نعدهما في الحقيقة مقدمة للوحة الخامسة التي تجمع ~~بينهما وتعرض فيها قصة التقاضي بين المرأتين المتنازعتين على أمومة الطفل. # إن المقدمة تعرض الرأي أو الدرس الذي سنستخلصه من المسرحية. أما المسرحية نفسها فليست ~~إلا المثل المضروب لإثبات هذا الرأي أو الدرس. فها هم جماعة من الفلاحين الروس يعودون بعد ~~الحرب إلى قريتهم التي خربها النازيون وفي نيتهم الاحتفاظ بالوادي الذي كانوا يزرعونه ~~وتعميره من جديد. ويدخلون في حوار مع سكان المزرعة الجماعية المجاورة لهم، الذين يريدون أن ~~يشغلوا ذلك الوادي في مشروع واسع للري. ويفوز هؤلاء بعد مناقشة طريفة مع جيرانهم ~~ويقنعونهم بأن مشروع الري أجدى عليهما معا وأقدر على زيادة خصوبة الوادي وإنتاجه من ~~الفاكهة والمحاصيل. ويحتفل الجميع بهذه النهاية السعيدة التي فض بها النزاع، فيقدم ~~الممثلون الذين اشتركوا في المناقشة مسرحية نعلم أنهم تمرنوا عليها من قبل. ونعلم ~~أيضا أن المسرحية أو التمثيل بمعنى أصح سيقوم على حكاية صينية قديمة عن دائرة الطباشير ~~وأنهم سيستوحون هذه الحكاية ويعرضونها في «صورة مختلفة». وهذا الاختلاف ينصب في ~~الواقع على الهدف الجديد من الحكاية أو الخرافة القديمة لأنه ينفذ منها إلى غرض فكري أو ~~أيديولوجي جديد. وليس الغرض كله إلا وسيلة لإثبات الفكرة التي تقول إن الحقوق الطبيعية ~~ليست ms38 هي المقياس في الحكم على الأمور، بل إن المقياس هو الكفاءة والقدرة على استغلال الوادي ~~بأكبر طاقة ممكنة ليعود الخير على الجميع؛ ومن ثم لا يحصل على الوادي إلا من يستطيع أن ~~يبذل أقصى جهد ممكن في استغلاله. وعندما يعرض القسم الرئيسي من المسرحية - وهو دائرة ~~الطباشير - نجد قاضي الشعب «أزداك» لا يحكم للأم الطبيعية بالطفل الذي تخلت عنه في وقت ~~الخطر لانشغالها بمتاعها وملابسها، بل للخادمة الطيبة «جروشا» التي ضحت من أجله ورعته ~~وتعهدته سنوات طويلة. وهكذا يلخص الراوية الحكمة أو العبرة التي تنتهي بها المسرحية ~~وتضم مقدمتها وقسمها الرئيسي هذه الأبيات: # أما أنتم يا من استمعتم، # إلى حكاية دائرة الطباشير، # فاعلموا رأي الأقدمين، # في أن كل ما هو موجود، # فهو ملك لمن يحسن تدبيره؛ # فالأطفال ملك للأمهات القادرات، # حتى ينموا ويترعرعوا، # والعربات ملك للسائقين المهرة، # حتى يحسنوا قيادتها، # والوادي ملك لمن يروونه، # حتى يؤتي ثمره. # إن المنشد أو المغني هو الذي يصنع حبكة الحكاية ويخلع عليها إطارها؛ فهو ~~يجلس مع أفراد فرقته الموسيقية في مقدمة المسرح ليروي على المتفرجين قصة الخادمة جروشا ~~والقاضي أزداك ويعلق عليها. وهو لا يضم الأحداث التي يراها جديرة بالعرض الدرامي في ~~حدث مركز، بل ينظمها كما تنظم حبات اللؤلؤ في خيط قصته، وهو يسد الفجوات الفاصلة ~~بين أجزاء الرواية في المكان أو الزمان بإشارته إليها وتعليقه عليها، كما يقطع الحدث ~~الأساسي في المواضع التي يختارها فيصف الموقف أو يستخلص العبرة أو يستريح مع أفراد فرقته. ~~وجدير بالملاحظة أن اللوحات المختلفة تحمل عناوين مستقلة تساعد على توضيح الخط الملحمي ~~الذي تسير فيه القصة؛ فهناك لوحة الطفل الرفيع، والهروب إلى الجبال الشمالية، وقصة القاضي ... ~~إلخ. والخط الملحمي الذي أشرت إليه هو الذي يتيح للراوية أن يصف الحرب الأهلية ويعلق ~~عليها ويذكر أسبابها وآثارها. وهو لا ينفرد بهذا الوصف والتعليق، بل يشاركه الممثلون ~~أنفسهم. إن الموقف كله موقف ملحمي شامل يسمح لهم بالانفصال عنه والنظر إليه من أعلى أو ~~من بعيد نظرة الوصف أو التعليق. # ولا ms39 يصح أن يفوتنا كذلك أن برشت قد خلق - في عرضه لقصة القاضي - نوعا من المسرح الملحمي ~~داخل المسرح الملحمي. والقارئ يتذكر بغير شك ذلك المشهد الجميل الذي يختبر فيه الشعب أزداك ~~ابن أخي الأمير كاتزبيكي أمام الجنود المسلحين ليرى مدى صلاحيته لتولي أمور القضاء. ~~فأزداك يقوم بدور الأمير الأكبر المتهم ويدينه بحذق ومهارة لا نظير لهما. وهو بهذا يكشف ~~حقيقة الموقف السياسي كله أمام الجنود المسلحين أو الفرسان المصفحين، ~~كما يكشف عن الألاعيب والمؤامرات التي دبرها ذلك ~~الأمير. إنه نوع من التعليم أو التلقين الذي يتخذ صورة العرض والتمثيل، والقاضي يقوم بدور ~~الأمير الكبير، ولكنه يظل مع ذلك محتفظا بشخصية القاضي ويصف تصرفات الأمير أو يعلق ~~عليها عندما «يخرج من دوره» من حين إلى حين. # وحكاية القاضي التي تبدأ بعد انتهاء حكاية جروشا لتتصل بالموقف الذي صورته اللوحة ~~الأولى من لوحات المسرحية لم تصب بعد انتهائها في حكاية جروشا؛ هذه الحكاية التي تتيح ~~للمؤلف أن يضيف عددا كبيرا من الأغنيات التي تبدو كأنها «نمر» منفصلة عن سياق الحدث ~~الأساسي يتجه بها المنشدون إلى الجمهور مباشرة. # إن مقدمة المسرح تتداخل باستمرار في المناظر التي تعرض على خشبته، والمغني وفرقته ~~لا ينفصلون أبدا عن الأحداث أو الشخصيات التي تتحرك في قاع المسرح. ولنضرب مثلا باللوحة ~~الأولى من المسرحية؛ فالراوية يبدأ حكايته بإنشاد هذه الأبيات: # في الزمن القديم، في زمن الدماء، # حكم هذه المدينة التي توصف بالمدينة الملعونة # حاكم يدعى جورجي أبا شفيلي ... # وبينما نسمع هذه الأبيات نرى أمامنا مشهدا صامتا يصور الحدث الأول من ~~أحداث المسرحية؛ فها هو ذا الحاكم يسير مع زوجته وحاشيته إلى الكنيسة لتعميد ابنه ووريثه. ~~ويتدخل الراوية بصورة مستمرة في مجرى الحديث فيقول: # للمرة الأولى رأى الشعب في عيد الفصح الأمير، # كان هناك طبيبان لا يبعدان عن الطفل الرفيع خطوة واحدة، # عن حبة عين الحاكم ... # ثم يأتي أول مشهد مسرحي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهو المشهد الذي ~~نرى فيه الأمير كاتزبيكي وهو يحيي الحاكم، ويختفي الحاكم مع حاشيته ms40 في الكنيسة، وتخلو ~~خشبة المسرح لحظات، وينشد الراوية قائلا: # المدينة هادئة، # في ميدان الكنيسة يتهادى الحمام. # جندي من حراس القصر # يداعب خادمة المطبخ # التي تظهر قادمة من النهر ومعها حزمة من الملابس. # ويعود التمثيل الصامت فيصور السطور الأخيرة من هذه الأبيات على المسرح، ~~تمهيدا للمشهد العاطفي الذي سيتم بين جروشا وبين الجندي سيمون، وبعد انتهاء المشهد يستأنف ~~الراوية إنشاده فيقول: # المدينة ساكنة، فلم الجنود المسلحون؟ # قصر الحاكم يسوده الهدوء، # فلم تحول إلى قلعة حصينة؟ # هذه السطور الأخيرة التي تقطع الحدث وتسبب نوعا من الانفصال بينه وبين ~~اللغة تصور بالتمثيل الصامت فوق خشبة المسرح، وتعلق على الثورة التي ستجتاح المدينة. ~~وبعد قليل نرى الحاكم وهو يغادر الكنيسة، فيسرع الراوية بالتعليق ويقول: # يا لعمى الكبار! إنهم يذهبون ويجيئون # في خيلاء فوق رقاب الخاضعين # وكأنهم خالدون ... # إن الانفصال الذي لاحظناه بين الكلمة والفعل ينطوي على نوع آخر من ~~الانفصال بين الفعل والتعليق عليه. ويأتي مشهد هروب زوجة الحاكم التي تتخلى عن طفلها في ~~غمرة الخطر الداهم والاهتمام بالثياب والمتاع. وفي زحام الهروب من الموت يتفق حارس القصر ~~سيمون مع جروشا على الخطبة. ولما كان مسار الحدث المسرحي كله يتم في صورة الحكي أو السرد ~~القصصي فإن هذا يتيح لجروشا أن تقف وقفة شاعرية تناجي خطيبها بهذه الأبيات: # سيمون شاشافا، سوف أنتظرك. # اذهب مطمئنا إلى المعركة # يا عسكري ... # ونعرف من الحوار الدائر بين الخدم أن الثورة زحفت على المدينة وأن ~~المتمردين قد أعدموا الحاكم. ويهرب الجميع ولا يبقى غير الطفل والخادمة جروشا التي تكتشفه ~~وتتردد في أخذه معها ثم تجلس أمامه حتى يطلع الصباح. وينتهز الراوية هذه الفرصة فينشد ~~أبياتا يمتزج فيها الوصف بالتأمل، بينما نرى جروشا جالسة أمام الطفل تفكر في مصيره. ~~وتمضي فترة من الزمن يشير إليها الراوية بقوله: # بقيت جالسة بالقرب من الطفل، # حتى جاء مساء، حتى جاء الليل، # حتى جاء الفجر ... # وتفعل جروشا ما يقوله المنشد، وتحتضن الطفل ... # لعلنا قد لاحظنا من هذا العرض السريع أن دائرة الطباشير القوقازية من ms41 أفضل ~~الأمثلة على المسرح الملحمي وإمكانياته المتميزة في الشكل والتعبير. وإذا كانت قد أتاحت لنا ~~أن نوضح الأفكار التي أجملناها على الصفحات السابقة، فلا بد أن نؤكد في النهاية أن ~~المسرح الملحمي والمسرح غير الأرسطي ليسا بالضرورة وفي كل الأحوال شيئا واحدا؛ فالخروج ~~على قواعد الدراما الأرسطية (من تطبيق للأحداث الثلاثة المشهورة - الموضوع والزمان والمكان ~~- وتطور الحدث على أساس علي ومنطقي، وتشابك المشاهد وتداخلها، والصراع والحل ... ~~إلخ) وتوافر بعض الظواهر والعناصر في المسرحية الحديثة (كامتداد الحدث في المكان والزمان، ~~والتحرر من الترابط العلي، وخضوع المشاهد لمبدأ التجاور الذي يجعل منها وحدات ~~مستقلة، والحديث المباشر من الممثل للجمهور، واللجوء إلى الاستهلاك (البرولوج) والتعقيب ~~(الأبيلوج) والاستعانة بالتمثيل الصامت والغناء والرقص والموسيقى وأسلوب المسرح في المسرح، ~~واستخدام الأقنعة واللافتات ومكبرات الصوت والفانوس السحري والعرائس وألعاب السيرك ~~والتهريج والأكروبات وصندوق الدنيا، إلى آخر أساليب «الإغراب» وتبديد الإيهام وإبراز طابع ~~العرض التمثيلي الخالص) كل هذه الظواهر والعناصر لا تكفي وحدها لكي تجعل المسرح ملحميا؛ ~~فمن الضروري أن يتحقق عنصر التأمل في الحدث من جانب «الأنا الملحمية»، سواء في صورة ~~الراوية (كما نجد في بعض أعمال برشت وكلوديل ووايلدر) أو في صورة تأمل باطني يتمثل في ~~الحلم أو التذكر أو التعليق أو الأمثولة. والمهم بعد كل شيء أن ينطلق من وجهة نظر ~~فكرية موحدة، دينية كانت أو سياسية أو تاريخية أو مذهبية، تعبر عن رؤية شاملة ~~ودرجة عالية من الموضوعية التي تتميز بها الملحمة، أضف إلى هذا كله أن دائرة الطباشير لا ~~تمثل الشكل الوحيد للمسرح الملحمي؛ فهناك مسرح كلوديل الديني، وهناك جيل الكتاب الذين ~~تأثروا بأسلوب برشت الفني وخالفوا مذهبه الفكري وتخلوا عن رغبته في تعليم المتفرج ~~وإيمانه بإمكان تغيير العالم وفهمه، مثل ماكس فريش وديرنمات ومارتن فالزر وبيتر فايس ~~وغيرهم، بجانب ظواهر ملحمية عديدة تقابلنا في المسرح الشعري (لوركا وشحاده وفراي) ومسرح ~~اللامعقول (يونسكو وآداموف) ومسرح بيكيت، وظواهر غير مكتملة عند وايلدر وتنسي وليامز ~~وآرثر ميلر وغيرهم فضلا عن تجارب أخرى أخذت تشق طريقها ms42 في السنوات الأخيرة. وهناك ~~أخيرا لمحات لا تخفى من تأثيره على بعض أعمال كتابنا المصريين وإخوتهم في البلاد ~~العربية الشقيقة، أذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر - ليالي الحصاد وباب الفتوح لمحمود ~~دياب، والفرافير ليوسف إدريس، وحفلة سمر ورأس المملوك جابر لسعد الله ونوس، ومقامات ~~الهمذاني للطيب صديقي (وقد سمعت عنها ولم يتح لي للأسف أن أقرأها أو أشاهدها على المسرح) ~~وبعد أن يموت الملك لصلاح عبد الصبور، ومحاكمة رجل مجهول لعز الدين إسماعيل، وآه يا ليل يا ~~قمر لنجيب سرور، وبلدي يا بلدي لرشاد رشدي، وليلة مصرع جيفارا للمرحوم ميخائيل رومان، وأيوب ~~وحبظلم بظاظا لفاروق خورشيد، وسليمان الحلبي لألفريد فرج، ويا سلام سلم الحيطة بتتكلم لسعد ~~الدين وهبة، والموت والمدنية وثوب الإمبراطور ومسرحيات أخرى لم تنشر لكاتب السطور، إلى ~~غير ذلك من الأعمال التي يختلف حظها من النجاح كما يتفاوت أصحابها في فهم طبيعة المسرح ~~الملحمي وشكله والضرورة الفنية والفكرية التي تدعو لكتابته ... # ولكن هذا موضوع آخر، ربما أرجع إليه في مجال أوسع، إن شاءت رحمة الله أن تمد في خيط ~~العمر، وتصون النور في شمعة العين ... # إشارات ~~(1) # راجع للسيدة ماريانة كستنج - وهي من أهم دارسي المسرح الحديث - كتابها ~~القيم عن المسرح الملحمي، وقد ظهر في سلسلة كتب أوربان، بدار النشر ~~كولهامر، الطبعة الثانية، 1959م. وارجع إن شئت أيضا إلى مقدمة كاتب ~~السطور لمسرحيتي الاستثناء والقاعدة ومحاكمة لوكولوس لبرشت، سلسلة مسرحيات ~~عالمية، العدد السادس، الدار القومية للطباعة والنشر، 1965م، ص22 وما ~~بعدها. ~~(2) # جوتس فون برليشنجن ذو القبضة الحديدية، مسرحية كتبها جوته سنة 1773م في ~~مرحلة الفورة والانطلاق، والتعبير العاطفي المتطرف في فرديته وتمجيده ~~للعبقرية الأصلية الخلاقة بكل تحررها وتحديها وعنفوانها الوجداني ~~والخيالي، وتمثل بدايات مرحلة العصف والاندفاع في حياته وحياة الأدب ~~الألماني، ورد فعل لعقلانية عصر التنوير. وقد ترجمها الدكتور مصطفى ماهر ~~إلى العربية، وظهرت مع شذرة مسرحيته فاوست ~~الأولى - سنة 1975م ضمن ~~المسرحيات المختارة التي تصدر عن هيئة الكتاب بالقاهرة. ~~(3) # راجع لكاتب السطور مقالا بهذا العنوان في كتاب ms43 «البلد البعيد» ~~(ص147-169)، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968م، ومقالا آخر عن حياته ~~الثائرة في نفس الكتاب (ص125-146). أما مسرحياته الثلاث فتجد ترجمتي ~~لاثنتين منها «فويسك، وليونس ولينا» في العدد العاشر من سلسلة المسرحيات ~~العالمية كما تجد مسرحيته الكبرى «موت دانتون» في عدد أبريل سنة 1969م من ~~مجلة المسرح القاهرية. ~~(4) # راجع إن شئت عرضا لهذه الرواية في كتابي عن «التعبيرية» الذي ظهر في ~~سلسلة المكتبة الثقافية، العدد 260، مارس 1970م، من ص72 إلى ص75. ~~(5) # راجع أهم مسرحياته التي ترجمها المرحوم الأستاذ محمد إسماعيل محمد، وارجع ~~إلى دراسة عنه لكاتب السطور ظهرت في «البلد البعيد» ص192-218. ~~(6) # بيتر زوندي، نظرية الدراما الحديثة، فرانكفورت، دار نشر زوركامب، ~~1956م. ~~(7) # مارتن هيدجر، طرق مسدودة (أو متاهات)، فرانكفورت، دار نشر فيتور ~~يوكلوسترمان، 1952م، ص69-104. ~~(8) # يصف أحد الكتاب المحدثين (فالتر بنيامين) أهم خصائص المسرح الملحمي ~~بأنها هي «ردم الأوركسترا» أي إلغاء الهوة الفاصلة بين الخشبة ~~والصالة. ~~(9) # راجع الترجمة العربية لهذه المسرحية بقلم أستاذنا الدكتور عبد الرحمن ~~بدوي، ضمن سلسلة روائع المسرح العالمي، العدد 30، المؤسسة المصرية العامة ~~للتأليف والنشر، وراجع له كذلك ولكاتب السطور عددا آخر من ~~مسرحياته. ms44