######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.NurWaFarasha.Hindawi20414802 #META# Tags: literature #META# ID: 20414802 #META# Title: النور والفراشة: رؤية جوته للإسلام وللأدبين العربي والفارسي مع النص الكامل للديوان الشرقي #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #دراسة وترجمة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # نحن والأدب العالمي‏ # جوته والأدب العربي‏ # جوته‏ # كتاب المغني‏ # كتاب حافظ‏ # كتاب العشق‏ # كتاب التفكير‏ # كتاب الضيق‏ # كتاب الحكم‏ # كتاب تيمور‏ # كتاب زليخا‏ # كتاب الساقي‏ # كتاب الأمثال‏ # كتاب البارسي أو المجوسي‏ # كتاب الفردوس‏ # قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان‏ # شروح وهوامش‏ # كتاب المغني‏ # كتاب حافظ‏ # كتاب العشق‏ # كتاب التفكير‏ # كتاب الضيق‏ # كتاب الحكم‏ # كتاب تيمور‏ # كتاب زليخا‏ # كتاب الساقي‏ # كتاب الأمثال‏ # كتاب البارسي أو المجوسي‏ # كتاب الفردوس‏ # قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان‏ # أهم المصادر‏ # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # نحن والأدب العالمي‏ # جوته والأدب العربي‏ # جوته‏ # كتاب المغني‏ # كتاب حافظ‏ # كتاب العشق‏ # كتاب التفكير‏ # كتاب الضيق‏ # كتاب الحكم‏ # كتاب تيمور‏ # كتاب زليخا‏ # كتاب الساقي‏ # كتاب الأمثال‏ # كتاب البارسي أو المجوسي‏ # كتاب الفردوس‏ # قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان‏ # شروح وهوامش‏ # كتاب المغني‏ # كتاب حافظ‏ # كتاب العشق‏ # كتاب التفكير‏ # كتاب الضيق‏ # كتاب الحكم‏ # كتاب تيمور‏ # كتاب زليخا‏ # كتاب الساقي‏ # كتاب الأمثال‏ # كتاب البارسي أو المجوسي‏ # كتاب الفردوس‏ # قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان‏ # أهم المصادر‏ # | النور والفراشة # | النور والفراشة # | رؤية جوته للإسلام وللأدبين العربي والفارسي مع النص الكامل للديوان الشرقي # دراسة وترجمة # عبد الغفار مكاوي # | إهداء # إلى أستاذي الدكتور فريتس شتيبات، ~~«معهد الدراسات الإسلامية، جامعة برلين الحرة»، # أحببت بلادي وأحببتني، # علمتني ووقفت دائما بجانبي، # هل تقبل زهرة حب ووفاء من غرس يديك؟ # | مقدمة الطبعة الثانية # | تمهيد # يكاد هذا الكتاب الذي تجده بين يديك أن يكون شبيها بقطرة الماء الصغيرة التي يروي لنا ~~شاعر الديوان الشرقي قصتها في إحدى قصائده (وهي القصيدة الأولى من كتاب الأمثال). فقد حكمت ~~الأقدار وظروف الطقس الجوي وتقلباته بأن تنفصل هذه القطرة عن أمها السحابة، وأن تسقط وهي ~~ترتعش من الخوف وسط الأنواء الثائرة، فتعصف بها أمواج البحر الهادرة. وصمدت القطرة الصغيرة ~~في هذا الصراع غير المتكافئ، ولم تتخل عن إيمانها وثقتها بنفسها، وحرستها عين القدرة ~~وباركتها، فكافأها الله على شجاعتها وتواضعها ووهبها القوة والبقاء، وكان أن ضمتها محارة ms001 ~~ساكنة إلى حضنها في هدوء. وأوت القطرة الصابرة إلى مسكنها الجديد وأخذت تنمو فيه على مر ~~السنين حتى تحولت إلى لؤلؤة تنعم بالتكريم والخلود، وتسطع - في تاج أحد الملوك - بنظرة ~~ساحرة سنية البهاء. # ولست أقصد من قصة قطرة الماء التي أصبحت لؤلؤة طيبة سوى أن أقول إن هذا الكتاب قد تقلبت ~~به الظروف والتحولات حتى وصل إلى حالته الراهنة، ولا أضمن بطبيعة الحال أن يحظى بأي نوع من ~~التقدير، دع عنك التكريم والخلود اللذين كانا من حظ القطرة الصامدة. # ولا يخالجني الظن ولا الطموح ولا حتى الأمل بأن يسطع بأي ضوء، ناهيك أن يكون نورا بهي ~~السناء، لذا يكفيني ويرضيني أن يتلقاه القراء بنفس الحب الذي كتبته به، وأن يعفوا عن جوانب ~~القصور أو التقصير التي يمكن أن يجدوها فيه ولا يسلم منها أي جهد بشري. ولهذا أستأذنكم في ~~عرض قصته والتحولات التي مر بها عرضا مختصرا. # ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى في شكل كتيب رقيق أنيق، وذلك بفضل دار المعارف التي تكرمت ~~بإصداره في سلسلة اقرأ (عدد فبراير سنة 1979م)، وبفضل الغلاف الجميل الذي رسمه الفنان الكبير ~~جودة خليفة بريشته المبدعة التي صورت وجه «جوته» الرزين الحكيم وهو يتطلع إلى الأفق بنظرته ~~العميقة النافذة، وتشع منه نفس الطمأنينة والثقة والحب الذي كتب به أعماله الباقية، واحتضن ~~به العالم والإنسان والآداب العالمية في وحدة واحدة. وما زلت أذكر كيف كانت الأيام والليالي ~~التي قضيتها في تأليفه من أمتع الأوقات التي عشتها في حياتي، بحيث تبدو لي اليوم أشبه بلحظة ~~طويلة ممتدة أحب أن أسميها باللحظة الخالدة أو لحظة الأبدية، وهي تلك التي يشعر فيها ~~الإنسان بأنه وجد نفسه وارتفع فوقها في نفس الوقت إلى نوع من الحضور النادر الذي يكاد أن ~~يكون نعمة إلهية أو قطعة من الجنة السماوية التي يتاح لنا في حياتنا الأرضية الشقية أن ~~نعيش فيها لحظات خاطفة تعدل العمر كله. # كنت قد اكتفيت في ذلك الكتيب بتعريف القارئ «بالديوان الشرقي-الغربي» تعريفا قصيرا ~~يجذبه إليه ويعينه ms002 على تذوق بعض قصائده التي فاجأت صاحبه وانهمرت عليه انهمار المطر المبارك ~~في فترة عصيبة ومتأخرة من حياته، فترة تلبدت فيها سماء بلاده بدخان حروب التحرير من قبضة ~~نابليون وجيوشه، وعصفت بقلبه الكهل تجربة حب رائع وفاجع لشاعرة رقيقة وفاتنة من عمر ابنه ~~الوحيد، وهي «مريانة فون فيلمر» التي أطلق عليها في الديوان اسم زليخا، وقدمت للكتيب بفصل ~~قصير عن استلهام التراث العالمي كما فعل جوته عندما استلهم بعض الأصول العربية والفارسية ~~والتركية في عدد كبير من قصائد ديوانه، وبلغ بي الوهم أو بلغت بي النية الطيبة في ذلك الحين ~~أن تصورت هذا الاستلهام في صورة المنقذ أو طوق النجاة للإبداع العربي الراكد المياه، وعلى ~~الرغم من تأكيدي المستمر بأن روافد الاستلهام عديدة ومتنوعة، وأن الأمر فيه يرجع في البداية ~~والنهاية لتقدير المبدع وذوقه واختياره وموهبته، فيبدو لي اليوم أنني كنت أحاول أن أشجع ~~نفسي على العودة للكتابة القصصية والمسرحية التي كانت أوراق شجرتها قد بدأت تجف وتتساقط ~~ورقة بعد ورقة في هجير حالة الحصار التي كانت تطوقني - وأظن أنها تطوق بأشكال مختلفة كل من ~~يحاول في بلادنا العربية أن يعكف على التفكير الحر والبحث والكتابة الحقيقية - بمتاعب ~~التعليم الجامعي المتخلف، وألوان الإحباط العام والخاص، وضجيج السوق الثقافية الكاسدة ~~بالأصوات المرتفعة من حناجر السماسرة والحواة والثوريين المزيفين، كما يبدو لي أن الموضوع ~~كله لا يخلو من السذاجة إذا قيس بما يقال ويكتب ويترجم في هذه الأيام عن نظريات ~~«التلقي» التي أصبحت فرعا هاما من فروع النقد الأدبي الحديث. # وانتقلت بعد ذلك إلى فصلين قصيرين عن جوته والعالم العربي وجوته والإسلام، اقتصرت فيهما ~~على عرض الحقائق والمعلومات الضرورية دون الدخول في تفصيلات تحتاج لبحوث مستقلة. وكنت قد ~~رجعت في ذلك الحين إلى كتيبين جميلين أصدرتهما الباحثة الكبيرة «كاترينا مومزن» عن «جوته ~~والمعلقات» و«جوته والإسلام»، وذلك قبل أن تصدر كتابها الضخم «جوته والعالم العربي» الذي ~~ضمت فيه هذين الكتيبين وأضافت إليهما بحوثا أخرى وتفصيلات دقيقة تتبعت فيها تطور علاقة ~~جوته بالإسلام وبالأدب ms003 العربي تتبعا مرهقا كما سنرى بعد قليل، وكان آخر فصول الكتيب ~~المذكور فصل أطول قليلا عن قصة الديوان الشرقي وارتباطه بتجارب حياة جوته وحبه في المرحلة ~~الخصبة النادرة التي استرد فيها ربيع شبابه البيولوجي والإبداعي، بعد أن كاد يخنق أنفاسه ~~خريف اليأس والملل والضيق من صغار الخصوم، والخوف من الشيخوخة الزاحفة. ثم ألحقت بالفصول ~~الأربعة مختارات من قصائد الديوان التي هزتني في ذلك الحين وجعلتني أصوغ عددا منها في ~~أشكال إيقاعية منظومة مع توخي الحذر من التصرف في معانيها وصورها الأصلية إلا في أضيق ~~الحدود. # هكذا نمت القطرة الصغيرة المتواضعة في محارتها الساكنة حتى خرجت للنور على هيئة «الخرزة» ~~الصغيرة التي حكيت لك عن قصتها ومحتوياتها. ولكن القطرة لم تقتنع منذ ذلك الحين بذلك المصير ~~المتواضع، وظل الشوق يشتعل في قلبها بأن تصبح لؤلؤة ناصعة أو على الأقل خرزة كبيرة يمكن أن ~~تنظر للناس «نظرة ساحرة بهية السناء». ولبثت قصائد الديوان تعمل عملها في عالمي الباطن ~~وتلح علي أن أظهرها إلى النور في ثوب عربي ملائم وخال من البقع والخروق التي أساءت إليه. # وتفسير ذلك معناه السير على طريق شائك يحفه الحرج والخجل من كل ناحية. ولكنني سأحاول أن ~~أخطو عليه الخطوات الضرورية التي تحتمها الأمانة ويفرضها حب الحقيقة وعدم السكوت عن الحق. # وقد علمنا أرسطو أن نحب الحقيقة أكثر من حبنا لأفلاطون وأصحاب الأكاديمية، كما علمتنا ~~الروح الإسلامية أن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال. ولا بد إذن من وقفة عاجلة ~~أقدم فيها باقات التقدير الواجب - مع كل الحب والعرفان - لأستاذ جليل ورائد عملاق، لولاه ما ~~عرف جيلي شيئا يذكر عن جوته أو غيره من المفكرين والفلاسفة والشعراء الذين يصعب حصر ~~أسمائهم، مع بعض الأشواك القليلة التي تلازم قول الحق وإبداء الرأي النقدي حتى ولو صدر عن ~~تلميذ متواضع يعلم تمام العلم مدى ما يدين به لأستاذه، كما يشعر أيضا بأن ذلك لن يغضبه، بل ~~ربما أسعده؛ لأن من تمام أستاذية المعلم أن يكون تلاميذه خطوة بعده ، وحتى ms004 إذا لم يستطيعوا ~~ذلك فلا أقل من أن لا يكونوا نسخة منه؛ وبيان ذلك كله أنني قمت أثناء العمل في ذلك الكتيب ~~بمراجعة الترجمة العربية للديوان الشرقي التي أصدرها الأستاذ الكبير عن دار النهضة العربية ~~في عام 1967م. وقد أذهلني الجهد الجبار الذي بذله أستاذي «عبد الرحمن بدوي» في هذا العمل - ~~شأنه شأن سائر أعماله التي أربى عددها على المائتين - كما أعجبت أشد الإعجاب بالشروح ~~الدقيقة المستفيضة التي ألحقها بكل قصيدة من قصائد الديوان التي زادت بدورها على ~~الثلاثمائة، ولكنني ذهلت أيضا وصدمت لكثرة الأخطاء الجسيمة والمعاظلات الشنيعة في ~~الترجمات الشعرية لبعض القصائد، كما أحسست بأن معظمها يلفه ضباب الغموض ويعكر صفوه سحاب ~~التعقيد غير الضروري، على الرغم من سهولة الأصل وبساطته إلا في حالات استثنائية نادرة. دع ~~عنك عذوبة النص الأصلي وحلاوة إيقاعه وأنغام قوافيه التي يقف أمامها بطبيعة الحال أي مترجم ~~في أية لغة موقف العاجز القليل الحيلة. وربما زاد من دهشتي وحزني أن شاعر الديوان نفسه قد ~~جعل السهولة والبساطة والإفهام هي القاعدة التي سار عليها في كل إنتاجه، ولا يقلل من ذلك ~~ولا ينفيه أن يتلبس شعره شيء من الغموض الشفاف أو «السر المكشوف» على حد تعبيره، وأن نشعر ~~بذلك في الديوان نفسه وإن اقتصر الأمر على قصائد معدودة بحكم ارتفاعها إلى آفاق صوفية ~~ودينية وكونية شاملة (كما سنلمس ذلك في قصائد مثل «حنين مبارك» و«لقاء من جديد» و«أعلى ~~والأعلى» التي أرجو أن تقربك إليها الشروح المفصلة في هذا الكتاب). # مهما يكن الأمر، فقد صممت القطرة الصغيرة المتواضعة - حتى بعد صدور الطبعة الأولى لهذا ~~الكتاب قبل ما يقرب من العشرين عاما - على الرجوع إلى محارتها الساكنة، لعلها أن تنمو ~~وتكتمل في شكل جديد، ولا أقول في صورة لؤلؤة ناصعة البريق؛ لأن مرجع الحكم في ذلك إلى ~~القراء والنقاد. وشجعني على هذا القرار - برغم حالة الحصار التي استمر اختناقي فيها كما ~~أشرت من قبل حتى بلغ حد الغدر والتطاول والإهانة من بعض الزملاء والأبناء - سامحهم الله - ~~أقول ms005 شجعني عليه أن بعض الأصدقاء باركوه واستحثوني عليه، ويطيب لي أن أذكر منهم صفوة أصدقاء ~~العمر مثل الشاعر الكبير «عبد العزيز المقالح» الذي كان أول من بشرني بصدوره وإعلان فرحته ~~به أثناء وجودي بصنعاء وعملي بجامعتها، والشاعر الكبير المرحوم «صلاح عبد الصبور»، والكاتب ~~القصصي والمسرحي والإذاعي «عبد الرحمن فهمي». ولكن القطرة بقيت حبيسة محارتها القلقة المضطربة ~~مع غيرها من القطرات المحرومة من نور الشمس، إلى أن اتخذت قراري الخطر بالتفرغ الكامل ~~للقراءة والكتابة فيما بقي من العمر، واستطعت أن أنتزع نفسي من عالم المنغصات والتفاهات ~~اليومية لأجذبها إلى عالم هذا الديوان وأعكف على ترجمته وشرحه خلال العام الأخير، أي بعد أن ~~جاوزت الخامسة والستين، وأصبحت - مع الفارق الشاسع بطبيعة الحال - في نفس السن التي عكف ~~فيها صاحب الديوان على تجربته الفريدة. # ومن أهم العوامل التي دفعتني للإقبال على هذا العمل أن سلسلة «عالم المعرفة» المرموقة ~~عهدت إلي قبل حوالي ثلاثة أعوام بالقيام بمراجعة ترجمة كتاب «جوته والعالم العربي» للسيدة ~~«كاترينا مومزن»، وهي الترجمة التي قام بها الزميل الدكتور «عدنان عباس علي» المقيم بمدينة ~~فرانكفورت. وقد أتاحت لي المراجعة الدقيقة للكتاب والتعليق عليه أن أعايش قصائد الديوان ~~الشرقي مرة أخرى، وأجدد في نفسي العزم على إخراج القطرة من محارتها مهما كان الأمر، ومع أن ~~الكتاب الأخير يحتوي (كما قلت) على تفصيلات بلغت الغاية من الدقة والاستقصاء، فقد أبقيت على ~~فصول الطبعة الأولى كما هي عليه، باستثناء بعض التصويبات والإضافات الطفيفة التي لم تغير ~~منها تغييرا يذكر. ومن شاء أن يستزيد من الموضوعات التي عالجتها في فصول الطبعة السابقة ~~- مثل علاقة جوته بالأدب العربي وبالإسلام وبالظروف التي نشأت في ظلها بعض قصائد الديوان - ~~فليرجع مشكورا إلى هذا الكتاب (الذي ظهر في شهر رمضان سنة 1415ه/فبراير سنة 1995م، في ~~العدد 194 من السلسلة المذكورة). # بقي أن أقول إنني اعتمدت في ترجمة النص الأصلي للديوان وفي الشروح المستفيضة التي ألحقتها ~~به اعتمادا أساسيا على طبعة هامبورج المشهورة لأعمال جوته، المجلد الثاني بإشراف الأستاذ ~~«إريش ms006 ترونس»، # 1 # مع الاستعانة بطبعتي أرنست بويتلر (بريمن، 1956م، العدد 125 من سلسلة ديتريش)، # 2 # وهانز فايتس (مجموعة كتب الجيب لدار النشر إنزل، طبعة 1988م، مع ثلاث مقالات ~~قيمة ملحقة بها للشاعر النمسوي «هوجو فون هوفمنستال»، والشاعرين الألمانيين «أوسكار ~~لوركه» و«كارل كرولوف»). # 3 # ثم رأيت أخيرا أن أضيف عددا من الفصول أو الفقرات القصيرة التي تناول بعض ~~الموضوعات والأسماء التي لم يتح لي أن أوفيها حقها لا في فصول الطبعة الأولى ولا في الشروح ~~الملحقة بالديوان، مثل «ابن عربشاه» مؤرخ العصر المملوكي، و«مجنون بني عامر» (قيس بن ~~ذريح)، و«المتنبي» و«أبي إسماعيل الطغرائي»، وقد تناولتهم السيدة «مومزن» في فصل مستقل من ~~كتابها السابق لم يتيسر ضمه إلى الترجمة التي صدرت كما سبق القول في سلسلة عالم المعرفة، ~~ولذلك أوجه بالشكر والتقدير والعرفان للأخ الدكتور «عدنان» الذي تفضل بإهدائي نسخة مخطوطة ~~من ترجمته لهذا الفصل الذي لم يبلغ إلى علمي أن ظروف النشر المستعصية في بلادنا العربية قد ~~سمحت بظهوره حتى الآن، كما أضفت في النهاية ثلاث فقرات حاولت فيها أن ألقي شيئا من الضوء ~~على عالم الديوان، وعلى «الشعار» الشعري الذي استهل به جوته ديوانه كله وشرحته السيدة ~~«مومزن» شرحا مدهشا في أحد فصول كتابها عن جوته وألف ليلة وليلة، وأخيرا بعض الأضواء على ~~الطريقة التي اتبعتها في ترجمة قصائد الديوان، لا سيما تلك القصائد التي فرضت علي أن ~~أنظمها شعرا أو على الأقل أن أضعها في قالب إيقاعي حر دون الخروج عن الأصل أو التصرف فيه ~~إلا في أضيق الحدود. # وأخيرا فهذه هي القطرة الصابرة بين يديك، والأمر متروك لك في الحكم عليها، وسواء رأيت ~~مثلي أنها خرزة متواضعة الحال أو شاء كرم نفسك أن تعتبرها لؤلؤة متواضعة البريق أيضا، ~~فإنني أتمنى أن تحبها كما أحببتها، وأن تصادق هذا الكتاب كما صادقته سنوات طويلة وتعايشه ~~وتعيش معه. والحمد لله أولا وأخيرا، فمنه وحده ألتمس العفو عن التقصير، وإليه وحده ~~ألجأ، وإليه المصير. ~~(1) بعض الأدباء والشعراء العرب والإسلاميين في الديوان # عرضنا ms007 في الفصل الثاني من هذا الكتاب مدى تأثر جوته بالشعر الجاهلي وشعراء المعلقات ~~بوجه خاص، ومن أهمهم «زهير بن أبي سلمى»، الذي استوحاه الشاعر الألماني بعض حكمه التي ~~توصف بالحكم الأليفة أو المدجنة. كما وقفنا أيضا - في الفصل الخاص بجوته والإسلام - ~~على مدى إعجاب الشاعر بالروح الإسلامية واستلهامه للعديد من الآيات القرآنية الكريمة ~~والأحاديث النبوية الشريفة التي انعكست على بعض قصائد الديوان «وجوه» الإسلامي بوجه ~~عام، وقد ذكر الشاعر أسماء عدد من الشعراء العرب والمسلمين بشكل عابر في عدد من كتب ~~الديوان، وتكرر بعض هذه الأسماء أكثر من مرة (مثل اسم مجنون بني عامر، واسم كثير ~~عزة في سياق حديثه عن العشق والعشاق). # وعلينا الآن أن نقف وقفة أطول عند أصحاب هذه الأسماء، والمصادر التي تعرف منها ~~الشاعر إليهم، ومدى علمه بهم، وانعكاس ذلك كله على القصائد التي ذكر فيها أسماءهم، أو ~~على ملاحظاته وتعليقاته الملحقة بالديوان التي تطرقت للكلام عن نفر منهم. ~~(1-1) ونبدأ بأبي العباس أحمد بن عربشاه (1389-1450م) # المؤرخ الذي عاش في العصر المملوكي، ووضع كتابه المعروف الذي استهزأ فيه ~~بتيمورلنك استهزاء مرا وهو «عجائب المقدور في نوائب تيمور». وقد وقع جوته على ~~فقرة مسجوعة من هذا الكتاب في ترجمة لاتينية قام بها مترجم المعلقات المشهور «وليم ~~جونز» في كتابه «أشعار آسيوية» (1774م)، فألهمت شاعرنا قصيدته القصصية أو قصته ~~الشعرية المطولة التي تشغل الحيز الأكبر من كتاب تيمور، وهي قصيدة «الشتاء وتيمور» ~~التي لا تخلو من مسحة درامية؛ إذ يقوم فيها الشتاء بزجر «تيمور» على وحشيته وقسوته ~~دون أن ينبس الطاغية المغولي بحرف واحد. # ونحن نعلم من مذكرات جوته اليومية أنه نظم هذه القصيدة في مدينة «يينا» في ~~اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر سنة 1814م، كما أن ملاحظاته التالية التي دونها عن ~~«ابن عربشاه» لا تزال موجودة بخط يده إلى الآن (توفي عام 1450م، ابن عربشاه، ~~عربي، قصة تيمورلنك في جزأين، الأول يتناول قصة تيمورلنك، والثاني قصة ابن أخيه ~~خليل سلطان، عجائب المقدور في أخبار تيمور، ms008 الأفعال الإلهية العجيبة في قصة أعمال ~~تيمور ). # التزم جوته بالنص اللاتيني، واستقى منه البداية الملحمية والنهاية الدرامية ~~لقصيدته المذكورة بصورة مباشرة. ولعل هذا النص أن يكون قد أثر أيضا بصورة غير ~~مباشرة على مرونة الإيقاع وسيولته، والبعد عن المجاز والرموز، وطول النفس ~~والجيشان الانفعالي «للخطاب». وإليك النص العربي الأصلي الذي رجع إليه الشاعر في ~~ترجمته اللاتينية، وذلك لإمكان المقارنة بينه وبين القصيدة التي يمكنك الاطلاع ~~عليها في كتاب تيمور، وهو الكتاب السابع في ترتيب كتب الديوان: # فجال بينهم الشتاء بجفاف عواصفه، وبث فيهم حواصب قواصفه، وأقام عليهم ~~نايحات صراصره، وحاكم فيهم زعازع صنابره، وحل بناديه وطفق يناديه مهلا يا ~~مشئوم، رويدا أيها الظلام الغشوم، فإلى متى تحرق القلب بنارك، وتلهب ~~الأكباد بأوامك وأوارك، فإن كنت أحد نفسي جهنم فإني أنا ثاني النفسين، ونحن ~~شبحان اقترنا في استيصال البلاد والعباد، فانحبس بقران النحسين، وإن كنت ~~بردت النفوس وبردت الأنفاس فنفحات زمهريري منك أبرد، أو كان في جرايدك من ~~جرد المسلمين بالعذاب فأصماهم وأصمهم ففي أيامي، بعون الله، ما هو أصم ~~وأجرد، فوالله لا حابيتك، فخذ ما أتيتك، والله لا يحميك يا شيخ من برد ~~المنون لواعج جمر محمرة ولا واهج لهيب في كانون. # والنظرة الخاطفة إلى هذا النص تبين للقارئ منذ سطوره الأولى مدى تأثر جوته به إلى ~~حد الترجمة عنه. صحيح أن قول ابن عربشاه «وحل بناديه وطفق يناديه ...» قد حولته ~~فطرة جوته القصصية والمسرحية إلى حوار ينذر فيه الشتاء المخاطب الذي لا تخرج من ~~فمه كلمة واحدة، وهو تيمور الذي يبدو أنه تجمد من برده ومن زجره وتوعده، ولكن حتى ~~هذا الحوار نفسه كامن على سبيل القوة أو الإمكان - إذا جاز هنا أن نستخدم لغة ~~أرسطو! - في نص ابن عربشاه، ولم يكن على شاعر الديوان الشرقي إلى أن يحققه بالفعل ~~ويبرزه إلى العلن، ولا بد أن التناظر العجيب بين «تيمور» و«نابليون» قد خطر على ~~ذهن القارئ بعد قراءته لنص ابن عربشاه ولقصيدة جوته. فقد قضى الشتاء على تيمور ~~أثناء ms009 إعداده لحملته على الصين، وجمد جيوش نابليون على أبواب موسكو. ولا بد ~~أيضا أن تكون هزيمة نابليون قد هزت وجدان جوته وجعلته يفكر في المصير الفاجع الذي ~~آل إليه طغيان البطل العبقري الذي طالما أعجب به. وأخيرا فلا بد أن نسأل ~~أنفسنا لماذا لم يكتب هذه القصيدة إلا في وقت متأخر، أي في شهر ديسمبر سنة 1814م؟ ~~لقد شهدت أوروبا كلها على هزيمة نابليون، وعرف جوته بغير شك أن المتجمد العظيم من ~~البرد قد مرت عربته في خفية عن الأعين بمدينة «فيمار» بعد فشل حملته الروسية، كما ~~عرف بالرسالة التي بعث بها أميره كارل أوجست إلى صديقتهما المشتركة الدوقة أدونيل ~~(التي كانت وصيفة إمبراطورة النمسا ماريا لودفيكا التي عبدها في صمت!) وقال فيها: ~~«لقد مر من هنا بعربة الخزي والعار ذلك المتجمد من البرد والذي لا أريد ذكر اسمه ها ~~هنا.» ثم إنه قد قرأ تلك الدعوة التي وجهتها الصحيفة الأدبية العامة التي كانت ~~تصدر في مدينة «يينا» إلى القراء والأدباء في شهر مارس عام 1814م، وأهابت بهم أن ~~يأخذوا من الحدث الكبير مادة ملحمة تعبر عن المشاعر القومية الألمانية، وأن يلاحظوا ~~أن الإرادة الإلهية قد مهدت في روسيا لهذه الملحمة. والجواب عن السؤال السابق هو ~~أن جوته لم يكن على استعداد لتلبية هذه الدعوة «القومية»، إما بسبب إعجابه القديم ~~بنابليون، وإما بسبب نفوره الطبيعي من الأعمال الأدبية ذات اللهجة الطنانة التي ~~ظهر منها الكثير أثناء حروب التحرير، بجانب معالجته لمثل هذه الملاحم القومية ~~بطريقته الخاصة (كما فعل في ملحمته الشعبية هرمان ودورثيا التي ترجمها للعربية ~~المرحوم الدكتور محمد عوض محمد). لا يبقى إذن إلا القول بأن قراءته لنص ابن عربشاه ~~في شهر ديسمبر عام 1814م هي التي حركته لكتابة قصيدته الملحمية عن الشتاء وتيمور، ~~بعد اطلاعه على البيان الرائع عن حملة تيمور، ولا شك في أن هزيمة جيوش نابليون على ~~أبواب موسكو سنة 1812م كانت تطوف في ذهن الشاعر وخياله عندما شخص الشتاء في صورة ~~قاض صارم ينذر بإنزال ms010 العقاب الرادع على تيمور الذي عاجله الموت - كما سبق القول - ~~أثناء إعداده لحملته الشتوية على الصين، بينما كان البرد القارص يداهم جيوشه ويفتك ~~بها. وهكذا يكون الشاعر - كما قال عن كتاب تيمور ضمن إعلانه عن ظهور الديوان سنة ~~1816م - قد نظر إلى الأحداث العالمية التي كانت تدور حوله - وهي الهزائم التي لحقت ~~بنابليون - كما نظر إلى كتاب تيمور في ديوانه كما لو كانا «مرآة نرى فيها، لعزائنا ~~أو لبلائنا، انعكاس مصائرنا نحن.» # ويذكرنا هذا التناظر بين مصير نابليون (1769-1821م) ومصير تيمورلنك (1336-1405م) ~~بشيء آخر ربما يكون قد طاف أيضا بذهن جوته وخياله أثناء كتابة قصيدته المطولة، ذلك ~~هو التناظر بينه وبين توءم روحه حافظ الشيرازي الذي كان ديوان شعره - إلى جانب ~~تجربة الحب العارم - هما أكبر حافز له على تأليف ديوانه الشرقي. فقد قرأ ما كتبه ~~«فون همر» عن حافظ وكيف اقترنت حياته بالصراعات الصاخبة بين الأسر الحاكمة في ~~بلاده، حتى هبت عاصفة تيمور المدمرة على بلاد فارس في أواخر حياته، وقدم هو ~~نفسه إلى هذا الفاتح ونال بركته واستحسانه (والمعروف أن جوته نفسه قد قابل نابليون ~~في سنة 1808م مقابلة قصيرة، وأن هذا الطاغية العبقري قد هتف عندما رآه قائلا لقواده ~~المحيطين به: هاكم رجلا). ثم أخذ يتحدث معه بمودة وإعجاب عن روايته «آلام ~~فيرتر»، ويبدي عليها بعض الملاحظات - فيا له من تناظر بين أقدار القائدين ~~والشاعرين! وكم يزيد من إعجابنا بهذين الشاعرين أنهما لم ينتظرا حتى يحل السلام ~~والهدوء لينشدا أغانيهما الشجية الألحان، بل راح كلاهما يشدو بشعره رغم قصف الرعود ~~وتدفق أنهار الدماء والأحزان. وها هي أغانيهما تتردد حتى الآن بينما لا تذكر أسماء ~~تيمور ونابليون وغيرهما من جبابرة الطغاة إلا وتصب على رءوسهم اللعنات، وربما ~~يتذكر الذاكرون اسمي حافظ وجوته وغيرهما من عظام الشعراء فتنبض قلوبهم بالحب ~~والعرفان، وتعرف أن الشعر لا يموت أبدا ولا يتخلى عن دوره في تحدي القهر والظلم ~~بالنغم والغناء، وإنقاذ العالم والبشر من الموت والخراب والضلال بهمساته الحيية ~~العذبة بلسان الحياة ms011 والحرية والحب والحق والجمال. ~~(1-2) المتنبي # تدل جميع السياقات التي ورد فيها اسم شاعر العربية الأشهر في كتابات جوته على أنه ~~أكبر شخصيته إكبارا عظيما، حتى لقد عبر في إحدى قصائد كتاب زليخا - كما سنرى ~~بعد قليل - عن رغبته في تقمص روح المتنبي الذي قدم اسمه في نفس البيت على اسم أشهر ~~شاعرين فارسيين، وهما حافظ وسعدي. ولم يمنعه من ذلك أن المتنبي كان في ذلك الوقت ~~شبه مجهول في أوروبا، ولعل المستشرقين لم ينتبهوا بصورة جادة إلى مكانته في الأدب ~~العربي إلا بعد أن عرفوا مدى تقدير جوته له في ديوانه الشرقي، إذ لم تكن المختارات ~~القليلة التي قدمها «يوسف فون همر» في سنة 1816م - ولم تزد على تسع قصائد من شعر ~~الصبا - كافية لتسليط الضوء عليه، ولهذا لا نعجب إذا رأينا هذا المترجم نفسه ينشر ~~ترجمته الكاملة لديوان المتنبي بعد سنوات قليلة من صدور «الديوان الشرقي». وترجح ~~الباحثة الكبيرة «كاترينا مومزن» أن يكون جوته قد سمع عن المتنبي وقرأ له وهو بعد ~~طالب لا يتعدى السادسة عشرة من عمره في ليبزيج. ففي عام 1765م، كانت ليبزيج تحتفل ~~بإقامة معرض الكتاب بها، وكان «يوهان يعقوب رايسكه» - وهو من أكبر المستعربين في ~~ذلك الحين - قد نشر كتابه «مختارات غزلية وحزينة من ديوان المتنبي بالعربية ~~والألمانية مع شروحها»، وربما تكون هذه المختارات قد أوحت «لهردر» ببعض الخواطر ~~التي ضمنها كتابه عن الشعر الوجداني الذي لا يستبعد أيضا أن يكون جوته قد اطلع ~~عليها. # وتتتبع السيدة مومزن آثار هذه المعلومات القليلة عن المتنبي عن إنتاج جوته ~~اللاحق، سواء في القسم الثاني من فاوست (في كلام مفيستوفيلس عن نموذج الجمال ~~الأنثوي في مشهد ليلة الفالبرج الكلاسيكية) أو في الديوان الشرقي. فقد رجع في مرحلة ~~عكوفه على الديوان إلى كتاب رايسكه السابق الذكر، وأفاد منه في كتابة السطور ~~القليلة في «تعليقاته وأبحاثه الملحقة بالديوان» عن صفات المتنبي وخصائصه، كما ~~ألهمته القصائد الغزلية المنتخبة فيه بقصيدته الحوارية البديعة وهي «سماح» من كتاب ~~الفردوس (وقد كتبها ms012 في أبريل سنة 1820م، أي بعد صدور الطبعة الأولى للديوان سنة ~~1819م، لكي تضم مع غيرها للطبعة اللاحقة في سنة 1827م) والقارئ الذي يطالع هذه ~~القصيدة مع قصيدة سابقة لها، وهي «رجال موعودون» سيجد أن مضمونهما واحد مع شيء من ~~الاختلاف؛ ألا وهي الصفات التي تؤهل أصحابها للإذن لهم بدخول جنة الفردوس. ففي ~~القصيدة الأخيرة «رجال موعودون» كان البطل المسموح له بالدخول هو الذي «يحمل الجرح ~~الذي أصيب به في سبيل الإيمان». أما في هذه القصيدة «سماح»، فإن الحورية تمنع ~~«حاتم» من الدخول لأنه خال من الجراح التي أصابت شهداء العقيدة، ثم تقتنع بصدق ~~كلامه عن «جراح الحياة والحب» التي عاناها وتعطيه الحق في الدخول، ولا بد أن ~~الفكرة التي تقول إن قتيل الحب شهيد عند المسلمين، قد استوحاها شاعر الديوان من ~~بيتين للمتنبي ترجمهما رايسكه فيما ترجم من قصائد في الغزل وأثرت على قصيدته. ~~ويكفي أن نورد البيتين الأصليين لنعلم أن التأثر هنا غير مستبعد: # كم قتيل كما قتلت شهيد # لبياض الطلى وورد الخدود # وعيون المها ولا كعيون # فتكت بالمتيم المعمود # وسواء أكان شاعر الديوان قد تأثر أساسا بهذين البيتين أم عرف من قراءاته الواسعة ~~عن الإسلام وعن حياة الرسول الكريم أن المحب الذي يعف في حبه يموت شهيدا، ~~مصداقا للحديث النبوي المشهور، فإن دور المتنبي في تنبيهه إلى الاستشهاد في سبيل ~~الحب لن يكون في الحالين دورا هامشيا ولا بعيدا عن التصور، أضف إلى هذا أن ~~العشق الطاهر الصادق في إنتاجه السابق - كما تمثل في شخصيات فيرتر وتوركواتو تاسو ~~وأتيليه في رواية الأنساب المختارة وفي جريتشن في القسم الأول من فاوست - قد انتهى ~~بأصحابه إلى الموت أو الجنون أو الزهد الذي يقترب من القداسة. # وربما يكون جوته قد تأثر في قصائد أخرى في كتاب الفردوس أو غيره من كتب الديوان ~~ببعض المعاني التي توحي بها بقية أبيات القصيدة السابقة للمتنبي، كصورة المحب ~~المتأرجح بين السقم والعافية، أو كلامه عن المسك الذي تحمله الريح من غدائر ~~المحبوبة، أو تحريم ms013 كل شيء من الدماء ما خلا ابنة العنقود، أو الشعور بالتعاظم ~~والتفوق والفخر بالنفس: # لا بقومي شرفت بل شرفوا بي # وبنفسي فخرت لا بجدودي # الذي يتردد - كما بينا في الشروح - في كثير جدا من قصائد الديوان، ثم ~~الإحساس بأن الشاعر العربي متجول مثله، وأنه غريب وعظيم كتب عليه أن يعيش وسط ~~الصغار والأوساط، كل ذلك وغيره قد جعل من المرجح أن يكون شاعر الديوان قد أحس بمدى ~~التعاطف الذي يجمعه بشخصية المتنبي وبشعره الذي لم يتح له الاطلاع إلا على القليل منه. # 4 ~~(1-3) مجنون بني عامر # ورد اسم المجنون - أي مجنون بني عامر والشاعر العذري قيس بن ذريح - بنطقه ~~العربي ورسمه الأجنبي مقترنا بحبيبته ليلى أكثر من مرة في الديوان الشرقي. ويبدو ~~أن اهتمام جوته بشخصية المجنون يرجع إلى فترة زمنية أسبق من فترة انشغاله بالديوان؛ ~~إذ نجده يدون عبارة «المجنون وليلى» في دفتر مذكراته اليومية بتاريخ ~~26 / 5 / 1808م، كما يبدو أنه دونها أثناء إقامتها للاستشفاء في كارلزباد وسماعه عن ~~قصة الشاعر الفارسي نور الدين عبد الرحمن جامي (1414-1492م) التي كانت ترجمتها ~~الألمانية للمستشرق هارتمان قد ظهرت في ذلك الحين وهي «ليلى والمجنون»، والمؤكد أنه ~~وجد في المجنون وليلاه، المثل الأعلى للحب الذي تغنى به من خلال نماذج المحبين ~~الصادقين الذين يشيد بهم في أول قصائد كتاب العشق، يدل على هذا أن اهتمامه بهما ~~تجدد مرة أخرى إبان مغامرة حبه السعيد اليائس ل «مريانة» وتدفق قصائد الديوان على ~~قلبه وخياله، إذ رجع في اليوم الأول من شهر مارس لعام 1815م - وهو اليوم الذي قرأ ~~فيه قصة جامي «ليلى والمجنون» - إلى مذكراته اليومية السابقة وخط فيها هذه العبارة ~~الدالة: «استحوذ المجنون وليلى، كمثال لحب لا يعرف الحدود، على المشاعر ونالا العطف ~~والود من جديد.» # والأمر المؤكد أيضا أن الشاعر والعاشق الكهل قد اقترب من المجنون اقترابا ~~حميما منذ بدأت ترجمة «همر» لديوان حافظ الشيرازي (من حوالي 726ه/1326م إلى حوالي ~~972ه/1390م) تشد إليها بصره وقلبه وتأسر لبه، أي منذ شهور ms014 مايو عام 1814م. ولعل ~~أكثر ما جذبه إلى المجنون وحببه فيه بعض رباعيات حافظ التي يتقمص فيها شخص ~~المجنون ويقول فيها: «أنا المجنون الذي لم يستبدل بليلى كل بلاد العرب وفارس.» أو ~~قوله في غزلية أخرى: «في درب ليلى المليء بالمخاطر، والمحفوف بالمشاق، أقسى ما تلقى ~~هو أن تكون المجنون.» # ولا شك أن النموذج المثالي للحب الطاهر العنيف، وللمحب الذي يموت شهيدا في ~~سبيله، هو الذي استأثر باهتمام جوته كلما وقع في ديوان حافظ على اسم المجنون، بل ~~كلما أغفل ذكر اسمه كما نجد في هذه الرباعية: ~~(أيا نسيم الصبا من ديار ليلى، أقسم عليك بالله أن تقول لي: إلى متى يتعين علي ~~أن أروي الصحاري بالدموع؟) # مهما يكن الأمر، فقد ظلت صورة العاشق العذري - الذي ذكرت مقدمة هارتمان ~~المستفيضة لترجمته لقصة جامي السابقة أنه كان كذلك شاعرا رقيقا ومرموقا - ظلت ~~حية في عقل ووجدان شاعر الديوان الغارق في نعيم حبه عندما كتب في أحد أيام شهر مايو ~~سنة 1815م القصيدة التي استهل بها كتاب العشق - كما ذكرنا من قبل - ووضع فيها ثنائي ~~ليلى والمجنون بين الأزواج الستة من العشاق الذين رسموا في رأيه أمثلة خالدة للحب ~~الطاهر الذي هوى بمعظمهم إلى الجحيم وسمح لبعضهم، وهم كثير وعزة وسليمان وبلقيس، ~~بالدخول من أبواب النعيم: ~~«أنصت واحفظ (في ذاكرتك) قصص العشاق الستة، الكلمة تطلق شررا يشعله الحب رستم ~~مع روذابه، مجهولان لبعضهما، لكن أحدهما بجوار الآخر: يوسف وزليخا، والحب مع ~~الحرمان، فرهاد مع شيرين، ما عرفا إلا الحب: ليلى والمجنون ... إلخ» (راجع القصيدة ~~وشرحها ضمن كتاب العشق). # ومع أن جوته قد ذكر اسم المجنون في أكثر من موضع من قصائد الديوان، # 5 # فقد بقي عنده - على حد تعبير عالم النفس الشهير كارل جوستاف يونج - ~~أشبه بنموذج أولي أو نمط أصلي للحب المثالي - تشهد على هذا الأبيات القليلة من ~~قصيدة اتهام، ثانية قصائد كتاب حافظ، التي تصف بعض أطوار ونوادر الشاعر العاشق ~~المشهور دون أن تذكر اسمه ولا وصفه: # وهل يعرف من ms015 يتصرف دائما تصرف المجانين من الذي يسير معه أو يرافقه التجوال؟ ~~إن حبه العنيد الذي يجعله يتخطى الحدود، يدفعه إلى القفار (يهيم فيها كالشريد)، ~~وقوافي شكاواه التي يسطرها على الرمال، تذروها على الفور الرياح، إنه لا يفهم ولا ~~يعي ما يقول، وما يقوله لا يتمسك به (ولا يحافظ عليه)، ومع ذلك فإنهم يتركون أغنيته ~~تسيطر على القلوب ... إلخ. # ومن الواضح أن هذا الذي يجعل حبه العنيد يتخطى كل الحدود، ويدفعه إلى الفيافي ~~يهيم فيها كالشريد، ويسطر قوافي شكاواه على الرمال فتذروها الرياح - من الواضح أنه ~~ليس شخصا ولا شاعرا آخر غير مجنون بني عامر الذي اضطروا رغم ما نسج حوله من ~~أساطير، بل رغم إنكار بعض مؤرخي الأدب، مثل أبي الفرج الأصفهاني مثلا لوجوده ~~التاريخي أصلا! - اضطروا لأن يتركوا أغنيته تسيطر على القلوب، وربما يعزي روح ~~العاشق المسكين والشاعر العذري الرقيق عما أصابه في حياته على يد الأهل والسلطة، ~~وربما على يد ليلى العامرية نفسها، أن يعلي شاعر الديوان من شأنه ويتخذه صاحبا ~~ورفيقا في الدنيا وفي جنة الفردوس، بل وأن يتعرف فيه على ملامح شخصيته هو نفسه، ~~سواء كما تجلت في الديوان، أو في بعض أعماله السابقة التي أود فيها العشق ~~بأصحابه، إلى الموت أو الجنون أو الزهادة في الدنيا والناس. ~~(1-4) أبو إسماعيل الطغرائي # في إحدى قصائد الديوان، وهي القصيدة الثالثة من كتاب زليخا، يختار الشاعر لنفسه ~~اسم حاتم، ولكنه يسارع إلى القول بأنه لا يملك في فقره أن يكون حاتم الطائي أكرم ~~الكرماء، ولا يطمح أن يكون «حاتم الطغرائي» أغنى شعراء عصره، وإن كان يضع كليهما ~~«نصب عينيه» ولا يجد في ذلك عيبا ولا حرجا، وقد تحير الشراح طويلا أمام ~~وضع اسم حاتم مع اسم الطغرائي، وأجمعت الطبعات المختلفة للديوان على أن ذلك كان ~~مجرد سهو من جوته الذي سمى الطغرائي باسم حاتم بدلا من أبي إسماعيل صاحب «لامية ~~العجم» الشهير. وبقي الشراح على هذا الرأي حتى تبين في عام 1951م لأحد الباحثين ~~في أدب جوته (وهو ms016 الأستاذ فايتس) أن شاعر الديوان كان قد اطلع على ترجمة ألمانية ~~كاملة عن اللاتينية لهذه القصيدة أرسلها إليه أحد أصدقائه الأعزاء (ونسختها محفوظة ~~إلى اليوم في أرشيف جوته وشيلر بمدينة فيمار) فلنبدأ بقراءة القصيدة التي ذكرناها ~~من كتاب زليخا قبل أن نحللها، لنرى مدى تأثرها بلامية الطغرائي، ونتحقق مما إذا ~~كانت تسميته بحاتم مجرد سهو وقع فيه شاعر الديوان أم كانت مقصودة ولها أسبابها ~~العميقة ومراميها البعيدة: # لما كنت تسمين زليخا، # فعلي كذلك أن أحمل اسما. # وعندما تتغنين بحبيبك، # فليكن حاتم هو اسمه، # كي يعرفني الناس به، # وليس في ذلك أي ادعاء: # فمن يدعو نفسه فارس القديس جرجس، # لا يتبادر إلى ذهنه أنه هو هذا القديس. # وأنا في فقري لا أملك أن أكون # حاتم الطائي أكرم الكرماء، # لا ولا أطمع أن أكون حاتم الطغرائي # أغنى الشعراء الأحياء في زمانه، # لكن وضع الاثنين نصب عيني # لن يكون بالأمر المعيب: # فأخذ هدايا السعادة وإعطاؤها # سيبقى على الدهر متعة عظيمة، # وإسعاد حبيب لحبيبه، # سيكون نعيم الفردوس. # ويرجع تاريخ نظم هذه القصيدة إلى اليوم الرابع والعشرين من شهر ~~مايو سنة 1815م؛ إذ كتبها الشاعر في «أيزناخ» وهو في طريقة لزيارة أصدقائه وأسرة ~~حبيبته في منطقة نهري الراين والماين. وقد أسعده الحظ قبل قيامه بهذه الرحلة ~~بأسابيع قليلة بوصول رسالة من صديقه «كنيبل» (وهو كارل لودفيج من 1744م إلى 1834م ~~الذي ترجم بعض الأعمال من الأدب الروماني، لبربيرز ولوكريس، وتبادل رسائل هامة مع ~~جوته. وكان مثله مولعا بالآداب الشرقية) تحمل معها نسخة من ترجمته لقصيدة عربية ~~طويلة عن اللاتينية سبق أن نشرها في عام 1800م في مجلة عطارد الألمانية. # 6 # وشدت القصيدة العربية الطويلة - وهي لامية العجم كما سبق القول - ~~اهتمام جوته، وربما وجد في ذلك المزيج الغريب الذي تحتوي عليه أبياتها المعبرة بصدق ~~وقوة وغضب عن شخصية صاحبها الممتحن في حياته، ما أشعره بقربه الحميم من شخصيته هو ~~نفسه، ففيها الشكوى المرة من قسوة الزمن عليه، ومحاصرة معاصريه له بالكراهية والحسد ~~والكيد والغدر، وفيها ms017 التحدي الرائع لقدره ولأعدائه والتصميم على تحقيق طموحه إلى ~~المنصب (الوزارة) والمجد وملء حياته بالأعمال والإنجازات التي تخلد ذكره وتليق ~~بهمته العالية، وفيها كذلك التفاخر بالنفس والتغني بالفضيلة والعظمة وسط العالم ~~الصغير المحيط في دولة «الأوغاد والسفل»، وفيها حكمة اليائس العنيد الذي يتحسر على ~~عمره الضائع ويصر مع ذلك على صدقه مع نفسه وترفعه عن أن «ترعى مع الهمل». ~~وطلب جوته من مكتبة فيمار معجم هيبرلو «المكتبة الشرقية» - كما هي عادته في الرجوع ~~إليه في الأمور المتعلقة بالشرق - ليعرف منه شيئا عن الطغرائي، فوجد في الجزء ~~الثاني منه، ص488، عبارات شحيحة تقول إنه شاعر عربي من أصل فارسي، وأنه كان غنيا ~~في الفضائل والخصال الحميدة التي يسمي الإيطاليون من يتحلى بها باسم المتميز أو ~~المتفرد النابغة (الفيرتووزو). # 7 # ولعل من أهم ما لفت انتباه جوته إلى الطغرائي أنه شغل مثله الوزارة لدى أحد ملوك ~~السلاجقة ولم ينج طوال حياته من خيانة الصغار المحيطين به وحسدهم وافترائهم عليه، ~~وربما أعجبه أيضا أن قصيدته تصور مسيرة حياته بصورة مأخوذة من الحياة البدوية التي ~~تنعكس أيضا على بنائها الذي يشبه بناء القصيدة الجاهلية التي طالما أعجب بها ~~عندما عكف على قراءة المعلقات وترجم جزءا من معلقة امرئ القيس، فضلا عن ترجمته ~~لقصيدة تأبط شرا كما ستعرف ذلك من الفصل الخاص بجوته والأدب العربي. وأخيرا، ~~فإن تفاخر الشاعر بنفسه، واعتزازه بخلقه ومواهبه وحكمته وخبرته واطلاعه على أسرار ~~الحياة والناس، جعله شديد القرب منه إلى الحد الذي حفزه على التوحد بشخصيته وتسمية ~~نفسه حاتم الطغرائي ليجمع في هذا الاسم بين أكرم الكرماء، وهو حاتم الطائي، وبين ~~أغنى الأحياء بين الشعراء، وهو الطغرائي الذي عاش بعد حاتم بخمسمائة عام، ولم يكن ~~من قبيل الصدفة أن يذكر اسم القديس جورج أو جرجس بينهما (وهو القديس المحلي لمدينة ~~أيزناخ التي كتبت فيها القصيدة)؛ إذ يرمي من وراء ذلك إلى أن كليهما يتمتع بسجايا ~~القديسين، سواء في السخاء والعطاء المادي غير المحدود أو في الغنى الباطني بالفضائل ~~والقيم الرفيعة ms018 والعطاء الشعري والعملي بغير حدود أيضا. # ولا شك في أن جوته قد نظر إلى الوراء بمنظار الشيخوخة إلى مسيرة حياته كما فعل ~~الطغرائي في لاميته، فرأى العوامل المشتركة التي تجمع بينهما، فكلاهما كان شاعرا ~~ورجل دولة، وكلاهما وجد نفسه محاطا بالحقد والغدر والصغار، وشعر بالإحباط وخيبة ~~الأمل والرغبة في الاعتزال والصمت، ولعل هذا هو الذي دفعه لاستنساخ بعض أبيات ~~القصيدة وتوزيعها على بعض أصدقائه في فراكفورت، وهي أكثر أبيات اللامية تعبيرا عن ~~الحياة الخصبة العريضة التي ملأها صاحبها بالعمل والنشاط والخبرة، وملأها الصغار من ~~حوله بالإحباط والمرارة وخيبة الأمل التي لم تقلل أبدا من طموحه إلى المجد والشرف. ~~ولا بد أن يكون قد رأى نفسه في مرآة أبيات كهذه من لامية الشاعر العربي الفارسي ~~الأصل: # حب السلامة يثني هم صاحبه # عن المعالي ويغري المرء بالكسل # فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا # في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل # ودع غمار العلى للمقدمين على # ركوبها واقتنع منهن بالبلل # إن العلى حدثتني وهي صادقة # فيما تحدث أن العز في النقل # لو أن في شرف المأوى بلوغ منى # لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل # وربما وجد نفسه أيضا ووجد حياته التي قضاها في التنقل والترحال طلبا للمعرفة ~~والمزيد من الخبرة والتجربة، ما فعل بطلاه فاوست وفيلهلم ميستر، في أبيات كهذه التي ~~تذكرنا بمغامرات جلجاميش أو برحلات أوديسيوس بين المدن والجزر والبحار: # يا واردا سؤر عيش كله كدر # أنفقت صفوك في أيامك الأول # فيم اقتحامك لج البحر تركبه # وأنت تكفيك منه مصة الوشل # لقد عرف كلاهما الكثير وجرب الكثير، وبقدر ما أوغلا في بحار المعرفة والتجربة، ~~بقدر ما عانى كلاهما من قسوة خيبة الأمل ومن عيش كان حصاده هو الكدر والملل، ~~وربما كانت الحكمة الأخيرة فيه هي الصمت: # ويا خبيرا على الأسرار مطلعا # اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل # قد رشحوك لأمر إن فطنت له # فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل # ومن الطبيعي أن ينتهي تأمل جوته للامية وإعجابه بثرائها النادر بالتجارب المتنوعة ~~والصور القوية ms019 الحية إلى أن يصف صاحبها بأنه «أغنى الأحياء من الشعراء»، وأن يبلغ ~~به الأمر أن يوحد شخصه به، فيقرن اسمه باسم حاتم الذي اختاره لنفسه، كأنما أراد أن ~~يؤكد بذلك أن الثراء المادي والروحي مع البذل والعطاء بغير حدود قد اجتمعا في هذا ~~الشاعر الذي لا يطمع أن يكون مثله ولا أن يقيس نفسه به، وإنما يكتفي بأن يضعه نصب ~~عينيه دون أن يلومه أحد؛ لأن أخذ هدايا السعادة وإعطاءها - كما يوحي بذلك اسم ~~الحاتمين وغناهما الظاهري والباطني - سيبقى على الدهر متعة عظيمة، كما أن إسعاده ~~لحبيبته، التي نسخت منه قصيدة الطغرائي وأشارت لبعض أبياتها في رسائلها المتأخرة ~~إليه بعد فراقهما بسنوات طويلة، # 8 # قد جعله يستحق في عينيها وفي عيوننا أن يسمى حاتم، وأن يضاف لهذا ~~الاسم اسم الطغرائي. ~~(2) ألف ليلة وليلة في الديوان # صحب جوته ألف ليلة وليلة وصحبته من صباه الباكر إلى شيخوخته المتأخرة، وأثرت ~~حكاياتها الساحرة تأثيرا واضحا وصريحا على الكثير من أعماله، ومضمرا وغير مباشر على ~~القليل منها. ومع أن هذا المجال ليس هو الموضع المناسب لتتبع ذلك التأثير، فيكفي على ~~الأقل أن نذكر عناوين بعض أعماله التي تجلت فيها صوره المختلفة واتحدت بطبيعته ~~«الشهرزادية» في الشغف بالحكي والقص: نزوة العاشق، أحاديث المهاجرين الألمان، الابنة ~~الطبيعية، الأنساب المختارة وسنوات تجوال فيلهلم ميستر، مشاهد عديدة في القسم الثاني من ~~فاوست والفصل المعروف عن استدعاء هلينا وزواج فاوست، منها الأقصوصة والحكاية وسيرة حياته # 9 ~~«شعر وحقيقة»، بالإضافة إلى مذكراته وأحاديثه العديدة التي عبر فيها ~~لمحدثيه - وبالأخص المستشار فون مولر - عن مدى تأثره شكلا ومضمونا وروحا بقص شهرزاد ~~وكنوز حكاياتها البديعة التي وجد فيها «الحق والجمال» والحكمة والمتعة، واعتبرها من ~~أبرز الأعمال التي عززت إيمانه بوحدة الأدب العالمي، وأهم عمل شرقي بهر الغرب منذ أوائل ~~القرن الثامن عشر (منذ ظهور الترجمة الفرنسية الشهيرة لأنطوان جالان بين عامي 1704م ~~و1717م، والترجمات المختلفة اللاحقة لها وزحفها المنتصر # 10 # على الآداب الأوروبية وعلى أعمال كبار الكتاب والشعراء والمفكرين طوال ~~القرن الثامن ms020 عشر حتى العقود الأولى من القرن التاسع عشر، أي طوال عصر جوته نفسه) ~~والآن نسأل السؤال الذي يهمنا في هذا المقام: هل كان لألف ليلة وليلة تأثير على قصائد ~~الديوان الشرقي أو على التعليقات والبحوث التي ألحقها به؟ # والسؤال مشروع لأن المعروف أن ترجمة ديوان حافظ الشيرازي إلى الألمانية هي التي كانت ~~- مع تجربة الحب بطبيعة الحال! - المنبع الحقيقي الذي استقى منه إلهامه. فهل كان لكنوز ~~شهرزاد بعض التأثير عليه؟ ترجع آخر مرة استعار فيها جوته ترجمة جالان الفرنسية (طبعة 1747م) # 11 # من مكتبة فيمار إلى اليوم الخامس من شهر فبراير سنة 1813م، أي قبل عكوفه ~~بصورة جادة على العمل في الديوان الشرقي والاطلاع على كل ما أمكنه التوصل إليه عن ~~الشرق. ويحتمل أن يكون رجوعه لليالي في هذه الفترة بالذات مرتبطا بالكلمة التي كان ~~يعدها «للذكرى الأخوية» لصديقه الأديب كريستوف مارتن فيلاند (1733-1813م) الذي كان قد ~~توفي قبل ذلك بفترة تقل عن الشهر، والذي استلهم الليالي في كثير من حكاياته الخرافية ~~وطالما تحدث عنها مع جوته. ويحتمل أن تكون هذه المناسبة الحزينة قد جددت فيه الشوق ~~للتقليب في الحكايات التي لم تفارق نظره وقلبه أبدا؛ إذ تؤكد الباحثة الكبيرة السيدة ~~كاترينا مومزن أنه أبقى الكتاب لديه - وذلك على غير عادته! - ما يقرب من تسعة شهور قبل ~~أن يعيده إلى المكتبة، # 12 # كما أنه لم يفكر في استعارته مرة أخرى في الفترة الواقعة بين عامي 1814م ~~و1819م، أي الفترة التي شغل فيها بالديوان حتى صدور طبعته الأولى سنة 1819م. # وليس من المستبعد أيضا أن يكون جوته قد أعاد قراءته لألف ليلة وليلة في غمرة انشغاله ~~بدراسة الآداب الشرقية (لا سيما في مرحلة الذروة بين ربيع 1815م وربيع 1816م) تدل على ~~ذلك إشارته الصريحة إلى شهرزاد في بعض رسائله إلى أصدقائه في تلك الفترة، وبالأخص إلى ~~صديقه المقيم في منطقة الراين الحبيبة إلى قلبه وهو سولبيس ببواسريه، وإلى صديقه تسلتر ~~وناشره كوتا. وقد كان من الطبيعي أيضا أن يتابع الجهود التي ms021 يبذلها كثير من المستشرقين ~~والمترجمين لاستكمال طبعة جالان أو تصحيحها على أساس النسخ والمخطوطات التي تم الكشف ~~عنها، فضلا عن الدراسات المتتابعة عن ترتيب الحكايات وأصولها الهندية والفارسية ~~والعربية والعصور التي دونت فيها ومؤلفيها المجهولين، وغير ذلك من المسائل المتعلقة ~~بالكنز الشرقي الثمين والاختلافات الحادة التي اشتعلت حوله بين عدد من المستشرقين في ~~تلك السنوات (مثل فون همر النمسوي ومترجم ديوان حافظ الشيرازي، وسيلفستر دي ساسي عميد ~~المستشرقين في ذلك الحين - وسيدنا الأعز - كما سماه جوته الذي أهدى إليه ديوانه الشرقي ~~عرفانا بفضله، وجوناثان سكوت الإنجليزي الذي أعلن اكتشافه لجزء من مخطوطة بنغالية ~~لليالي تحتوي على حكاية الوزراء السبعة التي لم تظهر في طبعة كالكوتا المشهورة فيما ~~بعد) ولا بأس من أن نذكر هنا أيضا أن الحكاية التي نشرها سكوت ضمن المجموعات الشرقية ~~التي توضح تاريخ آسيا وآثارها القديمة من سنة 1797م إلى سنة 1799م واستعارها جوته من ~~مكتبة فيمار في الفترة من يناير إلى أبريل سنة 1815م، قد ألهمته موضوع «أوبرا شرقية» ~~ملكت عليه عقله وخياله في ذلك الوقت، ولكن «عوامل خارجية» حالت بينه وبين إنجازها، ومن ~~أهمها كما قال جوته نفسه عدم التفاهم مع الملحن «فيبر» وعدم الاقتناع باستعداد الجمهور ~~لتذوقها. # والغريب حقا أن جوته لم يشر إلى ألف ليلة وليلة في تعليقاته وأبحاثه المتأخرة عن ~~الديوان إلا مرة واحدة، وأن هذه المرة الوحيدة لم تكن ضمن الفقرة التي خصصها فيها ~~للكلام عن العرب. # ولعل السبب في ذلك أنه كان بصدد اكتشاف أشياء جديدة عن الشرق لم يتسن لقارئه الألماني ~~أو الغربي أن يعرفها معرفة وثيقة، فانصرف إلى تقديم المعلقات السبع وقصيدة تأبط ~~شرا، بالإضافة إلى عدد كبير من شعراء الفرس الكبار الذين يحمل توءم روحه «حافظ ~~الشيرازي» المسئولية عن شغفه بمعرفتهم عن قرب والاطلاع على ما تيسر له الاطلاع عليه من ~~أعمالهم (مثل سعدي وعبد الرحمن جامي وأنوري ونظامي الكنجوي وغيرهم) ومن ثم نجده ~~يقول هذه العبارة الوحيدة عن الليالي التي اشتهر أمرها منذ زمن بعيد عند ms022 الجمهور في ~~فقرة بعنوان «شكوك» لم يجد فيها ما يدعوه لذكر الليالي صراحة بالاسم: «لقد ألفنا منذ ~~وقت طويل حكايات تلك المنطقة.» # بيد أنه يعود فيذكر «المجموعة العربية للحكايات الخرافية» في الفقرة التي تحمل ~~عنوان «محمد»، وذلك لتوضيح الاختلاف بين طبيعة النبي وطبيعة الشاعر، وتفسير نهي القرآن ~~الكريم عن تصديق أساطير الأولين والانسياق وراء الشعراء الذين يهيمون في كل واد، حتى ~~يحتفظ المسلمون بقدرتهم على الجهاد في سبيل الله ولا يستسلموا للانبهار بالحكايات ~~والأساطير كالفرس والهنود (راجع طبعة بدوي للديوان الشرقي، ص395، وص421 من التعليقات ~~والأبحاث). وفي هذه الفقرة يذكر ألف ليلة وليلة في معرض حديثه العابر عن مفهوم الحكاية ~~الخرافية، أو بالأحرى عن جوانبها السلبية التي تجعلها مجرد «ألعاب» نحيلة نزقة تتأرجح ~~بين الواقع والمستحيل، وتقدم غير المحتمل وكأنه هو الأمر الواقع الذي لا ريب فيه، وبذلك ~~تتلاءم مع النزعة الحسية الشرقية في ميلها للراحة والتسلية، بل إنه ليصفها من هذه ~~الناحية بأنها بناءات مشيدة في الهواء، وأنها تكاثرت على عهد الساسانيين الذي قدمت فيه ~~ألف ليلة وليلة على شكل أمثلة غير مترابطة في خيط واحد، بل يصل به الأمر في هذا النص ~~إلى حد القول - بما يخالف اعتقاده العميق بغير شك! - بأنها تتميز «بخلوها من أي هدف ~~أخلاقي، ولذلك لا تعيد الإنسان إلى ذاته، وإنما تبعده عنها وتلقي به في الفضاء المطلق، ~~وقد كان محمد يريد العكس من ذلك تماما.» ويبدو أن جوته في غمرة انشغاله «العلمي ~~والموضوعي» بكتابة تعليقاته، لم تتح له الفرصة الكافية لتناول مفهومه عن الحكاية بصورة ~~أكثر دقة وتحديدا؛ إذ يصعب علينا تصور صدور العبارات السابقة عن شاعر طالما وصف نفسه ~~بأنه حكاء أو راوي حكايات، كما أن «حكايته» - التي أشرنا إليها في هامش سابق - ~~واستلهامه لحكايات ألف ليلة وليلة في العديد من أعماله كما سبق القول، كفيلان بتصحيح ~~كلامه الأخير أو على أقل تقدير بمحاولة فهمه في سياقه المحدد لتبرير نهي القرآن الكريم ~~والرسول العظيم عن الارتداد لأساطير الأولين والانشغال بها عن واجبات ms023 الدعوة ومسئوليات ~~الجهاد. # مهما يكن الأمر، فإن ألف ليلة وليلة لم تكن من بين المصادر التي اعتمد عليها جوته في ~~ديوانه الشرقي، وأقرب الأسباب لتبرير غيابها أنه أراد - كما سبق القول - أن يفتح لقرائه ~~آفاقا شرقية لم يألفوها من قبل، ومع ذلك، فهناك حالة واحدة على الأقل ترجح أنه أشار ~~فيها ضمنا إلى الليالي، ونقصد بها «الشعار» الذي استهل به الديوان كله و«كتاب المغني» ~~بقصيدة من أربع أبيات قيل إنه أهداها إلى راعيه وصديقه كارل أوجست أمير فيمار: # أمضيت من عمري عشرين عاما # تمتعت فيها بما قسم لي، # تتابعت أيامها الحسان، # شبيهة بأيام البرامكة. # وقد حيرت القصيدة شراح الديوان # 13 # واختلفت اجتهاداتهم في تفسير المقصود بالعشرين عاما التي أمضاها أو ~~بالأحرى تركها تمضي من عمره، هل كانت الأعوام التي ساد فيها السلام منذ انتهاء حرب ~~السنوات السبع وحتى اندلاع نيران الثورة الفرنسية، مع أن تلك الفترة الزمنية كانت أطول ~~من ذلك الرقم بكثير؟ أم هي الفترة التي توثقت فيها عرى الصداقة بينه وبين الشاعر شيلر ~~(1759-1805م) واستمرت بعد رحيل هذا الشاعر الكبير حتى عام 1814م؟ أم هي أخيرا تلك الفترة ~~(من 1786-1806م) التي تقع بين رحلته إلى إيطاليا ومعركة يينا المشهورة التي دارت رحاها ~~بين نابليون والجيوش المتحالفة ضده، وكانت فترة ثرية بالسعادة في حياته الشخصية والنضج ~~الفني في أعماله الأدبية والازدهار الثقافي في حياته الشخصية في إمارة فيمار الصغيرة - ~~التي شبهها بالازدهار الحضاري والعلمي على عهد الرشيد والبرامكة - حتى هبت عاصفة ~~نابليون على أوروبا مثلما وقعت محنة البرامكة في بغداد فاحترق الربيع الرائع في ~~الحالين؟ # ولكن هذه التفسيرات كلها غير مقنعة ولا صحيحة لأسباب تاريخية وموضوعية عديدة يمكن أن ~~يستنتجها القارئ بنفسه، وقد قدمت السيدة «مومزن» حلا للغز العشرين عاما المذكورة في ~~البيت الأول، واقترحت فيه أن يكون جوته قد كتب الأبيات الأربعة وفي ذهنه حكايات محددة ~~من حكايات ألف ليلة وليلة (التي عرفت جمهور قرائها الغربيين تعريفا كافيا بالبرامكة ~~وروت فيها شهرزاد عددا كبيرا من الحكايات عن جعفر ms024 وزير الرشيد وأمين سره ورفيق ~~جولاته، لا سيما في ترجمة جالان وشروحه التي أشاد فيها بنبل البرامكة وسماحتهم ونزاهة ~~حكمهم، وبوجه خاص في تعليقه على الحكاية رقم 91 في ترتيب جالان، وهي حكاية شاك باك ~~والبرمكي). # والظاهر أن شاعر الديوان الشرقي قد أحس من هذه الحكاية بوجود تناظر بينها وبين قصة ~~حياته وقدره الذي ساقه إلى العمل مع أمير فيمار والحياة في ظله. وقد كان من رأيه - كما ~~روى ذلك على طريقة شهرزاد في فقرات طويلة من شعر وحقيقة - أن حياته العجيبة كانت نوعا ~~من الحكاية الخرافية التي تداخل فيها الواقع مع مصادقات القدر التي تلاعبت بمصيره تلاعب ~~القوى السحرية والشيطانية بأبطال الحكايات في ألف ليلة وليلة. كذلك بدت له السنوات ~~العشر الأولى التي قضاها في فيمار في صحبة الأمير أشبه بحكاية خرافية، وذلك كما قال قبل ~~وفاته بقليل للمستشار فون مولر. # والمهم أنه كتب الأبيات التي قدمناها وأطياف ذكريات شبابه الذي يشبه الحكاية الخرافية ~~العجيبة تحوم حوله، والأهم من ذلك أن الحكاية السالفة الذكر تروي قصة بطلها شاك باك ~~الذي ساقه القدر لدخول قصر البرمكي القوي - كما دخل هو في حياة البرمكي كارل أوجست! - ~~فكسب عطفه إلى الحد الذي جعله يصفه بأنه أعز صديق له وأقرب الناس إلى قلبه، بل عهد إليه ~~بإدارة أملاكه وتدبير شئون خدمه وخلع عليه ثوب رضاه، والأغرب من ذلك أن الشاكي ~~الباكي قد تمتع بهذه الحظوة عشرين سنة كاملة تنعم فيها بكرم البرمكي ونبله وحبه. # 14 # فإذا رجعنا إلى الأبيات السابقة وقرأناها على ضوء الحكاية التي قدمنا فكرة سريعة ~~عنها، وجدنا نوعا من التشابه بين البطل الشاكي (الذي أغدق عليه البرمكي عطاياه وقلده ~~أرفع المناصب في الدولة بعد اجتيازه للامتحان الذي أوقعه فيه، وهو دعوته له على وليمة ~~وهمية ختمها بخمر وهمية فصبر المسكين الجائع الظامئ على شطحته الخيالية وشخص الأكل ~~والشرب كأنهما حقيقة، وبذلك أثبت نجاحه في الامتحان وصلاحيته للتمتع بالحظوة والجاه!) ~~وبين جوته الذي أكرمه أمير فيمار وصادقه ووثق في مواهبه الفائقة ms025 وأشركه - أيام شبابهما ~~الأول! - في نزوات مجونه وطيشه ونزقه التي طالما تحملها الشاعر على مضض، كما كلفه بعد ~~ذلك بتسيير بعض أمور الدولة وإدارة مسرح فيمار والإشراف عليه، فنهض بالمسئوليات المرهقة ~~بحكمة وحزم ونشاط لا نظير له. كل ذلك قد جعل شاعر الديوان يقول عن سنوات شبابه التي ~~قضاها في ظل صديقه وراعيه إنها كانت «جميلة كعهد البرامكة.» # وترجح السيدة مومزن أن تكون الأبيات الأربعة العجيبة قد نظمت في النصف الثاني من شهر ~~ديسمبر سنة 1816م، أي في الوقت الذي كان فيه جوته - إلى جانب انشغاله بالديوان وبعالم ~~الشرق وشعرائه والاطلاع على كل المصادر المتاحة عنه - يطل بعيون الكهل الزاحف نحو ~~الشيخوخة على أيام شبابه بحلوها ومرها، ويواصل العمل في كتابة سيرة حياته، وينظم ~~أشعارا حكيمة قصيرة جمعها بعد ذلك فيما يعرف بالحكم الأليفة واستوحاها من شعراء ~~المعلقات، ومن معلقة زهير بوجه خاص. ويعزز هذا الرأي أن القصيدة التي نحن بصددها تنتمي ~~من ناحية الشكل والمضمون لتلك المجموعة من الحكم القصيرة التي أشرنا إليها، كما تمت ~~بصلة وثيقة للقصائد التي يضمها كتاب الأمثال من الديوان، وربما فكر شاعر الديوان الشرقي ~~أثناء كتابته لقصيدة الهجرة - وهي أولى قصائد كتاب المغني - التي كتبها في اليوم الرابع ~~والعشرين من شهر ديسمبر عام 1814م، ربما فكر في ألف ليلة وليلة، وفي تلك الحكاية التي ~~تسللت إلى أعماقه ورسخت فيها عن الشاكي الباكي والبرمكي، والمصير الفاجع الذي آل إليه ~~هذا البطل المسكين بعد نكبة البرامكة وطرده من الوزارة وتجريده من كل شيء وفراره من ~~بغداد، وربما توحي بعض أبيات قصيدة الهجرة التي تتحدث عن تصدع العروش وارتجاف ~~الممالك، بأن المخاوف قد ساورت شاعر الديوان من جراء العاصفة النابوليونية التي كان من ~~الممكن أن تصيبه بما أصاب الشاكي الباكي. # وأخيرا، فهل نوافق الباحثة الأمينة المجتهدة على هذا التفسير الذي يدور في دائرة ~~الإمكان والاحتمال، أم نرفضه أو على الأقل نتردد في الاقتناع الكامل به؟ أحسب أننا يمكن ~~أن نقبله ونرحب به بحكم كوننا ورثة ألف ليلة ms026 وليلة أو جزء كبير منها على الأقل، وإن ~~كنت أشك في أن عقولنا قد اقتنعت به كل الاقتناع. ~~(3) عالم الديوان الشرقي-الغربي وعالم الباطن ~~(أ) # الشيء الرائع لا تسبر أغواره، فليفهمه كل منا كيف يشاء. # هذان البيتان لجوته يلخصان الخواطر التالية التي سنحاول فيها الاقتراب من ~~الشيء الرائع الذي بين يديك، وهو الديوان الشرقي. فليس الديوان في حقيقته ~~سوى طريق شعري إلى العالم الخفي الرحب الذي نسميه عالم الروح أو عالم ~~الباطن، ولأنه طريق يتجه إلى الأعمق والأعلى في نفس الوقت، فقد حير ~~القراء والشراح منذ ظهور طبعتيه الأوليين في حياة صاحبه (في عامي 1819م ~~و1827م) ولم يزل يحيرهم إلى اليوم مع كل طبعة جديدة، بل ويواجه من أهله وفي ~~بلاده نفسها بسوء الفهم أو الضيق أو حتى بالتجاهل، على الرغم من أن الكثير ~~من حكمه وقصائده قد جرى هناك على كل لسان وانسكبت ألحانه في كل الآذان. # ولأنه كتاب من تلك الكتب التي لا تسبر أغوارها بسهولة، وكل واحد ~~متكامل يزخر بالحياة وتنبثق فيه كل موجة من الموجة التي سبقتها كما تحرك ~~اللاحقة لها، # 15 # فهو يتطلب منا أن نغوص فيه ونجربه تجربة باطنة كي يتسنى لنا ~~السياحة في مياهه النقية (التي سنفتقد سماع خريرها الحلو بطبيعة الحال في ~~هذه الترجمة أو أية ترجمة سواها في أي لغة). وليس أصعب علينا اليوم من هذه ~~التجربة الباطنة، إن كان عالم الباطن نفسه قد تبقى له أثر بعد أن غمرتنا ~~السطحية من كل ناحية، وأغرقتنا الضوضاء من كل الجهات، ولكن ما العمل إذا ~~كانت تجربة أشعار هذا الكتاب مستحيلة بغير المشاركة، مستحيلة بغير الحب، ~~الحب الذي تحرر من الشهوة، وتطهر من الأنانية، وتبرأ من التحيز والتسرع ~~والغرور؟ وكيف نطمع في الاقتراب مما سميناه الباطن، والروح، إذا لم تستعد ~~للرحلة الشاقة والمشوقة بالنظرة الصافية، والقلب السمح، والعقل اليقظ، ~~والبصيرة النافذة المتعاطفة؟ ومن أين يتأتى لنا أن نعرف جوهره أو نلمس لمحة ~~واحدة من نوره ونحن على ما نحن عليه من تشوش وتشتت واضطراب ms027 وتشذر لجوهر ~~وجودنا نفسه، إن كان ثمة من يتذكر اليوم هذا الجوهر أو يسأل عنه؟! # وتبدأ الحيرة إزاء «الديوان الشرقي-الغربي» أو النفور منه والتحيز ضده من ~~العنوان نفسه: ينظر فيه الغربي بامتعاض: ما لهذا الشيخ الذي بردت شعلة قلبه ~~التي طالما تدفأنا على نارها وهو في شبابه ورجولته، ما لصوابه يطيش به ~~فيندفع إلى الأجنبي البعيد والغريب عنا وعنه ويترك ما هو حميم وقريب منه؟ ~~ويتساءل الشرقي متبرما خائب الأمل: أي شرق هذا الذي يتغنى به الشاعر ~~العجوز، وما هذه الأقنعة الكثيرة التي يطرحها عليه وعلى نفسه؟ ألم يجد في ~~الشرق الذي كان يعاني على عهده - ولم يزل يعاني إلى اليوم! - من التخلف ~~والبؤس والقهر والتسلط والاستبداد والتجمد والركود، إلا المسك والعنبر، ~~والوردة والبلبل، والندامى والساقي والحانات، والشعراء والحكماء والعشاق ~~والصوفية والدراويش؟ # والرد على الطرفين بسيط؛ فالديوان كله - لمن يعرف كيف يقرأ الشعر ويحس ~~بالروح الكامنة وراء الكلمة والنغمة والحرف والصورة والتركيب - كشف عن ~~الأقنعة لا تنكر وراءها، والأقنعة تشف - لمن يجيد الرؤية - عن وجه الحقيقة ~~الواحدة أو الواحد الخالد الذي لا يعرض نفسه إلا خلال الأقنعة، لأننا لا ~~نقوى على التحديق مباشرة في نوره الباهر الذي يعشى العيون، وكما نعرف ~~الشمس عن طريق الدفء والألوان والأشياء التي تنعكس عليها، كذلك لن نعرف ~~الواحد والحق والجمال إلا من خلال صورها وأقنعتها الأرضية، لأن مداركنا ~~المحدودة تعجز عن إدراكها في ذاتها. ثم إن الشرق الذي يتغنى به الديوان ~~ليس هو الشرق الجغرافي أو التاريخي، ولا السياسي أو الاجتماعي، ولا حتى ~~الحضاري والثقافي. إنه الشرق الشعري الذي تحيا فيه الأحداث والوقائع ~~والأشخاص والموضوعات والعادات والتقاليد والحكم والخرافات ... إلخ، ثم ~~تصفى في النهاية لكي يبقى ما كان في البداية، ويظل القديم هو الجديد، ~~ويصب كل ما مضى في لحظة الحضور الأبدي التي تحيا بالوحدة والنقاء، والحب ~~والإيمان. صحيح أن هذا لا يتم إلا من خلال التضاد أو الاستقطاب الثنائي بين ~~الشرق والغرب، وأن كليهما يحتفظ بطابعه المميز وخصوصيته الملازمة له، ولكن ~~مصفاة الشعر ms028 ترتفع بهما إلى الأعلى والأعلى، وتجمع بينهما في وحدة الأصل أو ~~الجذر الأول الذي تفرعا عنه، والوطن الأول الذي يلتقي فيه البدء والمنتهى ~~بعد رحلة التغير والتحول، وملحمة الاختلاف والصراع، واللعب بكل الأقنعة، ~~والاندماج في كل الكائنات، وتجربة الحياة والأحياء في جميع ظواهرها التي لا ~~تخرج في النهاية عن أن تكون صورا وانعكاسات لما يسميه بالظواهر الأولية أو ~~الأصلية. # ومع أن قصائد الديوان كلها أشبه باللآلئ التي تنتظم في سلك العقد الحي ~~المنغم الذي يتخذ شكل الدائرة ويحيط بالكل، أو أشبه بالعذارى اللائي تأخذ ~~كل منهن بيد الأخرى ليسترحن جميعا على صدر الأصل الأول أو في عمق المنبع ~~الفوار بالحياة والإقبال على مباهج اللحظة الممتلئة، مع هذا يمكنك أن ~~تهتدي بسهولة إلى أبرز القصائد التي تغزل بأناملها الرقيقة كل الخيوط لتنسج ~~منها - إذا جاز التعبير - سجادة الوجود؛ هجرة، وتمائم، والماضي في الحاضر، ~~وحنين مبارك (من كتاب المغني) والقصائد الموجهة إلى حافظ وبالأخص قصيدة ~~«أنت تعرف ما يريده الجميع»، وقد فهمته بالفعل (من كتاب حافظ) ومن أين أتيت ~~بهذا؟ كيف تيسر أن يصل إليك؟ (من كتاب الضيق) واللقاء من جديد (من كتاب ~~زليخا) وليلة صيف (من كتاب الساقي) ووصية الديانة الفارسية (من كتاب ~~البارسي) ورجال موعودون (من كتاب الفردوس). وإذا لم تكشف لك هذه القصائد عن ~~سرها، فعسى أن تكشف عنه الشروح الأخيرة في هذا الكتاب، وأن يكون كلاهما ~~كالمرآة التي تتأمل فيها زليخا جمالها الفاتن، حتى إذا أنذرها العشاق ~~المحيطون بأن جمالها إلى زوال، ردت عليهم بقولها: «كل شيء خالد في عين ربي، ~~فاعشقوه الآن فيا، هذه اللحظة حسبي!» ~~(ب) # كيف استطاع شاعر الديوان أن يوحد بين الشرق والغرب وينسج منهما ~~«العالم»، ثم يستوعب هذا العالم في عالمه الباطن ليزيده ثراء وعمقا، ~~ويجدد له شبابه وإبداعه؟ # لننظر في هذه الرباعية القصيرة من كتاب «الضيق» قبل أن نستطرد في الحديث: # من لم يستطع أن يقدم لنفسه الحساب ~~«عما تم» في ثلاثة آلاف عام # فسيبقى جاهلا يتخبط في الظلام # ويعيش من يوم ms029 ليوم «يفترسه السراب». # 16 # إنه «الحساب» الذي ظل جوته يقدمه منذ صباه الباكر، ويتسلح به في كل يوم ~~من أيام حياته الخصبة الجادة لكتابة هذا الديوان الشرقي-الغربي عندما آن أوانه وفرضته عليه ~~الضرورات الخارجية والداخلية، بل لكتابة إنتاجه الضخم كله بمختلف أشكاله الأدبية ~~والفكرية والعلمية. وقد أفضنا في الكلام عن جهوده الدائبة - منذ صباه الباكر حتى كهولته ~~المتأخرة - في تحصيل المعرفة بالشرق من كل مظانها، وتجميع المواد التي ستنتظم فجأة وعلى ~~غير توقع منه في بناء هذا الديوان، لا سيما بعد قراءته للترجمة الكاملة لديوان حافظ ~~الشيرازي، ثم بعد ترجمته لنعمة الحب ل «مريانة» ومكابدته للوعة فراقه النهائي لها، ~~بحيث كانت القصائد تنبثق منه كالمياه الصافية الدافئة من شلال لا يتوقف عن التدفق (وكان ~~يصل عددها أحيانا في اليوم الواحد إلى ثلاثة أو أربعة!) وأخيرا كيف أقبل على التهام ~~كل ما يصدر عن الشرق، والتقاط كل جديد والسؤال عن كل غريب لدى معارفه وأصدقائه من ~~المستشرقين والمستعربين، وذلك عندما تفرغ للتجول في رحاب الشرق وكتابة تعليقاته وبحوثه ~~التي ألحقها بالديوان دون أن يفقد نفسه أو يضيعها كما قال في القصيدة الأولى من كتاب ~~الضيق وهي من أين أتيت بهذا؟ إن الشيء الرائع حقا هو أنه لم ينظر أبدا إلى أرقام هذا ~~الحساب ولم يعتبر مادته الهائلة التي بدت كالبحر بغير شواطئ كأنها «معلومات» يزين بها ~~شعره، أو زخارف يضفرها في مادته لتسحر القارئ وتدهشه أو «ليستعرضها» أمامه ويدل ~~بها عليه (كما فعل بعض صغار الشعراء بعد ذلك في بلاده أو بعض الشعراء المجددين عندنا مع ~~بداية حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة) لقد ظل موقفه من المأثورات الشرقية والغربية ~~العديدة - التي انعكست عليه بظلالها وأسماء أصحابها والظروف التي أحاطت بها - هو موقف ~~الإجلال والخشوع أمام كل ما انطوت عليه من حكمة وأصالة وتجارب واقعية أو ~~متخيلة. # ولقد تقبلها كما هي عليه ولم يحاول أن يمسها أو «يغتصبها» لأغراضه الفنية، ولم يمارس ~~عليها الفطنة والحيلة، ولم يهبط بها إلى مستوى الاستخدام ms030 الشخصي أو اليومي المعتاد، ولم ~~يتلاعب بنيرانها وأنوارها ليطلق بها مهرجانا ملونا زائف البريق، ولم يختلق منها عملا ~~فنيا مصطنعا لا يمكن في النهاية إلا أن يكون عملا متكلفا خاليا من نبض الحياة ~~الصادقة. لقد استطاع بالخشوع المرح الصافي - إذا صح هذا القول! - أن يستوعبها في ~~عالمه الباطني، شأنه في هذا شأن كل شاعر وفنان أصيل، فصارت حياة من حياته ونمت في ~~داخله نموها الخاص ونضجت وأمكنه - حين دعته ضرورات الكتابة التي لا تنفصل عن ضرورات ~~الحياة - أن يستدعيها ويستوحيها، أو يعبث بها ويداعبها، أو يرويها للمثل والاعتبار ~~ومواجهة الأوغاد والحاقدين الصغار، أو يهيب بها لإثراء لحظته الحاضرة في السراء ~~والضراء، دون أن يجد حرجا من اقتباس كلماتها الأصيلة اقتباسا حرفيا في كثير من ~~الأحيان، ودون أن يؤثر ذلك في شيء على خصوصيته الفنية والأسلوبية، وخصائصه الشعورية ~~والعقلية؛ لأنها قد صدرت عن شخصيته الموحدة الواثقة المتفوقة، بعد أن استوعبها كما قلت ~~فأصبحت من مكونات عالمه الباطن لا مجرد «معلومات» أو «طرائف» وضع عليها يده أو وضعها في ~~جرابه الثقافي (كما يفعل الصغار عندنا وعندهم كالحمير تحمل أسفارا تثقل على ظهورهم كما ~~ترزح على ظهور تلاميذهم وقرائهم المظلومين). # علينا إذن ألا ننسى أن الديوان «شرقي-غربي» قبل كل شيء، مهما اكتشف القارئ الذكي ~~المتعاطف بعد قراءته أو أثناءها أنه موجه «للإنسان» فيه أيا كان مكانه وزمانه - إن ~~صاحبه يتجول فيه بأزياء مختلفة - كشاعر ألماني وتاجر شرقي، كمسيحي ومسلم، كتلميذ تعلم ~~في مدارس الإغريق وفي معابد النار المقدسة للبارسيين من قدماء المجوس، كشقيق «لحافظ ~~القرآن الكريم» ومريد لاسبينوزا ومذهبه في وحدة الوجود: # رائع هو الشرق # الذي تجاوز البحر المتوسط. # إن من يحب حافظا ويعرفه # هو وحده الذي يطرب لغناء كالديرون. # إنه يجوب الآن كل الأبعاد ولا يسير في اتجاه واحد كما كان يفعل من قبل، ~~وهو يجدد شبابه بما يرى ويجرب فيتجدد معه العالم الذي استوعبه في عالمه الباطن، والعالم ~~غني بوفرة هائلة من الأشكال المتعددة والثمار المتنوعة التي يحس نبضها في دمه ms031 ويراها ~~بعينه ويسمعها بأذنيه ويلمسها - كشاعر دنيوي أو أرضي مطبوع - بكل حواسه، وهو ينتقل ~~بينها وفيها وعلى فمه ابتسامة الشيخ وطيبته، وفي عقله ووعيه ذكاؤه ويقظته، وحتى إذا ~~فرضت عليه الوحدة والتعاسة والصمت أن يبعد العالم عنه، فإنما يفعل ذلك لكي يجذبه إليه، ~~لأنه خلق - كما يقول على لسان الحارس البرج لينكويس في فاوست الثانية - لكي يندهش من ~~هذا العالم ويهتم بالحياة التي تنمو وتتشكل وتفور في كل شيء فيه من الحجر والنبات ~~والحيوان إلى الإنسان. # ولكن كيف يقدم الحساب عن مئات السنين أو آلافها من حياة وتاريخ الإنسان والعالم ~~والكائنات، ويبقى مع ذلك شابا؟ كيف يصور آلاف الأشياء الأرضية في الوقت الذي يعد ~~فوقها قبة سمائه العقلية؟ إنه يبدو لنا - في كتاب الساقي مثلا - أكثر شيخوخة وأنضر ~~شبابا مما هو عليه، وهو في كتب التفكير والحكم والأمثال يقدم من الحكم أكثر بكثير ~~مما يمكن أن تتسع له أو تحصله تجربة إنسان واحد في حياة واحدة، وهو في كتب الحب - مثل ~~كتابي العشق وزليخا بوجه خاص - يظهر أقل من سنه بكثير، ويشتعل بنيران الشوق والعذاب ~~والنشوة والمتعة التي لا يتحملها كيان الكهل أو الشيخ. # وفي كتاب المغني وحده - وهو أول كتب الديوان في الترتيب الذي وضعه له - يبدو لنا ~~التطابق الكامل بين التاجر الشرقي المتجول والشاعر الغربي المتجول، ولننظر في إحدى ~~القصائد التي تركها بعد وفاته لنرى فيها مدى توحد العاطفة مع الصورة، بل مع الصور ~~والأسماء التي تفوق الحصر: # دعوني أبكي، يحوطني الليل # في الصحراء الشاسعة، # الجمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون، # والأرمني سهران يحسب في هدوء، # أما أنا فأرقد إلى جواره، وأعد الأميال # التي تفصلني عن زليخا، وأتفكر باستمرار # في الدروب الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق، # دعوني أبكي، فليس هذا عارا، # إن الرجال الذين يبكون طيبون، # لقد بكى أخيل حبيبته بريزيس، # وأكسيركسيس بكى الجيش الغلاب، # والإسكندر بكى رفيق عمره الذي قتله بنفسه، # دعوني أبكي، # إن الدموع تحيي التراب، # وها هو ذا يخضر. ~~(انظر شرح هذه القصيدة مع الشروح المخصصة ms032 للقصائد التي جمعت ونشرت ~~بعد وفاة الشاعر.) # والقصيدة تزخر بمختلف الأسماء والشخصيات والأمكنة والاتجاهات، فالصحراء والجمال ~~والرعاة العرب في جانب، وأخيل وبريزيس والإسكندر (الإغريق) وأكسيركسيس والأرمني # 17 ~~(الإيرانيان) في جانب آخر. والشاعر يستدعي هذه الأسماء والشخصيات والأماكن ~~أمامه، وخياله المحلق وعقله الواضح - الشديد الاتزان والصفاء - يضمانها في وحدة ~~واحدة، هي وحدة شخصيته وعالمه الظاهر والباطن، وهو يتأمل كل شيء على كل المستويات ~~الممكنة، يصعد إليه بجناحي الخيال أو يسلط عليه أضواء العقل المتزن، وتبقى في كل حال هي ~~أشياؤه ومكونات عالمه الشعوري والفكري والغني. وهو لا يصف الأشياء ولا ينتخب منها ما ~~يلائم هذا العالم أو ما يزهو بتصويره ويخلق منه حلما شعريا، لأنه لا يغادر بخياله ~~حدود عالم التجربة الواقعية والحسية أبدا، وإنما يمكن القول مع الشاعر أوسكار لوركه # 18 ~~(1884-1941م) إنه يجر معه الكرة الأرضية كلما كتب وحيثما اتجه، لكن عقله ~~الناصع يرتفع دائما فوق هذه الكرة. وحين يمد قوسه الشعري الذي يصل الواقع الحسي ~~والعملي بالمثال الأفلاطوني والفكرة الأفلوطينية، فهو يقيمه على الدوام فوق عمودين ~~راسخين، هما التجربة الحسية الواقعية والمثال المطلق أو القيمة الكلية الشاملة، ثم ~~ما قيمة الأزمان الكثيرة التي يجول فيها، كالفارس العربي فوق صهوة جواده لا يعلو عمامته ~~إلا نجوم السماء كما يقول في قصيدة هجرة، ما قيمتها ما دام يضمها إلى بعضها في زمن ~~واحد، أو بالأحرى في لحظة الحضور الأبدي الواحدة؟ وما قيمة الأسماء الكثيرة التي تتردد ~~في الديوان من مختلف الشعوب والأجناس واللغات والحضارات ما دامت الأسماء - كما قال في ~~فاوست - مجرد أصوات ودخان يحجب بالضباب وهج السماء؟ فليحشد إذن ما يشاء من أسماء في ~~هذه القصيدة أو في غيرها، ولتنضم إلى الأسماء الشرقية والعربية العديدة أسماء آلهة ~~وأبطال وأشخاص يونانيين أو مسيحيين: أورورا، وهليوس، وهسبيروس، وإريس، بجانب يسوع ~~المسيح والقديسة فيرونيكا التي بللت منديلها بعرق وجهه وهو في طريقه إلى الصليب فانطبعت ~~معالم الوجه المقدس على صفحة المنديل، ليغص في مياه الفرات أو في مياه الراين أو ~~الماين، وليذكر ms033 اسم نابليون أو تيمورلنك، وليتغن بأشعار أجداده وآبائه وأمثالهم وحكمهم ~~أو بأشعار حافظ وسعدي ونظامي، ليتغن باسم المتنبي أو المجنون أو كثير أو غيرهم ~~وغيرهم. أليس الديوان هو الديوان الشرقي-الغربي؟ أليست الأزمان كلها زمنا واحدا، لا ~~يحسب بالسنوات ولا الساعات والثواني، بل بالتجارب والرؤى والنبضات؟ وهل يحد الوجود ~~الإنساني الحي بأصله الجغرافي، وهل تتقيد التجربة الواقعية الفريدة بالتاريخ المتسلسل؟ ~~والشعراء الكثيرون من شرق وغرب، أليسوا في النهاية تجسيدات مختلفة «للشاعر » و«الشعر» ~~على إطلاقه، دون أي مساس بخصوصية كل شاعر وخصائص كل شعر وما يتفرد به؟ أفلا يكون الكلام ~~الكثير مما نتعارك حوله منذ سنوات عن صدام الحضارات وصراع الثقافات، واتهام الشرقي ~~للغربي إلى حد التطاول الفج والإدانة الغوغائية العمياء في بعض الأحيان، وتحيز الغربي ~~ضد الشرقي وتعاليه وغطرسته عليه انطلاقا من «مركزيته الأوروبية» الأنانية الضيقة الأفق ~~... إلخ. أفلا يكون هذا كله من منظور شاعر الديوان الشرقي-الغربي مجرد ثرثرة وفحيح غبي ~~مسموم ومتخم بالأصوات والضوضاء والدخان؟ وهل كان سيتردد لحظة واحدة عن التأفف منه ~~والترفع عنه واللجوء «لشرقه» الشعري الواحد النقي، والاعتصام من متعصبي وأغبياء زمانه ~~وزماننا بعالمه الواحد الذي هو في النهاية عالم الإنسان في وحدته وشموله وصفاته؟ ألا ~~ليتنا جميعا نتعلم من عقله الناصع المرح ومن نظرته الشامخة المترفعة كنظرة النسر. ~~(4) أضواء على ترجمة الديوان # ونأتي أخيرا إلى ترجمة الديوان والطريقة التي اتبعتها فيها، مع التوقف قليلا عند ~~ترجمة الشعر ومشكلاتها العسيرة التي لا تتسع لها هذه المقدمة المحدودة. وما دمنا نعيش في ~~صحبة جوته ونحاول أن نقترب من عالمه، فلنبدأ حديثنا عن الترجمة بالنظر فيما قاله عنها ~~في فقرة من تعليقاته وأبحاثه التي ألحقها بالديوان تحت عنوان «الترجمات»، ولنذكر في كل ~~الأحوال أنها تنطوي على نظرات شاعر كبير (مارس الترجمة أحيانا عن ديدرو وبنفينيتو ~~تشلليني وتأبط شرا وغيرهم، كما كادت بعض قصائده القصيرة في الديوان أن تكون ترجمات ~~حرفية لأصول فارسية وعربية) وهي نظرات نافذة وهادية ومحيطة، وقد سبقت بما يزيد على ~~قرن من الزمان الاهتمام الحديث بالترجمة ms034 التي أصبحت علما واسعا له أصوله وقواعده ~~والمتخصصون فيه. # حدد جوته ثلاثة أنواع من الترجمة، تبدو أشبه بالسلالم المتدرجة من الأدنى إلى ~~الأعلى: # فالنوع الأول يعرفنا بالأجنبي عنا بما يوافق إحساسنا الخاص (وينطبق عليه ما نسميه ~~نحن بالتعريب الذي بدأ مع رفاعة رافع الطهطاوي في ترجمته لفنيلون، وازدهر في أواخر ~~القرن الماضي والعقود الثلاثة الأولى من هذا القرن. وإذا كان جوته يقول إن أفضل أمثلة ~~هذا النوع هي الترجمة النثرية الخالصة، فقد غلب النظم على معظم ما تم تعريبه عندنا ~~مثل الإلياذة للبستاني وبعض مسرحيات شكسبير التي تم اقتباسها مع بداية النهضة المسرحية ~~والغنائية). وتأتي بعد النوع الأول - الذي كان أشبه بتمهيد الطريق للدخول في العمل ~~الأجنبي بكل خصوصياته المميزة - مرحلة أخرى تقوم فيها الترجمة بوضعنا في ظروف النص ~~الأجنبي وأحواله، وإن بقي كل همها منحصرا في استيعاب الحس الأجنبي والتعبير عنه بعد ~~ذلك تعبيرا يلائم الحس القومي. أما النوع الثالث، فهو ذلك الذي يسعى للتوحد بالأصل ~~والتطابق أو التكافؤ معه بحيث يمكن أن يغني عنه. وقد كان جوته يعني بذلك الترجمات ~~الشعرية للأصول الشعرية (كما فعل في عصره المترجم المشهور يوهان هينريش فوس ~~(1751-1826م) لملحمتي هوميروس) بدليل أنه في سيرته الذاتية شعر وحقيقة (3-11) ينصح ~~بتقديم الترجمات النثرية للشباب، ويرى أنها أيسر عليهم من الترجمات الشعرية وأنسب ~~لتربية أذواقهم. # والواضح من كلام جوته أنه ينشد تحقيق المثل الأعلى لترجمة الشعر، وهو التطابق مع ~~الأصل إلى حد التوحد معه. # 19 # يؤكد هذا ما يقوله في إحدى حكمه (وتحمل الرقم 1056 من مجموعة حكمه ~~وتأملاته) من أن على المترجم أن يقترب مما يستعصي على الترجمة، عندئذ يمكننا أن نفهم ~~الأمة الأجنبية واللغة الغريبة علينا، ولو سألناه عم يقصده بما يستعصي على الترجمة، ~~وهل ندخل بذلك في منطقة صوفية تعجز فيها اللغة وتقف خرساء عند حدود ما لا يقال، لأجابنا ~~بقوله: إن معناه ألا يدخل المترجم في عملية مبارزة مع اللغة الأجنبية؛ لأن في هذه اللغة ~~صورا وصيغا وتعبيرات وتركيبات تتعثر اللغة ms035 المتلقية في أدائها وتعجز عن الوفاء ~~بجوانبها الصوتية والتشكيلية والجمالية. # وعلى المترجم أن يحترم هذا الذي تتعذر ترجمته فيبتعد عن المعاظلة معه، وإرغامه على ~~الدخول في قوالب مقحمة عليه وعلى إيقاعاته الأصلية؛ إذ ينبغي في هذه الحالة الاكتفاء ~~بالاقتراب منه، وإشعارنا بأنه ينتمي إلى العبقرية الخاصة بلغة المصدر وعالم مشاعرها وأنماط ~~التفكير فيها وإيماءاتها وظلالها وقيمها الموسيقية والمعنوية التي تنفرد بها عن غيرها ~~من اللغات. وأحسب أنه سيفضل في هذه الحالات - التي تتعذر فيها الترجمة الموفقة التي ~~تتوصل إلى نقل الأصل في نسق نغمي قريب من نسقه، أو التي لا تتوافر فيها للمترجم حساسية ~~الشعر المبدع وأصالتها مع الالتزام الكامل بالدقة والأمانة الموضوعية، أقول إنه سيفضل ~~في هذه الحالات ترجمة الشعر إلى نثر شاعري بسيط ينقل لنا روح القصيدة الأصلية وإن عجز ~~عن نقل موسيقاها وإيقاعاتها (على نحو ما حدد ذلك في النوع الأول من أنواع الترجمة). # من هذا المفهوم للترجمة الشعرية الذي يصح أن نسميه المفهوم الرومانسي - على الرغم من ~~زعم الرومانسيين مثل شيللي وغيره، ومن قبلهم الجاحظ في عبارته المشهورة في الحيوان بأن ~~الشعر لا يترجم! - من هذا المفهوم يتحتم على المترجم أن يتغلغل في روح النص وروح ~~صاحبه، وحبذا لو أمكنه أن يفنى فيه ويتقمصه تقمص الأرواح كما يقول شوبنهور، أو يتلبسه ~~كما يقول طه حسين في مقدمته لترجمة المرحوم محمد عوض محمد للقسم الأول من فاوست. هنالك ~~يمكنه أن يتجاوز المؤلف الأصلي فينجز ما كان يريده أو ما كان ينبغي عليه أن ينجزه. ~~والغريب أن جوته قد صرح بأنه فعل هذا في الترجمات التي قام بها بنفسه، وإن كان قد ~~تحفظ على عادته فلم يزعم أنه أمر جائز في كل الأحوال (غير أن الواقع والحقيقة يشهدان ~~بأن ترجمته لرواية ديدرو «ابن أخت رامو» كانت ترجمته بطيئة الأسلوب ثقيلة الإيقاع ولم ~~تنجح أبدا في إعادة إبداع الأصل، كما نقول اليوم، حتى بصورة تقريبية!) والمهم على أية ~~حال أن شاعر الديوان قد استطاع بثاقب بصره أن يستبق ما ms036 يقوله اليوم بعض علماء الترجمة ~~الأدبية وأصحاب فلسفة التأويل أو التفسير (الهيرمينويطيقا) من ضرورة الانصهار في النص ~~الأصلي؛ أي التعاطف معه واستشعار روحه وقراءة ما بين سطوره أو ما تحتها لإبراز مكنونه ~~الذي ربما يكون المؤلف قد أغفله أو اضطر إلى إغفاله والسكوت عنه لأسباب شخصية أو ~~اجتماعية وسياسية مختلفة. # هكذا ترى أن ترجمة الشعر أشبه بالمخاطرة في أرض حرام، في منطقة غامضة تقع بين الإنشاء ~~والإبداع الخالص (الذي يمكن أن «يخون » الأصل مهما تكن الخيانة خلاقة ومبدعة، كما حدث ~~في المثل المشهور الذي يساق في هذا الصدد، وهي ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام في ~~شعر بديع أثرى به التراث الشعري الإنجليزي على حساب الدقة والوفاء بالأصل الفارسي!) ~~وبين النقل الحرفي الدقيق والأمين مع القدر الواجب من الحساسية التي تتوقف في كل حالة ~~على موهبة المترجم وذوقه ورهافة حسه، والسبب في ذلك كله بسيط: فالترجمة الأدبية، ~~وترجمة الشعر بخاصة، تحاول إعادة إبداع عمل سبق إبداعه، ولا عجب أن تقع بدرجة متفاوتة ~~في دائرة «الاستحالة» أو حتى «الخيانة» - كما سبقت الإشارة لذلك ولا بد من القول ~~باختصار - ربما لتبرير محاولتي لترجمة الديوان الشرقي، ومحاولات أخرى سبقتها في ترجمة ~~مئات القصائد من الشعر الشرقي والغربي القديم والحديث! لا بد من القول بإن التاريخ ~~يشهد على حقيقة لا شك فيها، وهي أن جميع الشعوب في جميع الحضارات قد ترجمت عن بعضها ~~البعض نثرا وشعرا. ويكفي أن نذكر في هذا الصدد تلك الألواح التي تعرف عند علماء ~~الآثار والتاريخ القديم بألواح تل العمارنة - وهي مدينة أخناتون القديمة بالقرب من مدينة ~~المنيا - التي تنطق بأن المصريين القدماء - على الأقل في الدولة الحديثة - كان لديهم ما ~~يشبه أن يكون مركزا لترجمة الرسائل وغيرها من الوثائق البابلية والآشورية المكتوبة ~~بالخط المسماري، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يعثر العلماء بين هذه الألواح على كسر أو ~~شذرات من ملحمة جلجاميش البابلية الشهيرة. # لن أسترسل أكثر من هذا في الكلام عن مشكلة ترجمة الشعر التي يمكن أن يرجع القارئ إلى ms037 ~~تفصيلاتها الدقيقة في مواضع أخرى أشرت إلى أحدها في هامش سابق، ولهذا سأنتقل للإجابة عن ~~السؤالين اللذين يخطران على بال القارئ في هذا السياق: ما الطريقة التي التزمت بها في ~~ترجمة قصائد الديوان؟ وما الداعي لإعادة ترجمتها بعد أن قام بهذا العمل رائد جليل ~~وأستاذ عظيم قبل ثلاثين سنة؟ # أما عن السؤال الأول: # فأقول باختصار إنني اتبعت الأسلوب الذي سرت عليه في ترجماتي السابقة ~~للأعمال الشعرية، وهي الترجمة النثرية الدقيقة والأمينة بقدر الطاقة مع ~~حروف النص وروحه، وقد احتشدت لها بكل ما استطعت وما تعلمت من خبرتي ~~المتواضعة من حساسية للنص الأصلي، تبلغ حد احتضانه والفناء فيه والتخلي ~~بقدر الإمكان عن إقحام الذات الشخصية والجماعية عليه بتركيباتها وصيغها ~~الموروثة، وكأني أحاول في كثير من الأحوال أن أترجم بدءا من «حالة الصفر» ~~التي طالب بها «رولان بارت» في الكتابة، ومع أنني لا أتردد عن الاعتراف ~~بتشككي في مدى حظي من التوفيق، لا سيما في القصائد التي لجأت فيها إلى ~~نوع من التقفية أو التسجيع لمحاولة الإيحاء بالنغم والجرس الأصلي في ~~إيقاعاته وقوافيه الرائعة التي قد تبلغ حد الإعجاز في كثير من الأحيان، فقد ~~وضعت كل زيادة أضفتها من جانبي بين قوسين - حتى أخفف من الجناية الحتمية ~~على جمال الأصل! - كما لجأت أيضا في بعض الأحوال إلى إضافة كلمات أو سطور ~~وضعتها كذلك بين قوسين، وذلك توخيا للوضوح والإفهام والسهولة التي راعاها ~~جوته نفسه ووضعها في مصاف المبادئ التي طبقها على إنتاجه الضخم، ولم يستثن ~~منها شعره أيضا كما سبق القول (على الرغم من أن الشعر دائما - بما في ذلك ~~شعره - لا يخلو من قدر ضروري من الغموض الذي يشبه السحابة التي تلف الشمس ~~أحيانا وإن كانت توحي دائما بوجودها) أما القصائد التي أعترف بأنها ~~فرضت علي أن أنظمها شعرا (ولا أقول أن أبدعها)، فهي لا تزيد في عددها ~~على حوالي الثلاثين قصيدة طويلة وقصيرة. وأعترف للقارئ بأنني توخيت الأمانة ~~الكاملة في نقلها، ولم أخرج أحيانا عن الأصل إلا في أضيق الحدود، ms038 وعذري ~~على كل حال أنها هزت في النفس جذور شاعرية قديمة، قطعت شجرتها بنفسي في ~~أول الشباب عندما تأكدت في لحظة صدق أنني لا أملك أصالة الشاعر الحقيقي، ~~ولذلك اتجهت للسير على طرق أخرى كالفلسفة والقصة والمسرح، وصحبتني فيها مع ~~ذلك أو طاردتني روح الشعر التي ظلت تسكن العظم واللحم وتتحكم في أسلوب ~~وجودي كله. # وأما عن السؤال الثاني: # فالرد عليه أبسط من سابقه، فالمعروف أن الأعمال الأدبية الكبرى تحتمل في ~~كل اللغات أن تترجم ترجمات مختلفة. ولو فكرت في روائع عالمية مثل أوديب ~~وهاملت وفاوست وغيرها، لوجدت لها في كل اللغات، وفي لغتنا أيضا، ترجمات ~~عديدة، وطبيعي أن تتفاوت هذه الترجمات في حظوظها من الجودة والدقة ~~والحساسية والوفاء بجماليات الأصل؛ لأن الوفاء الكامل بمستويات النص الأصلي ~~المتعددة، أي التطابق أو التكافؤ معه إلى حد التوحد أمر مستحيل في أي لغة ~~وفي أي ترجمة كما سبق القول مرارا. وإذا كان الديوان الشرقي-الغربي هو أحد ~~الروائع التي أراد لها صاحبها أن تكون كتابا للبشرية، وتمنى على القارئ أن ~~يحبه ويتعاطف معه ويجرب تجربته الرحبة في سماحتها وإنسانيتها وشمولها، فمن ~~الطبيعي أن يكثر عدد مترجميه في كل اللغات، وأن يختلف فهم المترجمين ~~وتفسيرهم للنص وتجربتهم له باختلاف شخصياتهم وخبراتهم وقدراتهم ومواهبهم. ~~ومن هذا ترى أن ترجمتي لا تحل «محل» ترجمة أستاذي الجليل عبد الرحمن بدوي ~~ولا تلغيها ولا تدعي لحظة واحدة أنها أفضل منها، كما أن أي ترجمة ممكنة ~~في المستقبل لن تلغي أيضا هذه الترجمة أو تقوم مقامها، وإن كان من حقها أن ~~تزعم أنها تلافت أخطاءها أو تفوقت عليها بشكل من الأشكال. والأمر متروك في ~~كل الأحوال للقارئ الذي يمكنه - بطبيعة الناقد الكامنة فيه! - أن يقارن بين ~~الترجمات ويتذوق منها ما يشاء ويدع ما يشاء، ولا بد من الاعتراف مرة ~~أخرى بأن هذه الترجمة تدين بالفضل العميم لترجمة أستاذنا الجليل، وأنها ~~أفادت من عدد ضخم من سطورها - إلى حد «النقل الحرفي» لها في بعض الأحيان - ~~ومن شروحها القيمة المستفيضة وتتبعها ms039 للأصول العربية والفارسية والتركية ~~التي نهل منها شاعر الديوان إلى حد الترجمة الحرفية في بعض الأحيان (عن ~~ترجماتها المتيسرة له في لغات مختلفة) مع الحرص على الإحالة إليها بصفة ~~مستمرة، وعدم الإسراف في ذلك التتبع؛ لاقتناعي بأن غيري من الإخوة ~~المتخصصين في الآداب واللغات الشرقية أقدر مني على مراجعة تلك الأصول نفسها ~~وتحديد مدى التأثر والتأثير في كل حالة على حدة، وهو الأمر الذي نتمنى أن ~~يشاركوا فيه في المستقبل القريب بإذن الله. # وأخيرا: # فقد عدلت عن ترجمة التعليقات والأبحاث التي تعين على فهم الديوان ~~الشرقي، واكتفيت منها بما قاله جوته نفسه فيها للتعريف بكتب الديوان. ومع ~~أن هذه التعليقات هي أهم عمل تاريخي كتبه جوته بعد كتابه عن تاريخ نظرية ~~الألوان، ومع أنه قدم فيه لوحة حضارية شائقة فتحت لمعاصريه الأبواب لدخول ~~عالم الشرق الغريب عليهم في ذلك الحين، بجانب ما فيها من آراء نقدية هامة ~~عن فن الشعر وعن الدين وطغيان الحاكم الشرقي وتصدي الشعراء لاستبداده ~~بالاتزان والثقة بالنفس والصبر مقابل رعايته لهم (كما فعل هو نفسه في ~~علاقته بأمير فيمار وبغيره من الأمراء والنبلاء!) فإن معظم المعلومات ~~التفصيلية الواردة فيها قد تجاوزها البحث العلمي الحديث عن الشرق الفارسي ~~والعربي وشعرائه، كما أنني أخذت منها (أي من تلك التعليقات والأبحاث) كل ما ~~يساعد على تذوق قصائد الديوان نفسها في الشروح التي ألحقتها بترجمتي، ~~وتعمدت فيها أن أضع أشعار الديوان في سياق علاقتها الوثيقة بأشعار جوته ~~السابقة أو اللاحقة وبسائر أعماله الأخرى على قدر الطاقة. # وإذا كان الأوان قد حان لتقديم باقات الشكر والامتنان والعرفان لأصحابه، فليس أحب إلى ~~نفس كاتب هذه السطور من تقديمها مع كل التقدير والوفاء لأستاذيه اللذين علماه وساعدا ~~بأطيب وأوفى نصيب في تكوينه، وهما أستاذه العربي الجليل عبد الرحمن بدوي، وأستاذه ~~الألماني العزيز فريتس شتيبات الذي رعاه وأسبغ عليه طوال العمر من أفضاله ما تضيق ~~اللغة عن التعبير عنه، ولهذا يختم كتابه بما بدأه به من الشكر والولاء العميق له، ~~مضيفا بعد مرور ما ms040 يقرب من عشرين سنة على الإهداء الأول، أصدق تمنياته القلبية بأن ~~يتجاوز الأزمة الصحية الأخيرة، وأن يتلقى هذا الكتاب عن قريب، وهذا أوفر ما يكون صحة ~~وعافية وسعادة. # أما أنت يا قارئي الكريم، فأتمنى أن تحب هذا الكتاب كما أحببته، وأن تصادقه وتستمتع ~~بصحبته وتعايشه وتعيش معه. # عبد الغفار مكاوي # | نحن والأدب العالمي # لعل قضية «العالمية» أن تكون من أهم القضايا التي شغلتنا في السنوات الأخيرة، فنحن نكثر ~~من الحديث والكتابة عنها في كل مجال مقروء أو مسموع. نتساءل - إلى حد تعذيب النفس! - بأصوات ~~تمتزج فيها الحسرة والأسى باللهفة والتمني: كيف يكون لنا أدب وفن وعلم وفكر يعترف به ~~العالم؟ متى تصل أغانينا وموسيقانا إلى سمع الناس في كل مكان؟ ما السبيل إلى التوفيق بين ~~الأصالة والمعاصرة، والتقليد والتجديد، والمضمون المحلي والشكل العالمي؟ كيف نتيح لأمم ~~العالم أن تلمس نبض قلوبنا ووجداننا، وتطل على حركة عقولنا وأفكارنا بنفس القوة التي تتابع ~~بها كفاحنا العادل في سبيل التحرر والتقدم؟ هل سيقدر لنا أن نعيش حتى نرى العالم يهتم ~~بطه حسين والحكيم ومحفوظ وحسن فتحي وسيد درويش وعبد الوهاب وغيرهم من الأسماء والمواهب ~~العزيزة علينا، كما يهتم بأخناتون وتوت عنخ آمون ورمسيس الثاني؟ وكيف نصبح أمة تعطي بقدر ما ~~تأخذ، وتشارك في حضارة العصر بقدر ما تتلقى منه؟ # وربما كانت الترجمة هي أول ما يخطر على البال في هذا المقام، بشرط أن نفهمها بمعناها ~~الحضاري الواسع الذي يقترب مما نسميه اليوم بالانفتاح. فهي الجسر التي تعبر عليه الأمم ~~وتتلاقى، وتمتد منه دروب التعارف والتفاهم والاحترام المتبادل. فعل هذا أجدادنا العرب منذ ~~عهد المأمون وخلفائه أو قبله بقليل، فاتصلوا بتراث اليونان والفرس والهند والأمم السامية ~~وبعض الأمم المتأثرة بالثقافة اللاتينية في إسبانيا، ونتج عن هذا الاتصال «هذا الأدب العربي ~~المختلف المعقد، الذي تجاوز الشعر والخطابة والرسائل إلى فنون من العلم والفلسفة، وألوان من ~~المعرفة تشبه ما كان العالم يعيش عليه في القارات الثلاث، بين حروب الإسكندر وقيام الدولة العربية.» # 1 # ولم يكتف العرب ms041 بالنقل والتقليد، بل تمثلوا ما نقلوه، ولم يكتفوا بالإعجاب به والتحمس له، ~~بل وقف بعضهم منه موقف النقد والرفض، أو أضافوا إليه بصمات من روحهم وشخصيتهم وحوارهم ~~المستمر مع مشكلات عصرهم ومجتمعهم ودينهم. واستؤنف الاتصال بين العالم العربي والعالم ~~الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر، وقوي واشتد في القرن التاسع عشر على يد أب التنوير ~~ورائد الترجمة وراعيها الأكبر رفاعة رافع الطهطاوي ومئات من تلاميذه، واستمرت على يد الرواد ~~المحدثين، وتجلت في مئات الكتب التي نقلت عن مختلف اللغات قديمها وحديثها، وكلها تؤكد حاجة ~~عقولنا إلى الروافد التي تصب فيها وتغذيها، كما تؤكد ضرورة توحيد جهود الترجمة وإحكام ~~مناهجها، وتحديد أهدافها، واختيار الملائم منها لظروف حياتنا وتطورنا، وتوجيهها قبل كل شيء ~~إلى عيون التراث الإنساني وأمهاته التي تخصب العقل العربي وتزيده وعيا بذاته، وتعصمه من ~~التقليد الأعمى والانبهار بكل جديد. وعلى الجانب الآخر نجد تأثير العرب على تكوين العقل ~~الغربي منذ أواخر العصر الوسيط. وكتب تاريخ العلم والحضارة تشهد بتأثيرهم على النهضة ~~الأوروبية الأولى والثانية وفضلهم على الغرب المسيحي في الاتصال بجذور العلم والفلسفة ~~اليونانية قبل التعرف على أصولها ونقلها عن منابعها. فقد بدأ تأثير العلم العربي على الغرب ~~منذ القرن العاشر الميلادي. وانطلق هذا التأثير من الأندلس بفضل ما نقله العرب من التراث ~~الإغريقي في الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات والفلك والطب. # 2 # وفي الأندلس تعلم جربرت الذي رعى هذا العلم (وأصبح فيما بعد الباب سلفستر ~~الثاني ومات سنة 1003م). # وازدادت حركة الترجمة اللاتينية عن الكتب العربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ~~فترجمت معظم مؤلفات أرسطو وشروحها. وازدهرت هذه الحركة مع بداية تأسيس الجامعات الأوروبية ~~في ساليرنو، وبولونيا، وأكسفورد، وباريس. ثم ارتفعت موجتها في القرنين الثاني عشر ~~والثالث عشر، مع الحروب الصليبية التي زادت من احتكاك الغرب بحضارة بيزنطة والحضارة العربية ~~في آسيا الصغرى والشام. ويكفي أن تفتح أي كتاب عن فضل العرب على الغرب لتقرأ فيه عن العلماء ~~الذين عاشوا في بلاط فردريك الثاني في باليرمو (صقلية) وعن ms042 أثر أرسطو «العربي» على يوحنا ~~دنس سكوتس وألبرت الأكبر وتوماس الأكويني. وكم من مؤلفات علمية وفلسفية فقد أصلها اليوناني ~~فنقلها الغربيون من العربية إلى اللاتينية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وقبل أن ~~يرجعوا إلى هذه الأصول نفسها ابتداء من القرن الخامس عشر. # ولم يقصر الغربيون أيضا منذ مطلع العصر الحديث في نقل بعض آثار التراث العربي قديمه ~~وحديثه. ويكفي أن نذكر - بعد القرآن الكريم وألف ليلة وليلة - بعض ما نقلوه عن العربية إلى ~~اللاتينية أو إلى لغاتهم الحديثة، مثل كتب الفلاسفة العرب كالشفاء لابن سينا، ومقاصد ~~الفلاسفة، والمنقذ من الضلال للغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد، وحي بن يقظان لابن طفيل، ~~وطوق الحمامة لابن حزم، وبعض مقامات الحريري، ومقدمة ابن خلدون، وبعض آثار الحلاج وابن عربي ~~وغيرهما من المتصوفة، وألوان من الشعر العربي من المعلقات وحماسة أبي تمام حتى البارودي ~~وشوقي ومطران وأدونيس والبياتي وعبد الصبور، وألوان أخرى من النثر الحديث من جبران وطه حسين ~~وتيمور والحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ حتى الشرقاوي ويوسف إدريس والسباعي وإحسان عبد القدوس ~~والشاروني وغيرهم من مواهب الجيل الجديد. # بيد أن الترجمة ليست إلا الخطوة الأولى على الطريق إلى ما نسميه الأدب العالمي؛ إذ لا بد ~~من تمثل لآثار الأجنبية واستيعابها حتى تصبح جزءا من تكوين الوجدان الثقافي، ثم ~~الانتقال إلى مرحلة أرقى ما يمكن أن نصفها بأنها استلهام هذه الآثار وإعادة صياغتها في ~~أعمال بعيدة عن الالتزام بتلك الأصول، بحيث تسهم الأعمال الجديدة التي ينتجها المبدعون في ~~إيجاد الهوية الأصيلة. ولا بأس علينا من هذا التأثر والاستلهام والاتصال الحميم، فكل أديب ~~خليق بهذا الاسم يأخذ ويعطي ويتلقى الثروة من كل وجه ويؤكد صدق مقولة «التناص» التي يكثر ~~الكلام عنها هذه الأيام. والمهم أن يحتفظ الأدب بشخصيته ويحرص على مقوماته ويحسن الموازنة ~~بين عناصر الثبات والاستقرار وعناصر التحول والتطور. # 3 # وربما كانت مرحلة الاستلهام الحر هذه - التي تتلوها بغير شك مرحلة الإبداع ~~المستقل بغير تأثر مباشر بعناصر غريبة، وبغير شعور بالنقص نحو النماذج الراسخة ms043 - هي الجسر ~~الآخر الذي عبرت عليه كل الآداب القومية إلى شاطئ العالمية، فاستطاعت عن طريق المحاكاة ~~الحرة أن تتعرف على ذاتها وطاقاتها الخاصة قبل أن تضيف ما أضافته من كنوز إلى الرصيد ~~الإنساني. وفي ظني أن هذه المرحلة الوسطى هي التي نمر بها اليوم، وأنها وراء عدد كبير من ~~محاولاتنا وتجاربنا الحديثة في الأدب والفن والفكر والعلم لتأصيل شجرة ذاتيتنا بحيث تتصل ~~جذورها بتراثها القومي، وتشرئب فروعها نحو آفاق العالمية. وطبيعي أن يوفق أقل هذه الجهود ~~وأن يتعثر معظمها، فليس أشق على الأفراد والشعوب من معرفة النفس، وليس أولى منها بالصبر ~~والصدق والتضحية. وأخطر الأعباء التي تواجه هذه المحاولة هي أن يتعاون المخلصون في رعاية ~~تلك الشجرة، ويحموها من حشرات التطفل والادعاء والتسرع والاستعراض، مهما اشتد طنينها وارتفع ~~صياحها وضجيجها كما هي الحال للأسف اليوم على الأرض العربية. والمهم أن نعمل بكل وسيلة لكي ~~نزداد قربا من كنوز التراث الإنساني، ونقبل عليها بنفس الحب والشغف والصبر الذي نقبل به ~~كنوز تراثنا؛ لأنها في النهاية ملكنا نحن أيضا بوصفنا بشرا، كما أننا قد شاركنا في تكوين ~~بعضها مشاركة فعالة. والمفارقة الغريبة في أمر الاتصال الحضاري والثقافي بين الشعوب هو أنه ~~كلما استمر وازداد قوة، أصبح التقليد الخالص أمرا نادرا بل لا يليق إلا بالقرود، فكل ما ~~استعاره الإغريق مثلا من حضارات الشرق الأدنى حولوه إلى شكل جديد أصيل. والنقاد العرب ~~القدماء نصحونا بالحفظ ثم محو ما حفظناه بالنسيان؛ حتى لا نصبح كالمهرجين، ولا نزهو ~~بثياب غيرنا وننسى مع الزمن أنها ليست ثيابنا، وهي نصيحة تقوم على خبرة عميقة بالنفس ~~البشرية، وبصيرة نافذة إلى أسرار الخلق، ولأضرب الآن مثلا على استقبال الأدب العالمي من ~~جانب الشعوب المختلفة على مر العصور، وليكن هذا الأدب هو الأدب اليوناني القديم الذي لا ~~يختلف اثنان حول مكانته من الآداب الكبرى. هذه المكانة تحددها في المقام الأول حقيقة بسيطة ~~تقول إن أهم الفنون والأنواع الأدبية (كالمأساة والملهاة إلى جانب الأشكال الرئيسية في ~~الشعر الملحمي والغنائي) قد نشأت ms044 في بلاد اليونان قبل أن تنتشر في سائر أنحاء الأرض. وقد تم ~~انتشارها في معظم الأحوال عن طريق الأدب الروماني، كما حفظتها مدارس الرهبان بعد سقوط ~~الدولة الرومانية وانتشار المسيحية، وظلت تلهم الكتاب والأدباء (خصوصا في ألمانيا ~~وإنجلترا وإيطاليا التي امتدت منها إلى إسبانيا وفرنسا) منذ العصر الوسيط وعصر النهضة ~~والنزعة الإنسانية حتى يومنا الحاضر، بحيث لا تكفي القوائم الطويلة لإحصاء الأسماء التي ~~تناولت موضوعات هذا الأدب ومواده وأشكاله في مختلف العصور والظروف وشتى الصور والأساليب، ~~ولا تكفي الصفحات لبيان تأثير النماذج اليونانية، سواء على الأدب أو على تكوين الإنسان ~~الجديد منذ عصر النهضة. صحيح أن الاقتداء بهذه النماذج كان يتراجع في بعض العصور - كما حدث ~~في القرن التاسع عشر مع الحركة الرومانسية والواقعية - ولكنه لم يختف أبدا كل الاختفاء. ~~ولم يزل الأدباء وكتاب المسرح - خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية - يحركون أوديب، وأورست، ~~وأنتيجون، وأمفتريون، وألكترا، وميديا، وهرقل ... إلخ على خشبة المسرح ليروا مشكلات واقعهم ~~الجديد بعيون جديدة. ويطول بنا الحديث لو تقصينا هذا التأثير في المسرح والشعر والرواية ~~والنقد والتمثيلية الإذاعية والأوبرا والباليه ... إلخ، وحسبنا أن تأثير الفن والأدب القديم ~~ما زال حيا، وأن دعوة طه حسين لدراسة هذا التراث وإحيائه لا تزال دعوة ملحة تهيب بنا ~~للإقبال على قراءته واستلهامه ونقده والحوار معه ومع غيره من آداب الشرق والغرب (بشرط ألا ~~ننسى الأرض التي تقف عليها لحظة واحدة؛ لأن الاتصال بالتراث الأجنبي يفترض قبل ذلك المعرفة ~~بتراثنا الشعبي والفصيح، حتى «تتحاور» الروافد والأنهار، ولا يصب الماء الغريب في حفرة ~~فارغة!) ولا شك أن هذا سيكون عونا لنا على تعميق قضايانا ومشكلات واقعنا الأدبي ~~والاجتماعي، ومد طاقاتنا الإبداعية بدماء جديدة تحيي شبابها الذابل المكتئب. # الحديث كما قلت ذو شجون وشجون. وقد ظهرت عندنا مكتبة كاملة عنه، وأقلها يسجل الحقيقة ~~العلمية، وأكثرها يميل إلى الزهو الكاذب وتعزية النفس بماض لا نعرفه ولا نستحقه عن حاضر لم ~~نستوعبه ولا نريد أن نواجهه. ولكنني أردت أن أمهد به لتقديم مثل حي للاستلهام ms045 الحر الذي ~~قصدته، وصاحبه هو شاعر الألمان الأكبر جوته (1749-1832م) ورابع القمم العليا في الأدب الغربي ~~بجانب هوميروس ودانتي وشكسبير. لقد استطاع هذا الشاعر الغربي أن يستوحي عالم الشرق الإسلامي ~~وشعراء من فرس وعرب، ويقدم إلى تراثه القومي والتراث الإنساني كنزا شعريا يتألق بين ~~كنوزه، كما يسطع بين أعماله الأدبية المتنوعة، بحيث يعد - إلى جانب قصيدته الكبرى فاوست - ~~أكثرها تعبيرا عن شخصيته وتجربة حياته في الحكمة والحب. # ونحب أن نتوقف قليلا لنسأل: ما المقصود بالأدب العالمي ؟ # ويرجع الفضل لأديب الرومانسية وناقدها «أوجست فيلهلم شليجل» (1767-1845م) في صياغة هذا ~~المصطلح الذي نشره جوته وروجه بين الناس بعد أن طبقه على نفسه، وهو يصدر عن الإيمان بأن ~~الآثار الأدبية الكبرى تتخطى حدود الأمم والحضارات التي نشأت فيها وتكتسب دلالة عالمية. ولا ~~يعني «الأدب العالمي» الاهتمام بالأجنبي أو الغريب عنا لغرابته، وليس معناه كذلك الالتفات ~~إلى القيمة «الوثائقية» للإنتاج العالمي وكأنه شاهد على مجتمع معين في موقف تاريخي معين، ~~كما أنه لا يستتبع بالضرورة إنكار الطابع القومي وطمسه في «عالمية» وهمية شاحبة مجردة، ~~فالأهم من هذا كله هو الاعتراف بأن الأعمال الفنية العظيمة تخاطب الناس جميعا بصورة مباشرة ~~عندما تصوغ التفكير والإحساس بالواقع الإنساني في أشكال عامة الصدق تعبر عن سر عظمتها، بهذا ~~يكون الأدب العالمي أبرز وأسمى مظاهر الوعي بأن عالمنا الذي نعيش فيه أسرة بشرية متعددة ~~الأفراد والملامح والصفات، هو في الحقيقة عالم واحد يبنيه جنس بشري واحد يتجه نحو مصير ~~مشترك، وتعذبه هموم وآلام مشتركة، مهما تصور المتعصبون والمهيمنون والمستغلون اليوم غير ذلك. # وطبيعي أن تعمل الأمم المتحضرة على نقل هذا المفهوم من التجريد إلى التحقق الحي، فتحاول - ~~عن طريق ترجمة روائع الأمم الأخرى نشرها وعرضها ومناقشتها وإذاعتها على الناس تمهيدا ~~للتأثير بها واستلهامها - أن تتعرف على شخصية تلك الأمم وقيمها الثقافية لتفهمها فهما ~~أفضل، وتدعم روابط التسامح والتفاهم بين البشر. صحيح أن كل شعب سيجد عند الشعب الآخر شيئا ~~يقبله وشيئا يرفضه، شيئا يمكنه أن يحاكيه وشيئا ينفر منه. ms046 ولكن هذا سيؤدي في النهاية إلى ~~نمو الاحترام والثقة المتبادلة، لأن وراء الخصائص الثقافية القومية في إنتاج الأدباء العظام ~~عند كل الشعوب قيما إنسانية عامة، تسطع كالمنارات فوق بحار الاختلافات الناشئة عن تنوع ~~البيئة واللغة والتراث واختلاف المصالح والاتجاهات والغايات. ورسالة الأدب العالمي هي رعاية ~~هذه القيم والتنافس النبيل في إحيائها ونشرها، بحيث تصبح ملكا عاما للإنسانية كلها، دون ~~أي مساس بخصوصيتها وهويتها الفريدة. وربما تسرب إلينا اليأس كلما فكرنا في أن الأدب والفن ~~لم يمنعا حربا ولا عدوانا، ولكن القليل من التفكير يمكن أن يهدينا أيضا إلى أنه كان في ~~فترات تاريخية معينة (كما حدث مثلا بعد الحرب العالمية الثانية) من أهم عوامل التقريب بين ~~شعوب تأصلت العداوة في نفوس أبنائها زمانا طويلا بفعل الجهل والتعصب والأحكام المسبقة. ~~ولا ننسى أن الأديب إنسان ومواطن في وقت واحد، ولكن وطن فنه وإبداعه وتأثيره هو الحق والخير ~~والجمال الذي لا يتقيد بوطن، ولا يقتصر على شعب دون شعب. وقد حقق الأدب اليوناني القديم هذه ~~الغاية، فكان الأساس الذي ارتفعت فوقه الحضارة الغربية في العصور الوسطى، ثم في عهد ~~النزعة الإنسانية وعصر النهضة، وما زال حتى اليوم عماد كل ثقافة حقيقية. واستطاع الأدب ~~العربي أن يحمل لواء الأدب الإنساني والعقل الإنساني طوال عشرة قرون، فلم يكد يتقدم القرن ~~الثاني للهجرة حتى استطاعت اللغة العربية أن تسع آداب الهند وفلسفة اليونان وثقافة الفرس، ~~وظلت حية مسيطرة على نحو ما رأينا حتى أحيت العقل الأوروبي فيما يسمى بنهضته الأولى في ~~القرن الثاني عشر، نتيجة اتصاله بالعرب ونقل ما استطاع نقله عن الكتابة العربية. # وقد كان للحركة الرومانسية الألمانية أكبر الفضل في إحياء فكرة الأدب العالمي، فاهتمت ~~بجمع الأدب الشعبي، كما اهتمت باللغات الشرقية ونقلت عنها وحاكت بعض نماذجها (كما فعل بعض ~~شعرائها مثل «بلاتن» و«ركرت» عندما قلدا شكل القصيدة الغزلية عند الفرس والعرب، حتى لقد ذهب ~~ركرت إلى ترجمة تسع مقامات للحريري بالسجع الألماني!) ولا شك أن النظر في مجموع المؤلفات ~~الأدبية المترجمة إلى ms047 أية لغة (وهو ما لا نزال نفتقده بصورة دقيقة شاملة في لغتنا) يمكن أن ~~يكشف عن تطور الأسلوب الأدبي في هذه اللغة، وعن وعيه بإمكاناته، ومدى استفادته من الاتصال ~~بآداب الشعوب الأخرى والتأثر بها سلبا أو إيجابا، بل لعله أن يلقي الضوء على تطور العقول ~~وتنوع الاتجاهات والميول وطبقات القراء وأذواقهم ... إلخ. فالأدب الأجنبي المترجم قد قام في ~~كل العصور والآداب بدور الوسيط والملهم في آن واحد، وربما يرجع إليه الفضل في بعض الأحوال ~~في تكوين الأدب المحلي نفسه أو النهوض به من سباته الطويل وهدايته إلى آفاق أرحب. ولهذا ~~تتجاوز قضية تلقي أدب معين من جانب الآداب الأخرى حدود الأدب المقارن، وتتخطاه إلى تكوين ~~الوجدان الثقافي وتزاوج الحضارات وتفاعل «أرواح الشعوب» (هذا إذا جازت مثل هذه التعميمات). ~~ويكفي أن نفكر لحظة واحدة في الآثار المترتبة على استقبال أدب حي على أدب آخر، لنرى أن ~~المسألة أكبر من أن تكون مسألة ترجمة أو تلق أو دراسة مقارنة أو تأثير وتأثر أو تعارف ~~وتقارب بين الشعوب؛ لأنها في الحقيقة مسألة اكتشاف الذات الفردية والجماعية لنفسها من خلال ~~الآخر، على نحو ما يؤكد الفكر المعاصر كله - والحس السليم أيضا! - أن «الأنا» لا تستطيع أن ~~تعرف نفسها إلا في مرآة «الأنت»، بل إنها لتتضمن وجود «الأنت» في صميم تكوينها. ولهذا كان ~~التقاء الآداب أصدق شاهد على وحدة الجنس البشري على الرغم من الخلافات التاريخية والسياسية ~~والاجتماعية التي مزقته ولا تزال تمزقه وتدفعه إلى تدمير نفسه بنفسه، ويكفي أن نستعرض بعين ~~الخيال هذه الصور السريعة عن تلقي الرومان للأدب الإغريقي، والجرمان للأدب اللاتيني- ~~المسيحي، وتأثير الأنواع والأشكال الشعرية الرومانية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية) على ~~شعر الحب والفروسية (المينيزينجر) وملاحم البلاط في الشعر الألماني في العصر الوسيط بعد ~~تأثرها جميعا بالموشح والزجل والشعر الأندلسي، واستقبال نماذج الأدب اليوناني والروماني ~~القديم منذ النزعة الإنسانية وعصر النهضة - كما ذكرنا من قبل - حتى يومنا الحاضر، وتأثير ~~النماذج الفرنسية والإيطالية على الأدب الألماني في عصر الباروك، وكذلك تأثير المأساة ~~الفرنسية الكلاسيكية ms048 على هذا الأدب الأخير في عصر التنوير، ثم الأثر الضخم الذي تركته ~~ترجمات الشعر الشرقي والشعر الشعبي من كل اللغات والشعوب - من عهد هردر - بالإضافة إلى ~~ترجمات شكسبير والأدب الإسباني على الحركة الأدبية المعروفة في ألمانيا باسم حركة العصف ~~والدفع وعلى الرومانسية. أما الرمزية الفرنسية، فقد تجاوزت الأدب الأوروبي إلى الأدب ~~الشرقي والعربي الحديث، وأما المدارس الطبيعية والواقعية في الآداب الفرنسية والروسية ~~والإسكندنافية، فقد زحف مدها القوي إلى شواطئنا في النصف الثاني من القرن العشرين قبل أن ~~ينحسر عنها في السنوات الأخيرة. # لن يمكننا المضي في هذا التتبع إلى ما لا نهاية؛ إذ تغنينا عنه مئات البحوث المتخصصة ~~والندوات واللقاءات الأدبية والثقافات التي تتقصى قضية تلقي أدب معين من جانب الآداب ~~واللغات الأخرى. # 4 # والواقع أن الأمر في هذه اللقاءات الخصبة من خلال موضوع أدبي معين أكبر من أن ~~نتعرض له في هذه السطور؛ إذ يكفي أن ننظر في موضوع واحد مثل أوديب لنرى تحولاته وصيغه ~~الكثيرة من سوفوكليس إلى كوكتو وهينر مولر والحكيم وباكثير وكاتب هذه السطور، # 5 # وما أصابه في السنوات الأخيرة على خشبة المسرح المصري من كوارث يهون بجانبها ~~قتل أبيه وزواج أمه وفقء عينيه! ويكفي أيضا أن ننظر في قصة ليلى والمجنون منذ الروايات ~~العربية القديمة إلى (نظامي) الشاعر الفارسي (1140-1203م) وشوقي وصلاح عبد الصبور ومحمد ~~إبراهيم أبو سنة، أو فاوست منذ الكتاب الشعبي الذي وضعه مؤلف ألماني مجهول من القرن السادس ~~عشر (1587م) إلى مارلو وجوته الذي جعل منه قصيدة كونية كبرى، إلى عدد لا يحصى من الأدباء ~~والشعراء والفنانين من مختلف الشعوب صوروه وما زالوا يصورونه في صور شعرية ومسرحية وقصصية ~~مختلفة، بل لقد نفذت روح فاوست - وهي روح الفعل والمغامرة وإرادة التمرد على كل حد وإدراك ~~المجهول وتعمق المبدأ والأصل - في قشرة الجمود العربي، فوجدنا لبعض أدبائنا محاولات قد ~~تكون متواضعة حقا، ولكنها ذات دلالات هامة على تسرب مارد الثورة والحيرة إلى القمقم ~~الشرقي العريق، وعلى الجهد الهائل الذي تبذله السلحفاة العربية لتشق ms049 الدرع الحصين الذي ~~يطوقها ويخنقها. نذكر من هذه المحاولات مسرحية «عبد الشيطان» لفريد أبو حديد و«نحو حياة ~~أفضل» لتوفيق الحكيم و«فاوست الجديد» للمرحوم على أحمد باكثير. هل كان من الممكن أن تتعدد ~~هذه الصيغ والمحاولات لولا أن جهود الشهداء المجهولين - الذين نسميهم عادة بالمترجمين! - قد ~~يسرت كنوز الثقافة العالمية للمواهب والطاقات المبدعة، وتركتها بين أيديها حتى تفتحت عبر ~~الأجيال في أعمال استلهمت الأصل البعيد، وانطوت في نفس الوقت على نبض أصحابها ~~وأنفاسهم؟ # مهما يكن من شيء، فلم أقصد هنا تتبع اللقاء بين الآداب الغربية والشرقية، فلذلك مجال آخر ~~يضيق عنه هذا المجال. لقد كان كل همي أن أثير قضية، وأقدم تجربة وليست الصفحات التالية إلا ~~شهادة على هذه التجربة الفريدة، ومثلا على اهتمام شاعر الألمان الكبير - الذي يعرفه القارئ ~~بغير شك من ترجمات بعض مؤلفاته إلى العربية # 6 ~~- بالآداب العالمية وبالأدبين الفارسي والعربي في المرحلة الأخيرة من حياته ~~وإنتاجه. ولقد عبر عن هذا بنفسه قبل وفاته بسنوات قليلة في أحد أحاديثه الرائعة مع تلميذه ~~وصديقه الأمين «أكرمان» في آخر أيام شهر يناير سنة 1827م عندما قال له: # إنني أزداد مع تقدم العمر إيمانا بأن الأدب ملك مشاع بين الناس جميعا، وأنه يظهر ~~دائما وفي كل العصور لدى المئات والمئات منهم، كل ما هناك من فرق بينهم هو أن أحدهم قد ~~يفضل غيره قليلا أو كثيرا، أو قد يسبح على السطح أكثر من صاحبه، ولهذا فإنني أحب دائما ~~أن أقلب الطرف في آداب الأمم الأخرى، وأنصح كل إنسان أن يفعل نفس الشيء من جانبه. إن الأدب ~~القومي لم يعد له اليوم من معنى. لقد آن أوان الأدب العالمي، وعلى كل امرئ أن يشارك بجهده ~~في التعجيل به. # | جوته والأدب العربي # لشاعر الألمان الأكبر كتاب يتضوع بعبير الشرق وأنفاسه، وتسري فيه روح الإسلام بسماحتها ~~وحكمتها، وقناعتها واعتدالها. ويعد هذا الكتاب الذي سماه الديوان الشرقي- الغربي أو ~~الديوان الشرقي للمؤلف الغربي من أجمل أعماله وأكثرها رقة وسخرية وعذوبة. ولقد شاء الشاعر ~~الكبير أن يتقمص ms050 شخصية الباحث التاريخي والحضاري المتمكن، فعقب على ديوانه تعليقات وافية، ~~أضاف إليها عددا من البحوث والتعليقات التي تعين قارئه الغربي على تفهم عالم الشرق ~~والإسلام، وتعرف شعرائه من عرب وعجم، بقدر ما أسعفته مذكرات الرحالة ودراسات المستشرقين ~~وترجماتهم التي استطاع التوصل إليها في ذلك الحين. # ومع أن جوته قد اقتصر في كلامه عن العرب على الحديث عن المعلقات وشعرائها، وعلى ترجمة ~~قصيدة مشهورة لشاعر جاهلي هو «تأبط شرا» وجد أنه لا يختلف في روحه اختلافا كبيرا عن ~~أولئك الشعراء الكبار، فإن أوراقه ودراساته التي مهدت للديوان تشهد بأن معلوماته عن الأدب ~~العربي تفوق ذلك بكثير، فهو مثلا قد عرف بعض المجموعات الشعرية العربية - منها حماسة أبي ~~تمام - كما عرف مجموعة من الأمثال والحكم العربية، وقرأ جزءا كبيرا من ألف ليلة وليلة، ~~إلى جانب أنه ذكر اسم المتنبي ذكرا عابرا في معرض كلامه عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي إحدى ~~قصائد الديوان الشرقي، وإن لم يعرف في الحقيقة شيئا يذكر عن شاعر العربية الأكبر. ~~ونستطيع أن نقول اليوم في شيء من الحسرة والأسف إنه لو قدر له أن يعرف شيئا عن الترجمات ~~الألمانية المتأخرة لشعر المتنبي والمعري ومقامات الحريري وغيرها، فربما كان اهتمامه ~~وحماسه للأدب العربي قد زاد أضعافا مضاعفة عما نعرف عنه في اليوم. مهما يكن من شيء فسوف ~~أقصر حديثي هنا على تأثره بشعراء المعلقات، وبروح الإسلام من كتابه الكريم، محاولا أن أبين ~~مدى تأثره بهما في إنتاجه. # والمعلقات هي أعلى كنوز الأدب العربي قبل الإسلام، وقد يختلف مؤرخو الأدب في عدد هذه ~~القصائد المشهورة بالقصائد السبع الطوال وفي مدى أصالتها، وذلك منذ أثار طه حسين الشك حولها ~~في كتابه المعروف عن الأدب الجاهلي، إلا أنهم سيتفقون بلا جدال عن الإعجاب بشاعر غربي اهتم ~~بهذه القصائد أيما اهتمام، وراح يبحث عنها في ترجماتها المختلفة بكل الوسائل التي تيسرت له ~~في عهده، بل بلغ إعجابه بها أن ترجم عددا من أبيات معلقة امرئ القيس ثم تأثر بها بعض ~~التأثر ms051 في إنتاجه. ويبدو أن التفسير اللفظي لكلمة المعلقات من أنها قصائد تكتب بالذهب ~~ويعتز بها العرب في الجاهلية فيعلقونها على الكعبة الشريفة، لعل هذا التفسير الخرافي الجميل ~~كان من أقوى الأسباب التي جعلت الشاعر الألماني يعجب بها كل هذا الإعجاب. # عرف جوته سبع معلقات، وصلت إليه في ترجمة لاتينية قام بها المستشرق الإنجليزي وليم جونز ~~وظهرت مع الأصل العربي في لندن سنة 1783م تحت هذا العنوان: «المعلقات أو القصائد العربية ~~السبع التي كان معلقة على الكعبة». ولعل أوفى تعليق على هذه القصائد هو ما نجده في ~~التعليقات والبحوث التي ألحقها جوته بالديوان الشرقي في الفصل الذي خصصه للعرب حيث يقول: # 1 # ونحن نجد لدى العرب كنوزا رائعة في المعلقات. وهي قصائد مديح فازت في المباريات ~~الشعرية، ونظمت قبل عهد محمد، وكتبت بحروف من ذهب وعلقت على أبوب بيت الله ~~الحرام في مكة. وهي تعبر عن أمة بدوية محاربة، تعذبها من الداخل المنازعات المستمرة ~~بين القبائل المتعددة، وتصور التعلق الراسخ برفاق القبيلة، كما تصور حب الشرف ~~والشجاعة، والشهوة العارمة للأخذ بالثأر التي يخفف منها الحزن في الحب والكرم ~~والتضحية، وكل هذا بغير حدود. وهذه الأشعار تعطينا فكرة وافية عن الثقافة العالمية ~~التي تميزت بها قبيلة قريش التي نشأ فيها محمد نفسه، وتزداد قيمة هذه القصائد ~~البديعة وعددها سبع، بما يغلب عليها من تنوع شديد. # ثم يعزز قوله بما ذكره عنها وليم جونز عندما وصفها بقوله: # إن معلقة «امرئ القيس» لينة، مرحة، ناصعة، أنيقة، متنوعة الأغراض، رشيقة. أما ~~معلقة «طرفة» فجريئة، جياشة بالعاطفة، متوثبة، ومع ذلك يشع فيها شيء من البهجة. ~~ومعلقة «زهير» حادة، جادة، عفيفة، حافلة بالوصايا الأخلاقية والحكم المهيبة. ومعلقة ~~«لبيد» خفيفة، غرامية، أنيقة، رقيقة، وهي تذكرنا بالرعوية الثانية لفرجيل؛ لأنه ~~يشكو من كبرياء الحبيبة وتكبرها، ويتخذ من ذلك فرصة لتعداد فضائله والتفاخر ~~بقبيلته. ومعلقة «عنترة» تبدو متكبرة، متوعدة، رصينة، فخمة، وإن كانت لا تخلو من ~~جمال الأوصاف والصور. وعمرو (ابن كلثوم) عنيف، سام، ميال إلى الفخر. أما الحارث ~~(ابن ms052 حلزة) فهو على العكس غني بالحكمة، والذكاء، والكرامة، كذلك تبدو هاتان ~~القصيدتان الأخيرتان أشبه بخطبتين شعريتين سياسيتين مما كان يلقى في الأسواق أمام ~~جمهور من العرب لتسكين الحقد والعداوة المدمرة بين قبيلتين. # هنا يعبر جوته عن مختلف العواطف التي تصورها المعلقات، وأهمها ما يسميه «الحزن في ~~الحب»، وهو قريب من البكاء على الأطلال الذي اشتركت فيه كل المعلقات، واختلف الشراح وما ~~زالوا مختلفين حول تفسيره. ويظهر أن جوته قد أحس بهذه العاطفة أشد الإحساس وأقواه في معلقة ~~امرئ القيس، الأمر الذي دفعه إلى الاهتمام بها، بل ترجمة جزء لا بأس به منها، مما كان له ~~تأثيره بعد ذلك على إحدى قصائد الديوان الشرقي. # 2 # يرجع اهتمام جوته بهذه المعلقة إلى فترة مبكرة من حياته، عندما كان يبلغ من العمر أربعا ~~وثلاثين سنة. ويكفي أن نعلم أنه أرسل في نوفمبر سنة 1783م إلى صديقه كارل فون كنييل رسالة ~~يخبره فيها أن جونز المشهور (وهو المستشرق وليم جونز الذي سبق ذكره) قد ترجم القصائد السبع ~~للشعراء العظام. ثم يقول عن القصائد: «إنها في مجموعها عجيبة مدهشة، وتحتوي على أجزاء ~~بالغة اللطف والروعة، ولقد صممنا (وهو بهذا يقصد نفسه وصديقه هردر) على الاشتراك في ~~ترجمتها.» # ونفذ جوته بالفعل ما صمم عليه، فترجم من معلقة امرئ القيس ثمانية عشر بيتا مع تصرف ~~قليل فيها. فلنرجع أولا لبعض منها لنرى بعد ذلك كيف تبدو في ترجمة جوته: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها # لما نسجتها من نوب وشمأل # وقوفا بها صحبي علي مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وإن شفائي عبرة مهراقة # فهل عند رسم دارس من معول # وسنرى من ترجمة جوته لهذه الأبيات - أو بالأحرى من تعبيره عن معناها وانطباعها في نفسه! - ~~التصرف الجميل فيها، وكيف أسقط أسماء الأماكن الكثيرة ليقتصر على إبراز العاطفة ~~الأساسية: # قفا وخلنا نبكي هنا في مكان الذكرى # هناك كانت خيمتها على حافة الكثيب الرملي المتمايل # وما زالت الآثار قائمة ms053 لم تختف # وإن جعلت ريح الشمال وريح الجنوب # تنثر الرمال هنا وهناك # وبجانبي وقف الرفاق صامتين # وقالوا لا تهلك من الأسى وتجمل # فهتفت قائلا: إن الدموع هي عزائي الوحيد. ~~(لا شك أن النتيجة محزنة ومضحكة معا، فترجمة الشعر في حد ذاتها مشكلة ~~عسيرة قلما توفق في أية لغة، فكيف الحال إذا كانت هذه الترجمة عربية لنص بالألمانية مترجم ~~عن اللاتينية؟!) # مهما يكن من شيء، فهي شاهد على اهتمام شاعرنا المبكر بالمعلقات. ونحن نعلم اليوم أنه عاد ~~إلى الاهتمام بها عام 1815م، أي بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، عندما قرأ بعضا منها ~~للأميرة لويزة أميرة فيمار وغيرها من أصدقائه. ويبدو أن ما يقرؤه شاعر وينطبع على نفسه لا ~~يمكن أن يمضي بغير أثر قريب أو بعيد. فها هي ذي الأيام والسنون تمر بعد ترجمته القديمة ~~لبعض أبيات امرئ القيس، وها هو ذا نفس الإحساس يتردد صداه مرة أخرى عن وعي في واحدة من أجمل ~~قصائده في الديوان الشرقي، يرجح معظم النقاد أنها كتبت بعد وداعه لماريانة فون ~~فيلليمير، وهي المحبوبة التي هام بها قلبه بعد أن شاخ وتجاوز الستين، وهذه القصيدة التي ~~نشرت بعد وفاته وضمها بعض ناشري الديوان الشرقي لكتاب العشق، يتردد فيها موضوع البكاء على ~~الأحباب الذين فارقوه، والرغبة في ذرف الدموع التي لا ينفع معها عزاء. تقول القصيدة: # دعوني أبكي، يحوطني الليل # في الصحراء الشاسعة. # الجمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون. # والأرمني سهران يحسب في هدوء. # أما أنا فأرقد إلى جواره، وأعد الأميال # التي تفصلني عن زليخا، وأتفكر باستمرار # في الدروب الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق. # دعوني أبكي، فليس هذا عارا. # الرجال الذين يبكون طيبون. # لقد بكى أخيل حبيبته بريزيس # والإسكندر بكى رفيق عمره الذي قتله بنفسه # دعوني أبكي، إن الدموع تحيي التراب، # وها هو ذا يخضر. # فالموضوع هنا هو فراق الأحباب، والعاطفة الغالبة هي الرغبة في إطلاق الدموع ~~دون حاجة إلى خجل أو تبرير. وغني عن الذكر أن هذا الموضوع الأساسي الذي تبدأ به المعلقات، ~~ألا وهو ms054 البكاء على الأطلال، وسواء أكان جوته قد تنبه إليه بإحساسه كشاعر أم عرفه من ~~ملاحظات المستشرق الألماني تيودور هارتمان ومن مقدمة ترجمته للمعلقات التي عكف عليها جوته ~~في الفترة التي كان فيها مشغولا بتأليف ديوانه الشرقي، فإن تأثير معلقة امرئ القيس على ~~قصيدة السالفة وكذلك مطلع معلقتي «طرفة بن العبد» و«الحارث بن حلزة» تأثير واضح لا شكل فيه. ~~ولست أحب أن أحسب هذا التأثير بطريقة تشبه أن تكون رياضية كما فعلت الباحثة كاترينا مومزن ~~التي أخذت توازن موازنة دقيقة بين أبيات قصيدة جوته وبين أبيات امرئ القيس وطرفة وغيرهما من ~~شعراء المعلقات. ففي اعتقادي أن مثل هذه الطريقة المضنية ربما لا تؤتي الثمار التي توازي ما ~~بذل فيها من جهد وعناء. إن الشاعر العظيم يتأثر من هنا ومن هناك، ومن العبث أن نحسب مقدار ~~هذا التأثر بالقلم والمسطرة. ثم إن القصيدة الشعرية الجديرة بهذا الاسم تنطوي على شيء لا ~~يمكن قياسه أو تحليله وتشريحه، شيء ينبعث من انطباعها الإنساني والجمالي في نفوسنا؛ لأنه ~~كالحياة ذاتها لا سبيل إلى قياسه أو تحديده. والمهم على كل حال أن نعرف أن المعلقات كانت ~~الأثر الأدبي الذي استطاع أكثر من أي أثر في الأدب العالمي أن يلفت انتباه شاعرنا إلى هذه ~~التجربة الخالدة، تجربة فراق الأحباب والبكاء عليهم، وليس هذا بالشيء القليل. # وهناك قصيدتان أخريان من قصائد الديوان الشرقي، الأولى: هي قصيدة «هجرة» التي يفتتح بها ~~الديوان، والثانية هي قصيدة «من أين لك هذا، وكيف جاء إليك» من كتاب الضيق أو كتاب السخط ~~وسوء المزاج (رنج نامه) في نفس الديوان. والقصيدة الأولى توحي بجو الشرق عامة وبالحياة ~~البدوية بوجه خاص بكل ما فيها من شهامة وكرم وشجاعة ونزوع إلى الحرب والأخذ بالثأر. وكلتا ~~القصيدتين تشير إلى الجو العربي الذي عاش فيه الشاعر في أثناء تفكيره فيهما وكتابته لهما. ~~وسأكتفي هنا بالقصيدة الأولى نظرا لضيق المقام. وأكرر ما ذكرته من أنني لا أحب أن أضل ~~بالقراء في متاهات البحث والمقارنة والتحليل التفصيلي لهذه القصيدة، فأنا ms055 من المؤمنين بأن ~~الخلق الفني - بعد كل تحليل ودراسة علمية مشروعة! - ينبغي أن يحتفظ بسره المعجز، ولو جردناه ~~من هذا السر لفقد أغلى ما فيه، ولذلك فسوف أكتفي بذكر الأثر العام الذي تركته الحياة ~~البدوية والفطرية على هذه القصيدة؛ لأعفي القراء من تفصيلات مرهقة. # تقول قصيدة الهجرة (وهي من كتاب المغني): # الشمال والغرب والجنوب تتناثر وتنهار # العروش تثل، والممالك تضطرب، # فهاجر أنت إلى الشرق الطهور # لتستروح نسيم الآباء الأولين، # هنالك حيث الحب والشراب والغناء # سيرد عليك نبع الخضر ريعان صباك. # إلى هناك حيث النقاء والحق، # أريد أن أتغلغل بأجناس البشر # إلى أعماق الأصل البعيد # حيث كانوا يتلقون من الله # وحي السماء بلغات الأرض # ولم يحطموا رءوسهم بالتفكير، # وحيث كانوا يجلون الآباء # ويأبون الخضوع للغرباء، # هنالك أود أن أتملى من أفق الفطرة المحدود، # حيث الإيمان واسع، والفكر قانع محدود # وحيث الكلمة ذات شأن كبير # لأنها كلمة منزلة تنطق به الشفاه، # أريد أن أعاشر الرعاة # وأستروح ظلال الواحات # حين أرتحل مع القوافل # وأتاجر في البن والمسك والشيلان. # أريد أن أسلك كل سبيل # من البوادي والقفار إلى المدن والحواضر # وبينما أصعد النجاد وأهبط الوهاد # تبعث أغانيك، يا حافظ، السلوى والعزاء. # وحين يترنم الحادي # من فوق ظهر دابته بغنائه المسحور # ليوقظ النجوم ويفزع اللصوص والأشقياء # أريد أن أحيي ذكراك، يا حافظ المقدس # في الحمامات وفي الحانات # عندما ترفع المحبوبة الخمار # وتهزه فتفوح غدائلها برائحة العنبر. # أجل إن همسات الشاعر بنجوى الحب # لتدفع الحوريات أنفسهن إلى العشق # إن أردتم أن تحسدوه على هذا النعيم # أو شئتم أن تعكروا عليه صفوه # فاعلموا أن كلمات الشاعر # تحوم دائما حول أبواب الفردوس # تطرقها في همس وهدوء # وتطلب حياة الخلود. # والنظرة العاجلة تبين لنا كيف تعبر هذه القصيدة عن تجربة دينية شاملة ~~كونها جوته على مدى عمره الطويل، وامتزجت فيها روح الديانات الكبرى مع حكمة الحياة التي ~~قضاها في النشاط والعمل والإقبال على مباهج الدنيا وأسرار الكون. وعنوان القصيدة نفسه مكتوب ~~بنطقه العربي ورسمه الفرنسي، وفيه إشارة واضحة إلى ms056 هجرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فضلا عن الحنين ~~الظاهر إلى الشرق، وشوق الشاعر للارتحال مع القوافل إلى بلاد الآباء والرسل والهداة، ~~والحياة بعيدا عن اضطرابات القارة الأوروبية وحروبها في تلك الفترة العصيبة بين سنتي 1812م ~~و1814م؛ ليتملي من عادات الشرق وأحواله، ويتنسم عطره وطهره وصفاءه، ويرجع إلى المصدر الأصلي ~~للوحدة والنقاء. وليس ما يمنع أيضا من أن يتاجر في نفائسه وبضائعه، ولو أدى الأمر إلى أن ~~يصبح واحدا من الرعاة والأعراب! وتردد أسماء كالخضر صاحب موسى الكليم في الروايات ~~الإسلامية (التي تقول إنه كان قائد جيش ذي القرنين ووزيره، والوحيد الذي أتيح له أن يشرب ~~من عين الحياة فيكتب له الخلود) ثم تردد كلمات الفردوس والقوافل والعنبر والجمال وخمار ~~الحبيبة، كل هذا يدل على تأثير الشرق بوجه عام. فهل توحي القصيدة مع هذا بتأثير الشعر ~~الجاهلي؟ إن النظر السريع يشير إلى شوق الشاعر إلى بلاد تعيش على الفطرة والطبيعية والبساطة ~~الأولى، وتسير فيها قوافل البدو منتقلة بين الحضر والبادية، أي يعيشون كما نقول اليوم في ~~عصر الحضارة الشفاهية لا الكتابية، ويحيون حياة أبية ترفض الذل والخضوع للطغاة والغرباء. ~~وهذا كله يوحي بتأثير الشاعر بما قرأه عن الحياة العربية في الجاهلية، وما عرفه من ترجمة ~~المستشرق هارتمان للمعلقات ومن تعليقاته عليها ومقدمته الوافية لها، ثم مناقشته اليومية ~~الطويلة مع المستشرق «باولوس» في أثناء زيارته لمدينة هيدلبرج (بين 24 سبتمبر و9 أكتوبر سنة ~~1814م) عن الحياة العربية والأدب العربي. # لا مجال هنا للوقوف عند الرسائل والمذكرات اليومية وسجلات المكتبات التي استعار منها ~~الشاعر هذا الكتاب أو ذاك. فلا شك في تأثر جوته بعالم الشرق بوجه عام، سواء في ذلك شعر حافظ ~~والجامي والسعدي أو قراءته في القرآن الكريم وسيرة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. والشيء الذي أحب أن ~~ألفت الانتباه إليه هو أن قصيدة الهجرة بالذات بالغة الدلالة على الديوان الشرقي كله، بل ~~إنها - على حد قول الشاعر نفسه - تعطينا على الفور فكرة كافية عن معنى الديوان وغايته. وهي ~~إلى جانب ms057 هذا بالغة الدلالة على حنينه إلى حياة الفطرة والأصالة والطبيعة التي يتميز بها ~~الشعر في نشأته الأولى، كما يتميز بها شعرنا العربي في الجاهلية. ولقد تكلم الشراح كثيرا ~~عن أوجه الشبه بين قصيدة الهجرة وبين قصيدة «دعوني أبكي» التي ذكرناها من قبل، وبخاصة أن ~~الموقف فيهما واحد، وهو موقف الشاعر الذي يرتحل مع القوافل، ويجد نفسه سعيدا بين الرعاة ~~والحداة في الصحراء. ولعل المقطوعة الثالثة من القصيدة أن تكون أقرب أجزائها إلى جو الحياة ~~البدوية التي تعد المعلقات أو في سجل لها، كما هي أوضحها في الثناء على حياة الفطرة ~~المحدودة التي يتسع فيها الإيمان ويضيق الفكر، وإبراز فضل الكلمة المنطوقة التي هي من وحي ~~السماء على الكلمة المكتوبة أو المطبوعة التي تزهو بها حضارتنا اليوم أكثر مما ينبغي. # أريد أن أبتهج بحدود الشباب # حيث الإيمان واسع والفكر ضيق قانع # وحيث الكلمة ذات خطر كبير # لأنها كانت كلمة تفوه بها الشفاه. # وقد يكون صحيحا ما أثبته البحث التاريخي الذي قامت به السيدة كاترينا ~~مومزن من تأثر جوته تأثرا مباشرا بالمقدمة التي كتبها المستشرق هارتمان لترجمته ~~للمعلقات وأشار فيها إلى اتساع الإيمان وضيق الفكر عند الشعوب التي تعيش على حال الفطرة ~~والطفولة، ثم إشارته إلى أهمية الكلمة المنطوقة عند أصحاب هذه الحضارات الفطرية التي لم ~~تتقدم تقدما ماديا ولا عقليا كبيرا. # قد يكون هذا صحيحا، فالعمل الفني الحق يحتمل تفسيرات كثيرة، وهذا دليل خصوبته ~~وغناه. # ولكن لا مجال هنا للسير في هذا الطريق الطويل، ويكفي أن نعلم أن شاعرنا تأثر بجو الحياة ~~العربية الجاهلية وبالمعلقات بوجه خاص. وإن أردنا مزيدا من الدقة فيما يتصل بهذه القصيدة، ~~فإن البيتين الثالث عشر والرابع عشر اللذين يقول فيهما: # هناك حيث كانوا يجلون الآباء # ويأبون على أنفسهم طاعة الغرباء. # يتردد فيهما صدى موضوع من أحب الموضوعات إلى شعراء الجاهلية، وهو الإباء ~~والكبرياء وعزة النفس التي ترفض الخضوع للطغاة والغرباء، وهو موضوع يتردد في المعلقات ~~وبالأخص في معلقات «لبيد» و«عمرو بن كلثوم» و«الحارث بن حلزة»، ويكفينا ms058 أن نقرأ هذه الأبيات ~~من معلقة عمرو بن كلثوم. # ألا يعلم الأقوام أنا # تضعضعنا وأنا وقد ونينا # بأي مشيئة عمرو بن هند # تطيع بنا الوشاة وتزدرينا # تهددنا وأوعدنا رويدا # متى كنا لأمك مقتوينا # فإن قناتنا يا عمرو أعيت # على الأعداء قبلك أن تلينا # ومن العبث أن نسترسل وراء النصوص التي تشير بعزة العربي وإبائه وكرمه، فذلك شيء ليس له ~~آخر، ويكفي أن نذكر هذا البيت المشهور الذي تنتهي به المعلقة السابقة: # إذا بلغ الفطام لنا رضيع # تخر له الجبابر ساجدينا # وحسبنا على كل حال أن الشاعر الكبير قد عبر عن حنينه إلى الشرق الطاهر الصافي، حيث ~~يتنسم ريح الآباء والأجداد والمرسلين والهداة، ولا يكره أن يوصف بأنه مسلم يسافر مع ~~القوافل إلى حيث تسافر، ويتاجر في الشيلان والبن والمسك والعنبر. فالمهم أن قصيدة «الهجرة» ~~توحي بجو المعلقات، وأن ربطها بها ييسر لنا فهمها ويزيده عمقا. # ولا نستطيع أن نترك هذا الموضوع قبل أن نذكر قصيدة «تأبط شرا» التي أعجب بها جوته أيما ~~إعجاب عندما قرأها في ترجمة لاتينية للمستشرق الألماني فرايتاج، ثم ترجمها بتصرف يليق ~~بشاعر كبيره مثله، وضمها إلى تعليقاته وبحوثه التي ألحقها بالديوان الشرقي في الفصل القصير ~~الذي تكلم فيه عن العرب، ومهد لها بكلمة موجزة عنها فوصفها بأنها قاتمة، بل مشبوبة نهمة ~~إلى الأخذ بالثأر والانتشاء به. وقراءة النص الأصلي للقصيدة يحتاج إلى شرح كلماتها العسيرة، ~~فلنكتف بذكر هذين البيتين اللذين تبدأ بهما: # إن بالشعب الذي دون سلع # لقتيلا دمه ما يطل # خلف العبء علي وولى # أنا بالعبء له مستقل # أقبل جوته على ترجمة القصيدة بحماس وحب لا نظير له، وقسم ترجمته لكل بيت منها إلى ~~مقطعات تقع كل منها في أربعة أسطر، تؤلف في جملتها ثماني وعشرين مقطوعة. # والمدهش حقا أن الشاعر فهم القصيدة فهما تاما، واستطاع أن يتمثل معانيها الغريبة ~~عليه، ويعبر عنها بشعر سلس بسيط، لا يكاد يترك معنى من معاني تأبط شرا دون أن يسجله. إنه ~~يقول معبرا عن مدى إعجابه بالشاعر العربي ms059 وعن صدقه في الانفعال بقصيدته: «يكفي القليل ~~لفهم هذه القصيدة، فإن عظمة الخلق، والصرامة، والقسوة المشروعة للفعل هي عصب هذا ~~الشعر.» # والمقطوعتان الأوليان تقدمان عرض الواضح، وفي الثالثة والرابعة يتكلم الميت ويلقي على ~~قريبه عبء الثأر له. والخامسة والسادسة ترتبطان من حيث المعنى بالأولى، وتقفان من الناحية ~~الشعرية الغنائية في غير موضعيهما. ومن السابعة حتى الثالثة عشرة نجد تمجيدا للميت يهدف ~~إلى الإحساس بفداحة الخسارة، ومن الرابعة عشرة حتى السابعة عشرة نجد وصفا للغارة على ~~الأعداء. والثامنة عشرة ترجع القهقري، والتاسعة عشرة والعشرون كان من الممكن أن توضعا ~~مباشرة بعد المقطوعة الأولى، والحادية والعشرون والثانية والعشرون يمكن أن توضعا بعد ~~المقطوعة السابعة عشرة، ثم تأتي نشوة الانتصار والمتعة في مأدبة الاحتفال، أما الخاتمة ~~فنجد فيها اللذة المخيفة لرؤية الأعداء فرائس للضباع والنسور. وأروع ما في هذه القصيدة في ~~رأينا هو أن النثر الخالص الذي يصور الفعل يصير شعريا بنقله مختلف الحوادث من مواضعها. ~~ولهذا السبب، ولأنها تكاد تخلو خلوا تاما من كل تزويق خارجي، يزداد جلال القصيدة، ومن ~~يقرؤها بإمعان لا بد أن يرى الأحداث من البداية حتى النهاية وهي تنمو وتتشكل أمام خياله. # 3 # وننتقل إلى ميدان آخر فنجد مجموعة من الحكم المنظومة التي كتبها جوته في أواخر حياته وسجل ~~فيها حكمة شيخوخته وسخطه على معاصريه من شعراء وعلماء وأدعياء، في حكم لاذعة ساخرة. واسم ~~هذه المجموعة هو # Zahme Xenien ~~، أي الحكم الساخرة الأليفة، ~~تمييزا لها عن مجموعة أخرى نظمها قبل ذلك بسنوات طويلة بالاشتراك مع صديقه شيلر. وتاريخ ~~نشأة هذه الأشعار القصيرة يحوطه الغموض من كل ناحية. وإذا كنا نعلم اليوم أنه بدأ في ~~نشرها سنة 1820م، فإننا لا نعلم على وجه التحديد متى بدأ في كتابتها. ولكن الشواهد تدل على ~~كل حال على أنه شغل بها ابتداء من سنة 1815م، فنحن نجد في مذكراته اليومية (بتاريخ 25 من ~~ديسمبر سنة 1816م) هذه الملاحظة العجيبة «زهير»، وبهذا يسجل للمرة الأولى بوضوح اسم أحد ~~شعراء المعلقات. وقد ثبت للباحثين ms060 أنه كان مشغولا في تلك الفترة - التي تدفقت عليه فيها ~~أغاني الديوان! - بقراءة المعلقات. والظاهر أن زهيرا بالذات كان قريبا من فكره وإحساسه في ~~ذلك الحين. # ومعلقة زهير تفيض بالأبيات التي تصور حكمته، كما تعبر عن سأم الشيخوخة وزهدها وصرامتها ~~وتأملاتها في مصائر البشر والقدر والموت والحياة. وهذا الموضوع نفسه هو الذي يأتي في ~~المقام الأول في حكم جوته اللاذعة. ولو قارنا بين بعض أبيات زهير وبين بعض هذه الحكم ~~لوجدنا تقابلا مذهلا، يسمح لنا أن نفترض وجود تأثر مباشر لا شك فيه. # فحين يقول زهير: # وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده # وإن الفتى بعد السفاهة يحلم # فإن جوته يتحدث عن أخطاء الشيخوخة التي لا تغتفر ويقول: # إذا كان الشاب أحمق سفيها # عانى من ذلك أشد عناء # والشيخ لا ينبغي أن يكون سفيها # لأن الحياة عنده أقصر من ذاك. # وكلا الشاعرين يردد كلمة الشيخ والشاب، كما أنهما يوشكان أن يعبرا عن نفس ~~الموضوع بنفس الكلمات. وجوته قد انشغل في هذه الحكم كما قلت بالشيخوخة وآلامها وأخطائها، ~~وكيف أن هذه الأخطاء لا تحتمل من شيخ ولا تليق به، في حين أنها عند الشاب أمر يمكن تداركه ~~في المستقبل. # ويكفي أن نقرأ هاتين الحكمتين لنتأكد من ذلك مرة أخرى: # كف عن التفاخر بالحكمة # فربما كان التواضع أخلق بالثناء # إنك لا تكاد تقترف أخطاء الشباب # حتى تراك مضطرا لاقتراف أخطاء الشيخوخة. # أو حين يقول: # إن الشباب يطول به العجب # إذا رأى أخطاء تتسبب في أذاه، # هنالك يثوب إلى نفسه، ويفكر في الندم # أما في الشيخوخة فلا يندهش المرء ولا يندم. # وإذا كان أحد أبيات معلقة طرفة يقول: # أرى الموت أعداء النفوس ولا أرى # بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد # وكان البيت الثاني عشر من معلقة عمرو بن كلثوم (في شرح الزوزني) ~~يقول: # وإن غدا وإن اليوم رهن # وبعد غد بما لا تعلمينا # وإذا رأينا زهيرا يعبر عن هذه المعاني نفسها بصورة أوضح وأدل في البيت القائل (وإن سفاه ~~الشيخ ...) ثم رأينا جوته ms061 يطرق هذه المعاني في مجموعة من حكمه السابقة، فلا يمكن أن يكون ~~ذلك بمحض المصادفة بعد أن أثبت البحث أنه كان مشغولا بالمعلقات عندما نظم تلك الحكم ~~الأليفة اللاذعة. ها هو ذا يقول في البيت الثاني والخمسين والأبيات التالية له من القسم ~~الأول من حكمه ما يؤكد الشبه الشديد في اختيار الكلمات وفي الفكرة نفسها، بحيث لا يمكن ~~كما قلت أن يكون هذا التشابه بينهما وبين أبيات زهير وليد الصدفة: # دائما ما يكون الشيخ هو الملك لير # فما تعاون يدا في يد، وما كافح # قد انقضى من زمن بعيد # وما أحب معك أو فيك وتعذب # قد تعلق بشيء آخر. # الشباب هنا موجود لذاته # ومن الحمق أن أسألك فأقول: # تعال، وشخ أنت معي. # وإذا كان زهير قد ضجر من طول العمر وسئم تكاليف الحياة بعد أن بلغ ~~الثمانين: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # فيبدو أن هذا قد حفز جوته إلى معارضته، وتأكيد حبه واحترامه للحياة. ويكفي أن نقرأ معا ~~هذه الأبيات لنجد أنها تعيش في جو زهير ولبيد: # يحب أبناؤك أن يسألوك # نود لو طال بنا العمر. # بأي درس تراك تنصحنا؟ # ليس من الفن أن تشيخا # فالفن في الصبر والصمود. # أو حين يقول في موضع آخر: # تركت نفسي عن طيب خاطر # أتعلم من الصالحين والحكماء # ولكنني كنت أريد الاختصار # فلست أطيق الأحاديث الطوال. # ما الذي يتوق إليه المرء في آخر المطاف؟ # أن يعرف العالم ولا يحتقره. # أو حين يقول أخيرا في هذا البيت: # إن كنت مثلي قد خبرت الحياة # حاول إذن مثلي حب الحياة. # ويتوج هذا كله الرباعية الأخيرة من القسم الرابع من الحكم اللاذعة وهي ~~التي تقول: # كلما كان أمسك واضحا وصريحا # استطعت اليوم أن تقبل على العمل في قوة وحرية # كما استطعت أن تأمل في غد # لا يقل عنه سعادة وبهجة. # وهناك حكمة تكاد تلتقي التقاء تاما مع إحدى حكم زهير عن الشيخوخة، بحيث ~~نستطيع أن نقول إن جوته لا بد أن يكون ms062 قد فكر فيها كثيرا وهو يكتب أبياته، وأعني بها ~~الحكمة التي يعبر عنها البيت المشهور لزهير - لا في المضمون وحده بل كذلك في الكلمات - فقد ~~عبر عن هذا التأثير تعبيرا يتفق مع أصالته وذاتيته. وإن جاز لنا أن نعجب للتقابل بين ~~الحكمتين، فلا يصح أن نفاجأ بالتعارض بينهما في النهاية. تقول حكمة جوته، وهي الحكمة قبل ~~الأخيرة من القسم الرابع من مجموعة الحكم اللاذعة: # إن أسوأ ما نلقاه # نتعلمه من اليوم الذي نحياه # من رأى في الأمس يومه # فلن يكون يومه شديد القرب منه # أما من رأى غده في يومه # فذلك الذي ينشط ولا يهتم. # وتكرار كلمات كالأمس واليوم والغد موجود لدى الشاعرين، بل إن الشاعر ~~الألماني يتفق مع الشاعر العربي اتفاقا حرفيا في التعلم من اليوم أو العلم به، حتى ~~لنستطيع أن نقول إن جوته قد كتب الأبيات الأولى وهو يفكر تفكيرا واضحا في أبيات زهير. ~~ولكن الشاعرين لا يلبثان أن يختلفا وتتفرق بهما السبل، وهذا أمر طبيعي كما قلت. فكلاهما ~~يتعلم من الأمس واليوم، وكلاهما يسأل عن الغد المجهول، وكيف ينبغي أن يقف الإنسان منه. ~~والشاعر العربي يجهل كل شيء عن هذا الغد، ويؤكد في مرارة واستسلام أنه عن علم ما في غد ~~عم، أما الشاعر الألماني الذي عاش حياته يؤكد قيمة اللحظة الحاضرة ويمجد من يملئونها ~~بالنشاط والعمل المثمر (وفاوست كلها تدور حول هذا المعنى!) فلا يلبث أن يخالف صاحبه العربي، ~~فنراه يعبر من جديد عن حبه واحترامه للحياة وإيمانه بأن من ينصف الحاضر ويؤدي واجبه فيه فلن ~~يظلمه الغد أبدا ولن يخزيه. وهكذا ينتهي جوته نهاية تتفق مع تجربة حياته وروح أدبه، في حين ~~انتهى زهير نهاية تتفق كذلك مع تجاربه وروح عصره المضطرب. # هنا أتوقف عن هذه الموازنة لأكرر ما سبق أن أكدته من إيماني بسر الخلق والإبداع، ~~فالمقارنات والمقابلات قد تلقي الضوء على هذا الأثر الأدبي أو ذاك، ولكنها لن تستطيع أن ~~تكشف النقاب عن سره الدفين. وربما كانت قوة هذا السر وغموضه في ms063 أنه يخاطبنا بوصفنا بشرا ~~نتعذب نفس العذاب ونحس نفس المصير، أعني أن يعلو فوق اختلاف القوميات واللغات وأشكال ~~التعبير. ولو سأل سائل: ما الفائدة من المقارنات السابقة لأجبته: ليس القصد منها أن نتباهى ~~بفضل أجدادنا على غيرنا، فهذا شيء لا يلجأ إليه إلا المفلسون الذين ينقبون في ماضيهم ~~الخصيب عن شيء يبرر حاضرهم الجديب، وأرجو ألا نكون قد وصلنا إلى هذه الحال! إنما القصد أن ~~نجرب كيف تعيش الفكرة الواحدة في ضميرين وعند القصد أن شاعرين يختلف كل منهما في ثقافته ~~ومزاجه ولغته وجنسه، فربما نتعلم من هذا كيف ننظر إلى لحظات الخلق والإبداع نظرة الاحترام ~~والإجلال، كما نتعلم أن الفن الحقيقي هو الشيء الذي يستطيع أن يوحد بين البشر، ويجمعهم على ~~التفاهم والمحبة والاحترام والإنصاف. ~~(1) جوته والإسلام # وأخيرا نسأل: ما علاقة جوته بالإسلام؟ # والسؤال بديهي، فلا يمكن أن يكون الشاعر الألماني الأكبر قد عرف شيئا عن الأدب ~~العربي دون أن يعرف شيئا عن الإسلام أو يتخذ موقفا منه، أضف إلى هذا أن اللغة العربية ~~قد شرفت بالإسلام الذي جعل منها لغة حضارية انتشرت في آفاق الأرض، ونسخت غيرها من ~~اللغات القديمة، وفتحت لها ملايين العقول والأفئدة. ومستحيل أن يكون الشاعر قد اهتم ~~بالأدب العربي دون أن يكون قد اهتم بالإسلام، وسوف أقصر كلامي هنا على جانب واحد هو مدى ~~تأثير الدين الإسلامي على أدبه. # الحق إن صلة جوته بالإسلام ونبيه الكريم # صلى الله عليه وسلم # بدأت منذ شبابه المبكر وصاحبته في ~~كهولته وشيخوخته، ونستطيع أن نقول بوجه عام إنه كان يشعر بتعاطف عميق مع الإسلام أكثر ~~من غيره من الديانات غير المسيحية. # فهو في الرابعة والعشرين من عمره يؤلف أغنية تمجد الرسول # صلى الله عليه وسلم # وتصوره في صورة ~~نهر رائع متدفق، وهو في السبعين من عمره يعترف صراحة بأنه يفكر منذ زمن طويل في أن ~~يحتفي في خشوع بتلك الليلة المقدسة التي نزل فيها القرآن على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبين ~~السنتين حياة طويلة خصبة أظهر فيها ms064 الشاعر احترامه وتقديره للإسلام بمختلف الطرق. وتجلى ~~هذا كما قلت في كتاب يعد إلى جانب فاوست من أعذب وأنقى أعماله، وهو الديوان الشرقي، ~~الذي لم يكن ممكنا أن يظهر إلى الوجود لولا صلته الحميمة بروح الإسلام التي تشيع فيه، ~~ويكفي أن نتذكر العبارة التي كتبها في إعلانه عن ظهور هذا الكتاب وقال فيها إنه لا يكره ~~أن يشاع عنه أنه مسلم. # وليس مرجع هذه العلاقة الحميمة بالإسلام ونبيه الكريم أنه درس القرآن منذ شبابه دراسة ~~وافية في ترجماته اللاتينية والإنجليزية والألمانية، بل حاول أن يتعلم اللغة العربية ~~ويجرب الكتابة العربية. وليس مرجعه أنه تأثر بأفكار عصر التنوير وما دعت إليه من تسامح ~~ديني، بل لعل السبب الأكبر أنه وجد في الإسلام من الآراء والأفكار ما تصور أنه يتفق مع ~~عقيدته وفكره ومذهبه في الحياة (الذي نعلم اليوم مدى تأثره بفلسفة اسبنيوزا). # وأول ما يخطر على البال في هذا الصدد أن اهتمامه في شبابه بدراسة القرآن الكريم قد ~~أوحى إليه بمشروع كتابة مأساة أو تراجيديا عن النبي. ولا شك أننا نأسف اليوم لأن هذه ~~المأساة ظلت شذرة لم تكتمل ولم يبق منها إلا أغنية محمد التي كانت فاتحة الفصل ~~الأول. # ومع ذلك يتضح من الأجزاء التي لدينا مدى إعجاب الشاعر بشخصية الرسول الذي رأى فيه ~~نموذجا للنبي الذي لم ينشر دعوته بالكلمة وحدها، بل عمد وجاهد وتحمل الأذى في سبيلها. ~~ويتضح لنا هذا الحب والإعجاب بشخصية النبي الكريم في الأغنية المشهورة «أغنية محمد» ~~التي كتبها وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وكان يقصد بها في البداية أن تكون حوارا ~~بين علي وفاطمة. وهو يصور النبي في صورة النهر القوي المتدفق الذي يبدأ رقيقا هادئا ~~ثم يصل إلى أقصى قوته وعنفوانه ويتسع حتى يصب في البحر المحيط (رمز الألوهية). ولعل ~~هذه الصورة - وبخاصة عند جوته الشاب المعتز بعبقريته، المؤمن بأن له رسالة إلهية لا تقل ~~شأنا عن رسالة الأنبياء! - لعلها أن تكون تعبيرا عن الشاعر نفسه، وهذه هي الأبيات ~~التي تتمثل فيها ms065 هذه الصورة: # ها هو يجري في الوادي # متلألئا بهيا، # والأنهار الجارية في الوهاد # والجداول الهابطة من الجبال # تهتف به صائحة: يا أخانا، # يا أخانا، خذ إخوتك معك، # خذنا إلى أبيك الخالد # إلى المحيط الأزلي، # الذي ينتظرنا # بذراعين مفتوحتين. # ثم تقول الأغنية بعد قليل: # خذ إخوتك من الوادي، # خذ إخوتك من الجبال، # خذهم معك إلى أبيك. # إلى أن تنتهي بهذه الأبيات: # هكذا يضم إخوته، # كنوزه، أطفاله؛ # إلى صدره الجياش بالفرح # ليسلمهم إلى الإله المنتظر. # هذه الصورة لا تعبر كما قلت عن شخصية النبي وحده، بل تعبر كذلك عن شخصية الشاعر نفسه. ~~فهو أيضا قد عرف رسالته، وآمن بأنه يهدي الناس على طريقته، ويرقى بإخوته من البشر إلى ~~حياة أسمى وأرفع. والحق أن جوته لم يتخل عن هذه العقيدة طوال حياته، فظلت شاعريته تحمل ~~هذا الطابع الديني، أو إن شئت هذا الطابع التربوي والأخلاقي الذي لا ينفصل عن الرسالة ~~النبوية، كما ظل الملايين من الناس حتى يومنا هذا يعتبرونه هاديا روحيا، أعني ~~بالمعنى الأرحب بالكلمة. # ولا تكشف أغنية محمد عن إعجاب شاعرنا بشخصية النبي وحسب، بل تكشف كذلك عن إعجابه بركن ~~أركان الإسلام، وهو التوحيد. ويظهر هذا في النشيد الذي يتغنى به محمد وحده في بداية ~~المسرحية، تحت سماء ساجية متألقة بالكواكب والنجوم: # ليس في مقدوري أن أفضي إليكم بهذا الإحساس، # ليس في مقدوري أن أشعركم بهذا الشعور. # من يصيخ السمع لضراعتي؟ # من ينظر للعين المبتهلة؟ # انظروا! ها هو يسطع في السماء، المشتري النجم الصديق # كن أنت سيدي، كن إلهي! إنه يلوح لي في حنان. # انتظر، انتظر، أتحول عينيك؟ # ماذا؟ أيمكن أن أحب من يتخفى عني؟ # مبارك أنت أيها القمر، يا هادي النجوم، # كن أنت سيدي، كن إلهي أنت تضيء الطريق. # لا تتركني، لا تتركني في الظلام، # أيتها الشمس، أنت أيتها الشعلة المتوهجة التي يتبتل لها الفؤاد ~~المشتعل # كوني أنت إلهي، قودي خطاي، يا من تطلعين على كل شيء. # أوتأفلين أنت أيضا، أيتها الرائعة؟ # إن الظلام العميق يخيم علي. # ارتفع أيها القلب ms066 العامر بالحب لخالقك. # كن أنت مولاي، كن إلهي، أنت يا من تحب الخلق أجمعين، # يا من خلقتني وخلقت الشمس والقمر # والنجوم والأرض والسماء. # هذه الأبيات تذكرنا بما جاء في القرآن الكريم في سورة الأنعام (74-79) في مناجاة ~~إبراهيم لربه: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ~~* وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا ~~أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال ~~هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ~~. # والغريب أن هذه السورة وجدت ضمن السور التي ترجمها جوته نفسه عن ترجمة ماراتشي ~~اللاتينية، وتظهر فيها دقة الفهم وجمال الأداء وشاعريته، كما تتجلى تقواه وإيمانه ~~بالطبيعية كمظهر من مظاهر القدرة الإلهية. ولعل عقيدته التي صاحبته طوال حياته وتأثر ~~فيها أبلغ التأثر بمذهب اسبينوزا في وحدة الوجود - وهو المذهب الذي يتلخص في هذه العبارة ~~المشهورة «الله أو الطبيعة» - لعل هذه العقيدة هي التي قربته من الإسلام وجعلت له هذه ~~المكانة في قلبه. ولا يصح أن نتهمه بعد هذا بأنه خلط في فهمه للإسلام بين وحدة الوجود - ~~وهو شيء بعيد كل البعد عن روح الإسلام - وبين التوحيد. فربما يغفر له أنه وجد في ~~قراءاته للقرآن الكريم آيات كثيرة تؤيد إيمانه بأن الله يتجلى في كل مخلوقاته على ~~اختلاف مظاهرها. ويكفي أنه أنصف الإسلام وقدره في وقت كان فيه المستشرقون يكادون ~~يجمعون على الافتراء عليه، ولم تكن الدراسات الإسلامية والعربية قد برئت بعد من ~~التعصب، ولا وصلت - على الأقل عند عدد لا يستهان به من الدارسين الغربيين - إلى درجة ~~كافية من الحياد والإنصاف. ويكفي كذلك أن نعلم أن هذه الشذرة من مسرحيته التي لم تتم ~~تختلف تمام ms067 الاختلاف عن مسرحية أخرى عن محمد كتبها فولتير وهاجم فيها الرسول أشد ~~الهجوم. وإذا كان جوته قد ترجم هذه المسرحية الأخيرة وعرضها على مسرح «فيمار» الذي كان ~~يتولى الإشراف عليه، فقد أثبت البحث الحديث أنه اضطر إلى ذلك تنفيذا لرغبة كل من صديقه ~~وراعيه كارل أوجوست أمير فيمار ووالدته وزوجته. # ولعل أكثر ما أعجب جوته في الإسلام وصادف هوى من نفسه هو هذا التسليم المطلق لمشيئة ~~الله، كما لاحظه في القرآن الكريم وفي أخلاق المسلمين. والأغرب من هذا أنه عاش طوال ~~حياته مؤمنا بهذه الروح الإسلامية التي أخطأ فهمها الغربيون والمسلمون أنفسهم في عصور ~~التدهور، فكانت عزاءه في المحن والملمات. وما أكثر ما كان يقول حين تصيبه مصيبة فلا ~~يجد أمامها سوى الصبر والإذعان والتسليم: «ليس لدي ما أقوله سوى أنني ألجأ هنا أيضا ~~إلى الإسلام.» قال هذا عندما مرضت زوجة ابنه مرضا خطيرا، كما كتب أيضا في رسالة إلى ~~إحدى صديقاته حين انتشر وباء الكوليرا من حوله في سنة 1831م: # لا يستطيع أحد أن يشير على أحد بشيء، فليقرر كل امرئ بنفسه ما يشاء، نحن ~~جميعا نحيا في الإسلام أيا كانت وسيلتنا في التذرع بالصبر والشجاعة. # كان رأي جوته دائما أن الاطمئنان والتسليم بمشيئة عالية هما الأساس المكين الذي يقوم ~~عليه التدين الصحيح، وهي مشيئة تدبر حياتنا وأقدارنا، ولا نستطيع أن ندرك كنهها لأنها ~~تسمو على أفهامنا ومداركنا. وقد تمثلت له هذه العقيدة في الإسلام قبل أي دين آخر، فكان ~~هذا هو سر احترامه له واهتمامه الطويل به. ويظهر أن اقتناعه بفلسفة اسبينوزا منذ شبابه، ~~وإيمانه بمذهب الحتمية الذي قال به الفيلسوف الهولندي # 4 # ثم تصوره الخاطئ للتلاقي بين هذا المذهب وبين العقيدة الإسلامية في هذا ~~الصدد، هو أحد الأسباب التي دفعته إلى دراسة الشرق بوجه عام والإسلام بوجه خاص. ومن ~~الطريف أن نذكر أنه أقبل على العمل في ديوانه الشرقي على أثر مشاهدته لصلاة أقيمت في ~~إحدى المدارس في مدينة فيمار. فقد مرت بالمدينة في أوائل سنة 1814م ms068 فرقة من فرسان ~~البشكير من رعايا الروس المسلمين كانت تتعقب جيوش نابليون المهزومة، فأتيح له ولغيره ~~من السكان أن يحيوهم ويشاهدوا صلاتهم عن كثب ويسمعوا آيات القرآن الكريم ترتل أمامهم. ~~وتصادف قبل ذلك بشهور معدودة أن رجع جماعة من الجنود الألمان إلى وطنهم فيمار بعد ~~اشتراكهم في الحرب الإسبانية، وكانوا يحملون معهم صفحة من مصحف مخطوط عليها سورة ~~«الناس»، وهي آخر سورة في ترتيب سور المصحف (114). سر الشاعر أيما سرور بهذه الهدية، ~~وطلب من المستشرق «لورزباخ» الذي كان أستاذا بجامعة فينا أن يترجمها له، بل ذهب إلى ~~أبعد من هذا وحاول أن ينسخها بنفسه. # كان هذا كله، إلى جانب قراءاته المتصلة في القرآن الكريم وعنايته بالاطلاع على سيرة ~~الرسول، مما أعانه على أن يعيش في جو الإسلام، ويألف عالمه الفكري والروحي. ونستطيع ~~اليوم أن نقول إنه لولا هذه الصلة الحميمة بالإسلام ما قدر له أن يكتب ديوانه الشرقي، ~~ولا قدر له كذلك أن يتحرك في هذا العالم الغريب عنه بحرية وصفاء فيجدد شاعريته ~~وشبابه، ويخلط الجد بالدعابة، ويعبر عن إعجابه بحافظ الشيرازي وحنينه للشرق واحترامه ~~للإسلام، دون أن نسمع في الديوان كله نغمة شاذة أو نقرأ كلمة واحدة تؤذي شعور المسلمين. ~~ولا بد أن إمعانه في دراسة القرآن هو الذي ألهمه بعدد كبير من قصائده، ويكفي أن نقرأ ~~هذه الأبيات الأربعة المعروفة: # لله المشرق # لله المغرب، # الأرض شمالا # والأرض جنوبا # تسكن آمنة # ما بين يديه. # يكفي أن نقرأها لنتذكر هذه الآية الكريمة من سورة البقرة (115): # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا ~~فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~. # وثمة أبيات أخرى من كتاب «المغني» من الديوان الشرقي تقوم على سورة الفاتحة، ولعل ~~الشاعر أن يكون قد كتبها وفي ذاكرته كذلك سورة «الناس» الذي ذكرت قصتها: # ينازعني الغي والضلال # لكنك تعرف كيف تهديني. # اهدني أنت في أعمالي # وفي أشعاري الصراط المستقيم. # وهناك أبيات أخرى من نفس الديوان يبدو أن الشاعر قد تأثر فيه تأثرا مباشرا بهذه ~~الآية الكريمة من سورة الأنعام (97): # وهو ms069 الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون ~~: # جعل لكم الكواكب والنجوم # لتهتدوا بها في البر والبحر، # لكي تنعموا بزينتها # وتنظروا دائما إلى السماء. # كل هذه القصائد تردد صوتا واحدا، ألا وهو التسليم بالقدر الذي رسمته مشيئة الله. ~~ولو أردنا أن نتتبع هذا الصوت في ثنايا الديوان لطال بنا القول، ويكفي أن نشير إلى هذه ~~الأبيات من كتاب الأمثال: # رب الخلق قد دبر كل شيء # تحدد نصيبك، فاتبع السبيل، # بدأ الطريق، فأتم الرحلة. # أو إلى هذا البيت من كتاب التفكير على لسان جلال الدين الرومي: # إن أقمت في العالم فر كالحلم، # وإن رحلت حدد القدر طريقك. # فمشيئة الله هي التي تحدد طريقنا وترسم حياتنا، ولولا إيمان جوته بوجود قدرة عالية ~~مدبرة للكون ولمصير الإنسان فيه، ولولا أنه وجد في العقيدة الإسلامية ما زاد من ~~اطمئنانه إلى هذا الإيمان وقواه في نفسه، لما كان من الممكن أن تشيع هذه الروح السمحة ~~التقية في قصائد الديوان الشرقي، ولا أن يسري فيها سمو التدين حتى حين يلجأ للمرح ~~والدعابة الصافية. ويبدو أن الشاعر قد آمن أيضا بأنه ليس من سبيل للإنسان أمام المشيئة ~~الإلهية إلا التسليم بالقدر والاطمئنان لما يصيبه على يديه، والتذرع بالتسامح في الفعل ~~والقول والشعور. ولعل أروع ما قاله في هذا الموضوع هو الأبيات التي جاءت في كتاب الحكمة ~~(والترجمة للشاعر الكبير المرحوم الأستاذ عبد الرحمن صدقي): # من حماقة الإنسان في دنياه # أن يتعصب كل منا لما يراه، # وإذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم # فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين. # ولا يجوز أن نحمل البيتين أكثر مما يحتملان، فالواجب يدعونا أن ~~نفهمها على ضوء ما سبق من الكلام عن إيمان الشاعر بمشيئة عالية ينبغي على الإنسان أن ~~يسلم أمره إليها، وارتياحه إلى هذه العقيدة التي وافقت شخصيته وطبعه، كما أكدت ما سبق ~~قوله أكثر من مرة عن اقتناعه بفلسفة اسبينوزا. والمهم أن الشاعر الكبير قد بدا في ~~شيخوخته وكأنه يريد أن يغير حياته ms070 كلها ويستقبل شبابا جديدا ويتفتح على عالم جديد. ~~فها هو ذا يقتبس من القرآن الكريم ما يوافق مزاجه وشاعريته، وها هو ذا يترك «هوميروس، ~~وهيلينا، وإيفيجينيا» لينعم بصحبة «زليخا» و«حاتم» و«المجنون» والندامى و«الحور» ~~و«الدراويش» والمغنين! وإذا كان من غير الجائز أن نبالغ في هذا التحول إلى الشرق أو ~~نفهم منه أنه يدل على تحول تام عن الغرب، فمن الواجب في الوقت نفسه أن نقرر أنه لم يسبق ~~في تاريخ الفكر الغربي أن وجدنا شاعرا مثله يتجه بكل روحه إلى الشرق ويطلق خياله فيه ~~بكل حريته تاركا وراءه ميراث ألفي سنة من التراث القديم والوسيط والحديث. # ويزداد إعجابنا وإكبارنا لهذا الشاعر إذا عرفنا أنه لم يكن في سن الشباب الجريء ~~المتهور، بل في سن الخامسة والستين عندما راح يتجول في رحاب الشرق كأنما ولد من جديد. ~~وخليق بنا نحن العرب أن نتذكر هذا الشاعر الجليل كما صور نفسه في إحدى قصائد ديوانه وهو ~~يقطع الصحاري الشاسعة على ظهر جواده وليس فوق رأسه إلا النجوم، ولا في قلبه غير الحب ~~والتسامح، والاطمئنان والصفاء، والإيمان برسالة الدين والأدب والفن في توحيد بني ~~الإنسان على التآخي والسلام. ~~(2) قصة الديوان الشرقي # كثيرة هي الكتب التي نقرؤها ونادرة هي الكتب التي نعيش معها، والديوان الشرقي هو أحد ~~هذه الكتب التي تصحبنا في رحلة العمر، نرجع إليها بين الحين والحين لنستمد منه العزاء ~~والإيمان، وننهل منه الحكمة والحب، ونجد في أشعاره النقية وألحانه العذبة من الصفاء ~~والمرح والجمال ما يرد إلينا الانسجام المفقود في عالمنا اليومي المزدحم بالقبح والفوضى ~~والأنانية والضغائن. # 5 # ثم إنه - بجانب فاوست - أهم ما أبدع هذا الشاعر المطبوع القديم وأصدقه ~~تعبيرا عن قلبه الرقيق وفكره العميق وتجربته الوجدانية بالحياة. وربما كنا - نحن ~~القراء في الشرق - أحق بهذا الديوان من قرائه الغربيين وأقدر منهم على تذوقه وإنصافه ~~والإحساس بصوره ورموزه وإشاراته. فكم من قصيدة تهب علينا منها أنفاس الصحراء العربية، ~~أو تستوحي روح الإسلام وعالمه السمح. وكم من حكاية أو نادرة مستوحاة من حياة ms071 النبي ~~الكريم # صلى الله عليه وسلم # وأولياء الله الصالحين أو الشهداء المجاهدين في سبيله. وكم من اسم ~~يتلى من شعراء العرب والفرس الذين نعرفهم، أو على الأقل نسمع عنهم ونألف صورهم ~~وأخيلتهم ولا نجد مشقة في التعاطف معهم والابتسام لدعابتهم ومشاركتهم حبهم ولهوهم ~~وغنائهم. # لن نتصور هذا كله - كما قد يتصوره القارئ الغربي - مجرد تلاعب حركي بأقنعة شرقية ~~يتوارى خلفها شاعر كهل ليعكس عليها لواعج حبه المشبوب لفتاة في عمر أبنائه. بل سيزداد ~~عجبنا وإعجابنا بهذا الشاعر الذي يستقبل «النور الطالع من الشرق»، ويجدد شبابه وشاعريته ~~ينطلق فوق جواده «ولا شيء فوق رأسه إلا النجوم» ليسافر مع القوافل ويحضر مجالس الشراب ~~في الحانات، ويخالط الندامى والعشاق والدراويش، ويغني بلسان حافظ والمجنون وزليخا ~~وهدهد سليمان وحوريات الفردوس، ويقيم جسورا من الحب والعرفان والتسامح بين الشرق ~~والغرب الذي ظل شعراؤه قرونا طويلة يتغنون بآلهة الأوليمب ويلهثون في آثار هوميروس ~~وبندار دون أن يحفلوا بروح الشرق أو يحاولوا طرق أبوابه الموصدة، حتى جاء هذا الشاعر ~~فبدأ عهد جديدا للاهتمام بتراث الشرق واستلهامه ودراسته دراسة علمية جادة. # لم يسبق لشاعر غربي قبل جوته أن فتح هذه الأبواب لينفذ إلى عالم الشرق الفسيح، ويتجول ~~بين شعوبه وحضاراته المختلفة على مر العصور، ويسافر في بحاره ومدنه وصحاريه، ويفتح قلبه ~~وعينيه على كتبه وأسراره، ويدير في النهاية هذا الحوار الشائق بين القارات والقرون ~~والآداب والأديان والعادات. # ومع ذلك - وهذه هي معجزة الاستلهام الأصيل! - لم يضيع الشاعر نفسه في الغربة، ولم ينس ~~ذاته في الفيافي ومضارب الخيام. لقد سجل يوميات رحلته الشرقية شعرا في هذا الديوان، ~~ولكنه بقي ديوان شاعر غربي تتغنى قصائده الخالدة بالمدن والحانات التي زارها، والخمور ~~التي ذاقها، ونعمة الحب أو مرارة الهجرة والفراق التي جربها. وكما تدل كلمة الديوان ~~الفارسية الأصل على الجمع أو المجموع، كذلك تؤلف أشعار الديوان بين الشرق والغرب، ~~والعام والخاص، وأقدار الطغاة الجبابرة والشعوب والحضارات الغاربة، كأنها مرايا تعكس ~~هذا الحوار العابث الجاد في اثني عشر كتابا أشبه باثني عشر ms072 وترا تتوافق لعزف لحن واحد ~~ينبعث من آلة واحدة. # 6 # ولهذا لم يخطئ بعض النقاد عندما وصفوا الديوان بأنه سيمفونية شعرية ترتبط ~~فيها البداية بالنهاية، ويظهر اللحن ليختفي ثم يتكرر ظهوره، أو عندما شبهه الشاعر ~~نفسه بسجادة فارسية تتشابك فيها القصائد كما تتشابك الخيوط والزخارف، وتستغرق ~~الأجزاء في الكل كما يشتمل الكل على الأجزاء. ~~••• # ما قصة هذا الديوان؟ متى بدأ جوته في كتابته؟ ما الذي حرك قلبه ومد يده إلى أساطير ~~الشرق وأغانيه وحكمه وأمثاله وصوره وحكاياته للتعبير عن أشواقه وآلامه؟ متى بدأت تجربة ~~لقائه مع الشرق؟ وما البحوث التي اعتمد عليها والترجمات التي قرأها واستوحاها؟ ثم ما ~~موضوعات هذا الديوان، وكيف استقبله الناس؟ لندر قليلا مع عجلة التاريخ قبل أن ~~نتوقف معا عند القصائد التي يضمها الديوان الشرقي-الغربي. # أعلن جوته عن «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» لأول مرة في أواخر شهر فبراير سنة 1816م ~~في «صحيفة الصباح» التي كان يصدرها كوتا ناشر أعماله، وذلك لتعريف القراء بكتبه ~~وموضوعاته. وكان العنوان الأصلي الذي وضعه له هو: «الديوان الغربي-الشرقي أو مجموعة ~~قصائد ألمانية تتصل اتصالا مستمرا بالشرق»، وكان قد اطلع قبل ذلك بسنتين على ديوان ~~حافظ الشيرازي في ترجمة المستشرق النمساوي «يوسف فون هامر بورجشتال». ولا شك أن الأمر ~~لم يكن مجرد اطلاع على مجموعة من الشعر الفارسي، وإنما كان لقاء حقيقيا بدأت معه ~~مرحلة حاسمة في حياته وإنتاجه تفتحت في ظلها زهرات هذه القصائد النادرة التي تعد أخلد ~~تعبير عن تجربة اللقاء بين الغرب والشرق. ولعلها لو تمت قبل ذلك أو بعده لما أثرت عليه ~~كل هذا التأثير. فقد صادفت فيه وجدانا متوهجا بالشباب والحب وبهجة الخلق والإبداع، ~~وعقلا صافيا صقلته حكمة الشيخوخة وتجاربها، وكيانا مهيأ لتقبل المزيج من العاطفة ~~والعقل الذي وجده في الشعر الشرقي. # ولم يكن عالم الشرق في يوم من الأيام غريبا عليه، صحيح أن منابع التراث الإغريقي ~~والروماني ظلت دائما مصدر وحيه وثقافته، ولكن منابع الشرق لم تنقطع أبدا عن جذب عينيه ~~إلى بريقها وغموضها. ونحن نعرف ms073 أن هردر # 7 # وجهه إلى قراءة الكتاب المقدس بوصفه تاريخا حضاريا للشرق القديم، كما ~~نبهه ونبه أمته بوجه عام إلى الآداب الشرقية وأغانيها الشعبية الأصلية، بفضل ترجماته ~~العديدة عن الآداب الفارسية والهندية والصينية، ورؤيته الحضارية الشاملة التي تضم مختلف ~~العصور والشعوب، وتصور تاريخ البشرية في وحدة عضوية حية نامية. وكان هردر يعرف حافظ ~~الشيرازي، كما ترجم بعض قصائد سعدي، واهتم بالأغنية الشعبية و«أصوات الشعوب في أغانيها» ~~وضم هذه العناصر كلها إلى الصورة الرحبة التي قدمها عن تاريخ البشرية في كتابه المشهور ~~«أفكار عن فلسفة تاريخ البشرية». وعكف جوته في أثناء دراسته في ستراسبورج على ترجمة ~~أجزاء من نشيد الإنشاد. واهتم منذ سنة 1773م بالحضارة العربية والاطلاع على ترجمات ~~القرآن الكريم وسيرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # لإعداد مسرحية عنه كانت تشغله في ذلك الوقت كما ~~أسلفنا القول، ولم يتمكن من إتمامها، وقام سنة 1783م بترجمة أبيات من الشعر الجاهلي ~~استعان فيها - كما ذكرنا - بترجمات المستشرق الإنجليزي وليم جونز، كما كتب في سنة 1797م ~~بحثا عن «إسرائيل في الصحراء» ضمه بعد ذلك إلى تعليقاته على الديوان، وحاول أن يثبت ~~فيه أن رحلة بني إسرائيل في الصحراء بعد خروجهم من مصر لم تستغرق أكثر من سنتين، وأن ~~خرافة التيه لمدة أربعين سنة قد اخترعها اليهود في وقت متأخر. وظل منذ شبابه يضع الشرق ~~نصب عينيه، فهو يقرأ مذكرات الرحالة بكل الشوق والإعجاب، ويتابع جهود المستشرقين ~~الذين كان بعضهم من أعز أصدقائه، في اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية ~~واللاتينية، حتى استحق في النهاية أن يستشار في شغل كرسي الآداب الشرقية في جامعة ~~يينا، وقد كانت كعبة الأدب والفلسفة في ذلك الحين. # كان سعدي الشيرازي # 8 # مؤلف «جلستان» و«بستان» هو أول من عرفه الأدب الألماني من شعراء الفرس ~~العظام الذين ازدهروا من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر؛ فقد ترجم له آدم أولياروس، # 9 # كما نقل هردر بعض قصائده وأمثاله. ثم ظهرت ترجمة حافظة الشيرازي (من ~~حوالي 726ه/1326م إلى حوالي 792ه/1390م) التي أشرنا ms074 إليها سنة 1812م واطلع عليها جوته ~~فأخذته الدهشة والإعجاب «بتوءم روحه» ها هو ذا يجد نفسه في شاعر قديم نشأ في ظل حضارة ~~أخرى، نفس البهجة بالحياة والحب لهذا العالم، واستغراق العين في صور الكون وألوانه ~~وأشكاله، ورويه الأبدي الخالد منعكسا في كل ما هو أرضي، والشوق الديني الغامر، والحب ~~الصوفي الذي ينبت أجنحة للمحدود فيسمو للا محدود، وقصائد الحب والخمر، والبلبل ~~والوردة، تشتعل بنار العاطفة وفي الوقت نفسه تصفيها أنوار العقل، لا بل تلعب معها ~~وتداعبها، لا مادة هنا ولا دوافع مظلمة، بل يتنفس عطر الروح، كما يشبهه هذا الصوفي ~~المبتهج بأفراح العالم وأعاجيبه، وكم سبح مثله في تيار حضارة غنية سعيدة، وكم هاجمه ~~المتشددون من رجال الدين فرد عليه في حدة وترفع. ثم جاء عصر العسف والطغيان - مع ~~جراد تيمورلنك! - فغير العالم دون أن يغيره. أوجه شبه عدة: هنا الحياة الرخية في إمارة ~~فيمار الصغيرة في ظل الأمير كارل أوجست الذي أحبه كصديق وتوج جبينه بإكليل أرباب ~~الأوليمب، وهناك الحظوة والهناء في ظل أسرة مظفر، هنا المحنة القاسية تحت نير جيوش ~~طاغية العصر الحديث نابليون، وهناك المحنة الرهيبة تحت سنابك خيول تيمور ونيرانه ~~ودماره، ثم قبل كل شيء هذا التوافق في الرؤية والمضمون والمزج بين الموضوعية والرمز، ~~وهنا وهناك قصائد تبدو في ظاهرها غزليات فاضحة تتعبد حسن زليخا «أو مريانة» في ~~محراب الحب، لكنها قد تكون كذلك صورا للحب الإلهي. فالخمر هي الخمر، وهو نشوة المتصوف ~~بالمحبوب الأسمى. أهي هذا أم ذاك؟ هي الأمران معا: حس وروح، أرض وسماء، كون وإله، جسد ~~وتصوف. العالم ينكشف لنور الروح، ويعلن عن أعماقه، لكن عالمه يظل غريبا على الفريقين، ~~على المتزمتين ذوي الأفق الضيق، وعلى الغائبين في المواجد والأشواق. # أولا يصدق هذا أيضا على شاعر الغرب؟ ألم يكن العالم عنده سرا مقدسا ~~مكشوفا، فالأبدي الواحد يتكشف له في مختلف الأشكال، والشاعر الأرضي لم يوجد إلا لكي ~~يندهش به؟ ألم يكن العالم عنده «انعكاس اللامتناهي» و«رمزا لله»؟ ألم يقل مرة (في ~~بحثه ms075 عن نظرية الطقس والأنواء) إن الحق - وهو الألوهية نفسها - لا يمكننا من معرفته ~~مباشرة، وإنما نعاينه نراه في الانعكاس، والمثل، والرمز، ألم يكن مثله يملك القدرة على ~~الرؤية الصوفية التي ترى المحدود بعين اللامحدود، ويملك مع ذلك الوعي بحدوده البشرية ~~التي تعبر عن نفسها في حرية الدعابة والتهكم؟ استمع إليه وهو يتحدث في تعليقاته على ~~ديوانه الشرقي # 10 # فيقول عن قصائد حافظ: # 11 # لن نقول إلا القليل عن هذه الأشعار؛ إذ لا بد أن يتذوقها القارئ ويتناغم ~~معها. إن الحيوية المتدفقة المعتدلة تنساب منها. كان (حافظ) يعيش قانعا راضيا ~~مبتهج الطبع حكيما، يشارك بنصيبه في خيرات العالم الوفيرة، ويتطلع من بعيد إلى ~~أسرار الألوهية، منصرفا في الوقت نفسه عن أداء الشعائر الدينية وعن لذات الحس. ~~وإذا كان يبدو في الظاهر أن الفن الشعري يعظ ويعلم، إنه يحتفظ بالضرورة بنوع من ~~مرونة التشكك وحريته. # وفي موضع آخر من تعليقاته يقول: # إن الطابع الأسمى للشعر الشرقي هو ما نسميه نحن الألمان بالروح، ذلك المبدأ ~~الذي يوجه الإنسان ويهديه، وتنتمي الروح بوجه خاص للشيخوخة أو لعصر كوني تثقله ~~أعباؤها. وأهم ما تتسم به هو النظرة المحيطة بالكون والدعابة والاستخدام الحر ~~للمواهب، وكلها خصائص مشتركة بين شعراء الشرق. # ولا يصح أن نسيء فهم عبارة ما «نسميه نحن الألمان بالروح»، فالشاعر لا يقصد بها ~~«الروح المطلق» بالمعنى الميتافزيقي الذي أشاعته الفلسفة المثالية الألمانية وبخاصة عند ~~هيجل، وإنما يقصد ما يفهمه هو نفسه من الروح، فهي تعبر عن شخصيته أتم تعبير حتى تدل على ~~الوعي الذي جعله لا يفزع من شيء مخيف، والمرح الذي يحركه للتعبير عن كل شيء في صورة ~~مبهجة. ثم إن الروح تصور مهمة الشاعر في هذه العبارات الكلاسيكية (التي تعبر عن ~~رؤيته الفنية أفضل تعبير): إن تفكير الشاعر يتعلق في الحقيقة بالشكل. أما المادة ~~فيعطيها له العالم فيجزل العطاء، وأما المضمون فيصدر صدورا حرا عن ثروة وجدانه ~~الباطن، ويلتقي الاثنان لقاء غير واع، بحيث لا يدري الإنسان في النهاية لمن يعود الفضل ms076 ~~في هذه الثروة. غير أن الشكل، وإن كان يكمن في العبقرية بوجه خاص، يريد أن يعرف ~~ويتأمل، وهنا تظهر الحاجة إلى التدبر والتفكير لكي يتلاءم الشكل والمادة والمضمون، ~~وتتناغم مع بعضها، وتنفذ بعضها في بعض. # لا شك أن خصوبة شعراء الفرس وتنوعهم الذي يتدفق من رحابة العالم الخارجي وثروته التي ~~لا حد لثراء ألوانها هو الذي جذبه إلى قراءتهم والإعجاب بهم. فهو يشيد بعنايتهم ~~بالتفاصيل، ونظرتهم النافذة والمحبة التي تستخلص من كل شيء أهم خصائصه، وتصور الكائنات ~~الطبيعية الساكنة في صور شعرية يمكن أن توضع بجانب الصور واللوحات التي أبدعها الرسامون ~~الهولنديون، بل ربما تفوقت عليها بسموها المعنوي. إنهم لا يسأمون تكرار الموضوعات ~~الأثيرة لديهم، ولا يعمل الواحد منهم تصوير نور المصباح الباهر وضوء الشمعة الساكن، حتى ~~إن الأشياء الطبيعية تصبح عندهم بديلا للأساطير، كما تحتل الوردة والبلبل مكان أبوللو ~~ودافني عند الإغريق. وإذا تذكرنا أنهم لم يعرفوا المسرح ولا فن النحت، فإن موهبتهم ~~الشعرية لم تكن أقل من أية موهبة عرفها التاريخ، وكل من يأنس عالمهم الخاص لا بد أن ~~يزداد إعجابا بهم. # لم يكن غريبا على «هوميروس العصر الحديث» أن تلتقط عينه المبصرة - كعين النسر ~~الإلهي! - هذه السمات المميزة للشعر الشرقي. ولكن يبدو أن «المغناطيس» الحقيقي الذي ~~جذبه إليهم وهو على أعتاب الشيخوخة، هو صوفيتهم التي وصفها بأنها صوفية أرضية أو ~~دنيوية. لقد كانت جديرة بأن تلمس وجدانه، وأن يحس روحها الحادة العميقة، ويشعر بقربها ~~من تفكيره وإنتاجه بعد أن بلغ الخامسة والستين من عمره. ووصفه للأسلوب الذي عبر به ~~هؤلاء الشعراء عن روحهم الصوفية بحيث لا يضير الشاعر منهم أن يحلق بنا إلى السماء ثم ~~يهوي بنا إلى الأرض أو العكس، وقيامه على التوحيد بالله والتسليم بمشيئته. كل هذا كان ~~خليقا أن يحركه إلى كتابة قصائد أخرى تدور في فلكه الروحي، وها هو ذا يحدد في رسالة ~~إلى صديقه تسلتر # 12 # أوجه التلاقي بينه وبين شعراء الشرق فيقول: # إن الدين الإسلامي بما فيه من أساطير وأخلاق يتيح ms077 لي أن أكتب شعرا يوافق ~~سني. فالتسليم المطلق بإرادة الله الخافية علينا، والنظرة المرحة المحيطة ~~بالحياة الأرضية التي تبدأ وتعود على الدوام في صورة دائرية يستخفها اللعب، ~~والحب والميل اللذان يرفان بين عالمين، والواقع الذي يصفى وينحل في الرمز ما ~~الذي يريده الجد العجوز أكثر من هذا؟! هذه العبارات التي يمتزج فيها الجد ~~بالدعابة تذكرنا بأسلوب شعره في الديوان «بالبعد عن الانفعال»، بالجدية العميقة ~~التي يتخللها المرح المكشوف، بالتهكم على النفس و«مرونة التشكك»، «بالروح» التي ~~ذكرها بنفسه في أثناء حديثه السابق عن شعراء الشرق، أو التي عبر عنها في إحدى ~~قصائد الديوان من كتبا زليخا «لأن الحياة هي الحب، وحياة الحياة هي الروح» في ~~الحادي عشر من شهر مايو سنة 1820م. # لهذا أمكنه أن يقول عن قصائد ديوانه في تعريف القراء بها إن بعضها لا يتنكر للنزعة ~~الحسية، ولكن بعضها الآخر يمكن أن يئول تأويلا روحيا، فالإنسان الغني بالروح يتأمل ~~كل ما يقدم للحواس كنوع من التنكر الذي تختفي وراءه حياة روحية أسمى على نحو مضحك ~~عجيب، وذلك لكي يجذبنا إلى مناطق أكثر نبلا. ~~••• # كيف استطاع هذا الشاعر الغربي أن يتذوق الشعر الشرقي؟ ألم يجد فيه شيئا غريبا عليه ~~أو منفرا له؟ هل أمكنه أن يوفق بين صوره الغريبة واعتماده إلى حد كبير على القافية ~~والإيقاع في توليد هذه الصور وبين القيم المألوفة في شعره؟ هل افتقد فيه التجربة ~~والوحدة والنظام الذي عرفه في تراثه؟ وما الذي أعجبه فيه أو صدمه منه؟ # كان الشعر عند المصريين القدماء وعند أول شاعرة غنائية في التراث الغربي وهي «سافو» ~~أو عند شاعر روماني مثل «كاتول»، بل عند الألمان أنفسهم منذ عهد جوته نفسه هو شعر ~~التجربة. فالقلب يعترف للقلب. والشعر العربي والفارسي لا يخلوان بطبيعة الحال من ~~التجربة، ولكن الإيقاع والقافية التي تستدعي قافية أخرى ظلت تحددهما إلى حد كبير حتى ~~حاول المجددون في أيامنا أن يتحرروا من العمود ووحدة القافية بالإضافة إلى محاولات أقدم ~~في الشعر الشعبي والزجل والموشح. والتصورات والأفكار التي ms078 تضمنها في عهوده الأولى نشأت ~~في دائرة الوجود الذي لم تعقده الثقافة العقلية، ولهذا كان الإيمان رحبا واسعا - كما ~~تقول قصيدة الهجرة التي يبدأ بها الديوان - وكانت للكلمة أهميتها القصوى لأنها كانت ~~كلمة فاهت بها الشفاه. ولعل هذا هو الذي جعل جوته يقول إن اللغة العربية كانت في ذاتها ~~ولذاتها لغة منتجة أو خلاقة، فهي خطابية بليغة بقدر ما تستجيب للفكرة، وهي شاعرية بقدر ~~ما تلائم ملكة التخيل. ولا بد أنه كان يفكر عندما قال هذا في الصيغة السحرية التي ~~نبع منها كل شعر، كما تصور أن هذا السحر كان لا يزال يؤثر على الشاعر الشرقي بحيث أصبح ~~نطلق الكلمة نفسه فعلا من أفعال الخلق والإيجاد. ولهذا راح يؤكد أن لغته تعتمد على ~~الجرس والإيقاع، مما يضعف علاقتهما بنظام الواقع أو يلغيها، كما أن القافية تقوم بدور ~~كبير في بعث الصور وتسلسلها أو تضادها، مما يحير القارئ الغربي ويخالف ذوقه، وينفره في ~~بعض الأحيان من الصنعة والتكلف. # غير أنه إذا كان من الطبيعي أن يجد جوته في الشعر الشرقي بعض الغرائب والمفارقات التي ~~تخالف ذوقه وذوق قرائه، فإننا نراه يبذل كل جهده للاعتذار عنه ومحاولة تجربته في ظل ~~الظروف والضرورات التاريخية التي نشأ فيها. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يضع هذه ~~الأبيات في مقدمة تعليقاته على الديوان، وكأنها شعار ينبئ عن تسامحه ونزاهة حكمه وسعة ~~أفقه وبعده عن التعالي والغرور: # من أراد أن يفهم الشعر # فليذهب إلى بلد الشعر # من أراد أن يفهم الشاعر # فليذهب إلى بلد الشاعر. # ولم يقدر لجوته أن يذهب إلى شعراء الشرق في بلادهم، ولا أن يقرأهم في لغتهم، ولكنه ~~التقى بهم فيما تيسر له من ترجمات في لغته أو في لغات أوروبية أخرى (على الرغم من ~~استحالة ترجمة الشعر التي تقضي على روحه وجسده جميعا ولا تبقي منه - مهما تكن موهبة ~~المترجم! - إلا على ظل الظل وانعكاس الانعكاس) ها هو ذا يتحدث عن «أنوري» شاعر المديح ~~الأكبر عند الفرس # 13 # فيقول: # إننا لن ننصفه ms079 إذا جعلنا من الظروف التي عاش في ظلها وعبر فيها عن موهبته ~~جريمة تحسب عليه. وهل كان ينبغي أن نطلب منه أن يتولى وظيفة عامل رصف للشوارع، ~~على ما في هذه الوظيفة من نفع كبير؟ # كما يقول عن جلال الدين الرومي (توفي سنة 1262م) بعد عرض قصير لشعره الصوفي: «لا يصح ~~أن نأخذ عن هذا الروح العظيم أنه اتجه إلى الإغراب والإلغاز.» # أما عن حافظ فهو يفسر التناقض بين وظيفته الدينية وبين شعره المفعم بالبهجة بأن ~~الشاعر في الشرق كان يمكنه في الوقت نفسه أن يكون راوية للحكايات، ولم يكن من الضروري ~~أن يفكر في كل ما يعبر عنه ولا أن يحياه بنفسه. # مهما يكن من نفور شاعرنا من الصنعة الشكلية، فقد انجذب إلى شكل القصيدة الغزلية التي ~~أسرف الشاعر المستشرق ركرت (1788-1866م) في كتابه «أزهار شرقية» والشاعر الرومانسي فون ~~بلاتن (1796-1835م) في كتابه «غزليات» في محاكاتها وتقليد أوزانها وقوافيها. فنحن نجد في ~~الديوان الشرقي غزليتين جميلتين، تكرر إحداهما (وهي بعنوان: الرضا الأسمى من كتاب ~~التفكير) كلمة توجد في آخر كل بيت وبيت، كما تكرر الأخرى (وهي من كتاب الساقي) كلمة ~~السكر، ومن يقرأ القصيدتين يحس بنبض التجربة الصادقة التي تطبع شعره؛ إذ لم يكن مجرد ~~مقلد لهذا الفن الشعري كما فعل مواطناه السابقان. # وإذا كانت مثل هذه المحاولات أقرب إلى اللعب والتسلي بإظهار البراعة في الشكل، ~~فالمؤكد أن مضمون شعر حافظ الشيرازي هو الذي أثر عليه أكبر الأثر. لقد وجد لديه نفس ~~الموضوعات التي كانت تشغله، واستوحى شعره على طريقة بعض شعراء العصر الوسيط الذين كان ~~يحلو لهم أن يتناولوا قصائد الحب والقصائد الشعبية المعروفة فيبدلوا كلماتها «الدنيوية» ~~بكلمات روحية أو صوفية مع الإبقاء على شكلها ووزنها. ولو قارنا بين بعض قصائد الديوان ~~الشرقي وبين أشعار حافظ لوجدنا أوجه شبه مذهلة في المعنى والصورة والرمز، وإن لم يمنعه ~~هذا التقارب الشديد من المحافظة على شخصيته وأصالته. فقصيدة «حنين مبارك»، التي تعد من ~~أهم قصائد الديوان بل من أهم قصائده ms080 على الإطلاق، مستوحاة من قصيدة مشابهة وردت في ~~ديوان حافظ (في حرف الصاد، الغزلية الأولى) وتقول أبياتها التي أحاول أن أنقل إليك معناها: # روحي كالشمعة تحترق بنيران الحب، بالحس الطاهر ضحيت بجسمي، بنقاء القلب، وإذا ~~لم تصبح كفراش يشتعل بنار الوجد، فمحال أن تنجو أبدا من وهم الحب، هل يدري ~~العامة يا حافظ ما ثمن اللؤلؤ؟ حاذر يا حافظ من أن تعطي جوهرتك إلا لمريد. # 14 # ويكفي أن تقرأ قصيدة «الحنين المبارك» في كتاب المغني لترى أن القصيدتين متقاربتان ~~ومتباعدتان في آن واحد، والواقع أن هذه القصيدة هي درة أشعار الديوان ومرآة مراياه، ~~فهي توحد بين الطريق إلى الحب - بالتضحية والفداء - والطريق إلى الله بالفناء في ذاته ~~العلية فناء الفراشة في نور الشمعة. وهي كذلك توجه أبصارنا - وكأنها واسطة العقد - إلى ~~كتابي العشق وزليخا من ناحية، وكتابي البارسي والفردوس من ناحية أخرى، ففي الحب تدين، ~~وفي التدين حب. # ويمكن أن نقدم مثلا آخر على هذا الاستلهام الأصيل لشعراء الفرس. فقد قرأ جوته في ~~الجزء الثاني من كتاب المستشرق فون دييز «تذكارات آسيوية» هذه القصيدة للشاعر التركي نشاني: # 15 # عندما كنت مبتدئا في فن الحب قرأت بعناية عدة فصول، من كتاب مملوء بمتون ~~الأحزان وفقرات الهجران، وقد أوجز فصول الوفاق، وأسهب في شرح هموم الفراق، آه ~~يا نظامي! في النهاية هداك إلى الدرب الصحيح معلم الحب، والأسئلة التي لا حل ~~لها لن يجيب عنها إلا حبيب القلب. # ولو قرأت قصيدة «كتاب مطالعة» - وهي من كتاب المغني - للاحظت القرب الشديد بينهما، ~~ولما غاب عنك أيضا أن الأخيرة شيء جديد مختلف الروح والإيقاع (ولو شاء حظك أن تقرأهما ~~في لغتهما الأصلية لكانت الملاحظة أدق، لكن لا حيلة لي أو لك في هذا!) ولسنا نقلل من ~~تأثير النماذج العديدة التي اهتدى بها الشاعر، وإنما نقصد أنها نبهت مادة الإحساس التي ~~كانت راقدة في وجدانه دون أن تعثر على الشكل الملائم، وكأنما أزاحت السدود فتدفق التيار ~~وشق مجراه. وقد كانت اليد المباركة التي أزاحتها هي ms081 يد حافظ، فاندفع توءم روحه الغربي ~~في طريقه دون حاجة إلى تقليد. ~~••• # نشأ الديوان الشرقي أيام الكفاح في سبيل التحرر من قبضة نابليون وطغيانه. وكان جوته ~~يعلم أن عددا كبيرا من قرائه سيكون من الشباب الذين تطوعوا تحت لواء «فون لتسوف» وفي ~~صفوف «فرسان فيمار» لمطاردة جيوش نابليون الغازية (وقد انهزم أمام الجيوش الأوروبية ~~المتحالفة في يونيو من 1815م في واترلو) وعندما كان الشاعر يجمع مادة تعليقاته وبحوثه عن ~~الديوان - وكان ذلك سنة 1817م - كان هؤلاء الشبان يتظاهرون ويتصايحون حول قلعة فارتبورج ~~المشهورة ويهتفون بسقوط الملوك والأمراء والنبلاء، هل يمكن في هذا الجو العاصف أن ~~يحدثهم عن الساسانيين والخلفاء والبرامكة؟ وكيف يستقبلون كلامه عن استبداد الحكام ~~والسلاطين في الشرق ونفاق المداحين من شعراء البلاط؟ وهل يتورع أحد عندئذ عن اتهامه ~~بالبعد عن الشعب والتعالي عليه كما حدث له بالفعل قبل ذلك وبعده؟ # إن هذا كله لم يمنعه من أن يفرد فقرة من «تعليقاته» عن استبداد الحكام في الشرق وعن ~~شعر المديح الذي يلازمه ولا ينفصل عنه. وهو في هذه الفقرة يعرض الاتهام لكي يرد عليه ~~بعد ذلك بدفاع مستفيض. فالحاكم الشرقي مدع مغرور، يضع نفسه على رأس الأدعياء. الجميع ~~خاضعون له، وهو السيد الذي لا يقبل من أحد أمرا، بل إن إرادته لتخلق بقية العالم، بحيث ~~يسعه أن يشبه نفسه بالشمس أو الكون كله، والغريب أنه يختار شريكا في الحكم يشد أزره ~~ويدعم عرشه، وليس هذا الشريك إلا شاعره الذي يرفع شعره فوق جميع الفانين، وإذا اجتمع ~~في البلاط عدد آخر من أصحاب المواهب الشعرية عين عليهم «أمير الشعراء» وقربه إليه. ~~وقد يشتد الغرور بهذا الأمير الشاعر فيظن نفسه قرين الحاكم والسلطان، وربما أطبق عليه ~~جنون الغضب أو اليأس والمرارة إذا خاب أمله وطموحه وأخفق رجاؤه في الحكام (كالفردوسي ~~والمتنبي!) هذا الادعاء والتسلط يهبط به من أعلى درجات العرش حتى يبلغ الدرويش المسكين ~~القابع في زاوية شارع حقير (وهي نفس ملاحظة الكواكبي في طبائع الاستبداد؛ إذ يجرف ~~الطغيان كل شيء ms082 من المستبد الأعلى حتى الشرطي في الطريق!) ولعل هذا هو الذي جعل جوته ~~يفضل لنفسه (في تقديمه لكتاب زليخا) أن يكون درويشا قانعا مكتفيا بنفسه؛ لأن الشحاذ ~~الحقيقي ملك حر، ولأنه لا يملك شيء ومع ذلك يمكنه بالفكر والخيال أن يوزع الممالك ~~والكنوز ويسخر ممن كان يملكها حقا ثم ضيعها! ولهذا نراه يتطوع بتقمص شخصية الدرويش ~~الفقير في هذا الكتاب لكي يظهر في كبريائه أمام الحبيبة التي تبادله حبا بحب. ولا ~~بد أن شاعرنا كتب هذه الفقرة عن الاستبداد الشرقي العريق وفي ضميره ذكرى رعب الإغريق ~~من جيوش الفرس الجرارة التي كانت تدمر مدنهم ومعابدهم بلا رحمة، وسخريتهم من طغيان ~~حكامهم الذين يضعون أنفسهم في مكان الآلهة، وعبودية محكوميهم الذين يسجدون لهم ~~وينافقونهم نفاق الكلاب. ولهذا كان الإغريقي يعتز بحريته في وجه كل غريب غير إغريقي - ~~أو بربري كما كانوا يسمونه! - مهما يكن شأنه (وقصة الحكماء اليونان السبعة وعلى رأسهم ~~المشرع صولون مع كرويزوس ملك الليديين أشهر من أن تروى - فقد أبى صولون حتى أن يصفه ~~بأنه سعيد على الرغم من كنوزه التي جعلته أغنى أغنياء زمانه؛ إذ كيف يمكن لغير الحر أن ~~يكون سعيدا؟) ولعله أيضا كان يفكر فيما كتبه معاصره هيجل عن جدل السيد العبد في ~~ظاهريات الروح أو في محاضراته عن فلسفة التاريخ. # مهما يكن من شيء فإنه لا يلبث أن يرد على الاتهام بدفاع متسامح بليغ. وهو يقدم هذا ~~الدفاع على لسان «رجلين متزنين»، أحدهما عالم إنجليزي والآخر ناقد ألماني. ولم يتوصل ~~الباحثون إلى اليوم إلى معرفة شخصيتهما. ولعل الأرجح أن يكونا قناعين وضعهما الشاعر ~~نفسه للدفاع عن نفسه وعن علاقته الحميمة بأمير فيمار كما يدل على ذلك أسلوبه وتفكيره. ~~إنه يبتعد على كل حال عن التعميم الظالم ويحاول أن يلتمس العذر لبعض شعراء المديح الذين ~~اضطرتهم الضرورات التاريخية والحياتية إلى الخضوع لمشيئة السلطان، واستطاعوا في الوقت ~~نفسه أن يعبروا تعبيرا حرا عن مواهبهم، لم يكن جميع هؤلاء الشعراء منافقين، ولم ~~يمدحوا المستبدين دائما عن خوف ms083 من جبروتهم أو عن جهل بقيمة الحرية، وإنما صدروا في ذلك ~~عن تقدير لبعض هؤلاء الحكام الذين اعترفوا بالكرامة الإنسانية وتحمسوا للفن الذي سيخلد ~~ذكرهم. ويقلب جوته الطرف في أشكال الحكم عبر التاريخ فيجد أن الحرية والعبودية تتمثل ~~فيها جميعا في تعارض يشبه تعارض القطبين المتضادين. فإن كانت السلطة في يد شخص واحد، ~~كان الجمهور ميالا للخضوع، وإن كانت في يد الجمهور، كان ذلك في غير صالح الفرد. ~~ويسري هذا على كل المستويات حتى يتصادف أن يتم التوازن في مكان ما، وإن يكن ذلك لأمد ~~قصير. ثم يورد أمثلة من حياة الطغاة ليثبت أن الطبيعة الإنسانية لا تقهر أبدا، ~~وأنها على الدوام تواجه الاضطهاد وتصمد للضغط والإرهاب. فالإسكندر الأكبر أعمته نشوة ~~الانتصار فتصور نفسه إلها وفرض على من حوله أن يعاملوه معاملة المعبود. وعندما يحتدم ~~النقاش ذات يوم بينه وبين كليتوس صديق طفولته وأخيه في الرضاع، يندفع في غضبه كالمجنون ~~فينزع حربة من على الجدار ويغرزها في صدره. وعندما يكتشف أنه لن يجد بعد ذلك من يقول له ~~«لا» يهيم وحيدا باكيا في الصحراء كوحش يائس جريح، والسفاح الطاغية الأكبر ~~تيمورلنك، ذو العين الواحدة والقدم العرجاء، ينظر إلى وجهه في المرآة ويكتشف قبحه ~~الفظيع فيجهش بالبكاء! ويقدم المرآة لأنيسه وجليسه «جحا» فيشاركه البكاء. ولكن السفاح ~~يكف بعد لحظات عن بكائه وجحا لا ينقطع عن النشيج والبكاء. وسأله السفاح لماذا يبكي ~~والمرآة لم تره وجها قبيحا كوجهه، فيقول الساخر الأبدي: يا سيدي أنت رأيت وجهك مرة ~~واحدة فبكيت، فكيف نحن المقضي علينا أن نرى وجهك كل صباح ومساء؟ ويرتفع صوت السفاح ~~بالضحك دون أن يخطر بباله أن الدعابة من أقوى أسلحة التحدي والمقاومة. # 16 # هكذا تتمكن روح التحرر والعناد والثقة بالنفس والكبرياء عند الأفراد من إحداث التوازن ~~مع السلطان المطلق للسيد الأوحد. # فهم عبيده، ولكنهم غير خاضعين له. كذلك كان شعراء المديح عند الفرس والعرب خاضعين ~~للسلطة العليا التي تتدفق منها كل إساءة أو إحسان. ومع ذلك كانت لبعضهم على الأقل ms084 طبائع ~~معتدلة، ثابتة، متماسكة، واستطاعوا أن يعيشوا ويعملوا في صدق معها، ويستخدموا مواهبهم ~~في التعبير عنها بحرية، بقدر ما تسمح بذلك ضرورات البيئة والتاريخ وأكل العيش. ~~(3) جاء الديوان في أوانه # ففي صيف 1814م، شعر جوته بأن ربيع الشباب يعود إليه، وأن وجدانه يحن للخلق حنين الأرض ~~العطشى للأمطار، والنبع الفائض للفوران. وكانت سنوات الحرب بثقلها وسوادها قد مرت وضجيج ~~السلاح قد سكت. وها هو ذا يفرغ من القسم الثالث من سيرة حياته «شعر وحقيقة»، كما يعيد ~~ترتيب قصائده لطبعة جديدة لأعماله الكاملة توشك على الظهور. وضاقت به الحياة في «فيمار» ~~المحدودة، وسئم الملل اليومي والمهام الرسمية ونظرات الناس المثبتة عليه وكيد الخصوم ~~وحسد الصغار له. وغالبه الشوق القديم إلى السفر. ولمن يشتاق إلا إلى الوطن، إلى مهد ~~الطفولة الذي لم يره منذ سنوات طويلة؟ شد الرحال وركب عربة السفر. وفي الطريق عرج على ~~قرية «بيركا» الصغيرة بجوار فيمار للاستشفاء والاستجمام. ولبث فيها حتى أواخر يوليو. ~~سكون الريف، وموسيقى باخ وموزارت في الأمسيات الهادئة، هل من شيء آخر يسمح للوجدان بأن ~~يعتكف ويرتد إلى نفسه، قبل أن يطلق ويفيض؟ وأقبل لأول مرة على قراءة حافظ. همست أسرار ~~الشعر بداخله، وامتلأ بأحلام الخلق كما يمتلئ كيان الأم بأسرار جنين. واجتذبه الراين: ~~نسيمه ومروجه، خمائله وكرومه، خمره وخبزه، مجموعة الكنوز الفنية من الفن الجرماني ~~القديم عند صديقيه الأخوين سوليس وملكيور بواساريه. ثم الترحال من بلد إلى بلد، حيث ~~يحييه الناس ويكرمون فيه شاعرهم الأكبر، وحافظ رفيق سفره، وديوانه لا يترك مكانه ~~بجانبه. وفجأة تتحرك المعجزة وتثب من الرحم المظلم والنبع الجياش بأغوار الباطن، فيكتب ~~عدة قصائد في طريقه إلى بلدة «أيزيناخ» تصور التناقض بين سكون الطبيعة وضجيج الحرب، ~~وترتد إلى الماضي ثم تستبشر بالمستقبل. فهو في إحداها - وهي قصيدة ظاهرة من كتاب ~~المغني - يخاطب نفسه بقوله: ~~«أبعد عنك الحزن، يا شيخي المرح الطيب، إن كان الشعر كساه الشيب، فقريبا سوف تحب.» ~~وفي اليوم التالي في طريقه إلى مدينة فولدا، يعاوده طوفان الخلق فيصل ms085 عدد القصائد إلى ~~تسعة، ويلتقي وهج الشباب ووعي الشيخوخة والحنين إلى اللعب والإحساس الطاغي بالتفوق. ~~«تزدهر الوردة والزنبقة بأنداء الصبح، بينما كيوبيد يشدو فوق الناي على شط الجدول، يهزم ~~رعد الحرب وينفخ مارس في بوقه» (وكلاهما من كتاب المغني). # ويستمر تدفق النبع في الأيام التالية. وعندما يبلغ مدينة فيسبادن في التاسع والعشرين ~~من يوليو يكون قد دون قصيدة «الحياة الكلية»، وبعدها بيومين لؤلؤة أشعار الديوان: «حنين ~~مبارك». وتأتي أيام الصيف والخريف التي أمضاها على ضفاف الراين بما كانت نفسه تتمناه. ~~فهو يشارك في الاحتفال بعيد القديس روخوس في «بنجن»، ويملأ عينيه وقلبه بأفراح الشعب. ~~ويسافر إلى ضيعة أسرة برنتانو في «فنكل» فيستمتع بالريف والخمر والأصدقاء، ويزور سوق ~~الخريف في فرانكفورت فيستسلم لدوامة المهرجان، ويزور هيدلبرج زيارة قصيرة ويتحمس ~~لمجموعة الرسوم الجرمانية والمسيحية القديمة عند صديقه القديم بواساريه. وتتوالى قصائد ~~كتاب الساقي واحدة بعد الأخرى. ويرجع في أكتوبر إلى فرانكفورت فيلتقي بصاحبه القديم رجل ~~المال والأعمال يوهان ياكوب فيليمر وزوجته الثالثة - التي لم تكد تتم الثلاثين ربيعا - ~~«مريانة» الشاعرة الرقيقة التي خلد حبه لها في الديوان فسماها زليخا، وسمى نفسه «حاتم» ~~الذي فتنته كما فتنت امرأة العزيز يوسف الصديق، وفي مساء الثامن عشر من الشهر نفسه، ~~يجتمع معها في بيتهما الريفي «الجربرميلة» وسط خمائل الكروم على شاطئ نهر الماين في ~~ضواحي فرانكفورت، ويشاهدان معا أنوار الاحتفال بذكرى مرور السنة الأولى على معركة ~~ليبزج، ولا بد أن يكون رب الحب قد جمع بينهما في هذه الليلة بقيده الذهبي الساحر، ~~فكم احتفلا به بعد ذلك كل مع نفسه وذكرياته. ولا بد أيضا أن تكون ربة اللحظة ~~الأسطورية المواتية قد أسلمت لهما خصلة من شعرها الذهبي وشفتيها الحلوتين، ولكن اللقاء ~~لم يطل، فلم يلبث أن رجع بعد يومين إلى فيمار. # وازداد عدد القصائد التي يناجي فيها حافظ على غير ما كان يتوقع. وشدد الشرق قبضته ~~الساحرة عليه. وبدأ ينظم قراءاته لأعمال المستشرقين ومذكرات الرحالة إلى بلاد الشرق. ~~فهو يطالع كتاب الأقدمين مثل أولياريوس، أو ms086 كتب المحدثين مثل جونزودييز، كما يعكف على ~~المجلدات الستة التي نشرها النمسوي «هامر-بورجشتال» تحت عنوان «كنوز الشرق» ويعاوده ~~الحنين إلى «بريق الغرب وإشراقه» فيستقل العربة في الرابع والعشرين من شهر مايو. وتنبثق ~~نافورة الشعر من جديد، ويواصل الخيط الرقيق الذي كان قد انقطع في الأيام الأخيرة من ~~زيارته السابقة لفرانكفورت فيكتب عددا من القصائد، منها قصيدتاه المشهورتان: «إن زليخا ~~سحرتها فتنة يوسف، لم يك أمرا عجبا، لما كنت تسمين زليخا، فخليق بي أن أحمل اسما.» ~~ثم يستجم عدة أسابيع في مدينة الحماماة «فيزبادن» ويكتمل «كتاب الساقي» ويرتب جميع ~~القصائد - التي كان يحرص على كتابته التاريخ والمكان تحتها، في فهرس لا يزال محفوظا في ~~مكتبته. ويدعو صديقه «بواساريه» ليكون أنيسه وجليسه فيلبي دعوته، ويحيا في جواره من ~~أوائل شهر أغسطس حتى أوائل أكتوبر، ويسجل الصديق أحاديثه وذكرياته الغالية عن هذه ~~الأسابيع القليلة في سطور تفيض بالتواضع والذكاء والحياة. ثم تأتيه الدعوة التي كان ~~يتشوق إليها من فلليمر، فيستجيب لها من فوره ويقضي شهرا في بيته الريفي على ضفاف الماين # 17 ~~(وهو البيت الذي اشتهر في تاريخ الأدب كما سبق باسم الجربرميلة أو طاحونة ~~الدباغين) لا تقطعه إلا سفرة أيام قليلة إلى بيت صاحبه في فرانكفورت. لم ينس بطبيعة ~~الحال أن يأخذ معه ديوان رفيق سفره حافظ إلى «الجربرميلة». وكيف ينساه وهو الذي سيكون ~~رسول الغرام بينه وبين «حوريته» الهاربة من الجنة؟ قدمه لها هدية وأقبلت عليه بعاطفة ~~المحب وإحساس الفنان، واكتشفت ببصيرتها سحر العالم الذي أثر عليه، فلم تتوان عن مشاركة ~~وحدته، واهتزت أوتار قلبها على أنغام حافظ وصوره ورموزه - أو بالأحرى على ما يبقى منها ~~في ترجمة هامر الذي لم يرحم شيئا شرقيا من ترجمته! - وراح الحبيبان في هذه الأسابيع ~~القليلة يقلبان في صفحات ديوان حافظ، ويختاران منه القصائد التي توافق حالهما النفسية. ~~ويبدو أنهما اتفقا على هذه القصائد «الرياضية» في رسائلهما التي سيتبادلانها بعد ذلك، ~~بحيث تتألف الرسالة من مجموعة من الأعداد التي تشير إلى رقم الصفحة والبيت المناسب ms087 فلا ~~يستطيع «عذول» أن يحل أسرار الشفرة التي لا يعرف مفتاحها! # ولا بد أن تكون «مريانة» الجميلة قد بعثت إليه بعدد كبير من هذه الرسائل السرية ~~التي كان لها فضل اكتشافها، مما جعله يكتب عنها في إحدى فقرات تعليقه على الديوان. فقد ~~بعثت إليه على سبيل المثال برسالة تتألف من هذه الأعداد: # 404، 20-19. # 201، 24-23. # وحل هذه الشفرة العاطفية هو هذه المقطوعة التي وردت في ترجمة ديوان حافظ، وكان من ~~السهل على الحبيب أن يجدها في لحظات بعد أن عرف رقم الصفحة والأبيات على ~~الترتيب: # من زمن لم يكتب لي صاحبي رسالة، # من زمن لم يبعث لي بتحية، # لم يذكرني بسلام أو برسالة، # طوبى لمريض يبلغه نبأ من أحبابه. # هكذا أصبح جوته يجد نفسه وحبيبته في ديوان حافظ، كما أصبح هذا الديوان ~~أشبه بلحن اشتركا في عزفه، فلا يكاد أحدهما يسمعه بعد ذلك بسنوات حتى تعيش «الأنا» مع ~~«الأنت»، وتشعر أنها ليست وحدها في وحشة العالم، ولم تكتف الحبيبة بأن ترافق وحدته في ~~عالم الشرق، بل وجدت نفسها - تحت لهيب أنفاسه - ترد على زفراته الشعرية بزفرات لا تقل ~~عنها رقة ودفئا، بل ربما فاقتها في بعض الأحيان صدقا وعذوبة (ومنها قصيدتاها للريح ~~الشرقية والريح الغربية اللتان ضمهما إلى ديوانه بعد أن أجرى عليهما بعض التعديلات ~~الطفيفة التي ربما أغضبت الحبيبة والنقاد جميعا). # وسافر الشاعر في الثامن عشر من سبتمبر إلى هيدلبرج وتبعه فيللمر ومريانة بعدها بخمسة ~~أيام، وتفتحت في أيام اللقاء الثلاثة قصائد ثلاث (على فروع الأغصان الممتلئة، لقاء ~~الشعب والخدم والحكام، وتجد الأخيرة في كتاب زليخا) كما أوشك كتاب «زليخا» على التمام، ~~وكل قصائده تعبر عن نعمة الحب الكبرى التي غمرت فؤاده بسعادة لا توصف، وفتحت فيه جراحا ~~عميقة لن تندمل، ورجع إلى مستقره في فيمار فوصل إليها في الحادي عشر من أكتوبر، وبدأت ~~سحب الشتاء ولياليه الطويلة وأمطاره فانهمرت معها ألحان الديوان الموجعة (صورة سامية، ~~وصدى، وكتاب مطالعة، وتجدها في كتاب زليخا وكتاب العشق). # وفجأة يغيض النبع وتنطفئ الشرارة، ms088 فما أبعده الآن عن بريق عيني الحبيبة التي كانت ~~تدفئه، عن أنفاسها التي كانت تحييه. لم يبق إلا أن يزيد من عدد الحكم والأمثال التي ~~لن يعجز عنها العقل، وأن يفزع لجمع مادة التعليقات والملاحظات التي لا تحتاج لدفء ~~القلب. ويرتب القصائد في اثني عشر كتابا، ولا تكاد عربة «هليوس» تبدأ سيرها في طريق ~~العام الجديد حتى يبدأ الطبع. غير أن معجزات الشعر تأتي بغير أوان. فها هي ذي أطياف ~~الذكرى تزوره فجأة، تحمل معها زاد الحب، وتقدم نعمة الأخذ والعطاء، وترتفع به على جناحي ~~الدين والتصوف، ويدون القصائد الثلاث: تأخذ منك السنوات «من كتاب التفكير» بهرامجور - ~~كما قيل - اخترع القافية «من كتاب زليخا» وأعلى والأعلى «من كتاب الفردوس». ولعل السطور ~~التالية التي أحاول فيها أن أنقل إليك معنى القصيدة الأولى أن تعطيك فكرة عابرة عن ~~حسرته على الحب الضائع، وحزنه الذي فاض وبلغ حد اليأس، وتمسكه بصخرة الفكرة والذكرى حتى ~~لا يغرقه الموج: ~~«أخذت منك السنوات، كما قلت، كثيرا: # متعة ألعاب الحس # وذكرى عبث الأمس، # وحرمت من التجوال طويلا # بين مغاني الأرض (ونور الشمس)، # من شرف كان يسر النفس # جف معين الخلق وغاض النبع، # فغامر «وانفض عنك غبار اليأس». # قل لي ماذا يبقى لك؟» # يبقى ما يكفيني، تبقى الفكرة والحب. # وظهر الديوان سنة 1819م. ولكن لحنه لم يكن قد توقف، وشكله لم يكن قد تم، فلم يلبث ~~النبع أن فاض مرة أخرى بخمس قصائد جديدة من كتاب الفردوس، وهي: تذوق، وسماح، وحيوانات ~~مرضي عنها، وهي في الحقيقة أصداء لألحان سابقة تعزف على وترى الحب والدين اللذين ~~انبعثت منهما أغنيات الديوان كله. ولا بد أن الشاعر تفكر طويلا في السراب الذي فتن ~~عينيه في صحراء الكهولة، فقرر أن يعيد بلبل القلب الطائش إلى قفصه. تشهد على ذلك ~~الرسالة السابقة الذكر التي كتبها إلى صديقه تسلتر وتحدث فيها عن التسليم المطلق بإرادة ~~الله الخافية. # قلت إن الديوان أشبه بمجموعة من المرايا، كل قصيدة فيها تعكس القصيدة الأخرى، وتتبادل ~~معها الحوار بحيث ms089 تنمو نموا عضويا لتشكيل كل متكامل مدهش في تجانسه وجمعه بين ~~الأضواء والأقطاب والعناصر المتقلبة. وهو كذلك الدائرة التي تستمد وحدتها من وحدة ~~الشخصية المتزنة التي أبدعتها وسرت في كل نقطة فيها، ولهذا فهو يكاد يكون كونا صغيرا، ~~دائرة روحية تمتد إلى كل مجالات العالم والنفس، منطلقة من مركز تشغله «الأنا» الشاعرة ~~التي احتوت العالم في داخلها، وضمت تراث البشرية إلى صدرها، وعاشت حياة جادة غنية خصبة ~~متنوعة. هو دائرة شعرية رسمته يد رجل مجرب حكيم، لا يد شاب مهتاج ثائر، بمداد تمتزج فيه ~~نار القلب الذي نسي قانون الزمن (وكذلك قلب الفنان!) بنور العقل المتفوق الساخر. وقد ~~سار الشاعر على هذا التكوين الدائري في ترتيب كتب الديوان، وإن يكن قد التزم فيه ~~بالترتيب الموضوعي ، لا بالترتيب الذاتي الذي يعكس ظروف حياته وكتابته. يؤكد هذا ما قاله ~~بنفسه لصديقه تسلتر: # 18 # إن كل جزء من أجزاء الديوان يتغلغل فيه معنى الكل، وهو في صميمه ذو طابع شرقي ~~حميم، ولا بد أن يفهم معنى القصيدة عن طريق القصيدة المتقدمة عليها، إذا ~~أريد له أن يحدث أثره على الخيال أو الشعور، إنني أنا نفسي لم أكن أعرف أي ~~كل عجيب صنعته منه. # هذا التكوين الدائري للديوان هو نفس التكوين الذي يميز إنتاج الشاعر المتأخر. ولا ~~نقصد بهذا طابع الاتزان والوعي الواضح الذي يسري فيه وحسب، بل نريد به كذلك طابع ~~التضاد الذي ينتج عن تقابل قطبين أحدهما سالب والآخر موجب، إذ لا يمكن أن يخلو أي نظام ~~أو نسق (كما كشفت أخيرا أبحاث البنيويين وأصحاب نظرية المنظومة) من صراع أو توتر جدلي ~~- أو بالأحرى حواري - داخل هذا النسق. ولا أظن أحدا يختلف معنا في أن العمل الفني ~~الخليق بهذا الاسم يمثل نسقا. ولا أظن أيضا أنه ينكر صراع القوى الدرامي الحي الذي لا ~~بد أن يدور بداخله. وقد أكد الشاعر نفسه هذا التضاد القطبي في طبيعة الوجود نفسه، ~~وفي كل شكل من أشكال الحياة والفكر. ولهذا كان القبض والبسط، والشهيق والزفير من ms090 ~~التعبيرات التي يستخدمها باستمرار ويعبر عنها في العديد من أعماله. # 19 # ولكن هذا التضاد لم يمنعه من رؤية الكل السابق على صراع الأطراف والأجزاء. ~~بل إن هذا الكل - كما أكد أرسطو ويؤكد المحدثون أيضا - شيء أسبق من أجزائه وأشمل، ولا ~~يمكن أن يكون مجرد حصيلة ناتجة عنها مجموع مؤلف منها. ولهذا كان الديوان كما قلنا دائرة ~~كبرى تشتمل على دوائر صغرى عديدة، وكان التضاد الذي يحركه ويبعث الحياة فيه هو التضاد ~~بين قطبي الحب والدين، اللذين يجتذبان عناصر أخرى تدخل كلها في هذا المجال الشعري ~~المفعم بالسحر والحياة. والكلمات التي يقولها الشاعر عن ديوان حافظ تصدق على أشعاره ~~المتأخرة، وبخاصة مجموعة شعره الفلسفي، كما تصدق على ديوانه الشرقي، فهو يقول في قصيدة ~~جميلة من كتاب حافظ بعنوان «بغير حدود»: # شعرك يا حافظ دار دورة السماء # البدء فيه دائما والمنتهى سواء. # 20 # في داخل هذه «الدورة الكونية» يتصارع القطبان الأزليان: الحب والدين. فالحنين الديني ~~- أو الصوفي! - يغلب بوجه خاص على «كتاب المغني» والكتب الثلاثة الأخيرة من الديوان، ~~وهي كتب: «الأمثال» و«البارسي» (أي الفرس القدماء من المجوس عبدة الشمس والنار) ~~والفردوس، كما يسري في سائر الكتب. والحنين إلى الحب يغلب على كتب العشق وزليخا والساقي ~~الفردوس (على غير ما كنا نتوقع!) كما تتكرر تنويعاته المختلفة في الديوان كله، سواء ~~كان يعبر عن عاطفة شخصية، أو تاريخية، أو كونية، أو غزل بين الشاعر والحورية في ~~الفردوس، ولهذا كانت قصيدتاه «عودة اللقاء»: # 21 # أمن الممكن يا نجم النجوم # أن ألاقيك وللقلب أضمك # آه منها ليلة الهجر الأليم # حفرت هاوية بيني وبينك # و«حنين مبارك» من أهم قصائد الديوان، بل لعلهما في رأي معظم النقاد من أروع شعره على ~~الإطلاق وأكثره دلالة على شخصيته وفكره. ولا يقتصر موضوع الحب على هذه الكتب والقصائد ~~وحدها، بل يتغلغل أيضا في قصائد الحكم والأمثال، فما يعبر مرة عن القلب بصورة طبيعية ~~مباشرة يعبر مرة أخرى عن الأشياء عن طريق التأمل العقلي المتزن. وفي كل الأحوال تتفتح ~~شخصية الشاعر وتمتد ms091 في كل اتجاه كأنها قد أصبحت دائرة كبرى تضم وجوده كشاعر كما تضم ~~نظرته إلى الكون (وبخاصة في الكتب الثلاثة الأولى من الديوان، وهي: المغني وحافظ ~~والعشق) وتصوره في علاقاته وصراعاته، مع غيره من الناس ومن صغار الشعراء (من الكتاب ~~الرابع إلى السادس، أي كتب التفكير والضيق والحكم) سواء في صورتها السلبية وهو يقاوم ~~ظواهر الطغيان (الكتاب السابع من تيمور والشتاء) أو في صورتها الإيجابية وهو يتحقق ~~بنعمة الحب والرضا والسعادة (من الكتاب الثامن إلى التاسع، أي كتابي زليخا والساقي)، ~~وتأتي الكتب الثلاثة الأخيرة فتكتمل الملامح الدينية التي تكسو الديوان كله. فالعالم ~~يرمز لله، و«الله» حاضر في جميع العناصر، وعبادة الطبيعة عند الفرس الأقدمين وعقيدة ~~التوحيد عند المسلمين وإيمانهم بالآخرة ينطقان بلغة رمزية واحدة تعبر عن وحدة التجربة ~~الدينية الأولى، أو عن دين أصلي ينشر فروعه وأوراقه كتعريشة الكروم فوق بيت العالم، ~~وهكذا تتلاقى الأرض مع السماء، والوثنية مع الرسالات السماوية، والإنسان مع العالم، ~~والحب والشباب المتجدد مع الدين، والعقل والإحساس بالتفوق والتعاظم مع الميل إلى ~~الدعابة الماكرة، تجد هذه الموضوعات المتفرقة في قصائد متفرقة، وقد تجدها مجتمعة في ~~قصيدة بذاتها (مثل قصيدتي الهجرة والحنين المبارك اللتين ورد ذكرهما أكثر من مرة) ويصبح ~~الديوان دائرة واحدة ووحدة دائرية، تعكس كل قصيدة منها سائر القصائد على صفحة مرآتها، ~~وتكشف للمنتبه عن المعنى الكامن للأشياء # 22 # كأنها (مونادة) ليبنتز الوحيدة الحبيسة بين جدرانها، ومع ذلك فهي أشبه ~~بمرآة تعكس العالم كله من وجهة نظرها وبقدر وضوح إدراكها. فلو عرفت مونادة واحدة - أي ~~لو عرفت أي كائن فرد مستقل من بين جميع الكائنات الفردية المستقلة معرفة تامة - لأمكنك ~~أن تصل منها إلى معرفة كل ماضيه وحاضره ومستقبله، ولو تذوقت قصيدة واحدة من قصائد ~~الديوان لعرفت الديوان كله، ومن يدري؟ ربما أحسست بروح الكون كما جربه هذا الشاعر وحاول ~~أن يكشف عن معناه وسره، وأن يملأ بالفعل والوعي والإبداع كل لحظة من لحظات الزمن الذي ~~أتيح له فيه. ~~••• # لا شك أن الديوان الشرقي تعبير ms092 ذاتي عن جوته في كهولته وشيخوخته، وهو يكشف بمضمونه ~~ولغته عن شخصية صاحبه وينفذ إلى صميم جدرانه، ولكننا نخطئ خطأ كبيرا لو تصورنا بعد هذا ~~التتبع التاريخي أنه مجرد سيرة شعرية ذاتية لحياته. فليس حاتم هو جوته، ولا مريانة هي ~~زليخا. صحيح أنه يرتبط بمادته الشرقية ارتباطا يوشك أن يكون في بعض الأحيان حرفيا، ~~ويتأثر بشعر حافظ الشيرازي - توءم الروح - في بعض المواضع إلى حد التقليد، ولكن الديوان ~~عمل فني قبل كل شيء، يشكل عالمه الأسطوري بنفسه، ويستخدم الموضوعات الشرقية لتكون ~~بمثابة أقنعة يخفي الشاعر فيها نفسه كما يكشف عنها في وقت واحد، ويأخذ المضمون لكي ~~يتصرف فيه بحريته الفنية وقدرته على التشكيل. # إن العنصر الشرقي يعبر عن عنصر عام يجمع بين الشرق والغرب، والروح الشرقي يتجاوب مع ~~منطقة روحية مماثلة في باطن الشاعر نفسه. لقد وجد في الشرق كنوزا رأى أن من حقه ~~استغلالها فراح يستخدمها ببساطة كأنها شيء بديهي أو جزء حي لا يتجزأ من كيانه الشعري. ~~ربما تعجب قارئه الغربي من الأسماء الشرقية، وربما سأل نفسه من هو المتنبي أو المجنون، ~~ومن هي ليلى أو بثينة، ومن هو شهاب الدين (السهروردي) الذي خلع ثيابه في عرفات ليدخل الحرم، # 23 # وغيرها وغيرها من الأسماء التي ربما لا يعرفها غير المختصين بالآداب ~~الشرقية، ولم يعرفها الشاعر نفسه إلا قبل العكوف على العمل في ديوانه بزمن قصير. ولكنه ~~سيفطن أثناء قراءته إلى أنه أمام شاعر غربي يتجول في ربوع الشرق ويتقمص في الوقت نفسه ~~شخصية شاعر شرقي. إنه يسهر في خيمته مع الساقي في ليلة صيف، ولكنه يتحدث عن هسبيروس ~~(نجمة المساء) وأورورا (الفجر) ويذكر إجلال المسلمين للقرآن الكريم لكي ينحى باللائمة ~~على صغار الأدباء في عصره ممن فقدوا كل إحساس بالاحترام والخشوع والتوقير. ويصف نعيم ~~الفردوس وحوريات الجنة لكي يتمنى أن يحدثهن بلغته الألمانية ... إلخ. فالمادة الشرقية مجرد ~~مناسبة لا قيمة لها في ذاتها، والمهم هو الشكل الفني الذي يعطيه لها، واللعب الحر الذي ~~يجعله يتصرف فيها. إن الشاعر ms093 يعرف أنه يلعب وهو يريد أيضا أن يستمتع بهذا اللعب. # ومن هنا كان الوعي والوضوح اللذان يغمران قصائد الديوان، ويحدثان التوازن بين ~~المادة والشكل، بين مرح الشيخوخة ونزواتها الفاضحة ولوعة الحب وجراحه التي لم تعد تليق ~~بمن في سنه. وفي مقابل هذا الوعي الناصع نجد النشوة التي تسري في جميع كتب الديوان، فهي ~~نشوة السكر، والعشق، والشعر، والإيمان العميق بالله. ولكنها نشوة لا تعمي الحس، بل تضيء ~~الرؤية. أضف إلى هذا كله المرح السامي والدعابة الساحرة، التي لا تبلغ أبدا حد التهكم ~~الجارح (حتى في الفردوس تغلبه النكتة! راجع قصيدة سماح ضمن كتاب الفردوس) والخفة التي ~~يتناول بها أصعب مشكلات الحياة وأسمى أسرار الدين، فيسقط عليها نور العقل وبسمة ~~الحكمة. # أما العاطفة الجريحة والشكوى المرة من قدره في الحب، فنجدها في القصائد قليلة (مثل ~~عزاء سيئ و«صدى» بالإضافة إلى القصائد المنسوبة لحبيبته مريانة) تخلو تماما من المرح ~~والتحرر الروحي اللذين يشيعان في الديوان، على نحو ما تخلو منها قصائد قليلة ترين عليها ~~الجدية والقتامة (مثل «وصية الديانة الفارسية القديمة» و«حنين مبارك» و«عودة اللقاء») ~~غير أن الرغبة في اللعب الحر، والميل إلى الخفة والمرح، هما اللذان يسيطران على الروح ~~العامة للديوان، لأنه يكشف في كل قصائده عن «الاستقطاب» الكامن في كل حياة، عن جدل الحب ~~الذي يقوم على الوجود وعدم الوجود، وجدل العقل الذي يقوم على المعرفة والعلم بحدود هذه ~~المعرفة، وكأنما هي جميعا أبعاد من قوس الأنا الشاعرة التي تحيط بكل شيء إحاطة قبة ~~الفلك بالأرض وما عليها، فالشاعر يتجلى في شعره، ولكنه في الوقت نفسه يرتفع فوقهن ليرى ~~نفسه وقصيدته في الوقت نفسه. وقد كان من شأن هذا الوعي الواضح، العابث، المتفوق، العميق ~~في آن واحد أن يحدد أسلوب الشعر وشكله وإيقاعه. فهو خفيف، متدفق، يكاد يقتصر على ~~مقطوعات قصيرة من أربعة أبيات، تعرض لغة حافلة بالصور المتنوعة - كصندوق الدنيا! - ~~مستمدة من عصور أدبية مختلفة، ومن لغة الشرق وتشبيهاته (حيات الشعر، وجه القمر، احتراق ~~الشمعة ... إلخ) وفي قصائد متعددة ms094 متنوعة الأغراض، تجمع بين الحكم الموجزة والأنغام ~~الفخمة، والصور الزاهية الألوان، والنوادر العجيبة، والروح الصوفية العميقة، ولهذا ~~يحتاج الديوان، كما يحتاج الشعر عموما، إلى مشاركة القارئ وصبره، كما يتطلب تجربة ~~روحية تعينه على الإحساس بتجربته. # إنه قبل كل شيء كتاب تعيش معه وتحياه، وتردد ألحانه وتتناغم معها، لأنه كتب للناضجين والمحبين. # 24 # ومن أسف أن أي ترجمة في أية لغة لن تعينك على هذا؛ لأن أقصى ما يمكنها أن ~~تعطيه هو الظل العابر والطيف الزائل. ولو استطاعت ترجمتي لقصائد الديوان أن تنقل إليك ~~شيئا من هذا الظل وهذا الطيف، فستشعر بالحرية التي كانت وراء خلقه، وستشعر أيضا بعذاب ~~الحب ومتعته، وستجد حبيبك فيه-إن كنت تحب! قد تسألني الآن: لم تكتب عن هذا الديوان؟ ~~لم لم تنقله كله ما دمت تؤكد ضرورة قراءته كله؟ # ولماذا تقتصر على بعض القصائد القليلة (وقد بلغ مجموعها ثلاثمائة وخمسا وثلاثين لم ~~تختر منها إلا نيفا وخمسين). ثم لماذا تنقل هذا الشعر بعد أن قلت أكثر من مرة إن ~~الشعر لا يترجم؟! # 25 # وجوابي على هذا أنني وجدت نفسي أهيم في رحلة مع هذا الديوان، كما فعل صاحبه في رحاب ~~الشرق. امتدت يدي إليه في أثناء البحث عن قارب النجاة وسط بحار الهموم التي تغرقنا ليل ~~نهار، وفي لحظات البحث عن الذات وسط عالم لا ينجح إلا في إبعادنا عن أنفسنا. عشت معه ~~ليالي وحدة طويلة. ودون أن أشعر وجدت بعض قصائده تفرض نفسها علي فأنظمها شعرا بجانب ~~الأصل (مع أني طلقت الشعر وطلقني منذ سنين!) ومعظمها يلح علي أن أنقله نثرا ~~سلسا بسيطا حتى يوحي بعبير الشرق وأنفاسه، وكنت منذ سنين - لا تقل عن عشر - قد شغلت ~~باهتمام جوته بالأدب العربي وبالإسلام، فأعدت النظر فيما كتبت وأضفت إليه. أما في ~~السنوات الأخيرة، فتشغلني حالة الركود التي أصابت الأدب وقوة الإبداع عندنا، كما تشغل ~~كل المخلصين المشفقين عليه - بحيث خيل إلي في ساعات الاكتئاب أنه يرقد مسجى ~~على فراش السأم والأدباء من حوله يرتلون أغنيات الرثاء ms095 لكي يعينوه على آلام الاحتضار، ~~وفكرت - لنفسي دائما - ولكي أطرد عني الصورة الموحشة التي أرجو ألا تعدي أحدا غيري! ~~أنه قد يحتاج إليه إلى نبع ملهم. ورأيت أن الديوان الشرقي نموذج عالمي رائع على ~~الاستلهام وتجديد شباب الخلق وربيع الإبداع. سألت نفسي - وما زلت أتابع هذه المناجاة ~~التي لا تلزم أحدا! - ماذا لو قدمت هذا النموذج وأغريت البعض منا بالتجربة؟ ألا ~~يمكن أن يكون الانفتاح الحقيقي على التراث العالمي علاجا لبعض همومنا الأدبية كما نرجو ~~الآن للانفتاح الاقتصادي والثقافي والعلمي؟ # صحيح أن المحاولات السابقة كما قلت كثيرة، وقد نجح أقلها وأخفق أكثرها. ولكن يبدو أن ~~مبدأ الاستلهام نفسه لا عيب فيه، ما دامت كل الآداب والشعوب قد أخذت به في كل البلاد ~~والعصور، وما دام الأثر الفني الخالد يستقبل في مختلف الآداب بل عند مختلف الأفراد ~~بطرق مختلفة، تحكمها ظروف العصر وهموم الأديب وصدقه مع نفسه وواقعه. ماذا لو أقبلنا على ~~استغلال هذه الكنوز كما استغل شاعر الألمان أكبر كنوز الشرق، ولم يجد ما يمنعه من أن ~~«يركب براق محمد ويحلق في السموات الفسيحة، ويحتفل بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها ~~القرآن على النبي.» # 26 # صحيح أن لهذه التجربة شروطا تحتمها كل تجربة فنية: الضرورة التي تدفع ~~الكاتب إلى تناول موضوع سبقه إلى غيره، والصدق الذي يجعله أصيلا في تناوله لا مقلدا، ~~ومعبرا عن صميم ذاته لا مزيفا من هواة الاستعراض الذين ابتليت بهم حياتنا العربية في ~~كل مجال. إنها ليست دعوة للآخرين، بقدر ما هي محاولة تقديم نموذج. ويبقى للأديب والفنان ~~بعد ذلك حريته التي لا يكون بغيرها أدب ولا فن. فليس حتما أن يبعد في رحلة إلى الشرق ~~كما فعل جوته، ولا أن يمد عينه إلى الغرب أو الشمال أو الجنوب. ربما تكون الكنوز تحت ~~قدميه، في تراثه الشعبي أو «الرسمي»، في تاريخه القديم أو الحديث، وفي واقعه البائس ~~حوله وتحت بصره وقدميه. ألا يمكن أن تحمل التجربة أملا في ري النبع الذي غاض، وبعث ~~الدماء في الجسد ms096 المريض، أو تخليصه على أقل تقدير من المسكنات الرخيصة؟ # ونأتي إلى سؤال عن نقل الديوان فأقول: وما الداعي إلى هذا؟ إن القلب ليتمزق وهو يحاول ~~نقل الشعر من جسده الذي ولد فيه - أي من نظام اللغة والصور والإيقاع والنغم الحي - إلى ~~جسد آخر غريب عنه. ولا بد أن تكون لدى الإنسان قدرة شيطان ملهم أو براعة ساحر لينجح ~~كل النجاح في هذا، وهو محال. ويكفي أن يقتصر الجهد على إظهار القارئ على معنى هذا الشعر ~~- أو حتى ظل المعنى - وإيقاظ حنينه إلى لقاء الأصل الأول إذا استطاع. والأمر في النهاية ~~لا يخرج عن أداء واجب ثقافي وإنساني تقوم به كل الآداب في كل العصور مهما تفاوتت حظوظها ~~من التوفيق. أضف إلى هذا أن الديوان الشرقي قد نقل بالفعل إلى العربية. وقد تعهد بهذا ~~العمل الشاق رائد كبير لا يخشى المحال. فقد ظهرت ترجمته منذ سنوات بقلم أستاذنا الكبير ~~الدكتور عبد الرحمن بدوي. ومع أن حب الحقيقة يضطرني إلى القول بإنها مزدحمة بالأخطاء - ~~التي لا شك في أنها جاءت نتيجة التسرع وعدم الرفق بالشعر! - فإن حب الحقيقة أيضا ~~يدفعني إلى الإشادة بهذه المحاولة والإعجاب بما تنطوي عليه من جهد وصبر وطاقة فذة تجلت ~~في التعليقات الوافية والشروح المستفيضة التي لا غنى عن الرجوع إليها. وبجانب هذه ~~الترجمة التي أعترف بفضلها أود أن أسجل واجب الشكر والعرفان للكتاب الممتع الذي أحبه ~~القراء وما برحوا يقبلون على قراءته منذ ظهوره قبل أكثر من عشر سنوات، وهو كتاب ~~«الشرق والإسلام في أدب جوته» للمرحوم الشاعر عبد الرحمن صدقي الذي استحق عليه جائزة ~~الدولة في الأدب. وهو يقدم لوحة بديعة عن حياة جوته وشعره و«هجرته» إلى الشرق. كما ~~يتخلله عدد كبير من قصائد الديوان وغيرها من القصائد المعبرة عن الشاعر في تجارب حبة ~~المختلفة، ترجمت جميعها ترجمة رصينة بليغة (وإن كانت هذه البلاغة قد كلفت صاحبها البعد ~~عن الأصل). # لقد كانت محاولتي أكثر تواضعا؛ فهي لم تخرج عن تقديم نموذج للاستلهام الأصيل وإثارة ~~القضية نفسها ms097 أمام القراء وأصحاب المواهب الشابة. ولهذا اكتفيت بتقديم كل ما هو ضروري ~~للإلمام بهذه التجربة الفريدة التي عاشها جوته وفي لقائه مع أدب الشرق وروحه، كما رويت ~~قصة الديوان الشرقي نفسه التي لم تكن مجرد نهم إلى المعرفة والاطلاع على عالم غريب، ~~بل كانت بحثا عن الذات وتجديدا لمنابع الخلق والإبداع، وشهادة على معجزة الحب التي ~~مكنته من هذه «الهجرة الشرقية» إلى الكنوز الدفينة في صدره. وقد توخيت أن يكون هذا ~~كله في حدود كتاب صغير قصدت منه إلى الإمتاع وإثارة الفكر والخيال أكثر من سرد الحقائق ~~والمعلومات. ولهذا عدلت عن التعليقات المستفيضة، التي يجدها القارئ في طبعات الديوان ~~المختلفة في لغته الأصلية أو في ترجماته العديدة ومن بينها الترجمة العربية، واكتفيت ~~ببعض الإشارات الموجزة التي أرجو أن تنجح في وضع القصائد المختارة في سياق تفكير الشاعر ~~ورؤيته وسائر إنتاجه. # لو سألتني بعد قراءة ما قدمت إليك من المختارات (في حسرة لا أشك فيها): هل هذا هو ~~جوته؟ لأجبتك على الفور: بالطبع لا! إنك لن تلقى هذا الشاعر أو أي شاعر آخر إلا في ~~لغته، فالشعر لا يستطاع أن يترجم. # 27 # والشعر كما قلت وزن وموسيقى، وجرس وإيقاع، وصور ورموز مرتبطة بالألفاظ. ~~إنما هو انفعال بالشعر الأصلي، وصور ورموز مرتبطة بالألفاظ، إنما هو انفعال بالشعر ~~الأصلي، راعيت فيه الأمانة بقدر الإمكان، وكل زيادة من جانبي وضعتها بين قوسين، هو ~~ظل شاحب من ظل ذلك الجسد الذهبي البراق، وهو - إن شئت - نوع من الاستلهام. # هل هذا عذر مقبول؟ # الرأي أخيرا لك. # فلتمض الآن إلى الأشعار. # | جوته # الديوان الشرقي للشاعر الغربي # | كتاب المغني # «أمضيت من عمري عشرين عاما # تمتعت فيها بما قسم لي، # تتابعت أيامها الحسان، # شبيهة بأيام البرامكة.» # 1 # هجرة # الشمال والغرب والجنوب تتناثر، # العروش تتصدع، والممالك ترتجف، # فهاجر أنت إلى الشرق الطاهر، # لتستروح نسيم الآباء، # وبين الحب، والشرب، والغناء # يجدد فيك نبع الخضر الشباب. ~~••• # إلى هناك، حيث الحق والطهر والنقاء، # أريد أن أقود أجناس البشر، # وأنفد معها إلى أعماق الأصل ms098 السحيق، # حيث كانت لا تزال تتلقى من الله # وحي السماء بلغات الأرض # دون أن تصدع رءوسها بالتفكير، # وحيث كان يجلون الآباء ويوقرون، # ومن طاعة الغريب (وخدمته) يأنفون، # أريد أن أسعد (بالحياة) في حدود الشباب: # فيتسع الإيمان، وتضيق الفكرة، # إذ كان للكلمة عندهم شأن أي شأن؛ # لأنها كانت كلمة تنطق بها الشفاه. ~~••• # وأود أن أختلط بالرعاة، # وأنعش نفسي في (ظلال) الواحات، # وعندما أرتحل مع القوافل، # أتاجر في الشيلان والبن والمسك، # وأود أن أسلك كل سبيل # ينقلني من الصحراء إلى المدن. ~~••• # وكلما صعدنا الشعاب الصخرية أو هبطنا منها # كانت سلوانا، يا حافظ، هي أغانيك # حين يطلق الحادي وهو على ظهر ناقته، # صوته النشوان بساحر الغناء، # ليوقظ النجوم (في أعالي السماء)، # ويبث الرعب في قلوب قطاع الطرق (الأشقياء). ~~••• # وهناك في الحمامات وفي الحانات # يطيب لي، يا حافظ، أن أشيد بذكرك، # عندما تكشف المحبوبة (عن وجهها) النقاب، # وتهز خصلات شعرها فتفوح برائحة العنبر # أجل إن همسات الشاعر (بنجوى) الحب # لتجعل حتى الحوريات يتقن إلى العشق. # وإن أبيتم إلا أن تحسدوه «على هذا النعيم» # أو شئتم أن تعكروا عليه صفوه، # فاعملوا أن كلمات الشاعر دائما تحوم # حول أبواب الفردوس، # وتظل تطرقها في هدوء # وهي تتوسل أن تحظى بالخلود. # 2 # ضمانات البركة # الطلسم (المنقوش) في العقيق، # يجلب للمؤمن الحظ والهناء، # فإن كان على أرضية من عقيق يماني # فالثمه بفم مبارك طهور! # وسوف يطرد عنك الشرور # ويحميك ويحمي المكان. # وإن كانت الكلمة المنقوشة عليه # تفصح عن اسم الله الكريم، # فستشعل فيك الحماس للحب والعمل (العظيم). # وإن النساء على وجه الخصوص # ليؤثرن التبرك بالطلمسات. ~~••• # والتمائم كذلك # علامات على الورق مكتوبة، # لكن لا يشعر المرء بضيق الحيز # كشعوره حين ينقش على الحجر الكريم، # وفي وسع (أصحاب) النفوس التقية # أن يخطوا هنا الآيات الطوال، # كما يعلق الرجال (على أكتافهم) هذه الأوراق # في ورع كأنها بردة الأنبياء. # أما النقش فلا يخفي شيئا وراءه، # فالنقش هو النقش ولا يملك إلا أن يقول # كل ما ستقوله لنفسك بعد ذلك عن طيب خاطر: # هذا ms099 ما (أستطيع) قوله! ما أستطيعه أنا! ~~••• # أما «الأبركساس» فيندر أن أجلبه معي! # فالأغلب هنا أن تقدر قيمته العالية # بما (نقش) عليه من أشكال بشعة مخيفة # تفتق عنها عقل مختل مريض. # فإن وجدتموني أحكي له الغرائب والعجائب، # فاعلموا أنني جلبت معي «الأبركساس». ~~••• # والخاتم يصعب أن يرسم عليه # أسمى المعاني في أضيق حيز، # ولو تمكنت من الحصول على خاتم أصيل، # فستجد الكلمة محفورة عليه، ولن تصدق عينك ما تراه. # 3 # خاطر حر # دعوني فوق سرج جوادي! # وابقوا في أكواخكم وخيامكم! # وسأنطلق سعيدا في كل الأرجاء! # لا يعلو على قلنسوتي غير نجوم السماء. ~~••• # هو الذي جعل لكم النجوم # لتهتدوا بها في البر والبحر، # وتتملوا آياتها الحسان، # وتتطلعوا دائما إلى السماء. # 4 # تمائم # لله المشرق # لله المغرب، # الأرض شمالا، والأرض جنوبا، # ترقد آمنة، ما بين يديه. ~~••• # هو، لا أحد سواه، العدل # ويريد لكل الناس العدل. # من أسمائه المائة أجمعين # سبحوا بهذا الاسم المكين # آمين! ~~••• # يريد الضلال أن يربكني ويغويني، # لكنك تعرف كيف تهديني، # فإن قمت بعمل أو نظمت الأشعار، # فاهدني أنت سواء السبيل. ~~••• # ما فكرت في شأن من شئون دنياي، # إلا وخرجت منه بالنفع العظيم. # ومهما حدث فالروح لا تتناثر كالغبار # لأنها في أعمق أعماقها ترتفع إلى السماء. ~~••• # في التنفس نعمتان: # نعمة الشهيق ونعمة الزفير، # تلك تضيق الصدر، وهذه تنعشه، # فما أعجب المزيج (الذي تتألف منه) الحياة. # اشكر ربك في الضراء (وعند العسر)، # واشكر ربك في السراء (وعند اليسر). # 5 # نعم أربع # أنعم الله على الأعراب، # بنعم أربع عجاب؛ # كيما يجوبوا الفلوات فرحين، # ويعيشوا في رغد هانئين. ~~••• # وهبهم العمامة التي تزين # خيرا من تيجان القياصرة أجمعين، # وخيمة إليها يأوون # في أي مكان يشاءون. ~~••• # وسيفا يحميهم ويصون # أمنع من الصخور وأسوار الحصون، # وقصيدا يطرب ويفيد. # تتنصت عليه الحسان الغيد. ~~••• # وها أنا ذا أتغنى بهدوء و«حبور» # بالزهور «المطلة علي» من شالها «الحرير» # وهي تعلم علم اليقين ما تتمتع به من خصال، # وتبقى على ما عهدته فيها من جمال ودلال. # وإني لأعرف كيف أزين موائدكم ~~(بما تحبون) ms100 من أزهار وثمار. # فإذا أردتم معكم الحكم والعبر # فسوف أقدم ما نضج منها وما نضر. # 6 # اعتراف # ما الذي يصعب إخفاؤه؟ النار! # ففي النهار يشي بها الدخان، # وفي الليل يفضح اللهب ذلك الوحش الجبار. # كذلك يصعب إخفاء الحب (الدفين)، # فمهما طويته (في أعماقك) في سكون، # فما أيسر ما يطل من العيون! # لكن أصعب شيء يستعصي على الإخفاء قصيد؛ # إذ لا يفلح أحد أبدا في كتمان نشيد، # وما إن ينطلق الشاعر في الغناء، # حتى تسري النشوة في كل الأعضاء. # وإذا دونه بخط منمق وبديع # تمنى (من صميم فؤاده) لو أحبه الجميع. # ويروح يتلوه وهو سعيد على كل إنسان بصوت عال، # سواء تسبب في تعذيبنا أو هذب منا الطباع والخلال. # 7 # عناصر # على أي عنصر من العناصر الكثيرة # ينبغي أن تتغذى الأغنية الأصيلة، # حتى يطرب لها عامة الناس # ويستمع إليها (الشعراء) المتمكنون بفرح (وحماس)؟ ~~••• # ليكن الحب، حين نشرع في الغناء # هو الموضوع المقدم على سائر الموضوعات، # فبقدر ما تسري في الأغنية (حرارة) الحب # بقدر ما يعذب وقعها (على القلب). ~~••• # ولا بد أن يسمع للكئوس رنين # ويسطع ياقوت الخمر الوضاء: ~~(إذ جرى العرف) على التلويح بأجمل الأكاليل، # للعاشقين المتيمين وللشاربين. ~~••• # والأمر كذلك يتطلب صليل السلاح # فضلا عن دوي الطبول (كالرعود)، # بحيث لو توهج كألسنة النار # فرح البطل الظافر كأنه إله (سعيد). ~~••• # ولا غنى للشاعر في نهاية المطاف # عن أن تمقت نفسه بعض الأشياء، # فلا يسمح لشيء كريه وقبيح # أن يحيا بجوار شيء جميل (ومليح). ~~••• # وإذا عرف المغني كيف يصنع المزيج (النادر) # من المادة الأولية العتيدة لهذه العناصر، # فسوف يكون في وسعه أن يسعد الشعوب، # كما فعل حافظ، سعادة أبدية تمتع (القلوب). # 8 # خلق وإحياء # آدم المضحك كان كتلة من طين # سواها في صورة إنسان رب العالمين، # غير أنه جلب من رحم الأم (المكنون) # أفانين من كل مرذول ولعين. ~~••• # نفخ «الألوهيم» في أنفه # روحا هو أطيب الأرواح، # هناك بدا عليه تغير الأحوال # إذ شرع في العطس الشديد. ~~••• # وبالرغم من العظام والأعضاء والرأس # بقي (آدم) ms101 كتلة صماء، # حتى توصل نوح إلى أنسب الأشياء # للأحمق المأفون، وهو الكأس. ~~••• # وسرعان ما شعرت الكتلة الصماء، # بمجرد أن بللت نفسها، بدبيب الحياة # تماما كما يبدأ العجين # في الحركة حين يتخمر. ~~••• # فلتهدنا أغنيتك العذبة الحنون # يا حافظ، وهو المثل القدوس، # إلى معبد خالقنا (الرحيم) # على رنين الكئوس. # 9 # ظاهرة # عندما يعانق «فيبوس» ~~(زخات) المطر، # لا يلبث أن يظهر قوس # مظلل بأبدع الألوان. ~~••• # وها أنا أرى في الضباب # دائرة مشابهة، # أجل إن القوس بيضاء # لكنها قوس من السماء. ~~••• # فحذار أيها الشيخ النشيط # أن يبتئس فؤادك، # وإذا كان شعرك قد كساه الشيب # فقريبا سوف تحب. # 10 # منظر لطيف # هذه الألوان تتجلى لي هناك # وتصل السماء بأعالي الأفلاك؟ # إن الضباب الذي يلف الصباح ويغشاه # ليغشى بصري الحاد ويمنعني من أن أراه. ~~••• # أهي خيام أقامها الوزير # لزوجاته الغاليات، # أم أبسطة (فرشت) في الاحتفال # بزفافه لحبيبة الفؤاد؟ ~~••• # والأحمر والأبيض اندمجا في مزيج # لم أر في حياتي أجمل منه بالمرة، # فكيف انتقلت، يا حافظ، (مسقط رأسك) شيراز # إلى أقاليم الشمال العكرة؟ ~~••• # إن أشجار الخشخاش البهيجة الألوان # لتمتد متجاورة في صفوف، # وتكسو الحقول بمودة وحب # مستهزئة بإله الحرب، # فليكن من دأب الحيي الخجول # أن يتعهد الزهور بالرعاية والتنسيق # فيغمرني ضوءها على طول الطريق # كنور الشمس في هذا اليوم الجميل. # 11 # تباين # عندما يعزف كيوبيد على الناي # عند حافة الجدول عن يمين، # وفي البوق ينفخ «مارس» # في الحقل عن شمال، # تنجذب الأذن إلى هناك # مسرورة الأذن مسحورة، # غير أن الضجيج (الشديد) # يفسد عليها بهجة النشيد. # ها هو العزف يتردد لا يزال # بينما الحرب ترعد بالأهوال، # وأثور ويكاد عقلي يختل، # أتكون هذه معجزة؟ # وتظل ألحان الناي تتوالى # وصخب الأبواق يتعالى # وأجن ويتملكني الغضب، # فهل في هذا من عجب؟ # 12 # الماضي في الحاضر # الورد والزنبق (المبتل) بندى الصباح # يزدهر قريبا مني في البستان، # ومن الخلف يرتفع الصخر إلى السماء # مؤنس الطلعة كثيف الأشجار. # وتظل الذروة تميل بقوسها. # حتى تتصالح مع الوادي # وقد أحاطت بها الغابة العالية # وتوجتها قلعة الفرسان. ~~••• # ويفوح ms102 العطر (كما فاح) على عهد الشباب # حين كنا نكابد (لوعة) العشق والغرام. # وكانت أوتار مزماري تدخل في عراك # مع الشعاع المشرق في شمس الصباح، # وأغاني الطراد تنبعث من الآجام # وتفيض بالألحان البديعة الأنغام # فتلهب فينا الحماس وتنعش الوجدان # كما يهوى الصدر (الخفاق) ويشاء. # ما دامت الغابات في ازدهار أبدي ونماء # فأقبلوا عليها (لتجديد الحب والعطاء)، # وكل ما استمتعتم به وحدكم (من أسباب النعيم) # دعوا غيركم يتمتعون به وينعمون. # عندئذ لن يصيح أحد في وجوهنا (بالاتهامات) # ويلومنا على الاستئثار بالمتع واللذات، # وعليكم الآن في كل ميادين الحياة # أن تتعلموا كيف تتمتعون (بشجاعة وثبات). ~~••• # بهذه الأغنية وهذا (الأسلوب في) التعبير # نكون قد رجعنا لحافظ من جديد، # إذ يليق بالنهار وهو يؤذن بالاكتمال # أن نذوق المتع في صحبة المتمتعين. # 13 # أغنية وتكوين # ليجبل الإغريقي من الصلصال # ما يشاء من (النماذج) والأشكال، # وليفتتن ما وسعه الافتتان # بالمخلوق الذي سوته يداه. ~~••• # أما نحن فلذتنا (التي تفوق كل اللذات) # هي الغوص في (مياه) الفرات، # والسباحة هنا وهناك # في (هذا) العنصر السيال. ~~••• # لو استطعت بهذا أن أطفئ لهيب الروح # لتجاوبت ألحان أغنيتي بالرنين # وإذا الشاعر اغترفت كفه الطهور # من هذا الماء تكور فقاعات (كالبللور). # 14 # جرأة # ما السبب الذي يتوقف عليه في كل مكان # أن يسرع الشفاء إلى الإنسان؟ # إن كل امرئ يلذ له سماع الأصوات # التي تكتمل في لحن من الألحان ~~••• # ألا فلتطرح كل ما يعوق مسارك، # ولتكف عن هذا السعي الكئيب! # فقبل أن يغني الشاعر أو يتوقف عن الغناء # عليه أن يحيا ويجرب طعم الحياة. ~~••• # فليتردد نغم الحياة الأصيل # ويتغلغل في الروح كصوت الرعود. # وكلما أحس الشاعر أن قلبه حزين # تولى بنفسه التصالح مع نفسه (من جديد). # 15 # خشن ونشيط # إن نظم الشعر زهو وانطلاق # فليكف الناس عن لومي واتهامي! # وليسر في عروقكم دم حار # ينبض (مثل دمي) بالتحرر والسرور. ~~••• # وإذا شاء حظي أن أذوق طعم المرارة # من كل ساعة أليمة تمر بي، # فسوف أتحلى رغم تلك بالتواضع # بل وأبذكم فيه. # لأن التواضع جميل وحميد ms103 # حين تتفتح (زهور) الحسناء، # فهي تحب من يتودد إليها بحنان # وتهرب من كل فج غليظ الطباع. ~~••• # والتواضع كذلك محمود، # كما يقول ذلك الرجل الحكيم، # الذي أتعلم منه (الكثير) # عن الزمان والخلود. ~~••• # إن نظم الشعر زهو وانطلاق، # فاعكف عليه وحدك وأنت مسرور، # ولتسهموا فيه أيها الأصدقاء # وأنتن أيها الحسان (النابضات) بالدم الحار! ~~••• # وأنت أيها الراهب الصغير بغير طاقية ولا زنار، # ارحمني من الثرثرة والهراء! # فأنت في الواقع تدمرني وتتلف أعصابي # ولا تجعلني متواضعا (على الإطلاق)! ~~••• # إن عباراتك (السخيفة) الجوفاء # تدفعني بعيدا عنه، # وقد وضعتها تحت أقدامي # ودست عليها بالفعل! # عندما تدور طاحونة الشعراء، # فلا توقفوها أبدا؛ # لأن من يفهمنا مرة واحدة، # سوف يسامحنا أيضا. # 16 # حياة كلية # التراب هو أحد العناصر، # التي تسيطر عليها ببراعة، # وذلك، يا حافظ، حين تمجد المحبوبة # بأغنيتك الصغيرة الرقيقة. ~~••• # لأن التراب على عتبة (بابها) # أفضل عندك من السجاد # الذي تركع جواري محمود # فوق زهوره المطرزة بالذهب. ~~••• # وإذا ذرت الريح من أبوابها # سحب التراب ومرت عليك # فعطورها الفواحة أحب إليك # من المسك ورحيق الورد. ~~••• # التراب الذي حرمت طويلا منه # في الشمال الملتف دائما بالضباب، # لكنني عرفته بما فيه الكفاية # في (بلاد) الجنوب الحار. ~~••• # ومع ذلك فطالما واجهتني # أبوابها الحبيبة لائذة بالصمت! # داوني أنت يا مطر الأنواء # ودعني أستنشق روائح الخضرة! ~~••• # وعندما تدوي الآن كل الرعود # ويسري البرق في أنحاء السماء، # يسقط تراب الريح الوحشي # رطبا مبتلا فوق الأرض ~~••• # وما أسرع ما تبزغ حياة، # وينبثق فعل قدسي تحوطه الأسرار، # ويخضر كل شيء وتكسو النضارة # أرجاء الأرض (في كل اتجاه). # 17 # حنين مبارك # لا تقل هذا لغير الحكماء، # ربما يسخر منك الجهلاء، # وأنا أثني على الحي الذي # حن للموت بأحضان اللهيب. # في ليالي الحب والشوق الرطيب، # يصبح الوالد والمولود أنت، # يحتوي قلبك إحساس غريب، # ومن الشمعة إطراق وصمت. ~~••• # تترك الأسر الذي عشت به # غارقا في عتمة الليل الكئيب، # ينشر الشوق جناحيه إلى # وحدة أسمى وإنجاب عجيب. ~~••• # سوف تعروك من السحر ارتعاشة # ثم لا تجفل من بعد الطريق، # وستأتي مثلما ms104 رفت فراشة # تعشق النور فتهوي في الحريق. ~~••• # وإذا لم تصغ للصوت القديم # داعيا إياك: مت كيما تكون! # فستبقى دائما ضيفا يهيم # في ظلام الأرض كالطيف الحزين. ~~••• # 18 # إن عود القصب # إن عود القصب لينمو ويبزغ للنور # ليحمل العذوبة للعالمين! # فليكن من حظ يراعى # أن ينسكب منه كل جميل! # | كتاب حافظ # فلتسم الكلمة عروسا # وليطلق على الروح اسم العريس، # ولقد عرف هذا الزفاف # كل من مجد حافظا وأثنى عليه. # 1 # لقب # الشاعر ~~: # قل لي يا محمد شمس الدين، # لم أطلق عليك شعبك المجيد # لقب «حافظ»؟ # حافظ ~~: # أحمد لك سؤالك، # وأجيبك عنه. # فلأني أحفظ في ذاكرتي الواعية # إرث القرآن الكريم # وأحافظ عليه ~~- كما ينبغي على كل مؤمن أمين - # حتى لا تمسني بسوء عوادي السنين # أو تمس كل من يرعى ويصون # كنز التنزيل الحكيم، # لهذا خلعوا علي هذا اللقب (العظيم). # الشاعر ~~: # ولهذا أود يا حافظ، كما يبدو لي ، # ألا أقل عنك (في هذا السبيل)، # فنحن حين نفكر كما يفكر الآخرون # نصبح معهم متشابهين. # هكذا أشبهك تمام الشبه، # أنا الذي طبعت نفسي # بالصورة الرائعة لكتبنا المقدسة. # كما انطبعت صورة السيد «المسيح» # على قماش ذلك الثوب «المشهور» بثوب الثياب، # وملأت صدري رضا وسكينة # بصورة الإيمان الخالصة # رغم (ما لقيت) من جحود، وتعطيل، واستهزاء. ~~••• # 2 # اتهام # أتدرون من الذين تتربص بهم الشياطين # في الصحراء بين الصخور والأسوار؟ # وكيف يتحينون الفرصة (السانحة) # لكي يسوقوهم إلى الجحيم؟ # إنهم الكذابون والأوغاد. ~~••• # ولكن لماذا يقبل الشاعر غير هياب، # على الاختلاط بهؤلاء الأشرار! ~~••• # وهل يعرف من يتصرف دائما تصرف المجانين # من الذي يسير أو يرافقه التجوال؟ # إن حبه العنيد الذي يجعله يتخطى الحدود # يدفعه إلى القفار (يهيم فيها كالشريد)، # وقوافي شكاواه التي يسطرها على الرمال # تذروها على الفور الرياح، # إنه لا يفهم أو يعي ما يقول، # وما يقوله لا يتمسك به (ولا يحافظ عليه). # ومع ذلك فإنهم يتركون أغنيته تسيطر على القلوب # رغم أنها قد تكون متعارضة (مع أحكام) القرآن. # أما أنتم يا فقهاء الشرع (الحكيم)، # أيها الراسخون في العلم والحكمة ms105 والإيمان، # فعلموا المسلمين الصالحين فروض الدين، # إن حافظا على وجه الخصوص يسبب المتاعب والمضايقات، # وميرزا يشتت العقل (في متاهة) الظنون، # فقولوا لنا ماذا نأخذ وماذا ندع ~~(أيها الفقهاء العالمون)؟ # 3 # فتوى # إن أذواق حافظ (في قصائده وأغانيه) # تعبر عن الحق الراسخ المتين، # ولكنه يقع هنا وهناك في هنات # تحيد به عن حدود الشرع (المبين). # لا بد أن تعرف، إن أردت السير المأمون، # كيف تميز سم الأفاعي من الترياق # بيد أنك لو وهبت نفسك بوجدان مرح طروب # للاستمتاع الخالص بالفعل النبيل، # وحميت نفسك عن طريق التدبر الحكيم # من تلك المتع التي لا تعقب غير الألم الدائم (الوبيل) # فسيكون ذلك هو أفضل سبيل لتوقي الزلل الوخيم. # هذا ما كتبه أبو السعود الفقير، # غفر الله ذنوبه أجمعين. # 4 # الألماني يقدم الشكر # أصبت (كبد) الحقيقة، أيها الولي الصالح أبو السعود! # والشاعر يتمنى (وجود) أمثالك من الأولياء؛ # لأن تلك الهنات (الهينات) # التي تحيد عن حدود الشرع # هي بعينها التراث الذي ينطلق فيه أيما انطلاق # وهو يشعر بالبهجة حتى في غمرة الأحزان. # ولا بد أن يبدو له السم شبيها بالترياق # والترياق شبيها بسم الأفاعي # فلا هذا يقتله، ولا ذاك يداويه من الآلام، # لأن الحياة الحقة هي البراءة الخالدة للفعل # وهي تقدم الدليل على وجودها # بألا تصيب أحد سوى نفسها بالضرر والإيذاء. # وهكذا يأمل الشاعر الكهل، # أن تحسن الحور استقباله في جنة النعيم، # حين يبدو (لهن في صورة) شاب طاهر وسيم. # يا ولي الله الصالح أبا السعود، لقد أصبت (كبد) الحقيقة! # 5 # فتوى # قرأ المفتي قصائد «مصري» # واحدة بعد واحدة، قرأها أجمعين، # ثم ألقاها في النار وقد بدا عليه التدبر والتفكير، # فاستحال الكتاب المدون بخط جميل إلى رماد. # فليحرق كل من يتكلم أو يعتقد مثل مصري، # هكذا قال القاضي الجليل - وأما هو وحده، # فيستثنى من عذاب النار؛ # لأن الله منح الموهبة لكل شاعر، # فإن أساء استخدامها في غمرة ذنوبه وخطاياه # فلينظر كيف يسوي أموره مع الله. # 6 # بغير حدود # إنك لا تستطيع أن تنتهي، هذا ما يجعلك ms106 عظيما، # وكونك لا تبدأ أبدا، هذا هو قدرك. # أغنيتكم تدور دورة النجوم في السماء، # البدء فيها دائما والمنتهى سواء، # وما يأتي به الوسط، من الواضح للعيان # أنه هو الذي يبقى في النهاية، وهو الذي في البداية كان. ~~••• # أنت النبع الشعري الأصيل للأفراح، # تتدفق منه بلا حصر، موجة بعد موجة. # فم متأهب على الدوام للتقبيل، # وغناء منبعث تستثيره الرغبة في الشراب، # وقلب حنون يفيض بما فيه. ~~••• # ولو يسقط العالم كله في الهاوية # فأنت يا حافظ، أنت وحدك الذي يلذ لي أن أنافسه! # فلنشترك معا، نحن التوءمين، # في الفرح والألم! # وليكن سبيلك في الحب كما في الشراب # هو موضع فخري ومناط حياتي. # ألا فلتنغم أغنيتك بلهيبك المستعر! # فأنت (الشيخ) الأقدم (والشاب) المتجدد (العمر). # 7 # محاكاة # أطمع أن أجد نفسي في (صنعة) قوافيك، # ولا بأس أيضا في أن يعجبني التكرار، # وسأجد المعنى أولا، ثم أعثر كذلك على الألفاظ، # ولن أسمح لنغمة أن ترد في سمعي للمرة الثانية # إلا أن تردد معها معنى جديد، # كما تفعل أنت أيها المقدم على الجميع. ~~••• # فكما تقدر الشرارة على إحراق مدينة القيصر، # عندما تضطرم ألسنة اللهب الفظيع، # فتولد (من باطنها) الرياح، وتتوهج بهذه الرياح # حتى إذا انطفأت تلاشت في محيط النجوم: # كذلك راح يشتعل بنارك ويتوقد بالوهج الخالد # قلب ألماني بعثت (فيه الحياة) من جديد. ~~••• # ألا إن في الإيقاعات الموزونة لسحرا، # والموهبة لتفرح بها غاية الفرح، # لكن ما أسرع ما تتقزز منها النفس ~~(وتراها) أقنعة جوفاء بلا معنى أو دم. # حتى الروح لا تظهر عليها السعادة، # حتى تضع حدا لذلك الشكل الميت # وتفكر في شكل جديد. # 8 # سر مكشوف # لقد سموك، يا حافظ المقدس، # باللسان الصوفي، # ولم يفهم فقهاء الألفاظ (هؤلاء) # قيمة كلماتك. ~~••• # إنهم ينعتونك بالصوفي. # لأنهم يتصورون (ألوان) الحمق في شعرك # ويتساقون خمرك العكرة # وهم يلهجون باسمك. ~~••• # لكنك صوفي خالص، # لمجرد أنهم لا يفهمونك، # أنت أيها (المؤمن) المبارك، بغير أن تكون (ورعا) تقيا! # وذلك ما لا يريدون الاعتراف به لك. # 9 # تلميح # ومع ذلك فهم على حق، ms107 أولئك الذين أوجه إليهم اللوم، # فكون الكلمة لا تدل ببساطة على معناها الظاهر، # شيء لا بد أن يكون واضحا بذاته. # إن الكلمة مروحة! ومن خلال العصي # ترنو عينان فاتنتان # ما المروحة إلا نسيج بديع، # أجل إنه يحجب الوجه عني، # ولكنه لا يخفي الحسناء، # لأن أجمل ما تملكه، وهو عينها، # تبرق بريقا ناصعا في عيني. # 10 # إلى حافظ # إنك لتعلم ما يريده العباد، # وقد فهمته كل الفهم، # فالحنين يقيدنا أجمعين، # من التراب إلى العرش بقيوده الشداد. ~~••• # إنه ليؤلم أشد الألم، ثم لا يلبث أن يسر، # ومن ذا الذي استطاع أن يتحداه؟ # وإذا كان البعض قد كسرت رقبته، # فالبعض الآخر باق على (طبعه) المتهور. ~~••• # اعذرني، يا معلم، فأنا كما عهدتني # كثيرا ما أجاوز الحدود، # كلما أسرتني عيناها (وشدتني) ~~(شجرة) السرو المتقلبة المزاج، # إن قدمها لتخطر كشعيرات الجذور # على الأرض وتخطب ودها! # وكالغيوم الخفيفة تذوب تحيتها # وأنفاسها كنجوى العاشقين الشرقيين. ~~••• # كل هذا يدفعنا، في غمرة الهواجس والأحاسيس ، # إلى حيث تشتبك الخصلة مع الخصلة، # وتنتفخ في حلقات موفورة السمرة # ثم يسمع لها في الريح حفيف. ~~••• # عندها يتفتح الجبين ويشرق # بالنور الذي يضيء قلبك، # تسمع أغنية عامرة بالبهجة والصدق # تطوي فؤادك فيها وتغرق. ~~••• # وعندما تنفرج وتتحرك الشفاه # بأعذب وأرق غناء، # فإنها تحررك على الفور # فتضع نفسك (من جديد) في الأغلال. ~~••• # عندئذ يود النفس ألا يرجع، # وقد لاذت الروح بالروح، # وتموج الروائح العبقة بالسعادة (والمجون) # وهي تسري كالسحب لا تراها العيون. ~~••• # فإذا احترق (الجوف) واشتعلت فيه النار، # مددت يدك لقدح الخمرة # والساقي يذهب والساقي يجيء # يسقيك المرة بعد المرة. ~~••• # تبرق عيناه وتخفق نبضات قلبه، # ويمني النفس بسماع حديثك # عندما ترتفع روحك (على أجنحة) السكر # فيفيض بأسمى المعاني. ~~••• # وينفتح أمامه فضاء العالم الرحيب # ويغمر أعماقه النور والنظام، # ينتفخ الصدر، ويبزغ على جلده الشعر # ويتحول حقا إلى غلام. # وحين لا يخفى عليك سر دفين # يطويه القلب والعالم، # تشير بحب وإخلاص للحكيم # ليفضي بما عنده من معنى مكنون. # كذلك لا تغيب عنك حاشية الأمير # حتى لا تفقد رضاهم # فتقول ms108 للشاه كلمة طيبة # ولا تضن بها على الوزير. ~~••• # كل هذا تعرفه اليوم وتغنيه # كما ستغنيه غدا وبعد غد، # بهذا تأخذنا صحبتك بالمحبة والود # في أرجاء الحياة الخشنة والحياة التي تنعم بالهناء والرغد. # | كتاب العشق # خبرني، # ماذا يبغيه القلب؟ # قلبي ملك يديك، # فصنه بحب. # 1 # نماذج # أنصت واحفظ (في ذاكرتك) # قصص العشاق الستة ~~••• # الكلمة تطلق شررا # يشعله الحب: # رستم من روذابه ... ~~••• # مجهولان لبعضهما # لكن أحدهما بجوار الآخر: # يوسف وزليخا. ~~••• # الحب مع الحرمان: # فرهاد مع شيرين. ~~••• # ما عرفا إلا الحب: # ليلى والمجنون. ~~••• # عشق جميل لبثينة # حتى وهي عجوز. ~~••• # وعذوبة نزوات العشق # بين سليمان (وبلقيس) السمرا! # لو أنت وعيت حكايات القلب، # لتشجع قلبك وعرفت الحب. # 2 # زوج آخر # أجل، إن العشق من أكبر النعم! # من ذا الذي ينال (حظا) أجمل منه؟ # لن تكون (بفضله) قويا، لن تصبح ثريا، # لكن ستكون شبيها بأعظم الأبطال. # سوف يتحدث الناس عن وامق وعذراء # كما يتحدثون عن الرسول. # هم بالأحرى لن يتحدثوا عنهما، بل سيذكرون اسمهما، # فالاسم (في الحقيقة) معلوم للجميع. # أما ماذا فعلا، ماذا أتيا، # فأمر لا يعلمه إنسان. # لقد أحبا، هذا هو (كل) ما نعرفه (عنهما)، # وهو يغني عن أي قول، حين يسألنا أحد عن وامق وعذراء. # 3 # كتاب مطالعة # إن كتاب الحب # لأعجب الكتب، # عليه قد عكفت، # نظرت عن كثب، # به من الأفراح # صحائف قليلة، # للحزن والأتراح # ملازم طويلة، # للهجر فيه باب، # وللقاء فضل # مشتت شحيح. # مجلدات الهم # مسهبة الشروح ~~(بالسهد والجروح) # وما لها من حد. # أواه يا نشاني! # وجدت في النهاية # طريقك الصحيح، # واللغز من يحله؟ # أن يلتقي العشاق ~~(بعد عذاب القلب) # والهجر والفراق. # 4 # أجل كانت هي العيون # أجل، كانت هي العيون التي رنت إلي، # وكان هو الفم الذي قبلني. # فخذان ضيقان، وجسد ممتلئ بض # وكأني أتمتع بنعيم الفردوس. # أوكانت ها هنا، وإلى أين مضت؟ # أجل هي التي كانت هنا، وهي التي أجزلت في العطاء، # أعطتني نفسها وهي تفر # وأسرتني (في أغلالها) طول العمر. # 5 # تحذير # كذلك كان يلذ لي عن طيب خاطر ms109 # أن أضع نفسي في شراك الغدائر، # ومن ثم جرى لصديقك، يا حافظ، # ما سبق أن جرى لك. ~~••• # لكنهن يضفرن اليوم # خصلاتهن من الشعور الطويلة، ~~(على هيئة) خوذات لشن غاراتهن، # كما عودتنا الخبرة على ذلك. ~~••• # غير أن الذي يتروى (في الأمر) ويتدبر، # لا يسمح بأن يفرض عليه هذا القهر: # فقد يخاف المرء من الأغلال الثقيلة # ويندفع بنفسه (للوقوع) في الحبائل الخفيفة. # 6 # غريق # يا له من رأس مستدير غني بالخصل المجعدة! # وكلما سمح لي أن أتخلل بملء يدي # هذه الغدائر الثرية مرة بعد مرة، # شعرت من أعماق القلب بأنني معافى. # وكلما لثمت الجبين، والقوس، والعين، والفم، # أحسست بأني منتعش وعاودني (نزف) الجرح. # أين تراه سيتوقف، هذا المشط بأسنان خمس؟ # إنه ليرجع من جديد إلى الغدائر. # والأذن لا تتمنع عن اللعب، # فليس ها هنا لحم ولا ها هنا جلد، # وما أرقها للملاطفة، ما أحبها! # ومع ذلك فكلما داعب المرء هذا الرأس الصغير، # شعر دائما بالرغبة في أن تجوس يداه # صاعدة هابطة في هذا الشعر الأثيل. # هذا ما فعلته أنت كذلك يا حافظ، # أما نحن فنبدأ فيه من جديد. # 7 # أمر محير # هل لي أن أتكلم عن الزمرد، # الذي يزين بنانك؟ # أحيانا ما تدعو الحاجة للكلمة، # وكثيرا ما يغدو الصمت هو الأفضل. ~~••• # لأقل إذن إن اللون # هو الأخضر والمنعش للعين! # ولا تقولي إنك تخشين # أن يكون الألم والندبة منه قريبين. ~~••• # أيا كان الأمر ففي وسعك أن تقرئيه! # ما السر في هذه القوة، لماذا تؤثرين كل هذا التأثير! ~~«إن جوهرك لجد خطير # بقدر ما الزمرد منعش ومثير.» # 8 # أيتها المحبوبة آه! # أيتها المحبوبة، آه! في القيد الصارم # تنحبس أغاني الحرة # وهي التي كانت تطير هنا وهناك # في آفاق السماء الصافية. # إن الزمن يفني كل شيء، # أما هي فستبقى أبدا. # وسيبقى كل سطر فيها # خالدا خلود الحب. # 9 # عزاء سيئ # في منتصف الليل بكيت، نشجت # لأني احتجت إليك، شعرت بحرماني منك. # عندئذ جاءت أشباح الليل، ~~(فخفت)، خجلت. # ناديت عليها: يا أشباح الليل! # ها أنت ترين ms110 دموع العين # وكنت تمرين علي # غريقا في أحضان النوم، # إني أفتقد الخير كثيرا، كل الخير # بربك إلا أحسنت الظن (وأقللت اللوم)، # من أضفيت عليه قديما ثوب الحكمة # حل عليه الكرب ونزل الشؤم! # عبرت أشباح الليل # وذهبت كالحة الوجه # فلم تحفل بي # إن كنت حكيما أو أحمق (يعوزني الفهم). # 10 # قنوع # كم تخدع نفسك حين يصور لك الحب # أن فتاتك، قد صارت ملك يديك. # هذا شيء لا يمكن أن يسر خاطري أبدا، # فهي تعجب بألوان التملق (وتنتظرها منك). # الشاعر: # حسبي أن المحبوبة ملك يدي # وعذري الواضح # أن الحب عطاء حر # أما الملق فإني لا أنشد منه # إلا تمجيد حبيب العمر. # 11 # تحية # آه كم كانت سعادتي # وأنا أجوب تلك البلاد # التي يسير فيها الهدهد على الطريق. # رحت أبحث في الصخور # عن قواقع البحر المتحجرة، # وأتى الهدهد بالقرب مني # ناشرا أهداب تاجه # وأخذ يخطر في خيلاء ~~- وهو الممتلئ بالحياة - # مبديا سخريته من كل ما هو ميت. # قلت له: «يا هدهد! # الحق أنك طائر جميل. # أسرع لتعلن للحبيبة # إنني أحبها # حبا أبديا # لقد سبق لك أيضا القيام # بدور رسول الغرام # بين سليمان (الحكيم) # وملكة سبأ!» # 12 # تسليم ~~«أوتفنى وتظل ودودا وتحب، # تضوي وتغني بغناء عذب؟» # الشاعر: # الحب يعاملني بقسوة ويعاديني! # لهذا أود أن أعترف عن طيب خاطر، # بأنني أغني بقلب ثقيل محزون. # حاول أن تنظر مرة إلى الشموع، ~~(تجدها) تسطع بالضوء بينما تذوي وتموت. # ألم الحب بحث عن مكان # شديد الوحشة ووحيد، # فلم يجد غير فؤادي المقفر # حيث أقام عشه في الفراغ. # 13 # أمر حتمي # من ذا يمكنه أن يأمر الطيور # بأن تلزم السكون في المروج؟ # ومن ذا يستطيع أن يمنع الشياه # من الارتجاف تحت مقص الحلاق؟ ~~••• # فهل أبدو متمردا وسيئ الأدب # إذا ما تلبد صوفي؟ # كلا! فإن التمرد وسوء الأدب # يضطرني إليهما الحلاق الذي يجز لبدتي. ~~••• # من ذا الذي يمنعني من الغناء # على هواي حتى أبلغ عنان السماء، # وأسر بنجواي إلى السحاب # وكيف فتنني فتنة تأخذ بالألباب؟ # 14 # سر # وقف الخلق حيادى ms111 مشدوهين # من نظرات المحبوب إليا، # أما أنا فعليم، ولدي يقين # بالمعنى الكامن فيها (والمغزى)، # ذلك أنها تقول: أحب هذا الإنسان # لا ذلك الفلان أو العلان. # فتخلوا إذن، أيها الناس الطيبون # عما (يملأ نفوسكم) من تعجب وحنين، # أجل إنها تنظر بغضب رهيب # إلى الجموع المتحلقة من حولها، # بينما تريد أن تعلن له وحده # عن موعد اللقاء الحلو القريب. # 15 # سر أعمق ~~«إننا مهتمون أعظم اهتمام ~~- نحن صيادي النوادر والأخبار - # بأن نعرف من هو حبيبك # وهل لك كذلك كثير من الأصهار ~~••• # أما أنك ولهان فهذا ما نراه، # ونغبطك عليه من طيب خاطر، # وأما أن حبيبك يبادلك الغرام، # فهذا شيء لا يمكننا تصديقه.» ~~••• # هلموا أيها السادة الأعزاء، # بادروا بالبحث عنها، ولكن حذار، # ستصابون بالفزع إن هي وقفت هناك. # فإذا غابت قبلتم خيالها. ~~••• # إنكم تعرفون كيف تجرد شهاب الدين # من ثيابه فوق (جبل) عرفات، # ولا تصفون أحدا بالحمق # لأنه يحاكيه فيما فعل. # وإذا ذكر اسمك في يوم من الأيام # أما عرش قيصرك # أو أمام حبيبة قلبك # فليكن لك في ذلك أعظم جزاء. ~~••• # لذلك كان أفظع الفواجع والأحزان # أن يطلب المجنون ساعة احتضاره # ألا يذكر اسمه إنسان # أبدا أمام ليلى (العامرية). # | كتاب التفكير # 1 # اسمع النصح # اسمع النصح الذي تردده القيثارة؛ # بيد أنه لن يفيد حتى تثبت القدرة والمهارة. # إن أسعد الكلمات ليقابل بالسخرية والاستهزاء، # حين يكون السامع ذا أذن لا تحسن الإصغاء. # لكن ما الذي تردده القيثارة؟ إنها ترن بصوت عال: # بأن أجمل العرائس ليست هي أصلحهن، # ومع ذلك فلو كان علينا أن نجعلك واحدا منا # فإن الواجب يحتم عليك أن تريد الأجمل والأصلح. # 2 # خمسة أشياء # خمسة أشياء لا تنتج خمسا، # فافتح أذنيك لتستوعب هذا الدرسا: # لا تنبت في صدر المغرور مودة، # ورفاق الخسة والوضعاء عديمو الذوق، # والعظمة لا يدركها شرير وغد، # والحاسد لا يرحم عريا، # والكاذب يطمع عبثا في ثقة الناس، # فاحفظ هذا الدرس (وأمنه بالحراس) # كي لا يسرقه أحد «الأنجاس». # 3 # خمسة أخرى # ما الذي يقصر علي الزمن؟ # الفعل! # وما الذي ms112 يجعله طويلا لا يحتمل؟ # الفراغ! # ما الذي يوقع المرء في الديون؟ # التجلد والصبر! # وما الذي يجلب الكسب (الوفير)؟ # عدم إطالة التفكير! # ما الذي ينيل الشرف والكرامة؟ # الإباء والمقاومة! # 4 # محببة هي نظرة الفتاة # محببة هي نظرة الفتاة التي ترنو (إليك)، # ونظرة الشارب محببة، من قبل أن يشرب، # وتحية السيد الذي استطاع أن يصدر الأمر، # وضوء الشمس الذي غمرك في الخريف. # وأحب من هذا كله أن تضع نصب عينيك على الدوام، # كيف تسعى نحوك في لطف يد فقيرة # لتتلقى ما تقدمه من هبات صغيرة # وهي تحمل أجمل مشاعر الامتنان والعرفان. # يا لها من نظرة! يا لها من تحية! ويا له من سعي قوي التعبير! # تأمله جيدا، وسوف تواصل العطاء دائما (بسرور). # 5 # وإن ما ورد في بند نامه # وإن ما ورد في «بند نامه» # لمنقوش في صدرك: # كل من تعطيه بنفسك # سوف تحبه كما تحب نفسك # فقدم المليم وأنت مسرور (على الفور) # ولا تكنز الذهب لينفق بعدك في الخير، # بل أسرع وأنت مغتبط راضي # إلى تفضيل الحاضر على ذكرى الماضي. # 6 # إن مررت بحداد # إن مررت على صهوة جوادك بحداد، # فلست تدري متى يصلح لك كعب الجواد، # وإن رأيت كوخا خاليا في العراء # فلست تدري إن كان يضم حبيبة الفؤاد، # وإن لقيت فتى جسورا ذا محيا جميل # فلست تعلم إن كان سيغلبك غدا أم سيكون المغلوب. # لكن يمكنك أن تقول عن الكرمة الخبر اليقين # وأنها ستحمل لك من الطيبات الكثير. # وهكذا تحيا في هذا العالم في أمان # وما عدا ذلك لا يحتاج مني إلى التكرار. # 7 # فلتحسن رد التحية # فلتحسن رد التحية من إنسان مجهول! # ولتكن عندك في مقام التحية من صديق قديم. # فبعد كلمات قليلة ستقولان لبعضكما الوداع! # وتذهب أنت إلى المشرق، وهو إلى المغرب، وتتفرق # بكل السبل والدروب ~~- حتى إذا التقيتما على الطريق بعد سنين وسنين # على غير انتظار - نادى أحدكما الآخر في فرح وسرور: # حقا إنه هو! أجل كان هو نفسه! # كأن لم يفرق بينكما السفر والرحيل # في ms113 البر والبحر ولا دورة الشموس (والأفلاك). # عندئذ تبادلا البضائع وتقاسما المنافع! # فالثقة القديمة تعقد # عرى المودة من جديد. # إن أول تحية تعدل آلاف التحيات # فأحسن رد التحية لكل من حياك! # 8 # لقد طالما قالوا الكثير # لقد طالما تحدثوا عن عيوبك # ورووا الكثير عن أخطائك، # وطالما عذبوا أنفسهم أشد العذاب # ليثبتوا صدق ما يقولون ويحكون. # ليتهم بحب ومودة حدثوك # عن خير (أو فضل) تملكه # وأشاروا عليك بصدق ووفاء # كيف تختار ما هو أفضل منه، # والحق إن أفضل الأشياء # لم يبق محجوبا عني في الخفاء # وهو الذي لا يلتف حوله في خلوة الزاهدين # إلا أقل عدد من الضيوف المخلصين # وهكذا اخترت في نهاية المطاف # أن أكون التلميذ الذي يتعلم # كيف يقع المرء في الأخطاء # عن طريق التفكير والندم. # 9 # إن الأسواق تغريك بالشراء # إن الأسواق تغريك بالشراء، # غير أن العلم ينتفخ ويتورم. # ومن ينظر حوله في سكون # يتعلم كيف يهدي الحب ويقوم. # إن كنت تجهد نفسك بالليل والنهار # لتسمع الكثير وتعلم الكثير، # فعليك أن تتنصت على باب آخر # لتعرف كيف يجدر بك أن تعلم. # وإذا كان للحق أن يجد طريقه إليك # فاشعر من لدن الله بما هو حق: # من يحترق بنار الحب # فلا جرم سيعرفه الرب. # 10 # لما سعيت # لما سعيت (للتحلي) بالشرف والأمانة، # خاب مسعاي، # وأمضيت السنين الطوال # في عذاب (وضلال)، # أفلحت ولم أفلح أيضا، # كيف وما معنى هذا؟ # ثم حاولت أن أكون وغدا # وبذلت في ذلك غاية جهدي، # لكنه لم يوافق طبعي # بل حطم كياني ومزقني. # عندئذ قلت لنفسي # إن الشرف لأفضل شيء، # حتى لو كان قليل الحظ، # فهو الأرسخ والأبقى. # 11 # لا تسل من أي باب # لا تسل من أي باب # دخلت مدينة الله، # بل ابق في الموضع الهادئ # حيث اتخذت مكانك. # ثم انظر حولك وفتش عن الحكماء # وعن الأقوياء الذين يأمرون (وينهون)، # أولئك سيعلمونك ويهدونك، # وهؤلاء سيشدون عزيمتك ويقوونك. # وما دمت قد عشت لتنفع (غيرك) ولزمت (العقل) والاتزان. # وبذلك حفظت للدولة عهد الوفاء، # فاعلم أنه لن يكرهك إنسان، ms114 # بل سيحبك الكثير من الناس. ~~••• # والأمير يعرف (ويقدر) الإخلاص # الذي يصون الفعل ويجدد فيه الحياة، # بهذا ينجح الجديد في الاختبار # ويبقى ثابتا إلى جانب القديم. # 12 # من أين جئت؟ # من أين جئت؟ إنه (في الواقع) لسؤال، # فلست أدري كيف ساقني إلى هنا الطريق، # هنا الآن في هذا النهار المشرق السماء # يتلاقى الألم والسرور لقاء الأصدقاء. # يا للحظ السعيد حين يتحدان! # والوحيد، كيف يطيب له أن يضحك، كيف يطيب # له البكاء؟ # 13 # الواحد بعد الآخر # الواحد بعد الآخر يمضي ويزول، # وكذلك أحيانا يمضي قبله، # فدعنا إذن نقطع دروب الحياة # سراعا، شجعانا، وجسورين. # إن الأزهار تستوقفك، وهي تنظر إليك بإغراء، # لكي تقطف منها ما تشاء، # ولا شيء يمكنه أن يصدك ويرغمك على النكوص # إلا إن كنت قبل ذلك مزيف (الضمير). # 14 # عاملوا النساء # عاملوا النساء برفق وتسامح! # خلق الله المرأة من ضلع أعوج # لم يشأ له سبحانه أن يستقيم # إنك إن أردت أن تثنيه انكسر، # وإن تركته ازداد عوجا، ~~(قل لي) يا آدم الطيب، أهنا لك ما هو أسوأ من ذلك؟ # عاملوا النساء برفق وتسامح، # فليس من الخير أن ينكسر لكم ضلع. # 15 # إنما الحياة # إنما الحياة مزحة سخيفة: # هذا ينقصه شيء، وذلك يعوزه شيء آخر، # وما يطمع فيه هذا غير قليل، وما يطمح إليه ذلك بلا حدود. # والقدرة والحظ يدخلان أيضا في اللعبة. # فإذا تدخل سوء الحظ بينهما # حمله كل امرئ وهو كاره (محزون)، # حتى يأتي الورثة أخيرا فيحملون # ذلك السيد الذي لا يستطيع ولا يرى وهم مغتبطون. # 16 # إن الحياة لعبة # إن الحياة لعبة من لعب الإوز: # فكلما تقدم الإنسان في المسير، # سبق غيره إلى الهدف (المقصود) # الذي لا يود أحد أن يتوقف عنده. ~~••• # يقال إن الإوز غبي، # فلا تصدقوا ما يقوله الناس؛ # لأن إحداها تنظر حولها # ثم تلتف وراءها مشيرة إلي. ~~••• # لكن الأمر في هذه الدنيا مختلف أشد الاختلاف # إذ يتدافع الجميع متقدمين للأمام، # وإذا تعثر أحدهم أو سقط (في الزحام)، # لم تتلفت نفس واحدة إلى الوراء. # 17 # أخذت ms115 منك السنوات # أخذت منك السنوات، كما قلت، كثيرا: # متعة ألعاب الحس # وذكرى عبث الأمس # المفعم بدلال الحب، # وحرمت من التجوال طويلا # بين مغاني الأرض # لأنك جاوزت السن ~~(وشاب القلب)، # لم يسلم حتى الشرف، # وكان يزين الرأس # ولا (سلم) المدح وكان يسر النفس. # جف معين الخلق وغاض النبع # فما عدت تغامر ~~(كي تنفض عنك غبار اليأس) # لا أدري ماذا يبقى ~~(من كل كنوز العالم لك؟) ~~- يبقى ما يكفي القلب! # وتبقى الفكرة والحب! # 18 # لو وضعت نفسك # لو وضعت نفسك أمام العارفين # لضمنت الأمان في كل الأحوال. # فإن كنت قد عذبت نفسك طويلا # عرفوا على الفور ما تفتقر إليه # كذلك يمكنك أن تطمع في الثناء # لأنهم يعرفون أين وكيف أحسن البلاء. # 19 # سوف يخدع الكريم # سوف يخدع الكريم، # ويستنزف البخيل، # اللبيب سيضلل، # والعاقل يفرغ (من عقله)، # الفظ سيجتنبه الناس # والأبله يوضع في القيد. # تمكن من هذه الكذبة # واخدع أيها المخدوع! # 20 # من يملك إصدار الأوامر # من يملك إصدار الأوامر سيزجي المدح والثناء، # وسيرجع مرة أخرى إلى اللوم والتقريع، # فعليك أيها الخادم الوفي الأمين، # أن ترضى بهذا كما ترضى بذاك. ~~••• # ذلك أنه يثني على أهون الأشياء # كما يوجه اللوم، حيث كان ينبغي عليه الثناء، # لكنك لو تمسكت بالصبر والاتزان، # فسوف يتأكد في النهاية من معدنك الأصيل. ~~••• # وهكذا يكون عليكم، أيها السادة الأعلون، # أن ترعوا الله كما يفعل الضعفاء، # فاعملوا وقاسوا بقدر ما تستطيعون، # ولكن حافظوا على الصبر والاتزان. # 21 # إلى الشاه شجاع وأمثاله # خلال الهدير كله والرنين # في بلاد ما وراء النهر # يتجرأ غناؤنا # ويسير على دروبك! # لا يتخوف من أي شيء ~~(لأنه) يستمد الحياة منك، # فليطل عمرك # وليدم ملكك! # 22 # أسمى النعم # عندما كنت شرسا (صعب الانقياد) # وجدت سيدا، # وعندما رقت حاشيتي بعدها بسنوات # وجدت أيضا سيدة. # لم يدخرا الوسع في اختياري # ووجداني وفيا مخلصا، # وبالحفظ والرعاية شملاني # لأنني الكنز الذي وجداه. # لم يسبق لأحد أن خدم سيدين # ووجد في ذلك سعادته، # أما السيد والسيدة فيسرهما # أنهما معا وجداني، # وكوكب السعد يضيء ms116 حياتي # لأني وجدتهما معا. # 23 # الفردوس يقول ~~«أيها العالم! قبحت وما أفظع شرك! # أنت تغذو وتربي، وبنفس الوقت تهلك!» # ومن يؤثره الله بفضله وكرمه، ~~(فإنما) يغذو نفسه، ويربي نفسه، وينعم بالحياة والثراء. ~~••• # لكن ما معنى الثروة؟ - إنها الشمس التي تدفئ # ويستمتع بها الشحاذ، كما نستمتع بها # فلا يتبرم أحد من الأثرياء # ولا ينفس على الشحاذ المتعة والهناء. # 24 # جلال الدين الرومي يقول # إن أقمت في العالم فر (منك) كالحلم، # وإن ترحلت، حدد (لك) القدر المكان، # لا الحرارة ولا البرد يمكنك أن تتحكم فيهما، # وما يزدهر أمام عينيك، سيشيخ (ويذبل) على الفور. # 25 # زليخا تقول # قالت المرآة إني فاتنة، # حزت آيات الجمال! # قلتمو إن الليالي خائنة # سوف تذوين (ويطويك الزوال) # كل شيء خالد في عين ربي، # فاعشقوه الآن فيا، # هذه اللحظة حسبي! # | كتاب الضيق # 1 # من أين أتيت بهذا؟ ~~«من أين أتيت بهذا؟» # كيف تيسر أن يصل إليك؟ # وكيف حصلت من أسمال الحياة # على هذا الفتيل، # حتى تحيي من جديد # آخر ومضات الشرارة. ~~••• # لا يقعن في ظنكم # أن هذه الشرارة خامدة، # في الآفاق الشاسعة بلا حدود، # وفي محيط النجوم، # لم أضيع نفسي # بل شعرت كأني ولدت من جديد. ~~••• # هناك حيث أمواج الأغنام البيضاء # قد غمرت التلال ، # نعمت برعاية حداة جادين، # يرحبون بالضيف وبالقليل (من زادهم) يقرون، # وهم من الطيبة واللطف والهدوء # بحيث حببتهم وسعدت بهم أجمعين. ~~••• # في الليالي المخيفة # وتحت تهديد الغارات # كان ثغاء الإبل # ينفذ في الأذن والنفس # ويملأ الحداة # بالخيالات والخيلاء. ~~••• # ودائما تقدم المسير # واتسع المكان باستمرار # وبدا كل سعينا # أشبه بفرار أبدي. # ومن وراء البيد والحشود، # رف شريط أزرق لبحار خداعة. # 2 # لن تجد أي شويعر نظام # لن تجد أي (شويعر) نظام، # لا يحسب نفسه أفضل الشعراء، # ولن تجد عازفا متواضعا على الكمان # إلا ويؤثر عزف ألحانه الخاصة. ~~••• # ولم يكن في وسعي أن ألومهم: # فنحن إذا مجدنا الآخرين # تحتم علينا أن نجرد أنفسنا من المجد، # وكيف يحيا الإنسان في الوقت الذي يحيا فيه الآخرون؟ ~~••• # وهكذا وجدت من طبائع ms117 الأمور # في بعض غرف الانتظار # ألا يستطيع أحد التمييز # بين الكزبرة وزبل الفيران. ~~••• # إن المكانس القديمة لتكره # هذه المكانس الجديدة المتينة، # وهذه الأخيرة لا تريد أن تعترف، # بفضل المكانس القديمة. ~~••• # وحيثما دبت الفرقة بين الشعوب # وتبادلت الاحتقار (والازدراء)، # فلن يعترف شعب منها للآخر، # بأنهما يهدفان لنفس الغاية. ~~••• # وهذه الأنانية الفظة (الغليظة) # قد لامها البعض أشد اللوم، # وهؤلاء قلما حققوا شيئا، # بينما استطاع غيرهم أن ينجز الكثير. # 3 # ما إن يشعر المرء # ما إن يشعر المرء بالرضا والصفاء # حتى يبادره الجار بالتنغيص والشقاء، # وما عاش ذو الفضل يجاهد جهاد العاملين، # إلا شغف الناس بأن يرجموه. ~~••• # حتى إذا وافاه الأجل المحتوم، # طفقوا يجمعون التبرعات والهبات # ليقيموا له تمثالا يكرم ذكراه # ويشهد على ما لاقاه من نكد الحياة. ~~••• # ولو أحسنت العامة التقدير # وتدبرت أصلح الأمور # لكان الأولى بهذا المسكين # أن ينسوه إلى أبد الآبدين. # 4 # لعلكم تلاحظون # لعلكم تلاحظون أن التعاظم # لا يمكن نفيه من العالم، ~~(لهذا) يلذ لي تبادل الكلام # مع النجباء والحكام العظام. ~~••• # ولما كان المحدودون الأغبياء # قد دأبوا على (العجرفة) والاستكبار # كما أن ضيقي الأفق والأوساط # قد أولعوا بوضعنا تحت نيرهم، # فقد أعلنت أنني حر (طليق) # من الحمقى والحكماء (على السواء)، # لأن هؤلاء يؤثرون البقاء بغير إزعاج # وأولئك يودون تمزيق أنفسهم (شر تمزيق). ~~••• # وهم يتصورون أن علينا في نهاية المطاف # أن نتوحد في القوة والحب # فيعكرون علي ضياء الشمس # ويشيعون السخونة في الظل. ~~••• # وقد اضطر كذلك حافظ وألريش هوتن # أن يصمما على حمل السلاح # لمواجهة أصحاب الثياب البنية والزرقاء، ~~(أما) أعدائي فيسيرون مثل سائر المسيحيين. ~~••• ~~«اذكر لنا إذن أسماء هؤلاء الأعداء.» # لست أبغي من أحد أن يدل عليهم # إذ يكفيني بين جماعة المؤمنين # أنني أعاني منهم أشد العناء. # 5 # إذا اطمأننت للخير والسلام # إذا اطمأننت للخير والسلام # فلن أجد في ذلك ما يلام، # وإن اتجهت إلى فعل الخير # فسيرفعك هذا إلى صفوف النبلاء! # أما إذا شئت أن تقيم السور (والسياج) # حول الخير الذي تصنعه # فسوف أحيا حرا وأحيا في هناء ms118 # ولن أحس بأن أحدا خدعني. ~~••• # ذلك أن الناس بطبعهم أخيار، # ويمكن أن تكون أحوالهم أفضل، # لو لم يبادر الواحد منهم # بتقليد الآخر فيما يفعل. # وهناك مثل يقول ~~- ولن يرفضه أحد - # إذا كنا نسير على طريق # ونقصد نفس المكان # فهلم بنا نسير معا. ~~••• # هنا وهناك أثناء المسير # سيواجهنا الكثير، # وما من أحد في الحب يطيق # أن يكون له معين ورفيق، # إذ يود كل امرئ أن يجزل له وحده العطاء # من المال والشرف والتكريم. # ثم يأتي الخمر، هذا الصاحب الأمين، # فيورث الشقاق في نهاية المطاف. ~~••• # وحافظ أيضا قد تكلم # عن مثل هذه التفاهات، # وحطم رأسه بالتفكير # في كثير من هذه السخافات، # ولست أرى من الخير # أن نهرب من هذا العالم # وأولى بك، حين تسوء الأمور لأقصى حد، # أن تهيئ نفسك لخوض المعارك. # 6 # وكأن ما يتفتح في ظل الصمت # وكأن ما يتفتح في (ظل) الصمت، # يعتمد على الأسماء! # إنني لأحب الخير الجميل # كما سوته (يد) الله. ~~••• # أحب إنسانا، وهذا شيء لا غنى عنه، # ولا أكره أحدا، لكن إذا وجب علي أن أكره # فإني كذلك على أتم استعداد، ~~(عندئذ) أكره بفظاعة وبغير حدود. ~~••• # أما إذا أردت أن تعرفهم عن قرب، # فانظر إلى الحق، وانظر إلى الباطل، ~~(وستجد) أن ما يصفونه بالعظمة والروعة # ربما لم يكن هو الحق. ~~••• # لأن من يريد أن يهتدي للحق # يجب عليه أن يحيا بعمق، # أما الإغراق في الثرثرة والجدال # فهو في ظني ضحالة وسماجة (في كل الأحوال) ~~••• # وبالطبع يستطيع السيد المرتق # أن ينضم إلى الممزق، # ومن ثم يتصور كذلك الملفق # أنه هو أفضل الناس! ~~••• # وهكذا يسعى كل إنسان وراء التجديد # ويحرص كل يوم على سماع شيء جديد، # وفي الوقت نفسه يتكفل كذلك التشتيت # بتخريب كل إنسان من داخله. ~~••• # هذا هو الذي يرغب فيه المواطن ويهواه، # سواء اعتبر نفسه ألمانيا بالمعنى القديم أو بالمعنى # الحديث، غير أن الأغنية الصغيرة تهمس في الخفاء: ~~«هكذا كانت الأمور وهكذا سوف تكون.» # 7 # المجنون معناه ~~«المجنون» معناه - لا أريد أن أقول # إنه هو الذي ms119 فقد عقله تمام الفقدان، # ومع ذلك لا يجوز أن توجهوا إلي الاتهام # بأنني أفتخر بأني «المجنون». ~~••• # عندما يفيض الصدر الطيب الحنون # بما امتلأ به لينقذكم (من الضلال) # فلا تهتفوا: «هذا هو المجنون! # هاتوا الحبال، أحضروا الأغلال!» ~~••• # وحين ترون في نهاية المطاف # أن الأفذاذ يحتضرون في السلاسل # فسوف يلسعكم لسع القراص # أن تتأملوهم بغير طائل. # 8 # هل سبق أن أشرت عليكم # هل سبق أن أشرت عليكم # كيف تشنون الحروب؟ # وهل وجهت اللوم إليكم - بعد ما رأيت من أمجادكم - # عندما قررتم عقد (معاهدة) السلام؟ ~~••• # وهكذا تركت الصياد # يطرح شباكه في هدوء، # ولم أحتج لتعليم النجار البارع # كيف يضبط زاويته. ~~••• # لكنكم تريدون أن تعرفوا # أفضل مني ما أعرفه وتبين لي # أن الطبيعة حبتني به وآثرتني # بأن أختص به وأنبغ فيه. ~~••• # هل تشعرون بمثل هذه القوة؟ # إذن فهاتوا برهانكم! # فإذا نظرتم في أعمالي # فتعلموا أولا: هكذا أراد لها أن تكون. # 9 # طمأنينة المتجول # لا يرفعن أحد صوته بالشكاة # من الدناءة والوضاعة؛ # لأنها هي المسيطرة الغلابة، # مهما زعم لك الزاعمون. ~~••• # إنها تدبر أمورها في الشر # لتحصل على أكبر ربح، # كما تتصرف في الخير # حسب مزاجها وأهوائها. ~~••• # أيها المتجول! - هل خطر ببالك # أن تثور على هذه المحنة؟ # دعهم يديرون ويثيرون كالغبار # زوابع الرمل والبراز الجاف. # 10 # من ذا الذي يطلب من الدنيا # من ذا الذي يطلب من الدنيا # ما تفقده هي نفسها وتحلم به، # فيظل يتلفت وراءه وحواليه # وعلى الدوام يضيع نهار النهار (من يديه)؟ # إن سعيهم (الحثيث)، وإرادتهم الطيبة # لا يلهثان إلا وراء الحياة المندفعة المتسرعة، # وما كنت تحتاج إليه قبل سنوات # تود هي اليوم أن تعطيك إياه. # 11 # إن ثناء المرء على نفسه # إن ثناء المرء على نفسه خطأ، # ومع ذلك (فهو خطأ) يرتكبه من يفعل خيرا، # وكلما كان صادقا وصريحا في كلامه # بقي الخير دائما هو الخير. ~~••• # أيها الحمقى، دعوا إذن هذه الفرحة # للحكيم الذي يعتقد في نفسه الحكمة، # حتى يمكنه، وهو الأحمق مثلكم، # أن يبذر من هذا الشكر الممجوج من العالم. # 12 ms120 # أتعتقد إذن؟ # أتعتقد إذن أن النقل من فم إلى أذن # هو مكسب حقيقي مأمون؟ # إن النقل، أيها الأحمق المأفون، # هو أيضا تخريف ووهم! ~~••• # الآن قد حان الوقت لإصدار الحكم # لن يخلصك من أغلال الاعتقاد # سوى العقل وحده # الذي سبق لك أن تخليت عنه. # 13 # ومن يحاكي الفرنسيس أو البريطان # من يحاكي الفرنسيس أو البريطان # أو يجاري الطليان أو الألمان # فإنما يريد كل واحد منهم، # ما تتطلبه منه (المصلحة) وحب الذات. # إذ ليس في ذلك أي اعتراف # لا بالكثيرين (منهم) ولا بالواحد، # طالما أنه لا يظهر في (ضوء) النهار، # ما يحب الإنسان نفسه أن يبدو عليه. ~~••• # ولكن في غد يجد الحق # أعوانه المخلصين، # وإن كان الشر قد ساد اليوم # واكتسب المكانة والحظوة. ~~••• # من لا يستطيع أن يقدم لنفسه الحساب ~~(عما تم من التطور) خلال ثلاثة آلاف عام، # فليبق معدوم الخبر يتخبط في الظلام # وليعش من يوم ليوم (ويتنقل من باب لباب). # 14 # عندما كان المسلمون # عندما كان المسلمون يستشهدون بالقرآن الكريم، # كانوا يذكرون السورة والآية، # وكان كل مسلم، بما ينبغي عليه من توقير، # يشعر بالإجلال والطمأنينة في أعماق الضمير، # لكن الدراويش المحدثين لا يفضلونهم في شيء # فهم يثرثرون عن القديم، فضلا عن الجديد. # وفي كل يوم يزداد التشويش والاضطراب الشديد، # أيها القرآن الكريم! أيتها الطمأنينة الخالدة! # 15 # النبي يقول # لو شعر أحد بالغيظ لأن الله قد شاء # أن ينعم على محمد بالحفظ والفضل والهناء، # فليبادر إلى تثبيت الحبل الغليظ # في أقوى عارضة في قاع بيته، # وليعلق نفسه فيه، # وسوف يحس بأن غيظه قد ذهب واستعاد الهدوء. # 16 # تيمور يقول # ماذا؟ أتنكرون علي أيها الفقهاء المراءون # فورة الانطلاق العاتية كالإعصار الشديد! # لو أن الله قدر لي أن أكون دودة # لكان قد خلقني على هيئة الدود. # | كتاب الحكم # 1 # سأنثر التمائم في هذا الكتاب، # وهذا يحقق التوازن. # ومن يخز بإبرة الإيمان # تسره الكلمة الطيبة في كل مكان. # 2 # لا تطلب من هذا اليوم ولا تسأل هذا الليل # إلا ما جلب إليك # نهار الأمس ms121 وليل الأمس. # 3 # من ولد في أسوأ أيام النحس، # ارتاحت نفسه حتى لأيام النحس. # 4 # لا يعرف أن الشيء سهل # إلا من اخترعه ومن حصل عليه. # 5 # البحر يفيض دائما # والأرض لا تحتفظ به أبدا. # 6 # لماذا تصيبني كل ساعة بالكمد والضيق؟ # إن الحياة لقصيرة، وإن النهار لطويل. # ودائما ما يتوق القلب للانطلاق إلى البعيد، # هل يصبو للانطلاق إلى السماء - لا أدري على وجه التحديد، # لكنه يريد أن يمضي إلى هنا وهناك، # ويود أن يفر من نفسه لو استطاع. # وإذا طار إلى صدر الحبيب، # استقر في السماء وهو غائب عن الشعور، # وتشده دوامة الحياة من جديد، # ولكنه يثبت على الدوام بموضع واحد فريد، # ومهما أراد، ومهما أضاع # فإنه يظل في النهاية هو الأحمق المأفون. # 7 # إذا اختبرك القدر، فهو يعلم السبب في هذا تمام العلم: # لقد أراد منك الزهد والعزوف، فأطعه في صمت. # 8 # لا يزال النهار طالعا، والناس يتحركون بلا توان، # حتى إذا أقبل الليل، توقف عن النشاط كل إنسان. # 9 # ماذا تريد أن تصنع بالعالم، لقد تم صنعه، # ورب الخلق قد دبر كل شيء. # تحدد نصيبك، فاتبع السبيل، # بدأ الطريق، فأتم الرحلة، # لأن الهموم والأحزان لن تغير منه شيئا، # بل ستظل تطيح بك بعيدا عن الاتزان. # 10 # إن شكا المظلوم يوما للسماء، # قد حرمت العون منهم والرجاء، # فدواء الجرح إن عز الدواء # كلمة طيبة فيها الشفاء. # 11 ~~«كم أسأتم التصرف # حين زاركم الحظ في بيتكم.» # لكن الفتاة لم تستأ من ذلك # فعاودت الزيارة عدة مرات. # 12 # إن ميراثي لرائع، # وهو موفور وشاسع. # فملكي الزمان، # وحقلي الزمان. # 13 # افعل الخير لأجل الخير وحده! # ثم سلمه لنسل من دمك، # فإذا لم يجن أولادك منه، # فهو لن يخلف للأحفاد وعده. # 14 # يقولها «أنوري»، وهو من أعظم الناس، # وأعلمهم بخفايا القلوب وبأعلى الرءوس: ~~(هناك ثلاثة أمور) ترفع قدرك في كل مكان وزمان: # الاستقامة، وسداد الرأي، و(القدرة على) الاحتمال. # 15 # لماذا تشكو من الأعداء؟ # وهل يمكن أن يكون لك أصدقاء # من أولئك الذين ms122 يظل جوهرك الأصيل # مصدر اتهام صامت وأبدي لهم؟ # 16 # ليس هناك أغبى ولا أشق على الاحتمال، # من أن يقول الأغبياء للحكماء: # ينبغي عليكم في الأيام العظيمة # أن تقدموا الدليل على تواضعكم. # 17 # لو كان الله جارا سيئا، # كما هو حالي وحالك، # لكان حظ كلينا من الشرف قليلا، # إنه (سبحانه) يترك كل إنسان لطبيعته. # 18 # اعترفوا بأن شعراء الشرق # أعظم منا نحن شعراء الغرب. # أما الشيء الذي نجاريهم فيه سواء بسواء # فهو حقدنا على أمثالنا من الشعراء. # 19 # في كل مكان يريد كل إنسان أن يكون في العالي، # كما هو الشأن في هذا العالم وواقع الحال. # ومن حق كل إنسان أن يكون فظا غليظ الإحساس، # على أن يقتصر ذلك على ما يحسن فهمه (من دون الناس). # 20 # ارفع مقتك يا رب وغضبك عنا! # فالصعو # 1 # الأخرس صار له صوت. # 21 # إذا صمم الحسد على أن يمزق نفسه، # فدعه يأكل جوعه. # 22 # إذا حرصت على الاحتفاظ باحترام النفس، # فيجب عليك أن تكون خشنا شديد البأس. # فكل شيء يمكنك أن تصيده بالصقر، # باستثناء الخنزير البري. # 23 # ماذا يفيد المتفقه في الدين، # أن يسد علي الطريق؟ # إن ما لم يدرك الإدراك الصحيح المستقيم، # لن يعرف أيضا بشكل ملتو سقيم. # 24 # إن الثناء على البطل وتمجيده، # شيء يمكن أن يقوم به كل من حارب بجسارة. # إذ لا يعرف قيمة إنسان # إلا من عانى من البرودة والحرارة. # 25 # افعل الخير حبا في الخير، # فإن ما تفعله لا يبقى لك، # وحتى لو أمكن أن يبقى لك، # فهو لن يبقى لأولادك. # 26 # إن كنت تحاذر ألا ينهبك الناهب ويشينك، # فاكتم ذهبك وذهابك، واكتم دينك. # 27 # كيف تسنى أن يسمع المرء في كل مكان # كثيرا من الأقوال الطيبة وكثيرا من الحماقات؟ # إن صغار الشباب يرددون كلمات العجائز # ويتصورون أنها من عندهم. # 28 # لا تترك أحدا يسوقك في أي وقت # إلى المناقضة والدحض؛ # فالحكماء يقعون في الجهل، # إذا تجادلوا مع الجهلاء. # 29 # لماذا كانت الحقيقة نائية بعيدة؟ ~~(ولماذا) تتخفى في ms123 أعمق الأعماق؟ # لا أحد يفهم في الوقت المناسب! # ولو فهم المرء في الوقت المناسب، # لاقتربت الحقيقة وانتشرت (على نطاق واسع) # وصارت محببة لطيفة. # 30 # ما الذي يدعوك للبحث والسؤال، # عن الموضوع الذي يصب فيه الإحسان. # ألق كعكتك في الماء، # فمن يدري من الذي سيذوقها ~~(من يدري أي إنسان)! # 31 # لما قتلت عنكبوتا ذات يوم # فكرت هل كان صوابا ما فعلت؟ # لقد أراد الله أن يصيبه # من هذه الأيام مثل ما أصبت. # 32 # مظلم هو الليل، وعند الله النور، # لماذا لم يخلقنا الله أيضا كذلك؟ # 33 # يا لها من جماعة (أفرادها) من كل لون! # على مائدة الرب يجلس الأصدقاء والأعداء. # 34 # إنكم تصفونني بالرجل البخيل، # فأعطوني ما أستطيع تبذيره. # 35 # إذا كان علي أن أريك الحي المحيط بنا، # فيتحتم عليك أولا أن تصعد إلى السطح. # 36 # من لزم الصمت قلت همومه. # يبقى المرء مخبوءا تحت لسانه. # 37 # السيد الذي له خادمان، # لا يجد الرعاية الكافية، # والبيت الذي تعيش فيه امرأتان، # لا يكنس كنسا جيدا. # 38 # تريثوا، أيها الأعزاء، # واكتفوا بالقول: «المعلم نفسه قال هذا!» # لماذا تعيدون وتزيدون عن الرجل والمرأة؟ # الأصح هو الكلام عن آدم وحواء. # 39 # علام أشكر الله جزيل الشكر؟ # على أنه فصل بين المعرفة والألم. # فلا بد أن ييئس كل مريض # لو عرف علته كما يعرفها الطبيب. # 40 # من الحماقة أن يتحيز كل إنسان # لما يراه وأن يثني عليه! # وإذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم، # فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين. # 41 # من يأتي إلى الدنيا يبني بيتا جديدا، # ثم يرحل ويتركه لشخص ثان. # يرتبه على نحو آخر # ولا أحد يتم البناء. # 42 # من دخل بيتي وأخذ (ينتقد) ويذم # ما ارتضيته سنوات طويلة، # فعليه أن يدرك وهو أمام الباب، # أنني لم أشأ أن أرضى عنه. # 43 # رب ارض # عن هذا البيت الصغير، # من الممكن بناء بيوت أكبر، # ولكن لن يتمخض عن ذلك الكثير. # 44 # إذا أردت حياة # بغير هم وفكر # فاجعل خليليك دوما # كأسا وديوان شعر. # 45 # أي ms124 شيء عجز عنه لقمان # الذي نعتوه بالقبيح. # ليست الحلاوة في العود # بل الحلاوة في السكر. # 46 # رائع هو الشرق # الذي جاوز البحر المتوسط # لن يفهم غناء كالديرون، # إلا من أحب حافظا وعرفه. # 47 ~~«لماذا تزين إحدى يديك # أكثر مما تستحق؟» # وماذا عسى أن تفعل اليسرى # إذ لم تزين اليمنى؟ # 48 # حتى لو استطاع أحد أن يسوق # حمار المسيح إلى مكة، # فإن ذلك لن يصلح شأنه # إذ سيبقى على الدوام حمارا. # 49 # الطين الذي يداس (بالقدم) # يتسع عرضه ولا تزداد صلابته. # لكنك لو أدخلته بقوة (وعزم) # في قالب ثابت لصار له شكل. # مثل هذه الأحجار ستتعرف عليها، # والأوروبيون يسمونها «البيزيه». # 50 # لا تبتئسي أيتها النفوس الطيبة! # لأن من لا يخطئ يعرف جيدا متى يخطئ الآخرون، # بيد أن الذي يخطئ أفضل حالا (من غيره)، # لأنه يتبين بوضوح ما أحسنوا صنعه. # 51 # أنت لم توجه الشكر للكثيرين # الذين قدموا لك الخير العميم! # لم يسؤني هذا ولم يسبب لي المرض، # لأن عطاياهم إنما تحيا في القلب. # 52 # عليك أن تحرص على حسن السمعة، # وأن تميز تمييزا جيدا بين الأشياء، # ومن طمع في أكثر من ذلك يضل ويفسد. # 53 # طوفان العاطفة يعصف بلا طائل # مرتطما باليابسة التي لا تلين. # يقذف اللآلئ الشعرية إلى الشاطئ، # وفي هذا وحده مكسب للحياة. # 54 # التابع الأمين: # لقد طالما استجبت لطلبات عديدة، # حتى ولو كان فيها ما يؤذيك، # وهذا الرجل الطيب لم يطلب إلا القليل # وليس في ذلك أدنى خطر. # الوزير: ~~(الحق أن) الرجل الطيب طلب القليل # ولو أنني أجبته على الفور # لكان (المسكين) قد ضاع في الحال. # 55 # من المؤسف، وهذا هو واقع الحال، # أن تسعى الحقيقة وراء الباطل، ~~(صحيح) أنها تميل لهذا في بعض الأحيان، # ومن يسأل السيدة الجميلة (عما تفعل)؟ ~~(أما) السيد «باطل» فإن أراد أن يتقرب من الحقيقة، # فينبغي أن يضايق ذلك السيدة الحقيقة. # 56 # أعلم أنه يسوئني أشد السوء، # أن يغني ويتكلم هذا العدد الكبير # من الذي يطرد الشعر من العالم؟ # إنهم الشعراء! # | كتاب تيمور ms125 # 1 # الشتاء وتيمور # هكذا أحاط بهم الشتاء # بغضبه المروع # وبينما أخذ يثير أنفاسه الثلجية بين الجميع، # هيج عليهم الرياح المختلفة. # أطلق عليهم عواصفه الجليدية المسنونة # لتضرهم بكل عنقها (وجبروتها)، # ثم هبط إلى مجلس تيمور، # وصرخ فيه متوعدا وهو يقول: # مهلا، وعلى رسلك أيها التعس، # أيها الطاغية الظالم، # إلى متى تنصهر القلوب # وتحترق بنيرانك؟ # إن كنت (تتصور) أنك أحد الأرواح اللعينة # فاعلم أنني الروح الآخر. # أنت عجوز، وأنا أيضا، # وكلانا يجمد اليابسة والبشر. # أنت أنت المريخ! وأنا زحل، # كلانا كوكب نحس، # واتحادنا مقترن بأفظع الكوارث. # وإذا كنت تميت النفس وتبرد الهواء # فإن أهويتي أشد بردا مما تقدر أنت عليه. # وإذا كانت جيوشك الوحشية تسوم المؤمنين # بألوان التعذيب التي تعد بالآلاف، # فتأكد أنه ستحدث في أيامي، # بعون الله مصائب أشد. # وبحق الله! لن أترفق بك. # وليسمع سبحانه ما سأقدمه لك! # أجل وبحق الله! لن يحميك، # من برودة الموت، أيها العجوز، # لا اللهيب المستعر في المواقد، # ولا النيران المشتعلة في (شهر) كانون. # 2 # إلى زليخا # لكي ألاطفك بأطيب العطور، # وأضاعف فرحك وسرورك، # فلا بد لألف من براعم الورود # أن تفنى قبل ذلك في اللهيب. # للحصول على قارورة صغيرة، تحتفظ بالعطر إلى الأبد، # رشيقة كأطراف أناملك. # فالأمر يحتاج لعالم بأسره. ~~••• # عالم من دوافع الحياة # جاشت في عنفوان # واستشعرت عشق البلبل وغناءه، # الذي يهز النفوس. ~~••• # أكان من الضروري أن يعذبنا ذلك العذاب، # في الوقت الذي ضاعف فيه نشوتنا؟ # ألم يلتهم طغيان تيمور # ألوف الألوف من أرواح الناس؟ # | كتاب زليخا # حلمت في الليل أني # أرى القمر في المنام، # فلما صحوت من نومي # طلعت الشمس فجأة (على غير انتظار). # 1 # دعوة # عليك ألا تهرب من اليوم؛ # لأن اليوم الذي تتعجله، # ليس أفضل من اليوم (الحاضر)، # لكنك لو أقمت في سرور، # حيث أتفادى العالم # لأجذب العالم إلي، # فسوف تشعر معي بالأمان: # اليوم هو اليوم، وغدا هو الغد، # وما سوف يأتي وما قد مضى، # لا يأسر اللب ولا يدوم على حاله. # لتبق أنت، يا أعز حبيب، # فأنت الذي تأتي ms126 به، وأنت الذي تعطيه. # 2 # إن زليخا فتنت بجمال يوسف # إن زليخا فتنت بجمال يوسف، # فذلك شيء ليس عجيبا، # كان شابا، وللشباب حظوة، # كان جميلا، ويقال إلى حد الفتنة، # وكانت جميلة، فاستطاع كل منهما أن يسعد الآخر. # أما أنك، يا من قسمت لي من زمن طويل، # ترسلين إلي نظرات، شابة مشبوبة، # وتحبينني الآن، وستسعدينني فيما بعد، # فذلك ما يجدر بأغاني أن تشدو بالثناء عليه، # ويجعلك عندي جديرة بأن تسمي إلى الأبد زليخا. # 3 # لما كنت الآن تسمين زليخا # لما كنت الآن تسمين زليخا، # فعلي كذلك أن أحمل اسما. # وعندما تتغنين بحبيبك، # فليكن حاتم هو اسمه، # كي يعرفني الناس به، # وليس في ذلك أي ادعاء، # فمن يدعو نفسه فارس القديس جرجس، # لا يتبادر إلى ذهنه أنه هو هذا القديس. # وأنا في فقري لا أملك أن أكون # حاتم الطائي أكرم الكرماء، # لا، ولا أتمنى أن أكون حاتم الطغرائي، # أغنى الشعراء الأحياء في زمانه، # لكن وضع الاثنين نصب عيني # لن يكون بالأمر المعيب: # فأخذ هدايا السعادة وإعطاؤها # سيبقى على الدهر متعة عظيمة # وإسعاد حبيب لحبيبه، # سيكون نعيم الفردوس. # 4 # حاتم # ليست الفرصة # 1 # هي التي تخلق اللصوص، # فهي نفسها أكبر لص، # إذ سرقت ما تبقى # من الحب في قلبي. # لقد أسلمته إليك، # وهو أعظم ما فزت به من حياتي، # فصرت، بعد أن أخنى علي الفقر، # لا أتوقع الحياة إلا منك. ~~••• # غير أني أشعر بالإشفاق # في ياقوت نظرتك، # كما أسعد بين ذراعيك # بقدري الجديد. # 5 # زليخا # في قمة الفرح بحبك، # لا أريد أن أذم الفرصة، # حتى لو كانت هي اللص الذي سرقك، # فكم تسعدني هذه السرقة! ~~••• # ولماذا تتكلم عن سرقة؟ # هبني نفسك باختيارك الحر! # كم يطيب لي أن أتصور، # أنني أنا التي سرقتك. ~~••• # إن ما أعطيته عن طيب خاطر، # يعود عليك بكسب رائع، # طمأنينتي، حياتي الخصبة، # أهبها في فرح، فخذهما! ~~••• # لا تمزح! لا تتحدث عن فقرك! # ألا يجعلنا الحب أغنياء؟ # حين أضمك بين ذراعي، # لا تعدل سعادتي أي سعادة. # 6 # ما خاب لصب مسعاه ms127 # ما خاب لصب مسعاه، # مهما يشتد من الكرب، # لو تبعث ليلى والمجنون # هديتهما درب الحب. # 7 # أمن الممكن # أمن الممكن، يا حبيبي الصغير، أن ألاطفك، # وأستمع إلى رنين الصوت الإلهي؟ # إن الوردة تبدو دائما مستحيلة # والبلبل يبدو عصيا على الفهم. # 2 # 8 # زليخا ~~: # عندما أبحرت بي السفينة في الفرات # انزلق من إصبعي الخاتم الذهبي # الذي تلقيته منك أخيرا # في أغوار الماء. # هذا هو الحلم الذي رأيته. # وأومض الفجر في عيني خلال الشجرة، # قل يا شاعر، قل يا نبي # ما هو تفسير الحلم؟ # حاتم ~~: # أنا رهن إشارتك لتفسير الحلم! # ألم أحك لك أكثر من مرة، # كيف تزوج دوق البندقية # من البحر؟ ~~••• # هكذا سقط الخاتم من أناملك # في مياه الفرات. # آه! كم تبعث في الشوق أيها الحلم العذب # للشدو بألف أغنية سماوية! ~~••• # أنا الذي جبت أرجاء البلاد # من هندوستان إلى دمشق، # لأرحل مع القوافل الجديدة # حتى البحر الأحمر. ~~••• # تزوجينني من نهرك، # من الشرفة، ومن هذه الرابية، # لتبقى روحي حتى القبلة الأخيرة # منذورة لك. # 9 # أعرف نظرات الرجال # أعرف نظرات الرجال معرفة وثيقة، # يقول الواحد منهم: «إنني أحب وأتعذب! # أشتهي وأعاني اليأس.» # وغير ذلك ما تعرف (أي) فتاة. # كل هذا لن يجديني نفعا، # كل هذا لن يؤثر علي، # أما نظراتك، يا حاتم، # فهي التي تمنح النهار ضياءه؛ # لأنها تقول: هذه هي التي تعجبني، # أكثر من أي شيء آخر، ~~(وعندما أراها) أشاهد الورود والزنابق، # وكل ما تزدان به الحدائق، # من سرو وريحان وبنفسج # احتشدت لتزين الأرض، # وعندما تتزين تكون معجزة، # تحوطنا بالدهشة، # تنعشنا وتشفينا وتباركنا، # فنشعر أننا أصحاء # ثم نعود فنتمنى أن نمرض، # هنالك لمحت زليخا، # فأحسست بالعافية وأنت مريض # وبالمرض وأنت معافى، # وابتسمت وتطلعت نحوها، # كما لم تبتسم للعالم من قبل. # وتشعر زليخا بحديث النظرة الأبدي: ~~«وهذه هي التي تعجبني # أكثر من أي شيء آخر.» # 10 # جنجوبيلوبا # ورقة هذه الشجرة التي جاءت من الشرق # وأودعت في حديقتي، # توحي للنفس بمعنى غامض # يشرح صدر العارف. ~~••• # أهي كائن حي واحد، # انشق على نفسه؟ # أم اثنان ms128 اختار كل منهما الآخر # ليعرف الناس أنهما كائن واحد؟ ~~••• # للإجابة عن هذا السؤال، # توصلت للمعنى الصحيح، # ألا تشعرين من أغنياتي # أنني واحد واثنان؟ # 11 # زليخا ~~: # قل لي، لقد نظمت قصائد كثيرة # وأرسلت أغانيك هنا وهناك، # وكتبت بخط يدك الجميل، # كتبا ساحرة الزينة، # فاخرة التجليد، مذهبة الحوافي، # لم ينقص منها النقطة والشرطة، # ألم تكن حيثما وجهتها # رهن غرام لا يحتمل الشك؟ # حاتم ~~: # أجل (كتبتها) عن النظرات الساحرة القوية، # والفتنة المبتسمة الآسرة، # عن الأسنان المبهرة الصفاء، # وسهام الأهداب، وثعابين الغدائر، # والجيد والصدر تجللهما هالة سحرية # وعن آلاف الأخطار! # انظري الآن كيف كانت زليخا # منذورة لي منذ عهد بعيد. # 12 # زليخا ~~: # طلعت الشمس! يا له من منظر بديع! # والهلال يعانقها. # من الذي استطاع أن يوحد هذين الزوجين؟ # وكيف يفسر هذا اللغز، كيف؟ # حاتم ~~: # السلطان هو الذي استطاع ذلك، # حينما زوج أعظم كوكبين في العالم، # ليكرم المصطفين (من رجاله) # وأشجع الشجعان - في ركابه الأمين. # لتكن هذه أيضا صورة لسعادتنا! # فها أنا ذا أراني وأراك من جديد، # أنت أيتها الحبيبة تسمينني شمسك، # فتعالي يا قمري الحلو، وعانقيني! # 13 # تعال أيها الحبيب تعال ~~«تعال! تعال أيها الحبيب، طوق رأسي بالعمامة، # فمن يدك وحدها تكون جميلة، # إن «عباس» على عرش إيران الأسمى، # لم يشهد رأسه أفخم منها زينة!» ~~••• # كانت عمامة تلك التي تدلت من رأس الإسكندر # على شكل شريط بأنشوطات بديعة، # وقد حازت إعجاب جميع خلفائه # بوصفها زينة تليق بالملوك. ~~••• # والعمامة هي التي تزين (رأس) قيصرنا، # يسمونها التاج، ولا مشاحة في الأسماء! # لتكن اللآلئ والجواهر للعيون فتنة! # فسيبقى الموصلين هو أجمل زينة. ~~••• # وهذا (الشال) الموصلين الوضاء المفوف بالفضة، # لفه، يا حبيب، حول جبيني. # ثم ما هو السمو وما هي العظمة؟ كلاهما ليس غريبا عني! # يكفي أن تنظري إلي فأصبح عظيما مثله. # 14 # قليل ما أطلبه # قليل ما أطلبه، # لأن كل شيء يعجبني، # وهذه القليل يعطينيه العالم، # عن طيب خاطر من عهد بعيد. ~~••• # كثيرا ما أجلس مسرورا في الحانة # وصافي البال في بيتي الصغير، # لكن ما إن تخطري ms129 على بالي، # حتى تطمح روحي للغزو (والاقتحام). ~~••• # كان ينبغي أن تدين لك ممالك تيمور، # ويخضع جيشه المهيب لأوامرك، # وتدفع لك بدخشان الجزية من الياقوت، # ويؤديها بحر هدقان من الفيروز. ~~••• ~~(وترسل لك) الفواكه المجففة حلوة كالشهد # من بخارى، بلد الشمس، # وألف قصيدة شجية اللحن، # على ورق الحرير من سمرقند. ~~••• # وكان حريا بك أن تقرئي بسرور، # كل ما أوصيت لك به من هرمز، # وكيف كانت حركة التجارة كلها # لا تنشط إلا حبا فيك. ~~••• # وكيف اجتهدت آلاف الأصابع # في بلاد البرهمانيين، # لتنقش بذخ هندوستان # بأزهى صورة على الصوف والحرير. ~~••• # أجل، وكيف فتش (العمال) إكراما للعشاق، # في جداول سملبور المتدفقة، # ليستخلصوا من الطين والفحم والحصى والرواسب، # جواهر الماس من أجلك. ~~••• # وكيف انتزع الغواصون الجسورون # من الخليج كنوز اللؤلؤ، # ثم اجتهد ديوان المهرة العارفين # لينظموها لك. ~~••• # وكيف ستساهم البصرة في النهاية # بما عندها من توابل وبخور، # وتأتي لك القافلة # بكل ما يبهج ويسر. ~~••• # لكن كل هذه الخيرات السنية # قد تزيغ البصر في النهاية، # والقلوب التي تعشق بحق، # لا يسعدها سوى قربها بعضها من بعض. # 15 # هل كان من الممكن أن أتردد # هل كان من الممكن أن أتردد، # يا حبيبتي الحلوة في أن أهديك، # بلخ وبخارى وسمرقند، # وبذخ هذه المدن وفتنتها؟ ~~••• # لكن اسألي القيصر مرة، # هل يرضى أن يعطيك هذه المدن؟ # إنه (أعظم) مني وأحكم، # غير أنه لا يعرف الحب. ~~••• # أنت أيها الحاكم لن تقدر # أن تهب مثل هذه الهدايا! # فلا بد أن تكون لك مثل هذه الفتاة # وأن تكون شحاذا مثلي. # 16 # الصحائف المكتوبة بخط جميل # الصحائف المتباهية، # بالخط الجميل، # المذهبة بشكل رائع # دعتك للابتسام، # وصفحت عن تفاخري # بحبك ونجاحي # الذي كنت السبب فيه، # وغفرت مدحي لذاتي. ~~••• # مدح الذات! إن رائحته لا يتقزز منها إلا الحساد، # لكنه ذكي العطر عند الأصدقاء # وفي ذوقي أنا الخاص! ~~••• # الفرح بالوجود (شيء) عظيم، # وأعظم منه أن تفرح بوجودك، # فعندما تسعدينني يا زليخا، # وتجودين بسخاء، # وتلقين إلي بحبك المشبوب # وكأنه كرة # أتلقفها منك، # ثم أرد إليك # ذاتي الموهوبة لك، # فيا ms130 لها من لحظة! # ثم يأتي بعد ذلك الفرنجي، # وأحيانا يأتي الأرمني فينتزعني منك. ~~••• # لكن الأيام تمر # وأستغرق الأعوام حتى أبدع من جديد # فيض سخائك في آلاف الأشكال، # وأفك خيط سعادتي الملون، # الذي عقدته يا زليخا # في ألف عقدة. ~~••• # لكن ها هي ذي الآن # لآلئ شعرية، # ألقاها سيل عواطفك العارم # على شاطئ حياتي الموحش # التقطتها بأناقة # أنامل نحيلة # ونظمتها في حلية ذهبية مطعمة باللؤلؤ، # فخذيها على جيدك، # وضعيها على صدرك! # إنها قطرات من مطر إلهي # نضخك في محار متواضع. # 17 # حب بحب # حب بحب، ساعة بساعة، # كلمة بكلمة، ونظرة بنظرة، # قبلة بقبلة، من أوفى ثغر، # ونفس بنفس، وسعادة بسعادة. # هكذا في المساء، هكذا في الصباح! # لكنك تحسين دائما من أغاني # بهمومي الدفينة، # وبودي لو استعرت مفاتن يوسف # حتى أستجيب لحسنك (وجمالك). # 18 # زليخا # الشعب والخادم والحكام # يعترفون دائما وكل حين # بأن أسمى بهجة ينالها الإنسان # شخصية واحدة (واضحة الجبين). ~~••• # وتستوي أي حياة تعاش، # إن أنت فيها النفس ما ضيعت، # فكل شيء ضائع يهون # إذا بقيت دائما من أنت. # 19 # حاتم # ربما صح ما تقولين! وهذا هو رأي الناس، # لكني أتبع أثرا آخر: # فكل ما في الأرض من سعادة، # لا ألقاه إلا عند زليخا. # كلما أعطتني فأجزلت في العطاء، # علت قيمة ذاتي في عيني، # ولو أشاحت بوجهها عني، # لفقدت في نفس اللحظة ذاتي. ~~••• # وعندها يكون حاتم قد انتهى، # لكنني سأكون قد قررت تبديل نصيبي: # فأتقمص على وجه السرعة # ذلك الحبيب الذي تلاطفه. ~~••• # وأحاول، لا أقول أن أكون فقيقا، # فذلك شيء لا يناسبني # بل أكون الفردوسي أو المتنبي، # أو - إذا اقتضت الضرورة - القيصر. # 20 # حاتم ~~: # كما يزدان بازار الصائغ بالجواهر # ذات الألوان العديدة والأضواء الصقيلة، # كذلك تحيط الفتيات الجميلات # بالشاعر الذي كاد المشيب أن يعلو رأسه. # الفتيات ~~: # أتغني لزليخا من جديد! # إننا لا نطيقها، # لا بسببك أنت - بل بسبب أغانيك # التي نود، بل لا بد أن نحسدها عليها. ~~••• # فحتى لو كانت بشعة قبيحة، # فإنك تجعلها أجمل الكائنات # وهكذا قرأنا كثيرا # عن جميل وبثينة. ms131 ~~••• # لكن لأننا في الحقيقة جميلات، # إننا نحب أيضا أن تصورنا، # وإذا نجحت في هذا وأحسنت البلاء، # فسوف نجزيك كذلك أجمل الجزاء. # حاتم ~~: # تعالي يا سمراء! ستسير الأمور على ما يرام. # فالغدائر، والأمشاط كبيرها وصغيرها # تزين رأسك الصغير الوضاء # كما تزين القباب المساجد. ~~••• # وأنت أيتها الشقراء الصغيرة، زينتك بديعة، # لطيفة ورقيقة بكل المقاييس، # ولا يلام المرء حين يراك، # إذا فكر على الفور في المئذنة. ~~••• # وأنت في الخلف لك عينان # يمكنك أن تنظري بكل منهما # على حدة كما تشائين، # ومع ذلك علي أن أتفاداك. ~~••• # والجفون المغمضة إغماضة خفيفة # التي تحجب الحدقة وتغطيها، # نظرة أحدهما باللؤم والخديعة، # بينما الآخر نظرته طيبة بريئة. ~~••• # وإذا ألقى ذلك بصفارته الجارحة، # أومأ هذا بالوصل والنجاة # وليس في وسعي أن أعده سعيدا، # من تعوزه النظرة المزدوجة. ~~••• # وهكذا يمكنني أن أمدحكن جميعا، # ويمكنني أن أحبكن على السواء: # لأني كما صورتكن في أسمى صورة # فقد صورت سيدتي معكن. # البنات ~~: # يود الشاعر أن يصبح عبدا، # لأن ذلك يمكنه من السيطرة # ومع هذا سيرضيه قبل كل شيء # أن تغني حبيبته بنفسها. ~~••• # فهل تستطيع إذن أن تغني، # كما يتحكم الغناء في شفاهنا؟ # لأن تسترها في الخفاء # يثير حولها الريب (والظنون). # حاتم ~~: # ومن ذا يعرف ما يملأ وجدانها! # وهل تعرفون قرار هذا العمق؟ # إن الأغنية التي استشعرتها بنفسها تنبع من القلب، # والأغنية التي نظمتها بنفسها تنبعث من الفم. # لكن ليس فيكن جميعا أيتها الشاعرات، # من تشبهها: # لأنها تغني لكي تحوز إعجابي، # وأنتن تغنين ولا تحبين إلا أنفسكن. # البنات ~~: # إننا نلاحظ أنك اختلقت أمامنا # صورة إحدى تلك الحوريات، # فليكن لك هذا! ما دامت لا تزعم # واحدة على الأرض أنها منهن. # حاتم ~~: # أيتها الغدائر: ائسريني # في دائرة الوجه! # فأنا لا أملك شيئا أتقيكن به # أيتها الحيات المحبوبة السمراء ~~••• # سوى هذا القلب، القلب الصامد، # الذي يفيض بازدهار الشباب، # وتحت الثلج وغبش الضباب # يفور أمامك بركان يشبه (بركان ) «آتنا». ~~••• # إنك تخجلين كما يفعل الفجر # الجدار المتجهم لتلك القمم، # ومرة أخرى يشعر حاتم # بأنفاس الربيع ولهيب الصيف. ~~••• # إلي أيها ms132 الساقي بزجاجة أخرى. # فهذه الكأس سأحملها إليها. # وإن وجدت فيها حفنة من رماد، # فسوف تقول: «لقد احترق في سبيلي.» # زليخا ~~: # لا أريد أن أفقدك أبدا! # فالحب يهب الحب القوة. # ألا فلتزين شبابي # بعاطفتك القوية الجارفة. ~~••• # آه! كم يتملق أحاسيسي # أن يمدح أحد شاعري: # لأن الحياة هي الحب، # والروح هي حياة الحياة. # 22 # لا تدعي فمك # لا تدعي فمك الياقوتي العذب، # يلعن التطفل والفضول، # أهناك مبرر لألم الحب، # إلا أن يلتمس لنفسه الشفاء؟ # 23 # إن قدر الدهر يوما # إن قدر الدهر يوما # بالنأي عمن تحب، # وصار بعدك عنه # كبعد شرق وغرب، # يهيم عبر الفيافي # فؤادك المشتاق، # ما من رفيق سواه # إن عز فيها الرفاق، # بغداد ليست بمنأى # عن أعين العشاق. # 24 # ألا ليت عالمكم # ألا ليت عالمكم المكسور # يجبر نفسه دائما بنفسه! # إن لمعان هذه العيون الصافية # وخفق هذا القلب من أجلي! # 25 # آه من كثرة الحواس # آه من كثرة عدد الحواس! # إنها تسبب للسعادة الارتباك. # أود حين أراك لو كنت أصم، # وحين أسمعك لو كنت أعمى. # 26 # وحين أكون بعيدا عنك # وحين أكون بعيدا عنك فما أقربني منك! # يعروني الهم، يداهمني فيض عذاب # عندئذ أسمع صوتك يتردد بعد غياب # فأراك وقد عدت إلي (وعدت إليك). # 27 # من أين لي صفاء البال # من أين لي صفاء البال، # وأنا بعيد عن النهار والنور؟ # ها أنا ذا أريد أن أكتب، # وليس بي رغبة في الشراب. ~~••• # عندما أسرتني وجذبتني إليها، # لم يكن من عادتنا الكلام، # وكما تعثر اللسان، # كذلك تعثر القلم. ~~••• # صب أيها الساقي الحبيب! # املأ الكأس في صمت! # يكفي أن أقول: تذكر! # لكي تعرف ما أريد. # 28 # عندما أتفكر فيك # عندما أتفكر فيك، # يسألني الساقي على الفور: # سيدي، لماذا تلزم الصمت؟ # ألا تشعر بأن الساقي # يود عن طيب خاطر # أن يستمع لدروسك باستمرار؟ ~~••• # حين أنسى نفسي # تحت شجرة السرو # لا يعبأ بذلك (ولا يهتم)، # وحين أجلس في الحلقة الهادئة، # أكون في منتهى الحكمة # والفطنة مثل سليمان. # 29 # كتاب زليخا # وددت لو جعلت هذا ms133 الكتاب موجزا # ليكون مركزا كسائر الكتب. # ولكن كيف يمكنك اختصار الكلمات والصفحات، # عندما يذهب بك جنون الحب كل مذهب؟ # 30 # إلى الأغصان المتشابكة الكثيفة # إلى الأغصان المتشابكة الكثيفة، # ألقي نظرة أيتها الحبيبة! # وشاهدي الثمار التي تحوطها، # قشور شوكية خضراء. ~~••• # إنها تتدلى متكورة من وقت طويل، # ساكنة، ذاهلة عن نفسها، # والغصن الذي يتأرجح ويهتز، # يهدهدها في صبر. ~~••• # ولا تفتأ النواة السمراء # أن تتضح داخلها وتنتفخ، # تود أن تستنشق الهواء، # وتحن لرؤية الشمس. ~~••• # وتنفجر القشرة فتهوى # إلى الأرض في حبور، # وكذلك تساقط أغنياتي # متراكمة في حجرك. # 31 # زليخا ~~: # على حافة النبع المرح، # تتلاعب خيوط مياهه، # لم أدر ما الذي أوقفني، # لكن كانت منقوشة هناك # شفرتي السرية بخط يدك، # فنظرت في أعماقه مشتاقا إليك. # هنا، عند نهاية القناة # والميدان الرئيسي الذي تحفه الأشجار، # أرنو من جديد إلى أعلى، # وهناك ألمح مرة أخرى، # حروفي المرسومة بخط بديع: # ابق! ابق على عهدك لي. # حاتم ~~: # ليت الماء الذي يتقافز ويتموج # وأشجار السرو تبوح لك # بأن غدوي ورواحي، # من زليخا إلى زليخا. # 32 # زليخا ~~: # ما إن ألقاك من جديد، # وأنعشك بقبلي وأغنياتي، # حتى تنطوي على نفسك في سكون، # ما الذي يضايقك ويثقل عليك ويضنيك؟ # حاتم ~~: # آه يا زليخا، أيحق لي أن أتكلم؟ # وأنا بدلا من أن أمدح، أتمنى أن أشكو! # كان دأبك من قبل أن تنشدي أغنياتي # فتكررينها على الدوام وتجددي فيها. ~~••• # أينبغي علي أن أمتدح هذه أيضا # مع أنها ليست سوى أغان دخيلة، # فلا هي من حافظ ولا نظامي، # ولا سعدي ولا جامي؟ ~~••• # إنني لأعرف الكثير من أغاني الآباء، # مقطعا بعد مقطع، ونغمة بعد نغمة # وأحفظها وأعيها في ذاكرتي، # أما هذه الأغاني فحديثة الولادة. # لقد نظمت بالأمس # قولي! هل ارتبطت بحب جديد؟ # وهل تنفثين بفرح وجسارة # في وجهي نفسا غريبا، # يبعث كذلك فيك الحياة، # ويسبح بك (في سماء) الحب، # ويجذبك إليه ويدعوك للاتحاد # في انسجام كما فعلت أنفاسي؟ # زليخا ~~: # أمعن حاتم في البعاد وأطال، # وتعلمت الفتاة شيئا (جديدا)، # كان قد تغنى بها أجمل غناء، # وجربت الفراق ms134 فنجحت في الاختبار، # عسى ألا تبدو لك (هذه الأغاني) غريبة، # فهي أغاني زليخا، هي أغانيك. # 33 # بهرامجور، فيما يقال # بهرامجور، فيما يقال، هو الذي اخترع القافية، # وعبر مسحورا عن أعماق نفسه الصافية، # فأسرع ديلارام، رفيقة ساعاته، # وردت عليه بنفس الكلمة والنغمة. ~~••• # وهكذا يا حبيبتي، جعلك القدر من نصيبي، # ليتيح لي اكتشاف الطريقة الحلوة الرقيقة لاستخدام القافية، # فلم يعد من حقي أن أحسد بهرامجور الساساني، # لأني توصلت لما توصل إليه. ~~••• # أنت التي أيقظت هذا الديوان في قلبي، أنت التي منحته، # لأن ما نطقت به في فرح من صميم الفؤاد، # كان صدى حياتك الحلوة الصافية، # كاستجابة النظرة للنظرة، والقافية للقافية. ~~••• # فلتتردد أنغامي ساعية إليك، ولو من بعيد، # فالكلمة تبلغ الهدف، ولا تمحو النغم والصوت. # أليست هي الكل المتجلي السامي للحب؟ # 34 # كانت سعادتي بنظرتك # كانت سعادتي بنظرتك، # بفمك، وصدرك، # وسعادتي بسماع صوتك # هي لذتي الأولى والأخيرة. ~~••• # بالأمس، آه ذقت آخر لذة، # ثم انطفأ سراجي وخبت ناري، # وكل مزاح سرني وأمتعني، # صار باهظ الثمن، ثقيل الذنب. ~~••• # وقبل أن يشاء الله، # أن يوحد بيننا من جديد، # لن تمنحني الشمس، والقمر والعالم، # إلا فرصة البكاء. # 35 # زليخا # ما معنى هذه الحركة؟ # هل تأتيني الريح الشرقية بنبأ مفرح؟ # إن رفيف جناحيها المنعش # ليرطب القلب العميق. ~~••• # إنها تلعب مع الغبار وتداعبه، # وتذروه إلى أعلى في غيوم خفيفة، # وتدفع نحو الكرمة الراسخة # بالأسراب المرحة للحشرات. ~~••• # وتلطف بحنو وهج الشمس، # كما ترطب وجنتي الساخنتين، # وتقبل أثناء هروبها العناب، # المزهوة فوق الحقل والتل. ~~••• # ويأتيني همسها الناعم # بألف تحية من الحبيب، # وقبل أن يلف الظلام هذه الروابي # تحييني ألف قبلة. ~~••• # وهكذا يمكنك أن تواصلي السير! # وتعيني الأصدقاء والمحزونين، # وهناك حيث تتوهج الأسوار العالية # لن ألبث أن أجد أعز الأحباب. ~~••• # آه. إن النبأ الصادق من (صميم القلب)، # ونسمة الحب، والحياة النضرة # لن تأتيني إلا من فمه، # لن يمنحني إياها إلا نفسه. # 36 # صورة سامية # هليوس الإغريق، وهو الشمس، # يعبر في روعه طريق السماء، # ولثقته من السيطرة على الكون، # يتطلع حوله، وتحته، وفوقه. ms135 ~~••• # يرى أجمل الإلهات باكية، # ابنة السحب، طفلة السماء، # ويبدو لها أنه لا يشرق إلا لأجلها، # ويعمى عن كل الفضاءات الصافية. # ويغوص في الألم والمطر، # ويزداد انهمار دموعها، # ويرسل الفرح لأحزانها # وقبلة بعد قبلة لكل لؤلؤة. ~~••• # وتستشعر بعمق قوة نظرته، # وتتطلع إليه بغير توقف، # وتريد اللآلئ أن تتشكل، # إذ اتخذت كل منها صورته. ~~••• # وهكذا يشرق وجهها في صفاء # وقد كلله اللون والقوس، # ويتقدم نحوها ليلتقي بها، # لكنه، وا أسفاه، لا يصل إليها. ~~••• # هكذا تتخلين عني يا أعز حبيبة، # بعد ما قرر القدر قراره القاسي، # ولو أني كنت هليوس العظيم، # فهل كان يجديني العرش المنصوب فوق العربة؟ # 37 # صدى # ما أروع الرنين حين يشبه الشاعر نفسه # مرة بالشمس ومرة أخرى بالقيصر، # إلا أنه يخفي قسمات وجهه الحزينة، # عندما يتسلل في الليالي المعتمة. ~~••• # غاصت زرقة السماء الناصعة في (ظلام) الليل، # بعد أن دثرتها السحب بسيورها، # وخدودي ضامرة كساها الشحوب # ودموع القلب كابية. ~~••• # لا تدعني هكذا لليل وحدي للألم، # يا أحب الناس عندي أنت يا وجه القمر # أنت يا حاملة الضوء إليا # شمعتي أنت وشمسي # آه يا نور البصر! # 3 # 38 # زليخا # آه أيتها الريح الغربية، # كم أحسدك على أجنحتك الرطبة الندية، # لأنك تستطيعين أن تنقلي إليه # ما أعانيه في بعدي عنه. ~~••• # إن رفيف أجنحتك # يوقظ في مهجتي الحنين، # والزهور، والعيون، والغابات، والتلال # تهب عليها أنفاسك فتذرف الدموع. ~~••• # لكن نسيمك الرقيق الرحيم # يرطب الجفون الجريحة، # آه! سيقضي علي الحزن بغير إبطاء، # إذا فقدت الأمل في لقائه من جديد. ~~••• # أسرعي إذن إلى حبيبي # واهمسي في قلبه بحنان، # ولكن حاذري أن تكدريه # وأخفي عنه آلامي. ~~••• # لكن قولي له، قولي بتواضع: # إن حبه هو حياتي، # والشعور البهيج بكليهما، # هو الذي سيمنحني القرب منه. # 39 # لقاء من جديد # أمن الممكن يا نجم النجوم، # أن أضمك إلى قلبي من جديد؟ # أواه! يا لليلة البعاد # من هاوية، من ألم (حاد). # أجل، هو أنت! شريكي العذب المحبوب # في أفراحي، # وكلما تفكرت في أحزان الماضي # ارتجفت خوفا من الحاضر. ~~••• # لما كان العالم ms136 في أعمق أعماقه # يرقد على الصدر الأبدي لله، # أمر (سبحانه أن توجد) الساعة الأولى # بفرحة الخلق الجليلة السامية، # ثم نطق بالكلمة: «ليكن عالم!» # هنالك رنت آهة أليمة. # عندما نفذ الكون بقوة هائلة # في حنايا الواقع. # فجأة انبثق النور! # فانفصل عنه الظلام في خجل، # وفرت العناصر في الحال # وهي تتفرق عن بعضها. # وفي أحلام وحشية مجدبة # اندفع كل منها بعيدا، # وتجمد في الفضاءات الشاسعة، # بغير شوق ولا نغم. ~~••• # لف الصمت والسكون والخواء كل شيء، # وكان الله وحيدا لأول مرة! # عندئذ خلق الفجر # الذي أخذته الشفقة على هذا العذاب، # فصنع من (العماء) العكر # لعبة ألوان رنانة، # وعندها استطاع أن يحب من جديد، # كل ما تفرق عن بعضه. ~~••• # وبسعي جاد حثيث، # أخذ كل يبحث عن قرينه، # واتجه الشعور والنظر # نحو الحياة غير المحدودة. # يستوي الاستيلاء بالقوة أو الاختطاف عنوة، # فالمهم أن يتماسك ويحافظ على وجوده، # لم يعد الله بحاجة لخلق المزيد، # فنحن الذي نخلق عالمه (من جديد). ~~••• # هكذا انجذبت بأجنحة فجرية، # إلى ثغرك (الحبيب)، # والليل بأختامه الألف، # وثق (عرى) اتحادنا على ضوء النجوم. # كلانا على هذه الأرض، # أنموذج للفرح والعذاب، # ولن تستطيع كلمة ثانية: ليكن عالم! # أن تفرق بيننا للمرة الثانية. # 40 # ليلة البدر # سيدتي، قولي لي، ما معنى (هذا) الهمس؟ # ما الذي يحرك شفتيك في هدوء؟ # إنك تنبسين لنفسك # بأعذب من رشف الخمر! # أتفكرين في إضافة شفتين # إلى شفتيك التوءمين؟ # أريد أن أقبل! أقبل! قلت لك هذا. ~~••• # انظري! في الظلمة المريبة # تتوهج مزدهرة كل الأغصان، # ويلعب نجم يهوي في إثر نجم، # وتومض الأضواء الزمردية # آلاف الومضات خلال الأيك، # لكن روحك غائبة عن كل شيء. ~~«أريد أن أقبل! أقبل! قلت لك هذا.» # إن حبيبك، وهو بعيد، # ممتحن مثلك بالحلو المر، # ويحس سعادته التعسة. # لقد تعاهدتما عهدا مقدسا # على أن يحييك في ليلة البدر، # وهذه هي اللحظة (الموعودة). ~~«أريد أن أقبل! أقبل! قلت لك هذا.» # 41 # كتابة سرية # يا خبراء الوثائق # 4 # أعدوا العدة لكل الأمور، # وأشيروا على حكامكم # فأحسنوا المشورة! # ولتنشغل الدنيا كلها ms137 # برسائل الشفرة السرية، # حتى تتخذ كل مسألة # وضعها الصحيح. ~~••• # ها هي ذي الشفرة الحلوة # من سيدتي بين يدي، # أستمتع بقراءتها. # لأنها هي التي ابتدعت هذا الفن، # إنه فيض الحب # في أحب مكان إلي، # والنية الطاهرة الوفية # التي تؤلف بينها وبيني. ~~••• # إنها باقة بهيجة الألوان # من ألف زهرة وزهرة، # وبيت مأهول # بالمشاعر الملائكية، # وسماء مزينة # بالريش من كل الألوان، # وبح زاخر بأنغام الأغاني، # تهب منه النسائم العطرة. ~~••• # هي كتابة سرية مزدوجة # تعبر عن طموح مطلق، # وتنفذ في عصب الحياة # كسهم بعد سهم. # إن هذا الذي كشفت لكم عنه # ظل عادة مرعية، # وإذا فهمتم معناه، # فاسكتوا واستخدموه. # 42 # انعكاس # لقد حصلت على مرآة، # أنظر فيها بشغف شديد، # كأنما علق على صدري وسام # من القيصر لامع الوجهين، # لا لأني أحب ذاتي، # وأبحث عنها في كل مكان، # فأنا أحب عشرة الناس، # وهو ما يصدق الآن على هذه الحالة. ~~••• # عندما أقف أمام المرآة # في بيت الأرمل الذي يلفه السكون، # تظهر حبيبتي على الفور # وتنظر في دون أن أشعر # وإذا أدرت ظهري بسرعة، # اختفت من كنت أراها، # عندئذ أنظر في أغاني، # وسرعان ما تظهر من جديد. ~~••• # وأنا حريص على تجويدها # وأنظمها دائما على هواي، # رغم حثالة النقاد والمستهزئين # ولمتعتي اليومية. # إن صورتها في القوالب الفخمة # تزيدها حسنا وروعة، # بين الزخارف الوردية المذهبة # والأطر اللازوردية الرشيقة. # 43 # بأي ارتياح عميق # بأي ارتياح عميق عميق، # أحس معناك أيتها الأغنية! # كأنك تقولين بحب صادق، # إنني أعيش بجانبه. # وأنه سيفكر في للأبد، # ويهدي دائما نعيم حبه # للبعيدة النائية # التي نذرت حياتها له. ~~••• # أجل، إن قلبي هو المرآة، # التي ترى نفسك فيها يا صديق، # وهذا الصدر هو الذي طبعت عليه # أختامك قبلة فقبلة. # الشعر العذب، والحقيقة الطاهرة # تكبلانني (في أسر) التعاطف معك! # وتجسدان صفاء الحب # في ثوب الشعر. # 44 # دع مرآة العالم للإسكندر # دع مرآة العالم للإسكندر # وماذا تبديه؟ هنا وهناك # شعوبا وديعة يريد بالقهر والإرهاب # أن يخضعها لسطوته مع غيرها من الشعوب. ~~••• # أما أنت فكف عن السعي إلى الغرباء! # وغنني ms138 أنا التي آثرتها بالغناء. # تذكر أنني أحب، وأنني أحيا الحياة، # وتذكر أنك غلبتني على أمري. # 45 # العالم بأسره يخلب الأبصار # العالم بأسره يخلب بجماله الأبصار، # ولكن عالم الشعراء فائق الجمال، # ففي أجوائه الملونة، مشرقة كانت أو فضية كابية، # تسطع الأضواء ليل نهار. # اليوم يبدو كل شيء رائعا في عيني، ألا ليته يدوم! # فأنا أنظر اليوم بمنظار الحب. # 46 # في وسعك أن تتخفى في آلاف الأشكال # في وسعك أن تتخفى في آلاف الأشكال، # لكن يا أغلى الناس سأعرفك على الفور، # قد تخفين محياك وراء الأقنعة السحرية، # يا حاضرة في الكل، سأعرفك على الفور. ~~••• # في شجرة سرو رائعة ناضرة القد، # يا فاتنة العود سأعرفك على الفور، # في وشوشة قناة صافية الموج، # أيتها العابثة سأعرفك على الفور. # وإذا ارتفعت نافورة ماء تتلوى، # يا من تهوين اللعب سأعرفك على الفور، # وإذا لمحت عيناي سحابا يتشكل. # يا من تتعدد أشكالك، أعرفك على الفور. ~~••• # في سجاد المرج الأخضر تحت قناع الزهر، # أعرف حسنك، يا من زينتك ضياء الأنجم والبدر # وإذا اللبلابة مدت ألف ذراع نحو الأرض، # يا من عانقت الكل سأعرفك على الفور. # وإذا اشتعل الجبل بنيران الفجر، # يا من أسعدت الكل أحييك على الفور، # ولو الأفق ترامت قبته فوقي، # لتنفستك يا من أنت سماء القلب. ~~••• # إن كنت عرفت بحسي الظاهر شيئا أو باللب، # يا نبع العلم، فعلمي منك. # أو سبحت بمائة من أسماء الله الحسنى، # سيردد كل دعاء اسما لك. # | كتاب الساقي # 1 # نعم في الحانة # نعم، في الحانة جلست أنا أيضا، # وقدر لي ما قدر لغيري، # راحوا يثرثرون، ويتصايحون، ويتشاجرون، # ويأخذون نصيب يومهم من الفرح والحزن، # أما أنا فجلست سعيدا من صميم قلبي، # وفكرت في حبيبتي - كيف تحب؟ # هذا شيء، لا أعلمه، لكن الشيء الذي يعكر صفوي # هو أنني أحبها كما يأمر به القلب # الذي وهبها نفسه في إخلاص وتعلق بها كالعبد. # أين كان الرق، وأين القلم، أين # اللذان سجلا كل شيء؟ ومع هذا فقد جرت الأمور هكذا! # نعم هكذا! # 2 # لو جلست وحيدا ms139 # لو جلست وحيدا # أكون في حال أفضل؟ # خمري # أشربها وحدي، # لا أحد يفرض علي قيودا، # وبهذا أستقل بأفكاري. # 3 # لقد وصل الحال # لقد وصل الحال بمولاي اللص، # أنه كتب حروفا جميلة وهو سكران. # 4 # هل القرآن قديم؟ # هل القرآن قديم؟ # شيء لا أسأل عنه! # هل هو مخلوق؟ # شيء لا أدريه. # أما كون القرآن كتاب الكتب # فهذا ما أعتقد ويفرضه واجبي كمسلم. # أما أن الخمر قديم قدم الأزل # فذلك شيء لا أتشكك فيه. # ولعل القول بأن الخمرة خلقت قبل ملائكة الله، # ليس خيالا وحديث خرافة؛ # فالشارب، مهما يكن الحال، # يعاين وجه الله بعين أكثر نضرة. # 5 # حق علينا أجمعين # حق علينا أجمعين السكر! # إن الصبا سكر بغير خمر، # إن جدد الشيخ صباه بالشراب، # فإن ذا فضيلة وغاية الصواب، # حياتنا تكفلت بالغم والهموم، # والهم لا تطرده، إلا يد الكروم! # 6 # الآن لا شك هناك # الآن لا شك هناك، لا سؤال، # حرمت الخمر علينا لا جدال. # فإن قضى بشربها المقدور، # فاشرب إذن من أجود الخمور! # ستسحق اللعن كالزنديق مرتين # إذا شربت ثم كان السكر بين بين! # 7 # ما دام المرء في حالة الصحو # كلما كان المرء في حالة الصحو، # أعجبه الشر، # فإذا شرب، # عرف الخير، # لكن الإفراط # أمر وارد، # أي حافظ، علمني # كيف تصرفت في الزمر. # ذلك أن رأيي # لا مبالغة فيه، # إذا عجز المرء عن الشرب # فينبغي عليه ألا يحب # لكن عليكم أيها الشاربون # ألا تحسبوا أنكم في حال أفضل، # إذا عجز المرء عن الحب، # فينبغي عليه ألا يشرب. # 8 # زليخا ~~: # ما الذي يجعلك فظا سمجا في أكثر الأحيان؟ # حاتم ~~: # تعلمين أن الجسد سجن، # والنفس قد خدعت لتدخل فيه، # فهي لا تملك حرية تحريك مرفقيها. # وإذا نشدت خلاصها هنا وهناك، # أحكموا إغلاق السجن نفسه بالسلاسل والأغلال، # هكذا تتعرض النفس الحبيبة لخطر مضاعف، # ولهذا السبب تتصرف في الغالب تصرفات غريبة. # 9 # إذا كان الجسد سجنا # إذا كان الجسد سجنا، # فلماذا يعاني السجن من العطش الشديد؟ # إن النفس تنعم فيه بالراحة # وتود لو بقيت ms140 مسرورة ومتزنة العقل راضية، # لكن ها هي ذي زجاجة خمر تتوق للدخول إليه، # تتبعها زجاجة في إثر أخرى. # والنفس لا تقوى على التحمل والصبر، # ولهذا تريد أن تحطمها على الباب وتحولها إلى شظايا. # 10 # الشاعر يقول للنادل: # لا تضع الإبريق أيها الجلف، # بهذه الفظاظة أمام أنفي! # من يقدم لي الخمر عليه أن يطالعني بوجه صبيح، # وإلا تعكر صفو «الألفر» في كأسي. # ويقول للساقي: # أنت أيها الصبي المتأنق، تعادل ادخل، # ما الذي يجعلك تقف هناك على عتبة الباب؟ # عليك من الآن أن تكون ساقي، # فتصبح الخمر (من يدك) حلوة صافية. # 11 # الساقي يقول: # أنت بغدائر شعرك السمراء، # أغربي عن وجهي، أيتها البنت ذات البسمة الخبيثة! # إنني كلما سقيت سيدي أداء لحق العرفان والوفاء، ~~(تفضل) فطبع قبلة على جبيني. # أما أنت فأراهن # أنك لهذا السبب غير راضية عني، # إن خديك ونهديك، # سيصيبان سيدي بالملل والسأم. ~~••• # أتظنين أنك قادرة على أن تخدعيني، # حين تبتعدين الآن في خجل؟ # سوف أنام على عتبة الباب، # ثم أستيقظ عندما تتسللين. # 12 # طالما لامونا # طالما لامونا # على السكر، ~~(لكنهم) لم يقولوا بعد كل شيء # عن سكرنا. # عادة ما يسقط الإنسان # ضحية السكر حتى يطلع النهار، # غير أن نشوة سكري # جعلتني أهيم (على وجهي) في الليل. # إنها هي سكرة الحب # التي تعذبني وتجعلني أستحق الرثاء، # ومن النهار إلى الليل، ومن الليل إلى (طلوع) النهار، # تشيع في قلبي الخوف والاضطراب، # القلب الذي تستبد به نشوة السكر # بالأغنيات فيجيش ويشمخ، # حتى ليتهيب أي سكر معتدل، # أن يشب فيه ويشرئب. # إنها سكرة الحب والغناء والخمر، # سواء في الليل أو في النهار، # وهي أسمى سكرة إلهية، # تسحرني و(في نفس الوقت) تسقيني. # 13 # أنت أيها الوغد الصغير # أنت أيها الوغد الصغير أنت! # أن أظل صاحيا وفي وعيي، # هذا هو أهم شيء # بهذا أسعد أيضا # حتى بحضورك، # أنت يا أحب الناس # وإن كنت تترنح من السكر. # 14 # يا للضوضاء في الحانة # يا للضوضاء التي ثارت # فجر اليوم في الحانة! # صاحب الحانة والفتيات، والمشاعل والناس! # وكم ms141 من مشاجرات وشتائم! # كان الناي يرن، والطبلة تدوي! # وشاع الاضطراب وعم # مع ذلك كنت بنفسي هناك # ممتلئا بالبهجة والحب. ~~••• # إني لن أتعلم شيئا عن الأخلاق، # هذا ما يلومني عليه كل إنسان، # غير أني حريص على البعد بحكمة وتدبر. # عن الخلاف بين المدارس والمنابر. # 15 # أي وضع هذا يا سيدي # الساقي ~~: # أي وضع هذا يا سيدي! وكيف تتسلل اليوم # من غرفتك في هذا الوقت المتأخر، # إن الفرس يسمون هذا «بي دماغ بودن» # 1 # والألمان يدعونه «بلاء القطط». # 2 # الشاعر ~~: # دعني الآن، أيها الصبي العزيز، # فالعالم لا يروق لي، # لا منظر الوردة ولا أريجها، # ولا غناء البلابل. # الساقي ~~: # وهذا هو الذي أريد معالجته، # وأحسب أني سأنجح فيه، # هاك! تذوق هذا اللوز الطازج، # وسوف تلذ لك الخمر من جديد. ~~••• # ثم أريد (أن أصحبك) إلى الشرفة # وأرويك بالأنسام المنعشة، # وكما أضعك في عيني # ستهب الساقي قبلة. ~~••• # انظر! ليس العالم كهفا، # فهو يزدخر دائما بالأشرار والأوكار، ~~(كما يزخر) بعطر وزيت الورد، # والبلبل يشدو أيضا كالأمس. # 16 # تلك العجوز القبيحة # تلك العجوز القبيحة! # تلك اللعوب، # يسمونها الدنيا # وقد خدعتني # كما خدعتني سائر النساء، # أخذت مني الإيمان، # ثم الأمل، # وها هي قد حاولت # أن تسلبني الحب، # فلذت بالفرار. # ولكي أحافظ للأبد # على الكنز الذي أنقذته، # قسمته بحكمة # بين زليخا والساقي. # وكل واحد منهما # ينافس الآخر # في تسديد فوائد أكبر. # وأنا الآن أغنى من أي وقت مضى، # فقد استرددت الإيمان! # الإيمان بحبها. # وهو مع الكأس # يضمن لي الإحساس الرائع بالحاضر! # وبماذا ينفع الأمل هنا! # 17 # اليوم أكلت بشهية # الساقي ~~: # اليوم أكلت بشهية، # لكنك أفرطت في الشراب، # والذي نسيته أثناء الطعام # سقط في هذا الإناء. ~~••• # انظر! إننا نسميه «البجعة الصغيرة» # التي تلذ للضيف الشبعان، # وهو ما سأحمله لبجعتي # التي تتبختر على الأمواج. ~~••• # ومع ذلك يزعم الناس على البجع المغرد، # أنه ينعى نفسه وهو (على حافة) القبر، ~~(ليتك) توفر علي سماع أي أغنية # يمكن أن تشير إلى نهايتك. # 18 # إنهم يسمونك الشاعر العظيم # الساقي ~~: # إنهم يسمونك الشاعر العظيم، # عندما تظهر ms142 (لهم) في السوق، # وأنا يطيب لي أن أسمعك حين تغني، # وأن أنصت، حين تصمت! ~~••• # بيد أنني أزداد حبا لك، # عندما تمنح قبلة للذكرى، # ذلك أن الكلمات تزول، # أما القبلة فتبقى في الأعماق. ~~••• # إن (نظم) القافية في إثر القافية لا يخلو من معنى، # لكن الأفضل هو الإمعان في التفكير، # فغن أنت لسائر الناس # والزم الصمت مع الساقي. # 19 # تعال أيها الساقي # الشاعر ~~: # تعال أيها الساقي! هات كأسا أخرى! # الساقي ~~: # سيدي، لقد شربت بما فيه الكفاية، # وهم يسمونك الشريب المتوحش! # الشاعر ~~: # هل رأيتني مرة واحدة أسقط من السكر؟ # الساقي ~~: # إن محمدا يحرمها. # الشاعر ~~: # يا صغيري العزيز! # لن يسمع أحدا ما سأقوله لك. # الساقي ~~: # عندما تتكلم على راحتك، # لا أجد في نفسي حاجة للسؤال. # الشاعر ~~: # أنصت إلي! إننا نحن المسلمين # ينبغي علينا أن نبقى في حالة الصحو واعين، # أما الشاعر فيود في حماسه المقدس، # أن يبقى وحده في حالة الجنون. # 20 # تذكر يا سيدي # الساقي ~~: # تذكر يا سيدي! أنك حين تشرب، # يفور من حولك اللهب! # وتئز ألف شرارة وتومض، # وأنك لا تدري أين ستستقر. ~~••• # أرى الرهبان في الزوايا والأركان، # عندما تضرب (بيدك) على المائدة، # وهم يتخفون في رياء ونفاق، # بينما تفتح قلبك على اتساعه. ~~••• # لكن قل لي، لماذا كان الشباب، # وهو بعد غير بريء من الأخطاء # وتعوزه كل الفضائل، # أحكم بكثير من الشيخوخة؟ # إنك تعرف كل ما تطويه السماء، # وكل ما تحمله الأرض، # وأنت لا تخفي الاضطراب # الذي يجيش به صدرك. # حاتم ~~: # لهذا السبب بعينه، يا فتاي العزيز، # عليك أن تبقى شابا وأن تظل حكيما، # صحيح أن الشعر هبة من السماء. # لكنه في الحياة الأرضية غش وخداع. # على المرء أن يشب أولا (في حضن) الأسرار، # ثم يأخذ في الثرثرة في الصباح والمساء! # عبثا يلجأ الشاعر للكتمان، # فقول الشعر نفسه خيانة. # 21 # ليلة صيف # الشاعر ~~: # انحدرت الشمس للمغيب، # لكن (أشعتها) مازالت تلمع في الغرب، # وأود أن أعرف إلى متى # سيستمر هذا البريق اللامع كالذهب. # الساقي ~~: # إن شئت، يا سيدي، بقيت # منتظرا خارج هذه الخيام، ms143 # فإذا تمكن الليل من البريق، # جئت على الفور وأخبرتك. ~~••• # فأنا أعلم أنك تحب التطلع ~~(للأفق) البعيد اللامتناهي، # عندما تتبادل المديح والثناء # تلك النيران المتوقدة في الزرقة. ~~••• # وأنصعها ضوءا يريد وحسب أن يقول: # وأنا ألمع الآن في مكاني، # ولو شاء الله أن يمد في عمرك # لمعت أيضا مثل لمعاني. ~~••• # لأن كل شيء في نظر الله رائع عظيم. # وعلة ذلك أنه هو الأعظم، # وهكذا تنام الآن جميع الطيور # كل في عشه الكبير والصغير. ~~••• # ويتربع أحدها عاليا هناك # فوق أغصان السرو، # حيث تهدهده الريح الفاترة # حتى ترطب الهواء أنداء الفجر. ~~••• # أنت الذي علمتني هذا # أو شيئا آخر يشبهه، # وكل ما سمعته في حياتي منك، # لن يفلت أبدا من القلب. # لأجلك أريد أن أكون بومة # تجثم هنا على الشرفة، # حتى أستطيع أن ألاحظ # الانقلاب الثاني للنجم القطبي. ~~••• # عندها يحل منتصف الليل، # حيث تصحو مبكرا في أكثر الأحيان، # وعندها سيكون من أروع الأمور # أن تتأمل معي الكون في إعجاب. # الشاعر ~~: # صحيح أن البلبل يشدو طول الليل # في هذا العطر وهذا البستان، # لكنك قد تضطر للانتظار طويلا # قبل أن يتمكن الليل (من تحقيق) ما تقول. ~~••• # ففي هذا الوقت من أوقات «فلورا» # كان يسميها شعب الإغريق، # تهيم الأرملة «أورورا» # متيمة بحب «هسبيروس». ~~••• # تلفت حولك! إنها آتية! يا للسرعة! # وخطاها تخطر فوق حقول الزهر! # وتسطع الأضواء هنا وهناك، # حتى تضيق على الليل الخناق. ~~••• # وعلى أقدامها الوردية الخفيفة # تسرع كالمجنونة للحاق # بذلك الذي لاذ بالفرار مع الشمس، # ألا تشعر بلفحة الغرام؟ ~~••• # اذهب الآن، يا أعز الأبناء، # وتوار داخل البيت وأغلق الأبواب، # لأنها تريد أن تخطف جمالك # معتقدة أنك أنت هسبيروس. # 22 # الساقي (وهو نعسان) # الساقي ~~: # هكذا تعلمت منك مع الصبر الطويل: # حضور الله في جميع العناصر. # كم كنت حنونا وحبيبا وأنت تمنحني هذا! # لكن أحب الأشياء جميعا أنك تحب. # حاتم ~~: # إنه ينام بعذوبة ومن حقه أن ينام. # أنت أيها الصبي الطيب! لقد سقيتني، ~~(ومن كأس) الصديق والمعلم، بغير قهر ولا عقاب، # تعلمت وأنت في ميعة الشباب كيف يفكر العجوز ms144 # والآن ينسكب فيض الصحة والعافية # في أعضائك فتتجدد قواك. # إنني ما زلت أواصل الشرب، لكنني ساكن أتم سكون، # حتى لا تضطر أن تصحو من نومك كي تسعدني برؤيتك. # | كتاب الأمثال # 1 # تحدرت قطرة خائفة # تحدرت قطرة خائفة من السماء # وسط أنواع البحار فعصفت بها الأمواج، # لكن الله كافأ شجاعة الإيمان # ووهب القطرة القوة والبقاء، # ضمتها المحارة الساكنة في هدوء # وهي الآن لؤلؤة تنعم بالتكريم والخلود # وتتألق في تاج قيصرنا المجيد # بنظرة ساحرة سنية البهاء. # 2 # شدو البلبل في الليل # شدو البلبل في الليل تصاعد وسط الأنواء # نفذ الصوت لعرش الله الوضاء # كافأه الله على شدوه # في قفص ذهبي حبسه # والقفص ضلوع الإنسان # لم يزل الروح يحس بضيق السجن ولكن # لا ينفك يردد نغما حلو الأصداء # حين يفكر في محنته كالعقلاء! # 3 # إيمان عجيب # حطمت ذات مرة قدحا جميلا # وكاد اليأس ينتابني، # ورحت ألعن كل الشياطين # على نزقي وتهوري. # ثارت ثائرتي في مبدأ الأمر # ثم بكيت بكاء حارا # وغلبني الحزن وأنا أجمع الشظايا # رق الله لحالي فسوى القدح على الفور # ورده كاملا صحيحا كما كان من قبل. # 4 # تركت جوف محار لؤلؤة # تركت جوف محار لؤلؤة، # زينة اللؤلؤ، من أصل نبيل، # هتفت بالصائغ الطيب أن # يصنع المعروف فيها والجميل، # إن ثقبت الرأس مني فلقد # ضعت وانهد كياني وانحطم # سأذوق المر لو جمعني # ورفاق السوء عقد منتظم! ~~••• # لست أبغي الآن إلا مكسبي، # فاعذريني واغفري ظلمي لك، # كيف للعقد إذن أن يزدهي # لو ترفقت ولم أقس عليك؟ # 5 # رأيت بدهشة وابتهاج # رأيت بدهشة وابتهاج # ريشة طاووس بين صفحات القرآن، # مرحبا بك في هذا المكان المقدس، # أغلى كنز بين بدائع الأرض. # إن عظمة الله التي تتجلى في أصغر الكائنات، # نتعلمها منك، كما نتعلمها من نجوم السموات، # ونؤمن بأنه، وهو الذي يحيط الأكوان بنظرته، # قد طبع هنا آثار عينيه، # وبهذا زين هذه الريشة الخفيفة، # بحيث لم يفلح الملوك (في يوم من الأيام) # في محاكاة بهاء هذا الطائر (الفتان). # ابتهجي بتواضع بهذا المجد العظيم، # تكوني جديرة ms145 بالمكان المقدس الكريم. # 6 # كان عند أحد القياصرة # كان عند أحد القياصرة محاسبان، # اختص أحدهما بالتحصيل والآخر بالصرف والإنفاق، # هذا فاضت الأموال من يديه، # وذلك لم يدر من أين يجمعها. # ومات الصراف فاحتار الحاكم # لمن يعهد بأمر الصرف، # ولم يكد يمضي وقت يسمح للمرء بالالتفات، # حتى كان المحصل قد أثرى أفحش ثراء، # ولم يدر أحد - من كثرة الذهب - كيف يعيش، # لأنه لم يصرف يوما واحدا أي شيء منه، # عندئذ اتضح للقيصر كل الوضوح، # من الذي كان السبب في ذلك البلاء. # وعرف كيف ينتفع بتلك الصدفة، # حين قرر ألا يشغل أحد أبدا تلك الوظيفة. # 7 # قال القدر الجديد للمقلاة # قال القدر الجديد للمقلاة: ~~- ما هذا البطن الأسود! ~~- هذا هو الذي تعودنا عليه عند الطبخ. # تعال، تعال، أيها المغفل اللامع المصقول، # فسرعان ما يخف غرورك. # وإذا احتفظت يد القدر بوجه صاف، # فلا يحملك ذلك على التفاخر؛ # إذ ليس عليك إلا أن تنظر إلى مؤخرتك. # 8 # الناس جميعا من كبيرهم إلى صغيرهم # الناس جميعا من كبيرهم إلى صغيرهم # يتفننون في نسج نسيج لأنفسهم، # ويتباهون بالجلوس في وسطه # وفي أيديهم مقصاتهم ذات الأطراف الحادة المدببة. # فإذا اجتاحته مكنسة وأزاحته (من الوجود) # هتفوا صائحين: هذا شيء فظيع. # لقد خربوا أعظم القصور. # 9 # لما نزل يسوع من السماء # لما نزل يسوع من السماء، أتى معه بالكتاب الخالد، وهو الإنجيل، # قرأه على حوارييه ليل نهار # وللكلمة الإلهية فعل وتأثير. # ثم صعد إلى السماء وأخذه معه، # ولكنهم كانوا قد أحسوا به غاية الإحساس. # ودنا كل واحد منهم خطوة فخطوة # ما شعر به واختلف فيه عن غيره. # ليس لهذا أهمية، فقد تفاوتت قدراتهم، # ومع ذلك فإن المسيحيين يمكنهم # أن يعيشوا عليه حتى يوم الحساب. # 10 # حسن # على ضوء القمر في جنة الفردوس # وجد «يهوا» آدم غارقا في نوم عميق # فوضع حواء صغيرة بجانبه في هدوء # وراحت هي الأخرى في سبات مديد. # وهكذا رقدت، في إهاب أرضي محدود # أجمل فكرتين من أفكار الله. ~~«حسن!» هكذا قال راضيا عن صنعه البديع، ms146 # حتى لقد ابتعد عنهما وهو غير مستريح. ~~••• # لا عجب إذن أن تهزنا النشوة # عندما تنظر العين في العين نظرة منتعشة، # وكأننا قد بلغنا من الأمر مداه # وأصبحنا قريبين ممن فكر فينا وبرأتنا يداه. # فإذا دعانا إليه رحبنا بدعوته # ولكن بشرط أن نصعد إليه معا لا كل واحد بمفرده. # فلتحطك الآن أغلال ذراعي بحب، # أنت يا أحلى ويا أجمل ما صور ربي! # | كتاب البارسي أو المجوسي # 1 # وصية الديانة الفارسية القديمة # أية وصية، يا إخوتي، تتوقعون أن تأتيكم، # من الرجل التقي المسكين الذي سيفارقكم، # والذي أطعتموه في صبر أيها المريدون الشبان، # وأكرمتم أيامه الأخيرة برعايتكم؟ ~~••• # عندما كنا نرى الملك في كثير من الأحوال على صهوة جواده، # والذهب يسطع منه ومن كل ما حوله، # وجواهر الأحجار الكريمة تلمع عليه وعلى عظماء رجاله # منشورة كحبات البرد الكثيفة المنهمرة، # فهل حسدتموه مرة واحدة على ذلك؟ ~~••• # ألم تملئوا عيونكم بما هو أروع منه، # حين كانت الشمس، على أجنحة الفجر، # تشرق على ذرى درناوند # 1 # التي لا تحصى على هيئة قوس؟ # من ذا الذي كان يسعه # أن يمنع نفسه من التطلع إليها؟ لقد كنت أحس # آلاف الإحساسات، فيما لا يعد من أيام حياتي، # بأن تلك القادمة تحملني معها # لأعاين الله على عرشه، # وأسميه الرب (الخالق) لعين الحياة، # وأراعي في عملي ذلك المشهد السامي # وأسير في حياتي مهتديا بنوره. # لكن حين كان القرص الناري يكتمل (في السماء)، # كنت أقف (أمامه) كأنما عشيت عيناي في عتمة الظلام، # فأضرب صدري، وأطوح أعضائي المنتعشة، # وجبيني محني للأمام، وأسجد على الأرض. ~~••• # والآن إليكم وصية مقدسة، # أقدمها لإرادة الإخوة وذاكرتهم: ~~«الحفاظ اليومي على (أداء) الواجبات الشاقة» # وعدا ذلك لا حاكم (بكم) لأي وحي. ~~••• # إذا حرك وليد يديه التقيتين # طالبا أن تديروه نحو الشمس بغير إبطاء، # فليغمس الجسد والروح في حمام النار! # وسيشعر بنعمة كل صباح (يشرق عليه). ~~••• # أسلموا الأموات للحي، # وغطوا حتى الحيوانات بالردم والتراب، # وبقدر ما يسع طاقاتكم، # لا تترددوا عن تغطية كل ما ترون أنه نجس. ~~••• # احرثوا حقولكم حرثا فيه ms147 نظام وجمال، # حتى يطيب للشمس أن تضيء الجهد الذي بذلتموه، # وإذا زرعتم أشجارا فاجعلوها في صفوف، # لأنها # 2 # تساعد كل ما هو منظم على النمو والازدهار. ~~••• # كذلك لا يجوز للماء الذي يجري في القنوات # أن يعوزه التدفق أبدا ولا الطهارة، # وكما ينبع سندرود # 3 # من المناطق الجبلية الطاهرة، # فينبغي كذلك أن ينتهي إلى مصب طاهر. # ولكيلا يضعف الانسكاب الناعم للماء، # راعوا تعميق الحفر بجد واجتهاد، # الغاب والبوص، والبرص، والسحالي، # هذه المخلوقات البشعة، اقضوا عليها جميعا. ~~••• # حتى إذا تم لكم تطهير الأرض والماء، # راق للشمس أن تسطع وهي تنفذ في الهواء، # فهي إن أحسنتم استقبالها بما يليق، # تصنع الحياة وتمنحها البركة والسلام. # أنتم، يا من يشقيكم عناء بعد عناء، # تعزوا عن ذلك، فالكل قد تطهر الآن. # وأصبح في وسع الإنسان أن يتشجع كالكاهن (الفنان)، # فيبدع من الحجر الرمز المعبر عن الله. ~~••• # وحيث تتوقد الشعلة تبينوا بسرور، # أن الليل يغمره الضوء وأن الأعضاء طيعة، # وعلى لهب النيران المتأججة في الموقد، # ينضج العصير الخام للحيوان والنبات. ~~••• # وإذا احتطبتم فافعلوا ذلك مبتهجين، # لأنكم تحملون بذور الشمس الأرضية، # وإن قطعتم البامية، # 4 # فلتقولوا واثقين: # إنه هو الذبالة التي ستشعل بالنار المقدسة. # 5 # وإذا تبينتم بورع في شعلة كل مصباح، # انعكاس النور الأسمى، # فلن يمنعكم سوء الحظ أبدا من الشعور بالإجلال، # لعرش الله عند مطلع كل صباح. ~~••• # هناك (ترون) الخاتم القيصري (المطبوع) على وجودنا # والمرآة الإلهية الصافية لنا وللملائكة، # وكل ما يتمتم مسبحا بحمد الكائن الأسمى، # هناك في دائرة تحوطها دوائر. # أريد أن أزهد في شواطئ سندرود # وأنشر جناحي محلقا إلى (قمة) درناوند، # فإذا أشرقت سعيت إليها لأسعد باللقاء. # ومن هناك أبارككم إلى الأبد. # 2 # كلما شعر الإنسان # كلما شعر الإنسان نحو الأرض بالتقدير والإعزاز، # لأن الشمس تشرق عليها بنورها الوضاء، # وكلما استمتع بالكرامة، # التي تبكي تحت السكين الحادة، # لأنها تحس أن عصيرها # سوف ينعش الدنيا إذا أجيد تخميره، # وسوف يثير طاقات كثيرة # ويخمد طاقات أكثر # عرف (عندئذ) كيف يرجع الفضل لوهج النار، # التي تتيح كل ms148 هذا النمو والازدهار، # وإذا ترنح السكران وراح يتلعثم، # انطلق المعتدل في الغناء وترنم. # | كتاب الفردوس # 1 # تذوق # 1 # المسلم الحق يتحدث عن الفردوس، # وكأنه كان بنفسك هناك، # ويؤمن بالقرآن في كل الأحوال، # وعلى هذا (الأساس) تقوم العقيدة الطاهرة. ~~••• # غير أن النبي الذي أنزل عليه هذا الكتاب، # يشفع لزلاتنا وعيوبنا هناك، # ويرى، على الرغم من رعود لعناته # أن الشكوك كثيرا ما تفسد علينا الإيمان. # لهذا يرسل إلينا من أعلى عليين # نموذجا للشباب # 2 # يجدد شباب كل شيء # ترف هابطة إلى هنا وتكبل بغير إبطاء، # رقبتي بألطف وأحب الحبال. # 3 ~~••• # أضعها على حجري، وأضمها للفؤاد، # هذه المخلوقة السماوية، ولا أطمع في المزيد، # ومن ثم أؤمن بالفردوس أقوى إيمان، # لأنني أحب أن أقبلها بحنان إلى أبد الآبدين. # 2 # رجال موعودون # بعد غزوة بدر، تحت سماء مرصعة بالنجوم، # محمد يقول: # ليبك العدو موتاه (كما يشاء)، # فهم صرعى (بلا أمل) في الرجوع، # أما إخوتنا فلا تحزنوا عليهم # لأنهم (أحياء) ينتقلون هناك فوق الأفلاك. ~~••• # إن الكواكب السبعة أجمعين # قد فتحت بواباتها المعدنية على اتساعها، # وها هم الأحباب المجتبون يطرقون # أبواب الفردوس بجسارة. ~~••• # ويلقون على غير توقع فرحين مستبشرين، # ألوانا من النعيم التي ذقتها في معراجي، # عندما حملني البراق في غمضة عين # واجتاز بي السموات جميعا. ~~••• # أشجار الحكمة المتراصة السامقة كأشجار السرو # وهي تصوب تفاحاتها الذهبية نحو السماء، # وأشجار الحياة التي تنشر ظلالها الوارفة، # وتغطي الأرائك المبثوثة بالزهور وأبسطة السندس. ~~••• # وتهب من الشرق ريح عذبة ذكية، # تسوق معها أسراب البنات السماويات، # وبعينيك تبدأ في التأمل والاستمتاع # لأن النظرة وحدها تشبع كل الإشباع. # هناك يقفن ويسألنك ماذا أنجزت؟ # خططا كبرى؟ أم لعلك خضت معركة دامية؟ # وهن يعلمن أنك بطل، لأنك إلى هذا المكان جئت، # لكن أي نوع من الأبطال؟ هذا هو الذي يتقصينه ويبحثن عنه. ~~••• # وسرعان ما يكشفن ذلك من جراحك، # التي سجلت لنفسها آية مجد وفخار، # فالحظ والرفعة كلاهما قد تلاشى، # ولم يبق غير الجرح في سبيل العقيدة والإيمان. ~~••• # ثم يقتدنك إلى الجواسق والخمائل، # الزاخرة بالأعمدة من ms149 الحجر الملون الوضاء، # ويدعينك بلطف والكئوس في الأيادي، # لارتشاف العصير النبيل من الأعناب الصافية. ~~••• # مرحبا بك أيها الشاب اليافع، يا أكثر من شاب! # إنهن جميعا متشابهات في البهاء والصفاء، # فإذا ضممت إحداهن لقلبك، # صارت سيدة وجودك وانضمت لصفوف الخليلات. ~~••• # بيد أن أروعهن جمالا وكمالا لا ترضيها # نعمة واحدة من هذه النعم العظيمة ، # فتظل تسامرك بإخلاص، في مرح وبلا حسد # وهي تعدد لك فضائل سائر الفتيات. # وتأخذك إحداهن لمأدبة حافلة # تفننت فيها الأخريات كل على حدة، # وتفوز بنساء كثيرات وبراحة البال في البيت، # وهو ما يجعل الإنسان يستحق أن يحظى بجنة الفردوس. ~~••• # فلتنعم روحك إذن بهذا السلام، # لأنك لن تستطيع أن تبدله بغيره، # فأمثال هؤلاء الفتيات لن يصبنك بالسأم، # ومثل هذه الخمور لن تثير نشوة السكر. ~~••• # وهكذا نكون قد ذكرنا ما تيسر ذكره، # مما يزهو به المسلم المبارك السعيد، # ويكون فردوس الرجال، أبطال العقيدة، # قد أعد بهذه الصورة بالعدة الكاملة. # 3 # صفوة النساء # لا يصح أن يضيع شيء على النساء، # فالإخلاص الطاهر خليق بالأمل والرجاء، # لكننا لا نعرف إلا أربعا منهن، # قد وصلن إلى جنة الفردوس. ~~••• # أما الأولى فهي زليخا، شمس الأرض، # التي تيم فؤادها بيوسف حبا واشتهاء، # وها هي ذي الآن قد صارت بهجة الفردوس، # تسطع فيه زينة للزهد والعزوف والعفاف. ~~••• # ثم تأتي المباركة من الجميع، # التي ولدت المخلص للكافرين، # ولما اكتشفت الغدر، رأت في حزن مرير # ابنها (الحبيب) ضائعا على الصليب. ~~••• # وكذلك زوجة محمد التي أفاضت عليه الحنان # 4 # وأعانته على تحقيق أروع الأمجاد، # وأوصت في حياتها بألا يكون # إلا رب واحد وزوجة واحدة. ~~••• # ثم تأتي فاطمة الزهراء، # الابنة الطاهرة والزوجة المصون، # ذات الروح النقية كملائكة السماء، # في جسم من عسل ذهبي مكنون. ~~••• # هؤلاء هن اللواتي نجدهن هناك، # وكل من لهج بالحمد والثناء ورفع من ذكر النساء، # استحق هناك في خالد الجنان # أن يطوف مبتهجا بصحبة هؤلاء (النسوة المصطفيات). # 4 # سماح # الحورية ~~: # أنا اليوم أتولى الحراسة # على باب الفردوس، # لا أدري ما أصنع، # فأنت تبدو لي مريبا. ~~••• # هل تجمعك ms150 قرابة # بأصحابنا المسلمين # وهل أرسلك جهادك # أو فضلك للفردوس؟ ~~••• # أتعد نفسك من أولئك الأبطال؟ # إذن فأرني جراحك، # التي تشهد على أمجادك # وسوف أسمح لك بالدخول. # الشاعر ~~: # كفي عن هذا السخف! # ودعيني أدخل: # فلقد عشت حياة إنسان؛ # أي كنت واحدا من المجاهدين. # ثبتي في نظراتك الحداد! # وانفذي بها في هذا الصدر، # انظري الجراح (التي حفرها) اللؤم والخداع، # وانظري اللذة والبهجة (التي خلفتها) جراح الحب. ~~••• # مع هذا غنيت بصدق وإيمان: # لتبقى حبيبتي على الإخلاص والوفاء، # ويبقى العالم، مهما يدر به المدار، # غنيا بالحب والحمد والعرفان. ~~••• # عملت باجتهاد مع الصفوة النابهين، # حتى نلت الأمل المأمول، # فسطع اسمي كشعلات الحب # المتوقدة في أجمل القلوب. ~~••• # لا! لن تختاري رجلا قليل الشان، # أعطني يدك! حتى أستطيع على مر الأيام # أن أحصي على أناملك الرقيقة # عدد الدهور والآباد. # 5 # رنين # الحورية ~~: # هناك في الخارج، # حيث كلمتك لأول مرة، # كنت كثيرا ما أتولى الحراسة على الباب، # كما يقضي بذلك واجب الطاعة والامتثال. # عندها سمعت حفيفا غريبا، # وخليطا من أصوات ومقاطع متداخلة، # تطالب بالدخول، # لكن لم يرني أحد وجهه، # وأخذت الأصوات تخفت شيئا فشيئا، # بيد أنها كانت ترن رنين أغانيك، # هذا هو الذي أتذكره الآن. # الشاعر ~~: # يا حبي الأبدي! # ما أرق مشاعرك وأنت تتذكرين حبيبك! # مهما اختلفت الأنغام التي تتردد. # في هواء الأرض وبالطريقة التي تلائمها، # فهي بأجمعها تنشد الصعود إلى أعلى، # أكثرها يخمد هناك في الأسفل ولا يكاد يحصى، # والباقي يطير بأجنحة الروح إلى السموات العلا # مثل البراق المجنح الذي ركبه النبي، # وهناك ترن كأنغام الناي # أمام الباب. ~~••• # إذا تصادف وسمعت رفيقاتك شيئا كهذا، # فليتكرمن بالانتباه إليه، # ولتتفضلن بتقوية الصدى # ليتردد من جديد أثناء هبوطه إلى أسفل، # وليعلمن كذلك عن يقين # أنه في كل حال من الأحوال # حين يأتي الشاعر ويجود بعطاياه، # فإنها تعم بخيرها الجميع # كما تعود بالخير على كل العالمين. ~~••• # ليتكرمن كذلك مشكورات بمكافأته، # وليحسن إليه وهن راضيات، # فيسمحن له بالإقامة معهن، # وكل الطيبين يرضون بالقليل. ~~••• # أما أنت يا من كنت من نصيبي، # فلن أحرمك من ms151 السلام الأبدي، # عليك (الآن) أن تتخلي عن الحراسة # وتكلفي بها أختا (أخرى) خلية البال. # 6 # الشاعر ~~: # إنك حبك وقبلتك يسحراني! # وأنا لا أميل للتطفل على الأسرار، # لكن خبريني، هل قدر لك من قبل أن تشاركي # في الحياة على الأرض؟ # فلقد خيل إلي مرات عديدة، # أنك كنت فيما سبق تسمين زليخا. # الحورية ~~: # نحن خلقنا مباشرة من العناصر، # من الماء، والنار، والتراب، والهواء، # وأي عطر أرضي، # مناف تمام لطبيعتنا. # ونحن لا نهبط أبدا إليكم، # ولكن عندما تأتون إلينا لتنعموا وتستريحوا، # نجد من الأعمال ما يكفي ليشغلنا. ~~••• # فعندما حضر المؤمنون، ~~- الذين أوصى النبي بهم خيرا - # واستقر بها المقام في الفردوس، # عاملناهم، كما أمرنا، # بمنتهى اللطف والحنو والرقة، # وبشكل لم تعهده الملائكة نفسها منا. ~~••• # غير أن الأول والثاني، والثالث، # كان لكل منهم في الحياة الدنيا خليلة، # ومع أن أولئك الخليلات، بالقياس إلينا، مخلوقات بشعة، # إلا أننا كنا في نظرهم أقل شأنا، # كنا (في الواقع) جذابات، وذكيات مرحات، # لكن المسلمين أرادوا الهبوط (للأرض) مرة أخرى. # مثل هذا التصرف كان مجافيا لطبيعتنا، # نحن بنات السماء، وذوات الأصل الرفيع، # لذلك ثارت ثائرتنا وتمردنا # وقلبنا الأمر من جميع الجهات، # ولما كان النبي يطوف بالسموات # حرصنا أن نتتبع أثره، # وعند عودته لم يفته ذلك، # فتوقف البراق المجنح. ~~••• # هنالك وجدناه في وسطنا! # وبصوت جاد ودود، كما هي عادة الأنبياء، # زودنا باختصار بتعليماته، # لكننا كنا في غاية السخط والضيق، # لأننا رأينا أن تحقيق أغراضه، # يقتضي منا أن نغير كل شيء، # ويفرض علينا أن نفكر كما تفكرون # وأن نكون شبيهات بحبيباتكم. ~~••• # وفقدنا اغترارنا بأنفسنا. # وحكت الحوريات خلف آذانهن، # لكننا رأينا أن حياة الخلود # تفرض علينا التسليم بكل شيء # وهكذا يرى كل منا ما سبق أن رآه، # ويحدث له ما قد حدث من قبل. # نحن الشقراوات، ونحن السمراوات، # ولنا أهواء، ولن نزوات، # بل أحيانا لا يخلو الأمر من الشطحات، # ويتخيل كل واحد منهم أنه في بيته، # ونحن نقابل هذا بسرور وسعادة؛ # إذ يحسب كل منهم أن الأمر كما يتصور. ~~••• # أما أنت فيبدو أن ms152 مزاجك حر، # وأنا أبدو في نظرك من حوريات الجنة، # إنك تقدر شأن النظرة وتعرف قيمة القبلة، # حتى ولو لم أكن أنا زليخا، # ولأنها كانت ساحرة الفتنة والرقة، # فقد كانت تشبهني ولا تفترق عني شعرة. # الشاعر ~~: # أنت تعشين بصري ببهاء نورك السماوي، # وسواء أكان ذلك وهما أم حقيقة، # فإن إعجابي بك يفوق إعجابي برفيقاتك. # ولحرصك على عدم التقصير في أداء واجبك، # واهتمامك بالفوز بإعجاب شاعر ألماني، # فإني أسمعك يا حورية تتكلمين بشعر موزون ومقفى. # الحورية ~~: # أجل، انظم أنت أيضا وقف على هواك، # ودع روحك تتدفق بالشعر كما تشاء! # إننا نحن أهل الفردوس نميل # للكلمة والفعل النابع من إحساس طاهر. # والحيوانات، كما تعلم، لا تستثنى من هذا # إن هي أظهرت الطاعة وأثبتت الإخلاص. # والحورية لا تحتمل الكلمات الفظة، # فنحن نشعر بما يصدر عن القلب، # وكل ما ينبثق من نبع حي، # يحق له أن يجري في الفردوس. # 7 # الحورية ~~: # ها أنت تلمس إصبعي من جديد. # أتعرف إذن، كم من الدهور والآباد # عشنا مع بعضنا متحابين؟ # الشاعر ~~: # كلا! ولا أريد كذلك أن أعرف. # هذه المتع المتنوعة المتجددة، # وهذه القبلات الطاهرة أبدا كقبلات العروس! # ما دامت كل لحظة تهز كياني تجعله يرتجف، # فلماذا أسأل كم دامت من الوقت؟ # الحورية ~~: # إنك تغيب عني مرة أخرى (وتنشغل بأفكارك)، # ألاحظ هذا جيدا، بغير حاجة إلى عد أو قياس. # لم تتردد عن التجوال في الكون # وخاطرت بنفسك في الأعماق الإلهية، # فلتكن الآن حاضرا بجوار حبيبتك الغالية. # ألم تفرغ من نظم أغنيتك؟ # كيف كان رنينها هناك أمام الباب؟ # كيف ترن الآن؟ لا أريد أن ألح عليك أكثر من هذا. # غنني أشعارك التي قلتها في زليخا: # لأنك لن تصنع خيرا من هذا في الفردوس. # 8 # حيوانات مرضي عنها # بشرت كذلك أربعة حيوانات، # بدخول جنات الفردوس، # هناك تعيش أبد السنين # مع الأولياء والصالحين. ~~••• # يتقدمهم (في الترتيب) حمار، # يثب بخطوات نشطة، # فقد ركب على ظهره يسوع # وهو يدخل مدينة الأنبياء. ~~••• # ثم يأتي ذئب متهيب، # أمره محمد رسول الله، # دع هذه الشاة للمسكين، # وابحث ms153 عن أخرى عند أحد الأغنياء. ~~••• # ويهز ذيله في مرح لطيف، # كلب صغير مع صاحبه الأمين، # شارك أهل الكهف السبعة # نومهم (العميق) بحب وإخلاص. ~~••• # وها هي ذي هرة أبي هريرة # تموء حول سيدها وتلاطفه؛ # إذ سيبقى حيوانا مقدسا على الدوام # ذلك الذي مسح عليه (بيده) أفضل الأنام. # 9 # أعلى والأعلى # لأننا نعلم مثل هذه الأشياء، # فلا ينزل بنا أحد عقابه، # ولتفسير هذا كله، # عليكم أن تسائلوا أعمق أعماقكم. ~~••• # بهذا يمكنكم أن تفهموا # أن الإنسان إذا عاش راضيا # سيطيب له أن يرى ذاته # وقد نجت هناك (في الأعالي) وهنا (في الدنيا). ~~••• # وذاتي الحبيبة كانت بحاجة # إلى ألوان من الراحة والمتاع، # والأفراح التي ارتشفتها ها هنا، # سأظل أتمناها إلى الأبد. ~~••• # هكذا تمتعنا الحدائق الجميلة، # والزهور والثمار والأطفال الحسان، # وكل ما أعجبنا ها هنا، # لن يكون إعجاب الروح المتجدد الشباب به أقل. ~~••• # كذلك أتمنى أن أجمع كل الأصحاب، # شبابا وشيوخا في شخص واحد، # وكم سيطيب لي أن يتلعثموا # بكلمات الفردوس باللغة الألمانية. ~~••• # بيد أننا نستمع الآن للهجات # يدور بها الغزل بين الإنسان والملاك، ~~(كما نستمع) للنحو المضمر، # الذي يعرب به الخشخاش والورد. ~~••• # وعسى أن يلذ للناس في المستقبل # أن يتحدثوا (بلغة) النظرات، # وأن يرتفعوا إلى النشوة السماوية # بغير أنغام ولا أصوات. ~~••• # والحق أن الصوت والنغم يتحرران # بطبيعة الحال من الكلمات، # ويتأكد إحساس المنعمين، # بأن (وجودهم) بغير نهاية. ~~••• # فإذا ما تهيأ للحواس الخمس ~~(كل ما تشتهيه) في الفردوس، # فلا شك في أنني سأكتسب # حسا واحدا يغنيني عنها. ~~••• ~~- وهكذا أراني أنفذ الآن، # أخف مما كنت، في الدوائر الأبدية # التي تسري فيها كلمة الله # بصورة خالصة حية. ~~••• # وبشوق حار لا يعوقه عائق # نتابع الصعود بغير نهاية، # حتى نتملى بالحب الخالد # فنذوب فيه ونتلاشى. # 10 # أهل الكهف السبعة # ستة من أصحاب الحظوة في البلاط # يهربون من غضب الإمبراطور، # الذي جعل الناس تعبده كإله، # وإن لم يكن فيه شيء من طبيعة الإله، # ذلك أن ذبابة واحدة # تمنعه من أن يهنأ بطعامه. ~~••• # وخدمه يهشون الذبابة # بمراوحهم دون فائدة # فهي تطن ms154 حول رأسه، تلسعه وتحوم، # وتطير وتثير الاضطراب (في الجالسين) إلى المأدبة، # ثم ترجع وتعاود الطنين # كأنما هي رسول من إله الذباب (المعروف) بسماجته وشماتته. ~~••• ~~«ماذا؟» هكذا يقول الفتية لأنفسهم، ~~«هل يعقل أن تنغص الإله ذبابة صغيرة؟ # وهل يشرب الإله ويأكل # كما نفعل نحن؟ # كلا، إن الواحد الذي خلق الشمس والقمر، # ورفع فوق رءوسنا قبة السماء المرصعة بالنجوم، # هو الإله القدير، فلنهرب !» # ويئوي أحد الرعاة الفتية # ذوي الأحذية الخفيفة والزينة اللطيفة ~~••• # ويخفيهم ويخفي نفسه في كهف صخري # ويصر كلب الراعي على البقاء معهم، # طردوه، وانكسرت قدمه # لكنه ظل ملازما لسادته # وانضم لرفاقه الأعزاء # في المخبأ وفي النوم. ~~••• # والحاكم الذي ولوا فرارا منه، # تملكه الغضب وفكر في عقابهم، # استبعد السيف كما استبعد النار، # وسد عليهم باب الكهف # بجدار من الحجارة والجير. # أما الفتية فيطول نومهم، # ويقف الملاك # 5 # الذي يرعاهم. # أما عرش الله ويصف حالهم # لقد حرصت على تقليبهم # ذات اليمين وذات الشمال، # لكيلا يؤذي بخار العفن # أعضاءهم الجميلة الشابة. # في الصخور فتحت شقوقا # لتنفذ منها الشمس في صعودها وهبوطها # وتجدد النضارة في الخدود الشابة. # وهكذا ينامون منعمين مباركين. # كذلك يرقد الكلب الصغير مستغرقا في نومه العذب # باسطا رأسه على قدميه اللتين تم شفاؤهما. ~~••• # وتفر السنون وتأتي السنون، # ويستيقظ الفتية من نومهم، # ويسقط الجدار الذي تآكل # بفعل الزمن # ويقول يمليخا الجميل، # وهو أكثر الفتية علما وخبرة، # بعد أن وجد الراعي خائفا مترددا: ~~«سأذهب بنفسي وآتيكم بالطعام، # وأخاطر بحياتي وبالعملة الذهبية.» ~~••• # وكانت أفيسوس منذ سنوات عديدة # قد دخلت في ديانة عيسى ~~(عليه السلام). ~~••• # وانطلق سرعا في سيره فوجد أسوار البوابات # والبرج وكل شيء قد تغير # لكنه توجه لأقرب دكان خباز # ليحصل على الخبز بأقصى سرعة. # هتف الخباز: أيها الوغد! # هل عثرت يا فتى على كنز؟ # العملة الذهبية تفضحك فأعطني # نصفها لكي يتم التفاهم. # وقع شجار بينهما، وأمام الملك # عرضت القضية، والملك بدوره # طالب بنصيبه كما فعل الخباز. ~~••• # هنالك بدأت (خيوط) المعجزة # تتكشف بمائة علامة وعلامة. # ففي القصر الذي بناه بنفسه # عرف كيف يثبت ms155 حقه. # لأن عمودا عثر عليه # هدى لكنوز نقشت عليه أسماء معروفة. # وسرعان ما تجمعت حشود # من الناس لإثبات أنسابها. # وسطع اسم يمليخا في عنفوان شبابه # كأبعد جد وأول جد # وأخذ يسمعهم يتحدثون عن أجدادهم # فيذكرون ابنه وأحفاده. # أحاطت به جموع أحفاد أحفاده، # وهم عشيرته من الرجال الشجعان، # ليكرموه، وهو أصغرهم سنا، ويحتفوا به. # وتوالت العلامات، واحدة بعد أخرى # لتقيم الحجة وتؤكد الدليل ، # وهكذا أثبت لنفسه ولأهله # حقيقة شخصيته. ~~••• # ثم رجع للكهف مرة أخرى # في صحبة الشعب والملك # لم يعد المختار في الحقيقة # لا إلى الملك ولا إلى الشعب # لأن السبعة الذين اعتكفوا # عن العالم من زمن طويل ~~- وكانا في الواقع مع الكلب ثمانية - # نقلتهم قدرة جبريل الخفية، # بمشيئة الرحمن وعونه، # إلى جنة الفردوس، # وبدا الكهف مسدودا بالجدار. # 11 # طابت ليلتكم # نامي الآن، # يا أشعاري المحتشدة في الديوان، # على صدر الشعب، # ولينشر جبريل بفضل الله وفضله # سحابة مسك # فوق الجسد المكدود المتعب، # كي يمضي الشاعر وهو معافى، # مرح - كالعهد به - وودود، # فيشق الصخر # وينفذ منه إلى الفردوس ويصحب، # وهو سعيد منشرح القلب، # أبطال الموكب # من كل زمان # وهو يجوب الكون ويرعاه الرب، # هنالك يزكو الحسن المتجدد أبدا # في كل مكان، # وبه تسعد كل الناس وتطرب، # ويحق لقطمير، الكلب الطيب، # أن يتبوأ مع سادته # جنات الخلد ~~(ويهنأ بنعيم الحب). # | قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان # 1 # من يعرف نفسه # من يعرف نفسه، # وكذلك غيره، # فسيعرف أيضا، # أن الشرق وأن الغرب # لن يفترقا عن بعضهما ~~(أو يبتعدا أبدا أبدا). ~~••• # سأظل أغني # وأردد لحني # وأهدهد نفسي # بين الشرق # وبين الغرب # وليصبح جهدي # هو غاية مجدي! # 2 # حافظ، أأساوي نفسك بك؟ # حافظ، أأساوي نفسي بك، # يا للوهم! # إن تمخر أمواج البحر سفينة # بشراع تنفخه الريح، # تشق عباب الماء بفخر وجسارة، # وإذا حطمها موج محيط هادر # سبحت فيه # قطعة خشب متهرئ. # في أشعارك يا حافظ وأغانيك، # ينساب اللحن الحلو العذب، # يتدفق سيل رطب، # يغلي ويمور كأمواج حريق، # وأحس كأني # تبلغني النار # لكن أحيانا تنفخني ريح ms156 غروري # ويزين لي الوهم # بأني مقدام وجسور، # زرت بلاد الشمس # وعشت هنالك وعشقت! # 3 # يحاولون منذ خمسين سنة # إنهم يحاولون منذ خمسين سنة كاملة # أن يقلدوني، ويبدلوني، ويشوهوني، # فكرت بيني وبين نفسي، ربما استطعت # أن تعرف قدرك في رحاب وطنك. ~~••• # لقد أطلقت في زمانك العنان لجنونك وحمقك # مع جماعات الشباب الوحشية التي مستها شياطين العبقرية، # ثم تقربت في رفق وهدوء سنة بعد سنة، # من الحكماء والعقلاء الوديعين وداعة إلهية. # 4 # ألا يحق لي أن أستخدم مثلا # كما يحلو لي، # والله نفسه قد ضرب مثلا للحياة # من البعوضة؟ # ألا يحق لي أن أستخدم مثلا # كما يحلو لي؟ # والله يتجلى لي في عيون حبيبي # على سبيل التشبيه؟ # 5 # أيتها الطفلة الحلوة # أيتها الطفلة الحلوة، هذه الأسماط من اللآلئ، # أردت بقدر ما استطعت، # أن أهديها لك بمودة وحنو، # كذبالة لمصباح الحب. ~~••• # وها أنت تأتين الآن وقد علقت عليها علامة، # هي من بين كل شبيهاتها # من تمائم «الأبراكساس» # أسوأها في نظري. # هذه البلاهة الحديثة غاية الحداثة # أتريدين أن تأتيني بها إلى شيراز! # أم ينبغي علي أن أتغنى # بخشبة جامدة متقاطعة مع خشبة؟ ~~••• # إن إبراهيم قد اختار رب النجوم و«الكواكب» # ليكون ربه الأعلى، # وموسى في وحشة الصحراء، # صار عظيما بفضل الواحد الأحد. ~~••• # وداود الذي تقلب بين الكثير من جوانب ضعفه، # بل وارتكب الكثير من المعاصي والجرائم، # عرف في النهاية كيف يتوب ويبرئ نفسه، ~~«لقد اهتديت بفضل الواحد الأحد.» # ويسوع كان طاهر الشعور ولم يفكر # في (ظل) الهدوء والسكينة إلا في الله الواحد. # وكل من جعل منه إلها، # قد أساء إلى إرادته المقدسة. ~~••• # وهكذا كان من الضروري أن يظهر الحق، # وهو ما نجح فيه محمد، # فبفكرة الواحد الأحد، # ساد العالم بأسره. # لكنك إذا طالبتني رغم هذا # بتمجيد هذا الشيء المزعج، # فليكن عذري عن ذلك، # أنك لست وحدك التي تتباهين بالتمجيد. ~~••• # أجل لست فكثير من نساء سليمان # قد سقنه على الرغم منه، # إلى التطلع إليهن وهن يعبدن # آلهتهن كالمجنونات. ~~••• # لقد قدمن قرن إيزيس وشدق أنوبيس # لهذا (النبي) ms157 مفخرة اليهود، # وتريدين أنت أيضا أن تقدمي إلي # هذه الصورة البائسة على الخشب على أنها هي الله! # لكنني لا أريد أن أبدو # خيرا مما أنا عليه، # فكما أنكر سليمان ربه # كذلك أنكرت أنا أيضا ربي. # واسمحي لي أن أتعزى # بهذه القبلة عن وزر الردة، # لأن كل شيء حتى الغول # يغدو طلسما على قلبك. # 6 # دعوني أبكي! # دعوني أبكي! محاطا بالليل # في الفلوات الشاسعة بغير حدود # الجمال راقدة، والحداة كذلك راقدون، # والأرمني سهران يحسب في هدوء، # وأنا بجواره أحسب الأميال # التي تفصلني عن زليخا، # وأستعيد «صورة» المنعرجات البغيضة التي تطيل الطريق. # دعوني أبكي، فليس في هذا عار؛ # فالرجال الذين طيبون «أخيار». # ألم يبك أخيل على حبيبته بريسايس؟ # وإكسركسيس بكى على الناجين من جيشه # وعلى رفيق عمره الذي قتله بيده؟ # بكى الإسكندر. # دعوني أبكي؛ فإن الدموع تحيي التراب، # وها هو ذا يخضر. # 7 # ولماذا لا يرسل # ولماذا لا يرسل # قائد الفرسان # رسله # من يوم ليوم؟ # إن لديه خيولا # كما يعرف الكتابة. ~~••• # إنه يكتب بخط التعليق # كما يجيد النسخ # على أوراق من حرير # بخط أنيق. # فليقم خطه عندي # مقام شخصه. ~~••• # إن المريضة لا تريد، # لا تريد أن تشفى # من عذابها العذب. # وهي حين تتلقى # نبأ من حبيبها # تمرض في الوقت الذي # تتماثل فيه للشفاء. # 8 # ما عدت أكتب أبياتا متجانسة # ما عدت أكتب أبياتا متجانسة القوافي، # على ورق الحرير، # ولا عدت أزينها # بزخارف (وأطر) مذهبة، # لقد نقشت في التراب الدائب الحركة وذرتها الريح، # لكن القوة الكامنة فيها باقية، # مقيدة بالتربة # حتى مركز الأرض، # وسيأتي المتجول الرحالة، # هذا العاشق. # فإذا وطئت قدماه هذا الموضع # سرت الرعشة في كل أعضائه. # ها هنا، أحب عاشق قبلي # هل كان هو المجنون الرقيق النحيل؟ # أم فرهاد القوي؟ أم جميل الباقي على العهد؟ # أم هو واحد # من آلاف السعداء - التعساء؟ # لقد أحب! وأنا مثله أحب، # وأحس به. ~~••• # أما أنت يا زليخا فتستريحين # على الوسادة الناعمة # التي أعددتها وزينتها لك. # وأنت كذلك تحسين، عندما تصحين «فجأة» # بالرعشة تسري في أعضائك. ms158 # إنه هو الذي يناديني، هو حاتم. # أنا أيضا أناديك: حاتم! آه يا حاتم! # 9 # مبعوث الشاهنشاه # مبعوث الشاهنشاه، # طوفت بلاد الله، # فتشت بكل مكان، # وتأملت الأركان، # ما من سنبلة خضرا # إلا أعطتني الخيرا، # لكني لم أر بلدا # تفضل بلدتكم أبدا، # تحرسها عين الرب # وتفيض عليها الحب # فليهنأ شعب الروس # بملائكة الفردوس ~~(وعروس بعد عروس!) # 10 # رائع كالمسك أنت # رائع كالمسك أنت، # حيثما كنت يفوح العطر منك # وتشي الأنفس بك. # 11 # قال الهدهد # قال الهدهد: ~~«بنظرة واحدة، # باحت بكل شيء، # ولقد سعدت بسعدكم # كالعهد بي على الدوام # فأحبوا إذن! # انظروا في ليالي الفراق، ~~(تروا) النقش المرسوم على النجوم، # حبكم يسطع مجده ويبقى # في صحبة القوى الأبدية.» # 12 # أسألكم هل تعرفون # أسألكم هل تعرفون يا ترى ما اسم الحبيب؟ # وأي خمر أنتشي بمدحها وأستطيب؟ # | شروح وهوامش # | كتاب المغني # يحاكي جوته في تسميته لهذا الكتاب اسم أحد الكتب في ديوان حافظ الشيرازي، وهو «مغني ~~نامه»، لكن المغني هنا هو الشاعر نفسه الذي هاجر بروحه إلى الشرق، وأخذ ينظر في أحواله ~~ويتبنى عاداته وتقاليده، ويتغنى بفرحته بالرجوع إلى الأصل والمنبع الذي سينهل منه ~~لتجديد شباب إبداعه وحبه وإقباله على الحياة والفعل. ومما يؤكد هذا أن جوته - في ~~تعليقاته وأبحاثه التي تعين على فهم الديوان الشرقي - يسميه كتاب الشاعر ويقول عنه: ~~«في هذا الكتاب، كما يبدو في وضعه الحالي، تعبير متحمس عن الانطباعات الحية التي تركتها ~~في حواسي ووجداني بعض الموضوعات والظواهر، وفيه كذلك تلميح للعلاقات الحميمة التي تربط ~~الشاعر بالشرق. وإذا استمر الشاعر على هذه الصورة، أمكن تزيين البستان المبهج بأرق ~~وأبدع زينة، ولكن رقعة البستان ستتسع على نحو مفرح غاية الفرح إذا لم يقتصر الشاعر على ~~الكلام عن نفسه وعن انطباعاته الخاصة وحدها، بل عبر أيضا عن امتنانه لرعاته وأصدقائه، ~~رغبة منه في إزجاء تحياته للأحباء، وفي تكريم ذكرى الراحلين.» # هنا ينبغي أن نتذكر أيضا أن التحليق والصعود الشرقي، أي ذلك الفن الشعري الذي يزخر ~~ويفيض بالمديح، ربما لا يلائم ذوق القارئ الغربي ms159 وإحساسه. وقد آثرنا أن ننطلق إلى أعلى ~~بملء حريتنا، بغير أن نلجأ إلى المبالغات. فالواقع أن الشعر الخالص، الذي يتم الشعور به ~~شعورا صادقا، هو وحده القادر على التعبير عن مزايا الرجال الممتازين، الذين لا يبدأ ~~الناس في الإحساس بمناقبهم الكاملة إلا بعد أن يرحلوا عن هذه الدنيا، وتكف طباعهم ~~الغريبة عن إزعاجنا، وتتجلى أمام أعيننا مآثرهم الباقية كل يوم وكل ساعة (التعليقات ~~والأبحاث، طبعة هامبورج، ص195-196، وترجمة بدوي، ص452-453). # أما الشعار الذي وضعه جوته للكتاب وتغنى فيه بأيام البرامكة، فقد ذكرهم في فقرة ~~من تعليقاته وأبحاثه تحت عنوان «الخلفاء» بعد كلامه عن انهيار الدولة الساسانية أمام ~~الفتح العربي الإسلامي، ثم تغلب ثقافة المهزوم شيئا فشيئا على بداوة الظافر، واستمتاع ~~المسلمين بعد ذلك بالترف والعادات الأنيقة والآثار الأدبية والشعرية التي بقيت لدى ~~المهزومين: «ولهذا لا يزال يعد العصر الذي كان للبرامكة فيه نفوذ في بغداد من أزهى ~~العصور، وهؤلاء ينحدرون في الأصل من «بلخ»، ولم يكونوا من رجال الدين بقدر ما كانوا ~~رعاة وحماة للمعاهد الدينية والمنشآت الثقافية، وقد حافظوا على الشعلة المقدسة للشعر ~~والفصاحة، وتمكنوا كذلك بفضل حكمتهم العملية وعظمة شخصياتهم من تأكيد مكانتهم الرفيعة ~~في مجال السياسة. لهذا يطلق عصر البرامكة على عصر النشاط الثقافي المحلي الحي الفعال، ~~وهو عصر يأمل الإنسان بعد زواله لو بعث للحياة بعد انقضاء سنوات طويلة في أماكن أخرى ~~وظروف مماثلة» (طبعة هامبورج، ص146-147، وترجمة بدوي، ص395-396). # وانظر كذلك تفسير الباحثة كاترينا مومزن لهذا الشعار، الذي ترى أن جوته قد تأثر فيه ~~بإحدى حكايات ألف ليلة وليلة في المقدمة العامة لهذا الكتاب. ~~(1) هجرة # راجع شرح هذه القصيدة في الفصل الخاص بجوته والأدب العربي. أما عن نبع الخضر في ~~الروايات الإسلامية، فقد عرفه الشاعر من ترجمة يوسف فون همر لديوان حافظ، وربما ~~عرفه كذلك من قراءته لسورة الكهف. وقد وصف همر «الخضر» بأنه هو الحارس الأبدي ~~الشباب لنبع الحياة الذي يجدد شباب البشر والحيوانات والنباتات، كما يكسو الأرض في ~~فصل الربيع بالخضرة اليانعة. ~~(2) ضامنات ms160 البركة # تشير القصيدة لبعض العادات والمعتقدات الشرقية التي يختلط فيها إيمان العوام ~~بالسحر والخرافة والرغبة في استجلاب البركة، بنقش اسم الجلالة أو أحد أسماء الله ~~الحسنى على الحجر الكريم الذي يعتقدون في قوته السحرية، أو بكتابة بعض الحروف ~~والأعداد والآيات القرآنية الكريمة على الورق على هيئة تمائم أو أحجبة. أما ~~الأبراكساس، فهو نوع من الأحجار التي تنقش عليها صور ورسوم مختلطة ذات أصول ~~يونانية ومصرية قديمة، وقد أضفت عليه المذاهب الغنوصية معاني سحرية شديدة الغموض، ~~وزعم الغنوصي بازليديس - من القرن الثاني للميلاد - أن اسم الأبراكساس يعبر عن ~~القوة العليا والأصل الأول لجميع الموجودات، وأن قيمته العددية حسب حروفه ~~اليونانية تمثل العدد 365 وهو عدد أيام السنة وعدد الفضائل الإلهية، لاحظ تصرف ~~جوته في هذه المادة الشرقية بنفس الحرية والدعابة التي تلون الديوان كله، وكذلك ~~تفسيره الخاص لها للدلالة على عالم الحب والفعل الذي يؤكده باستمراره، كما في قوله ~~في السطر التاسع، فستشعل فيك الحماس للحب والعمل (العظيم). ~~(3) خاطر حر # من الواضح أن المقطوعة الثانية تقوم على الآية الكريمة من سورة الأنعام: # الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم ~~يعلمون ~~(سورة الأنعام، الآية: 97). ~~(4) تمائم # تعبر أبيات القصيدة عن رؤية جوته الدينية والكونية التي امتزجت بالرؤية الشرقية. ~~وتقوم نواتها على التسليم بقدرة عالية «تفعل فعلها الأبدي على نول الزمان المدوي ~~لنسج ثوب الألوهية الحي» (فاوست الأولى، الأبيات 508-509، وكذلك فاوست الثانية، ~~الأبيات من 11862-11865: «حتى يطيح العدم، بكل ما هو زائل، ويسطع الكوكب الباقي، ~~نواة الحب الأبدي.» والبيت 11955 على لسان الملائكة الأكمل: يبقى حمل بقية من الأرض ~~(التراب)، شيئا مؤلما لنا، بجانب مواضع أخرى من كتاب الفردوس ومن التعليقات ~~والأبحاث يذكر فيها - في الفقرة الخاصة بجلال الدين الرومي - اسم الله وأسماءه ~~الحسنى)، كما تقوم على مبدأ الاستقطاب الجدلي الذي يتمثل في القبض والبسط الذي ~~تعتمد عليه حياة الطبيعة والكون، وكذلك الحياة العقلية والروحية. والأبيات الأربعة ~~الأولى مستوحاة من الآيتين الكريمتين من سورة البقرة: # ولله ms161 ~~المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن ~~الله واسع عليم ~~، و # قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(سورة ~~البقرة، الآيات: 115، 142). ~~(5) نعم أربع # يعرف الشاعر هنا كيف يفسر معنى الأزهار المنقوشة على شال الحبيبة، كما تفهم هي ~~أيضا ما يقوله لها في القصيدة من خلال الأزهار، والمقطوعة الأخيرة تعمم القول، ~~فقصائد الشاعر الجديدة أشبه بأزهار وثمار يقدمها للقارئ، وهي أزهار وثمار شعرية ~~غنائية وتعليمية في وقت واحد، كما يسري فيها شعور باطني جديد، وكأن الزهور على شال ~~الحبيبة قصائد صامتة، وقصائده زهور ناطقة بالمعنى التي تستطيع هي وحدها أن تفهمها، ~~وربما تتضح دلالة الأبيات من الثالث عشر إلى العشرين على تبادل الأزهار والقصائد ~~بين العشاق على طريقة أهل الشرق في الحب ونظم الشعر إذا قرأنا هذه الفقرة من ~~التعليقات والأبحاث عن تبادل الأزهار والعلامات (طبعة هامبورج، ص190-191، وترجمة ~~بدوي، 446-447)، وحتى لا نحسن الظن كثيرا بما يسمى باسم لغة الأزهار أو ننتظر ~~منه نقل عاطفة رقيقة، فيجب علينا أن نسأل العارفين لنتعلم منهم. فلم يعط الناس لكل ~~زهرة على حدة معنى معينا لكي يقدموها ككتابة سرية على شكل باقة، كما أن الأزهار ~~ليست هي وحدها التي تكون الكلمات والحروف في مثل هذا الحوار الصامت، بل إن كل ما ~~هو مرئي وقابل للنقل يستخدم بنفس الحق. أما كيف يتم هذا لإبلاغ خبر وتبادل ~~المشاعر والأفكار، فذلك ما لا نستطيع أن نتصوره إلا إذا تمثلنا الخصائص الأساسية ~~للشعر الشرقي: النظرة الشاملة المطلة على جميع موضوعات العالم، وسهولة النظم، ثم ~~نوع من التلذذ والميل الفطري لدى الأمة لوضع الألغاز، بحيث تنشأ عنه كذلك البراعة ~~في حلها. وهي صفات تتضح للأشخاص الذين تتجه بهم مواهبهم للاهتمام بالمعميات ~~والأحاجي وما شابهها. # ولنلاحظ بهذه المناسبة أنه إذا أرسل محب إلى محبوبته بأي شيء، فيجب على المرسل ~~إليها أن تنطق بالكلمة، # 1 # وأن تبحث عن القافية التي تتلاءم معها، ثم تمعن بعد ذلك في البحث بين ~~القوافي الكثيرة الممكنة عن أنسب قافية للحالة ms162 الحاضرة. ومن الواضح أن هذا الموقف ~~يتحكم فيه نوع من الميل الشديد للحدس أو التخمين. ويمكننا أن نبين هذا بمثال، نقدم ~~فيه الحكاية القصيرة التالية التي توضح هذا النوع من المراسلات: # لقد تم تقييد الحراس # بالملاطفات الحلوة، # لكن طريقتنا نحن في التفاهم، # هي التي نريد أن نكشف عنها، # لأن ما جلب لنا السعادة يا حبيب، # يجب كذلك أن يفيد الآخرين، # لهذا نريد في ليلة الغرام # أن ننظف المصابيح المعتمة. # وكل من يقدر معنا # أن يرهف الأذن جيدا، # وأن يحب مثلنا، # سيسهل عليه أن يقفي المعنى الصحيح. # أرسلت إليك علامة، وكذلك أرسلت إلي، # وفهمنا المعنى المقصود على الفور. # ويورد جوته بعد ذلك قائمة طويلة من الكلمات الملغزة التي يتبادلها ~~المحبون في رسائلهم مع تفسير كل كلمة منها بكلمة أو جملة مسجوعة على نفس القافية، ~~وقد تفنن أستاذنا بدوي في ترجمة القائمتين ترجمة مقفاة كما تصرف - كالعادة! - في ~~الأصل تصرفا شديدا. ~~(6) خلق وإحياء # تعتبر أقدم وأول قصائد الديوان، وقد كتبها الشاعر يوم 21 / 6 / 1814م أثناء مروره ~~بمدينة بيركا (على نهر الألم)، واستوحى فيها بعض خمريات حافظ (كما وردت في الجزء ~~الأول من ترجمة فون همر لديوانه)، ويرجح بعض الشراح، ومنهم الدكتور بدوي (ص76)، ~~أن يكون كذلك قد استوحى فيها سفر التكوين من التوراة وسورة الحجر، الآية 26: # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ ~~مسنون ~~، وبعض الروايات الإسلامية عن خلق الله لآدم كما اطلع عليها ~~في كتاب جان شاردان، رحلة إلى فارس وبقاع أخرى من الشرق، أمستردام 1735م - ولكن ~~الكلمة المحيرة في السطر الخامس، وهي الإلوهيم، هي التي اختلفت حولها آراء الشراح، ~~وأكد بعضهم أنه ترجع لتأثر جوته في شبابه بقراءاته المبكرة لكتاب الصوفي جورج فيلنج ~~عن سحر الكبالة (أو القبالة وهي الكتابات اليهودية الصوفية والرمزية السرية) ~~الذي صدر في هامبورج سنة 1735م ثم أعيد طبعه في فرانكفورت وليبزيج سنة 1760م. ~~والظاهر أن هذه الصورة قد بعثت حية في نفسه بعد ذلك بأكثر من نصف قرن، والإلوهيم ~~الذين نفخوا أفضل روح في ms163 أنف آدم هي ذرية الإلوهيم الذين اعتبرهم فيلنج - متأثرا ~~بالقبالة - قوى مبدعة وخلاقة على نحو خاص بجانب «يهوا» عند اليهود. وقد وصفها جوته ~~في الفصل الثامن من سيرة حياته وهي «شعر وحقيقة»، بما يؤكد ما قاله عنها فيلنج من ~~أنها مجموعة قوى إلهية، ولذلك يستبعد التأثر بقصة الخلق كما جاءت في سفر التكوين ~~(7-2). ~~(7) ظاهرة # تمثل أولى القصائد - بالمعنى المفهوم من الشعر الغنائي - التي كتبها جوته مع ~~بداية انشغاله بالديوان (في اليوم الأول من أيام سفره من بيركا إلى فرانكفورت وهو ~~25 / 7 / 1814م) ولا شك أن قوس قزح هنا، فوق ما له من دلالة رمزية على النور الذي ~~يؤدي دورا هاما في رؤية جوته الكونية المتأثرة بنظرية الفيض الأفلاطونية ~~المحدثة، يعبر كذلك عن وعد رمزي للشاعر الكهل بحب جديد يمكن أن يجدد شبابه وإبداعه، ~~وفيبوس في الأصل هو أبوللو إله الشمس نفسها. ~~(8) منظر لطيف # شيراز هي مسقط رأس حافظ وموطنه، وكانت على أيامه عاصمة بلاد فارس واشتهرت بثروتها ~~الكبيرة في البساتين الغنية بالزهور والفواكه. من السطر 13-16 وصف للتناقض الفاجع ~~الذي ينشره الإنسان، وقد شعر به جوته عند مروره بالحقول المزهرة بالخشخاش في مدينة ~~إيرفورت حيث كتب القصيدة في يوم 25 / 7 / 1814م. ~~(9) تباين # تصوير أكثر حيوية للتناقض والصراع الدائر بين الحب والحرب (وكان هذا هو العنوان ~~الذي وضعه الشاعر للقصيدة في البداية) ومارس (المريخ) هو اسم إله الحرب عند ~~الرومان، أما كيوبيد فهو إله الحب المعروف. ~~(10) الماضي في الحاضر # في المقطوعة الأولى نلمس جمال الطبيعة في الصباح وصورة قلعة فارتبورج يوم سفر ~~جوته من أيزناخ إلى فولدا، التي وصل إليها مساء اليوم نفسه مع بداية رحلته في منطقة ~~الراين، ودون فيها هذه القصيدة. والمقطوعة الثالثة تردد لحنا لا يمل الشاعر ~~ترديده، وهي الدعوة للحياة الخصبة الممتلئة في الحاضر، والتوقف عن البكاء على ~~الماضي، ومعرفة الأبدي الذي يتجلى في كل لحظة ويواصل فيها فعله وتأثيره (وربما يكون ~~نيتشه في فكرته المشهورة عن عودة الشبيه الأبدية قد تأثر بهذه الفكرة ms164 الأساسية عند ~~جوته، بجانب تأثره بطبيعة الحال بالأصول اليونانية في العصر «المأساوي» السابق لعصر ~~سقراط). ~~(11) أغنية وصورة # تصور هذه القصيدة أسلوب جوته الشعري في مرحلة الشيخوخة بعد تحرره من النزعة ~~الكلاسيكية، فنجده يضع التجسيم - الذي يميل إليه الشعر اليوناني - في مواجهة العنصر ~~السيال الذي يميز في رأيه الشعر الشرقي. # والمقطوعة الثالثة تعبر عن ماهية الشاعر بوجه عام، فالرمز المستمد من الأساطير ~~الهندية عن الموجهة المتكورة مثل كرة البللور (قارن قصيدته القصصية بعنوان: الحكاية ~~الخارقة ضمن ثلاثية باريا) يعبر عن الفن بوصفه إدراك ما لا يدرك، والتعبير عما ~~لا سبيل للتعبير عنه، وتحقيق الحرية من خلال الضرورة والقيود، والارتفاع بالفاني ~~إلى مستوى الخلود. # والسطر التاسع يكرر فكرة جوته الأساسية عن الخلاص عن طريق الفن «إن أعمالي كلها ~~بمثابة شذرات من اعتراف كبير!» وهي الفكرة التي عبر عنها تعبيرا لا ينسى في ختام ~~مسرحيته توركواتو تاسو: «وإذا ما أخرس الإنسان عذابه، وهبني الرب أن أعبر عن عذابي.» ~~(الترجمة العربية لكاتب هذه السطور، الفصل الرابع، المشهد الرابع) وتشبه القصيدة ~~كلها أن تكون وداعا لجوته الإغريقي الذي طالما تعبد الصورة العينية والشكل ~~المكتمل والتمثال المجسم، وعلانا عن بعث الحياة وتجددها في جوته الشرقي الكهل الذي ~~حنت روحه - في سنوات الحرب والاضطراب التي اجتاحت أوروبا وهي تقاوم نابليون! - ~~إلى صفاء الشرق ووحدته حنين الفراشة إلى النور (كما سيأتي هذا في قصيدته حنين مبارك ~~التي تعد درة عقد قصائد الديوان، ومن أروع شعر جوته على الإطلاق). ~~(12) جرأة # الجرأة هنا لا تنطوي على معنى سلبي، وإنما تدل على التحمس للحياة، والثقة بالنفس ~~- إلى حد الإحساس بالرفعة والتفوق! - التي تسود الديوان كله (راجع على سبيل المثال ~~قصيدة لعلكم تلاحظون أن التعاظم، وهي رابع قصائد كتاب الضيق، وكذلك قصيدة تعال، ~~تعال أيها الحبيب، طوق رأسي بالعمامة، والقصيدة التالية لها «قليل ما أطلبه» من ~~كتاب زليخا)، ونلاحظ في السطرين الثالث والرابع، أن الصوت يقابل النغم مقابلة الضد ~~للضد؛ لأن العمل الذي يصوغه التشكيل الفني هو وحده الذي يجلب الشفاء والنجاة ms165 ~~للإنسان. ولا بد للشاعر من أن يحيا الحياة ويمتلئ بتجاربها القوية العميقة حتى ~~يستطيع أن يبدع هذا العمل الفني (السطور من 7-10) والقافية المزدوجة في القصيدة ~~الأصلية توحي «بالنغم الأصيل للحياة» الذي يردده السطر التاسع، مؤكدا قوة الفن ~~وقدرته على التشكيل الجمالي والموسيقى. ~~(13) خشن ونشيط # في العنوان تصوير لأصحاب الطبائع القوية الواثقة التي لا تستريح لفضيلة التواضع ~~الاجتماعية. وهنا نجد نفس الثقة والوعي الذاتي لدى الشاعر بعظمته وتفوقه وعلو قدره ~~عن (طريق الشعر بطبيعة الحال!) وبداية الهجوم على الأدعياء والمتفيهقين من الوعاظ ~~وصغار الرهبان (كما في القصيدة الرابعة من كتاب الضيق: لعلكم تلاحظون أن التعاظم لا ~~يمكن نفيه من العالم) وهو يتأثر هنا بحافظ الذي سبقه إلى السخرية من الفقهاء ~~المتشددين والوعاظ الثرثارين، وربما يكون هو الحكيم الذي تذكره القصيدة في المقطع ~~الرابع ويعلم الشاعر التواضع ويحدثه عن الزمان والأبدية. السطر السادس والعشرون: ~~بعيدا عنه، أي بعيدا عن التواضع. ~~(14) حياة كلية # السطر 8: ليس اسم محمود هنا اسم خليفة أو حاكم أو سلطان بعينه؛ إذ حمله سلاطين ~~كثيرون من أشهرهم السلطان محمود الغزنوي. السطر 27-20: الاخضرار علامة الحياة ورمز ~~النماء، وقد صاغ الشاعر الفعل على غير قاعدة معروفة، ووردت الكلمة في قصيدة دعوني ~~أبكي، (وهي إحدى قصائد الديوان التي نشرت بعد وفاته) وكذلك في فاوست الثانية ~~(البيت رقم 8266 الذي يقول فيه الهومونكلوس أو الإنسان العجيب الذي ولد لفاوست من ~~هيلينا جميلة الجميلات عند الإغريق: «هنا يهب نسيم رخي، فيخضر (النبات) وأنعم ~~بالعطر».) وهو يدل على كل حال على التحول نحو حياة جديدة مثمرة، مع التمهيد ~~للقصيدة التالية وهي «حنين مبارك». ~~(15) حنين مبارك # فضلت وصف الحنين في عنوان هذه القصيدة بالمبارك بدلا من السعيد، لأن الكلمة ~~الأصلية # Selig # كانت في الاستخدام اللغوي على عهد ~~جوته أقرب إلى مجال التقوى والإيمان الديني من استخدامها الحالي. راجع قصيدته ~~الطويلة «مرثية» التي تنتمي لشعره المتأخرة، البيت رقم 83 الذي يقول فيه: «إنني ~~أشعر بأنني جزء من هذه القمة المباركة، عندما أقف أمامها» (طبعة هامبورج ms166 لأعمال ~~جوته، المجلد الأول، ص384) ويلاحظ على المقطوعة الأولى أن الشاعر يلتزم فيها ~~الحذر؛ لأنه يكتم ما يريد الإفصاح عنه ويحجبه عن الجهلاء والسفهاء، على نحو ما فعل ~~في القصيدة رقم 26 من كتاب الحكم: «إن كنت تحاذر أن ينهبك الناهب ويشينك، فاكتم ~~ذهبك وذهابك واكتم دينك.» وكذلك في الحوار بين فاوست وتلميذه فاجنر (القسم الأول ~~من فاوست، المنظر الأول)؛ حيث يقول فاجنر: «ولكن العالم! قلب الإنسان وروحه! إن ~~جميع الناس يريدون أن يعرفوا شيئا عنهما.» ويرد عليه فاوست قائلا: «أجل، ويا لهذا ~~الذي يوصف بأنه معرفة! من ذا الذي يجوز له أن يسمي الطفل باسمه الصحيح؟ إن ~~القليلين الذين عرفوا شيئا عنه والذين كانوا من الحمق بحيث لم يحافظوا على أسرار ~~قلوبهم، فكشفوا للعامة عن شعورهم وفكرهم، قد اعتاد الناس منذ القدم أن يصلبوهم ~~ويحرقوهم.» هذه القصيدة التي توصف بأنها درة عقد الديوان الفريدة وجوهرته الثمينة، ~~والتي وضعت عنها البحوث والدراسات المتخصصة لسبر أغوارها واكتناه أسرارها، تشبه ~~الجذر الذي تتفرع عن أهم الموضوعات التي يعالجها الديوان، كموضوع الحب الذي يمتد ~~إلى كتابي العشق وزليخا، وموضوع الدين الذي يتغلغل في كتابي البارسي (أو المجوسي) ~~والفردوس (أو الخلد). وليس من قبيل الصدفة أن توضع هذه القصيدة في آخر الكتاب ~~الأول؛ لأن موضوعه يمهد في الحقيقة لوحدة السياق أو البنية التي تربط بين الكتب ~~التالية له، وهو موضوع قلما كشف عنه جوته إلا بمنتهى الحذر (كما فعل في مسرحيته ~~المبكرة بروميثيوس التي لم يتمها، وفي المرثية المتأخرة السابقة الذكر، السطور ~~73-84)، وكيف يتسنى له ذلك وهو لا يقل عن الصعود إلى المحبوب والمجهول الأعظم شوقا ~~للاتحاد به والفناء في نوره؟ # 2 # والمعروف أن السطور الأولى للقصيدة (أي البيت الأول من الترجمة) يشير ~~إلى أبيات لحافظ الشيرازي يقول فيها: «هل يدري العوام ما قيمة الدر الكريم - كلا! ~~لا تلق الجواهر إلا للعالمين.» ومن المعروف أيضا أن تشبيه النفس أو الروح بالفراشة ~~تشبيه يرد كثيرا في الشعر الشرقي (الفارسي والعربي) وأن عشقها لنور الشمعة ms167 الذي ~~يجعلها تطير نحوه ملهوفة للاحتراق فيه، يفسر بمعان صوفية مختلفة، سواء في الشعر ~~«الدنيوي» أو في شعر الحب الإلهي. وينظر جوته بعقلية الشاعر والعالم في ليلة من ~~ليالي الصيف إلى الفراشة التي تلقي بنفسها في لهيب الشمعة، ويتتبع تحولاتها ~~المختلفة فيعتبر أن موتها هو المرحلة العليا والأخيرة التي تسمو فيها إلى كمال ~~وجودها في الوقت الذي يفنى فيه هذا الوجود، أي أنها تحافظ على هويتها وشخصيتها ~~الحقيقية - إذا جاز هذا القول - عندما تتخلى عنها أو تبذلها حين تتجول أو تصير، وهو ~~ما يعبر عنه الأمر الغامض الرهيب في النص الأصلي «وطالما أنك لم تبلغ هذا وهو مت ~~وصر (أو وكن)، فستبقى ضيفا عكرا (أو معتما)، فوق الأرض المظلمة » (ومعذرة عن ~~تصرف الترجمة الشعرية بعض التصرف في هذين البيتين اللذين نقلتهما لك الآن نقلا ~~حرفيا). ولا يذكر الشاعر الفراشة إلا قرب نهاية القصيدة، أما قبل ذلك فهو يبدأ ~~بالثناء على الحي بشكل مطلق، ويوجه إلينا كلامه بصيغة المخاطب المفرد، أي بأنت ~~التي تنتمي إلى الحي الذي يمتدحه، وبهذا نتحد نحن أيضا مع «الأنت» التي يخاطبها، ~~ثم مع الفراشة التي ترمز للوجود المبذول في العطاء الذي ليس بعده عطاء، أي للوجود ~~الذي يتحول بالاحتراق فيكون أو يصير إلى حقيقته، أما المقطوعة الأخيرة فيصعب ~~فهمها وتفسيرها، اللهم إلا أن يكون معناها أننا - نحن الذي يوجه إلينا الخطاب ~~مباشرة - نستطيع أن نحقق هذا الوجود الأكمل في هذه الحياة نفسها، كأنما هي دعوة ~~للوجود في أسمى صوره التي يتحول من خلالها الموجود إلى عين الوجود، من خلال الحب ~~«الحقيقي» الذي توحي القصيدة بأن الذين جربوه على حقيقته هم الفراشة والعاشق ~~والمتصوف. ولعلها أرادت أيضا أن تشير إلى «السر» الذي طلبت منا أن نضن به على ~~الجهلاء والسفهاء، وهو الثلاثة الذين ذكرناهم هم «مثل» الحب المجسدة، أو هم في ~~الحقيقة مثال واحد لمحب واحد أخلص في حبه حتى احترق (كالفراشة) أو فني في ذات ~~الله (كالمتصوف) أو كابد الحب «الأرضي» الطاهر الذي هو في صميمه ms168 نوع من الحب ~~الإلهي، وكلها كما ترى دوائر متداخلة مركزها الوحيد هو الحب، أي النواة أو البذرة ~~الأولى التي ينم منها كل ما هو حقيقي وأصيل وفعال، والحديث عن أسرار هذه القصيدة ~~وإيحاءاتها وصعوباته المختلفة لا يمكن أن ينتهي، فلتقرأها وتعايشها أنت بنفسك ~~لتستخرج منها ما تشاء من التفسيرات. ~~(16) إن عود القصب # لاحظ خفوت النغمة وصفاءها في هذه القصيدة بعد التوهج والعنفوان في القصيدة ~~السابقة، وكذلك التلاعب الشرقي - على طريقة الأرابسك! - بعود القصب وعود القلم أو ~~الريشة واليراع. # | كتاب حافظ # يعبر هذا الكتاب تعبيرا يفيض بالصدق والحماس عن تقدير الشاعر «لتوءم روحه» الشرقي ~~حافظ الشيرازي وعرفانه بفضله عليه، كما يعبر في الوقت نفسه عن مفهوم حافظ عن الشعر ~~وتكريس حياته له والأدب بوجه عام. وقد وصف جوته هذا الكتاب في إعلانه عن الديوان الذي ~~سماه «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» في صحيفة الصباح لسنة 1816م التي كان يصدرها ناشر ~~أعماله كوتا بقوله: «ويتبع هذا (أي كتاب المغني أو كتاب الشاعر) كتاب حافظ، وهو مكرس ~~لوصف هذا الرجل العظيم وتقديره وإجلاله.» وفيه كذلك تعبير عن علاقة الشاعر الألماني ~~بالشاعر الفارسي، وتعلقه الحماسي به، وتصويره في صورة الشاعر الذي لا يمكن منافسته أو ~~اللحاق به (ص268 من طبعة هامبورج). كما يقول عنه في تعليقاته وبحوثه عن الديوان في ~~فقرة تحت عنوان «كتاب حافظ»: «إذا كان كل الذين يتكلمون العربية واللغات التي من نفس ~~الأسرة يولدون وينشئون شعراء، فيمكننا أن نتصور أن مثل هذه الأمة قد أنجبت شخصيات ~~ممتازة لا حصر لها. ولكن إذا كان مثل هذا الشعب، على مدى خمسة قرون، لا يعترف بالصدارة ~~إلا لسبعة شعراء، فعلينا أن نتقبل هذا الحكم باحترام، وإن جاز لنا مع ذلك أن نبحث عن ~~الأسس التي يمكن أن يقوم عليها هذا الامتياز.» # وينبغي أن يحتفظ للديوان المقبل بمهمة حل هذه المعضلة بالقدر الذي يسمح بذلك؛ إذ إن ~~قصر الكلام عن حافظ يجعل الإعجاب به والحب له يزدادان بقدر ما تزداد معرفتنا به. فنحن ~~نجد لديه القريحة ms169 الممتازة النادرة، والثقافة الواسعة، وسهولة النظم، والاقتناع الخالص ~~بأنه لا يمكن إرضاء الناس إلا إذا غنينا لهم ما يحبون سماعه ويجدونه سهلا وممتعا، كما ~~يمكننا بعد ذلك أن نسمعهم من حين إلى حين شيئا ثقيلا وعسيرا ومؤلما ندسه بين ~~أغانينا. وإذا شاء العارفون أن يروا في الأغنية التالية صورة حافظ ويتعرفوا عليه إلى حد ~~ما، فإن هذه المحاولة ستسعد الشاعر الغربي سعادة خاصة (وهنا تورد الطبعة الأصلية نص ~~قصيدة «إلى حافظ» وهي آخر قصائد هذا الكتاب المسمى باسمه). # الشعار: كان في نية جوته، عندما جمع قصائد الديوان في الثلاثين من شهر مايو سنة 1815م، ~~أن يجعله شعارا للديوان كله، وربما يكون قد استوحاه من الشعار الذي وضعه مترجم ديوان ~~حافظ، وهو فون همر، لترجمته للديوان، وأخذه بدوره من الغزل رقم 109 من حرف الدال وهو: ~~«لم يكشف أحد القناع عن أفكار رائعة كما فعل حافظ، منذ عقصت غدائر الكلم العروس» (عن ~~ترجمة الدكتور بدوي، 96). ~~(1) لقب # يذكر جوته، في الفقرة التي يعرف فيها بحافظ ضمن تعليقاته وأبحاثه التي تعين على ~~فهم الديوان، سبب تسمية الشاعر الفارسي بهذا الاسم، وهو حفظه للقرآن الكريم عن ظهر ~~قلب، وإطلاق لقب «الحافظ» عند المسلمين كنوع من التشريف والتكريم لكل من استظهر ~~القرآن الكريم، وهو لقب بقي لشاعرنا بمثابة اسم له، كما قال في ذلك عن نفسه: «لقد ~~حققت كل ما حققته بفضل القرآن» (انظر التعليقات والأبحاث، ترجمة بدوي، ~~ص409-410). # س21-22: # إشارة إلى ثوب القديسة فيرونيكا أو منديلها الذي مسحت به العرق عن وجه ~~السيد المسيح أثناء صعوده الجبل الذي صلب عليه فانطبعت صورة وجهه عليه. وقد تذكر ~~جوته هذه الحكاية أيضا في القسم الثالث من سيرة حياته «شعر وحقيقة» عندما كان ~~يتكلم عن مشروعه القديم الذي خطط له في 1774م لكتابة مسرحية بعنوان اليهودي الأبدي، ~~ولكن المشروع لم يتم. # س24: # الخالصة هنا بمعنى الصافية من أدران المادة، والمتعالية على الوجود ~~الأرضي. # س25: # يؤكد الشاعر هنا وجه الشبه والقرابة الحميمة التي تجمعه بالشاعر الفارسي، ~~فهو إذا ms170 لم يكن قد حفظ الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل) عن ظهر قلب، فقد أحبها ~~وقرأها بعناية وانطبعت في نفسه منذ صباه، واستشهد بالكثير من آياتهما كما جرت عادة ~~البروتستنت الأتقياء، وذلك على الرغم مما لقيه من الجحود والاستهزاء من جانب ~~المجدفين والمنكرين للعقيدة - كبعض أصحاب النزعات التنويرية والعقلانية المتطرفة في ~~عصره أو بعض المتطرفين في الاعتقاد والإيمان - مثل صديقه لافاتر (1741-1801م) الذي ~~دب الخلاف معه فيما بعد، أو بعض المتشددين والمتزمتين من رجال الكنيسة الذين كانوا ~~يحلو لهم التشكك في صدق إيمانه وينكرون عليه إعجابه بالإسلام والمسلمين. ~~(2) اتهام # تواصل هذه القصيدة طرح السؤال الذي طرحته القصيدة السابقة عن العلاقة بين الشعر ~~والدين، كما ترتبط بالقصائد الثلاث التالية لها، وهي تعبر على العموم عن زعم ~~المتشددين بأن الشعر لا يلتزم بمبادئ الشريعة وأصول الدين الصحيح. # س11: # القفار أو القفر هنا بمعنى الخواء أو العدم، وقد وردت الكلمة الأصلية ~~أيضا # Öde # في إحدى القصائد المتأخرة التي جعل ~~عنوانها «كلمات أصلية أورفية» وهي قصيدة الحب (إيروس) البيت الثامن عشر: إنه لا ~~يتأخر! فهو يندفع هابطا من السماء، حيث حلق إليها فرارا من القفر القديم (طبعة ~~هامبورج، المجلد الأول، ص360). # سطر 22: # ميرزا هو الاسم الذي يطلق على عدد من شعراء الفرس الذين لم يقصد جوته ~~واحدا منهم بعينه، وكلمة ميرزا اختصار لكلمتي أميرزاده أي ابن أمير، وقد استوحى ~~جوته مطلع القصيدة (من س15-1) وروحها العامة من الآيات الكريمة في سورة الشعراء: # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~* تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون * ~~والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون ~~(الشعراء، الآيات من 221-226). وقد ذكر ~~الآيات الكريمة مترجم حافظ، وهو يوسف فون همر، في الجزء الثالث من «كنوز الشرق»، ~~ص255. ~~(3) فتوى # أصدر هذه الفتوى أبو السعود أفندي (1490-1574م) المفتي الأكبر في عهد السلطان ~~سليمان الأول بالآستانة، حين رفعت إليه شكوى في حق حافظ، بعدم قراءة شعره، فأفتى ~~أبو السعود بضرورة تمييز الذوق الصحيح ms171 بين الأبيات الواردة في أشعار حافظ، لتبين ~~كلمات الحق من حكم واثقة ونكت فائقة، والجزافات الخارجة عن نطاق الشريعة الشريفة، ~~وعدم حسبان السم الزعاف ترياقا، وهذه الفتوى ترجمها فون همر إلى الألمانية في ~~مقدمة ترجمته لديوان حافظ، ونقل جوته مضمونها نقلا شاعريا أمينا (انظر تفصيل ~~ذلك في شرح بدوي للقصيدة، ص99-100 من ترجمته) ويبدو أن شاعرنا رحب بهذه الفتوى ~~وتوقع منها الخير لديوانه؛ إذ إنها تنصح القراء بتحكيم حاستهم النقدية فيه، والتنبه ~~إلى أن الكلمات ليست في ذاتها مصدر الضرر، بل أفعال الناس التي يتحملون وحدهم ~~المسئولة عنها. ~~(4) الألماني يقدم الشكر # تتصل هذه القصيدة بالقصيدة السابقة اتصالا وثيقا، وتؤكد ما جاء فيها من ضرورة ~~النظر إلى العمل الشعري ككل والحكم عليه من زاوية المشاعر والأفعال التي ينطوي ~~عليها، وكأن الشاعر يأمل - كما سبق القول - أن تطبق الفتوى على قصائد ديوانه، ~~وأن يتوخى الناس العدل، والإنصاف في الحكم عليها ويعذروا الشاعر إذا حاد أحيانا عن ~~جادة الصواب من وجهة نظر الشريعة وعلمائها، وذلك بسبب إقباله على الحياة الخصبة ~~التي تتيح له التحليق والانطلاق، فالحياة الحقة هي «البراءة الخالدة للفعل.» ~~(5) فتوى # هذه فتوى تركية - كما جاء في عنوانها الأصلي تمييزا لها من الفتوى الفارسية ~~السابقة - وقد عرفها جوته من الترجمة الألمانية (التي قام بها هاوسلويتنر لكتاب ~~توديريني «أدب الترك» وصدرت في مدينة كونجسبرج سنة 1790م، ج1، ص207) وهي تنطوي - إذا ~~جاز هذا القول - على حكمة «سليمانية»؛ إذ تحرم على الرجل العادي أن يفكر أو يعبر ~~كما يفعل الشاعر مصري، ولكنها تحلل ذلك للشاعر نفسه؛ لأن شعره هبة من الله، وهو حر ~~ومسئول مباشرة أمامه سبحانه عن طريقة استخدامه لها. ومن ثم يرفض المفتي - بإشارته ~~إلى عذاب النار - مضمون القصائد في ذاتها، سواء بالنسبة لنفسه أو للآخرين، ~~ولكنه يسمح «لمصري» أن يكتب كما يشاء. وبهذا الاعتراف باستقلال الفن وكرامته وحريته ~~تختتم القصائد الخمس الأولى التي دارت حول العلاقة بين الشعر والشاعر من الناحية، ~~والتدين الصحيح ورجال الدين من ناحية أخرى، ومصري (الذي عاش ms172 من حوالي 1617م إلى ~~1699م هو مؤسس إحدى الطوائف الصوفية التي اتهمت بإثارة الفتن والضلال). ~~(6) بغير حدود # تعد هذه القصيدة - بعد كل الأبيات السابقة التي وجهها الشاعر إلى حافظ - بداية ~~اللقاء الحقيقي مع توءم روحه الفارسي. والموضوعات العديدة والألوان الزاهية التي ~~تزخر بها تعبر عن شعر حافظ نفسه بما فيه من زخرفة وانسكاب وسيولة وتتابع دوري أو ~~دائري (من س6-1) وتعدد للأغراض التي يتناولها (من 7-12) ثم تأتي الفرحة والتهليل ~~للقاء بين الشاعرين «التوءم» (من س8-13) والوعود التي يبشر بها الشاعر الغربي نفسه ~~من هذا اللقاء: فهو ينتقل الآن من أسلوبه الشعري الكلاسي المحدد كالخط صعودا ~~وهبوطا إلى أسلوب آخر تتسم به أعماله المتأخرة في الكهولة والشيخوخة، وهو الانسياب ~~في دوائر متداخلة بلا بداية ولا نهاية محددة (س4) والانعكاس المتبادل للموضوعات ~~المختلفة أحدها على الآخر، كأنها مرايا متداخلة في حوار متواصل بين الصور والأشكال، ~~بغير التزام بالتشكيل الصارم والتطور المنطقي للأفكار والوحدة المكتملة (راجع ~~القصيدة رقم 13 من كتاب المغني وهي الغوص في مياه الفرات، والسباحة هنا وهناك، في ~~هذا العنصر السيال) وهكذا تتولد أغنية «جديدة» من هذا اللقاء الفريد، ويتجدد معها ~~شباب الشاعر الكهل وشباب شعره، لا سيما بعد أن يجرب تجربة الحب ل (مريانة فيلليمر) ~~التي تخرجه من شتاء الحكمة الباردة إلى ربيع الأمل القصير العمر، هنا تصبح ~~الأغنية الجديدة التي تردد أنغاما جديدة هي نفسها أغنية قديمة؛ لأن صاحبها «يستروح ~~نسيم الآباء» (س4 من قصيدة هجرة أولى قصائد كتاب المغني) بعد «هجرته» الروحية إلى ~~«الشرق الطاهر». ~~(7) محاكاة # إن الإعجاب بحافظ والاقتراب منه ومنه شعره، لا يعني على الإطلاق أن يقلد الشاعر ~~الغربي صنعته الشكلية المقيدة بالأوزان والقوافي، بل يعني أن يحاكيه محاكاة حرة ~~يتأثر فيها بروحه كما تأثر بروح الشرق بوجه عام مع بقائه «هو نفسه» وحرصه على أن ~~«يصبح ذاته»، والواقع أن جوته قد رفض تقليد ما سماه بالصنعة الميتة أو الشكل الميت ~~(س17) ورأى أن تلك القيود الشكلية ليست إلا أقنعة جوفاء (س16) سرعان ما ms173 تتقزز منها ~~النفس لأنها بلا معنى ولا دم (وإن كان ذلك - ربما على سبيل اللعب الذي نصادفه ~~كثيرا في الديوان! - لم يمنعه من تقليد «الغزل» الفارسي وتكرار القافية في عدد ~~قليل جدا من القصائد التي سنشير إليها في حينها) - والمهم أنه لم يسمح لشعر حافظ ~~ولا غيره من شعراء الفرس والعرب أن يغريه بتقليده والتقيد به تقيدا يعصب عينيه عن ~~حقيقته وحقيقة شعره - كما فعل الشاعر المستشرق ركرت والشاعر الرومانسي بلاتن اللذان ~~سبق الحديث عنهما - وربما يكون جوته قد تعرض بعض الوقت للتأثير الطاغي للشعر الشرقي ~~وشعر حافظ بوجه خاص، وربما أحس بأنه يفترسه ويضغط عليه إلى حد الاختناق، ولذلك لجأ ~~(كما يقول الناقد الكبير ماكس كوميريل في كتابه أفكار عن قصائد، فرانكفورت، 1943م، ~~ص256) - إلى الاستعارة المخيفة عن حريق موسكو في شهر سبتمبر 1812م للتعبير عن ~~العاصفة التي كادت أن تجرفه والشرارة التي كادت أن تحرقه لو استسلم لتقليد الصنعة ~~الشرقية، ومع ذلك، فإن هذه القصيدة نفسها لا تخلو هي والقصيدة السابقة من محاولة ~~الشاعر الاقتراب من شكل «الغزل» الفارسي، كما أن عنوانها نفسه يكرر كلمة المحاكاة، ~~ويبدو أن هذه الحيرة إلى حد التمزق بين ضرورة التقليد وحرية المحاكاة الخلاقة قد ~~عذبت الشاعر أثناء استعداده للدخول في عالم الشرق، قبل أن يتخلص منها بالرجوع إلى ~~ذاتيته الشعرية والوجودية الحقة. وليس مصادفة أن نجده يسجل في يومياته بتاريخ ~~7 / 12 / 1814م هذه الملاحظة: حافظ والتقليد. ولعل مرجع هذا - كما قلت - إلى أنه كان ~~لا يزال في بداية تجربته الشرقية وتجربة اللقاء مع الشعر الشرقي، وليت المجددين ~~عندنا - وأقصد الأصلاء والصادقين لا الأدعياء المقلدين تقليد العبيد والقرود ~~للنماذج الغربية أو حتى المحلية في مختلف الأشكال الأدبية والفنية - ليتهم يفكرون ~~قليلا في هذه التجربة التي مر بها شاعر عظيم وكادت أن تعصف به أو تحرقه على حد ~~قوله، لولا أنه تمسك بذاتيته الفنية (الفردية والجماعية) قبل أن يفوت الأوان كما ~~فات الكثيرين. ~~(8) سر مكشوف # هذا تعبير أثير عند جوته، وهو يقصد به ms174 كل ما هو عجيب يبرز للنور، ولكن العادة ~~والتحيز يمنعان الناس من رؤيته، ولذلك بقي بالنسبة للعارفين سرا نقيا يبهج ~~قلوبهم، وكأن سوء فهمه أو عدم فهمه من قبل الجهلاء والأغبياء يحميه من التطفل ~~عليه، وكأن العنوان الذي وضعه جوته لهذه القصيدة في البداية هو «اللسان الصوفي» ~~(متأثرا في ذلك بما قاله مترجم حافظ - فون همر - عن تلقيب الشراح الشرقيين لحافظ ~~بلسان الغيب - بدوي، ص107 عن ترجمة همر، ص33)، فكأن اتجاه بعض شراح حافظ المتشددين ~~من الناحية الدينية لتفسير شعره تفسيرا مجازيا من حيث المعنى الصوفي الباطن لا ~~المعنى الحسي والدنيوي الظاهر قد أغضب جوته، فراح يدافع عن إيمان حافظ الذي لم ~~يفهموه فهما صحيحا (راجع الأبيات، من 9-12)، كما دافع في مواضع أخرى من كتاباته - ~~ومنها تعليقاته على الديوان الشرقي - عن نشيد الإنشاد الذي فسره بعض المتشددين ~~المسيحيين تفسيرا دينيا باطنا، فالحب في رأيهم هو الحب الإلهي، والخمر هي معرفة ~~الحقائق الإلهية، أما هو فيرى في هذا إساءة فهم لنشيد الأنشاد ولشعر حافظ على ~~السواء، وأن ذلك الفهم المجازي والصوفي يرجع «لفقهاء الألفاظ» الذين لم يعرفوه على ~~حقيقته، لأن ما هو إلهي موجود وجودا مباشرا في كل ما نجربه وندركه ونحياه ولا ~~يحتاج لافتراض الثنائية العتيدة التي تقسم العالم إلى ظاهر وباطن وجسد وروح ودنيا ~~وآخرة (وذلك تمشيا مع رؤيته الكونية والدينية الشاملة وإيمانه بوحدة الوجود) ~~ومن هنا بقي مع حافظ في رأيه متدينا ومتصوفا تصوفا نقيا خالصا، ولكن بمعنى ~~التصوف الطبيعي الذي تأثر فيه جوته بفلسفة اسبينوزا (انظر السطر التاسع الذي اختلف ~~الشراح حوله اختلافا شديدا لا يتسع المجال لتفصيل القول فيه). ~~(9) تلميح # يبدو من البيت الأول في هذه القصيدة أنها مناقضة للقصيدة السابقة، وكأن الشاعر ~~يستدرك خطأ وقع فيه. غير أن الحقيقة غير ذلك، فهو يؤيد الشراح والمفسرين الذين ~~أخذوا شعر حافظ مأخذا مجازيا باطنيا من جهة أنه - أي حافظ - ليس مجرد شاعر ~~دنيوي وواقعي كما قد يفهم من القصيدة السابقة، لكنه يرجع فيقول إن أصحاب التفسير ms175 ~~الباطني والمجازي قد أخطئوا عندما فهما الغادة الحسناء على أنها «شفرة» أو علامة ~~لغوية دالة على الحب الإلهي، كما أخذوا الخمر على أنها هي الوجد الصوفي. ~~والحقيقة أن الواقعية الخالصة والمجازية المحضة مخطئان، والأصح هو التفسير الرمزي: ~~فالحب هو الحب الأرضي والواقعي، إلا أنه يشير كذلك إلى ما وراءه، وما فوقه، يحيل ~~إلى الأبدي الذي يعلو عليه. فالخمر هي الخمر التي تملأ شاربها نشوة وحماسا، لكن ~~النشوة والحماس يرتفع به إلى رؤية الحقيقة الدينية والإحساس بما هو باق وخالد. ولو ~~لم يكن الأمر كذلك ما تحمس جوته لحافظ ولا تصور أنه قريب منه، ولا أستلهمه ديوانه ~~الشرقي كله! أما التناقض أو التعارض فهو - في تقديري المتواضع - نوع من اللعب ~~الذي سبق أن ذكرت أنه سمة غالبة على الديوان، ومن قبيل اللعب المرح أن يكون عنوان ~~القصيدة هو «لمحة» أو «تلميح» كما كان عنوان القصيدة السابقة عن سر لكنه مكشوف، ~~وهكذا لا يحل جوته المشكلة، وإنما يحولها على عادته إلى تشبيه أو صورة أو رمز. ~~(10) إلى حافظ # في هذه القصيدة التي يختم بها كتاب حافظ تلخيص وتجميع للموضوعات أو «الموتيفات ~~الأساسية التي يزخر بها عالم حافظ، وكان لها تأثير طاغ ومحبب على شاعرنا الذي وصفه ~~بأنه توءم روحه ولم يستنكف أن يجعل نفسه تابعا له وتلميذا يتعلم منه، والقصيدة ~~تلخص كذلك كل ما سوف تجده موزعا على كتب العشق والتفكير وزليخا والساقي ... إلخ. ~~فنحن نجد فيها الحنين إلى الحب (س1-6) وقدر الحرب المؤلم السار (س7-8) وشخص الحبيبة ~~ووجهها وعودها المتثني كغصن البان (س9-16) ووجهها الذي ينور القلب (س17-22) وغناءها ~~العامر بالبهجة والصدق (س23-28) والخمر وما تفعل فيه نارها (س33-36) والغلام ~~المحبوب أو الساقي (س37-40) والعلاقة الحميمة بينه وبين الشاعر، وهي علاقة أبوية ~~وتعليمية مختلفة عما نجده كثيرا في الشعر الفارسي والعربي (س41-44)، ثم حضور ~~الحكيم أو جماعة الحكماء والمفكرين لمجلس الشراب (س45-48) وتأثير الشاعر حتى على ~~الأمراء والساسة والحكام مثل شاه شجاع بالنسبة لحافظ وكارل أوجست أمير فيمار ~~بالنسبة لجوته (س49-52). ms176 وتتوالى الموضوعات والصور التي ينسكب أحدها في الآخر بخفة ~~ولطف على طريقة الشعر الشرقي، بحيث يتولد أحدها عن الآخر أو يفيض منه. لاحظ الصور ~~والاستعارات الشرقية التي ينضدها الشاعر الغربي صورة بعد صورة، فالحبيبة الفاتنة ~~شجرة سرو متقلبة المزاج (س12) ولها رائحة طيبة تفوح منها (س31-32) إلى آخر هذه ~~الصور التي يألفها الشرقي والغربي بوجه خاص من شعرائه من الجاهلية إلى اليوم، ويبقى ~~الشاعر في النهاية هو توءم صاحبه ومعلمه الشرقي، على نحو ما أكد بوضوح في قصيدة ~~سابقة من هذا الكتاب (بغير حدود، س15-16): فلنشترك معا، نحن التوءمين، في الفرح ~~والألم ...» والجدير بالذكر أن القصيدة كتبت في كارلزباد في الحادي عشر من شهر ~~سبتمبر سنة 1818م، بعد أن تم طبع كتاب حافظ، ولذلك أدمجها الشاعر في تعليقاته ~~وأبحاثه الملحقة بالديوان. # | كتاب العشق # يقدم هذا الكتاب أشكالا مختلفة للحب السعيد والحب الشقي، للوعة الحب وعذابه، ~~ومداعبه المحبوب وملاطفته، وذلك في خلال شخصيات شرقية متنوعة تجسد معجزة الحب في ~~عمومها. وهو يعد تمهيدا لكتاب زليخا، كما ترسم قصائده في الوقت نفسه نموذجا مضادا ~~له ، إذ إن الكتاب الأخير يصور تجربة كونية شاملة. ويعرف جوته بهذا الكتاب في التعليقات ~~والأبحاث فيقول: «كان من الممكن أن يتضخم هذا الكتاب لو ظهر فيه العشاق الستة بأفراحهم ~~وآلامهم على نحو أكثر صراحة، وانضم إليهم عشاق آخرون من الماضي المظلم بصورة تزيد أو ~~تقل عن ذلك وضوحا. فوامق وعذراء على سبيل المثال، اللذان لم يصل إلينا من أخبارهما غير ~~اسميهما، كان من الممكن أن يقدما هكذا» (وهنا يورد جوته القصيدة الثانية في هذا ~~الكتاب، وهي زوج آخر) والكتاب يصلح أيضا للاستطرادات الرمزية التي لا يستغني عنها في ~~ربوع الشرق. واللبيب الذي يقنع بما يقدم إليه، ينظر إلى كل ما يقع تحت حواسه بوصفه ~~نوعا من التخفي وراء الأقنعة تختبئ خلفه، بطريقة ماكرة وعنيدة، حياة روحية أرفع ~~مستوى، وذلك لاجتذابنا وإغرائنا بالتحليق في مناطق أكثر نبلا. وإذا استطاع الشاعر هنا ~~أن يسير بوعي واتزان، فإننا نتقبل منه ms177 ما يقدمه ونسعد به، ونصمم على التحليق معه بقدر ~~ما تستطيع أجنحتنا (ص196-197 من طبعة هامبورج، وكذلك ترجمة بدوي ص454)، كما قال الشاعر ~~عندما أعلن عنه في صحيفة الصباح سنة 1816م: «يعبر كتاب العشق عن وجد مشبوب بموضوع خفي ~~مجهول، وكثير من قصائده لا ينكر الطابع الحسي، ولكن الكثير منها يمكن أن يفسر تفسيرا ~~روحيا على طريقة الشرقيين.» ~~(1) نماذج # تقدم القصيدة ستة أزواج من العشاق المشهورين في قصص الحب الشرقية (على نحو ما يرى ~~الغربيون مثلا عن فيلمون وباوكيس، ترستان وإيزولده، وروميو وجوليت ... إلخ). # وزال وروذابه تحدث عنها الفردوسي في الشاهنامه، وروى كيف احترق قلب البطل وقلب ~~الجميلة بالحب بعد سماع كل منهما بالأخبار التي تحكي عن الآخر، ثم زاد حبهما ~~اشتعالا بعد لقائهما. وقد كان رستم البطل الفارسي الشهير هو ابنهما، وخلط جوته ~~سهوا بين اسم الأب وابنه. والكلمة تطلق شررا يشعله الحب (في البيتين الثالث ~~والرابع) تعبيرا عن إمكان التدله في الحب بمجرد سماع أخبار الحبيب أو معرفة ~~أوصافه (كما يحدث اليوم من قصص العشاق بالمراسلة!) أما يوسف وزليخا (س6-8) ~~وهما النبي يوسف وامرأة العزيز (فوطيفار)، فقصتهما معروفة من العهد القديم (39-1) ~~والقرآن الكريم، وقد شاعت القصة في الشرق ومرت بتحولات كثيرة وكتبها عبد الرحمن ~~جامي بالفارسية (يوسف وزليخا)، وأصبح حبهما رمزا للحب العذري الطاهر الذي ينتهي ~~بالمحبوبة التي حرمت من إشباعه إلى حب الجمال في ذاته ثم إلى الحب الإلهي والزهد ~~والإيمان. # وفرهاد وشيرين، واللذان عرفهما جوته من كتاب فون همر: («شيرين» قصيدة فارسية ~~عاطفية مأخوذة عن المصادر الشرقية، 1809م) وهي قصة حب النحات والمعماري فرهاد ~~للأميرة شيرين زوجة الشاه خسرو الثاني (590-628م) أحد الملوك الساسانيين وقد وعد ~~الملك بأن يزوجها له، بشرط أن يشق بمجهوده وحده طريقا داخل جبل بيسيتون الوعر. ~~ويحقق فرهاد الشرط الذي بدا للملك مستحيلا، ولكيلا يضطر الملك لتنفيذ وعده، يرسل ~~أحد أفراد حاشيته إلى فرهاد المقيم بالجبل بنبأ كاذب عن وفاة شيرين، فيقتل المثال ~~نفسه ببلطة أو بإلقاء نفسه من فوق الجبل، ms178 مما جعل شيرين أيضا تنتحر حزنا عليه، ~~ولذلك صارا رمزا للحب مع الحرمان (س9). # وقصة ليلى والمجنون (قيس بن الملوح) أشهر من أن نعرف بها، ويبدو أن جوته قد ~~اطلع عليها في ترجمة المستشرق هارتمان للقصة التي كتبها عنهما الشاعر الفارسي جامي ~~(أمستردام 1808م). أما جميل وبثينة فقد قرأ جوته عن غرامهما الذي استمر حتى سن ~~متقدمة في معجم هربوليه (المكتبة الشرقية، باريس 1781-1783م وترجمة ي. شولتس ~~للألمانية 1785م). وقد ذكرهما جوته في قصائد أخرى مثل قصيدة سر أعمق من هذا الكتاب ~~(س20-18) وفي كتاب الضيق وكتاب زليخا «لو تبعت ليلى والمجنون هديتهما درب الحب.» ~~كما ذكر المجنون في إحدى القصائد التي ضمت بعد وفاة جوته إلى الديوان، وهي قصيدة ~~«ما عدت أكتب أبياتا متجانسة على ورق الحرير». # وأخيرا نصل إلى قصة سليمان والسمراء التي عرفها من العهد القديم (نشيد الأنشاد ~~الذي تذكر فيه باسم سولاميت، وكذلك من قصة شيرين التي سبق ذكرها وترجمها فون همر) ~~وربما كانت هذه السمراء هي بلقيس ملكة سبأ التي ورد اسمها أيضا في قصيدة «تحية» من ~~هذا الكتاب: «قلت له يا هدهد، الحق أنك طائر جميل، أسرع إذن يا هدهد، أسرع لتعلن ~~للحبيبة أنني أحبها حبا أبديا، لقد سبق لك أيضا القيام بدور رسول الغرام، بين ~~سليمان الحكيم وملكة سبأ» (س11-20). ~~(2) زوج آخر # ترجع قصة هذين العاشقين - وامق والعذراء - إلى قصة فارسية قديمة من أصل فهلوي ~~سبقت الفتح الإسلامي بعهد طويل، ويقال إنها قدمت في نيسابور إلى الأمير عبد الله ~~بن طاهر - المتوفى سنة 330ه/844م - على هيئة كتاب قديم مهدى إلى خسرو الأول ~~أنوشراون (531-579م) وأن الأمير عبد الله أمر بإحراقها لأن كاتبها زرادشتي (راجع ~~قصتها وصيغها وترجماتها المختلفة إلى التركية في تعليق بدوي، ص119-120). ولعل أهم ~~ما لفت انتباه جوته إلى قصة العاشقين أن أخبارهما اختفت تمام الاختفاء، وأن الناس ~~ظلوا يذكرون اسمهما رمزا للحب الصادق. وقد ضاعت الروايات المختلفة لهذه القصة، ~~وكانت إحداها لفريد الدين العطار، وقدمها فون همر في صياغة ألمانية ms179 بوصفها أقدم ~~قصيدة فارسية رومانسية تحت عنوان: «المتوهج والمزدهرة». ~~(3) كتاب مطالعة # يمكن القول عن هذه القصيدة إنها إعادة إبداع لقصيدة سبق أن أبدعها الشاعر التركي ~~نيشاني (الذي عاش على عهد سليمان الأول سنة 1519-1566م) وقرأ جوته ترجمتها في كتاب ~~هينريش فون دييتس (ذكريات من آسيا) ومع ذلك يمكن القول أيضا بأنها احتفظت بطابع شعر ~~التجربة الشخصي عند جوته، وأن اعتماده على النموذج الأصلي لم يقلل من النغمة ~~الحزينة الأسيانة التي تكسوها وتعبر عن نفسها بالإيقاعات الحرة (على البحر ~~التروخايي من ثلاث وأربع أنغام صاعدة)، بحيث يمكن أن توضع بجوار قصيدة «عزاء سيئ» ~~الواردة في هذا الكتاب ولا تقل عنها حزنا واكتئابا، وإذا كان دييتس قد فسر الحب ~~والمحبوب بأنهما إلهيان، وأن كل سطر في القصيدة يتحدث عن الحب الإلهي، فإن جوته قد ~~حولها إلى قصيدة حب دنيوي وإنساني خالص. # وجديد بالذكر أنه قد خلط سهوا وربما عن قصد في النص الأصلي بين نيشاني ونظامي ~~الشاعر الفارسي الذي عاش قبل الشاعر التركي بأربعمائة سنة، وقد صححنا الاسم في ~~الترجمة. ~~(4) أجل كانت هي العيون # تفيض القصيدة بالحنين ولوعة التذكر «لنعيم الفردوس» الذي جربه مع حبيبته مريانة ~~فون فيلليمر، ويرجع تاريخ كتابتها الذي أثبته جوته - بغير أن يثبت السنة - إلى ~~1 / 12 / 1818م ولكنها لم تنشر ضمن كتاب العشق إلا في طبعة 1827م. ~~(5) تحذير # يبدو أن جوته قد استلهم القصيدة من (موتيفة) أو موضوعة متكررة في شعر حافظ ~~الشيرازي: «في شباك غدائر أسر قلبي.» وقد اطلع عليها في بعض غزلياته التي قرأها في ~~ترجمة فون همر. والقصيدة تشير إلى «المودة» المنتشرة بين نساء عصره اللائي يعقصن ~~شعورهن على هيئة خوذة فوق الرأس (س7)، وذلك على العكس من نساء الشرق اللائي يرسلن ~~شعورهن على ظهورهن، مما يجعل الشاعر يميل إلى حبائلهن المرسلة الخفيفة، وربما تشير ~~كلمة الخوذة أيضا إلى الفتيات اللاتي شاركن في حروب التحرير من قبضة نابليون وهن ~~متنكرات بلبس الخوذات على رءوسهن. ~~(6) غريق # ربما صح القول بإن هذه «قصيدة لحظة» جاءت وحي ms180 لحظة غرق في لذة الحب والعناق ~~والسعادة الحسية بملاطفة المحبوب، وقد اقترنت أيضا بصياغات لغوية جديدة، فالقوس ~~(في السطر الخامس) كناية عن الحاجبين، والمشط بأسنانه الخمس هي اليد (السطر ~~السابع). ~~(7) أمر محير # كانت المعتقدات القديمة تنسب للزمرد القدرة على شفاء العيون ومداواة جراح القلوب ~~(س11-12)، وكذلك العذاب من الحب يحمل في طواياه الخطر بقدر ما يحمل الفرح ~~والانتعاش، ومن الواضح أن هذا التلاعب بالمعنى الظاهر الذي يخفي معنى باطنا ~~مختلفا عنه إلى حد التضاد معه يدل على أسلوب الديوان بوجه عام، والألم والندبة ~~(س7) يدلان في التصورات الشعبية في ذلك الحين على صفات الأحجار الكريمة. والقصيدة ~~مهداة لابنة دبلوماسي هولندي كان صديقا لجوته، وهي بتي سترتك فان لنشوتين ~~(1800-1846م). ~~(8) أيتها المحبوبة آه # الظاهر أن جوته كتب هذه القصيدة في إهدائه لنسخة مجلدة من الديوان إلى مريانة. ~~وعلى الرغم من الخفة التي تسود القصيدة، فهي تخفي وراءها أفكارا عميقة، تعبر عن ~~التضاد بين لا نهائية الباطن التي تنبع منها أغنيات الحب، وبين ثبات الحروف ~~المطبوعة وجمودها. أضف إلى ذلك الإحساس الذي يشبه الارتجاف أمام هذه التجربة التي ~~تطمح للأبدية وتشعر كذلك أنها أبدية، ومع هذا فهي معرضة للفناء والزوال، ومن ~~ثم هذا التقييم الجديد للكتاب (الديوان) أو بالأحرى للشعر الذي يفترض فيه أنه ~~يلغي الزمان أو على الأقل يوقفه لكي يعود فيرتفع بنا إلى مملكة الحرية (السطران ~~2، 3) وآفاق السماء الصافية هنا تعبير شاعري عن جمال المنطقة الواقعة بين نهري ~~الرين والنيكر. ~~(9) عزاء سيئ # لو خلا الديوان من النغم اليائس الحزين ما استطاع أن يصور الإنسان والحب في ~~وحدتهما الكلية، فلا عجب أن نجد هذه القصيدة في كتاب العشق كما وجدنا قبلها «كتاب ~~مطالعة» في الكتاب نفسه، وسنجد قصيدتي «ترجيع» في كتاب زليخا و«دعوني أبكي» في ~~القصائد المنشورة بعد وفاة الشاعر. # وكم تغنى جوته في شبابه بقصائد الألم والحسرة والعذاب، لكن الكهل الذي يغني اليوم ~~غناءه الحزين وهو في الخامسة والستين من عمره لا يفعل هذا بغير قدر من الدعابة مع ~~الذات ms181 أو من السخرية بها، وكأن عنصر التأمل في المرأة قد أضيف بحكم السن وإن لم ~~يقلل من عمق الألم بحال من الأحوال. # ولعل ما يربط هذه القصيدة بالقصيدة التي سبقتها مباشرة هو أن ما وصفتاه «باللانهائية الباطنة» يصطدم هنا أيضا بقانون التناهي والفناء الذي يخرج منتصرا من كل ~~معركة، وإذا كانت القصيدة السابقة تبقي على أمل البقاء والحرية والخلود للشعر، ~~فربما غلبه الحزن الفاجع هنا على هذا الأمل وكاد أن يقضي عليه كما قضى على حكمة ~~الشيخ الغارق في مواجع الحب (س11) فهوى به في قاع اليأس العدمي الذي يتجلى في نغم ~~القصيدة: فهو ثقيل بطيء، مفعم بفجوات الصمت، وبالإيقاعات الحرة التي حاولت الترجمة ~~أن تستعيدها محاولة أرجو ألا تكون بدورها يائسة، والجدير بالملاحظة أن القصيدة ~~تستبق مرثية «مارينباد» التي كتبها الشاعر في أواخر حياته، وأشباح الليل أو أطيافه ~~مألوفة في الشعر الفارسي والعربي، وكذلك في العهد القديم (قارن سفر أيوب، ~~17-13-4). ~~(10) تحية # تتميز بالإيقاعات الحرة المتدفقة في حيوية عن الإيقاعات الخافتة الخامدة التي ~~تناسب نغمة الحزن المظلم في القصيدة السابقة. كتبها جوته في اليوم التالي لوصوله ~~إلى المنطقة المحيطة بموطنه ومسقط رأسه في مدينة فرانكفورت حيث كانت تعيش الحبيبة ~~أيضا، ويبدو أنه رأى هدهدا على الطريق فحمله رسالة حبه إليها، متأثرا في ~~ذلك بقصة الهدهد مع سليمان وملكة سبأ، وبموضوع الهدهد الذي يتردد كثيرا في الشعر ~~الفارسي، وبخاصة في شعر حافظ الشيرازي وكذلك في القرآن الكريم، سورة النمل: ~~20-44. # والملاحظ أن جوته لم ينس الجيولوجي الكامن فيه أثناء تجواله، كما نرى في السطرين ~~الرابع والخامس، إذ كان من عادته في كل أسفاره أن يجمع المعادن والرواسب ~~المتحجرة. ~~(11) تسليم # عودة إلى رمز الشمعة (س1-2، 6) الذي يعبر - في لغة جوته - عن ظاهرة أولية أو ~~أصلية للحياة. راجع كذلك قصيدة «حنين مبارك» التي سبق الحديث عنها في التعليق على ~~قصائد كتاب حافظ (رقم 17). ~~(12) سر أعمق # تسخر القصيدة في البداية من صيادي النوادر والأخبار «الذين يفتشون في أعمال ~~الشاعر عن الجوانب التي تتعلق ms182 بسيرة حياته بدلا من البحث في أسرار إبداعه وصنعته.» ~~لهذا يقول لأمثال هؤلاء المتطفلين إنهم لن يعرفوا شيئا عن تلك الحبيبة، التي يتكتم ~~اسمها ورسمها ويحيطهما بهالات الأسرار، وحتى لو عرفوها فسوف يصيبهم الفزع، سواء ~~لعلو مقامها أو لفتنة جمالها، وقد بقي سر هذه القصيدة لغزا غامضا حتى كشف عنه ~~ه. دونتسر في سنة 1885م؛ إذ بين أن المحبوبة - التي هام بها جوته حبا بلغ حد ~~العبادة وكتم اسمها عن الجميع كما عاهدها بنفسه على ذلك - لم تكن إلا إمبراطورة ~~النمسا الفاتنة ماريا لودوفيكا (1787-1816م) وهي الزوجة الثالثة لفرانز الأول قيصر ~~النمسا. وقد التقى بها جوته أكثر من مرة في عامي 1810م، 1812م، أثناء إقامته في ~~كارلزباد وتيبليتس للاستشفاء، وحافظ على العهد الذي قطعه لها - بناء على رغبتها عن ~~طريق وصيفتها الدوقة «أودنيل» - فلم يذكرها في أعماله من قريب أو بعيد، ولما التقى ~~راعيه وأميره كارل أوجست - أمير فيمار - بالإمبراطورة في مؤتمر فينا سنة 1815م، ~~سألته عن الشاعر وحملته تحياتها الحارة إليه. # سعد جوته أيما سعادة بهذه الرسالة على لسان الأمير، ولكن هل استطاع أن يفي حقا ~~بوعده؟ ألا تعلن القصيدة عن حبه السري العميق من خلال الحرص الشديد على كتمانه؟ ~~وهنالك بعض التوازيات التي تتجاور في القصيدة على هيئة الأضداد المترابطة، فالسادة ~~الأعزاء النهمون لكشف الحجاب عن سره سيتولاهم الفزع إذا رأوا الحبيبة أمامهم، وشهاب ~~الدين عمر (بن عبد الله بن عمويه) السهروردي شيخ مشايخ الصوفية في عصره (539-632ه/1145-1234م) وصاحب الكتاب الشهير عوارف المعارف - الذي يروي جوته قصته عنه - من كنوز ~~الشرق عن الترجمة التي قام بها أحد تلاميذ المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي وهو ~~جرانجيريه دي لا جرنج، ج4، ص170، وهي أنه كان يصعد جبل عرفات في آخر حجة قام بها، ~~فلما رأى خلقا كثيرا قد تبعه قال لنفسه: أوتحسبن أن مكانتك عند الله كما يتصورها ~~هؤلاء الناس؟ هنالك ظهر أمامه عمر بن الفارض وقال له: إني أحمل إلى قلبك رسالة ~~سعيدة. اخلع ثيابك (كي تظهر شكرك لله). ms183 لقد كنت موضوع تفكير من تهواه، على الرغم ~~من كل ما فيك من عيوب ونقائص. فخلع الشيخ شهاب الدين ثيابه ودخل الحرم. هذه القصة ~~كلها ترمز للمكانة العالية التي كانت تحتلها الإمبراطورة الشابة في قلبه، فقد سأل ~~عنها أميره في لهفة، ورد عليه الأمير في رسالة بتاريخ 16 / 1 / 1885م ردا يشبه ما ~~قاله عمر بن الفارض للسهروردي، فكتب إليه جوته في التاسع والعشرين من نفس الشهر ~~قائلا إن أعظم سعادة ينالها الشرقي «هي أن تسمح محبوبته بأن يذكر اسمه أمامها» ~~(س17-20). أما الموازاة مع قصة مجنون ليلى الذي أبى أن يذكر اسمه أمامها ربما ~~بسبب العداوة الناشية بين قبيلته وقبيلتها، فهي موازاة أخرى ضدية، لأن الشاعر قد ~~أعفى من هذا الحظ السيئ الذي يصفه بأنه أفظع الفواجع والأحزان (س21) عندما بلغه أن ~~المحبوبة العالية قد سعدت بسماع اسمه، بل لقد سمته وبعثت تحياتها إليه. فهل يسعه ~~أن يطلب أكثر من هذا من دنياه؟ وهل يطلب العاشق المتيم من سيدة القلب ومثال الجمال ~~والكمال أكثر من هذا الذي لم يكن فرسان الحب والحرب في العصور الوسطى يطمعون في ~~أكثر منه؟ وهكذا يلتقي الأرضي والبشري مع الحب المثالي والصوفي، ويتحول الحب ~~الإلهي (في قصة شهاب الدين السهروردي) إلى حب إنساني، كما يجتمع الشرق (ممثلا في ~~القصة السابقة) مع الغرب الذي يعبر عنه حب الفرسان والفروسية الذي تأثر بمثل الحب ~~العربي وبخاصة في الأندلس، وليس هذا كله غريبا عن روح الديوان الشرقي وأسلوبه الذي ~~جمع بين الأرضي والسماوي، والغربي والشرقي، والدنيوي والديني، والدعابة الخفيفة ~~المرحة من الأعماق المتعددة الأبعاد؛ لذلك لا يفاجئنا وجود هذه القصيدة في آخر ~~كتاب العشق، لأنها تمثل ذروة السعادة التي بلغها العاشق الذي ذكر اسمه في حضرة ~~الحبيبة فجعلنا نطل منها على هاوية أحزانه وأسراره الدفينة. # | كتاب التفكير # يضم هذا الكتاب مجموعة من الحكم والقصائد التعليمية الطويلة التي استلهم بعضها من ~~أصول فارسية وعربية، بينما يشتمل كتاب الحكم على أمثال يتراوح كل منها ما بين أربعة ~~أبيات أو ms184 بيتين، وكأن الكتابين يحصران بينهما كتاب الضيق - أو السخط - الذي لم يخل ~~كذلك من شعر الحكمة. # والواقع أن إنتاج جوته لم يقتصر على الشعر الغنائي الذي يتدفق من نبعه الفطري غنيا ~~بالتجربة المؤثرة؛ إذ كان بطبيعة «المربي» المتأصلة فيه يميل ميلا شديدا إلى الشعر ~~التعليمي وشعر الحكمة والتأمل الذي غلب على إنتاجه المتأخر بوجه خاص، سواء في الديوان الشرقي أو ~~في أشعاره الفلسفية أو في رواية سنوات التجوال لفيلهيلم ميستر أو مجموعة الحكم ~~والتأملات أو الحكم الأليفة (أو المدجنة) التي نهل فيها - كما رأينا من قبل - من ~~المعلقات - وبخاصة معلقة زهير - ومن الأمثال الألمانية القديمة للرد على «صغار» عصره ~~والسخرية منهم. ويعرف الشاعر بهذا الكتاب في التعليقات على الديوان بقوله: «إن هذا ~~الكتاب يزداد ويتم التوسع فيه كل يوم بالنسبة لمن يعيش في الشرق؛ ذلك أن كل شيء «ضرب ~~من» التفكير الذي يتأرجح بين الحسي وما فوق الحسي، دون استقرار نهائي على الواحد أو ~~الآخر. وهذا التأمل، الذي يطالب به «القارئ» ويدعى إليه، من نوع خاص جدا، فهو لا ~~يكرس للحكمة العملية وحدها، وإن كانت هذه تفرض على الإنسان أقوى المطالب، وإنما يوجه ~~كذلك إلى تلك النقط القصوى التي تواجهنا عندها أغرب مشكلات الحياة الأرضية على نحو ~~مباشر قاس، وتضطرنا للركوع أمام الصدفة والعناية الإلهية وقراراتها التي تتجاوز قدرتنا ~~على الفهم، والتعبير عن التسليم المطلق بوصفه القانون الأعلى الذي يتحكم في الأمور ~~المتعلقة بالسياسة والأخلاق والدين» (بتصرف عن ترجمة بدوي، ص454 من التعليقات على ~~الديوان). وكان جوته قد ذكر قبل ذلك هذا الكتاب في سياق إعلانه عن الديوان الشرقي-الغربي في «صحيفة الصباح» سنة 1816م بقوله: «إن كتاب التفكير مخصص للأخلاق العملية وحكمة ~~الحياة، وذلك وفقا للعادات والطباع الشرقية.» ~~(1) اسمع النصح # لا يتذوق نغم القيثار إلا من يحسن الإصغاء ويملك القدرة والموهبة والاستعداد؛ ~~فالروح الشاعرية شرط لا غنى عنه لمقاربة الأعمال العشرية، ويؤكد الشاعر أنه هو وأمثاله ~~لا يعيشون ويبدعون لأجل الجمال الخالص وحده، بل من أجل الإرادة الطيبة (التي فضلها ms185 ~~الفيلسوف كانط على كل شيء في الوجود!) والجمال الأخلاقي الذي يسكن الباطن ويفيض عنه: ~~«إن أجمل العرائس ليست هي أفضلهن أو أصلحهن» (س6). وربما يكون الشاعر قد استقى ~~المعنى من ترجمة فون هامر لحافظ الشيرازي (حرف الياء، رقم 17، الترجمة، ج2، ص459: ~~اسمع النصح من القيثارة، وليس يجدي النصح إلا إن كنت أهلا له. عن بدوي، ~~ص138). ~~(2) خمسة أشياء # تكاد هذه القصيدة - مع تصرف طفيف - أن تكون نظما لعدد من الأبيات التي قرأها ~~الشاعر لفريد الدين العطار (في الترجمة الفرنسية لسلفستر دي ساسي عميد المستشرقين ~~في ذلك الوقت، المنشورة في كنوز الشرق لفون همر، ج2، ص229) من كتاب الإرشاد، بند ~~نامه، بدوي، ص138. وكان العنوان الأصلي للقصيدة هو «خمسة أشياء عقيمة». ~~(3) خمسة أخرى # هذه القصيدة تعارض القصيدة السابقة بصورة واضحة، وهي بحيويتها ونضارتها تعبر عن ~~أخص خصائص تفكير جوته ورؤيته التي تشيد بالفعل والإقبال على الحياة مع الثقة بالنفس ~~والترفع والتحدي، ويكفي القول بأن العنوان الأصلي الذي وضعه لها في البداية هو ~~«خمسة أشياء خصبة». ~~(4) وإن ما ورد في بند نامه (أي كتاب الإرشاد لفريد الدين العطار) # ترتبط هذه الأبيات ارتباطا وثيقا بالقصيدة السابقة مباشرة «محبوبة هي نظرة ~~الفتاة» ويبدو أنها قيلت على أثر قراءة جوته لعبارة وردت في كتاب الإرشاد (الفصل ~~التاسع والستون) بما معناه: «الأفضل أن تتصدق على الفور وتهب بيدك عن طيب خاطر، من ~~أن تجمع المال طول العمر وتخلفه بعد موتك لإنفاقه في وجوه الخير.» لاحظ إشادته - في السطرين ~~السابع والثامن - بالحاضر وتفضيله على ذكرى الماضي، وذلك بما يتسق مع ~~دعوته الدائمة للاستجابة لمطالب اليوم الحاضر وأداء واجب اللحظة، بدلا من الاختباء ~~في ماض لم يعد له وجود، أو الاسترسال مع الأوهام والأحلام بمستقبل لم يأت بعد، ولا ~~نضمن إن كان سيأتي أبدا! ~~(5) فلتحسن رد التحية # إشادة بالفوائد المرجوة من لقاء ذوي الهمة والنشاط والذكاء حتى على غير معرفة ~~سابقة، وتبادل الأفكار والآراء معهم في ظل المودة والتقدير والاحترام، وهي تحية ~~للجنرال البروسي الكونت فون جنيسناو الذي ms186 خطط لحرب التحرير من قبضة نابليون، ولم ~~يعرفه جوته معرفة شخصية، وإنما ظل كل منهما يبادل الآخر الاحترام عن بعد. # ويحتمل أن يكون الشاعر قد تأثر فيها بالآية الكريمة من سورة النساء، 86: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا ~~. ~~والواقع أن هذا الجنرال كان قد قابل الشاعر الذي يجله كل الإجلال مع عدد من الضباط ~~الشبان في سنة 1790م، ثم تذكر هذه المقابلة أثناء زيارة ابن الشاعر، وهو أوجست، ~~وزوجته أوتيليه، لبرلين - التي كان قد أصبح حاكما أو عمدة لها - فأوعزت إليه ~~أوتيليه في تلك الزيارة في شهر مايو 1819م أن يكتب لجوته، وأرسل الشاعر الرد ومعه ~~هذه القصيدة ليكون ذكرى واعتذارا وشكرا، وذلك في الثاني عشر من شهر يوليو 1819م ~~(عن طبعة فايتس، ص310). ~~(6) لقد طالما قالوا الكثير # رد مفحم مترفع على الهجمات الصغيرة والمطاعن الحقيرة التي دأب الجاحدون ~~والمرجفون على توجيه سهامها السامة إلى صدر الشاعر الذي يقول لهم بترفع واختصار. إن ~~الفهم والتقدير والنقد الإيجابي كان أولى بكثير من إساءة الفهم والتفتيش عن النقائض ~~والأخطاء، ولو فعلوا هذا لساعدوه على تدارك عيوبه، وهدوه إلى اختيار «الأفضل» الذي ~~يجذب إليه في العادة «أقل عدد من الضيوف المخلصين» (س11). # ولكن الشاعر استطاع على كل حال في نهاية المطاف أن يتعلم من أخطائه دون عون من ~~أحد، بل لقد تعلم كيف يفكر عنها بالندم والإصرار على المزيد من التعلم والعمل؛ ~~وبذلك خلد ذكره وسمي عصر أدبي وتاريخي كامل باسمه، بينما أصبح الحاقدون عليه ~~ترابا في صحراء النسيان التي تليق دائما بأمثالهم. ~~(7) إن الأسواق تغريك بالشراء # تعبير عن التضاد القائم بين المعرفة والحكمة، وبين طريق العلم وطريق الدين. ومن ~~أقبل على العلم أو الدين بغير حب فلن يصيب منهما شيئا؛ فالحب وحده هو الذي يمكن أن ~~يهدينا مصباحه على طريق العلم والدين معا، ومن يحترق بنار الحب فلا جرم سيعرفه ~~الرب ويهديه (س11-12). أما الانسياق وراء إغراء «السوق» ووهمه (كما أكد بيكون في ms187 ~~الباب الأول من كتابه الأورجانون الجديد الذي يتضمن تحذيره من أوهام العقل أو ~~أخطائه المشهورة) فلم يؤد إلا إلى «التورم» و«التضخم» الذي يصيب أدعياء العلم ~~والدين، ويحولهم إلى نمل وجراد يلتهم الأخضر واليابس في حقول المعرفة على اختلافها، ~~وينتهي إلى تخريبها وتخريب نفسه. وليتنا نتعلم من تحذير بيكون ومن قصيدة جوته بعد ~~أن غصت حقولنا وأسواقنا الثقافية بالجراد الانتهازي والحشرات الطفيلية المتورمة ~~من التهام الخضرة والخضر الباقين في قيد الحياة. القصيدة مستوحاة بأكملها تقريبا ~~من رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح الثامن، الآيات من 1-3. ~~(8) لا تسل من أي باب # المقصود بمدينة الله (س2) هي الدنيا أو العالم. والقصيدة تقدم صورة طيبة وواضحة ~~المعالم عن الإنسان الذي دأب على العمل والنشاط، والتزم بالقيم والمثل الأخلاقية ~~والإنسانية العالية، وراح يشق طريقه في غمار الحياة الثقافية والأدبية في عصره ~~(الذي سمي في تاريخ الأدب بعصر جوته!) والقصيدة تعبر بالإضافة إلى ما سبق عن ~~حكمة الشاعر في الحياة التي تقول ببساطة إن الإنسان لا يمكنه أبدا أن يعرف نفسه ~~وإمكاناته وطاقاته الكامنة فيه عن طريق التفكير والتأمل، بل عن طريق العمل وممارسة ~~الفعل الدءوب؛ «حاول أن تؤدي واجبك، وسوف تعرف على الفور مدى قدراتك، ولكن ما واجبك؟ ~~إنه الاستجابة لمطالب اليوم الحاضر» (راجع مجموعة حكمه وتأملاته). وربما تكون كذلك ~~متأثرة بكتاب قابوس أو قاموس نامه الذي ترجمه فون دييز ونشره في برلين سنة 1811م، ~~وهي مجموعة من الحكم التي يوجهها أمير آسيوي إلى ابنه في القرن الحادي عشر ~~الميلادي. وقد أرسل جوته القصيدة من فيزبادن إلى فيمار لتكون تحية منه ومشاركة في ~~الاحتفال بتكريم المستشارين كارول كيرمي وأرنست كونستانتين فون شارت بمناسبة مرور ~~خمسين عاما على عملهما وخدمتها المخلصة للدولة والبلاد، وذلك في اليوم العاشر من ~~شهر يونيو 1815م، وقد أرسلت إلى ابنه أوجست ليحملها إلى المحتفى بهما أو ليقرأها ~~عليهما؛ ولذلك تنطوي على أمل الشاعر في أن يتعلم الابن من حكمتهما، ويرعوي عن تهوره ~~ونزقه الذي عرف عنه! ~~(9) من أين جئت؟ ms188 # تناول غنائي وعاطفي صاف للسؤال الأزلي الأبدي المحير، ولكن في إطار الحكمة ~~والشعر التعليمي الذي يخفف من حدته وألمه، ويربط بين حيرة اللحظة الراهنة وبين ~~الحيرة على مستوى الوجود العام، وذلك حين يتلاقى الألم والسرور في ذكرى لقاء أصبح ~~ينتمي إلى الماضي. وقد كتبها الشاعر أثناء إقامته في فرانسزياد في الثالث عشر من ~~سبتمبر 1818م على أثر اللقاء على غير انتظار - في الخامس والعشرين من شهر يوليو - ~~بالدوقة أودنيل وصيفة معبودته إمبراطورة النمسا ماريا لودفيكا التي كتم حبه العميق ~~البائس لها حتى عن نفسه (كما سبق القول في التعليق على قصيدة سر أعمق من كتاب العشق). ~~ وفي القصيدة تعبير مقتصد وشديد التكثيف عن تلك التجربة وذكراها، التي امتزج ~~فيها ألم الذكرى ولذة اللقاء غير المتوقع الذي رفت منه نفحة عطرة من طيف الحبيبة ~~التي غيبها الموت المبكر ضحية التهاب رئوي غادر في سنة 1816م. ~~(10) عاملوا النساء # يلاحظ التأثر الشديد بحديث نبوي شريف يروى عن أبي هريرة وغيره في صيغ مختلفة، ~~منها: «إن المرأة من ضلع أعوج، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها، فدارها تعش بها.» ~~أو في هذه الرواية: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، فإن ذهبت ~~تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج.» وقد قرأ جوته هذا الحديث مترجما في «كنوز ~~الشرق» (ج1، ص278؛ بدوي، ص151). راجع عن الضلع المعوج أيضا سفر التكوين، 2: 21 ~~من العهد القديم. ~~(11) إن الحياة لعبة من لعب الإوز # تقوم القصيدة على لعبة يستخدم فيها نوع من النرد أو الرمي بالزهر المرقوم، تدفع ~~فيها أشكال الإوز إلى الخانات التي يبلغ عددها 63 تبعا للرقم الذي يكشف عنه الزهر، ~~فإذا وصل اللاعب إلى الخانة التي رسم عليها إوزة تتلفت للخلف، وجب عليه التراجع أو ~~الانتظار. أما إذا بلغ الخانة رقم 58 التي عليها إوزة ميتة فلا بد أن يخرج من ~~اللعب. والمعنى أن الناس تتدافع على طريق الحياة، ومن يتعثر أو يسقط في الزحام لا ~~يتلفت أحد وراءه ولا يحفل به (طبعة فايتس، ص315). ms189 ~~(12) أخذت منك السنوات # من أهم قصائد الديوان التي نحس فيها بالصفاء الروحي والفكري الذي يتحرك ويتنفس ~~فيه. والسطران الأخيران لهما دلالة خاصة على الطابع العام للديوان الذي يتجلى في ~~الحرص على الربط بين الأعلى والأدنى، والروحي والجسدي، والمعنوي والتجريبي، والحسي ~~وما فوق الحس ... إلخ. وقد لاحظ بعض النقاد أن كلمة «الفكرة» - ولها أهمية كبرى في ~~عالم جوته ورؤيته الكونية والدينية والعلمية - لم تظهر في الديوان كله ولم ترد إلا ~~في السطر الأخير من هذه القصيدة، وإذا كانت الفكرة تأتي مرتبطة بالحب، فإن هذا يدل ~~من ناحية أخرى على الروح العامة للديوان؛ لأن الشاعر الكهل الذي يشارك بفكره وعقله ~~في إدراك وحدة النظام الكوني، لا يقدر على تحقيق هذه المشاركة إلا عن طريق الحب. ~~والفكر والحب كلاهما طريق إلى المطلق، وطوبى لمن يجمع بينهما ويحرص على وحدتهما ~~حتى النهاية كما فعل جوته. ويضيق المقام عن شرح معاني الفكرة، كما تظهر عنده في ~~عالم التجربة وعالم الأخلاق والحياة الباطنة، وكما تتحكم على هيئة القانون في علم ~~الظواهر، وتكون مهمة العلم هي اكتشافها من خلال هذه الظواهر نفسها. وسواء سمينا ~~هذه الفكرة بالظاهرة الأولى أو بالمثال الأفلاطوني أو بالواحد الأفلوطيني أو حتى ~~بالأبدي الإلهي الخالد، فعالم الظواهر والمظاهر الذي نعيش ونضطرب فيه ليس إلا ~~انعكاسا باهتا لها. ~~(13) لو وضعت نفسك # كتبت في السادس عشر من نوفمبر سنة 1819م وأرسلت مع نسخة من الديوان الشرقي إلى ~~المستشرق يوهان جوتفريد أيشهورن الذي طالما اتصل جوته به أثناء عمله بجامعة يينا، ~~ثم أضيفت إلى طبعة سنة 1827م. وقد أثنى جوته على هذا المستشرق في تعليقاته على ~~الديوان، واعترف بفضله في إهدائه له نسخة من ترجمة وليم جونز للمعلقات قبل ذلك ~~باثنين وأربعين عاما، وحمد له وقوفه بجانبه مدى الحياة وإسداء النصح له في كل ما ~~يتصل بأمور الشرق والاستشراق (طبعة هامبورج، ص246-247 من التعليقات). ~~(14) سوف يخدع الكريم # لعلها أن تكون دعوة للاستبصار بقسوة العالم وشدة وطأته على الصالحين والطالحين ~~جميعا، حتى يأخذ المرء أهبته ويواجهه وهو ms190 متجرد من الأوهام، ولا يكتفي بالتقية، بل ~~يخدع بعد أن خدع. وما أحق الطيبين الأنقياء في هذا العالم بالانتباه إلى هذا ~~التحذير؛ حتى لا ينصب لهم الأوغاد الغادرون شراك الكمائن، وربما يحبسونهم فيها مدى ~~الحياة كالفيران المسكينة. ~~(15) من يملك إصدار الأوامر # كان عنوانها الأصلي في المخطوطة هو «حق السادة وواجب الخدمة أو الطاعة»، وفيها ~~إقرار بتقلب السادة الأعلين بين الرضا والغضب بلا سبب، ونصح للخدم الأوفياء بالتمسك ~~بالصبر والاتزان. ويبدو أن القصيدة ثمرة مرة لخبرة أشد مرارة، وإن كان صاحبها ~~يحافظ كعادته على ترفعه وإحساسه بالتفوق والثقة بالنفس مهما اضطرته ظروف الحياة ~~والعمل إلى تحمل ما يكره وما لا يطيق. وفي القصيدة إشادة ضمنية بفضل أمير فيمار ~~كارل أوجست ورعايته للشاعر، وفي السطرين الأخيرين منهما تأثر بكتاب قابوس الذي سبق ~~ذكره. ~~(16) إلى الشاه شجاع وأمثاله # كان كارل أوجست أمير فيمار بالنسبة لجوته مثل الشاه شجاع، وهو جلال الدين بن محمد ~~المظفر الذي حكم شيراز وما حولها (من 759ه) ورعى الآداب والعلوم حتى وفاته (في سنة ~~786ه/1384م) بالنسبة لحافظ الذي عاش في عهده ومدحه في شعره. والقصيدة موجهة لأمير ~~فيمار أثناء اشتراكه في مؤتمر فينا للسلام بعد هزيمة نابليون، وفيها محاكاة للمدح ~~عند الشرقيين، لا سيما في السطرين الأخيرين. أما السطر الأول «خلال الهدير ~~كله والرنين»، ففيه إشارة إلى حروب الشاه شجاع وصراعه مع أبيه ثم مع شقيقه شاه ~~محمود على الحكم، ويقابل هذا الهدير والرنين غناء جوته وثناؤه على أميره الذي يستمد ~~منه الحياة، ويتمنى له طول العمر ودوام الملك، على طريقة الشرقيين. وربما تنطوي ~~القصيدة على إشارة خفية لبقاء أنغام الشعر بعد زوال هدير الحروب ورنينها ~~الصاخب. ~~(17) أسمى النعم # مرتبطة بالقصيدة السابقة وإن كانت أصرح منها في التغني بالدوق كارل أوجست والدوقة ~~لويزة، وفيها التزم بالقافية «وجدت» في آخر الأبيات الزوجية محاكاة للشعر الفارسي. ~~وقد حافظ أستاذنا الدكتور على القافية في نظمه للقصيدة (ص158 من ترجمته)، وعجزت عن ~~ذلك لإيثاري للترجمة النثرية الدقيقة بوجه عام. ~~(18) الفردوسي يقول # البيتان الأولان ms191 مأخوذان من الشاهنامه (عن الترجمة الألمانية التي قام بها ~~النمسوي كارل جرافلودلف المتوفى سنة 1803م). أما الثاني والثالث فيقدمان رد الشاعر ~~الغربي المؤمن بالمثل الإنسانية في التربية والثقافة وباستقلال الشخصية التي ~~يعدها فضلا كبيرا من الله عليه، وبهذا المعنى توصف الثروة الحقيقية في الأبيات ~~التالية، وهي التي ينعم بها الشحاذ أيضا إذا استطاع أن يستمتع بجمال العالم، ويهنأ ~~بالقرب من الله والإحساس به إحساسا ورعا تقيا في نبض المخلوقات جميعا، من نبتة ~~العشب إلى الإنسان الذي استخلفه على الأرض وسواه في أحسن صورة ليكون صورة له. ~~(19) جلال الدين الرومي يقول # إذا كانت هذه الأبيات تضع الشكوى من فناء العالم وفراره كالحلم على لسان الشاعر ~~الصوفي الكبير، فإن الأبيات التالية على لسان زليخا تحمل رد الشاعر عليه، ويتلخص في ~~معاينة الأبدي الخالد في اللحظة العابرة. وما أكثر ما تغنى الشاعر باللحظة ~~وضرورة التمسك بها وملئها بالفعل والوعي والإبداع؛ وبهذا يختم كتاب التفكير في ~~مرآة زليخا التي يتجلى الجمال الإلهي في جمال وجهها الفتان، وكأن المرآة في اللحظة ~~نفسها التي تكشف عن الخالد من خلال الفاني والعابر (أو هذا على الأقل هو تفسيري لها ~~ولهذه الأبيات الحلوة التي أتمنى أن أكون قد وفقت إلى «إعادة إنتاجها» بما يفي بها). # | كتاب الضيق # مع أن الانفعال الجارف المشتعل لا يصلح أن يكون مادة للأدب والفن؛ إذ يتحتم على ~~المبدع أن يصوغه في أشكال موضوعية وفنية، فإن من الطبيعي ألا يخلو شعر جوته - المعبر عن ~~إنسانيته المتكاملة - من مشاعر السخط والضيق وسوء المزاج التي أثارها في نفسه هجوم ~~الحاقدين وتطاول السفلة والأوغاد ، الذين لا تنجو حياة ثقافية من عاهاتهم وأمراضهم ~~المزمنة (وإن تفاوتت النسب والأبعاد بطبيعة الحال بين ثقافة متقدمة وأخرى متخلفة!) لذلك ~~انعكست على شعره ونثره آثار المعارك التي كان يضطر أحيانا إلى خوضها ورد سهام الحقد ~~إلى صدورهم، أو باللجوء للسخرية والدعابة المهذبة، ثم إدارة ظهره لهم والعكوف على عمله. ~~ولا يستطيع قراء اليوم أن يتصوروا مقدار ما عاناه الشاعر والمفكر والعالم الكبير ms192 من ~~حسد الحاسدين وصغار الصغار العاجزين الذين لا يعملون ولا يحبون لغيرهم أن يعملوا - كما ~~تقول العبارة المشهورة لطه حسين - ويسوءهم على الدوام أن يتألق الكوكب في السماء وهم ~~غارقون في أوحال فشلهم وتخبطهم. وكم اتهمه أصحاب النفوس الصغيرة والألسنة الطويلة ~~بالغرور والتكبر والأنانية، والتهتك في حياته الخاصة، والخنوع للأمراء والنبلاء، ~~والتعالي على عامة الشعب، وضعف الإحساس بالوطنية، وعقم البحوث العلمية في النبات والضوء ~~والألوان والمعاد ... إلخ، بل وصل الأمر إلى حد اتهامه بركاكة شعره وسخف قصائده وأناشيده ~~الطويلة المنظومة على البحر السكندري! كان يقابل هذه الاتهامات في معظم الأحوال بالصمت ~~والعمل، ولكنه كان ينفجر أحيانا بالسخط والغضب في بعض أحاديثه وحكمه وتأملاته. وقد شجعه ~~على ذلك وعزاه عنه أيضا أن توءم روحه الشرقي حافظ الشيرازي قد تعرض مثله لوشايات ~~الوشاة وغدر الأقزام ولسع الحشرات الطفيلية التي لا يغيظها شيء كما يغيظها أن يعمل ~~الناس في صمت وترفع وتفان. ولا شك أن إحساسه الذاتي بالثقة والتفوق، ويقينه الثابت بأن ~~الدنيا لا تخلو أبدا من النفوس الصادقة التي تتلقى عمله بالحب والرضا والعرفان، قد ~~أعاناه على «تشكيل» نيران غضبة وتحويلها إلى أضواء دافئة وأنغام عذبة (راجع على سبيل ~~المثال القصيدتين رقم 8، 9 في هذا الكتاب: «هل سبق أن أشرت عليكم»، «لا يرفعن أحد صوته ~~بالشكاة من الدناءة والوضاعة»). وقد قال الشاعر نفسه عن هذا الكتاب في إعلانه عن ~~الديوان الشرقي في صحيفة الصباح سنة 1816م: «يتضمن كتاب الضيق قصائد ليست غريبة عن الشرق في ~~أسلوبها ولهجتها؛ ذلك لأن شعراء الشرق، الذين يمدحون رعاتهم وحماتهم بأروع القصائد، ~~يفقدون كل اعتدال عندما يحسون أنهم قد فقدوا الاهتمام وأزيحوا إلى الوراء، أو يتصورون ~~أنهم لا يجازون جزاء وافيا، ثم إنهم يقعون على الدوام في خلاف مع الزهاد والمنافقين ~~وأشباههم، كما يدخلون باستمرار في صراع مع العالم، أو مع المسار المضطرب لأحوال الدنيا ~~كما يسمونه.» ثم يقول عنه في تعليقاته التي ألحقها بالديوان بعد ذلك بسنوات: «إذا كانت ~~بقية كتب هذا الديوان تنمو وتزداد، فإن ms193 هذا الكتاب يسمح له أيضا بهذا الحق. ولا ~~بد في البداية أن تتجمع الإضافات اللطيفة المتزنة قبل أن يستطاع تحمل انفجارات ~~السخط والضيق. إن «عاطفة» الإحسان المشترك بين البشر، ومشاعر التسامح والتعاون بينهم، ~~تربط بين السماء والأرض، وتهيئ للناس الفردوس الموعود. أما السخط (أو الضيق) فهو ~~دائما أناني، ويصر على مطالبه التي عجز عن تحقيقها، وهو مدع وكريه ولا يسر أحدا، ~~بل لا يكاد يسر أحدا ممن استولى عليهم نفس الشعور، ولكن الإنسان لا يستطيع على الرغم ~~من ذلك أن يكظم مثل هذه الانفجارات، بل إنه ليحسن صنعا عندما يسعى للتنفيس بهذه ~~الطريقة خصوصا عن سخطه على إعاقة نشاطه وتعطيله. وقد كان حريا بهذا الكتاب أن يكون ~~الآن أقوى وأغنى مما هو عليه، ولكننا نحينا جانبا بعض قصائده منعا لإثارة الضيق في ~~النفوس. ويكفي أن نلاحظ الآن أن أمثال هذه التعبيرات التي يمكن أن تبدو مثيرة للضيق، ~~يمكن في وقت لاحق أن تعد بريئة «من الإساءة»، وأن تستقبل «من القراء» بمودة وترحيب ~~عندما تدخر لنشرها في السنوات القادمة على هيئة ملحقات ل «الديوان»» (عن طبعة هامبورج، ~~ص197-198، وبتصرف عن ترجمة بدوي، ص450). ~~(1) من أين أتيت بهذا؟ # ترد القصيدة على أسئلة الصغار الذين أدهشهم أو ساءهم أن يتجه الشاعر الغربي إلى ~~الشرق، أو بالأحرى يهاجر إليه ويستلهمه قصائد الديوان، وجوابه عليهم يدل على ثقته ~~بشخصيته التي لم يضيعها في رحاب الشرق، وإنما بعثها من جديد إلى الحياة كما بعث ~~أنفاس الدفء والحرارة في آخر ومضات شرارة إلهامه ووحيه (س5-6)، ووسع آفاقه حين جاب ~~الآفاق الشاسعة وحلق في محيط النجوم (س9-10)، وجذب الشرق إليه لكي يتجنب عالم ~~الغرب المبتلى بالحقارة والصغار؛ ولهذا تتوالى الصور الفنية الحية التي تعزز تصميم ~~الشاعر ويستقيها من الحياة البدوية الثرية بالكرم والمروءة والمغامرات وغارات ~~اللصوص والصعاليك على القوافل، ومن الجري أيضا وراء السراب الخادع. ~~(2) لن تجد أي شويعر نظام # تواصل الهجوم على الصغار ولكن من منظور آخر، فلا تقتصر الأنانية وضيق الأفق ~~والنرجسية على الشعراء والفنانين (الذين ms194 يمكننا أن نتسامح معهم ونتفهم مواقفهم ما ~~دامت تقترن بالإبداع)، وإنما تمتد بصورة أسوأ وأقبح إلى رجال السياسة والقواد ~~العسكريين وأوساط الناس الذين لا يجلبون على العالم غير الخراب والضوضاء والشحناء ~~والبغضاء (لاحظ نغمة التهكم والدعابة - التي تصدر عن الحب والتسامح! - في ~~المقطوعتين الأوليين، وبوجه خاص في المقطوعة الرابعة). أما عن غرف الانتظار، فهي ~~إشارة إلى ما يدور في دواوين الدولة وفي قصور الأمراء وبين رجال البلاط من التآمر ~~والكيد والنفاق (س10). ولو تعلمت الشعوب أن تتعامل باحترام وقدر كل شعب ما قدمه ~~الشعب الآخر للتراث البشري من جلائل الأعمال، لزالت أسباب الفرقة بينها، وتعلمت أن ~~تعيش مع بعضها في سلام (س13-16). ~~(3) لعلكم تلاحظون # عودة إلى موضوع التعاظم أو الترفع والتفوق الذي تشعر به الأنا في هذه القصيدة ~~تجاه أعدائها الصغار الذين لا يستحقون منها إلا الاحتقار، وهو موضوع أساسي يتغلغل ~~في عدد غير قليل من قصائد الديوان، ويتجلى في صور مختلفة، كالجرأة (القصيدة رقم 14 ~~من كتاب المغني) والزهو والانطلاق (القصيدة رقم 15 من الكتاب نفسه بعنوان: خشن ونشيط) ~~ومساواة القيصر نفسه في سموه بل التفوق عليه لكونه عاجزا عن الحب (في ~~مواضع مختلفة من كتاب زليخا وكتاب الساقي) وتأكيد عظمة الأنا بقدر بذلها وعطائها ~~للأنت المحبوبة وتوحدها معها إلى حد الفناء (في قصيدة حنين مبارك من كتاب المغني). ~~ والكلمة الأصلية في السطر الرابع تعني الطغاة، وقد فضلنا أن تكون الحكام العظام؛ ~~لأن المعنى الأصلي للكلمة اليونانية يدل على الحاكم الفرد، وليس بالضرورة على ~~المستبد الظالم. والمعروف أن جوته كان شديد الإعجاب بنابليون الذي لم يكن في نظره ~~طاغية، بل واحد من «الحكام العظام». وألريش فون هوتن (1488-1524م) هو العالم ~~الإنساني والثائر البروتستنتي في أوائل عصر الإصلاح الديني الذي اشتهر بحملاته ~~الشديدة على الأمراء والرهبان من أصحاب الثياب البنية الذين قاسى الأمرين من ضيق ~~أفقهم، على نحو ما قاسى حافظ من علماء الدين المحافظين أصحاب الملابس الزرقاء الذين ~~كان هو نفسه واحدا منهم (راجع قصيدتي اتهام وفتوى من كتاب ms195 حافظ). أما أعداء جوته ~~من رجال الدين المسيحي المتزمتين فيصعب التعرف عليهم؛ لأنهم يبدون في مظهرهم كسائر ~~المسيحيين (س17-20). ~~(4) وكان ما يتفتح في ظل الصمت # تعرض هذه القصيدة بلهاث مواطني جوته وراء البدع واقتناص الأخبار الجديدة والثرثرة ~~والتشتت والتهالك على الظهور ولفت الأنظار، إلى آخر ما استحدثته الصحف اليومية من ~~تخريب للإنسان في ذلك الحين - دع عنك ألوان الخراب والدمار التي تسببها وسائل ~~الإعلام المرئي والمسموع والمقروء كل يوم في حياتنا الحاضرة! - والشاعر يقف على ~~الطرف الآخر من هذه المشاغل المدمرة؛ أي يقف مع الخير والحق والحقيقة الشعرية ~~والوجودية التي تتفتح في ظل الصمت، ولا تكترث بأن يكون لها اسم أو شعار، سواء كان ~~مستمدا من اللغة القديمة أو الحديثة. وروح الشعر تفرض عليه أن يحيا بعمق، ويبتعد ~~بنفسه عن اللغو والجدل العقيم وتصيد الأنباء وتلفيقها وتمزيقها ورتقها باسم ~~التجديد الذي هو في حقيقته تبديد؛ ولهذا لا يلجأ الشاعر هنا إلى الشكوى ولا إلى ~~الغضب، وإنما يتمسك بالدعابة المترفعة، ويقتنع بترديد أغنيته الهامسة كعصفور صغير في ~~وجه الصخب والضوضاء (راجع السطور 3، 4، 10، 13، 14)، وهي أغنية تحيا بعمق، وتريد أن ~~تهتدي للحق (س13-14)؛ لأنها تخاطب الأبدي وتتجه إليه من وراء العابر والزائل أو من ~~خلاله، وذلك كما فعل الشعر دائما، وكما سيفعل على الدوام (س27-28). ~~(5) المجنون معناه # المجنون هنا هو الذي أصابه مس من الشيطان وشيطان الشعر بوجه خاص، وليس المقصود ~~بالضرورة هو مجنون ليلى الذي ورد ذكره أكثر من مرة في الديوان. وفي القصيدة نظرة ~~عميقة إلى رسالة الشعر والشاعر كما آمن بها جوته طوال حياته؛ فالشعر لا يخلص ~~الشاعر نفسه وحسب، وإنما يحمل الخلاص والإنقاذ للآخرين الذين يسارعون إلى وضعه في ~~الأغلال وتقييده بالحبال (س5-6). وعندما ينتبهون أخيرا إلى خطئهم يكون الوقت قد ~~فات، كما يحدث دائما للعباقرة والأفذاذ (س10). وفي هذه القصيدة تناول جديد لموضوع ~~«التعاظم» أو التفوق الذي سبق الكلام عنه (راجع التعليق على القصائد رقم 1، 2، 4 من ~~هذا الكتاب) والذي تتشبث به الأنا الشاعرة كلما حاول الخصوم والأعداء ms196 والحاقدون أن ~~يغرقوا سفينتها المنطلقة في بحار الإبداع. ويبدو أنه (أي موضوع الأنا المتمركزة ~~حول نفسها للدفاع عن وجودها!) هو أحد المداخل الأساسية لفهم كتاب الضيق بأكمله، وإن ~~كنا نكتشف (في كتاب العشق وزليخا والساقي والفردوس) أن وحدتها مع الأنت وفناءها ~~في حبه - كما سبقت الإشارة لذلك - هو العاصم الحقيقي لها من الغرق في تفاهات العصر ~~وصغاره ومهاتراته. ~~(6) هل سبق أن أشرت عليكم؟ # عودة إلى الموضوع السابق من زاوية مختلفة. فالصغار يتهمونه بعدم الاكتراث بشئون ~~السياسة وأحداث الساعة، وهو يرد عليهم بأنه لم يعن أبدا بالدخل فيها كما لم يدخل ~~نفسه في شئون الحرفيين والعمال كالنجارين والصيادين، وكل ما يرجوه منهم هو أن ~~يتركوه لممارسة عمله الذي يحسنه بدلا من حشر أنوفهم فيه باستمرار. وإذا كانوا ~~يشعرون بأن لديهم مثل ما لديه من القدرة والموهبة، فليقدموا برهانهم ويشاركوا في ~~حلبة الإبداع بدلا من الاكتفاء بالثرثرة الفارغة عنه (كما يحدث اليوم في حياتنا ~~الثقافية والفنية إلى حد الملل والغثيان). ~~(7) طمأنينة المتجول # استطراد آخر لنفس الموضوع كما ورد خصوصا في القصيدة رقم 4 «لعلكم تلاحظون أن ~~التعاظم»، وفيه تواجه الأنا خصومها المرجفين، وعلى وجهها قناع العظمة والترفع ~~والجلال، وفوق شفتيها ابتسامة السخرية الساحقة: دعهم يديرون ويثيرون كالغبار ~~(س11-12). وراجع كذلك تعليق بدوي الذي يرى فيه أن الشاعر قد استلهم في المقطوعة ~~الأخيرة أبياتا من الشاهنامه عن ترجمة دييز (ص202، برلين، 1811م) يقول فيها: «إنني ~~أسعى إلى العزلة حين يدور العالم في دوامة، ودوران الحظ أسوأ من أسوأ غبار في ~~العالم» (بدوي، ص175). ويرى شارح آخر (وهو فايتس في طبعته للديوان، ص313) أن ~~السطرين الأخيرين متأثران بكتاب قابوس وجوه العام، ويلاحظ أن هذه القصيدة هي الوحيدة ~~في هذا الكتاب التي وضع لها جوته عنوانا. أما سائر العناوين فقد أخذتها من ~~السطر الأول للقصائد. وكلمة المتجول في العنوان تكرر صورة شائعة في شعر جوته عن ~~الإنسان الذي يمضي في سبيله ويتمشى بلا هدف محدد. ~~(8) من ذا الذي يطلب من الدنيا؟ # يرى أحد الدارسين (وهو ms197 إرماتنجر) ضرورة استكمال السطر الثالث بحيث يكون على هذه ~~الصورة: «فيظل يتلفت إليها.» أما إضاعة نهار النهار (س4) فالمقصود بها إضاعة ~~الوقت الملائم للعمل. وفي القصيدة توضيح للمعنى الكامن في معظم قصائد هذا الكتاب، ~~وهو الانصراف إلى العمل الصامت الجاد بدلا من التلفت إلى كل الجهات والانشغال ~~بالتوافه العاجلة. ولا بد أن الحياة أو الدنيا ستجازي من لا يضيع اللحظة - أي ~~العمر القصير الضئيل بالقياس إلى الزمن الكوني! - وستضع في يده ذات يوم من الأيام ~~ثمرة جهده الذي قضى فيه السنوات. ~~(9) إن ثناء المرء على نفسه # إذا كان لا يليق بالإنسان النشيط الفعال أن ينتظر الثناء من أحد، فلا يليق به أن ~~يثني على نفسه بنفسه؛ فكلا الأمرين شيء فج ممجوج. والواجب على الحكيم أن يثق بنفسه ~~وعمله، ولكنه إذا صرح بهذه الثقة خرج من دائرة الحكماء ودخل في دائرة الحمقى. ولعل ~~الشاعر يحاول هنا أن يسوغ أمام الناس تلك الثقة بالنفس التي يأخذها عليه بعضهم ~~إلى حد اتهامه بالغرور (التعاظم). وربما تلقى هذه الحكمة التي كتبها في مجموعة ~~حكمه وتأملاته شيئا من الضوء على هذا الموقف الشائك الذي وجد نفسه فيه: «يقال إن ~~الثناء الباطل على النفس تخرج منه روائح عفنة. قد يكون هذا صحيحا، ولكن الجمهور لا ~~يشم الرائحة التي تفوح من الافتراء الغريب والاتهام الظالم.» والسطر الأول مأخوذ ~~عن ترجمة دييز لكتاب السعداء لمؤلف تركي من القرن السادس وهو بوزري جمهور. ~~(10) أتعتقد إذن؟ # يتكلم الناس عادة ويتناقلون الكلام بعضهم عن بعض، ويصدقون ما يقولون ويسمعون، وهم ~~يتصورون أن الأمر يمكن أن يقف عند هذا الحد، لكن الواقع أن هذه هي البداية التي ~~ينبغي أن ينطلق منها الإنسان إلى النقد الحقيقي وإصدار الحكم المستقل في أمور ~~السياسة والتاريخ وشئون الطبيعة والاجتماع والدين ... إلخ. لاحظ تأثير الروح ~~العقلانية للعصر وفلسفة كانط النقدية على القصيدة، ولاحظ أيضا أن الكلمة الأصلية ~~للنقل في السطر الثالث تعني التراث المنقول أو المتوارث بأوسع معانيه، وأخيرا ~~يردد الشاعر - ربما دون قصد - كلمات كانطية معروفة، ms198 كالحكم والفهم من منظور نقدي لا ~~يخفي تأثير مؤسس الفلسفة النقدية عليه، ولعل القصيدة تعبر أيضا عن رغبة الشاعر في ~~تحكيم العقل في النقل. وترجح الباحثة كاترينا مومزن أن تكون القصيدة ردا على ~~عبارات دينية متشددة صدرت من المستشرق فون دييتس. ~~(11) ومن يحاكي الفرنسيين أو البريطانيين؟ # عودة للهجوم السابق (في القصيدة رقم 6: وكأن ما يتفتح في ظل الصمت) على اللهاث ~~وراء البدع وكل جديد لافت في الأدب والحياة. وليت المغالين عندنا - إلى حد ~~التطرف والشذوذ والإلغاز والإظلام! - في التجديد دون معرفة حقيقية بالقديم الذي ~~يصرخون بالقطعية معه لا مجرد تجاوزه كما يقول بذلك أي تجديد صحيح، ليتهم يقفون ~~طويلا عند الفقرة الأخيرة من هذه القصيدة؛ فالذي لا يجدد ووراءه ثلاثة آلاف عام ~~من الخبرة بتراثه وتراث الإنسانية سيظل يتخبط في الظلام ويحيا من يوم ليوم كالشحاذ ~~المتنقل من باب إلى باب. لاحظ هنا أيضا المقابلة التي يقيمها الشاعر بين الحياة ~~الإعلامية أو الصحفية المتسرعة اللاهثة وراء ما تتوهم أنه جديد أو تجديد، وبين ~~الحياة بعمق والارتباط بالأصول والجذور. وكذلك هجوم الشاعر على النزعات القومية ~~المتعصبة التي أخذت تطل برءوسها أيام جوته، ورأى من واجبه وبوازع أصيل من نزعته ~~العالمية والإنسانية أن يتصدى لمزاعمها الضيقة الأفق، وهو يشهر في وجهها سيف ~~القانون الأخلاقي، ويرفع راية الصالح العام للبشرية العاقلة. ~~(12) عندما كان المسلمون # الدراويش المحدثون هم رجال الدين وعلماء اللاهوت المعاصرون لجوته. ويمكن ترجمة ~~المصطلحات الإسلامية إلى مصطلحات غربية دون تغيير في جوهر القضية التي تدور حولها ~~القصيدة؛ فما ينطبق على القرآن الكريم والدراويش يصدق على الإنجيل وعلماء اللاهوت ~~المسيحيين، والقديم هو العقيدة المتشددة المحافظة، بينما الجديد هو النزعة ~~الإنسانية والمثالية ونقد الكتاب المقدس. ولعلها أن تكون دعوة من الشاعر للذين ~~كانوا يثرثرون في عهده عن الجديد - إلى حد إشاعة التشويش والاضطراب وإشعال نيران ~~التعصب بدلا من العمل على إطفائها - لكي يتعلموا من المسلمين الذين يجلون كتابهم ~~المقدس، وينعمون بذلك بالطمأنينة وراحة الضمير. ~~(13) النبي يقول # كتبت في الثالث والعشرين من شهر فبراير ms199 سنة 1815م، ودون الشاعر معها هذه الآية ~~الكريمة من سورة الحج (الآية 15) للرد على أعدائه: # من كان ~~يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد ~~بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن ~~كيده ما يغيظ # ولعله لم يجد خيرا منها للرد على أولئك الصغار. ~~(14) تيمور يقول # عودة ختامية لموضوع التعاظم، لا من وجهة نظر الأنا، بل من وجهة نظر شخصية مخيفة ~~مشهورة (تيمورلنك) يعتبرها الشاعر رمزا لشخصية العبقري المؤمن بنفسه وبالله ~~(ولست أدري كيف وصل جوته إلى هذا الحد من الخلط وسوء الفهم). # | كتاب الحكم # عنوان هذا الكتاب في نطقه ورسمه الفارسي، وهو «حكمت نامه»، معناه: كتاب الحكمة، ~~ولكن عنوانه الألماني بصيغة الجمع يسوغ لنا تسميته بكتاب الحكم، لا سيما أنه يضم ~~مجموعة كبيرة من الحكم والأمثال التي استمد الشاعر معظمها - بصورة تكاد في كثير من ~~الأحيان أن تكون حرفية - من أصول فارسية وعربية. ولا يخلو من الدلالة على هذه التسمية ~~أنه يبادر بقوله في أول حكمة: «إن التمائم التي سينثرها في هذا الكتاب ستحقق التوازن.» ~~ولا تختلف هذه الحكم من ناحية الشكل ولا من ناحية المضمون عن بقية حكمه وأمثاله الشعرية ~~التي كتبها في شيخوخته (وتجدها في المجلد الأول من أعماله، طبعة هامبورج، من ~~ص304-337)، أو التي نثرها في روايته «سنوات تجوال فيلهلم ميستر»، وهي مجموعة حكمه وتأملاته. ~~ومعلوم أن أدب الحكم والأمثال متوافر لدى كل الشعوب وفي كل العصور، وهو في تعبيره عن ~~خبرة الإنسان في الحياة وعن حصاد تجربته ورؤيته للعالم يدل على الملامح المشتركة بين ~~البشر، بحيث تكاد فيه الفروق أن تختفي بينهم، كما تتلاشى الحدود والحواجز التي أقامها ~~اختلاف الأزمنة واللغات والعادات ... إلخ. # يقول جوته عن هذا الكتاب في إعلانه القصير عن الديوان الشرقي في عام 1816م في صحيفة ~~الصباح: «وكتاب الحكم أشد إبهاجا من كتاب تيمور (الذي ذكره قبله مباشرة)، وهو يتألف ~~من قصائد قصيرة استلهمت في معظمها من أقوال شرقية حكيمة» (طبعة هامبورج، ص269). كما ~~يصفه بشكل أكثر تفصيلا في تعليقاته ms200 على الديوان، حيث يقول: «كان الأجدر بكتاب الحكم أن ~~يكون أكبر من غيره، وهو شديد القرب من كتابي التفكير والضيق، ولكن الحكم الشرقية تحافظ ~~على الطابع الخاص بالشعر الشرقي كله، من حيث إنها تتعلق في الغالب بموضوعات حسية ~~ومرئية، ونجد من بينها كثيرا من الحكم التي نستطيع بحق أن نصفها بأنها أمثال موجزة. ~~ويظل هذا النوع هو أصعب أنواع الشعر بالنسبة للشاعر الغربي؛ لأن المحيط الذي نعيش فيه ~~يبدو شديد الجفاف والتنظيم والرتابة (النثرية)، بيد أن الحكم والأمثال الألمانية ~~القديمة، التي يتحول فيها المعنى إلى تشبيه، يمكن هنا أيضا أن تكون نماذج صالحة» ~~(طبعة هامبورج ص200، وبتصرف عن ترجمة بدوي، ص458). ~~(1) عن التمائم والطلسمات راجع القصيدتين رقم 2، 4 من كتاب المغني وشروحها. وقد سبق ~~القول في التمهيد لهذا الكتاب إن الشاعر يؤكد معنى التوازن في أول حكمة، كما يشير كذلك ~~إلى تقليد وخز الإبر بشكل عشوائي في صفحات أي كتاب، واعتبار الموضوع الذي وقعت عليه ~~الإبرة أو الدبوس فألا يؤخذ به في مجرى الحياة وفي الملمات (راجع الفقرة الخاصة بنبوءة ~~الكتاب في التعليقات على الديوان، حيث يصف الشاعر هذا التقليد الشائع في الشرق، ويتمنى ~~أن يفيد منه القراء الذين سيطالعون ديوانه، ص189 من التعليقات في طبعة هامبورج، وطبعة ~~بدوي، ص445). ~~(2-4) هذه الحكم نظم لبعض الأمثال النثرية التي جمعها دييتس في كتابه «ذكريات من آسيا» ~~(راجع بالتفصيل ترجمة بدوي وشروحه، ص182)، والحكمة الثانية «لا تطلب من هذا اليوم» كانت ~~مكتوبة على باب أحد الخانات في أصفهان، وذكرها شاردان في كتابه «رحلة في بلاد فارس» طبعة ~~1735م، أمستردام. ~~(5) يبدو من هذه الحكمة أن الشاعر كانت تضيق نفسه أشد الضيق بمراقبة حركة المد والجزر ~~وإيقاعه المتكرر، كأنه جهد عشوائي للعناصر الطبيعية الجامحة. وقد عبر عن هذا بشيء من ~~التفصيل في القسم الثاني من فاوست، حيث يقول على لسانه (من البيت 10198 إلى 10233): ~~«انجذبت عيني إلى البحر العالي؛ كان قد ارتفع وانتفخ، يريد أن يشكل من نفسه برجا ~~شامخا، ثم تراخى بالتدريج ونفض ms201 الأمواج؛ لكي ينقض على عرض الشاطئ المستوي. ضايقني ~~هذا كما تضيق الروح الحرة، التي تقدر كل الحقوق حتى قدرها، بالزهو والغرور التي تسببه ~~حميا الدم الجياش، ويصيبها بالنفور وسوء المزاج. تصورت أن ذلك مجرد صدفة، فأمعنت ~~النظر بحدة، وإذا بالموجة تتوقف وتستدير متكورة، وتبتعد عن الهدف الذي اعتزت بالوصول ~~إليه، وحانت اللحظة فراحت تكرر نفس اللعبة، ويتجه الشيطان مفيستوفيلس إلى النظارة ~~قائلا: ليس هذا شيئا جديدا علي؛ فهذا ما أعرفه منذ مائة ألف سنة» (فاوست، القسم ~~الثاني، الفصل الرابع). ~~(6) قصيدة غنائية تفيض بالعاطفة وتنتهي نهاية مفعمة بالمعنى، وتكاد تشبهها في مغزاها ~~حكمة أخرى من الحكم المنظومة التي كتبها الشاعر عن شيخوخته وقال فيها: «إذا كان أمسك ~~واضحا مكشوفا، أقبلت في يومك على العمل بقوة وحرية، وأمكنك أيضا أن تتطلع لغد لا ~~يقل عنه رضا وسعادة» (المجلد الأول من طبعة هامبورج، الأمثال، ص308، المقطوعة رقم ~~30). وغني عن الذكر أن هذه الحكمة تؤكد الفكرة التي لا يمل جوته من التعبير عنها في ~~إنتاجه جله، وبالأخص في كتاب زليخا من هذا الديوان، وهي أن الإنسان لا يبلغ اللامتناهي ~~إلا عبر المتناهي، ولا يتحقق هذا بأجلى وأكمل صورة إلا من خلال الحب الذي يكشف للحبيبين ~~في لحظات الهناء والصفا والتوحد - المتناهية بطبيعتها - عن الحقيقة الأبدية اللانهائية؛ لأن الجزئي المحدود هو سبيلنا الوحيد للإحساس بالكلي غير المحدود. # كتبت هذه القصيدة (بمدينة يينا في 22 من يوليو 1818م) أثناء تفكير الشاعر في محبوبته ~~البعيدة «مريانة» التي كان قد ودعها وداعا لم يلتقيا بعده إلا على صفحات الرسائل ~~والتهاني بأعياد الميلاد. وينعكس قلق الشاعر على الشكل اللغوي للقصيدة في جمل قصيرة ~~وكلمات أغلبها من مقطع واحد. وقد نشرت مع القصائد الثلاث التالية لها سنة 1821م، في ~~بداية روايته «سنوات تجوال فيلهلم ميستر» في صياغتها الأولى. ~~(7) هنا يظهر موضوع الزهد أو التخلي والعزوف بشكل هامشي، كما يندر أن نقع عليه في ~~قصائد الديوان التي تعد في مجموعها دعوة للحياة والفعل واغتنام اللحظة المواتية. ~~والمعروف أن هذا الموضوع - الذي ms202 يناسب خريف العمر وشتاءه! - يحتل مكان المركز والقلب من ~~رواية جوته «سنوات التجوال لفيلهلم ميستر»، كما كان من أهم الموضوعات التي يدور حولها ~~الحب اليائس الميئوس منه لأبطال روايته التي سبقت الرواية الأخيرة وهي «الأنساب ~~المختارة». ~~(8) في السطر الأول موضوع أثير لدى جوته، وهو يتكرر هنا في الحكمة رقم 12 التي سنقف ~~عندها بعد قليل. وقد رجع في السطر الثاني إلى العبارة الواردة في إنجيل يوحنا (9: 4) ~~بترجمة لوثر التي تقول في الترجمة العربية عن اليونانية (دار الكتاب المقدس، ص164): ~~«ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل.» ~~قارن كذلك ما يقوله الشاعر في روايته السابقة الذكر «سنوات تجوال فيلهلم ميستر» الكتاب ~~السادس: «إن أول ما يحدد «طبيعة» الإنسان هو أن يكون فعالا.» كذلك ما يقوله في ~~مسرحية باندورا، البيت رقم 1045: «إن العيد الحقيقي للإنسان هو الفعل.» والمقطوعة رقم ~~66 من حكمه وأمثاله التي كتبها في شيخوخته: «بين اليوم والأمس، مهلة طويلة، فتعلم كيف ~~تهتم بها، ما دمت لا تزال نشيطا» (ص314 من المجلد الأول، طبعة هامبورج). والأبيات ~~التي كتبها بنفسه في ألبوم حفيده فالتر فون جوته في شهر أبريل سنة 1828م: «في الساعة ~~ستون «دقيقة»، وفي النهار أكثر من ألف، فلتحط علما يا ولدي الصغير، بنبأ الأعمال التي ~~يمكن أن ينجزها فيها الإنسان!» ومن الطريف أن هذه الأبيات كتبت تحت سطور أخرى مأخوذة ~~عن الأديب المدهش جان-بول رشتر (1763-1825م) الذي كان جوته ينفر من كتاباته ويعجب لها في ~~الوقت نفسه: «يملك الإنسان هنا دقيقتين ونصف دقيقة؛ واحدة للابتسام، وواحدة للتنهد، ~~ونصف واحدة للحب؛ لأنه يموت في منتصف هذه الدقيقة.» # وأخيرا ربما يكون الشاعر قد اقتبس المعنى من بستان سعدي في ترجمة أولياريوس (راجع ~~شرح بدوي، 184). ولعل هذا كله أن يذكرنا ببيت شوقي المشهور الذي ورد في رثائه لمصطفى ~~كامل: # دقات قلب المرء قائلة له # إن الحياة دقائق وثواني ~~(9) اقتباس مباشر وشبه حرفي من الشاهنامه للفردوسي (ترجمة بدوي، ص185). وإن كان الحث ms203 ~~على الفعل والعمل، والتحذير من الاستسلام للهم والغم، من أحب وأهم الموضوعات الأثيرة إلى ~~نفسه. والسطران الأخيران يعبران عن وجهة نظر جوته، ويبعدان عن الأصل الفارسي الذي ينصح ~~بالتسليم بالمكتوب والرزق المقسوم. ~~(10) يرتبط الإعلاء من شأن الفعل بتقدير قيمة الزمن وملء كل لحظاته بالعمل الخلاق. ~~وقد سبق التنويه بذلك في مواضع مختلفة من هذه الشروح، ونضيف إليها في هذا المقام ~~الرسالة التي بعث بها جوته إلى فرتس فون أشتاين في السادس والعشرين من شهر أبريل سنة ~~1797م، وقال له فيها: «أعترف بأن الشعار القديم الذي اتخذته لنفسي يزداد على الدوام أهمية ~~في نظري: إن الزمان ثروتي، والزمان هو حقلي.» # 1 # وكذلك قوله في روايته «سنوات تجوال فيلهلم ميستر»: «لا بد من عمل شيء في ~~كل لحظة» (راجع كذلك التعليق السابق على الحكمة رقم 8). ~~(11) السطران الأخيران مقتبسان بصورة شبه حرفية من أبيات للشاعر الفارسي أنوري (ذكر ~~جوته سنة وفاته 1152م، وهناك آراء أخرى بأنه توفي سنة 1185م/581ه، أو بين سنتي 585 و587 ~~للهجرة). وقد ذكر جوته في التعليقات طرفا عن حياته ودراسته في طوس، وكيف أصبح شاعرا ~~للبلاط وأكبر شعراء المديح في عصره، وأفاض في الدفاع عنه وتبرير إغراقه في مدح الأمراء ~~والوزراء والكبراء في عصره الذين «تعلق بهم تعلق الكرمة بشجرة الدردار، والعليق ~~بالجدار؛ لكي يرتفع إلى أعلى ويسعد العيون والمشاعر.» ثم يتساءل قائلا، كأنه يرد اتهام ~~خصومه له بالخضوع لأمير فيمار وبلاطه وعلية القوم في زمانه: «وهل يلام الصائغ الذي ~~يقضي حياته في صوغ حلى رائعة لأناس ممتازين من أحجار كريمة مجلوبة من الهند والسند؟» ~~(راجع ترجمة بدوي لهذه الفقرة في التعليقات، ص405 من ترجمته.) ~~(12) هذه الحكمة والحكم الثماني التالية توحي بنفس الجو النفسي الذي يسود كتاب الضيق ~~الذي سبق شرحه. ~~(13) في هذه الحكمة إشارة إلى تجارب جوته الأليمة مع «الوطنيين» المتحمسين الذين ~~تطاول بعضهم عليه أثناء حروب التحرير من نير نابليون. ~~(14) مقتبسة عن بستان سعدي في ترجمة أولياريوس (من الطبعة المزيدة والمنقحة لوصف ~~رحلته إلى الشرق التي ظهرت ms204 سنة 1696م في هامبورج). ~~(15) قارن كتاب الضيق والقصيدة رقم 2 لن تجد أي شويعر نظام (س1-4). ~~(16) هذه الحكمة والحكمتان التاليتان مقتبسة عن كتاب جان شاردان السابق الذكر. ~~(17) مأخوذة عن مثل فارسي. ~~(18) هذه الحكمة والسطران الثالث والرابع من الحكمتين التاليتين مقتبسة عن ترجمة فون ~~دييتس لكتاب «مرآة البلدان» للمؤلف التركي كاتبي رومي من القرن السادس عشر. ~~(19) راجع السطرين الأولين من قصيدة الحنين المبارك (رقم 17 من كتاب المغني): لا تقل ~~هذا لغير الحكماء، ربما يسخر منك الجهلاء. وانظر كذلك الحكمة التالية رقم 28 التي يقول ~~فيها إن الحكماء يقعون في الجهل إذا تجادلوا مع الجهلاء. وكذلك القسم الأول من فاوست، ~~البيت رقم 590 وما بعده: «إن القليلين الذين عرفوا شيئا عنهما (أي عن العلم وعن قلب ~~الإنسان وروحه كما يقول تلميذه فاجنر)، والذين كانوا من الحمق بحيث لم يكتموا أسرار ~~قلوبهم، وكشفوا للعامة عن شعورهم ورأيهم، قد دأب الناس منذ القدم على صلبهم وإحراقهم. ~~أرجوك، يا صديق، لقد أوغل الليل، ويجب علينا الآن أن نقطع الحديث» (الأبيات من ~~590-595، وهي نفس الفكرة التي تدور حولها مأساة الحلاج في مسرحية صلاح عبد الصبور رحمه ~~الله). ويحتمل أن يكون السطر الثاني من هذه الحكمة مأخوذا عن كاتبي رومي الذي سبق ~~ذكره. ~~(20) عن مثل شرقي واسع الانتشار يقول ما معناه: «افعل الخير لأجل الخير؛ فهو يحمل ~~قيمته في ذاته، ولا تنتظر نجاحا ولا شكرا عليه.» وهو شبيه بما يقوله أهل الريف عندنا: ~~«اعمل الخير وارمه في البحر.» كما يذكرنا بفلسفة كانط في الواجب وضرورة أدائه دون ~~انتظار لأي منفعة أو لذة أو جزاء. وقد قرأ جوته السطرين الأخيرين في رواية دييتس من ~~كتاب قابوس: «افعل الخير، وألق بخبزك في الماء، فسيرد لك ذلك ذات يوم.» وقد تصرف ~~الشاعر فيه كما ترى، وأشاد بالكرم والعطاء الخالص، بغض النظر عمن سيصل إليه هذا العطاء ~~ويذوق كعكته. ~~(21) وردت هذه الحكمة في إحدى النسخ التي دونها جوته بخط يده تحت هذا العنوان: ~~«حكمة هندية»، ولا يعرف مصدرها الأصلي. ms205 ~~(22) عن ترجمة أولياريوس لبستان سعدي. ~~(23) مائدة الله كناية عن الأرض. والحكمة مأخوذة عن مقدمة بستان سعدي (في ترجمة ~~أولياريوس): «الأرض سماطه (أي سماط الله) الممدود أمام كل الناس، حيث لا فرق بين صديق ~~وعدو» (بدوي ص193). ~~(24) أي لا بد من الصعود إلى أعلى الدرجات قبل التمكن من إلقاء نظرة شاملة. وهي ~~مأخوذة كذلك عن بستان سعدي. ~~(25) تذكرنا هذه الحكمة بالمثل العربي المعروف: «المرء مخبوء تحت لسانه.» وهي مع ~~الحكمة التالية لها مقتبستان من كتاب قابوس. ~~(26) ورد القول المشهور في السطر الثاني عن تلاميذ فيثاغورس وأتباعه بنطقه اليوناني ~~«أوتوس إفا # Autos epha ~~»؛ أي هو نفسه قال هذا؛ وذلك ~~احتراما منهم للمعلم، وإجلالا لشخصه الذي أحاطت به في عصره والعصور التالية هالة من ~~الأسرار والأساطير. وفي هذه الحكمة سخرية مرة ممن يؤمنون بالسلطة إيمانا أعمى. ~~(27) راجع الفصل الخاص عن جوته والإسلام في هذا الكتاب وأقواله في رسائله لبعض معارفه ~~وأصداءه (مثل تسلتر) عن تقديره العظيم للإسلام بمعنى التسليم المطلق لإرادة الله ومشيئته. ~~(28) المقصود بالبيت الصغير هو الديوان الشرقي. ~~(29) يقال إن لقمان، صاحب الأمثال المشهورة، كان قبيح المنظر معوج الساقين. ولعل في ~~السطرين الأخيرين إشادة بالعمل الأدبي أكثر من المؤلف، وتفضيلا للثمرة على العود ~~والنبتة. والفكرة مأخوذة عن بستان سعدي في ترجمة أولياريوس. ~~(30) عرف الألمان الكاتب المسرحي الإسباني كالديرون دي لاباركا (1600-1681م) بفضل ~~ترجمات الرومانتيكيين، وبالأخص أوجست شليجل للأدب الإسباني، ثم زادت معرفتهم به بفضل ~~ترجمات يوهان ديتريش جريس (1770-1842م). وقد أحبه جوته وأثنى عليه، وقال في رسالة إلى ~~صديقه تسلتر (في 28 / 4 / 1829م): «إذا كانت الطبيعة والشعر يتحدان أوثق اتحاد عند ~~شكسبير، فإن الشعر والثقافة الراقية يتصلان اتصالا حميما عند كالديرون.» ولعل تجربته ~~مع الشرق الإسلامي والحضارة العربية التي ازدهرت في الأندلس، قد زادت من تقديره ~~لكالديرون الذي لم ينكر ثقافته العربية. راجع كذلك فقرة تحت عنوان «مدخل» في التعليقات ~~على الديوان، وهي الفقرة التي يدافع فيها دفاعا مجيدا عن شعر المديح عند الشعراء ~~الشرقيين من الفرس والعرب، ويستنكر أن توصف ms206 القصائد التي مدح فيها كالديرون ملكه ~~الإسباني، وحلق فيها بخياله تحليقا جسورا، بأنها قصائد مدفوعة الثمن. ~~(31) هذه الحكمة مأخوذة عن حكاية أوردها سعدي في جلستان، ونسبها إلى جمشيد ردا على ~~سؤال من سأله لماذا وضع كل الزينة في اليد اليسرى بينما اليمنى أحق بها؛ لعلها أن ~~تكون ردا على الذين اتهموه - على الأقل في الفترة التي شغل فيها بتأليف الديوان ~~الشرقي - بتفضيله لشعراء الشرق على شعراء الغرب، وقارن كذلك الحكمة رقم 18 من هذا ~~الكتاب (انظر شرح بدوي، ص199 من ترجمته للديوان). ~~(32) قارن عن حمار المسيح: إنجيل متى 21، 2-11؛ وإنجيل يوحنا 12، 14-15. ~~(33) البيزة نوع من الحجارة الطينية المستعملة في البناء بعد ضربها أو حرقها (عن ~~الفعل اللاتيني Pinsere ~~؛ بمعنى: يدوس بقدميه). ~~(34) لا تخفى هنا السخرية المرة التي تذكرنا بلهجة مفيستوفليس في حواره الذكي ~~البارع مع فاوست، كما تذكرنا أيضا بحكمة أو مثل آخر من الأمثال التي كتبها الشاعر في ~~شيخوخته: «لا يجوز أن يدخل أحد الدير، إلا إذا كان مزودا على أحسن وجه، بزاد مناسب من ~~الخطايا والذنوب؛ حتى لا يفتقد في الصباح والمساء، متعة تعذيب نفسه بالندم» (المثل رقم ~~182، المجلد الأول من طبعة هامبورج، ص335). والحكمة مأخوذة عن كتاب الإرشاد (بند نامه) ~~لفريد الدين العطار في ترجمة سيلفستر دي ساسي. ~~(35) لا تخرج هذه الحكمة عن أن تكون نظما لقطعة ترجمها المستشرق الفرنسي السابق ~~الذكر عن كتاب الإرشاد، وأوردها فون همر في الجزء الثاني من مجموعة «كنوز الشرق» (عن ~~بدوي، ص201). ~~(36) عن تأثير العواطف الملتهبة على الشعر، وربما كان المعنى أنه في عمومه تأثير ضار، ~~وإن أسفر أحيانا عن بعض اللآلئ الثمينة (راجع كذلك القصيدة رقم 16 من كتاب زليخا، ~~وهي قصيدة: «الصحائف المكتوبة بخط جميل»، من س20-س43). ~~(37) يدور الحوار هنا عن أحد أصحاب الحاجات، ونلاحظ فيه أن التابع الأمين حريص على ~~مصلحة الوزير، بينما الوزير أدرى منه بمصلحة صاحب الحاجة؛ ربما لأنه (أي الوزير) أقرب ~~من تابعه إلى قلب الشعب، وأنفذ منه بصرا وبصيرة بشئون الناس. ~~(38) تصلح هذه الحكمة ms207 لكل مكان يكثر فيه الشعراء، ويقل الشعر الحقيقي أو ينعدم، ~~فاسمعي يا جارة. # | كتاب تيمور # (1) يقول جوته في إعلانه عن هذا الكتاب سنة 1816م في «صحيفة الصباح»: «يعكس كتاب تيمور ~~أحداثا عالمية كبرى في مرآة نرى فيها، لعزائنا أو لبلائنا، انعكاس مصائرنا ~~نحن.» # وتيمورلنك - الذي فاجأه الشتاء وهو يعد لحملته على الصين - يجسد القوى الشيطانية ~~التي طالما تحدث عنها جوته، وقال لسكرتيره ريمر ولصديقه بواسريه إنها تصطدم مع القانون ~~الأخلاقي في العالم. وتيمور وأمثاله من الطغاة الجبابرة ليسوا بشرا عاديين، وإنما هم ~~أشبه بالقوى الكونية المدمرة. وكما قال جوته في الكتاب العشرين من سيرة حياته شعر ~~وحقيقة، فالطاغية كارثة، زلزال أو إعصار، أو بركان أو طوفان؛ ولهذا لا يقهره إنسان ~~مثله، ولا تقوى على تحطيمه إلا كارثة أقوى منه، ولا تدمره إلا الطبيعة والكون نفسه. ~~ووجه الشبه ظاهر مع نابليون وحملته الشتوية على روسيا (1812م) وهزيمته المروعة على أبواب ~~موسكو. وقد أعجب به جوته، والتقى به لقاء لا ينسى، فيه قوله له: هاكم رجلا! ثم أذهلته ~~نهايته الفاجعة التي لم يتوقع أن تتم بالسرعة التي تمت بها، لكن إعجابه به شيء ومسئولية ~~الشعر شيء آخر. وقد عانى جوته ما عانى من احتلال جيوش نابليون لمدينة فيمار واستباحتهم ~~لها، ومزاحمة الجنود الفرنسيين له في بيته، كما قاسى حافظ في شيخوخته من طغيان تيمورلنك ~~(1336-1405م)، وخيمت ظلاله السوداء على حياته التي وهبها للشعر، وذلك قبل أن تموت الجرادة ~~المغولية الكبرى ويموت حافظ نفسه سنة 1390م. وقد تأثر الشاعر هنا بقطعة أدبية وردت في ~~كتاب «عجائب المقدور في نوائب تيمور» لابن عربشاه (المتوفى سنة 1450م)، وقرأ جوته ~~ترجمتها اللاتينية في كتاب للمستشرق الإنجليزي المعروف ومترجم المعلقات وليم جونز، ~~وفيها وصف على لسان الشتاء نفسه للمصائب التي حلت بجيش تيمور أثناء استعداده لحملته ~~الشتوية على إمبراطورية الصين (راجع المقدمة العامة لهذا الكتاب). ويلاحظ أن المخاطب ~~- وهو تيمور - لا ينطق في هذه القصيدة بكلمة واحدة، كأنما شله الفزع والرعب وجمده البرد ~~والثلج! ويلاحظ أن الإيقاع ms208 الرباعي المتحرر من القافية يتدفق أشبه بقوة الطبيعة ~~العاتية، وأن اللغة حادة الألفاظ ومحددة، وأن القصيدة كلها التي خلت من البداية ~~والخاتمة أقرب إلى أن تكون شذرة من تاريخ أسود طويل، هو تاريخ الطغاة والطغيان على ~~اختلاف صوره وأشكاله ومآسيه. ~~(2) إلى زليخا: تبدو القصيدة قلقة في موضعها من هذا الكتاب، وإن كانت تمهد للكتاب ~~التالي وهو كتاب زليخا، وقد أضاف جوته السطرين الأخيرين (15-16) لتسويغ ضمها إلى كتاب ~~تيمور، دون أن ينجح تماما في ذلك كما يرى بعض الشراح. وغني عن الذكر أن حب البلبل ~~للوردة (جلجل) موضوع واسع الانتشار في الشعر الفارسي. وقد شبه الشاعر طغيان تيمور الذي ~~سحق الألوف المؤلفة من الناس، بما يفعله صانع العطور مع آلاف الورود، وإن كان الهدف في ~~الحالين شديد الاختلاف؛ مما يجعل المقارنة غير مقنعة؛ لأن ملك تيمور بعيد عن ملكوت ~~العطور بعد الأرض عن السماء، والجحيم عن النعيم! والقصيدة تنظر إلى موضوع العبقري ~~والعبقرية نظرة مختلفة عن نظرتها إليه في القصيدة السابقة؛ ولهذا لم يجد الشاعر في نفسه ~~أي ميل للاسترسال فيه، فكان كتاب تيمور أقصر كتب الديوان. والمهم أن وضع هذه القصيدة ~~فيه يمكن أن يكون تمهيدا للانتقال إلى كتاب زليخا؛ ففي أنغامها اللطيفة إرهاص بأنغامه ~~ومحاولة لتجاوز الجو المقبض الذي توحي به «الشتاء وتيمور». # | كتاب زليخا # يقول جوته عن هذا الكتاب في إعلانه عن الديوان الشرقي في صحيفة الصباح (1816م) إنه ~~يحتوي على قصائد عاطفية، ويتميز عن كتاب العشق بأن الحبيبة مذكورة بالاسم، وأنها تظهر ~~فيه بطابع واضح صريح، بل تظهر من الناحية الشخصية كشاعرة تتمتع بشبابها وتنافس الشاعر، ~~الذي لا يخفي كبر سنه، في حبها المشبوب بالعاطفة. والبيئة التي تجري فيها هذه الدراما ~~الثنائية بيئة فارسية محضة. وهنا أيضا تفرض المعاني الروحية نفسها في بعض الأحيان، ~~ويبدو وكأن حجاب الحب الأرضي يخفي وراءه علاقات أسمى. # ثم يقول عنه بعد ذلك في تعليقاته وأبحاثه التي وضعها بنفسه لتعين على فهم الديوان: ~~«إن هذا الكتاب، وهو أوفر كتب الديوان (من ms209 حيث عدد قصائده) يمكن أن يعد مكتملا.» وإن ~~نفس العاطفة المشبوبة وروحها التي تشيع في الكتاب كله، ليسا شيئا يمكن استعادته ~~بسهولة ، أو على الأقل يجب أن تنتظر عودته كما تنتظر عودة موسم النبيذ الطيب، في أمل ~~وتواضع، ولكن أرجو أن يسمح لنا بتقديم بعض الخواطر عن مسلك الشاعر الغربي في هذا ~~الكتاب؛ فهو مثل بعض أسلافه الشرقيين ينأى بنفسه عن السلطان، بل إنه كدرويش قنوع، يجرؤ ~~حتى على مقارنة نفسه بالأمير؛ لأن الشحاذ الحقيقي هو في الواقع أشبه ما يكون بالملك. إن ~~الفقر يمنح الجرأة. وعدم اعترافه بالخيرات الأرضية وقيمتها، واستغناؤه عنها تماما أو ~~احتياجه للقليل منها، هو قراره الذي يجعله خالي البال من كل هم، وبدلا من السعي إلى ~~التملك المثير للقلق، فإنه يجود بفكره بالبلاد والكنوز، ويتهكم على كل من كان يملكها ثم ~~فقدها. والواقع أن شاعرنا قد تبنى نوعا من الفقر الإرادي؛ وذلك ليكون أكثر اعتزازا ~~بأن ثمة فتاة تحبه لهذا السبب وتميل إليه. # أضف إلى هذا أنه يفتخر بعيب أكبر؛ فقد تولى عنه الشباب، وهو يزين شيخوخته وشعره ~~الأشيب بحب زليخا، لا عن غرور وإلحاح، كلا! بل عن يقين بأنها تبادله حبا بحب؛ فزليخا ~~الذكية، تقدر الروح التي تنضج الشباب مبكرا كما تجدد شباب الشيخوخة (بتصرف عن ترجمة ~~بدوي، ص209، ص459، وطبعة هامبورج ص201-202، ص269). # وإذا كان كتاب العشق قد عرض ظاهرة الحب بأشكالها المختلفة، كما قدم شخصيات متنوعة من ~~العشاق الذين أخلصوا في الحب إلى حد الجنون أو الفناء، فإن كتاب زليخا يقتصر على عاشقين ~~اثنين يؤلف بينهما الحب المشبوب. ومع ذلك، فإن ظاهرة الحب نفسها تصور من خلالهما، كما ~~يتمثل الكل في هذا النموذج المثالي النادر. ومن هنا يسود الطابع الشخصي الحميم قصائد ~~هذا الكتاب، كما تنفذ فيه وتشع منه - على حد تعبير جوته نفسه في النص السابق - معان ~~روحية ودينية وكونية مختلفة. وتتكرر في الكتاب بعض الموضوعات المحورية في الديوان كله، ~~كما تظهر فيه موضوعات أخرى يكاد ينفرد بها عن سائر الكتب؛ ms210 فهناك موضوع التفوق أو ~~«التعاظم» الذي تناولناه في شروح سابقة، وفيه يقارن الشاعر نفسه بالقيصر ويؤكد أنه أعظم ~~منه لأنه يحب ويحب. وفيه كذلك موضوع الارتباط الوثيق بين الحب والدين، بيد أن ~~الجديد هنا - ومن الطبيعي أن يظهر في قصائد الحب الصادقة! - هو ما يمكن تسميته بجدلية ~~الحب، أو بتعبير أبسط بتبادل الحب، كما يظهر بشكل رمزي في قصيدة جنجوبيلوبا (رقم 10) ~~التي تؤكد أن كلا الحبيبين واحد واثنان، وبشكل كوني شامل في قصيدة «لقاء من جديد» (رقم ~~39)، كما يزداد عمقا في شعور الحبيبين بأن كلا منهما قد خلق للآخر ولا غنى له عنه - ~~وهذا هو جوهر الحب! - مما يظهر في قصيدة «أن زليخا فتنت» (رقم 2، السطر 6)، وعلى لسان ~~حاتم (في القصيدة رقم 11، س7-8)؛ ولهذا تكثر القصائد الحوارية في هذا الكتاب بين زليخا ~~(التي أطلق الشاعر اسمها على حبيبته مريانة فون فيليمر) وبين حاتم (وهو الاسم الذي ~~أطلقه الشاعر على نفسه؛ ربما لأنه لا يقل في جوده وعطائه للحب عن حاتم الطائي!) وتربط ~~بهذا كله تلك الفكرة الصوفية العريقة التي تقول إنه لا يجد نفسه إلا من يفقدها ويتخلى ~~عنها؛ أي من يهبها للمحبوب، وإن كنوز الأرض جميعا لا تساوي شيئا لأن الحب هو الغنى ~~الحقيقي (راجع القصيدة رقم 4، السطر 7-8؛ والقصيدة رقم 15، س7-8، س11-12؛ والقصيدة رقم ~~19، س5-8)؛ ومن ثم يأتي أهم موضوعات هذا الكتاب، وهو تأكيد ال «نحن» في ثنائية الحب، ~~سواء في «عودة اللقاء» بعد فراق طويل، أو في الفراق المأسوي الذي ليس بعده لقاء، وكل ~~هذا في رموز كبرى تتجلى في صور متنوعة، مثل صورة الكرة التي يتلقفها الحبيب ويلقيها ~~لحبيبه (في القصيدة رقم 16، من السطر 16-20؛ وفي القصيدة رقم 33 بهرامجور فيما يقال، ~~هو الذي اخترع القافية؛ والقصيدة رقم 12 عن ورقة الشجرة العجيبة «جنجوبيلوبا») التي ~~تجسد الحب كلقاء يضم اثنين في واحد، كما تمثل ما نسميه نحن بالمكتوب والنصيب الذي قسم ~~كل واحد منهما للآخر، وفي القصيدتين اللتين ترمزان بالشمس مرة لاستحالة اللقاء بعد ~~الفراق والهجران، ms211 ومرة أخرى لتجربة الحب التي يشع منها الحضور الإلهي، وهما صورة سامية ~~(رقم 36) وصدى (رقم 37)، وكأنما تسبح القصائد كلها في الوجود الكلي قبل أن تنتهي دورتها ~~إلى الأنا والأنت المتحابين. وقد ضم جوته إلى هذا الكتاب بعض القصائد التي أرسلتها ~~إليه حبيبته مريانة، وذلك بعد تغيير طفيف جدا لم يمس سوى كلمات قليلة، ولولا معرفتنا ~~بهذه القصائد التي كتبتها الشاعرة، وتأثرت فيها بطبيعة الحال بلغة جوته وتجربته ~~وإيقاعاته! لقلنا إنها من شعره، وإن كان النظر المدقق سيميزها عنه بخصائص «أنثوية» ~~رقيقة بينها بعض الدارسين، ولا يتسع هذا المجال لذكرها. # الشعار في مستهل الكتاب: مأخوذ عن ترجمة المستشرق دييز (في كتابه ذكريات من آسيا، ج1، ~~ص254-1520). ورمز الشمس هنا له دلالة عميقة - كما سبق القول - على ظهور مريانة في حياته ~~على غير انتظار، وعلى تجربة الحب التي غمرتها بالنعمة الإلهية كما تغمر الشمس الوجود ~~بنورها، وربما كان هذا المعنى المتضمن في السطور الأربعة من أقوى الأسباب التي جعلت ~~الشاعر يختارها شعارا لكتاب زليخا. ~~(1) دعوة: تتناول القصيدة - التي لا تخلو من الغموض الموحي! - موضوعا من أجل ~~الموضوعات، لعله أن يكون هو الحاضر الذي يبلغ ذروة حضوره في لحظة الحب! وذلك بنوع من ~~اللعب أو التلاعب بالألفاظ، شأنها في هذا شأن العديد من قصائد الديوان، وربما يكون أهم ~~ما فيها هو الانصراف عن العالم الصاخب المضطرب الذي نشقى به ويشقى بنا كل يوم، لاستعادة ~~العالم الحقيقي أو الجوهري في الحب مع «أعز حبيب». ~~(2، 3) عرف جوته، بغير شك، قصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز فرعون مصر عن مصدريها ~~الأساسيين، وهما الكتاب المقدس والقرآن الكريم، وتأثر كذلك بتصوير نور الدين عبد الرحمن ~~جامي (1414-1492م) - في قصيدته الكبرى «يوسف وزليخا» - للحب بينهما في صورة حب عذري ~~طاهر أفضى إلى إيمان زليخا بالله. فهل يمكن القول إن حب الشاعر لمريانة فيليمر كان من ~~هذان النوع كما يقول بعض الشراح (ومنهم الدكتور بدوي في شرحه على هذه القصيدة وتفسيره ~~لتسمية جوته لنفسه باسم حاتم علامة على الحب الروحي ms212 الذي يتجلى في العطاء بغير ~~حدود)؟ لا أظن أن جميع قصائد هذا الكتاب توحي بهذا الحب الروحي أو العذري الخالص، وإن ~~كان هذا لا يمنع أنها تؤكد وحدة الحبيبين وتفانيهما في العطاء الروحي وغير الروحي. ~~أما عن حاتم الطغرائي الذي تذكره القصيدة رقم 3 «لما كنت الآن تسمين زليخا»، فقد ~~تصور شراح الديوان أنه سهو وقع فيه جوته بدلا من إسماعيل الطغرائي صاحب لامية العجم، ~~الذي قرأ جوته وصف هيربوليه له في المكتبة الشرقية بأنه رجل غني بالفضائل والصفات ~~الحميدة، وهو قريب مما يسميه الإيطاليون بالفيرتووزو - أي المنفرد البارع في فنه - إلى ~~أن أثبتت الباحثة السيدة كاترينا مومزن - كما ذكرنا بالتفصيل في مقدمة هذا الكتاب - أن ~~ذلك لم يكن سهوا على الإطلاق. والمهم أن الحاتمين اللذين تذكرهما القصيدة رجلان ~~ناضجان مثله في العمر والتجربة، وأن كليهما اشتهر بالعطاء السخي ووعد نفسه بأن يلقاه من ~~المحبوبة وأن يقدمه لها. والقديس جورج المذكور في السطرين السابع والثامن من القصيدة ~~رقم 3 هو القديس المحلي لمدينة أيزناخ، حيث كتبت القصيدة في يوم 24 من مايو سنة ~~1815م. ~~(4) حاتم: يتردد هنا (لا سيما في السطرين السابع والثامن) موضوع فقد النفس والعثور ~~عليها في المحبوب، وهو الموضوع الذي يتكرر في قصائد أخرى، من أهمها القصيدة رقم 18 على ~~لسان زليخا «الشعب والخادم والحكام»، على نحو ما تتردد سائر الموضوعات في قصائد هذا ~~الكتاب، كأنها جمل أساسية متداخلة في سيمفونية طويلة. ~~(5) زليخا في قمة الفرح بحبك: رد على القصيدة السابقة، وهي من نظم مريانة، وبها ~~يبدأ تبادل الحوار بين العاشقين، أو تبدأ الدراما الثنائية التي ذكرها جوته وأشرنا ~~إليها في التمهيد لهذا الكتاب. وأهم ما يميز هذا الحب هو الاختيار الحر والعطاء السخي ~~الذي يصدر عن الفرح والابتهاج بالعطاء نفسه (راجع البيت الأول: في قمة الفرح بحبك). ~~(6) ما خاب لصب مسعاه: استوحى جوته هذه الأبيات من ترجمة أولياريوس (1654م) لبستان ~~سعدي: «لو أحببت إنسانا حبا صادقا لوجهت قلبك إليه، وأغمضت عينيك عن كل شيء في ~~العالم، ms213 ولو بعثت ليلى والمجنون مرة أخرى إلى الحياة وقد نسيا الحب تماما لتعلما من ~~جديد فن الحب من كتابي» (ص115). ~~(7) أمن الممكن: الكلام على لسان حاتم، ويصدق عليه ما قاله جوته في تعريفه بكتاب ~~زليخا في صحيفة الصباح: «إن حجاب الحب الأرضي يبدو أنه يخفي علامات أسمى.» فالوردة شيء ~~واقعي ملموس، ولكنها مع ذلك شيء مستحيل وغير قابل للفهم؛ لأنها هي الجمال والكمال الذي ~~يحس معه الإنسان بما هو مستحيل وعصي على الإدراك؛ أي بالاقتراب مما هو إلهي. وفي هذا ~~المعنى يقول الشاعر في إحدى قصائده المتأخرة بعنوان «أبيريما»: «عليكم، وأنتم تتأملون ~~الطبيعة، أن تنتبهوا دائما للواحد وللكل، فلا شيء في الداخل ولا شيء في الخارج، وهكذا ~~تمسكون، بلا تردد، بالسر المقدس المكشوف» (طبعة هامبورج، المجلد الأول، ص358). ~~والمعنى ببساطة أن المعطي المباشر المحدود يكشف عن اللامحدود واللانهائي، وأن الوردة ~~والبلبل والحبيب تعكس للعين العاشقة قبسا من الألوهية، فتشعر حيالها بأنها واقع ولا ~~واقع في وقت واحد، كما تحس بالسعادة والفرحة الممتزجة بالرهبة والقلق حين ترى الوردة ~~(الجمال) وتسمع البلبل (الصوت الإلهي). وتأتي أهمية القصيدة من أنها توحي لأول مرة في ~~كتاب زليخا بالبعد الكوني والبعد الإلهي اللذين سنجدهما بصورة أعمق في قصيدتي «لقاء من ~~جديد» (رقم 36) و«في وسعك أن تتخفى في آلاف الأشكال» (رقم 46). ~~(8) رأت زليخا في الحلم أن الخاتم الذي أهداه حاتم إليها قد سقط في مياه الفرات (وهو ~~هنا البديل في الحلم عن نهر الماين!) وهو يفسر الحلم بأنه - وهو التاجر الذي يجوب أنحاء ~~الأرض - قد أصبح بفضل هذا الخاتم مشدودا إلى عالمها، غارقا إلى أذنيه في نهر حبها، ~~وهو يذكرها على سبيل المقارنة بأن حاله تشبه حال دوق البندقية الذي كان يستقل سفينة في ~~يوم الاحتفال بقيامة المسيح من كل عام، ويلقي بخاتم في الماء رمزا لارتباط مدينة ~~البندقية بالبحر، أو بزواجها منه لضمان سيطرتها البحرية والتجارية عليه. ~~(9) شجرة الجنج كو: (وليس جنجو كما يكتبها جوته!) شجرة عريقة من شرق آسيا، يقال إنها ~~شجرة مقدسة في ms214 الصين، وقد عرفت طريقها منذ القرن الثامن عشر إلى حدائق النباتات في ~~القارة الأوروبية. يقال أيضا إن ورقتها تبدو كالمروحة المفرودة التي يشقها من المنتصف ~~قطع عميق غائر، فتظهر كأنها ورقتان نمتا معا (وقد رأيت بعيني كيف استغلها التجار في مدينة ~~فيمار الصغيرة لجذب السياح، وصنعوها على أشكال مختلفة من الحلوى والشوكولاتة التي تلف ~~معها قصيدة جوته بخط يده المنسق الجميل!) ومع أن كتاب زليخا قصائد عديدة تعبر عن وحدة ~~العاشقين (مثل قصيدة بهرامجور فيما يقال رقم 32، وقصيدة لقاء من جديد رقم 39)، إلا أن ~~هذه القصيدة تمثل الوحدة الثنائية - إذا صح هذا التعبير - في صورة حية أو رمز عياني ~~عجيب يقول كل شيء، وإن كان لا يبوح به إلا لمن جرب الحب وتعذب بنعيمه أو نعم ~~بعذابه! # ومما يذكر أن جوته أرسل هذه القصيدة مكتوبة بخط يده مع خطاب إلى روزينة شتيدل، ~~الابنة الكبرى لفون فيلمر زوج حبيبته، وذلك في السابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1815م، ~~كما عثر على نسخة خطية أخرى منها كتب تحتها: تذكارا لأيام سبتمبر السعيدة. ويقول بعض ~~الشراح إنه أرسلها إلى مريانة نفسها ومعها ورقة من تلك الشجرة العجيبة، وذلك بناء على ~~الملاحظة التي دونها بواسريه صديق جوته في الخامس عشر من الشهر نفسه. ~~(10) زليخا طلعت الشمس! يا له من منظر بديع! لهذه القصيدة مناسبة طريفة؛ فقد كانت ~~مريانة تعرف مدى حب جوته لكل ما هو شرقي، كما كانت هي نفسها لا ترى شيئا من الشرق إلا ~~ربطته بشخصه، وكان قيصر النمسا فرانز الأول قد أهدى جوته وساما، واغتنمت مريانة هذه ~~الفرصة، فاشترت له هدية لطيفة على سبيل الدعاية من معرض فرانكفورت، وكانت عبارة عن شعار ~~تركي من الورق المقوى يمثل الشمس التي يعانقها الهلال (وكان سلاطين الأتراك ~~العثمانيين يضعونه وساما على صدر الشجعان والأصفياء المخلصين س5-8). وقد احتفظ جوته ~~بهذه الهدية المحبوبة حتى وفاته، كما فسرها في القصيدة تفسيرا مرحا وشائقا من منظور ~~العاشق السعيد. وجدير بالذكر أنه كتبها في مدينة هيدلبرج في الثاني ms215 والعشرين من شهر ~~سبتمبر سنة 1815م الذي انفتحت له فيه - فيما يبدو - أبواب جنة مريانة التي لم تضن عليه ~~بخمرها وعسلها. وقد ذكرته بهذه القصيدة بعد ذلك بحوالي عشر سنوات في رسالة كتبتها ~~إليه في بداية شهر مارس سنة 1824م. ~~(11) تعال أيها الحبيب تعال! يوضح آخر بيتين مغزى القصيدة؛ إذ يرجع الشاعر مرة أخرى ~~إلى موضوع العظمة أو التعاظم الذي تناوله في قصائد سابقة، وإن كان الحب يجعله في هذه ~~المرة أعظم من عباس الأكبر شاه إيران المشهور (حكم من 1586-1608م)، كما تحل العمامة ~~الملفوفة بشال من الموصلين محل القلنسوة (راجع قصيدة خاطر حر، رقم 3، س4 من كتاب ~~المغني)، وتيجان القياصرة التي لا تختلف كثيرا عن العمامة (س9 وبعده). أما العمامة ~~التي تدلت من رأس الإسكندر (س5-8) فهي «الدياديم» أو غطاء الرأس الذي كان ملوك الفرس ~~يزينون به رءوسهم، وقد لبسه الإسكندر فيما يلبسه من ثيابهم الفخمة بعد فتحه لإيران. ~~(12) قليل ما أطلبه: لعلها أحلام يقظة تصور لخيال المحب نفائس الهدايا الشرقية التي ~~يتمنى أن يقدمها لها؛ الياقوت من بدخشان (على نهر سيجون)، والفيروز من بحر هرقانيا ~~(البحر الكاسبي أو بحر الخزر، وتجيء هذه التسمية القديمة من كلمة فاركانا الفارسية التي ~~تعني بلد الذئب)، والفواكه من بخارى فيما وراء النهر (تركستان)، ودواوين الشعر على ورق ~~الحرير من سمرقند عاصمة ممالك تيمور، بجانب الأقمشة من الهند بلد البراهمة، والماس من ~~سلمبور في البنغال، واللؤلؤ من ميناء هرمز على الخليج الفارسي، والتوابل والعطور من ~~البصرة، وكل هذه الروافد البديعة المتألقة تصب في النهاية في بحر الحب السعيد الذي يوحد ~~الأنا مع الأنت. ~~(13) هل كان من الممكن أن أتردد؟ تواصل موضوع الهدايا في القصيدة السابقة، مع التأكيد ~~على التعاظم أو الشعور بالعظمة والتفوق - الذي يتيحه الحب الصادق - حتى على القيصر ~~نفسه (من س7-12)! والكلام بطبيعة الحال على لسان حاتم دون تدخل من زليخا كما تصور أحد ~~الشراح وهو (أرنست بويلتر). لاحظ اللغة الحية المتوثبة التي تتراوح بين التساؤل والخطاب ~~المباشر، وراجع ما سبق ms216 قوله عن موضوع التعاظم الذي تحس به الأنا من خلال الأنت المحبة ~~وحدها (راجع الشروح السابقة على القصائد الأولى من كتاب الضيق). ~~(14) الصحائف المكتوبة بخط جميل: أهم ما في هذه القصيدة هي قوة الإبداع التي يحملها ~~الشاعر الكهل في صدره، كما كانت تلح عليه وتتفجر منه في أشعار شبابه. ويمكن القول إن ~~قصة كتاب زليخا هي قصة الإبداع الشعري المتجدد على هيئة عطاء متجدد أيضا في صور شرقية ~~متنوعة (س26 وما بعده). ويلاحظ أن حاتم هنا هو التاجر الذي يؤرقه البعد عن الحبيبة ~~ويدفعه الشوق إليها، وهو كذلك الشاعر الذي يهديها ما سبق أن أهدته هي إليه؛ لآلئ شعرية ~~ألقتها عواطفها المشبوبة على شاطئه الموحش. لاحظ كذلك ارتباط الإبداع بالحب المتبادل ~~كالكرة التي يتقاذفها الحبيبان (س16-20). والفرنجي والأرمني (س22-23) هم التجار ~~المسيحيون الذين يشاركهم حاتم في التجارة، وكانوا كما وصفهم أولياريوس في وصف رحلته إلى ~~بلاد فارس، هم أغنى التجار في إيران. أما قطرات المطر الإلهي (السطر قبل الأخير) ~~فسوف يذكرها الشاعر في كتاب الأمثال في قصيدته البديعة «تحدرت قطرة خائفة من السماء»، ~~وهي أولى قصائد الكتاب الأخير. ~~(15) حب بحب: هنا يتضح التبادل في الحب - الذي سبق أن ذكرناه - بأجلى صورة وبأسلوب ~~جديد؛ فإذا كان قد قدم من قبل في صور فنية (مثل ورقة شجرة الجينجو ولعبة الكرة ~~والقافية التي سيأتي ذكرها في قصيدة بهرمجور فيما يقال، رقم 33) فهو يقدم الآن ~~بطريقة لغوية ترتبط فيها كل كلمتين بحرف الباء، كما سنراه بعد ذلك في شكل حواري بين ~~زليخا وحاتم. والأبيات الأخيرة من هذه القصيدة تمهد لفكرة التفاني في الحب وإنكار ~~الذات. ~~(16) الشعب والخادم والحكام: المقصود بالشعب في الاستخدام اللغوي للكلمة في القرن ~~الثامن عشر هم العامة. أما كلمة الحكام فقد فضلناها على المعنى الظاهر للكلمة ~~الأصلية، ومعناها القاهرون أو الغالبون مثل تيمور ونابليون، أو الطغاة بالمفهوم ~~الإغريقي الذي يدل على الحاكم الفرد الذي لا يكون بالضرورة حاكما ظالما (نيرانوس). ~~ولا بد من القول بأن كلمة الشخصية تعبر عن اقتناع جوته ms217 العميق بوحدة الشخصية الحية ~~وحقها في الوجود والاستقلال الذاتي، وإيمانه بالتفرد شبيه بإيمان «ليبنتز» (1646-1716م) ~~ب «الموناد» أو الجوهر الروحي الفرد، من حبة الرمل وورقة الشجر إلى الخالق سبحانه الذي ~~سماه المونادة العظمى أو مونادة المونادات. واعتقاد جوته بالخلود بعد الموت قائم على ~~اقتناعه بأن الشخصية - التي قضت حياتها على الأرض في تثقيف نفسها واستيعاب كل ما يمكنها ~~من معرفة وتحقيق أقصى ممكناتها - يستحيل أن يسري عليها الفناء. وقد عبر عن هذا لصديقه ~~يوهانيس فالك ليلة تشييع جنازة الأديب فيلاند الذي كان يحبه ويقدره (في 25 من يناير ~~1813م). كما عبر عنه في كتابه «تاريخ نظرية الألوان»، حيث يقول في الفقرة التي يتحدث فيها ~~عن شخصية نيوتن: «إن كل كائن يشعر بوحدته تتجه إرادته إلى التمسك بحالته التي هو عليها، ~~وهذه هبة أبدية وضرورية من هبات الطبيعة. ومن هنا يمكن القول بأن كل كائن فرد يحافظ على ~~طبعه، حتى الدودة التي تنكمش على نفسها إذا داستها الأقدام. وبهذا المعنى يجوز لنا أن ~~ننسب طبعا للضعيف، بل للجبان؛ لأنه يتجلى عما يقدره سائر الناس فوق كل شيء؛ أي يتخلى ~~عن الشرف والمجد في سبيل المحافظة على شخصه، غير أن الحالة مع الحب تختلف عن هذا كل ~~الاختلاف؛ فالمحب - كالمتصوف - لا يجد ذاته إلا إذا فقدها، ولا يشعر بوحدة شخصيته حتى ~~يبذلها للمحلوب، ولن يحس بهذه المفارقة الجدلية إلا عاشق أو عابد أو متصوف.» ويلاحظ ~~أن القسم الثاني من القصيدة يؤكد هذا المعنى؛ فحاتم يرد على زليخا بقوله: «هذا جائز، ~~وهو كذلك رأي الناس، لكني أتبع أثرا آخر؛ إذ لا أجد نعيم الدنيا إلا في حب زليخا، إن ~~بذلت من أجلي النفس، كبرت نفسي في عيني، وإذا هجرت أو صدت، ضيعت النفس على ~~الفور.» ثم تستطرد المقطوعتان الأخيرتان فتؤكدان أن حاتم سيغير مصيره إذا أحس أنه «راحت ~~عليه». عندئذ سيتقمص روح العاشق الجميل الذي تغازله، وربما اختار أن تحل روحه في جسد ~~الفردوسي أو المتنبي بوجه خاص؛ لعلو إحساسهما بشخصيتهما الطموحة إلى ms218 المجد، أو إلى ~~المكافأة الجزيلة وصدامهما مع الشاه أو الخليفة أو الأمير الذي حرمه منها وسبب لهما ~~الإحباط والغضب. أما الفقيه في السطر الأول من المقطوعة الأخيرة فهو في الأصل ~~الرابي؛ أي المتفقه في الدين بوجه عام لا في الدين اليهودي وحده. ~~(17) كما يزدان بازار الصائغ بالجواهر: يدور الحوار في هذه المرة بين حاتم وبين بعض ~~الحسناوات اللاتي يحسدن زليخا لأنه يخصها بأغانيه، مع أنها قد لا تكون جميلة إلا في ~~عينيه، على نحو ما كان جميل يتصور أن بثينة العجوز التي تغضن وجهها وانحنى ظهرها لا ~~تزال تسحره بفتنتها. ويجاملهن حاتم مجاملة الفارس النبيل، فيثني على السمراء ويبدي ~~إعجابه بالشقراء، ولا يبخل بكلماته الرقيقة حتى على اللعوب الماكرة (وفي هذه الفقرة ~~الثامنة - كما يقول بورداخ الباحث المشهور وناشر أعمال جوته - تأثر جوته بشكسبير في ~~مسرحيتيه الشهيرتين روميو وجولييت، الفصل الخامس، المنظر الأول، 39، وهنري الخامس، ~~الفصل الثالث، المنظر الأول، 6)، ولكن حاتم ينتهي في الفقرة العاشرة بالقول إن ~~جمالهن ليس إلا العلامة التي تدل على حبيبته زليخا (راجع القصيدة رقم 11، البيتين 15-16 على لسان حاتم: انظري الآن كيف كانت زليخا منذورة لي منذ عهد بعيد. وكذلك آخر قصيدة ~~في كتاب زليخا (رقم 46) وهي في وسعك أن تتخفى في آلاف الأشكال). وتذكر الحسناوات أنهن ~~يقلن الشعر أيضا، فيجد حاتم الفرصة مناسبة للإشادة لأول مرة بشعر زليخا أو مريانة ~~(راجع القصيدة رقم 32 بدءا من الفقرة الثالثة، وكذلك القصيدة التالية لها بهرامجور ~~فيما يقال). عندئذ تقتنع الفتيات بأن زليخا ليست إلا صورة خيالية من اختلاق الشاعر، ~~ويتمنين في النهاية ألا تزاحمهن هذه الحورية الأرضية. ويرجح بعض الشراح (مثل فايتس، ~~ص320) أن تكون هذه القصيدة - التي كتبها جوته في مدينة ميننجن في العاشر من أكتوبر 1815م، ~~وهو في طريق عودته إلى فيمار بعد وداعه الأخير لمريانة - قد دونت تحت تأثير زيارته ~~في الثلاثين من شهر سبتمبر من نفس العام (1815م) لبعض الحسناوات، ومنهن الممثلة كارولينه ~~ياجمان التي كانت عشيقة أميره كارل أوجست، وتعرفه إلى ms219 شقيقتها وصاحباتها، وقد ألححن ~~عليه في الرسالة التي بعثن بها إليه في الخامس من شهر أكتوبر أن يزورهن مرة أخرى في ~~مدينة مانهايم ليتفرج على بعض عروضهن الفنية - كما ذكر صديقه سولبيس بواسريه في مذكراته ~~- ولكنه كان في حالة نفسية لا تسمح له بذلك العبث؛ الأمر الذي جعله يسرع بالسفر ومغادرة ~~هيدلبرج في السابع من الشهر نفسه. ~~(18) أيتها الغدائر: تعبر هذه القصيدة بالذات عن التجربة الأساسية في كتاب زليخا، ~~وهي تجربة الحب الجارف المشبوب التي كابدها كهل يقترب من الشيخوخة، وحاول أن يغطيها ~~بقناع الدعابة واللعب والسخرية، وأن يضعها في إطار شكلي وإيقاعي محكم رفيع (لاحظ ~~البداية المرحة ثم الصور الرائعة التي يستمدها الشاعر دائما من الطبيعة ببراعة فائقة). ~~ وقد لاحظ كثير من الشراح، متابعين في ذلك ريكرت (1822م) وسيمروك (1821م)، أن الفقرة ~~الثالثة خرجت على الإيقاع التروخي الخفيف، وأن القافية كانت تستلزم وضع اسم جوته # Goethe # بدلا من حاتم؛ لكي تتسق مع القافية في البيت ~~الأول منها وهي # Morgen röthe ~~؛ أي الفجر. والمهم أن ~~القصيدة تجمع بين حرارة الاعتراف والعاطفة واللعب والتنكر الذي جرى عليه الشاعر في معظم ~~قصائد الديوان. يلاحظ أخيرا أن البيتين الختاميين (23-24) يعبران عن روح الديوان ~~كله، لا عن روح الحب والحياة وحسب. ويذكر أن جوته قد رأى بنفسه بركان أتنا إبان ~~رحلته الإيطالية (في سنة 1787م). أما القمم في السطر العاشر فهي قمم الجبال المحيطة ~~بمدينة هيدلبرج التي كتب فيها هذه القصيدة أثناء إقامته بها (من 20 سبتمبر إلى 2 أكتوبر ~~سنة 1815م). ~~(19) لا تدعي فمك الياقوتي العذب: إعادة صياغة لأبيات شرقية أوردها دييز في كتابه ~~«ذكريات من آسيا» (ج2، ص236) عن الشاعر التركي السابق الذكر وهو كاتبي رومي، كما ذكرها ~~الدكتور بدوي (ص238) على هذه الصورة: «من العار، أيها الساقي، أن تقابل بين القمر ~~وياقوت الحبيب. أي غاية لآلام الحب غير البحث عن دواء؟!» والقصيدة التالية مستلهمة أيضا ~~من أصول شرقية: «لو كان ما بينك وبين الحبيبة بعد ما بين الشرق والغرب، فاجر ms220 أيها ~~القلب؛ لأنه عند المحبين بغداد ليست بعيدة» (الكتاب السابق الذكر لدييز، ج2، ص232، ~~وبدوي ص238). ~~(20) ألا ليت عالمكم المكسور: هنا أيضا استلهم جوته حافظا الشيرازي في ترجمة هامر ~~(ج1، ص184): «منذ الآن لم يبق شيء أعلمه في أمور الدنيا، فإن طلعتك زينت لعيون الدنيا» ~~(بدوي، ص239). ~~(21) من أين لي صفاء البال؟ يظهر في هذه القصيدة موضوع البعد والفراق الذي وجدناه ~~في القصيدة السابقة رقم 23: «إن قدر الدهر يوما، بالنأي عمن تحب.» بيد أن هذا ~~الموضوع ستسوده في القسم الثاني من هذا الكتاب نغمة مأسوية فاجعة (كما في قصيدة صدى ~~التالية رقم 37). ~~(22) عندما أتفكر فيك: في هذه القصيدة والقصيدة السابقة نجد الشاعر وحيدا، كما يظهر ~~الساقي لأول مرة. وهذا الأخير يحزنه أن تتسبب وحدة الشاعر في حرمانه من دروسه ومن حكمته ~~التي يبدو أنه (أي الشاعر) يريد أن يحتفظ بها لنفسه. لاحظ أن كلمة الساقي الفارسية ~~والعربية تستخدم هنا أحيانا كاسم علم. ~~(23) إلى الأغصان المتشابكة الكثيفة: ربما كان انفجار القشرة (س13) كناية عن تفجر ~~الإبداع الشعري من وجدان الشاعر، وكأن تساقط أغنياته في حجر الحبيبة (س15-16) رمز ~~لوجوده أو لحبه الذي جعله ممتلئا بالصور الشعرية، من هنا تشابكت الأغصان الكثيفة وكثرت ~~الثمار التي تحملها (س1-2)، ومن هنا أيضا يحاول الشاعر في القصيدة السابقة (رقم 29) أن ~~يبرر طول كتاب زليخا بالنسبة لسائر كتب الديوان. والجدير بالذكر أن هذه القصيدة كتبت ~~في اليوم الرابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1815م، وهو ثاني الأيام الثلاثة التي التقى ~~فيها بمريانة قبل أن يودعها الوداع الأخير ويرجع إلى فيمار. والأغصان المتشابكة ~~الكثيفة هي أغصان أشجار الكستناء في حديقة القلعة المشهورة في مدينة هيدلبرج. ~~(24) ما إن ألقاك من جديد: يستمع حاتم من زليخا إلى أغنيات حب جديدة، وهي أغنيات لم ~~ينظمها شاعر كلاسي من الشعراء الذين يعرفهم من الغرب والشرق، فهل صدرت عن شاعر آخر ~~أحبها وأهداها إليها؟ كلا؛ فهذه القصائد من نظم زليخا - مريانة - نفسها، كما سبق وأن ~~أخبرتنا قصيدة سابقة (القصيدة رقم 20، كما يزدان ms221 بازار الصائغ بالجواهر، س50-52)، وكما ~~سنعرف من قصائد أخرى نظمتها مريانة وضمها جوته - كما سبق القول - إلى الديوان (مثل ~~قصيدة رقم 35 - ما معنى هذه الحركة؟ والقصيدة رقم 38 - آه أيتها الريح الغربية، وهما ~~المعروفتان بقصيدتي الريح الشرقية والريح الغربية)، وقد كتبت في اليوم السابع من ~~أكتوبر الذي بدأ فيه الشاعر رحلة العودة والوداع الأخير. ~~(25) بهرامجور فيما يقال: تروي حكاية فارسية قديمة أن بهرامجور الملك الساساني ~~(المتوفى سنة 440م) خاطب حبيبته وجاريته ديلارام (أي راحة القلب) بكلمات متوهجة بلهيب ~~الحب، فردت عليه بكلمات من نفس الوزن والقافية؛ وبهذا نشأت أول أبيات مقفاة في الشعر ~~الفارسي. وقد استغل جوته هذه الحكاية البسيطة العميقة وجعلها رمزا للواحد والاثنين؛ ~~أي للحب الذي يجعل المحب واحدا واثنين في وقت واحد (كما يتجلى في القصيدة رقم 10، وهي ~~جنجوبيلوبا، س11-12، التي سبق الحديث عنها). وهذه القصيدة التي كتبت في الثالث من شهر ~~مايو سنة 1818م بالقرب من مدينة يينا تواصل الموضوع الذي طرقته القصيدة السابقة مباشرة، ~~وهو شاعرية زليخا - مريانة - وإن كانت ترتفع إلى مستوى رمزي، كما تكرر موضوع التبادل في ~~الحب، الذي عالجته قصائد عديدة سابقة في صور وتشبيهات مختلفة (كما في القصيدة رقم 10 ~~التي ذكرناها قبل قليل، والقصائد الحوارية بين زليخا وحاتم، والقصيدة رقم 17 حب بحب)، ~~وهذه القصيدة تتناوله من ناحية تبادل القوافي بين بهرامجور وحبيبته، وكذلك بين حاتم ~~وزليخا، بحيث تبقى الكلمة الشاعرية حتى ولو تلاشى النغم والصوت، وبحيث يتجلى فيها «الكل ~~السامي للحب» (س14، س16). ويبدو أن الشاعر قد شغله هذا الموضوع حتى أواخر حياته؛ إذ ~~نجده يعود إليه في حوار فاوست مع هيلينا (القسم الثاني من فاوست، الفصل الثالث، من ~~س9365) الذي تقول فيه هيلينا: «معجزات كثيرة أراها وأسمعها فتصيبني الدهشة، وأود أن ~~أسترسل في السؤال. ومع ذلك أحب أن أعرف؛ لماذا رن كلام الرجل في سمعي رنينا غريبا، ~~غريبا وودودا؟ فالنغمة تبدو وكأنها تأتلف مع النغمة، وما إن تصافح الكلمة الأذن، حتى ~~تأتي كلمة أخرى لتلاطفها في حب.» ms222 ويرد عليها فاوست قائلا: «إذا كانت قد أعجبتك طريقة ~~شعوبنا في الكلام، فيقينا سيسحرك غناؤهم، وسيرضى السمع والإحساس رضاء عميقا، لكن ~~أضمن وسيلة هي أن نجربه على الفور؛ فالحديث المتبادل يدعو إلى هذا ويهيب به.» وتسأله ~~هيلينا: «قل لي إذن. كيف يمكنني أن أتحدث بهذا الجمال؟» ويجيبها فاوست: «هذا أمر في ~~غاية البساطة، فلا بد أن يأتي الحديث من القلب، وعندما يفيض الصدر بالحنين، يتلفت ~~المرء حوله ويسأل.» وتقاطعه هيلينا قائلة: «عمن يشاركه في الاستمتاع.» ويستطرد ~~فاوست قائلا: «والآن لا تتطلع الروح إلى الأمام ولا تتلفت للوراء؛ فالحاضر وحده ...» ~~وتقول هيلينا: «هو سعادتنا.» وأخيرا يقول فاوست: «إنه (أي الحاضر) هو الكنز، والكسب ~~العظيم والملك والضمان، لكن من الذي يؤكد صدقه؟» وتمد هيلينا - أجمل الجميلات - يدها ~~وهي تقول: يدي! ~~(26) كانت سعادتي بنظرتك: يتجدد هنا موضوع الفراق الذي تتصاعد نغماته الحزينة في ~~قصائد تالية. والسطران السابع والثامن يكرران الفكرة التي نجدها كثيرا عند جوته، وهي ~~أن كل شيء، حتى ما يبهج القلب ويسره، تترتب عليه نتائج لا يمكن التنبؤ بها، كأنما قضي ~~على الإنسان أن يدفع الثمن الباهظ عن كل لحظة سعيدة مر بها، ويتحمل ذنب كل لذة تمتع ~~بها وظن أنه عاشها في غفلة من الدهر والبشر. وأحسب أن القارئ سيشعر هنا بعمق مأساة ~~اللحظة ومأساة الحب؛ أي بعمق مأساة وجود الإنسان بوجه عام. ~~(27) ما معنى هذه الحركة؟ هنا أيضا نسمع نغمة الفراق، ولكن على لسان زليخا، ومن ~~نظم مريانة نفسها، وهي نغمة غنائية رقيقة لا تخلو - مع الأسى الحنون والشوق الحميم ~~الذي يسري فيها - من الإيحاء ببارقة أمل في أن تتحقق وعود الريح الشرقية (أو ريح الصبا ~~التي طالما تغنى بها الشعراء العرب وحملوها رسائلهم للأحباب!) والقصيدة نظمتها مريانة ~~على طريق رحلتها من فرانكفورت إلى هيدلبرج؛ أي في اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر سنة ~~1815م (وهو التاريخ الذي أثبته جوته - كعادته - في النسخة التي كتبها بخط يده). وقد لمست ~~ريشة جوته بعض أبيات القصيدة (من 13 إلى 20) بتغيير طفيف، ربما ms223 كان الهدف منه هو تصعيد ~~حرارة العاطفة، ولكنه لم يرق لمريانة التي لم ترض عن تعديل «نظمها الجميل». وقد ~~كانت الأبيات التي غيرها جوته في الأصل على هذه الصورة: وعلى همسها الناعم أن يحمل ~~لي، تحية رقيقة من الحبيب، وقبل أن يلف الظلام هذه الروابي، سأجلس ساكنة عند قدميه. ~~ويمكنك أن تواصلي المسير، وتعيني الفرحين والمحزونين، وهناك، حيث تتوهج الأسوار ~~العالية، سأجد المحبوب العزيز (13-20). ولا شك أن القارئ يحس في القصيدة بروح جوته ~~وأنفاسه الشعرية ونغمه المتزن المشحون بالألم والحنين. ~~(28) صورة سامية: إذا كانت القصيدة السابقة قد بعثت نسمة أمل يمكن أن تلطف من عذاب ~~الفراق، فإن نغمة الحزن الفاجع لا تلبث أن تفاجئنا - كما نجد في موسيقى موتسارت ~~المتأخرة - في غمرة الانتشاء بالألحان العذبة المنسجمة، وهذا هو الذي نحسه من هذه ~~القصيدة التي كتبت في السابع من شهر نوفمبر 1815م؛ أي بعد الفراق الأخير لحبيبة القلب؛ ~~فالألم الذي يخبئه القدر أو الضرورة العمياء يتحول إلى صورة طبيعية رائعة. إن الشمس ~~المنتصرة (هليوس) تحب المطر، ولا تهتم إلا بزخاته المتوالية لكي تغمر كل قطرة ببريقها ~~الساطع، ولا يلبث قوس قزح البديع الألوان أن يتشكل، وتقبل عليه الشمس بحبها ~~وحنانها، فيتراجع مبتعدا عنها ومعه المطر، وذلك تحت تأثير أشعتها الساطعة. وتتشابك ~~الصورة الطبيعية مع صورة إله الشمس (هليوس) وإلهة الغيوم وقوس قزح (إيريس)، ويتحول ~~الصراع الفاجع بينهما إلى موقف مأسوي لا حيلة لأحد الطرفين فيه، فكل خطوة تقربنا من ~~السعادة تحمل معها ألما أفدح، وكل ما بذله هليوس ليشرق وجه حبيبته إيريس قد جعل لقاءه ~~معها مستحيلا. وفي النهاية يرجع الشاعر - وكثيرا ما كان يشبه نفسه بالشمس! - إلى ~~الأنا بكل ما فيها من مرارة وخيبة أمل، ولا نسمع كلمة واحدة عن الظروف أو الأسباب التي ~~فرقت بين الحبيبين؛ إذ يكفي أن القدر قد اتخذ قراره القاسي، وأن هذا القرار لم ينج منه ~~إنسان. هل نقول إن الصورة الطبيعية تكشف رغم كثافتها الشديدة عن شخصية الشاعر وشخصية ~~حبيبته اللتين مثلهما بالإلهين ms224 الأسطوريين؟ أم نقول إن المقطوعة الأخيرة لم يكن لها ~~داع لأنها أشبه بالشرح الزائد للمعنى الدال أو السر المكشوف؟ لكن هذا سيكون على حساب ~~الصورة الرائعة المستقلة بذاتها، وسيكون لونا من التحليل أو التشريح الجارح لكيان حي ~~باسم النقد أو التفسير. وقد قال جوته في كتابه عن «نظرية الألوان» في القسم التاريخي ~~تحت عنوان «تاريخ الزمن الأقدم»: إن الإغريق حولوا قوس قزح إلى فتاة محبوبة، وجعلوها ~~ابنة تاوماس (أي الدهشة في اليونانية). ~~(29) صدى: لعلها أن تكون صدى أو ترجيعا لصوت القصيدة السابقة والقصائد التي قبلها، ~~والتي ورد فيها التشبيه بالشمس (كما في القصيدة السابقة مباشرة وهي صورة سامية) ~~وبالقيصر (القصيدة رقم 13 تعال أيها الحبيب تعال، والقصيدة رقم 14 قليل ما أطلبه، ~~والقصيدة رقم 51 هل كان من الممكن أن أتردد؟). # وتبدأ القصيدة بداية بسيطة أقرب إلى الحياد والبعد عن الانفعال، وفجأة نهبط معها إلى ~~طبقة أعمق ونغمة أبطأ (س3-4) تذكرنا بقصيدة عزاء سيئ (رقم 9 من كتاب العشق). ويستدعي ~~الوجه الحزين المتسلل في الليالي المعتمة صورا أخرى أكثر حزنا - كسيور السحب ودموع ~~القلب الكابية (س5-7) - وأشبه ببقع لونية غامقة على لوحة القلب المعبرة عن شيخوخة الحزن ~~في ضمير الشاعر الشيخ. وبعد أن يظهر صوت الأنا (س7) نجده ينفجر على حين فجأة من البيت ~~التاسع بما يشبه الاستغاثة بالأنت المحبوب، بعد أن غاصت الأنا في قرار الألم الوحيد ~~المظلم ولم يبق أمامها إلا أن تستنجد بشمعة حياتها وشمسها ونورها المفتقد (وربما كان ~~هذا التفجر المفاجئ هو الذي فرض علي نظم المقطوعة الأخيرة شعرا ممزقا كالصوت الصارخ ~~فيها!) لاحظ أيضا تكرار الصور التي تعبر عن النور، ومن الواضح أن تشبيه الحبيب بوجه ~~القمر تشبيه شائع في الشعر الفارسي والعربي والشرقي عموما، كما أن النور الذي يغمر ~~الأبيات الثلاثة الأخيرة يتحول إلى استعارة حية في مواجهة الليل وصوره المتعددة في ~~المقطوعتين السابقتين. وللنور - كما يعلم كل من قرأ لجوته أو حاول دخول عالمه - دلالة ~~عظيمة عنده، وأهمية لا تعدلها أهمية في كل ms225 إنتاجه الشعري والعلمي والفكري، وفيه انعكاس ~~لتأثره بأفلاطون وأفلوطين والتصوف الغربي والشرقي، بقدر تعبيره عن الصورة المحسوسة التي ~~تعكس الألوهية الفعالة في كل شيء. ولعل تنوع الأصوات والصور والأحوال الوجدانية في هذه ~~القصيدة أن يكون كذلك خير تعبير عن استعارة النور وأطيافه المتعددة التي تتخلل قصائد ~~الديوان كله لا هذه القصيدة وحدها. وربما لا يكون من قبيل التزيد أن أقول إن آخر كلمات ~~الشاعر مع آخر نفس خرج من صدره (وكان ساعتها يجلس في مواجهة النافذة في حجرة مكتبه) ~~هي: مزيدا من النور ... (راجع كذلك ما قاله العقاد - رحمه الله - عن النور في كتيبه ~~الرائع في بيتي). ~~(30) آه أيتها الريح الغربية: هذه القصيدة أيضا - شأنها شأن القصيدة رقم 35 عن الريح ~~الشرقية - من نظم مريانة، وكأنما هي صوت مضاد يقابلها كما يقابل قصيدتين أخريين على ~~لسان حاتم، وهما: صورة سامية (رقم 36) وصدى (رقم 37) اللتين تحدثنا عنهما قبل قليل. ~~وإذا جاز لنا القول بأن القصيدتين الأوليين للريح الغربية والريح الشرقية تمثلان القطب ~~الأنثوي أو السلبي الذي يتسم بالرقة والحنان والاستعداد للبذل والتضحية، وأن القصيدتين ~~على لسان حاتم تمثلان القطب الإيجابي أو الرجولي، فلا بد من القول إن كلتيهما تعبران ~~عن مبدأ الاستقطاب الأساسي عند جوته، والذي تقوم عليه الطبيعة والحياة والحب والفن في ~~كل تجلياتها الدينية والكونية والعاطفية (وتجد أوضح تعبير عنه في القصيدة رقم 4 وهي ~~قصيدة تمائم من كتاب المغني: «في التنفس نعمتان»، التي تؤكد هذا المبدأ في صورة البسط ~~والقبض أو الزفير والشهيق). وإذا كان كلا القطبين يعبر عن نفس الشعور بالحزن واليأس ~~والحرمان، فما أشد اختلاف النغمة من شفتي زليخا عنها من فم حاتم. ويذكر أن مريانة ~~كتبت هذه القصيدة في اليوم السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1815م وهي على طريق العودة ~~من هيدلبرج إلى بيتها (الجربرميلة) بالقرب من مدينة فرانكفورت، وأغلب الظن أنها كتبتها ~~بعد اليوم التاسع من شهر أكتوبر عندما بلغها أن جوته رجع إلى فيمار عن طريق مدينة ~~فيرتسبورج؛ أي عندما أحست أن ms226 لقاءهما الأخير قد أطلق في سمعها رنين أجراس الفراق الأخير. ~~(31) لقاء من جديد: بعد المقطوعة الأولى، التي تفيض بلوعة المغترب النائي عن حبيبه، ~~وشوقه وحنينه لأن يضمه إلى قلبه من جديد، وارتجافه وخوفه من الحاضر الذي لا يعرف ماذا ~~يدخره للمستقبل، نجد القصيدة تقفز قفزة مفاجئة في أبعاد كونية مهولة، أو هكذا يبدو لنا ~~الأمر للوهلة الأولى؛ فها هو ذا العالم كما كان في أصل نشأته، راقد في أعمق أعماقه ~~كالهاوية اللانهائية «على الصدر الأبدي لله». كان عماء موحشا مختلطا، وكل شيء فيه ~~وحيد منفرد (س22-24)؛ لهذا خلق سبحانه - بسر كن! - قوة قادرة على ربط كل شيء بكل شيء ~~برباط الحب والاتصال بعد التفرق والانفصال (س31-32) وتجلت هذه القوة في صورة الألوان؛ ~~فالنور - كما تقول نظرية الألوان عند جوته - يتحول إلى لون عن طريق وسط عكر أو معتم، ~~والله جلت قدرته هو النور، والمادة هي الظلام، لكن المادة تتخفف شيئا فشيئا من ثقله ~~وترتفع إلى مستوى روحاني لطيف، ويسقط عليها الضوء ويتخللها، فينشأ منظور الألوان وفي ~~وسطه اللون الأحمر (س27)، حتى الأصوات والأنغام تتحد وتنتظم وتتجانس بعضها مع بعض (س24، ~~30)، ويتحد الله والعالم كما تتحد كل الأشياء، وتتجاذب الأقطاب المتضادة فيحب ويتآلف من ~~جديد كل ما تفرق بعضه عن بعض (س31-32)، ويجد في هذا التلاقي سعادته وغاية سعيه ومناه؛ ~~لأن الوحدة الكلية هي جوهر الطبيعة الإلهية وماهيتها، وكل اتحاد يتم في الكون هو رمز ~~دال عليها وشوق للاتحاد بها. ولقد عرف الكون أو الكل في البداية الأولى تلك «الآهة ~~الأليمة» (س14)؛ آهة افتراق كل شيء جزئي وانفصاله عن كل شيء، ثم عرف «الحياة غير ~~المحدودة» (س36) حين اتحد مع غيره في اتحاد مبارك وسعيد. والأمر كذلك مع الأنا والأنت ~~حين يفترقان وحين يتحدان؛ ولهذا كان مثلين نموذجين للعذاب والفرح (س45-46). وعندما نصل ~~إلى المقطوعة الأخيرة نكتشف أننا رجعنا أو رجعت هي بنا إلى المقطوعة الأولى، وأن ~~التجربة الإنسانية والشخصية لا تنفصل عن التجربة الكونية التي تتصل بها أوثق اتصال ~~وأعمقه. ms227 وليس هذا بالأمر الغريب على شاعرنا الذي نظر دائما إلى «الأنا» في سياق كوني، ~~ولم يغص مرة إلى عمق «الأنا» إلا وغاص في نفس الوقت في عمق الكل والكون. وإذا كان ~~الله سبحانه - وهو الكل أو الوحدة الكلية السامية - قد خلق العالم ليكون بمثابة ~~«الموضوع، أمامه»، أو المرآة التي ينعكس على صفحتها جماله وجلاله (كما يقول الحديث القدسي ~~الشريف المعروف، ويقول كثير من الصوفية وعلى رأسهم ابن عربي)؛ فإن العالم مشروط ومحدود، ~~وهو لهذا مكون من أضداد أو ثنائيات أو أقطاب متقابلة؛ نور وظلام، نهار وليل، ذكر ~~وأنثى، حياة وموت، مادة وعقل، سعادة وتعاسة، وفرح وألم (س14). ومن ثم لم تكن ~~النقلة من المقطوعة «الذاتية» الأولى في القصيدة إلى المقطوعات الأخرى حتى المقطوعة ~~الختامية، لم تكن نقلة مفاجئة كما تصورنا الأمر في البداية؛ بهذا ترجع النهاية إلى ~~البداية - كما نرى ذلك كثيرا عن جوته - وتجد تجربة «الأنا» - كما قلت قبل قليل - مكانها ~~داخل السياق الكوني الكلي. وإذا كانت الأنا المحبة تنجذب «بأجنحة فجرية» (س41) إلى ثغر ~~«الأنت»، فليس ذلك إلا سعيا إلى الوحدة والاتحاد؛ أي سعيا إلى الاتحاد الأسمى بجوهر ~~الألوهية الخالدة، وتجاوز لحدود الفردية عن طريق الحب (أو عن طريق الموت الذي اقترن ~~دائما بالحب!) وكأن وحدة المحبين اللذين فصل بينهما الفراق ليست إلا عودة للاتحاد ~~بمعنييه: الجزئي والكلي الأخير معا؛ أي إلى الاتحاد الذي لا يكون بعده افتراق ~~(س47-48). إن عنوان القصيدة الذي يوحي بلقاء الحبيبين بعد الغيبة والفراق، يكشف في ~~الواقع عن أكثر من ذلك بكثير؛ فكل لقاء جديد في حقيقته اتحاد بين الأقطاب المتباعدة في ~~العالم، وكل لقاء جديد بين حبيبين صادقين؛ أي حبيبين خلقا لبعضهما واختار كل منهما ~~الآخر اختيارا حرا من كل الضرورات التي تفرضها التقاليد والمصالح والأطماع ~~والمنافع؛ هو في حقيقته لقاء كوني أصيل؛ لأنهما قد كانا - كما كان كل موجود سواهما - في ~~أصل النشأة متحدين على الصدر الأبدي للإله (س10). وهكذا يعود الموضوع المحبب إلى نفس ~~جوته من جديد، وقد اتخذ في ms228 هذه المرة بعدا كونيا هائلا غير محدود. إنه الموضوع ~~الذي تناوله بصورة رمزية في ورقة شجرة «الجنجوبيلوبا» (القصيدة رقم 10 في هذا الكتاب)، ~~وهو موضوع «الواحد والاثنان»، كما عبر عنه في صور مختلفة تؤكد أن زليخا خلقت لحاتم ~~كما خلق حاتم لزليخا (وكل حبيب لحبيبه!) من وقت طويل. ولعل هذا العمق الكوني والزمني ~~هو الذي يقرب القصيدة منا ويقربنا منها، كما يدنو بنا من منطقة الكمال والجلال التي ~~نشعر حيالها بالرهبة والرجفة التي تهزنا منذ بدايتها (س8)، ولعلها أيضا تذكرنا بأساطير ~~الوحدة الأولى قبل الانفصال مع التجسد والهبوط إلى العالم عند أفلاطون (الجمهورية ~~وفايدروس)، كما تذكرنا بالصدور أو الفيض عند أفلوطين والأفلاطونية المحدثة وعند بعض ~~فلاسفة المسيحية والإسلام. فهل يفسر الحب الأسطورة؟ أم تفسر الأسطورة الحب؟! مهما يكن ~~الأمر، فإن القصيدة تستمد العمق والشمول والجلال من الحب والدين والطبيعة التي اتحدت في ~~رؤية جوته وحدة لا تنفصم عراها؛ ولهذا لا نعجب لقول بعض الشراح إن هذه القصيدة تمثل ~~الذروة بالنسبة لبقية قصائد كتاب زليخا، كما تتصل اتصالا حميما بالذروة الأخرى ~~لكتاب المغني، وهي قصيدة «حنين مبارك» آخر قصائد هذا الكتاب؛ فكلتا القصيدتين تضع ~~«الأنا» داخل سياق الكون الذي تتغلغل فيه الروح الإلهية، كما تؤكد وحدة الطريقين أو ~~اتحادهما - طريق الحب وطريق الدين - وذلك في نغم تتردد فيه معاني الجلال والكمال ~~والجدية التي لا نكاد نجدها في سائر قصائد الديوان التي تراوح دائما بين الجد ~~والدعابة، والوجه والقناع، والحكمة والسخرية، والعذوبة واللعب اللغوي والصوتي. وقد ~~كتبت القصيدة في اليوم الرابع والعشرين من شهر سبتمبر 1815م في مدينة هيدلبرج؛ أي في ~~غمرة السعادة بلقائه لمريانة. ~~(32) ليلة البدر: كانت هذه القصيدة هي الرد الذي أرسله جوته (وهي مؤرخة بخط يده في 24 ~~من أكتوبر 1815م) على الرسالة الرمزية أو السرية التي بعثتها إليه مريانة في الثامن عشر ~~من الشهر نفسه بطريقة الشفرة التي اتفقا على التراسل بها، وهي ذكر رقم القصيدة والصفحة ~~من ديوان حافظ في ترجمة همر، كما نعلم ذلك من التعليقات ms229 والأبحاث الملحقة بالديوان. ~~وقد أنهت مريانة رسالتها ببيت من شعر حافظ يقول فيه: «أريد أن أقبل، هذا ما أقوله» ~~(ص433 من الترجمة المذكورة). # والحوار يدور في القصيدة بين السيدة وخادمتها، ونحس من أول فقرة أنه في ليلة صيف ~~تغمرها أضواء البدر وتسري فيها همسات الرغبة والشوق، وكأن كل شيء حسي أو واقعي قد فقد ~~كثافته وحدوده ومعالمه وتحول إلى روح ترف رفيف الفراشة غير المنظورة ملتهبة بالحنين، ~~أو كأن أبيات حافظ مجرد ذريعة لإطلاق عالم من الصور والألوان والأنغام التي كان يختزنها ~~الشاعر في صدره وينتظر شيئا يثيرها في هذه اللغة الشفافة. ويلاحظ الناقد ماكس كوميريل ~~(في كتابه أفكار عن جوته، ص276-279) أن زليخا هنا ليست هي نفسها صاحبة قصيدتي الريح ~~الشرقية والريح الغربية؛ فهي تكاد تذوب في حرارة عواطفها، وليس لها حضور إلا كحضور ~~المسحور أو المأخوذ في دائرة الأسر المطبقة عليه بسعادة اللحظة التي يحياها ولا يحيا ~~سواها. والدليل على هذا أنها لا تفعل شيئا غير تكرار العلامة أو الشفرة: «أريد أن ~~أقبل أن أقبل! قلت لك هذا.» ~~(33) كتابة سرية: تذكر القصيدة - التي تشبه أن تكون أغنية فرحة! - موضوع الرسائل ~~السرية التي سبقت الإشارة إليها في التعليق السابق، هذه الرسائل التي كانت بالنسبة إليه ~~«باقة زهور ملونة» قطفت من بين آلاف الزهور في ديوان حافظ أو في بستانه الشعري، وهي ~~تصرح بالفرح بتلك الرسائل وبالشكر والامتنان للشاعر الفارسي الذي استمدت شفرتها منه. ~~أما أن الكتابة سرية مزدوجة (س25) فلأن الحبيبين يلجآن إليها، وينعكس قلبهما على مرآة ~~حافظ، وأما أنها تعبر عن طموح مطلق، فلأنها - فيما أقدر - ترتفع بالحب البشري إلى ~~أبعاد أوسع وأشمل؛ دينية وكونية ورمزية، كما سبق القول في شرح القصيدة رقم 39 «لقاء من ~~جديد». وقد كتبت القصيدة في 21 / 9 / 1815م؛ أي قبل القصيدة السابقة (رقم 39 «لقاء من ~~جديد») بثلاثة أيام، وفي لحظة الحب الممتدة التي اتفقا فيها على «شفرة» رسائلهما المقبلة ~~تحاشيا لعيون الحساد والمتطفلين. ~~(34) انعكاس: اللغة خفيفة صافية، لكن القصيدة كلها أشبه ms230 باللغز. وفي البيتين 3-4 ~~إحالة ضمنية إلى القصيدة رقم 12 من هذا الكتاب، وهي قصيدة «طلعت الشمس، يا له من منظر ~~بديع» التي يشبه فيها حاتم بالشمس، وزليخا بالهلال، والوسام التركي الذي يجمعهما - أي ~~الشمس والهلال - باتحاد العاشقين. أما عن بيت الأرمل الذي يذكره جوته، فلا يمكن أن ~~يؤخذ مأخذا حرفيا واقعيا، بل رمزيا؛ لأن كرستيانة زوجة جوته توفيت في السادس ~~من شهر يونيو سنة 1816م؛ أي بعد تاريخ كتابة القصيدة (في 26 / 10 / 1815م) بثمانية شعور. ~~ولعل الأصح، كما يقول بورداخ، أن يفهم بيت الأرمل كما تفهم المرآة بمعنى شعري؛ إذ خلا ~~بيت الشاعر في فيمار من حبيبته التي تزوجته زواجا شعريا فأنجبت له قصائد الديوان، ~~ولكن ما معنى المرآة؟ إن النظرة السريعة إلى المقطوعة الثانية (س15) توحي بأنها - أي ~~المرآة - هي نفسها قصائد كتاب زليخا وأغنياته التي كانت مريانة هي منبع إلهامها، وهذا ~~هو رأي بعض الشراح مثل بورداخ وبويتلر، ولكن القصيدة إذا فسرناها هذا التفسير تصبح ~~واضحة بلا لغز؛ ولهذا يرجح بيرتس، ومعه أريش ترونس ناشر الديوان الشرقي وشارحه في طبعة ~~هامبورج، أن الأغاني التي ينظر فيها الشاعر (س15) فتظهر له حبيبته فيها، إما أن تكون ~~هي أغاني حافظ - التي تعتمد عليها الرسائل السرية بينهما كما سبق القول - أو أغاني ~~مريانة نفسها (مع العلم بأن القصيدة التالية رقم 43 من نظمها وأنها هي الرد على قصيدتنا ~~الحالية) أو هي الرسائل نفسها التي يتبادلانها. يدل على هذا سياق القصيدة السابقة (وهي ~~كتابة سرية) التي تتصل بها اتصالا مباشرا، وكذلك عنوان القصيدة نفسها التي يفهم منها ~~أنها تعكس مشاعرهما المتبادلة، وأن الشاعر يجد نفسه وحبيبته في مرآتها. ~~(35) بأي ارتياح عميق: القصيدة - كما سبق القول في الشرح السابق - من نظم مريانة، وهي ~~رد على قصيدة انعكاس، ويرجح أن تكون مستوحاة بصورة مباشرة من أبيات قرأتها في ترجمة ~~همر لديوان حافظ (ج1، ص141) وشرحها المترجم بقوله: «أريد أن أرسل قلبي إليك؛ لكي تستطيع ~~أن ترى نفسك فيه كما تراها في مرآة.» ms231 وقد كتبتها مريانة في 23 من ديسمبر سنة ~~1815م. ~~(36) دع مرآة العالم للإسكندر: أصبح الإسكندر في العصور الوسطى، سواء في الشرق أو في ~~الغرب، شخصية أسطورية تروى عنها حكايات أقرب إلى الخرافات، ومنها أنه كانت لديه مرآة ~~يستطيع أن يرى فيها أشياء تفصله عنها مسافات شاسعة، وأن يشاهد على سطحها أعداءه ويعرف ~~ما يدبرونه له. وقد عرف جوته ومريانة هذه الخرافات من قراءتهما لترجمة ديوان حافظ (ج1، ~~ص9، وص111) وتعليقات المترجم عليه. والقصيدة على لسان زليخا، وهي توحي بأن الإنسان لا ~~يمكنه أن يحس بعظمة العالم واتساعه إلا في تجربة الحب بما تنطوي عليه من تحدد ومن تجاوز ~~لكل الحدود في نفس الوقت. بهذا ترجع بنا إلى أحد الموضوعات التي بدأ بها كتاب زليخا، ~~وهو ضرورة العزوف عن العالم اليومي بتفاهاته لكي نجد العالم الحق (راجع قصيدة دعوة، س5، ~~6، وهي أولى قصائد هذا الكتاب). وقد نشرت القصيدة لأول مرة في عام 1827م مع الطبعة ~~الكاملة لأعمال جوته التي أشرف عليها بنفسه. ~~(37) في وسعك أن تتخفى في آلاف الأشكال: تأتي هذه القصيدة - التي حاولت أن أحافظ فيها ~~على نوع من الإيقاع الذي يخل أحيانا بموازين الخليل بن أحمد! ختاما لكتاب زليخا، ~~وكأنها الحركة الأخيرة المندفعة في سرعة وتدفق لسيمفونية الحب الذي تابعنا رفرفته بين ~~الأرض والسماء، وعايشنا صوره الفنية الحية التي استمدها من الطبيعة التي يعدها الشاعر ~~العاشق طريقه إلى الله. وهذه القصيدة - التي يمكن أن نصفها بأنها غزلية مدورة تكرر ~~كلمات بعينها، مثل الكل وعلى الفور، كما يكرر المسلم التقي تسابيحه! - تشبه أن تكون ~~مسبحة يردد عليها الشاعر الغربي أسماء الحبيب، فتنساب ضراعاته السابحة بين السماء ~~والأرض في نغم مسترسل ودافئ وعميق، وتنهمر صور التبتل وتشبيهاته التي تسبح بحمد ~~المعبود الحاضر في كل شيء، اللطيف بكل موجود، والمتجلي في كل مظاهر الطبيعة، أشبه ~~باللحن المنسكب في تنويعات مختلفة. والقصيدة تسير في خط لولبي يبدأ من المنبع الإلهي ~~ليعود إليه، وكأن المحبوبة صارت هي الطبيعة، أو كأن الطبيعة أصبحت هي المحبوبة ms232 والأنثى ~~الخالدة (التي تغنى بها في ختام قصيده الأكبر فاوست). راجع كذلك قصيدة «تمائم» من ~~كتاب المغني، الفقرة الخاصة بجلال الدين الرومي في التعليقات والأبحاث الملحقة بالديوان ~~(في ترجمة بدوي). # | كتاب الساقي # عرف جوته بكتاب الساقي (ساقي نامه) في إعلانه عن الديوان الشرقي في صحيفة الصباح ~~لعام 1816م بقوله: «يدب الخلاف بين الشاعر وبين صاحب الحان المعتاد، فيختار صبيا ~~جميلا يزيد من متعة الشراب بخدمته اللطيفة. وسوف يكون الفتى تلميذه وموضع ثقته، ~~وسيفضي إليه بآرائه السامية، والميل المهذب النبيل المتبادل بينهما سيشيع الحياة في ~~الكتاب.» # ثم قدم الشاعر الكتاب بشكل أكثر تفصيلا في «التعليقات والأبحاث»، وحاول أن يلقي ~~الضوء على علاقته بذلك الصبي التي تختلف عن المأثور لدينا عن الغلمان وتعلق بعض الشعراء ~~الفرس والعرب بهم، اختلاف علاقة المعلم والمربي بتلميذه عن تدله العاشق بمعشوقه: «لم ~~يكن من الجائز أن يخلو الديوان من الميل المفرط إلى الخمر التي تكاد أن تكون محرمة، ولا ~~من الشعور الرقيق بجمال غلام، لكن هذا الموضوع الأخير كان من الواجب أن يعالج، وفق ~~تقاليدنا وأخلاقنا، بطهارة تامة. إن الميل المتبادل بين الشباب والشيخوخة يدل في الواقع ~~على علاقة تربوية أصيلة، والتعلق الشديد من الطفل بالعجوز ليس على الإطلاق حادثا ~~نادرا وإن كان ظاهرة يندر الإفادة منها، وليتأمل المرء هنا علاقة الحفيد بالجد، وكذلك ~~العلاقة بين الوارث الذي جاء متأخرا وبين الأب الحنون الذي فوجئ بولادته؛ ففي مثل هذه ~~العلاقة تتاح الفرصة لنمو ذكاء الأطفال؛ إذ يتنبهون لمعاني الكرامة والخبرة وسلطة ~~الكبار، وتستشعر النفوس الطاهرة في ذلك الحاجة إلى العطف المفعم بالاحترام والتوقير، ~~وتتأثر به الشيخوخة وتحس بالثقة والاطمئنان. وإذا استشعر الشباب تفوقه واستغله في ~~التوصل لأهدافه الصبيانية وإرضاء حاجاته الطفولية، فإن رقة «الشباب» وجماله يجعلنا ~~نتسامح مع مكره المبكر، لكن أكثر ما يؤثر فينا ويلمس قلوبنا هو ذلك الشعور المتنامي لدى ~~الصبي، الذي أثرت عليه روح الشيخ العالية، وإحساسه في دخيلة نفسه بالدهشة التي تجعله ~~يستشعر أن شيئا مشابها يمكن (مع الزمن) أن ينمو في ms233 داخله. ونحن نحاول أن نشير إلى هذه ~~العلاقات الجميلة في «كتاب الساقي»، وأن نشرحها هنا شرحا أكثر تفصيلا. وقد خلف لنا ~~سعدي الشيرازي بعض الأمثلة اللطيفة، التي لا شك في أنها معروفة للجميع وتهيئ لنا الفهم ~~الكامل لهذه الأمور» (بتصرف عن بدوي، ص267، ص460-461، وكذلك طبعة هامبورج، ص269، ~~ص202-205). ثم يورد جوته حكايتين مؤثرتين من جلستان سعدي الشيرازي ترويان قصة هذا ~~الشاعر العظيم مع غلامين فتنا قلبه، وخلف الموت المبكر لأحدهما الحسرة الفاجعة في قلبه ~~(وقد ذكرهما أستاذنا بدوي عن الترجمة العربية البديعة التي قام بها الخواجة جبرائيل بن ~~يوسف الشهير بالمخلع لجلستان سعدي، من ص111-ص112، القاهرة، طبعة بولاق، ~~سنة 1263ه/1847م). # ويلاحظ أن جوته قد وضع عنوان هذا الكتاب متأثرا بحافظ الشيرازي الذي وضع نفس ~~العنوان لأحد الكتب التي يتألف منها ديوانه. والواقع أن تأثر الشاعر الغربي ب «توءم روحه ~~الشرقي»، والعلاقة الصافية الحميمة التي تربط الغرب بالشرق، كما صورها جوته في ديوانه ~~كله، تبلغ ذروتها في هذا الكتاب، غير أن مدخل الشاعر الغربي إلى الموضوعات والمعاني ~~التي يطرقها الشعراء الشرقيون في مثل هذا الكتاب مدخل مختلف؛ فالعلاقة الروحية بين ~~الشاعر الشيخ والساقي تختلف - كما رأينا من كلامه هو نفسه - أشد الاختلاف عن علاقة ~~الشاعر الفارسي أو العربي بالغلام الذي يروي ظمأه إلى الشراب. والخمر تبدو هنا روحية، ~~وأكاد أقول ملائكية، وليست هي الخمر المسكرة التي ينتشي بها البشر؛ لأن نشوة الشاعر ~~نشوة روحية خالصة. ولعل كلام مؤرخ الفن «فنكلمان» الذي تأثر به جوته في شبابه، وأخذ منه ~~مفهومه عن بساطة الفن الكلاسيكي وعظمته، لعل كلام ذلك المؤرخ السيئ الحظ (إذ مات ~~مقتولا على يد لص آثار غادر سرق منه بعض التحف القديمة) عن الصداقة قد استدعته إلى ~~وعيه قصائد هذا الكتاب (راجع عن فنكلمان مقال كاتب هذه السطور «الألم الجميل» في كتابه ~~البلد البعيد، القاهرة، 1967م)، فراح يتأمل وجه الصبي الساحر في تأمله في حافة الكأس التي ~~يشربها ويشرب معها ذكريات حبه القصير العمر. ~~(1) نعم في الحانة # القصيدة تمثل ms234 الانتقال من كتاب زليخا والتمهيد لهذا الكتاب. ويذكر أن جوته قد ~~ضمن السطرين 10-11 الرسالة التي بعث بها إلى روزيته فون شتيدل (وهي الابنة ~~الكبرى لفليمر زوج مريانة) في السابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1815م؛ مما يدل على ~~أن القصيدة قد كتبت في نفس الفترة أو قبلها بقليل؛ أي بعد توديعه لحبه وحبيبة قلبه ~~مريانة. ~~(2) لقد وصل الحال # لم تعرف حتى الآن هوية هذا اللص (عن بدوي، ص268). ~~(3) هل القرآن قديم؟ # ربما يكون جوته قد قرأ شيئا عن مشكلة خلق القرآن المشهورة في عهد المأمون في أحد ~~المصادر الكثيرة التي رجع إليها عن الإسلام، وإن لم أجد أثرا لهذا المصدر في طبعات ~~الديوان التي تحت يدي، والمهم أن الشاعر يقر بالاحترام الواجب على كل مسلم للقرآن ~~الكريم، ولكنه لا يحرم نفسه - شأنه في ذلك شأن كثير من شعراء الفرس والعرب الذين ~~يهيمون في كل واد - من تذوق الخمر ونشوتها، وهو مصداق ما ذكرنا قبل قليل من أن ~~الخمر في هذا الكتاب خمر روحية قبل كل شيء، وربما أوحت للشاعر كما أوحت للصوفية ~~المسلمين بمعاني الحب الإلهي بجانب الحب البشري والأرضي الذي لا يمكن أن يكون ~~الشاعر «الدنيوي» قد غفل عنه. # وفي بعض أبيات القصيدتين التاليتين تأثر بما قرأه الشاعر في ترجمة دييز لكتاب ~~قابوس، ص419، 444 (عن بدوي، ص270). ~~(4) ما الذي يجعلك فظا سمجا في أكثر الأحيان؟ # من الواضح أن موضوع القصيدة قديم ومعروف في التراث الشرقي والغربي (سواء ~~الأفلاطوني - راجع محاورة فيدون على وجه الخصوص - أو المسيحي)، وهو أن النفس أو ~~الروح سجينة البدن، وقد كانت حرة قبل دخولها فيه، وستكون حرة بعد خروجها منه. وقد ~~تكرر الموضوع في قصائد أخرى في الديوان بصورة عابرة وبلهجة صافية مفعمة باللعب ~~والعبث (كما ترى مثلا في قصيدة شدو البلبل في الليل، وهي القصيدة الثانية من كتاب ~~الأمثال الذي سيأتي بعد هذا الكتاب) غير أنه يتخذ صورة باقية وتشكيلا فنيا ~~رائعا ومعاني روحية عميقة في «درة عقد الديوان» - كما أحب أن ms235 أسميها! - وهي قصيدة ~~حنين مبارك من كتاب المغني (القصيدة رقم 17). ~~(5) الشاعر يقول للنادل ~~«الألفر» بمعناه الحرفي هو الحادي عشر، وقد احتفظت بالكلمة الأصلية التي أطلقت ~~على محصول الكروم في وادي نهر الراين عام 1811م. والمعروف أن جوته كان يفضل شرب هذا ~~النوع من النبيذ (وهو الألفر) على غيره من الأنواع، وذلك خلال رحلات حبه (القدرية) ~~في سنتي 1814 و1815م في منطقة الراين وبين مدينتي هيدلبرج وفرانكفورت، ولقاءاته مع ~~حبيبة قلبه مريانة (راجع عن موضوع هذه القصيدة العبارات التي قالها جوته عنها وعن ~~كتاب الساقي في إعلانه عنه في «صحيفة الصباح» لعام 1816م، وقد ذكرناها في بداية ~~التمهيد لهذا الكتاب). ويحتمل أن تكون هذه القصيدة قد كتبت تحت تأثير جمال ~~النادل الأشقر الشاب الذي رآه جوته في مدينة فيزبادن، كما يقرر صديقه سولبيس ~~بواسريه في مذكراته اليومية بتاريخ 8 من أغسطس 1815م، غير أن النموذج الحقيقي للساقي ~~الذكي الجميل هو ابن المستشرق باولوس، الذي رآه جوته أثناء زياراته المتكررة له في ~~خريف 1815م ومحاولاته لتعلم مبادئ اللغة والكتابة العربية على يديه. والظاهر أن ابن ~~هذا المستشرق كان يحضر هذه اللقاءات، كما كان شديد التعلق بجوته (عن شروح طبعة ~~فايتس، ص323). ~~(6) أنت بغدائر شعرك السمراء # بعد أن عبر حاتم في القصيدة السابقة عن ميله للصبي الذي يسقيه، نجد أن هذه ~~القصيدة على لسان الساقي تكشف عن حبه وتعلقه بالشاعر من خلال التعبير عن غيرته من ~~الفتاة ذات الغدائر السمراء والبسمة الماكرة الخبيثة. وفي القصيدة محاكاة حرفية ~~لحافظ الشيرازي في تغنيه بالساقي وتفضيله له على المحبوبة (ترجمة همر لديوانه، ج1، ~~ص82، ص392). ~~(7) طالما لامونا على السكر # تعبر هذه القصيدة - من وراء الكلام الظاهر عن الخمر والسكر وحتى عن الحب! - عن ~~نشوة الخلق والإبداع المضطرمة الأوار في نفس الشاعر. ولعل تكرار كلمة السكر تسع ~~مرات في قوافي القصيدة الأصلية يدلنا على أن الشاعر أراد لها أن تكون «غزلية» على ~~غرار غزليات حافظ وغيره من شعراء الفرس الكبار، وإن كان قد بالغ في المحاكاة وألزم ms236 ~~نفسه بما لا يلزم؛ إذ لم يكتف بتكرار القافية كل بيتين (أي 1-3-5 وهكذا)، بل كرر ~~كلمة السكر نفسها تسع مرات! ~~(8) أنت أيها الوغد الصغير أنت # تؤكد هذه القصيدة الموجزة ذات الإيقاعات الحرة ما قلناه في التعليق على القصيدة ~~السابقة من أن نشوة الشاعر هي نشوة الإبداع، ومن المعروف أنها حالة سكر فريدة ~~مصحوبة بالوعي واليقظة التامة، أو هي حالة وعي وصحو - يستلزمها الجهد المبذول في ~~البناء وتشكيل العمل الفني - لا تستغني أبدا عن الشعور بحالة النشوة والسكر التي ~~تصاحب عملية الخلق؛ ولذلك لا نستغرب أن يقول الناقد الكبير ماكس كوميريل - الذي سبق ~~أن رجعنا لرأيه في شروح سابقة - إن جوته قد وصل في هذه القصيدة إلى الحكمة وقمة ~~النزعة الأبولونية (أي نزعة الوضوح العقلي والتشكيلي الفني كما يسميها نيتشه؛ ~~تمييزا لها عن النزعة الديونيزية التي تتعلق بنشوة الإبداع والتأمل في هاوية ~~الحقيقة والوجود!) فصار على ديونيزيوس أن يخدم أبولو؛ أي أن يتحول الدم إلى روح؛ ~~لأن الخمر روح (بدوي، ص276). ومع أن حالة الإبداع شديدة الغموض، وكم حيرت علماء ~~النفس ودارسي العبقرية وشخصيات العباقرة! وليس من حقي ولا في طاقتي أن أدلي فيها ~~برأي محدد، أو أختزل علاقتها المعقدة في صيغة معينة؛ فربما توحي القصيدة على ضوء ~~الشرح السابق بأن الشاعر يتغنى بحالة الوعي أو الصحو التي تقترن بحالة الإبداع أو ~~المحو التي يمر بها المبدع - وهو هنا الشاعر - في ذروة الوجد والنشوة الإبداعية. ~~وإذا صح ما قلته على سبيل الترجيح فهي - بلغة التحليل النفسي - حالة يمتزج فيها ~~الوعي باللاوعي، أو الشعور باللاشعور. ~~(9) يا للضوضاء في الحانة # تصف هذه القصيدة الأسباب التي تجعل الشاعر يختلف إلى الأماكن، ويختلط بالناس، ~~ويعايش البيئة التي يحيا فيها، وإن بقي بينه وبين نفسه وحيدا مع خواطره و«بنات ~~أفكاره» على الرغم من ازدحام الحانة واضطرابها بالفتيات والراقصين والراقصات. ~~والمقطوعة الثانية تغلب عليها روح الحكمة ولغة الأمثال التعليمية، ومن الواضح ~~للشراح أن المقطوعة الأولى محاكاة شبه كاملة لأبيات حافظ الشيرازي من ترجمة همر ~~(ج1، ص392)، ms237 نقلها أستاذنا بدوي كما يلي: «آه! آه! كم في الحانة صباح اليوم من ضجيج، ~~حيث الساقي والحبيب والمشعل والنور كانت كلها في أشد اضطراب، وحيث (وإن كانت أقاصيص ~~الحب ليست في حاجة إلى تفسير!) الناي والطبلة في اصطحاب، ومن دخل في هذه الزمرة من ~~المجانين حبا في النزاع والعراك، ابتعد عن نزاع المذاهب والمنابر» (بدوي، ص277). ~~وواضح من العبارة الأخيرة أن جوته يتبنى رأي حافظ في أن ألفاظ السباب البذيئة أحب ~~إلى الشاعر من المنازعات والمشاحنات التي تتبادلها المدارس والمذاهب المختلفة حول ~~الأخلاق. وقد كتبت القصيدة في الثامن من شهر سبتمبر 1818م في كارلزباد، ولكنها لم ~~تنشر إلا سنة 1827م في المجلة التي كان يصدرها جوته وهي «عن الفن والعصور القديمة.» ~~(10) تلك العجوز القبيحة # إن سب الدنيا ولعنها، ووصفها بالعجوز القبيحة أو البغي الفاجرة، موضوع شائع في ~~الشعر الشرقي، الفارسي والعربي على السواء، لا سيما عند أبي العلاء. # وفي تقديري المتواضع أن القصيدة - برغم التأثر الملحوظ في عنوانها بكتاب قابوس ~~وفي سطورها الأولى بحافظ الشيرازي (ترجمة همر، ج1، ص61) - تردد عددا من الأفكار ~~التي لا يمل جوته من ترديد نغماتها القوية الصريحة في أعماله، ومن أهمها الإحساس ~~الرائع بالحاضر الراهن، لا سيما في تجربة الحب وفي الإقبال النشط على العمل والفعل ~~والإنجاز «الفاوستي» وعدم التعلق بالأمل الغامض في غد غير مأمون ولا مضمون. ولعل من ~~أهم ما نخرج به - بشكل تعليمي مبسط - من حياة هذا الشاعر العظيم وجهوده الإبداعية ~~والعلمية الضخمة، هو هذه الحكمة البسيطة التي يمكن أن تهدينا إلى الرضا بالحياة إذا ~~تمسكنا بها وعملنا على ضوئها: «أد واجب اللحظة، وسوف تحل من نفسها كل المشكلات، ~~فلا تحزن على ماض فات، ولا تلق كل أمالك على كنفي غد لم يأت بعد.» ولا شك عندي ~~- كما سبق القول - أن هذا الإيمان العظيم بملء اللحظة الخصبة المبدعة بالعمل الخصب ~~المبدع قد أثر على نيتشه تأثيرا هائلا، ربما بقي في لا وعيه ولم يعه تماما ~~عندما نادى بفكرته الرائعة المحيرة عن عودة ms238 الشبيه الأبدية، كما أثرت في عصرنا ~~الحاضر على الفيلسوف الماركسي المستقبلي أو اليوتوبي أرنست بلوخ (1885-1977م)، ~~وبخاصة في كتابه الأكبر «مبدأ الأمل». ~~(11) اليوم أكلت بشهية # يختلف النقاد والشراح في تفسير معنى كلمة «البجعة ~~الصغيرة» # Schwänchen # في البيت الخامس. والمعنى الأصلي للكلمة في لغتها ~~الأصلية هي الهدية التي تقدم للصديق، وهي كذلك البجعة أو البلشون. وقد رأى البعض ~~أن للكلمة في هذا البيت ثلاثة معان محتملة: التحلية التي تقدم بعد الطعام، ~~والبجعة التي ينسب إليها تعبير «تغريدة البجع»، وهو أشجى وآخر ما تغنيه قبل موتها ~~وكأنها تنعى نفسها بنفسها، وثالث هذه المعاني هو الشاعر نفسه الذي يتمنى عليه ~~الساقي في البيتين الأخيرين ألا يسمعه «تغريدته» أو أغنيته الأخيرة. والرأي عند ~~كاترينا مومزن - الباحثة الشهيرة في أدب جوته وعلاقته بالأدب العربي والإسلام - هو ~~أن المعنى ينصرف إلى الشاعر نفسه، وأن البيتين السابع والثامن يشيران إلى ذلك ~~بالفعل قبل أن تتضح الإشارة في الأبيات الأخيرة. وقد شاع تعبير «تغريدة البجع» في ~~لغتنا وثقافتنا العربية في الفترة الأخيرة، ويكفي أن يطلع القارئ على الفصل ~~الأول من أروع وآخر كتاب لأستاذنا المرحوم زكي نجيب محمود وهو «حصاد السنين»، ~~ليسمع تغريدته المؤثرة قبل اعتزاله الكتابة ووفاته، وليطلع على خلاصة تجربته الخصبة ~~الأمينة مع العلم والتعليم والحياة والناس. وأخيرا، فإن وصف الشعراء بالبجع أمر ~~مألوف منذ عهد قديم، فقد وصف شكسبير مثلا بأنه «بجعة» أفون # Swan og Avon ~~. ومما يذكر أن جوته قد أرسل نسخة بخط يده إلى ابن ~~المستشرق باولوس (الذي سبق ذكره وقلنا عنه إن جوته رأى فيه نموذج الساقي الذكي ~~الجميل) مع إضافة هذه الملاحظة «عن اللاتينية». وبعض النقاد يرجعون السطر التاسع ~~وما بعده إلى تأثر جوته بالشاعرين الرومانيين مارسيال وهوراس (الأغاني، ~~2-20). ~~(12) إنهم يسمونك الشاعر العظيم # تكشف القصيدة - على لسان الساقي - عن جوانب لا يعرفها الناس في «السوق» من حياة ~~الشاعر وغنائه وصمته. وكأن تعاطف الساقي معه يجعله يتكلم في صمته بأعذب مما تنطق ~~به أغانيه، أو كأنه ينظر إلى الأعماق الخفية التي ms239 تستقر فيها قبلة الشاعر الأبوية ~~له، وتظل محجوبة عن أعين المعجبين والمتطفلين و«المستهلكين» لشعره وإنتاجه. ويذهب ~~الناقد الأدبي فولفجانج كايزر (في دراسة نشرت في العدد 23 من مطبوعة جمعية جوته ~~الإنجليزية 1954م، ص290-295) إلى أن هذه القصيدة واحدة من أجمل قصائد الديوان ~~الشرقي؛ فهي تسعد القلب باللعب المنغم بالأضداد، وتأسر اللب بسحر الإيقاع، وتهز ~~النفس بالمباشرة أو التلقائية التي يعبر بها الإحساس عن النفس، هذا الإحساس الذي هو ~~أعمق بما لا نهاية له مما يتصور المتحدث (أي الساقي). وربما كانت الأضداد التي ~~يذكرها «كايزر» هي التي تقابل في القصيدة بين الكلام والصمت، بين حياة الشاعر كما ~~يظهر للناس وحقيقته الباطنة الخافية، بين القبلة والتفكير والغناء، مهما رقت ~~ألحانه. أما جمال النغم وعذوبة الإيقاع التي يتحدث عنها الناقد، فلا بد من ~~الاستماع إليها كما تتردد في الأصل؛ لأن أية ترجمة في أية لغة يستحيل عليها بطبيعة ~~الحال أن تأتي بصيغة مكافئة لجرس الكلمات ونغم الإيقاعات المرتبط بالضرورة بالكلمات ~~الأصلية (انظر الفقرة الخاصة بالترجمة في المقدمة العامة لهذا الكتاب). ~~(13) تذكر يا سيدي # يلاحظ في هذا الحوار الشعري، الذي يجمع بين التفكه المرح والعمق الفكري، أن موضوع ~~الخمر - الذي تردد كثيرا في قصائد كتاب الساقي - قد بدأ يفسح مكانه للحكمة (ولعل ~~الشاعر قد قصد هذا لكي يمهد لكتاب الأمثال الذي سيأتي بعد هذا الكتاب)، وربما كان ~~التضاد الحاد هنا بين الساقي الفتى الذي يحافظ على «حكمته» واتزانه، وبين الشاعر ~~الشيخ الذي «يعلم كل ما تطويه السماء وما تحمله الأرض»، ومع ذلك يضطرب وجدانه ويشيع ~~الاضطراب من حوله كلما انتشى بالخمر والشعر، ربما كان هذا التضاد نفسه من العلامات ~~الدالة على حقيقة الشعر نفسه وماهيته الضدية؛ فهو يشب في حضن الأسرار ويليق به ~~الكتمان، لكن طبيعته اللغوية والتواصلية مع متلقيه تفرض عليه باستمرار أن «يخون ~~نفسه» ويلجأ في الحياة الأرضية إلى «الغش أو الخداع»، وكأن خروج الشعر من كهف سره ~~وقوقعة صمته، وتشكله في «الكلمة» التي يسمعها الناس هو في حد ذاته نوع من ms240 انكشاف ~~السر أو هتك الحجاب أو «الخيانة». ويبدو لي أن اللمسة الصوفية في فهم الشعر هنا ~~غير خافية. ~~(14) ليلة صيف # تمثل هذه القصيدة الطويلة ذروة كتاب الساقي وفي الوقت نفسه لحن الوداع له؛ ~~فالشاعر يسأل الساقي إلى متى يستمر الأصيل (وهو يمتد صيفا في بعض البلاد الشمالية ~~حتى الصباح!) وهو يسأله لأن الأضواء - في ليالي الصيف - «متداخلة» في بعضها ولا ~~تمكن ظلام الليل من الانتصار عليها تماما. والساقي يعلن عن استعداده لإبلاغه ~~بهذا النبأ حتى ولو تحول من أجله إلى بومة تجثم على درج الشرفة؛ وذلك عرفانا ~~بفضل الشاعر والمعلم عليه وردا لجميله وأملا في تأمل العالم اللانهائي معه. ~~وبعد أن يسترسل الصبي في تمجيد الطبيعة والإعجاب بأضوائها وطيورها ورياحها، يتدخل ~~الشاعر ليعلمه شيئا جديدا يأخذه من مخزون الأسطورة، ويحس بينه وبين نفسه أن الصبي ~~لن يستطيع أن يفهمه، فأورورا أو إليوس الإغريقية (الفجر) هي السيدة المتقدمة في ~~العمر (أو هي الشرق) التي تقع في حب هسبيروس (نجم المساء أو الغرب) وتطارده لكي ~~يتزوجها. وعلى الصبي أن ينتبه ويحاذر من أن تحسبه العجوز نجم المساء؛ لأن جماله ~~يمكن أن يختلط بجمال هذا النجم. ويسترسل الشاعر بدوره في وصف المحبة العجوز وتتبع ~~خطاها الملهوفة لمحاصرة ذلك الذي لاذ بالفرار مع الشمس، وكأن الشاعر قد هدهد الصبي ~~لينام ، وأقنعه أيضا باللجوء إلى داخل البيت بعد أن ظل قلقا ومؤرقا طوال الليل. ~~ولا يصحو الصبي إلا في القصيدة التالية رقم 22 التي يكرر فيها وهو نعسان بعض ما ~~تعلمه من الشيخ أو أهم ما تعلمه منه: إن الله حاضر في جميع العناصر. والأهم من ذلك ~~كله أن الشيخ علمه بحب وبلا قهر أو عقاب، وينصت الشاعر ولا يقول شيئا، ويواصل صمته ~~وهو يشرب لكي يتيح للصبي الذي شرب منه حكمة عمره وتجربته أن ينام ويشبع من النوم. ~~ولعله - أي الشاعر - قد شعر بالرضا والطمأنينة لأنه أخذ عنه جوهر هذه الحكمة، وهو ~~أن الأبدي الباقي ينعكس في الموجودات الجزئية المتفرقة التي تأمل معها أضواءها ms241 ~~وألوانها وأصواتها في دهشة وإعجاب. وتقول الأسطورة اليونانية إن إيوس أو (أورورا ~~عند الرومان) قد خطفت الشاب تيثونوس، وأقنعت كبير الآلهة زيوس بأن يهبه الخلود، دون ~~أن يخطر على بالها أن تطلب منه أن يمنحه خلود الشباب. وهكذا يشيخ الشاب وينكمش إلى ~~حجم الطفل أو في بعض الروايات إلى حجم الجندب، ولا يبقى منه إلا صوته، وتخفي إيوس ~~ذلك السر وتواصل إطعامه ورعايته من وراء الأبواب المغلقة، كما تواصل أثناء النهار ~~لهاثها وراء الشبان ... وهسبيروس في نجمة المساء التي تجسدت على هيئة صبي يحلق في ~~السماء ويصعد ويهبط وهو يحمل في يده شعلة ملتهبة. أما عن انقلاب النجم الشمالي ~~فهو يتم عندما يحيط الدب الأكبر والدب الأصغر بالنجم القطبي. # | كتاب الأمثال # الأمثال هي أوعية الحكمة الشعبية التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، ولا يخلو منها ~~شعب ولا أدب على مر العصور، والكثير منها موجود في لغات مختلفة، قديمة وحديثة، وفي صيغ ~~متشابهة تكاد في بعض الأحيان أن تكون حرفية، وقد سبق أن نقلت ودرست الأمثال السومرية - ~~من الألف الثالثة والألف الثانية قبل الميلاد - وهي التي أخذ البابليون معظمها وأضافوا ~~إليها أمثالا أخرى تلخص خبرتهم في الحياة وزبدة تجربتهم الوجودية والتاريخية ~~والعقلية والوجدانية في معيشتهم اليومية (راجع إذا شئت كتابي المتواضع جذور الاستبداد، ~~قراءة في أدب قديم، سلسلة عالم المعرفة، ديسمبر 1994م). وقد كان من الأمور الطبيعية ألا ~~يخلو الديوان الشرقي من كتاب مخصص للأمثال التي تأثر فيها جوته بما اطلع عليه من حكم ~~وأمثال شرقية عند شعراء الفرس والعرب (لا سيما في المعلقات، وبالأخص معلقة زهير التي ~~أخذ عنها عددا من حكمه الساخرة الموجودة، التي اشترك معه صديقه شيلر في كتابة بعضها، ~~وتعرف باسم الحكمة الأليفة أو المدجنة، وكان الهدف من ورائها هو التهكم على بعض ~~الأوضاع الفاسدة في الحياة الأدبية في عصره، بجانب الغرض التعليمي والأخلاقي الملازم ~~لأدب المثل بوجه عام). وقد كان للأديب وفيلسوف التاريخ هيردر (1744-1803م) فضل كبير في ~~توجيه نظر جوته الشاب إلى الأمثال وأغاني الشعوب ms242 الشرقية، التي ترجم هو نفسه عددا ~~كبيرا منها في كتابه المعروف بهذا الاسم، كما يرجع إليه الفضل في إشاعة كلمة المثل - ~~أو الأمثولية (البارابيل Parabel ~~) في اللغة الألمانية، ~~وهي الكلمة التي احتفظ بها جوته في عنوان هذا الكتاب الصغير الحجم، وأضفى عليها معاني ~~دينية وروحية تجعلها بمثابة تمهيد مناسب للكتابين التاليين. # ويقول جوته عن هذا الكتاب في تعريفه بالديوان الشرقي في «صحيفة الصباح» لعام 1816م: ~~«يحتوي كتاب الأمثال على تصويرات متنوعة مع تطبيقها على الأحوال البشرية.» كما يقول عنه ~~في تعليقاته وأبحاثه التي تعين على الفهم الأفضل للديوان الغربي-الشرقي: «على الرغم من ~~أن الأمم الغربية قد أخذت الكثير من ثروة الشرق، فسوف نجد هنا الكثير مما يتعين علينا ~~أن نجني ثماره، ولتحديد ذلك نقدم ما يلي: يمكن تقسيم الأمثال، وكذلك سائر الأنواع ~~الأدبية في الشرق ذات الصلة بالأخلاق، تقسيما غير مخل إلى ثلاثة أبواب؛ أخلاقية وعرفية ~~وزهدية. والقسم الأول (من الأمثال) يشمل أحداثا وإشارات تتعلق بالإنسان بوجه عام ~~وأحوال وجوده، دون محاولة للتعبير الصريح عما هو خير أو شر. وهذا الأخير هو الذي يبرزه ~~القسم الثاني بحيث يهيئ للسامع اختيارا معقولا. أما القسم الثالث فيضيف إلى ذلك ~~«نوعا من» الإلزام القاطع؛ إذ يتحول الإرشاد الأخلاقي إلى قاعدة وقانون. ويمكن أن نضيف ~~إلى هذه الأقسام الثلاثة طائفة رابعة من الأمثال التي تصور التوجهات العجيبة التي تصدر ~~عن الأوامر التي يستحيل تفسيرها وإدراك كنهها، وهي تعلم وتؤكد الإسلام الصحيح؛ أي ~~التسليم المطلق بمشيئة الله، والاقتناع بأن أحدا لا يمكنه الإفلات من نصيبه المقدر له. ~~وإذا أردنا أن نضيف طائفة خامسة يتحتم أن تسمى الأمثال الصوفية؛ فهي تلك التي تدفع ~~بالإنسان خارج الموقف السابق، الذي يظل باعثا على القلق والشعور بالضيق والعناء، نحو ~~الاتحاد بالله في هذه الحياة الدنيا نفسها، ونحو الزهد المؤقت في تلك الخيرات التي يمكن ~~أن يؤلمنا فقدانها. فإذا عرفنا كيف نميز بين الأغراض المتنوعة في مختلف التصويرات ~~الرمزية في الشرق، فسوف يكون في هذا كسب كبير؛ لأن الخلط بين ms243 هذه الأغراض يعوق المرء ~~على الدوام؛ إذ يجعله يبحث فيها مرة عن تطبيق عملي لا وجود له، أو يجعله مرة أخرى يغفل ~~عن المعنى العميق الكامن وراءها. وتقديم أمثلة لافتة لكل هذه الأنواع سيجعل بالضرورة ~~كتاب الأمثال شائقا ومفيدا. أما عن ترتيب الأمثال التي سنقدمها في هذه المرة، فإننا ~~نترك الحكم عليه للقارئ اللبيب» (بتصرف بدوي، ص463-464، طبعة هامبورج، ص269، ص205-206 ~~من المجلد الثاني لأعمال جوته). ~~(1) تحدرت قطرة خائفة من السماء # تعتمد هذه القصيدة على مثل أو أمثولة فارسية اطلع عليها جوته في ترجمة ~~أولياريوس المبكرة لبستان سعدي (وذلك في الطبعة الأخيرة التي ترجع لسنة 1696م لكتاب ~~أولياريوس الذي استعاره جوته من مكتبة فيمار، وهو وصف مزيد ومنقح لرحلاته في الشرق). ~~كما يحتمل أن يكون الشاعر قد قرأ تلك الأمثولة أيضا في كتاب جان دي شاردان (وهو ~~رحلة إلى بلاد فارس وأماكن شرقية أخرى، أمستردام 1735م) أو في أحد المجلدات التي كان ~~ينشرها المستشرق النمسوي النشيط يوسف فون همر تحت عنوان كنوز الشرق، أو في كتاب ~~وليم جونز أشعار آسيوية وشروحها (راجع نص الأمثولة الأصلية التي حاكاها جوته محاكاة ~~شبه تامة في طبعة بدوي، ص290-291). وقد سبق أن قلنا في التمهيد لهذا الكتاب إن معظم ~~الأمثال الواردة فيه توحي بمعان دينية، وكان العنوان الأصلي الذي وضعه جوته لهذه ~~القصيدة أو المثل المنظوم في المخطوطة هو «لؤلؤة مؤمنة» (كما كان العنوان الأصلي ~~لقصيدة «حنين مبارك» التي نوهنا بها أكثر من مرة - وهي من كتاب المغني - هو «التضحية ~~بالذات»). إن القطرة في هذه القصيدة لم تعد قطرة، لقد تحولت أو ماتت فوجدت ذاتها ~~الحقيقية (على نحو ما يقول أحد أبيات المقطوعة الأخيرة من قصيدة الحنين المبارك: ~~مت كيما تكون). والتضحية بالذات علو وارتفاع في سلم الوجود؛ فالفراشة تحقق ~~وجودها بالفناء في لهب الشمعة، والقطرة أيضا تحقق وجودها عندما تموت وتتحول إلى ~~لؤلؤة، وكأن تحقيق الذات قهر للموت، وتلك هي عقيدة الشاعر عن الخلود كما شرحناها ~~من قبل (في التعليق على قصيدة الشعب ms244 والخادم والحكام من كتاب زليخا). ولعل العمل ~~الفني - في تحولاته المختلفة حتى يصبح عملا فنيا بحق! - يشبه هذه القطرة التي ~~كافأها الله على تواضعها وإيمانها الشجاع، فوهبها القوة والبقاء، وصاغ منها لؤلؤة ~~يزهو بها تاج القيصر المجيد (أو دوق فيمار وراعى جوته وصديقه كارل أوجست!) أقول ~~ربما يكون هذا هو قصد جوته من ضرب هذا المثل، فإن لم يكن الأمر كذلك فهو اجتهاد في ~~التفسير. ~~(2) شدو البلبل في الليل # البلبل هنا تعبير مجازي عن الروح الحبيسة في قفص الجسد. وقد تأثر الشاعر بحافظ ~~الشيرازي (في ترجمة همر، كنوز الشرق، ج2، 1811م، ص108، 109) حيث يقول: «هذا البلبل ~~الحبيس، الذي يسمى الروح، لا يخدم البدن، الذي هو على العكس قفصه.» وفكرة حبس ~~الروح في سجن الجسد أو في قفصه فكرة معروفة في التراث الغربي - على الأقل منذ عهد ~~الأورفيين والفيثاغوريين وأفلاطون - وفي التراث الشرقي كما سبق القول في موضع آخر ~~من هذه الشروح (راجع كذلك قصيدة: ما الذي يجعلك فظا سمجا في أكثر الأحيان؟ وهي ~~القصيدة رقم 8 من كتاب الساقي). ~~(3) إيمان عجيب # استلهم الشاعر هذه القصيدة كما تصرف فيها تصرفا لا يخلو من الدعابة والتهجم حتى ~~في عنوانها، مثل فارسي أورده شاردان (ج4، ص28)، وذكره رودلف ريشتر في طبعته ~~للديوان الشرقي (ليبزيج، 1926م، ص331)، وجاء على هذه الصورة في ترجمة بدوي (ص292): ~~«إن الزجاجة المكسورة تشعب، فكم بالأحرى يعاد سبك الإنسان بعد أن يحطمه الموت؟» ~~وإذا كان هذا المثل - الذي لا أعرف مصدره وإن كنت أرجح أنه قيل بعد الفتاح الإسلامي ~~لبلاد الفرس - إذا كان يكرر ما سبق أن أكده القرآن الكريم في سور عديدة للرد على ~~الكفار الذين أصروا على إنكار البعث، فلا أدري لماذا يضمن جوته صياغته له نبرة ~~الدعابة، على الرغم من إيمانه الراسخ بالخلود، كما سبق القول في شرحنا لقصيدة «الشغب ~~والخادم والحكام» من كتاب زليخا. ~~(4) تركت جوف محار لؤلؤة # واضح من معنى القصيدة أو مغزاها (إذ إنها مثل أو أمثولة قبل كل شيء!) أن الفرد ~~ينبغي ms245 عليه أن يضحي بنفسه في سبيل كل أسمى منه وأرقى. ومع أن الفرد غاية في ذاته، ~~فلا يجوز له أن ينسى أنه في نفس الوقت وسيلة إلى غاية أكمل منه وأشمل، حتى اللؤلؤة ~~النفيسة أو الدرة اليتيمة، تعاني بقسوة من الصائغ وتجبر على الانتظام في عقد يضم ~~أحجارا غير نفيسة، تماما كما يضطر العبقري أو حتى الإنسان الطيب النقي للحياة ~~وسط الأشرار والاختلاط بالأراذل والأوغاد. ~~(5) رأيت بدهشة وابتهاج # بداية القصيدة مستلهمة من جلستان سعدي (في ترجمة أولياريوس السابقة الذكر)، وإن ~~كان جوته قد أضفى عليها معنى يتفق مع رؤيته الكونية والدينية (أي المعبرة عن إيمانه ~~بوحدة الوجود تأثرا بفيلسوفه الأثير اسبينوزا)، هذه الرؤية التي تجعله يدرك عظمة ~~الله في أكبر الكائنات وأصغرها؛ لأنه سبحانه يتجلى في كل مخلوقاته، وإن كان المؤمن ~~يعلم تمام العلم أنه متعال على كل شيء و«ليس كمثله شيء». ~~(6) كان عند أحد القياصرة # يلاحظ أن هذه القصيدة تتسم بطابع عملي ودنيوي يجعلها مختلفة - إلى حد التضاد - عن القصيدة ~~السابقة. لا يعرف مصدرها الشرقي على وجه التحديد، وإن كان أستاذنا بدوي ~~يرجح - بالاستناد إلى بعض الشراح - أنها متأثرة بفقرة وردت في ترجمة دييز لكتاب ~~قابوس أو قابوس نامه (بدوي، ص295). ~~(7) قال القدر الجديد للمقلاة # في هذه القصيدة تعريض بالخلاف الشديد الذي نشب بين المستشرقين فون دييز وفون همر ~~على ترجمة أحد الأمثال الشرقية. ~~(8) الناس جميعا من كبيرهم إلى صغيرهم # تواصل التهكم اللاذع في القصيدة السابقة من التافهين المغرورين الذين تصور لهم ~~نرجسيتهم أنهم قد أبدعوا الروائع، مع أن نسيجهم أوهى من نسيج العنكبوت. وكم ملأ ~~هؤلاء التافهون حياة جوته بالنكد والتنغيص، وما زالوا ينغصون عيش العاملين في صمت ~~في كل مكان وزمان (وبخاصة في زماننا الذي اتفقت آراء المخلصين على أنه زمان رديء). ~~(9) لما نزل يسوع من السماء # تشير هذه القصيدة من طرف خفي إلى علاقة جوته بالدين، والدين المسيحي بوجه خاص؛ ~~فقد قال على سبيل المثال في سيرة حياته «شعر وحقيقة» (القسم الثالث، الكتاب الثاني ~~عشر) وهو ms246 في معرض الكلام عن اهتمامه الجاد في شبابه بالمأثورات المقدسة، لا سيما ~~بالعهدين القديم والجديد: «إن كتاب الأناجيل يمكنهم أن يتناقضوا كما يشاءون، ما ~~دام الإنجيل لا يتناقض مع نفسه» (طبعة هامبورج لأعمال جوته، المجلد التاسع، ~~ص511). كما قال في الحكم والتأملات: «إن في الحق شبها بما هو إلهي، وهو لا يظهر ~~بشكل مباشر، وإنما يجب علينا أن نحدس بوجوده من خلال مظاهره أو تجلياته» (طبعة ~~هامبورج، المجلد 12، الحكم والتأملات، الحكمة رقم 11، ص366). ومصدر القصيدة هو كتاب ~~شاردان وصف لرحلة إلى بلاد فارس. ~~(10) حسن # في هذه القصيدة التي يختم بها كتاب الأمثال أصداء من القصيدة الرائعة «لقاء من ~~جديد» من كتاب زليخا، وهي التي قدمنا شرحا مفصلا لها في تعليقنا على قصائد كتاب ~~زليخا (القصيدة رقم 39). والأبيات الأخيرة تؤكد المعنى الديني، وهل ينتظر المحبوب ~~تبريرا للحب أسمى من رضا الله على آدم وحواء الراقدين جنبا إلى جنب في جنة ~~الفردوس؟ وهل هناك ما يرضيه سبحانه أكثر من أن يقول كل منهما لصاحبه: «أنت يا أحلى ~~ويا أجمل ما صور ربي»؟ (قارن سفر التكوين 2: 18، وكذلك 1: 31). # | كتاب البارسي أو المجوسي # يرجع الشاعر في هذا الكتاب إلى موضوع الدين، وإن بقي في حدود العالم الدنيوي، على ~~العكس من الكتاب التالي وهو كتاب الفردوس الذي يرسم فيه للآخرة والجنة صورة مرحة صافية ~~تتفق - في ظنه - مع تصور الإسلام والمسلمين. وقد جمع مادة الكتاب مما وجده عند ~~أولياريوس وشاردان وغيرهما عن ديانة البارسيين أو المجوس القدماء من عبدة النار في ~~إيران، ثم ربط تلك المادة بتدينه «الطبيعي»، كما نظر إلى عبادة النار نظرة تقربها من ~~رمزية النور الذي شغله طوال حياته، ورأى فيه أسمى تجل للقدرة الخالقة الفاعلة في كل ~~الموجودات. ويقتصر هذا الكتاب - مثل كتاب تيمور - على قصيدتين اثنتين؛ إحداهما في شكل ~~غنائي يكاد أن يكون ملحميا في طول نفسه واتساع رقعته، والأخرى قصيرة ولا تخلو أيضا ~~من التغني بالنور والشمس، التي تنضج الكرمة بفضل نارها التي تتوهج من جديد في نار النشوة ~~بالخمر. ms247 # قال عنه جوته في الإعلان عن ديوانه الشرقي في صحيفة الصباح لسنة 1816م: «هنا نجد عرضا ~~لديانة عبدة النار، وهو أمر حتمته الضرورة؛ إذ بغير فكرة واضحة عن هذه الديانة ~~الممعنة في القدم، ستظل التحولات التي طرأت على الشرق غامضة.» # ثم يقول عنه كذلك في عرضه لمضمون كتب الديوان في «التعليقات والأبحاث»: «إن المشاغل ~~العديدة هي وحدها التي حالت بين الشاعر وبين عرض عبادة الشمس والنار - التي تبدو مجردة ~~في ظاهرها وإن كانت مؤثرة من ناحية نتائجها العملية - عرضا شعريا وافيا تقتضيه ~~المادة الرائعة. ونرجو أن يقيض للشاعر التوفيق في تدارك هذا النقص» (بتصرف عن بدوي، ~~ص303، ص464، وطبعة هامبورج، ص269، ص206). ~~(1) وصية الديانة الفارسية القديمة # هذه القصيدة ترنيمة طقسية وليست عرضا وصفيا للأساطير المرتبطة بعبادة النار ~~المقدسة في الديانة الإيرانية القديمة، سواء قبل زرادشت أو بعده، وهي تقوم على موقف ~~إنساني مؤثر ابتدعه خيال الشاعر، وهو وداع رجل بارسي أو ومجوسي - لعله كان أحد ~~الكهنة المساكين المتواضعين في تلك الديانة - لإخوته وأبنائه الذين رعاهم ورعوه ~~أثناء حياته، وهي كما يدل عنوانها وصية هذا الكاهن المخلص المغمور التي تعبر عن ~~قانون الطهر والقداسة المرتبطة بالنار والنور، وهو القانون الذي يحاول الكاهن أن ~~ينقش أوامره ونواهيه على صدورهم ساعة احتضاره وتوديعه لهم وللأرض والطبيعة والشمس ~~التي تعد أعظم وأسمى رموزه. ويبدو أن جوته يجعل من هذه الوصية «إنجيل» تدينه ~~الطبيعي، ويضمنها عقيدته الراسخة عن ضرورة التزام الإنسان بتقديس الحياة ~~واحترامها، عن طريق فعله الدءوب المنتج والمبدع في كل لحظة من لحظات حياته المؤقتة ~~على الأرض؛ والسبب في ذلك ببساطة هو أن الوجود في صميمه فعل دائم، وأن كل الموجودات ~~من أعظمها إلى أصغرها تعبر عن تجلي الفعال الأبدي في هذا الفعل الشامل الذي ينسج ~~منه الخالق «ثوب الألوهية الحي على نول الزمان العاصف» (كما يعبر البيتان المشهوران ~~(508-509) اللذان تقولهما الروح لفاوست في المنظر الأول من القسم الأول من ~~فاوست). والحق أن هذه الرسالة الروحية التي يوجهها جوته على لسان الراعي ms248 المحتضر ~~تصدر عن موقف فريد في الديوان الشرقي كله، وهو موقف الإطلال على الأرض والبشر قبل ~~الموت، من خلال إنسان يقف على الجسر الموصل للأبدية، ويستطيع أن يغوص بنظرته في ~~الكل، وأن يحلق صاعدا إلى أعلى مستوياته ويهبط إلى أدناها بعاطفة الراحل الذي أحب ~~كل شيء وبارك كل مخلوق، وحاول أن يعلم «رعيته» كيف يطهرون أرواحهم وأجسادهم. ~~ومعلوم أن موقف الاحتضار هو أنسب موقف للتعبير عن مثل هذا الكشف أو التجلي الذي ~~يتوحد فيه النور الجزئي مع الإنسان مع النور الكلي، أو الذي يرجع إليه رجوع الشعاع ~~إلى شمسه وقطرة الماء إلى بحرها. ومما يذكر أن جوته كتب هذه العبارة في مذكراته ~~اليومية «الاعتراف الديني للبارسي»، وكان ذلك في نفس اليوم الذي كتب فيه هذه ~~القصيدة المطولة، وهو اليوم الثالث عشر من شهر مارس سنة 1815م. والجدير بالذكر ~~أيضا أن جوته قد صور بقلمه الخلفية الحضارية والتاريخية للديانة الإيرانية ~~القديمة بشكل مفصل ومفعم بالحب والتعاطف، يمكن أن يغني القارئ عن المزيد من الشرح ~~والتفسير، وذلك في تعليقاته وأبحاثه التي ذكرناها مرارا في فقرة بعنوان «قدماء الفرس»، ~~ويكفي أن نورد منها هذه السطور التي يمكن أن تلقي الضوء على حقيقة تلك ~~الديانة الطبيعية والعملية القديمة، التي عني جوته ببحثها ومعرفة آثارها الفكرية ~~والأدبية الشحيحة؛ حتى يتعرف على بعض أصول الأدب والشعر الفارسي الحديث الذي كان له ~~التأثير الأكبر على ديوانه الشرقي: «قامت عبادة الله عند البارسيين القدماء على ~~تأمل الطبيعة؛ فقد كانوا يتوجهون أثناء تعبدهم للخالق إلى الشمس المشرقة، بوصفها ~~أروع تجلياته وأكثرها لفتا للانتباه، هنالك كانوا يعتقدون أنهم يرون فيها عرش الله ~~الذي تحف به ملائكته تشع بالأنوار المتألقة، وكان كل واحد منهم، حتى أقلهم شأنا، ~~يستطيع أن يشارك يوميا في مجد هذه العبادة التي تسمو بالقلب، وكان الفقير يخرج من ~~كوخه، والمحارب يغادر خيمته، فيتم أكثر الأعمال تدينا، وكان الطفل المولود ~~يعمد ببركة الأشعة الصادرة من تلك النار، كما كان البارسي يشعر، طوال اليوم كله ~~وطوال العمر، بأنه مصحوب ms249 في كل أعماله بالكوكب الأصلي العظيم. والقمر والنجوم كانت ~~تضيء الليل، وكانت هي أيضا بعيدة عن متناول يده وتنتمي إلى اللامحدود. أما ~~النار فكانت موجودة إلى جوارهم تضيء وتدفئ على قدر قوتها. وكان أداء الصلوات في ~~حضرة هذا الممثل للألوهية، والركوع أمام ذلك الذي شعروا بلا نهائيته، كان واجبا ~~دينيا ممتعا لهم، ولا يوجد شيء أطهر من شروق الشمس الصافي؛ ولذلك يجب على ~~الإنسان إشعال النار والمحافظة عليها، إذا أراد أن يبقى مقدسا وشبيها بالشمس. ~~والظاهر أن زرادشت كان أول من حول هذه الديانة النبيلة الطاهرة إلى عبادات ذات ~~طقوس معقدة. والمهم مع ذلك هو ملاحظة أن قدماء البارسيين لم يقتصروا على عبادة ~~النار؛ فديانتهم تقوم في الحقيقة على إضفاء الكرامة على جميع العناصر، وذلك بقدر ما ~~تعلن عن وجود الله وقدرته؛ ومن هنا جاء تورعهم المقدس عن تدنيس الماء والهواء ~~والتراب. وهذا التوقير لكل الأشياء الطبيعية التي تحيط بالإنسان يقود إلى جميع ~~الفضائل المدنية؛ فالانتباه والطهارة والاجتهاد يتم الحث عليها وتنميتها، وعلى ~~أساسه أيضا قامت فلاحة الأرض، فكما أنهم لا يدنسون أي نهر، كذلك كانت القنوات ~~تحفر - مع الاعتناء الشديد بالادخار في الماء - ويحافظ على نظافتها، ومن جريان تلك ~~القنوات كانت توفر الخصوبة للبلاد، حتى إن الزراعة في المملكة كانت تبلغ آنذاك في ~~اتساعها عشرة أضعاف مساحتها اليوم. فكل «الأعمال» التي كانت الشمس تبتسم لها، كانت ~~تؤدى بكل اجتهاد ونشاط، وكانت زراعة الكروم - وهي أعز بنات الشمس - تحظى قبل غيرها ~~بعناية فائقة» (بتصرف عن ترجمة بدوي، من ص382-ص386، وكذلك طبعة هامبورج، المجلد ~~الأول، من ص335-ص338). ولا شك عندي أن الشاعر قد كتب العبارة الأخيرة من النص ~~الذي اخترناه من تعليقه الطويل وفي ذهنه القصيدة التالية لوصاية الديانة الفارسية ~~القديمة؛ إذ يذكر في هذه القصيدة القصيرة (رقم 2 من هذا الكتاب) مدى توقير الإنسان ~~للأرض التي تشرق عليها الشمس، ويخص بالتقدير الكرمة «التي تبكي تحت السكين الحادة»؛ ~~لأنها تشعر أن عصيرها سينعش الدنيا. والفضل كله في نمو الكرمة وتوهج النشوة ms250 إنما ~~يرجع للنار المقدسة والشمس المقدسة، وكلتاهما تمثل بصورة مجانية أسمى رمز للألوهية ~~المتجلية في كل شيء «تبتسم له الشمس المشرقة». وقد استمد جوته التفصيلات ~~والمعلومات الواردة في القصيدة من تقرير وضعه الجغرافي الفرنسي نيكولا سانسون ~~(1600-1667م)، وفيه وصف لمقر الكاهن البارسي في ضاحية جاورآباد - بالقرب من مدينة ~~أصفهان - التي سمح الشاه عباس الأكبر بالإقامة فيها لأتباع تلك الديانة القديمة ~~الذين تحملوا الاضطهاد والمطاردة زمنا طويلا. ودرناوند، وصحتها ديماوند، هي الاسم ~~الذي كان يطلقه الرحالة في القرنين السابع عشر والثامن عشر على الجبال الواقعة ~~جنوبي أصفهان. أما سندرود فهو اسم النهر الذي ينبع منها ويشق مجراه المدينة. ~~وأما «الحي» الذي يوصي الكاهن المحتضر في المقطوعة التاسعة بأن يسلموا الأموات ~~إليه، فهو التعبير المهذب عن الطيور الجارحة التي تعيش على نهش الجثث. # | كتاب الفردوس # إذا كان الكتاب السابق - وهو كتاب البارسي - قد صور الطبيعة والأرض والشمس بوصفها ~~رموزا لقانون الطهر والقداسة الذي ينبغي أن يحكم حياة الإنسان، كما حكم حياة البارسيين ~~أو المجوس القدماء عبدة النار، فإن هذا الكتاب يولي وجهه شطر الآخرة، ويقدم تصور ~~الشاعر عن جنة الفردوس «الإسلامية» كتعبير مجازي عن القيمة الأخروية والميتافيزيقية ~~لوجود الإنسان في الحياة الخالدة، لا سيما حين يكون هذا الإنسان قد قضى حياته في ~~الجهاد في سبيل الله مثل الشهداء، أو في سبيل الإبداع مثل شاعرنا الذي يدخل هنا في ~~ألوان مرحة صافية من الحوار مع رموز الجمال الأنثوي الخالد وهن الحوريات. # والقصائد التي يضمها الكتاب تمثل وحدة مترابطة؛ فكل واحدة منها تفترض السابقة عليها ~~وتمهد للآتية بعدها، وتحس منها جميعا أننا بإزاء لعبة متبادلة كلعبة المرايا المتعاكسة ~~التي تتبادل الصور والوجوه على صفحاتها؛ فهي تبدأ بما هو سماوي فوق الأرض، ثم تصور ما ~~هو أرضي كرمه الله يرفعه إلى السماء؛ الرجال الذين أنعم عليهم بدخول جنة الفردوس، ~~وهم الشهداء الأبرار، ثم الصفوة من النساء المسلمات اللائي اجتباهن الله في الدنيا ~~والآخرة، وأنعم عليهن بدخول الجنة. وأخيرا يأتي دور الشاعر الغربي نفسه الذي يلتمس ms251 في ~~البداية من الحورية دخول الجنة، ويظهر فيها بعد ذلك ويتحرك بحرية؛ لأنه أثبت أنه يحمل ~~آثار جراح لا تقل ألما وعمقا عن جراح المجاهدين. ويحكي الكتاب بعد ذلك قصة الحيوانات ~~التي كرمها الله بدخول الجنة، ثم يرفع هذا كله (كما يقول هيجل عن المرحلة الثالثة من ~~مراحل جدله المثالي التي تجمع بين الضدين في المرحلتين السابقتين في لحظة ثالثة أكثر ~~خصوبة وغنى) في قصيدة أعلى والأعلى التي تعد - بجانب قصيدة «الحنين المبارك» من ~~كتاب المغني وقصيدة «اللقاء من جديد» من كتاب زليخا اللتين سبق شرحهما في هذه التعليقات ~~- أروع قصائد الديوان إن لم تكن من أروع أشعار جوته على الإطلاق؛ ففي هذه القصيدة تصوير ~~لما يمكن أن نصفه بأنه الشمس المركزية للنور الإلهي الذي يتعذر وصفه، والذي يستوعب في ~~داخله كل ما هو إنساني ويحوله. ويتردد صدى «الحنين المبارك» إلى الآخر المطلق أو الأنت ~~الأزلية الأبدية الذي يتوق المحب للاتحاد به وهو الله عز وجل علاه. ويرتبط الحب الإلهي ~~بالحب البشري ارتباطا عميقا، ومن هنا تكاد صورة السماء أن تقتصر على صورة الحورية ~~التي يتعلق بها قلب الشاعر، كما يسود شكل الحوار الذي وجدناه في كتاب «زليخا» التي تظهر ~~الآن على هيئة حورية من حوريات الجنة. وتبدو الحياة السماوية كأنها امتداد للحياة ~~الأرضية التي غمرتها نعمة الحب، كما يبدو الحب الأرضي - الذي عرفنا مدى عمقه وصفائه ~~وعذابه أيضا في كتاب زليخا - وكأنه نوع آخر من الحب الإلهي، أو على الأقل قبس من نوره ~~أو قطرة من بحره اللانهائي. # هكذا يكتمل في هذا الكتاب أسلوب الديوان الذي يقوم على الحوار - أو بالأحرى اللعب! - ~~المتبادل بين الأرضي والسماوي، والدنيوي والإلهي، والشرق بألوانه الزاهية وزخارفه ~~المجازية والغرب بجديته وقلقه وشوقه إلى المطلق، وطموحه الدائم للارتفاع إلى مناطق أعلى ~~وأعلى. وتكتمل كذلك دائرة الديوان في هذا الكتاب، الذي يشبه قبة سماوية تمتد فوق الكتب ~~الأخرى، وتعكس أضواءها كما تعكس ذات الشاعر وحياته وتجاربه مع الحب ورؤيته للعالم ~~والإنسان «من منظور الأبدية»، كما يقول ms252 فيلسوفه الأثير اسبينوزا في تعبيره المعروف. ومع ~~كل هذا تظل تتردد داخل هذه الدائرة العجيبة نغمة المرح الصافي والدعابة الحلوة. كيف نفسر ~~هذا كله؟ لا بد أن يسأل كل منا قلبه؛ إذ لا يلمس القلب إلا ما يأتي من القلب. ~~وأخيرا يناشد الشاعر قصائد الديوان أن تنام على صدر الشعب، ويلتمس من جبريل أن ينشر ~~بفضله سحابة مسك فوق الجسد المكدود المتعب؛ كي يمضي وهو معافى مرح - كالعهد به - ~~وودود، ويجوب سعيدا جنات الخلد. # ويقول جوته في إعلانه عن الديوان الشرقي في صحيفة الصباح لعام 1816م: «إن كتاب الفردوس ~~(خلد نامه) يحتوي على عجائب الفردوس كما يتصوره المسلمون، وكذلك على السمات الرفيعة ~~للشعور بالتقوى والورع، وهي السمات المتعلقة بالسعادة الخالصة في الدار الآخرة.» ويجد ~~القارئ هنا الحكاية الخارقة عن أهل الكهف السبعة وفقا للمأثورات الشرقية، كما يجد ~~حكايات أخرى تصور بالمعنى نفسه الاستبدال المرح للمتع السماوية بالمتع الأرضية. ويختتم ~~الكتاب بتوديع الشاعر لشعبه، وبهذا ينتهي الديوان نفسه (طبعة هامبورج، المجلد الثاني، ~~ص270). # ويقول عنه كذلك في تعريفه بكتب الديوان في تعليقاته وأبحاثه: «وهذه الناحية من نواحي ~~العقيدة الإسلامي تحتوي كذلك على مواضع رائعة كثيرة، وجنات في جنات، بحيث تطيب للإنسان ~~الحياة والإقامة فيها.» ويمتزج الهزل والجد هنا بألطف صورة، ويعيرنا اليومي المتسامي ~~أجنحة للصعود إلى الأعلى فالأعلى منه. وما الذي يمنع الشاعر من أن يركب فرس محمد الرائع ~~(البراق)، وأن يحلق به في أرجاء السموات جميعا؟ ولماذا لا يحتفل في خشوع بتلك الليلة ~~المقدسة التي أنزل فيها القرآن كله على النبي؟ إن ها هنا فوائد جمة يمكن اكتسابها ~~(بتصرف عن بدوي، ص465، وطبعة هامبورج، ص206). ~~(1) تذوق # في القصيدة دعابة خفيفة ولطيفة، وفي المقطوعة الثالثة منها تعبير مضمر عن فكرة ~~الصدور أو الفيض التي تأثر فيها جوته بأفلوطين والأفلاطونية المحدثة في عدد كبير من ~~أشعاره المتأخرة (انظر على سبيل المثال قصيدته الشهيرة التي يقول فيها: «لو لم تكن ~~العين مشمسة، لما أمكنها أن ترى الشمس، ولو لم تكن قوة الله كامنة ms253 فينا، أكان يتسنى ~~لما هو إلهي أن يفتن قلوبنا؟» طبعة هامبورج، المجلد الأول، ص367). فالمخلوقة ~~السماوية المحبوبة التي تهبط إليه من أعلى هي نموذج للشباب، وصورة من مثال الجمال ~~الخالد. وفي القصيدة كذلك بعض الأفكار والصور التي تكررت في عدد من قصائد كتاب ~~زليخا (كالقصيدة رقم 3 لما كنت تسمين الآن زليخا، ورقم 7 أمن الممكن؟ وكذلك ~~القصيدة الأخيرة: في وسعك أن تتخفي في آلاف الأشكال). وإن كانت هنا ترف في زرقة ~~سماوية أشد صفاء. ~~(2) رجال موعودون # تبدأ برثاء النبي # صلى الله عليه وسلم # لشهداء المسلمين في غزوة بدر (في العام الثاني للهجرة، ~~يناير سنة 624م)، ثم لا يلبث الشاعر أن يستلهم قصة الإسراء والمعراج، التي قرأ عنها ~~في القرآن الكريم وفي كتابي «أولزنز» و«ي. ف. رييندر» عن النبي محمد وغيرهما، فنحس بعد ~~قليل أنه يمزج أوصاف الملأ الأعلى وجنة الفردوس بتصوراته ورغباته وأحلامه الخاصة ~~بالعثور على حوريته (أي زليخا) بين حوريات الجنة. ~~(3) صفوة النساء # بعد أن يلهج الشاعر بالثناء على هذه النخبة الطاهرة من صفوة النساء (ومنهن زليخا ~~امرأة العزيز التي أحبت سيدنا يوسف وراودته عن نفسه ثم تابت وأنابت وهداها الله ~~للإيمان، ولكن هنا زليخا أخرى غير التي وصفها الشاعر في القصيدة الأولى من كتاب ~~العشق، وهي قصيدة نماذج، س6-8، وغير زليخا التي سمى حبيبته باسمها، وراح في هذا ~~الكتاب يبحث عنها بين حوريات الجنة حتى وجدها واتصل الحوار بينهما بعد ذلك في ~~قصائده كلها) بعد أن يفعل ذلك تجد الحورية التي سيحاورها في القصيدة التالية أنه ~~يستحق أن يسمح له بالدخول إلى جنة الفردوس لينعم بوجوده إلى جوارهن. ~~(4) سماح # هنا يسمح للشاعر بدخول الجنة مع الموعودين من شهداء المسلمين؛ فقد حقق الشروط ~~التي وضعتها الحورية (من س5-12) وفسر هذه الشروط تفسيرا شاعريا استخدم فيه كلمات ~~الحورية نفسها ودوافعها وأغراضها (إذ يذكر الجهاد والجراح التي تثبت انتماءه - ~~الشعري والإنساني - للموعودين من الشهداء والصالحين). ويختم الشاعر كلامه بالدعابة ~~كما بدأه؛ إذ يعبر عن رغبته في أن يحصي عدد الدهور ms254 على أناملها الرقيقة، وهنا يتردد ~~صدى خافت للصوت الرنان الطنان الذي سبق أن سمعناه في قصائد عديدة سابقة، عبر فيها ~~الشاعر عن إحساسه بالتفوق والتعاظم حتى على القيصر نفسه، وإن كان هنا أقرب إلى ~~الثقة بالنفس والاعتزاز بالإنجاز، وأبعد ما يكون عن «آليات الدفاع عن النفس» من ~~ألسنة الخصوم الصغار وسهام النقد المسمومة بالحقد. والنغمة هنا على كل حال نغمة ~~خفيفة ولطيفة، تذكرنا بالأغنيات العذبة في كتاب زليخا، وربما يرجع هذا مرة أخرى ~~إلى ثقة الشاعر بأن الحوريات قد تقصين أمره في القصيدة رقم 2، وعرفن حقيقته، وتأكدن ~~من بطولته الشعرية التي تنبع أيضا من الحب والإيمان كبطولات «الرجال الموعودين». ~~(5) رنين # إذا كان الشاعر قد أكد من قبل (في أول قصائد الديوان، وهي قصيدة الهجرة من كتاب ~~المغني، من س39-42) أن كلماته تحوم دائما حول أبواب الفردوس، متوسلة الدخول لتحظى ~~بالخلود، فإن قصائده أيضا تريد الآن أن تدخل معه جنة الفردوس؛ لأن أنغامها تختلف ~~كل الاختلاف عن أنغام قصائد شعراء آخرين، تبقى في الأسفل عاجزة عن الصعود إلى أعلى. ~~كلاهما إذن يريد الخلود؛ الشاعر لأنه عرف كيف يحب ويحيا بحق، والقصائد لأن جمال ~~نظمها وسحر ألحانها يؤهلها للبقاء، فإذا رجعت للأرض حق لها الخلود في صدور البشر ~~بفضل الأصداء السماوية التي جلبتها معها من الفردوس، كما صار من حقها أن ترقد في ~~النهاية على صدر «شعبه» في سلام (كما ستقول القصيدة الأخيرة في الديوان). ولا ~~يفوتنا أن نذكر أخيرا أن الشاعر لا ينسى أن يطالب بمكافأة غيره من الشعراء ~~والفنانين على أعمالهم المتميزة (س26-32)؛ لأن الفن الحقيقي لا بد أن يكون خيرا ~~يعم الجميع (س29-30)، ولأن جوته لم يكن أنانيا بالقدر الذي تصوره كثير من معاصريه، ~~أوحى به هو نفسه في بعض قصائده التي تردد نغمة التعاظم والتفوق، والأصح من ذلك ~~بالنسبة له أو لغيره من الفنانين أن الفن نفسه - إذا صح تجسيده وتشخيصه! - هو ~~الأناني الذي يستحوذ على صاحبه استحواذا كليا. ~~(6) إن حبك وقبلتك يسحرانني # السماء هنا كما يقول ماكس ms255 كوميريل (في كتابه أفكار عن قصائد، ص287-289) هي الحب ~~نفسه كما عاشته الحبيبة التي يتعرف إليها الشاعر، ولكنه حب خال من قدر الفراق ~~(الذي لم يكن منه مفر كما بينا في الفصل الخاص بقصة الديوان الشرقي). وفي ~~الحوار بين الشاعر والحورية - أو زليخا السماوية! - يتأسس نوع من الاتحاد الجديد ~~الذي يقوم فيه القلب الشاعر - إذا جاز هذا التعبير - بنظم العالم وتحويله إلى شعر. ~~ما أقصر لحظات الحب أو لحظته التي عاشها العاشقان على الأرض! لكن ما كان أطولها ~~بحيث يمكن أن تصبح الآن سماء شاسعة الأرجاء يصعب تعيين حدودها! ~~(7) ها أنت ذا تلمس إصبعي من جديد # عودة إلى لحظة الحب التي يرفض الشاعر (س7-8) أن يحددها بمقاييس الوقت وحساباته ~~العادية؛ لأنها لحظة اهتزاز الكيان وارتجافه التي تعلو على التحديد؛ ولهذا يأتي ~~الحوار المختصر عن عالم غير زماني أو فوق الزمان والتاريخ، كما تتتابع الأفكار ~~والموضوعات وتتجاوز ألوانها الرقيقة كالغيوم في سماء ليلة من ليالي الصيف. والسطور ~~الأولى تشير إلى كلمات الحوار السابق في قصيدة سماح (31-33) والشاعر هنا لا يزال هو ~~الشاعر المستغرق في أفكاره (س9)؛ ولهذا تتوسل إليه الحورية - بعد أن تشيد بجسارته ~~التي جعلته يخاطر بنفسه في الأعماق الإلهية - أن يكون حاضرا بجوار حبيبته (زليخا) ~~التي تعترف صراحة بأنها هي حبيبته الغالية. فالحضور إذن هو محور القصيدة التي ~~تسأله الحبيبة أن يرددها ليجدد حضور لحظة الحب ذات الحضور الدائم هنا في السماء كما ~~كانت على الأرض. والقصيدة هي نفس القصيدة التي سمعتها تحوم على باب الفردوس (والبيت ~~رقم 15 يشير إلى قصيدة رنين، وهي القصيدة الخامسة في هذا الكتاب)، وإن كانت سعادة ~~الحب الأرضية-السماوية لا تنتهي بانتهائها. وجدير بالذكر أن القصائد التي ناقشناها ~~حتى الآن - باستثناء القصيدة رقم 2 وهي «رجال موعودون» - يرجع تاريخ نظمها إلى ~~عام 1820م؛ أي بعد أن خبت شعلات الحب المتوهجة في القصائد التي كتبت بين عامي 1814م ~~و1816م؛ ومن ثم يلاحظ النقاد أن أسلوبها ينتمي لأسلوب جوته الشعري المتأخر ~~(راجع الكتاب السابق الذكر ms256 لكوميريل، وهو أفكار عن قصائد، فرانكفورت على الماين، ~~1943م، ص289، وما بعدها). ~~(8) حيوانات مرضي عنها # أخذ جوته قصة الذئب بصورتها الموجودة في الفقرة الثالثة عن كتاب شاردان الذي سبق ~~ذكره (رحلة إلى بلاد فارس وأماكن أخرى في الشرق)، وقد أوردها الدميري بالتفصيل في ~~كتابه حياة الحيوان؛ إذ روى كيف كلم الذئب أهبان بن أوس الأسلمي الذي ذهب إلى ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # في المدينة وحدثه بحديث الذئب وأسلم على يديه. أما الكلب ~~الصغير فهو قطمير «الباسط ذراعيه بالوصيد» في قصة أهل الكهف في القرآن الكريم. ~~وأما هرة الصحابي المعروف وراوي الحديث النبوي الشريف أبي هريرة، فالظاهر أن جوته ~~أخذها عن جلستان سعدي أو من تعليق أولياريوس، الذي ترجم الجلستان، على الموضوع الذي ~~ذكرت فيه (راجع بالتفصيل ترجمة بدوي، ص325-327). ~~(9) أعلى والأعلى # تشير «مثل هذه الأشياء» (س1) إلى القصائد السابقة في هذا الكتاب، كما يشير ~~البيتان (س7-8) بصورة ضمنية إلى القصيدة رقم 3 من كتاب الأمثال وهي «إيمان عجيب»، ~~التي تؤكد أن الله ينجي عبده ويحقق رغباته وآماله حتى ولو عرف الغضب والقنوط ~~طريقهما إلى قلبه، وفي السطر 26 تصرفنا في الصفة «خطابي» التي تفيد هنا اللغة ~~الخالية من الكلمات وهي لغة النظرات. # ويلاحظ أن الأبيات (من س19-32) تصور حركة التصعيد في تجاوز الإنسان لبشريته ~~الأرضية، وعلوه بوجه خاص إلى نوع من الوجود غير اللغوي - أو بالأحرى فوق اللغوي - ~~الذي يرمز هنا رمزا جديدا ومعبرا عن التجربة الصوفية العريقة، التي لا تجد في مثل ~~هذه الحالة - أو هذا المقام! - إلا الصمت تعبيرا عما يستعصي على التعبير (تذكر ~~على سبيل المثال عبارة النفري الدالة: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)، حتى ~~الحواس الخمس التي لمسنا فعلها ونشاطها في القصائد السابقة من هذا الكتاب (س33-36) ~~ستندمج هنا في حاسة واحدة أو حس حدسي قادر على الرؤية والنفاذ والارتفاع بصاحبه - ~~بغير وسيط لغوي ولا إدراكي - إلى رحاب الألوهية، و«الدوائر الأبدية التي تنفذ فيها ~~كلمة الله بصورة خالصة حية» (س37-40). ونرتفع على السلم الصاعد إليها ms257 درجة درجة، ~~مدفوعين بأقوى وأسمى الدوافع، وهو الحب (41-44). وهناك يتلقفنا النور الإلهي الذي ~~«يذيبنا» فيه كما يذيب كل «موناد» (بلغة ليبنتز)؛ أي كل موجود متفرد يحثه الشوق ~~للاتحاد بالروح الكلية، أو يدفعنا للرجوع ل «الواحد» الأسمى (بلغة أفلوطين) الذي فاض ~~عنه العالم الروحي والعالم المادي بطبقاتهما المختلفة؛ لأنه هو المنبع الأصلي أو ~~مركز الإشعاع الأول. وكل هذه صور طالما التقينا بها في قصائد سابقة، ويمكن أن ~~نجدها في أعمال أخرى عديدة كلما تطرق الشاعر إلى «المسائل الأخيرة» - كما يقال في ~~الفلسفة - وبخاصة في أشعار الشيخوخة، كما نجد مثلا في قصيدة «الواحد والكل» التي ~~يقول في المقطوعة الأولى منها: «كي يجد الواحد نفسه في اللامحدود، سيطيب له أن ~~يتلاشى فيه، عندئذ يتبدد كل سأم أو ضيق، وبدلا من الرغبة الحارة والإرادة الشرسة، ~~بدلا من الطلب اللحوح والواجب الصارم، ستصبح متعته في إنكار الذات.» وكذلك في ~~المشهد الأخير من القسم الثاني من فاوست، ثم في قصائد سابقة عديدة من الديوان ~~الشرقي نفسه، مثل القصيدة القصيرة من مجموعة القصائد تحت عنوان تمائم، وتحمل رقم ~~5 من كتاب المغني، وتقول: «ما فكرت في شأن من شئون دنياي، إلا خرجت منه بالنفع ~~العظيم، ومهما حدث فالروح لا تتناثر كالغبار؛ لأنها في أعمق أعماقها ترتفع إلى ~~أعالي السماء.» ومثل الأبيات الأربعة من القصيدة الكبرى وصية الديانة البارسية، ~~ص69-72، والقصيدة رقم 4 من القصائد التي جمعت ونشرت بعد وفاة الشاعر: «ألا يحق ~~لي أن أستخدم تشبيها كما يحلو لي، والله نفسه قد ضرب مثلا للحياة من البعوضة؟! ~~ألا يحق لي أن أستخدم تشبيها كما يحلو لي، والله يتجلى لي في عيون حبيبي على سبيل ~~التشبيه؟» وأخيرا وقبل كل شيء وبعد كل شيء في قصيدة «حنين مبارك» من كتاب المغني، ~~التي نرجع إليها دائما كلما صعدنا مع الشاعر إلى المناطق العلوية من الوجود! # والمهم أن هذه القصيدة بمثابة الذروة الأخيرة للموضوع الذي عالجه الديوان في ~~تنويعات مختلفة؛ لأنه يمثل عمود رؤيته الدينية والكونية الشاملة التي يرقى فيها ms258 الحب ~~شيئا فشيئا حتى يتحول إلى حب روحي شفاف - دون أن يتخلى تماما عن جذوره الأرضية ~~والبشرية! - وكأن هذا التصاعد إلى المستويات العليا يقترن بالحنين المتزايد أيضا ~~نحو النجاة أو الخلاص، وكأن الإنسان يبلغ مع ارتقائه درجات الحب شكلا أسمى جديدا ~~من أشكال وجوده، بحيث يصبح الحب هو «الحس الباطن» الذي يستغنى به عن بقية الحواس ~~الخمس (س33-36 من هذه القصيدة)، وينفذ به في صميم العالم وسره القائم على الحب؛ لكي ~~يتلاشى فيه أخيرا، أو يتخلى عن إنسيته ويذوب ذوبان قطرة الماء في المنبع الذي ~~خرجت منه، والشعاع في نور الشمس التي انطلق منها. ~~(10) أهل الكهف السبعة # ربما يكون الشاعر قد تعمد وضع هذه القصة المعروفة في التراث المسيحي (وهو عصر ~~الشهداء في منتصف القرن الثالث بعد الميلاد، وعلى عهد الإمبراطور الروماني دقيوس) ~~والتراث الإسلامي، وبالأخص في سورة الكهف في القرآن الكريم، بالإضافة إلى بعض ~~المصادر التي اطلع عليها أثناء عمله في الديوان (مثل كنوز الشرق ليوسف فون همر، ~~ج3، ص347 نقلا عن النص الإنجليزي لقصة النائمين السبعة لريتش)، أقول ربما يكون قد ~~وضع هذه القصة الشهيرة (أو بالأحرى الحكاية الخارقة كما يسميها أساتذة الأدب ~~والمأثور الشعبي!) قبل القصيدة التي يختتم بها الديوان كله لكي يضفي عليه طابعا ~~مرحا لطيفا لا يخلو مع ذلك من مغزى دال على ما هو عجيب ومقدس. بهذا قدم لقارئه ~~- قبل توديعه له - قصة شعرية مطولة ذات إيقاعات «ترويخية» رباعية سلسة وخالية من ~~التقفية، ومفعمة بحيوية متدفقة تجعل منها حكاية أو ترنيمة شعرية - بالاد - تضاف ~~إلى حكاياته الرائعة السابقة التي تزخر بكل مقومات القصة الشعرية وتفصيلاتها ~~ومشاهدها ولهجة الخطاب والحوار الحي فيها. ويلاحظ أن هذه الحكاية الشعرية تعبر ~~أيضا عن روح الديوان؛ إذ تتناول حدثا خارقا يمكن أن يمثل حدا أو بداية نرتفع ~~منها - من خلال عالمنا الأرضي نفسه - إلى منطقة الألوهية التي تعلو عليه، وكأنما ~~نلمس هنا للمرة الأخيرة نفس الخشوع الذي لمسناه تجاه كل الموجودات من أصغرها إلى ~~أعظمها شأنا؛ لأن العالي اللامحدود ms259 يتجلى حضوره فيها بأشكال مختلفة. والطريف في ~~هذه القصيدة القصصية أننا نجد فيها بعض التفصيلات التي خلت منها - على حد علمي - ~~المصادر الإسلامية المعروفة، كما خلت منها رائعة توفيق الحكيم رحمه الله. # وأفيسوس (55) مدينة أسسها الإغريق على ساحل بحر إيجه في آسيا الصغرى، وبها إلى ~~اليوم آثار قبور يظن أنها كانت مقبرة أهل الكهف. ~~(11) طابت ليلتكم # يدل عنوان هذه القصيدة الخاتمة للديوان على أمل الشاعر المودع لنا نحن قراءه ~~وللحياة في أن يباركه جبريل كما بارك أهل الكهف وأظلهم برعايته وحنانه (4-5) في ~~المطولة السابقة، وهو يتمنى كذلك أن يخلصه من الحاضر ويرقى به إلى مملكة يحيا فيها ~~في صحبة الأبطال من كل زمان، وينمو فيها الجمال ويتجدد، وليست هذه المملكة في ~~الحقيقة إلا مملكة الفن أو العمل الفني والأدب العالمي بوجه عام؛ ومن ثم يكون ~~الأبطال الذين يقصدهم هم أبطال الفن والأدب لا أبطال القتال والحرب! وهو يتوق ~~أخيرا إلى أن يصحبه شعره إلى هذه المملكة الخالدة، التي سيسعد فيها بوجوده في نادي ~~المبدعين - كما يعبر يحيى حقي رحمه الله - أو جمهورية المفكرين كما يقول ياسبرز ~~فيلسوف الوجود المعروف، ولكنه لا يكتفي بذلك، وإنما يتمنى في النهاية أن يأخذ معه ~~قطمير الطيب الذي كان نعم الرفيق لأصحاب الكهف والرقيم. # | قصائد نشرت بعد وفاة جوته وضمت للديوان # كتبت هذه القصائد على مدى سنوات طويلة، لا تقل عن اثنتي عشرة سنة، سواء أثناء توهج ~~الحالة الشعرية والعاطفية التي نشأ فيها الديوان وتنامى قصيدة بعد قصيدة، أو بعد أن خبت ~~نيرانها وانشغل جوته انشغالا جادا بتاريخ الشرق وحضارته وخصائص الشعر الشرقي وغير ~~ذلك من الموضوعات الهامة، التي أودعها تعليقاته وأبحاثه التي ألحقها بالديوان قبيل ~~طبعته الأولى مباشرة (وكان قد بدأ هذه التعليقات في سنة 1816م، وانتهى منها في سنة 1818م). ~~ولكن الشاعر لم يضع القصائد التالية للطبعتين اللتين نشرهما في حياته سنتي 1819م و1827م، ~~وأسباب ذلك مختلفة ولا يمكن ذكرها إلا على سبيل الترجيح؛ فربما يرجع بعضها إلى أنها (أي ~~القصائد) تكرر ms260 موضوعات عبرت عنها قصائد الديوان الأخرى تعبيرا أنضج؛ ولهذا لم يقتنع ~~بها ولم يرض كل الرضا عن لغتها وصورها، أو لأنه لم يجد لها مكانا مناسبا داخل البناء ~~المحكم لكتب الديوان (الذي يحتوي عدد منها على قصائد ليست في مكانها المناسب تماما، كما ~~بينا هذا في موضعه من الشروح السابقة). وأخيرا فقد حجب إحدى هذه القصائد (وهي ~~القصيدة رقم 5 من المجموعة التالية: «أيتها الطفلة الرقيقة»، هذه الأسماط من اللآلئ) ~~خوفا من جرح الشعور الديني عند رجال الدين المسيحي وسائر المؤمنين من مواطنيه، وبناء ~~على نصيحة صديقه سولبيتس بواسريه الذي استبشع القصيدة وأعجب بها في آن واحد! ومهما تكن ~~الأسباب، فقد نشر سكرتيره «ريمر» وتلميذه وأمين سره إيكرمان - صاحب الأحاديث البديعة ~~معه - جزءا من هذه القصائد في سنة 1833م ضمن الأجزاء التي ضمت كتابات الشاعر بعد وفاته ~~فيما يسمى بالطبعة الأولية، ثم نشرا جزءا آخر سنة 1836م في الطبعة المسماة بطبعة ~~الربع، إلى أن ظهرت كاملة في نشر بورداخ للديوان في المجلد السادس من طبعة فيمار الكبرى ~~(سنة 1888م) والمجلد الثالث والخمسين في طبعة سنة 1914م. ويختلف عدد هذه القصائد ~~وترتيبها من طبعة إلى أخرى، ولقد اقتصرنا هنا على أهمها كما جاءت في طبعة بويتلر وفي ~~طبعة هامبورج (المجلد الثاني، من ص121-125)، وهي التي اعتمدنا عليها اعتمادا أساسيا ~~في هذا الكتاب (ومن أراد الاطلاع على المزيد منها، وهو لا يخرج عن تغيير في الصياغة ~~المذكورة هنا، فليرجع إلى طبعة هانز فايتس، دار النشر إنزل، فرانكفورت، 1988م، ص279-289، ~~أو ترجمة أستاذنا عبد الرحمن بدوي، من ص338-368). ~~(1) # تتألف كل واحدة من هاتين المقطوعتين في الأصل من أربعة أبيات، وقد أخطأت بعض ~~الطبعات في نشرهما كقصيدة واحدة، كما صنفتهما الطبعات المبكرة مع غيرهما ضمن كتاب ~~المغني أول كتب الديوان. يرجح أن يكون الشاعر قد كتبها في سنة 1826م. ~~(2) # حافظ، أؤسوي نفسي بك ؟ ربما يكون السبب الذي دعا جوته لاستبعاد هذه القصيدة من ~~الديوان هو أن قصيدة «بغير حدود» (رقم 6 من كتاب حافظ)، ms261 وكذلك قصيدة «لقب»، وقصيدة ~~«محاكاة» من نفس الكتاب، تعبر عن علاقته بحافظ بصورة أفضل وأعمق، وربما يرجع السبب أيضا ~~إلى أن بعض الصور الجميلة فيها غير متسقة مع بعضها (مثل قوله إن السفينة تمخر أمواج ~~البحر في سرعة واندفاع، وقوله بعد ذلك إن السيل الرطيب يغلي ويمور كأمواج حريق. س3-4، ~~ثم س11-12). أما المقصود بالسفينة - التي تمخر عباب الماء بجسارة ثم تحطمها أمواج ~~المحيط فتسبح فيه كقطعة خشب متهرئ - فهي قصيدة الشاعر الغربي التي تحاول أن تكون شرقية ~~فتضطرب على نحو ما رأينا، أو يضطرب الشاعر نفسه الذي يحمله التواضع والنبل وكرم النفس ~~على القول بأنه لا يساوي نفسه بزميله الشرق، وإن كان ينصف نفسه بعد ذلك أو يطمئنها على ~~الأقل بأنه زار بلاد الشمس (أي إيطاليا إبان رحلته المشهورة، أو منطقة الراين الصافية ~~الأديم)، وهناك جرب الحياة ونعم بالحب. # كتبت القصيدة في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر 1815م، ولم يضمها الشاعر لكتاب حافظ ~~للأسباب السابقة. أما عن بلاد الشمس - إيطاليا - التي ظل جوته يحن إلى دفئها وصفاء ~~سمائها طوال حياته، فراجع عنها كذلك قصيدة «حياة كلية»، المقطوعة الرابعة، من كتاب ~~المغني (رقم 16). ~~(3) # نشرت هذه القصيدة لأول مرة في طبعة الربع التي سبق ذكرها (سنة 1836م)، ووضعها ~~الناشران مع قصائد كتاب الضيق. ويمكن أن نستدل من المقطوعة الأولى فيها على تاريخ ~~كتابتها، وهو حوالي عام 1823م. أما جماعات الشباب الوحشية فهي تذكر بمرحلة العصف ~~والدفع المشبوبة بوهج التمرد والإبداع في حياة جوته الأدبية. ~~(4) # ألا يحق لي أن أستخدم مثلا: تعبر القصيدة عن حكمة جوته التي لخصتها الأبيات ~~المشهورة في نهاية القسم الثاني من فاوست أبدع تلخيص: «كل ما هو فان، ليس إلا رمزا أو ~~مثلا» (البيت رقم 12104-12105). فالبعوضة التي تطير في النور رمز أو مثل للموناد ~~(الكائن المتفرد) الذي يرجع للروح الكونية والأصل الإلهي، وذلك كما رأينا في قصيدة حنين ~~مبارك (رقم 17 من كتاب المغني ). أما الحبيبة التي يتجلى له الله في عينيها، فهي رمز ~~أو مثل ضربه ms262 الشاعر للامتناهي، على نحو ما فعل من قبل في قصائد عديدة بالديوان (مثل: ~~«أمن الممكن يا حبيبي الصغير؟» رقم 7 من كتاب زليخا، و«تذوق» رقم 1 من كتاب الفردوس، ~~و«حسن» من كتاب الأمثال س9-12)، وكلها تعبر عن التوازي بين طريق الحب وطريق الإيمان أو ~~عن التداخل بينهما. ولعل السبب في استبعادها هو أنها بدت للشاعر تكرارا ضعيفا للقصائد ~~السابقة، مع أنها كانت خليقة بأن تأخذ مكانها بين قصائد كتاب الأمثال. وواضح أن ضرب ~~المثل بالبعوضة مستوحى من القرآن الكريم. يحتمل أن تكون القصيدة قد كتبت في سنة ~~1815م، ثم صنفها الناشرون ضمن كتاب المغني. ~~(5) # أيتها الطفلة الرقيقة: سبق أن ذكرنا أن الشاعر نحى هذه القصيدة جانبا ولم ~~ينشرها في طبعتي الديوان أثناء حياته؛ وذلك عملا بنصيحة صديقه بواسريه الذي سمع منه ~~القصيدة في اليوم الثامن من شهر أغسطس سنة 1815م، وكتب في مذكراته في اليوم نفسه يقول: ~~«كراهية الصليب. اشترت شيرين دون أن تعلم صليبا من الكهرمان، ورآه حبيبها خسرو على ~~صدرها، فأخذ يصب هجومه على بلاهة الغرب» (لقد وجدت أن القصيدة شديدة القسوة والحدة ~~وضيق الأفق، ونصحت باستبعادها، وأخبرني أنه ينوي أن يسلمها لابنه ليحفظها مع سائر ~~قصائده التي لا يرضى عنها). # س7: # راجع عن الأبراكساس قصيدة «ضامنات البركة»، وهي القصيدة رقم 2 من كتاب المغني، ~~وتعليقنا عليها. # س14: # تصرفت هنا في النص الأصلي الذي يقول: «ليكون جده الأعلى»، واستبدلت به ليكون ~~«ربه الأعلى»؛ وذلك تمشيا مع مضمون الآيات الكريمة من سورة الأنعام (74-79)، التي تشير ~~إليها هذه القصيدة بصورة ضمنية، كما أشارت إليها صراحة «أغنية محمد» التي كتبها في ~~شبابه، وتأثر فيها بقصة سيدنا إبراهيم الخليل مع النجوم واهتدائه إلى الواحد الأحد، ~~وناقشناها في الفصل الخاص بجوته والإسلام. # س37: # هما الإلهان المصريان المعروفان، وتحمل إيزيس رأس بقرة، وأنوبيس رأس ابن ~~آوي. # س45-46: # وزر الردة تعبير عن إحساس الشاعر بالذنب أو الخطأ في حق عقيدته التي ولد ~~عليها، وفي حق مواطنيه المسيحيين بسبب أقواله التي تؤذي مشاعرهم عن السيد ms263 المسيح. ومما ~~يذكر في هذا المقام أن الأبيات من 21 وما بعدها متأثرة بما ردده الأديب والمفكر ~~والكاتب المسرحي ليسينج (1729-1781م) من ضرورة التفرقة بين دين المسيح - أي دين يسوع ~~التاريخي الذي آمن بالله الواحد - وبين الدين المسيحي الذي ذهب المؤمنون به إلى عبادة ~~يسوع نفسه بوصفه ابن الله. ولعل جوته الذي أخذ برأي ليسينج وتحمس له أن يكون قد تأثر ~~أيضا بالإسلام الذي اهتم به منذ شبابه المبكر، وعرف من قراءته للقرآن الكريم أنه يؤكد ~~في مواضع مختلفة أن المسيح ابن مريم ليس إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل (المائدة: 15، ~~71-72، 116)، وأن الله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (سورة الإخلاص). وقد ~~اشتهر عنه على كل حال أنه لم يكن مسيحيا تقليديا، وأنه برغم تدينه الراسخ كان أقرب ~~إلى وحدة الوجود والتدين الطبيعي منه إلى الرسالات السماوية. # وفي السطر قبل الأخير من المقطوعة الأخيرة ترد كلمة «فيتسلي بوتسلي # Vitzli-putzli # التي تصرفنا فيها فجعلناها الغول». ~~ويحتمل أن يكون جوته قد قرأ عن هذا الاسم في معجم تسيدلر (سنة 1730م) الذي يشرحه ~~بقوله إنه اسم إله مكسيكي قديم ومخيف الصورة؛ فقد كان له رأس أسد، وكانت جبهته مطلية ~~باللون الأزرق التي تمتد خطوطه إلى الأنف والعنق، وكان يطلع من رأسه قرنان، ومن ظهره ~~جناحان كجناحي الخفافيش، وفي قدميه اللتين تشبهان أقدام الماعز أظافر حادة، أما أبشع ~~ما فيه فكان هو الوجه ذا الحلق المتسع والأسنان الحادة. # وقد وضعت هذه القصيدة المثيرة في الطبعات الأولى التي ذكرناها مع قصائد كتاب زليخا. ~~(6) # دعوني أبكي: سبق الحديث عن هذه القصيدة ومدى تأثرها بالأبيات الأولى من معلقة ~~امرئ القيس في الفصل الخاص بجوته والأدب العربي. وقد كتبت في إيقاعات حرة شأنها شأن ~~قصيدتي «كتاب مطالعة» و«عزاء سيئ»، وهما القصيدتان رقم 3، 9 من كتاب العشق، وفيها نفس ~~الألم واللوعة من فراق حبيبته زليخا أو مريانة فون فيليمر. والأرمني في السطر الرابع هو ~~أحد التجار المسيحيين الذين كانوا من أغنى التجار في ms264 إيران ، والسطر العاشر عن أخيل ~~وحبيبته مأخوذ عن الإلياذة، النشيد الأول، س348 وما بعده، والسطر الحادي عشر عن ~~إكسيركسيس ملك الفرس (حكم من 486 إلى 465ق.م) الذي بكى رجال جيشه الجرار الذين لن ~~يفلت أحد منهم من الموت بعد مائة سنة، مأخوذ عن تاريخ هيرودوت، الفصل السابع، كتاب ~~بوليميا 45 وبعدها. أما السطران الثاني عشر والثالث عشر، فقد ذكر فيهما باختصار قصة ~~غضب الإسكندر وقتله لرفيق عمره كليتوس، التي رواها بالتفصيل في تعليقاته وأبحاثه الملحقة ~~بالديوان في فقرة تحت عنوان «رد فعل»، ناقش فيها قضية الطاغية وموقف الأحرار منه (ترجمة ~~بدوي، ص429-432). وأما اخضرار التراب فقد سبق أن ذكره الشاعر في البيتين رقم 20، 27 ~~من قصيدة حياة كلية (رقم 16 من كتاب المغني)، وقد وضع القصيدة في الطبعات الأولى مع ~~قصائد كتاب زليخا. ~~(7) # ولماذا لا يرسل: هذه قصيدة إلى زليخا، وقد وضعت بعد وفاة جوته في الكتاب ~~المسمى باسمها، والنسخ هو الخط العربي المعروف، والتعليق فرع فارسي منه شائع ~~الاستعمال (س7-8)، ومعنى السطور من 16-19 هو أن زليخا مريضة، ولا يمكن أن تشفى إلا إذا ~~تلقت نبأ من حبيبها. وقد كتبت القصيدة بمناسبة تلقي جوته رسالة رمزية من مريانة، ~~وهي إحدى الرسائل التي اتفقا على تبادلها بالشفرة التي تفاهما عليها؛ أي بأرقام تحدد ~~قصيدة أو بيتا معينا من الترجمة الألمانية لديوان حافظ، مع رقم الصفحة وأرقام الأبيات ~~التي يحيل كل منها صاحبه إليها (راجع الفصل الخاص بقصة الديوان الشرقي). # وكان البيتان اللذان أحالته مريانة إليهما من شعر حافظ هما: «لم يرسل لي كلمة ولا ~~تحية، كتبت إليه مائة مرة، لكن قائد الفرسان لم يشأ أن يرسل إلي رسولا، ولا أن يبعث ~~بتحية» (يحتمل أن تكون القصيدة قد كتبت في شهر فبراير سنة 1816م، وفيها ترديد للكثير ~~من الخواطر والصور في بعض قصائد كتاب زليخا، مثل: «قليل ما أطلبه» المقطوعة الرابعة، ~~و«أعرف نظرات الرجال» س18-22). ~~(8) # ما عدت أكتب أبياتا: اختلف الشراح حول تاريخ كتابة هذه القصيدة؛ فرجح بعضهم أن ~~تكون قد ms265 كتبت في شتاء 1815م، ورأى بعضهم الآخر أنها كتبت (كما يقول بيرتس استنادا على ~~بورداخ) في اليوم الأخير من شهر ديسمبر سنة 1818م، أو في شهر يناير سنة 1819م، كما تم ~~نشرها في طبعة الربع سنة 1836م. والاختلاف أشد حول تفسيرها؛ فالخطاب فيها على لسان حاتم ~~السعيد-التعس، شأنه شأن العشاق الصادقين الذين وصفهم كتاب العشق، وبخاصة مجنون ليلى ~~الذي يتشبه به حاتم، فيكتب على رمال الصحراء أبياته التي تذروها الريح، ومع ذلك تبقى ~~قوتها السحرية، ويحسها أي عاشق معذب تطأ قدماه المكان الذي نقشها فيه. والمقصود ~~بالوسادة الناعمة (س21) هي قصائده أو أغنيات حبه التي تذكر محبوبته به، فتصحو ~~وأعضاؤها ترتعش شوقا إليه، وهي كذلك جمعت في الديوان الشرقي الذي تتغلغل قوته حتى ~~مركز الأرض، بحيث يشعر بها كل رحالة متجول في صحاري الحب؛ أي كل قارئ لأشعار الديوان ~~تيمه العشق. وفي السطرين الأخيرين نحس نغمة توراتية من نشيد الإنشاد الذي كان جوته ~~قد ترجمه بنفسه إلى الألمانية في سنة 1775م، ربما عن اليونانية أو عن العبرية التي كان قد ~~تعلمها في صباه؛ رغبة منه في قراءة الكتب المقدسة في لغاتها الأصلية؛ لاستشعار الحقيقة ~~الدينية الجوهرية (وقد بذل في شيخوخته مع المستشرق باولوس جهدا أقل لتعلم العربية، كما ~~أشرنا لذلك من قبل). ضمت القصيدة بعد وفاة جوته إلى كتاب زليخا، ثم أضيفت إلى ~~مجموعة القصائد التي لم ينشرها في حياته. ولعل القصيدة - إذا نظرنا إليها من وجهة ~~النظر الأبدية على حد تعبير اسبينوزا - أن تكون تأكيدا لوحدة الحب وقداسته رغم اختلاف ~~المحبين في الوطن واللغة والأسماء، هذا الحب الذي يسعد بقدر ما يشقي ويعذب، والذي ~~يرفعنا دائما صوب الأعلى والأعلى، كما قلنا بالتفصيل في شرح هذه القصيدة الأخيرة (من ~~كتاب الفردوس). ~~(9) # مبعوث الشاهنشاه: توشك هذه الأبيات أن تكون ترجمة حرفية لسطور كتبها السفير ~~الإيراني ميرزا أبو الحسن خان المولود سنة 1776م في شيراز، أثناء زيارته لمدينة بطرسبورج ~~(ليننجراد سابقا) عندما طلب منه صديق في مايو سنة 1916م/جمادى الثانية 1231ه أن ms266 يكتب ~~بخط يده بعض انطباعاته عن المدينة وأهلها، فكتب صفحة نذكر منها هذه السطور التي ~~استوحاها الشاعر : «طوفت بالعالم كله، وعاشرت أشخاصا عديدين. كل ركن قدم لي شيئا ~~نافعا، وكل عود أخضر منحني سنبلة، ومع ذلك لم أر مكانا يعدل هذه المدينة وحورياتها ~~الجميلات، فلتحل عليها دائما بركة الله» (ص419-420 من ترجمة بدوي، وص166-168 من طبعة ~~هامبورج، المجلد الثاني، وص196 من طبعة بويلتر). # وأخيرا، فقد وردت المقطوعتان التاليتان في معظم الطبعات التي اطلعنا عليها بعد ~~فهرس الأعلام المنشور في آخر الديوان والتعليقات والأبحاث الملحقة به. وذكر النص ~~الألماني مع ترجمته العربية في المقطوعة الأولى المهداة لعميد المستشرقين الأوروبيين في ~~أوائل القرن التاسع عشر، وهو سلفستر دي ساسي، كما ذكر النص الألماني أيضا مع ترجمته ~~الفارسية في المقطوعة الثانية: ~~(1) سلفستر دي ساسي: # يا أيها الكتاب، سر إلى سيدنا الأعز، # فسلم عليه بهذه الورقة، # التي هي أول الكتاب وآخره؛ # يعني أوله في المشرق وآخره في المغرب. ~~(2) ها نحن قد قدمنا النصيحة الطيبة، # وأنفقنا في ذلك الكثير من أيامنا، # فإذا لم يجد أذنا صاغية من البشر، # فما على الرسول إلا البلاغ. # | أهم المصادر # (1) جوته، يوهان فلفجانج - الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، نشره أرنست بويتلر - بريمن، مطبعة كارل شينمان، 1956م (سلسلة كتب ديتريش، 125). # Goethe; West-östlicher Divan-Herausgegeben und ~~erläuter von Ernst Beutler-Bremen, carl Schönemann Velag, ~~1956-(Ssmmlung Dietrich, Band 125). ~~(2) جوته، الديوان الشرقي، طبعة هامبورج، المجلد الثاني، عني بنشره والتعليق ~~عليه إريش ترونس، الطبعة الخامسة، 1960م. # Goethes Werke, Hamburger Ausgabe, Bad ~~II-Textkritisch durchgesehen und mit Anmerkungen verschehen von ~~Erich Trunz. ~~(وتحتوي على ببليوجرافيا مفصلة عن طبعات الديوان الشرقي والدراسات ~~المختلفة عنه والمصادر التي استقى منه جوته معلوماته عن الشرق.) ~~(3) كاترينا مومزن، جوته والإسلام. ~~(4) كاترينا مومزن، جوته والمعلقات، برلين، مطبعة الأكاديمية، 1961م. # Mommsen, Katharina; Goethe und der ~~Islam. Mommsen, Katharina; Goethe und die ~~Moallakat-Berlin, Akademie-Verlag, 1961. ~~(5) جوته، الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، القاهرة، دار ~~النهضة العربية، 1967م. ~~(6) عبد الرحمن صدقي، الشرق والسلام في أدب جوته، سلسلة كتاب ms267 الهلال، العدد ~~195 - يونيو 1967م - القاهرة، دار الهلال. ~~(7) يوهان فلفجانج فون جوته، في شواهد ووثائق مصورة، عرض بيتر بورنر، سلسلة ~~روفولت، هامبورج 1966م. # Johann Wolfganga von Goethe-in Selbzeugnissen ~~und Bilddokumente-Dargestellt von Peter Bqerner-Hamburg, Rowohlt, ~~1966 (Rowohts Monographien). ~~(8) جيرون فون فيلبرت، المعجم الموضوعي للأدب، شتوتجارت، كرونر، 1964م. # Wilpert, Gero von; Sachwörterbuch der ~~Literatur-Stuttgart, Kroner, 1964. ~~(9) جوته، الديوان الشرقي-الغربي - نشره وعلق عليه هانز فايتس - مع مقالات عن ~~الديوان لهوجو فون هوفمنستال وأوسكار لوركه وكارل كرولو، فرانكفورت على ~~الماين، دار النشر إنزل، الطبعة الثامنة، 1988م. # Goethe, West-Oslicher Divan, herausgegeben ~~und erläautert von Hans-I. Weitz-Mit Essays zum Divan von Hugo von ~~Hofmannsthal, Oskar Loerke und Karl Krolow. Frankfurt am Main. ~~Insel-Verlag. Achte Auflage, 1988. ~~(10) كاترينا مومزن، جوته والعالم العربي، فرانكفورت على الماين، دار نشر ~~إنزل، الطبعة الثانية، 1989م (وله ترجمة عربية للدكتور عدنان عباس علي، ومراجعة ~~المؤلف، سلسلة عالم المعرفة، العدد 194، فبراير 1995م، الكويت). # Mommsen, Katharin; Goethe und die Arabische ~~Welt. Frankfurt am Main, Insel-Verlag, ~~2 # te # Auflage, ~~1989. ms268