######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.MuhakamatGilgamesh.Hindawi72957419 #META# Tags: plays #META# ID: 72957419 #META# Title: هو الذي طغى: محاكمة جلجاميش: في عشر لوحات درامية #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # الشخصيات‏ # 1 - بدء الكلام‏ # 2 - وحش البرية مع كاهنة الحب‏ # 3 - السفر لأرض الأحياء‏ # 4 - مصرع خمبابا في الغابة والجبل الأخضر‏ # 5 - لعنة عشتار على أوروك وقتل الثور‏ # 6 - الحمى تحرق إنكيدو ودخان الأحلام‏ # 7 - جلجاميش والرجل العقرب، وحوار مع سيدوري ساقية الحانة، ~~وكذلك مع أورشنابي ملاح مياه الموت‏ # 8 - لقاء مع أوتنابشتيم وأخبار الطوفان عودة جلجاميش بالنبتة‏ # 9 - ضياع النبتة والعودة إلى أوروك‏ # مسك الختام‏ # ملاحظات‏ # تمهيد‏ # الشخصيات‏ # 1 - بدء الكلام‏ # 2 - وحش البرية مع كاهنة الحب‏ # 3 - السفر لأرض الأحياء‏ # 4 - مصرع خمبابا في الغابة والجبل الأخضر‏ # 5 - لعنة عشتار على أوروك وقتل الثور‏ # 6 - الحمى تحرق إنكيدو ودخان الأحلام‏ # 7 - جلجاميش والرجل العقرب، وحوار مع سيدوري ساقية الحانة، ~~وكذلك مع أورشنابي ملاح مياه الموت‏ # 8 - لقاء مع أوتنابشتيم وأخبار الطوفان عودة جلجاميش بالنبتة‏ # 9 - ضياع النبتة والعودة إلى أوروك‏ # مسك الختام‏ # ملاحظات‏ # | هو الذي طغى # | هو الذي طغى # | محاكمة جلجاميش: في عشر لوحات درامية # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # من أصعب الأمور على الكاتب أن يحدث قارئه - الذي ينتمي مثله إلى حضارة هذه المنطقة من ~~العالم - عن درة ساطعة في تاج هذه الحضارة. ودرة الدرر التي أعنيها هي ملحمة ~~جلجاميش، والحضارة التي أقصدها هي حضارة وادي الرافدين القديمة. ومع أن الفجوة الزمنية ~~التي تفصلنا عنها منذ اكتمال نسختها الأخيرة في العصر الآشوري الحديث (على عهد آخر الملوك ~~الآشوريين العظام، وهو آشور بانيبال من 668ق.م. إلى 627ق.م.) تزيد عن ألفين وخمسمائة عام، ~~ولا تقل منذ بداية تدوين أجزاء منها في العصر البابلي القديم (من 1894-1595ق.م.) عما ~~يقرب من أربعة آلاف سنة، بالإضافة إلى ما تراكم على الوعي بعد غروب شمس هذه الحضارة ~~بانهيار الدولة الآشورية (609ق.م.)، وانتهاء السلالة الكلدانية (539ق.م.)، من طبقات بعد ~~طبقات كونتها شعوب ونظم ودول أخرى مختلفة تعاقب حكمها على أرض النهرين حتى الفتح ~~الإسلامي (من الفرس الأخيمينيين (538-331ق.م.)، إلى المقدونيين والسلوقيين (330-125ق.م.)، ~~إلى الأرزاسيين أو الفرثيين (من حوالي 250ق.م. إلى حوالي 228ب.م.) إلى ms001 الساسانيين (من ~~224ب.م. إلى 651ب.م.))؛ فإن ذلك كله لم يمنعها من التأثير على ثقافات الشرق الأدنى القديم ~~والانتشار وراء حدوده، ولم يمنع كذلك - بعد اكتشاف نصها السابق الذكر في منتصف القرن الماضي ~~- من أن تصبح جزءا لا يتجزأ من الأدب العالمي، وعنصرا من أهم العناصر المكونة للوعي ~~المثقف، ومادة للبحث والدراسة والترجمة إلى كل اللغات، ومنبعا لا ينضب لإلهام المبدعين ~~في الأدب والفن. # 1 # والعمل الأدبي الذي بين يديك محاولة ل «قراءة» هذه الملحمة الجليلة الجميلة قراءة ~~جديدة. ولا بد قبل الكلام عنه من نبذة مختصرة بقدر الإمكان عن النص الأصلي العريق من جوانب ~~مختلفة: قصة تدوينه ونسخه، وشذرات ألواحه المشتتة في متاحف العالم، وقصة اكتشافه وترجمته ~~إلى اللغات القديمة والحديثة، وأصوله السومرية التي يحتمل أن يكون الكاتب أو الكتاب ~~البابليون قد اعتمدوا عليها - بجانب التراث الشفاهي القديم - في نسج ملحمتهم الخالدة، ثم ~~مكانة جلجاميش من الأدب العالمي وأهميتها - كتراث إنساني - للوعي العربي الحاضر. ~~••• # لم يكن القصيد الشعري الكبير الذي اشتهر باسم «ملحمة جلجاميش» هو التشكيل الوحيد للأساطير ~~وقصص المغامرات والحكايات الشعبية التي دارت حول شخصية جلجاميش، وتناقلتها الأفواه قبل ~~تدوينها بمئات السنين؛ ذلك أن جذور هذه الملحمة البابلية الأصيلة ممتدة في عروق الثقافة السومرية، # 2 # ولها تاريخ سابق يقوم على عدد من القصص السومرية التي تمكن العلماء من جمع ~~شذراتها وحل معظم ألغازها خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، وسوف نعرض لهذه القصص بعد ~~الحديث عن حياة جلجاميش، الذي يتفق العلماء اليوم على أنه قد عاش في الحقيقة والواقع، على ~~الرغم من تأليه الكهنوت السومري له في زمن مبكر - شأنه في ذلك شأن ملوك سومر المبكرين ~~الذين جمعوا بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية - ومن رفعه إلى مصاف الآلهة بعد موته ~~وتنصيبه قاضيا لأرواح الموتى في العالم السفلي. # كان جلجاميش ملكا ل «دولة مدينة» هي أوروك في جنوب بابل. # 3 # ويذكر ثبت الملوك السومريين - المدون في بداية الألف الثانية قبل الميلاد - ~~أنه الملك الخامس في ترتيب حكام هذه المدينة التي ms002 كانت من أهم المدن السومرية التي «نزلت ~~عليها نظم الملكية من السماء» بعد الطوفان، وآلت إليها السيادة على سائر المدن السومرية بعد ~~انتصارها على مدينة «كيش» وإن لم يتوقف الصراع بعد ذلك بينهما. وقد نسب إليه بناء سورها ~~العظيم الذي أشادت بذكره الملحمة في بدايتها وخاتمتها بوصفه أحد أمجاده التي كفلت له نوعا ~~من الخلود المتاح للإنسان بعد إخفاقه المأساوي في التوصل للخلود الذي تمناه وسعى إليه، ~~واقتنع في النهاية بأن الآلهة قد استأثرت به دون البشر. وقد رجح العلماء، بعد فحص الأطلال ~~الباقية من هذا السور والاطلاع على المأثور الغني عن شخصية جلجاميش، أنه قد عاش بين سنتي ~~2750 و2600 قبل الميلاد، وأنه كان أقوى الملوك السومريين في فترة حافلة بالصراعات الدامية ~~بين دول المدينة التي أسسوها، وبالصراع بعد ذلك مع الأكديين الساميين الذين كانوا قد ~~استقروا في شمال وادي النهرين قبل أن يتمكنوا بقيادة سرجون العظيم (من حوالي 2334ق.م. ~~إلى حوالي 2279ق.م.) وحفيده نارام سين (2254-2288ق.م.) من توحيد البلاد بأجمعها تحت ~~حكمهم. # تراكم حول شخصية جلجاميش مأثور ضخم من القصص والحكايات العجيبة عن استبداده بشعبه، ~~وصداقته النادرة المؤثرة ل «وحش البرية» إنكيدو، ومغامراته معه وأسفاره التي انطلق إليها ~~بعد موته بحثا عن سر الحياة والموت والخلود، ثم رجوعه إلى وطنه ومسقط رأسه بعد أن «تطهر» ~~واقتنع بالحدود التي لا يجوز لإنسان أن يتخطاها، مهما صور له الكهنوت أن «ثلثيه ~~إلهي، والثلث الباقي بشري فان». # ويبدو أن هذا المأثور الذي اختلطت فيه العناصر الأسطورية بالتاريخية قد نشأ في عصر مبكر، ~~وربما سبق اكتشاف السومريين للكتابة بالخط المسماري على الألواح الطينية بزمن طويل؛ ولذلك ~~يحتمل أن يكون الناس قد تناقلوه شفاها وشكل وجدانهم قبل البدء في تدوينه في العصر ~~البابلي القديم خلال القرون الأولى من الألف الثانية قبل الميلاد. ولما كانت الشواهد ~~القليلة المتبقية من الأدب السومري قبل سنة 2100ق.م. شديدة الغموض والتشوه، فلا نكاد نعرف ~~شيئا عن ذلك المأثور قبل هذا التاريخ، غير أن هنالك ما يدل على نهضة ms003 متأخرة للثقافة ~~السومرية في حدود هذا التاريخ؛ أي في عهد ملوك سلالة أور الثالثة (من حوالي 2112ق.م. إلى ~~حوالي 2004ق.م.)، كما يدل على نوع من الرخاء الاقتصادي الذي شجع على نمو هذه النهضة التي ~~أثمرت معظم الأشكال الشعرية والأسطورية التي وصلتنا من أدب السومريين، وبدأ نسخها وتدوينها ~~بلغتها الأصلية أو في ترجمتها الأكدية البابلية قبل سنة 1700 قبل الميلاد وبعدها. وقد كانت ~~«جلجاميش» أشبه بواسطة العقد في هذا المأثور المجهول المؤلف، شأنها في ذلك شأن معظم ما ~~وصلنا من التراث السومري والبابلي، والذي يهمنا من هذا المأثور هي القصص السومرية الخمس ~~التي تدور حول شخصية جلجاميش. # 4 # وقد استطاع عالم السومريات صمويل كريمر - بمساعدة عدد من زملائه وتلاميذه مثل ~~فلكنشتين وجاكوبسين - أن يجلو غوامضها ويترجم معظم شذراتها التي وضع لها هذه العناوين: ~~جلجاميش وأرض الأحياء، جلجاميش وثور السماء، جلجاميش وأجا حاكم كيش، جلجاميش وإنكيدو ~~والعالم السفلي، ثم موت جلجاميش. ومع أن العبقرية البابلية قد نسجت من هذه القصص المتفرقة ~~ومن مأثورات أخرى عملا مبدعا متكاملا، فإن هذا لا يقلل من تأثيرها على كاتب الملحمة ~~الشهيرة أو كتابها الذين أفادوا بغير شك من بعضها، وبخاصة القصص الأولى والثانية ~~والرابعة، وأغفلوا الثالثة والخامسة تماما. ولا بد أنهم قد أخذوا أيضا من مأثورات ~~سومرية أخرى لا نكاد نعرف عنها شيئا، أو من مأثورات وصلتنا في صورة مشوهة، كما فعلوا ~~مع قصة الطوفان التي تؤلف اللوح الحادي عشر وأقحموها على الملحمة، ومع اللوح الثاني عشر ~~الذي لا يخرج عن كونه ترجمة حرفية لجزء من إحدى القصص التي ذكرناها، وهي قصة جلجاميش ~~وإنكيدو والعالم السفلي. وأيا كان الأمر فقد حان وقت التعريف القصير بمضمون القصص الثلاث ~~التي تعد أحد الأصول الهامة التي تقوم عليها الملحمة. ~~••• # تبدأ القصة الأولى - وهي جلجاميش وأرض الأحياء - بالقرار الذي اتخذه بطلنا المغامر ~~بالسفر إلى أرض الأحياء «ليصنع له اسما عظيما». ويحدث «خادمه» إنكيدو - الذي أصبح في ~~الملحمة البابلية رفيق دربه وأعز أصدقائه، بل صديقه الأوحد! - برغبته التي صمم عليها، ~~فينصحه ms004 بأن يتوجه بالصلاة والدعاء لإله تلك الأرض، وهو إله الشمس أوتو (الذي سيصبح إله ~~الشمس والعدل البابلي شمش). ويقدم جلجاميش التضحية للإله، ويتضرع إليه أن يعينه في سفره ~~ويشد أزره في الصراع المقبل عليه، ويبتهل إليه أن يساعده على أن يصنع لنفسه اسما ~~يخلد ذكره، وينتشله من الفناء المحتوم على البشر. ويوافق «أوتو»، ويعده بحبس «الأبطال ~~السبعة» الذين يحرسون تلك البلاد النائية في الكهوف. ويختار جلجاميش خمسين رجلا من شباب ~~مدينته المتطوعين لمرافقته في رحلته، بعد أن يشترط عليهم ألا يكونوا قد كونوا أسرا ~~بعد. ويبدأ البطل مغامرته بعد التزود بالسلاح الضروري من الحداد. وبعد اجتياز سبعة جبال ~~وعرة يطوقه النوم العميق فلا يوقظه إنكيدو إلا بعد جهد جهيد، ويقسم جلجاميش بأمه ~~نينسون وبأبيه لوجال بندا أنه لن يرجع أدراجه قبل قتل «الرجل»، ويحذره إنكيدو من سحر ذلك ~~الرجل وقوته الشيطانية، ويلح عليه أن يرجع إلى وطنه، لكن جلجاميش يصر على القرار ~~الذي صمم عليه. ولا يلبث حواوا (وهو نفسه المارد خمبابا الموكل بحراسة غابة الأرز في ~~الملحمة) أن يلمح المتطفلين على أرض الأحياء، غير أنه لا يتخذ أي خطوة جادة لمنعهم من قطع ~~أشجاره. ويفرغ الرجال الخمسون من قطع أشجار الأرز وإعدادها للنقل، ويصل جلجاميش إلى «حجرة» ~~حواوا أو مأواه الذي يختبئ فيه، ويطلق منه تضرعاته لجلجاميش بأن يبقي على حياته. ويبدي ~~هذا استعداده - كما في الملحمة تماما - للاستجابة شفقة عليه. غير أن إنكيدو يحذره من شر ~~«نمتار» - وهو شيطان، أو إله من العالم السفلي مختص بالأوبئة - الذي يمكن أن يصيبهم أذاه. ~~عندئذ يسب حواوا «الخادم» إنكيدو، ويصفه بأنه مرتزق أجير، وأنه قد تكلم ضده بالشر. ~~وعندما قال هذا قطعا رأسه، وحملا جثته للإله إنليل الذي أقامه حارسا على أرضه ولزوجته ~~ننليل (وإنليل هو إله العواصف الغضوب، ورب مدينة نيبور أو نفر السومرية القديمة التي عثر ~~فيها على بعض ألواح الملحمة). # هنا يتوقف النص الأصلي لهذه القصة التي عبث الزمن بالألواح التي نقشت عليها وملأها ~~بالثغرات والفجوات. والملاحظ على ms005 وجه المقارنة أن الملحمة البابلية تروي قصة الحملة على ~~أرض الأحياء وغابة الأرز بمزيد من التفصيل في الثالث والرابع والخامس من ألواحها التي لم ~~يرحمها الزمن كذلك من التشوه! ولا شك أن كاتب الملحمة قد تأثر بهذه القصة وبغيرها، وطور ~~عناصرها في بناء محكم، وأبرز أهم هذه العناصر - وهو حرص جلجاميش على الشهرة وخلود الاسم ~~- في أكثر من وضع، كما جعله كاتب هذه السطور أحد المفاتيح الهامة لفهم شخصية البطل الأناني ~~المستبد، وتفسير طغيانه بشعبه وأهله، ولا سيما قبل موت صديقه الصدوق وانطلاقه بحثا عن ~~الخلود لنفسه وشعبه والإنسان بوجه عام. ~~••• # وتأتي القصة السومرية الثانية التي يناظر مضمونها في خطوطه العريضة مضمون اللوح السادس ~~من الملحمة البابلية. ومن المؤسف أن النص الأصلي قد وصلنا في حالة تشوه شديد، بحيث لا ~~نملك إلا الحدس بمضمون البقية الباقية التي تبدأ سطورها بعد فجوة كبيرة يبدو من سياق النص ~~ومن الملحمة أيضا أنها كانت تدور حول العرض الذي تقدمت به ربة الحب والحرب إلى جلجاميش ~~ليكون زوجها وزينة بيتها وعربتها المزدانة بالذهب واللازورد. وما إن تشرع إينانا (وهي ~~نفسها ربة الحب السومرية التي سماها البابليون عشتار) في وصف المنح والهدايا التي تعد ~~بها جلجاميش مقابل الزواج منها، حتى ينقطع النص مرة أخرى ويمتلئ بالثغرات، ولا نجد شيئا ~~يدل دلالة واضحة على رفض جلجاميش للعرض المغري؛ ولذلك تتجه إلى أبيها آنو إله السماء ~~لتشكو إليه وتلح عليه أن يسلمها الثور السماوي لتنتقم من جلجاميش. ونفهم من النص أن ~~الأب يرفض طلبها، وأنها ستلجأ لكبار الآلهة في مجمعهم الخالد إن لم يستجب لدعائها. وعندئذ ~~ينتابه الخوف (ولا نعرف من النص إن كان قد أشفق على مصير سكان أوروك من الثور الهائل كما ~~نجد في الملحمة، أم على مصير الكون كله)، ويسمح لها بتسلم الثور والهبوط به إلى الأرض، ~~فترسله إلى أوروك التي يلحق بها أفظع الكوارث (كالموت والقحط والجفاف التي اقترنت باسمه ~~في تفسير بعض الباحثين). # وقد بقيت من النص أجزاء أخرى شحيحة، من أهمها ms006 قطعة تسجل جانبا من حديث إنكيدو مع ~~جلجاميش. ولا شك أن القصة الأصلية قد روت مصرع الثور على يد البطلين، ولكننا لا نعلم إن ~~كانت قد انتهت بهذا الخبر أو استمرت في رواية الأحداث التي نعرفها. والمرجح أن القصة لم ~~تذكر الشتائم المهينة التي صبها كاتب الملحمة - على لسان جلجاميش - على رأس الربة ~~الجميلة، كما أنها فيما يبدو لم تتطرق لغضب الآلهة - وبخاصة إنليل - على إنكيدو لتجديفه ~~في حقهم، ولا لجرحه المهلك الذي تسبب في موته، وعبر بذلك عن عقدة الحبكة الدرامية التي ~~أطلقت مأساة البطل المفزوع من «حظ البشر المحتوم»، والباحث عن الخلود لنفسه ثم للبشر ~~المساكين. ~~••• # ونصل إلى القصة الرابعة التي أثرت تأثيرا واضحا على اللوح الثاني عشر الذي يجمع ~~العلماء، على أنه مقحم على الملحمة، ولا ينتمي إليها انتماء عضويا كما نقول اليوم. ~~وعنوان هذه القصة هو «جلجاميش وإنكيدو والعالم السفلي»، وهي تبدأ - شأنها شأن كثير من القصص ~~الشعرية والأساطير السومرية القديمة - بالتذكير بأسطورة الخلق أو التكوين السومرية؛ إذ ~~نجدها تتحدث في البداية عن فصل السماء عن الأرض بقوة إله السماء آنو وإله الرياح إنليل، كما ~~تتطرق باختصار للصراع بين إله المياه العذبة «إنكي» وإله العالم السفلي أو وحشه المخيف ~~«كور»، ثم تحكي بعد ذلك عن شجرة ضخمة، لعلها كانت شجرة صفصاف على شاطئ الفرات، وكيف أوشك ~~الطوفان والعواصف أن يقتلعاها من جذورها. ويتصادف مرور إلهة الحب إينانا بهذا المكان، ~~فتشفق على الشجرة وتحملها معها لكي تغرسها في بستانها المقدس في مدينة أوروك. وتعنى ~~الإلهة العطوف بالشجرة وتتعهدها بالرعاية، على أمل أن تصنع منها في المستقبل سريرا تنام ~~عليه وكرسيا يليق بها. غير أن الأيام لم تشأ أن تحقق حلمها الجميل؛ إذ نمت الشجرة ~~وصارت جذوعها مأوى لحية عظيمة لم ينفع السحر في إخراجها منه، كما أصبحت أطراف فروعها ~~مسكنا لطائر العاصفة الإلهي الذي بنى عشه فوقها، وغدت ساقها القوية بيتا للشيطانة أو ~~الروح الشريرة ليليت. تعذر على إلهة الحب الرقيقة أن تقطع الشجرة، فراحت تبكي بكاء ms007 مرا ~~وهي تبث شقيقها إله الشمس أوتو حزنها، وتروي له المصير الذي آلت إليه شجرتها. ويبدو أن ~~جلجاميش سمع شكاتها وقرر أن يمد لها يد العون، فأمر بتجهيز درع زنته خمسون رطلا، ~~وبلطة زنتها أربعمائة رطل، وهجم على الحية الجبارة التي تربض في جذع الشجرة فقتلها. ~~وكان أن طار طير العاصفة وهربت الشيطانة مذعورين، وتمكن جلجاميش وأتباعه من قطع الشجرة ~~وتسليمها لإينانا لتصنع من خشبها الكرسي والسرير، وأرادت الإلهة المحبة أن تكافئ ~~جلجاميش على صنيعه، فأعدت له طبلة وعصا يدق بها عليها (ويبدو أن البطل قد أساء ~~استعمالهما - كما يعلمنا الكاتب البابلي - في استغلال شعب أوروك في أعمال السخرة وتأكيد ~~سطوته عليهم، كما نرى في اللوح الثاني من ألواح الملحمة سطر 142 وبعده، وفي بداية اللوح ~~الثاني عشر من سطر 1-20)، ثم تأتي هذه العبارة الدالة التي لا نشك في أن الشاعر البابلي ~~قد اعتمد عليها في تصوير طغيان جلجاميش قبل أن «يتحول» بعد موت صديقه ذلك التحول الذي أدى ~~به إلى «التطهر» في نهاية الملحمة: «وبسبب صراخ البنات الصغيرات سقطت الطبلة والعصا في ~~العالم السفلي.» # يتفق العلماء الذين درسوا الملحمة على أن كاتبها قد ترجم القسم الثاني من هذه القصة عن ~~السومرية ترجمة حرفية، وألحقها بالنسخة الأخيرة للملحمة لتكون هي اللوح الثاني عشر فيها ~~(وهي المعروفة بنسخة نينوى - العاصمة الآشورية الثانية - التي وجدت كما سبق القول في مكتبة ~~قصر الملك آشور بانيبال). ويبدأ هذا القسم في نصه الأصلي بشكوى جلجاميش من ضياع الطبلة ~~والعصا (أو الباكو والماكو)، ومحاولته استدعاء روح إنكيدو التي تخرج من ثغرة في هذا العالم ~~لتحدثه عن أهواله وظلماته، ويسألها عن مصير أرواح الموتى فيه. وهو كذلك القسم الذي حاولت ~~استلهامه في وضع النهايتين اللتين افترضت أن الملحمة - في هذه القراءة أو الصياغة التي بين ~~يديك - يمكن أن تختم بها، بعد أن ترك الكاتب الأصلي تلك النهاية مفتوحة. والمهم أن نهاية ~~القصة السومرية لم تصل إلينا، ولم يخبرنا كاتبها بشيء عن نجاح جلجاميش أو فشله في ms008 ~~استرداد أداتي استبداده العزيزتين على قلبه؛ ولهذا لم أستبعد أن يكون قد رجع إلى مسقط رأسه ~~وقد تطهر من استبداده وأنانيته الفردية، وعقد العزم على مشاركة شعبه في صنع الخلود الوحيد ~~المتاح للبشر في هذا العالم، ألا وهو بناء الحضارة وتأسيس ما ينفع الناس ويمكث في ~~الأرض. ~~••• # وأخيرا فلا بد من كلمة قصيرة عن بقية القصص التي أغفلها الكاتب البابلي، وأفدت من بعضها ~~بصورة غير مباشرة في هذه الصياغة؛ فالقصة الثالثة «جلجاميش وأجا حاكم كيش» # 5 # تدور حول النزاع الذي ثار بين هذه المدينة وبين مدينة أوروك وأوشك أن يؤدي إلى ~~اشتعال الحرب بينهما، وخلاصتها أن «أجا بن أنميبا راجاسي» بعث برسله إلى أوروك طالبا ~~منها الاستسلام. وناقش جلجاميش هذا الطلب مع شيوخ المدينة، وختم كلامه بقوله لا نريد ~~الخضوع لبيت كيش، بل سنسحقه بقوة السلاح. لكن الشيوخ لم يوافقوه على رأيه، وأعلنوا أنهم ~~يفضلون الإذعان للحاكم المستفز على اللجوء للحرب. ولم يقتنع جلجاميش برأي مجلس الشيوخ، ~~فاتجه إلى مجلس الشباب القادر على حمل السلاح؛ مما يدل على وجود نوع من الديمقراطية ~~يستحق منا اليوم أن نتحسر عليه ونتمناه قائلا لهم: «لا تخضعوا لبيت كيش؛ فنحن نريد ~~أن نسحقه بالسلاح.» وأقره الشباب على عزمه ففرح قلبه، وأمر إنكيدو أن يقلده أسلحته ~~مؤكدا أنه (أي أجا) سيفزع منه بمجرد رؤيته، بحيث يضطرب فعله ويذهب عقله. ولم تمر عشرة ~~أيام حتى زحف أجا بجيشه نحو أوروك التي اضطربت أمورها، فأخذ جلجاميش يبحث عن محارب يتطوع ~~لقتال أجا أمام أسوار المدينة؛ مما يرجح أن الحروب في تلك العهود كانت تبدأ بالمبارزة ~~بين الملوك والحكام أو من ينوب عنهم. وأعلن رجل اسمه «بيرشور توري» عن استعداده لمواجهة ~~أجا، ومضى في طريقه واثقا من النصر. ولم يكد يغادر بوابة المدينة حتى أحاط به جنود ~~العدو وأوسعوه ضربا وساقوه إلى قائدهم. وشاهد محارب آخر من فوق السور ما جرى لزميله، ~~وسمع الكلمات التي قالها لأجا وأدت إلى تكرار ضربه ضربا مبرحا. ويبدو أن الخبر انتشر ~~بين ms009 جنود جلجاميش فأصابهم الذعر؛ مما اضطره للصعود بنفسه فوق السور، كما يبدو أن أجا ~~قرر رفع الحصار عن المدينة إذا اعترف له جلجاميش بالتفوق والسيادة والرئاسة. ويلهج ~~جلجاميش بشكر المعتدي على صنيعه، وتختم القصة بالثناء على ملك أوروك وفارسها ~~الحكيم. # والواضح من النص أنه يصور واقعة تاريخية مجردة من كل ثوب أسطوري؛ فشخصية جلجاميش ~~فيها شخصية ملك إنساني عاقل ومسالم، كما أن الآلهة لا تقوم فيها بأي دور. ولعل كاتب القصة ~~أو ناسخها الذي سجل اعتراف جلجاميش بسيادة كيش قد حرص على تصوير هذه الحقيقة المهينة في ~~صورة لا تقلل من شهرة بطل أوروك، ولا من مجد مدينته ذات الأسوار المنيعة. والواقع أن ~~القتال بين المدن السومرية كان أمرا معروفا، كما أن بكاء شعرائها على مدنهم المخربة ~~بأيدي أبناء المدن المجاورة أو غيرهم من الشعوب والقبائل الغازية يعد من أهم الأنواع ~~الأدبية في التراث السومري؛ # 6 # ولذلك سمحت لنفسي بأن أورد شكوى جوقة شيوخ أوروك من الخراب الذي حاق بمدينتهم ~~بعد غزو إحدى المدن الأخرى لها أثناء غيبة «راعيها» عنها، وانشغاله بمغامراته لتحقيق مجده ~~الشخصي. وأحسب أن هذا أمر يقع في دائرة الإمكان الأدبي والفني، وإن لم يتوفر عليه دليل ~~مؤكد من الواقع والتاريخ. ~~••• # أما القصة الخامسة وهي «موت جلجاميش»، فقد وصلت إلينا في حالة شديدة التشوه. ويبدو من ~~بقايا النص المبتور أنه يبدأ بالكلام عن سعي جلجاميش إلى الحياة الخالدة، ثم يبين له إله ~~لم يذكر اسمه أن إله الرياح إنليل لم يقدر له الخلود، وربما فعل ذلك تفسيرا لأحد ~~الأحلام الكثيرة التي ظلت تعاود جلجاميش وتتدخل في تحريك الأحداث، ومع ذلك يطمئنه الإله ~~المجهول ويؤكد له - كما سيفعل إنكيدو في مواضع عديدة من الملحمة ومن هذه الصياغة - أن ذلك ~~ليس مدعاة للحزن أو اليأس؛ إذ ضمن له الإله الملك والمجد والانتصار على عدوه مدى الحياة؛ ~~ثم لا نلبث أن نرى جلجاميش على فراش المرض الذي لن يقوم منه، ويموت الملك، وترتفع أصوات ~~النواح عليه؛ ثم تفغر فاها الواسع ms010 فجوة كبيرة في النص، فنجد أنفسنا في العالم السفلي، كما ~~نفهم أن جلجاميش رفع إلى صفوف الملوك الذين يحكمون ذلك العالم، وأصبح واحدا من آلهته ~~الذين يسمون «الآنوناكي»، ويقضون قضاءهم في أرواح الموتى. وأخيرا يذكر النص أسماء أتباع ~~جلجاميش وأفراد عائلته، والهدايا التي يقدمها باسمهم لآلهة العالم السفلي، ثم يختتم ~~النص بترتيلة تتردد فيها أصوات البكاء على جلجاميش والثناء عليه. ويبدو من الحفائر التي ~~قام بها «ليونارد وولي» في «أور»، وكشفت عن كنوز مقبرتها الشهيرة، أن معظم الملوك السومريين ~~في تلك الفترة من منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد كانوا يصطحبون حاشيتهم معهم إلى مقرهم ~~الأخير، ولا يستبعد أن يكون أتباعهم قد تطوعوا في بعض الأحوال على الأقل بدفن أنفسهم ~~معهم أحياء وفقا لطقوس الموت. ومع ذلك فربما تأتي الأيام بالشواهد الأثرية واللغوية ~~التي تؤيد هذا الاحتمال المخيف - الذي لا أفتي فيه عن غير علم - أو تنفيه. ~~••• # أما عن قصة الطوفان السومرية، والتي يستند إليها اللوح الحادي عشر من الملحمة، فقد وصلت ~~إلينا في حالة لا تسمح حتى الآن بفهم سياقها المتكامل، كما أن الرواية للقصة نفسها من ~~العهد البابلي القديم لا تساعد على ذلك أيضا. وتبدأ القطع الخمس المتبقية من النص بحديث ~~أحد الآلهة عن الخدمات المفروضة على البشر تجاه الآلهة، ثم تستطرد إلى الكلام عن خلق البشر ~~بواسطة الآلهة الكبار آنو وإنليل وإنكي والإلهة الأم ننخور ساج، وإلى نزول الملكية من ~~السماء وتأسيس أقدم المدن في وادي الرافدين (مثل أريدو ولاراك وسيباد، بجانب مدينة الطوفان ~~شورباك التي تعرف اليوم باسم فارة). ويبدو أن القصة الأصلية ذكرت قرار الآلهة بإفناء ~~البشر بسبب إزعاجهم لهم؛ إذ نفهم من بعض سطورها الباقية أن بعض الآلهة قد أسفوا على اتخاذ ~~هذا القرار، وراحوا يدبرون الحيل للوقوف بجانب البشر، ثم يرد ذكر بطل الطوفان السومري، ~~وهو زيوسودرا - أي الذي رأى الحياة - ملك مدينة شورباك، الذي يسر إليه أحد الآلهة (ولعله ~~أن يكون هو إله الماء والحكمة إنكي الذي أصبح اسمه آيا عند البابليين، كما ms011 قام بنفس الدور ~~في الملحمة) بخطة الآلهة في خطابه الهامس للجدار. ولا بد أن الفجوات الكثيرة في النص قد ~~سردت قصة بناء الفلك وانهمار الأمطار من السماء؛ إذ توحي السطور التي جاءت بعدها بهبوب ~~الأعاصير المدمرة، وإغراق الطوفان للأرض سبعة أيام وسبع ليال: «ثم طلع إله الشمس أوتو ~~وغمر بنوره السماء والأرض. وفتح زيوسودرا نافذة - أو كوة - في السفينة الجبارة التي ~~أضاءها البطل أوتو. وركع الملك زيوسودرا أمام أوتو، وذبح ثورا وخروفا.» وبعد فجوة أخرى ~~كبيرة نفاجأ بأن الإلهين آنو وإنليل قد ندما على ما فعلا، وأشفقا على البشر، فأرسلا عليهم ~~ريحا سماوية وريحا أرضية بعثتا الحياة في مملكة النبات. ويلقي بطل الطوفان بنفسه أمام ~~الإلهين اللذين يمنحانه الحياة الخالدة، ويقرران له العيش في جزيرة الخلود ديلمون (أو تيلمون)، # 7 # التي تصور السومريون أنها تقع شرقي وادي النهرين، وربما كانت هي البحرين ~~الحالية. وينتهي نص القصة عند هذا الحد، وهو يكفي على كل حال لبيان مدى استفادة الشاعر ~~البابلي منه ومن النص البابلي القديم الذي لم يكن أحسن حالا. ولا شك أن هذا الشاعر الموهوب ~~قد أضاف تفصيلات أخرى من خياله الخلاق، أو من مأثورات شفاهية لم تبلغ إلى علمنا حتى ~~الآن في صورة مدونة، وربما تكشف عنها الحفائر في مستقبل الأيام، ثم صنع من هذه الخيوط ~~كلها نسيجا عبقريا أصيلا هو الذي يعرف اليوم باسم ملحمة جلجاميش، أو باسم أول سطر في ~~أول لوح فيها، وهو: «هو الذي رأى». ~~••• # لم تكن هذه القصص السومرية هي المصدر الوحيد الذي غزل منه البابليون ملحمتهم الفريدة؛ ~~فمنذ أن تولى الأكديون الساميون زمام السلطة في بلاد الرافدين، ووحدوها تحت قيادتهم، ~~واختلطوا بالسومريين؛ أخذوا عنهم معظم تراثهم الثقافي، وشرعوا في العصر البابلي القديم # 8 ~~(أي منذ حوالي سنة 1800ق.م.) في نسخه وترجمة بعض أجزائه إلى الأكدية قبل أن ~~يصوغوه بعد ذلك في أشكال جديدة ناضجة. ولا بد أنهم عرفوا الكثير من القصص والأساطير التي ~~دارت حول حياة جلجاميش ومغامراته، وإن كانت المعلومات القليلة التي ms012 لدينا عن الأدب البابلي ~~في تلك الفترة - وبخاصة من القرن الثامن عشر إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد - لا تسمح ~~بالقول بأنهم تمكنوا في ذلك الوقت من صياغة الملحمة في بناء موحد متكامل. ومع ذلك ~~فقد عثر على ألواح مختلفة ترجع للعهد البابلي القديم، وعليها أجزاء متفرقة مما سمي بعد ~~ذلك بقصيدة جلجاميش أو ملحمته، وهي ألواح عثر عليها في أماكن مختلفة، وأصابها التلف الذي ~~شوه الكثير من سطورها، وإن لم يمنع هذا معظم مترجمي الملحمة من الاستعانة بشذراتها ~~لتكملة نواقص أحدث النصوص عهدا وأكملها، وهو النص الآشوري الذي عثر عليه في نينوى كما سبق القول. # 9 # مهما يكن الأمر فقد استطاع شاعر موهوب عاش حوالي سنة 1200ق.م. أن يبدع هذا العمل ~~الأدبي الرائع الذي نسميه جلجاميش، معتمدا على ما سبق أن ذكرناه من التراث السومري ~~والبابلي القديم ومتحررا منه في آن واحد. وقد حفظ لنا أحد المأثورات المتأخرة التي لم ~~تتأكد صحتها اسم هذا الشاعر، وهو «سين-ليكي-أونيني»، ولا نكاد نعرف عنه إلا أن إحدى الأسر ~~التي كانت تشتغل بالكهنوت في وقت متأخر في مدينة أوروك قد ذكرت اسمه كأحد أسلافها، ومع ذلك ~~يظل الاسم أمرا غير ذي بال؛ لأن الشعراء والكتاب السومريين لم يحرصوا أبدا على ذكر ~~أسمائهم، ولم يهتموا بأنفسهم كما نفعل اليوم للأسف إلى حد مرضي فظيع، ولأن موهبة هذا ~~الشاعر أقدر على التعريف به وتخليده من كل الأسماء (التي لا تعدو أن تكون ضجيجا ودخانا ~~يحجب وهج السماء، على حد تعبير جوته على لسان فاوست). # وجملة القول أن جميع النسخ المتسقة أو المجتزأة التي وصلتنا من الملحمة ترجع إلى ما ~~بعد القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ولكن القدر الأكبر من النص يرجع إلى القرن السابع قبل ~~الميلاد، وقد عثر عليه كما ذكرت أكثر من مرة بين الألوف المؤلفة من الألواح الطينية التي ~~اكتشفت في مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال؛ هذا الملك العجيب الذي نهب مصر وخرب سوسة ~~(عاصمة مملكة عيلام القديمة في الجنوب الغربي من إيران)، ms013 وجسد التناقض الصارخ بين حرص ~~العالم المثقف على جمع تراث أجداده، وقسوة الوحش الفظيع على أعدائه (إذ كان يتسلى بتقطيع ~~أطرافهم وصلم آذانهم وسمل عيونهم أثناء استمتاعه بالأكل والرقص والموسيقى !) ومن حسن حظ ~~المعرفة والتاريخ أنه أرسل رسله إلى كل مراكز الثقافة القديمة في وادي الرافدين (مثل أوروك ~~وبابل ونيبور وسيبار) لينسخوا القصائد والتراتيل والوثائق التاريخية والمدونات «العلمية» ~~والقواميس ... إلخ، ويترجموا كل ما استطاعوا ترجمته من السومرية إلى الأكدية السامية، ~~ويحفظوا الألوف من ألواحها في مكتبة قصره في العاصمة الآشورية المتأخرة نينوى. # 10 # وقد كان من بينها الألواح التي تضم هذا القصيد الملحمي الذي «دون وفق ~~الأصل، وجمع في قصر آشور بانيبال، ملك العالم وملك آشور»، وهو القصيد الذي نسميه اليوم ~~ملحمة جلجاميش، والذي ما زال العلماء من مختلف بلاد العالم يتبارون في دراسته وملء فجواته، ~~وتفسير إشاراته ولمحاته ودلالاته من كل الجوانب والأبعاد، وترجمة ما يجد اكتشافه من ألواح ~~أو كسر تتصل به، كما يتنافس الأدباء في ترجمته واستلهامه وصياغته في أشكال أدبية وفنية ~~متنوعة. ~~••• # انتشر تأثير الملحمة منذ العصور القديمة، ولا يزال حيا وفعالا إلى يومنا الحاضر. ولا ~~يرجع هذا فحسب إلى القيم الجمالية والدينية والتاريخية والاجتماعية ... إلخ التي تنطوي عليها، ~~وإنما يرجع إلى أنها تخاطب «الإنسان» فينا قبل كل شيء، وتذكي نيران أسئلته الكبرى التي ~~لا يجد عنها إجابة شافية، ولا يملك مع ذلك - على حد تعبير كانط (1724-1804م) في مقدمته ~~لنقد العقل الخالص - أن يتوقف عن طرحها. ولا نريد أن ندخل في تفصيلات التأثير والتأثر التي ~~لم تزل موضع التخمين والجدل والخلاف الشديد بين العلماء المجتهدين؛ إذ يكفي أن نشير إلى ~~بعض مظاهر الاهتمام بترجمتها إلى اللغات القديمة والحديثة، ومحاولات صياغتها واستلهامها، ~~واحتمالات التشابه بين بعض «تيماتها» أو موضوعاتها الأساسية وشخصياتها وبين نظائرها في ~~الأدب القديم والوسيط، بشرط أن نتذكر أن مكتبة جلجاميش و«الأدبيات» التي ألفت عنه قد ~~أصبحت تفوق الحصر، وفجرت أمواجها المتلاحقة كل الحدود. # لقد ترجمت أجزاء من النص - كما ذكرنا في هامش سابق ms014 - إلى أربع لغات كانت تكتب بالخط ~~المسماري في الفترة الزمنية الواقعة بين القرنين الواحد والعشرين والقرن السادس قبل ~~الميلاد، وفي حدود المنطقة الواقعة بين جنوب بابل في أرض النهرين وبين عاصمة الحيثيين في ~~آسيا الصغرى. وتغلغل المأثور الشفاهي عن جلجاميش وراء تلك الحدود، فانتشرت بعض موضوعاته، ~~وتشكلت على صور مختلفة في أساطير وحكايات شعبية، وقصص عجائب وخوارق أثرت من العصور ~~القديمة حتى العصر الحديث على شعوب أخرى عديدة، وأصبح بعضها جزءا من الأدب العالمي. وقد ~~رجح بعض الباحثين أن تكون بعض «موتيفات» جلجاميش قد تسربت إلى عدد من الحكايات الشعبية ~~الفارسية، مثلما حدث الشيء نفسه مع بعض الحكايات الخرافية البابلية على لسان الحيوان ~~والنبات، وثبت أنها أثرت تأثيرا واضحا على بعض الحكايات الخرافية الفارسية وبعض حكايات ~~إيزوب. وربما يعود أحد أسباب ذلك إلى أن الفرس ظلوا يستعملون الخط المسماري في كتابتهم ~~لفترة طويلة بعد إهماله في بلاده نفسها. وما برحت الآراء متأرجحة بين مؤيد ومعارض لتأثير ~~اللوح الحادي عشر من الملحمة (الذي تروى فيه قصة الطوفان) على سفر التكوين في العهد ~~القديم، ولاحتمال تأثر شاعر الإلياذة والأوديسة # 11 # أو شعرائها بالتراث الشفاهي المأثور عن جلجاميش، وانعكاس هذا التأثير غير ~~المباشر على تصوير بعض شخصياتها التي تتشابه صفاتها من بعض الوجوه تشابها لا شك فيه مع بعض ~~شخصيات الملحمة البابلية (ففي أخيل وهيكتور وأوديسيوس ملامح من جلجاميش، والساحرة كيريكة في ~~الأوديسة فيها قسمات من وجه عشتار وعنف حبها وغضبها، وربما أمكن التقريب بين مينيلاوس الذي ~~أرسل إلى جنات الإليزيوم ليعيش مع أبطال الإغريق العظام وبين أوتنابشتيم البعيد الخالد في ~~جزيرة الخلود، وكذلك بين بعض أبطال الأساطير اليونانية المشهورين بمغامراتهم وانتصاراتهم ~~على القوى الخارقة - مثل هرقل وبرسيوس وثيسيوس - وبين جلجاميش في صراعه مع الأسود والمردة ~~والثور السماوي). وإذا كان جلجاميش قد ذكر عند بعض الكتاب الإغريق المتأخرين (مثل إليانوس ~~من أواخر القرن الثاني بعد الميلاد وأوائل القرن الثالث في كتابه عن طبائع الحيوان ~~وحكاياتهم، الكتاب الثاني عشر، الفصل الحادي والعشرون)، فيحتمل كذلك ms015 أن تكون قصته (أي ~~جلجاميش) قد تسربت إلى شعوب البحر الأبيض المتوسط، مثلها مثل العديد من عناصر السحر ~~والتنجيم والفلك البابلي (وبخاصة الكلداني) والآشوري التي دخلت في مذاهب الغنوص الروحانية ~~وفي الأفلاطونية الجديدة أو المحدثة (نسبة إلى أفلوطين المصري السكندري آخر فلاسفة ~~اليونان العظام ومجدد الأفلاطونية، عاش من سنة 205 بعد الميلاد إلى سنة 270م)، وهنالك ~~احتمالات أخرى - تحتاج إلى دراسات مقارنة مستفيضة لم يبلغ إلى علمي شيء منها - عن تأثير ~~شخصية جلجاميش على الروايات الشعبية العربية عن ذي القرنين، كما وردت في كتاب التيجان ~~وأخبار ملوك اليمن لعبيد بن شريه الجرهمي، وحكايات العجائب والخوارق التي اقترنت بمولد ~~الإسكندر الأكبر، وعلى شخصيات كثيرة من الملاحم الأوروبية في العصور الوسطى وروايات ~~الفرسان في أواخرها. وربما تستحق مسألة تأثيره على بعض أبطال السير الشعبية العربية أو ~~على بعض حكايات ألف ليلة وليلة شيئا من عناية الباحثين في الأدب الشعبي العربي وعلاقته ~~بالآداب السامية القديمة. أضف إلى هذا أن مؤرخي الفن لم يغفلوا عن النقوش التي صورت ~~جلجاميش في صراعه مع الوحوش الكاسرة على الأختام الأسطوانية، ولا عن مجسماته بالنحت ~~البارز في قصور الملوك الآشوريين، وبخاصة قصر خورساباد. # وأما عن الترجمات والاستلهامات الأدبية فأكتفي بذكر ما اطلعت عليه منها، أو قرأت أجزاء ~~منه فيما قرأت من دراسات، وهو قليل من كثير؛ فمن الترجمات ما حافظ على روح الملحمة وهيكلها ~~دون التقيد بالترجمة الحرفية التي تشوبها كثرة الثغرات والفجوات بما يتعذر معه متابعة ~~السياق، مثل ترجمة فيلهيلم فندلانت (برلين 1927م)، وجورج بورخارت (فرانكفورت 1958م)، ~~والأستاذة ن. ك. ساندرز (سلسلة بنجوين 1972م، ولها ترجمة عربية للأستاذين محمد نبيل نوفل ~~وفاروق حافظ القاضي، القاهرة 1970م)، ومنها ما التزم بالترجمة الدقيقة مع استكمال الفجوات ~~الأصلية من الشذرات البابلية القديمة أو الترجمات الحيثية، مثل ترجمة ألبيرت شوت التي سبق ~~ذكرها، وترجمات ألكزندر هايديل، شيكاغو 1963م؛ وجاردنر ومير، نيويورك 1985م؛ وي. س. طومسون، ~~أكسفورد 1930م؛ وأ. أ. شبايزر، ضمن كتاب بريتشارد المعروف: «نصوص من الشرق الأدنى القديم في ~~ارتباطها ms016 بالعهد القديم»، برينستون 1955م، 1975م؛ والترجمتين العربيتين عن الأكدية للمرحوم ~~الأستاذ طه باقر، بغداد 1980م؛ والدكتور سامي سعيد الأحمد، بغداد 1984م؛ وترجمة الأستاذ ~~فراس السواح التي وفقت بين ترجمات إنجليزية مختلفة، دمشق 1987م؛ والترجمة الشعرية ~~البديعة للشاعر العراقي الكبير عبد الحق فاضل بعنوان: «هو الذي رأى »، بيروت 1972م؛ وكل ذلك ~~بجانب نصوص من الملحمة وردت في دراسات قيمة، من أهمها في العربية كتاب هنري فرانكفورت ~~وزملائه: «ما قبل الفلسفة، الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى»، من ترجمة الأستاذ جبرا ~~إبراهيم جبرا، بيروت 1980م؛ والأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، دراسة في ملحمة ~~جلجاميش، للدكتور محمد خليفة حسن أحمد، بغداد 1988م. حتى إذا تركت حقل الدراسات العلمية ~~والأكاديمية وبحوث علماء الآشوريات في كتبهم ومقالاتهم في مجلة «سومر» وغيرها من الدوريات ~~المتخصصة، أحزنك ألا تجد في العربية عملا أدبيا واحدا استوحى هذا الأثر الخالد ~~باستثناء مسرحية شعرية متواضعة للشاعر العراقي يوسف أمين قصير، بعنوان: «جلجاميش في العالم ~~السفلي»، بغداد 1973م، ومعالجة مسرحية شائقة من نوع «المونودراما» للعرائس التي يحركها ~~وينطقها ممثل واحد هو الفنان العراقي سعدي يونس (وقد أسعدني الحظ بمشاهدتها، ولم يسعدني ~~بالاطلاع على نصها). ولا شك أن هذا دليل كاف على أن الملحمة لم تصل بعد إلى الوعي العام، ~~ولم تحرك وجدان المبدع العربي، وهو أولى الناس بالاهتمام بإرثه وامتلاك ميراثه؛ لعله أن ~~يتصرف فيه تصرف الحر، ويدرك مدى تغلغل «نموذجه الأصلي» في شعوره أو لاشعوره الفردي ~~والجمعي عبر العصور والأجيال. ~~••• # ربما تثير الصفحات السابقة قدرا غير قليل من الدهشة في نفس القارئ الذي لم يتعود من ~~الكاتب أن يقدم لعمله الأدبي بمقدمات علمية ولا شبه علمية، غير أن هذه المقدمة كانت ~~ضرورة لا غنى عنها للتعريف بأثر خالد من آثار تراثنا الثقافي والحضاري من ناحية، وجزء ~~لا يتجزأ من الأدب العالمي لا تزال الدراسات العلمية والفنية تتوالى عنه من مختلف أبعاده ~~من ناحية أخرى، مع الحرص على عدم الدخول فيما لا نهاية له من التفصيلات والتفسيرات التي لا ~~يتحملها هذا ms017 التقديم. والواقع أن دوري في هذا العمل الملحمي بلوحاته الدرامية العشر لا ~~يخرج عن كونه مجرد قراءة - أتمنى أن تكون خلاقة كما يقول أصحاب النقد الحديث! - أو هو ~~إن شئت «ترجمة» بالمعنى الأعمق والأشمل لهذه الكلمة، ينصهر فيها أفق المؤلف الأصلي مع أفق ~~قارئه المعاصر، ويتم بينهما التقارب والتجاوب والتعاطف ، مع إدراك أوجه التباين بين الرؤى ~~والأزمنة والتراكيب والسياقات والحضارات (كما يفيض في ذلك أصحاب فلسفة التفسير أو التأويل ~~للنصوص المختلفة - الهيرمينويطيقا - وبخاصة الفيلسوف هخانز جورج جادامر)، ولكنني سأؤجل ~~الحديث عن هذا الدور قليلا لأقدم بعض الملاحظات التي أرجو أن تلقي الضوء على مكانة ~~«جلجاميش» من التراث الإنساني، دون أدنى رغبة في التفاخر أو الزهو به (وإن كان الزهو بعيون ~~التراث حقا مشروعا لأبنائه، كما هو سند نفسي لهم في أوقات الشدائد!): ~~(أ) # إذا لم يكن جلجاميش هو أول بطل إنساني، فهو على التحقيق أول بطل مأساوي في ~~تاريخ الأدب العالمي. وإذا كانت مأساته تكمن في فشله النهائي في التوصل للخلود ~~الذي شقي شقاء لا يوصف في السعي إليه، فإن هذا الفشل نفسه هو سر بطولته ~~وإنسانيته التي تجعله أقرب إلينا من كثير من أبطال المآسي القديمة والحديثة. ~~ومع أن شاعر الملحمة قد جارى الكهنوت أو التقاليد الدينية والأسطورية القديمة ~~في تصوير جماله وقوته في صورة خارقة للمقاييس البشرية، وصرح أكثر من مرة ~~بأن «ثلثيه إلهي والثلث الباقي بشري فان»، فقد حرصت من جانبي على تأكيد ~~إنسانيته وإبراز ضعفه وتردده في كثير من مواقفه وهواجس رؤاه وأحلامه، وعلى ~~تتبع «تطهره» التدريجي من تألهه وتجبره وتسلطه، بل من تمرده المؤلم ~~والعقيم على قوانين الموت والفراق المحتوم. والواقع أن بنية الملحمة نفسها ~~توحي بأنها نوع من القص الإنساني أو «العلماني» كما نقول اليوم؛ فلم يثبت ~~للعلماء أنها كانت تتلى مع الطقوس الدينية كما كان الحال مع قصيدة الخلق ~~البابلية «إينوما إيليش» (عندما في الأعالي)، وبقيت قصة إنسانية على الرغم من ~~إطارها الأسطوري وتدخل الآلهة - وبخاصة شمش - في كثير من أحداثها. أضف إلى ms018 ~~هذا أن موت صديقه كان ضربة ساحقة لألوهيته المزعومة، فجرت فيه بشريته ~~المذعورة من «حظ البشر»، وأطلقت بحثه اللاهث وسؤاله المحموم عن الخلود لنفسه ~~أولا ثم لشعبه بعد ذلك. ولا ننسى أخيرا أن مأساويته ترجع في جانب منها إلى ~~التشاؤم القاتم الذي طبع منذ القدم وجود الإنسان في أرض النهرين ؛ بسبب قلقه ~~الدائم من قوى الطبيعة المدمرة، وهجمات المدن المجاورة، وغزوات القبائل ~~البدوية المتوحشة وغاراتها المفاجئة، وخوفه المقيم من مصيره التعس في عالم ~~لا عودة منه، عالم سفلي خال من النور والأمل، كتب فيه على أرواح الموتى أن ~~تعيش كالطيور الصامتة على التراب، وتقتات من الطين، وتتعذب خلف الأبواب ~~المغلقة في قبضة الملكة المخيفة أريشكيجال وزوجها نرجال وزبانيتهما ~~الأشداء. ~~(ب) # وإذا كان الغربيون يؤكدون أن «أوديب» هو أول فرد حاول أن يستقل بنفسه عن ~~روح الجماعة ويخلصها من نسيج تقاليدها وأساطيرها وكهنوتها، وإذا كانوا يفتخرون ~~بأن سقراط هو أول من طبق حكمة معبد دلفي والحكماء السبعة «اعرف نفسك» بصورة ~~أخلاقية عقلية، وأول من تمثلت فيه الذاتية الوجودية الحقة بكل تمزقها بين ~~النهائي واللانهائي، وبين المحدود والمطلق (على نحو ما صورها كير كجارد في ~~رسالته المبكرة عن مفهوم الدعابة مع التركيز المستمر على سقراط)، فمن حق أبناء ~~حضارة هذه المنطقة من العالم أن يردوا عليهم بأن جلجاميش قد سبق أوديب في ~~إصراره على فرديته مهما كلفه ذلك من الاغتراب عن وطنه وشعبه، والمغامرة في ~~اقتحام المخاطر والمهالك، وأنه قد تفوق على سقراط في «الذاتية» التي قادته ~~على الطريق الوعر، طريق معرفة النفس وحدودها ومكانها من العالم وعلاقتها ~~بالآلهة والبشر، وطريق البحث الشائك عن معنى الحياة والموت والخلود. والدليل ~~على هذا أن ملحمته التي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد ما زالت تحرك ~~عقولنا وقلوبنا في أواخر القرن العشرين، وما فتئت تثيرنا ببساطتها وعفويتها، ~~دون أن يقلل من استمتاعنا بها أسلوب الاستطراد والتكرار والتقرير والارتجال ~~الذي يطبع الأدب الشعبي والقصص الشعبي بوجه عام. ~~(ج) # انتقد بعض فلاسفة الغرب (مثل فيلسوفي مدرسة فرانكفورت ms019 ومؤسسي النظرية ~~النقدية الجدلية، وهما ماكس هوركهيمر وتيودور أدورنو في كتابهما المشترك عن جدل ~~التنوير الذي صدر عام 1971م) حركة التنوير العقلي الأوروبي، وأكدا أن التنوير ~~ظل طوال تاريخه الطويل متداخلا مع الأسطورة التي كان ينتزع نفسه منها لكي ~~يرتد إليها من جديد بصورة أبشع (كما حدث للعقل الذي سقط في اللاعقلانية ~~المروعة مع كارثة قيام الأسطورة النازية وتحطمها). والمعروف أن التنوير ~~الأوروبي قد بلغ ذروته في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأن أقطابه قد ~~أكدوا سلطة العقل النقدي الذي تقاس عليه كل سلطة أخرى، بما في ذلك سلطة ~~التراث الديني، وعرفه كانط - رأس المثالية الألمانية الحديثة - بأنه هو خروج ~~الإنسان من الوصاية وبلوغه مرحلة الرشد؛ أي مرحلة معرفة الذات والتحرر من ~~الخرافة والإقطاع والتعصب، والاتجاه - على هدى النزعة الإنسانية والفلسفة ~~العقلانية وتطور العلوم الطبيعية - إلى توحيد البشرية العاقلة تحت لواء التسامح ~~والتقدم والاستنارة. والذي يهمنا في هذا المقام أن الفيلسوفين السابقي الذكر ~~قد أرجعا التنوير إلى جذوره الأولى في التاريخ الغربي، وزعما أن «أوديسيوس» - ~~بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس - هو أول «مستنير» أوروبي استطاع بخبثه وذكائه ~~التخلص من سحر الأسطورة ومن كيد بعض الآلهة والعمالقة له ولرفاقه في رحلته ~~الخطرة. وبصرف النظر عن مدى صحة هذا الرأي، وعن تأرجح التنوير الغربي منذ ذلك ~~الحين بين التقدم والتراجع، ففي تقديري أن جلجاميش كان أسبق إلى التنوير أو ~~الاستنارة من أوديسيوس بألف وخمسمائة عام على الأقل. كانت مغامراته تحديا ~~مستمرا للأساطير المسئولة إلى حد كبير عن تألهه وجبروته واستعباده لشعبه ~~ولهاثه المضني وراء حلم الخلود المستحيل، وظل يخرج من أساطيره وأحلامه ~~بالتدريج ويتحول عنها خطوة بعد خطوة، حتى يئس منها بعد ضياع نبتة الخلود من ~~يديه، ثم تطهر منها - أو هذا على الأقل هو تفسيري لخاتمة الملحمة! - مع ~~عودته إلى مسقط رأسه في أوروك، وعزمه على وضع يده في يد شعبه لتحقيق الخلود ~~الوحيد المتاح للبشر أثناء حياتهم على الأرض، وهو بناء الحضارة وإيثار ما ينفع ~~الناس ويمكث في الأرض على الشهرة ms020 الكاذبة والتسلط الأناني والمجد الشخصي. ومع ~~ذلك فربما ينظر إلي القارئ نظرة المتشكك الساخر وهو يسأل: إلى أين أوصلهم ~~التنوير الذي بدأ مع أوديسيوس، وإلى أين وصلنا بالتنوير الذي بدأه جلجاميش؟! ~~وله وحده أترك الإجابة على هذا السؤال على ضوء محنتنا الراهنة، أو بالأحرى في ~~غياهب ظلماتها. # ليس القدم وحده هو الذي يضفي على جلجاميش هالة الجلال والصدق والجمال؛ ~~لأن أشعة هذه القيم الباقية تنبعث من تكوينها الفني ومضمونها الفكري، والدلالات التي ~~يوحي بها شعرها وأحداثها وشخصياتها على مأساة الإنسان في وجوده القلق، وبحثه عن المعنى ~~والمعرفة، وسؤاله عن سر الحياة والموت والمصير، بجانب دلالتها على النموذج الأصلي أو ~~الأولي - على حد تعبير عالم النفس كارل جوستاف يونج - للشخصية الشرقية المستبدة في ~~بعدها الأسطوري والتاريخي، ومدى ما بقي منها من رواسب فاعلة في وعينا ولاوعينا الحاضر ~~(وإن كان جلجاميش، في تفسير بعض الباحثين والتفسير الذي ارتضيته لنهاية هذا العمل، يقدم ~~مثلا نادرا في تاريخ القهر والقمع الطويل لهذه المنطقة من العالم على الحاكم الذي تطهر ~~من طغيانه)؛ ولذلك فإن جلجاميش وعاء أثري وفني يحتوي على مزيج مأساوي مدهش من مغامرة ~~الإنسان بحثا عن نفسه، وصراعه الأخلاقي مع الشر، ورؤاه ومواقفه الوجودية التي تتذبذب بين ~~الاستغراق في نبع اللحظة الراهنة واغتراف كل ممكناتها، والتصميم على تحقيق أمل «يوتوبي» ~~يبدو في حكم المستحيل. أضف إلى هذا أهم ما اشتهر به جلجاميش وضمن له الشمول والحضور وراء ~~حدود المكان والزمان، وهو سعيه الدائب إلى الخلود الذي يمكنه من الإفلات من «حظ البشر»، ~~ويعينه على تخطي أسوار الفناء الذي يحاصر حياته في كل لحظة، ويلتهم كل أعماله وأتعابه ~~وما بنت يداه؛ ثم إنها تخاطبنا اليوم أيضا - كغيرها من أمهات النصوص في تراثنا الأدبي ~~والحضاري - في سعينا الدائب لمعرفة هويتنا وتحقيقها، وفي تطلعنا لإرساء الأساس الأول ~~المفتقد لوجودنا وتقدمنا على درب التحضر والتطور، ألا وهو الحرية. وهل ثمة سبيل ~~يقربنا من هويتنا مثل تفهم نصوص تراثنا، وتجديد حضورها في وعينا، وجعلها معاصرة لنفسها ~~ولنا في ms021 وقت واحد (على حد التعبير الجميل الذي يوجه بحوث المفكر العربي محمد عابد ~~الجابري في التراث العربي والإسلامي)؟! ~~••• # كان حبي لهذه الملحمة هو مصباحي الوحيد على الطريق المليء بالمخاطر والعثرات، وكنت قد ~~اطلعت عليها لأول مرة في سنوات الطلب، وخطر لي في ذلك الحين أن أدخل معها في تجربة فنية ~~أو فكرية لا أذكر معالمها على وجه التحديد، وسرعان ما استبعدت ذلك الخاطر النزق الذي ظل ~~يتقلب في داخلي كالشوكة التي لا يتوقف وخزها المؤلم؛ ذلك أن التجربة كانت فوق طاقتي ~~المحدودة. ومن أنا حتى أتجاسر على الاقتراب من كنز أدبي خالد، لا يسبر أغواره إلا من ~~يستطيع أن يسبر أغوار عالم حضاري كامل، عالم أقف أمام أبوابه وقفة التلميذ البائس البليد، ~~فلا أنا أعرف اللغة الأصلية التي كتب بها، ولا لدي فكرة عن علم الآشوريات وأسراره ~~المحجوبة إلا عن أهل الاختصاص؟! ثم لمن أقدم هذه التجربة وجلجاميش غائب عن وعي القارئ ~~العام، وبيننا وبينه فجوة سحيقة قد لا تقل عن خمسة آلاف عام؟ وشاءت تحولات الأيام ~~والأعمال أن أعكف طوال السنوات الثلاث الماضية على كتاب كبير عن «حكمة بابل» توفرت فيه ~~على تأمل الحكمة البابلية ودراسة نصوصها الأساسية، مثل أيوب البابلي (لدلول بيل نيميقي أو ~~لأمتدحن رب الحكمة)، والمعذب والصديق، وحوار السيد والعبد، وغيرها من نصوص الحكمة والأدب ~~الشعبي السومري والبابلي. # 12 # وكان من الطبيعي - على الرغم من القصور العلمي - أن أغوص بقدر ما وسعتني ~~القدرة في أعماق ذلك العالم الشاسع، وأن أعاود قراءة جلجاميش في ترجماتها وصيغها المتاحة، ~~وتحركت الشوكة القديمة، وتجدد وخزها الأليم! عايشت الملحمة وتعاطفت مع شخصياتها، ~~وأحسست بالثروة الدرامية الكامنة في الكثير من أحداثها ومواقفها، وتجلت لي في ضوء ساطع ~~لا يقدر عليه إلا كل عمل فني حقيقي، وهو الإيحاء بالأبدي المطلق من خلال المحدود المقيد ~~(بالشكل واللغة والبيئة والعصر والأدوات الفنية ... إلخ)، ودفع التوتر «الجدلي» بينهما في ~~وحدة عمل فني يحدد مستوى، كما له إمكان بقائه وتأثيره جيلا بعد جيل، وتوالت الهموم ~~الشخصية والعامة ms022 بما جعل الإمساك بالقلم هو الوسيلة الوحيدة للتخفف من وخزات الشوكة ~~وجراحها الدفينة. وشرعت في الكتابة وكأنني أمشي على الصراط؛ فالإجلال للملحمة يمنعني من ~~الاندفاع إلى التجريب (على الرغم من الاعتراف للأديب بحقه المشروع في التصرف الحر في مادته ~~التاريخية أو الأسطورية)، والكتابة بكل خصوصيتها وضروراتها الحميمة لا تسمح بأن يتحول ~~العمل إلى ترجمة يمكن أن تغني عنها أية ترجمة أمينة. وحاولت أن أمسك بالميزان العدل؛ لا ~~أفرط في أي خطوة من خطوات جلجاميش على الطريق إلى المجهول، ولا أسقط أي حادثة أو موقف، ~~وفي الوقت نفسه لا أتخلى عن حقي في استكناه أعماق الشخصيات وبث الحياة الدرامية فيها، ~~ومحاولة «إحضارها» من غياهب الماضي الملحمي لكي تتحرك فوق «خشبة» الواقع. واكتشفت بعد إتمام ~~العمل أنني أسرفت في استغلال هذا الحق الذي تهيبت منه في البداية؛ إذ سمحت لنفسي في ~~اللوحة الأولى بتقديم جلجاميش إلى المحاكمة، وإضافة فاصل يتم فيه الحوار بينه وبين جوقة ~~الشيوخ التي تحذره من مغبة السفر والتغيب عن وطنه وأهله. أضف إلى ذلك أنني تصرفت في ~~النهاية التي تركها المؤلف الأصلي مفتوحة وغير شافية ولا مقنعة. وافترضت أن تنتهي الملحمة ~~نهايتين محتملتين؛ فإما أن يرجع البطل اليائس البائس إلى أوروك صفر اليدين من نبتة الخلود، ~~فيجد مدينته خرابا ويتضاعف يأسه واغترابه؛ وإما أن يعود وقد «تطهر» من أحلامه المستحيلة ~~تطهره من بطشه واستبداده، فيضع يده في يد شعبه، ويشارك في البناء الحضاري الذي يتيح له ~~نوعا من الخلود البديل عن ذلك الخلود الوهمي الذي اقتنع أخيرا باستحالته. وغلب عندي هذا ~~الفرض الأخير أن كاتب الملحمة قد أشاد بسور المدينة الشهير في بداية الملحمة ونهايتها، ولم ~~يستطع أن يخفي فرحة جلجاميش وهو ينادي على الملاح أورشنابي، ويدعوه أن يفحص بناء السور ~~ويتلمس إفريزه وآجره وأعتابه. ولم يكن ذلك كله مجرد مصادفة؛ لأنه يشير إشارة واضحة إلى ~~الحقيقة التي يشهد عليها تاريخ الإنسان، وهو أن العمل والبناء الحضاري هو سلاحه الوحيد في ~~مقاومة الفناء ومواجهة الموت المحتوم. # وتبقى أمور ms023 عديدة في هذه «القراءة» أو «المعالجة الدرامية» أو «الاستلهام» لنص قديم ~~حاولت أن أجعله معاصرا، وتحيرت كثيرا في توصيفه (فلا هو مسرحية ملحمية على غرار ~~مسرحيات سابقة جربت كتابتها، ولا هو ملحمة درامية لأن التعبير يحمل تناقضه في ذاته)، ~~وأكتفي بالإشارة إلى هذه الأمور التي لا يتسع المجال لمناقشتها بالتفصيل، تاركا الحكم على ~~العمل للقارئ الذي سيقرؤه ويفسره ويعيد خلقه على طريقته؛ فالأزمنة تتداخل فيه بحيث نعيش ~~في زمن الملحمة نفسها بأحداثها ومواقفها، وبحيث يستطيع القارئ أن يتعرف عليها وإن لم يسبق ~~له الاطلاع على إحدى ترجماتها، كما نعيش في زمن شيوخ أوروك الذي هو في الحقيقة «لا زمن ~~الجوقة» المعبر عن صوت الضمير الجمعي وراء كل زمن أو مكان محدد، ثم في زمن الراوية الذي ~~ينطق بصوت الحاضر ويطرح أسئلته، ويقدم العمل كله على هيئة «أمثولة» يمكن أن نتعلم منها. ~~وهناك تحولات جلجاميش من الأنا إلى النحن، ومن التسلط إلى التطهر، ومن الذعر من الموت إلى ~~الإيمان بقانون اللحظة الراهنة؛ لحظة الوعي الحر والعمل الخلاق من أجل الآخرين؛ ومن ثم ~~تصبح جلجاميش على نحو من الأنحاء لونا من ألوان «الرواية التربوية» أو التعليمية التي ~~تتتبع تطور البطل في معرفته بنفسه وبالعالم والمجتمع، وتحوله من الحلم المستحيل إلى ~~واقع المشكلات التي تؤرق الناس في حياتهم «هنا والآن». وتأتي بعد ذلك الشخصيات التي ~~تعاطفت معها، وحاولت أن أعمق خطوطها وظلالها وملامحها: كاهنة الحب «شمخات»، وحبها الصامت ~~الحزين لإنكيدو الذي حولته من وحش البرية إلى إنسان، ثم حول موته وحش أوروك المستبد ~~إلى إنسان. وأورشنابي الملاح الخفيف الظل الذي يحيا الخلود على طريقته العدمية في اللحظة ~~العابرة. وسيدوري الأبيقورية البابلية التي حبست بحار الأبدية والأزلية بين جدران كأسها ~~المتلألئة الصافية. وعشتار العاشقة المتفانية والمنتقمة الباكية التي تصب لعناتها فوق ~~أوروك وكل المدن التي أنكرت الحب، فحق عليها القحط والجدب والجفاف. إلى آخر الشخصيات ~~والمواقف والصور والأصوات التي أترك لك الحكم لها أو عليها، راجيا في النهاية أن تدخل عالم ~~جلجاميش، وتشارك في ms024 محاكمته والحوار معه والحكم له أو عليه. # | الشخصيات # جلجاميش: # الملك الخامس على أوروك. # إنكيدو: # وحش البرية وصديقه. # نينسون: # أمه الحكيمة. # شمخات: # كاهنة الحب. # سيدوري: # ساقية الحانة على شاطئ بحر الموت. # أورشنابي: # ملاح بحر الموت. # أوتنابشتيم: # نوح البابلي. # زوجة أوتنابشتيم. # الرجل العقرب وزوجته. # عشتار: # إلهة الحب والخصب والحرب. # خمبابا: # حارس الغابة. # آنو: # آلهة في مجمع الآلهة. # إنليل: # آلهة في مجمع الآلهة. # شمش: # آلهة في مجمع الآلهة. # آيا: # آلهة في مجمع الآلهة. # الراوية: # آلهة في مجمع الآلهة. # جوقة الشيوخ. # جوقة الرجال العقارب. # شباب ونساء وأطفال. # جنود وحراس. # كهنة وعرافون ومعزمون. # أصوات مختلفة. # الفصل الأول # | بدء الكلام # (المسرح مستويات متعددة. في المستوى الخلفي تبدو من بعيد أسوار ~~أوروك وأطلالها المخربة. إلى اليمين يقف الراوية على منصة عالية، في يده بضعة ~~ألواح طينية أو أوراق يقرأ منها بين الحين والحين ويعلق على الأحداث. في المستوى ~~الأدنى يتوالى على الخشبة ظهور الشخصيات واحدة بعد الأخرى، وتتجمع إلى اليسار منها جوقة ~~الشيوخ والعجائز من أهل أوروك، ثم ينضم إليهم عدد من الشباب والنساء والأطفال في ~~المستوى نفسه. إلى أقصى اليسار شبح كومة بشرية يصدر عنها أنين وبكاء متصل، حتى ~~يسلط عليها الضوء فيظهر حطام جلجاميش البائس اليائس. في عمق الخلفية أمام الأسوار ~~المخربة، منصة تظهر عليها بعض الشخصيات أو تسقط عليها بعض الصور والرسوم، ثم تطفأ ~~أنوارها أو تسدل عليها الستار. تسمع من البداية دقات الطبول الخافتة التي ترتفع ~~شيئا فشيئا مع تتابع ظهور الشخصيات واحتدام الأحداث. الراوية في ملابسه الحديثة مشغول ~~بالتقليب في الألواح والصحائف.) # صوت يهتف ~~(مع دقات الطبل الخافتة) ~~: # جلجاميش. # جلجاميش. # جلجاميش. # الصوت ~~(في نغمة مهيبة عميقة) ~~: # هو الذي رأى كل شيء حتى تخوم البلاد. # هو الذي عرف البحار وأحاط علمه بكل شيء. # هو الذي تغلغل ببصره في الهاوية المظلمة. # امتلك الحكمة وتعمق كل الأشياء. # رأى الأسرار وكشف الخفايا، # وجاء بأنباء ما قبل الطوفان. # الراوية ~~: # أعرف هذه الكلمات. قرأتها في اللوح الأول. إنها الكلمات التي تبدأ بها ~~الملحمة، وهي التي سميت باسمها كما ms025 كانت عادة الكتاب والنساخ ~~البابليين. # الصوت ~~(متابعا دقات الطبول) ~~: # مضى في سفر بعيد، حتى حل به الضنى والعناء. # ثم حفر على لوح حجري كل ما أصابه من تعب وشقاء. # الصوت العميق ~~(مع ارتفاع دقات الطبول) ~~: # جلجاميش. # جلجاميش. # جلجاميش. # الراوية ~~(وهو يقلب في الألواح أو الأوراق) ~~: # جلجاميش، يمكن أيضا أن تنطق كلكاميش بالكاف الفارسية، أو «قلقميش» في الرسم ~~العربي، الاسم الأصلي كما ورد في النصوص السومرية ~~(يتتابع دق الطبول) # مهلا، سأحدثكم بعد قليل عن شعب السومريين ~~العجيب وعن هذه النصوص الباقية. قلت مهلا. لن أطيل الحديث. إنها تالفة ~~ومملوءة بالثغرات والفجوات، مثل كل النصوص المنقوشة بأيدي السومريين والبابليين ~~والآشوريين بالخط المسماري على الرقم والألواح الطينية ~~(تتوالى الدقات مع ارتفاع الصوت الهاتف ~~قليلا) ~~: # جلجاميش. # جلجاميش. # جلجاميش. # الراوية ~~(مسرعا) ~~: # هي أقدم ملحمة في التاريخ، جرت أساطيرها وحكاياتها على ألسنة الناس منذ ~~الألف الرابعة قبل الميلاد، وبدأ تدوينها في العصر البابلي القديم على عهد ~~حمورابي، الذي حكم من عام 1792م إلى عام 1750م أعظم إمبراطورية بابلية، وخلد ~~اسمه بشريعته المشهورة. عثر على نصها الأساسي الأخير في «نينوى» عاصمة ~~الآشوريين بين آلاف الألواح التي وجدت في أطلال مكتبة قصر آشور - بانيبال ملك ~~العالم وملك آشور كما كان يسمي نفسه من سنة 667 إلى سنة 626 قبل الميلاد، هذا ~~الملك المجنون بالقتل والمعرفة، بقطع رءوس أعدائه وتمزيق أشلائهم وحرق مدنهم، ~~وبتذوق الغناء والموسيقى وجمع تراث الآباء والأجداد - يعزى هذا النص إلى ~~كاهن بابلي يدعى سين-ليكي-أونيني، عاش في القرن الثاني عشر حوالي عام 1100 ~~قبل الميلاد. ومن المؤسف أننا لا نعرف شيئا عن هذا الشاعر الموهوب الذي نسج من ~~القصص السومرية التي ذكرتها هذا العمل الأدبي الفريد. # الصوت ~~(وهو يتوالى مرتفعا بعض الشيء) ~~: # جلجاميش. جلجاميش. # الراوية ~~: # انتظروا. لا بد من كلمة عن هذا العمل الذي لا نكاد نعرفه ونحن ورثته، ولا ~~يكاد يقرؤه أو يدرسه إلا المختصون بعلوم الآثار والتاريخ القديم واللغات ~~السومرية والأكدية، مع أنه أثر على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة على أجيال ~~وأجيال ms026 من شعوب الشرق الأدنى القديم، بل يحتمل أن يكون قد أثر على بعض أساطير ~~الإغريق وعلى شاعرهم هوميروس حتى استحق أن يسمى أوديسة البابليين. # الصوت ~~(مع دقات طبول مرتفعة) ~~: # جلجاميش. جلجاميش. # الراوية ~~(مندفعا حتى لا يكاد يبين) ~~: # عاش بين سنتي 2750 و2600 أو 2500 قبل الميلاد، وذكرت ثبت الملوك والسومريين ~~أنه خامس ملك حكم مدينة أوروك بعد الطوفان . بلغت المدينة في عهده أوج العظمة ~~والازدهار، وإليه ينسب بناء سورها العظيم، ومعبد إينانا المقدس وهيكل إله ~~السماء آنو. فاض الخير والخصب على بلاده في حياته، وأله في حياته وبعد موته، ~~ونصبته الأسطورة قاضيا لأرواح الموتى في العالم ~~السفلي المخيف. وبناء السور العظيم ~~(يسلط الضوء على أطلاله وخرائبه في أقصى الخلف) # دليل على اشتعال نيران الصراعات والحروب بين مدن السومريين التي كانت كل منها ~~دولة مستقلة تذكرنا بدولة المدينة عند الإغريق. والسومريون ~~(يزداد ارتفاع الطبول) # لا بد من كلمة وفاء لهذا ~~الشعب الجدير بالوفاء. ~~(يهدأ قرع الطبول) # نعم نعم، فهو الذي وضع التقاليد الثقافية والحضارية، وأسس النظم والمعتقدات ~~والنماذج الأدبية، واخترع أول كتابة عرفتها البشرية بالخط المسماري، وأبدع ~~أساطير الخلق والبعث والجنة والطوفان، وكذلك أسطورة جلجاميش. # الصوت ~~: # جلجاميش. جلجاميش. # الملك الحكيم. # البطل الوسيم. # الراوية ~~: # حقا حقا، هذا ما يثبته اللوح الأول، وتؤكده كل الألواح الاثنا عشر. هل ~~قلت لكم إن اسمه معناه الرجل الذي سينبت شجرة، أو المحارب الذي يسير في ~~المقدمة؟ لقد اختلطت منذ القدم الأساطير التي تروى عنه بالأخبار التاريخية ~~التي ترجع للألف الثالثة قبل الميلاد، وارتبط اسمه بالبحث في مصير الإنسان، ~~ومعنى الحياة والموت، والسعي إلى الخلود الذي استأثرت به الآلهة دون ~~البشر. # الصوت ~~(في شبه استغاثة أو دعاء) ~~: # جلجاميش. # ثلثاه إله والثلث الباقي بشري فان. # جلجاميش. # حباه الحسن إله الشمس شمش، # وإله الرعد أداد القوة والبطش. # جلجاميش. # راعى أوروك الملك الحق على العرش # والثور الناطح والأسد الكاسح كالوحش. # الراوية ~~(مؤمنا على ما قاله الصوت) ~~: # وهذا أيضا تثبته الصور المنحوتة على النقوش والأختام الأسطوانية، فتمثله ~~ببطل يحمل في إحدى ms027 يديه ساطورا، وفي الأخرى أسدا أو ثورا يمسكه من ذيله أو ~~من رجليه الخلفيتين، بينما تبرز من رأسه القرون التي كانت من شارات الألوهية ~~(تسقط في هذه الأثناء صورة أو لوحة تمثل جلجاميش ~~وهو يمسك أسدا من ذيله وأخرى على هيئة ثور بشري). # الراوية ~~(يسترسل في كلامه دون أن ينتبه إلى الجموع التي بدأت تتوافد ~~من يمين المسرح ) ~~: # لكنه كان على الدوام مضطرب الفؤاد. هذا ما قالته أمه الحكيمة نينسون، وهي ~~تشكو حالها إلى رب الشمس والعدالة ~~(وكأنه يغني أثناء ~~تقليبه في الألواح). # عملاق، فالصدر عريض؛ تسعة أشبار. # والقامة، عذرا؛ فأمامي فجوات؛ عشرة أشبار أو أحد عشر. # جلجاميش طاغ جبار. # جذوة نار. # يقتل في ثورة غضبه، # ويثور الندم بقلبه، # ويفيض الألم بشعبه. # الجموع ~~(التي لم يفطن إليها الراوية بعد؛ إذ يحسبها من الأصوات ~~التي كان يسمعها) ~~: # يوقظنا في أعماق الليل، # على صوت الطبل، # جلجاميش. # الراوية ~~(مرددا كالحالم) ~~: # جلجاميش. # الجموع ~~: # لا يترك ابنا لأبيه. # ماض في الظلم الفادح ليل نهار. # الراوية ~~: # الملك العادل، # والراعي الكامل. # الجموع ~~: # جبار ظالم، # طاغية آثم. # الراوية ~~(مكملا) ~~: # أم بطل حالم؟ # جلجاميش شاعر، # وحكيم ثائر. # ثلثاه إله، # والثلث الباقي # بشري زائل. # في الصدر الحائر والقلب الطاهر # تتصارع أرض وسماء، # والطين مع النور الباهر. # الجموع ~~: # كذب، كذب # أسطورة شاعر. # الراوية ~~(ملتفتا إليهم) ~~: # ما هذا؟ من أنت؟ # الجموع ~~: # الشعب المقهور الثائر. # الراوية ~~: # كيف أتيتم؟ # ما مطلبكم؟ # الجموع ~~: # نشكو للعصر الحاضر، # من ظلم العصر الغابر، # نشكو جلجاميش. # الراوية ~~: # الملك الشاعر، # والبطل الظافر؟ # الجموع ~~: # والثور الهادر، # والوحش الغادر. # أصوات ~~: # لا يترك بكرا لأمها، # ولا ابنا لأبيه. # ليل نهار يمعن في ظلمه. # هو راعي أوروك الحمي، # وهو القوي الوسيم الحكيم. # لا يترك العذراء لحبيبها، # ولا الابنة لأبيها المحارب، # ولا الزوجة لزوجها. # الراوية ~~(يسترد نفسه، يقلب في الصحائف والألواح) ~~: # حقا! حقا! أذكر هذا. # ورفعتم أصواتكم بالشكوى والأنين # لآنو إله السماء، وإله أوروك. # الجموع ~~: # واستمع الآلهة لشكوانا، # فدعوا سيدة الخلق آرورو قائلين: # أنت يا من خلقت جلجاميش، # اخلقي له الآن ندا جامح الفؤاد، # فيدخلان ms028 في تنافس وتستريح أوروك. # الراوية ~~: # إنكيدو. # صاحبه الطيب إنكيدو. # صوت من الجموع ~~: # وحش البرية # يرعى الكلأ مع الغزلان، # ويرد الماء مع الحيوان. # خلقته على صورة آنو، # وحباه القوة نينورتا، # رب القنوات وراعي الشطآن. # الشعر المنسدل سنابل قمح، # والملبس جلد الحيوان، # كرب القطعان سموقان، # لا يعرف شيئا عن طبع البشر ولا البلدان. # صوت آخر ~~: # رآه صياد عند مورد الماء ، # فتجمد وجهه واضطرب قلبه. # شل الرعب لسانه ودخل جوفه، # فانطلق مذعورا إلى أبيه: # وحش البرية تشبه قبضته قبضة آنو. # ردم الحفر التي حفرت. # مزق الشباك التي نصبت. # جعل طرائد البرية تفلت مني. # فتح الأب فمه وقال للصياد: # يا ولدي، في أوروك يقيم الملك الرائع جلجاميش. # من لا يشبهه أحد في قوة بأسه. # امض إليه وأنبئه بنبأ الوحش الجبار، # وسيعطيك بغيا من معبد سيدة الحب الكبرى عشتار. # خذها للبرية، تغلب قوتها قوته، # وصنعتها توقظ فيه الإنسان، # فيهرب منه الوحش وتنكره الغزلان. # شمخات ~~(لا تظهر على المسرح) ~~: # ونضوت ثيابي، وكشفت مفاتن صدري. # أصوات الجموع ~~: # شمخات بغي المعبد؟ # شمخات ~~: # بل قولوا كاهنة الحب. # قاربني وحنوت عليه. # عانقني فرويت العطش، وأشبعت الجوع، وهدهدت القلب. # يوما، يومين، # سبعة أيام وليال، نصل الصبح مع الليل. # وإلى أوروك قدت خطاه على الدرب، # كما تفعل أم مع طفل. # الراوية ~~: # وقسمت الثوب الواحد نصفين، # فلبس الثوب، # وبفضلك أكل الخبز، # وذاق مع الناس رحيق الخمر العذب. # شمخات ~~: # ودخلنا أوروك، # وقلبي يهتف: يا أهلي، يا أحباب القلب، # هذا هو إنكيدو المنقذ، # عون المظلوم التعس، # وأمل الشعب. # الجموع ~~: # كنا ننتظر هناك، # على الأبواب وفي الساحات. # ننتظر شهابا أرسله آنو، # نجما يخترق الظلمات. # ننتظر الفأس المطروحة في الطرقات، # وتجمعنا حول البطل. # ضحكنا، صحنا، قبلنا الثوب. # لثمنا اليد والقدم. # هتفنا: هذا هو حلم الشعب. # آه! وا أسفاه! # أصوات ~~: # الحلم تبدد مات. # الحلم تبدد مات. # الراوية ~~: # لماذا؟ ما الذي حدث؟ # ألم يصبح إنكيدو صديق جلجاميش؟ # ألم يحقق الحلم الذي رآه وفسرته أمه؟ # ألم يشغله عنكم يا أبناء أوروك؟ # صوت من الجموع ~~: # معك الحق، شغله عنا. # الراوية ~~: # واسترحتم ms029 منه. # الصوت ~~: # إن كانت في الموت الراحة. # صوت آخر ~~: # إن كانت في الجوع أو القحط الراحة. # صوت ثالث ~~: # إن كانت في اليتم الراحة. # الراوية ~~: # الجوع؟ القحط؟ اليتم؟ # ماذا تقصد؟ # الصوت ~~: # تركانا، # وانطلقا للمجهول. # شمخات ~~: # ومع الأيام انهارت أوروك، # وطمعت فيها الأعداء، # ومات الحلم الوردي، # وخاب الأمل المأمول. # أصوات ~~: # مات الحلم الوردي، # وخاب الأمل المأمول. ~~(تتجه إلى مقدمة اليسار مجموعة من الشيوخ والعجائز، وجوههم ~~كاسفة، ورءوسهم مطرقة، ويؤلفون جوقة مستقلة عن بقية الجموع.) # الشيوخ ~~: # نحن شهدنا موت الحلم، # ووقع الظلم # على المرأة والشاب اليافع، # والطفل العاجز والأب والأم. # الراوية ~~: # لكن، من أنتم؟ # من أين أتيتم؟ # الشيوخ ~~: # نحن شيوخ أوروك. # فينا الكاهن والسادن، # والكاتب والحاجب، # والصانع والزارع، # والراعي المسئول عن القطعان. # كنا أعضاء الشورى في أوروك، # وأرباب الحكمة والأعيان. # جئنا من هاوية الزمن الموغل في ظلمات القدم # ومن أغوار الوجدان؛ # كيما ننذر ونذكر # من أنسته الأيام ومر الأزمان # بحقيقة ما قد كان، # وما أغفله الكتبة والكهان. # نحن المتهم، ونحن القاضي. # نضع الميزان، # ونشارك في محكمة الحاضر والماضي. # الراوية ~~: # أية محكمة؟ # الشيوخ ~~: # ولماذا نجتمع الآن؟ # جلجاميش. # الراوية ~~: # قلت نحاكمه؟ # الشيوخ ~~: # ونحاكم أنفسنا، # ونحاكمكم. # نجتث جذور اللعنة من أرض الإنسان. # فالداء قديم، والشجرة يثقلها الشوك # على الأغصان، تسكنها القردة # والحيات، تعشش فيها الغربان. # الراوية ~~: # أتحاكم فخر الأجيال، # وبطل الأبطال؟ # من سافر في الأرض وغامر # عبر بحار الموت، # وقطع الأنهر والوديان. # واقتحم الأرض المجهولة؛ أرض الأحياء، # وقتل الوحش الغادر، # ومحا الشر وصد العدوان؟ # أنحاكم من دخل أوروك دخول البطل، # فصحتم في موكبه الظافر: # بطل الأبطال! # أشجع من كل الشجعان! # أنحاكم من خلد ذكر أوروك # فوق المدن الأخرى والبلدان؟ # الشيوخ ~~: # غير صحيح بالمرة. # أبدا ما خلد جلجاميش إلا اسمه. # ما حفر على الحجر # وفي النقش البارز إلا رسمه. # الراوية ~~: # لكن الملحمة تؤكد. # الشيوخ ~~: # نحن الشعب، # ولم تذكرنا الملحمة بكلمة؛ # ولهذا جئنا لنحذركم، # ونذكركم؛ # لنعيد قراءتها معكم، # ونطالع فيها الدرس الخالد والحكمة. # الراوية ~~: # هل تنكر ما فعل البطل؟ # الشيوخ ~~: # وأنفي عنه المجد الفاسد، # وأدين طموحه. # الراوية ~~: # لكن ms030 الملحمة ستشهد. # الشيوخ ~~: # وسيشهد هذا الجمع الحاشد # ويفض على الملأ جروحه. # والميت منذ قرون # سيغادر في التو ضريحه. # وستشهد شمخات. # الراوية ~~: # بغي المعبد؟ # شمخات ~~(تظهر في المستوى الأعلى) ~~: # بل كاهنة الحب. # وكم حذرت حبيبي. # الشيوخ ~~: # وكذلك إنكيدو الطيب، # شبح المسكين المتعب، # يفد علينا من عالمه السفلي المرعب. # إنكيدو ~~(تظهر صورته في المستوى الأعلى) ~~: # أنا إنكيدو. # وحش البرية. # أرعى الكلأ مع الغزلان، # وأرد الماء مع الحيوان. # ما زلت وفيا لعهود الحب، # وإن عهود القلب وثيقة. # وسواء سماني الكتبة خادمه، # أو سمتني الملحمة صديقه، # فلقد كنت ضحيته، # والسكين بيده، # والفأس المطروحة في طرقات أوروك، # والنجم الثاقب يشتاق بريقه. # آه! كم حذرتك يا جلجاميش! # وظللت أردك لجموع الشعب، # لنبض القلب، # وأمر الحب؛ # لعلك أن تستمع نداه، # وتأخذ منه الكأس العذب، # وتمتص رحيقه. # آه كان حبيب القلب، # رفيق الدرب، # وكنت رفيقه، # وبكاني حين مرضت. # ولما اختطف الطير الصاعق روحي # شبت فيه النار، # فما أطفأ مر الأيام حريقه، # ومضى كالثور الجامح والنسر الجارح، # خاض بحار الموت، # غريبا يبحث عن حلم لا يدركه البشر، # وما من حي يملك تحقيقه. # آه! كنت المصباح أضاء طريقه، # وسفينته في بحر التيه، # وكنت غريقه. ~~(ينبعث من الكومة البشرية المعتمة في أقصى اليسار نواح ~~مر. يتلفت الحاضرون نحو الصوت الذي لا يتبينون مصدره. تعقد الدهشة ألسنتهم ~~لحظات قبل أن تتحرك رءوسهم وأيديهم بالإشارات والإيماءات، وتند عن شفاههم صيحات ~~التعجب والاستفسار.) # إني أبكيك. # أنصتوا إلي يا شيوخ أوروك. # أنصتوا إلي. # إنني أبكي إنكيدو، # أبكي صديقي، # أطلق شكواي المرة كالندابة. # أنت يا من كنت الفأس إلى جنبي # وفي متناول يدي. # أيها السيف في حزامي، # والدرع الذي يحمي صدري، # أنت يا حلة عيدي، # وحزام بأسي وقوتي، # سرقك مني شيطان ملعون. # إنكيدو، يا صديقي، # ما هذا النوم الذي أطبق عليك # حتى غشيك فلم تعد تسمعني؟ # الشيوخ ~~(يتلفتون حولهم) ~~: # هذا الصوت المفجوع المحزن # ينسكب كدمع العين. # هل أعرفه؟ # هل أذكره؟ # هل هو؟ لا، لا. # من هو؟ من؟ # إنكيدو ~~(يردد أغنيته) ~~: # آه! كنت المصباح أضاء طريقه. # كنت ms031 سفينته في بحر التيه، # وكنت غريقه. # أورشنابي ~~(وهو ملاح أوتنابشتيم أو نوح البابلي، يظهر في المستوى ~~الأعلى، ويقول في مرح) ~~: # بل أنا ملاح سفينته. # خوضت به في بحر الموت # ليجد لأوتنابشتيم طريقه. # كم أنذرت وحذرت # من الملل القاتل، # للجد المكتئب الخامل. # فأصر ولم يبلع ريقه. # لما طردني الخالد من جنته، # قلت لنفسي: # صعلوك وجد رفيقه. # الشيوخ ~~(يضحكون) ~~: # حتى سيدوري الحلوة # تعبت معه. # مدت بالكأس يديها # لتبل عروقه. # لكن الوهم تمكن منه، # فعجزت حكمتها المرحة أن تنتشل # المفتون الذاهل # من سحب الحلم القاتل وتفيقه. # سيدوري ~~(تظهر في أعلى المسرح) ~~: # بالحق نطقت، # وأنا ساقية الحان # على شاطئ بحر الموت. # مددت إليه الكأس. # دعوت. دعوت. # لعل الخمر تزيل اليأس، # تميت الموت الرابض # في أعماق النفس. # آه! كم حذرت وكم أنذرت! # لعل النسر التائه في سحب الحلم # يعود لحضن الزوجة والبيت. # قلت وكررت، وبح الصوت: # يا جلجاميش، هذا بستان البهجة. # فاقطف فاكهة اللحظة، قبل فوات الوقت. # لم تتعجل سيرك؟ # أين تقود خطاك؟ # إن حياة تبحث عنها # لن تدركها، لن تصل إليها، # مهما حاولت. # لما أن خلق الآلهة البشر # قديما قسموا لهم الموت، # واحتفظوا في قبضتهم # بخلود يتحدى الحد، # ويوقف عجلات المولد والموت. # فاملأ بطنك. # متع نفسك ليل نهار، # واجعل أيام حياتك أعياد البهجة، # وارقص والعب يا جلجاميش ما شئت. # اخطر في ثوب زاه، # واغسل رأسك بالماء، # وضمخ جسدك بالعطر والزيت. # انظر للطفل الراقد بين يديك، # وأسعد زوجك في أحضانك. # ذلك هو حظ البشر، # وقسمتهم ما عاش الناس وعشت. # صوت جلجاميش ~~: # آه! لا أقدر أن أفعل هذا. # ماذا أصنع؟ # وإلى أين أوجه وجهي؟ # مذ سقطت من أنف صديقي الدودة # لا أحتمل العيش ولا أحتمل الموت. # أنى قلبت الطرف وجدت الموت # يربض في مخدعي ويسكن عيني، # يلازم خطوي # أنى رحت وأنى جئت. # صوت من الجموع ~~: # هذا الصوت. هذا الصوت. # صوت آخر ~~: # لكأني ألمح ظله. # صوت ثالث ~~: # وأراه وأبصر شكله. # صوت رابع ~~: # لكأن عيون الرعب علي من الأسوار مطلة. # والأمس الذاهب والغد واليوم الشاحب بؤس ومذلة. # صوت ms032 خامس ~~: # صوت مرعب. # حتى وهو يئن ويندب # أوشك أن أسمع معه صوت الطبل، # يوقظ أوروك بجوف الليل، # ويسوق الخلق لنير السخرة وسياط الذل. # يخشاه الرجل ولا يرحم حتى العذراء أو الطفل. # صوت سادس ~~: # صوت مرعب. # صوت مرعب. # أسمعه فترفرف أطيار الصدر # وقد أعماها الذعر، # فأسأل نفسي: # هل يبكي الأسد أو النمر # أو الذئب؟ # أورشنابي ~~(يظهر أعلى المسرح) ~~: # أما أنا فضحكت، # لما ضاعت منه النبتة # قطع الثوب، # مزق شعر الرأس، # وجدف في حق الرب. # الراوية ~~(يستوقفه) ~~: # أية نبتة؟ # ذكرني إن كنت نسيت. # أورشنابي ~~: # ظلت لغزا يطويه البحر ولا يعلن سره، # حتى كشف أوتنابشتيم أمره. # صارت أملا يحمله معه إلى أوروك # لكي يتعزى عن خيبة أمله. # أخرجها من جوف الماء، # فجرح الشوك يديه. # ولما ضاعت جرح القلب. # الراوية ~~: # ضاعت أم أكلتها الحية؟ # من سموها أسد الترب؟ # أورشنابي ~~: # لن أنسى الفرحة في عينيه، # ولا الدم ينزف من كفيه، # وهو ينادي: # صوت جلجاميش ~~: # يا أورشنابي، # ما أعجبها نبتة! # يأكلها الشيخ فيرجع لصباه بغتة، # أحملها معي إلى أوروك، # وأقسمها بين شيوخ الحكمة. # آكل ما يتبقى # ليعود إلي شبابي وأجدد عهده. # الراوية ~~(للشيوخ) ~~: # أرأيتم؟ # لم يستأثر بالنبتة وحده. # أثر أن يسبقه الشيخ الهرم، # ويتذوقها بعده. # الشيوخ ~~: # لا تغتر بكلمات لا تكشف قصده، # أبدا ما غير جلجاميش جلده، # حتى آخر نفس لم يتذكر إلا نفسه، # والمجد الكاذب مجده. # صوت جلجاميش ~~(وقد بدأ الضوء الخافت يظهر ظله) ~~: # أورشنابي، # يا أورشنابي، # يا أوتنابشتيم الخالد، # يا ساقية الحانة سيدوري، # يا روح صديقي الطيب إنكيدو، # ضاعت مني النبتة. # راح الأمل وتاه. # فلمن أضنيت يدي؟ # لماذا نزف القلب دماه؟ # ضاع العمر سدى. # لم أكسب شيئا (يبكي). # أورشنابي ~~: # أقبلت عليه، # أخفف عنه # حمول القلب المتعب. # ودعونا شمش الطيب، # راعي الغرباء الحيرى، # في الليل الأعمى، # والتيه المرعب. # يا جلجاميش لا تتلف نفسك، # لا تذرف دمعك # كالطفل المذنب. # بعد قليل يصل الموكب # تدخل أوروك الساحة والملعب. # أوروك البيت الدافئ، # والأم الثكلى، # والأب والجد الطيب. # سرنا الساعات مضاعفة، # وتزودنا من زاد الأرض، # وبارك شمش الرحلة والموكب. ms033 # حتى لاح على البعد السور، # ومعبد آنو رب الأرباب، # وهيكل إينانا سيدة الحب، # وراعية الخصب. # وجرى جلجاميش نحو السور، # ولثم العتبة والأبواب، # وصاح كطفل غاب وعاد إلى صدر الأب. # صوت جلجاميش ~~: # انظر يا أورشنابي. # اعل السور. # تمش عليه. # تفحص صنعة آجره. # المس قاعدته. # أوليس الحكماء السبعة # من أرسوا أسسه؟ # وانظر للإفريز المعجب # يتوهج بنحاس، # يسطع كالنجم الأشهب. # اعل السور. # تمش عليه، # ومد الطرف إلى الأفق الأرحب. # ثلث للبستان، # وثلث آخر للمرج، # وثلث لأوروك. # الساحة والمعبد والملعب. # انظر والمس قاعدة السور. # تعجب! # الشيوخ ~~(يتجهون نحو جلجاميش وأورشنابي في غضب) ~~: # السور تهدم، # والمعبد والبرج تحطم، # والمرج هشيم ورماد، # والساحة والملعب مأتم. # انقضت كيش # على أوروك # فغرقت في بحر الدم. # والمجد الكاذب # شب حريق فيه، # فلم يبق سوى # الطلل الأبكم. # الراوية ~~: # واللوح المشهور؟ # الشيوخ ~~: # تفتت، والنقش تهشم. # الراوية ~~: # لكن الملحمة تقول # بأن البطل العائد ... # الشيوخ ~~: # أعلم، أعلم. # لم يبق من المجد الغابر # حتى الاسم. # الراوية ~~: # والحلم الرائع؟ # الشيوخ ~~: # سقط الحلم. # صوت ~~: # سقط على رأسي # في جوف الليل. # صوت ~~: # قتل الزوجة والطفل. # صوت ~~: # صرع الكرمة والحقل. # واغتال الشجرة والظل. # صوت ~~: # وتركنا الدار إلى النار، # وضنك الحال إلى الذل. # الراوية ~~: # جلجاميش، هل هذا حق؟ # أأصدق قول الشاعر # في ملحمتك، # أم هذا القول هو الصدق؟ # الشيوخ ~~: # فرق أزلي # بين الشعر وبين الشعب. # إن كنت تريد الحق، # اسمعنا، واسمع جلجاميش، # واحكم أيهما الكذب، # أيهما الصدق. # الكلمة ينقشها القلم، # أم الكلمة تنطقها الشفة من القلب؟ # الراوية ~~: # جلجاميش، أرجوك تكلم. ~~(جلجاميش يلوذ بالصمت.) # الراوية ~~: # جئنا نقرأ ملحمتك # كي نعي ونفهم. # الشيوخ ~~: # بل لنحاكم من سمته البطل ونحكم. ~~(جلجاميش صمت.) # أورشنابي ~~: # لن يتكلم. # إني أنظر في عينيه وأفهم. # الراوية ~~(مخاطبا جلجاميش) ~~: # أشعر أنك تتألم. # ألأن الحلم تحطم، # تقف هناك كتمثال أبكم؟ # ألأن النبتة ضاعت # وانكشف الوهم؟ # أرجوك تكلم. # ننتظر الكلمة منك لنفهم. # الشيوخ ~~: # بل لنحاكم، # ثم يكون الحكم. # الراوية ~~: # من سيحاكمه # أنتم؟ نحن؟ # الشيوخ ~~: # سنحاكمه # ونحاكم أنفسنا معه # باسم العدل # وباسم الظلم، # باسم الأرملة الثكلى # والشيخ العاجز # والأب والأم. # أورشنابي ms034 ~~(ضاحكا) ~~: # ما زال الحالم يحلم. # يلمس أحجار السور # كتمثال أبكم. # يتجول بين خرائب أوروك # شبحا أضناه الهم. # كيف تكلمه؟ # كيف سيسمع أو يفهم؟ # الراوية ~~: # حقا، ما زال الحالم يحلم. # أورشنابي ~~: # هذا ما قلت الآن. # وأخشى ما أخشاه # ألا أستيقظ أيضا من هذا الحلم. # الراوية ~~: # نحن سنحلم معكم # ونعيد الحلم. # أورشنابي ~~: # أأعود إلى بحر الموت؟ # الراوية ~~: # ولأوتنابشتيم الخالد # في واحته النائمة # على صدر الصمت. # سيدوري ~~: # وأنا للحانة والنشوة والكأس؟ # إنكيدو ~~: # وأنا للمرض ولعنة عشتار # والموت الظالم والبؤس؟ # شمخات ~~: # وأنا للحب الصامت واليأس؟ # الراوية ~~: # سنرجع للملحمة # نعيد قراءتها معكم، # نتعلم منها الحكمة والعبرة والدرس. # الشيوخ ~~: # ونعود لأوروك # ونرفع عنها الظلم، # ونحاكم أنفسنا معكم # ونحاكمكم. # الراوية ~~: # سنرى لمن سيكون الحكم. # هيا نبدأ رحلتنا. # يا إنكيدو، يا سيدوري، يا أورشنابي، يا شمخات. # أيتها الأسماء الأخرى، # عودوا للملحمة الكبرى. # هيا! هيا! # الجميع ~~: # نحن على استعداد. # حتى أرواح الموتى، # حتى الآلهة، # ستحضر، # وتشاركنا في نطق الحكم. # الراوية ~~: # هيا يا جلجاميش. # يا من تحلم بالمجد الرائع # وخلود الاسم. # دعنا نحلم معك قليلا # ثم نفيق من الحلم. # صوت ~~: # هو الذي رأى. # صوت آخر ~~: # هو الذي طغى. # أورشنابي ~~: # جلجاميش. # جلجاميش. # ماذا يفعل؟ # الشيوخ ~~: # جلجاميش يحلم. # بعد قليل سيفيق البطل من الحلم. # أورشنابي ~~: # أسمع صوت بكاء # كسقوط المطر على الحجر الصلد. # عد يا جلجاميش عد. ~~(تسمع أصوات نشيج مكتوم بكاء يختلط فيها صوت شمخات ~~وجلجاميش.) # الشيوخ ~~: # دعه يحلم بخلود الذكر. # إن كان بكاء ما أسمع # فالدمع يطهر. ~~(جلجاميش يسمع صوت بكائه المستمر، بينما ترتفع أصوات ~~متقاطعة.) # صوت ~~: # هو الذي رأى. # صوت ~~: # هو الذي طغى. # الراوية ~~: # لا توقظه من الحلم، # ولا تتعجل إصدار الحكم. # هيا يا جلجاميش. # يا إنكيدو. يا شمخات. # يا سيدوري. يا أورشنابي. # يا نينسون. ويا أوتنابشتيم الخالد. # يا شمش. ويا عشتار. # أصوات متداخلة ~~: # هو الذي رأى. هو الذي طغى. # هو الذي رأى. هو الذي طغى. # صوت جلجاميش ~~(مع قرع طبول عالية) ~~: # ضاعت مني النبتة. # ضاع الأمل وتاه. # لمن أضنيت يدي؟ # لماذا نزف القلب دماه؟ # آه! لم أكسب شيئا، ms035 # وأضعت العمر سدى. ~~(الجميع ينسحبون على صوت الطبول.) # الفصل الثاني # | وحش البرية مع كاهنة الحب # (في المستوى الأدنى جماعة من شيوخ أوروك مصطفين إلى أقصى اليسار. ~~وفي المستوى الأعلى تظهر على التوالي كاهنة المعبد شمخات ثم إنكيدو، وبعض الشخصيات التي ~~يسلط عليها الضوء قليلا قبل أن تختفي. في المستوى الأول تدور مشاهد أخرى تجمع بين ~~جلجاميش وأمه، أو بين إنكيدو وجلجاميش، اللذين يتحلق حولهما نفر من أهالي أوروك. ~~الراوية يقص الأحداث ويعلق الشيوخ تعليقات مختصرة. تسمع أصوات الطبول كما في اللوحة ~~السابقة وهي تردد صيحات عرفناها من قبل.) # جلجاميش # يوقظنا في جوف الليل، # على صوت الطبل. # جلجاميش # الملك العادل، # والراعي الكامل، # للأرملة وللشيخ العاجز والطفل. # جلجاميش # جبار ظالم. # طاغية آثم. # ينتزع من الوالد ولده، # ومن الأم ابنتها، # ومن العاشق محبوبته الحلوة. # جلجاميش ثور وحشي. # بطل مفتول البنيان. # الراوية ~~: # ثار أهالي أوروك وتجددت ثورتهم. رفعوا أيديهم وأصواتهم إلى أب الآلهة آنو ~~الجليل والآلهة نادت ربة الخلق: يا آرورو، أنت خلقت ما أمر به آنو، فاخلقي ~~الآن ما يأمر به. ليكن جامحا مثل الآخر وجياش الفؤاد، وليتنافسا معا ~~فتستريح أوروك وتلتقط الأنفاس. لم تكد آرورو تسمع هذا حتى سوت في ضميرها ما ~~أمر به الإله. تملت صورته في فؤادها على صورته، غسلت يديها، وقبضت قبضة طين ~~رمتها في الفلاة: خلقت إنكيدو الجبار، من نسل الليل الساكن. # 1 # وحباه القوة والبأس نينورتا المحارب السدود والقنوات. يكسو الشعر ~~جسده كله، وشعر رأسه المتموج كشعر امرأة ينسكب خصلات كسنابل نيسابا إلهة ~~الغلال. # إنكيدو ~~(يظهر في المستوى الأعلى على هيئته الفطرية وهو ~~يردد) ~~: # أرعى الكلأ مع الغزلان، # وأرد الماء مع الحيوان، # وردائي من جلد الأسد أو الماشية # شبيه برداء إله القطعان سموقان. # عند النبع الصافي يفرح قلبي الجذلان. # ذات يوم رآني أحد الصيادين، ثم واجهني يوما ثانيا وثالثا عند مورد الماء. ~~ولما رآني امتقع وجهه، ومضى بطرائده إلى بيته، مذعورا سكنت حركته، شل لسانه، ~~واضطرب جنانه، كست الوجه سحابة حزن وجهامة. فتح الصياد فمه وقال ~~لأبيه. ms036 # الصياد ~~(تظهر صورته في أعلى المسرح) ~~: # يا أبت، رجل هبط من الجبل العالي، هو أقوى الناس. شديد البأس، وقوته ~~تشبه قبضة آنو. يتجول فوق الجبل دواما، يلتهم العشب مع الوحش، ولا تبعد ~~قدماه عن النبع. خفت فلم أجرؤ على الاقتراب منه. ردم الحفر التي حفرت. ~~اقتلع الشباك التي نصبت. جعل وحوش البرية تفلت من بين يدي وأتلف ~~عملي. ~~(فتح الأب فمه وقال): # الأب ~~(يظهر في المستوى الأعلى) ~~: # اعلم يا بني أن جلجاميش يقيم في أوروك، أبدا لم يفقه أحد في قوته؛ إذ ~~تشبه في شدتها قبضة آنو، وجه وجهك للملك، وأنبئه بنبأ الجبار؛ ليأمر لك ~~ببغي تصحبها معك إلى البرية، تكسر بقوة شكيمتها قوة ذلك الرجل. وعندما يرد ~~الماء مع الحيوان، دعها تنضو ثوبها ليتلذذ باشتهائها؛ لأنه لو رآها لاقترب ~~منها، وأنكرته الوحوش التي شبت معه في البرية. # الصياد ~~: # انطلقت إلى جلجاميش كما أوصاني أبي، ~~وأبلغته بما سبق أن قلته له، وأجابني جلجاميش كما توقع أبي واستجاب. وغادرت ~~أوروك ومعي كاهنة الحب التي رحت أقودها على الطريق. بلغنا غايتنا في اليوم ~~الثالث، وقبعنا في مخبئنا أنا وبغي المعبد. قضينا اليوم الأول واليوم الثاني ~~عند المورد. جاء الوحش وشرب، وردت حيوانات الماء وارتوت. أما إنكيدو، ابن ~~الفلاة والجبال، إنكيدو الذي يفترس العشب مع الغزلان، ويرد الماء مع الحيوان، ~~فقد رأته البغي. رأت الرجل الوحش، الرجل المفترس الآتي من أعماق البرية. صحت ~~بها: ها هو ذا أيتها المرأة، عري نهديك، اكشفي صدرك، ودعيه يقطف من ثمرك، ~~ويغوص في لذة شهوتك، لا يمنعك الخجل. تلقي سورة نفسه؛ فهو مقاربك إذا أبصرك ~~لأول مرة. اطرحي ثوبك ينطرح عليك. علميه، وهو الرجل المتوحش، صنعة المرأة. ~~وسينكره الوحش تربى معه في البرية، والبهجة تغمرك وتنهال عليك. عرت ~~ثدييها، حررت الصدر، لم تخجل منه، تلقت أنفاسه، بسطت أطراف الثوب، قطف ~~الثمرة، وأرته وهو الوحش الفطري صنع الأنثى والمرأة. ستة أيام مع سبع ليال ~~لم تغفل عينه. لما شبع من اللذة نسي الوطن ومسقط رأسه، ثم توجه لرفاق ms037 العمر ~~من الحيوان. قفزت حين رأته وولت هاربة منه الغزلان. نفرت منه وحوش البرية. ~~توقف إنكيدو، خذلته ركبتاه، ثقل عليه الجسد، تعثر في الجري وما عاد كما ~~كان، لكن ثاب إليه العقل، اتسعت آفاق الفهم، فرجع إلى البغي وركع عند قدميها، ~~ثبت عينيه في وجهها، فتح أذنيه ليسمع ما يخرج من فمها من كلمات. ~~(يسلط الضوء عليها، إنكيدو ممدد عند قدمي كاهنة المعبد ~~شمخات، يصغي إليها بانتباه، بينما تكلمه وتضع ذراعها على ظهره وكتفيه ~~وشعره.) # شمخات ~~: # إنكيدو، غبت علي. ~~(إنكيدو صامت يتطلع إلى وجهها.) # شمخات ~~(تربت على شعره وكتفيه) ~~: # ماذا جرى؟ ما هذه الدموع على يدي؟ # إنكيدو ~~: # هل أنا دنس يا حبيبتي؟ # شمخات ~~: # دنس؟ ماذا تقول؟ # إنكيدو ~~: # خرجت أطوف على غزلاني. نظرت في عيني، شمت رائحتي، فرت مني مذعورة، حتى ~~الوحوش وقفت أمامي كأنها تتحداني وتسخر مني. أنا الذي كنت أصطادها بلا عناء. يا ~~صيادي الفاتن، ألقيت شبكتك علي. # شمخات ~~: # أم أنت الذي ألقيت شبكتك؟ سبعة أيام عشت وسبع ليال في قبضة عاصفتك ورعودك. ~~ألم تقلها لك وحوشك وطرائدك؟ ألم تسألك عن صيدك الذي شغلك عنها؟ # إنكيدو ~~: # بل صرخت بالأسئلة: لماذا تتركنا، تتخلى عنا؟ سألتني العاصفة، السحب، الغزلان، ~~الغابة والشجر، النهر، النبع الصافي والسنبلة الذهبية: من أخذك منا؟ # شمخات ~~: # وماذا قلت لهم؟ # إنكيدو ~~: # أنت، أنت الليل، البحر، النجم، الموج. عرفت جنون البحر، وعانقت الموج على ~~جسدك. لفحتني الريح بأنفاسك، ورأيت النجم المتلألئ في عينيك، وتخفيت بكهف ~~الشجر المنسكب على كتفك. وتعانقنا، وتماوجنا، وتفجرنا ريحا وبروقا، حبا ~~وبكاء ووعودا، وسطعنا نجمين وحلقنا طيرين. ننام كظلين، ونتناجى كعشيقين ~~حنونين، وطفلين بريئين، أو نتصارع وحشين عبوسين، ثم نصير ربيعين، وعصفورين ~~صغيرين. # شمخات ~~: # مهلا! مهلا! أنا المرأة الضعيفة أفعل كل هذا؟ # إنكيدو ~~: # بل أنت امرأة من عاصفة، من لهب، من غيم ممطر. أنت الفجر أذبت فيه ليل ~~طبيعتي الموحشة، والبحر أطفأت فيه براكيني وأشعلتها. # شمخات ~~(ضاحكة) ~~: # أردت أن أجعل منك إنسانا، فأصبحت شاعرا. # إنكيدو ~~: # ماذا تعنين؟ # شمخات ~~: # كنت النسر الذي حبسته في عشي الدافئ، ms038 الأسد الظامئ الجائع الذي أويته في ~~عرين صدري. الآن أريدك يا ملك الطيور والوحوش. # إنكيدو ~~: # كان الأفق ملكي، والشمس تاجي، والوادي والغابة عرشي، والغزال والفهد والنمر ~~والحمار الوحشي والأسد رعيتي. صرت أسيرا لك، نسرا في شبكتك، وأسدا في ~~قفصك. # شمخات ~~: # بل حررتك لتحلق وتصول. طر أيها النسر إلى المدينة. ادخل أيها الأسد ~~أوروك. # إنكيدو ~~: # المدينة؟ أوروك؟ ماذا تقصدين؟ # شمخات ~~: # مدينة أوروك يا إنكيدو. أوروك ذات الأسوار والأسواق والمعابد والأبراج، أوروك ~~الزينة والبهجة والأفراح والأعياد. # إنكيدو ~~: # وماذا يفعل النسر والأسد هناك؟ ماذا يفعل وحش البرية في ... ماذا قلت؟ # شمخات ~~: # أوروك. الشعب هنالك ينتظرك. # إنكيدو ~~: # ينتظرني أنا؟ # شمخات ~~: # نعم يا إنكيدو. لقد خرجت من جلد الحيوان. أصبحت إنسانا وازددت معرفة ~~وفهما، بل إني لأراك شبيها بالآلهة، فلماذا مع الحيوان تهيم على وجهك في ~~البراري؟ # إنكيدو ~~: # أنا الآن أتأمل وجهك. # شمخات ~~: # انهض يا إنكيدو فوق الأرض؛ فهي فراش الراعي. سآخذك من يدك إلى أوروك. هنالك ~~ينتظرك نسر جارح، أسد يلغ في دماء ضحاياه. هنالك ينتظرك جلجاميش. # إنكيدو ~~: # جلجاميش؟ # شمخات ~~: # نعم. نعم. ملك أوروك الجبار كثور وحشي. # إنكيدو ~~: # ليصارعه وحش مثله. # شمخات ~~: # لتجعل منه إنسانا مثلك. تصاحبه وتحبه كما تحب نفسك. ويصاحبك ويحبك كما ~~يحب نفسه. وقبل أن تصل من براريك المترامية سيراك جلجاميش في أحلامه. ~~(يتغير المنظر إلى المستوى الأدنى من المسرح، حيث يدخل جلجاميش ~~على أمه الحكيمة نينسون أثناء صلاتها.) # صوت جلجاميش ~~: # أمي. أمي. # نينسون ~~: # هل سمعت صوته؟ إنه هو الذي أتضرع إليك من أجله. # صوت جلجاميش ~~: # أمي، أين أنت؟ # نينسون ~~: # يا إلهي إنليل، لماذا خلقته مضطرب الفؤاد؟ ~~(تترك المبخرة وتتلفت بوجهها إلى جلجاميش الذي يدخل ~~مندفعا.) # جلجاميش ~~: # أمي الحكيمة نينسون، ناديت فلم تردي علي. # نينسون ~~: # بل سمعتك يا ولدي. كنت أدعو لك الإله إنليل. # جلجاميش ~~: # هل دعوته أن يرسل لي أحلاما طيبة؟ # نينسون ~~: # وأن يهدئ روعك يا ولدي في الليل والنهار. # جلجاميش ~~: # اسمعي ما رأيت الليلة في الحلم. # نينسون ~~: # قل يا ولدي، ماذا رأيت؟ # جلجاميش ~~: # كنت أسير بين الناس متباهيا بقوتي. ms039 # 2 # هنالك احتشدت حولي نجوم السماء، وكقبضة آنو أو شهابه الثاقب هوى ~~أحدها علي. أردت أن أرفعه فكان شديد الوطأة علي. حاولت تحريكه فلم أستطع. ~~تجمع حوله أهالي أوروك، لثم رجالي قدميه، ملت عليه كما أميل على امرأة، ~~وأخذوا يساعدونني حتى تمكنت من رفعه وحملته إليك. والآن، ما تفسيرك يا أمي ~~للحلم؟ # نينسون ~~: # جلجاميش، ربما ولد واحد مثلك في البرية وتربى في الفلاة. إذا رأيته فسوف ~~تفرح به، سيقبل رجالك قدميه، وتعانقه وتأتي به إلي. إن نجم السماء الذي ~~انقض عليك هو رفيق قوي، يعين الصديق في الشدة والضيق. قوته الجبارة ~~تشبه قبضة آنو. ولقد ملت عليه كما تميل على امرأة، غير أنه سوف ينقذك ~~المرة بعد المرة. # جلجاميش ~~: # إن كان هذا هو معنى الحلم، فما تفسيرك للحلم الآخر؟ # نينسون ~~: # الحلم الآخر؟ إنك مضطرب كالعادة يا ولدي. ~~(تقبل عليه في حنان، فيبتعد عنها وهو يمسك برأسه بين ~~يديه.) # جلجاميش ~~: # لكنه أعجب منه يا أمي. لا تزال الفأس أمامي، وأراها كما أراك. # نينسون ~~: # أية فأس؟ تكلم يا بني. # جلجاميش ~~: # كانت ملقاة على الطريق في سوق أوروك. تجمع الناس حولها، تدافع الشعب ~~عليها. كم كان منظر هذه الفأس مخيفا! لكنني حين أبصرتها فرحت بها وأحببتها. ~~ملت عليها كما أميل على امرأة، وتناولتها ووضعتها في جنبي. ما رأيك أيتها ~~الحكيمة العليمة بكل الأمور؟ # نينسون ~~: # الحلم لا يحتاج لحكمة ولا علم. # جلجاميش ~~: # أليس الفأس نذيرا بالدم والموت؟ # نينسون ~~: # ألم تقل إنك انحنيت عليه كما تنحني على امرأة؟ وإنك وضعته في جنبك، وربما ~~أحضرته إلي ثم نسيت؟ # جلجاميش ~~: # أجل. أجل. تذكرت. # نينسون ~~: # إن الفأس التي رأيت رجل سوف تميل إليه كما تميل إلى امرأة، وسأجعله ندا ~~لك. نفس المعنى يا جلجاميش. إنه الصديق الذي يعين صديقه في الشدة والضيق، هو ~~أقوى الناس في البلاد، وقوته تشبه قبضة آنو رب الأرباب. # جلجاميش ~~(وهو يجري فرحا إلى أمه) ~~: # أمي، هل يبتسم لي الحظ أخيرا؟ أخيرا أحظى برفيق؟ هل هذا هو تفسير الحلم؟ ~~(ينصرف مندفعا.) # نينسون ~~(تتابعه قلقة ms040 بعينيها) ~~: # نعم سيأتيك رفيق وصديق، وستنجذب إليه كما تنجذب إلى امرأة. لكن هل تتعلم يا ~~ولدي معنى الحب؟ ~~(ترفع ذراعيها ضارعة لإنليل وهي ~~تتجه إلى المبخرة لتكمل صلاتها): # يا إنليل، لم خلقت ولدي مضطرب ~~الفؤاد؟ ~~(تنطفئ الإضاءة عليها، وتسلط مرة أخرى على شمخات وإنكيدو ~~الذي لا يزال جالسا عند قدميها.) # شمخات ~~: # هيا يا إنكيدو. # إنكيدو ~~: # إلى أوروك؟ # شمخات ~~: # سنمر أولا على كوخ الرعاة. إنهم ينتظرونك هناك. # إنكيدو ~~: # ولماذا ينتظرونني؟ # شمخات ~~: # ربما يريدون أن يحتفلوا بك. رأيتهم يشيرون إلينا من بعيد. لقد بدءوا بالفعل ~~في الرقص والغناء. # إنكيدو ~~: # وأغني معهم يا شمخات؟ # شمخات ~~: # بالطبع، كما يغني كل إنسان. # إنكيدو ~~: # هيا بنا. # شمخات ~~: # هل يذهب إليهم شهاب آنو الثاقب وعليه جلد الحيوان؟ لا، لا يا إنكيدو. يحتاج ~~الإنسان إلى زي الإنسان. ~~(تخلع ثوبها. تكسوه بنصفه وتكسو نفسها بالنصف الأخر. يقترب منها ~~ليعانقها. تتمنع عليه، فيمد يده إليها.) # إنكيدو ~~: # ألا تأخذينني إليهم؟ # شمخات ~~: # كما تأخذ الأم بيد طفلها الصغير. ~~(يتوافد الرعاة على المكان ومع كل منهم قطعة من قطع الديكور؛ ~~كرسي أو مائدة أو إبريق أو كأس أو خبز. وبينما يتجمعون حول إنكيدو تحكي شمخات ما ~~جرى في بيت الرعاة.) # شمخات ~~: # التفوا حوله وهم يهللون ويهتفون ويغنون. # صوت ~~: # وحش البرية. رب القطعان. # من أكل العشب مع الغزلان، # وورد النبع مع الحيوان. # يدخل كإله بيت الإنسان، # ويلبس زي الإنسان. # صوت آخر ~~: # يخطر في ثوب العرس كدوموزي الراعي الطيب. # صوت ثالث ~~: # بل نصف الثوب فحسب. # صوت رابع ~~: # والنصف على كتفي عشتار سيدة الحب. # صوت خامس ~~: # لا تنس. سيدة الحب وسيدة الخصب. # صوت سادس ~~: # حاذر أن تغضب شمخات. # عشتار كذلك سيدة الحرب. ~~(يضحكون ويرقصون.) # شمخات ~~: # هو الذي تعود أن يرضع لبن الحيوانات الوحشية، وضعوا الخبز أمامه فارتبك، ~~نظر إليه وحدق فيه. قدموا له الخمر فلم يعرف كيف يشربها. فتحت فمي وقلت يا ~~إنكيدو! كل الخبز؛ فهو زاد الحياة! واشرب الخمر؛ فهذه عادة البلاد! # وأكل إنكيدو من الخبز حتى شبع، وأخذ من الشراب القوي سبعة أقداح. فرح ms041 قلبه، ~~وأشرق محياه، ودار حوله الرعاة وهم يرقصون ويصيحون: # سبعة أرغفة. # سبعة أقداح. # الخبز وفير. # والخمر متاح. # كل يا إنكيدو، # واشرب ما شئت؛ # فالعرس بهيج، # وعروسك شمخت. # ولد الإنسان، # وانهزم الوحش. # الحب رماه، # أدخله العش. # سبعة أرغفة. # سبعة أقداح. # الخبز وفير. # والخمر متاح ... إلخ. # شمخات ~~: # غسل إنكيدو جسده الكثيف الشعر بالماء، ومسح بالزيت فأصبح بشرا، ثم لبس ثوبا ~~فبدا كالعريس ، وجرد سلاحه وانطلق يهاجم الأسود، فاستطاع الرعاة أن يأووا إلى ~~فراشهم ويناموا الليل. قتل الذئاب، وطارد الأسود، فاستراح الحراس العجائز؛ إذ ~~أصبح إنكيدو راعيهم؛ إنكيدو الحارس اليقظ، الرجل النادر الفريد. # عاد من صيده للذئاب والأسود، وأسلم نفسه للبهجة والفرح. # سألته: ما الذي يبهجك إلى هذا الحد يا إنكيدو؟ قال: أصبحت الآن على استعداد. ~~تعجبت وقلت: ماذا تعني؟ قال: سأخبرك فيما بعد. ورفع بصره فلمح رجلا مسرعا ~~في سيره، قال: يا كاهنة الحب، أريد أن أعرف إلى أين يسرع هذا الرجل. لماذا جاء ~~إلى هنا؟ أريد أن أناديه باسمه. ناديت على الرجل، اقتربت منه وقلت: أيها الرجل، ~~إلى أين تمضي مسرعا؟ ما هي وجهتك؟ فتح الرجل فمه وقال لإنكيدو: اقتحم بيت ~~الأسرة. أريد أن أقودك إليه لترى بنفسك. سأله إنكيدو: ماذا تقصد؟ من الذي ~~تريدني أن أراه؟ قال الرجل: امتهن حرمة الزوجية. حكم على الرجال في أوروك أن ~~يتركوا بيوتهم مفتوحة ليدخل على العروس قبل زوجها في ليلة الزفاف. أفهمهم أن ~~هذا هو أمر الآلهة وتقديرهم منذ أن ولد وقطع حبله السري. رفع إنكيدو صوته ~~في غضب: من هو هذا الرجل؟ تكلم. قال: إنه جلجاميش. صاح إنكيدو: هل قلت ~~جلجاميش؟ ملك أوروك؟ همس الرجل وهو يرتجف: نعم يا سيدي. إنه يقوم بأعمال مشينة ~~في أوروك ذات الأسواق. وعندما تدق الطبول تبدأ سخرة الرجال بحمل السلال ~~الحجرية، وتبدأ سخرة النساء بإطعام المدينة. إنه على وشك أن يبدأ طقوس الزواج ~~المقدس من إلهة الحب عشتار، ومع ذلك يصر على أن يكون أول من يدخل ~~بالعروس. # عندما سمع إنكيدو كلام الرجل شحب وجهه، هز ms042 رأسه كالأسد الغاضب ثم زأر: ~~سأذهب إلى المدينة التي يستبد فيها جلجاميش بالناس، سأتحداه وأصرخ في ~~أوروك: «لقد أتيت لأغير النظام القديم، أتيت لأغير قانون الأشياء؛ لأني أنا ~~الأقوى في هذا المكان.» نظرت في وجهه وقلت مداعبة: لم تقل لي يا إنكيدو، ~~لماذا غمرتك البهجة قبل قليل؟ انبسطت أساريره وابتسم وقال: لأني تطهرت من ~~الدنس. سألت: ماذا تقصد؟ قال: بعد أن قتلت الأسود والذئاب، لم تعد الغزلان ~~تفر من وجهي. أقبلت علي كما كانت تفعل ونظرت في عيني. ~~(تطفأ الأضواء على إنكيدو وشمخات، وتسلط على ~~الراوية.) ~~(يتغير المنظر، ويظهر شارع في أوروك، وإلى اليمين بوابة معبد ~~إينانا المقدس.) # الراوية ~~: # لم تأخذه من يده كما تأخذ الأم طفلها الصغير من يده؛ فلقد غادر إنكيدو جلد ~~الوحش وسكن بقلب الإنسان وعقله. مشى في المقدمة ومن ورائه كاهنة الحب. لم تفتح ~~فمها طوال الطريق بكلمة واحدة. وكلما حانت منها التفاتة إليه رأت وجهه الشاحب ~~العبوس. لما دخلا من أبواب السور العالي الذي يحمي أوروك، أوروك الفسيحة ذات ~~الأسواق، وجدا الناس في الانتظار. تجمعوا حولهما، وأخذوا يصيحون في دهشة ~~وذهول. # صوت ~~: # إن جسده الجبار يفوق كل أبطال المدينة. # صوت ~~: # استجابت لنا سيدة الخلق وبعثت ثورا وحشيا. # صوت ~~: # إنه صورة من جلجاميش. # صوت امرأة ~~: # هو أقصر قامة منه، لكنه أصلب عودا وأقوى عظاما. # صوت ~~: # تعود في مسقط رأسه أن يأكل أعشاب الربيع. # صوت ~~: # ويرضع لبن الحيوانات البرية. # صوت ~~: # ظهر البطل الجبار، ند البطل الكامل جلجاميش. # صوت ~~: # وسنسمع دوما في أوروك قعقعة السلاح. # صوت ~~: # أخيرا وجد جلجاميش من ينازله في الصراع. # صوت امرأة ~~: # سوف تستريح أوروك. # أحد الشيوخ ~~: # صدقت يا أختي. لكن، هل تستريح أوروك؟ # الراوية ~~: # هل قلتم شيئا أيها الشيوخ؟ # أحد الشيوخ ~~: # لا. لا. لم يحن الوقت. # الراوية ~~: # كان الاستعداد للعرس الإلهي قد بدأ منذ الفجر. فرش البساط على الطريق ~~العظيم إلى معبد إينانا، أو عشتار. لبس الناس ملابس العيد البيضاء. وفي المعبد ~~نفسه أعد فراش العروس لكاهنة المعبد التي ستتلقى عريسها الملك الجميل ~~والبطل ms043 الجبار، وتمارس معه طقوس الحب والخصب التي تجدد دورة الطبيعة ~~وازدهار الأرض والحياة. ~~(يظهر إنكيدو على عتبة باب المعبد، ثم يظهر جلجاميش ويتصارعان. ~~يمكن تصوير المشهد بالتمثيل الصامت.) # الراوية ~~: # وقف إنكيدو على عتبة المعبد المقدس. سد الجسد الهائل مدخل الباب، وهتفت ~~عذراء: انظروا للجبل الذي أرسله «آنو» الجليل من جباله الشماء. لمح رجال ~~جلجاميش الذين سبقوه على الطريق رجل البرية وجدائل شعره الكثيف التي غطت غاية ~~جسده، ورأسه الضخم، ولحيته العظيمة. اقتربوا منه فردتهم نظرات الشهاب الغاضب ~~عند الباب. اندفع الشعب المزدحم عليه، أحنوا رءوسهم أمام المعجزة، سقط البعض ~~على قدميه وقبلوها، شعروا بالرهبة والخوف كأطفال مذعورة. # غادر جلجاميش قصره، واتجه بموكبه نحو المعبد، وأبصر وحش البرية يقف على ~~الباب ويسد عليه الطريق إلى المخدع المقدس. تقدم كالوحش الهائج منه، ~~وقابله إنكيدو عند الباب. تماسكا كثورين غضوبين يتصارعان ويخوران، فتهدر ~~أنفاسهما اللاهثة المتحشرجة كما يزأر إعصار وتئز النار. اهتزت أعمدة الباب ~~وزلزلت الحيطان. سحقا العتبة وارتج جدار. نزلا للشارع وواصلا النزال. كالجيش ~~الكامل وقع إنكيدو فوق جلجاميش، لكن الملك تمكن منه كما لو كان امرأة فلواه ~~ووقع عليه. وقف جلجاميش، ثنى ركبته، ثبت قدمه في الأرض، لف ذراعيه عليه ~~وألقاه على الأرض. عندئذ هدأت ثورة غضبه وتحول عنه، والشعب الذاهل أخذته ~~الرهبة من قوة جلجاميش. نهض إنكيدو واقفا على قدميه، تدلى ذراعاه إلى جنبه ~~وبدا الإرهاق على وجهه. نادى جلجاميش والدمع ترقرق في عينيه: في هذا العالم ~~يا جلجاميش ليس لقوتك نظير. ولدتك البقرة الوحشية، أمك الحكيمة نينسون، ~~ليعلو رأسك فوق جميع الرءوس، والملك الرائع قدر لك إنليل. قوتك ومجدك فاقت ~~قوة أمراء العالم. # الراوية ~~(مواصلا كلامه) ~~: # هنا فجوة في العمود السادس من اللوح الثاني، والفجوة تبلغ ما يقرب من عشرة ~~أسطر، يتبعها هذا السطر الواحد: # قبلا بعضهما، وختما ختم صداقتهما، ثم امتدت أيديهما فتعانقت كف مع كف، ~~وغادرا السوق متجهين إلى الخلاء. # شمخات ~~(تقاطعه) ~~: # وجريت وراء إنكيدو وأنا أبكي وأقول: إنكيدو، يا إنكيدو، لا تنس أوروك! لا ~~تنس الشعب! ms044 # الشيوخ ~~: # لكن إنكيدو لم يلبث أن نسي الشعب. # أنساه الحب لجلجاميش آلام الناس. # أما جلجاميش فتذكر ما قالت أمه، # وتذكر حشد الأنجم وشهاب الأفق الثاقب والفأس: # ستجد صديقا يؤنس وحشتك. # يعينك في وقت الشدة والبأس، # وينقذك من الكرب، # بين جوانح إنكيدو خفق القلب. # في عقل البطل الجامع دقت أجراس المجد، # ودوى طبل الحرب. # في أوروك المزدحمة كتم الناس الأنفاس، # بدأ البطلان طريقهما المفروش بأهوال الرعب. # أما أوروك ذات الأسوار، # فقد بدأت فيها أحزان الشعب. # الراوية ~~: # معذرة يا شيخ! فلنتبع بطلينا نحو الغابة، # ولنقطع أولى خطوات الدرب. ~~(تطفأ الأنوار. يسمع صوت شمخات وهي تنادي باكية يتبعه صوت ~~الأم نينسون.) # شمخات ~~: # إنكيدو، لا تنس أوروك! # إنكيدو، لا تنس أوروك! # نينسون ~~: # ولدي المضطرب المسكين! # ولدي المضطرب المسكين! # هل يعرف قلبك معنى الحب؟ ~~(إظلام) # الفصل الثالث # | السفر لأرض الأحياء # الراوية ~~: # خرجا من بوابة أوروك ذات المزاليج السبعة، واتجها نحو الغابة. تشابكت ~~يداهما كما تتشابك أيدي العشاق، شعر كل منهما بما يدور في عقل صاحبه، أحس ~~بنبض فؤاده. نظر جلجاميش إلى وجه صديقه، رأى الدموع تملأ عينيه، وصدره يعلو ~~ويهبط. عانقه، ضغط على يده، أجلسه فوق العشب وقال: ~~(إنكيدو وجلجاميش يجلسان على العشب ومن ورائهما أشجار ~~الغابة.) # جلجاميش ~~: # يا صديقي، لم تمتلئ عيناك بالدموع؟ لم يغشاك الحزن؟ لم تتنهد في ~~حسرة؟ # إنكيدو ~~: # الأسى يا صديقي يأخذ بخناقي. لقد انتابني الضعف، وفقدت ذراعاي ~~قوتهما. # جلجاميش ~~: # هل أسمع هذا منك؟ أنت الأقوى من كل الناس بهذا البلد وقوتك كقبضة آنو؟ لا ~~يجرؤ أحد أن يتحداك، ولا يقدر أن يقف بوجهك؟ # الراوية ~~: # لا ندري إن كان جلجاميش قد أحس بغربة إنكيدو في المدينة، وحنينه للبرية ~~وحياة الفطرة مع غزلانه؛ فالنص القديم المملوء بالفجوات يذكر ثلاثة أسطر ربما ~~تكون تكملة لكلامه مع أمه عن صديقه، وربما تكون جزءا من حديثه إلى نفسه ~~(تقرأ السطور بصوت جلجاميش) ~~: # إنكيدو يشكو بمرارة؛ فليس له أب ولا أم، وشعره المنسدل لم يحلق أبدا. لقد ~~ولد في البرية، ولم يجد من يربيه ويرعاه. # الراوية ms045 ~~: # لن نعرف أبدا متى قال هذا ولمن، لكننا نعرف أنه فكر في البرية عندما قال ~~لصديقه: # جلجاميش ~~: # اسمع يا إنكيدو! إنليل أبو الآلهة وسيد هذا العالم قرر قدري. لقد رأيت هذا ~~في الحلم. # إنكيدو ~~: # وماذا رأيت؟ # جلجاميش ~~: # رأيت اسمي منقوشا على الحجر في أرض الأحياء مع الأمجاد الخالدين، ورأيتني ~~... # إنكيدو ~~: # انتظر. أعطاك الرب القوة والملك، أما أن تخلد بعد الموت فليس بقدرك. أعطاك ~~أن تنتصر في الحرب، وتحل أمور الناس وتعقدها، أن تكون ظلام العالم أو نوره، ~~لكنه لم يعطك الخلود. # جلجاميش ~~: # هل هذا هو تفسير الحلم؟ # إنكيدو ~~: # وهبك إنليل القوة يا جلجاميش. لا تسئ استخدام القوة! اعدل بين رعاياك وخدمك ~~في القصر! أقم العدل أمام إله العدل شمش! # جلجاميش ~~: # لم تسمع بقية الحلم. # إنكيدو ~~: # قل يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # رأيتني معك في غابة مخيفة يسكنها خمبابا الرهيب، ومضينا معا لنقتله ونمحو ~~الشر من العالم، وأنا أدعوك وأهتف بك: تعال لنقطع أشجار الأرز. # إنكيدو ~~(يتنهد في حسرة) ~~: # لقد عرفت يا صديقي عندما كنت أعيش في الجبال، وأتجول في البرية مع الوحوش، أن ~~الغابة تمتد عشرة آلاف ساعة مضاعفة، فمن يجرؤ على التوغل في أعماقها؟ إن ~~خمبابا يزأر فيها كالطوفان، فمه نار مشتعلة، أنفاسه هي الموت. لم ترغب أن ~~تفعل هذا؟ ما من إنسان يمكنه أن ينتصر على خمبابا. # جلجاميش ~~(غاضبا) ~~: # أريد أن أرقى جبل الأرز الذي يتوسط الغابة الهائلة. أريد أن أمضي للغابة مسكن ~~خمبابا، وستكفيني فأس في صراعي معه وتكون عونا لي. أما أنت فابق هنا، سأمضي ~~إليه وحدي. # إنكيدو ~~: # كيف تمضي وحدك إلى غابة الأرز؟ إن حارسها قوي لا ينام، # 1 # ولقد عينه إنليل ليحرس أشجار الأرز وجعله رعبا للناس. من يهبط ~~للغابة ينقض الشلل عليه. # جلجاميش ~~: # يا صديقي، من ذا الذي يستطيع أن يرقى إلى السماء؟ الآلهة وحدهم هم الخالدون ~~على العرش مع شمش. أما البشر فأيامهم معدودة، وقبض الريح كل ما ~~يعملون. # 2 # أراك خائفا من الموت ولما تزل هنا في مكانك. أين ذهبت قوة ~~بطولتك؟ سأمضي ms046 إذن أمامك، ولينادني فمك: تقدم! لا تخف! فإذا سقطت رفعت ~~اسمي عليا، وسوف يقال عني: جلجاميش لم يتهيب مصارعة خمبابا الرهيب. نعم ~~يا صديقي، سأمد يدي وأقطع شجر الأرز ~~(ينهض واقفا ~~ويستدير للمضي وحده) ~~. # إنكيدو ~~: # انتظر يا صديقي. أراك صممت على الذهاب. هل تظن أنني أتخلى عنك؟ # جلجاميش ~~: # حسبتك أسأت تفسير الحلم؛ لذلك فسرته على طريقتي. # إنكيدو ~~: # انظر إلي يا جلجاميش. مرني أن أذهب معك إلى حيث أقام خمبابا مسكنه. ~~مرني أن أدلك على الطريق الذي تعود أن يتجول فيه. هيا يا صديقي. # جلجاميش ~~: # بل نذهب أولا إلى القصر العظيم للقاء نينسون الملكة الحكيمة العليمة بكل ~~الأمور. # إنكيدو ~~: # لتكشف طالعنا وتبارك خطواتنا؟ # جلجاميش ~~: # وتصحح لك تفسير الحلم. ~~(تطفأ الإضاءة عليهما. تسلط للحظات قصيرة على الراوية ~~والشيوخ.) # الشيوخ ~~: # مهلا يا راوية! تمهل! # الراوية ~~: # لا وقت لدينا. نريد أن نذهب معهما إلى القصر العظيم. # الشيوخ ~~: # سنذهب معك، ولكن ... # الراوية ~~: # لكن ماذا يا شيخ؟ # الشيوخ ~~: # أولا يستوقفك كلامه؟ أولا يدعوك لأن تتأمل لحظة؟ # الراوية ~~: # من تقصد؟ إنكيدو أم جلجاميش؟ # الشيوخ ~~: # إنكيدو بذل النصح وحذر. # لكن البطل الجامح والمتكبر # لم يصغ إليه، لم يتذكر إلا اسمه. # ينقشه فوق الحجر لعل الحجر يخلد ذكره. # لم ينس ألوهيته لحظة. # الراوية ~~: # جلجاميش نطق الحكمة. # الشيوخ ~~: # بل ردد في الواقع كلمة، # لاكتها أفواه الناس وغناها الشعراء، # ولقنها الكاتب لصبي جرب فيها قلمه. # أيام البشر المعدودة، # وحياة هي قبض الريح، # وومض تطفئه النسمة. # ما أسهل أن تنطق بلسانك كلمة! # فالحكمة أن تحيا الحكمة. # تغرس خنجرها فيك وتتشرب سمه. # الراوية ~~: # دعنا الآن من الخنجر والسم، # وهيا للقصر العالي! # نتعلم من فم نينسون الحكمة، # ونحل مع البطلين الأزمة! # سارا نحو القصر. # تشابكت كفان، # ومال الجسم على الجسم. # إنكيدو الصامت ثقل عليه الهم. # وجلجاميش يختال غرورا، # يتفجر طربا كالثور. ~~(تنطفئ الأضواء على الراوية والشيوخ، وتسلط على قاعة في قصر ~~نينسون العظيم الإيجال ماخ.) # جلجاميش ~~(يدخل مندفعا، يتردد إنكيدو عند الباب) ~~: # أمي، أين أنت يا أمي الحكيمة؟ هل تنصتين إلي لحظة؟ هل تباركين ms047 ~~خطواتي؟ # نينسون ~~(تدخل من باب جانبي وتتجه إليه في قلق) ~~: # جلجاميش؟ ولدي، ماذا بك؟ # جلجاميش ~~: # جئت أخبرك يا أمي. # نينسون ~~: # مضطرب كالعادة؟ تكلم يا بني. # جلجاميش ~~: # عزمت على الرحيل إلى موطن خمبابا الرهيب. سأقطع طريقا لا أعرفه، وأدخل معركة ~~لا أعلم نتائجها. فإلى أن أذهب وأعود، إلى أن أصل إلى غابة الأرز وأقتل خمبابا، ~~وأمحو من البلاد كل شر يكرهه شمش؛ صلي من أجلي عنده. # نينسون ~~: # تعرف أن صلاتي لا تنقطع أبدا يا ولدي. ماذا يدفعك لهذا؟ # جلجاميش ~~: # عندما أجهز عليه وأقطع أشجاره، سيعم السلام ربوع البلاد، وسأقيم أمامك ~~نصب النصر. # نينسون ~~: # ألهذا تضني نفسك؟ تذهب للمجهول وقد لا ترجع؟ # جلجاميش ~~: # سأحفر لنفسي اسما خالدا مع أسماء الخالدين. وإذا سقطت صنعت لنفسي ~~شهرة. # نينسون ~~: # آه الخلود والشهرة! وهل تذهب وحدك؟ # جلجاميش ~~(يتلفت حوله) ~~: # وحدي؟ لا. لا. إنكيدو، أين أنت يا إنكيدو؟ # إنكيدو ~~(يتقدم خجلا) ~~: # سيدي. سيدتي. # جلجاميش ~~: # أسد البرية، فاقت قوته قوة كل الأبطال، لا يغلبه أحد في أوروك، ولا يقدر ~~أحد أن يتحداه. # نينسون ~~(تتأمله في عطف) ~~: # النجم الساطع في الحلم؟ # جلجاميش ~~: # والفأس المطروحة على الطريق. صدقت نبوءتك يا أمي. عوني في وقت الشدة ~~ودليلي. # نينسون ~~(تتقدم من إنكيدو، تمسك بيده هامسة) ~~: # ولدي. # جلجاميش ~~(يربت على ظهر إنكيدو ضاحكا) ~~: # أم صديقك هي أمك أيضا يا إنكيدو، لا تتأخر. # نينسون ~~: # إلى أين تذهب؟ # جلجاميش ~~(أثناء انصرافه) ~~: # إلى السوق يا أمي. لقد أمرت صناع السلاح أن يتجمعوا هناك، وكذلك الشيوخ ~~سيحضرون. لا بد من السيوف والفئوس والدروع، ولا بد من الحكمة أيضا! ~~(ينصرف ضاحكا.) # نينسون ~~(تتقدم نحو إنكيدو وتمسك بيده وتتحسس شعره الكث) ~~: # إنكيدو، يا إنكيدو القوي، لست ابن جسدي ولم تحملك أحشائي، لكني أتحدث إليك ~~الآن ... # الراوية ~~(يقطع حديثها) ~~: # النص هنا شديد الاضطراب. سطور قليلة غامضة، تتبعها فجوة من أربعة وثمانين ~~سطرا. ماذا قالت نينسون لابن البرية الذي لا أم له ولا أب؟ ربما تكون قد أوصته ~~قائلة: احم صديقك يا إنكيدو، ارع رفيقك. وربما تكون قد قالت له ما ms048 ستقوله في ~~صلاتها لشمش: أعده إلي سالما! أو تكون قد بخرته وباركته في حضرة ~~الكاهنات والعرافات، وعذارى المعبد وعرائسه المنذورات للإله، لكن الذي أثبته ~~النص الصحيح أنها طوقت عنقه بقلادة نفيسة أو تميمة مقدسة محلاة ~~بالجواهر، ثم تركته ودخلت مخدعها لتتخذ زينتها قبل إقامة الصلاة. ~~(في هذه الأثناء تودع نينسون ابنها بالتبني وتتجه إلى ~~مخدعها. يقف إنكيدو مرتبكا، بينما تدخل خادمات يحملن مباخر ومواقد وأوعية مختلفة ~~يضعنها على منصة عالية في عمق المسرح، يتأملهن إنكيدو لحظات ثم ينصرف وهو يتلفت ~~وراءه ويختفي.) # الراوية ~~: # وضعت عليها رداء يليق بجسدها، وحلية تليق بصدرها. لبست الحزام والتاج، ~~وسكبت الماء من الجفنة على الأرض. ارتقت الدرج وصعدت إلى المنصة، أحرقت البخور ~~لشمش، قدمت القربان ورفعت ذراعيها أمامه. ~~(تفعل نينسون ما يقوله الراوية ثم ترتل صلاتها.) # نينسون ~~: # لم أعطيت ابني جلجاميش قلبا لا يهدأ؟ وها أنت ذا تحفزه على الرحيل إلى ~~طريق بعيد حيث يسكن خمبابا، والدخول في معركة لا يعرف نتائجها. إلى أن يذهب ~~ويعود، وإلى أن يصل إلى غابة الأرز ويصرع خمبابا الرهيب، ويقضي على كل شر تكرهه ~~ويمحوه من البلاد، لتذكرك به عروسك ربة الفجر «آيا» وأنت تطل على طريقه ~~بالنهار، ولتعهد به بعد رقادك في حضن الأرض إلى النجوم وحراس الليل، وإلى أبيك ~~إله القمر سين. # إلهي شمش وراعي ولدي جلجاميش، أنت يا من سويت فؤاده القلق فسكن القلق ~~فؤادي، كيف أستريح من السر الذي يختبئ فيه؟ كيف أطلعك عليه وأنت الأدرى به؟ ~~أما هو، فكيف أطلعه عليه؟ كيف أفجعه في نفسه وفي أبيه؟ أأقول له: لست ابن ~~«لوجال بندا» الذي رفعوه بعد الموت وألهوه؟ هل أجرؤ أن أعلنه بالسر وأصرخ ~~فيه: لست إلها يا جلجاميش. لست إلها. إنك فان وأبوك كذلك بشر فان؟ لا. لا. ~~ليس هو الملك الأسطوري الذي ألهوه على عادتهم بعد موته. إنه ... آه يا شمش! كيف ~~أصارحه به؟ كيف سأتحمل صدمته حين يعرف أن أباه كاهن مغمور، أحد المجهولين ~~الذين يأتون من التراب ويذهبون إلى التراب؟ ms049 هل يتحمل قلبه الطائش المسكين هذه ~~الطعنة؟ هل سيصدقها وهو الذي يردد عليه الجميع: ثلثاك إلهي والثلث الباقي ~~بشري فان؟ بل كيف سأتحمل نظرته لي؟ كيف أرد على التهمة تنفذ حربتها في قلبي؟ ~~آه! أنت الأدرى يا شمش الخالد أني بشر أخطئ كالبشر، وأن ابني بشر مثلي؛ ~~بشر فان، بشر فان. لكن، كيف سأبلغه الخبر؟ ومن يبلغه له؟ أخبرني يا شمش ~~الخالد ، ماذا أفعل كي يهدأ ولدي المسكين؟ فأنا أم فانية وابني فان. زجتنا ~~الأسطورة بين الآلهة وما نحن سوى قبضة ريح أو قبضة طين. يا من تكلأ برعايتك ~~المظلومين، وتهدي الحيرى في الصحراء وليل التيه، احرس جلجاميش وأعده إلي ~~معافى؛ ولدي المضطرب الطائش، ولدي البشري الفاني. # الراوية ~~: # كان إنكيدو قد سمع صلاة نينسون وهو متخف وراء الباب. لما أطفأت البخور ~~وأنهت صلاتها، واتجهت والدموع في عينيها إلى مخدعها؛ وجد نفسه يقف وحيدا ~~ويوشك على البكاء. تذكر صديقه الذي ينتظره، هز رأسه وهو يتمتم في ~~ذهول: # إنكيدو ~~: # جلجاميش بشر فان؟ جلجاميش ليس إلها، بل بشر فان؟ كيف أصدق هذا؟ من ~~سيصدقه؟ آه! لكني لن أتخلى عنه، لن أتخلى عنه أبدا. ~~(ينصرف مسرعا وتطفأ الأضواء.) # الراوية ~~: # توافد الناس على بوابة أوروك ذات المزاليج السبعة. ملئوا الطرقات والأسواق ~~بالصياح والهتاف والتهليل، بالرقص والغناء والضجيج. ~~(تتردد أصوات رجال ونساء وصبايا ~~وأطفال): ~~- غنوا للبطل الكامل والملك العادل. ~~- المجد لأوروك وابن أوروك الباسل. ~~- الراعي الطيب والثور الوحشي القاتل. ~~- سيخاطبنا الآن ونسمع منه. ~~- ونودعه للقاء قادم. ~~- تلك مغامرة خطرة. ~~- فليحفظه شمش وباقي الآلهة. ~~- ويرجع ملاح أوروك إلى المرفأ. ~~- أو ينضم لمجمع آلهة العالم. ~~- بل يرجع للوطن وقد خلد ذكر الوطن ومجده. ~~- أم ذكر البطل الخالد وحده؟ ~~- ولسان الحاقد مثلك. ~~- يقطعه كي يمحو حقده. ~~- المجد لجلجاميش وحده. ~~- ولأوروك. ~~- هو أوروك. ~~- كانت أوروك خرابا قبله. ~~- حتما ستصير خرابا بعده. ~~- انظر يا ولدي. انظر. ~~- جلجاميش. ~~- العربة تهدر والموكب يزحف. ~~- لا تزدحموا! لا تخرج عن هذا الصف! ~~- من خرج عن الصف استخدمنا معه العنف. ~~- جلجاميش، من هذا الواقف معه؟ ~~- أولا ms050 تعرف؟ ~~- إنكيدو وحش البرية. ~~- بطل الأبطال مصارع. ~~- أمل أوروك. ~~- أمل أوروك الضائع. ~~- غنوا للبطل الكامل. ~~- البطل الطائش. ~~- جلجاميش. جلجاميش. ~~- الراعي الطيب والملك العادل. ~~- جلجاميش. جلجاميش. ~~- والثور الوحشي القاتل. ~~- والأسد الباطش. # الشيوخ ~~: # الشعب يهلل بالفرحة ويؤجج ناره. # والنار ستحرق وتدمر في غده داره. # ويظل يساق إلى المجزرة، يظل يمجد جزاره. # ويمني النفس بمحو الشر من العالم # وخلود الذكر، # للبطل المنتصر الخالد كخلود الدهر . # والشعب المسكين الساذج # يدفع دوما ثمن النصر. # الراوية ~~: # لا. لا. أرجوكم، سيأتي دوركم بعد قليل. أما الآن فعليكم أن تستعدوا لسماع ~~جلجاميش وتقديم النصيحة التي يطلبها منكم. ها هو ذا يقف أمامكم. # جلجاميش ~~: # أصغوا إلي يا شيوخ أوروك ذات الأسواق. # وأنت أيها الشعب الذي تقف أمامي. # أريد أن أرحل لمواجهة خمبابا الرهيب. # أريد، أنا جلجاميش، أن أرى ذلك الذي يجري اسمه على شفاه الجميع ~~وأصرعه في غابة الأرز. # أريد أن تسمع البلاد كلها بقوة ابن أوروك. # أريد أن أضع يدي على أشجار الأرز وأقطعها. # وبذلك أصنع لنفسي اسما يخلد ويدوم. # الراوية ~~: # وتكلمتم يا شيوخ أوروك وحكماءها الكبار. # الشيوخ ~~: # حذرناه ونصحناه، قلنا له: # لأنك ما زلت فتيا # يجرفك القلب بعيدا. # إنك لا تعلم ماذا تصنع. # خمبابا، فيما نسمع، منظره بشع مفزع. # من يجرؤ أن يصمد # طرفة عين لسلاحه؟ # والغابة يتسع مداها، يمتد لساعات، # والساعات مضاعفة، عشرة آلاف. # من يقدر أن ينحدر إليها أو يتوغل فيها؟ # خمبابا يزأر فيها كالطوفان، # يتنفس موتا، # يزفر حمما كالبركان. # ماذا يدعوك لهذا الفعل؟ # وماذا يدفعك إليه؟ # هل تدخل في حرب معه؟ # تتوهم أن تنتصر عليه؟ # لما سمع نصيحتنا، نظر لصاحبه # والضحكات تقهقه في عينيه. # الراوية ~~: # وهنا ينقطع كلامك، وتظهر على اللوح فجوة تتعذر معها قراءة تسعة سطور. هل ~~عبرت هذه السطور عما قاله جلجاميش لصديقه إنكيدو؟ وماذا تراه قد قال؟ وكيف ~~رد عليه إنكيدو؟ إن السطور التالية تبين أنكم أذعنتم لمشيئته وباركتم مغامرته. ~~أليس كذلك أيها الشيوخ؟ # الشيوخ ~~: # لم نذعن لمشيئته، لم نستسلم له. # لكنا حين يئسنا منه، # لم نتخل كذلك عنه، ولم نقس ms051 عليه. # حذرناه وأنذرناه. # قدمنا النصح # دعونا الرب الحارس أن يرعاه. # قلنا: يا جلجاميش لا تغتر بقوتك كثيرا. # احفظ نفسك، وافتح عينيك. # وثق بصديق عرف الغابة. # سلك الدرب الوعر مشاه. # دع إنكيدو يتقدمك عليه. # دعه يدل خطاك. # فهو عليم بفنون الحرب، # وجرب حيل المارد ورآه. # ليحقق شمش الراعي رغبة قلبك، # وليجعل عينك تشهد ما قد أعلن فمك، # ويفتح لك أبواب الطرق، # ويكشف أنفاق الجبل لقدميك. # فكم حفظ التائه وحماه! # يا جلجاميش. # ندعو الليل بأن يهبك ما يفرح صدرك. # نبتهل للوجال بندا أن يقف جوارك ويؤيد نصرك. # في نهر المارد خمبابا، # اغسل قدميك، # واحفر بئرا بعد مغيب الشمس، # واملأ قربتك بماء صاف، # واسكب لإلهك شمش، وقرب لإلهك لوجال بندا # قربانا من ماء عذب. # إنكيدو، احم صديقك، # واحفظ في السفر رفيقك. # إنا نعهد بالملك إليك، # أعده لمرفأ أوروك معافى. # جنبه مهاوي الجبل. # أعد للزوجة # في القصر العالي جسد الزوج. # إنا نكل الملك إليك، # وعلى أرض الوطن الغالي نأخذه منك. # الراوية ~~: # لما انتهيتم من كلامكم فتح إنكيدو فمه وقال لجلجاميش في غضب: # إنكيدو ~~: # لقد اتخذت قرار السفر، فهيا نذهب. انظر لي، ضع ثقتك في، وقلبك فاطرد منه ~~الخوف. هيا إني أعرف موطنه، أعرف كل طريق يسلكه خمبابا، فأمر أن نبتدئ ~~الرحلة، وأمر أن يذهب هؤلاء الشيوخ ويرجعوا إلى بيوتهم. # الراوية ~~: # فتح جلجاميش فاه وقال لعجائز أوروك، معذرة، قال لكم يا شيوخ أوروك: # جلجاميش ~~: # سأفعل ما أخبرتكم به. لقد سمعت نصائحكم عن طيب خاطر. # الشيوخ ~~: # لما أن ختم القول توسلنا له: # اذهب يا جلجاميش، # وليسر الحظ بجانبك، # ويمش شمش الحارس بجوارك؛ # ليبسط فوقك ظل هداه، # ويبلغك السعد، # وإنجاز الوعد. # الراوية ~~: # وانصرفتم أيها الشيوخ، ثم تقدم الصناع بأسلحتهم إلى البطلين. جاءوا ~~بالسيوف العظيمة والدروع والأقواس ووضعوها بين أيديهم. أخذ جلجاميش البلطة ~~والفأس، علق جعبته حول وسطه وقوس أنشان # 3 # وثبت سيفه في حزامه. أما إنكيدو فوقف صامتا كالتمثال الأخرس، ~~وضعوا الدروع على صدره فلم ينتفخ، علقوا السيف ذا الغمد الذهبي في حزامه فلم ~~يزه به، ناولوه ms052 بلطة وفأسا لامعة النصل فلم يفتح فمه، انهمرت الدموع من ~~عينيه على أيدي الصناع، فنظروا إلى وجهه واحتبس الكلام في لهاتهم. وظل جلجاميش ~~يصلصل بأسلحته ويتبختر كطاوس إلهي مدجج بعدة الحرب حتى وقع بصره على صديقه. ~~اقترب منه وهو يهمس: معك الحق. لقد نسينا أن نكشف الطالع، أهملنا نصح الملكة ~~الحكيمة والشيوخ العجائز. لم ينطق إنكيدو. ربت جلجاميش على ظهره، مد يده ~~ليجره من يده. لم يتحرك إنكيدو، زاد بكاؤه. تركه جلجاميش وانزوى في ركن ~~بعيد. كان الصناع قد انصرفوا وانصرف الناس. لم تبق إلا أصداء من دعواتهم ووقع ~~أقدامهم على أرض الطرقات والأسواق. ركع ورفع يديه بالصلاة وقال: # جلجاميش ~~: # ليكن ما قاله الشيوخ! سأذهب الآن يا شمش، وإليك أرفع يدي. احفظ روحي من ~~الأذى، وأعدني سالما إلى الحمى والسور، ابسط ظل حمايتك علي. سأمضي على طريق ~~لم أسر عليه، طريق لا أعرف إلى أين يفضي بي. آه يا إلهي! إن الدموع تنساب من ~~عيني. هل ستبقي روحي في مأمن من الشر؟ إن كان هذا فسوف أحبك من صميم قلبي كما ~~فعلت على الدوام، سأشبع نفسي من نشوة العبادة في بيتك، وسأجلسك فوق ~~العروش. # 4 # إلهي، أنصت لي، اجعل صوتي مسموعا لك. # في هذه المدينة يموت الإنسان يائسا مقهور الفؤاد. نظرت من فوق السور ورأيت ~~الجثث تطفو على النهر. أعلم أن هذا سيكون نصيبي أيضا، بل إني أعلمه منذ ~~الآن. # من من أبناء البشرية طالت قامته حتى بلغ السموات؟ من استطاع منهم أن يحتوي ~~الأرض بين ذراعيه؟ لذلك ضقت بأوروك وضاقت بي؛ ولهذا أدخل تلك الأرض المجهولة، ~~أرض الأحياء، وأنقش اسمي فوق الحجر كما قرر قدري. سأدخل البلاد التي يقطع ~~فيها شجر الأرز وأتوغل في الغابة، وسأكتب اسمي حيث كتبت أسماء العظماء ~~الخالدين. وإذا لم أجد اسما فسأرفع نصبا للآلهة هناك. ها هي ذي الدموع لا ~~تزال تجري من عيني. كن في عوني يا شمش الحارس! إنها رحلة طويلة أقطعها إلى ~~بلد خمبابا الرهيب. إن لم تحقق رغبتي فلماذا حركتني ms053 إليه؟ لماذا غرست بنفسي ~~الشوق القلق إليه؟ كيف سأنجح إن لم يسعفني عونك؟ وإذا مت هناك فلن أندم. أما ~~إن رجعت سالما فسأقدم لك الهدايا وأقرب قربانا لك، وسيلهج بالحمد لساني ~~ويسبح لك. # الراوية ~~: # كان إنكيدو ينظر إليه ويسمع دعاءه. راح يسأل نفسه: # إنكيدو ~~: # هل يبكي للآلهة إله أو نصف إله؟ هل يمكن أن ترتفع الشكوى إلا من بشر فان؟ ~~حقا، جلجاميش بشر فان ، بشر فان. # أعرف هذا الآن، ولكن كيف سأخبره به؟ كيف أبوح له بالسر؟ # جلجاميش! جلجاميش! أخي وصديقي. # جلجاميش ~~: # فلنمض الآن! # إنكيدو ~~: # وعلى بركة شمش وباقي الآلهة! # الراوية ~~: # وانصرفا في طريقهما إلى غابة الأرز. رنت الأسلحة الهائلة على الجسدين وفي ~~الأذرع والأقدام. رنت أصوات الشعب وصوت المسكينة شمخات: # أصوات ~~: # يا جلجاميش، لا تنس أوروك! لا تنس الأرملة الثكلى والأيتام! # عد لأوروك المرفأ والسور! ارجع لتراب الوطن ولا تتأخر عنا! # صوت ~~: # إنكيدو! يا إنكيدو! حذرتك فلماذا تذهب؟! # آه! احفظ نفسك! لا تتهور! احفظ نفسك! قلبي يدعو لك. ~~(ينصرف البطلان متشابكي الأيدي تسمع أسلحتهما الثقيلة، وتطفأ ~~الأنوار.) # الفصل الرابع # | مصرع خمبابا في الغابة والجبل الأخضر # (في غابة الأرز، الصديقان يدخلان ويداهما متشابكتان. إنكيدو يقترب ~~من البوابة، يحاول أن يفتحها فيصرخ من الألم.) # إنكيدو ~~(صارخا) ~~: # آه يا جلجاميش! حاذر! # لا تتوغل في الغابة. # فذراعي فقدت قوتها حين لمست البوابة. # احذر يا جلجاميش هذا السحر القاتل! # جلجاميش ~~(يسرع إليه) ~~: # إنكيدو. # لم تتكلم كالجبناء؟ # هل قاسينا السفر، # وواجهنا الخطر، # لنرجع من حيث أتينا؟ # إنكيدو ~~: # أصرخ من ألم مضن، # والموت يشل ذراعي، # يكبل جنبي ويخنقني. # جلجاميش ~~: # انس الموت. اتبعني. # يتلاشى شلل ذراعيك ويهدأ روعك. # يحمي كل منا الآخر. # فإذا سقط يخلد اسما لا يفنى. # الراوية ~~: # امحت خمسة أعمدة من هذا اللوح الذي يصف رحلة الملك وصديقه إلى غابة الأرز، ~~ولم تبق منه سوى شذرة قصيرة تصور تجربة البطلين؛ فبعد عشرين ساعة ~~مضاعفة # 1 # توقفا لبعض الزاد، وبعد ثلاثين ساعة أخرى مضاعفة أخلدا للراحة ~~مع هبوط الليل. قطعا خمسين ساعة مضاعفة في النهار، واجتازا ms054 مسيرة شهر ونصف ~~الشهر في ثلاثة أيام. وفي المساء استراحا وحفرا بئرا سكبا منه لشمش القربان. ~~بيد أن اللوح الذي انطمست معظم أعمدته وسطوره لا يسمح لنا بتتبع ما جرى لهما؛ ~~فبعد الكلام عن الساعات التي قطعاها في رحلتهما نلاحظ ضياع ما يقرب من مائتي ~~سطر كاملة، ثم نجد البقية الباقية غامضة ومليئة بالفجوات. ونفهم منها أن ~~جلجاميش وإنكيدو وصلا إلى بوابة الغابة، وأن إنكيدو حاول أن يفتحها فصرخ من ~~الألم كما سمعنا الآن. ويبدو أن جلجاميش قد راودته الشكوك في إمكان الدخول من ~~البوابة والتخلص من الحارس الذي عينه المارد خمبابا عليها؛ إذ يستنهض إنكيدو ~~همته في هذه السطور التي اجتهد العلماء في إصلاحها. # إنكيدو ~~: # تذكر ما قلت في أوروك. انهض وتقدم منه لتقتله، أي جلجاميش ~~يا ابن أوروك. # الراوية ~~: # سمع جلجاميش كلام صديقه وعاودته الثقة. وهذا ما شجع إنكيدو على مواصلة ~~كلامه. # إنكيدو ~~: # أسرع إليه حتى لا يهرب، وينحدر إلى الغابة فيفلت من أيدينا. # فمن عادة هذا الحارس أن يلبس سبعة دروع، لا يقدر أي سلاح أن ينفذ فيها. إنه ~~يضع عليه الآن درعا واحدا، والستة الباقية منزوعة ومطروحة على الأرض أمام ~~قدميه. # الراوية ~~: # ولا يلبث النص أن يتشوه في هذا الموضع، بحيث لا نستطيع أن نفهم منه أكثر من ~~أن أحد الصديقين قد انقض كالثور الوحشي، وأن حارس ~~الغابة قد صرخ واستولى عليه الرعب وأخذ ~~يستغيث بخمبابا الذي دعاه حارس الغابات. ثم تأتي فجوة من اثنين وعشرين سطرا، ~~ربما تكون قد قدمت وصفا للمعركة التي نشبت بين الصديقين وبين حارس الغابة ~~حتى تمكنا في النهاية من فتح بوابتها. ولا بد أن إنكيدو قد أدرك مدى خطورة ~~المغامرة على حياة جلجاميش المتردد بين الاقتحام والإحجام؛ إذ يفتح فمه ~~ويحذره بهذه العبارة الوحيدة الباقية من كلامه: # إنكيدو ~~: # فلتعدل عن التوغل في الغابة! # الراوية ~~: # إلا أن جلجاميش الذي نفخت الشجاعة والثقة صدره أخذ يؤنبه على تخاذله كما ~~سمعنا قبل قليل، ثم استأنفا المسيرة والسرى حتى وصلا إلى الجبل الأخضر، ~~فاحتبست ms055 الكلمات ووقفا ساكنين. # الشيوخ ~~: # حقا، نحن سمعنا هذا أيضا. # جلجاميش نظر إلى الجبل الأخضر. # نظر إليه الموت. # هربت منه الكلمات، # وران عليه الصمت، # وارتعشت أشجار الأرز، # فمسته الدهشة والذعر، # كغريق أطبق سقف الكون عليه، # وطوقه موج البحر. # الراوية ~~: # نعم. نعم. وقفا يتأملان الغابة في سكون. أصابهما الذهول من ارتفاع أشجار ~~الأرز وذراها العالية، وتطلعا إلى جبل الأرز، مقام الآلهة وعرش عشتار. كانت ~~الأشجار المترامية أمامهما شامخة تنشر حولها ظلال الجمال والسلام، والخضرة ~~منبسطة على السهل والجبل والأكمة والدغل الملتف الأغصان. ولمحا على أرض ~~الطريق آثار قدمي خمبابا، فأخذا ينتظران ظهوره. ولما طال انتظارهما طلب إنكيدو ~~من صديقه أن يهجعا قليلا ويتركا للأحلام أن تريهما أثره. أما جلجاميش فحفر ~~بئرا قبل غروب الشمس، ثم ارتقى الجبل وتضرع إليه أن يرزقه حلما ~~طيبا. ~~(الصديقان راقدان على العشب. يصحو جلجاميش فجأة من نومه ويهتف ~~بصاحبه): # جلجاميش ~~: # إنكيدو! ما الذي أيقظني من النوم إن لم تكن أنت؟ لقد رأيت حلما يا ~~صديقي. # 2 # هيا انهض، اصعد على صخور الجبل، وانظر من شفا الهاوية. لقد ~~حرمت النوم الإلهي وانقطع الحلم. آه يا صديقي! يا له من حلم سيئ مضطرب! ~~رأيت أني أقبض على ثور وحشي في البرية، خار الثور وأثار سحابة من الغبار ~~فأظلمت السماء، وأمسك بذراعي فوقعت على ركبتي، ثم تقدم مني شخص فسقاني من ~~قربته ماء. # إنكيدو ~~(وهو يفرك عينيه) ~~: # يا صديقي! ليس الإله الذي نسعى إليه هو الثور الوحشي. الثور الوحشي الذي ~~رأيته هو شمش الحارس. سوف يأخذ بيدك في وقت الشدة. أما الذي سقاك من قربته فهو ~~إلهك لوجال بندا الذي يرعاك ويحميك، نريد أن نضع أيدينا في يده لنقوم بعمل لا ~~تموت شهرته أبدا. # إنكيدو ~~: # تشابكت أيديهما وأخلدا للراحة. أسرع إليهما النوم الذي ينسكب من ~~الليل. # 3 # وفي منتصف الليل هرب منه النوم، # 4 # وروى لصديقه الحلم الثاني وهو يسأله في حيرة: # جلجاميش ~~: # ألم تهزني يا صديقي؟ فلماذا استيقظت إذن؟ # إنكيدو ~~: # ربما رأيت حلما آخر؟ # جلجاميش ~~: # نعم. نعم. رأيت حلما ms056 آخر. رأيتنا نقف في منحدر عميق، أسفل جبل أبدو بالقياس ~~إليه أشبه بالذباب الصغير الذي يتزاحم على أعواد القصب، # 5 # وانهار الجبل فجأة، فصدمني على الأرض وأطبق على قدمي فلم أستطع أن ~~أخلصهما، ثم سطع ضوء قوي لا يحتمل، وظهر لي رجل لم أشاهد أجمل منه في هذه ~~البلاد. شدني من تحت الجبل وثبت قدمي على الأرض، # 6 # وسقاني ماء فاطمأن قلبي. # إنكيدو ~~(هاتفا) ~~: # ما أطيبه من حلم يا جلجاميش ! ما أروعه من حلم! الجبل الذي رأيته هو خمبابا. ~~سوف نقبض عليه ونقتله يا صديقي. سنلقي بجثته في العراء، وسيتم كل شيء ~~غدا. # 7 # الراوية ~~: # وفي الغد قطعا عشرين ساعة مضاعفة وتناولا بعض الزاد، ثم توقفا للراحة بعد ~~ثلاثين ساعة أخرى. حفرا بئرا قبل غروب الشمس، وصعد جلجاميش على الجبل. نثر ~~الدقيق على أرض الجبل وقال: # جلجاميش ~~: # أيها الجبل! يا مسكن الآلهة! هبني حلما طيبا، هبني كلمة من ~~شمش! # الراوية ~~: # يبدو من السطور الغامضة التي جاءت بعد هذه الكلمات أن الجبل أهداه حلما، وأن ~~ريحا باردة لفحت وجهه وبللته برذاذها فتكوم كسنابل القمح تحت عاصفة ~~ممطرة. وبينما جلجاميش جالس وذقنه مسندة على ركبتيه، زحف عليه النوم الذي ~~ينسكب على البشر جميعا. ولما انتصف الليل انقطع عنه النوم، فنهض على قدميه ~~وقال لصاحبه: # جلجاميش ~~: # إنكيدو! يا صديقي! ألم تنادني؟ فلماذا استيقظت من النوم؟ ألم تلمسني؟ ~~فلماذا اعتراني الخوف؟ ألم يمر إله من هنا؟ فلماذا ارتجفت أطرافي رعبا؟ لقد ~~رأيت حلما ثالثا يا صديقي، وكان هذا الحلم مخيفا. أرعدت السماء وزلزلت ~~الأرض. احتجب ضوء النهار وحلت الظلمات. التمع البرق واشتعلت النار. تكثفت ~~السحب وأمطرت الموت. ثم خبا بريق النار المتوهجة بغتة، وتحول كل ما تساقط ~~حولنا إلى رماد. تعال نهبط الجبل ونتشاور فيما نفعل. # الراوية ~~: # هنا فتح إنكيدو فمه ليرد على صديقه. ولا بد أنه فسر له الحلم الثالث وإن ~~لم تمكنا الفجوة التي فغرت فاها في هذا الموضع من معرفة ما قاله، والأرجح ~~أنه أثنى على هذا الحلم وتفاءل به؛ إذ ms057 قرر الصديقان أن يبدأ في قطع أشجار ~~الأرز بفئوسهما. فلما أن سمع خمبابا الضجيج تملكته ثورة الغضب وصاح: من هذا ~~الذي جاء لينتهك حرمة أشجاري التي ربيتها في جبالي؟ من الذي قطع أشجار الأرز؟ ~~يبدو أنهما ارتبكا وأصابهما الذعر، فهبط عليهما صوت شمش السماوي وخاطبهما ~~قائلا: # صوت شمش ~~: # تقدما! لا تخافا! # الراوية ~~: # ولولا ثغرة كبيرة من حوالي ثمانين سطرا لعرفنا ما قاله شمس للصديقين عندما ~~التمسا منه العون والمشورة في معركتهما المقبلة مع خمبابا. والظاهر أن إله ~~النور والعدل قد حذرهما من مغبة القتال؛ إذ نقرأ سطرين يقولان إن دموع ~~جلجاميش قد سقطت من عينيه جداول منهمرة، وإنه تضرع لشمش السماوي ~~قائلا: # جلجاميش ~~: # لقد أطعتك دائما يا شمش السماوي، وسرت على الطريق الذي رسمته لي. # الراوية ~~: # غير أن جلجاميش أصابته نوبة إعياء مفاجئة، فأطبق عليه نوم عميق، وتمدد على ~~الأرض فاقد النطق، كأنما غرق في حلم جديد. مد إنكيدو يده ولمسه فلم يتحرك، ~~كلمه فلم يرد عليه. # إنكيدو ~~: # جلجاميش! يا سيد كلاب! # 8 # هبط الظلام فوق العالم، وانتشرت فوقه الظلال. لقد رحل شمش، ودفن ~~رأسه الساطع في حضن أبيه ملك العالم السفلي. إلى متى تستسلم لهذا الرقاد؟ لا ~~تجعل أمك التي ولدتك تضطر للبكاء عليك في أوروك ذات الأسواق. # 9 # الراوية ~~: # أفاق جلجاميش من الرعب الذي غشيه حين لسعته كلمات إنكيدو الأخيرة. انتفخ ~~وتدرع ب «صوت الأبطال» الذي يزن ثلاثين شيقلا، وراح يخطر فيه كأنه معطف ~~خفيف، ويوسع ما بين قدميه ويزفر كالثور الذي يضرب الأرض، ويصر بأسنانه ~~فتصطك كأنياب الوحوش. # جلجاميش ~~(زاعقا) ~~: # بحياة أمي نينسون التي ولدتني، بحياة أبي الإلهي لوجال بندا، لأعيشن لأصبح ~~مفخرة لهما ولكل الناس. والطريق الذي سلكت إلى أرض الأحياء لن يرجع أبدا إلى ~~مدينتي حتى نقتل هذا الرجل إذا صح أنه رجل من أبناء البشر، أو هذا الإله إذا ~~كان واحدا من الآلهة. # إنكيدو ~~: # يا صديقي ومليكي، إنك لا تعرف هذا الوحش؛ ولذلك تتكلم عنه بلا خوف. أما أنا ~~فأعرفه؛ ولهذا أرتجف من الخوف. ms058 فأسنانه أنياب تنين، وقدماه مخالب نسر، ~~ووجهه وجه أسد، وعلى رأسه قرون أحد من قرون الثور، وذيله ينتهي برأس ثعبان، ~~وتغطيه تروس لا يكسرها السيف، ولا ينفذ فيها الحربة والرمح. إن أنفاسه هدير ~~الطوفان، ونظراته تسحق أشجار الغابة وأقصاب المستنقعات والأهوار، أي صديقي ~~ومليكي. # 10 # جلجاميش ~~: # بحياة أمي نينسون وأبي ... # إنكيدو ~~: # توغل إن شئت في هذه الأرض. # جلجاميش ~~: # الطريق الذي قطعته إلى أرض الأحياء ... # إنكيدو ~~: # سمعت هذا، لن يرجع للمدينة أبدا. # جلجاميش ~~: # حتى أصرع هذا الرجل إن صح أنه رجل، أو هذا الإله إن كان أحد الآلهة. # إنكيدو ~~: # أما أنا فسأرجع للمدينة يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # ماذا أسمع؟ # إنكيدو ~~: # وسأحكى لأمك الحكيمة عن كل أمجادك حتى تصيح فرحا، ثم أروي لها قصة موتك حتى ~~ينفطر قلبها من البكاء عليك، وتندبك في كل الشوارع والأسواق ومن شرفات المعابد ~~والأبراج، وتقدم الأضحيات والقرابين. # جلجاميش ~~(مسترسلا في غضبه) ~~: # لم يحن الوقت لتقديم الأضحيات والقرابين على روحي، لم أفكر في القارب الذي ~~يحملني عبر بحار الموت إلى جزر الخالدين. ولن يطوى بعد الثوب الذي سأكفن ~~فيه ثلاث طيات. لا يا إنكيدو، لن يحزن شعبي علي، ولن توقد المحرقة في بيتي، ~~ولن تخرب قصري وتحيله إلى رماد. # إنكيدو ~~: # إني أعرفك كما أعرف الوحش؛ لذلك حذرتك. # جلجاميش ~~: # كما حذرني العجائز في أوروك فضحكنا عليهم وشبعنا سخرية منهم، ألا تتذكر يا ~~إنكيدو؟ سنمضي معا ونثبت أعيننا في عين الوحش. إن كان فؤادك يرتعش من الخوف ~~فألق الخوف بعيدا عنك. إن كان الرعب بداخلك فقاوم هذا الرعب. خذ فأسك ~~وتقدم! ألم تتعهد أن تحميني وتحمي نفسك؟ من لا ينهي المعركة لا يشعر ~~بالسلام. # إنكيدو ~~: # حاذر يا جلجاميش! ها هو ذا يظهر ويغادر بيته المحصن. ها هو يخرج من بين ~~الأشجار. # جلجاميش ~~: # أين؟ أين؟ ماذا قلت؟ # إنكيدو ~~(ساخرا ولكن في عطف) ~~: # تذكر مزاعمك الآن وفي أوروك. تقدم يا جلجاميش! اهجم يا ابن أوروك! # جلجاميش ~~(محاولا أن يستجمع شجاعته) ~~: # أسرع أنت أيضا يا صديقي ورفيقي في الأخطار! هيا نوقعه في الفخ! ms059 لا تتركه ~~يهرب للغابة ويختفي عن أعيننا! إنه يضع عليه درعا واحدا من دروعه السبعة. ~~عاجله بالضربة قبل أن يتسلح بكامل عدته! # ها أنا أصرخ يا إنكيدو وأضرب الأرض بقدمي كثور وحشي ~~(يفعل هذا). # إنكيدو ~~: # وهو يصيح ويزأر يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # ويهز رأسه ويهددني. إنكيدو! أين أنت يا إنكيدو؟ إنه يثبت عينه علي، ~~يثبت عين الموت. ~~(يضع يده على عينيه ويبكي بصوت ~~مرتفع): # إلهي شمش! يا شمش الراعي والحامي، أطعتك وتبعت طريقك. إن ~~لم تنجدني الآن، فكيف سأهرب منه؟ كيف سأنجو؟ أنقذني يا شمش الراعي! أوف ~~بوعدك لي ولأمي نينسون! # الشيوخ ~~: # لم يتأخر شمش الراعي عنه. # سمع صلاته. # رق لمطر الدمع الهاطل من عينيه، # ودعا كل عذارى الريح إليه؛ # الريح الجبارة، # والزوبعة الدوارة، # والعاصفة الهدارة، # والأعصار وريح الجبل الثلجية، # جاءت من غرب وشمال، # من شرق وجنوب كالتنين، # كألسنة النار الموارة، # كالحية والثعبان تشل القلب، # كالطوفان أو البرق الخاطف كالرعب، # لفحت خمبابا والتفت حوله، # ضربت عينيه وشلت ساقيه وذراعيه، # فتحجر فوق الدرب. # جلجاميش ~~(صائحا) ~~: # بحياة أمي المقدسة وأبي الإلهي! لقد اكتشفت مسكنك في أرض الأحياء، وأتيت ~~إليها ومعي ذراعاي القويتان وأسلحتي الجبارة لأحاربك وأصارعك. ها أنت تقف ~~عاجزا مشلولا أمامي، وسأدخل بيتك وأقطع أشجارك كما أشاء. ~~(يتقدم جلجاميش من خمبابا الذي وقف أمام عرينه كثور وحشي ~~مقيد إلى الجبل، أو محارب مكتوف الذراعين والساقين. يقوم بحركات إيمائية ~~صامتة ومضحكة، يمكن أن تؤدي المؤثرات الضوئية والصوتية دورا كبيرا في إبرازها، ~~فيطعن الهواء بسيفه وفأسه وبلطته، ويستعرض فنون الكر والفر والنزال، بينما يصارع ~~في الحقيقة خوفه من خمبابا الذي لا يزال منظره يبعث على الرهبة وإن كان يقف مشلولا ~~أمامه.) # خمبابا ~~(باكيا شاحب الوجه) ~~: # جلجاميش، دعني أتكلم. # جلجاميش ~~(ضاحكا لصديقه) ~~: # يريد أن يتكلم بدلا من أن يهجم ويصارع! انظر إليه يا إنكيدو وهو يبكي ~~كالجدي الخائف أمام الثور الهائج! # إنكيدو ~~: # يا صديقي ومليكي، لا تأمن له! ابتعد يا جلجاميش! ~~(جلجاميش يجري مذعورا.) # خمبابا ~~: # جانبت الحق يا إنكيدو! اسمعني يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # لا يزال ms060 يصر على الكلام، فلنسمعه يا إنكيدو. من طبع المحارب النبيل أن ~~يكون كريما مع عدوه حتى آخر نفس فيه. # خمبابا ~~: # جلجاميش، إني لم أعرف أما ولا أبا يرعاني. لقد ولدت في الجبل، والجبل هو ~~الذي رباني، وإنليل إله العاصفة هو الذي جعلني حارسا على هذه الغابة. أطلق ~~سراحي يا جلجاميش، وسأصبح عبدا لك وتصبح سيدا. كل أشجاري التي رعيتها في هذا ~~الجبل ستكون ملك يديك. سأقطعها وأبني لك منها قصرا وبيوتا. هذه يدي ممدودة ~~إليك. # إنكيدو ~~: # حاذر يا جلجاميش. لا تلمسها! # خمبابا ~~: # سامحتك الآلهة يا إنكيدو! هذه يدي يا جلجاميش، ضع يدك فيها وتعال إلى بيتي. ~~أقسم لك بحياة الآلهة، وبالأرض، وبالعالم السفلي. # جلجاميش ~~(وقد رق له قلبه) ~~: # إنكيدو! يا صديقي! # إنكيدو ~~: # قلت حذار يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # ألا يصح للطائر الذي وقع في الفخ أن يرجع إلى عشه؟ ألا يحق للأسير أن يعود ~~إلى ذراعي أمه؟ # إنكيدو ~~: # لا تستمع لكلمة مما قاله خمبابا. لا تتركه يعيش. إذا رجع الطائر الحبيس إلى ~~عشه، وإذا عاد الأسير إلى ذراعي أمه، فلن ترجع أبدا إلى المدينة التي تنتظرك ~~فيها أمك. # جلجاميش ~~: # ألا يرق قلبك؟ # إنكيدو ~~: # ويخاف عليك أيضا. أنا مسئول عنك أمام شعب أوروك وأمام أمك التي ولدتك. اضربه ~~يا جلجاميش! # خمبابا ~~: # تكلمت بالشر يا إنكيدو. أيها الأجير الذي أذله رغيف خبزه! إنك تحسدني ~~وتخاف أن أكون منافسا لك. # إنكيدو ~~: # لا تصغ له يا جلجاميش. خمبابا لا بد أن يموت. وإذا لم يحكم القوي بالعدل ~~كان أول الضحايا. اقتل خمبابا يسهل عليك بعد ذلك أن تقتل أبناءه. أوقع الطائر ~~في الفخ، ولن يستطيع صغاره أن يفلتوا منك. هيا يا جلجاميش! خذ فأسك في يدك! ~~جرد سيفك من غمده الذهبي! اضرب ضربتك الأولى في عنقه، وسأعاجله بالضربة ~~الثانية! # الراوية ~~: # وسقط خمبابا مع الضربة الثالثة. اهتزت أشجار الغابة على مدى ساعتين ~~مضاعفتين عندما وقع الحارس الذي اعتادت جبال هيرمون ولبنان أن ترتجف من صوته، ~~وزلزلت الجبال والتلال لأن حارس الغابة قد قتل. هجم البطلان على ms061 أشجار الأرز، ~~وأطفآ أنوار خمبابا السبعة المتألقة، واقتحما المساكن المقدسة لآلهة ~~الآنوناكي العلويين بعد أن اجتثا الأشجار التي كانت تخفيها. وأخذ جلجاميش ~~يقطع الأشجار، وإنكيدو ينظف الجذور ويهتف به: اضرب أشجار الأرز! اصرب أشجار ~~الأرز! ثم حملا جثة خمبابا ووضعاها أمام الآلهة. قبلا الأرض، وفتحا الكفن ~~فسقط منه الرأس، وعندما أبصر إنليل رأس حارسه غضب وثار وصاح قائلا: لم فعلتما ~~هذا؟ لتكن النار منذ اليوم على وجوهكما! لتأكل الخبز الذي تأكلان، ولتشرب حيث ~~تشربان ! # الشيوخ ~~: # صدق جلجاميش نفسه، # وتحدى رب العاصفة الشرسة، # وسيدخل أوروك دخول الفاتح # خلد اسمه، # ويغني الشعب لمن حقق حلمه. # قتل المارد خمبابا # ومحا الشر، # وأعلى راية أوروك بين المدن، # ومجد قومه. # سار الموكب في أوروك # وحياه الشعب، # فزاد غرور البطل إلى حد التخمة. # أسكره المجد فأنساه أوروك، وأوشك أن ينسى أمه. # وتضخم بطل الأبطال # فلم يذكر شمش ولا إنكيدو بكلمة. # هل تعجب والحال كذلك # أن يرفض أعظم نعمة؟ # الراوية ~~: # كيف أصدق أن يرفض وردة حب من عشتار؟ # هل غاب عن البطل الجامح # أن الجالسة على عرش الحب # إلهة حرب ودمار؟ ~~(تطفأ الأضواء. إظلام.) # الفصل الخامس # | لعنة عشتار على أوروك وقتل الثور # (في أوروك، جلجاميش يتمشى مزهوا أمام قصره، فتلمحه عشتار ~~العظيمة من فوق مرتفع تجلس عليه.) # الراوية ~~: # اغتسل البطل من الوسخ العالق به، لمع أسلحته، أسدل جدائل شعره المسترسل على ~~ظهره، نضى عنه ثيابه المتسخة وارتدى ثيابا نظيفة، وتلفع بمعطفه ولف ~~حزامه حول خصره، ولما وضع تاجه على رأسه، رفعت عشتار الملكية عينيها إليه ~~وتملت جماله قائلة: # عشتار ~~: # جلجاميش! جلجاميش! # جلجاميش ~~: # من يناديني؟ من ينادي أسد أوروك؟ # عشتار ~~: # تعال يا جلجاميش! تعال وكن عريسي! اهدني ثمارك! أهدنيها يا جلجاميش! كن ~~زوجي وأنا زوجك! سآمر لك بعربة من ذهب ولازورد، عجلاتها ذهبية وقرونها من ذهب ~~أبيض، # 1 # تشد عليها العواصف والبغال العظيمة. ادخل بيتنا الفواح بشذى ~~الأرز، يقبل الكهنة المبجلون قدميك فوق العتبة، ويركع أمامك الملوك ~~والأعيان والأمراء، ويقدمون لك غلة الجبل والسهل. ستضع عنزاتك ثلاثة توائم، ms062 ~~وستلد نعاجك مثنى، ويلحق حمار أثقالك بالبغال. لن ينافس حصانك المشدود إلى ~~العربة حصان، ولن يكون لثورك تحت النير نظير. # الراوية ~~: # فتح جلجاميش فمه وقال لعشتار الملكية: # جلجاميش ~~: # وماذا أعطيك لو أخذتك؟ # 2 # هل تحتاجين دهانا لجسدك، أم تحتاجين ثيابا؟ أترى ينقصك الخبز أم ~~الطعام؟ بالطبع لدي طعام يليق بالآلهة، وعندي من الشراب ما يليق بالملوك، ~~لكن ... # عشتار ~~: # لكن ماذا؟ ماذا بقي لديك؟ # جلجاميش ~~: # لكن ما الداعي؟ إن مكانك في الشارع، يكفيك ثوب ترتدينه، فيأخذك من ~~يشتهيك. # 3 # عشتار ~~: # إلى هذا الحد تهين عشتار؟ تكلم. ماذا عندك أيضا؟ # جلجاميش ~~: # موقد أنت، لا ~~(يدفئ) # الحديد # 4 # باب لا يحمي من نفس أو ريح، قصر # 5 # يسحق بطله، فيل ينفض غطاءه، قار # 6 # يلوث حامله، قربة ماء تبلل صاحبها، حجر جيري يفجر السور الحجري، ~~يشب يجذب # 7 # بلاد الأعداء، صندل # 8 # يضايق لابسه. # عشتار ~~: # كل هذه الإهانات يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # أي عشيق أخلصت له الحب؟ أي طائر من طيورك استطاع أن يحلق في الهواء؟ ~~أتحبين أن أسمى أعز عشاقك؟ # عشتار ~~(لنفسها) ~~: # إلهي وأبي آنو! من أدراه بهذا كله؟ # جلجاميش ~~(مندفعا) ~~: # تموز، عشيق صباك، قضيت عليه بالبكاء عاما بعد عام. # 9 # أحببت طائر الشقراق الملون ثم ضربته وكسرت جناحه، وها هو الآن ~~ينادي في الغابات: كابي! كابي! جناحي! جناحي! لما أحببت الأسد المكتمل القوة ~~حفرت له من الحفر سبعا وسبعا. وعندما عشقت الحصان قدرت عليه السوط والمهماز، ~~وحكمت عليه بأن يجري سبع ساعات مضاعفة، وأن يشرب من الماء العكر، وجعلت النواح ~~من نصيب أمه سيليلى! أحببت راعي القطيع الذي ما انفك يعد لك الكعك على نار ~~الفحم ويذبح لك جديا كل يوم، لكنك ضربته ومسخته ذئبا، وها هم صبيته من ~~الرعاة يلاحقونه، وكلابه تعض ساقيه. وعشقت إيشولانو بستاني نخل أبيك، ~~الذي أراح يجلب لك السلال المملوءة بالبلح ويزين مائدتك كل يوم، رميته بلحظك ~~وسعيت إليه قائلة: أي إيشولانو، دعنا نستمتع بفحولتك! مد يدك والمس جسدنا! ~~لكن إيشولانو رد عليك بقوله: ماذا تريدين مني؟ ms063 ألم تخبز لي أمي؟ ألم آكل طعامي ~~حتى آكل خبزي الآن ممزوجا بالشتائم واللعنات، وأتغطى بالعشب الجاف لأتقي ~~البرد؟ وعندما سمعت منه هذا القول ضربته وحولته إلى مخلوق تعس. # 10 # لو أحببتني، ألن يكون حظي منك كحظ هؤلاء؟ ~~(تتفجر عشتار غيظا، ثم تضع يدها على فمها وتنصرف ~~باكية.) # الراوية ~~: # لم تكد عشتار تسمع هذا الكلام حتى صعدت غاضبة إلى السماء. مضت إلى أبيها آنو ~~إله السماء وكبير مجمع الآلهة، وانهمرت دموعها أمامه وأمام أمها الآلهة ~~آنتوم. # 11 # آنو ~~: # ابنتي عشتار؟ باكية وغاضبة كعهدي بك. # عشتار ~~: # لم أبك أبدا يا أبي كما بكيت اليوم. لم يشتعل غضبي كما يشتعل الآن. # آنتوم ~~: # ماذا بك يا ابنتي؟ ابكي إن كان هذا يريحك. # عشتار ~~: # لا يا أمي، لن يريحني إلا الانتقام. # آنتوم ~~: # اهدئي يا ابنتي. تكلمي. # عشتار ~~: # لن يهدئني الكلام ولا البكاء. لا بد من الثأر لكرامتي! # آنو ~~: # كرامتك؟ هل أسمع هذا من إلهة الحب والحرب؟ # عشتار ~~: # أما الحب فبسببه أهانني، وأما الحرب فلم يبق سواها. # آنو ~~: # ومن هذا الذي جرؤ على إهانتك؟ # عشتار ~~: # من غيره يا أبي؟ جلجاميش هو الذي أهانني، هو الذي رماني بشتائمه، هو الذي ~~صب علي لعناته! # آنو ~~(مبتسما) ~~: # لا بد أنك أثرت ملك أوروك! لذلك صب عليك شتائمه ولعناته. # آنتوم ~~: # ولذلك تريدين الانتقام من رفضه لك. # عشتار ~~: # يرفضني أنا يا أمي! أنا ربة الخصب والحب! # آنتوم ~~(في حنان) ~~: # وربة الحرب أيضا يا حبيبتي. من ينسى هذا؟ # آنو ~~: # أجل! والحرب! كم أخشى عليه منك يا عشتار! # عشتار ~~: # لتكن خشيتك على أوروك! على الأرض والبشر، والزرع والحقل والنخل، على ... # آنتوم ~~: # اهدئي يا ابنتي! # آنو ~~: # ألم تبدئيه أنت؟ اعترفي يا عشتار! # عشتار ~~: # أعترف؟ نعم. نعم. لقد أحببته يا أبي. لم أقو على مقاومة جماله فعرضت عليه ~~حبي. # آنو ~~: # وعرضت عليه مع الحب الحرب. أليس كذلك؟ # عشتار ~~: # بل هو الذي راح يعدد عشاقي. # آنو ~~: # خوفا من أن يصبح واحدا منهم. عليك أن تعذريه يا ابنتي. # عشتار ~~: # أعذره؟ بل أنتقم منه يا أبي، أسحقه ms064 وأسحق شعبه. إلي يا أبي بالثور السماوي. # آنو ~~: # الثور السماوي؟ هل تدرين ماذا تطلبين؟ # عشتار ~~: # أجل. وأعددت لكل شيء عدته. # آنو ~~: # وتنتظرين أن أسلمك مقوده؟ هل قدرت نتائج فعلك؟ هل فكرت فيما يمكن أن ~~يصنعه بالأرض والناس؟ # عشتار ~~: # نعم يا أبي. فكرت وقدرت، ولن أبرح مكاني حتى تسلمه لي. # آنو ~~: # أسلمه لك؟ هل تعين ما تقولين؟ # عشتار ~~: # إن لم تفعل يا أبي فسوف أحطم أبواب العالم السفلي، وأقوض أعمدته، وأترك ~~بواباته مفتوحة على مصاريعها. سأجعل الموتى ينهضون ويلتهمون الأحياء، # 12 # حتى يربو عدد الموتى على عدد الأحياء. # آنو ~~: # اسمعي يا ابنتي. لو فعلت ما تطلبين مني لعم الجفاف سبع سنين. هل جمعت من ~~القمح ما يكفي الناس، وزرعت من العشب ما يكفي الماشية؟ # آنتوم ~~: # أجيبي يا عشتار على أسئلة أبيك، فلن يرضيني أو يرضيه ... # آنو ~~(مقاطعا) ~~: # ولن يرضيك أن تهلك الحياة على يد ربة الحب والخصب. # عشتار ~~(في هدوء وتصميم) ~~: # أبي! أمي! لقد كدست القمح الذي يكفي الناس، وجمعت العشب الذي يكفي الماشية. ~~ادخرت القمح للبشر، وزرعت العلف للماشية؛ لكي يشبعوا في السنوات السبع ~~العجاف. # الراوية ~~: # تتبع هذا خمسة أو ستة أسطر مشوهة، يبدو منها ومما يليها أن «آنو» قد رضخ ~~لإرادة ابنته وسلمها مقود الثور السماوي. سحبته عشتار وهبطت به إلى الأرض، ~~ساقته إلى حمى أوروك. # أحد الشيوخ ~~: # آه! كم تؤلمني تلك الذكرى! # هبط الثور إلى أوروك ومعه الذعر. # خار لأول مرة، # مائة رجل سقطوا، # مائتان، ثلاث. # خار لثاني مرة، # فتهاوى مائة، # مائتان، ثلاث. # وانقض على إنكيدو في ثالث مرة. # أوشك أن يدهمه، # أن يلطمه، # فتفاداه ابن البرية، # وثب عليه وأمسكه من قرنيه. # أرغى الثور وأزبد. # قذف كمثل الشلال رغاءه. # قذف الروث بذيله. # إنكيدو صاح بجلجاميش: # كم يا صاحبي تباهينا وتفاخرنا! # هيا الآن نوزع دورينا. # أما أنا فسأمسك ذيله، # لن يفلت مني. # اطعن أنت بسيفك واغرس نصله # بين الرقبة والقرنين. # الراوية ~~: # شدد إنكيدو قبضته على ذيل الثور ~~السماوي. أما جلجاميش فأصابه إصابة القوي الواثق مثل جزار خبير، # 13 # فطعنه ms065 بسيفه بين العنق والقرنين. ولما قتلا ثور السماء انتزعا قلبه ~~ووضعاه أمام شمش، ثم تراجعا وركعا في خشوع. وعندما نهضا من صلاتهما شعر إنكيدو ~~بألم حاد في فخذيه وجنبه. مد يديه ليتحسس موضع الألم وكأنه يقتلع ~~نصلا غرس في لحمه، وتأمل يده فوجدها مبللة بالدم. كتم الآهة حتى لا تخرج ~~من شفتيه، ومسح يده خفية في طرف ردائه. أما جلجاميش فانطلق ينادي على أصحاب ~~الحرف وصناع السلاح ليعرض عليهم قرني الثور السماوي. بينما تردد في الفضاء ~~صوت يلعن أوروك. ~~(سور أوروك. عشتار تعتلي السور أشبه بنمرة متوحشة وهي تزعق ~~وتصيح كسرب من الطيور السوداء الجارحة. جثة الثور ملقاة على أرض الساحة بعد أن ~~فصل رأسه عن جسده.) # عشتار ~~(وهي تصب لعناتها من فوق السور) ~~: # اللعنة يا أوروك! # اللعنة يا أوروك! # ملعون من يشرب ماءك أو يأكل زادك، # من يقرب غرسك وحصادك، # من تلمس قدماه ترابك، # أو تذروا كفاه رمادك. # ملعون! ملعون! ملعون! # ملعون من ولد ويولد في أوروك، # من يدخلها أو يخرج منها، # من يحميها ويدافع عنها، # من يرفع حجرا أو يشعل نارا في موقد، # من يعشق فيها امرأة، # أو يطرق بابا، # أو يتبتل في معبد. # ملعون! ملعون! ملعون! # ملعون من يطأ الأرض ومن يتمدد في ظلمات القبر، # من يسكن كوخ القصب ومن يتنعم في غرفات القصر. # ملعون! ملعون! ملعون! # ملعون من قتل الثور! # ملعون من قتل الثور! (تبكي في حرقة وتردد بعض السطور ~~السابقة.) # إنكيدو ~~: # ويلك يا عشتار، ما هذا الذي تفعلين؟ # عشتار ~~: # ألعنك وألعن جلجاميش الذي أهانني وشهر بي وقتل الثور؟! ~~(ينتزع فخذ الثور السماوي ويقذفها في وجهها.) # إنكيدو ~~: # لو استطعت الإمساك بك، لنالك أنت أيضا مثل ما ناله، ولربطت أحشاءه حول ~~ذراعك. # الراوية ~~: # ازداد الألم على إنكيدو، صرخت عشتار. # عشتار ~~: # ويلك يا إنكيدو! # ويلك يا جلجاميش! # الراوية ~~: # أدركت اللعنة إنكيدو فانثنى على جرحه واستند على حجر يتأوه. بينما أخذ ~~جلجاميش يقلب يديه وعينيه في قرني الثور، ويتيه إعجابا بهما أمام جموع ~~الصناع والحدادين. # جلجاميش ~~: # انظروا يا صناع ms066 السلاح! تأملوا يا أصحاب الحرف! هل رأى أحد منكم مثل هذه ~~القرون؟ هل شهدها يوما على رأس ثور أرضي؟ هذا الحجم وهذا الوزن! إن وزن الواحد ~~منهما ثلاثون رطلا من اللازورد، وسمك قشرته عشر أقدام، وسعته ستة جورات من ~~الزيت، # 14 # سأقدمها هبة لإلهي الحامي لوجال بندا. هيا أيها الصناع وأنتم ~~أيها الخدم! تعالوا واحملوها إلى قصري، قولوا لنسائي وعبيدي سيدنا يأمركم أن ~~تعلقوها في مخدعه. هيا! هيا! ما هذا؟ ما هذه الغربان الناعقة؟ أين إنكيدو؟ ~~تعال يا صديقي. ماذا تفعل عندك؟ أف لهذه الأصوات المزعجة. تعال! ~~تعال ! ~~(يتجه إلى إنكيدو، بينما يتردد بكاء عشتار مع حشد من البنات ~~المنذورات وبغايا المعبد اللائي التففن حولها ورحن يندبن الثور السماوي، وهن ~~يطفن حوله ويرقصن رقصات حزينة، ويرددن مع عشتار): # عشتار ~~: # اندبن يا بنات، # ثورا من السماء، # أرسله آنو، # ليفتدي عشتار، # وينشر الدمار، # والموت والوباء. ~~••• # شواطئ الفرات، # تبكيك يا ثوري. # يا ويلتي قد مات، # ولم يمت ثأري. # فليهدم السور، # وينطفئ النور، # وتقفر الدور، # من بسمة الحب، # ونعمة الخصب. ~~••• # كانت له عيون، # كأنجم السماء. # كانت له قرون، # أبهى من الضياء. # انطفأت عيونه. # تحطمت قرونه. # وجسمه أشلاء. # رمته في العراء، # مدينة ملعونة. ~~••• # يحكمها جبار، # لا يعرف الحبا. # شاء لها الدمار، # والعقم والجدبا. ~~••• # سيزحف الجراد، # ويأكل الحصاد، # وينشر السواد، # أجنحة الحداد، # على ربا النهر، # والكوخ والقصر. # والقحط والجفاف، # يحاصر المدينة. # سنينها العجاف، # تشهدها اللعينة، # على مدى الدهر، # تصير كالقبر، # في الصمت والقهر. # جلجاميش ~~(ضاحكا وهو يقبل على صديقه) ~~: # أين أنت يا صديقي؟ لماذا لم أرك مع أصحاب الحرف وصناع السلاح؟ ليتك أبصرت ~~الذهول في عيونهم! ليتك شاهدت الإعجاب بجلجاميش! ماذا بك؟ ولماذا تجلس وحدك على ~~هذا الحجر؟ تسمع عشتار وعاهراتها؟ ~~(يضحك) # هل ~~أوحشك نعيق البوم والغربان؟ تعال! تعال! ماذا أسمع؟ هل تتأوه معهن في يوم ~~نحتفل فيه بالنصر؟ بعد قليل يطوف موكبنا بالشوارع والأسواق. تنطلق الحناجر ~~بالهتاف والغناء. هيا نمض إلى شواطئ الفرات. هنالك نغتسل ونمسح عن أجسامنا ~~تراب المعركة، وتغسل أذنيك كذلك من نواح ms067 عشتار والعاهرات! هيا هيا ~~هيا! ~~(على شاطئ الفرات. البطلان يغسلان أيديهما من دماء الثور ~~السماوي. إنكيدو يتحسس جرحه في صمت، بينما يتأمل جلجاميش صورته في الماء.) # جلجاميش ~~(فيما يشبه الغناء) ~~: # هو الذي رأى. # هو الذي انتصر. # هو الذي مضى # يواجه الخطر. # إنكيدو ~~(يغسل يديه ويتأوه) ~~: # آه! # جلجاميش ~~(مواصلا الغناء) ~~: # البطل الوسيم، # والملك الحكيم. # راعي أوروك الملك الحق على العرش. # الثور الناطح والأسد الجامح كالوحش. # هيا يا صديقي! تأمل صورتك وغن مثلي! (لا يرد عليه ~~إنكيدو). # أو ابك إذا شئت الثور المقتول ونح مع عشتار. # إنكيدو، إنكيدو، هل تسمعني ؟ (يطلق حنجرته بالغناء). # ثلثاه إله والثلث الباقي بشري فان. # نقش الآلهة على لوح القدر # الاسم الخالد، # حتى امتلأ فهاتوا اللوح الثاني. # جلجاميش المجيد، # يسجل الأثر، # في اللوح والحجر. # هذا هو الخلود. # هذا هو الخلود. # هو الذي رأى. # هو الذي انتصر. # صوت ~~(من بعيد كالهمس) ~~: # هو الذي طغى. # هو الذي قهر، # الأرض والبشر، # والطير والشجر. # جلجاميش ~~(صائحا) ~~: # أنا الذي طغى؟ # أنا الذي قهر؟ (ثم محتجا) # الملك العادل! # الملك الكامل! # الصوت ~~(يزداد وضوحا) ~~: # أنت الذي طغى. # أنت الذي قهر. # جبار ظالم! # طاغية آثم! # جلجاميش ~~: # ما هذا؟ من أنت؟ اظهر أيها اللعين. أرني وجهك حتى أحرقه غضبا أو أفصله عن ~~جسدك. هل سمعت يا إنكيدو؟ هل سمعت؟ لماذا لا ترد عليه؟ # أين أنت يا إنكيدو؟ # انتظر أيها الشبح الخائف! بعد قليل ترد عليك أوروك وشعب أوروك! ~~(يبحث عن إنكيدو حتى يجده منكفئا على ~~وجهه.) # جلجاميش ~~: # ما هذا؟ ماذا أرى؟ هل نمت يا صديقي؟ يا رفيق الأخطار والأسفار، هل غلبك ~~النوم فلم تغتسل من غبار المعركة؟ # إنكيدو ~~(يتأوه) ~~: # آه! # جلجاميش ~~: # هل تذكر ليلة نمت فأيقظتني؟ رأيت أحلاما وفسرتها لك. جاء دوري الآن. ~~هيا ارو الحلم أفسره لك! ~~(يساعده على ~~الجلوس.) # إنكيدو ~~: # تقول رأيت حلما؟ # جلجاميش ~~: # نعم. نعم. والأحلام سعيدة. # إنكيدو ~~: # لا يا جلجاميش! لا! # جلجاميش ~~: # إذن فقد سمعت صوتا؟ # إنكيدو ~~: # سمعت صوتا؟ أجل. أجل. ورأيت كذلك ... # جلجاميش ~~: # ماذا سمعت؟ ماذا رأيت؟ # إنكيدو ~~(وهو يغالب ألمه) ~~: # سمعتها ms068 تخاطبني، كأن صوتها قمر شاحب يطل من بين الأغصان الملتفة في ~~الغابة: حاذر يا إنكيدو! حاذر قرن الثور! # جلجاميش ~~(ضاحكا) ~~: # والثور انتصرنا عليه. أليست أشلاؤه في الساحة؟ ماذا قالت أيضا؟ # إنكيدو ~~: # لا تنس أوروك! لا تنس الشعب البائس في أوروك! # جلجاميش ~~: # الشعب البائس ينتظرك بالفرح والغناء. بعد قليل سيمر الموكب في الأسواق ~~والشوارع. انهض يا صاحبي على قدميك، هل تنتصر على الثور وينتصر عليك ~~النوم؟ # إنكيدو ~~: # ورأيتها تنظر إلي والدموع في عينيها. # جلجاميش ~~: # من؟ عشتار الملعونة؟ # إنكيدو ~~: # لا. لا. الغزالة! # جلجاميش ~~(ضاحكا) ~~: # الغزالة؟ هل رجعت أيضا إلى البرية ؟ ما أعجبه من حلم! # إنكيدو ~~: # اقتربت منها ففرت هاربة، ثم التفتت برأسها من بعيد وهي تبكي: لم دنست ~~يديك؟ لم دنست يديك؟ ~~(تتساقط دمعة على يد ~~جلجاميش.) # جلجاميش ~~: # وتبكي أيضا؟ إنها الأحلام يا إنكيدو، الأحلام. # إنكيدو ~~: # لا يا جلجاميش! الألم فظيع! الألم فظيع! # جلجاميش ~~: # قلت لك أحلام! أحلام! الواقع سيكذبها بعد قليل! ~~(إنكيدو يتنهد ويمسك خاصرته وجنبه. يسيران متشابكي الأيدي ~~بينما يرفع جلجاميش عقيرته بالغناء.) # جلجاميش ~~(يختلط صوته بأصوات تتردد من بعيد) ~~: # هو الذي رأى. # هو الذي انتصر. # أصوات ~~: # أسد أوروك الجبار. # البطل العائد للدار. # الملك العادل، # والراعي الكامل. # حبيبنا الوسيم. # أميرنا الحكيم. # صوت ~~(هامس من بعيد) ~~: # هو الذي طغى. # هو الذي قهر. # جبار ظالم. # طاغية آثم. # صوت آخر ~~(يعلو عليه) ~~: # البطل العظيم، # والملك الحكيم. # الأسد الجبار، # عاد إلى الديار. # والمجد والفخار، # للشعب والمدينة. # الصوت الهامس ~~(من بعيد) ~~: # العار والشنار، # والذل والدمار، # لأمنا الحزينة، # لأمنا الحزينة. ~~(يخرجان متشابكي الأيدي. إظلام.) # الشيوخ ~~: # هدرت أمواج الشعب على الطرقات، # وفي الأسواق وفي الساحات. # وازدانت كل العربات الذهبية # بالأزهار وبالرايات. # وارتفعت دقات الطبل. هتاف الشعب. # فلم نعرف - نحن شيوخ أوروك وعجائزها - # هل كانت أصوات الحب، # ترفرف من أعشاش القلب؟ # أم كانت أصوات الرعب، # تدوم كجناحي خفاش أعمى من أعماق الجب؟ # راح البطل الظافر يهتف بعذارى المعبد، # بنساء القصر: # من بطل الأبطال؟ # من أشجع الرجال؟ # فيرد الشعب عليه ~~: # جلجاميش. # جلجاميش. # يا بطل الأبطال! # يا أشجع الرجال! # راحت ms069 شمخات تجري خلف الموكب، # وتحاول أن تصل لعربة إنكيدو السائرة مع الركب: # اسمعني يا إنكيدو! لم لا تتكلم؟ # آه! أشعر أنك تتألم. # اترك جرحك يفتح شفتيه ويصرخ بلسان الدم. # كذب ما تفعل يا إنكيدو # ما يفعله جلجاميش، # ما تشهده أوروك. # كذب، بهتان، ظلم! # النصر على خمبابا، # وصراعكما مع هذا الثور، # كذب لم نحصد منه سوى المحنة والعقم، # والقحط العاصف في أوروك كرياح السم. # آه! لا تنس أوروك! # ولا تنس الشعب البائس في أوروك. # أنسيت وعودك عند النبع، # وغضبك في كوخ رعاة الجبل # وتحت عيون الأنجم؟ # إن كنت نسيت وعودك # فاترك جرحك يا إنكيدو يتكلم. # دعه يصرخ من هذا الظلم ويتهم المجرم. # لكن الصوت يغيب ويفتر. # تدهمه دقات الطبل، # تدوي كالرعد وتزأر. # تسرع عربات الموكب، # يحدوه هتاف الهاتف، # وغناء العازف، # ودوي الطبل الأجوف. # وعلى البعد تجرجر عربات أخرى # جثث المقتولين، # المائة المائتين الألف. # تدفعها الأم الثكلى، # والشيخ العاجز، # والطفل الراجف من نذر الخوف. # وتحوم في الآفق الذاهل # أجنحة الطير الأسود، # تطلقه عذارى المعبد. # ويغيب الركب ويبتعد الموكب، # وتظل مناحة عشتار # تصب اللعنات على رأس الشعب. # والربة تصرخ من فوق السور، # وتقف هناك كتمثال متعب، # أهمله البشر، # تخلت عنه الآلهة، # فلا أحد يعين، # ولا شيء يواسي القلب. # حط رجال البطل الظافر، # مع صاحبه عند القصر. # قبلت العتبة قدميه، # وباركه الكهنة والأمراء. # نثر الناس عليه الملح، # وباقات الزهر. # وأقيمت مأدبة النصر. # أريقت أنهار الخمر. # أضيئت كل الأنوار. # ورقص البطل مع الأبطال، # وغنوا حتى الفجر. # حتى أمر النوم، # فصدع الملك الظافر للأمر. # سكت الناي مع القيثار، # وأغفت عين الفرح # الساطع كالبدر. # شيعه الخدم لمخدعه. # رفعوا أيديهم، # ودعوا أن تسدل أستار النوم عليه # آلهة الليل «وآيا» سيدة الفجر. # وقف أمام قرون الثور. # سبح بالحمد لشمش، # وتمتم بصلاة الشكر. # امتدت يده تبحث عن يد إنكيدو، # واشتبكت كف مع كف، # وتوهج جمر في طيات الصدر. # ألقى الملك الجسد الهائل فوق الفرش. # تثاءب، أرخى ملك النوم # عليه الستر. # أما إنكيدو فقد أرقه الجرح. # وحين طواه النوم وداعب عينيه ms070 الحلم، # أفاق وفي عينيه الذعر. # وصحا إنكيدو. # صاح وولول: # يا جلجاميش! يا جلجاميش! # لم يتشاور جمع الآلهة؟ # لماذا يغضب إنليل علي؟ # وماذا كتب القدر ودبر؟ # زلزل جلجاميش. # لدغته الأفعى. # قال لصاحبه: # اهدأ يا إنكيدو. # ارو الحلم. # تعال نفكر. # آه مما دبر إنليل وقدر! # ها هي كف الخطر تدق الباب، # وفي الأفق تغيم السحب، # ويرمقنا كوكب نحس منذر. ~~(يسكت الشيوخ. إظلام.) # الفصل السادس # | الحمى تحرق إنكيدو ودخان الأحلام # الصديقان على الفراش. مع انبلاج ضوء الفجر نرى إنكيدو جالسا على فراشه، يحدق في ~~الفراغ وتنهمر الدموع من عينيه. ~~(جلجاميش يفيق على دمدمته، يتحسس جبهته ويجفف دموعه.) # إنكيدو ~~: # يا صديقي! لماذا عقد الآلهة الكبار مجلسهم للتشاور؟ اسمع ما رأيت الليلة في ~~الحلم! # جلجاميش ~~: # الحلم؟ ~~(يتحسس جبهته) # نعم! نعم! تكلم ~~يا إنكيدو. # إنكيدو ~~: # اجتمع آنو وإنليل وشمش السماوي، رأيتهم وسمعتهم في الحلم يتشاورون. قال آنو ~~لإنليل: ~~(يقلد صوته الضخم) ~~: لأنهما قتلا ~~الثور السماوي وصرعا خمبابا، فلا بد أن يموت أحدهما؛ ذلك الذي جرد الجبال من ~~أشجار الأرز ينبغي أن يموت. رد عليه إنليل بقوله: يجب أن يموت إنكيدو، أما ~~جلجاميش فلا يصح أن يموت! # جلجاميش ~~: # لا تنزعج يا إنكيدو، وبماذا رد عليه شمش؟ # إنكيدو ~~: # عارض شمش السماوي إنليل البطل بقوله: ألم يقتلا الثور السماوي وخمبابا ~~بأمري؟ فلماذا يموت إنكيدو وهو بريء؟ انفجر إنليل غضبا في وجه شمش السماوي: ~~ألأنك كنت تنزل إليهما كل يوم وكأنك واحد منهما؟ ~~(يبكي.) # جلجاميش ~~: # لا يا أخي الحبيب! لن تموت. إن دموعي تجري أنهارا مثل دموعك. لم برأني ~~الآلهة الكبار من دونك؟ هل قضي علي أن أجلس عند بوابة أرواح الموتى، أن ~~أفتقد أخي الحبيب فلا تراه عيناي؟ # 1 # إنكيدو ~~(يفتح عينيه على اتساعهما، ويشير في أتون الحمى إلى رجل ~~يتمثله واقفا أمامه) ~~: # انظر! انظر يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # من يا إنكيدو؟ # إنكيدو ~~: # إنه هناك! واقف ينتظر. # جلجاميش ~~: # ليس هناك غير الباب يا إنكيدو. # إنكيدو ~~: # ومع ذلك فباب الغابة لا يفهم! باب الغابة لا يعقل! أنت أيها الباب! لقد بحثت ms071 ~~عن خشبك البديع على مدى عشرين ساعة مضاعفة، حتى أبصرت شجر الأرز مرتفعا في ~~الأعالي. أعجبني خشبك الذي لا نظير له. كان ارتفاعك اثنتين وسبعين ذراعا، ~~وعرضك أربعا وعشرين. سلمتك لصانع ماهر من «نيبور» فنجرك على هذه الصورة ~~الكاملة. ما أبدع المحور! ما أمتن الحلوق والمفاصل! ما أكمل الترباس! آه لو كنت ~~عرفت حقيقة جمالك يا باب، لو توقعت عواقبه! إذن لرفعت البلطة وحطمتك قطعا، ~~وصنعت منها طوفا، لكني # 2 # حافظت عليك يا باب. نجرتك وحافظت عليك. آه! إن قدر أن يأتي ملك ~~بعدي فيقيمك، # 3 # أو يأتي إله فيجمع أطرافك ، فليمحوا اسمي ويضعا اسمهما ~~مكانه. # جلجاميش ~~(وهو يجفف دمعه) ~~: # ويلي! ماذا فعلت بك الحمى يا إنكيدو؟ ماذا جرى لك؟ لقد وهبك الإله القلب ~~الكبير والعقل الراجح، أعطاك القدرة على الكلام المتزن، ومع ذلك فما أغرب ما ~~تقول! ما أعجب أن ينطق قلبك بهذه الأشياء العجيبة! حلمك كان بديعا يا صديقي، ~~لكن ما أفظع الرعب الذي يفيض منه! آه! لقد ترك الآلهة البكاء للأحياء، وترك ~~الحلم الشكوى لمن بقي على قيد الحياة. سأصلي للآلهة الكبار، سأبتهل إليهم من ~~أجلك. # 4 # إنكيدو ~~(مستمرا في رؤاه المحمومة) ~~: # وأنت أيها الصياد اللعين! أدعوك يا إله الشمس أن تصب عليه لعنتك. أضع من ~~يده كل ما يحصل عليه، أضعف قوته، قبح أفعاله أمام عينيك؛ لتهرب منه ~~الوحوش التي يسعى لصيدها، وليعجز عن بلوغ ما يتمناه قلبه. ~~(يشتعل حماسه ويرتفع صوته) # أما أنت أيتها البغي ~~فتعالي أرسم لك قدرك. ليكن قدرا لا نهاية له إلى أبد الآبدين. سألعنك اللعنة ~~الكبرى، ولتهبط على رأسك الآلهة. # 5 # لتكن فضلات الطعام في مجارير المدينة هي طعامك، وغسيل الأواني هو ~~شرابك. لتكن الطرقات سكنك، وظلال الجدران مقامك. وليلطم فكك السكران ~~والعطشان. # 6 # جلجاميش ~~: # إلهي شمش! إلهي وراعي وصديقي! أبتهل إليك؛ أيقظه من نومه! خلصه من حلمه! ~~كلمه من سمائك! # شمش ~~(يتردد صوته المهيب) ~~: # إنكيدو! # جلجاميش ~~: # اسمع يا أخي. استمع لما يقوله إلهك وإلهي شمش. # شمش ~~: # لم يا إنكيدو؟ لم ms072 تلعن كاهنة الحب؟ أليست هي التي علمتك أن تأكل طعام ~~الآلهة؟ ألم تسقك الخمر شراب الملوك؟ ألم تكسك أفخر الثياب؟ أليست هي التي ~~قدمت لك جلجاميش الرائع وجعلته رفيقك، وهو الآن أخوك؟ ألم يجعلك تستريح على ~~متكأ فخم؟ بل أجلسك في سلام على مقعد الشرف إلى يساره، حتى قبل أمراء الأرض ~~قدميك؟ غدا يجعل أهل أوروك يبكونك وينوحون عليك، ويملأ سعداء الناس حزنا على ~~ذكراك. وإذا عاش من بعدك، فسيترك جسده متسخا، وسيضع عليه جلد الأسد ويهيم على ~~وجهه في البراري. # جلجاميش ~~: # سمعت يا إنكيدو؟ هل هدأ غضبك على البغي؟ # إنكيدو ~~(وقد سكتت ثورته ) ~~: # كاهنة الحب! نعم! نعم! ~~(يرجع برأسه إلى الوراء ~~ويبتسم) # فليحبك الملوك والأمراء! ليضرب الشاب فخذه إعجابا بك! ~~وليهز العجوز شعر رأسه من أجلك. # 7 # ولتتلقي العقيق واللازورد والذهب الذي تستحقينه، وكان علينا أن ~~نقدمه لك. ليأخذ الكاهن بيدك ويقدمك للآلهة، ولتهجر بسببك الزوجة ولو كانت ~~أما لسبعة أطفال. يا كاهنة الحب! يا كاهنة الحب! ~~(يسمع طرق خفيف على الباب وصوت خافت ينادي: إنكيدو! إنكيدو! جلجاميش ~~ساهر بجوار صديقه الذي عاودته الحمى وأغمض عينيه؛ ولذلك لا يستجيب للطرق ~~على الباب وربما لا يسمعه. ينسحب الضوء بالتدريج، جلجاميش يذرع المكان جيئة ~~وذهابا، ثم ينتبه على صوت إنكيدو الذي اعتدل في فراشه فجأة وفتح ~~عينيه.) # إنكيدو ~~: # جلجاميش! صديقي! # جلجاميش ~~: # نعم يا إنكيدو. ماذا بك؟ # إنكيدو ~~: # دعني أروي عليك الحلم الذي رأيت. # جلجاميش ~~: # حلم آخر؟ تكلم يا إنكيدو! # إنكيدو ~~: # أرعدت السماء صارخة، رددت الأرض صداها، ثم ظهر أمامي رجل معتم كوجه طائر ~~عظيم، ومخالبه كمخالب نسر. # 8 # غير شكلي كل التغيير، وكسا ذراعي بالريش كأجنحة الطيور، ثم أمسك ~~بي وقادني إلى بيت الظلام مسكن أركالا؛ # 9 # البيت الذي لا يغادره أحد دخله، ساقني على الطريق الذي لا يرجع ~~سالكه أبدا، إلى دار لا يبصر ساكنها نورا؛ فالتراب زاده، والطين طعامه. ~~ثيابه من ريش كأجنحة الطيور، وفي الظلام يقيم ولا تقع عينه على ضوء. في بيت ~~التراب الذي دخلت رأيت العروش ms073 محطمة، وتيجان الملوك ملقاة على الأرض، ~~والأمراء الذين حكموا البلاد من قديم الأزمان، نواب آنو وإنليل الذين حملوا ~~التيجان على رءوسهم، كانوا يحملون السمك المشوي والخبز، ويقدمون الماء البارد ~~من القرب. في بيت التراب الذي دخلته، كان هناك كبار الكهنة ومعاونوهم، وكهنة ~~التطهير والتعاويذ المباركون، وكان هنالك إيتانا # 10 # وسموقان، # 11 # وأريشكيجال ملكة العالم السفلي، وبعلة صيري كاتبة هذا العالم التي ~~تركع أمامها وفي يدها لوح تقرأ عليها منه. التفتت برأسها إلي وأبصرتني، ثم ~~قالت: من أتى بهذا الرجل إلى هنا؟ # 12 # جلجاميش ~~: # يا لهذه الرؤى المحمومة! ما هذا الحلم المشئوم يا إنكيدو؟! # إنكيدو ~~: # لكنني رأيته يا جلجاميش، ثم صحوت منه كرجل نزف دمه وراح يتجول وحيدا على ~~الأشواك في أرض يباب، كرجل أمسك به صاحب المحكمة وأخذ فؤاده يدق في ~~رعب. # 13 ~~(يسمع طرق شديد على الباب. ينتبه جلجاميش الذي كان قد خلع ~~رداءه وأخذ يبكي بكاء مرا. وقبل أن يتجه إلى الباب ليفتحه يميل على جسد إنكيدو ~~الذي استغرق في النوم وهو يتحسسه في جزع، بينما يتعالى صوت الطرق على ~~الباب.) # جلجاميش ~~: # إنكيدو، يا أخي الحبيب! من في أوروك ذات الأسوار القوية يملك ما تملك من ~~الحكمة؟ لكنك فتحت فمك وقلت أشياء غريبة، فلماذا تكلم قلبك بهذا الكلام؟ الحلم ~~الذي رأيت كان عجيبا، لكن الفزع منه أعجب. آه يا صديقي وأخي! إنه يبين أن ~~البؤس يصيب الإنسان في النهاية مهما كان صحيح البدن، وأن خاتمة الحياة هي ~~الحزن والأسى. آه يا إنكيدو، انتظر يا من تطرق الباب! سأصلي الآن للآلهة ~~العظيمة؛ لأن صديقي رأى الحلم المشئوم. ~~(يرفع ذراعيه ويديه للصلاة، ولكن الطرق يشتد فيفتح الباب. ~~تدخل أمه الحكيمة نينسون في لهفة.) # نينسون ~~: # ما هذا يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # أمي؟ # نينسون ~~: # ماذا بك يا ولدي؟ # جلجاميش ~~: # هلا سألت ماذا به؟ انظري إليه لتعرفي. # نينسون ~~: # ما هذا الحلم المشئوم الذي سمعتك تتحدث عنه؟ # جلجاميش ~~: # هو حلم صديقي المحموم. تطلعي إليه يا أمي. هل هذا هو ابن البرية الذي ~~تبنيته وجعلته أخي ms074 ورفيقي؟ # نينسون ~~(وهي تقترب من جسد إنكيدو تمد يدها لتتحسسه) ~~: # ماذا أرى؟ تكلم يا بني. # جلجاميش ~~: # ليته كان حلما واحدا! أخشى يا أمي ... أخشى ... # نينسون ~~: # أن يدركه مصير البشر؟ هل هذا ما تخشاه؟ # جلجاميش ~~: # لا. لا يا أمي، لا. أتوسل إليك. أقبل يديك وقدميك. وماذا سيكون مصيري ~~بعده؟ هل يدركني نفس المصير؟ لا. لا يا أمي، لا ~~(يصرخ ~~ويبكي معا) ~~. # نينسون ~~: # اهدأ يا ولدي. اهدأ. لا يبكي البطل كالأطفال. # جلجاميش ~~: # حتى الأبطال يبكون يا أمي. # نينسون ~~(لنفسها) ~~: # ليتك عرفت هذا يا بني. ليتك تعرفه الآن. # جلجاميش ~~(مستمرا) ~~: # انظري إليه يا أمي. تذكري كل ما عانيناه على الطريق. صديقي الذي رافقني في ~~كل الصعاب وواجه معي كل الأخطار، جسده يحترق من الحمى، قلبه يرى الأحلام ~~المشئومة وينطق بالكلمات الغريبة. آه يا أخي وصديقي! أمك الغزالة حملت بك، أبوك ~~حمار الوحش أنجبك، # 14 # أربع حمر وحشية أرضعتك لبنها، وحيوانات الفلاة دلتك على ~~المراعي. لتبك عليك الطرق التي قادتك إلى غابة الأرز فلا تتوقف عن البكاء ليل ~~نهار! ليبك عليك عجائز أوروك الفسيحة، وليبك علينا الشعب كله بعد أن نموت! ~~ليبك عليك كل الرجال وكل الجبال في الفلاة! لتنح عليك الحقول نواح أمك، ~~وليبك عليك الدب والضبع والنمر والأيل والفهد والأسد والثور الوحشي والغزال ~~والجدي، كل وحوش البرية فلتبك عليك! ليذرف عليك الدموع نهر أولا # 15 # الذي تمشينا على ضفافه! وليبك عليك الفرات المقدس الذي ملأنا ~~القرب من مياهه! ليبكك رجال أوروك الفسيحة ذات المروج والأسواق! آه يا أخي ~~وحبيبي! ستبكي عليك مدينة أريدو # 16 # وسترفع اسمك! ليبك عليك أولئك الذين طحنوا # 17 # الشعير ليصلح لفمك، والذين وضعوا الزبد أمامك وصبوا لك الجعة ~~ليبكوا عليك! لتبك الفتاة التي ضمختك بالزيت، # 18 # والنسوة اللائي قدمن لك خاتما في بيت الزوج ليبكين عليك! ~~والإخوة فليبكوا عليك كما تبكي الأخوات! آه يا إنكيدو! وليقطعوا شعورهم حزنا ~~عليك! ألم تعد تسمعني؟ ما هذا النوم الذي أطبق عليك؟ أبكي عليك يا إنكيدو. ~~أبكي عليك ~~(يبكي) ~~. # نينسون ~~(محاولة أن ms075 تكلمه فلا يسمعها لاستغراقه في البكاء على ~~فراش صديقه) ~~: # جلجاميش! ولدي! لا تصنع هذا بنفسك! لا تبك! لكن ما الفائدة. لا بد من ~~الانتظار حتى يفيق إنكيدو أو حتى ... إلهي شمش وإلهه وراعيه. إلهي شمش السماوي ~~وإلهه وراعيه. ~~(يسمع الصوت الخافت مصحوبا بنشيج: ~~إنكيدو. إنكيدو.) # وأنت أيتها المسكينة، انتظري أنت أيضا. هل ~~تتصورين أن تصلي إليه؟ وما الفائدة أيتها البائسة؟ ما الفائدة؟ ~~(تنصرف نينسون وتغلق الباب وراءها. جلجاميش لا يتحرك من ~~مكانه. يتردد الصوت الخافت المختنق: إنكيدو! إنكيدو!) # الراوية ~~: # انتهى اليوم الذي رقد فيه إنكيدو، فرقد يوما ثانيا، والموت يضطجع على ~~فراشه، ورقد يوما ثالثا ورابعا، ويوما خامسا وسادسا وسابعا، ويوما ~~ثامنا وتاسعا وعاشرا، ازدادت حالة إنكيدو سوءا على سوء، واليوم الحادي عشر ~~واليوم الثاني عشر رقد إنكيدو على فراش الموت. عندئذ نادى جلجاميش وقال ~~له: # إنكيدو ~~: # لعنتني يا صديقي لعنة شريرة. # 19 # لن أموت كمن يسقط في ساحة القتال. كانت المعارك تخيفني. ها أنا ذا ~~أموت بلا مجد ولا فخار. يا صديقي، محظوظ من يسقط في المعركة، وأنا قضي علي ~~أن أحتمل العار وأنا ألفظ أنفاسي. # 20 # الراوية ~~: # هزه جلجاميش فلم يتحرك. ناداه فلم يجب. هتف يائسا: # جلجاميش ~~: # ما هذا النوم الذي أطبق عليك حتى التف الظلام حولك ولم تعد تسمعني؟ ~~إنكيدو! إنكيدو! # الراوية ~~(وهو يتابع حركات جلجاميش وإشاراته) ~~: # لكن إنكيدو لم يفتح عينيه. مد يده وتحسس قلبه، لم يعد القلب يدق. عندئذ ~~غطى وجه الصديق كما يغطى وجه العروس، وأخذ يثب حوله كما يثب النسر، أشبه ~~بلبؤة سلبت أشبالها راح يذرع المكان إلى الأمام والخلف، ينتزع شعر رأسه بيديه ~~ويلقيه على الأرض، يمزق ثيابه الجميلة ويرمي بها كأنها أشياء مدنسة لا ~~تلمس، # 21 # ثم رفع صوته بصرخة كزئير الأسد، وقفز إلى شرفة قصره وهو ~~ينادي: # جلجاميش ~~: # اسمعوني يا شيوخ أوروك، اسمعوني! إني أبكي إنكيدو، أبكي صاحبي وصديقي بكاء ~~مرا كالندابة. أنت أيتها الفأس بجنبي، مأمونة القبضة في يدي. أيها السيف في ~~حزامي، والدرع أمامي. يا حلة عيدي، يا ms076 فرحي الأوحد. # 22 # أخذك مني شيطان شرير، صديقي أنت أيها الحمار الوحشي الخفيف، يا ~~فهد البرية! لقد ذللنا الصعاب سويا، وارتقينا الجبل، احتللنا المدينة، ~~وصرعنا الثور السماوي، وقتلنا خمبابا ساكن غابات الأرز. أي نوم هذا الذي أطبق ~~عليك؟ أي ظلام غيبك فلم تعد تسمعني؟ أيها الصناع والحدادون والصاغة ~~والنحاسون والنحاتون، نادوا عليهم جميعا. أطلقوا ~~المنادين عليهم في طول البلاد وعرضها. أنت ~~أيها الحداد وصائغ الذهب والأحجار الكريمة والنحات، صوروا صديقي، اصنعوا له ~~تمثالا، أبدعوا صورته وتمثاله، ليكن صدره من لازورد، وجسمه من ذهب. لا. لا. ~~ابتعدوا عنه، لا تقربوه أيها اللحادون! سبعة أيام وسبع ليال سأبكيه. سأظل أنوح ~~عليه وأصرخ حتى تتردد فيه الأنفاس. ابتعدوا! لا تقربوه! لا تقربوه! # 23 ~~(يغلبه النوم فيغمض عينيه وهو منحن على فراش ~~صديقه. وعند بزوغ الفجر يصحو من نومه ويرى دودة تسقط من فم إنكيدو، فيقول ~~صوته المبلل بالدموع) ~~: # انبلج ضياء الفجر، تعال أيها الشعاع الأول أحدثك. تعالي أيتها الروح ~~الغائبة تعالي. اسمع قولي يا صديقي؛ لقد جعلتك تستريح على متكأ ملكي. أجلستك ~~مجلس الشرف والسلام إلى يساري. أمراء الأرض قبلوا قدميك. آه يا صديقي! سأجعل ~~شعب أوروك يندبك ويبكيك، وسأملأ أفئدة السعداء أسفا عليك. وعندما يذهبون إلى ~~الأرض، سأطلق شعري من أجلك، وأهيم على وجهي في البرية، وعلى جسدي الذي تغطيه ~~الأوساخ سألبس جلد أسد. أيها اللحادون تعالوا، احملوا صديقي إلى التراب فلقد ~~سقطت الدودة من أنفه، وأمسك به قضاة الآنوناكي. # 24 # الراوية ~~: # ولم يكد شمش العادل يطلق سهام أشعته النارية من قوسه القوية حتى أمر ~~بالنداء على الصناع والصاغة والحدادين والنحاسين والنحاتين بأن يسرعوا بإقامة ~~تمثال صديقه في أوروك المنيع، ثم أمر بإعداد مائدة عظيمة من خشب ~~الإيلاماكو، # 25 # ووضع عليها وعاء من العقيق مملوءا بالعسل، ووعاء آخر من ~~اللازورد مملوءا بالزبد. وبعد أداء الطقوس انفرد جلجاميش بنفسه وواصل بكاءه ~~على صديقه، ثم صرح صرخة أسد جريح، وانطلق إلى البرية كالصياد التائه وهو ~~يهتف: # جلجاميش ~~: # دخل اليأس فؤادي. # آه! أين سألتمس الراحة؟ ms077 # أين سأجد سلام القلب؟ # ما صار إليه صديقي # أيكون مصيري؟ آه يا للرعب! # إني أخشى الموت # وأخشى الموت! # هل يدركني حظ البشر كما أدرك إنكيدو الطيب؟ # لا. لا. لا. # ضاق الصدر بأوروك وضاقت بي، # وسأمضي الآن إلى البرية أبحث عن جدي الخالد، # وسأسأله عن معنى العيش ومعنى الموت. # الشيوخ ~~(بهدوء وحزن شديدين) ~~: # آه كنا نحن هناك وراقبنا يأسه، # وشهدنا كيف بكي صاحبه # وبكى نفسه، # كالندابة ظل ينوح، # ولم يتوقف ليل نهار، # وانقض عليه الخوف # كما ينقض على الصيد العاجز # 26 # طير العصف أو الإعصار. # 27 # ندت عنه الصرخة كزئير الأسد، # ومزق شعره، # شج على الحائط رأسه. # آه يا جلجاميش! # هذا الدمع الساخن # يتفجر من ينبوع الحب. # وطيور الحزن على إنكيدو # أكلت من حبات القلب. # يتردد في ردهات القصر نواحك. # لا. لا يمكن أن يحدث لي # ما حدث لإنكيدو، # ومحال أن يتساوى البشر مع الرب. # إنكيدو مات وقدر البشرية مسه. # هل يجد البائس في خاتمة الرحلة إلا بؤسه؟ # آه جلجاميش خاف الموت، # فهل خاف على صاحبه الطيب، # أم كان الخوف لأن الموت سيتلف نفسه؟ # وغدا يخرج جلجاميش من سجن أوروك الضيق، # يلبس جلد الأسد، يفتش عن أوتنابشتيم الخالد، # وسط الأهوال، وفي الظلمات، وفوق الجبل، وفي البرية. # هل يتوقف كي يسأل مرة: # بم خلد هذا الخالد اسمه؟ # فلننظر ماذا يفعل، فيم يفكر، وإلام تئول الفكرة. # هل يحفر قصة رحلته فوق الحجر # وينقش رسمه، # كي يأسو الجرح الغائر # ويداوي يأسه؟ # أم يرجع لأوروك مكسور الخاطر # كي يحفر رسمه؟ ~~(يسمع طرق على الباب، يشيح جلجاميش برأسه ويديه في غضب وينطلق ~~خارجا من باب آخر. يرى جسد إنكيدو ممددا على الفراش. تدخل نينسون ووراءها ~~شمخات.) # نينسون ~~: # جلجاميش! أين أنت يا جلجاميش! # ترى أين ذهب؟ ادخلي يا ابنتي. تقولين إن الجنود منعوك؟ عشرة أيام وأنت ~~تنتظرين وتبكين؟ # ها هو ذا إنكيدو. أدركه حظ البشر المحتوم. ليتك تعرف يا جلجاميش! ليتك ~~تعرف! # آه يا ولدي المضطرب القلب! # آه يا ولدي المضطرب القلب! ~~(وبينما تواصل نينسون كلامها وبحثها ms078 عن جلجاميش تلقي شمخات ~~بنفسها على جسد إنكيدو وهي تبكي صارخة): # شمخات ~~: # إنكيدو! آه يا حبيبي! # كم حذرتك! كم حذرتك! ~~(ومع نشيج شمخات يسدل الظلام والستار.) ~~(فاصل) # الراوية ~~: # بكى جلجاميش صديقه وأخاه بكاء مرا، انطلق إلى البرية وجاب المراعي ~~والسهول كالصياد التائه. قال لنفسه: # جلجاميش ~~: # كيف سأجد الراحة أو ألقى ظل الأمن؟ # نفذ إلى قلبي الحزن. # وصديقي صار ترابا. # إذا مت سأصبح مثله؟ # آه! داهمني الخوف من الموت. # ها أنا ذا أسرع كي ألقى جدي، # أوتنابشتيم الخالد، # ابن «أوبارا-توتو»، # أوتنابشتيم النائي # في «ديلمون» أرض الخلد. # آه! كيف سأجد الراحة أو ألقى ظل الأمن؟ # نفذ إلى قلبي الحزن (يبكي). # الشيوخ ~~: # ابك صديقا لم تعرف قدره، # لم ترحم دمعته الصامتة المرة. # ابك صديقا ضيع يا جلجاميش عمره؛ # كي تبقي أنت وتحلم بالمجد الرائع والشهرة. # أبدا لم تنظر في قسمات الوجه الناطق بنقاء الفطرة، # إلا كي تبصر نفسك فوق دروب المجد الخطرة. # ابك صديقا لم تعرف قدره. # ابك صديقا ضيع عمره. # جلجاميش ~~: # ولهذا تنهمر عليه دموعي المرة. # أتشرد في البرية. # ألبس جلد الأسد # وأدمي الجسد المتعب # فوق صخور الجبل الوعرة. # الشيوخ ~~: # لماذا تفعل هذا؟ وعلام نويت؟ # جلجاميش ~~: # هذا سري! لن أفشي السر! # الشيوخ ~~: # والسر هو الموت. # أليس كذلك؟ # هل تبغي أن تنتقم من الموت؟ # ليس الموت على صورة أسد أو ثور. # لن تجد الموت بأي مكان؛ # فهو دفين في نبض القلب وطيات الصدر، # في جوف البذرة والثمرة وعروق الجذر، # في الكلمة والصمت. # جلجاميش ~~: # بالحق نطقتم يا حكماء أوروك. # أنى قلبت الطرف وجدت الموت # يربض في فرشي # يسكن عيني # يلازم خطوي أنى رحت وأنى جئت. # أبغي أن أعرف سر حياتي، # معنى العيش ومعنى الموت، # في زمن محدود قاسي، # ومكان يخنق أنفاسي، # بين وجوه تنضح بالسأم القاتل والمقت. # آه! إني أخشى الموت، # ولا أحتمل الموت. # الشيوخ ~~: # وموت الناس طوال الوقت؟ # جثث القتلى في أوروك # وجثث الغرقى فوق النهر؟ # والموت الصارخ في وجه الثكلى # والأرملة # وذل يتيم عذبه الغدر، # وأضناه الدهر. # هل طاف ببالك هذا الموت؟ ms079 # جلجاميش ~~: # ولهذا أترك بلدي. # الشيوخ ~~: # تترك أوروك؟ # جلجاميش ~~: # وحيدا أخرج منها # كي أجد السر، # وأقهر هذا القهر. # الشيوخ ~~: # ليتك يا جلجاميش # تقهر قهرك أنت! # ليتك تستيقظ # وتطارد شبح الوهم! # جلجاميش ~~(صارخا) ~~: # بل أبعد عنكم شبح الموت. # هل هذا وهم؟ # هل هذا وهم؟ # الشيوخ ~~: # وقطيعك تتركه في فك الذئب؛ # لتذروه رياح المحنة والفتنة والرعب؟ # ليتك تنظر تحت القدمين؛ # لتعرف وجه الواقع # من وجه الحلم! # ليتك تبحث في قلب الشعب عن السر، # وتلمس دفء الدم. # وهم يا جلجاميش وهم. # ابق مع الأحياء-الموتى في أوروك، # وطارد معنا الشبح الجاثم فوق الصدر، # وفي عين الأب والأم. # انظر تحت القدمين وفي قلب الشعب، # وابحث عن سرك في أوروك، # ولا تتركها لليتم. # جلجاميش ~~: # تحت القدمين وفي قلب الشعب؟ # سري ضاقت أوروك عنه # ولن يعطيني الموتى إلا الموت. # سري ... # الشيوخ ~~: # سرك ... سرك ... # جلجاميش ~~: # هذا شأني. # لن أفشي سر القلب. # الشيوخ ~~(يائسين) ~~: # وهم يا جلجاميش وهم. # تطلب تحقيق الحلم، # ولن تجد سوى الوهم. # جلجاميش ~~: # حتى لو كان محالا ما أطلب، # لن تثنوني أبدا # عن تحقيق الحلم. # الراوية ~~: # سار في طريقه إلى أوتنابشتيم البعيد، إلى جده الخالد الذي أدخله الآلهة ~~مجمع الخالدين. وصل ليلا إلى ممرات الجبل. رأى الأسود وداخله الخوف. ~~وهنالك رفع رأسه لإله القمر «سين»، وأخذ يصلي له ويبتهل للآلهة ~~العظمى # 28 # بين الآلهة: «ألا فلتحفظيني من هذا الخطر ...» وفي الليل نام ~~جلجاميش ثم صحا من نومه فزعا. كانت الوحوش # 29 # فرحة بالحياة، تمرح في ضوء إله القمر، فأمسك بلطته في يده، ~~واستل سيفه من حزامه، وانقض عليها كالسهم، وراح ينهال عليها ضربا حتى ~~شتتها. # وقد جاءت بعد هذا السطر فجوة كبيرة تبلغ اثنين وثلاثين سطرا نعرف من ~~السطور التالية لها أن جلجاميش وصل إلى جبل «ماشو» أو جبل التوءمين، ولكننا ~~لا نستطيع أن نعرف لماذا انقض في غضب على الأسود فراح يضربها ويقتلها ~~ويطاردها. هل فعل هذا في نومه أم في يقظته؟ وهل أثار غضبه عليها أنها ~~تمرح في ضوء القمر وتحيا لحظتها الخالدة، بينما يواصل ms080 بكاءه على صديقه ~~وأخيه، وسعيه إلى جده أوتنابشتيم الخالد وإلى الخلود؟ المهم أنه وصل إلى ~~جبل التوءمين الذي يسمى بالأكدية البابلية «ماشو»؛ لأنه يحرس بين قمتيه ~~الشاهقتين الفوهة الهائلة التي تهبط منها الشمس كل مساء إلى باطن الأرض ~~ثم تخرج في اليوم التالي لتشرق على الناس. # الفصل السابع # | جلجاميش والرجل العقرب، وحوار مع سيدوري ساقية الحانة، ~~وكذلك مع أورشنابي ملاح مياه الموت # (جلجاميش أمام مدخل جبل ماشو. البشر العقارب يحرسون الجبل في هيئتهم ~~المخيفة. لا يكاد يراهم عن قرب حتى يظلم وجهه خوفا من هول منظرهم والألق المميت ~~الذي ينبعث من نظرات عيونهم، غير أنه يتماسك وينحني أمامهم، وقبل أن يفتح فمه ينتهي ~~إليه صوت كبيرهم الرجل العقرب الذي ينادي زوجته قائلا): # 1 # الرجل العقرب ~~(لزوجته ) ~~: # انظري هناك! # الزوجة ~~: # نعم. نعم. إنه يتقدم نحونا. # الرجل العقرب ~~(ضاحكا) ~~: # يبدو أن جسده من لحم الآلهة. # الزوجة ~~: # بل يبدو من الطين البشري؟ # الرجل ~~: # انظري كيف أظلم وجهه غما وخوفا، كيف تعثر خطوه. # الزوجة ~~(في تعاطف) ~~: # لكنه يتماسك ويتقدم. # الرجل ~~(متباهيا) ~~: # ومن لا يرتجف رعبا لرؤية الرجال العقارب؟ حراس ماشو وبوابته الهائلة التي ~~تغرب منها الشمس وتشرق، وترتفع إلى ذرى السماء وتمتد في باطن العالم الأسفل؟ ~~من لا يرتعش فزعا من الرجال العقارب الذين تناطح صدورهم الأفق، وتغوص أجسادهم ~~في أعماق الجحيم؟ تأملي الهلع والذهول في نظراته، لا بد أنها وقعت على عينيك ~~وعيني اللتين تشعان بالألق المميت؛ الألق الذي يسقط كالصاعقة على الجبل ~~فيتدحرج إلى الوادي. # الزوجة ~~: # ومع ذلك فهو يتقدم. تكلم إليه. إنه ينحني أمامك. # الرجل ~~: # أيها القادم العجيب، ما الذي جعلك تقطع الطريق البعيد، وتتسلق الجبال الوعرة، ~~وتعبر الأنهار العصية على العبور؟ ما الذي دعاك للمثول أمامي؟ ليتني أعرف ~~الهدف من رحلتك! ~~(جلجاميش يقف جامدا ويحدق فيهما.) # الزوجة ~~: # تكلم يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # لأجل أوتنابشتيم جدي الخالد أتيت. أوتنابشتيم الذي دخل مجمع الآلهة وأنعموا ~~عليه بحياة الخلود. أريد أن أسأله عن الموت والحياة. # 2 # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # القادم البعيد، # يطمح في الخلود. # الرجال ms081 العقارب ~~(ضاحكين) ~~: # يطمع في الخلود. # يطمح في الخلود. # ما أفظع الطموح! # وأبشع الجموح! # من بطل وحيد، # فؤاده حديد (يتضاحكون). # الزوجة ~~: # اسكتوا! ما الذي دعاك للحضور؟ ما اسمك؟ # جلجاميش ~~(يحدق فيها ويهمس) ~~: # جلجاميش. # الرجل ~~: # لن يتكلم يا زوجتي. اسمع يا جلجاميش. لم يسبق لإنسان أن قطع الطريق إلى هذا ~~الجبل. لم يتسن لبشر أن يتوغل في أعماقه؛ فالظلام يغمرها اثنتي عشرة ساعة ~~مضاعفة، والظلام كثيف وما من شعاع ينفذ إليه. إن نفق الجبل يتقدم نحو مشرق ~~الشمس ويتراجع إلى مغربها، # 3 # ونحن نحرس البوابة المؤدية لهذا النفق المعتم. وراء سلسلة الجبال ~~التي تراها يتسع البحر الذي يطوق بلاد الأرض، ووراء بوابة الشمس يعيش جدك ~~البعيد، عند مصب الأنهار في جزيرة الحياة الخالدة يسكن جدك أوتنابشتيم. هنالك ~~خلف بحار الموت ، وما من سفينة يمكن أن تعبرها. # الزوجة ~~: # تكلم يا جلجاميش. ما الذي حملك على كل هذه المشاق؟ # جلجاميش ~~: # الحزن على صديقي إنكيدو، فهد البرية ورفيقي في كل المشاق أدركه حظ البشر، ~~فخفت الموت وانطلقت إلى البرية. صار صديقي الذي أحببته ترابا، ثقل على صدري ~~عبء الفاجعة فرحت أسأل نفسي: هل يمكن أن أصبح مثله طينا من طين الأرض؟ أولن ~~أصحو أبدا من رقدتي الأبدية؟ لهذا خرجت من بيت آنو، من بلدي أوروك. قطعت ~~القفار وارتقيت الجبال وعبرت الأنهار حتى أتيت إليك. الألم يقود طريقي، والهم ~~يوجه قدري. ايذن لي أن أدخل من بوابة هذا الجبل لعلي ألقى جدي، أسأله عن ~~معنى العيش ومعنى الموت. اسمح لي أن أدخل حتى أجد حياة الخلد. # الرجال العقارب ~~(ضاحكين) ~~: # القادم البعيد، # فؤاده حديد، # يا لك من طموح، # مغامر جموح! # فرددوا النشيد، # للبطل العنيد، # يطاول السماء، # ويهزم الفناء. # وكل ما يريد، # من جده البعيد، # المجد والخلود. # فحطموا القيود، # ودمروا السدود؛ # لعله يعود، # بالمجد والخلود، # من جده السعيد. # القادم البعيد، # فؤاده حديد ... إلخ. (يندمجون في الرقص والغناء ضاحكين.) # الزوجة ~~(غاضبة) ~~: # قلت اسكتوا. ~~(تتقدم من جلجاميش. يتراجع للخلف ~~قليلا ثم يثبت في مكانه. تمد يدها إليه وتأخذه من يده ms082 إلى زوجها الذي تقف ~~أمامه كأنها تتحداه.) # الرجل العقرب ~~: # اذهب يا جلجاميش. أليس هذا ما تريد؟ # الزوجة ~~(مهددة) ~~: # وما أريده أيضا! # الرجل العقرب ~~: # اذهب لا تخش شيئا. ~~(للرجال العقارب الذين ما ~~زالوا يغنون ويرقصون) # قالت لكم اسكتوا. هيا يا جلجاميش ~~الجسور، بوابة الشمس التي نحرسها مفتوحة أمامك. افتحوا البوابة! افتحوا ~~البوابة! ولتجد الطريق وسط الظلام. # الزوجة ~~: # ولتخرج منه سالما يا جلجاميش. # أحد العقارب ~~: # وتأخذ الخلود، # من جدك البعيد، # من جدك السعيد. ~~(جلجاميش يتجه إلى النفق المظلم في الجبل تشيعه نظرات الزوجة ~~الحنون. بينما تتردد من بعيد أصداء الغناء من الرجال العقارب.) # الراوية ~~: # عندما سمع جلجاميش كلمات الرجل العقرب اتبع مشورته، ودخل من بوابة الجبل ~~ليمضي على طريق شمش. ولما توغل لمدة ساعة مضاعفة، كان الظلام كثيفا وما من ~~ضوء، ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. # 4 # وعندما توغل ثلاث ساعات مضاعفة، كان الظلام كثيفا وما من ضوء، ~~ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما توغل أربع ساعات مضاعفة، كان ~~الظلام كثيفا وما من ضوء، ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما ~~توغل خمس ساعات مضاعفة، كان الظلام كثيفا وما من ضوء، ولم يستطع أن يرى ~~شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما توغل ست ساعات مضاعفة، كان الظلام كثيفا وما ~~من ضوء، ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما توغل سبع ساعات ~~مضاعفة، كان الظلام كثيفا وما من ضوء، ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. ~~وعندما توغل ثماني ساعات مضاعفة، صرخ صرخة عالية، كان الظلام كثيفا وما من ~~ضوء، ولم يستطع أن يرى شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما توغل تسع ساعات مضاعفة، ~~أحس بريح الشمال، وابتسم وجهه، كان الظلام لا يزال كثيفا، ولم يستطع أن يرى ~~شيئا أمامه ولا خلفه. وعندما توغل عشر ساعات مضاعفة، كان المخرج قد أصبح ~~قريبا. وعندما توغل إحدى عشرة ساعة مضاعفة، وجد نفسه في الخارج يواجه مشرق ~~الشمس. وبعد أن توغل اثنتي عشرة ساعة مضاعفة، عم الضياء. ms083 # 5 # هنالك وجد نفسه أمام بستان إلهي وقف أمامه مذهولا، ثم دنا منه ~~وأخذ يتجول فيه وهو يصيح: # جلجاميش ~~: # إلهي شمش! ما كل هذه الأشجار التي تنوء بالجواهر والأحجار الكريمة! هذه شجرة ~~تحمل فاكهة من عقيق، وتتدلى من أغصانها عناقيد الكرم. ما أجملها! ما ~~أجملها! وهذه شجرة أوراقها من اللازورد وثمارها من جواهر أخرى نفيسة، فتنة ~~للنظر، أي فتنة! حتى الأشواك تلمع فيها الأحجار النادرة، ويتألق اليشب واللؤلؤ ~~من أعماق البحار. والبستان يسطع كالثريا في نورك الباهر يا شمش. إلهي ~~وحارسي السماوي، إني أرفع يدي إليك، تعلم أن رحلتي كانت طويلة ومضنية. كان ~~علي أن أقتل حيوانات البرية لأغطي بجلودها جسدي، وأستمد من لحمها طعامي، ~~وسمح لي الرجال العقارب بالدخول من بوابة الجبل والسير على الطريق إلى مطلع ~~الشمس عبر الظلمات الكثيفة. وها أنا ذا قد خرجت من النفق المظلم لأرى بستان ~~الآلهة أمامي، ومن ورائه البحر الواسع. دلني يا إلهي على الطريق إلى جدي ~~أوتنابشتيم البعيد. أرشدني إلى الملاح الذي يعبر بي البحر ومياه الموت ~~لأحصل على الحياة. إلهي! يا إلهي وحارسي السماوي! # 6 # صوت شمش ~~: # جلجاميش، كم يحزنني حالك! ها أنا ذا قريب منك أناديك وأجيب دعاءك: إلى أين ~~تمضي يا جلجاميش؟ إن الحياة التي تبحث عنها لن تجدها. # جلجاميش ~~: # تعلم أني قطعت البرية وحدي، انطفأت النجوم واحدا بعد الآخر، مرت علي ~~السنوات وأنا أبيت الليل في القفار. لا الشمس ولا القمر ولا النجوم طلعت علي ~~في ذلك النفق المعتم. دع عيني تراك يا شمش، دعني أشبع من سناك الوضاء. لقد ~~ذهب الظلام وتبدد، وها هو ذا النور الساطع يغمرني من كل ناحية، فمتى يكتب ~~للفاني أن ينظر في عين الشمس؟ أليس من حقي أن أبحث عن الحياة وأن أجدها إلى ~~الأبد؟ أم أن آخرة المطاف هي الرقاد في التراب؟ # شمش ~~: # الحياة التي تريدها أمامك وحولك يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # أريد الحياة الخالدة يا إلهي؛ الحياة التي لا تنتهي إلى تراب لا أصحو منه ~~أبدا. # شمش ~~: # هذه الحياة التي ms084 تسعى إليها لن تجدها. ألم أقل لك ذلك؟ # جلجاميش ~~: # أبتهل إليك. دلني على الطريق إلى أوتنابشتيم الخالد. # شمش ~~: # لتلتمس عنده الحياة التي لن تجدها؟ # جلجاميش ~~: # لأسأله عن سر الحياة والموت. وإذا لم أجده ... # شمش ~~: # إذا لم تجده؟ # جلجاميش ~~: # أرجع للبرية، أقطع الطريق مرة أخرى. # شمش ~~: # إلى أوروك يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # هناك أصلي لك في بيت آنو. أقدم لك الأضاحي وأسكب السكائب. # شمش ~~: # إذن فاذهب إلى سيدوري. # جلجاميش ~~: # سيدوري؟ # شمش ~~: # ساقية الحانة الإلهية على شاطئ بحر الموت. هنالك تسكن وتعيش بالقرب من بوابة ~~حديقة الآلهة المطلة على البحر. هنالك تحرس شجرة الحياة. # 7 # اذهب إليها في الحديقة التي تراها على البعد، وسوف تدلك على ~~الطريق إلى أوتنابشتيم. # جلجاميش ~~: # الحديقة البعيدة؟ أتكون هناك خلف الأشجار الشاهقة الضخمة؟ إلهي، إنها تتألق ~~أيضا بالجواهر والأحجار النفيسة ، والأرض التي تفترشها ظلالها تبدو كبساط من ~~الزمرد. ~~(يغذ السير نحو الحديقة) # ما ~~هذا؟ حتى الأشواك تتدلى منها اللآلئ والجواهر؟ ولم لا؟ ألم ينثر الآلهة ~~بذورها؟ ألم يعينوا سيدوري حارسة عليها؟ ~~(يسمع ~~رنين كئوس وأصوات غناء خافت من بعيد، نتبين منه أصداء من هذه الأغنية ~~التي يترنم بها صوت حزين وحنون) ~~: # متع نفسك ليل نهار. # اجعل أيام حياتك # عيدا تملؤه البهجة # والنشوة والأسمار. # متع نفسك ليل نهار. # جلجاميش ~~(مندفعا إلى مصدر الصوت) ~~: # سيدوري. سيدوري. سيدوري. # الراوية ~~: # سيدوري تجلس وحيدة على شاطئ بحر الموت، تحرس بوابة حديقة الآلهة وترعى ~~حانتهم وتسقيهم من خمرها المقدسة. يغطي جسدها ثوب طويل شفاف، ويطوق ~~خصرها حزام براق. تنشغل بتنظيم الدنان والأباريق وترتيب الكئوس، ثم ترجع ~~إلى مجلسها أمام البوابة التي تحرسها من اللصوص والمتطفلين، بينما تترنم في ~~صوت خفيض بالأغنية التي سمعناها، وتميل بين الحين والحين على كأس تشرب منها. ~~تسمع صوت خطى مسرعة، فترفع رأسها وتلمح القادم المندفع الذي يفتش عنها في ~~كل مكان وهو يهتف باسمها. ترى جلود الوحوش التي تكسو جسده المتسخ، وترتجف ~~خوفا من هيئته المرعبة. # سيدوري ~~(تكلم نفسها) ~~: # من هذا؟ أهو متجول وحيد تائه، أم لص وقاطع طريق ms085 متهور؟ يبدو من هيئته ~~المخيفة على صورة بطل له جسد إلهي، وإذا حكمت على وجهه من بعيد فقد سكن الهم ~~قلبه. إلى أين يذهب؟ ماذا يريد؟ لماذا يندفع بهذه السرعة؟ ولماذا يناديني ~~باسمي؟ فلأغلق الباب علي ولأحكم المزلاج. من يدري ماذا يحمل معه هذا الوحش ~~الإلهي البشري؟ ~~(تسرع بالاختفاء وإغلاق البوابة وشد ~~المزلاج، غير أن جلجاميش الذي رآها وسمع صوت الباب والمزلاج يرفع ذقنه إلى ~~أعلى، ويقترب من الباب الذي ثبت بصره عليه.) # جلجاميش ~~: # يا ساقية الحانة! يا ساقية الحانة! ماذا أنكرت مني حتى تغلقي الباب وتختفي ~~وراءه؟ ماذا رأيت حتى تحكمي إغلاقه بالمزلاج؟ ~~(يرفع ~~البلطة في يده ويضعها على الباب) # الباب سأحطمه! والمزلاج ~~سأكسره! # 8 # سيدوري ~~(من وراء الباب) ~~: # من أنت؟ إن منظرك مخيف. # جلجاميش ~~: # وهل ترينني من وراء الباب؟ # سيدوري ~~: # من حقي أن أعرف؛ فأنا أحرس بوابة حديقة الآلهة. # جلجاميش ~~: # وتسقينهم أيضا من خمر حانتك! # سيدوري ~~: # بشرط أن يكونوا من الآلهة! # جلجاميش ~~: # ألم تسمعي عن جلجاميش القادم من أوروك مسكن آنو كبير الآلهة؟ # سيدوري ~~: # جلجاميش؟ من هذا؟ # جلجاميش ~~: # البطل الذي ثلثاه إلهي والثلث الباقي بشري فان! # سيدوري ~~(لنفسها همسا وإن كان يسمعها بأذنه الملتصقة ~~بالباب) ~~: # نعم. نعم. أدركت هذا عندما نظرت إليك. قلت لنفسي: هذا جسد من لحم الآلهة وإن ~~غطته جلود الحيوانات الوحشية، وماذا تريد مني؟ # جلجاميش ~~: # لن تعرفي قبل أن تفتحي الباب؟ افتحي الباب! # سيدوري ~~: # وإلا حطمته ببلطتك، ومن يدريني أنك لست لصا أو قاتلا أو قاطع ~~طريق؟ # جلجاميش ~~: # افتحي الباب وانظري إلي. سترين المتجول الوحيد، من قطع الطرق الموحشة، ~~وارتقى الجبال الوعرة، وعبر الأنهار والبحار والسهول والمراعي والوديان. سترين ... # سيدوري ~~(تفتح الباب وتتأمله. يرى الكأس التي كانت تشرب منها في ~~يدها، تمدها إليه) ~~: # اشرب وسأعرف من أنت! # جلجاميش ~~: # قبل أن تريني وتسمعيني؟ # سيدوري ~~(تتملى وجهه ثم تقول) ~~: # آه! لم يبد الذبول على وجنتيك؟ لماذا انقبضت جبهتك وتجعدت؟ ولماذا ~~اكتأبت روحك وانحنى قوامك؟ هل سكن الألم فؤادك فبدوت كجوال تائه؟ لقد لفحت ~~الشمس والعاصفة وجهك وأحرقه ms086 البرد والهجير، فلماذا قطعت البرية واندفعت ~~إلي؟ # جلجاميش ~~: # كيف لا تذبل وجنتاي وتتجعد جبهتي؟ كيف لا يسكن الألم فؤادي ولا ينحني ~~قوامي؟ وكيف لا أبدو على هيئة متجول يجوب المسالك البعيدة؟ وكيف لا تحرق الشمس ~~والعاصفة والبرد والهجير وجهي؟ # سيدوري ~~: # لماذا يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # لأن أخي الأصغر، فهد البرية إنكيدو، لأن صديقي ورفيقي في الملمات ~~والمشقات، إنكيدو الذي أحببته، قد أدركه مصير البشر. إنكيدو الذي لازمني ~~ونحن نرتقي جبل الأرز، ونصرع خمبابا حارس الغابة، ونقبض على الثور الذي أنزلته ~~عشتار من السماء ونذبحه، صاحبي الذي ساعدني على قتل الأسود في ممرات الجبال، ~~وشاركني كل المتاعب وواجه معي الأخطار، صاحبي وأخي وحبيبي قد أدركه حظ البشر ~~الفاني. بكيت عليه ليل نهار ولم أسلمه للدفن عله من بكائي عليه يفيق. سبعة ~~أيام وسبع ليال بكيت عليه حتى هجم الدود عليه، وسقطت دودة من أنفه. منذ أن مضى ~~ما لي حياة. منذ أن ذهب وأنا أبحث عن الحياة ولا أجدها. هكذا رحت أجوب المراعي ~~والسهول كلص البرية. # سيدوري ~~: # أرأيت لماذا خفت منك؟ ~~(ترفع الكأس لحظة إلى فمها ~~وتمد يدها إليه فيشيحها بعيدا عنه.) # جلجاميش ~~: # قدر صديقي يرزح على صدري. كيف يمكنني أن أسكت؟ كيف يمكنني أن أصرخ؟ سيدوري! ~~أخي وصديقي صار ترابا. إنكيدو أصبح طينا من طين الأرض، جسده الذي طالما ~~عانقته ... ~~(تمد ذراعها بالكأس فيشيح بها بعيدا ~~عنه) # ألن أرقد مثله فلا أصحو إلى الأبد؟ سيدوري. # سيدوري ~~: # ماذا يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # إني أنظر إليك لكيلا أرى الموت الذي أخشاه. # سيدوري ~~: # ولو تذوقت هذه الكأس لما رأيته ولا خشيته. # جلجاميش ~~(بعد لحظات) ~~: # ماذا تفعلين هنا يا سيدوري؟ # سيدوري ~~(فجأة) ~~: # أعيش. # جلجاميش ~~: # وحياتك، هل تظنين أنها الحياة الخالدة؟ # سيدوري ~~: # لا أظن لأنني على يقين. # جلجاميش ~~: # تقولين إنها حياة الخلود؟ # سيدوري ~~: # لا أقولها، بل أشربها! # جلجاميش ~~: # ماذا تعنين؟ ابعدي هذه الكأس. # سيدوري ~~(ترفعها إلى فمها) ~~: # وهل أجد الحياة الخالدة إذا أبعدتها؟ إنني أذوق قطرات من رحيقها فأجد فيها ~~حياة الخلود. # جلجاميش ~~: # قلت لك الحياة الخالدة ms087 ولم أقصد ... # سيدوري ~~: # ولم تقصد لحظة الخلود؟ هل هذا ما يجعلك تبعد كأسي عنك؟ # جلجاميش ~~: # أقصد الحياة التي لا تعرف الموت، الحياة التي لا تنتهي في التراب. # سيدوري ~~: # انظر في الكأس ولن ترى الموت. تذوق قطرة ولن تخشى التراب. # جلجاميش ~~(يشيح بوجهه ويدير لها ظهره كأنه يتهيأ للانصراف) ~~: # لا. لا. ليس هذا هو الخلود، ليست هذه هي الحياة الخالدة التي أبحث ~~عنها. # سيدوري ~~(وهي تغني وترقص حوله) ~~: # جلجاميش. جلجاميش. # لم تتعجل سيرك؟ # أين تقود خطاك؟ # إن حياة تبحث عنها # لن تدركها # مهما حاولت. # لما خلق الآلهة البشر قديما # كتبوا الموت عليهم، # واحتفظوا في قبضتهم # بخلود يتحدى الحد، # ويوقف عجلات المولد والموت. # فاملأ بطنك. # متع نفسك ليل نهار، # واجعل أيام حياتك # أعياد البهجة، # وارقص والعب # يا جلجاميش ما شئت. # اخطر في ثوب زاه، # واغسل رأسك بالماء، # وضمخ جسدك بالزيت. # انظر للطفل الراقد بين يديك، # وأسعد زوجك في أحضانك، # ذلك هو حظ البشر، # وقسمتهم ما عاش الناس # وما عشت. # 9 ~~(تغني وترقص وهي تكرر بعض السطور السابقة.) # جلجاميش ~~: # لا. لا. لا أقدر أن أفعل هذا. ليست هذه هي الحياة التي أبحث عنها، ولا الطريق ~~الذي جئت لأسألك عنه. # سيدوري ~~: # أي حياة وأي طريق؟ # جلجاميش ~~: # الطريق إلى أوتنابشتيم. # سيدوري ~~(ساخرة) ~~: # أوتنابشتيم البعيد؟ أوتنابشتيم الخالد؟ # جلجاميش ~~: # نعم. نعم. جدي أوتنابشتيم. دليني على الطريق إليه، صفيه لي، أعطني علامة ~~ترشدني إليه، إذا استطعت عبرت البحر إليه وإذا لم أستطع ... # سيدوري ~~: # لا موضع تعبر منه يا جلجاميش، ولا استطاع أحد منذ الأزمنة القديمة أن يعبر ~~هذا البحر الذي لا يقدر على عبوره إلا شمش البطل. # إن الطريق إليه شاق، ومياه الموت العصية تحول بينك وبينه، من أي مكان ~~ستجتاز هذا البحر يا جلجاميش؟ وماذا ستفعل إذا تمكنت من اجتيازه؟ مع ذلك يا ~~جلجاميش ... # جلجاميش ~~: # مع ذلك ...؟ # سيدوري ~~(يائسة) ~~: # عندك أورشنابي، ملاح سفينة أوتنابشتيم، ستجده في الغابة يقطف الثمار ويجمع ~~الأعواد. # حاذر أن تتعثر في الصور الحجرية التي معه؛ فبغيرها لا تتحرك السفينة. ~~حاول أن تلقاه وتتفاهم ms088 معه. ربما استطعت أن تعبر معه بحر الموت، فإذا لم ~~تستطع فارجع أدراجك. # جلجاميش ~~: # سأرجع إلى البرية. # سيدوري ~~: # بل إلي يا جلجاميش لتجد الحياة. ~~(تمد إليه الكأس وهي تترنم ببعض سطور الأغنية السابقة فينصرف ~~عنها ساخطا.) # جلجاميش ~~: # ليست هذه هي الحياة التي أبحث عنها. # سيدوري ~~: # جلجاميش. # جلجاميش ~~: # قلت لك ليست هذه هي الحياة التي أبحث عنها. ~~(يرفع بلطته في يده، يجرد سيفه من حزامه، ويندفع للخروج وهو ~~يدمدم غضبا.) # سيدوري ~~(خائفة) ~~: # إذن فارجع إلى أوروك. ~~(ينصرف منفعلا وهو ينادي): «يا أورشنابي الملاح!» ~~ترفع سيدوري الكأس إلى شفتيها وتجرعه على مهل، ثم تردد بعض سطور الأغنية ~~التي سمعناها وهي تشيعه بازدراء ~~: # متع نفسك ليل نهار. # أسعد زوجك في أحضانك. # آه! ليتك ترجع إلي أو إلى وطنك أوروك! ~~(يتردد نداء جلجاميش على أورشنابي الملاح.) ~~(إظلام) ~~(على أطراف الغابة، جلجاميش مندفع غاضب، وفي يده البلطة ~~والسيف.) # جلجاميش ~~: # أورشنابي! أنت أيها الملاح! ~~(ينهال في ثورة غضبه على بعض الرقم أو الصور ~~الحجرية التي يجدها في طريقه تكسيرا وتحطيما.) # 10 # إنني أسمعه ولا أراه. وها أنت ذي تحولين بيني وبينه. ~~(يحطم الصور الحجرية) ~~: أنت أيها ~~الملاح! # قالت حارسة الحانة إنه يحتطب في الغابة ويجمع الأعشاب والثمار. # كيف أسمح له بتعطيل طريقي إلى جدي الخالد؟ # أورشنابي ~~: ~~(يظهر بين الأشجار ويرى البلطة في يده والشرر في ~~عينيه ويقول لنفسه) ~~: آه! طائش جديد؟ ~~(لجلجاميش) ~~: أراك تتعجل الوصول إلى جزيرة ~~الحياة؟ # جلجاميش ~~: # وإلى الخلود الذي فاز به جدي أوتنابشتيم. # أورشنابي ~~: # خلود الجد الخالد؟ نفس القصة! اسمي أورشنابي، ملاح سفينة أوتنابشتيم. ~~ما اسمك أنت؟ # جلجاميش ~~: # جلجاميش، من أوروك ذات الأسوار والأسواق من بيت إله الأفق العالي آنو. ~~مضيت عبر المهالك والأخطار. عانيت الجوع والظمأ، وجربت الموت والظلام، ~~حتى دلتني ساقية الحانة عليك. # أورشنابي ~~: # سيدوري؟ ليتك بقيت عندها لتجرب الحياة! # جلجاميش ~~: # الحياة التي عندها ليست هي الحياة التي أبحث عنها. # أورشنابي ~~: # ولذلك خرجت من عندها وأنا واقف على بابها لا أستطيع الدخول. # جلجاميش ~~: # وأنا واقف أمامك لتدلني عليه. # أورشنابي ~~: # وتجرب الموت ms089 والظلام من جديد؟ # جلجاميش ~~: # ماذا تعني؟ أريد أن أصل إلى جدي أوتنابشتيم. # أورشنابي ~~: # لتجد الحياة والخلود لديه؟ # جلجاميش ~~: # وأسأله عن معنى الحياة والموت. هيا لا تضيع وقتي! # أورشنابي ~~: # أنا الذي أضيعه؟ كانا بين يديك في بستان الآلهة وحانة سيدوري، لماذا ~~تركتهما أيها الحفيد السعيد؟ # جلجاميش ~~: # هل تجرؤ أن تسخر مني؟ ألأن وجهي ... # أورشنابي ~~: # أنا لا أسخر إلا من نفسي، ولكن لماذا أرى الذبول على وجنتيك، والتجاعيد ~~على جبهتك؟ ولماذا ران الكمد على قلبك، وأحرق وجهك برد الليل وحر الشمس، ~~حتى أصبح شبيها بوجه متجول شريد؟ # جلجاميش ~~: # كيف لا تذبل وجنتاي وينقبض قلبي؟ كيف لا يحرق البرد والحر وجهي ولا أهيم ~~في البراري؟ إن صديقي إنكيدو، فهد البرية وحمار الجبل الوحشي، من لازمني ~~في كل المصاعب والمهالك، فقتلنا معا ثور السماء، وصرعنا خمبابا الذي يسكن ~~غابة الأرز، وقضينا على الأسود في مسالك الجبال. صديقي الذي أحببته فوق كل ~~الحدود وشاركني في كل المشقات، قد عاجله حظ البشرية. # أورشنابي ~~: # وماذا في هذا؟ هل حسدته على حظه؟ # جلجاميش ~~(مواصلا كلامه) ~~: # بكيت عليه ستة أيام وسبع ليال. لم أوافق على دفنه في التراب؛ لعل بكائي ~~أن يوقظه من نومه. # أورشنابي ~~: # يوقظه من نومه؟ # جلجاميش ~~: # حتى هجم الدود على وجهه، فأصابني الرعب من منظره، واشتد علي الخوف من ~~الموت، فهمت على وجهي في البرية. إن مصيره يرزح على صدري؛ فصديقي، من ~~أحببت كثيرا، قد صار ترابا. صديقي، من أحببت كثيرا، قد صار ترابا. ألن ~~أرقد مثله في التراب فلا أنهض أبدا؟ أيكون مصيري كمصيره؟ # أورشنابي ~~: # لهذا تسعى إلى جدك الخالد ليرزح مصيره على صدرك؟ ~~(يضحك.) # جلجاميش ~~(بغير أن يفهم) ~~: # والآن بعد أن عرفت يا أورشنابي، كيف الطريق إليه؟ ما العلامة التي ~~تدلني عليه؟ أرجوك أعطني العلامة! إذا استطعت عبرت البحر إليه، وإذا لم ~~أستطع همت على وجهي في البرية. # أورشنابي ~~: # وكيف تستطيع وقد حطمت الصور الحجرية؟ يدك هي التي حالت بينك وبين ~~عبوره. # جلجاميش ~~: # أتوسل إليك. # أورشنابي ~~: # هذه البلطة التي في يدك، خذها يا جلجاميش ms090 وارجع للغابة. اقطع مائة ~~وعشرين عودا طول كل منها ستون ذراعا. اصقلها واصفح أطرافها ثم جئني ~~بها. سأجهز السفينة ريثما تحضر، ثم ندفعها على الأمواج وننطلق بها إلى ~~مياه الموت. ~~(جلجاميش ينحدر مسرعا إلى الغابة ويقتطع ~~الأعواد المطلوبة، ويصقلها ويصفح أطرافها لتصلح للتجديف، بينما يواصل ~~أورشنابي كلامه.) # ما دمت مصرا؟ هذا شأنك. ستكون أول بشر يعبر مياه الموت، وسيكون علي ~~أن أرجع بك. آه لو سمعت نصيحتي! لو كنت مكانك! لكنك بشر لا يتعلم إلا بعد ~~أن يجرب، ومهما جرب لا يتعلم، فلأجرب أنا أيضا. لقد تعبت من نقل ~~الآلهة إلى هنا، يدخلون بستانهم ويتركونني. تعبت من رؤيتهم من وراء السور ~~وهم يأكلون ويشربون في حانة سيدوري. آه يا سيدوري! وأنت أيضا لا تتعلمين. ~~ألم تملي من الخالدين؟ ألا تحنين لبشر يحبك ويحن إليك. ودائما من ~~وراء السور؟ هل يمكن أن تفهم يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~(عائدا يحمل الأعواد) ~~: # فهمت يا أورشنابي، وهذه هي المائة والعشرون. # أورشنابي ~~: # اغرز واحدا منها في أعماق الماء. اغرزه بكل قوتك. ~~(جلجاميش يفعل ما يأمره به.) # أورشنابي ~~: # لكن حذار أن تلمس يدك الماء وإلا مت على الفور. اغرز عودا ثانيا. ألا ~~يستحق الخلود هذا الجهد؟ وعودا ثالثا. هيا يا جلجاميش! وثالثا ~~ورابعا. جدك ينتظر هناك، لكن هل ينتظرك أنت؟ آه! وعودا خامسا وسادسا. ~~أبدا لم يزره أحد من البشر؛ ولذلك لا ينتظر أحدا ولا شيئا. والسابع ~~هيا والثامن، ادفعه بكل قوتك إلى عمق الماء. سيعاقبني حتما حين يراك، ~~لكن كيف يكون عقابه؟ والتاسع والعاشر، لا تيئس، لا تتململ؛ فالملل هناك ~~وفير، والعدم كذلك يا جلجاميش. هيا كي تصل إليه. اغرز فيه التاسع أيضا، ~~والعاشر والحادي عشر بقوة. ستعانقه حتى تفنى فيه ويفنى فيك، ستقول لنفسك: ~~ليتني سمعت كلامك يا أورشنابي! ليتني استجبت لك يا سيدوري! ادفع الثاني عشر ~~ثم الثالث عشر، ادفعه إلى الأعماق بقوة. آه يا سيدوري! أأموت ولما أتذوق ~~كأسك؟ والرابع عشر والخامس عشر، اغرزه، اغرزه وحاذر أن تلمس يدك الماء. ~~لو كنت مكانك ms091 لشربت ومت. والسادس عشر والسابع عشر. وستشبع من هذا الموت ~~الميت وتلح علي: عد بي للموت الحي! وإذا خفت سآخذه من يد سيدوري بدلا ~~عنك. والثامن عشر والتاسع عشر، لكن آه! بعد فوات الوقت، بعد فوات الوقت. ~~والعشرين اغرزه بقوة، ادفعه لقلب الأعماق، وتكتمل المائة والعشرون. ها هي ~~ذي اكتملت، لم تبق سوى خطوات، ما أروع هذا منك! نفدت منك الأعواد وها أنت ~~تفك حزامك، تخلع جلد الأسد وتصنع منه شراعا. والشاطئ يقترب، اقترب. وها ~~هو أوتنابشتيم الخالد، ينظر ناحيتك، يعجب، ويشير إليك. اسمعه، سينادي ~~الآن عليك. # أوتنابشتيم ~~: # من هذا القادم مع أورشنابي؟ ماذا يطلب مني؟ # 11 # وبأي حق ركب سفينتي؟ هل هو إنسان؟ لا. لا. لم يسبق أن وصل ~~إنسان إلي. عجبا! إنه يشبهني. أنت أيها الغريب! ما الذي جاء بك؟ لماذا ~~تعبر بحر الموت إلي؟ اذكر اسمك. أنا أوتنابشتيم الخالد، من أعطاه الآلهة ~~حياة الخلد. ماذا تبغي؟ من هذا يا أورشنابي؟ # أورشنابي ~~(ينادي على البعد) ~~: # هو من نسلك وحفيدك. تكلم يا جلجاميش! # أوتنابشتيم ~~: # ولماذا اختفت الصور الحجرية؟ # أورشنابي ~~: # اسأل بلطته عنها، من شدة لهفته لك حطمها. # أوتنابشتيم ~~: # كيف يحطمها؟ كيف سمحت له أن يفعل هذا؟ # أورشنابي ~~: # تكلم يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # اسمي جلجاميش، جئت إليك من أوروك ذات الأسوار والأسواق، قطعت طريقا ~~بعيدا إليك، وها أنا أراك أخيرا، يا أوتنابشتيم البعيد. # أوتنابشتيم ~~: # وأنا أراك كما تراني، لكن لماذا ذبلت وجنتاك وشحب وجهك؟ لماذا نفذ الكمد ~~إلى قلبك وتغشى الأسى وجدانك، فبدوت كجواب أحرق البرد والحر وجهه ~~وانطلق يهيم في البراري؟ # جلجاميش ~~: # كيف لا تذبل وجنتاي وينقبض وجهي؟ كيف لا يغشى الأسى فؤادي، وتضمر ~~قسماتي، وأشبه جواب البراري الذي أحرق البرد والحر وجهه؟ إن صديقي ~~إنكيدو، فهد البرية وحمار الجبل الوحشي، من لازمني في المصاعب والمشاق، ~~فارتقينا الجبال وقتلنا ثور السماء، وصرعنا خمبابا الذي يسكن غابة الأرز، ~~وقضينا على الأسود في مسالك الجبال، صديقي إنكيدو الذي أحببته فوق كل ~~الحدود، وعبر معي كل المهالك؛ قد أدركه حظ البشر وقسمتهم. بكيت ms092 عليه ستة ~~أيام وسبع ليال، لم أوافق على دفنه في التراب، حتى هجم الدود على وجهه، ~~داهمني الرعب من منظر صديقي، واشتد علي الخوف من الموت، فانطلقت جريا ~~في البراري. ظل مصير صديقي يرزح فوق صدري، حتى قطعت الطريق البعيد في ~~البرية. آه! صار صديقي وحبيبي ترابا، كيف تراني أسكت أو أصمت؟ إنكيدو صار ~~ترابا، أولن أرقد مثله في التراب فلا أصحو أبدا؟ ~~(فترة صمت.) # أوتنابشتيم ~~: # أكمل يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # ولكي أصل إلى أوتنابشتيم الذي يسمونه البعيد، رحت أجوب البلاد، وأجتاز ~~الجبال الوعرة، وأعبر كل البحار. لم ينعم وجهي بالنوم الحلو، أتلفت نفسي ~~بالأرق، وأسكنت الوجع في أعضائي، وقبل أن أبلغ بيت ساقية الحانة كانت ثيابي ~~قد أصبحت مزقا بالية، وكنت قد قتلت الدب والضبع، والأسد والفهد، والنمر ~~والأيل والوعل، ووحوش البرية وحيوان الفلاة. قتلتها، وأكلت لحومها، واكتسيت ~~بجلودها. # 12 ~~(أوتنابشتيم يتفكر طويلا حتى ليبدو ~~كالغارق في النوم، ثم يشير لجلجاميش أن يتقدم منه.) # أوتنابشتيم ~~: # تقدم يا جلجاميش! تقدم! أما أنت فلا. # أورشنابي ~~: # سيدي الخالد ... # أوتنابشتيم ~~: # أنت مطرود. اذهب يا أورشنابي! # أورشنابي ~~(في فرح ظاهر) ~~: # هل قلت اذهب؟ هل قلتها؟ # أوتنابشتيم ~~: # اذهب مطرودا من الشاطئ؛ عسى ألا يرحب بمقدمك المرفأ، وليبرأ منك موضع ~~العبور. تقدم أنت. تقدم يا ولدي. # أورشنابي ~~(ساخرا) ~~: # أنا يا جدي الخالد؟ # أوتنابشتيم ~~(غاضبا) ~~: # قلت اذهب مطرودا من هذا الشاطئ. ~~(أورشنابي ~~يدير ظهره ويتهيأ للانصراف) # بل انتظر. انتظر. انتظر لترجع من ~~حيث أتيت. # أورشنابي ~~: # إلى شاطئ بحر الموت؟ قريبا من سيدوري؟ من بستان الآلهة؟ # أوتنابشتيم ~~: # قلت انتظر أيها المطرود إلى الأبد. انتظر أوامري وتعليماتي. # أوتنابشتيم ~~(فرحا يرقص ويغني لنفسه) ~~: # مطرودا وإلى الأبد؟! # من هذا السأم الأزلي بأرض الخلد؟ # من خدمة أوتنابشتيم الخالد؟ # من جنة هذا العدم الراكد؟ # شكرا يا أوتنابشتيم الخالد! # شكرا وانعم بخلودك وحدك. # سيدوري يا سيدوري! # ما أقسى بعدك! # آه يا جلجاميش لو تصدق وعدك، # وأعيدك لأوروك ذات الأسوار، # وأحتفل بنصرك وأبارك مجدك! ~~(يختفي أورشنابي مؤقتا من المكان. يسمع صوت أوتنابشتيم ~~وهو ينادي من بعيد): ms093 # أوتنابشتيم ~~: # تقدم يا جلجاميش! أنا وزوجي في انتظارك. تعال لأفضي لك ~~بالسر. ~~(إظلام وستار.) # الفصل الثامن # | لقاء مع أوتنابشتيم وأخبار الطوفان عودة جلجاميش بالنبتة # (يتقدم جلجاميش حذرا من مرقد أوتنابشتيم الذي يتمدد على ظهره كجثة ~~مريض مخدر، وهو عجوز نحيل، ينبعث صوته كصفير الريح بين أعواد القصب.) # أوتنابشتيم ~~: # تريد الدوام والثبات؟ تعال يا ولدي. ~~(مناديا ~~زوجته) ~~: تعالي أنت أيضا يا زوجتي، تعالي لتري القادم إلينا من ~~بحر الزوال والموت. # الزوجة ~~: # إلينا نحن؟ نحن الأسماك الملقاة على رمل الأبدية؟ # أوتنابشتيم ~~: ~~(لجلجاميش) # جئت تبحث عندي عن الحياة؟ # الزوجة ~~: ~~(بعد أن تنظر طويلا إلى جلجاميش) # يبحث عندك ~~أنت عن الحياة؟ # أوتنابشتيم ~~: # انتظري يا زوجتي. تكلم يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # قلت لنفسي بعد أن أدرك أخي وصديقي حظ البشر: فلأذهب إلى جدي ~~أوتنابشتيم. # الزوجة ~~(مقاطعة) ~~: # جدك أوتنابشتيم، انظر إليه يا ولدي. # أوتنابشتيم ~~(غاضبا) ~~: # قلت انتظري يا امرأة. أكمل يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # فلأذهب لأوتنابشتيم البعيد، الذي باركته الآلهة ووجد الحياة. # الزوجة ~~(بازدراء) ~~: # باركته الآلهة وباركتني معه! نعم. نعم. # أوتنابشتيم ~~(ينظر إليها شزرا) ~~: # وآسفاه! حتى الأبدية لا تسكت لسان امرأة ولا تغلق فمها! ثم ماذا يا ~~جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # وهكذا غادرت أوروك وطفت البلاد. قطعت الطرق البعيدة، تسلقت الجبال ~~الوعرة. عبرت الأنهار والبحار. جعت وطعمت زاد الألم. عطشت وشربت كئوس العذاب. ~~صوبت سهامي للوحش السادر في البرية وتغذيت بلحمه، وكسوت الجسد المعتل ~~بجلده، حتى وصلت قدماي إلى حافة بحر الموت. هناك رأيت سيدوري. رقصت، غنت، ~~مدت يدها بالكأس. # الزوجة ~~(صائحة) ~~: # سيدوري ساقية الحانة؟ ما أسعدها بالخمرة وغناء الكأس! # أوتنابشتيم ~~: ~~(ينظر إليها في غضب) # أكمل يا ~~جلجاميش! # جلجاميش ~~: # لتهدم حانتها ولتنسكب الخمرة في جوف البحر! ولتهجم أرواح الموتى من أعمق ~~ظلمات الأرض فتلتهم اليابس والأخضر! # الزوجة ~~: # إلى هذا الحد تريد الخلود؟ ألم تجد الحياة لديها؟ # جلجاميش ~~: # لم تكن هي الحياة التي أبحث عنها، لم تكن هي الحياة التي فزت بها يا ~~أوتنابشتيم. أتوسل إليك؛ دلني عليها! دلني عليها! # أوتنابشتيم ~~: # أية حياة تقصد يا ولدي؟ # جلجاميش ~~: # الحياة بلا موت، ولا ms094 ألم، ولا ظلام. الحياة ... # الزوجة ~~(تقاطعه) ~~: # مثل حياتي وحياتك يا زوجي الخالد؛ بلا موت ولا ألم ولا ظلام، بلا حياة ولا ~~فرح ولا نور. # جلجاميش ~~: # أريد الحياة التي لا تنتهي إلى التراب؛ التراب الذي أهيل على أخي وصديقي ~~ولن ينهض منه أبدا ~~(يبكي) ~~. # الزوجة ~~: # تريدها لنفسك يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # ولشعبي في أوروك، ولكل إنسان. # الزوجة ~~: # حقا! حقا! لشعبك في أوروك، ولكل إنسان. # أوتنابشتيم ~~: # يا ولدي كف عن الشكوى ودع السخط. # آه ما أقسى الموت! # قدره آلهة الكون على البشر، # ولن ينعم بخلود # إنسان فان قط. # جلجاميش ~~(لنفسه) ~~: # آه من هذا الملل القاتل! # هل جئت لأسمع من جدي الكامل # حكمة رجل فاشل؟ # أوتنابشتيم ~~(مواصلا) ~~: # تبغي للحي دواما؟ # هل دام الحال لحي؟ # هل نبني بيتا للأبد، # ونختم عقدا، # أو نبرم عهدا لا يمحى؟ # هل يقتسم الإخوة ميراثا يبقى؟ # أم يبقى الحقد بقلب الحاقد لا يفنى؟ # أتدور الدورة حتما، ويفيض النهر # ولا يخلف وعدا؟ # واليعسوب الأعمى # إن أبصر ضوء الشمس # ألا يلقى حتفه؟ # أيرفرف كيلولو أو كيرريبا # 1 # في ظل ربيع لا يذبل يوما؟ # أم تنظر وجه الصبح الناصع # عيناه دوما؟ # منذ القدم وليس هناك ثبات. # ليس هناك خلود. # منذ القدم وللأبد. # كم يشبه وجه النائم وجه الميت في اللحد! # من سيميز - إن وافى الأجل الفاجع - # بين السيد والعبد؟ # منذ تشاور جمع الآلهة العظمى # قسمت «مامتوم» # 2 # سيدة القدر الكبرى # حظ الانسان. # ولكن لم تكشف أبدا عن يومه؛ # ولذلك غاب # وسوف يغيب دواما عن علمه. # جلجاميش ~~: # هل جئت لأسمع هذا منك؟ إنني أنظر الآن إليك فلا أراك تختلف عني؛ فأنت تشبهني ~~كما يشبه الوالد ولده، وقسمات وجهك مثل قسمات وجهي، تصورتك بطلا متهيئا ~~للمعركة، وجئت إليك وقلبي مصمم على الصراع معك، وها أنا أجدك راقدا في هدوء ~~على ظهرك. قل لي: كيف دخلت مجمع الآلهة؟ كيف فزت بالحياة الخالدة؟ # أوتنابشتيم ~~: # سأكشف لك يا جلجاميش عن أمر خفي، سأطلعك على سر من أسرار الآلهة، لا شك أنك ~~تعرف مدينة شورباك # 3 # على شاطئ الفرات، ms095 كانت هذه المدينة قد ألمت بها الشيخوخة كما ~~شاخت الآلهة التي تعيش فيها. ولما فاحت رائحة الفساد بين أهلها وارتفع ضجيجهم ~~في أسماع الآلهة، صمموا على تسليط الطوفان عليها، واجتمعوا للتشاور فيما ~~بينهم: أبوهم «آنو» إله السماء العالية، «إنليل» البطل رب العواصف العاتية، ~~«ونينورتا» رب السدود والقنوات، و«آيا» رب الحكمة والمياه العذبة. واتفق الآلهة ~~على إفناء البشر، غير أن «آيا» الذي أقسم على الوفاء للبشرية حذرني في الحلم ~~وهمس لبيتي بما دار بينهم ~~(يقلد صوت آيا وهو يهمس ~~لكوخ القصب وجدرانه) ~~: يا كوخ القصب! أيها الجدار! أنصت يا كوخ ~~القصب! وافهم يا جدار! يا رجل شورباك! يا ابن أوبار-توتو، # 4 # اهدم بيتك وابن سفينة، ازهد في الثروة وانج بنفسك، اهجر ~~ممتلكاتك، أنقذ روحك! واحمل في فلكك بذرة كل حياة! اجعل عرضها مساويا ~~لطولها، وغطها بسقف يشبه سقف الآبسو. # 5 # سمعت ما قاله آيا وفهمته، ثم قلت: سأفعل يا مولاي ما أمرتني به، ~~ولكن ماذا أقول للمدينة وشعبها وشيوخها؟ فتح آيا فمه وقال لعبده: قل لهم لقد ~~علمت أن إنليل غاضب علي؛ ولهذا حرم علي أن أعيش في مدينتكم، ولن يسمح لي ~~بأن أمشي على أرضه، سأهبط لهذا السبب إلى بحر المياه العذبة حيث أعيش مع ربي ~~وإلهي آيا، وسيمطركم ربي خيرات وطيورا وأسماكا وفيرة، ويهبكم من الحصاد ~~ثروة لا تنفد، ويرسل عليكم البقول في الصباح، ويمطر عليكم القمح في المساء. ~~وما إن لاحت تباشير الفجر حتى تجمع الناس من حولي، بعضهم قدم الأضاحي من ~~الشياه المنتقاة، والبعض الآخر أحضر معه أغنام البرية، والأطفال حملوا معهم ~~القار، والأقوياء من الرجال جلبوا معهم كل ما يلزم. # جلجاميش ~~: # وخدعتهم يا جدي أوتنابشتيم؟! هل تعترف بخطئك في حق الناس؟ # أوتنابشتيم ~~: # وأي خطيئة ارتكبتها يا ولدي لإنقاذ الحياة؟ في اليوم الخامس صممت هيكل ~~السفينة، جعلت مساحة سطحها حقلا واحدا، # 6 # وارتفاع جدرانها مائة وعشرين ذراعا. ثم أكملت شكلها الخارجي على ~~هذه الصورة؛ صنعت فيها ستة طوابق، وقسمتها إلى سبعة أدوار، والأرضيات إلى ~~تسعة، وثبتها من ms096 الوسط بمصدات المياه. زودتها بالمجاديف وخزنت فيها ~~المؤن، وسكبت في الفرن ست وزنات من القار، وثلاث وزنات من الأسفلت. أحضر حملة ~~السلال وزنات من الزيت، استهلك الطحين واحدا منها، وخزن ملاح السفينة ~~اثنتين. ذبحت للناس عجولا، ورحت أنحر الخراف كل يوم، وسقيت الصناع العصير ~~ونبيذ السمسم والزيت والخمر، # 7 # فأقبلوا عليها كأنهم يشربون من نهر جار، ويحتفلون بعيد من أعياد ~~رأس السنة. واكتملت السفينة في اليوم السابع مع غروب الشمس، # 8 # فحملتها بكل ما أملك من فضة وذهب ومن بذور كل كائن حي، ثم أدخلت ~~إليها كل أهلي وأقاربي، ووحوش البرية وحيوانها، وجميع أصحاب الحرف والصنائع ~~جعلتهم يدخلون. كان شمش # 9 # قد حدد لي مهلة معينة، وقال لي: «سأرسل في الصباح بقولا، ~~وفي المساء مطرا من القمح، عند ذلك ادخل السفينة وأغلق بابك.» رحت أقلب ~~بصري في الأفق وأراقب أحوال الطقس، وعندما حل الموعد الذي ضربه الإله ونصب ~~المساء خيمته، أرسل «حدد» # 10 # رب العاصفة مطرا مخيفا. نظرت إلى الأفق ففزعت، ودخلت السفينة ~~وأغلقت الباب، ثم أسلمت قياد الفلك بكل ما فيه من متاع لملاح الدفة ~~بوزر-أموري. # 11 # وما إن لاح أول ضوء حتى ارتفعت في السماء سحابة كثيفة السواد ~~يركبها حدد ويرعد فيها ويبرق، يتقدمه رسولا العاصفة «شولات» و«خانيش» اللذان ~~انطلقا فوق التلال والجبال والسهول. اقتلع «أرجال» الدعائم # 12 # وفتح نينورتا السدود، فسالت المياه من الخزانات. رفع الآنوناكي، ~~قضاة الجحيم السبعة، مشاعلهم عاليا ليحرقوا الأرض بوهجها المرعب، وغشى ~~السماء الضيق والحصر لما أحال «حدد» كل نور إلى ظلام، وتحطمت الأرض الشاسعة ~~كما تتحطم قدر الفخار، هبت العاصفة الجنوبية يوما بأكمله، وأخذت تتدافع ~~مسرعة حتى أغرقت المياه الجبال، وداهم مدها البشر فأتى عليهم كالحرب المهلكة. ~~لم يستطع أحد أن يتعرف على أحد، ولم يعرف الأخ أخاه، ومن السماء لم يظهر أثر ~~لأبناء البشر، وذعر آلهة بابل من هذا الطوفان فلجئوا إلى سماء آنو، وأقعوا ~~عند الجدران كالكلاب المرتعدة، وصرخت عشتار سيدة الآلهة ذات الصوت العذب كما ~~تصرخ امرأة في المخاض: ms097 # عشتار ~~(أو صوتها) ~~: # ويلي! يا ويلاه! ليت هذا اليوم صار إلى الوحل والطين! # 13 # كيف أمكنني أن أوصي بهذا الشر في مجمع الآلهة؟ كيف أمرت بتسليط ~~الحرب على البشر لتفتك بهم؟ ألست أنا التي أنجبت أحبابي من الناس؟ وهل أنجبتهم ~~لكي يملئوا البحر كصغار الأسماك؟ # أوتنابشتيم ~~(مواصلا كلامه) ~~: # وبكى معها الآلهة الكبار. # 14 # انكفئوا في مجلسهم وأخذوا ينوحون بشفاه جافة. ستة أيام وست ~~ليال والرياح تواصل هبوبها، والطوفان والعاصفة الجنوبية يجتاحان الأرض، حتى ~~إذا جاء اليوم السابع خفت وطأة الحرب التي شنها الطوفان والعاصفة، بعد أن ~~أطاحت بما حولها كامرأة في المخاض. هدأ البحر وسكنت أمواجه، وخمدت العاصفة ~~وتراجع الطوفان. عندئذ فتحت الكوة فسقط الضوء على وجهي، وتطلعت أبحث عن ~~اليابسة فلم أجد غير السكون الشامل من حولي، والبشر جميعا قد تحولوا إلى ~~طين، والسطح المنبسط أمامي مستو كأسطح البيوت. ركعت على قدمي وبكيت، جرت ~~الدموع على وجهي وبكيت. ~~(يحاول عبثا أن يبكي، تقف ~~زوجته غاضبة وهي تصيح) ~~: # الزوجة ~~: # ابك يا أوتنابشتيم! حاول أن تبكي على نفسك وعلي! # أوتنابشتيم ~~(صارخا) ~~: # ومن أين لي بالدموع؟ هل نسيت أنني خالد؟ إنك أيضا خالدة مثلي؟ # الزوجة ~~: # لم أنس أننا تحولنا إلى طين. # أوتنابشتيم ~~: # لو حدث هذا لما عجزت عن إسكاتك منذ أن انحسر الطوفان. ذكرني يا ~~جلجاميش. # ماذا كنت أقول؟ # جلجاميش ~~(متفكرا) ~~: # أجل. أجل. كنت تبكي على البشر الذين تحولوا إلى طين. # أوتنابشتيم ~~: # وما زلت أبكي يا ولدي، لكن بلا دموع. ~~(مواصلا ~~حكاية الطوفان) # مددت بصري إلى تخوم البحر مستطلعا الشواطئ. ~~برزت جزيرة على بعد اثنتي عشرة ذراعا مضروبة في اثنتي عشرة. واقتربت السفينة ~~من جبل نصير # 15 # الذي أمسك بها فاستقرت عنده ولم تهتز. أمسك بها الجبل ومنعها من ~~الاهتزاز يوما ويوما ثانيا، أمسك بها ومنعها من الاهتزاز يوما ثالثا ~~ورابعا، أمسك بها ومنعها من الاهتزاز يوما خامسا وسادسا. وعندما أقبل اليوم ~~السابع أتيت بحمامة وأطلقتها. طارت الحمامة بعيدا ثم رجعت، لم تر عينها ~~مكانا تستقر فيه فعادت أدراجها. أتيت بعصفور سنونو ms098 وأطلقته. طار السنونو ~~بعيدا ثم رجع، لم تر عينه موضعا يستقر فيه فعاد أدراجه. أتيت بغراب وأطلقته. ~~طار الغراب كذلك بعيدا، ولما رأى الماء قد انحسر، أخذ يأكل ويحوم وينعب ثم لم ~~يرجع. تركت الجميع # 16 # ينطلقون لجهات الريح الأربع وقدمت أضحية. أقمت وليمة قربان سكبت ~~فيها الخمر على قمة الجبل، ووضعت سبعة مراجل وسبعة أخر، أفرغت في أوعيتها ~~أعواد القصب وخشب الأرز والآس. شمت آلهة بابل الرائحة الزكية، فتجمعت ~~حشودها كالذباب حول الضحية والمضحين، ولما أن حضرت «عشتار» سيدة ~~الآلهة # 17 # رفعت عقدها الكريم الذي صنعه لها «آنو» ليدخل السرور على قلبها، ~~وصاحت قائلة ~~(تظهر عشتار سيدة الآلهة على أحد مستويات ~~المسرح الأخرى ويسلط الضوء عليها، ثم يتوالى ظهور «إنليل» رب العاصفة ~~الغضوب، و«آيا» رب الحكمة والمياه العميقة وصديق البشر، ونينورتا إله ~~السدود والقنوات، وأوتنابشتيم وزوجته) ~~: # عشتار ~~(ترفع العقد في يدها) ~~: # أيها الآلهة الحاضرون جميعا، بحق هذا العقد الكريم، وبحق أبي آنو الذي أهداه ~~إلي، أبدا لن أنسى هذه الأيام المخيفة، كما لن أنسى اللازورد واللؤلؤ ~~الإلهي الذي يلتف على جيدي، أبدا لن أنساه أبدا. فليأت الآلهة جميعا إلى ~~هذه الوليمة، ولنبتهج بإنقاذ الحياة. أما إنليل فليس له أن يحضرها، ليس له أن ~~يذوق طعامها أو يشرب من خمرها. محال أن نراه معنا بعد أن سلط الطوفان على ~~الأرض بغير تدبر، وحكم على أبنائي البشر بالموت والهلاك. ليس من حقه أن ~~يشاركنا هذه الوليمة. # إنليل ~~(في غضب بعد أن سمعها وهو يتلفت حوله) ~~: # ما هذا الذي أسمعه من سيدة الآلهة؟ كيف نجت هذه السفينة بمن فيها من لعنتي؟ ~~ألم يصدر حكمي على البشر جميعا؟ ألم آمر بإهلاكهم عن آخرهم؟ كيف نجا هؤلاء من ~~عقابي؟ # نينورتا ~~(متلطفا) ~~: # رويدك يا سيد العواصف والأرضين! أطلقت رياح الغضب على الأرض ومن فيها. دعها ~~الآن لتسكن فوق ذرى جبل الحكمة. # إنليل ~~(غاضبا) ~~: # ماذا تقصد بجبل الحكمة؟ # نينورتا ~~(مشيرا إلى رب الحكمة آيا) ~~: # ها هو ذا قادم. # الجميع ~~: # آيا؟ # أوتنابشتيم وزوجته ~~(هامسين) ~~: # صديق البشر. # نينورتا ms099 ~~: # من وهب التدبير مع الحكمة غيره؟ من يعرف سر الأشياء سواه؟ # إنليل ~~: # ومن أفشى سر الآلهة سواه؟ # آيا ~~: # يا أحكم الآلهة جميعا، أنت يا أبي البطل إنليل! # 18 # كيف تغلب غضبك على حكمتك فأرسلت هذا الطوفان؟ # إنليل ~~: # وكيف تغلب عطفك على البشر على صون الأمانة وكتمان الأسرار؟ # آيا ~~: # هل تسمع من لا ترقى حكمته إلى حكمتك؟ # إنليل ~~: # وسيسمعك من لا يرقى دهاؤه إلى دهائك. # آيا ~~: # أعلم أنهم فسدوا عن آخرهم، أنهم استحقوا اللعنة # منك ومن كل الآلهة، لكن يا إنليل، # هل استحقوا الفناء مع كل الأحياء؟ # من يرتكب الإثم فحمله جريرة إثمه. # من يخطئ دعه يكفر عن خطئه. # لكن لا تشتد عليه لئلا يهلك. # لا تقس عليه لكيلا يختنق ويفنى. # لو أرسلت إليهم أسدا يأكل بعضا منهم # بدلا من هذا الطوفان، # ذئبا ينتقم ويغدر، # جوعا أو قحطا أو طاعونا، # بدلا من هذا الطوفان؟! # إنليل ~~: # ماذا أرسلت عليهم أنت؟ # آيا ~~: # أنزلت عليه الأحلام. # إنليل ~~: # الأحلام؟ ومن هو هذا الحالم العاصي؟ ما اسمه؟ # آيا ~~: # ها هو يقف أمامك؛ أوتنابشتيم. # إنليل ~~: # أوتنابشتيم؟ # آيا ~~: # دمه في رقبتك ولحمه. # إنليل ~~(يتقدم من أوتنابشتيم وزوجته) ~~: # أأنت العاصي؟ # آيا ~~: # الذي أنقذ بذرة الحياة. # إنليل ~~(مداعبا) ~~: # كما أنقذ زوجته أيضا. إلي يا أوتنابشتيم. تعال مع زوجتك. # الزوجة ~~: # مولاي! # إنليل ~~: # تعالا! اركعا أمام إلهكما الذي عصيتماه! ها هو ذا يضع يده على جبهتكما ~~ويبارككما إلى الأبد. # الزوجة ~~: # إلى الأبد؟! # إنليل ~~: # كان أوتنابشتيم حتى الآن بشرا فانيا. منذ الآن سيصبح مثل الآلهة. # الزوجة ~~: # أنا أيضا يا مولاي؟ # إنليل ~~: # ستعيشان بعيدا عن البشر. # الزوجة ~~: # آه! # إنليل ~~: # وحدكما في جزيرة الحياة. # الزوجة ~~: # وحدي مع أوتنابشتيم؟ # إنليل ~~: # في جزيرة الخلود. # الزوجة ~~: # بعيدا عن البشر؟ # إنليل ~~: # وعن الأحياء جميعا. # الزوجة ~~: # وتسمي هذا خلودا؟! # إنليل ~~: # وأباركه إلى الأبد. هيا يا أوتنابشتيم الخالد. عيشا في جنة ديلمون، بعيدا ~~عند فم الأنهار. لقد كتبت عليكما الخلود. كونا خالدين! # أوتنابشتيم وزوجته ~~(وهما يركعان في خشوع) ~~: # آه! كتبت علينا الخلود. كتبت علينا الخلود. # أوتنابشتيم ~~: # وانهارت زوجتي فوقعت على وجهها ms100 مغشيا عليها، وانصرفت الآلهة واحدا بعد ~~الآخر بعد أن أكلوا وشربوا وهم يغنون: # كتبنا الخلود عليكم! كتبنا الخلود! ورحت أنثر الماء على وجهها حتى ~~أفاقت. # الزوجة ~~: # لا تصدقه يا جلجاميش. # أوتنابشتيم ~~: # ومنذ ذلك اليوم ونحن ننعم بالخلود. # الزوجة ~~: # نعم. نعم. ولا نفيق من لعنته. # أوتنابشتيم ~~: # أرأيت يا جلجاميش؟ من يجمع آلهة بابل لتنقذك من الطوفان؟ هل يرضيك فناء ~~البشر لتحظى وحدك بحياة الأبدية؟ # الزوجة ~~: # وهل عرفت الآن ما هو الخلود الذي تسعى إليه يا جلجاميش؟ هل وجدت ~~الحياة؟ # جلجاميش ~~(متفكرا لحظة، ثم مخاطبا نفسه) ~~: # أهذا هو ~~الخلود؟ أهذه هي الحياة؟ ~~(ثم بصوت مرتفع) # كيف أتحمل أبدية بلا حياة؟ # الزوجة ~~: # ما دمت رفضت حياة بلا أبدية؟ # جلجاميش ~~: # أبدية بلا حياة، حياة بلا أبدية. ما هذا اللغز؟ إني لا أفهم شيئا. # الزوجة ~~(مقتربة منه، تهمس في أذنه) ~~: # ربما تفهم عندما ترجع إلى أوروك. ربما تجدهما معا. # جلجاميش ~~: # أجدهما معا؟ # الزوجة ~~: # نعم. نعم . الحياة والأبدية عندما ترجع إلى أوروك. # جلجاميش ~~(يبتعد عنها في خوف) ~~: # عندما أرجع إلى أوروك؟ # أوتنابشتيم ~~(في غضب، كأنما يحاول أن يبعدها عنه) ~~: # اسمع يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # نعم يا جدي، الخالد. # أوتنابشتيم ~~: # سمعتني وأنا أقول كم يشبه وجه النائم وجه الميت. # الزوجة ~~: # وأنا وجدك لا ننام منذ الطوفان. # أوتنابشتيم ~~: # إننا نقاوم النوم منذ أن باركتنا يد إنليل, هل يمكنك أن تقاوم النوم ~~مثلنا. # جلجاميش ~~: # أقاوم النوم؟ منذ أن خرجت من أوروك وعيناي لم تعرفا النوم العذب. # أوتنابشتيم ~~: # حاول أن تقاومه ستة أيام وسبع ليال. أتريد أن تجرب الامتحان؟ # جلجاميش ~~: # أجرب يا جدي ~~(يتثاءب ويجلس على الأرض وسرعان ما ~~يغيب في النوم) ~~. # أوتنابشتيم ~~(لزوجته) ~~: # انظري إليه، إلى البطل الذي يريد الحياة الخالدة. # الزوجة ~~(لنفسها وهي تتأمل النائم في وله صامت) ~~: # ما أجمل وجهه! # أوتنابشتيم ~~(في سخرية) ~~: # وما أسرع ما لفه النوم كالضباب! # الزوجة ~~: # المسه يا رجل، حركه ليصحو من نومه، ليرجع في سلام على الطريق الذي أتى منه، ~~ليخرج من الباب الذي دخل منه، ليعود إلى وطنه. # أوتنابشتيم ~~(لزوجته التي ما ms101 زالت مستغرقة في تأمل وجه جلجاميش) ~~: # لا تأمني للبشر يا عزيزتي. البشر خادعون، وسوف يخدعك أنت أيضا. # الزوجة ~~(بغير أن ترفع عينيها عن وجه النائم) ~~: # ماذا تعني؟ # أوتنابشتيم ~~: # هيا يا زوجتي الخالدة، اخبزي له أرغفة، ضعيها عند رأسه، وكل يوم ينامه ضعي ~~له علامة على الجدار. ~~(تمضي الزوجة لخبز الأرغفة التي ~~طلبها زوجها. تشجب الإضاءة ونرى ظلها يرسم علامات على الجدار بعدد الأرغفة ~~التي خبزتها، والأيام التي نامها جلجاميش، وعندما ترسم الزوجة العلامة ~~السابعة على الجدار يمد أوتنابشتيم يده ويلمس جلجاميش الذي يفزع من ~~نومه.) # جلجاميش ~~: # من؟ ما هذا؟ # أوتنابشتيم ~~: # استيقظ أيها الخالد الذي قاوم الموت! # جلجاميش ~~: # لم يكد النوم ينسكب علي حتى لمستني وأفزعتني. # أوتنابشتيم ~~: # انهض يا جلجاميش. انهض لتعد الأرغفة التي خبزتها لك زوجتي. إن عدد ~~العلامات التي رسمتها على الحائط يخبرك بعدد الأيام التي نمتها. # جلجاميش ~~(وهو يمسح وجهه) ~~: # الأيام التي نمتها؟ يا لهذا الحلم العجيب! # أوتنابشتيم ~~: # وقد صحوت الآن منه. # جلجاميش ~~: # لم يستغرق لحظة واحدة. # أوتنابشتيم ~~: # الأرغفة تقول شيئا آخر. # جلجاميش ~~: # الأرغفة؟ ~~(يتطلع في وجه الزوجة التي تنظر إليه في ~~حنان وهي تهز رأسها موافقة.) # جلجاميش ~~: # وماذا تقول الأرغفة؟ # أوتنابشتيم ~~(شامتا) ~~: # تقول إنك نمت ستة أيام وسبع ليال. # الزوجة ~~(في حزن) ~~: # ولم تستطع أن تقاوم النوم. # أوتنابشتيم ~~: # فكيف إذن تقاوم الموت؟ انظر إليها بنفسك. الرغيف الأول قد تيبس، والثاني ~~تغضن، والثالث لم يزل رطبا، والرابع أبيض، والخامس حال لونه، والسادس قد ~~خبز لتوه، أما السابع ... ~~(يضحك ويواصل ضحكه طوال ~~الحوار الدائر بين زوجته وجلجاميش.) # الزوجة ~~: # فقد صحوت من نومك وهو على الجمر! # جلجاميش ~~: # ما أشقاني! ما أتعس حظي! كم كان الحلم جميلا! # الزوجة ~~: # والحلم تبدد يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # آه! داهمني اللص كما داهم إنكيدو الطيب. # الزوجة ~~: # استيقظ يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # من نومي أم من موتي؟ # آه! سأصير ترابا مثله. # سأصير ترابا، طينا من طين الأرض. ~~(يبكي ثم يجفف دموعه ويحدق في وجه أوتنابشتيم ويقول): # ماذا أفعل يا أوتنابشتيم؟ # إلى أين أوجه وجهي؟ # اللص تسلل في الليل، ms102 تمكن مني. # طوق جنبي وأعضائي. # في مرقدي ينام الموت. # وأنى رحت وأنى جئت # وجدت الموت إزائي. # الزوجة ~~(وهي تنحني عليه وتأخذ بيده) ~~: # انهض يا جلجاميش. # جلجاميش ~~(يائسا) ~~: # تبدد الحلم. استيقظ من النوم. أليس هذا ما تريدين قوله؟ # الزوجة ~~(وهي تضغط على يده في حنان) ~~: # لم يعد لدي شيء أقوله. # جلجاميش ~~: # لا شيء أبدا؟ # الزوجة ~~: # عندما ترجع إلى أوروك، تذكر ما قلته لك. # أوتنابشتيم ~~(صائحا) ~~: # إلى أوروك، إلى أوروك يا أورشنابي! يا أورشنابي! # جلجاميش ~~(لنفسه) ~~: # أنت كذلك يا جدي الخالد، يا جدي النائي. # أنت كذلك ترفض أن تؤويني. # آه! ماذا أفعل؟ # وإلى أين أوجه وجهي؟ # من سيرد إلي يقيني؟ # هل هذا هو آخر سعيي # ونهاية شوقي وحنيني؟ # ألتمس حياة وخلودا # والموت أمامي وورائي؟ # أوتنابشتيم ~~(صائحا) ~~: # أورشنابي. يا أورشنابي. # أورشنابي ~~(يظهر مترددا) ~~: # سيدي. # أوتنابشتيم ~~: # طلبت منك أن تنتظر تعليماتي وأوامري. # أورشنابي ~~: # وطردتني من خدمتك قائلا: فليبرأ منك شاطئ البحر الذي مشيت عليه ، ولينبذك ~~المعبر والمرفأ. # أوتنابشتيم ~~: # وليكن آخر عمل تقوم به. # أورشنابي ~~: # أن أعود بآخر إنسان فان تطأ قدماه أرض الخلود إلى وطنه. فهمت ~~يا سيدي. # أوتنابشتيم ~~: # لم تفهم كل شيء. عليك أولا أن تنظف جسده من الأوساخ التي تغطيه، وتلقي ~~بجلود الحيوان التي شوهت جمال أعضائه في البحر. خذه إلى مكان الغسل وطهره ~~ليصبح كالثلج. استبدل بعصابة رأسه أخرى جديدة. ضع عليه ثوبا يستر عريه. ~~وليبق الثوب جديدا حتى يصل إلى مدينته، حتى يجد طريقه. # أورشنابي ~~(لجلجاميش الذي يقف مذهولا في مكانه) ~~: # هيا يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # ماذا تريد؟ # أورشنابي ~~: # هيا إلى الماء. # جلجاميش ~~: # لنعبر بحر الموت من جديد. # أورشنابي ~~: # بجسد جديد وثوب جديد! سأزيل عنه الأوساخ وأنفض عنه جلد الحيوان، سأطهره ~~حتى يصبح كالثلج. # جلجاميش ~~: # أهذا ما يريده جدي الخالد؟ أهذا هو نصيبي من الخلود؟ # أورشنابي ~~: # ولم لا؟ أن يتطهر الجسد فيصبح كالشج، أن يظهر في جماله الإلهي ويرفل في ثوب ~~رائع. # جلجاميش ~~(وهو يمضي معه) ~~: # ما الفائدة يا أورشنابي؟ إذا كان الدود سيسقط من أنفه، إذا كان الثوب سيبلى. ~~آه ms103 يا إنكيدو! أنت أيضا كان لك جسد إلهي. # أورشنابي ~~: # ما لنا الآن ولإنكيدو؟ قلت هيا إلى الماء. ~~(يخرجان. ينحسر عنهما الضوء ويسلط على الزوجة التي كانت ~~تراقبهما حتى صعدا إلى السفينة وبدءا يستعدان للإبحار.) # الزوجة ~~: # أوتنابشتيم! يا أوتنابشتيم الخالد! ~~(أوتنابشتيم صامت يتطلع إلى البحر.) # الزوجة ~~: # لقد دفعا السفينة فوق الأمواج. ها هما يصعدان إليها، جلجاميش يمسك مجدافا ~~ويحركه في الماء. ألا تريد أن تقول له شيئا؟ ~~(أوتنابشتيم يواصل صمته.) # الزوجة ~~: # لقد أتعب جلجاميش نفسه حتى وصل إلينا. هل ستتركه يرجع صفر اليدين؟ # ألا تعطيه شيئا يعود به إلى بلده وشعبه؟ # أوتنابشتيم ~~: # وماذا عندي أعطيه؟ # الزوجة ~~: # أعطه أملا، وعدا. # أوتنابشتيم ~~: # أمل؟ وعد؟ ماذا تقصدين؟ # الزوجة ~~: # أقصد ما يدور في بالك. # أوتنابشتيم ~~: # أتريدين أن أفشي السر؟ # الزوجة ~~: # ما المانع إن كان سر الأمل الذي لا يتحقق، سر الوعد الذي لا يتم؟ # أوتنابشتيم ~~: # النبتة! تريدين أن أبوح بسر النبتة؟ # الزوجة ~~: # ولن أطلب شيئا بعدها. # أوتنابشتيم ~~: # حتى لو ضاعت منه؟ # الزوجة ~~: # يكفي أن يؤلمه شوكها. أرجوك يا أوتنابشتيم ~~(تنظر ~~إليه طويلا) ~~. # أوتنابشتيم ~~(ينادي بصوت عال) ~~: # جلجاميش! يا جلجاميش! ~~(يدفع جلجاميش السفينة إلى الشاطئ. يخاطبه ~~أوتنابشتيم بحيث نسمع صوته ولا نراه.) # سأكشف لك عن أمر خبيء. ~~سأطلعك على سر خفي. # صوت جلجاميش ~~: # سر آخر من أسرار الآلهة؟ # أوتنابشتيم ~~: # نعم يا جلجاميش. هنالك نبتة تشبه الشوك. هي كالوردة يخز شوكها يدك، فإذا ~~وصلت إليها يداك وجدت الحياة. # جلجاميش ~~: # الحياة الخالدة يا جدي؟ # أوتنابشتيم ~~: # فتش عنها في أعماق مياه البحر العذبة. احملها معك إلى أوروك. # جلجاميش ~~: # هل أغرسها في أرض بلادي؟ # أوتنابشتيم ~~: # أطعم منها الشيخ فيرتد إليه شبابه. # جلجاميش ~~: # الشباب الأبدي يا جدي؟ # أوتنابشتيم ~~: # اذهب يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # أهذا هو الخلود يا أوتنابشتيم؟ ~~(أوتنابشتيم لا يرد.) # جلجاميش ~~: # أهذا هو الخلود؟ # أورشنابي ~~: # هيا يا جلجاميش. # جلجاميش ~~(فرحا) ~~: # هيا نغص في الماء، في عمق الوجود، # بحثا عن النبتة؛ نبتة الخلود. # فإنه الخلود! وإنه الخلود! ~~(يخفت صوته بالتدريج. إظلام.) # الفصل التاسع # | ضياع النبتة والعودة إلى أوروك # الراوية ~~: # فرح جلجاميش فرحة ms104 الطفل اليتيم بهدية جده الحكيم. لم يكد يسمع منه كلمة السر ~~حتى انتفضت شجرته الذابلة بالربيع القادم، واهتز على فرعها طير الأمل الباسم، ~~وها هو يطير بهذا الأمل إلى أوروك. ~~(صوت ~~جلجاميش) ~~: انظروا يا شيوخ أوروك وشبابها، لم يضع العمر هباء، لم ~~تكن الرحلة عبثا. ها هي ذي بين يديكم، عدت إليكم بالأبدية! ها هي ذي النبتة ~~يأكل منها الشيخ العاجز فترد إليه شبابه، يذوقها الشاب اليافع فيسكن البطل ~~إهابه. إنه الأمل يا شعب أوروك. إنه الوعد يا مدينة الأسوار والأسواق ~~والأبراج. # انحدرت السفينة بجلجاميش وأورشنابي إلى مياه «الآبسو» العميقة، بعد عشرين ~~ساعة مضاعفة من السفر في بحر الموت لاحت السدود التي تفصل الماء العذب عن الماء ~~الملح، وتراءت القنوات التي تصل إلى الأعماق. أوقفا السفينة عند الحاجز، نزل ~~جلجاميش ففتح السد وحفر قناة. ربط قدميه بحجرين ثقيلين وغاص في ~~الماء. # 1 # هنالك وجد النبتة العجيبة. مد ذراعه نحوها فخز الشوك يده. صعد ~~إلى سطح الماء وسبقته يده القابضة على الإكسير المعجز. هتف بأورشنابي والدم ~~ينزف من كفه: النبتة يا أورشنابي. أملي في الأبدية. أمل أوروك وحلم ~~الشعب. # مد أورشنابي ذراعه وساعده على الصعود إلى السفينة. لم ينطق بكلمة واحدة، لم ~~ينظر إلى اليد التي تقبض على النبتة، لم يهتم بالفرحة التي أضأت وجه البطل. فتح ~~جلجاميش فمه وقال: # جلجاميش ~~: # هل تعرف اسم هذه النبتة؟ # أورشنابي ~~: # لا. لا أعرفه. # جلجاميش ~~: # اسمها الشيخ الهرم يرد إليه شبابه. انظر. # أورشنابي ~~: # لست في حاجة إليها. # جلجاميش ~~(ضاحكا) ~~: # لا بد أنك شاب برغم الثلج على رأسك. # أورشنابي ~~: # وشبابي أبدي في كل لحظة. # جلجاميش ~~(تزداد ضحكاته) ~~: # سمعت أنها تقضي على القلق، # 2 # حتى أمي الحكيمة لا تعرف هذا. # أورشنابي ~~: # وما دخل أمك في هذا؟ # جلجاميش ~~: # لأنها تناديني على الدوام بقولها يا ولدي القلق المضطرب الحائر. # أورشنابي ~~: # أتظن أنها ستناديك باسم آخر؟ # جلجاميش ~~: # بعد أن يزول القلق والاضطراب إلى الأبد وأحصل على الشباب والخلود؟ # أورشنابي ~~: # تحصل على الشباب والخلود؟ أنت وحدك؟ # جلجاميش ~~: # طبعا لن أستأثر به. ms105 سيأكل منها الشيوخ والشباب. سأقدمها لهم قبل أن يذوقها ~~لساني ويلمسها فمي. ليتني أستطيع أن أفرقها على الأرض والنبات والطير ~~والحيوان! ليت كل شيء وكل مخلوق في أوروك يسترد الشباب الأبدي! ألا تحس ~~الأمل الرائع يا أورشنابي؟! ألا تراه؟! # أورشنابي ~~: # لا. لا أحسه، ولا أراه. # جلجاميش ~~: # ما أغربك! ولا تشتاق لأن تأكل منها؟ # أورشنابي ~~: # ما دمت لا أحتاج إليها. # جلجاميش ~~: # ولا إلى الأمل في الشباب الأبدي؟ # أورشنابي ~~: # هل آمل في شيء أعيشه كل لحظة؟ # جلجاميش ~~(ضاحكا) ~~: # تعيشه كل لحظة يا أورشنابي؟! رغم طردك من الشاطئ والمرفأ؟ رغم نفيك من جزيرة ~~الحياة والخلود؟ # أورشنابي ~~: # أو بسببها يا جلجاميش. هيا نواصل طريقنا إلى أوروك. # جلجاميش ~~: # إذن فالأمل يحركك إليها. # أورشنابي ~~: # وإلى وعدك لي. هل نسيت؟ # جلجاميش ~~: # لم أنس شيئا. البيت والزوجة والبستان في حدائق أوروك. هيا يا ملاح بحار ~~الموت الأبدي. # أورشنابي ~~: # لكن بسفينة الحياة الأبدية. هيا. هيا. # الراوية ~~: # مضت بهما السفينة ساعات وساعات ؛ فبعد عشرين ساعة مضاعفة تناولا شيئا من ~~الزاد، وبعد عشرين ساعة أخرى أسلما عيونهما للنوم بعد أن أضر بهما لفح الشمس ~~والريح، ولمح جلجاميش اليابسة على البعد فوجها الدفة والمجاديف إلى الشاطئ، ~~ودقق جلجاميش النظر فرأى نبعا يتدفق منه الماء. رسيا بالسفينة على البر ~~ونزلا منها. لمس جلجاميش الماء وذاقه، فإذا هو ماء عذب بارد. خلع ملابسه ~~ليغتسل وينعش جسده المضنى، بينما أخذ أورشنابي يجوب الشاطئ المقفر بحثا عن ~~شجرة خضراء أو بشر حي. كان جلجاميش قد ترك النبتة على الشاطئ مع ما ترك من ~~ثيابه، وشمت حية عبق الرائحة الزكية، فتسللت من النبع الذي كانت تشرب منه ~~والتهمت النبتة. وقبل أن ترجع للنبع الذي فيه جلجاميش كانت قد غيرت جلدها ~~الذي انسلخ عنها بجلد جديد. لمحها جلجاميش فجرى وراءها وهو يصرخ من هول ~~جريمتها الشنعاء. رجع إلى ثيابه فلم يعثر للنبتة على أثر. ارتفع صوته بالبكاء ~~وجرت الدموع على وجهه. هتف بأورشنابي الذي وقف على رأسه وعلى فمه ابتسامة لم ~~تلاحظها عيون جلجاميش المبتلة: # صوت جلجاميش ~~: # أورشنابي! ms106 يا أورشنابي! # ضاعت مني النبتة، # والتهمتها الحية. # يا أوتنابشتيم الخالد! # يا ساقية الحانة! # يا روح صديقي الطيب! # ضاعت منى النبتة، # والتهمتها الحية. # أورشنابي! يا أورشنابي! # لمن أضنيت يديا؟ # لماذا نزف القلب دماه؟ # آه! لم أجن لنفسي شيا. # ضاع الأبد على أوروك # وضاع عليا. # النبتة أكلتها الحية. # نفضت جلد الشيخوخة # ورمته إليا. # آه! ماذا بقي لديا؟ # طار الأمل وتاه، # وهجر الحلم يديا. # أورشنابي! يا أورشنابي! # ماذا أفعل؟ # ولمن أضنيت يديا، # ونزف القلب دماه؟ # أتراني رحت وجئت، # شقيت تعبت؟ # لكي يسرقني أسد الترب، # 3 # لكي ينتصر عليا؟ # آه! ضاع العمر سدى. # لم أكسب شيا # صوت أورشنابي ~~: # ليتنا لم نرس على الشاطئ! # صوت جلجاميش ~~: # بل ليتنا نترك السفينة عليه ونمشي على أقدامنا. # الراوية ~~: # واستأنفا السير بعد أن جفف جلجاميش دموعه، لا ندرى ماذا جرى بينهما من ~~حديث، ولا ماذا فعلا قبل أن تلوح لأنظارهما أبراج أوروك العالية. ربما يكون ~~جلجاميش قد طوى حزنه في صدره، وأطرق برأسه طوال الطريق ولم يفتح فمه بكلمة، ~~وربما يكون أورشنابي قد سخر منه في نفسه وحول وجهه عنه أثناء الرحلة لكيلا ~~يرى ابتسامته العذبة أو المرة، أو ذكره بوعوده التي بذلها له عن البيت ~~والزوجة والبستان الصغير في أحضان أوروك. لا ندري؛ لأن كاتب الملحمة لا يشرح ~~ولا يحلل شيئا، ولا يدخل في حنايا العقل والضمير. # فكل ما يقوله بعد هذه الفاجعة لا يتعدى سطورا قليلة يضع فيها نهاية سريعة ~~لملحمته، ومن هذه السطور نفهم أنهما قطعا في سيرهما عشرين ساعة مضاعفة تناولا ~~بعدها شيئا من الزاد، وبعد عشرين ساعة أخرى أخذ التعب منهما فأخلدا للراحة عند ~~حلول المساء. ولا بد أن جلجاميش قد نسي جرحه عندما لاحت له أسوار أوروك ~~المنيعة، وتذكر مجده السالف وعمله الخارق، فجرى نحوها فرحا فرحة الطفل ~~العائد لأبويه وهو يهتف بهذه العبارات التي ختم بها الكاتب الملحمة كما بدأها ~~بها: # أورشنابي! # انظر يا أورشنابي الملاح. # اعل السور. # تمش عليه. # تفحص صنعة آجره، # والمس قاعدته. # أوليس الحكماء السبعة # 4 # من أرسوا أسسه؟ ms107 # انظر للإفريز المعجب، # يتوهج بنحاس # يسطح كالنجم الأشهب. # اعل السور. # تمش عليه، # ومد الطرف إلى الأفق الأرحب. # هذا ثلث يشغله بستان النخل، # وثلث آخر للمرج وحوض النهر، # وثلث لأوروك الساحة والمسكن # والمعبد والملعب. # يا أورشنابي الملاح، # تفحص قاعدة السور. # تلمس واعجب. # الراوية ~~: # هذه هي النهاية التي وضعها كاتب الملحمة أو كتابها المجهولون، وهي نهاية ~~سعيدة تتفق مع البداية كما رأيتم من قبل، وتنطوي على الإشادة بالعمل والبناء ~~الحضاري، ولكننا يمكن أن نفترض نهايتين أخريين، كانت أولاهما مفاجأة قاسية ~~لجلجاميش. ~~(يندفع جلجاميش نحو السور ويغيب شبحه بين ظلاله الشاحبة التي ~~تخيم على عمق المسرح في أقصى اليسار. يقف أورشنابي مترددا لحظات، ثم يتفحص ~~المكان مستطلعا السور والأبواب أو ما بقي منهما، وآثار الأبراج والمعابد والبيوت ~~التي تبدو من بعيد في سواد نسوة عجائز تكومن في مأتم كبير.) # الشيوخ ~~(وهم يشيرون إلى جلجاميش ويقولون في سخرية مرة) ~~: # آه! جلجاميش غاب وعاد. # لكن البطل العائد لم يعلم بعد # بأن السور تهدم، # والمعبد والبرج تحطم، # والمرج هشيم ورماد، # والساحة والملعب مأتم. # انقضت كيش وأور # على أوروك، # فغرقت في بحر الدم. # والمجد السالف # شب حريق فيه # فلم يبق سوى الطلل الأبكم. # الراوية ~~: # غير صحيح. هذا شيء لم تذكره الملحمة ولم ... # الشيوخ ~~(مشيرين إليه أن يسكت) ~~: # انظر تجد البطل العائد، # كالبومة فوق الأطلال تحوم، # أذهله اليأس فصار # كحجر أخرس أبكم. # ويلي من هذا الشبح الهائم # بين الأشباح يئن # أنين الطفل الضائع، # يبحث عن أبويه # ولا يجد الحرف ولا الكلمة والاسم. # ويلي من هذا البطل العائد، # للوطن البائد، # لا يملك أن يفعل شيئا، # لا يقدر حتى أن يندم. # انظر عما يفتش، # ماذا يبحث عنه؟ # الراوية ~~: # عن حجر سجل فيه بطولته، # أو لوح ... # الشيوخ ~~: # اللوح تفتت والنقش تهشم. # لم يبق من المجد الكاذب # حرف يمكنه أن يتكلم. # الراوية ~~: # غير صحيح بالمرة؛ فالملحمة تقول ... # الشيوخ ~~: # لتقل ما شاءت، # أو ما شاء الكهنة والكتاب. # انظر أنت إلى البطل العائد # يتردد حول الأبواب، # يدور يدور على الأعتاب، # وينظر للسور # ولكن السور ms108 خراب. # ها هو يبحث عن بلد # كانت تدعى أوروك # وأوروك اليوم تراب. # انظر للبطل الكامل # والملك العادل. # الراوية ~~: # بل أتعاطف معه، # ولن أتركك تدينه. # ها هو يتقدم منا # والخطوات حزينة. # يبغي أن يتكلم # لكن الكلمات ضنينة. # جلجاميش ~~: # أورشنابي! يا أورشنابي! # الراوية ~~: # ها هو يهتف. # الشيوخ ~~: # من يسمعه في مقبرة # كانت بالأمس مدينة؟ # جلجاميش ~~: # أين أنت يا أورشنابي؟ # أورشنابي ~~: # أبحث مثلك يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # لا أحد. لا صوت ولا حركة. لا بشر ولا أهل. هل غبت وتعبت لكي أجد العدم في ~~انتظاري؟ # أورشنابي ~~: # وأنا؟ ماذا أقول أنا؟ لا زوجة ولا بيت. لا حياة ولا زمن. هل طردت من جنة ~~الخلود الممل إلى جنة الملل الخالد؟ # جلجاميش ~~: # اسخر ما شئت يا أورشنابي. لا تقل شيئا. الأفضل أن تجيب عن سؤالي: ماذا ~~أفعل؟ # أورشنابي ~~: # ما فعلته دائما، تجلس وتبكي. # جلجاميش ~~: # أجل يا أورشنابي. أبكي شعبا لم أجده في استقبالي، أما كنت أظنها في ~~انتظاري، شبابا وشيوخا كنت أريد أن يأكلوا من نبتة الخلود. # أورشنابي ~~: # وأكلها أسد التراب وجدد شبابه. # جلجاميش ~~: # آه يا أورشنابي! ضاعت النبتة! ضاع الخلود! ضاعت أوروك وضاع الحلم! لمن أتعبت ~~يدي؟ # أورشنابي ~~: # لماذا نزف القلب دماه؟ # ضاع العمر سدى. # جلجاميش ~~: # لم أكسب شيا # ضاع الأمل وتاه. (يجلس ويبكي. أورشنابي ينظر إليه مبتسما.) # الراوية ~~(يقاطعهما) ~~: # لا، لم يضع شيء، لا يمكن أن يضيع كل شيء. # الشيوخ ~~: # أوما زلت تدافع عنه؟ # الراوية ~~: # ولن أتركك تدينه. # الشيوخ ~~: # فلماذا جئت؟ لماذا جئنا من أعماق الماضي؟ # دارت كل الأحداث أمامك # فكن الشاهد وكن القاضي. # الراوية ~~: # لم أشهد في الملحمة خراب السور، # ولم أقرأ عن هجمة كيش أو أور. # الشيوخ ~~: # نحن شهدنا المحنة. # كنا بعض ضحاياها. # لما احترقت أوروك # وغرقت في بحر دماها، # وتكدست الجثث على الطرقات # وكنا من قتلاها. # الراوية ~~: # لم أقرأ هذا في الملحمة. # الشيوخ ~~: # رجعت إلى الملحمة، # وهل نسج الشعراء مؤكد؟ # ماذا تتوقع لقطيع # يتركه الراعي المسئول # ويمعن في الغربة عنه ويبعد؟ # يترك للوهم قياد العقل، # ويرجع صفر اليد، # لا أمل لديه ولا ms109 وعد؟ # الشعب تفرق، والبيت تشقق، # واللحم تمزق. # ضاع الحلم وضاع المجد. # الراوية ~~: # ولماذا اغترب البطل؟ # الشيوخ ~~: # البطل أمامك فاسأله أنت. # اغترب ليهرب من قدر البشر # وقدر البشر هو الموت. # الراوية ~~: # بل ليكشف عن سر الحياة وسر الموت. ليضمن لكم الحياة ويحميكم من الموت. # الشيوخ ~~: # ليت البطل الحالم # فتش في قلب الشعب عن السر! # ليت البطل المغرور الظالم # لم يغتر! # الراوية ~~: # هل أصبح البحث عن سر الحياة ظلما؟ هل أصبح البحث عن سر الموت غرورا؟ # الشيوخ ~~: # موت الناس طوال الوقت؟ # جثث القتلى في أوروك ~~- ليلة موكبه الظافر # لما أن صرع الثور - # وجثث الغرقى فوق مياه النهر؟ # والموت الناطق في وجه الثكلى # والأرملة، # وموت يتيم عذبه الغدر، # وأضناه الدهر؟ # هل طاف بعقل البطل الحالم # هذا الموت؟ # قلنا يا جلجاميش # ليتك تنظر تحت القدمين # لتجد السر. # ليتك تبحث في قلب الشعب # عن السر. # ليتك لا تدع قطيعك # في فك الذئب أو النمر. # أغلق باب السمع عليه # وها هو يرجع كي يبكي العمر. # آه! لو أخذ بيد أوروك # وداوى الجرح # لقلم أظفار الموت. # لو بسط ظلال العدل على أوروك # لقلم أظفار الموت. # لو عرف بأن القهر # وأن الجوع وأن الذل هو الموت! # الراوية ~~: # تسرعت في الحكم عليه. # الشيوخ ~~: # أسرع مني كان خراب الدار # وكان الموت. # الراوية ~~: # لم تذكر الملحمة شيئا مما قلت. # الشيوخ ~~: # هل شهد الشاعر ما شاهدت؟ # هل قاسى الشاعر # ما قاساه الشعب الحائر # في أوروك وما قاسيت؟ # الراوية ~~: # ليس لدينا دليل على ما تقول. # الشيوخ ~~: # هل يعني هذا تأجيل الحكم؟ # الراوية ~~: # حتى ننظر في بقية القرائن والأدلة والشهود. # الشيوخ ~~: # ماذا تقصد بأدلتك؟ # شهودك من هم؟ # الراوية ~~: # هم العلماء والأدباء الذين يقدمون التفسيرات المختلفة لنهاية جلجاميش بعد ~~عودته إلى أوروك. لا تنس أيضا. # الشيوخ ~~: # ماذا أذكر أو ماذا أنسى؟ # أهو الواقع ما نشهده # أم هو حلم؟ # وسقوط المدن # وموت البشر # وطغيان الظلم، # ألا يكفي لصدور الحكم؟ # الراوية ~~: # يكفي كي نتريث في الحكم. # يا جلجاميش قم (لا يتحرك). # أورشنابي ~~: # قم يا جلجاميش. ماذا تنتظر؟ ms110 ~~(جلجاميش لا يتحرك. ~~يقترب منه) # تعال نبحث عن حظنا في الصحراء، أو نتسول لقمتنا من ~~مدينة أخرى. ~~(يمد يده ويلمس كتفه ويحركه، يهب جلجاميش واقفا ويتخبط ~~حوله.) # جلجاميش ~~: # افتح الباب. قلت افتح الأبواب السبعة كلها. # أورشنابي ~~: # أبواب؟ ألا ترى الخراب حولك؟ # جلجاميش ~~: # افتح أبواب العالم السفلي. ألا تعرف جلجاميش؟ # الملك الذي رأى كل شيء وعرف كل شيء؟ # أورشنابي ~~(ضاحكا يضرب كفا بكف) ~~: # ومع ذلك لا يراني ولا يعرفني! # جلجاميش ~~: # قلت افتح الأبواب لجلجاميش! أريد أن أبحث عن طبلتي وعصاي، لقد سقطا في عالمكم ~~ونزل صديقي لإحضارهما ولم يرجع. أين طبلتي وعصاي؟ أين تاجي وصولجاني؟ # أجبني يا إنكيدو! كلمني يا صديقي وأخي! # أورشنابي ~~: # أنا الذي أكلمك يا جلجاميش. ماذا تريد؟ # جلجاميش ~~: # أريد أن أسألك عن قانون الأرض التي تعيش فيها. # أورشنابي ~~: # لا أستطيع يا صديقي. لو أخبرتك لجلست على الأرض وبكيت، لقد قطعت الطريق الذي ~~لا عودة منه، وأنت الآن في البيت الذي حرم سكانه من النور. غذاؤهم من التراب، ~~وطعامهم من الطين، يجلسون في الظلام، يلبسون الريش ولهم أجنحة كالطيور. # جلجاميش ~~: # لقد قرر الآلهة قدري، وقدري أن أكون نورا في ظلام هذا العالم. لم يترك أحد ~~من البشر وراء أثرا يدل عليه كما تركت، لم يفعل أحد من الأبطال والحكماء ما ~~فعلت. # أورشنابي ~~: # ولكن أحدا لا يعرفك هنا. # جلجاميش ~~: # كيف لا يعرفونني؟ أهناك من لا يعرف جلجاميش؟! # أورشنابي ~~: # لا يعرفك أحد ولا ينتظرك أحد، لا في العالم السفلي ولا في أوروك. ارجع يا ~~جلجاميش قبل أن تصيبك لعنة نرجال وزوجته المخيفة أريشكيجال. ارجع فعالمك ~~ظلام. # جلجاميش ~~: # أنا نور العالم. قلت هذا قدري الذي قسمته لي الآلهة. # أورشنابي ~~: # وقدري أن أوقظك من النوم. استيقظ يا جلجاميش! افتح عينيك على الظلام الذي ~~قدرته الآلهة علي وعليك! استيقظ! استيقظ! # جلجاميش ~~(وقد رجع إلى نفسه وأخذ يتلفت حوله) ~~: # هل يمكن ألا يعرفني أحد؟ # أورشنابي ~~: # ولا ينتظرنا أحد. # جلجاميش ~~: # كل هذا الظلام؟ كل هذا الخراب؟ # أورشنابي ~~: # نعم. نعم. كل هذا الظلام. كل هذ الخراب. أليس ms111 الأفضل أن تذهب؟ # جلجاميش ~~: # تذهب؟ إلى أين؟ # أورشنابي ~~: # حقا. حقا. إلى أين؟ # الراوية ~~: # أتريد أن تذهب يا أورشنابي؟ # أورشنابي ~~: # أنت أيضا تسأل؟ # الراوية ~~: # وإلى أين؟ لسفينتك على شاطئ بحر الموت؟ # أورشنابي ~~: # أو للحانة، أو أي مكان حر؟ # أجد حياتي فيه # وأشرب أشرب # حتى يسكرني السكر. # الراوية ~~: # لن تنصرف. ستبدأ. # أورشنابي ~~: # بعد نهايتنا في أوروك؟ # الراوية ~~: # قلت ستبدأ، ومن الصفر. # جلجاميش ~~: # نبدأ ومن الصفر؟ # الراوية ~~: # فهنالك فرض آخر، يضع لملحمتك خاتمة أخرى، إما أن تتطهر أو تسقط في الدرك ~~الأسفل من عالمك السفلي ولا تظهر. # أورشنابي ~~: # بل نبدأ نبدأ. # هيا يا جلجاميش، ومن الصفر. ~~(يأخذ بيد جلجاميش الذي يتبعه كالطفل. يتهيآن لإعادة المشهد ~~وللعودة إلى أوروك من جديد.) # | مسك الختام # الراوية ~~: # بعد أن شهدنا النهاية السابقة، ورأينا كيف واجه جلجاميش العدم والخراب، ~~واكتأب وبكى وأحس بالضياع والاغتراب؛ دعونا الآن نتابع نهاية أخرى، ~~ونشاهد حلما ورديا ربما يبعث فينا شيئا من الأمل والتفاؤل، وربما يساعدنا ~~- بعد أن نرجع إلى بيوتنا - على أن نحلم حلما سعيدا لم يزرنا طيفه من أمد ~~بعيد. ولنتخيل أورشنابي وهو يلح على بطلنا اليائس بأن يكف عن البكاء ~~وينهض من مجلسه ليستقبل الحياة الجديدة، ويدخل أوروك دخول البطل المنتظر، وإن ~~لم يكن هو البطل المنتصر. لقد وصلا قبل قليل إلى أبواب أوروك، وجرى جلجاميش ~~كما عرفنا نحو السور الذي أمر ببنائه قبل سنوات، وبقي موقع فخره وفخر حضارته ~~لآلاف السنين من بعده. لمس قاعدته مع صاحبه وتفحص صنعة آجره، ومتع نظره ~~بمشاهدة إفريزه النحاسي الذي يشع كالذهب الساطع في ضوء الشمس. لثم الأعتاب ~~ومرت كفاه على الأبواب، وأرسل البصر إلى الزقورة والأبراج المرتفعة فوق ~~معبد آنو المقدس ومزار عشتار إلهة الحب والخصب والحرب، وسيدة الآلهة الجميلة ~~والجليلة. أقلقه وهو الملهوف على صيحات شعبه وطبول حرسه وأحضان أمه وحكمة شيوخه ~~وقوة شبابه - أقلقه ألا يجد أحدا في استقباله، ولكن من كان يحسب اليوم الذي ~~سيرجع فيه بعد الغيبة والغربة؟ من كان يتصور أن يعود فجأة بلا ضجيج؟ # أخذ يتجول ms112 حول السور الحجري الهائل، وربما تفكر في الموضع الملائم الذي ~~سيثبت فيه الحجر الذي سينقش عليه قصة أعماله وأتعابه ومغامراته، ~~ولكن يبدو أنه راجع نفسه وكاشفها بأنه قد ~~رجع كما سمعنا صفر اليدين، واكتأب كعادته، واصفر وجهه، وتغضن جبينه، وكسا ~~الحزن قسماته. # ولهذا أقبل أورشنابي الملاح العجوز الذي كان قد أكمل جولته السريعة في ~~المكان، وأحاط به إحاطة النسر النهم الجسور، أقبل عليه محاولا أن يبعد عنه ~~شبح الضياع والاكتئاب. أليس كذلك يا أورشنابي الملامح؟ # أورشنابي ~~: # أجل. أجل. # حاولت أخفف عنه # حمول القلب المتعب، # وأرد البسمة # للوجه الشاحب، # وأعيد الخضرة # للروح المجدب. # يا جلجاميش لا تتلف نفسك، # لا تذرف دمعك، # كالطفل المذنب. # بعد قليل يحدوك الموكب، # ويغني الشعب. # تدخل أوروك، # العش الدافئ، # والقصر الهانئ. # تحضنك الأم # مع الزوجة والأب والجد الطيب. # بعد قليل تجد جواريك وخدمك، # وتضاء شموع الحب. # هل تتذكر وعدك، # بالبيت الهادئ، # والعش الدافئ، # والبستان العامر، # بالنخل أو العنب الرطب؟ # قم يا جلجاميش # وافرح بالأمل العذب. # الراوية ~~: # لكن جلجاميش لا يستطيع أن يتخلص من حزنه ولا حلمه؛ فهو يتطلع إليه والدموع ~~تملأ عينيه، ويفتح فمه ليقول: # جلجاميش ~~: # آه! تتحدث يا أورشنابي # عن أمل عذب، # لكن ضاع الأمل وتاه، # وهجر الحلم يديا. # قل لي ماذا أفعل # ولمن أضنيت يديا # ونزف القلب دماه؟ # وإذا جاء الشعب # ورحب بالبطل العائد # ماذا بقي لأعطيه؟ # ماذا بقي لديا؟ # أورشنابي ~~(يمسك بيده ويساعده على النهوض) ~~: # ويلك يا جلجاميش؟ أبعد هذه الصحبة الطويلة لم تتعلم مني الرقص على ~~الجمر؟ # جلجاميش ~~: # ماذا تقصد بالرقص على الجمر؟ # أورشنابي ~~: # أن تبتهج وتفرح وتصيح وتهتف رغم الجرح النازف بالدم. # جلجاميش ~~: # لا تذكرني بالنبتة الضائعة. لقد ضاع معها كل شيء. # أورشنابي ~~: # الضائعة! الضائعة! أليس لديك غير هذه الكلمة؟ لم يضع شيء يا جلجاميش. لا ~~يمكن أن يضيع كل شيء. ما زلت حيا. ما زالت الأبدية ... # جلجاميش ~~: # الأبدية؟ وأنت الذي تقولها؟ # أورشنابي ~~: # نعم يا جلجاميش. هل نسيت ما قالته زوجة جدك الخامل؟ معذرة! جدك ~~الخالد؟ # جلجاميش ~~: # وكيف أنسى اللغز الذي همست ms113 به في أذني؟ # أورشنابي ~~: # هيا إذن! ذكر نفسك به! # جلجاميش ~~: # أجل. أجل. لن أنسى غضبي وسخطي وأنا ألعن أبدية بلا حياة وحياة بلا ~~أبدية. # أورشنابي ~~: # وماذا قالت لك؟ # جلجاميش ~~: # ربما تجد الحياة والأبدية معا عندما ترجع إلى أوروك. # أورشنابي ~~: # حقا يا أورشنابي! لكن قل لي كيف. # أورشنابي ~~: # أقول ... أقول؟ هذا شيء لا يقال! # جلجاميش ~~: # شيء لا يقال؟ # أورشنابي ~~: # ألا ترى معي؟ # أنظر إلى يديك؟ إنه شيء يتم بالعمل. # جلجاميش ~~: # أي عمل؟ # أورشنابي ~~: # اقتربت السفينة من الشاطئ. هذا هو ما يقوله أورشنابي الملاح، والآن ~~انظر. # جلجاميش ~~: # أنظر أم أعمل؟ # أورشنابي ~~: # ها هي أبواب أوروك تفتح على اتساعها، لا بد أنهم سمعوا أصواتنا عندما جرينا ~~نحو السور. # جلجاميش ~~: # نعم. نعم. الحراس مقبلون، وأفراد الشعب يتقاطرون واحدا بعد الآخر. إنهم ~~يقبلون علينا ويلتفون حولنا. انظر يا أورشنابي. تكلم. قل شيئا. # أورشنابي ~~: # ألم نتفق على التخلص من الكلام والقول؟ # جلجاميش ~~(وهو يتابع ببصره تدفق الناس على المكان) ~~: # وها هم بعض الشيوخ يقتربون، أعرفهم من مجلس الحكماء، والشباب القوي الذي ~~طالما حارب في صفوف جيشي، طالما حصن الجدران في سوري المشهور، والفعلة ~~والصناع؛ الحدادون والبناءون والنحاتون والنحاسون والصاغة الذين نفذوا ~~أوامري، وأبدعوا تمثال إنكيدو ورصعوه بالذهب واللازورد، والسحرة والعرافون ~~والمنجمون والمعوذون، حتى الأجراء الفقراء، وزراع الحقول، حتى البستاني ~~العجوز في قصري العظيم على ضفاف الفرات. # أورشنابي ~~: # وهذه الكاهنة الجليلة التي تتوسط العذارى والنساء. # جلجاميش ~~: # أورشنابي! إنها أمي! # أورشنابي ~~: # نينسون الإلهية؟ نينسون الحكيمة؟ # يجري جلجاميش نحوها ويغيب بين ذراعيها يقبلها. تبتل عيناه بالدموع ~~بينما تحوطهما الجموع التي يتزايد عددها ويتطلعون نحوهما في خشوع وهم ~~يرددون: # أصوات الجموع ~~: # جلجاميش! # جلجاميش! # مرحى! مرحى! # بالبطل العائد، # لحماه الصامد. # مرحى بالقائد، # والنجم الرائد، # للشعب الواحد. # بالملك الكامل، # والراعي العادل. # بالثور الناطح، # والأسد الكاسح، # لعدو حاقد. # مرحى بالعائد، # لحماه الصامد. # نينسون ~~(همسا وهي تمسك بيده) ~~: # مرحى يا جلجاميش! # جلجاميش ~~: # أمي. # نينسون ~~: # مرحى بالقلق الحائر! # جلجاميش ~~: # ما زلت كذلك يا أمي؟ # نينسون ~~: # ولماذا يا ولدي؟ وكل هؤلاء البشر من حولك؟ # جلجاميش ~~: # أعرف ms114 الآن أنني واحد منهم. # نينسون ~~: # كانت أمنيتي أن تعرف هذا. # جلجاميش ~~: # أعرفه الآن وأعترف به. # نينسون ~~: # وما العجب في هذا؟ بعد كل الأسفار والأخطار. # جلجاميش ~~: # وبعد كل الضياع والتشرد والبحث عن الخلود. # نينسون ~~: # الخلود؟ أما زلت تحلم بالحلم المستحيل؟ # جلجاميش ~~: # خشيت أن تلوميني لأنني أعود فارغ اليدين. # نينسون ~~: # فارغ اليدين؟ وهذه القلوب التي تنبض بحبك؟ هذا السور وهذه المعابد والأبراج ~~والحصون والبيوت والمروج والبساتين؟ # جلجاميش ~~: # كنت دائما الأم الحكيمة؛ الأم الإلهية. # نينسون ~~: # الإلهية؟ ألست بشرا أمامك كما أنك بشر؟ كم حاولت أن أخبرك بهذا. # جلجاميش ~~: # فهمت يا أمي، بعد أن ضاعت النبتة من يدي. # نينسون ~~: # أية نبتة يا بني؟ عم تتكلم؟ # جلجاميش ~~: # إنها قصة طويلة يا أمي. أردت أن يأكل منها الشيوخ فيرجعوا لصباهم، أن ~~يذوقها الشباب فيزدادوا قوة، أن أقسمها على أوروك ثم آخذ ما بقي منها. # نينسون ~~: # لا أفهم شيئا يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # لكنها ضاعت يا أمي، وضاعت معها الحياة والخلود. # نينسون ~~: # ما زلت حيا يا ولدي، وهؤلاء ... # جلجاميش ~~: # هل تذكرين ليلة مات إنكيدو؟ هل تذكرين بكائي عليه وتمزيق شعري وثيابي؟ خرجت ~~من أوروك بحثا عن الخلود، خفت أن يحولني قدر البشر الذي أصاب صديقي إلى ~~تراب. تعبت وقطعت الطرق الوعرة والجبال العالية والأنهار والبحار إلى جدي ~~الخالد. # نينسون ~~(مقاطعة) ~~: # وها أنت قد عدت، وتطهرت. # جلجاميش ~~: # ماذا قلت؟ # نينسون ~~: # أقول تطهرت يا ولدي. بكيت كثيرا وعرفت أنك بشر. # جلجاميش ~~: # ولكن لم أتطهر بما يكفي. # نينسون ~~: # وماذا تريد الآن يا ولدي؟ ألا تريد أن تدخل أوروك؟ أتترك هؤلاء ~~ينتظرون؟ # جلجاميش ~~: # حتى أتطهر يا أمي، حتى أتطهر. ~~(ينادي) # أيها الكهنة الأجلاء، يا كهان الرقى والتعاويذ، ~~أنتم أيها السحرة والمعزمون والعرافون، تعالوا! تعالوا! ~~(يقترب بعض الكهنة منه ويحنون رءوسهم ~~أمامه) # إلي بروح حبيبي وصديقي وأخي. # الكهنة ~~: # إنكيدو الطيب؟ وحش البرية؟ هل نستدعيها يا مولاي؟ # نينسون ~~: # تريد أن تستدعي روح إنكيدو؟ أهذا هو الوقت الملائم يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # نعم يا أمي، وقبل أن تطأ قدمي أرض أوروك الحبيبة لا بد أن أكلم ms115 روح حبيبي، ~~لا بد أن أتأكد منه. # نينسون ~~: # تكلمه وتتأكد منه؟ من ماذا يا ولدي؟ # جلجاميش ~~: # ربما أتطهر يا أمي، ربما أتطهر. هيا أيها الكهنة. # الكهنة ~~: # لا بد من تقديم الأضاحي يا مولاي، لا بد من سكب السكائب على قبره. # جلجاميش ~~: # وماذا تنتظرون؟ ~~(ينصرف بعض الكهنة لإعداد مراسيم التضحية وشعائرها، بينما يتجه ~~بعضهم الآخر إلى ركن على يسار المسرح ينحني عليه شبح لا نتبينه في ~~الظلام.) # جلجاميش ~~: # ما هذا؟ من هذه؟ # أصوات ~~: # إنه قبر إنكيدو، منذ أمرت بدفنه بجوار السور وهي تأتي لزيارته كل يوم. # جلجاميش ~~: # من؟ ~~(يتجه إلى القبر، يتبينها ويهتف) # شمخات! # شمخات ~~(تجفف دموعها) ~~: # جلجاميش! بطل الأبطال! # جلجاميش ~~: # يعود بنفس طاهرة حرة. # ويجدد عهد الحب لصاحبه ويخلد ذكره. # شمخات ~~: # جئت أخيرا لتجود عليه بنظرة؟ ~~(تبكي.) # جلجاميش ~~: # أنا أيضا يا شمخات # ذرفت عليه دموعي المرة. # شمخات ~~: # انظر يا جلجاميش، # في هذا الركن ترى قبره. # أحضر كل صباح # كي أضع عليه زهرة. # أسكب من بحر الحزن عليه قطرة. # أورشنابي ~~(يقترب منهما) ~~: # عطشان، ولا أجد بهذا القفر الموحش قطرة. # جلجاميش ~~: # أورشنابي؟ ملاح بحار الموت # وتشكو الظمأ. # أورشنابي ~~: # لقطرة حب أو خمرة. # جلجاميش ~~: # هذي شمخات. # أورشنابي ~~: # كاهنة الحب؟ # جلجاميش ~~: # وسوف تقودك للنبع. # أورشنابي ~~: # أعرفها من كلماتك، مما قلت. # شمخات ~~: # تعرفني؟ كنت وكنت. # لم يبق لدي سوى الموت، # ولم يبق سوى الصمت. # أورشنابي ~~: # مدي يدك! تعالي! # شمخات ~~: # وإلى أين؟ # أورشنابي ~~: # أعبر بك بحر الموت، # وأمسح من عينيك الدمع. # جلجاميش ~~: # سيري معه يا شمخات. # شمخات ~~: # أمر مليكي، للمعبد أم للنبع؟ # أورشنابي ~~: # بل لك أنت؛ # فأنت المعبد والنبع، # وأنت حياتي والموت. # جلجاميش ~~(همسا في أذنه) ~~: # وحلم الزوجة والبيت. ~~(يضحكان وينصرفان يدا في يد. جلجاميش يتابعهما بعينيه حتى ~~يغيبا عن بصره، ينكفئ على قبر إنكيدو ويناجيه): # جلجاميش ~~: # إنكيدو! يا حبيبي وأخي إنكيدو! ~~(يحيط به الكهنة والمعزمون وفي أيديهم المباخر والأضاحي ~~وأوعية السكائب.) # صرت الكهنة ~~: # لن يرد عليك. # جلجاميش ~~: # أريد أن أراه وأسمعه. # صوت الكهنة ~~: # لن ترى شبحه، ولن تسمع صوته، حتى تتطهر. # جلجاميش ~~: # حتى ماذا؟ قولوا ms116 أيها الكهنة. # صوت الكهنة ~~: # حتى تتطهر يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # عدت إلى الأرض، إلى الناس، ألا يكفي هذا؟ # صوت الكهنة ~~: # لا. لا يكفي. إذا أردت أن تهبط لعالمه السفلي أو تصعد روحه إليك. # جلجاميش ~~: # أريد أن أسأله عن مصيره ومصيري. # الصوت ~~: # لا بد أن تخلع ثوبك النظيف. # جلجاميش ~~: # ثوبي خلق من طين الأرض. # الصوت ~~: # لا تتطيب بالزيت أو العطر. # جلجاميش ~~: # هل تصعد مني إلا رائحة العرق من الجسد المتعب؟ # الصوت ~~: # لا تمسك في يدك هراوة، لا تأخذ معك الطبلة والتاج. # جلجاميش ~~: # ها أنا صفر الكفين. # الصوت ~~: # لا تضع حذاء في قدمك. لا تثر الضوضاء هناك. # لا تقبل المرأة التي أحببتها ولا الطفل الذي أحببت. # لا تضرب المرأة التي أغضبتك ولا الطفل الذي غضبت عليه. # جلجاميش ~~: # لن أفعل شيئا من هذا. # الصوت ~~: # حتى لا تطبق عليك صرخة الأرض، كما أطبقت عليها صرختك. # جلجاميش ~~: # أقسم بالآلهة جميعا، لن ترتعش أمامي روح من أرواح الموتى. # الصوت ~~: # حان الوقت لكي ترتعش أمامها. # جلجاميش ~~: # ها أنا أرتعش وأنفض عني الذنب. # الصوت ~~: # ردد معنا: يا ربة مملكة الموتى، # يا نرجال الجبار، # يا حراس الأبواب السبعة، # حلوا شبح الطيب إنكيدو! # فكوا عنه الأغلال! # دعوه يكلم جلجاميش! # ملك أوروك وسيد كلاب وبطل الأبطال. # جلجاميش ~~: # بل صاحبه ورفيق الدرب. # الصوت ~~: # بحق الآلهة جميعا، # آنو، إنليل، وشمش العادل، # وبحق آيا الطيب # راعي البشر # ورب الحكمة والماء العذب. # جلجاميش ~~: # وبحقك يا نرجال، # خلص شبح صديقي # من أرض الرعب. # الصوت ~~: # وافتح في الأرض الثقب # لتخرج. # جلجاميش ~~: # وتطهر مني القلب. ~~(يظهر الشبح. تدمدم الرياح والأصوات والأصداء. ~~يتراجع الكهنة ويتقدم إليه جلجاميش ويعانقه.) # تكلم يا صديقي! كلمني عن قانون الأرض التي رأيتها. # الشبح ~~: # لو أردت أن أكلمك عنه فلا بد أن تجلس وتبكي. # جلجاميش ~~: # سأجلس أمامك وأبكي، كما فعلت دائما يا إنكيدو. # الشبح ~~: # هل تذكر جسدي الذي كنت تلمسه فيفرح قلبك. # جلجاميش ~~: # وبكيته ستة أيام وسبع ليال. لم أوافق على دفنه في التراب، ظننت أن بكائي ~~عليه سيوقظك من نومك. # الشبح ~~: # جسدي الآن تنهشه الحشرات ms117 كأنه ثوب بال. يشوهه العفن ويملؤه التراب. # جلجاميش ~~: # يا ويلي! ها أنا أجلس وأبكي كما فعلت يوم موتك. ها أنا أمرغ رأسي في التراب ~~حزنا عليك. # الشبح ~~: # لم أقل لك هذا لتحزن ولا لتمرغ رأسك في التراب. # جلجاميش ~~: # ولماذا تقوله؟ # الشبح ~~: # لكيلا تخاف الموت. # جلجاميش ~~: # وماذا أخاف غيره؟ لما هجم الدود على وجهك وسقط من أنفك أصابني الرعب. اشتد ~~علي الخوف من الموت فهمت في البرية. قطعت الطرق الوعرة والغابات وقدرك يرزح ~~فوق الصدر. وصديقي، من أحببت كثيرا، صار ترابا. # الشبح ~~: # ماذا في ذلك يا جلجاميش؟ # جلجاميش ~~: # قلت لنفسي: ألن أرقد مثله في التراب فلا أنهض أبدا؟ هل سيكون مصيري مثل ~~مصيره؟ # الشبح ~~: # ومضيت تبحث عن الخلود لنفسك. # جلجاميش ~~: # لي ولك ولكل إنسان. صدقني يا إنكيدو. # الشبح ~~: # ولم تذكر ما قلته لك؟ # جلجاميش ~~: # ماذا قلت يا إنكيدو؟ ومتى قلته؟ # الشبح ~~: # قبل دخول الغابة، حذرتك من قتل خمبابا وقلت: # أعطاك الرب القوة يا جلجاميش وحباك الملك. # أعطاك النصر الرائع في الحرب # لتحل أمور الناس وتعقدها، # وتكون ظلام العالم أو نوره، # لكن لم يعطك ما أعطاه الآلهة وحسب. # جلجاميش ~~: # كنت أعرف هذا. قلته بنفسي مرارا. # الشبح ~~: # ولم يمنعك من البحث عن الخلود. # جلجاميش ~~: # حتى ضيعت النبتة ففهمت. # الشبح ~~: # ليتك كنت تطهرت! # جلجاميش ~~: # ماذا تقصد يا إنكيدو؟ # الشبح ~~: # تصورت أن القتل هو الخلود، أن قتل المارد خمبابا # وثور السماء يمكن أن يخلد اسمك فوق الحجر. # جلجاميش ~~: # ألم يكن القضاء على الشر نوعا من الخلود؟ ألم تتحسر على نفسك لأنك مت في ~~فراشك ولم تمت على أرض المعركة؟ # الشبح ~~: # نعم يا جلجاميش، لكنني عرفت وتطهرت. # جلجاميش ~~: # كيف يا صديقي؟ تكلم يا أخي. # إنكيدو ~~: # آه! أوشك الديك أن يصيح، ضاق الوقت عن الكلام عن الخلود. # جلجاميش ~~: # أرجوك تكلم! إني أبحث عنه. # إنكيدو ~~: # الخلود تصنعه أنت. # جلجاميش ~~: # ويلي! أتكرر ما قالوه؛ سيدوري، زوجة أوتنابشتيم الخالد، أورشنابي. # إنكيدو ~~: # أجل يا جلجاميش. الخلود تصنعه بيديك. ~~(يتلاشى الشبح بالتدريج.) # جلجاميش ~~: # انتظر. أريد حل اللغز الحائر. لا أريد أن أخرج ms118 من ليل حياة بلا خلود، إلى سجن ~~خلود بلا حياة! # إنكيدو ~~: # أجل. أجل. تصنعه أنت بعقلك ويديك. # جلجاميش ~~: # أصنعه بيدي؟ ماذا أصنع؟ ومتى؟ كيف؟ # إنكيدو ~~: # في اللحظة يا جلجاميش. # جلجاميش ~~: # أوضح. أوضح. # إنكيدو ~~: # آه! انظر تحت القدمين وفي قلب الشعب. انظر تحت القدمين وفي قلب الشعب. ~~(يتلاشى الشبح تماما ويغيب صوته. يبقى في جلسته ~~مطرقا برأسه، وفجأة ينثر عليها حفنة من تراب الأرض، ثم ينهض فاتحا ~~ذراعيه لكل المحيطين به وينادي بصوت هادئ مطمئن) ~~: # الآن عرفت. # وتطهر مني العقل مع القلب. # يا شعب أوروك الطيب، # هيا نبتدئ السير على هذا الدرب. # اللحظة تهتف # والأرض تنادي # فيجيب الحاكم والشعب. # نينسون ~~: # ولدي! يا ولدي المضطرب القلب! ~~(يشير جلجاميش للجميع فيتحركون في اتجاه البوابة المفتوحة. تنضم ~~إليهم نينسون الحكيمة ويغيبون وراء السور. يتخلف الراوية وجوقة الشيوخ.) # الراوية والشيوخ ~~(منادين على جلجاميش وهو على وشك الدخول من البوابة ~~الضخمة) ~~: # قف يا جلجاميش! مهلا! # لا تتركنا في ليل الحيرة ، # كالمارد فر إلى القمقم # لم نعرف سره، # أو كالفخار أدار العجلة والدولاب # ولكن كسر الجرة. # أتراك رجعت لتجد الموت أمامك # يقضى في بلدك أمره، # كرجوع اليائس يحفر بيديه قبره؟ # وضللت طريقك في التيه، # وضيعت المعنى والفكرة؟ # أم أنك عدت لتتطهر # من كل ذنوبك # تبني أوروك العادلة الحرة؟ # جلجاميش ~~: # أنا جلجاميش # عدت ومن أعمق أعماق الماضي، # مثلت الدور أمامك # مع أصحابي، # فكن الشاهد وكن القاضي. # أنا جلجاميش من بابل، # لكن رغم ركام السنوات، # ومر المحن عليكم والنكبات، # فما زلت أعيش وأتنفس فيكم، # ناري تتأجج تحت ثراكم، # يمكن أن تحرق حاضركم، مستقبلكم، # والأمر يعود إليكم أنتم؛ # أن أرجع كي أحكم بدوي الطبل، # وأجعل منكم جيش السخرة والذل، # أو أزرع زهرة أمل معكم # ونقيم سويا بيت الحرية والعدل. # الراوية والشيوخ ~~: # الأمر يعود إلينا نحن؟ # جلجاميش ~~(يتردد صوته المضخم أثناء دخوله من البوابة) ~~: # يعود إليكم أنتم؛ # أن أحكم بدوي الطبل، # وأجعل منكم # جيش السخرة والذل، # أو أزرع معكم زهرة أمل، # ونقيم سويا # بيت الحرية والعدل. (تتردد السطور السابقة بينما يدخل ms119 أورشنابي ~~وشمخات مسرعين.) # شمخات ~~: # جلجاميش، # لا تتركنا. # لا تتركنا في الظل. # جلجاميش، # خذنا معك # ولا تتركنا في الظل. # أورشنابي ~~: # نحن بنينا للحظة عشا # أدفأناه بأنفاس الحب، # والتف عجوز بعجوز # وتعانق قلب مع قلب، # والأمر يعود إليكم. (ثم متجها إلى الجمهور) # أنت وأنت وأنت! # لتحيا الأبدية مثلي # أنا وعجوزي شمخت، # في العمل وفي الحب # وفي ظل الصمت. # وبذلك نحيا # ونقلم أظفار الموت (يلف ذراعيه حول شمخات، ويدخلان من البوابة ~~بينما تتردد أصوات متداخلة). # صوت ~~: # الأمر يعود إليكم أنتم. # صوت ~~: # الأمر يعود إلينا نحن؟ # صوت ~~: # أن نحكم بدوي الطبل، # ونصبح جيش السخرة والذل. # صوت ~~: # أو نزرع زهرة أمل، # ونقيم سويا # وطن الحرية والعدل. ~~(ينصرف الجميع. إظلام وستار.) ~~(تمت بحمد الله.) # القاهرة، يناير 1991م. # | ملاحظات # الفصل الثاني: وحش البرية مع كاهنة الحب # الفصل الثالث: السفر لأرض الأحياء # الفصل الرابع: مصرع خمبابا في الغابة والجبل الأخضر # الفصل الخامس: لعنة عشتار على أوروك وقتل الثور # الفصل السادس: الحمى تحرق إنكيدو ودخان الأحلام # الفصل السابع: جلجاميش والرجل العقرب، وحوار مع سيدوري ساقية الحانة، ~~وكذلك مع أورشنابي ملاح مياه الموت # الفصل الثامن: لقاء مع أوتنابشتيم وأخبار الطوفان عودة جلجاميش بالنبتة # الفصل التاسع: ضياع النبتة والعودة إلى أوروك ms120