######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Munadulujiyya.Hindawi59160391 #META# Tags: philosophy #META# ID: 59160391 #META# Title: المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي #META# AuthorID: 81529172 #META# Author: ليبنتز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 46308160 #META# Translator: عبد الغفار مكاوي #META# Related_books: 1128Leibniz.Monadologia (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # تمهيد‏ # المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي‏ # المبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي‏ # المونادولوجيا‏ # إهداء‏ # تمهيد‏ # المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي‏ # المبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي‏ # المونادولوجيا‏ # | المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي # | المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي # تأليف # ليبنتز # جمع وترجمة # عبد الغفار مكاوي # | إهداء # إلى أستاذي الدكتور عثمان أمين # الذي علمني كيف أحب نصوص الفلاسفة، وأتعاطف مع أفكارهم ونبضات ~~قلوبهم. # عبد الغفار مكاوي # | تقديم # بقلم فؤاد زكريا # حين يمعن المرء النظر في فترات النهوض الفلسفي على مر العصور، يجد ~~بينها جميعا سمة مشتركة تبرز أمامه بوضوح كامل، هي العناية بالنصوص ~~الفلسفية؛ فالنهضة الفلسفية العربية التي أثرت الحضارة الإنسانية ~~بفكر الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، سبقتها وعاصرتها فترة نشطة ~~من الترجمة، نقلت إلى اللسان العربي ذخائر الفكر اليوناني، فحدث ذلك ~~الامتزاج بين طريقتين في التفكير وأسلوبين في النظر إلى العالم، كان ~~أحدهما وثنيا عقليا منطقيا، وكان الآخر مستندا إلى إيمان ديني ~~متفتح، وأثمر تزاوج هاتين الطريقتين في التفكير فلسفة لها طابعها ~~المميز، وأسلوبا في البحث لا يزال، حتى اليوم، يحتل مكانة رفيعة في ~~التراث العالمي. # كذلك كان عهد الحركة الفلسفية الخصبة التي شهدتها أوروبا في القرن ~~السابع عشر، والتي كان أقطابها عمالقة للفكر من أمثال بيكن وديكارت ~~وإسبينوزا، مسبوقا بجهد ضخم يهدف إلى نشر النصوص الفلسفية القديمة، ~~من العصر اليوناني بوجه خاص، بين أكبر عدد ممكن من المثقفين. ~~وبفضل هذا الجهد، الذي اضطلعت به مجموعة من الباحثين الممتازين فيما ~~يعرف بحركة «النزعة الإنسانية» عرفت أوروبا في مطلع العصر الحديث ~~نماذج حقيقية للفكر القديم، لم تشوهها تحريفات مفكري العصور ~~الوسطى وتأويلاتهم، واكتسب العقل الأوروبي فائدة لا تقدر من ~~الاطلاع على نمط فكري مخالف للنمط اللاهوتي الذي ظل مسيطرا على ~~الأذهان طوال ما يقرب من ألف وخمسمائة عام، فكانت حصيلة ذلك كله تلك ~~الانطلاقة الرائعة التي أثمرت، مجموعة متلاحقة من المذاهب الفلسفية ~~العميقة، فاقت في تنوعها وخصبها ما أنتجته خمسة عشر قرنا سابقة، ~~وهيأت الأساس العقلي لحضارة تلائم ms01 تطلعات الإنسان الحديث. # هذان إذن مثلان يقطعان بأن إحياء النصوص الفلسفية الأصلية، ونشرها ~~على أوسع نطاق هو شرط ضروري يمهد لنهضة الفكر الفلسفي. وقد يبدو في ~~هذا الفرق نوع من المفارقة، إذ يخيل إلى المرء للوهلة الأولى أن ~~الرجوع إلى النص الأصلي يقيد من انطلاقة العمل الخلاق؛ إذ يضعه أمام ~~نماذج فكرية رفيعة يشعر المرء إزاءها بالتضاؤل، وبأنه لا يملك أن ~~يضيف المزيد إلى ما قاله العباقرة من أصحاب هذه النصوص، ولكن حقيقة ~~الأمر أن الصحبة المباشرة للمفكرين الكبار - لا تلك الصحبة التي ~~تتم بتوسط المفسرين والشراح - تعطي العقل الفلسفي دفعة هائلة إلى ~~الأمام؛ إذ تطرح أمامه الأسئلة الأصيلة في الفلسفة، وتقدم إليه ~~نماذج لإجابات عبقرية عنها، وتدعوه إلى أن يعيد طرحها من جديد، ~~وتحفزه إلى أن يبحث بنفسه ولنفسه - كما بحث هؤلاء - عن إجابات ~~تتمشى وطبيعة عصره ومجتمعه، وترضي نزوعه الشخصي إلى إضفاء صبغة ~~معقولة على العالم. # إن النص الفلسفي إنما هو دعوة للقارئ إلى التفكير الحر، سواء في ~~فهم النص وفي تأويله وفي الكشف عن دلالته، وهو قبل ذلك كله دعوة له ~~كيما يجد لما يقرؤه مكانا في عالمه العقلي الخاص، ويدمجه في تصوره ~~العام لحياة الفكر على العصور. ومن هنا كانت القراءة الخلاقة للنص ~~أبعد ما تكون عن حالة التلقي السلبي أو الخضوع الممتثل. والدليل ~~الواضح على ذلك تلك الاختلافات الهائلة بين الشراح - وبين القراء - ~~في فهم النص الواحد. فمعايشة الفيلسوف من خلال كتاباته تختلف كل ~~الاختلاف عن قراءة بحث يضع فيه العالم خلاصة كشف جديد توصل إليه؛ إذ ~~إنك في الحالة الأخيرة مدعو إلى أن تقتنع بالنتائج التي يعرضها ~~عليك، وتقبلها - بعد اقتناعك - قبولا تاما. وإنما يجد العقل ~~المتفتح هذه المعايشة أقرب ما تكون إلى تذوق عمل فني كبير، ~~يقدم إليك من الإيحاءات أكثر مما يقدم من المعاني الثابتة، ويدعوك ~~(بل يتحداك) إلى أن تجرب قدرتك على تفسيره، واتخاذ موقف منه، أكثر ~~مما يدعوك إلى قبوله والتسليم بعظمته في سلبية وخشوع. # وإني لأرى لزاما علي في ms02 هذه الكلمة التي أقدم فيها سلسلة من ~~النصوص الفلسفية تتيح للقارئ العربي أن يطلع، بلغته القومية، على ~~الفكر الحي لعدد من أقطاب الفلسفة، أن أشير إلى ما نأمل أن يحققه ~~نشر النصوص الفلسفية من نهضة فلسفية في بلادنا. فطالما سمعنا من ~~يحدثوننا عن افتقار بلادنا إلى التفكير الفلسفي الأصيل، الذي يجمع ~~بين الشمول والأصالة، والذي ينبع من تربتنا لكي يعلو شاهقا، حتى ~~يبلغ سماء الفكر العالمي، وتلك بالفعل حقيقة لا بد من الاعتراف ~~بها، ومحاولة البحث عن أسبابها. وعلى الرغم من أنني لست الآن في ~~معرض الخوض في هذه المسألة، فإنني مؤمن بأن من أنجح وسائل علاج هذه ~~الظاهرة، إتاحة الفرصة أمام جمهور المثقفين؛ لكي يمارسوا بأنفسهم، ~~دون حاجة إلى وسطاء، تجربة معايشة الفكر الفلسفي في صورته النقية، ~~ويتابعوا البناء الشامخ الذي شادته عقول جبابرة، وهو يعلو أمام ~~أنظارهم طابقا فوق طابق، فبهذه المعايشة يتحقق حوار حقيقي بين ~~العقول، تكتسب بفضله القدرة على الجدل الخصب البناء، وتكشف بنفسها عن ~~زيف المرايا الخادعة التي تقدم إلينا من خلالها بين الحين والحين، صورة ~~التيارات الفكرية العالمية، والتي تكاد تكون هي الزاد الفلسفي الأوحد ~~لعدد كبير من المتطلعين إلى الثقافة في بلادنا. # وإني؛ إذ أحيي هذه المحاولات الجادة التي يقوم بها مجموعة من ~~خيرة شبابنا المشتغلين بالفلسفة من أجل نشر الفكر العالمي على أوسع ~~نطاق بين قراء العربية، وأرى فيها بشيرا بنهضة فلسفية حقيقية في ~~بلادنا، آمل مخلصا أن يقترب اليوم الذي يزيح فيه مجتمعنا من طريقه ~~كافة العقبات التي حالت دون تحقيق ذلك الحلم الذي يراود كل محب ~~للثقافة، وأعني به ظهور فكر فلسفي أصيل يعبر عن شخصيتنا القومية ~~أصدق تعبير. # | تمهيد # أولا: حياة ليبنتز # يحتل ليبنتز مكانة مرموقة في كل كتاب عن تاريخ الفلسفة. ~~وليس هناك من يشك في قيمته الفلسفية، أو يتردد في وضعه بين ~~كبار الفلاسفة، ومع ذلك فلعله لم يكن ليوافق على هذا، أو لم ~~يكن ليكتفي به! فجهوده لم تقتصر على الفلسفة، بل امتدت إلى ~~ميادين السياسة ms03 والتاريخ والقانون واللغة والاجتماع والاقتصاد ~~واللاهوت والعلم الطبيعي والرياضي، كان سياسيا بالمعنى الشامل ~~لهذه الكلمة، وشغلته مشروعاته الضخمة في هذا المجال طوال حياته، ~~وشارك في معظم ميادين العلم النظرية والتطبيقية، كما جعلته ~~كشوفه الرياضية (وبالأخص اكتشافه لحساب اللامتناهي في الصغر ~~أو التفاضل والتكامل) من أعظم العلماء الرياضيين في كل العصور. ~~أضف إلى هذا أنه طور الآلة الحاسبة التي طوعها «باسكال» للجمع ~~والطرح، فأصبحت قادرة على الضرب والقسمة واستخلاص الجذور مما أتاح ~~له شرف الانضمام إلى عضوية الجمعية الملكية الإنجليزية. ولم يقف ~~نشاط ليبنتز في مجال العلوم عند هذا الحد، فقد شغل بمسائل التعدين ~~والمناجم ومشكلاتها الفنية؛ مما أدى إلى اكتشافات هامة في ~~الجيولوجيا واستغلال الطاقة. أما أعماله التاريخية فكان من أهمها ~~الجزء الأول من تاريخ أسرة جويلف، # 1 # الذي لم يتمكن من إتمامه. # وإذا كان قد شاع بين الناس أن التأمل الفلسفي يجني بالضرورة ~~على حظ الإنسان من النجاح في الحياة العملية، فإن ليبنتز يعد ~~دليلا حيا على خطأ هذا الظن، وليس معنى هذا أن حياته خلت من ~~الهموم والآلام، أو نجت من الوقيعة والدس. فقد لقي في أواخر ~~حياته ما لقي من الجحود والنكران، ومات وحيدا كالمونادة ~~الوحيدة، ولكنه نال على كل حال ما لم ينله غيره من المكانة ~~والحظوة في أوساط العلم والسياسة والبلاط. ثم ظل بعد موته ~~منسيا أو شبه منسي، حتى قدر لأغلب إنتاجه أن ينشر، وسطع ~~مجده منذ أوائل هذا القرن، وعكف الباحثون على درسه، وإلقاء ~~الأضواء على شخصيته الموسوعية الرائدة. # ولد ليبنتز في مدينة ليبزج في الواحد والعشرين من شهر يونيو ~~سنة 1646م، قبل نهاية حرب الثلاثين التي أنهكت أوروبا، ودمرت ~~ألمانيا بسنتين. وكان أبوه محاميا وموثقا وأستاذا جامعيا. ~~وظهر نبوغه المبكر في طفولته وسنواته الأولى في المدرسة، فلم يكد ~~يتم الثامنة من عمره، حتى علم نفسه اللغة اللاتينية بدون ~~معلم ولا كتاب! وأتاحت له مكتبة أبيه الضخمة أن يقوم بسياحات ~~واسعة في أرض المعرفة، فتمكن من الإلمام باللغات القديمة إلماما ~~طيبا، واتجه إلى ms04 قراءة مؤلفات الشعراء والمؤرخين والكتاب ~~القدامى وآباء الكنيسة والفلاسفة المدرسيين، وعرف أسماء وأعمال ~~ششرون وسينيكا وكوينتليان، وهيرودوت وإكزينوفون وبلينيوس وأفلاطون. ~~يقول عن هذه الفترة من حياته إنه لم يفهم منهم في البداية شيئا، ~~ولكنه استطاع بالتدريج أن يعرف بعض الشيء، ثم انتهى إلى معرفة ~~ما يكفيه. ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره التحق بالجامعة ~~العريقة في موطن رأسه، وتركها بعد ذلك بفترة قصيرة للدراسة في ~~جامعتي «يينا» و«ألتدورف» في «بافاريا». وقد عكف في البداية على ~~التفقه في القانون، ولكن شغفه بالمعرفة الشاملة لم يلبث أن ~~غلب عليه، فاتجه إلى الفلسفة والرياضة والفيزياء، واطلع على ~~أعمال بيكون وديكارت وجاسندي وجاليليو. ويبدو أنه جرب الكتابة في ~~هذه السن المبكرة، إذ لم يكد يتم السادسة عشرة من عمره، حتى ~~كان قد نشر أول بحوثه الفلسفية باللاتينية، وهو شرح ميتافيزيقي ~~لمبدأ التفرد، # 2 # مما يدل على اهتمامه بهذا المبدأ الذي سيطبع كل ~~تفكيره وفلسفته. # تلقى ليبنتز الفلسفة في جامعة ليبزج على ياكوب تومازيوس، # 3 ~~(1632-1685م) وكان من أكبر العارفين بالفلسفة ~~اليونانية والمدرسية، والناقدين لها والمتنبئين بنهايتها على ~~السواء. # أما في «يينا» فقد تتلمذ على العالم الرياضي إرهارد فايجل، # 4 ~~(1625-1699م) الذي لقنه أسس الرياضة، وعرفه ~~بالفلسفة الفيثاغورية والعلم الطبيعي والتفسير الميكانيكي السائدين ~~في عصره. ويبدو أن المحاولات التي كان يبذلها «فايجل» ~~للتوفيق بين فلسفة أرسطو والفلسفة الميكانيكية وتطبيق المنهج ~~الرياضي على الأخلاق والميتافيزيقيا قد تركت أثرا لا يمحى من نفس ~~ليبنتز. وانشغل بالرياضة والميكانيكا، ولكنه لم يستطع أن يتخلص ~~تماما من الفلسفة المدرسية؛ إذ ظل يفكر في نزهاته الوحيدة في ~~الغابة القريبة من ليبزج في «الصور الجوهرية» التي قال بها ~~المدرسيون، وهل ينبغي عليه أن يتخلى عنها، أو يبقي عليها في ~~مذهبه المقبل! وقد ظهرت آثارها في أول بحث دراسي وضعه في حياته ~~عن مبدأ التفرد، الذي أشرت إليه، ولكنه استطاع على كل حال أن ~~ينتزع نفسه منها؛ ليرجع إلى دراسة القانون التي أتمها في جامعة ~~ألتدورف في سنة 1667م (إذ أبت عليه جامعة ms05 ليبزج أن يحصل على ~~الدكتوراه لصغر سنه ). # وجذبته طبيعته المتطلعة لكل جديد وغريب إلى مدينة نورمبرج، ~~فقضى فيها فترة قصيرة أشبع فيها شوقه إلى معرفة أسرار إحدى ~~الجمعيات الروحية التي كانت تسمي نفسها جمعية «أصحاب الصليب ~~الوردي»، وتمارس طقوسا خفية لاستجلاء أسرار الدين والطبيعة ~~والمعادن والعثور على حجر الفلاسفة! # وتعرف ليبنتز بعد ذلك بقليل - أو ربما أثناء إقامته القصيرة في ~~نورمبرج - على البارون يوهان كرستيان بوينبرج المستشار السابق ~~لأمير «ماينس» وأسقفها يوهان فيليب فون شونبرج. وفطن المستشار إلى ~~مواهب المحامي الشاب، وسعى له في العمل لدى الأمير، كما ساعده على ~~الإلمام بمشكلات السياسة الأوروبية. وقد كانت المشكلة الكبرى التي ~~تشغل عقول السياسيين وترجف قلوبهم في ذلك الحين هي حماية ~~الإمبراطورية الجرمانية الممزقة من مطامع فرنسا وقوتها المتزايدة. ~~وسافر ليبنتز في شهر مارس سنة 1672م في مهمة دبلوماسية إلى باريس، ~~وفي جعبته مشروع مفصل لغزو مصر، يكشف عن علم غزير بأحوال مصر ~~وثرواتها في ذلك الحين. وحاول أن يغري «الملك الشمس» (لويس ~~الرابع عشر) على محاربة الإمبراطورية العثمانية لتحويل نظره عن ~~أطماعه في الحدود الغربية المشتركة بين البلدين. غير أن الملك ~~الشمس لم يأبه بهذا المشروع، ولعله لم يسمع به على الإطلاق. وأفهم ~~وزراؤه المبعوث أن زمن الحروب المقدسة قد فات؛ فأخفقت المهمة ~~الدبلوماسية إخفاقا ذريعا. (ويشاء القدر أن يكتشف نابليون هذا ~~المشروع العجيب أثناء احتلاله لمدينة هانوفر بعد ذلك بأكثر من قرن ~~كامل!) غير أن إقامته في باريس عوضته عن هذا الفشل السياسي؛ إذ ~~أتاحت له فرصة الالتقاء بعدد كبير من رجال الدين والفلسفة والعلم ~~الرياضي والطبيعي نذكر منهم على الترتيب: أنطوان آرنو، ومالبرانش، ~~وكرستيان هيجنز، وآدم ماريوت، بل لقد أسعده الحظ بمشاهدة موليير ~~في إحدى مسرحياته، ولا بد أنه شعر أثناء وجوده في باريس كأنه يعيش ~~في بيته وبين أهله، فانطلق لسانه باللغة الفرنسية التي لم يلبث أن ~~أتقنها، وساعده هذا على كتابة أهم أعماله بهذه اللغة التي كانت، ~~إلى جانب اللاتينية، لغة العلم والعلماء. # وسافر ليبنتز في شهر ms06 يناير سنة 1673م في بعثة أرسلها أمير ماينس ~~إلى لندن، وكانت إذ ذاك مركزا هاما للبحوث الرياضية والعلمية. ~~وقد اغتنم فرصة إقامته في العاصمة الإنجليزية، فكتب رسالة إلى هوبز ~~الذي كان معجبا بفلسفته الطبيعية، ولكنه لم يتلق ردا عليها، ~~فاتصل بأعضاء الجمعية الملكية، وتوثقت أواصر المودة ~~الروحية والعلمية بينه وبين العالم الكيماوي الشهير روبرت بويل، ~~غير أن إقامته في لندن لم تدم طويلا، فلم يلبث أن غادرها في ~~شهر مارس من نفس السنة عائدا إلى باريس على أثر الأنباء التي ~~بلغته عن وفاة أمير ماينس. وأذن له الأمير الجديد في الاحتفاظ ~~بلقب مستشاره القانوني، ولكنه حرمه راتبه وجرده من بعثته ~~الدبلوماسية! ومع ذلك فقد تمكن من مد فترة إقامته في باريس ثلاث ~~سنوات أخرى، قضاها متفرغا للدراسات العلمية، عاكفا على البحث ~~والاطلاع، وتبادل الأفكار مع العلماء في عاصمة النور، وكسب عيشه ~~من الاستشارات القانونية (إذ كان خبيرا في شئون الطلاق!) ~~والإشراف على تربية ابن بوينبرج المستشار السابق الذكر. # كانت أهم كتاباته وبحوثه في تلك الفترة في الرياضة «فتعرف إلى ~~أعمال باسكال وطور الآلة الحاسبة»، وفتح له هيجنز باب الدراسات ~~الرياضية العالية التي سرعان ما تفوق فيها على أستاذه! وكان أعظم ~~ما أدت إليه هو اكتشافه لحساب اللامتناهي في الصغر (التفاضل) ~~الذي أتمه سنة 1676م، وكان نيوتن قد سبقه إليه سنة 1665م دون ~~أن يعلم. وقد بين البحث بعد ذلك أنهما توصلا إليه بطرق ~~مختلفة، وفي استقلال تام عن بعضهما البعض، وإن كان هذا لم يمنع ~~من نشوب خلافات مؤسفة حول أسبقية أحدهما الآخر. # وغادر باريس في سنة 1676م عائدا إلى بلاده، بعد زيارة قصيرة ~~للندن ولاهاي، حيث لقي إسبينوزا واستمرت المناقشات الفلسفية ~~بينهما عدة أيام. وقد ظلت هذه الزيارة مثارا للجدل، كما أحاط ~~الغموض بعلاقة الفيلسوفين، ولكن يبدو أن ليبنتز لم يقتنع بآراء ~~إسبينوزا، وعارض نظريته عن الله ونقده للأديان، وإن لم يكن هناك ~~شك في أنه سعى للاطلاع على مخطوطاته التي جاهد الفيلسوف ~~الهولندي المنطوي على نفسه لحجبها عنه! ms07 ويظهر أن ليبنتز قد ~~اتجه إلى إسبينوزا والأمل يداعبه في أن يجد لديه الحل الذي ~~ينقذه من أخطاء ديكارت! فلما لم يجد هذا الحل يئس منه وسخط عليه! ~~ولكنه لم يخل مع ذلك من التأثر به إذ أقنعته النتائج التي ~~توصل إليها إسبينوزا بأن التفسير الميكانيكي للعالم تفسير غير ~~كاف، كما تأثر بغير شك بفكرته عن النزوع # Conatus # التي أخذت شكلا آخر لديه، ولعله أن ~~يكون كذلك قد تأثر قليلا أو كثيرا بفكرته عن الجوهر الكلي ~~الذي أصبح لديه قوة دينامية فردية متميزة بعد أن أدار وجهه ناحية ~~أفلاطون وأرسطو والمشائين! # مهما يكن من شيء، فقد مات إسبينوزا بعد ذلك بشهور قليلة. وكتب ~~ليبنتز رسالة إلى القس جالوا يقول فيها هذه العبارة العجيبة: «مات ~~إسبينوزا في هذا الشتاء، إن له ميتافيزيقا غريبة، مليئة ~~بالمتناقضات ...» # وصل ليبنتز إلى هانوفر في شهر ديسمبر سنة 1676م. وقبل وظيفة ~~مستشار في بلاط الدوق يوهان فريدريش وأمين مكتبته. وأظهر الدوق ~~عطفه الشديد على ليبنتز وتفهمه لمشروعاته السياسية والدينية ~~ومنجزاته العلمية، وبقيت العلاقة بينهما أقرب ما تكون إلى العلاقة ~~بين الأصدقاء، حتى مات الدوق في سنة 1679م، فأحس ليبنتز ~~بخسارته الفادحة، التي زاد من وقعها على نفسه أن خلفاءه لم يفهموه ~~أو يقدروه. فقد خلف الدوق شقيقه أرنست أوجست، ثم جاء بعده ابنه ~~جورج لودفيج، ولم يكن لهما نصيب من ذكاء العقل أو رقة القلب، ومع ~~ذلك فقد شاءت العناية الإلهية أن تعزي الفيلسوف الوحيد عن ~~خسارته بالقرب من سيدة مثقفة نبيلة لم تبخل عليه هي ولا ابنتها ~~بمودتها ورعايتها. # وكانت هذه السيدة هي الدوقة صوفي، زوجة الدوق أرنست أوجست، ~~وأما ابنتها فهي صوفي شارلوت التي صارت بعد ذلك ملكة بروسيا، ~~واتصلت الصداقة العقلية الخالصة بينهما، فألهمته الكثير من أفكاره ~~الأصيلة، ومدت إلى قلبه الوجيد أشعة دافئة أوحت إليه ببعض ~~مؤلفاته الفلسفية! # قضى ليبنتز في بلاط هانوفر أربعين سنة حافلة بالنشاط السياسي ~~والدبلوماسي، الذي أتاح له فرصة السفر في رحلات طويلة. وقد ساقته ~~هذه الرحلات بين ms08 سنتي 1687-1690م إلى نابولي عن طريق فيينا وروما، ~~والتقى في فيينا بالإمبراطور ليويولد الأول، وتناقش في روما مع ~~رجال العلم والكنيسة، كما تحاور مع بعض اللاهوتيين الجزويت عن ~~بعثتهم إلى الصين، وعن عظمة الحضارة الصينية، وعرضت عليه وظيفة ~~أمين مكتبة الفاتيكان. وكان من الممكن أن يساعده هذا العرض ~~المغري على الوصول لمنصب الكاردينال، لولا أنه رفض أن يتحول إلى ~~المذهب الكاثوليكي. # هكذا تشتتت حياة ليبنتز بين واجباته ومهام منصبه العديدة التي ~~وزعت جهوده بين المكتبة وكتابة التاريخ والتوفيق بين الكنيسة ~~الكاثوليكية والبروتستنتية وتأسيس الأكاديميات، وإصدار الفتاوى ~~القانونية! ومع ذلك فقد وجد شيئا من الفراغ الذي مكنه من ~~العكوف على بناء مذهبه الفلسفي. فكتب في سنة 1686م «المقال في الميتافيزيقا»، # 5 # وهو أول تلخيص يحمل فيه أهم أفكاره الفلسفية ~~والدينية كفكرته عن الجوهر البسيط والاتساق المقدر، وقدمه ~~للعالم اللاهوتي أرنو الذي ظل يراسله أربع سنوات. أما أول عرض ~~منهجي لمذهبه فقد نشره بعد ذلك بتسع سنوات (1695م) في ما لا ~~يزيد عن ثلاث عشرة صفحة في مجلة العلماء، # 6 # التي كانت تصدر في باريس تحت عنوان «المذهب الجديد ~~عن الطبيعة والاتصال بين الجواهر». # 7 # وتمكن ليبنتز في سنة 1704م من إكمال «المقالات الجديدة عن ~~العقل البشري»، # 8 # التي ناقش فيها آراء جون لوك عن نظرية المعرفة في ~~كتابه «مقال عن العقل الإنساني (1690م)» مناقشة واسعة، ثم شاء ~~الموت أن يعاجل لوك قبل الانتهاء من هذه المقالات بقليل، فأحجم ~~ليبنتز عن نشرها، ولم تظهر إلا بعد وفاته بخمسين سنة (سنة ~~1765م). # ويبدو أنه تردد في نشر رسالته الشهيرة عن العدل الإلهي أو ~~الثيوديسية، حتى ألحت عليه صوفي شارلوته في نشرها (وكانت قد ~~تزوجت من فردريك الأول، وأصبحت ملكة على بروسيا)، وظهر الكتاب ~~سنة 1710م، وسرعان ما ذاع وانتشر ذكره وأثره بين الناس، وكان ~~عنوانه الفرعي وحده كافيا للدلالة على موضوعه: طيبة الله (أو ~~خيريته)، وحرية الإنسان، وأصل الشر # 9 # كما كان لردوده على الانتقادات التي وجهها إليه ~~الفيلسوف الفرنسي بيير بابل في ms09 قاموسه التاريخي والنقدي دور في ~~هذا الأثر الكبير. # واستطاع ليبنتز قبل موته بسنتين أن يضع رسالتين صغيرتين، لخص ~~فيهما فلسفته وصاغها في عبارات دقيقة محكمة، كانت أولاهما هي ~~المبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي، # 10 # أما الثانية فقد تركها بغير عنوان، ثم عرفت بعد ذلك ~~باسم المونادولوجيا. # 11 # وأصبحت أشهر أعماله وأكثرها دلالة على مذهبه. وقد أراد ~~لها أن تكون مدخلا مبسطا لفلسفته، وأهداها (هي أو المبادئ في ~~رأي بعض الشراح) للأمير يوجين الذي تعرف به في فيينا وكسب ~~مودته. # كان ليبنتز من هواة كتابة الرسائل، وتضم قائمة مراسلاته أكثر من ~~ستمائة اسم! وقد ضمنها عددا كبيرا من آرائه في السياسة والدين ~~والفلسفة، وبث فيها كثيرا من هموم العالم الوحيد الذي يستضيء ~~الناس بنور عقله، ويضنون عليه بشعاع يدفئ قلبه. ولعلها كانت ~~أنسب وسيلة للتعبير عن أفكاره العميقة وخواطره ولمحاته الأصيلة ~~التي حرمه التشتت والترحال فرصة تقييد طيورها الشاردة في قفص ~~الكتب المنهجية المنسقة! ولم يتسن بعد للباحثين أن ينشروا كل ~~هذه الرسائل المبعثرة المكتوبة بخط رديء تصعب قراءته! ولا شك ~~أنها جزء لا يتجزأ من حياته وشخصيته ونشاطه العقلي ~~المتدفق. # مات ليبنتز في هانوفر في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1716م بعد أن ~~بلغ السبعين. مرض قبل موته بالنقرس، وامتلأت نفسه مرارة من جحود ~~الأصدقاء والمعارف والزملاء، وبقيت معظم أعماله الفلسفية والعلمية ~~شذرات ناقصة، وأخفقت أغلب مشروعاته السياسية والدينية. وكان أمير ~~هانوفر - الذي اعتلى عرش إنجلترا قبل وفاة ليبنتز بسنتين وسمى ~~نفسه جورج الأول - قد تخلى قبل ذلك عنه. وكانت صديقتاه وراعيتاه ~~النبيلتان - الأميرة صوفي أم هذا الملك وشقيقته الملكة صوفي ~~شارلوته - قد اختفتا من مسرح حياته التي لم تعد تحتمل ~~بعدهما، وفكر في أيامه الأخيرة أن يغادر هانوفر، ولكن صحته ~~كانت قد تحطمت. وعندما مات لم يمش في جنازته أحد من رجال الدين ~~الذين اتهموه قبل ذلك بمقاطعة الكنيسة، ولقبوه «المؤمن بلا شيء»، ~~ولا من رجال البلاط الذي وهبه أربعين سنة من عمره. وتجاهلت ~~الجمعية الملكية البريطانية نبأ وفاته، ms10 وأهملته أكاديمية برلين ~~التي أسسها، وكان أول رئيس لها. لم يشيعه إلى قبره سوى تابعه ~~وسكرتيره الأمين اكهارت. وسار نعشه، كما قال أحد شهود العيان كأنه ~~نعش لص أو قاطع طريق، وكأنه لم يكن زينة بلده. ولولا الخطبة ~~البليغة التي نعاه بها فونتينيل - ابن أخ الشاعر المسرحي كورني - ~~بعد موته بسنة كاملة أمام أكاديمية العلوم في باريس لأصابنا اليأس ~~المطبق من قسوة الإنسان. # ولكن أعماله بقيت على الرغم من سوء الحظ الذي صادفه في أواخر ~~حياته. وستضمن له المجد والخلود، إن كان في هذا العالم الشقي ~~المظلم الذي أسرف في حسن الظن به شيء اسمه الخلود! # ثانيا: فلسفة ليبنتز ~~(أ) العالم كل متجانس # ترجع فكرة «الجوهر» إلى أرسطو الذي ندين له بعدد ضخم من ~~أفكارنا ومصطلحاتنا الفلسفية والجوهر عنده هو الماهية التي ~~يقوم عليها وجود كائن فردي معين، هذه الماهية تظل ثابتة ~~وإن تغيرت كل الخصائص الخارجية التي تميز هذا الكائن من ~~حجم وكيفيات وعلاقات ... إلخ. وقد دارت مناقشات عديدة حول ~~فكرة الجوهر الأرسطية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ووقف ~~منها الفلاسفة بين مؤيد ومعارض. أصر التجريبيون على ~~رفضها، وحاولوا أن يلغوها من الفلسفة إلغاء (فهيوم مثلا يقول ~~إنها وهم، وأن الجوهر ليس إلا مجموع صفاته). ودافع عنها ~~المدرسيون؛ لأنها كانت تمثل نقطة أساسية في مذهبهم ~~الفلسفي، وعارضها العقليون مثل ديكارت وإسبينوزا، ولكنهم ~~تمثلوها في صورة أخرى معدلة (فبينما يقول ديكارت بجوهرين ~~مخلوقين هما الفكر والامتداد، إلى جانب الجوهر المطلق أو الله، ~~يقول إسبينوزا بجوهر واحد لا متناه يمكن أن نسميه الله ~~أو الطبيعة). # وقد احتفظ ليبنتز بفكرة الجوهر، بل جعل منها محور فلسفته، ~~وجمع فيها بين عناصر قديمة من التراث الفلسفي إلى جانب أفكاره ~~الخاصة؛ بحيث انتهى بها إلى تصور أصيل وجديد، واختار لها ~~كذلك اصطلاحا جديدا هو «المونادة» لم يستخدمه إلا منذ سنة ~~1697م. # ويبدأ ليبنتز بالأجسام الطبيعية، فهذه الأجسام تقبل القسمة، ~~وهي لهذا مركبة، أو هي على حد تعبيره الذي لم يوفق فيه ~~«جواهر مركبة». ولما ms11 كانت هناك جواهر مركبة، فلا بد في رأيه ~~أن تكون هناك جواهر بسيطة، هذه الجواهر البسيطة هي التي ~~يسميها المونادات، وهي «الذرات الحقيقية التي تتكون منها ~~الطبيعة». # ولكن وصف المونادات بأنها ذرات لا يخلو من إساءة الفهم؛ ~~لأنها شيء مختلف عما نعرفه اليوم عن الذرات؛ ذلك أن ليبنتز ~~لا يقصد منها أن تكون هي العناصر الطبيعية النهائية التي ~~تنحل إليها المادة؛ ومن ثم فليست هي الذرات ولا الجسيمات أو ~~الجزئيات الأولية التي تتكون منها الذرة، بل إنه لن يتردد ~~في وصف الذرات والجزئيات التي تتكلم عنها الفيزياء الحديثة ~~بأنها «جواهر مركبة»؛ لأن كل الأجسام في نظره تقبل القسمة مهما ~~كانت صغيرة، وعملية القسمة هذه يمكن أن تمضي إلى ما لا ~~نهاية. ولن تؤدي مناهج الفيزياء الحديثة إلى اكتشاف المونادة ~~التي يتصورها؛ لأن المونادة لا يمكن تصورها إلا عن طريق الفكر، ~~ولهذا فهي كما يدل اسمها بسيطة، ومعنى هذا في رأيه أنها لا ~~تقبل القسمة، وليست مادية ولا شكل لها، وهي كذلك لا تتكون ولا ~~تفنى، ومثل هذا الجوهر لا يمكن أن يكون موضوعا من موضوعات ~~العلم الطبيعي الحديث. # وإذا كانت مناهج العلم عاجزة عن الوصول إلى فكرة المونادة، ~~فهل يمكن أن تطبق عليها مناهج الرياضة؟ يحتمل أن تكون بحوث ~~ليبنتز عن الكميات المتناهية في الصغر داخل حساب اللامتناهي ~~الذي اكتشفه قد أثرت على آرائه الميتافيزيقية، ولكن لا ينبغي ~~أن نبالغ في تقدير هذا الأثر، فالحقيقة أن المونادات ليست ~~كميات متناهية في الصغر، بل ليست كميات على الإطلاق. وفكرة ~~المونادة ليست فكرة رياضية؛ لأن ليبنتز يعترض صراحة على وصف ~~المونادات بأنها نقط رياضية. لقد درس الفلسفة الفيثاغورية ~~بغير شك، ولكنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه فيثاغورس وأتباعه من ~~تفسير ماهية الواقع تفسيرا رياضيا؛ فالحقائق الرياضية في ~~رأيه تفتقر إلى كل الخصائص الدينامية. إنها أفكار وليست قوى ~~أو طاقات. والمونادات في حقيقتها مراكز حية للقوة أو الطاقة. ~~وقد عبر عن هذه الفكرة الأساسية في تعريفه المشهور للجوهر، ~~وهو الذي نطالعه في ms12 أول عبارة استهل بها كتابه مبادئ الطبيعة ~~والفضل الإلهي: «إن الجوهر كائن قادر على الفعل.» # المونادات إذن مبادئ دينامية تدخل في الأجسام الواقعية (أو ~~التجريبية) كما تنتج عنها هذه الأجسام. ويعتقد ليبنتز أن ~~فكرة المونادة تقدم لنا المفتاح الذي نفسر به وضع ~~النباتات والحيوانات والكائنات البشرية ومكانها من العالم ~~الجسمي في مجموعه؛ ففي كل كائن حي فرد توجد مونادة رئيسية ~~تتحكم في سائر المونادات التي يتألف منها. ويطلق ليبنتز ~~على هذه المونادة الرئيسية اسما استعاره من المصطلح الأرسطي ~~وهو «الأنتليخيا». فالمونادات «أنتليخيات»، ولكل نبات ~~«أنتليخياه». والأنتيليخيا الموجودة في الحيوان تسمى ~~«النفس»، والتي توجد في الإنسان تدعى «العقل». # وواضح أن فلسفة ليبنتز عن المونادات تحتفظ بالفكرة القديمة ~~عن تسلسل الكون، أو تدرجه إلى طبقات يرتفع بعضها فوق ~~بعض، فمونادات الأجسام تحتل أدنى طبقة، تعلوها المونادات ~~التي تتحكم في النباتات، ثم تأتي مونادات الحيوانات التي ~~ترتفع فوقها، إلى أن نبلغ المونادات التي تتحكم في ~~الكائنات البشرية، وتتجاوز سائر الطبقات. ثم نجد أرواحا أسمى ~~من الأرواح البشرية تتوسط بين الإنسان والله، وأخيرا نجد ~~المونادة المركزية «المطلقة» الكاملة التي تعلو فوق سلسلة ~~المونادات الفانية؛ ألا وهي الله. # ولكن هذه المستويات المتعددة ليست مناطق مختلفة معزولة؛ ~~لأن العالم لا يتكون من أجزاء منفصلة، وإنما يتصل فيه كل ~~شيء بكل شيء، وهذا الاتصال يقوم على أن كل ما هو موجود إنما هو ~~مونادة أو كائن فرد مستقل. والواقع كله له طابع الأنتيليخيا ~~أو صفة الروح. وفكرة الاتصال والترابط بين كل الموجودات تهدم ~~كل محاولة يراد بها تفتيت الواقع إلى عناصر متنافرة. وتاريخ ~~الفكر البشري مليء بمثل هذه المحاولات. ولا شك أن الهوة ~~السحيقة التي حفرها ديكارت بين «الجوهر المفكر» و«الجوهر ~~الممتد» كانت بمثابة إنذار خطير لم يستطع ليبنتز أن يتجاهله، ~~ولكن لا شك أيضا أن ليبنتز عندما أكد الترابط بين جميع ~~الموجودات قد عرض نفسه ومذهبه لخطر آخر؛ ألا وهو إغفال ~~الحدود الفاصلة بين مناطق الوجود المتميزة أو طمسها، وهذه ~~نتيجة تنتهي إليها كل الفلسفات الواحدية ms13 التي تعجز عن تفسير ~~الواقع المتنوع؛ نظرا لأنها تقع فريسة لإغراء الوحدة التي ~~تنطوي عليها. # وتعبر فلسفة ليبنتز عن فكرة الاتصال المستمر بين جميع ~~الموجودات عن طريق تطبيق فكرة المونادة اللامادية على كل شيء، ~~ولكن الإنصاف يقتضينا القول بأنه يطبق هذه الفكرة بصورة لا ~~تخلو من العمق والأصالة؛ فهو يقول في الفقرة 56 من ~~المونادولوجيا: «هذا الترابط أو هذا التلاؤم بين جميع ~~المخلوقات وبين كل منها على حدة، ثم بين كل واحد منها، ~~والجميع يترتب عليه أن يحتوي كل جوهر بسيط على علاقات تعبر ~~عن مجموع الجواهر الأخرى، وأن يكون تبعا لذلك مرآة حية دائمة ~~للعالم» (المونادولوجيا 56). ولكن بينما تعكس المرآة جزءا ~~معينا من الواقع فحسب، فإن كل مونادة فردية تعكس الواقع في ~~مجموعه. # فكرة ساحرة بغير شك، ولكنها تحير القارئ، وتدفعه إلى السؤال ~~عن طبيعة ذلك الانعكاس. ولا بد أن نتذكر ما قلناه من أن ~~المونادات غير مادية؛ أي إنها شيء عقلي أو فكري خالص، وهذا ~~يفسر لنا أن ما هو في الخارج، يمكن أن يتمثل داخل المونادة، ~~وهذا هو الذي جعل ليبنتز يصف هذه التمثلات بأنها «إدراكات». ~~وليس من الضروري أن تشعر المونادة الفردية بهذه الإدراكات. ~~فالمونادات العليا - كنفوس الحيوانات والعقل الإنساني بوجه ~~خاص - هي التي تشعر بها شعورا واعيا، بل إن هذه المونادات ~~العليا لا تشعر إلا بجزء من هذه الإدراكات. # وهكذا يوفق ليبنتز بين المبدأ الأساسي الذي يقول إن كل ~~مونادة مرآة تعكس الكون بأكمله، وبين التجربة المباشرة التي ~~تقول بأن عقلنا لا يعي سوى جزء بسيط من العالم. وتصورات ~~المونادات أو إدراكاتها ليست صورا دائمة باقية، وإنما هي جزء ~~من عملية دينامية يتم فيها الانتقال بصفة مستمرة من ~~إدراك إلى إدراك آخر. والفعل الذي يسبب هذا الانتقال ~~المستمر هو «النزوع»، وبهذا يكون الإدراك والنزوع مظهرين ~~للحياة التي تتميز بها المونادة. ~~••• # وتفكير ليبنتز يميل إلى التأليف والتركيب والتوفيق بين ~~الآراء والمذاهب والأفكار المتعارضة، ولكن يبدو أنه لا ينجح ~~دائما في ذلك، فهو إذا كان يقول بترابط ms14 جميع المونادات ~~واتصالها ببعضها البعض، فهو يقول من ناحية أخرى إن كل مونادة ~~على حدة ذات كيان فردي مستقل بنفسه تمام الاستقلال. وقد ~~قيل بحق إن ليبنتز هو أعظم من قال بفكرة التفرد، صحيح أنه لم ~~يكن أول القائلين بها؛ إذ إن المشكلة موجودة في الفكر الغربي ~~منذ عهد أفلاطون، ولكن الحق أنه حاول أن يجيب عليها إجابة ~~جديدة وأصيلة، فهو يرى أن مبدأ التفرد موجود في مبدأ الترابط ~~بين جميع المونادات، أو بالأحرى في نفس الحقيقة التي يقوم ~~عليها هذا المبدأ الأخير؛ أي في انعكاس الكون كله عن طريق ~~الإدراك، فكل مونادة تتميز عن الأخرى حسب درجة إدراكها، ومدى ~~هذا الإدراك من الوضوح والتميز، أو الغموض والاختلاط. وثمة ~~تدرج مستمر يبدأ من الإدراكات المظلمة الغامضة التي لا ~~يصاحبها الشعور، إلى الإدراكات الواضحة المتميزة التي يتمثلها ~~العقل الإنساني. ولا تتفاوت الإدراكات من حيث الدرجة فحسب، بل ~~إن لكل مونادة منظورا خاصا تعكس العالم كله من خلاله. «وكما ~~أن مدينة واحدة بعينها، إذا تأملها المرء من جوانب مختلفة، ~~تبدو في كل مرة على صورة مختلفة تمام الاختلاف، وكأن لها ~~منظورات متعددة، كذلك توجد أيضا - بسبب الكثرة اللانهائية ~~للجواهر البسيطة - عوالم عديدة مختلفة ليست في الواقع إلا ~~منظورات لعالم واحد وفقا لوجهات النظر المختلفة لكل مونادة ~~على حدة» (المونادولوجيا ~~57). وهذه في الحقيقة فكرة ~~بالغة الخصوبة. إنها توفق كما قلت بين المبدأين، وتنسق بين ~~تفرد كل وجهة نظر للعالم وبين وحدة العالم المنظور إليه، هذا ~~بالإضافة إلى أن تفرد كل مونادة على حدة يتسق مع الترابط ~~المتصل بين المونادات؛ أي إن تفرد الفرد متصل بترابط ~~الكل. # ويؤكد ليبنتز فكرة التفرد بفكرة أخرى؛ فهو يرى أن المونادة ~~ليست فريدة وحسب، وإنما هي كذلك منعزلة تماما عن سائر ~~المونادات، ومحكوم عليها بالعزلة بحكم ماهيتها، وهو يذهب إلى ~~استحالة التفاعل المباشر بين المونادات الفردية، فليست هناك ~~مونادة تؤثر على الأخرى، والمونادة عندما تحصل على ~~إدراكاتها، أو تنتقل من إدراك إلى آخر، إنما تفعل هذا من ~~داخلها ms15 فحسب. وقد وضح هذه الفكرة بقوله المشهور: «ليس ~~للمونادات نوافذ يمكن من خلالها أن ينفذ إليها شيء أو يخرج ~~منها» (المونادولوجيا 7). # وإذن فكل مونادة تعتمد على نفسها في تكوين الصورة التي ~~لديها عن العالم، ولكن كيف نعرف أن هذه الصورة تتفق مع واقع ~~العالم؟ وإذا تغير العالم فكيف نعرف أن صورته قد تغيرت كذلك ~~بما يتفق معه؟ وكيف نبين أن كل مونادة في العالم متعلقة بكل ~~المونادات، وأن كل تغير يلحق بإحدى المونادات ينعكس في كل ~~مونادة أخرى على نحو واضح أو غامض؟ # يلجأ ليبنتز إلى فكرة الله للإجابة على هذه الأسئلة العسيرة. ~~لقد خلق الله جميع المونادات المتناهية أو الفانية، وقد خلقها ~~بحيث لو تمت إدراكاتها وفقا للقوانين الداخلية الكامنة ~~فيها، لعكست هذه الإدراكات إدراكات المونادات الأخرى، ومن ثم ~~العالم كله، وهذا هو ما عبر عنه بمبدئه المشهور عن «التناسق ~~المقدر» أو «التجانس المدبر». فقد حرص الله عند خلق ~~المونادات على تحقيق التجانس بينها جميعا. # وقد استعار ليبنتز تشبيها طريفا سبقه إليه غيره عندما ~~صور الله في صورة صانع الساعات الذي أنشأ عدة ساعات تدور في ~~وقت واحد بغير أن تؤثر إحداها على الأخرى. # كيف اهتدى ليبنتز إلى هذه الفكرة العجيبة؟ لا بد أن نبحث عن ~~جذورها في مذهبه نفسه، وسنجدها في فكرته عن المونادة كما نجدها ~~في فكرته عن العلية. إن المونادة بسيطة، ومعنى هذا أنها غير ~~مادية. والعلية عند ليبنتز علية آلية لا يمكن أن توجد إلا في ~~عالم من الأجسام، ويترتب على هذا في نظره استحالة تصور علاقة ~~علية بين جواهر لا مادية. # وهذه الفكرة شأنها شأن أفكار كثيرة غيرها توضح أن ليبنتز هو ~~ابن عصره المخلص، الذي لم يستطع أن يتحرر من التصور العلي ~~الذي قيدته الآلية في أغلالها الثقيلة. # ولعل لليبنتز بعض العذر ~~في هذا، فقد اهتم بالتفسير الآلي الذي كان من أهم الكشوف ~~العلمية في عصره، وإن لم يسلم به مع ذلك تسليما أعمى، فهو ~~يقبل فكرة الآلية من ناحية، ولا يريد من ms16 ناحية أخرى أن يفرط ~~في فكرة الغائية. ولهذا نجده يحاول التوفيق بينهما، كما حاول ~~التوفيق بين كثير من الأفكار والآراء المتعارضة. إن كلا ~~الرأيين يفسر أحداث العالم من وجهة نظر مختلفة ، فهذه الأحداث ~~من وجهة النظر الغائية تخدم غرضا معينا، وهي تتم من وجهة ~~النظر الآلية؛ لأن الأجسام المادية التي تقوم عليها تحتك ~~ببعضها على أساس القوانين الآلية التي لا تتغير، وهو يحاول ~~أن يوفق بين وجهتي النظر كما قلنا بغير أن يحدد لكل منهما ~~مجالا يختص به ولا يتعداه، فيسلم بالفكرة الآلية التي تذهب ~~إلى أن كل العمليات الفيزيائية بما في ذلك العمليات ~~البيولوجية، يمكن تفسيرها تفسيرا آليا، ولكنه يحد من هذه ~~الفكرة فيبين أن جميع الأحداث الفيزيائية يمكن تفسيرها كذلك ~~تفسيرا غائيا. # وهو يوضح هذا عن طريق التمييز بين «مملكتين» مملكة الجواهر ~~المركبة أي الأجسام، ومملكة الجواهر البسيطة أي المونادات. ~~والعلية الآلية تحكم مملكة الأجسام، أما مملكة المونادات ~~فتحكمها الغائية، وهاتان المملكتان ليستا مستقلتين عن بعضهما ~~البعض، ولا توجدان جنبا إلى جنب، بل يكونان وحدة واحدة، ~~وإحداهما هي الصورة التي تظهر بها الأخرى. وهكذا فإن فكرة ~~اتساق العالم التي تحدثنا عنها في سياق الكلام عن «الاتساق ~~المقدر» لا تتأثر عندما نتحدث عن عالمين أو مملكتين ~~للعلية والغائية، يعبر عن هذا قوله: «ومملكتا العلل ~~الفاعلة والغائية متجانستان» (المونادولوجيا 79). # هكذا توفق نظرية المونادات بين العلية والغائية. وهناك ~~سبب فلسفي آخر جعله يتمسك بفكرة الغائية، وهو تأكيد أن ~~قوانين الآلية تقوم في الحقيقة على قوانين الغائية وتعتمد ~~عليها. وتفسير هذا أن القوانين الآلية بطبيعتها قوانين عرضية ~~حادثة؛ أي يمكن أن تكون غير ما هي عليه في الواقع، إذ يمكن من ~~الناحية المنطقية البحتة أن نتصور وجود عوالم أخرى تحكمها ~~قوانين طبيعية أخرى مختلفة عن القوانين التي تحكم عالمنا. أما ~~أن هناك قوانين معينة تحكم عالمنا، فلا يمكن أن نقره إلا إذا ~~سلمنا بحرية المبدأ الذي يقوم عليه العالم؛ أي إلا إذا سلمنا ~~بحرية الله التي تتجه إلى هدف أو غاية، شأنها ms17 في هذا شأن كل ~~حرية أخرى. # ومن هذا كله نرى أن القوانين الآلية للحركة تشير إلى أساس ~~غائي تستند إليه، وأن فكرة الغائية فكرة أساسية في فلسفة ~~ليبنتز الطبيعية وبغيرها لا يمكن تصور هذه الفلسفة. ~~(ب) الإنسان مونادة عاقلة # كل ما قيل عن المونادة بوجه عام يمكن أن يقال أيضا عن ~~العقل الإنساني، فهو بسيط لا يقبل القسمة، وهو غير مادي، لا ~~يتكون ولا يفسد بالموت، إنه مبدأ النشاط التلقائي، مرآة العالم ~~كله. والذي يميز مونادة العقل الإنساني عن سائر المونادات هو ~~طبيعة إدراكاتها، وهناك جزء من هذه الإدراكات يدخل في شعورنا، ~~ويطلق ليبنتز على هذا الشعور أو هذه المعرفة التي تحصل لنا من ~~إدراكاتنا اسم «الوعي» # Apperception # أضف إلى هذا أن إدراكاتنا الواعية ~~تختلف في درجة عمقها ووضوحها وتميزها عن الإدراكات التي تتم ~~للنفس الحيوانية، والعقل الإنساني مونادة عليا تتحكم في ~~المونادات السفلى التي تكون الجسم البشري، شأنها في هذا ~~شأن النفس في الحيوان، ومبدأ الحياة في النباتات، ومبادئ ~~الحياة التي تسيطر على الأجزاء العضوية المختلفة في الكائنات ~~الحية. ويفترض ليبنتز في كل كائن حي عددا لا نهاية له من ~~مبادئ الحياة المرتبة ترتيبا متسلسلا؛ أي من مبادئ تتحكم في ~~مبادئ أخرى أدنى منها كما تحكمها في نفس الوقت مبادئ ~~فوقها. # العقل إذن هو المبدأ ~~الأعلى لحياة الإنسان، وكثيرا ما قارن الباحثون بين ليبنتز ~~وأفلاطون حول هذه النقطة التي تتصل بالنفس العاقلة، ولكنهم ~~نسوا في أغلب الأحيان أن فلسفة ليبنتز عن الإنسان فلسفة غير ~~أفلاطونية بالمرة. فالمعروف أن أفلاطون يعد النفس مستقلة عن ~~البدن الذي حلت فيه، وهي تقضي فيه زمنا ينتهي بانتهاء ~~الأجل، فتتحرر منه وتنفصل عنه. فالبدن هو سجن النفس، أو هو ~~قبرها على حد تعبيره المشهور في محاورة فايدون (سوما سيما)، ~~ولكن ليبنتز ينظر للعلاقة بين النفس والجسم نظرة مختلفة كل ~~الاختلاف، فوجود العقل الإنساني في رأيه يعتمد بالضرورة على ~~وجود الجسد، وهو إن وجد فلا بد أن يكون مونادة رئيسية متحكمة ~~في مجموعة من المونادات ms18 الدنيا، أعني في جسد عضوي، ويستحيل ~~عليه أن يكون غير ذلك. ولهذا نجده يصف رأي أفلاطون في وجود ~~منفصل للنفوس عن الأجساد بأنه «دعوى مدرسية» (المونادولوجيا ~~14)، وواضح أن نظرة ليبنتز هذه إلى العلاقة بين النفس والجسد - ~~وهي تختلف كما رأينا كل الاختلاف عن نظرة أفلاطون - هي النتيجة ~~الضرورية المترتبة على مذهبه الميتافيزيقي. فإذا كانت المادة ~~عند أفلاطون شيئا غريبا على العقل، بل شيئا معاديا له، فإن ~~المادة عند ليبنتز هي المظهر الذي تتجلى فيه المونادات ~~اللامادية. ومعنى هذا أن المادة متعلقة بالعقل تعلقا ~~أساسيا، بل إنها لتوشك أن تكون ذات طبيعة عقلية، ومعناه ~~أيضا أن ليبنتز يشترك مع غيره من الثائرين على النظرة ~~اليونانية التي تنتقص من شأن المادة، وتقلل من قيمة ~~الأشياء المادية. صحيح أن الصراع بين أنصار المادة وأنصار ~~الروح لم ينته بعد، وأن الحرب بينهما لم تحسم حتى اليوم، ~~ولا نظن أنها ستحسم بشكل نهائي؛ إذ يبدو أنه ليس من السهل ~~أن نعطي العالم المادي المحسوس حقه بغير أن نبالغ بغير حق في ~~شأن الجانب الكمي من الواقع على حساب الجانب الكيفي. وهذا هو ~~الذي حاوله ليبنتز فترك أثره على فلسفته الإنسانية. لقد فسر ~~المادة من خلال المبادئ اللامادية الكامنة فيها، وأتاح له هذا ~~التفسير أن يصور العلاقة بين النفس والجسم، أو بين العقل ~~والمادة في صورة الحاكم والمحكوم لا في صورة السجان ~~والمسجون! # كلنا يعرف حكاية البراهين التي ساقها أفلاطون لإثبات خلود ~~النفس. لقد أجهد نفسه في صياغتها، ووفق في بعضها، وخانه ~~التوفيق في بعضها الآخر، ولكنها جميعا لم تسلم من النقد. ~~أما ليبنتز فهو يرى أن الخلود لا يحتاج إلى براهين معقدة ولا ~~بسيطة، إنه مترتب على مفهوم المونادة. فالمونادات كما علمنا ~~لا تقبل القسمة، وهي لهذا خالدة، ولا شك أن هذا يسري على ~~مونادة العقل. وقد يسأل سائل: كيف يوفق ليبنتز بين مبدأ ~~خلود العقل (أو الروح) ومبدأ الارتباط الضروري الدائم بين ~~العقل والجسد؟ # ينفي ليبنتز أن يكون الترابط بين الجسد والنفس من النوع ms19 ~~السكوني (أو الإستاتيكي)؛ لأنه في الحقيقة يعبر عن علاقة ~~حية إلى أبعد حد. فكل الأجسام في حالة تغير وتحول ~~دائمين، وحتى الأجسام العضوية تفقد باستمرار بعض الأجزاء ~~وتكتسب أجزاء غيرها. وما نسميه «الموت» لا يعدو أن يكون ~~حالة خاصة من أحوال التغير الدائم والصيرورة المتجددة. ~~والنفس تفقد جزءا من المونادات التي تتحكم فيها، ولكنها ~~تحتفظ بأجزاء أو تكسب أجزاء أخرى، ولهذا فليس هناك موت بالمعنى ~~الطبي الدقيق لهذه الكلمة. # وهذا هو ما يعبر ~~عنه ليبنتز في المونادولوجيا (72-73) بقوله: «وهكذا فإن النفس ~~لا تغير جسمها إلا ببطء وبالتدريج، بحيث لا تجرد أبدا من جميع ~~أعضائها دفعة واحدة، وكثيرا ما يتم التحول بين الحيوانات، ~~ولكن تقمص الأرواح أو تناسخها لا وجود له على الإطلاق، كذلك ~~لا توجد نفوس قائمة بنفسها أو مستقلة تمام الاستقلال (عن ~~الأجسام) ولا أرواح بغير أجسام. إن الله وحده منزه عن ~~الجسمية كل التنزيه، ولهذا السبب لا يوجد أبدا تولد كامل ~~ولا موت كامل بالمعنى الدقيق، أي بمعنى انفصال النفس عن الجسد. ~~وما نسميه بالتوالد إنما هو نوع من التطور والنمو، أما ما ~~نسميه بالموت فهو انكماش وتناقص.» # هكذا يحاول ليبنتز أن يقلم مخالب الموت، ويجعل منه حالة ~~خاصة من العمليات البيولوجية العادية، ولا شك أن هذا شيء ~~يستثير سخطنا ودهشتنا؛ فالموت يحيط بنا في كل لحظة، وليس ~~مجرد ضيف ثقيل نلقاه في نهاية الطريق، إنه مأساة تخيم على ~~وجودنا كله، ولولا تحديه الدائم ما كان فن ولا أدب ولا ~~فلسفة، هو الصخرة الخالدة التي تدمي أجسادنا وأرواحنا على مر ~~العصور، من قلل من خطره أو أخذه مأخذا هينا حرم نفسه أعمق ~~ينابيع التأمل الفلسفي، ومن واجهه بالكلمات الفخمة والبطولات ~~الطنانة أضاع سره العظيم المخيف (فالفلسفة تأمل دائم للموت ~~كما يقول أفلاطون)، وكلام ليبنتز عن الموت يوحي بأنه لم يفهم ~~شيئا عن هذا الجانب المظلم من وجود الإنسان وقدره. ولعله ~~أيضا أن يحملنا على مواجهة تفاؤله العقلي بالابتسام ~~المرير، بدلا من أن يشجعنا على الفرح والبهجة بالحياة ms20 في ~~«أفضل عالم ممكن!» # إذا كانت العلاقة بين العقل والجسد العضوي شرطا لا غنى عنه ~~لوجود العقل نفسه، فما هي طبيعة هذه العلاقة؟ هل يمكن أن تكون ~~نوعا من التفاعل المشترك بينهما؟ وهل يستقيم هذا مع فكرته ~~عن انعزال المونادات التي لا نوافذ لها؟ ألا يكون قد خان هذه ~~الفكرة الأساسية في مذهبه؟ # الحق أنه ظل على وفائه لهذه الفكرة؛ ولهذا نجد عنده في ~~النهاية نوعا غريبا من ثنائية النفس والجسم، وهي ثنائية لم ~~تنشأ عن اختلاف طبيعة الطرفين وماهيتهما، كما هو الحال مثلا ~~عند ديكارت، بل جاءت من أن كليهما له طبيعة المونادة، وهذه ~~الطبيعة تحتم عليهما الانعزال والاكتفاء الذاتي، ولكن هذا ~~لم يمنعه من القول بوحدة النفس والجسم، وهو يفسر هذه الوحدة ~~بنفس الطريقة التي يفسر بها وحدة العالم في مجموعه، أعني ~~بالرجوع إلى فكرته عن الاتساق المقدر أو التجانس والتواؤم ~~السابق في علم الله. استمع إليه وهو يقول: «وقد أتاحت لي هذه ~~المبادئ وسيلة تفسير اتحاد النفس مع الجسم العضوي، أو ~~بالأحرى اتساقها معه تفسيرا طبيعيا. إن النفس تتبع قوانينها ~~الخاصة، كما يخضع الجسم لقوانينه الخاصة، وهما يتوافقان بفضل ~~الاتساق المقدر بين جميع الجواهر؛ لأنها جميعا تمثلات عالم ~~واحد بعينه» (المونادولوجيا 78). ~~••• # إذا كانت هذه هي طبيعة العلاقة بين العقل الإنساني والجسم، ~~فما هو القول في نشاط العقل وفاعليته؟ # يرى ليبنتز أن معرفة الإنسان ونشاطه العقلي هي التي تحدد ~~طبيعته. يقول في الفقرة التاسعة والعشرين من المونادولوجيا: ~~«بيد أن المعرفة بالحقائق الضرورية والأبدية هي التي تميزنا عن ~~الحيوانات الخالصة، وبها نحصل على العقل، ونتزود بالعلوم، حين ~~ترتفع بنا إلى المعرفة بأنفسنا وبالله، وهذا هو الذي يسمى ~~فينا بالنفس العاقلة أو العقل» (29). # ولكن عملية الإدراك ليست مقصورة على الإنسان، فالحيوانات ~~تدرك أيضا، وهي قادرة على الربط بين المدركات عن طريق الخبرة ~~والذاكرة. والمثل الذي يذكره ليبنتز يوشك بالإلهام والحدس ~~الصائب أن يستبق تجارب بافلوف الشهيرة، إذ يكفي كما يقول أن ~~يرى الكلب العصا التي ضربه بها سيده لكي يعوي ms21 وينجو بجلده؛ ~~لأنه تذكر الألم الذي سببته له في المرة السابقة، وإذا ~~كنا لا نستطيع أن نصف ليبنتز بأنه تجريبي، فإن هذا لا يمنعنا ~~من الإشادة بحسه الواقعي السليم، فمعظم إدراكات الإنسان تترابط ~~في رأيه بطريقة تجريبية مشابهة لطريقة ترابطها عند الكلاب بل ~~إنه ليؤكد - بنغمة لا تخفى مرارتها - أن البشر تجريبيون في ~~ثلاثة أرباع أفعالهم وتصرفاتهم، ولهذا فهم في هذا الجانب ~~السلوكي لا يختلفون في شيء عن الحيوانات، غير أن الربع ~~الباقي من أفعالهم هو الذي يميزهم حقا عن سائر الحيوانات. ~~فمعرفة الإنسان لا تقف عند حقائق التجربة أو حقائق الواقع؛ ~~لأنها بطبيعتها حقائق عرضية يمكن أن توجد ويمكن ألا توجد، بل ~~تتعداها إلى المعرفة بالعلل والأسباب، ولهذا يمكنه أن يبصر ~~العلاقات الضرورية بين الأفكار، ويدرك حقائق العقل الضرورية ~~الخالدة التي تتوفر في المنطق والرياضة بوجه خاص. # بهذا يقف ليبنتز في وجه النزعة التجريبية السائدة في عصره، ~~على نحو ما نجدها في فلسفة توماس هوبز (1588-1679م) وجون لوك ~~(1632-1704م). ولكن ينبغي علينا ألا نسيء فهم النقد الذي ~~وجهه للنزعة التجريبية أو نتصور أنه يقلل من قيمة ~~الحقائق التجريبية. فالواقع أنه كان يقدر قيمة التجربة ~~الحسية كل التقدير، كما كان يتابع نتائج البحث التجريبي ~~باهتمام لا مزيد عليه. ولم يكن هذا مجرد حب استطلاع أو رغبة ~~في الإحاطة الموسوعية بكل جديد. فالواقع يشهد بأنه استفاد في ~~بناء مذهبه بكثير من الدراسات العلمية التي تمت في عصره، ~~كما كان له فضل الإسهام فيها. ويكفي أنه تنبه إلى نتائج ~~البحوث التي قام بها العالم الهولندي فان لويفنهوك ~~(1622-1723م) الذي اكتشف عددا كبيرا من الكائنات الحية ~~الدقيقة عن طريق الميكروسكوب، كما استعان بهذه الكشوف في تدعيم ~~نظرته الحيوية (انظر المونادولوجيا من 66-69). # وإذا كانت التجربة الحسية تمثل عنصرا هاما من عناصر ~~المعرفة البشرية، فإن قيمتها في رأيه محدودة، ولا يمكنها أن ~~تستوعب إمكانيات المعرفة. وقد أشرنا إلى نقده للنزعة ~~التجريبية، وقلنا إنه لا يريد من هذا النقد أن يقلل من شأن ~~الوقائع التجريبية، ms22 أو يحط من قيمتها، فالواقع أنه يهدف من ~~ورائه إلى ضمان الحقيقة، الحقيقة التي لا تعتمد على الوقائع ~~التجريبية، بل تظل محتفظة بصدقها وقيمتها ولو تغيرت كل هذه ~~الوقائع عما هي عليه. إنه يدافع عن هذه الحقيقة المطلقة بكل ~~ما يملك من قوة وإخلاص، ويحاول أن يدفع عنها أخطار النسبية ~~والشك. وهو لا يكتفي بتأكيد استقلالها التام عن المصالح ~~البشرية، والوقائع التاريخية، بل يذهب إلى حد القول بأنها ~~مستقلة عن إرادة الله؛ لأنها ثابتة ومطلقة وخالدة خلود ~~الله نفسه، ولا ريب في أن هذا الموقف يستحق منا كل إعجاب ~~وتقدير. ~~••• # ليست كل الحقائق ضرورية ولا أبدية. فلا بد في رأي ليبنتز ~~من التمييز بين حقائق العقل الضرورية الخالدة وحقائق الواقع ~~العرضية الحادثة؛ فالأولى هي التي لا يمكن تصور ضدها، وإلا ~~كانت متناقضة مع نفسها، ومنها مبادئ الرياضة والمنطق. أما ~~الثانية فيمكن تصور ضدها، ومنها الحقائق التاريخية ~~وقوانين الفيزياء (مثل قانون الحركة)، والقدرة على تصور نقيض ~~الحقيقة، أو عدم تصوره هو المعيار المنطقي الذي اعتمد عليه ~~ليبنتز في التمييز بين حقائق العقل وحقائق الواقع. # بيد أن هذه التفرقة لا تلزم العقل البشري وحده، فقد ~~نتصور أنها ترجع إلى قصور المعرفة البشرية، وتقيد العقل ~~بحدود لا يمكنه أن يتخطاها، بحيث لو اتسع نطاق هذا العقل، ~~وزادت قدرته وأصبح في قوة العقل الإلهي لانقلبت الحقائق ~~الواقعية إلى حقائق عقلية، وقد نجد في بعض كتابات ليبنتز ما ~~يوحي بهذا التصور، ولكنه في الحقيقة تصور خاطئ. فالفرق ~~الفاصل بين النوعين قائم بالقياس إلى الله، بل إن ليبنتز ~~يحاول أن يوضحه من وجهة النظر الإلهية نفسها. لقد تكونت ~~حقائق العقل في العقل الإلهي المطلق، ومنه استمدت ضرورتها ~~المطلقة، أما حقائق الواقع فترجع إلى إرادة الله، وتستمد ~~قيمتها من إرادة الخالق الذي شاء أن يختار هذا العالم من بين ~~عدد لا حصر له من العوالم الممكنة. بيد أن اختيار هذا العالم ~~ليس فعلا تعسفيا من جانب الله؛ إذ لا يمكن أن يفيض الله ~~نعمة الوجود إلا على ms23 عالم واحد ممكن، ألا وهو هذا العالم ~~الذي هو أصلح وأفضل عالم ممكن. ومعنى هذا أنه يمكن تصور ~~عوالم أخرى ممكنة، ولكنها من الناحية التاريخية والواقعية ~~مستحيلة التحقيق، كذلك يمكن تصور الضد المقابل للحقائق ~~الواقعية، ولكنه من الناحية التاريخية والواقعية مستحيل. ~~وهكذا يمكن أن نقول، بغير افتراء على تفكير ليبنتز، إن ~~الحقائق الحادثة تنطوي أيضا على نوع من الضرورة يمكن إذا ~~جاز الوصف أن نسميها الضرورة المشروطة أو النسبية. والواقع ~~أن الوعي بالضرورة المطلقة التي تميز حقائق العقل، والضرورة ~~النسبية التي تميز حقائق الواقع هو أهم ما أنجزه العقل ~~البشري، وهو كذلك أوضح ما يميزه عن سائر الحيوانات. إنه لا يقف ~~عند تسجيل الوقائع التجريبية، بل يكتشف الحقيقة ويسعى إليها، ~~وهذا هو سر عظمته وكرامته، وهو المخلوق الوحيد الذي استطاع أن ~~يؤصلها وينميها؛ لأنه المخلوق الوحيد الذي أسس العلوم، وعمل ~~على تقدمها وازدهارها. وأسمى هذه العلوم هو العلم الرياضي الذي ~~بلغت فيه حقائق العقل الخالدة أعلى صورها وأنقاها. فمبادئ ~~الرياضة بغير استثناء تنتمي للحقائق الضرورية التي لا يرقى ~~إليها الشك. والرياضة هي المثل الأعلى للعلم الثابت. ولهذا ~~فليس عجيبا أن يعدها ليبنتز النموذج الذي ينبغي على سائر ~~العلوم - بما في ذلك الميتافيزيقا! - أن تقتدي به وتحتذي ~~مناهجه. وليبنتز عالم رياضي، بل هو من أعظم علماء الرياضة في ~~كل العصور، ولا شك أنه تأثر في كل هذه الآراء بتعصبه ~~للنزعة الرياضية والعقلانية، ولكن تاريخ الرياضة أثبت صعوبة ~~تحقيق آماله، كما دلت البحوث والخلافات التي ثارت في العقود ~~الأولى من القرن العشرين حول أصول الرياضة أنها ليست من ~~الثبات واليقين بالقدر الذي نتصوره. # ومع ذلك فقد أدى اهتمام ليبنتز بالمناهج الرياضية إلى ~~اكتشاف عظيم نشهد اليوم آثاره في الأجهزة الحاسبة ~~والسيبرنيطيقا والمنطق الرمزي ... إلخ، ولا يمكننا أن نقدر ~~أبعاده في المستقبل، وهي في صميمه اكتشاف بسيط مؤداه أن ~~الإنسان يضطر في أثناء التفكير إلى استخدام الرموز ~~والعلامات. والعلوم الرياضية توضح هذه الخاصية التي تميز ~~الفكر البشري في أعلى صوره، فالرياضي يستخدم في ms24 حساباته رموزا ~~وعلامات معينة تختصر عمليات رياضية طويلة، واستدلالات عقلية ~~معقدة، وهو لا يتوصل إلى نتائجه الرياضية إلا لأن لغة ~~الرياضة هي لغة العلامات، ولما كان التفكير الرياضي في رأي ~~ليبنتز هو النموذج الأسمى للتفكير البشري عامة ، فقد كان من ~~اليسير عليه أن يخطو خطوة أخرى قصيرة لكي ينتهي إلى أن التفكير ~~البشري كله - باستثناء الأفكار الأولية التي يبدأ الإنسان ~~منها - هو تفكير بالعلامات، بل إن اللغة العادية التي ~~نستخدمها كل يوم هي أيضا نظام أو نسق من أمثال هذه ~~العلامات، وكل علامة منها «تنوب» عن سلسلة معقدة من ~~الاستدلالات الفكرية. وقد نستعمل أثناء تفكيرنا علامة لا ~~نعرف معناها، ولا نشعر به على وجه التحديد، وبهذا يمكننا ~~أن نختزل عملية فكرية مرهقة، ونصل إلى نتائج لم نكن لنصل ~~إليها بغير هذا الاختزال. وخصوبة الفكر البشري وقدرته على ~~الابتكار والإبداع تعتمد في الحقيقة أكبر اعتماد على نظام ~~الرموز والعلامات الذي يستخدمه الإنسان عن وعي أو غير وعي ~~أثناء التفكير، ومع أن العلامات أدوات نافعة كما رأينا إلا أن ~~هذا النفع قد ينطوي على أبلغ الأخطار، وقد أدرك ليبنتز ذلك ~~إدراكا واضحا، ولعله قد أحس بفطرته الفلسفية الصائبة أن ~~قائمة الأخطار التي تكمن في هذا الطابع الرمزي للفكر الإنساني ~~قائمة طويلة تمتد من أقدم العصور، وتحفل في كثير من الأحيان ~~بالمصائب والمحن وأنهار الدماء، فمن السهل أن ينجح الإنسان ~~في استخدام كلمة أو كلمات ترمز لمفهوم متناقض مع نفسه، ~~ولكنه بذلك يضلل نفسه أو يضلل غيره عن جهل أو سوء نية. ~~وما من واحد منا إلا وقد عانى من الكسل العقلي الذي يروج ~~الشعارات الرنانة الطنانة التي تلقى دون تريث أو روية، فتبث ~~سمومها الساحرة في الهواء الذي يتنفسه الناس، ومثل هذه ~~الشعارات التي لم يتحقق أصحابها من محتواها أو تفننوا في ~~صياغتها، بحيث يتعذر على الناس التحقق من صدق هذا المحتوى أو ~~كذبه تسيء استخدام علامات اللغة ورموزها إما عن جهل أو سوء نية ~~أو تحمس عاطفي أعمى. وتاريخ العالم الحديث ms25 عامر بالشواهد ~~والأمثلة التي تدل على هذه القدرة الشيطانية على سوء استخدام ~~العلامات اللغوية لخداع الناس أو السيطرة عليهم، واستغلال ~~عجزهم أو كسلهم أو خوفهم من التفكير المستقل. # وإذا كانت اللغة - بوصفها نسقا من العلاقات - هي أداة ~~الفكر البشري فمن واجبنا أن نختبر مدى كفاءة هذا النسق ~~وفاعليته. ويشك ليبنتز في صلاحية اللغة اليومية للتفكير ~~العلمي، وقد قضى حياته في البحث عن نسق من العلامات يفيد ~~العلم ويحقق له التقدم؛ فنحن نجده في العشرين من عمره ~~مشغولا بما سماه «فن التركيب أو التأليف» # 12 # إذ رأى أن من الممكن اكتشاف نوع من «ألف باء ~~التفكير البشري» عن طريق التحليل المستمر للمفاهيم ~~والتصورات التي نستخدمها، بحيث يمكن أن نبني لغة أكثر دقة ~~ونفعا وإحكاما، ثم نصل بعد ذلك إلى فكرته الشهيرة عن ~~«الخصائص الكلية»، # 13 # التي أراد بها تحقيق نظام من العلامات يمكن أن ~~يفهمه كل إنسان، كما يمكن أن يحل في العلم محل اللغة ~~الدارجة. وقد كان يحلم بأن يضع مكان كل تصور شكلا مميزا أو ~~رقما أو علامة رمزية، بحيث يمكن رد العلوم كلها إلى عمليات ~~رياضية خالصة، والقضاء بذلك على المجادلات والخلافات العقلية ~~بينها. بل لقد ذهب به الخيال إلى حد القول بأن المبشرين ~~لو استخدموا هذه اللغة العالمية الشاملة لأمكنهم إقناع الناس ~~جميعا بالعقيدة المسيحية، على نحو ما يقتنع جميع الناس ~~بالعلوم الرياضية! ربما نقابل اليوم هذه الفكرة بالابتسام، ~~ولكنها تعبر في الواقع عن نزعة التفاؤل والإيمان الساذج ~~بالعقل التي غلبت على عصر التنوير، ومع ذلك قد يكون من الخطأ ~~أن نتجاهل أهمية هذه الفكرة التي تدل كغيرها من أفكار ~~الفيلسوف على الأصالة وبعد النظر. فلا حاجة بنا إلى القول بأن ~~التعرف على الطابع الرمزي لتصوراتنا والانتباه إلى مزاياه ~~وعيوبه يمكن أن يعيننا على الدقة في التفكير، والوعي بحدود ~~اللغة والأخطار الناجمة عن سوء استخدام الكلمات والتلاعب بها ~~دون تمحيص وتحقيق، بل دون وازع من ضمير. أضف إلى هذا أن البحث ~~عن نظام كفء من الرموز والعلامات ms26 لا يزال مستمرا إلى اليوم، ~~كما أن تطبيق المناهج الرياضية على العلوم المختلفة قد تزايد ~~نطاقه في العصر الحديث، وأدى إلى نتائج جديرة بالاهتمام ~~والإعجاب، وخصوصا في النطق الرمزي أو «اللوجيستيك» الذي ~~يعد ليبنتز أباه الشرعي دون جدال! ومع ذلك فلا بد من ~~القول بأن المحاولات التي تبذل لصياغة كل تفكير علمي صياغة ~~رمزية رياضية وإخضاعه للمناهج الرياضية هي في الحقيقة محاولات ~~تبدأ بداية خاطئة لا تخلو من التطرف والشطط. ولا يرجع هذا ~~إلى قدرة التفكير الإنساني على تجاوز حدود العلم الرياضي إلى ~~آفاق أوسع منه وحسب، بل يرجع كذلك إلى وجود مجالات من الواقع ~~لا تعرف الرياضة عنها شيئا. وهذه حقيقة تصدق على عصر ليبنتز ~~كما تصدق على عصرنا سواء بسواء. وما أصدق قول هاملت لصديقه ~~هوراشيو: إن في العالم يا هوراشيو ما لا تبلغه حكمتك ~~المدرسية! ~~••• # يوصف مذهب ليبنتز في كتب تاريخ الفلسفة بأنه مذهب ~~«عقلاني». ولا شك أن هذا الوصف صحيح بوجه عام. ولكن الفلسفة ~~العظيمة، شأنها شأن الأدب العظيم، أكبر من الاسم الذي يطلق ~~عليها، وأعمق من الشعار الذي يلصق بها أو التصنيف الذي تحبس ~~في خانته! والدليل على هذا أننا نجد في فلسفة ليبنتز الإنسانية ~~(أو الأنثروبولوجية) لمحات يتعذر أن نجدها في أعمال الفلاسفة ~~العقلانيين. كان ديكارت فيلسوفا عظيما بغير شك، ولكن ~~حماسه الشديد لوضوح الفكرة وتميزها وصفاء العقل وبداهته قد ~~صرفه عن النظر في طوايا النفس الإنسانية، وقصر به عن الغوص إلى ~~الأعماق الكامنة تحت سطح الوعي، وقد خالف ليبنتز الديكارتيين ~~في هذه النقطة كما خالفهم في غيرها. فنحن نجد لديه لمحات صادقة ~~مما نسميه اليوم باللاوعي أو اللاشعور. ومكنته نظريته ~~عن الموناداة وطبيعة إدراكاتها أن يقدم نظرية عن اللاوعي ~~الكامن في أعماق النفس. فالموناداة كما نعلم تعكس العالم ~~كله، ولكنها تعكسه من وجهة نظرها فحسب؛ لأن الموناداة ~~الإلهية وحدها هي القادرة على الرؤية الكلية الشاملة. ولما كان ~~الإنسان عاجزا عن إدراك العالم بأكمله، فلا بد أن يكون في ~~العقل البشري مجال للإدراكات غير ms27 الواعية. ولما كانت الإدراكات ~~كلها تنشأ عن إدراكات سابقة عليها، كانت الإدراكات اللاواعية ~~هي التربة التي تنمو فيها حياة النفس الواعية. ويرى ليبنتز أن ~~الأعماق الكامنة في العقل الإنساني هي المصدر المباشر لكل ~~معرفة، إن المعرفة لا تأتي من العالم الخارجي، وكيف يتسنى ~~لها ذلك، وكل موناداة تعيش منعزلة مغلقة على نفسها «بلا ~~نوافذ»؟ # إن أصول المعرفة موجودة في كل موناداة فردية؛ أي في كل عقل ~~على حدة. وهي تنشأ وتنمو عن طريق النشاط الباطن، بحيث تتقدم من ~~إدراك إلى إدراك، وتصل إلى أكبر قدر من الوضوح ~~والتميز. # ولا يتردد ليبنتز في وصف النشاط العقلي للإنسان بأنه نشاط ~~مبدع، فليست العلوم في رأيه مجرد انعكاس للعالم، وإنما هي ~~نتيجة نشاط تلقائي خلاق يتم في نفس الإنسان وعقله، وليس العالم ~~مجرد حيوان مثقف، وإنما هو في الحقيقة إله صغير. ولنستمع ~~في النهاية إلى ما يقوله ليبنتز في تمجيد الإنسان المبدع، صورة ~~الله وخليفته على الأرض: ~~«إن النفوس على وجه الإجمال مرايا حية أو صور من عالم ~~المخلوقات، أما العقول فهي بالإضافة إلى ذلك صور من الألوهية ~~أو من مبدع الطبيعة ذاته، إنها تملك القدرة على معرفة نظام ~~العالم ومحاكاة شيء منه في عينات (أو نماذج) معمارية خاصة؛ إذ ~~إن كل عقل في مجاله أشبه بألوهية صغيرة» (المونادولوجيا ~~83). ~~(ج) العالم والإنسان والله # لا زالت مشكلة الله من أهم المشكلات التي شغلت الفلاسفة، ~~وسوف تشغلهم على الدوام، جعلها البعض تاج البحث الإنساني عن ~~المعرفة، وعدها البعض الآخر خطرا يهدد الفلسفة في ~~الصميم. ولكلا الفريقين وجهة نظره التي تستحق منا وقفة ~~قصيرة. فقد يتفق للعقل البشري، بعد رحلة شاقة في مجاهل ~~الفكر، أن ينفذ للمطلق (وهو ما نسميه الله)، فيرى فيه الهدف ~~الأخير، وتبدو له الرحلة، وكل ما وجده على الطريق في ضوء غامر ~~جديد. ولعل هذا أن يكون هو السبيل إلى بلوغ الوحدة العليا ~~لكل ما هو كائن. فقد كانت الوحدة منذ البداية هي موضوع ~~الفلسفة الأثير، إن لم تكن هي موضوعها الوحيد، ms28 غير أن هناك من ~~يحرم على الفلسفة أن تبحث في مشكلة الله، وينكر على ~~الفلاسفة أن يضعوا نظرية عنه أو دليلا على وجوده. فالفلاسفة ~~في رأيهم يخرجون بذلك عن وظيفتهم، أو يتهربون من مواجهة ~~المشكلات الفلسفية الحقيقية، أو يدارون كسلهم العقلي، أو ~~يتحاشون الاعتراف بأنهم ساروا في طريق مسدود. # ولا شك أن التفرقة واجبة بين إنسان ينطلق من دوافع جادة، ~~فيصل إلى معرفة الله عن طريق البحث النزيه، وبين إنسان يسيء ~~استخدام فكرة الله للتخلص من المشكلات التي تواجهه، أو يسلك ~~إليه طريق الفلسفة مدفوعا بدوافع غير فلسفية. # وقد عاصر ليبنتز فلاسفة أساءوا استخدام فكرة الله، أو أسندوا ~~إليها وظيفة لا تسلم من النقد والاعتراض. فها هو ذا ديكارت ~~يعتقد أن وجود العالم الخارجي رهن بوجود إله صادق لا يمكن أن ~~يخدعنا، وها هم أصحاب مذهب ~~المناسبة # Occasionalists ~~، وفي مقدمتهم أرنولد جيلنكس، # 14 # قد لجئوا إلى الله لكي يفسروا العلاقة بين ~~النفس والجسم - التي لم يستطع ديكارت أن يقدم لها تفسيرا ~~مرضيا. قالوا إن النفس كلما أرادت أن تحرك جسدها علم ~~الله بمقصدها، فسبب الحركة على الفور. وقد عجز مالبرانش عن ~~تفسير معرفة العقل البشري بالحقائق الأزلية؛ لعجزه عن إدراك ~~القوى التلقائية للمعرفة التي تكمن في العقل نفسه، ولهذا لجأ ~~أيضا إلى الله؛ فالله، وهو الحقيقة المطلقة، ماثل للعقل، ~~وهذا العقل يدرك الحقائق الأزلية في الله مباشرة. # وقد وقف ليبنتز في وجه ديكارت وأصحاب مذهب المناسبة، ولم ~~يقبل رأي مالبرانش بغير نقد وتمحيص، ولكن هذا لا ينفي أنه ~~كثيرا ما لجأ لفكرة الله ليتغلب على المصاعب التي تواجه ~~مذهبه، ويكفي أن نتذكر فكرته عن الاتساق المقدر. ~~فالمونادات يستحيل عليها أن تؤثر على بعضها البعض تأثيرا ~~سببيا، والتفاعل بين الأجسام والمونادات - وهي عقول هذه ~~الأجسام وأرواحها - شيء لا يمكن تصوره. ومن ثم فلا يمكن ~~تفسير الاتساق الظاهر في العالم إلا بالرجوع إلى الله الذي ~~خلق المونادات، وأوجد الاتساق بينها منذ البداية. وقد رأى ~~ليبنتز في ذلك دليلا جديدا على وجود الله ms29 لم يسبقه أحد ~~إليه، ولكنه كما ترى دليل ضعيف لا يسلم من النقد، فقد استخدم ~~فكرة الله أو بالأحرى أساء استخدامها ليجد مخرجا من طريق ~~فلسفي مسدود. # قد نستطيع أن ننكر أدلة ليبنتز على وجود الله، أو نتشكك ~~فيها من وجهة نظر مذهبية، ولكننا لا نستطيع أن ننكر الجهود ~~المخلصة التي بذلها في حديثه عن الله، وتفكيره فيه تفكيرا ~~منطقيا. ويتجلى هذا في نقده للدليل الديكارتي على وجود ~~الله. فقد استنتج ديكارت وجود الله من فكرة الكائن المطلق ~~الكمال؛ لأن الكائن الكامل إذا افتقر إلى الوجود، فلن يكون ~~مطلق الكمال. ويعترض ليبنتز على هذا، فيقول إن ديكارت لم ~~يثبت إمكان هذه الفكرة. فربما كانت فكرة «الكائن المطلق ~~الكمال» فكرة متناقضة في ذاتها، مثلها مثل فكرة «العدد ~~الأكبر». غير أن ليبنتز يعتقد أنها فكرة يمكن إثبات خلوها ~~من التناقض، وعندئذ يكون الدليل الديكارتي مقنعا وحاسما. ~~فمن إمكان وجود كائن مطلق الكمال يمكن استنتاج واقعية هذا ~~الوجود بالفعل. إن وجود الله (كما تقول المونادولوجيا 40) ~~- نتيجة بسيطة مترتبة على إمكان وجوده. وهكذا فإن الله وحده ~~(أي الوجود الضروري) يتميز بأنه يجب أن يوجد إذا كان ~~ممكنا. ولما لم يكن هناك شيء يمكنه أن يمنع إمكان ذلك الذي ~~لا حدود له، ولا يتضمن سلبا ولا تناقضا، فإن هذا يجعلنا ~~بالضرورة قادرين على معرفة الله معرفة قبلية # Apriori ~~(المونادولوجيا 45)، ~~ومنذ أن صاغ القديس أنسيلم (1033-1109م)، هذا الدليل الشهير في ~~بداية العصر الوسيط والفلسفة المدرسية والآراء تختلف حوله ~~بين الإعجاب والإنكار - وقد كان القديس توماس الأكويني كما كان ~~كانت من أهم معارضيه. ومهما تكن وجاهة الأسباب التي يقدمها ~~معارضوه، فسوف يعترفون بغير شك بأن الحجج التي يقدمها مؤيدوه ~~لا تخلو من القوة - ولا بد على كل حال من فهم الدليل فهما ~~يقوم على اعتبار الإطار الفلسفي الذي نشأ، ثم تجدد فيه. وقد ~~كان هذا الإطار دائما هو الفلسفة المثالية التي تطمح أن تكون ~~في نفس الوقت فلسفة واقعية؛ ومن ثم سميت بحق بالمثالية ~~الواقعية. يصدق هذا ms30 على ليبنتز كما يصدق على القائلين به ~~قبله. # ومع هذا فليس الدليل الأنطولوجي في نظر ليبنتز بالدليل ~~الوحيد على وجود الله، ولا هو الدليل القاطع عليه. فهو يقول ~~بدليل «بعدي» # Aposteriori # آخر ~~يقوم على الحدوث أو على إمكان الأحداث في العالم. فكل ما ~~يحدث في العالم، وكل ما يوجد فيه، ممكن؛ أي إن عدم وجوده ~~أمر ممكن من الناحية المنطقية. فإذا وجد في الواقع شيء كان ~~من الممكن ألا يوجد، فلا بد أن يكون هناك سبب كاف جعله ~~يوجد بدلا من أن يكون عدما، فما هو هذا السبب؟ سواء فسرنا ~~الأحداث الممكنة بأسباب متناهية، أو رحنا نبحث عن تفسير ~~لها في مجال اللا متناهي، فلن نزيد في الحالين على تقديم ~~أسباب أو علل هي بدورها أسباب ممكنة. ولن يتسنى لنا ~~بهذه الطريقة أن نعثر على سبب كاف للممكنات أو الحادثات. لا ~~بد إذن أن يوجد هذا السبب الكافي خارج سلسلة العلل والأسباب ~~الممكنة، ولا بد أيضا ألا يكون هو نفسه ممكنا ولا ~~حادثا؛ أي لا بد أن يكون جوهرا ضروريا. هذا الجوهر ~~الضروري هو الذي نسميه الله. ولا شك أن تفسير ليبنتز هنا ~~مختلف كل الاختلاف عن تفكير أولئك الذين يلجئون إلى الله، ~~ويصطنعونه اصطناعا لعجزهم عن المضي بتفكيرهم إلى غاية ~~مقنعة، أو يأسهم من قصور العقل البشري الذي تعب من عناء ~~السفر، فألقى مراسيه عند أقرب مرفأ! ولعل الله في هذه الحالة ~~أن يكون أشبه «بالإله الآلة»، # 15 # الذي كان كتاب المسرح اليوناني والروماني ~~يلجئون إليه لإنهاء المسرحية وحل الأزمة الدرامية التي عجزوا ~~عن السير بها إلى حل طبيعي نابع من تطور الأحداث نفسها. لم ~~يفعل ليبنتز شيئا من هذا، بل ظل على إخلاصه للحقيقة مهما ~~طال الطريق. ولم يكن الله عنده مجرد فرض يرضي مطالب الفكر ~~الذي يريد الراحة والعزاء في المطلق، ولا كان حلقة أخيرة في ~~سلسلة من الأسباب الممكنة، وإنما هو «السبب الكافي» الذي يجعل ~~كل حلقة من حلقات السلسلة ممكنة، بحيث يستطيع الفكر أن يصل ms31 ~~إليه إذا انطلق من أية حلقة منها. # ويقيم ليبنتز دليله على وجود الله على الحقيقة، مثله في هذا ~~مثل أفلاطون والقديس أوغسطين. فإذا كانت الحقائق خالدة وثابتة، ~~فإن ليبنتز لا يستنتج من ذلك وجود إله يكون هو المبدأ الخالد ~~الثابت لهذه الحقائق. وإنما ينهج طريقا آخر يدل على طابع ~~تفكيره. فهو يستنتج من واقعية الأفكار (أو المثل) الخالدة ~~والحقائق الأبدية التي نعتمد عليها ضرورة وجود علة أو سبب ~~لهذه الواقعية. إن إمكان الأفكار - أي إمكان تصورها - وضرورة ~~الحقائق الأبدية ليسا إلا صورة من صور الواقع، ولا بد أن ~~يكون مصدر هذا الواقع موجودا بالفعل، ولا بد أن يكون ضرورة ~~الأفكار والحقائق نفسها. ويعبر ليبنتز عن هذا الدليل في ~~الفقرتين رقم 43 و44 من المونادولوجيا. ولو قرأنا هاتين ~~الفقرتين وتأملنا الدليل جيدا لأدركنا أن وصف فلسفته ~~بالمثالية الواقعية أو المثالية الموضوعية لم يكن وصفا بعيدا ~~عن الصواب. فإثبات وجود الله على أساس الحقيقة هو الوجه ~~المقابل لإثبات وجوده على أساس الحدوث أو الإمكان، وبينما ~~ينطلق الدليل الأخير من الطابع الفعلي والواقعي للممكن، ~~نجد الدليل الأول ينطلق من واقعية الضروري. # يؤمن ليبنتز بأن وجود الله فوق كل شك. إن الله هو مصدر ~~الحقائق الأبدية الخالدة، وهو كذلك خالق العالم الممكن ~~والإمكان الذي هو صفة العالم لا يعني أن هذا العالم يمكن ألا ~~يوجد فحسب، بل يعني أيضا أن العالم يمكن أن يكون مختلفا عما ~~هو عليه بالفعل. ويعتقد ليبنتز أن هناك عددا لا نهاية له من ~~العوالم الممكنة (والإمكان هنا ينصرف كما قدمنا إلى إمكان ~~التصور)، ولو سأل سائل: لماذا اختار الله هذا العالم بالذات من ~~بين العوالم الممكنة التي لا حصر لها لكان سؤاله في حاجة إلى ~~جواب؛ إذ لا بد أن يكون هناك سبب كاف لهذا الاختيار، شأنه في ~~ذلك شأن كل شيء آخر. ويعتقد ليبنتز أنه يستطيع أن يقدم ~~الجواب؛ فالعقل الإلهي في رأيه قد تحقق من أن عالما واحدا ~~من بين العوالم الممكنة، وعالما واحدا فحسب، هو أفضلها ms32 ~~جميعا، ولهذا شاءت إرادة الله أن تختار هذا العالم الأفضل، ~~تمشيا منها مع قانون الأصلح والأفضل. # هكذا يصل ليبنتز إلى ~~فكرته المشهورة عن أفضل عالم ممكن. وهي الفكرة التي طالما ~~أثنى عليها البعض، وسخر بها البعض الآخر مر السخرية! ولقد ~~كانت الفكرة ملائمة لذوق العصر الذي نشأت فيه مع بداية القرن ~~الثامن عشر. فقد نسي الناس حرب الثلاثين وما جرته على ~~أوروبا من كوارث وويلات، واستوى «الملك الشمس» لويس الرابع عشر ~~على عرش فرنسا المترفة المزدهرة، وشاع تفاؤل عصر التنوير ~~في شرايين الحياة العقلية والروحية. غير أن كارثة رهيبة كانت ~~تقف لهذا التفاؤل بالمرصاد. فقد فوجئ الناس في سنة 1755م ~~بزلزال لشبونة المشهور، الذي قتل فيه أكثر من ثلاثين ألف ~~إنسان. ولا بد أن هذه الكارثة قد حفرت آثارها العميقة في الروح ~~الأوروبية، وزعزعت تفاؤلها وإيمانها الأعمى بانتصار العقل. وقد ~~استوحى فولتير روايته الفلسفية «كانديد» (1759م) من هذا ~~الحادث، فكانت سخرية عضت تفاؤل ليبنتز بأنيابها الحادة! ~~والواقع أن شعار «التفاؤل الميتافيزيقي» الذي أطلق على نظرية ~~ليبنتز عن أفضل العوالم الممكنة قد يبرر البواعث النفسية ~~التي أدت إليها، ولكنه لا يصل إلى جذورها. لم يكن ليبنتز ~~بطبيعة الحال معصوب العينين عما يجتاح العالم من شر وبؤس ~~وعذاب وموت، ولكنه كان يعتقد أننا لن نستطيع أن نقدم سببا ~~كافيا يبرر وجود هذا العالم، إلا إذا كان هو أفضل عالم ~~ممكن. وقد يسأل سائل: ولماذا لا تبحث عن هذا السبب الكافي في ~~إرادة الله الحرة؟ وحرية الإرادة فكرة رحبة متعددة الجوانب ~~والأبعاد. ولا شك أن إحساس ليبنتز بها - كإحساسه بالموت ~~والشقاء البشري - كان يفتقر إلى النبض الإنساني، ولكنه ~~ظل على كل حال متسقا مع فكره ومنطق مذهبه. فهو يميل إلى ~~جانب القانون والرياضة والمنطق. وإذا بدا لأحد أن يضع الحرية ~~في مقابل الخضوع للقانون، وجدناه يميل لهذا الجانب الأخير. ~~وما من شك في أنه سيرفض أن يترك الأمر في خلق العالم أو ~~عدم خلقه لإرادة الله، وسيرفض كذلك أن يترك لها الشأن في ms33 خلقه ~~على هذا النحو أو ذاك. فمن رأيه أن الله لم يكن ليخلق غير هذا ~~العالم الذي خلقه بالفعل. صحيح أن هناك عددا لا ينتهي من ~~العوالم المختلفة الممكنة، ولكن يجب ألا ننسى ما قلناه من أن ~~الإمكان هنا يعني إمكان تصورها من الناحية المنطقية، لا من ~~ناحية التحقق الفعلي. فالعالم الموجود بالفعل هو العالم ~~الوحيد الذي يمكن تحققه في الواقع، بحيث لا يختلف عما هو ~~عليه بالفعل، وبحيث لا يشتمل على كل ما نعرفه فيه من أفراد ~~وأحداث. فليبنتز إذن يبارك كل ما هو موجود وكل ما هو واقع، لا ~~لسبب إلا لأنه ضروري، ولأنه كان حتما أن يوجد على الصورة ~~التي وجد عليها. ولا بد أن القارئ قد لاحظ في هذا الرأي ~~شيئا من التمجيد للجانب التاريخي من الوجود. ولا بد أنه ~~لاحظ أيضا أن الشر والألم والموت لن تكون إلا خيوطا غريبة ~~على نسيج التجانس والاتساق والانسجام الكلي، أو أنغاما ~~قليلة ناشزة في سياق اللحن الأزلي الرائع، وربما يسأل: ألا ~~تكون حرية الفرد مهددة في هذا العالم الذي هو أفضل عالم ~~ممكن؟ الحق أن ليبنتز يتحدث عن الحرية البشرية حديثا ملؤه ~~الدفء والإخلاص، ولكننا لو نظرنا إلى هذا الحديث في إطار ~~المذهب العام لفقد كثيرا من قدرته على الإقناع. ومن يدري؟ ~~فربما يعزينا قليلا أن حرية الله والإنسان كليهما مهدد ~~بالخضوع الشامل للقانون! # رأينا من قبل أن ليبنتز ينظر للعقل الإنساني نظرته «لصورة ~~الألوهية»، بل إنه ليعده «إلها صغيرا». وقد دفعه على هذا ~~الرأي المثالي النبيل ما وجده في هذا العقل من نشاط يتمثل في ~~تقدم العلوم وازدهارها، ولكن هذا الرأي دفعه من ناحية أخرى ~~إلى إقامة علاقة خاصة بين الله والعالم. وها هو ذا يرجع إلى ~~فكرة القديس أوغسطين المشهورة عن «مدينة الله» لتوضيح هذه ~~العلاقة. ويكفي أن نقرأ ما يقوله عن ذلك في المونادولوجيا ~~(84-86): «وهذا هو الذي يجعل العقول قادرة على الدخول مع الله ~~في نوع من الحياة الجماعية، بحيث لا يكون الله بالنسبة ms34 إليها ~~كالمخترع بالنسبة لآلته فحسب (كما هو الحال بالقياس إلى علاقة ~~الله بسائر المخلوقات)، وإنما يكون كذلك كالأمير بالنسبة ~~لرعاياه، بل كالأب بالنسبة لأبنائه. من هذا نستنتج بسهولة ~~أن مجموع العقول يؤلف بالضرورة مدينة الله؛ أي أكمل مدينة ~~ممكنة في ظل أكمل الحكام. إن مدينة الله هذه، هذه المملكة ~~الكلية بحق، هي عالم أخلاقي داخل العالم الطبيعي، وهي أسمى ~~أعمال الله وأكثرها ألوهية.» # الإنسان إذن هو شريك الله في «مدينة الله»، أو في «مملكة ~~العناية». ليس مجرد كائن طبيعي، بل هو شخص قادر على الحب ~~وجدير به. وليس أجمل من كلام ليبنتز نفسه تعبيرا عن هذه الصلة ~~الحميمة بين الله والإنسان. فقد كتب إلى صديقته وراعيته ~~الأميرة صوفي في الرابع من نوفمبر سنة 1696م رسالة يقول فيها: ~~إن العقل الإنساني قادر على معرفة الله، وهذه المعرفة هي ~~الأساس الذي تقوم عليه رسالتنا الأخلاقية والحضارية: إن أسمى ~~العقول (الأرواح) جميعا هي التي تملك القدرة على فهم الحقائق ~~السرمدية، ولا تكتفي بتمثل العالم تمثلا غامضا، بل تفهمه ~~وتحصل على أفكار واضحة عن خيرية الجوهر الأسمى وعظمته. ومعنى ~~هذا ألا تكون مرايا للعالم وحسب (فكل الأرواح كذلك)، وإنما ~~تزيد على هذا فتكون مرايا تعكس خير ما فيه؛ أي الله ذاته، وهذه ~~هي ميزة العقول، وهي التي تعينها على حكم الموجودات الأخرى - ~~باعتبارها صورة الله. ~~(د) ملامح عامة # كل فلسفة تستحق هذا الاسم أشبه بكائن عضوي حي، مثلها في ~~هذا مثل كل عمل باق في الأدب والفن والعلم والحياة. # وقد حاولنا جهد الطاقة أن نتعرف على الخطوط العامة التي ~~يتألف منها نسيج هذا الكائن، والأعمدة التي يقوم عليها ~~هيكله. وعلينا الآن أن ننظر من الخارج، لعل الرؤية الكلية ~~أن تكشف عن أبرز قسماته وملامحه. # ربما كانت «الوحدة» هي أول ما يلفت النظر في فلسفة ليبنتز. ~~فهي فلسفة تحاول أن تضم الكثرة في مركز واحد أو بؤرة ~~واحدة. صحيح أن التجربة تعلمنا كل لحظة أن الأشياء متعددة ~~ومتنوعة، ولكن الفلاسفة يتساءلون منذ القدم: أهناك وحدة ms35 تضم ~~هذه الكثرة الهائلة من الأشياء، وعلى أي نحو تتم؟ أم أن هذه ~~الوحدة شيء من صنع العقل الذي يفرضها على الموجودات المتعددة ~~بطبيعتها؟ # أجاب أفلاطون على هذا ~~السؤال، فافترض وجود «أيدوس»، أو مثال أو نموذج تشارك فيه ~~أشياء مختلفة، ثم حاول بعد ذلك أن يوحد بين هذه المثل ~~والنماذج العديدة في مثال أعلى ونموذج أشرف وأسمى، سماه ~~«الله» حينا، والخير في معظم الأحيان. وقد تابع ليبنتز خطى ~~أفلاطون في بحثه عن الوحدة التي تجمع الكثرة، ولكنه سلك ~~منهجا يختلف عن منهج أفلاطون. فهو يتحدث مثله عن أفكار ~~أبدية خالدة؛ أي عن مثل أو نماذج أولى لكل المخلوقات، وهذه ~~المثل والنماذج كائنة في عقل الله. أن جميع الأشياء المتناهية ~~على علاقة ببعضها البعض، وهذه العلاقة تؤلف بينها في وحدة ~~حقيقية. ولهذه العلاقة نفسها وجهان؛ فهي تعبر من ناحية عن ~~أن جميع الأشياء المتناهية إنما هي في نهاية الأمر مونادات؛ أي ~~كائنات واحدة أو «أحادات»، كما تعبر من ناحية أخرى عن أن كل ~~مونادة منها تعكس العالم كله، أي تعكس جميع المونادات الأخرى ~~على صفحة العالم دون أن نضطر في نفس الوقت للكلام عن مبدأ ~~لهذه الوحدة من خارج العالم، سواء أكان هذا المبدأ هو الله أم ~~الأفكار، ولكنه يرى من ناحية أخرى أنه لا يمكن تفسير هذه ~~الوحدة القائمة داخل العالم إلا بالرجوع إلى الله؛ لأن الله ~~هو أصل جميع المونادات المخلوقة أو المتناهية، وعلة ~~تجانسها واتساقها مع بعضها البعض. # لقد قيل بحق إن ~~ليبنتز قد انزلق أثناء بحثه عن الوحدة التي تضم كثرة ~~الموجودات إلى نوع من الواحدية النفسية أو الروحية التي تعبر ~~عنها هذه الجملة: كل ما هو موجود، فهو من جوهر الروح أو العقل ~~(المونادة). وقيل أيضا إن فكرته الصحيحة عن تعلق كل موجود ~~له طابع الجسم بكل موجود له طابع الروح أو العقل قد بولغ فيها ~~مبالغة كبيرة في فكرة أخرى خاطئة تقول بأن العقل أو الروح ~~كما نجربها في أنفسنا هي الموجود الوحيد الممكن. ومع ms36 ذلك فقد ~~نستطيع أن نرد على هذا الزعم، فنقول إنه إذا صح اتهام ليبنتز ~~بأنه أقام نوعا من الواحدية فيما يتصل بعالم التجربة ~~والخبرة، فإن من الخطأ البالغ أن تنسب إليه تلك الواحدية ~~المطلقة التي ينتفي فيها الفارق بين الله والعالم؛ ذلك لأن ~~ليبنتز يذهب بوضوح إلى أن الله متعال على العالم، وهو يعبر ~~عن هذا الرأي على النحو التالي: إما أن كل مونادة تؤلف مع ~~مونادات أخرى الجسم الذي تحكمه مونادة مركزية، وإما أن تكون ~~هي نفسها مونادة ذلك الجسم، كما أن المونادة المركزية التي ~~تقوم بوظيفة النفس أو الروح يمكنها، بالاشتراك مع مونادات ~~أخرى، أن تؤلف الجسم المتعلق بشكل أعلى للروح. وبهذا ~~نعتبر الله، وهو المونادة الأصلية، بمثابة الروح العليا كما ~~نعتبر عالم المونادات المتناهية بمثابة جسم الله، ولكن هذا ~~كله أبعد ما يكون عن تفكير ليبنتز الذي يرى أن الله لا يدخل ~~في تكوين النسيج الذي يؤلف عالم المونادات المتناهية. فهذه ~~المونادات المتناهية جميعا، حتى أسمى العقول وأعلى الأرواح، ~~تعتمد دائما وبالضرورة على مونادات أخرى تكون الجسم الذي ~~تتعلق به، أما الله، والله وحده، فهو مبرأ من الجسمية، ~~منزه عنها كل التنزيه (المونادولوجيا 72) هكذا يصل تفكير ~~ليبنتز في سعيه إلى الوحدة إلى الحد الذي يقف عنده. ومهما ~~أغراه مذهبه بتخطي هذا الحد، أو أوحى به إليه، فإنه يظل ~~على تمسكه به ولا يتعداه. # هذا البحث عن الوحدة وراء التنوع، وهذا الاقتناع بأن الفكر ~~والوجود في صميمهما شيء واحد، يجعلان بغير شك من ليبنتز ~~فيلسوفا أفلاطونيا. # 16 # والواقع أنه ~~كان يميل إلى هذا الوصف ولا ينكره. غير أن هناك من ~~الأسباب ما يدعونا في نفس الوقت إلى وصفه بالفيلسوف الأرسطي. ~~صحيح أنه لم يكن ليرضى عن هذا الوصف الذي ربما أثار في نفسه ~~ذكرى الفلسفة المدرسية الجافة التي شاعت في أيامه، وتجمدت ~~فيها أفكار أرسطو الحية في صيغ ميتة. غير أن إحساس ليبنتز ~~بقيمة الفرد يسوغ لنا إطلاق الصفة المهيبة عليه! فهو يتفق ~~مع أرسطو في أننا نلتقي ms37 بالوجود الحقيقي في الموجودات ~~المتعددة أو في الجواهر المفردة. والتنوع العجيب الذي ~~نشاهده مع تنوع الأفراد واختلافها وكثرتها يعد من أهم ~~خصائص العالم وأجلها قيمة. وهو لا يوافق أرسطو على هذا كله ~~فحسب، بل يذهب إلى أن النظام الذي نراه في العالم لا ينبغي ~~أن يزيد عما هو عليه، حتى لا يؤثر على التنوع الحافل فيه. ~~إن الفرد المتميز المتوحد يحتفظ بقيمته في ذاته. وقيمته في ~~تفرده وأصالته التي تجعله موجودا نسيج وحده، لا ثاني له في ~~الوجود كله. ومن الواضح أن ليبنتز يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ~~أرسطو. فلم يكن في وسع مفكر يوناني أن يقدر فكرة التفرد كل ~~التقدير؛ لأن هذا يعتمد إلى حد كبير على النظرة المسيحية ~~إلى الشخصية والتاريخ. ولهذا يمكننا أن نقول إن ليبنتز يواصل ~~السير على طريق التراث الفلسفي المسيحي حين يعتبر التفرد ~~قيمة، وحين ينظر إلى العقل بوصفه أعلى صورة من صوره. وهو في ~~الواقع لا يكتفي بتكرار هذه الفكرة القديمة، وإنما يعبر ~~عنها تعبيرا جديدا يكشف بدوره عن أصالته. فهو يرى أن تفرد ~~المونادة الفردة يمكن تفسيره من خلال علاقتها بالكل، أعني من ~~خلال المنظور الذي تطل منه كل مونادة على العالم، وتعكسه ~~على طريقتها ومن وجهة نظرها. فإذا طبقنا هذا على الإنسان ~~أمكن القول بأن تفرده يعتمد على تفرد الصورة التي يلتقطها عن ~~العالم وتميزه عن غيره من الناس. إن وجود الفرد يعتمد على ~~وجود المجموع. وقد رأى ليبنتز هذا رؤية مثالية واضحة، ولكن ~~فلسفته لم تتجاوز هذه الرؤية الهندسية المتجانسة. ولم تؤثر ~~عليها فكرة العلاقة الشخصية بين الأفراد، ولا فكرة التأثير ~~والتأثر المتبادل بينهم في الواقع والمجتمع. ولهذا ظلت ~~الفردية والتفرد عنده بعيدين عن كل ما تحملانه اليوم من ~~المعاني الوجودية والطاقات الانفعالية والبواعث الاجتماعية ~~والنفسية. # ولهذا فقد يكون من الخير ألا نحمل فكرة التفرد عنده بأكثر ~~مما تحتمل، ولا نستخرج منها نتائج لم يكن من الممكن أن ~~ينتهي إليها. ومن يدري؟ فلعله كان يريد بها تأكيد فكرة ~~«الواحدية»؛ ms38 أي تأكيد القول أن كل موجود واحد، وأننا مهما ~~جردناه من كل صفاته فلن نستطيع أن نجرده من صفة أنه واحد ~~إلى جانب أنه موجود، وهي الفكرة التي أكدها أفلوطين من قبله ~~عن «الواحد» المختلف عن كل ما يصدر عنه. ثم أكدها هو من ~~ناحية الصفات والخصائص التي ينفرد بها كل موجود عن كل ما ~~عداه. ولا يجب بطبيعة الحال أن نفهم هذا من الناحية العددية ~~فحسب؛ إذ إن هذا بعيد كل البعد عن تفكيره. بل يجب أن نفهم ~~منه أنه يؤكد أن الفرد ليس فردا من ناحية العدد فحسب، ~~وإنما هو فرد من ناحية الفاعلية والطاقة والطابع الشخصي، الذي ~~يتميز به عن كل فرد (أو جوهر) سواه، وهي فكرة أساسية في ~~مذهبه في الوجود والدين والأخلاق جميعا؛ إذ بغير هذا الطابع ~~الشخصي والفردي لن يكون ثمة مجال للثواب والعقاب بعد ~~الموت. ~~••• # هكذا حرص ليبنتز على تأكيد فكرة التفرد والتوع حرصه على ~~تأكيد فكرة الوحدة والشمول. وهذا يكشف لنا عن سمة أخرى من ~~أبرز سمات فكره، وأعني بها ميله الدائم إلى التوفيق بين الآراء ~~المتعارضة والتأليف بين الاتجاهات المتباينة في مركب واحد. ~~تشهد على هذا محاولته التوفيق بين النظرة الغائية والنظرة ~~الميكانيكية للعالم؛ أي بين أفلاطون وأرسطو من ناحية وبين ~~ديكارت والعلماء الطبيعيين في عصره من ناحية أخرى. # وقد لمسنا هذه المسألة من قبل، ورأينا كيف قبل ليبنتز ~~النزعة الميكانيكية المحدودة، وأصر في نفس الوقت على رفض ~~النزعة الميكانيكية المطلقة! فهو يوافق على أن جميع العمليات ~~الفيزيائية يمكن تفسيرها تفسيرا ميكانيكيا، ولكنه يرى ~~أيضا أن من الممكن الإبقاء على التفسير الغائي الذي وصل ~~إلينا عن الفلسفة القديمة، بل إن هذا التفسير الأخير لا غنى ~~عنه؛ لكي يقوم التفسير الأول على أساس وطيد. # فإذا أردنا بالغائية والميكانيكية أن يكونا تفسيرين ~~متضادين متعارضين للواقع، فإن فلسفة ليبنتز تخرج عنهما ~~جميعا. وقد يكون من الصواب أن نصف تفكيره بأنه تفكير تركيبي ~~أو تأليفي. ومهما قبل عن إخفاقه في الوصول إلى هذا التأليف، ~~فإن ms39 ذلك لا يقلل من تأثير فلسفته ولا ينتقص من أصالتها ~~واتساقها. ~~••• # كان ليبنتز عالما في الرياضة، وكان لهذا أثره على فلسفته. ~~فالطابع الذي يسودها طابع رياضي، والمثل الأعلى الذي تهتدي به ~~مثل رياضي، والأحكام والدقة اللذان يمسكان حلقاتها مستمدان من ~~روح التفكير الرياضي. كتب في السابع والعشرين من ديسمبر سنة ~~694 رسالة إلى الماركيز دي لوسبيتال # Marquis de l’Hospital # يقول فيها هذه ~~العبارة: «إن الميتافيزيقيا عندي رياضية خالصة.» # لقد كان يعتقد أن جميع العلوم التي تتناول حقائق العقل ~~يمكن أن تتطور على نسق العلوم الرياضية، كما كان يتوقع ~~للعلوم التي تنصب على حقائق الواقع أن تلجأ إلى المناهج ~~الرياضية، وتفيد منها إلى أقصى حد ممكن (وقد حققت العلوم ~~التجريبية نبوءته وقطعت معظم العلوم الإنسانية شوطا كبيرا في ~~هذا السبيل). # وجدير بالذكر أنه أثنى على أرسطو؛ لأنه كان في منطقه أول ~~من كتب بأسلوب رياضي خارج حدود العلوم الرياضية، كما تمنى ~~أن يمتد هذا الأسلوب إلى سائر العلوم. بل إنه ليعبر عن ~~اقتناعه بأن تطبيق المنهج الرياضي على العلوم الفلسفية سيضع ~~حدا للخلافات، فتختفي تماما من على مسرح الفلسفة! ولا شك ~~أن تحمس ليبنتز للرياضة قد أدى به - كما أشرنا من قبل - ~~إلى إغفال الحدود التي لا بد أن يقف عندها المنهج الرياضي، كما ~~أن طريقته الرياضية في التفكير قد دفعته في كثير من الأحيان ~~إلى محاولة الإجابة على بعض المشكلات الفلسفية بنفس الدقة ~~التي يلتزم بها الرياضيون، مع أنها في الغالب مشكلات لا ~~حل لها على الإطلاق، وإن وجد هذا الحل، فلا يمكن التوصل ~~إليه عن طريق المنهج الرياضي! # كان ليبنتز مقتنعا بأن جميع العلوم يمكن أن تطبق مناهج ~~الرياضة بدرجات متفاوتة. ولعل هذا الاقتناع أن يكون دليلا ~~على النزعة العامة التي تطبع تفكيره كله؛ ألا وهي نزعة ~~التفاؤل التي سخر منها فولتير. ولا شك أنه كان متأثرا ~~بالمناخ العام الذي ساد عصر التنوير الأوروبي، وإن كان الإنصاف ~~يقتضينا القول بأنه لم يقع فريسة ضيق الأفق والجفاف والفقر ~~الروحي والوجداني ms40 الذي غلب على معظم إنتاج هذا العصر، ولكن ~~ثقته المطلقة في قوة العقل الإنساني تدل على تفاؤله. إنه ~~يؤمن بتقدم الفن والفلسفة في الماضي والمستقبل على السواء. ~~وقد ينتكس هذا التقدم المستمر من وقت لآخر، ولكن النظرة ~~الشاملة تثبت أن العقل قد تقدم أكثر مما انتكس، وأن المعرفة ~~البشرية يزداد حظها من الكمال على مر التاريخ . # وتظهر النزعة المتفائلة أيضا في نظرته إلى العالم والمصير. ~~فهذا العالم هو أفضل عالم ممكن. والظلام الذي يختم عليه ليس ~~إلا الوجه الشاحب للنور. والشر والبؤس والتعاسة التي نلقاها ~~فيه ليست شيئا بجانب الخير والرحمة والعدل الذي أفاضته عناية ~~الله علينا. إن أنين المأساة يضيع وسط أنغام التجانس الشامل، ~~والموت نفسه يفقد ثقله وجهامته، ويصبح الشر هو الضريبة ~~الضرورية التي لا بد من أدائها للحرية البشرية، كما تصبح ~~الحرية نفسها جزءا من نظام العالم الراسخ. # لا شك أن التفاؤل العقلي منبع غني تتدفق منه الأفكار ~~الحية، وتربة خصبة تنمو عليها المعرفة البشرية، ولكن الخطر كل ~~الخطر في إضفاء ثوب المثالية على جسد الواقع، والنظر إلى ~~القبح والبؤس والشر بعين الجمال والرضا والبهجة والتسامح. ~~ذلك شيء يعجز الإنسان الذي يصطدم كل لحظة بصخرة الواقع ~~الدامية. وهو على التحقيق شيء لا يقدر عليه إلا كائن فوق ~~الإنسان، أو كائن غير إنساني! وهو في النهاية خطر لم ينجح ~~ليبنتز في تلافيه، ومزلق لم ينج من الوقوع فيه. ولا نزاع في ~~أن تفكيره يكشف من بعض الوجوه عن أحادية النظرة أو لنقل عن ~~شيء من ضيق الأفق. وثقته المطلقة في المنهج الرياضي وتفاؤله ~~المسرف يشهدان على هذا. فنحن نعلم اليوم أن المنهج الرياضي ~~له حدود لا يستطيع أن يتعداها، وأن للواقع مستويات وأبعادا ~~لا يمكنه أن يصل إليها. كما تعلمنا الحياة أن الإسراف في ~~التفاؤل قد يكون نوعا من الغفلة أو السذاجة وحسن النية. ومع ~~ذلك فإن الإنصاف يقتضينا في هذا المجال أيضا أن نقول إن ~~النظرة الأحادية ليست بالطابع الغالب على تفكير ليبنتز. ~~فالواقع أن تفكيره بعيد ms41 عن التطرف. وهو يسعى على الدوام إلى ~~التوفيق بين الأضداد في مركب يؤلف بينها ويهتدي في كل آرائه ~~بالحكمة العريقة: الحقيقة في التوسط. # 17 # إنه يقدر الجديد بغير أن يرفض القديم، ويفتش ~~عن الحقيقة بين الآراء المتعارضة ليقوم بدور حمامة السلام ~~بينها! ولا يتحرج أحيانا من تدوين أفكار فلسفية شائعة ~~لإيمانه بأن الحقيقة غالبا ما تكون بسيطة ومشتركة بين الناس، ~~على حين يبدو الزيف في معظم الأحيان في ثوب خداع وضوء خلاب. ~~وهو لا يبتعد عن النظرة الأحادية في القضايا التي يدعو إليها ~~فحسب، بل يتجنبها أيضا في اختياره للموضوعات العلمية التي ~~يتناولها بالبحث. ويكفي أن طموحه لم يقف عند حد، وأن حبه ~~للمعرفة قد تنقل بين موائد المعرفة من القانون، والرياضة، ~~والفيزياء، والجيولوجيا إلى الموسيقى، والفلسفة، واللاهوت، ~~والتاريخ والسياسة دون أن يحيد عن النظرة الشاملة أو ينحرف ~~إلى التظاهر والغرور. # ولهذا كان تفكيره تفكيرا شاملا، بأوسع وأعمق معاني هذه ~~الكلمة. # وما أصدق قول ديدرو (في المجلد الخامس عشر من ~~الأنسيكلوبيديا، طبعة أسيزا، ص440): «عندما ينظر الواحد منا في ~~نفسه، ويقارن مواهبه بمواهب ليبنتز يحس بميل قوي يغريه ~~بأن يقذف بالكتب بعيدا، ويبحث لنفسه عن ركن خفي من العالم ~~يمكنه أن يموت فيه بسلام. كان عقل هذا الرجل عدوا للفوضى، ~~وكانت أعقد المسائل تتسق وتنتظم عندما تدخل فيه. لقد جمع ~~صفتين عظيمتين يندر أن تتفق إحداهما مع الأخرى؛ روح ~~الكشف، وروح المنهج، إلى جانب الدرس الدءوب المتنوع الذي ~~أتاح له معرفة متعددة الأنواع والأشكال، ولم يضعف هذه الصفة ~~أو تلك. لقد كان فيلسوفا ورياضيا، بأعمق ما تحمله هاتان ~~الكلمتان من معنى ...» # 18 ~~(ه) الفلسفة الخالدة # 19 # الفلسفة الخالدة تعبير عن فكرة تحققت في الفلسفة في العصر ~~القديم والوسيط، قبل أن يصك الاصطلاح في القرن السادس عشر ~~على يد أوجستينوس ~~ستويكوس # Augustinus Steuchus ~~. أحد رجال عصر النهضة في إيطاليا. ~~وقد آمن ليبنتز إيمانا قويا بفكرة الفلسفة الخالدة «التي ~~تتخطى السنين»، وتنطوي على عدد من الكشوف الفلسفية التي ~~تلقيناها عن القدماء، ولا ms42 زالت جديرة بأن نتأملها، ونحافظ ~~عليها، ونعنى بتمثلها والإفادة منها. وتدل الفكرة في رأيه ~~على التقدم المتصل في مجال المعرفة الفلسفية. وإذا كان الفكر ~~البشري ينتكس في بعض مراحل تطوره، فإن المعرفة الفلسفية لا ~~تنفك تتطور وتزداد عمقا واتساعا، ما بقيت الأجيال اللاحقة ~~تبني على الأسس التي أرستها الأجيال المتقدمة. ليست الحقيقة ~~من صنع إنسان واحد، وما من إنسان يمكنه أن يدعي لنفسه شرف ~~البحث عنها أو الوصول إليها. ومن أنكر جهود غيره على مدى ~~التاريخ فهو أعمى أو أحمق. لقد طالما اجتهد المفكرون في ~~البحث عن الحقيقة، واكتشفوا هذا الملمح أو ذاك من ملامح ~~وجهها الغامض النبيل، وحتى الذين تنكبت فلسفتهم طريق ~~الحقيقة، وضلت سواء السبيل قد شاركوا بصورة غير مباشرة في ~~اهتداء غيرهم إليها. لقد آمن ليبنتز بأن الخير أقوى من الشر، ~~وأن الحقيقة أعظم من الخطأ. وهذه العبارة المشهورة التي قالها ~~في سنة 1714م تشهد على حكمته وحكمة عصره: «إن الحقيقة لأوسع ~~انتشارا مما يظن بعض الناس»، وأولى بالباحث أن يقتفي آثار ~~الحقيقة في نظرية ما من أن يتسرع بإدانتها على أساس الأخطاء ~~التي وجدها فيها. وما من شيء يمكن أن يعبر عن هذه النزعة ~~الحكيمة المتواضعة، كما تعبر عنه الفلسفة الخالدة. فهي ~~تحدد موقف الإنسان من فلسفات الغير، وتحثه على أن يتعلم ~~منها قبل أن يحاول هدمها. # ويصور ليبنتز هذا الاتجاه الذي آمن به بصدق وتواضع في ~~عبارات تستحق أن نقرأها ونقف عندها: # 20 ~~«إن مؤلفات الأعلام من رجال العصور القديمة ~~والحديثة بغض النظر عن خصوماتهم الجدلية الحادة مع مخالفتهم ~~في الرأي، تنطوي في معظمها على كثير من الحق والخير، مما ~~يستحق أن يقتبس ويودع كنز المعرفة البشرية. ولو اهتم الناس ~~بالنهوض بهذه المهمة بدلا من تبديد وقتهم في التماس المآخذ ~~والعيوب، لما ضحوا في هذه الحالة إلا بغرورهم وزهوهم! وعلى ~~الرغم من العديد من الكشوف الجديدة التي توصلت إليها، وبلغت ~~من النجاح مبلغا جعل أصدقائي ينصحونني بتكريس جهودي لمثل ~~هذه البحوث، فإنني من جانبي على ms43 الأقل أقدر آراء الغير، ~~وأعرف كيف أقيم كل رأي بما يستحق، وإن كنت أفعل هذا بدرجات ~~متفاوتة، وربما كان السبب في هذا أنني تعلمت من نشاطي ~~المتعدد الجوانب ألا أحتقر شيئا على الإطلاق.» # هذه عبارات تذكرنا بنصيحة بارمنيدز لسقراط - في محاورة ~~بارمنيدز لأفلاطون - بألا يحتقر الفيلسوف شيئا، ولو بلغ من ~~ضآلة الشأن مبلغ الشعر والطين! وهي تكشف عن طبيعة ليبنتز ~~وشخصيته ونزعته العقلية والنفسية التي وجهت نشاطه الفلسفي ~~والعلمي، كما تكشف عن تواضع أصيل ينبغي أن ينهل الحكيم من ~~نبعه على اختلاف البلاد والعصور، ويتعلم مع كل قطرة منه ~~حقائق الحكمة، تفكير الإنسان المحدود، تقدير جهود الغير، ~~الإيمان بسلطان الحقيقة الذي لا تنال منه قوى الزيف والكذب ~~مهما كان عتادها وعدتها! وليس من الضروري أن نكون من الحكماء ~~لنعرف هذا كله. يكفي أن ننظر في تاريخ الفكر البشري نظرة ~~متسامحة واسعة الأفق؛ لكي نصحح أفكارنا، ونعرف أن الحقيقة ~~تكمن في البحث الدائب عنها، والجهد المبذول للسير على ~~طريقها؛ إذ لم يتأت لحي ولن يتأتى له أن يمتلك الحقيقة ~~الكاملة! ومن لم يفعل هذا فسيظل أسير ذاته، وسجين عصره، ولن ~~يتسنى له الارتفاع بفكره فوق الضحالة والتحيز وضيق ~~الأفق. # وما أجمل ما يقوله الأديب الناقد والفيلسوف المربي العظيم ~~ليسنج (1729-1781م)! الذي عبر عن عصر التنوير وتجاوزه في ~~وقت واحد، ودافع عن روح التسامح والأخوة البشرية والصدق في ~~المسرح والفن والحياة أبلغ دفاع وأخلصه: # ليست الحقيقة التي يملكها إنسان أو يتصور أنه ~~يملكها هي التي تجعل له قيمة، بل الجهد الصادق الذي ~~بذله في التماسها والسعي وراءها. فليس تملك الحقيقة ~~هو الذي ينمي طاقاته وقواه، بل إن البحث عنها هو ~~الذي يعمل على تفتحها، وفيه وحده تكمن قدرته على ~~الاستزادة من الكمال. إن التملك ليجعل الإنسان ~~كسولا، ساكنا، مغرورا. ولو أن الله وضع الحقيقة ~~كلها في يمناه، وجعل الدافع الوحيد الذي يحرك ~~الإنسان إلى طلبها في يسراه - ولو كان في نيته أن ~~يضلني ضلال أبديا - ومد نحوي يديه المضمومتين ~~وهو يقول: اختر ms44 بينهما! لركعت أمامه في خشوع وهتفت ~~به وأنا أشير إلى يسراه: رب! أعطني هذه! فالحقيقة ~~الخالصة ملكك أنت وحدك! # إن الفلسفة الخالدة كلمة عظيمة وفكرة خصبة، ولكن ما من ~~كلمة لم يسأ استخدامها، ولا من فكرة لم يسأ فهمها. وما ~~أكثر الذين يتصورون أن «الفلسفة الخالدة» معطف يدثر فكرا ~~كسولا غير ملتزم، أو نزعة محافظة تفتقر إلى الجدة والقدرة ~~على النقد والتمحيص. صحيح أن الفكرة التي تكمن وراء الفلسفة ~~الخالدة لا تخلو من الأخطار والمزالق، ولكن من الخطأ الظن بأن ~~الإيمان بها لا بد أن يكون علامة على ضعف التفكير وجموده، أو ~~التساهل مع الغير - من باب حسن النية - أو التشبث بأكفان ~~الماضي الغابر. وفلسفة ليبنتز نفسها خير دليل على خطأ هذا ~~الظن. فلقد كافح طويلا في سبيل التعرف إلى الحقيقة الشاملة، ~~ولم يجفل من السير على الدروب الجديدة المحفوفة بالمخاطر. وجمع ~~العقل الناقد إلى القدرة على تقبل آراء الغير واحترام جهودهم ~~وكشوفهم. ويكفي أن نشير للانتقادات العديدة التي وجهها إلى ~~ديكارت ولوك وبايل، وأن نشير أيضا إلى اهتمته بأفكار عصره، ~~والبحوث التي تمت على عهده في مختلف الميادين، حتى لقد وصل ~~هذا الاهتمام في بعض الأحيان إلى حد الولع بكل جديد مبتكر! ~~ولا شك أنه كان يقف في جانب التقدم والتطور، فضلا عن وقوفه في ~~صف المحافظين - بالمعنى الكريم الذي يدل عليه الأصل اللاتيني ~~لهذه الكلمة # 21 # أي بمعنى الحفاظ على كل ما يستحق البقاء، ويدفع ~~تيار التطور إلى الأمام، ويضيف لكنز المعرفة البشرية حجرا ~~واحدا ثمينا! ومن الظلم أن نأخذ إيمانه بالفلسفة الخالدة ~~مأخذ الكسل الروحي، أو العجز عن ارتياد مجاهل المستقبل، أو قلة ~~الأصالة والابتكار. ففلسفته كلها تشهد على شجاعته وتفتح عقله ~~وعرفانه بما قدمته الفلسفة من قديم وجديد. ولو أحسنا فهم ~~فلسفته لتعلمنا منه دروسا تنفع المؤمنين بالفلسفة الخالدة ~~والجاحدين لها على السواء! # ثالثا: ليبنتز في مرآة الأجيال # ما الذي بقي حيا من فيلسوف غاب شبحه الفاني منذ مائتين وسبعة ~~وخمسين عاما؟ # سؤال عسير، من تلك ms45 الأسئلة التي لا يجاب عليها إلا بأسئلة أخرى! ~~يصدق هذا على ليبنتز، كما يصدق على كل فيلسوف أو أديب عظيم ترك ~~تراثه وديعة بين يدي الأجيال. ومن يدري؟ فقد تتوقف الإجابة علينا ~~نحن، على رغبتنا في الحياة، أو قدرتنا عليها، على مدى ما نملك من ~~شجاعة البحث عن كنوز الماضي، والارتفاع إلى قممها، والاغتراف من ~~منابعها وبث الحياة فيها وفي أنفسنا. وكم من مفكر أو أديب مات في ~~ذاكرة الأجيال وشبع موتا. ثم جاءت اللحظة التي أحست فيها ~~بحاجتها الملحة إليه، ففزعت نحوه كما يفزع الابن التائب إلى صدر ~~أبيه، وأزاحت التراب والأكفان عنه، وأنقذت صورته من عناكب النسيان ~~التي تعشش عليها في المتاحف والمخازن! # يمكننا أن نسأل عن أثر ليبنتز على التاريخ الأوروبي والثقافة ~~الأوروبية من بعده، فنعرف فضله الذي لا ينكر على العديد من ~~الأكاديميات العلمية التي تأسست في أواخر حياته، أو بعد موته، ~~وكان له دور مباشر أو غير مباشر في قيامها. # 22 # ويمكننا أن ننظر إلى العلوم العديدة التي ازدهرت في عصرنا ~~الحديث، فنتبين بصمات أصابعه عليها، ونرى إلى أي حد أفادت من ~~توجيهاته ولمحاته، فكان أحد الرواد القلائل الذين دلوها على الطريق ~~الصحيح الذي تواصل السير فيه. ويكفي أن نذكر علوم الرياضة ~~والفيزياء والبيولوجيا والجيولوجيا واللغة والتاريخ والاقتصاد ~~والمنطق الرياضي وعلم النفس التحليلي وغيرها من العلوم التي تعترف ~~اليوم بفضله. ولكننا لن نمضي في هذه الأسئلة التي تحتاج إلى ~~بحوث متخصصة ليس هذا مجالها، ولنرجع للخيط الذي لمسناه عن تأثير ~~ليبنتز على التراث الفلسفي الحديث. # لم يكن ليبنتز من الفلاسفة الذين يجمعون حولهم المريدين ~~والأتباع، وينشئون مدرسة تتولى نشر أفكارهم ورعايتها بعد موتهم. ~~لقد ترك وراءه تراثا ضخما من البحوث والرسائل المخطوطة التي لم ~~ينشر منها في أثناء حياته، سوى قدر ضئيل. ومات وحيدا منسيا ~~مكروها من أغلب معاصريه، وظل الكره والإهمال والجحود يلاحقه حتى ~~عهد قريب. ولا شك أن كشوفه الهامة في الرياضة والعلوم، وصلاته ~~القوية بعلماء عصره ومفكريه، ومذهبه الذي أثار الإعجاب باتساق ms46 ~~بقدر ما أثار السخط على تفاؤله الشديد، وشخصيته الموسوعية الفريدة ~~التي جمعت المتناقضات في مركب عجيب، لا شك أن هذا كله لم يسمح بأن ~~يتسرب إليه النسيان، وإن سمع بعض الوقت بالجحود والنكران! # والمهم أن أعماله نجت من القدر الذي لم يترفق به في حياته. ~~وبدأت أجيال الباحثين في نشر مخطوطاته العديدة المبعثرة بين ~~المكتبات، وفك طلاسم مسوداته المليئة بالتصويبات والزيادات ~~والمراجعات! ولم تكد تمر عشرون سنة على وفاته، حتى ظهرت أول ~~محاولة لدراسة فلسفته دراسة شاملة. فكتب لودوفيجي في سنة 1737م ~~كتابا بعنوان: مشروع تفصيلي لتاريخ كامل لفلسفة ليبنتز. # 23 # غير أن الفضل الأكبر في نشر فلسفة ليبنتز والترويج لها بين جموع ~~المثقفين يرجع لكرستيان فولف (1679-1754م) زعيم حركة التنوير في ~~ألمانيا في القرن الثامن عشر، وأمير النزعة العقلاني، و«الممثل ~~الجبار» للفلسفة الدوجماطيقية أو القطعية كما قال عنه كانت ~~بحق! # ولكن فولف وتلاميذه أساءوا إلى ليبنتز بقدر ما أحسنوا إليه، ~~فحشروا فكره الأصيل الحي في قالب مذهبي ضيق، غلب عليه الطابع ~~المدرسي، وتحكمت فيه آفة التلفيق والتوفيق. وقد كان فولف أول من ~~غامر بكتابة معظم مؤلفاته باللغة الألمانية، وهي في أغلبها لا تخرج ~~عن عرض فلسفة ليبنتز مع مزجها بعناصر أرسطية ورواقية ومدرسية. ~~ولهذا يمكن القول إن ليبنتز - الذي كان يكتب أساسا بالفرنسية ~~واللاتينية - كان له أثر غير مباشر على تكوين المصطلح الفلسفي ~~في اللغة الألمانية التي لم يكتب بها كثيرا. # وقد كانت فلسفة التنوير - التي عبر فيها فولف وأتباعه عن ~~إيمانهم المفرط بالعقل، واهتدوا فيها قبل كل شيء بفلسفة ليبنتز - ~~هي التربة التي نمت عليها فلسفة كانت، واستمدت منها عصارة ~~حياتها الأولى. والواقع أنه يتعذر علينا بغير ليبنتز أن نتصور ~~كانت وفلسفته. صحيح أنه تصدى في مرحلته النقدية للهجوم على النزعة ~~العقلانية القطعية، وهدم صروحها الميتافيزيقية الشامخة، ولكن هذا ~~لا ينفي تأثره الشديد في بداية نشاطه الفكري بفلسفة ليبنتز التي ~~قامت عليها تلك النزعة أو بالأخرى على صورة معدلة منها - ولا ~~يقف الأمر عند التأثر المحتوم بين الخصوم ms47 - فالمنقود يعيش دائما ~~في ناقده! بل يتعداه إلى مسائل هامة تتصل بنقاط اللقاء والافتراق ~~بينهما. والمتأمل لفلسفة كانت النظرية والعملية لن يخطئ سماع ~~أصداء عديدة من ليبنتز: القضايا التحليلية والقضايا التركيبية، ~~مملكة الطبيعة ومملكة الغايات، حقائق الواقع التجريبية الحادثة، ~~وحقائق العقل الأبدية الضرورية، الاهتداء بالمناهج الرياضية ~~والعلمية لأحكام المناهج الفلسفية والميتافيزيقية ... إلخ، ويكفي أن ~~كانت قد تأثر إلى أبلغ حد بكتاب ليبنتز «مقالات جديدة عن العقل ~~الإنساني»، الذي لم ينشر إلا في سنة 1765م؛ وذلك في كتابه الصغير ~~الذي يحمل بذور نظريته في الإستطيقا الترنسند نتالية أو الزمان ~~والمكان، ويعد إرهاصة حقيقية بتحوله إلى الفلسفة النقدية، وعلامة ~~بارزة على طريق تطوره العقلي، # 24 # ويقصد به رسالته اللاتينية الهامة «صور ومبادئ ~~العالمين الحسي والعقلي» (1770م). فقد عبرت هذه الرسالة ~~الصغيرة عن تخلصه النهائي من تأثير النزعة العقلانية القطعية - ~~التي توصف عادة بفلسفة فولف وليبنتز - ومزاعمها الطموح المتعجلة ~~عن قدرة العقل البشري على معرفة الوجود كما هو في ذاته، كما عبرت ~~عن الارتباط الوثيق بين الحساسية وطبيعة الإنسان المتناهية ~~المحدودة، وكلها إشارات هامة إلى «التحول الكوبرنيقي» والثورة ~~النقدية التي أعلنها في كتابه «نقد العقل الخالص» بعد ذلك بأحد عشر ~~عاما. # لا ينفي هذا كله بطبيعة الحال أن كانت وليبنتز مختلفان في ~~تفكيرهما أعمق الاختلاف، على الرغم من أوجه الاتصال بينهما. وكل ما ~~نريد من ورائه هو تأكيد أن وصف ليبنتز بأنه ممهد لكانت وصف ~~ينطوي على إجحاف شديد به. ويزيد من وقع هذا الإجحاف بليبنتنز أن ~~عددا كبيرا من الباحثين قد دأبوا على وصفه بفيلسوف عصر الباروك. ~~وهم بهذا لا يكادون يخفون رغبتهم في إظهار الجانب الضعيف من فلسفته ~~(وإن كان ذلك الوصف لا يقلل من أهميته، ولا يجعله مبتور الصلة ~~بعصرنا)، ولا يكتمون ميلهم إلى التهوين من شأن ميتافيزيقاه «غير ~~النقدية» بالقياس إلى ميتافيزيقا كانت النقدية، وإبراز أخطائها ~~وبعدها عن الروح العلمية إذا قورنت بالفلسفات العلمية المعاصرة ~~التي تسترشد بمناهج العلم الرياضي والطبيعي ونتائجه. ومن الواضح أن ~~مثل هذا النقد لا ms48 ينصف «كانت» ولا «ليبنتز»، ولا يسلم عند النظر ~~المتأني من الظلم والتحيز. # أثر ليبنتز على عدد كبير من المفكرين والأدباء الذي تمتد ~~قائمة أسمائهم إلى يومنا الراهن. ولن يتسع المجال للحديث عن هذا ~~التأثير الخصب العميق، ولهذا نكتفي بتناول لمحات بارزة ~~منه. ~~••• # كان الأديب الناقد العالم، باعث حركة «العصف والدفع» الأدبية في ~~ألمانيا ومؤسس فلسفة التاريخ بها وهو يوهان جوتفريد هردر ~~(1744-1803م) من أهم المفكرين الذين تأثروا بليبنتز. فقد ~~اعتمد على فلسفته في هجومه المرير على فلسفة كانت المتأخرة ~~(وحاول فيه دون نجاح يذكر أن يتجاوز نقد كانت بما بعد النقد!) ~~وقدم كثيرا من أفكار فيلسوفنا في كتابه «رسائل لرعاية الإنسانية»، # 25 # وفي مجموعة مقالاته المسماة # Adrastea ~~، كما عرف أصحاب حركة ~~العصف والدفع بكثير من خواطره ولمحاته التي أفاد منها جوته # 26 # وشيلر وأعلام الفلسفة المثالية الألمانية، وفي مقدمتهم ~~هيجل. ومن الصعب أن نحدد طبيعة العلاقة بين هيجل وليبنتز، فبينهما ~~من أوجه الخلاف والاتفاق ما يجعل كتفي الميزان متعادلتين. ويكفي ~~أن نذكر عبارة قصيرة لهيجل وضع بها إصبعه على الفارق بينهما؛ حيث ~~قال: «إن التفرد هو المبدأ الأساسي عند ليبنتز.» وطبيعي أن يصدر ~~هذا القول من هيجل، فإن يكن هو نبي «الكلي العام»، فإن ليبنتز هو ~~المبشر «بالفرد» والتفرد! # اتجه اليسار الهيجلي إلى ليبنتز وفسر أفكاره تفسيرا قد لا يرضى ~~عنه الفيلسوف نفسه. فقد نشر لودفيج فويرباخ (1804-1872م) في سنة ~~1837م كتابه «عرض وتطور ونقد فلسفة ليبنتز»، # 27 # وقد كان لهذا العرض الأنثروبولوجي والمادي لفلسفة ~~ليبنتز أثره الكبير على المادة الجدلية. وجدير بالذكر أن هذا ~~الكتاب كان من الكتب التي عكف لينين على دراستها، واقتباس أجزاء ~~منها أثناء الفترة التي قضاها منفيا في سويسرا. وامتد هذا ~~التأثير حتى بلغ ذروته في كتاب صدر حديثا لهانز هبنس هولس، حاول ~~فيه أن يفسر ليبنتز تفسيرا ماديا ملحدا، # 28 # وأن يثبت بكل وسيلة مشروعة وغير مشروعة أن فلسفته ~~فلسفة مادية تتستر وراء المثالية، وأن إيمانه بالله ليس إلا ~~إلحادا مقنعا! بل لقد أصبح ms49 ليبنتز في رأي المؤلف هو نموذج ~~الملحد، كما أصبح حديثه عن الله مجرد رواسب من تدين شخصي غريب على ~~مذهبه الحقيقي! وإذا كان العارفون بليبنتز قد حنقوا أشد الحنق على ~~هذا التفسير المتعسف، فإنه قد لفت الأنظار على أية حال إلى ~~مسألتين هامتين؛ أما المسألة الأولى فهي أن الحدود التي توضع عادة ~~بين الواحدية الروحية والواحدية المادية ليست حدودا واضحة، ولا ~~فاصلة بالقدر الكافي. وأما الثانية فهي أن نظرية ليبنتز عن الله لا ~~تزال في حاجة إلى مزيد من النقد والتمحيص والتفسير. ولعل ~~الغاضبين على هذا التفسير أن يكونوا على حق في غضبهم؛ فمثل هذا ~~التفسير لليبنتز أو غيره - وإن استحق الإعجاب بجرأته أو تهوره - ~~لا يتم إلا على حساب المذهب نفسه، ولا يتناسب فيه الربح مع ~~الخسارة. وإذا أردنا أن نحافظ على اتساقه فلا بد من التضحية ~~بجوانب رئيسية من مذهب الفيلسوف على أساس أنها «غريبة عنه». ومن ~~يدري؟ فقد يؤدي هذا بصورة ضمنية إلى إدانة الفيلسوف وإثبات نفاقه ~~وتعدد وجوهه. وهو خطر لا يمكن المغامرة به في كل الأحوال. فقد ~~يرضي زهو المفسر صاحب الرأي الجديد العنيد، ولكنه سيضلل الباحث ~~المتواضع الذي يسعى إلى وضع المذهب في إطاره التاريخي ~~الصحيح. # وربما كانت الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر أكثر من ذلك ~~إنصافا لروح الفيلسوف وحروفه، فها هم أولاء يوهان فريدريش هربارت ~~(1776-1841م)، وبرنهارد بولزانو (1781-1848م)، وهرمان لوتزه ~~(1817-1881م) يتأثرون ~~بليبنتز في مذاهبهم الميتافيزيقية والمنطقية، ويفسرونه كما كان ~~يحب لنفسه أن يفسر، أعني كفيلسوف إلهي ومنطقي يبحث عن الحقائق ~~الخالدة في عقل الله وعقل الإنسان خليفته وصورته المصغرة على ~~الأرض. ولم يكتف هؤلاء الفلسفة الثلاثة بإنصاف ليبنتز، بل بثوا ~~الحياة في فلسفته، وبخاصة نظريته في المونادات أو الكائنات ~~البسيطة غير المادية، أو عناصر الواقع المحملة بالطاقة التي بنى ~~عليها هربارت ميتافيزيقاه. وقد كان للوتزه وبولزانو فضل كبير في ~~نقل مذهب ليبنتز في صورته النقية إلى القرن العشرين. # بدأ الحوار الحي العميق مع أفكار ليبنتز مع بداية هذا القرن. ففي ms50 ~~سنة 1900م نشر برتراند رسل كتابه العظيم «عرض نقدي لفلسفة ليبنتز»، # 29 # الذي ذهب فيه، إلى أن الرياضة والمنطق هما محور ~~فلسفته، وأن قضية «تضمن الموضوع للمحمول»، هي أساس مذهبه ~~الميتافيزيقي عن الجواهر البسيطة أو المونادات. ونشر الفيلسوف ~~الفرنسي لوي كوتيرا كتابه «منطق ليبنتز» سنة 1901م، وضمنه وثائق لم ~~يسبق نشرها، فلفت الأنظار إلى أن هذا المنطق «ليس قلب المذهب ~~وروحه فحسب، إنما هو كذلك محور نشاط ليبنتز العقلي.» ثم توالت ~~البحوث التي تؤكد أبوة ليبنتز للمنطق الرياضي الحديث، ومن ~~أهمها بحوث هينريش شولس الذي بلغ به الحب والتقدير للفيلسوف أن ~~سمى لغة الحساب المنطقي «لغة ليبنتز»! ولا شك أن فضل ليبنتز على ~~المنطق الحديث لا ينكر؛ فقد وجهه إلى الطريق الذي يسير فيه بما ~~كتبه فيه، ودعا إليه من «ترييض» المعارف المختلفة - بما في ذلك ~~الميتافيزيقا - وإنشاء لغة تصورية حسابية تقضي على الخلافات ~~والمجادلات الدائرة على مسرح الفلسفة والمعرفة جميعا! والواقع أن ~~من الصعب تحديد أثره على ازدهار المنطق الرياضي الحديث بعد سنة ~~1850م، وإن كان أثره عليه قد اتضح بصورة قاطعة بعد بداية ~~القرن، بفضل بحوث رسل وكوتيرا التي أشرت إليها منذ قليل. # 30 # ولعل أهم ما في هذا كله هو أن ليبنتز قد جعلنا أقدر ~~على فهم العلاقة الوثيقة بين الفلسفة ~~والرياضة. وإذا لم يكن من ~~الممكن ولا من العقل أن تتخلى الفلسفة عن شخصيتها وروجها ومنهجا ~~لتغرق في الرياضة، فإنها تستطيع مع ذلك أن تفيد من نتائج الرياضة ~~والعلوم الطبيعية. وهذا هو الدرس الحي الذي أخذته معظم الفلسفات ~~العلمية المعاصرة من ليبنتز. هذا إلى جانب درس آخر لا يقل عنه ~~أهمية؛ وهو أن يتعلم الفلاسفة كيف يرتفعون فوق حدود التخصص ~~الضيقة، ويعودوا عيونهم وقلوبهم على النظرة الكلية المتعالية، ~~والحكم المترفع النزيه. وهذه النظرة الكلية التي لا يغفل لها ~~طرف عن مكان الفرد من المجموع، والجزء من الكل هي التي تستطيع أن ~~تصحح أخطاء التخصص العلمي الضيق والضروري في آن واحد. بيد أن ~~تأثير ليبنتز لم يقتصر ms51 على المنطق الحديث. ويبدو من العسير أن ~~نحصر أفضاله على مختلف جوانب المعرفة قبل أن نتزود بالنظرة ~~الكلية المتكاملة لتفكير هذا الرجل الموسوعي العجيب. فحيثما ~~تلفتنا عثرنا على آثاره هنا أو هناك. قد يمكننا أن نتبين ~~بصماته الواضحة على التحليلات اللغوية والمنطقية للوضعيين الجدد، ~~وكتابات علماء النفس التحليلي عن اللا شعور (ويكفي أن نذكر نظرية ~~يونج عن اللاشعور الجمعي) و«فلاسفة الحياة» من فرنسيين وألمان عن ~~الطاقة الحيوية، وفلاسفة العلم عن الطاقة والقوى الدينامية. ولعل ~~تأثيره أن يكون قد اتضح بأجلى صورة على فلسفة وايتهيد ~~(1861-1947م) الذي بدأ من الرياضة والفيزياء ليصل بمغامرته الفكرية ~~الإنسانية العميقة إلى مذهب ميتافيزيقي اهتدى فيه بأفلاطون ~~وأينشتين على السواء! # وإذا كان السؤال عن تأثير ليبنتز على فروع المعرفة المختلفة ~~سؤالا لا يزال ملحا ولا يزال في حاجة إلى دراسات مستفيضة، ~~فإن السؤال عما بقي حيا من فلسفته أو بالأحرى عما ينبغي أن يبقى ~~منها مؤثرا فعالا، هو سؤال أشد إلحاحا. وقد أشرنا إلى رأيه في ~~الفلسفة الخالدة، ودعوته للرجوع إلى الرواد الأعلام من مفكري ~~الماضي لنأخذ عنهم الحقيقة الكامنة في كل فكر عظيم، فوسع من ~~نظرتنا المحدودة بقصورنا وعجزنا البشري. ونحن اليوم في أشد الحاجة ~~إلى تلبية هذا المطلب والإنصات لهذا الصوت. فما أكثر الدروس التي ~~يمكن أن نتعلمها منه! ولعل من أهمها أن تكون رغبتنا في التلقي ~~والتعلم أكبر من شهوتنا للهدم والتحطيم. وقد عبر ليبنتز بنفسه عن ~~هذا المعنى الجميل الجليل في رسالة كتبها إلى ريمون # Remond # في اليوم السادس والعشرين من ~~شهر أغسطس سنة 1714م، وقال فيها: «لو كان لدي الفراغ الكافي ~~لعقدت مقارنة بين مذهبي ومذاهب القدماء وغيرهم من الرجال ~~القادرين. إن الحقيقة لأوسع انتشارا مما يظن الناس، ولكنها ~~كثيرا ما تكون مزينة مصبوغة الوجه، وكثيرا ما تضعف وتفسد بفعل ~~الشوائب التي تضر بها أو تقلل من نفعها. ولو تبينا آثار ~~الحقيقة عند المتقدمين لاستخلصنا التبر من الوحل، والماس من ~~المنجم، والنور من الظلام، ولكانت هذه في الواقع هي الفلسفة ~~الخالدة.» ms52 # هذه الكلمات هي خير ما نختم به حديثنا عن ليبنتز. # فهل ما تزال هذه الفلسفة الخالدة ممكنة؟ # إن الإجابة تحتاج إلى الحكمة والشجاعة. وليبنتز هو خير مثل على ~~الحكمة والشجاعة. # | المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي # تقديم # كتب ليبنتز المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل ~~الإلهي في سنة 1714م؛ أي قبل وفاته بسنتين اثنتين. وتعد هاتان ~~الرسالتان من أهم ما كتب وأعمقه دلالة على مذهبه الفلسفي وأكثره ~~توفيقا في صياغته والعبارة عنه. # والرسالتان متفقتان في الهدف والقصد، ويحتمل أن يكونا قد كتبا ~~في وقت واحد أو في فترتين متقاربتين. ويختلف الشراح في ترتيبهما ~~الزمني، وإن كان المترجم والشارح الإنجليزي القدير روبرت لاتا ~~يؤكد أن المبادئ وضعت قبل المونادولوجيا. # 1 # ولعل أندريه روبينيه، # 2 # الذي نشر أعمال ليبنتز وحققها وصدرت في باريس سنة ~~1954م أن يكون محقا في قوله في مقدمة هذه النشرة أنها أشبه شيء بالوصية، # 3 # ولعل أحد مؤرخي الفلسفة الأعلام، وهو كورت هيلد برانت # 4 # في كتابه عن ليبنتز ومملكة النعمة أو الفضل الإلهي، أن ~~يكون على حق كذلك في إشارته إلى منزلة هذين الكتابين الصغيرين من ~~مذهب ليبنتز العام. فهو يقول إنهما يعبران عن أكمل صيغة وصل إليها ~~ليبنتز في ذروة نضجه الفكري، كما يتوجان هذا الفكر من ناحية ~~المضمون، ولذلك فهما مختلفان عن معظم أعماله التي تتناول مجالات ~~أخرى، وتعبر عن وجهات نظر جزئية. # ولا يقتصر الأمر في شأن هذين الكتابين - أو إن شئت ~~الكتيبين - على زمن التأليف أو شكله، وإنما يتجاوزه إلى ما ~~بينهما من صلة عميقة من ناحية المحتوى والمضمون. فالفيلسوف يعرض ~~فيها أفكاره الأساسية، وإن كان قد توخى في المبادئ أن تخرج إلى ~~الناس بأسلوب أبسط ولغة أيسر؛ لأنه لم يتوجه بها إلى زملائه ~~الفلاسفة كما فعل في المونادولوجيا، # 5 # ومع ذلك فإن من الخير دائما أن تقرأ المبادئ مع ~~المونادولوجيا أو بالأحرى قبلها؛ لتكون تمهيدا لها أو تعليقا ~~عليها. ومن الخير أيضا ألا تقلل من قيمة هذه المبادئ التي يشير ~~صاحبها في رسالته ms53 المذكورة إلى أهميتها ومكانتها من مذهبه ~~كله. # ليست المونادولوجيا مجرد تمهيد لفلسفة ليبنتز، وإنما هي عرض ~~مركز لمبادئها الأساسية التي عبر عنها في سائر بحوثه، وبسطها ~~بوجه خاص بصورة لا تخلو من الاضطراب والاستطراد في رسالته عن ~~العدل الإلهي (التيوديسية). ولم تغب هذه الحقيقة عن بال ~~الفيلسوف؛ إذ نجده يشير بنفسه على هوامش مخطوطة المونادولوجيا ~~إشارات عديدة إلى فصول تلك الرسالة التي توسعت في شرح بعض ~~المسائل التي تتناولها المخطوطة الصغيرة. وربما جاز لنا أن نقول ~~مع مؤرخ الفلسفة المعروف يوحنا أردمان إن المونادولوجيا موسوعة ~~صغيرة الحجم، تضم كل فلسفة ليبنتز. وليس من السهل بطبيعة الحال ~~أن تفهم هذه الموسوعة الصغيرة - غير الميسرة - بعد أول قراءة؛ إذ ~~لا غنى للقارئ عن الإلمام بجوانب عامة من تفكير ليبنتز، ولا غنى ~~له أيضا عن النظر فيها مرة بعد مرة! # تتناول المونادولوجيا فلسفة ليبنتز في الجوهر. ويمكن القول ~~بأنها تتألف من قسمين، يشرح الفيلسوف في أولهما طبيعة الجواهر ~~عامة، ما خلق منها وما لم يخلق، التي يتكون منها العالم في ~~مجموعه، ويفسر ثانيهما طبيعة العلاقات المتبادلة بينها على سبيل ~~التأثير والتأثر، بحيث تكون عالما واحدا بمفرده، هو - في رأيه ~~- أصلح وأفضل عالم ممكن. ويمكن أن تدرج الفقرات من 1 إلى 48 تحت ~~القسم الأول، أما القسم الثاني فيضم الفقرات الباقية (من 49 إلى ~~90)، ويمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، فنقسم القسم الأول إلى ثلاثة ~~أجزاء رئيسية يفسر ليبنتز في أولها (من الفقرة 10-18) طبيعة ~~المونادات المخلوقة، ويميز في ثانيهما (من 19 إلى 30) الأنواع ~~الثلاثة الكبرى من المونادات المخلوقة، كما يشرح في الجزء الثالث ~~(31-48) كيف يتم الانتقال من أعلى أنواع المونادات المخلوقة (وهي ~~الوعي أو الفهم) إلى المونادة الوحيدة التي لم تخلق (وهي الله) ~~عن طريق المبدأين العقليين الأساسيين، ونعني بهما مبدأ عدم ~~التناقض، ومبدأ السبب الكافي. وبهذا يقدم لنا رؤيته للكون بوجه ~~عام، ويكشف تدرج الكائنات الفردة التي يتألف منها طبقة فوق ~~طبقة. # أما القسم الثاني فيمكن بدوره أن يتفرع إلى ms54 ثلاثة أجزاء، ~~تبين كما قدمت طبيعة العلاقات بين الجواهر بصورة أوفى وأتم. ~~فالجزء الأول (من 49 إلى 60) يعرض للمبادئ العامة التي تقوم عليها ~~العلاقة بين الجواهر من خلال التجانس المدبر أو الاتساق المقدر ~~ومذهب ليبنتز المشهور - والمشبوه أيضا - عن أفضل العوالم ~~الممكنة! ويشرح الجزء الثاني (من 61 إلى 82) العلاقات القائمة بين ~~أنواع معينة من الجواهر شرحا مستفيضا، كما يعالج مسائل ~~متعلقة بالكائن الحي وطبيعة العلاقة بين النفس والجسم، بما في ~~ذلك الحياة والموت والخلق والفناء. أما الجزء الثالث (من 83 إلى ~~90)، فيضم النسق الكامل للعلاقات في وحدة واحدة هي الله، ~~ويتناول التفرقة بين العلل الفاعلة والعلل الغائية والتجانس ~~بينهما في نهاية المطاف - وهو التجانس الذي يقدم عليه التمييز بين ~~النفس والجسم - ثم يضيف إليه تفرقة أخرى وتجانسا آخر بين ~~«المملكة الفيزيائية للطبيعة والمملكة الأخلاقية للفضل الإلهي»؛ أي ~~بين الله بوصفه البناء الأعظم والمهندس المدبر للآلة الكونية ~~الهائلة، وبين الله بوصفه الحاكم المهيمن على مدينة الأرواح، ~~والراعي الحكيم والأب الرحيم. # ولا بد من القول بأن هذا التحليل - الذي اقتبسناه عن العالم ~~الإنجليزي لاتا - ليس إلا مدخلا مبسطا لقراءة هذا النص الرائع ~~العسير. وهو لا يخلو بطبيعة الحال من التعسف والقسر، ولا يغني ~~عن بذل الجهد والصبر. # وقد وضع ليبنتز المونادولوجيا تذكارا لإقامته في باريس (التي ~~قطعها لفترة امتدت من أوائل سنة 1672م حتى أوائل 1676م) وأهداها ~~في المقام الأول لنيكولا ريمون وطائفة من العلماء والفلاسفة ~~الفرنسيين نذكر من بينهم أرنو، وريمون، ومالبرانش، وهيجنز، وهويه، ~~وفوشيه، وماريوت. # 6 # ولم يكن ليبنتز هو الذي وضع لها العنوان الذي تعرف به ~~اليوم؛ فقد وجدت المخطوطات التي تركها في مكتبة هانوفر الملكية، ~~التي قضى فيها الجانب الأكبر من حياته، بغير عنوان محدد، وكانت ~~تشتمل على مشروع الكتاب ونسختين معتمدتين بخط يده، فضلا عن ~~نسخة رابعة موجودة بالمكتبة الأهلية بفيينا تحت عنوان «مبادئ ~~الفلسفة للسيد ليبنتز». والعنوان الحالي الذي اشتهرت به يرجع إلى ~~عالم القانون الألماني هينريش كولر، # 7 # الذي ترجم الكتاب للألمانية، ونشره في سنة ms55 1720م تحت ~~عنوان مرهق طويل: «مبادئ السيد جوتفريد فيلهلم ليبنتز عن ~~المونادولوجيا، وكذلك عن الله ووجوده وصفاته والنفس الإنسانية، إلى ~~جانب دفاعه الأخير عن مذهبه في الاتساق المدبر في وجه اعتراضات ~~السيد بايل». # 8 # وقد شاع فترة طويلة من الزمن أن ليبنتز أهدى المونادولوجيا ~~للأمير يوجين أمير سافوي؛ وذلك منذ أن ترجمها ج. كوتن # 9 # إلى اللاتينية سنة 1737م (وقد ضمها يوحنا إدوارد ~~أردمان إلى طبعته الكاملة لأعمال ليبنتز في سنة 1840م) تحت عنوان ~~«رسائل ميتافيزيقية مهداة لسمو الأمير يوجين». # 10 # ومن طريف ما يحكى في هذا الصدد أن الأمير سمع عن كتاب ليبنتز عن ~~العدل الإلهي (الثيوديسية) الذي ظهر سنة 1710م، ولعله قد سمع عنه ~~من فم صوفي شارلوته ملكة بروسيا وراعية ليبنتز وصديقته. ويبدو أن ~~الأمير اطلع على «الثيوديسية»، ورجا الفيلسوف أن يقدم له موجزا ~~مبسطا لمذهبه الفلسفي. ويبدو أيضا أن النشوة أخذته بهذا الكتيب، ~~حتى لقد احتفظ به كالجوهرة في صندوق مقفل، مما جعل صديقه الدوق ~~دي بونيفال # 11 # يكتب لليبنتز مداعبا: «إن الأمير يحتفظ بكتابك كما ~~يحتفظ الرهبان في مدينة نابولي بدم القديس يانيواريوس. إنه يسمح ~~لي بتقبيله، ثم يسارع بإغلاق الصندوق عليه.» # ولكن لم تلبث الأيام أن كشفت عن خطأ هذا الرأي؛ إذ بين جرهارت # 12 # سنة 1885م في الجزء السادس من طبعته الكاملة لأعمال ~~ليبنتز أن ليبنتز لم يهد الأمير غير كتابه عن المبادئ، بعد أن ~~طلب منه هذا الأخير أن يقدم له تعريفا مبسطا بمذهبه. تؤيد هذا ~~الرسائل التي تبادلها ليبنتز مع نيقولا ريمون والدوق النمسوي ~~ألكسندر دي بونيفال، الذي كان صديقا حميما للأمير يوجين وتوسط في ~~تقديم ليبنتز له أثناء إقامته في فيينا من خريف سنة 1712م إلى خريف ~~سنة 1714م. # وقد ظهرت المبادئ مطبوعة لأول مرة في شهر نوفمبر سنة 1728م في ~~مجلة العلماء التي كانت تصدر في باريس بعنوان «أوروبا العالمة»؛ ~~وذلك اعتمادا على المخطوطات الأربع المحفوظة في مكتبة هانوفر، ~~وعلى نسختين منها في المكتبة الأهلية بباريس والمكتبة الأهلية ~~بفيينا. ms56 # وتشترك المبادئ مع المونادولوجيا في قضايا كثيرة، وتوشك بعض ~~فقراتها أن تكون أصداء لأصواتها أو تنويعات على ألحانها الأساسية. ~~وهي لهذا بمثابة مدخل إليها أو دراسة تمهيدية لها، مما يرجح رأي ~~الشراح عن تأليفهما في وقت واحد أو على الأقل في فترتين زمنيتين ~~متقاربتين. # وتكشف النظرة العابرة إلى النص عن شيء غير قليل من الغموض ~~والتفكك في ترتيب المادة، ولكننا لو تتبعنا التقسيم الأصلي ~~الذي وضعه ليبنتز بنفسه لوجدنا أن النص يتحدث ابتداء من الفقرة ~~الأولى حتى السادسة عن المونادات المخلوقة في ذاتها، وفي علاقاتها ~~ببعضها البعض، بينما تتناول سائر الفقرات طبيعة الله بوصفه السبب ~~الأول والأخير للكون، والنتائج المترتبة على قدرته وحكمته وكماله ~~وخيريته. ويلاحظ القارئ المتأني أن المبادئ تمر مرورا عابرا ~~ببعض المسائل الرئيسية التي تعالجها المونادولوجيا أو تلمسها في ~~خفة وسرعة. فهي على سبيل المثال لا تذكر شيئا عن المبدأين ~~المنطقيين اللذين تقوم عليهما المعرفة البشرية، ولا تقف وقفة ~~كافية عند فكرة التجانس المدبر أو الاتساق المقدر. # ولكن هذا كله لا يقلل من شأن المبادئ ولا يوهن من صلتها ~~الوثيقة بالمونادولوجيا، سواء في طريقة التناول أو التعبير. # وتعتمد هذه الطبعة العربية لكتابي ليبنتز على طبعة روبينيه ~~النقدية التي حققها على المخطوطات المحفوظة في مكتبات هانوفر ~~وفيينا وباريس، وقارن بينها وزودها برسائل لم يسبق نشرها، وصدرت ~~في باريس عن المطابع الجامعية الفرنسية سنة 1954م. وهي طبعة تمتاز ~~على طبعة جرهات الذي لم يلتزم إلا بمخطوطات هانوفر دون الرجوع ~~لنسخها المحفوظة في فيينا وباريس. وقد أضفنا إليها الملاحظات التي ~~دونها ليبنتز بنفسه على المخطوطة الأصلية في مكتبة هانوفر، وأشار ~~فيها إلى المواضع المقابلة للنصوص في كتابه عن العدل الإلهي. كما ~~أفدنا كذلك من الترجمة الألمانية التي قام بها أرتود بوخيناو، # 13 # وراجعها وقدم لها الفيلسوف إرنست كاسيرر، # 14 # وظهرت سنة 1909م في المجلد رقم 108 من سلسلة ~~«المكتبة الفلسفية»، ثم نشر النص الأصلي وترجمته الألمانية ونقحه ~~وقدم له وعلق عليه الأستاذ هربرت هيرنج، وظهر في المجلد 253 لسنة ~~1969م ms57 من نفس السلسلة التي يصدرها الناشر فليكس مينر في مدينة هامبورج. # 15 # واهتدينا أخيرا في كتابة التمهيد لهذا للكتاب ~~بالكتاب القيم الذي وضعه الأستاذ يواخيم فانيبوش عن حياة ليبنتز ~~وفلسفته وأثره على الحضارة العالمية، # 16 # وأصدرته هيئة «إنترناسيونيس» في سنة 1966م بمناسبة ~~الاحتفال بمرور مائتين وخمسين سنة على وفاة ليبنتز. وديني نحو هذا ~~الكتاب أكبر من أن يفيه شكر أو عرفان. # أما كتاب «روبرت لاتا» الذي أشرت إليه في بداية هذا التقديم، # 17 # فقد استفدت منه فائدة لا تقدر، واعتمدت على ترجمته ~~الرائعة وتعليقاته القيمة على المونادولوجيا والمبادئ. وقد استمد ~~«لاتا» أغلب هذه التعليقات المستفيضة من كتابات ليبنتز نفسه، كما ~~أشار في مواضع كثيرة إلى نصوص المعاصرين أو السابقين، ومراسلاته ~~مع علماء عصره. ويرجع الفضل في الهوامش التي تجدها بين يديك، وفي ~~عديد من الأفكار والإشارات التي تضمنتها المقدمة إلى الطبعة ~~المثالية التي عني بها هذا العالم الإنجليزي القدير، أما مواضع ~~الخطأ والقصور أو التقصير، فأنا وحدي المسئول عنها. # هذا وأرجو من ترجمة هذين العملين والمقدمة التي كتبت لهما ~~والملاحظات والتعليقات والإشارات المختلفة التي وردت فيهما أن ~~تعين القارئ العربي على دخول عالم هذا الفيلسوف، وتشجعه على المزيد ~~من الاطلاع على تراثه، والإحاطة بجوانب مذهبه والتعاطف مع شخصيته ~~وفكره، وتقدير أثره على تطور الفكر والحضارة الإنسانية. # | المبادئ العقلية للطبيعة والفضل الإلهي # (1) # الجوهر كائن قادر على الفعل. وهو بسيط أو مركب، ~~فالجوهر البسيط هو الذي لا أجزاء له، والجوهر المركب # 1 # هو المجموع المؤلف من جواهر بسيطة أو ~~مونادات. وموناس كلمة يونانية تدل على الوحدة أو على ما ~~هو واحد. الأشياء المركبة أو الأجسام كثرة، # 2 # والجواهر البسيطة، والحيوانات، والنفوس، ~~والعقول (الأرواح) # 3 # وحدات. ولا بد أن تكون هناك جواهر بسيطة في كل ~~مكان؛ إذ لولا البسيطة ما وجدت المركبة. يترتب على هذا ~~أن تكون الطبيعة كلها ممتلئة بالحياة. # 4 ~~(2) # لما كانت المونادات بلا أجزاء، فلا يمكنها أن تتولد ~~أو تفسد، # 5 # ولا يمكنها أن تبدأ أو تنتهي على نحو طبيعي، ms58 ~~ولهذا فهي تبقى ما بقي العالم الذي يقبل التغير، ولكن لا ~~يقبل الفناء. # 6 # وليس من المستطاع أن تكون لها أشكال، وإلا ~~كانت لها أجزاء. # 7 # يترتب على هذا أن المونادة، بما هي كذلك، ~~وفي لحظة بعينها، لا يمكن تمييزها عن مونادة أخرى إلا ~~عن طريق خصائصها، # 8 # وأفعالها الباطنة # 9 # التي لا تخرج عن أن تكون هي إدراكاتها (أي ~~تمثلات المركب أو ما يوجد خارجها في البسيطة)، # 10 # ونزوعاتها (أي اتجاهها للانتقال من إدراك إلى ~~آخر) التي هي مبادئ التغير؛ لأن بساطة الجوهر لا تحول ~~ألبتة دون كثرة الأحوال المختلفة التي يجب أن توجد ~~مجتمعة في هذا الجوهر البسيط نفسه كما يجب أن تتألف من ~~علاقاته المتنوعة مع الأشياء الخارجية. وهذا شبيه بمركز أو ~~نقطة يوجد بها - على الرغم من بساطتها التامة - عدد لا حصر ~~له من الزوايا التي تتكون من الخطوط التي تتلاقى فيها. # 11 ~~(3) # كل ما في الطبيعة ملاء. # 12 # هناك جواهر بسيطة في كل مكان، تختلف عن ~~بعضها البعض اختلافا فعليا عن طريق أفعال خاصة بها # 13 # تقوم باستمرار بتغيير علاقاتها. وكل جوهر بسيط ~~أو مونادة متميزة تكون مركز جوهر مركب (كالحيوان مثلا) ~~ومبدأ تفرده، # 14 # محاطة بكتلة مؤلفة من عدد لا نهاية له من ~~المونادات الأخرى. هذه المونادات تكون الجسم الخاص بهذه ~~المونادة المركزية التي تتمثل طبقا للانفعالات التي تعتريه # 15 ~~- وكأنما هي أشبه بالمركز - الأشياء الموجودة ~~خارجها. وهذا الجسم عضوي، وإن كان يؤلف نوعا من الجهاز ~~الآلي الذاتي الحركة، # 16 # أو الآلة الطبيعية التي لا تعتبر آلة من حيث ~~هي كل فحسب، بل كذلك في أصغر أجزائها التي يمكن ملاحظتها. # 17 # ولما كانت كل الأشياء مرتبطة ببعضها البعض ~~نتيجة لامتلاء العالم، وكان كل جسم يؤثر على كل جسم آخر ~~تأثيرا يقل أو يكثر حسب مسافة البعد بينهما، كما ~~يتأثر تبعا لذلك برد فعله، فيترتب على ذلك أن تكون ~~كل مونادة مرآة حية قادرة على الفعل الباطن، تمثل العالم ~~من وجهة نظرها، كما تخضع لنفس ms59 النظام الذي يخضع له، # 18 # والإدراكات (التي تتم في داخل) المونادة ~~تنشأ عن بعضها البعض طبقا لقوانين النزوع أو العلل ~~الغائية المتعلقة بالخير والشر التي تتكون من ~~الإدراكات الملحوظة منظمة كانت أو غير منظمة، كما تنشأ ~~التغيرات التي تلحق الأجسام والظواهر الخارجية وفقا ~~لقوانين العلل الفاعلة أي لقوانين الحركة. # 19 # وهكذا يوجد اتساق كامل بين إدراكات ~~المونادة وحركات الأجسام، وهو اتساق سبق تقديره منذ ~~البدء بين نظام العلل الفاعلة ونظام العلل الغائية، وفي ~~هذا يكمن التطابق والاتحاد الطبيعي بين النفس والجسم، بغير ~~أن يقدر أحدهما على تغيير قوانين الآخر. # 20 ~~(4) # تؤلف كل مونادة ذات جسم خاص بها جوهرا حيا. ولهذا ~~لا توجد فحسب حياة في كل مكان، متصلة # 21 # بأعضاء أو أدوات، بل إن هناك درجات لا نهاية ~~لها بين المونادات؛ إذ إن بعضها يتحكم قليلا أو كثيرا ~~في بعضها الآخر. فإذا توافرت للمونادة أعضاء جعلت، # 22 # بحيث تحتوي الانطباعات التي تستقبلها، كما ~~تحتوي تبعا لذلك الإدراكات التي تمثلها (أي تمثل هذه ~~الانطباعات) على فروق بارزة ومتميزة (على نحو ما نجد ~~ذلك عندما نلاحظ أن شكل السوائل في العينين يساعد أشعة ~~الضوء على التركيز وقوة التأثير)، فإن هذا يمكن أن ~~يؤدي إلى الإحساس؛ # 23 # أي إلى إدراك مصحوب بالتذكر، يتبقى منه ~~صدى معين لفترة طويلة، حتى تأتي المناسبة التي تتيح ~~له أن يسمع. مثل هذا الكائن الحي يسمى حيوانا، كما تسمى ~~مونادته نفسا. وعندما ترتفع هذه النفس إلى مستوى ~~العقل، تصبح شيئا أكثر سموا وتعد روحا من الأرواح، # 24 # كما سأبين ذلك بعد قليل. # بيد أن الحيوانات توجد أحيانا في حالة الكائنات الحية ~~البسيطة، كما توجد نفوسها في حالة المونادات البسيطة، # 25 # ويتفق لها هذا حين لا تبلغ إدراكاتها درجة ~~من التميز # 26 # تكفي لتذكرها، كما يحدث في نوم عميق خال من ~~الأحلام أو في حالة الإغماء، ولكن أمثال هذه الإدراكات ~~التي بلغت الغاية من الاختلاط لا بد أن تتضح ثانية في الحيوانات، # 27 # وذلك للأسباب التي سأعرضها بعد قليل ms60 (في ~~الفقرة 12). ولهذا فإن من الخير التمييز بين الإدراك، # 28 # أو الحالة الداخلية للمونادة التي تتمثل بها ~~الأشياء الخارجية، وبين الوعي، وهو الشعور الذاتي أو ~~المعرفة المتأملة، # 29 # لهذه الحالة الداخلية، وهو ما لا يتاح لجميع ~~النفوس، ولا لنفس واحدة في كل الأوقات، وقد كان إغفال هذه ~~التفرقة هو الخطأ الذي وقع فيه الديكارتيون الذين ~~تجاهلوا وجود الإدراكات التي لا تكون مصحوبة بالشعور، # 30 # على نحو ما يفعل عامة الناس عندما يسقطون من ~~حسابهم الأجسام التي لا يدركونها إدراكا حسيا. وهذا هو ~~الذي حمل الديكارتيين أيضا على الاعتقاد بأن العقول ~~وحدها مونادات، وأن النفوس الحيوانية، ناهيك عن المبادئ ~~الأخرى للحياة، لا وجود لها على الإطلاق. # 31 # وكما صدموا الرأي العام صدمة شديدة بنفيهم ~~الإحساس عن الحيوانات، فقد تعاطفوا # 32 # على العكس من ذلك مع الأحكام المسبقة التي ~~يرددها العامة تعاطفا شديدا عندما خلطوا بين الإغماء ~~الطويل، الذي يأتي من اضطراب الإدراكات واختلاطها، وبين ~~الموت بمعناه الدقيق، # 33 # الذي يتوقف معه كل إدراك. # وبهذا أيدوا الرأي الهاوي، # 34 # الذي ذهب به أصحابه إلى فناء # 35 # بعض النفوس، كما دعموا الزعم الفاسد، الذي قال ~~به بعض ذوي العقول من الأدعياء، # 36 # الذين حاربوا خلود نفوسنا البشرية. # 37 ~~(5) # توجد بين إدراكات الحيوانات علاقة ارتباط تشبه من بعض ~~الوجوه الاستنتاج العقلي (أو العقل)، ولكن هذه العلاقة لا ~~تقوم إلا على تذكر الوقائع أو النتائج، لا على المعرفة ~~بالعلل (أو الأسباب). ولهذا يهرب الكلب من العصا التي ضرب ~~بها؛ لأن الذاكرة تصور له الألم الذي سببته له هذه ~~العصا. وبقدر ما يتصرف الناس تصرفا تجريبيا؛ أي في ~~ثلاثة أرباع أفعالهم، فهم لا يتصرفون إلا كما تتصرف الحيوانات، # 38 # ولهذا نتوقع مثلا أن يطلع النهار في الغد؛ ~~لأن الناس قد جربت ذلك دائما، أما الفلكي فإنه يتنبأ ~~به على أسس عقلية. غير أن هذا التنبؤ نفسه سيخيب في نهاية ~~الأمر، عندما تبطل # 39 # علة النهار التي ليست خالدة على ~~الإطلاق. # ولكن الاستنتاج العقلي الصحيح يعتمد على ms61 الحقائق ~~الضرورية أو الأبدية (الخالدة)، مثل حقائق المنطق والحساب ~~والهندسة التي تؤلف بين الأفكار برباط لا يتطرق إليه ~~الشك، كما تؤدي إلى نتائج لازمة لا تتخلف. والكائنات ~~الحية التي لا تلاحظ لديها هذه النتائج تسمى حيوانات، ~~أما الكائنات الحية التي تعرف هذه الحقائق الضرورية، فهي ~~التي تستحق أن تسمى حيوانات عاقلة، كما تسمى نفوسها ~~عقولا. هذه النفوس قادرة على التأمل، قدرتها على اعتبار # 40 # ما يسمى بالأنا، والجوهر، والنفس، والعقل، ~~أي باختصار الأشياء والحقائق اللامادية. وهذا هو الذي ~~يمكننا من تحصيل العلوم والمعارف البرهانية. # 41 ~~(6) # لقد علمتنا بحوث المحدثين، ويؤيدها العقل في ذلك، أن ~~الكائنات الحية التي نعرف أعضاءها؛ # 42 # أي النباتات والحيوانات، لا تنشأ عن عملية ~~تعفن أو عن عماء، كما تصور ذلك القدماء، وإنما تنشأ عن ~~بذور سبق تشكلها من قبل، ولهذا فهي لا تعدو أن تكون ~~تحولات لكائنات حية سبقتها في الوجود. وفي بذور ~~الحيوانات الكبيرة حيوانات صغيرة تكتسي عن طريق الحمل ~~ثوبا جديدا # 43 # تتملكه، # 44 # وتتخذ منه وسيلة تمكنها من التغذي ~~والنمو لكي تنتقل إلى مسرح أوسع، وتعمل على تكاثر ~~الحيوان الكبير. # 45 # والحق أن نفوس الحيوانات البذرية (المنوية) ~~البشرية غير حائزة على العقل ، وإنما تصبح عاقلة عندما ~~يطبع الحمل هذه الحيوانات بالطبيعة البشرية. وكما أن ~~الحيوانات بوجه عام لا تنشأ أبدا نشأة تامة مع ~~الحمل أو الإنجاب، # 46 # فإنها لا تفسد فسادا تاما فيما نسميه ~~بالموت؛ لأن العقل يقول لنا إن ما لا يبدأ بداية طبيعية لا ~~يمكن بالثمل أن ينتهي نهاية طبيعية في إطار النظام ~~الطبيعي. # وهكذا فإنها عندما تخلع قناعها أو غشاءها، # 47 # إنما ترجع إلى مسرح أصغر، حيث يمكنها أن تكون ~~قادرة على الإحساس ومنظمة تنظيما حسنا كما كانت في ~~المسرح الأكبر # 48 # سواء بسواء. وما قلناه منذ قليل عن الحيوانات ~~الكبيرة، يصدق بالمثل على تولد وموت الحيوانات البذرية ~~نفسها؛ أي إنها تنشأ عن نمو حيوانات بذرية أخرى أصغر منها ~~تعد هي كبيرة بالقياس إليها؛ لأن كل شيء في الطبيعة ~~يمتد ms62 إلى ما لا نهاية. # هكذا نجد أن النفوس والحيوانات كليهما لا يقبل التولد ~~ولا الفساد، وإنما هي تنشر، وتطوي، وتكتسي ثوبا، وتخلع ~~الثوب، وتتحول (أشكالا). إن النفوس لا تنفصل أبدا تمام ~~الانفصال عن أجسامها، # 49 # ولا تنتقل من جسم إلى جسم آخر جديد عليها ~~كل الجدة. وإذن فلا وجود لتناسخ الأرواح، بل هناك تحول ~~أو انسلاخ. # 50 # إن الحيوانات لا تغير إلا بعض أجزائها، ~~تأخذ هذه وتتخلى عن ذلك، # 51 # وما يتم مع التغذي شيئا وفي جزئيات ~~صغيرة غير محسوسة، ولكن بصورة دائمة، يظهر فجأة ~~وبصورة ملحوظة - وإن تكن نادرة - مع الحمل والموت اللذين ~~يجعلان الحيوانات تكسب الكثير أو تفقد الكثير دفعة ~~واحدة. ~~(7) # لم نتكلم حتى الآن إلا بوصفنا فيزيقيين، # 52 # وينبغي علينا الآن أن نرتفع إلى مستوى ~~الميتافيزيقا؛ بحيث نستخدم المبدأ الهام الذي قلما طبق ~~بوجه عام، وهو المبدأ الذي يقول إنه ما من شيء يحدث ~~بغير سبب كاف؛ أي إنه ما من شيء يتم وقوعه بغير أن ~~يكون في إمكان من يعرف الأشياء معرفة كافية أن يقدم سببا ~~يكفي لتحديد علة وقوعه على هذا النحو لا على نحو آخر. ~~فإذا وضع هذا المبدأ كان أول سؤال يحق لنا أن نطرحه هو ~~هذا السؤال: لم كان وجود (شيء ما) ولم يكن بالأحرى عدم؛ ~~ذلك لأن العدم أبسط وأيسر من أي شيء. وإذا افترضنا ضرورة ~~وجود أشياء، فقد لزمنا أن نكون قادرين على تقديم سبب ~~يبين لماذا يتحتم أن توجد على هذه الصورة لا على صورة أخرى. # 53 ~~(8) # بيد أن هذا السبب الكافي لوجود العالم لا يمكن العثور ~~عليه داخل سلسلة الأشياء الحادثة؛ أي الأجسام وتمثلاتها ~~في النفوس؛ إذ لما كانت المادة بما هي كذلك تقف من الحركة ~~والسكون ومن حركة معينة بذاتها موقف عدم المبالاة، فلا ~~يمكن أن نجد فيها سبب الحركة بوجه عام، ناهيك عن سبب ~~حركة معينة. ومع أن الحركة الحاضرة الموجودة في المادة ~~تنشأ عن الحركة السابقة عليها، كما أن هذه تنشأ عن أخرى ~~سابقة، فإننا ms63 لن نتقدم خطوة واحدة مهما شاء لنا التمادي ~~في الرجوع إلى الوراء؛ لأن السؤال نفسه سيظل مطروحا على ~~الدوام. يلزم عن هذا أن السبب الكافي، الذي لا يحتاج إلى ~~سبب آخر سواه، يجب أن يقع خارج سلسلة الأشياء الحادثة، ~~وأن يوجد في جوهر يكون علة هذه السلسلة كما يكون كائنا ~~ضروريا يحمل في ذاته سبب وجوده؛ إذ لو لم يكن الأمر ~~كذلك لما وجدنا سببا كافيا يمكننا أن نقف عنده. وهذا ~~السبب الأخير للأشياء يسمى الله. # 54 ~~(9) # ينبغي لهذا الجوهر الأول البسيط، # 55 # أن يحتوي على أقصى قدر ممكن من كل الكمالات ~~المتضمنة في الجواهر المشتقة، # 56 # الناتجة عنه. ولهذا فسيكون كامل القوة ~~والمعرفة والإرادة؛ أي سيكون مطلق القدرة، شامل العلم، ~~واسع الرحمة. # 57 # ولما كانت العدالة بأعم معانيها لا تخرج عن ~~أن تكون هي الخيرية المطابقة للحكمة، فلا بد أيضا من أن ~~يوصف الله بالعدالة في أسمى صورها. والسبب الذي جعل ~~الأشياء تستمد منه # 58 # وجودها، هو كذلك الذي يجعلها تعتمد عليه في ~~استمرار وجودها وسائر أفعالها، وتتلقى منه على الدوام كل ~~ما يضفي عليها نوعا من الكمال، أما ما يبقى فيها من أوجه ~~النقص، فيرجع إلى ما فطرت عليه المخلوقات من قصور # 59 # أساسي متأصل فيها. # 60 ~~(10) # يلزم عن الكمال الأقصى لله أنه عندما أبدع العالم قد ~~اختار أصلح خطة ممكنة يتحد فيها أعظم قدر من التنوع مع ~~أعظم قدر من النظام؛ حيث ينتفع # 61 # بالأرض، والمكان، والزمان على خير وجه، ~~وتحقق أعظم النتائج بأبسط الوسائل، وحيث زودت ~~المخلوقات من القوة والمعرفة والسعادة والخير بأعظم قدر ~~يمكن أن يسمح به العالم. # 62 # ولما كانت جميع الممكنات التي في ذهن الله تطمح للوجود ~~على قدر كمالها، فيلزم أن تكون النتيجة المترتبة على ~~جميع هذه المطامح هي العالم الواقعي بوصفه أكمل العوالم ~~الممكنة. وبغير هذا لن يتسنى إيجاد سبب يبرر سير الأمور ~~على هذا النحو دون غيره. # 63 ~~(11) # لقد اقتضت حكمة الله السامية # 64 # أن يختار أنسب قوانين الحركة وأكثرها ms64 ملاءمة ~~للأسباب المجردة أو الأسباب الميتافيزيقية (ويفضل هذه ~~القوانين). تبقى كمية القوة الكلية والمطلقة أو كمية ~~الفعل ثابتة على الدوام، وتبقى نفس كمية القوة المتبادلة، # 65 # أو كمية رد الفعل، كما تبقى أخيرا نفس كمية ~~قوة الاتجاه ثابتة على ما هي عليه. وفضلا عن هذا، فإن ~~الفعل يساوي دائما رد الفعل، كما أن النتيجة الإجمالية ~~تعادل على الدوام سببها الحقيقي برمته. ومما يدعو للعجب ~~أن الاقتصار على النظر في العلل الفاعلة أو المادة يجعل ~~الإنسان عاجزا عن إثبات قوانين الحركة هذه التي اكتشفت في ~~أيامنا وكنت أنا نفسي من بين الذين أسهموا في الكشف عن ~~بعضها. فقد وجدت من الضروري اللجوء إلى العلل الغائية، ~~(كما وجدت) إن هذه القوانين لا تعتمد على مبدأ الضرورة ~~كالحقائق المنطقية والحسابية والهندسية، بل تعتمد على مبدأ الملاءمة؛ # 66 # أي على الاختيار الذي تم بفضل الحكمة ~~(الإلهية). وهذا من أقوى الأدلة على وجود الله، وأولاها ~~بالعناية والتدبر من كل من يسعهم التعمق في هذه الأمور. # 67 ~~(12) # ويلزم عن كمال المبدع الأعظم أن لا يكون نظام العالم هو ~~أكمل نظام ممكن فحسب، بل يلزم عنه كذلك أن كل مرآة حية ~~تصور العالم من وجهة نظرها؛ أي إن كل مونادة أو كل مركز ~~جوهري لا بد أن تكون إدراكاته ومنازعه منظمة على أفضل ~~وجه، بحيث تتوافق مع سائر الأشياء في مجموعها. ثم يلزم عن ~~هذا أيضا أن النفوس؛ أي المونادات المتفوقة على كل ما ~~عداها (من المونادات)، بل الحيوانات نفسها. لا بد أن تصحو ~~ثانية من حالة الغيبوبة التي يمكن أن يضعها فيها الموت أو ~~أي حادث آخر. ~~(13) # لأن جميع الأشياء قد سويت مرة واحدة وإلى الأبد على ~~أكبر قدر ممكن من النظام والتوافق، # 68 # إذ إن الحكمة والرحمة # 69 # السامية لا يمكن أن تتصرف إلا بمقتضى التجانس # 70 # الكامل، إن الحاضر يحمل المستقبل في أحشائه، ~~والمستقبل يمكن أن يقرأ من صفحات الماضي، والبعيد يعبر ~~عنه في القريب. وفي استطاعتنا أن نتبين جمال العالم في ~~كل نفس، ms65 لو أمكننا أن ننشر كل طياتها التي لا تنبسط ~~بشكل ملحوظ إلا بمرور الزمن، ولكن لما كان كل إدراك ~~متميز للنفس يحتوي على عدد لا حصر له من الإدراكات ~~المختلطة التي تحيط بالعالم كله، فإن النفس ذاتها لا تعرف ~~الأشياء التي تدركها إلا بقدر ما تكون هذه الإدراكات واضحة ~~متميزة، ويقاس كمالها (أي النفس) بحسب إدراكاتها ~~الواضحة. إن كل نفس اللا متناهي، تعرف كل شيء، ولكنها ~~بطبيعة الحال تعرفه على نحو غامض، كما يحدث لي مثلا ~~عندما أسير في نزهة على شاطئ البحر، وأسمع هديره الصاخب، ~~فإني أسمع في نفس الوقت أصواتا مفردة من كل موجة على ~~حدة تؤلف مع غيرها من الأصوات الهدير العام للبحر، وذلك ~~دون أن أقدر على تمييز بعضها عن بعضها الآخر. إن إدراكاتنا ~~الغامضة إنما هي نتيجة الانطباعات التي يتركها فينا العالم ~~بأكمله، وكذلك الشأن مع كل مونادة. # 71 # والله وحده هو الذي يملك المعرفة الواضحة بكل ~~شيء؛ لأنه هو مصدر كل شيء. وقد قيل بحق إن مركزه يقع في كل ~~مكان، أما محيط دائرته فليس موجودا في أي مكان؛ إذ إن كل ~~شيء بالنسبة إليه حاضر حضورا مباشرا، دون أدنى بعد عن ~~هذا المركز. ~~(14) # أما عن النفس العاقلة أو العقل، فإن فيه شيئا يزيد عما ~~في المونادات أو في النفوس البسيطة نفسها. # 72 # فليس مجرد مرآة لعالم المخلوقات، بل هو كذلك ~~صورة من الألوهية. إن العقل لا يقتصر على إدراك أعمال ~~الله، بل إنه لقادر على إبداع شيء شبيه بها، وإن يكن ذلك ~~في نطاق أصغر؛ لأنه بغض النظر عن عجائب الأحلام التي ~~نخترع فيها بلا عناء ~~(ولكن بغير قصد منا أيضا) أشياء يتحتم علينا أن ~~نتفكر فيها طويلا إذا أردنا أن نجدها بعد اليقظة، فإن ~~نفوسنا تجري في أفعالها الإرادية أيضا على طريقة المهندسين، # 73 # وهي حين تكتشف العلوم التي سوى الله الأشياء ~~بمقتضاها (طبقا للوزن، والمقياس، والعدد ... إلخ) # 74 # فإنما تحاكي - في مجالها وفي عالمها الصغير ~~الذي أتيح لها التصرف في حدوده ms66 - ما يقوم به الله في ~~العالم الكبير من أفعال. # 75 ~~(15) # لهذا فإن جميع الأرواح، سواء كانت بشرا أو أرواحا خالصة، # 76 # تدخل بفضل العقل والحقائق الأبدية مع الله في ~~جماعة من نوع ما، وتشارك كأعضاء في مدينة الله؛ أي في ~~أكمل دولة أسسها ويدبر أمورها أعظم الحكام وأصلحهم. وليس ~~في هذه الدولة جريمة بغير عقاب، ولا فعل طيب بغير ثواب ~~مكافئ له، وعلى الجملة أقصى ما يمكن تصوره من الفضيلة ~~والسعادة. ولا يتحقق هذا بإخراج الطبيعة عن نظامها الطبيعي، # 77 # وكأن ما يهيئه الله للنفوس يعطل # 78 # قوانين الأجسام، وإنما يتم وفقا لنظام ~~الأشياء الطبيعية ذاتها، بفضل الاتساق المقدر منذ الأزل ~~بين مملكة الطبيعة ومملكة الفضل الإلهي، بين الله بوصفه ~~المهندس والله بوصفه الحاكم؛ بحيث تؤدي الطبيعة نفسها ~~إلى الفضل الإلهي، كما يحقق الفضل الإلهي كمال الطبيعة ~~باستخدامه لها. # 79 ~~(16) # وعلى الرغم من أن العقل يعجز عن إفادتنا بشيء عن دقائق ~~المستقبل البعيد، # 80 # الذي ادخر العلم به للوحي، فإننا نستطيع ~~مع ذلك أن نتأكد عن طريق هذا العقل نفسه من أن الأشياء ~~قد خلقت على نحو يفوق كل أمانينا. ولما كان الله، وهو ~~أكمل الجواهر وأسعدها، هو كذلك أجدرها بالحب، وكان الحي ~~النقي الصادق # 81 # يقوم على الفرح بما يصيب المحبوب من أسباب ~~الكمال والسعادة، فإن هذا الحب عندما ينصب على الله، ~~خليق بأن يتيح لنا أكبر قدر من البهجة يسعنا التنعم ~~به. ~~(17) # ومن السهل علينا أن نحبه الحب الذي هو جدير به، لو ~~عرفناه على النحو الذي ذكرته. # 82 # فعلى الرغم من أن الله يستعصي على إدراك ~~حواسنا الخارجية، فإنه مع ذلك محبوب غاية الحب، ويمنحنا ~~أسمى آيات الفرح. إننا نلاحظ مقدار ما تدخله أسباب التكريم # 83 # من البهجة على قلوب الناس، حتى ولو لم تكن لها ~~خصائص الأشياء التي يمكن إدراكها إدراكا خارجيا. إن ~~الشهداء والمتعصبين (وإن كانت عاطفة هؤلاء عاطفة منحرفة ~~غير سوية) شواهد تدل على ما يمكن أن تصنعه البهجة ~~العقلية، وأهم من هذا أن ms67 المباهج الحسية نفسها يرجع إلى ~~مباهج عقلية لم تعرف معرفة واضحة. # 84 # إن الموسيقى تسحر أفئدتنا، وإن كان جمالها لا يقوم إلا ~~على تناسب # 85 # الأعداد والعد الذي لا تشعر به شعورا واعيا، ~~ومع ذلك فإن النفس تقدره على أساس الضربات والذبذبات ~~المنبعثة من الأجسام الرنانة التي تتلاقى # 86 # في فواصل زمنية معينة. والبهجة التي ~~تجدها العين في النسب هي من نفس هذا النوع، كما أن مباهج ~~الحواس الأخرى ترجع إلى أمور مشابهة، وإن كنا لا نملك أن ~~نفسرها تفسيرا واضحا. # 87 ~~(18) # نستطيع بالمثل أن نقول إن محبة الله تتيح لنا من الآن ~~الاستمتاع بمذاق أولي للسعادة المقبلة، # 88 # ومع أنها # 89 # منزهة عن الغرض، فإنها تحقق بذاتها أعظم ~~خير وأكبر نفع لنا، حتى ولو لم نسع إليها، ولم نضع في ~~الاعتبار إلا الفرح الذي تمنحنا إياه، دون التفات ~~للمنفعة التي تنتج عنها. ذلك أنها تبث فينا الثقة الكاملة ~~في رحمة # 90 # خالقنا ومولانا، وهذه الثقة تبعث على ~~الطمأنينة الروحية الحقة، التي لا تصدر عن تصبر # 91 # مفروض على النفس، كما هو الحال عند الرواقيين، ~~بل عن شعور مباشر بالرضا والقناعة، يجعلنا على يقين من ~~سعادة مقبلة. # 92 # وبجانب هذه البهجة المباشرة التي تتيحها فليس ~~هناك شيء أنفع للمستقبل من محبة الله؛ لأنها تحيي كذلك ~~آمالنا، وتقود خطانا على طريق السعادة القصوى. فقد خلق كل ~~شيء، بفضل النظام الكامل القائم في العالم، على أحسن وجه ~~ممكن، سواء بالنظر إلى الصالح العام، أو بالنظر إلى ~~المصلحة العظمى التي تعود على المقتنعين به، الراضين عن ~~الحكومة الإلهية. هذا الاقتناع والرضا لن يعوز أولئك الذين ~~يعرفون كيف يحبون منبع كل خير. # صحيح أن السعادة القصوى (أيا كانت الرؤية المباركة أو ~~معرفة الله التي تصحبها) لا يمكن أن تتحقق تحققا تاما؛ ~~لأن الله، وهو غير متناه، لن يتسنى معرفته معرفة ~~كاملة. # ومن ثم فلن تقوم سعادتنا ولا ينبغي لها أن تقوم على ~~الاستمتاع الكامل، الذي لن يدع مجالا للتمني، وسيصيب ~~عقولنا بالتبلد، بل يجب ms68 أن تقوم على التقدم المتصل نحو ~~أفراح جديدة، وألوان جديدة من الكمال. # | المونادولوجيا # (1) # ليست المونادة، التي سنتحدث عنها هنا، سوى جوهر بسيط، ~~يدخل في تكوين المركب، والبسيط معناه ما لا أجزاء له. ~~(قارن التيوديسية 10). # 1 ~~(2) # ويجب أن تكون هناك جواهر بسيطة، ما دامت هناك جواهر ~~مركبة؛ إذ ليس المركب إلا كومة أو مجموعة مؤلفة من بسائط. # 2 ~~(3) # وحيث لا تكون أجزاء، # 3 # لا يمكن أن يكون ثمة امتداد، ولا شكل، ولا ~~انقسام. وهذه المونادات هي الذرات الحقة (التي تتكون ~~منها) الطبيعة، وهي على الجملة عناصر الأشياء. ~~(4) # كذلك ليس هناك ما يدعو للخوف من تحللها، ولا سبيل على ~~الإطلاق لتصور فساد الجوهر البسيط فسادا طبيعيا. ~~(5) # ولهذا السبب نفسه لا يمكن أن نتصور نشوء الجوهر البسيط ~~على نحو طبيعي؛ إذ إنه لا يمكن أن يتكون عن طريق التركيب. # 4 ~~(6) # وهكذا يمكن القول بأن المونادات لا تنشأ أو تفسد إلا ~~بضربة واحدة؛ أي إنها لا تنشأ إلا بالخلق، ولا تفسد إلا بالإفناء، # 5 # أما المركب فينشأ من أجزاء ويفسد في أجزاء. # 6 ~~(7) # ولا سبيل كذلك إلى تفسير إمكان تأثر المونادة أو ~~تغيرها من داخلها عن طريق أي مخلوق آخر، # 7 # إذ يستحيل أن ينقل إليها شيء أو أن تتصور فيها ~~أية حركة باطنة، يمكن أن تثار أو توجه أو تزيد أو تنقص؛ ~~وذلك على خلاف الأشياء المركبة، # 8 # التي نجد فيها تغيرا في علاقة الأجزاء بعضها ~~ببعض. ليس للمونادات نوافذ يمكن من خلالها أن ينفذ إليها ~~شيء، أو يخرج منها. إن الأعراض لا يمكنها أن تنفصل عن ~~الجواهر، ولا أن تتجول خارجها، كما كانت تفعل الصور الحسية # 9 # عند المدرسيين. وهكذا يستحيل على الجوهر ~~والعرض أن ينفذا إلى المونادة من الخارج. ~~(8) # ومع ذلك فيجب أن تشتمل المونادات على بعض الخصائص، ~~وبغير هذا لا يتسنى لها أن تصبح كائنات على الإطلاق، # 10 # وإذا لم تتفاوت الجواهر البسيطة عن طريق ~~خصائصها المميزة، # 11 # فلن تكون هناك وسيلة للتحقق من أي تغير ~~يلحق الأشياء؛ لأن ما ms69 يوجد في المركب لا يمكن أن يأتي ~~إلا من عناصره البسيطة. فلو كانت المونادات بغير خصائص، ~~وكانت بالتالي غير متميزة عن بعضها البعض - إذ إنها لا ~~تختلف أيضا عن بعضها من ناحية الكم - لترتب على هذا، ~~مع افتراض الملاء # 12 # إلا يتقبل كل مكان # 13 # في أثناء الحركة غير محتوى واحد مكافئ ~~للمحتوى الذي كان يشغله من قبل، بهذا يتعذر تعذرا ~~تاما تمييز حالة تكون عليها الأشياء عن حالة أخرى (راجع ~~التيوديسية، المقدمة، 2ب). ~~(9) # يتحتم أن تكون كل مونادة مختلفة عن الأخرى. إذ ~~يستحيل أن يوجد في الطبيعة كائنان متشابهان تشابها ~~كاملا، بحيث يتعذر ألا نعثر فيهما على خلاف قائم على ~~خاصية باطنة. # 14 ~~(10) # لا نزاع عندي أيضا # 15 # في أن كل كائن مخلوق عرضة للتغير، وبالتالي ~~تكون المونادة المخلوقة كذلك، كما أن هذا التغير يتم ~~باستمرار في كل مونادة. ~~(11) # يتبين مما سبق أن التغيرات الطبيعية # 16 # في المونادات تصدر عن مبدأ داخلي؛ إذ يستحيل ~~على علة خارجية أن تؤثر على داخلها (قارن التيوديسية ~~396، 400). ~~(12) # بجانب مبدأ التغير يجب أيضا أن يكون هناك طابع خاص ~~لما يتغير، # 17 # بحيث يكون على نوعية الجواهر البسيطة ~~وتنوعها. ~~(13) # هذا الطابع الخاص ينطوي بالضرورة على كثرة في الوحدة أو ~~في البسيط. فلما كان كل تغير طبيعي يتم بالتدريج، كان ~~من الضروري أن تتغير بعض الأشياء، ويبقى بعضها دون تغيير. # 18 # يلزم عن هذا أن توجد في الجوهر البسيط كثرة من ~~الخصائص والعلاقات، على الرغم من أنه لا يتكون من ~~أجزاء. ~~(14) # والحالة العابرة التي تضم كثرة في الوحدة أو في الجوهر ~~البسيط وتمثلها ليست إلا ما يسمى بالإدراك. ويجب ~~التفرقة بينه وبين الوعي أو الشعور، # 19 # كما سيتضح مما يرد فيما بعد. وقد أخطأ ~~الديكارتيون في هذه المسألة خطأ كبيرا؛ إذ أهملوا ~~الإدراكات التي لا يشعر بها الإنسان إهمالا تاما. # 20 # وهذا هو الذي أدى بهم أيضا إلى الاعتقاد ~~بأن العقول وحدها مونادات، وأنه لا وجود لنفوس الحيوانات ~~ولا لغيرها من الأنتليخيات. # 21 # وهو الذي جعلهم ms70 يخلطون بين الإغماء الطويل ~~وبين الموت بمعناه الدقيق، متفقين في ذلك مع الرأي الشائع ~~لدى العامة، كما جعلهم كذلك يقعون في الدعوة التي ادعاها ~~المدرسيون على غير أساس من وجود نفوس مجردة كل التجرد من ~~الأجسام. بل إنهم بذلك قد أيدوا رأي أصحاب العقول الضالة ~~فيما زعموه عن فناء النفوس. # 22 ~~(15) # والفعل الذي يصدر عن المبدأ الباطن ويسبب التغير أو ~~الانتقال من إدراك إلى آخر يمكن أن يسمى بالنزوع. # 23 # صحيح أن النزوع لا يمكنه على الدوام أن يبلغ ~~الإدراك الذي يتوق لبلوغه على نحو تام، ولكنه يحصل دائما ~~على شيء منه، ويبلغ بذلك إدراكات جديدة. ~~(16) # ونحن نجرب بأنفسنا الكثرة في الجوهر البسيط عندما نجد ~~أن أقل فكرة ندركها تنطوي على تنوع في الموضوع (المتصور). # 24 # وعلى هذا ينبغي على كل من يعترف بأن النفس ~~جوهر بسيط أن يسلم بوجود هذه الكثرة في المونادة، وما كان ~~للسيد بايل أن يجد في هذا أية صعوبة، كما فعل في قاموسه ~~تحت مادة «روراديوس». # 25 ~~(17) # ولا بد أيضا من الاعتراف بأن الإدراك وما يتوقف عليه ~~لا يمكن تفسيره بأسباب (أو علل) آلية؛ أي عن طريق الأشكال ~~والحركات. ولو تصورنا وجود آلة صنعت، بحيث يمكنها أن ~~تفكر، وتحس، وتدرك، فإن في الإمكان تصورها مكبرة بنفس ~~النسب، بحيث يكون في وسع الإنسان أن يدخل فيها كما يدخل ~~في طاحونة. # 26 # لو افترضنا هذا لما وجدنا فيها عند مشاهدتها ~~من الداخل غير أجزاء تتصادم مع بعضها البعض، ولن نجد فيها ~~شيئا يمكن أن يفسر لنا إدراكا واحدا. وعلى هذا ينبغي ~~البحث عن هذا الإدراك في الجوهر البسيط لا في المركب ولا ~~في الآلة. # 27 # كذلك لن نجد في الجوهر البسيط غير الإدراكات ~~وما ينجم عنها من تغيرات. ومن هذه وحدها يمكن أن تتكون ~~كل الأفعال الباطنة (الداخلية) للجواهر البسيطة. # 28 ~~(18) # يمكن تسمية جميع الجواهر البسيطة، أو المونادات ~~المخلوقة، بالأنتليخيات؛ لأنها تحتوي في ذاتها على كمال ~~معين ( # έxουσι τό ~~εύτελές ~~). # 29 # إنها تنطوي على نوع من الاكتفاء ms71 الذاتي # αύτάρxεια # 30 # يجعلها مصدر أفعالها الداخلية كما يجعل منها، ~~إن جاز هذا التعبير، آليات غير جسمية # 31 ~~(قارن التيوديسية، 87). ~~(19) # إذا أردنا أن نطلق كلمة النفس على كل ما لديه إدراكات ~~ونزوع بالمعنى العام الذي شرحته آنفا، فمن الممكن عندئذ ~~تسمية جميع الجواهر البسيطة أو المونادات المخلوقة نفوسا، ~~ولكن لما كان الإحساس شيئا يزيد على الإدراك البسيط، فقد ~~يكفي أن نطلق على الجواهر البسيطة التي لا تحتوي على شيء ~~آخر سواه اسم «المونادات» أو «الأنتيليخات» بوجه عام، أما ~~تسمية «النفس»، فيصح أن نقصرها على المونادات التي يكون ~~الإدراك فيها أكثر تميزا كما يكون مصحوبا بالتذكر. # 32 ~~(20) # ذلك أننا نجرب في أنفسنا حالة لا نتذكر معها أي شيء، ~~ولا يكون لدينا في أثنائها أي إدراك متميز، مثلما يحدث ~~لنا في حالة الإغماء أو الاستغراق في نوم عميق بلا ~~أحلام. في هذه الحالة لا تختلف النفس اختلافا محسوسا عن ~~المونادة البسيطة، # 33 # ولكن لما كانت هذه الحالة لا تدوم ولا تلبث ~~النفس أن تخرج منها؛ فإنها (أي النفس) شيء يزيد عن ذلك (أي ~~عن مجرد كونها مونادة) (راجع التيوديسية، 64). ~~(21) # ولا يترتب على هذا أن الجوهر البسيط يخلو عندئذ من كل ~~إدراك. إن ذلك تبعا للأسباب السابقة أمر غير ممكن؛ لأنه ~~لا يمكن أن يفسد، ولا يمكنه أيضا أن يبقى بغير تأثر من ~~نوع ما، وليس هذا التأثر سوى إدراكه. أما إذا توافر وجود ~~عدد كبير من الإدراكات الصغيرة التي لا يتميز شيء منها ~~تميزا واضحا، فإن الإنسان يشعر (في هذه الحالة) بالدوار، ~~كما يحدث له لو دار حول نفسه عدة مرات في اتجاه واحد، ~~فيصاب بإغماء قد يفقده الوعي، ويجعله عاجزا عن التمييز. # 34 # والموت يمكن أن يضع الحيوانات في مثل هذه ~~الحالة فترة من الزمن. # 35 ~~(22) # ولما كانت الحالة الحاضرة للجوهر البسيط هي النتيجة ~~الطبيعية لحالته السابقة؛ بحيث إن الحاضر يحمل المستقبل ~~في رحمه # 36 ~~(قارن التيوديسية 360). ~~(23) # ولما كان الإنسان يفطن إلى # 37 # إدراكه بمجرد أن يفيق من الإغماء فلا بد ms72 أن ~~مثل هذا الإدراك قد وجد لديه قبل ذلك مباشرة، وإن لم يكن ~~عندئذ على وعي به؛ لأن الإدراك لا يمكن أن ينشأ نشأة ~~طبيعية إلا عن إدراك آخر، شأنه في هذا شأن الحركة التي لا ~~يمكن أن تنشأ نشأة طبيعية إلا عن حركة # 38 ~~(قارن التيوديسية 401-403). ~~(24) # نتبين من هذا أننا سنكون دائما في حالة الإغماء إذا ~~خلت إدراكاتنا من التميز، # 39 # والتطلع إلى مرتبة أسمى. والواقع أن هذه هي ~~حالة المونادات المتناهية في البساطة. ~~(25) # كذلك نرى أن الطبيعة قد أعطت للحيوانات إدراكات متميزة ~~عندما نتبين أنها قد كفلت لها أعضاء تجمع عددا كبيرا من ~~الأشعة أو الذبذبات الهوائية؛ لكي تجعلها بهذا التوحيد ~~أكثر فاعلية. وشبيه بهذا ما يحدث عند الشم والذوق واللمس، ~~ولعله أن يكون شبيها بما يحدث مع عدد آخر من الإحساسات ~~التي نجهلها. وسوف أفسر بعد قليل # 40 # كيف تصور الأحداث التي تجري في النفس ما يتم ~~في الأعضاء. ~~(26) # إن الذاكرة تمد النفوس بنوع من الاستنتاج، # 41 # الذي يحاكي العقل وإن وجب تمييزه عنه. فنحن ~~نرى الحيوانات إذا أدركت شيئا ذا أثر بالغ عليها، وكانت ~~قد أدركته قبل ذلك إدراكا مشابها، نراها بفضل الذاكرة ~~تتوقع ما ارتبط من قبل بهذا الإدراك وتحس بمشاعر شبيهة ~~بتلك التي أحست بها. فإذا لوحنا مثلا بالعصا للكلاب ~~تذكرت الألم الذي سببته لها، وأخذت تنبح ولاذت بالفرار ~~(قارن التيوديسية، المقدمة، 65). ~~(27) # والتصور الحسي القوي الذي يثيرها ويحركها إما أن يأتي ~~من حجم الإدراكات السابقة أو من عددها؛ لأن الانطباع القوي ~~غالبا ما يؤدي دفعة واحدة إلى نفس الأثر الذي تؤدي إليه ~~عادة طويلة، # 42 # أو إدراكات كثيرة متكررة ومتوسطة القوة. # 43 ~~(28) # ويسلك الناس سلوك الحيوانات حين لا تتم الاستنتاجات من ~~إدراكاتهم إلا عن طريق مبدأ الذاكرة، وهم في هذا يشبهون ~~الأطباء التجريبيين، # 44 # الذين يملكون القدرة على الممارسة العملية ~~البسيطة، ويفتقرون إلى النظرية. ونحن في ثلاثة أرباع ~~تصرفاتنا لا تزيد عن كوننا تجريبيين. فإذا توقعنا مثلا ~~أن يطلع النهار في صباح الغد، ms73 كنا في مسلكنا هذا تجريبيين؛ ~~لأن هذا هو الذي حدث حتى الآن. أما عالم الفلك فهو وحده ~~الذي يحكم العقل في هذا الأمر. # 45 ~~(29) # بيد أن المعرفة بالحقائق الضرورية والأبدية هي التي ~~تميزنا عن الحيوانات الخالصة، وبها نحصل على العقل ~~ونتزود بالعلوم، وذلك حين ترفعنا إلى المعرفة بأنفسنا وبالله. # 46 # وهذا هو ما يسمى فينا بالنفس العاقلة أو العقل. # 47 ~~(30) # وعن طريق المعرفة بالحقائق الضرورية، ومن خلال تجريداتها ~~نرتفع كذلك إلى الأفعال المنعكسة # 48 ~~(التأملية) التي توصلنا إلى فكرة الأنا، # 49 # وتجعلنا نعتبر أن هذا أو ذاك موجود فينا. ~~فنحن إذ نفكر على هذا النحو في أنفسنا، نوجه أفكارنا في ~~نفس الوقت إلى الوجود والجوهر، والبسيط والمركب، واللامادي ~~والله نفسه، حيث نتصور أن ما هو محدود فينا يوجد فيه بغير ~~حدود. هذه الأفعال المنعكسة (أو التأملية) تمثل ~~الموضوعات الأساسية لمعرفتنا العقلية (قارن التيوديسية، ~~الافتتاحية 4أ). # 50 ~~(31) # تقوم معرفتنا العقلية على مبدأين كبيرين؛ مبدأ عدم ~~التناقض، وبفضله نحكم بالكذب على كل ما ينطوي على تناقض، ~~وبالصدق على ما يضاد الكذب أو يناقضه (قارن التيوديسية 44 ~~و169). ~~(32) # كما تقوم على مبدأ السبب الكافي، وبه نسلم بأنه لا ~~يمكن التثبت من صدق واقعة أو وجودها، ولا التثبت من صحة ~~عبارة بغير أن يكون ثمة سبب كاف يجعلها على هذا النحو دون غيره، # 51 # وإن تعذر علينا في أغلب الأحوال أن نتوصل ~~إلى معرفة هذه الأسباب (قارن التيوديسية 44 و196). ~~(33) # هناك نوعان من الحقائق؛ حقائق العقل وحقائق الواقع. ~~حقائق العقل ضرورية، وعكسها مستحيل، وحقائق الواقع عرضية، ~~وعكسها ممكن. فإذا كانت إحدى الحقائق ضرورية، أمكن عن ~~طريق التحليل أن نجد سببها، وذلك بتحليلها إلى أفكار ~~وحقائق أبسط، إلى أن نصل إلى الحقائق الأصلية (قارن ~~التيوديسية 170 و174 و189 و280-282 و367 وكذلك موجز ~~الاعتراضات، الاعتراض الثالث). # 52 ~~(34) # بهذه الطريقة يرد الرياضيون المبادئ النظرية والقواعد ~~العملية بواسطة التحليل إلى تعريفات ومسلمات ~~ومصادرات. ~~(35) # بهذا نصل آخر الأمر إلى أفكار بسيطة لا يمكن تعريفها، # 53 # كما نصل إلى مسلمات ms74 ومصادرات أو باختصار إلى ~~مبادئ أولية لا يمكن البرهنة عليها، ولا تحتاج أيضا إلى ~~برهان. وهذه هي القضايا الذاتية التي ينطوي عكسها على ~~تناقض صريح. ~~(36) # ولكن يجب أيضا أن يوجد السبب الكافي في الحقائق العرضية، # 54 # أو حقائق الواقع؛ أي في تسلسل وسياق جميع المخلوقات؛ # 55 # حيث يمكن أن يمضي التحليل إلى أسباب تفصيلية ~~لا حد لها، نظرا للتنوع الهائل في الأشياء الطبيعية ~~وقسمة الأجسام إلى ما لا نهاية. إن هناك عددا لا نهاية ~~له من الأشكال والحركات الحاضرة والماضية، التي تدخل في ~~تكوين العلة الفاعلة لما أكتبه الآن، # 56 # كما أن هناك عددا لا نهاية له من الدوافع ~~والاستعدادات الصغيرة التي خبرتها نفسي في الماضي أو في ~~الحاضر، ودخلت في تكوين علتها الغائية # 57 ~~(قارن التيوديسية 36 و37 و44 و45 و49 و52 و121 ~~و122 و337 و340 و344). ~~(37) # ولما كانت كل هذه التفصيلات تحتوي من جانبها على أمور ~~عرضية (حادثة) أخرى أسبق منها وأشد تفصيلا، وكانت هذه ~~تحتاج بدورها إلى تحليل مشابه لتبريرها، فإننا بهذه ~~الطريقة لن نحرز تقدما، لهذا يتحتم أن يوجد السبب ~~الكافي أو السبب الأخير خارج سلسلة أو مجموع سلاسل الأشياء ~~العرضية (الحادثة) كل على حدة، مهما بلغت هذه السلسلة ~~حدا لا نهاية له. # 58 ~~(38) # وهكذا ينبغي أن توجد العلة الأخيرة للأشياء في جوهر ~~ضروري، يحتوي على تفاصيل التغيرات على نحو سام # 59 # أشبه بأن يكون مصدرا لها، وهذا الجوهر هو ~~الذي ندعوه الله (قارن التيوديسية 7). ~~(39) # ولما كان هذا الجوهر هو العلة الكافية لكل هذه ~~التفاصيل الخاصة، المترابطة من ناحيتها أوثق ارتباط، فليس ~~هناك غير إله واحد، # 60 # وهذا الإله كاف. ~~(40) # ويمكننا أيضا أن نحكم بأن هذا الجوهر الأسمى، الذي هو ~~فريد وكلي وضروري - إذ ليس هناك شيء مما يقع خارجه لا ~~يعتمد في وجوده عليه، كما أنه نتيجة بسيطة لإمكان وجوده # 61 # يستحيل أن تكون له حدود، ولا بد أن يحتوي على ~~أقصى واقع ممكن. # 62 ~~(41) # يترتب على هذا أن الله كامل كمالا مطلقا؛ إذ ليس ms75 ~~الكمال إلا عظم الواقع الإيجابي من حيث هو كذلك، (وهو الذي ~~نحصل عليه) عندما نضرب صفحا عن حدود أو قيود الأشياء التي ~~لديها مثل هذه الحدود والقيود. وحيث لا تكون ثمة حدود، ~~أعني في الله، يكون الكمال لا متناهيا بإطلاق (قارن ~~التيوديسية 22، والمقدمة 4أ). ~~(42) # يترتب على هذا أيضا أن المخلوقات تستمد كمالها من ~~تأثير الله، أما وجوه النقص فيها، فترجع إلى طبيعتها ~~الخاصة التي يعجزها أن تكون بغير حدود؛ لأن هذا هو أساس ~~اختلافها عن الله. # 63 ~~(43) # من الحق أيضا أن الله ليس هو مصدر الوجودات # 64 # فحسب، بل هو كذلك مصدر الماهيات، بقدر ما تكون ~~واقعية، أو هو بمعنى آخر مصدر # 65 # ما يحتوي عليه الإمكان من واقع. # 66 # ذلك أن الذهن الإلهي هو منطقة الحقائق ~~الأبدية، أو الأفكار التي يتوقف عليها وجودها، # 67 # وبغير وجوده لن يكون في الإمكانات واقع، ولن ~~يكون فيها شيء موجود فحسب، بل لن يكون فيها كذلك شيء ممكن ~~(قارن التيوديسية 20). ~~(44) # لأنه إن كان ثمة واقع في الماهيات أو الإمكانات، أو حتى ~~في الحقائق الأبدية، فلا بد أن يقوم سبب هذا الواقع على ~~شيء موجود وفعلي، وبالتالي على وجود الكائن الضروري الذي ~~تتضمن ماهيته وجوده، والذي يكفيه أن يكون ممكنا لكي يكون ~~واقعيا (قارن التيوديسية 184 و189 و335). ~~(45) # وهكذا ينفرد الله (أو الكائن الضروري) بهذه الميزة، وهي ~~أنه يتحتم بالضرورة أن يوجد إذا كان وجوده ممكنا. ولما ~~لم يكن هناك شيء يحول دون إمكان (وجود) ما لا يتضمن ~~حدودا ولا نفيا، ولا يحتوي تبعا لذلك على أي تناقض، فإن ~~هذا وحده # 68 # يكفي لمعرفة وجود الله معرفة قبلية. وقد ~~أثبتنا وجوده عن طريق واقعية الحقائق الأبدية، ثم أثبتناه كذلك # 69 # بطريقة بعدية من وجود الكائنات الحادثة التي ~~لا يمكن أن يقوم سببها الأخير أو سببها الكافي إلا في ~~الكائن الضروري الذي يتضمن في ذاته سبب وجوده. ~~(46) # ولكن لا يصح أن نتوهم - كما فعل البعض - أن الحقائق ~~الأبدية - نظرا لاعتمادها على الله - حقائق تعسفية أو ms76 ~~متوقفة على إرادته، كما سلم بذلك ديكارت، # 70 # ومن بعده السيد بواريه، # 71 # إذ لا يصدق هذا إلا على الحقائق الحادثة التي ~~تقوم على مبدأ الملاءمة أو اختيار الأصلح، في حين أن ~~الحقائق الضرورية تعتمد على الذهن الإلهي وحده وهي موضوعة ~~الباطن (قارن التيوديسية 150-184، 185، 335، 351، ~~380). ~~(47) # هكذا يكون الله وحده هو الوحدة المبدئية أو الجوهر ~~الأصلي البسيط، وكل المونادات المخلوقة أو المشتقة من إبداعه، # 72 # وتنشأ، إن جاز هذا القول، من لحظة لأخرى بفضل ~~ومضات إلهية، # 73 # محدودة بالقدرة على التلقي (أو الاستقبال) ~~من جانب المخلوق الذي هو محدود بحسب ماهيته (قارن ~~التيوديسية 382-391 و398 و395). ~~(48) # وفي الله تكمن القوة التي هي مصدر كل شيء، وفيه كذلك ~~المعرفة التي تحتوي على الأفكار المتنوعة، وأخيرا فإن فيه ~~الإرادة التي هي علة التغيرات أو الإبداعات التي تتم ~~وفقا لمبدأ الأصلح # 74 ~~(التيوديسية 7 و149 و150)، وهذا هو الذي يطابق ~~الموضوع أو الأساس، وملكة الإدراك وملكة النزوع لدى ~~المونادات المخلوقة. # 75 # ولكن هذه الصفات تكون في الله لا متناهية أو ~~كاملة بصورة مطلقة، بينما تكون في المونادات المخلوقة أو ~~الأنتيليخيات (أو الكائنات الحائزة على الكمال Perfectihabien # 76 # كما ترجم هرمولاوس بارباروس # 77 # هذه الكلمة) مجرد تقليدات لهذه الصفات، يختلف ~~حظها من التوفيق باختلاف حظها من الكمال (التيوديسية، 7 ~~و149 و150 و87). ~~(49) # يقال عن المخلوق إنه يفعل في اتجاه الخارج، # 78 # بقدر ما يكون فيه من الكمال، ويقال عن مخلوق ~~آخر إنه ينفعل بقدر ما يكون غير كامل. ومن ثم ينسب الفعل ~~إلى المونادة بقدر ما تكون إدراكاتها متميزة، والانفعال ~~بقدر ما تكون إدراكاتها مختلطة (أو غير متميزة). # 79 ~~(50) # ويكون المخلوق أكمل من غيره إذا وجدنا فيه بصورة قبلية علة # 80 # ما يجري في مخلوق آخر، بهذا المعنى يقال إنه ~~يؤثر على المخلوق الآخر. ~~(51) # بيد أنه لا يوجد بالنسبة للجواهر البسيطة سوى تأثير ~~مثالي لإحدى المونادات على الأخرى، وهو تأثير لا يصبح ~~فعالا إلا بتدخل من الله؛ لأن المونادة تطلب بحق من أفكار ~~الله أن ms77 يكون (أي الله) قد وضعها في اعتباره عند قيامه في ~~مبدأ الأمر بتنظيم المونادات الأخرى؛ لأنه لما كان من ~~المتعذر على المونادة المخلوقة أن تؤثر تأثيرا فيزيائيا ~~على داخل المونادة الأخرى، فلا يمكن بغير هذه الوسيلة أن ~~تعتمد إحداها على الأخرى (قارن التيوديسية 9 و54 و65 و66 ~~و201، وراجع أيضا موجز الاعتراضات، الاعتراض الثالث ). # 81 ~~(52) # وهكذا يتم تبادل الفعل والانفعال بين المخلوقات. فعندما يوازن # 82 # الله بين جوهرين بسيطين يجد في كل منهما ~~أسبابا تلزمه بأن يلائم # 83 # بينه وبين الآخر، ويتبع هذا أن يكون الفعال ~~من وجهة نظر معينة، منفعلا من وجهة نظر أخرى، فهو فعال ~~بمقدار ما نعرف فيه معرفة متميزة ما يساعد على تعليل الحدث ~~الذي يتم في «جوهر» آخر معرفة متميزة (التيوديسية ~~66). ~~(53) # ولما كانت أفكار الله تحتوي على عدد لا حصر له من ~~العوالم الممكنة التي يستحيل أن يوجد منها إلا عالم واحد، ~~فيلزم أن يكون هناك سبب كاف لاختيار الله، جعله يفضل ~~عالما بعينه على غيره # 84 ~~(قارن التيوديسية 8 و10 و44 و173 و196 وما ~~بعدها و225 و414-416). ~~(54) # وهذا السبب لا يمكن أن يوجد إلا في التلاؤم، # 85 # أو في درجات الكمال التي تحتوي عليها هذه ~~العوالم، طالما كان لكل ممكن الحق في التطلع # 86 # إلى الوجود، على قدر الكمال الذي ينطوي عليه ~~(التيوديسية، 74 و167 و350 و201 و130 و352 و345 وما بعدها ~~و354). ~~(55) # هنا تكمن علة وجود الأصلح، # 87 # الذي يعرفه الله بفضل حكمته، ويختاره بفضل رحمته، # 88 # ويخلقه بفضل قوته # 89 ~~(قارن التيوديسية 8 و78 و80 و84 و119 و204 ~~و206 و208، وموجز الاعتراضات، الاعتراض الأول ~~والثامن). ~~(56) # هذا الترابط أو هذا التلاؤم بين جميع المخلوقات وبين كل ~~واحد منها على حدة، ثم بين كل واحد منها والجميع، يترتب ~~عليه أن يحتوي كل جوهر بسيط على علاقات تعبر عن مجموع ~~الجواهر الأخرى، وأن يكون تبعا لذلك مرآة حية دائمة للعالم # 90 ~~(قارن التيوديسية 130 و360). ~~(57) # وكما أن مدينة واحدة بعينها، إذا تأملها المرء من جوانب ms78 ~~مختلفة، تبدو في كل مرة على صورة مختلفة تمام الاختلاف، ~~وكأن لها منظورات متعددة، كذلك توجد أيضا - تبعا للكثرة ~~اللانهائية للجواهر البسيطة - عوالم عديدة مختلفة، ليست ~~إلا منظورات من عالم واحد، وفقا لوجهات النظر المختلفة ~~لكل مونادة على حدة (قارن التيوديسية 147). ~~(58) # بهذه الوسيلة نحصل على أكبر قدر ممكن من التنوع، ولكن ~~مع أعظم قدر ممكن من النظام؛ أي إننا نحصل بهذه الوسيلة ~~على أعظم قدر ممكن من الكمال # 91 ~~(قارن التيوديسية 120 و124 و241 وما بعدها ~~و214 و243 و275). ~~(59) # وهذا الفرض وحده (الذي أزعم # 92 # أنه قد تمت البرهنة عليه) يكشف عن عظمة الله ~~ويضعها في الضوء الصحيح. ولقد عرف السيد «بايل» هذا، عندما ~~أثار في قاموسه (مادة روراديوس) # 93 # عدة اعتراضات عليه، انساق فيها إلى الاعتقاد ~~بأنني أنسب إلى الله أكثر مما ينبغي، بل أكثر مما يمكن ~~نسبته إليه. غير أنه قد عجز عن تقديم أي سبب يمكن أن يبرر ~~استحالة ذلك الانسجام الكوني الشامل الذي يجعل كل جوهر ~~يعبر تعبيرا دقيقا عن سائر الجواهر الأخرى عن طريق ~~العلاقات التي تربطه بها. ~~(60) # هذا وتتبين مما سبق الأسباب القبلية التي تجعل الأمور ~~تسير على هذا النحو دون غيره؛ لأن الله عندما دبر نظام ~~الكل قد وضع في اعتباره كل جزء على حدة، كما وضع في ~~اعتباره بوجه خاص كل مونادة على حدة، وهي بطبيعتها كائن متصور، # 94 # فليس ثمة ما يقصرها على تصوير جزء واحد من ~~الأشياء، وإن كان من الصحيح مع ذلك أن هذا التصور، فيما ~~يتصل بالأشياء الجزئية # 95 # الموجودة في العالم، تصور مشوش (مختلط)، ولا ~~يمكن أن يتضح إلا في جزء ضئيل من الأشياء، أعني تلك التي ~~تكون أقربها أو أكبرها بالنسبة لكل مونادة، # 96 # وإلا لكانت كل مونادة إلها. وإذن فالحدود ~~«التي تقيد» المونادات لا تتمثل في الموضوع، وإنما تتمثل ~~في أسلوب المعرفة المختلف بالموضوع. # 97 # إنها جميعا تسعى على نحو مختلط (غامض) ~~للوصول إلى اللامتناهي، إلى الكل، # 98 # ولكنها تظل محدودة ومتميزة عن بعضها البعض ms79 عن ~~طريق درجات وضوح الإدراكات وتميزها. ~~(61) # وفي هذا يعبر المركب تعبيرا رمزيا عن البسيط. # 99 # فلما كان كل شيء ممتلئا أو ملاء # 100 ~~- وهذا هو الذي يجعل المادة كلها مترابطة - ~~وكانت كل حركة تتم في الملاء تؤثر على الأجسام البعيدة على ~~حسب بعدها، بحيث إن كل جسم لا يتأثر فحسب بالأجسام ~~الملامسة له مباشرة، ويشعر على نحو من الأنحاء بكل ما ~~يحدث لها، بل يشعر عن طريقها كذلك بتأثير تلك الأجسام التي ~~تلامس الأجسام الأولى التي تلامسه مباشرة، فيلزم عن هذا أن ~~هذا السياق يمتد إلى أي مسافة ممكنة. ويترتب على هذا أن ~~يشعر كل جسم بكل ما يجري في العالم؛ بحيث يستطيع ذلك الذي ~~يرى كل شيء أن يقرأ في كل واحد منها ما يحدث في كل مكان، ~~بل يستطيع أن يرى ما حدث في الماضي، وما سوف يحدث في ~~المستقبل، وذلك بأن يلاحظ في الحاضر ما هو بعيد من جهة ~~الزمان والمكان، وهذا هو الذي سماه بقراط: «تلاؤم الكل»، # 101 # بيد أن النفس لا يمكنها أن تقرأ في ذاتها إلا ~~ما هو متمثل فيها تمثلا واضحا متميزا، إنها لا تستطيع ~~أن تنشر كل ثنياتها المطوية دفعة واحدة؛ لأن هذه تمتد إلى ~~ما لا نهاية. ~~(62) # ومع أن كل مونادة مخلوقة تصور # 102 # العالم بأكمله، فإنها تصور الجسم المتعلق بها ~~خاصة، والذي تكون هي «أنتليخياه» # 103 # تصويرا أشد تميزا. وكما يعبر # 104 # هذا الجسم عن العالم كله - نتيجة السياق ~~المتصل للمادة بأجمعها في الملاء - فإن النفس أيضا تصور ~~الكون كله، بتصويرها للجسم المتعلق بها تعلقا خاصا ~~(قارن التيوديسية 409). ~~(63) # الجسم الذي يتعلق بمونادة هي أنتليخياه أو نفسه يؤلف مع ~~الأنتليخيا ما يمكن تسميته كائنا حيا، ومع النفس ما ~~يمكن تسميته حيوانا، # 105 # وهذا الجسم المتعلق بكائن حي أو حيوان يكون ~~على الدوام جسما عضويا؛ لأنه لما كانت كل مونادة مرآة ~~تعكس العالم على طريقتها، وكان العالم مدبرا وفق نظام ~~كامل، فيلزم أيضا أن يكون هناك نظام فيمن يقوم بتصوره؛ # 106 # أي ms80 في إدراكات النفس، وبالتالي في الجسم الذي ~~بمقتضاه يتصور العالم في النفس (قارن التيوديسية ~~403). ~~(64) # وهكذا يكون كل جسم عضوي للكائن الحي نوعا من الآلة ~~الإلهية، أو من الآلية # 107 # الطبيعية التي تفوق جميع الآليات الصناعية # 108 # إلى حد لا نهائي؛ لأن الآلة التي يصنعها الفن البشري، # 109 # ليست آلة في كل جزء من أجزائها، فسن العجلة ~~النحاسية على سبيل المثال ذات أجزاء أو قطع لا تعد في ~~نظرنا شيئا فنيا (أو صناعيا)، # 110 # وليس فيها كذلك شيء يجعلنا نلاحظ وجود الآلة ~~التي أعدت العجلة لتشغيلها. أما آلات الطبيعة؛ أي ~~الأجسام الحية، فهل تظي آلات في أدق أجزائها وإلى ما لا ~~نهاية. وفي هذا يكمن الفرق بين الطبيعة والفن؛ أي بين ~~الصنعة الإلهية وصنعتنا البشرية # 111 ~~(قارن التيوديسية 134 و146 و194 و483). ~~(65) # وقد تمكن مبدع الطبيعة من خلق # 112 # هذا العمل الفني الإلهي الذي بلغ الغاية من ~~الإعجاز؛ لأن كل قطعة من المادة ليست فحسب قابلة للتجزئة ~~إلى ما لا نهاية، كما عرف ذلك القدماء، بل إنها كذلك مجزأة ~~في الواقع # 113 # إلى ما لا نهاية، وكل جزء ينقسم بدوره إلى ~~أجزاء، لكل منها حركة خاصة به، ولو كان الأمر على خلاف هذا ~~لما أمكن أن تعبر كل قطعة من المادة عن العالم كله (قارن ~~التيوديسية، المبحث التمهيدي، 70، 195). ~~(66) # من هذا نتبين أن أقل جزء من المادة يحتوي على عالم من ~~المخلوقات، والكائنات الحية، والحيوانات، والأنتليخيات، ~~والنفوس. ~~(67) # يمكن تصور كل قطعة من المادة كما لو كانت حديقة حافلة ~~بالنباتات أو بركة غنية بالأسماك، ولكن كل غصن من أغصان ~~النبات، وكل عضو من أعضاء الحيوان، وكل قطرة من قطرات ~~عصارته هي كذلك مثل هذه الحديقة أو هذه البركة. ~~(68) # ومع أن الأرض والهواء الساري بين نبات الحديقة أو الماء ~~الجاري بين أسماك البركة ليست هي نفسها نباتا ولا سمكا، ~~فإنها مع ذلك تحتوي على أمثالها، # 114 # وإن تكن في أغلب الأحوال من نوع دقيق يتعذر ~~علينا إدراكه. # 115 ~~(69) # ولهذا فليس في العالم يباب ولا ms81 عقم ولا موت، ليس فيه ~~فوضى ولا اضطراب # 116 # إلا في الظاهر، وهذا أشبه بمنظر بركة نتأملها ~~من بعيد فلا نكاد نرى فيها - إن جاز هذا التعبير - إلا ~~حركة مضطربة، وحشدا مختلطا من الأسماك، دون أن نميز ~~الأسماك نفسها بوضوح (قارن التيوديسية، المقدمة). ~~(70) # نرى من هذا أن لكل جسم حي أنتليخيا تتحكم فيه هي النفس ~~لدى الحيوان، ولكن أعضاء هذا الجسم الحي نفسها زاخرة ~~بكائنات حية أخرى، من نباتات وحيوانات لكل منها كذلك ~~أنتليخياه أو نفسه المتحكمة فيه. # 117 ~~(71) # ولكن لا يجوز أن يتوهم أحد - كما فعل البعض نتيجة إساءة ~~فهم مذهبي # 118 # أن كل نفس لها كتلة أو قطعة معينة من المادة، ~~مخصصة لها إلى الأبد، # 119 # وأنها تبعا لذلك تملك كائنات حية أخرى أدنى ~~درجة، مجعولة لخدمتها على الدوام؛ لأن الأجسام كلها في ~~سيرورة دائمة، كالأنهار ، # 120 # وتدخل فيها وتخرج منها أجزاء باستمرار. ~~(72) # وهكذا فإن النفس لا تغير جسمها إلا ببطء وبالتدريج، بحيث ~~لا تجرد أبدا من جميع أعضائها دفعة واحدة، وكثيرا ما ~~يتم التحول بين الحيوانات، ولكن تقمص الأرواح أو تناسخها ~~لا مكان له على الإطلاق، كذلك لا توجد نفوس قائمة بنفسها ~~أو مستقلة تمام الاستقلال (عن الأجسام) ولا أرواح # 121 # بغير أجسام. إن الله وحده منزه عن الجسمية كل التنزيه # 122 ~~(قارن التيوديسية 90 و124). # 123 ~~(73) # ولهذا السبب لا يوجد أبدا تولد كامل ولا موت كامل ~~بالمعنى الدقيق، بمعنى انفصال النفس عن الجسد. وما نسميه ~~بالتوالد إنما هو نوع من التطور والنمو، أما ما نسميه ~~بالموت فهو انكماش وتناقص. # 124 ~~(74) # ظل الفلاسفة دائما في حيرة من أمرهم حول أصل الأشكال ~~والأنتليخيات أو النفوس. أما اليوم، بعد أن عرفنا من ~~الأبحاث الدقيقة التي أجريت على النباتات والحشرات ~~والحيوانات الأخرى أن الأجسام العضوية في الطبيعة لا تنشأ ~~أبدا من العماء # 125 # أو التعفن، وإنما تنشأ دائما من بذور كانت ~~تحتوي بغير شك على نوع من التشكل السابق، # 126 # فقد استنتج العلماء من ذلك أن الجسم العضوي لم ~~يكن ms82 هو وحده موجودا فيها قبل الحمل، بل كانت هناك أيضا ~~نفس في هذا الجسم، وباختصار أن الحيوان نفسه موجودا فيها. ~~وعن طريق الحمل توصل هذا الحيوان إلى القدرة على التشكل ~~الكبير فحسب؛ لكي يصير حيوانا من نوع آخر. ونلاحظ شيئا ~~شبيها بهذا خارج نطاق التولد، عندما تتحول الديدان مثلا ~~إلى ذباب أو اليرقانات إلى فراشات (قارن التيوديسية 86 ~~و89، المقدمة 5ب وما بعدها من صفحات 90 و187 و188 و43 و86 ~~و397). ~~(75) # يمكن تسمية الحيوانات التي يرفع بعضها عن طريق الحمل ~~إلى مستوى الحيوانات الكبرى باسم الحيوانات البذرية، أما ~~ما يبقى منها داخل نوعه؛ أي معظمها، فإنه ينشأ، # 127 # ويتكاثر، ويفنى كالحيوانات الكبيرة، والنخبة ~~القليلة منها هي التي تنتقل إلى مسرح أكبر. ~~(76) # غير أن هذا لم يكن ليعبر إلا عن نصف الحقيقة، # 128 # لذلك انتهيت إلى الحكم بأنه إذا كان الحيوان ~~لا ينشأ أبدا نشأة طبيعية، فإنه لا يفسد كذلك بطريقة ~~طبيعية، وأن الأمر لا يقتصر فحسب على استحالة التولد، بل ~~يتعداه إلى استحالة الفناء الكامل، واستحالة الموت بمعناه ~~الدقيق. وهذه التأملات التي تمت بطريقة بعدية، واستخلصت ~~من التجربة تتفق تمام الاتفاق مع المبادئ التي استنتجت ~~فيما سبق بطريقة قبلية # 129 ~~(قارن التيوديسية 90). ~~(77) # يمكن القول إذن بأن النفس (وهي مرآة عالم لا يندثر) # 130 # ليست هي وحدها التي لا يجوز عليها الفناء، بل ~~كذلك الحيوان نفسه، # 131 # على الرغم من أن آلته تفسد في كثير من ~~الأحوال فسادا جزئيا وتنزع أو ترتدي أغشية عضوية # 132 ~~(قارن التيوديسية، المقدمة 6 و340 و352 و353 ~~و358). ~~(78) # وقد أتاحت لي هذه المبادئ وسيلة تفسير اتحاد النفس مع ~~الجسم العضوي أو بالأحرى اتساقها معه تفسيرا طبيعيا. إن ~~النفس تتبع قوانينها الخاصة كما يخضع الجسم لقوانينه ~~الخاصة، وهما يتلاقيان # 133 # بفضل الاتساق المقدر بين جميع الجواهر؛ لأنها جميعا # 134 # تمثلات عالم واحد بعينه. # 135 ~~(79) # تفعل النفوس وفقا لقوانين العلل الغائية، عن طريق ~~النزوع، والغايات والوسائل. وتفعل الأجسام وفقا لقوانين ~~العلل الفعالة أو قوانين الحركات. وهاتان المملكتان، مملكة ms83 ~~العلل الفعالة ومملكة العلل الغائية، متجانستان. # 136 ~~(80) # عرف ديكارت أن النفوس لا يمكنها أن تمد الأجسام بالقوة؛ ~~لأن كمية القوة التي في المادة ثابتة على الدوام، ومع ذلك ~~فقد تصور أن النفس يمكنها أن تغير اتجاه الأجسام، ولكنه ~~وقع في هذا الظن؛ لأن القانون الطبيعي الذي يقول ببقاء نفس ~~الاتجاه العام في المادة لم يكن قد عرف في عهده. # 137 # ولو انتبه إليه لتوصل إلى مذهبي في الاتساق ~~المقدر. ~~(قارن التيوديسية، المقدمة 22 و59 و60 و61 و63 و66 و345 ~~و346 وما بعدها، 354 و355.) ~~(81) # ويقتضي هذا المذهب # 138 # أن تفعل الأجسام كما لو كانت النفوس غير ~~موجودة (وهو أمر مستحيل)، وأن تفعل النفوس وكأن الأجسام ~~غير موجودة، وأن يفعل الاثنان، وكأن أحدهما يؤثر على ~~الآخر. ~~(82) # أما العقول أو النفوس العاقلة، فإني وإن كنت أجد أن ما ~~ذكرته الآن يصدق على جميع الكائنات الحية والحيوانات (أي ~~أن الحيوان والنفس لا ينشآن إلا مع نشوء العالم، ولا ~~يفسدان إلا بفساده)، فإن الحيوانات العاقلة تتميز مع ذلك ~~بأن حيواناتها البذرية الصغيرة، ما بقيت كذلك ولم تتعده، # 139 # لا تملك إلا نفوسا عادية أو نفوسا حساسة، ~~ولكن بمجرد أن تصل تلك التي يمكن أن نصفها بأنها نخبة ~~مختارة إلى الطبيعة الإنسانية عن طريق الحمل الفعلي، فإن ~~نفوسها الحساسة ترتفع إلى مستوى العقل، وترقى إلى المزية ~~«التي تتمتع» بها العقول (قارن التيوديسية 91 ~~و397). ~~(83) # يضاف إلى الفروق الأخرى بين النفوس العادية والعقول، وهي ~~الفروق التي قدمت جزءا منها فيما سبق، # 140 # أن النفوس على وجه الإجمال مرايا حية أو صور ~~من عالم المخلوقات، أما العقول فهي بالإضافة إلى ذلك صور ~~من الألوهية أو من مبدع الطبيعة ذاته، إنها تملك القدرة ~~على معرفة نظام العالم، # 141 # ومحاكاة شيء منه في عينات (أو نماذج) معمارية خاصة، # 142 # إذ إن كل عقل في مجاله أشبه بألوهية صغيرة ~~(قارن التيوديسية 147). ~~(84) # وهذا هو الذي يجعل العقول (أو الأرواح) # 143 # قادرة على الدخول مع الله في نوع من الحياة الجماعية، # 144 ms84 # بحيث لا يكون الله بالنسبة إليها كالمخترع ~~بالنسبة لآلته فحسب ~~(كما هو الحال بالقياس إلى علاقة الله بسائر المخلوقات)، ~~وإنما يكون كذلك كالأمير بالنسبة لرعاياه، بل كالأب ~~بالنسبة لأبنائه. ~~(85) # من هذا نستنتج بسهولة أن مجموع العقول (أو الأرواح) يؤلف ~~بالضرورة مدينة الله؛ # 145 # أي أكمل مدينة ممكنة في ظل أكمل الحكام (قارن ~~التيوديسية 146، ومجمل الاعتراضات، الاعتراض ~~الثاني). ~~(86) # إن مدينة الله هذه، هذه المملكة الكلية الشاملة بحق، هي ~~عالم أخلاقي داخل العالم الطبيعي، وهي أسمى أعمال الله ~~وأكثرها ألوهية. إنها التعبير الصادق عن مجد الله، إذ لن ~~يكون لديه شيء منه إن لم تعرف العقول (الأرواح) عظمته وخيريته، # 146 # وتحس نحوهما بالإعجاب، وهو كذلك يملك الخيرية ~~(الطيبة) خاصة بالمقياس إلى هذه المدينة الإلهية، # 147 # في حين أن حكمته وقدرته تتجليان في كل شيء وفي ~~كل مكان. # 148 ~~(87) # وكما بينا فيما تقدم أن هناك تجانسا كاملا بين مملكتين ~~طبيعيتين، هما مملكة العلل الفاعلة ومملكة العلل الغائية، ~~فينبغي علينا أن نشير هنا أيضا إلى تجانس # 149 # آخر يقوم بين مملكة الطبيعة الفيزيائية وبين ~~مملكة الفضل الإلهي الأخلاقية؛ # 150 # أي بين الله بوصفه مهندس الآلة الكونية، وبين ~~الله بوصفه ملكا على المدينة الإلهية للأرواح (قارن ~~التيوديسية 62 و74 و118 و248 و112 و130 و247). ~~(88) # هذا التجانس يجعل الأشياء تؤدي إلى الفضل الإلهي بالطرق # 151 # الطبيعية نفسها، كما يفرض على هذه الكرة ~~الأرضية مثلا أن تدمر ويعاد بناؤها بالطرق الطبيعية في ~~وقت معلوم، عندما تطلب ذلك حكومة الأرواح عقابا للبعض ~~وثوابا للبعض الآخر. ~~(قارن التيوديسية 18 وما بعدها 110 و244 و245 ~~و340.) ~~(89) # يمكن كذلك القول بأن الله بوصفه البناء الأعظم # 152 # يرضي الله بوصفه المشروع من كل ناحية، وأن ~~الخطايا ينبغي تبعا لذلك أن تحمل معها العقاب الذي ~~تستوجبه بمقتضى النظام الطبيعي، بل بمقتضى البنية # 153 # الآلية للأشياء ذاتها، كما تحصل الأفعال ~~الطيبة، بالقياس إلى الأجسام، على جزائها # 154 # بالطرق الآلية، وإن لم يكن من الممكن ولا من ~~الجائز أن يتم هذا دائما على الفور. # 155 ms85 ~~(90) # وصفوة القول أنه لن يبقى في ظل هذه الحكومة الكاملة فعل ~~خير بغير ثواب، ولا فعل شيء بغير عقاب، وأن كل شيء ينبغي ~~أن يسخر لخير الطيبين؛ أي لغير الساخطين في هذه الدولة ~~العظيمة، أولئك الذين يثقون بالعناية الإلهية بعد أداء ~~واجبهم، ويحاكون مصدر كل خير، ويحبونه الحب الذي يليق به، ~~ويبتهجون بالنظر في كمالاته، كما تقضي بذلك طبيعة الحب ~~الصادق المحض، الذي يجعلنا نسعد بسعادة من نحب. وهذا هو ~~الذي يجعل الحكماء # 156 # والفضلاء من الناس يشاركون بجهدهم في كل ما ~~يبدو متسقا مع إرادة الله التي وعد بها أو سبقت في علمه، ~~ويقنعون مع هذا بما تقضي به مشيئته الخافية المحكمة ~~الفاصلة. إنهم ليقرون بأننا لو استطعنا أن نفهم نظام الكون ~~فهما كافيا لاكتشفنا أنه يفوق كل ما يتمناه أحكم ~~الحكماء، وأن من المحال أن يكون أفضل مما هو عليه، لا ~~بالقياس إلى الوجود الكلي بوجه عام فحسب، بل كذلك ~~بالقياس إلينا نحن بنوع خاص، إذا سلمنا التسليم الواجب ~~بمشيئة خالق كل شيء لا بوصفه البناء الأعظم، # 157 # والعلة الفعالة لوجودنا، بل باعتباره سيدنا ~~ومولانا، والعلة الغائية التي ينبغي أن تكون الهدف الكلي ~~لإرادتنا، وتستطيع وحدها أن تحقق سعادتنا. ~~(قارن التيوديسية 134 الخاتمة، والمقدمة 4أب، 278 وراجع ~~كذلك المقال في الميتافيزيقا، 36 و37.) ms86