######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.NabcQadim.Hindawi15160924 #META# Tags: literature #META# ID: 15160924 #META# Title: النبع القديم: لوحات قصصية #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول: من نبع الشعر‏ # مركب شراعي‏ # هل ضحك الجسر؟‏ # النبع القديم‏ # اثنان‏ # الصبي الذي كان يحمل اسمي‏ # نيشت فيرشتاندن‏ # أغنية النساجة في الليل‏ # أمثولة الخواتم الثلاثة‏ # نافورة‏ # كأسك المرة ورسالة استغاثة في زجاجة ~~البريد‏ # القبر الجديد‏ # كل شيء يفنى إلا الفناء‏ # قرطبتي وحيدة وبعيدة‏ # البالونة‏ # رسائل حب‏ # إلى أمي الحبيبة‏ # الغسل‏ # أيتها الأميرة الصغيرة‏ # غناء الشحرور‏ # الغراب‏ # انتظر فسوف تستريح‏ # الملاك الجريح‏ # الجزء الثاني: من نبع العمر‏ # التوائم الثلاثة‏ # عندما بحثت عنهما‏ # تحت الخيمة‏ # يوسف والجب‏ # كبرية‏ # ستي ستيتة‏ # القلم‏ # مع أبي‏ # أمام الفرح‏ # مع أمي‏ # النبوءة‏ # أحمس ...‏ # أول فيلم‏ # العتبة‏ # الخروج من الكهف‏ # محرقة الشعر‏ # القارئة الحجرية والمومياء الجرمانية‏ # عدم ... عدم‏ # كوجيتو مصري‏ # الجسور‏ # هذا البلد مكاني ... هذا الزمن زماني‏ # الرجل الصغير، والبدء والمصير‏ # الجزء الأول: من نبع الشعر‏ # مركب شراعي‏ # هل ضحك الجسر؟‏ # النبع القديم‏ # اثنان‏ # الصبي الذي كان يحمل اسمي‏ # نيشت فيرشتاندن‏ # أغنية النساجة في الليل‏ # أمثولة الخواتم الثلاثة‏ # نافورة‏ # كأسك المرة ورسالة استغاثة في زجاجة ~~البريد‏ # القبر الجديد‏ # كل شيء يفنى إلا الفناء‏ # قرطبتي وحيدة وبعيدة‏ # البالونة‏ # رسائل حب‏ # إلى أمي الحبيبة‏ # الغسل‏ # أيتها الأميرة الصغيرة‏ # غناء الشحرور‏ # الغراب‏ # انتظر فسوف تستريح‏ # الملاك الجريح‏ # الجزء الثاني: من نبع العمر‏ # التوائم الثلاثة‏ # عندما بحثت عنهما‏ # تحت الخيمة‏ # يوسف والجب‏ # كبرية‏ # ستي ستيتة‏ # القلم‏ # مع أبي‏ # أمام الفرح‏ # مع أمي‏ # النبوءة‏ # أحمس ...‏ # أول فيلم‏ # العتبة‏ # الخروج من الكهف‏ # محرقة الشعر‏ # القارئة الحجرية والمومياء الجرمانية‏ # عدم ... عدم‏ # كوجيتو مصري‏ # الجسور‏ # هذا البلد مكاني ... هذا الزمن زماني‏ # الرجل الصغير، والبدء والمصير‏ # | النبع القديم # | النبع القديم # | لوحات قصصية # تأليف # عبد الغفار مكاوي # إلى ذكرى أمي وأبي. # الجزء الأول # | من نبع الشعر # | مركب شراعي # قادتني قدماي من مسكني في جزيرة الروضة إلى شارع البحر ~~الأعظم. # كم أحببت السير في هذا ~~الشارع الكثيف الظلال والشجون، هذا الشارع الذي لا تسلط عليه ~~شركة الكهرباء أنوار مصابيحها التي تفضح الأسرار، وتطارد همسات ~~القلب المتعب وهواجسه. كنت - كالعادة - أفضل السير والسرى في ~~هذا الشارع، الذي ms001 لم يسموه عبثا بالبحر الأعظم. فأنا أقترب فيه ~~من نفسي الممزقة من عناء العمل ومتاعب الحياة، أحاورها ~~وتحاورني، وأجد الفرصة السانحة لمحاسبة الماضي والخروج من نفق ~~الحاضر الخانق، والتفكير على مهل وبلا وجل في المستقبل - هنا ~~أيضا لا يزعجني أحد ولا أزعج أحدا - فالمارة قليلون جدا، ~~والأكواخ المبنية من اللبن أو من أعواد البوص تضفي على الشاطئ ~~روح الخشوع والتواضع، وتعين الحائر على الرجوع إلى الذات. وما ~~أكثر الهموم التي كنت في أشد الحاجة لأن ألقي بها في ماء النيل ~~المنساب إلى جانبي كشيخ وديع ووقور، أو لأن ألفها في الظلال ~~التي تحوطني من كل جانب كأن يد أم حنون تنشر عباءتها على جسدي ~~وروحي. وها أنا ذا أفكر في هذه الهموم، وأفتش عن وسيلة للخلاص ~~منها حتى أستطيع السير على طريق الحياة بلا قيود ولا أغلال؛ غدر ~~زملائي في العمل، وكيدهم لي بتقديمي إلى التحقيق في تهمة ظالمة ~~وكاذبة، تخلي خطيبتي عني وتركها الدبلة والهدايا مع أمها، ~~وإعلانها عن رفضها حتى لرؤيتي أو التفاهم معي على هذا القرار ~~المنفرد، تعثر حياتي الأدبية وشعوري المتزايد بأنني غير ~~موفق، ولا أجد نفسي في مئات الصفحات التي أسودها وأسهر ~~عليها، وأحيانا تقتضيني أن أذرف دموعي عليها فتبتل كأوراق ~~الخريف الذابلة في يوم مطير. # لفت انتباهي صوت غناء يطرق سمعي من جهة النهر. اقتربت من ~~الشاطئ، ونزلت الدرجات المهترئة المبنية من الحجر الجيري لأكون ~~قريبا من الصوت وصاحبه. جذبني هذا الصوت الذي يطلق الأغنية ~~المعروفة «سلمى يا سلامة» بطريقة مؤثرة وإن خلت من العذوبة. ~~وأمامي وبالقرب مني كانت تمر على مهل شديد، مركب شراعية ~~متوسطة الحجم ومحملة بأكياس رملية وألواح خشبية وأدوات حديدية ~~مختلفة، والمراكبي الذي يذهب ويجيء على متنها، ويرسل عقيرته ~~بالغناء الخشن، يدفع بالمجداف في قاع النهر؛ ليحرك مركبه الذي ~~لا تقوى النسمات الضعيفة على ملء شراعه في هذا الوقت الذي يسوده ~~السكون، الذي شمل كل شيء. # تعلقت بالمشهد، ووقفت ~~أمامه خاشعا وذاهلا، كأنني أتابع موكبا مقدسا يمر في صمت ~~في ms002 طريقه إلى معبد مقدس. يا للراحة التي غمرت أحاسيسي وأنا ~~أتابع المركب الشراعي، وأبتسم لمرأى المراكبي الذي أخذت أتعاطف ~~معه، وأشعر بالجهد الخارق الذي يبذله وهو يدفع مجدافه في الماء، ~~فيتحرك المركب إلى الأمام. ويا للإعجاب الذي تملكني وأنا ألمح ~~من على البعد عظامه البارزة من جلبابه القديم، الذي يشبه الخرق ~~البالية، وأقدر مدى الجهد الذي يتكبده والألم الذي يعانيه، ~~ويحاول مع ذلك أن يصرفه بغنائه الأجش الذي ينفذ في ~~القلب. # هذا هو المركب الشراعي - ~~البدائي سليل مراكب الأجداد القدماء - يتحرك النيل الهائل من ~~تحته، وتهتز السحب والنجوم من فوقه. إنه يترك نفسه للنسمات ~~الخافتة الرقيقة التي تلمسه وتكاد تتأوه من عجزها عن تحريكه، وهو ~~يمضي في سبيله إلى الأمام، وينطلق في هدوء إلى البعيد البعيد. ~~وها هو أمام عيني يترنح في دلال، وربما باعتزاز وفخار، كأن يد ~~القدر هي التي تحركه. ويمر ويعبرني، أشبه بإوزة كبيرة أو ~~بجعة فاتنة مختالة بنفسها، أو فراشة كبيرة هائلة الحجم تسكرها ~~النسمات، وتهدهدها الأمواج، ويستحثها الغناء، فتسبح في طريقها ~~غير عابئة بشيء حولها ولا وراءها ولا أمامها. آه! هل هو مركب ~~شراعي وحسب، يسوقه مراكبي فقير متعب، يداري همه بالصوت الظمآن ~~إلى عين الحبيب وحضن الابن والأب والأم بعد السفر والغياب؟ أم هو ~~قارب سماوي يصعد منسابا على أجنحة الحرية، ويضيء ظلمات وجداني، ~~ويهش وطاويط الهموم التي تتخبط في روحي وتعشش في ذهني؟ # لا ... لم يكن أبدا مجرد مركب شراعي! # ذلك الذي رأيته وعشته ذات مساء وأنا أنقل قدمي الثقيلتين على ~~الشاطئ الهادئ، في شارع البحر الأعظم. # 1 # | هل ضحك الجسر؟ # في هذا العنوان مبالغة شديدة؛ فالجسر الذي أقصده لم يكن يطلق ~~عليه أحد كلمة «الجسر»، التي تعلمتها في المدرسة. الذي كنت أعبره ~~كل صباح وكل مساء في ذهابي إليها، وعند الإياب. لقد كان مجرد ~~معدية بدائية أو كبري متواضع الحال، بناه الأجداد قبل أن أولد. ~~ثم إنني لم أسمعه يضحك أبدا؛ إذ كان على الدوام لا يكف عن ~~الشكوى والبكاء؛ تطقطق أضلاعه ms003 الخشبية العتيقة كلما مشى عليه ~~الفلاحون في طريقهم إلى الحقول وعند عودتهم منها، ومعهم أبقارهم ~~النحيلة بعيونها البريئة الصافية، وجواميسهم ذات الأجساد السوداء ~~الضخمة، وحميرهم الصابرة المسكينة التي تميل بأفواهها على آذان ~~بعضها لتسأل - فيما تقول الحدوتة القديمة - سؤالها الذي لا ينقطع ~~منذ الأزل وإلى الأبد: متى يصل ملاك الحمير؟ بالطبع لا يعرف ~~أحد غيري أن الجسر يشكو أو يئن بالبكاء، كلما مر حمل ثقيل ~~يقطع أنفاسه، ويغرز قوائمه الحديدية الصدئة في ماء الترعة ~~المواجهة لبيتنا. لكنني كنت أتعاطف معه إلى حد الاندماج فيه، ~~واستشعار مواجعه وآلامه التي يكتمها في صمت. كنت أستقبله كل ~~صباح كأنه صديق عجوز، أحن دائما للقائه وسماع حكاياته، ~~ومواساته في أحزانه. تمر يداي على سوره الخشبي الذي يترنح من ~~أي هزة بسيطة، وأسير عليه في تؤدة وبطء حتى لا تؤلمني طقطقة ~~ضلوعه، التي ترتفع كلما عبره موكب الأبقار والجواميس والحمير ~~والفلاحين في رحلة شقائهم اليومية. بل إنني كلما تلفت حولي ولم ~~أجد أحدا غيري، كنت أجاذبه أطراف الحديث - كما علمنا مدرس ~~اللغة العربية - أسأله عن أحواله، وأهون عليه كربه، وأعزيه ~~بالأمل البعيد في أن يجدده مجلس القرية أو يشمر أهلها ~~الطيبون عن سواعدهم، ويبدلوا ألواحه المهترئة وأرضيته الطينية ~~المليئة بالنقر والمطبات بألواح وأرضية أخرى جديدة. وكم كنت أبكي ~~معه عندما ننفرد في الليل، ويبثني أحزان يومه وعذاب أمسه ويأسه ~~من غده. وكم تهورت في وعودي له، وبشرته بأنه سيعيش حتى يرى ~~السعادة، ويعوض أيام الصبر والأسى بساعات، أو ربما بأيام ~~ينطلق فيها بالضحك حتى يهتز ويميل، ويبادل أمواج الترعة ضحكا ~~بضحك، وغناء بغناء. ولكم منيته أيضا بأن العصافير والهداهد ~~ستحط عليه وتمرح على جسده وسوره الهش العجوز، وأن النجوم ~~ستلمع من فوقه وترسل إليه أشعتها الفضية الصافية، ويقول له ~~الجميع: لست وحدك في هذا الكون! # كنت أشعر - في حديثي الهامس معه، ونحن وحدنا، ولا شيء ولا صوت ~~من حولنا سوى رفيف النسيم على أبداننا، وخرير الماء المنساب من ~~تحتنا، وهمسات النجوم اللامعة العيون من فوقنا ms004 - كنت أشعر أنه لا ~~يصدقني، وأنه يقول لي، وهو يتأوه، إنه قد تعود على الظلم ~~والقسوة، ولا يصدق أي وعد من وعودي التي كنت أنا نفسي أشك فيها ~~أحيانا، ومع مرور الأيام التي لا تأتي بأي جديد في حياته أو ~~حياتي. # حتى كان صباح يوم غادرت فيه البيت، والزغاريد والضحكات تجلجل ~~فيه بأصوات رنانة يسمعها القاصي والداني. قلت له في ذلك الصباح: ~~أبشر يا عم، فأختي الكبرى التي يجهزونها اليوم للزفاف، ستعبر ~~عليك اليوم ومعها العريس وأهل العروس والجيران والأقارب والأحباب، ~~وكلهم ضاحك وسعيد. هل يمكن أن تكشر في وجوههم، أو تلوذ ~~باكتئابك العتيد أمام هذا الحشد الصاخب السعيد؟ لن تفعل هذا، ولن ~~أكلمك أو أستمع لشكواك الأزلية لو فعلت ... # وعبر موكب العرس في الليلة نفسها فوق الجسر المتقشف الحزين، ~~وضحك كل من في الزفة وهتفوا للعروسين، وتصايحوا وغنوا ودقوا ~~الطبول، وعزفوا على الأراغيل والمزامير. كنت معهم بطبيعة الحال، ~~لكنني كنت كذلك مع الجسر طوال الوقت، أقول له: لا بد الآن أن ~~تسعد يا صاحبي وتضحك! آن أوان الخروج من ظلمات تاريخك القديم مع ~~الصمت والاكتئاب، أظنك توافقني على أنني حققت وعدي ورسمت على ~~وجهك ابتسامة عريضة، سرعان ما تتحول إلى ضحكة بهيجة لن ~~يسمعها أحد غيري. ترى هل ضحك الجسر العجوز في تلك الليلة كما ~~توهمت؟ هل استطاع موكب العروس وزغاريد البنات والنساء ودوي الطبول ~~ورنين المواويل، أن يخرجه من بؤسه القديم ولو مرة واحدة في حياته ~~المملوءة بالعناء والشقاء؟ # سألت نفسي هذا السؤال بعد عقود طويلة من الزمان. وعندما كنت ~~أعبر الجسر الحديدي والأسمنتي الجديد الذي حل مكان صديقي القديم، ~~في طريقي لزيارة شقيقي الذي خلا عليه البيت بعد رحيل أبي وأمي ~~وإخوتي. لم أعرف إلى اليوم إن كان صديقي القديم قد ضحك في تلك ~~الليلة المشهودة قبل أن يغرق - مع صباح اليوم التالي، وعبور ~~المشاة والحيوانات عليه - في أحزانه القديمة. ولم يكن من الممكن ~~أن أعرف ذلك من خلفه الحجري والأسمنتي المتجهم والمتعالي، بل ~~لم يكن من ms005 الممكن حتى أن أسأله أو أتحدث معه. # | النبع القديم # أطفئ النور، إذا شئت، ونم. نم في أمان، فأنت هنا بالقرب من ~~النبع. النبع الذي يسميه الناس حينا بالعين الضاحكة، وحينا ~~آخر بالعين الباكية. وإن كنت أنا أفضل أن أسميه النبع وحسب؛ ~~لأنه يفور من قلب الأرض الغني بالأسرار. وسواء رأيت أن مياهه ~~الصافية دموع منهمرة، أو ضحكات متلألئة؛ فهو يجيش بها على الدوام، ~~وخريره مسموع ومتصل لمن يكلف نفسه بالاقتراب منه أو الإصغاء ~~إليه. هل يزعجك هذا الخرير الذي يترنم أبدا بأغنيته، كأنه ~~طفل يحلم بالشرب من الثدي المفعم بالسكينة والنقاء؟ إن كل ~~الضيوف الذين يشرفون بيتنا الوحيد المتواضع، ويبيتون تحت سقفه، ~~سرعان ما يتعودون على أنين هذا الخرير وأصدائه الموغلة في ~~الأعماق. # هل قلت إنك لا تريد أن تنام الآن؟ ربما تفكر في تأليف قصيدة ~~أو كتابة قصة أو تدوين لحن أو رسم صورة. هذا شيء متروك لك، نحن ~~هنا لا نتطفل على أحد. وربما تكون شاعرا أو كاتبا أو مصورا ~~أو ملحنا، أو مجرد إنسان يلتمس عندنا الهدوء وراحة البال. ~~إنسان استغنى عن العالم، أو استغنى العالم عنه، وترك وراء ظهره ~~ضجيج المدن وفساد القرى وأسواق اللغط والصراع والزحام. إنسان جاء ~~إلى هنا ليكون بالقرب من الأصل والمنبع، بجوار مسكن الحقيقة ~~ومأوى البراءة ومثوى الصفاء والنقاء. هل ذهبت اليوم إلى النبع ~~فشربت واغتسلت؟ وهل تجولت في الصحراء الشاسعة الممتدة حتى ~~اللانهاية، والمطهرة من كل رجس وإثم؟ لا بد أنك تعبت من السير ~~ومن التأمل والتفكير. العشاء الخفيف - عشاء الزاهدين ~~المعتكفين - جاهز وفي انتظارك. فإذا أكلت ورجعت لتنام، فلا تنزعج ~~إن لاحظت شيئا من القلق أو الاضطراب حول البيت والنبع المخلدين ~~على الدوام إلى السكون والكتمان. وحتى إذا صحوت فجأة من حلمك ~~ومنامك، فاعلم أن الحصى المتناثر حول النبع، قد داسته خطى أقدام ~~غريبة فأخذ يخشخش ويطقطق ويقطع عليك سماع خرير الماء وأنينه ~~وترنيمته الأزلية. عندئذ لا تفزع ولا تنزعج! فالنجوم ساطعة ~~ومكتملة العدد فوق النبع وفوق السقف الذي ms006 تنام تحته. إن هو إلا ~~متجول وحيد، أو مسافر متعب اتجه إلى حوض النبع القديم ليطفئ ~~ظمأه، ويغسل تراب العيش والعالم عن وجهه ويديه. ولعلك لو نظرت من ~~النافذة لرأيته يغترف الماء براحة يده، ولو دققت النظر فقد ~~تلمح رعشة فمه، الذي يتمتم ويدندن ويبارك أرواح الماء الراقصة ~~تحت قبة السماء. اطمئن إذا سمعت هذا أو رأيته، فسوف يرجع الغريب ~~من حيث جاء، وسيستأنف النبع خريره، وتصل أغنيته إلى أذنيك. وافرح ~~إذا قالا لك على لسان المسافر الغريب: لست هنا وحدك مهما تمسكت ~~بالوحدة. كم من متجول وجواب جاء إلى هنا وشرب وغمر عينيه ووجهه ~~بالماء، ثم مضى وبريق النجوم الفضي يلمع فوق رأسه. وكم من ~~متجول غريب، لا يزال كذلك في الطريق إليك وإلى النبع ~~القديم. # اطمئن يا ضيفنا العزيز ولا تجزع. أنت الآن بالقرب من النبع. ~~فابق بقرب النبع! ابق بقرب النبع! # 1 # | اثنان # وقفت ممسكة في يدها بالكأس المتألقة كاللؤلؤة. كم كانت حافة ~~هذه الكأس الرقيقة النحيلة تشبه فمها الرقيق وذقنها الدقيق. كانت ~~قد لمحته من بعيد وهو يتحسس بحنان رقبة فرسه البني الرشيق، ~~واتجهت نحوه بخطى خفيفة واثقة، كأن يدا خفية تشدها إليه ~~فتمشي كالسائر في نومه. مع ذلك لم ترتجف الكأس في يدها، ولا سقطت ~~منها قطرة واحدة على الأرض. # أما الفارس فكانت يده خفيفة وراسخة. وبهذه اليد وضع السرج ~~البهيج الألوان على ظهر فرسه الشاب، ثم قفز عليه قفزة سريعة لم ~~تكد تستغرق لحظة واحدة. وباليد نفسها، بإشارة غير ملحوظة وإيماءة ~~غير مقصودة، أمر الفرس أن يقف في مكانه، بينما كان جسده يختلج ~~وساقاه ترتعشان. # لكن هذه اليد تخلت عنها خفتها، وغادرها رسوخها وثباتها عندما ~~شعرت باليد الأخرى تمتد نحوها. أرادت أن تمسك الكأس وفردت ~~أصابعها بقدر ما أمكنها لكي تتلقاها منها. كذلك فعلت اليد الأخرى ~~الممدودة بالكأس، وحاولت أن تصل إليها، لكن كليهما أحس بجبل من ~~الرصاص يرزح فوقهما. وتاهت كل يد عن الأخرى وعجزت عن أن تلقاها، ~~وأخذ الاثنان يرتجفان بفعل زلزال ms007 ينفضهما ويهز جذورهما وفروعهما. ~~وتساقطت الخمر المعتمة من الكأس، وشربها التراب. # 1 # | الصبي الذي كان يحمل اسمي # زارني الصبي الذي كان يوما يحمل اسمي. وقف أمامي، على حين ~~فجأة، واستند إلى جدار المكتبة صامتا شاحب الوجه. لم أدر كيف ~~تسلل إلى حجرة مكتبي بينما كنت أقرأ أو أكتب بحثا أو أترجم ~~نصا أو أحاول أن أعد كلمة أقولها في ندوة أو مؤتمر. لكنني ~~وجدته أمامي ولم يكن هناك مفر من المواجهة. راح كل منا ~~يتأمل الآخر دون أن يقوى على التلفظ بكلمة. نعم هذا وجهه، نفس ~~الوجه البريء المتعب، نفس العينين الشاردتين التائهتين، نفس ~~الانكسار والإحباط، وخيبة الأمل تكسو الملامح وتنسكب من النظرات ~~الحزينة. كان هو أيضا يتطلع إلي في دهشة من لا يصدق؛ ربما ~~أذهله الشعر الأبيض الذي يغمر رأسي كالثلج المتجمد، أو كلال ~~العينين اللتين بدأ نور شمعتهما في الخفوت والخمود، أو التجاعيد ~~التي حفرتها السنين على الوجه الذابل الذي غادرته نضارة الشباب من ~~أمد طويل. وكان لا بد أن يبدأ أحدنا الكلام، فأردت أن أحييه ~~وأرحب به في مسكني وبين كتبي المتراكمة من حولي. لكن وهج الغضب ~~الذي كان يتأجج من عينيه، ويلهب وجنتيه، وينبئ عن اتهام وشيك ~~لم يسعفني بكلمة واحدة. وما هي إلا لحظات حتى سمعت رنين أصوات ~~تخترق أذني كأنها تلطمها وتهزها بعنف وقسوة: ماذا فعلت ~~بي؟ # رفعت حاجبي وأنا أسأل ببراءة: ماذا تقصد؟ # رفع يده وهي يسدد إبهامه نحوي: كنت شاعرا في صباي، فإلى أين ~~وصلت بي؟ # قلت وأنا أحاول أن أرسم ابتسامة على فمي: أما أنك كنت شاعرا ~~فهذا حق. ما زلت أذكر أنك عارضت غير مجد في ملتي واعتقادي، ~~ويا نائح الطلح أشباه عوادينا ... وما زلت أذكر أيضا أنك كنت ~~تدون قصائدك الأولى في كتيبات صغيرة تضع عليها اسمك، وتذكر ~~أنها صدرت عن مطبعتك، لكنها انتهت جميعا إلى الفرن. # قال مندهشا: الفرن؟! # قلت ضاحكا: نعم، جمعتها أمي مع مسودات قصص أخرى سخيفة، ~~ومسرحيات ساذجة، وألقتها في الفرن. كانت حجتها أنها تعطلني ms008 عن ~~المذاكرة، وأن الفائدة الوحيدة منها هي أن تشعل بها النار وأن ~~تصير إلى الرماد، وتتحول إلى التراب الذي جئنا منه وإليه ~~نعود. # سأل وهو يفتح عينيه على اتساعهما: هل معنى هذا أنك لم تواصل ~~قول الشعر؟ # قلت كأنني أحكي قصة خطيئة كبرى: أنا لم أتخل عنه إلا بعد أن ~~تخلى عني ... لكن الشعر كما تعلم لا يغادر العظم واللحم الذي ~~سكنه ذات يوم. بقيت منه الشاعرية التي كانت وراء ترجماتي ودراساتي ~~التي لا آخر لها للشعر. لقد عجزت مع بلوغي العشرين عن كتابة قصيدة ~~واحدة، بعد أن تهت وتورطت في المتاهة ... # قال وهو يقترب مني مستطلعا: تهت؟ ومتاهة؟ ماذا تقصد؟ # قلت كأني أتذكر، أو كأني أعترف: نعم، شدتني الحكمة من يدي، ~~فتهت منذ شبابي الباكر في صحراء العقل المجرد. راح الحكماء من ~~الغرب والشرق يجذبونني إليهم واحدا بعد الآخر، فأنساق وراءهم ~~وأدخل بيوتهم وصوامعهم وأعيش مع أفكارهم وتجاربهم، وأكتب وأكتب، أو ~~أترجم عنهم. كنت أغوص في الصحراء اللافحة فيزداد عطشي مع كل ~~خطوة، وكلما لاح سراب من بعيد، جريت نحوه وتصورت أنه واحة أستظل ~~بها وأستريح من وهج القيظ ومرارة الحرمان، فأحاول أن أرجع إلى ~~النبع المنسي. # سأل مندهشا: النبع المنسي؟ # قلت: أجل. النبع الأصلي الذي كانت تشغلني عنه المهنة التي ~~تورطت فيها، ولقمة العيش التي لم يكن منها مفر، وزحام المعرفة ~~والثقافة الذي كنت مضطرا للمشاركة في أسواقه الصاخبة ... هل فهمت ~~يا عزيزي الغائب الحاضر؟ # هز رأسه آسفا، وقال: وماذا كنت تريد من ذلك النبع؟ # قلت متعجبا: وماذا يطلب المرء من النبع الطاهر النقي؟ أن ~~ينهل منه ويغتسل من رماد العالم، ويجد ذاته الضائعة ... # ضحك فجأة، وقال: ما زلت لا أفهم ... نبع ورماد وذات ... ماذا تريد ~~أن تقول؟ # قلت: كنت في تلك اللحظات السرابية القليلة، أجد نفسي في قصة أو ~~مسرحية أو خاطرة أكتبها وأستمتع بها قبل أن أكتشف أن السراب هو ~~السراب، وأن قيظ الصحراء وضياع المتاهة لن يلبثا أن يجراني ~~كالعبد المغلول بالسلاسل والقيود. # قال، وعلى ms009 فمه بسمة ساخرة : وصرت قصاصا وكاتبا مسرحيا ~~يتحدث عنه. # قاطعته، وأنا أشير بيدي ساخطا: النقاد؟ باستثناء اثنين أو ~~ثلاثة يذكر القصاصون فلا يذكر اسمي، ويعد كتاب المسرح فلا ~~يتذكرني ناقد ولا مسرح ... وإذا ذكرني أحد فأنا عنده مترجم الشعر ~~وشارحه، أو معلم الحكمة الذي قضى شبابه على أبوابها. وهكذا ~~تراني الآن أيها الصبي الطيب الحبيب، تراني شيخا هده المرض ~~والغدر والتجاهل وخيبة الأمل. # اقترب مني، وثبت عينيه في عيني: ألست أنت الذي تجاهلت نفسك ~~وانشغلت عن نبعك ... لا تلم إذن إلا نفسك. # قلت: معك الحق، لا يصح أن ألوم إلا نفسي ... ولا ينبغي علي ~~إلا أن أتدارك ما فاتني ... هل تتصور أن البقية الباقية ... # لم أكد أقول هذه الكلمات حتى خيل إلي كأن الصبي قد كبر فجأة ~~في السن، وطالت قامته، ووقف أمامي متحديا ومحذرا. مد يده في ~~جنب صداره، فأخرج ساعة كبيرة مستديرة تشبه الساعة العتيقة التي ~~كان أبي يضعها في جيب جلبابه، ويخرجها منه كلما أراد أن يعرف ~~مواقيت الصلاة. وبدأ الرجل الطويل الشامخ القامة، الذي كان قبل ~~قليل صبيا غريرا، دائم الحزن والشرود، بدأ يهتف بصوت مرتفع: ~~الحياة وقت، ولكل وقت قلب؛ أي له مركز ومنتصف. من أراد الحقيقة ~~وصمم عليها استجاب لنبض هذا القلب، لزم المركز ولم ينحرف عنه. ~~ألا يقاس الوقت بالسنين والشهور والأيام واللحظات؟ الحياة سنة ~~ومركزها وقلبها هو أجمل شهورها، لكنك ضيعت على نفسك هذا الشهر. ~~والحياة يوم له مركزه وقلبه ومنتصفه، لكنك ضيعت اليوم وأنت تحلم ~~مفتوح العينين. والحياة آن أو لحظة لها مركزها وقلبها ومنتصفها، ~~لكنك فوت على نفسك الفرصة فلم تعشها ولم تتذوقها، ولم ~~تغترف كما ينبغي من نبعها. لكن انس هذا الآن، انسه وامنع أسنانك ~~أن تعض لحمك. فها هي الحياة ما زالت تقدم لك قلبها ومركزها ~~ونبعها المتدفق من أعماقها. قم ولا تضيع هذه اللحظة كما ~~ضيعت غيرها. # نظرت إليه مذهولا من هيئته وكلامه. ويبدو أن الدموع التي ملأت ~~عيني منعتني من أن أنتبه لاختفائه المفاجئ، كمجيئه المفاجئ. ms010 لم ~~أجد أمامي ولا حولي إلا الكتب التي تنظر إلي صامتة خرساء من ~~فوق الرفوف. ومع ذلك، فربما ناديت الشبح المتلاشي، وأنا أسائله ~~بصوت هامس: وهل بقيت في العمر بقية ...؟! # 1 # | نيشت فيرشتاندن # أمدد ساقي المتيبستين على الكنبة البلدي في صالة شقتي ~~المتواضعة بالزيتون، وأسمع زوجتي هنية تجهز الماء الدافئ في ~~المطبخ لكي تغسلهما ثم تدهنهما بالمرهم الأحمر الذي يلطف من ~~ألمهما المستمر بالليل والنهار. كذلك أنتظر بين لحظة وأخرى أن ~~يفتح الباب ابني عاطف، الذي ذهب إلى الصيدلية؛ ليحضر لي أدوية ~~الظهر والمعدة والرعشة والصداع التي لا أستطيع أن أعيش بغيرها. ~~ولأني الآن - أنا حامد حمودة، نجار المسلح الذي جاوزت شهرته ~~العاصمة إلى الأرياف - لم أعد أقوى على تسلق سقالة، ولا حمل ~~سيخ حديد واحد، ولا تحريك إصبع لتوجيه عامل أو الإشراف على ~~عمال بناء. فقد أصبحت في حالي البائسة أحيا مثل المحالين إلى ~~المعاش على ذكريات الصبا والشباب، وأقضي الوقت مع الصور الباقية في ~~ذهني وخيالي من المدن والحدائق والعمارات والشوارع والميادين ~~والجبال والغابات التي كان من حظي أن أراها، أو آكل فيها لقمة ~~عيش. وفي هذه الأيام التي أشعر فيها - على الرغم من تأكيدات ~~الأطباء والزوجة والأبناء - بأن دبيب النهاية يسري في دمي وأعضائي، ~~وأنني أرى نفسي في المنام وفي اليقظة ملفوفا في كفن أبيض وملاءة ~~بيضاء، وراقدا وحدي في قبر ضيق ومظلم ووحيد. في هذه الأيام ~~تلح علي صورة الإنسان الذي تصورت لجهلي وقلة حيلتي أن اسمه ~~«نيشت فيرشتاندن»، ويؤلمني أن أتذكر أيضا أنني لم أره ولم ~~أتعرف عليه أبدا، وأنه يرقد الآن في الغالب في تابوته الخشبي ~~داخل قبر عليه شاهد رخامي في إحدى المقابر - أو ساحات السلام ~~كما يسمونها - في ضواحي هامبورج، تلك المدينة الضخمة ذات الميناء ~~المهول على ضفاف الراين، التي قدر لي أن أعيش فيها عدة سنوات، ~~وأنا آكل فيها - كما سبق أن قلت - لقمة عيش قسمت لي. كان ذلك في ~~أواخر الخمسينيات حتى أوائل الستينيات، عندما أرسل إلي صديقي ~~عبده المسلح ms011 - فكذلك كان زملاؤه يلقبونه ؛ لبراعته الشديدة في ~~توضيب سقف المسلح - عندما أرسل إلي عقد عمل من شركة المقاولات ~~المتحدة التي كان قد سبقني بالعمل فيها في تلك المدينة التي ~~ذكرتها. لم أكذب خبرا، وسافرت على الفور إلى هناك، مدفوعا ~~بإعجابي بأهلها وناسها من ناحية، والإحساس بضرورة الوقوف إلى ~~جانبهم لتعمير ما خلفته الحرب وراءها من دمار وخراب. # وصلت إلى المدينة بعد رحلة مرهقة بالطائرة، في يوم ظننته حالة ~~استثنائية قبل أن يثبت لي أن معظم أيامهم لا تختلف عنه كثيرا. ~~يوم ممطر تسح فيه سماء مكفهرة ومثقلة بالضباب والعتمة من آلاف ~~آلاف القرب المفتوحة التي تصب منها على رءوس البشر المساكين ~~شياطين البروق والرعود والصواعق والسحب والبخار التي لا تهدأ ولا ~~تستريح في صيف ولا شتاء. رحت أتجول - بعد الانتهاء من إجراءات ~~الجمارك والجوازات - في شوارع هذه المدينة التي تطؤها قدماي لأول ~~مرة. شعرت بأنها مدينة عظيمة واسعة تشغي كخلية النحل الهائلة ~~بنشاط تجاري وملاحي لا مثيل له، وتعمرها - برغم الأطلال والأنقاض ~~التي تشاهد في كل مكان - مباني ضخمة ومنازل جميلة، تزدان شرفاتها ~~ونوافذها بالزهور المتنوعة الأشكال والألوان، وتزدهي معظم ~~ميادينها بتماثيل لملوك وفرسان وقسس عديدين، أو بنوافير تسكب ~~أنهارا من الحياة الفائرة التي تجذب إليها الحمام والأطفال ~~والمتسكعين الذين يتخذون من درجاتها الرخامية اللامعة كسلالم ~~قصور الجنة، ملجأ لهم يستريحون فيه. رحت أشبع عيني من المناظر ~~المتتابعة في الشوارع والحارات والحدائق والمقاهي والقصور التي نجت ~~من دمار الحرب، وسلمت من قنابل الطائرات. بينما أتفرس في ~~الوجوه الحادة الصارمة إلى حد القسوة، وأتعجب من أنني لم أجد ~~بينها وجها واحدا يضحك أو يبتسم، مع أن صفارات البواخر التي تجأر ~~وتنادي من بعيد، وصيحات الأطفال الخارجين لتوهم من المدارس، ~~وضوء الشمس الذي بدأ يصارع السحب الجهمة المتكاثفة، ويفرش أشعته ~~الذهبية على الأشجار والبيوت والأسوار والجدران وأسفلت الشوارع. مع ~~أنها جميعا يمكن أن تبعث الرضا وتبسط قسمات الوجوه إن لم تستطع أن ~~تكسوها بالسعادة والابتسام. # لفت انتباهي وأنا سائر - كثور الله في ms012 برسيمه، الذي لا أفهم ~~لغته ولا أعرف أحدا من أهله! - بيت رائع الجمال، فسيح الأرجاء، ~~لم أر في حياتي بيتا يدانيه في الأبهة والفخامة والجلال. أخذت ~~أتأمل هذا البيت، بل هذا القصر، بل هذه التحفة المعمارية، وأنا ~~واقف أمامها كالمذهول، تزدحم في نفسه نوازع الإعجاب والحسرة ~~والاندهاش أيضا من بديع صنع سقفه وواجهته وسلالمه المرمرية ~~الناصعة، ونوافذه الطويلة والمستطيلة التي تشبه الأبواب في بلدي، ~~وقصاري الزرع المتعددة الألوان التي صفت على جوانب الدرج ~~العريض ومدخل البيت ومعظم أركانه ونتوءاته. قلت لنفسي: لا بد أن ~~هذا القصر يملكه ويسكنه شخص عظيم، ملك أو وزير أو تاجر كبير يحتكم ~~على أساطيل من السفن التي تجلب البضائع من الشرق ومن شتى بقاع ~~العالم وموانيه. وانتظرت حتى مر علي أحد العابرين، فاقتربت منه ~~وسألت بلغتي التي لا أعرف غيرها: قل لي أيها الرجل الطيب، هل تعرف ~~اسم صاحب هذا البيت الرائع، أو هذا القصر المنيف، الذي يزدهي ~~كالعروس بألوان الزهور والزينات؟ لكن الرجل الذي بدا عليه الانشغال ~~الشديد ربما أغضبه أن يوقف أحد خطواته السريعة، رد باختصار، ~~وبوجه متجهم، بهذه الكلمات التي دخلت أذني كوشيش قطار مسرع: ~~«نيشت فيرشتاندن». شكرت الرجل الذي ألقى علي نظرة تفيض بالضيق ~~وعدم الاكتراث، وكأن الذي سأله لم يكن سوى حيوان غريب وغير ~~مألوف. ولما عبر بي عذرته، وتذكرت أنني كلمته بلغتي التي لا يفهم ~~منها حرفا، كما رد علي بلغته التي لا أعرف منها إلا قدر ما ~~يعرفه هو من لغتي. لكنني شكرته بيني وبين نفسي. وقلت ربما يكون قد ~~أدرك من ذهولي أمام القصر أنني سألته عن اسم صاحبه، ولذلك ظللت ~~أكرر ذلك الاسم الصعب طوال سيري على القدمين متوجها ناحية الميناء ~~للقاء بلدياتي، وكأنني تلميذ يحاول أن يحفظ كلمة أجنبية صعبة ~~ومليئة بالشينات، التي بدت لي كلهاث شاحنة ثقيلة أو صفير سفينة ~~توشك على الرحيل. # حفظت الكلمة التي لم أعرف معاناها إلا بعد ذلك من صاحبي عبده ~~المسلح، ثم من اجتهادي على مدى شهور طويلة في ms013 تعلم بعض الكلمات ~~والجمل التي تساعدني على الحياة، والتعامل مع زملائي في العمل ~~وسكان هذا البلد. المهم أنني اعتقدت بحسن نية، وبثقة لا أعرف ~~مصدرها، أن هذه الكلمة الصعبة تدل على اسم صاحب ذلك البيت الذي ~~وقفت أمامه وقفة الشحاذ على باب قصر السلطان. وكم قلت لنفسي إن ~~هذا الرجل «نيشت فيرشتاندن» لا بد أن يكون ثريا جدا، وسعيدا ~~جدا جدا. # مضيت في طريقي إلى الميناء وأنا أفكر في الرجل ذي الاسم ~~العسير العجيب، وفي صاحبي الشهم عبده، وفي الناس المتجهمين ~~المسرعين الذي أقابلهم مع كل خطوة أو أمر بهم في الطريق. ~~وأخيرا، وبعد أن سألت بعض العابرين باللسان واليدين، بالصفير ~~والشخير وتقليد حركات الأشرعة والبحارة والملاحين، أخيرا وصلت ~~إلى الميناء الذي بدا لي كذلك مدينة وحده، مفتوحة على البحر الواسع ~~المترامي الأمواج. وقفت في ذهولي على الشاطئ أراقب السفن التي تدخل ~~الميناء أو تخرج منه، فلفتت انتباهي بجانب العجائب والغرائب ~~الكثيرة، سفينة عظيمة بدا أنها رست على الميناء قبل قليل، وشرع ~~العمال والحمالون والونشات الكبيرة في تفريغها من شحناتها ~~وحمولاتها الملفتة للأنظار: صفوف الصناديق الكبيرة، والأكياس ~~المنتفخة المتراصة بجوار بعضها على رصيف الميناء، أوعية وبراميل ~~وكراتين تفوح من بعضها روائح البن والشاي والفلفل والتوابل، ~~فضلا عن أجولة السكر والأرز التي كان من السهل التعرف عليها. ~~توقفت طويلا أتأمل السفينة والبحارة والحمالين والصناديق ~~المتنوعة الأشكال والألوان، وأنا أقول لنفسي إنها قادمة بغير شك ~~من الهند الشرقية أو بالتأكيد من بلد آسيوية غنية بمحاصيلها ~~ومنتجاتها وموادها الخام. ووخزني حب الاستطلاع المغروس في ~~فطرتي والموروث من أهلي، فاقتربت من رجل طويل ومهيب كان يقف مثلي ~~على الرصيف ويتأمل السفينة والشعب المشغول بأمورها بانبهار لا ~~يقل عني. كان كل همي في تلك اللحظة هو أن أعرف اسم المحظوظ ~~مالك هذه السفينة، بل هذه المدينة العائمة، فسألته بلغتي التي لا ~~أعرف غيرها عن صاحب هذه السفينة الرائعة الزاخرة بأعجب السلع ~~والبضائع. أجاب الرجل بعد أن نظر إلي من عل بامتعاض وغضب ~~ظهرا على حاجبيه ms014 المعقودين، وعينيه الساخرتين، وشفتيه ~~الممطوطتين: «نيشت فيرشتاندن». ضربت بكفي على ركبتي، وهتفت ~~صائحا والرجل يرمقني وهو ينصرف كأني مجنون أو مختل العقل: ~~ومن غير مالك القصر يمكن أن يملك هذه المدينة العائمة على سطح ~~الموج؟! لا عجب! لا عجب! # انصرفت أنا أيضا وابتعدت عن الشاطئ وأنا أتفكر في تصاريف ~~القدر وقسمة الحظوظ، وأعي عن يقين مدى فقري وبؤس حالي بالقياس إلى ~~أمثال هذا الرجل الذي غمره الثراء والنعيم بغير حساب. وبينما كنت ~~خارجا من منطقة الميناء في طريقي للبحث عن مبنى شركة المقاولات ~~القريبة التي يعمل فيها صديقي عبده - وأعترف الآن أنني كنت أتحسر ~~على نفسي، وأتمنى عليها أن أعيش كما يعيش هذا السيد نيشت، الذي لا ~~أعرف حتى كيف ينطق اسمه ولو ليوم واحد - إذا بي ألمح من بعيد ~~موكب جنازة مهيبة يشق طريقه في سكون وجلال إلى «ساحة السلام» ~~الواقعة غير بعيد من الميناء. كانت تتقدم الموكب العظيم أربعة ~~خيول وقورة ومتدثرة بأشرطة قطيفية سوداء، تكسوها من العنق إلى ~~الذيل، وتجر وراءها عربة سوداء كبيرة لنقل الموتى تنسدل على ~~نوافذها الزجاجية ستائر سوداء أيضا. ويمشي خلفها جمع غفير من ~~المشيعين الذين يرتدون معاطف سوداء في بطء وحزن شديدين، كان من ~~الواضح أنهم من أصدقاء المتوفى ومعارفه وأقاربه، الذين جاءوا ~~لتوديعه إلى مقره الأخير في بيت الأبدية. وكانوا يسيرون ~~أزواجا أزواجا في صفوف صامتة خرساء، بحيث لا يسمع غير أصوات ~~الموسيقى الجنائزية التي تصاحب الموكب، ورنين أجراس صغيرة تدق ~~من أبراج كنائس قريبة وبعيدة ... أخذت أتأمل المشهد المؤثر في أسى ~~شديد، على الميت وعلى نفسي المسكينة التائهة في أرض غريبة وسط ~~أناس لا تعرف لغتهم ولا يعرفون لغتها ... وعندما حاذتني عربة ~~الموتى وجدت نفسي تتمتم بالفاتحة، وأرفع يدي وإبهامي دون أن أشعر ~~وأردد الشهادتين. ولما جاوزتني العربة، قلت لنفسي وأنا أفكر في ~~المصير المحتوم: هم بشر مثلنا على كل حال، مهما قست وجوههم ونطقت ~~ألسنتهم بلغة لا تفهم! ولكنني اندفعت نحو آخر زوج من المشيعين ~~لأسألهما وأنا أعتذر لهما ms015 بانحناءة شديدة من رأسي عن اسم ~~المتوفى المرموق، الذي تحمله العربة السوداء ذات الخيول الأربعة ~~السوداء. وقلت في أسى حقيقي، وبلغتي التي أعلم أنهما لن يفهما ~~منها حرفا: لا بد أن المرحوم كان صديقا لكما، ولا شك أنه كان ~~رجلا بارزا في المدينة، ولهذا تدق له الأجراس ويسيطر الحزن ~~والخشوع على كل من يمشي في جنازته، أليس كذلك أيها السيدان؟ نظر ~~إلي السيدان في تعجب، وخرجت من أفواههما في نفس واحد، الكلمة ~~نفسها التي سمعتها قبل ذلك مرتين: «نيشت فيرشتاندن» ... # لا أدري كيف فوجئت وأنا أسمع الاسم بدمعتين تسقطان على خدي، ~~وبحجر ثقيل يجثم فوق صدري ويوشك أن يخنق أنفاسي. أخذت أقول لنفسي ~~بعد أن تابع السيدان سيرهما خلف الجنازة: مسكين أنت والله يا سيد ~~نيشت الذي لا أعرف حتى كيف أنطق اسمه، ما الذي أخذته من كل ثروتك؟ ~~سبحانك ربي في علاه. لم تأخذ يا عبد الله الألماني إلا ما يأخذه ~~فقير مثلي جاء بعقد عمل إلى بلادكم - مجرد كفن وملاءة بيضاء - لا ~~قصر ولا سفينة، لا مال ولا مجد، بل عملك الصالح أو الطالح يا سيد ~~نيشت هو الذي يدخل معك في ليل الظلمة الأبدية، فيؤنسك أو يزيد من ~~كربك ووحشتك ... هكذا قلت لنفسي والله، ولم أتردد لحظة عن أداء ~~الواجب. سرت خلف السيدين اللذين بدا عليهما الضيق من سؤالي عن ~~الميت، وربما أخذا يلعناني بكلمات لن أفهمها. مشيت ومشيت وراء ~~المشيعين، ونسيت كل شيء عن العمل والصديق الذي ينتظرني في مقر ~~الشركة. وعندما دخلت «ساحة السلام» مع الداخلين، تعجبت من نظامها ~~الجميل وتنسيقها المتقن، وكأني داخل بستان شاسع الأرجاء، أشجاره ~~وزهوره ليست سوى القبور وشواهدها المصفوفة في صفوف بديعة الصنع ~~والتكوين. نعم، تبعت جثمان الرجل الذي أعجبت به إلى حد الحسد، ثم ~~بكيت عليه لما فهمت أنه هو نفسه صاحب القصر والسفينة - المدينة ~~- وظللت واقفا مع المشيعين وهم ينزلون السيد «نيشت» في قبره، كما ~~استمعت حتى النهاية لكلمات الوداع التي ألقاها قسيس شاب بصوت ~~جهوري واضح، وإن ms016 لم أفهم منها كلمة واحدة. ثم دخلت مع معظم ~~المشيعين بعد انتهاء مراسم الدفن مطعما صغيرا أقيم - ويا للعجب! ~~- بالقرب من ساحة السلام، وأدهشني أنه كان مستعدا لاستقبال هذا ~~العدد الضخم من الأهل والأصدقاء الذين راحوا - وأنا معهم - ~~يشبعون جوعهم ويروون عطشهم على روح المرحوم. # وقد عثرت بعد ذلك على صديقي العزيز، وانخرطت في العمل الشاق ~~بكفاءة دهش لها كل العاملين. وقضيت عدة أعوام في عمارة البيوت ~~والمؤسسات ومباني الحكومة، قبل أن أرجع إلى بلدي راضي النفس، قرير ~~العين. وها أنا يا زوجتي العزيزة التي تغسل ساقي المتيبستين ~~بالماء الدافئ قبل دهنهما بالمرهم الأحمر اللون، لا أفتأ كلما ضاق ~~بي الحال بعد ذلك، وكلما فكرت أن الدنيا فيها أغنياء مثل السيد ~~نيشت فيرشتاندن، وفقراء متواضعو الحال مثل العبد لله، أقول لا ~~أفتأ أتذكر هذا الميت المجهول الذي أخطأت في فهم اسمه، كما أذكر ~~نفسي بأنه وإن امتلك القصر الرائع البديع والسفينة المهيبة ~~المهولة، قد استقر في النهاية في لحده المظلم الضيق الذي لن ~~يختلف كثيرا عن ذلك القبر المظلم الضيق الذي سيواريني لا محالة ~~بعد سنين أو شهور أو أيام ... # 1 # | أغنية النساجة في الليل # قبل سنوات بعيدة، سنوات طويلة، كان البلبل أيضا يغني ~~معنا. # بصوته العذب الشجي كان يغني، عندما كنا معا واجتمع ~~شملنا. # ها أنا ذا الآن أغني وحدي، وأحاول أن أبكي فلا أستطيع. أنسج ~~وأنسج على النول وحدي، وبأناملي أشبك الخيط الرقيق بالخيط ~~الدقيق. وسأبقى أنسج وأغني، طالما القمر يسطع في السماء. # عندما كنا معا يا حبيبي، كان البلبل يغني ويغني، والآن ~~ينبهني صوته الحنون أنك سافرت ورحت إلى البعيد البعيد. # كلما طلع القمر في السماء، فكرت فيك وحدك يا حبيب، وراح قلبي ~~النقي الكئيب يدعو الله أن يجمع شملنا عن قريب. # لم يزل البلبل لا يكف عن الغناء، منذ رحلت بعيدا عني، وما ~~زلت لا أفكر حين أسمع صوته يا حبيب، إلا في يوم لقائنا ~~القديم. # ليأذن الله لنا باللقاء، فأنا هنا أنسج وأنسج وحدي، القمر ms017 نوره ~~ساطع وصاف في السماء ، وأنا أغني وأغني يا حبيب، لأغالب رغبتي ~~في النشيج والبكاء. # 1 # | أمثولة الخواتم الثلاثة # (صيغة مختصرة) # في سالف الأيام، كان يعيش في الشرق رجل يمتلك خاتما لا تقدر ~~قيمته بمال، أهدته له يد حبيب عزيز وغال. كان الحجر النفيس ~~الذي صنع منه الخاتم من «الأوبال»، # 1 # وكان يشع منه ما يزيد على المائة من الألوان، وكانت ~~له خاصية خفية تجعل كل من يحمله محبوبا ومرضيا عنه من الله ~~والناس. لا عجب إذن في أن الرجل الشرقي كان حريصا عليه على ~~الدوام، ولم يخلعه من إصبعه أبدا في يوم من الأيام، ولا عجب أيضا ~~في أن يدبر كل ما يستطيع للاحتفاظ به في بيته وأسرته إلى أبد ~~الآبدين! # وهكذا قرر أن يترك الخاتم لأحب أبنائه إلى قلبه، كما ~~استقر رأيه أيضا على أن يورث هذا الابن بدوره الخاتم لأحب ~~أبنائه وأعزهم على نفسه، بشرط أن يبقى أحب الأبناء باستمرار، ~~وبصرف النظر عن أصله ومولده، وبالقدرة الكامنة في الخاتم وحدها أن ~~يبقى هو أمير البيت والرأس المدبر للعائلة. ~~••• # هكذا وصل هذا الخاتم، في مسيرته من ابن إلى ابن، إلى يد أب له ~~ثلاثة أبناء. كان الأبناء الثلاثة متساوين في طاعتهم له، ولم يكن ~~في مقدروه أن يحرم أحدا منهم من حبه وحنانه. لكن الأيام دارت ~~دورتها، وبدأ الأب يدخل في دائرة الموت كما يدخل في دائرة الحيرة ~~والارتباك، فكم آلمه وحز في نفسه أن يتسبب في ألم اثنين من ~~أبنائه يثقان بصدق كلمته وعهده. لكن ماذا يفعل؟ # هداه عقله أن يستدعي في السر صانعا اشتهر بتفوقه في صنعته، ~~وطلب منه أن يصنع نسختين من الخاتم بحيث لا يدخر جهدا ولا مالا ~~في أن يجعلهما مطابقتين تمام التطابق مع الخاتم الأصلي. نجح الصائغ ~~الفنان في مهمته، وعندما حضر إليه ومعه الخواتم الثلاثة، تعذر ~~على الأب نفسه أن يميز الخاتم الأصلي من النسختين. وسعد الأب ~~سعادة كبيرة، ونادى في صوت مفعم بالفرح ليلقاه كل منهم على ~~انفراد، وفي هذا ms018 اللقاء باركهم واحدا واحدا، وأعطى كلا منهم ~~خاتمه، ثم مات ... # لم يكد الأب يموت ويواري التراب حتى رجع كل واحد من الأبناء ~~ومعه خاتمه، وكل واحد منهم مصمم على أن يكون هو أمير البيت ورأسه ~~المدبر. طال البحث، وشب النزاع والشجار، وارتفعت الأصوات ~~بالشكوى والاتهام. عبث كان ذلك كله وبلا فائدة، فقد استعصى عليهم ~~أن يتبينوا الخاتم الأصلي ... تماما كما يستعصي علينا اليوم أن ~~نتبين أي الديانات الثلاث هو الأصح. # قال القاضي: سمعت أن الخاتم الصحيح يمتلك الطاقة العجيبة في أن ~~يجعل صاحبه محبوبا ومرضيا عنه من الله والناس. هذا الخاتم هو ~~الذي يمكنه أن يحسم الأمر! لأن الخواتم الزائفة لا تستطيع بطبيعة ~~الحال أن تحدث هذا الأثر! والآن، من هو الابن الذي يحبه اثنان ~~منكم أعظم الحب؟ هيا! تكلما! إنكم تلوذون بالصمت، فهل يتراجع ~~تأثير الخواتم وينقطع تأثيرها على الخارج؟ وهل أفهم من هذا أن كل ~~واحد منكم لا يحب إلا نفسه أعظم الحب؟ آه! إذا صح هذا كنتم ~~جميعا خادعين ومخدوعين! وكانت خواتمكم الثلاثة غير أصيلة. ربما ~~كان الخاتم الأصلي قد ضاع، وربما كان هذا هو السبب في أن يحاول ~~الأب إخفاء الخسارة، أو التعويض عنها، وهو الذي جعله يصنع الخواتم ~~الثلاثة بحيث يستحيل تمييز أحدها عن الآخر. ~~••• # إن شئتم أن تسمعوا نصيحتي، بدلا من أن تسمعوا حكمي، فهيا ~~انصرفوا! لكن نصيحتي لكم هي هذه: ليأخذ كل منكم الأمر على ما هو ~~عليه. وإذا كان كل واحد منكم قد أخذ الخاتم من أبيه، فليعتقد كل ~~واحد منكم أن خاتمه هو الخاتم الأصلي، لعل الأب لم يشأ أن يصبر ~~على استبداد خاتم واحد بالأمور كلها في بيته! بيد أن الشيء الذي لا ~~شك فيه هو أنه أحبكم أجمعين، وأنه لم يفرق في حبه بينكم، إذ ~~لم يطاوعه قلبه أن يميز واحدا منكم أو يؤثره على أخويه ~~الباقيين. # هكذا كان الحال! فليسرع كل منكم ويسعى بكل جهده لاقتفاء أثر ~~حبه الحر المنزه عن التحيز! ليراهن كل منكم على أن يظهر ms019 ~~للعلن تلك الطاقة العجيبة الكامنة في طوايا خاتمه! وليعمل من جانبه ~~على أن يشحذ هذه الطاقة بكل ما أوتي من دماثة، وتسامح، وإحسان، ~~وخشوع خالص لله! وعندما تظهر قوة هذه الخواتم وطاقتها العجيبة عند ~~أحفاد أحفاد أحفادكم، فسوف أدعوهم مرة أخرى بعد الآلاف المؤلفة ~~من السنين لكي يمثلوا أمام هذا الكرسي نفسه. ويومئذ سيجلس على هذا ~~الكرسي من هو أحكم مني بكثير، وسوف يقول أيضا كما أقول لكم ~~الآن: انصرفوا! # 2 # | نافورة # أمر عليها في الذهاب وفي الإياب. # أقف أمامها لأشاهدها وأتأملها بعد ما شاهدتها وتأملتها عشرات بل ~~مئات المرات دون أن أشبع أو أقنع ... # ها هي شعلة الماء ترتفع - كما فعلت على الدوام - وتصعد لي أعلى، ~~تميل على شعلة ثانية، تميل هي أيضا على ثالثة، ثم رابعة ... # وتدفق الماء المنحدر كشلال صغير وعنيف في حوض من المرمر؛ ~~فيسقط الماء في قاع الحوض يدمدم ويدوم ويحوم كآلاف الطيور ~~البحرية الصارخة. # يمتلئ الحوض بالماء المتموج حتى يندلق من حوافه ويفيض، يندلق ~~ويفيض وهو متلألئ مختال بكنزه الفضي الرقراق فيصب في حوض ~~ثان يقع أسفله، ويظل يتدفق حتى يؤلم القاع، يغني هذا الحوض بثروته ~~فيعطي ويسخو فورا وبلا تردد على الحوض الثالث الذي يقع تحته ~~ويتقبل عطاءه الجياش. هكذا أرى كل حوض يأخذ ويعطي، يتدفق ~~ويستقر في نفسه، يكون ولا يكون في وقت واحد. # وبعد أن أشبع عيني من المشهد - دون أن أكتفي أو أقنع! - أكاد ~~أسمع صوتا لا أدري حين يتردد في سمعي إن كان قد هبط علي من ~~أعلى، أو صعد من داخل كياني وعمق ذاتي: # لو أنك كنت فقيرا، أفقر مما أنت عليه، ~~«لو تصمت في حركتك وتتحرك في صمتك»، # لو تتعلم أن تتحقق حين تسيل وتدفق، # لو تعرف كيف تكون غنيا في فقرك، وفقيرا بغناك، # لاستطعت أن تعطي وتأخذ، أن تتلقى وتجود! # مثل هذه النافورة التي تتدفق فتسخو، وتمتلئ # فتنهمر، وتصب عطاءها في حوض بعد حوض. # 1 # | كأسك المرة ورسالة استغاثة في زجاجة ~~البريد # كأسك المرة يشربها في ms020 الصباح، يشربها في المساء، يشربها في ~~الصحو وفي النوم ، يشربها في النهار والليل، يشربها يشربها. # كأسك المرة يا رجاء، يا دعاء، يا هناء، يا سناء، يا أسما - لا ~~أفصح عنه - يحوي الأسماء، يشربه في الليل والنهار، في الصبح ~~والمساء ... # والرجل الطيب المكتئب ذو الشعر الأبيض، كالثلج يشرب كأسك المرة ~~يشربها، يحفر لنفسه في كل الأوقات قبرا يسكنه، لا يبرحه، قبرا ~~لا يرى فيه غيرك ولا يحس بغيرك، ويشرب كأسك المرة في أوقات الليل ~~والنهار ... يشربه يشربه منذ شبابه الباكر عندما أحبك - يا جارته ~~المرة - حب الجنون، ومنذ أن خذلته ورفضت حبه الكسير ~~المستحيل، منذ أن شله العجز والخجل الفطري الملعون فلم يخاطب ~~لسانه لسانك، ولم تلمس يده يدك، ولم يعرف إلا نظرة عينيك القاسيتين ~~الساحرتين، من شباكك أو شرفة مسكنك، عينيك السوداوين الواسعتين ~~اللتين نفذت سهامهما المشتعلة في صدره، ولم يزل يشرب كأسهما ~~المرتين في الصباح والمساء، في العمل وفي الراحة، وهو جالس إلى ~~مكتبه يقرأ ويكتب، وهو في قاعة المحاضرات أو الندوات والمؤتمرات ~~يثرثر ويثرثر، منذ ذلك اليوم الذي رآك فيه ونفذت سهامك المشتعلة ~~في صدره، في غرفه السرية الدفينة، في قلب كيانه البائس الكئيب، ~~وهو يشرب كأسك المرة، يشربها، ويشرب ويشرب. # كأسك المرة يا حبيبتي المستحيلة التي يراها بالصدفة كل سنة كل ~~سنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس: تحفك المرارة من الجانبين، تسبق ~~خطاك وتمشي مع ظلك، تتحرك مع حركة قدميك وذراعيك، مع لفتاتك ~~ونظرات عينيك حين ترفعينهما وحين تخفضينهما، مع ما تقولينه لمن ~~يصحبك وما تفكرين فيه. مرة أنت والمرارة تحيطك وتغمر ما تكونينه ~~وما تملكينه وما ترتدينه - وهو - إذا رآك مرة بمعجزة الصدفة، يسألك ~~في سره ويسأل نفسه: مرة أنت ولكن، هل تدرين أنك عندي عذبة، ~~وعذوبتك هي أعذب ما رسخ في نواة كياني التي تشرب كأسك المرة في ~~الصباح ... تشربها في الليل ... تشربها حين يراك وحين لا يراك، تشربها ~~وتشربها وتشربها؟ # أصبحت الآن أما وأصبحت جدة، ربما أحلت للمعاش أو أحلت ~~نفسك إليه، وانسدت ms021 للأبد الآبد كل الطرق إليك، والرجل الطيب ~~المكتئب كم تمنى - كلما رآك وأسعفت الصدفة البخيلة - لو يستطيع ~~أن ينادي باسمك، أن يوقفك لحظة ليسلم عليك وتلمس يده يدك. وكم ~~يشرب كأسك المرة حين ينقض عليه التصور القاتل بأنه سيحتضر ~~يوما من الأيام قبل أن يقلب عينيه في عينيك، وتلمس يده يدك، ~~ويسألك الصفح عن الحرج الذي وضعك فيه وسط الطريق. وهو يحتضر سيشرب ~~كأسك المرة، كأسك المرة، حين يتذكر أنهم سيلقونه في الكفن ~~ويضعونه في القبر، ويغلقونه عليه قبل أن يقلب عينيه في عينيك، ~~وتلمس يده يدك، ويسألك عن أحوالك وأولادك، ويطلب منك السماح ~~والغفران ... # كأسك المرة يا حبيبتي البعيدة المستحيلة يشربها ويستغيث بك، ثم ~~يخطر بباله - والجسور كلها مقطوعة ومعدومة بينه وبينك - أن الغرقى ~~القدماء كانوا يرسلون رسائل استغاثة في زجاجات يلقونها في البحر، ~~وحين ترسو بها الأمواج على شاطئ يقرؤها من يتصادف وقوفه على الشاطئ ~~وعثوره عليها، فيفكر - مجرد تفكير - في أن يهب لنجدتهم ويستجيب ~~لاستغاثتهم، وذلك بعد أن يكونوا قد غرقوا وشبعوا موتا ... # الرجل الطيب المكتئب ذو الشعر الأبيض كالثلج، يضع رسالته في ~~زجاجة، زجاجة يلقيها في البحر، ويجرفها الموج بعد أيام أو شهور أو ~~بعد سنين إلى الشاطئ. لكن من يضمن حتى في الحلم أن تكوني أنت ~~هناك، واقفة على الشط حين تصل الزجاجة إلى يديك، وحين تفتحينها ~~وتعرفين أنها موجهة لك أنت - لك أنت وحدك - يا كأسي المرة التي ~~أشربه في الصباح، أشربها في المساء، وأشربها حين أكتب كتبي ~~السخيفة، وحين أسود قصصي ومسرحياتي التي لم تحرك ماء ~~راكدا في البحيرة، ولم تترك صدى واحدا في كهف وجودنا الخانق ~~البليد، ولم تصل أبدا إليك أنت يا كأسي المرة مع أنها لم تكتب ~~إلا لك، ولم تكن إلا لأجلك ومن وحيك. # كأسك المرة ... الرجل الطيب المكتئب يرسل إليك استغاثة في ~~زجاجة لن تصل إليك ... يحتضر دون أن يخاطب لسانه لسانك، أو تلمس يده ~~يدك ... يموت ويغلقون عليه قبره قبل أن يسألك الصفح والسماح والغفران ~~قبل أن ms022 يكلمك، قبل أن يلمس يدك ... # كأسك المرة يشربها ليل نهار، وصبح مساء. يشربها حين يئن من ~~المرض، وحين يكتب ويكتب ويكتب ما لا تقرئينه أبدا، ولا يصل إليك، ~~ولن يصل إليك ... # يشرب كأسك المرة في الصحو والنوم، في الحركة والسكون، في الحلم ~~والعلم، يشربها ويشربها ويشربها. # 1 # | القبر الجديد # اللحظات التي قضاها في قبره الجديد في الظلام والصمت، في قلب ~~الظلام والصمت، في القلب الغائر الدفين، كانت لحظات فارقة في ~~حياته وفي أيامه الباقية. كان جمع الأهل المحتشدين أمام الضريح ~~الحديث البناء، قد فوجئوا بفعلته العجيبة الغريبة. فبعد أن عاين ~~المكان، وتأكد من متانة السور العالي والبوابة الحديدية، وبعد أن ~~ضحك كثيرا مع شقيقه الأكبر من ضخامة القفل الذي وضع عليه، ~~وتساءل بصوت مرتفع: وما الداعي للقفل والراقد في الداخل لا ~~يمكنه أن يخرج، والواقف في الخارج لا يريد الدخول؟ وسط كلمات ~~الإعجاب بفخامة البناء، وبذمة البنا وصنعته البارعة، وبينما ~~الجميع يتابعون ملاحظات الدكتور على الموقع والطلاء، والرخامة ~~المحفورة داخل واجهة القبر وعليها بالخط الكوفي البديع نقش بارز ~~باسم الميت المرموق وصنعته ومكانته: ... أستاذ التاريخ والحضارة ~~بكلية وجامعة، وتحتها مسافة فارغة لوضع اليوم والشهر الهجري ~~والميلادي والسنة للمتوفى الذي لم يتوف بعد. بعد كل ما سبق ~~فوجئ الجميع بفعلته العجيبة الغريبة التي تمت في أسرع من لمح ~~البصر. أذهلت المفاجأة المدهشة الجميع، فلم يستطع أحد أن يمنع ~~الميت - بالقوة لا بالفعل - من أن ينفذ بسرعة الريح من الفتحة ~~الكبيرة للقبر الجديد الذي فرغ من معاينته، وصار من الواضح أنه ~~رضي عنه كل الرضا. لم يكن الجمع الحائر الذاهل يفيق لما حدث، ~~ويفتح العيون غير مصدق، حتى تعالت الأصوات الحميمة المشفقة: حاسب ~~يا دكتور ... الأرض ما زالت طرية ومرشوقة بالزلط والحصى ... # هل هذا معقول يا ناس؟! ولماذا الاستعجال وأمر الله في علم ~~الغيب؟ يا دكتور اعمل معروف ... اخرج يا دكتور اخرج ... ما زلت بحمد ~~الله في كامل صحتك وفي عز شبابك ... اتق الله واخرج يا ~~دكتور. # لم يصدر أي صوت عن ms023 الراقد الممدد على راحته في القبر ... ~~والأعجب من صمته المطبق أنه خيل إليهم في هذا الموقف الغريب ~~المستحيل أنهم سمعوا ضحكة قصيرة واضحة كرنين كئوس تصطدم ببعضها ~~- تلفتوا لبعضهم وهم يستنكرون ما يشاهدون وما يسمعون - وتجمعوا ~~حول الفتحة الواسعة التي غافلهم أستاذ التاريخ والحضارة ودخلها ~~واختبأ فيها، كطائر ضخم يلوذ بنفق مظلم بعد أن أتعبه التحليق ~~والدوران في الجو بحثا عن ملجأ يحميه ... # لم يشعر المحتشدون المتجمعون أمام فتحة القبر بأنهم قدموا ~~للراقد الممدد في داخله أعظم خدمة كان يتمناها ... لم يخطر على ~~بالهم أنهم بتجمعهم أمام فتحة القبر قد أكملوا دائرة الظلام ~~والصمت التي طوقته في الداخل، وأعطته الفرصة الفريدة لكي ~~يحاسب نفسه بعد أن وضع نفسه وجسده على البرزخ المعتم بين الحياة ~~والموت. # همهموا وجمجموا، وتناثرت من أفواههم عبارات الدهشة والعجب. ثم ~~أخلدوا للصمت الذي استولى عليهم فجعلهم يتسمعون لما يجري وراء ~~الفوهة المخيفة الفاغرة الفم. كانوا يسألون أنفسهم وقلوبهم ترتعش ~~وتدق بعنف خشية أن يكون الدكتور قد أصابه مكروه، أو أن يكون قد ~~عملها فجأة بطريقة لا يدرونها ولم يحسبوا لها أي حساب. أما ~~الدكتور نفسه فقد اختلى بنفسه ربما لأول مرة في حياته خلوة حقيقة. ~~أخذ يسأل نفسه أو ربما سمع أصواتا تنبعث من حوله ومن داخله تسأله: ~~ماذا فعلت بنفسك؟ وماذا فعلوا بك؟ ها أنت تحال إلى المعاش بعد أن ~~ظللت تلهث وتلهث طول العمر ... أخذك علم التاريخ والحضارة إلى أقصى ~~الشرق وأقصى الغرب، قدمت عصارة العصور المزدهرة وأهوال الحقب ~~المتدهورة من عشرات المراجع والكتب باللغات التي تقرأ بها ... ووقفت ~~أمام المئات من تلاميذك والمئات من قرائك وفي يدك الكئوس ~~الممتلئة برحيق الفكر الشرقي والغربي، رحيق الحكمة التي فاضت من ~~أفواه بوذا وكونفوشيوس ولاو-تزو، وسقراط وأفلاطون وأرسطو، إلى آخر ~~صفوف العلماء والمفكرين والرواد وشهداء المعرفة والحضارة والتقدم ~~على مر العصور ... لم تفرط في شيء، ولم تقصر في سيرة أحد ... ~~شخص واحد قصرت في حقه ونسيته وكدت أن تخنقه بيديك القاسيتين، ~~ذلك الشخص هو أنت نفسك ms024 يا دكتور ... يا من بدأت حياتك في صباك وشبابك ~~شاعرا، أين شعرك؟ يا من حاولت القصة والمسرحية، لماذا توقفت؟ صحيح ~~أنك انتزعت لقيمات صغيرة من فم الأسد الذي يطاردك بالليل ~~والنهار، في قاعات المحاضرات وفي الندوات والمؤتمرات وحتى في ~~أحلامك وكوابيسك. لكنك يا دكتور لم تكن نفسك أبدا، وربما نسيت ~~نفسك ويئست ولم تحاول، مت الآن أيها اللاهث المطارد، وحاول أن ~~تخرج من ظلام ماضيك بخروجك من ظلام قبرك الجديد، عش يا مسكين قبل ~~أن يضعوك إلى الأبد في هذا المكان ... جرب أن تعيش بحق يا من ~~سرق العمر منك، ولم يكن ذلك بدون ذنب منك. عش ... عش ... لا تتردد ~~بعد اللحظة! ... # يبدو أن الجمع المحتشد بدأ يفيق للوضع المأساوي العجيب؛ فقد ~~اخترق شقيقه الأكبر الصفوف وانحنى أمام فتحة القبر، وهتف صارخا ~~وهو يمد ذراعيه داخل الفوهة ولا يرى أي شيء: يا الله يا دكتور ... ~~اخز الشيطان وتعال يا رجل! ربنا يعطيك العمر والصحة يا رجل يا ~~طيب ... نحن استعجلناك لتتفرج على القبر الذي كلفتنا ببنائه، ~~ونفذنا أوامرك كما رأيت وشاهدت وعاينت بنفسك ... اخرج يا رجل ... ~~اعمل معروفا واتق الله ... # وخرج الدكتور برأسه أولا، ثم استند إلى ذراعيه، وسارع الجميع ~~يتلقفونه وينفضون عنه تراب القبر وحصاه الذي علق ببذلته وأكمامه ~~... وعندما وقف أمامهم وهو يضحك، ويمر بيده على صدورهم وظهورهم، ~~ويتلفت حوله وقد اكتست قسمات وجهه بالذهول والرضا في وقت واحد. ~~خيل إليه أن النور أصبح هو النور، وأن الشجر هو الشجر، وأن ~~الزهور والسعف المنشور فوق معظم القبور يكاد في خضرته ولمعانه تحت ~~الضوء أن يبتسم له ويحييه، وأن الموتى الذين أحس بهم في تلك ~~اللحظات النادرة في قلب الظلام والصمت هم الموتى الطيبون ~~الحقيقيون، كما أن البشر الذين التفوا حوله، وراحوا يضحكون ~~لضحكه ويضربون كفا على كف على نكتته العجيبة هم بشر طيبون ~~وحقيقيون. ضمه شقيقه الأكبر إلى صدره، وأخذ ينهنه ويقهقه في ~~وقت واحد: حمدا لله على سلامتك يا أخي، ربنا يجعل يومي قبل يومك ~~... يالله يا ms025 رجل، عش حياتك وربنا يطول في عمرك ... هل هذه عملة ~~تعملها يا رجل يا طيب؟ ... العربة في انتظارك أمام مدخل الجبانة، ~~مبروك عليك بعد عمر طويل ... المهم أن تعيش لنا وللناس والأجيال يا ~~رجل ... # قال الدكتور وصوته مختنق بالدموع: نعم نعم! المهم أن ~~أعيش. # | كل شيء يفنى إلا الفناء # لست أدري لماذا وقع اختيار أترابي في المدرسة وفي اللعب، على هذه ~~المساحة المهجورة الواسعة لتكون ملعبا للكرة. ألأنها بعيدة عن ~~البلد والزحام ودبيب أرجل البشر والحيوانات؟ أم لأنها تمتد وراء ~~مزلقان السكة الحديدية، ويسهل الوصول إليها بعد انصرافنا من ~~المدرسة وقبل عودتنا إلى بيوتنا؟ وهل خطر على بال زملائي أنها ~~ملاصقة للجبانة الكبيرة الغارقة في نعاس الموت الذي لا يقظة منه؟ ~~لا شك أنهم لم يفكروا في ذلك. ولو فعلوا لحظة واحدة لما ~~تمادوا كل مرة في صراخهم وصياحهم ومعاركهم الطاحنة على الكرة، ~~التي كانت تشتد أحيانا إلى حد يوقظ عفاريت الظهر والعصر وربما ~~يوقظ الموتى من نومهم الأبدي. # كنا في ذلك اليوم قد خرجنا من المدرسة مبكرين قبل أن تتوسط ~~الشمس كبد السماء. قالوا لنا إن الناظر أمر بأن يكون ذلك اليوم ~~نصف يوم فحسب بمناسبة الاحتفال بأحد الأعياد التي لا أذكرها. ~~هللنا وصفرنا وزمرنا ورقصنا، وسرعان ما جمعنا فريقنا والتأم ~~شمل الفريق المنافس. وجرينا ونحن نتوعد الخصم المغرور ونتحداه، ~~وجروا هم أيضا وسبقونا إلى الملعب الذي بدا من بعيد كأنه منسي ~~ووحيد، وفي انتظار أن نعمره بشقاوتنا وقفزاتنا ونداءاتنا ~~المستمرة، وصيحاتنا المرتفعة، وكأنما نلعب الكرة بحناجرنا لا ~~بأقدامنا. # كان «الماتش» في ذلك اليوم ~~حاميا أكثر من المرت السابقة، وكان فريقنا - كما فهمت بعد ذلك - ~~مصمما على الثأر لنفسه من هزيمة ساحقة مني بها قبل أن يضموني ~~إليه ويعهدوا إلي - لفرط وداعتي ومسالمتي وهدوئي الفظيع - بأن ~~أقف في «الجون» وأصد الكرات التي توجه إليه من الفريق ~~المضاد. بدأ اللعب واشتعلت المعركة، وتعالت أصوات الصياح والغضب ~~والتهديد بالانتقام. ووقفت في مكاني كالشبح الساكن الغريب أتفرج ~~على الجميع، وأمثل دور «الجون» ms026 دون أن أشارك في شيء، أو تخرج من ~~فمي كلمة أو صيحة واحدة. وفجأة دوت الكرة كالقذيفة وتخطت الحواجز ~~والقوائم الخشبية التي أقف تحتها لتسقط بعيدا في الجبانة ~~المجاورة. كلفوني - ولا أدري لماذا - بأن أسرع بالبحث عنها ~~وإحضارها. سرت نحو الجبانة التي كان يفصلها من أرض الملعب ~~مجرى مائي نحيل، وسور ترابي تكسوه الأعشاب البرية الموحشة، ~~وتعلو بالقرب منه نخلات وشجيرات صغيرة كابية الخضرة. لم يطل بحثي ~~عن الكرة؛ إذ وجدتها ملقاة بالقرب من السور. التقطتها بسرعة وقذفت ~~بها إلى الأيدي المتشنجة التي كانت تنتظرها نافذة الصبر، لكنني ~~قررت في الوقت نفسه ألا أرجع للملعب مهما تعالت صيحاتهم ونداءاتهم. ~~كانت رهبة الجبانة وغموضها وسحرها الأسود قد جذبتني للتجوال فيها، ~~وجعلتني أسد أذني عن النداءات المتلاحقة. # وكانت سخونة الشمس تنفث اللهب في الأشجار والحشائش المنبسطة، ~~وتسقط حممها الحارة على أسطح المقابر والأضرحة فتزداد بياضا ~~ولمعانا. رحت أتمشى بين صفوف القبور القديمة، وأتعرف على القبور ~~الجديدة التي تغطيها زهور وأوراق وسعف نخيل لا يزال يحتفظ ~~بخضرته ونضارته. وشملتني رهبة الموت، وبدأت أفكر في القبر الذي ~~سيضمني مع بقية أهلي. لم أكن أعرف الطرق إلى مدفن أسرتي، ولم ~~أحاول البحث عنه وسط غابة الموتى الساكنة. ولذلك اكتفيت بقراءة ~~الفاتحة على الجميع، وقراءة الآيات والكلمات والتواريخ المكتوبة ~~والمحفورة على الشواهد أو على أسطح القبور. كانت أول مرة أعيش فيها ~~مع الموت، وأتصور أن الموتى قد توحدوا في شخص واحد يستقبلني ~~ويرحب بي في عالمهم السفلي. وشعرت أنني لست غريبا عن هذا ~~العالم، وأنني أحد الأشباح التي تتجول فيه ولا تخشى أن تسكنه ~~وتبقى فيه إلى يوم الحساب. # كان أترابي في اللعب قد يئسوا من النداء علي، وكفوا عن ~~انتظار عودتي إليهم، ولكنهم لم يكفوا عن الصياح والصراخ والسب ~~والشتم لبعضهم، ولا عن الوعيد والتهديد بالانتقام. وظلت أصواتهم ~~تنساب نحوي كالأصداء القادمة من عالم آخر انقطعت صلتي به منذ أن ~~حللت في هذا العالم السلفي. لا أعرف الآن إلى أين أخذتني شطحاتي ~~وتأملاتي في الموت ms027 والحياة، وذكرياتي عن الأجداد والأقارب الذين ~~سمعت عنهم من أمي وأختي الكبيرة. ويبدو أن توهج الشمس وعطر ~~السكون وأبخرته النافذة، والحرارة المسلطة على رأسي، ورءوس ~~الكائنات الخفية التي تواصل دويها المكتوم بلا انقطاع، يبدو ~~أنها جميعا قد التفت حولي ولفتني في ثوب كثيف من التعب ~~والرغبة في النوم. وملت إلى مقبرة حديثة وعالية كانت تقع في الظل، ~~فجلست عليها ورحت أتثاءب وأناجي الموتى الذين تخيلت أنهم اتحدوا في ~~كيان الميت، الذي أجلس على قبره دون أن أعرف شيئا عنه أكثر من ~~اسمه وتاريخ مولده ووفاته المحفورين بخط رديء على المصطبة التي ~~مددت جسدي فوقها. لا أذكر حتى الآن هل رحت في النوم، أم أفقت منه ~~على صوت غامض ومتحشرج ومخنوق يرتفع من تحتي، وهو يدمدم في ~~غضب وحزن عميق: أنتم أيها الأحياء اللاهون، المنهمكون في الصخب ~~والطموح والعبث والضجيج، هل فكرتم لحظة في راحة الموتى الذين ~~تقلقونهم وتزعجون نومهم؟ وأنتم أيها الأولاد الأشقياء، ألم ~~تجدوا مكانا تلعبون فيه وتتصايحون وتتقاتلون وتسبون ~~وتلعنون غير هذه الأرض الملاصقة لأجدادكم وآبائكم الذين نسيتموهم ~~ونسيتم حقهم في السكينة والسلام؟ هل نسيتم أن كل شيء يفنى ولا ~~يبقى إلا الفناء؟ وأنت أيها الولد المسكين! ... هل بدأت تحس بحرمة ~~الموت وتغلغله فيك وفي كل شيء حي؟ هل تشعر الآن بأنك لن تفلت من ~~مصيرنا، وأنك منذ الآن ميت، وكلكم ميتون وإن لم تدفنوا بعد مثلنا ~~في التراب؟ قم يا ولدي المسكين وكن أعقل وأحكم من رفاقك المزعجين ... ~~قم يا ولدي ولا تنس ما قلته لك: كل شيء يفنى ولا يبقى إلا ~~الفناء. # ربما صحوت من نومي فجأة، ورحت أجري بحثا عن بوابة الخروج، وربما ~~تفكرت فيما قاله الصوت الغامض الرهيب، ومضيت خطوة خطوة نحو ~~الطريق الزراعي الذي يحف بالجبانة وأنا أواصل التأمل فيما ~~سمعت. ولعلي ما زلت منذ ذلك اليوم أتفكر في الموت وأعيشه في كل ~~لحظة، وأتنفسه مع كل نفس، وأعمل وأذهب وأجيء وأكتب وأقرأ وأنا ~~أحدق في وجهه وعينيه، وأحاول أن أرد عليه، أو ms028 أواجهه ~~وأتحداه، أو أهادنه وأراوغه بالانخراط الدائم في التأمل والعمل. ~~أعلم منذ ذلك اليوم أنني دخلت تابوتي بغير حاجة إلى تآمر «ست» أو ~~غيره، وأعرف تماما أنني أسير وأتكلم وأخطب أحيانا وآكل وأشرب ~~وأنام وأصحو من داخل التابوت الذي لا يراه أحد غيري. وعلى الرغم ~~من اقتناعي بما قاله الصوت الغامض المخنوق، ومن شكي في بقاء أي ~~شيء مما أعمل أو أكتب أو أقول، فإنني أواصل الرد والمواجهة، ~~ولا أكف عن إرسال الرسائل إلى المجهول الذي يسكنني ويتربص بي، ~~ولا بد أنه سيأخذني يوما إلى عالمه السفلي ... لكن الشيء المؤكد ~~الذي لا يتطرق إليه الشك، هو أنني منذ ذلك اليوم لم تلمس قدمي ~~الكرة أبدا، ويقينا لن تلمسها في أيامي الباقية. # 1 # | قرطبتي وحيدة وبعيدة # سمعت وقرأت عنها في صباي. عرفت أن سماءها زرقاء، والقمر الذي ~~يطلع فيها أخضر وكبير، وأن أبراجها العالية تطل على أهلها في ~~صمت وحنان، وناسها طيبون وسعداء وحكماء، والطريق إليها خطر ~~وطويل ... سمعت وقرأت أيضا أن فيها قبابا ومآذن وبقايا جوامع ~~وأعمدة وحدائق ونوافير ... وكم كان اسمها المنغم يطربني، وتاريخها ~~المفعم بالبطولات والأحزان والأشجان يشجيني. # عندما كبرت قليلا، حلمت أن أرتدي ملابس الفرسان، وأعتلي صهوة ~~فرس أسود صغير، وأنطلق إليها وأسأل كل من ألقاه عن قرطبته الوحيدة ~~البعيدة، لكنني كنت مجرد حالم بائس، لا يملك فرسا ولا يستطيع أن ~~يحصل على ملابس الفرسان، ولا يعرف طريق البر ولا طريق البحر ~~إليها. مع ذلك لم أيئس من الوصول إليها، وإن بقيت عزيمتي وإيماني ~~مجرد أحلام تراودني في الصحو وفي المنام. # ثم كبرت أكثر، ورحت أقرأ عن المدن المثالية الفاضلة التي ~~يقال - كذبا - إنها لا توجد إلا في الأحلام والأوهام. وبدأت ~~أكتب وأكتب وقرطبة الوحيدة البعيدة تتجلى كوجه محبوبة جميلة ~~ومستحيلة وراء أقنعة الحروف والكلمات والعبارات. أراها في قصائد ~~الشعراء، وأحس ريحها المعطرة بالذكريات والأشواق تلفح وجهي أثناء ~~انكبابي على قراءة الفلاسفة، ومن بين السطور والصفحات الطويلة التي ~~أسودها عنهم ... # وأبلغ صحراء الكهولة، ثم أوغل في متاهة ms029 الشيخوخة والحلم ~~بقرطبتي الوحيدة والبعيدة لا يزال يلح علي، كأنه الملاك الذي ~~ينقذني في المحن الكثيرة وينتشلني من مستنقع البلادة والملل ~~والخسة والغدر والظلم والتجاهل والمرارة الذي طالما أوشكت أن ~~أغرق فيه. ومن بعيد تتخايل أمامي قرطبتي الحبيبة الغامضة البعيدة، ~~أتجول بين ناسها الطيبين السعداء، أبتهج بالمشي في حدائقها ~~الغناء والتطلع لأبراجها الشماء، أفرح بالجمال والنظافة ~~والانسجام والوئام الذي تكاد تنطق به الأحجار الصماء. وكم يبهرني ~~ويدهشني أن تطل شمسها الربيعية الدافئة في النهار، وقمرها الأخضر ~~كالكرمة المتوهجة في الليل على شوارع وميادين وقصور وبيوت ~~تغمرها السعادة والسكينة والسلام، ويعمرها العدل والتراحم ~~والحنان. # أحيانا ينتابني الإحساس بأن الموت يحدق في من أبراج ~~قرطبة، وأنه سيخطفني حتما قبل أن أبلغ قرطبة. لكنني أعزي ~~نفسي بأن أناسا غيري ربما بلغوها وعاشوا فيها، وتنعموا ~~بخيراتها وثمارها وأنوارها، وكنوز الحكمة والسعادة والحقيقة التي ~~ستصبح في متناول أجيال أخرى تأتي من بعدي، أو أبناء أو أحفاد أو ~~أحفاد أحفاد ربما يساعدهم الحظ والتاريخ وحكمة العقل والبصيرة أن ~~يصلوا إليها ويحققوا حلمي وحلمهم بالعيش فيها. # وأظل أحلم بقرطبة الحرة العادلة الجميلة ... # وتظل قرطبتي وحيدة وغامضة وبعيدة. # 1 # | البالونة # يمسكني أبي من يدي وهو يسحبني وراءه، وأنا أقفز وأحاول أن ~~أحاذي خطواته السريعة الواسعة. يده تضغط أحيانا على يدي، ~~فأتحير من هذه الضغطات القوية التي أحس بحنانها، وأرفع وجهي ~~وعيني إليه فأراه متجهما معقود الجبين، زائغ البصر، محني ~~الرقبة والظهر، ومثقلا بهم لا أدري عنه شيئا. وأفاجأ بأننا ~~وصلنا إلى محطة السكة الحديدية، ودخلناها بالفعل. أوقفني عند كشك ~~الجرائد والسجائر، ونبه علي ألا أتحرك من مكاني خطوة واحدة ~~حتى يقطع التذاكر من الشباك الذي أشار إليه، ورأيت صفا طويلا من ~~الواقفين أمامه. وجدتها فرصة للتأمل في أحوال أبي وأحوالي بعد أن ~~أيقظني من نومي في الصباح، وأمرني أن أرتدي ملابسي بسرعة ولا أضيع ~~وقتا. ولما عاتبته أمي على أنه سرع الولد حتى قبل أن يغسل وجهه ~~أو يضع لقمة في فمه، سمعته يقول لها شيئا على انفراد ms030 لم أتبين ~~منه سوى كلمة واحدة رنت في أذني كالجنازة، أو شيء شبيه له علاقة ~~بالموت والأموات. وقفت في مكاني ساخطا على السفر والمحطة وبائع ~~الجرائد، الذي نهرني أن أبتعد قليلا، والناس الذين يجرون ~~ويزعقون ويشيرون بأيديهم وأذرعهم للأرصفة والقطارات الواقفة ~~فيها، ويبدون في صياحهم واندفاعهم كأنهم مجانين أو مطاردون. ~~والشيء الذي أغاظني في وقفتي التي طالت هي أن الوجوه التي تمرق ~~أمام عيني لم تكن تقل جهامة وعبوسا عن وجه أبي. خيل إلي أن ~~الجميع مثقلون بهموم فادحة، وكدت أيئس من رؤية وجه واحد ~~يضحك، أو من سماع ضحكة واحدة تخترق زحام الحشود المتدافعة في ~~هذه المحطة التي بدت لي ساحة مجانين ... # وفجأة لمحت عيني بائع بالونات يخترق الجموع، ويتجه مباشرة إلى كل ~~أب أو أم تمسك في يدها طفلا. أعجبت بخفة حركته وخفة دمه، ~~وبهرتني البالونات الحمراء والخضراء والزرقاء والصفراء التي ~~تتمايل وتترنح على عصا يهزها في يده، وتتدلى منها البالونات ~~كأعناب كبيرة وناضجة تتلوى في الهواء، وتكاد تسقط من فروع كرمة ~~كبيرة وكثيفة. انشغلت بطبيعة الحال عن الزحام والقطارات والصفارات ~~المدوية التي تطلقها كلما دخلت في أحد الأرصفة، والتصقت عيناي ~~بالبالونات، وراحت تتابع رقصاتها المرحة، حتى كدت أتخيل أنها ~~مهرجو سيرك ملونون يقدمون ألعابهم أمام وحوش مكشرة عن أنيابها ~~ووجوهها المقطبة المخيفة. # وجاء أبي بعد أن شبعت جنونا بالبالونات، وملأت عيني وقلبي ~~بألوانها ورقصاتها وحركاتها المضحكة. جريت نحوه وأنا أهتف به ~~وأكاد أهدده بالبكاء: بالونة يا أبي! أرجوك يا أبي! أرجوك! ~~تلفت أبي حوله والتكشيرة لا تزال تغرس وجهه وحاجبيه وعينيه. ووقع ~~بصره على بائع البالونات وهو يستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. ~~أشار للرجل أن ينصرف ويتركنا في حالنا، ولكن الرجل ظل واقفا في ~~مكانه، ولم يفقد الأمل بسهولة. واغتنمت الفرصة فضربت الأرض بقدمي ~~ومثلت دور الباكي الذي يرفع شكواه للسماء، ويزمع أن يفرج الخلق ~~على الظلم الذي حاق به دون ذنب جناه. ويئس أبي مني، وسمعته يكلم ~~نفسه قائلا: إحنا في إيه ولا إيه! ms031 ثم يمد يده إلى الرجل ويأخذ ~~منه بالونا، وهو يقول له : منك لله أنت أيضا ... وعندما يسمعني ~~أعترض على اللون الأبيض وأطلب بالونا أزرق، يسرع الرجل فيعطيه ~~ما طلبت. # أعطاني أبي البالون، وهددني بسبابته المتصلبة التي كادت ~~تدخل في عيني: خذ بالك، لا أريد فضائح، خلها في يدك ولا تتحرك ~~من مكانك حتى أحضر سندويتشين من البوفيه. ثم وهو يستدير ويكرر ~~تحذيره: سامع يا ولد ... لا أريد فضائح ... # مددت ذراعي بطولها على قدر ما يسمح الزحام والأجساد المتدافعة ~~التي ترتطم بجسمي الضئيل النحيل، وأخذت أتمايل مع البالونة ~~الزرقاء التي وضعت في يدي الحبل الذي ربطت فيه، ورحت أتراقص ~~ذات اليمين وذات الشمال، وأغني أيضا. لم أجد المساحة الكافية ~~لكي أركض وأجري وأذهب وأجيء، والبالونة - هذه المعجزة الناصعة ~~الساطعة كالفيروزة - تتبخر في كل اتجاه غير مكترثة بشيء. كانت ~~الأجساد التي تصطدم بي والأيدي التي تدفعني أقوى من أن تسمح لي ~~بالرقص الحقيقي كما أن الوجوه المقطبة الغاضبة التي كانت تحدجني ~~عيونها بنظراتها النارية كانت تشل حركتي وتكاد أن تقلب رقصي ~~وفرحي غما وبكاء ومع ذلك لم أكترث بشيء، لا بالأجساد التي ~~تدفعني وتزحزحني كل حين، ولا بالوجوه الساخطة والأفواه الفاغرة ~~التي تصب لعناتها على الأولاد الأشقياء كنت أرقص «محلك سر» ~~والفرحة تهز جسدي كله، وتكاد ترفعني مع البالونة لنحلق في ~~سماء المحطة المزدحمة الكريهة الرائحة لم أكن أنا وحدي الذي يشعر ~~بالفرح والسعادة، لقد خيل إلي أن السماء الزرقاء الصافية التي ~~تعلو رأسي سعيدة معي، وأن الطيور التي تحلق في السماء تنادي ~~البالونة لتحلق معها في الهواء الأزرق في ذلك اليوم الشتوي ~~الدافئ المشرق، وأن نوافذ البيوت المتوهجة بضوء الشمس الذهبية ~~تعلن عن سعادتها بهذا الفرح الطائش الشجاع. # والتفت فرأيت أبي قادما، وشرارات الغضب تطق من عينيه، سبقه ~~صوته المرعد المرعب وهو يصيح: أنت يا ولد ... ألم أحذرك يا مجنون ~~... ارتعشت يدي وانتفض جسدي كله، وقبل أن تصل قدماه إلى مكاني، كانت ~~البالونة قد أفلتت من أصابعي وطارت إلى أعلى. قال ms032 أبي شامتا، ~~وبغير أن تفلت منه ضحكة أو يفتر فمه عن بسمة: أحسن ... أحسن ... ~~تشاغلت عنه وعن خوفي منه وصحت به: انظر يا أبي! إنها تصعد وتصعد ~~وتصعد ... فيروزة تحلق في السماء، فراشة زرقاء ترفرف فوق أسطح ~~البيوت ... انظر يا أبي انظر! لكنه أحكم يده وذراعه الحديدية على ~~كتفي وهو يزمجر: القطار وصل ... تعال ... تعال قلت لك لا داعي ~~للفضائح ... # كان قد شدني من يدي، وأخذ يدفعني أمامه بعنف، وعندما وصلنا ~~إلى أحد أبواب القطار، دفعني من ظهري وقذف بي مع الحقيبة التي في ~~يده وهو يدمدم ويستغفر الله - كعادته من كل ذنب عظيم - وبعد أن ~~جلسنا على المقعد الخالي، وجدتني أهتز وأنتفض وأطرافي كلها ترتعش. ~~ارتج قلبي وجسدي كله بإحساس فظيع بارتكاب جريمة لا أدري شيئا ~~عنها ... وعندما انفجرت بالبكاء، قال لي أبي: ما الداعي للنكد الآن؟ ~~ألم تشبع من الرقص والفرح ... وفر دموعك لجنازة عمك التي ستمشي ~~فيها بعد قليل، سكت وعرفت سبب همه وغمه طوال الطريق، وتطلعت من ~~النافذة، فرأيت البالونة وهي تصعد وتصعد في السماء الزرقاء. # 1 # | رسائل حب # أكاد أشعر بأنك تسألينني: لماذا تأخرت عني؟ لماذا لم أتلق ~~رسالة منك طوال هذا الأسبوع؟ أتريدين الجواب؟ لم يؤخرني عنك ~~شيء عارض، أخرني عنك الموت نفسه. أرى على وجهك وفي عينيك أمارات ~~الدهشة. نعم يا حبيبتي، هو الموت نفسه ولا شيء أقل منه. لكنني لم ~~أنسك أبدا أثناء لقائي معه. أتدرين ماذا كنت أفعل طول الوقت؟ ~~أتدرين كيف واجهته وحاورته وداورته وأنا أتفرس في وجهه الغامض ~~وعينيه الكابيتين؟ واجهته بكتابة رسائل إليك. رسائل حب، ربما لم ~~تصلك مني أكثر منها حبا وتعلقا بك وبالحياة معك. ماذا حدث؟ ~~أقول لك يا حبيبتي باختصار، فما زالت سحب الموت السوداء تطاردني ~~وتغشي روحي وبدني، حتى بعد أن وارينا الصديق العزيز تراب القبر ~~وتركناه وحده ... # أجل يا حبيبتي، كنت مع الموت على مدار الأيام العشرة الماضية. ~~دخل صديقي الذي طالما حدثتك عنه غرفة العناية المركزة بعد نضال ~~مضن مع المرض. أبلغتني ms033 بذلك زوجته التي أعدها أختا واسمها ~~الراعية الحنون، وكذلك ابنه وابنته اللذان لم أكن قد رأيتهما منذ ~~سنين طويلة. أسرعت إلى المستشفى الذي يرقد فيه. كان المطر يتساقط، ~~والبرد الشديد يزيد من اشتعال نزلة البرد التي ألهبت جسدي وأفقدتني ~~توازني. ووصلت إلى المستشفى، وأذنوا لي في الدخول عليه. كان ~~ممددا على الفراش، وجهه مستدير تجاه النافذة، وعيناه اللتان لم ~~يظهر منهما إلا بياض أشبه بالضباب تحدقان في الفراغ الجاثم من ~~حوله. أمسكت بيده، مزرقة ومسودة وباردة، وتحسست صدره المتحشرج ~~الذي لا يستطيع أن يلتقط نفسا واحدا بغير جهاز التنفس الفضي ~~الذي ثبت على فمه. دلكت يديه ورجليه فلم تصدر عنه أي استجابة. وحين ~~شعرت بضغطة يده على يدي بعد أن ناديته باسمه، وملت على أذنه ~~أذكره باسمي وبأيامنا وليالينا وذكرياتنا على مر السنين، ~~خيل إلي أنني أري شعاع أمل في تماثله للشفاء، لكنه لم يلبث أن ~~سقط في غيبوبته وعاد يحدق في الفراغ الساكن الموحش بعينين ~~مفتوحتين. كان من المفروض ألا تدوم زيارتي أكثر من خمس دقائق، ~~لكنني استأذنت المسئولين في قضاء الليل معه فأذنوا لي بعد تردد ~~شديد. # ها أنا ذا أجالس صديقي المحتضر، أتابع الأنفاس المختنقة والآهات ~~المكتومة لقطعة عزيزة من عمري. ماذا أقول لك، وكيف أصف إحساساتي ~~وخواطري في تلك الساعات الكئيبة الحاسمة. هل رأيت طوال حياتك ~~إنسانا يحتضر؟ هل جربت عذاب الموت ومعاناة الروح التي تصارع ~~لمغادرة جسد ضعيف وعاجز عن المقاومة؟ حتى ولو كان المحتضر ~~حيوانا، قطا أليفا أو كلبا وفيا، فلا بد أن تشعري بأنك ~~أنت أيضا تتعذبين عذابه وأنك تموتين معه، بالمعنى الحرفي القاسي ~~للموت. # كان صديقي يتعذب على مرأى مني ومسمع. عاجز أنا عن مساعدته، ~~ملهوف على سؤال الأطباء الذين يترددون عليه أثناء الليل، يقيسون ~~نبضه، يتحسسون صدره وكبده، يعدلون وضع جهاز التنفس أو خرطوم ~~السائل الشفاف الذي يصب في وريد قدمه بعد أن جفت اليدان ورفضتا ~~الاستجابة لأي حقن جديد. وأنا أواجه العزيز المتحشرج، الغائب ~~عني وعن نفسه وعن كل شيء ms034 ... ربما لا تصدقين إذا بحت لك بأسرار ~~أنهار الخواطر التي راحت تزدحم علي وتهاجمني من كل ناحية. هل ~~تحكمين علي بأنني كنت شريرا حين توافدت علي أفكار من الهند ~~البعيدة، وكدت في تلك اللحظات القاتمة الموجعة أن أميل على أذنه ~~وأهمس فيهما: أبشر يا صديقي الحبيب، ما هي إلا خطوات وتعبر عتبات ~~الفناء وتتحد بالكل. ستصبح قطرة تنحدر في نهر الوجود، شعاعا يذوب ~~في شمس الخلود، صوتا ينضم إلى أصوات الحكماء والشعراء والأدباء ~~الذين أحببتهم من كل العصور والأوطان والحضارات. ألا تسمعهم الآن ~~وهم يرحبون بك ويحتفلون بانضمامك إليهم، بعد كفاحك المخلص الطويل ~~في بلدك، ومن أجل أهلك وناسك؟ أبشر يا صديقي الحبيب ... إن الكل ~~يدعوك إليه، وليس الكل بباطل كما كتبت يوما على عنوان كتاب ~~مبكر ... # أتصدقين يا حبيبتي أنني لم أنسك أبدا طوال تلك اللحظات التي ~~جلست فيها، كالقرد الحائر المعذب في مواجهة إنسان حبيب يتألم في ~~النزع الأخير، ويصارع الطائر الأسود الكبير الذي تغلغل في دمه في ~~أنفاسه في كل خلية من خلاياه. أهو تجديف وقسوة وجحود فظيع أن أقول ~~إن وجهك كان يطل علي من النافذة، ويتمثل لي على الحائط وفوق ~~الأجهزة والآلات المعقدة التي تراكمت حول المريض وفوق رأسه ~~وبجانبه؟ أن أقول إنك كنت تنظرين إلي نظرتك النافذة العميقة ~~الحنون، وأنني كنت أسمع همسات حبك الخافتة بينما تتزاحم علي ~~وتلسعني جيوش نحل تخرج من خلايا الدماغ، وتطن وتئز وتدوم حولي ~~وفي كل مكان من غرفة الموت الصامتة الموحشة؟ وكيف أمكن يا حبيبتي ~~في ذلك الموقف الرهيب أن أشعر باقترابي منك إلى حد الالتحام ~~والعناق والغياب، كيف أمكن أن أحس بنبضات قلبي وهي ترتعش وتنتفض ~~بحبك؟ أبدا لم أحبك مثل هذا الحب. أبدا لم أشعر بأنني قريب منك ~~كل هذا القرب، أبدا لم أكن أكثر مني تعلقا بك وبالحياة. وهل ~~تصدقين في النهاية أنني كتبت لك رسائل مفعمة بالحب، رسائل ~~أدفأ وأصدق وأكثر وجعا وفرحا وحنينا من كل ما سبق أن كتبت ~~إليك؟ تقولين أين هي، ms035 وماذا قلت لي فيها؟ تريدين أن تقرئيها ~~وتضميها إلى رسائلي السابقة؟ وكيف تتصورين أنني كنت أمتلك الوقت أو ~~الرغبة في الإمساك بقلم والكتابة على ورق بينما كياني قوس مشدود ~~الوتر، يهتز ويرتجف مع كل حركة يبديها صديقي المحتضر؟ يكفيك أن كل ~~نقطة في دمي كتبت لك رسالة حب، واجهت بها الموت المحيط المتغلغل في ~~صديقي وفي. يكفيك - كما قلت - أنني أحببتك في تلك الليلة الغارقة ~~في بحر أسود كما لم أحبك أبدا أبدا من قبل. آه يا حبيبتي! إن ~~الخجل والرعب يمنعاني من أن أضيف أو أزيد. ربما تقرئين سطورا من ~~هذه الرسائل لو شاء القدر أن يجمعنا ذات يوم في عش واحد. ربما ~~يا حبيبتي الغالية ... ربما. # 1 # | إلى أمي الحبيبة # إليك أكتب هذه الرسالة التي تأخرت كثيرا ... أكتبها الآن بعد أن ~~هبط المساء ومعه البرد الشديد والضباب أيضا. أحاول أن أدفئ نفسي ~~في غرفتي العارية الخاوية فوق السطوح، لكنني لا أفكر إلا فيك وفي ~~الروماتيزم اللعين الذي يهاجمك كل شتاء، وربما يكون قد هاجم القلب ~~الحنون في السنوات الأخيرة. أه! ماذا تفعلين الآن يا ترى؟ هل ~~تعجنين أم تخبزين أم تغسلين أم تصعدين إلى السطوح لتتفقدي برج ~~الحمام، وتلقي الحبوب وفتات الخبز للبط والدجاج، ولا تنسين أن ~~تجددي صحن الماء الكبير؟ هل ما زال صفير القطار الذي يمر من أمام ~~بيتنا يزعجك، والشحاذون ومداحو النبي، هل ما زالوا يطرقون بابنا ~~وتسرعين فتعطيهم العيش والجبن والحلاوة وما فيه القسمة والنصيب؟ أم ~~تراك تمسحين ظهر قطي الشقي العزيز بستان، وتحذرينه من فتح النملية ~~وباب الفرن وسرقة السمك، وتذكرينه بالعشرة والمعروف؟ وهل خرج أبي ~~إلى الدكان مبكرا ومتجهما كعادته، وهو يلعن الزمن والحظ وخلف ~~الأولاد الذين لا يأتي من ورائهم إلا النكد؟ سامحيه يا أمي، وواجهي ~~غضبه وثورته بابتسامتك الساخرة التي تشرق كالشمس فتبدد غشاوة ~~البخار والدخان والضباب. إنه - رغم كل ما فعله معي - كالسحابة التي ~~تبرق وترعد، ثم لا تلبث أن تصفو وتسبح في السماء كالجزر البعيدة ~~الزرقاء. # كما أنك ms036 تعرفين أكثر منا جميعا أن مصباح الإيمان ينور قلبه، ~~ويكشف عنه أستار الضغينة والمرارة وظلمات الاكتئاب. سلمي على كل ~~شيء في البيت يا أمي، على الباب والسلم والساعة القديمة في ~~المندرة، والبورية العجوز في الحجرة المطلة على الشارع الرئيسي، ~~ولا تنسي أن تلمسي كتبي وأوراقي وتمسحي الغبار عنها وعن مكتبي ~~الصغير ... # أكتب إليك يا حبيبتي - كما قلت لك - من الغرفة التي دبرها لي ~~صديقي الذي سبقني ليجرب حظه في قلب هذه المدينة التنين. وهو كذلك ~~الذي دبر لي عملا في مطبعة كبيرة في الصباح، وهو عمل يكفيني ~~للحصول على لقمة العيش، ويعطيني في المساء فرصة تأليف أشعاري. آه! ~~لست في وفاق مع نفسي، وما زلت - كما تعرفيني - حزينا حتى الموت، ~~لكنني خرجت من البيت ورحلت إلى المجهول، وفي صدري تصميم أكيد على ~~الحياة للشعر وبالشعر. أعلم أنك لا تعرفين الفرق بين شعر ونثر، أنك ~~كنت تأخذين مسودات أشعاري ومحاولاتي الأولى وتشعلين بها نار الفرن ~~والكانون، وكيف أشرح لك أو لأبي أو حتى لأخواتي وإخوتي المتعلمين ~~أنني وهبت حياتي للشعر ووهبته كذلك موتي؟ هي مغامرة ومخاطرة بكل ~~شيء يا حبيبتي. والسقوط ضحية لها أفضل عندي من التعفن في الدكان ~~الذي يريد أبي أن يحبسني فيه عقابا على فشلي في الدراسة، وهروبي ~~من مللها الرهيب، ودرسا قاسيا في مدرسة تجارته الصغيرة مع أني لا ~~أفهم في البيع ولا في الشراء. كم نهرني وثار في وجهي ورفع علي ~~سيف عنترة وعصا موسى، وكم أقسم على أنني لو أفلحت في حياتي فسوف ~~يأكل من صحن واحد مع الكلاب. وكم شتمني - كما كنت تسمعين وترين - ~~كلما رآني أسرح بنظراتي إلى البعيد وأثبت عيني على السقف، وأسهر ~~طول الليل مع أشعاري وحكاياتي التي ربما لن يقرأها أحد ولن يسمع ~~عنها إنسان. لكن ماذا أفعل يا حبيبتي؟ كان لا بد من الخروج، لم ~~يتبق أمامي إلا الفرار من جحيم البيت إلى جحيم العالم الذي أعيش ~~الآن فيه. # أعلم أنك تنتظرين أن أطرق باب البيت نهارا أو ليلا ms037 فأعانقك ~~وأضمك إلى صدري، وأقبل أبي وأسأله التوبة والصفح. لا تنتظري يا ~~أمي أن أفعل هذا - فقد اخترت أن أكون أنا نفسي ولو خسرت العالم كله ~~- لكنني سأحضر يوما، صدقيني سأفعل هذا في يوم قريب. سأتسلل من ~~الباب خفية وأضمك إلى صدري وأقبلك في عينيك، ثم أذهب كما أتيت ~~دون أن يراني أحد أو يحس بي أب ولا عم ولا خال ولا أخ ولا ~~أخت ... # لكنك مع ذلك تنتظرين وتنتظرين، تجلسين أمام النافذة في المندرة ~~وتتابعين العربات المنحدرة من المزلقان بالساعات والساعات. أعلم ~~أنك تعيشين الآن كما تعيش كل أمهات الشعراء، فقيرة وباكية على ~~الدوام، وعادلة في مقياس الحب للأبناء الجاحدين والبعيدين. ~~ستقولين: أخيرا تصلني كلمات من الابن القاسي الذي خرج وعلى ظهره ~~معطف رخيص وفي قدميه حذاء قديم. كنت أرى الدموع في عينيك، ~~وأعجب كيف تحبسينها عن السقوط، ~~وبدلا منها تبتسمين ابتسامتك الساحرة الساخرة. ليتك تعرفين كم ~~ساعدتني هذه الابتسامة، وما زالت تساعدني على الصمود في وجه الفقر ~~والظلم والجوع أيضا في بعض الأيام، وليست ابتسامتك وحدها هي التي ~~تساعدني وتقويني، إن هديتك التي صممت على إعطائها لي عندما خلعت ~~الغويشتين اللتين بقيتا لك من صيغتك القديمة، تحملان عن كاهلي ~~الكثير من الهموم. لقد بعت إحداهما بمبلغ أعانني على شراء سرير ~~ومكتب قديم وبطانيتين وحذاء آخر جديد، بل دفعت كذلك إيجار حجرتي ~~التي على السطوح لمدة شهرين قادمين. عليك أن تطمئني يا حبيبتي، ~~فأنا الآن أحصل على مرتب إن لم يكن كبيرا، فهو يكفي ضرورات الجسد ~~المريض النحيل. والمهم أنني لا أترك لحظة تفوت من عمري بغير أن ~~أواصل حلمي وأحاول أن أحقق بعضا من ذاتي، وأكون أنا نفسي لا أحدا ~~آخر كما قلت لك قبل قليل. # هل بكيت الآن يا حبيبتي؟ أكاد ألمح الدمعة تفر من عينيك وتبلل ~~وجهك وصدرك وثوبك. ربما تخافين علي من أن يتربصوا بي هنا ~~ويقتلوني كما يقتل كل الشعراء في كل البلاد. حتى لو حدث هذا يا ~~أمي فهو لا يستحق دمعة واحدة، ms038 منك - وإذا رجعت إليك يوما على قيد ~~الحياة أو جثة هامدة، فلن يستحق موتي صرخة واحدة ولا دمعة واحدة - ~~أتعلمين لماذا يا أمي؟ لأنني لم أطلب شهرة ولم أفكر في مجد، ولم ~~أسع لإعلان أو إعلام. إنما أردت أن أكون شاعرا وكان لي ما أردت - ~~وسواء علي أن يذكرني أو ينساني العالم الذي أعطيته ظهري وخسرته ~~عن عمد - إذ يكفيني - كما قلت لك - أنني كنت أنا نفسي في كل ما ~~فعلت وما كتبت. وما الضرر يا أمي في أن أموت في الغربة؟ ألم تقولي ~~دائما: من مات غريبا مات شهيدا؟ وهل قليل علي أن يقول عني ~~إنسان واحد حر إنني مت من أجل الشعر. هل سيمنع موتي الشمس عن ~~الشروق والغروب؟ هل سيوقف القطارات التي يزعجك صفيرها بالليل ~~والنهار؟ هل سيكف قطي الأسود «بستان» عن لعبه وموائه الحزين، وهو ~~يبحث عني في حجرتي وعلى مكتبي وتحت سريري؟ وما الفرق بين أن ~~يمدوا جسدي هنا في تراب المدينة، التنين، وبين أو يوارى في مدفن ~~أسرتنا؟ ما الفرق إذا اعترف ناقد واحد بأنني عشت حقا وصدقا ~~للشعر وبالشعر، وأن ديواني أو دواويني المقبلة وجدت عينا واحدة ~~تطلع عليها وتسعد أو تشقى بها؟! # ها أنا ذا أقترب من نهاية رسالتي إليك، وأتذكر فجأة يا حبيبتي ~~أنك لا تقرئين ولا تكتبين، لمن أرسلها إذن وكيف؟ لأبي الذي سيمزقها ~~إربا، أم لبيت إحدى أخواتي اللاتي لا تنقصهن الهموم؟ لا لا ... لن ~~أرسل شيئا يا أمي؛ لأنني على ~~يقين من أن رسائل قلبي الممتلئ بحبك ستصلك، وتدخل من أبواب أحلامك، ~~وتهمس لك في كل لحظة بأنني أحبك وأحبك وأحبك ... # مزقت الرسالة بالفعل يا حبيبتي، الوداع يا أمي الحبيبة ... الوداع. # 1 # | الغسل # عندما دخلت الأخت الكبرى وفي يدها مصباح المطبخ، الذي أرسل أشعته ~~القلقة في جو الصالة المظلم وهوائها العطن المشبع بالملح - كان ~~الغريب المجهول الراقد فوق الطاولة الخشبية الكبيرة قد أصبح غريبا ~~ومجهولا تماما - جاءت الأخت الصغرى أيضا ووقفت وهي تسعل سعالا ~~خفيفا أمام الجثمان الممدد ms039 والغائب عنهما وعن العالم كله. راحت ~~تذهب وتجيء في عصبية، وهي تحاول أن تكتم أسئلة تخنقها وتحاول أن ~~تخرج من فمها. أما الأخت الكبرى، فجلست على كرسي الطاولة ووضعت ~~رأسها بين يديها وهي تتنهد بين الحين والحين وتسعل أيضا. # كانت الأخت الكبرى - التي تعودت على الاستيقاظ مبكرا، وتنظيف ~~البيت قبل أن تصحو أختها من نوم الضحى - كانت قد وجدته ممددا على ~~جنبه أمام عتبة الباب التي أرادت كنسها كما تفعل كل يوم. روعت ~~للمفاجأة، وفتحت عينيها جيدا قبل أن تجسر على الاقتراب منه. هزته ~~لم يتحرك، رفعت ذراعه اليسرى إلى أعلى فسقطت منها كالحجر. ولما ~~لمحت بقعة من الدم الملوث بالتراب على فمه وتحته مباشرة، صرخت صرخة ~~كتمتها على الفور، وصعدت تعلن أختها بما رأته. وقفتا أمام الغريب ~~حائرين، ثم استقر رأيهما على حمله إلى الداخل إلى أن يرتفع ضوء ~~الصباح ويبلغا المسئولين. # كان المجهول قصير القامة، طويل الشعر كأنه خاصم الحلاق منذ شهور، ~~يرتدي سروالا غامقا وقميصا ملوثا بالعرق والتراب، وفوقه سترة ~~قديمة حائلة اللون. وضعت الأخت الصغرى يديها تحت رأسه، ورفعته ~~الكبرى من جذعه وساقيه. وبعد أن وضعاه على الطاولة في الصالة، بدأت ~~الأسئلة القلقة تنهمر منهما: من هذا الغريب يا ترى؟ ما اسمه ~~وعنوانه وماذا يعمل؟ وما الذي جاء به من بلده ليموت أمام باب ~~أرملتين فقيرتين؟ من مات غريب مات شهيدا. البوليس والنيابة ~~سيقومان باللازم بمجرد أن نخطرهما. لكن الدنيا ليل والفجر لم يطلع، ~~ولا بد من الانتظار حتى تدب الرجل في الشارع. الواجب إكرام ~~الضيف؟ لو كان حيا لأطعمناه وسقيناه. وهل بقي أمامنا الآن إلا أن ~~ننظفه ونغسله والثواب عند الله؟ ... # تهيأت الأختان للقيام بعملهما ... أخذا يجردانه من ملابسه قطعة ~~قطعة، وهما يستعيذان بالله وتتلوان الدعوات، ولا تستطيعان أن تخفيا ~~شعورهما بالخوف والخجل والحرج. والأخت الصغرى لم تستطع كذلك أن ~~تخفي حب الاستطلاع، ففتشت جيوب السترة والسروال بدقة. كانت أختها ~~مشغولة بتحضير ماء الغسل والصابون والليفة والإسفنجة والفوط ~~والمناشف والملاءة الكبيرة. قالت الصغرى إنها لم ms040 تجد بطاقة ولا أي ~~شيء يدل على شخصية الضيف الغريب. ولكنها هتفت بعد قليل عندما ~~عثرت على بعض الأوراق وفحصتها بإمعان: صدقي يا أختي أو لا تصدقي، ~~الميت شاعر. سألت الأخت: وكيف عرفت؟ قالت التي تعرف القراءة ~~والكتابة: الورق مملوء بسطور بينها مسافات، تماما كالأشعار التي ~~كانوا يعطونها لنا في المحفوظات، لكن يا إلهي، كم أن خطه رديء كنبش ~~الفراخ أو نقش السحرة والمجانين! نهرتها الكبرى وطلبت منها أن تترك ~~الأوراق للسلطة والمسئولين، وتنتبه للعمل الذي ينتظرهما. # لم يكن الأمر بسيطا كما تصورا في البداية. أخذت إحداهما ~~الليفة والأخرى الإسفنجة التي بللتها بالخل، وراحتا تدعكان الوجه ~~والرقبة والصدر المنفوش الشعر والساقين والقدمين. كان العمل مرهقا ~~للكبرى التي سبق لها أن مرت بالتجربة من قبل، وكان بشعا ومفزعا ~~للصغرى التي غلبها البكاء أكثر من مرة. قرأت الكبرى سورة يس، وتلت ~~الصغرى بعض قصار السور، وأخذا يدعوان بالرحمة والمغفرة للغريب ~~الغارق في غربته وغيابه. توقفا مرات ليستريحا ثم استأنفا العمل ~~وهما تسعلان قليلا، وتواصلان التمتمة ببعض السور والأدعية. وعندما ~~انتهيا من العمل كان الفجر قد بدأ يكشف عن وجهه الوردي، والأشعة ~~الخافتة الباهتة تتسلل من النافذة المنزوعة الستائر، والليل ~~يتراجع بجيوشه المظلمة عن الغريب والأختين اللتين ظلتا تتحركان ~~طوال الوقت كشبحين مجللين بالرعب والسواد. أما الغريب - الذي ~~أسبلا عينيه - فقد بدا وجهه متصلبا، وجسده الأبيض المكسو بغلالة ~~داكنة أشبه بتمثال جيري أخرج لفوره من باطن الأرض، وغطي ~~بطبقة شمعية تشبه الإسمنت. # بعد أن لفاه في الملاءة الكبيرة وضعا ثيابه عند رأسه، وبجانبها ~~الأوراق التي تصورت الأخت الصغرى أنها مملوءة بالأشعار. وعندما ~~أتما استعدادهما للخروج لإبلاغ الشرطة، وقبل أن يفتحا الباب، ~~استدارا إلى الجسد الغريب الحاضر في غيابه عن كل شيء. كان الوجه ~~صامتا ومنكمشا كأن تقاطيعه ازدادت تصلبا وقسوة، وكانت اليدان ~~المتشنجتان تقولان لهما وللعالم كله إنه لم يعد يشعر بالعطش، لم ~~يعد يكترث بشيء ... # أغلقت المرأتان الباب وراءهما، وبقي الضيف الغريب في الصالة ~~الواسعة التي بدأ ضوء الشمس يكشف غشاوتها ويطارد ms041 أشباحها. بقي ~~الشاعر وحيدا في الصمت يشرع قوانينه بنفسه، ويبني أسواره الخاصة ~~حول نفسه . # 1 # | أيتها الأميرة الصغيرة # أميرتي الصغيرة الشهيرة ... ها نحن نصل بعد السفر الطويل إلى مكانك ~~الذي حدثنا عنه الدليل. في هذا المكان الذي تملأه الحجارة الآن، ~~كان قصرك وملعبك ومهجعك وربما قبرك الصغير ... نحن القادمون من بلاد ~~بعيدة نقف وسط الحجارة المتناثرة، والأعمدة المبتورة والمهشمة، ~~والحفر العميقة التي خلفها وراءهم علماء الحفريات الذين ينقبون ~~منذ قرنين عن بقايا كنوز حضارتك، التي كانت الأصل الأول والمذهل ~~لحضارة الإغريق. هل عشت يا ترى قبل ثلاثة آلاف سنة أو أربعة أو ~~أكثر أو أقل؟ وهل كنت، حين تأتين إلى هذه البقعة الساحرة، ترين ما ~~نراه الآن من قريب ومن بعيد: الحمير المطرقة برءوسها وآذانها وهي ~~تصعد الدروب الجبلية في صبر، حقول الزيتون المسالمة التي تفرش ~~السهول والمدرجات، النوافذ المضاءة منذ الغروب من بيوت وأكواخ ~~فقيرة، ربما بقيت هي نفسها التي رأيتها في زمنك القديم، زمنك الذي ~~أستحضره الآن ليتجلى في مرآة الخيال والوجدان، وتشهد عليه مئات ~~الأعمدة والشواهد والأحجار. هل كنت يا أميرتي المينوية الصغيرة ~~ترين أشباح الأعمدة التي نراها من بعيد ومن ناحية الشمال، وكأنها ~~أذرع وأيد شاحبة ممدودة للسماء، أو براعم زهور ذابلة تتلهف على ~~نسمة هواء؟ أكانت تلك هي أطلال القصر القديم، قصر مينوس الملك ~~الأسطوري الذي تتسمين باسمه كما تسمى به ملوك بعد ملوك؟ وهل ~~أنت حقا إحدى حفيدات حفيداته كما فهمنا من الدليل اللطيف ~~الثرثار؟ # أتجول وحدي في المكان بعيدا عن ضوضاء الفوج الذي جئت معه، وأسأل ~~نفسي أمام ركام الأحجار: أكان في هذا الموضع ملعبك؟ هل كان موحشا ~~كما يبدو الآن أم كان مفروشا بالخضرة ومحاطا بالأشجار وغنيا ~~بالأرائك والكراسي، وهياكل الألعاب الخشبية التي تتأرجحين عليها أو ~~تتسلقينها وتهبطين منها، وأنت تصيحين وتضحكين وتغنين؟ هل كانت لك ~~دمية؟ وعلى أي شكل كانت يا حبيبتي: على هيئة عروس أو حصان صغير ~~أو مهرج عجوز أو قطة بيضاء لا تكف عن المواء؟ وهل كنت تجلبين ms042 معك ~~جروك الأبله الصغير، الذي يتبعك ويدور حولك وهو يعوي وينبح ويحاول ~~أن يعض ثوبك أو قدمك، ويكاد يسقط منهارا من شدة الإعياء؟ مربيتك ~~العجوز تسرع الخطى إليك في الموعد المحدد، فتأخذك لتناول وجبة ~~الغداء أو العشاء، بينما تحاولين أنت أن تختفي منها وراء شجرة أو ~~خميلة، أو تغيظينها وتصعدين سلما عاليا وترفضين النزول. لكن ~~ماذا كانت المربية العجوز تقول لك بعد أن تسلميها يدك؟ هل كانت ~~تحكي لك في الطريق بعد العشاء حكايات وأساطير من زمنك الحجري ~~القديم، أو من زمن أقدم منه؟ لا بد أنها روت لك الكثير عن الآلهة ~~والعمالقة والمردة والأبطال الذين تصارعوا معهم وأجبروهم على ~~الاعتراف بدهاء الإنسان، وبحقه هو أيضا في الحب والمجد والجمال ~~والقوة والمعرفة والحياة. هل حكت لك أن الإنسان في سالف العصر ~~والأوان قد زرع السفوح والوديان، واكتشف أن الأغنام وديعة وتعشق ~~الخضرة ورنين الناي، وتحب الرعاة وتحلم بالعيش في سلام؟ أم حكت لك ~~يا ترى عن ذلك الوحش الذي حبسه جدك الأعلى في المتاهة الشهيرة؟ كان ~~جدك قد نقم على هذا الوحش ذي الهيكل البشري الذي يحمل رأس ثور ~~أنه عاشر زوجته باسيفيا، التي هامت بثور هائل، أنجبت منه ذلك ~~الوحش الخرافي، لكن ربما لم تنس مربيتك الحبيبة أن تحكي لك أيضا ~~عن البطل الأثيني الذي صرع هذا الوحش الذي طالما قتل الأولاد ~~والبنات، اللاتي فرض جدك الأعلى على الأثينيين المهزومين أن ~~يقدموهم له على سبيل الأضحية والقربان. ولولا جدتك أرديانة شقيقة ~~ذلك الوحش، لولا أنها أعطت الخيط للبطل الجسور كي يستطيع الاهتداء ~~إلى طريق الخروج من المتاهة، لولاها لبقي الوحش يفترس الأبرياء ~~ويروع أحلام الأبناء والبنات والأمهات والآباء. وماذا أقول لك يا ~~أميرتي عن زمننا الذي زادت فيه أعداد الوحوش وأنواعها، واتسعت فيه ~~المتاهة باتساع العالم كله؟ هل أحكي لك عن زمن الذرة والكوبلت، وعن ~~غابات مفزعة من مدن الإسمنت والأسفلت؟ عن طغاة المال والأعمال ~~وأباطرة جيوش القوة والعدوان على أراضي الشعوب وحرياتها وأقواتها ~~وأقدارها باسم الحرية والعدل والأمن ms043 والسلام وبقية حقوق الإنسان؟ ~~أأقول لك إن مربيتك الجديدة التي جاءت تسأل عنك تدوس على نفس ~~الموضع الذي داسته قدماك، وتبلل عينيها دموع تشبه الدموع التي كانت ~~تبلل عينيك عندما كانوا ينتزعونك من وسط لعبك الحبيبة، ويجرونك إلى ~~النوم، أو يجبرونك على الذهاب إلى جناح الملكة الأم لتعطيك قبلة ~~المساء ومعها التعليمات المشددة بالتزام النظافة والهدوء والنظام؟ ~~أم أقول لك يا صغيرتي إن الأشباح التي كانت تقلق منامك، أشباح ~~الأعداء المجهولين والغزاة الغامضين والطغاة والجلادين والمعذبين ~~ما زالت تقلق نومنا أيضا وإن اختلفت أشكال الأقنعة التي يضعونها ~~على وجوههم عن الأقنعة التي رأيتهم بها في الحقيقة أو في منامك ~~القلق المذعور - نعم يا حبيبتي الصغيرة - وما زالت تؤرق نهارنا ~~وليلنا، الأسئلة نفسها التي أرقتكم عن المعنى والحقيقة وعن الغاية ~~والمصير المجهول. أتراك قد عشت يا صغيرتي حتى أرقتك الأسئلة ~~وأفزعتك هذه الأحلام، أم مت - في ظروف ولأسباب لا نعلم عنها شيئا ~~- وأنت ما تزالين صغيرة، تلعبين وتقفزين وتتصايحين وتضحكين كفراشة ~~ملونة، أو زهرة بثت فيها الروح ونبتت لها ذراعان وساقان وعينان ~~وقلب ولسان؟! الأحجار من حولي وأمامي وورائي خرساء لا تنطق - وإذا ~~نطقت لم تقل لي سوى شيء واحد: لن يبقى منا إلا التراب والأحجار ~~- عبثا أستنطقها عن مكان ملعبك ومهجعك وشاهد قبرك - إذ لن يبقى من ~~عالمك الذي يغطيه التراب والأحجار إلا ذكرى حضورك الأبدي الذي ~~يتألق الآن مثلما تألقت الزهرة الساطعة في نفس السماء - أنت يا ~~أيتها البراءة الخالدة، يا أيتها الأميرة المينوية الصغيرة. # 1 # | غناء الشحرور # ها هو ذا يوقظني مرة أخرى قبل طلوع النهار. أناب. ب المسكين، ~~الذي يرقد في نفس الغرفة البيضاء في مستشفى «الشاريتيه» التي رقدت ~~فيها مرتين من قبل عندما داهمتني النوبة القلبية. توقظ قلبي ~~المتصدع أيها الشحرور الصغير برنين غنائك الذي ينفذ فيه مثل ~~ناقوس الفرح الذي يطارد أشباح الحزن والإحباط والاكتئاب وخيبة ~~الأمل، التي طالما هاجمتني في سنواتي الأخيرة. نعم، أنا حزين أيها ~~الشحرور الرقيق اللطيف. كنت، كما قلت في إحدى ms044 قصائدي التي كتبتها ~~قبل سنوات قليلة، وأطللت من خلال خميلتها المعتمة بوجه الحكيم ~~الزاهد المرور بعد ذلك اليوم العصيب الرهيب: كنت حزينا حين كنت ~~شابا، وأنا الآن حزين بعد أن شخت - آه! متى سيمكنني إذن أن أفرح؟ ~~الأفضل في أسرع وقت - نعم أيها الشحرور العزيز لا بد من الفرح وفي ~~أسرع وقت. هل هناك خيط خفي ربط روحك بروحي، فجئت الآن لتفرحني ~~ولو لحظة واحدة قبل توقف القلب وخمود الأنفاس؟ ربما. ربما. فما ~~أكثر الاحتمالات والإمكانيات في بطن الأيام الحبلى بكل جديد. أليس ~~هذا أيضأ هو الذي قلته أمس لمساعدي الشاب الوديع الخجول، الذي لم ~~يمنعه خجله من أن يسألني بصراحة أو بوقاحة عن وصيتي؟ هل أدرك ~~بإحساسه أو لشدة تعاطفه مع معلمه العجوز المريض أن النهاية قد ~~اقتربت، وأن القلب الذي تعب من العمل والكتابة والإخراج والعشق ~~والتدخين وانتظار التغيير الذي عشت أدعو له وأنتظره. هل أدرك أن ~~هذا القلب المرهق الكسير قد أوشك على التوقف عن النبض والمقاومة؟ ~~وماذا قلت له يا ترى وأنا أضع يدي على هذا القلب المتحشرج كالقط ~~المخنوق؟ أظن أني قلت له وأنا ألهث: أكتب على لساني أني كنت دائما ~~إنسانا غير مريح، وأنني أنوي أن أبقى كذلك بعد موتي. ومع ذلك، ~~فالمستقبل حافل بالإمكانات ... # هل فهم الشاب الخجول ما ~~أقصده؟ وهل أردت أنا نفسي أن أؤكد تلك الفكرة التي عشت من أجلها ~~وكافحت طويلا في سبيل توصيلها إلى الإنسان العادي أو الرجل ~~الصغير، الذي كتبت ما كتبت وشقيت في الوطن وفي المنفى ما شقيت، لكي ~~أغير وعيه وأحضه على تغيير واقعه؟ أجل هي فكرة التغيير، البؤرة ~~التي التفت حولها حياتي كلها وشعري ومسرحي وكفاحي كله. غير ~~العالم فهو يحتاج للتغيير! الإنسان يربي نفسه عندما يغير نفسه! ~~كل شيء يتحول ويمكنك دائما أن تبدأ من جديد، حتى مع آخر نفس في ~~صدرك! آه! وما أكثر القصائد التي كتبتها داعيا إلى التغيير، أراها ~~الآن وأكاد أسمعها وهي تتزاحم علي في لحظاتي الأخيرة: عن الجدل. ~~الشكاك. ms045 يا لذة البدء من جديد. الموقف النقدي. كل جديد أفضل من كل ~~قديم. تغيير العجلة. أغنية عن سيولة الأشياء - من لا يزال حيا ~~فعليه ألا يقول مستحيل - في المستقبل عندما يتوفر الوقت الكافي ... ~~كانت حياتي كلها دعوة للتغيير، وهل فعلت شيئا آخر بمسرحي الملحمي ~~وبأثر الأغراب الذي طالما تندر عليهما الساخرون وهاجمهما النقاد، ~~وأفتى باستحالتهما المتزمتون الرجعيون؟ ألم تكن كل هذه المسرحيات ~~والاقتباسات والإعدادات إلا نداءات للرجل العادي والبرجوازي الغبي ~~لكي يصحو من غفلته وينتبه لمتناقضات واقعه ومفارقات حياته، ويتشكك ~~فيما يصور له الحكام الأعلون أنه ثابت وراسخ ومقدس وفوق الشك؟ ~~ألم أؤكد في كل ما قلت ألا شيء يقيني إلا الشك نفسه؟ ألم أصرخ ~~بمختلف الصور والصيغ، وفي الشعر والقصة والرواية والمسرح، بأن ~~العالم يحتاج للتغيير، وأن التغيير ممكن حتى والإنسان يلفظ آخر ~~أنفاسه؟! # أجل فعلت هذا. غرقت وأغرقت كل من معي، وكل من يقرأني أو يتفرج ~~على مسرحي في نهر التحول الذي لا تنزل فيه مرتين كما قال الفيلسوف ~~الإغريقي القديم. لكن ماذا تغير وهل تغير شيء؟ هل تحقق العقل ~~والعدل والسلام والأخوة بين البشر كما ناديت من منفاي الذي ~~استمر عذابه خمس عشرة سنة؟ هل تخلص الرجل العادي والبرجوازي ~~الغبي من الأوهام وألوان التزييف والخداع التي لجأ إليها الفاشيون ~~والرأسماليون، وما زالوا يحاولون لكي يجروهما إلى المجازر والحروب ~~التي يتاجرون بيها ويصنعون أموالهم وترفهم ونعيمهم من دمائهما ~~ودماء أولادهما؟ واليوم العصيب الرهيب - يوم هدد الحريق برلين، ~~وأوشك أن يسحق جنة العمال والفلاحين - ألم يكن حربه خيبة أمل ~~صوبت إلى صدري؟ ألم أفعل ما في وسعي لإنقاذ الحلم الاشتراكي على ~~العكس مما اتهمني به المرجفون؟ نعم فعلت ما أمرني به ضميري ~~الإنساني والفني - وواصلت - حتى في اليوم نفسه وعلى خلفية من ~~دخان الحرائق، ودوي المدافع والدبابات والصرخات اليائسة. واصلت ~~عملي في مسرحي وبقيت وفيا لمبدئي في التغيير وعقيدتي في التحول ~~والتجديد على الأقل في الميدان الذي وهبته حياتي، وكرست له تعبي ~~وأيامي ونبضات قلبي التي أسمع الآن صوتها ms046 الخافت وهو يودعني ويقول ~~لي: الوداع أيها المسكين! يكفي ما قلت وما فعلت وما قدمت! # حقا أيها الشحرور. خاب ~~أملي في أشياء كثيرة وفي أشخاص وأعمال وأفكار لا حصر لها، لكنني لم ~~أتخل أبدا عن إيماني بالغد الأفضل، ولا توقفت حتى لحظتي الأخيرة ~~هذه عن العمل من أجل المجتمع الإنساني العادل والعاقل والحر. قلت ~~مستوحيا شاعري الأثير هوراس: حتى الطوفان - لم يدم إلى الأبد. ذات ~~يوم تسريت المياه السوداء - حقا! ما أقل المياه التي استمرت ~~وقتا أطول، وها أنا ذا أنظر إلى الوراء وتغلبني الحسرة والأمل ~~معا. لكني أعزي نفسي وأشجعها وأقول لها: لو كنا مخلدين، لتغير ~~كل شيء، لكن لأننا زائلون، فسيبقى الكثير مما وجدناه أمامنا على ~~حاله. ثم لا يخطر ببالي أن أيأس أو أستسلم، بل أذكر نفسي بما ~~قلته ذات يوم: الشيء الوحيد الذي يجب أن تتأكد منه، هو أنك ستسقط ~~حتما عندما تتوقف عن المقاومة. وها أنا ذا يا قلبي المتصدع، ويا ~~شحروري العزيز أقاوم حتى اللحظة الأخيرة. لا ... لست خائفا من الموت ~~ولن أخافه. علمتني يا قلبي الموجوع المفجوع في حلمك الكبير ألا ~~أخشى الموت أبدا. ولماذا أخشاه؟ هل سأفتقد شيئا ما دمت أنا نفسي ~~لن أكون موجودا؟ ألم أطمئن منذ سنوات على مدفني في المقبرة ~~القديمة المواجهة لمسرحي وبجوار قبري العظيمين فيشته وهيجل؟ ألم ~~أكن أطل عليهما كل يوم من نافذة حجرتي في مسكني بالدور الأعلى ~~للمسرح؟ آه! ما هذه الضوضاء في منطقة القلب؟ أين أنت يا هيلينة، ~~لتمسكي بيدي وتسبلي عيني بعد أن يتم كل شيء؟ تأكدي يا عزيزتي ~~الغالية الوفية لتري أنني غير حزين ولا خائف. اسمعي! هذا هو ~~الشحرور يرجع مرة أخرى ويترنم بأغنيته. ها هو صوته الحبيب يصلصل في ~~قفصي الصدري ويطارد كل الظلمات والأشباح والأوهام. أليس من حقي ~~أن أكون فرحا وسعيدا؛ لأنه سيغني بصوته الفضي العذب لأجيال ~~أخرى من بعدي؟ أليس هذا الرنين الحلو مبعث أمل متجدد في أن يفرح ~~به أناس أخرون بعد أن أكون قد ذهبت ms047 إلى غير عودة؟ أشد أيها ~~الشحرور! أطلق صوتك المصقول اللامع لينفذ في القلب المتصدع! غن غن ~~أيها الشحرور! استمر في الغناء اليوم وغدا وبعد غد! وليفرح كل من ~~يسمعك ويؤمن معي بضرورة التغيير والفرح بكل جديد ... وأنت يا هيلينة ~~... أسرعي يا حبيبتي وزوجتي لتسمعي غناء الشحرور، وتسبلي عيني ... # 1 # | الغراب # كنت أتمشى - كما هي عادتي - قبل الغروب بقليل، في الحديقة ~~المجاورة للبيت الذي أسكنه عندما رأيتهم وسمعت أصواتهم تدوم من ~~فوقي وتدمدم في غموض، كخشخشة رياح عاصفة تتخلل أوراق الشجر في يوم ~~خريفي. رفعت رأسي فظننت في البداية أنها هي السحابة السوداء، وإن ~~كان ينبعث من جوفها هدير أشبه بهدير أجنحة طائرات مروحية ثقيلة ~~تحاول أن تهبط بالقرب مني. بعد قليل تبين لي أنها أسراب غربان ~~كثيفة، لم تلبث أن حطت على الأرض وانتظمت بصورة عجيبة في ~~مستطيل، اكتشفت أنني أشغل ضلعه الرابع بينما تشغل الغربان السوداء ~~أضلاعه الباقية. تقدم مني غراب كبير خرج من بين الصفوف، وأخذ ~~يحجل حتى وقف أمامي، ولشدة دهشتي سمعته يقول: ~~- طبعا لم تكن تتوقع مجيئنا ... وربما لا تعرفنا أيضا ... # قلت، وأنا أتماسك حتى لا أبدو ضعيفا أمامه: ~~- لا أحد يجهل غربان الشؤم، ألم يسبقكم النعيق والنعيب المخيف؟ ~~أما أنني توقعت مجيئكم فهذا صحيح. # قال، وهو يهز رأسه ويستدير ليشهد الباقين على فصاحته، وربما ~~على جدارته بأن يكون زعيم القبيلة ورئيس الجوقة: ~~- ما دمت قد توقعت مجيئنا، فهذا يسهل علينا مهمتنا ... لكن كيف ~~توقعت ونحن نجيء على غير انتظار، ونذهب أيضا على غير ~~انتظار؟ # قلت، وأنا أحاول أن أبتسم لأبدو رابط الجأش أمام الضيوف ~~السود: ~~- سبق لي أن رأيتكم في نومي أكثر من مرة، وبخاصة في الأيام ~~الأخيرة ... # سأل في لهفة: ~~- ولماذا الأيام الأخيرة؟ # قلت، كأني أصارح صديقا بما لم أبح به لأحد قبله: ~~- لأنني فكرت في الأيام الأخيرة أن أكتب وصيتي. شعرت بآلام ~~قاسية في منطقة الصدر وفي البطن، رحت لأكثر من طبيب وخضعت لأكثر ~~من كشف وتحليل. أجريت لي عمليتان بالمنظار، وقمت بأكثر ms048 من رسم ~~للقلب وأشعة على البطن ... # قاطعني قائلا: ~~- إذن، فأنت على استعداد. لا داعي للقصص والحكايات وهيا ~~معنا ... # قلت ممتعضا، ولكن بحزم شديد: ~~- ألا تقول لي أولا من أنتم؟ من أنت ومن هؤلاء ... # قال بهدوء، وكأنه يضحك أو يبتسم لا أدري: ~~- أما أنا فأقوم بمهمتي الأزلية، وأما هؤلاء فقد أرسلوهم معي ~~ليمشوا في الجنازة الرسمية ... هل رأيت الآن كم نهتم بك؟ ... # قلت، كأنني غير مكترث بشيء، ولكنني مع ذلك لا أخفي استيائي ~~وقلقي: ~~- ولماذا التعجل؟ هل يمكن أن تقول لي لماذا؟ # ضحك، وهو يرفرف بجناحيه ويحجل بقدميه وينعب بصوت عال، كأنه ~~يشهد بقية الغربان على شيء غير مسبوق: ~~- وتقول التعجل؟ ألم تتخط السبعين؟ ألم تنظر صباح اليوم في ~~مرآتك؟ # قلت، وأنا أضع يدي على صدري بعد أن أحسست بشكة ~~مفاجئة: ~~- نعم نظرت ورأيت كما أفعل كل يوم. إذا كنت تقصد الشعر الأبيض ~~كالثلج، والأسنان التي تساقطت، والتجاعيد والأخاديد التي حفرتها ~~المرارة على وجهي، فمعك الحق إذا تصورت أن الأوان قد آن، لكنني لا ~~أحب أن يباغتني أحد ... # قال بصوت متزن، كأنه يخرج من فم أحد الحكماء: ~~- نحن لا نباغت أحدا، هذه أوامر ننفذها فحسب. # قلت، وأنا أتكلف الابتسام والصبر: ~~- إذن، فقل لهم إنني أطلب مهلة ... # ضحك الغراب كمهرج سيرك، وأخذ يقفز ويعلو ويهبط في المسافة ~~الفاصلة بيني وبين جوقة الغربان، الذين أخذوا كذلك يضحكون ~~ويتقافزون كالمجانين: ~~- تصوروا ... يطلب مهلة ... لكن قبل أن نتوجه للمسئولين، هل تقول لنا ~~لماذا؟ # قلت باختصار من ضاق بالحوار العقيم: ~~- لدي أمور لم أنجزها. # قال الغراب، وكأنه ينتظر ذلك الجواب: ~~- سينجزها غيرك. لست وحيدا فوق الأرض ... # قلت في لهجة غاضبة: ~~- ولدي نصوص لم أكتبها بعد. # قال الغراب، وهو يترنح ويتأرجح كالسكران: ~~- قصص ومسرحيات ومقالات ... أليس كذلك؟ ... ألم تكتب ما فيه الكفاية؟ ~~ألم تتعلم من تجاهل القراء والنقاد وأهل المسرح؟ ... ألم يكن في ~~الوقت متسع لما كتبت طول عمرك ولأكثر منه ... ألم ... # قلت، كأني أحذره من الإنكار والمغالطة: ~~- تعلم خيرا من غيرك كيف سرق العمر ... تدريس للمئات ms049 ... غدر من ~~الزملاء والتلاميذ، خيبة أمل في الحياة والحظ والحب والناس. ~~الأيام كانت تمر بي كالأسود التي تلتهمني فأنتزع منها قصة أو قصيدة ~~أو مسرحية قبل أن تعود لالتهامي ... والآن أكتب سيرة حياتي ... # قال الغراب، كأنه يقرر حقيقة مؤكدة: يمكن أن يكتبها غيرك بعد ~~رحيلك معنا للشط الآخر ... # صحت، وقد نفد صبري: أنا لا يكتبني غيري. لحني لا يعزفه أحد سواي. ~~أحزاني وأفراحي القليلة لم يطلع عليها إلاي. لماذا لا تريدون ~~أن تعطوني مهلة؟ لماذا تمهلون الشجر والحجر والنجم والقمر والطغاة ~~وأمراء الشر، ولا تمهلون قلما يريد أن يعبر عن نفسه ويقدم لقطات ~~من خيبته فوق الأرض، من حكمته أو حمقه، من تجاربه مع الحب والزمن ~~والحياة. الحياة التي قست عليه، ويتمنى أن يسرد لوحات منها حتى لا ~~تقسو على غيره ... لماذا لا تريدون أن تمهلوني قليلا حتى أقول ~~كلمتي ... # قال الغراب، وهو يثبت عينيه الثاقبتين في عيني: ~~- ألم تقل وتكتب ما لم يكن له أي صدى ولا قدم ولا أخر ~~أبدا ... # قلت، وأنا أكاد أبكي غيظا وكمدا: ~~- سيرتي شيء آخر ... حتى ولو لم تترك أي صدى ولم تقدم ولم تؤخر، ~~فهي حلم حياتي الذي عشت لتحقيقه ... ما الذي يضايقكم في أن أحلم ~~قليلا قبل أن أصحو على الموت؟ لماذا تضنون علي بتحقيق هذا الأمل ~~الضئيل؟ # انطلق الغراب إلى زملائه، وأخذ يمر عليهم من اليمين إلى ~~الشمال، ومن الغرب إلى الشرق. كانوا يهزون رءوسهم ويتمايلون ~~قليلا، ويصدرون في بعض الأحيان نعيقا قصيرا كأنه صوت النفس ~~الأخير من صدر محتضر. وجاء الغراب أخيرا وهو يحجل وينط ويقفز، ~~كأنه يحمل لي القرار الأخير: ~~- بعد استشارة المسئولين والاتصال بهم بطرق لا تعرفها، نبلغك ~~بأننا وافقنا على المهلة، لكن عليك أن تعمل وأن تعلم ... # قلت، وأنا أهز يدي ورأسي علامة على الشكر والامتنان: ~~- أما العمل فأنا لا أتوقف عنه، لقد ولدت وتعبت وسأظل أتعب حتى ~~أموت ... # قال الغراب وهو يضحك بنعيب بشع: ~~- قل حتى نجيء إليك في المرة القادمة كما جئنا اليوم. # قلت في ms050 لهجة راضية مستسلمة: ~~- تقصد على غير انتظار. # قال، وهو يتجه إلى زملائه الذين أخذوا يضربون الهواء بأجنحتهم ~~ويستعدون للانطلاق: ~~- بل أقصد في موعد غير معلوم، لكنه محدد ومؤكد. # وقبل أن أفتح عيني، كانت سحابة الأسراب السوداء قد مرت فوق ~~رأسي في موكب جنائزي مهيب. حاولت أن أنام، لكنها كانت قد أطارت ~~النوم تماما من عيني، وتركتني أنظر من النافذة إلى الحديقة ~~المجاورة التي كانت السحب المتلبدة تنقشع بالتدريج عن سمائها، التي ~~حلق فيها غراب وحيد. # 1 # | انتظر فسوف تستريح # فوق كل القمم، # هدوء، # في أعالي الشجر، # لا تكاد تحس، # نفسا واحدا، # الطيور الصغيرة، # أخلدت للسكينة، # وكسا الغابة صمت، # انتظر أنت أيضا، # فقريبا تستريح. # القصيدة لأمير الشعر الألماني «جوته». كتبها في ليلة السادس عشر ~~من شهر سبتمبر سنة 1770، على جدار كوخ خشبي، متواضع بالقرب من ~~مدينة «الميناو»، كان قد تعود أن يلجأ إليه، كلما أحس بالتعب ~~أثناء جولاته بين الجبال وخلال الغابات. والقصيدة في رأي مؤرخي ~~الأدب ونقاده معجزة من معجزات الشعر الحقيقي في كل اللغات ~~والآداب. لازمني حبها وترديد أبياتها منذ أن قرأتها ودرستها في ~~لغتها وإيقاعها الأصلي، منذ أواخر الخمسينيات إلى أوائل الستينيات ~~وحتى اللحظة الحاضرة. وظلت القصيدة في عيني ووجداني أشبه بكوكب ~~دري متألق وبعيد، يرسل إلي شعاع عزائه في الأزمات والملمات. ~~ومع أنني كتبت عنها من قبل مرتين، فلا بأس في هذا السياق المختلف ~~من الاكتفاء بسطور قليلة تلقي بصيصا من الضوء على جمالها وجلالها ~~وتفردها في الشعر العالمي، وفي شعر صاحبها نفسه. # تعبر القصيدة عن حنين الشاعر إلى الراحة والهدوء في عالم ~~تلفه السكينة والسلام. إنه لم يصل بعد إلى هذا الهدوء، ولكنه ~~ينتظره في ثقة واطمئنان. وبناء القصيدة نفسه يعبر عن هذا ~~الهدوء، ويعكس التجانس التام بين التكوين اللغوي والإيقاع الحيوي ~~في الطبيعة. ليس هناك انفصال أو تنافر بين إحساس الشاعر الذاتي ~~وبين حالة الطبيعة الموضوعية. فالأنا لا تطل برأسها لحظة واحدة، ~~ولا تفسد الانسجام الشامل والوحدة السعيدة. إنها تشعر بنفسها كما ~~لو كانت قطرة ms051 صغيرة في عباب البحر الكبير، وتندمج وتذوب في العالم ~~المحيط بها، فلا تعود تقول له أنا وأنت. ما من صراع أو تضاد، بل ~~استسلام وديع وانتظار هادئ واطمئنان إلى أن النفس التي لم تتخلص ~~عذابها ستستريح يوما من الأيام، أو حتى لحظة من لحظات الزمن ~~الكوني على صدر الأم الرءوم. والقصيدة تهبط شيئا فشيئا في خط ~~ناعم ممتد من القمم العالية إلى أعالي الشجر في الغابة، حتى تصل ~~إلى الأرض التي يقف عليها الشاعر. وهي تتدرج في سلم الحياة ~~العضوية من الأشجار إلى الطيور إلى الإنسان، حتى تصبح هي نفسها ~~عالما عضويا صغيرا يعكس العالم العضوي الكبير. ما من تشبيه أو ~~وصف أو رمز أو استعارة، بل ثلاث حقائق تقريرية بسيطة ومباشرة تنتهي ~~بأمل في المستقبل. واللغة ذاتها تكشف عن إحساس الشاعر برهبة السكون ~~في المساء، فيكفي أن نقرأ كلمة «هدوء» ونمد الواو فيها لنشعر ~~بالهدوء الشامل الذي يرفرف بجناحيه على الطبيعة بعد الغروب، ~~والهمسة الرقيقة في كلمة «نفس» تكاد تصور لنا الطبيعة كأنها كائن ~~يزفر زفرة المستريح أو كأنها بين أوراق الشجر أنات الريح. وتصبح ~~السكينة هي الكلمة الرئيسة في القصيدة، وتطوف الذات المستغرقة في ~~الكل بالقمم والأشجار والطيور الناعسة لتعود إلى الهدوء الشامل في ~~الطبيعة وفي القلب. كأن اللغة لم تعد في حقيقة الأمر تصور السكون ~~في المساء، بل أصبحت هي نفسها سكون المساء. والراحل المتجول في ~~الليل والغابة لم يعد يواجه الطبيعة ليملأ عينيه منها، أو ليلاحظ ~~الهدوء الذي يتمنى أن يلمس صدره المتعب ذات يوم، ولم تعد الطبيعة ~~هي الآخر الذي يحيط به أو يعكس أشواقه ومشاعره، فقد ذاب بكليته ~~فيها، واتحدت نبضات قلبه الصغير مع قلبها الكبير، وصار هو وقصيدته ~~ولغته طبيعة في حضن الطبيعة الأزلية الأبدية، أو جنينا في رحم ~~الأم العظيمة الطيبة ... # لازمتني هذه القصيدة منذ الستينيات - كما سبق القول - في كل ~~الأزمات والمحن التي تعرضت لها. في كل مرة كنت أقول لنفسي، والحسرة ~~والذهول والعدمية تضيق الخناق على عقلي وقلبي: انتظر فسوف ms052 تستريح. ~~لم يكن ذلك عن تفاؤل أو تشجيع للذات المكسورة أو حتى عن رضا أو ~~تسليم بالمقدور، بل كان استجابة لصوت آت من بئر باطني عميق، ~~وكأنه حبل النجاة الممدود للسادر في نفق الهلاك: تذكر أنك تقف في ~~نفس الطابور المؤدي حتما إلى الهاوية! حاول أن تواصل السير وأن ~~تحافظ على شمعتك فتشعلها وترعاها كلما أطفأتها الريح! # لكن أي الأزمات والمحن أذكر وأيها أدع؟ هل أذكر محنة فراق الأهل ~~والأحباب والأصدقاء (منذ رحيل أبوي وشقيقتي وثلاثة أشقاء إلى ~~رحيل صديق العمر صلاح عبد الصبور، إلى صدمة غياب شكري محمد عياد، ~~والعزيزين عبد الرحمن فهمي وفاروق خورشيد والحبيب الطيب الخجول ~~كالعذراء، وهو طبيب القلب والموسيقي، والروائي محمد راضي الذي لم ~~أكد أتعرف عليه وأشرع في اكتشاف عالمه الغريب المحير، حتى ~~فوجئت قبل أسابيع قليلة بنعيه المفاجئ في الصحف، وكأنه طائر ~~مجهول حط على أرضنا سنوات ثم هاجر قبل أن يسمع أحد تغريده أو ~~يطلع على إبداعه). وهل أذكر محنتين مررت بهما في أواخر الستينيات ~~وأوائل السبعينيات عندما أطعت نداء القلب الساذج، وخطبت من تصورت ~~أن وجهها البريء المستدير شبيه بوجه النجمة الوديعة الحنون التي ~~كنت أحبها (وهي أودري هيبورن) قبل أن أكتشف أنني كنت الجسر الغبي ~~الذي داست عليه، واستحثت من فوقه حبيبها الحقيقي؛ ليتقدم إليها؟ ثم ~~خطبت مرة أخرى تلك السكندرية الأنيقة، التي أركبتني عربتها لتستثير ~~غيرة طليقها السابق، الذي تعلق به قلبها ولم تستطع هي ولا ~~سابقتها أن تقتنعا بالخجول التائه في متاهات القراءة والكتابة؟ أم ~~أتحدث عن محنتي القاسية أثناء عملي في الجامعة عندما وقعت في كمين، ~~وطعنتني سكاكين الغدر وخناجر التزوير بأيدي بعض زملائي وتلاميذي، ~~فقدمت استقالتي - بعد صدور الحكم بالبراءة - وذهبت إلى بلد ~~خليجي للعمل في جامعته، وغادرت بلدي كما غادر أوديب ثيبة (طيبة)، ~~يد تمسك بيد ابنتي ذات الأعوام الأربعة، واليد الأخرى تسند على ~~الصدر، الابن الذي لم يكن قد أكمل سنتين من عمره. ... # وها هي عشر سنوات - منذ أن قدمت استقالتي من ذلك العمل ms053 الأخير؛ ~~أملا في التفرغ للكتابة الحرة - قد انقضت تحت سقف الحلم الذي ~~توهمت أن الخروج من المحنة والسعادة الحقيقية لن يتما إلا على ~~يديه. وهنا أصل إلى المحنة التي عانيتها معظم حياتي، محنة التمزق ~~بين حياة أكاديمية تستهلك الوقت والجهد في جامعات لا بد من ~~الاعتراف بتخلفها، واختلال العلاقات الإنسانية والعلمية فيها، وبين ~~التفرغ لإبداع حر وبعيد عن أي تكليف خارجي. هل تحقق شيء من هذا ~~الحلم القديم على مدى السنوات العشر الماضية؟ هل أتيح للاعب ~~البائس على الحبلين أن يحافظ على التوازن الصعب المنشود؟ لا بد من ~~القول بأنني انتظرت ولم أجد الراحة. صحيح أنني استمتعت بشكل ~~محدود بالرجوع إلى الكتابة القصصية، وربما استمتعت أيضا ببعض ~~الدراسات والترجمات المنظومة لأشعار غربية. لكن التكليفات التي ~~انهالت علي وشغلتني بترجمات ومراجعات وفحوص مبددة للطاقة والجهد، ~~والمشاركة في ندوات واجتماعات واحتفالات لا آخر لبحور الثرثرة التي ~~تغرقها، ثم زحف الأمراض مع زحف الشيخوخة، لاسيما آلام الظهر وضعف ~~البصر، ومفاجآت بركان القولون العصبي مع مشكلات الأسرة والأولاد في ~~مجتمع وزمن مبتلى بالانحطاط والفساد وكل أنواع التلوث. كل هذا ~~يجعلني الآن بعيدا عن أن أقول لنفسي، كما اعتدت أن أقول مع كل ~~المحن السابقة، انتظر فسوف تستريح ... وهو يدفعني دفعا لأن أصرخ ~~بنداء يخرج من أعماق الضمير: لا! لا! لا تنتظر ولا تضع البقية ~~الباقية من أيامك في الانتظار! أمسك القلم وحاول ألا تضيع لحظة ~~متاحة من اللحظات القادمة التي تقربك مع كل خطوة من القبر. ربما ~~صح ما يقال من أن الراحة الحقيقية الكاملة لن تكون إلا في ~~القبر، ولكن من الصحيح أيضا بالنسبة لك ولأمثالك أن الراحة قرينة ~~الإبداع الممتع الأليم. ليس الشكل الذي يتخذه هذا الإبداع العذب ~~المر هو المهم، الأهم أن يكون العمل حيا وصادقا وحاضرا وناضجا ~~كالثمرة التي تنتظر من يقطفها. وكما قلت لنفسك كما قال الشاعر ~~الكبير: انتظر فسوف تستريح، فلم تذق طعم الراحة، جرب أن تقول ~~الآن: لا تنتظر! ... فربما تستريح! # | الملاك الجريح # كنت جالسا على الأريكة ms054 تحت المظلة، انتظر الترام الذي يقلني ~~إلى بيتي. كنا بعد منتصف الليل، في ليلة خريفية نسماتها باردة ~~ومنعشة . وكنت قد تأخرت عند الأصدقاء بعد أن طال بنا الحديث والجدل ~~الذي لا ينتهي حول أزمة الثقافة والأدب والشعر والفن في مجتمع ~~مأزوم من كل ناحية. وعندما تنبهت إلى الساعة، استأذنت وجريت إلى ~~محطة الترام لعلي أدركه قبل أن يتوقف. يبدو أن جلستي طالت ~~أكثر مما كنت أتوقع، وأنني أغفيت قليلا فحدث ما حدث. فقد وقعت ~~عيني في منتصف الشارع تماما على شيء ارتطم بالأسفلت بلا صوت، ~~وتمدد على الأرض كطائر كبير أبيض. لم أدر هل هبط من السماء في ~~غفلة من العالم، أو خرج من باطن الأرض. وما جعلني أتحرك وأنتفض من ~~مكاني كأن زلزالا رجني فجأة هو سماع صوت أنين خافت ينتهي إلي ~~من وسط الشارع، واستمرار حركة المركبات والناس حول الجسد كأن أحدا ~~لا يراه. أيقنت أنني أنا وحدي الذي رأيته، وعبرت شريط الترام ~~وانحنيت عليه. كان وجهه الناعم الوسيم كوجه رضيع يبتسم ويبكي في ~~وقت واحد، وكان شعره الأشقر الطويل يتهدل على كتفيه اللتين كان ~~من الواضح أنهما جريحتان، ويتدلى منهما جناحان كبيران ملوثان بالدم ~~والتراب، وممدان على الأرض كجناحي نسر عملاق يحتضر من شدة ~~الألم. # قلت له: من أنت؟ يبدو أنك غريب عن هذه المدينة. ألا تخشى أن ~~تدوسك عربة أو تنتبه إليك الشرطة أو يتزاحم حولك الناس؟ # تأوه، وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه، وقال: لا تنزعج واسمعني، فأنا ~~ملاك جريح لا يراني أحد. لا النور يراني ولا الريح، ولا زجاج ~~النوافذ. نعم، ولا زجاج النوافذ. أسير كالميت في الشوارع بلا صوت ~~ولا ظل. قلت أطل على مدينتكم التي تصاعدت منها الضوضاء والروائح ~~الكريهة، وصرخات الجياع والمحرومين والضائعين. اخترقت الأبواب ~~والجدران دون أن يحس بي أحد، حتى المرايا نفذت فيها ولم يرتسم ~~وجهي على إحداها، ولم يرني صاح ولا نائم، لا رجل ولا امرأة، ولا ~~طفل ولا شيخ. تجولت في مدينتكم العتيقة العريقة. دخلت أحياء كان ~~من ms055 المفروض أن تندثر من زمن طويل، كما اندثرت مدن قديمة وانقرضت ~~حيوانات لم تصلح للحياة. طفت بالمدارس والمستشفيات والأحياء ~~العشوائية، ومسحت يدي على حياة المتعبين والنائمين على الأرصفة ~~والمشردين العاطلين في الشوارع وعلى شاطئ النهر. رحت أقول لنفسي: ~~يا إلهي! كل هذا العدد من المظلومين ... وكل هذا العدد من الظالمين! ~~يا إلهي! كل هذا القبح ... هذه الضوضاء ... هذا الفقر! أنا ملاك ~~الفقراء لا أملك أن أطعم جائعا أو أكسو عاريا أو أخفف بؤس ~~أسرة مستورة وراء الجدران. ومع أني ملاك كما ترى، فقد أغمى ~~علي بعد كل ما رأيت وسمعت ولمست بنفسي، ووقعت على الأرض مغشيا ~~علي، فانكسر جناحي. لا مفر من أن أرجع مرة أخرى على رأس جيش من ~~ملائكة الفقراء، ربما نستطيع أن نشفي جرحا أو نجفف دمعة أو نعيد ~~البسمة إلى فم يتيم أو شيخ مطحون. # أما أنت يا صديقي الذي رآني وسمعني دون بقية الناس والكائنات فلا ~~تحزن علي. بعد قليل سيحضر من يأخذني بين ذراعيه أو على جناحيه ~~إلى الملأ الأعلى. بعد قليل تبلغ شكوى المظلومين والمنسيين ~~الضائعين في مدينتكم العجوز البائسة إلى آذان الملائكة والقديسين ~~والخالدين، وربما تحوم أصداؤها حول العرش العظيم. # انتبهت على يد تهزني من كتفي. فتحت عيني فوجدت رجلا في مثل ~~سني يضحك بصوت عال: كلانا فاته الترام، ألا تنتظر مثلي الخط رقم ~~ثلاثة عشر؟ فات آخر ترام يا صاحبي. يبدو عليك أنك تسكن في نفس ~~الحي الذي أسكنه، هيا بنا نتسلى بالمشي معا إلى الحي الذي ~~تطوي أرضه الكنوز وتحتفظ بأعجب آثار أبي الهول والأهرام ومراكب ~~الشمس ... هيا بنا يا صاحبي ... هيا بنا. # 1 # الجزء الثاني # | من نبع العمر # | التوائم الثلاثة # لما جاءها الطلق بغتة، أطلقت صرخة دوت في أرجاء البيت كصليل ~~جرس. كانت أختي الكبيرة تتوقع كل شيء قبلها بفترة كافية، جرت من ~~فورها إلى جارتنا نجية الداية، وسرعان ما رجعت بها، وغابا معا في ~~حجرة الوالدة. كانت أختي قد أعدت كل شيء وجهزت حتى اللفائف التي ~~سيوضع فيها ms056 المولود. ولم يمض إلا القليل حتى جلجلت صيحة الوافد ~~الجديد، وانطلقت أختي قافزة على السلم وهي تهتف: آبه! آبه ! كان ~~يجلس كعادته في المندرة، متكئا على الكنبة والمصحف في حجره، ~~وشفتاه تتحركان بلا صوت. دخلت أختي الكبيرة مسرعة وهي تردد ~~هتافها: ~~- آبه! آبه! جالك ولد. ~~- فرجه قريب يا بنتي، يجعله قدم السعد عليك وعلى اخواتك. ~~- تعرف يا آبه؟ المولود ما شاء الله سمين ومورد، تعرف ... ~~- قولي الحمد لله وارجعي لأمك يا بنتي. ~~- تقول بدر منور يا آبه ... سبحان الخالق الناطق ... كأنه صورة ~~منك ... ~~- قلت لك اطلعي لأمك، واقعدي تحت رجليها ... # لم تكد تتعثر في طريقها إلى الباب حتى استدارت قائلة: ~~- لكن بطنها كبيرة يا آبه ... كبيرة ولا بطن جمل ... ~~- ربنا يفك ضيقتها ويسترها على عبيده. قلت لك اطلعي لها وكله على ~~الله ... # كان ذلك في ضحى يوم شتوي، امتلأت سماؤه بسحب سوداء ثقيلة ~~تنذر بالمطر. بعد العصر بقليل، وقبل أن يؤذن لصلاة المغرب، دوت ~~من غرفة السطوح صرخة أخرى، حاولت الأم - التي يعرف الجميع أنها ~~كتوم وصابرة - أن تحبسها بقدر ما تستطيع، فأفلتت منها ورنت في ~~أرجاء البيت. لم تحتج أختي الكبيرة أن تجري إليها؛ لأنها كانت ~~مقيمة معها وتهدهد المولود الأول على ركبتها. أسرعت من نفسها إلى ~~جارتنا التي لم تتوان لحظة عن الحضور ومعها كل ما يلزم الولادة ~~والمولود. وبعد أقل من ساعة، ارتفعت صيحة المولود الثاني قوية ~~وعفية، كأنه يهلل مرحبا بأهله بعد غياب طويل. وما أن وضعته أختي ~~الكبيرة بجانب أخيه، حتى أسرعت تقفز السلالم إلى المندرة. ~~- آبه! آبه! جاءك ولد ثاني ... ~~- سبحانه يفعل ما يشاء يا بنتي، هو العاطي وهو العالم ~~بالحال. ~~- وجهه ولا البدر المنور في السماء، سبحان الخالق ~~الناطق. ~~- يا بنتي اعقلي وارجعي لأمك، قلت لك اقعدي معها ولا ~~تتركيها. ~~- حاضر يا آبه ... يتربوا في عزك يا قادر يا كريم ... ~~- كله بأمره يا بنتي ... قلت لم اطلعي وشوفي طلباتها ... وإن كان على ~~الداية لا تشغلي بالك ... حالا ربنا يساويها ويرضيها ... ~~- انتظر يابه ... لا ms057 تستعجل ... ربما نحتاج إليها ... أمي تشكو من ~~بطنها ... تقول فيه شيء يتحرك فيها! ~~- قلت لك اعقلي واطلعي لها ... كل شيء بأمره وما فيه الخير يقدمه ~~بإذن الله. # رجعت الأخت الكبيرة وانشغلت بالطفلين طول الوقت: تهدهد أحدهما، ~~أو تقرب الآخر من ثدي الأم، أو تهتم بتنظيفهما وغسلهما بالماء ~~والصابون. كانت في ذلك الوقت لا تزال عروسا تجري الاستعدادات ~~لفرحها ودخلتها، ولا بد أن الاهتمام بشقيقيها قد أعجبها وأيقظ فيها ~~حنان الأمومة الكامنة. لم تغادر حجرة الوالدة إلا بعد أن أذن ~~الفجر، وجرت على السلم واندفعت لفتح الباب المواجه لباب جارتنا ~~الداية. لم تتبرم الست نجية ولم تقل كلمة واحدة، جاءت معها وصعدا ~~السلم، وهيأتا كل شيء للمولود الجديد الذي أعلن عن قدومه بدفعات ~~الطلق الشديدة وصيحات الأم المكتومة. وقبل أن يشرق نور النهار، كان ~~الصغير الثالث قد استقبل العالم بصراخ هائل لا يناسب حجمه الضئيل ~~الهزيل. نزلت الأقدام مسرعة على السلالم لتبشر الأب بالخبر. كان ~~مستغرقا في الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفجر. وانتظرت الأخت ~~الكبيرة حتى ختم الدعاء، وصاحت: ~~- الثالث وصل يا آبه. وصل ... ~~- الثالث! ربنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه. هل ~~قلت ولد؟! ~~- نعم يا آبه، ولكنه ضعيف ونحيل كالفار الصغير. ستي نجية ~~قالت ... ~~- اللهم لا اعتراض ... ماذا قالت؟ ~~- قالت، أول ما خرج صرخ بأعلى صوته: لا ... لا ... لا. ~~- يا عبيطة ... وهل المسكين يعرف النعم من اللا ... ~~- هي أكدت وحلفت بالله العظيم أنه صاح لا ... لا ... لا ... ومصيرها ~~تنشر الخبر في الشارع والبلد كلها تعرف ... ~~- وماله يا بنتي، صحيح ثلاثة في بطن واحدة شيء نادر في البلد، ~~معجزة من عند الله! لكن هو القادر على كل شيء، ربنا يقوينا يا ~~بنتي ويكتب لهم طول العمر ... # لم يبق الثلاثة على حالهم، إذ لم يكد يمضي الشهران حتى مات ~~الشقيقان الأولان الواحد بعد الآخر. لحكمة لا يعلمها إلا الله، ~~رجعا إلى حضن الأرض بفرق أسبوع واحد بينهما. وفي كل مرة كان أبي ~~يذهب مع جارنا الشيخ أحمد المقرئ ms058 والتربي حاملين النعش الصغير، ~~وراجعين في صمت وهدوء بعد تسوية التراب فوق كل منهما. وفي صباح ~~يوم دخل الشيخ من باب البيت بعد أن استأذن وصفق بيديه، ونادى يا ~~أهل الله. ردت عليه أمي من فوق السلم، وسألته عما يريد. أبلغها ~~أن الولد الثالث حظه من السما، وله مكان بجوار أخويه. استعاذت أمي ~~من الشيطان الرجيم، وصاحت الشر بره وبعيد. ضحك الشيخ العاجز وهو ~~يتحسس طريقه إلى الباب، وقال: أنا قلت أطمئنك يا أم محمد ... المهم ~~أن الولد «لا» يشد حيله ولا يقول لا ... # كان الجميع قد عرفوا أن الولد «لا» هو الوحيد الذي بقي حيا من ~~التوائم الثلاثة، وأن بقاءه - برغم هزاله وضعفه وشدة نحوله كفأر ~~صغير - لا يقل معجزة عن صرخته ساعة ميلاده باللا، كأنه - فيما قال ~~الجيران - لم تعجبه الدنيا ولا العيشة، أو كأنه صمم على الثورة منذ ~~ولادته إلى يوم مماته. # وقد مرت الأيام والأعوام وذهب الشقيقان، ولم تنفعهما قوتهما، ~~وتورد وجهيهما بالصحة والعافية. ورحل الأب والأم والأخت الكبيرة ~~والتربي، وبقي الصارخ باللا حيا يعاني ويكابد، ويعلم ويقرأ ~~ويكتب ولا يكف عن ترديد صرخته ليل نهار. ربما تسللت اللا إلى ~~كلماته وعباراته واختبأت في قصصه ومسرحياته وسائر كتاباته، لكنها ~~كانت على الدوام صرخة هامسة وحيية وعاجزة. لهذا بقيت بغير صدى، ولم ~~تترك أي أثر. # | عندما بحثت عنهما # الجبانة الكبيرة تغمرها الوحشة والسكينة، وتغرقها في بحر من ~~السلام الصافي الحزين. لا أدري كيف واتتني الجرأة على دخولها ~~بالرغم من تحذيرات أبي وأمي المستمرة بعدم المشي فيها ولا الاقتراب ~~منها بالليل ولا بالنهار. كنت كلما مررت بسورها الطيني الكئيب بعد ~~جولتي في منتزه شجرة الدر المجاور لها، أو على السكة الزراعية ~~المؤدية إلى مدخل البلد، كنت أحس برعشة تنفض أطرافي وتزيد في ~~نبضي وترفع الطنين إلى أذني. لكنني في هذه السن الصغيرة - بعد ~~حصولي على الشهادة الابتدائية بقليل - عانيت من وسواس يلح علي ~~بزيارة شقيقي اللذين رحلا عن الدنيا بعد مولدي معهما بشهرين أو ~~ثلاثة. وكانت أختي الكبيرة ms059 قد أخبرتني بأن الصغيرين يرقدان في ~~قبرين صغيرين أمام مدفن العائلة. وقد سبق أن زرت هذا المدفن وأنا ~~أمسك بيد شقيقي الأكبر عندما كان يفتح في مناسبة عيد، أو عند دفن ~~ميت جديد يمت لنا بصلة القرابة، أو أحد الغرباء على سبيل ~~الصدقة. لم أكن قد سمعت من أختي الكبيرة عن مكانهما، ومنعتني ~~الرهبة من سؤال أخي عنهما، على الرغم من أن لهيب الشوق لزيارتهما ~~والوقوف على قبريهما لم تنطفئ جذوته أبدا، منذ أن عرفت قصة ~~رحيلهما، واختنقت بالإحساس بالذنب وبالندم الممض على فقدهما في كل ~~لحظة من لحظات حياتي، التي صور لي الذنب والندم أنها جاءت ~~واستمرت على حساب حياتهما، أو بفضل تضحيتهما ... # نفخت صدري بالهواء، وتشجعت على ولوج المدينة الصامتة بعد عصر يوم ~~من أيام شتاء قارص البرد. وتجاهلت تحذيرات الأب والأم وكل الكبار ~~من المغامرة الخطرة، ومن الذئاب أو الثعالب أو القطط والجرذان ~~الوحشية، التي ربما تجوس فيها. شغلني شيء واحد لا شيء سواه، هو أن ~~أجد قبري الشقيقين الذاهبين، وأرتل بعض الآيات الكريمة، وأسألهما ~~الصفح والغفران عن بقائي حيا دونهما. كنت أعرف الدرب الجانبي ~~الضيق المؤدي إلى المدفن العائلي، الذي سأقوم بالبحث عنهما في ~~المساحة الواقعة أمامه. ورحت أتأمل الأضرحة الفخمة للأغنياء ~~والأعيان والأشراف، وألمس بيدي قبورا بائسة توشك أن تكون متهدمة ~~ومخربة لمئات الفقراء المجهولين، بينما يفكر عقلي الصغير في ~~التفاوت بين النمطين، وفي الظلم الذي يلاحق الضعفاء والمساكين في ~~حياتهم وموتهم. وكم عز علي أثناء التجوال أن أجد معظم القبور ~~المتداعية بلا اسم مكتوب عليها، ولا لوح حجري أو رخامي يسجل ~~الأسماء وتواريخ الميلاد والوفاة، بل هي مقفرة حتى من سعفة نخيل ~~فوقها أو فرع صبار بجوارها ... # وصلت أخيرا إلى مدفننا العتيق ذي الباب الحديدي الضخم، الذي لم ~~يكن يعرف طريق مفتاحه سوى أبي وشقيقي الأكبر. وأخذت أتلفت حولي ~~وأفتش في المساحة الخالية أمامه وبجواره عن أي أثر للقبرين ~~الصغيرين دون فائدة. فوجئت بشبح أبيض طويل يخرج من وراء الصف ~~المواجه وفي يده فأس ms060 صغيرة. ولما اقترب مني عرفت فيه عم إبراهيم ~~حارس الجبانة والمنادي في البلد فوق حماره على كل الراحلين. قال ~~وهو يضع الفأس جانبا ويجفف عرقه: الله يرحم الجميع، من أنت يا ابن ~~الكرام؟ هل جئت لزيارة الميت الذي دفناه صباح اليوم؟ هل أنت ~~قريبه؟ # عرفته بنفسي، فهتف صائحا: صحيح ابن الطيبين الكرام. هذا هو ~~مدفن العائلة، هل معك المفتاح وأنا أساعدك؟ # نفيت وجود المفتاح معي، وتلجلج لساني وأنا أسأله: هل تعرف ~~القبرين الصغيرين اللذين أقيما أمام المدفن منذ عشر سنوات أو ~~يزيد؟ # قال، وهو يغالب الضحك: من عشر سنوات ... لطفلين صغيرين؟ # قلت متشجعا، كأنني ألمح بارقة أمل: نعم، كانا شقيقين لي، ولدا ~~معي ... # صاح ضاحكا: آه! التوائم الثلاثة. ما زلت أذكر يوم دفناهما، ~~وبقيت مساحة صغيرة طلب مني أبوهما والشيخ أحمد - رحمة الله عليه - ~~أن أحجزها للولد الثالث ... # قلت، وأنا أشير إلى صدري: أنا هو الولد الثالث الذي بقي حيا. ~~جئت أزورهما وأقرأ الفاتحة على قبرهما ... # ربت على ظهري، وهو يقول: ~~- أنت يا ابني طيب وعلى نياتك. إخوتك راحوا وراحت أيامهم. # سألت متلهفا: ولكن قبرهما؟ ... # قال متحسرا: وهل تسميها قبورا؟ الأطفال يا ولداه تسوى لهم ~~حفرة على قدها، يهال عليها التراب، وتغفق بالطين. مع الزمن يا ~~ابني تدوسهم الأقدام ويسوى بالأرض، التل الترابي الصغير الذي ~~وضعا تحته. # هتفت مستنكرا: يعني اندثر القبران، ولم يعد لهما أثر؟ # قال، وهو يمسح على رأسه بيده: وتركا لك طول العمر، لكن ... # سألت: لكن ماذا؟ # قال، وكأنه يتلو بعض الآيات في خشوع: لكنهم يا بني ما زالوا ~~أحياء. لا تصدق أن الموتى يموتون، إنهم أحياء عند ربهم ~~يرزقون. # سألت: تقول أحياء؟ # قال مؤكدا، وهو يشير للراقدين حوله ووراءه: كلهم أحياء يرزقون، ~~في عالم لا يعرفه إلا الله، وبطرق لا يعلمها سواه. إنهم يعيشون ~~معنا و... # قلت متعجبا: يعني أخواي يحسان بي؟ # قال مكملا: ويزورانك في النوم واليقظة ويتابعانك كظلك. كل هؤلاء ~~يحومون حول أهلهم ويرفرفون بأجنحتهم فوقهم، ويطمئنون عليهم بالنهار ~~والليل، وربما يهمسون لهم في ms061 الصحو أو المنام برغبة أو حنين ~~أو ... # قاطعته متحمسا: يعني إخوتي يزورونني دون أن أشعر؟ ينظرون إلي ~~ويرصدون حياتي وحركاتي؟ # قال في ثقة واطمئنان: وكل أعمالك، ويدعون لك أيضا ... اعتبر يا ~~ابني أنك زرتهم وتكلمت معهم، وارجع الآن إلى البيت قبل أن تغرب ~~الشمس وتليل الدنيا عليك ... # ودعت عم إبراهيم وشكرته وانصرفت. وأثناء سيري وسط صفوف القبور ~~الساكنة المستسلمة، عجبت من مشية قدمي اللتين تكادان ترقصان، ومن ~~شعور بالفرح يتصاعد كالنهر البارد في داخلي، ويطفئ نيران الشوق ~~والخوف التي كانت تشتعل وترتعش في كياني عند دخولي إلى الجبانة، ~~ووقوفي مع عم إبراهيم. أسرعت راجعا إلى البيت والخيوط الذهبية ~~الأخيرة تنعكس على سقوف البيوت وتنسحب قليلا قليلا أمام ظلال ~~المساء الزاحفة. فتحت الباب ودخلت، فبادرني صوت أمي ~~مناديا: ~~- أنت رجعت يا ابني؟ تأخرت وأبوك سأل عنك ... # قلت، والفرح يقفز من كل كلمة: كنت في زيارة يا أمي. الحمد لله ~~سيردون لي الزيارة ... # قالت في حيرة وقلق: زيارة؟ ألم تكن تتمشى في الجنينة؟ # أمسكت بالخيط، وقلت ضاحكا: نعم، في الجنينة الكبيرة والأخيرة. ~~دعيني أنام حتى أستقبلهم وأسمع همسهم ورفيف أجنحتهم ... # قالت أمي يائسة: والنبي أنت بتخرف وكلامك عجيب. تأكل لك لقمة يا ~~ابني؟ # قلت، وأنا أتجه إلى حجرتي: سآكل وأشرب معهم. اتركيني الآن ~~لأستريح من المشوار ... # قالت بنفس النبرة اليائسة الحائرة: ~~- ربنا يريح قلبك يا ابني، ويشفي لك عقلك. # قلت، وأنا أفتح باب حجرتي: ~~- ما داموا معي فلا تخافي علي ... # ثم لنفسي، وأنا أستعد للنوم وللزيارة الموعودة: ليتك تعرفين أن ~~الموتى لا يموتون. إنهم يغيبون عنا، ولا يصح أن نغيب عنهم. وأنتما ~~يا شقيقي العزيزين، كونا معي من اليوم وسأكون معكما على ~~الدوام ... # | تحت الخيمة # كأني رأيته من بعيد، أبعد من كل ما قدرت وتصورت ... # قال لي الصوت الذي ~~يوجهني من الداخل والخارج: ستجده هناك، تحت الخيمة الزرقاء التي ~~يعلوها الديك والهلال، هنيئا له مع المباركين والصالحين ... دخلت ~~ساحة واسعة لا تحدها أبواب ولا جدران ولا أسوار. حديقة مترامية ~~لم تشهد عيني ms062 حديقة تدانيها في الجمال والنضارة والتنسيق البديع. ~~ومشيت على بساط أخضر لم تحس قدمي، ولم يقع بصري على أرق ~~وأنعم منه، كأنما الأرض المفروشة بالعشب الندي الطازج قد تحولت ~~إلى سماء خضراء لا تطؤها إلا أقدام الملائكة والعصافير. بدت ~~الخيمة أشبه بتلك الخيام التي كانت تعد للملوك والأمراء وكبار ~~القادة أثناء الحروب أو رحلة الحجيج. وحين اقتربت منها عجبت من ~~السكينة والصفاء اللذين ينبعثان منها، والوهج المشع من الخيوط ~~الفضية والذهبية التي نسجت منها الستائر المنسدلة عليها، والغناء ~~العذب الذي لا ترسله آلاف الطيور الزرقاء والخضراء والصفراء التي ~~تتقافز على سقفها وأركانها، والأشجار المختلفة التي تظللها وترف ~~فروعها في سلام حولها ... تقدمت في ورع وبطء شديد حتى اقتربت من ~~الأريكة التي يجلس عليها. وكم كان عجبي من الأريكة التي يجلس ~~عليها، وكم كان عجبي من أنه يجلس تحت الخيمة في نفس المندرة التي ~~في بيتنا القديم، وعلى نفس الكنبة التي كان يتربع عليها ~~ملتفا في عباءته وفي حجره مصحف يقرأ آياته في خشوع. # تجرأت وجرحت الصمت الشامل بعد أن طالعت الوجه الأبيض المستدير ~~الذي يشرق بنوره الداخلي، وتبرز على جبهته علامة الصلاة، كأنها حفر ~~في الجلد أو كي قديم، بينهما شفتاه تتحركان بالترتيل الصامت ~~وعيناه مطرقتان ومثبتتان على الصفحة التي بدت صفراء، وعليها ~~سطور بحبر عميق السواد: ~~- أبي ... اشتقت إليك فجئت. # ظلت الشفتان تتحركان وتتمتمان، وبقيت العينان على السطور ~~السوداء. ~~- أنا ابنك الذي عدى البحر قبل سنوات، رجعت من رحلة الدرس ~~والتحصيل لأغرس بذور علمي في أرض أجدادي، وأصب في نهرها شحنة ~~طاقتي وجهدي، وأقيم جسرا بيننا وبين الآخرين ... # لا حركة ولا صدى، كأني أتكلم بلغة أخرى أو كأني أكلم نفسي في ~~منام غامض طويل ... ~~- أنا لم أنسك يا أبي أبدا، كنت هناك أفكر فيك ليل نهار. وكنت ~~أتذكر كلمتك لي ذات يوم: لو نجحت في الفلفسة - كما كنت تسميها ~~متعمدا أو ساخرا - فسوف آكل مع الكلاب في وعاء واحد. ابنك أصبح ~~دكتورا في الفلسفة يا أبي، ولست مضطرا للأكل ms063 مع الكلاب. أعرفك ~~أيضا أنه تم تعييني بالجامعة، وسوف أبدأ التدريس فيها عن قريب ... ~~هل سامحتني يا أبي؟ هل رضي قلبك علي؟ ~~- وقبل أن يصلني نبأ رحيلك بأسابيع قليلة، أرسلت إليك بالبريد ~~المسجل أشياء تصورت أنها ستدفئك في ليالي البرد الشديد. كنا في ~~فبراير أو مارس، وأنا أرتجف في جو حرارته تحت الصفر بكثير، ~~فكرت أن أدفئك معي، فأرسلت غطاء للرأس من الفراء وقفاز من ~~الجلد السميك وغطاء للأذنين وشرابا من الصوف ... وكم حزنت يا أبي ~~حين عرفت أنك ودعت الحياة قبل أن تصلك رسالتي، التي تعثرت في ~~البريد الحكومي الكئيب. وسمعت أيضا من أخي الأكبر أنك كنت تسأل ~~عني أحيانا، عندما تتذكر ابنك الذي عبر البحر من ~~سنين ... ~~- هل أقول لك أيضأ ما قاله ابن شقيقي الذي كان يلازمك في أيامك ~~الأخيرة؟ قال لي إنك تذكرتني فجأة في آخر لحظاتك. كنت يا أبي ~~تحتضر. مال ابن الأخ الصغير على صدرك، ووضع أذنه على شفتيك ~~التي لم تكف عن الحركة حتى النهاية. كنت تتلو آيات من الكتاب، ثم ~~تدعو لابنك الذي عدى البحر - وإن لم تتذكر اسمه أبدا - بأن ~~يرجع بسلامة الله ... فأي عزاء تركته لي طول العمر، أي ~~عزاء! ~~- وما زلت يا أبي صامتا وبعيدا، كأنك صممت ألا تسمعني أو تنظر ~~إلي نظرة واحدة ... متى يا أبي ترد علي؟ متى تجيب عن أسئلتي أو ~~تنطق بكلمة تدل على أنك عرفتني؟ عيناك مطرقتان ومثبتتان على ~~المصحف بين يديك، شفتاك تتحركان وتتمتمان بالآيات الكريمة دون ~~توقف. وأنا واقف أمامك كأني أصرخ من داخل غيمة أو سحابة كثيفة ~~تطويني ... وما زلت يا أبي، أصرخ كما فعلت طول العمر، وأهتف كشبح ~~عاجز مخبول: كلمني يا أبي ... رد علي! متى بالله عليك تراني ~~وتجيب سؤالي؟ متى؟ ... متى يا أبي؟ # | يوسف والجب # رأيتني فجأة في غيابات الجب. هتف هاتف من فوقي: أنت الآن في ~~الجب الذي ألقي فيه يوسف! ثم أردف بصوت متحشرج ومخيف: اعلم ~~أنك أنت نفسك يوسف! أفزعني الصوت، كما زادني الظلام رعبا. ms064 كان ~~أول ما فعلته أن أطمئن على خلو الجب من الحيات والثعابين ~~والعقارب والحشرات. ولما استراح قلبي، عدت بالذاكرة إلى ما قبل ~~وقوعي في هذا الجب، أو هذا البئر الملعون. بدا لي كل شيء غريبا لا ~~يصدق، فأنا لم أكن أرتع وألعب مع إخوتي، ولم يكن بيني وبينهم شيء ~~حتى يكيدوا لي. ثم إن ذهني خال تماما عن يعقوب، وأستبعد أن يكون ~~هذا اسم أبي الذي أعلم تمام العلم أنه مات منذ أكثر من أربعين سنة، ~~عندما كنت أعيش وأدرس في الغربة. وأما عن الذئب الذي قال الإخوة ~~لأبيهم إنه قد أكلني، فأنا واثق أنه بريء من دمي، وأن التهمة ~~نفسها تثبت أن البشر أنفسهم ذئاب أفظع وأبشع من كل الذئاب. لكن ما ~~العمل إذا كان الصوت الهاتف يؤكد أنني وقعت في الجب. وها هو ~~ينطق من جديد لينذرني، ويحذرني من أن أشك لحظة واحدة في أنني ~~يوسف نفسه؟! # لم يكن أمامي إلا أن أنتظر. مددت قدمي في الفراغ المعتم، وأسندت ~~رأسي إلى الجدار الصخري، وقلت لنفسي عسى أن يأتي بعض السيارة ~~فيلتقطوني. ما هي إلا لحظات حتى صدق ظني، وسمعت همهمات بشر وثغاء ~~جمال وأصداء هتاف وصياح، تتناهى إلي في سجني السفلي العميق. ~~اقتربت الأصوات المتداخلة من حافة الجب، ورأيت فيما يرى النائم ~~أكثر من وجه بدوي صلب الملامح، يطل علي من أعلى. بادرت ~~بالصراخ بأعلى نبرة تقدر عليها حنجرتي وصدري ورئتاي، اللتان خيل ~~إلي أنهما امتلأتا بالتراب والرمال: أخرجوني من هنا! أرجوكم ~~أخرجوني! ... # ملأ الوجه العريض الذي أحرقته الشمس فتحة الجب، وأخذ صاحبه ~~يسألني: من أنت، ومن الذي رماك هنا؟ ~~- أنا يوسف. أنا الذي ألقوه في غيابات الجب وتركوه. أنزلوا ~~الحبال حتى أصعد إلى الأرض، وأرى الشمس، وأتنفس الهواء ... ~~- ليس قبل أن تحكي لنا قصتك. قبل أن تروي لنا رؤياك ... ~~- وماذا أحكي لكم وكل شيء مأثور ومعروف. أنا الذي رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. # رنت ضحكة مجلجلة سرعان ما أعقبها سؤال ساخر: وماذا أيضا؟ ms065 هل ~~ستقول إننا نحن السيارة الذين سنمر عليك وندلي دلونا، ويصيح ~~فينا صائح: يا بشرى هذا غلام، ثم يشتريك شار من مصر يربيك ~~ويسلمك لملكها فتعيش في قصره؟ # صحت، وأنا أشد منه خيط القصة وأهتف: نعم نعم، وتراودني امرأة ~~العزيز عن نفسي وينجيني الله منها، وتقطع النسوة أيديهن حين ~~يذهلن بجمال وجهي، وأتهم وأدخل السجن، وألقى هناك فتيين أعبر ~~لهما الرؤيا ... # تعالت ضحكة الوجه المطل علي من أعلى، ثم انتشرت كالدوامة بين ~~الرعاة المتحلقين حوله: وربما تدعي أيضا أن فرعون جعلك وزيرا، ~~وائتمنك على خزائنه، ومكن لك ولإخوتك في الأرض بعد أن نجحت خطتك ~~في إنقاذ مصر من المجاعة، ولم تسمح للبقرات العجاف أن يأكلن ~~البقرات السمان. # قلت في صوت تبلله الدموع: المهم الآن أن تخرجوني من هنا. ~~أنزلوا الحبل حتى أصعد إلى الهواء والنور. كل ما قلته وتقولونه ~~مأثور ومعروف حتى لأصغر الأطفال ... # صرخ الوجه المخيف، ورجت أصداء صرخته أعماق الجب: كل ما تقوله ~~أضغاث أحلام، لا أنت يوسف ولا هذا البئر هو بئرك. ~~- لتكن كلها أضغاث أحلام وأوهام. عجلوا بالتقاطي ولا تتركوني ~~في هذا الظلام ... ~~- بل نتركك - عقابا لك - للمزيد من الأحلام والأوهام. نتركك ~~للهم والوحدة والاكتئاب. ستسير القافلة ولن توقفها أحلامك ~~وأوهامك ... ابق في جبك، واشك أمرك لله ... # قلت، وأنا أبكي وأرتعب من تصور وجودي في الظلام، وانتظاري ~~للموت الوشيك، أو لمعجزات الصدفة: ولمن أشكو بثي وحزني إلا إليه؟ ~~اذهبوا إذا شئتم، لن أيئس أبدا من روح الله! # انخرطت في نشيج الوحيد الممزق على الحافة بين الأمل في سيارة ~~أخرى، واليأس من كل عون أو رجاء. وعندما أفقت على الدموع التي ~~تبلل وجهي، والصيحات التي تزلزل صدري، فتحت عيني ووجدتني جالسا ~~في سريري - وسط غبشة الظلام التي تسبق الفجر - لا في غيابات ~~الجب. # | كبرية # كانت إحدى أقارب أبي، لا أدري من ناحية أمه أو من ناحية أبيه. ~~تزورنا في بيتنا بين الحين والحين، وتحط علينا بقامتها النحيلة ~~الفارعة، كنسر هائل يخيم بظلاله الكبيرة السوداء، وتراه فجأة ~~وسط ms066 البيت أو بالقرب من الفرن حيث تجلس أمي أمام الخبيز. كيف دخلت ~~ومن أي باب؟ هل رأت الباب الخشبي المفتوح على الحارة الصغيرة ~~مواربا فتسللت منه كالقضاء والقدر، أم جاءت من الشارع ورفعت ~~«السقاطة» بنفسها وضغطت على الباب الرئيسي الثقيل فانفتح لها؟ ~~المهم أنها كانت تتوسط الدار فجأة، وملسها الأسود يزحف وراءها، ~~ونسمع صوتها الخشن وهي تنادي: يا أهل الله ... يا أولاد ... وترد أمي ~~التي تكون قد لمحتها وهي تقترب من قاعة الفرن، بينما تتمتم شفتاها ~~- أي شفتا أمي - مستعيذة بالله من كل شيطان رجيم: تعالي يا عمة ~~كبرية ... خطي وقولي باسم الله الرحمن الرحيم ... وتخطو كبرية العجوز ~~متحسسة طريقها بعينيها الكليلتين، وفي الضوء الخافت الذي ينزل على ~~القاعة من بئر السلم: يجعلو عمار يا ابن عمي ... يسترك ويستر أولادك ~~يا قادر يا كريم ... عوافي يا أولاد ... # كانت تظهر كل موسم، كأنما تذكر أبي «بالعادة» التي لم ~~يقطعها أبدا. فلا يكاد يقبل موسم الحصاد حتى يرسل لها ولغيرها ~~المعلوم، يكلف أولاد الحلال بأن يحملوا زكائب القمح والأرز، في ~~الستر من سكات وبعد مغيب الشمس، إلى عدد من المحتاجين الذين ~~يعرفهم هو ولا تأتي سيرتهم أبدأ على لسانه، وإلى بعض الأقارب ~~الذين يشعر بهم وبأحوالهم أكثر من غيره، ويرفض أن يفصح عن ~~أسمائهم لأحد منا، ولا لأمي نفسها؛ إيمانا منه بأن المؤمن الحقيقي ~~هو الذي ينفق لوجه الله دون أن تدري شماله بما أعطت ~~يمينه ... # تجلس عمتي كبرية مع أمي في قاعة الفرن. أحس بقدومها وأسمع ~~صوتها فأتحاشى لقاء العنزة العجوز - كما كنت أسميها، فتضحك أمي ~~حتى تكاد تقع من طولها - وأختفي في إحدى الغرف، أو أواصل لعبي ~~بالعربات الصفيحية الصغيرة وكرات البلي والخرز والحصى والزلط في ~~الممر الواصل بين بابي البيت المطلين على الشارع والحارة. لكن ~~كبرية لا تتركني في حالي، تتذكرني فجأة وهي تهتف: آخر العنقود ~~فين؟ نادولي على الولد «الثلث» لأعطيه الحاجة الحلوة ... وتنادي أمي ~~علي، فأتلكأ وأرفع صوتي بالصياح أو الغناء أو الشجار مع لعبي ~~المختلفة، لأجد ms067 ذريعة للبعد عن العنزة السوداء العجوز. لكنها ~~تصمم على معاودة النداء بصوتها الجهوري العالي علو قامتها ~~الفارعة: تعالى يا ثلث! أنت أوحشت عمتك يا حبيبي. تعال أبوسك من ~~خدودك وشعرك وعينيك، ... تعال يا ضي عيني ... ربنا يحميك لأبيك الطيب ~~الأمير. # لكني أواصل التلكؤ مع الارتجاف من الرعب ... وأفاجأ بخالتي ~~بسيمة - وهي جارتنا الوحيدة التي تأتي لزيارتنا ومساعدة أمي كل يوم ~~خبيز - أفاجأ بها تقف أمامي، وتحاصرني من كل ناحية، وهي تقول: ~~عمتك تسأل عنك ... ~~- تعال يا حبيبي وأنا معك، تعال تعال ... # وتهجم علي خالتي بسيمة، وتقطع علي أي طريق للهرب. أترجاها أن ~~تتركني في حالي، وأهمس في أذنها بأنني خائف، فلا تسأل في. ~~وتمد ذراعيها على اتساعهما فتمسك بي وتشدني وراءها إلى حيث ~~تجلس كبرية، وتمدد ساقيها اللتين لم أر في حياتي أطول ~~منهما. # تضحك أمي، وهي تهتف: ولد أهبل صحيح ... عمتك تسأل عنك ... تعال تقرأ ~~الفاتحة وتسمي عليك ... تعال يا حبيبي، اسمع الكلام ... اسمع الكلام ~~واقترب من كبرية، التي تلم ملاءتها كنسر هائل ضخم يضم جناحيه ~~السوداوين، وتفرد ذراعها وهي تتلفت حولها ولا تستطيع أن تحدد ~~مكاني، بينهما أنا واقف في مكاني، ترتعش ساقاي ويدق قلبي بعنف، ~~وأستنجد بأمي وخالتي بسيمة دون فائدة. وفجأة - لا أدري كيف - ~~تحتويني ذراعان طويلتان نحيلتان، كأنهما ذراعا أخطبوط مخيف، ~~وأسمع دمدمة لا أتبين كلماتها ولا أفهمها: تعال يا ابن الحبيب ... ~~يا غالي يا ابن الغالي ... تعال ربنا يطول في عمرك ويرحم إخوتك ... ~~راحوا يا حبة عيني وتركوك لوحدك. تعال يا حبيبي لحضن عمتك وعمة ~~أبيك ... # أحاول أن أتخلص من الذراعين الحديديتين، فلا أستطيع ... أراها ~~تمسح على رأسي بكفها وهي تتمتم بالفاتحة، فأمسك يدها وأبعدها ~~بعنف ... تمد فمها الأهتم وتحاول تقبيلي، فأستغيث بأمي، وأنا أصرخ: ~~لا ... لا ... الحقيني يا أمه ... الحقيني. # وتقوم أمي من أمام فوهة الفرن المتوهجة، فتمسكني من ثيابي وهي ~~تربت على كتف العمة العجوز، وتخلصني من ذراعيها الضاغطتين على ~~صدري وبطني وظهري، كخشبتين خشنتين. وفي هذه الأثناء يرتفع بكائي ~~عاليا، كأن ms068 ثعبانا أو عقربا لدغني ... وأجري مفزوعا مرعوبا إلى ~~الممر الذي تركت فيه عرباتي وكراتي التي كنت ألعب بها ... لكنني أسمع ~~بعد قليل أصوات نشيج متقطع ينفذ كشظايا الزجاج في صدري، وأترك ~~لعبي وأتلصص على المشهد من بعيد وبحذر شديد، كانت العمة كبرية ~~تمسح دموعها بمنديل محلاوي كبير ورأسها وجسمها كله يرتجف. وبينما ~~تحاول أمي أن تهدئها، قائلة: صلي على حضرة النبي، لا تعملي عقلك ~~بعقل عيل صغير وعبيط ... قومي يا شيخة اغسلي وجهك وصلي ركعتين ... ~~منك لله يا عبده ... الست كلها بركة وقصدها ترقيك وتقرا الصمدية على ~~رأسك ... اسكتي يا عمتي وبلاش النهنهة والبكا ... قطعت قلبي ... استغفري ~~لله، وأنا سأقول لأبيه يضربه علقة ... # يستمر نشيج العنزة السوداء، التي انزوت في الركن البعيد، وراحت ~~تبكي بكاء مريرا، وأحس بأنها تنتفض وتهمس وتدمدم في الوقت نفسه ~~بكلمات لم أتبينها بوضوح ... # 1 # | ستي ستيتة # كل شيء فيها كان يضحك أو على الأقل يبتسم. يبدو أنها - دون ~~خلق الله جميعا - قد استقبلت الدنيا أول ما استقبلتها وتنفست ~~هواءها، بضحكة مجلجلة لا بصرخة مولولة. إن كنت قد نسيت شكلها ~~وملامحها الدقيقة - فقد توفيت وأنا بعد في المدرسة الابتدائية - ~~فلا يمكن أن أنسى أنها لم تكف أبدا عن الضحك. كانت تعيش على ~~مساعدة الجيران الميسورين والمستورين، في العجين والخبيز والغسيل ~~والطبخ والتنظيف. تجلجل ضحكتها طول الوقت منذ أن تقف على الباب في ~~انتظار من يفتح لها، إلى أن تخرج في آخر النهار، وتحت شالها الأسود ~~الطويل بعض ما جاد به الكرام من الزاد والخزين والفاكهة. وترجع ~~إلى غرفتها الصغيرة فوق سطح البيت المجاور لنا، لتنام بعد أن ~~تزوج ابنها الوحيد وترك الغرفة إلى غرفة أخرى على سطح آخر، وبعد ~~أن مات كذلك زوجها الذي لم تكن تذكره وهي إلا بقولها: المتعوس ~~الخائب الذي تركني لا ورائي ولا قدامي. # كانت أمي تحبها وتأنس إليها، وكلما ضاقت بوحدتها، وأوشك الحزن ~~والبكاء على أهلها الأموات أن يغلبها، نادت عليها من الشباك ~~المطل عليها من حجرة الفرن: ستيتة، تعالي وحياة ms069 أبوك شوية ... ~~تستفسر الضاحكة الأزلية: خبيز ولا غسيل ولا ... تقاطعها أمي: لا ~~خبيز ولا غسيل ... تعالي يا شيخة ... فكي عني ضيقتي ... ولا تلبث دائمة ~~الضحك أن تحضر، وتشرب القهوة، وتحكي من النوادر والغرائب ~~والحكايات، ما يرج الجسد كله من السرور والنشوة والعجب. # ما الذي يذكرني بها اليوم مع بداية العام الدراسي، مع أني قد ~~خرجت للمعاش وتركت التدريس، وشاب شعري وأصبح الذين لا يعرفونني ~~ينادونني يا جدو ويا حاج. وبينما أسير في الشارع وحولي صغار ~~التلاميذ ذاهبين إلى مدارسهم أو راجعين منها، تتراءى لي ستي ستيتة ~~على الفور. ذلك أنني لا أستطيع أن أنسى أنها هي التي أوصلتني إلى ~~المدرسة في أول يوم دخلتها فيه. أقول أوصلتني، والحقيقة أنها ~~حملتني حملا فوق كتفيها. كنا في عز الشتاء، السماء تمطر بلا ~~رحمة، والسيول تملأ الشوارع، وأكوام الوحل كالتلال الصغيرة على ~~جانبي الطريق وفي وسطه، والبرك تتكون باستمرار وتتسع في الشوارع ~~والحواري التي لم يدخلها الصرف الصحي، ولم يفكر أحد في رصفها ~~بالأسفلت. # كنت أقف أمام الباب في انتظار الحنطور الذي اتفق أبي مع صاحبه ~~على أن يفوت علينا طول أيام الشتاء، ليحملني مع بعض أبناء الجيران ~~إلى المدرسة الواقعة في الطرف البعيد من البلدة عند مدخلها الغربي. ~~مرت ستي ستيتة بالصدفة، ورأتني على الباب وفي يدي شمسية صغيرة ~~وحقيبة أوراق وفي اليد الأخرى العامود المعدني ذو الأدوار، الذي ~~ملأت أوعيته الصغيرة المستديرة بطعام الغداء. يبدو أن القلق والخوف ~~الذي يصل إلى حد الرعب من اليوم الدراسي الأول، قد ارتسما على ~~وجهي وأسدلا عليه ستارا من الصمت المشحون بالفزع والرهبة. كانت ~~أمي واقفة وراء الباب الموارب في انتظار الحنطور الموعود، عندما ~~ظهرت ستيتة، وقالت وهي تضحك، بعد أن أدركت الموقف كله: شاء الله يا ~~حنطور، الجرس زمانه ضرب وأنت هنا واقف على الباب؟ يا الله يا ابني! ~~يا الله يا حبيبي! # حاولت أمي أن تثنيها عن عزمها: الدنيا شتا يا ستيتة، والوحلة ~~للركب. اصبري ... زمان الحنطور في السكة ... قالت ستيتة، وهي ترفعني ms070 ~~على كتفيها وتغطي رأسي بشالها الأسود الطويل: وزمان الجرس ضرب. يا ~~الله يا ابني! يا الله يا حبيبي، كل سنة وأنت طيب ... # راحت تخوض في الوحل، والمطر يتساقط على رأسينا بلا انقطاع. ~~ربما أحست بحزني وخوفي، فظلت طول الطريق تشجعني وتدفع ~~الابتسام إلى وجهي، برغم الجو الممطر والسماء المكفهرة والبرد الذي ~~يرجف البدن: إيه يعني شوية برد وشوية مطر! بكرة تصفو السما وتطلع ~~الشمس وترجع العصافير للشجر. اضحك يا رجل ... اضحك للدنيا ولا يهمك ~~من المطر والبرد والوحل، حتى المصائب قابلها بالضحك تخف عنك. اضحك ~~وأنت تلعب، واضحك وأنت تذاكر دروسك، اضحك في المدرسة والبيت ~~والشارع والجامع. كلنا ماشيين يا حبيبي، وفي الآخر يرمونا في قلب ~~العتمة وينثروا فوقنا حفنة تراب. ربك هو العالم بيوم ما، نصحى من ~~النومة وكل واحد منا ياخد كتابه باليمين أو بالشمال. أنا نفسي هامد ~~يدي واخده وانتظر حكم الله، وابتسامة الأمل والرضا على وجهي وفي ~~قلبي. اضحك يا حبيبي دائما، من ساعة ما تصحى من النوم لغاية ما ~~ترجع تنام بالليل. خذ الضحكة معك، وأحلامك بإذن الله تكون كلها فرح ~~وهنا ... # هكذا مضت تردد أنشودة الضحك والفرح طول الطريق. لم أفهم بطبيعة ~~الحال كل ما قالت، لكنني على الأقل نسيت المطر والبرد والوحل، ~~وانشغلت عن رعبي وخوفي من أول يوم دراسي في حياتي. وعندما رجعت من ~~المدرسة بعد الظهر بالحنطور مع بعض زملائي وجيراني، وحكيت لأمي ما ~~كان من ستي ستيتة، ضحكت هي الأخرى، وقالت وهي تجفف دموعها من شدة ~~الضحك: هي دي ستيتة وهذا طبعها، تضحك طوب الأرض وتميت من يسمعها من ~~الضحك ... # الغريب أن ضحكها كان سبب موتها. كانت في زيارة جيرانها الأقباط ~~مع الطيبة الحنون أم الأستاذ جورج الموظف بالبلدية، وكانت منهمكة ~~في رواية قصتها مع المتعوس خائب الرجا الذي عمل فيها عملته، وتركها ~~مع ابنها ليأكلا الريح ويطعما البرد والجوع. ضحكت في ذلك اليوم على ~~سيرة رجلها، كما لم تضحك أبدا في حياتها. وفجأة طالت الضحكة، ~~فشهقت شهقة طويلة خرج ms071 معها السر الإلهي ... # علمت أمي على الفور بموتها، فقالت لأبي الذي أظهر النية الطيبة ~~لتجهيزها وعمل مأتم لها: خلي الوحدانية المسكينة معنا في مدفن ~~العائلة، هي منا وعلينا يا حاج. قال أبي: بالفعل، هي واحدة من ~~العائلة يا أم محمد. # | القلم # أنكمش على نفسي كعنكبوت بائس داخل نسيجه الوحيد. أمن البرد ~~القارص في أول الشتاء الذي جاء مبكرا بأمطاره وسحبه (لم يكن ~~علي بالطو مثل بعض زملائي، ولم يلف أحد حول رقبتي كوفية ولا ~~تلفيعة)، أم كان انكماشي وتداخلي في بعضي بسبب الرهبة الفظيعة؛ ~~رهبة أول يوم أدخل فيه المدرسة الابتدائية الواقعة في الطرف ~~الشمالي من البلد. # بعد طابور الصباح الذي صفونا فيه داخل الحوش الرحب، الذي تحيط ~~به مباني المدرسة وفصولها، وبعد التفتيش على نظافة الأيدي والأظافر ~~وياقات القمصان والملابس والحقائب الصغيرة التي ستمتلئ بعد قليل ~~بالكتب الدراسية، التي يتم توزيعها في أول يوم ومع أول حصة، قاد ~~المعلم طابور التلاميذ الجدد إلى فصولهم ووزعهم على التخت ~~والمقاعد، فكان مكاني - لصغر حجمي وضآلتي - في أول صف من الفصل. ~~أخذ يعيد علينا التعليمات التي ألقاها علينا الناظر أثناء وقوفنا ~~في الطابور، ثم يزيد عليها تعليمات أخرى عن النظام والاحترام ~~والقيادة للأساتذة، وعدم الجلوس قبل أن يسمحوا لنا بذلك. # تلفت حولي وقلبت بصري في وجوه بقية التلاميذ الذين راحوا ~~يتبادلون الهمس والتغامز، ويضعون أيديهم على الأفواه ليكتموا ~~ضحكاتهم. كانوا مشغولين بإخراج كراريسهم وأقلامهم، ووضعها مع الريش ~~والمحابر الصغيرة أمامهم. لم أر على وجوههم علامات الخوف والرهبة ~~التي كانت تنفضني أكثر مما يفعل البرد. لكنني تذكرت تحذيرات أمي ~~من الشياطين الصغار، وبكاءها قبل خروجي من باب البيت؛ لأني قليل ~~الحيلة وضعيف ومسكين: ابتعد عن العيال الأشرار. خلك في حالك. هذا ~~ما قالته وما فعلته منذ ذلك اليوم الأول طوال حياتي. # مع دخول معلم اللغة العربية من باب الفصل، قمنا وقوفا. ومع ~~التحقق من منظره الضخم كالجمل الهائل، ومشيته البطيئة وهو يخب في ~~عباءته الصفراء، وتلمع فوق وجهه المتورم عمامة بيضاء، وتتأرجح يده ms072 ~~بعصا طويلة. جللنا الصمت والخوف والترقب، ولم نجلس على مقاعدنا حتى ~~أمرنا بالجلوس. كان جاري على التختة قد همس في أذني لدى دخوله ~~بأنه هو الشيخ عبد القادر، وأنه علم كل الأجيال في بلدنا، ويعرف ~~آباء جميع التلاميذ بأسمائهم وأعمالهم. # حيانا الرجل تحية العام الجديد، فتوقفت أعضاؤنا قليلا عن ~~الارتعاش والارتجاف. وبعد أن عرفنا بنفسه ومواعيد دروسه وألوان ~~عقابه لمن لا يحرصون على النظام والأدب، أو يفرطون في أداء ~~الواجب الذي سيفرضه علينا في الدين واللغة العربية، اتجه نحو ~~السبورة، وأعطانا ظهره العريض، وبدأ يكتب بالطباشير وسط الجزء ~~الأعلى منها: إنشاء. راح يتنقل بنا بين الموضوعات المختلفة التي ~~يمكننا أن نكتب فيها موضوعات الإنشاء: اسرحوا بخيالكم في الأرض ~~والسماء، انظروا جيدا إلى كل ما يحيط بكم من نبات وحيوان وإنسان. ~~استفيدوا من تجاربكم اليومية في الحياة العادية، وحاولوا أن تعرفوا ~~أحوال الناس: الفلاح في حقله، والتاجر في دكانه، والأم في بيتها، ~~والعامل في مصنعه، والطالب في مدرسته. المهم أن تفتحوا عيونكم ~~وتركزوا عقولكم وتطلقوا خيالكم يسبح بكم ويسرح. # كنت قد استجبت للشيخ الهائل الجرم، ورحت أسبح وأسرح معه وأحدق ~~بعيني وأعقد حاجبي لأتابعه كلمة كلمة. لكن يبدو أن منظري لم يش ~~بتركيز ولا انتباه، وأن عيني كانت رغما عني، تحلق في السقف أو ~~تتطلع من النافذة العريضة المجاورة لمكتبه، إلى السماء التي ~~تغطيها الغيوم والأفق المترامي وراء حدود المدرسة. وفوجئت به ~~يقف أمامي مباشرة، وهو يصيح بصوت كالرعد: ~~- أنت يا ولد ... ما اسمك واسم أبيك؟ # قمت واقفا، وأخبرته وأنا أرتعش باسمي واسم أبي. # عاد صوته يدوي: ~~- سرحان وتائه من أول يوم؟ ومن أول يوم وعينيك كلها نوم؟! # وشعرت بيد تلطمني على صدغي لطمة لسعتني كالسوط، وزلزلت دماغي ~~وكبست الطربوش على عيني فغطى جبهتي. رفعت يدي إلى وجهي غير مصدق. ~~وبينما يرتعش كياني، ويوشك أن ينفجر في البكاء، أحسست بيد غير ~~رحيمة تشدني من وراء التختة، وبالصوت الراعد يدمدم والذراع ~~الممدودة تشير إلى الباب: قم يا ولد كفاية نوم. رح عند ms073 الحنفية في ~~الحوش واغسل وجهك وعينيك. يا الله يا ولد ... يا الله! ... # خرجت من الباب، وظهري ينتفض على مرأى من الجميع من شدة البكاء. ~~كان صوت الشيخ يلاحقني، وهو يشخط في بقية الأولاد: التركيز ~~والانتباه يا أولاد، ضروري نصحى من النوم ونفتح عيوننا، في درس ~~العربي وفي كل الدروس. اصحوا وانتبهوا، يا ويل التائه والسرحان في ~~الدنيا وفي الآخرة. # ما زلت أتذكر ذلك القلم الجبار وتلك الصفعة المباغتة. وكلما خطرا ~~على بالي، تحسست وجهي وهززت رأسي لكي أفيق وأمعن التركيز الذي ~~علمتني الأيام أنه أبو الفضائل جميعا. لكن هل استطعت منذ ذلك ~~اليوم الأول حتى بلوغي سن المعاش ودخولي في الشيخوخة، أن أفيق ~~تماما من السرحان والتوهان والسقوط في الغيبوبة مع كل عمل أقدم ~~عليه، أو كل كتابة أشرع فيها؟ # لا أظن ذلك، ربما عزيت نفسي أحيانا بأن معظم أعمالي هي أبناء ~~وبنات الصمت والسرحان والتوهان، وأن غيبوبة الكاتب في ملكوته لا ~~يخرجه منها أن يغسل وجهه وعينيه بمياه كل البحار. # | مع أبي # اعتدت بعد انتهاء اليوم الدراسي أن أمر على الدكان وأرجع مع ~~أبي إلى البيت. أراه جالسا أمامه، والمصحف بين يديه، وشفتاه ~~تتمتمان في همس خفيض. لقد أدى صلاة العصر في الجامع، واتخذ ~~مكانه على الرصيف أمام باب الدكان، وراح يرد السلام على كل من ~~يفوت عليه، أو يدخل الدكان ليشتري حاجته من الغلال. كان معظم ~~العابرين والداخلين ينحنون على يده ويقبلونها ويسألونه الدعاء. ~~وكنت ألاحظ فرحة شقيقي اللذين يصرفان شئون المحل بوجوده معهما؛ ~~لأنه يشيع البركة من حوله، وربما يشجع أيضا على حركة البيع ~~والشراء. أقف قليلا إلى جانبه، أو أتنقل داخل المحل، حتى ينادي ~~علي قائلا: يا الله يا ابني نتوكل على الله. # في الطريق الترابي القصير إلى البيت، أسير بجوار كغراب صغير ~~يعرج بجانب نسر عظيم. حقيبة كتبي وكراساتي على ظهري، وفي رأسي ~~الصغير عشرات الأفكار والحكايات التي أريد أن أقصها عليه. وأرفع ~~عيني إلى وجهه، فأراه كما عهدته: مضيء يشرق بنوره الداخلي، ~~ومتجهم الملامح، ms074 وصامت على الدوام إلا من شفتين تتحركان حركة ~~غير منظورة، وتتمتمان بالآيات أو الدعوات. وأحاول أن أنفذ إلى ~~الحصن الحصين الذي أغلق عليه أبوابه ونوافذه، ومثل أمامي صامدا ~~وراسخا ومكتفيا بنفسه. ~~- بالك يا آبه؟ الأستاذ عزيز يسلم عليك. # يهمهم متسائلا: عزيز بقطر؟ رجل طيب ويزورني في الدكان كلما ~~رآني. # أواصل كلامي ... وقد دبت الحياة في أوصالي وعروقي: أعطاني عشرة ~~على عشرة في الإنجليزي. قال لي مستقبلك عظيم في اللغات، المهم أن ~~تواصل وتجتهد. ~~- نعم. نعم. ولكل مجتهد نصيب ... ~~- وهل تعرف الشيخ عبد القادر أستاذ العربي؟ ~~- ومن لا يعرفه يا ابني؟ علم أولاد البلد كلها ... ~~- أعطاني عشرة على عشرة في الإنشاء. قال لي ممكن تكون شاعر أو ~~أديب كبير ... # يجمجم أبي بكلام غير مفهوم. ينحني على الأرض ليلتقط حجرا ~~وجده في منتصف الطريق، ويضعه بجانب السور الحجري للمضيفة الواسعة ~~التي نمر عليها كل يوم ثم يقول وهو يكلم نفسه: إماطة الأذى عن ~~الطريق. بهذا أوصانا الحديث الشريف. # أتدخل في الكلام مسرعا: والورق أيضا يا أبي ... خصوصا عندما ~~تكون عليه كتابة ... ~~- نعم ... لا بد من حملها ووضعها بجانب حائط، فربما يكون ~~فيها ... ~~- اسم الجلالة ... هكذا قال لنا الشيخ عبد القادر؛ حتى لا تدوسه ~~الأقدام أو يصل إليه المطر أو الوحل ... # وينحني أبي أكثر من مرة ليلتقط أوراقا يقبلها ويضعها على ~~جبهته، ثم يركنها بحرص وحنان بجوار سور أو جدار. # وتتقلب الأفكار والحكايات داخل رأسي، وتهم بأن تندلق من على ~~لساني، ولكني أرفع رأسي وعيني إلى وجه أبي، فأجده قد دخل قوقعته ~~وغاب عني تماما، بل نسي وجودي. أريد أن أحدثه عن النشاط ~~الرياضي في ساحة الألعاب، وعن قراءاتنا الجماعية في المكتبة لقصة ~~من محمود تيمور وقصيدة لشوقي، وعن حصة الأشغال وحصة الموسيقى، وكيف ~~بدأت تعلم العزف على الفلوت بإرشاد الأستاذ كوكب مدرس الحساب ~~وتوجيهه. وأريد أن أحكي عن المشاجرات بين زملائي في وقت الفسحة، ~~وعن التلاميذ الذين طردهم المعلمون من الفصل، أو عوقبوا أمام ~~الجميع برفع أيديهم ووضعهم في مواجهة الحائط عقابا ms075 لهم على ~~الإهمال أو الكلام بصوت عال، أو التلفظ بلفظ غير لائق. لكنني ~~أنظر إلى أبي فأجده قد التف على نفسه وتحصن في حصنه، وأصبح ~~بعيدا عني بعد الكواكب والنجوم. ونبلغ البيت فيفتح الباب وأقفز ~~العتبات وأدخل وراءه، وأنا أنادي على أمي لتعرف أننا وصلنا، وأن ~~عليها أن تجهز طعام أبي. # ويتناول أبي وجبته المسلوقة التي تعود عليها منذ سنين، ثم ~~يميل إلى الكنبة الكبيرة، فيستلقي عليها ويغفو قليلا قبل أن يصحو ~~على أذان المغرب. وأكون من جانبي قد فرغت من أداء واجباتي ~~المدرسية، واتخذت الاحتياط الكافي للوضوء والصلاة وراء أبي جماعة. ~~وما هي إلا لحظات بعد الأذان حتى أسمع صوته يناديني، وسرعان ما ~~أكون واقفا وراءه لكي نلتقط معا جوهرة المغرب، كما ردد على ~~سمعي أكثر من مرة. وبعد أن ننتهي من الصلاة، أمد يدي فأتناول ~~يده وأقبلها، بينما أتلهف على المستحيل الذي تمنيته، ~~واكتفيت بأن أحلم به: بقبلة من شفتيه أو ضمة إلى صدره، أو نظرة ~~حنان إلى الغراب الصغير آخر العنقود الذي جاء على غير انتظار، ~~واستمر في الحياة بعد موت شقيقيه التوأمين دون مبرر، وظل طول ~~عمره يحاول أن يعبر مسافة البعد الهائلة بينه وبين أبيه الشيخ ~~الطاعن في السن وفي الصمت. # | أمام الفرح # وحيد على الدوام وحزين، كأن الوحدة والحزن هما قدري وكوكب ~~نحسي الذي لا يتخلى عني. لا أدري ما الذي وضعني في قبضتهما منذ ~~الطفولة وحتى الشيخوخة. لا أستطيع أن أفهم أو أفسر كيف اختلط ~~سمهما بكل قطرة من دمي، ولا متى أو كيف غرست شجرتهما المرة في ~~صميم كياني ... # إن أنس لا أنسى يوما رجعت فيه من الدكان في طريقي إلى بيتنا. ~~كان الوقت قبل الغروب بقليل، وكنت في الحادية عشرة أو الثانية ~~عشرة، أقضي إجازة الصيف في البلد بعد حصولي على الابتدائية ~~والتحاقي بالمدرسة الثانوية في عاصمة المديرية. كانت أصوات الطبول ~~والدفوف تدوي داخل المضيفة الكبيرة وعلى بابها، وكان كثير من ~~الخلق يتدافعون للدخول من البوابة أو يتزاحمون أمامها، بينما ~~الأضواء ms076 المبهرة والملونة تتألق من اللمبات المربوطة سلوكها بالسور ~~الحجري، أو على الأبواب والنوافذ وفوق سطح المضيفة. ومن حين إلى ~~حين ، تجلجل زغرودة طويلة مدوية أو ترن أصوات ضحكات منطلقة من كل ~~مكان، وتصفيق بالأيدي لا ينقطع، ودعوات مرتفعة إلى السماء بأن يتمم ~~الله بخير، ويسعد العروسين، وعقبال الأنجال في حياتكم إن شاء ~~الله. # انزويت في ركن هادئ وظليل في الطرف الأقصى من السور. لا أدري ~~حتى اليوم لماذا كان كل شيء يدفعني إلى الانفجار في البكاء. كل ~~دقة طلبة، كل زغرودة تحلق في السماء كصيحة طائر ينادي على إخوته ~~في السرب الهائم تحت السحاب، كل ضحكة تصلصل في الفضاء كصهيل خيول ~~منطلقة في السباق، كل ضوء يلمع ويبرق بألوانه الحمراء والصفراء ~~والزرقاء ويخلب الأبصار، وكل سيارة أو حنطور يقف أمام البوابة ~~وينزل منه رجال أو نساء في كامل زينتهن، ويسحبن في أيديهن أولادا ~~وبنات يخطرن في أثوابهن البيضاء كأنهن عرائس صغيرة. كنت أنفحم في ~~البكاء مع كل صوت أو ضوء أو حركة أو نداء، وأنتفض وأختلج وأرتج ~~تحت وطأة الإحساس بالخجل والذنب والعجز والنشوز عن بقية الخلق ~~الذين ملئوا الساحة والشارع بالفرح والهيصة والزيطة. وبينما أنا ~~أنشج وأنهنه وأبلل نفسي الحزينة بدموعي التي لا تتوقف، إذا ~~بيد تربت على ظهري بحنان، وشبح طويل ينحني علي، ويقرب وجهه ~~من وجهي: ~~- ما لك يا حبيبي ... كفى الله الشر ... # قلت، بعد أن رفعت وجهي إليه، وعرفت أنه هو جارنا أبو يوسف ~~الموظف في مكتب البريد: ~~- أبدا أبدا ... لا شيء ... ~~- ولكنك تبكي كأنك في جنازة. الناس جميعا فرحون وأنت ~~الوحيد ... ~~- نعم، أنا الوحيد وسط الزحام. ~~- لست وحيدا وسط أهلك وأبناء بلدك. تعال معي يا رجل، وستعرف ~~أن الجميع مدعوون للفرح ... ~~- الجميع؟ ~~- نعم نعم، الأعيان والفلاحون والتجار، حتى الضيوف والأغراب ~~مدعوون من الليلة لزفاف ابنة الباشا على ابن البيك. شرق البلد ~~وغربها أصبحا سمنا على عسل، وانتهى الصراع والخلاف الأزلي ~~بينهما. تعال معي لترى بنفسك ... ~~- لا أرجوك. ~~- ستجد أقاربك هنا ... وربما تجد أباك وشقيقك ... ~~- أعفني ms077 ... ليس لي في الزحام ولا في الأفراح ... ~~- تعال اسمع الكلام ... ستضحك وتفرفش وترقص وتغني مع العوالم ... ~~وستأكل من البوفيه الهائل الذي يتسع للجميع ... ~~- للجميع ... ولكن ليس لي ... # وغلبني البكاء فانفحمت فيه فجأة، ولم أستطع التحكم في دموعي ~~ورعشات أطرافي ونهنهة صدري ... وانصرف جارنا، وهو يقول ضاحكا: ذنبك ~~على جنبك ... ستندم على الفرصة التي ضاعت منك ... اسمع الكلام وتعال ~~معي يا رجل ... البلد كلها تحبك ويسعدهم أن يروك ... ~~- وأنا أحب الجميع وأرجو الخير للكل ... لكنني أحب أن أكون ~~وحدي ... ~~- طيب على راحتك، لكن تعدني أن ترجع للبيت وتسلي نفسك بأي شيء ~~... سمعت أنك شاعر ... هيا اكتب لنا قصيدة ... قصيدة عن العصفور الذي لزم ~~عشه ورفض أن يرفرف فرحا مع السرب ... # قلت، وأنا أجفف دموعي وأحاول أن أتماسك وأصلب طولي: ادخل أنت ~~بسلامة الله وافرح مع الجميع ... أما أنا ... # انحنى بقامته الطويلة وقبلني على خدي، وربت بحنو على ~~ظهري. # كدت أنفجر مرة أخرى في البكاء، ولكني لملمت أطراف نفسي وشكرته. ~~ومضيت بعيدا عن الأضواء والزغاريد والضحكات وصخب الرقص والغناء. ~~لم أذهب إلى البيت كما وعدته، بل عبرت مزلقان السكة الحديدية، ~~واتجهت إلى منتزه شجرة الدر الكبيرة، بحثا عن شجرة أجلس تحتها ~~وتظلل وحدتي ودموعي. # | مع أمي # لا أدري كيف اشتعل الخلاف بين أبي وأمي، ولا لأي سبب. كل ما ~~أذكره أنني كنت بعد العصر في حجرتي مستغرقا في قراءة «العبرات» ~~وتجفيف دموعي بين لحظة وأخرى، عندما سمعت أمي تنهنه باكية بعد ان ~~انفتح باب حجرة نومها عنوة. طرقت باب حجرتي وجسدها كله ينتفض، ~~بينما كان أبي يبرطم من وراء الباب الموارب بعبارات لم أتبين ~~منها سوى جمل مبتورة: روحي اطلبي حقك يا خائبة. تحرم عليك الدار ~~إن رجعت من غير ما يعترف بحقك الشرعي. ناس تأكل مال النبي صحيح ~~ولا حيا ولا اختشا ... يا الله روحي ... روحي ... # لم أفهم حرفا مما تردد في سمعي عن الحقوق الشرعية أو غير ~~الشرعية. كنت لا أزال مع عبرات المنفلوطي، ولا أريد أن أضيف إليها ~~عبرات ms078 جديدة على مآس جديدة. وأنقذتني أمي من حيرتي حين طلبت ~~مني أن أصحبها إلى بيت خالي. وأمام بكائها الصامت لم أملك إلا أن ~~ألبس حذائي بسرعة، وأضع جاكتة على جلبابي الأبيض، وأنزل معها ~~السلالم وقلبي يرتجف خوفا وشفقة وحيرة ... # غادرنا البيت والشمس تلملم خيوطها الذهبية من على الأسطح ~~والجدران. كان بيت خالي في الطرف الآخر من البلد، وكان علينا أن ~~نخترق حواري وأزقة وشوارع عديدة قبل أن نصل إلى بيت العائلة ~~الكبير. وكنت أمسك بيد أمي أو بطرف ملاءتها، وأحجل بجوارها كغراب ~~أعرج. وبين الحين والحين أرفع عيني إلى وجهها المقطب، ودمعتها ~~التي تسيل على خدها دون توقف. كان كل شيء يطالبني بأن أقول شيئا، ~~لعل أمي تخرج عن صمتها وحزنها. رحت أجمجم بكلام أحاول أن أملأ به ~~فراغ الصمت المخيم علينا: اتركيها لله يا أمي. مجرد سوء تفاهم ~~ومصيره يزول ... ~~- لا تغضبي من أبي ... هو قلبه طيب، وأنت أول من يعرف أن سماءه ~~ستروق وتصفو من السحب والغيوم ... ~~- بعد قليل سيصلي المغرب والعشاء، ويرجع كل شيء ~~لطبيعته ... # كانت أمي تخطو في ثوبها الأسود وملاءتها السوداء، ويلفها صمت لا ~~يقل سوادا. وكانت دموعها تسح باستمرار ويزداد انهمارها كلما قلت ~~شيئا، لذلك لزمت أنا أيضا الصمت حتى وصلنا إلى بيت خالي. دخلنا ~~من الباب المفتوح على طرقة شبه معتمة، ومالت أمي إلى اليمين ~~وانحنت تقبل رأس عجوز جالسة وراء الباب على حصيرة قديمة. كانت ~~العجوز الضريرة هي زوجة خالي القديمة، التي أنجب منها أكبر أبنائه، ~~وكانت هذه هي جلستها بالليل والنهار إلى أن يحين موعد نومها ~~فينقلوها إلى فراشها. وقد تعجبت لأنها عرفت أمي من صوتها، ونادت ~~عليها باسمها، وسألتها عن أولادها وبناتها. # قالت أمي: بخير يا حاجة، كلهم بخير ويبوسوا يديك ويسألونك ~~الدعاء ... # سحبتني أمي من يدي، فانعطفنا يمينا إلى ساحة واسعة تجاورت ~~فيها أبواب حجرات الأبناء في شبه دائرة كبيرة. كانت حجرة خالي إلى ~~اليمين مباشرة، فاتجهنا إليها وطرقنا الباب. رحبت بنا زوجته ~~الطويلة العجفاء، وأيقظت زوجها الذي كان ms079 قد اقترب موعد صحوه بعد ~~نومة القيلولة. قال لأمي: سلامات يا أم محمد، خير إن شاء الله ... ~~ردت أمي: خير بإذن الله. ثم وهي تشير إلي بالخروج: رح العب مع ~~الأولاد، أو رح معهم إلى الزريبة وتفرج على الحمار والبهائم ... يا ~~الله يا بني ... رح أنت لغاية ما أنادي عليك ... # خرجت وأنا أسحب الباب ورائي، ثم وقفت متلكئا أمامه. بعد السلام ~~والطيب ترددت كلمات وعبارات، التقطت أذني بعضها وبقي بعضها الآخر ~~ألغازا لا يفهمها عقلي: حق شرعي إيه يا زينب أنت وزوجك؟ بعد العمر ~~والسنين يطالب بحق شرعي صرف على جهازك وزواجك؟ إذا كان زوجك عقله ~~انجن خليك أنت عاقلة. أنا قلت لك وله نفس الكلام من زمان، وياما ~~قلته وكررته، لا لك حق عندي ولا عفريت أزرق. قومي روحي بيتك، بيتك ~~هو المكان الذي فيه أولادك. لا لا ... ارجعي بيتك في الحال، أنا مالي ~~أخت تبيت خارج بيتها. قلت لك ارجعي لزوجك وعيالك. لك أهل طبعا ~~وأنا أهلك وأخوك الكبير. إذا حصل منه شيء، فالرجال لهم كلام مع ~~بعض. قومي يا بنت الناس، قومي ارجعي لبيتك قبل الدنيا ما تليل. ~~يا لله توكلي على الله يا بنت الحلال، وابن الحلال زوجك خليه يضع ~~عقله في رأسه. واطمئني يا أختي، حطي في دماغك إننا أهلك وسندك في ~~كل الأحوال ... # بعد قليل خرجت أمي من الباب وهي تجفف عينيها بمنديلها. وضعت ~~زوجة خالي يدها على ظهرها، وراحت توشوش لها بكلام لم أسمعه. ومالت ~~أمي في الطرقة المعتمة على القعيدة الضريرة، وقبلت يدها وسألتها ~~الدعوات الصالحة. ورجعنا نهبط الشارع المنحدر من بيت خالي إلى ~~شوارع وحواري وأزقة، عبرناها قبل قليل ... سرنا صامتين بعد أن شعرت ~~بأن أمي لا تطيق أن تسمع كلمة واحدة. كانت بين الحين والحين تردد: ~~الله يسامحك. الله يسامحكم كلكم. ولأني لم أفهم الذنب الذي ~~ارتكبوه، فلم أسأل عن أي شيء، وظللنا سائرين كشبحين في غبشة ~~المساء حتى وصلنا إلى البيت. طرقت الباب، ففتح أبي وهو يتمتم بآيات ~~ودعوات ms080 لم أتبينها. كان واضحا أنه يختم صلاة العشاء. تراجع ~~قليلا إلى الوراء، وقرأ كل شيء على وجه أمي الذي لفه الصمت ~~والأسى، ثم قال: جاءك كلامي؟ عرفته على حقيقته؟ ادخلي يا بنت الناس ~~ادخلي. من هنا ورايح اعرفي أن الله حق ... انفجرت أمي في البكاء، ~~وسحبتني من يدي، فطلعنا السلالم صامتين، واتجه كل منا إلى ~~حجرته. # | النبوءة # في ضحى ذلك اليوم البعيد الكئيب - كان يوم جمعة، وفي يوم الجمعة ~~ساعة نحس - صحوت من نومي على صوات أشبه بحريق مشتعل بالصياح ~~والصراخ في بيت من بيوت الجيران. صوات يثقب الأذن كمسمار محمي ~~بالنار، ويروع القلب ويهاجمه كالفزع الأكبر. جريت إلى أمي لأعرف ~~الخبر، كانت تطل من شباك حجرة الفرن وتكلم جارتنا الست سكينة. ~~أغلقت الشباك، والتفتت إلى وجهي المختلج بالخوف والرعب، قالت في ~~صوت حزين: يا ابني أنت فيك شيء لله. وقفت حائرا وقلبي يخفق ~~متوقعا الشر، فأردفت قائلة: أنت يا ابني مكشوف عنك ~~الحجاب ... ~~- كيف يا أمي؟ لماذا تقولين هذا؟ ~~- الرؤيا التي حكيتها لي يوم الجمعة الذي فات تحققت اليوم، ~~والنار التي شفتها في المنام أحرقت بيت الحاج فرحات وربنا يصبره ~~على ما بلاه. ~~- ماذا حدث؟ هل مات الحاج؟ ~~- أبدا يا ابني، عزرائيل ترك الرجل العجوز وخطف ابنته. ~~- بنته؟ لولا؟ لا يمكن. مستحيل، أنا كنت معها هي وأخيها أحمد من ~~أسبوع واحد. لولا راحت؟ قلت لك مستحيل ... ~~- رح اسأل يا ابني وقف مع صاحبك. أمر الله وقضاه، والأعمار بيد ~~الله ... # نزلت السلالم كالمجنون متوجها إلى سراي الحاج فرحات على الناحية ~~الأخرى من بيتنا. كان كل شيء مطابقا للرؤيا التي لمعت في ذهني، ~~كأنني شاهدتها ليلة الأمس؛ الحريق الذي رأيته يأتي على البيت ~~ويتركه كركام متفحم كان يشتعل في الحناجر التي تصرخ، والأنين ~~الذي يتصاعد من الكبار والصغار، والرءوس المستندة إلى الجدران غير ~~مصدقة، بينما ترتج الظهور ببكاء لا ينقطع. وجري وهرولة ونداءات ~~وصيحات مذعورة، ورجال ونساء يهبطون من السيارات والحناطير ويسرعون ~~بالدخول من الباب الكبير، وهم يولولون ويبسملون ويحوقلون. ~~وأقترب ms081 من أحد الواقفين لأسأله عن صديقي وزميلي أحمد، فيقول: راح ~~الجبانة مع الرجال ليفتحوا المدفن ويجهزوا تربة الصغيرة ~~المسكينة. وأبتعد عن الهرج والمرج، وأقف على جانب الطريق. هل يمكن ~~أن يحدث ما حدث؟ هل تغتال الزهرة المتفتحة وتذبح العصفورة الحلوة ~~فجأة ودون ذنب؟ قالوا هي السكتة القلبية التي لا تصيب غير الشيوخ ~~الكبار، فكيف تفاجئ بنت العشر سنوات؟ وأنا؟ ماذا أفعل أمام هذا ~~الجنون والذهول؟ كيف سأحتمل الصدمة في أول حب تسلل إلى قلبي، ~~أول حب أذوق حلاوته ومرارته؟ من المسئول يا ربي عن مقتل البراءة ~~وموت الجمال؟ وكيف أمكنني أن أتنبأ بالهول الفظيع؟ أأكون بالنبوءة ~~والرؤيا قد شاركت دون أن أدري في الجريمة؟ ويلي من شؤمي ونحسي ... ~~وليتني ما دخلت بيتهم، ولا وقع بصري عليها، ولا تعلق قلبي بها، ~~ولا حلمت بحبها حلم الكافر بالجنة. # ما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى خرج النعش الصغير محمولا على ~~الأعناق، مشيعا بالصوات الجارح والنهنهات المفجعة والدعوات ~~المرتعشة الخائفة. كان جمع كبير قد احتشد على الكراسي التي وضعت ~~أمام البيت، ولمحت أبي وأخي الأكبر وسط زحام الماشين وراء الصندوق ~~المجلل بالزهور والمغطى بالحرير. وتبعت الموكب من بعيد كأني ~~حيوان منبوذ وطريد، تطفر الدموع من عينيه وهو مذهول، وتنغرز سكين ~~الموت المحتوم لأول مرة في قلبه، فيطلق اللعنات على القدر القاسي ~~الذي قضى على حبه وأمله الوحيد، عندما قضى على المحبوبة ~~الممددة في نعشها الصغير. وبقيت واقفا على بعد من الجامع، ~~مستندا إلى جدار ووجهي بين يدي، أخفيه عن الأعين كما يخفي المذنب ~~خطيئته ويحاول أن يداري جريمته. # خرج النعش من الجامع بعد الصلاة على اللؤلؤة القتيلة، وسرت وراء ~~الموكب الحاشد المتجه إلى الجبانة الكبيرة، محافظا على مسافة ~~البعد الكافية عمن يعرفني ومن لا يعرفني، ومحصنا نفسي من كل عين ~~تحاول أن تتسلل إلى كياني المرتجف الباكي لتعرف سري؛ الذي لم ~~يعرفه ولن يعرفه أحد غيري. # بعد الدفنة وانصراف المشيعين والمعزين، رجعت من الطريق الغربي ~~المؤدي إلى الترعة والمنتزه ومزلقان السكة الحديدية. ms082 رحت أطوف ~~بالسكك البعيدة على غير هدى، أمر على الناس والبيوت والأشجار ~~والحيوانات الراجعة من الحقول كأني في حلم كاذب . أفكر طول الوقت ~~في معاقبة نفسي على ذنب لا حيلة لي فيه، ورؤيا مشئومة كأنها تهمة ~~موجهة إلي. وداهمني الليل وأنا أتقلب في جحيم السؤال والندم ~~والذهول والاحتجاج والبكاء الأخرس. وعندما رجعت إلى البيت تركت ~~جسدي يسقط متهالكا على العتبة. كانت المصابيح تتلألأ في الصوان ~~الكبير، وتلاوة القرآن تملأ الأرجاء بالرهبة والحزن والخشوع والصبر ~~الصامت الكظيم. رفعت رأسي إلى السماء، فوجدت نجما يرتعش بضوء ~~أحمر، يترجرج كبقعة من الدم. تطلعت إليه وقلبي يهتف به: أنت يا ~~كوكب النحس المتربص بي، يكفيك ما فعلت بها وبي. أستحلفك بالله ~~وملائكته أن لا تطاردني على طريقي. أستحلفك أن تبتعد عن رأسي ~~ورءوس أحبابي وأهلي وبلادي. # | أحمس ... # ذات يوم في إجازة منتصف العام، أحاول أن أدفئ نفسي من البرد، ~~فأقطع غرفتي الضيقة ذهابا وجيئة، وأرفع عقيرتي بالكلام الحماسي ~~الذي كلفت بحفظه عن ظهر قلب. رحت أتقمص الدور الذي سأقوم به بعد ~~انتهاء الإجازة، بينما تشاركني في التعبير تقلصات وجهي وإشارات يدي ~~وذراعي في الجهات الأربع. يا له من دور عظيم لإنسان عظيم. وهل من ~~شيء أسمى من تمثيل دور أحمس الخالد في التاريخ، هل من بطل أخطر من ~~بطل الاستقلال والتحرر من ربقة الاستعباد والاحتلال وطرد الهكسوس ~~الغزاة المغتصبين، الذين استقروا في شمال البلاد؟ # انطلق صوتي يردد الخطاب الطويل، الذي ألقاه أحمس في البهو ~~الكبير على مسمع من الأعيان والأمراء والقواد والضباط: ~~«سننتصر عليهم ما في ذلك شك. لقد انتصروا علينا وأخضعونا ~~وأذلونا قبل قرنين من الزمان؛ لأنهم وجدوا أمامهم ملوكا ~~منقسمين متنازعين. أما اليوم فأمامهم شعب متحد الكلمة، ~~متماسك البنيان. انتصروا أول مرة؛ لأنهم جلبوا معهم خيولهم ~~وعرباتهم وسيوفهم التي لم يكن لنا عهد بها من قبل، أما ~~الآن فسنحاربهم بأسلحتهم، وسنبرهن لهم أننا أصبحنا أكفأ ~~منهم في استعمالها. لا، لن يهدأ لي بال حتى أطرد آخر ~~هكسوسي من أرض الوطن ...» # ضقت ببرد ms083 الحجرة، فخرجت ألتمس شيئا من دفء الشمس على السطح. ~~كانت أمي تنشر الغسيل وتتحرك كالنحلة بين الحبال والطشوت وحجرة ~~الفرن ، وكنت منغمسا في الدور وصوتي يردد الكلام، ويرن كجرس إنذار ~~أو بوق صغير يحث جيشا من المحاربين على التقدم والزحف: ~~«لقد أعلن الأمير سكنن رع الحرب عليهم، وسقط صريعا في ~~ميدان الجهاد والشرف، وقام والدي كاموس بتهيئة الشعب في ~~الجنوب للجهاد، ولكن المنية عاجلته قبل أن يطرد أولئك ~~المغتصبين القذرين، لكنني سأحقق أمنيته لو أطال آمون ~~في أجلي ...» # قالت أمي، وهي تتوقف وسط السطوح وتنظر إلي متوجسة: مالك يا ~~ابني؟ كفى الله الشر ... ~~- لا بد أن أحفظ الدور يا أمي قبل أن تبدأ المدرسة ... ~~- دور؟ يعني تمثل وتقف على المرسح؟ ~~- اسمه المسرح يا أمي. الأستاذ علام أسند إلي دور أحمس بطل ~~الاستقلال، ومحرر شمال الوادي من الهكسوس. # قالت يائسة، وهي تنفض الغسيل: والله ما أنا فاهمة يا ~~ابني. # قلت ضاحكا، وأنا أتابع القراءة والإشارة بيدي وذراعي وكل ~~جوارحي: المهم تدعي لي ... # قالت، وهي تتجه إلى الفرن بدلا من تضييع الوقت فيما لا يفيد: ~~داعية لك يا ابني من قلبي، ربنا ينجح مقاصدك أنت وزملاءك. # كان الأستاذ علام مدرس اللغة العربية قد استدعاني إلى حجرته، ~~وقال لي: أنا يا ابني واثق منك؛ فأنت تحب الشعر وتنطق الخطب ~~نطقا سليما، كما أني أتوسم فيك حب الفن. سألته أي فن يا ~~أستاذي؟ أجاب بحماس شديد: فن المسرح الذي يجمع كل الفنون. لقد ~~أعددت مسرحية قصيرة من منظرين عن رواية صدرت عن أحمس بطل الاستقلال ~~لأحد أدبائنا الكبار، اختزلت المشاهد واختصرت الحوار بقدر الإمكان ~~ليستطيع التلاميذ أن يحفظوه ويرددوه. أنت الذي سيقوم بدور أحمس، ~~وسنبدأ البروفات بعد الإجازة مباشرة ... خذ ... هذه الورقة فيها ~~القطعتان اللتان سترفع بهما صوتك في المنظرين ... احفظ النص جيدا ~~حتى لا تتلجلج أمام الجمهور. سألته عما يقصد بالجمهور، فقال ~~ضاحكا: زملاؤك ومعلموك وأولياء الأمور. المهم تشد حيلك أنت ~~وبقية الممثلين لترفعوا رقبتنا أمام الناس. # انتهت الإجازة ورجعنا إلى المدرسة. كنت ms084 أختال على غير عادتي ~~وأنتفخ كالطاووس، وربما صدقت بيني وبين نفسي أنني أحمس بطل ~~الاستقلال ومحرر البلاد. وعندما سألت عن موعد البروفات، أبلغوني أن ~~الأستاذ علام قد نقل إلى الصعيد، وأن الأستاذ حسن مدرس التاريخ ~~والمشرف على النشاط المدرسي هو الذي سيتولى الموضوع. وجمعنا ~~الأستاذ بعد الظهر في قاعة المكتبة، وبدأ كل منا يسمع دوره: ~~الأمراء والأعيان والضباط والحراس والحجاب، وقبلهم جميعا أحمس ~~البطل والمنقذ. وبذل كل منا ما في طاقته لتقديم دوره على أحسن ~~وجه، وشاع الأنس والحماس والرضا، وتفاءلنا بإقامة عرض ناجح يحوز ~~القبول والاستحسان، ويختتم به العام الدراسي. وتطلعت أنا لبداية ~~البروفات حتى أتلبس بالدور بحق، وأرتدي ملابس الأمير وأضع تاج ~~الوجهين على رأسي، وأحمل الدرع والحربة في يدي، وأقود الجميع أمام ~~حصن العدو في أواريس. # قال لي الأستاذ حسن بعد انصراف الزملاء وانفراده بي في قاعة ~~المكتبة: أردت أن أكلمك بعيدا عن زملائك. أنت فتى طيب ومخلص ~~ومتفوق في دراستك، لكن لا تغضب مني إذا صارحتك بأنك لا تصلح لدور ~~أحمس على الإطلاق ... # سألت، وأنا أشعر بجفاف حلقي وارتفاع نبضي: لماذا؟ هل قصرت في ~~شيء؟ # قال مؤكدا كلامه: ليست مسألة تقصير، بل تكوين واستعداد. أنت ~~قصير القامة وخجول ونحيل وشاحب الوجه، وأحمس البطل لا بد أن يكون ~~طويلا عريضا قوي البنيان، جريئا كالأسد ومرتفع الصوت كالرعد. ~~اسمع نصيحتي يا بني، ولا تغضب مني ... # قلت، وقد زاد اضطراب قلبي وغامت الدنيا أمام عيني: أنا أسمعك يا ~~أستاذي ... # قال، وقد ارتسمت على وجهه أمارات الارتياح: ليس معنى إسناد الدور ~~لغيرك أنني سأستغني عنك، بالعكس، سأعطيك دور واحد من ~~الكومبارس ... # كنت أسمع الكلمة لأول مرة في حياتي، فهتفت: ماذا؟ # قال بسرعة ووضوح: الكومبارس هم مجموعات من الممثلين الذين يقومون ~~بأدوار مساعدة؛ يجرون في مجاميع، أو يهتفون في مظاهرات، أو ~~يرفعون الأعلام ويصيحون مهللين فرحين. إن دورهم أساسي في أي ~~مسرحية، ولكنهم راضون متواضعون، وقد يشارك الواحد منهم في المسرح ~~عشرات السنين دون أن يتفوه مرة بكلمة واحدة ... اسمع نصيحتي ms085 يا ~~بني ... هذا هو الدور الوحيد الذي يناسبك. سنبدأ السبت القادم، ~~وستكون على رأس المجاميع التي تزحف أو تهتف أو تحيي القائد المنتصر ~~ورجاله ... أرجوك يا بني ... لا تتطلع أبدا إلى ما يخالف طبيعتك ... ~~تأكد أنك خلقت للدور الذي وصفته لك وحاول أن تتقنه ... # قلت مصدوما بالحقيقة، وواثقا في نفس الوقت من صدق الأستاذ، ~~الذي طالما لمست قبل ذلك حبه وحنانه ورعايته: سأفعل ما يرضيك يا ~~أستاذ ... # قال ضاحكا وهو يربت على كتفي: وما يرضيك سيرضيني، وسوف ~~تعلمك الأيام أن نظرتي لا تخيب ... # وعلمتني الأيام صدق كلمات المعلم بالرغم من قسوتها، وعشت منذ ذلك ~~اللقاء وتلك التجربة الصغيرة عيشة الكومبارس بين المهمشين ومجاميع ~~البسطاء والفقراء والمجهولين، واستطعت مع الأيام أن أقتل في نفسي ~~أي نزوع إلى البطولة أو الزعامة أو القيادة أو السلطة والتسلط ~~على اختلاف أشكالها ودرجاتها. والذي أذهلني وفاجأني في ذلك اليوم ~~البعيد الذي عرضت فيه المسرحية، أن الجمهور صفق طويلا لمجاميع ~~الكومبارس، وربما sصفق لي أنا أيضا، وعبر عن حبه وإعجابه ~~الشديد بالعاملين الصامتين. # 1 # | أول فيلم # بالبنطلون القصير، والجاكتة الناحلة، والحذاء المتهرئ، وحقيبة ~~الكتب المدرسية تتدلى من يدي، أقف مبهورا أمام المبنى الضخم ~~القبيح لسينما البلدية في طنطا ... تلميذ أنا في السنة الأولى ~~الثانوية أو الثانية لا أذكر على وجه التحديد، أحاول كتابة الشعر ~~وأقرأ بانتظام - متأثرا بشقيقي الأزهري وزملائه من شداة الأدب ~~ورواة الشعر - مجلة الرسالة، وأجد الوقت الكافي للبكاء مع ماجدولين ~~وسيرانو دي بيرجيراك والعبرات، وأكتشف بالتدريج طه حسين والحكيم ~~وجبران وجوته ولا مارتين، مع إدمان قراءة الزيات والرافعي، ~~متأثرا بمن حولي. وإدمان مرضي المزمن وهو شراء الكتب ومنها ~~الأعداد الأولى لسلسلة اقرأ، التي بدأت تصدر في ذلك الحين، وأثناء ~~الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات. لكنني لم أكن قد دخلت ~~السينما أبدا، وقد آن الأوان في ذلك اليوم من أيام الخميس أن ألج ~~أبواب هذا العالم العجيب. كانت السينما تقدم فيلمين عظيمين في عرض ~~واحد: الدكتاتور العظيم وفي سنة مليون. قرأت الإعلانات وتأملت ~~الصور، ms086 وتحسست القروش القليلة في جيبي، فوجدتها تسمح بقطع تذكرة ~~بقرشين وشراء سيجارة فرط أدخنها كالكبار بعد انتهاء العرض. # كان الفيلم الأول لساحر الكوميديا وقديسها العظيم شارلي شابلن، ~~وكانت أحداث الفيلم ومناظره تسخر سخرية مرة من الطاغية والمهرج ~~والمجنون الذي يدوخ البشرية. كان هو هتلر الذي كنا نحن ~~المصريين ننظر إليه ونتحدث عنه بالإعجاب والرهبة، وربما بالحب ~~والأمل في حضوره أيضا نكاية في المحتل الإنجليزي. # ضحكت كثيرا من مكاني في «الترسو» على الطاغية المهرج الذي ~~تتساقط أقنعته واحدا بعد الآخر، وتعجبت من تقليد شابلن للفوهرر ~~المهووس وهو يخطب ويخرج أصواتا صاخبة، ويتلوى ويتشنج وتتقلص ~~عضلات وجهه كأنه ذئب مسعور أو بوق خرب. الحق أنني لم أعد أذكر من ~~هذا الفيلم إلا سخريته بالقائد المزعوم والمستبد المختل العقل. ~~ولست أدري إن كانت صورة الطاغية المرعب والمضحك قد تسربت مع مر ~~السنين إلى لاوعيي، وعملت مؤثرات أخرى عديدة على أن تصبح قضية ~~الحرية هي قضيتي الوحيدة في الحياة، وأن تدور معظم أعمالي المسرحية ~~والقصصية القليلة والمتواضعة حول موضوع الطغيان والطغاة الكبار ~~والصغار، سواء في ذلك المزيفون والمتطهرون والدمويون (مثل حسن في ~~مسرحية البطل، وجلجاميش في مسرحية محاكمة جلجاميش، وتيمور لنك الذي ~~يحاور جحا في مسرحية المرآة ... وغيرها من الصور الواضحة أو الكامنة ~~في أعمال أخرى مختلفة). # لماذا أتذكر ذلك الفيلم القديم وأنا في بداية شيخوختي، وقد ~~انقطعت عن الكتابة المسرحية منذ سنوات طويلة؟ ربما لأنه قبل كل ~~شيء قد حببني في أفلام شابلن الصامتة والناطقة في السينما ~~الرفيعة التي صرت بعد ذلك من عشاقها المدمنين، ولأنه قبل ذلك ~~أيضا وبعده قد نبهني في تلك السن الصغيرة، وجو الطغيان بكل صوره ~~وأمراضه يحاصرني من كل ناحية، إلى الموضوع الذي لم يفتأ هو شغلي ~~الشاغل حتى في بعض دراساتي الفلسفية ومقالاتي الأدبية، وبصورة ~~مباشرة أو غير مباشرة. أيكون الحنين للكتابة المسرحية هو الذي ~~ذكرني اليوم بهذا الفيلم القديم؟ أم تكون الحسرة على التوقف عن ~~هذه الكتابة، والشك في بزوغ فرصة قريبة للرجوع إليها، هي التي ms087 ~~أعادتني لتلك المصادفة العجيبة التي جعلت من ذلك الفيلم أول فيلم ~~أشاهده في حياتي؟ # أما الفيلم الثاني فقد كان - فيما أذكر أيضا من صوره الباهتة ~~الخافتة - فيلما ضاريا وقاسيا على الصبي الصغير. لقد كان ~~يصور الوحوش الآدمية التي تقتتل على الدوام وتطارد الفرائس ~~وتصارع الوحوش بما لا يقل عنها وحشية، وذلك في الوقت الذي يفترض ~~فيه أن الإنسان ظهر على الأرض لأول مرة. إن أنس لا أنسى مشهدا ~~ما زلت أحتفظ به في مخيلتي وأطبعه على صفحة وجداني. عشيرتان من تلك ~~العشائر الآدمية المتوحشة، تواجه كل منها الأخرى وتهم بالهجوم ~~عليها وتمزيقها. وفجأة يتجمع أبناؤهم وبناتهم الصغار، يمدون ~~الأيدي بعضهم لبعض، ويقبل الأولاد البنات، وينهمكون في اللعب ~~والجري والقفز، بينما تجلجل ضحكاتهم كصوصوة العصافير. وينتبه ~~الآباء الذين كانوا يتحرشون ببعضهم للدخول في حربهم الشرسة، وإذا ~~بالغضب والتوتر والتحفز يذوب ويتلاشى بالتدريج، وتمتد الأيدي ~~للمصافحة والصفح الجميل. # لماذا أتذكر هذا الفيلم الذي طالما كررت السينما العالمية ~~نسخا أخرى منه؟ ربما يرجع هذا لأنه أوقفني لأول مرة أمام لغز ~~الإنسان، وحرك في الشوق لمعرفته وإدراك كنهه وتتبع تجليات ~~حقيقته أو زيفه وضلاله، في تاريخ شعوبه وحضاراته، وحكمته وأدبه ~~وعلمه وفنه، بقدر ما تسمح به الطاقة المحدودة والوقت المبدد على ~~الدوام في التفاهات والترهات والمنغصات. ولعلي أيضا قد تذكرت ذلك ~~الفيلم عندما كنت أقلب بمحض الصدفة في أوراق قديمة ومنسية، وجدت ~~بينها فصلا طويلا عن العبقري «ماكس شيلر» (1874-1928م) الذي ~~يعد في عصرنا مؤسس ما يسمى «بالأنثروبولوجيا الفلسفية» التي ~~تتقصى ماهية الإنسان ووضعه المتميز في الكون عن سائر الكائنات ~~العضوية وغير العضوية، وتفرده بالعقل وقدرته على العلو والتجاوز ~~والإبداع ... إلخ. # أيكون ذلك بداية اهتمام بهذا الفيلسوف أو بالأحرى بداية التفكير ~~في الرجوع إلى مشروع قديم عنه؟ وهل ستسمح متاعب الشيخوخة وأحلام ~~الكتابة المسرحية والقصصية بالتوفر على هذه الشخصية، كما توفرت ~~من قبل - وا أسفاه! - على عشرات غيرها من الفلاسفة والشعراء ~~والأدباء؟! # | العتبة # للعتبات سحر لا يقاوم، وربما تنطوي على أسرار لا يستطيع أن ms088 ~~يفضها أو يحس بها إلا شاعر أو عراف حكيم ... أليست هي المدخل إلى ~~البيت والمسكن والملاذ والوطن الصغير؟ ألا تمر عليه أقدامنا طول ~~العمر في الدخول والخروج حتى تطأها أقدام أخرى تحمل نعشنا وتعبر ~~بنا للمرة الأخيرة فوقها إلى المقر الأبدي والمصير المجهول؟ بينما ~~أكتب هذه الكلمات وأنا الآن في شيخوختي، لا أتذكر عتبة بيتنا ~~القديم إلا ويطفر الدمع من عيني وتجيش أمواج الحسرة والأسى والحنين ~~في صدري. # أرى نفسي جالسا على العتبة قبل مغرب يوم شتوي دافئ. كنت آنذاك ~~في الخامسة أو السادسة من عمري، أنتظر عودة أبي وأخي الكبير بعد أن ~~خرجا وراء صندوق كبير مغطى بملاءة حريرية صفراء، ومعهما حشد كبير ~~من الأهل والجيران الذين عبروا مزلقان السكة الحديدية إلى مكان ~~مجهول. كنت أحس أنهم أخذوا معهم جدتي لأمي التي مرضت في الأيام ~~الأخيرة ولزمت فراشها في الحجرة الصغيرة المجاورة للمندرة، وكنت ~~بالطبع أمر عليها وأتحسس وجهها وأقبل يدها، وأهمس لها وهي ~~تقرب وجهي منها وتلثم خدي وجبيني: «سلامتك يا ستي». وكنت ~~أتحسر على أنها قد أصبحت عاجزة عن أن تحكي لي حكاية قبل النوم، ~~لتزيل من قلبي الخوف والرعب من الجمل المتوحش الذي طالما هاجمني ~~أثناء نومي، وطالما فزعت من نومها وراحت تطبطب على ظهري وتهدهد ~~صدري لأستأنف النوم بجوارها. أجل، لم يغب عني أنها في أشد ~~حالات المرض، وأن أبي يخرج من عندها وهو يجفف دموعه ويتلو ~~الدعوات والآيات، وأن أمي التي تطعمها وتسقيها بيدها لا تكف عن ~~التأوه والبكاء في صمت. ولكني لم أكن قد سمعت كلمة الموت، ولو ~~سمعتها لما فهمت لها أي معنى. ذهبت ستي بالتأكيد مع هؤلاء الرجال ~~الذين حملوا الصندوق على أكتافهم، لكنني لبثت على العتبة أنتظر ~~رجوعهم وكلي ثقة أنها سترجع معهم بعد قليل. وحضر أبي وأخي وحدهما ~~ووجداني على العتبة، وأنا أمسح دموعي، سألت أخي عنها ولماذا لم ~~ترجع معهما. ومن فم أخي سمعت لأول مرة كلمة الموت: ستك ماتت ~~يا حبيبي وتعيش أنت. قلت، وأنا أتشنج دون ms089 أن أفهم شيئا: ماتت؟ ~~يعني لن ترجع أبدا؟ ربما سألت نفسي في ذلك اليوم وما زلت أسألها: ~~ولكن ما معنى الموت؟ لماذا وإلى أين أخذها هذا الموت، وكيف تعيش ~~هناك، ومتى أراها مرة أخرى؟ ... ~~••• # وعلى العتبة كان يطيب لي الجلوس في العصاري بعد أن كبرت، وبدأت ~~أتردد على المدرسة الابتدائية ... من موقعي أتطلع إلى جيراننا ~~الأعزاء وأتابع حركتهم وأسعد برؤية وجوههم المحبوبة؛ عم حنا ~~المقعد وصاحب مناحل العسل قابع على الدوام على كرسي متحرك فوق ~~بسطة العتبة الأخيرة أمام بيته، تعودت كلما رجعت من المدرسة أن ~~أمر عليه وأقبل يده الممدودة بالمسبحة الطويلة، وأن يقبلني ويدعو ~~لي ويباركني بحق المسيح ويحملني السلام إلى أبي. كان علامة ثابتة ~~من علامات الطريق، وكم كان وجوده الطيب الساكن يشع بالألفة والأنس ~~والحنان على كل الجيران. # في البيت الملاصق لبيته تسكن أم عزيز أفندي الموظف بالمجلس ~~البلدي، التي كانت لا تغادر جلستها وراء الباب الموارب إلا ~~للضرورة. وكم كانت تناديني كلما رأتني فتقبلني في وجهي وتمنحني ~~الطوفي والكراملة وحبات السكر النبات، وتقول لي السلام أمانة لأم ~~محمد العزيزة. وكم كانت سعادة أمي بزيارة أم عزيز في المناسبات ~~والأعياد، وفرحتي برؤيتهما تتعانقان في بيتنا في مودة ومحبة ~~وصفاء، أو برؤية أمي وهي تحييها أحيانا من البلكونة الخشبية ~~المطلة عليهم، أو عندما ترسلني في العيدين إليها ومعي الخادمة ~~الصغيرة التي تحمل على رأسها صينية الكعك والغريبة. # أما زميلاي في المدرسة الابتدائية وصديقاي اللذان يسكنان البيت ~~الواقع في نفس الصف المقابل على الناصية، فكانا يضربان موعد ~~اللقاء بيننا في يوم الخميس أو الجمعة، إما على عتبة بيتنا أو أمام ~~باب بيتهم الحجري الحديث المطل على شريط السكة الحديدية، كانا ~~يلمحانني جالسا على العتبة، فيشيران إلي فأجري نحوهما وفي جعبتي ~~لنزهة اليوم حكايات وأشعار مما أقرأ وأحفظ بعيدا عن دروس العربي ~~المملة، التي كنا نحضرها معا في نفس الفصل الذي يضمنا. كم ~~يرتجف قلبي الآن بالحنين والإعزاز والبهجة كلما تذكرت هذين ~~الصديقين الحبيبين أو تمثلت وجهيهما. كان أحدهما، ms090 وهو فرنسيس، ~~ممتلئا بعض الشيء دائم الضحك من قلبه، الذي لم أعرف في حياتي أصفى ~~منه ولا أصدق ولا أطيب. وكان تسامحه في أمور الدين التي نتطرق ~~للحديث عنها أحيانا، من أكثر ما هزني وانطبع في نفسي وجعلني ~~أكبره وأحترم تقواه العميقة وأباركها. أما أخوه منير فكان أقصر من ~~شقيقه وأنحف، وكان كبير الرأس حاد الطبع متوقد النظرات بالغضب ~~والسخط والتصميم على الانتقام، لكن ممن لا أدري ... لا أدري؛ فقد كان ~~يخيل إلي أحيانا أنه يشعر بأن العالم كله يضطهده ويطارده ~~بلا رحمة. كانت نزهتنا الدائمة على الطريق المؤدي إلى المحطة ~~الصغيرة الوادعة، وكنا نواصل السير حتى نقترب من المشروع الكبير ~~المقام في طرف لبلد لتكرير المياه، والجاثم وراء الشجر الكثيف ~~بمبانيه الضخمة وأسراره الغامضة وبواباته الهائلة التي لم ننفذ ~~منها مرة واحدة. ونتمشى على ضفة الترعة بمحاذاة المشروع ونحن ~~نتكلم في كل شيء ونحكي عن كل شيء: قصص من ألف ليلة التي نقرأها ~~سرا، أو من روايات الجيب التي نتبادلها من وراء ظهور الأهل، سيرة ~~محمد وحياة المسيح من أحد الأناجيل، أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب ~~الجديدة التي نترنم بها معا، ولا سيما أغنية كليوباترا التي ~~سمعتها من راديو الصديقين وفي بيتهما عندما غناها المطرب العظيم ~~لأول مرة، حكايات الجنيات التي تخطف الرجال وتأخذهم لممالك ~~البحر المجهولة، وإشاعات العفاريت والأشباح التي يؤكد منير أنه ~~يراها ليلا على هيئة قطط وأرانب وعجائز في ثياب سوداء تتربص به ~~عند عودته متأخرا إلى البيت. ثم الكلام الذي لا ينقطع عن المعلمين ~~والمواد المملة والنشاط الفني المظلوم على الدوام، بجانب أحلامنا ~~عن المستقبل والمهن التي يتمناها كل منا. كانا كلاهما يعرف ~~تماما ما يريد، فرنسيس سيدرس الهندسة، ومنير سيتجه إلى الطب، أما ~~أنا فأشير إلى المطبعة القديمة التي كانت تقع في الدور الأرضي ~~للبيت الذي يسكنانه، وأقول: سأطبع كتبي هنا، وأنشر أشعاري وقصصي. ~~ويستغرق الاثنان في الضحك على مؤلف المستقبل، ويحذرانه من بؤس ~~جميع المؤلفين وحياتهم وموتهم جوعى محرومين ... وآه يا صديقي ~~العزيزين، ms091 اللذين فقدت أثرهما في زحام سياق الحياة ولقمة العيش. ~~فبعد أن انتقلا مع أبيهما المهندس المساح إلى مدينة أخرى، انقطعت ~~أخبارهما عني. سمعت أنهما تخرجا في الطب والهندسة من ~~الإسكندرية ... لكن من أين لي بالعنوان وقد خلت الحياة منهما، ~~وأصبحت بغيرهما خرابا وخواء ... # وتذكرني جلستي على العتبة بعم كامل مدير المطبعة التي أشرت ~~إليها قبل قليل. كان يمر علي وهو في طريقه إليها، فيتوقف ~~أمامي، ويقول لي: هيا أيها الشاعر الصغير! لم يكن شيء في الوجود ~~أحب إلي من الذهاب معه إلى المطبعة ورؤية الآلات الضخمة وهي تسحب ~~الورق المبلل بالحبر الطازج، والعمال وهم يصفون الحروف بأيديهم ~~بمهارة عجيبة، والجرنال المحلي وهو يتراكم شيئا فشيئا بعد ~~خروجه من تحت المطارح والألواح المعدنية الكبيرة. كم كانت شهية ~~ومسكرة رائحة الحبر الأسود التي تفوح من الصفحات التي لا تزال ~~دافئة كأرغفة الخبز الخارجة من الفرن. كم سهرت مع عم كامل، وشاركت ~~في تصحيح البروفات، وكم رأيت من صحفيين بؤساء يحضرون إلى المطبعة ~~ويقدمون الأخبار التي جمعوها من أنحاء البلد ومن أرجاء المديرية: ~~البكوات والباشوات الذين راحوا أو جاءوا، الأعيان الذين باعوا أو ~~اشتروا أو زوجوا أولادهم أو بناتهم بالرفاء والبنين، الأفندية ~~الذين حصلوا على أعلى الشهادات أو ترقوا لأعلى المناصب ... كل ذلك ~~يعد وينشر في الجرنال المحلي، الذي يتسع كذلك لبعض القصائد ~~والخواطر والمقالات والآراء من أدباء البلد أو المعلمين في ~~مدرستها. هل أنسى أنني عرضت بعض مسوداتي على عم كامل، فقرأها بحب ~~وعناية، وقال وهو يربت على كتفي: سننشر لك بمجرد أن يصبح ~~شعرك موزونا ... لكن استمر ولا تهمل رعاية البذور ... وكم شجعني ~~وسأل عني بعد ذلك إلى أن انصرفت عن قول الشعر، وأغلقت الجريدة ~~والمطبعة أبوابها ... # ما الذي ذكرني في الأيام الأخيرة بعتبة بيتنا العتيق بعد أن ~~هدم البيت وبني مكانه بيت حجري ذو سلالم رخامية لا تحمل شيئا ~~من ملامح وجه العتبة الطيب القديم؟ لست أدري كيف أجيب على هذا ~~السؤال، لكنني أتمنى الأمنية المستحيلة، التي لا أعرف كيف ms092 تملكت ~~فؤادي في أيامي الأخيرة، ولا كيف ألحت علي بأن أكتب ما كتبت: ~~أمنية أن أجلس ولو لحظة واحدة على تلك العتبة الخشبية القديمة، ~~فأملأ قلبي بالصور والمشاهد والوجوه الحبيبة، ويجيش صدري بأمواج ~~الذكرى والحسرة والأسى والحنين. # | الخروج من الكهف # رأيتني ذات صباح باكر أتجول في حديقة مترامية الأطراف، ~~يغمرها الضباب الكثيف وتظلل سماءها السحب الثقيلة السوداء. كنا ~~في أحد أيام الخريف التي يلتمس فيها الشيوخ من أمثالي نسمة معطرة ~~تشرح صدورهم المهمومة وتنفس الكرب عن قلوبهم المحزونة المطعونة، ~~وتتيح لهم شيئا من المسرة وراحة البال خلال التنزه وسط ~~الأشجار والزهور وجداول المياه الرقيقة الهامسة. كانت الحديقة شبه ~~خالية من البشر، والضباب المنتشر يخلع على الأشجار الواجمة ~~الصامتة مسوح الكهنة العجائز والحكماء المستغرقين في الصمت ~~والتأمل. وبينما أنا أفكر في حالي وأتصبر عن تدهور عافيتي ~~وتيبس عظامي وغروب شمس أحلامي وآمالي، طافت بذهني صورة الكهف ~~الذي طالما صورته وكتبت عنه، وعشت مع سجنائه المقيدين منذ طفولتهم ~~بالسلاسل والأغلال من أعناقهم وسيقانهم، القابعين أمام حائط يعكس ~~أشباح ظلال وأصداء أصوات آتية من عالم لم يروه ولم يعرفوه، في ~~مسكن سفلي أو كهف كئيب لم يألفوا غيره، وهيأ لهم الظن والوهم ~~والتعود أن عالمهم الشاحب البعيد عن نور الوجود والحقيقة هو ~~العالم الذي لا يوجد عالم سواه. ومع التفكير في صورة هذا الكهف ~~الساحر العجيب، فكرت في صاحبها الذي جعلني أومن معه بأن السجناء ~~المساكين هم أبناء البشر، وأن كهفهم البائس هو رمز حياتهم اليومية ~~التي يكدرها العذاب والشقاء. وفجأة، انشق ستار الضباب عن شبح ~~هائل يتقدم نحوي، وكلما اقتربت تبينت في وجهه وقامته الشامخة ~~وجبهته العالية ونظراته الصارمة وذراعه المرفوع إلى أعلى، وهي ~~تشير بسبابة يدها إلى عالم علوي هو في رأيها العالم الحق. ~~تبينت صورة الفيلسوف الضخم كما رسمها فنان إيطالي مشهور. اقترب ~~مني وهو يسدد سبابته نحوي، ويهتف باسمي بصوت المعلم الغاضب ~~لتلميذه الخائب: أنت؟ # قلت: نعم يا سيدي، وقد جئت أتمشى في نزهتي اليومية قبل أن ~~أتوجه لزيارة ms093 أهلي وبعض أصحابي ... # قال بصوت المتهدج: أنا أهلك وصاحبك القديم ... امتلأت حياتك ~~وفاض عقلك وقلبك بحبي أكثر مما امتلأ بحب أي إنسان آخر . ~~أنا ... # قاطعته بالخشوع الواجب: أفلاطون؟ شيخي وشيخ كل المفكرين؟ قال، ~~وهو يسير بجواري ويربت على كتفي لتهدئتي: نعم نعم، وقد تابعتك ~~وقرأت بعين الروح كتابك الصغير عني، واغتبطت باهتمامك ~~بقراءتي. # قلت في خجل وبصوت مرتجف بالرهبة: ليتني استطعت أن أقدم أكثر ~~مما قدمت. لا بد أنك تعلم أيضا مدى اضطراب حياتنا، وانصراف جهودنا ~~إليك وإلى عشرات غيرك من الفلاسفة والشعراء ... إني أعتذر عن ~~تقصيري ... # قال ضاحكا: لكنك بدأت مبكرا. كأني أراك الآن وأنت تفتح أول ~~محاوراتي ... # قلت مسرعا: أجل أجل. لا أدري إن كنت تفهم مصطلحاتنا وغرائب ~~لغتنا، ولكنني بدأت أقرؤك وأنا في الثانوية العامة. مدرس الفلسفة ~~الحبيب - ولا أذكر للأسف اسمه، ولا أعرف إن كان حيا أو ميتا - ~~أعارني ترجمة بعض محاورات شبابك، كريتون وأويطفرون وفيدون. ~~أحببتها وعشت بحس المتيم بالمسرح في أجوائها، وقضيت وقتا لا ~~ينسى مع ساعات سقراط الأخيرة، التي قضاها في إثبات خلود الروح ~~بدلا من البكاء على نفسه أو الجزع من مصيره الأليم ... # قال، وهو يثبت نظراته الثاقبة على وجهي: واتصل اهتمامك بي بعد أن ~~تعلمت لغات غير لغتك، بل أتقنت إحدى هذه اللغات أثناء قراءاتك ~~لمحاوراتي ... # قلت بصوت محزون، وكأني أحد سجناء الكهف الذي صوره في الكتاب ~~السابع من الجمهورية: لكن صورة الكهف ثبتت في مخيلتي وملكت علي ~~عقلي وقلبي، وعندما كبرت في السن وعملت سنوات طويلة بالتدريس، كان ~~أحب شيء إلي أن أشرح هذه الصورة وأبين للشباب كيف يفهمون ~~رموزها ومعانيها ... # قاطعني قائلا: تقصد مغزى الصورة والرمز ودلالتهما على التربية ~~ونقص التربية؟ # قلت متحمسا: أقصد أكثر من ذلك. تحول النفس بكليتها نحو ~~المعرفة، وخروجها من ظلام الجهل والظن والوهم إلى نور الوجود ~~والحقيقة واليقين. كان الخروج من الكهف؛ أي من حياة الذل والشقاء ~~والسأم اليومي والعمل الممل العقيم، هو كل همي. وأنت نفسك أوضحت ~~أن أحد المسجونين الذي تحرر من ms094 قيوده وأغلاله ورأى نور الشمس ~~وعاين الحقائق والمثل التي تستضيء وتتدفأ بنورها. هذا المتحرر ~~الذي سميته بالمنقذ، لم يرض بأن يستأثر بالنور والمعرفة والحقيقة ~~لنفسه، فقد هبط إلى إخوته ورفاقه السابقين وحاول أن يقنعهم بأنهم ~~يحيون في الظلام والجهل والتخلف والبؤس، ولا بد أن يحرروا ~~أنفسهم بأنفسهم ويصمموا، كل على طريقته وبقدر جهده على الخروج من ~~الكهف؛ أي حثهم بالقول والعمل على أن ينقذوا أنفسهم بأنفسهم، وأن ~~تكون حياتهم سعيا دائبا على طريق التحرر ... # قال الشيخ، الذي بدأت ملامحه تتضح مع انقشاع أستار الضباب ~~والدخان: وهل بينت لهم خطر المحاولة وجسامة المجازفة؟ إن معلمي ~~وأعز الناس وأطهرهم عندي قد راح كما تعلم ضحية المحاولة. حاول أن ~~ينقذ سكان الكهف فانقضوا عليه، واتهموه وحاكموه وأعدموه. # قلت مؤكدا كلامه: لم يغب هذا عني، وسيبقى سقراط هو الرمز ~~المجسد للمنقذ الشجاع المستنير، المنقذ الباسل والمقبل على ~~الموت وهو يبتسم. لكن الأمر اليوم لم يعد سهلا كما كان على ~~أيامكم ... # سأل أفلاطون وهو ينظر في وجهي: ولماذا يكون اليوم أصعب مما ~~مضى؟ أليس الإنقاذ ضروريا في كل يوم وكل لحظة وكل زمان ومكان؟ ~~أليس القلم الذي تحمله أنت وأمثالك المتمردون والحالمون بواقع ~~أفضل وأجمل وأعدل من أهم أدوات الإنقاذ؟ أمنت على كلامه، وقلت ~~بنغمة حزينة لم تغب عنه: لكن الخروج من الكهف والدعوة له أصبحت ~~أصعب، والكاتب من أمثالي ينادي ويصرخ ولا يملك غير كلماته ~~العاجزة. وفي الوقت الذي يصور فيه عذاب السجناء في الكهف، تدور ~~عجلة الأحداث التي لا يستطيع أن يوقفها ... # قال الشيخ، قبل أن يتلاشى شبحه ويذوب تحت أشعة الشمس: ومع ذلك ~~لا تتوقفوا عن محاولة الإنقاذ. لهذا عشت ولهذا أدعوك أنت وكل من ~~يحمل قلما في يده أو ريشة أو إزميلا ... تذكروا أن الفكر إنقاذ ~~والشعر إنقاذ والفن إنقاذ. ولا تنس يا صديقي أنه لن ينقذك سواك، ~~ولن يغير العالم إلاك أنت وأمثالك. # سألت، قبل أن يختفي تمام الاختفاء: برغم الشيخوخة وفساد الأحوال ~~وتعاسة الأوضاع والبشر؟ # قال بصوته المتحشرج والمتهدج: ms095 وبسببها وفي غمارها، تشتد ضرورته ~~وتتحتم المغامرة في سبيله. # | محرقة الشعر # أما الشين في هذا العنوان فهي بالكسر لا بالفتح، ومن ثم فهو ~~الشعر الذي خطر لي الآن أن أكتب عن حياتي معه أو بالأحرى عن مأساة ~~حياتي. وأما المحرقة فهي مبالغة بلاغية، أرجو ألا تثير في الذهن ~~أو الخيال شيئا من الفواجع التاريخية والإنسانية المرتبطة بهذه ~~الكلمة البشعة. ذلك أن المحرقة التي أتحدث عنها لم تزد على أن ~~تكون نارا بسيطة أوقدتها أمي، وأطعمتها بمسودات أشعاري التي ~~تحولت في «الكانون» إلى دخان ورماد. كان ذلك في الإجازة السنوية ~~التي أعقبت امتحان الشهادة التوجيهية (الثانوية العامة بلغة ~~اليوم). رجعت إلى البلد من القاهرة، فوجدت في انتظاري صدمتين ~~مروعتين. كانت الأولى اختفاء الدفاتر الصغيرة التي تضم أشعاري ~~التي كتبتها عبر عدة سنوات، وخبأتها في الخزانة الخشبية القديمة ~~التي خصصت أمي رفها العلوي الضيق لصف كتبي وكراساتي وأدواتي ~~المدرسية، واحتفظت بالخانة السفلية الواسعة لتخزين التموين من ~~الزيت والأرز والسكر. اكتشفت غياب الدفاتر الصغيرة العزيزة، وحين ~~سألت أمي، قالت إن أبي وأخي الأكبر أبلغاها بأنها مملوءة بكلام ~~فارغ، وأن أفضل ما يمكن عمله معها هو أن تصبح وقودا لتسوية شيء ~~أجدى وأنفع ... لم أنطق بكلمة واحدة، ولم أجادل أمي التي لم تكن ~~تقرأ أو تكتب، ولا تفرق بين الشعر والنثر. ذهبت إلى حجرتي، وقطي ~~الأسود بستان يتمسح في قدمي ويموء ويئن كأنه يعزيني في ~~مصابي، وأخذت أفكر فيما جرى. هل قضت أمي وأسرتي على حلمي الطموح ~~بأن أكون شاعرا كبيرا قدوته ومثله الأعلى شعراء كبار قرأت لهم ما ~~أمكنني قراءته، بل وعارضت بعضهم مثل شوقي والمعري وجوته ودانتي؟ ~~وهل كان في الأشعار التي احترقت بيت واحد موزون أو بناء شعري ~~بالمعنى الحقيقي؟ وإذا كان قد تردد فيها نفس شعري واحد، فلماذا ~~رفضت الجريدة المحلية في البلد أن تنشر شيئا منها، ولماذا لم أسمع ~~لها أي صدى في مجلة الرسالة التي تجرأت في العام نفسه بإرسال ~~بعضها إلى إدارة تحريرها بالبريد المسجل؟ هكذا بدأ ms096 الشك والتفكير ~~في التراجع عن طريق ربما لم أخلق له منذ اشتعلت تلك المحرقة ~~الصغيرة ... # أما الصدمة الثانية، فنزلت على رأسي في الإجازة نفسها نزول ~~الصاعقة. لقد بحثت وبحث الأهل والأصدقاء عن اسمي في قوائم ~~الناجحين في التوجيهية فلم يجدوه، وذهلت إلى حد الجنون حين عرفت ~~بعد ذلك أن المادة الوحيدة التي رسبت فيها هي اللغة العربية. كيف، ~~وأنا شاعر كما تصورت وصور لي الأستاذ علام مدرس اللغة العربية في ~~الإبراهيمية الثانوية؟ ألم يشجعني الرجل على قراءة بعض قصائدي ~~أمام الفصل وفي المناسبات الدينية والسياسية المختلفة مثل: المولد ~~النبوي وعيد جلوس الملك على العرش والاحتفال بذكرى عرابي ومصطفى ~~كامل وسعد زغلول؟ أكان ذلك كله وهما وخداعا للنفس وتقليدا ~~بائسا لشعراء حقيقيين بيني وبينهم بعد ما بين الأرض والسماء؟ ~~فكرت أن رسوبي ربما يرجع لموضوع الإنشاء، الذي أغرقته في بحر من ~~الصور والرموز المتأججة باقتباسات من بستان جبران المتوهج ~~بالحرائق المجازية، وبدأت أعيد النظر في شاعريتي المستعارة التي لم ~~ترق لسدنة اللغة الرسميين، كما لم أكن أنا نفسي حينما كتبت ما ~~كتبت في ورقة الامتحان، فلم يخرج عن كونه أصداء باهتة وأضواء خافتة ~~انعكست من مراياهم الصافية على مرآتي المظلمة المشوشة. كانت تلك ~~فرصة ثانية لمراجعة أخرى صادقة، وإن لم تكن جذرية بالقدر الكافي. ~~ورجعت إلى نصوص «المنتخب» الرائعة، فقرأتها بتأن وحفظت الكثير ~~منها، وإلى النحو والصرف اللذين كانا على الدوام شوكة تدمي صدري ~~وتمزق وجداني، فعكفت على تجويدها والتمكن منهما. وتواضعت خجلا ~~أمام معبود الشعر القاسي، فلم أره وجهي طوال الإجازة الصيفية، ~~واقتصرت على كتابة بعض القصص والحوارات المسرحية التي لم يغب ~~عنها التأثر بالكبار، ولم تكن - كشعري الرديء الركيك - أكثر من ~~محاولات رومانسية فجة وبلا أي قيمة. ونجحت بالطبع في الملحق، ~~ودخلت كلية الآداب لأدرس الفلسفة وأتخصص فيها. # من الغريب حقا أن المحاضرات والقراءات الواسعة في التراث ~~الفلسفي، حركت في نفسي روح الشعر التي تصورت أنها خمدت وأخلدت ~~لنوم أهل الكهف. كانت القصائد القليلة التي كتبتها خلال السنوات ~~الأربع ms097 بمثابة صياغات شعرية لآراء وأفكار وتأملات فلسفية تراكمت ~~في نفسي نتيجة قراءات مستفيضة في بعض الفلاسفة الأدباء وبعض ~~الأدباء الفلاسفة: محاورات أفلاطون الذي ملك علي كل حياتي، وصممت ~~على قراءة ما استطعت من محاوراته في ترجماتها الإنجليزية ~~والفرنسية (لجويت ودييس وغيرهما) لأكون ظلا وفيا له من ناحية، ~~وأجيد هاتين اللغتين من ناحية أخرى، زرادشت نيتشه وبعض ما كتب عن ~~بجانب ما أمكنني التوصل إليه من كتابات كافكا وكامي وغيرهما ~~ممن لا أذكر الآن، باستثناء بعض أعلام المسرح اليوناني القديم ~~والمسرح الحديث وبالأخص شو وأوسكار وايلد. # وذات يوم كنت أصعد السلم الرخامي المرتفع لمكتبة الجامعة، سمعت ~~صوتا جهوريا ضاحكا يردد كلمة نيتشه المخيفة عن موت الله، ~~ويمجد الفيلسوف الشجاع البائس الحظ بسيل من الكلمات المتدفقة ~~الرنانة. وقفت أمان الشاب الأسمر ذي العينين الواسعتين والضحكة ~~المجلجلة والشعر المهوش الطويل، وتطوعت لتصحيح ما سمعت. أوضحت ~~بصوت هامس وخجول أن الكلمة المخيفة لم تقصد بمعناها الحرفي؛ ~~لأن الله بحسب مفهوم الألوهية نفسه حي لا يموت، ولأن المراد ~~منها - على الأقل في تفسير هيدجر الذي كنت قد سمعت أطرافا قليلة ~~عنه - هو موت الميتافيزيقا الغربية ذاتها من أفلاطون إلى نيتشه ~~نفسه، ونهاية تاريخ الفلسفة التقليدية وبداية فكر جديد وحصر جديد ~~بشر بهما نيتشه نفسه، وأعلن متحديا عالمه كله بأنه سيكون هو ~~عصر الإنسان الأعلى، الذي يجسد إرادة القوة ويذيع على الناس ~~نبوءته أو سره عن العود الأبدي. أنصت إلي الشاب الأسمر الضحوك، ~~وأقبل يسلم علي ويعلن للحاضرين من حولنا أن صداقة عمرنا ~~المديدة قد بدأت في تلك اللحظة. # تعرفت بعد ذلك على رائد الشعر الجديد في مصر، صاحب «الناس في ~~بلادي، ومأساة الحلاج، والأميرة تنتظر، وأقول لكم، وشجر الليل» ~~وغيرها وغيرها من روائعه. وتعمقت صداقتنا مع تأسيس الجمعية الأدبية ~~المصرية وقراءتنا المشتركة في شعر «إليوت ورلكه»، اللذين كنت ~~أعشقهما وأجتهد أن أعديه بحبهما، وفي شعره هو الذي كان يشق قلبي ~~ويحفر فيه مجراه بعمقه وحزنه وتجديده وأصالته. ها أنا ذا أمام ~~شاعر موهوب وأصيل، فهل ms098 أحس في نفسي وفي شعري «الذهني» الرديء ~~بأي حظ من الموهبة أو الأصالة؟ ألم ترفض زميلتي في الجامعة ~~وحبيبة قلبي تلك القصائد التي كنت أعطيها إياها تقربا إليها، ~~وتمحكا في كلمة منها، فتردها إلي وهي تبتسم، قائلة: القصيدة ~~غامضة ولم أفهم منها شيئا؟! وأستاذي الذي كنت آخذ رأيه في شعري، ~~ألم يكن يعيده إلي وهو يربت على ظهري عطفا أو سخرية، ويقول: ~~الأوزان صحيحة وليس فيها أي خلل؟ في لحظة صدق مع النفس، وعبر ~~أزمة روحية بلغت حد المحنة، قررت التخلي النهائي عن قول الشعر، ~~أو بالأحرى قرر الشعر نفسه التخلي عني إلى الأبد! لكن هل تخلى ~~عني حقا وإلى الأبد؟ ألم يسكن اللحم والعظم ويعشش في أركان ~~القلب، بحيث يتسرب في كل سطر من مقال أو قصة أو مسرحية أو حتى ~~بحث كتبته بعد التخرج واستكمال الدراسة بالخارج؟ بالفعل، ولم ~~يكن من قبيل الصدفة أن يكون معظم الفلاسفة الذين شغلت بهم بعد ذلك ~~من الفلاسفة الشعراء - من أفلاطون إلى نيتشه حتى هيدجر - وأن يكون ~~أغلب الأدباء الذين ترجمت شعرهم ودرسته وحللته من الشعراء ~~المتفلسفين أو المفكرين، من سافو وألكايوس الإغريقيين وشعراء ~~الحكمة البابليين عبر جوتة وديوانه الشرقي بوجه خاص إلى بودلير ~~وفاليري ورلكه وحتى أنجاريتي الإيطالي. وتراكمت مئات القصائد - ~~حرفيا لا مجازيا - في بعض كتبي التي يكاد معظم المثقفين لا ~~يذكرونني - إن ذكرني أو تذكرني أحد! - إلا بها (ثورة الشعر الحديث ~~من بودلير إلى العصر الحاضر، قصيدة وصورة، لحن الحرية والصمت، للحب ~~والحرية، أزهار من بستان الشعر الغربي قديما وحديثا ... إلخ) ~~وعندما أضع هذا الركام الهائل أمامي، عندما ألقيه في كفة ميزان ~~العمر والجهد، أقول لنفسي وسكاكين الحسرة تشق قلبي: قصيدة واحدة ~~أو حتى بيت واحد من الشعر الحقيقي في الكفة الأخرى كان من الممكن ~~أن ترجح في الميزان، لكن ماذا أفعل وقد اكتشفت في لحظة المكاشفة ~~التي سبق أن ذكرتها أنني لا أملك الموهبة ولا الأصالة التي لا بد ~~منهما لكل شعر حقيقي؟ وهل سيعزيني أو يحمل إلى ms099 نفسي شيئا من ~~الرضا أنني كنت أشعر أثناء إعادة إبداع ما سبق إبداعه - وهذه هي ~~ترجمة الشعر الحقيقية - بقدر غير قليل من النشوة والغبطة؟ هل ~~سيعزيني أيضا أن كنز الشعر المحترق المفقود إلى الأبد كان ~~يشع أحيانا في كثير مما كتبت من قصص أو مسرحيات ومقالات؟ آه! ~~حتى لو صح هذا، فيا له من عزاء هش ومخادع كالسراب الخلب ~~الغدار! # | القارئة الحجرية والمومياء الجرمانية # 1 # قرأت عنها وشاهدت صورتها في الجريدة اليومية، التي تصدر في ~~المدينة الجامعية الصغيرة التي أدرس بها. كانت صورة التمثال ~~الحجري الذي يمثلها وهي مستلقية على شاهد قبرها داخل إعلان ~~كبير من شركة سياحية لجذب الزائرين لعاصمة الغابة السوداء. ~~وكانت مع الصورة التي تحتل مكان القلب من الإعلان، صور ~~لمناظر أخرى لبعض معالم المدينة العريقة؛ الكاتدرائية المهيبة ~~ذات الأبراج الشامخة، تمثالا هوميروس وأرسطو على باب الجامعة ~~القديمة، ساعات «الكوكوك» وغيرها من الصناعات الخشبية التي ~~اشتهرت بها المدينة الراقدة في أحضان الغابة الساحرة الغامضة، ~~بجانب بوابات عتيقة وواجهات مسارح ومتاحف قديمة وأزقة ~~وحارات ذات سلالم صاعدة وجداول صغيرة جارية. توقفت عند صورة ~~الفتاة المسجاة على الشاهد الذي أبدع الفنان نحته، وصور فيه ~~القارئة الحجرية فاستطاع أن يعطف العين والقلب إليها. كانت ~~تميل برأسها الجميل ووجهها الوديع المستطيل إلى اليمين قليلا، ~~بينما تشابكت ذراعاها على صدرها وأمسكت يداها بكتاب كانت تقرأ ~~فيه، عندما فاجأها الموت وأغمض عينيها إلى الأبد. لا أدري ما ~~الذي جعلني أنبهر بالعروس العذراء التي خيل إلي أنها ~~مفعمة بالحياة، وأنها تحرر نفسها في كل لحظة من أسر الحجر ~~وتحلق فوقه على الرغم من التصاقها به واندماجها فيه. وأخذت ~~الأسئلة تنهال علي: من هذه القارئة المسكينة وما قصتها؟ في ~~أي زمن عاشت وكيف داهمها القدر وماذا كانت تقرأ قبل أن يسكت ~~القلب ويسترخي الجفن على العين؟ وأخيرا من هو الفنان المبدع ~~الذي صنع تمثالها وأفرغ فيه كل طاقته على العشق والحزن؟ أليس ~~من الممكن أن يكون حبيبها أو عريسها أو المتيم الغارق في ~~عبادتها سواء ms100 أثناء حياتها أو بعد موتها؟ # حملت حيرتي ودهشتي إلى «إيفا»، زميلة دراستي العزيزة وراعيتي ~~الوفية خلال سنوات إقامتي في المدينة. وعندما أطلعتها على ~~الصورة التي انتزعتها من الجريدة ووضعتها على مكتبي، صاحت ~~هاتفة: إنها القارئة الحجرية! أشهر من أنجبتهم فرايبورج في ~~الجيل الماضي، وربما أقربهم إلى قلب كل امرأة ورجل وشيخ وطفل ~~يعيشون الآن في المدينة. قلت مستفسرا: زدتني شوقا إلى ~~رؤيتها والقرب منها، هل يمكن! قالت بحماسها الطفلي المعتاد: ~~طبعا يمكن أن نزورها، إنها تحفة المتحف القديم ... سألت مرة ~~أخرى: تحفة ومتحف ... ماذا تقصدين؟ قالت: أقصد أنها الآن أعز ~~وأغلى أثر في المقبرة القديمة التي أغلقت منذ ما يقرب من مائة ~~سنة، وصارت مزارا لأهل المدينة والسواح الذين يفدون عليها، ~~ويقفون أمام القارئة في خشوع وإشفاق وتبتل لا نظير له ... ~~قلت: وأنا أيضا أريد أن أقف مثلهم أمامها. متى نزورها؟ قالت، ~~وهي تنظر في ساعتها مستأذنة: الأحد القادم؟ سترى بنفسك مدى ~~التشابه بينكما. قلت ضاحكا، وهي تسلم علي منصرفة: ~~التشابه؟ أتريدين أن كلينا ميت أم أن كلينا حجر؟ قالت مسرعة: ~~الأفضل أن تحكم بنفسك ... إلى اللقاء ... # 2 # وجاء صباح الأحد، فذهبنا إلى المقبرة القديمة أو ساحة السلام ~~كما يسمونها، وكانت تقع على الحدود الفاصلة بين المدينة ~~والغابة السوداء. سرنا على طريق ضيق وصاعد تظلله أشجار ~~السرو والصنوبر التي تزقزق فوقها العصافير، وتخشخش أرضيته ~~المملوءة بالحصى والأوراق الذابلة تحت أقدام عابريه. بلغنا ~~السور القديم الواطئ بقضبانه اللولبية السوداء، ودخلنا من ~~البوابة الصغيرة المفتوحة لزوار يوم الأحد. أرسلت بصري إلى ~~المقبرة الهادئة التي يلفها السكينة والنظام والتنسيق ~~والجمال. قبور على اليمين واليسار، برزت فوقها شواهد مكتوب ~~عليها الاسم والتاريخ بخطوط سوداء، محفورة في الحجارة ~~والجرانيت. وعلى بعض الشواهد تماثيل صغيرة أو كبيرة لملائكة أو ~~أطفال مجنحين، أو نقوش نباتية مختلفة. كان بعض الزوار قد ~~سبقونا وأخذوا يتجولون في المماشي الضيقة بين الأضرحة ~~الباذخة المترفة والقبور البسيطة الفقيرة. قالت إيفا: نلقي ~~نظرة على هذه التحفة الرقيقة العتيقة. وأشارت إلى كنيسة ~~صغيرة على ms101 اليمين يكسو بوابتها الضيقة والفتحة المثلثة في ~~أعلاها فروع نباتية متدلية، ويزخر باباها بزخارف ونقوش خشبية ~~بارزة. رسمت زميلتي علامة الصليب على صدرها قبل أن نقف على ~~مدخل ساحة خافتة الضوء وممتدة في العمق، الذي يشغله المذبح ~~وفوقه الشموع الكبيرة التي تتراقص أضواؤها على البعد، وأمامه ~~صفوف المقاعد والأرائك التي يجلس عليها المصلون أو كانوا ~~يجلسون عليها كلما أقيم قداس، ودقت الأجراس لاستقبال ميت ~~جديد أو تكريمه. أخذت إيفا تشرح لي تاريخ الكنيسة الأثرية، ~~وتشير بحماس واعتزاز إلى كنوزها المعمارية وزجاج نوافذها ~~الملون بأشكال القديسين، وصور ومشاهد من حياة المسيح وعذابه ~~ووجوه حوارييه. أشرت إلى رسم ملاك متجل للعذراء، وهالة ~~الضوء تشع من وجهه الذي يحتل قبة الكنيسة المزدهية بألوانها ~~الذهبية والفضية، وقلت وأنا أهمس بضحكة خافتة: كم يشبهك هذا ~~الملاك، والعذراء المقدسة أيضا. هل رسم الفنان وجهك أو وقفت ~~أمامه وهو يرسم؟ قالت غاضبة، وهي تلكز ظهري بقبضة يدها: ~~أولا: أنا لم أكن قد ولدت عندما صور الفنان هذه الصور. ~~وثانيا: لا تكن سخيفا ولا تصفني بهذه الأوصاف التي لا ~~أستحقها. قلت مؤكدا: ولكنك في نظري ملاك وقديسة - هذا هو ~~رأيي فيك - قالت باستياء شديد: احتفظ برأيك لنفسك. أنا ~~إنسانة من لحم ودم على العكس منك ... وضعت يدي على فمي حتى ~~لا تجلجل ضحكتي في الفناء المجلل بالسكون والخشوع والرهبة: ~~تقولين على العكس مني ... وهل أنا حجر؟ قالت، وهي تضغط على يدي ~~بقوة: العجيب أنك لم تكتشف هذا حتى الآن ... هيا بنا نترك ~~القديسين والملائكة، ونذهب إلى حبيبتك الحجرية ... # 3 # كان قبرها على بعد خطوات قليلة من الكنيسة الصغيرة، خامس ~~قبر إلى اليمين من الممشى الواسع المخضل بالعشب الندي. هتفت ~~عندما طالعني الوجه الناعم الحالم، الذي تنسدل عن يمينه ويساره ~~جدائل الشعر الأشقر الطويل: ها هي ذي العروسة الحجرية. قالت ~~إيفا، وهي تدفعني من ذراعي: وأنت العريس الذي ظلت تنتظره ~~عقودا لا أعرف عددها. اقتربنا من القبر الذي تجمع حوله عدة ~~أزواج من العشاق، وقفوا أمامه خاشعين مذهولين قبل ms102 أن ~~ينصرفوا وهم ينظرون إلينا ويتهامسون. # وقفت أتأمل بديع صنع الفنان الذي سوى من الحجر هذه ~~التحفة الحية، وشعرت بأن أناملي ترتكب ذنبا لا يغتفر ~~بمرورها فوق الوجه الشاحب المستطيل، ولمسها للعينين المغمضتين ~~وخصلات الشعر وثنيات الثوب الطويل الشفاف، الذي انسكبت حنياته ~~كأمواج جدول رقيق صاف. والكتاب الذي يرقد على صدرها، واليد ~~الصغيرة النحيلة التي تمسك به، بينما استندت الرأس البديعة إلى ~~اليد الأخرى. وبعيدا عن تنظيرات الفن وفلسفات الجمال، رحت ~~أسأل نفسي وزميلتي: كيف استطاع الفنان أن يحيي الحجر ويضع فيه ~~الوثبة التي تخيل للناظر إليه، أنه لا يكف عن محاولة التحرر ~~من الجمود والانطلاق من الأسر، والعلو فوق الحجر والموت ~~والمقبرة كلها إلى قلب الحياة الدافئة الجياشة بالحب والأمل ~~والشوق الذي لا ينطفئ لهيبه؟ وتخرجني إيفا من صمتي الذاهل ~~الحائر، وتقول وهي تمد يدها إلى يدي وتضعها على يد القارئة: ~~هيا بنا نعد الحجر إلى الحجر ونعقد الزواج ... أسال ~~مندهشا: زواج؟ هل أنت جادة؟ ترد بسرعة: كل الجد. هو الزواج ~~الوحيد الذي يصلح لك وتصلح له ... تفلت مني الضحكة، بينما ~~تصوب سبابتها محذرة من تهوري ونزقي: ألا تطلب المستحيل على ~~الدوام؟ هذه هي العروس التي تليق بك، وهي تغمض عينيها علامة ~~الرضا والموافقة. هيا هيا ولا داعي للتردد. وتضع يدها على ~~يدي، التي مدتها على يد العذراء النائمة، وتتمتم بكلمات ~~وعبارات لاتينية تلتقط أذني بعضها ويغيب عني بعضها الآخر. ~~وبعد أن تنتهي من صلاتها، وترسم علامة الصليب على صدرها، تقول ~~وهي تمسك بذراعي وتتهيأ للانصراف: الآن قد تم كل شيء. ~~وجدت زوجة لا تكف مثلك عن القراءة، ويمكنك أن تزورها متى ~~تشاء. قلت: نعم، تم كل شيء، ولا ينقصنا إلا شيء واحد: أن ~~أكون حجرا يرقد بجوارها ليرعاها ويؤنس وحشتها ... قالت إيفا ~~ضاحكة، ونحن ندلف من البوابة إلى الطريق: لا ينقصك شيء على ~~الإطلاق ... هذا هو الزواج الكامل الخالد ... ما الذي تطمع فيه ~~أكثر من ذلك؟ قلت: أطمع فيما تمناه شاعر عربي قديم، قال: يا ~~ليت أن الفتى ms103 حجر ... قالت ضاحكة قبل أن يلفنا الصمت: لكنك في ~~غنى عن الطمع والتمني، ألست مستغنيا عن كل شيء وكل ~~إنسان؟ # 4 # لم أرد عليها بكلمة واحدة طوال الطريق إلى البيت الذي ~~أسكنه. استغرقني حلم القارئة الحالمة، ودخلت أنا أيضا في ~~شرنقتي أو قوقعتي الحجرية التي ألوذ بها عادة من ضجيج العالم ~~والناس، ولازمني الشعور بالذنب وأنا أفكر في حالي مع الحبيبة ~~المستحيلة التي تمشي إلى جواري، وأرى على وجهها علامات الألم ~~والأسى الممتزجة بالمرارة وخيبة الأمل. # وعندما وصلنا إلى البيت الذي أسكنه، وقبل أن أمد يدي ~~لتوديعها، فوجئت بصدرها على صدري وشفتيها على شفتي وذراعيها ~~تضماني إليها بشدة. أحسست بجسدها الضئيل النحيل وهو يرتعش ~~وينتفض كجسد طائر يحتضر. ربت على ظهرها وأنا في غاية ~~الارتباك، وقلت وأنا أتكلف الابتسام: أنت بنفسك عقدت زواجي على ~~القارئة الحجرية، لا تنسي بعد الآن أنني حجر. نظرت إلي ~~صامتة، ثم هزت رأسها وهمست: أراك غدا في الجامعة ... # 5 # كانت أول من التقطني من وسط الزحام الذي وقفت فيه حائرا، ~~بعد خروجي من المدرج الكبير الذي استمعت فيه إلى محاضرة الأدب ~~الألماني التي كنت فيها الأجنبي الوحيد الأسود الشعر بين ~~المئات من الطالبات والطلاب ذوي الشعور الشقراء والعيون ~~الخضراء. # أقبلت علي مترفقة باسمة، وسألتني: أنت من مصر، أليس ~~كذلك؟ رددت عليها بابتسامة: صدق حدسك، من بلد الأهرام وأبي ~~الهول. ضحكت قائلة: واضح ... هل تقبل دعوتي غدا مساء على عشاء ~~بسيط مع بعض الطلبة الأجانب مثلك؟ قلت لها: بكل سرور، ووضعت ~~العنوان في جيبي وأنا أشعر بالامتنان نحو الشقراء القصيرة، ~~التي اخترقت طوق الصمت والوحدة المضروب حولي منذ أن بدأت ~~الدراسة قبل أسابيع قليلة. # استجبت للدعوة في مساء اليوم التالي، وسرعان ما وجدت نفسي - ~~بفضل المضيفة الطيبة المرحة - وسط زملاء من كينيا ونيجيريا ~~واليابان وبعض الدول الأوروبية، إلى جانب عدد من الزميلات ~~الألمانيات. وعرفت بعد ذلك أنها جمعية صغيرة من أصدقاء الطلبة ~~الأجانب، مهمتها تخفيف وطأة الغربة عنهم، وتنظيم اللقاءات ~~والرحلات التي تعرفهم بمعالم المدينة والبيئة ms104 الطبيعية، ~~وتساعدهم على التغلب على صعوبات اللغة والدراسة والحياة في ~~مجتمع شديد الجدية والتنظيم والجهامة. ومع مرور الوقت وتعدد ~~اللقاءات والاحتفالات والنزهات في الغابة السوداء وجبالها ~~العالية وطرقاتها وأجوائها الساحرة، تعمقت الصلات مع الجميع ~~بفضل راعيتنا الصغيرة النشيطة التي لا تكف عن الحركة والمرح ~~والانطلاق النقي البريء، وإغراق المجموعة كلها بمجاملاتها ~~وهداياها وتعاطفها الحنون، وتطوعها لحل المشاكل التي يواجهونها ~~بنبل وكرم وسخاء يفوق طاقتها المحدودة ودخلها المتواضع من ~~منحة الطلبة الفقراء. كنت على وعي تام بأنها تختصني بقدر ~~كبير من التعاطف الذي ينم عن الحب الحقيقي، وربما ساعدت ~~أمارات الاكتئاب والانكسار المرسومة على وجهي - التي طالما ~~حاولت دون فائدة تغطيتها بالمرح والضحك والثرثرة الثقافية - ~~ربما ساعدت على زيادة اهتمامها بي ورعايتها الدائمة لي. كنت ~~أحس على الدوام بأنها أمي الصغيرة، كما كنت من الفظاظة وقلة ~~الذوق بحيث أصارحها باستمرار بأنها أخت وملاك وقديسة. كانت ~~تثور على هذه الأوصاف وتغضب وتنفجر في بعض الأحيان باكية، ولكن ~~يبدو أنها اقتنعت أخيرا بعجزي عن أن أحبها كما يحب الرجل ~~المرأة. وماذا كان بوسعي أن أفعل وقد منعتني طبيعتي الشرقية ~~الموروثة من أن أشعر نحوها بما يشعر به الرجل نحو الأنثى، وكيف ~~كان من الممكن أن يتطرق إلي هذا الشعور بعد أن ترسخ في ~~قلبي الإيمان الصادق العميق بقداستها وملائكيتها التي تسمو ~~بها فوق المرأة أو الأنثى، كما نطقت كل تصرفاتي نحوها بأنها ~~أخت عزيزة، ولا يمكن أن تكون إلا أختا؟ ومع أنها سلمت مع ~~الزمن بعجزي وتحجري، فلم تنقطع يوما عن إغراقي بحنانها ~~وهداياها: كتب ونتائج فلكية عليها صور القطط التي أحبها ~~الشعراء، الذين أجد نفسي معهم، أشكال من الحلوى والطعام الذي ~~تتصور أنني أتذوقه، تذكر مستمر لعيد ميلادي الذي أنساه ~~على الدوام ولا أهتم بالاحتفال به، متابعة لدراستي وقراءاتي، ~~وحوارات متواصلة عن جوته وهلدرين ورلكه وغيرهم من شعراء ~~العصر، ثم آخر أفضالها بمراجعة رسالتي في الدكتوراه كلمة كلمة ~~وسطرا سطرا، ومساندتي بكل ما تملك أثناء الاستعداد للامتحان ~~النهائي. # 6 # ورجعت للوطن في ms105 أوائل الستينيات، ولقيت ما لقيت من ألوان ~~الإحباط وخيبة الأمل: في البحث عن مسكن ملائم، والسعي ~~الفاشل للارتباط، والتعثر الدائم بين الكتابة والترجمة ~~والتدريس، ومواجهة الغدر والتجاهل والإهانات الصريحة والخفية. ~~وفاجأتني بعد سنوات باشتراكها مع فوج سياحي قادم إلى مصر، ~~استقبلتها بكل ما أملك من حفاوة وترحاب، وطفت معها على كثير ~~من الأماكن والمتاحف التي لم تكن مدرجة على البرنامج الجماعي. ~~وأردت أن أشعرها بجو الأصدقاء الذين أحيا لهم وبهم، قأقمت لها ~~سهرة في مكتب الصديق الذي اعتدنا أن نلتقي عنده كل ثلاثاء، ~~وعندما دخلت معي وطالعت الأصدقاء بوجهها الصبياني الضئيل، ~~وشعرها الأشقر المهوش، وضحكتها الرنانة النقية كولد شقي، ~~هتف بي صديقي الشاعر الكبير وهو يتأملها من أعلى إلى أسفل: ~~والله أمرك عجيب ... هل تنقصنا المومياءات حتى تأتينا بمومياء ~~جرمانية؟ كظمت الضحكة والحسرة في قلبي، ولم أترجم لها ما ~~قال. ومضت السهرة كما تمنيت، ولمس الأصدقاء مدى رقتها وحنوها ~~وعمق ثقافتها. وهمس في أذني صاحب الدار: اسمع نصيحتي، لن يصلح ~~لك سواها ولن تصلح أنت لغيرها. وانتهت الليلة كما انتهت ~~الرحلة، ورحت أودعها في المطار. شكرتني من كل قلبها، ثم ~~ارتمت على صدري وبكت ورأسها على كتفي. ربت على ظهرها ~~وقبلتها في جبينها، وأردت أن أذكرها بوداعنا بعد زيارتنا ~~للقارئة الحجرية، وأقول لها سامحيني على عجزي وتحجري، فسبقتني ~~قائلة، وهي تمسح دموعها وتحاول أن تضحك بصوت عال: أتمنى لك كل ~~خير ... ليتني أنا أيضا أصبح حجرا كما قال شاعركم ~~القديم. # | عدم ... عدم # تشدد علي الممرضة السمينة الصغيرة الرأس، وهي ترفع سبابتها ~~منبهة: دقيقتين فقط من فضلك، غيرك لا نسمح له بأكثر من دقيقة ~~واحدة - لكن يبدو عليك أنك رجل طيب - تفضل يا حاج، دقيقتين فقط ~~كما قلت ... # أكاد أضرب كفا على كف ~~وأكاد أصرخ: أهكذا تختزل مئات الليالي والأيام التي قضيناها معا ~~في لحظة خاطفة؟ وماذا أفعل في هاتين الدقيقتين يا صديقي الحبيب، ~~وماذا أقول؟ # دخلت من الباب المفتوح. هو على السرير الحديدي الأبيض ممدد ~~ومغطى بملاءة بيضاء. تفاجئني الأجهزة ms106 الكثيرة اللامعة حوله ~~ووراءه وفوقه كوحوش آلية ساكنة؛ جهاز كمبيوتر تتحرك شاشته ~~بموجات متتالية من الخطوط المتعرجة والمستقيمة، دورق كبير ~~يتدلى منه خرطوم أحمر طويل مغروس في فمه، جهاز التنفس ~~كالكمامة الفضية موضوع على شفتيه. قبل أن أدخل إليه، أفهموني أنه ~~لولا هذا الجهاز الصناعي لاختنق في الحال. النفس مطرود، شهيق ~~يرتفع معه الصدر الضئيل وزفير ينخفض به، والصوت الخارج حشرجة تشبه ~~شهقات طاحونة قديمة أو استغاثة قاطرة محمومة. أتأمل الوجه الأبيض ~~الجميل الذي طالما أسرتني بشرته الناصعة وجبهته العريضة العالية، ~~والشعر المتموج المائل إلى الشقرة تنسدل خصلة منه على الجبين ~~المتحدي والمتأهب دائما للصراع والصدام. العينان الواسعتان ~~مفتوحتان على آخرهما ومصوبتان إلى الأعلى، إنهما لا ترياني ولا ~~تريان أي شيء، لكنهما مفتوحتان على اتساعهما وغارقتان في بحر ~~الغيبوبة. ألمس يده وأمر على راحته وأصابعه البيضاء الرقيقة، لكن ~~ما هذا؟ كيف صار الذراع الأيسر - من المعصم حتى المرفق - بهذا ~~السواد؟ كيف صار فحمة سوداء مستطيلة تنتهي بيد بيضاء جميلة ~~ونحيلة، كأنها جناح طائر محترق، أكل هذا من كثرة الإبر ووخزها ~~الأليم؟ # آه يا صديقي الحبيب! أيمكن أن يتحول البركان الثائر والفائر ~~إلى شبح عظمي شاحب؟ أأنت مستغرق الآن في دوامتك السفلية، ~~دائر كالريشة أو كورقة شجرة في خضم موجاتك الباطنة؟ ألا تنتبه ~~لحظة واحدة لتكلمني أو توصيني أو تلقي علي نظرة واحدة أفهم منك ~~أنك لمحتني وعرفتني؟ # كنت أداعبك دائما وأؤكد لك أنني سأسبقك حتما على الطريق ~~الذاهب بلا عودة، وكنت أقول لك إنني سأنتظرك لكي أقرئك وصيتي ~~على أولادي وكتبي وحصادي الهشيم ... فحذار حذار أن تخذلني أو ~~تسبقني! ... وها أنت تسبقني يا صديقي وتخذلني وأي خذلان ... أمر على ~~يدك وأضغط عليها بلا استجابة، أثبت عيني فيك كأنني أراك الآن ~~لأخر مرة، وبرغم الأمل الذي لا يموت، أربت على صدرك الصاعد ~~الهابط المتحشرج كصفارة باخرة تقاوم الغرق وتتشبث ببقايا الحياة. ~~آه يا صديق العمر! كلمة واحدة! نظرة واحدة! لماذا تستسلم لبحر ~~الغياب وأنا على الشاطئ أمد إليك يدي وكياني كله ms107 بلا جدوى؟ وفجأة ~~تدخل الممرضة السمينة ومعها صبية نحيلة كأنها ابنتها في ثياب ~~الممرضات: يا الله يا أستاذ! يا الله يا حاج! قلنا دقيقتين ~~فقط ... # أخرج من عندك لا أعرف لي اسما ولا هدفا ولا حاضرا أو ~~مستقبلا، حتى الدموع تستعصي علي برغم الشلال الجياش في ~~داخلي. ما الذي فعلته بنفسك وبي؟ ولماذا أنت ولست أنا؟ مع أن ~~الحياة والفن والمجتمع والناس أحوج إليك مني ألف ألف مرة؟ # تدخل بعدي الابنة والابن وعلى وجهيهما صفرة وفي عيونهما دموع ~~متحجرة. إن هي لحظات ويرجع الابن مناديا علي: تعال يا عمي، ~~بابا أفاق على صوتنا وعرف أنك كنت عنده. نادى عليك أيضا وتكلم ~~كلاما لم نفهم منه إلا كلمات الدراما والمسرح والقصة ... تعال بسرعة ~~قبل أن يدخل في الغيبوبة ... # وأسارع بالدخول غير مصدق، أقبلك على خدك وجبينك وأقبل يدك ~~وأصابع يدك وأربت على صدرك. يخرج من أعماق الطاحونة الخربة صوت ~~واحد بكلمة واحدة ووحيدة: عدم ... عدم ... عدم. أحاول تدليك يدك ~~وأصابعك وتقبيل خديك وعينيك ويديك ... يأخذني الذهول والحيرة والخجل ~~من وجودي حيا أمامك وأتجمد وأتصلب كحجر. ويطرد النفس ~~المتحشرج ومعه الدمدمات والآهات المضغومة ~~والآهات المتوالية والمكتومة ~~كبخار هائج ينفلت من وعاء يغلي بالماء، الذي يدمدم ويدوم بلا ~~انقطاع. أناديك ولا ترد - أكلمك بالصوت المختنق الذي يرتفع ~~قليلا قليلا ولكن بلا فائدة - تنفتح العينان أكثر مما كانتا ~~قبل لحظات، تغيب عنا وعن نفسك وتسقط في الدوامة العاصفة في ~~الأعماق. أفيق على صوت الابن الذي يربت على ظهري وكتفي: خلاص يا ~~عمي ... رجع للغيبوبة من جديد. وتستعجلنا الممرضة ومساعدتها الصغيرة: ~~يا الله! يا الله! الدكتور الكبير يمر الآن، وموعد الزيارة ~~انتهى. # أطل عليك الإطالة الأخيرة؛ العينان مفتوحتان والصدر - الطاحونة ~~- يشهق يتحشرج، يعلو يهبط بالصوت الرتيب المخنوق. وأنا خارج من ~~عندك ترن في سمعي دمدمتك المضغمة الغامضة: عدم ... عدم ... عدم ... كما ~~يتردد صوت مهيب ورهيب يخيل إلي أنه يخرج مدويا من ~~أعماقي: # عليك أن تغير نفسك! عليك أن تغير نفسك! عدم ... عدم ... عدم. # 1 # | كوجيتو ms108 مصري # وأنا في الطريق إليه، كنت أضع يدي على قلبي، وأحمل في اليد ~~الأخرى مظروفا كبيرا يضم بعض أعماله التي أملاها في الفترة ~~الأخيرة على كاتبة الكمبيوتر (الحاسب)، وتطوعت بتصحيحها بسبب ما ~~أصاب عينيه من تليف أدى إلى شبه إظلام تام. كم أحببت السير في ~~هذا الشارع الطويل المحاذي لكورنيش النيل في حي الروضة العريق ~~الذي نجا إلى حد كبير من زحف الأبراج البشعة وغابات الإسمنت ~~الخانقة. وكم كان أحب شيء إلى نفسي أن أسارع إلى المسكن الهادئ ~~المتواضع للصديق الحبيب، كل مرة أرجع فيها من غربتي الطويلة في ~~البلاد العربية التي أعرت إليها أو عملت فيها. كنت أحس - في جلسات ~~الأنس والود الممتدة إلى ما بعد منتصف الليل - أنني أتعلم من ~~الحكمة التي تفيض من عقله الثاقب المتزن، وحسه الواقعي المجرد من ~~كل الأوهام، ما لم أتعلمه من عشرات الحكماء الذين درستهم وقمت ~~بتدريس أفكارهم ومذاهبهم، وأخذوا عمري ما أخذوا بلا رحمة. ولأن ~~الصديق الحبيب يهوى العزف على العود والكمان، فقد كانت الموسيقى ~~التي أحبها من ألحان عبد الوهاب والسنباطي أشبه بسياج من الأضواء ~~والألوان المبهجة، التي تترقرق وسط أحاديثنا المرهفة عن أزمات ~~الأدب والفكر والنقد وأزمتنا معها. وكنت أخرج من كل زيارة وكأنني ~~لعازر الذي مسته المعجزة، فوهب حياة جديدة بعد أن غيب في ~~قبره، ونهض على قدميه وهو أكثر شجاعة وتصميما على مواصلة الحياة. ~~وها أنا ذا في الطريق إلى الصديق العزيز يؤرقني القلق عليه من ~~ناحية، ويملكني الإعجاب به من ناحية أخرى. لقد أحسست في ~~الزيارات الأخيرة، وأنا أتأمل وجهه وأسمع ضحكاته الخافتة وهمساته ~~الساخرة بشيء يصعب علي وعلى أي لغة أن تصفه أو تحدده، لم يكن هو ~~الخوف على صحته التي تردت ترديا واضحا في الشهور الأخيرة، لا ~~سيما بعد فشل العملية الجراحية التي أجريت في عينه اليسرى ولم ~~تسفر عن إهدائه بصيصا واحدا من النور. ربما كان هو الإحساس بأن ~~الصديق - بالرغم من ضحكاته وفكاهاته اللاذعة، ومحاولاته المستمرة ~~لكي يبدو طبيعيا إلى أقصى حد ms109 - يقف مني ومن كل شيء موقف المودع ~~الموشك على سفر طويل. لكنني كنت أبذل كل جهدي في التغلب على هذا ~~الإحساس، والإقبال على الضحك والثرثرة وكأن كل شيء سيبقى على حاله، ~~ولن تتوقف عجلة حياتنا ولقاءاتنا لحظة واحدة. # في هذه الزيارة الأخيرة، وقفت أمام باب الشقة الهادئة - التي ~~طالما شعرت بأنها تفوح بعطر المحبة والصدق والرضا والتواضع - كما ~~فعلت عشرات المرات على مدى العقود الثلاثة الأخيرة من عمري. وعندما ~~فتح بنفسه الباب وجدتني أمام وجه شاحب ضامر، صور لي الوهم أن ~~سمرته ازدادت عمقا وجهامة وقتامة، وأن الجسد الذي واجهني على ~~الباب قد ازداد نحوله وهزاله بما لا يخفى على النظرة العابرة. وزاد ~~من خوفي وقلقي أن الصديق لم يفتح ذراعيه ليضمني إلى صدره، كما ~~اعتاد أن يفعل، ولم يربت على كتفي مرتين أو ثلاثا، ويأخذ يدي في ~~يده ويشدني إلى حجرة الصالون التي ننفرد فيها سويا. وعندما استقر ~~في جلسته إلى جواري، لم أسمع منه تهليلا ولا ضحكا ولا لهفة على ~~أخبار صحتي وعملي كما ألفت منه. خرجت من فمه كلمة أهلا بصعوبة، ~~وبصوت لا يكاد يسمع قبل أن يلتف في رداء الصمت، ويشد ظهره ~~وعضلات وجهه وما بقي من نور يحتضر في عينيه في اتجاه الحائط ~~المواجه له. نادى على ابنه بصوت عال لكي يحضر القهوة، وحاولت من ~~جانبي أن أخرق أستار التوتر والتخشب بالكلام عن إعجابي بالأعمال ~~التي قمت بمراجعتها، واستمتعت متعة لا حد لها بقراءتها. كان ~~هناك كلام حماسي كثير يريد أن يقفز من فمي عن مسرحيته المرحة ~~الشائقة «مغامرات عيسى المفتري مع أبي الفتح السكندري»، التي ~~استوحاها من بعض مقامات الهمذاني، وعن روايته القصيرة العذبة ~~والفكهة والمحزنة معا «الأعداء الصماء» التي تخيل فيها لقاء رجل ~~وامرأة فوق الثمانين في إحدى الحدائق، واكتشافهما خلال الحوار ~~الذكي المتوثب أنهما هما الحبيبان القديمان من أيام الثانوي، وأن ~~غلطة الحبيب الغارق في حبه والواضع نفسه تحت تصرف المحبوبة أنه ~~لم يتشجع مرة واحدة لكي يصارحها بحبه ويعلن بوضوح عن ms110 مكنون قلبه؛ ~~ربما بحكم طبيعته المحافظة أو خجله الفطري. وها هما يلتقيان بعد ~~ضياع الحب والعمر، كما يلتقي حفيده وحفيدتها اللذان يتعشم الراوي ~~ألا يقعا في غلطتهما أو يكررا خطأهما ... # كنت أنوي أن أتحدث عن هذين العملين وعن عمل ثالث أزمع أن يعيد ~~نشره بعد إضافة قصص جديدة إليه، لكن الصديق أشار بيده مبديا ~~رغبته في إغلاق هذا الباب وإيقاف سيل الإعجاب الذي بدأ ينهمر، ~~فأوقفه سد منيع من السأم أو الرغبة الشديدة في التزام الصمت. ~~خيم فوقنا السكون فترة غير قصيرة. لم تمتد يد الصديق إلى العود ~~أو الكمان أو حتى إلى الكاسيت كما كان يفعل، لم تند عنه ضحكة ~~واحدة، وهو الساخر الأبدي في كلامه وكتابته. إنما طالت جلسته ~~المشدودة ونظراته المصوبة إلى الجدار المقابل. احترمت رغبته في ~~الصمت والتوحد، ونهضت مستأذنا في الانصراف، فشدني بعنف إلى ~~الكرسي الذي أجلس عليه، وهو يقول: هل يضايقك أن أفكر؟ ألا تقولون ~~عندكم أنا أفكر فأنا إذن موجود؟ ضحكت قائلا: هذا هو الكوجيتو ~~المعروف عن ديكارت أب الفلسفة الحديثة. سأل، وهو يلتفت نحوي ~~متجهما: وهل توافق أنت عليه؟ قلت مسترسلا، وكأنني أشرح درسا: لا ~~شك في أن ديكارت وجد نفسه في حالة تفكير، وأنه اكتشف أنه يوجد ~~بحق كلما فكر، ولكن النتائج التي استخرجها من هذا الكوجيتو ربما ~~كانت مغلوطة أو متسرعة أو ملفقة؛ أقصد إثبات وجود الله ووجود ~~العالم بعد أن تأكد له وجود الذات المفكرة، وقد اعترض الكثيرون ~~... قاطعني قائلا: هل اعترض أحد على هذه العبارة الشهيرة؟ # قلت: كثيرون اعترضوا عليها، أو وضعوها في صيغ مختلفة، أو ~~فندوها من أساسها. سأل، وهو يثبت وجهه ونظره إلى الحائط ~~المقابل: مثل من؟ قلت: هم كثيرون! أحدهم قال: أنا أوجد إذن أنا ~~أفكر، وهؤلاء هم الوجوديون الذين جعلوا الوجود الجسدي في العالم ~~سابقا على التفكير. وفيلسوف آخر قال: أنا أتعذب فأنا إذن موجود، ~~فبدأ من المعاناة لمأساة الحياة والموت، وأكد أنهما علة ~~الإحساس بالوجود الممزق والمهدد في كل لحظة. وثالث جعل الأولوية ms111 ~~للإرادة على التفكير، فقال ما معناه أنا أريد، أو أنا أبذل جهدا ~~في مقاومة عقبة خارجية، فأنا إذن موجود؛ أي إنه لا يوجد بحق ~~حتى يفعل ويغير لا حين يفكر وحسب. الآراء والصيغ كثيرة يا صديقي، ~~والمهم أن العبارة الشهيرة، بل أشهر عبارة في تاريخ الفكر ~~الفلسفي، قد تندر عليها البعض وقالوا إنها خرافة ووهم وقع فيه ~~الفيلسوف الفرنسي في ليلة المدفأة، التي عزل نفسه فيها عن كل ~~شيء؛ عن العالم المحيط به والظروف التاريخية والاجتماعية التي ~~يحيا فيها، بل عزل نفسه حتى عن جسده الذي راح - بعد رحلة الشك ~~المطلق فيه وفي وجود أي شيء آخر سوى فكره المحض - يحاول بصور ~~ملفقة أن يثبت وجوده ووجود العالم. # التفت صديقي وعلى وجهه ظل ابتسامة: أفادك الله ولا فض فوك، ~~وأنا معجب بصاحبك الذي ربط وجوده بالموت، وأكد أن الإنسان لا يوجد ~~إلا حين يتعذب ويحس بمأساة الحياة والموت. شيء عجيب أن نوجد ~~حين نحس أننا نموت ... قاطعته محاولا أن أوجه الحديث وجهة ~~أخرى: ذلك مجرد رأي، لماذا لا نقول إننا نوجد عندما نعمل أو ~~نبني أو نبدع أو نسعد الآخرين أو نأمل في مستقبل أفضل أو ... قال ~~الصديق، وهو يخبط على ركبتي: أنا أيضا عندي كوجيتو جديد، كوجيتو ~~مصري بحق ولا يمكن أن يكون إلا مصريا. سألته وأنا أضحك، قال: ~~اسمع يا سيدي، أنا أظهر في أجهزة الإعلام فأنا موجود، أنا أدعي ~~وأرفع صوتي وأثير الفرقعات والزوابع وأتسول النقد والكتابة عني ~~فأنا إذن ... # قاطعته بحزم، وأنا أحس أن صوته يتهدج ويبتل بالدموع، التي ~~لا تريد أن تطفر من العين: لا ... لا، ما تقوله غير صحيح. المترفع ~~عن الإعلام والمتعفف عن التسول الذي نتكلم عنه موجود أيضا، ~~ووجوده في ضمير وتاريخ الفكر والأبد أكثر رسوخا. ثم إن ... قاطعني، ~~وهو يضغط على يدي: طول عمرك عبيط وعلى نياتك. قلت، ضاحكا: وما له؟ ~~رومانسي خائب كما تقول، المهم هو الصدق والإخلاص، أليس كذلك؟ زم ~~شفتيه وشد عضلات ظهره ووجهه، وثبت نظراته على الحائط ms112 المواجه، ~~وعاد يتغطى برداء الصمت الأسود الثقيل. استأذنت في الانصراف، فقام ~~واقفا وشكرني على مراجعة البروفات، وعند الباب عانقني فجأة ~~وقبلني. وخرجت إلى الشارع، والقلق والخوف من شيء مجهول ~~يستبد بي ... # بعد أسبوع واحد من تلك الزيارة، حمل إلي الهاتف نعيه بصوت ~~ابنته العزيزة. زلزلني النبأ الفاجع، ولكنه لم يفاجئني. فقد أعدت ~~التفكير فيما قال، وأدركت كيف يحكم التجاهل على الإنسان بالموت. إن ~~الصديق الذي كان منذ منتصف الستينيات إلى منتصف الثمانيات هو ~~أشهر كاتب إذاعي قد لزم الصمت والاعتزال عن أجهزة الإعلام أكثر من ~~عشر سنوات ليتفرع لكتاباته الإبداعية الحرة، فنسيته هذه ~~الأجهزة كما نسيه النقاد تماما، وحكم عليه الجميع بالموت وهو ~~حي. أسدلت ستائر الصمت والظلام على مسلسلاته الإذاعية، التي ~~كانت توقف أنفاس الجماهير المتابعة لها؛ (كالمماليك، وملك ~~الأورنس، وريا وسكينة، وأديب وغيرها)، وأشاح أهل المسرح بوجوههم، ~~فلم يخطر على بال واحد منهم أن يلتفت إلى روائعه المسرحية؛ ~~(كمحاكمة مطرب نشاز، والحرب والشاطئ الآخر، وغيرها)، وخرست ألسنة ~~النقاد وجفت أقلامهم بعد رحيل الناقدين الكبيرين اللذين كتبا ~~عنه قبل رحيلهما أيضا (وهما عبد الحميد يونس وشكري عياد)، فلم ~~يقل أحد ولم يكتب أحد عنه كلمة واحدة. وظلت ابنته بعد وفاته ~~تدوخ السبع دوخات لكي تنشر أعماله الكاملة - التي قالت لي إنه ~~جمعها ليلة وفاته عندما جمع أولاده حوله وأوصاهم عليها - أو حتى ~~أعماله المتأخرة التي لم يسبق نشرها ... وأفكر الآن - بعد حوالي ~~السنتين من رحيله - في الكوجيتو المصري الذي صاغه في زيارتي ~~الأخيرة، وهو يبتسم ابتسامته المرة، فأسأل وأنا أبتسم كذلك ~~ابتسامة مرة: أصحيح أن الإنسان عندنا لا يوجد إلا حين يتظاهر ~~ويدعي ويعلن عن نفسه في كل بوق وبكل وسيلة؟! # 1 # | الجسور # أحببت الجسور طوال حياتي. فرحت بالمشي والقفز عيلها، وهز ~~أسوارها الواهية وأنا بعد طفل صغير. كانت جسورا خشبية متهالكة ~~ومتآكلة من كثرة الأقدام التي مرت عليها، اهترأت ألواحها وامتلأت ~~أرضيتها المتسخة بالفجوات الخطرة، ولكنها لم تفقد سحرها العجيب ~~في عيني طفل ريفي من بلدة صغيرة في ms113 دلتا النيل. لن أستطيع الآن ~~أن أصف مشاعري نحو تلك الجسور العجوز الهشة التي كنت أجدها ~~بسهولة فوق الترع والقنوات، وأسرع إليها لأراقب الحمير والبقر ~~والجاموس والفلاحين الطيبين الذين يعبرونها صامتين . بل إنني ~~أتذكر بشيء من الخوف كيف كنت أدلي رأسي من بين فتحاتها المتسعة مع ~~أنني لم أكن أعرف العوم وما زلت أجهله حتى اليوم. # وكبرت في العمر وأتيح لي أن أعبر جسورا على نهر الراين، ~~وجسورا على نهر السين يلوذ بها صعاليك باريس من الفنانين، ~~الشحاذين المعروفين باسم «الكلوشار»، يستريحون تحتها في الليل ~~ومعهم زجاجة النبيذ و«الباجيت» الأبيض الطويل. وسنحت فرصة إجازة ~~قصيرة قضيتها في لندن بعبور جسرها الشهير، فتذكرت حسرة الشاعر ~~«إليوت» - في إحدى قصائده التي لا أذكر الآن إن كانت هي الأرض ~~الخراب أو أغنية حب بروفروك - على مئات الرجال والنساء والأطفال، ~~الذين يمشون عليه كل يوم وسيموتون حتما في يوم من الأيام. وها ~~أنا ذا في كهولتي ثم في شيخوختي أعيش في القاهرة، كأني أعيش في جوف ~~تنين محتضر - وإن كان لا يتورع عن ملء حياتنا إزعاجا وضوضاء ~~وتلوثا من كل نوع. وأجدد عشقي القديم بتأمل جسورها في الليل بعد ~~أن يهدأ ضجيج النهار، وأحس وأنا أسير على أحد جسورها بمتعة لا ~~تعدلها متعة، بينما أستمع إلى همسات أنوارها الوديعة، وهي تخاطب ~~جسد المدينة المنهك: ها أنا ذا أضيء لك دروبا تعبرينها من شاطئ ~~إلى آخر، من المرض إلى الصحة، ومن العجز والشيخوخة إلى شباب الأمل ~~والبعث الجديد، فهل تسمعينني أيتها الأم الطيبة التي ظلمها ~~أبناؤها وشوهوا وجهها وسمموا هواءها وأهانوا آثارها وأهملوا ~~صروح الأصالة والعراقة والصمود والصبر فيها؟ # وأنظر الآن في بعض رسوم فان جوخ وغيره من الفنانين عشاق الجسور، ~~وأسأل نفسي: ما المعنى الذي تنطوي عليه؟ ما السر في ذلك السحر ~~القديم الجديد؟ وأحاول الإجابة، فأقول: إنه التواصل، الانتقال من ~~أرض إلى أخرى، من شاطئ إلى شاطئ جديد ومن حال إلى حال. هذه الظهور ~~الخشبية أو الحديدية تتطوع مختارة بتحمل أثقال الأقدام ~~والعجلات ms114 على اختلاف أنواعها وأشكالها، لتوصل العابرين إلى بر ~~الأمان. أغلبها يمتد فوق أنهار أو ترع أو قنوات؛ أي فوق حياة ~~متدفقة تتدافع فيها موجة في إثر موجة، وتتحرك حركة لا تعرف ~~التوقف. إنها ثابتة فوق الماء، ولكنها توحي بمعاني الحركة ~~والصيرورة المتصلة، قد تصمد مئات السنين، وقد تبادر بتخريبها ~~الحروب وقوى القهر والتعصب والإرهاب، ولكنها في النهاية تنطق بأنها ~~مؤقتة وعابرة ككل من يعبرها، وكل شيء في حياة الإنسان. المؤمن ~~بالله يعلم أن الدنيا جسر إلى الآخرة، محنة أو امتحان أو ابتلاء، ~~إن اجتازه الإنسان بالعمل الصالح والقلب السليم فقد فاز بعبوره ~~إلى ما هو خير وأبقى. والمؤمن بهذا العالم وحده يعرف أن المجتمع ~~الذي يعيش فيه، والمدينة التي يسكنها ويعمل بها، ليست إلا جسرا ~~يحاول أن يعبره إلى مجتمع أفضل وأعدل، ومدينة مثالية أجمل وأكمل، ~~مدينة يحلم بها ويعمل بإخلاص مع غيره لتحقيقها في الواقع بالعلم ~~والخبرة وبالثورة والأمل ... كانت كل الحضارات التاريخية جسورا ~~يؤدي بعضها إلى بعض، يلتقي العابرون من الناحيتين فيتفاعلون ~~ويتبادلون المعرفة والتجارة وسبل العيش وأسبابه، أو يتحاربون ~~ويتقاتلون ويدمرون ثم يذهبون، ولكنهم في كل الأحوال يهدمون جسورا ~~وقد يبنون جسورا أخرى إلى أشكال مختلفة من التحضر لا تنسخ ~~بالضرورة خير ما في الأشكال السابقة عليها. والأجيال؟ إن الآباء ~~جسور تمد حبها ورعايتها وتضحياتها ليعبر فوقها الأبناء، ~~والمعلمون جسور يجتازها التلاميذ إلى آفاق جديدة ومعارف وخبرات ~~أكثر صحة أو أكثر حداثة. كلاهما - الآباء والأبناء - يقدم تجربته ~~للآتي بعده، وهو يقول: هذه هي تجربتي، خذها بخيرها أو شرها، ~~وحاول أن تجددها وتضيف إليها. والويل لجيل أو أب أو معلم ~~يتصور أن تجربته مطلقة، أو يتوهم أن خبرته نهائية وثابتة. ~~إنه لينكر عندئذ أنه مجرد جسر، كما يتنكر لطبيعة الجسور ~~ومعناها وحكمتها. # وقد أعجبت في شبابي، وما زلت معجبا، بفلاسفة التطور والتقدم ~~والحركة، منذ هيراقليطس الإغريقي في القرن الخامس قبل الميلاد، إلى ~~داروين الإنجليزي ونيتشه الألماني في القرن التاسع عشر، إلى ~~المفكرين والأدباء «اليوتوبيين» الذين يرسمون ملامح مدن ms115 المستقبل ~~التي لا توجد بعد في أي مكان (وهذا هو مفهوم كلمة يوتوبيا في ~~أصلها اليوناني) ويدعوننا للكفاح في سبيل تحقيقها، أو يحذروننا من ~~أخطارها وأهوالها إن كانوا من المتشائمين الذين يصورون مدنا أو ~~يوتوبيات أخرى مضادة، ولا بد أن الرمز الذي تنطوي عليه كلمة الجسر ~~هو الذي جذبني إلى أولئك وهؤلاء، ولعل أشدهم تأثيرا على نفسي ~~حتى اليوم هو نيتشه، الذي حفر عباراته المشهورة عن الجسور في قلبي ~~وعقلي، وأكاد أقول على لحمي وعظمي. ولا شك أننا نتذكر تلك ~~العبارات المثقلة بالنبوءة والمتوهجة بالغضب والتمرد التي ترد ~~في مقدمة أروع كتبه، وهو «هكذا تكلم زرادشت»: «إنني أعلمكم الإنسان ~~الأعلى، ما الإنسان إلا شيء ينبغي تجاوزه، فماذا فعلتم لكي ~~تتجاوزوه؟ الإنسان حبل مشدود بين الحيوان وبين الإنسان الأعلى، ~~حبل ممتد فوق هاوية، معبر خطر، مفترق طريق مخيف. وأعظم ما في ~~الإنسان أنه جسر، وليس هدفا أو غاية.» # ومع أن فكرة الإنسان الأعلى فكرة غامضة ومحيرة؛ فهي توحي ~~للإنسان بأنه جسر، وأنه على الدوام أمل لم يتحقق وواقع لم يكتمل ~~بعد ... # وأعود فأسأل نفسي وجيلي بعد أن تخطينا الستين أو حتى السبعين: هل ~~كنا جسورا صالحة لمن عبروا فوقنا؟ هل استطعنا أن نقدم لهم تجربة ~~تعينهم على بلوغ شاطئ الأمان، أو نغرس فيهم ثقافة حية وفاعلة ~~تشجعهم على الاقتحام والتجاوز والإبداع والابتكار؟ وإذا كنا قد ~~قمنا بهذا الواجب، فلماذا تتراكم حبال التعاسة والفقر والجهل ~~والتخلف والفساد من حولنا، بل تكاد ترزح فوق صدورنا؟ وعندما ~~نتهاوى وننهار - كما تساقط الكثيرون من أعزائنا ورفاق طريقنا - فهل ~~سيذكر أحد ممن تحملنا وطء أقدامهم على أجسادنا وأعمارنا؟! # لا يمكنني الإجابة على هذه الأسئلة. فالإنصاف يأتي به الزمن أو ~~لا يأتي، وربما ننسى وتنسى جهودنا تمام النسيان، ولا يذكر منا - إن ~~ذكرنا أحد أو تذكرنا - سوى فشلنا وخيبات آمالنا. لكننا نتمنى ~~إن عبر بقبورنا عابر، أن يتذكر ما قاله الشاعر الإغريقي سيمونيدس ~~عن زملائه الذين سقطوا صرعى في الميدان: أيها العابر الغريب! قل ~~لمواطنينا في إسبرطة ms116 ... إننا نرقد هنا ولا نزال في الموت لعهدها ~~أوفياء ... # لعل العابر يومئذ يتذكر الجسور التي انهارت، وإذا وجد نفسه يمشي ~~على جسور أقوى منها لا ينسى الذين مدوها. وإذا اتهم خبرتهم ~~القاصرة، فلا يجحد إخلاصهم وصدقهم حتى لا تجحده بدوره أجيال آتية، ~~ستمد جسورا غير جسوره. # لست أقول هذا ولا يقوله جيلي، إنما تقوله الجسور التي حاول أن ~~يمدها: أنتم يا من تعبرون فوقنا! إن هدمتمونا يوما وشيدتم ~~غيرنا؛ فاذكرونا وسامحونا. # | هذا البلد مكاني ... هذا الزمن زماني # عندما تسير على الطريق، فتدمي قدميك الأشواك، وتهب عليك ~~الرياح المسمومة من كل ناحية، وتتكالب عليك الجراء - التي طالما ~~أعطيتها من عمرك وعلمك - لتجرب فيك أظافرها ومخالبها وأنيابها ~~الصغيرة، وتتقافز القرود فوق الأكتاف وتتصارع على العروش الوهمية ~~التي كانت بالأمس تزينها كبرياء الأسود - حينئذ لا تملك إلا أن ~~تهتف: يا ربي! لم ولدت في هذا المكان؟ لم وجدت في هذا ~~الزمان؟ # تعلم أن السؤال عقيم لا جواب عنه، لكنك تتحسر وتتمنى. ~~تتحسر على عمر يضيع، وطاقة تبدد، وكرامة تنهش، ومرارة تتراكم في ~~قلب القلب كجبل الملح، وموهبة تطفأ شمعتها الواهنة يوما بعد يوم ~~كلما حاولت أن تسرجها، وتتمنى وتطير على أجنحة التمني إلى ماض ~~انقضى أو مستقبل لم تنم بذرته بعد. إلى تاريخ ذهب وبلاد لم ~~تطأها قدمك، وعصور لم تعشها ولم تدر عنها شيئا إلا في الكتب أو في ~~الخيال. ترافق «سقننرع» و«أحمس»، وتطارد معهما الهكسوس. تلازم ~~سقراط وجماعته عبر شوارع أثينا وحاراتها، وتشارك في الحوار الذكي ~~الساخر الحر. تعرج على سراقسطة فتنضم إلى مكتشف قوانين الطفو ~~الروافع ومربع الدائرة (المدهش الرائع أرشميدس حوالي 212 ق.م.) وهو ~~يدافع عن أسوار مدينته دفاع المستميت. وربما تميل إلى سوق عكاظ، ~~فتملأ سمعك ووجدانك بإحدى المعلقات. ثم تصعد تل الأيام والليالي ~~والسنين، فتطرق باب محبس أبي العلاء، وتجلس إليه وتسمع منه، وربما ~~تتمنى لو يطلب منك - وهو سيد الزهد والاستغناء - أن تسوي ~~فرشته أو تعد لقمته. وتحضر مجلس الرشيد أو المأمون، وتمتع نفسك ~~وتؤنسها بمساجلات ms117 الأدباء والفقهاء ومناظرات العلماء والفلاسفة ~~والمترجمين (وقد يسعدك الحظ، فيجعلونك مساعد حنين بن إسحق أو أبيه ~~إسحق بن حنين!) وتواصل الصعود ~~إلى عصر النهضة وتؤثر صحبة جاليليو على غيره ، وتطل على السماء من ~~مرصاده، وتشارك في تلميع زجاج عدساته، كما تساهم ولو بنصيب ضئيل ~~في مغامرة العقل وإرساء المنهج العلمي، وتحرير الإنسان من زنازين ~~التخلف والجهل التي وضع فيها باسم الدين، والدين منها براء. وقد ~~تعود أدراجك أخيرا، فتهبط إلى حضارات غابرة، وتقنع بوقفة حاجب ~~متواضع ومتأمل في بلاط ملك هندي أو سومري أو بابلي أو آشوري ~~رائع، أو في قصر إمبراطور صيني حكيم. # وترجع فتقول لنفسك: ألم يطعن سقننرع في ظهره؟ ألم يحكم على ~~سقراط بشرب السم؟ ألم يقتل أرشميدس بحربة جندي روماني فظ؟ هل ~~خلت أيام العرب من الغدر أو ارتوت باديتهم من الدماء؟ وهل نجا ~~رهين المحبسين من الإهانة والمرارة في زمن التدهور والتمزق ~~والغلظة والانحطاط؟ أم برئ عصر الرشيد والمأمون من الفتن ~~والمؤامرات، وعصر النهضة من المحارق ومحاكم التفتيش، وعصور ملوك ~~الشرق الأدنى والأقصى من استبداد السيد الأوحد وتعذيب وعذاب ~~الملايين؟ # لكن أمواج الحسرة لا تتراجع، وأجنحة التمني لا تطوى. وتطير ~~إلى ذهنك خاطرة من خواطر باسكال (1623-1662م) طالما أحببتها ~~ورددتها: «أرى هذه الفضاءات الكونية المخيفة التي تحوطني، وأجد ~~نفسي مقيدا إلى ركن من هذا الامتداد الهائل، بغير أن أعرف لماذا ~~وضعت في هذا الموضع دون غيره، ولا لماذا حددت هذه الفترة الزمنية ~~القصيرة التي قدر لي أن أعيشها في هذه النقطة بعينها لا في نقطة ~~أخرى من الأزلية التي سبقتني أو الأبدية التي ستأتي بعدي. لست ~~أدري من كل ناحية إلا هذه اللانهايات التي تحبسني كأني ذرة وظل لا ~~يدوم إلا لحظة واحدة وبلا عودة.» (الخاطرة رقم 194 من ترقيم ~~برونشفيج لخواطر باسكال). # هكذا لا أفتأ أجاهد نفسي حتى لا تسترسل في تأملاتها عن النهاية ~~واللانهاية، وزمانية الوجود الإنساني ومكانيته، ومعناه أو انعدام ~~معناه وهو يذوب كالقطرة ويتلاشى في بحر السرمدية، أو يتأرجح ~~كالقشة فوق ms118 محيط الفضاء الشاسع. وأزجر نفسي كي لا تستسلم لشطحات ~~ربما تكون عميقة ودقيقة، لكنها - في اللحظة الراهنة التي أحياها، ~~وفوق شبر الأرض الذي يشغله جسدي - لا بد أن تكون شطحات مترفة ~~وغير مسئولة، أو طرقات يائسة على قيثارة قدرية يداعب أوتارها ~~الخلي والخائف والهارب والمحزون المكتئب بلا أمل في ~~الشفاء. # هذا الزمن زماني # صحيح أنني لم أختره بنفسي، ولم أسأل عن رأيي قبل أن أوجد ~~فيه. لكن هل هذه هي المشكلة؟ إذا كنا نحن الشرقيين لا نمل ~~الحديث عنها، ونأبى إلا أن ندور بمناسبة وغير مناسبة حول ~~مسائل الجبر والقدر، كأنما نبرر آفة الهروب من الحرية ~~والاختيار، ومن شجاعة تحمل المسئولية وأداء الواجب! فإنها في ~~الحقيقة قد لا تكون مشكلة، أو هي على أقل تقدير ليست هي ~~مشكلتي الحقيقية «هنا والآن». فأنا أحيا في هذا الزمن وهو ~~يحيا في، أنا جزء منه وهو جزء مني. ولدت في أواخر الثلث ~~الأول من القرن الماضي، ولا يعلم إلا الله متى تطوى صفحات ~~كتابي. أعرف يقينا أنني أتنفس هواء عصر القلق والتعذيب ~~والمذابح والمقابر الجماعية والرعب النووي وعصابات المافيا ~~والإرهاب والتلوث وإبادة الخضرة وأخطار الأورام المداهمة ~~والسكتات القلبية والدماغية المباغتة، والعيون الإلكترونية ~~الراصدة في كل ركن وكل منعطف، وفجور رأس المال الذي طغى ~~واستشرى حتى زاد الفقراء فقرا والجوعى جوعا والأغنياء ~~المترفين قهرا وجبروتا، وروج تجارة الجنس والمغيبات ~~والمخدرات، وما فتئ يعد لسحق شعوب ومناطق بأكملها. وأعرف ~~كذلك يقينا أنني عشت زماني الواعي في هذا الركن، الذي قيدت ~~إليه وجربت فيه من الأحزان أكثر بكثير مما تذوقت من الأفراح، ~~وعانيت من الهزائم وخيبات الأمل في العمل والحب ما لا تقاس به ~~النجاحات النادرة والضحكات القليلة المغتصبة. لكنه في النهاية ~~هو عصري، وليس لي اختيار في أن أكون فيه أو لا أكون. # وهذا البلد مكاني # أعلم أنه هو بلد العتمة - على الرغم من شمسه الأبدية ~~الساطعة - وأن الظلمات تزحف عليه من الخارج ومن الداخل منذ ~~آلاف السنين، ولا تزال جحافلها ومسوخها وأشباحها تجوس فيه ms119 ~~(جحافل ظلمات التسلط وخدمه وحشمه من مسوخ الفقر والذل ~~والنفاق والغدر والقبح والملل ...). # لكنني أرجع وأقول: نعم ~~يا نفسي، هذا هو بلدي. أعلم هذا منذ وعيت وفكرت وعلمت وكتبت ~~وحاولت - وكم حاولت - أن أغير شيئا من نفسي أو مما حولي ومن ~~حولي. كان الحظ رحيما بك عندما ولدت لأب تقي صارم جاد، ~~وأم عطوف حنون، وعندما ~~أحاطت بك وحنت عليك آلاف العيون والقلوب المحبة، ورعى دربك ~~عشرات المعلمين والمربين و«الآباء» العظام. وكان طيبا ورحيما ~~بك أيضا عندما قاسيت الفقر والوحدة، وذقت مرارة التجاهل ~~والجحود، ووجدت نفسك وحيدا في مواقف الغدر والظلم والمهانة، ~~وحوصرت بصغار الصغار وحقد الحاقدين وتضخم المتضخمين. وأقول ~~لنفسي أيضا: إذا بقيت في هذا البلد فافعل - أقول افعل ولا ~~أقول تكلم - وإذا تكلمت أو فكرت فليكن كلامك وفكرك دليل عمل ~~وخطة فعل وتغيير وتحد لصور التخلف ومسوخ القبح. وإذا غادرته ~~إلى بلد آخر - ربما لا تشعر فيه بالغربة التي حاصرتك في بلدك - ~~فأنت تحمل - شئت ذلك أو لم تشأ - أثقال تاريخه وألواح قيمه - ~~المظلومة المهدرة - في دمك، وتضع بلورته الصافية نصب عينيك ~~دائما فتزداد حبا له وقربا من روحه وحقيقته. ومن يدري؟ ~~ربما قدر قدرك الطيب الرحيم - مهما تصورت في كثير من الأحيان ~~قسوته عليك! - أن تكون حلقة ضرورية في سلسلة أجيال وحضارات ~~وصراعات ضرورية. وربما هتف صوت الزمن الآتي في لحظتك الراهنة، ~~وقال لك على لسان أبنائه: نحن نغبطك على الأزمات التي عشتها، ~~والمحن التي ألمت بك وعبرت عنها، ولو لم تعشها وتعبر عنها ~~- أنت وأبناء جيلك ومن فاقكما موهبة وخيالا ونجاحا - فربما ~~كانت خسارتنا فادحة، وربما لم يتح لنا أن نعرف شيئا عن ~~تجربتكم التي تعكس من بعيد تجربة عصركم ومجتمعكم وحاضركم، الذي ~~غدا اليوم ماضيا. ونحن نحسدك؛ لأن قلبك الصغير قد نبض في نفس ~~الوقت مع قلوب عظيمة نعتز بعطائها، وعقول ملهمة نقدر اليوم ~~روعة ما بذلت وقدمت. ومن يدري أيضا؟ ربما كنت - أنت ومن هم ~~ألمع منك وأقدر - مرآة وضعت أمام عصرك ليتأمل فيها ms120 نفسه ~~ويحاسبها ويحاول تغييرها، كما وضعت أمام بلدك، لعله يرى وجهه ~~الحقيقي الذي تمنيت وتمنوا معك أن تكشفوا عنه الحجب والغيوم ~~واللطخات التي شوهته، وأن تكونوا في النهاية ملمحا طيبا من ~~ملامحه الأصيلة الطيبة. وأخيرا، تهتف بنفسك أو ~~تهتف بك: # هذا البلد مكاني ... وهو مكان طيب لا أعدل به - مهما ابتعدت ~~عنه بالروح أو بالجسد وباليأس أو التعفف - أي مكان آخر ~~سواه. # وهذا الزمن زماني ... لا أملك إلا أن أحياه وأعانيه ~~وأتحداه ... # ويوم يرتعش الطائر الأخضر الصغير في صدرك، حين يرى الصياد ~~الأسود الملثم يقترب منك، ويسدد سهمه لقلبك، ويطويك في ~~جرابه الذي لا يمتلئ أبدا ... يومها ادع الله أن يمهلك لحظة ~~لتسأل نفسك: هل استطعت أن أغير شبرا واحدا من مكاني؟ ~~هل تركت ورائي شعاعا ~~واحدا يصارع ظلمات عصري وزماني؟ ادعه أن يمد في عمر وعيك ~~لحظة واحدة تهمس فيها شفتاك: # هذا البلد مكاني. # هذا الزمن زماني. # | الرجل الصغير، والبدء والمصير # كنت في أواخر الستينيات قد أهديت مجموعتي القصصية الأولى «ابن ~~السلطان» لصديق كريم يشتغل بالنقد الأدبي والمسرحي، ومرت الأيام ~~ولقيته صدفة، فهتف بي: منك لله! قلت ضاحكا: خير ... حصل مني شيء ~~لا سمح الله؟ قال، وعلى وجهه أمارات الغضب أو الاستياء: بسببك ~~مرضت أمي واختلت مواعيد نومها وصحوها فترة غير قليلة. أسرعت ~~بإبداء الأسف والاعتذار: شفاها الله وعافاها ... ولكن كيف؟ قال كأنه ~~يقرأ من عريضة اتهام: لما رأت مجموعتك القصصية في يدي طلبتها ~~مني لتتسلى بها. كنا بعد العصر عندما بدأت تتصفحها في غرفتها، ~~فلم تتركها من يدها قبل أن تنتهي من قراءتها مع أذان الفجر. قلت، ~~وأنا أربت بفرح ومودة على ذراعه: عسى أن تكون الوالدة الكريمة قد ~~رجعت لطبيعتها ... سلم عليها وقل لها إن سهرها مع قصصي المتواضعة ~~هو أعظم شهادة تقدير نلتها حتى الآن. سألني وهو لا يزال متوترا: ~~شهادة؟ ماذا تريد أن تقول؟ قلت، وأنا أمسك يده مودعا: لأنني ~~أعتز بهذه الشهادة أكثر بكثير من عشر مقالات، تكتبها أنت أو غيرك ~~من النقاد في ms121 مدح المجموعة أو ذمها. أرجوك أن تبلغها شكري ~~وامتناني، وأطيب تمنياتي. # مضيت لحالي، وعلامات الدهشة والحيرة لا تزال ترتسم على وجهه. ~~لكنني بقيت منذ ذلك الحين مشغول الفكر بقضية الإنسان العادي، الذي ~~تمنى كل الكتاب في كل العصور والبلاد أن يصلوا إليه أو يصل ~~إليهم. صحيح أنني لم أبتعد أبدا عن وجدان هذا الإنسان العادي، ~~سواء في حياتي وعملي بالتدريس أو في بعض كتاباتي القصصية ~~والمسرحية، بل وفي بعض بحوثي ودراساتي التي أعلم تمام العلم أنها ~~ظلت بعيدة عنه كل البعد كما ظل بعيدا عنها، إلا أن القضية لم ~~تزل تشغلني وتثير في نفسي بعض الأسئلة الخالدة والمستعصية من نوع ~~السؤال: لماذا نكتب ولمن نكتب؟ وما قيمة ما نكتب أو جدواه إن لم ~~يغير من الواقع ويؤثر على وعي الإنسان العادي وسلوكه؟ # ربما طافت اليوم على ذهني وضميري هذه الأفكار والتساؤلات، بحكم ~~التقدم في السن وعدم الإحساس بأي صدى حقيقي لآلاف الصفحات التي ~~دوناها، أنا والكثيرون من أمثالي. وقد لجأت إلى مخزون زادي ~~الثقافي المتواضع لتقديم هذه الخواطر عن الإنسان العادي أو الرجل ~~الصغير كما يسمى في بعض اللغات الأجنبية، وكما يتمثل في بعض ~~الأعمال الأدبية التي ترد الآن على خاطري من التراث الغربي، تاركا ~~الكلام عن العامة والمهمشين في تراثنا وتاريخنا العربي ~~والإسلامي إلى فرصة أخرى ... # في أيام شبابي كنت أقبل على قراءة بعض أعداد السلسلة المشهورة، ~~التي كانت تنشر عيون التراث الأدبي والفكري الإنساني، وهي سلسلة ~~«إيفري مان»: «كل إنسان». ظل الشعار المكتوب على الصفحة الأولى ~~منها يهزني ويملك علي كياني، ويدفعني على الدوام إلى تصويب ~~عيني إلى شفتي الإنسان العادي لأتذوق لغته، ووضع أذني على قلبه ~~لأتسمع نبض قلبه وفرحه وهمه: «يا كل إنسان! سأسير إلى جوارك ~~وأكون دليلك كلما اشتدت حاجتك لأن أكون بجانبك.» (وقد وردت ~~العبارة على لسان الرجل العادي أو كل إنسان في إحدى مسرحيات العصور ~~الوسطى الأخلاقية المعروفة بهذا الاسم.) # وفي رجولتي عشقت الشاعر الاشتراكي والكاتب والمخرج المسرحي ~~«بريشت»، وقدمت للقارئ العربي عددا ms122 من مسرحياته وقصائده التي كان ~~من أهمها قصيدة ما فتئت أمواجها تفور في أغوار الروح منذ أكثر من ~~أربعين سنة مضت، وهي عن عامل بسيط يسأل أثناء القراءة، وربما ~~تستطيع بعض سطورها أن تقربنا من موضوعنا: «من بنى طيبة ذات ~~الأبواب السبعة؟ في الكتب نقرأ أسماء الملوك، فهل حملوا الأحجار ~~فوق ظهورهم؟ وبابل التي تهدمت مرات عديدة، من الذي أعاد بناءها ~~في كل مرة؟ وليلة تم بناء سور الصين، أين ذهب البناءون؟ روما ~~العظيمة زاخرة بأقواس النصر، من أقامها؟ وبيزنطة التي طالما أشاد ~~بمجدها المنشدون، هل كان سكانها جميعا يعيشون في القصور؟ ~~الإسكندر الشاب فتح الهند، هل كان وحده؟ قيصر هزم الغاليين، ألم ~~يكن معه طاه؟» # وتمضي القصيدة في أسئلتها التي تدور حول الرجل العادي الذي يصنع ~~التاريخ، ومع ذلك أغفله التاريخ الذي كتبه مؤرخو الملوك ~~والأمراء والوزراء والقواد، إلى أن بدأ مؤرخو الحضارة يتذكرونه منذ ~~فولتير على أقل تقدير. وأخذت المدارس الجديدة للتاريخ الاجتماعي ~~والشعبي في عصرنا الحاضر تهتم بدور العامة في صنع التاريخ، وسقوطهم ~~كذلك ضحايا نكباته وكوارثه ونزوات المحركين له. # وتقلبت بي صروف الأيام والأعمال، فاطلعت على أعمال أخرى تضع ~~«الرجل الصغير» في بؤرة الاهتمام، بل تجعله معيار الحكم السليم ~~النابع من الحس والذوق الفطري السليم كلما جنحت بعض المدارس ~~والاتجاهات الفكرية (مثل فلاسفة المثالية الذاتية) إلى الشطط، ~~وأنكرت وجود الواقع المباشر أو جعلته معلقا بإدراكنا له، أو كلما ~~أسرفت أجنحة الأدباء والفنانين في التحليق فوق سحب الغرائب ~~والعجائب أو في الهبوط إلى أغوار المفارقات والمتناقضات تحت الواقع ~~والشعور أو فوقهما. ولا يتسع المجال المحدود إلا للإشارة إلى رواية ~~«أيها الرجل الصغير، ما العمل الآن؟» ل «هانز فالادا» ~~(1893-1947م)، التي صورت هزيمة زوجين شابين بريئين وموتهما ضحية ~~المحن الاجتماعية والأخلاقية خلال الأزمة الاقتصادية الطاحنة في ~~أوائل الثلاثينيات، وكذلك الإشارة المخلة إلى «فلسفة الرجل ~~العادي» التي أسسها رائد الفلسفة التحليلية الإنجليزية جورج مور ~~(1873-1958م) على الثقة بالحس السليم أو «الكومون سنس»، الذي اعتمد ~~عليه الناس دائما في حياتهم ms123 اليومية، واستندوا في أحكامهم على ~~مقاييس صدقه وصوابه، واستمدوا منه مجموع آرائهم وقيمهم ~~واقتناعاتهم. # إن التوجه للرجل العادي في حياته اليومية، والتعلم من شفتيه ~~ومن همومه وآماله ورؤاه وإحباطاته الفردية والجماعية، ومحاولة ~~النطق - كما يقول نيرودا - بصوت أولئك الذين صمتوا والتغني ~~بأغاني الذين لم يعرفوا الغناء، ثم الاحتكام في كل ما يقال ويكتب ~~أو يخطط للرجل العادي (الذي لا أحدده بالطبقة الاجتماعية بل ~~بالانتماء للأرض والتاريخ) يمكن أن يمدنا بالإجابة الصحيحة على ~~الكثير من أسئلتنا الحائرة. وربما يأخذ بأيدي الكثيرين منا ومن ~~شباب الأدباء والفنانين والمثقفين، خارج متاهات الغموض والضياع ~~والادعاء والتجارب العشوائية. قد يبدو «مرجع» الاحتكام هذا شيئا ~~تحيط به هالة المجهول، التي تحيط عادة بما نسميه الشعب أو ~~الجمهور. لكنني أقصد ببساطة أن نسأل أنفسنا على كل المستويات: لمن ~~يتوجه هذا القول أو العمل، وعلى من يعود؟ هل يمكن أن يصب في ~~نهر الجموع ويغير من حياتها المادية والمعنوية؟ إن الرجعة ~~الحاسمة لما أسميه بالرجل العادي أو الرجل الصغير يمكن أن تكون ~~هي المنطلق الأكيد، كما تكون هي التوجه والغاية من كل ما نحاول ~~اليوم ونحقق فيه بعض التقدم أو نتعثر فيه: إصلاح التعليم ~~والاقتصاد، استزراع الصحراء، إنقاذ القيم الثابتة من السقوط اليومي ~~في مستنقعات اللاقيم الأنانية المسعورة، تحقيق خطوات حقيقية - لا ~~إعلامية - على طريق النهضة والاستنارة والتقدم ... إلخ. وحين نرجع ~~إلى الرجل العادي، لا أتصور أن يكون رجوع الأوصياء عليه، فبهذا ~~المنطق قهرناه وحرمناه طويلا من حريته وحقوقه الأولية، ولا حتى ~~بزعم التعلم من كنوز حكمته، فبهذا المنطق أيضا خدعناه وخدعنا ~~أنفسنا، وأقمنا إمبراطورية الوهم والزيف والثرثرة، التي تتسلل ~~داخل بيته وعقله وعقول أبنائه؛ لتكريس المزيد من الخداع والغيبوبة ~~والضياع. إنما ينبغي التوجه إلى ضمير الرجل الصغير، الذي حمل أحجار ~~تاريخنا على ظهره - الأهرامات والمعابد قديما، والإنشاءات ~~والعمارات الشاهقة حديثا - وقنع بالنوم في المقبرة الطينية وفي ~~الكوخ والبيت الشعبي الآيل للسقوط أو على الرصيف. الرجل الذي خرج ~~ليلة النكسة ليشد بلحمه العاري أزر نظام مستبد فاشل، ومزق ms124 ~~ثوبه أو جلبابه الوحيد في الجنازة المأسوية الشهيرة حزنا على ~~البطل المأسوي، الذي آمن بصدقه، وأحس - على الأقل في بداية حكمه ~~وبالرغم من طغيانه وأخطائه الجسيمة - بأنه يعيش له ويريد أن يغير ~~ظروف حياته البائسة ... # وتسألني الآن، والشك والسخرية يطلان من عينيك: ما هذا الحلم ~~المستحيل؟ وأين هو الرجل العادي أو الرجل الصغير الذي تزعم أنه صنع ~~تاريخنا ولا يزال يصنعه، ويحافظ على قيمه وثوابته في وجدانه ~~النقي البسيط؟ ألم يتم تخريبه هو أيضا وإفساده بكل أشكال القهر ~~الظاهرة والخفية طوال العقود الأخيرة؟ ألم يرد إلى المستوى ~~الطبيعي والحيواني حتى كان أن يتحول - كما قال توفيق الحكيم ~~رحمه الله في مذاكرات وقته الضائع - إلى بطن يحشى بالطعام وجيب ~~يحشى بالمال؟ ألم ترزح فوق صدره جبال الإحباط واليأس من صلاح ~~الأحوال، حتى افترسه ما تسمونه - أيها المثقفون - بالاغتراب ~~والاستلاب والاقتلاع من الجذور، والمرارة والقلق وغير ذلك مما ~~تثرثرون فيه؟ # الحق، إن هذه الأسئلة وأمثالها لا تدل إلا على فقدان الثقة ~~والإيمان العظيم بذلك المجهول الحاضر أبدا، وهو الشعب. وتلك في ~~تقديري هي أشنع الخطايا التي يمكن أن يسقط فيها حامل القلم، حتى ~~ولو لم تشعر جموع هذا الشعب - لأسباب كثيرة - بما يكتبه ويعانيه ~~للاقتراب منه والتعبير عنه (اللهم إلا في أعمال قليلة استطاعت أن ~~تنفذ إليه من خلال السينما والإذاعة والتليفزيون). وإذا كنا لم ~~نتعلم بعد كيف نفهمه ونعبر عنه، ولم نذهب بعد (وفي أيدينا السبورة ~~والطباشير كما نصحنا سارتر بعد نزهة قصيرة في شارع السد بالسيدة ~~زينب) إلى أهلنا في الريف والأحياء الشعبية، ولم نشارك مشاركة ~~حقيقية في رفع المعاناة التي نتحدث عنها دون أن تخف عن كاهله ~~مثقال ذرة، فإن الدعوة لاتخاذ الرجل الصغير مقياسا ومعيارا ~~وميزانا - يذكرنا بميزان الحقيقة والعدل في يد ماعت! - لتمييز ~~الحق من الباطل مما يدور في حياتنا. ربما تستطيع أن تحسم معظم ~~المعارك أو أشباه المعارك التي نتصارع حولها ونهول من شأنها، ~~ونعصب بها أعيننا عن رؤية الواقع اليومي ووجه الإنسان العادي. ومن ~~يدري؟ ms125 ربما يكون الرجوع لهذا الرجل الصغير هو باب التوبة والتطهر ~~من تجاهلنا له، وآثامنا في حقه وحق ما نسميه بالفكر والعلم ~~والتعليم والفن والأدب والثقافة. وربما يكون كذلك بداية الطريق ~~للعودة إلى ذواتنا الحقيقية، التي لن تجد نفسها إلا عندما تتوحد ~~بهذا الآخر العزيز، وتلتحم به في «نحن» واحدة صلبة ~~ومتماسكة. # وأخيرا، فإن الكلام عن «الرجل الصغير» وحقوقه علينا وواجباتنا ~~نحوه، يمكن أن تتعدد شجونه وتتشعب مسالكه، ويمكن أن يثير من ~~المشكلات والأسئلة أكثر بكثير مما يقدم من أجوبه. لكنني أشعر أن ~~الرجوع إلى الإنسان العادي، أو الرجل الصغير بمثابة الرجوع إلى ~~الحق بعد الضلال في متاهات الوهم والتضخم والتجاهل والجحود وخداع ~~الذات ... ms126