######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.QasidaWaSura.Hindawi70358069 #META# Tags: poetry :: arts #META# ID: 70358069 #META# Title: قصيدة وصورة: الشعر والتصوير عبر العصور #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - فتاة الأكروبوليس ...‏ # 2 - رب اللحظة المواتية‏ # 3 - أبولو بلفيدير‏ # 4 - تمثال النصر (نيكا) في ساموثراكا‏ # 5 - المصارع المحتضر‏ # 6 - فينوس ميلو‏ # 7 - حواء‏ # 8 - فبراير‏ # 9 - المعلم والمتعلم‏ # 10 - ضريح إيلاريا ديل كاريتو‏ # 11 - إغواء القديس أنطونيوس‏ # 12 - إيكاروس‏ # 13 - العميان‏ # 14 - كآبة‏ # 15 - الربيع‏ # 16 - مولد فينوس‏ # 17 - الموناليزا لليوناردو دافنشي‏ # 18 - موسيقى في الخلاء لجورجونه (من حوالي ~~1478م إلى 1510م)‏ # 19 - انتصار جالاتيا‏ # 20 - الليل‏ # 21 - العبد المحتضر‏ # 22 - فيل يحمل مسلة‏ # 23 - تحذير أبوي ...‏ # 24 - محاضرة في علم التشريح للدكتور تولب‏ # 25 - داود يعزف على القيثار أمام الملك شئول‏ # 26 - بروميثيوس في متحف مدريد‏ # 27 - بسيخة المهجورة أمام قصر أيروس‏ # 28 - آمور وبسيخة‏ # 29 - إعدام الثوار‏ # 30 - أوديسيوس يسخر من بوليفيموس‏ # 31 - ميناء جرايفسفالد‏ # 32 - دير في غابة بلوط‏ # 33 - قاطعو الأحجار‏ # 34 - حقل القمح والغربان‏ # 35 - الصرخة‏ # 36 - صلح‏ # 37 - الجائعات‏ # 38 - شكل امرأة مضطجعة‏ # 39 - القبلة‏ # 40 - الأقنعة العجيبة‏ # 41 - امرأة جالسة على كرسي وثير‏ # 42 - الثورة‏ # 43 - ثورة الجسر‏ # 44 - أشخاص وكلب أمام الشمس‏ # 45 - الزرافة المحترقة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # تمهيد‏ # 1 - فتاة الأكروبوليس ...‏ # 2 - رب اللحظة المواتية‏ # 3 - أبولو بلفيدير‏ # 4 - تمثال النصر (نيكا) في ساموثراكا‏ # 5 - المصارع المحتضر‏ # 6 - فينوس ميلو‏ # 7 - حواء‏ # 8 - فبراير‏ # 9 - المعلم والمتعلم‏ # 10 - ضريح إيلاريا ديل كاريتو‏ # 11 - إغواء القديس أنطونيوس‏ # 12 - إيكاروس‏ # 13 - العميان‏ # 14 - كآبة‏ # 15 - الربيع‏ # 16 - مولد فينوس‏ # 17 - الموناليزا لليوناردو دافنشي‏ # 18 - موسيقى في الخلاء لجورجونه (من حوالي ~~1478م إلى 1510م)‏ # 19 - انتصار جالاتيا‏ # 20 - الليل‏ # 21 - العبد المحتضر‏ # 22 - فيل يحمل مسلة‏ # 23 - تحذير أبوي ...‏ # 24 - محاضرة في علم التشريح للدكتور تولب‏ # 25 - داود يعزف على القيثار أمام الملك شئول‏ # 26 - بروميثيوس في متحف مدريد‏ # 27 - بسيخة المهجورة أمام قصر أيروس‏ # 28 - آمور وبسيخة‏ # 29 - إعدام الثوار‏ # 30 - أوديسيوس يسخر من بوليفيموس‏ # 31 - ميناء جرايفسفالد‏ # 32 - دير في غابة بلوط‏ # 33 - قاطعو الأحجار‏ # 34 - حقل القمح والغربان‏ # 35 ms001 - الصرخة‏ # 36 - صلح‏ # 37 - الجائعات‏ # 38 - شكل امرأة مضطجعة‏ # 39 - القبلة‏ # 40 - الأقنعة العجيبة‏ # 41 - امرأة جالسة على كرسي وثير‏ # 42 - الثورة‏ # 43 - ثورة الجسر‏ # 44 - أشخاص وكلب أمام الشمس‏ # 45 - الزرافة المحترقة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | قصيدة وصورة # | قصيدة وصورة # | الشعر والتصوير عبر العصور # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # هل جربت أن تقف أمام رسم أو تمثال أو صورة فتحس كأنها تحدثك ~~بلسان شاعر أو تسكب في أذنيك الأنغام والألحان؟ ربما قلت لنفسك ~~متعجبا: حقا! إنها لفكرة غريبة، لكنها فكرة عابرة خطرت لعابر سبيل. ~~وتواصل جولتك في المتحف أو المعرض أو المرسم الذي تزوره متأملا الرسوم ~~والصور وأعمال النحت. قد تستغرق فيها وتتركها تؤثر على وجدانك وعقلك ~~دون أن يتدخل بينك وبينها شيء، وقد تزاحمك في لحظة التأمل أفكار وآراء ~~ونظريات حصلت عليها من هنا ومن هناك، لكنك في أغلب الظن ستمضي لحالك ~~دون أن تعيد النظر في تلك التجربة، أو تطيل الوقوف عند تلك الفكرة، ولو ~~تصادف وفعلت لتبين لك أن مئات من الشعراء والفنانين التشكيليين على ~~مدى المئات من السنين قد تبادلوا التأثير والتأثر، فاستلهم الشاعر ~~اللوحة والصورة والنقش والتمثال، والمعبد والمسلة والزهرية والأيقونة، ~~وسجل إلهامه في قصيدة، كما استوحى الرسام والمصور والمثال ~~والخطاط ومصمم البناء والمعمار ... إلخ، قصيدة شاعر من الشعراء، فرسم ~~وصور وخطط وجسم ما كان الشاعر قد تخيله وصوره بالكلمة ~~والوزن والإيقاع ... # وقصة هذا التأثير المتبادل بين ~~الفنون - خصوصا فن الشعر وفن الرسم - قصة طويلة يقدر عمرها بثلاثة ~~آلاف سنة في تاريخ الأدب والفن، لا الغرب والشرق. وهي قصة مثيرة ~~ومحيرة تطرح أكثر من سؤال وجواب عن تلقي الشعراء لأعمال الفن، ~~واستقبال الفنانين لفيض الشعراء، عن العلاقة بين الفنون الجميلة بوجه ~~عام، وفني الشعر والتصوير بوجه خاص، عن البنية أو التكوين الأساسي الذي ~~تشترك فيه كل الفنون بحيث يجعل منها إخوة وأخوات، أو الاختلافات ~~الجوهرية التي تميز كلا منها عن الآخر تمييزا صارما لا يسمح ~~بالمقارنة بينها حتى لا تشيع فيها الفوضى والاضطراب ... ومن هوميروس ms002 ~~وفيرجيل إلى كيتس ورامبو ورلكه وجئورجه وأودين ... إلخ، في الأدب الغربي، ~~ومن امرئ القيس وذي الرمة وشعراء «الديارات» وأبي نواس والبحتري ~~والمتنبي وابن الرومي وابن المعتز وابن زيدون، إلى شوقي ومطران وأحمد ~~زكي أبو شادي وبعض شعراء حركة «أبولو»، وصلاح عبد الصبور وحجازي ~~والبياتي وحميد سعيد وسعدي يوسف في شعرنا العربي الجديد، ومن شعراء في ~~الشرقين الأقصى والأدنى يصعب حصرهم من العصور الوسطى حتى يومنا ~~الحاضر، سنجد من استلهم أعمال الفن التشكيلي في الرسم والتصوير والنحت ~~والعمارة بل والموسيقى وسجلها في قصائد، كما سنجد - بدرجة أقل - ~~رسوما ولوحات وآثارا فنية أخرى يمكن أن نصفها تجاوزا بأنها قصائد ~~شعرية مصورة أو مجسمة أو منغمة. # ولقد عرف تاريخ الأدب الغربي هذا الجنس الأدبي المتميز الذي يمكن ~~أن نسميه قصيدة الصورة منذ العصرين الإغريقي والروماني، حتى يمكن ~~القول بأنها قديمة قدم الأدب والفن نفسيهما، وأن الأعمال التشكيلية ~~قد حركت الوجدان الشعري فحاول أن يخلدها أو يعبر عن انطباعه ~~عنها في صيغ لغوية فنية كتب لبعضه حظ البقاء، وأن قصيدة الصورة ~~أقدم من النقد الفني، وربما كانت في رأي بعض المنظرين أعلى منه قيمة، ~~وأن القرن العشرين يستطيع أن يزهو على القرون السابقة بعدد هائل من هذه ~~الكنوز اللغوية التي تحظى اليوم باهتمام النقاد وحب القراء والمتذوقين # 1 ~~... # بيد أن الحديث عن قصيدة الصورة حديث محفوف بالمخاطر والإشكاليات ~~والمقارنة بين القصيدة والأصل الفني الذي حاول الشاعر أن يصفه، أو ~~يسجل خواطره عنه، أو يعبر عن اندماجه في جوه وروحه، أو يجعله ~~مناسبة لنقد العصر وقيمه. هذه المقارنة نفسها ليست بالأمر الهين ~~البسيط؛ فهي بقدر ما تتيح لنا الموازنة بين عملين فنيين ومعايشتهما ~~في وقت واحد، تفتح أكثر من باب تهب منه رياح الأسئلة عن طبيعة الفن ~~ونظريته ووظيفته، وعلاقته بالحياة والواقع والمجتمع، وعلاقة الفنون ~~بعضها ببعض. يقول الشاعر الأمريكي عزرا باوند: «إن العمل الفني المثمر ~~حقا هو ذلك الذي يحتاج تفسيره إلى مائة عمل من جنس أدبي آخر. والعمل ~~الذي يضم مجموعة مختارة من ms003 الصور والرسوم هو نواة مائة قصيدة.» هذه ~~العبارة التي قالها شاعر كبير معروف بثقافته الواسعة، واطلاعه المذهل ~~على الآداب واللغات العالمية، تبين أن استيحاء الشعراء للأعمال ~~الفنية أمر مشروع، وأن العمل الفني الحق، هو الذي يوحي بأكثر من عمل ~~فني؛ لأن الإبداع في فن من الفنون لا بد من أن يدفع المنتجين في الفنون ~~الأخرى إلى المزيد من الإبداع. كل هذه أمور تتمشى مع ما تؤكده ~~فلسفة الفن والنقد الأدبي الحديث من أن قراءة القصيدة أو تأمل اللوحة ~~نوع من إعادة خلقها، وأن القصيدة أو الصورة يمكن أن يوحي كلتاهما بعدد ~~من الدلالات بقدر ما يتاح لهما من قراءات. ومن الطبيعي بعد هذا أن ~~تكون قصيدة الصورة حقيقة ملموسة تعززها مئات الأعمال الشعرية في ~~تاريخ الأدب الغربي بوجه خاص، وأن يكون التفاعل بين الفنون حافزا على ~~المزيد من الإبداع في الفن وفي نظرية الفن على السواء ... ومع ذلك فقد ~~عرف تاريخ الفن والنقد كثيرا ممن ألقوا ظلال الشك على هذا الجنس ~~الأدبي، وحذروا من المبالغة في تضخيم أهمية الفن والأدب المقارنين، ~~ومن إلقاء ألفاظ مبهمة من نوع الإلهام، والاستيحاء، والتأمل ~~المقارن، وشعر الرسم، ورسم الشعر، وغيرها من الألفاظ التي يحفل بها ~~تاريخ النقد الفني منذ أن أطلق أرسطو وهوراس عباراتها المشهورة التي ~~سنحاول الآن أن نقف عندها وقفة أطول # 2 ~~... # تكاد العلاقة بين الفنون تكون أمرا بديهيا لا يشك فيه أحد، ويكفي ~~أن ننظر في بعض الكلمات والتعبيرات الشائعة في النقد الفني والأدبي ~~لنعرف أنها توحي بهذه العلاقة الحقيقية والغامضة في آن واحد؛ إيقاع ~~البناء، معمار الرواية، تصوير الكلمة وموسيقاها، تجسيم الموقف والفكرة، ~~لون النغمة والشخصية ... إلخ. والفنون بأشكالها المختلفة - كما يؤكد ~~أرسطو في بداية كتابه عن فن الشعر - تصور الحياة وتشترك في خاصية ~~أساسية هي «المميزيس» أو المحاكاة. ولذلك ينبغي للشعر والتصوير - ~~بوصفهما فنين قائمين على المحاكاة - أن يستخدما مبدأ واحدا بعينه ~~للتكوين أو البناء، وهو الحكاية أو العقدة في المأساة (التراجيديا) ~~والتصميم أو التخطيط في الرسم (فن الشعر، ms004 6، 19، 21)؛ فالشعر عند أرسطو ~~فن، وهو فن محاكاة: إن الشاعر محاك مثله مثل المصور أو أي محاك ~~آخر (فن الشعر، 1460 ب-8). ومن الطبيعي أن تقوم بين الفنون علاقات ~~متبادلة، وإن تكن كما قال شيشرون (من 106 إلى 43ق.م. «بعد ذلك علاقات ~~دقيقة رهيفة»، انظر خطبته دفاعا عن أرخياس 1، 2). وليس من الصعب على ~~أي إنسان أن يربط لأول وهلة بين الشعر والموسيقى، وأن يحس بنفسه أن ~~العلاقة المباشرة بينهما تمد جذورا في مفهوم الشعر نفسه؛ إذ يكفي أن ~~يتذكر أن الشعر لا ينفصل عن الوزن والإيقاع والتنغيم والإلقاء، وأن ~~كلمة الشعر الغنائي نفسها في أصلها اليوناني قد جاءت من الآلة ~~الموسيقية (ليرا) التي كانت تصاحب الغناء، كما أن الشعر بقي مرتبطا ~~بالغناء والعزف طوال العصر الوسيط - في الموشح الأندلسي، وأغاني ~~الطروبادور في البروفانس، والمينة زانج عند الجرمان - حتى أصبحت ~~الموسيقى المحضة عند الرمزيين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن ~~العشرين هي المثل الأعلى والمطلق للشعر والشعراء. ولو قلبت في تاريخ ~~الفن والنقد والأدب لعثرت على نصوص كثيرة تقرب بين الفنون، وتلتمس ~~الوحدة المشتركة بينها في البناء والغاية، على الرغم من اختلافها من ~~حيث الترتيب على سلم القيمة ومدارج القدرة على التعبير. ولن تعدم ~~مثلا من يصف بناء المعبد الإغريقي بأنه تكوين موسيقي، ومن يميل ~~للمقارنة بينه وبين المأساة (التراجيديا) الإغريقية، أو من يؤكد ~~تأثير الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى على عمارة الكنيسة القوطية ~~إلى حد التطابق الكامل بينهما في الدلالة على عظمة الله وروعة خلقه. # 3 # لا سبيل إذن لإنكار العلاقة بين الفنون، سواء تصورناها علاقة تواز ~~أو تبادل وتفاعل وتأثير وتأثر عبر العصور والآداب. غير أن المسألة ~~لا تبدو بديهية حين نتأملها بشيء قليل من التفكير، وحين نبحث نوع ~~هذه العلاقة بين الفنون من حيث طبيعتها ووظيفتها ووسائلها وأشكالها ~~الجمالية. ولو حاولنا تتبع الأمر في تاريخ الأدب والفن والنقد لوجدنا ~~أحكاما متضاربة وآراء متفاوتة إلى حد الخلط والاضطراب أو التشكك ~~والارتياب؛ فأديب الرومانطيقية الألمانية وناقدها أوجست فيلهلم شليجل - ~~على ms005 سبيل المثال - يرى أن الأدب الكلاسيكي أقرب بطبيعته إلى النحت، على ~~حين أن الأدب الحديث والرومانطيقي أقرب إلى الرسم والتصوير. والناقد ~~الفني المشهور هربرت ريد (في مقالته عن التوازي بين الرسم الإنجليزي ~~والشعر ضمن كتابه في الدفاع عن شيللي ومقالات أخرى 1936م) يذهب إلى أن ~~أوزان الشعر عند الأنجلوسكسونيين يمكن أن تقارن بزخارفهم، وأن منظرا ~~طبيعيا رسمه الفنان جينز بورو «1727-1788م» في شبابه يذكرنا بقصيدة ~~كولينز «1721-1759م» أنشودة للمساء، بينما تذكرنا المناظر الطبيعية ~~التي رسمها ذلك الفنان في أواخر حياته ببعض خصائص شعر وردزورث ~~«1770-1850م». ومن النقاد من اكتشف تأثيرات من عمارة عصر الباروك على ~~قصائد شعراء مثل طومسون ويونج وجراي وكولينز، بل لقد حيرنا بعض ~~هؤلاء النقاد عندما راح يقارن شعر كيتس «1795-1821م» بالتصوير مرة ~~والنحت أخرى والموسيقى مرة ثالثة! # فأنشودته المشهورة عن وعاء أفريقي تسمح بالمقارنة بينها وبين النحت ~~البارز وبينها وبين الرسم. ولقد قال عنه الشاعر الأيرلندي الكبير ~~«ييتس» إنه يرسم في شعره صورا لا تنسى، غنية بالإيقاع غنى الرسم ~~الصيني. ويأتي ناقد آخر فيشبه اللون الأزرق عنده باللون الأزرق في ~~لوحات المصور الإنجليزي رينولدز (1723-1792م)، كما يربط ناقد ثالث ~~بين أنشودته إلى عندليب وبين الحركة البطيئة (الإندانتي) في السيمفونية ~~الأولى لبرامز، ويشبه ناقد رابع تأثير أشعارهما على نفوس قرائها ~~بتأثير صور تيرنر «1775-1851م» على من يشاهدها ويتذوق جمالها. # هذه الأمثلة وغيرها تبين أن العلاقة بين الشعر والرسم قد شغلت ~~الشعراء والنقاد أكثر بكثير من العلاقة بين الشعر وسائر الفنون. ولسنا ~~بحاجة للجوء إلى الإحصاءات لنعرف أن الشعراء قد كتبوا عن الرسم ~~والرسامين أكثر مما كتبوا عن النحت والنحاتين والبناء والبنائين، وإن ~~كان هذا لا يمنع أن تكون الفنون الأخيرة قد ألهمت عددا من الشعراء ~~طائفة من أجمل قصائدهم، نذكر منهم هلدرين، ورامبو، ورلكه، وستيفان ~~جئورجه. وتبقى الحقيقة مع ذلك ناصعة ساطعة الضوء؛ إن الشعر قد استوحى ~~الرسم أكثر مما استوحى غيره من الفنون، ولن نجد - في الأدب الإنجليزي ~~مثلا - قصيدة عن الرسم تفوق في روعتها وبساطتها ms006 قصيدة كيتس سابقة ~~الذكر عن الوعاء الإغريقي، ويكفي أن نستشهد بأبيات من هذه القصيدة التي ~~تبدأ هذه البداية: # أنت يا عروس السكون التي لم يمسسها أحد، # أنت يا من تبناها الصمت والزمان الوئيد، # يا راوية الغابات، يا من تستطيعين أن تحكي # قصة مزهرة أكثر عذوبة من أشعارنا ... # 4 # ويتساءل الشاعر عن الأسطورة التي صورت على ~~جوانبها، هل هي لآلهة أم لبشر أم لعذارى متمنعات؟ وعن الطراد ~~المجنون، والنضال للهرب، والمزامير والدفوف التي يسمع نغماتها العذبة ~~في نشوة عارمة، يسمعها بأذن الروح لا بالأذن الحسية. ويبدأ في تصوير ~~المشاهد التي يراها ويسمعها في آن واحد؛ فهناك الفتى الجميل الذي يجلس ~~تحت الأشجار، لا يستطيع أن يترك أغنيته، كما لا تستطيع تلك الأشجار أن ~~تتجرد من أوراقها. إنه هو المحب الجسور السعيد، وجسارته وسعادته ~~ينبعان من قدرته على أن يعزف إلى الأبد أغاني جديدة أبدا. وإذا ~~استحال عليه أن يقبل حبيبته فلا ينبغي عليه أن يستسلم للحزن، فسيظل ~~يحب، وستظل هي جميلة إلى الأبد، وسيبقى حبه دافئا فتيا متساميا ~~فوق كل العواطف الإنسانية، وسيبقى جمالها ربيعيا متجددا إلى الأبد. ~~ثم يستطرد في وصف الموكب الذي يقوده كاهن غامض لتقديم التضحية على ~~المذبح: # من هؤلاء القادمون إلى التضحية؟ # إلى أي مذبح أخضر، أيها الكاهن الذي يلفه الغموض، # تقود هذه البقرة التي يرتفع خوارها إلى السماء، # وقد تزينت كل جوانبها الحريرية بأكاليل الزهر؟ # أي مدينة صغيرة مبنية على ضفة نهر أو شط بحر، # أو على جبل، تحيطها قلعة آمنة، # أخلاها هؤلاء الناس، في هذا الصباح الورع؟ # أيتها المدينة الصغيرة، # ستظل شوارعك أبدا ساكنة، # وما من امرئ سيستطيع أن يعود # ليحكي لم أنت مقفرة؟ # وتنتهي القصيدة بمناجاة الشكل الجميل الذي يفيض بحركة ~~الحب والحياة كما يجسم في صمته سكون الأبدية: # يا شكلا أفريقيا! يا هيئة جميلة! # بنسيج يزينها، برجال وعذارى من الرخام، # بأغصان وغابات وعشب وطئته الأقدام. # أنت، أيها الشكل الصامت، تخرجنا بالكدر عن أفكارنا # كما تفعل الأبدية، أيها النشيد الرعوي البارد! # وتختتم الأنشودة بعناق ms007 نادر يحتضن فيه الشعر الفكر، ~~ويتلاحم الأدب والفلسفة: # عندما تضني الشيخوخة هذا الجيل، # ستبقى أنت وسط حزن آخر # غير أحزاننا، صديقا للإنسان، # تقول له: الجمال هو الحق، والحق هو الجمال، # هذا هو كل ما تعلم على الأرض، # وكل ما تحتاج أن تعلم. # لعل أقدم نص نعرفه في تاريخ الأدب والنقد الغربي عن ~~هذه العلاقة الساحرة الغامضة بين الشعر والفنون التشكيلية هي العبارة ~~المنسوبة إلى سيمونيدس الكيوسي (من جزيرة كيوس في بلاد اليونان، وقد ~~عاش حوالي سنة 556 إلى حوالي سنة 468ق.م.) التي يقول فيها إن الشعر ~~صورة ناطقة أو رسم ناطق، وإن الرسم أو التصوير شعر صامت. # 5 # ولا تلبث أن ترد على الخاطر تلك العبارة من كتاب «فن الشعر» للشاعر ~~الروماني هوراس (65-8 ق.م.)، وهي التي يشبه فيها القصيدة بالصورة ~~(كما يكون الرسم يكون الشعر، فن الشعر، 361)، كما يطالب ببذل الجهد ~~لصقل البيت الشعري وتشكيله. # والمهم في هذه العبارة التي تعددت شروحها عبر العصور أنها أكدت ~~التشابه بين الفنون - وخصوصا بين الشعر والرسم - إلى الحد الذي جعل ~~النقاد في عصر النهضة يقرءونها على الوجه الآخر: كما يكون الشعر يكون ~~الرسم. ولقد كانت هذه العبارة القصيرة وراء التأملات العديدة التي ~~دارت حول نظرية الفن والعلاقة بين الفنون، خصوصا منذ القرن السادس عشر ~~إلى معظم القرن الثامن عشر. وبينما ذهبت قلة من الشعراء إلى تفوق ~~الرسم على الشعر لا محاكاة الطبيعة البشرية، جعلت الأغلبية من نفسها ~~حماة للشعر، وراحت تؤكد أن الشعراء هم أعظم الرسامين. ومنذ أن وصف ~~الكاتب الإغريقي الساخر لوكيان «من حوالي 120 إلى حوالي 180م»، شاعر ~~الإغريق الأكبر هوميروس بأنه رسام مجيد (في كتابه الصور أو ~~الأيقونات، 8-)، وأيده في هذا شاعر عصر النهضة بترارك «1304-1374م» ~~انطبقت صفة الرسامين أو المصورين العظام على عدد كبير من الشعراء ~~يمتد من ثيوكريتيس، وفرجيل، وتوركواتو تاسو، وأوريوستو إلى سبنسر، ~~وشكسبير، وملتون وجماعة الشعراء الذين سموا أنفسهم في القرن التاسع ~~عشر باسم «السابقين على رافائيل»، # 6 # والبارناسيين وعدد كبير من شعراء العصر الحديث. ms008 ولم يخل ~~الأمر من ناحية أخرى من وجود نقاد يؤكدون أن الرسامين والمصورين ~~شعراء، وأن فنانا رائع الخيال مثل أنجلو يشهد على شاعرية فن الرسم ~~ويسمح بمقارنة الرسامين الشعراء بالشعراء الرسامين! # ومهما يكن الأمر فإن عبارة «هوراس» المشهورة قد نجحت في تأكيد ~~العلاقة القائمة بين الشعر والرسم وغيرهما من الفنون، وأثرت على ~~نظريات الشعر والفن عبر العصور، وهدت العديد من الشعراء والفنانين ~~التشكيليين على دروب الإلهام ومسالكه الغامضة، وحفزتهم على مواصلة ~~نشاطهم الإبداعي المثمر. # غير أن العبارة نفسها قد أثرت كذلك على الاتجاه المضاد الذي ينكر ~~أصحابه تراسل الفنون وتجاوبها ويرفض مبدأ المقارنة بينها رفضا حاسما ~~وكأنه «وباء علم الجمال الحديث» ... فقد حذر شافتسبري «فنون النحت ~~1712م» من عقد المقارنات بين الرسم والشعر، ووصفها بأنها محاولات عقيمة ~~وباطلة. ثم جاءت الضربة الكبرى لهذا الاتجاه كله من كتاب هام ذائع ~~الصيت هو كتاب «لائوكون» (1766م) لأديب عصر التنوير والكاتب والناقد ~~المسرحي «ليسنج»؛ فقد نظر إلى الشعر والرسم من حيث علاقتهما بالزمان ~~والمكان على الترتيب، وميز الأشكال الزمانية في الفن تمييزا حادا ~~من الأشكال المكانية، وبين عواقب الخلط بينها في العمل الفني الواحد ~~والتأثيرات الناجمة عن البنية الداخلية المختلفة في الشعر عنها في ~~الرسم. ولقد كانت النظريات الفنية التي استندت إلى مبدأ «هوراس» هي في ~~رأيه السبب الرئيس للاضطراب والخلط المؤسف بين الفنون في عصره. ثم جاء ~~في عصرنا الحاضر من ألف «اللائوكون الجديد، مقال عن الخلط بين ~~الفنون» (المؤلفة أيرفنج بابيت 1910م)، فأيد حجج ليسنج وشواهده - ~~التي استمدها من الأدبين الإغريقي والروماني - بحجج جديدة تؤكد ~~عبث المحاولة كلها وتبسيطها المخل لطبيعة الفن والواقع على السواء. # 7 # لكن علاقة القرابة بين الشعر والرسم لم تلبث أن ظهرت مرة أخرى منذ ~~أواخر القرن التاسع عشر إلى أيامنا الحاضرة ... وكانت فنون الشرق التي ~~تعرف عليها الغربيون على نطاق واسع منذ ذلك الحين هي المسئولة عن ~~هذا التحول؛ فقد أحس الناس بشاعرية الرسوم الشرقية، وبنزعة الشعر ~~الصيني والياباني إلى الرسم والتصوير. وتزايدت الدراسات النقدية التي ms009 ~~توضح العلاقة الوثيقة بين الشعر والرسم، كان الشعراء الصينيون في ~~معظم الأحيان رسامين، كما كان النقاد - في القرنين الحادي عشر والثاني ~~عشر بوجه خاص - قد أكدوا التوازي بين الشعر والرسم في عبارات قريبة ~~من العبارات المأثورة عن سيمونيد وهوراس. وها هو ذا واحد منهم - وهو ~~كورسون - يقرر أن الرسم والكتابة فن واحد، وأن الشاعر يستطيع أن يرسم ~~الشعر كما يستطيع الرسام أن يكتب قصائد بلا صوت ... وقد أدى هذا بعدد ~~من الشعراء الأوروبيين والأمريكيين إلى اتباع القواعد التي حددها ~~اليابانيون للقصائد والقوانين التي وضعها الصينيون للرسم. وبلغ الأمر ~~ببعض هؤلاء الشعراء أن كتبوا ورسموا قصائد «شرقية»؛ أي صورا تتجه إلى ~~العين مباشرة، وانطباعات حرة في عدد محدود من المقاطع والسطور، ~~وإيحاءات مركزة عن طريق تمثل الطبيعة لا عن طريق نسخها، وأبيات ~~مقتصدة شديدة التركيز والأحكام من نوع «الأبيجرام» # 8 # المعروف في الغرب منذ عهد الإغريق. ومهما يكن الأمر فيبدو ~~أن عددا كبيرا من الشعراء والفنانين الذين ستطلع على أعمالهم ~~المشتركة قد تأثروا قليلا أو كثيرا بهذا التراث العريق عن العلاقة ~~بين الشعر والرسم - بوجه خاص - ومع أن الشعر الحديث والمعاصر قد تطور ~~وتعقد مثله مثل الرسم الحديث والمعاصر بحيث لم يعد كلاهما يسمح ~~بتحديد مفهوم الشعر أو الرسم تحديدا تتفق عليه الآراء، فإن القصائد ~~التي كتبها هذا العدد الكبير من شعراء العصر عن الصور واللوحات وأعمال ~~النحت القديمة والوسيطة والحديثة تشهد شهادة كافية على «علاقة الرحم» ~~التي تجمع الفنون ببعضها والشعر والرسم بوجه خاص # 9 ~~... # نعم! ما أكثر ما ينظر الشعر بعينه إلى الفنون الأخرى ويستعير منها، ~~كما تنظر هي أيضا إليه وتستعير منه! والأمثلة على هذه الصلة المتبادلة ~~في الآداب المختلفة أمثلة كثيرة لا حصر لها، ويكفي أن نذكر هذا العدد ~~القليل منها على صورة رءوس موضوعات لا يسمح المجال بالدخول في ~~تفصيلاتها؛ وصف هوميروس لدرع أخيل في الإلياذة (النشيد 18، السطور من ~~478 إلى 608)، ووصف فرجيل في النشيد الثامن من الإلياذة لدرع إنياس ~~(السطور من 478 إلى 608)، ووصف فرجيل ms010 في النشيد الثامن من (السطور من ~~625 إلى 721)، وصف دانتي «وحديثه المرئي» عن تمثال البشارة لمريم ~~العذراء، وتمثالي داود وتراجان في النشيد العاشر من المطهر (أو ~~الأعراف) من كوميدياه الإلهية، الموت المنتصر والموت المهزوم في فن ~~الكلمة وفن التصوير في عصر الباروك، تصوير الأعمال الأدبية منذ العصور ~~الوسطى والرومانطيقية إلى التكعيبية في عصرنا الحاضر في أعمال ديران ~~وبيكاسو ودوفي، الصور التي رسمها شكسبير في مسرحياته، الصور الرمزية ~~والشعارات «الإمبليمات» التي ارتبطت بنصوص شعرية وازدهرت في القرنين ~~السادس عشر والسابع عشر بوجه خاص، قصيدة كيتس التي قدمناها قبل قليل ~~عن الوعاء أو الزهرية الأفريقية بجانب قصائده التي كتبها متأثرا ~~بلوحات تسيان وبوسان، الأبنية الرمزية والشكلية في شعر والت ويتمان ~~ومشابهتها للأبنية الموسيقية، تأثير الفنون التشكيلية الحديثة، وبخاصة ~~أعمال رودان وسيزان وباوكليه وبيكاسو على شبر «رلكه» المتأخر إلى حد ~~التناظر في التعبير عن الشعور عنده وعند أولئك الفنانين، بجانب قصائده ~~عن الكاتدرائيات، السمات التصويرية في التعبير الشعري لدى بعض الشعراء ~~التعبيريين الألمان مثل جورج هايم، وجورج تراكل، وأرنست شتادلر، القالب ~~السيمفوني في رواية هيرمان بروخ «موت فرجيل»، السمات القصصية في صور ~~الفنانين السيرياليين كيريكو وماكس أرنست، قصائد «الفردوس غير المفقود» ~~التي كتبها الشاعر الألماني أرنست شونفيزة لرسوم المصور والمثال إرنست ~~بارلاخ على الحجر، مدرسة التصويريين في الشعر الإنجليزي والأمريكي ~~الحديث التي تزعمها عزرا باوند، وبرز من أبنائها ت. س. إليوت، ~~وكلاهما قد نهل من معين الحداثة (المودرنية)، أو بالأحرى الثورة ~~المعرفية التي جاءت مع الفنون البصرية والتشكيلية الحديثة في النظرية ~~والتطبيق وخصوصا مع التكعيبية والدوامية والسريالية، ناهيك بعد هذا ~~كله عن اجتماع فنين في شخصية مبدعة واحدة مثل مايكل أنجلو، وفاجنروت. ~~أ. هوفمان، ووليم بليك، وجبران خليل جبران، وجبرا إبراهيم جبرا، ورمسيس ~~يونان، وحسن سليمان، وصلاح جاهين، وأحمد مرسي، وغيرهم ممن لا تحضرني ~~الآن أسماؤهم. ومن الصعب أن نحصر عدد القصائد التي «وصف» فيها الشعراء ~~لوحات الفنانين وصفا شعريا، وخصوصا لوحات الطبيعة كما صورها ~~الفنانون الرومانطيقيون مثل كلود لوران «1600-1682م»، وسلفاتور روزا ms011 ~~«1615-1673م». وأصعب من ذلك أن نحصر عدد القصائد التي استلهمت صورا ~~ورسوما وتماثيل ونقوشا وأعمالا نحتية منذ العصور الإغريقية ~~والرومانية حتى القرن العشرين الذي ازدهر فيه هذا الفن الشعري إلى حد ~~مذهل، وساهم فيه شعراء كبار مشهورون وآخرون مبتدءون لم يكد يسمع عنهم ~~أحد! والعكس كذلك صحيح؛ فعدد الفنانين الذين رسموا وصوروا قصائد ~~لشعراء مشهورين - من هوميروس وفيرجيل ودانتي وشكسبير وملتون ولافونتين ~~وجوته وبيرون وبودلير إلى الشعراء المعاصرين - عدد يفوق الحصر. وما ~~أكثر القصائد التي ألهمت أكثر من فنان فلحنها مؤلف موسيقي، ورسمها ~~رسام، وعبر عنها مثال! ويكفي أن نذكر قصيدة للشاعر الرمزي ~~مالارميه (1848-1892م)، وهي قصيدة «عصر إله الغاب» التي صورها الرسام ~~التأثيري مانيه، ولحنها الموسيقي التأثيري ديبوس، وحولها فنان ~~الباليه نيجنسكي سنة 1912م إلى باليه ... # لو تركنا الفنون والفنانين وانتقلنا إلى النقد والنقاد لما وجدنا ~~هؤلاء أقل حماسا أو اهتماما ببيان التقارب والتجاوب بين الفنون ~~المختلفة والنقاش والجدل حول طبيعة العلاقة بينهما؛ فالشاعر والناقد ~~الإنجليزي درايدن «1631-1700م» يكتب عن التوازي بين الشعر والرسم ~~«1695م» مؤكدا أن الاستعارات الجريئة في الشعر تساوي الألوان ~~القوية المتوهجة في الرسم، وأن التأثير الناتج عن بعض التشبيهات ~~والكنايات وأشكال التعبير الشعري تشبه التأثير المنبعث من الألوان ~~والظلال والأضواء على لوحة الرسام. وأديب الرومانطيقية وناقدها أوجست ~~فيلهلم شليجل (1767-1845م) يطالب بترجمة الصور ترجمة شعرية، ويكتب عن ~~بعض الصور الفنية مجموعة من السوناتات التي كان لها تأثير كبير على ~~تطور قصيدة الصورة وإن لم تكن ذات قيمة أدبية كبيرة. والناقد الفني ~~المعاصر «ماريو براز» # 10 # قد لمح صورة الشاعرين رامبو ولوتريامو - بجانب عالم ~~التحليل النفسي فرويد! - في رسوم بيكاسو وسلفادور دالي، كما قارن بين ~~الرسم السريالي وبين الأبيات التسعة التي تأتي بعد هذا البيت في قصيدة ~~«إليوت» المشهورة «الأرض الخراب»، من الجزء الثالث الذي وضعه الشاعر ~~تحت عنوان «موعظة النار»: # لقد زحف فأر في خفة بين المزروعات # وهو يجر بطنه الدبقة على الضفة، # بينما كنت أصطاد السمك في القناة المعتمة # ذات أمسية من أمسيات الشتاء ms012 خلف مستودع الغاز # وأنا أفكر في حطام أخي الملك # وفي موت أبي الملك من قبله. # أجساد بيضاء عارية على الأرض الوطيئة الرطبة، # وعظام ملقاة في غرفة صغيرة ضيقة جافة على السطح # لا يكاد يطؤها غير أقدام الفأر من عام إلى عام. # لكني ما أنفك أسمع من وراء ظهري بين الحين والحين # صوت الأبواق والمحركات التي ستعيد # سويني إلى مستر بورتر في الربيع. # 11 # وأخيرا فقد كشف هذا الناقد نفسه (وهو ماريو براز) عن ~~العلاقة الوثيقة بين الفن التجريدي وقصائد الشاعر جيوم آبوللينير ~~«كاليجرام»، كما ذكرته قصائد الشاعر كمنجز (1894-1962م) برسوم وصور ~~موندريان وكاندنسكي وباول كليه، بل لقد وصف بعض قصائد هذا الشاعر بأنها ~~شعر ورسم في آن واحد، وأنها تطبيق جديد للمبدأ القديم الذي عبر عنه ~~هوراس عندما قال «كما يكون الرسم يكون الشعر» ... # ومهما يكن من تحذير بعض نقاد ~~وفلاسفة الفن من الغلو في هذه المقارنات بين الفنون إلى درجة ~~الاضطراب والغموض وتذويب الحدود بينها (مثل رينيه ويليك، وإتيين سوريو ~~وجيمز مربمان)، فلا يمكن أن نتجاهل التأثيرات المتبادلة بينها، ولا أن ~~نجرد رؤية الفنان للقصيدة من كل قيمة، ولا أن نغفل الثمار التي ~~جناها الأدب والفن التشكيلي من التجاوب الروحي والعملي بينهما. ولا شك ~~في أننا مهما ميزنا الفنون بعضها عن بعض وأبرزنا الفروق البنيوية ~~التي تجعلها تعبر عن عوالم مختلفة بوسائل مختلفة، فإن الوظيفة ~~الرمزية واحدة في كل أنواع التعبير الفني (كما تقول الفيلسوفة سوزان ~~لانجر)، كما أن كل التقسيمات والتصنيفات والتصورات الجمالية المختلفة ~~تنتهي في أعماقها العميقة إلى وحدة واحدة (كما يقول كروتشه في كتابه عن ~~الشعر). وسواء فهمنا من هذه الوحدة الأخيرة أن جميع الفنون تطمح إلى أن ~~تصبح انسجاما وموسيقى، أو أن تتحول في النهاية إلى عبادة وصلاة، فإن ~~هذه الوحدة المأمولة تدل في كل الأحوال على الصلة الحميمة بين جميع ~~الفنون ... # ولا بد من القول بأن تأكيد هذه الصلة الحميمة لا يعني ببساطة أن ~~القصيدة الشعرية يمكن أن «تمثل» الصورة أو العمل التشكيلي بحيث ms013 تكون ~~مطابقة لها، أو أن هذين الأخيرين يمكنهما أن يترجما المشاعر ~~والأخيلة، والمواقف النفسية والعقلية التي تنطوي عليها القصيدة؛ فمن ~~الفنانين أنفسهم من يحدثنا عن صعوبة استيحاء المضمون الشعري وتحويله ~~إلى صورة. وقد اعترف الفنان الألماني «باول كليه» بأن من العسير إيجاد ~~تشكيل فني يطابق الموضوع (أو الموتيف) الشعري مطابقة تامة. والعكس ~~كذلك صحيح؛ فمن الصعب أن نعثر على الأعمال الفنية اللغوية (أي القصائد) ~~التي تناظر الصور والتماثيل، أو تعكس على الكلمة ما أظهره الفنان في ~~اللون والظل والخط والتشكيل. وسوف يتبين لنا بعد قراءة عدد من «قصائد ~~الصور» أن من الشعراء من اكتفى بوصف الصورة، ومنهم من راح يمجدها ~~ويمجد صاحبها، أو ينقدها ويتهكم عليها، ومنهم كذلك من أخذ يخاطبها ~~ويناجيها أو تركها تخاطبه وتناجيه، ومن ذكر مضمونها وروى قصة نشأتها ~~وحياتها، ومن استخدمها مناسبة للاسترسال في تأملاته وتجاربه الشخصية. ~~وربما فوجئنا بالشاعر الذي يكتب عن صورة فيخيل إلينا أنه هبط إلى ~~ذلك الأساس أو الأصل الخفي الذي تكمن فيه قوانين الوجود، وتتلاقى ~~الرياضيات والأحلام، وتنبثق كل الصور والكلمات كأنها تتدفق من نبع ~~جياش. ولا بد أن نحس عندئذ كأن الشاعر الفريد قد جرب ذلك الانسجام ~~الأصلي ومعه ذلك الانشقاق الأصيل اللذين تصدر عنهما الحياة الواعية ~~واللاواعية التي تعمل عملها في كل الفنون ... # إن تجميع الصور والقصائد على النحو الذي تراه في هذا الكتاب سيتيح ~~لك المقارنة بين الصورة والنص الذي كتب عنها، كما سيتيح لكل من ~~الشعر والرسم أن يلقي أحدهما الضوء على الآخر ويتواصل معه؛ فالنص ~~الشعري لا يفسر بنص نثري، وإنما يفسر بشيء مستقل عنه ينتمي ~~لميدان فني آخر، شيء يمكن أن يرى وأن يقارن بالنص. ولما كانت ~~قصيدة الصورة تقوم على أساس الاختلاف القائم بين الفن اللغوي وفن ~~التصوير، ولا تمس الحواجز الفاصلة بينهما، فإنها تستطيع بوسائلها ~~اللغوية والإيقاعية أن تفسر ما تمثله الصورة بوسائلها العيانية في ~~وسط آخر. ولا تخفى الفائدة التي يمكن أن يجنيها الفن والأدب من أمثال ~~هذه المقارنات، بل إن الأمر ms014 ليتخطى حدود الفن والأدب لينعكس على علوم ~~الاجتماع والنفس واللغة والأدب المقارن والجمال؛ ففي إمكان المهتم بأحد ~~هذه العلوم أن يقوم بهذا اللون الفريد من البحث المقارن ليلتمس فيه ~~الإجابة على مشكلة تشغله. في إمكان عالم الاجتماع - على سبيل المثال - ~~أن يعرف كيف تلقى الناس عملا من الأعمال الفنية في عصر معين بكل ~~ما ينطوي عليه تلقي الفن من مضامين اجتماعية ودلالات على روح العصر ~~وثقافة المجتمع وميول الطبقات المختلفة. وفي استطاعة عالم النفس أن ~~يتوسل بالنص الشعري للتغلغل في نفسية الفنان والاطلاع على أسرار ~~صنعته وإبداعه. ولن يتردد عالم اللغة عن دراسة القصيدة ليكشف عن ~~دلالة الكلمات والصور والتكوينات اللغوية والإيقاعية، وهل اقتصرت كلمة ~~الشاعر على الإشارة والوصف، أم حملت قوة الرمز وقدرته على الإشعاع ~~والإيحاء والتلوين. أما مؤرخ الفن وناقد الأدب وفيلسوف الجمال ~~فسيجدون في هذه المقارنات موضوعات للبحث لا تنفد، وربما وجدوا فيها ~~حلولا لمشكلات لم يكن من السهل الإجابة عليها قبل ولوج هذه الأرض ~~الحرام التي كانت تفصل بين الفن التشكيلي والأدب، فإذا بها تزدحم أمامه ~~بعشرات من الفنانين والشعراء الذين تجمعوا من بلاد وعصور مختلفة، ~~واخترقوا حدود الجنسيات واللغات لكي يلتقوا على هدف إبداعي وإنساني ~~واحد ... # غير أن القارئ الذي أدعوه للاستمتاع بقراءة هذه القصائد واللوحات ~~ستواجهه مشكلة عويصة أو بالأحرى مشكلتان؛ كيف يقرأ القصيدة، وكيف يقرأ ~~الصورة؟! لا شك في أن القراءات تتعدد بتعدد القراء، وربما اختلفت ~~عند القارئ الواحد من لحظة إلى أخرى، ومن مرحلة من العمر إلى مرحلة، ~~وفي كل مرة يكتشف طبقة من طبقات النص كانت خافية عليه ... ستسعفه ~~قراءاته السابقة بطبيعة الحال، وربما أعانته تجاربه الأدبية والفنية ~~التي اكتسبها من خبرته بالتراثين الأدبي والفني على الغوص في تلك ~~الأعماق. وعلى قدر العمق الذي بلغته هذه الخبرة الحية يكون عمق ~~القراءة. ومن الأمور المتفق عليها اليوم أن قراءة الشعر نوع من الخلق ~~والإبداع؛ فنحن عندما نقرأ شعرا نتمثل ما فيه من مشاعر وتجارب ~~وأخيلة، وتنفتح لعيون بصيرتنا مجموعة من الصور والمناظر ms015 والمواقف التي ~~«رسمها» الشاعر ودفعنا على رسمها من جديد لنعايشها بحالة شاعرية ~~وشعورية تكاد تكون قريبة من ذات الحالة التي صادفته عندما كتب قصيدته. ~~وربما يكون الحال كذلك مع الصور واللوحات وأعمال النحت التي نتأملها ~~ونحاول أن ندخل إلى عالمها؛ فهي تجسم أو تظهر - بالخط واللون والضوء ~~والظل، أو بالحجر والخشب والنحاس ... إلخ - مجموعة من المشاعر والأفكار ~~والتجارب التي اختلجت في عقل الفنان ووجدانه، وفي الحالين نجد أنفسنا ~~مدعوين للمشاركة في تكوين أو تشكيل أو بناء خاص انصهرت فيه الألفاظ ~~والصور والأوزان والإيقاعات من ناحية، والخطوط والألوان والمساحات ~~والظلال من ناحية أخرى. وتزداد صعوبة المشكلة مع قصائد نقلت - على جسر ~~الترجمة الواهن! - من لغة إلى لغة أخرى مختلفة عنها في نظامها الصوتي ~~والنحوي والتركيبي والدلالي. والواقع أن كلمات الشعر - بل أحرف هذه ~~الكلمات! - بترتيب سياقها في القصيدة، وبجرسها ورنينها الخاص، هي مفتاح ~~الباب الضيق - أو الباب المغلق! - الذي ننفذ منه إلى عالم الشعر ~~السحري، أصل النشوة والعجب و«التعجيب» الذي يأخذ بألبابنا عند قراءته. ~~ولم يبالغ القاضي الجرجاني عندما وصف كلام الشاعر بأنه «أصوات محلها من ~~الأسماع محل النواظر من الأبصار ...» # 12 # ولكن ما العمل إذا كانت القصائد لا تقدم في لغاتها الأصلية؟ وإذا ~~كانت الترجمة تضحى مضطرة بصوت اللفظ الذي هو جزء لا يتجزأ من معناه، ~~بل تنقل اللفظ الأصلي بجرسه الخاص إلى نظام لغوي آخر ينقله إلى لفظ ~~آخر إلى صوت وجرس مختلفين؟ أليس معنى هذا أن تصبح قراءة النص الشعري ~~أمرا مستحيلا لمجرد أنه نص مترجم؟ # كل هذه مشكلات وأسئلة تطرح نفسها على الترجمة الأدبية بوجه عام ~~وترجمة الشعر بوجه خاص. وليس هذا هو مجال مناقشة هذه المعضلة التي ~~تتفرق حولها الآراء من قائل إن الشعر لا يترجم - كالجاحظ في عبارته ~~المشهرة - أو إن جوهر الشعر نفسه هو الذي يذهب مع الترجمة، أو إن ~~ما يبقى منه بعدها أكثر مما يضيع منه ... إلخ. ولا خلاف على أن ترجمة ~~الشعر - حتى لو قيض لها أشعر الشعراء في لغاتهم الأصلية! ms016 - تمثل ~~العقبة الكبرى أمام قراءته قراءة حقيقية يصحبها الفهم العميق والذوق ~~الدقيق لدلالات الألفاظ وإيحاءاتها الصوتية والصورية والرمزية. ولقد ~~تمنيت لو جاءت الترجمة العربية في مواجهة النص الأصلي في لغته التي ~~قرأته بها، لكن ظروف النشر في عالمنا العربي لا تسمح بهذا العمل ~~الواجب، وربما يزيد من أعباء النشر والطبع التي لا ضرورة لزيادة ثقلها. ~~أضف إلى هذا أن القراءة المثالية إذا كانت قد أصبحت مستحيلة أو بعيدة ~~المنال، فإن فرصة القراءة الممتعة التي تتيحها المقارنة بين النص ~~والرسم بجانب مقارنة النصوص الشعرية بعضها ببعض لم تنعدم ولا يمكن أن ~~تنعدم. # ولنجرب الآن - بوسائلنا النثرية الفقيرة - أن نقرأ بعض الصور التي ~~ستجدها في هذه المجموعة المختارة، ولنحاول أن ننظر إليها بعيون الشعراء ~~الذين عرفوا كيف ينظرون، فربما نتعلم منهم شيئا من فن الرؤية الذي ~~برعوا فيه، بينما نسير نحن في دروب هذا العالم كالذين يفتحون أعينهم ~~ولا يرون ... # لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن العمل الفني الحقيقي أشبه بمنجم غني ~~بكنوز الأسرار وأسرار الكنوز، وكل من يتأمل ذخائره لا بد من أن يفعل ~~هذا من وجهة نظر معينة تتحكم فيها عوامل لا حصر لها، ويستخرج منه هذا ~~الجوهر الثمين أو ذلك حسب قدرته وموهبته وثقافته وخبرته ونظرته للحياة ~~والكون والفن. ولن نستطيع بطبيعة الحال أن نقف أمام جميع الصور ~~والأشعار التي يقدمها هذا «المتحف» الصغير؛ لأن ذلك يفسد الغاية من ~~إتاحة الفرصة لكل قارئ لكي يتذوق ويجرب بحريته الكاملة؛ ولذلك ~~سأكتفي بمحاولة النظر إلى ثلاث لوحات اخترتها من أكثر من أربعين لوحة، ~~مع علمي أن المحاولة لا تخرج عن إلقاء بعض الأسئلة التي تحفز القارئ ~~على الدخول في عالم هذه القراءة الفريدة، وتشجع على القيام ~~بالمغامرة، وتغري الشاعر والمصور بمد أيديهما إلى بعضهما ... # وربما يسأل القارئ: كيف يمكنني أن أفسر قصيدة الصورة؟ وكيف أقارن ~~بين نص لغوي وآخر مرئي؟ والإجابة على هذين السؤالين وأمثالهما متروكة ~~لكل قارئ على حدة، وهي تعتمد - كما سبق القول - على ذوقه وتجربته، ~~وثقافته ووجهة نظره ms017 في النقد والحياة. وإذا صح ما يقوله بعض نقاد ~~الشعر من أن القراءات تتعدد بتعدد القراء، وأن كل قارئ يعيد ~~إبداع القصيدة على طريقته ولا يقتصر على استحضار تجربة الشاعر الأصلية، ~~فلا غنى لهذا القارئ نفسه عن - 24 - بعض الموجهات النظرية التي تهديه ~~داخل المتاهة السحرية. ولذلك سنطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعد ~~الإجابة عليها على القراءة المنظمة، ولا نقول العلمية أو الموضوعية حتى ~~نترك للتذوق الحر مجالا يتحرك فيه؛ # 13 # كيف ومتى التقى الشاعر بالصورة، وفي أي موقف من مواقف ~~حياته وعصره ومجتمعه تم هذا اللقاء؟ هل نشأت قصيدته في مناسبة ~~معينة، كأن تكون هذه المناسبة زيارة لمتحف أو مرسم أو معرض صور، أو ~~احتفالا بذكرى فنان، أو حتى الحصول على بطاقة بريدية طبعت عليها ~~الصورة؟ وكيف كان تأثير هذه الصورة عليه؟ هل جذبته إليها أم نفرته ~~منها؟ هل شعر بغرابتها وغموضها ، أم أحس أنها تحرك عاطفته وتلهمه ~~وتقدم له الراحة والعزاء؟ وهل نجح في أن ينقل مضمونها وشكلها إلى ~~لغة القصيدة بحيث تعكس بنية القصيدة بعض العناصر المكونة لها؟ وإذا ~~كان قد نجح في هذا فما هي الوسائل والأدوات الفنية التي لجأ إليها؟ كيف ~~استطاع أن يجعل الصور الساكنة تنطق وتتحدث إلينا من طوايا الماضي ~~البعيد أو الحاضر المباشر؟ وإذا كان قد وفق في التعبير عن بعض معالم ~~الصورة وتفصيلاتها الدقيقة، فهل أغفل تفصيلات أخرى، ولماذا فعل ذلك؟ هل ~~تمكنت القصيدة من تقديم تفسير للصورة، وما هي الوسائل التي استعانت ~~بها لتحقيق ذلك؟ ثم ماذا كان هدف الشاعر من كتابة قصيدته عن صورة ~~محددة؟ هل كان الهدف هو نقد عصره ومجتمعه، مثل معظم الشعراء الشباب ~~الذين ستجدهم يكتبون عن «كآبة» دورر أو «جوكندا» دافنشي، فيدينون عصر ~~القلق والأورام والرعب النووي وقواعد الصواريخ؟ أم كانت غاية الشاعر هي ~~إطلاق العنان لخواطره ومشاعره، وإلقاء الضوء على الوجود الإنساني بوجه ~~عام، ومحاولة الاقتراب من سره ومعناه؟ أم كان الهدف في النهاية غير ~~مرتبط بأي هدف، اللهم إلا متعة التأمل والتذوق ms018 المنزهة عن كل هدف ~~أو غرض، وهي المتعة التي جعلها «كانت» محور التذوق الفني والاستمتاع ~~والمسرة الجمالية؟ # وربما ينتقل القارئ إلى أسئلة أخرى أكثر ارتباطا «بحرفية» القصيدة ~~وصنعتها فيسأل: كيف عالج الشاعر قصيدته و«وظف» كلماتها وعباراتها ~~وصورها ورموزها؟ هل سلك طريق الوصف المباشر، أم سار على درب القصة ~~والحكاية، أم لجأ إلى الحوار بينه وبينها؟ هل اتبع الأسلوب الغنائي أم ~~التقريري أم أسلوب التعليم وضرب المثل؟ وهل أوجز وكثف أم أسهب وأطنب؟ ~~في أي قالب وضع قصيدته ورتب أبياتها ومقاطعها؟ وهل التزم أوزانا من ~~بحر معين ونوع القوافي، أم فضل الشعر الحر وبالغ في بعض الأحيان ~~وكتب على طريقة الشعر المجسم (الذي كان آخر صيحة في عالم الشعر ~~وتنظيم سطوره حتى عهد قريب)؟! هل يغلب على النص طابع التعبير العاطفي، ~~أم طابع الإيماء والإيحاء، أم الدعوة إلى انفعال أو فعل معين؟ وهل ~~يتكلم الشاعر عن الصورة نفسها أم عن الفنان الذي رسمها أم عنهما معا؟ ~~وهل وفق آخر الأمر في «توصيل» تجربته أو «رسالته» أو «كلمته» ~~والملاءمة بين أسلوب القصيدة وبنائها وبين الحقائق التي تمخضت عنها ~~الإجابة على الأسئلة السابقة؟ إن هذه الأسئلة تصب كما ترى في تذوق ~~القصيدة وتعين الإجابة عليها على تحقيق غاية المتعة الجمالية التي لا ~~يختلف حولها أحد ... # فلنحاول أن نقرأ معا بعض الصور القليلة التي تجدها في هذا الكتاب ~~على ضوء القصائد التي قيلت عنها. ولنتذكر أن قراءتنا ليست سوى قراءة ~~واحدة من بين قراءات أخرى ممكنة؛ أي إنها تقدم تفسيرا واحدا ولا ~~تزعم أنه هو التفسير الوحيد. ولنبدأ ب «الجوكوندا» أو «الموناليزا» ~~التي تعد من أشهر كنوز الفن، كما تعد ابتسامتها المميزة لغزا ~~أبديا ربما يفوق في غموضه وحنانه وسخريته ابتسامة أبي الهول ... # ماذا تقول هذه الابتسامة التي لا تنطق؟ وبماذا تتحدث هذه النظرة ~~الهادئة المفعمة بالتعاطف والأسى والدعابة والتعالي؟ إن الرزانة ~~والصبر تحيطان هذه السيدة الإيطالية البيضاء المنعمة، ويداها ~~المشبوكتان على صدرها كحمامتين تتناجيان فتزيدان من الإحساس بالرضى ~~والاستسلام والحنان. كل شيء فيها ms019 ومن خلفها يكرس هذا الإحساس ويقلقه ~~في آن واحد؛ المنظر الطبيعي الساكن الذي يوشك أن يحيلها هي نفسها إلى ~~طبيعة ساكنة، البحر البعيد والصخور البلورية والسماء المتلاشية ~~الزرقة، والماء الفضي المنحدر من الجبل، والشجر وجذوع الشجر ناصعة ~~البياض، والظل الراسخ الداكن الذي يتحدد على «الخلفية»، ولا يفلح ~~لمعان الماء الفضي ولا نصوع الجبين الوضاء والصدر المرمري وأنوار الفجر ~~المتوهج من بعيد، لا تفلح كلها في زحزحة هذا الظل الجاثم ومعه ~~الأفول والنضوج والحكمة المترفعة. # لكن روعة المنظر الطبيعي الملتف في ثوب الغروب أو في ثوب الحداد لا ~~تستطيع أن تشغلك عن النظر إلى العينين اللتين لا تتحولان عنك، ولا ~~يمكنك أن تحول عينيك عنهما! وهي تعجز بالتأكيد عن تشتيت انتباهك إلى ~~الابتسامة التي لا تدري هل تفتر عن الحب أم عن القسوة؟ وهل هي ~~ابتسامة الأنثى الخالدة التي تجذبك إليها، أم ابتسامة النمرة المتربصة ~~التي تغوي ضحيتها وتهلل لقرب انتصارها عليها؟ ... # وتهز رأسك حيرة وعذابا، ثم ترفعه وتثبت عينيك على عينيها ~~وشفتيها. لا شك في أنها تريد أن تقول شيئا أو أشياء، لكن هل تقوله ~~للفنان الذي كان عاكفا على رسم صورتها، أم تقوله لكل من سيقف أمامها ~~في مستقبل الأيام والأجيال، أم تخاطب به نفسها في عزف منفرد يصمت في ~~نطقه وينطق في صمته؟ إن النظرة الممتلئة بالحياة - على الرغم من سكونها ~~الظاهر - والبسمة التي تختلج على الشفتين محاولة الإفلات من اللون ~~والظل والمكان الذي قيدت فيه منذ أكثر من خمسة قرون، لترقص وتهتز ~~وتتحرك في الزمان، إنها جميعا لتحيرك فلا تدري هل تتوقف أمامها ~~وتملأ عينيك من جمالها وحنانها وحبها ودفئها، أم تلوذ بالفرار قبل أن ~~تعرى من ثياب عاداتك، وتنفذ في صندوق أسرارك، وتفضح تفاهة عالمك ~~المزهو بغروره وسخافاته وظلماته، وتجرجر لنفسك «نسخة» منها قبل أن ~~تخرج من الباب. وتظل الحيرة من لغز الموناليزا أو ألغازها تطاردك؛ هل ~~كنت أمام المرأة أم العروس أم «الهولي» أم القديسة البتول؟ هل تكلمت ~~إلي بصوت العرافة القديمة، أم رتلت صلوات ms020 المؤمنة الراضية؟ هل ~~ضحكت أم بكت؟ وهل رحبت بزيارتي أم طردتني من بيتها؟ أتراها حملتني ~~بهداياها - النور مع الموسيقى زادا لبقية عمري - أم أثقلت روحي ~~برموزها وأسرارها، وأرهقت ضميري بالبحث عن سري ورمزي ولغزي؟ وليت شعري ~~هل اقتربت منها أم ابتعدت؟ وإذا وضعت صورتها في بيتي - كما يفعل ملايين ~~الناس - فهل ستكون نعمة أم نقمة؟ وهل أتمكن يوما من فض اللغز ~~الأبدي؟ إن الفنان العظيم قد رسم «فلسفته» عندما رسم هذه المرأة - ~~الهولي أو هذه الحواء - الملاك، ولكنه - شأنه شأن كل فيلسوف حق - قد ~~دعانا للمشاركة والحوار، وصان رؤيته من التمذهب والتحجر والتعصب ... ~~وليت صغار المتسلطين والمستبدين في الأدب والفن والعلم والحياة ~~يعرفون أخيرا أن هذه المفاهيم نفسها تناقض التسلط والاستبداد ولا ~~تليق إلا بالبهيم والجماد ... # وننتقل في الزمان سنوات قليلة ~~بعد ليوناردو دافنتشي (1452-1519م) والجوكوندا التي صورها حوالي سنة ~~1503م، لنقف أمام لوحة هي آخر ما رسم فنان آخر من أصحاب الرؤية، وهو ~~بيتر بروجل الأكبر (من حوالي 1525م إلى 1569م). إن العميان الستة (وقد ~~رسمها حوالي سنة 1568م) يجتاحهم الرعب، ويتحسسون الطريق واحدا بعد ~~الآخر متشبثين بعصا أو قضيب طويل يمسك أولهم وآخرهم بطرفيه. كل ~~منهم يضع يده على كتف المتقدم عليه في الصف، والذي يستند عليه قد ارتج ~~جسده واختل توازنه. ما السر وراء الزلزلة أو العاصفة أو الموت الداهم؟ ~~إن الثاني في الصف يعرف وإن كان مثلهم لا يرى؛ فلقد وقع الرائد ~~والقائد في حفرة، وانهار فوقع التالي وانهار عليه، أما الأربعة ~~الباقون فقد استشعروا الخطر وفتحوا المحاجر الجوفاء على اتساعها كأنهم ~~يريدون أن يروا الظلمة المطبقة ويتأكدوا من أنها ازدادت كثافة ~~وإطباقا ... من هم هؤلاء الرجال الستة؟ أيسيرون على طريقهم المعتاد كل ~~يوم؟ هل وقعوا في هذه الحفرة من قبل أم فاجأتهم على غير توقع؟ من ~~بعيد تظهر بعض بيوت القرية والكنيسة الريفية الصغيرة والأشجار الراسخة ~~والبحيرة. ولم يسعون أو يوشكون على السقوط في الحفرة دون أن يشعر بهم ~~أحد؟ كيف اندفعوا في الليل الأعمى؟ ms021 من حركهم؟ هل هو مثلهم قدر ~~أعمى؟ ولماذا يتخلى عنهم؟ ولماذا لم ينتظروا أن يشرق فجر أو تطلع ~~شمس نهار؟ هل دار بخاطرهم أن الرؤية بالليل تكون أتم؟ # الأعمى، يتبعه أعمى، يمسك بعصا يمسكها أعمى، يضع يديه على كتفي ~~أعمى ... والكل تعثر وسيسقط حتما في الحفرة ... أهي رؤية ونبوءة؟ هل رسم ~~الفنان هؤلاء العميان أم كان كأفلاطون في أسطورة الكهف (آخر الكتاب ~~السادس وبداية الكتاب السابع من الجمهورية) يقدم رمزا أو أمثولة؟ ~~هل نحن العميان المقصودون، والموت أو القدر الأعمى أو ما شئت من المحن ~~الكبرى هو تلك الحفرة؟ ألا تنطبق الرؤية أو النبوءة علينا نحن في هذا ~~العصر، عصر الاضطراب الشامل الذي نشقى به، والكوارث الكبرى والصغرى ~~التي تتجسد أمامنا في كل مكان، عصر يشن فيه الجميع الحرب على الجميع، ~~ويتوقعون الكوارث كل يوم، ويقتاتون عليها كل صباح، ويأخذونها إلى ~~نومهم كل مساء؟ ألا يمكن أن نقول مع أحد الشعراء الذين «قرءوا» ~~العميان إنها ليست مجرد صورة، بل وصية، في زمن جمع أصحاب الرؤية من ~~أمثال بروجل (رابليه ومونتني وشكسبير)، وجسد الرعب من المجهول وما ~~أفظع تخريبه للأفراد والشعوب؟ أم نقول أخيرا إن عميان بروجل يرون ~~بأعينهم أكثر مما نرى، ويحسون بنا أكثر مما نحس بأنفسنا؟ هم ~~أسرى القيد المجهول. من فينا إلا وهو اليوم أسير مثل العميان، سجين أو ~~مشنوق؟ # وتوسيع خطاك وأنت تنتقل عبر الزمن لتجد لوحة أخرى لراء آخر؛ إنه ~~فنسنت فان جوخ (1853-1890م)، ولوحته هي حقل القمح مع الغربان التي كانت ~~آخر ما رسم قبل إقدامه على الانتحار بأيام قليلة. انظر الصورة وحاول أن ~~تقرأها قبل أن تضاهيها بنصوص الشعراء. سيفاجئك إلى حد الدهشة طوفان ~~القمح الذهبي، وستمسك أنفاسك خوفا أو عجبا من أسراب الغربان السوداء ~~الطافية على سطح الموج، ودائرة النار ووهج البريق، وتلبد السحب وزفير ~~الأرض، أهي غضبة الوجود وحريقه أم رماد العدم المتبقي بعد الثورة؟ أم ~~هو قلق الفنان المتمزق بهواجسه «الميتافيزيقية» التي لونها ~~بالأحمر والأصفر الفاجعين (من الأسف أن الصورة بالأبيض ms022 والأسود لا ~~بالألوان الأصلية!) # 14 # هل كان هذا الفنان يتضرع لله أن يخلصه من يأسه فكانت الصورة هي ~~نشيجه وبكاءه، وكانت الألوان هي صلاته، لكن الفنان قد أطلق آخر سهم في ~~جعبته، والسهم اتجه إليه وغار في لحمه، وانفتح الجرح كما تنفتح ~~الهاوية السوداء. هل هو جرح وجود الإنسان على الأرض، في زمن الجوع، ~~القسوة، والتعذيب، أم هو جرح الفنان البائس، جرح العين التي «رأت» من ~~هول الحقيقة أكثر مما تطيق عين البشر؟ وها نحن أولاء نرى بعض ما ~~أصابها بالدوار فيصيبنا الدوار ... # بقي علينا أن نعرج على أدبنا العربي ونطرح هذا السؤال: هل نجد أثرا ~~لقصيدة الصورة في تراثنا الشعري والنقدي قديمه وحديثه ومعاصره؟ وإذا ~~صح توقعنا للجواب فهل يمكننا - إزاء التراث العريق ومراعاة لمقتضى ~~الحال في مثل هذا التقديم! - أن نتتبع الخيوط الأساسية للاهتمام ~~بالصورة في جانبها الذي يؤكد المقارنة القديمة بين الشعر من ناحية ~~والتصوير أو الرسم من ناحية أخرى؟ # من الطبيعي أن نجد الصورة الفنية على اختلاف أنواعها ومستوياتها ~~ووظائفها في الشعر العربي، شأنه في ذلك شأن كل شعر آخر؛ فقد كانت ~~الصورة ولم تزل هي جوهر الشعر الثابت ووسيلته التي لا يستغنى عنها في ~~الكشف عن الحقائق الشعرية والإنسانية التي تعجز اللغة العادية واللغة ~~العلمية عن الكشف عنها وتوصيلها. ومن الطبيعي أيضا أن يحظى بحث الصورة ~~بعناية النقاد والبلاغيين القدامى، وأن يستفيد من جهود اللغويين ~~والمفسرين والمتكلمين في تحديد مفاهيم التشبيه والاستعارة والمجاز، ~~كما يستفيد من شروح الفلاسفة المسلمين لنظرية المحاكاة لأرسطو على ضوء ~~كتبه في الشعر والخطابة والنفس وما بعد الطبيعة. # وربما يكون «الجاحظ» هو أول من التفت إلى طبيعة الشعر من حيث هو «ضرب ~~من النسيج وجنس من التصوير»، وأول من طرح في تاريخ النقد العربي بعض ~~الأفكار الهامة التي سيطرت على أجيال طويلة من البلاغيين والنقاد من ~~بعده، ولو قرأنا عبارته المشهورة في كتاب الحيوان (3 / 131-132) ~~لتبينا الدلالات المختلفة التي يفهمها من كلمة التصوير، والمبادئ ~~التي يقوم عليها هذا الفهم: «المعاني ms023 مطروحة في الطريق يعرفها العجمي ~~والعربي، والبدوي والقروي والمدني، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة ~~السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير.» # والعبارة تقدم لنا مصطلح التصور الذي يهمنا في هذا السياق. ~~والجاحظ يستخدمه في العبارة السابقة وفي كتبه ووسائله استخداما يمكننا ~~أن نستشف منه ثلاثة مبادئ؛ أولها: أن للشعر أسلوبا خاصا في صياغة ~~الأفكار أو المعاني، وهو أسلوب يقوم على إثارة الانفعال واستمالة ~~المتلقي إلى موقف من المواقف. وثانيها: أن أسلوب الشعر في الصياغة يقوم ~~على تقديم المعنى بطريقة حسية؛ أي إن التصوير يترادف مع ما نسميه الآن ~~بالتجسيم. وثالث هذه المبادئ أن التقديم الحسي للشعر يجعله قرينا ~~للرسم ومشابها له في طريقة التشكيل والصياغة، والتأثير والتلقي، وإن ~~اختلف عنه في المادة التي يصوغ بها ويصور بواسطتها، # 15 # ومن الواضح أن المبدأ الأخير يشير إلى دلالة كلمة التصوير ~~على رسم لوحة أو تشكيل تمثال، بحيث يصبح معنى الصورة مرادفا للوحة ~~المرسومة، ويكون ربط الشعر بالرسم أمرا ناتجا عن إدراك أن التقديم ~~الحسي للمعنى أو التجسيم عنصر مشترك بين الشعر والرسم؛ لأن كلا من ~~الرسام والشاعر يقدم المعنى بطريقة بصرية. # ومع أننا نفتقد الأساس النظري لفكرة المقارنة بين الشعر والرسم في ~~كتابات الجاحظ المعروفة، كما نفتقد التطبيق العملي لها على نصوص الشعر، ~~فإن بعض أحكامه النقدية تؤكد ميله إلى هذه المقارنة، وإلى ذلك النوع ~~من الشعر الذي يقدم مشهدا أو منظورا واضحا لمخيلة المتلقي كأنه ~~لوحة يرسمها رسام. وربما كانت رواية ابن الأثير (في المثل السائر، 2، ~~246-347) - وهي الرواية التي تتكرر في أخبار أبي نواس لابن منظور ~~(ص 39، 40) - لأبيات أبي نواس المشهورة في وصف الكأس وصورة كسرى في ~~أسفله والمها والفوارس التي ترميها بالقسي، ثم قوله على لسان الجاحظ ~~إنها أفضل ما عرفه من شعر أبي نواس، بل من الشعر قديمه وحديثه، ربما ~~كانت هذه الرواية تؤكد أن مصطلح التصوير عند الجاحظ بقدر ما يشير إلى ~~قدرة الشاعر كصانع على التأثير في الآخرين، فهو يشير في الوقت ms024 نفسه ~~إلى أن الشاعر يستعين في صناعته بوسائل تصويرية تقدم المعنى تقديما ~~حسيا، مما يجعله نظيرا للرسام ومثيلا له في طريقة التقديم. # 16 # والمهم أن الجاحظ عندما طرح فكرة التصوير على هذا النحو ~~كان يطرح لأول مرة في النقد العربي فكرة الجانب الحسي للشعر وقدرته على ~~إثارة صور بصرية في ذهن المتلقن، وهي فكرة تعد المقدمة الأولى ~~للعلاقة بين التصوير والتقديم الحسي للمعنى. وقد التقط منه البلاغيون ~~والنقاد واللغويون والمفسرون والشراح - كالرماني وابن جني والعسكري ~~والزمخشري والمرزوقي وابن سنان وابن رشيق - خيط هذه الفكرة، وبدءوا ~~يلتفتون إلى التصوير الأدبي ويهتمون بتأمل خصائصه الحسية وطريقته ~~الخاصة في تمثيل المعنى للحواس، كما جعلهم يتوقفون إزاء النص القرآني ~~لاكتشاف أسرار إعجازه، وبلاغة تشبيهاته واستعاراته التي تكمن في قدرتها ~~على تصوير المعنى المجرد وتقديمه تقديما محسوسا عن طريق ربطها ~~المعنوي المجرد بالحس العيني، أو ربطها الصور الحسية بأخرى أشد منها ~~تمكنا في الصفات الحسية. # 17 # ويصل الكلام عن الصورة والتصوير الشعري إلى ذروته عند عبد القاهر ~~الجرجاني صاحب نظرية النظم المشهورة. إنه يحتج في معرض دفاعه عن الصورة ~~(في دلائل الإعجاز، 330) بعبارة الجاحظ السابقة والاستعارة والتمثيل ~~وجمالها وتأثيرها إلى قدرتها على تجسيم المعنوي وتقديمه تقديما حسيا ~~وتشخيصه وبث الحياة والحركة فيه حتى ليكاد تراه العيون ... ويبدو أن ~~تركيز عبد القاهر على الجانب البصري الخالص من التقديم الحسي للمعنى ~~وتجسيمه وتشخيصه أمام العين قد جعله يرد روعة الشعر إلى براعة التصوير ~~ويقارن بين عمل الشاعر وعمل الرسام، على أساس أن الاحتفال والصنعة في ~~التصويرات والتخييلات الشعرية تفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس الناظر ~~إلى «التصاوير» التي يشكلها ~~الحذاق من الرسامين أو المصورين: «فكما أن تلك تعجب وتخلب وتروق ~~وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب ~~من الفتنة لا ينكر مكانه ولا يخفى شأنه، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه ~~من الصور ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم ~~بها الجياد الصامت في صورة الحي الناطق، والموات الأخرس ms025 في قضية ~~الفصيح المعرب والمبين المميز، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد.» # 18 # ولا شك في أن استخدام عبد القاهر لمصطلح الصورة والتصوير ~~في «الدلائل» ومصطلح التخييل في «الأسرار»، فضلا عن مقارناته بين ~~تخييلات الشاعر و«تصاوير» الرسام، يكشف عن مدى مساهمة شراح أرسطو من ~~فلاسفة الإسلام (من الفارابي إلى ابن سينا الذي أصبحت صلته به في حكم ~~المؤكدة) في بلورة مفهومه عن التصوير والتمثيل، بأن في استخدام كلمات ~~مترجمي أرسطو وشراحه مثل التصوير والتخطيط والنقش والأصنام التي ~~وردت في تلخيص ابن سينا لكتاب أرسطو في الشعر. # 19 # ولا شك أيضا في أن العلاقة بين الشعر والرسم، على النحو ~~الذي فهمت به في التراث النقدي، كانت وراء فكرة التقديم الحسي، أو ~~التجسيم البصري لمعاني الشعر، والإلحاح على الجوانب الحسية للتصوير ~~الشعري، ثم إن ربط الشعر بالرسم كان يفترض أن الشاعر مثل الرسام يقدم ~~المعنى بطريقة حسية، هذا عن طريق المشاهد التي يرسمها على اللوحة ~~فيتلقاها المشاهد تلقيا بصريا مباشرا، وذلك عن طريق لغته التي ~~تثير في ذهن المتلقي صورا يراها بعين العقل. # 20 # وقد ازدهر مبحث المقارنة بين الشاعر والرسم عند شراح أرسطو الذين ~~تقبلوا فكرته عن أن الشعر والرسم نوعان من أنواع المحاكاة قد ~~يتمايزان في المادة التي يحاكيانها - فأحدهما يتوصل باللون والظل، ~~والآخر يتوصل بالكلمة - لكنهما يتفقان في طبيعة المحاكاة وطريقتها في ~~التشكيل وتأثيرها على النفس - ولولا ضيق المجال في هذا التقديم المحدود ~~لاسترسلنا في الحديث عن نظرية المحاكاة لأرسطو، وعن أوجه التشابه بين ~~الشعر والرسم في محاكاتهما للواقع والممكن، وبين طريقة الشاعر والرسام ~~في إحداث أقصى قدر ممكن من التآلف والتناصب بين عناصر مادتهما وإحداث ~~تأثير خاص في نفوس المتلقين على نحو يدفعهم إلى انفعال، أو يحثهم على ~~فعل معين؛ وذلك كما بينها شراح أرسطو من فلاسفة الإسلام، وكما ~~تأثر بها بعض البلاغيين والنقاد بدرجات مختلفة تفاوتت في قوتها ووضوحها ~~ودقتها بين قدامة بن جعفر والباقلاني، وابن طباطبا، وابن سنان، وعبد ~~القاهر الجرجاني، إلى أن بلغت أدق فهم ms026 لها وأعمقه عند أنبغ تلاميذ ~~أرسطو من النقاد العرب، وهو حازم القرطاجني الذي كان الناقد العربي ~~الوحيد الذي استطاع أن يدرك الطبيعة الحسية للشعر، وقدرة صوره على ~~التقديم الحسي، ضمن تصور متماسك لطبيعة الشعر وأهميته في نفس الوقت. # 21 # هل يمكننا الآن أن نلتقط من تراثنا القديم بعض النماذج الشعرية التي ~~توضح الآراء النظرية السابقة، وتقترن برسم أو تصوير أو عمل فني ~~محدد؟ # إن أول ما يخطر على البال هو سينية أبي نواس (من 130ه/747م إلى ~~190ه/806م تقريبا)، التي سبق أن أشرنا إلى أن الجاحظ قد أعجب بها ~~وفضلها على غيرها من شعر أبي نواس نفسه، ولا يستبعد أن تكون وراء ~~عبارته الشهيرة التي أكد فيها الصلة بين الشعر والتصوير، وقدم ~~الشعر الذي يرسم المشاهد ويجسم المناظر على غيره. # وكان أبو نواس قد أخذ بعض صحبه ومر على المدائن مقر الأكاسرة، ~~فرأى بعض حاناتهم ودور لهوهم وأنسهم التي لم يبق منها غير أطلال، ~~فكتب قصيدته الشهيرة: # ودار ندامى عطلوها، وأدلجوا # بها أثر منهم جديد ودارس # ما حب من جر الزقاق على الثرى # وأضغاث ريحان جني ويابس # أقمنا بها يوما ويوما، وثالثا # ويوما له يوم الترحل خامس # تدور علينا الراح في عسجدية # حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى، وفي جنباتها # مها تدريها بالقسي الفوارس # فللخمر ما زرت عليه جيوبها # وللماء ما دارت عليه القلانس # 22 # والأبيات الثلاثة ~~الأخيرة تصف الكأس الذهبية الحافلة بألوان من التصاوير الفارسية؛ ففي ~~أسفلها صورة كسرى، وعلى جوانبها صور بقر وحشي وفوارس تختلها، وتحتال ~~عليها لترميها بالنشاب. وقد ملئت الكئوس بحيث بلغت الخمر إلى مواضع ~~الجيوب، أو الحلوق من تلك الصور، وصب الماء عليها حيث الرءوس التي ~~تدور عليها القلانس، أو أغطية الرأس الشائعة في ذلك الحين. ومع أن ~~الكأس التي وصفها أبو نواس قد زالت بما نقش عليها من تصاوير، زالت ~~الدار والندامى الذين كانت تدار عليهم، ومع أن فرصة المقارنة الجمالية ~~بين صور القصيدة والتصاوير الفارسية قد ضاعت إلى الأبد، فإن المشاهد ~~التي رسمتها أبياتها ms027 الثلاثة الأخيرة لم تزل متدفقة بالحياة. وإن ~~وضعناها في سياق القصيدة وفي علاقتها بالأبيات الثلاثة المتقدمة عليها، ~~لاستشعرنا «جدلية» الحياة والموت بكل قسوتها وصدقها. لقد خلت الدار ~~وصارت أطلالا دارسة، لم يبق فيها من الندامى الذين هجروها سوى آثار ~~من جر الزقاق على الثرى، وبقايا ريحان جني ويابس. وفي إطار الزوال ~~والفناء، الذي زاده الرحيل حزنا على حزن، وضع الشاعر أحداث الماضي في ~~صورة تثبته، وتجعله حاضرا في خيال كل ناظر إليه أو قارئ لسطوره أو ~~مستمع لشعره. ترى كيف كان يبدو كسرى في قرار الكأس؟ هل كان يجلس على ~~العرش؟ وكيف بدت ملامح وجهه ونظرات عينيه. والفوارس والمها، وفعل ~~الصيد بمختلف عناصره ومكوناته وزخارفه وحركاته وظلاله؟ ... لا جدوى من ~~الأسئلة التي كان يمكن أن تثري الإجابة عليها إحساسنا بالقصيدة ~~وتذوقنا لها؛ فنحن أمام قصيدة تصور، لا قصيدة صورة أو تصوير لم يبق ~~لهما للأسف أثر! # يمكننا أيضا أن نقف عند رائعة البحتري (من 204 إلى 284ه تقريبا)، ~~الشهيرة في وصف إيوان كسرى بالمدائن ومطلعها: # صنت نفسي عما يدنس نفسي # وترفعت عن جدا كل جبس # وسنكتفي منها ~~بالأبيات (من 22 إلى 28) التي وقف فيها البحتري أمام صورة مسجلة ~~على جدران القصر الذي كان فيه الإيوان. وهي صورة معركة حربية دارت عند ~~مدينة أنطاكية بين الفرس والروم سنة 540م. ويبدو أن المصور قد أجاد ~~التصوير حتى شعر البحتري بالرهبة أمامها، وخيل إليه أن الموت ~~ماثل فيها، بينما كان أنوشروان واقفا تحت علمه الكبير يحرض جنده ~~على القتال. وكان المصور أو النحات (إذ لا ندري هل كان الشاعر يصف ~~مشاعره ورؤاه أمام صورة، أو يصف نحتا بارزا على جدار!) لون ثوب ~~كسرى باللون الأخضر، كما صبغ جواده بالأصفر، وصور القتال الدائر في ~~صورة بلغت من الحيوية أن وصفتهم عين الشاعر بأنهم «جد أحياء». ولولا ~~أنهم كانوا مقيدين على الجدار بألوان الصورة وخطوطها وظلالها أو ~~مأسورين في بروز النحت ونقوشه الحجرية، لما أحس خفوت صوتهم وسكون ~~جرسهم، ولا خيل إليه أنهم خرس يتبادلون ms028 الإشارة. ولقد بلغ التصوير ~~من الحيوية حدا جعل الشاعر يندفع إلى الصورة بيده ليرى أصورة هي أم ~~حقيقة! # وإذا ما رأيت صورة أنطا # كية ارتعت بين روم وفرس # والمنايا مواثل، وأنوشر # وان يزجي الصفوف تحت الدرفس # 23 # في اخضرار من اللباس على أص # فر يختال في صبيغة ورس # 24 # وعراك الرجال بين يديه # في خفوت منهم وإغماض جرس # من مشيح يهوي بعامل رمح # ومليح من السنان بترس # 25 # تصف العين أنهم جد أحيا # ء لهم بينهم إشارة خرس # يغتلي فيهم ارتيابي حتى # تتقراهم يداي بلمس # 26 # ولا بد أن نذكر قصيدة المتنبي (303-354ه/915-966م) ~~التي قالها في مدح سيف الدولة أثناء مقامه في أنطاكية (جمادى الأولى ~~337ه/تشرين الثاني 948م)، وهي التي وصف فيها فازة - أي خيمة أو مظلة - ~~من الديباج نقشت عليها صورة ملك الروم، وصور أنواع مختلفة من الوحش ~~والحيوان، حيث جلس سيف الدولة لاستقبال وفود أنطاكية. # والقصيدة من أصعب شعر المتنبي المعروف بصعوبة تركيبه وتعقيده، وهي ~~متقنة الصنع إلى حد التصنع كما يشهد على ذلك مطلعها الشهير: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه # بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # وتبدأ بمقدمة غزلية ~~(الأبيات 1-13) متبوعة باستطراد غنائي (14-17) يؤدي إلى المديح، حتى ~~يبلغ الأبيات التي تهمنا (18-25): # 27 # وأحسن من ماء الشبيبة كله # حيا بارق في فازة أنا شائمه # عليها رياض لم تحكها سحابه # وأغصان دوح لم تغن حمائمه # وفوق حواشي كل ثوب موجه # من الدر سمط لم يثقبه ناظمه # ترى حيوان البر مصطلحا بها # يحارب ضد ضده ويسالمه # إذا ضربته الريح ماج كأنه # تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه # وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة # لأبلج لا تيجان إلا عمائمه # تقبل أفواه الملوك بساطه # ويكبر عنها كمه وبراجمه # قياما لمن يشفي من الداء كيه # ومن بين أذني كل قرم مواسمه # إن المتنبي يتطير إلى سيف الدولة الجالس في خيمته ~~ويترقب جوده وكرمه كما يترقب الناظر إلى السحاب ذي البرق اللامع ~~ما يجود به من المطر. وهو يبدأ في وصف الصور المرسومة على قبة ms029 الخيمة ~~أو ما نسميه اليوم الطبيعة الصامتة، فيتعجب لرياض لم ينبتها غيث من ~~السحاب، وأغصان شجر عظيم عليها حمائم لا تغني، وبذلك يومئ منذ ~~البداية إلى أنها صور ممثلة، ونسيج حاكته يد الإنسان لأيدي ~~الطبيعة. ثم يجول بعينيه في حواشي الأثواب التي اتخذت منها الخيمة، ~~فيرى عليها دوائر ونقوشا بيضاء كأنها قلائد من الدر الذي يثقبه ~~ناظمه لأنه ليس بدرا حقيقيا، كما يشاهد صور وحوش وحيوانات متحاربة ~~بطبيعتها، يستدرك على الفور فيتذكر ويذكرنا بأنها تبدو في الوقت ~~نفسه حيوانات مسالمة؛ لأنها مجرد صور لا روح فيها. ومع ذلك فإن ~~اللوحة الدرامية التي صورها في قوله «يحارب ضده ويسالمه»، لا تلبث ~~أن تغريه بحيويتها وحركتها فيقول إن الريح إذا ضربت تلك الثياب ماجت ~~وكأن الحيل المسنة (المذاكي) التي عليها تصول وتجول، وكأن الأسود ~~تختل الظباء لتصيدها. وقد كان من الممكن أن نعيش التجربة وأن يستغرقنا ~~المنظر المائج بالحركة والصراع، لولا أن الشاعر قد استخدم «إذا» و«كأن» ~~ليذكرنا مرة أخرى بأنها صور محاكية. وهو يسارع إلى تأكيد هذا في البيت ~~التالي الذي يبدأ بصورة ملك الروم وهو ساجد لسيف الدولة. ومع أن الملك ~~متوج فإن التاج الحقيقي هو العمامة التي تزين رأس سيف الدولة؛ ~~لأن تيجان العرب هي عمائمها. ثم يزيد الشاعر في تصوير ذل الملوك ~~الذين يغلبهم سيف الدولة كما غلب هذا الملك، فيقول إنهم يقبلون ~~بساطه لأنهم لا يقدرون على تقبيل كمه أو يده. ولا ندري إن كانت الصورة ~~التي سجلها لنا المتنبي قد حوت إلى جانب ذلك الملك الرومي ملوكا ~~آخرين أذلهم سيف الدولة وشفاهم من غيهم وطغيانهم، وترك عليهم آثار ~~قهره لهم، أم إن سجود ملك الروم المرسوم على الخيمة قد ألهب خياله ~~فابتداع صورا أخرى في تمجيد ممدوحه وتعظيم شجاعته وقوته. ومهما يكن ~~الأمر فيبدو أن التفاصيل السابقة هي كل عناصر الصورة التي رآها ~~المتنبي، وأن كل ما تلاها صور فنية من إبداع خياله لا من وحي الصورة ~~المرسومة على قبة المفازة التي جلس تحتها سيف الدولة ms030 ليستعرض وفود ~~الأسرى والشعراء ... # لا شك في أن النماذج القليلة السابقة تقربنا خطوة من قصيدة الصورة ~~دون أن تفي بمقوماتها، أو تتيح المقارنة الجمالية به النص اللغوي ~~والأصل الفني الذي أتت عليه يد الفناء. وقد يستطيع الباحث أن يعثر على ~~نماذج أخرى في ديوان الشعر العربي من عصوره القديمة حتى عصر البعث أو ~~الإحياء (ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض قصائد شوقي ~~المشهورة مثل قصيدته عن معبد أنس الوجود أو قصيدته عن أبي الهول)، ولكن ~~الحقيقة التاريخية تقول إن قصيدة الصورة بمعناها المفهوم في الشعر ~~العالمي لم تظهر بصورة محددة إلا على يد الشاعر العالم الدكتور أحمد ~~زكي أبو شادي (1892-1955م) رائد جماعة أبولو، ومؤسس مجلتها التي حفلت ~~أعدادها (بين سبتمبر 1932م وأكتوبر 1934م) بنماذج منها وضعها في باب ~~مستقل سماه «شعر التصوير». والغريب أن «أبا شادي» هو الذي انفرد بكتابة ~~هذا النوع من الشعر، ولم يشاركه فيه غير شاعرين اثنين هما إسماعيل ~~سري الدهشان - الذي كتب قصيدة بعنوان الصائدة المتجردة أمام صورة ~~فوتوغرافية لحسناء تقف إلى ركبتيها في مياه البحر # 28 ~~- وأحمد مخيمر الذي استوحى مع أبي شادي صورة أخرى لرسام ~~فرنسي اسمه «ماناسيه»، فكتب أبياتا قليلة تحت العنوان الذي وضع لتلك ~~الصورة وهو ملاك أم شيطان. # 29 # قدم أبو شادي من هذا الشعر التصويري كما سماه سبع عشرة قصيدة ~~أرفق بها الصور نفسها، وهي صور توضيحية مطبوعة بالألوان في أغلب ~~الأحوال، خالية من أي قيم فنية حقيقية. والقليل من هذه الصور أو ~~اللوحات المصورة منسوب إلى أسماء أصحابها الذين سقطوا من ذاكرة ~~تاريخ الفن، أو لعلهم لم يعلقوا بها أبدا لأنهم كانوا في الغالب من ~~رسامي المجلات المصورة (مثل إيفلين بول، وج. دي جلن، وماناسيه)، ~~وليس من بينها سوى لوحة واحدة يحتمل أن تكون لمصور كبير (وهي اللوحة ~~التي وضعت أيام قصيدته عن إيليا وصموئيل). وبمراجعة هذه القصائد من ~~الشعر التصويري نجد أنها تقف عند حدود التصوير بمعناه الوصفي التوضيحي ~~المباشر لتفاصيل الصورة المنشورة معها، ms031 كما نجد أنها تتسق مع التيار ~~الوجداني الذي سارت فيه حركة أبولو مهتدية بشعر الرومانطيقية ~~الإنجليزية والفرنسية من ناحية، وبشعر مطران ومدرسة الديوان وشعراء ~~المهجر من ناحية أخرى. وعناوين القصائد وموضوعاتها لها دلالتها الكافية ~~على معالم التجديد كما تصوره هذه الجماعة التي أسسها أبو شادي، ~~واختار أن يسميها باسم رب الفنون في الأساطير اليونانية، بالإضافة إلى ~~دلالتها على ثقافته المتنوعة واطلاعه الواسع على الشعر الإنجليزي ~~بوجه خاص؛ فبجانب ثلاث قصائد معبرة عن الروح الرومانطيقية بوجه عام ~~(وهي المساء في الصحراء، في الواحة، ملاك أم شيطان)، نجد سائر القصائد ~~مستمدة من تاريخ مصر القديمة وأساطيرها (مثل نفرتيتي والمثال، في ~~المعبد، أوزوريس والتابوت، إيزيس والطفل الأمير، إيزيس تغادر بيبلوس، ~~موسى في اليم) أو من الأساطير اليونانية القديمة (مثل زيوس ويوروبا، ~~أفروديت وأدونيس، بلوتو وبرسفون، أبولو ودفني)، أو من أسفار العهد ~~القديم (إيليا وصموئيل). فهل ينطبق على قصائد الصورة هذه وصف أبي شادي ~~نفسه بأنها أمثلة معتدلة من النظم الحر الجامع بين الشعر القصصي وشعر ~~التصوير؟ وهل يصدق عليها ما قاله في العدد الأخير من مجلة أبولو # 30 # ضمن هواجسه النقدية التي راح فيها يدافع عن التصوير في ~~شعره ويرد اتهام المحافظين والتقليديين وعيبهم عليه بالإسراف في تطبيق ~~ملكة التصوير على المحسوس والمتخيل، «كأن الشعر وقف على التصوير ~~العاطفي وحده وليس له أن يصور المظاهر الفنية في الكائنات والأشياء، ~~ولا أن يجسم الأخيلة الفنية التي هي بمثابة حقائق للشاعر وإن كانت ~~عدما أو وهما لغيره!» هل نجح أبو شادي في تصويره الشعري الذي زعم أنه ~~يعبر عن الدقة المنوعة في إبراز شتى الحالات من المخيلة والوجدان ~~في تصاوير مختلفة نابضة بالحياة سواء أكانت تصاوير ذاتية أم تصاوير ~~قصصية؟ وهل استطاعت قصائد الصور التي كان أول من حاول كتابتها أن ~~تحقق مزاعمه النظرية والنقدية الطموح أم قصرت أجنحة شعره عن ~~التحليق في أجوائها البعيدة؟ # الواقع أن «أبا شادي» ظاهرة أدبية وعلمية وفكرية نادرة في تاريخ ~~أدبنا الحديث. لقد أوجد مناخ التجديد وبشر به بحماس ms032 وهمة لا ~~نظير لهما، ولكن موهبته في الابتكار وريادة الآفاق المجهولة - سواء في ~~تجديد الشعر والأدب، أو في الدجانة والنحل اللذين خصهما بمجلتين ~~أخريين! - قد فاقت موهبته الشعرية الفقيرة إلى حد مأساوي مؤلم، ~~فامتزج في شعره الغزير المتسرع قدر هائل من الفكر والعلم والتصوف ~~والفلسفة جعله في الغالب الأعم نظما خاليا من كل أثر لسحر الشعر ~~وصدقه وتصويره وتعبيره عن الذات - أي من كل القيم التي دعا إليها وحارب ~~من أجلها بشجاعة وتضحية وصدق - حتى ليندر أن تجد في دواوينه الكثيرة ~~بيتا واحدا يمكن أن يتسلل إلى القلب، ويؤثر عليه بنغمة شجية أو ~~صورة موحية. لقد كان شاعرا مرحليا لم يتعد عمره الفني عمره ~~الزمني، من أولئك المنظرين الذين يتقنون كتابة البيانات ووضع ~~المشروعات الكبيرة ويخفقون في تحقيقها في إنتاجهم الذي يكذب في ~~معظمه مبادئهم وغاياتهم؛ ولذلك لم تبق لابتكاراته في المسرح الشعري ~~والأوبرا والشعر التصويري نفسه إلا قيمة تاريخية لا يحس بها إلا من ~~يكلف نفسه مشقة تقليب صفحات التاريخ، أو متابعة قضية التأثير والتأثر ~~بالشعر الغربي ليكتشف أن قصائده التصويرية قد وقفت عند التقليد المباشر ~~والمحاكاة السطحية، ولم تبلغ مرحلة التوليد والإبداع الناضج التي ~~بلغتها في نماذج عديدة من شعر المجددين الكبار في حركة الشعر الحر ~~منذ أوائل الخمسينيات. # ويكفي أن نطلع على قصيدة واحدة من القصائد التي ذكرناها لكي لا ~~نتهم بظلم أبي شادي - الذي نقدر دوره ودور جماعة أبولو كل ~~التقدير - ولنقف وقفة قصيرة عند القصيدة الأولى من تلك المجموعة التي ~~ذكرناها لنتأكد من قصورها عن تأصيل هذا النوع الأدبي وإخفاقها في جذب ~~الأنظار إليه. وقصيدة «المساء في الصحراء» # 31 # هي أول قصيدة في تلك السلسلة الطويلة من نماذج الشعر ~~التصويري التي راح فيها يحاكي نماذج غربية أو بالأحرى إنجليزية لا ~~نعرفها على وجه التحديد. ستطالعنا لوحة ساذجة تحاول القصيدة أن تعبر ~~عنها، وتمثل منظرا صحراويا تظهر في خلفيته كثبان الرمل الرمادية ~~الميالة إلى الخضرة الغامقة، يحدها من الجانب الأسفل للصورة مستطيل ~~تقترب مساحته من البناء ms033 القاتم، وفيها نشاهد جملا يقف أمامه عربي في ~~بردة بيضاء، وأمامهما ثلاثة أعراب يجلسون القرفصاء حول مجمرة يتصاعد ~~منها نار ودخان. وليس في الصورة الراكدة شيء يمكن أن يثير وجدان ~~الشاعر وخياله، إلا أن تكون مناسبة للحديث عن الصحراء والمساء بوجه ~~عام: # دنا الليل والصحراء في روعة له # وإن لمحت في راحة وسكون # ولم يبق من شمس الغروب ونورها # سوى لوعة في صفرة وحنين # تقبل كثبان الرمال وكل ما # تقبل في وجد ويأس حزين # غزتها جنود الزنج والوقت مسعف # وكم داولتها في ألوف قرون # هو الوقت لا يرعى جمالا برحمة # وكل سعيد عنده كغبين # دنا الليل والشمس السخية أخلفت # حرارتها موتا وبخل ضنين # وأقبل قر الليل قبل مجيئه # فيا لخئون سابق لخئون! # تهارب منه أهلها وتجمعوا # على النار مثل العابدين لدين # ومدوا الأيادي السائلات نوالها # فنادت عليهم في لسان مبين # ووزعت السحر الذي يرتجونه # حياة وإيناسا وأمن أمين # تكاد العيون الناظرات لهيبها # تناول منها ذخرها لسنين # وتبخل حتى بالدخان يفوتها # وتؤخذ من ألوانها بفنون # وقد وقف الجمال كالجمل الذي # أطل عليها في خشوع مدين # كأن بها للشمس روحا تنوعت # وقد سجنت لكن كغير سجين! # وهل دانت الصحراء إلا لشمسها # جمادا وحيا قبل جود عيون؟ # كأن تلال الرمل كنز أشعة # من الشمس فاعتزت بكل ثمين # دنا الليل فاخطف قبل موت منوعا # من الظل والأصباغ غير مهين # فهذي صنوف من حياة تبددت # وهذي معان من منى ومنون # ولا جدوى من اقتباس نماذج أخرى من هذا الشعر التصويري؛ ~~لأنه لا يختلف كثيرا عن هذه المنظومة. وإذا كان من الواجب علينا أن ~~ننوه بفضل أبي شادي رحمه الله في التنبيه إلى هذا النوع الأدبي ~~وريادة طريق التفاعل المتبادل بين فني التصوير والشعر، فإن قصيدة ~~الصورة لم تبدأ بدايتها الشعرية الحقيقية ولم تصبح الصورة موضوعا ~~متكاملا للقصيدة إلا مع حركة الشعر الحر ... # مضى الشعر الحر على الطريق ~~الذي بدأه أبو شادي فيما بعد الستينيات (وربما يرجع السبب في هذا إلى ~~انشغال الحركة الجديدة في الخمسينيات ms034 بتحسس طريقها والدفاع عن حقها ~~في الوجود إزاء الهجوم الضاري عليها، والصراع بين بعض أعلامها حول ~~أسبقيتهم إلى ريادتها!) وظهرت قصيدة الصورة التي تصف اللوحة الفنية أو ~~التمثال فتستوحي مضمونهما أو شكلهما، أو تجعلهما مناسبة لتقديم رؤية ~~الشاعر للعالم، أو نقده للعصر والمجتمع، أو تأملاته عن وجود الإنسان ~~ومعناه. وتعددت أشكال هذه القصيدة وأنماطها المختلفة؛ فمن قصيدة ~~يحاول فيها الشاعر أن يستلهم طريقة الفنان التشكيلي بوجه عام والرسام ~~بوجه خاص في تشكيل القصيدة وبنائها، إلى قصيدة موجهة إلى أحد كبار ~~الفنانين والمصورين العرب أو الغربيين، إلى قصيدة مستوحاة من صور ~~ولوحات فنية محددة. # أما النمط الأول فيطالعنا في قصيدة للمرحوم الشاعر صلاح عبد الصبور ~~(من ديوانه شجى الليل) يدل عنوانها على أسلوبها ومنحاها «تقرير تشكيلي ~~عن الليلة الماضية». الشاعر هنا - بقدر ما نعلم - يصف ولا يستوحي عملا ~~فنيا محددا، وإنما يشكل بكلماته وإيقاعاته وبنية عباراته صورة ~~مؤلفة من ثلاثة مقاطع، يقدم أولها عناصر الصورة من اللون والحركة، ~~وإطار الاكتئاب المحيط بها: # عناصر الصورة: # لون رمادي، سماء جامدة # كأنها رسم على بطاقة. # مساحة أخرى من التراب والضباب، # تنبض فيها بضعة من الغصون المتعبة ، # كأنها مخدر في غفوة الإفاقة # وصفرة بينهما، كالموت، كالمحال، # منثورة في غاية الإهمال ~~(نوافذ المدينة المعذبة). # الحركة: # محبوسة: ثقيلة: هامدة. # الإطار: # قلبي المليء بالهموم المعشبة، # وروحي الخائفة المضطربة، # ووحشة المدينة المكتئبة. # وليست هذه هي القصيدة الوحيدة التي يتحول فيها ~~الشاعر إلى رسام بالكلمات، ويغدو القلم ريشة تلون وتظلل، وتصبح ~~البنية اللغوية والإيقاعية تشكيلا فنيا نكاد نلمحه بأعيننا ~~ونتحسسه بأيدينا. لقد جرب الشاعر هذا في قصائد أخرى عديدة (مثل ~~رؤيا وتوافقات، واللوحات الأولى من مسرحيته الشعرية الأميرة تنتظر)، ~~ولكن الجسارة والأصالة تتجليان في هذه القصيدة الفريدة التي يعترف فيها ~~بأنه يقدم تقريرا تشكيليا عن ليلة ماضية. ولسنا ندري - كما سبق ~~القول - إن كان الشاعر قد تأثر بصورة لم يذكرها، فراح يحاكي ألوانها ~~وخطوطها ومساحاتها محاكاة توشك بما تحويه من كلمات اسمية أن تكون ~~صورة مطابقة للأصل الذي لا نعرفه ms035 ولا نؤكد وجوده - لاحظ تكرار كلمة ~~كأن في المقطع الأول! - ولولا ورود فعل واحد (تنبض) في المقطع الأول، ~~والإشارة إلى الحركة في المقطع الثاني - وإن تكن هي حركة السكون الهامد ~~الثقيل - لرجحنا أن تكون القصيدة نسخة شعرية من صورة أصلية لا ~~نراها. والواقع أن الشاعر قد وضعنا في موقف يستعصي تحديده، فهل نقول ~~إن قصيدته نمط جديد غير مألوف من قصيدة الصورة، أم نخرجها من هذه ~~الفئة بأكملها لمجرد أنها لا تقترن - مثل قصائد الصور في هذا الكتاب ~~- باللوحة أو العمل الفني الذي تصفه أو تستوحيه؟ أم نقول إن هم ~~الشاعر كان مقصورا على رسم صورة فنية للاكتئاب الذي ملأ قلبه وروحه ~~ومدينته، وأنها لا تخرج في النهاية عن أن تكون إحدى الصور الفنية التي ~~يزخر بها شعره؟ # وبمثل هذه الأسئلة الحائرة تواجهنا قصيدة الشاعر عبد الوهاب البياتي ~~«ثلاثة رسوم مائية» من ديوانه «الكتابة على الطين» # 32 # فالشاعر ينظر بعين الرسام ويصور بريشته، ولكنه لا يقدم ~~تقريرا تشكيليا، ولا يعنى بالجانب الشكلي على الإطلاق. إنه سندباد ~~حائر ثائر يرسم ثلاثة رسوم مائية في منفاه الوحيد، يتحسر في أولها ~~على مغامراته الماضية في المرافئ والقلوب والمدن البعيدة، ويناجي في ~~ثانيها المحبوبة (الحورية أو الحرية!) التي ارتحلت مثله «كما ارتحل ~~المجوس بلا طقوس»، وراحت تموت مثله في المنفى «هربا من الظلمات ~~والأموات والليل الطويل»، بعد أن غدرت بهما الألوان والدنيا كما غدرت ~~بعاشقها لعوب، ثم يخاطب هذه المرتحلة المجهولة التي تتنكر مرة في ~~زي ساحرة، وأخرى خلف قناع أميرة، تضاجع البرق في قاع البحار، وتركض ~~غزالة في الجبال، تتراقص فراشة على وجوه العاشقين، وتهاجر مع الطيور؛ ~~وعلى زجاج نوافذ المقهى وفي ليل الشوارع تشعلين، نار الحنين، وعلى سطوح ~~منازل المدن البعيدة تمطرين، بينما يموت الشاعر السندباد «كقطرة المطر ~~الحزين»، وهو لا يستطيع أن يتحول كل هذه التحولات التي نعرفها في ~~شعره؛ لأن التحول الوحيد الذي يقدر عليه في منفاه هو أن يتنكر بقناع ~~أعياد الطفولة أو بعناد الرافضين، ويظل يموت كقطرة المطر ms036 الحزين على ~~وجوه العابرين ... # ومن الصعب أن نفترض وجود لوحات أصلية صورها الشاعر، أو استلهمها في ~~رسومه الثلاثة بالألوان المائية. ويزيد من هذه الصعوبة أن الشاعر يعزف ~~ألحانه المألوفة على أوتاره المعروفة - كالمنفى والرحيل والتحول - ~~ويطلق منها ذكريات وأحداثا زمنية يستحيل على المصور والرسام أن يمسكا ~~بها في ألوانهما وظلالهما وخطوطهما. ولا شك في أنه وفق غاية التوفيق ~~عندما سمى هذه الصور الشعرية رسوما مائية؛ فالماء والميناء والسفن ~~والمنفى والرحلة والتحول دالات حية على هذا السندباد الثائر الذي حاول ~~تشكيل المقاطع الثلاثة في أغنيته على نحو ما يشكل الرسام رسومه ~~المائية، بحيث امتزجت الكلمة باللون إلى الحد الذي أوشكت معه مقاطع ~~القصيدة أن تصبح رسوما بالكلمة، وكادت الألوان تصبح ألحانا ~~ملونة ... # ولا يقف الأمر عند الرسم بالألوان المائية، بل نجد الشاعر يعلق ~~رسومه بنفسه على جدار! فها هو المرحوم الشاعر «أمل دنقل» يصف مقاطع ~~إحدى قصائده بأنها رسوم معلقة في بهو عربي (من ديوانه العهد الآتي). # 33 # والنظرة الأولى إلى عنوان القصيدة تشف عن عالمها الماضي ~~والواقع والممكن، ومقاطعها رسوم معلقة في بهو الزمن العربي ~~المثقل بالمحن والكوارث والأزمات، والقصيدة مكونة من أربعة رسوم ، ~~ألحق الشاعر بكل واحد منها نقشا وختمها بكتابة في دفتر الاستقبال ~~لزائرة متخيلة لمعرضه؛ فاللوحة الأولى من هذه الرسوم منتزعة من ~~ماضيه الذي ولى وخلف الحسرة في نفوس الأبناء والأحفاد. إن ليلى ~~الدمشقية ترنو من شرفة الحمراء لمغيب شمس الأندلس، فترى الخيوط ~~البرتقالية «وكرمة أندلسية وفسقية، وطبقات الصمت والغبار». أما ~~النقش فتقول حروفه: مولاي لا غالب إلا الله، واللوحة الأخرى تعرض علينا ~~المسجد الأقصى (قبل أن يحترق الرواق)، وقبة الصخرة والبراق، وآية تآكلت ~~حروفها الصغار. أما النقش فيصرخ محذرا: مولاي لا غالب إلا النار. ~~ونقف أمام اللوحة الثالثة فإذا هي دامية الخطوط واهية الخيوط، لعاشق ~~محترق الأجفان كان اسمه «سرحان»، يمسك بندقية على شفا السقوط، والنقش ~~الملحق برسم هذا العاشق الثائر يقول: «من يقبض فوق الثورة، يقبض فوق ~~الجمرة.» ثم تأتي اللوحة الأخيرة التي ترسم خريطة ms037 سيناء التي بدت ~~لعيني الشاعر قبل تحريرها لطخة سوداء تملأ كل الصورة. أما النقش ~~المكتوب عليها فهو حديث شريف تصرف فيه الشاعر تصرفا يلائم البعد ~~السياسي لمعرضه الشعري ويتسق مع أسلوبه الخطابي المباشر الذي يلطف ~~الوزن والقافية الداخلية من حدته: الناس سواسية - في الذل - ~~كأسنان المشط، ينكسرون كأسنان المشط. ثم تنتهي مقاطع الصور والرسوم ~~باتهام قاس يسجله الشاعر في دفتر الاستقبال، ويضمنه البيت ~~المعروف لدعبل الخزاعي: # لا تسألي النيل أن يعطي وأن يلدا # لا تسألي ... أبدا # إني لأفتح عيني (حين أفتحها) # على كثير ولكن لا أرى أحدا! # من الواضح أن هذه الرسوم الشعرية لا تقصد إلى إثارة ~~خيال المتلقي، أو التأثير على حسه الجمالي، وإنما تستفزه إلى ~~التمرد على زمن السقوط والانهيار، وتتوسل بالمبالغة والسخرية ~~والخطاب المباشر لتثبيت صور الضياع في عقله ووجدانه؛ ولهذا لم يجد ~~الشاعر نفسه بحاجة إلى إعمال خياله الخلاق أو اللجوء للوسائل الفنية ~~والحيل البلاغية لرسم صوره؛ فالصور محددة وواضحة لكل عربي، ولم يكن ~~على الشاعر إلا أن يزيدها وضوحا وتحديدا، ويثبتها على جدار الضمير ~~المذنب بمسامير الحقيقة القاسية! # إذا كانت بعض قصائد الشعر ~~الحديث قد حاولت أن تشكل نفسها على غرار الصورة دون التقيد بصورة ~~محددة، فإن بعضها الآخر قد اتجه إلى استكشاف الألوان والخطوط ~~والإيقاعات في عالم فنان بعينه دون التقيد كذلك بصورة محددة من مجموع ~~إنتاجه ... (على نحو ما فعل عدد من الشعراء الذين تجدهم في هذا الكتاب ~~مع عالم بروجيل وشاجال وبيكاسو ~~وميرو). وتبرز في هذا الجانب قصيدة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي «آيات ~~من سورة اللون» التي تتألف في الواقع من قصيدتين متصلتين كتبت ~~أولاهما سنة 1974م للرسام «سيف وانلي»، وكتبت الثانية سنة 1977م ~~للفنان عدلي رزق الله. # 34 # ولا شك في أن مهمة الشاعر مع الرسام الأول لم تكن يسيرة؛ ~~إذ وجد نفسه يعيش لحظات انتظار إيحاءات وإلهامات شعرية من إيحاءات ~~وإلهامات لونية! ولا بد من أنه شعر في لحظات الوجد والفناء تلك أن عالم ~~الشاعر والرسام عالم واحد في ms038 جوهره، وإن اختلفت الوسائط والوسائل في ~~كليهما: «يرقد العالم في بلورة يغسلها ماء المطر. ها هي ذي اللحظة ~~تأتي. أهو اللون، أم الإيقاع ما تصطاده، أو ربما تسلمه نفسك، حتى يغمر ~~الموج التجاعيد، ويلهو بخصيلات الشعر؟!» ويتابع الشاعر رحلة اللون وهو ~~يهبط من الياقوت للفضة للعشب، ثم يعلو سلم الصوت «فقاقيع من الأضواء لا ~~تلبث حتى تنفجر». ويندمج الشاعر المتفلسف مع الرسام المتصوف في لحظات ~~الجذب اللونية، حيث يتعانق اللون مع الإيقاع، ويستسلم الفنان لرؤاه ~~الواردة عليه وهي تبدو في هيئة وعل نادر «ينعم بالألفة والدفء، ~~ويجتر العكر»، أو ديك ينقر بخيمات السحر، أو بحارة أغراب يرقصون في ~~الملهى. وكلها رؤى تركض أمامه «ركض الغيم في وجه القمر»، ويتداخل فيها ~~اللون مع الصوت، وعليه أن يستمع إلى نصيحة الشاعر فينتظر رجوع الصيف، ~~ويحاول مرة أخرى مع الضوء الذي لا ~~ينتظر ... # ويدخل الشاعر نفسه تجربة أخرى مع الرسام عدلي رزق الله. ولوحات هذا ~~الفنان بحار لونية تهدر فيها أمواج الأحمر والبرتقالي والأخضر والأصفر، ~~يصور فيها إحساسه بالطبيعة وتكويناتهما الأصيلة، ويعبر عن تفجر ~~ينابيعها العميقة، ودفء جذورها العريقة، مع رهافة أضوائها وأوراقها ~~وزهورها الشفافة، وتدفق صيرورتها المرتعشة بنبضات الحياة وتوتراتها ~~الخلاقة. وهي تكوينات متكررة يتفاعل فيها وهج الألوان الساطعة ~~الفاقعة مع الألوان والخطوط والإيقاعات المتماوجة الحالمة، وكأنك أمام ~~سيمفونية لونية تسمعها بالعينين - إن جاز هذا التعبير - وتراها ~~بالأذنين، وتفاجأ في كل مرة بأنغامها اللاهبة أو الشاحبة، ~~وإيقاعاتها القاتمة أو الفاتحة: «قطرتان من الصحو، في قطرتين من الظل، ~~في قطرة من ندى». ولما كان اللون الأحمر بتدرجاته المختلفة هو ~~الغالب على صور هذا الرسام، فقد استنبط منه الشاعر دلالات معنوية على ~~الحياة الحرة والثورة المنتظرة، وعبر عنها في إيقاعات ~~قرآنية: # قل هو اللون! # في البدء كان، # وسوف يكون غدا، # فاجرح السطح. # إن غدا مفعم، # ولسوف يسيل الدم! # وعندما يسيل هذا ~~اللون بالحياة والخصب، وتنطلق الأغاني الخضر، سيفاجأ «السادة ~~الأغراب» بقنابل موقوتة «كان أسلافنا خبئوها مع الخبز والخمر في خشب ~~الموميات؛ لكي تتفجر في ms039 غرف الدفن حين تحين مواعيد عودتهم للحياة». ~~وهكذا يفتقد الشاعر اللون الذي يتنفس بالحياة والحرية في عالمه الذي ~~طغى عليه الأخضر الطحلبي أو الأصفر المعدني ... ولا عجب بعد ذلك أن ~~يهيب بقرائه أن «تعالوا نلون كما نشتهي هذه الأرض، أو نشعل ~~النار فيها»، فلعلها تحملنا وتطير، ثم «تسقطنا مطرا قزحيا، وتزرعنا ~~شجرا موقدا». # ولم يكن غريبا على الشاعر العربي أن يتجه إلى الرسام الأجنبي كما ~~اتجه إلى الرسام العربي، وأن يكون اتجاهه إلى أولئك الذين تجمعه بهم ~~وشائج التاريخ وقرابة الروح. في هذا الأفق العالمي والحميم في وقت واحد ~~تبرز قصيدة عبد الوهاب البياتي إلى بابلو بيكاسو (من ديوانه النار والكلمات) # 35 # وقصيدة حميد سعيد # 36 # المرور في شوارع سلفادور دالي ... الخلفية (من ديوانه ~~الأغاني الغجرية)، ولما كانت القصيدتان لا تستوحيان صورة محددة ~~من صور الفنانين، وإنما تستلهمان عالمهما الثري بالغرائب والتضادات ~~والمفارقات ثراء عالمهما الشعري، فسوف نتجاوز هاتين القصيدتين إلى ~~قصيدتين أخريين نلمس فيهما محاولة شاعرين عربيين إعادة رسم لوحة ~~بيكاسو المشهورة «جيرنيكا» التي ما زالت تتحدى المفسرين لقيمها ~~التشكيلية والإنسانية المذهلة. والواقع أن هذه اللوحة الجدارية ليست ~~مجرد لوحة غير عادية، وإنما هي انعطافة كاملة في مسار الفن العالمي ~~بوجه عام، وفن بيكاسو بوجه خاص. وهي تشبه كونا شاسعا من التكوينات ~~الرياضية الدقيقة والمساحات والزوايا والخطوط الهندسية الحادة التي ~~تتفاعل مع أعلى درجات الحس التلقائي والبدائي، والتوتر الانفعالي ~~الجياش بالغضب والتمزق والتقزز كارثة الحرب، بحيث تصيب المتلقي ~~بالدوار (ولا ننسى أن جيرنيكا هي القرية الإسبانية التي قاست من وحشية ~~الفاشيين في الحرب الأهلية الإسبانية). لكن اللوحة تتميز - بجانب ~~أساليب فنية عديدة تركت عليها آثارها - بإيقاع عربي يتمثل في روح ~~«الأرابيسك» التي تتجلى في أشكالها وخطوطها اللانهائية المتشابكة. ~~ولعل هذه الروح، بالإضافة إلى تعبيرها عن مأساة الحرب ورعبها ~~وتشويهاتها، هي التي جذبت الشاعرين العربيين للدوران في فلكها أو في ~~دوامتها ... # والقراءة الأولى لقصيدتي ~~الشاعرين حميد سعيد (محاولة إعادة رسم الجيرنيكا، ص439 من ديوانه)، ~~وأحمد عبد المعطي حجازي (جيرنيكا أو ms040 الساعة الخامسة من ديوانه كائنات ~~مملكة الليل، ص71)، تكشف عن عدم تقيدهما بعناصر اللوحة، أو موضوعها ~~الأصلي، على نحو ما فعل الشاعر الفرنسي إلوار في قصيدته المشهورة عنها. ~~لقد استلهما عالمها المخيف الذي لا يزال يطلق طاقات وإشعاعات تنذر ~~بالويل القائم مع كل الكوارث المشابهة. وقصيدة الشاعر حميد سعيد لا ~~توحي بأي علاقة تربطها بلوحة بيكاسو؛ فما من شيء أو وصف أو رمز مباشر ~~يذكر بها، وعبثا نبحث عن الأشلاء المتضخمة المنشورة فيها، أو عن ~~رأس الحصان الذي يصرخ من التمزق، أو رأس الثور المرعب، أو الأم التي ~~تحمل طفلها الميت. سنجد في المقطع الأول عصافير قلقة تتنقل من مكان ~~إلى مكان، وتبدأ مشوارها بالحوار الصباحي وقراءة أشعار غارثيا لوركا ~~(أعذب قيثارة في الشعر الإسباني المعاصر اغتالها الفاشيون). وننتقل إلى ~~المقطع الثاني الذي يقربنا من مجال اللوحة في جذبه وطرده؛ فقد بدأ ~~السجناء القدامى «يحلون في الذاكرة، وراحت العصافير تبحث عن فرح واحد ~~لم ير الحزن، عن مدن لم تر الشفرة القاطعة». وتظل العصافير على قلقها ~~وبحثها عن «مقعد فارغ» وعن «ألكسندرة» التي كانت تسقيها الشاي؛ ~~فتترجح من بعيد أن الاسم الأخير ربما ينوب عن المرأة التي مات طفلها. ~~ونصل إلى المقطع الرابع فنجد الأرض تبحث منذ ثلاثين عاما عن الفعل ~~الذي «يخرج من دمها الضاحك»، كما تنتظر السيد «الذي يرث الجسد ~~المترمل»؛ فقد كان أحد السجناء الذين ذكرهم المقطع الثاني يطرق أول ~~باب يصادفه فتفتح الباب ألكسندرة. والقصيدة كما نرى أشبه بمحارة مغلقة ~~على أسرارها، ولا بد من أنها تحمل من تجربة الشاعر في إسبانيا مضامين ~~ورموزا لم يساعدنا على الاقتراب منها. ومع ذلك فنحن نحس أنها تدور في ~~عالم خرب ضاع منه الفرح، وهجره الأهل وسيطر عليه الحزن، وخيب أمل ~~العصافير في الحب والمأوى، ولعل ضياعها في «خيخون» التي يرد ذكرها في ~~المقطع الثالث ينطوي على الدلالة الأساسية التي أوحت بها اللوحة ~~للشاعر: لم تعد ثمة مدن لم تر الشفرة القاطعة، ولا ثمة مدن يمكن أن ~~تطمئن إليها ms041 العصافير ... # أما الشاعر أحمد عبد المعطي ~~حجازي فيستوحي لوحة بيكاسو في خمس لوحات شعرية ترتبط كالقصيدة السابقة ~~ارتباطا غير مباشر بدلالاتها الباقية عن زمن الحرب والرعب والاغتيال ~~والقمع المستمر؛ فاللوحة الأولى تصور مصرع الخطيب والسياسي الإغريقي ~~لوسياس أثناء إلقاء خطبته الأولى التي «توج فيها بامتشاق السيف ~~أغنياته للحق». واللوحة الثانية قفزة أبعد منها في زمان الحزن والخوف؛ ~~فهي تصور بحارة ماجلان الذين يتمنون أن توقف الأرض دورانها ساعة ~~يدفنون فيها ماجلان، هذه الأرض التي غصت - على امتدادها بين نيويورك ~~وموسكو - بالقبور. وتضعنا اللوحة الثالثة في قلب مأساة عصرية فجعت ~~أحباب الشعر بموت الشاعر الشيلي بابلو نيرودا على أثر سقوط الحكم ~~الاشتراكي الوطني ومصرع صديقه الليندي الذي كان على رأسه. والعلاقة هنا ~~بلوحة بيكاسو علاقة مباشرة؛ فالشاعر الذي مات في عام الستين قد أصبح ~~عاجزا عن ملاقاة الثور الخرافي الذي «يقوم الآن من لوحات بيكاسو ومن ~~أشعار لوركا» كما كان يفعل وهو في الثلاثين. والثور المشهور في لوحة ~~بيكاسو يأتي الآن «في هيئته العصرية النكراء، في حلته الصفراء»، ~~بينما الشاعر المحتضر ملقى في فراش المرض الملعون ... ويأتي المشهد ~~الأخير من فيلم شهير (فيلم «زيد # Z ~~» ~~الذي عالج موضوع القمع والإرهاب البوليسي في إحدى الدول الحديثة)، ~~فيصور الرئيس الاشتراكي المقتول مع حراسه القتلى، «وجنود الانقلاب ~~جامدو الأوجه يلقون على جثته القبض، ويصطفون كالأعمدة الجوفاء في ~~البهو» ... # وأخيرا نصل إلى نموذج ناضج لقصيدة الصورة عند الشاعر سعدي يوسف في ~~قصيدته التي جعلها عنوانا لأحد دواوينه «تحت جدارية فائق حسن». # 37 # فالقصيدة - كما يشهد عنوانها - قد كتبت تحت صورة أو ~~بالأحرى رسم جداري لفنان عراقي، وكأنما هي نقش أو تعليق شعري عليها. ~~ومع أن هذا وحده يجعلها شديدة القرب من مفهومنا عن قصيدة الصورة في هذا ~~الكتاب، فلا نستطيع أن نجزم بشيء عن مدى ارتباطها بموضوع الرسم وتفاصيل ~~تكويناته اللونية والشكلية والإيقاعية؛ ذلك أن الشاعر - شأنه في هذا ~~شأن زملائه من شعرائنا المجددين - لم يشأ لسبب أو لآخر أن ينشر صورة ~~الرسم مع القصيدة، ms042 وبذلك حرمنا مثلهم من فرصة المقارنة بينهما وبين مدى ~~تقيده بالصورة أو تحرره منها، وأضاع على قرائه متعة جمالية كان ~~من الممكن أن تساعدهم على المشاركة الخلاقة في قراءة القصيدة والصورة ~~معا ... # ومهما يكن الأمر فلا يبقى أمامنا إلا أن نتأمل تكوين القصيدة نفسها ~~ونتابع جدل الصراع المحتدم بين عناصرها التي يحتمل أن تكون شبيهة ~~بعناصر الصورة. والمحور الأساسي الذي يدور حوله الصراع ويتخذ وجهته ~~ويحدد هدفه هو الفقراء الجالسون في ساحة الطيران، يمدون أذرعهم ~~للمقاول المستغل الذي سيشتري كدهم وعرقهم. وتبدأ القصيدة بالحمامات ~~التي تطير في ساحة الطيران، معبرة عن أحلام المناضلين ببناء مدينتهم ~~الفاضلة: ~~«تطير الحمامات في ساحة الطيران، البنادق تتبعها، وتطير الحمامات، ~~تسقط دافئة فوق أذرع من جلسوا في الرصيف يبيعون أذرعهم.» # لقد طار المناضلون في المدينة كما تطير الحمامات التي أرادوا أن ~~يقيموا لها جدارا ليس تبلغ منه البنادق، أو شجرا للهديل القديم، ~~وارتفعوا معا في سماء الحمائم، وصاغوا من الحجر المتألق وجه الجدار، ~~وقالوا لسعف النخيل وللسنبل الرطب: هذا أوان الدموع التي تضحك الشمس ~~فيها، وهذا أوان الرحيل إلى المدن المقبلة. ولكن الحمامات رفضت أن تلوذ ~~بالجدار؛ فقد رأت في سمائها ما لم يروه، وعرفت أن بلادهم هي بلاد ~~البنادق، وأن المقاول الذي يشتريهم يجيء ومعه الجنود وأصحاب الحقائب ~~الثقيلة: «المقاول يأتي، ويأتي إلى الجنود، وتهوي على الوطن المقصلة.» ~~وتطير الحمامات مذبوحة، ويسقط دمها الأسود فوق الجدار الذي بنوه، ~~وأرادوا أن يكون بيتا وملاذا للحمام. ويقضي المتعبون زمانا يلمون ~~فيه دماء الحمائم، ويرسمون في السر أجنحة يطلقونها في القرى، ~~ويرممون الجدار قطعة قطعة وحجرا حجرا، ويبنون «على هاجس الروح» ~~مملكة فاضلة لا يكادون ينتهون من بنائها حتى يهدمها المقاول والجنود ~~الذين يساندونه فيبدءون من جديد ... يغادر منهم من يغادر، ويقتل من ~~يقتل، ويسقط من يسقط تحت الجدار، ولكنهم يبقون على حبهم للوطن، ~~وولائهم لزمان الجذور، وإصرارهم على بناء المدينة كلما خربها ~~المخربون. # تلك نماذج من القصيدة التصويرية في شعرنا القديم والحديث، ومن قصيدة ~~الصورة في ms043 شعرنا الجديد. ربما غابت عني نماذج أخرى لم تصل إلى علمي، ~~ولكنني لم أقصد إلى الإحصاء والاستقصاء بقدر ما قصدت إلى تتبع الفكرة ~~نفسها جهد الطاقة. ولعلنا نخلص من هذا الغرض السريع إلى نتيجة مشجعة ~~على السير في الطريق، بحيث يكون لنا نوع أو نمط أدبي مستقل يقبل عليه ~~المبدعون والمتلقون على السواء، ويحقق المتعة الجمالية التي ~~يوفرها التفاعل بين الفنون، ويعمل على نضوج قصيدة الصورة التي لم ~~تحظ حتى الآن بما تستحقه من عناية في أدبنا وفننا الحديث ... # وأخيرا فإن الصور والرسوم والتماثيل التي تطالعك في هذا الكتاب تتيح ~~لكل عين وعقل أن يقرأها كما يشاء. ولقد تأمل شعراء غربيون من مختلف ~~العصور والجنسيات واللغات والآداب هذه الصور وغيرها. والشعراء أقدر على ~~الرؤية مني ومنك (إلا إن كنت واحدا منهم)؛ ولهذا تعددت محاولاتهم ~~للغوص في أغوار العمل الفني وفك طلاسم «شفرته». وتفاوتت بطبيعة الحال ~~قدراتهم على ذلك بدءا من الوصف المباشر، أو السخرية الفجة، إلى التأمل ~~الهادئ ورؤية «الحقيقة» التي تجلت لهم من خلال الصورة أو التمثال. لا ~~شك في أن قراءة كل منهم لا تخرج في النهاية - كما سبق أن قلت - عن أن ~~تكون تفسيرا واحدا لا يحجر على تفسيرات أخرى ممكنة، ولا يقيد ~~حريتك في التأمل والتذوق والمقارنة. فتعال معي نقف أمام هذه اللوحات ~~ونجرب حظنا في المتعة الحرة الصافية قبل كل شيء، ثم في التفكير ~~والتأمل والحكم. ولنتذكر معا أننا أحوج ما نكون إلى عالم الجمال بعد ~~أن تراكم علينا القبح من الداخل والخارج. تشوهت نفوسنا في السنوات ~~الأخيرة والتشوه قبح، فاض السيل من الألسن البذيئة والقلوب المريضة ~~والصدور الجشعة المسعورة حتى أصبحنا نتصادم - لا في حندس كما قال أبو ~~العلاء - بل في غابة القبح الكريه. ومن الغفلة بطبيعة الحال أن نتصور ~~خلاصنا الفردي أو الاجتماعي عن طريق تأمل صور في متحف أو معرض أو كتاب. ~~إن ذلك لن يكون إلا وهما يتعزى به الطيبون والمتوحدون ويلوذون به ~~من حصار القبح. ولا بد من أن يشارك ms044 كل من لا يزال يتذكر الجمال في ~~إعلان الحرب على القبح بكل أشكاله (بدءا من قبح النفس؛ لأن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ولا مفر من أن يصبح الجمال ~~وتربية الإحساس بالجمال في مقدمة همومنا القومية التي تكافح في سبيلها ~~إرادة عربية. آن الأوان لكي تتحد وتنتبه وتصر على الجمال وتحققه في ~~السلوك والحياة وفي البيت والشارع ومكان العمل إصرارها على الحرية ~~والعلم والتقدم والتحضر؛ بذلك نؤكد وحدة القيم التي قلبنا سلمها قبل ~~أن نغتالها وندوس على جثثها، ثم ننساها ونألف الحياة مع أضدادها ~~ونقائضها من الشر والكذب والتزوير والادعاء والتظاهر وغيرها من أشكال ~~القبح التي أصبح أربابها المزيفون يمارسونها وينفثون سمومها ~~ويتباكون عليها تباكي القاتل على قتلاه ... # لكن فتح العين يمكن أن ينبهنا إلى البشاعة التي استقرت عناكبها ~~في الباطن وأطبقت على الظاهر - فتح العين هو الدرس الخالد الذي نتعلمه ~~من أصحاب الرؤية في الفن والفكر والحياة - إذ يمكننا أن نتذكر أو ~~ننسى، أن نذهب أو نبقى، أن نتكلم أو نصمت. أما الرؤية فهي الكلمة ~~التي لا بديل لها ولا عنها؛ لأنها كالتنفس، لأنها كالحرية. بشرط أن ~~نتعلم كيف نفتح أعيننا ونرى، وبشرط ألا نقتصر على أن نفتح عين الجسد، ~~بل عين البصيرة والضمير التي طال نومها الثقيل. # وفي النهاية تقتضيني الأمانة ~~وأداء واجب العرفان والامتنان أن أذكر أهم المصادر التي استقيت منها ~~نصوص القصائد، وهما كتابا الأستاذ جسبرت كرانس - أحد المختصين ~~القلائل في قصيدة الصورة في الأدب الغربي عامة، والألماني بوجه خاص - ~~والكتاب الأول «قصائد على صور»، مختارات ومعرض صور، ميونيخ، دار الجيب ~~الألمانية، 1975م (انظر الهوامش في المقدمة وثبت المصادر). قد كان نعم ~~العون وبداية الطريق، وقد ساعدني مساعدة لا تقدر في التعرف على ~~هذا النوع الأدبي. والكتاب الثاني «صور ألمانية في القصيدة الألمانية»، ~~قد أكمل بعض جوانب النقص في الكتاب الأول. أما كتابه الثالث الذي ~~قدم فيه محاولاته الطيبة في تفسير قصيدة الصورة وقراءتها وهو «سبع ~~وعشرون قصيدة مفسرة»؛ فقد تعلمت منه ms045 ما لم يكن الشعراء والمصورون ~~أنفسهم ليستطيعوا تعليمه، وعشت مع تجاربه وتحليلاته الدقيقة الرقيقة ~~التي جمعت علم الناقد إلى بصر الفنان وبصيرة الشاعر. وقد حرصت على ~~التعريف بالمصورين والنحاتين والشعراء ما وسعني الجهد، مع العناية ~~بطبيعة الحال بتقديم نبذة طيبة عن الأعلام المؤثرين على تطور الفن ~~والشعر، وإن كنت قد عجزت في بعض الأحوال عن التعريف الكافي بعدد من ~~شعراء الشباب الذين لم تستوعبهم بعد معاجم الأدباء! ويمكن أن يرجع ~~القارئ إلى الجزء الثاني من كتابي المتواضع «ثورة الشعر الحديث» ~~(القاهرة، هيئة الكتاب 1972م)، ليجد فيه المزيد من المعلومات والنصوص ~~لعدد من كبار الشعر المذكورين في هذا الكتاب، وإلى الجزء الأول ~~ليتعرف على بناء الشعر العربي الحديث والمعاصر الذي انعكس على العديد ~~من قصائد الكتاب. أما عن القصائد التي جاءت موزونة على طريقة الشعر ~~الجديد، أو شعر التفعيلة، فأعترف بأنها فرضت نفسها علي، وتوخيت ~~الأمانة والدقة في نقلها إلى العربية، مع وضع كل زيادة من عندي اقتضتها ~~الصياغة أو القافية بين قوسين، وهي محاولات وتجارب لا تجعل مني شاعرا ~~بطبيعة الحال بعد أن تخليت إلى الأبد عن هذا الطموح. # وأخيرا أتقدم بعاطر شكري إلى زميلة الدراسة السيدة إيفا ~~بومر-بيلز التي أمدتني بكتب الأستاذ كرانس وبغيرها من المصادر ~~الهامة، كما يطيب لي أن أشكر أخي الكريم الأستاذ الدكتور جابر عصفور ~~الذي غمرني بعلمه وفضله. أما راعي هذه السلسلة المرموقة الأستاذ ~~الدكتور فؤاد زكريا، فله مني خالص الامتنان والتقدير على كريم تشجيعه ~~وإتاحته الفرصة لهذا الكتاب لكي يرى النور. # ولله الحمد أولا وأخيرا، ومنه الهداية والتوفيق. # عبد الغفار مكاوي # الفصل الأول # | فتاة الأكروبوليس ... # اللوحة لتمثال فتاة من أتيكا (وهي المعروفة بفتاة بيبلوس) في ثوب ~~طويل بلا أكمام، موجود في متحف الأكروبوليس (وهو مجموعة المعابد ~~والأطلال المقدسة على مرتفع مطل على مدينة أثينا)، ولعله يكون أحد ~~التماثيل التي تصور حاملات السقف، ولا يزال بعضها قائما حتى اليوم ~~(يرجع لسنة 530 قبل الميلاد). وقد استلهمها عدد من الشعراء نذكر ~~منهم: ~~(1) مانفريد هاوسمان # شاعر ألماني ms046 معاصر، ولد سنة 1898م في مدينة كاسيل، جرح في ~~الحرب العالمية الأولى، ثم عاش بعد إتمام دراسته الجامعية حياة كان ~~حر. بدأ حياته الأدبية بنشر قصص وقصائد مفعمة بالاكتئاب والحنين ~~الرومانطيقي، معبرة عن إحساس المشردين وتجاربهم الباطنة ~~بالطبيعة الغامضة الخلابة في الشمال الألماني. ثم اتجه بعد الحرب ~~العالمية الثانية إلى نوع الوجودية المسيحية، بعد أن تأثر ~~بقراءاته لكيركجور وكارل بارت، وكتب بعض المسرحيات أو بالأحرى ~~الألعاب التمثيلية المستوحاة من التاريخ المسيحي. يميل في شعره ~~الغنائي الرقيق إلى الحكمة والأحكام، وقد اشتهرت صياغاته المبدعة ~~لعدد كبير من قصائد الشعر الإغريقي والصيني والياباني. كتب الشاعر ~~هذه القصيدة سنة 1940م بعد أن رأى التمثال سنة 1933م في متحف ~~الأكروبوليس، ونشرت في ديوانه سنوات العمر 1974م. # أشياء كثيرة يمكن أن يعرفها الإنسان، # أما هذا الشيء فلن يعرف أبدا. # هذا الرأس الشامخ في سكون وصفاء، # تغيم اللانهائية في عينيه الزمردتين، # وهو لا يشعر بماض ولا يحس بآت؛ # إذ إن الحاضر يغمره بالنشوة ويذهله فيغوص فيه ~~كالرضيع، # ويستغرق في حلمه الباطن ويبتسم للأثير، # الذي تثور فوقه رعشات الربيع. # والبسمة تنفث فوق الخد # ظلا يصعب أن يصدقه أحد، # وفي الظل ترف البراءة العليلة # كل براءة هذا العالم. آه أيها الرأس الحلو! ~~(2) يوهانيس إدفيلت # ولد سنة 1904م في بلدة ~~كيركفالا بالسويد، ونشرت له مجموعات شعرية عديدة. عرف بترجماته ~~لروائع الشعر الألماني، خصوصا لهلدرلين ورلكه وتراكل وفيرفل. ~~وظهرت قصيدته هذه عن فتاة الأكروبوليس ضمن مجموعة من الشعر ~~السويدي المعاصر بعنوان «وهذه الشمس بلا وطن»، ترجمتها ونشرتها ~~الشاعرة نيللي زاكس سنة 1957م. وقد كتب الشاعر قصيدته متأثرا ~~بتماثيل مختلفة من الفن القديم شاهدها في متاحف عديدة كمتحف ~~اللوفر، ودونها سنة 1943م قبل أن تتاح له بعد ذلك زيارة متحف ~~الأكروبوليس في أثينا. ~~«لوحة قديمة» # ما الذي يحملها على الابتسام؟ أهو ضياء الأسطورة # أشعل بسمات على هاتين الشفتين؟ # عين صمت قديم تبتسم، أتراها تعرف # ذلك البريق الذي تعد الشمس # مجرد ظل بالقياس إليه؟ # أكان نهارها كالندى والماس؟ # لا بد أن مساءها ms047 كالكهرمان كان. # جهاد لانتشال الضوء من بحر الظلال الكثيف. # هكذا النهار عند أغلب الناس. # صديقتي، ونحن الذين عشيت عيوننا في ليل الجليد، # نقرأ من شفتيك علامة النار: # تسكب نبعا، يهمس بالسلام. # يهدي بسمة، لن تخبو أبدا. ~~(3) أورس أوبرلين # ولد في مدينة بيرن «سويسرا» سنة 1919م. وهو طبيب أسنان يزاول ~~مهنته في زيوريخ، كما يهتم بجمع التحف الفنية ودراسة الآثار وتاريخ ~~الفن. نشر أربع مجموعات شعرية، ~~وروايتين، وتمثيليتين للإذاعة المرئية (التلفاز). كتب هذه ~~القصيدة الموجزة سنة 1961م على أثر زيارته لمتحف الأكروبوليس ~~ورؤيته للعذراء. ~~«عذراء» # بسمتك بعيدة # بعد السنوات الضوئية، ~~(غامضة كغموض الفجر) # من ذا يحملك لبيته؟ # أيجيء عريسك يوما؟ # أيجيء اليوم # ويزفك في موكبه ~~- موكبه المظلم - ~~(ويهلل لكما الطير؟ ...) ~~(4) جورج هيرمانوفسكي # ولد سنة 1918م في بلدة ألنشتين، ودرس الأدب وتاريخ الفن بجامعة ~~بون، ويعيش في ضواحيها متفرغا للكتابة الحرة. نشرت له مجموعات ~~شعرية وقصصية ومسرحية، وعرف بترجماته الغزيرة عن الأدب الهولندي. ~~وقد ظهرت قصيدته عن فتاة الأكروبوليس في ديوانه «القارب» الصادر ~~سنة 1970م. ~~«عذراء» # سرب النحل # بين مسام المرمر # ضاع وتاه، # يبحث عبثا # عن «نكتار» ~~(والنكتار رحيق حياة)؛ # إذ لا شيء سوى شفتيك # يا عذراء الحسن البكر # يمكن أن يرتشف رحيقا # من أنداء الفجر، # من شفتي زمن ديدالي، # 1 # زمن الإبداع الحر. # الفصل الثاني # | رب اللحظة المواتية # كايروس # نحت بارز على الرخام. نسخة من أصل للمثال الإغريقي «ليسيبوس» ~~المولود في سيكيون حوالي سنة 300ق.م.، موجودة في متحف تروجير من أعمال ~~يوغوسلافيا. عبر عنه الشاعر «بوسيديبوس» Poseidippos # الذي ولد في «بيلا» ~~من أعمال مدونية حوالي سنة 275ق.م. ينتمي للمدرسة السكندرية بهذه ~~القصيدة التي لم تتأكد نسبتها إليه. ~~(1) «كايروس» ~~- النحت البازر من أي ~~مكان؟ ~~- يرقد في المتحف ب «تروجير» من أعمال البلقان. ~~- ومن الفنان؟ ~~- ليسيبوس. ~~- والمسكن والعنوان؟ ~~- في سيكيون. # أتقدم منه. أتأمله. أسأل: # من أنت؟ ~~- رب اللحظة .. ~~- قل لي: لم تخطو حذرا فوق أصابع قدميك؟ ~~- لأني لا أتوقف أبدا عن سيري. ~~- ولماذا ينبت في قدميك جناحان؟ ~~- لأني أسرع في العدو من الريح. ms048 ~~- ولماذا تحمل سكينا في يمناك؟ ~~- كي أعلن للإنسان أن لا شيء سواي # أحد من السكين .. ~~- لماذا تتدلى خصلة شعر # من فوق جبينك؟ ~~- لأني، وبحق زيوس، # أدعو من يلقاني # أن يمسك بي، # وأحذره أن يتردد لثوان. ~~- وبقية رأسك صلعاء من الخلف لماذا؟ ~~- حتى يعرف أن «الآن» # إن عبر فلن يرجع أبدا ... لن يرجع، # لا، لن يجد الإنسان، # بعد ضياع الفرصة، # غير الحسرة والخذلان؛ # لأني إن أسرعت وطارت بي قدماي. # لا تنس ففي قدمي جناحان ... # وعبرت بمن قد كان # يتلهف يوما للقائي # لن يدركني أبدا، # لن أسعده بلقاء ثان. ~~- قل لي: # ولماذا قد أبدعك الفنان؟ ~~- أحرى بك أن تسأل: ولمن؟ # فأجيبك: # ولمن غيرك يا ابن الأرض؟ # ولمن غيرك يا إنسان؟ # الفصل الثالث # | أبولو بلفيدير # من أعمال الفنان ليوخاريس، حوالي سنة 340 قبل الميلاد. نسخة من ~~المرمر محفوظة في متحف الفاتيكان. استوحاها الشعراء: ~~(1) فرانز تيريمين # ولد سنة 1780م في جرامزوف، أوكرمارك، ومات سنة 1846م في برلين. ~~كان واعظا وعالما في اللاهوت وأستاذا بجامعة برلين، وربطت ~~الصداقة بينه وبين الأديبين آدم مولر وهينريش فون كلايست. # ألف عدة كتب في الخطابة والدعوة والإرشاد الديني، كما كتب بعض ~~القصص والمرثيات عن أعمال من النحت القديم التي نهبها نابليون، ~~وأمر بإرسالها من روما إلى باريس (حوالي سنة 1808م، وهي السنة ~~نفسها التي كتبت فيها القصيدة). ~~«أبولو الفاتيكان» # يا قائد الجوقة السماوية، # أحييك يا أبولو! # بينما يضفي عليك الجلال الأوليمبي نبل الشباب، # وتحدق عيناك في الفساد، ويعقد الغضب شفتيك، # ويحيط الشعر الملتف جبينك بالتاج الرائع، # ويرق حوله الصفاء الأثيري بالسلام الخالد، # تتقدم نحونا، سواء بعد أن قتلت نسل التنين، # أو بعد أن أشعلت فيك توسلات لاتونا # 1 # نار الغضب الإلهي، # فثأرت لأمومتها من أبناء «نيوبه». ~~(2) جمباتستا مارينو ( # Giambattista ~~Marino ~~) # ولد سنة 1569م في نابولي ~~ومات بها سنة 1625م بعد أن قضى في سجونها سنوات ~~من عمره. عاش في فرنسا من عام ~~1615م إلى عام 1623م، وهو أهم ممثلي الحركة ~~الأدبية التي أطلق عليها اسم ~~«المارينية»، وكان لها تأثير ms049 كبير على الأدب الأوروبي في عصر ~~الباروك، وكذلك على الرسم والرسامين مثل نيقولا يوسان (1594-1665م) ~~كتب الشعر الملحمي والغنائي، كما ألف عددا كبيرا من القصائد عن ~~صور ولوحات شاهدها في المجموعات الفنية أو اقتناها وضمها لمجموعته ~~الخاصة، وظهر بعض هذه القصائد سنة 1602م، ثم صدرت كاملة سنة 1619م ~~في ديوانه «المعرض الفني» الذي طبع بعد ذلك في البندقية سنة 1626م ~~تحت عنوان «المعرض الفني للفارس مارينو»، واحتوى المجلد الثاني منه ~~على هذه القصيدة. ويشير السطر الثاني من القصيدة إلى جزيرة ~~«ديلوس»، وهي إحدى الجزر في البحر الإيجي، ويقال إنها كانت موطن ~~أبولو. أما «نيوبه» التي يرد ذكرها في السطر العاشر فتروي ~~الأسطورة أن الآلهة قررت أن تعاقبها على غرورها واستعلائها، ~~فسلطت عليها الإله أبولو - رامي السهام التي لا تطيش! - فأصاب ~~جميع أبنائها في مقتل، وحزنت الأم وظلت تبكي حتى تحولت إلى حجر ~~... (انظر التحولات لأوفيد، 6، من السطر 148 إلى 312). ~~«أبولو بلفيدير» # ما أجمله وأحبه إلى القلب! # رامي القوس من المرمر، هذا الإله من ديلوس، # كم هو وحشي الغضب وثائر! # يبدو عليه أنه يهدد، # وأنه يطلق من الغضب والانتقام بعينيه ~~الجميلتين، # أكثر مما يطلق من السهام بيديه. # ولو لم ينزع ورع الكهنة منه سلاحه، # ويجرده من قوسه وسهامه، # لخافت منه نيوبه، وهو من الحجر، # مع إنها قد تحولت إلى حجر جامد. ~~(3) جيمس طومسون ( # James ~~Thomson ~~) # ولد الشاعر الإنجليزي سنة 1700م في «أدنام» بمقاطعة «روكسبور ~~جشاير»، ومات سنة 1748م في «ريتشموند» بمقاطعة ساري. كان أبوه ~~قسيسا اسكتلنديا. كتب الشعر النقدي الساخر والملحمة المسرحية ~~وشعر الطبيعة (ومن أشهره «الفصول» التي لحنها هايدن). سافر في ~~رحلة إلى إيطاليا سنة 1730م، وشاهد التماثيل وأعمال النحت القديم ~~ووصفها في كثير من أشعاره. كتب قصيدته عن أبولو بلفيدير سنة 1736م، ~~ونشرت مع أشعاره الكاملة التي أشرف على تحقيقها وإصدارها ج. ل. ~~روبرتسون، لندن، 1965م، ص362. # و«بيثون» الذي يذكر في السطر الأول من الأصل والثاني من ~~التعريب هو التنين الذي قتله أبولو، وتجد تفاصيل الأسطورة في ~~تحولات أوفيد، ms050 1، السطر 348 وما بعده. ~~«أبولو بلفيدير» # مبتهجا بالنصر على «بيثون»، # فلقد أردى هذا التنين، # ويجيء ومعه جعبته، # والجعبة ملأى بسهامه. # جميل في وقفته ويمد ذراعه، # بالقوس تدلت من يده، # وخفيفا ينسدل رداؤه. # يكشف عن جسد رائع، # وفتي ناعم، # وكأن شباب الآلهة # تتموج في الخد الناصع. # لكن حماس البطل # يفور ويدفئ وجهه، # والوجه حليق لامع، # يسمح بعذوبة بسمة، # والبسمة سمحة، # مزجت بالفرحة، # من أجل النصر، # فإذا ما مرت فوق الجبهة # نذر الشر؛ # فهي الحكمة وجلال القدر! ~~(4) جورج جوردون لورد بيرون ( # George Gordon Lord ~~Byron ~~) # هو الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي الأشهر، ولد سنة 1788م في ~~لندن، ومات في ميسولونجي ببلاد اليونان سنة 1824م. سافر سنة 1809م ~~إلى إسبانيا وبلاد اليونان، ثم اضطر - بعد فضائح عديدة - إلى ~~مغادرة بلاده والإقامة في إيطاليا، وخصوصا في روما. اتجه في سنة ~~1823م إلى اليونان ليساند الثورة على الحكم التركي، وأصيب بحمى ~~الملاريا ومات كما تقدم سنة 1824م. كتب الملاحم الشعرية ~~والمسرحيات والشعر الغنائي العذب المؤثر والأشعار النقدية ~~الساحرة. # وقصيدته هذه «أبولو في الفاتيكان» التي كتبها سنة 1817م، مأخوذة ~~من أناشيده المعروفة باسم «أسفار تشايلد هارولد»، النشيد الرابع، ~~المقطع التاسع والأربعون. راجع كذلك مؤلفات بيرون الشعرية الكاملة، ~~لندن 1961م، ص248. ~~«أبولو في الفاتيكان» # انظر هنالك للإله لا يخطئ قوسه، # الذي تعن له الحياة والشعر والنور. ~~(انظر) للشمس السارية الدفء بجسد بشري، # والوجه المشع بفرحة الانتصار. # السهم انطلق لتوه # كي يثأر ثأر إله خالد، # في العين وفتحتي الأنف غرور فاتن، # وبريق القوة والجمال يسطع من كل شيء فيه، # ويجلو الألوهية في توهج تلك النظرة الواحدة. ~~(5) فريدريش هيبل ( # Friedrich ~~Hebbel ~~) # ولد الشاعر النمسوي سنة 1813م في فيسلبورن في منطقة ديتمارشن، ~~ومات سنة 1863م في فيينا. كان أبوه من عمال البناء. قام برحلات ~~طويلة إلى الدنمارك وفرنسا وإيطاليا قبل أن يستقر في فيينا سنة ~~1846م، ويعرف كواحد من أكبر شعرائها المسرحيين. # نشرت قصيدته عن أبولو بلفيدير التي كتبها في روما سنة 1845م في ~~المجلد الرابع من طبعة أعماله الكاملة التي نشرها ms051 ي. م. فيرنر ~~نشرا تاريخيا محققا، وظهرت في برلين سنة 1913م. # من كان جميلا مثلك فليحطمك ذات يوم! # هكذا قال المعلم بعد أن أكمل صنعك، # ووقف أمامك يعشي عينيه بريقك، # ولم يكن يخسر شيئا بكلامه. # فأيا كان الذي أرسلته الطبيعة الحسود، # منذ نشأت وسوى خلقك، # فلقد كان انتصاره ينتهي دائما هنا، # وما من شاب وقف أمامك إلا وهو متردد. # أجل! لو أمكن في المستقبل أن يأتي أحد # يشبهك، ومع ذلك يقدر أن يكرهك، # فلن يمكنه أبدا أن يكفر عن نزوته؛ # إذ لن يتناول الفأس بيده # حتى يتركها تسقط منه؛ # كي لا يقضي بالقبح البشع على نفسه. ~~(6) فيلهلم فايبلنجر ( # Wilhelm ~~Waiblinger ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1804م في مدينة هايلبرون، ومات سنة ~~1830م في روما. درس اللاهوت (أصول الدين) في معهد توبنجن الديني ~~المشهور الذي سبق أن تعلم فيه الشاعر هلدرلين والفيلسوفان هيجل ~~وشيلنج. تتلمذ على الشاعر وجامع الكتب والحكايات الشعبية جوستاف ~~شقاب، وجمعت الصداقة بينه وبين الشاعر الأديب إدوارد موريكه. كتب ~~القصص والأشعار، كما كتب عددا كبيرا من القصائد عن صور ولوحات ~~فنية شاهد معظمها في روما، وطبعت سنة 1829م. وقد نشرت هذه ~~القصيدة مع قصائده التي كتبها في إيطاليا وأشرف على إصدارها أ. ~~جريز باخ، ليبزخ، سنة 1893م، الجزء الثاني، ص50. ~~«أبولو بلفيدير» # أيها المنتصر الإلهي، أساخط أنت، # ووجهك يشتعل بنيران الغضب؟ # الآن العالم الأفضل؛ # لأن الأوليمب ضاع منك؟ # آه! ربات الفنون يتجنبن طريقك؛ # لأن غضبك عات جبار. # آه! والجنس الفاسد لا يرعى أبولو، # ولا يحميه. # الفصل الرابع # | تمثال النصر (نيكا) في ساموثراكا # تمثال من المرمر، يرجع تاريخه إلى سنة 190 قبل الميلاد، نحته ~~مثالون من جزيرة رودوس. متحف اللوفر بباريس. ~~(1) هايو يابيه ( # Hajo ~~Jappe ~~) # شاعر ألماني ولد سنة 1903م في مدينة البنج، ودرس الأدب الحديث ~~وتاريخ الفن. نشر - بجانب مقالاته ودراساته العلمية في الأدب والفن ~~- حوالي اثنتي عشرة مجموعة شعرية ضمنها عددا كبيرا من قصائد ~~الصور. وقد ظهرت هذه القصيدة التي كتبها سنة 1950م في ديوانه «رحلة ~~إلى روما» ms052 الذي صدر في السنة نفسها لدى الناشر «ميران». ~~«إلهة النصر نيكا» # هل قيدت على هذه القاعدة؟ # الشمس تلعب فوق الصدر اللاهث الأنفاس. # ثنية الركبة تنفذ خلال الثوب # الذي يتراجع للوراء وقد نفخته الريح، # وكأن على القدمين، وقد لفظتهما الأرض، # أن يطيرا حتى يبلغا الشواطئ # التي يدور حولها القتال، # حتى لو فقد جناحاها # فستنتصر؛ # لأنها ولدت لتطير # ولو دون جناح ... ~~(2) إيلين جلينيس ( # Ellen ~~Glines ~~) # شاعرة هولندية لم أستطع للأسف أن أجد أي معلومات عنها فيما بين ~~يدي من مراجع ومعاجم عن أدباء العالم. وقد ظهرت هذه القصيدة في ~~مجموعة شعرية خصصها ناشرها ج. تيديستروم لقصائد الصور، وصدرت سنة ~~1965م في مدينة لوند. ~~«آلهة النصر في ~~ساموثراكا تخاطب مشوهي الحرب العالمية» # عرفت لعنة الجسد # ولعنة الإرادة ... # ورأسي الذي قطع # طارت به الرياح .. # جربت ما جربت من مرارة الحتوف، # لكنما قد عجزت # عن قتلي السيوف! # ولم يزل لدي ما يضمن لي النجاة. # هذا الجناح ... # والجناح ... ~~(3) رابيه إنكيل ( # Rabbe ~~Enekell ~~) # شاعر ورسام فنلندي. ولد سنة 1903م في مدينة تاميلا، ونشر ~~مجموعات ومسرحيات شعرية، كما ظهرت له كتابات نثرية باللغة ~~السويدية. نشرت قصيدته عن إلهة النصر في ساموثراكا في ديوانه الذي ~~صدر سنة 1935م في هلسنجفورس، ص53. ~~«إلهة النصر في ~~ساموثراكا» # لا الشقاء الذي يلبس حذاء التراب، # ولا نشوة الانتصار، # بل لهب النيران الخجول من ضوء النهار، # وازدهار الأشياء، # هي خطوة «نيكا» الخفيفة، # تفوح بعطر الأرض، # تتقد بنار زرقاء، # والروح تخفي لهيبها في النور، # و«نيكا» تطير إلى هناك # في ثوب الريح. ~~(4) زبجنييف هيربرت ( # Zbignieiv ~~Herbert ~~) # ولد الشاعر البولندي سنة 1924م في «ليمبيرج»، ودرس الحقوق ~~والفلسفة في عدة جامعات بولندية، ثم اشتغل فترة من الزمن بالتحرير ~~الصحفي، إلى أن عين سنة ~~1970م أستاذا للأدب الأوروبي في جامعة لوس أنجلوس. نشر أربع ~~مجموعات شعرية، ومسرحيات، وتمثيليات إذاعية، وكتابا عن أسفاره ~~ورحلاته في فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبلاد اليونان. # ويلاحظ النقاد أن قصائده تحاول أن تجرد الأساطير القديمة ~~والحديثة من سحرها الأسطوري باسم العقل والعقلانية. ظهرت قصيدته ~~التالية «إلهة ms053 النصر نيكا عندما تتردد» في ديوانه: «نقش قصائد ~~على مدى عشر سنوات»، الذي صدر في ترجمة ألمانية عن دار النشر ~~زوركامب في مدينة فرانكفورت على نهر الماين سنة 1967م، ~~ص32-33. ~~«إلهة النصر «نيكا» ~~عندما تتردد» # تكون في أبهى جمالها # عندما تتردد، # مستندة بيمناها على الهواء، # رائعة كأمر صارم، # بينما يرتجف الجناحان، # تنظر فترى الفتى الوحيد # يتبع أثر العربة الحربية، # ويقطع الطريق المقفر # في الأرض المقفرة # المليئة بالصخور، # وشجر العرعر العاري. # الفتى على وشك أن يموت، # كفة قدره، # قد ثقلت فعلا. # تشتعل الرغبة فيها؛ # أن تقترب منه، # وتقبل جبينه، # لكنها تخشى ~~- وهو الذي لم يجرب أبدا # عذوبة العناق - # تخشى لو عرفها # أن يهرب من المعركة # كما هرب سواه. # وهكذا تتردد «نيكا»، # وتقرر أن تبقى على وضعها # الذي علمه لها المثالون، # خجلة من لحظة التداني. # إنها تعلم # أنهم سيجدون الفتى في غبش الفجر، # مفتوح الصدر، # مغمض العيون، # وتحت لسانه المتصلب # طعم الوطن الحريف. ~~(5) فيرينا رينتش ( # Verena ~~Rentsch ~~) # شاعرة سويسرية، ولدت في مدينة «بازل» (أوبال) سنة 1913م. كان ~~أبوها معلما. درست العلوم التجارية والإدارية، وتقلبت في وظائف ~~السكرتارية والمراجعة والتعليم والرعاية النفسية للعمال. تزوجت ~~من طبيب سنة 1946م، وولدت ثلاثة أطفال. ظهرت لها مجموعتان شعريتان ~~ومجموعة قصصية، ونشرت قصيدتها هذه في مجموعتها «زهور صحراوية»، ~~التي صدرت في مدينة زيوريخ لدى الناشر فلامبيرج، 1971م، ~~ص44. # وقد كتبت القصيدة في شهر أبريل سنة 1969م عندما تأملت تمثال ~~النصر - بعد إعجاب استمر سنين طويلة - في تلك السنة، وكانت قد ~~مرت بتجربة شخصية دفعتها إلى تسجيل رؤاها ومشاعرها في هذه ~~الأبيات: ~~«إلهة النصر» # أي انتصار حزين تلعنينه، # أيتها الإلهة الحجرية # ذات الجناح المكسور؟ # يا من تقفين بلا عينين # ولا خدين # بين جدران متحف، # أسيرة فوق مركب زائف. # أي انتصار حزين # تكتمينه عني # يا «نيكا»؟ ~~(6) أوليه ف. فيفيل ( # Ole F. ~~Vivel ~~) # ولد الشاعر الدنماركي سنة 1921م في مدينة كوبنهاجن حيث درس ~~الأدب وفاز في مسابقة أدبية عن رائد الرمزية في الشعر الألماني ~~الحديث «ستيفان جئورجه». كتب الشعر والمقال، ms054 وأنشأ قصيدته الآتية ~~عن إلهة النصر «نيكا» سنة 1958م. # يلاحظ أن السطرين الرابع والثاني عشر يشيران إلى الصاروخ ~~الحديث، وفي السطر الخامس والثلاثين وما بعده إشارة إلى جون فوستر ~~دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية (1888-1959م)، ~~وهارولد ماكميلان وزير خارجية بريطانيا، ثم رئيس وزرائها سنة ~~1957م، وقائد حلف الأطلنطي لوريس نورستاد (من سنة 1956م إلى سنة ~~1962م)، أما السطر 41 فيشير إلى ألبرت شفيتزر (1875-1965م) ~~الفيلسوف ورجل الدين وعالم الموسيقى وعازف الأورغن والطبيب الناسك ~~الذي وهب حياته لعلاج مرضى الجذام وغيرها من أمراض المناطق الحارة ~~في المستشفى التي أسسها في الأحراش والغابات الأفريقية في ~~«لامبارنيه». ~~«إلهة النصر «نيكا»» # العواصف عانقتك. # خطوت على البحر، في مقدم السفينة، # برداء رفاف حول نهديك. # لكن شقيقتك، ملكة مملكة الهواء، # تخترق السحب، # وهي تئز برعد جبار. # أنت يا حلم «رودس»، # يا ساطعة في شمس الصبح، # حتى هذا المرمر يتحتم أن يسقط، # أن يسحق ويصير غبارا # بضربة واحدة، # من يد «نيكا» الجديدة. # مفرداتنا كانت مجهولة لديك. # توازن الرعب، الحرب الشاملة، # الانتقام الرهيب، # وفتيات رودس، بناتك الورديات، # اللائي رقصن حولك بأقدام عارية، # يحدقن بنظرات لا تفهم شيئا، # نظرات محتقرة، # في خشوعنا وتمتماتنا، # وسجودنا أمام مذبح «نيكا» الجديدة. # قاعدة الصواريخ، # من يعرف تلك الساعة # التي يتعطل فيها ضوء أزرق صغير؟ # زرار التحكم أو أعصاب الرائد، # الذي نام نوما سيئا، وعانى من نكد النساء، # بل لم يخطر على باله احتمال الصدام، # و«نيكا» ترتفع في الظلام، # فائرة فوران الشلال، # شلال العدم الراعد. # الاستغاثة لا جدوى منها. # الخبراء الجادون، أصدقاؤنا في حلف الأطلنطي، # فوستر دالاس، ماكميلان، الجنرال نورستاد، # ينصحون نصيحة واحدة؛ # لم تحسب حساب التطور، # بإقامة القواعد المختلفة # وقاذفات القنابل المختلفة # من النموذج أ، ب. # ألبرت شفيتزر يرحم أطفاله من أبناء الزنوج. # مكان في الغابة ~~(جحيم رطوبة، # يجعل من رجل هرم شيئا عجبا). # حيارى # لم يعد النور الساطع من «هيلاس» # يصل إلى أعيننا، # وما أهمية صراخ صيد أسير # وحرب الليل المفعم بالقلق # على جلجثة (الجثمانية) # 1 # منذ زمن بعيد؟ # الفصل الخامس ms055 # | المصارع المحتضر # تمثال من المرمر، محفوظ في ~~متاحف الكابيتول بروما. ~~(1) فوكيه (البارون فريد ريش دي لاموته) ( # Friedrich ~~De la Motte Fouqué ~~) # ولد الشاعر والكاتب القصصي والمسرحي الرومانتيكي فوكيه سنة ~~1777م في باندنبورج على نهر الهافل، ومات سنة 1843م في برلين. ~~انحدر من أصول النبلاء الإقطاعيين، وشارك سنة 1813م في حروب ~~التحرير من قبضة نابليون وفي كثير من المعارك التي خاضها الجيش ~~البروسي الذي كان أحد فرسانه. ظل طوال حياته يعمل على إحياء ~~التراث الثقافي الجرماني وبعث روح البطولة والفروسية في العصر ~~الوسيط، وتمجيد فضائل النبلاء والنبالة بأسلوب عاطفي يشيع فيه ~~الحنين الرومانتيكي، وتغلب عليه النعرة «الشمالية» إلى حد ~~الثرثرة. # ولعل حكايته الفنية «أندينة» - التي لحنها هوفمان ولورتسنج ~~للأوبرا، وترجمها الدكتور عبد الرحمن بدوي للعربية - تكون من خير ~~أعماله الشعرية المعبرة عن فلسفة الطبيعة في الحركة ~~الرومانتيكية. # وقد وردت قصيدته عن المصارع المحتضر في الكتاب الذي ألفه عن ~~ذكريات رحلاته، وظهر في مدينة درسدن سنة 1823م، الجزء الأول، ~~ص203-206، ويبدو أن الشاعر كتب القصيدة قبل ذلك بعام واحد بعد ~~مشاهدة مجموعة التماثيل الجنسية التي نسخها الفنان رافائيل منجس ~~(1728-1779م) عن أصولها القديمة. ~~«المصارع المحتضر» # قديما، لما غلبته الحشود المنقضة، # عاش الأمير عيشة عبد في روما سيدة العالم. # وبعدما كان في الغابة الجرمانية # يتقدم الجميع في الحرب والصيد، # صار يسير في أثر السادة المتجهمين، # وبقوة عملاق يدحرج حجرا بعد حجر في أساس البناء، # حتى ارتفعت الدارة # 1 # مزدانة بالروعة والبهاء. # كان صبورا يتذرع بالصمت، محتقرا أقوال ~~العامة، # محتملا قدره الكئيب في روحه الجبار. # وفجأة، هل سمع إله ضراعته؟ # حملوا إليه درعا وسيفا، وأخذوه معهم، # حيث ارتفع المبنى الرائع # إلى قبة السماء، # ورأى الحشد الهائل يصطف أمامه # لم يكن حشد النظارة، بل كان الشعب بأكمله! # النساء الفاتنات بجمالهن الساحر الأخاذ، # يتألقن في الصفوف الأولى، وبجوارهن الكهنة ~~والشيوخ. # حيا الجميع تحية الفارس، فجاوبه الشكر بصوت ~~عال، # ثم ظهر في الحلبة رجل واجهه بكامل سلاحه. # ليكن الهدف من هذا الصراع ما يكون، # وسواء كان هو ms056 الثأر لإنقاذ البراءة # أو رفع السيف الناصع كسؤال للآلهة؛ # فالأمير على أهبة الاستعداد. # وماذا يبتغي الكهنة والنساء # سوى أن يشاهدوا كل ما هو عظيم ومرض للآلهة؟ # تردد نداء الأبواق الداعية للنزال، # فشعر بالفرح والسرور، # وراح يصارع ويبارز وينتصر، # وهتاف الحشود يتجدد مع كل انتصار. # ولا يكاد يظهر عدو جديد حتى يغلبه ويصرعه، # وترن الصيحات ويتتابع الصراع والتهليل والصراع # حتى تنطفئ القوة في صدر الأمير. # لكن الحياء يغلق فمه فلا يبوح بشكواه. # وهكذا يواصل الصراع والنزال، # حتى تستقر الحربة في الصدر المنهوك، # ويهوي في دمه النازف فوق الدرع الصامد، # ولم تزل صيحات التهليل تتردد في أذنيه، # ولم تزل الفرحة تخامره وهو يسمعها. # وتجول الفكرة في قلبه الشجاع: ~~«أصواتهم كجوقة تزف بالتهليل شرف التكريم.» # ويثبت نظرته الجادة على دمه المنسكب. # إن كنتم تصيحون به كأنكم تصيحون بحيوان، # فلقد سقط على الأرض سقوط الأبطال ... ~~(2) جيمس طومسون ( # James ~~Thomson ~~) # ولد الشاعر الاسكتلندي سنة 1700م في «إدنام» بناحية ~~روكسبورجشاير، ومات سنة 1748م في «ريتشموند» بمقاطعة ساري. كان ~~أبوه قسيسا. كتب قصائد عديدة في وصف الطبيعة من أن أهمها ~~«الفصول» التي لحنها هايدين، كما كتب الأهاجي والملاحم الشعرية ~~والمسرحيات. # أما قصائده التي وصف فيها تماثيل النحت القديم فترجع إلى ~~الفترة التي قام فيها برحلة عبر إيطاليا واستمرت من سنة 1730م ~~إلى سنة 1731م. وقد ظهرت قصيدته عن «المصارع المحتضر» ضمن أعماله ~~الشعرية التي نشرها ج. ل. روبرتسون، وصدرت في لندن سنة 1965م، ~~ص361. ~~«المصارع المحتضر» # يستند على ذراعه الملوية، # ويميل بوجهه وهو يعاني # آلام الاحتضار. # ثقل القدر يحني رأسه، # لكن الرغبة في الثأر والتحدي # والغضب والخجل والانتقام الكسير، # تطل كئيبة من قسماته المعذبة، # وتظل العين تتوقع أن يسقط. ~~(3) جورج جوردون لورد بايرون ( # George Gordon Lord ~~Bryon ~~) (1788-1824م) # راجع ترجمته مع القصائد المنشورة مع تمثال «أبولو بلفيدير»، وقد ~~ظهرت هذه القصيدة عن «المصارع المحتضر» ضمن أغانيه وأناشيده ~~المعروفة بأسفار تشايلد هارولد، ص245 وما بعدها. ~~«المصارع المحتضر» # أرى المصارع راقدا أمامي؛ # مستندا إلى ذراعه، # ورجولته الصامدة راضية بالموت، ms057 # لكنها تقهر عذاب الاحتضار. # رأسه يميل شيئا فشيئا، # ومن جنبه تتساقط القطرات الأخيرة من دمه # في تيار أحمر بطيء، # تتساقط ثقيلة، واحدة واحدة، # كأنها أول قطرات النوء الراعد، # وتغيم الحلبة في عينيه، # ويموت وما زالت تتردد صيحات التهليل # الوحشية للفائز. # سمعها ولكن لم يحرك ساكنا! # كانت عيناه مع قلبه، # وكان القلب هناك بعيدا، # لم يكترث بالحياة التي فقدها، # ولم يعبأ بالثناء، # فحيث يقوم بيته الخشن على ضفاف الدانوب # هنالك يلعب برابرته الصغار، # وهناك على أرض الوطن أمهم الداسية # 2 # أما هو سيدهم والأب والزوج، # فلقد ذبح لكي يحتفل الرومان بعيد ممتع! # راحت كل هذه الذكريات تتدفق مع دمه، # أيموت ولا يثأر أحد له؟ # انهضوا أيها القوط! # واشفوا غليلكم! ~~(4) إجناس هينريش فرايهير فون ~~فيسنبرج ( # Ignaz ~~Heinrich Freiherr Von Wessenberg ~~) # ولد سنة 1774م في مدينة درسدن في أسرة عريقة النبالة، ومات سنة ~~1860م في مدينة كونستانس بالجنوب الألماني. شارك في الإصلاح الكنسي ~~متأثرا بأفكار عصر التنوير، وانتخب عضوا حرا في أول برلمان ~~لولاية بادن، بيد أنه لم يلبث أن انسحب من مسرح الحياة الكنسية ~~والسياسية، وتفرغ لأعماله الأدبية ورحلاته واقتناء التحف والصور ~~التي وسع بها مجموعته الفنية. # وقد شاهد الشاعر تمثال «المصارع المحتضر» أثناء رحلته الإيطالية، ~~ويبدو أنه كتب قصيدته عنه تحت تأثير عبارة لشيشرون يقول فيها: إن ~~المصارع الشريف يحرص حتى في موته على أن يسقط بشرف. وقد ظهرت ~~القصيدة ضمن مؤلفاته الأدبية الكاملة، الجزء الثالث، شتوتجارت ~~وتوبنجن، ص105. ~~«المبارز المحتضر، ~~تمثال في الكابيتول» # من أنت أيها المبارز، # يا من تموت هذا الموت المنمق البديع، # وبوضع أعضائك وإشاراتك # تخطب ود الرومان الخليعين وثناءهم الحقير؛ # إذ تنسكب حياتك مع دمك على الأرض؟ # كيف تطرف كل العيون وقد بهرتها النشوة، # بينما تسقط رأسك كسقوط الكرة على درجات السلم! # آه يا عار الرق ويا لهوان البشرية! # انهضوا أيها البرابرة، أسرعوا بأجنحة العاصفة! # فلا يصح أن يموت ابن غاباتكم # لتسلية شعب التلال السبع! # انظروا! الآن يكسوه الشحوب. # اسمعوا من كل الصفوف # صيحات التهليل الوحشية تدعو ms058 للثأر! ~~(5) كونراد فرديناند ماير ( # Conrad Ferdinand ~~Mayer ~~) # شاعر وروائي كبير. ولد سنة 1825م في مدينة زيوريخ بسويسرا، ومات ~~سنة 1898م في قرية كيلشبرج بالقرب من زيوريخ. وقد شاهد «ماير» ~~تمثال المصارع المحتضر سنة 1858م في روما، وظهرت قصيدته عنه أول ~~مرة في كتاب قصيدة الصورة الألمانية لمؤلفه ه. روزنفلد، ليبيزخ ~~1930م، ص264. ~~«المبارز المحتضر» # سقط على الأرض وقد أصابته الطعنة، # والألم ينطق من قسماته، # وتطل العين، تحدق مفتوحة # في الدم النازف من جرحه. # يرى القطرات الحمراء وهي تلمع # وتتحدر في بطء إلى أسفل، # ويرى الأرض العطشى تشربها، # ولا يضع اليد على قلبه، # وصياح التهليل بالفائز المنتصر # يخفت في أذنيه ويموت، # والموت، الروح الطيب، # يكسو نظرته الأخيرة بقناعه. # تتلفت روحه إلى أرض الوطن، # إلى الكوخ الذي فتح فيه عينه على النور، # فتتحطم أغلال العبودية، # ويصير البعيد قريبا منه. # يتحسر على أنفاس الجبال، وأحواض الأنهار، # والموجة التي طالما حملته فوق ظهرها، # على تحية الينابيع التي تتحدر وتفور # جسورة، وعلى تحليق النسور # شيء كالسحر يجعلها تتكلم، # فينصت وهو سعيد للنغم العذب، # وبهذا الصوت الرنان المنعش # يحيي الوطن ابنه البعيد، # الجبال تميل عليه وتسقط، # يعلو خفقان الأمواج، # تنحل أعضاؤه وتتراخى، # ويسود وجه النهار. # والرومانية تنظر وترى العين المنكسرة، # واللعبة تسعدها أي سعادة، # وتصفق هذي الوقحة # للعيد وهو يسقط سقطته البديعة. ~~(6) باول هايزه ( Paul Heyse ~~) ~~(1830-1914م) # ولد الشاعر الألماني في برلين ومات في ميونيخ. درس اللغات ~~والآداب القديمة بجانب اللغات الرومانية (الإيطالية والإسبانية ~~والفرنسية والرومانية)، قام برحلات عديدة إلى إيطاليا، وكتب القصة ~~القصيرة والمسرحية والقصيدة، كما ترجم عن اللغات القديمة والحديثة. ~~حصل على جائزة نوبل في الآداب سنة 1910م، وقد نشرت قصيدته عن ~~المبارز المحتضر في المجلد الخامس من مؤلفاته، شتوتجارت وبرلين، ~~ص373. ~~«المبارز المحتضر» # لم راح يبارز ويصارع، # ولأي قضية؟ # الأمر سواء. # حتى لو أخذ يصارع من أجل القوت # فيظل الإنسان عظيما وهو يموت .. ~~(7) إريك لينديجرين ( # Erik ~~Lindegrén ~~) (1910-1968م) # ولد الشاعر السويدي في بلدة لوليا الواقعة شمال السويد، ومات في ~~استوكهولم. نشر أربع مجموعات ms059 شعرية، وكتب عددا من نصوص الأوبرات، ~~وترجم عن الشعر والنثر الفرنسي والإنجليزي. انتخب سنة 1962م ~~عضوا في الأكاديمية السويدية خلفا لداج همرشولر. ظهرت قصيدته ~~التالية عن المصارع المحتضر مع قصائده التي صدرت سنة 1962م في ~~استوكهولم، ص53، وكان قد كتب القصيدة سنة 1947م. ~~«المصارع المحتضر» # من دفع الرمح إلى جسدك؟ # من ألقى الشبكة، # فوق الرأس وشد الخيط، # وهلل بالنصر الحاسم، # فتلويت وفي الرمل سقطت؟ # ليس هو الجاثم فوقك، # تحسب ساقيه عمودين رخاميين # يميلان عليك، # ليست هي تلك اليد الحاملة الخنجر، # ألقت بظلال سود # فوق الحلبة ذات مساء، # وكذلك ليس هو الخادم # في قصر القيصر. # لكن من يبصرك هناك # وهل تسمعني؟ # النظارة عمى. # هم في الظلمة يتجهون إليك، # كالموجة يكسوها الزبد الأبيض، # تندفع لتنطح كتل الصخر، # المعتم في هاديس. # أو هم في النشوة # ينطلقون لآخر حد لضباب-الدم، # ويخافون على أنفسهم وعليك. # من أسقطك، # ومن ينظر إليك؟ # تشعر بدنو الأجل، # لكن الوقت قصير # قصر العمر، # تأتي اللحظة وتصارع أبد الدهر، # تسقط فتصير حياتك، # وكذلك موتك، # ملك يديك. # الفصل السادس # | فينوس ميلو # من القرن الأول قبل الميلاد - ~~رخام مرمري - اللوفر، تمثال أفروديت من جزيرة ميلوس المعروف بفينوس ~~ميلو. وهو أحد روائع الفن الإغريقي في عصره الأخير، وهو العصر ~~الهيلنستي (حوالي القرن الثاني ق.م.). أطلق هذا الاسم عليه نسبة إلى ~~فينوس إلهة الجمال عند الرومان، وإلى جزيرة ميلوس (ميلو بالإيطالية) ~~التي عثر فيها على التمثال سنة 1820م. لا يعرف اسم المثال الذي ~~نحته، وربما كانت الذراعان المفقودتان تحملان في الأصل درعا مرفوعة ~~إلى أعلى ناحية اليسار تتأمل الإلهة صورتها المنعكسة عليه. ~~(1) فيلهيلم فايبلنجر ( # Wilhelm ~~Waiblinger ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1804م في مدينة هايلبرون، ومات سنة ~~1830م في روما. درس اللاهوت في المعهد الديني في مدينة توبنجين، ~~وهو المعهد الذي درس به الفيلسوفان هيجل وشيلنج والشاعر هلدرلين. ~~استقر في إيطاليا منذ سنة 1826م ونشر القصص والأشعار. وقد كتب ~~قصائده عن الصور واللوحات التي رآها وتأثر بها في سنة 1827م، ~~ونشرت في ديوانه «أناشيد ومرثيات من ms060 روما». ظهرت هذه القصيدة عن ~~فينوس في مجموعته الشعرية «قصائد من روما» الذي نشره الأستاذ أ. ~~جريزباخ، وظهر في مدينة ليبزج سنة 1893م. الجزء الثاني، ~~ص48. ~~«فينوس من ميلو» # البشر يرتفعون إلى السماء، # وهنالك في النور الباهر # تتفتح البذرة الأرضية # عن زهرة أوليمبية حسناء. # ينصهر الروح مع الروح. # وفي حياة أكثر حرية، # يتجلى الشكل الفاني أكثر بهاء وقدسية. # هكذا تهدين الحس الأرضي إلى الحس السماوي # وتحيلينه - بمعجزتك القاهرة - # إلى صورة كاملة. ~~(2) أفاناسي أفاناسييفيتش فيت ( # Afansij ~~Afansijewifsch Fet ~~) # ولد الشاعر الروسي سنة 1820م في ضيعة تملكها عائلته في نواحي ~~نوفوسلكي بولاية أوريل، ومات سنة 1892م في موسكو. وقد ولد لأب ~~روسي وأم ألمانية. ودرس في جامعة موسكو، ثم التحق بالجيش وخاض حرب ~~«القرم» التي رجع بعد انتهائها إلى ضيعته ليقضي فيها بقية حياته. ~~وهو شاعر ومترجم لأشعار هوراس، وجوفينال، وحافظ الشيرازي، بجانب ~~ترجماته لشكسبير، وجوته، وشوبنهور. كتب قصيدته عن فينوس سنة 1856م، ~~ونشرت في إحدى مجموعاته الشعرية التي صدرت سنة 1959م في ليننجراد، ~~ص238، كما ظهرت ترجمتها الألمانية بقلم هانزبورجن تسوم فينكيل في ~~كتاب «فينوس من ميلو والشعراء الروس المعجبون بها»، وهو الكتاب ~~المهدى للأستاذ م. فيجنر، مونستر 196، ص131. ~~«فينوس من ميلو» # عذري لم تلمسه يد، # منزوع منه الخوف # وعار حتى جنبيه، # يسطع، يزدهر # الجسد الرباني # في نور جمال # لا ينطفئ ولا يخمد. # تحت الظل المتقلب ~~- كتقلب نزوة - # للشعر المرفوع بخفة. # صب الفرح أبيا # وانسكب بقوة، # في هذا الوجه العلوي! # باقوس # 1 # غمرتك طويلا # بحنان غامر، # فغدوت كزبد البحر ~~- وفان هو زبد البحر وعابر - # وتدفق منك السحر القاهر # والمجد الباهر؛ # ولهذا رحت تطلين # على الأبد الممتد أمامك ~~(بحثا عن سر حائر). ~~(3) شارل ليكونت دو ليل ( # Charles Leconte De ~~Lisle ~~) (1818-1894م) # ولد في جزيرة «ريونيون» في المحيط الهندي، ثم انتقل مع أسرته ~~إلى فرنسا وعمره ثماني عشرة سنة، وأصبح من أهم شعراء «البرناس» ~~وأعضاء جماعة البرناسيين الذين تغنوا بمثل الجمال والمجد ~~والقداسة الإغريقية، وقد قام الشاعر أيضا بترجمة أشعار هوميروس ~~وغيره من ms061 شعراء اليونان. # كتب هذه القصيدة ونشرت في شهر مارس سنة 1846م في مجلة لافالانج. ~~ويجدها القارئ مع قصائده عن العالم القديم، باريس، 1952م، ~~ص134-136). ~~«فينوس من ميلو» # أيها التمثال المرمري المقدس، # يا من تتزيا بثوب القوة والروح، # أيتها الإلهة التي لا تقاوم، يا من يملؤك النصر ~~بأمجاده، # يا نقية كالانسجام، صافية كالبرق، # آه يا بيضاء وأم الآلهة، وآه يا فينوس، # يا نور الحسن الساطع ! # لست «أفروديت»، التي تضع قدمها البيضاء بياض الثلج على ~~محارتها الزرقاء التي تهدهدها الأمواج، # بينما ترف حولك (والرؤية وردية وشقراء) # خلية نحل من الدعابات والضحك الرنان كالذهب. # لست «كيثيرا» # 2 # التي لا تزال تعبق # بعطر قبلات أدونيس # 3 # السعيد، # الذي التصقت به وقد برح بها الغرام، # وما من شاهد عليها فوق الغصن المياد # إلا الحمام العاشق في لون المرمر. # ولست ربة الفن ذات الشفتين الفصيحتين، # لا «فينوس» الحيية ولا «عشتروت» الشهوانية، # التي ترقد - متوجة الجبين بالورد وأوراق ~~الأقنثوس # فوق سرير من زهر اللوتس، وهي تموت من الشهوة. # لا! فالضحك واللعب واللطف والحنان، # مهما تشابكت وتوهجت بالحب، # ليست هي التي تصاحبك. # الموكب الذي يحرسك مؤلف من النجوم، # والأفلاك التي تزفك بالغناء تسير في خطاك. # يا رمزا معبودا للسعادة الباقية، # يا صافية كالبحر الصافي، # أبدا لم يكسر قلبك الصامد نشيج باك، # ولا عكرت دموع البشر سناك. # سلاما لك! إن القلب ليشتد خفقانه لمرآك. # جدول مرمري يرطب قدمك البيضاء. # تمشين فخورة عارية فيهتز العالم، # والعالم - يا صاحبة الفخذين العظيمتين! - ملك ~~يمينك. # وأنت أيتها الجزر يا موطن الآلهة! # أنت أيتها الأم القدسية هيلاس! # آه! ليتني ولدت على ضفاف الأرخبيل الرائع # حيث كانت الأرض المنتشية بالإلهام # ترى السماء تهبط إليها عند أول نداء! # إن كان مهدي لم يسبح أبدا فوق ثيتيس، # 4 # القديم. # أبدا لم يقبله موجه البلوري الفاتر. # إن كنت لم أصل تحت سقف معبدك الأتيكي، # ولا عند مذبحك أيتها الفتنة المنتصرة، # فاقدحي في صدري الشرارة العلوية، # ولا تحبسي مجدي في قبر الهموم، # ودعي أفكاري تنساب في إيقاعات ذهبية، # كالمعدن ms062 الإلهي المصبوب # في القالب المنسجم البديع ... ~~(4) ويلفريد سكاوين بلنت ( # Wilfrid Scawen ~~Blunt ~~) (1840-1922م) # اسم معروف للمصريين أو ينبغي أن يكون معروفا ويبقى منقوشا في ~~ذاكرتهم بحروف من ذهب لا ينطفئ بريقه؛ فقد دافع عن حرية مصر، ~~وندد طوال حياته بالاحتلال والاستعمار البريطاني. ولد سنة 1840م ~~في «سسكس» ومات سنة 1922م في شيلي. عمل من سنة 1858م إلى سنة 1869م ~~في السلك الدبلوماسي، ورحل إلى مصر وبلاد العرب والفرس. وفي سنة ~~1841م اشترى بيتا أقام فيه في ضواحي القاهرة حيث عاش عيشة شيخ ~~عربي! قضى شهرين في أحد السجون الأيرلندية بسبب دفاعه المخلص عن ~~الحرية. وقد كتب الشعر ودون مذكرات رحلاته وأسفاره كما كتب في ~~السياسة والتاريخ. ظهرت قصيدته عن فينوس في كتاب أشعار الرحالة ~~الذي نشره الأستاذ ف. أ. إيمونز، وصدر في نيويورك عام 1970م، ~~ص89. ~~«فينوس من ميلو» # من أنت؟ # امرأة أنت فحسب؟ الربة أفروديت؟ # أبدا لم يأت شبيهك من عالي السحب، # ولا من زبد البحر. # من رحم الأم-الأرض ولدت، # لما ضاجعها الفرح البشري # في ليلة عرس لن ينساها الدهر ~~(كان الإنسان صغيرا في مقتبل العمر!) # خالدة أنت، # و«خرونوس» قد عجز عن التأثير عليك. # أسألك سؤالا فأجيبيني: # أين تولى وإلى أين، # من كنت ترين # ووجهك - هذا الأبيض - يحمر؟! # ها أنت أمامي ذاهلة # عن هذا العالم. # وجهك منكسر # يرتسم عليه عذاب أزلي، # حزن مر، # أعلن حبي فتصمين السمع ~~- أفي أذنك وقر؟ - # لكن ما من شيء تملكه المرأة # من فيض حنان أو بر، # أو من خبث أو غدر، # إلا وتجمع فيك؛ # فأنت المرأة، # صورة حواء، # وما في الأنثى الخالدة # من الخير أو الشر. ~~(5) ب. د. بوترلين ( P. D. ~~Buturlin ~~) # ولد الشاعر الرمزي الروسي سنة 1859م في فلورنسا ومات سنة 1859م. ~~قضى طفولته في إيطاليا، وتربى في إحدى الكليات في برمنجهام ~~بإنجلترا، ولم ير بلاده إلا في سنة 1874م حيث استقر في الضيعة ~~التي تملكها أسرته بالقرب من كييف. التحق في مدينة بطرسبورج ~~«ليننجراد الحالية» بالسلك الدبلوماسي، وعمل سنة 1883م في السفارة ms063 ~~الروسية في روما ثم في باريس. # ترجم قصيدته هذه إلى الألمانية هانز-يورجين فون فينكيل، ونشرت ~~مع قصائد أخرى لمجموعة من الشعراء الروس عن فينوس في الكتاب ~~التذكاري المهدى للأستاذ فيجنر مونستر، 1962م، ص140). ~~«إلى فينوس ميلو» # يطير الخيال من هذه القاعات الحية # إلى المرسم القديم، عبر ظلمات الأزمان. # هنالك يحيا الفنان مع نشوته المشتعلة بالكبرياء. # لقد انزلق منه الإزميل، أيتها الآلهة، # من فرط جمالك. # لم يعد في حاجة إليه؛ فلقد قيدت اليد # رؤيته العارية من اللحم # في أسر الأشكال المستوية، # وفي الفؤاد - حيث عصفت عاطفة الخلق # كدوامة ريح - امتدت سكينة البهجة والنشوة. # لكن مع ذلك، حين رآك أمامه ~~- هذا العبقري الفذ الذي حجب اسمه # عن المجد قدر شرير - # هبط شعر شعورا حقا بسعادته؟ # هل أنبأه الإحساس النبوي الشفاف # بأن الفن انتصر بفضلك، # وبعون منك سينتصر دوما. # يا مثل الحسن الأعلى، # يا رمز جمال خال # من أثر الذنب أو الإثم؟ ~~(6) ديمتري ميريشكوفسكي ( # Dimitrij ~~Mereschkowskij ~~) # ولد الشاعر الروسي سنة 1893م في بلدة بغدادي بالقوقاز، ومات ~~منتحرا سنة 1930م في موسكو. كان أبوه فقيرا يعمل في الغابات، ~~وانضم إلى الحزب الشيوعي ولم يتجاوز الأربعة عشر ربيعا. تعلم ~~في إحدى مدارس الفن التشكيلي، ثم أسس سنة 1913م مع عدد من ~~الرسامين والشعراء في موسكو جماعة المستقبلية (الفوتوريزم) التي ~~جددت الحركة الفنية والأدبية. انصرف بعد ذلك إلى تمجيد الدولة ~~البلشفية، وإن لم يمنعه هذا من تسديد سهام سخريته إلى عيوب النظام ~~وثغراته. يعد من الشعراء الكلاسيكيين في الشعر السوفييتي، وقد ~~كتب للمسرح كل كتب الشعر. كتب هذه القصيدة عن فينوس سنة 1927م بعد ~~رحلة زار فيها متحف اللوفر في باريس، وهاجم فيها بطريقة ضمنية - ~~كما فعل الشاعر السوفييتي ماياكوفسكي - الناقد الفني المتزمت ~~بولونسكي. نشرت القصيدة في نفس الكتاب التذكاري الذي أشرنا إليه ~~وترجمها المترجم نفسه، ص141. ~~«فينوس من ميلو» # آه يا متحف اللوفر الوقور، كم أحب السير # تحت ظلالك الساكنة، بعيدا عن ضوضاء الشارع! # أليس كل شيء عندي سواء - المادونا أو فينوس؟ # مع ذلك فالإيمان ms064 بالمثل الأعلى، # هذا الإيمان الوحيد الذي بقي لنا من الفساد # والخراب العام # هو الإله الأخير، وهو المعبد الأخير! # ذات يوم، يا ربة ميلوس، # نفذ إليك صياح الشعب: «عاشت الحرية!» # وسكرت باريس بسحر المارسيلييز. # من أجل الحرية للمضطهدين جميعا، # لسعادة كل الناس، # في الدخان وتحت وابل الرصاص، # اندفعت حشود الشعب - والأمل في عيونهم - # نحو المتاريس لتستقبل الموت. # لكن ربة الجمال ذات الوجه المرمري # راحت تنظر في صمت وبعينيها البارزتين بعيدا # أيتها الصامدة المرة! كما تأمرين وتنهين فينا، # سوف تفرضين إلى الأبد سلطانك # على البشر أجمعين. # آه، وجهي بصرك إلى المفسدين، # واشعري بما نحن فيه وبما نقاسيه! # لا .. هي لا تنظر ولا تسمع، # لكن تتنفس بسمتها في جمال أبدي ... # فينوس، أنا عند قدميك أتصالح مع الفساد، # وعندما أحبك، عندما أتبتل لك، # وفي الوجه المرمري أرى الأبدية، # أجدني أبارك الحياة كما أبارك الموت! # فجأة قطع علي التفكير ضجيج، # ودخل القاعة حشد من السواح يثرثرون. # السيدة النحيلة ذات الشعر الأحمر ومعطف السفر ~~المنقوش # تحمل دليل «بيديكر» السياحي تحت إبطها، # الله وحده يعلم لماذا جاءوا إلى هنا. # فالملل يدفع السواح من بلاد الإنجليز # عبر الجبال والبحار إلى كل أركان العالم. # وبمائتي شلن يسوقهم مندوبو # شركة كوك إلى كل العواصم؛ # ليفرجوهم على كل تمثال، وكل أثر وكل معبد. # ولا مهرب من هؤلاء الإنجليز خليي البال، # أصحاب دكاكين السلع المستعملة في لندن، # والقبيحات من النساء! # فهنا أيضا، عند قدميك يا كيبريده # 5 # الخالدة، # قضي علي أن أتطلع إلى وجوههم # وقلبي مفعم بالهم والغم. # إنكم تحسبون الجمال والعبقرية الفذة # بجنيهات الإسترليني في عصرنا الديمقراطي. # ولماذا نعمل أو نشقى؟ ما الداعي # أن نتطلع للأبدي الخالد؟ # إن صاحب البنك ورجل الأعمال الذي يملك الملايين # سيأتي إلى هنا على الرغم من كل شيء، # ويستوعب كل شيء، # دون أن يفكر في تضحياتنا # أو يتذكر تنهداتنا. # هكذا رحت أتأمل ما حولي والألم يعتصرني. # لكنك ما زلت وسوف تبقين إلى الأبد ربة الجمال، # أخذت تنظرين بعيدا، في صمت دون أن ترينا، # كالسماء بعيون صافية. ms065 # لعلك رأيت قرنا جديدا، عصرا أفضل، # أياما أخرى يرجع فيها الإنسان إليك، # وتعودين سيدة العالم، # لا يشبهك في جمالك غير الطبيعة الخالدة! # الفصل السابع # | حواء # للفنان جيسليبرتوس الأوطوني ~~( # Gislebertus of ~~Autun ~~) حوالي سنة ~~1115م. # تأملها الشاعر فالتر هلموت فريتس ( # Weiter Helmut ~~Fritz ~~)، فكتب عنها القصيدة التالية. وقد ولد هذا ~~الشاعر سنة 1929م في مدينة كارلزروه، ودرس التاريخ والفلسفة واللغات ~~الحديثة بجامعة هيدلبرج، ونشر عدة مجموعات شعرية وقصصية وتمثيليات ~~إذاعية ومقالات وترجمات عن الشعر الفرنسي. ~~«حواء» # بينا تتناول يدها التفاحة، # تنصت، # تفهم، # أن الجسدين # كأنهما الموجة # تتبعها الموجة، # تعرف # أن العالم لن توجد فيه # شفاه تكفي # كي تتحدث عما يغمرها # ويحولها # من أسرار. # تشعر # أن الناس ستخلط دوما # بين العيش # وبين الموت. # تلتمس جوابا # عن أسئلة # لم يطرحها أحد بعد، # بينا تتناول يدها التفاحة # تنصت # في الصمت. # الفصل الثامن # | فبراير # منمنمة عن مخطوطة محفوظة في مكتبة جامعة براغ، تنسب للمعلم الكبير ~~«ليو» وهي مرسومة على البرجامنت (الرق)، ويقدر مؤرخو الفن تاريخها ~~حوالي سنة 1365، ويبلغ ارتفاع المنمنمة في الأصل أربعة سنتيمترات ونصف ~~السنتيمتر. ~~(1) ميلوسلاف بوهاتيك ( # Milosiav ~~Bohatec ~~) (1913-1967م) # ولد الشاعر التشيكي في بلدة نوفيتشي بمقاطعة ميرين، ومات في ~~براغ. درس اللغات السامية القديمة وتفقه في اللغة العبرية ~~والتوراة واللاهوت في جامعات براغ وزيوريخ وإدنبرج. التحق بخدمة ~~الكنيسة الإنجيلية «البروتستانتية» من سنة 1937م حتى سنة 1950م، ثم ~~صار أمينا لمكتبة المتحف اليهودي في العاصمة التشيكية، فمديرا ~~مسئولا عن قسم المطبوعات القديمة في مكتبة المتحف الأهلي من سنة ~~1953م إلى وفاته. نشر بحوثا لاهوتية عديدة، وديوانا شعريا ~~بعنوان «علامات السماء، أبيات مرحة عن صور الشهور في العصور ~~الوسطى»، يشتمل على قصائد عديدة من بينها هذه القصيدة عن ~~فبراير. ~~«فبراير» # فبراير العجوز يدفئ على النار # أعضاءه اليابسة. # كانت مهرجانات فبراير # هي عيد الكفارة عن المواطنين في روما، # فتقدم الأضحيات للموتى، # ويسير كهنة هذا الإله # 1 # في شوارع المدينة # وهم يضربون النساء بالسياط؛ # لتخضر الأرحام العقيمة بالإخصاب. # الشمس تدخل في برج السمكة، # والطفل الذي حملت به ms066 أمه # في برج المشتري # يغدو معتدل المزاج، # ذا قلب كالثلج البارد. # ويمتلئ الرجل بالشهوات الوحشية # والشوق الذي لا يشبع أبدا، # ويتسلط عليه الوهم # بأن رحم أي امرأة مجهولة # يطوي السعادة القصوى على الأرض. # أما المرأة التي من هذا البرج # فهي ذكية ومثقفة، # فاتنة ومثيرة وقوية، # وبوشم ناري على مؤخرتها # تنهار ويغمى عليها # في وحشة العناق، # وبسبب النزوة الحمقاء # في البيت المهجور. # الفصل التاسع # | المعلم والمتعلم # نحت بارز على برج كنيسة مدينة روتفايل الواقعة على نهر النيكر في ~~ألمانيا، ويرجع إلى حوالي سنة 1380م. ~~(1) جان تزيرسكي-برابت ( # Jan Czerski ~~Brabt ~~) # ولد الشاعر البولندي سنة 1947م في فيدافا وقد كتب هذه القصيدة ~~«التواصل بين أطراف عديدة» في نفس اليوم الذي شاهد فيه النحت ~~البارز أثناء زيارته لكنيسة «روتفايل». والاسم الذي يشير إليه ~~السطر الأخير في القصيدة اسم عالم إيطالي في فقه اللغة وهو ~~دومينيكو كومباريتي (1835-1927م). وأهم كتبه التي درسها الشاعر ~~- المختص في علم اللغة - هو كتابه «فيرجيل في العصور ~~الوسطى». ~~«المثلث الضروري ~~للتعليم والتعلم» # المعلم ينظر أحيانا للمتعلم، # المتعلم ينظر أحيانا للمعلم، # لكنهما في الغالب يحظران معا للموضوع، # والموضوع يشرح عن طريق شيء رابع # يتجه من فم المعلم إلى أذن المتعلم: # اللغة. # أهي لغة الكتاب؟ # إن لغة أخرى قد تعوق الفهم. # لأن الموضوع الذي ينبغي أن يفهم هنا # هو كتاب مطروح بين # اللغة # والمؤلف والقارئ. # والموضوع. # المعلم كان في يوم من الأيام متعلما. # المتكلم كان في يوم من الأيام مستمعا. # المؤلف كان في يوم من الأيام قارئا. # والمتعلم سوف يصبح معلما # لمتعلمين يأتون فيما بعد. # المستمع سوف يصبح متكلما # لمستمعين يأتون فيما بعد. # القارئ ربما أصبح مؤلفا # لقراء يأتون فيما بعد. # وهذا يضاعف # من أسباب سوء الفهم الممكنة. # توماس (الإكويني) لم يكن توماويا، # ماركس لم يكن ماركسيا # تولستوي لم يكن من أتباع تولستوي. # من فهم الإنيادة فهما أفضل؛ # معاصرو فيرجيل؟ # أم قارئ من القرن الرابع عشر؟ # أم خريج جامعة هارفارد سنة 1973م؟ # هنالك ألوان من سوء الفهم، # لم يعرف كومباريتي شيئا عنها، ms067 # فليتها - بقدر المستطاع - تكون مثمرة. # الفصل العاشر # | ضريح إيلاريا ديل كاريتو # ضريح إيلاريا ديل كاريتو في كنيسة «لوكا»، وعليه نحت بارز لها من ~~إبداع الفنان ياكوبو ديلا كوبرشيا (1374-1438م)، وقد أتمه سنة 1406م. ~~وهو من أكبر المثالين في مدرسة ~~«سيينا» بإيطاليا، وقد عاصر اثنين من أعاظم المثالين الفلورنسيين ~~هما جيبرتي (1378-1455م)، وتلميذه دونا تيللو (1386-1466م) اللذين ~~نافسهما في مسابقة أعلنتها معمدانية فلورنسا لإقامة النحت البارز على ~~أبوابها البرونزية، وفاز فيها جيبرتي. يعد هذا النحت البارز ضريح ~~إيلاريا ديل كاريتو في كاتدرائية لوكا أول عمل مؤرخ له، وفيه يظهر ~~تأثره بمدارس النحت الواقعية في هولندا والشمال الأوروبي (خصوصا ~~مدرسة سلوتر 1380-1406م)، وبالفن الكلاسيكي القديم. كلفته مدينة ~~سيينا في سنة 1409م بنحت نافورة عامة نفذها بين سنتي 1414 و1419م، ~~وتعرف اليوم بالفونته جايا (النوافير المرحة). وعمل بين سنتي 1417 ~~و1431م في النحت البارز على أبواب المعمدانية في مسقط رأسه سيينا، ~~وشاركه دوناتيلو وجيبرتي اللذان سبقت الإشارة إليهما. ويبدو أن العمل ~~قد تأخر تنفيذه، فطولب الفنانون الثلاثة بإعادة الأموال التي تقاضوها ~~من مجلس المدينة! ولكنه تلقى تكليفا آخر سنة 1425م بإقامة النحت ~~الحجري البارز لكنيسة القديس بترونيو في مدينة بولونيا، وظل يواصل ~~العمل فيه حتى وفاته. ويقال إن مايكل أنجلو قد أعجب بهذا النحت ~~إعجابا شديدا. ~~(1) أوتو فون تاوبه (1879-1973م) # ولد الشاعر اللتواني الأصل في «ريفال» ومات في جاوتنج. كان أبوه ~~من أصحاب الضياع في شمال البلطيق، وانتقل مع أسرته سنة 1892م إلى ~~ألمانيا حيث درس الحقوق وتاريخ الفن، وهو شاعر وقاص ومؤرخ ومترجم ~~ومؤرخ سير القديسين. قام برحلات كثيرة كان من أهمها رحلة إلى ~~إيطاليا أتاحت له مشاهدة ضريح «إيلاريا» في مدينة «لوكا»، وعلى ~~أثرها كتب قصيدته هذه سنة 1911م. ~~«إيلاريا ديل كاريتو» # 1 # يا من نجوتم بأنفسكم إلى النوم المرمري، # ونعمتم بالصفو والصفاء # كأنكم تعيشون اليوم بيننا، # وأخلدتم للنوم قليلا # مع أنكم رحلتم من عهد بعيد. # أنتم تحيون حياة الأبدية، # ويشع الوجه الناصع ببريق أبدي؛ # إذ يقترب الوديعون منه بخطى وديعة. ms068 # صور الأطفال التي تجلل مرقدكم، # أهي ملائكة أم آلهة # جاءت تتمايل خاشعة حاملة إكليل الورد؟ # والكلب الصغير، وهو رمز الوفاء، # ينام ملتصقا بقدميكم، يشارك في بهائكم، # هل يقدر يوما أن يصحو ويحييكم ويداعبكم ~~بنباحه؟ # لكن ماذا يريد اليوم أن يقول لنا؟ # هل يمتدح وفاؤكم الذي كنتم به جديرين # وبادلكم به الناس وفاء بوفاء؟ # وكذلك يتحد الواهب والمتلقي من جديد. # كم يحزنني أن أفترق عن هذا الأثر البديع! # يا نور الفن وإن لم يكن الآن # سوى ظل يعكس نورك. # كم كانت إيلاريا تملأ بيت الزوج ضياء، # وهي الآن تضيء الحجر الصامت! # 2 # يا سيدتي إيلاريا، لا شأن لأحد # بمكانك عندي أو بمكاني عندك. # أنت أيتها المباركة تعرفين. وهذا حسبي، # هذا هو مكسبي الأوحد في آخر عمري. # أنت يا أصفى جمال إذا ذكر جمال النساء. # أي سحر ينبعث يا سيدتي من هذا الجلال؟ # إني لأركع أمام تمثالك المرمري: # صلي من أجلي إن عجزت عن الصلاة. # لم يضعوك مع القديسين ولا رسموك قديسة، # لكنك نبل والنبل يحوطك من أطرافك، # هذا أيضا من عند الله فطوبى لك. # حتى شعبك يعرف هذا ويحسه، # ومن سواه يقدم لك الزهور والورود # التي تنعس عند قدميك بألوانها القرمزية. # هبيني واحدة منها، وسأرحل عنك رضيا مرضيا ... ~~(2) سلفاتر كوازيمودو (1901-1968م) # ولد الشاعر والروائي الإيطالي الكبير في سيراقوزة «سرقسطة» ~~بجزيرة صقلية، ومات في مدينة نابولي. بدأ حياته مهندسا للطرق، ثم ~~اتجه لدراسة الأدب الإيطالي وتعليمه في المعاهد العالية بجانب ~~اشتغاله بالنقد المسرحي في مدينة الفنون المسرحية والاوبرالية ~~ميلانو. عرف كوازيمودو الشاعر الذي يعد - بجانب أونجاريتي - أهم ~~شعراء إيطاليا في الثلث الثاني من القرن العشرين، خصوصا بعد حصوله ~~على جائزة نوبل للآداب سنة 1959م، ولكنه لم يحقق الشهرة نفسها ~~كروائي كبير (فهو صاحب رواية الفهد)، ومترجم عن الشعر اليوناني ~~واللاتيني القديم. ظهرت قصيدته التالية مترجمة للألمانية في ~~مجموعة شعرية بعنوان «قوس مفتوح» صدرت في ميونيخ، دار النشر بيبر، ~~1963م، ص50 وما بعدها. ~~«أمام صورة إيلاريا ~~ديل كاريتو» # في ضوء القمر الساحر # تبدو ms069 الآن تلالك، # وعلى شاطئ «سركيو» # تمشي الفتيات خفافا # في الأثواب الحمراء، # أو الزرقاء الناصعة الزرقة. # كان الأمر كذلك في عهدك، # عهد النعمة يا محبوبة، # يشحب وجه الشعرى اليمنية، # تنطمس جميع الساعات، # يضج النورس وهو يصيح # على الشطآن المهجورة. # يخطو العشاق على إيقاع # نسيم صاف في سبتمبر، # وظلال الكلمات تصاحب إيماءات # من أيديهم وإشارات ~~(تلك الكلمات الحلوة # ما زالت تهمس في سمعك!) # ما أقساهم! # أنت الآن بجوف الأرض، # فلم الشكوى؟ # تركوك وحيدة. # ولعلي مثلك تعروني نفس الرجفة، # تتجاوب رعشات القلب # في الغضب كما في الرعب. # الأموات بعيدون، # وأبعد منهم من نحسبهم أحياء؛ # رفاقي هم ورفاق الجبن، # الصمت # العجز عن الحب ... # الفصل الحادي عشر # | إغواء القديس أنطونيوس # للمصور هيرونو موس بوش، متحف ~~برادو في مدريد. # هيرونيموس بوش ( # Hieronymus ~~Bosch ~~) (من حوالي 1450-1516م) # ربما كان صاحب أعجب وأوسع خيال عرفه تاريخ الفن! يحتمل أن يكون ~~قد ولد في «هيرتوجنبوش » بهولندا التي سجل في وثقائقها سنة ~~1480 / 81م، واستمد منها اسمه وقضى فيها حياته. ويمكنك أن تعرف ~~صوره الغريبة من أول نظرة تلقيها عليها؛ إذ تضعك في عالم قد وضع ~~في قبضة أفكار شبحية وأخروية متسلطة، وخيم عليه شفق الروح ~~القوطية الغاربة، وبرزت على سطحه - كأنها جيوش حشرات غريبة تبرز من ~~جحيم مأهول بالألغاز! - هواجس العصر الوسيط ونبوءاته ومخاوفه ~~وأشواقه. وتحيرك معظم هذه الصور وتستغلق عليك فلا تدري هل ~~تفسرها كما فعل السيرياليون بأنها «فرويدية» قبل فرويد بزمن طويل، ~~أم توافق بعض النقاد على أنها تعبر عن معاني دينية ورموز وحكايات ~~وأمثولات أخلاقية محددة من العصر الوسيط، وليست مجرد فيض مختلط ~~تدفق من هاوية اللاشعور. لم تزل الآراء مختلفة حول تفسير صوره ~~(مثل سفينة الحمقى والفردوس الأرضي والخطايا السبع المميتة)، ~~ومعرفة تواريخها وأصولها والدوافع الكامنة وراءها. فهل رسمت بعض ~~هذه الصور لتكون قطعا تزين بها مذابح بعض الفرق المجدفة التي ~~كانت تمارس طقوسا شبقية أو «باخية» عنيفة؟ أم كانت تعبيرا عن بعض ~~الرموز والخرافات والقصص الدينية الشائعة في العصر الوسيط (مثل ~~سفينة الحمقى التي ms070 تقوم على ملحمة ساخرة ظهرت سنة 1494م لسيباستيان ~~برانت في مدينة بازل تحت نفس العنوان، وجسدت الرذائل وتهكمت ~~عليها)، وكيف نفسر إهداءها إلى شخصيات عرفت بتقواها وإيمانها، ~~وبرعايتها وحمايتها له في وقت واحد، مثل فيليب الثاني ملك إسبانيا؟ ~~ثم كيف نفهم دفاع بعض الكتاب عنه ونفي تهمة التجديد التي ~~ألصقت به أثناء حياته؟ أم ترى تأثر هذا الفنان العجيب ببعض ~~الرسوم الشعبية والصور الدينية المتداولة بين الفقراء والمساكين في ~~ذلك الحين؟! ~~(1) بيرنت فون هيزلر ( # Bernt Von ~~Heiseler ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1907م في «برانينبورج على نهر الإن»، ~~ومات بها سنة 1969م. كان أبوه هو الشاعر هنري فون هيزلر الذي ~~انضم إلى ثورة أكتوبر الروسية وصار قائد فرقة في الجيش الأحمر. ~~درس التاريخ وعلوم الدين (اللاهوت) في جامعة ميونيخ، وقام برحلات ~~طاف فيها بأوروبا وروسيا وأمريكا الشمالية، وتعرف على كبار ~~شعراء عصره مثل رلكه وستيفان جئورجه اللذين ربطت بينه وبينهما ~~صداقة قوية. نشر المسرحيات والقصائد والقصص والمقالات والترجمات، ~~وقد ظهرت قصيدته عن صورة هيرونيموس بوش في مجموعة شعرية بعنوان ~~«قصائد»، دار نشر بيرتلسمان، جوترسلوه، 1957م، ص98. ~~«عن صورة لهيرونيموس ~~بوش» # صورة نحيلة وحشية، # لا تحسبها فاقدة المعنى. # العالم تضطرب رؤاه كما في الحلم، # والقلق يلح علينا، # القلق ومعه الحسرة. # لكن تواضع هذا القديس الخاشع # يلمس طرف رداء الله. ~~(2) جان تشيرسكي-برانت ( # Jan ~~Czerski-Brant ~~) # شاعر بولندي، سبقت ترجمته مع لوحة المعلم والمتعلم. وقصيدته هذه ~~عن صورة القديس أنطونيوس لهيرونيموس بوش، فقد أنشأها في سنة 1974م ~~بعد مشاهدة نسخة مطبوعة منها على بطاقة. وأرجو أن يلاحظ القارئ أن ~~الشاعر قد كتب السطرين الثاني والثالث من كل مقطوعة بحروف كبيرة، ~~كما رتب سطوره على نحو يوحي بطريقة أصحاب الشعر المجسم في ~~تشكيل أبياتهم بصورة هندسية أو رياضية، بحيث يشارك أسلوب طباعتها ~~في الإيحاء بدلالاتها. ~~«القديس أنطونيوس ~~لهيرونيموس بوش» # أبانا الذي في السماء، # طقطقة النار بقاع جهنم، # عفن من شرج الشيطان المجرم. # ليكن ملكوتك. # موكب إبليس، وعرض لصواريخ النصر، # وعقارب يدفق منها طوفان السم. # وليكن ما ms071 تشاء. # ريح تطلقها السحرة من دبر فتغم النفس. # حبل المشنقة زناة صرخة مختنق همس. # أتطلع نحو الجبال. # برك براز يغرق فيها الملعونون، # التي أتوقع منها المعونة. # ضجة آلات وجنون عصاة ينتحرون. # من يضع فيك آماله لن يهون، # وأنا قد وضعت مصيري بين يديك، # ووجهت وجهي إليك، # وبمن أستجير، # ومنك المصير، # إليك المصير، # وألجأ منك إليك؟ ~~(3) باول فينس ( Paul Wiens ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة ~~1922م في مدينة كونجزبرج - وهي التي ولد ومات ~~فيها الفيلسوف كانت - ثم هاجر ~~منها سنة 1933 مع بداية الطغيان النازي. درس الفلسفة والاقتصاد ~~السياسي من سنة 1939م إلى سنة 1942م في جامعتي لوزان وجنيف ~~السويسريتين، ثم انتقل إلى فيينا إلى أن استقر به المقام في ~~برلين الشرقية منذ سنة 1947م. # كتب ونشر القصص القصيرة والطويلة والتمثيليات الإذاعية والقصائد ~~كما كتب للسينما، وترجم أشعارا لإيلوار وأراجون وماياكوفسكي. ظهرت ~~قصيدته التالية: «تفاعل، هيرونيموس بوش» في مجموعته الشعرية «أربعة ~~خطوط من يدي»، التي نشرتها سلسلة ركلام الشهيرة في ليبزيج سنة ~~1972م. ~~«تفاعل، هيرونيموس ~~بوش» # أفتح صفحات كتاب. أدخل بيتا. # فيه يولد إنسان؛ # والإنسان أنا. # أفتح نافذة، # أتسلقها، أقفز منها، # ألقى إنسانا # علق في فانوس الشارع، # ذا جلد أسود، # ويمد لسانه؛ # والإنسان أنا. # في حقل القمح يشاكس، # رجل عار عارية مثله؛ # والرجل أنا. # هم يفترسون الواحد # لحم الآخر؛ # أي عشاء رباني! # لكني الآن # على مفترق الطرق. # هنالك شب عراك # بين اثنين. # أحدهما يصرخ # من ثقب أحمر في بطنه؛ # والصارخ والجرح أنا. # والآخر وسط فناء كنيسة # فوق عمود يخصي نفسه؛ # وهو أنا. # أخفض بصري. # يلمع مركز إرسال العالم # تحتي، # وهنالك يغرق رجل في نومه؛ # والرجل أنا. # شخص يضغط فوق الزر، # يئن، # والشخص الضاغط فوق الزر؛ أنا. # أنصرف لحالي، يقف قطار، # أركبه، نتدحرج عبر ليال وليال، # نلعب دور الشطرنج معا؛ # وأنا اللاعب مع نفسي. # في الخارج شرر متقد، # رجل يتوهج فيه؛ # والرجل أنا. # أسقط دون إصابة هدف، # أجد الورقة بيضاء؛ # والورقة نفسي. # أحترق وأقفز من وسط النار، # معافى تتضوع مني رائحة المسك، # طهورا ms072 قربني الله إليه، # وسيفتح من بعد كتاب، # وسيدخل إنسان بيتا، # وسيولد في البيت وليد؛ # أنا، أنا، أنا، أنا ... ~~(4) دومينيكوس لامبسونيوس # ولد شاعر عصر النهضة الألماني سنة 1532م في مدينة «بروجه»، ومات ~~سنة 1599م في مدينة «لوتيش». درس في جامعة «لوفين»، وعمل في خدمة ~~الكاردينال بول رئيس أساقفة كانتربيري، ولما مات الكاردينال سنة ~~1558 غادر إنجلترا وعمل سكرتيرا لأسقف مدينة «لوتيش» روبرت دي ~~برجيس، وأسقفين آخرين خلفاه في منصبه. عرف معظم علماء عصره ~~وفنانيه وتبادل معهم رسائل ذات قيمة تاريخية وفنية كبيرة. كتب ~~عددا كبيرا من القصائد بجانب روايته لسيرة المصور لامبيرت ~~لومبارد الذي عاش مثله في لوتيش، وألف كتابا بعنوان «صور بعض ~~مشاهير الرسامين الهولنديين»، نشر سنة 1572م في مدينة أنتفيربين، ~~وتحت كل صورة قصيدة موجزة (أبيجرام) تتألف من أربعة أبيات إلى ~~اثني عشر بيتا. والقصيدة - اللاتينية الأصل - التي نوردها هنا هي ~~التي كتبت تحت الصورة المرفقة من رسم المصور هيرونيموس بوش، وتحمل ~~في الكتاب رقم 3. وقد نشر الكتاب في ترجمة فرنسية حديثة، وعني ~~بتحقيقه والتعليق عليه الأستاذ ج. بوراي ، باريس 1956م، ص28. ~~«إلى الرسام ~~هيرونيموس بوش» # ماذا تعني نظرتك المرعبة # ووجهك الشاحب؟ # أرأيت بنفسك أرواح الموتى، # أشبه بالصور الرفافة # في نار جهنم؟ # لقد انفتحت أمامك # أعماق تارتاروس # 1 # التي لا تشبع؛ # لذلك استطاعت يدك أيضا ~~- أيا كان ما تطويه # أعماق إكليجيس السحيقة - # أن ترسم هذا الرسم الرائع ... # الفصل الثاني عشر # | إيكاروس # الصورة لبيتر بروجيل الأب أو ~~الأكبر (1525-1569م) أو بروجل «المزارع»، إشارة إلى اهتمامه بحياة ~~القرويين وعاداتهم وأخلاقهم (راجع ترجمته مع اللوحة التالية)، وهو من ~~أعظم مصوري الطبيعة على الإطلاق، وأهم الساخرين من مفارقات الحياة ~~البشرية ورذائل البشر بعد مواطنه الهولندي هيرونيموس بوش ~~(1460-1516م). والصورة تخلد مغامرة «إيكاروس» الجسور التي تعد ~~أول محاولة يبذلها الإنسان للطيران. وإيكاروس هو ابن الفنان والمهندس ~~الأسطوري الذي بنى المتاهة الشهيرة لمينوس ملك جزيرة كريت. وقد انتقم ~~منه الملك عندما اكتشف أنه نصح «أريادنه» بأن تمد ثيسبوس بخيط يساعده ~~على الخروج من المتاهة الرهيبة ms073 بعد قتل الثور الخرافي «المينوتاوروس». ~~ويبدو أن الملك زج بالفنان البارع في السجن، فهرب مع ابنه من الجزيرة ~~الجاحد ملكها وأهلها بطريقة مبتكرة؛ إذ ركب لنفسه ولولده جناحين ~~من الشمع يساعدانهما على التحليق في السماء. غير أن طموح إيكاروس أغراه ~~بالإمعان في التحليق حتى اقترب من الشمس التي صهرت جناحيه الشمعيين، ~~وسقط الطائر الطائش النبيل سقطة مفجعة في البحر الذي سمي بعد ذلك ~~باسمه. وقد ألهمت صورة بروجيل عددا كبيرا من الشعراء المعاصرين # 1 # نذكر منهم: ~~(1) ألبرت فيرفي ( # Albert ~~Vervey ~~) # ولد الشاعر سنة 1865م في أمستردام، ومات سنة 1937م في نوردفيك ~~آن زيه. كان من مريدي الشاعر الرمزي الكبير ستيفان جئورجه، ومن ~~أعضاء حلقته الشهيرة، وعمل منذ سنة 1925م أستاذا للأدب الهولندي ~~بجامعة ليدن، وترجم دانتي وسوناتات شكسبير. نشرت قصيدته التالية ~~عن إيكاروس في الجزء الثاني من مجموعة أشعاره التي صدرت سنة ~~1938م. ~~«إيكاروس» # أسقطت يا إيكاروس؟ الفلاح يجر محراثه، # وهو مشغول عن سماع السقطة المدوية. # الصياد الجالس على الصخرة لا تصدر عنه حركة. # الصيد همه، وهو يمد بصره للطعم والسنارة. # الطائر الواقف على غصن قريب منه منتبه، # لعل الغنيمة يسقط منها شيء يلتقطه. # الريح تنفخ أشرعة السفينة الحربية الصغيرة، # والبحارة منهمكون في شد الحبال. # سرب النورس الذي يحلق فوقك هو الوحيد # الذي يلاحظ سقوط ساقك البيضاء تحت الماء. # رجل واحد يتطلع إلى أعلى؛ الراعي لمح في الهواء # شيئا غريبا وسأل نفسه أين اختفى وغاب. # خليج ساموس كله تغمره أشعة الشمس، # التي أراد إيكاروس أن يقترب منها فلم يستطع. ~~(2) أودين (ويستان هف) ( # Wystan Hugh ~~Auden ~~) # من أهم الشعراء المعاصرين وأبعدهم أثرا وأعمقهم ثقافة. ولد سنة ~~1957م في يورك ب «إنجلترا»، وهاجر سنة 1939م إلى أمريكا. بدأ حياته ~~ماركسيا، ثم انضم سنة 1940م تحت لواء الكنيسة الإنجليكية. عمل ~~أستاذا للأدب بجامعة أكسفورد، وهاجر في أواخر حياته إلى النمسا ~~حيث مات في فيينا سنة 1973م. كتب الشعر والمسرحية والمقال كما كتب ~~للأوبرا. قصيدته التالية بعنوان «متحف الفنون الجميلة» مأخوذة من ~~مجموعته الشعرية ms074 «وقت آخر» التي أصدرتها دار النشر فابروفابر سنة ~~1946م. # كانوا يعرفون العذاب معرفة كافية، # أولئك المعلمون القدامى، لكم أحسنوا # فهم دوره الإنساني، وقدروا كيف يصيب بعض ~~الناس، # بينما البعض الآخر يأكل أو يفتح نافذة # أو يتابع طريقه في سأم، # وكيف تنتظر العجائز الميلاد المعجز في قلق وخشوع، # بينما الأطفال من حولهم لا يكترثون # بأن يتم أو لا يتم، ويفضلون # أن يتزحلقوا على الثلوج التي تغطي البحيرة # يا طرف الغابة، # لم ينس المعلمون أبدا # أن أسرار التعذيب والاستشهاد الفظيعة # لا بد أن تتم في ركن منزو، # أو بقعة قذرة تتصرف فيها الكلاب على طريقة ~~الكلاب، # ويحك حصان الجلاد مؤخرته البريئة على ساق شجرة. # في لوحة بروجيل عن «إيكاروس» على سبيل المثال: # كل شيء يدير ظهره في برود تام للكارثة، # ربما سمع الفلاح صوت الارتطام بالماء # والصرخة الضائعة، لكن هذا كان في نظره # شيء لا يستحق الاهتمام، # والشمس سطع ضوؤها - كما هو واجبها - # على الساقين البيضاوين اللتين غاصتا في الماء، # والسفينة المتكبرة الباهظة الثمن، # التي لا بد أنها قد رأت شيئا مما وقع ~~- فتى سقط من السماء - # قد كان لها هدف مرسوم تتجه إليه؛ # ولهذا واصلت رحلتها في هدوء. ~~(3) رونالد بوترال ( # Ronald ~~Bottral ~~) # ولد الشاعر الأمريكي سنة 1906م في كامبورن، كورنويل. اشتغل ~~بتدريس الأدب في جامعتي برنستون وسنغافورة، والتحق بالسلك ~~الدبلوماسي مبعوثا لبلاده في السويد، وإيطاليا، والبرازيل، ~~واليونان، واليابان. وقد نشر عددا من الدواوين الشعرية والدراسات ~~في تاريخ الفن. كتب قصيدته عن إيكاروس سنة 1945م، وكان قد شاهد ~~لوحة بروجيل في قصر الفنون الجميلة في بروكسل. # ظهرت القصيدة أول مرة في ديوانه الرابع «وداع وترحيب» الذي صدر ~~في لندن سنة 1945م، ثم نشرت في مجموعة المنتخبات الشعرية الذائعة ~~الصيت «الكنز الذهبي» التي أشرف عليها الأستاذ بالجريف (لندن ~~1964م). زعم بعض نقاده أنه تأثر في قصيدته بقصيدة «أودن» ~~سابقة الذكر، ولكنه أكد أنه لم يكن قد قرأها قبل كتابة ~~قصيدته. # أمام عيني أبيه # راح يحلق عاليا في السماء، # حتى انفتحت مدن البحر الأيجي ms075 # كما تنفتح الأوعية الدموية تحت المجهر. # شاهد جذوع الأشجار من تحته # ممتدة بلا نهاية، بينما ازدهر المكان-الزمان # في عينيه المشرعتين إلى الشمس. # ذراعاه المجنحتان، وهما امتداد الأفكار الخفيفة # وكبرياء الإبداع، # أخذتا ترتفعان به فوق البشر. # قال لنفسه: ~~«وإذا ما طرت» ~~«إلى منبع الطاقة المميتة، # فسوف أضع يدي على الوصفة # التي تمكن الإنسان من إغداق الدفء والنور». # بيد أن ضوء الشمس لا تحتمله كل العيون # وحرارة الشمس لا تطيقها كل الدماء. # مالت حركته نحو الأرض، # عاجزة عن مساندة غروره. # ورأى في سقوطه الطيور المرفرفة الحرة # تحملها عضلات الكتفين القوية # في دوراتها الواسعة عبر الفضاء، # فوق الشطآن وفوق شظايا الأشياء، # فوق السيوف وفوق الكلمات. # وكورقة شجر منزوعة، # مستضعفة في قبض الريح، # سقط ركاما من ذرات # انتظمت في سرعات متساوية # متوازية الوقع ~~(وفق قوانين الحركة)، # ساعية نحو الأرض. # وعلى منحدر عال فوق البحر # دار الفلاحون ذوو الأيدي الخشنة # دورتهم في حرث التربة، # عميا عن ذاك الجسد الزاخر بطموحه، # الجسد المفعم حيوية؛ # إذ يخمد في قاع البحر # لم يترك أي أثر # لغرور أو كبر. ~~(4) ميخائيل هامبورجر ( # Michael ~~Hamburger ~~) # شاعر إنجليزي من أصل ألماني. عرف بترجماته الدقيقة الحساسة ~~للشعر الألماني (خصوصا لأشعار جوته وهلدرلين). ولد سنة 1924م في ~~برلين، ثم هاجر مع أسرته سنة 1933م إلى لندن فرارا من الطغيان ~~النازي. يقوم في الوقت الحالي بتدريس الأدب الألماني بجامعة لندن. ~~وقصيدته التالية «سطور عن إيكاروس» كتبها سنة 1951م، وهي مأخوذة من ~~مجموعته الشعرية «أرض بلا صاحب» التي ظهرت سنة 1973م. # الحارث يحرث، والصياد يحلم بالسمك، # وهنالك في العالي، وسط عالم من الحبال، # يعقد البحار تأملاته المتشابكة، # محموما بذكرياته عن بنات مهجورات، # وبآماله في لقاء قصير، # وفي اكتشافات جديدة، # في «الروم» الذي تجرعه، # و«الروم» الموعود، و«الروم» الممكن. # الأغنام ترعى، ترفع رءوسها إلى أعلى # وتحملق في حاضر عالمها العامر بالأغنام؛ # في العصير الجوهري غير المحدود للأشياء، # التي لا ترى منها غير الأخضر والأصفر والبني. # الراعي الفظ المتثاقل سمع رفيف أجنحة ~~- رجح أن تكون جناحي نسر - # وأخذ يبحلق ms076 في حيرة، # لكن الوقت تأخر جدا؛ # فلقد وقع أسوأ ما يمكن وقوعه # مفقودا في نظر البشرية؛ # سقط إيكاروس سقطة أبدية، # سقط بجناحيه المصهورين، # عندما اقترب من الشمس # معلنا سخريته من هذا الكوكب المسيطر # الذي انتصر عليه وبدأ يطل في تهكم # لكي يشرق من جديد. # أما هو - وطموحه الخائب يسحبه إلى أسفل - # فقد ترك للغرق، # بعيدا بعيدا عن إخوته الباقين على الشاطئ، # إخوته الذين عجزوا عن تصوره. ~~(5) رايسا ماريتان ( # Raissa ~~Martain ~~) # ولدت الشاعرة الروسية الأصل سنة 1883م على نهر الدون، وماتت سنة ~~1960م. # تزوجت الفيلسوف المسيحي الشهير جاك ماريتان، وتحولت عن ديانتها ~~اليهودية إلى المسيحية. نشرت قصيدتها «سقطة إيكاروس» في مجموعتها ~~الشعرية «رسالة الليل» التي ظهرت في باريس سنة 1939م، كما وردت في ~~كتاب زوجها «الحدس الخلاق في الفن والشعر»، باريس سنة 1966م، ~~ص327. # غصن عطر يحتضن البحر، # سفن تتفكر في الكون، # وعلى الشط قطيع الأغنام ينام. # إيكاروس سقط من السمت، # كالنورس غاص بقاع اليم، # هاجعة كل المخلوقات # في شمس الظهر، # وجمال العالم لا يزعجه شيء. # الفصل الثالث عشر # | العميان # لبيتر بروجيل الأكبر، رسمها سنة ~~1568م، وهي محفوظة في المتحف الوطني بمدينة ~~نابولي. # بيتر بروجيل الأكبر أو الأول، ~~الذي يلقب كذلك باسم بروجيل الفلاح أو الريفي (وإن لم يشتغل ~~بالزراعة أبدا!) كان من أعظم مصوري المناظر الطبيعية، وأهم رسام ساخر ~~أنجبته هولندا (الأراضي الوطيئة) بعد هيرونيموس بوش (من حوالي 1450م ~~إلى 1516م). لا تعرف سنة مولده على وجه التحديد، ولكن يحتمل أن ~~يكون قد ولد بين سنتي 1525 و1530م، وذلك قياسا على تاريخ انضمامه ~~إلى اتحاد الفنانين في أنتفيرب سنة 1551م، وسفره بعد ذلك مباشرة إلى ~~فرنسا وإيطاليا وصقلية. زار روما سنة 1553م ثم رجع إلى وطنه عن طريق ~~جبال الألب التي أثرت مناظرها عليه تأثيرا هائلا تشهد عليه ~~اللوحات التي رسمها في طريق عودته، وسجلت تطور أسلوبه في تصوير ~~المناظر الطبيعية، وإن لم يبد عليها مع ذلك أي أثر للفن الإيطالي، ~~وبعد عودته إلى بلده بدأ يرسم على طريقة «بوش» ms077 ويتناول نفس موضوعاته. ~~يرجع أول رسم معروف له إلى سنة 1553م، وقد أبدع في السنوات العشر أو ~~الاثنتي عشرة الأخيرة من حياته أشهر لوحاته التي صور فيها بأسلوبه ~~المتناهي في الدقة موضوعات دينية داخل مناظر طبيعية رحبة غنية ~~بالتفاصيل، عبر فيها عن اهتمامه بالعادات الريفية وسخريته بمباذل ~~القرويين ورذائلهم وأخطائهم «البريئة» من سكر ونهم وجشع وبخل ... ~~إلخ. مما يفيض على صوره المبكرة طابع الرسائل الأخلاقية، ويؤكد ~~شعوره العميق بالطبيعة ووحدة الإنسان والبيئة (مثل صورته عن سقوط ~~الملائكة المتمردين)، وقد ذهب بعض النقاد إلى أن صورته عن «مذبحة ~~الأبرياء» تعبر عن احتجاجه على مظالم الحكم الإسباني لبلاده، وأن ~~رحيله من «أنتفيرب» إلى بروكسل (حوالي سنة 1563م) كان بسبب خوفه من ~~التعرض للاضطهاد. # أما هذه الصورة التي رسمها للعميان الستة فهي آخر ما رسم في حياته، ~~ولعلها تحمل تحذيرا للمبصرين بأنهم لمسوا خيراتهم، وأن البشر يسقطون ~~دائما في حفر الطريق حتى تبتلعهم حفرة القدر أو الموت، وأن الفنان ~~الملهم يمكن أن «يرسم» وصيته ونبوءته للأجيال ... ~~(1) فالتر باور ( # Walter Bauer ~~) ~~(1904م-...) # ولد الشاعر الألماني في ميرزيبورج على نهر الزاله لأب من الطبقة ~~العاملة، واشتغل بالتعليم بين سنتي 1929 و1939م عندما استدعي ~~للخدمة العسكرية بعد اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية. هاجر ~~إلى كندا سنة 1952م، وجرب حظه في أعمال مختلفة حتى انتهى به ~~المطاف إلى التدريس بجامعة تورنتو. اهتم في إنتاجه الروائي ~~والقصصي بحياة الفنانين الكبار؛ فقد كتب رواية عن فان جوخ، وقصصا ~~عن جورجونه ومايكل أنجلو ورمبرانت، وسيرة ذاتية عن مايكل أنجلو، ~~ومقالات عن جويا وكاسبار دافيد فريدريش، كما نشر مجموعات شعرية ~~وتمثيليات إذاعية وكتبا للأطفال. يلاحظ القارئ أن المقطع الثاني ~~من القصيدة يستعرض أعمال بروجيل الأساسية في لمحات سريعة لا تخفى ~~على عارفيه ومحبي فنه. ويقول المؤلف إن عشقه للرسم والرسامين منذ ~~طفولته لا يقل قوة عن عشقه للأدب، وإنه شاهد صورة «العميان» في ~~شبابه - سنة 1925م - عند زيارته للمتحف الأهلي في نابولي، وكان في ~~ذلك الحين يعمل على سفينة بضائع، فأحس ms078 وهو في الجنوب بأنه يرى ~~صورة الشمال في هؤلاء العميان ... ~~«العميان» # موكب ستة عميان يخترق الصورة، # ينحدر إلى أسفل، السقوط حتمي؛ # فالأعمى يتبع أعمى، لا بد من أن يسقط. # اليوم بديع، لكن ما نراه هو السقوط. # تلك هي الصورة، وهي وصية؛ فالكلمات الأخيرة # تكتب وتوقع في النهاية لا في البداية. # بعدها مباشرة يموت بروجيل، سنة 1569م. # في زمن جمع رفاقا من أصحاب الرؤية؛ # رابليه، مونتني، شكسبير. # وكذلك كان بروجيل، صاحب رؤية. # كان الزمن يصر بين القديم والجديد، # ويصمم وسط الخوف والجوع # على أن يجد المجهول. # لكن سبقت صورة العميان أشياء أخرى؛ # بروجيل بأكمله وسجل أعماله في «الفلاندر»، # في العالم كله # سقط إيكاروس، دون أن ينتبه إليه أحد، # والنهار الساطع لم تعكر صفوه بقعة واحدة. # برج بابل يرتفع كما ترتفع الأشجار # إلى السماء، # لكن الفنان حريص أن يمنعها من ذلك. # الصلب يبدو كأنه عيد شعبي، لا في أي مكان، # بل في منطقة «فلاندر»، # لكن من يدركه الموت لا يشعر به أحد. # وكذلك اغتيال الأطفال، وتعداد السكان على عهد ~~أغسطس، # وكل شيء يتم فوق الأرض الشبعى والممتلئة؛ # تبرير «بروجل» في منطقة فلاندر، # حتى لو كانت ثم تلال وجبال، # فالرسام قد أزاحها وحاكى فعل الخالق، # فصول السنة تتبادل الأدوار طول العام، # الثمرة تحظى بالرعاية، # وقشرة القمح الذهبية تنزعها الأيدي، # وفي الظهيرة يتمدد الحصادون تحت الشجر. # نوفمبر يشهد رجوع الأبقار إلى البيت، # الصيادون والكلاب يفرحون بالدفء، # وأيام الشتاء تصبح في عيون الأطفال ربيعا ~~ثلجيا، # والنهر طريقا باردا تخشخش عليه الأقدام. # الفلاحون يرقصون رقصا مدويا كالرعد، # الأرائك تلتوي، والناس يملئون البطون # ويتلمظون، ويتقيئون، ويفكون الحزام. # هذا هو العالم. حسن أن يكون وأن يكون كذلك. # واليوم الحاضر يقع بين الأمس والغد، # حتى حين تسود السماء وتصبح إسبانية، # وتتدحج الرءوس (إجمونت وهورن). # وكل شيء أحمق، والكل باطل؛ # لأن كل شيء حياة، لعب من لعب الأطفال، # جاد وبلا ضحكات، # أمثال يتبعها كل إنسان، # وإن كان الكل يعرفها على حقيقتها، # لكن المعرفة لا تعين؛ فالكل أسير القيد، # والكل سجين ms079 أو مشنوق. # المتخمون كسالى من أثر التخمة، # في أرض الأحلام. # و«جربته المجنونة» # 1 # وصاحباتها لا يترددن # في نهب الجحيم نفسه. # شياطين مساكين، اخترمهم الجوع، # النهم المحسوس لا يعرف حدا يتوقف عنده. # ثم يجيء الموت، أسراب من الموت، # عجز وسقوط، جثث، عفن، نصر أسود # سوى بين جميع الناس. # سمه الحصاد. # كل هذا هو سجل «بروجيل» في منطقة فلاندر، # في العالم. # وذات يوم جميل، في فلاندر الجميلة، # والسماء تكسوها زرقة خفيفة، # يتخللها نور ناعم، # والأرض ساكنة حتى لتسمع صوت الثمرة # حين تسقط وتلمس الأرض، # تراهم قادمين، ستة شحاذين، # ستة عميان يسحبهم أعمى، # كل يوم، وكذلك في هذا اليوم، # وهم يثقون به ثقة عمياء، كما يثقون ببعضهم. # واليد التي يضعها كل منهم على كتف صاحبه، ~~- نشعر بها وإن كنا لا نراها - # تربطهم بالدفء والأمان. # إنهم يثقون بأولهم في الصف؛ فالظلمة في عينيه # تعني البعد الأبعد. # الدفء كذلك يعني القرية، # والريح هي الأفق الحر، # والمطر هو الخطر المحدق والثلج، # والعالم برد وسكون، # لكنهم يثقون فيه، # وكأنه يبصر ما لا يبصرون. بيد أنه لا يرى؛ # ولذلك يسقط فجأة. # الرطوبة معناها: جدول، # لكن سقطته أعمق. وهنا تبدأ الدورة من جديد؛ # الثاني قد أفلتت منه العصا، # فانهار عليه وجر الثالث معه، # والثالث لم يعرف بعد، وهو يحاول أن يعرف: # شيء قد حدث ... فما هو هذا الشيء؟ # ما أيسر هذا الأمر على المبصر. # والذي يمشي وراءه ويضع يده على كتفه، # ها هو ذا يتوقف، يتردد، يتفكر: # إني لأحس بحركة، والحركة تسحبني، # آه، كم يتمنى أن تخرج عيناه الخاويتان من الرأس # لكي ينظر ... لكن هل يقدر؟! # والأمر كذلك بالنسبة للخامس منهم والسادس؛ # فكلا الرجلين يحس الأمن، ولا يكترث كثيرا، # والرسالة لم تبلغهما بعد، لكن السقوط # سيكون من نصيبهما. # الموجة تنسكب وتنداح من الأول للسادس، # تنمو، تتمدد في الظلمة من أولهم للآخر. # وكل شيء يتم في هدأة السكينة، # في يوم جميل، سكنت فيه الأرض، # والذين يمشون في النور ويرون في النور # حالهم أفضل (مع ذلك يتمنى الإنسان # أن يعرف إن ms080 كان المبصرون يرون أكثر مما ~~يرون)، # ينتشر سكون شامل. والثمرة تسقط فوق الأرض # فتسمع. لكن سقوط العميان على الأرض # لم يزعج راحة هذا اليوم. # الأرض تسمع ولا ترى. أم تراها تفعل؟ # فترى العميان الذين يسوقهم أعمى # يسقطون دون أن تتحرك أو تتأثر. # صبرا صبرا؛ فسوف ينهضون من سقطتهم، # ويتمالكون أنفسهم، وينفضون الغبار عن ملابسهم، # ويواصلون مسيرتهم في الظلام ... ~~(2) إريش لوتس ( # Erich Lotz ~~) ~~(1896-1973م) # ولد في مدينة دورتموند، ~~ومات في توبنجن. كان أبوه جزارا، وفقد بصره في الحرب العالمية ~~الأولى، ولكنه تعلم مع ذلك رؤية الصور بخياله وتدريب ذاكرته على ~~الاحتفاظ بالانطباعات الصورية. درس اللاهوت وقضى عشرين سنة من ~~عمره في التعليم بالمدارس العليا، ثم كلف بالتدريس بجامعة ~~هامبورج إلى أن تفرغ للتأليف والكتابة الحرة. ماتت زوجته فانطوى ~~على نفسه ولحق بها بعد موتها بأربعة أيام. نشر عدة مجموعات شعرية ~~ومقالات وذكريات عن شبابه، وقد ظهرت هذه القصيدة عن عميان بروجيل ~~في ديوانه «والليل يسطع كالنهار» الذي صدر سنة 1957م بمدينة توبنجن ~~عن دار النشر هليوبوليس. ~~«بروجيل: أمثولة ~~العميان» # الجرس يجلجل في أرجاء البيت، # والرعب يرج فؤاد الليل الساكن. # وعلى مضض يجفو النوم جفوني. # في الحلم رأيت الصورة، # آخر صور الرسام بروجيل: # نحو الموت الداهم تتعثر أقدام رجال ستة. # الكريات بتجويف الأعين جوفاء، # بغير بريق، # وشعاع الحب كذلك مطفأ، # والكل تشبث بقضيب وتحسس وجهة دربه. # سقطوا في قبضة قدر أعمى، # واندفعوا في الليل الأعمى. ~~(3) كارلو كاردونا (1950-1973م) # ولد الشاعر الإيطالي في ~~بلدة فوريو، ومات بمدينة نابولي. كان أبوه من العمال، واتجه في ~~شعره إلى ما يسمى بالشعر المجسم الذي كان أحد رواده ~~ومؤسسيه. ويلاحظ القارئ أن أصحاب هذا الاتجاه يهتمون بتشكيل كلمات ~~القصيدة على الصفحة تشكيلا يساعد على إبراز جوها وإيقاعها ~~وانطباعها العام، بحيث يؤثر على العين بجانب تأثيره على الوجدان ~~والعقل. ~~«عميان بروجيل» # على # اليسار # تترك الكنيسة # أعمى يتمسك # بعصا أعمى، # يتشبث بجسد أعمى، # يتمسك بعصا أعمى، # يتشبث بجسد أعمى، # يسقط في أرض عمياء # بغير قرار. # الفصل الرابع عشر # | كآبة ms081 # حفر على النحاس للفنان ألبرشت ~~دورر (1471-1528م) الذي أتمه سنة ~~1514م. ~~«دورر» من أبرز الفنانين «العلماء» في عصر النهضة ~~الأوروبية. تتلمذ في البداية على يدي أبيه - الذي كان صائغا استقر ~~سنة 1455م في مدينة نورمبرج، وتزوج من ابنة معلمه سنة 1467م - ثم على ~~يدي الرسام والحفار على الخشب ميشيل فولجيموت (1434-1519م) حيث ~~تدرب ثلاث سنوات على الرسم والحفر على النحاس والخشب للصور التوضيحية ~~للكتب. # تجول أربع سنوات بين مدن مختلفة - مثل كولمار وبازل واستراسبورج - ~~رجع بعدها إلى مسقط رأسه نورمبرج، وتزوج سنة 1494م. يحتمل أن يكون ~~قد قام برحلته الأولى إلى البندقية في خريف سنة 1495م، والمؤكد أنه ~~زارها سنة 1505م، وأقام بها حتى شهر فبراير سنة 1507م. وقد تعرف خلال ~~هذه الفترة على فنان عصر النهضة الكبير جوفاني بيلليني (من حوالي 1430م ~~إلى 1516م)، فأعجب به إعجابا شديدا، كما رسم بتكليف من التجار ~~الألمان المقيمين في البندقية بعض الصور التي تشهد على تأثره بفن ~~ليوناردو وبيلليني. وبدأ بعد عودته إلى موطنه الأصلي في تعميق ثقافته ~~الأدبية والعلمية، والاختلاط بالأدباء، العلماء والمصلحين والمفكرين من ~~أصحاب النزعة الإنسانية (مثل ميلانشتون وإرازموس ولوثر) أكثر من ~~اختلاطه بزملائه الفنانين. عينه الإمبراطور ماكسيميليان سنة 1512م ~~رساما في بلاطه، ولما مات الإمبراطور سافر سنة 1520م في رحلة طويلة ~~حضر فيها تتويج الإمبراطور الجديد (تشارلز الرابع)، وتنقل بين الأراضي ~~الوطيئة وعدد من المدن الأوروبية التي استقبل فيها بالحفاوة ~~والتكريم. رجع إلى نورمبرج في شهر يوليو سنة 1521م، وأهدى مدينته لوحة ~~«الرسل» (1526م،) التي يبدو أنها كانت جزءا من لوحة كبرى عن حوار أو ~~عشاء مقدس، ولم يتم تنفيذها بسبب الاضطرابات التي صاحبت ثورة الإصلاح ~~الديني. وظل مثابرا على العمل والإنتاج على الرغم من إصابته بحمى ~~مزمنة على أثر مخاطرته بالخوض في مستنقعات «زيلاند» لمشاهدة حوت ~~ميت! # أنتج «دورر» إنتاجا ضخما في ميادين الرسم والحفر على الخشب ~~والنحاس، وكتابة الرسائل والبحوث النظرية عن القياس (1525م)، وتقوية ~~الحصون (1527م)، والتناسب والنظرية الفنية (1528م)، بجانب مذكرات رحلته ~~إلى الأراضي ms082 الوطيئة. وهو يعد الجسر الرئيس الذي عبرت عليه أفكار عصر ~~النهضة الإيطالية إلى الشمال الألماني. وقد تفاعلت هذه الأفكار مع ~~النزعة الفردية التي انحدرت إليه من التراث القوطي وعملت على تكوين ~~شخصيته الفذة وأعماله المذهلة في غزارتها وحيوية خيالها وتعبيرها، ~~فضلا عن تمكن صاحبها من الصنعة الحرفية في الحفر على النحاس والخشب ~~بوجه خاص. # وقد تمثل هذا في سلسلة من الأعمال الشهيرة مثل «رؤيا يوحنا» ~~(1498م) - وقد كان أول كتاب يقوم فنان واحد على تصميمه وطبعه ونشره ~~بنفسه! - وعذاب المسيح (من 1498م إلى 1511م)، وحياة العذراء ~~(1501-1511م)، وغيرها من الأعمال المفردة مثل «حمام الرجال» (1497م)، ~~ووحش البحر، والابن المعجز (1497م)، وآدم وحواء (1504م) والفارس والموت ~~والشيطان (1513م)، والاكتئاب أو الكآبة (1514م) التي صورها في صورة ~~امرأة عميقة الفكر والحزن معا! (وهي الصورة التي تراها مع هذا ~~الكلام.) # استلهم اللوحة الشهيرة عدد من الشعراء نذكر منهم: ~~(1) بيتر آومولر # ولد في مدينة نورمبرج سنة 1909م، وكتب الشعر والرواية والدراسة ~~والمقال. وضع هذه القصيدة «كآبة، عن صوة ألبرشت دورر» سنة 1967م، ~~وظهرت في مجموعته الشعرية «تأمل 46» التي صدرت سنة 1971م. ~~«كآبة» # فيم تطيلين الفكر # يا ذات الثوب الفضفاض؟ # الجبهة تبدو معقودة، # والبرجل في يدك اليمنى، # والنظرة مستغرقة، # ومحدقة # في أبعاد مجهولة. # وصبي يجلس بجوارك، # معتليا حجر الطاحونة، # وعلى الحائط ميزان، # ناقوس، ساعة زمن رملية، # واللوح المحفور يمثل لغز الأعداد المشهورة. # لم هذا الحشد من الأدوات المنثورة؟ # من ينشلها من قيد أخرس؟ # هل تتعثر خطوات الفعل؛ # لأن جديدا يولد؟ # هل بدأت ترتفع اليد # حاملة البرجل؟ # في قبضتك المضمومة تحيا # قوة عزم تواقة، # وإرادة روح خلاقة، # لم تفتر بعد! ~~(2) إدفين فولفرام دال # ولد الشاعر سنة 1928م في بلدة «زولنجين»، ونشر قصيدته التالية ~~سنة 1974م في مجموعته الشعرية «البحث عن أمفورتا» عن دار النشر ~~بشتله بمدينة إسلنجن. ~~«كآبة» # كيف سيبدو مجلسها اليوم # وسط العلماء وأهل الخبرة # في قاعدة صاروخية؟ # في الخلفية # علماء الأمراض النفسية والعقلية. # تستيقظ أكثر من ذكرى # عن أسماء المدن الأخرى ~~(ناجازاكي، هيروشيما)، # عن ms083 أعراض ظاهرة أو مختفية، # كيف ستبدو جلستها اليوم؟ # لم يعرفها أحد، # أو أسلمها الخونة. # خبراء الأعصاب # على استعداد # أن يجروا رسم المخ. # لم يلحظ أحد منهم # أن كآبة # ذات جناحين ~~(كطير الرخ)! ~~(3) إينا زايدل # روائية كبيرة وشاعرة من المدرسة الرومانطيقية الجديدة. ولدت سنة ~~1885 بمدينة «هالة» على نهر الزالة، وماتت سنة 1974م، تأثرت في ~~شعرها بالروح الكلاسيكية التي انعكست على بنائه المحكم وتعبيره ~~المتزن، كما تأثرت بالروح الرومانطيقية في قصائدها المعبرة عن ~~حبها للطبيعة وعاطفتها الدينية العميقة. # تميزت قصصها ورواياتها التاريخية بالوصف الواقعي الدقيق ~~والتصوير النفسي الصادق للشخصيات والتجارب الروحية المغرقة في ~~الخيال والحلم. من رواياتها بوابة الفجر، المتاهة، الطفل المتمني، ~~صديقنا بيرجرين، والميراث الباقي التي تعد من أشهر رواياتها ~~وأكثرها رواجا. وقد كتبت سيرتها الذاتية في روايتها «طفولتي ~~وشبابي». نشرت قصيدتها التالية في مجموعتها الشعرية «قصائد» التي ~~صدرت بمدينة شتوتجارت سنة 1955م لدى مؤسسة النشر الألمانية. ~~«عن كآبة دورر» # لديك مقياس الزوايا. لديك البرجل، # ووجدت زجاج الساعة والميزان، # وحسبت كل يوم توازنهما # وأنا لا أملك إلا أغنيتي # تعرفين سر الأعداد. # فوق رأسك يسطع مربع الأعداد الماسية. # عند قدميك ينعس الحيوان. # وأنا أسبح في موسيقى الأفلاك. # 1 # تحنين جبينك تحت التاج المعقود على رأسك. # تختمر في وجدانك فكرة عظيمة، # تتجلى في صيغة موجزة، # وبسن القلم الواثق ترسمين على اللوح الأزلي # موضع ومسار كوكب جديد. # انظري! إن ما يحركني ويزدهر في صدري # يتخذ هيئة وشكلا، # وها أنا ذا أزدهر، أنا نفسي. # الفصل الخامس عشر # | الربيع # (1) الربيع لساندرو بوتيتشيللي ( # Sandro ~~Botticelli ~~) (1445-1510م) # وهو من أبرز المصورين في فلورنسا في أواخر القرن الخامس عشر إن ~~لم يكن أعظمهم تأثيرا. يحتمل أن يكون قد تعلم على يدي ~~فرافيليبوليبي (1406-1469م)، ~~ومن المؤكد أنه تأثر بالأخوين أنطونيو وبييروليولا يولو ~~(اللذين كانا يديران أنجح ورشة فنية في فلورنسا، وأقدرها على ~~استخدام الأساليب العلمية في الرسم والنحت والحفر والتصميم وصياغة ~~الذهب). وأنه وهو الذي رسم لوحة الشجاعة حوالي سنة 1470م لتضاف ~~إلى مجموعة اللوحات الست عن «الفضائل» التي ms084 رسمها بييرو (وهي ~~محفوظة في متحف الأوفيتسي). وقد تميزت تلك اللوحة بواقعيتها ~~الشديدة على خلاف لوحاته الأخيرة التي ابتعدت تماما عن الواقعية، ~~واكتست غلالة شاعرية ودينية رقيقة صافية، مثل لوحته الوحيدة التي ~~تحمل توقيعه، وتعد آخر لوحة مؤرخة له، وهي «الميلاد المعجز» ~~(1500م، المتحف الأهلي بلندن)، ونلمس فيها آثار الأزمة الدينية ~~التي اشتعلت في أواخر القرن الخامس عشر، وانعكست على موقفه الغامض ~~من الراهب الثائر سافونارولا، وتوجيه تهمة اللواط إليه. ويكفي أن ~~نتأمل صورتيه الشهيرتين اللتين تجدهما هنا عن «الربيع» و«مولد ~~فينوس»، لنرى امتزاج الأسلوب القديم في اختيار الموضوعات الأسطورية ~~بالمعاني والرموز المسيحية، مع التعبير عن العاطفة، بالاعتماد على ~~الخطوط في تحديد معالم الأشكال، مما يلخص الاتجاه العام ~~للتصوير في القرن الخامس عشر. وقد رسم بوتيتشيللي هاتين اللوحتين ~~الشهيرتين لأحد أفراد عائلة «الميديتشي» التي كانت تحكم فلورنسا، ~~وتدين لها النهضة الإيطالية المبكرة بفضل رعايتها، ولكننا لا ~~نكاد نعرف شيئا عن علاقته بهذه العائلة أو بدوائر الإنسانيين ~~الكبار في تلك الفترة النادرة التي تشبه المنارة الصغيرة السابحة ~~فوق بحار ظلمات التاريخ البشري. # لقي بوتيتشيللي النجاح والشعبية، وجمع ثروة كبيرة من لوحات ~~العذراء «المادونا» ذات الوجه الحنون الرقيق، التي راح ينتجها ~~بأعداد كبيرة. ولكن شهرته بدأت في الأفول بعد سنة 1500م، ولم ~~تستطع الصمود في وجه الأفكار الجديدة والأساليب المبدعة التي ظهرت ~~على المسرح بظهور ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو. ولسنا نعرف شيئا ~~عن السنوات العشر الأخيرة من حياته، خصوصا بعد إنجاز لوحته سابقة ~~الذكر عن «الميلاد المعجز» حوالي سنة 1500م، ويبدو أنه كان قد ~~تردى في حالة بالغة السوء تمخضت عن عدد من اللوحات عن ~~«التقوى» أو «الرحمة» (البييتا) اضطرب فيها أسلوبه إلى حد ~~هستيري. وربما يغفر له هذه السقطات الأخيرة تلك الرسوم الرائعة ~~التي أبدعها قبل ذلك (حوالي سنة 1490م) لدانتي شاعر الكوميديا ~~الإلهية، وكشفت عن حساسيته وشفافية أسلوبه ورقته وحنانه. ~~(2) مانويل ماتشادو ( # Manuel ~~Machado ~~) # ولد الشاعر الإسباني الكبير في إشبيلية سنة 1874م، ومات في ~~مدريد سنة 1947م. كان أبوه من ms085 أهل العلم. درس الفلسفة واشتغل ~~بالصحافة. أسس مع شقيقه أنطونيو منذ سنة 1922م اتجاها غنائيا ~~في المسرح الشعري. وهو شاعر وكاتب مسرحي. ظهرت قصيدته عن صورة ~~الربيع لبوتيتشيللي في ديوانه «أشعار» الذي صدر سنة 1940م في ~~بارثيلونا، ص155، وقد كتب القصيدة سنة 1910م. ~~«الربيع» # آه من هذه التمتمة الهامسة الغائمة # للروعة الأولى! # من نشوة قبلة شاب # لم يزل يغالب الحياء! # آه من قلة الخبرة بأول عناق! # ستصحو من نومك والحب # يداعب قلبك بين أغان # ونسائم رطبة، # وستبكي بغير هم ولا حزن، # وتعاني المرض الإلهي # الذي يشبع الروح. # أول بادرة تنبئ بزهور البرتقال، # ملك، طفل، أنثى. # والعيون المثقلة بالشهوة، # سكرى بالنوم تسيل رطوبة، # حين تتصاعد العصارات المذهلة، # ووجوه على شكل اليوسفي، # حيية كالزهور في الشمس، # ذهبية محمرة، # في مروج الربيع، # التي تضحك من النشوة والبهجة. ~~(3) أليكس جوتيلنج ( # Alex Gutteling ~~) ~~(1884-1910م) # شاعر هولندي ولد في بلدة فونوسوبو في جزيرة جاوه، ومات في مدينة ~~«دريبرجن» بهولندا. تتلمذ على الشاعر الهولندي أ. فيرفي الذي تأثر ~~بالحركة الرمزية، وكان من مريدي الشاعر الرمزي الكبير ستيفان ~~جئورجه. وقد ظهرت قصيدته عن ربيع بوتيتشيللي مع مجموعة أشعاره التي ~~عني بنشرها أستاذه فيرفي على أثر وفاة الشاعر في سن مبكرة، وصدرت ~~سنة 1911م في أمستردام. ~~«الربيع» # في غابة الحنين التي تنمو فيها # أشجار الزيتون شاحبة الظلال، # تسطع أشكال نساء جميلة # وإن تكن رقيقة محزونة. # فينوس الحبلى تتفكر وتنظر بعيدا، # لكن لا تكاد تبصر ربات الحنان النحيلات، # آه ويصوب «آمور» رب الحب # أول سهم يتعلم منه الإنسان # أن عليه يوما أن يطلب حظه من البهجة، # وأن حلم الشباب لا يمكن أن يدوم. # وهنالك يأتي الربيع صافيا متسربلا بالمروج، # وزفير # 1 # يحاول أن يمسك بعروسه، # فتفلت وتضحك منه في حياء. # وعلى العشب، حيث بدأت تسطع الزهور، # يقف «هيرميس» بصندله المجنح، # وكما يسرع في سيره ستمر سريعا كل هذه السعادة. ~~(4) دانتي جابرييل روسيتي ( # Dante Gabriel ~~Rossetti ~~) (1828-1882م) # شاعر ورسام ومترجم، اشتهر بتأسيس جماعة السابقين على رافائيل ~~التي تخيرت نماذجها المثلى من ms086 الفنانين الإيطاليين المبكرين، ~~وقد تأسست هذه الجماعة من الشعراء والفنانين سنة 1848م. وكان من ~~أهم أعضائها هولمان هنت وج. أ. ميلليه. وكان روسيتي يستوحي رسومه ~~بنفسه ويكتب القصائد في وصفها ... ظهرت هذه القصيدة «من أجل الربيع ~~لبوتيتشيللي» في الجزء الأول من أعماله الكاملة، لندن، 1906م، ~~ص352. ~~«لأجل ربيع ساندرو ~~بوتيتشيللي» # بأي موكب لأي رأس سنة قديمة # جففتها الريح، # تحتفي هذه السيدة؟ # فلورا # 2 # التي يسعدها الوضع الوشيك، # وتزينها الأزهار، # أورورا وزفير # 3 # يتشابك شعرهما الرفاف # وهما يقتربان، # وحلقة ربات الرقة والحنان # توشك أن تهيم في قوس الأذرع البيضاء، # وهيرميس، ذو الصندل المجنح في قدميه، # هو الرسول الذي يعلن عن إرادة الآلهة. # عارية كما ولدت، لم تصبح بعد عارية عري الموت. # تقف جذوع الأشجار الشابة سامقة # كأنها أعمدة في معبد هذه السيدة. # فوق رأسها إله الحب «آمور» # يطلق سهامه. # أيكون السر هنا هو سر العرفان أم الأمل؟ # وكيف يقدم الجواب ربيع ميت؟ # بل كيف تقدمه هذه الأقنعة # لرأس السنة الجديدة التي جففتها الريح؟ ~~(5) بوزيتر لند ( # Boseeter Lind ~~) ~~(1923م-...) # شاعر سويدي، ولد في فاكسيوه. درس الفلسفة واللاهوت ~~والأنثروبولوجيا، ونشر دواوين عديدة بجانب الروايات والقصص وكتب ~~الرحلات والمسرحيات الدينية. رأى صورة بوتيتشيللي سنة 1963م، وكتب ~~القصيدة في السنة نفسها، وقد ظهرت مع قصائد أخرى في ديوانه الذي ~~صدر سنة 1964م في استوكهولم، ص26. ~~«ربيع بوتيتشيللي» # من ينظر في عينيك، # يرى في عز النهار السماء المرصعة بالنجوم # فوق محجريك، # يرى شبكة النور الدقيقة # التي تلتقط الليل. # من ينظر في عينيك، # يسبر أغوار المستقبل، # وفي منتصف النهار يرى الليل، # الذي تتجمع فيه النجوم الأزلية # في لغة واحدة يقرؤها القلب، # يرى الجواب الذي تدخرينه # في انتظار الإظلام المطبق. # آه أي أبعاد، # أي دروب نائية، # سيكون على عيني أن تجوباها في عينيك! # مجرات نجوم لا نهائية، # بقع ضبابية، # طرق لبنية مستعصية، # يشعها القلب في فضائه الكوني! # من ينظر في عينيك، # يتبع الدروب التي كتبها القدر على العين ، # يرى رحلة البشرية في الزمان # نحو صورة النجم المستيقظ # في ms087 ضوء النهار. # الفصل السادس عشر # | مولد فينوس # للمصور ساندرو بوتيتشيللي (1444-1510م). رسمها حوالي سنة 1485م، وهي ~~محفوظة بمتحف الأوفيتسي بمدينة فلورنسا (انظر ترجمته مع لوحة الربيع ~~السابقة). ~~(1) رافائيل ألبرتي ( # Rafael ~~Alberti ~~) # من أبرز الشعراء الإسبان المعاصرين، وتدل قصائده أكثر من أي شاعر ~~آخر على البناء الرياضي المحكم والصافي للشعر العقلي أو ~~(الأبولوني) المعاصر. ولد سنة ~~1902م في بويرتودي سانتا ماريا بمنطقة كاديز، وبدأ حياته مع الفن ~~سنة 1907م رساما تكعيبيا، ثم اتجه إلى الشعر منذ العشرينيات، ~~وانضم إلى الحركة الشيوعية منذ سنة 1931م، وبعد انتهاء الحرب ~~الأهلية الإسبانية بانتصار الفاشية، هاجر من بلاده وعاش منذ سنة ~~1940م في الأرجنتين. نذكر له بصدد قصيدة الصورة مجموعة كبيرة ~~نشرها تحت عنوان: «إلى الرسم، قصائد عن اللون والخط»، وقد كتبها ~~بين سنتي 1945 و1952م، وأهداها إلى صديقه بيكاسو، واستوحى منها ~~روائع فن الرسم الأوروبي. وقصيدته التالية عن بوتيتشيللي (نشرت مع ~~أشعاره الكاملة، بوينس آيريس 1961م، ص620)، قد كتبت كما يتضح من ~~صورها وإيحاءاتها الدقيقة الشفافة عن صورة بوتيتشيللي المشهورة عن ~~مولد فينوس. ولعل الرسام نفسه قد استوحى سفر إلهة الحب، التي ولدت ~~من البحر إلى الشاطئ القبرصي بمساعدة إلهات الرياح واستقبال إلهة ~~الربيع لها، وتغطيتها بثياب من عندها، لعله قد استوحى هذه الصور ~~الأسطورية من أنشودة هوميروس إلى فينوس أو بالأحرى أفروديت، ومن ~~المقطوعات الشعرية التي كتبها العالم الإنساني في فقه اللغات ~~القديمة وشاعر عصر النهضة بوليتسيانو (1454-1494م)، وصور فيها ~~حلم جوليانو دي ميدتشي بالحب وأشواقه لجنة ربيع خالد في مملكة ~~فينوس السرمدية. # الرقة رقت، # روح حنان رفت. # في بسمة شفة سكبت، # لمسة فرشاة تسحر، # وتثنت في ريح هبت، # وهواء صاف لامع، # من لوح مصقول ناصع، # يتكثف، # في الثوب الريح رخاء، # عبر البحر، وفوق البحر # يرفرف شعر متموج، # شعر متلو معجب. # هندسة ~~- أبعد من أن تنعش وترطب - # راحت ترسمها الريح، # وتدفعها نحو الحافة، # والحافة تمطر # طيرا وورودا تزهر، # في هندسة # خطوط وسطوح. # وحواف الصورة # خط يتراقص، # وربيع يغري بالرقصة، # ضمن مكان # أبدعه فن ms088 الفنان، # ليسعد # جوف ملائكة مطرب، # ويبارك إسرافيل # وأنشودته الخصبة # بالألحان العذبة، # والملك الرائع # ينسكب حييا في بسمة # خلف الروح المفعم رقة. # روح حنان رفت، # في بسمة شفة سكبت، # وتثنت، في ريح هبت، # وهواء صاف لامع، # من لوح مصقول رائع # يتكثف، # فينوس شاحبة الوجه # بغير رداء. ~~(2) هربرت بوديك ( # Herbert ~~Budek ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1916م في مدينة هاله على نهر الزالة. ~~درس تاريخ الفن، ووجهت إليه سنة 1942م تهمة العمل على إفساد ~~الجيش النازي، ونجا بأعجوبة من حبل المشنقة. تزوج من سيدة ~~أوكرانية ذهب أبوها - وكان أستاذا جامعيا - ضحية جرائم التصفية ~~البشعة التي اقترفها ستالين، وراح ضحيتها ملايين المثقفين، وقد ~~كان هذا أحد الأسباب التي دفعت الشاعر إلى مغادرة بلاده بعد انتهاء ~~الحرب العالمية الثانية. # يعيش في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية ويعمل بالنشر. ~~كتب قصيدته عن أفروديت حوالي سنة 1941م، ونشرت أول مرة مع ~~المختارات من قصائد الصور التي جمعها الأستاذ جسبرت كرانس. ~~«أفروديت» # افتح وجهك، # لم تزل الموجة بعد الموجة تبرق، # ساحرة رطبة، # حول الجسد المشرق، # أما الساعات فتسطع فجأة، # تشعر بتدفق هذا البحر بغير نهاية. # انظر: أنا آتية، # وأنا الأرض، الأنثى ... # الفتنة والإغراء ترفرفان # حول الأعضاء. # انظر: هل تلمح عينك وجه الله؟ # الأنجم تفزع وتميل وتنظر، # وشعوب يأخذها الرعب # ولكن بعد قليل تضحك، # تتبسم؛ # إذ تبصر صورتها الحلوة، # متجلية في مرآة، # هي مرآتي العلوية ... # واحلل عقدة قلبك؛ # فاللذات الرائعة، # ومتع العشاق، # جميع العشاق، # سأسكب # في دمك، فكن محبوبي وأحب، # ودع النبع الأبدي # يفيض، يصب النشوة فيك، # فغص في الموجة غص، # واستسلم للطوفان! # وحياة تزدهر وتنضج # في آلاف الأشكال، # ستنفذ من مركز هذا الكون إليك، # وحدائق تعبق حولك، # وربيع بعد ربيع، # تنسج نورا يدفئ ثلج الخجل # البارد فيك ويهتف: # عانقني، # ضم الصدر إليك، # وسيصبح هذا العالم # ملك يديك! # الفصل السابع عشر # | الموناليزا لليوناردو دافنشي # ربما كانت «الموناليزا» هي أشهر وجه إنساني (بورتريه) في تاريخ فن ~~الرسم، وكان صاحبها، ليوناردو دافنشي ( # Leonardo Da ~~Vinci ~~) واحدا من أعظم العباقرة الذين أبدعهم ms089 عصر ~~النهضة (الرينيسانس) كما أبدعوه ... تجاوزت عبقريته فنون الرسم والنحت ~~والعمارة ، وتجلت في حدوسه الملهمة بعدد كبير من الاكتشافات ~~والاختراعات التي تم التوصل إليها بعد ذلك في ميادين التشريح وطيران ~~الفضاء وهندسة الآلات الحربية وغيرها من الميادين. تنوعت اهتماماته ~~العقلية والفنية، وتوزعت بين مجالات مختلفة بحيث لم يتمكن من إنجاز ~~مشروعاته الكبرى؛ فقد أوشك على اكتشاف الدورة الدموية، واخترع أول ~~مدرعة حربية، وصمم عددا كبيرا مما يعرف اليوم بالطائرات ~~السمتية أو العمودية (الهيليكوبتر)، واستبق فكرة الغواصة، ولكنه لم ~~يتم اختراعا واحدا منها، وإنما خلف وراءه عددا كبيرا من ~~التصميمات الهندسية التي اكتشف معظمها قبل سنوات قليلة، بالإضافة إلى ~~آلاف الملاحظات والمذكرات والرسوم التخطيطية وعدد قليل من اللوحات ~~الزيتية التي لم يفرغ من إنجازها. # ولد في فينشي سنة 1452م. وكان أبوه موثق عقود فلورنتيني (نسبة ~~إلى مدينة فلورنسا)، وتدرب على فن الرسم في بيت أبيه على يد الرسام ~~والنحات وصائغ الذهب فيروكيو (1435-1488م) الذي أنجز أعمالا فنية ~~عديدة لعائلة الميديتشي التي كانت تحكم المدينة، ويحتمل أن يكون ~~ليوناردو هو الذي رسم الملاك الأيسر في لوحة فيروكيو «العماد» ~~(المحفوظة في متحف الأوفيتس في فلورنسا) رسما بلغ من الكمال حدا جعل ~~معلمه يتوقف عن الرسم ويقصر جهوده على النحت! انضم إلى اتحاد ~~الفنانين في مسقط رأسه سنة 1472م، وأول رسم معروف له هو منظر طبيعي ~~لنهر «أرنو» الذي يمر بمدينتي فلورنسا وبيزا، ويصب في البحر الأبيض ~~المتوسط، يرجع إلى سنة 1473م، ويتميز بقدرته على تصوير بنية الصخور ~~وتكوين الأرض. وقد أثبت ليوناردو ريادته في الفن عندما شق الطريق لمن ~~بعده، وجرب أساليب جديدة في دراساته للنسيج وفي الرسم بالزيت (كما ~~في لوحته عن العذراء «المادونا» المحفوظة في متحف ميونيخ - حيث أثارت ~~تفصيلات قطرات الندى على الزهرية البلورية دهشة معاصريه - وفي لوحته ~~جينيفرا دي بينتشي التي يحتمل أن يكون قد أتمها سنة 1474م، كما ~~يبدو أنها مهدت للوحته الشهيرة الموناليزا. وذاعت شهرته منذ سنة ~~1481م، فانهالت عليه التكليفات التي كان من أهمها لوحة كبيرة ms090 عن ~~«ابتهال الملوك» (الذين قدموا من الشرق لزيارة الطفل يسوع المسيح، ~~والاحتفاء بمعجزة ولادته)، نفذها استجابة لرغبة رهبان دير القديس ~~«دوناتو» في «سكوبيتو» بالقرب من فلورنسا، وإن لم يتم اللوحة كعادته ~~لتوقف الرهبان عن دفع أجره المستحق! وتوجه في سنة 1483م إلى ~~ميلانو، بعد أن استجاب الدوق الحاكم فيها، وهو لودفيكو سفورتزا المورو، ~~للعرض الذي قدمه إليه (في خطاب لا تزال مسودته محفوظة)، وأبدى فيه ~~استعداده لتقديم خدماته في العمارة، والنحت بكل أشكاله ومواده من ~~الرخام أو البرونز أو الطين، والرسم، والهندسة العسكرية! # وفي ميلانو رسم لوحته «السيدة ذات الفراء» (المحفوظة اليوم في مدينة ~~كراكوف)، التي تصور شيشيليا جاليراني عشيقة لودفيكو حاكم المدينة، ~~وتعكس نفس خصائص أسلوبه المبكر الذي تجلى كذلك في نسختين من لوحته ~~المعروفة باسم «عذراء الصخور»، توجد إحداهما في باريس، والأخرى في ~~المتحف الأهلي بلندن، وهما النسختان اللتان ثار جدل طويل بين نقاد الفن ~~حول تاريخهما وأصالة نسبتهما إلى الفنان. وبقي ليوناردو حتى سنة 1499م ~~في بلاط ميلانو، مشغولا بمشروعاته الفنية والعلمية التي لم يفرغ منها ~~كعادته، ومن أهمها مشروع تمثال ضخم من البرونز لفرانتشيسكو سفورزا ~~- والد الدوق لودفيكو - راكبا صهوة حصان. ولم يصب التمثال أبدا، ~~وإن بقيت بعض الرسوم المذهلة التي توحي بأن ليوناردو عكف أثناء انشغاله ~~بذلك المشروع على إعداد كتاب كامل عن تشريح الحصان ... يضاف إلى ذلك ~~لوحته الشهيرة «العشاء الأخير» (لكنيسة سانتا ماريا ديللي جراتسيه)، ~~التي تجلت فيها براعته في النفاذ إلى نفوس تلاميذ المسيح، والتعبير ~~عن توتر اللحظة التي أعلن فيها أن أحدهم على وشك خيانته والوشاية به. ~~والظاهر أن بطء ليوناردو في تنفيذ هذه اللوحة الجدارية وولعه الشديد ~~بالبحث والتجريب قد بررا الفكرة التي نسبها إليه جيل تال من أن ~~الفنان مفكر متأمل مبدع، وأنه فيلسوف يرسم فلسفته، لا مجرد محترف صناع ~~يدهن كل يوم بضع ياردات مربعة على سطح جدار! ولا شك في أن الفكرة التي ~~شاعت في القرن السادس عشر عن كرامة الفنان فكرة ترجع إليه وتستمد منه ~~المثل ms091 والقدوة. # غزا الفرنسيون مدينة ميلانو في سنة 1499م، وأسقطوا حكم الميديتشي، ~~فرجع ليوناردو إلى فلورنسا وعمل حتى سنة 1503م مهندسا عسكريا في ~~خدمة «شيزار بورجيا». وتفرغ أثناء فترة إقامته الثانية في فلورنسا ~~للتشريح، وشارك في مشروعات فنية فشل أولها فشلا ذريعا، وكان بتكليف ~~من مجلس المدينة له ولفنانها الكبير الآخر مايكل أنجلو (وكان كل منهما ~~يكن للآخر كراهية لأحد لها!) بتخليد انتصاراتها بعد أن أصبحت ~~جمهورية. أما المشروع الآخر فكان انشغاله بمجموعة لوحات عن العذراء ~~والطفل مع القديسة أنا، وقد بقي من هذه اللوحات اثنتان إحداهما في ~~المتحف الأهلي بلندن، والأخرى في صحف اللوفر بباريس، ويبدو أنه بدأ ~~الأولى في ميلانو ثم حملها معه إلى فلورنسا، أما الثانية فقد بدأ ~~العمل فيها سنة 1506م. كان من أهم الأعمال التي أنجزها في هذه الفترة ~~لوحتنا هذه الشهيرة التي صور فيها زوجة أحد كبار الموظفين في ~~فلورنسا، وعرفت باسم «الموناليزا» أو «الجوكوندا»، وقد عكف على رسمها ~~بين سنتي 1500 و1504م. # رجع ليوناردو إلى ميلانو سنة 1506م، وعين رساما ومهندسا ~~لفرانسيس الأول ملك فرنسا، ثم شغل في سنواته الأخيرة ببحوثه وتجاربه ~~العلمية والرياضية، كما خطط لمشروع تمثال لقائد القوات الفرنسية ~~تريفولزيو على صهوة حصان، ولكن المشروع لم يتمخض إلا عن مجموعة من ~~الرسوم تظهر براعته في التشريح! وكان آخر رسم أتمه قبل انتقاله ~~نهائيا سنة 1517م إلى فرنسا هو لوحته عن القديس يوحنا (وهي محفوظة في ~~متحف اللوفر)، أما رسالته عن فن الرسم فقد جمعت بعد وفاته من ~~المذكرات والملاحظات التي دونها، ولم تنشر إلا في سنة ~~1651م. # وقد مات ليوناردو سنة 1519م في ~~قصر كان قد أهداه إليه ملك فرنسا، وذلك في بلدة «كلو» بالقرب من مدينة ~~«أمبواز»، وانتهت بموته قصة عبقرية نادرة تفخر بها البشرية. ~~(1) إدوارد دودن ( # Edward Dooden ~~) ~~(1843-1913م) # ولد الشاعر الأيرلندي في مدينة كورك، ومات في «دبلن». درس ~~اللاهوت، وأصبح أستاذا للأدب الإنجليزي في كلية الثالوث المقدس في ~~دبلن وهو لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره. قام كذلك بالتدريس ms092 ~~في جامعتي أكسفورد وكامبريدج، ونشر بحوثا ودراسات عن شكسبير ~~وملتون وشيللي ومونتني، بجانب مجموعات شعرية عديدة. ظهرت قصيدته ~~هذه عن الموناليزا مع مختارات من الشعر الأيرلندي حررها ونشرها ~~الأستاذ ك. هوجلاند بعنوان: ألف عام من الشعر الأيرلندي، نيويورك، ~~1962م، ص538. ~~«موناليزا» # أيتها العرافة، عرفيني بنفسك # حتى لا أيأس من معرفتك كل اليأس، # وأظل أنتظر الساعات، وأبدد روحي. # ما هي كلمة القدر التي تختبئ بين الشفتين # اللتين تبتسمان ومع ذلك تتمنعان؟ # يا سرا متناهي الروعة! # أيها الكمال السماوي! # لا تحيري الوجدان أكثر مما تفعلين؛ # حتى لا أكره طغيانك الرقيق. # يداك المشبوكتان في اتزان جليل، # والشعر المتساقط على الجانبين. # لا، لا. إني لأوذيك بكلمات غلاظ. # ابقي صافية، منتصرة، ومستعصية! # ابتسمي كعادتك ولكن لا تتكلمي! # فالدعاية تختبئ دائما في ظل جفونك. # ثم تعالي وارتفعي فوق معرفتنا! # أيتها الهولى من إيطاليا، # أغوينا وحقري شأننا كما تشائين! ~~(2) والتر هوراشيو باتر ( # Walter Horatio Pater ~~) (1839-1894م) # ولد الشاعر الإنجليزي في مدينة شادويل. كان أبوه طبيبا، وتعلم ~~في أكسفورد وتولى التدريس فيها، وقضى فيها معظم سنوات عمره. قام ~~بأسفار عديدة إلى ألمانيا وإيطاليا، وجمعت أواصر الصداقة بينه وبين ~~جماعة الشعراء ونقاد الفن الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «إخوان ما ~~قبل رافائيل» (وهي الجماعة التي أسسها الشاعر والرسام الإنجليزي ~~دانتي جابرييل روسيتي سنة 1814م مع زميليه هولمان هنت وج. أ. ~~ميليه، والتمسوا نماذجهم الجمالية لدى عباقرة الفن الإيطاليين قبل ~~رافائيل، كما استوحوا من رسومهم وأعمالهم الفنية كثيرا من ~~شعرهم). كتب «باتر» في تاريخ الفن، ونشر دراسات عن ليوناردو دافنشي ~~ومايكل أنجلو وبوتيشيللي، كما نشر روايات وقصصا قصيرة وقصائد ~~شعرية. # ظهرت هذه القصيدة عن موناليزا مع مجموعة المختارات التي نشرها ~~الشاعر الأيرلندي الكبير و. ب. ييتس تحت عنوان «كتاب أكسفورد للشعر ~~الحديث»، أكسفورد، 1952م، ص1 - لاحظ أن السطرين الثامن والعاشر من ~~القصيدة يشيران إلى لوحتي ليوناردو عن ليدا والقديسة آنا. ~~«موناليزا» # هي أكبر عمرا من الصخور التي تجلس بينها، # كالخفاش. # كانت قد ماتت مرات من قبل، # وتعلمت أسرار القبر، # وغاصت ms093 في البحار العميقة، # وما زالت تحتفظ بأيامها الضائعة، # وتاجرت في المنسوجات العجيبة مع تجار الشرق. # ومثل ليدا، # 1 # كانت أم هيلينا الطروادية، # ومثل القديسة آنا، # كانت أم مريم، # ولم يكن كل هذا في نظرها # إلا كأنغام القيثار والناي، # ولا يعيش # إلا في الرقة # التي صاغت بها الخطوط المتغيرة، # ولونت الجفون واليدين. ~~(3) مايكل فيلد ( # Michael ~~Field ~~) # اسم مستعار لشاعرتين خالة وابنة أختها وهما كاترين برادلي ~~التي ولدت سنة 1848م في برمنجهام، وماتت سنة 1914م في ريتشموند، ~~وأديث إيماكوبر التي ولدت سنة 1862م في كينل وورث بمقاطعة وركشير، ~~وماتت سنة 1913م في ريتشمولد بمقاطعة ساري. تلازمت الشاعرتان في ~~حياتهما وأسفارهما وكتاباتهما الأدبية، ونشرتا باسمهما المشترك ~~مسرحيات ومجموعات شعرية. وتعد ترجماتهما للشاعرة الغنائية ~~الإغريقية سافو، وقصائدها التي استوحتاها من الرسوم واللوحات ~~الفنية ونشرتاها سنة 1892م بعنوان «رؤية وأغنية» من أهم أعمالهما. ~~تقول الشاعرتان في هذه المجموعة الأخيرة: إن الجهد المبذول لرؤية ~~الأشياء من مركزها الخاص، عن طريق التخلص من التركيز المعتاد على ~~المرئي كما ندركه في أنفسنا، عملية نتمكن بها من استبعاد صورنا ~~الذاتية والحصول على انطباع أكثر وضوحا وأقل سلبية وأكثر قربا ~~من النفس. وعندما يتم هذا الجهد بأمانة وإصرار، فلا بد أن يتبقى ~~للقوة الحتمية للفردية دور تقوم به، ولا بد للمزاج الشخصي من أن ~~يصوغ الانطباع المنقى. وقد نشرت هذه القصيدة في الكتاب ~~المذكور، ص8 بعنوان: الجيوكوندا لليوناردو دافنشي. ~~«الجيوكوندا ~~لليوناردو دافنشي» # العينان مائلتان، معبرتان، تاريخيتان، # بسمة على الخدين ناصعة كالقطيفة، # توجهها شفتان رزينتان إلى أعلى، # بل ترقد متوهجة طرية، # يبدو الصبر في هدوئها المفعم بالقسوة، # الذي ينتظر ولا يبحث عن الفريسة، # جبين كالغسق، وصدر # يتلامس فيهما الغروب والنضوج بحب وحنان، # وخلفهما صخور بلورية، # بحر وسموات متلاشية الزرقة، # تنعكس على السحاب والماء. # منظر طبيعي يبدو مرهقا من شدة جوعه # لتلك التقلبات التي يستميت عليها الرجال. ~~(4) ياروسلاف فرشليكي ( # Jaroslaw ~~Vrchlieky ~~) (1853-1912م) # شاعر تشيكي، ولد سنة 1853م في «لاون»، ومات سنة 1912م في ~~«تاوس». درس اللاهوت والتاريخ، وشغل في سنة 1893م منصب ms094 أستاذ للأدب ~~المقارن في جامغة براغ. كتب الشعر الغنائي والملحمي والمسرحية ~~والقصة القصيرة والمقالة، كما استوحى حوالي مائتي قصيدة من صور ~~ولوحات فنية شاهد معظم أصولها أثناء إقامته في إيطاليا من سنة ~~1875م إلى سنة 1876م. تذكر له ترجماته لدانتي وكالديرون ~~وثيرفانتيس وجوته. وقد نشرت هذه القصيدة في المجلد السادس من ~~مجموع مؤلفاته الكاملة التي نشرت في براغ سنة 1905م، ص196. ~~«موناليزا» # ابتسامة مفعمة بسحر السر، # فيها الحنان والجمال، # أتراها تغوي ضحيتها # أم تهلل لانتصارها؟ ~~(5) مانويل ماتشادو (1874-1947م) # انظر ترجمته السابقة مع لوحة «الربيع» ليوتينشيللي. نشرت قصيدته ~~عن الجيوكوندا في كتابه «أبولو، مسرح تصويري» الذي ظهر سنة 1910م، ~~ص161، وقد أوردنا له قصائد أخرى استلهمها من صور جويا (إعدام ~~الثوار) ورمبرانت (محاضرة في التشريح). ~~«الجيوكوندا» # فلورنسا، # زهرة موسيقى يتضوع منها العطر، # ومدينة ليوناردو ~~(من لا يوصف، لا يدركه القول أو الفكر)، # أم النابغة الحر # الصادق من غير كلام، # والأسد الثائر، # والروح الطائر كحمامة. # تبتسم الموناليزا، # وتطل البسمة فوق قرون تنزلق وتهوي، # تنظر في أنفسنا أيضا، # والبسمة تبقى ما بقي العمر ~~(حتى لو لم تثبت شيئا)، # تبتسم الجيوكوندا، # أي فرحة؟ # أي أرض للأحلام الحلوة # تسكب فيها النشوة؟ # أين تتوه العين الغامضة وتسرح؟ ~~(أتفتش عن سر خلف قناع؟) # كلمها القدر فأي كلمة # بلغت أذنيها؟ # أي دلال داعب خاطرها؟ # أيكون السر الهائل # قد ملك القلب عليها؟ ~~(6) جوستاف فرودنج ( # Gostav Froding ~~) ~~(1860-1911م) # وهذه القصيدة للشاعر السويسري جوستاف فرودنج الذي ولد في مدينة ~~ألسترز بروك ومات في استوكهولم. تعلم في جامعة أوبسالا ولم يتم ~~دراسته. قضى معظم سنوات عمره الأخيرة في مصحات العلاج النفسي. وقد ~~نشرت قصيدته عن الموناليزا في المجلد الرابع من مؤلفاته الكاملة، ~~استوكهولم، 1937م، ص247. ~~«موناليزا» # موناليزا، # موناليزا، # أنا لا أملك أن أعطيك # سوى أغنيتي. # قد يمدحك سواي # فيرفع قدرك ويوفيك، # فإليه اتجهي! ~~(7) هيرمان كلاوديوس ( # Hermann ~~Cloudius ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1878م في لانجنفيلد بالقرب من ألطونا ~~(وهي في الشمال ناحية هامبورج). وهو حفيد أكبر الشعراء المتصوفين ~~في ألمانيا ماتياس كلاوديوس. عمل ms095 من سنة 1900م إلى سنة 1934م ~~بالتدريس في المدارس الشعبية في مدينة هامبورج، ثم طرد من عمله ~~لرفضه السماح بإنشاد الأغاني النازية في مدرسته. نشر مجموعات من ~~قصصه وأشعاره الغنائية، وعين في سنة 1956م عضوا في أكاديمية ~~«إيرفورت» في ألمانيا الشرقية (الديمقراطية). وقد ظهرت القصيدة ~~التالية في ديوانه «في بيتي» الذي صدر في ميونيخ سنة 1940م، ص102، ~~وذكر الشاعر أنه أنشأ القصيدة في مدينة جنوا سنة 1939م أمام لوحة ~~ليوناردو الأصلية. والمعروف أن متحف اللوفر يحتفظ باللوحة الخالدة، ~~ولا أدري إن كانت قد وجدت قبل ذلك في جنوا. ~~«موناليزا» # قديما كانت ترتفع الكنائس. # اليوم تتبجح المداخن. # بخطى عمياء # يتابع الزمن مسيره. # كم سار فوق لهيب الصحاري، # وجبال الثلج، # فوق الأفيال المنقرضة والأشجار الضخمة. # من أحسها واستكنه سرها # في أعماق روحه، # استشعر الحكمة، # وواجه كل الكلمات، # وكل الأعمال بابتسامته، # فما عاد شيء يفزعه. # في ساعة الموت # ينفذ من الباب. # هي التي أحست به، # بالخالد الذي لا يتبدل، # بروحه الأبدية، # ترجع إلى موطنها # وعلى شفتيها بسمة. ~~(8) توماس مكجريفي ( # Thomas ~~Mcgreevy ~~) # ولد الشاعر الأيرلندي سنة 1893م في كونتي كيري، وهو ناقد فني ~~يقوم بالتدريس في المتحف الوطني بلندن وفي جامعة باريس. نشر ~~مجموعات شعرية ودراسات في الفنون التشكيلية، وظهرت قصيدته عن ~~الجيوكوندا في كتاب «ألف عام من الشعر الأيرلندي» الذي نشره ~~الأستاذ ك. هوجلاند في نيويورك، 1962م، ص706. ~~«جيوكوندا» # منحدرات الجبل من الماء الفضي الثائر، # أسفل، # حول الجبل، # وعبره، # حول جذوع الشجر الناصعة البيضاء، # أبعد، أبعد مما تدركه العين الحساسة، # وعلى جنبات الوادي ووراءه، # في كل مكان، # ينحدر الماء الفضي الهادر! # السحب الزرقاء، # الداكنة اللون ~~- صبغت منها الأطراف بماء الورد # ووضعت داخل أطر فضية - # تتأمل هذا الكون. # توقفت الشمس # فلم تشرق # أو تغرب، # لم تهتم بما ينشغل به الساسة. # الأعراف البيضاء انتفضت # كالزبد الطائر، # وأفاع زرق قد ذابت # في فتحة بسمة، # تلمع لمعان الماسة. ~~(9) كورت توخولسكي ( # Kurt Tucholsky ~~) ~~(1890-1935م) # كاتب ألماني لاذع السخرية، انحدر من أصل يهودي. ولد في برلين، ~~ومات منتحرا في ms096 بلدة هنداس بالسويد. أتم دراسة الحقوق ثم اشتغل ~~بالصحافة، وقضى معظم سنوات حياته بعد 1924م في باريس قبل أن ينتقل ~~نهائيا إلى السويد سنة 1929م. نشر قصصا قصيرة ولوحات مريرة ~~السخرية بالحياة «البرجوازية» في ألمانيا، وأشعارا، ومسرحية ~~واحدة. ظهرت قصيدته عن الموناليزا في الجزء الثاني من مؤلفاته ~~الكاملة التي صدرت لدى الناشر روفولت سنة 1960م، ص1322. # يعلق ناقد أدبي ذائع الصيت «وهو هانز ماير» على هذه القصيدة ~~فيقول: «هذه القصيدة المشهورة عن الموناليزا قصيدة متشائمة على ~~طريقة شوبنهور، وهي تريد أن تقول: مر على هذا العالم مر ~~الكرام ، فهو عدم ...» ~~«الموناليزا» # لا أملك أن أحول نظراتي عنك؛ # لأنك معلقة فوق الرجل الموكل بحراستك، # وقد شبكت يديك الناعمتين، # ورحت تبتسمين في سخرية. # أنت مشهورة شهرة ذلك البرج في بيزا، # وابتسامتك تؤخذ مأخذ الدعابة. # أجل ... لماذا تضحك الموناليزا؟ # هل ضحك علينا، بسببنا، على الرغم منا، معنا، ~~- ضدنا - أم ماذا؟! # أنت تعلميننا في هدوء ما ينبغي أن يحدث؛ # لأن صورتك، يا ليزا الصغيرة، تقول: # من خبر هذا العالم خبرة كافية، # فلا بد من أن يبتسم، # وأن يضع يديه على بطنه ويسكت. ~~(10) بيرتة آرنباك ( # Birta Arnback ~~) ~~(1923م-...) # ولدت الشاعرة الدنماركية في بلدة ليزالند بالقرب من مدينة ~~فيبورج. كان أبوها من عمال الغابات. نشرت عدة مجموعات شعرية ~~وقصصية. كتبت هذه القصيدة عن الموناليزا في سنة 1955م. ~~«موناليزا» # عذب هذا كله، ما أحمله في نفسي، # كل ما لا ترين وما لا يعنيك. # في غرفة كياني أحتفظ بكنوز، # ميراثي، مرابع ذكرياتي # عن كل ما لقيته في حياتي، # ودائما، عندما تريدين أن تعرفي، # عندما تلمسين شعري، وتقبلين يدي، وتخاطبينني ~~باسمي، # ألزم صمتي، ألزم صمتي، # هذا هو مينائي الآمن. # أتكتم حقيقتي، أنغلق على نفسي. # لكن لا أقصد من ذلك شرا، أليس كذلك؟ # إني أصمت مرتاحة البال، أصمت صمتا عذبا، # صمتا أشعر معه بالراحة والاطمئنان، # ثم لا أكاد أشعر # بأنني أبتسم ... ~~(11) بيتر سبان ( Peter Spann ~~) ~~(1882-1948م) # شاعر ومؤلف موسيقي هولندي. ولد بمدينة ليدن ومات في مدينة نيس. ~~كتب قصيدته عن ms097 الموناليزا سنة 1917م، ونشرت في ديوانه «التمجيد» ~~الذي صدر في أمستردام سنة 1961م، ص13. ~~«الجيوكوندا» # مفعمة تبدو الألوان # بنور الفجر، # التعبير بلا حد، # أو إن جاز القول # بلا رحمة. # الكفان الناعمتان، # الجسد الرائع والصدر، # تنتفخ من الحب، # في الخفية بلد السحر ... ~~(12) برونو ستيفان شيرر (1929-...) # ولد الشاعر الألماني في مدينة جريتسنباخ، ودرس الأدب وتاريخ ~~الفن. وهو راهب بنيديكتيني وأستاذ في المعهد الثانوي بمدينة ~~ألتدورف. ظهرت له تسع مجموعات شعرية. وقد نشرت قصيدته عن ~~الموناليزا في ديوان له بعنوان: «صورة واستعارة» صدر سنة 1971م عن ~~دار نشر ركس في لوزيرن وميونيخ، ص28. ومع أن القصيدة قد كتبت سنة ~~1970م، إلا أن الشاعر يؤكد أن تجربتها ترجع إلى أكثر من عشر سنوات ~~عندما عايش اللوحة المشهورة أثناء زيارته لمتحف اللوفر سنة 1959م، ~~كما سبق هذه التجربة الحية اهتمامه باللوحة وملاحظاته التي دونها ~~عنها وعن دافنشي قبل ذلك بسنوات ... ~~«المرأة، لوحة دافنشي ~~الموناليزا» # ينبثق بريق العينين # من الأعماق الذهبية، # نبع الأبدية. # ويغطي الشعر قناع؛ # امرأة، وعروس، وبتول الرب. # واليد ترتاح على اليد. # تتنفس في حر الظهر # أفراح الورد، # والبسمة فوق الشفة وفوق الخد. # أنا أعرفك، عرفتك دوما # وتحدثت إلي، # من قصص الليلة وليال ألف. # حطمت جمود الجسد # نسيج الكذب، # أحلت فتون الحس، # سعار النفس، # لعبث اللذة والمجد، # صلاة رتلها القلب وسبح بالحمد، # للمنعم أوفى بالعهد. # وكذلك أنت عرفت، # وما غابت أسراري عنك. # في نهر جمال الأرض، # يتدفق دمك ويسري في، # يتغلغل نفسك في أنفاسي. # أبكي، يعروك الصمت، # تصغين على باب الروح، # وتأتين لبيتي ومكاني # معك هداياك؛ النور مع الموسيقى. # أتنادين علي؟ # وتنتظرين جوابا: # أنت المرأة # سر الأزل المطوي. # الفصل الثامن عشر # | موسيقى في الخلاء لجورجونه (من حوالي ~~1478م إلى 1510م) # «صورة لجورجونه» في الجزء العاشر من مؤلفاته الكاملة، شتوتجارت، ~~ص220. # جورجونه ( # Giorgione ~~) أحد كبار الرسامين من مدرسة البندقية. تتلمذ على يد جوفاني بيلليني ~~(1430-1516م) الذي علم جيله والأجيال التالية، وشارك في تأسيس الفن ~~الحديث كله (بجانب تيسيان الذي تتلمذ عليه وعلى ليوناردو ومايكل ~~أنجلو). ms098 كان أول من عرض الصور الزيتية الصغيرة في البندقية للاقتناء لا ~~للكنائس، وكانت في الغالب ذات موضوعات غريبة موحية. وقد عجز كثير من ~~معاصريه عن تفسير صور كالعاصفة التي يمكن أن توصف بأنها أول المناظر ~~الطبيعية المعبرة عن حال نفسية ومزاج متوتر في مواجهة العاصفة ~~الرعدية. # يحيط الغموض بحياته، ولا نكاد نعرف عنه إلا أنه شارك الرسام كاتينا ~~(1480-1531م) سنة 1506م في مرسم عملا فيه معا، تدل على هذا كتابة ~~وجدت خلف لوحته «لاورا» المحفوظة في فيينا، وأنه قام سنة 1508م ~~بالاشتراك مع تيسيان بتنفيذ رسوم جدارية على واجهة مجمع التجار الألمان ~~المقيمين في البندقية. وقد اندثرت هذه الرسوم (أو الفريسكات) ولم تبق ~~منها سوى شذرات باهتة. والمهم أنه تعاون مع تيسيان (من حوالي 1490م إلى ~~1576م)، وأنه كان في تلك الفترة يفوقه أصالة. ومع ذلك يتعذر الحسم في ~~هذه المسائل بسبب الغموض الذي يحيط بفنه كما أحاط بحياته، وصعوبة ~~توثيق الصور القليلة التي تنسب إليه، ولم يثبت صحة أكثر من ست منها. ~~ويزيد من تعقيد المشكلة أنه مات في شبابه عندما أصيب بالطاعون سنة ~~1510م، وأن بعض صوره قد أكملها تيسيان وسياستيانو ديل بيومبو اللذان ~~تأثرا به تأثرا عميقا. ولا يزال الجدل مستمرا بين نقاد الفن ~~ومؤرخيه حول أصالة عدد من الصور المنسوبة إليه، والمتناثرة في كثير من ~~المتاحف الأوروبية والأمريكية ... ~~(1) دانتي جابرييل روسيتي (1828-1882م) # سبقت ترجمته مع صورة الربيع لبوتيتشيللي. أما هذه القصيدة التي ~~وصف فيها لوحة جورجونه «عزف الموسيقى في الخلاء»، فقد شاهدها أول ~~مرة في خريف سنة 1849م في متحف اللوفر، ثم كتب هذه القصيدة التي ~~جعل عنوانها «لمشهد رعوي من البندقية لجورجونه»، وظهرت في الجزء ~~الأول من أعماله الكاملة، لندن، 1906م، ص345. ~~«رعوية من البندقية ~~لجورجونه» # أين الماء ليطفئ لهيب عذاب مغيب الشمس؟ # لكن غطس إناؤك في الماء ببطء، # لا، بل مل واسمع شهقة الموجة # المترددة حين تلامس حافة الفراغ. # أنصت، إن وراء جميع الأعماق # يتمدد الحر - كالنائم - أخرس في المساء. # اليد تحاول الآن أن ms099 تلعب على وتر الكمان # الذي ينشج بالبكاء. # أصحاب الوجوه البنية توقفوا عن الغناء، # بعد أن صاروا من فرط السعادة تعساء. # وإلى أين تسرح نظراتها الآن، # بعد أن ترك الناي فمها الذي لم يزل مقطبا، # بينما العشب الظليل يرطب جنبها العاري؟ # دعك الآن! لا تقل لها شيئا؛ # حتى لا تنخرط في البكاء، # ولا تسمه أبدا باسمه. # ليكن الزمن كما كان على الدوام؛ # فالحياة - كالعهد بها - تقبل الخلود في هدوء # وسلام. ~~(2) أدولف فريدريش فون شاك ( # Adolf Friedrich Von ~~Schake ~~) (1815-1894م) # أديب ألماني وعالم في الآداب الشرقية والغربية. ولد في بروسيفتس ~~بالقرب من شقيرين ومات في روما. قام برحلات عديدة زار فيها مراكز ~~الحضارة والفن الأوروبي في إيطاليا وإسبانيا وبلاد اليونان، ~~واستقر منذ سنة 1855م في مدينة ميونيخ، ولا يزال المتحف الذي ~~يحمل اسمه ويضم مجموعة الصور واللوحات التي جمعها في حياته من أجمل ~~معالم هذه المدينة. له مؤلفات عن الآداب الفارسية والهندية ~~والإسبانية، وترجمات شعرية عن هذه الآداب. نشرت قصيدته ~~التالية: ~~«صورة لجورجونه» # هو الذي رسمها! وهل يقدر على هذا # سوى جورجونه؟ # عناقيد العنب المتدلية على أسوار الكرمة، # وأسراب الحصادين في حقل القمح # تعلن أن الربيع الأبدي يجاور الثلج الأبدي. ~~••• # في ظل الشجر الملتف الأخضر تحت الشرفة # يجلس الفارسان بعباءاتهما القطيفية الحمراء. # الأنسام الناعمة على إيقاع الأوتار، # تيمتهما حبا في أغانيهما العذبة الألحان. ~~••• # هل ترى الحسناوين هنا بغير غطاء؟ # لا تسألوا إن كان ما رسمه ابن كاستيلفرانكو العظيم # 1 # في هذه اللوحة هو حب الأرض أم حب السماء! ~~••• # واقنعوا بنصيبكم من هذا الجمال البديع، # الذي ما برح يشع هنا منذ قرون على الجميع، # ويغمر زحام هذا العالم المقفر بالنور والصفاء. ~~(3) بآت بريشبول ( # Beate ~~Brechbühl ~~) # ولد الشاعر السويسري في «أوبلتجن» التابعة لاتحاد بيرن. تعلم ~~في صباه جمع الحروف المطبعية، وقام بأسفار عديدة إلى تركيا ~~وإيطاليا وبلاد اليونان، ونشر أكثر من مجموعة شعرية من بينها ~~مجموعة تأثر فيها بالشاعر الإسباني الشهير رافائيل ألبرتي، وجعل ~~عنوانها «الصور وأنا»، وخصصها لقصائد الصور. وقد ظهرت هذه ~~المجموعة ms100 سنة 1968م في مدينة زيوريخ، وتجد فيها هذه القصيدة التي ~~لم يستوحها من الأصل الذي لم يشاهده، بل من بطاقة مصورة ظل ~~يحملها سنوات في جيبه وكأنه متحف متجول! ~~«حفل موسيقي في الريف ~~لجورجونه» # في حفل رائع # وضع جورجيو بارباريللي الناس في الطبيعة، # طلب منهم - عراة ولابسين - # أن يعزفوا الموسيقى في حدائق الله، # تكلؤهم عينه التي تفيض عليهم الصفاء والانسجام. # أنا لا أكاد أفكر في هذا عندما أسافر # من المدينة إلى قريتي، # وأقطع الشارع - وأنا أتوثب فرحا - # في حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، # إلى حيث يعيش أهلي وأتنفس رائحة بيتي. # تتناثر أفكاري، لا أتحكم فيها، # وتمتلئ عيناي بالبهجة والعطش. # هنالك أعبر القرية الهاجعة. # أشم رائحة الخنافس، # يحتد الهواء بالعشب الطازج، # والعيون الودودة في الليل، # وبعيدا تبدو الغابة كدجاجة نائمة. # هنا تكون النجوم والسحب حلما، # وهنا تنطلق إلى الآفاق الرحبة، # وتضم الكلمات في لغة # لا تحتاج إلى تفسير. # وهنا لا يوجد ثم مكان # لشعراء ينظمون قصائد مصابة بالربو، # ولا مكان لمن يلوون الأفكار، # ولا للأدباء الذين يقولون: # هنا يزدهر مجدي، وإلى هنا نجيء. # لا، هذا مكان المتواضعين # الذين يضعون آمالهم في الحياة وفي أنفسهم، # 2 # والذين يعزفون موسيقاهم هم # في مثل هذه الليالي. # أمشي في طرقات القرية الهاجعة في الليل، # لا أحد يعلم أني جئت، # لكن الأشجار، الهواء، الأصوات المعروفة # تسأل: «هل جئت؟» # وأقول: «جئت، # وها أنا ذا أملأ رئتي ودمي منكم.» # ويمينا، وكأنها بالقرب مني، # تقف سلاسل جبال القرن # أشبه بعابر ليل يحمل نبوءة، # من خلفها جبال الألب السويسرية، # وبعيدا تفوح من حولها رائحة النجوم، # وأخيرا أذهب وأنام، # في بيتي. # الفصل التاسع عشر # | انتصار جالاتيا # لوحة جدارية لرافائيل ~~( # Rafael ~~) ~~(1483-1520م). رسمها سنة 1514م في فيلا فارينزينا ~~بروما. # رافائيل هو أحد الثلاثة الكبار بجانب ليوناردو ومايكل أنجلو الذين ~~يمثلون قمة الإبداع الفني فيما يسمى بذروة عصر النهضة التي انطفأت ~~شعلتها بعد موته. أتاحت له عبقريته المبكرة أن يتمتع بمكانة عالية ~~في المجتمع الفني في فلورنسا المزدهرة آنذاك، وأن يدخل إليه من ms101 أوسع ~~أبوابه، ويعامل معاملة الند - ولم يزل في السابعة عشرة من عمره - من ~~ليوناردو الذي كان في الثامنة والأربعين من عمره، ومايكل أنجلو الذي ~~كان في السابعة والعشرين. وإليهم جميعا يرجع الفضل في تغيير نظرة ~~الناس إلى الفنان واحترامه وإجلاله إلى درجة تكاد تبلغ حد التقديس. ~~اسمه الحقيقي هو رافايللو سانزيو، وكان أبوه هو الرسام جوفاني سانتي. ~~مات الأب سنة 1494م، وخيم الغموض على السنوات الأولى من حياة ابنه ~~النابغة، ولكن عين التاريخ تنتبه إليه حوالي سنة 1500م أثناء عمله مع ~~أستاذه بيروجينو (من حوالي 1450م إلى 1523م) في الرسوم الجدارية في ~~قاعة «الكامبيو» بمدينة بيروجيا، كما يحتمل أن يكون قد أنجز صورته «حلم ~~الفارس» (التي يحتفظ بها المتحف الأهلي بلندن) في هذه الفترة المبكرة ~~من حياته. # أكدت السنوات العشر التالية (من 1500م إلى 1510م) نبوغه والدور ~~الرائع الذي ساهم به في الارتفاع بالفن إلى ذروة عصر النهضة. وإذا كانت ~~أعماله الأولى قد تأثرت بأستاذه (مثل لوحته عن الصلب)، فإن أول عمل ~~يحمل توقيعه (وهو لوحته عن خطبة العذراء 1504م) قد تجاوز هذا التأثر ~~وشهد بتفوقه عليه في قوة التكوين وصفائه. وكشفت له إقامته في فلورنسا ~~(ابتداء من حوالي سنة 1504م) أن كل ما كان يعرفه قد بلي وتقادم عليه ~~العهد. وبدأ يتعلم كل ما استطاع تعلمه من الفن والفنانين في فلورنسا. ~~وصوره ورسومه التي أنتجها في هذه الفترة تبين قدرته العجيبة على ~~تمثل ما تلقاه من دروس وتجارب، وما استفاده من علم ليوناردو وخبرة ~~مايكل أنجلو في رسم الوجوه والموازنة بين الضوء والظل وصرامة التنفيذ ~~وصفائه (خصوصا في سلسلة صوره التي أتمها في تلك الفترة للعذراء أو ~~المادونا). # اتجه إلى روما في أواخر سنة 1508م بعد أن سمع عن عزم البابا جوليوس ~~الثاني على تجديد الفاتيكان وتزيين حجراته، وكان مايكل أنجلو قد سبقه ~~إلى هناك وعكف على تنفيذ رسومه المشهورة على سقف السيستينا «الكابيلا ~~سيستينا»، وبدأ رافائيل العمل مع تلاميذه ومعاونيه على تزيين جدران ~~الغرف برسومه الرائعة التي أتمها ms102 بين سنتي 1900-1911م، ونذكر أهمها ~~وهما «مدرسة أثينا» (التي تجد قراءة تحليلية لها في كتابي مدرسة ~~الحكمة)، و«الجدل»، اللتان تصوران الفلسفة واللاهوت كمرحلتين من مراحل ~~تطور العقل البشري بأسلوب كلاسيكي بالغ الصفاء والاتزان، فضلا عن ~~الرسوم التي أنجزها بنفسه أو صممها وأشرف على تنفيذ مساعديه وتلاميذه ~~لها على جدران غرفة أخرى هي غرفة هيليو دوروس، وصور فيها - بأسلوب ~~أكثر درامية وألوان أكثر حيوية - موضوعات متصلة بالتأييد الإلهي ~~للكنيسة، وهي طرد هيليودوروس من المعبد، وتحرير القديس بطرس ومعجزة ~~المناولة في بولزينا. # تراكمت أعباء العمل على ~~رافائيل، وانهالت عليه العروض من البابا والملوك والأمراء، وأسند إليه ~~الإشراف الهندسي على بناء كنيسة القديس بطرس الجديدة خلفا للمهندس ~~برامانته الذي مات سنة 1514م، وتنفيذ مجموعة المشاهد المستمدة من العهد ~~القديم في مدخل الفاتيكان، وقد أتمها سنة 1919م، ويرجح أن يكون ~~دوره فيها قد اقتصر على التصميم لكثرة مهامه ومشاغله. وكان آخر عمل ~~كلف به هو لوحته الكبيرة «التجلي» (متحف الفاتيكان) التي صممها ~~ونفذ معظم رسومها، ومات قبل إتمامها، فأكملها وريثه وتلميذه جوليو ~~رومانو (من حوالي 1492م إلى 1546م)، وتشهد هذه الأعمال الأخيرة بأنه ~~كان على مشارف تحول فني جديد، لولا أن عاجلته المنية في عامه السابع ~~والثلاثين. # أما هذه الصورة الجدارية فتعبر عن عروس البحر جالاتيا (ومعناها ~~في اليونانية الأبيض اللبني) التي ذكرها هوميروس أول مرة في إلياذته ~~(النشيد 18، سطر 45)، ثم روى «أوفيد» قصتها (التحولات، 13، سطر 738 وما ~~بعده)؛ فقد عشقها العملاق الأعور الرهيب (أو السيكلوب) بوليفيموس الذي ~~يذكره قارئ الأوديسة بغير شك؛ فهو الذي سجن أوديسيوس ورفاقه في كهفه، ~~وراح يزدرد اثنين منهم كل صباح ومساء، حتى احتال عليه الداهية بدهائه ~~وفقأ عينه الوحيدة بعمود ناري بعد أن أطعمه هو ورفاقه وأسكروه؛ وهرب ~~أوديسيوس مع من تبقى منهم، وخرج العملاق الأعمى يتخبط وينادي على ~~«اللاأحد» الذي غرر به وعلى أبيه بوزيدون رب البحر لينتقم له! # والمهم في هذا السياق أن هذا العملاق الرهيب قد عرف قلبه الحب قبل ~~أن يجري له ما جرى ms103 على يد السندباد اليوناني ورفاقه؛ فقد جن جنونه ~~بعروس البحر جالاتيا، وراح يتودد إليها دون فائدة؛ ذلك لأن قلبها كان ~~مشغولا عنه بحب شاب اسمه أكيس. وكانت المحبوبة المتكبرة تستمع ذات يوم ~~مع حبيبها لأغنيات الحب اليائسة التي كان ينشدها بوليفوموس. وانتهى ~~العملاق من أغنيته وانتبه إليهما وهما يغادران مخبأهما، فاستبد به ~~الغضب وانطلق يجري وراءهما. أسرعت جالاتيا إلى الماء وغاصت فيه، وأدرك ~~العملاق حبيبها وقذفه بصخرة عظيمة سحقته، لكن الحبيبة لم تنس حبيبها ~~فحولته إلى نهر يحمل اسمه إلى الأبد! ... ~~(1) رونالد بوترال ( # Roland Bottral ~~) ~~(1906م-...) # سبقت ترجمته مع لوحة بروجيل «سقطة إيكاروس». وقد شاهد الشاعر ~~الإنجليزي هذا «الفريسكو» أو الرسم الجداري لرافائيل أول مرة سنة ~~1949م، ووصفه في كتابه «مراكز الفن في العالم، روما» الذي صدر في ~~لندن ونيويورك سنة 1968م، ص30. أما القصيدة نفسها (وهي من نوع ~~السوناتة) فقد أنشأها سنة 1972م. ويلاحظ أن العجوز الذي يشير ~~إليه السطر الأول هو نيرويس إله البحر، أما قصة حب العملاق ~~الأعور (السيكلوب ) بوليفيموس لجالاتيا ابنة إله البحر نيرويس، فقد ~~رواها الشاعر الروماني أوفيد في كتابه التحولات، الفصل الثالث عشر، ~~السطور 749-897 وذكرناها قبل قليل ... ~~«جالاتيا» # نيريدا، يا بنت عجوز البحر، # كم كرهت الدب والفيل # اللذين يثقلان عليك كل يوم بزيارتهما، # ويجيء إليك رسول غرام من بوليفيم العليل! # نحن نراك هنا في عريك الجسور، # ورداؤك الأحمر الأنيق يرفرف في الريح. # عيناك وأذناك تنصرفان عن العربة # التي يجرها زوج الدلفين؛ # لكي تتجه إلى أغنية الحب التي يترنم بها المارد ~~السقيم. # كل ما يتحرك على هذا المسرح الحي العريق، # من فن راق ودقيق الصنعة وبديع، # هو في خدمتك ولا يستغني عنك، # ووحوش الماء الخشنة الملتفة في الأعشاب الخضراء، # تعب مع حوريات البحر، تبادلها أدوار الحب، # وهي تنفخ في الناي وتشدو بالألحان المرحة، # بينا يصوب كل «كيوبيد» إلى القلب سهامه. # الفصل العشرون # | الليل # (نحت لفنان عصر النهضة مايكل أنجلو بونارتي ~~( # Michalangelo Bounanoti ~~) (من ~~1475م إلى 1564م). أبدعه سنة 1521م ليزين ضريح جوليان ميديتشي في ms104 ~~فلورنسا). ~~(1) جوفاني سترونزي ( # Giovanni ~~Strozzi ~~) # ولد سنة 1517م في فلورنسا، ومات فيها سنة 1570م. عاصر ازدهار ~~الحركة أو النزعة الإنسانية، وانتفع بثمرات التراث اليوناني التي ~~بعثها «الإنسانيون» في مدينته، وبالإنتاج الأدبي والفني الرفيع ~~الذي نفخوا فيه من جمال الطبيعة وجلال المثل الأعلى ~~للإنسان. # عاش في رعاية أسرة «الميديتشي» التي ارتبط اسمها في التاريخ ~~برعاية النهضة في إيطاليا، وبعثه «كوزيمو ميديتشي» في بعثات ~~دبلوماسية وثقافية عديدة. كتب الأبيجرام (القصيد الموجز) ~~والسوناتة. وهذه القصيدة التي استوحاها من «ليل» معاصره مايكل ~~أنجلو، ترجمها الشاعر الألماني المشهور «رينيه ماريا رلكه»، ولم ~~أستطع التوصل إلى أصلها الإيطالي الذي كتبه الشاعر سنة ~~1545م. ~~«عن ليل مايكل أنجلو» # الليل في تمثال # مستغرق في نومه هناك، # في حجر قد صاغه المثال، # في هيئة الملاك، # ها أنت ذا تراه، # والنوم قد كساه بالجمال والجلال، # حياته في نومه، # ونومه حياة. # إن كنت لا تصدق الكلام، # أيقظه؛ كي يقرئك السلام! ~~(2) مايكل أنجلو بوناروتي # ولد الفنان العظيم سنة 1475م في كابريزه بالقرب من مدينة ~~أريستو، ومات سنة 1564م في روما. عمل رساما ونحاتا ومهندسا ~~معماريا في فلورنسا وروما. قد لا يعرف الكثيرون منا أنه شاعر ~~تأثر بمواطنه بتراركا في شكل الشعر كما تأثر في مضمونه وروحه ~~بالراهب الشهيد سافونارولا. ومع ذلك احتفظ شعره وأدبه بوجه عام ~~بطابع خاص ميزه عن الأدب الإيطالي في عصره. وهذه القصيدة «رد» من ~~«مايكل» على «الأبيجرام» أو القصيد الموجز الذي أوردناه الآن ~~للشاعر ستروتزي. يلاحظ أن السطرين الثاني والثالث من القصيدة ~~يعبران عن سخط الفنان على الأوضاع السياسية في مدينة فلورنسا، ~~وقد وقف مايكل أنجلو سنة 1530م في صفوف المدافعين عن الجمهورية ~~والمقاومين لحكم «المدينة» الذين طردوا من المدينة، ثم لم يلبثوا ~~أن رجعوا إليها واستولوا على الإمارة. ~~«رد» # أحب ما أحببت من دنياي أن أنام، # وبعد ما جربت ما جربت من مرارة الأيام # قررت أن أمجد الحجر، # فضلت للإنسان # أن يكون صنما # وأن يعيش كالأصنام، # فإن طغى الزمان # وعم فيه العار والدمار والقذر، # فالخير كل الخير ms105 أن يعيش كالعميان # ويغلق الآذان. # أرجوك ... لا تنبه الحجر، # وإن فتحت فاك فاحترس، # وكن على حذر! ~~(3) جامباتيستا مارينو ( # Giambattista ~~Marino ~~) # ولد سنة 1569م في مدينة نابولي ومات بها سنة 1625م. دخل السجن ~~مرات عديدة وقضى من عمره سبع سنوات (1615-1623م) في فرنسا. كتب ~~الشعر الغنائي والملحمي والهجائي. ويعد من أبرز ممثلي الحركة ~~المعروفة في الأدب والفن الإيطالي بوجه خاص بين سنتي 1520 و1600م ~~باسم «المانيرية» (أو مدرسة أصحاب الأسلوب الذاتي والعاطفي ~~المتكلف المبالغ فيه الذي اتبعه فنانون وأساتذة «عصابيون» كبار، ~~منهم مايكل أنجلو نفسه وإلجريكو وتنتوروتو). وهي مدرسة تركز في ~~الرسم الوجه الإنساني، وتلجأ للألوان الفاقعة المعبرة عن القلق ~~والاضطراب، ولعل المدرسة كلها قد تأثرت بظروف العصر المضطربة ~~وبثورة الإصلاح الديني والإصلاح المضاد وإرهاب محاكم التفتيش ... ~~إلخ، فابتعدت عن روح الفن في عصر النهضة والباروك اللذين تقع من ~~الناحية الزمنية بينهما. والمعروف أن مارينو قد ألف عددا ~~كبيرا من القصائد استوحاها من لوحات وأعمال فنية أخرى شاهدها، أو ~~حازها في مجموعاته الخاصة، وقد نشر معظم هذه القصائد في ديوان ~~سماه «الجاليريا» أو المتحف سنة 1619م. ~~«ليل مايكل أنجلو» # يا من تقف أمامي، # هل تعجب حين تراني # وأنا الليل الراقد # في الحجر البارد # يتردد في النفس الهابط والصاعد؟ # أنا مثلك حي، وحياتي # في هذا النحت الخالد # إن كنت تراني لا أتحرك، # لا يخرج من شفتي حرف واحد. # لا تلق الذنب على الفنان؛ # فطبع الليل هو الكتمان، # وقلب الليل كقلب العابد. # الفصل الحادي والعشرون # | العبد المحتضر # تمثال من المرمر لمايكل أنجلو، نحته الفنان حوالي سنة 1513م، محفوظ ~~ومتحف اللوفر. وقد ألهم الشاعر الألماني: ~~(1) كرستيان مورجن ستيرن ( # Christian Morgen ~~Stern ~~) (1871-1914م) # ولد سنة 1871م في مدينة ميونيخ، ومات سنة 1914م في ميران ~~بإيطاليا. وهو حفيد الرسام كرستيان مورجن ستيرن (1805-1867م)، كما ~~كان أبوه كارل إرنست مورجن ستيرن (1847-1928م) رساما. واشتهر ~~كلاهما - الأب والجد - بتصوير المناظر الطبيعية والريفية. درس ~~الحقوق والفلسفة وتاريخ الفن، وقام برحلات زار فيها بلاد النرويج ~~وسويسرا وإيطاليا، وتعرف إلى الفيلسوف ms106 المتصوف والعالم الروحاني ~~«رودلف شتاينر» وتأثر به تأثرا كبيرا انعكس على شعره الذي يمزج ~~الإحساس الفاجع بالسخرية المرة. نالت قصائده التي جمعها تحت هذا ~~العنوان الدال «أغاني المشنقة» حظا كبيرا من الشهرة، وقد رسم ~~بنفسه بعض أشعاره. ترجم إلى لغته بعض الأعمال الأدبية عن النرويجية ~~والسويدية، وخصوصا لإبسن وسترندبرج وكنوت هامسون. نشرت قصيدته عن ~~تمثال «العبد المحتضر» لمايكل أنجلو في ديوانه «نضج هادئ» سنة ~~1945م في ميونيخ، ص67. # أمام تمثال العبد المحتضر # لمايكل ~~أنجلو # أنت الألم # الذي يتحاشى العيون الغريبة، # الألم الموغل في عمقه، # الذي يغمض عينيه بنفسه. # أنت الألم # الذي يتعذب بلا دموع # لأن تيارها ينسكب # صامتا في داخلك. # الحسرات الضارية إلى حد الموت # تفر مذعورة # لتحتمي خلف جفونك # المرتخية في همود ... # وعندما تتفجر ثورتها # يلسعها العقل بسوطه الحاد # لتلزم حدودها. # ها هي ذي متلاصقة # كخيول مفزوعة، # مطرقة الرءوس مرتجفة # غطاها الزبد المتكاثف والدم .. # ثم تهوي على الأرض # كأنما أصابتها الصاعقة # بضربة أخيرة # أرعبتها حتى الموت. # وجسدك الذي تضنيه الحسرات # يريد أن يهوي معها على الأرض. # آه ... يلتهب الجرح الأسود # في صدرك المنقبض .. # تتنهد .. # بملامحك الصلبة، # تحتمل وتحتمل # عذاب مصيرك ... ~~(2) هيرمان كازاك ( # Hermann Kasack ~~) ~~(1896-1966م) # شاعر وكاتب روائي ومسرحي كبير. ولد سنة 1896م في مدينة بوتسدام، ~~ومات سنة 1966م في شتوتجارت. كان أبوه طبيبا، وعمل مراجعا للنصوص ~~الأدبية في دور النشر. كتب هذه القصيدة عن تمثال العبد المحتضر في ~~سنة 1935م، وظهرت في ديوانه «الوجود الأبدي» الذي أصدرته دار النشر ~~زوركامب في فرانكفورت سنة 1949م، ص160. ~~«عبد مايكل أنجلو» # يا من نحت من الصخر # بعض الجسد والذراع والساق، # أبتهل إليك أن تخلص جسدي # من مخالب الرخام؛ # لأن اليد تريد أن تمسك، # والقدم تريد أن تنطلق، # أيها الروح المبدع! # صغ نفسي في شكل مرئي حي. # اضرب، وانزع عني الغشاء # الذي قيدني مدى الحياة # حتى أتحرر وأملأ الفراغ، # حتى أتنفس منشرح الصدر. # ها هي ذي تسقط، ها هي تتكسر # هذي الأسمال الصخرية، # ومن السطوح التي لم تتشكل # ينمو النهم العاري للإنسان. ms107 # لكن آه من رهبة المكان # التي تهوي بجبروتها علي، # فجأة يتمنى عرضي المستباح # أن يلوذ بالحجر ويختبئ فيه. # يا من إليك تضرعت بوجدان مشبوب، # أيها الروح الذي سوى قدري: # أرجعني كما كنت قبل أن أولد؛ # فالحرية قد مزقتني. # ارمني في الأغلال القديمة، # ألق الحمل على كتفي. # ساعدني على أن ألتمس خلاصي # في الحجر الذي أخرجتني منه. # ليشق الجسد ويطلق آهاته، # وليبق في الحجر فلا يعرفه أحد؛ # لأنني أريد أن أظل لك عبدا، # ولا أريد أن أكون ندا لك. ~~(3) فيتيسلاف نيزفال ( # Vitezslav ~~Nizval ~~) (1900-1958م) # شاعر تشيكي. ولد سنة 1900م في بيسكوبكي جنوب ولاية ميرين، ومات ~~سنة 1958م في مدينة براغ. درس الأدب وتاريخ الفن، ويعد - بجانب ~~الشاعر هالاس - أعظم شعراء تشيكوسلوفاكيا المعاصرين. كتب الشعر ~~والقصة والمسرحية، وترجم كثيرا من الأعمال الأدبية إلى لغته. وقد ~~وردت هذه القصيدة مع قصائد أخرى مختارة من شعره صدرت بالألمانية عن ~~دار النشر زور كامب، وأشرف على تحريرها الأستاذ ي. شروفر، ~~فرانكفورت، 1967م، ص102. ~~«في اللوفر» # هذا الفتى الذي نحته مايكل أنجلو # كان بالتأكيد يلقي بنفسه في البحر كل صباح. # حاجته الملحة للعناق قد جعلت فخذيه في غاية ~~الاستدارة، # وجعلته يبدو أخا كبيرا في عيني فتاة صغيرة # تضع عذريتها تحت تصرفه. # رأسه الذي لم يكتمل هو الذي يحميه # من أن يشيخ قبل الأوان. # أيها الفتى الحيي ، # الحكمة كل الحكمة # ألا تظهر الانفعال ... ~~(4) صوفوس ميكائيليس ( # Sophos ~~Michaelis ~~) (1865-1932م) # ولد الشاعر الدنماركي في أودنسة. نشأ لأب فقير يشتغل بالأعمال ~~اليدوية، ودرس الأدب الفرنسي وتاريخ الفن. كتب الشعر والقصة ~~والمسرحية، كما ترجم لحياة الفنانين التشكيليين المحدثين. وقد قام ~~بأسفار ورحلات أثمرت عددا كبيرا من قصائده التي استوحاها من ~~الصور واللوحات التي شاهدها. كتب القصيدة التالية سنة 1917م، ~~ونشرت في كوبنهاجن في السنة نفسها. ~~«عبد مايكل أنجلو» # كالبذرة تتنهد، # نائمة في التربة، # تتفتح في رفق # من برعمها الأول، # قد حان الوقت لكي تطلع، # وأوان الرغبة قد آنا، # والموعد جاء لكي تنزع # قشرتها، ترمي الأغلال، # تتحرر من قيد الأرض، # كالبذرة تتنهد، ms108 # نائمة في التربة، # من ذا الذي علمها # الصعود للأعالي؟ # إن أول البراعم # كالحلم في وضح النهار، # ومع ذلك فالبراعم # تغمر وجه الغابة. # أرواح النبات الرقيقة # تتنهد حالمة # بالقوة والمجد. # من ذا الذي علمها # الصعود للأعالي؟ # في هدوء ينبض قلب # تحت الثرى، # أفكار الحياة الخصبة # تنعس في دقاته. # مع ذلك خرجت كل الأجيال # من هذا القلب، # كل خلايا الحياة # تحصي أحفادها منه. # في هدوء ينبض قلب # تحت الثرى. # الشوق الكامن فينا # قد ولد كما يولد أعمى، # ومع ذلك نحن إلى النور # حنين رضيع يصعد # في الهواء الحر. # فمتى تتفتح أعيننا؟ # متى تسقط عن ثمرتنا القشرة؟! # إن كل إيماننا ومعرفتنا # يشيخ مع الزمن. # مع أن الشوق بأنفسنا # قد ولد كما يولد أعمى، # سنظل نحن إلى أعلى، # للنور الأبدي الأسمى. ~~(5) فولف هاينريش فون دير مولبه ( # Wolf Heinrich Von ~~Der Mulbe ~~) # شاعر ألماني. ولد سنة 1879م في برلين، ومات سنة 1965م في ~~ميونيخ. نشر روايات وقصصا قصيرة وأشعارا وترجمات مختلفة. وقصيدته ~~هذه عن العبد المحتضر هي إحدى القصائد من قالب السوناتة التي كتبها ~~عن مايكل أنجلو، وظهرت في مجموعته الشعرية بعنوان: «مايكل أنجلو، ~~باقة سوناتات في مدينة هانوفر سنة 1912م». ~~«العبد المحتضر» # عندما تبلغ أعلى ذرى حياتك، # تلين الأغلال التي قيدتك وأرهقتك بالهموم، # وعلى أجنحة سعادتك وأفراحك، # يتشابه الموت والحياة كما تتشابه النجوم. # الأقنعة قد سقطت، وسوف تبدو لك العلامات # منبئة عن أشياء بعيدة لا تدركها الأسماء، # تتغنى أعضاؤك بجمالها العجيب، # وتزدهر شفتاك بينما تنطفئ وتميل للمغيب. # وترن بسمعك موسيقى كأنها انبثاق نبع عميق، # تند عن صمته المقلق، صمته الثقيل، # زهرات بيضاء مضيئة في الليل الغريق، # نادتها من أعماق معتمة كالهاوية السوداء، # أنوار السماء لترتفع إلى الأعالي، # حيث تتألق أضواء الأبدية ساطعة اللألاء. ~~(6) كونراد فرديناند ماير ( # Conrad Ferdinand ~~Meyer ~~) (1825-1898م) # شاعر وروائي كبير ولد في مدينة زيوريخ في قرية كيلشبرج بالقرب ~~من زيوريخ. وواضح من القصيدة التالية أنها تشير إلى عدة تماثيل ~~مشهورة من إبداع مايكل أنجلو؛ فالسطور الأولى منها تصور بكلماتها ~~تمثال العبد ms109 المحتضر الذي يحتفظ به متحف اللوفر في باريس، ~~والسطران الخامس والسادس يعبران عن تمثال جوليانو ميديتشي فوق ~~ضريحه في مقبرة عائلة الميديتشي بالقرب من مدينة فلورنسا، ثم ~~تتتابع الإشارة الموحية إلى تمثال موسى والرحمة (السيدة مريم تحمل ~~المسيح الممدد على حجرها) اللذين يعرفهما كل من زار كنيسة سان ~~بيترو في فينكولي بروما، وكنيسة القديس بطرس في الفاتيكان. أما ~~«خارون» فهو في الأساطير الإغريقية حادي الأرواح عبر نهر «استيكس» ~~الذي يجري في العالم السفلي ليسلمهم إلى هاديس إله الموتى، وقد ~~صوره مايكل أنجلو في رسمه الكبير المشهور على قبة سيكستينا في ~~كنيسة الفاتيكان. نشرت القصيدة في المجلد الأول من مؤلفات «ماير» ~~الكاملة الذي ظهر في «بيرن» سنة 1963م، ص331. ~~«مايكل أنجلو ~~وتماثيله» # أيها العبد، # إنك تفتح فمك، # لكنك لا تتنهد. # شفتاك صامتتان. # لا يرهقك - يا من امتلأت بالأفكار - # حمل الجبهة التي أثقلتها الخوذة. # وأنت تقبض على ذقنك بيد عصبية، # ومع ذلك، يا موسى، لا تهب واقفا. # وأنت يا مريم مع ابنك الصريع # تبكين، ولكن لا تنسكب الدمعة. # إنكم تصورون ملامح الألم والعذاب، # لكن يا أولادي، بلا ألم أو عذاب! # هكذا يطل الروح المتحرر # على العذاب الذي انتصر عليه. # وماذا يمكن أن يصيب الصدر الحي # الذي يحس في الحجر أنه منتش وسعيد؟ # إنكم تخلدون اللحظة، # وإذا متم، # كان الموت بلا موت. # في الدغل الكثيف ينتظرني حادي الأرواح خارون، # الذي يسلي وقته بالعزف على الناي ... # الفصل الثاني والعشرون # | فيل يحمل مسلة # نحت لجوفاني لورنز بيرنيني ( # Bernini ~~) ~~(1598-1680م) مع مسلة مصرية يرجع تاريخها إلى سنة 570 قبل الميلاد، ~~روما، ميدان مينرفا. # برنيني هو الذي طبع مدينة روما بطابع شخصيته العاصفة، ورؤاه الدينية ~~العميقة، وعمارته وتماثيله ونحته المنتشرة في ميادين المدينة ~~والفاتيكان، بحيث يستحيل أن تتصور روما بغير برنيني، أو نقدر ~~برنيني خارج روما! # ولد في نابولي، وكان أبوه ~~نحاتا توسكانيا انتقل إلى روما حوالي سنة 1605م ليعمل في خدمة ~~البابا بول الخامس. تميزت أعماله المبكرة في النحت (مثل العنزة ~~أمالتيا، وإينياس، وأنكيزيس، ونبتون، وتريتون، ms110 وكلها تقع بين سنتي ~~1615 و1620م) بالتأثر بأسلوب «المانيرية» التي كان أبوه ينتمي إليهما، ~~وربما ساعده على إنجاز بعضها. والمانيرية أسلوب في الرسم والنحت ساد ~~الفن الإيطالي من حوالي سنة 1520م إلى 1600م، واعتمد على التصميم ~~الذهني أكثر من الإدراك الحسي المباشر، واتجه إلى المبالغة في تأكيد ~~أهمية الشكل الإنساني وقسمات الوجه والجسم، والإسراف في التعبير عن ~~العواطف الذاتية باللون والضوء والحركة إلى حد التكلف والاضطراب. وقد ~~كانت المانيرية ثورة على صفاء الأسلوب الكلاسيكي الرزين عند رافائيل، ~~وانعكست عليها آثار الاضطرابات التي نجمت عن ثورة الإصلاح الديني ~~(البروتستانتي) ورد الفعل الكاثوليكي عليها. # تحرر «برنيني» من تأثير هذه المدرسة وأصبح الممثل الأكبر لفن عصر ~~«الباروك» في ذروته (من 1630م إلى 1680م، وإن سادت روح العصر نفسه حتى ~~القرن الثامن عشر عندما تبعه فن «الروكوكو» فالكلاسيكية الجديدة في عصر ~~التنوير)، وربما كان أهم سمات الفن في هذا العصر - الباروك - هو ~~«الإيهام» بالضوء واللون والحركة، وبساطة الموضوع وطبيعة التعبير، وكل ~~هذا للتأثير على عواطف المشاهد، وجذبه للمشاركة في المشاعر الدينية ~~التي تتملك شخوص الأتقياء من القديسين، وتبرز عذابهم وآلامهم. ومع ~~أن برنيني قد تأثر بالفن الوثني القديم وبفن مايكل أنجلو (1475-1564م)، ~~فقد تأثر كذلك بأسلوب معاصريه (مثل كاراتشي وكارافاجيو وريني)، وأخذ ~~يحرر أشكاله من الكتلة التي كان مايكل أنجلو يلصقها بها، ومن طريقة ~~«المانيرية» في إبراز الزوايا المتعددة للوجه البشري، واتجه إلى ~~تصوره الجديد عن الشكل ذي الوجه الواحد والوجهة الواحدة الذي انطلق ~~من قيود الكتلة الحجرية، وتخلص من حدود المكانية لينفذ في مكان ~~المتأمل المشاهد ويشده إلى عالم فعله وتعبيره النفسي، وعواطفه الدينية ~~والصوفية. وكثيرا ما عمد بيرنيني لإبراز هذه العواطف إلى استخدام مواد ~~مختلفة من الرخام الأبيض والملون، والبرونز والجص والحجر والزجاج، ~~والمزج بينها إلى حد المبالغة في الزخرف والتلوين (من خير الأمثلة على ~~هذا مجموعة تماثيله على ضريحي البابا أوربان الثامن والبابا إسكندر ~~السابع في كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان، حيث صور الأخير تصويرا ~~دراميا حيا في رخام أبيض وملون مع ms111 تمثال برونزي لملاك الموت ~~وهو يدون اسم البابا في كتابه.) ومجموعاته النحتية وتماثيله النصفية ~~تكشف عن قدرته على الاستبصار بأعماق الروح، وحرصه على التعبير عن أحوال ~~النفس ومشاعر الإيمان والقوى التي كانت كذلك تسيطر عليه كجزويتي مخلص. ~~وقد أتاحت له الرعاية البابوية فرص القيام بأعمال معمارية ونحتية لا ~~يكاد يحصرها العد في كنيسة القديس بطرس، وما حولها، وفي الفاتيكان ~~والكنائس وفوق الأضرحة والنوافير البديعة التي لا ينساها زائر روما ~~والفاتيكان. وقد كلفه «الملك-الشمس» لويس الرابع عشر سنة 1665م ~~بإعادة تصميم مبنى «اللوفر»، ودعاه لزيارة باريس حيث أتم له تمثالا ~~نصفيا رائعا (وهو محفوظ في قصر فرساي)، وتمثالا آخر له على حصان لم ~~يكد يصل بعد ذلك (سنة 1685م) إلى فرساي حتى استبشعه الملك، وأمر ~~مثاله الخاص جيراردون أن يكسره ويزخرف به الحديقة. وتنسب لبرنيني ~~صور عديدة من أهمها صورة شخصية له (متحف الأوفيتسي في فلورنسا) ~~والقديسان (المتحف الأهلي في لندن). ~~(1) أثاناسيوس كيرشر ( # Athanasius ~~Kircher ~~) (1601-1680م) # ولد سنة 1601 في بلدة جيزا بالقرب من مدينة فولدا، ومات في روما ~~سنة 1680م. راهب جزويتي، وعالم في الرياضيات والعلوم الطبيعية، ~~وباحث في اللغة، وأحد العلماء الموسوعيين في عصره. يرجع إليه فضل ~~الإسهام في تأسيس علم «الصينيات»، كما كان من أوائل الرواد الذين ~~حاولوا فك طلاسم الكتابة الهيروغليفية، وعندما عثر سنة 1665م في ~~روما على هذه المسلة المصرية، كلفه البابا ألكسندر السابع بحل ~~ألغاز النقش الهيروغليفي المحفور عليها. كما كلف الفنان بيرنيني ~~بتصميم تمثال أو أثر فني تدخل المسلة في تكوينه. وقد جاءت هذه ~~القصيدة التي نظمها كيرشر باللاتينية ( # Elephas ~~Obelisci Gestator ~~) في مقدمة كتاب أهداه سنة ~~1666م إلى البابا المذكور، وشرح فيه نقوش المسلة (راجع دراسة ~~للأستاذ و. س. هيكشر عن فيل بيرنيني والمسلة، مجلة الفن، العدد 29، ~~1947م، ص155-182). ~~«فيل يحمل مسلة» # 1 # المسلة المصرية، رمز أشعة الشمس، # يهديها الفيل إلى البابا ألكسندر، # أليس حكيما، هذا الحيوان؟ # أبانا السابع .. # الحكمة أهدتك إلى العالم شمسا؛ # ولهذا تتلقى اليوم من الشمس هدية. # 2 # ما من ms112 حيوان، وكما سبق القول، # يعدل الفيل في ذكائه. # إن الفيل هنا ~~- حيث كان يمكن أن يقوم هيكل شامخ - # يحمل باقتدار معلم، # المسلة ذات النقوش الهيروغليفية. ~~(2) فالتر هوليرر ( # Walter Höllerer ~~) ~~(1922م-...) # ولد الشاعر وأستاذ اللغة والأدب الألماني في زولسباخ-روزنبرج ~~بمقاطعة بافاريا، وهو يعمل بالتدريس بالجامعة الهندسية في برلين ~~الغربية منذ سنة 1958م. يعد من أهم الأدباء المؤثرين على حركة ~~الشعر الحديث سواء بشعره المجدد أو دراساته النقدية أو نشاطه ~~الثقافي الواسع. وقد ظهرت قصيدته هذه عن فيل بيرنيتي بميدان مينرفا ~~ضمن مجموعة شعرية مختارة أشرف بنفسه عليها بعنوان «عبور» كتاب ~~الشعر في منتصف القرن، فرانكفورت، دار النشر زور كامب، 1956م، ~~ص126. وتمثال الفيل الذي يحمل المسلة المصرية على ظهره يصوب ~~أمام كنيسة سانتا ماريا في ميدان مينرفا بروما. ويقول الشاعر إنه ~~قد رأى التمثال أول مرة سنة 1944م؛ أي قبل انتهاء الحرب العالمية ~~الثانية، وأنه قد دونها بعد إعداد طويل سنة 1950م. ويبدو أن هذا ~~الفيل ظل يداعب خياله فترة طويلة؛ إذ نراه كذلك في روايته التي ~~نشرها سنة 1973م، وهي «ساعة الفيل». ~~«فيل بيرنيني، ميدان ~~مينرفا» # ظله المائل كان يضحكه كثيرا؛ # فقد كان باستطاعته أن يلتفت إليه # فيراه ويمد بصره على غير انتظار # إلى كنيسة سيدتنا العذراء، # بل إلى البانثيون. # غير أن من الواضح أن هذا شيء محرم عليه؛ # فهو في الحقيقة لا يخرج عن حدوده، # إنه يقف في مكانه، كما يقف ممثل كوميدي عجوز، # تغمره بالغبار سيارات الفورد والكاديلاك، # تلف مسلته، كعقرب الساعة، # حول الميدان. شيء رتيب. وتتم الدورة. # لكن حدث يوما أن ألصق داعية متحمس للسلام # فوق رأسه لافتة بيضاء، # ودائما ما يقف هناك في وضع خاص # كمن يضع علامة استفهام # على أسئلة بالغة الصعوبة. # السكارى يترنحون، ينامون ليلة بعد ليلة، # في ميناء الساعة القمرية والشمسية. # الفصل الثالث والعشرون # | تحذير أبوي ... # الصورة لجيرارد تيربورش ( # Gerard ~~Terbursh ~~) (1617-1681م)، وهو رسام هولندي تميز ~~بتصوير الوجوه (البورتريه)، ومناظر الحياة العائلية بأسلوب رقيق يتسم ~~بدقة معالجته للألوان والأضواء، واهتمامه برسم الثياب الحريرية ms113 ~~والقطنية والعناية بتفاصيل الثنيات والانكسارات وملامح الوجوه التي ~~ينبعث منها سحر يشبه سحر الدمى والعرائس. # كان أبوه رساما قليل الشأن. دفعه نبوغه المبكر إلى التنقل بين مدن ~~وبلاد مختلفة، فعاش في أمستردام وهارلم - حيث كان «رمبرانت» و«هالز» ~~يصنعان مجدهما - وزار إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، ~~وأتيحت له فرصة التعرف على كبار فناني العصر مثل رمبرانت وهالز وفيلا ~~زكويز وبيرنيني الذين لم يؤثروا في فنه تأثيرا يذكر. أشهر لوحاته ~~هي لوحة «السلام في مونستر» التي يصور فيها أهم الشخصيات التي التقت ~~في هذه المدينة الألمانية لتوقيع معاهدة فيستفاليا (15 مايو 1648م) ~~التي وضعت نهاية لحرب الثلاثين المدمرة. ~~(1) فرانس فرايهيرفون جودي ( # Franz Freiherr Von ~~Gaudy ~~) (1800-1840م) # ولد الشاعر الألماني في مدينة فرانكفورت على نهر الأودر ~~(بجمهورية ألمانيا الديمقراطية) ومات في برلين. ينحدر من أصول ~~اسكتلندية، وكان أبوه قائدا بالجيش. درس في الكلية الفرنسية، ثم ~~في مدرسة البلدية في مدينة «بفورتا». عمل ضابطا بالجيش البروسي، ~~ثم لم يلبث أن اعتزل الخدمة العسكرية سنة 1833م. كتب الشعر والقصة ~~القصيرة. وقد ظهرت قصيدته هذه عن لوحة جيرارد تيربورش «تحذير أبوي» ~~في المجلد التاسع من مؤلفاته الكاملة التي نشرها أ. مولر، وصدرت في ~~برلين سنة 1844م وذلك مع مجموعة أخرى من القصائد التي استوحاها من ~~صور وأعمال فنية ص10-85. ~~«تحذير أبوي» # الفارس يسند ظهره على كرسيه المريح، # الساق على الساق، والقبعة على حجره. # العاصفة التي اختزنها من وقت طويل # تنطلق على رأس ابنته. ~~«هل ظننت، لأنني سكت، # أن من الممكن أن يضحك أحد علي؟» # أيا ما كان الأمر، # أنا لم أعد أصبر على هذا. # من هذا الرقيع الذي يمثل دور الراعي # أمام بيتي اثنتي عشرة مرة كل يوم؟ # وعلى نحو مزر يقلب عينيه # ويطرف بهما نحو مخدعك؟ # هذا الذي تحالف مع القطط # ليفسد نومي كل ليلة؟ # تهزين رأسك؟ ألم تسمعي شيئا؟ # حتى الموتى أيقظهم صوته. # ما اسمه؟ هل تعترفين؟ # ماذا يبغي الوقح المدلل؟ # تهزين رأسك؟ لم تريه؟ # صاحب الشارب الكبير؟ أبدا أبدا؟ # من كان ذلك الشاب ms114 # الذي سلمك الخطاب في الكنيسة؟ # تهزين رأسك؟ لم تقرئي شيئا؟ # وتصورت أن أباك نائم على أذنيه؟ # ولماذا لا تلبسين ثياب البيت؟ # هل سيمر النبيل «بارت» الآن؟ # تهزين رأسك؟ ليكن في علمك # أن الثوب الحرير لا يلبس إلا في الأعياد. # يحتبس صوت الأم فتخفي أنفها # في الكوب وهي تتمتم بالدعوات. # وترشف نبيذ الراين من الكأس # قطرة قطرة كأنه دواء. # الأم الشابة خجلى، أقسم على هذا، # وقد رشاها العاشق المتيم من زمن طويل؛ # لأن من يريد إغواء الابنة # يجد من الحكمة أن يبدأ بالأم. # تختنق العذراء وتنشج باكية، # تنظر للأرض وتسكت مهما قال الأب. # هل تجدي الموعظة وتثمر؟ أرجو هذا، # لكن في رأيي لن يتغير شيء! # الفصل الرابع والعشرون # | محاضرة في علم التشريح للدكتور تولب # لوحة للفنان رمبرانت فان رين ~~( # Rembrandt ~~) (1606-1669م) رسمها ~~حوالي سنة 1632م، وهي محفوظة في متحف موريتسهويز، الهاج. ورمبرانت واحد ~~من أعظم الفنانين في كل العصور، وأغزرهم إنتاجا، وأقدرهم على تحليل ~~النفس البشرية والتعبير عن خفاياها وهواجسها وهمومها. ولد في مدينة ~~ليدن غداة حصول هولندا على الاستقلال، وكان أبوه طحانا. قضى حوالي ~~العام في جامعة ليدن، وتعلم على يدي رسام يدعى «سواننبورج»، ثم عاما ~~آخر على يدي الرسام بيتر لاستمان (من سنة 1624م إلى سنة 1625م)، الذي ~~تعرف عن طريقه على فن الباروك المبكر، كما تأثر بكل من كارافاجو ~~(1573-1610م) وإلزهيمر (1578-1610م) ويبدو أنه نضج في سن مبكرة بحيث ~~تتلمذ عليه الرسام «دو» (1613-1675م) الذي اشتهر برسم مشاهد الحياة ~~اليومية وأثرى من ورائها (بين سنتي 1628 و1631م)، عندما انتقل رمبرانت ~~إلى أمستردام واستقر فيها. # ترجع أولى لوحاته المعروفة إلى سنة 1626م، وهي تشهد على اهتمامه ~~بالضوء وتعمقه في أسرار الشخصيات التي رسمها، واختار معظمها من ~~العلماء، مثل لوحتيه عن «نزاع العلماء»، و«عالم في حجرة عالية السقف». ~~وقد لفت إليه الأنظار بعد انتقاله إلى أمستردام بهذه اللوحة عن «درس ~~التشريح للدكتور تولب» (1632م)، التي رسمها بتكليف من اتحاد الجراحين، ~~وهي محفوظة في متحف ماوريتزهويز في مدينة الهاج. وذاعت شهرته ms115 بعد ~~الانتهاء من هذه اللوحة كرسام دقيق التعبير عن الوجه الإنساني ~~(البورتريه). وبدأت التكليفات تنهال عليه من شخصيات المجتمع المرموقة ~~(مارتن داي وزوجته، جان بيليكورن مع ابنه ومع زوجته وابنته)، بجانب ~~لوحتيه عن رجل مجهول والمرأة ذات المروحة. # تزوج سنة 1634م من «ساسكيا فان إيلنبورخ» التي أتاحت له رخاء العيش ~~ووثقت علاقته بالطبقة الراقية، فسجل هذه النعم في أكثر من لوحة رسمها ~~لنفسه معها أو لها وحدها. ولكن الزوجة المحبوبة لم تلبث أن ماتت سنة ~~1642م وتركته مع ولده الوحيد منها «تيتوس» الذي خلده في أكثر من ~~صورة. وفي السنة نفسها رسم لوحته الشهيرة التي عرفت باسم «الحراسة ~~الليلية»، التي جمع فيها عددا من وجوه المتطوعين للدفاع عن أمستردام ~~(كتيبة الكابتن فرانز كوك، متحف ريجكزموس في العاصمة ~~الهولندية). # وقل الطلب عليه ابتداء من سنة 1642م، حتى أحكم الإفلاس قبضته ~~الخانقة عليه سنة 1656م، وأنقذته هينريكه ستوفلس - التي وظفته عندها، ~~وعاش وابنه معها منذ سنة 1660م - من ورطته مع الدائنين. وفي هذه الفترة ~~من حياته اتجه إلى رسم الموضوعات المستوحاة من الكتاب المقدس (مثل ~~لوحته التالية عن داود أمام الملك شئول)، وتصوير المناظر الطبيعية ~~ودراسة وجوه اليهود الذين كان يعيش وسطهم، ومن أهمها روائعه التي ~~تتجلى فيها قدرته على سبر أغوار شخصياته مثل التاجر اليهودي (1650م)، ~~واليهودي العجوز على كرسي مريح (1652م). # أما عن لوحاته الشهيرة التي صور فيها نفسه بين سنتي 1629م وسنة ~~1669م - وهي تبلغ نحو الستين لوحة - فتسجل كل مراحل حياته ولحظات ~~معاناته بتعمق نفسي لا يجاريه فيه فنان آخر، وراحت العروض تنهال عليه ~~في أواخر عمره من جهات عديدة، فأنجز مجموعة من أهم صوره مثل «درس ~~التشريح للدكتور دايمان» (1656م)، و«مؤامرة الباتافيين» (1661م لقاعة ~~مجلس المدينة، وهي محفوظة في المتحف الأهلي باستوكهولم)، و«صناع اتحاد ~~النساجين» التي تعد من أعظم مجموعات (البورتريه) في تاريخ الفن (متحف ~~ريجكس بأمستردام)، و«شمل الأسرة» التي أثرت جميعها على معاصره فرانز ~~هالز في شيخوخته البائسة، وعلى أجيال الفنانين من بعده تأثيرا لن يخمد ms116 ~~أو يموت. ~~(1) مانويل ماتشادو (1874-1947م) # انظر ترجمته مع لوحة «الربيع» لبوتيتشيللي. ~~«رمبرانت، محاضرة في ~~علم التشريح» # أعداء النور، الذين يسكنون الأركان والأحشاء، # يظهرون على السطح أول مرة؛ # رؤى عاتية ورؤى ناصعة # عن الحقيقة المخيفة، وصور من هول المحرقة. # ألوان بلون الورد، والعاج، والحجر، # قرمزية دافئة وصفراء ناصعة صافية، # تركت أضرحة القديسين الذهبية، # لتتحول هنا إلى دم وشحوب جثث وصديد. # هكذا كان رمبرانت، الذي بلغت شهرته العالمين، # ريشة وحشية راجفة من شدة التوتر، # فنان، جن كثيرا، لكن جبار. # وهكذا قهر رمبرانت النور والظلام. # الألم تلقى أول صوره، # والبؤس تلقى رسامه في روعة وكبرياء. # الفصل الخامس والعشرون # | داود يعزف على القيثار أمام الملك شئول # اللوحة لرمبرانت (1606-1669م) ~~(انظر ترجمته السابقة مع لوحته محاضرة في علم ~~التشريح). ~~(1) هيرمان كلاوديوس ( # Hermann ~~Claudius ~~) # ولد الشاعر الألماني سنة 1878م في بلدة لانجنفيلد بالقرب من ~~ألطونا في شمال ألمانيا. كان أبوه يعمل في السكك الحديدية، وهو ~~حفيد الشاعر الصوفي الكبير ماتياس كلاوديوس. اشتغل معظم حياته ~~بالتدريس في المدارس الشعبية في مدينة هامبورج، ثم اعتزل التعليم ~~في أثناء الكابوس النازي لرفضه السماح لتلاميذ مدرسته بإلقاء ~~الأناشيد النازية. كتب الشعر والقصة، واختير عضوا في أكاديمية ~~إيرفورت للعلوم والفنون (بجمهورية ألمانيا الشرقية) سنة 1956م، وقد ~~استوحى الشاعر هذه القصيدة من لوحة رمبرانت بعد مشاهدته إياها سنة ~~1930م، وتحت تأثير تجربة عاطفية مر بها في ذلك الحين. أما عن ~~الحكاية التي تقوم عليها هذه القصيدة والقصائد التالية، فارجع إلى ~~سفر صمويل (1، 16، 14-23، 18، 6-16، 10). ~~«لوحة رمبرانت في ~~الهاج» # والملك شئول تكلم وقال: غنني يا غلام! # وتناول داود القيثار، عزف وغنى، # وغنى وعزف على القيثار. # وشدا شدوا عجبا عن أيام طفولته السعيدة، # عن أفراح بهرت عينيه، عن دمه، # عن أشواق صحت في الليالي الخرساء، # عن جمال حبيبته، عن نهديها ~~- وهما أشبه بالكرمة في وادي إنجادي - # عن خصلات شعرها المضطرب الأمواج، # عن كل مفاتن جسدها - # وشد على القيثار وعزف وغنى، # عن قوة رجولته الشابة الرزينة # التي تدفقت في عروقه كعصارة العنب الناضج - # عن قمم ms117 أحلامه الجسورة، # عن شرف الرجل، نضال الرجل ومجده - # وشد على الأوتار وغنى # بشقاء شعبه ونعيمه، # وعزف وغنى عن رسالة شعبه، # وعزف وغنى عن إله شعبه - # وغنى وغنى واجتر سعادته. # ونسي الملك المتجهم كل النسيان. # أما هذا فكان يجلس على عرش جلاله وقوته، # ورداؤه الملكي يسطع في الظل الكثيف. # كانت يمناه تقبض على الرمح. # وبيسراه رفع الرداء إلى جبهته المقطبة. # هكذا جلس بعين واحدة. والعين اتقدت بالشرر. # نظر في نفسه ورأى الموت أمامه. # ورأى الموت وسمع صوته # أجوف وكثيفا كالصوت الخارج من قبر: ~~«هات الرمح وانزل عن عرشك # أيها الرجل العجوز!» # وفجأة طار رداؤه. # يده اليمنى رمت الحربة، # والقيثار تأوه من ألم الجرح. # لكن في الشارع وأمام الأبواب # كان الشعب يهتف: ~~«مبارك الملك داود، # المجد لداود!» ~~(2) صوفوس ميخائيلس ( # Sophus ~~Michaelis ~~) (1865-1932م) # ولد الشاعر الدنمركي في «أودنسه» ومات سنة 1932م. كان أبوه ~~عاملا يدويا فقيرا، وقد درس الأدب الفرنسي وتاريخ الفن، ونشر ~~الأشعار والقصص والمسرحيات بجانب كتب ودراسات عن الفنانين ~~المعاصرين. ولا بد من أن أسفاره ورحلاته العديدة قد ساعدته على ~~استلهام قصائده الكثيرة عن الصور التي شاهدها في المتاحف ودور الفن ~~المختلفة. ظهرت هذه القصيدة مع قصيدته عن تمثال العبد المحتضر ~~لمايكل أنجلو في مجموعته الشعرية التي صدرت في كوبنهاجن سنة 1917م، ~~ص81. ~~«داود يعزف على ~~القيثار أمام شئول» ~~- الآن سأضفر أنغامي # كي أملأ روحك بغنائي، # وسيخطر قلبك مرتعشا # تحمله موجة قيثاري، # ويدي ستحرك بدهاء # جنة أوتاري الشمسية، # وسينبع يا ملكي نهر # بدموع العين ويفتر، # من نبع الروح الأبدية، # قل لي هل تشعر بالبحر # يرتفع ويهدر من لحني؟ # أتطارد شيطان الشر، # في صدرك عاصفة الفن؟ ~~- قيثارك ينشج أغنية، # فيؤجج لوعة أحزاني # ويرطب بالدمعة عيني # ويحرك شوقي وحناني، # كم قدت السفن إلى الحرب، # وهزمت الموت مع الرعب! # هل تلعب يدك بوترين، # فتشق فؤادي نصفين؟ # أيامي انسكبت كالماء، # والفرحة غاضت من نفسي، # والألم مقيم كالداء، # وغناؤك لا يدفع يأسي. # يا ولدي الملعون توقف! # عن طعن الجرح بأنغامك؛ # فالحربة في كفي ترجف ، # والرمح يهم ms118 بإعدامك. ~~- هبطت عاصفة في القيثارة أو إعصار، # نفذ الرمح الطائش في الحائط كالمسمار، # لم يقطع قلب العازف مزق أحد الأوتار! # أخذت كل الأنغام لرائعة الصوت # ترضع من قلب ينزف دقات الموت، # ارتفع الماء وفاضت أغوار النبح # رنت في الليل الحالك موسيقى الدمع! ~~(3) ستيفان جورجه ( # Stefan George ~~) ~~(1868-1933م) # ولد الشاعر الرمزي الكبير في «بوديهايم» بالقرب من مدينة ~~«بنجن»، ومات في مدينة «لوكارنو». كان أبوه تاجر نبيذ، وقام برحلات ~~وأسفار عرفته على الكنوز الطبيعية والفنية في إنجلترا وسويسرا ~~وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا. اشتهرت «الحلقة» التي كانت تجمع حوله ~~عددا كبيرا من المريدين والمعجبين من كتاب وشعراء وفلاسفة وفدوا ~~عليه من مختلف البلاد الأوروبية، وتأثروا به تأثرا كبيرا في ~~الربع الأول من القرن العشرين، يشبه تأثر السالكين بشيخهم والأتباع ~~بطقوس معلمهم وكاهنهم. # ظهرت هذه القصيدة أول مرة سنة 1907م، ثم نشرت في سنة 1931م في ~~ديوانه «الخاتم السابع»، ص46، ثم أعيد طبعها وظهرت في مؤلفاته ~~الكاملة التي صدرت سنة 1958م في دوسلدورف وميونيخ عن دار النشر ~~هلموت كوبر. ~~«الملك وعازف ~~القيثار» # العازف: # لما جذبت الرداء أمام وجهك، # أدركت بأنك تخفي دمعة، # وأن نظرة سيدي إلي غير مستريحة. # إن كنت اليوم لا تكلم عبدك، # فكيف يأخذك الغضب على من دعوته # ألا يتركك ولا يتخلى عنك غناؤه. # هل رجع الشعب الجاحد لتذمره؟ # أم إن الكهنة المتغطرسين يهددونك؟ # الآن عرفت: # النصر يثير حفيظة الإله الغيور. # ما دامت تتجسس على عاري، # فاسمع ما يحنقك ولا يخلق بك: # أكثر من الأعداء الذين سميتهم والذين أصمد لهم ~~أجمعين. # يدمرني من يريد الحب، وهذا هو أنت. # فاحمل أنت كذلك نصيبك الذي لا يبدله أحد. # يا من أحب ألا أفتقده، ويا من أكرهه، # من لا يعلم كم يملؤني سما. # سيفي درعي الذي لم يزل السائل المخيف ملتصقا ~~به، # تطرق أنت عليه إلى أن يسمعك صليله. # في الماء تلقيه حتى يرقص ويثر دوائر # أشبه بضربة اختارها للقضاء النازل. # ثمرات حقولي - التي راحت تنضج جاهدة # عبر مواسم الصيف الطويلة - # تمر عليها وتنفضها بغير اكتراث، ms119 # وترطب فمك الشبعان بواحدة منها . # وعذابات ليالي المحمومة # يذروها في ريح النغم الهامس. # وخواطري القدسية التي تلتهم حياتي # تبددها في الهواء فقاعات ملونة، # وحزني الملكي الجليل تصهره وتذيبه # بعزفك الملعون في نغم باطل. ~~(4) رينيه ماريا رلكه ( # Rainer Maria ~~Rilke ~~) (1875-1926م) # هو الشاعر الألماني الأشهر. أعذب صوت تردد عن محنة الوجود وسره ~~في الربع الأول من القرن العشرين. ولد سنة 1875م في مدينة «براغ»، ~~وقام بدور الشاعر الجوال في بلاد كثيرة (من بينها مصر)، حتى مات ~~سنة 1926م في فال - مونت بواليس بمنطقة الألب السويسرية. درس الأدب ~~وتاريخ الفن والفلسفة (وتأثر بوجه خاص بأب «الوجودية» كيركجور)، ~~واهتم طوال حياته بالفن والفنانين، واستلهم العديد من قصائده ~~الغنائية، فتعرف أثناء إقامته في روسيا على الرسام ليونيد ~~باسترناك، وتزوج المثالة كلارا فيستهوف، وعمل سكرتيرا ~~للمثال الفرنسي الشهير رودان الذي ألف عنه كتابا. وأتاحت له ~~إقامته في باريس منذ سنة 1952م أن يتردد على اللوفر، وأن ينطبع ~~وجدانه بروائعه فضلا عن روائع سيزان وكوكوشكا وباول كليه، اللذين ~~جمعت بينه وبينهما الصداقة، وأن يكتب المرثيات الخمس الأولى من ~~مرثياته الثماني المشهورة إلى دونو عن لوحات «بيكاسو»، كما أثمرت ~~زيارته القصيرة لمصر عن عدد من روائع قصائده التي تعكس انبهاره ~~بأسرار النحت المصري. وقد نشرت قصيدته داود يغني أمام «شئول» ضمن ~~مؤلفاته الكاملة دار النشر إنزيل، 1955م، المجلد الأول، ~~ص488-490. ~~«داود يغني أمام ~~شئول» # 1 # هل تسمع يا ملكي عزفي على القيثار # وكيف يلقي بنا في أبعاد نجوس فيها؟ # النجوم تدفعنا فنتصادم في اضطراب، # ثم نسقط في النهاية كما يسقط المطر، # وتزدهر الأرض حيث تلمسها قطراته. # تزدهر الفتيات اللائي عرفتهن، # واللائي أصبحن الآن نساء يغرينني، # رائحة العذارى يمكنك أن تحسها، # والفتيان يقفون - وقد أسقمهم التوتر واللهاث - # على أبواب تتكتم الأسرار. # ليت ألحاني تعيد إليك كل شيء، # لكن نغمي يترنح سكران. # لياليك، يا ملكي، لياليك، # وكم كانت تلك التي هدتها قواك! # آه كم كانت تلك الأجساد جميلة. # تذكاراتك أحسب أني أصحبها وأناجيها؛ # لأني أشعر. # لكن أي الأوتار سيقدر ms120 # أن يطلق منها آهات النشوة، # أو آهات الحسرة. # 2 # يا ملكي، يا من ملكت كل هذا ، # ويا من بصرف الحياة # قهرتني وغمرتني، # تعال من فوق عرشك وحطم قيثاري، # قيثاري الذي أرهقته وأضنيته. # إنه ليشبه شجرة مضمحلة. # خلال الأغصان التي حملت لك الثمار، # تطل الآن أعماق، كأنها لأيام آتية، # وأنا لا أكاد أعرفها. # لا تتركني أسقط في نومي # بعد اليوم على قيثاري. # تأمل هذه اليد، وهي يد غلام، # أتعتقد، أيها الملك، أنها عاجزة، # عن أن تعزف على مفاتيح جسد؟ # 3 # يا ملكي، مهما تتخف في الظلمات، # فما زلت تحت رحمتي. # انظر، أغنيتي الراسخة لم تتصدع، # والمكان من حولنا سيلفنا ببرودته. # قلبي اليتيم وقلبك المضرب # معلقان في سحائب غضبك، # يعضان بعضهما في جنون، # ويشتبكان في قلب واحد كما يشتبك مخلبان. # أتحس الآن كيف نغير أشكالنا؟ # ملكي، يا ملكي، إن الثقل ليصبح روحا. # آه لو أمكننا أن نتماسك، # فتتشبث أنت بالجديد وأنا بالقديم، # عندئذ نصبح كالفلك الدائر. # الفصل السادس والعشرون # | بروميثيوس في متحف مدريد # الصورة للفنان الإسباني جوسييه أو خوزيه ريبيرا # Ribera ~~(1591-1652م) الذي ولد ~~بالقرب من فالنثيا، وتعلم - فيما يرجح مؤرخو الفن - على يد ~~الفنان الواقعي ريبالتا (1565-1628) قبل سفره إلى إيطاليا وإقامته في ~~نابولي ابتداء من سنة 1616م. يتميز أسلوبه في رسم أعماله المبكرة ~~بامتزاج الواقعية الإسبانية بمثالية الإنتاج الفني في ذروة عصر النهضة، ~~مع النزعة الدرامية واختيار الموضوعات التراثية والأسطورية، واستخدام ~~أسلوب التضاد المفرط بين الضوء والظل في تنفيذ هذه الموضوعات التي ~~اتسمت في الغالب بالقسوة والتكلف، على نحو ما ترى في هذه الصورة عن ~~بروميثيوس، سارق النار من الآلهة وصانع البشر في الأساطير الإغريقية. ~~ولكن هذا الأسلوب سرعان ما تحول إلى النعومة والرقة وإبراز كتل الضوء ~~في بحر الظلام الداكن، ولعله قد تأثر بالفنان الإسباني (البرتغالي ~~الأصل) فيلاسكويز (1599-1660م) الذي زار نابولي في سنة 1630م. # حظيت أعمال ريبيرا بشعبية واسعة في إسبانيا؛ إذ قدمت موضوعات ~~إسبانية صميمة مما شاع تناوله في الحركة الفنية التي جاءت بمثابة رد ~~فعل على ms121 ثورة الإصلاح الديني، واهتمت بتصوير القديسين والقديسات ~~بأطوالهم الممتدة وسماتهم المميزة، وتقديم مشاهد من عذاب السيد ~~المسيح، وحياة الرسل والقديسين مفعمة بالعاطفة والإيمان . ويبدو أن ~~مدرسة نابولي الفنية - التي يوصف أعضاؤها بأصحاب الرسوم المعتمة - تدين ~~لريبيرا بأكثر مما تدين لكارافاجيو. ~~(1) تيوفيل جوتييه ( # Théophile ~~Gautier ~~) (1811-1872م) # ولد الشاعر الفرنسي في بلدة تارب، ومات في بلدة نويي بالقرب من ~~باريس. وهو شاعر، ورسام، وكاتب روائي ومسرحي، وناقد. ساعدته رحلته ~~التي قام بها إلى إسبانيا سنة 1844م على اكتشاف المصورين الإسبان ~~زورباران، وموريللو، وريبيرا وفالديس ليال، فكتب قصائد عن أعمالهم ~~نشرت في فبراير سنة 1844م في مجلة باريس. ظهرت قصيدته عن صورة ~~بروميثيوس التي كتبها في مدريد سنة 1870م في مجموعة شعرية بعنوان ~~«أشعار أولى» ص321. ~~«بروميثيوس في متحف ~~مدريد» # آه! مقيد هو على صلبان القوقاز، # هذا التيتان # 1 # الذي نهب لنا السماء # من قمة «جلجتته» # 2 # يسب الآلهة، # ويسخر من الأوليمبي # 3 # الذي سحقته صواعقه. # لكن عندما يقترب المساء، يتكئ على قاعدة الصخرة، # التي ينكمش عليها ذلك الجسور العظيم، # سرب من حوريات البحر، عيونهن مغرورقة بالدموع، # يتبادلن معه زفرات الشكوى والأنين. # وأنت يا ريبيرا، أيها القاسي، يا أقسى من جوبيتر # 4 # تسيل من جنبيه المجوفين بطعناتك المخيفة # ما يشبه شلالات الدم والأحشاء! # وتظل تطارد جوقة فتيات البحر، # وتترك اللص الجليل، سارق الشعلة المخصبة، # وحيدا في الظلام العميق يصرخ ويصيح! # الفصل السابع والعشرون # | بسيخة المهجورة أمام قصر أيروس # صورة للفنان كلود لوران # Claude ~~Lorrain ~~(1600-1682م) رسمها سنة 1664م، وهي محفوظة ~~مع مجموعة لويد. ولوران رسام فرنسي عرف بروحه الشاعرية في تصوير ~~المناظر الطبيعية. ولد بالقرب من مدينة نانسي، وتدرب في بداية حياته ~~على طهي الحلوى، ثم سافر إلى إيطاليا حوالي سنة 1613م وعمل هناك ~~(جرسونا) عند الفارس داربينو ومصور المناظر الطبيعية أجوستينو تاسي ~~الذي رعاه وسمح له بالتتلمذ عليه (من سنة 1620م حتى سنة 1625م)، واتخذه ~~بعد ذلك مساعدا له. وذاعت شهرته في رسم المناظر الطبيعية ابتداء من ~~سنة 1630م، وكان تأثير «تاسي» ms122 وأقطاب المدرسة (المانيرية) (راجع ما ~~ذكره عنها في ترجمة برنيني) مثل ألزهيمر والأخوين بريل لا يزال واضحا ~~عليه؛ فقد كان يواصل تراث هذه المدرسة في تقسيم اللوحة إلى مساحات ~~يلون الأمامي منها بالبني الميال إلى الاخضرار الكابي، والأوسط ~~بالأخضر الفاتح. والبعيد بالأزرق مع اللجوء (للكواليس) أو الأشجار ~~والأنهار والتلال والأحراش على جانبي الصورة لخلق الإيحاء بالمكان غير ~~المتناهي. وقد ظل التكوين عنده ثابتا لا يكاد يتغير؛ كتلة ضخمة من ~~الأشجار على جانب من الصورة، توازنها كتلة أقل حجما على الجانب الآخر، ~~ومساحة الوسط يشغلها ملمح صغير يمكن أن يكون جسرا أو قصرا أو مزرعة، ~~ثم المساحة البعدى التي يشغلها عند طرف الأفق البعيد الغارق في الضوء ~~الذهبي أشجار وتلال وأنهار، وحتى صوره التي رسمها للبحر والموانئ ~~والشحن ... إلخ. لم يتغير فيها التكوين الذي زاد عليه تصوير انعكاسات ~~الضوء على الماء، أو إضافة أشكال بشرية صغيرة تبدو كما لو كانت جزءا ~~من الطبيعة، أو مستغرقة بمآسيها وأحزانها في لا نهائية الضوء والفراغ ~~وشاعرية الرؤية (مثل شخصية بسيخة التي تراها في هذه الصورة ضائعة ~~وحيدة). ~~(1) بيير جان جوفيه ( Pierre Jean ~~Jouve ~~) (1887م-...) # ولد الشاعر الفرنسي في مدينة أراس، وتحول إلى الكاثوليكية منذ ~~سنة 1924م. كتب الشعر والرواية والقصة القصيرة، وله ترجمات عديدة ~~ودراسات عن الرسامين الفرنسيين في القرن التاسع عشر مثل ديلاكروا ~~وكوربيه وميريون. تأثر في أفكاره وكتاباته بالشاعر والمتصوف ~~الإسباني (القديس) سان خوان ديلا كروز (1542-1563م)، وبمؤسس ~~التحليل النفسي الفيلسوف فرويد. وقد شاهد الشاعر لوحة كلود-لوران ~~في باريس، كما شاهدها في معارض عديدة لروائع الفن الفرنسي. ~~«بسيخة المهجورة أمام ~~قصر أيروس» # أيها الجمال الأخضر! أيمكن أن تموت؟ # نور الحزن حريق مظلم فوق البحر، # ينداح مع المراعي الخضراء. # مردة يتفكرون في ثنايا أشجارهم الملتفة # التي لا تنسى، # والجبال الصخرية تتلاشى، # ويسود مذاق الموت المتميز، # وحش البحر المفعم بالأسرار، # السيل العاري ذكرى خالدة في القلب، # يحرك الوحش الأخضر في الصدر # الذي تشقه على البعد أشرعة علامات بيضاء، # وبسيخة مركب معتم مملوء بالوعود، # بيدين ms123 مرتخيتين، بقدمين مثلجتين في العشب، # تجلس مع خرافها الهائمة هنا وهناك، # المنهمكة في التهام يأس المراعي. # وانظروا؛ وحش، قسوة على هيئة مبنى، # قصر الدفء العطر الليل والظلال، # كوم ركام الحب وقد نزل عليه عقاب الصاعقة، # كهف الإبطين الأسود حيث يقيم # ذلك الذي أحبته، الخائن ذو العين الجميلة ~~كاللؤلؤة، # ذو الأعضاء التي يتصاعد منها الدخان على الدوام، # وذو التنين # المغطى بالدم، بالصمغ، بالدموع، # ذلك الذي أحبته! والذي خرق المركب البديع. # الفصل الثامن والعشرون # | آمور وبسيخة # الحب والنفس # النحت للمثال السويدي «يوهان طوبياس فون سيرجل» # Sergel ~~(1740-1814م). تعلم في ~~استوكهولم وباريس، وعاش في روما من سنة 1767م إلى سنة 1778م حيث انتقل ~~من أسلوب عصر الروكوكو الذي كان متأثرا به إلى الأسلوب الكلاسيكي. ~~له تماثيل نصفية ومجموعات نحتية ونصب تذكارية (مثل تمثال الملك جوستاف ~~الثالث في استوكهولم) بجانب رسوم ساخرة. وآمور أو كوبيدو في اللاتينية ~~هو إله الحب عند الرومان الذي يقابل إيروس عند الإغريق. وقد كان في ~~الأصل قوة كونية عملت على تحويل العماء والاختلاط (خاءوس) إلى عالم ~~منظم، ثم اتفق فيما بعد على أنه هو ابن آريس (إله الحرب)، وأفروديت ~~(إلهة الحب والجمال التي تقابل فينوس عند الرومان). كما صور في صحبة ~~أمه على هيئة صبي مجنح يحمل قوسا وسهاما يسددها إلى قلوب ~~المحبين! أما حبيبته أو زوجته فهي في الأساطير الإغريقية بسيخة، ~~ولعلها كانت - كما تروي حكاية أبوليس - ابنة ملك امتحنتها فينوس بشتى ~~المحن والآلام حتى استحقت أن تصبح حبيبة آمور. وبسيخة (النفس) ذات ~~تاريخ طويل في الحياة العقلية اليونانية من فجرها قبل سقراط حتى ~~الأفلاطونية المحدثة، ويهمنا هنا أنها مع حبيبها وزوجها قد ظلت موضوعا ~~أثيرا يجسمه ويصوره الفنان منذ العصور القديمة وحتى عصرنا الحاضر ~~(المجموعات الرخامية في متحف الكابيتول بروما، وتماثيل ليزيب وكانوفا ~~وتورفالدسن وبيجا ورودان، ولوحات رافاييل وروبنز وتيسان وكوكوشكا ~~وأوبرا وباليه الموسيقى لولي). ~~(1) هجالمار جولبرج ( # Hjalmar ~~Gullberg ~~) (1898-1961م) # ولد الشاعر السويسري في مالو، ومات غرقا سنة 1961م في بحيرة ~~إدنجن. نشأ مع أسرة عمالية تبنته ms124 منذ الصغر ودرس تاريخ الأدب. ~~كتب الشعر وله ترجمات مختلفة، وقد خلف الكاتبة السويدية الشهيرة ~~سلمى لاجرلوف في عضوية الأكاديمية السويدية. كتب أثناء الحرب ~~العالمية الثانية (1939-1945م) قصائد عديدة عن الصور والأعمال ~~الفنية التي أجليت عن المتحف الأهلي في استوكهولم. نشرت هذه ~~القصيدة في الجزء الرابع من مجموعته الشعرية الكاملة التي ظهرت في ~~استوكهولم سنة 1955م، ص98. وقد ترجمت الشاعرة الألمانية نيلي زاكس ~~هذه القصيدة مع مجموعة مختارة من الشعر السويدي في القرن العشرين، ~~وظهرت سنة 1947م في برلين تحت عنوان (الموجة والجرانيت، ~~ص98). # آمور وبسيخة ~~«الحب ~~والنفس» # إذن فهذه نهاية الحكاية # عن زواج لا تكافؤ فيه. # المرمر مفعم بالشكاة؛ # إذ حانت ساعة الفراق. # راكعة على ركبتيها، هذه التي تعذبت # كما تتعذب امرأة من البشر، # ضارعة بذراعيها وعينيها: # يا عريس السماء! ابق معي! # قبل أن تخفت أصداء الشكاة # التي تطلقها الحبيبة بغير كلام، # يكون إله قد رفع جناحيه، # والقوم على أهبة الفرار، # على استعداد أن تحطم شظايا # المصباح الذي يكشف عن الجمال، # ويدوس بقسوة على فؤاد # قد ملأه الحب والوفاء. # لم يكن الدمع قد جف في عينيك ~~- وذراعاك مرفوعتان للضياء - # شاهدت إلها علويا، # حرم على وجهك أن يلقاه. # الحزن الفاجع سيئودك حمله، # يا بسيخة، يا من اختلست بعض السرور، # وأنت تتملين نفحة من نعيم السماء؛ # قربانا لعذابك طول الليالي. # الفصل التاسع والعشرون # | إعدام الثوار # صورة للفنان الإسباني فرانشسكودي جويا ~~( # Goya ~~)(1746-1828م)، ترجع إلى سنة ~~1814م، وتوجد اليوم في متحف البرادو في مدريد. # توصف الصورة أيضا باسم (2 مايو 1808م)، وهي تصور مع توأمها - 3 ~~مايو 1808م - كوارث الحرب وفظائع جنود نابليون الذي اجتاح إسبانيا سنة ~~1808م، وخلع ملكها فرديناند السابع عن عرشه ليضع مكانه شقيقه يوسف ~~بونابرت! عرف «جويا» في تاريخ الفن بأنه آخر الكبار وأول المحدثين. ~~وقد بدأ أعماله الأولى متأثرا برسوم «تيبولو» الحائطية، بينما تأثرت ~~لوحاته للبورتريه أو الوجه الإنساني بالفنان «منجز» وفناني البورتريه ~~الإنجليز في القرن الثامن عشر. # غير أن دراسته لأعمال المصور الإسباني بيلاسكويز - الذي خلفه ms125 جويا ~~في عمله كمصور للبلاط الإسباني - قد عمقت أسلوبه المتميز باستيطان ~~النفس ومشاعرها وهواجسها، وانتهت به إلى نوع مبكر من التأثرية؛ ولهذا ~~كان له أكبر الأثر على المصورين الفرنسيين في القرن التاسع عشر ~~وبداية القرن العشرين، وخصوصا على «مانيه». والمهم أن الصورة تصور ~~إعدام الفلاحين الإسبان الذين ثاروا على الحكم الفرنسي رميا بالرصاص ~~في مدريد في فجر اليوم الثاني من مايو سنة 1808م. ~~(1) إريك كنودسن ( # Erik ~~Knudsen ~~) # ولد الشاعر سنة 1922م في سلاجيلز، من أعمال الدنمرك. كان أبوه ~~معلما، واشتغل مثله بالتعليم. كتب الشعر والمسرحية والمقال، ~~وقصيدته التالية نشرت في مجموعة شعرية صدرت سنة 1958م. ~~«نظام العالم» # ضعوا الأصابع في الأفواه! أغمضوا العيون! # لن يجديكم هذا شيئا! # الموت يصيب، الموت تحالف مع الليل، # هذا الليل الثلجي الأعمى، # الذي لا يشي بشيء، ولا يلد غير اعتقالات جديدة، # باسم النظام المقدس. # البعض عليهم أن يقتلوا. والبعض عليهم أن يموتوا. # وهؤلاء وأولئك لا يتغيرون. # وهنالك دائما إله، يزيل آثار الدماء، # ويسطع نوره دائما فوق أرض النسيان. # البعض عليهم أن يموتوا، # البعض عليهم أن يحلموا # زمنا أطول من الزمن # الذي تستغرقه طلقة بندقية. # وثمن الحلم هو هذه الليلة، # هذه اللحظة على الضوء الوحشي للمصباح، # حيث يتحطم العالم في صرخة. ~~(2) مانويل ماتشادو # انظر ترجمته مع صورة «الربيع» لبوتيتشيللي. والقصيدة الآتية من ~~مجموعته الشعرية التي ظهرت في برشلونة سنة 1940م بعنوان «شعر»، وقد ~~كتبها سنة 1910م. ~~«إعدام الثوار» # شاهد ما حدث ... الليل الأسود، نار الجحيم ... # عفن تنبعث رائحته من الدم والبارود والصراخ ~~والأنين، # وأذرع ممددة في هذا الدوي؛ # لتعبر عن آلام مهولة. # على الأرض مصباح لا يكاد يضيء، # نوره الأصفر ينشر الرعب، # صف البنادق الموجهة في وحشية ورتابة، # لا تكاد العين تراه. # نواح، لعنات .. قبل صدور الأمر بإطلاق النار # يتسع الوقت لأحد الرهبان لكي تتردد كلمته ~~الورعة، # لكن أقصى ما يستطيع تبليغه، # هو أن من الصعب إرضاء الله. # الضحايا المقدمون للموت تثور نفوسهم غضبا. # رموش عيونهم مفتوحة على اتساعها، # لحمهم الأبدي يناول الأرض التحية. ~~(3) فالترباور ( # Walter ms126 ~~Bauer ~~) # ولد الشاعر سنة 1904م في بلدة ميرزيبورج الواقعة على نهر ~~الزالة. كان أبوه عاملا، واشتغل من سنة 1929م إلى سنة 1939م ~~بالتعليم في المدارس الابتدائية، ثم جند في الحرب العالمية ~~الثانية. هاجر سنة 1952م إلى كندا حيث زاول مهنا مختلفة، وأقبل ~~على الدراسة إلى أن أصبح أستاذا بجامعة تورنتو. كتب الشعر ~~والرواية والقصة، خصوصا عن حياة المصورين الكبار من أمثال فان ~~جوخ، مايكل وجورجون ومايكل أنجلو، ورمبرانت، وجويا، كما كتب ~~التمثيليات الإذاعية وقصص الأطفال. نشرت قصيدته التالية الثاني من ~~مايو في مجلة الأدب والرسم التي تصدر في مدينة هيدلبرج في يناير ~~سنة 1973م. ~~«الثاني من مايو» ~~«الثاني من مايو»: الرجل ذو القميص الأبيض، # مثل المشعل المحترق، المتصلب، # قبل أن يهوي في الليل، # هكذا تموت الثورة، وهكذا يموت الشعب. # لأجل أي شيء؟ # إنه يموت. لأجل أغلال جديدة. انظر إلى الصورة. # جويا المبصر والرائي. الرسام عين، # والنظرة المفتوحة، الباردة، القادرة مع ذلك ~~دائما # على امتصاص كل شيء، # تتبعها اليد التي توزع الضوء والليل. # الفصل الثلاثون # | أوديسيوس يسخر من بوليفيموس # للمصور الإنجليزي جوزيف مالورد تيرنر ~~( # Turner ~~) (1775-1851م)، رسمها سنة ~~1829م، وهي موجودة في المتحف الأهلي في لندن (والصورة تقدم جزءا من ~~اللوحة فحسب). # جوزيف مالورد وليام تيرنر (1775-1851م) من أعظم مصوري المناظر ~~الطبيعية وأرقهم وأغزرهم إنتاجا؛ إذ يقدر عدد الصور التي تركها ~~وراءه بثلاثمائة لوحة زيتية، وعشرين ألف رسم وصورة بالألوان ~~المائية! # ولد في حارة العذراء «ميدين لين» في كوفنت جاردن (سوق الفاكهة ~~والخضار في لندن)، وكان أبوه يعمل حلاقا. نبغ نبوغا مبكرا، ~~فقبلته مدارس الأكاديمية الملكية الإنجليزية سنة 1789م. وعرض أعماله ~~أول مرة سنة 1791م في هذه الأكاديمية التي غمرته طوال حياته بأفضالها؛ ~~إذ اعترفت بعبقريته وحمته من بعض نقاد عصره وفساد أذواقهم، وضمته ~~إلى عضويتها الكاملة سنة 1802م. # وكان في السابعة والعشرين من عمره، وعينته أستاذا للعلم المنظور ~~فيها سنة 1807م، ثم اختارته في سنة 1845م نائبا لرئيسها. عمل لدى ~~الدكتور مونرو - الذي كان طبيبا هاويا للفن، وحول بيته إلى ms127 ~~أكاديمية لرعاية الفنانين الشبان - مع صديقه توماس جيرتين (1775-1802م) ~~الذي أحدث ثورة في الرسم بالألوان المائية، وتعلم منه وساعده ~~مساعدة كبيرة. واستمر في التصوير بالألوان المائية حتى سنة 1797م ~~عندما عرض في الأكاديمية الملكية أولى صوره الزيتية التي تأثر فيها ~~بأسلوب المدرسة الهولندية في القرن السابع عشر (فلوحته ضوء القمر على ~~سبيل المثال شديدة الشبه بمناظر ضوء القمر التي تخصص فيها فان دير ~~نير)، بيد أن التأثير الحاسم عليه قد جاء من أشهر رسامي المناظر ~~الطبيعية على الإطلاق، وهم: الفرنسيان كلود لوران (1600-1682م)، ~~ونيكولا بوسان (1594-1665م)، والإنجليزي ريتشارد ويلسون (1713-1782م)، ~~مما نجد صداه في إحدى لوحاته البارزة التي رسمها في تلك الفترة ~~(1803م) وهي «كاليه بير»، التي تميزت بروحها الشاعرية والرومانطيقية، ~~وفتحت عليه بابا هبت منه رياح النقد اللاذع، وخصوصا من دكتاتور ~~النقد الفني في عصره وهو السير جورج بومونت. بيد أن النقاد المنصفين ~~سرعان ما وقفوا بجانبه، فبدأ السير توماس لورنس بالدفاع الحار عنه، ~~ولما أوشك النقاد والجمهور على نسيانه، واتجه اهتمامهم إلى جماعة ~~«السابقين على رافائيل» (انظر ما كتب عنهم مع صورة الربيع لبوتيتشيللي ~~في ترجمة الرسام والشاعر الإنجليزي دانتي جابرييل روسيتي)، فوجئ بثناء ~~جون راسكين (1819-1900م) عليه في الجزء الأول من كتابه عن الرسامين ~~المحدثين (سنة 1843م). وقد كان راسكين ولا يزال واحدا من أكبر الأدباء ~~وأعظم النقاد في تاريخ الفن بوجه عام، والقرن التاسع عشر بوجه خاص، على ~~الرغم من كل ما يوجه إليه من اتهام بالشطط والتناقض والعاطفية وربط ~~الفن بالأخلاق والدين. وقد جاءت المفاجأة من تحمس الناقد الأديب لفن ~~تيرنر تحمسا ظهر في عنوان ذلك الجزء الأول من كتابه: «الرسامون ~~المحدثون، تفوقهم في فن تصوير المناظر الطبيعية على كبار الفنانين ~~القدماء جميعا. والتدليل على هذا بأمثلة مما هو حق وجميل وعقلي من ~~أعمال الفنانين المحدثين، وخصوصا أعمال ج. م. و. تيرنر عضو الأكاديمية ~~الملكية المبجل». # أوصى تيرنر بجميع صوره ولوحاته ورسومه - التي ذكرنا عددها في البداية ~~- لتئول إلى ملكية الدولة، ومعظمها محفوظ اليوم في ms128 المتحف البريطاني ~~والمتحف الأهلي ومتحف تيت في لندن. ~~(1) جيمس إلروي فليكر ( # James Elroy ~~Flecker ~~) (1844-1915م) # عن لوحة تيرنر: أوديسيوس يسخر من بوليفيوس. ولد الشاعر ~~الإنجليزي سنة 1884م ومات سنة 1915م في داغوس بسويسرا. عمل في ~~قنصليات بلاده بالقسطنطينية وأزمير وأثينا وبيروت، وكتب القصة ~~القصيرة والمسرحية بجانب ترجماته العديدة. وقصيدته هذه عن لوحة ~~تيرنر التي رسمها سنة 1829م، ظهرت مع أشعاره الكاملة التي نشرها ~~السير جون اسكوير في لندن سنة 1947م، ص34. # يلاحظ القارئ أن الصورة والقصيدة تعبران عن الأحداث التي ~~رواها هوميروس في النشيد التاسع من الأوديسة (من البيت 105 إلى ~~البيت 566) عن «الكيكلوب» الرهيب الذي دخل أوديسيوس ورفاقه كهفه، ~~فراح يلتهم الواحد منهم تلو الآخر إلى أن تغلب عليه أوديسيوس ~~بدهائه فأسكره، وغرس في عينه الواحدة قضيبا حديديا متوهجا ~~بالنار، واستطاع أن يهرب مع رفاقه بعد أن ضلل الوحش عن اسمه، ~~فأخذ هذا يصرخ ويستغيث برفاقه من العمالقة، مما فعل به (لا أحد) ~~(انظر كذلك رواية أخرى عن حبه لحورية البحر جالاتيا مع صورة ~~رافائيل عن انتصار جالاتيا التي هام بها هذا العملاق حبا، فداوت ~~بالموسيقى والغناء عاطفته التي لم تستطع أن تستجيب لها. أما ~~«ترنكاريا» المذكورة في السطر الثاني من القصيدة فهي اليوم صقلية ~~التي كانت موطن «بوليفيم» أو «بوليفيموس» الذي ذكرنا حكايته مع ~~السندباد الإغريقي الماكر. وأما عن «هيبريون» الذي يرد ذكره في ~~السطر الثالث من القصيدة، فهو اسم يطلق على إله الشمس هيليوس، ~~وقد جعله الشاعر الألماني هلدرلين (1770-1843م) عنوانا لروايته ~~النثرية الوحيدة التي كتبها على صورة رسائل بين سنتي «1797-1799م») ~~(راجع إن شئت كتابي عن هلدرلين، دار المعارف، القاهرة، سلسلة نوابغ ~~الفكر الغربي، 1974م، ص88-94). ~~«أوديسيوس يسخر من ~~بوليفيموس» # يا رسام النهار، دع روحي المظلمة تطير # إلى مضيق مسينا في ترنكاريا، # لتشاهد خيول هيبريون الخالدة # وهي تندفع صاخبة على السلالم النارية، # لترى طلائع سفن الآخيين من جديد # وهي تنزلق بالقرب منها، # وأوديسيوس وهو في غليونه # 1 # المجلو # يتهكم بسخرية، والنيريديات # 2 # ينشدن له: إلى الأمام! ms129 # وعمالقة الكيلكوب المذهولون # يتلاشون في الأفق البعيد. # أيها المعلم، إنك ترسم عاطفة الأرض، # ترسم موسيقى مولدها، في نغم منتصر خافت، # ألق الأشياء التي ضاعت، # وروعة الأشياء التي طعنت في السن. # قدم لنا أغنية معزولة من القوة والوهج # عن الصباح الفتي الجناحين، # وبهجة الفرح الأكيد، # والذهب الساطع وندى الزنابق الرطيب. # الفصل الحادي والثلاثون # | ميناء جرايفسفالد # يعد كاسبار دافيد فريدريش ( # Caspar David ~~Friedrich ~~) (1774-1840م) من أكثر مصوري الطبيعة ~~تعبيرا عن الروح الرومانطيقية الألمانية بوجه خاص، والأوروبية بوجه ~~عام. # تعلم في كوبنهاجن ومنعه الخوف من زيارة إيطاليا خشية ألا يغادرها ~~أبدا إن وقعت عينه على روما! اهتم بالتعبير عن تأثير الضوء وتغير ~~الفصول، ويوشك إحساسه بصمت الغاية وسكينتها ألا يكون له نظير، اللهم ~~إلا عند «ألتدورفر» (1480-1538م) الذي صور الغابات وغمرها بعاطفته ~~وشاعريته قبل عصر الرومانطيقية بزمن طويل. # عرض لوحته «صليب في الجبال» سنة 1808م، فأثارت الجدل حول صلاحية ~~المناظر الطبيعية للتعبير عن الموضوعات الدينية. والواقع أن صوره تشف ~~عن روح دينية وإن لم تقصد مباشرة إلى الرموز والشخصيات الدينية، ~~ومعظمها محفوظ في متحف مدينة درسدن التي قضى فيها معظم حياته. أما ~~هذه الصورة فهي محفوظة بالمتحف الأهلي ببرلين الغربية. وقد رسمها ~~فريدريش حوالي سنة 1810م. ~~(1) داجمار نك ( # Dagmar Nick ~~) ~~(1926م-...) # ولد الشاعر الألماني في مدينة برسلاو، ويعيش منذ سنة 1933م في ~~برلين. درس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في ميونيخ علم النفس ~~وعلم الخطوط. نشر أربع مجموعات شعرية وثلاث مجموعات من المقالات، ~~وله مسرحيات إذاعية وترجمات مختلفة. وقد نشرت هذه القصيدة أول مرة ~~في كتاب الأستاذ جيسبرت كرانس: قصائد عن صور، مختارات شعرية ومعرض ~~فني، ميونيخ، دار نشر كتاب الجيب، 1975م، ص205. ~~«ميناء جرايفسفالد» # المراكب ساكنة، أمواج صغيرة # تطرق على ألواحها. # المساء يرسل أنفاسه من البحر، # الذي تتقطر في مياهه ألوان صفراء. # الساعة المتأخرة تجعل الأمور عسيرة. # الرائحة وحدها لا تزال تسبح في الهواء، # رائحة غريبة يمتزج فيها الزيت بالقار، # وهي العلامة المميزة لكل ميناء. # تحت الأشرعة المطوية تنعس القوارب، # أسكرها غروب ms130 الشمس فراحت تعانق الأحلام. # ومن مكان بعيد تتردد أصداء ضحك وغناء، # والأنغام الهامسة المنبعثة من قيثارة # تتحسس بأجنحتها الخفيفة طريق الشاطئ الطويل. # ومن السحب التي أخذت تذبل ويكسوها الشحوب # تستدير الريح مبتلة بالبحر؛ # لتوازن نفسها وهي تعض الصواري. # الفصل الثاني والثلاثون # | دير في غابة بلوط # الصورة للفنان كاسبار دافيد فريدريش (1774-1840م)، أعظم الفنانين ~~الرومانطيقيين الألمان (راجع ترجمته السابقة مع لوحته عن ميناء ~~جرايفسفالد)، وقد رسمها بين سنتي 1809 و1810م، وتوجد اليوم في متحف ~~قصر شارلوتنبورج بمدينة برلين الغربية. ~~(1) تيودور كورنر( # Theodor Körner ~~) ~~(1791-1813م) # ولد الشاعر الألماني سنة 1791م في مدينة دريسدن، ومات سنة 1813م ~~بالقرب من بلدة جاديبوش متأثرا بجرح شديد أصابه في مبارزة. وهو ~~ابن كرستيان جوتفريد كورنر الذي كان صديقا للشاعر الكبير فريدريش ~~شيلر، ودارت بينهما رسائل حميمة لها دلالتها على حياة شيلر وفكره ~~وشعره. درس الشاعر هندسة التعدين والمناجم في فرايبرج، كما درس ~~الحقوق والتاريخ والأدب والفلسفة في ليبزج وبرلين. طردته الجامعة ~~سنة 1810م لأسباب سياسية، وأقام في فيينا من سنة 1811م إلى 1813م، ~~وشارك في المسرح الشعري، ثم تطوع في جيش لوستوف البروسي الحر سنة ~~1813م، واشترك في حروب التحرير من قبضة نابليون، وجرت أناشيده ~~وأغانيه على لسان الشعب. # ظهرت هذه القصيدة عن لوحة كاسبار دافيد فريدريش ضمن مؤلفاته ~~الكاملة التي نشرها أ. فيلدينوف في ليبزج سنة 1913م، ص99. ويحتمل ~~أن يكون الشاعر قد شاهد اللوحة في مرسم الفنان بمدينة دريسدن، أو ~~في معرض الأكاديمية الذي أقيم سنة 1810م في برلين. وقد عرف ~~فريدريش برسمه للطبيعة الميتة (أو الصامتة)، ولعل هذا هو الذي جعله ~~يكتب هذه الأبيات التي يقول فيها: ~~«سئلت لماذا تختار الموت لموضوعات رسومك، ولماذا تكثر من ~~تصوير القبر والفناء؟ فأجبت: لكي تتسنى للإنسان حياة أبدية، فعليه ~~في أغلب الأحيان أن يسلم نفسه للموت.» ~~«دير في غابة بلوط» ~~«طبيعة ~~ميتة» # 1 # الأرض صامتة في حزن عميق عميق، # تسري فيها أنفاس الأرواح الهائمة في الليل. # أنصت لحفيف الريح العاصفة في شجر البلوط العجوز، # ونواحها المدوي ms131 خلال الجدران المتداعية! # فوق القبور يتمدد الثلج الكثيف، # متآخيا مع الأرض في هدوء، كأنما يريد أن يدوم ~~للأبد، # والضباب المعتم الذي يلف الليل بالسواد، # يعانق العالم برذاذ الموت البارد. # القمر الفضي يطل وهو يرتع في شحوب، # عبر النوافذ الخربة في حنان وسكون، # وكذلك يخبو ضوء أشعته الناعم. # وبهدوء وبطء نحو قضبان باب الدير، # كما تتجول صامتة في الليل الأشباح، # يخطو موكب جنازة خطوات الأرواح. # 2 # وفجأة أسمع أعذب الألحان، # كأنها كلمات الله صبت في أنغام، # وأرى ضوءا كأنه ينسكب من الصليب، # يتوهج مع سطوع نجمي من بعيد. # هنالك يتبين لي من تلك الألحان، # أن نبع النعمة يتدفق في الموت، # وأن المباركين ببركة الله # هم الذين يمرون خلال القبر إلى النور الأبدي. # هكذا يخلق بنا أن نتأمل عمل الفنان! # فقد هدته ربات الفنون ورعته في حنان، # على أروع طريق نحو أجمل الأهداف. # هنا يحق لي أن أتشجع وأثق بفؤادي، # وما ينبغي علي أن أظهر الإعجاب في برود، # لا، بل علي أن أشعر، وفي الشعور يبلغ الفن ~~الكمال. # الفصل الثالث والثلاثون # | قاطعو الأحجار # لوحة للفنان «جوستاف كوربيه ~~( # Courbet ~~)» (1819-1877م)، وقد رسمها ~~سنة 1849م، وظلت محفوظة في متحف دريسدن حتى أتلفت سنة ~~1945م. # كوربيه رسام واقعي تغلب عليه النزعة الطبيعية المتطرفة. آمن ~~بالواقعية ودعا إليها، وهاجم الكلاسيكية «الأكاديمية» والرومانطيقية ~~السائدة في أيامه بقسوة ألبت عليه النقاد، وسببت له المتاعب في ~~حياته. # ولد في «أورنانز» بسويسرا بالقرب من الحدود الفاصلة بينها وبين ~~فرنسا، ثم سافر إلى باريس سنة 1840م، وعلم نفسه بنفسه عن طريق نسخ ~~اللوحات في «اللوفر» والتردد على المرسم (الأتيلييه) السويسري. اتجه ~~إلى النزعة الطبيعية مع التأثر بفن مدرسة البندقية التي اهتمت ~~بالتفاصيل الدرامية وتفاعل النور والظلال، وبأعمال كارافاجيو ~~(1573-1610م) ببساطتها وواقعيتها التي ألهمت العديد من كبار الفنانين. ~~استمد موضوعاته من الحياة اليومية ومعاناة الفقراء، وتصوير الوجوه ~~والأجساد العارية، والحياة الساكنة والأزهار، ومناظر البحر والطبيعة ~~التي تعكس في الغالب البيئة الجبلية بالقرب من مسقط رأسه في أورنانز، ~~كما أدخل فيها أحيانا مناظر ms132 نساء عاريات، ورحلات صيد، وغزلانا وسط ~~الثلج. غير أن شهرته ترجع إلى تصوير حياة الفقراء والكادحين من العمال ~~والفلاحين، على نحو ما ترى في صورته هذه عن قاطعي الأحجار. وفي لوحته ~~الكبرى «دفن الموتى في أورنانز» (رسمها سنة 1850م وتوجد في اللوفر) ~~التي تضم أكثر من أربعين شكلا بشريا، ولوحته الضخمة «رسام في مرسمه» ~~(1855م، اللوفر)، التي وصفها بعض النقاد بأنها «مانيفستو» (بيان) ~~فلسفي! # كان كوربيه فيما يبدو شديد العداء للكنيسة ورجالها، وقد رفضت المعارض ~~لوحته «العودة من المؤتمر» التي صور فيها قساوسة سكارى، ثم اشتراها ~~كاثوليكي متعصب لكي يدمرها! وجلب على نفسه المزيد من الحقد ~~والاضطهاد بتدخله في السياسة واشتراكه في ثورة 1848م الديمقراطية، ~~وفي «كومونة باريس» # 1 # سنة 1871م، مما أثار غضب السلطة التي سجنته وحكمت عليه ~~بغرامة مالية كبيرة عقابا له على دوره في تدمير نصب نابليون التذكاري ~~في ميدان «فيندوم»، مما أدى في النهاية إلى هربه إلى سويسرا سنة ~~1873م، حيث مات بعد ذلك بسنوات قليلة. # يتهم كوربيه بعدائه للثقافة والمثقفين، على الرغم من روابط ~~الصداقة التي جمعت بينه وبين الشاعر «بودلير» والفيلسوف والكاتب ~~الاشتراكي بيير جوزيف برودون (1808-1865م صاحب العبارة المشهورة: ~~«الملكية سرقة»، التي وردت في كتابه، ما الملكية؟ وصاحب الكتاب المشهور ~~نظام التناقضات الاقتصادية، أو فلسفة البؤس الذي انتقده ماركس وشهر ~~به في كتاب بؤس الفلسفة). وقد رفض كوربيه النزعة المثالية في الفن، كما ~~أدان معها الكلاسيكية والرومانطيقية، وحقر من شأن الموضوعات الأدبية ~~التي تستنفد جهود أصحابها بدلا من الاتجاه إلى الواقع، وتصوير العمال ~~والفلاحين الذين اعتبر حياتهم أنبل موضوع يمكن أن يتناوله ~~الفنان. # لم تلق أعماله بوجه عام - على الرغم من فوزه سنة 1849م بالميدالية ~~الذهبية من معرض باريس - سوى التجاهل والنقد المرير. وقد عرض لوحاته ~~عرضا مستقلا أثناء المعرضين الدوليين اللذين افتتحا في باريس ~~عامي 1855 و1867م، محاولا بذلك أن يرد على الجحود والتجاهل الرسمي ~~الذي فرض عليه، فلم يلق غير المزيد من التجاهل والجحود! وحال هروبه ~~من فرنسا سنة 1873م دون ms133 التعرف من قريب على الحركة التأثيرية وحضور ~~معرضها الأول الذي افتتح في باريس سنة 1874م (وشارك فيه عدد كبير من ~~أعلامها مثل مونيه ورينوار وسيزان وديجا وسيسلي وبيسارو وجيومان ~~وبودان)، والواقع أنه أثر على هؤلاء التأثيريين الذين اعترفوا بفضله، ~~سواء بأسلوبه في تنفيذ المناظر الطبيعية أو في كراهيته للنزعة ~~الأكاديمية والذهنية، أو في ضرب المثل لهم بإقامة المعارض الخاصة. وقد ~~شابت أعمال كوربيه و«تقنيته»، أو أسلوبه في تنفيذها، عيوب فنية كثيرة ~~- ليس أقلها اختياره لموضوعات واقعية ذات صوت ميلودرامي صارخ، وافتقاره ~~للحساسية في ألوانه ولمسات فرشاته - ولكن يبدو أن عيوبه الشخصية ~~والخلقية من غرور وسلاطة لسان وحدة طبع قد ساهمت بنصيب كبير في ~~الجناية على حياته المضطربة البائسة. ~~(1) رينيه شار ( # René Char ~~) ~~(1907م-...) # ولد الشاعر الفرنسي الكبير سنة 1907م في «ليل-سور-سورج» بمقاطعة ~~بورفانس. ظل سيرياليا حتى سنة 1938م، وكتب الشعر كما كتب عن ~~الفن. شارك في الحرب الأهلية الإسبانية ضد الفاشيين من أتباع ~~فرانكو، كما شارك مشاركة فعالة في حركة المقاومة للاحتلال ~~النازي لبلاده، وكان قرب نهاية الحرب العالمية الثانية في صفوف ~~فرقة المظلات. ظهرت قصيدته عن لوحة كوربيه «قاطعو الأحجار» أول مرة ~~سنة 1938م في ديوانه «في الخارج يحكم الليل»، ثم نشرت بعد ذلك في ~~مجموعة أشعاره التي ترجمها إلى الألمانية شاعر كبير مثله هو باول سيلان. # 2 ~~«قاطعو الأحجار» # الرمل، القش، يعيشان حياة ناعمة، # النبيذ لا يتكسر عليهما، # من الحمام حصدا الريش، # من عنق الزجاجة أخذا اللسان الشره، # إنهما يعطلان كعوب الفتيات # اللائي يخرقان عرائسهن # على هيئة فراشات. # والدم الذي يستعذبان عذابه # يسقط في دعابة خفتهما. # نحن نلتهم طاعون النار الرمادية في كوم الحجارة، # وعندما تحاك الدسائس في المجلس البلدي، # نشعر فوق الطرق المهدمة بأنا في أحسن حال، # هنالك حيث الطماطم في البساتين، # تحملها إلينا الريح في غسق الفجر، ~~«وتحمل معها» نسيان الخبث الذي نلقاه من نسائنا، # ومرارة العطش المنساب في ركبنا. # يا ولدي إن أعمالنا المغبرة بالتراب # سوف ترى هذه الليلة في السماء، # وها هو زيتنا الرصاصي ms134 يصحو من جديد. # الفصل الرابع والثلاثون # | حقل القمح والغربان # اللوحة للفنان الهولندي الشهير فنسنت فان جوخ ~~( # Vincent Von Gogh ~~) (1853-1890م)، ~~وهي آخر لوحة رسمها قبيل انتحاره مباشرة في شهر يوليو سنة 1890م؛ ~~فبعد أن فرغ من رسمها - بالقرب من بلدة «أوفير-سور-أواز» - أقدم على ~~محاولة الانتحار في أحد حقول القمح، وأطلق الرصاص على نفسه، ومات ~~متأثرا بجرحه بعد ذلك بأيام قليلة. # كان أبوه قسيسا، وعاش حياة متقلبة جعلته يتنقل بين بلاد ومدن ~~عديدة. عمل في بداية حياته مع بعض تجار الصور واللوحات الفنية الذين ~~كان يتعامل معهم شقيقه وراعيه «ثيو» بين الهاج ولندن وباريس. درس ~~اللاهوت وقام بالتبشير بين عمال مناجم الفحم في حي بوريتاج ببلجيكا، ~~وشارك هؤلاء العمال بؤسهم وشظف معيشتهم. لم يبدأ في ممارسة الفن إلا ~~بعد أن طردته الكنيسة من بعثة التبشير (سنة 1880م)، فأخذ يعلم نفسه ~~الرسم ويتنقل على مدى السنوات التالية بين بروكسل واتين والهاج ~~ودرنته، وأثتفيرب التي حضر بعض دروس الرسم في أكاديميتها. ثم لحق ~~بشقيقه «ثيو» في باريس، واتصل عن طريقه بالفنانين التأثيريين الذين ~~تعرف على أعمالهم وربطت الصداقة بينه وبينهم مثل؛ تولوز-لوتريك، ~~وبيسارو ، وديجا، وسورا، وجوجان الذي تبعه إلى مدينة «أرليس» سنة 1888م. ~~وقد أصابه المرض العقلي منذ ذلك الحين، وأخذت الاضطرابات النفسية ~~والعقلية تهاجمه سواء في المصحات العقلية، أو في أرليس وريمي، أو بعد ~~انتقاله إلى أوفير-سور-أواز حيث مات منتحرا كما تقدم. بعد ستة شهور ~~من وفاته لحق به شقيقه «ثيو» الذي كان فان جوخ قد كتب له مجموعة من ~~الرسائل المطولة التي تكشف عن شخصيته وفنه وعذابه. # تتميز رسومه في المرحلة التي قضاها في هولندا بالألوان الداكنة ~~والأشكال الراسخة، والموضوعات المستمدة من حياة الفلاحين وكدهم ~~اليومي (مثل لوحة الحذاء الشهيرة!) ويبدو أن فترة إقامته القصيرة في ~~«أنتفيرب» قد عرفته بالفن الياباني، وبأعمال مواطنه العظيم روبنز ~~(1577-1640م). بيد أنه تحول تحولا تاما بعد وصوله إلى باريس؛ إذ ~~تبنى الأسلوب التأثيري، مع الاهتمام بطريقة التنقيط التي كان يتبعها ~~«سورا». كان غير موضوعاته القديمة ms135 واتجه إلى رسم الزهور والوجوه ~~(البورتريه) والجسور ومناظر باريس ومقاهيها وروادها الفقراء. أما في ~~«أرليس» فقد بدأ يجرب رسم المناظر الطبيعية والأشخاص بألوان حية ~~متوهجة، تعبر مشاعره المتوقدة بالحياة والنور، وحساسيته الملتهبة ~~بالعذاب والألم الكوني والميتافيزيقي. # والصورة التي تراها «حقل القمح مع الغربان» تعبر عن المرحلة ~~الأخيرة التي قضاها في «أوفير» ووقع فيها تحت تأثير النوبات العصبية ~~الملحة، مما زاد من حيوية ألوانه، واضطراب أشكاله التي تشبه ~~دوامات نارية تجرف كل شيء. أثر فان جوخ تأثيرا كبيرا في الحركة ~~التعبيرية وعلى أحد روادها وهو أدفار مونش (1862-1944م)، الذي تجد ~~صورته الشهيرة «الصرخة» في هذه المجموعة. ~~(1) أنا بوجونوفسكا ( # Anna Pogonowska ~~) (1927م-...) # لم يكن الهدف من هذه القصيدة التي كتبتها الشاعرة البولندية هو ~~وصف صورة محددة، بل التعبير عن إحساسها بفن فان جوخ في مجموعه، ~~وتأثرها بوجه خاص بتمزقه الميتافيزيقي الذي ينعكس بوجه خاص على ~~هذه الصورة. وقد ولدت الشاعرة سنة 1927م في مدينة لودز، وتعيش في ~~مدينة وارسو. والقصيدة مأخوذة من مجموعة شعرية بعنوان «الشعر ~~البولندي الجديد» ترجمها كارل ديديسيوس إلى الألمانية، ونشرت سنة ~~1965م في مدينة دار مشتات. ~~«حقل القمح والغربان» # هندسة زهور الكاستانيا، # أنت الذي قستها - # آلاف البقع التي تثير الدوار # أنت حسبتها - # سحابة الحياة، # ثبتها على أعداد # ضربات الفرشاة والقلب. # السحب تتشابك في سلسلة، # الأرض تتنفس الخضرة، # القمح يغرق العيون طوفانه، # والغربان - رماد الفحم # المتبقي من العدم - # تغطي وجه الشمس. # وأنت يا فان جوخ، # دائما ما تضيق # عقدة الألوان .. # تستعبد الشعاع # بلوالب النيران، # وتخنق البريق # بسحب البخار والدخان، # من ذا الذي تقيده بقيودك؟ # من تمسك به؟ # ما يتبقى منك: رماد وسناج، # 1 # وهو يفتش في بنفسج الأرض، # ويشرب مرارة السماء، # راح يضرع إلى الله: ~~«قسمت لي يأس ألوانك، # بكاءك، شوكك، أحجارك، # جعلتها من نصيبي - # سوداء وساكنة، # هي أحشاء قوس قزح - # ينفجر الريش الفاقع في أجنحة الشيطان، # وجرح الهاوية الأسود # يفغر فاه. ~~(2) باول سيلان ( Paul Celan ~~) ~~(1920-1970م) # تحت صورة لفنسنت فان جوخ: القصيدة للشاعر الألماني باول سيلان، ~~وقد كتبها ms136 في سنة 1956م. ولد في مدينة شيرنوفتس التي تقع اليوم في ~~الاتحاد السوفييتي، ومات بإغراق نفسه في نهر السين. درس الطب ~~واللغات والآداب الرومانية، وعاش في باريس ابتداء من سنة 1948م ~~حتى انتحاره. يعد من أهم الشعراء الألمان المعاصرين، ويتميز ~~شعره برهافته الشديدة، وغناه بالألم الكوني ونبضه بالحس الفاجع ~~للقدر الفردي المظلم. ترجم كثيرا عن الفرنسية، وعرف بترجمته ~~الرقيقة الدقيقة لشاعر فرنسي قريب من مزاجه وعالمه وهو «رينيه ~~شار». نشرت القصيدة أول مرة في العدد الثالث من مجلة «أكسينته» ~~(نبرات) الأدبية سنة 1956م، ثم أعيد نشرها في ديوانه «قضبان ~~اللغة»، الذي صدر في مدينة فرانكفورت على نهر الماين سنة 1959م ~~(راجع إن شئت كتابي لحن الحرية والصمت، الشعر الألماني بعد الحرب ~~العالمية الثانية. القاهرة، المكتبة الثقافية، هيئة الكتاب، ~~1974م. ~~«حقل القمح والغربان» # أمواج القمح تحط عليها أسراب الغربان. # زرقة أي سماء هذي؟ # العليا؟ السفلى؟ # آخر سهم تطلقه النفس، # خفقان أقوى، # لمعان أقرب. # وهنا وهناك # يتجلى العالم. ~~(3) ألبرشت جوز ( # Albrecht Goes ~~) ~~(1908م-...) # القصيدة للشاعر الألماني ألبرشت جوز، وقد ولد في ولاية ~~«فيرتمبورج» بجنوب ألمانيا. كان أبوه قسيسا، واشتغل بالوعظ فترة ~~قصيرة من حياته قبل أن يهب نفسه للتأليف والكتابة الحرة ابتداء ~~من سنة 1953م. نشر الشعر والقصة والمقالة والمواعظ الدينية ، ونشرت ~~قصيدته هذه في ديوانه «قصائد» الذي صدر سنة 1958م لدى الناشر فيشر ~~في مدينة فرانكفورت على نهر الماين. وقد ذكر الشاعر أنه شاهد «حقل ~~القمح والغربان» في أواخر العقد الثاني من هذا القرن. ~~«حقل القمح والغربان» # ليس سماء «ما تبصره العين»، # إن هي إلا كتل سحاب # زرقاء وسوداء، # ومثقلة بالأنواء. # خطر هواجس وعذاب. # قل لي: # مم القلق؟ # تكلم، # هل تشعر بالخطر المحدق؟ # وعر هذا الجبل تصدع، # والحقل حريق، # ذهبي يسطع، # قلبي - وهو غراب الجوع - # يحلق فوق الأرض # وينعق. # الفصل الخامس والثلاثون # | الصرخة # للفنان النرويجي وأحد رواد ~~الحركة التعبيرية «إدفارد مونش» ( # E. ~~Munch ~~) ~~(1863-1944م). # قضى «مونش» معظم سنوات حياته المبدعة في باريس وبرلين حيث أقام في ~~سنة 1892م معرضا لصوره كان ms137 له صدى قوي وتأثير كبير على مسيرة ~~التعبيرية الألمانية في السنوات التالية. # جمعت روح الصداقة بينه وبين رائد التعبيرية في المسرح الحديث وهو ~~أوجست سترندبرج، كما تأثر من ناحية الشكل بكل من فان جوخ وجوجان، ~~ولكن ميله إلى التعبير عن هواجس النفس القلقة المعذبة جعله يختار ~~الموضوعات التي تدور حول الحب والمرض والموت، محاولا أن يجد المعادل ~~الرمزي لها، ويصور عجز الإنسان حيالها؛ ولذلك يتسم فنه بنوع من ~~«العصابية» التي تصل في كثير من الأحوال إلى حد هستيري (كما ترى في ~~صورة الصرخة المنشورة مع هذا الكلام). # يحتفظ المتحف المسمى باسمه في مدينة «أوسلو» بحوالي ألف عمل من ~~أعماله في التصوير والحفر، كما توجد بعض أعماله في متاحف الفن الحديث ~~في أماكن أخرى متفرقة. # أما الشاعرة التي استلهمت صورته المعبرة فهي مارجوت شاربنبرج ~~( # Margot Scharpenberg ~~). # وقد ولدت سنة 1924م في مدينة «كولن» (كولونيا) على نهر ~~الراين. # حصلت على دبلوم في المكتبات، وهاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ~~حيث تعيش منذ سنة 1962م في نيويورك. صدرت لها مجموعات شعرية عديدة، ~~ومجموعات قصص قصيرة، ومقالات متنوعة. ظهرت قصيدتها عن «صرخة» مونش في ~~ديوانها «آثار» الذي أصدرته دار النشر جيليس وفرانكه في مدينة دويسبورج ~~سنة 1973م. # غناء # فوق الماء، # وموسيقى الماء # لا تطفئها إلا النار. # غناء فوق الجسر، # وصراخ عذارى # لم يتغن به إنسان # من أجل الصم، # عبر عنه الفنان # كي لا يهووا # في جوف الصورة # كالعميان. # الصرخة # كالشلال، # تطلق بأصابع يد، # توغل في البعد، # إلى أميال، # تشبه قبضة حجر # فوق الجلد. # الطبلة # فاغرة الفم. # الفصل السادس والثلاثون # | صلح # حفر على الخشب للفنان التعبيري ~~فرانز مارك (1880-1916م). ~~(1) فرانز مارك # Franz Marc # ولد سنة 1880م في مدينة ميونيخ، حيث قالت جماعة الفارس الأزرق ~~التعبيرية التي كان أحد أعضائها المؤسسين مع كاندنسكي وأوجست ماكيه ~~وفيننجر وغيرهم. ظلت الحيوانات هي موضوعاته الرئيسة، واشتهر برسم ~~الحصان حتى أصبحت تنويعاته المختلفة على الحصان الأزرق من أبدع ~~وألمع أعمال التصوير في الفن الحديث. تأثر في بداية حياته - مثل ~~بقية الفنانين ms138 التعبيريين - بالحركة التأثرية والتجريدية في فرنسا، ~~والتقى سنة 1912م في باريس بالفنان التكعيبي ديلوتاي (1885-1941م)، ~~فاتجهت أعماله الأخيرة - ومنها اللوحة المنشورة - نحو المزيد من ~~التجريد، وهو تجريد تكسوه مسحة صوفية وكونية تلفه في غلالة ~~رمزية وشعرية، وتبعده عن النزعة الشكلية والهندسية بقوة التعبير ~~وعاطفته الكامنة فيه. سقط قتيلا في الحرب العالمية الأولى في ~~معركة «فيردون»، ويحتفظ متحف مدينة ميونيخ بمعظم أعماله (لاحظ أن ~~الشاعرة التي استوحت رسمه من أهم أعضاء الحركة التعبيرية الألمانية ~~في الشعر والمسرح؛ ألا وهي الشاعرة). ~~(2) إلزه لاسكر شولر ( # Else Lasker ~~Schuler ~~) # ولدت سنة 1869م في فوبرتال-إلبرفيلد، وهاجرت سنة 1933م - مع ~~بداية الطغيان النازي - إلى مدينة القدس، وماتت فيها في يناير سنة ~~1945م بعد أن قاست أمر آلام الفقر والبؤس. جمعت أواصر الصداقة ~~بينها وبين كبار الأدباء التعبيريين من أمثال دويبلر، وجورج تراكل، ~~وجوتفريد بن. يتحد في كتاباتها الخيال الحي المتوهج مع حب ~~الطبيعة، والولاء للثقافة الألمانية والديانة اليهودية التي تنتمي ~~إليها. وقد استطاعت قصيدتها - التي نشرت مع أشعارها الكاملة سنة ~~1966م في دار النشر كوزيل بميونيخ - أن تعكس الجو التعبيري ~~والروحانية الكونية التي تميز اللوحة الأصلية، بجانب تكثيف ~~الإحساس بالوحدة والتعاسة والإرهاق والحنين إلى المستحيل، وكلها ~~توحي بطابع التعبيرية في الفن التشكيلي والأدب على السواء. ~~«صلح» # سيسقط في حجري نجم هائل .. # نريد الليلة أن نسهر سهرا، # أن نتعبد بلغات # قدت من نغم القيثارة سرا. # تعال الليلة نتصافى ، # وسيغمرنا الله بنعم ثرة. # قلبي مع قلبك # طفلان اشتاقا للراحة # في حضن النوم الحلو المرهق، # تاقا للقبلات، # فلم تتردد، ولم الحيرة؟ # آه يا حبي، # أفلا يتجاور مع قلبك قلبي، # أولا يصبغ دمك الفائر # خدي حمرة؟ # تعال الليلة نتصالح، # لو نتعانق # لامتنع علينا الموت، # وزالت شوكته المرة، # ولسقط النجم الهائل # في حجري مرة .. # الفصل السابع والثلاثون # | الجائعات # نحت من الجبس يرجع إلى حوالي سنة 1932م للفنان التعبيري والكاتب ~~المسرحي «إرنست بارلاخ # Ernst Barlach ~~» ~~(1870-1938م). تميزت أعماله في النحت والرسم بروح مأسوية (تراجيدية) ~~قاتمة وتشاؤم فاجع، أثارت ثائرة النازيين الذين حطموا ms139 معظم تماثيله ~~فلم يبق منها سوى عدد قليل مبعثر بين بعض المتاحف الألمانية والمتحف ~~الصغير الذي يحمل اسمه بالقرب من مدينة «لينيبورج». # ربما كانت أعماله في الحفر على الخشب من خير أعماله، وقد صور فيها ~~فلاحين وشحاذين وشخصيات كادحة استوحاها من زيارة قام بها إلى روسيا، ~~وتأثر أسلوبه فيها بفن الحفر القوطي المتأخر في ألمانيا. واهتمام ~~بارلاخ بالتعبير عن البؤس والبؤساء في مختلف الصور والأشكال التي ~~يمتحن بها وجود الإنسان، يقربه من أعمال فنانة معاصرة له هي ~~«كيته كولفيتس» (1867-1945م) التي أبرزت عذاب الأمهات والأطفال في ~~الرسم والحفر. استلهم نحته عن الجائعات عدد من الشعراء نذكر ~~منهم: ~~(1) إليزابيث إمونتس دريجر ( # Elisabeth Emundts ~~Dragor ~~) (1898م-...) # كتبت الشاعرة هذه القصيدة سنة 1970م، وقد ولدت سنة 1898م في ~~مدينة «كولن» «كولونيا» بألمانيا، وعاشت حياتها في مدينة بينسبرج. ~~أصدرت رواية واحدة ومجموعة من القصص القصيرة وأربع مجموعات شعرية. ~~وجدير بالذكر أن ديوانها «القلب اللامتناهي» يضم عشرين قصيدة ~~مستوحاة من نحت «بارلاخ»، وأمام كل قصيدة قطعة النحت التي ~~استلهمتها. والقصيدة من الديوان المذكور الذي ظهر سنة 1970م عن دار ~~النشر موسينر. ~~«أمهات بائسات» # نحن التعساء الفقراء # وأتعس من عانى الفقر، # نلد الأطفال صغارا # ونجر الحمل طوال العمر، # نطرحهم للكون ثمارا، # نغذوهم بدماء القلب، # نحملهم في ليل الرحم # كما يحمل ذنب. # ونخاف الدرب، # ودرب الجائع صعب؛ # جر الأطفال أمام الرب. # ماتت كل الآمال # ولم يبق سوى الأمل الأوحد # يخفق في الصدر؛ # أن نحمل هذا العبء، # نجر نجر الحمل الصعب # لعل الله يطل علينا # ويساعدنا، # أن ننتشل صغار الطير # من المحنة والكرب. ~~(2) أناليزه بونجيروت ( # Anneliese ~~Bungoroth ~~) (1923م-...) # وهذه القصيدة للشاعرة أناليزه بونجيروت عن مجموعة الجائعات ~~كتبتها في سنة 1965م بعنوان «اللاجئون». ولدت الشاعرة سنة 1923م ~~في مدينة ماينس، وتلقت تعليما وتدريبا قانونيا يؤهلها ~~للخبرة في شئون الزواج. وهي تعيش متفرغة للكتابة الحرة في ~~«بيبريش» من ضواحي مدينة فيسبادن. واللاجئون هي إحدى قصائد ديوان ~~كامل بعنوان «معبر» استلهمت جميعها من نحت بارلاخ، وتجدها على ~~صفحة 30 من هذا ms140 الديوان الذي صدر في مدينة جوتنجن عن دار النشر ~~فاندنهوك وروبرشت. ~~«اللاجئون» # نتجول عبر الزمن # بلا وطن، # في أي مكان لا نجد الأمن، # لا نشبع حتى من ضوء الشمس؛ # لأن العالم ضن علينا # بمكان إلا في الظل. # من يحسب أن جهنم # من لهب النار فحسب، # فجهنم من ثلج الوحدة # والبرد يلف القلب. # من يذكرنا؟ # من يرحمنا؟ # من يتضرع ~~- وهو المتخم - # لله ويسأل # أن يعطيه خبز اليوم، # كفاف اليوم؟ # أنسيتم أيام المحنة # جوع البطن # وذل النفس؟ # وجراح الأمس هل اندملت، # وجراح الأمس؟ # عميت أعينكم عما يفزع أمن القلب، # وضمائركم قد غطتها # سحب الكذب على الجار، # المسكين المتعب. # أعماكم رغد العيش، # فما أبصرتم # جوع الجائع عن قرب، # وشبعتم حتى التخمة، # هل ذقتم يوما # أو جربتم # طعم الحب؟ # هل نملك إلا أن نضرع # في كل صلاة # كي يغفر لكم الرب؟ # الفصل الثامن والثلاثون # | شكل امرأة مضطجعة # الشكل للمثال الإنجليزي الشهير هنري مور ( # Henry ~~Moore ~~) (1898-1986م)، وهو محفوظ في متحف «تيت» في ~~لندن. بدأ مور تعليمه وتدريبه في مدينة ليدز، وفيها التقى بالمثالة ~~التجريدية باربارا هيبورث، ثم في لندن حيث حصل سنة 1925م على منحة ~~للدراسة في باريس وإيطاليا. تبنى أسلوب الحفر المباشر واستخدام مادته ~~- سواء كانت من الحجر أو الخشب - للتعبير عن الأشكال الطبيعية. كان أهم ~~أعماله المبكرة هو تمثال «ريح الشمال» الذي أعده لمبنى «ميترو ~~الأنفاق» في لندن. وتبعته أعمال أخرى من النحت البارز للمعمار، ومن ~~النحت المعروض في الخلاء، كما في تماثيله العديدة في لندن وباريس ~~وروتردام وأرنهيم وفرايبورج بالجنوب الألماني، بجانب تمثاله عن العذراء ~~(المادونا) الذي أتمه سنة 1944م لكنيسة القديس متى في «نورثامبتون». ~~بدأت شهرته العالمية مع حصوله سنة 1948م على جائزة النحت في معرض ~~«البينالي» بالبندقية. # جيمس كيركوب ( # James ~~Kirkup ~~) # القصيدة للشاعر جيمس كيركوب الذي ولد سنة 1923م في ساوث شيلدز ~~من أعمال دورهام بإنجلترا. كان أبوه نجارا، وقد عمل بتدريس الأدب ~~الإنجليزي في جامعات أوروبية وأمريكية وآسيوية مختلفة. نشر العديد ~~من الروايات والمسرحيات ومذكرات الرحلات والمجموعات الشعرية، ms141 كما ~~ترجم كلا من الشاعر المفكر الفرنسي بول فاليري والكاتب المسرحي ~~والروائي السويسري دورنمات إلى اللغة الإنجليزية. نشرت قصيدته هذه ~~عن تشكيل هنري مور «المضطجعة» في ديوانه تعاطف صحيح وقصائد أخرى ~~الذي صدر في لندن سنة 1952م، ص25. ~~«شكل امرأة مضطجعة» # مضطجعة للخلف. قدماها في الرمل المتحرك # كجذور ضاربة في شاطئ منحدر، # هي المرساة الملقاة # بذراعيها نصف المدفونتين في الأرض المختفية، # في ساحل زماننا الذي يفكك كل شيء، # ذلك الملعب الذي تدور فيه اللذة المشكوك فيها، # والألم الأكيد. # همودها المهيب تحت شمس عالم آفل # يعني شيئا أكثر من احتجاجنا ورضوخنا، # بل أكثر من اتزان البحار # التي تبدو قوتها في أغلب الأحيان كأنها نصف ~~مستهلكة، # ومع ذلك فهي دائما ما تغرق صلواتنا. # من حولنا يضطجع كل شيء ويتحلل، مدفوعا إلى موت ~~الشكل. # في أفران الهواء، في صحاري البحر التي يستحيل الرسو ~~فيها، # الشجرة التي سقطت، الحجر، المناطق الريفية # ذات الكهوف التي شهدت ميلادنا، # إرعاد الظلام فوق «إيفيرست» الأرض. # وهي كذلك تضطجع، في الإشفاق الأعمق للتسليم، # في تحول حر للأشكال، يبين لنا كيف سيكون ~~موتنا. # نحن كذلك ينبغي علينا أن نحدق في الحاضر ~~كالصخر. # إن رأسها المرفوع يؤكد لنا في هدوء كهدوء ~~المرساة، # مع أن الجميع يموتون، # فلا شيء يموت أبدا ... # الفصل التاسع والثلاثون # | القبلة # نحت للفنان الروماني قسطنطين ~~برانكوزي ( # C. ~~Brancusi ~~) (1876-1957م)، أتمه سنة ~~1908م. # يعد برانكوزي من أبرز ممثلي النزعة التجريدية المطلقة بين ~~النحاتين المعاصرين، وتتميز أعماله ببساطة الشكل والمبالغة في صقله ~~وتنقيته بحيث تشع بإيحاءات شعرية وصوفية متعالية. التحق بأكاديمية ~~الفنون في «بوخارست» وهو في الثامنة عشرة من عمره، وغادرها بعد ست ~~سنوات ليستقر - ابتداء من سنة 1904م - في باريس حيث وقع في البداية ~~تحت تأثير المثال الفرنسي الشهير «رودان»، كما يشهد على ذلك تمثاله ~~رأس فتى (1905م). وكان من أوائل الفنانين الذين تأثروا تأثرا عميقا ~~بالنحت «البدائي» الذي اكتشفه الفنانون - خصوصا في فرنسا - في أوائل ~~القرن العشرين. وكان من أهم العوامل التي أثرت على الفن التجريدي ~~الحديث. ويعد ms142 نحته «القبلة» (1908م) - الذي ترى صورته مع هذا الكلام ~~- أول محمل هام يتضح فيه تأثره بالفن الأفريقي، وتلمس فيه نزعة التبسيط ~~الشديد في الشكل والأسلوب الفني الناضج الذي تطور بعد ذلك وإن لم ~~يتغير تغيرا حاسما حتى آخر حياته. ولعل أعماله الأخرى التي عالج فيها ~~موضوعاته الأثيرة - وهي الرأس البشري والحيوانات البحرية والطيور - ~~لعلها تدل على اتجاهه المتزايد نحو تجريد الشكل وتبسيطه، وتصفيته من ~~جميع التفاصيل بحيث لا يبقى منه في النهاية إلا الكتلة البيضاوية ~~الخالصة (مثل رأس ربة الفن النائمة 1910م، والسمكة 1922-1924م، ونحت ~~للعميان 1924م). وقد كان نحته «القبلة» بمثابة الموضوع الأساسي الملهم ~~لأضخم نحت كلف بعمله لحديقة «تيرجو-جيو» العامة بالقرب من القرية ~~التي ولد فيها، وهو يمثل عمودا هائلا من الصلب يبلغ ارتفاعه حوالي ~~المائة قدم، حتى سماه الناس العمود اللانهائي، كلما تندر عليه ~~بعضهم بتسميته تمثال الأبطال. ويبدو أن البساطة المطلقة التي طبعت نحت ~~برانكوزي قد أوقعته في مشاكل عجيبة وقضايا غريبة؛ إذ رفض موظفو الجمارك ~~في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1926م اعتبار تمثاله طائر في الفضاء ~~(ويرجع إلى سنة 1919م) عملا فنيا، وأبوا السماح بدخوله قبل دفع ~~الضرائب الجمركية المستحقة على كتلة من البرونز المدور يبلغ ~~ارتفاعها أربعا وخمسين بوصة! (وهي توجد الآن بمتحف الفن الحديث في ~~نيويورك). ومع أن برانكوزي لم يخلف وراءه مدرسة مستقلة، فقد أثر ~~فنه تأثيرا كبيرا على عدد من المصورين والنحاتين التجريديين ~~المعاصرين نذكر منهم موديلياني، وهانز آرب، وبربارا هيبورث، وهنري ~~مور. # حظيت «القبلة» باهتمام عدد من الشعراء نذكر منهم ستة من مختلف ~~البلاد والأعمار: ~~(1) كاريل جونكهير ( # Karel ~~Jonekheere ~~) # شاعر بلجيكي. ولد سنة 1906م في أوستند. كان أبوه من كبار موظفي ~~الشرطة، وصار من بعده من كبار موظفي الثقافة. وباب «القبلة» - وهو ~~عنوان قصيدته التالية - هو نفسه عنوان إحدى مجموعاته ~~الشعرية: ~~«باب القبلة» # عري في الغابة، # باب مطلق، # شفتان كقوقعتين، # وشوشتا # حول الحافة والحد، # والأفواه ثمانية # من حجر صلد، # تختلج الرعشة فيها # إذ نتذكر # إزميلا في اليد. # باب القبلة # رحم ms143 أزلي # تطرقه دقات النوء، # البرق ... الرعد. ~~(2) يوجين جيليفيك ( # Eugéne ~~Gullevic ~~) # ولد سنة 1907م في مقاطعة بريتاني ويعيش في باريس. نشر عدة ~~مجموعات شعرية، وظهرت قصيدته «القبلة» في كتاب عن «برانكوزي» صدر ~~في بوخارست سنة 1970م. ~~«القبلة» # أن نكون # ما كناه للأبد، # ولو يحن # برانكوزي، # كان حتما يرانا # في العناق غارقين، # وهو من قد صاغ «قبلة» # لجميع العاشقين، # صاغها في السر # تشبه الحجر، # حين يفنى في الحجر. ~~(3) جي دو بوشير ( # Guy De ~~Bosschere ~~) # ولد سنة 1924م في فوريست، وتعلم في بلجيكا. انضم لصفوف ~~المقاومة أثناء الحرب العالمية الثانية، ويعيش منذ سنة 1960م على ~~العمل في إحدى دور النشر في باريس. ~~«القبلة» # وردة العين التي بلا نهاية، # حيث يدور الصمت حول نفسه، # يلتف حولها # صمت الحجر، # والجسدان # فرقت بينهما اندفاعة، # ظلالها دمرت الصفاء والوداعة، # وهذه الشفاه في عناق # وقبلة تنظم الفراق. ~~(4) إرنست ياندل ( # Ernst ~~Jandl ~~) # ولد سنة 1925م في فيينا، ودرس الأدبين الألماني والإنجليزي، ~~وعمل بالتدريس في المدارس الثانوية. من أبرز ممثلي الشعر ~~المجسم، ومنه قصيدة «القبلة» هذه. لاحظ ترتيب الكلمات ونظام ~~طباعتها بحيث تجسم المعنى وتشكل الإيحاء والإشارة. ومع أن ~~«القصيدة» تشبه أن تكون فكاهة أو دعابة، فهي تستحق التأمل. ~~«القبلة» # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم # نعم ~~(5) ماكس آلهاو ( # Max Alhau ~~) # ولد سنة 1936م في باريس حيث لا يزال يعمل في تدريس الأدب، وقد ~~نشرت قصيدته في الكتاب الذي سبقت الإشارة إليه والذي يضم الأشعار ~~والدراسات التي جمعت احتفالا بذكرى برانكوزي في كتاب صدر سنة ~~1970م في بوخارست. ~~«القبلة» # انشق الحجر لكي يصمد لامتحان الزمن، # بهذا العناق الذي لن يقدر شيء على تفريقه، # تنفذ الحياة في صميم الأشياء، هو شيء أشبه # ببداية العالم، حيث ولد الإنسان من الطين، # وفتش عن المرأة ليغيب في جسدها، # هذه القبلة تبشر بالفجر وتأسر الأبدية في # مسارها. ~~(6) يون كارايون ( # Ion ~~Caraion ~~) # ولد سنة 1923م في روجافات من أعمال رومانيا، ودرس علوم اللغة في ~~جامعة بوخارست، ms144 واشتغل محررا ببعض المجلات. وقصيدته «أحجار» من ~~مجموعته الشعرية التي نشرت بالألمانية في بوخارست 1974م. ويلاحظ ~~أن وصف الأحجار بأنها عظام أمنا الأرض قد سبق إليه الشاعر الروماني ~~أوفيد في التحولات (الكتاب الأول، السطور 383، 386، 393، وما ~~بعدها). وتحكي الأسطورة اليونانية أن دوكاليون وبيرا، وهما ~~الوحيدان اللذان نجوا من الطوفان الذي سلطه زيوس على الأرض، ~~راحا يلقيان عظام الأم العظيمة - أي الأحجار - وراءهما، فنشأ عنها ~~البشر ذكورا وإناثا. ~~«حجارة مهداة ~~لبرانكوزي» # حجارة بديعة ~~- جميلة ودون أن تحس - # كأنها الطبيعة .. # نامت في الظل وتحت الشمس # عظام الأرض. ~~(7) جورج شيرج ( # George ~~Scherg ~~) # ولد سنة 1917م في مدينة كرونشتات من أعمال رومانيا. درس الأدب ~~الألماني واللغات الرومانية والفلسفة، ويشتغل بتدريس الأدب ~~الألماني بجامعة هيرمان-شتات. نشر مسرحيات وروايات ومقالات ~~ومجموعات شعرية. ~~«المعرفة شيء ثمين، ~~لكننا نعرف القليل» # المعرفة شيء ثمين # لكننا نعرف القليل، # وإن كنا نحس ببعض الأشياء، # غير أن هنالك شيئا واحدا نعرفه، # شيئا واحدا نصونه ونحميه، # ما من قانون أسمى منه. # نحن لا نعرف # ما هو طيران الطير، # لكننا نغوي أنفسنا ونغويه. # نحن لا نعرف شيئا # عن قوة القبلة وخطرها، # عن نعمتها ولعنتها، # لكننا ندخل دائما # من باب القبلة. # من ذا الذي يفكر، من، # في العملات الفضية الثلاثين # التي تربو قيمة رنينها # على قيمتها؟ # نحن لا نعرف # ما هو الحب، # ومع ذلك نخونه، # وكأنه عدو # لجأ إلينا كي نحميه. # نحن لا نعرف # ما هي السماء، # وإنما نكتفي بالإحساس، # لكن الإحساس # شيء أكبر من هذا. # نحن نؤمن، # أجل نؤمن # بأن ثمة عمودا # موجودا وراء وجودنا # قد خلق من الأزل ليحمل السماء. # لكن شيئا واحدا نعرفه، # شيئا واحدا نصونه ونحميه. # ما من قانون أسمى منه. # الجهل، والإحساس، والإيمان، # الغواية، والخيانة، والقبلة، والحب. # إنها لا تمحو اليقين، # بأن ذلك العمود إذا انهار # انهارت السماء. # الفصل الأربعون # | الأقنعة العجيبة # اللوحة للفنان البلجيكي جيمس إنسور ( # James ~~Ensor ~~) (1860-1949م)، وهي محفوظة في المتحف الملكي ~~بمدينة بروكسل. تعلم «إنسور» في بروكسل، ولكنه قضى حياته في أوست ~~إند. تتسم نظرته بالقتامة وتغشاها ms145 كآبة الموت، وهو يتخذ موضوعات صوره ~~ورسومه من كبار فناني عصر النهضة مثل كالو (1593-1635م)، وبوش ~~(1450-1516م)، وبروجل الكبير (من حوالي 1525-1569م)، ثم يعالجها بأسلوب ~~روبنز وكوربيه ومانيه. وهو غالبا ما يلجأ إلى الأقنعة - كما يفعل في ~~هذه الصورة - وإلى الهياكل العظيمة للتعبير عن مشاعر باطنة خفية، وذلك ~~قبل بداية التعبيرية كاتجاه فني محدد، خصوصا عند الفنانين الألمان ~~من جماعتي «الجسر» و«الفارس الأزرق». # عرض لوحاته مع «جماعة العشرين» التي انضم إليها في سنة 1884م (وهي ~~جماعة من الفنانين البلجيكيين عرضت صورا لفنانين غير بلجيكيين مثل ~~سورا، وسيزان، وفان جوخ، وجوجان)، ثم لم يلبث أن طرد منها سنة 1889م ~~بعد أن رفضوا عرض لوحته «دخول المسيح إلى بروكسل». ~~(1) كريس تانسبرج ( # Kris ~~Tanzberg ~~) ~~«الأقنعة العجيبة» القصيدة للشاعر السويسري كريس تانسبرج الذي ~~ولد سنة 1943م لقيطا بلا أبوين معروفين، وجرب مختلف المهن ~~والأعمال، فاشتغل في فترات متقطعة من حياته بالزراعة وقطع الأخشاب ~~والأحجار والوعظ والحلاقة والصحافة والتجارة والتدريب الرياضي ~~والتعليم في المدارس الشعبية وأمانة المكتبات ... أتاحت له هذه ~~التجارب فرصة السفر والتجوال بين البلاد الأوروبية. ظل ينشر ~~قصائده ولوحاته القلمية ويذيعها عن طريق الإذاعة حتى ظهر ديوانه ~~الأول سنة 1975م من قصيدة واحدة طويلة «أبيفانيا أو التجليات». ~~سيلاحظ القارئ أن مقطوعات القصيدة تعكس تفاصيل الصورة وتحولها ~~إلى مرايا تنعكس عليها أمراض المجتمع والعصر. ولعل افتقار هذه ~~الوجوه المشوهة العجيبة إلى الآذان والأنوف يكون تعبيرا عن ~~تبلد هؤلاء المصلحين الأدعياء، وفقدانهم الإحساس بالحياة والناس. ~~والسطور الأربعة الأخيرة تؤكد أن العالم ينتهي نهاية هادئة لا ~~ضجيج فيها، وتذكرنا بقصيدة إليوت المشهورة عن «الرجال الجوف» ~~(راجع ترجمتها الكاملة في الجزء الثاني من ثورة الشعر الحديث لكاتب ~~هذه السطور)، بل إنها في الواقع لتكرر الأبيات الأربعة الأخيرة ~~من قصيدة إليوت الشهيرة. وكان الشاعر السويسري يحاول أن يوجد ~~علاقة حميمة بين صورة الفنان البلجيكي وواحد من أعظم قصائد ~~العصر. ~~«الأقنعة العجيبة» # من أين أيتها الأقنعة الفاقعة اللون، # يا من تومئون إيماءات عاجزة؟ # إلى أين يا نواطير الحقول، # يا ms146 من تنقصكم الآذان والأنوف؟ # لا مراء، # أنت قادم من مجلس التعليم، # وأنت من الأسقفية العامة، # وأنت من وزارة # الإرشاد القومي وعلم الفحش. # 1 # لا مراء، # أنتم مشغولون # بالدعوة والتوعية، # للإنقاذ، # للحضارة. # أصابعكم تشير # للمحنة الماثلة # على الجدار، # لكنكم بلا عمود فقري. # جباهكم تتلبد # بتجعيدات المفكرين، # لكنكم بلا مخاخ. # ارفعوا مصابيحكم البائسة كما تشاءون، # لقد انطفأت ناركم. # قووا أنفسكم من الزجاجة بقدر ما تستطيعون. # عبثا تفعلون؛ # فالأحشاء تنقصكم. # ضعوا على رءوسكم قبعات خشنة مدببة، # تلفعوا بالمسوح القطيفية المقدسة. # عبثا تفعلون؛ # لأنكم جوف. # في الشارع تتدافع الغوغاء # من أجلكم، # تخفق أعلام الثورة # تأييدا لكم. # لكنكم عاجزون، # حتى عن ربط أحذيتكم. # لا تسقطوا # حتى لا تهووا فوق الألواح الخشبية # مثل بالون مشدود مفرغ من الهواء. # هكذا ينتهي العالم، # هكذا ينتهي العالم، # هكذا ينتهي العالم، # لا بفرقعة مدوية، # بل بالتنهيدة والأنين .. # الفصل الحادي والأربعون # | امرأة جالسة على كرسي وثير # اللوحة لبابلو رويز بيكاسو ( Pablo R. Picasso ~~) (1881-1973م)، وهو من أعظم الفنانين ~~الذين بدءوا عصرا جديدا وغيروا من طبيعة الفن ومن نظرتنا إليه، ~~شأنه في هذا شأن عباقرة آخرين من أمثال جوتو ومايكل أنجلو وبرنيني. ~~مر بيكاسو في تطوره الفني الطويل وتجاربه الرائدة مع اللون والشكل ~~والخط والمرأة بمراحل متعددة، لا مجال هنا للحديث عنها. يكفي أن هذه ~~اللوحة التي رسمها أثناء الحرب العالمية الثانية؛ أي حوالي سنة ~~1942/1941 تعد امتدادا للمرحلة التي بدأ فيها تصوير مصارعي الثيران ~~وبلغت ذروتها في لوحته الكبيرة الشهيرة «جيرنيكا» التي تسجل سخطه على ~~الحرب عموما، والحرب الأهلية في بلاده بوجه خاص، واستبشاعه للعنف ~~والوحشية، ووقوفه في صف السلام وصفوف الفقراء والمعذبين والمنبوذين. # 1 # وقد ساد هذه المرحلة بطبيعة الحال مزاج سوداوي عبر عن ~~نفسه في الأشكال المحرفة والوجوه الممزقة المقلقة والخيال ~~المتحرر المخيف في قدرته على التكوين والتفتيت وإعادة التكوين، ~~والبهيمية الوحشية الموحشة التي تتغلغل حتى في الآلة والجماد، بل تكاد ~~تسري في الجمال والصفاء، كما توحي بذلك اللوحة التي نحن بصددها. # ألهمت اللوحة بعض الشعراء، منهم صديقه الصدوق ms147 جان كوكتو، وشاعرين ~~آخرين هما: ~~(1) لوثر كلونر ( # Luthar ~~Klunner ~~) # ولد الشاعر سنة 1922م في برلين. درس اللاهوت وكتب القصيدة ~~والقصة القصيرة والمقال، وترجم للشعراء الفرنسيين. كتب قصيدته هذه ~~«امرأة ذات صدر أزرق» متأثرا بصورة للوحة بيكاسو مطبوعة بالألوان ~~على بطاقة كان قد ثبتها على جدار حجرته الصغيرة في سنوات ~~الطلب. ~~«امرأة ذات صدر أزرق» # يا امرأة لا وجود لها، يا امرأتي، # يا امرأة الماء، يا عذراء يا حبيبة. # امرأة كل رسائل القلب، # أم الألوان، # أصابع رطبة، # ويد دافئة متعبة. # طفل غريب من بعيد بعيد، # نقاء البحر الأخضر العميق، # حنان تابوت زجاجي فقير، # وشهوة الليالي الممطرة بلا صوت، # حيث لا يلقى الصدى ظلا. # آلهة شامخة منبوذة، # بسيطة كالصاعقة، # بضعة خطوط للمائدة والكرسي، # عالمك وعالمي، # جمال عظيم خامل، جمال القلوب، # الدم والنور # أمام أقنعتنا الليلية. ~~(2) فريدريش راشه ( # Friedrich ~~Rasche ~~) # ولد سنة 1900م في بلدة «راديبويل» بالقرب من مدينة درسدن، ومات ~~سنة 1965م في مدينة هانوفر. درس اللاهوت والفلسفة والأدب الألماني ~~وتاريخ الفن في «ليبزج»، واشتغل معلما وناقدا ومحررا أدبيا. ~~وهذه القصيدة «بيكاسو، الإنسان» مأخوذة من المجلد الثالث من أشعاره ~~التي نشرت بعد موته بعنوان «من كل الرياح الأربع» (هامبورج ~~1967م)، ويبدو أن الشاعر قد رأى في «المرأة» التي تصورها اللوحة ~~رمزا يجسد كل رذائل العصر وآثار التشويه على وجهه وروحه؛ ولهذا ~~ارتفعت نغمة الأخلاق لديه أكثر مما ينبغي! ~~«امرأة جالسة على ~~كرسي وثير» # الاستدارة الضيقة للخد، # مشطوفة كقمر مصغر. # الفك الأسفل ملوي، # والفم يتفجر بالصرخة. # العين بلا رمش تبحلق، # سمكة فزعها العمق، # ذهب الخوف الباهت بعقلها، # تترقب خطاف السنارة! # الانحناءة المتكبرة للأنف # ثنتها قبضة سوداء. # غارت في طيات الجبهة # قوقعة الأذن. # وجبين لم يعد يشي # بما حملته الأفكار، # تصبب بعرق العذاب المخضر، # شيبته محنة الموت. # قصبة العنق الجوفاء # تلحم العدم بالعدم، # صحراء الوجه، # أسر الجسد. # ملعونة اليد والرحم، # والصدر المشقوق الصدع. # شب وكبر في الخطايا. # اسمه: بلا أمل. ~~(3) جان كوكتو ( # Jean Cocteau ~~) ~~(1889-1963م) # كتب الشاعر والفنان الفرنسي المتعدد الاهتمامات (المسرح ~~والرواية والمقال ms148 والفيلم والرسم والرقص والنحت والموسيقى !) هذه ~~القصيدة أو السوناتة وأهداها لصديقه سنة 1954م، بعد أن وهبه قبل ~~ذلك (سنة 1919م) أنشودة طويلة، ووضع عنه دراسة مستفيضة (1923م). ~~وهذه القصيدة التي جعل عنوانها «الشابة» مأخوذة من مجموعته الشعرية ~~«واضح، غامض» التي صدرت في موناكو لدى الناشر دي روشير سنة 1954م. ~~ويلاحظ أن جانب الوجه أو صورته الجانبية تعريب لكلمة «البروفيل» ~~التي يستخدمها الشاعر وتتردد على ألسنة فنانينا: ~~«امرأة جالسة على ~~كرسي وثير» # قولي لي، ماذا أصنع؟ # كيف يحدث هذا؟ # أنظر إلى الشابة من أمام # فتريني مع ذلك جانب وجهها، # كيف يحدث هذا؟ # لها حين أواجهها عين واحدة، # وحين أرى جانب وجهها عينان. # قولي لي: ماذا أصنع؟ # قولي لي: ماذا أصنع؟ # كيف يحدث هذا؟ # يزن وجهها مرآة # تعكس جانب وجهها. # الفصل الثاني والأربعون # | الثورة # الصورة تمثل جزءا من لوحة زيتية رسمها مارك شاجال ~~( # Marc Chagall ~~) (1887-1983م) في ~~سنة 1937م. وكان شاجال قد رجع بعد قيام ثورة أكتوبر الكبرى إلى مسقط ~~رأسه «فيتبسك»، حيث عينه الحزب الشيوعي مسئولا عن الفنون الجميلة، ~~وقام هناك بتأسيس أكاديمية فنية. ويلاحظ أن الشطر الأيسر من اللوحة ~~يمثل الثورة السياسية، ويرى فيه البحارة رافعين البنادق والأعلام، ~~أما الشطر الأيمن منها فيعبر عن الثورة الفنية والإنسانية. وربما ~~أمكننا أن نميز فيها سفينة تندفع إليها مجموعة من الناس فضلت ~~الهجرة إلى بلد آخر، وحفلا يشارك فيه نساء ورجال وأولاد وبنات، ~~وعلما أحمر مطروحا على الأرض، وحمارا وقورا يتربع فوق كرسي. ~~أما في وسط اللوحة فنرى مائدة وقف عليها رجل في وضع مقلوب، وهذا ~~الرجل هو إليتش لينين بلحيته وقبعته المعروفة، وقد استند جسده على يده ~~اليمنى، ومد ذراعه اليسرى كبهلوان، أو بطل رياضي يعرض ألعابه ~~البارعة! وأما الطرف الآخر من المائدة فقد استند إليه يهودي حزين، ~~لعله شاعر أو متشرد، أو مراب أو رجل متدين، يتكئ رأسه على يده ~~اليسرى، وتحمل يده اليمنى لفافة تشبه أن تكون طفلا - كما تصورت ~~صاحبة القصيدة التالية التي شاهدت اللوحة مطبوعة على بطاقة بريدية ms149 - ~~بينما هي في الواقع نسخة من التوراة أو صحف منها على لفائف من الرق. ~~وثمة أشياء ووجوه أخرى عديدة وضعت بجانب بعضها على طريقة شاجال في ~~شغل الفراغ بموضوعات تتجاور بصورة غير مألوفة، وتسبح قلقة في فضاء ~~اللوحة، وتوحي في الغالب برموز دينية وشعرية وذكريات عن الريف الروسي. ~~استلهم الصورة الشهيرة عدد من شعراء العصر نذكر منهم: ~~(1) سارة كيرش ( # Sarah ~~Kirch ~~) # ولدت الشاعرة سنة 1935م في ليملنجرود في منطقة الهارس من شمال ~~ألمانيا. درست علم الحياة (البيولوجيا) في جامعة هالة، كما درست ~~الأدب في جامعة ليبزيج، وعاشت فترة من حياتها في برلين الشرقية ~~قبل أن تنتقل إلى شطرها الغربي. تعد اليوم من ألمع الشعراء في ~~الأدب الألماني، وتذكر لها ترجماتها للشعر الروسي (خصوصا ~~ألكسندر بلوك وأخماتوقا وغيرهما)، ويلاحظ أن التاجر الذي يشير ~~إليه السطر العاشر من قصيدتها (شاجال في فيتبسك، 1966م) موجود على ~~الحافة السفلى للوحة، إلى اليمين، وأن البحارة الذين يلوحون ~~ببنادقهم في الطرف الأيسر منها، وأن الرسام الذي يقف أمام الحامل ~~ويستعد لتسجيل ظواهر الثورة موجود في الجزء الأعلى من اللوحة إلى ~~اليمين. أما الطفل الذي يضعه اليهودي على ركبته فهو كما سبقت ~~الإشارة نسخة من التوراة وليس طفلا. ~~«الثورة» # كان المصباح الزيتي لا يزال مشتعلا # عندما جاء العمال في الليل رافعين الأعلام ~~المشدودة. # على المائدة وقف على رأسه في مهب الريح # رجل له ذقن «لينين» وقبعته. # الكأس تنقلب وتسيل، يهودي عجوز # يشبه إليتش في عامه الأخير، # يضع على ركبته طفلا في لفافة حمراء. # الحيوانات لم تعد تسكن الهواء. # تسع شمعات والقصور تحترق بلهب ناعم. # التاجر يحمل كيسه، يقفز بمعطفه الأخضر في السفينة # لكي يغادر هذه البقعة من الأرض. # كتائب البحارة تلوح بالبنادق، # الرسام يهيئ القماش على الحامل # ليعرض علينا الانقلاب الذي تم بنجاح. ~~(2) كورت بارتش ( # Kurt ~~Bartsch ~~) # ولد الشاعر سنة 1937م في برلين الشرقية، وتقلب بين مختلف ~~الحرف العملية والوظائف المكتبية والتعليمية. درس في معهد الأدب ~~بجامعة ليبزيج. وهذه القصيدة التي سماها «عيد الثورة» - عن لوحة ~~لمارك ms150 شاجال - نشرت في مجموعته الشعرية «ماكينة الضحك» التي صدرت ~~عن دار فاجنباخ ببرلين سنة 1971م. ~~«الثورة» # على المائدة الفارغة # يقف العلم الأحمر فوق رأسه، # يفرش المائدة بالأمل المخضر، # يقف على رأسه، فتصبح السماء تحته # تفرق بياضها على السطوح والأسوار الخضراء، # وتخيط للنساء - بملء الحنجرة - مناديل الرأس. # يتشقلب، أحمر، يقف على رأسه، # يفقد من الجيوب الخضراء تفاحة، # تتفجر في قلب الملاءة الكبيرة. ~~(3) بول إيلوار ( Paul ~~Eluard ~~) # من المعروف أن الشاعر الفرنسي العظيم كان على علاقة حميمة بعدد ~~كبير من المصورين الذين اشترك معهم في مطلع حياته - سنة 1917م - ~~في تأسيس الحركة السريالية (مثل بيكاسو وكيريكو وماكس أرنست، بجانب ~~الشاعرين المشهورين بريتون وأراجون). ومع أنه انشق عن الحركة ~~السريالية وانخرط في مقاومة الاحتلال النازي لبلاده وانضم سنة ~~1942م للحزب الشيوعي، فقد بقي على صداقته وحبه لكبار المصورين، ~~ومن أهمهم بيكاسو. وهذه القصيدة التي جعل عنوانها «إلى مارك شاجال» ~~(كتبها سنة 1946م) لم تستوح من هذه اللوحة وحدها، وإنما تشير ~~إلى «موتيفات» أو إيحاءات وموضوعات ابتعثتها أعمال شاجال ورموز ~~عالمه الفني المحلق على جناحي الخيال الشعري المبدع والعاطفة ~~الصوفية المكتئبة في أجواء غريبة وبسيطة بساطة أرواح الأطفال ونفوس ~~أهل الريف المتدينين. ~~«الثورة» # حمار أو بقرة ديك أو حصان، # حتى جلد عازف كمان، # إنسان مغن طائر وحيد، # راقص بارع مع زوجته، # زوجان مغموسان في ربيعهما. # ذهب العشب، رصاص السماء # يفصل بينهما اللعب الأزرق. # من صحة ندى الصباح # يسطع الدم، يرن الفؤاد. # عاشقان أول الظلال، # وفي نفق تغطيه الثلوج. # ترينا الكرمة الباذخة # وجها له شفتا قمر # لم ينم الليل أبدا. # الفصل الثالث والأربعون # | ثورة الجسر # الصورة للفنان باول كليه ( Paul Klee ~~) ~~(1879-1940م) رسمها سنة 1937م، ويحتفظ بها متحف الفن في مدينة ~~هامبورج. # تعتمد أعمال كليه - أو بالأحرى رؤاه الفنية - على الخيال الخلاق ~~المتحرر من قيود المنطق والمعقول، وتتميز بنظرته الكونية الصافية ~~التي تشرك الكائنات في «سيرك فلسفي» تملؤه أحزان القلب المفعم ~~بالهموم الميتافيزيقية، ويديره الألم والحلم والسخرية، ويمتزج فيه ~~التجريد بالتعبير عن البراءة والدعابة التي ms151 تذرف الدموع. # تلقى «كليه» تدريباته الأولى في مدينة ميونيخ، وتأثر رسمه ~~وحفره في بداية حياته بفن الشاعر والرسام الإنجليزي وليم بليك ~~والمصور بيردسلي، بجانب تأثره في مرحلة متأخرة من حياته بفن «جويا» ~~و«إنسور». كان معلما بفطرته وعاطفته، وتولى التدريس في أشهر مدارس ~~الفنون في العصر الحديث، وهي المدرسة المعروفة باسم «الباهوهاوس» التي ~~أسسها المهندس المعماري «جروبيوس» سنة 1919م في «فيمار» (وهي المدينة ~~الكلاسيكية الألمانية التي عاش فيها الشاعران الكبيران جوته وشيلر)، ثم ~~انتقلت إلى مدينة «ديساو» ومنها إلى برلين، حيث أغلق النازيون ~~أبوابها سنة 1933م. # قام «كليه» بالتدريس في أقسام الزجاج والنسيج والتصوير، كما نشرت ~~المدرسة بعض كتاباته في التربية الفنية مثل «أساليب دراسة الطبيعة» ~~(1923م)، والكتاب التخطيطي التربوي (1925م)، والتجارب الدقيقة في ~~واقعية الفن (1928م). وقد رافقه في تلك المدرسة الشهيرة زميلاه في ~~جماعة «الفارس الأزرق» التعبيرية وهما: كاندنسكي وفيننجر، اللذان ~~شاركهما من قبل في معرض الجماعة الذي أقيم سنة 1912م في ميونيخ. ~~سافر إلى تونس سنة 1914م في صحبة الفنان التعبيري «أوجست ماكيه»، حيث ~~تكشف لخياله المبدع عالم جديد من الألوان، وبدأت مرحلة «تونسية» في ~~إنتاجه الذي ابتعد عن النزعة الأدبية التي طبعت أعماله السابقة، ~~وتحولت رسومه المائية إلى الأشكال البسيطة الموحية ببراءتها وسذاجتها ~~وسيطرة روح الطفولة عليها. # استوحى الشاعر «كريس تانسبرج» صورته «ثورة الجسر»، كما استوحى في نفس ~~الوقت قصيدة قصصية (بالاد) من شعر «جوته» هي قصيدة «الناقوس ~~المتجول» عن طفل يهرب أيام الآحاد من الصلاة في الكنيسة ليتجول في ~~الحقول، فتحذره أمه من الناقوس الرنان الذي سيأتي بنفسه ويأخذه ~~معه. ويتصور الطفل المرعوب أن ناقوس الكنيسة يتجه نحوه مترنحا ويوشك ~~أن يسحقه فيسرع في العدو عبر الربى والمروج، ويدخل الكنيسة بحيث تصبح ~~زيارته لها بعد ذلك عادة متأصلة في نفسه! # أما الشاعر تانسبرج فقد ولد طفلا لقيطا في ولاية «شفيز» ~~السويسرية سنة 1943م، وتقلب بين أعمال وحرف مختلفة؛ فكان قاطع أخشاب ~~ومزارعا وصبي حلاق وصحفيا وواعظا ومعلم رياضة بدنية وبائعا ~~وقاطع أحجار وأمين مكتبة. وأتاحت له ms152 هذه الأعمال فرصة التجوال في ~~مختلف البلاد والآفاق والمتاحف؛ ولهذا كان من أكثر الشعراء المعاصرين ~~إنتاجا لقصيدة الصورة المستلهمة من كنوز الفن القديم والحديث. ~~«ثورة الجسر» # كان هنالك شعب، لم يرد أبدا # أن يحيا في علاقة طيبة مع جيرانه، # على الرغم من أن الجسر ظل يصرخ دائما: # أريد أن أنقلكم للشاطئ الآخر. # الرسام تكلم وقال: الجسر يصرخ، # وبهذا صدر لك الأمر، # وإذا لم تكن على استعداد للذهاب، # فسوف يأتي ويأخذك معه. # الشعب تفكر وقال: # الجسر يشتتني عن أهدافي. # سأبقى منطويا على نفسي، # وأستطيع أن ألعب اللعبة وحدي. # الجسر الجسر لم يعد يصرخ، # والرسام نفض يديه. # لكن يا للرعب الذي حل بعد ذلك! # لقد أقبل الجسر يترنح، # يترنح بسرعة لا يصدقها أحد، # أقبل قطعا متناثرة، # وأخذ يقترب كما في الحلم، # كأنه جسور كثيرة كثيرة. # الشعب المفزوع يريد أخيرا # أن يذهب لجيرانه فوق الجسور. # لكن الأمر الآن في حكم المستحيل؛ # فالجسر تفتت قطعا صغيرة. # الفصل الرابع والأربعون # | أشخاص وكلب أمام الشمس # الصورة للفنان الإسباني الأصل خوان ميرو ( # Juan ~~Miró ~~) (ولد سنة 1893م) الذي يعد - بجانب ~~سلفادور دالي - أهم السرياليين الإسبان في القرن العشرين. تعبر صورته ~~هذه - مثل غيرها من صوره - عن طابعه المتميز بالبراءة الساحرة ~~والبساطة الطفلية المهندسة (إن صح هذا الوصف!) وقد رسمها سنة 1949م، ~~وتوجد بمتحف الفن بمدينة «بازل» أو «بال» السويسرية. رآها الشاعر ~~الألماني بيتر يوكوسترا ( Peter ~~Jokostra ~~) (ولد سنة 1912م) سنة 1952م مطبوعة ~~بالألوان على بطاقة بريدية، ويبدو أنه ظل محتفظا باللوحة على جدار ~~مسكنه أو في ركن من أركان ذاكرته، حتى ظهرت للنور في هذه الأبيات التي ~~كتبها سنة 1964م: ~~«تحت صورة لميرو» # يا ميرو الرقيق، # من يدخل في ظلك، # يطارد خفافيش الليل # من الشعر، # يلعب مع كلاب الريح، # 1 # سبعة عشر وأربعة. # خفي (كالأسرار) # هو الأثر الهندسي # لظلالك، # الكرات القمرية # حمراء وماكرة. # كذلك الشمس # ترتفع وتهبط # في نفس المصعد # ولا تغيب. # وراء أفق # أضأت في الأنوار. # ولأن هذا ما تريده، # تغوص النجوم، # عندما تمسح الغبار عن ms153 مسارها # بلمسة من فرشاتك. # يا ميرو الرقيق، # كل الأشياء، # التي تحبها وتناديها، # تتلاقى في براءة ~~(لقاء) الأشباح اللطيفة. # الفصل الخامس والأربعون # | الزرافة المحترقة # الصورة للفنان الأشهر سلفادور دالي ( # Salvador ~~Dali ~~) (ولد سنة 1904م)، رسمها سنة 1935م، وتوجد ~~بمتحف الفن في مدينة «بازل» أو «بال» السويسرية. وهي من أدل لوحاته على ~~فنه المتطور من مرحلة إلى مرحلة (من التكعيبية إلى السريالية إلى ~~غرائب لا تندرج تحت وصف أو مذهب محدد!) شأنه في هذا شأن مواطنه ~~بيكاسو. # استلهمها الشاعر بييت برشبيل (المولود سنة 1939م). هذه القصيدة التي ~~يحكي قصتها فيقول إنه شاهد اللوحة الأصلية سنة 1963م أو 1965م في متحف ~~«بازل»، واحتفظ في جيبه ببطاقتها المطبوعة أكثر من سنة - كعادته في ~~الاحتفاظ ببطاقات أخرى وكأنه متحف متجول! - وجدير بالذكر أن الشاعر ~~ألف ديوانا كاملا مستوحى من الصور واللوحات الفنية لمختلف ~~الرسامين سماه «الصور وأنا»، وظهر في زيورخ سنة 1968م. ~~«الزرافة المحترقة» # نسختان من امرأة، # صحراء أفريقية، سماء ربيع إسبانية، # جبال بابل، إنسان الساونا، # 1 # الزرافة التي تحترق متوهجة # وتنتظر في هدوء، # حتى تلتهم النار مراعيها البرية وسماواتها. # هذه لحظات، تمتد على السنوات، # على الحياة شبيهة بخيمياء. # 2 # أحد مؤسسي الديانات، # أو: حياة في الجحيم، # يسمح فيها أحيانا بالتخفيض على المبيعات بالجملة، # صورتها الفرشاة بالأدراج الفارغة المشدودة. # والطحال المنزوع، # ربما كان هو المخ الذي يتأرجح # وسط أسماك خرساء، # وصحراء صامتة. # الإيماءات هناك، # القروح، مساند الجسد، # السموات البلورية، # البشر - المحترقون بلا حراك - # كل شيء هناك. # ما تفتقر إليه هو تكرار الأحلام. # كثيرا ما أتمنى أن أخبئ زمنا طويلا # في جيوبي لكي أحميه من الحساسية المفرطة، # من تأثيرات الطقس المتقلب والأعمال التجارية. # وعندما ينتهي كل شيء، # أتمنى أن أستخرجه من الجيوب، # أن أتأقلم معه، # كما توقعت هذا من الناس. # كثيرا ما أتمنى # أن أحتفظ معي بالزمن، # كما أحتفظ بيقين الموت، # كزرافة محترقة، # مختلجة بالذكريات # عن الصبي الصغير بسرواله القصير، # الذي يدور فوق قريته بطائرة من صنع يديه، # وينفذ ببصره داخل المطابخ والنوافذ، # ولا يفكر أبدا ms154 في المستقبل، # ولا في الحياة بوجه عام، # ولا بوجه خاص، # بل يدور بطائرته الخشبية # التي ركب فيها موتور # سيارة شيفروليه قديمة # فوق البيوت القليلة، # فوق القرية، # والمدن، # والعالم. # | قائمة المصادر والمراجع # (1) المراجع الأجنبية # Everyman’s Dictionary of European ~~Writers by W. N. Har-graves - Mawdsley - London, ~~Dent & Sons, 1968. # Irmscher, Johannes (Hrsg.), Lexikon der ~~Antike - Leipzig, VEB Bibliographisches Institut, ~~1972. # Krpanz, Gisbert (Hrsg.), Gedichte auf ~~Bilder. Anthologie und Galerie München, DTV, ~~1975. # Kranz, Gisbert (Hrsg.), Deutsche ~~Bildwerke im Deutschen Gedicht. München, Max Hueber ~~Verlag, 1975. # Kranaz, Gisbert (Hrsg.), 24 Gedichte ~~interpretiert. Bamberg, C. C. Buchners Veplag, ~~1972. # Murray, Peter & Linda, The Penguin ~~Dictionary of Art & Artists. London, Penguin ~~Books, 5th Edition, 1984. # The Oxford classical ~~Dictionary Princeton Encyclopaedia of ~~poetics. # Myers, Bernard’s and schipley D. ~~(Editors), Dictionary of 20th century Art. New-York, ~~Mcgraw-Hill Book company, ~~1974. # The Readers Companion to World ~~Literature. Edited by L. H. Homstein, G. D. Percy, ~~S. A. Brown. New York, Menter Books, The New ~~American Library, 1973. # Sylrester, David, Modern Art from Faurism ~~to Abstract Ex-pressionism. New York, Grolier, ~~1967. # Walsh, Williams, Heroes and Heroenes of ~~Fiction - classical, Mediaeval, Legendary - Philadelphia & London, Lippincott company, ~~1966. # Wilpert Gero von, Lexikon. Deutscher ~~Dichter - Stuttgart, Kroner, ~~1963. # Wilpert Gero von, Sachwörterbuch der ~~Literatur - Stuttgart, Kröner, ~~1974. ~~(2) المراجع العربية # د. جابر أحمد عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي ~~والبلاغي. القاهرة، دار المعارف، 1973م. # د. شكري محمد عياد، كتاب أرسطوطاليس في الشعر، القاهرة ، ~~المكتبة العربية، دار الكاتب العربي، 1967م. # مجلة أبولو (أربعة مجلدات من سبتمبر 1932م إلى أكتوبر ~~1933م). # مجلة فصول، المجلد الخامس، العدد الثاني، 1985م (الأدب ~~والفنون). # دواوين ومجموعات شعرية مختلفة منصوص عليها في الكتاب، ~~وكتب مفردة عن كبار الفنانين. # عبد الغفار مكاوي، ثورة الشعر الحديث، من بودلير إلى ~~العصر الحاضر (في جزأين) القاهرة، هيئة الكتاب، ~~1972-1974م. # عبد الغفار مكاوي، لحن الحرية والصمت، الشعر الألماني ~~بعد الحرب العالمية الثانية، القاهرة، هيئة الكتاب، 1975م، ~~المكتبة الثقافية. # عبد الغفار مكاوي، التعبيرية، صرخة احتجاج في الشعر ms155 ~~والقصة والمسرح، هيئة الكتاب، 1973م، المكتبة ~~الثقافية. ms156