######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Munqidh.Hindawi19609580 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19609580 #META# Title: المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة) #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثانية‏ # المنقذ غادر بيته‏ # إنقاذ العالم‏ # المنقذ يهجر كهفه‏ # إنقاذ الدولة‏ # خاتمة الرحلة وبدايتها‏ # الرسالة السابعة لأفلاطون‏ # تمهيد‏ # الرسالة السابعة لأفلاطون‏ # زيارة أفلاطون الأولى لصقلية‏ # نصيحة لحلفاء ديون‏ # زيارة أفلاطون الثانية لديونيزيوس الثاني‏ # عجز الكلمات عن التعبير عن الواقع‏ # آخر أخبار أفلاطون مع ديونيزيوس ورحيله عن سيراقوزة‏ # تعليقات‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # المنقذ غادر بيته‏ # إنقاذ العالم‏ # المنقذ يهجر كهفه‏ # إنقاذ الدولة‏ # خاتمة الرحلة وبدايتها‏ # الرسالة السابعة لأفلاطون‏ # تمهيد‏ # الرسالة السابعة لأفلاطون‏ # زيارة أفلاطون الأولى لصقلية‏ # نصيحة لحلفاء ديون‏ # زيارة أفلاطون الثانية لديونيزيوس الثاني‏ # عجز الكلمات عن التعبير عن الواقع‏ # آخر أخبار أفلاطون مع ديونيزيوس ورحيله عن سيراقوزة‏ # تعليقات‏ # | المنقذ # | المنقذ # | قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة) # تأليف # عبد الغفار مكاوي # إلى ابني الكريم ... # عل زمانك يا ولدي أنت وجيلك # أن يصبح أجمل من زمني المنكود وأعدل. # ليست الأرض ملكا لأحد، إن ثمراتها للجميع. # جون بال # ليست هناك يوتوبيا تبلغ من الشر حدا يمنعها من أن تقدم بعض المزايا ~~المؤكدة. # أوجست كونت # إن خريطة للعالم لا تحتوي على يوتوبيا، لا تستحق حتى مجرد النظر إليها؛ لأنها ~~تغفل البلد الوحيد الذي تتوجه سفينة البشرية دائما إليه، وعندما ترسو على شاطئه، ~~تتلفت في الأفق، فإذا لمحت بلدا آخر، انطلقت مبحرة إليه، إن التقدم هو ~~تحقيق اليوتوبيات في الواقع ... # أوسكار وايلد # لا يمكنني تصور الوضع الراهن للبشرية في مجموعها على أنه هو الوضع الذي ~~يمثل غايتها الكلية والنهائية؛ فلو صح ذلك لكان كل شيء حلما وخداعا، ~~ولما كان هناك طائل من وراء الحياة التي عشناها ولا من اللعبة المتكررة العقيمة ~~التي شاركنا فيها. إن هذا الوضع لا يكتسب قيمة في نظري إلا إذا اعتبرته وسيلة ~~لتحقيق غاية أفضل، ومعبرا مؤقتا لهدف أعلى وأكمل ... إنني لا أستطيع أن ~~أتحمله لأجل ذاته، وإنما أتحمله لأجل شيء أفضل يكون هو تمهيدا وإعدادا ~~له. # فيشته: غاية الإنسان # لا يجوز لصقلية، ولا لغيرها من المدن، أن تخضع للسلطة المطلقة، بل يجب - في ~~رأيي على الأقل ms001 - أن تخضع لحكم القانون. # أفلاطون: الرسالة السابعة، 334ج # | مقدمة الطبعة الثانية # لا أدري اليوم ما هي المشاعر والأفكار التي دفعتني قبل أكثر من عشرين عاما - عندما ~~كنت أسكن في شقة فقيرة وهادئة في شارع القيادة بصنعاء اليمن - لصحبة أفلاطون والكتابة عن ~~حلمه بالتغيير، ولا أعرف أي قوة مجهولة تلك التي جعلتني أختار الشذرة أو الفقرة ~~الموجزة أسلوبا في التعبير، وساقتني في دفقات متوالية لأن أبدأ فصول هذا الكتاب وأختمها ~~بنغمات شعرية أو شاعرية بعد أن كنت قد هجرت الشعر وهجرني سنوات طويلة. لكن ربما كان ~~الحلم الأفلاطوني بسيادة القانون وتحقيق العدل - في دولته المثالية أو مدينته الفاضلة - هو ~~الذي احتضنني واحتضنته ونحن نلقي الرأس المتعب على صدر الأم الحنون صنعاء التي وفرت ~~لنا - في خريف عام 1978م - الرعاية والرضا والسكون العميق آناء الليل الرحيم وأطراف النهار ~~المشحون بأعباء التدريس ... # جذبتني الرسالة السابعة - وهي سيرة حياة أفلاطون في أواخر العقد السابع من عمره - ~~في تلك الأيام التي كنت فيها مشغولا بالتغيير الجذري والحرية والعدالة، وبالتفكير في ~~كتابة سيرة حياتي التي لم تكتب حتى الآن ... وترجمت الرسالة إلى العربية عن الطبعتين ~~الألمانية والإنجليزية؛ إذ لم يساعدني الحظ على التوصل للأصل اليوناني أثناء وجودي وعملي في ~~اليمن. وقد تصور بعض الأصدقاء أن هذا الكتاب مجرد هامش أو حاشية على الرسالة السابعة ~~التي انطلقت منها، لكن الواقع أنهما شيئان منفصلان ومستقلان كل منهما بنفسه. # 1 # وبالرغم من أن الكتاب يعتمد على الرسالة السابعة، فإنه - كذلك - محاولة لعرض شاعري ~~موجز لفلسفة أفلاطون السياسية بوجه خاص. # أما الدافع المحرك والقلب النابض لهذا العرض فهو حلم أفلاطون بالتغيير الثوري، ~~ومشروعه المفصل عن دولته المثالية (كما صوره في الجمهورية، ثم عدل هذه الصورة ~~في آخر محاوراته وهي القوانين). # وكان من الطبيعي أن تكون سيرة حياته المختصرة التي كتبها بعد زيارتيه الأخيرتين ~~والفاشلتين لجزيرة صقلية؛ كان من الطبيعي أن تكون هي الأساس الذي بنيت عليه للتعبير عن ~~حلم التغيير وعن الفلسفة المرتبطة به ارتباط الجسد بالرأس المفكر، والشرايين بالقلب ms002 ~~الذي يدفق فيها نبض الدماء ... # كانت الرسالة السابعة التي يصف فيها أفلاطون جزءا من طريقه إلى الفلسفة، وزهده في ~~المشاركة في السياسة العملية في عصره، ومغامراته الجسور والفاشلة لتحقيق حلمه في الواقع ~~الحي في صقلية - كانت، كما سبق القول، هي نقطة الانطلاق. ولقد بدا الطريق واضحا ~~لعينيه منذ بداية حياته؛ إذ ولد لأسرة أثينية عريقة، وكان الاشتغال بالحياة السياسية ~~في انتظاره. غير أن الأزمة الطاحنة التي مرت بها أثينا في شبابه الباكر، مع لقائه ~~بسقراط وملازمته له، قد تكفلا بتغيير جميع خططه، فأحرق - فيما يحكى - كل مخطوطات ~~تراجيدياته ونذر نفسه للفلسفة. وحكم أثينا، التي خرجت مهزومة ومخذولة من الحرب ~~البيلوبينيزية (431-404ق.م) نظام أقامته إسبرطة من ثلاثين طاغية. وكان من هؤلاء الطغاة - ~~بجانب كرتياس وخارميدس المتحدثين الرئيسيين في المحاورة المعروفة بالاسم الأخير عن ~~التبصر أو التدبر - اثنان من أقرب أقارب أفلاطون، حاولا عبثا مع زملائهم أن يجذبوا كلا ~~من أفلاطون وسقراط لمشاركتهم في الحكم، لكن الحكم كان فظيعا مرعبا، وبدت كل الدساتير ~~الفاسدة التي سبقته في أثينا أو في مدن اليونان أشبه بالماضي الذهبي أو الفردوس الضائع ~~... ثم رجع الديمقراطيون إلى الحكم، لكن حظهم من الديمقراطية اقتصر على الاسم. فقد أدانوا ~~معلمه وصديقه وأعدل الناس وأعزهم عنده بتهم ملفقة وخسيسة، ثم قدموه للمحاكمة ~~الشهيرة وقضوا عليه بالإعدام ونفذوه بالفعل، ولا بد أن شخصية سقراط - الذي لازمه ~~أفلاطون على مدى ثمانية أعوام قبل الحكم عليه بشرب السم - قد جعلت فيلسوفنا الشاب ينفض ~~يديه من كل الدساتير البائسة التي عاصرها في صباه وشبابه، ويقتنع من صميم كيانه بأن إنقاذ ~~المدينة (البوليس) لن يتحقق إلا عن طريق الفلسفة التي سترسم خطة المدينة المثالية التي ~~تسودها العدالة والسعادة ويحكمها القانون الذي يكفل الحقوق المتساوية للجميع. صحيح أنه تخلى ~~عن كل رغبة في الحكم، لكنه لم يتخل أبدا عن توجهه السياسي والعلمي لإنقاذ المدينة، ~~وهو التوجه الذي ملأ عليه حياته وتعليماته، وأشعل لهيب الحماس في فكره وفعله وبصيرته حتى ~~نهاية حياته (حوالي سنة 347ق.م). # وقصة محاولاته ms003 لتحقيق حلمه «اليوتوبي » في سيراقوزة - عاصمة جزيرة صقلية - قصة معروفة؛ ~~فقد دفعه الغضب والاشمئزاز مما جرى لأستاذه إلى السفر لزيارة أصدقائه الفيثاغوريين في ~~جنوب إيطاليا وإلى مصر. وفي حوالي الأربعين من عمره (387ق.م) قام برحلته الأولى إلى ~~سيراقوزة والتقى بطاغيتها ديونيزيوس الأول. عجز أفلاطون عن التأثير على هذا الملك - الذي ~~لقنه الكراهية الأبدية لكل طاغية وكل طغيان! - ولكنه نجح في كسب صداقة ديون - شقيق إحدى ~~زوجات الطاغية ومستشاره - الذي توهج حماسا للفلسفة، وأخذ يترقب الفرصة المناسبة لتحقيق ~~حلم أفلاطون على أرض الجزيرة التي لم تهدأ فيها الاضطرابات والصراعات بين الإغريق ~~والقرطاجيين. ولا بد أن طاغية سيراقوزة قد نظر نظرة الشك والتوجس لما سمعه من أفلاطون ~~أو سمعه عنه من ضرورة حكم الفلاسفة؛ لذلك استشعر خطر الفيلسوف وصمم على إبعاده عن ~~المدينة، ولا ندري مدى صدق القصة التي يرويها ديوجينيس اللائرسي - مؤرخ الفلسفة من القرن ~~الثالث الميلادي في كتابه الرائع عن حياة وآراء مشاهير الفلاسفة - عن أن ملك الجزيرة ~~التعسة قد بلغ به السخط على الفيلسوف إلى حد الأمر ببيعه في سوق الرقيق في «إيجينا» ~~القريبة من أثينا، ولولا تدخل الصدقة الحسنة وافتداء أحد أصدقائه له لبيع الفيلسوف ~~كالعبيد ... # لم تثنه التجربة القاسية عن قصده، ولم يكف عن الاقتناع بوحدة النظر والعمل، والفكر ~~والممارسة، ولم يتردد عن المغامرة من جديد في سبيل الحلم ... # كان قد رجع إلى وطنه وأسس الأكاديمية في سنة 387ق.م بالقرب من أثينا، وأخذ يلم ~~شتات أفكاره وتجاربه وتأملاته عن السياسة العملية التي تهتدي بالعقل، وعن نظام ~~التربية الذي سيكون النخبة الحاكمة والحكيمة، وعن التساؤل عن مفهوم العدالة والدولة ~~العادلة والحاكم الحكيم أو الملك الفيلسوف، وذلك على النحو الذي فصله في محاورته الكبرى ~~«البوليتايا» أو الجمهورية. # ولم تستطع الصدمة التي تلقاها من طاغية سيراقوزة أن تصرفه عن الهدف العملي من ~~فلسفته، الذي يستحق التضحية حتى بالحياة؛ لكيلا يقال عنه - في يوم من الأيام - إنه كان ~~رجل أحلام وكلام ونظريات ... لذلك لم يتردد طويلا عن القيام برحلتيه التاليتين في ms004 ~~عامي 367 و361ق.م على الترتيب، ولم يثنه فشلهما الذريع - إلى حد تهديده بالاغتيال لولا ~~تدخل أصدقائه الفيثاغوريين في الوقت المناسب! - عن مواصلة التفكير والكتابة عن دولته ~~المثالية، كما نرى في آخر محاوراته وهي القوانين (لا سيما في الكتاب العاشر الذي يلخص ~~اتجاهه السياسي والطبيعي أو الكوني كله) التي حاول فيها أن يكون أكثر واقعية وقربا من ~~الطبيعة البشرية، وإن لم ينجح في أن يكون أقل تسلطية وشمولية، أو أقل تجاهلا للحرية ~~الفردية والديمقراطية ... ولست في حاجة لرواية قصة هاتين الرحلتين الفاشلتين اللتين ~~أقنعتاه بالعكوف على نشاطه التعليمي في الأكاديمية؛ فالرسالة السابعة تروي قصتهما بالتفصيل، ~~كما أن نشاطه في الأكاديمية يؤكد - بما فيه الكفاية - إصراره على أن فلسفته وتلاميذه لا ~~يحملان مسئولية ذلك الفشل، وإنما الواقع العملي والسياسي - في بلده أثينا وخارجها - هو الذي ~~حال دون تحقيق حلم الإنقاذ العسير - وإن آمن على الدوام بأنه غير مستحيل! - ترى هل عوضه ~~قليلا عن فشله أن يشجع تلاميذه على البحث المستمر (كما نرى في تشجيعه للرياضي النابغة ~~ثيآيتيتوس الذي أطلق اسمه على واحدة من أهم محاوراته، ولتلميذه أويديموس الكنيدي في ~~بحوثه عن المسارات المتجانسة للكواكب، ثم لأنبغ «أبناء رأسه» وهو أرسطو الذي انضم ~~للأكاديمية سنة 367ق.م ونمى البحث المنطقي والبحث العلمي والتجريبي فيها)؟! # 2 # ليس من الصعب أن نتعرض باختصار شديد لنظرية أفلاطون السياسية كما بينها في كبرى ~~محاوراته (وهي الجمهورية التي اعتمد عليها هذا الكتاب)، وفي محاورتيه «السياسي ~~والقوانين». # لا شك أنها نظرية تسلطية وشمولية لا مكان فيها - كما سبق القول - للحرية الفردية ولا ~~للديمقراطية. ومع ذلك فعلينا أن نبسطها بإيجاز قبل أن نلقي عليها أضواء النقد أو ~~سهامه ونرى معا ما لأفلاطون وما عليه ... فهو ينطلق من الفرض القائل بأن الذين يعرفون الخير ~~هم وحدهم الذين يصلحون للحكم، ثم يصف لنا المراحل الدقيقة للتربية والتدريب العقلي التي ~~ستؤدي في رأيه إلى تلك المعرفة. وهذه المعرفة - كما يوضح رمز «الكهف» الذي وقف عنده ~~هذا الكتاب وقفة طويلة - ستتخلص من القيود والأغلال التي ms005 تجعل معظم البشر يعيشون سجناء في ~~«كهف سفلي» ويقاومون كل دعوة للخروج منه والصعود إلى العالم «الحقيقي» الذي يقع خارجه، وهو ~~عالم المثل أو الأشكال والنماذج الثابتة للمعرفة والوجود التي تدرك بالعقل لا بالحواس. ~~ويشترط أفلاطون الدراسة المتعمقة للرياضيات التي ستشد انتباه الخارج من الكهف إلى ~~المثل؛ لأن الرياضيات معرفة قبلية لا تهتم بالمحسوس إلا بقدر ما تنطلق منه للمفاهيم ~~غير المحسوسة، ثم يشترط دراسة الجدل الفلسفي (الديالكتيك) الذي هو سبيل المعرفة العقلية ~~الخالصة للنماذج الخالدة. والذين يجتازون بنجاح هذه المراحل التربوية نحو التفلسف الصحيح ~~ويتوصلون لمعرفة ماهية الخير، هم الذين سيكونون النخبة الحاكمة والحكيمة من جملة الحراس. ~~سوف يطالبون - من حين لآخر - بالانصراف عن مباهجهم الفلسفية والنزول إلى زملائهم القدامى ~~في الكهف «لإنقاذهم» أي تبصيرهم بالمعرفة والوجود الحقيقي وحكمهم الحكم الخير العادل الذي ~~يضاعف سعادة المدينة بأكملها. والقارئ يعرف الشروط القاسية التي يضعها أفلاطون لتحقيق هذه ~~الغاية فهو يفرض رقابة صارمة لاستبعاد الأفكار الخاطئة - إلى حد استبعاد الشعر ومصادرة أي ~~تجديد في الفن والتعليم، أي مصادرة حرية الفكر نفسها! - وضمان قيام كل طبقة وكل شخص من سكان ~~المدينة بعمله الذي هيأته له الخبرة والطبيعة التي مزج تركيبها بمعدن معين! وعدم إقحام ~~نفسه فيما لا يحسنه بفطرته ولا بتعليمه وخبرته، وهذا هو لب مفهوم العدالة عنده. (وقد ~~عاد فأكد في إحدى محاوراته المتأخرة - وهي السياسي - أن الحكم مهمة الخبراء، وأن ~~الخبير لا ينبغي أن يقيده القانون ولا رغبات الناس ...) # لا شك أن أفلاطون هو الذي قدم أول «يوتوبيا» شاملة ومفصلة رجع إليها كل من كتب ~~اليوتوبيا من بعده، كما أثرت بصورة أو بأخرى على جميع أشكالها الأدبية والسياسية والعلمية ~~والفكرية التالية. فبعد محاولات إغريقية عديدة لرسم صورة الحياة اليوتوبية السعيدة، كحياة ~~الاستغناء التام عند أتباع ديوجينيس الكلبي الذين سووا بين البشر والكلاب أو الخنازير، ~~وكحياة البحث عن اللذة بكل وسيلة ممكنة وإشاعتها بين الجميع بصورة «ديمقراطية» عامة كما ~~عند أرستيبوس ومدرسته، وهجمات صغار السفسطائيين على القانون الوضعي والنظم المترتبة ~~عليه ms006 ودعوتهم للأخوة البشرية العالمية، جاء أفلاطون والتقط الدافع اليوتوبي ثم ~~قيد حرياته وعكس اتجاهه تماما ... لم يعد في «يوتوبياه» مكان للأحلام الغامضة والأماني ~~الوهمية، ولم يعد أحد يشتاق للماضي الذهبي أو يثني عليه. وبدلا من الحرية الضائعة - ريفية ~~كانت أو حضرية - يظهر النظام غير المسبوق، ويثبت الحلم ويغدو بيده الأمر والنهي ... لم ~~يغب النموذج التجريبي والعيني لهذا الحلم عن وعي أفلاطون، بل كان قريبا منه وماثلا في ~~إسبرطة التي أذلت مدينته، وكان حب إسبرطة الأرستقراطية - بعد انتهاء الحرب البيلوبينيزية ~~وتقليد المهزوم للمنتصر كما بين ابن خلدون بحق! - شيئا على هوى الطبقات الأثينية الحاكمة ~~التي كانت تكره الديمقراطية وتعمل على هدم أركانها. وما دامت الدولة - كما رآها وعاصرها ~~أفلاطون - قد انقسمت إلى دولة للفقراء وأخرى للأغنياء وسادت الكراهية المتبادلة بينهما، ~~فلا بد في هذه الحالة من تأكيد سلطة الدولة «البوليسية» المنظمة. هكذا أصبحت يوتوبيا ~~أفلاطون صورة مثالية من إسبرطة؛ إذ كانت - وهذه هي المفارقة - هي يوتوبيا الطبقة ذات ~~السيادة. وساعد الصراع الطبقي في أثينا على وضع صورة إسبرطة داخل إطار الدولة الإغريقية ~~المنظمة، وعلى الاعتقاد بأن السلطة الحازمة هي العلاج الوحيد. ألم تسبق إسبرطة ... إلى ~~ترسيخ الطبقات الثلاث التي تقوم عليها الجمهورية: الطبقة التي تقوم بإطعام الكل ~~(الهيلوتيون) والطبقة التي تتولى الدفاع عن الكل (الإسبرطيون) ثم النخبة الحكيمة ~~التي تدير دفة الحكم (مجلس الكبار - أو الجيروزيا الذي أوصى به مشرعهم ليكورجوس)؟ ~~... # هكذا بنى أفلاطون عالما عقليا شديد الإحكام، الناس فيه يتصفون بالصلابة «الدورية»، ~~والتنظيم الشديد فيه نسخة من نظام الأرستقراطية الإسبرطية، حتى مجتمع النساء في الطبقة ~~العليا (طبقة الحراس الذين يختار منهم الحكام الحكماء) يوحي بالتشابه القوي مع ~~الفوضى الكلبية والتطرف في اللذات، ويكاد أن يكون نقلا حرفيا عن طريقة الحياة الشاذة ~~التي كانت مألوفة في معسكرات الجيش الإسبرطي. كذلك كان امتلاك الذهب والفضة الذي حرمه ~~أفلاطون على نخبته الحارسة والحكيمة، محرمين على الطبقة المحاربة في إسبرطة. # وأخيرا فإن مجلس الكبار الإسبرطي قد استفاد منه أفلاطون في وضع الإطار اللازم لأعلى ms007 ~~الطبقات في دولته، وهي طبقة الحكام الفلاسفة. ومع ذلك يمكن القول بأن أفلاطون قد خرج عن ~~مضمون ذلك الإطار الإسبرطي المعادي للعقل بتشديده على التربية الفلسفية لحكام المستقبل، ~~ومطالبته بالحاكم الحكيم أو الملك الفيلسوف، وتأكيده أن الدولة لن يصلح حالها وتصبح ~~دولة خيرة حتى يحكم الفلاسفة أو يتفلسف الحكام ... ~~(والشيء الغريب حقا أن طبقة الفلاسفة قد تفككت في المحاورة الأخيرة التي عدلت ~~نموذج الجمهورية في مواضع غير قليلة إلى حد الاستغناء عن التربية الفلسفية الأرستقراطية. ~~لقد أصبحت الدولة المثالية في «القوانين» دولة بوليسية كاملة، ولا يقلل من ذلك أنها رجعت ~~للاعتراف بالحق في الملكية الخاصة وفي الزواج، بل إنها لتطبق قوانين العقاب الجنائي على ~~أي تجديد سياسي أو ثقافي بحيث يتساءل المرء إن كان قد بقي في نظام هذه الدولة شيء يمكن وصفه ~~بالمثالية أو الحرية بعد ما بلغت هذا الحد من الرجعية!) # يبدو أن فكرة المعمار المتدرج هي التي وجهت أفلاطون في تصوره لبناء دولته ~~المثالية، سواء في الجمهورية أو في القوانين، ويبدو أيضا أن هذا البناء يقوم في تقديره ~~على أساس الفطرة أو الطبيعة البشرية نفسها. ففي الإنسان ثلاث قوى أو ثلاثة أجزاء تنقسم ~~إليها نفسه وتتدرج في القيمة من أعلى إلى أسفل: الشهوة، فالشجاعة، فالعقل. وهي تتوزع ~~بالترتيب من الجزء الأسفل من الجسم إلى الصدر إلى الرأس، بل إنها لتتوزع على الشعوب وطباعها ~~فيكون أهل الجنوب انفعاليين، وأهل الشمال جسورين، وأبناء الإغريق حكماء متدبرين! ... ~~وحتى الإغريق أنفسهم تتوزع بينهم فضائل التدبر أو التبصر والحكمة، بحيث تتدرج من الطاعة إلى ~~الشجاعة إلى الحكمة، وتأتي الفضيلة الإغريقية متسقة مع التدرج السابق: فالطاعة هي فضيلة ~~الطبقة التي تقوم بأمور الإعالة المادية وبالتغذية، والشجاعة هي فضيلة طبقة الجنود، والحكمة ~~هي فضيلة مشرعي القوانين من الفلاسفة. وهكذا تنشأ دولة تكاد الطبيعة نفسها أن تكون هي ~~التي أنشأتها، قوانينها لا تناقض الطبيعة ولا تتصادم معها، بل إن الطبيعة لتعزز وتدعم ~~سلم الطبقات الاجتماعية المتصاعد، وكأن لكل طبقة طبيعة أقرتها الطبيعة (الفيزيس) بنفسها. ~~ويؤكد ms008 الكتاب الثالث من الجمهورية أن أولئك الذين يصلحون للحكم يدخل الذهب في تركيب نفوسهم، ~~أما المحاربون فيدخل في تركيبهم الفضة، ويبقى المزارعون وأرباب الحرف والصنائع الذين ~~جعلت نفوسهم من النحاس والحديد! ... ومعنى هذا أن لكل طبقة طبيعتها التي لا تختلط بطبيعة ~~الطبقة الأخرى، بل إن القاعدة هي أن الأبناء يشبهون الآباء، بحيث يندر أن يصلح ابن من ~~الطبقة الدنيا للانخراط في الطبقة الأعلى، كما يندر - على العكس مما سبق - أن يصلح ابن نشأ ~~في طبقة المحاربين للحياة في طبقة المزارعين والصناع ... وليس على الحكم في مجموعه سوى ~~التأليف بين كل هذه العناصر الطبقية والطبيعية في كل متجانس هو الذي يسميه أفلاطون ~~بالعدالة. ومن العدالة في رأيه - كما سبق القول - أن يقوم كل امرئ بوظيفته التي هيأته لها ~~الطبيعة، وأن تختص كل طبقة بوظيفتها ولا تتعدى على وظيفة طبقة أخرى، تلك هي الأخلاقية ~~التي كرستها دولة أفلاطون، فسمحت - بجانب العبيد - بوجود طبقة من الفلاحين ~~والصناع المستغلين الذين يتحملون وحدهم عبء العمل، بينما تتمتع الطبقتان ~~الأخريان بترف اللاعمل: الرقابة من ناحية، والتفلسف والتشريع من ناحية أخرى ... هذه ~~الأخلاقية - التي تجردت من كل أخلاقية! - قد أسست عدالتها وسوغتها بمسوغ طبيعي ~~هو طبيعة الطبقة الكادحة التي خلقت للطاعة لأنها جبلت من معدن النحاس أو الحديد غير ~~النفيس! ... # هكذا قامت العدالة في دولة أفلاطون المثالية على ظلم شديد حاولت تبريره بأساليب طبيعية أو ~~كيمائية غير منصفة ولا مقنعة، بل إن المهمة التي يكلها أفلاطون للطبقة العليا بأن ~~تسهر على «عدم تسرب الفقر والثراء إلى الدولة»، فضلا عن الزهد المطلوب من الطبقة العليا ~~في الذهب ليس له - في رأي إرنست بلوخ # 3 ~~- إلا معنى واحد، هو الحيلولة دون نشوء طبقة رعاع غنية يمكن أن تكون مصدر ~~خطر على «عدالة» الدولة واستقرارها ... # على الرغم من كل المضامين غير الثورية ولا المثالية - بل غير الإنسانية! - لجمهورية ~~أفلاطون، فقد ظلت في نظر الكثيرين من أبناء الأجيال التالية هي المثل الأعلى للدولة ~~الاشتراكية أحيانا والدولة الشيوعية أحيانا أخرى، ولا شك ms009 أن سلطة أفلاطون - كفيلسوف كبير ~~- قد عملت على اعتبار جمهوريته في عصر النهضة الأوروبية نوعا من التوجيه نحو النظام ~~الاشتراكي، كذلك يذكر زعيم ثورة الفلاحين في عصر النهضة - وهو توماس مونتسر - يوتوبيا ~~أفلاطون مؤكدا أنها جعلت كل شيء مشتركا بين الكل. # كل ذلك لم يكن في الحقيقة، ولن يكون في المستقبل، إلا نوعا من إساءة الفهم أو سوئه. ~~فصورة العصر الذهبي التي رآها أفلاطون بعيون إسبرطية أرستقراطية لم تكن من الاشتراكية ولا ~~الشيوعية في شيء؛ لأنه قد قصر «الشراكة» أو المشاعية في تملك السلع والنساء والأطفال، ~~على الطبقة العليا في دولته. ووقع التابعون في الوهم الشديد بأنه سحب اشتراكيته على الجميع، ~~كما تصوروا خطأ أنه هو الأب الشرعي لليوتوبيا الاجتماعية الخالية من الطبقات، بينما كانت ~~دولته المثلى - في الحقيقة - تنظيما إسبرطيا تسلطيا أقرب ما يكون إلى تصور الدولة ~~الكنسية والعسكرية في العصور الوسطى المسيحية، لقد وضعت تلك الدولة على جسدها رقعا صغيرة ~~متناثرة من ثوب الاشتراكي ولم تترك لسكانها «الإسبرطيين» سوى حرية أن يكونوا أعمدة أو ~~أسوارا أو نوافذ تقوم بوظائف التغذية والحماية والرقابة والتوجيه في بنائها الصلب العنيد ~~... # علينا أن نسأل الآن بعد كل ما ذكرناه من عيوب وعناصر سلبية: ألم تحتفظ دولة أفلاطون أو ~~مدينته الفاضلة - على الرغم من كل ما ذكرناه - بالعنصر «اليوتوبي» الكامن فيها، هذا العنصر ~~الذي جعلها بحق أول «يوتوبيا» بالمعنى الشامل الدقيق في التاريخ، كما جعل كتاب ~~اليوتوبيات اللاحقين - كما سبق القول - يتأثرون بها ويرجعون إليها بصورة أو بأخرى، سواء ~~أساءوا فهمها أو عرفوا عيوبها؟ # لقد اعتدنا سماع اسم أفلاطون من كل من يقول باستهانة أو بشيء من السخرية عن فكرة من ~~الأفكار: إنها يوتوبية، فإذا سألناه: ماذا تعني؟ قال ببساطة: إنها فكرة أفلاطونية حالمة ... ~~ومع أن اليوتوبيا والتفكير اليوتوبي قد وضعت عنها مكتبة ضخمة لا تقل عما كتب عن أفلاطون ~~نفسه، فلا بد هنا من وقفة عابرة عند معنى اليوتوبيا لنقول باختصار شديد ومخل إن ~~«اليوتوبي» عنصر مكون لماهية الإنسان نفسه ككائن مستقبلي ms010 لا يرضى أبدا عن واقعه، يحلم ~~ويريد على الدوام أن يتجاوزه إلى واقع أفضل وأسعد وأعدل. ربما تختلف النظرة اليوتوبية بين ~~الالتفات إلى الماضي الذهبي السعيد والاتجاه إلى المستقبل، بين الحلم الذهبي الغامض ~~المجرد وبين التفكير والتدبير لواقع ممكن التحقق، وذلك منذ الحكايات الشعبية القديمة ~~عن بلاد العسل واللبن والحياة الرخية المسالمة البسيطة الخالية من الجهد والعمل، وبين ~~التخطيطات المتوالية لإبداع واقع يوتوبي أفضل على هذه الأرض نفسها. ومع ذلك فلا بد من ~~التفرقة بين اليوتوبيات المجردة واليوتوبيات الواقعية الممكنة. فالأولى - وتمثلها ~~اليوتوبيات الاجتماعية بأسرها - كانت مجردة وسابقة على عصرها، كما أن اتجاهات العصر ونزعاته ~~وظروفه وإمكاناته الواقعية لم تكن لتسمح لها بالتحقق. هل ينطبق هذا على «يوتوبيا» أفلاطون ~~كما ينطبق على اليوتوبيات الاجتماعية منذ يوتوبيا توماس مور إلى يوتوبيات القرنين الثامن ~~عشر والتاسع عشر بأشكالها العلمية والصناعية المختلفة؟ وهل نقول إن مدينة أفلاطون أو دولته ~~المثالية ما هي إلا من نبت خياله ونبع قلبه وتخطيط عقله، وإنها تفتقد الوعي بالتاريخ ~~والواقع المعاصر لها؟ - إذا صح هذا كله، فلا يصح أن نبالغ في اتهامها بالتجريد أو التفكير ~~«الفانتازي» الخيالي الغامض؛ فبالرغم من أن أفلاطون نفسه كان على وعي تام بصعوبة تحقيق ~~مشروعه أو حلمه نتيجة خبرته بالواقع السياسي والاجتماعي في عصره، وإن بقي على اقتناعه بأن ~~المشروع نفسه ليس وهما ولا أملا مستحيلا - كما سبق القول أكثر من مرة - فينبغي أن نتذكر ~~أن البرنامج التربوي والتشريعي المفصل الذي قدمه في كل من «الجمهورية» و«القوانين» يحمل ~~الكثير من خصائص ومكونات عصره ومجتمعه السلبية في محاولة دائبة لرسم النموذج المضاد ~~لواقعه وأحوالها الفاسدة التي جربها بنفسه وعانى منها، # 4 # ويكفي أفلاطون أنه حدثنا باسم واقع يوتوبي قادم وطبقة اجتماعية ستأخذ على ~~عاتقها مهمة تنظيمه وتوجيهه وترشيده، مهما رفضنا اليوم كل ذلك التنظيم الشمولي الصارم وقلنا ~~باستحالته ومجافاته لطبائع البشر، واستبداده وافتقاده للحرية الفردية والديمقراطية ... يكفيه ~~أن توافر لديه الضمير والمعرفة اليوتوبية اللذان لا يقلل من شأنهما تقصيره في التبصر ~~بشروط الواقع، كما ms011 لا يدحضه ذلك الواقع الفاسد نفسه دحضا نهائيا؛ إذ سرعان ما ~~ترتبت عليه وبنيت على أساسه يوتوبيات أخرى اختلف حظها من التجريد والخيال أو من مراعاة ~~ظروف الواقع والتاريخ # 5 ~~... ولنتذكر في النهاية عبارة الشاعر ف. شيلر - على الرغم من مثاليتها ~~ومرارتها! - التي يقول فيها: إن ذلك الذي لم يتحقق في أي مكان، ولن يتحقق، هو وحده الذي لن يتقادم عليه العهد ~~أبدا ...» يكفيه أخيرا أنه فطن إلى المبدأ اليوتوبي الكامن في الليس-بعد ... في الأمل ~~المستقبلي الذي لا يفتأ يطالبنا بأن نعقد العزم - بالإرادة والمعرفة والخبرة - على ~~تحقيقه ... الأمل في مجتمع خال من الاستغلال والشقاء، مجتمع إنساني يمكن أن تثبت فيه ~~العدالة والكرامة ... بالرغم من كل العقبات التي تقف في طريقه، بالرغم من زمن المحنة ~~الذي نحيا ونشقى به وفيه ... # لقد وصف أفلاطون بأنه يعتبر من بعض النواحي أعظم الثوريين، كما يعد من نواح أخرى ~~أكبر الرجعيين ... ولعل الأدق من ذلك أن نقول إنه أكبر ممثل للنزعة الشمولية، وإن نصيب ~~الحرية في مدينته أو دولته المثالية أقل بكثير مما كان عليه بالفعل في بعض المدن اليونانية، ~~سواء في عصره أو قبل عصره، ولو كانت بلاد اليونان القديمة جمهورية شمولية - كما تخيل ~~أفلاطون - بدلا من أن تكون اتحادا فيدراليا بين مدن حرة، لما استطاع رجال مثل هوميروس ~~وسوفوكليس وأرسطوفان - بل لما استطاع أفلاطون نفسه - أن ينتجوا روائعهم الأدبية والفكرية، # 6 # ولعل من حسن حظ بلاد اليونان نفسها أنه لم يقيض لإحدى دولها - أو دول المدن ~~فيها - أن تحاول تطبيق جمهورية أفلاطون ولا قوانينه، وأنها لم ترزق بأي ملك فيلسوف ~~مثل تلميذه ديون الذي تشرب منه الفلسفة، فلما تمكن من الإمساك بزمام السلطة في ~~سيراقوزة تحول إلى طاغية دموي لم تر جزيرة صقلية نظيرا له في دمويته، مما ~~اضطر واحدا من أصدقائه إلى اغتياله، كما اضطر أفلاطون نفسه - في رسالته السابعة - ~~للدفاع غير المقنع عنه ... # ربما كان الفيلسوف الإنجليزي وايتهيد محقا في قوله: «إن تاريخ الفلسفة الغربية كله ~~يوشك أن يكون تعليقات ms012 على فلسفة أفلاطون، أو هوامش وتعقيبات عليها صادرة من ثراء أفكاره ~~الأساسية.» والواقع أن كل إنسان يمكن أن يجد عند أفلاطون جوابا على الأسئلة الفلسفية التي ~~تؤرقه وتعنيه. فالوجودي - مثل كيركجورد - يهتم بشخصية سقراط ووجوده الذاتي، والتحليلي، ~~يعنى بدقة مفاهيمه أو عدم دقتها في بعض الأحيان، والمهتم بالفكر السياسي لا يمكنه أن ~~يتجاهل دولته المثالية، والجدلي يمكنه أن يغوص في محاورتي بارمنيدز والسفسطائي ويحاول فك ~~ألغازهما الجدلية. ولا يستطيع أحد تجاهل نظرية المثل التي ما زالت تتحدى الجميع - لا ~~سيما في مرحلتها الرياضية العسيرة في تطورها الأخير - بل إننا لنسمع اليوم من يقول ~~(مثل هوبرت درايفوس): «إن الذكاء الاصطناعي في برامج الحاسب (الكمبيوتر) قد وصل بالعقلانية ~~الأفلاطونية إلى ذروتها الرفيعة ...» # كل هذا ممكن، وسوف تبقى فلسفة أفلاطون حقلا لا نهائيا يتسع لجهود الحارثين والزارعين ~~المخلصين، وميدانا غير محدود يتنافس فيه الفرسان البارعون. # وسوف تبقى كذلك ملاذا للحالمين - من أمثالي! - بالتغيير، وللعاملين على تجاوز واقعهم، ~~الذين نخرت فيه جيوش سوس الفساد، إلى واقع أفضل وأكثر عدلا وحرية وشرفا وجمالا. فالحس ~~اليوتوبي في هذه الفلسفة يستحيل إنكاره، وشمولية دولته المثالية غير مسئولة عن النظم ~~الشمولية البشعة التي قاسى منها البشر في القرن العشرين أو ما زالوا يقاسون. وقد كان هذا ~~الحلم بالتغيير والعدالة وسيادة القانون والديمقراطية، هو الذي استبد بي وألهب خيالي ~~وقلبي وعقلي أثناء العمل في هذا الكتاب وفي زميله الذي تزامن معه وهو «لم الفلسفة؟»، # 7 # وإذا كنت قد عشت مع ~~أفلاطون حتى كادت عباءته المهيبة أن تخفيني وأوشك ظله أن يطمس وجودي، فقد التهبت حماسا ~~لفكرته اليوتوبية عن التغيير والإنقاذ، دون أن تغفل عين الوعي لحظة واحدة عن أخطائه ~~وعيوبه (راجع الفصل الأخير عن خاتمة الرحلة وبدايتها)، وإذا استطاع الكتاب أن يثير في ~~وجدانك بعض الموجات التي أثارت كياني أثناء تأليفه، فسوف أكون قد أخذت أكثر مما يتوقعه أي ~~مؤلف جزاء على حبه وتعبه وتفانيه ... # د. عبد الغفار مكاوي # | المنقذ غادر بيته # أجمع أمره، صمم أن يتحدى قدره، أن ms013 يأخذ معه سره، الرحلة كانت خطرة، والمحنة ~~مرة ، ما ضر إذا أخفق مرة؟ فليعد الكرة، وليحمل للعالم فكرة؛ فالفكرة إن كانت ~~حرة، فستصبح فعلا أو ثورة، تنقذه وتحطم نيره. # الرسالة السابعة: سيرة فشل مر، وثيقة اعتراف ودفاع وتبرير. طالما أثير الشك ~~حولها، واليوم ينعقد إجماع العلماء أو يكاد على صحة نسبتها لأفلاطون. لعلها هي الوحيدة من ~~بين رسائله الثلاث عشرة التي نجت من الشك، وربما شاركتها الرسالتان الثالثة والثامنة. ~~فيها نقرأ قلبه، نعرف همه؛ فلقد وقف القلب وراء الفكر، طول العمر، يشعل فيه نار العدل ~~ويلهمه الحكمة والشعر. # الأصل والطبع والرغبة في «إنقاذ» مدينته توجه خطاه على درب السياسة؛ ففي طفولته ~~وشبابه شاهد مواطنيه يمزقون لحمهم بأيديهم، في أقسى حرب عرفتها بلده «حرب البيلوبينيز ~~بين أثينا وإسبرطة، استمرت من 431 إلى 404ق.م»، ورأى الكارثة بعينيه، ونظام أثينا، ~~حريتها وحضارتها، تنهار أمامه: «كنت لا أزال في ريعان الشباب عندما حدث لي ما ~~يحدث للكثيرين، فقد تطلعت للإلقاء بنفسي في أحضان السياسة بمجرد بلوغي سن ~~الرشد.» # كانت صورة الأحوال السياسية مضطربة عجيبة؛ فالناس في مسقط رأسه ناقمون على النظام ~~الخائن الذي تسبب في الكارثة وجلب عليهم الهزيمة. وتمت ثورة نقلت زمام السلطة ~~المطلقة إلى حكومة الثلاثين. كان بعض هؤلاء من أقاربه؛ «فرئيسهم - كريتياس - هو عم أمه، ~~وأحد زعمائهم - خارميدس - هو خاله»، وعلى الرغم من إعجابه بهما، فقد سمى محاورتين من ~~محاوراته باسمهما، لم يملك نفسه من السخط على حكمهما. لقد توقع أن ينقلوا المدينة من ~~الظلم إلى العدل، ويستبدلوا بالإدارة الفاسدة إدارة رشيدة. غير أنه سرعان ما اكتشف أنهم ~~استطاعوا، في أقصر وقت ممكن، أن يجعلوا الحكم السابق يبدو - بالقياس إلى حكمهم - أشبه ~~بالجنة أو بالعصر الذهبي. ساد الظلم وغلب الشر، واشتد العسف وكتم الصدر. وابتعد ~~بنفسه، فلقد خاب الأمل وفر. # لم يمض وقت طويل حتى انهار حكم الثلاثين. وخلفت حكومة الأقلية «الأوليجاركية» ~~حكومة شعبية «ديمقراطية» معتدلة. # لكن الحظ الأسود بالمرصاد؛ فلقد شاء رجال السلطة الجديدة أن يقدموا للمحاكمة صديقه ~~ومعلمه الشيخ ms014 «سقراط» أعدل الناس وأطهرهم عنده. اتهموه بتهم خسيسة هو أبعد الناس ~~عنها، وأدانته المحكمة وقضت عليه بالموت. وأصابه الدوار أمام الاضطراب الشامل؛ ~~فالعاملون بالسياسة أشرار وطغاة، وفساد التشريع والأخلاق العامة يستفحل بصورة مخيفة، ~~والمبادئ التي عاش عليها الأجداد تتداعى وتنهار. # انشقت الهاوية بينه وبينهم، تحطمت كل الجسور. مع ذلك لم يتوقف عن التفكير في ~~الإصلاح وترقب الفرصة المواتية للعمل، «فلا يزال القلب مفعم الحماس للتغيير ~~والإنقاذ». حتى اقتنع - أخيرا - بصعوبة حكم الدولة حكما ترضى عنه النفس. بل اقتنع بأن ~~أحوال الدول الحاضرة كلها تدعو للرثاء، وأن دساتيرها المريضة لن يشفيها إلا معجزة تأتي ~~معها بالإصلاح، معجزة يتولاها الحظ الطيب أو ترعاها عين الله: «وهكذا وجدتني مدفوعا ~~إلى الاعتراف بقيمة الفلسفة الحقة، والتأكد من أنها هي - وحدها - التي تمكن الإنسان ~~من معرفة العدل والصواب الذي تصلح به الدولة والحياة الخاصة، وأن البشرية لن تتخلص من ~~البؤس حتى يصل الفلاسفة الأصلاء إلى السلطة، أو يصبح حكام المدن - بفضل معجزة إلهية - ~~فلاسفة أصلاء.» # اليوم يحوم فوق ربوع أثينا، والتهم تشير أصابعها نحوه، فيهجر هذا البلد الخرب ~~سنين طويلة، وليبدأ رحلته الكبرى، يتزود من بحر العلم، يزور رفاق الدرس، من حوالي ~~399 حتى حوالي 388ق.م. «ترسو المركب في ميجارا، ثم تطوف بمصر وقورينا، حتى تصل إلى ~~«تارنت» وتقف على شطآن صقلية». # ما زال الحلم يداعب عينه، حلم الحاكم حين يكون حكيما، رجلا يجمع بين القدرة والعلم، ~~بين السلطة والحكمة ... # هل زار صقلية في نهاية هذه الرحلة وتعرف بحبيب عمره «ديون»، أم عرفه في بلاط ~~صديقه الحاكم الحكيم الفيثاغوري النبيل «أرخيتاس» في «تارنت»؟ لا ندري على وجه التحديد. لكن ~~الرسالة تشير إلى هذه الزيارة الأولى، التي تمت حوالي سنة 388ق.م عندما كان يناهز ~~الأربعين من عمره، وإن بقيت دوافعها غامضة. لم يكن يصل إلى هناك حتى أصابه الاشمئزاز ~~والنفور من حياة القوم؛ فهي حياة ينفقها أصحابها على ملذات الطعام والشراب والعشق، ولا ~~يمكن أن تتيح لإنسان فان أن يصبح حكيما. والأخطر من هذا أن مثل ms015 هذه الدولة التي يتهالك ~~أهلها على الملذات لا يمكن أن تنعم بالطمأنينة والسلام، ولا بد أن تقع تحت سطوة طاغية ~~فرد أو استبداد بعض الأسر أو حكم الغوغاء، ولن يتحمل حكامها سماع كلمة «الحكم ~~العادل». وأنى لها بالعدل وقد فقد الحاكم والمحكوم كل إحساس بالتدبر والاعتدال؟ # كان ديونيزيوس الأول يسيطر - بقبضته - على أقدار الجزيرة ومعظم الجزر اليونانية في جنوب ~~إيطاليا. أقام فيها مملكة عسكرية مستبدة، واحتفظ في الظاهر بأشكال الحكم الديمقراطي، لكنه ~~كان في الواقع من أبشع الطغاة الذين عرفهم التاريخ القديم أو الحديث «لعل صورته أن تكون هي ~~صورة الطاغية المطلق الذي يهاجمه أفلاطون في الجمهورية وغيرها من محاوراته، فهو الذئب، ~~الليل، السكير الأحمق، مجنون يتصور أن يحكم غيره وهو العاجز عن أن يحكم نفسه، يلبس ~~ثوب الطغيان ويمسك سيفه، وهو العبد بمعنى الكلمة، هو أشقى من أشقى الناس ...» # لا ندري في الحقيقة هل اتصل أفلاطون مباشرة بهذا العسكري المحترف، أم لم يتمكن من ~~الاتصال به. فبعض الروايات تحكي عن خلاف وقع بينهما أدى إلى مشادة حادة اتهمه فيها ~~أفلاطون بالاستبداد، فلم يكن من القائد المحترف إلا أن أهانه وطرده، ومن الطبيعي ألا يحس ~~بقيمة الثقافة أو يحترم قدر الفيلسوف. وبعض الروايات تقول إنه أمر بترحيله إلى سوق الرقيق ~~في جزيرة «أيجينا»، وكان من حظه أن رآه أحد مواطني قورينا - ويدعى أنيكريس - فافتداه ~~ومكنه من العودة سالما إلى وطنه. # مهما يكن الأمر في هذه الروايات والحكايات، فيبدو أنه تعرف في بلاط الطاغية بشاب ذكي ~~متحمس في حوالي العشرين من عمره، سحرته عصا المعلم فانقاد لسحرها حتى النهاية، ~~ذلك هو «ديون» شقيق إحدى زوجتي الطاغية، وصديق أفلاطون ويده اليمنى في تحقيق الحلم ~~الأكبر: «يبدو أنني عندما التقيت بديون في ذلك الحين - وكان لا يزال شابا صغيرا - قد ~~عملت دون قصد مني على انهيار الطغيان، وذلك عندما أفضيت إليه برأيي عن أفضل الأمور ~~للبشرية وحثثته على اتباعها بصورة عملية.» تحمس له ديون تحمسا فاق ما عرفه من ~~الشباب الذين قابلهم في ms016 حياته، وتشرب بتعاليمه حتى تحولت نفسه بكليتها إلى الحكمة، ~~وأصبحت الفضيلة عنده أسمى من الملذات والمباهج الحسية، وانطوى على نفسه مع أحلام ~~معلمه حتى أثار حقد الحاشية ... # واستمر ينسج أحلامه حتى مات الطاغية سنة 367ق.م، وخلفه ابنه ديونيزيوس الثاني الذي كان ~~أبوه قد أقصاه عن مهام الحكم وفرض عليه الجهل. حانت الفرصة ليلقي ديون شبكته على الصيد ~~الثمين، ليصنع منه الحاكم الفيلسوف، أخذ يلح عليه حتى اقتنع بدعوة أفلاطون ثم أخذ ~~يلح على أفلاطون لكي يقبل الدعوة: «أهناك فرصة أنسب من هذه الفرصة التي هيأتها العناية ~~الإلهية؟ أن الملك الشاب شغوف بالعلم، وأقاربه يمكن أن نكسبهم بسهولة، والأمل كبير في ~~أن يتحقق حلمك، أن يتحد الحكم مع الحكمة في شخص واحد، وبذلك تسعد سيراقوزة والبشرية، ~~أسرع لا تبطئ عنا، فالمثل الأعلى يوشك أن يتجسد في إنسان حي ...» # واستجاب المعلم للدعوة، انتصرت إرادة الحلم على مخاوف التردد: «فقد كنت الآن ~~بحاجة إلى إقناع إنسان واحد بآرائي لكي أحقق كل الخير الذي قصدت إليه.» وما قيمة ~~آرائه عن القانون والحكم إن لم توضع موضع التنفيذ في الواقع الملموس؟ فليقدم إذا على ~~المخاطرة «حتى لا أخجل من نفسي، أو أبدو في عيني مجرد رجل نظري لا يحسن إلا الكلمة.» حتى ~~لا يتهم بنسيان الواجب أو خذلان الحق، سيكون عليه أن يتخلى عن عمله، يهجر أخلص أبنائه، ~~ليعيش ببلد يتحكم فيه الطغيان، أبغض شيء عنده، لكن هذا أهون من أن يوصم يوما بالجبن ~~وإيثار الراحة ... # ويقدم على المخاطرة. ويفاجأ ببلاط يموج بالدسائس والمؤامرات على ديون. ثم يفاجأ ~~بعد وصوله بقليل بنفي صديقه وتلميذه من صقلية. وتسري الشائعات بأنه تآمر معه على خلع ~~الملك الشاب عن العرش، وأنهما أرادا أن يوقعاه في سحر الفلسفة لينشغل عن مهام الحكم. هل ~~يمكن أن يبقى في هذا الجو الخانق؟ هل يملك شيئا بعد رحيل صديقه؟ أيجرب أن يهدي ~~الملك الأخرق لطريق الحكمة؟ لكن الشر استشرى فيه وفي حاشيته. وسهام الحكمة تتكسر فوق ~~صخور الغلظة، بل إن الهمس يردد ms017 أن ديونيزيوس قتله، أو أمر بقتله، فليطلب إذنا ~~بالعودة. ويتردد الملك؛ فسمعته مرهونة ببقاء الفيلسوف ببلاطه. وتوسل إليه أن يبقى، ~~وتوسلات الطغاة تهديد ووعيد. ووافق الفيلسوف على أمل أن تخالجه الرغبة في الحياة ~~الفلسفية. بكنه ظل يقاوم إلى النهاية، بل أمر بأن يحبس الفيلسوف في برج لا يخرج منه إلا ~~بإذنه. وأخيرا وافق أن يرحل على وعد بأن يرجع عندما يستقر السلام في الجزيرة ويعود ديون من ~~المنفي. # وتمر ستة أعوام، ويعود أفلاطون إلى صقلية سنة 361ق.م. فقد ألح عليه ديونيزيوس أن يقبل ~~دعوته، ووعد بأن ينفذ العهد الذي قطعه على نفسه بتسوية شئون ديون. كيف استجاب الفيلسوف ~~على الرغم من سوء ظنه بالطاغية؟ ألم تكفه مرارة التجربة السابقة؟ يبدو أنه لم يشأ أن ~~يضيع الفرصة الأخيرة لهداية ديونيزيوس إلى الطريق، ولم يفقد الأمل في مساعدة ديون، ولم ~~يقطع كل رجاء في «إنقاذ» سكان الجزيرة والعمل على سيادة القانون وإقامة نظام عادل يحل محل ~~الحكم المستبد. ارتفع شعاع الأمل الأخير فوق ظلمات الشك والريبة، لكن ماذا يجد ~~أمامه؟ # تتحول الزيارة إلى كارثة؛ فلم يف ديونيزيوس بوعوده، ولا استدعى ديون من منفاه، لم يدخل ~~في حوار مع الفيلسوف إلا مرة واحدة، ومع ذلك فسوف يدعي الإحاطة بمذهبه. وتثور ثورة ~~المرتزقة طالبين رفع أجورهم. ويتهم الفيلسوف بمساندة المتمردين. ويجد نفسه سجينا في ~~حديقة القصر كالطائر الحبيس في قفصه، ويحاصره التهديد بالقتل من كل ناحية. ولولا شفاعة ~~صديقه النبيل أرخيتاس لما قدرت له النجاة. # فشلت المغامرة الثالثة وخاب الأمل. تحطم الحلم على صخور الغدر والحسد واللؤم، ~~وتهاوى في أوحال الواقع برج الفكر. ماذا يفعل؟ ها هو يرجع، ماذا في جعبته إلا المر؟ فليلزم ~~دارا لا يدخلها الشر. وليعط صغار الطير حصاد العمر. وليزرع في الأفئدة بذور الخير، ~~فلعل النبتة تنمو في بستان الوعي وتثمر، والقوة تسقى من ماء العلم فتزهر، في فردوس ~~العدل، الحلم الأكبر، يتولاه راع يحكم ... ويفكر ... # مسئولية من؟ ومن الجاني ومن المجني عليه؟ أهو ديون أم ديونيزيوس؟ أم قدر خاف ms018 بين ~~حنايا العصر؟ # إن كلامه عن ديون يفيض بالعرفان والحنان «لا تخفى منه نغمة إحساس بالذنب!» لقد استمع ~~إليه ديون وفهم عنه، شرب من نبعه وتطهر بمائه. ربما تحمس أكثر مما ينبغي، والحماس ~~المشبوب وراء كل علم أو إبداع أو إصلاح. لكن التطرف فيه فاسد؛ لأنه بداية طريق لا منهج ~~سير، كما أن الانفعال شيء غريب على عالم العقل والنظام والتدبير ... # كان ديون طيب القلب، تسقط كلمات الفلسفة في بحيرة وجدانه فتثور وتمور، لكن قلما تلمس ~~الموجة قمة جبل العقل. وهو يذكرنا بشخصية شاب آخر يتحمس للفلسفة كالمجنون وينفعل بها إلى ~~حد البكاء والهياج. إنه «أبوللودور» الذي نراه في اللحظات الأخيرة من محاورة فايدون (59) ~~ومن حياة سقراط يشهد مع أصحابه أخر فصل في حياة المعلم الكبير. فلا يكاد سقراط يضع كأس ~~السم على فمه حتى ينفجر وحده من بين الحاضرين بالبكاء والنشيج. ويلتفت سقراط - الذي احتفظ ~~بسخريته الحنون إلى آخر لحظة - لأحد تلاميذه ويقول عنه: «إنك تعرف هذا الشاب وتعلم ~~طبعه!» وهو نفس أبوللودور «المجنون» الذي نراه في محاورة المأدبة (172 وما بعدها) يروي ما ~~جرى من حديث الحب في بيت الشاعر «أجاثون». إن لقاءه بسقراط قد بدله وحوله: «كنت قبل ~~لقائي به أهيم هنا وهناك كيفما اتفق، وكنت أتوهم أنني أصنع شيئا، بينما كنت في الحقيقة ~~وحيدا منسيا، أتعس من أي إنسان آخر.» الناس تدعوه أبوللودور المجنون. وهو في كل مكان ~~يحكي - في طيبة قلب - عن شعوره بالفرح والسرور كلما أمكنه أن يتكلم عن الفلسفة أو يستمع لمن ~~يتكلم عنها. ثم لا يلبث أن يرتد إلى الحزن واليأس كلما وجد أنه لم يتوصل بعد إلى ~~التشبه بسقراط ... # هنا وهناك تحول التلميذ وتبدل. لكنه لم يكن التحول الذي يقصده المعلم ~~والمربي من تحويل النفس بكليتها نحو الحكمة، كلاهما طيب القلب، حسن النية، مندفع في ~~حماسه إلى حد السذاجة والطيش، والنيات الحسنة أقصر الطرق إلى الجحيم. يصدق هذا في الأدب ~~وفي الفلسفة، فما بالك بالواقع؟ # بذل ديون كل ما في وسعه ms019 للتأثير على الأب والابن الطاغيين، أحسن الظن في الحالين فلم ~~يتعلم مما لقي من الصدمات. ولم يقف طموح آماله عند «إنقاذ» سيراقوزة لينعم أهلها بسعادة ~~تجل عن الوصف وتستحق أن تشرف اسمه، بل أراد أن ينقذ البشرية كلها بمجرد أن ينجح في ~~تحقيق مثال الحاكم الحكيم والملك الفيلسوف في شخصية الطاغية. واسترسل مع الأحلام وأخذ يلح ~~على المعلم لاغتنام الفرصة النادرة. واندفع المعلم أيضا مع حماسه حتى أفاق على الصدمة تلو ~~الصدمة، نفي التلميذ وأبعد عن بلده، نهبت ثروته، بيعت فجأة. بعد سنين ثار لنفسه ~~ومعلمه واغتصب الحكم، لكن أصبح طاغية أقسى من كل طغاة صقلية، وأخفق في تطبيق الحكم ~~العادل أو إصلاح الدستور، وأخيرا ثار عليه الشعب، حتى انغرز الخنجر - بيد صديق - في أعماق ~~القلب ... # ما من أحد منا خالد. ولقد مات ديون ميتة رائعة: «وإنه لشيء جميل وجدير بالسعي إليه في ~~كل الأحوال أن يتحمل المرء كل شقاء يصيبه به القدر، مهما تكن وطأته ثقيلة، في سبيل كفاحه ~~لبلوغ أسمى الخيرات لنفسه ووطنه.» فهل استجاب حقا لتعليم أستاذه؟ هل جنى عليه الأستاذ دون ~~أن يدري؟ أم كان الذنب أخيرا هو ذنب «الحلم»؟ فعل ديون كل ما يستطيع ليغير الطاغية، لكن ~~هل تتجه النفس إلى الخير إذا لم تك خيرة بطبيعتها؟ نفاه الطاغية وأهان أستاذه، فانتقم منه ~~وحرر الجزيرة منه ليصبح طاغية مثله! قتل أخلص أعوانه، نشر الخوف والرعب، نسي على عرش ~~السلطة ما لا ينسى من تعليم الأستاذ: «لا يجوز لصقلية ولا لغيرها من المدن أن تخضع ~~للسلطة المطلقة أو الطغيان الفردي، بل يجب أن تخضع لحكم القانون، فالسلطة المطلقة ~~مضرة بالحكام والمحكومين، وهي مؤذية لهم ولأبنائهم وأبناء أبنائهم؛ لأن مثل هذه ~~التجربة لا بد أن تؤدي إلى الخراب ...» # لكن المعلم يتحسر على مصير تلميذه، «الذي كانت لديه الرغبة الحارة في تحقيق العدالة.» ~~يعتذر عنه بأنه «لو تمكن من تدعيم حكمه لبدأ على الفور بتزويد مواطنيه بأفضل وأنسب ما ~~يستطيع من قوانين.» هل يجهل أفلاطون أم يتجاهل أنه ms020 سرعان ما تحول إلى طاغية قاس؟ هل تمنعه ~~عاطفة الحب من الاعتراف بأنه أهمل تعاليمه؟ أم إن بذرة التسلط كانت كامنة في هذه التعاليم؟ ~~يبدو أن قلبه يمنعه من سماع صوت العقل، أو أن هدف الرسالة السابعة كلها - وهو تبرير رحلاته ~~والدفاع عن فلسفته ومدرسته - يحول بينه وبين السير في الاعتراف إلى آخر مداه. ها هو يلقي ~~الذنب على أكتاف المجهول: «ولكن يبدو - بعد أن تحولت الأمور على هذه الصورة - أن روحا ~~شريرا (أو ربة من ربات الثأر) قد هاجمنا واستطاع بما جبل عليه من احتقار القانون والدين ~~وبما هو أسوأ منهما من رعونة الغباء أن يقلب كل خططنا ويفسدها للمرة الثانية.» # ويتذكر الصديق المسكين الذي يحتل من قلبه أغلى مكان. وينصح أصدقاءه وأتباعه بأن ~~يقتدوا به في حب الوطن، ويهتدوا بحياته التي اتسمت بالبساطة وضبط النفس، ويحاولوا تحقيق ~~أهدافه - التي هي نفس أهدافه! - في ظل ظروف أنسب. صحيح أنه يؤكد لهم ضرورة احترام القانون ~~الذي يكفل الحقوق المتساوية للجميع، ولا بد أن يخضع له الفريق المنتصر قبل الفريق المهزوم، ~~بل ينصحهم باختيار مجموعة من حكماء اليونان لوضع هذه القوانين. فهل أنسته عاطفة الحب لصاحبه ~~أنه تجاهل المبادئ التي عمل معه على تحقيقها «مدفوعين بالحب لأهل سيراقوزة»؟ هل صحيح أن ~~«قدرا يفوق قدرة البشر» هو الذي حال دون نجاح خطتهما؟ # ويواصل الاعتذار عن «ديون» والتحسر عليه، فقد كانت آراؤه «هي نفس الآراء التي يفترض في ~~وفي أي إنسان عاقل أن يعتنقها.» لقد وضع نصب عينيه ألا يصل إلى السلطة وأسمى الوظائف إلا ~~عن طريق التفاني في خدمة الصالح العام، وكان هدفه وضع دستور حقيقي وإقامة قوانين طيبة عادلة ~~تنفذ بغير قتل أو إعدام أو نفي. فهل هذا كان حقا هو المثل الأعلى الذي وضعه ديون لنفسه ~~مؤثرا تحمل الظلم على اقترافه؟ هل غاب عن المعلم أن تلميذه أغرق يديه ومثله الأعلى ~~في الدماء؟ وهل كان سبب سقوطه أنه انخدع في المدى الذي وصلت إليه خسة الأشرار الذين لم ~~يغب عنه ms021 أنهم أشرار؟ كالملاح البارع الذي يتوقع هبوب العاصفة، ومع ذلك تداهمه ~~بقوتها وعنفها المفاجئ فتغرقه؟ أم إن القلب المحب يصعب عليه الاعتراف بأن «الحلم المنقذ» ~~بحاجة إلى إنقاذ؟ وأن طريق «الحكمة» أشق مما تصور المعلم والتلميذ؟! # هل المسئول ديونيزيوس؟ # لقد تعب أفلاطون وديون في توجيهه نحو الخير. بذلا له النصيحة تلو النصيحة ليبدأ بتغيير ~~حياته من أساسها. لكن عبثا يحاولان علاج مريض يصر على رفض تعاليم طبيبه. عبثا ~~تكره إنسانا على شيء يأباه طبعه. فالخير يسعى للخير، وطريق الحكمة وعر، درب يرقاه ~~السالك بالعرق المر، تحويل النفس برمتها نحو الخير، هل تصلح نفس جبلت من طين ~~الشر؟ # علماه أن يصادق نفسه. فالذي لا يحب نفسه لا يحب غيره. لكن كيف يصادق طاغية نفسه؟ ~~كيف تعرف الصداقة طريقها إلى قلبه؟ إنه عدو نفسه الأول. ولهذا فهو عدو الناس جميعا، والناس ~~جميعا أعداؤه، إن لم يجدهم في الداخل فهم وراء الحدود، وإن لم يهددوه من الخارج فكل من ~~حوله يهدده: الذئب يهاجم أو ينتظر هجوما ... # نعم، لقد دعا الفيلسوف لضيافته. واستقبله بالترحاب اللائق والتكريم. لكنه لم يدع فكره ~~وحكمته، بل أراد أن يستغل سمعته، أن يباهي به أمام الرأي العام الإغريقي، أن يجعله زينة ~~قصره، تحفة تحفه، أن يروي الناس ويحكي التجار وملاحو السفن بأن ديونيزيوس صاحب ~~أفلاطون، بل يفهم عنه أيضا ويحاوره في آرائه! فإذا همس رجال الحاشية بأن أفلاطون يريد أن ~~يوقعه في سحر الفلسفة، ويشغله عن واجبات الحكم، أسرع بحبسه في برج لا يخرج منه إلا ~~بإذنه، ولا يستطيع الملاحون أن يأخذوه منه إلى وطنه ... # وتردد الشائعات أن الطاغية تحمس فجأة للفلسفة! وتصله الرسائل التي تؤكد - حتى من ~~أصدقائه الفيثاغوريين في تارنت - أنه تغير وغير نفسه، وأنه عازم على سلوك الحق ~~والفضيلة. ويصدق الفيلسوف على الرغم من سوء ظنه به وبحماس الشباب الذي يشتعل فجأة ويخبو ~~فجأة. ويسرع إليه على أمل أن تتحقق الفرصة الأخيرة ويصنع منه تمثال الحاكم الحكيم. لكن ~~الطينة نجسة، وغناء الضفدع لا يحلو إلا في ms022 قلب المستنقع. ها هو ذا قد أخلف وعده، لم ~~يستدع ديون من منفاه، لم يرسل إليه نصف دخله كما تعهد على نفسه، والأدهى من هذا أن ~~المتعطش للفلسفة لم يكلف نفسه عناء لقاء الفيلسوف إلا مرة واحدة! مع هذا سوف يشيع بين ~~الناس أنه يحبه ويفهمه، بل سينشر كتابا يعرض فيه مذهبه! ... # كيف تجرأ أن يفعل هذا مع أن صاحب المذهب يؤكد أنه لم يفكر يوما في كتابة شيء عنه؟ لقد ~~آمن دائما بأن «حقائق الطبيعة» و«القضايا الأخيرة» تستعصي على التدوين في الكلمات الجامدة ~~والحروف الصماء. فالفلسفة طريق وحوار حر، نور ينبض فجأة، في نفس خيرة سمحة، وهنالك ~~ينمو ويعيش. ولو تصور أن نشر أفكاره يمكن أن ينفع الناس، فهل كان يتردد عن تقديم هذا ~~المذهب الذي ينقذهم من بؤسهم ويبين لهم حقائق الأشياء؟ أكان هنالك عمل أجمل أو أنبل ~~من هذا العمل؟ لكن القلة القليلة هي التي ستفهمه على الوجه الصحيح، أما الكثرة فلن يصيبها ~~منه إلا الأذى والاضطراب، «ولهذا لن يخاطر إنسان جاد بوضع أفكاره في ثوب اللغة الضعيفة، ~~وأولى من ذلك ألا يخاطر بوضعها في ذلك الشكل الجامد الذي يميز كل ما يكتب بالحروف.» # لكن غرور الطاغية صور له أن الأمر هين، وهل هناك ما هو أهون من إطلاق شراع القلم فوق ~~بحر المداد؟ هل ثمة شيء أيسر من تلويث الورق الطاهر؟ لن يكون ديونيزيوس أول ولا آخر من ~~يكتب عن الخير ونفسه مليئة باللؤم والحسد والشر، «انظر وتأمل حولك: كم من شرير لبس ~~مسوح العلم، اجتر مئات الكتب وفوق الورق العذري أسال بحور السم، ماذا كسب العلم أو ~~العالم منه؟ وا أسفاه! صار الرأس وصار الفم، مقبرة الكلمات الصم، ماذا يجني الشوك من ~~الشوك الشائك - إلا الظلم؟ هل تلد الأرض العاقر إلا العقم؟ ما قيمة بحر مداد لم تسقط فيه ~~قطرة دم؟» # هل صعد ديونيزيوس على سلم المعرفة قبل أن يتصدى للإفتاء فيها؟ هل ارتفع من الاسم ~~إلى التعريف إلى التمثل قبل أن يصل إليها؟ وكيف ms023 وثب على سر «الموضوع» وهو لا يملك الخير ولا ~~الموهبة ؟ أكان يحسبه إحدى ضحاياه؟ هل تصور أنه لا ينجو من طغيانه؟ وكيف يكتب عن «المثال» ~~وهو لا يعرف ولا يرى؟ كيف لأعمى - يعجز حتى «لينكويس» # 1 # أن يجعله يبصر - أن يتغزل في النور الباهر؟ أن يزعم رؤية ما لا تمكن رؤيته ~~إلا بعيون الروح؟ هل جرب شوق الجدل الصاعد له؟ هل عرف الحب؟ # لم يعرف شيئا من هذا. والمنقذ أسفر عن وجهه، فإذا هو ذئب! # هل مات الحلم؟ فليحمل معه أشلاءه، ويعود إلى الوطن الأم. # هل بقي أمل في الإنقاذ؟ ألا يزال في قدرة الفلسفة أن تنقذ البشرية؟ أم تظل تحلم حتى ~~يطفئ الجراد سراج الحلم؟ أننتظر المنقذ أم نحاول إنقاذ أنفسنا؟ # ويعكف المربي الأثيني على تربية النفوس والعقول، ويقدم لمواطنيه طريقا أو ~~مشروعا ينقذهم من الانهيار. فلننظر في هذا المشروع، ولنسأل ماذا يمكن أن يعطينا في زمن ~~المحنة ... # | إنقاذ العالم # العالم بؤس وفساد، لم نحيا فيه إن لم نسع لإنقاذه؟ ما معناه إن لم نضف عليه ~~المعنى؟ # معرفة الوجود الخالد الحق والمشاركة فيه لإنقاذ الوجود الأرضي المحسوس بقدر الإمكان، ~~تلك هي مشكلة أفلاطون. # ليست مشكلته هي الخلاص من الثاني وإفناؤه، ولا الاتحاد مع الأول والفناء فيه، «فهذه آثار ~~فلسفة أفلوطين وشراحه على التصور الشائع عن أفلاطون!» بل حمل النفس على المشاركة ~~فيه، «من هنا تأتي وظيفة التربية وتقسيم العلوم». # عالم الحس والتجربة هو عالم التغير والفساد، والحركة والفناء، كل ما هو جسدي محسوس، ~~وطبيعي مادي ليس وجودا حقا، إن له صورة، لكنه ليس صورة، «لهذا أخطأ الفلاسفة (الطبيعيون) ~~في البحث داخل هذا العالم عن أصله ومبدئه، عن سببه وجوهره ...» فالوجود الحق في المثل أو ~~الصور، في الأفكار أو الأنواع «صورة الدائرة، العدالة، المساواة ... إلخ». # 1 # ارتباط الطبيعة بالأخلاق: من تعلق بهذا العالم الحسي أصبحت القيم الأخلاقية عنده ~~متغيرة وقابلة للتحول. لا عدل ولا حق ولا واجب، بل كلمات تغوي وتؤثر، كل شيء كما يبدو ~~لكل إنسان. أوضح من عبر ms024 عن هذا كالليكيليس في «جورجياس» وثرازيماخوس في «الجمهورية»، من ~~هنا كان فساد السفسطائيين، وانحلال أثينا، وتضليل الجماهير بالكلمات. من هنا كان خداع ~~كل الدجالين، ينتظر الناس الحق فلا يجدون، غير بريق الكلم الزائف من فم مجنون. # الهوية هي مجال الوجود الحق، مجال «الموضوعية» حين يعرف العقل حقائقه. والغيرية «أو ~~الأقل والأكثر» هي مجال الصيرورة، مجال النسبية التي لا يستطيع العقل أن يثبت فيها، ~~واللاوجود - أو الموجود في الظاهر فحسب - بينهما هوة وانفصال، وانشقاق وثنائية حاسمة، هل ~~يمكن أن يلتقيا؟! # الأساس الأكبر لفلسفة أفلاطون هو هذا الانفصال التام، هذه الثنائية الحاسمة، هذه الهوة السحيقة # 2 # بين عالم الوجود وعالم الصيرورة، والمشاركة # 3 # هي التي تحاول التقريب بينهما. # أبينهما تناقض أم بينهما تضاد؟ # أتصدق عليهما: إما «أ» أو «ب»، أم «أ» عكس «ب»؟ # فرق كبير بين التضاد الذي يسمح بوجود حدود متوسطة بين الضدين، كالصيف والشتاء ~~وبينهما خريف وربيع، والأبيض والأسود وبينهما عدة ألوان، وبين التناقض الذي لا يسمح ~~بالتوسط، حياة وموت، حركة وسكون، ذكر وأنثى، زوجي وفردي، جوهر وعرض، صدق وكذب ... ~~الخ. # مع ذلك تسمح بعض المتناقصات بحدود وسطى من جانب واحد، كالظلم بالنسبة للعدل، فقد يقترب من ~~العدل أو يبتعد عنه، بعكس الزوجي والفردي والحياة والموت ... إلخ. # بين عالمي الصيرورة والوجود تناقض من النوع الأخير، الأول يسمح بالتقارب، يمكن أن يبتعد ~~أو يقترب من الثاني. فالوجود مطلق، ولا بد من معرفته معرفة مطلقة في ذاتها. والصيرورة ~~أو اللاوجود الذي يقترب منه أو يبتعد عنه يناقضه؛ لأنه يشتاق للوجود ويسعى للمشاركة فيه «إذ ~~لو كان مثله لصار منافسا له ولم يسمح بالمشاركة». # عالم الصيرورة نوع من اللاوجود «لسعيه الدائم إلى الوجود»، لكنه لا وجود ينطوي على درجات ~~«مثل الظلم والكذب». # فالحكم الصادق «يناقض» الحكم الكاذب «وإن كان هذا على درجات تقترب من الصدق أو تبتعد ~~عنه.» # و«السرمدية» تناقض «الزمانية»، وإن كان من الممكن أن تمتد وتدوم بعد موتها وانتهائها، ~~كالفكرة العظيمة، والعمل الفني. # و«الإله» + يناقض «الإنسان»، وإن أمكن - في حدود الأرضية ms025 والبشرية - أن يوصف بعض الناس - ~~وهم الصفوة والقلة النادرة - بأنهم إلهيون. # والإيدوس # 4 ~~«يناقض» الإيدولون. # 5 # النموذج والأصل، الحقيقة والوجود المطلق، الماهية والجوهر، هنا نجد نموذج كل صيرورة، ~~والنماذج أو المثل متعددة - أخلاقية ورياضية - لكنها تمثل وحدة حية وجماعة مشتركة. # 6 # النسخة الناقصة والظاهرة المتغيرة، تتفاوت بين وجود مظهري خداع وآخر مشارك في ~~الماهيات والحقائق الثابتة، والصور أو المثل الخالدة تتفاوت أيضا في طبيعتها، فهي ~~جسدية أو جمالية أو نفسية ... # والمثل لا ترى بالعين، حتى لو كانت عين العقل! # لكن العقل يفترض وجود المثل أو الصور الأصلية كأساس منطقي لا بد من الاقتناع ~~به. # ثنائية حاسمة، هوة وانفصال: بين العقل والمحسوس، والوجود والصيرورة، والمثل والأشياء، ~~والمعرفة والجهل، والنور والظلام، والحرية والعبودية. # علينا نحن أن نقرر: هل نريد البقاء في عالم الصيرورة والضرورة، والتجربة والحس، أم ~~نريد الارتفاع إلى عالم الفكر والعقل، والإرادة والسلوك، الأول ينقصه كل ما يميز الحق من ~~قيم «الثبات والتحدد، الجوهرية والاستقلال» لأنه عالم التغير والفساد. أما الثاني ~~فيحتوي على كل معيار للمعرفة، كل قانون للفكر والعلم؛ لهذا تقاس به المعرفة التجريبية ولا ~~يقاس هو بها. # هل يمكن أن يلتقيا؟ # لا يقطع أفلاطون بشيء، بل يترك الأمر للمشيئة الإلهية # 7 ~~... # فإذا شاءت ولد «المنقذ»: سيكون شبيها ببروميثيوس الذي جلب النار للبشر أو بأسكلبيوس ~~الذي وهبهم فن الطب والعلاج. سيكون مفاجأة، حدثا فريدا وجديدا قد يتبعه غيره، وقد ينتهي ~~الأمر عنده ويأتي بعده الفساد ... # هذا المنقذ هو الذي سيوحد بين العالمين، عالم التجربة وعالم الحكمة. هو الذي سيحقق ~~الدولة المثالية العادلة؛ إذ يجمع بين القوة العملية والرؤية الفلسفية. # فلقد عرف السر الأكبر، لا يشبهه سر الطب أو النار؛ فهم مثال العدل وطلب الخير المطلق ~~... # الأمر إذا لله، لا للعالم التجريبي «الدينامي»، ولا لعالم المثل «الوجودي»، فهو القادر ~~أن يوحد بينهما؛ لأنه هو القوة الوحيدة الفعالة فيهما. # لن تنشأ الدولة المثالية من عالم التجربة، بل ستكون - شأنها شأن كل المثل - مخالفة له. ~~لن تتحقق مهما توافرت الشروط المطلوبة «من ms026 تجريد الطبقة العليا من الملكية واختيار ~~الحراس والفلاسفة، والتجنيد العام ... إلخ.» ولن تتم عن طريق الثورة والعنف، بل تتحقق حين ~~يشاء الله أو تشاء المصادفة أن يولد هذا المنقذ، فيخلص كل البشر من البؤس، ويبدد ~~ليل الظلم وينصب ميزان العدل ... # حتى يحدث هذا، ما هو واجب الفلاسفة؟ عليهم أن «يربوا» الناس تربية فلسفية تهيئهم ~~لتحقيق الخير المطلق على الأرض، أن يعلموهم كيف يحافظون عليه كما علموهم كيف ~~يفكرون فيه. عليهم أيضا أن يعدوهم لاستقبال المنقذ والعمل معه، حتى لا يدمروه ~~باللؤم والحسد والغدر والغباء ... # ماذا يطلب منهم؟ ما الشروط الواجب أن تتحقق فيمن يطمح للحكمة؟ فيمن يريد أن يكون ~~فيلسوفا، وقد يتاح له فرصة تدبير أمور الناس وتصريف شئون حياتهم السياسية والعملية، أي ~~فرصة إنقاذهم بالحكمة والحكم؟ # عليه أن يعرف هذه الأمور الثلاثة معرفة دقيقة: ~~(1) # عالم التجربة. ~~(2) # عالم المثل. ~~(3) # عالم الخير الإلهي. # عالم التجربة لكيلا يخدعه السفسطائيون ويسرقوا منه آذان العامة بكلامهم المختلط ~~البراق، وعالم المثل والماهيات الذي يحتوي وحده على معايير المعرفة الحقة ~~وموضوعاتها، وعالم الخير الإلهي الذي هو «شمس نهار الأخلاق ...» # أما عالم التجربة فلا بد أن يعرف أنه عالم الظواهر والقيود، عالم النقص والعذاب؛ لأنه ~~إن رضي به فلن يستطيع «إنقاذه» بالفلسفة ... «لا بد أن يعرف خداع الكلمات التي تغري ~~والإحساسات التي تغوي، والقوى المادية التي تضل. لا بد أن يعرف أن هذا العالم، عالم ~~الزمان والمكان والظواهر»، هو الضد من عالم الحقيقة والمعنى الثابت الأصيل ... # لا بد أيضا أن يقتنع بالوجود المطلق الثابت للمثل «فوق الزمان والمكان». وبعد أن ~~يتمرس بالطريقة المنهجية في التفكير، ويتدرب على الحياة العملية والعسكرية، عليه أن يرجع - ~~من حين لآخر - إلى المجال الموضوعي الوحيد للعلم، لكي يعرف أن التصورات والأفكار الحقة ~~ليست مجرد تجريدات من الأشياء التجريبية، بل إن الأمر يتعلق بالمعايير الثابتة التي ينبغي ~~أن نقيس الأشياء بمقياسها لنعرفها معرفة صادقة. # من شعر بأنه يعيش في عالم المثل الخالدة كأنه يعيش في وطنه فهو وحده الذي يمكنه أن يتجه ~~بفكره ms027 نحو المطلق والخالد، ومن أحس المسئولية التي تنتظره ليكون مرشدا للناس، ينبغي أن ~~يكون ثابت الفكر والرأي كالكواكب الثابتة في السماء. إن لم يفعل هذا ضل وتاه بعالمنا ~~التجريبي، فتش عبثا عن سند يعتمد عليه. # أما أسمى واجبات الفيلسوف فهو أن يعرف طبيعة الواحد الإلهي، الخير المطلق الشامل ~~الفريد، «فليس له مبدأ مضاد كالشر الأصلي الحاسم مثلا». # فأسوأ ما يوجد على الأرض - أو يمكن أن يوجد على ظهرها - هو الطاغية، سواء كان «طاغية ~~فردا» أم كان هو «الغوغاء» # 8 # التي أفسدها المحرضون والمشوشون؛ لأن الطاغية هو الذي يحاول أن يجعل الشر ~~مبدأ عاما. غير أن هذه المحاولة لن تنجح أبدا - مهما أدت في عالم الحس والتجربة إلى ~~الدمار والخراب - لأن الشر لا وجود له في الواقع «في هذا يتأثر أفلاطون بالإيليين!» ولأن ~~كل ما يوجد فهو موجود بقدر ما يشارك في الخير «ما يوجد في الدائرة هو دائما ما يتفق ~~مع وجود الدائرة الكاملة في ذاتها - مثال الدائرة أو الدائرة الخيرة - وهي التي نقصدها ~~عندما نتصور الدائرة أو نقوم بتعريفها. كل ما عدا ذلك فهو لا دائرة، نفي وسلب لوجود الدائرة ~~...» # كيف نعرف الطاغية؟ كيف نعرفه؟ # هو - مثل كل ما هو شر - نفي الحاكم الخير، كما أن اللادائرة هي نفي الدائرة الحق، ~~والسفسطائي هو نفي المعلم الصحيح، والمرض هو نفي الصحة ... # وإذا فموضوع التعريف، وبالتالي موضوع كل معرفة صحيحة تعبر عن ماهية الوجود بالمعنى ~~العقلي اليقيني، # 9 # هو دائما ما يشارك في الخير، والموجود الذي يمكن أن نسميه إلها هو وحده ~~العلة والمبدأ الذي يتيح هذه المشاركة في الخير؛ لأنه هو نفسه الخير في ذاته أو الخير ~~المطلق «الخالي من الحسد لأنه خير!» # هذه المشاركة تتحقق على أكمل وجه في عالم الصور والمثل، فكل صورة أو مثال على حدة - ~~كالحقيقة أو الجمال أو العدالة أو المساواة أو الدائرة أو الدولة والمجتمع ...إلخ - هي التي ~~تكون الوجود الحق على نحو نموذجي أو معياري أصيل، وكل مثال أو صورة يمثل، مع سائر ms028 ~~المثل أو الصور، جانبا من الخير الواحد، «فالدائرة التجريبية الناقصة تشارك في مثال ~~الدائرة، والدولة في عالم التجربة تشارك في مثال الدولة، كل الموجودات في عالم التجربة ~~ناقصة متغيرة، وهي تشارك في ضدها، أي في وجود كامل في ذاته.» # هل يناقض هذا مبدأ عدم التناقض الإيلي؟ # لا يناقضه؛ لأن هذا المبدأ لا ينطبق إلا على عالم الواقع والتجربة، ولأن الفكر عندما يكون ~~في مجال المشاركة لا يكون في مجال وجود أفقي، بل في مجال وجود رأسي يعبر عن مشاركة الموجود ~~الناقص المتغير في الوجود الكامل الثابت، عن علاقة اللاوجود بالوجود نفسه. # الله - أو الخير الواحد الأسمى - هو علة هذه المشاركة. # فالحياة تكون في هذه المشاركة، والله هو علة كل خير ووجود، # 10 # وليس للأشياء ولا لعالم التجربة والظاهر من وجود إلا بقدر ما تقاس بالنموذج أو ~~المثال الذي يضعه الفكر، بقدر ما يمكنها أن تشارك فيه. # المشاركة هي شرط الفكر الموضوعي والمعرفة نفسها. لم يقرر أفلاطون طبيعة هذه المشاركة ~~إلا في مرحلة متأخرة من تطوره: # نقول في الأحكام والقضايا الحملية: أ هي ب «هذه دائرة»، أو س هي م «أثينا مدينة». ~~والكينونة هنا تعبر عن التساوي. لكن حين يقاس كلاهما بحقيقة الدائرة أو بحقيقة المدينة ~~يصبح معناها الشوق والنزوع والطموح للمشاركة، فكل ما هو تجريبي يشتاق للمشاركة في الوجود ~~الكامل الموجود في ذاته، أو للخير الذي تمثله سائر المثل كل من ناحيته. # فالله أو الخير الأسمى هو سبب المثل وعلتها «لأنها تشارك فيه»، كما هو سبب عالم الأشياء ~~والظواهر «لأن كل شيء يمكن أن يشتاق للمشاركة في المثل». # هذا الإمكان # 11 # لا يأتي من المثل نفسها، فهي مكتفية بذاتها، بل يأتي من الله «الذي يفوق ~~الوجود في الرتبة - أو الشرف والكرامة - والقوة»؛ إذ لولا خيريته ما كان هناك ~~ثبات. # وإذن فعلة نزوع الأشياء إلى الخير هو الخير نفسه؛ لأنه متعال على الأشياء وكامن فيها ~~في نفس الوقت كقوة وإمكان، وهي لا تأتي من المثل المتعالية على الأشياء لأن المثل غايات ms029 ~~وأهداف ونماذج لا قوى دينامية، ولا من الأشياء نفسها؛ لأنها ناقصة وبلا ماهية. # والخير الواحد ومثال المثل، الله أو الخير الإلهي، لا يكاد الفهم يعرفه إلا معرفة ~~تقريبية، ولا يمكن التعبير عنه إلا من وجهة نظر أسطورية لا فكرية دقيقة «كما في الجمهورية ~~وفايدروس وطيماوس». # أنه لا يدرك، أي لا يعرف ولا يحدد؛ لأن الفكر تحديد وتعريف. وهو مثال المثل - الخير ~~في ذاته - الذي تقاس به المثل الأخرى، كما نقول «1» بالقياس إلى سائر الأعداد «2، 3، 4، ...» ~~ولهذا فهو فوق الفكر الماهوي، وفوق كل المثل وقبلها، كما أن العدد «1» فوق كل الأعداد ~~وقبلها، وإن كان كل عدد في ذاته وكل مثال في ذاته واحدا أو وحدة. # إذا كانت كل المثل «وجودية»، # 12 # فإن مثال الخير # 13 # وحده فعال ودينامي: # 14 # هو في «الجمهورية» الشمس التي تتحكم في قبة السماء، والسماء تزينها المثل كالكواكب ~~الثابتة، وهو الذي يشيع الحياة والدفء والوجود في عالم الكائنات والأشياء. # وهو في «فايدروس» الرب الذي يقود موكب الأرباب الراقص والنفوس الفردية تتزاحم في حاشيته ~~لتفوز بنظرة إلى المثل الخالدة ونماذج الوجود الأزلي. # وهو في «طيماوس» الصانع الخير الذي يجبل الكون من الفراغ # 15 ~~«أو اللاوجود» بعد أن ينظر للمثل ويحاكيها، وطيبته الخالية من الحسد هي التي ~~جعلته يبني العالم «مكان الصيرورة» ويجعل منه كائنا حيا عاقلا. هو الذي أحال الفوضى إلى ~~نظام؛ إذ لا يليق به أن يخلق إلا الجميل. وهو الذي جعل للجسد نفسا وللنفس عقلا، وأخرج ~~الكائنات من اللاوجود إلى الوجود. # وهو في المجال الرياضي والحسابي الوحدة المطلقة السابقة على كل كثرة وتعدد. # وفي مجال المثل - أو جماعتها الحية المتجانسة! - هو الذي يفوقها في الوجود والرتبة ~~والشرف، وهو مصدر الخير فيها وفي سائر الكائنات، ولهذا لا يكاد العقل يقدر على التفكير ~~فيه. # كل المثل «تمثله» وتشارك فيه، وهو وحده المبدأ الصانع الذي يهدي الكائنات الناقصة إلى ~~الكمال ويدلها على طريقه. # وهو فكرة الإله نفسها التي تتردد في صور مختلفة في أعمال أفلاطون ... # والآن ... ما شأن المثل؟ ألها ms030 دور في إنقاذ العالم؟ # لم يوضح أفلاطون ترتيب المثل وتنظيمها، لكن يمكن أن نستخلص طبيعتها من ~~محاوراته: # فهي لا زمانية ولا مكانية «قبلية بلغة كانط!»، يسري الخير فيها جميعا، والحق والصدق طابع ~~مشترك بينها، وهي متعددة «لأن وحدة المعرفة لا تقوم بغير هذا التعدد، ولأنها تفترض وجود ~~بعضها وعلاقتها ببعضها كالإيجاب والسلب، والصدق والكذب، والظلم والعدل، والواحد والغير ...» ~~ولكنها في نفس الوقت واحدة، تمثل جماعة حية مشتركة، نسقا عضويا متجانسا، وإذا اختلف ~~الواحد منها عن الآخر في نوع وجوده، فهي جميعا في الوجود متشابهة؛ إذ هي موجودة في ذاتها، ~~مكتفية بذاتها، مطلقة، ثابتة وخالدة ... # هي - باختصار - جواهر ونماذج أصلية باقية، حتى الصانع لم يخلقها، بل يتطلع إليها ~~ويحاكيها «محاكاة النجار والرسام للسرير في ذاته!» وهي كذلك - ابتداء من محاورة «جورجياس» ~~وخصوصا في «السفسطائي» - نسب وعلاقات «كالاختلاف، والتضاد، والسلب»، لكن أعلاها ~~وأعمها وأهمها هي مثل الخير والحق والجمال: # الخير؛ لأنه ليس مثلها علة نموذجية # 16 # فحسب، بل هو علة وجودية دينامية، # 17 # والحق؛ لأن الحقيقة مشتركة بينهما جميعا. # والجمال؛ لأنه المثال الوحيد الذي يمكننا أن نفكر فيه بالعقل والفهم معا، أي كنموذج ~~مطلق وصورة موجودة في عالم الحس «في جمال وردة أو حسن فتاة ... إلخ». # هنا نسمع نداءه الذي يصل إلينا من عالم المثل ليحرك فينا الشوق ويوقظ فينا الحب «الأيروس» ~~كلما رأينا صورته على وجه الأشياء «في التناسب الرياضي، والتجانس الموسيقي والنظام والغائية ~~في العالم»؛ لهذا فهو علة محركة # 18 # للشوق والحب، متعالية وكامنة في عالمنا المحسوس. # هي في النهاية (أي المثل) أصل الوجود والحقيقة معا «ميتافيزيقية-وجودية، ومنطقية-معرفية، نظرية وعملية في آن واحد». # ما هو موقف الفكر منها؟ ما واجبه نحوها؟ # إن العقل يفكر فيها بالجدل وبالتركيب «ديالكتيك وسيلليتيك»، وبالتحليل أو التقسيم ~~وبالتأليف «دياريزيه وسينتزيه». لكن واجبه ومهمته أن يعرفها، يوجد معها وفيها وبها ... لا ~~ليدير ظهره أو يصرف نظره عن الكائنات المحسوسة المتغيرة، بل ليحسن فهمها وتقديرها ~~وقياسها بمقياس المثل والنماذج، أي ليغيرها ويعدلها ويرتفع بها «على أساس مثال ms031 ~~التساوي أو العدالة مثلا.» # لكي تمثل «المثل» الخير بشكل فعال لا بد أن يوجد عالم تكون هي هدفه وغايته، مقياسه ~~وأساسه من ناحية الوجود والمعرفة جميعا، هذا هو أساس نظرية أفلاطون عن الصيرورة والمشاركة ~~والحب والنفس، أساس «دليله» على وجود الله وعنايته «إن جاز التعبير المتأخر عن التيوديسيه»، ~~وأساس الجهد والمعاناة في شخصية أفلاطون وكفاحه لتحقيق الاتحاد بين الوجود والصيرورة في ~~عالمنا التجريبي بقدر الإمكان، بقدر ما تسمح به ظروف هذا العالم. # لكن كيف سنرقى لسماء المثل، لكواكبها الخالدة الساطعة الضوء؟ كيف لنا أن نعرفها ونشارك ~~فيها؟ من يصنع هذا الجسر ومن يعبره؟ # تعبره نفس الإنسان، بالحب وبالشوق الظمآن «الأيروس». # تطورت فكرة أفلاطون عن النفس من «فايدون» إلى «فايدروس» إلى «طيماوس»: من النفس ~~الخالدة لأنها حياة ومختلفة عن الجسد «قبر النفس أو الموت»، إلى النفس التي تتحرك بذاتها ~~وتختلف عما يحرك غيره أو يتحرك به، إلى نفس كلية هي القانون الباطن للكون. النفس في ~~«فايدون» جوهر حي؛ لأنه يشارك في مثال الحياة، بالتذكر أو بالضدية. وهي في «فايدروس» ~~مبدأ الحياة والحركة، وما يتحرك من نفسه فهو خالد؛ إذ لو مات فسوف يموت الكون كله وتفنى ~~الحياة، ليس هناك تعارض، بل تطور من المستوى الفردي إلى المستوى الكوني. # النفس مبدأ تلقائي متحرك بذاته. من هنا تأتي قدرتها على المشاركة؛ لأن كل ما هو حي - لا ~~الإنسان وحده، بل الكون كله - له نفس ذاتية الحركة. والمشاركة لا تتم إلا بالنفس وفي النفس، ~~سواء كانت هي الفردية أم الكونية. فهي مبدأ الحياة والحركة الذاتية في الفرد، وهي مبدأ ~~الحياة والحركة الذاتية في الكون. # المعرفة إذا هي الحركة غير المكانية ولا الزمانية للنفس العاقلة؛ وهي لهذا أيضا تختلف ~~عن حركة كل الموجودات الخاضعة للضرورة في عالم المكان والزمان والأجسام. كل تفكير أو حركة ~~عقلية هي في الواقع حوار يتم في النفس ذاتها وينقلها إلى الوجود «من الحس إلى العقل في ~~المعرفة، ومن اللا إلى النعم في الحكم». # الحياة والمعرفة إذن مرتبطان؛ لأنهما مشاركان في ms032 المثل «معرفة النفس الفردية شرط لمعرفة ~~النفس الكونية؛ لأن الكون يعكس صورة الإنسان ونفس الإنسان تعكس صورة الكون. ومعرفة الجدل ~~شرط لمعرفة النفس الفردية ولكل معرفة بالذات أو الكون؛ لأنه هو ماهية الفلسفة وجوهر التفلسف.» # 19 # حركة النفس «ديناميتها» هي القوة الوحيدة التي تحقق المشاركة في المثل «أو هي الأنتليخيا ~~بتعبير أرسطو وليبنتز»، والنفس تنتمي لعالم الصيرورة والضرورة والتجربة ولكنها لا تستغرق ~~فيه، بل تسعى للعلو عليه. غير أنها تواجه دائما بالمقاومة، إما بسبب الجسد ووجودها في ~~عالم المكان والزمان الخاضع للضرورة، أو بسبب طبيعة الفكر نفسه. فالفكر حوار، اختيار بين لا ~~ونعم، وكذب وصدق، وشر وخير، والنفس هي المجال الوحيد للحوار بين الطرفين. # تتميز النفس عن الجسد والأجسام المحسوسة - كما تقدم - بأنها مبدأ حركتها الذاتية، كما ~~تتميز عن المثل - التي هي نماذج وغايات وأهداف في ذاتها - بأنها حركة مندفعة مشتاقة إلى ~~هذه المثل. # وحيث تكون الصيرورة تكون المشاركة والشوق، يكون الوجود واللاوجود. # والقوة الوحيدة التي يمكنها التوحيد بين الوجود واللاوجود هي النفس التي تسعى للكمال ~~وتشتاق للمشاركة في المثل والنماذج الأصلية، «واللاوجود تصور حدي، هو «الغير» من ~~الناحية الجدلية؛ لأنه «غير» كل ما هو واقعي؛ ولهذا لا يعبر عنه إلا بالأسطورة. لقد خلقه ~~الله أو الخير المطلق، عندما خلق الوجود، ولكنه حدد له مكانه ودوره، لكي تكون الظواهر ~~ظواهر، ولكي يفنى ما في الزمن ويبلى. ويبقى الله - وهو قمة الوجود ومصدره - مختلفا عن ~~اللاوجود اختلافا أساسيا، فعلاقته به كعلاقة المربية بالطفل الذي لم تلده ولكنها ترعاه ... ~~ويبقى اللاوجود - الذي يعجز الفكر عن تبرير خلقه، فيلجأ للأسطورة في «طيماوس» - في صورة ~~السلب، فهو شرط تعدد المثل وكثرتها وغيريتها، وهو كذلك شرط تعدد سبل المعرفة ~~العقلية ومراحلها». # بالنفس - التي تملك قوة المشاركة - وبمشيئة الله - الذي يهدي الكائنات الناقصة للكمال - ~~يمكن أن يتحد الأرضي وفوق الأرضي، أن يمتد الجسر على الهاوية الفاغرة الفم. # هل يمكن أن يلتئم الصدع؟ هل يمكن أن تتحد الثنائية؟ هذا هو واجب الإنسان، هو - بالتعبير ~~الحديث - مسئوليته والتزامه، ms033 من ناحية المعرفة وناحية الأخلاق والسياسة. لن نفهم هذه ~~الثنائية حتى نفهم أن معرفة المثل تحررنا وتمكننا من السعي إليها والعمل على تحقيقها، ~~بقدر الطاقة والإمكان ! حتى نفهم أيضا ما يحول بيننا وبين هذا التحرر من معوقات وضغوط ~~وأوهام و«أصنام». وأول هذه الأصنام هي الكلمات التي تقيدنا منذ الطفولة وتجعلنا عبيدا ~~للظلال والأصداء «حيث يعيش السفسطائي في ظلام اللاوجود، يفسد ويخادع في كهف لم يتحرر ~~منه بعد ...» # هذه الثنائية أو التضاد الأساسي يقوم بين الخير الذي يحررنا «وتمثله كل المثل» ~~والضرورة الآلية التي تقيدنا «كأننا مجرد أجسام لا عقول مفكرة.» # هذه الثنائية: بدلا من أن تلعنها «كما فعل نيتشه ويفعل اليوم كثير من المشوشين» حاول ~~أن تقهرها! لن تقهرها حتى تصبح حرا. # ومن الحر؟! من - بالفكر وبالعقل - اتجه إلى المثل فلم تستعبده الأشياء، من رفض حياة ~~في كهف لا يشهد فيه إلا الأشباح ولا يسمع غير الأصداء، من فك قيود الليل، الجهل، ~~الذل، وخرج - نبيلا وشجاعا - كي يغزو النور ... من أنقذ نفسه، كي ينقذ غيره ... # ومن المنقذ؟! # رجل يجمع بين الحكمة والقوة، بين الرؤية والسلطة، بين مجال الوجود والماهية ومجال الحس ~~والتجربة «ولهذا يتحتم أن تكون لديه المعرفة بالرياضيات ليحقق المشاركة بينهما!». عن طريق ~~الحب «الأيروس: # 20 # الشوق الدائب لوجود المثل الحق، أي للحكمة»، وعن طريق الجدل «الديالكتيك: ~~كطريق صاعد إليها»، يمكنه أن يوحد بين العالمين، أن يطبع صورة المثال على وجه الشيء، ~~أن يقرب مجتمعه الفاسد من المجتمع الأمثل، أن يخرج إخوته المسجونين - منذ طفولتهم أو ~~منذ القدم - إلى نور الشمس، أن يختم آخر فصل في مأساة البشرية ... # بنظرية المثل مع نظرية الحب «الأيروس»، بالقول السقراطي «اللوجوس» مع الأسطورة، ~~بالمشاركة مع الإحساس بالهاوية «الثنائية»، بالحماس الفلسفي مع إدانة العالم، # 21 # بهذا يوحد بين النموذج «أيدوس» والنسخة «أيدولون» وحدة رأسية لا ~~هيراقليطية؛ «ولهذا كانت عاطفة كفاحه في صميمها عاطفة إلهية، فهو مواطن في ~~العالمين». # لكن المنقذ ليس مثاليا أعمى، فالحلم عسير، والحالم يحلم مفتوح العينين: # فليس من السهل على كل ms034 إنسان أن ينفصل عن العالم السفلي ليطمح إلى الأعلى، أن يخرج من ~~الظلام والضلال والاضطراب إلى النور والوعي والحرية. # وليس من السهل أن يتحقق عالم المثل «أو قل عالم العقل» فوق الأرض الناقصة بطبيعتها، وسط ~~الناس المفطورين على الحسد والشر والغدر. # ليس من السهل أخيرا أن يوجد هذا المنقذ، وإذا وجد - بمعجزة أو صدفة - فلن يسلم من شر ~~الناس. # الأمر عسير، وجناح الحلم كسير، ماذا نفعل كي يخرج هذا المنقذ من كهفه؟ # نربيه ونحول نفسه، لكن كيف؟ الحكمة ستوجهه نحو الخير، «معرفة الأشياء جميعا لا ~~جدوى منها إن لم تعرف هذا الخير!» «الجمهورية 505أ-ب». # هل يكفي هذا؟ هل يغني كنز الحكمة عن سيف القوة؟ وإذا الحكمة والسيف اجتمعا، هل يولد ~~حلم مدينتنا المثلى؟ # لا يكفي الحلم. لا بد للمنقذ من أكبر قدر من المشاركة في عالم المثل، لا بد من أكبر ~~قدر من الجهد والكفاح والعذاب «ليعرف» مثال الدولة العادلة، ويحاول «التقريب» بينه وبين ~~نظام الدولة القائمة، التقريب بقدر الطاقة والإمكان، وبقدر ظروف العالم والواقع. # والأمر أخيرا لله، في يده، رهن مشيئته، فهو السيد، لسنا إلا أدواته، «القوانين، ~~644د». # المحنة تشتد علينا، والليل طويل ممتد، هل تولد معجزة كبرى، أم إن المهد هو اللحد؟ هل ~~يبعث يوما فنراه، أم يمضي العمر ولا يبدو؟ - المنقذ في الكهف سجين، مغلول يرسف في ~~القيد، فلعل إلها ينقذه، ويمن علينا بالوعد، المنقذ حر لا يحيا، ما بين عبيد كالعبد، ~~والمنقذ شهم وكريم، يسخو بالنور بلا حد، ويفيض الخير «بلا حسد». # هل يبقى أم يهجر كهفه؟ # | المنقذ يهجر كهفه # من المظهر إلى الحقيقة، من الظن إلى العلم، من الحس إلى العقل، من الصيرورة إلى الوجود، ~~من الضرورة إلى الحرية، من الظلام إلى النور، ومن الظلم إلى العدل. # ثلاثة مجالات تكون لب الفلسفة الأفلاطونية: # عالم الكينونة والصيرورة والضرورة الذي يشتاق للوجود الحق «المثل». # المثل أو الصور النموذجية والموجودات المطلقة الثابتة التي تشارك في الخير المشترك ~~بينها. # الله أو الخير المطلق، وهو القوة المحركة «الدينامية» للوجود والصيرورة ms035 والكون، وهو ~~الذي يوجد كثرة المثل ويفيض الخير عليها وعلى كل شيء. # 1 # والنفس وحدها هي التي تقطع هذا الطريق الشاق من عالم الكينونة إلى عالم المثل إلى عالم ~~الله. إنها تنتمي إلى عالم الكينونة، ولكنها لا تكف عن السعي إلى معرفة الوجود الحق. تسبح ~~في نهر الظواهر والتجربة، لكنها لا تريد أن تغرق فيه. # كيف نوضح هذا؟ برمز الكهف «أمثولته أو تشبيهه». فهو الرمز الحي الملموس لنظرية المثل، ~~ونظرية الحب الفلسفي «الأيروس» الذي يدفع النفس لعبور الهوة، للعلو من الصيرورة إلى ~~الوجود، من الجهل إلى العلم، من العبودية إلى الحرية. # والرمز يصور قصة، قصة جهد وصراع. وصراع الموج عسير، قد نغرق فيه أو ننجو، فلينظر كل ~~منا كيف سينقذ نفسه، إخوته ومدينته والعالم كله. وإذا سقط المنقذ؟ لا ضير، فالمنقذ ~~يتحمل قدره، والقدر ينادي في صمت: هو أمر حياة أو موت. # سقراط: والآن، قارن طبيعتها من وجهة نظر التربية ونقص التربية بمثل هذه التجربة. تأمل ~~هذا: أناس يقيمون تحت الأرض في مسكن أشبه بالكهف، مدخله الممتد إلى أعلى يواجه ضوء النهار. ~~في هذا المسكن يقيمون منذ الطفولة، مقيدين بالأغلال من سيقانهم ورقابهم بحيث يبقون في ~~نفس الموضع، فلا يملكون إلا النظر إلى الأمام ليروا ما يواجههم. إنهم - بسبب هذه القيود ~~والأغلال - عاجزون عن التلفت برءوسهم «والنظر» فيما حولهم. في إمكانهم مع ذلك أن يبصروا ~~نورا يأتي من أعلى ومن بعيد، وإن كان ينبعث من نار تلمع خلفهم. بين النار وبين ~~المقيدين بالسلاسل «أي في ظهورهم» يمتد في الجهة العلوية طريق بني على طوله - ~~تصور هذا! - جدار منخفض شبيه بالحواجز التي يقيمها المهرجون «أصحاب الألعاب ~~البهلوانية والعرائس المتحركة» أمام الناس ليعرضوا عليهم ألعابهم. # قال: هذا ما أراه. ~~- تأمل كذلك كيف يعبر الناس على طول هذا الجدار الصغير حاملين مختلف الأشياء من تماثيل ~~وصور من الحجر والخشب وغير ذلك مما يصنع البشر، فيتحدث بعضهم مع بعض كما هو منتظر، ويمر ~~البعض الآخر صامتين. ~~- صورة غريبة هذه التي تتكلم عنها، هكذا قال، ms036 ومساجين من نوع غريب. # قلت: إنهم يشبهوننا نحن البشر شبها تماما، مثل هؤلاء الناس لم تقع أعينهم منذ ~~البداية، سواء كان ذلك من أنفسهم أم من غيرهم، إلا على الظلال التي تلقيها النار على جدار ~~الكهف المواجه لهم. # قال: وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ما داموا قد أجبروا على عدم تحريك رءوسهم طوال ~~حياتهم. ~~- ولكن ماذا عساهم يرون من هذه الأشياء التي يحملها الناس «خلف ظهورهم»، ألا يرون هذه ~~«الظلال» نفسها؟ ~~- الأمر كذلك في الواقع. ~~- لو كان في وسعهم أن يتحدثوا مع بعضهم البعض عما يرون، ألا تعتقد أنهم كانوا سيحسبون أن ~~ما يرونه هو الوجود؟ ~~- بالضرورة. ~~- ماذا يكون الأمر إذن لو أن هذا السجن تردد فيه صدى من الجدار المواجه لهم؟ ألا تظن أنهم ~~كلما صدر صوت عن واحد من الذين يمرون خلف المسجونين اعتقدوا أن الحديث إنما يصدر عن الظلال ~~التي تمر أمامهم؟ ~~- لا شيء غير ذلك، بحق زيوس. # قلت: إن أمثال هؤلاء المساجين لن يعتقدوا في واقع الأمر أن هناك شيئا حقيقيا سوى ~~ظلال الأدوات «التي يحملها العابرون». # قال: بالطبع هذا أمر ضروري. # قلت: تتبع إذن بنظرتك كيف يفك هؤلاء المسجونون من قيودهم ويشفون في نفس الوقت من ~~فقدان البصيرة، وتفكر عندئذ كيف تكون طبيعة فقدان البصيرة هذه إن حدث لهم ما يلي، كلما ~~فكت السلاسل عن أحدهم وأجبر على الوقوف على قدميه فجأة والالتفات برقبته والسير ~~قدما والتطلع للنور، فلن يقوى على ذلك إلا إذا عانى ألما «شديدا»، ولن يستطيع من خلال ~~الوهج أن ينظر إلى تلك الأشياء التي رأى ظلالها من قبل. «لو حدث له كل ذلك» فماذا تحسبه ~~يقول لو أخبره أحد بأن ما رآه من قبل لم يكن إلا عدما وأنه الآن أقرب إلى الوجود وأن ~~نظره أكثر صوابا لأنه يلتفت إلى ما هو أكثر وجودا؟ ولو أن أحدا عرض عليه الأشياء التي ~~مرت عليه واحدا بعد الآخر واضطره أن يجيب عن سؤاله عما هو هذا الشيء، ألا تعتقد أنه ~~سيحار ms037 كيف يرد عليه وأنه سيعد ما رآه بعينيه من قبل أكثر حقيقة مما يعرض عليه ~~الآن؟ ~~- بالطبع. ~~- وإذا أجبر أحد على النظر إلى النور «المنبعث من النار»، ألن تؤلمه عيناه ويتمنى أن ~~يحولهما عنه ويفر إلى ما يقوى على النظر إليه ويعتقد أن ما رآه أوضح في الواقع بكثير ~~مما يعرض عليه الآن؟ ~~- الأمر كذلك. # قلت: وإذا حدث أن جذبه أحد بالقوة من هناك وشده على الطريق الوعر «إلى خارج ~~الكهف»، ولم يتركه قبل أن يعرضه لضوء الشمس، ألن يشعر عندئذ بالألم والسخط؛ إذ يحس، ~~وقد وقف في نور الشمس، بأن عينيه قد بهرهما الضوء الساطع، وأنه لن يكون في وسعه أن يرى ~~شيئا مما يقال له الآن إنه الحق؟ ~~- لن يقوى أبدا على ذلك، أو على الأقل لن يقوى عليه فجأة. ~~- أعتقد أن الأمر يحتاج إلى التعود إذا كان عليه أن يرى ما هناك «أي خارج الكهف في ضوء ~~الشمس»، وسيتمكن في أول الأمر «نتيجة لهذا التعود» من النظر في يسر شديد إلى الظلال، ~~وسيكون في وسعه بعد ذلك أن يرى صور الناس وبقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، حتى ~~يتمكن أخيرا من رؤية هذه الأشياء نفسها «أي الموجودات الحقيقية بدلا من انعكاساتها». ألا ~~يكون في وسعه أن يرى من بين هذه الأشياء ما يتجلى منها في قبة السماء كما يرى السماء ~~نفسها، وأن تكون رؤيته لها بالليل حين يتطلع ببصره إلى ضوء النجوم والقمر أيسر من رؤيته ~~للشمس وضوئها بالنهار؟ ~~- لا شك في ذلك. ~~- أعتقد أنه سيتمكن آخر الأمر من النظر إلى الشمس نفسها لا إلى صورتها المنعكسة في الماء ~~أو حيثما ظهرت فحسب، وسيتمكن من النظر إلى الشمس نفسها كما هي عليه في ذاتها وفي الموضع ~~المحدد لها، لكي يتأملها ويتعرف طبيعتها. ~~- من الضروري أن يصل به الأمر إلى ذلك. ~~- وبعد أن يبلغ ذلك سيكون في مقدوره أن يجمل القول عنها «أي عن الشمس» فيعرف أنه هي التي ~~تضمن «تعاقب» فصول السنة كما تضمن «مر» السنين وتتحكم ms038 في كل ما هو موجود الآن في محيط ~~الرؤية، بل إنها علة كل ما يجده أولئك «المقيمون في الكهف» حاضرا أمامهم على نحو من ~~الأنحاء. ~~- واضح أنه سيصل إلى هذا «أي إلى الشمس وما يستضيء بنورها» بعد أن تجاوز ذلك «أي ما كان ~~ظلا وانعكاسا فحسب». ~~- ماذا يحدث إذن لو تذكر سكنه الأول، وتذكر المعرفة التي كانت سائدة فيه، ~~والمساجين الذين كانوا معه؟ ألا تعتقد أنه سيسعد بهذا التغيير الذي حدث له بينما يأسف ~~لأولئك؟ ~~- أسفا شديدا. ~~- فإذا حددت في المكان القديم «بين من كانوا يقيمون في الكهف» جوائز وألوان معينة ~~من التكريم لكل من يرى الأشياء العابرة رؤية حادة، ويتذكر ما يمر منها في المقدمة ثم ما ~~يتبعها أو يتفق مروره معها في وقت واحد ويكون أقدرهم على التنبؤ بما سيأتي في المستقبل قبل ~~غيره، أتعتقد أنه «أي ذلك الذي غادر الكهف ورأى نور الشمس والحقيقة» سيحس الشوق إليهم ~~«أي إلى الذين ما يزالون في الكهف» لكي يتنافس مع الذين يضعونهم موضع التكريم والقوة، أم ~~تعتقد معي «على العكس من ذلك» أنه سيأخذ نفسه بما يقول عنه هوميروس «من خدمة رجل غريب ~~فقير» وسيتحمل كل ما يمكن احتماله ويؤثره على اعتناق الآراء «التي يؤمنون بها في الكهف» ~~والحياة كما يحيون؟ ~~- أعتقد أنه سيفضل أن يحتمل كل شيء على أن يحيا تلك الحياة «التي يعيشونها في ~~الكهف». # قلت: والآن تفكر في هذا: لو حدث لذلك الذي خرج على هذا النحو من الكهف أن هبط إليه ~~مرة أخرى وجلس في نفس المكان «الذي كان يجلس فيه»، ألن تمتلئ عيناه بالظلمات بعد رجوعه ~~فجأة من رؤية الشمس؟ # قال: طبيعي جدا أن يحدث له ذلك. ~~- فإذا عاد إلى الجدال مع المقيدين الدائمين هناك حول الآراء المختلفة عن الظلال، في ~~الوقت الذي لا تزال فيه عيناه تعشيان «من الضوء» قبل أن تعودا سيرتهما الأولى - الأمر ~~الذي سيستغرق منه زمنا غير قليل حتى يتعود عليه، ألا تعتقد أنه سيعرض نفسه للسخرية ~~وأنهم سيحاولون إقناعه بأنه ms039 لم يغادر الكهف إلا ليرجع إليه بعينين مريضتين، وأن الأمر لا ~~يستحق أبدا أن يشق الإنسان على نفسه بالصعود إلى هناك؟ وإذا حاول أحد أن يمد يديه ~~ليفك عنهم قيودهم ويصعد بهم إلى أعلى، «ألا تعتقد» أنهم لو استطاعوا أن يمسكوا به ~~ويقتلوه فسوف يقتلونه حقا؟ # قال: يقينا سيفعلون ذلك. # 2 # ما معنى هذا الرمز؟ ماذا يقصد أفلاطون بهذه الحكاية؟ إنه يتولى الجواب بنفسه، يقوم ~~بتفسيرها بعد الانتهاء من روايتها مباشرة (517أ، 8، إلى 517د، 7). # فالمسكن الذي يشبه الكهف هو صورة «المقر الذي يتبدى للنظر كل يوم»، والنار المتوهجة في ~~الكهف، فوق رءوس سكانه، هي «صورة» الشمس، وقبة الكهف تمثل قبة السماء. تحت هذه القبة ~~يعيش البشر مرتبطين بالأرض مقيدين بها، كل ما يحيط بهم ويشغلهم هو بالنسبة إليهم ~~«الواقع» أو الموجود. في هذا المسكن الشبيه بالكهف يحسون أنهم «في العالم»، يشعرون أنهم ~~«في بيتهم»، يجدون كل ما يثقون فيه ويعتمدون عليه. # هذه الأنواع المختلفة من التطابق بين الظلال والواقع الذي يجربه الإنسان كل يوم، بين ~~انعكاس النار في الكهف والنور الساطع الذي يغمر الواقع القريب المألوف، بين الأشياء ~~الموجودة خارج الكهف والمثل، بين الشمس ومثال المثل؛ هذه الأنواع المختلفة من التطابق لا ~~تستنفد مضمون الرمز. فهو يروي لنا أحداثا ولا يقتصر على بيان الأماكن التي يقيم فيها ~~الإنسان داخل الكهف وخارجه. والأحداث التي يصورها هي مراحل انتقال من ظلام الكهف إلى ضوء ~~النهار يعقبها الرجوع من ضوء النهار إلى ظلام الكهف؛ هي في الواقع مراحل انتقال أو تحول ~~من مستوى للمعرفة إلى مستوى أعلى منه، من مفهوم غامض عن الحقيقة إلى مفاهيم أخرى أكثر ~~وضوحا. # في المستوى الأول يحيا البشر في الكهف مقيدين بالسلاسل والأغلال، أسارى التعود على ~~القريب والمألوف. إنهم يعيشون في عالم «الكلمات»، وهو العالم الذي ينشأ فيه الإنسان ~~بالطبيعة، ويقيد بالنظم والعلاقات الاجتماعية. هذا العالم يولد فيه الإنسان ويستسلم ~~له. بل إن الناس جميعا تحيا فيه على نحو سلبي، أشبه بعبيد مغلولين، تحملهم سفن الرق ~~إلى هدف ms040 مجهول. قيدوا من أعناقهم وسيقانهم بالسلاسل، طرحوا في كهف سفلي مظلم، لا ~~يستطيعون أن يلتفتوا وراءهم، لا يرون إلا الظلال التي تتحرك على جدار مواجه لهم، لا ~~يسمعون غير الأصداء التي تصل إلى آذانهم، لا يدرون أن هذه الظلال والأصداء ليست سوى ظلال ~~وأصداء ... هم في مرحلة خداع الكلمات، مرحلة الظن أو التخمين «أيكازيا»، # 3 # يحيون فيها منذ الطفولة، وقد يعيشون فيها ويموتون ضحايا السفسطة ~~والسفسطائيين، والجهال والدجالين ... هذا العالم هو نسخة كل النسخ على الإطلاق ~~... # في المستوى الثاني يحدثنا «الرمز» عن الخلاص من القيود والأغلال، فقد يتحرر أحد ~~المسجونين أو يحرره أحد، سيمكنه أن يلتفت برأسه ويحرك رقبته وساقيه. وستؤلمه حركة ~~أعضائه، لا سيما إذا نهض واقفا على قدميه ومشى على الطريق الذي كان مدخله يقع في ظهره ~~وظهر زملائه المساجين «وهو الطريق المؤدي إلى أعلى وإلى خارج الكهف». وستؤلمه أيضا ~~عيناه لأنه سيرى نارا صناعية مشتعلة وراء ظهورهم، وسيدرك أنها علة الظلال التي تسقط ~~على الجدار المواجه لهم. وسيصبح «أكثر اقترابا من الموجود» (الجمهورية 515د، 2)؛ لأنه ~~سيشاهد موكب الممثلين العابرين على الطريق الممتد بين النار والمساجين، ويعرف أن أشكال ~~هؤلاء الممثلين وأدواتهم هي الظلال التي كان يراها معهم، وأن أصواتهم هي الأصداء التي ~~كانوا يسمعونها. وسيفرح لأنه يرى الآن بشرا حقيقيين ومدركات واقعية، بدلا من رؤية ~~الظلال «نسخ الأشياء» وسماع الأصداء «نسخ الكلمات». # أخذت الأشياء الأصلية الواقعية تعرض نفسها كما تعرض ظلالها على ضوء النار المشتعلة داخل ~~الكهف. فإذا اتفق للعينين أن تقعا على الظلال، غشيت هذه الظلال على البصر وحجبت عنه ~~رؤية الأشياء نفسها. عندئذ يمكن أن يعتبر أن ما كان يراه من قبل - أي الظلال - أكثر ~~تكشفا ووضوحا أو أكثر حقيقة، # 4 # مما يظهر له الآن «نفس الموضع السابق من الجمهورية»، وربما حن للرجوع إلى حالته ~~الأولى حيث لم تكن تؤلمه الحرية ولا كان نور المعرفة يعشى عينيه، بل كان سعيدا بتقبل ~~أصداء الكلمات التي تصل إليه بغير مقاومة، قانعا بمشاهدة الأشباح والظلال، بل بمشاهدة ~~نصفها ms041 الأعلى وحده! ولعل هذا الاحتمال الثاني - كما يقول أفلاطون - هو الأرجح. لأن معظم ~~الناس لا يعرفون شيئا في حياتهم ولا يريدون أن يعرفوا شيئا؛ ولهذا قلما يتحرر واحد من ~~كهف المسجونين، وأقل منهم من يقطع طريق المعرفة في مرحلته الثانية ... # توصل السجين المتحرر في هذه المرحلة إلى شيء من الحرية، ولكنه لم يبلغ الحرية الحقيقية ~~بعد. فلا يزال حبيسا داخل الكهف، ولا يزال يتصور أن الظلال الذي تغشى بصره وتحجب عنه رؤية ~~الأشياء أكثر وضوحا من هذه الأشياء نفسها. فهل سينجح في تحويل بصره من الظلال إلى النار ~~والأشياء التي تظهر على ضوئها؟ هل ستتحول نفسه بعد أن تحولت عينه وسائر أعضائه؟ هل سيكون ~~لديه الصبر والجهد اللازم لإنقاذ نفسه من هذه الحال وتعويدها على حال أخرى؟ # إن المتحرر لم يتحرر بعد تماما. فهو يدرك الواقع المحسوس، يعرف بعض القوانين التي تتحكم ~~فيه «كالمعية والتتابع حين يشاهد الممثلين المتجولين - على باب الله! - عند حضورهم ~~وانصرافهم، وحين يلاحظ تسلسل الأحداث والظواهر وفق نظام معين، ويتنبأ بما يتبعها ~~ويترتب عليها»، هذه المرحلة والمرحلة التي سبقتها ترمزان للإنسان الذي يعيش في عالم ~~التجربة، عالم الأشياء والمحسوسات والمرئيات، والمكان والزمان والضرورة. هو - في اصطلاح ~~أفلاطون - يحيا في مستوى الإدراك الحسي «أيسثيزيس»، # 5 # والرأي المبني على الظن «دوكسا» # 6 # وخبرة التجربة «إمبيريا» # 7 # القائمة على المعرفة بالتتابع والمعية والقوانين العلية «وكلها ضد المعرفة ~~العقلية بالتصورات والمفاهيم - نؤزيس # 8 ~~- والعلم اليقيني الثابت - إبيستيميه»، # 9 # ولكنها ضرورية ضرورة اللغة والإدراك الحسي، لا بد من البدء بها للوصول إلى ~~المعرفة الحقيقية، من المستحيل تجاوزها وتخطيها، لكن من يبقى فيها لن يمكنه أن يخرج من ~~كهفه، من يستسلم لإغرائها لن ينفذ من عالم الظواهر إلى عالم الحقائق «بتعبير كانط!»، لن ~~يتجاوز نقص التربية والاستنارة أو التكوين «أبايدويزيا» # 10 # إلى التربية الحقة، وهي الهدف الأصلي كما حدده رمز الكهف ... # فمتى تتحول نفس الإنسان بكليتها؟ ومتى تتكون أو «تتربى» التربية الحقة؟ ومتى تبلغ عتبة ~~ما هو حق؟ بل ما هو أكثر ms042 حقيقة وتكشفا ووضوحا؟ # 11 ~~(الجمهورية 474ح، 5، وما بعدها). # عندما تصل إلى المستوى الثالث فتدخل مرحلة الحرية الرحبة، والمعرفة المطلقة، والحقيقة ~~الناصعة. # انطلق المسجون إلى خارج الكهف، حطم آخر أغلاله، لكن هل يكفي تحطيم القيد لكي يكتسب ~~الحرية؟ إن الحرية لا تبدأ إلا بالتحول نحو الإعداد لتحويل اتجاه الإنسان بكليته وفي ~~صميم ماهيته، فإنها لا تتم إلا في هذا الأفق المضيء، حيث الشمس «مثال المثل» تفيض الدفء ~~وتهب الخير، أي تمنح كل الموجودات المقدرة على أن توجد. # تلك هي الخطوة الحاسمة، غادر السجين كهفه، أمكنه أن ينتشل نفسه من عالم الحس المشترك ~~والرأي الشائع «والموقف الطبيعي»، أخذها بالصبر والجهد على التحول بكليتها نحو الموجود ~~الحق. # لم يعد هناك ضوء صناعي شاحب، بل نور الشمس في وضح النهار. لم تعد هناك ظلال وأصداء، بل ~~واقع حقيقي وطبيعة حية. الانتقال هنا أشد إيلاما مما سبقه، لأن رؤية الوجود الأصلي تؤلم ~~العين التي لم تتعود الرؤية بعد. وأين ألم العين التي رأت النار الصناعية بعد رؤية الظلال ~~من ألم العين التي تتطلع الآن إلى نور الشمس؟ # لا مفر إذا من أن يعود نفسه على توجيه البصر إلى الأرض «وهذا هو المستوى الثالث» قبل ~~أن يرفعها إلى السماء، وينظر للشمس نفسها «وهو المستوى الرابع». سيمكنه في الحالة الأولى ~~أن يرى كل ما يزدهر وينمو في ضوء الشمس ودفئها. ولأن «التحول الكلي» لم يتم بعد، فمن ~~الأنسب لعينه ونفسه أن ينظر إلى ظلال الأشياء قبل أن يستطيع التعود على رؤية الأشياء نفسها، ~~أن يرى انعكاس النجوم في الماء قبل أن يرفع بصره للنجوم. إنه يستضيء بنور الشمس والنجوم ~~«التي تعبر عن المثل» ولكنه يزال عاجزا عن رؤية المثل الأصلية؛ ولهذا يكتفي بإدراك ~~نسخها أو صورها على هيئة تصورات أو مفاهيم. فانعكاس النجوم على سطح الماء يعبر عن ~~انعكاس المثل في التصورات والمفاهيم، وكل ما يزدهر وينمو في ضوء الشمس يعبر عن آثار ~~العلة الوجودية «أو الخير المطلق» على الأرض. إنه يقف الآن على حدود العلم الجزئي، ms043 ~~ومعرفته معرفة وسط بين المعرفة التجريبية «العلية» والمعرفة العقلية «الماهوية». وهي ~~تتم بطريقة رياضية - فرضية استنباطية - وتستخلص المفاهيم «كالتساوي والتدوير والاستقامة ~~وسائر النسب والعلاقات» من الأشياء الحسية. ولهذا تتجه من أعلى إلى أسفل، ولهذا أيضا ~~سماها معرفة الفهم «ديانويا» # 12 # ليفرق بينها وبين معرفة العقل «نؤزيس» # 13 # التي ترتفع إلى أعلى. فالفهم استنباطي، والعقل جدلي «إن جاز لنا أن نطبق هنا ~~استخدام كانط ...» # إذا كانت المعرفة التجريبية استقرائية تسير من الجزئي إلى الكلي، بحيث يعتقد التجريبي أن ~~في إمكانه الوصول من الحالات الفردية إلى القوانين العامة، فالرياضي على العكس منه يبدأ من ~~العام «من فكرة المثلث أو الزاوية أو الخط المستقيم أو المنحني» ليهبط إلى الموضوع الخاص ~~«كالمثلث الواقعي مثلا». وإذا كان التجريبي يقول: الدائرة المرسومة هي الدائرة الحقيقية، ~~وما كلمة الدائرة إلا اصطلاح رياضي متفق عليه، فإن الرياضي يقول: تعريف الدائرة يحددها ~~ويعين ماهيتها، أما الرسم فنسخة منها قد تقترب من الحقيقة أو تبتعد عنها. ولهذا فمنهجه - ~~كما تقدم - فرضي استنباطي يصل إلى نتائج عيانية حسية. وهو يجرد ويتوسط بين العالمين ~~المحسوس والمعقول ويحقق المشاركة بينهما؛ ولهذا أيضا كانت الرياضة هي هدية الآلهة للبشر. ~~ولقد تلقى أفلاطون هذه الهدية في رحلته الكبرى حيث تعلم من أصدقائه - الفيثاغوريين ~~والأيليين - أن الرياضة تحقق المعجزة لأنها الوسيط أو «الثالث» الذي يقيم الجسر على ~~شفا الهاوية فيربط بين عالمي الحس والعقل. # ويختتم أفلاطون رمز الكهف بقوله: «وفي آخر الأمر يتمكن من رؤية الشمس - لا مجرد انعكاس ~~ضوئها في الماء ولا في موضع آخر غير الموضع الخاص بها - الشمس نفسها في واقعها الكامل وفي ~~مكانها ويتمكن من تأمل طبيعتها. وسيستطيع عد ذلك عن طريق الاستنتاجات الصائبة أن ~~يتبين أنها هي التي تضمن تعاقب الفصول وتتحكم في العالم المرئي كله، كما هي - بمعنى من ~~المعاني - أصل كل ما رأوه من قبل». # من قبل ... أي على الطريق الطويل الذي يسير من الكلمات إلى الانطباعات والتجارب الحسية إلى ~~التصورات والمفاهيم حتى يصل إلى المثل، فإذا بلغ نهاية ms044 الطريق وجد نفسه في مجال العقل ~~الخالص، يتحرك حرا بين «الأصول» والنماذج الأولية للتصورات والظواهر، بين المثل أو ~~الموجودات الحقة ذاتها! # إنه الآن في المستوى الرابع من رحلته الجدلية، بلغ نهاية درب شاق، وصل إلى آخر درجات ~~السلم، نفذ من الموج الهادر بالظلمات إلى نور الحق الغامر، نور العلم المطلق ~~والخلاق. إنه الآن لا يضطرب بين المحسوسات، لا يبدأ من الفروض بل يناقشها ويسأل عن ~~مشروعيتها. يناقش مثلا فكرة المساواة فيسألها: أأنت فكرة هندسية أم حسابية أم أخلاقية أم ~~سياسية أم من نوع آخر؟ ثم يقفز إلى فكرة المساواة في ذاتها، فهي الأصل المشترك الواحد ~~لكل ألوان المساواة. الفرض عند صاحب الفهم سقف، أما عند صاحب الجدل فأرضية يبدأ منها ~~الصعود، هل معنى هذا أن منهجه يرجع للوراء؟ نعم. ولكن ليصعد إلى أعلى ليقيم أخيرا في مملكة ~~العقل، بين «نجوم المثل»، ينابيع العلم الحق. # هكذا مضى به الطريق من الظلال الممزقة إلى نور الشمس الخالص، من تقبل الكلمات ~~الجوفاء بلا مقاومة إلى «الرؤية» السامية لمثال المثل، مثال الخير المطلق، من شبه حياة ~~يحياها شبحا بين أشباح في عالم سفلي كالجحيم، عالم رطب وكئيب محروم من النور، إلى ~~حياة حقيقية تستضيء بشمس الحقيقة: # أوضح مثل يكشف عن هذا هو رمز الخط المرتبط برمز الكهف: # أصل «أيدوس» نسخة «أيدلون». # 14 ~~«ب» ~~«أ» ~~«ب»، «أ» يمثلان العالم المحسوس والعالم المعقول على الترتيب: الأول نسخة ناقصة من الثاني، ~~والنصف الأول من كل منهما نسخة من نصفه الآخر. # في «النسخة» نجد التخمين والظن عن طريق سماع الكلمات ورؤية الظلال والحصول على معرفة ~~بالنسخ، كما نجد الإدراك الحسي والمعرفة التجريبية التي نتلقاها من عالم النبات والحيوان ~~وكل ما صنعته يد الإنسان. وفي «الأصل» نجد «الفهم» عن طريق التصورات، والفنون والمهارات ~~والعلوم الخاصة التي نتعامل بها مع الأشياء وتقوم على الرياضيات. نحن هنا أقرب إلى المناهج ~~الفلسفية في الوصول للمعرفة، ولكنها تظل مرتبطة بالعالم المحسوس وبالمعرفة الغالبة عليه؛ ~~لأنها تبدأ من فروض لم نتحقق من صحتها. وأخيرا ms045 نجد المعرفة العقلية والاستبصار بوجود ~~المثل أو بحقائق العلم ونماذجه: # من الظن والتخمين «أيكازيا» - إلى الاعتقاد والتجربة «إيستثيزيس» - إلى الفهم «ديانويا» ~~إلى التعقل «نؤزيس». ومعرفة الله «مثال المثل، الخير المطلق» وراء حدود التقسيم. مع هذا ~~فهو الطاقة المحركة الكامنة في كل مراحله؛ لأنه هو الذي يضمن المشاركة بينها، وهو علة كل ما ~~هو خير وجميل. # كل قسم من أقسام الخط نسخة من القسم الذي يليه، والحياة داخل الكهف نسخة من الحياة خارجه. ~~بين النسخة والأصل تناقض حاسم، ثنائية مطلقة، هوة فاصلة. لن تتحد النسخة مع الأصل ~~أبدا. ومع ذلك فبينهما تشابه بجانب التناقض، وتناسب بجانب الثنائية: إذ لو كانت النسخة ~~منقطعة الصلة بالأصل، فكيف تكون «نسخة» منه؟ # طريق مضن شاق. لن يفهم سر مشقته إلا «العارف»، إلا «المنقذ». ليست مسألة تطور يبدأ ~~من مرحلة أولى ليتم بعد ذلك من تلقاء نفسه؛ إذ لن يعرف مقدار الألم ولا مقدار الصبر، إلا من ~~عاناه وقطعه، إلا من صعد عليه. لا بد من الاستعداد لمن يتصدى لعناء الرحلة؛ إذ لن يعرف معنى ~~الخير سوى الخير، والخير ليس أنانيا. فالسلم ما زال أمامه، لن يطرحه، لن يستغني ~~عنه. سيعود ليهبط درجاته، هل يمكن أن يستأثر بالخير لنفسه، أن ينسى أصحاب الأسر، رفاق ~~السجن السفلي؟ إن الطريق طريق التربية، والمربي يفترض من يتربى على يديه. التربية ~~تحرير وإنقاذ. فكيف يكتفي بتحرير نفسه وإنقاذها؟ # لن تنتهي «قصة» الكهف بالنهاية التي يحلو لبعض الناس أن يتخيلوها. لو كانت مسألة معرفة ~~لما كان هناك داع للمرحلة الخامسة والأخيرة. لو كانت التربية مجرد «صب» المعلومات في وعاء ~~النفس ما كانت له ضرورة. لكنها تجاوز مستمر لنقص التربية، تحويل اتجاه الإنسان بكليته ~~وفي ماهيته، هي - بتعبيرنا الحديث - صراع ومسئولية والتزام ... # والمسئولية تفترض من نكون مسئولين عنه ومن أجله. # والالتزام لا معنى له بغير من نلتزم بهم وفي سبيلهم. ولو اكتفى السجين المتحرر بالخروج ~~من الكهف لأصبح الرمز كله بلا معنى، وأصبح أفلاطون مثاليا هاربا من العالم، كما يتصور ~~الكثيرون الذين ms046 يسيئون فهمه ويظلمونه ... # لو صح هذا الفهم الخاطئ الظالم لبطلت فلسفة أفلاطون كلها، لا رمز الكهف وحده. إنها ~~فلسفة متطورة حية، هي في صميمها «طريق» يصعده «العارف» بالحب وبالشوق، يخطو فيه «بحوار» ~~سمح حر. المعرفة لا تنفصل فيه عن الوجود، وكلاهما لا ينفصل عن العدالة. وإذا قنع العارف ~~بالمعرفة، فهل سيكون لفلسفته معنى، وجوهرها - كما علمنا - هو الانفصال بين عالم الصيرورة ~~وعالم الوجود والمشاركة التي تقرب بينهما بقدر الطاقة؟ هل سيكون للعارف نفسه مكان ~~فيها؟ كيف سيمكنه أن «يعرف» إن لم «ينقذ»؟ ما أبعد أفلاطون عن العلم المترف! ما أبغض هذا ~~العلم لذات العلم إلى نفسه! حكم عليه «ديونيزيوس» أن يحبس في برج عال، لكن رفض الفكر ~~ورفض القلب، أن يسكن سجنا من عاج أو من طين ... # هبوط السجين المتحرر إلى الكهف ورجوعه إلى زملائه المقيدين بالأغلال جزء متمم ~~للحكاية التي يرويها الرمز. ليس مجرد فصل فيها أو حادثة، بل هو قمة كل الأحداث وغايتها. ~~إنه يرى الآن من واجبه - بعد أن اطلع على المثل وعرف - أن يحول عيونهم عما يتصورونه ~~حقيقة إلى الأكثر حقيقة، أن يساعدهم على «انتزاع» الحق من الباطل، والنور من الظلام، والعلم ~~من الظن، والواقع من المظهر. # غير أن التحرير لا يتم بسهولة، والسجين لا يدري أنه سجين، والناس تطمئن إلى «الحقيقة» ~~التي تتصور أنها ثابتة الأساس والجدران كالبيوت التي تسكنها وتطمئن إليها، هي إذا مغامرة. ~~وعلى العارف أن يكون مستعدا لمواجهة الخطر المحدق بحياته. سيحاول أن يخلصهم من قبضة ~~«الحقيقة» السائدة هناك، وسيكون هو نفسه عرضة للوقوع تحت سيطرتها. سيكافح لانتشالهم من ~~قيد الواقع المألوف والحس المشترك، وسيصبح هو نفسه مهددا بالاستسلام له والخضوع لسلطانه ~~الأزلي. بل سيشعر بأنه مهدد باحتمال قتله، وهو احتمال تحول ويتحول كل يوم إلى واقع، كما ~~نعلم من قدر سقراط الذي «علم» أفلاطون والأثينيين. فلقد حاول هو أيضا أن «ينقذهم» ~~من «الحقيقة» الزائفة التي اطمأنوا إليها، أن يساعدهم على مناقشتها والتساؤل عنها. لكن ~~أثينا كانت تنهار. عجز الناس عن «الدهشة»، ms047 خافوا كل «جديد»، ركنوا «للتقليد»، ضاقوا بنداء ~~الطيف الحافي في طرقات أثينا، بعثوه لمسامرة الأطياف الأخرى في «هاديس». شرب السم وبدأ ~~سقوط أثينا. فاعتبري أيتها المدن الساقطة بأحضان الزيف! ... # كان حتما على رمز الكهف أن ينتهي بانتزاع الحقيقة من حجب الباطل، والنور من ثنايا ~~الظلام، لهذا كان تخليص «السجين» من الكهف ووضعه في مجال الحرية صراع حياة أو موت. ولو لم ~~يكن التحرير والإنقاذ هو الهدف من هذا الرمز لما كان لتصوير الكهف المغلق في القبو ~~المظلم أية قيمة، ولا كان هناك معنى الصور الموحية فيه، كالنار والضوء المنعكس منها، ~~والظلال ونور النهار الساطع، وضوء الشمس والشمس نفسها ... # إن داخل الكهف وخارجه متضادان تضاد المظهر والوجود، وظلام «هاديس» ونور الحياة، ~~وزيف السفسطة وصدق الخبرة والعلم. أحدهما نسخة من الآخر: النار الصناعية من الشمس، ~~والممثلون وأدواتهم من الواقع الخارجي، وعلة الأشباح والأصداء من العلة الحقيقية للوجود ~~والمعرفة في عالم النور. تطور الإنسان من الكلمات إلى التجربة نسخة من المعرفة التي ~~تسير من المفاهيم إلى المثل في عالم العقل. بين النسخة والأصل تناقض. بينهما هوة، ~~والمعنى كل المعنى في نفس الإنسان، نفس العارف - لا الدجال - تقرب بينهما، تطبع أختام ~~العلم على جسد الواقع، وبحب الحكمة تبني جسرا بينهما، والحكمة حب ... # حتى لو أنكرنا وجود المثل الواقعي - كما فعل أرسطو والاسميون - فسيبقى دور النفس ودور ~~العقل، وسيبقى العبء الأبدي، عبء «العلم» لينقذنا من كهف الجهل، وسنحمل هذا العبء الكبر: ~~تحقيق العدل ... # لكن كيف وأين؟ في الدولة. من يحمله؟ المنقذ. فعندما تجتمع الحكمة والقوة، وتتحدد الرؤية ~~مع السلطة، عندما تأذن المشيئة يظهر الملك الفيلسوف «الكتابان الخامس والسادس من الجمهورية» ~~سيكون هنالك أمل في «إنقاذ» الجنس البشري من البؤس، في إنقاذ الواقع وإشراكه في عالم العقل ~~«الكتابان السادس والسابع من الجمهورية والرسالة السابعة». # أن يتحد العلم مع العزم، أن يتلاقى العارف والثائر - هل يمكن أن يجتمعا في إنسان؟ # لا بد من المعجزة الكبرى، والمعجزة ستنسجها كف الصدفة، والصدفة طيبة # 15 # حين يشاء الله ويجري الحظ ms048 على سنن القدرة ... # من يعطينا شمعة أمل في ظلمات اليأس المطبق؟ أين، متى يجتمع العلم مع الثورة والعاطفة مع ~~المنطق؟ أترانا نخدع أنفسنا بالوهم المطلق؟ ونظام العدل «الممكن» هل يتحقق؟ أم تبقى عين ~~الحلم مسهدة والجفن مؤرق؟ لم ننتظر وقد يأتي أو لا يأتي، قد ينجح في مسعاه أو قد ~~يخفق؟ ماذا لو ينقذ كل منا نفسه؟ يخرجها من ظلمات الكهف ومن أسر الرق؟ ويشيد مع إخوته ~~بيت العدل ومدن الحق؟! # | إنقاذ الدولة # «ما لم يصبح الفلاسفة ملوكا على المدن، أو يبدأ أولئك الذين يسمون الآن ملوكا ~~وحكاما في التفلسف الحقيقي، وما لم تتجمع السلطة والحكمة في شخص واحد، وما لم يصدر من ~~جهة أخرى، قانون صارم يقضي باستبعاد أولئك الذين تؤهلهم مقدرتهم لأحد هذين الأمرين دون ~~الآخر من إدارة شئون الدولة ...» # ماذا لو لم يحدث شيء مما تقوله العبارة المشهورة؟ # ما لم يحدث ذلك كله، فلن تهدأ، يا عزيزي جلوكون، حدة الشرور التي تصيب الدولة، بل ولا ~~تلك التي تصيب الجنس البشري بأكمله (الجمهورية 3773ج-د، 473-499د). ~~«ولن يتخلص الجنس البشري من البؤس حتى يصل الفلاسفة الحقيقيون الأصلاء إلى السلطة، أو ~~يصبح حكام المدن - بفضل معجزة إلهية - فلاسفة أصلاء» (الرسالة السابعة 326د). # تعبير الملوك الفلاسفة أو الحكام الحكماء يتكرر ذكره في الكتاب السادس من الجمهورية، ~~وتكاد الرسالة السابعة «التي ثبتت صحة نسبتها إلى أفلاطون، كما ثبت أنه كتبها في العقد ~~الثامن من عمره» أن تكون شهادة اعتراف بهذا الأمل الذي ملأ عليه حياته، وباليأس الذي أصابه ~~من إخفاقه في تحقيقه على أرض الواقع. وقد سبق له أن عبر في «برنامجه» الفلسفي الذي أعلنه ~~في محاورة «جورجياس» - وهي أول ما ألفه بعد أن أسس الأكاديمية واستقر به الرأي على بذل ~~بقية حياته وجهده للتعليم بدلا من تبديدهما في مغامرات لا جدوى منها ... - عن فكرته ~~الصحيحة عن الدولة بعد مقارنتها بالطبيب الذي يعلم ماهية الصحة والأسباب الحقيقية التي تؤدي ~~إليها أو تذهب بها، على خلاف الطباخ الذي لا يعرف إلا فن الطعام ms049 الجيد المذاق فحسب. ~~فالسياسي الحق هنا يلجأ لوسائل أخرى غير وسائل القهر والعسف. # لكنه فصل هذا كله في الجمهورية وقدم لنا تصوره عن نموذج الدولة. لم يغب عنه أنه ~~مثل أعلى من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحقيقه. أنها الدولة التي تحقق فكرة العدالة في ~~عالم المكان والزمان والضرورة، عالمنا التجريبي المتغير، بقدر ما تسمح فكرة «المشاركة» ~~بتحقيقها على الأرض. ولا تتضح فكرته عنها حتى يتضح رأيه في ترتيب الطبقات الثلاث التي تتألف ~~منها، وهي طبقة الحكام، والحراس، والفلاحين والصناع والتجار. وتتحقق العدالة إلى أقصى ~~قدر ممكن عندما «تقوم كل طبقة بواجبها»؛ إذ لو فعلت كل منها ما تريد لسادت الفوضى ~~وعم الاضطراب. وإذا أرادت الدولة ككل أن تظل حية فلا بد أن تحافظ على هذا الترتيب ~~المناسب لها، أي أن تحافظ على روحها. كيف يتم هذا الترتيب؟ بتقسيم واجبات كل طبقة حسب ~~المبدأ الأول للفلسفة، فكل معرفة تفترض أن اللامعرفة مناقضة لها. ولهذا فلا بد للدولة أن ~~تفرق منذ البداية بين أولئك الذين عرفوا المبدأ الأسمى، وهو أن يقوم كل إنسان بواجبه، أن ~~يشغل المكان الذي تؤهله له قدراته وبين أولئك الذين لم يعرفوه ... # لن نبدأ إذا بالدولة المثالية، بل سنحاول أن نعرفها بضدها؛ إذ لو شئنا الدقة لقلنا إنه ~~لا يصور مثال الدولة العادلة الخيرة، لأنه يقدم الصورة المقابلة عن الدولة الظالمة ~~السيئة. ولو أراد أن يقدم ذلك المثال لما أمكنه أن يفعل؛ لأن عالم المثل لا ينطوي إلا على ~~الخير. أما حيث توجد «النفس» فلا بد أن يوجد الخير والشر معا لأن النفس هي التي تختار ~~بينهما. ولما كان للدولة «نفس»، ولما كانت صورة مكبرة من نفس الفرد، فلا بد أن يوجد ~~نموذجان للدولة الخيرة والدولة السيئة، كما توجد صورتان للعارف والدجال، للمنقذ والطاغية ~~المحتال. # فلنبدأ بالضد الأسوأ حتى نتبين ضده. ولنعرف طبع الطاغية الحاكم في الأموات الفانين، قبل ~~لقاء الكامل والقديس الموعود، في بلد تشرق فيها شمس العدل على البشر المدعوين إلى ~~مأدبة الدود ... # الدولة ms050 السيئة ليست كلا متحدا متجانسا. إنما هي شيء ممزق، دولة «بوليسية» ينفصل فيها ~~الشعب عن الحكومة، فيسيطر البعض ويأمرون، ويخضع الآخرون ويطيعون. أما الدولة الخيرة ~~فتكون فيها الطبقات كلا متحدا متجانسا، كيانا حيا عاقلا يعبر عن الحياة المنظمة ~~المتآلفة. # والدولة السيئة تفتقر إلى الوحدة، فهي تضم الفقراء والأغنياء، وهي في حالة حرب دائمة مع ~~نفسها؛ ولهذا فمن السهل الانتصار عليها وغزوها من الخارج. # أما الدولة الخيرة فمتحدة؛ لأن حكامها الذين يعرفون «مثال» الوحدة يحرصون على تحقيقه ~~فيها ... # والدولة السيئة مريضة تفتقر إلى الصحة؛ لأنها تستنفد طاقتها في القضايا والمحاكمات بحيث ~~يثري المحامون من وراء المنازعات بين المواطنين. أما الدولة الخيرة فتتمتع بالصحة ~~وتحيا في تناغم وتجانس وانسجام. إن الحراس يحافظون عليها، والحكام يعنون بها كما يعنى ~~أفضل الأطباء بمريضه. وهي تتميز في مجال الاقتصاد بالأسعار الثابتة التي لا تقبل المساومة. ~~أما في مجال القضاء فإن القانون يأخذ مجراه دون حاجة إلى القضايا والمحاكمات ... # ليست للدولة السيئة شكل ثابت؛ لأنها معرضة لمحاولات التغيير المستمرة التي تنجم عن ~~السخط العام. أما الدولة الخيرة بشكلها الثابت الذي تستمده من ترتيبها في ثلاث طبقات ~~«تتفق مع الترتيب الثلاثي في مجال الوجود: وجود، وصيرورة، وفراغ كوني، أو التقسيم الثلاثي ~~لمجالات الكون: العقل «أو الفكرة»، والنفس، والعالم المادي»، فقد يتغير دستورها من حين إلى ~~حين، ولكن ترتيبها الثلاثي يظل ثابتا. وهي ليست بحاجة إلى قوانين مدونة؛ لأن قواها ~~تتجدد باستمرار في حركة دائرية من المركز إلى الأطراف؛ إذ يعرف الحكام كيف يختارون الصفوة ~~اختيارا دقيقا، ويعلمون أي الطبائع من ذهب وأيها من فضة ... ~~«هؤلاء «العارفون» قد تلقوا التربية الصحيحة. ومهمة التربية في رأيهم تنحصر في ~~تنشئة طبقة «الحراس» بحيث يمثلون في كيان الدولة العضوي الحي ما تمثله قوة الإرادة العاقلة ~~في كيان الفرد، القوة التي تعرف الواجبات وتحققها في وقت واحد. إنهم يوفقون بين ~~المعرفة والإرادة بالمعنى الذي فهمه سقراط». # هذه الطبقة التي يتحد فيها الجنود والموظفون هي التي يعتمد عليها بقاء الدولة ~~الخيرة، وهي التي ms051 تحفظها من السقوط والزوال. إن الحكام الذين يحتاج إليهم يختارون ~~منها بدقة - على أساس الحكمة لا على أساس الأرستقراطية - والحكام بدورهم يحرصون، كما ~~تقدم، على تنشئة الحراس وتربيتهم على أكمل وجه ممكن. وتصرف الحكام مع هؤلاء الحراس ~~يشبهه في النفس الفردية تصرف العقل الخالص مع الإرادة العاقلة، فالحكام هم «العقل المدبر» # 1 # والحراس هم الإرادة العاقلة، # 2 # أما الطبقة الثالثة # 3 # فهي التي تقوم بتغذية الطبقتين السابقتين وتعنى بأملاك الدولة. وهي إن كانت ~~بطبيعتها تتجه للكسب والتملك وإشباع الحاجات الضرورية، فعليها أن تبلغ من العقل بقدر ما ~~يمكنها بلوغه. # الدولة السيئة تتحكم فيها الشهوات، فتصبح التجارة والبضائع غايات في ذاتها، بينما يقضي ~~الواجب بأن تكون مجرد وسائل، وتتحكم المصالح ورءوس الأموال في تحديد طابعها فتفقد التوازن ~~بين وظائفها. أما الدولة الخيرة فتقوم على الطبقات الثلاث التي تعرف كل منها وظيفتها ~~كما يعرف الفرد وظائفه ... # والدولة السيئة تتيح الفرصة لظهور رذائل لا حصر لها. أما الدولة الخيرة فمن أهم ~~واجباتها أن تحقق الفضائل الأربع الأساسية، وهي: الحكمة التي تنشأ عن تدبير حكامها، ~~والشجاعة التي تتكفل تربية الحراس برعايتها، والعفة التي تأتي من التزامها الحد والاعتدال، ~~والعدالة التي تترتب على حصول كل مواطن على حقه ما دام يؤدي واجبه ... # من أين تأتي فكرة الدولة الخيرة؟ # تأتي حين يفكر الفيلسوف (أو قل في لغة اليوم: صاحب العلم والخبرة) في مثل الوحدة ~~والعدالة والصحة والانسجام ... إلخ. ويبذل في هذا التفكير أقصى ما يمكنه بذله من جهد في ~~المشاركة، ويحصل من هذه المشاركة على أقصى قدر ممكن من الحيوية والتنظيم والترتيب في ~~المجتمع البشري. # لا يمكن أن تقوم الدولة بغير فلسفة تستند إليها. فليست الدولة السيئة هي التي تخلو من ~~الفلسفة أو تستغني عنها، بل هي التي تقوم على فلسفة فاسدة. إن الناس يفكرون باستمرار. وإذا ~~لم يفكروا تفكيرا صحيحا فهم يفكرون بالضرورة بطريقة فاسدة تؤدي إلى الدولة الفاسدة. وإذا ~~لم يحكم الفيلسوف، فلا مفر من أن يحكم السفسطائي. # هذا أمر تستلزمه طبيعة العالم الذي ms052 نحيا فيه (كما يحيا سجناء الكهف!)، وإذا لم يحكم ~~«سقراط» ومعه العقل والفضيلة، فلا مفر من أن يحكم أمثال «كاليكيليس» ومعه البطش والعسف، ~~وإذا لم تحكم نظرية المثل (أو العلم الحق) صار الحكم للنزعة التجريبية «أو للرأي المتقلب والظن». # 4 # لا بد إذا أن تتدخل الفلسفة «لتنقذ» الناس وترسم لهم بالفكر معالم الدولة الشرعية ~~العادلة. وإذا لم تفعل هذا نكصت عن أداء واجبها وتخلت عن حمل رسالتها، وألقت بزمام السلطة ~~في أيدي الطاغية وعصبته الدجالين. وهو الأمر الذي تعاني منه كل الدول في الواقع الذي عاصره ~~أفلاطون. لهذا نفض يديه من العمل السياسي وقصر جهده على التربية السياسية بمعناها الأشمل، ~~بعد أن اقتنع بأن «حالة الدول الحاضرة كلها سيئة، وأنها تحكم حكما يدعو للرثاء، وأن ~~دساتيرها المريضة لا يشفيها إلا إصلاح يتم بمعجزة توجدها المصادفة أو يسندها حسن الحظ، ~~(الرسالة السابعة، 326ب). # لكن ما العدل وما الظلم وما الطغيان؟ وكيف يصير الطاغية أساس الشر ومبدأه المطلق؟ ~~والحراس - رعاة الشعب - كيف انقلبوا لذئاب شرسة؟ كيف احتاج الحراس إلى حراس؟! ~~«العدالة حكمة وفضيلة، والظلم جهل ورذيلة.» # هذا تعريف «سقراطي» عام يصدق في أي مكان وزمان، ينطبق على الفرد كما ينطبق على الدولة. ~~لكن «وظيفته» غير محددة، لا ندري ماذا نصنع به، وخصوصا حين تكون بصدد الحكم وتدبير شئون ~~الناس. # فلننظر في تعريفات أخرى، يذكرها أفلاطون ثم يفندها: هي الصدق في القول والوفاء ~~بالدين، هي إعطاء كل ذي حق حقه (كما قال الشاعر القديم سيمونيديس - ولد حوالي 556 ومات ~~حوالي 468ق.م)، أي تقديم الخير للصديق والشر للعدو، وهي صالح الأقوى وبلاهة مبعثها الطيبة ~~... «في رأي السفسطائي ثراسيماخوس» (الجمهورية 338-339-241)، وهي تفوق القوي على الضعيف، ~~أو أداة من وضع الضعفاء ليقاوموها بها الأقوياء (كاليكيليس في جورجياس 383-490). # هل نجد التعريف الجامع أم تمضي الجمهورية في طرح سؤال بعد سؤال؟ هل يقنع سقراط بطرح ~~الشبكة وهو الزاهد في الصيد، «كما هو حال الصياد المعجز في كل حوار؟»، أم ترسو سفن الجدل ~~على شط آمن؟ # حقا، ms053 هذا ما سوف نراه: # العدالة هي أداء كل إنسان للوظيفة التي يصلح لها. # لكل إنسان في المدينة العادلة وظيفة واحدة محددة. # لكل امرئ، في أي دولة يحسن قادتها حكمها، مهمة يتعين عليه القيام بها ~~(الجمهورية 317، 403، 406، 433). # 5 # سقراط ~~: # ولهذا كان من خصائص دولتنا وحدها أن الحذاء فيها حذاء فحسب وليس ملاحا ~~في الوقت نفسه، وأن الزارع زارع فقط وليس قاضيا في الوقت ذاته، وأن الجندي جندي ~~وليس تاجرا كذلك، وكذا الأمر في الجميع». ويرد عليه أديمانتوس بقوله: هذا صحيح ~~(387). # وإذا فالهدف الأسمى أن نكفل أكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها. كيف؟ بالنظر ~~إلى الصالح العام. وكيف يتحقق الصالح العام؟ بتحقيق العدالة. # وما هي العدالة؟ هي ما قلناه الآن: أن يؤدي كل فرد أو فئة وظيفة واحدة هيأتها الطبيعة ~~لهما، فتقتصر كل طائفة من الطوائف الثلاث - الصناع والحراس والحكام - على مجالها الخاص، ~~وتتولى كل منها العمل الذي يلائمها في الدولة. # وكما يتحقق الاعتدال في نفس الفرد بالانسجام بين فضائلها الثلاث، بحيث لا تطغى إحداها على ~~الأخرى، ويسيطر الجزء الأفضل على الجزء الأخس، كذلك يمتد من باطن الفرد إلى واقع الدولة، ~~فتتحكم عقول القلة الفاضلة ومشاعرها في انفعالات الكثرة الشريرة ولذاتها، ويسود الانسجام ~~والتوافق جميع المواطنين، الرفيعين منهم والوضيعين والأوساط (432). # وكما يكون العادل شخصية واحدة موحدة، لا يتعدى جزء من أجزاء نفسه الثلاثة (الشهوية ~~والغضبية والعاقلة) على الجزء الآخر، بل يحيا في وفاق مع ذاته ويكون (هو نفسه) في كل ما ~~يفعل ويفكر ويقول، كذلك تكون الدولة العادلة واحدة متحدة، كلا حيا، لا تتعدى فيه طبقة ~~على طبقة، ولا تقوم طائفة بوظيفة هيأتها الطبيعة والخبرة لطائفة أخرى، ولا تختلط فيها ~~الطبقات الثلاث «مما يجر على الدولة أوخم العواقب» (435) وينشر فيها الفوضى «وهي مبعث ~~الظلم والتهور والجبن والجهل وبالاختصار كل الرذائل»، (444). # لكن ماذا يحدث لو لم يعد حراس المدينة حراسا لها إلا بالاسم؟ سيجرون عليها ~~خرابا لا يعوض؛ إذ إن نظامها وسعادتها يتوقفان عليهم وحدهم، (421). # وكيف نمنعهم من أن يتحولوا من كلاب حراسة ms054 إلى ذئاب ماشية؟ # بالتثقيف والتربية. تلك هي القاعدة الكبرى لبناء الدولة، الدولة العادلة الموحدة، ~~القوية السعيدة، (424). # وكيف تكون التربية سليمة؟ ما هو هذا التعليم الذي يجعلهم يعاملون بعضهم بعضا كما ~~يعاملون من يتولون رعايتهم بالحسنى، ويحثهم على إظهار الوداعة مع مواطنيهم والشراسة ~~مع أعدائهم، حتى لا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، دون أن ينتظروا حتى يهلكهم ~~الآخرون؟ # وبالجملة: كيف نضمن للحارس أن يبلغ الكمال والطهر في حراسته؟ # الجواب: بأن يجمع إلى الحماسة الفياضة صفات الفيلسوف: الحكمة والعلم؛ بالحكمة يتعلم كيف ~~يتحكم في نفسه قبل أن يحكم غيره، وبذلك يعتدل ولا يتعدى حده، وبالعلم يفهم كيف يطبق ~~النظر على العمل، ويقرب الواقع من المثال، والوجود من الحقيقة. # أول درس يتعلمه درس في «التطهير»: سنعلمه أن الذهب والفضة الكامنين في نفسه أغلى وأنفس ~~من الذهب والفضة اللذين يكنزهما الناس ويسببان كل الشرور، ونعلمه ألا يملك كالآخرين ~~حقولا وبيوتا وأموالا حتى لا يتحول من حارس إلى تاجر وزارع، ومن حام للمدينة إلى طاغية ~~يبغض أهلها ويخشاهم أكثر من خشيته الأعداء في الخارج. # سقراط ~~: ~~... ليس أضر ولا أبعث على الخجل بالنسبة إلى الراعي من أن يربي ويغذي - من ~~أجل حماية قطعانه - كلابا تدفعها شراستها أو جوعها أو أية عادة سيئة أخرى ~~تعودوها إلى التعرض بالأذى للماشية، فتتحول من كلاب إلى ما يشبه ~~الذئاب. # جلوكون ~~: # هذا شيء ضار ولا شك. # سقراط ~~: # وإذن فمن الواجب اتخاذ كل التدابير التي تحول دون سلوك حراسنا على هذا النحو ~~إزاء مواطنيهم، بحيث يسيئون استخدام قدرتهم ويغدون سادة شرسين بدلا من أن ~~يكونوا حماة يقظين. # جلوكون ~~: # أجل. علينا أن نحول دون ذلك بكل وسيلة. # سقراط ~~: # ولكن أنجح الوسائل لتحصينهم من المغريات هي أن يكون تعليمنا لهم سليما ~~... ~~(375-376-403-416-417). # لكن ما العمل إذا أخفق هذا التعليم؟ وإذا انتصرت نفس الحراس الشهوية والغضبية فأطاحت ~~عرش العقل وقلبت ميزان العدل؟ وإذا جعل الحراس مدينتهم مقبرة للأحياء، وانقض الليل ~~وفي جعبته السوداء الموت، الذل، القهر وسائر ذريته والأبناء؟ # عندئذ يأتي الطوفان. يتجهم وجه الطغيان. والطاغية ms055 شقي، أشقى الناس وأتعس من أتعس إنسان. # نفس الطاغية تجردت من كل اعتدال، ودعت الجنون ليحل محل كل فكرة أو رغبة عاقلة، ~~(573). # والطاغية الحقيقي - بخلاف ما يظن الناس - عبد بالمعنى الصحيح، بل هو شخص بلغ أقصى حدود ~~العبودية؛ لاضطراره إلى تملق الناس، وقضاء حياته في خوف مستمر، وعجزه عن إشباع أبسط ~~رغباته، ومعاناته على الدوام آلاما مرهقة (579). # والطاغية أشد الناس تعاسة؛ لأنه يأخذ على عاتقه حكم الآخرين، ويحلم بالتحكم في الناس، بل ~~وفي الآلهة، مع أنه عاجز عن حكم نفسه، (573-576-579). # والطاغية يعيش طوال حياته بلا صديق، فالطغاة إما سادة مستبدون أو عبيد خاضعون. أما ~~الحرية والصداقة الحقيقية، فتلك نعمة لا يذوقها الطغاة أبدا، (576-579). # والطاغية ابن عاق، قاتل أبيه، آكل أولاده، يجمع بالطبع أو بالتطبع أو بهما معا بين ~~صفات السكير، والعاشق، والمجنون، (569-573-619). # لكن كل آثام الطاغية الفرد التي يذكرها سقراط لا تكاد تكون شيئا مذكورا إذا قورنت ~~بما يجلبه الطغيان من بؤس وبلاء على الدولة. ويؤمن جلوكون - كعادته! - على كلامه فيقول: ~~من الواضح للجميع أنه ليس ثمة دولة أشقى من دولة الطغيان ... (576). # لو وصلت المدينة إلى هذه الحال، وتحولت الغايات إلى وسائل، وكلاب الحراسة إلى ذئاب، ~~والحرية والعدل المأمول إلى ظلم وإرهاب، ولم يفلح الوعد ولا الوعيد في حمل الحراس على ~~أداء ما يصلحون له من الوظائف، وأصبح ذنبهم في خداع الناس في معنى الجمال والخير والعدل ~~والنظم الاجتماعية أعظم من ذنبهم لو قتلوهم عن غير قصد (433-476). # لو وصلت المدينة إلى هذه الحال، وألقيت «المثل» على ركام الإهمال والنسيان، ولقي ~~أحكم الناس في بلادهم معاملة «تبلغ من السوء حدا يستحيل معه مقارنة موقفهم بأي شيء ~~موجود في الطبيعة» (488)، ونفرت الجماهير من الفلسفة؛ أي من جدوى الحكمة التي تناضل ~~للسعي إلى مثل المعرفة الحقة ثم تناضل لإصلاح الواقع على صورتها، بعد أن تسلل ~~الدخلاء إلى صفوف الفلاسفة، وانصرفوا إلى التشاحن فيما بينهم، واقتصروا على تبادل ~~الإهانات الشخصية، وهي أبعد الأمور عن مسلك الفيلسوف، (500). # لو حدث هذا، فماذا ms056 يكون جواب أفلاطون على السؤال الأبدي الملهوف؟ # لن نجد لديه غير جواب اليائس حين يخيب الأمل المأمول ويصطدم بطبع الناس «المفطورين على ~~الشر»: أن ننتظر «المنقذ» الذي يولد بمعجزة إلهية أو تتمخض عنه الصدفة، تتحد القوة ~~فيه مع الحكمة، يأتي بدواء يشفي الداء. # لكن هل يكفي هذا؟ هل يكفي أن نجد الحل لكي نستريح من الإشكال؟ # سقراط ~~: # أتعتقد أن النظرية يمكن أن تتحقق عمليا على نحو أكمل؟ ألا تقضي طبيعة الأشياء ~~أن يكون الفعل العملي أبعد عن الحقيقة من الكلام؟ (473). # وإذا وجد عاشق الحقيقة، ورفيق العدالة والشجاعة والاعتدال، من يتحلى بالصدق ويكره ~~الزيف ويرفض الكذب في كل صوره، من يتجه برغباته كلها نحو العلم وما يرتبط به، من لا ينشغل ~~بلذات البدن عن الروح، من يترفع عن الجشع والوضاعة والغرور والجبن (485-487)، من يروي ~~أعتاب مدينته الخيرة بدمه وفي سبيلها يتجرع السم الذي تجرعه سقراط، أإذا وجد ~~المنقذ تم الإنقاذ؟ هل ينجح في إنقاذ الدولة كما نجح في إنقاذ نفسه؟ هل يقبل الاشتغال ~~بالسياسة كما اشتغل بها في «دولته الباطنة»؟ (592) هل ينجو من حسد الناس، من الغدر؟ # في هذا «المنقذ» - الذي يشارك في عالم المثل المطلقة - تكمن كل معاناة أفلاطون ~~الأخلاقية والعاطفية، كل العبرة من كفاحه الفلسفي والسياسي. علق عليه آماله في تحقيق ~~الاتحاد بين الوجود والصيرورة، بقدر ما تسمح به طاقة الإنسان وظروف العالم. # لكن هل يكفي التفكير لتحقيق الدولة العادلة الخيرة؟ أليست النفس عرضة للانحراف عن ~~طريق الفكر الخاطئ؟ وهذا المنقذ «الفنان» الذي يرسم خطة الدولة وفقا لأنموذج إلهي ~~(500) هل يسلم من الحسد والنفاق، والجحود والإغراء، وسائر القوى التي تغلب على العالم ~~التجريبي وتتحكم فيه؟ # لم يكن أفلاطون مثاليا إلى الحد الذي يعميه عن الواقع. فهو يعترف بأن فرصة تحقيق هذه ~~الدولة المثالية ضئيلة، ولكنه لا يستبعدها ولا يقول إنها مستحيلة. ربما تتدخل «المشيئة ~~الإلهية» أو «الصدفة الطيبة» فيولد المنقذ. وبدلا من أن نسأل أنفسنا: «متى يأتي؟» علينا ~~أن نسألها: «كيف نحميه من الانحراف إذا تصادف ظهوره؟» وليس ms057 المهم أن توجد هذه الدولة في ~~أي مكان أو أي وقت طالما أنه وضع أنموذجا في السماء لمن شاء أن يطالعه، فالأهم ~~من ذلك هو كيف نحافظ عليها من بعده، (593). # إن وجد المنقذ فسيجد أمامه فلسفة فاسدة، وسيبذل كل كهنتها كل الجهد لإفساده، «والفلسفة ~~الفاسدة - كما قدمنا - أسوأ بكثير من عدم وجود فلسفة على الإطلاق!»، هنا يأتي دور ~~العارفين، فعليهم أن ينشروا الفلسفة الحقة بحيث تقنع الجماهير بأن الدولة التي يشرعها ~~الفلاسفة الأصلاء هي الدولة الحقيقية، وأن مصلحتهم مرهونة بوجودها وبقائها. إن الجماهير ~~وحش طاغية، ولكن السفسطائيين هم الذين جعلوها كذلك. والواجب الأكبر هو تنويرها وتربيتها ~~بحيث تعترف بفضل الفلسفة الحقة، وتمكن المنقذ من أداء مهمته، وإذا خانه الحظ أو عاقته ~~ظروف أقوى منه فعليها أن تتم ما بدأ، وإذا جانبها التوفيق فإن عليها أن تكشف ~~«السفسطائيين لكل العصور ...» ولا تحول عيونها عن «الأنموذج الإلهي...» # ليست المشكلة الحقيقية أن «المنقذ» لم يوجد بعد، بل أنه يوجد دائما ولا يلتفت إليه ~~أحد، وأنه في العادة أزهد الناس في الحكم. لا مفر إذا من «إرغامه» على الهبوط من ~~عليائه. # علينا إذا أن نمارس نوعا من الضغط على هذه الطبائع الرقيقة لإرغامها على الصعود لرؤية ~~الخير، الذي قلنا إنه أسمى موضوع للمعرفة. فإذا ما وصلوا إلى هذه المكانة العليا، وتأملوا ~~الخير بما فيه الكفاية، فلنحذر بأن نسمح لهم بما يسمح لهم به اليوم. # وما هو؟ # أن يظلوا في عليائهم ويأبوا العودة إلى سجنائنا أو الاشتراك في أعمالهم ومشاركتهم فيما ~~ينالونه من الجزاء، مهما عظمت قيمته أو تضاءلت، (519). # ليس في هذا الإرغام جور، ما دامت سعادة المدينة بأسرها، وضمان وحدتها، تقتضي المشاركة ~~في الخدمات التي يتسنى لكل فئة أن تؤديها للجماعة: # وهكذا ترى يا جلوكون أننا لن نكون جائرين على فلاسفتنا إذا أرغمناهم على رعاية بقية ~~المواطنين وقيادتهم. فعليكم إذا أن تهبطوا إلى حيث يقيم بقية المواطنين، وأن تعودوا ~~أعينكم رؤية الظلام؛ إذ إنكم متى اعتدتم الظلام أمكنكم أن تبصروا فيه على نحو أفضل ms058 ألف ~~مرة مما يبصر فيه الآخرون. وستعرفون كل صورة في الظلام وتعلمون ما تمثله؛ لأنكم ~~شاهدتم الأصول الحقيقية للجمال والعدل والخير. وهكذا يغدو دستورنا، بالنسبة إلينا وإليكم، ~~حقيقة لا حلما كما هو حادث بالفعل في معظم الدول الحالية، حيث يدب الصراع بين الناس ~~من أجل ظلال وأشباح، ويتنازعون السلطة وكأنها خير عميم، على حين أن الدولة في الواقع لا ~~تكون خير الدول وأصلحها حكما إلا إذا تولى الأمر فيها أزهد الناس في الحكم، بينما يحدث ~~عكس هذا في الدول التي يحكمها عكس هؤلاء (520). # هل يرفض «العارفون» الاستماع إلى هذه الحجج؟ وهل يوافقون على الإسهام في المجهود السياسي ~~على الرغم من أنهم يقضون معظم حياتهم في عالم المثل الخالصة؟ # قال: إنهم لن يستطيعوا الرفض؛ إذ إنهم عادلون، ونحن لا نطلب إليهم شيئا سوى العدل، ولا ~~شك في أن كلا منهم لن يتولى القيادة إلا لأنها ضرورة لا مفر منها، على عكس ما يحدث الآن ~~في كل الدول، (520). ~~••• # ماذا تنتظر اليوم من المنقذ؟ كيف نراه في ضوء العصر؟ أنجدد وهما وخرافة، أم نقفو ~~أثرا قد يهدي لسبيل الحق؟ # المنقذ؟ هل تبقى كلمة، تتبعها كالظل الباهت، لعنة هاملت؟ (بولونيوس: ماذا تقرأ يا ~~مولاي؟ - كلمات، في كلمات، في كلمات ...) # 6 # أم تبزغ من لجج الصوت، كعروس تحمل في صمت، ميزان العقل وسيف العدل، ليطارد ~~زيف الكلمات؟ أندور ندور مع الطاحون؟ نمضغ كلمات نصبح كلمات تتساءل على سر «يكون»، في فرش ~~السأم الملعون، ونموت ككل الأموات؟ عاهدني أن تنقذ نفسك، وتفك قيود المسجون، في كهف ~~الظلمات المهلك «الواحد من أجل الكل، والكل لأجل الواحد»، فاللحظة بين يديك: حقل ينتظر ~~الحرث، أرض تحتضن الغيث، تنبت من ليل الرحم بذور البعث، والصبح الواعد ... # | خاتمة الرحلة وبدايتها # يجب أن نتذكر، ونحن ندرس أفلاطون، أننا نعيش في القرن العشرين. ولا بد للشارح والمفسر، ~~وهو يواجه فلسفة خالدة - أي فلسفة قديمة متجددة - أن يكون على وعي تام بالموقف التاريخي ~~الذي يحيا فيه، والظروف الاجتماعية والواقعية التي تحيط به. وليس معنى ms059 هذا أن نحاول تفسير ~~أفلاطون تفسيرا «عصريا»، بل معناه أن نفهم عصرنا وواقعنا على ضوء فكره الباقي. وليس من ~~حقنا بطبيعة الحال أن نلوي أعناق نصوصه، ونحملها فوق ما تحمل. فبداية البدايات في أي ~~بحث نزيه هي الالتزام بالنص الأصلي، ورؤيته من داخله في ضوء العوامل التاريخية والفكرية ~~والاجتماعية والنفسية ... إلخ، التي يعد ابنا شرعيا لها وشاهدا أمينا عليها، بشرط أن ~~نترك أفلاطون نفسه يتكلم ، فلا نقاطعه ولا نفرض عليه مفاهيمنا الحديثة والمعاصرة، بل نتركه ~~يفكر ونحاول التفكير معه، بحيث يكون «حاضرا» معنا نحن «الحاضرين» في هذا الزمان، دون أن ~~نحاول «تحديثه» بالمعنى الشائع المبتذل، أو نستبدل واقعنا الراهن بواقعة التاريخي. ومن ~~حقنا بعد ذلك أن نأخذ منه ما نتصور أنه يلقي بصيصا من النور على مشكلات مجتمعنا وحضارتنا ~~التي لم يعد أحد يشك في حاجتها «للإنقاذ». أقول: «من حقنا»، والأولى أن أقول: «لا حيلة ~~لنا». فنحن نرى أنفسنا بالضرورة في كل تفسير نتقدم به لنص قديم، ونستمع إليه أو نعيد قراءته ~~لعلنا نزداد وعيا بأنفسنا وعالمنا. وحتى لو حاولنا أن نمتنع عن أي تفسير، متذرعين ~~بموضوعية مطلقة ومستحيلة، فإن هذا الامتناع نفسه نوع من التفسير؛ لأن الباحث مضطر بحكم ~~حدوده العقلية والبشرية أن يقف عند هذا الجانب أو ذاك من الفكر الرحب المتشعب. وهذا أيضا ~~لا ينجو من الرؤية أو التفسير ... # كان أفلاطون - مثل أغلب الشباب من جيلنا - مثاليا أخفق في تطبيق أفكاره على الواقع، ~~مصلحا ثوريا حاول أن يهتدي إلى أساس سياسي لإصلاحاته. عاش في عصر تدهورت فيه دولة ~~المدينة، انهارت القيم القديمة وتحتم البحث عن قيم جديدة. فالمجد الذي أحرزته اليونان ~~بعد انتصارها على الفرس قد ذوى قبل مولده بوقت طويل، وشعوره بإخفاق الروح اليونانية كان ~~أقوى من شعور جميع معاصريه. كان في الثالثة والعشرين من عمره عندما انتهت الحرب الكبرى ~~بين أثينا وإسبرطة بهزيمة مواطنيه وإذلالهم. ولهذا أدرك أن المهمة الحقيقية ليست هي إعادة ~~بناء أثينا «فأثينا لم تعرف قط حاكما عادلا»، جورجياس (516-517)، وإنما المهمة ms060 الحقيقية ~~هي «إنقاذ» بلاد اليونان. # 1 # كان عصره عصر انقلابات وثورات سياسية وفكرية واجتماعية، وكان في أعمق أعماقه شبيها ~~بعصرنا. وعوامل الفساد التي كانت تدب في قلب مجتمعه القديم وتدمره لا تزال تنخر في ~~قلب مجتمعاتنا الحاضرة. وإذا كانت فلسفته لم تستطع أن تستأصل الفساد الذي بلغ حدا أصابه ~~بالدوار (كما تشهد زفراته الحارة في الرسالة السابعة!) ولم تتمكن من وقف الانهيار الذي ~~أدى في النهاية إلى استسلام أثينا لسيطرة الإسكندر الأكبر، ثم وقوعها بعد ذلك في قبضة ~~الرومان، فقد تنفع العبرة من كفاحه وبصيرته وعاطفته في إيقاف زحف الانهيار والفساد الذي ~~يلاحظه المخلصون في مجتمعاتنا. وقد تدفع المصلحين إلى السيطرة عليها وتحويلها إلى عوامل ~~إنقاذ وبعث جديد من وسط الرماد المحترق، # 2 # بيد أن هذا مجرد أمل، فليس على المفكر إلا أن يدق ناقوس الخطر، وينبه ~~للإشكال ويشرك غيره في التفكير معه. أما اتجاه الواقع ومصيره فيندر - بشهادة التاريخ ~~الفعلي - أن يكون في أيدي المفكرين. # يبدو أن حلم «المنقذ» قديم قدم البشرية نفسها، وأنه كان يراود النفوس المرهفة في ~~فترات التأزم والظلام، «يمكن أن نلمح طيفه في ملحمة جلجاميش، في صرخات حديث المتعب من ~~الحياة إلى نفسه ونذر أيبور وشكوى الفلاح الفصيح أثناء انهيار الدولة الوسطى في مصر ~~القديمة ...» ويحتمل أن تكون فكرة أفلاطون عن «الملك الفيلسوف» قد تأثرت بفكرة بعض ~~الفيثاغوريين في القرن الخامس قبل الميلاد من أن للحكمة حقا إلهيا في أن تحكم وتسود، # 3 # ولا بد أن الأديان السماوية قد زادت الإحساس ب «المنقذ» وترقب عودته ليملأ ~~الأرض عدلا ونورا بعد أن شبعت جورا وظلاما، أمل «أوغسطين» - وهو يرى تصدع الدولة ~~الرومانية - في تحقيق مدينة الله، خرافة «المسيح الدجال» والخضر والمهدي المنتظر وعودة ~~الحاكم بأمر الله، صورة الإمام المعصوم والقطب، الخاتم والدرويش والزاهد، والمستبد العادل ~~والبطل القديس ... إلخ، التي صاحبت ثورات الإصلاح المتطرفة وحاولت تجديد ربيع الشجرة ~~الذابلة بالرجوع إلى بذور الأسطورة «قيصر، والإسكندر، نابليون، وموسوليني، وهتلر، ثورات ~~الخوارج والشيعة والمهدية، هيجل والبطل الذي يتحد وعيه ms061 الذاتي بالروح المطلق، حلم نيتشه ~~بالإنسان الأعلى»، السوبر مان «وجيل المتفوقين المعانقين للأخطار، حلم الخلاص الأرضي ~~والعلمي «المعكوس» في الجدل المادي الثوري عند ماركس، أحلام المعاصرين بالمغترب والمنبوذ ~~واللامنتمي ... إلخ، الذي يفجر ينابيع الخلق والإبداع ويتحدى مجتمع الآلية والعقلانية وإرهاب ~~الحساب وأجهزة العقاب والعذاب، أحلام الرومانتيكيين والتعبيريين والحدسيين وفلاسفة ~~الحياة ... إلخ»، ربما كان لحلم أفلاطون عن المنقذ «الملك الفيلسوف» دور كبير في نشر هذه ~~الأسطورة عبر التاريخ. غير أني حاولت في الصفحات السابقة أن أبين استحالة خرافة المنقذ، ~~وان أحافظ مع ذلك على فكرة الإنقاذ التي أكد أفلاطون نفسه ارتباطها بالعلم والمعرفة ~~والبصيرة والحكمة. لم أرسم صورة «المنقذ» الذي يبدأ دائما بداية شعبية فيختاره الشعب ~~ويتصور أنه نصيره وحاميه، ثم لا يلبث بعد أن يتحول إلى طاغية أن يخيب أمله فيه. إن ~~أفلاطون نفسه - بتجاربه الحية ورسالته السابعة ونصوصه المتناثرة في مختلف محاوراته - يبين ~~بوضوح لا مزيد عليه أن مثل هذا المنقذ سرعان ما يتحول إلى طاغية. والألوان القاتمة التي رسم ~~بها صورة الطاغية الفرد في الكتاب التاسع من الجمهورية واستمدتها ريشته من شخصيتي ~~ديونيزيوس الأب والابن - حاكمي صقلية وأمل شعبيهما حينذاك - تصدق بوجه عام على ~~«المنقذين» المزعومين منذ عهده إلى يومنا الحاضر. # إن الإنقاذ في عصر العلم الذي نعيش فيه لن يتم إلا عن طريق العلم. هذه هي الفكرة التي ~~حاولت توضيحها. وهي فكرة لا تأتي بأي جديد؛ لأنها تستند إلى أفلاطون نفسه، كما أنها واضحة ~~وضوح الشمس لكل من يفتح عيني جسده ووعيه على واقع هذا العصر. والعلم لا يزدهر إلا في جو ~~الحرية. وبلوغ النظام الاجتماعي الممكن والمعقول الذي يزرع هذين الجناحين في روح الإنسان ~~وضلوعه كي يعلو ويخاطر بحثا عن الحقيقة، هو الجهد المشترك لكل الحالمين العاملين من أجل ~~تحرير الإنسان وسعادته، الإنسان الحقيقي الذي يحيا «هنا والآن»، ويسعى إلى تحقيق الممكن فلا ~~يتشبث بخيوط مطلق أسطوري مضى ولن يعود، ولا ينجذب نحو مطلق مستحيل يوغل في المستقبل ~~البعيد ... # وإذا كنا نجد عند أفلاطون قرائن عديدة ms062 تؤكد عداءه للديمقراطية «الأثينية المعاصرة له، ~~لا للشعب بوجه عام!»، وحماسه في الدفاع عن حكم النخبة الأرستقراطية «بالفضيلة والحكمة لا ~~بالذهب والفضة!»، بل إذا وجد البعض عنده بعض مظاهر الفاشية «كوصاية الحاكم على المحكومين، ~~ووقوفه منهم موقف الراعي من القطيع، حتى ولو كانت عنده باسم العقل لا باسم الغوغائية ~~وتملق غرائز الجماهير»، وإذا كنا أخيرا - بعد مرور أربعة وعشرين قرنا جرف فيها تيار ~~الزمان مئات الأفكار والنظم والعقائد والقيم والتصورات - نستهجن فكرته عن الملك الفيلسوف، ~~فإننا نستطيع مع ذلك أن نحتفظ بجوهر فكرة الإصلاح الذي لم يتوان عن تأكيد أهمية العلم ~~والمعرفة في تدبير شئون الحكم، والإلحاح على أنه لن ينصلح حاله ما دام مبنيا على الثروة ~~أو القوة الغاشمة، كما نستطيع في النهاية أن نضع المنقذ «العارف» الذي كان يحلم به - ولا ~~نملك اليوم أن نتخلى عن الحلم بأن يأخذ مكانه في كل عضو من أعضاء الدولة الحديثة - في نظام ~~ديمقراطي يقوم على المشاركة وتبادل الرأي والمشورة بين الحاكم والمحكوم، لا على الوصاية ~~وفرض الرأي الواحد واستغلال الغرائز الوحشية والدعاية الرخيصة: «لا تنتظر «المهدي» ولا الدجال المفزع، فالمسخ الكاذب لن يرجع، ودموع إيزيس لن تنفع، ~~والصقر الغائب حوريس، من جوف الظلمة لن يطلع، اهجر كهفك! اطرد شبح القيصر والإسكندر! - ~~سقط الفارس في جوف التنين الأكبر، لم يترك غير الصمت وأشلاء خرافة - أنقذ نفسك! بالحرية ~~والعلم المبدع، والعمل بكف شفافة، تبصر تبتسم وتسمع، أصوات النبع الأقدم، تهمس بالسر ~~المفجع، عن عرق الأجداد المر ودمع الأحفاد المؤلم ...» # إن الفكرة الأساسية في محاورات أفلاطون - مع اختلاف موضوعاتها وأساليب تعبيرها - هي إيجاد ~~الإنسان العادل الكامل في مجتمع عادل كامل. ولهذا كان «أولا وقبل كل شيء فيلسوف ~~العدالة، لم يعش إلا لهذا الهدف، ولم يعمل إلا على تحقيقه، سواء في حياته أو في مؤلفاته»، # 4 # والواقع أن أفلاطون لم يصل إلى الفلسفة إلا عن طريق السياسة ومن أجل السياسة # 5 # ظلت الفلسفة الحقيقية عنده هي السياسة الحقيقية، والاعتبارات العملية هي أساس ~~أفكاره الميتافيزيقية والأخلاقية ms063 والمعرفية والجمالية. إن فلسفته كلها موقف اجتماعي ~~يتخذ صورة فلسفية هي ضمان الخير للدولة، # 6 # ولعله لم يكن ليكتب كبرى محاوراته وواسطة عقدها «الجمهورية» لو لم تقم على ~~ظروف فعلية، ولو لم يقصد فيها أن تشكل الحياة الفعلية أو تؤثر فيها على الأقل. ولعل ~~الرسالة السابعة أيضا أن تكون أوضح دليل على محاولاته المستميتة لتطبيق أفكاره على الواقع ~~العملي. ويكفي أن يطلع عليها القارئ في هذا الكتاب ليشهد ملحمة الصراع والأخطار التي ~~ألقى بنفسه فيها وخرج منها في النهاية مثخنا بجراح لم يتوقف نزيفها قط. ولا بد أنه ~~اقتنع في النهاية بأن «أحوال الدول الحاضرة كلها تدعو للرثاء، وأن الفلسفة الحقة هي وحدها ~~السبيل إلى معرفة العدل والصواب الذي تصلح به الدولة والحياة الخاصة ...» (326ب)؛ ولهذا عكف ~~بعد النجاة من مغامراته الأخيرة على بناء نظام فكري وتعليمي من شأنه أن يضمن الخير والعدل ~~للدولة إذا قدر أن يجد السلطة الحاكمة التي تفرضه. # لا بد أن أفلاطون كان يضع في حسابه سخرية الرأي العام من هذه الفكرة الأساسية التي ~~توحد بين الفلسفة الحقة والسياسة الحقة. ولا بد أنه كان يلتمس الفلسفة ومفهوم ~~السياسة، ولم يصادفهم - في حياتهم أو حياة أجدادهم - من يجمع في شخصه بين الحاكم والحكيم، ~~ولكنه لم يتخل عن إصراره على فكرته التي علق عليها كل أمله في إنقاذ بلاده وإنقاذ ~~البشرية، ولم يتراجع لحظة أمام الموجة التي يمكن أن تطغى عليه: «ولكنني سأقول كلمتي ولو ~~أغرقتني الموجة في السخرية والاحتقار» (الجمهورية، 473). # لعل هذا هو الذي جعله يحرص - في كثير من محاوراته - على تحديد مفهومه عن «السياسي»، ~~والتأكيد بأنه وإن يكن مفهوما مثاليا فليس وهميا، وإن يكن متعذر التحقيق فليس ~~بالمستحيل، ها هو ذا يقدم تعريفات مرفوضة: «السياسي هو راعي القطيع البشري» (السياسي، 275)، ~~وأخرى غير كافية: «إذا مارس رجل الدولة العنف أسميناه طاغية، أما إذا قدم للرعية عناية ~~صحيحة تتقبلها عن رضى، فتلك هي السياسة» (السياسي، 271)، حتى يستقر على هذا التعريف: ~~«السياسي هو حائك خيوط إنسانية» (السياسي، 287)، ويكمله في ms064 النهاية على هذه الصورة الدقيقة ~~العميقة: «السياسي أو الحاكم الحق هو القانون الحي» (القوانين، 694-698)، والأول يجعل من ~~السياسي الحائك المثالي الذي جمع خيوط الشعب المختلفة وربط بينها بالوفاق والمحبة فضم ~~الشعب كله، وضمن له السعادة التي يمكن لمجتمع بشري أن يتمتع بها (السياسي، 311)، وهو ~~تعريف ينبثق من مفهومه للوجود البشري الواقعي «كجدلية» تناقض بين الواقع المحسوس والمثال ~~المعقول، وللوجود البشري الممكن والمأمول، كجدلية مشاركة في مثال العدالة، ومنه يستخلص ~~صفات الحاكم: العلم، والإخلاص ، والشجاعة، والمسئولية. # 7 # أما عن التعريف الثاني: «السياسة الحق هو القانون الحي»، فهو يتوج به في ~~«القوانين» رحلة بحثه المضيئة عن معنى السياسة وهدفها. إنه يكرر أن هدف السياسة الوحيد ~~هو تحقيق العدالة كشرط أولي لتحقيق المعرفة والحرية والمجتمع الواحد. فعلى أساس العدالة ~~لا على أساس الإثراء يجب أن تقوم السياسة الحقة ... فتوزع العدالة الممتلكات توزيعا ~~يجعل الجميع راضين (القوانين، 731-732). وفي ظل العدالة يمكن أن تحقق القوانين ~~المثالية المبدأ القائل: كل شيء يجب أن يكون مشتركا، فإذا تحققت الاشتراكية الكاملة ~~(في النساء والبنين والأشياء)، وزالت الملكية الخاصة وأضحى كل شيء مشتركا «حتى العيون ~~والأذان والأيدي، فبات الجميع يرون ويسمعون ويلمسون الشيء الواحد»، فلا أحد يعود يرغب أن ~~يعيش في غير هذا المجتمع (القوانين، 739). # لا شك أن مفهومنا اليوم عن الاشتراكية يختلف اختلافا بينا عن مفهوم أفلاطون الذي يمكن ~~أن نصفه «بالمشاركة الجماعية» سواء في صورتها البدائية الناشئة عن عجز الفرد عن سد حاجاته ~~وافتقاره إلى معونة الآخرين (وقد عرضها بشكل أسطوري في بروتاجوراس 321-323)، أو في صورتها ~~الواعية المتطورة التي تقوم على العدالة وتوزيع الأعمال والخيرات حسب القدرة والموهبة ~~(وقد توسع فيها في الجمهورية 369). وليس هنا مجال الخوض في أمر هذا الاختلاف؛ إذ المهم في ~~هذا كله أنه يصدر عن فكرة العدالة التي يدور حولها كل كفاحه النظري والعملي في سبيل ~~الإنقاذ، فقوام العدالة - كما قدمنا - هو تحقيق الفرد العادل في المجتمع العادل؛ إذ لا ~~يمكنه أن يحقق ذاته الفردية إلا بتحقيق ذاته الاجتماعية والعكس ms065 بالعكس. والعدالة - كما ~~قدمنا أيضا - هي الشرط الضروري لتحقيق المعرفة والحرية والمجتمع الموحد، وإصلاح ~~الفضيلة والحب والجمال واللذة والفن والشعر وسائر القيم التي رأى ديدان الفساد تنخر فيها ~~أمام عينيه؛ ولهذا فهو لا يكف عن المطالبة بالمشاركة في مثال العدالة وغيره من المثل حتى ~~ترتفع على سلم الجدل إلى مثال المثل جميعا وهو الخير. # كما أن نظرية المثل والمشاركة - التي أسهبنا في عرضها في الفصل الثاني من هذا الكتاب - ~~هي ركن الإصلاح والإنقاذ في السياسة والاجتماع والأخلاق والفن والقيم. لقد انبثقت عن ~~نظريته في الوجود الإنساني المتناقض المركب من طبيعة حسية ونزوع مثالي، ومن «الدوار» ~~(الرسالة السابعة، 325)، الذي أصابه وهو يلاحظ الفساد يستشري في النظريات الفلسفية والنظم ~~السياسية والقيم السائدة في عصره. وإذا كان هذا الفساد لم يستطع أن يحوله عن مثاليته، ~~فإنه لم يغرقه في الأوهام ولم يجعل منه ذلك الفيلسوف الزاهد المتشائم ولا الهارب الحالم ~~الذي يحلو للكثيرين أن يخلعوا عليه صورته. لقد ألح على المشاركة في المثل وجعلها محور ~~فلسفته، ولكنه لم ينس أن الإنسان يعيش في عالم المحسوس لا في عالم المثل وأنه يعمل في ~~هذا العالم لا خارجه (فيليبوس، 20-30)، وطالب بالسياسي والحاكم الحق الذي يكون في نفس الوقت ~~الفيلسوف والحكيم الحقيقي. ولكنه - كما سبق القول - لم يغفل عن صعوبة وجوده، بل عرف تمام ~~المعرفة أن وجوده أصبح مستحيلا بعد أن فسدت النظم والضمائر، فالشعب لا يصدق بوجود هذا ~~الحاكم المثالي الذي «يحكم بالعلم والفضيلة، وينشر العدالة والمساواة بغير محاباة وبغير أن ~~يظلم ويقتل وينتقم كيف ومتى شاءت أهواؤه» (السياسي، 30)، فالتسلط يفسد عقله وإرادته ~~وعواطفه، ومهما كان صالحا في بداية حكمه، فإن التسلط يحوله إلى طاغية ينكر الحقيقة ~~والحرية (القوانين، 694-698). بل إنه لينظر حوله فيجد العدالة مفقودة في الشرق والغرب ~~جميعا؛ ففي الشرق تطرف في الطغيان والعنف والاستبداد، وفي الغرب تطرف في الحرية. ~~لذلك بادت المدنيات الشرقية الطاغية، وستبيد المدنية الأثينية التي أصبحت تعد الفوضى حرية ~~وسعادة. هل معنى هذا أن يستسلم أو ييأس؟ ms066 نخطئ أكبر الخطأ لو صورناه في هذه الصورة ~~القاتمة الظالمة، أن سياسته مثالية، لكنه يرفض أن تكون وهمية. والوعي لا يفارقه بأن وجود ~~السياسي المنشود أمر عسير، لكنه لا يعده من قبيل المستحيل: «فلا تطلب مني تحقيق النظرية ~~تحقيقا كاملا؛ لأن تحقيق المثال غير ممكن، يكفينا أن نحقق هذه السياسة المثالية بقدر ~~المستطاع لكي نسلم بإمكان تحقيقها» (الجمهورية، 473، و«أفلاطون»، لجيروم غيث، ~~ص159). # من أشد الأخطاء إذا أن نصور أفلاطون في صورة المفكر الحالم أو الزاهد المتشائم ~~والصوفي الهارب من عالمنا الواقعي إلى عالم مثالي «آخر» وراء هذا العالم «كما ظلمه نيتشه! ~~فهذه الصور التي تراكمت ظلالها عليه منذ شراح الأفلاطونية المحدثة إلى مختلف ~~الشراح والمفسرين في عصرنا الحاضر قد أضفت عليه مسوح الفيلسوف الإلهي تارة ~~وترصدت عيوبه ومتناقضاته تارة أخرى» كما فعل بعض المفسرين منذ أرسطو ~~والأفلاطونيين المحدثين وآباء الكنيسة حتى نيتشه - عدوه الأكبر - وجورج سارتون وبوبر # 8 # وفؤاد زكريا!» وبين الصورة التي تحوطه بهالة التقديس والإجلال، والصورة التي ~~تحمله مسئولية كل طغيان وشمولية مطلقة جاءت بعده وتتهمه بخيانة الأرض والواقع البشري ~~الحي؛ بين الصورتين ضاع صوت المصلح الثوري والمنقذ الذي لا يزال يهيب بكل من يسمعه أن ~~ينقذ نفسه بنفسه ... # إن لأفلاطون - بغير شك - سلطته الطاغية وجبروته الفكري المهيمن على التراث الغربي ~~كله وجانب لا يستهان به من التراث الشرقي والإسلامي. وهو - ككل مفكر ضخم - قلعة ~~هائلة لها ألف باب وباب. وقد تراكمت شروح المفسرين «وإسقاطاتهم» عليه عبر العصور، ~~وأغلب الظن أن الركام سيرتفع وتتكاثف طبقاته على مر الزمن. وستحتمل القلعة شتى الصور وتتعرض ~~لغزوات من مختلف الفرسان. ولو حاولنا تتبع تفسيراتهم «من سياسية وأخلاقية ورياضية ودينية ~~وصوفية ووجودية واشتراكية مثالية أو علمية ... إلخ»، لطال بنا الحديث وغاب عنا الأثر. ~~يكفي القارئ أن ينظر قائمة الكتب التي وضعت في تفسير نظرية المثل ليعرف أنها شيء ليس له ~~آخر ولن يكون ... هذا أمر طبيعي يحدث لأفلاطون كما يحدث لغيره من كبار المفكرين. وإذا لم ~~يكن هناك مفر من اختلاف الرؤى ms067 والتفسيرات لاختلاف المفسرين والأجيال، فلا مفر أيضا ~~من إعادة النظر في الشروط «القبلية» لدراسة أفلاطون أو غيره. ولا بد من أن يحاول كل من ~~يقترب منه أن يخلصه من الشوائب الغريبة التي حجبت جوهره النقي. إن أفلاطون نفسه لن ~~يعبد الطريق للسالكين، ولن يعدهم بدرب مفروش بالزهور والرياحين. فهو في صميمه باحث ~~عن الحقيقة لا «يملكها» في نظرية أو مذهب. والبحث عن الحقيقة ينفي عنه صفة المفكر ~~المتزمت التي يلصقها به الكثيرون. وأول كلمة ينبغي أن نتعلمها من كتاب حياته وأعماله هي ~~كلمة «التطور». فقد ظل يعمل على تكوين أفكاره طوال حياته، ويتطور من مرحلة إلى مرحلة، ~~ينقد نفسه باستمرار، يصلح ما في نظرياته من خطأ أو نقص أو غموض، يضيف إلى بوتقة فكره ~~كل جديد ويحاول أن يتمثله ويعيد بناءه ويضمه إلى كيانه الحي. ولكنه بقي مفكرا ~~«جدليا» قبل كل شيء، لا تقف جدليته عند الجدل الصاعد والنازل المعروفين، بل هو في ~~حوار دائم مع نفسه، ومع الآخرين وضد الآخرين، وهمه الأول والأخير هو الدفاع عن ركن ~~أركان فكره وكفاحه، وهو «جدلية» المثل والمشاركة التي يقوم عليها وجود الإنسان العادل ~~الكامل في المجتمع العادل الكامل، كما أشرنا أكثر من مرة، # 9 # ولهذا اتجه بفكره وعاطفته إلى إصلاح فساد العالم والإنسان والقيم والنظم ~~على صورة عالم معقول ثابت بسيط، ولم يكف أبدا عن المطالبة بالمشاركة فيه لتحقيق هذا ~~الإصلاح بقدر الطاقة ... # هل أنصفت أفلاطون أم ظلمته؟ هل فهمته أم أسأت فهمه؟ أتراني أضفت تفسيرا ~~جديدا إلى ركام التفسيرات القديمة والحاضرة، أم تراني نزعت قناعا واحدا من الأقنعة ~~التي تحجب عنا وجهه؟ هل أسأت معاملة «كلمته المكتوبة» - وهي اليوم ضعيفة عاجزة عن الدفاع ~~عن نفسها في غيبة «أبيها»؟! (فايدروس، 275 وبعدها). إن القارئ أقدر مني على الإجابة على هذه ~~الأسئلة؛ فهي في النهاية رؤية محدودة بجهد صاحبها، مقيدة بالقيود الخفية التي تطوق ~~ذاتيته وانعكاس مجتمعه وزمانه وعصره على نفسه، كما هي مقيدة ببعد نظره أو قصره ... ~~ربما كان أهم ما في ms068 هذه الرؤية أنه حاول أن يجد الإنقاذ عند أفلاطون «ورسالة الإنقاذ لا ~~تنفصل عن أي نظرية أو تفكير حقيقي في أي زمان أو مكان»، وأن يخلصه من شوائب العصر ~~والبيئة والظروف التاريخية والتفسيرات المتعاقبة ليكشف عن صفاء معدنه. ثم حاول أن يخطو ~~خطوة أخرى فحرر صوت المنقذ وصورته من خرافته السحرية، لكي يطرق سمع كل واحد منا ~~ويحثه على تحرير نفسه بنفسه وإنقاذ نفسه بنفسه ليكون قادرا على المشاركة في إنقاذ ~~مدينته ومجتمعه ... ولن يكون الإنقاذ في عصر العلم والمعرفة إلا تأكيدا جديدا لصوت المنقذ ~~والمحرر الأول في حياة أفلاطون، ألا وهو صوت سقراط الذي لا يزال يردد نداءه لكل ضمير: ~~اعرف نفسك بنفسك! # هكذا ترتبط فكرة «الإنقاذ» عند أفلاطون بالمنقذ الفرد، كما يستحيل تصور المنقذ ~~نفسه بغير الحرية التي تمكنه من اختيار مصيره والالتزام بنتيجة اختياره، وبغير الإيمان ~~بقيمة المعرفة التي هي وسيلة إنقاذ نفسه وغيره. ولا تعني هذه المعرفة أن يكون المنقذ بطلا ~~أسطوريا معصوما ولا متخصصا في فرع من فروع الفلسفة كالمنطق والجمال والأخلاق ونظرية ~~العلم ... إلخ؛ لأنه في الحقيقة إنسان وبشر يريد أن ينقذ بشرا مثله. هذا هو المعنى العميق ~~الذي يؤكده رمز الكهف كما سبق - أنه يعرف «الخير» - قيمة القيم ومصدر كل معرفة ووجود في ~~عالم المثل والأشياء في آخر السلم الجدلي الخالص، ثم يهبط إلى ظلام الكهف ليحرر ~~زملاءه، مع علمه بالخطر الذي يهدده كما هدد سقراط من قبل. فتحرير الذات هنا من أجل ~~تحرير الغير هو قضية صراع في مواجهة المحن، وحرية مسئولة تهتم بالتحرر «من ...» ~~بقدر ما تكافح للتحرر «لأجل ...» ولهذا تشغل النفس وتطهيرها من الشهوات وحركتها ~~الذاتية ... إلخ مكانة هامة من تفكير أفلاطون وتتطور نظريته عنها مع تطور هذا التفكير؛ ~~إذ إن الإنسان الفرد ونفسه الفردية هما في النهاية صورة مصغرة للمدينة (الجمهورية، ~~368-369)، ويضيق المجال عن تتبع هذا التطور منذ أن كان الجسد في رأيه هو قبر النفس ~~وكانت ماهية الفلسفة هي تعلم الموت وكان هدف الفيلسوف يتجه للموت (فيدون، ms069 64أ)، ومنذ ~~أن كان كل همها أن تتحرر من تأثيره حتى تتشبه بالله بقدر الطاقة وتحقق ذاتها «الإلهية» ~~الحقيقية وتصبح بارة وعادلة عن معرفة وإرادة (ثيآتيتوس 146، 174) إلى أن تصبح مبدأ تحديد ~~ذاتها وحركتها الذاتية المنتظمة والوسيط وهمزة الوصل والمشاركة بين عالم الطبيعة ~~وعالم العقل، لتكون أخيرا هي المسئولة عن «خلق» ذاتها وصنع «كونها الصغير» (فايدروس، ~~245-248، فيلييوس، 30ج، طيماوس 35-37أ-ب، 43ب)، إنها إذا كانت غير مسئولة عن تكوينها ~~ووجودها في الجسد، فهي مسئولة عن سقوطها وضياع حقيقتها الإلهية وفقدان حريتها، نتيجة انتصار ~~الجزء الشهواني منها على الجزء العاقل وتسلطه عليه. من هنا اختلفت نفس الحكيم التي ~~واجهت المحنة والصراع المستميت (فايدروس، 247ب)، حتى تشبهت بالله بقدر الطاقة ~~وحققت ذاتها العادلة في مجتمع عادل، عن نفس الطاغية الذي استعبدته الشهوات ففقد ~~حريته، مهما بدا في الظاهر حرا وشجاعا، ومهما حاول أن يجعل هذه النفس الشهوانية هي ~~المبدأ العام للحكم وسياسة الناس. من هنا أيضا تفاجئنا هذه الكلمات الخاطفة التي ينهي بها ~~أفلاطون محاورته الكبرى وكأنها وصيته للأجيال التالية التي لا تزال تواجه نفس المشكلة ~~وتكافح للبحث لها عن حل ينبع من أعماق الفرد ومحنته في هذا العالم، هذا العالم الذي يجد ~~فيه نفسه مع إخوته في البشرية - مسئولا عن مصيره واتجاهه نحو الدمار الشامل أو السعادة ~~الممكنة: # أما الفضيلة فلا تعرف سيدا؛ فالمرء يحصل منها المزيد أو الأقل بقدر ما يكرمها أو يزدريها. واللوم إنما يقع على من يختاره، أما السماء فلا لوم عليها. (الجمهورية، 617) # لا عاصم بعد اليوم من الطوفان، يا بلدي، يا حظي العاثر، أنت الخاسر، إن لم ~~تلجأ لسفينة نوح، يسلمها الموج الهادر والملاحون الفقراء إلى الشطآن، ~~والربان؟ أطهر من أطهر إنسان، عين ترعى النجم الساهر، في أفق العدل يلوح، يا ~~بلدي، ويرد إليك الروح، وحياة الروح حوار ... # في شتاء 1978 # | الرسالة السابعة لأفلاطون # | تمهيد # تتضمن كتابات أفلاطون ثلاث عشرة رسالة بالإضافة إلى محاوراته المعروفة وبعض المقطوعات ~~الشعرية القصيرة «الأبيجرامات» المنسوبة إليه. وقد ضمت هذه الرسائل إلى مجموع ms070 ~~مؤلفاته منذ القرن الثالث بعد الميلاد، ولعلها كانت جزءا لا يتجزأ منها منذ القرن ~~الأول قبل الميلاد. # والرسالة السابعة هي أهم هذه الرسائل وأشهرها؛ إذ تعد ترجمة ذاتية سجل فيها ~~الفيلسوف جانبا من حياته الشخصية، وقدم لنا وثيقة لا غنى عنها لمعرفة اهتمامه ~~بالشئون العامة، وتطور موقفه من السياسة والحكم، وكفاحه في سبيل تطبيق نظرياته ~~المثالية على الواقع العملي في صقلية، واعترافه بما أصابه من خيبة وإخفاق، ~~ودفاعه عن فلسفته دفاعا مفعما بالعاطفة الممزوجة بالألم والمرارة. # والرسالة طويلة، تعادل في طولها سائر الرسائل الأخرى مجتمعة، أو إحدى المحاورات ~~القصيرة التي تسمى محاورات الشباب. وهي وحدها التي نجت من الشك في نسبة الرسائل إلى ~~أفلاطون. وربما شاركتها الرسالتان الثالثة والثامنة في إجماع العلماء على صحتها إجماعا ~~يكاد أن يكون عاما. فقد كثرت الرسائل المزيفة في أواخر العصور القديمة، واستهوى ~~هذا الشكل الأدبي عددا كبيرا من أصحاب البلاغة الذين استغلوه لإظهار قدرتهم ~~البيانية، وحشوه بالمحسنات اللفظية والإشارات المستفيضة للحوادث التاريخية، ~~ونسبوا هذه الرسائل إلى كثير من الشخصيات المشهورة. ولا يتسع المقام للتعرض للمناقشات ~~الطويلة التي دارت حول أصالة رسائل أفلاطون أو زيفها. فقد استقر الرأي في العصر القديم ~~على أصالة الرسالة السابعة وأصبح الإجماع اليوم تاما أو شبه تام على صحة نسبتها لأفلاطون. # 1 # أشار إليها شيشرون ووصفها في «المجادلات التوسكونية» (5-100) بأنها تلك ~~الرسالة الشهيرة، وأفاد منها المؤرخ المشهور «بلوتارك» في الفصل الذي كتبه عن حياة ~~«ديون» صديق أفلاطون وتلميذه الذي أغراه بزيارة صقلية أكثر من مرة كما سنرى. ومهما يكن ~~من أمر الاعتراضات التي لا تزال توجه إليها، فليس في أسلوب كتابتها ولا في سياق ~~أفكارها شيء يخالف أسلوب المحاورات المتأخرة وأفكارها، كما أنها تخلو من التصنع ~~والحشو وبراعة الصقل والتأنق التي اتسمت بها الرسائل المنحولة التي اخترعها ~~البلاغيون المتأخرون؛ فهي في مجموعها مضطربة غير متوازنة، متقطعة ثقيلة ~~الخطا، حافلة في بعض أجزائها بأسرار يصعب سبرها وإدراك غورها، وفي أجزاء أخرى ~~بالغضب والندم والانفعال الذي يرتفع مع ذلك فوق التعريض ms071 والتشفي والسخرية، أي إن ~~فيها كل مميزات الكتابة الحية التي تتدفق مع تيار الاعتراف الجارف، ويسري ~~فيها نبض الحكمة السمحة الطيبة. # والرسالة تستحق منا أن نقرأها بعناية واهتمام، فليست مجرد اعتراف شخصي أو ~~ترجمة ذاتية أو سيرة حياة تلقي الضوء على طموح أفلاطون لتحقيق أفكاره وأحلامه، ~~والأخطار التي تعرض لها في فترة من أهم فترات حياته، ومحاولته «إنقاذ» البشر من ~~بؤسهم ومتاعبهم على يد «الملك الفيلسوف» الذي يجمع القوة والحكمة في شخصه، ويقيم ~~الدستور، ويدعم سيادة القانون على الحاكم والمحكوم جميعا؛ وإنما هي - بجانب ذلك كله ~~- نافذة تطل منها على قلبه الذي وقف دائما وراء فكره، ونتعرف على معالم فلسفته ~~المتأخرة التي فصلها في محاورات الشيخوخة، ولكنه لم يستطع أن يعبر عنها هذا ~~التعبير العاطفي الحي الدقيق الذي نجده في الرسالة السابعة. # إن الرسالة - في ظاهرها - رسالة سياسية موجهة من أفلاطون إلى حلفاء صديقه ديون ~~في سيراقوزة (أو سراقسطة كما كان العرب يسمونها) على أثر اغتيال هذا الأخير ~~مباشرة. ولكنها كذلك تبرير شخصي للدور الذي قام به - أو تورط فيه - في الأحداث ~~التي جرت في هذه العاصمة الصقلية والمحن التي ألمت بها، بل تبرير لفلسفته ~~ومدرسته «الأكاديمية» أمام الرأي العام الإغريقي وأمام العالم كله. والملاحظ أن هذه ~~الرغبة الملحة في التبرير تتكرر في الرسالة بصورة صريحة، (راجع الفقرات 330ج، ~~337د، 339أ، والعبارة الأخيرة التي تأتي في ختامها 352أ)، كما أن النصائح التي ~~يوجهها لحلفاء ديون وأصدقائه - تلبية لطلبهم - تختلط بهذا التبرير المستمر الذي ~~يوشك في بعض الأحيان أن يطغى عليها. وتتغلغل العاطفة في هذين الموضوعين الأساسيين ~~اللذين تدور حولهما الرسالة، فهو يلح على الأصدقاء بالنصيحة ويستحثهم على الاقتداء ~~بسيرة زعيمهم، ولكنه لا يعلق عليهم الأمل ولا يتوقع منهم الاستجابة. وهو يدافع ~~عن نفسه وفلسفته وسمعة مدرسته وبلده، ولكنه دفاع لا تخطئ فيه الأذن نغمة ~~الكبرياء الجريحة ومرارة الإحساس بالإهانة وشدة السخط على أعدائه الذين تمكن الشر ~~منهم حتى يئس من هدايتهم إلى طريق الخير والحق والفضيلة. والواقع أن هذا الدفاع ms072 - أو ~~التبرير - هو الهدف الأساسي من كتابة الرسالة، مهما أوحى إلينا بأنه مجرد هدف ~~ثانوي بجانب الرد على حلفاء ديون. ولن نقدر هذا حتى نعرف شيئا يسيرا عن ~~الأحوال السياسية في صقلية، والأسباب التي أدت بالفيلسوف إلى زيارتها والوقوع في ~~شبكتها المعقدة. # زار أفلاطون صقلية ثلاث مرات، كانت زيارته الأولى لها سنة 388ق.م وهو في حوالي ~~الأربعين من عمره. ولم تكن زيارة صقلية هي غرضه الأول؛ إذ انتهى به المطاف إليها بعد ~~رحلة دراسية حل فيها ضيفا على صديقه النبيل «أرخيتاس» حاكم «تارنت» في جنوب إيطاليا ~~ورأس المدرسة الفيثاغورية فيها. ولسنا نعرف - في الحقيقة - ما الذي دفعه إلى زيارة ~~سيراقوزة، ولا ندري أيضا إن كان قد اتصل بالطاغية ديونيزيوس الأول الذي كان يحكمها في ~~ذلك الحين، # 2 # ولكن القدر أتاح له أن يكسب صديقا سيظل يذكره ويعتز - طوال حياته - ~~بوفائه وتضحيته وسيرته «الفلسفية» الحقة. ذلك هو «ديون» صهر الطاغية وشقيق إحدى ~~زوجتيه، وكان يبلغ من العمر زهاء اثنين وعشرين عاما. اشترك الصديقان في حوار فلسفي ~~أثر على ديون وحول شخصيته إلى درب الفلسفة تحويلا تاما. ولمست عصا المربي ~~الساحرة أعماق الصديق الشاب، فانطوى على نفسه في البلاط الذي كان يموج بالدسائس ~~والمؤامرات، وعكف على الحياة في عالم المثل الذي جذبه إليه المعلم الأثيني ~~الكبير. # وانطوت عشرون سنة. مات ديونيزيوس الأول سنة 367ق.م وخلفه في الحكم ابنه ديونيزيوس ~~الثاني، الذي كان الأب قد فرض عليه الجهل والحياة في الظل. ولم يكن الملك الشاب ~~مجردا من الموهبة والاستعداد الفطري، ولكنه كان - في نفس الوقت - إنسانا ضعيفا ~~عاجزا عن الاستقلال بنفسه، سهل الانقياد لكل همسة في أذنه. وتصور ديون أن الفرصة ~~قد جاءت ليصنع منه الحاكم الفيلسوف الذي حلم به تحت تأثير أفلاطون. ويبدو أنه نجح في ~~إقناع ابن شقيقته بأفكار أفلاطون السياسية، وسرعان ما تحمس لها الملك الشاب ورحب ~~بدعوة أفلاطون الذي استجاب لتوسلات صديقه الشاب بعد تردد، وحضر إلى صقلية سنة ~~366ق.م ليسانده في تحقيق حلمه «وترويض» الطاغية الجديد الذي لم ms073 يكن يحسن الظن به ~~كثيرا. واستقبل الفيلسوف بالحفاوة والتقدير. ولم تمض ثلاثة شهور على وجوده في صقلية ~~حتى آتت دسائس البلاط ثمرتها المرة. فقد نشب الخلاف بين ديون وديونيزيوس، ~~وفوجئ أفلاطون بنفي صديقه وتلميذه من صقلية. وبقي بعد ذلك فترة قصيرة على أمل أن ~~يتمكن من التأثير على الملك الشاب، ولكن الشر الذي استشرى في نفسه وفي البلاط كانا ~~أقوى منه، وتكسرت سهام الحكمة والإقناع على جدران الاستبداد والفساد. ولما يئس ~~الفيلسوف من إصلاحه وتأكد من فشله في مهمته اقتنع بضرورة الرحيل. ولم يكن ذلك ~~بالأمر اليسير على طاغية يخشى على سمعته من اتهام الرأي العام اليوناني بسوء معاملة ~~الفيلسوف. ولهذا وعده أفلاطون بالعودة إلى سيراقوزة حالما تتغير الظروف السياسية ~~وتعقد معاهدة السلام مع القرطاجيين، ووافق ديونيزيوس الذي كانت لا تزال لديه ~~بقية من الوفاء والعرفان، وتمكن أفلاطون من مغادرة الجزيرة والرجوع سالما إلى ~~بيته. # تجددت الدعوة سنة 361ق.م واستجاب لها الفيلسوف على الرغم من سوء ظنه بالطاغية ~~الشاب واكتشافه أنه أخلف وعده بالموافقة على رجوع ديون من منفاه. ويبدو أن أفلاطون لم ~~يشأ أن يضيع على نفسه الفرصة الأخيرة لتحويل ديونيزيوس إلى طريق الفلسفة، ولم ~~يفقد الأمل في مساعدة ديون والوقوف بجانبه، ولم يقطع كل رجاء في «إنقاذ» سكان الجزيرة ~~والعمل على سيادة القانون وإقامة دستور عادل يحل محل الحكم المستبد ويساعد على ~~النهوض بمستوى الأخلاق وإعادة تعمير المدن المخربة، غير أن الزيارة الأخيرة ~~تحولت إلى كارثة. فلم يف ديونيزيوس بشيء من وعوده، ولم يدخل في حوار مع الفيلسوف ~~إلا مرة واحدة. ووجد أفلاطون نفسه سجينا كالطائر الحبيس في قفصه. وتأزم الموقف حتى ~~تعرضت حياته للخطر، وحاصره التهديد بالقتل في كل لحظة. ولولا مسارعة صديقه أرخيتاس ~~بالتوسط له عند الطاغية لما قدرت له النجاة من الموت ... # هكذا رجع أفلاطون في سنة 360ق.م إلى بلده وهو يطوي في صدره الشعور المرير بخيبة ~~الأمل. فقد كان من الطبيعي أن تثير المغامرة الفاشلة أحاديث الناس وتفتح عيونهم على ~~الحقيقة المؤلمة التي أبرزتها ms074 حوادث صقلية، وتقنعهم - آخر الأمر - بغرابة الأفكار ~~السياسية التي ينادي بها الفيلسوف وبعدها عن الواقع. وكان من الطبيعي أيضا أن يكون هذا ~~الفشل ضربة قاسية للمعلم ومدرسته. وزاد من مرارة الصدمة أن الطاغية الشاب لم يقتصر ~~على إساءة معاملته، بل حاول كذلك أن يحشر نفسه في ثياب فلسفته ويدعي شرف الإحاطة ~~بها! فلم تكد تمضي شهور قليلة على رحيل أفلاطون حتى ذاع بين الناس أنه نشر كتابا ~~فلسفيا من تأليفه. صحيح أنه لم يزعم فيه أنه يعرض مذهب أفلاطون، ولكنه كان يطمع - على ~~أقل تقدير - أن يكون شاهدا على قدرته على فهمه واستيعابه. وتتناول الرسالة السابعة هذه ~~القصة بأسلوب لا يخفي غضب الفيلسوف واستنكاره. ويزيد من هذا الغضب والاستنكار ما يؤكده ~~عن نفسه من تهيب الكتابة عن الأمور المتصلة بالحقيقة، وإيمانه بأن القضايا الأساسية ~~في الفلسفة تستعصي على التدوين في الكلمات الجامدة والحروف الصماء؛ لأن شرارتها الحية ~~لا تتقد إلا إذا احتك رأي برأي، واتصل حوار بحوار ... # والتقى أفلاطون بصديقه وتلميذه ديون في الألعاب الأوليمبية وروى له القصة بأكملها، ~~وصمم ديون على الثأر للظلم الذي حاق بمعلمه وبالفلسفة، ولم يحبذ المعلم فكرة ~~اللجوء إلى العنف، ولكنه لم يستطع أن يمنع نفرا من الشباب - ومن بينهم عدد من تلاميذه ~~في الأكاديمية - من الالتفاف حول ديون والانضمام إلى صفوف الحملة الصغيرة التي بلغت ~~شواطئ صقلية سنة 357ق.م ونجحت نجاحا لم يتوقعه لها أحد. واستقبله سكان سيراقوزة ~~بالفرح والهتاف، وتمكن من السيطرة على المدينة دون مقاومة تذكر. وتحصن ~~ديونيزيوس فترة في قلعة «أورتيجيا» ولكن ديون تمكن بمساعدة المرتزقة من طرده من ~~الجزيرة، فلجا إلى أملاكه في جنوب إيطاليا واستمر ديون في حكم الجزيرة أربع سنوات. غير ~~أنه فشل فشلا ذريعا في تحقيق برنامجه الإصلاحي الذي تشيد به الرسالة، وأثبت عجزه عن ~~استرضاء الناس وإدارة شئون الحكم. واضطر محرر الجزيرة أن يتحول إلى أقسى طاغية ~~عرفته. وكانت النتيجة أن أقصاه عن السلطة أحد قواد الجنود المرتزقة الذين مكنوه ~~منها. وانتهى الأمر باغتياله سنة 353-354ق.م ms075 بيد أحد قوادهم، وهو صديقه الأثيني ~~«كاليبوس» الذي وضع ثقته فيه ... ولم يكن القاتل - لحسن الحظ - من تلاميذ أفلاطون في ~~الأكاديمية. ولهذا نجد الفيلسوف يتبرأ منه ويبرئ مدينته من جريمته. ولجأ حلفاء ~~ديون إلى مدينة «ليونتيني»، وأرسلوا إلى أفلاطون يسألونه النصح والمشورة، فكان رده ~~هو هذه الرسالة السابعة. لم يكن في إمكانه أن يكتفي بالنصح والإرشاد. فقد أثارت ~~المناسبة كوامن أحزانه وفتحت جروح ذكرياته، ولم يستطع القلم أن يسيطر على آلامه ~~فاندفع مع تيار الكتابة على هذا النحو الذي لا يخلو من التعثر والغموض، وترك لنا ~~معضلات لا يسهل فهمها أو حلها. # ولا بد لنا قبل الكلام عن الرسالة نفسها من تتبع أحداث صقلية إلى نهايتها. ~~فقد انضم «هيبارينوس»، وهو ابن ديونيزيوس الأول من شقيقة ديون وأخو ديونيزيوس الثاني ~~غير الشقيق، إلى صف حلفاء ديون، وتمكن من طرد «كاليبوس» من سيراقوزة والاستيلاء على ~~الحكم. غير أن الأمور ظلت مضطربة، ولم يستطع أن يثبت أقدامه في الجزيرة. وتقع ~~الرسالة الثامنة في هذه الفترة الحرجة بين انضمام «هيبارينوس» إلى حلفاء ديون وسقوطه ~~بعد ذلك بسنتين على أثر اغتياله بيد شقيقه نيزايوس. ويبدو أن أتباع ديون توجهوا ~~مرة أخرى إلى أفلاطون طلبا للنصح والمعونة. ولهذا نجده - في الرسالة الأخيرة - يقترح ~~عليهم أن يقدموا تضحية «أفلاطونية» أصيلة. كان خطر تدخل القرطاجيين يهددهم ~~من ناحية، وأخبار الهجوم المتوقع من ديونيزيوس الثاني تؤرقهم من ناحية أخرى ... ~~ولهذا اقترح عليهم أفلاطون أن يستدعوا ديونيزيوس لتولي الملك في سيراقوزة، وحاول ~~أن يخفف عنهم وقع المفاجأة فأشار عليهم بأن يتولاه بالاشتراك مع ملكين آخرين ~~أحدهما هو هيبارينوس نفسه «قبل اغتياله» والآخر هو أحد أبناء ديون الذي لم يذكر اسمه ~~ويبدو أنه ولد في السجن بعد موت أبيه. # غير أن اقتراح المصالحة كان أبعد ما يكون عن واقع الجزيرة التي تحولت إلى ساحة ~~صراع وحشي على السلطة. فلم يلبث ديونيزيوس أن غزا الجزيرة ونشر عليها ظلال ~~استبداده، ولم يدم هذا الاستبداد طويلا؛ إذ توجه أهالي سيراقوزة سنة 345ق.م - أي ~~بعد ms076 موت أفلاطون بسنتين - إلى مدينتهم الأم كورنثة طالبين النجدة، فسيرت إليهم ~~حملة بقيادة «تيموليون» # 3 # المشهور. ونجح هذا القائد الشجاع في إقرار السلام والأمن في ربوع الجزيرة ~~التي مزقتها الحروب. أما ديونيزيوس فقد عاش بعد ذلك حياة رجل عادي وإن كانت ~~الحكايات الشعبية قد جعلت منه في النهاية معلما أو ناظر مدرسة ... ~~••• # يبدأ أفلاطون بإعلان استعداده لمساندة حلفاء ديون وأتباعه، وذلك بشرط أن تكون آراؤهم ~~وأهدافهم متفقة مع الآراء والأهداف التي آمن بها ديون وسعى لتحقيقها. فقد قامت خططه ~~السياسية على الأحاديث التي جرت بينهما أثناء زيارته الأولى لصقلية؛ وهو لذلك أقدر من ~~غيره على الحكم عليها . ويستغل الفيلسوف هذه المناسبة للحديث عن تطور أفكاره ~~السياسية، واهتمامه في صدر شبابه بالمشاركة في شئون الحكم، ثم عزوفه عنها بعدما رآه ~~من تخبط نظم الحكم الفردية والشعبية على السواء، والجريمة التي ارتكبتها بإعدام ~~أستاذه وحبيبه سقراط. وفي هذا الجزء من الرسالة نجد العبارة المشهورة التي يسجل فيها ~~يأسه من الأحوال السياسية التي توالت على بلده، واتجاهه إلى الفلسفة التي أصبحت أمله ~~الوحيد في «إنقاذ» البشر، وتحوله بعد ذلك إلى التعليم والتربية: # وهكذا وجدتني مدفوعا إلى الاعتراف بقيمة الفلسفة الحقة والتأكد من أنها ~~هي وحدها التي تمكن الإنسان من معرفة العدل والصواب الذي تصلح به الدولة ~~والحياة الخاصة، وأن الجنس البشري لن يتخلص من البؤس حتى يصل الفلاسفة ~~الأصلاء إلى السلطة، أو يصبح حكام المدن - بفضل معجزة إلهية - فلاسفة ~~أصلاء. # ويعود للحديث عن ديون. عن الآمال التي عقدها على ديونيزيوس الذي تولى الحكم بعد موت ~~أبيه، ودعوته لأفلاطون الذي استجاب لندائه حبا له وأملا في تحقيق أفكاره النظرية في ~~الواقع. وتتم الزيارة الثانية، وتتتابع الأحداث المفاجئة فينفى ديون، ويكتشف ~~استعداده (أي ديونيزيوس) للسير على درب الفلسفة. ولا يوضح أفلاطون طبيعة هذه ~~التجربة، بل يكتفي بالإشارة إلى مشقة الطريق، وحاجة الممتحن إلى تغيير حياته من ~~أساسها ليصبح أهلا للتفلسف. وقد أخفق ديونيزيوس في هذا الامتحان، وظهر عجزه الواضح ~~من الحوار الوحيد الذي أجراه معه. ms077 ويتطرق الحديث إلى الكتاب الذي سمع بأن ديونيزيوس ~~وضعه عن مذهبه. وعبثا يحاول أفلاطون الاستخفاف بهذه المسألة. فنغمة السخط والاحتقار ~~تتردد في كل كلمة يقولها عنها: «وبعد ذلك بلغني أنه كتب رسالة من تأليفه وتعبر عن مذهبه لا عما سمعه. ولكنني ~~لا أعرف شيئا مؤكدا في هذا الشأن». هل أراد هذا المؤلف الصغير أن يستغل ما شاع بين ~~اليونانيين عن المودة التي بينهما لكي يشوه صورته لديهم ويثير سخريتهم على مذهبه؟ ~~أليس غدرا لا نظير له من تلميذ دعي لم يستمع إلى المعلم إلا مرة واحدة، ومع ذلك ~~واتته الجرأة على تقديم آرائه للناس في ثوب بال مسكين؟ وترتفع أمواج الغضب في قلب ~~الفيلسوف المهان فيصرخ باعترافات جديدة من فوق مركبه المحطم. لم تكن هذه هي أول ~~مرة تصيبه فيها مثل هذه المصيبة. ولكن الكتب التي نشرها هؤلاء المؤلفون المزعومون ~~تشهد بأنهم لا يفهمون من الفلسفة شيئا. والدليل على ذلك - وهو دليل يفاجئ به القارئ - ~~أنه لم ينشر طوال حياته شيئا عنها. # صحيح أنه لا ينكر محاوراته، ولكن هذه المحاورات لا تتناول شيئا عنها. وهو - للأسف - ~~لا يوضح لنا ما يقصده بذلك. فهل نزه «المشكلات الأولى والأخيرة» عن لعنة الكتابة؟ ~~هل أراد أن يحميها من الالتفاف في أكفان الكلمات الجامدة وتوابيت الحروف الباردة؟ أكان ~~كل ما دونه من محاورات مجرد لعب وتسلية؟ حقا، ذلك كان مراده. فالفلسفة تتأبى ~~على الكلمة المدونة التي تتسع لغيرها من العلوم؛ لأن حقيقتها «تنبثق في النفس ~~فجأة بعد مشاركة طويلة وتعاون مستمر في العكوف عليها كما ينبثق نور يقدحه ~~نبض شرارة، وهنالك ينمو في أعماق النفس ويحيا ...» ولو تصور أن نشر مؤلفاته يمكن ~~أن ينفع الناس، فهل كان يتردد عن تقديم مذهب ينقذهم من تعاستهم ويبين لهم حقائق ~~الأشياء؟ هل كان يمكن أن يقوم في حياته بعمل أجمل من هذا العمل؟ ولكنه مقتنع بأن ~~هذا لن يجديهم شيئا، بل ربما جر عليهم الأذى والاضطراب؛ لأن القلة القليلة ~~منهم هي التي ستفهمه على الوجه الصحيح. # ولعل ms078 أفلاطون لم يتصور أن الناس ستقتنع بهذه الحجة، أو لعله هو نفسه لم يقتنع بها! ~~فهو يقدم الآن «حجة لا يمكن دحضها»، وهي حجة تستغرق الفصل العسير المشهور عن نظريته ~~في المعرفة. ويبدو هذا الفصل غريبا في رسالة موجهة إلى أناس يطلبون منه الرأي ~~والمشورة في موقفهم العسكري الحرج. كما يبدو غريبا لانقطاع السياق والتحول إلى مسألة ~~فلسفية لا مكان لها فيه. وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المتشككين في أصالة الرسالة، ~~ولم يتردد بعض المؤيدين لصحتها من نسبة هذا الجزء إلى كاتب متأخر أراد أن ~~يثبت اطلاعه على نظرية المثل # 4 ~~... ولكن الذي يعرف هدف أفلاطون الحقيقي من كتابة الرسالة. # وهو - كما قلت - تبرير زيارته لصقلية والدفاع عن فلسفته - لن يستبعد عليه ~~أن يتطرق إلى نظرية المثل التي ظلت شغله الشاغل في أواخر حياته، ولم يتوقف عن ~~شرحها وإثباتها والدفاع عنها في محاوراته المتأخرة. لقد كانت أساس فلسفته وقمتها ~~العالية في وقت واحد. ولهذا ليس غريبا أن تحتوي على جانب «مقدس» يحميه من تطفل ~~الكثرة الجاهلة. وليس غريبا أن يشهد أنبغ تلاميذه «أرسطو» بأنها كانت تزداد غموضا على ~~غموض، وتلتف في دروسه الشفهية الأخيرة في ثوب رياضي عسير. # يؤكد أفلاطون أنه أعلن من قبل عن هذا «اللوجوس الحق». ولا بد أنه يقصد بذلك ~~محاضراته الشفهية؛ لأن كل تفاصيل هذا الجزء المتعلق بنظرية المعرفة مثبتة في ~~محاوراته المكتوبة، ومع ذلك فإن هذه التفاصيل لا تغني عنه؛ لأنه - في مجموعه - شيء نادر ~~وفريد، ولا بد أن أفلاطون وجد مشقة في تدوينه؛ إذ يصفه في النهاية بأنه «أسطورة» ~~«وتحسس للطريق» وكأنه لحن وقعه العازف الماهر فجأة وخرج به عن مجرى النهر ~~المتدفق بالألحان. # تحيرنا العبارات الأولى من هذا الفصل؛ فهي تضع أدوات المعرفة أو سبلها المختلفة ~~في صف واحد مع موضوع المعرفة نفسه. إنه سلم من الكيفيات المتفاوتة الدرجة. ~~فأدناها وأقلها قيمة هو الاسم، يتلوه التعريف وبعدهما تأتي النسخة «التمثل أو ~~النموذج» ثم المعرفة وفي نهاية السلم يشمخ المثال الذي تتطلع إلى ms079 معرفته. ~~وإذا كان التعريف في محاورات أفلاطون المبكرة هو الذي يفتح لنا طريق المعرفة، فإن ~~وضعه له هنا تحت النسخة أو التمثل لا يعني أنه يحط من شأنه. # وينتقل أفلاطون إلى مثال يبين ما يقصده بالأدوات الثلاث الأولى للمعرفة. أما ~~الأداة الرابعة فيقول إنها تتعلق بهذه الأمور، أي بالدرجات الدنيا التي يوضحها المثل ~~المضروب. ونحس في هذا الموضوع أن تجربة المعلم تفرض نفسها عليه، وكأنه يتحدث عن خبرته ~~مع تلاميذه في الأكاديمية ومدى استيعابهم لأدوات المعرفة الثلاث. وينقسم المستوى الرابع ~~إلى مستويات أخرى تندرج تحته، وهي بدورها مستويات متفاوتة، ولكنها جميعا تدور داخل ~~النفس. ويقدم لنا مثلا جديدا يعلق عليه بقوله: «وإذا لم يتيسر لهم الأمور ~~الأربعة الأولى مجتمعة، فلن يتمكن الإنسان أبدا من معرفة الخامس معرفة تامة. ومعنى ~~هذا، بعبارة أخرى، أن المعرفة - بجانب الأدوات الثلاث الأخرى - هي التي تتيح معرفة ~~الموضوع الخامس، إن صح أن المثال موضوع، أو أن طريقة معرفتنا له يمكن أن تسمى ~~معرفة؛ «فهي لعمري شيء غير محدد، لا يمكن أن تنقله الكلمة أو تصفه، شيء أقرب ~~للنظر أو الرؤية»، لا بل إن من شأنه أنه لا يكاد يرى (الجمهورية 517ب، 7). والحق أن ~~أفلاطون لا يقدم لنا معنى محددا لمفهومه عن المعرفة؛ فهناك المعرفة التي تدل على ~~تمثل النفس لأدوات المعرفة الثلاث، وإن تكن في نفس الوقت مجرد إعداد لمعرفة الخامسة، ~~أي إن فعل المعرفة ينقسم في واقع الأمر إلى فعلين: أحدهما تمهيدي والآخر نهائي. والأهم ~~من هذا كله أن أدوات المعرفة الأربع تعاني من ضعف مشترك. وهذا يذكرنا بمحاورات ~~الشباب التي يعتب فيها سقراط على محدثيه؛ لأنهم يبحثون دائما عن الكيفية «الخير». ~~ويخرج أفلاطون عن دور الناقد للمعرفة ليتحدث عن الكتاب المزعوم الذي أفضى به إلى ~~الاستطراد في كلامه عن المعرفة، فيؤكد ما سبق أن قرره من سوء الظن بالكلمة والحرف ~~المكتوب، وإيمانه بأن «المشكلات الأخيرة» تستعصي على التعبير والتدوين، وكل ما يكتبه ~~الكاتب عنها لا يعدو أن يكون ظلا باهتا للتجربة الحية الكامنة ms080 في أجمل مكان من ~~أعماقه: # ولهذا فلن يخاطر عاقل بوضع أفكاره في ثوب هذه اللغة الضعيفة، والأولى من ذلك ~~ألا يخاطر بوضعها في ذلك الشكل الجامد الذي يميز كل ما يكتب بالحروف. # ويوضح أفلاطون قوله بمثال الدائرة. فكل الدوائر المحسوسة ظلال ونسخ باهتة من ~~الدائرة في ذاتها. وكل أدوات المعرفة بما فيها المعرفة نفسها - لا تقدم للنفس ~~المتطلعة للحقيقة إلا الصفات والكيفيات، سواء في صورة كلمات - بالاسم والتعريف - ~~أو في صورة مادية محسوسة - بالتمثل أو النسخة - ومعنى هذا أنها لا تقدم للنفس ~~إلا ما لا تريده! ومن السهل إثبات الخداع والضلال في مثل هذه المعرفة. وليس هذا بالأمر ~~الخطير حين نكون بصدد موضوعات عادية لا نلتمس فيها الحقيقة المطلقة: «عندئذ لا نضع ~~أنفسنا موضع سخرية السائلين، حتى ولو كانت لدى هؤلاء القدرة على نقد أدوات المعرفة ~~الأربع وإثبات خطئها»، أما إذا أصر السائل على الحصول على جواب شاف عن «الخامس» - ~~أي عن المثال لا عن الصفة والكيفية - فسوف يخرج من الحلبة منتصرا بعد أن يكتشف عجزنا ~~عن تقديم مثل هذا الجواب. فليس الطريق إلى المثال سهلا ولا معبدا، ولا التفلسف - ~~وهو الطريق الصاعد إليه - ميسورا لكل إنسان. لا بد إذا من محاولة الأدوات الأربع ~~ومعاودة المحاولة - عندئذ يمكنها أن تهيئ للخير ولمعرفة الخير»، ولن يتيسر هذا ~~أيضا بغير الجهد والصبر والعناء! لأن النفس الإلهية هي وحدها التي يمكن أن تقترب من ~~المثال الإلهي. والشرط الأكبر هو هذا الخير. فإذا غاب عن إنسان - كما هو حال الكثرة من ~~الناس - فلن يقدر «لينكويس» نفسه أن يعلمه الرؤية (ولينكويس هو زرقاء اليمامة في ~~أساطير الإغريق!)، هذه «الخيرية» تقوم على الطبع الخير والموهبة. فإذا توفرتا ~~لإنسان أمكنه أن يتفلسف. ولا شك أن هذا الإنسان نادر الوجود؛ فمعظم الناس قد تلفت ~~نفوسهم، وامتلأت باللوم والغدر والحسد والغباء. قد يتعلم هؤلاء شيئا عن أدوات المعرفة ~~الأربع، وقد يقرءون عنها أو يكتبون فيها آلاف الصفحات. ولكن هذا لن يغير من الحقيقة ~~شيئا، والحقيقة أنهم أبعد الناس عن ms081 روح الفلسفة؛ لأنها لا تمد جذورها في طباع ~~غريبة عنها، كما أن النفس التي تخلو من الخير والجمال لن تشعر بصلة القرابة بمثال ~~الخير والجمال. ولن يزيد الذكاء وقوة الذاكرة أصحاب النفوس المطبوعة على الشر إلا ~~قدرة على الشر. ولهذا كان أحد تعريفات الفلسفة عند أفلاطون هو هذا التعريف المشهور، ~~التشبه بالله بقدر الطاقة، وهل يسعى إلى التشبيه إلا الشبيه؟ هل يحس صلة القرابة ~~بالخير إلا خير؟ يكفي أن تتلفت حولك لتتأكد من صدق أفلاطون، فكم من مشتغل ~~بالفلسفة أو العلم لم يزده ذلك إلا قدرة على الشر والغدر والتطاول ~~والإيذاء! # ولكن ماذا يريد أفلاطون على وجه التحديد «بالأمور الحاسمة» أو المسائل الأولى ~~والأخيرة التي تحتاج للجهد المشترك المتجدد، وتتطلب الاستعانة بأدوات المعرفة ~~جميعا حتى يمكن بلوغ الهدف؟ وما هو هذا الهدف الذي يقصده؟ # إنه المعرفة الممكنة بحقيقة الخير والشر. وأفلاطون يضيف الشر صراحة ليؤكد أن ~~العلم به ضرورة لا غنى عنها، ولكنه لا يكتفي بهذا، بل يزيد عليها ضرورة العلم ~~«بالمظهر والحقيقة في الطبيعة كلها». فهل معنى هذا أن الهدف من الفلسفة الطبيعية لا يقل ~~أهمية عن الهدف الأخلاقي؟ الواقع أن هذه مسألة غامضة محيرة. وهي تقف بنا على ~~أبواب منطقة مجهولة في فلسفته المتأخرة لا يساعدنا هو نفسه على الدخول إليها. ومع ~~ذلك فقد يخفف من حيرتنا أن أفلاطون يهتم دائما بالطريق أكثر من اهتمامه بالهدف. ~~وهو يفعل هذا في خطابه السابع وفي سائر محاوراته «لأن الفلسفة طريق، والحوار الحر ~~السمح هو إيقاع الخطوات الجدلية على هذا الطريق!»، ومن الطبيعي أن يؤكد مشقة ~~الجهد والوقت اللازم للسير عليه. وعندما يتم «احتكاك» أدوات المعرفة الثلاث بعضها ببعض، ~~عندما تخضع لبحث «سمح» من أناس يتحاورون ويتبادلون الأسئلة والأجوبة «بلا حسد أو ~~لؤم»؛ عندئذ يمكن أن يسطع في أنفسنا نور الفهم. ولا شك أن عودة أفلاطون إلى استخدام ~~صورة النور لا يخلو من دلالة، ولا بد أنه يحمل نصيبا من خبرته في التعليم وتجربته مع ~~الحياة والناس. فالنور لا ينبثق إلا ms082 بالجهد المتصل والتعاون السمح المشترك «الذي ~~حرص عليه في أكاديميته!». وشرارة الفهم والمعرفة لا تنقدح إلا بالحوار لا بالكلمة ~~المكتوبة والحرف الجامد. ولو بعث بيننا اليوم لفر مذعورا إلى قبره بمجرد أن يرى ~~آلاف المذكرات المكتوبة ولا يلمح فيها شعاعا واحدا من النور، وآلاف الأدعياء ~~والحاسدين ولا خير عندهم ولا فضل! ومن يدري؟ فربما صرخ بعبارته التي يختم بها حديثه في ~~هذا الموضع من رسالته قبل أن يغلق عليه باب القبر، «ولهذا لن يفكر أي إنسان ~~جاد في الكتابة عن الموضوعات الجادة حتى لا يجعل الحقيقة نهبا لحسد الناس ~~وغبائهم»، وتسأل نفسك: ماذا يفعل إذن بالحقيقة إن لم يكتب عنها؟ ماذا يفعل إذا كانت ~~الكتابات لا تجدي وإذا كانت الظروف لا تسمح بالجهر برأيه؟ ربما كان الجواب هو ما قاله ~~أفلاطون نفسه: يحفظها في ركن ناء من أعماق القلب! ~~••• # ما الذي يسترعي انتباهنا في تحذير أفلاطون من الكتابة والمكتوب؟ إنه شيء «لا عقلي»، ~~قد نحسه ونتذوقه، ولكنه يستعصي على الفهم والتحديد. ومن الصعب أن ندرجه في الظواهر ~~اللاعقلية المعروفة. فليس تصوفا صريحا لأنه ينطوي على هدف عقلي واضح للمعرفة ~~العلمية. ولا هو مجرد تعبير عن فعل المعرفة الخالصة الذي يكون فيه طريق البحث عن ~~الحقيقة أهم من الحقيقة نفسها كما حاولنا أن نفسره. ومع ذلك ففيه شيء من التصوف وشيء من ~~مشقة الطريق وعناء الفعل. # والأمر المؤكد على كل حال أن اللغة - وهي وسيلة التعبير المألوفة عن المعرفة ~~والحقيقة - تعجز عن توصيله. بل إن أفلاطون يقرر عجزها وقصورها، كما ينهى كل إنسان ~~جاد من أن تحدثه نفسه بالكتابة عن «حقائق الأشياء». أهو تبرير لمنهج الحوار الذي ~~سار عليه؟ أم تنبيه إلى جدية الموضوع وصون له عن طموح المتعجلين والأدعياء الذين ~~يسارعون للكتابة في كل شيء، ويتوهمون أنهم فهموه وانتهوا منه بمجرد تقييده ~~بالحروف الميتة؟ أم هو في النهاية درس استخلصه من تجربته مع تلاميذه في الأكاديمية؟ ~~لن نستطيع أن نقطع بشيء في هذه المسألة. ويكفي أن نشعر بالتحذير ونخشع لرهبة ms083 النذير، ~~فلعل هذا أن يمنعنا على أقل تقدير من الإسراف في الكتابة التي استشرى وباؤها في عصر ~~الكتب المقررة والمذكرات الركيكة «والحكماء» الذين تبرأ منهم الحكمة ... # لا يكاد أفلاطون ينتهي من هذا الفصل الخاص بنظرية المعرفة حتى يرجع للكلام عن ~~ديونيزيوس، وكأن ما جاء فيه لم يكن إلا محاولة لإقناعنا بأن كل من يكتب عن حقائق ~~الطبيعة لا يفهم عنها شيئا، سواء أكان هو هذا الطاغية أم غيره! ولو حاولنا الاعتذار ~~عنه بأنه أراد بتأليف كتابه أن يساعده على التذكر، فلن يكون ذلك إلا السخف بعينه. ~~فالغرور هو الذي دفعه لما فعل، والتمسح في الفيلسوف أمام الرأي العام هو الذي جعله ~~يقع فيما وقع فيه. وهل يكفي اللقاء الواحد الذي تم بينهما لتلقي العلم؟ ولماذا ~~اكتفى بهذا اللقاء الوحيد لو كانت نيته خالصة له؟ الواقع أنه وجد نفسه عاجزا عن تغيير ~~حياته وسلوكه بما يتفق مع الحكمة وواجباتها المضنية، ولو كان مخلصا - في زعمه - لما ~~أمكنه أن يهين الرجل الذي هو الدليل والحجة في هذا الأمر. # وهكذا يستطرد أفلاطون في الرواية عن رحلته الثالثة إلى صقلية. ولا يحتاج هذا الجزء ~~إلى شرح أو تفسير؛ فسيرى القارئ أن الخطر كان يهدده من كل ناحية، وأن تدخل ~~أصدقائه الفيثاغوريين كان ضرورة ملحة، ثم يأتي الحديث عن لقائه بديون في ~~أوليمبيا، ولا يستطيع الفيلسوف أن يحول بين ديون وحلفائه وبين اللجوء للقوة، ولكنه ~~يمتنع عن تقديم أية مساعدة إيجابية. لقد جروا على أنفسهم كل الكوارث التي أصابتهم ~~منذ ذلك الحين. بل إن الجناية لتعود في النهاية إلى ديونيزيوس؛ لأن ديون لم يكن ~~يستحق المصير الذي انتهى إليه. كانت مقاصده نبيلة، ولم يكن مجرد مثالي أعمى. ولكنه ~~أساء تقدير الواقع، واستهان بالأخطار المحدقة به: «لقد كان يعرف أن الذين تسببوا ~~في سقوطه أشرار، أما مدى فظاظته وخستهم وجشعهم فذلك هو الذي غاب عنه»، وهكذا راح ~~ديون شهيد الفلسفة ... حاول أن ينقذ البشر لكنهم عجزوا كالعادة عن إنقاذ أنفسهم ... # وتأتي الخاتمة فتحاول أن تبرر إقحام ms084 تجاربه في النصيحة الموجهة إلى أتباع ~~ديون. ومع أنها نصيحة بلا أمل، فإن الأمل الوحيد الذي يعبر عنه في النهاية هو أن ~~تكون مبررات «الورطة» كلها مقنعة ... # وهكذا تنتهي الرسالة السابعة المشهورة. فهل ينتهي معها الأمل في «الإنقاذ»؟ هل كتب ~~على الفلسفة أن تحصد المر من صراعها الدائم مع الواقع؟ أم علينا أن نجرب المحاولة ~~دون أن يخذلنا اليأس؟ هل نظل ننتظر «المنقذ» أم يجب علينا أن نبدأ بإنقاذ أنفسنا؟ وكيف ~~ننقذها إن لم نتعلم كيف نغيرها ونحولها ونربيها على مشقة التفلسف وواجباته؟ ~~ألم تكن هذه هي رسالة المربي اليوناني الكبير وغيره من المربين العظام؟ وماذا نفعل ~~نحن اليوم بعد أن استفحلت الكارثة وأصبحت الفلسفة نفسها في حاجة إلى الإنقاذ من أيدي ~~الأشرار الذين يتسلطون ويزورون ويغدرون باسمها؟ من ينقذها من التفاهة والعقم ~~والخراب حتى يتسنى لها أن تنقذ المدينة وتحرسها؟! # وأخيرا فقد اعتمدت في هذا النص على الترجمتين الألمانية والإنجليزية اللتين قد ~~قام بهما والتر هاملتون # 5 # وأرنست هوفالد، # 6 # وأشرت إلى الفروق الطفيفة بينهما كما أفدت من شروحهما وتعليقاتهما ~~أعظم فائدة. وتجد النسخة الإنجليزية مرموزا إليها في الهامش بالحرف «ب»، والألمانية ~~بالحرف «أ». وأما الأرقام المسلسلة المثبتة على هامش النص فتتبع ترقيم طبعة ~~هنري أيتيين «هنريكوس أستيفانوس» التي يرجع إليها عادة في نصوص أفلاطون. وقد كان ~~بودي أن أضاهي الترجمتين على النص الأصلي - كما فعلت مع نصوص أخرى للشاعرة ~~سافو ولأرسطو وأفلاطون نفسه - ولكنني لم أستطع العثور على الأصل اليوناني أثناء العمل ~~في هذا الكتاب. # | الرسالة السابعة لأفلاطون # من أفلاطون إلى أقارب ديون وأصدقائه ~~(323ه) كتبتم إلي في خطابكم تقولون إن علي أن أقتنع بأن آراءكم تتفق مع آراء ديون، ~~ولهذا تحثونني على التعاون معكم بالقول والفعل بقدر ما أستطيع. ~~(324أ) فإذا كانت آراؤكم وأهدافكم هي نفس آرائه وأهدافه فإنني أعدكم بالتعاون معكم، ~~وإلا فإنني سأضطر إلى التروي والتدبر في الأمر. أما عن طبيعة معتقداته وغاياته، ~~فإنني آنس في نفسي القدرة على الحديث عنها حديثا يعتمد على المعرفة ms085 الواضحة لا على ~~الظن والتخمين، # 1 # فعندما وصلت لأول مرة إلى «سيراقوزة» - وكنت أبلغ من العمر حوالي الأربعين ~~- كان ديون في نفس سن «هيبارينوس» الآن، وقد احتفظ منذ ذلك الحين وحتى يوم مماته ~~بالعقيدة التي آمن بها، وهي أن أهل «سيراقوزة» يجب أن يعيشوا أحرارا في ظل أفضل حكومة ~~ممكنة، ولهذا فليس من المستغرب أن تنعم مشيئة إلهية # 2 ~~(324ب) على «هيبارنيوس» باعتناق نفس الآراء التي اعتنقها ديون. أما عن ~~نشأة هذه الآراء فلا شك أنها قصة تستحق اهتمام الشباب والشيوخ؛ ولهذا فسوف أحاول أن ~~أرويها من بدايتها، لثقتي من أن هذه هي اللحظة المناسبة لذلك. # كنت لا أزال في ريعان الشباب عندما حدث لي ما يحدث - عادة - للكثيرين، فقد ~~تطلعت إلى الإلقاء بنفسي في أحضان السياسة بمجرد بلوغي سن الرشد # 3 ~~(324ه)، وكانت هذه هي صورة الأحوال السياسية العجيبة التي سادت مسقط ~~رأسي؛ فقد كان الناس ناقمين على الدستور القائم، وتمت ثورة نتج عنها تركيز السلطة ~~في أيدي واحد وخمسين رجلا، كلف منهم أحد عشر رجلا «بتولي الوظائف العليا» في ~~المدينة، وعين عشرة آخرون على بيرايوس، «وقد عهد إلى هذين المجلسين بالإشراف ~~على مراقبة الأسواق وغيرها من الشئون الإدارية العامة»، أما الثلاثون الباقون فقد ~~تولوا زمام السلطة المطلقة. وكان بعض هؤلاء يمتون إلي بصلة القرابة، ~~وبعضهم الآخر من معارفي؛ ولهذا دعوني على الفور إلى التعاون معهم، وكأن اشتغالي ~~بالسياسة أمر مفروغ منه. ولم يكن من المستغرب من شاب مثلي أن يتوقع منهم أن يحكموا ~~المدينة حكما ينقلها من الظلم إلى العدل # 4 ~~(324د)؛ ولهذا رحت أرقب ما يفعلونه بعناية واهتمام بالغين. وسرعان ما ~~اكتشفت أن هؤلاء الرجال قد استطاعوا - في أقصر وقت ممكن - أن يجعلوا الحكم السابق ~~عليهم يبدو في صورة عصر ذهبي # 5 ~~(342ه)؛ فقد كان مما فعلوه أن أمروا بتكليف صديق شيخ عزيز - وهو سقراط ~~الذي لا أتردد عن وصفه بأنه كان أعدل الناس في ذلك الزمان - مع نفر آخر من الرجال ~~بالقبض على أحد المواطنين وإحضاره ms086 بالقوة لتنفيذ حكم الإعدام فيه. ولم يكن لهم غرض ~~من ذلك بطبيعة الحال سوى إقحام سقراط في أعمالهم، سواء رضي عن ذلك أو لم يرض. غير ~~أنه لم يخضع لأمرهم، وفضل أن يخاطر بكل شيء على المشاركة في جرائمهم، فلما رأيت ~~هذا كله وما شابهه من أعمال لا تقل عنه بشاعة أصابني الاشمئزاز وابتعدت بنفسي عن ~~تلك الأوضاع المشينة # 6 ~~(325أ)، ولم يمض وقت طويل حتى انهار حكم الثلاثين وانهار معهم نظام ~~الدولة القديم كله. وما هو إلا أن عاودني الشوق إلى المشاركة في الحياة السياسية، وإن ~~كنت قد شعرت به في هذه المرة شعورا أضعف، لم تكن الأمور قد استقرت بعد # 7 ~~(325ب)، وحدثت أيضا في تلك الفترة - التي جاءت في أعقاب ثورة شاملة - ~~أشياء لا يملك الإنسان نفسه من السخط عليها، ولم يكن من الغريب في هذا العالم المضطرب ~~أن يستغل بعض الناس الفرصة للثأر من أعدائهم على أبشع صورة، ومع ذلك فقد كان سلوك ~~الحزب العائد «من المنفى» يتسم بقدر كبير من الاعتدال. # ثم شاء سوء الحظ مرة أخرى أن يقوم بعض رجال السلطة في ذلك الحين بتقديم صديقي ~~سقراط إلى المحاكمة وأن يوجهوا إليه تهمة خسيسة هو أبعد الناس عنها، فقد اتهموه ~~بالتجديف في حق الآلهة # 8 ~~(325ج)، وأدانته المحكمة وقضت عليه بالإعدام، وهو الذي رفض قبل ذلك ~~الاشتراك في جريمة القبض على واحد من أنصار الحزب الحاكم الذي وجه إليه التهمة، في ~~الواقع الذي كان فيه رجال هذا الحزب يقاسون الاضطهاد ويعيشون في المنفى. لما رأيت ~~ذلك وتبينت نوع الرجال العاملين في السياسة وأخذت في ملاحظة القوانين والأخلاق ~~السائدة، اقتنعت في النهاية بصعوبة الاشتراك في الحكم # 9 ~~(325د)، وازداد هذا الاقتناع قوة مع تزايد الملاحظة والتقدم في ~~العمر. فقد بدا لي هذا الأمر مستحيلا بغير أصدقاء وحلفاء أوفياء، والعثور على ~~أمثال هؤلاء من بين المعارف القدامى لم يكن بالأمر السهل؛ لأن مدينتنا لم تكن تعيش على ~~المبادئ التي عاش عليها أجدادنا، كما أن الحصول على ms087 أصدقاء جدد لم يكن ليتم بغير ~~صعوبات جمة. ثم إن فساد التشريع والأخلاق العامة قد استفحل من ناحية أخرى ~~بصورة مخيفة؛ بحيث أصابني الدوار في النهاية أمام هذا الاضطراب الشامل، وأنا الذي ~~كنت في البداية مفعم النفس بالتحمس للحياة السياسية. صحيح أنني لم أتوقف عن ~~التفكير في طريقة إصلاح هذا الميدان بوجه خاص وإصلاح الأحوال السياسية بوجه عام # 10 ~~(325ه)، ولكنني ظللت أترقب الفرصة المواتية للعمل، حتى انتهيت ~~أخيرا إلى الاقتناع بأن حالة الدول الحاضرة كلها سيئة، وأنها تحكم حكما يدعو للرثاء # 11 ~~(2) (326أ)، وأن دساتيرها المريضة لا يمكن أن يشفيها إلا إصلاح يتم ~~بمعجزة يؤيدها حسن الحظ. وهكذا وجدتني مدفوعا إلى الاعتراف بقيمة الفلسفة الحقة ~~والتأكد من أنها هي وحدها التي تمكن الإنسان من معرفة العدل «والصواب» الذي تصلح به ~~الدولة والحياة الخاصة ، وأن الجنس البشري لن يتخلص من البؤس # 12 # حتى يصل الفلاسفة الحقيقيون الأصلاء إلى السلطة، أو يصبح حكام المدن - ~~بفضل معجزة إلهية - فلاسفة أصلاء (326ب). # 13 # | زيارة أفلاطون الأولى لصقلية # وصداقته لديون الذي دعاه لزيارة ديونيزيوس الثاني بعد توليه الحكم في سنة ~~367ق.م # كانت هذه هي آرائي وأفكاري # 1 ~~(326ج) عندما زرت إيطاليا وصقلية لأول مرة. وما كنت أصل إلى هناك حتى ~~شعرت بنفور شديد من الحياة التي يعيشها قوم يوصفون هناك بأنهم سعداء، وهي حياة ~~تقوم على ألوان الملذات # 2 ~~(326د) «الإيطالية» و«السيراقوزية»، لم يرق لي أن يعيش الإنسان لكي يملأ ~~بطنه مرتين في اليوم، ولا ينام وحده أبدا بالليل، إلى غير ذلك من أمور تتفق مع هذا ~~الأسلوب في العيش. فمن المستحيل على أي إنسان فان نشأ منذ حداثته في هذه البيئة أن ~~يصبح حكيما - إذ لا يوجد إنسان بهذا التكوين العجيب - ولن يكون في إمكانه أن يبلغ ~~الاعتدال والتدبر أو غيرهما من الفضائل. وكذلك لن تتمتع أية دولة بالطمأنينة ~~«والسلام» - مهما يكن لديها من قوانين رائعة - إذا كان أهلها يؤمنون بأن عليهم أن ~~ينفقوا كل ما يملكون على «الترف» والملذات، وأن يدخروا كل ms088 جهودهم للمأكل والمشرب ~~والعشق. بل إن أمثال هذه الدول لا بد أن تقع دائما تحت سطوة طاغية فرد، أو بعض ~~الأسر أو حكم الغوغاء # 3 ~~(236ه)، ولن تتحمل الدوائر الحاكمة فيها مجرد سماع كلمة «نظام الحكم ~~العادل والديمقراطي»، هكذا توجهت إلى سيراقوزة حاملا هذه الأفكار إلى رأسي، ~~بالإضافة إلى الاعتبارات الأساسية التي ذكرتها من قبل. ربما كانت المصادفة البحتة «هي ~~المسئولة عن هذا»، والأرجح فيما يبدو أن يكون أحد الآلهة هو الذي حرك في ذلك الحين تلك ~~الأحداث التي ألمت أخيرا بديون وسكان سيراقوزة، وربما يتسبب في وقوع أحداث ~~أخرى إذا لم تستمعوا إلى نصيحتي التي أوجهها إليكم للمرة الثانية. # ما الذي أقصده من قولي بأن فترة إقامتي تلك في صقلية كانت وراء كل هذه الأمور؟ # 4 ~~(327أ) يبدو أنني عندما التقيت بديون في ذلك الحين - وكان لا يزال ~~شابا صغيرا - قد عملت دون قصد مني على انهيار الطغيان، # 5 # وذلك عندما أفضيت إليه بآرائي عن أفضل الأمور للبشرية وحثثته على ~~اتباعه بصورة عملية. فقد تحمس ديون - الذي كان بطبعه سريع الفهم وبخاصة لما قلته له ~~آنذاك - تحمسا شديدا فاق ما عرفته من كل الشبان الذين قابلتهم في حياتي، ~~وقرر أن يعيش حياته الباقية بطريقة مختلفة عن أغلبية الإيطاليين والصقليين؛ إذ ~~كانت الفضيلة عنده أسمى من الملذات والمباهج الحسية؛ ولهذا عاش حياة أثارت عليه حقد ~~حاشية ديونيزيوس # 6 ~~(327ب)، وظل الأمر على هذه الحال حتى مماته «أي ديونيزيوس الأب ...» وعندما ~~وقع هذا الحادث داخله الاعتقاد بأن الآراء التي اكتسبها من الفلسفة الحقة قد لا تقتصر ~~عليه وحده، كما تأكد له بالفعل أنها قد انتقلت إلى الآخرين، صحيح أن هؤلاء لم يكن عددهم ~~كبيرا، ولكنهم كانوا مجموعة من اناس على كل حال، وقد كان من رأيه أن ديونيزيوس الشاب ~~يمكن أن يصبح بمعونة الآلهة واحدا منهم، وعندئذ تنعم حياته وحياة سكان سيراقوزة ~~بسعادة تجل عن الوصف، ولهذا كان من رأيه أن أحضر إلى سيراقوزة بأي ثمن لأشارك في تحقيق ~~هذا الهدف؛ ms089 إذ لم يكن قد نسي بعد أن لقائي معه قد بث في نفسه الحنين إلى أجمل وأنبل ~~حياة ممكنة. ولقد عقد أكبر الآمال على نجاحه في التأثير على ديونيزيوس، واعتقد أنه لو ~~وفق في مسعاه لاستطاع أن ينشر في ربوع البلاد حياة سعيدة تستحق أن تشرف اسمه # 7 ~~(327ج)، وذلك دون حاجة للقتل وسفك الدماء وغيرهما من أعمال العنف التي جرت ~~بالفعل، هكذا تمكن بفضل هذه الأفكار الصحيحة من إقناع ديونيزيوس بأن يرسل في طلبي، ~~كما توسل إلي في رسائله بأن أبادر إلى الحضور بغير إبطاء، وذلك قبل أن يقع ديونيزيوس ~~تحت تأثير بعض العناصر التي تنفره من الحياة الفاضلة وتغريه بالتحول عن هذا ~~المثل الأعلى إلى حياة أخرى «فاسدة». وقد كانت هذه هي كلماته التي أجتزئ بذكر بعضها ~~حتى لا تشغل حيزا كبيرا: «هل هناك فرصة أخرى أنسب من هذه الفرصة التي هيأتها ~~العناية الإلهية؟» هكذا تساءل «في خطابه»، ثم استطرد في الحديث عن ضخامة المنطقة المحكومة # 8 ~~(327ه) في إيطاليا وصقلية، وعن وضعه هو نفسه في هذه المملكة، وعن شباب ~~ديونيزيوس وشغفه بالمعرفة، كما أسهب في تأكيد استعداده للفلسفة والعلم، وأضاف إلى ذلك ~~أن أولاد خئولته وعمومته # 9 ~~(328أ) وبقية أقاربه يمكن كسبهم بسهولة في صف المذهب الذي أعلنته واتباعه ~~في الحياة العملية، وأنهم يصلحون أيضا على خير وجه لكسب ديونيزيوس نفسه إلى جانبه. ~~عندئذ يمكن الآن أن يتحقق الأمل في الجمع بين الفيلسوف وحاكم دولة كبرى في شخص ~~واحد. # هكذا أخذ ديون يلح علي بمثل هذه الحجج «والمزاعم المغرية» # 10 ~~(328ب)، وكنت أشعر من ناحية بالتخوف من الشباب وعواقب الأمور التي ~~يتصدى لها - فسرعان ما تشتعل ميول الشباب للإقدام على عمل، وسرعان ما تنبو وتتجه ~~إلى عمل آخر معارض له - وكنت أعرف من ناحية أخرى أن ديون خير بطبيعته # 11 ~~(328ج)، كما أنه كان يتمتع في ذلك الحين بمزايا العمر الناضج، ومع أنني ~~ترددت بين قبول الدعوة أو عدم قبولها وأخذت أقلب الأمر من كل ناحية؛ فقد ms090 بدا ~~لي في النهاية أن هناك أسباب كثيرة ترجح أمامي الآن وجود حالة يتحتم فيها ~~الإقدام على المخاطرة، هذا إذا شاء أحد على الإطلاق أن يحاول وضع آرائه عن القانون ~~ودستور الحكم موضع التنفيذ في الواقع الملموس، فقد كنت الآن بحاجة إلى إقناع إنسان ~~واحد بآرائي لكي أحقق كل الخير الذي قصدت إليه. # هكذا غادرت وطني بعد أن شجعتني هذه الأفكار على الإقدام على المخاطرة، ولم تكن ~~الدوافع التي حركتني إلى ذلك كما تصور بعض الناس، بل كان الدافع الأساسي هو خوفي ~~من الشعور بالخجل من نفسي # 12 ~~(328د)، وخشيتي من أن أبدو في عيني مجرد رجل نظري # 13 # عاجز عن إنجاز فعل واحد، وأن أقع في شبهة الخيانة لوفاء ديون وكرم ~~ضيافته، وذلك في الوقت كان فيه يتعرض لخطر لا يقل «عن الخطر الذي يمكن أن أتعرض ~~له». ولو فرض أنه وقع في محنة أو اضطره ديونيزيوس وسائر أعدائه إلى مغادرة بلاده ~~فجاء إلي وقال لي: «أفلاطون، ها أنت تراني منفيا، لا لأن «قوات» المشاة والفرسان ~~كانت تعوزني لصد أعدائي، بل لأنني كنت أفتقر إلى الكلمات والحجج المقنعة التي ~~كنت أعلم أنك أقدر الناس على استخدامها لهداية الشباب إلى الخير والعدل وتوثيق روابط ~~الحب والصداقة بينهم في كل الأحوال، إن الذنب يقع عليك لأنك لم تسد حاجتي إليها؛ ~~ولذلك اضطررت لمغادرة سيراقوزة لتجدني الآن أمامك ... وليس ما فعلته في حقي هو الذي ~~يجلب العار، ولكن الفلسفة التي لا تكف عن ذكرها على لسانك ولا عن القول بأن بقية ~~الناس تستهين بشأنها، هل تنكر أنك خنتها الآن بخيانتك لي؟ لو كنت من سكان «ميجارا» ~~لاستجبت بالتأكيد لدعوتي إياك بمساعدتي والوقوف بجانبي، وإلا اعتبرت نفسك إنسانا ~~نكص عن أداء واجبه. أما الآن فإنك تتصور فيما يبدو أن طول الرحلة ومشقة السفر ~~بالبحر يمكن أن تكون عذرا لك، وأنك ستتمكن بذلك من الهرب من تهمة نسيان الواجب» # 14 ~~(329أ). ولكن هذا شيء مستحيل «لو أنه خاطبني بمثل هذا الكلام فهل سأجد ~~عندي ms091 ما أرد به عليه؟ لا، لن أجد شيئا.» هكذا قررت أن أطيع دواعي العقل ~~والعدل بقدر ما في طاقة الإنسان ومضيت إلى هناك. وكان ما ذكرته هو الذي جعلني ~~أتخلى عن عملي في التعليم الذي كان أحب شيء إلى نفسي، وأن أحيا في بلد يسوده ~~الطغيان الذي لم يكن يبدو أنه يتفق مع آرائي أو يوافق طبعي، وبهذا أديت واجبي نحو ~~«زيوس» حامي الصداقة # 15 # وصنت الفلسفة من كل عيب يمكن أن يلصق بها # 16 # لو أني جررت العار على نفسي بجبني وإيثاري الراحة. # وعندما وصلت إلى هناك - وهذه هي خلاصة قصة طويلة - وجدت بلاط ديونيزيوس يموج ~~بالدسائس، وكل ما فيه يفتري على «ديون» عند الطاغية الفرد، وقد دافعت عنه بقدر ما ~~استطعت، ولكن قدرتي كانت محدودة. وبعد حوالي ثلاثة شهور # 17 ~~(329ه) من وصولي نفاه ديونيزيوس على أبشع صورة مخجلة، وأمر بوضعه على ~~ظهر سفينة صغيرة، وذلك بتهمة التآمر والطمع في الحكم. وخفنا - نحن أصدقاء ديون - أن ~~يتهم الواحد منا الآخر بالتحالف معه «في مؤامراته » وأن ينتقم منا أيضا. بل ~~لقد انتشرت في ذلك الوقت في سيراقوزة إشاعة بأن ديونيزيوس أمر بقتلي بحجة أنني ~~كنت السبب في كل ما جرى، ولكن ديونيزيوس لاحظ الحالة التي كنا فيها، وأحس بالقلق من ~~أن تسوقنا مخاوفنا إلى اللجوء لعمل من أعمال العنف؛ ولهذا أذن لنا بمقابلته ~~وتحدث معنا حديثا وديا، واختصني بمواساته وتشجيعه، وألح علي أن أبقى؛ لأن ~~سمعته - فيما زعم - مرهونة ببقائي، ولو هربت منه لما استفاد من ذلك شيئا # 18 ~~(329د)؛ ولهذا تظاهر بالإلحاف علي في الرجاء، وإن كنا نعلم علم ~~اليقين أن توسلات الطغاة تقترن دائما بالتهديد. وهكذا حال دون سفري لكي يحقق ~~غرضه، وأمر بإسكاني في البرج # 19 ~~(329) الذي لم يكن قبطان سفينة ليجرؤ على أن يأخذني منه بغير إرادة ~~ديونيزيوس، ولم أكن لأخرج منه إلا بإذن صريح منه. وكذلك لم يكن في استطاعة أي ~~تاجر أو ضابط من حرس الحدود أن يتركني أغادر البلاد لو صادفني سائرا ms092 وحدي، بل كان ~~الأولى أن يقبض علي ويسلمني لديونيزيوس، وخصوصا بعد أن تردد - خلافا ~~للإشاعة السابقة - أن ديونيزيوس يعامل أفلاطون معاملة ودية للغاية # 20 ~~(330أ). «ولكن هل كانت هذه هي الحقيقة؟ إن مودته كانت تزداد مع مضي ~~الزمن كلما ازداد قربا مني وإلفا لطبعي. ولكنه طلب مني أن أقدره أكثر مما كنت ~~أقدر ديون، وأن يكون مني بمنزلة الصديق العزيز الذي كانه، وتلهف على بلوغ هذه ~~الغاية تلهفا يفوق الوصف. غير أنه أجفل من سلوك السبيل الذي يكفل تحقيقها، إن ~~كان إلى تحقيقها من سبيل، وهو أن يتتلمذ علي ويشارك في محاوراتي الفلسفية ليزداد ~~قربا مني؛ وذلك خوفا مما حذره منه الوشاة والمرجفون، وهو أن يحاط به وتتعطل ~~حريته، وبذلك يتحقق ما أراده ديون. وقد صبرت على هذا كله، مخلصا لهدفي الذي جئت ~~من أجله، على أمل أن تخالجه الرغبة في الحياة الفلسفية، ولكنه ظل يقاوم إلى ~~النهاية.» # | نصيحة لحلفاء ديون # تلك كانت أسباب # 1 ~~(330ج) زيارتي الأولى لصقلية وفترة إقامتي فيها، بعد ذلك رحلت ~~إلى وطني ثم رجعت إليها مرة أخرى تحت إلحاح ديونيزيوس. أما لماذا حدث هذا، ~~وكيف يشهد كل ما فعلته على الحق والاستقامة، فسوف أقص عليكم قصته فيما بعد، لكي ~~أشبع رغبة المتطلعين إلى معرفة قصدي من العودة إلى هناك. وسأبدأ بتقديم نصيحتي ~~إليكم فيما ينبغي عليكم أن تفعلوه في الظروف الراهنة، حتى لا يشغلني موضوع جانبي ~~عن الموضوع الأصلي، وإليكم ما أريد قوله: # إذا جاز لإنسان أن ينصح مريضا يحيا حياة مؤذية لصحته، فإن أول ما ينبغي عليه ~~القيام به هو تغيير أسلوب حياته، والتأكد من استعداده لإطاعة تعليماته قبل المضي في ~~تقديم النصح إليه. فإذا تبين له أن المريض لا يريد أن يطيعه، فسوف أصف الطبيب الذي ~~يرفض الاستمرار في معالجته بأنه طبيب أصيل وإنسان مستقيم الخلق، أما الذي يرضى ~~بذلك الوضع «ويستمر في تقديم نصائحه» فسيكون في رأيي إنسانا ضعيفا وطبيبا سيئا. ~~ونفس الشيء ينطبق على الدولة، سواء كان على رأسها رجل واحد ms093 أو عدة رجال، فإذا كانت ~~شئون الحكم # 2 ~~(330د) فيها تسير على الطريق الصحيح وسألت النصح والمشورة في أمر يمس ~~مصلحتها، فإن من العقل في هذه الحالة أن يقدم النصح إلى أمثال هؤلاء الناس. أما ~~إذا كانوا قد تنكبوا سبل الحكم الصحيحة وأصروا على عدم الرجوع إليها وطالبوا ~~ناصحهم «والمشير عليهم» صراحة بألا يمس دستورهم، بل هددوه بالموت إن حاول أن ~~يفعل، وفرضوا عليه أن يشير عليهم بأسرع وأيسر طريقة تمكنهم من الاستمرار في ~~إشباع رغباتهم وشهواتهم؛ إذ حدث أن قبل أحد تقييد نصيحته على هذه الصورة فسوف ~~أصفه بالجبن، أما من يرفض قبولها فسوف أعده رجلا شجاعا. هذه هي عقيدتي، ~~وكلما سألني أحد عن رأيي في مسألة هامة تتصل بحياته الخاصة، كأن تكون مسألة مالية ~~أو موضوعا يتعلق بسلامة جسمه أو نفسه، قدمت إليه النصيحة عن طيب خاطر ولم ~~أكتف بأداء الواجب أداء شكليا # 3 ~~(331ب)، وذلك إذا رأيت أنه يسير في حياته اليومية على مبادئ معينة أو ~~ظهر لي على الأقل أنه على استعداد لسماع نصيحتي. أما إذا لم يسألني النصح على ~~الإطلاق أو اتضح لي أنه لا ينوي الاستجابة لمشورتي فلن أفكر أبدا في أن أفرض عليه ~~نصيحتي، بل لن أحاول أن أفرض رأيي حتى على ابني. ربما وجهت النصح لعبد ما، وربما ~~لجأت إلى فرضها عليه إذا رفض أن يأخذ به. ولكنني أعتقد أن من الخطأ اللجوء إلى ذلك مع ~~الأب والأم، اللهم إلا إذا كانا مريضين مرضا عقليا. أما إذا كانا يعيشان ~~عيشة تعجبهما ولا تعجبني، فليس من الصواب أن أدفعهما إلى كراهيتي بتوجيه النصائح التي ~~لن تجدي معهما، وليس من الصواب أن أدفعهما إلى كراهيتي بتوجيه النصائح التي لن تجدي ~~معهما، وليس من الصواب أيضا أن أتملقهما بمساعدتهما على إشباع شهوات أؤثر أنا ~~نفسي الموت على الجري وراءها. وينبغي على الحكيم أن يسلك نفس المسلك من مدينته، فإذا ~~بدا له أنها تحكم حكما سيئا فعليه ألا يرفع صوته إلا إذا رأى أن كلماته لن ms094 تضيع ~~سدى ولن تؤدي به إلى الموت، ولا ينبغي عليه أبدا أن يحاول اللجوء إلى القوة ~~لتغيير الدستور. وإذا استحال إصلاحه «أي الدستور» بغير توقيع عقوبة النفي أو الموت على ~~بعض مواطنيه، فمن الواجب عليه في هذه الحالة أن يلزم الهدوء ويفوض أمره وأمر ~~مدينته للآلهة. # 4 # أريد الآن وفقا لهذه المبادئ أن أوجه إليكم النصيحة على نحو ما فعلت عندما ~~اشتركت مع ديون في تقديم النصح لديونيزيوس. فقد أشرنا عليه بأن يبدأ بتنظيم حياته ~~اليومية بحيث يتمكن من السيطرة على نفسه إلى أقصى حد ممكن ويكتسب أصدقاء ~~أوفياء لكيلا يصيبه ما أصاب أباه؛ فقد عجز هذا - بعد استيلائه على مدن كثيرة سبق ~~أن دمرها البرابرة تدميرا تاما - عن تعميرها وإقامة حكومات موالية فيها، ولم ~~يستطع أن يجد الحلفاء الذين يديرون أمورها، لا من الأجانب ولا من بين إخوته الصغار ~~الذين قام بنفسه على تربيتهم وبوأهم مقاعد الحكم وحولهم من الفقر إلى الغنى ~~الفاحش، ولم يتمكن كذلك - على الرغم من كل الجهود التي بذلها - من إشراكهم معه في ~~الحكم، لا بالإقناع والتوجيه، ولا بالصلات وروابط الدم. وهكذا أثبت أنه كان أسوأ سبع ~~مرات من «داريوس» # 5 ~~(332أ)، الذي لم يكن لديه من يعتمد عليهم من أصدقاء أو أشقاء تولى بنفسه ~~تربيتهم، وإنما اعتمد - على الرغم من ذلك - على أولئك الذين ساندوه في الإطاحة ~~بالخصي الميدي، وقسم مملكته بينهم إلى سبعة أقسام، كل قسم منها أكبر من ~~صقلية بأسرها. وأثبت هؤلاء الحلفاء ولاءهم له فلم يهاجمه واحد منهم ولم يعتد ~~أحد منهم على الآخر. وهكذا قدم «داريوس» النموذج الأمثل لما ينبغي أن يكون ~~عليه المشرع والملك، ووضع القوانين التي حافظت على الإمبراطورية الفارسية حتى ~~يومنا الحاضر. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الأثينيين الذين وضعوا أيديهم على عدد ~~كبير من المدن الإغريقية التي كان البرابرة (أي الفرس) قد غزوها من قبل، ولكنها ~~كانت لا تزال آهلة بالسكان. ومع أنهم لم يؤسسوها بأنفسهم # 6 ~~(332ب)، فقد استطاعوا أن يحافظوا على سيطرتهم عليها ms095 سبعين سنة كاملة؛ إذ ~~كان لديهم في كل مدينة منها أصدقاء أوفياء يتولون حكمها. أما ديونيزيوس # 7 ~~(332ج) الذي لم يكن يثق بأحد، فلم يستطع أن يثبت حكمه على الرغم من أنه ~~قام بتوحيد صقلية كلها في «ظل» مدينة واحدة. لقد كان يفتقر إلى الأصدقاء الأوفياء ~~الخلصاء، وامتلاك المرء لهؤلاء أو افتقاره إليهم هو أقوى دليل على قيمة الشخصية أو عدم قيمتها، # 8 # تلك كانت النصيحة التي قدمناها - ديون وأنا - إلى ديونيزيوس بعد أن ~~رأينا أن أباه جنى عليه وتركه يعيش بغير تربية صحيحة، ولا أصدقاء مخلصين، ~~ألححنا عليه أن يبدأ بإصلاح حياته الخاصة # 9 ~~(332د)، وأن يفتش بعد ذلك بين أقاربه ومعاصريه عن أصدقاء يشاركونه ~~السعي على طريق الخير والفضيلة، وأن يهتم - قبل كل شيء - بأن يصادق نفسه؛ إذ كان ~~يعوزه هذا إلى حد يدعو للدهشة. لم نقل له ذلك بطبيعة الحال بمثل هذا الوضوح - إذ ~~لم نكن نأمن على أنفسنا من التعرض للخطر - وإنما اكتفينا بالإشارة إليه ~~مؤكدين أنه هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه كل من يتولى الحكم ليحفظ نفسه ~~ويحمي رعاياه، وأن كل طريق آخر لا بد أن يؤدي إلى الخراب التام # 10 ~~(332ه)، أما إذا اتبع الطريق الذي وصفناه له واهتدى بنفسه إلى التبصر # 11 # والتدبر فسوف يتمكن من إعادة تعمير المدن المهجورة «في صقلية»، والربط ~~بينها بقوانين ودساتير تجعلها قادرة على مساندته والصمود لغارات البرابرة «أي ~~القرطاجيين»، وبهذا يمكنه أن يوسع مملكة أبيه لا إلى الضعف بل أضعافا ~~مضاعفة. ولو تيسر له هذا لأمكنه أيضا أن يخضع القرطاجيين لنير أثقل من ذلك ~~الذي ناءوا به تحت حكم «جيلون»، وذلك بدلا من الاستمرار في دفع الإتاوة التي التزم بها ~~أبوه نحوهم. كانت هذه هي الاقتراحات التي أوصينا بها ديونيزيوس، وأولتها الإشاعات ~~والهمسات من كل ناحية بأننا نتآمر على حياته، حتى تمكنت من نفسه في النهاية ~~وتسببت في نفي ديون وألقت بنا في حالة من الرعب والفزع. وأحب الآن أن أختم ~~روايتي للأحداث الكثيرة التي تمت ms096 في فترة بالغة القصر فأقول: لقد رجع ديون من ~~«شبه جزيرة البيلوبينيز» # 12 ~~(333ب)، ومن أثينا، ولقن ديونيزيوس درسا أبعد ما يكون عن الدروس النظرية # 13 ~~(333ج)، وبعد أن تم له تحرير المدينة مرتين وتسليمها لأهل سيراقوزة، وقف ~~منه هؤلاء نفس موقفهم السابق من ديونيزيوس. فقد حاول ديون أن يتدخل في توجيه حياته ~~كلها وأن يجعل منه حاكما جديرا بعرشه، ولكنه فضل أن ينضم إلى صفوف أعدائه الذين ~~أوحوا إليه أن ديون لم يفعل كل ما فعله في ذلك الوقت إلا لرغبته في الانفراد بالحكم # 14 ~~(333ج)، وأن هدفه من تعليمه هو أن يوقعه في سحر الفلسفة فيهمل شئون ~~الحكم ويعهد بها إلى ديون الذي يتمكن عندئذ من السيطرة عليها وحرمان ديونيزيوس من ~~ملكه بحيلة لئيمة. # انتصرت هذه الإشاعات في ذلك الحين، ثم انتصرت مرة أخرى عندما انتشرت في ~~سيراقوزة، غير أنه كان انتصارا بشعا ومخجلا لأولئك الذين تحملوا وزره، ~~وينبغي أن يوضح أمره لهؤلاء الذين يسألونني النصح في الظروف الحاضرة. ~~(333د) لقد حضرت من موطني أثينا إلى بلاط الطاغية كصديق وحليف لديون رغبة مني ~~في إقرار المودة والصداقة بينهما بدلا من الشقاق والعداء، غير أنني انهزمت في ~~صراعي مع الوشاة والمرجفين. وحاول ديونيزيوس بالهدايا والصلات وأسباب التكريم ~~المختلفة أن يكسبني إلى جانبه وأن يقنعني بالشهادة «أمام الرأي العام» بأنه كان على حق ~~عندما نفى ديون، ولكنه أخفق في محاولته إخفاقا ذريعا. وعندما رجع ديون بعد ذلك بفترة ~~إلى سيراقوزة أحضر معه من أثينا «نفسها» أخوين، # 15 # كان قد كسب صداقتهما لا عن طريق الاهتمامات الفلسفية المشتركة بل عن ~~طريق التعارف المألوف الذي تقوم عليه معظم الصداقات، ويتم عادة من خلال الزيارات ~~المتبادلة والاشتراك في طقوس الأسرار الصغيرة أو الكبيرة، وأصبح هذان الأخوان صديقيه ~~وحليفيه نتيجة الأسباب التي ذكرتها ولمساعدتهما له عند عودته. وعندما حضرا إلى ~~صقلية ولاحظا أن أهلها الذين حررهم يشيعون عنه أنه يطمع في الحكم المستبد لم ~~يكتفيا بخيانة الصديق الذي أسبغ عليهما كرم ضيافته، بل عمدا ms097 إلى اغتياله ~~بأيديهما، وذلك عندما وقفا بجانب القتلة وأسلحتهم في أيديهم. ولست بحاجة إلى ~~التعقيب على هذا الفعل البشع الخسيس؛ فهناك كثيرون غيري سيجعلون مهمتهم الآن ~~وفي المستقبل أن يغنوا على هذا الوتر. ولكنني سأكتفي بالرد على نقطة واحدة لا ~~يمكن السكوت عليها، وهي الزعم بأن مسلك هذين الرجلين قد لوث سمعة أثينا. وحسبي أن ~~أشير إلى أن الرجل الذي رفض أن يخون ديون كان - كذلك - أثينيا، «وقد أبى أن يفعل ~~ذلك» على الرغم من الثروة الطائلة والتكريم الذي كان يمكن أن يحصل عليه. فلم تكن ~~الصداقة التي ألفت بينه وبين ديون صداقة عادية، وإنما قامت على المشاركة في ~~الاهتمامات العقلية، ومثل هذه الصداقة هي التي ينبغي أن يعول عليها الإنسان ~~العاقل، أكثر من أي صداقة قائمة على قرابة الروح # 16 # والجسم؛ ولهذا فليس من الإنصاف أن يقال إن قاتلي ديون قد لوثا سمعة ~~أثينا، ومن يقول بذلك فإنما ينسب إليهما دورا لم يقوما به أبدا # 17 ~~(334ج). # لقد قلت هذا كله لكي أقدم النصح لأصدقاء ديون وأقاربه. فماذا بقي عندي ~~لأنصحهم به؟ إنها نفس النصيحة ونفس الكلمات التي وجهتها لغيرهم في مناسبتين ~~سابقتين، لا يجوز لصقلية ولا لغيرها من المدن أن تخضع للسلطة المطلقة، # 18 # بل يجب - في رأيي على الأقل - أن تخضع لحكم القانون. فالسلطة المطلقة ~~مضرة بالحكام والمحكومين، وهي «مؤذية» لهم ولأبنائهم وأبناء أبنائهم؛ لأن مثل ~~هذه التجربة لا بد أن تؤدي إلى الخراب. فالنفوس الصغيرة والطباع الدنيئة # 19 # هي وحدها التي تنقض على منافعها العاجلة، # 20 # وهي نفوس لا تعرف شيئا عن الأمور الإلهية والبشرية التي هي عدل وخير في ~~الحاضر وعلى مدى المستقبل. # 21 # هذه هي الحقيقة التي سعيت أولا لإقناع ديون بها، ثم ديونيزيوس من ~~بعده، وها أنا ذا أحاول أن أقنعكم بها، فاستمعوا إلي حبا في زيوس المنقذ الذي ~~يشرب النخب الثالث تكريما له، # 22 # واعتبروا بمصير ديونيزيوس وديون. فالأول لم يستمع إلي، وهو إن كان لا ~~يزال حيا، فإنه يحيا حياة شقية، ms098 # 23 # أما الآخر الذي استجاب لتعليمي فقد مات، ولكنه مات ميتة رائعة، وإنه ~~لشيء جميل وجدير بالسعي إليه في كل الأحوال أن يتحمل المرء كل ما يصيبه به ~~القدر من شقاء، مهما تكن وطأته ثقيلة، في كفاحه لبلوغ أسمى الخيرات لنفسه ووطنه. فما ~~من أحد منا خالد، ولو قدر الخلود لأحد لما شعر بالسعادة كما يظن عامة الناس؛ ~~ذلك أن الأجسام التي بلا نفوس لا تشعر بمعنى الخير والشر # 24 # وإنما تشعر بهما النفس وحدها، سواء كانت متصلة بالجسم أو منفصلة عنه. ~~«أما فيما يتعلق بهذه النفس»، فيجب علينا دائما أن نصدق الأخبار القديمة ~~المقدسة التي تؤكد لنا أن النفس خالدة وأنها ستخضع للحساب وتتحمل أقصى ألوان ~~العقاب بعد انفصالها عن الجسد؛ ولهذا السبب ينبغي علينا أن نعتبر تحمل الأذى والظلم ~~الفادح أهون شرا من اقترافه. غير أن هذا شيء لا يكترث به الإنسان الذي يعدل جشعه ~~«إلى الثروة» فقره الروحي، وإذا اكترث به تصور أن من حقه أن يهزأ به بينما ~~ينهش بصورة مخجلة، كالحيوان، كل ما يعتقد أنه يمكن أن يشبع شهيته للطعام أو ~~الشراب أو لتلك اللذة القبيحة المهينة التي نسميها ظلما باسم أفروديت. لقد غشيه ~~العمى فلم يعد يبصر ألوان العذاب المترتبة على نهمه الكريه، «ولم يعد يحس» أن كل جريمة # 25 # تزيد من حمل الشر الذي لا بد أن يجره المذنب وراءه سواء طوال فترة ~~تجواله على الأرض أو أثناء عودته المخجلة البائسة إلى العالم السفلي. # بهذه الأحاديث وأمثالها استطعت أن أؤثر على ديون، ولدي كل الأسباب التي تحملني ~~على السخط على قاتليه وكذلك على ديونيزيوس. فقد أصابني كلاهما، ويمكنني القول بأنهما ~~أصابا سائر البشر جميعا، بأفدح الضرر، أما القتلة فباغتيالهم الرجل الذي كانت لديه ~~الرغبة الحارة في تحقيق العدالة، وأما ديونيزيوس فلأنه لم يشعر بهذه الرغبة لحظة ~~واحدة أثناء حكمه الطويل، وهو الذي كان يقبض بيديه على زمام السلطة الجبارة # 26 ~~(335د)، ولو استطاع حقا أن يجمع الفلسفة والسلطة السياسية في شخص واحد ~~لأثار ms099 اهتمام الناس جميعا من إغريق وبرابرة، # 27 # وبين لكل إنسان حقيقة # 28 # أنه لن يتيسر لدولة أو فرد أن «يذوق طعم السعادة» ما لم يقض حياته ~~بحكمة «وتدبر» على هدى العدالة، # 29 # سواء كافح بنفسه في سبيل الوصول إليها أو نشأ على مبادئ الحق والعدل التي ~~رباه عليها الصالحون. هذا هو الضرر الحقيقي الذي سببه ديونيزيوس (335ه)، وكل ما ~~عداه من ألوان الأذى التي قاسيتها منه تعد تافهة بالقياس إليه، أما قاتل ديون فقد ~~فعل نفس ما فعله ديونيزيوس دون أن يشعر. فأنا أعلم أن ديون - وذلك بقدر ما يسع ~~الإنسان أن يؤكد عن إنسان آخر - أنه لو تمكن من تدعيم حكمه لبدأ على الفور - بعد ~~إتمام تحرير مدينته سيراقوزة من نير العبودية وتطهيرها من أدرانها وخلع ثوب الحرية ~~عليها - بتزويد مواطنيها بأفضل وأنسب ما يستطيع من قوانين، ولبادر بعد ذلك بالقيام ~~بما يتصل بذلك من تعمير صقلية كلها وتحريرها من البرابرة، وذلك بطرد بعضهم وإخضاع ~~بقيتهم، ولوفق في ذلك توفيقا لم يبلغه هيرون في الزمن القديم (336أ)، ولو ~~قدر لهذا أن يتحقق بفضل رجل على حظ من العدل والشجاعة وضبط النفس، بجانب كونه ~~فيلسوفا، لاستقر بين الناس احترام الفضيلة ولأمكن - لو قد كتب لي النجاح أيضا في ~~إقناع ديونيزيوس - أن تعم الجنس البشري بأسره (وتضمن إنقاذه)، # 30 # ولكن يبدو - بعد أن تحولت الأمور إلى هذه الصورة - أن روحا شريرا ~~(أو ربة من ربات الثأر) # 31 # قد هاجمنا # 32 ~~(336ب) واستطاع «بما جبل عليه» من احتقار للقانون والدين وبما هو أسوأ ~~منهما من رعونة الغباء - وهو التربة التي تمتد فيها جذور الشر كله وتظل تنمو وتترعرع ~~حتى تخرج في النهاية مر الثمر لغارسيه - أقول استطاع هذا الروح الشرير أن ~~يقلب كل خططنا ويفسدها للمرة الثانية. فلنقدم الآن على المحاولة الثانية، ~~ولنسكت عن كل كلام يمكن أن يجلب سوء الحظ عليها. على الرغم من كل ما حدث فإني ~~أنصحكم، يا أصدقاء ديون، بأن تحذوا حذوه في حب الوطن وتقتدوا بحياته التي ms100 اتسمت بالبساطة # 33 ~~(336)، وضبط النفس، وتحاولوا تحقيق أهدافه في ظروف أنسب. أما طبيعة هذه ~~الأهداف فقد شرحتها لكم الآن بوضوح. وأما عن حلفائكم فيجب عليكم أن تستبعدوا منهم كل ~~من يخرج على «أسلوب» الحياة «الدورية» التي عاشها آباؤنا # 34 ~~(336د)، مؤثرا عليها حياة البدع الصقلية التي سار عليها قتلة ديون، ~~ولا تنتظروا من مثله أنا يحقق عملا نافعا أو يخلص في شيء. فإذا تصديتم لإعادة ~~تعمير صقلية كلها ووضع تشريع عادل «يكفل الحقوق المتساوية للجميع»، فعليكم أن ~~تستدعوا لهذا الغرض رجالا من صقلية نفسها ومن «شبه جزيرة» البيلوبينيز كلها، بل لا ~~تخشوا أن تلجئوا في ذلك لأثينا نفسها، فستجدون هناك رجالا ممتازين «يفوقون ~~مواطنيهم همة ونشاطا»، ويستبشعون أعمال العنف التي تدفع البعض إلى قتل الصديق. # 35 # ولكن إذا كنتم ستنظرون في تنفيذ هذه الخطط في المستقبل، وكنتم تضيقون ~~في الوقت الحاضر بتلك الصراعات المستمرة المتنوعة التي تنشب عادة في فترات ~~الثورة كل يوم، ووجدتم من العقل أن يدرك بوضوح أن فظائع الحرب الأهلية لن تنتهي # 36 ~~(336ه) حتى يكف المنتصرون عن رد الظلم الذي حاق بهم من قبل بنفي ~~خصومهم واغتيالهم، ويتخلوا عن فكرة الانتقام من أعدائهم «وشفاء أحقادهم القديمة ~~عليهم»، ويلتزموا بدلا من ذلك بضبط النفس، ووضع نظام من القوانين يكفل الخير للجميع ~~ولا يضيف إلى مصلحتهم الشخصية مقدار شعرة واحدة أكثر من الفريق المهزوم، وأن ~~يحملوا خصومهم السابقين على طاعة القوانين «واحترامها» بوسيلتين (لا ثالث لهما) وهما ~~الحياء والخوف؛ أما الخوف فلأنهم قد أثبتوا أنهم يفوقونهم قوة، وأما الحياء فلأنهم ~~أقدر على ضبط أنفسهم «والتحكم في انفعالاتهم»، كما أنهم أقدر من غيرهم وأكثر ~~استعدادا للخضوع للقانون. هذه هي الوسيلة الوحيدة التي لا يتسنى بغيرها أن تهدأ ~~مدينة (أو دولة) مزقتها الحرب الأهلية، # 37 ~~(337أ)، «وإذا لم تلجأ إلى هذه الوسيلة» فستظل عرضة للتمرد والعداوات ~~الشخصية والحقد والخيانة. وهكذا يتحتم على أولئك الذين استولوا على السلطة، إن ~~أرادوا تحقيق الأمن «والإصلاح»، أن يتبادلوا المشورة فيما بينهم وينتخبوا رجالا يعلمون ms101 ~~عنهم أنهم أفضل الرجال بين الإغريق، ويتوخوا فيهم قبل كل شيء أن يكونوا متقدمين ~~في العمر، وتكون لكل منهم زوجة وأطفال، وأسلاف ماجدون مشهورون بقدر الإمكان، ~~وثروة كافية معقولة - وفي مدينة يبلغ تعداد سكانها عشرة آلاف يكفي أن يكون عددهم خمسين ~~رجلا - وعليهم أن يتوسلوا إليهم ويغروهم بأسمى آيات التكريم حتى يتركوا بيوتهم، ~~فإذا حضروا تضرعوا إليهم أن يضعوا القوانين، وذلك بعد أن يأخذوا عليهم العهد ~~«والقسم» بألا يحابوا فيها منتصرا ولا مهزوما، وأن يلتزموا فيها بالمصلحة ~~العامة للمدينة كلها. فإذا وضعت القوانين فسوف يتوقف رخاء «المدينة» على استعداد ~~الفريق المنتصر للخضوع للقانون أكثر من الفريق المنهزم، وعندئذ يتحقق الإنقاذ ~~والهناء، ويتم الخلاص من كل شقاء، # 38 # أما إذا حدث عكس ذلك فلا يلجأ أحد إلي أو إلى غيري لمساعدة أولئك ~~الذين لم يلتزموا بالمبادئ التي أوصيت بها؛ إذ إنها هي نفس المبادئ التي حاولنا، ~~ديون وأنا، تحقيقها معا، مدفوعين بالحب لأهل «سيراقوزة». لقد كانت هذه هي محاولتنا ~~الثانية. أما الأولى فكانت تلك التي قمنا بها مع ديونيزيوس وأملنا من ورائها ~~توفير السعادة للجميع. غير أن قدرا يفوق قدرة البشر حال دون نجاح خطتنا. وعليكم ~~الآن أن تبذلوا ما في وسعكم لعل المزيد من التوفيق أن يكون حليفكم، وأن تحظوا ~~بعون من الله وتأييد من القدر (337ه). # | زيارة أفلاطون الثانية لديونيزيوس الثاني # وبهذا أختم النصيحة التي أردت أن أوجهها إليكم، كما أختم قصة زيارتي الأولى ~~لديونيزيوس. أما عن رحلتي الثانية فيستطيع كل من يهمه الأمر أن يرى «مما سأرويه ~~الآن أنها تمت بصورة طبيعية ومعقولة، وأنني قمت بها مدفوعا بدوافع مثالية» (338أ). # 1 # مرت فترة إقامتي الأولى في صقلية على النحو الذي وصفته قبل أن أقدم ~~نصيحتي لأصدقاء ديون وأقاربه. وقد بذلت كل ما في طاقتي لإقناع ديونيزيوس بإطلاق ~~سراحي، ثم وصلنا في النهاية إلى اتفاق يقضي بأن يقوم باستدعائنا، ديون وأنا، مرة ~~أخرى بعد أن تنتهي الحرب الدائرة آنذاك في صقلية «بعقد معاهدة سلام» # 2 ~~(338ب)، ويتم له تثبيت ms102 حكمه وتدعيمه. وقد طلب في نفس الوقت من ديون أن ~~يعتبر أن ما حدث له لم يكن يقصد به نفيه بل تغيير إقامته. وعلى أساس هذه الشروط وعدته ~~بالرجوع. # ولما استتب السلام أرسل ديونيزيوس يدعوني لزيارته، ولكنه طلب من ديون أن يؤجل ~~حضوره سنة أخرى، بينما أخذ يلح علي في زيارته إلحاحا شديدا. كذلك حثني ديون على ~~السفر؛ إذ أفادت التقارير العديدة الواردة من صقلية بأن ديونيزيوس قد تملكه من جديد ~~حماس غير عادي للفلسفة؛ ولهذا السبب توسل إلي ديون أن أقبل الدعوة. وكنت ~~من ناحيتي أعلم أن الفلسفة كثيرا ما تحدث هذا التأثير في الشباب، ومع ذلك فقد بدا لي ~~من الأضمن - على الأقل في اللحظة الراهنة - أن أتغاضى عن ديون وديونيزيوس، وتسببت ~~في سخطهما علي عندما أجبت الأخير بأنني قد أصبحت شيخا متقدما في السن، وأن ~~ما يجري الآن يتعارض كل التعارض مع ما اتفقنا عليه (338ج). # ولكن يبدو أن أرخيتاس «التارنتي» زار ديونيزيوس بعد ذلك مباشرة «وكنت قبل رجوعي ~~إلى الوطن قد توسطت في إقامة علاقات ودية بين أرخيتاس وحكومته # 3 ~~(338د) في تارنت من ناحية وبين ديونيزيوس من ناحية أخرى «وكان في سيراقوزة ~~أيضا عدد من الناس الذين تلقوا شيئا من العلم من ديون، وعدد آخر أخذوه عن هؤلاء، ~~ويبدو أن هؤلاء الناس الذين حشدوا رءوسهم بمعلومات فلسفية دارجة # 4 # قد حاولوا أن يتناقشوا مع ديونيزيوس حول هذه الموضوعات، اعتقادا منهم بأنه ~~على دراية تامة بكل آرائي.» # 5 # والواقع أن ديونيزيوس - بجانب استعداده للتعلم - ليس خلوا من الموهبة، ~~كما أنه يتميز بطموحه الشديد، وربما سره ما قيل عنه فخجل أن يلاحظ عليه أحد أنه لم ~~يتعلم مني شيئا أثناء إقامتي في بلاطه، # 6 # ولهذا أحس في نفسه الرغبة في استيضاح هذه الأمور، كما دفعه في نفس الوقت ~~إلى ذلك طموحه الشديد. أما السبب الذي جعله لا يتعلم مني شيئا أثناء فترة إقامتي ~~الأولى فقد شرحته منذ قليل بالتفصيل. # وبعد أن رجعت سالما إلى وطني وبعثت إليه ms103 برفضي لدعوته الثانية - كما سبق أن ~~قلت - شعر فيما يبدو بالقلق الشديد من أن يتصور بعض الناس أن رأيي في طبعه ~~ومواهبه رأي سيئ - خصوصا بعد أن عرفت طريقة حياته عن قرب - وأن اشمئزازي منه هو ~~الذي صدني عن زيارته (339أ). # إني أرى من واجبي الآن أن أروي الحقيقة وأتحمل أيضا ما يمكن أن يترتب عليها ~~لو سمع أحد بما حدث فحاول أن يحتقر فلسفتي ويشيد بذكاء الطاغية. فقد بعث ديونيزيوس في ~~طلبي للمرة الثالثة، وأرسل إلي مركبا بحريا «بثلاثة صفوف من المجاديف» لكي ييسر ~~علي مشقة السفر بقدر الإمكان. وجاء معها «أرخيديموس» وهو أحد تلاميذ أرخيتاس ~~وبصحبته عدد آخر من معارفي الصقليين، وقد أرسله ديونيزيوس لاعتقاده بأنني أقدره ~~أكثر من أي إنسان آخر في صقلية # 7 ~~(339د)، وقد أخبرنا هؤلاء جميعا نفس الخبر، وهو أن ديونيزيوس قد حقق ~~تقدما ملحوظا في الفلسفة. كذلك أرسل إلي خطابا مطولا؛ إذ كان يعلم مدى حبي ~~لديون، كما يعلم مدى لهفته على سفري وعودتي لسيراقوزة. وقد دار الخطاب كله حول هذه ~~النقطة، وبدأ بهذه الكلمات تقريبا: «ديونيزيوس يحيي أفلاطون»، وبعد التحية ~~التقليدية انتقل بغير تمهيد إلى هذه العبارات: «إذا لبيت دعوتي ورجعت إلى ~~صقلية، فسوف تسوى مسألة ديون على الوجه الذي يرضيك - وأنا متأكد أن مطالبك ~~ستكون معقولة؛ ولهذا فلن أتردد في الاستجابة لها - أما إذا رفضت فلن يتم أي ~~شأن من شئونه، وبخاصة شئونه الصحية، على الصورة التي تحبها». كانت هذه هي كلماته، ~~والاستطراد في ذكر عباراته يستغرق وقتا طويلا ولا يفيدنا فيما نحن بصدده . وجاءتني ~~كذلك خطابات أخرى من أرخيتاس والأصدقاء في تارنت. وكلها تشيد بتقدم ديونيزيوس ~~في الفلسفة، وتشير إلى أنني إن لم أحضر على الفور فسوف أعرض للخطر الشديد ~~علاقات الصداقة التي أقمتها بنفسي بينهم وبين ديونيزيوس، وهي - في نظرهم - علاقات ~~ذات أهمية سياسية قصوى. فلما جاءت دعوة ديونيزيوس على هذه الصورة، ووجدت أن ~~أصدقائي في صقلية وتارنت يشدونني من جهة، بينما يكاد أصدقائي في أثينا يتعجلون ~~خروجي من ms104 البلاد بإلحافهم، واجهتني نفس الحجة التي واجهتها من قبل، وهي أنه لا يحق ~~لي أن أتخلى عن ديون «أو أخون الأصدقاء والحلفاء في تارنت. وشعرت - فضلا عن ~~ذلك - بأنه لا يستغرب من شاب» # 8 ~~(339ه) التقط بعض الأحاديث الجادة التي سمعها من هنا أو هناك أن ~~تشتاق نفسه إلى اتباع أفضل سبل الحياة، وهكذا رأيت من واجبي أن أفحص الأمر من ~~كل نواحيه بعناية شديدة، ورأيت ألا أرفضه منذ البداية لكيلا أستحق اللوم الذي ~~سيوجه إلي لو صحت الأنباء التي وصلتني، # 9 # ومن ثم قمت برحلتي مستترا وراء الحجة التي ذكرتها، # 10 # ولكن قلبي كان مفعما بالقلق والهم، ولم يكن لدي - كما يمكن أن ~~تتوقعوا ذلك بسهولة - أي أمل في النجاح، وعندما وصلت إلى هناك اكتشفت أن ~~هذه الكلمة المأثورة تنطبق علي: الثالثة ثابتة، # 11 # إذ كان من حسن حظي أن أنجو مرة أخرى و«أرجع سالما إلى وطني»، وأنا ~~مدين بالفضل في هذا - بعد الله - لديونيزيوس الذي أحبط محاولات الكثيرين للقضاء علي ~~وأظهر في موقفه مني أنه لم يكن مجردا من الحياء. # وعندما وصلت إلى «صقلية» جعلت مهمتي الأولى هي التحقق من أن ديونيزيوس قد ~~تملكه لهيب الحماس للفلسفة، وذلك كما أفادت الأخبار الكثيرة التي وردت إلى أثينا، ~~أو أنه كان مجرد زعم لا أساس له من الصحة (340ب)، وهناك طريقة للتأكد من هذا وليس ~~فيها أي جرح للكرامة، وهي طريقة تناسب الطغاة، خصوصا إذا كانت رءوسهم محشوة ~~بالشعارات الفلسفية، # 12 # وهو الأمر الذي لاحظت بمجرد وصولي أنه ينطبق على ديونيزيوس. # والطريقة هي أن نبين لأمثال هؤلاء الناس طبيعة الموضوع بوجه عام، والصعوبات ~~المرتبطة به «والمراحل المختلفة التي عليهم أن يجتازوها» (340ج)، # 13 # والجهد والمشقة اللذين يتطلبهما، فإذا استمع واحد منهم إلى هذا ~~وكانت لديه الشرارة الإلهية التي تجعله جديرا بالفلسفة بدا له الطريق من الروعة بحيث ~~يصمم على السير عليه بكل ما أوتي من قوة وإلا استحال عليه أن يعيش بعد ذلك. ~~وعندئذ يحشد كل ما في طاقته وطاقة ms105 مرشده على هذا الطريق، ولا يتخلى عنه حتى يبلغ ~~هدفه أو يأنس في نفسه القدرة على سلوك الطريق بنفسه بغير مرشد أو دليل. في مثل هذه ~~الأفكار وحدها يعيش الموهوب للفلسفة؛ صحيح أنه يواصل نشاطه اليومي المعتاد، ولكنه يحرص ~~بجانب ذلك على التمسك بالفلسفة وبأسلوب الحياة الذي يزيد قدرته على التذكر والتحصيل ~~والتفكير، ويمكنه من التخلق بالقصد والاعتدال، أما الطريق المخالف لذلك فيكرهه ~~كراهية تلازمه مدى الحياة (340د). # غير أن أولئك الذين لا يملكون الموهبة والاستعداد الحقيقي للفلسفة، # 14 # ولا يصيبون منها إلا حظا ضئيلا من المعرفة السطحية التي تشبه ~~الاحمرار الذي يصيب جلود بعض الناس عندما يتعرضون لأشعة الشمس؛ فهم لا يلبثون أن ~~يدركوا صعوبة المهمة، واستحالتها بالنسبة لهم، وذلك بمجرد أن يعرفوا مقدار ما يجب ~~عليهم تعلمه، ومدى ما يتطلب منهم من مشقة، والاستقامة التي ينبغي عليهم أن ~~يلتزموا بها في حياتهم. إنهم في الواقع عاجزون عن تنفيذ ما يطلب منهم # 15 ~~(341أ)، ويحاول بعضهم - مع ذلك - أن يقنع نفسه بأنه سمع ما فيه الكفاية ~~عن الموضوع كله، وأنهم ليسوا بحاجة إلى مزيد من الجهد والعناء. هذا هو الاختبار ~~الأكيد «المأمون» الذي يمكن تطبيقه على أولئك الذين يميلون إلى حياة اللذة ~~والدعة، ولا يجدون في أنفسهم القدرة على العمل الشاق. وليس لأحدهم أن يلوم إلا نفسه ~~إذا عجز عن النهوض بما يتطلبه منه الموضوع، ولا بد في هذه الحالة أن يعفي المرشد ~~من المسئولية. # هذه هي الأفكار التي كنت أحملها في ذهني عندما قلت ما قلته لديونيزيوس، لم ~~أتحدث إليه في كل شيء، ولم يسألني هو نفسه عن ذلك، فقد ادعى أن ما سمعه من الآخرين # 16 ~~(341ب)، قد أعطاه فكرة كافية عن الموضوع وجعله يحيط بأهم جوانبه. ~~وقد بلغني بعد ذلك أنه كتب رسالة عما سمعه في ذلك الحين، وأنه صور الأمر كأنه ~~رسالة من تأليفه وتعبر عن مذهبه لا عما سمعه. ولكنني لا أعرف شيئا مؤكدا في ~~هذا الشأن. صحيح أنني أعلم أن هناك عددا آخر ms106 كتب في نفس هذه الموضوعات، ولكن كل ~~الذين فعلوا ذلك لم ينتحلوا لأنفسهم صفة المؤلفين (341ج)، # 17 # بيد أني أستطيع، على كل حال، أن أحكم على أولئك الذين كتبوا بالفعل أو ~~سيكتبون في المستقبل مدعين معرفة الأمور التي أوليها اهتمامي - سواء زعموا أنهم ~~أخذوا العلم عني أو عن غيري أو وصلوا إلى الحقيقة بأنفسهم - بأن من المستحيل في رأيي أن ~~يكونوا قد فهموا شيئا عن الموضوع، فلا يوجد عنه كتاب # 18 # من تأليفي ولن يوجد أبدا؛ لأنه ليس شيئا يمكن التعبير عنه بالكلمات كما ~~هو الحال مع العلوم الأخرى، وإنما تنبثق حقيقته في النفس فجأة بعد مشاركة طويلة ~~وتعاون مستمر في العكوف عليه كما ينبثق نور قدحته شرارة واثبة، وهناك يتغذى ~~وينمو نموا مطردا. ثم إني أعلم علم اليقين أنه لو تسنى أن يوجد شيء ~~مكتوب أو شفهي عن هذا الموضوع فإن من الأفضل أن أكون أنا صاحبه، كما أعلم أيضا أنه ~~لو عرض عرضا سيئا فلن يضار من وراء ذلك أحد غيري. ولو دار بخلدي أن من الواجب ~~أن يبلغ للرأي العام # 19 ~~(3421د) بطريقة وافية في صورة شفاهية أو مكتوبة، فهل كان يمكن أن ~~أحقق في حياتي عملا أروع من هذا، وهل هناك أجمل من أن أقدم للبشرية مذهبا ~~عظيما يصف لهم طريقة الخلاص والإنقاذ، # 20 # ويظهر حقيقة الأشياء ليراها الجميع؟ ولكنني لا أعتقد أن محاولة وضع ~~هذه الأمور «البحوث» في كلمات يمكن أن تنفع الناس، اللهم إلا فئة قليلة جدا لن ~~يستعصي عليها أن تجد الحقيقة بنفسها مع شيء قليل من التوجيه والإرشاد. أما بقية ~~الناس فسوف توغر صدورهم على الفلسفة وتملؤها بالازدراء لها، أو تولد فيهم الغرور ~~الأحمق الباطل الذي يصور لهم أنهم اطلعوا على سر رائع (341ه). # | عجز الكلمات عن التعبير عن الواقع # أود الآن أن أتحدث عن هذه المسألة بشيء من التفصيل، فقد يزداد المعنى الذي أريده ~~وضوحا. هناك حجة لا يمكن دحضها تقف في طريق كل من يتجرأ على كتابة أي شيء عن ms107 ~~هذه الأمور، وهي حجة طالما استخدمتها في الماضي، ويبدو أن الضرورة تقتضي تكرارها ~~في هذه المناسبة (342أ). # هناك ثلاث أدوات لا بد من توافرها لمعرفة أي شيء، تضاف إليها المعرفة نفسها ~~كأداة رابعة، أما الخامسة فهي الموجود الحق وموضوع المعرفة نفسه، فأولها هو الاسم، ~~وثانيها هو التعريف، وثالثها هو التمثل # 1 # ورابعها هو المعرفة. خذ لذلك مثلا واحدا إذا أردت أن تفهم ما أقول، ~~ثم طبقه بعد ذلك على كل شيء. فهناك موضوع يسمى «الدائرة» واسمه هو الكلمة ~~التي ذكرناها الآن، ثم يأتي تعريفه الذي يتكون من أسماء وأفعال (342ب)، فالعبارة ~~التي تقول: «الشيء الذي يتساوى بعد أطرافه في كل اتجاه عن المركز»، ستكون هي تعريف ~~الموضوع الذي نصفه بأنه مستدير ومتساوي الانحناء ودائرة، ثم يأتي التمثل في ~~المقام الثالث، ويمكن أن يرسم ويمحى، وأن يخرط بالمخرطة ويدمر بعد ذلك ~~(344ج). # ولكن هذه الأمور الثلاثة التي تتعلق بالدائرة لا تؤثر على الدائرة الحقيقية ~~ذاتها التي تختلف عنها كل الاختلاف. وفي المقام الرابع تأتي المعرفة والفهم والرأي الصادق # 2 # عن هذه الأمور، ويجب أن تضم هذه الثلاثة في فئة واحدة؛ لأنها لا توجد في ~~الأصوات «اللغوية» أو الأشكال المكانية وإنما توجد في النفس، ومن الواضح أنها مختلفة عن # 3 # ماهية الدائرة الحقيقية في ذاتها وعن الأدوات الثلاث التي ذكرناها في ~~البداية. والفهم هو أقرب هذه الأدوات الثلاث إلى الموضوع الخامس؛ لما يربطه به من قرابة ~~وتشابه، أما الأداتان الأخريان فهما أكثر بعدا عنه. # ويصدق نفس الشيء على الأشكال المستقيمة والأشكال والسطوح # 4 # المنحنية، وعلى اللون والخير والجمال والعدالة، وعلى كل الأجسام الطبيعية ~~أو المصنوعة، وعلى النار والماء وما يشبههما «من العناصر»، وعلى كل الكائنات الحية ~~والطباع الخلقية، وكل ما يفعله البشر أو ينفعلون به. وإذا لم يتيسر فهم الأمور الأربعة ~~(342ه) مجتمعة، فلن يتمكن الإنسان أبدا من معرفة الخامس معرفة تامة، أضف إلى هذا ~~أن هذه الأمور الأربعة - بسبب قصور اللغة وعجزها - تهتم ببيان خصائص أي موضوع معين ~~بقدر ما تهتم ms108 بالكشف عن ماهيته الحقة. ولهذا فلن (343أ) يخاطر عقل بوضع أفكاره في ~~ثوب هذه اللغة الضعيفة، والأولى من ذلك ألا يخاطر بوضعها في تلك الصورة الجامدة ~~التي تميز كل ما يكتب بالحروف. # إن ما قلناه الآن يحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح. فكل دائرة ترسم أو تخرط تمتلئ ~~في الواقع بضد الحقيقة التي جعلناها الخامسة في الترتيب. فهي في كل نقطة منها تشارك في ~~المستقيم، بينما الدائرة ذاتها - وهذا هو الذي نؤكده - لا تتضمن أي عنصر صغير ~~أو كبير من طبيعة ذلك الشيء المضاد لها، # 5 # وفضلا عن هذا فليس لأي شيء اسم ثابت، فما من شيء يمنع (343ب) أن يطلق ~~على ما يسمى الآن «دائريا» اسم «مستقيم»، أو على العكس من ذلك أن يسمى ~~«المستقيم» «دائريا»، ولن يتأثر ثبات الأشياء «أو بقاؤها على طبيعتها الواقعية»، إن ~~غيرنا أسماءها وأطلقنا عليها أسماء مضادة. ونفس الشيء ينطبق على التعريف، فهو مؤلف ~~من أسماء وأفعال، وتبعا لذلك فهو أبعد ما يكون عن الثبات. ويمكننا أن نستخدم حججا لا ~~حصر لها # 6 # لإثبات أن كل واحد من الأمور (أو الأدوات) الأربعة السابقة بعيد عن الدقة، ~~ولكن أقوى هذه الحجج هو أن النفس - كما قلنا - تسعى إلى معرفة الوجود الحقيقي للشيء ~~ولا تكتفي بمعرفة صفاته وخصائصه. بيد أن ما يقدمه لها كل واحد من الأمور ~~الأربعة السابقة - سواء في صورة كلمات أو في صورة مادية «مرئية» - (343ج) ليس هو ~~الذي تبحث عنه، بل هو شيء يمكن بسهولة أن تدحضه شهادة الحواس؛ ولهذا يمكن أن ~~يخلق الحيرة «والارتباك» والغموض في «عقل» كل إنسان. وعندما نكون بصدد موضوعات ~~لم نألف - نتيجة التعود السيئ - أن نبحث فيها عن الحقيقة، بل نقنع منها بالنسخ ~~التي تمثلها، فإننا «في هذه الحالة» (343د) لا نضع أنفسنا موضع سخرية السائلين، ~~حتى ولو كانت لدى هؤلاء القدرة على نقد أدوات المعرفة الأربع وإثبات خطئها. أما ~~حين يتعلق الأمر بموضوعات نتطلب فيها الدليل الواضح على الوجود الحقيقي الذي يشغل ~~المكان الخامس، فإن أي ms109 إنسان بارع في الحجاج والتفنيد سيخرج منتصرا وسيجعل ~~المتحدث «الذي يعرض المذهب» - سواء لجأ إلى الكلام المتسق أو الكتابة أو صيغة ~~السؤال والجواب - «سيجعله» يبدو في أعين جمهور المستمعين جاهلا جهلا تاما ~~بالموضوع الذي يحاول أن يكتب فيه أو يتكلم عنه. قد يحدث أحيانا ألا يفطن الجمهور ~~إلى أن الخطأ لا يرجع لنفس الكاتب أو المتحدث بقدر ما يرجع (343ه) لكل أداة من ~~أدوات المعرفة الأربعة الناقصة بطبيعتها. ولكن التعمق المستمر فيها جميعا # 7 # بالتحرك صعودا وهبوطا من أحدها للآخر، هو السبيل الوحيد لتوليد المعرفة ~~بما هو بطبيعته خير في نفس هي بطبيعتها خيرة، مع العلم بأن هذا أيضا يستلزم أكبر ~~قدر من الجهد والعناء. أما إذا كان الإنسان سيئ التكوين، وكذلك أغلب الناس من ~~الناحيتين العقلية والخلقية - وكم من نفس طيبة أصابها التلف - فإن «لينوكويس» # 8 # نفسه لن يستطيع أن يهبه القدرة (344أ) على البصر. وصفوة القول أن من لا ~~يشعر نحو الموضوع بصلة القرابة الحميمة فلن تقربه منه سهولة التعلم ولا قوة ~~الذاكرة؛ لأنه (أي الموضوع) لا يمد جذوره أبدا في طبائع غريبة عنه. # 9 # ولهذا فإن الذين لا تربطهم صلة القرابة أو الشبه بالعدالة والجمال بكل ~~صوره وأشكاله مهما يبدوا من موهبة وقوة ذاكرة في أمور أخرى، والذين تتوفر ~~لهم القرابة الطبيعية «بالموضوع»، ولكن تنقصهم الموهبة وقوة الذاكرة؛ كلا الفريقين لن ~~يستطيع أحد منهما أن يتوصل إلى المعرفة الممكنة بحقيقة الخير والشر. # 10 ~~«وقد أضفت الشر»؛ لأنه يجب عليهم أن يعرفوهما معا كما يعرفون المظهر ~~والحقيقة في الطبيعة كلها # 11 ~~(344ب)، ويبذلوا في سبيل ذلك من الجهد والوقت بقدر ما ذكرت في بداية ~~حديثي. وعندما يتم احتكاك الأسماء والتعريفات والتمثلات والانطباعات الحسية بعضها ببعض # 12 # وتخضع جميعها لبحث تسوده السماحة وتبادل الأسئلة والأجوبة بغير حسد ~~«أو لؤم»؛ عندئذ فقط تسطع شرارة الفهم والبصيرة لتضيء الموضوع قيد البحث، ويتوهج ~~ضوءها بقدر ما في طاقة الإنسان. ولهذا السبب لن يفكر أي إنسان جاد في الكتابة ~~عن الموضوعات الجادة حتى ms110 لا يجعل (344ج) الحقيقة نهبا لحسد الناس وغبائهم. والنتيجة ~~التي نستخلصها مما سبق هي أننا إذا رأينا مؤلفا دونت فيه أفكار أحد الناس، سواء ~~كان مؤلفا في القانون لأحد المشرعين أو في أي موضوع آخر، فيجب أن نعلم - إذا ~~كان الكاتب إنسانا جادا - أن هذا الذي دونه لا يعبر عن أفكاره الجادة بحق، ~~وإنما تظل «هذه الأفكار» كامنة في أجمل مكان في أعماقه. # 13 # وإذا صح أنه كان جادا بحق في تدوين فكره، فلا بد في هذه الحالة أن يكون ~~الناس، (344د) لا الآلهة، هم الذين سلبوه عقله. # 14 # يتضح إذا لكل من تتبع بعناية هذا الحديث المتأني # 15 # أنه لو كان ديونيزيوس أو غيره - عظم شأنه أو قل - قد دون شيئا من ~~الحقائق الأساسية للطبيعة، # 16 # فلا يمكن في اعتقادي أن يكون قد حصل أية معرفة سليمة عن الموضوع الذي ~~كتب عنه، ولو تيسر له ذلك لشعر بنفس الإجلال الذي أشعر به نحو الحقيقة، # 17 # ولاستحال أن يعرضها للمهانة في عالم لا يلائمها ولا يليق بها. ولا يمكن ~~أيضا أن يقال إنه كتب ما كتب ليعين ذاكرته «على الحفظ»، فمن المستحيل أن ينسى ~~الإنسان الحقيقة بعد ما استوعبتها نفسه؛ لأنها (344ه) تكمن «هناك» في حيز صغير جدا. # 18 # والواقع أنه لو كان قد كتب شيئا على الإطلاق فإنما فعل ما فعله عن ~~طموح فاسد «ملتو»، إما لادعاء أن هذه الأفكار هي أفكاره الخاصة أو الظهور بمظهر ~~المشاركة في ثقافة # 19 # لم يكن جديرا بها؛ لأن هدفه منها لم يكن غير الشهرة «التي تصور أنه ~~سيحصل (345أ) عليها عندما يذاع عنه أنه شارك فيها». أجل، لو كان ديونيزيوس قد توصل ~~إلى هذه المعرفة من اللقاء الوحيد «الذي تم بيننا» # 20 # لما كان في الأمر ما يستغرب، ولكن كيف كان من الممكن أن يحدث هذا؟ هذا ~~ما يعلمه الله، كما يقول أهل «ثيبة». ذلك لأنني تناقشت معه في الأمر - على نحو ما ~~وصفت - مرة واحدة، ثم لم يدر أي حوار بيني ms111 وبينه بعد ذلك أبدا. وكل من ~~يهمه أن يعرف كيف حدثت هذه الأمور ينبغي عليه أن يتدبر الأسباب التي منعتنا ~~من تكرار الحوار # 21 # بعد ذلك مرة وثانية وثالثة أو أكثر من ذلك أيضا. هل تصور ديونيزيوس، ~~بعد ذلك اللقاء الوحيد، # 22 # أنه قد اكتشف الموضوع بنفسه أو تعلمه قبل ذلك من غيري، أم تراه رأى أن ~~مذهبي لا قيمة له، أم ثبت له - وهذا هو الاحتمال الثالث - أنه يفوق قدرته وأنه لن ~~يستطيع أن يحيا حياة الحكمة والفضيلة؟ إن كان قد تصور أن ما قلته له شيء تافه، ~~فسيكون عليه أن يستمع إلى كثيرين يؤمنون برأي يخالف رأيه ويصلحون أن يكونوا ~~حكاما أكفأ منه في هذا الأمر. وإن كان قد اعتقد من جهة أخرى انه قد اكتشف بنفسه أو ~~تعلم من قبل شيئا يصلح في ذاته لتربية إنسان يسعى إلى الحرية، فكيف تسنى له - ~~بغير أن يكون إنسانا ملتويا # 23 # إلى أقصى حد - أن يهين الرجل الذي هو الدليل والحجة في هذا الأمر؟ ~~لقد كان هذا - على التحقيق - هو الذي فعله، أما كيف أهانه فسوف أروي لكم الآن ~~قصة ذلك. # | آخر أخبار أفلاطون مع ديونيزيوس ورحيله عن سيراقوزة # لم يمض وقت طويل على الحادث الذي وصفته حتى أصدر ديونيزيوس الذي كان قد سمح ~~قبل ذلك لديون بالتصرف في أملاكه والتمتع بدخلها # 1 # أوامره فجأة إلى المشرفين على إدارتها (أي الأملاك) بألا يرسلوا منه ~~(أي من الدخل) شيئا إلى البيلوبينيز، وكأنه نسي تماما ما سبق أن قاله في خطابه. وزعم ~~أن أملاك # 2 # ديون لم تعد من حقه، بل أصبحت من حق ابنه الذي هو في نفس الوقت ابن ~~شقيقته؛ لذلك فهو الوصي عليه. كانت هذه هي الحالة (345د) التي وصلت إليها الأمور حتى ~~ذلك الحين، ومنها عرفت مدى تحمس ديونيزيوس للفلسفة معرفة كافية، فلم يسعني ~~إلا الغضب «والاشمئزاز». وكان فصل الصيف قد أقبل ومعه موسم إقلاع السفن. وبدا لي ~~أنه ليس من حقي أن أسخط على ديونيزيوس لأنني أولى ms112 منه بالسخط على نفسي وعلى أولئك ~~الذين اضطروني لعبور مضيق «سكيلا» للمرة الثالثة «وشق طريقي من جديد في (345ه) ~~هاوية خاريبدس المخيفة؛ # 3 # ولهذا قررت على كل حال أن أعلن ديونيزيوس باستحالة بقائي بعد ~~تصرفه المخجل مع ديون. وحاول ديونيزيوس أن يهدئ غضبي وتوسل إلي أن أبقى، ~~وصارحني بأنه تدبر الأمر ووجد أن موقفه سيزداد حرجا لو سافرت فجأة ومعي تلك ~~الأخبار. ~~(346أ) ولما عجز عن إقناعي وعدني أن يتولى بنفسه ترتيب سفري. كنت - في ~~الحقيقة - قد عزمت على الرحيل مع أول سفينة تقلع من الميناء؛ إذ كان الغضب ~~قد استبد بي وصممت على مواجهة أي شيء يمنعني «من تنفيذ ما عزمت عليه»، كما ~~كان من الواضح للناس جميعا أنني الجانب المجني عليه. ولما لم يجد عندي أقل ~~رغبة في البقاء، لجأ إلى هذه الفكرة لكي يحتجزني لما بعد موسم إقلاع السفن. ~~فقد جاءني في اليوم التالي لذلك الحديث ومعه هذا الاقتراح المغري: «فلنحاول أن ~~نتخلص من (347ب) الخلافات التي يسببها لنا ديون وشئونه المادية. وسوف أتصرف ~~معه بهذه الطريقة إرضاء لك: سأسمح لك باسترداد ثروته على أن يبقى مقيما في ~~البيلوبينيز لا باعتباره منفيا، بل باعتبار أن من حقه الرجوع إلى سيراقوزة إذا تم ~~الاتفاق بيننا جميعا على ذلك. # 4 # وشرطي الوحيد هو ألا يتآمر علي، وأن تضمن لي ذلك أنت وأصدقاؤك وأصدقاء # 5 # ديون الموجودون هنا، وأن يلتزم نحوكم بهذا الوعد. أما كل المبالغ التي ~~يستحقها من ثروته فسوف تودع في البيلوبينيز أو في أثينا عند أشخاص تثقون في ~~أمانتهم وتختارونهم بأنفسكم. سيكون من حق ديون (346ج) أن يأخذ نصيبه من الفوائد، ولكن ~~لا يجوز له أن يسحب شيئا من رأس المال بدون موافقتكم؛ ذلك لأنني لا أضمن سلامة ~~تصرفه نحوي لو وضعت هذه المبالغ الضخمة تحت يده، أما أنت وأصدقاؤك فإنني أثق بكم ~~أكثر منه. فكر في هذا الاقتراح، فإن أعجبك فابق معنا هذه السنة، ثم سافر في ~~الربيع ومعك المبالغ المذكورة. ~~(346د) أنا واثق من أن ms113 ديون سيعترف لك بالجميل لو رتبت أموره على هذه الصورة. ~~انتابني الحنق والغضب عند سماع هذه الكلمات، ولكنني أجبته بأنني سأفكر في الأمر ~~وأخبره في الغد بما استقر عليه رأيي. كان هذا هو الذي اتفقنا عليه. واختليت بنفسي ~~وأنا في أشد حالات الاضطراب. وتزاحمت علي الأفكار وعلى (346ه) رأسها هذه الفكرة: ~~«ألا يمكن أن يحنث ديونيزيوس بكل عهوده، فيحاول بعد رحيلي أن يكتب لديون ويسر إليه ~~بالاقتراح الذي قدمه لي»، وذلك في خطاب باسمه أو خطابات أخرى يأمر أصدقاءه بإرسالها ~~إليه، «ويصور له أنني - على الرغم من حسن نيته - لم أبد أي استعداد لمناقشة هذا ~~الاقتراح ولم أكترث بمصالحه على الإطلاق؟ ألا يحتمل أيضا أن يرفض السماح بإطلاق (347أ) ~~سراحي ويشيع بين قباطنة السفن أنه يعارض سفري - وهو يملك أن يفعل هذا بغير حاجة ~~لإصدار أمر صريح - وعندئذ لا يمكن أن يجرؤ أحد منهم على أخذي من بيته»، وقد كنت ~~لسوء حظي أسكن في الحديقة المحيطة بالقصر، ولم يكن في استطاعة البواب أن يسمح لي ~~بالخروج بغير أمر صريح من ديونيزيوس نفسه». ولو أقمت طول هذه السنة لاستطعت من ~~ناحية أخرى أن أعرف ديونيزيوس بموقفي وسلوكي. ولو حافظ ديونيزيوس على كلمته فسأكون ~~قد حققت (347ب) شيئا لا يستهان به؛ # 6 # لأن ثروة ديون لن تقل - إذا قيمت تقييما صحيحا - عن مائة تالنت # 7 # أما إذا تحققت مخاوفي وسارت الأمور سيرها المحتمل، فلا أدري عندئذ ~~ماذا سيكون مصيري، وإن كان من الضروري أن أصبر عاما آخر لأكتشف نوايا ديونيزيوس ~~السيئة «وأختبرها على ضوء التجربة العملية». # لما انتهيت إلى هذه النتيجة قابلت ديونيزيوس في اليوم التالي وقلت له: «لقد ~~قررت البقاء. ولكنني أرجوك ألا تعتبرني مفوضا من قبل ديون لضمان (347ج) مصالحه، ~~بل يجب علينا معا أن نبعث إليه كتابا نبلغه فيه بما اتفقنا عليه ونسأله إن كان ~~راضيا عنه، فإذا لم يحز رضاه وكان لديه بديل آخر أو مطالب أخرى فعليه أن يكتب ~~إلينا بذلك على الفور. أما أنت فتلتزم بألا ms114 تتخذ أي إجراء يمس شئونه حتى يصلنا ~~رده.» # كان هذا هو ما قلته له وما اتفقنا عليه بنفس هذه الكلمات تقريبا. وحدث بعد ذلك أن ~~أبحرت السفن، ولم يعد في إمكاني أن أرحل، وجاءني ديونيزيوس وأثار الموضوع مرة أخرى ~~وادعى أن نصف الثروة فقط من حق ديون، والنصف الآخر (347د) من حق ابنه. كما أبلغني ~~بعزمه على بيع الأملاك كلها وإعطائي نصف ثمنها لتسليمه لديون والاحتفاظ بالنصف الثاني ~~لولده. زاعما أن هذا هو الحل الأمثل. أفزعتني هذه الكلمات فزعا شديدا، ولكنني ~~وجدت من السخرية أن أعلق عليها بشيء. ومع ذلك فقد قلت له إن علينا أن ننتظر رد ديون ~~ثم نبلغه بهذا الاقتراح الجديد. «وفوجئت» بعد هذا اللقاء مباشرة بأن ديونيزيوس ~~باع أملاك ديون كلها بطريقة (347ه) طائشة، وذلك بالشروط التي راقت له وللمشترين الذين ~~اختارهم بنفسه دون أن يقول لي عن ذلك كلمة واحدة. وقد رأيت من جانبي ألا أطرق ~~الموضوع معه مرة أخرى؛ لأنني اقتنعت بأن ذلك لن يجدي شيئا. # هكذا حاولت أن أمد العون للفلسفة ولأصدقائي، ومنذ ذلك الحين (348أ) سارت حياتنا، ~~ديونيزيوس وأنا، على هذه الصورة: كنت أشبه بطائر يطل من قفصه ويتوق للفرار، بينما ~~راح هو يلتمس كل وسيلة لتخويفي # 8 # وإبعادي عن شئون ديون والاحتفاظ بأملاكه. ومع ذلك فقد ظهرنا أمام صقلية ~~كلها بمظهر الصداقة «والتجانس في الآراء». # 9 # وحاول ديونيزيوس أن يخفض أجور قدامى المرتزقة «العاملين في جيشه»، ~~وذلك على عكس السياسة التي كان يتبعها أبوه. وتظاهر الجنود الغاضبون معلنين عن (348ب) ~~سخطهم، وأراد ديونيزيوس أن يؤدبهم فأمر بإغلاق أبواب القلعة، # 10 # ولكنهم هجموا على الأسوار وهم يتصايحون صيحات الحرب ويرددون أناشيدهم ~~البربرية. واستولى الرعب على ديونيزيوس الذي رضخ لمطالب المتظاهرين، بل وافق على ~~إعطائهم أكثر مما طلبوا. # وسرعان ما انتشرت إشاعة بأن «هيراكليدس» هو المسئول عن هذا التمرد، ولما شعر ~~بأنه سينقلب عليه نجا بنفسه واختفى بعيدا عن الأنظار. وبذل ديونيزيوس كل ما في وسعه ~~لإلقاء القبض عليه، ولكنه أخفق. ولذلك (348ج) ms115 استدعى «تيودوتيس» لمقابلته في حديقة ~~القصر التي تصادف أن كنت في ذلك الوقت أتجول فيها. لا أدري ما الذي كانا يتحدثان ~~عنه؛ لأنني لم أستمع إلى حديثهما، ولم أفهم - كذلك - منه شيئا. # ولكنني لا زلت أذكر ما قاله تيودوتويس لديونيزيوس على مشهد مني: «أفلاطون، إنني أحاول ~~أن أقنع صديقنا ديونيزيوس بأن يسمع لهيراكليدس إذا نجحت في إحضاره للمثول أمامه ~~والإجابة على الاتهام الموجه له، وإذا قرر إبعاده عن صقلية «أن يسمح له» بأخذ ~~زوجته وابنه معه ليعيشوا في البيلوبينيز والحصول على ثروته كاملة بشرط ألا يقوم ~~بأي إجراء من شأنه أن يضر بديونيزيوس. لقد أرسلت منذ قليل في طلبه، وسأبعث إليه ~~مرة أخرى لعله يستجيب لدعوتي الأولى أو الثانية. ولكنني أستحلف ديونيزيوس وأتوسل ~~إليه، في حالة العثور على هيراكليدس، هنا أو في الريف، ألا يعاقبه بغير النفي خارج ~~البلاد، وذلك إلى أن يتدبر أمره ويتخذ قرارا آخر بشأنه.» ثم التفت إلى ~~«ديونيزيوس» قائلا: «هل تتعهد بهذا؟» أجاب ديونيزيوس: «نعم، وحتى لو وجد في بيتك فلن ~~يحدث له شيء يخالف ما تعاهدنا عليه.» # وفي مساء اليوم التالي هرع إلي تيودوتويس وأويريبيوس، وهما في حالة شديدة من ~~الانفعال والاضطراب، وبدأ تيودوتويس قائلا: «أفلاطون، لقد كنت بالأمس شاهدا على ~~التعهد الذي قطعه ديونيزيوس على نفسه بشأن هيراكليدس.» قلت: «أجل، كنت شاهدا ~~عليه.» استطرد تيودوتويس قائلا: «والآن يفتش الجنود المنطقة بحثا عن هيراكليدس، ~~ويبدو أنه موجود في مكان قريب؛ تعال معنا (349أ) بسرعة إلى ديونيزيوس لكيلا نضيع ~~لحظة واحدة.» هكذا انطلقنا معا، وعندما مثلنا بين يديه أخذا يبكيان في صمت، فبدأت ~~الكلام قائلا: «إن صديقي يخشيان أن تؤذي هيراكليدس خلافا لما اتفقنا عليه أمس؛ إذ ~~يبدو أنه قد لوحظ وجوده هنا وأنه يختفي في هذه الناحية.» ولما سمع ديونيزيوس ذلك ~~ثار ثورة شديدة وتغير لون وجهه، كما هي عادة من يستبد به الغضب. أما تيودوتويس ~~فركع عند قدميه (342ب) وتناول يده وابتهل إليه والدموع في عينيه بألا يفعل شيئا من ~~ذلك، وحاولت أن أواسيه ms116 فقاطعته قائلا: «تشجع يا تيودوتويس، فلن يحنث ديونيزيوس ~~بالوعد الذي اتفقنا عليه أمس.» وعند ذلك نظر ديونيزيوس إلي نظرة طاغية أصيل وهتف ~~قائلا: «أنا لم أعدك بشيء، لم أعدك بشيء على الإطلاق.» قلت: «بلى، الله يعلم ~~أنك فعلت. لقد وعدت بألا تتخذ الإجراء الذي يتوسل إليك تيودوتويس الآن بألا ~~تقدم عليه.» ثم استدرت وغادرت المكان. ~~(349ج) وبعد ذلك واصل مطاردته لهيراكليدس، ولكن تيودوتويس بعث إليه رسولا يحذره ~~ويلح عليه بالهرب، وأرسل ديونيزيوس تيزياس على رأس قوة للبحث عنه، غير أن ~~هيراكليدس تمكن قبل وصولهم بساعات قليلة من اللجوء للقرطاجيين. # تذرع ديونيزيوس بهذه الحادثة للتنصل من وعده برد ثروة ديون إليه، كما وجد ~~فيها مبررا كافيا لإظهار العداء لي. وبدأ بإبعادي من القلعة، بحجة أن الحديقة التي ~~كنت أسكن فيها سيقام فيها حفل ديني نسائي # 11 # يستمر عشرة أيام. ~~(341د) وأمر بأن أقيم في هذه الفترة خارج القلعة مع أرخيديموس. وأثناء إقامتي ~~الأخيرة دعاني تيودوتويس لزيارته وأخذ يبدي استياءه من الأحداث التي وقعت ويصب ~~شكواه المرة على ديونيزيوس. وبلغ ديونيزيوس أنني زرت تيودوتويس، فاتخذ من ذلك ~~(341ه) ذريعة أخرى لتبرير أسباب القطيعة معي، وبعث يسألني إن كنت قد لبيت دعوة ~~تيودوتويس، قلت للرسول: «هذا صحيح.» فأجاب بقوله: «لقد أمرني أن أبلغك بأن تصرفك ~~هذا تصرف غير لائق؛ لأنه يدل على أنك تقدر ديون وأصدقاءه أكثر مما تقدره.» ~~كانت هذه هي الرسالة التي أبلغها إلي، ولم يستدعني بعد ذلك أبدا إلى قصره، كأنما ~~لم يبق لديه شك في صداقتي لتيودوتويس وهيراكليدس وعداوتي له. وفضلا عن هذا فقد ~~سلم بأنه لم تعد لدي نية الحديث معه بعد أن تبددت ثروة ديون بأكملها، هكذا ~~عشت منذ ذلك الحين خارج القلعة بين الجنود المرتزقة. وسعى لزيارتي عدد كبير من ~~الناس وبينهم (350أ) بعض مواطني «الأثينيين» من أفراد الحاشية وملاحي السفن # 12 # وأبلغوني أن المشاة يفترون علي # 13 # ويهددون بقتلي إن تمكنوا من وضع أيديهم علي. وأخذت أبحث عن ~~مخرج لتأمين حياتي حتى وصلت إلى هذه ms117 الفكرة. بعثت رسالة إلى أرخيتاس وسائر ~~أصدقائي في «تارنت» أبلغهم فيها بالخطر المحدق بي. وما هو إلا أن وجدوا ذريعة ~~لإرسال بعثة دبلوماسية من مدينتهم ومعها مركب بثلاثين مجدافا بقيادة واحد منهم ~~يدعى «لامسكوس». وعندما وصل «إلى سيراقوزة» مثل بين يدي ديونيزيوس وتشفع لي عنده ~~وأبلغه برغبتي في الرحيل ورجاه ألا يقف عقبة في طريقي. وقبل ديونيزيوس رجاءه، ووافق ~~على أن أغادر البلاد مع المال اللازم للسفر. أما عن ثروة ديون فلم أسأل عنها ولا ~~حاول أحد أن يسلمني شيئا منها. # وعندما وصلت إلى «أوليمبيا» في شبه جزيرة البيلوبينيز قابلت ديون الذي كان يزور ~~احتفالات الألعاب الأوليمبية ورويت عليه ما حدث. أقسم بزيوس أن ينتقم (350ج)، ودعاني ~~وأقربائي وأصدقائي أن نستعد لعقاب ديونيزيوس على ما اقترفه سواء بالتفريط في واجب ~~الضيافة نحوي - وهذا هو الذي تصوره ديون وقاله - أو بالإجراء الظالم الذي اتخذه نحوه ~~بطرده ونفيه. ولما سمعت هذا منه قلت له إنه حر في أن يدعو أصدقائي إذا شاءوا ~~الاستجابة له، «أما من ناحيتي فقد أجبرتني أنت والآخرون على مشاركة ديونيزيوس في ~~مائدته وبيته وطقوسه الدينية. ولقد صدق - فيما يبدو - تلك المزاعم والافتراءات التي ~~جاءته من كل ناحية وصورت له أنني اشتركت (350د) معك في التآمر عليه وعلى حكمه ~~المطلق، ومع ذلك فإنه لم يأمر بقتلي، بل تهيب من الإقدام على ذلك. # 14 # أضف إلى هذا أنني تقدمت في السن ولم تعد لدي القدرة على مساعدة ~~أحد في أي عمل حربي، وإن كنت مع ذلك على أتم الاستعداد لأن أضع نفسي في ~~خدمتكما إذا أردتما أن تكونا أصدقاء وتقدما الخير لبعضكما. أما إذا أصررتم على ~~الإيذاء «والعدوان»، فعليكم أن تبحثوا عن غيري. # 15 # قلت هذا وأنا أشعر بالاشمئزاز من مغامراتي في صقلية والإخفاق الذي ~~أصبت به. غير أنهم لم يستجيبوا لي ولم يتأثروا بعروض الصلح والتوسط التي تقدمت ~~بها؛ ولهذا جروا على أنفسهم كل المصائب التي ألمت بهم. ولو أن ديونيزيوس (350ه) ~~رد لديون ثروته أو تصالح معه لما ms118 حدث شيء من ذلك كله - وذلك بقدر ما يسع الإنسان ~~من قدرة على التنبؤ بمسار الأمور - فقد كان في استطاعتي أن أمنع ديون «من اللجوء إلى ~~القوة»، وكانت لدي الإرادة الطيبة والقوة التي تمكنني من التأثير عليه. غير أن ~~الأمور سارت في طريق آخر، فشن كلاهما الهجوم على الآخر وجلبا الشقاء والخراب على ~~كل شيء. ~~(351أ) وعلى الرغم من ذلك كله يمكنني القول بأن آراء ديون # 16 # كانت هي نفس الآراء التي يفترض في وفي أي إنسان عاقل «مستقيم» أن ~~يعتنقها، فمثل هذا الإنسان يضع نصب عينيه عندما يتعلق الأمر بالحياة السياسية التي ~~يسير عليها هو وأصدقاؤه أو يتعلق بوطنه - أن يصل إلى السلطة وإلى أسمى الوظائف عن طريق ~~التفاني في خدمة الصالح العام. وليس من خدمة الصالح العام في شيء # 17 # أن يعمد إنسان إلى إثراء نفسه وإثراء أصدقائه # 18 # ومدينته عن طريق الخبث وتدبير المؤامرات؛ لأنه في هذه الحالة إنسان مجدب # 19 # عاجز عن التحكم في (351ب) شهواته، يقتل أصحاب الثروة ويصفهم بأنهم ~~أعداؤه، ويصادر ممتلكاتهم ويشجع حلفاءه وأتباعه على اقتداء به حتى لا يتهمه أحد ~~منهم بأنه هو المسئول عن فقرهم، # 20 # وليس من الشرف أيضا أن يمتدح إنسان من «سكان» مدينته لأنه وزع ~~ثروة القلة على الكثرة بحجة تنفيذ القرارات الشعبية، أو أنه ضم أملاك المدن الصغيرة ~~إلى مدينته، وذلك إذا كان على رأس مدينة كبيرة تمد (351ج) نفوذها وسلطانها على مدن ~~أخرى أصغر منها. ولا يمكن أن يسعى ديون أو أي إنسان آخر لديه القدرة على السيطرة ~~على نفسه إلى الاستيلاء - بمثل هذه الطريقة - على سلطة يمكن أن تجلب اللعنة الأبدية ~~عليه وعلى عائلته، بل الأولى أن يجعل هدفه وضع دستور حقيقي وإقامة قوانين طيبة ~~وعادلة تنفذ بغير قتل أو إعدام أو نفي # 21 # على الإطلاق، كان هذا هو المثل الأعلى الذي وضعه ديون لنفسه، مؤثرا ~~تحمل الظلم على اقترافه. ومع أنه قد احتاط لنفسه «من تحمل الظلم بغير داع»، فقد ~~سقط في نفس الوقت ms119 الذي حقق فيه هدفه (351د) من الانتصار على أعدائه. وليس القدر الذي ~~أصابه بالأمر المستغرب؛ فقد يستبعد على رجل خير مثله - يتمتع بحظ كاف من ~~الذكاء والاتزان - أن ينخدع تماما في طبيعة الأشرار الذين يتعامل معهم، ولكن لا ~~يستبعد عليه أن يتعرض لنفس المصير الذي يتعرض له ملاح بارع يعلم تمام العلم أن ~~العاصفة آتية، ومع ذلك تداهمه بقوتها وعنفها المفاجئ فتغرقه. كان هذا هو السبب في ~~سقوط ديون، فقد كان يعرف أن الذين تسببوا في سقوطه أشرار، أما المدى (351ه) الذي ~~وصلت إليه فظاظتهم وخستهم وجشعهم، فذلك هو الذي غاب عنه. وهكذا راح ضحية ~~انخداعه فيهم وجلب على صقلية الحزن والشقاء اللذين لا حد لهما. ~~(352أ) لقد قدمت النصيحة التي كان علي أن أوجهها إليكم في أعقاب الحوادث ~~التي وصفتها. ولهذا أكتفي بما قلت. ولقد رويت قصة زيارتي الثانية لصقلية؛ لأن ~~الحوادث الغريبة غير المتوقعة التي ارتبطت بها فرضت علي ذلك. فإذا وجد أي ~~إنسان أن الوصف الذي قدمته يجعل هذه الحوادث أقرب إلى الفهم ويبرر الظروف التي ~~تحدثت عنها تبريرا كافيا؛ فقد تحقق الغرض من هذا العرض على أكمل ~~وجه. # | تعليقات # • (324ب) تتضارب الآراء منذ العصور القديمة حول اسم «هيبارينوس» ومصيره، وهناك ~~اثنان يحملان نفس الاسم، الأول هو ابن ديون، والثاني ابن ديونيزيوس الأول من زوجته ~~«أرستو ماخيه» شقيقة ديون، وبهذا يكون الأخ غير الشقيق لديونيزيوس الثاني. والأرجح أن ~~يكون المقصود من هذه العبارة ومن المقارنة بين الأعمار هو ابن ديون لا ابن ديونيزيوس ~~الأول الذي ورد ذكره في الرسالة الثامنة، واشترك مع أتباع ديون وحلفائه في إقصاء ~~كاليبوس عن الحكم الذي استولى عليه في سنة 354ق.م بعد اغتيال ديون، «وكاليبوس هذا هو ~~صديق ديون الذي صحبه من أثينا ثم غدر به، وهو الذي يتبرأ أفلاطون من خيانته ويحاول ~~أن يبرئ منها مدينته». ومن العلماء من يؤكد من ناحية أخرى أن هيبارينوس المقصود لا ~~يمكن أن يكون ابن ديون، وذلك استنادا إلى ما يقوله بلوتارك في تاريخ (ديون ms120 55) من أنه ~~مات قبل أبيه. ويبدو أن هذا الاضطراب في تحديد شخصيته كان إحدى الحجج التي اعتمد عليها ~~المتشككون في أصالة الرسالتين السابعة والثامنة، على الرغم من تسليم جمهور العلماء ~~بصحة نسبتهما إلى أفلاطون، وذلك منذ أن قدم العالم فيلاموفيتس (1848-1931م) ~~الأدلة الكافية على أصالة الرسالة السابعة بوجه خاص. ~~• (324ج) ولد أفلاطون في سنة 437ق.م وتمت الثورة التي تسلم بها الثلاثون ~~مقاليد السلطة في صيف سنة 404ق.م والغريب في وصف هذه الثورة هو تقديم سلطتي الأمن ~~والإدارة - اللتين عهد بهما إلى أحد عشر رجلا في أثينا وعشرة رجال في بيرايوس - على ~~السلطة العليا التي كانت في يد الثلاثين. والأغرب من ذلك نسبة الرقابة على الأسواق إلى ~~الأحد عشر الذين لم تكن هذه الرقابة تمثل مهامهم الحقيقية. ومع ذلك فربما ينطبق ~~هذا على العشرة في بيرايوس أكثر مما ينطبق على الأحد عشر. ~~• (324د) كلف الثلاثون سقراط وأربعة آخرين بإلقاء القبض على شخص من جزيرة ~~سالاميس يدعى «ليون»، ولكن سقراط تجاهل الأمر. وقد وردت هذه الحادثة في (الدفاع، ~~32ج) حيث نجد أفلاطون يذكر على لسان سقراط «أنهم - أي الثلاثين - كلفوا عددا ~~كبيرا من الناس بمثل هذه المهمة وذلك لإلقاء الذنب على أكبر عدد ممكن». ~~• (326ب): يعبر أفلاطون في الجمهورية (373ج-د، 499د) عن رأيه المعروف بهذه ~~الصيغة الشهيرة: «إذا لم يصبح الفلاسفة ملوكا على المدن أو لم يبدأ أولئك الذين ~~يسمون الآن بالملوك والحكام في التفلسف الحقيقي ...» # ولكن هل كان أفلاطون يؤمن حقا عندما كتب هذه العبارة بإمكان تحقيق هذا المثل ~~الأعلى؟ وهل كان يتصور إمكان الجمع بين الحاكم والفيلسوف في شخص واحد كما تخيل ~~ديون عندما كتب إليه يتعجل زيارته لاغتنام الفرصة النادرة بعد تولي ديونيزيوس ~~الثاني زمام الحكم، أم اقتصرت كل جهوده مع الملك الجديد على إقناعه بإصلاح الدستور ~~والتمسك بسيادة القانون كما عبر عن ذلك في محاورته المتأخرة «السياسي»؟ يبدو ~~على كل حال أن أفلاطون كان يتصور عند زيارته الأولى لصقلية أن الحكم الدكتاتوري ~~المطلق يمكن أن يصلح أساسا لنظام ms121 الحكم العادل، نظرا لما يملكه المستبد ~~«العادل!» من قدرة على الإصلاح والتغيير. ولعل صورة ديونيزيوس كانت في باله عندما ~~تصور هذا وعبر عنه، وذلك قبل أن تثبت له التجربة فداحة خطئه (راجع كذلك: ~~«القوانين»، 799 وما بعدها). أما عن زيارته الأولى لإيطاليا فقد تعرف فيها سنة ~~388ق.م على صديقه أرخيتاس حاكم تارنت - في جنوب إيطاليا - وفيلسوفها ورأس المدرسة ~~الفيثاغورية فيها. وقد كان لهذا الملك الفيلسوف أثر كبير على التجارب التي مر ~~بها أفلاطون في صقلية، وهو الذي توسط لدى ديونيزيوس الثاني لإنقاذه من الأسر ومن ~~خطر الموت المحقق (راجع أيضا في هذه الرسالة، 388ج، 350ب)، وأما عن لذات الطعام ~~والشراب السيراقوزية، فيبدو أنها كانت مضرب الأمثال في بلاد الإغريق. ويلاحظ أن ~~أفلاطون يذكرها أيضا في محاورتي الجمهورية (4204) وجورجياس (518ب). ~~• (326ج) يقول أفلاطون إنه يقدم نصيحته للمرة الثانية، وربما كانت المرة ~~الأولى عندما حاول التأثير على ديونيزيوس الثاني. وهو يذكر في هذه الرسالة نفسها ~~(324د) أنه قدم نفس النصيحة في ثلاث مناسبات مختلفة، لديون أولا، ثم ~~لديونيزيوس الثاني، وأخيرا هذه النصيحة التي يقدمها في الرسالة السابعة لأصدقاء ~~ديون وأتباعه. ~~(327ج) لم يقف أفلاطون وديون وحدهما في محاولة إقامة نظام الحكم العادل الذي ~~يسعد أهل صقلية ويقر بينهم الخير والفضيلة. فقد استطاع ديون أن يكسب إلى صفه ~~عددا من أفراد البيت الحاكم نفسه وهم إخوة ديونيزيوس الثاني غير الأشقاء (من أبيه ~~ديونيزيوس الأول وزوجته أخت ديون)، وفي مقدمتهم هيبارينوس الذي سبق ذكره. ~~• (329أ): «لو كنت أعيش في ميجارا لأسرعت بمساعدتي»؛ لأن مدينة ميجارا ~~التي تقع على خليج كورنثة شديدة القرب من أثينا. ~~• (331ج) يتكرر هذا المعنى في محاورة كريتون، 51ج «أقريطون» التي نجد فيها ~~هذه العبارة: «لا يصح أن يفرض المرء شيئا بالإكراه على أبيه أو أمه وأقل من ذلك ~~أن يفرضه على بلده.» وأفلاطون ينصح للفيلسوف بأن يلتزم الهدوء ولا يرفع صوته إذا لم ~~تسمح الظروف بأن يسمعه أحد، كما ينصحه بالبعد عن استخدام العنف لتغيير دستور الحكم إذا ~~كان سيؤدي ms122 إلى تعرضه هو أو غيره من المواطنين للموت أو النفي. ونجد هذه النصيحة ~~نفسها في محاورة الجمهورية (496) فينبغي على الفيلسوف أن يلزم السكينة والهدوء «كرجل ~~يأوي إلى جدار يحميه من العاصفة ...» ~~• (332أ) لا تفهم هذه العبارة إلا إذا وازنا بين وضع صقلية في عهد ~~ديونيزيوس الأول وبين وضع أثينا التي كانت في ظروف أسوأ منها. فالأثينيون يحتلون ~~مدنا آهلة بالسكان لا مدنا خربها البرابرة، مما يزيد من صعوبة حكمها والسيطرة ~~عليها. أما داريوس فقد كانت ظروفه كذلك أصعب من ظروف ديونيزيوس. فقد عجز هذا عن حكم ~~تلك المدن على الرغم من استناده إلى إخوته الأصغر منه، بينما نجح داريوس الذي اعتمد ~~على تأييد المشتركين معه في قلب «الميدي» على الرغم من أنه لم يقم بتربيتهم ولم ~~تربطه بهم علاقة الدم. ولو رجعنا إلى تاريخ (هيرودوت، 3، 61 وما بعدها) لوجدنا أن ~~داريوس قضى على أحد الحكام الميديين الذي كان يدعى «سمبرديس» بمساعدة ستة من ~~حلفائه وبذلك أصبح ملكا على بلاد الفرس، ويذكر هيرودوت أن داريوس قسم مملكته إلى ~~عشرين ولاية، بينما يؤكد نقش وجد في مدينة «بيرسيبوليس» أنه قسمها إلى أربعة ~~وعشرين ولاية. # وقد اتخذ بعض الباحثين من هذه الاختلافات التاريخية حجة على عدم أصالة الرسالة ~~السابعة، ولكننا نجد أفلاطون يذكر في القوانين (695ج) عدد الولايات التي يذكرها في ~~هذا الموضع من الرسالة؛ إذ يقول إن داريوس قسم ملكه إلى سبع ولايات، كما يصف الحاكم ~~الميدي بنفس التسمية التي يصفها بها هنا وهي الخصي. وغني عن الذكر أن الفيلسوف ليس ~~مؤرخا دقيقا ولا يقلل من شأنه غياب بعض الحقائق التاريخية عنه، كما لا ينهض ~~دليلا على زيف الرسالة التي نحن بصددها. ~~• (332ب) المقصود بالبرابرة - في كلام اليونانيين بوجه عام - هم الفرس، وقد ~~دامت الإمبراطورية الأثينية ما يقرب من سبعين عاما، وانتهت سنة 404ق.م. ~~• (333أ) جيلون هو طاغية سيراقوزة الذي هزم القرطاجيين في معركة «هيميرا» ~~سنة 480 ق.م وفرض عليهم الإتاوة. ويبدو أن تعبير أفلاطون عن خضوعهم لنيره فيه نوع ~~من المبالغة، ms123 كما أن الكلام عن الإتاوة التي فرضها القرطاجيون على ديونيزيوس لم ~~يرد إلا في هذه الرسالة. ~~• (333ب) كانت المرة الأولى عندما حرر ديون المدينة من طغيان ديونيزيوس ~~الثاني بعد رجوعه من بلاد الإغريق. أما في المرة الثانية فقد استدعي من مدينة ~~ليونيتيني ليحميها من نيسيوس أحد قواد ديونيزيوس. ~~• (333ه) الأخوان اللذان صاحبا ديون عند عودته إلى صقلية هما كاليبوس ~~وفيلوستراتوس، (راجع: «تاريخ بلوتارك»، الفصل الخاص عن ديون ، 54)، ويلاحظ أن الأول ~~يرد ذكره أكثر من مرة، وهو الذي قام باغتيال ديون أو على الأقل حمى قاتليه وتستر ~~عليهم، وتبرؤ أفلاطون من القتلة ومن نسبتهم إلى وطنه أثينا تفيد اشتراك ~~الأخوين في الجريمة ... ~~• (336ب) هيرون هو شقيق جيلون، الذي سبق ذكره في تعليق سابق (333أ) وخليفته في ~~حكم سيراقوزة. ~~• (337ج) يرجح بعض الباحثين أن تكون هذه العبارة إضافة متأخرة إلى النص، ~~كما يبدو أن هذا الرقم الكبير لا يتناسب مع عدد السكان. فنحن نجد في الرسالة الثامنة أن ~~أعضاء هذه «اللجنة» المنتخبة يترك للاتفاق عليه، كما أن القوانين (704ج) تحدد عددهم ~~بعشرة أعضاء فحسب. ~~• (342ب) تذكر القوانين (895د) ثلاثة أشياء تنطوي عليها المعرفة بأي موضوع، ~~وهي الموضوع نفسه وتعريفه، واسمه. ولما كانت «القوانين» تناقش في ذلك الموضع حقيقة ~~النفس، لم يرد فيه ذكر «التمثل» أو النسخة المذكورة هنا لعدم ملاءمته له كما هو ~~الحال هنا؛ حيث اختار أفلاطون مثال الدائرة الذي يمكن أن يمثل له بدائرة مرسومة، ~~وقد أخذ استعمال أفلاطون لفعل الأمر بضمير المخاطب «خذ لذلك مثلا ...» إلخ، على أنه ~~إضافة كاتب أراد أن يبين علمه بنظرية المثل، فأقحم على النص شاهدا ورد في سياق ~~أفلاطوني آخر. وعلى الرغم من أن كل التفاصيل الواردة في الرسالة السابعة عن نظرية ~~المثل أو غيرها من نظريات أفلاطون وآرائه موجودة ومثبتة بتفاصيلها في مواضع ~~أخرى من محاوراته، فلا شيء يمنع من تكرارها في هذه الرسالة التي يحاول فيها أن ~~يدافع عن فلسفته ويبررها في وجه المفترين عليه، ولا ضرورة أيضا لتصور إقحام ~~هذا الجزء ms124 العسير بيد كاتب متأخر. ~~• (343أ) يتكرر سوء الظن بالكلمات والحروف الجامدة وعجزها عن احتواء ~~الأفكار والأحاديث الحية في محاورة فايدروس (275د) إذ يبدأ سقراط - في حديثه العذب مع ~~فايدروس - في رواية أسطورة مصرية قديمة تحكي عن «توت» - كاتب الآلهة - الذي ينسب ~~إليه اختراع الكتابة والحساب والأرقام والهندسة والفلك، ويذهب «توت» أو تحوت ليعرض ~~اختراعاته على رب الأرباب آمون، مؤكدا أن أهمها هو اختراع الكتابة الذي يزعم ~~أنه سيقوي ذاكرة المصريين. ويزيد من ذكائهم وحكمتهم! ... # غير أن آمون يصدمه بقوله: إن مكتشف فن من الفنون، يا عزيزي توت، ليس هو أفضل ~~حكم على نفعه أو ضرره للذين سيمارسونه، وكذلك الشأن في هذه الحالة. فغرامك ~~بالكتابة، وأنت أبوها، قد جعلك تنسب إليها عكس وظيفتها الحقيقية تماما. فالذين ~~سيتعلمونها سيكفون عن استعمال ذاكرتهم ويصابون بالنسيان، وسيعتمدون على الكتابة ~~لتذكر الأشياء عن طريق العلامات الخارجية بدلا من الاعتماد على مصادرهم الباطنة. ~~إن ما اكتشفته يساعد الحفظ ولا يساعد الذاكرة. أما عن الحكمة فسيشتهر ~~تلاميذك بها دون أن يكون لهم في الواقع منها نصيب، سيتلقون قدرا من المعلومات ~~بغير علم صحيح، وسيظن الناس نتيجة لذلك أنهم على حظ كبير من العلم في الوقت الذي ~~يكون فيه معظمهم جاهلين جهلا تاما؛ لأنهم سيمتلئون بالحكم الزائفة بدلا من ~~الحكمة الحقيقية، وسيصبحون عبئا على المجتمع ...» # ويدلل أفلاطون - على لسان سقراط - على رأيه عن تقدم الحديث الحي «المنقوش على ~~صفحة الروح!» على الكلمة المكتوبة بأن الشيء يطوف بمجرد تدوينه بين الذين يفهمون ~~موضوعه والذين لا يكترثون به؛ إذ لا تستطيع الكتابة ولا الكاتب أن يميز القراء ~~الذين لا يناسبونه، وهي نفس الفكرة التي تتكرر في هذه الرسالة (341ه)، وإذا أسيئت ~~معاملتها أو أسيء استخدامها فهي في حاجة دائمة إلى «أبيها» الذي يهب لنجدتها؛ ~~لأنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها! # وليس كذلك الأمر مع الحديث الحي؛ لأنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، كما يمكنه أن يفرق ~~بين أولئك الذين ينبغي أن يوجه إليهم وبين الذين ينبغي عليه أن يلزم الصمت ms125 في ~~حضورهم ... ولهذا كانت الكتابة من الحديث الحي بمثابة الظل من الأصل. ولهذا أيضا كان ~~صاحب المعرفة الأصلية بما هو حق وخير وجمال أشبه بالفلاح الجاد الذي يغرس ~~بذوره في التربة المناسبة «لا في حدائق أدونيس أو الأوعية الضحلة التي كان الناس في ~~الاحتفال بذكرى هذا البطل الجميل القصير العمر يغرسون فيها البذور لتزدهر سريعا قبل ~~أن تمد جذورها في التربة»، ثم يفرح بجمع الحصاد بعد ثمانية شهور من غرسها. ولهذا ~~لن يفكر صاحب علم أو معرفة حقة في اللجوء للقلم للكتابة على الماء أو غرس بذور الحق ~~والخير والجمال في السائل الأسود الذي يسمى بالحبر ... ربما يسلي نفسه بتضييع ~~الوقت في الكتابة والتدوين ليغرس «حدائق الأدب ...» ويحمي نفسه ومن يجيء بعده من عوادي ~~الزمن حين يهاجم النسيان الشيخوخة ويتلف ملكة الحفظ والتذكر. فإذا سأل القارئ: ~~ولماذا كتب أفلاطون كل ما كتب من محاورات ما دام هذا هو رأيه في الكتابة؟ هل نوجه ~~إليه اللوم نفسه الذي وجهه إلى «ليزياس» في هذه المحاورة لأنه كان يدون أحاديثه ~~وخطبه، كما وجهه إلى كل كاتب في الماضي أو المستقبل فكر - أو سيفكر - أن الحقيقة ~~يمكن أن توجد في شيء مكتوب؛ لو سأل القارئ هذا السؤال لكان الجواب عليه هو نفس ~~الجواب الذي قدمه منذ قليل. لقد كانت الكتابة في رأيه مجرد «تسلية» و«لعب»، كما ~~كانت عونا لذاكرة الأحياء - في عصره أو بعد موته - على تذكر الحقيقة ... أما ~~الحقيقة نفسها فلا بد أنها كانت «شرارة حية» تنقدح وتنبض في حواره الحي السمح ~~مع تلاميذه وزواره في «الأكاديمية»، أو في حوار معلمه سقراط مع تلاميذه سواء في ~~حياته وهو يجوب شوارع أثينا «حافي القدمين» أو وهو يتحدث بعد موته في محاورات أفلاطون ~~... ولا يصح أن ننسى أبدا أنها «محاورات» وليست بحوثا ولا رسائل عن الحقيقة، وأنه كان ~~صادقا عندما قال في هذه الرسالة إنه لم يفكر أبدا ولا ينبغي كذلك لأي إنسان ~~جاد أن يفكر في تدوين الحقيقة أو إضفاء ثياب الكلمات الجامدة عليها ms126 ... والدليل على ~~هذا أنه لم يستطع أن يتكلم مثلا عن الخير الأسمى إلا عن طريق تشبيهه بالشمس، وأنه ~~يردد كثيرا في الجمهورية (506 وما بعدها) وغيرها أن الفهم الكامل لمثال الخير لا ~~يمكن توصيله للغير؛ لأنه أقرب إلى الرؤية أو التجربة الصوفية التي لا يمكن نقلها ~~للآخرين ... والدليل على ذلك - أخيرا - أن أرسطو عند حديثه عن آراء أستاذه التي لم ~~تكتب (الطبيعة 259ب، 15) يذكر أن نظرية المثل اكتسبت صورة رياضية شديدة التعقيد، ~~وأنها تطورت مع أحاديثه مع تلاميذه في الأكاديمية (وبخاصة مع أرسطو نفسه!) ~~تطورا تجاوز كل ما نعرفه عنها من المحاورات ... ~~• (344ب) عن المواهب الطبيعية التي يجب أن يتحلى بها الفيلسوف، راجع كذلك ~~(الجمهورية، 484 وما بعدها)، وكذلك (486د). ~~• (345أ) هذا ما يعلمه الله، كما يقول أهل «ثيبة». ويرد نفس التعبير في ~~محاورة «فايدروس» (62أ) على لسان كييس، أحد سكان ثيبة أيضا. ويبدو أن أفلاطون قد ~~تعلم هذا المثل بلهجته الشعبية من بعض تلاميذه الذين ينحدر أصلهم من تلك ~~المدينة. ~~• (346ب) توحي هذه الفترة - لأول مرة في الرسالة - بأن أفلاطون حضر إلى ~~سيراقوزة في صحبة بعض أقربائه الذين يشير إليهم ديونيزيوس في حديثه معه. ولعل أول من ~~يخطر منهم على البال هو ابن شقيقته «سبويسيبوس» الذي خلفه في رئاسة ~~الأكاديمية. ~~• (348ب) كان هيراكليدس قائدا في جيش ديونيزيوس، وبعد فراره انضم إلى ديون ~~الذي كان مقيما في بلاد اليونان، ورجع إلى صقلية على رأس قوة عسكرية بعد ~~استيلاء ديون على سيراقوزة. ويروى أنه اشترك - بعد ذلك - في المؤامرات التي دبرت ~~لديون وانتهت نهاية فاجعة باغتيالهما (راجع في ذلك الفصل الخاص عن ديون في «تاريخ ~~بلوتارك»)، أما تيودوتويس فكان عم هيراكليدس. ~~(تم بحمد الله وتوفيقه.) ms127