######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.QaysarAsfar.Hindawi59137519 #META# Tags: plays #META# ID: 59137519 #META# Title: القيصر الأصفر: ومسرحيات أخرى شرقية #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # القيصر الأصفر‏ # الطفل والفراشة‏ # السيد والعبد‏ # رؤيا ننجال‏ # تمهيد‏ # القيصر الأصفر‏ # الطفل والفراشة‏ # السيد والعبد‏ # رؤيا ننجال‏ # | القيصر الأصفر # | القيصر الأصفر # | ومسرحيات أخرى شرقية # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # من الشرق يطلع النور، وإليه اتجه الغرب - على حد قول الشاعر والمترجم العبقري و«عاشق ~~الأدب العربي» فريدريش ريكرت (1788-1866م) - كما يتجه القمر الشاحب لضياء الشمس كي يتجلى ~~بنورها ويحدق فيها وجها لوجه. وإذا كان بعض أدباء الغرب قد رجعوا إلى الشرق لينهلوا ~~من منابعه الروحية، ويلقوا بأنفسهم في أحضان «الأم الأولى» للغة والشعر والحضارة، ~~ويحاكوا مواده وأساليبه الفنية والأدبية محاكاة إبداعية؛ فقد آن الأوان لكي يتوجه ~~الشرقي صوب الشرق؛ لعله أن يتعرف على كنوزه، ويحقق يوما ذلك الأمل العسير الذي ~~تلخصه حكمة سقراط ومعبد دلفي: «اعرف نفسك»؛ يتساوى في ذلك الشرق الأدنى الذي لم ~~نقترب بعد من جوهره، ولم نتمثل حقيقته التي تكشف عنها آثاره الفنية والأدبية والفكرية ~~في مصر القديمة وأرض الرافدين، أو الشرق الأقصى الذي لم يزد اهتمامنا بتراثه الضخم عن ~~عدد جد قليل من الترجمات والتعريفات المبتسرة، ناهيك عن تقصيرنا حتى اليوم في دراسة ~~لغاته وآدابه ومدارسه الفكرية دراسة علمية دقيقة، كما تفعل كل البلاد المتقدمة. # وليست المسرحيات التي تلتقي بها في هذا الكتاب مجرد «مسرحة» لمجموعة من الحكايات ~~والنصوص التي اطلعت عليها عن اختيار أو اضطرار - بحكم عملي في تدريس الفلسفة الشرقية - ~~ولا هي محاكاة لأشكال ونماذج من الشعر والحكمة المأثورة عن عالم غامض بعيد (على طريقة ~~ريكرت وبلاتين مثلا في الأدب الألماني)، وإنما هي أحاسيس وأفكار وقيم ومواقف جربتها ~~وعايشتها خلال سباحتي المتواضعة في بحر الشرق، ثم ألبستها ثيابا صينية وبابلية، آملا أن ~~تشف لعين القارئ المتعاطف عن هموم مصرية وعربية تجيش بها نفوسنا. ويكفي أن نتذكر أن ~~«جوته» (1749-1832م) صاحب الديوان الشرقي # 1 ~~(1819م) وأول من بدأ حركة الاستلهام الأدبي للكنوز الشرقية بصورة جادة ~~ومبدعة؛ قد عكف على كتابة ديوانه أثناء حرب التحرير الألمانية من طغيان نابليون، وأن ~~الكاتب العربي الذي يحج اليوم إلى ms001 حكمة النفس الشرقية يريد كذلك أن يتحرر ويساعد ~~غيره على التحرر من أمراض أصابت النفس العربية بالتشوه ومرغتها في حضيض «الأنا ~~وحدية» والتسلط والانتهازية وسائر «اللاقيم» التي تجتاح ذواتنا الفردية والجماعية، ~~وتدفعها لتدمير نفسها بنفسها؛ ولذلك فإن الاتجاه إلى حكمة الشرق القديم ليست هروبا من ~~محنة حاضر تهدده الكوارث، وإنما هو محاولة للتزود بزاد روحي يمكن - بجانب الإصرار على ~~الحرية والفكر العلمي المستنير - أن يعين على الخلاص منها. ~~••• # والمسرحية الأولى في هذا الكتاب، وهي القيصر الأصفر، ثمرة انشغال طويل بالفلسفة الصينية ~~القديمة المعروفة باسم «الطاوية» أو فلسفة «الطاو» (الطريق) التي تقول بالعودة إلى الطبيعة ~~والحياة في ظل البساطة والبراءة والسكينة والاستغناء، بعيدا عن كل رغبة أو فعل يمكن ~~أن يفسد مجرى الطبيعة ويعوق التوافق والتجانس معها، بذلك يتحد الإنسان ب «الطاو» أو ~~بالأحرى يصبح هو «الطاو»؛ لأنه هو الطريق والمعنى، وهو الحقيقة والأصل والقوة التي تسير ~~الكون، وهو الواحد الأزلي الأبدي الذي لا يوصف ولا يسمى. وقد اقترنت الطاوية باسم ~~الحكيم المؤسس لها وهو لاو-تزو (من حوالي 570 إلى حوالي 517ق.م.). كما ارتبطت باسم الحكيم ~~الذي بعث في أفكارها المجردة أنفاس الحياة، وأضفى عليها من شاعريته المبدعة ومثاليته ~~الحالمة، وهو تشوانج-تزو (من حوالي 369 إلى 286ق.م.). # يختلف العلماء حول اسم لاو-تزو نفسه: هل هو عنوان مذهب ومدرسة أخلاقية وصوفية دونت ~~تعاليمها في واحدة وثمانين حكمة شاعرية تحمل اسم «اللاو-تزو» وتعرف بكتاب «تاو-تي-كنج» ~~(الطريق والفضيلة)، # 2 # أم أنه - حسب معناه في اللغة الصينية - هو المعلم الهرم والفيلسوف العجوز، ~~أو الكامل بين القدماء (أو-ثان) الذي اعتزل الناس وذهب إلى محو الذات والاتضاع، ~~واجتناب الشهوة، والحرص على رغبة واحدة هي عدم الرغبة في شيء؟ # وتختلف الروايات المأثورة كذلك حول هذا الحكيم الصيني؛ فبعضها يجعل تاريخ مولده في الفترة ~~الواقعة بين القرنين الثالث عشر والسادس قبل الميلاد، وبعضها الآخر يؤكد أنه عاصر ~~حكيم الصين الأكبر كونج-فو-تسو أو كونفوشيوس (من 551-479ق.م.) الذي كان يصغره في العمر، وأن ~~الأخير سعى للقائه حوالي سنة 517ق.م. فعنفه المعلم ms002 العجوز على غروره وادعائه وكثرة ~~تعليماته وقواعده الأخلاقية والاجتماعية، ونصحه بالعودة إلى طريق الحكماء القدماء. ومن هذه ~~الروايات ما يزعم أنه عاش مائة سنة، ومنها ما يدعي أنه لم يمت أبدا، حتى إن كاتبا ~~طاويا من القرن الرابع بعد الميلاد يقرر أن لاو-تزو قد ظهر عدة مرات خلال التاريخ، وأنه ~~في إحدى جولاته إلى الغرب من جزيرة سيلان قد ولد ولادة جديدة على هيئة بوذا. غير أن أرجح ~~المعلومات التاريخية تقول إنه ولد في مزرعة بمقاطعة هو-نان (إلى الجنوب من بكين) وعمل ~~أمينا للوثائق والمحفوظات في بلاط مملكة تشو، في فترة من أشد فترات التاريخ الصيني ~~اضطرابا وأكثرها حروبا. ويبدو أنه اقتنع بعد خدمته الطويلة في «تشو» بأن الدولة في ~~طريقها إلى الخراب، فاعتزل العمل، ووضع متاعه القليل على عربة يجرها ثوران أسودان، واصطحب ~~معه صبيا صغيرا كان هو تابعه الأمين في رحلته. وعند حدود الإمبراطورية وأمام بوابتها ~~الأخيرة تعرف عليه موظف الجمرك أو حارس الحدود، ورجاه أن يقيم في كوخه الفقير ~~ويدون فلسفته، فاستجاب لرجائه وأملاه أكثر من خمسة آلاف كلمة يتألف منها ذلك الكتاب ~~العجيب الذي ذكرناه. ثم رجع إلى عربته ومعه الصبي الصغير، وعبر الجبل في طريقه إلى ~~الغربة، فلم يظهر بعد ذلك أبدا ولم يعرف المكان الذي مات فيه، وإن كان البعض يرجح أنه ~~مات في التييت. # وتعتمد المادة التي نسجت منها «القيصر الأصفر» على شخصية هذا المعلم الحكيم والكثير من ~~أقواله وأشعاره التي وردت في الكتاب الشهير المنسوب إليه، كما تعتمد على عدد من الحكايات ~~والأمثولات التي جاءت في كتابات حكيم الطاوية الآخر تشوانج تزو. وإذا كان لاو-تزو يقوم بدور ~~ثانوي في المسرحية، فإن «بطلها» - إذا صح الحديث هنا عن بطولة! - هو تلميذه الناسك الشاب ~~الذي أعطيته اسم «مين-كين-وو». وهو قديس ثائر أو ثائر قديس يحمل بين جنبيه ذلك الطموح ~~الذي يعذب المصلحين ويتعذبون به، ألا وهو الطموح إلى تغيير العالم. بيد أن الناسك ~~الشاب يتعجل تغيير العالم قبل أن يغير نفسه، ويحاول معلمه أن ms003 يرده عن تهوره فلا ينتصح، ~~وينطلق لمواجهة الظلم والقهر والتسلط المجسد في شخصية القيصر الأصفر، فيلقى الأهوال ~~ولا يتخلى عن حلمه بإقامة العدل. وينزوي بعيدا في قرية منسية على حدود الصين يحقق ~~فيها نوعا من «اليوتوبيا» الصوفية التي تصورها حكماء الطاوية في صورة الجماعة الإنسانية ~~المثالية التي تعيش تحت ظلال المحبة والتراحم، والوداعة والنقاء. ولكن هل تصمد مثل هذه ~~«اليوتوبيا» لقوى الظلم والردع والعقاب التي اشتهرت بها الصين القديمة؟ وهل يمكن في ظروف ~~عالمنا المعقد أن نفكر فيها لحظة واحدة، أم هي شطحة من شطحات الحكماء والأدباء لا ~~تستحق منا اليوم أكثر من ابتسامة الإشفاق والرثاء؟ ليس مهما أن نجيب عن هذه الأسئلة؛ ~~فالأهم من ذلك أن «اليوتوبيا»، حتى على هذا المستوى البسيط المتواضع، تظل حلما لا نستطيع ~~أن نتخلى عنه بسهولة. وأكثر من ذلك أهمية أنها تعبر عن ضرورة خالدة لا يمكن التنازل عنها، ~~وهي ضرورة تحدي التسلط الذي يسحق كل أحلام الإنسان، لا في حياة حرة وعادلة ومبدعة فحسب، ~~بل في مجرد أن يحيا حياة سوية. ولا يخفى على القارئ أن التسلط مرضنا العربي المزمن الذي ~~لا أمل في شيء على الإطلاق قبل القضاء عليه. ولولا ضيق المجال لطال بي الحديث عن هذا ~~الموضوع الشائك الذي يمد جذوره في تراثنا ونظم حياتنا وتعليمنا وسلوكنا، والذي ترك في ~~نفسي جراحا ستلازمني إلى آخر عمري وتدخل معي في قبري! ~~••• # والمسرحية الثانية وهي «الطفل والفراشة» أثارتها في نفسي إحدى حكايات «تشوانج-تزو» ~~البديعة التي تقوم على المفارقة الذكية المحيرة، والنزعة المثالية المتطرفة إلى الحد ~~الذي تطمس معه الحواجز الفارقة بين الحقيقة والوهم. ولعل هذه النزعة الذاتية ~~المسرفة - التي تظل تهدد الشعراء والأدباء والفلاسفة أن ~~لم يحترزوا منها بالبدء من الواقع الحي وموضوعية البناء الفني والفكري! - قد كانت وراء تشدد ~~تشوانج-تزو في تأكيد الجوانب السلبية في الفلسفة الطاوية، وخصوصا عدم الفعل «الوو = وي» ~~الذي سبق الحديث عنه، بحيث صورها في صورة الفلسفة الرافضة للقيام بأي دور اجتماعي وإصلاحي ~~أو العاجزة عنه؛ وذلك خلافا ms004 لما أراده مؤسسها الأول الذي ضمنها آراء ومواقف تعد ثورية ~~بكل المقاييس إلى اليوم. ولعل ذلك أيضا كان من أسباب معارضة علماء الكونفوشية لتفكير ~~تشوانج-تزو، واتهامهم له بمعاداة الإنسان والتقاليد والمجتمع، ومعاشرة الأشباح والظلال ~~والرياح الشمالية وجماجم الموتى. # ونص الحكاية التي أشرت إليها لا يزيد عن سطور قليلة يقول فيها الحكيم الحائر المحير: ~~«حلمت ذات ليلة، أنا تشوانج-تزو، بأنني فراشة ترف هنا وهناك، وإنني أشبه الفراشة من كل ~~ناحية. لم أدر إلا أنني أتابع أهوائي كما تفعل الفراشة، وغاب عني الوعي بأنني إنسان. ~~وفجأة صحوت مستيقظا من نومي، ووجدتني «أنا نفسي» مرة أخرى راقدا في فراشي. والآن لا ~~أعرف هل كنت إنسانا رأى في الحلم أنه فراشة، أم أني الآن فراشة تحلم بأنها إنسان؟! - بين ~~الإنسان والفراشة حاجز، وتخطي هذا الحاجز هو الذي يسمى بالتحول.» # 3 # وبجانب هذه الحكاية الشهيرة نسج الخيال حكاية أو أمثولة أخرى عن حكيم دعوته «هوي-تسو» ~~وجعلته يرى في المنام أنه سمكة. والحق إنني عندما بدأت في كتابة هذه المسرحية القصيرة لم ~~أكن أتصور أنها ستصبح سخرية من نوع «الفارس»، أو أنها ستكون نوعا من النقد الذاتي! وربما ~~كان أهم ما يستحق الالتفات فيها هو «التحول» الذي أكده حكماء الطاوية نحو الذات ~~الحقيقية التي تتحد مع السماء والأرض والأبدية والكل، وتتخطى حدود التراب. وتحول ~~الفلاسفة إلى الاتحاد بمعاناة الفقراء المتعبين من أمثال المرأة الشابة التي تشقى لإطعام ~~نفسها وولدها هو في النهاية نوع من التصحيح لأحلام الفلاسفة! # والمسرحية الثالثة «السيد والعبد» تقوم على نص مشهور من نصوص أدب الحكمة البابلية وهو ~~«حوار السيد والعبد». وقد التقيت بهذا النص لأول مرة في الفصل الذي كتبه عالم السومريات ~~الأستاذ توركيلد جاكوبسن في الكتاب القيم «ما قبل الفلسفة» من ترجمة الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، # 4 # ثم قرأته بعد ذلك في عدة ترجمات كانت أهمها وأدقها هي ترجمة الأستاذ و. ج. ~~لامبرت في كتابه عن «أدب الحكمة البابلية». # 5 # ومن المعروف أنه وجد مع آلاف الألواح الطينية الأخرى في مكتبة ms005 الملك الآشوري ~~آشور بانيبال (حكم بين سنتي 668 و627ق.م.) وإنه قد دون على أرجح الآراء خلال الألف ~~الأولى قبل الميلاد وفي العصر الكاسي أو الكاشي الذي استمر قرابة أربعة قرون (من حوالي ~~1795 إلى حوالي 1162ق.م.) وكان على وجه الإجمال عصر انحطاط سياسي واقتصادي في ظل حكام ~~أجانب لا حظ لهم من مجد حمورابي (من 1792 إلى 1720ق.م.) الذي بلغت الحضارة البابلية في ~~عهده ذروة عظمتها وقوتها. # كان أول ما جذبني إلى هذا النص هو الحس الدرامي الذي أجرى به الكاتب أو الشاعر ~~المجهول حواره الذكي الساخر بين السيد البابلي الملول وعبده الصابر الذي تصورت أن ~~الابتسامة لم تفارق شفتيه، ولا شك أن الحوار يمكن أن يوحي بالتشاؤم القاتم والعدمية ~~المطلقة، وربما أشار من بعيد إلى خلفية حضارية أصبح فيها الكل باطلا، وتساوى الفعل ~~وعدم الفعل، وفقد كل شيء قيمته مع انهيار القيم جميعا. ومع ذلك فقد ثرت بطبعي على ~~هذا التفسير المتشائم، وعبرت في ختام المسرحية التي استندت فيها إلى ذلك الحوار عن ~~استحالة الحياة بغير أمل ولا عمل. ولم يمنع هذا من استغلال النص إلى آخر مدى، على الرغم من ~~التصرف في ترتيب أجزائه واللجوء إلى الحق المشروع لأي كاتب في تشكيل مادته بما لا يخرج ~~بها عن هدفها وهيكلها الأصلي. # والمسرحية الأخيرة وهي «رؤيا ننجال» ليست مسرحية بالمعنى التقليدي ولا غير التقليدي. ولا ~~يرجع هذا لكونها «مناجاة» (مونولوج) تدور في صدر ملكة «أور» التي تجتر رؤيا كابوسية ~~أرقت نومها وملأت نفسها رعبا من مصير مدينتها السومرية التي دمرت بالفعل على يد ~~قبائل «الجوتيين» من البدو الغزاة، وإنما يرجع قبل كل شيء إلى أنها ضراعة أو ترتيلة ~~طويلة لمجمع الآلهة السومريين وإلههم الأكبر «إنليل» تنتهي بانتفاضة الشعب المطحون والملكة ~~المترددة المذعورة، وعزمها على إنقاذ «أور» من السقوط؛ صحيح أننا نلتقي خلالها بألوان ~~من الحوار ومشاهد تصور خراب المدينة على يد الشطار والانتهازيين والمتسلطين ~~القدامى في أرض سومر، ولكنها تظل في النهاية ضراعة ومناجاة وترتيلة تردد لحن البكاء ~~على ms006 تلك المدينة الماضية الحاضرة، وهو لحن يختتم بالثورة على الفساد والمفسدين فيما يشبه ~~انتفاضة الأطفال الأبرياء والعزل المحاصرين اليوم في فلسطين، بعد أن فاض بهم اليأس من ~~كل شيء، وأوشك بعضهم على انتظار برابرة العصر كما فعلت ننجال وبعض سكان أور في لحظة من ~~لحظات الضعف التي لم تلبث أن تحولت إلى زلزلة وإعصار وطوفان. # ولا بد من القول باختصار إن أدب رثاء المدن المنكوبة قد عرف في حضارة وادي الرافدين، ~~وسجل الشعراء والكتاب والمفكرون السومريون بكاءهم على المدن المدمرة مثل «أور» ~~«ونيبور» (نفر)، وأكد (أجادة) في أوقات المحن والهزائم والخراب. وأقدم نموذج له وجد ~~مدونا على لوح طيني من مدينة «لجش» ويصف دمارها الفظيع على يد عدوتها القاسية مدينة ~~(أوما) التي طالما اشتبك الصراع بينهما على الحدود. # 6 # وقد التزمت بالنصوص السومرية التي اطلعت عليها في مصادر عديدة سبق أن ذكرت بعضها ولم ~~أجد داعيا للخوض في تفصيلات تاريخية وأثرية يمكن أن يرجع إليها القارئ بنفسه؛ ولذلك ~~أكتفي في هذا التمهيد بالإشارة إلى استفادتي في هذه الترتيلة المسرحية من نصوص أخرى مشهورة ~~في الأدبين السومري والبابلي تؤكد كلها أن مشكلة الشرقي كانت ولم تزل هي مشكلة ~~العدل، وذلك مثل النص المعروف باسم أيوب البابلي «لدلول بيل نيميقي أو سأمجد رب الحكمة» ~~ونص الحوار بين المعذب والصديق (وقد نقلتها للعربية ودرستها في كتاب آخر أرجو أن يرى ~~النور عن قريب)، وذلك بجانب الاستفادة غير المباشرة من قصيدة الشاعر السكندري اليوناني ~~الأصل قسطنطينوس كفافيس (1863-1933م) في انتظار البرابرة. # 7 ~~••• # وأخيرا يبقى أن أدفع عن نفسي شبهات قد يقع فيها القارئ الذي أفسد فطرته «شبه النقد ~~وأشباه النقاد» الذين استفحل شرهم وزاد إزعاجهم في السنوات الأخيرة. وأول هذه الشبهات ~~أن يتصور أحد أن هذه المسرحيات - كما سبق أن ذكرت - ليست سوى نسيج مصطنع من قراءات ونصوص ~~متفرقة. وأعتقد أن القارئ المتعاطف النقي الفطرة والإحساس سيرد بنفسه على أمثال هذه ~~التصورات عندما يجرب النص ويلمس صدقه. وعلى هذا القارئ أعتمد على الدوام؛ به ms007 أثق، وإليه ~~ألجأ من تجاهل النقد الزائف وجهله. ولست في حاجة إلى القول بأن عددا كبيرا من ~~الحكايات والمواقف والشخصيات في «القيصر الأصفر» وغيرها ليس لها أصل بالمرة فيما قرأت من ~~نصوص، وأن أصلها ومنبعها في خيالي وقلبي المهموم بواقعه المصري والعربي الذي لم تعد ~~أزماته خافية على أحد. # والشبهة الثانية التي يمكن أن يقع فيها الظن الحسن أو السيئ هي أن هذه النصوص - ~~وخصوصا القيصر الأصفر - يمكن أن توحي بالحنين إلى القديم أو برغبة المؤلف في «الرجوع إلى ~~الماضي»، ولأن المجال يضيق عن دفع هذا الاتهام، ولأن هذا التعبير الأخير يحمل تناقضه في ~~ذاته؛ فإنني أكتفي باقتباس حكاية قصيرة مأثورة عن حكيم صيني هو هان-في- تزو (من ~~280-233ق.م.) الذي يعد أعظم حكماء مدرسة المشرعين في الصين القديمة؛ # 8 # فهو يقول صراحة إن الحكيم لا يصح أن يسعى لتقليد القدماء أو السير على ~~طريقهم، أو إقامة أي نموذج أو معيار ثابت يصلح لكل زمان؛ لأن الحكيم الحقيقي هو الذي ~~يعيش عصره ويعرفه، ويصارع مشكلاته. ثم يروي هان-في-تزو هذه الحكاية القصيرة التي ~~تغنيني عن مناقشة المتشنجين من أبناء أمتنا، كما تغنيني عن ترديد كلام المستنيرين من ~~أبناء أمتنا كذلك الذين يقاومون تثبيت مطلق الماضي والقديم في زمن يطالبنا بالتطور ~~والتقدم إلى المستقبل. ~~«كان فلاح من منطقة سونج» «يحرث حقلا يقوم في منتصفه جذع شجرة. وفي يوم من الأيام ~~اندفع أرنب بري عبر الحقل واصطدم بجذع الشجرة، فانكسر عنقه ومات. وترك الفلاح محراثه ~~ووقف بالقرب من الشجرة؛ على أن يتمكن من الإمساك بأرنب آخر بنفس الطريقة. غير أنه لم يحصل ~~على هذا الأرنب أبدا، ولم يجن من ذلك إلا سخرية أهل سونج وضحكهم عليه.» ويعلق الحكيم ~~على هذه الحكاية بقوله: لو أراد أحد اليوم أن يحكم الشعب بنفس السياسة التي اتبعها الملوك ~~القدماء لكان شأنه في تصرفه هذا شأن الفلاح الذي راح ينتظر الأرنب البري بجوار جذع ~~الشجرة. # وأخيرا فليست هذه المسرحيات آخر الأمر سوى محاولات وتجارب أضيفها - ورزقي على ~~الله! - إلى تجارب ms008 ومحاولات سابقة، وأقدمها إلى القارئ المتعاطف البصير الذي لن يخذل ~~الإخلاص والصدق أبدا. # القاهرة في شهر شوال 1408ه/يوليو 1988م. # | القيصر الأصفر # الشخصيات # المعلم العجوز (لاو-تزو). # الناسك الشاب (مين-كيي-وو). # القيصر الأصفر. # الحارس الأول. # الحارس الثاني. # التابع (لو-شون-وانج). # الرجل (موظف الجمرك وحارس الحدود). # صبي. # نساء ورجال وشيوخ من أهل البلدة الصغيرة على حدود الصين. # 1 ~~(قاعة يجلس فيها المعلم الصيني العجوز. المعلم مستغرق في تأملاته ~~التي يوقظه منها الناسك الشاب.) # الناسك ~~(بعد أن ينحني ويركع على ركبتيه ويضع جرابه على ~~الأرض) ~~: # معلمي. ~~(المعلم يرفع عينيه إليه ولا يتكلم.) # الناسك ~~: # معلمي، لقد أردت أن أودعك. # المعلم ~~(يتطلع إليه وإلى جرابه الملقى بجواره) ~~: # أنت؟ حقا حقا، هذا ما أراه. # الناسك ~~(يرفع صوته قليلا) ~~: # جئت لأستأذنك قبل السفر. # المعلم ~~: # تودع، وتستأذن قبل السفر! وإلى أين عزمت يا ولدي؟ # الناسك ~~: # عزمت، رعتك السماء يا معلمي، هذه هي الكلمة الصحيحة؛ لقد توقعت أن تقولها ~~بنفسك. # المعلم ~~: # قلت إلى أين عزمت؟ # الناسك ~~: # إلى العالم يا معلمي، بعد شهور من السهر والتفكير قررت أن أخرج إلى ~~العالم. # المعلم ~~: # العالم؟ هو في كل مكان نفس العالم؛ يمكنك أن تعرفه دون أن تغادر عتبة دارك، ~~يمكنك أن تراه دون أن تتخطى حدود قريتك. ~~(يمد الكلمات فيما يشبه الغناء): # العالم في كل مكان نفس العالم، # وقديما عرف العالم، # من لم يفتح بابه، # ورأى الأرض. # وسلك دروب الفلك الأعلى، # من لم ينظر من نافذته! # فالعالم في كل مكان هو نفس العالم. # الناسك ~~: # كان هذا قديما يا معلمي؛ اليوم تغير الزمن وتغير البشر. # المعلم ~~: # الزمن تغير؟ والبشر تغيروا؟ هل أسمع هذا من تلميذي؟! # الناسك ~~(مندفعا) ~~: # نعم يا سيدي. نعم. لا بد أن أقوله، ولا بد أن تسمعه. # المعلم ~~(في يأس) ~~: # تكلم؛ فأنا منصت لك. # الناسك ~~: # إن ما قلته هو كلام الحكماء القدماء. وما اخترت أن أخرج إلى العالم إلا لكي ~~أسير على طريقهم. # المعلم ~~: # ليتك تفعل هذا يا بني؛ فطريق الحكماء القدماء هو طريق الحقيقة. # الناسك ~~: # وهو الطريق الذي علمتني أن أسير عليه. # المعلم ms009 ~~: # أنا يا ولدي؟ # الناسك ~~: # أجل، أجل؛ هل تذكر يوم قلت لي: عندما تحكم الدولة حكما عادلا، فمن ~~حقنا أن لا نشغل أنفسنا بها، أما إذا حكمت حكما ظالما، فمن الواجب أن ~~نزورها. # المعلم ~~: # وهل فكرت في عواقب الزيارة؟ # الناسك ~~(أشد اندفاعا) ~~: # نعم يا معلمي. وعلى استعداد أن أتحملها. إن المرضى يتزاحمون على باب الطبيب. ~~والأنين يصم آذان القادرين على السماع. أريد أن أضع حكمتي موضع الاختبار. ~~أريد أن أجرب فائدتها إن كان فيها فائدة. # المعلم ~~: # هل قالت لك حكمتك أن تناطح الثور الهائج؟ هل علمتك أن تلقي بنفسك في ~~فوهة البركان؟ # الناسك ~~: # لقد صممت أن أرى كل شيء بنفسي، أن ألمس الجروح بيدي، صممت أن أذهب إلى ~~هناك. # المعلم ~~: # إلى هناك! إلى أين تقصد يا بني؟ # الناسك ~~: # إلى مملكة «تسي». # المعلم ~~: # أهي التي استشرت فيها نار الظلم؟ # الناسك ~~: # وتأكد لي مما سمعت أن القيصر الأصفر الذي يحكمها ظالم مستبد. إنه يتصرف ~~وكأن الدولة لا قيمة لها، ويفعل ما يشاء كأن الشعب لا وجود له؛ لهذا يتهاوى ~~الناس كالأشجار الخاوية التي تضربها العاصفة، وتلقى الجثث في كل مكان كأكوام ~~الرماد المتبقي من الحريق، كالهشيم الذي تتزاحم عليه الطيور الجائعة. إن ~~الشعب قد ضاقت به الحياة، والمملكة كأطلال بيت قديم عشش فيه العنكبوت، ~~وحطت عليه البوم والغربان. # المعلم ~~: # وتريد أن تواجه المملكة والملك! # الناسك ~~: # وأعيدها إلى الطريق. # المعلم ~~: # تريد أن تعيدهما إليه قبل أن تعود أنت إليه؟ تريد أن تحققه فيهم قبل أن ~~تتحقق به؟ تريد أن تغير العالم قبل أن تتغير؟! # الناسك ~~: # هذا هو الطريق إلى التحقق والتغيير، هذا هو الطريق إلى الطريق! # المعلم ~~: # الطريق الذي لم تجربه في نفسك قبل أن تجربه في غيرك؟ الذي لم يغيرك قبل أن ~~تسعى لتغيير سواك؟ قل لي يا بني! # الناسك ~~: # تفضل يا سيدي، أسمعني نصائحك قبل الوداع. # المعلم ~~: # أخشى أن تسمعها لآخر مرة؛ كيف ستواجه ذلك الحاكم الطائش الطاغية؟ # الناسك ~~: # كما واجه الحكماء القدماء أمثاله. # المعلم ~~: # وكيف واجهوهم؟ # الناسك ~~: # بالحكمة والفضيلة، بالفطنة وحب ms010 البشرية، بالصدق والأمانة والتواضع. # المعلم ~~: # لن تجني من هذا الزرع حبة واحدة! # الناسك ~~: # كيف يا معلمي؟ # المعلم ~~: # سيكرهك الناس بسبب فضيلتك، وسيتهمونك بالجنون بسبب حكمتك، سيحملونك ذنب ~~الشر الذي جلبته عليهم طيبتك. آه يا ولدي! وسيظلمونك ويعذبونك ~~ويجلدونك. # الناسك ~~(مقاطعا) ~~: # الناس تفعل هذا؟ الشعب؟ لا، لا، لا يمكن أن يفعل الشعب هذا. # المعلم ~~: # يفعله أصحاب النفوس الصغيرة لأنهم يحسدونك على كبريائك. يفعله المتصارعون ~~على الشهرة والمجد لأنك تحتقر الشهرة والمجد، يفعله الجلادون الذين يجدونك ~~أمامهم بلا سوط في يدك. وعندما تقف أمام الناس لتعظهم وتهديهم سينفضون ~~عنك قائلين: هذه طبلة جوفاء جديدة، كالطبول التي طالما دقت آذاننا! نعم يا ~~ولدي، لن تصل بهذه الطريقة إلى قلوبهم. وإذا سمعت نصيحتي قلت لك: لن تصل إلا ~~إلى نهايتك! # الناسك ~~: # إني أسمعك يا معلمي، أرجوك، أكمل نصائحك. # المعلم ~~: # نصائحي؟ إني أحوج إليها منك؛ إنما هي أسئلة أتمنى أن تفكر فيها قبل أن ~~تعزم على سفرك. # الناسك ~~: # لقد عزمت يا سيدي. لكني لن أتحرك من مكاني قبل أن تطرحها علي. # المعلم ~~: # وهل ستفكر فيها؟ هل تتذكرها يوما؟ آه من تهور الشباب! آه من اغتراره بخلود ~~الربيع والقوة! ها أنا ذا أسألك يا ولدي. # الناسك ~~: # تفضل يا معلمي. إنني أسمعك. # المعلم ~~: # قلت إنك ستحاول أن تعيد ذلك القيصر الظالم إلى الطريق. # الناسك ~~: # نعم نعم، كما أعاد الحكماء القدماء أمثاله إليه. # المعلم ~~: # وكيف تأكدت من ظلمه؟ # الناسك ~~: # تأكدت يا معلمي. لا يمكن أن يكون كل من قابلتهم كاذبين. لقيت أفواجا ~~من اللاجئين من مملكة تسي. تكلمت مع الفلاحين وقاطعي الأخشاب وصيادي السمك ~~الفقراء. عرفت من الأطفال والنساء والعجائز ما لحق بالآباء والأزواج ~~والأبناء. حتى الأرض والسماء غاضبان عليه. # المعلم ~~: # الأرض والسماء؟ وكيف هذا؟ # الناسك ~~(يتمشى جيئة وذهابا) ~~: # منذ أن تولى القيصر الأصفر حكم المملكة والسحب تمر عليها دون أن تمطر. ~~منذ أن جلس على عرش المملكة وأوراق الشجر تسقط قبل أن تذبل وتجف. منذ أن تسلط ~~على المملكة وبريق الشمس يخفت، وضوء القمر يزداد صفرة وشحوبا. ms011 إن مظهره ~~يحارب مخبره. ووجدانه يلعن سلوكه ويتبرأ منه. كل شيء في المملكة صار أصفر ~~أصفر! # المعلم ~~: # وكيف تطمع في أن تهديه للطريق؟ كيف تنتظر أن يستمع منك للحقيقة؟ # الناسك ~~: # كما قلت يا سيدي، سأقف أمامه كما وقف الحكماء القدماء، سأهتف به في ثبات ~~واتزان: أيها القيصر، لقد اضطرب نظام العالم. اختلت أسس الحياة واهتزت قواعد ~~المملكة. وإرادة السماء لا تنفذ، حيوانات الحقل تهرب مذعورة، تطاردها ~~الذئاب في غيبة الراعي. الطيور تصرخ في الليل، تحوم مولولة فوق الأراضي ~~المتشققة والوديان الذابلة، فوق الحدائق الخاوية من الكروم والعشاق. أما أسراب ~~الجراد فتزحف كالسحب السوداء. والجراد يلتهم ما كان من قبل يسمى شجرا أو ~~عشبا أو خضرة، ينشر الخراب على الأرض، على كل ما يزحف فوقها أو يحلق أو ~~يمشي. # المعلم ~~(مبتسما) ~~: # وستهتف بصوت عال: هذا هو ذنب الحكم، هذا هو ذنب الحاكم! # الناسك ~~(في حماس) ~~: # كما فعل الأجداد من الحكماء؛ الحكماء الذين أتبع طريقهم وأعتقد أنني خادم ~~لهم. # المعلم ~~: # جميل، رائع! # الناسك ~~: # والفضل فيه لكم. لقد تعلمته منكم. # المعلم ~~: # وتعلمت أيضا أن تكون خادما للأرض والسماء. # الناسك ~~: # بالطبع، وللطريق الحق، والأبدية والوحدة والواحد يسري في الكل؛ هل هناك ~~اختلاف بين خدمة الأسلاف وخدمة الأرض والسماء؟ # المعلم ~~: # في الأصل لا. ولكن في هذه الحالة نعم! # الناسك ~~: # أرجوك، فسر كلامك. # المعلم ~~: # استمع إلي؛ سأفسره من ناحية الحاكم. # الناسك ~~: # القيصر الأصفر؟ # المعلم ~~: # نعم نعم. هذا الذي تقول إنه صبغ كل شيء بلونه البغيض. ثم من ناحيتك أنت ~~أيضا يا ولدي. # الناسك ~~: # كل كلمة تقولها تزيد من تصميمي وعزمي. # المعلم ~~: # تزيد من عزمك؟! لا أدري. إن هذا الحاكم الأصفر يستعرض الكمال أمام الناس ~~ويملؤه الغرور كما يملأ القش كيسا منفوخا. هل نقول إنه يخفي نقصه وضعفه ~~وراء أبهته وقوته؟ من الصعب أن نحكم على حقيقة أمثاله من مظهرهم؛ فهو يرفض ~~أن يعارضه أحد. ولذلك يستمتع بإحناء ظهور الآخرين. وهو يعلم أنه فراغ وخواء ~~من الداخل ؛ ولذلك يلذ له أن يفرغ من حوله ويجعلهم خواء لكي ms012 يطمئن. ~~وقد لا يطمئن يا بني حتى يرى أمثالك تمزقهم الأغلال، أو تتدلى رءوسهم ~~وألسنتهم من فوق المشانق! # الناسك ~~: # أكرر ما سبق أن قلت يا معلمي: إنني على استعداد للتضحية. # المعلم ~~(ضاحكا) ~~: # ولكنها تضحية بلا ثمن! لقد اصطدمت بمظهره ولم تنفذ إلى باطنه. # الناسك ~~: # ماذا تقصد؟ # المعلم ~~: # هل تعرف السائس الذي يمد يديه إلى ظهور الخيل ليخلصها من الذباب ~~والحشرات اللاسعة التي تلتصق بجلدها؟ ربما يفزعها فجأة فتثور ثورة عنيفة ~~وتجرح نفسها وتجرحه، وربما ترفسه رفسة مميتة. # الناسك ~~: # ما زلت على استعداد للموت؛ المهم أن ينتبه الشعب. # المعلم ~~: # الشعب؟! هذا الوجه الهائل الغامض أبدا؟ هل تظن أنه سيشعر بك؟ وإذا شعر بك ~~فهل تظن أنه سيصدقك؟ # الناسك ~~: # ولم لا؟ ما دمت أواجهه كما واجهه الحكماء القدماء. إنني أخدمهم وأسير ~~على طريقهم. # المعلم ~~: # ليتك تخدم الأرض والسماء قبل أن تخدمهم؛ فقد ساروا على طريق الأرض ~~والسماء. # الناسك ~~: # وواجهوا الشعب وغيروه. # المعلم ~~: # لم يواجهوه بالمواعظ وحدها، لم يغيروه قبل أن يتغيروا. # الناسك ~~: # ولكنني سأواجه الشعب كما واجهوه؛ بالفضيلة وحب البشرية، بالثبات ~~والاتزان. # المعلم ~~: # هذا ما قلته من قبل. ولكنه لن يسمع إلا كلمات. وسينفض عنك في النهاية وهو ~~يقول: مهرج جديد يبحث عن الشهرة والمجد! # الناسك ~~: # سأحاول أن أغيرهم فيغيروا ما حولهم. آه يا معلمي! كل هذا الخراب والذبول ~~والفساد. # المعلم ~~: # هل تملك الطبول العالية الصوت أن تعيد للأرض خصبها، وللقلوب والأشجار ~~ربيعها، وللحياة. # الناسك ~~: # لن أتردد عما عزمت عليه. # المعلم ~~: # أنت مصمم إذن. # الناسك ~~: # وما سمعته منك يزيدني تصميما. # المعلم ~~: # افعل يا ولدي ما تشاء. لكنك ستكون مثل تلك الجرادة التي أرادت أن توقف ~~العربة الكبيرة التي تزعجها وتزعج الناس في الطريق. فردت أجنحتها واستلقت ~~على أرض الشارع كي توقفها عن الحركة، لكنها عجزت عن تحقيق هدفها لأنها أخطأت ~~التقدير؛ ولهذا سحقتها العربة والخيل والسائق دون أن تغير شيئا! # الناسك ~~: # سيدي، لا يمكن أن أقف ساكنا والشعب هناك يتألم، لا يمكن أن أعكف على ~~تعلم الحكمة والناس في مملكة «تسي» يجوعون ms013 ويعذبون ويهانون، لا يمكن أن ~~أصبر والضحايا المظلومون تتدلى جثثهم في الساحات والميادين بحجة إقامة العدل ~~والقوانين. اختل نظام الكون. اضطربت قواعد الدولة. كيف أنتظر ولا أحاول ~~التغيير؟ # المعلم ~~: # قبل أن تغير نفسك؟! # الناسك ~~: # لقد جمعت من حكمة القدماء ما يكفي. # المعلم ~~: # وهل تأكدت من أنك أصبحت حكيما؟ هل تتوقع أن يربي غيره من لم يرب ~~نفسه؟ # الناسك ~~(يحمل جرابه على ظهره) ~~: # سأذهب يا معلمي. # المعلم ~~: # لا أستطيع أن أمنعك. # الناسك ~~: # أعلم أنك تخشى علي، لكنني تعلمت منك ما يعينني على السير على الطريق؛ ~~تعلمت منك ما يساعدني على الحياة أكثر من هذا الزاد في جرابي لا بد يا ~~معلمي. لا بد. # المعلم ~~: # الوداع يا ولدي، تذكر ما قلته لك اليوم. # الناسك ~~: # وما تعلمته منك بالأمس وقبل الأمس. ~~(يتقدم منه، يعانقه ويبكي.) # المعلم ~~: # لا تبك يا ولدي. إنما أردت أن أحذرك. # الناسك ~~: # وهل كنت تتردد عن محاولة تغيير العالم والناس؟ # المعلم ~~(مبتسما يربت على كتفيه) ~~: # تغيير العالم والناس؟! مثلنا يغير نفسه أولا. يحاول أن يكون كاملا قبل ~~أن يدعو غيره إلى الكمال. وإذا أضاء مصباحه فربما يستنير به العالم، ربما ~~يستنير الشعب. # الناسك ~~: # أن أغير نفسي أولا، أن أصبح كاملا قبل دعوة غيري للكمال، ولكن هذا هو الذي ~~أريد. # المعلم ~~: # لا تتعجل يا ولدي. # الناسك ~~(في حماس) ~~: # وهذه هي معالم الطريق؛ لهذا أسير على الطريق. # المعلم ~~: # المهم أن تكون أنت الطريق! # الناسك ~~: # وهل يمكن أن أكونه بغير أن أسير عليه؟! هل يمكن أن أتغير بغير أن أغير؟! ~~الوداع يا معلمي، سأذهب إلى الشعب، سأواجه القيصر الأصفر. الوداع، الوداع، ~~الوداع ~~(يسرع خارجا) ~~. # المعلم ~~: # الوداع. ~~(ثم لنفسه بعد أن يذهب) # كم أخاف عليك يا ولدي! # 2 ~~(ساحة واسعة تبدو، وأعواد المشانق من بعيد، تتدلى منها جثث ~~المحكوم عليهم بالإعدام. حارسان ليليان يغفوان بالقرب منها. يدخل الناسك الشاب من ~~جانب المسرح، يرى المشانق فيهتف.) # الناسك ~~: # لا بد أنني وصلت إلى مملكة القيصر الأصفر، وصلت بعد البحث الطويل وعناء ~~الصعود على قمم الجبال، والهبوط ms014 في السهول والوديان، وهذه جثث المظلومين ~~توجهني. والغروب يؤذن بالليل الموحش البارد. ترى كم من الجثث يتمدد ~~الآن في الأكواخ والبيوت وفوق الحقول الخربة؟! كم من الأشباح الجائعة يهيم ~~في الطرقات، أو يستريح تحت الشجر الذابل، أو يقع تحت جدار متهدم؟! # هذه هي المملكة التي مرت عليها السحب دون أن تمطر، وسقطت فيها أوراق ~~الشجر قبل أن تجف، وشحب وجه الشمس والقمر من الحزن والاكتئاب. أيتها الجثث ~~المسكينة! ها أنت تتدلين من الحبال ولا تعرفين. لا تعرفين أن قوة السماء ~~قد اختلت نواميسها، وأن قوة الأرض قد قيدت في الأغلال، لا تعرفين أن عجلة ~~الحياة قد خرجت عن محورها، أن الفصول الأربعة قد اضطربت دورتها، أن عناصر ~~العالم الستة تتصادم وتتصارع كالثيران المعصوبة الأعين، أو قطعان الماشية ~~العمياء. واها لي! ماذا أفعل؟ هل أستطيع أن أصلح نواميس الأرض والسماء، أن ~~أواجه جيوش الدود والأفاعي والغربان التي تنهش جسد المملكة؟ أن أوقف زحف ~~النمل والسوس والعقارب والعناكب؟ أن أعيد البلابل إلى الأشجار، والقطيع إلى ~~الحظيرة، والراعي. أين هو هذا الراعي المسئول عن كل شيء؟ أين هو الراعي! أين ~~الراعي غير المسئول! ~~(تفلت منه صيحة تجعل أحد ~~الحارسين يهز رأسه ويفرك عينيه. الناسك لا يراهما ويحث خطاه نحو الجثث ~~المعلقة) # أيها الأبرياء المساكين! إنني أصرخ للسماء وأشكو إليها ~~حظكم. أريد أن أصيح بملء صوتي: أيها الرجال! أيها الرجال! انتشر الخراب في ~~الأرض، فكنتم أول ضحاياه. شاعت حفر الاضطراب في المملكة فكنتم أول من سقط ~~فيها. أريد أن أنزلكم من على المشانق، أن أوقفكم على أقدامكم، أن أخلع ~~ملابس النساك وأغطي بها عريكم. أريد أن أجركم معي على الطريق، وأزحف ~~بكم إلى القرى والبلاد، وأقف معكم على بوابات المدن، وأطرق أبواب البيوت ~~وأنا أصرخ: انتبهوا أيها النائمون! اسمعوا أيها الصم! هل كان هؤلاء الرجال ~~مذنبين؟ هل كانوا هم اللصوص الحقيقيين؟ هل كانوا هم القتلة الحقيقيين؟ (يتقدم ~~منه الحارس في خوف ويشد ثوبه فلا ينتبه إليه.) # الحارس ~~: # أنت، أنت! # الناسك ~~: # هل أنتم اللصوص الحقيقيون؟ ms015 هل أنتم القتلة الحقيقيون؟ # الحارس ~~: # إذا لم يكونوا هم اللصوص والقتلة فمن هم؟ # الناسك ~~(مواصلا هتافه) ~~: # لا، لا، لا يمكن أن يكونوا كذلك. انطقوا، تكلموا! # الحارس ~~: # أنا الذي أتكلم، ألا تسمعني؟ # الناسك ~~(مستمرا في انفعاله) ~~: # تكلموا وقولوا للجميع: لقد تركوا اللصوص الكبار وشنقونا، انحنوا للقتلة ~~احتراما وأعدموا المقتولين! # الحارس ~~(يشده من يده) ~~: # حاذر مما تقول! # الناسك ~~(ينفض يده منه) ~~: # دعني، دعني. # الحارس ~~: # لكي تشنق بجانبهم يا مجنون؟ ثم إن صوتك مرتفع وسينبه زميلي هناك. # الناسك ~~: # زميلك، وأنت، من أنتما؟ # الحارس ~~: # قل لي أولا من أنت؟ # الناسك ~~: # أنا الذي سمع بما يحدث في مملكة تسي، فجاء على الفور. # الحارس ~~: # لتتدلى رأسك بجوار هؤلاء؟ # الناسك ~~(صائحا) ~~: # لأرفع صوتي للسماء. لأعلن للشعب كله؛ ليس هؤلاء هم القتلة الحقيقيين! ~~ليس هؤلاء هم اللصوص الحقيقيين! # الحارس ~~: # أيا كان رأيك فهم الآن مشنوقون. # الناسك ~~: # ولهذا سأرفع صوتي للسماء، سأعلن للشعب، سأقول لكل عابر سبيل. # الحارس ~~: # أعلن وقل ما تشاء، لكن أرجوك، لا ترفع صوتك. # الحارس الثاني ~~(يتجه نحوهما وهو يغالب النوم) ~~: # ما هذا! من هذا؟ # حارس أول ~~: # أرأيت؟ لقد جنيت عليهم وعلي وعلى نفسك. # الناسك ~~(مستمرا كأن عينيه لم تقع عليهما) ~~: # سأقول بأعلى صوتي: هؤلاء هم الضحايا! # حارس ثان ~~: # هؤلاء ... ضحايا؟! ~~(ينظر لزميله ويشير إلى رأسه ~~بإصبعه.) # حارس أول ~~: # ونحن، ماذا يسمينا؟ # الناسك ~~: # أنتم أيضا ضحايا! # الحارسان ~~(معا) ~~: # نحن ... ضحايا؟ # الناسك ~~: # أجل، أجل؛ سنوا القواعد والقوانين، فكثر عدد المجرمين. وضعوا الأوامر ~~والنواهي، فكثر عدد السجون والحراس. لهجت ألسنتهم بالشرف والعار، فنشأ ~~الثأر والغدر. فتحوا الأعين على التملك والثراء، فبدأ الشجار والنزاع. ~~أغروا الناس بالترف والرخاء، فسلبوهم الراحة والأمن. ثرثروا عن الخير ~~والصدق والفضيلة، فامتلأت الشوارع والأسواق والبيوت بالرذيلة والكذب والفجر ~~والغدر. # حارس أول ~~: # وهؤلاء؟ # الناسك ~~: # ضحايا، ضحايا! # حارس ثان ~~: # ونحن؟ # الناسك ~~: # قلت لك: ضحايا، ضحايا ~~(يبكي بصوت عال. يلتفت ~~الحارسان لبعضهما البعض. يقتربان منه ويربتان على ظهره وكتفيه. ينهض فجأة ~~وينطلق إلى المشنوقين) ~~. # الناسك ~~: # ألا تصدقان؟ ألم يقولوا الحقيقة لكما؟ ألم يصرخوا في سمعكم: نحن ضحايا ms016 ~~مظلومون. نحن ضحايا مظلومون؟! ~~(يقترب من الجثث واحدة ~~بعد الأخرى) # أنت أيها الشيخ! كلفوك أن تحمل حملا ثقيلا. ~~وعندما عجزت علقوك من رقبتك. وأنت أيها الشاب النحيل. أعطوك سيفا صدئا ~~وطالبوك بأن تبارز العدو، وعندما انهزمت شدوا الحبل على عنقك. وأنت أيها ~~السقيم العليل، طالبوك بالمحصول الوفير، وعندما بخلت الأرض حاكموك وأدانوك ~~ولفوا رأسك في العصابة السوداء. وأنت ... وأنت ... # الحارسان ~~(معا) ~~: # وأنت؟ ألا تخاف؟ # الناسك ~~: # أنا الذي لا يخاف أن يقول: هذا هو ذنب الحكم. # الحارسان ~~(معا) ~~: # الحكم؟ # الناسك ~~: # والحاكم أيضا، كان الحكام القدماء يرجعون الخير للشعب. أما الشر ~~فيحاسبون أنفسهم عليه. كانوا ينسبون النجاح للشعب، أما الفشل فيحملون وزره ~~على أكتافهم، كانوا يقولون على الدوام: العدل والنفع منه، والظلم والضرر منا، ~~ونحن المسئولون عن إصلاحه، لكن حكام هذه الأيام. # حارس أول ~~: # حكام هذه الأيام؟ ~~(يتلفت حوله.) # حارس ثان ~~(لزميله) ~~: # هل قال شيئا عن الحكام؟ # الناسك ~~: # نعم، حكام هذه الأيام. # الحارسان ~~(معا) ~~: # نتوسل إليك، الأسلم أن تتكلم عن المحكومين. # الناسك ~~: # نعم، نعم، سأتكلم عن المحكومين عندما يحسون أن الأعباء فوق طاقتهم يلجئون ~~إلى الغش. عندما تخونهم قواهم يلجئون إلى التحايل، وعندما يقصر علمهم ~~يلجئون إلى الخداع، وعندما تعجز أموالهم وأملاكهم عن الوفاء بالضرائب والديون ~~يلجئون إلى السرقة. كيف يمكن أن يكونوا صادقين حيث تنتشر الكذبة الكبيرة؟ ~~وكيف يتعلمون الأمانة ومعلمهم خائن؟ # الحارسان ~~(معا) ~~: # معلمهم خائن؟! # الناسك ~~: # ألم تسمعا من يقول: # كلما زاد عدد القيود والحدود في المملكة زاد فقر الشعب. # وكلما زاد عدد الأسلحة، # عم الاضطراب في البلاد. # وكلما كثرت القوانين والتعليمات، # كثر عدد اللصوص وقطاع الطرق! # حارس ~~(يتسلل خفية) ~~: # يا للفظاعة! ومن المسئول عن هذا؟! # الناسك ~~: # اسمعوا زميلكم الذي يسأل: من المسئول عن هذا؟ ~~(الحارسان ينظران إلى الحارس الجديد. يلتفتان لبعضهما ~~ويسكتان.) # الناسك ~~: # ألم تعرف أنت أيضا؟ # الحارس 3 ~~: # ليتك تنير ظلامي! # الناسك ~~(مندفعا) ~~: # إذا كان الشعب يجوع؛ # فلأن حكامه يلتهمون الضرائب التي تفوق طاقته، # لهذا يجوع الشعب. # إذا كان الشعب لا يحترم الموت احتراما كافيا، # فلأنه ينساق وراء ms017 البذخ والترف؛ # ولهذا لا يحترم الموت احتراما كافيا. # الحارس 3 ~~: # الحكام يفعلون كل هذا؟! # الناسك ~~: # بل يفعله الحاكم وحده! # الحارس 3 ~~: # الحاكم أم الملك أم القيصر؟ # الناسك ~~: # وما الفرق؟ لقد تكلمت عن ظلمه، وهاك ما أقوله عن كذبه: # إن الحاكم ينافق الناس، # يوافقهم على كل شيء، # يسير كالأعمى وراءهم، # هذا ما أسميه سرقة الشعب. # إنه يتظاهر بالثناء عليهم؛ # لكي يخفي احتقاره لهم، # يتملقهم لكي يسهل عليه أن يقودهم إلى الهاوية، ويغرقهم في بحار ~~الكوارث؛ # لهذا فسد الحكم وفسد الحاكم. # الحارس 3 ~~: # وفسد الملك والمملكة؟! وفسد القيصر! # الناسك ~~: # من يسرق حافظة نقود يعاقب ويشنق، ومن يسرق دولة وشعبا يتوج على ~~العرش. # الحارس 3 ~~: # يتوج عليه أم يسرقه؟ # الناسك ~~: # وليته يكتفي بهذا؟ # الحارس 3 ~~: # هل يسرق شيئا آخر؟ # الناسك ~~: # بل يفسد كل شيء؛ الشعب والأرض والسماء. والذي كان ينتظر منه أن يعيد ~~الناس إلى الطريق أصبح يبعدهم عنه. الذي يفترض أن يفتح لهم باب الأبدية صار ~~يدفعهم إلى باب الموت. الذي كانت مهمته أن يردهم إلى البراءة الأصلية ~~حولهم إلى لصوص وقتلة. # الحارس 3 ~~: # ثم عاقبهم وعلقهم على المشانق؟! # الناسك ~~: # لو كان هو الحاكم العادل ما حدث شيء من هذا. ولو كان هو الملك الكامل ~~الذي اتحد مع الأرض والسماء ما تمت هذه الجريمة. # الحارس 3 ~~: # اتحد مع الأرض والسماء؟ # الناسك ~~: # والتف حوله الشعب كما يلتف الأطفال حول أمهم التي ترضعهم. # الحارس 3 ~~: # وهؤلاء المشنوقون؛ من هم في رأيك؟ # الناسك ~~: # رأيي؟ ألا تستطيع أن ترى بنفسك؟ ألست أحد الحراس عليهم؟ ألم تعلم أنهم ~~ضحايا بؤساء؟! # الحارس 3 ~~: # ضحايا الحاكم الظالم والملك الفاسد والقيصر الأصفر؟ # الناسك ~~: # ومن غيره؟ # الحارس 3 ~~(وهو يرفع القناع عن وجهه) ~~: # تقصد أنهم ضحاياي؟ # الحارسان ~~(معا) ~~: # القيصر الأصفر! القيصر الأصفر! # القيصر ~~: # هل جئت إلى هنا لتضع رأسي في حبل المشنقة؟ # الحارسان ~~(معا) ~~: # مولانا القيصر! ~~(ينحنيان أمامه بشدة.) # الناسك ~~(يتقدم منه ويواجهه) ~~: # بل لأردك إلى الوحدة مع السماء والأرض؛ مع الأبدية، مع الكل؛ لأردك إلى ~~الطريق، لأجعل منك أو من ms018 غيرك الحاكم الكامل. # القيصر ~~: # مني أو من غيري؟ سمعتم يا حراس؟ # الحارسان ~~: # مولانا القيصر ~~(ينحنيان) ~~. # القيصر ~~: # سمعتم؟ يريد أن يجعل مني الحاكم الكامل. # الناسك ~~: # حقا؛ هذا هو ما أريد. # القيصر ~~: # هلا جعلتما منه أولا المواطن الكامل؟! ~~(الحارسان يترددان.) # القيصر ~~(صارخا) ~~: # خذاه؛ تعرفان الطريق إلى هناك، ثم عودا به إلي؛ لأتعلم منه الكمال! هيا، ~~هيا، هيا ~~(يفهمان. يأخذانه ~~وينصرفان) ~~. # 3 ~~(القيصر الأصفر يقطع المكان ذهابا وجيئة - يبدو الغضب على ملامح ~~وجهه، ويثور الشرر من عينيه، ويخيل لمن يراه أنه وحش لا زالت دماء فريسته تصبغ ~~شفتيه. تصدر عنه إيماءات وحركات تدل على الهياج واليأس في آن واحد. يكلم نفسه ~~قائلا): # القيصر الأصفر ~~: # شيء غريب، شيء نادر؛ إنسان لم أر مثله أبدا، لم أعرف مثله أبدا. هل يمكن ~~أن يتحمل هذا التعذيب ولا يشكو؟ هل يمكن أن تقطع السيوف والنصال أصابع ~~قدميه ولا يتأوه؟ هل يمكن أن يسلخ جلد وجهه ولا يتوجع؟ لقد كان يبتسم. ~~نعم رأيته بنفسي من وراء ستار هذا الغريب الذي يكاد أن يصيبني بالجنون. لو ~~كان صخرة لتألم. ولو كان جثة أو حشرة لتحركت ودافعت عن نفسها. أريد أن ~~أعرف حقيقته؛ لا بد أنه رجل خطر، لا بد أن أعرف حقيقته! ~~(يدخل الناسك الشاب مغطى الوجه، قدماه ملفوفتان في قماش ~~أبيض، تتحركان بصعوبة كطائر عجوز قيدت أطرافه بالأغلال، يصدر عنهما صليل مع ~~كل خطوة. يتبعه حارسان ويسوقه حارس ثالث.) # أحد الحراس ~~: # هذا هو المجرم يا مولاي. # القيصر الأصفر ~~(ينظر إليه من بعيد ويقول لنفسه) ~~: # أيتها السماء! صار وجهه كالفحمة. قطعت أصابع قدميه فصار أعجز من رضيع. ~~ماذا سيفعل؟ ماذا سيقول؟ كيف واتته القدرة؟ ~~(ثم ~~فجأة) # انصرفوا. لقد كسبتم رضاء الدولة والقانون والأجداد. ~~انصرفوا. ~~(ينصرف الحارسان ويتردد الثالث الذي يقود ~~السجين) # لا، لا، انتظر أنت وساعده على الجلوس. لماذا تحجب وجهه؟ ~~ألم تؤد واجبك كما ينبغي؟ # الحارس ~~: # بلى يا مولاي. انظر. ~~(يكشف الغطاء عن وجهه فتبدو بشاعته. يسارع القيصر ~~صائحا.) # القيصر ~~: # لا لا لا، إنني لا أشك في أعواني. ms019 أنزل الغطاء عليه . ~~(الحارس يساعد الناسك على الجلوس. ينحني للقيصر.) # القيصر ~~: # قف أنت هناك. بعيدا في هذا الركن. أو انصرف أنت. انصرف، سأدعوك إذا احتجت ~~إليك. ~~(الحارس ينحني بشدة وينصرف.) # القيصر ~~(يدور حول الناسك والعرق والكلام يتصببان منه دون أن ~~يعرف ماذا يفعل أو يقول) ~~: # لقد تم كل شيء؛ تماما كما حدده القانون، وكذلك العرف والتقاليد. لا ~~تظن أنني شامت فيك. لا تظن. ~~(الناسك يلزم الصمت. ينظر في الفراغ.) # القيصر ~~: # هذا جزاء كل من يقترف ذنبا خطيرا. جزاء كل طائش معتد على المملكة ~~والقانون وأرواح الأجداد. نعم، نعم؛ إن أرواح الأجداد غاضبة عليك. وهي التي ~~حددت نوع العقاب. تماما كما فعل أجدادي بمن تجرأ عليهم. أجدادي وأجداد ~~أجدادي. ~~(الناسك صامت يتطلع إليه من وراء الغطاء الشفاف.) # القيصر ~~: # لا تتصور أن بيني وبينك ثأرا. إنني لا أعرفك ولا أعرف من أين أتيت. ولست ~~أنا الذي آمر بتعذيبك. بل الكتب القديمة التي تضم الشرائع القديمة. ولو ~~تسامحت معك لاهتز القانون وثارت أرواح الأجداد. ~~(الناسك يواصل صمته كأنه تمثال.) # القيصر ~~: # لا بد أنك قرأت الكتب القديمة؛ يبدو هذا على وجهك. معذرة؛ أقصد وجهك الذي ~~كنت تحمله قبل أن أؤدبك. معذرة؛ قبل أن يؤدبك القانون والأرواح والشرائع ~~المقدسة. ~~(الناسك لا يرد. يبدو كأنه ابتسم.) # القيصر ~~: # هل ابتسمت؟ لا أدري. يخيل إلي أنني لمحتك تبتسم. لماذا لا تتكلم؟ ~~لماذا لا تقول شيئا؟ لقد تحدثت إليك حديث الأصدقاء. تناسيت أنني قيصر ~~يكلم عبده. لكنك لا تحرك شفتيك. وعندما حركتهما بدا لي أنك تبتسم. هل ~~ابتسمت حقا؟ هل تسخر بي؟ ~~(الناسك يلازم صمته. تتسع ابتسامته.) # القيصر ~~: # إذن فأنت تريد أن أزيد الجرعة. يمكنني أن آمر بحز رقبتك. يمكنني أن ~~أعلقك على المشنقة كأولئك الذين رحت تصرخ بهم وتلعنني وتلعن حكمي. حاذر! لا ~~تغتر بتسامحي. لا تغتر بهذا الشرف الذي أوليتك إياه عندما طلبت أن تحضر ~~إلي. ~~(الناسك يتطلع إليه ويتابع حركاته. يبدو أن ابتسامته اتسعت ~~عما كانت عليه، فارتفع صوت القيصر.) # القيصر ~~: # كان من الممكن أن أصدر ms020 الأمر بشنقك أو تمزيق جسدك أو إلقائك في البئر. إن ~~العقاب الذي نفذ فيك هو أهون عقاب في المملكة. ومع ذلك تبتسم كما كنت تفعل ~~وهم ينفذون العقاب! # الناسك ~~: # بل كنت أضحك! # القيصر ~~: # تضحك؟! وهم ينتزعون جلدك ويقطعون جسدك؟ # الناسك ~~: # نعم، نعم. كنت أضحك! # القيصر ~~: # لا أصدق، لا أصدق. هل لي أن أسألك لماذا؟ # الناسك ~~: # كنت دفنت جسدي بنفسي. # القيصر ~~: # ليتني أفهم ما تقول. ولكن الناس تبكي عند دفن الموتى. # الناسك ~~: # وعندما يدفنون أنفسهم بأنفسهم يضحكون. # القيصر ~~: # ما معنى هذا؟ # الناسك ~~: # معناه أنني حلقت وراء حدود التراب! # القيصر ~~: # أوضح! أوضح! # الناسك ~~: # عندما شعرت أخطو على الهواء ولا أمشي، عندما أبصرت جثتي التي تخلفت ~~تحتي، تذكرت ما قاله معلمي. # القيصر ~~: # وماذا قال معلمك حتى يضحكك؟ # الناسك ~~: # دخلت عليه مرة فوجدته ممددا في سكون. كان يتطلع إلى السماء، ويتنفس ~~بعمق كالرضيع النائم، ويبدو بعيدا بعيدا كأن جسده وروحه قد انفصلا عنه. هتفت ~~به: ماذا جرى لك يا معلمي حتى بدا جسدك كأنه شجرة ذابلة، وبدت روحك كأنها ~~رماد ميت. إن الرجل الممدد أمامي ليس هو المعلم الذي أعرفه. تكلم وقال: ~~«حقا ما قلت. لقد دفنت اليوم نفسي بنفسي». قلت له: لم أفهم يا سيدي! قال: ~~ألم تتذكر ما قلت لك ذات يوم؟ سألت وماذا قلت؟ # قال: يوم سمعتني أغني: # عطل جسدك! # حرر نفسك! # أطلق عقلك من قيده! # كن عدما وفراغا، # لا تفعل شيئا، # عانق كل الأشياء، # توحد معها، # وستزهر كل الأشياء، # وترجع لطبيعتها الأولى، # لبراءتها الأصلية. # ألححت عليه بالسؤال: ولكنك كنت تبتسم يا معلمي. معذرة؛ فلم أر في حياتي ~~جثة تبتسم. ضحك معلمي طويلا ثم قال: بل كنت أضحك يا ولدي. كنت أضحك. # سألته: ولماذا يا سيدي؟ # قال: لأنني تذكرت المعلم «تسي-هوي» عندما وضعوه على عجلة التعذيب. بدءوا ~~يسنون السيوف والنصال قبل أن يشرعوا في قطع أوصاله، فراح يبتسم. تعجب ~~القيصر الأصفر الذي كان يراقب التعذيب والجلادين، فاقترب منه وسأله: إنهم ~~يهيئون أدوات التعذيب، ومع ذلك تبتسم؟! قال له: لقد دفنت جسدي ms021 أيها القيصر . ~~تخليت عنه، وها هو الآن هناك شجرة ذابلة، أو رماد ميت. وعندما يبدءون في ~~قطع فروعه ويحرقونها ويذرون رمادها الميت لن أنشغل به! # قال القيصر: وماذا يشغلك إذن؟ # قال تسي هوي: يشغلني الآن شيء واحد: أن أبقي على روحي، أن أصونها فلا ~~يمسها أحد. # وعندما ارتفع صليل السيوف والنصال والسكاكين وبدأ الجلادون في عملهم، ~~استغرق في الضحك فثار القيصر الأصفر القديم كما ثرت الآن. # القيصر ~~: # لقد تعجبت ولم أثر. ولكن ماذا فعل ذلك القيصر؟ # الناسك ~~: # اقترب منه في ذروة غضبه وسأل: لماذا تضحك؟ # فقال له تسي-هوي: لأني أسمع موسيقى. # ذهل القيصر وصاح: تسمع موسيقى؟! # قال تسي هوي بهدوء: ربما تكون قد سمعت موسيقى البشر، لكنك لم تسمع ~~موسيقى الأرض. # ربما تكون قد سمعت موسيقى الأرض. # لكنك لم تسمع موسيقى السماء! # قال القيصر ساخرا: أنا لا أسمع ألا موسيقى السيوف والنصال. # قال تسي-هوي: لأنك لم تتخل عن جسدك. # سأله القيصر: وأنت؟ هل تخليت عنه؟ ~~(كأن الجلاد يقطع ويقطع والمعلم العجوز يغني): # جسدي ليس بجسدي، # وحياتي ليست بحياتي، # جسدي ليس بجسدي! # أوقف القيصر الجلاد وسأله: إن لم يكن هو جسدك، جسد من ~~إذن؟ # قال تسي-هوي: جسدك ليس بجسدك؛ # إنه الصورة التي صنعتها لك السماء والأرض، وحياتك ليست بحياتك؛ ~~إنها التجانس الذي نسجته السماء والأرض. # أولادك ليسوا أولادك؛ # فالسماء والأرض قد تجددوا فيك! # تتحرك، لا تدري ماذا يدفعك على الحركة. # تسكن لا تعرف ماذا يحملك على السكون. # إنها قوة الحياة تعمل عملها فيك. # إنها قوة الطريق الذي يملكك ولا تملكه. # القيصر ~~: # لهذا ابتسمت وضحكت عندما أخذوا يقطعون أعضاءك ويحرقونها ويذرونها ~~كالرماد # الناسك ~~: # لأني سمعت الموسيقى. # القيصر ~~: # الموسيقى؟ والشفرات الحادة تحز أصابع قدمك؟ والجلاد الرسمي. # الناسك ~~: # والجزار الرسمي يسقي شفرة السكين بالدم، ويحركها في جرحي الغائر. يحركها ~~حركة لطيفة ناعمة محسوبة. كما يمر العازف بريشته على وتر القيثارة. # القيصر ~~: # ألا تصرخ؟ ألا تتأوه؟ ألا تثور؟! # الناسك ~~: # هل يستطيع سيفه أن يحتز أعناق النجوم؟ # هل يمكن نصله أن يطعن البدر؟ # كان جدي جثة ms022 بين يديه، # ويده تتحرك كالعازف الماهر فيبتسم! # ألا تريدني أن أبتسم لرجل يتقن عمله، # ويشعر بالرضا عن نفسه وفنه؟! # ألا تشعر أن الجزار يمكن أن يكون موسيقيا على طريقته؟ # القيصر ~~: # حتى عندما بدأ ينزع جلد وجهك؟ # الناسك ~~: # تقصد عندما نزعوا جلد الطبلة الجوفاء؟ # القيصر ~~: # ماذا تقول؟ # الناسك ~~: # لا تندهش؛ هذا هو قول معلمي العجوز. # القيصر ~~: # ومتى قال هذا؟ # الناسك ~~: # عندما ذهبت إليه لأودعه قبل الرحيل، كشفت له عن نيتي، صارحته بعزمي ~~على السفر إلى العالم لتغييره. # القيصر ~~: # كنت تريد أن تغير العالم؟ # الناسك ~~: # وأردت أن أبدأ بمملكتك؛ كنت قد سمعت من اللاجئين الذين هربوا منها إلى ~~قريتنا عن الظلم الذي لحق بالشعب، عن الحقول التي لم تعد تخضر، والسحب ~~التي لم تعد تمطر، والجوع الذي يجتاح البيوت والأكواخ كالوباء. عن ~~القوانين التي تزداد فيزيد عدد اللصوص. وعن اللصوص الصغار الذين ~~يشنقون. # القيصر ~~(ساخرا) ~~: # بينما يتربع الكبير على العرش. # الناسك ~~: # نعم، نعم. قلت هذا وسمعته بأذنيك. ألم يخطر ببالك أنك تسمع طبلة ~~جوفاء؟ # القيصر ~~: # خطر ببالي أنك مجنون أو ثائر خطير. # الناسك ~~: # طبلة، طبلة جوفاء؛ هذا ما قاله لي معلمي، فلم أسمع نصيحته. ولو سمعني الشعب ~~لقال ما قاله لي: مهرج جديد يضرب على طبلة جديدة. # القيصر ~~: # ولماذا فعلت هذا؟ # الناسك ~~: # لأنني أردت أن أغير العالم قبل أن أغير نفسي، حاولت أن أتابع طريق ~~الحكماء قبل أن أسير على الطريق؛ لهذا قطعت أصابع قدمي كما ترى، وصار ~~وجهي كالفحمة، انظر ~~(يرفع الغطاء عن وجهه ~~ويبتسم) ~~. # القيصر ~~(يبتعد عنه ولا ينظر في وجهه) ~~: # تأكد أنني لا أشمت فيك. كان هذا سيحدث لك أو لغيرك. إنه القانون. # الناسك ~~: # وشريعة الأجداد، والعرف والتقاليد. تأكد أيضا أنني لا ألومك؛ إنني أشكرك ~~على ما فعلت! # القيصر ~~: # تشكرني؟! بعد أن أمرت بقطع أصابع قدميك؟! بعد أن شوهت وجهك؟! # الناسك ~~: # حتى تفحم! ليكن هذا؛ إنها عدالة السماء. ثم إن أحدا لم يهتم به أو ينظر ~~إليه. # القيصر ~~: # تقول لم ينظر إليه؟ حتى زوجتك، حبيبتك؟ # الناسك ~~: # الحكيم وحيد ، ثم ms023 إن أحدا لم يحبني. # القيصر ~~: # تكلم، تكلم؛ أريد أن أعرفك. # الناسك ~~: # يكفي أن تنظر إلي؛ لقد صنعت في معروفا. # القيصر ~~: # أرجوك لا تشكرني على شيء لا أطيقه. # الناسك ~~: # بل أشكرك إلى آخر نفس في. إنك لم تنزع جلدي؛ لقد نزعت حكمتي الزائفة. ~~أعدت إلي وجه الطفل. # القيصر ~~: # تقول وجه الطفل؟! هذا؟ ~~(يقترب منه، لا يجرؤ على كشف ~~الغطاء.) # الناسك ~~: # على الأقل قلبه وروحه. # القيصر ~~: # من أنت؟ أريد أن أعرفك على حقيقتك، أريد أن تفتح لي قلبك هذا؛ قلب ~~الطفل. # الناسك ~~: # وماذا تستفيد من حياة رجل مثلي؟! رجل تتفرج عليه وهو كالطائر الممسوخ الذي ~~يتقلب في قفصك! # القيصر ~~: # أرجوك. لست في قفص ولا سجن، أنت في قصري، في ضيافتي. تكلم، تكلم. # الناسك ~~(بعد فترة صمت) ~~: # ولدت كآلاف من يولدون، وعندما فتحت عيني، عندما بدأت فتحاتي الست في ~~استقبال العالم؛ رأيت نفسي أعيش في بيت رجل مهدم فقير. كنت أسميه أبي ~~فأصبحت أناديه يا جدي. وحكى لي الجد عندما كبرت عما لم يكن من الممكن أن ~~أسمعه أو أعيه. عرفت أن أبي ذبحه أحد الغزاة من الرعاة الذين انحدروا ~~كالسيل على قريتنا، أما أمي فماتت ليلة ولادتي. لم أكن الوحيد الذي ولد لها ~~في تلك الليلة. لقد كان لي أخ أو أخت، لا أدري. وجدي نفسه لم يتذكر. ~~وارتبكت حياة الجد الفقير. وتطوعت نساء الجيران بإرضاعي أنا وأخي. كان يحملنا ~~كل صباح إلى إحدى النساء الصغيرات الطيبات قبل أن يسعى على رزقه. يوما في ~~الغابة، ويوما في الحقل، وآخر لصيد السمك في النهر الأصفر أو البحيرة ~~الخضراء، هل تعجب بعد هذا أن أشعر بالظلم؟ ترسب في نفسي الإحساس بأنني ظلمت ~~أخي التوءم الذي مات بعد ولادته بشهور، وبأنني ظلمت جدي العجوز الذي لم يكن ~~يجد ما يأكله. وظلمت نساء القرية اللائي لم يكن يجدن طبق الأرز يملأ ~~ضروعهن باللبن. وعندما تنبهت لأبناء التجار الأغنياء والحكام المتغطرسين ~~ورأيت أنهم يذهبون إلى المدارس التي أغلقت أبوابها في وجهي، ويلعبون باللعب ~~التي حرمت علي ، ويضحكون ms024 الضحكات التي لم تخرج من فمي. عندما كبرت واكتشفت ~~أن قريتي واحدة من آلاف القرى المظلومة في مملكة الصين الشاسعة، أدركت أنني ~~مكلف بالانتقام من الظلم. بل خامرني الإحساس بأن السماء نفسها قد كلفتني ~~به. وأرسلني جدي إلى معلم طاوي عجوز. وبدأ المعلم يلقني أسرار الكتابة ~~والنطق، ويطلعني على حكم الحكماء القدماء، ويكشف لي ألغاز التحولات ~~والحوليات واليين واليانج. كان المعلم يتوقع أن تهدأ ثائرتي، أن يخف شعوري ~~بالظلم، أن أسلك الطريق وأتحد به حتى أكونه، أن أتسلق معه قمة جبل الصفاء ~~والنقاء، وأهبط معه إلى ظلمات الجذور. لكن حياتي مع جدي الذي تحمل الظلم في ~~صمت، وموته أمام عيني من قلة الطعام، وشدة الهوان وحياتي مع المعلم العجوز الذي ~~غير نفسه ولم يغير شيئا مما حوله - كل ذلك جعلني أشعر بأن جبل الظلم ~~والمظلومين ثقيل على صدري. على صدري أنا وحدي، وأن رفع هذا الجبل من أساسه ~~هو مهمتي أنا وحدي، وعندما قابلت حاكم قريتنا العجوز عرفت أنه مظلوم مثلي. ~~وعندما ذهبت إلى حاكم المقاطعة أفرغ شكواه في أذني. والتقيت باللاجئين من ~~عاصمة المملكة، وعرفت أنك أنت الحاكم الذي لا يريد أن يسمع عن الطريق ولا أن ~~يسير عليه، وأن المحكومين في مملكتك قد أفسدهم حكمك وحكم أعوانك. # القيصر ~~: # عندئذ حضرت إلى هنا لتعرف بنفسك الظلم والظالم والظالمين. # الناسك ~~: # وما قيمة المعرفة وحدها؟ لقد عرفت الكثير وقرأت الكثير. كان المهم عندي أن ~~أغير. # القيصر ~~: # تغير الحاكم وأعوانه؟ # الناسك ~~: # كان طموحي أكبر من هذا. # القيصر ~~: # الشعب؟ هل تصورت أن تغير الشعب بأكمله؟ # الناسك ~~: # العالم، قلت العالم كله. # القيصر ~~: # وبدأت بالمشنوقين الذين أدبتهم في الساحة. # الناسك ~~: # وانتهيت هناك أيضا، والفضل لك. # القيصر ~~: # لي أنا؟! # الناسك ~~: # نعم، نعم. استطعت أن تقتل المهرج الذي كان يرقد في داخلي، أن تخرس ~~الطبلة الجوفاء التي نزعت جلدها عندما انتزعت جلدي. # القيصر ~~: # ألم أقل لك هو القانون. شريعة الأجداد. # الناسك ~~: # وهل تصورت أنني ألومك؟ # القيصر ~~: # بعد أن مسخت وجهك؟ # الناسك ~~: # على العكس. # القيصر ~~: # لا تقل إنني ms025 حولته إلى وجه طفل. # الناسك ~~: # وعلي الآن أن أجعل له قلب طفل. # القيصر ~~: # هل أفهم من هذا أنك تحولت عن تغيير الحاكم والمحكوم، عن تغيير ~~العالم؟ # الناسك ~~: # على العكس. # القيصر ~~: # ما زلت على ثورتك على الظلم؟ # الناسك ~~: # وما زلت تسيء فهمي. # القيصر ~~: # ماذا تعني؟ # الناسك ~~: # أعني أن الكامل وحده هو الذي يملك وجه الطفل وقلب الطفل، وأنا سأحاول من ~~الآن أن أسير على الطريق المؤدي إليه؛ الطريق الذي وضعت قدمي على أول خطوة ~~فيه. # القيصر ~~: # أنا؟ بهاتين القدمين المشوهتين؟ # الناسك ~~: # نعم أنت. بهاتين القدمين المشوهتين. بهذا الوجه البشع الممسوخ. أنك لا ~~تدري ماذا فعلت بي. # القيصر ~~: # ماذا فعلت؟ # الناسك ~~: # جعلت روحي تنطلق من جسد دفنته بنفسي. شعت الروح كالفجر. ورأيت نفسي، ~~رأيت حقيقتي وجها لوجه. وبعدها أصبحت بلا ماض ولا حاضر. ارتفعت فوق الحياة ~~والموت. حلقت فوق حدود التراب. وأخيرا دخلت المملكة التي لا موت فيها ولا ~~حياة، هنالك تجد نفسك وأنت تسعى على الطريق. تبني وتهدم، تجد وتوجد، تخلق ~~وتخلق. هنالك تكون على الطريق ومعه وفيه. تتحد بكل شيء، ويتحد بك كل شيء. ~~تتجمع حولك كل المخلوقات دون أن تحرك ساكنا، تغير كل شيء دون أن تفعل ~~شيئا، تسحق وتولد نقيا كالوليد البريء. عندئذ تكون أنت الكامل ~~والكمال. # القيصر ~~(مأخوذا) ~~: # الكامل والكمال؟! # الناسك ~~: # وعندها ترفرف خفيفا على أجنحة الفراغ، وتتجول في الجهات الست، تسكن ~~قصر اللامكان في مملكة العدم، تغوص في بحر الأبدية، وتحرك كل الأمواج دون ~~أن تتحرك. # القيصر ~~: # أسكن قصر اللامكان؛ في مملكة العدم. أغوص في بحر الأبدية! ولكن ... ولكن كيف ~~أحكم المملكة؟ # الناسك ~~: # عندئذ، لن تسأل هذا السؤال. # القيصر ~~: # كيف أقيم العدل؟ وأحارب الظلم وأبلغ الكمال؟ # الناسك ~~: # ولن تحتاج لهذه الأسئلة. # القيصر ~~: # أرجوك، كيف أحكمها؟ كيف أحكم الشعب؟ كيف أحكم نفسي؟ # الناسك ~~(وهو يقف متهيئا للخروج) ~~: # هل يحتاج المحيط لأن تملأه أو تفرغه؟ ستكون قطرة فيه. لن تحتاج لأن تفعل ~~شيئا. ستفرح بوجودك فيه. # القيصر ~~: # أوضح، أوضح. # الناسك ~~: # عندما تصبح نورا، سيتحول كل شيء دون أن ms026 تتحول. عندما تصير كاملا، سيبلغ ~~الكمال كل إنسان في المملكة دون أن تتكلم أو تعمل! # القيصر ~~: # قل لي كيف؟ بالمعرفة أم بالإرادة؟ بالقوة أم بالرحمة؟ # الناسك ~~(وهو يجرر رجليه بمشقة ليصل إلى الباب. القيصر يحاول أن ~~يساعده وهو يرفض ويبعده عنه، ويعيد الكرة محاولا مساعدته ~~فيبعده) ~~: # هل تذكر القيصر الأصفر الذي كلمتك عنه؟ # القيصر ~~: # نعم، نعم. ذلك الذي روى معلمك قصته. # الناسك ~~: # رحل القيصر الأصفر ذات يوم إلى الشمال من البحيرة الحمراء، تسلق جبل ~~«كون-لون» وتطلع إلى الجنوب. ثم استدار عائدا إلى وطنه. وفي أثناء رحلة العودة ~~بحث عن لؤلؤته السحرية فلم يجدها. ثارت ثائرته وطلب أن ترجع إليه في الحال. ~~وانحنى قائد الحرس حتى كادت رأسه أن تغوص في التراب. ثم أسرع إلى أفراد قواته ~~وألقى عليهم أوامره: أرسل المعرفة لتبحث عنها، لكنها لم تجدها، كلف بعد ~~النظر أن يفتش عنها، لكنه رجع دون أن يعثر عليها. # طلب من الفصاحة أن تأتي بها، # لكنها ارتدت خائبة! # وأخيرا - وعلى مضض - لجأ إلى البراءة، # وفي لمحة جاءت بها. # عندها قال القيصر الأصفر لنفسه: # من الغريب أن تحقق البراءة، # ما عجزت عنه المعرفة وبعد النظر والفصاحة. # القيصر ~~(للناسك الذي يتجه للخروج من الباب) ~~: # أوضح ما قلت. # الناسك ~~(ينظر إليه ويشد الباب نحوه) ~~: # ربما تجدها أنت أيضا. # القيصر ~~: # أرجوك لا تتركني قبل أن أعرف. # الناسك ~~(وهو يزيحه بقوة عن الباب ويقول قبل أن يخرج) ~~: # ألا يسمونك القيصر الأصفر؟ ربما تعثر مثله على اللؤلؤة السحرية ~~(يخرج ويترك القيصر مذهولا) ~~. # 4 ~~(بعد سنوات من أحداث المشهد السابق. قرية على حدود مملكة «تسي». ~~يظهر كوخ الناسك المشوه على قمة جبل، وأمامه تابع شاب. تحته قليلا، على المنحدر، ~~مجموعة من أهل القرية يبدو القلق على وجوههم، كأنهم ينتظرون سماع نبأ لا يصدقونه. ~~يدخل الغريب في صحبة واحد من أهل القرية.) # الرجل ~~: # نعم أيها الغريب. هذه هي قرية الناسك المشوه. هل تعبت في الوصول إلى ~~هنا؟ # الغريب ~~(يتأمل الجبل والكوخ) ~~: # تقول تعبت؟ يمكنك أن ترى وتتأكد بنفسك ؛ أليس ms027 هذا هو جبل كو-شيه؟ # الرجل ~~(مشيرا إلى الجبل) ~~: # نعم. هذا هو جبل كو-شيه. # الغريب ~~: # وهذا كوخه؟ # الرجل ~~: # وهو يرقد ساكنا والسكينة ترقد فيه. # الغريب ~~(ساخرا) ~~: # ويتجول كالأرواح على قمته. كالثلج أو الجليد يبدو جسده من بعيد. ~~وكالعذراء تسير خطاه على الأرض وتفتن الأسماع والأنظار. هل قلت الأرض؟ لا، ~~لا؛ إنه لا يأكل من فاكهة الأرض، بل يتغذى على الندى والهواء. لا تلمس ~~قدماه الأرض، بل يسبح فوق السحب، ممتطيا ظهر التنين المجنح، محلقا وراء ~~البحار الأربعة. # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # أهذا ما يقولونه في قريتكم؟ # الغريب ~~: # ويقولون أيضا: ومع ذلك فهو يحمي الكائنات من الفساد، ويجعل البذور تتفتح ~~وتنمو. # الرجل ~~: # حتى يزدهر الربيع بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم ~~والأشياء. # الغريب ~~: # وكيف أصدق هذا؟ كيف أفهمه؟ # الرجل ~~: # لا يسأل أعمى عن سر جمال الصورة والتمثال. لا يدعى أبكم وأصم لحفلة ~~رقص وغناء. ألم تسمعهم يغنون هذا الشعر أيضا؟ # الغريب ~~: # وحتى لو سمعته؛ أيصدق عقل أو فهم ما يحكيه مجانين؟ # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # وماذا يحكيه المجانين؟ # الغريب ~~: # أن العالم لا يمكنه أن يمسه بشيء؛ لو جرفه السيل الذي يبلغ السماء فلن ~~يبتل بالماء، لو اشتعل حريق وصهر عناصر الأرض وأذاب رواسخ الجبال فلن يشعر ~~بلسعة النار. هل يعقل هذا؟ هل يصدق هؤلاء؟ # الرجل ~~: # لا أعرف إن كانوا يصدقونه أو لا. ستتكلم معهم بنفسك وتسمعهم بأذنيك. هل ~~نذهب إليهم الآن؟ # الغريب ~~: # أنتظر. أريد أن أعرف رأيك أنت؟ # الرجل ~~: # أنا؟ ~~(يتطلع إلى الجبل والكوخ) ~~: لا أدري. ~~لا أظن أنني فكرت في هذا قبل الآن. ربما لا يحتاج الأمر لمعرفة أو ~~تكفير. # الغريب ~~: # فهمت. وبماذا أحسست إذن؟ # الرجل ~~: # أحسست؛ ربما كانت هذه هي الكلمة المناسبة. وهو ليس إحساسي أنا وحدي. نحن ~~نحس ونشعر يا سيدي. نحن نرى ونسمع. وهو وحده الذي رفع العمى والصمم عن ~~أرواحنا. نعم. فما أكثر الأرواح التي لا تزال عمياء وصماء! # الغريب ~~: # خصوصا مع الضيوف والغرباء. # الرجل ~~: # معذرة، إنك لا تعيش معنا. أما أنا وهؤلاء. # الغريب ~~: # بماذا تشعرون؟ # الرجل ~~: # نشعر بأنه يظل كل ms028 شيء بمظلته. يضم كل إنسان على صدره ويضعه في قلبه. ~~يأخذ منه همه ويحمله على كتفيه. إنه راقد هناك. والعالم كله يرقد فيه. ~~ساكن لا يتحرك. لكن قوته قوة تنين تبسط أثيرها على كل ما حوله. يلزم صمت ~~الحجر أو السلحفاة. مع ذلك يتردد صوته من هذا الكوخ الساكن. فيهز الأرض ~~كصوت الرعد، وتجاوب قوى السماء كل خلجة يرتعش بها جسده ونفسه. وتنضج كل ~~الأشياء وتزهر بتأثير صمته وسكونه. # الغريب ~~: # ويتم كل فعل دون أن يفعل شيئا؟ # الرجل ~~: # نعم، وينسكب الرضا من كل نفس والانسجام من كل شيء. ألم أقل لك إن كل شيء ~~يفرح من داخله حين يراه، إن الربيع يزدهر بيننا وبين العالم منذ أن حل ~~بقريتنا؟ # الغريب ~~: # هذا المسخ المشوه؟! # الرجل ~~: # أجل، أجل. هذا الذي مسخه القيصر الأصفر. # الغريب ~~: # القيصر الأصفر؟! أسمعتم هذا أيضا؟ # الرجل ~~: # ألم تسمعه أنت في كل القرى التي نزلت فيها، ومن كل الناس الذين سألتهم عن ~~مكانه؟ ألم يقل لك أحد إن القيصر الأصفر هو الذي مسخ وجهه حتى صار فحمة، ~~وقطع أصابع رجليه وشوهه؟! # الغريب ~~: # لا بد أنكم تلعنونه ليل نهار. # الرجل ~~: # نحن نلعن؟! إنك لا تعرفنا ولا تعرفه. لقد تعلمنا منه كيف نفك أغلالنا ~~بأنفسنا دون أن نلعن جلادينا، أن نحرر أنفسنا بغير أن نصرخ بالحرية. ~~كيف نلعن وقد علمنا أن نبارك كل شيء؟! # الغريب ~~: # وهو؟ ألم يلعن القيصر الأصفر أبدا؟ # الرجل ~~: # ولم يسمعه أحد منا يذكره على لسانه؛ في إحدى الليالي ونحن نحتفل بزفاف ~~عروسين تحت أضواء المصابيح بينما هو يتمتم بالصلوات، ويرتل الأدعية فوق ~~ربوة تطل علينا ويطل منها وجهه المغطى بحجاب شفاف، هتف العريس ~~قائلا: لعنت السماء القيصر الأصفر الذي حرمنا من مشاركته! وإذا بصوته ~~يدخل آذاننا كصوت السماء: لا تلعنه يا ولدي؛ فربما تتمنى يوما أن تمشي في ~~أثره وتقبل التراب الذي يسير عليه. # الغريب ~~: # هو يقول هذا؟! # الرجل ~~: # بل أوقف طقوسه ونهض ليرجع إلى كوخه. ولولا توسلاتنا ودموعنا لما تم ~~الزفاف. # الغريب ~~: # غريب ، غريب! يمسخ وجهه ms029 ويباركه! يشوهه ويدعو له؟! # الرجل ~~: # وما الغريب في هذا أيضا؟ # منذ أن عرفناه ونحن نلتف حوله كالقطيع حول راعيه. # إنه لا يحرك إصبعا، # ومع ذلك ننجذب إليه، # لا يقول شيئا، ويثق به الجميع، # لا يملك شيئا يعطيه، # ويحبه كل إنسان ويفديه، # يعلمنا بغير أن يعظنا، # يأمرنا بغير أن يتسلط علينا، # يصلحنا بغير أن يملي علينا شيئا. # ما الغريب في هذا أيها الغريب؟ # ليتك كنت هنا يوم أن فوجئنا بالجيش الصغير الذي حاصر قريتنا ~~وحقولنا، وصوب أسنان حرابه وسيوفه نحو هذا الكوخ. # الغريب ~~(لنفسه) ~~: # ويلي! الجيش الذي لم يرجع منه أحد. # الرجل ~~(مستمرا) ~~: # كان يوما لا ننساه؛ صحونا على ضجيج الطبول وصهيل الخيول وزعيق الأبواق. صرخ ~~بعضنا: ملك المغول هبط من الجبال، ومعه جراد الرعاة الذي هبط علينا ليفترس ~~لحم نسائنا وأطفالنا، ويلتهم قوتنا. لكنهم لم ينزلوا إلى القرية ولم يمشوا في ~~الشوارع؛ لقد كان هدفهم هو هذا الكوخ؛ الكوخ الوحيد على قمة جبل كو-شيه، وهذا ~~الرجل الوحيد القابع فيه. فزعنا إلى معلمنا، هشنا الجنود كالذباب ~~وهددوا من يقترب بقطع أصابع يديه ورجليه. وهدر صوت القائد: أيها ~~الناسك المشوه، أيها الناسك الممسوخ، لا تحاول الهرب. وخرج الناسك كما يخرج ~~مصباح وهاج الضوء من نفق مظلم، سمعنا صوته يتردد كصوت الريح الآتية من ~~البحر إلى الأرض العطشى: لست أنا الناسك المشوه ولا الممسوخ. كما أنني ~~لا أهرب. هتف القائد وهو يمط رقبته ويحرك سيفه في اتجاهه: إذن فسلم نفسك ~~حتى لا نسلم رأسك للقيصر! # الغريب ~~: # هل قال هذا؟ ~~(لنفسه) # الملعون! وقد أوصيته ~~أن يركع أمامه ويتوسل إليه لكي يحضر معه! # الرجل ~~: # بالطبع قاله؛ لقد كنت يومها في هذا المكان، وهؤلاء كانوا معي. # الغريب ~~: # الرجال والنساء والعجائز؟ # الرجل ~~: # لن تصدقني إذا قلت لك: حتى الأطفال، حتى الأبقار والخراف والحمير التي ~~كانت ترعى في السهول، قبل أن يزيد العدد وينضم إليهم الجنود. # الغريب ~~: # هل أنضم إليهم أحد منهم؟ # الرجل ~~: # بعد أن هتف الناسك: ها هو صدري عار. ها هو عنقي يتوقع حد السيف. القيصر ms030 ~~يعرف هذا أيها القائد الصغير. زعق القائد: القيصر يطلبك على الفور، سأل الناسك: ~~يطلبني أم يطلب رأسي؟ أجاب القائد وهو يلوح بالسيف المتعطش للدم: إن لم ~~تحضر معنا فسنأخذ رأسك. ضحك الناسك: إن كانت رأسي ستنقذ المملكة فخذوها، إن ~~كان خلاص الشعب بأن يرقص فوق جثتي فجروها إلى هناك! ها هو جسدي، ها هو ~~عنقي، صدري، وجهي المحترق كفحمة، قدماي الشائهتان كحجر مبتور أخرس. وتقدم ~~الناسك هابطا هذا المنحدر. فهتف القائد وهو يتراجع: أرجوك نريدك أنت نفسك، ~~لا نريد رقبتك، لا نريد رأسك ولا ذراعيك ولا قدميك. القيصر الأصفر يريدك ~~بجانبه، المملكة تريدك، أتوسل إليك! أتوسل إليك؛ حول نورك عني! حول ~~نورك عني. تراجع القائد وتراجع الجنود، تتابعت خطوات الناسك واستمر ~~تقهقر القائد والجنود، وارتفع صياحهم وبكاؤهم: حول نورك عنا، حول نورك ~~عنا. والناسك يتقدم ويتقدم وهو يغني: نوري هو نور القمر ونور الشمس. وحياتي ~~ليست ملكي؛ فهي حياة الأرض، حياة النائم في حضن المهد، حياة الراقد في ~~الرمس. هذا جسدي، خذه إذا شئت أو اكتف بالرأس. فأنا باق مع هذا الشعب ~~وفي جذر الشجر وقلب الطفل وحد الفأس، خذ مني الجسد أو الرأس فلن تأخذ مني ~~النفس. وانطلق صوت لم ندر هل هو من الأرض أم من حناجر الذين حاصروا ~~الجند أم من الجند أنفسهم: هي ملك الشعب وملك الأرض وملك الجند، ولو ~~وضعوهم في جوف الحبس. والناسك يهبط ويهبط. يشع منه نور لا يقهر، والجنود ~~يلقون سلاحهم ويتقدمون نحوه، والشعب يهلل ويتقدم نحوه. والقائد الصغير ~~أسقط في يده، وحوصر وفر من الحصار، وانفلت هاربا إلى البحيرة، وألقى ~~نفسه فيها. هذا هو الذي حدث في ذلك اليوم الذي غابت في شمس وأشرقت ~~شمس! # الغريب ~~: # ولم يعد الجيش، ولا عاد القائد، ولا الناسك. # الرجل ~~: # ماذا قلت؟ # الغريب ~~: # لا، لا شيء. # الرجل ~~: # وانضم الجنود إلى الناس. أخذوا يتعانقون ويرقصون ويغنون. وإذا ~~بالناسك يطل عليهم من أعلى وينفذ فيهم. وبغير حركة أو إشارة انصرف الجميع ~~إلى أعمالهم! ها هم أولاء، تعال اسألهم ms031 بنفسك. تعال. # الغريب ~~: # يبدو القلق على وجوههم؛ هل تصوروا أنني عدوهم؟ # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # عدوهم! إنهم يرددون قول المعلم: الطيبون أعاملهم معاملة ~~طيبة. # والأشرار أعاملهم كذلك معاملة طيبة. # فالفضيلة طيبة وخيرة، # الأوفياء أعاملهم بوفاء، # والجاحدون أعاملهم كذلك بوفاء. # فالفضيلة مخلصة وفية. ~~(ثم هاتفا بالناس وهو يتقدم نحوهم): أيها الطيبون، هذا الغريب ~~قادم من بعيد. # رجل ~~: # هل لديه خبر عن الناسك؟ # الغريب ~~(مترددا) ~~: # أنا؟ إنني مثلكم أسأل عنه. # رجل ~~: # هل تعرف إن كان سيبقى أو يذهب؟ # امرأة ~~: # هل جئت لتشفيه من مرضه؟ # شيخ ~~: # هل جئت لتأخذه معك؟ # الغريب ~~: # أنا؟ لا، لا. # شاب ~~: # لعله سمع عن قريتنا. # امرأة ~~: # أصبحنا ملجأ سياح الأرض! # الرجل ~~: # بل بيت ضيافتهم يا حسناء! # امرأة أخرى ~~: # طبعا، طبعا. وسنكرمه كرما لن ينساه. # الرجل ~~: # اسكتي أنت؛ تذكري أن لك زوجا! # صوت رجل ~~: # وأن الناسك زوج آخر وإن لم يرقد معك في سرير واحد! # المرأة ~~: # خسئت! لماذا تذكرني بماض لن يعود؟ # الرجل ~~(للغريب) ~~: # تلك قصتها. أتحب أن تسمعها منها؟ # صوت رجل ~~: # ليتك تذهب إليه أيها الغريب وتعرف الحقيقة! # صوت رجل آخر ~~: # وهل سيسمح له التابع بالدخول؟ # صوت رجل ~~: # نحن لا نتصور أن يتركنا؛ كيف سنستغني عنه؟! # لم لا يتكلم أحد منكم: كيف سنستغني عنه؟! # صوت رجل آخر ~~: # وخصوصا لو أحرق أحد منا بيته. # صوت الرجل الأول ~~: # أنا لم أحرقه، لقد احترق. ألا تعرف الفرق بين الأفعال. # صوت الرجل ~~: # أعرفه من البيت الجميل الذي شيدناه بعرقنا. # صوت رجل ثالث ~~: # لو ذهب فسوف أعود لطبعي. # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # هل تقدر أن تترك الفأس والمحراث؟ # صوت المرأة ~~: # وترجع للسلب والنهب واقتحام خدور العذارى! ~~(يضحك الجميع.) # الرجل ~~(للغريب الذي اندمج في أحاديثهم) ~~: # أرجوك، اعذرهم؛ فهم قلقون. # الغريب ~~: # وأريد أن أعرف السبب. # الرجل ~~: # وهل كانوا يقلقون لو عرفوه؟ إنهم ينتظرون كلمة من فم التابع. انظر إليه. ~~إنه صامت كعادته. والناسك في داخل كوخه. أو في داخل نفسه. هل هو مريض؟ هل غضب ~~علينا؟ هل يئس منا؟ هل ينوي أن يتركنا، هل يحمل جرابه ويذهب إلى قرية ~~أخرى؟ ms032 # الغريب ~~: # قرية أخرى؟ إن قريتكم على حدود المملكة. # الرجل ~~: # إلى مملكة أخرى من ممالك الصين الواسعة؛ لا بد أنهم سيرحبون به. # أصوات ~~: # نحن سنمنعه من ذلك. # أصوات ~~: # وسنستخدم معه القوة! # صوت ~~: # القوة مع من عرفتم قوته؟ # صوت ~~: # إن قوته في ضعفه، وفعله في عدم فعله؛ ولهذا لا تنفع معه القوة. # الرجل ~~: # لن ينفعنا إلا الصبر. أولم نتعلم منه مرارا؟ أنت؟ # وأنت وأنت؟ # قولوا للضيف الوافد كيف تغير كل منكم؟ # كيف تفتت قطرات الماء الصخر؟ # كيف انهزم الذئب النائم فيكم؟ # كيف توارى ناب الشر؟ # كيف ازدهر ربيع الحب، # وفاض الخير وذاع العطر؟ # الغريب ~~(وهو يجلس على الأرض) ~~: # نعم، نعم؛ كيف وكيف وكيف؟ # أصوات ~~: # حتى يتضح الأمر، # وينكشف السر. ~~(ينظر الجميع ناحية الكوخ. يهزون رءوسهم ويجلسون على ~~الأرض.) # 5 ~~(المشهد السابق نفسه؛ الرجال والنساء والأطفال يجلسون على الأرض في ~~دائرة كبيرة، وكلما روى أحدهم قصته مع الناسك توسط الحلقة وأخذ في تقمص دوره ~~الغريب. يجلس بجانب الرجل الذي كان يرافقه وعيون الجميع معلقة بالكوخ في أعلى ~~المنحدر، وبالتابع الذي يجلس أمام بابه، أو يذهب ويجيء في خطوات قلقة.) # رجل ~~(وهو يبكي تأثرا) ~~: # لا يمكنني أن أتصور رحيله عنا؛ كيف أقوى على فراقه؟ ماذا أقول توديعا ~~له؟ # الرجل ~~: # ومن قال لك إنه سيرحل؟ اهدأ يا رجل! # الرجل الأول ~~(مستمرا في البكاء) ~~: # أنا الذي كنت لا أتوقف عن التشرد والتجوال، عرفت بفضله نعمة البيت ~~والولد والأسرة. # الرجل ~~: # ولهذا فأنت آخر من يحق له البكاء؛ منذ أن عرفناك والضحكة لا تفارق وجهك ~~وصوتك. # الرجل الأول ~~: # وتريدني أن أضحك الآن؟! ~~(يثبت عينيه على الكوخ ~~ويشير إليه.) # الرجل ~~: # بل أريد أن تضحكنا؛ هيا ارو علينا قصتك معه. # الرجل الأول ~~: # لا، لا أستطيع. لماذا أروي عليكم ما تعرفونه جميعا، ولا تريدون أن ~~تنسوه؟ # الرجل ~~: # الضيف لا يعرف؛ هيا، هيا. # الرجل الأول ~~: # الضيف لا يعرف؛ هيا، هيا. # الرجل الأول ~~(يجفف دموعه وينهض على قدميه) ~~: # هي قصة قديمة، وقد كنت بالأمس. # الرجل ~~: # لا تكمل؛ أنت اليوم ممثل وحسب، هيا إلى ms033 وسط الحلقة. # الرجل الأول ~~(ينتقل إلى وسط الدائرة وهو يغص بدموعه) ~~: # كانت ليلة غريبة؛ آخر ليلة في عمر اللص الذي كنته، وعندما أتذكرها يخيل ~~إلي أنها كانت ليلة ميلادي الجديد. # الرجل ~~: # نعرف، نعرف. أنت الليلة تمثل الدور الذي لم يعد أحد بيننا يتذكره، ~~وها هو القمر. # الرجل الأول ~~: # أجل، أجل. نفس الوجه الضاحك الذي راح يطل علي وأنا أغادر كوخه. ومن ~~يومها تعلمت أن أرفع رأسي إلى السماء لأنظر إلى القمر الذي لم أهتم مرة ~~واحدة بالنظر إليه! كنت مشردا ضائعا كما تعرفون، لكنني كنت أملك تلك ~~الشجاعة التي تدفع اللصوص إلى اقتحام البيوت وتفتيشها؛ بحثا عن شيء يعتقدون ~~أنه سرق منهم، ومن حقهم أن يستردوه! كانت ليلة قارصة البرد. وكلما ~~تذكرت عضة الجوع ولسع البرد حمدت السماء على الحساء الدافئ الذي ~~يستقبلني في المساء كلما رجعت إلى بيتي. لم أجد في نفسي القوة على جر رجلي ~~إلى هذه القرية التي لم أكن أعرفها. وعندما وصلت إلى الوادي ورأيت بصيصا من ~~النور يتسرب من هذا الكوخ تأكدت من أنني سأجد الدفء ولو للحظات، أو سأجد ~~الملابس التي تستر عريي. وتأكد ظني بعد أن فتحت الباب فلم أجد أحدا في ~~داخله، ورحت أقلب الكوخ رأسا على عقب، فلم أعثر على شيء يمكنني حمله معي، ~~حتى اللقمة الجافة لم أجدها فيه. وفجأة أحسست يدا تربت على كتفي وترد ~~إلي نفسي المذعورة بلمستها الحنون. التفت فرأيته أمامي. طويلا نحيلا ~~تشع البسمة من وجهه الأسود كالفحمة. ارتعش جسدي كله وحاولت أن أخرج كلمة ~~واحدة. لكن صوته الطيب المتهدج امتد نحوي كأنه طوق النجاة: أعلم أنك قطعت ~~طريقا طويلا لتزورني. يؤسفني أن لا تجد عندي شيئا تأخذه معك. هاك ردائي ~~فخذه. وقفت مذهولا أمامه. والرعشة تنفضني وتحبس صوتي. وازداد ذهولي وأنا ~~أراه يخلع رداءه الوحيد ويقدمه لي هامسا: لا يصح أن تخرج من عندي خالي ~~اليدين. هاك ردائي فخذه. ومددت يدي فتناولته منه دون أن أنتبه إلى ما ~~فعلت. وقبل أن أبلغ السفح التفت إلى ms034 الكوخ فرأيته يجلس عاريا أمامه وهو ~~يرفع كفيه إلى القمر ويقول: مسكين! تمنيت لو أستطيع أن أهديه هذا القمر ~~البديع! ~~(الجميع يضحكون.) # الرجل ~~: # لكنك زرته بعد ذلك. # الرجل الأول ~~: # نعم نعم، ولم أكن وحدي. كان في صحبتي خمسة من زملائي الذين طالما أدبوا ~~التجار الجشعين وأبكوا ملاك الأرض على أغنامهم وأبقارهم، ودون أن يقول ~~كلمة واحدة ابتسم في وجوهنا وأخذ يتمتم وهو يبتهل إلى السماء: أيتها الأرض ~~الأم، ها هم يرجعون إليك. وشعرنا أنه يعرينا من أقنعة ذنوبنا، ويخلع علينا ~~ملابس المتعبين المبللة بقطرات العرق ومياه القنوات والحقول. # الرجل ~~: # ومن يومها ونحن نشرب من عرقكم ونأكل من حصادكم. # الرجل الأول ~~: # ونتلهف على السير في ظله أو على نظرة من عينيه. # الرجل ~~: # بينما كان غيرك لا يطيق رائحته. # رجل ~~: # إن كنت تقصدني فإنني أعترف. # الرجل الأول ~~: # هيا إلى المسرح! # رجل ~~: # وكيف أمثل وهو يحترق؟! # الرجل الأول ~~: # ألم يساعدك على إطفاء الحريق؟ # رجل ~~: # ولولاه ما فكرت في البقاء في هذه البلدة لحظة واحدة. كنت أجلس وسط ~~الأنقاض. # الرجل الأول ~~: # الأفضل أن تجلس الآن وسط المسرح. # رجل ~~(ينتقل إلى وسط الحلقة) ~~: # نعم نعم. تصوروا رجلا أتت النار على بيته وفرشه، ووقف أمامه وهو يضم ~~أولاده وزوجته المذكورة إلى صدره. كنا قد فقدنا كل شيء؛ الملابس والأثاث، ~~والمأوى والأمل. وكان الجيران قد انصرفوا بعد أن شاركوا في إطفاء الحريق ~~وتخفيف دموع الصغار. وبقينا وحدنا أمام عمر محترق وغد من رماد. وقبل أن يسلم ~~الليل بالهزيمة، ويسكن الدخان المتصاعد من حطام النوافذ والجدران ~~والأبواب؛ وجدناه يقف أمامنا وفي يده مصباح صغير. نظر إلينا ووضع المصباح ~~على الأرض، وجاءنا صوته كنداء روح بعيدة عن أرواح الأسلاف: قم يا رجل، ألا ~~تعرف أن بدايتك في نهايتك؟! قلت: سيدي. انظر إلى الحطام من حولك. قال وهو ~~يشدني من يدي: ومن حطامك يرتفع بيتك الجديد. أشرت إلى الركام الذي تتوهج ~~فيه الجمرات كعيون القطط الغاضبة، فقال: احترق بيتك ولكنك أنت لم تحترق. ~~تفحمت أبوابه ونوافذه، ولكن فيك جوهرة لا ms035 تتفحم. تأملت وجهه الذي ~~تحاشيت النظر إليه وبدأت أفكر فيما قاله، ولم يترك لي الزوار وقتا ~~للتفكير؛ فقد فوجئت بأهل البلدة يتوافدون واحدا بعد الآخر. لم يكن هناك باب ~~يطرقونه. وجدتهم أمامي كأنهم على موعد واحد؛ النجار العجوز ومعه عربة عليها ~~ألواح الخشب والقادوم والمنشار وصبي صغير. فلاحون يحملون فئوسهم ~~وسلالهم ويشرعون في رفع الرماد والأحجار وشظايا الخشب وأسياخ الحديد. ~~عمال يسوون الأرض ويخطون العلامات ويثبتون الألواح والمسامير ~~وينجرون ويطرقون ويتحركون كالأشباح في حلم غريب. وأنا أتحرك معهم، وزوجتي ~~وأولادي يناولون وينحنون ويقومون ويسألون ويجيبون. والجميع يعملون كأن كل ~~واحد نغمة تذوب في لحن كبير. ما الذي أيقظهم في هذه الساعة من الليل؟! لقد ~~شارك بعضهم في إطفاء الحريق وتجفيف الدموع ثم انصرفوا إلى بيوتهم، ولم يتأخر ~~بعض الجيران من إحضار ما استطاعوا إحضاره من طعام أو غطاء أو ماء. أما أن ~~يأتوا الآن ليزيلوا الأنقاض ويرفعوا البناء، ولا يتركوني وأولادي حتى يغلقوا ~~وراءهم الباب على بيت جديد؛ فذلك شيء لا يحدث إلا على أيدي السحرة، أو في ~~حكايات الأطفال. وطالت حيرتي أمام اللغز العجيب؛ كيف تحولت البلدة إلى رجل ~~واحد، وتحول العالم إلى بلدة واحدة؟ كيف تعلم الجار ألا يغلق عليه بابه ~~وجاره جائع أو عطشان مريض أو محزون؟ وما زلت أسأل نفسي إلى اليوم: هل طرق ~~المعلم في تلك الليلة كل الأبواب؟ هل أحس أحد أنه جاء إلي وبدأ يزيل ~~الحطام في صمت فنبه النائمين؟ لا أدري. لا أدري. # امرأة ~~(ترفع صوتها) ~~: # حتى الحطام، شارك في رفع الحطام. # الرجل ~~: # أنت أيضا. # المرأة ~~: # نعم، نعم. ولولا زوجته لأدفأته في تلك الليلة الباردة. # الرجل ~~: # وتعترفين أمام زوجك؟ # الزوج ~~: # اخجلي يا امرأة! # المرأة ~~: # ومم الخجل؟ لقد ذهبت بالفعل إليه! # الزوج ~~: # تقولين هذا أمامي؟! # المرأة ~~: # وأقوله أمام الجميع؛ لقد كنت حطاما ما قبل أن أتزوجك. ثم إنه ماض لا ~~يعينك. # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # كيف لا يعنيه وهو الذي أزال الحطام وأقام البناء الجديد؟ # الزوج ~~: # قل لها يا أخي. # المرأة ~~: # وهل أنكرت فضله؟ لقد ms036 صار لي الآن زوج وبيت سعيد. ولكن لم يكن هو الذي رفع ~~الحطام وأقام البيت الجديد. # الزوج ~~: # يا للتناقض! يا لجحود النساء! هل سمعت شيئا كهذا أيها الضيف الغريب؟ # المرأة ~~: # الضيف الغريب سيسمعني أنا؛ نعم يا سيدي، لقد كان هو الذي أقام البيت ~~الجديد. # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # وهو نفسه الذي أقام البيت السعيد؟! # المرأة ~~(تقف على قدميها وتقول بانفعال) ~~: # ليس في هذا ما يضحك. تعرفون جميعا من الذي أقصده ~~(تلتفت ناحية الكوخ) # تعرفون جميعا من أنا وكيف ~~كنت. هل فيكم من لم يعرفني؟ # الزوج ~~: # اخجلي يا امرأة! # المرأة ~~: # ليس في حياتي منذ أن تزوجتك شيء أخجل منه. إنني أتكلم عن الماضي وليس فيكم ~~من لا يعرف ماضي؛ ~~(يطرق الجميع برءوسهم ~~ويصمتون) # أما كيف تحولت حياتي في ليلة واحدة؟ كيف أصبحت ~~إنسانا مثلكم؟ كيف بدأت أنظر في وجوهكم وتنظرون في وجهي بلا خجل. # الرجل ~~(مشيرا لها أن تتوسط الدائرة) ~~: # أرجوك! ليس فينا اليوم من لا يحترم الآخر. # المرأة ~~(تتوسط الحلقة وتبدأ حديثها) ~~: # أنا الحطام الذي رفعه بيديه، الحطام الذي حوله إلى زوجة وأم وإنسان. ~~نعم يا سيدي، استمع أنت إلي؛ فأنت الوحيد الذي لا يحتاج أن يسد ~~أذنيه. # الرجل ~~: # استمري؛ نحن جميعا نسمعك. # المرأة ~~: # كنت بغيا أعيش من عرق نهدي، ~~أنام في فراشهم عندما يشاءون، وعندما يشبعون أو يملون أبحث عن مأوى ككلبة ~~ضائعة. وأصبحت يوما على آلام فظيعة في أحشائي، ورغبة فظيعة في أن أتقيأ ما ~~فيها، وأبصق على البلدة وكل رجل فيها. وتحملت الألم الذي لم أستطع الخلاص ~~منه، كما تحملت النوم في فراشهم لكي لا ~~أموت جوعا. حتى جاءت ليلة الوضع وأنا أصرخ وحدي في كوخ مهجور. ربما بلغت ~~لعناتي سمع عجوز فقيرة رأيتها تدخل فجأة وتساعدني على آلام المخاض، وتمسح ~~على وجهي بالماء الدافئ، وتدس في فمي حبات الأرز الطرية. ثم تتركني لأنام مع ~~الوليد الذي اندس كالجرو الصغير في صدري. وتعاود الزيارة ليلة بعد ليلة ~~ومعها القليل من الأرز واللبن. كنت أنظر من نافذة الكوخ فأرى البلدة ms037 تنام ~~قريرة العين، لا تشعر بالظلم ولا المظلوم. وأنوارها تبدو من بعيد كنجوم تحرس ~~جنة صغيرة راضية. أيتها البلدة المنافقة! أيها الرجال المنافقون! أيها العالم ~~المنافق الوضيع! كنت بعد انصراف العجوز أفكر في شيء واحد؛ شيء لا يمكن أن ~~يلومني عليه أقسى القضاة والكهنة والجلادين: أن آخذ طفلي وأجري كالكلبة ~~المسعورة إلى أقرب جبل لألقي بنفسي من فوق قمته. لكني كنت أحاول النهوض من ~~فراشي فلا أستطيع. وأحاول أن أثبت قدمي على الأرض فلا تقوى قدماي على ~~حملي. ويصرخ الرضيع ويطالب بحقه. وأصرخ من الألم وأعيد المحاولة. حتى فتحت ~~عيني يوما فوجدته على رأسي؛ وجه أسود كالليل الذي تتوسطه شمس ابتسامة ~~حانية. كان يحمل الطفل على صدره ويسنده بيده وذراعه اليمنى. أما يده اليسرى ~~فكانت تربت على رأسي وشعري؛ محاولة أن تجيب على أسئلتي المذعورة. وكانت أول ~~كلمة تخرج من شفتيه ردا على نظرتي الخائفة المتسائلة هي هذه الكلمة: نعم. ~~قلت مستفسرة: نعم ماذا؟ قال: لقد مات ولم تشعري به. صرخت ومددت ذراعي ~~نحوه. لا فائدة. علينا الآن أن نفكر في دفنه، سألت باكية: متى؟ قال: لقد جاء ~~في الوقت الذي كان لا بد فيه أن يأتي وذهب حين كان لا بد أن يذهب. قلت: ~~البلدة كلها مسئولة عن ذنبه. قال في هدوء: والعالم كله يا ابنتي! ستعجبون ~~إذا قلت لكم إنني ضحكت مع أنه كان يحمل طفلي الميت على صدره وقلت: ابنتك؟ ~~شاب مثلك يقول هذا؟! ثم نسيت ألمي وغمزت بعيني وقلت: أنت الوحيد الذي لا ذنب ~~عليه. أنت الوحيد الذي لم يدعني إلى فراشه! ابتسم وقال: ربما علينا الآن أن ~~نفكر فيه. غلبتني الرغبة في مداعبته فقلت: وأنا ألا تفكر في مصيري؟ ~~قال وهو يتطلع من النافذة: وأفكر في مصير العالم. صمت دون أن أشعر: لا ~~يهمني العالم الآن؛ إنه عالم منافق وضيع، كل من في هذه البلدة منافق ~~وضيع. لماذا لا تتزوجني؟ ابتسم وقال في هدوء: يمكنك أن تعتبريني زوجك. كتمت ~~فرحتي وقلت: ويسمونني زوجتك؟ قال: بل ms038 يقولون: بدأت تسير على الطريق. قلت ~~محتجة: الطريق؟ ما معنى هذا؟ قال: هو الطريق، كل من يتحد بالطريق يصبح هو ~~العالم، والسماء، والأرض، والأبدية. يجد ~~نفسه في الطريق ويجد الطريق فيه. تصورت أنه يهذي فسألت: هل أنت ناسك؟ قال ~~وقد نفد صبره: لا أدري. ولكنهم يدعونني بهذا الاسم. واتجه إلى الباب ومعه ~~الطفل الميت. وغاب ساعة ثم رجع وهو يقول: هو الآن في حضن الأم. رفعت عيني ~~إليه مستفسرة فقال: نعم، يمكنك أن تطمئني عليه؛ الآن يرقد في حضن الأرض ~~الأم. عليك أن تفكري في نفسك. قلت: ألم تفكر فيها؟ ألم توافق على الزواج ~~مني؟ ضحك وقال: بشرط ألا أعيش ولا أنام في فراشك. قلت ضاحكة: وتسميه ~~زواجا؟ قال بهدوء: هكذا تزوجت العالم وتزوجني. هكذا اتحدت بالأرض ~~والسماء والشجر والنجوم والبشر والحيوان واتحدت بي. سكت لحظة ورحت أتطلع ~~في وجهه المتفحم وقدميه الخاليتين من الأصابع، فقال بعد لحظة: يمكنك أن ~~تطمئني. وعندما تستردين عافيتك تعالي إلى كوخي، وستجدين ما تطلبين. ووضع ~~لفافة كبيرة على سريري وانصرف. وبعد أن اختفى ظله فتحتها ووجدت فيها ما ~~يكفيني من الطعام عدة أيام. ولم أكد أسترد أنفاسي حتى سألت عنه، وذهبت ~~إليه. ضحك عندما رآني وهتف: أيتها الزوجة الهاربة، هل عدت أخيرا؟ وضحكت ~~أنا أيضا عندما وجدته يقدم إلى رجلا كان يقف في ركن منزو ويبتسم الناسك ~~بدوره وهو يضع يده في يدي، ويقول: هذا البستاني الذي يرعى الأشجار القليلة ~~أمام كوخي يمكن أيضا أن يرعى بستانك. # الزوج ~~: # وقد رعيت البستان ووضعت بذري فيه. # المرأة ~~: # حتى منحت ثلاثة أزهار برية! ~~(يضحك الجميع؛ تضحك ~~المرأة في خجل وترجع إلى المكان الذي كانت تجلس فيه.) # الرجل ~~(متلفتا إلى الجميع) ~~: # والآن! من جاء عليه الدور؟ ~~(يسمع صوت نداء: يا حارس الحدود! يا حارس الحدود!) # الرجل ~~: # ها هو يناديني، لا بد أن أحدا يعبر الحدود. نعم، نعم؛ أهناك من يدفع ~~الضريبة؟ # المنادي ~~: # عجوز ومعه صبي. يريدان أن يجتازا الحدود. # صوت ~~: # ربما يقدم لك هدية. # صوت ~~: # ضمنت عشاءك الليلة! ms039 # صوت ~~: # تذكرنا وأنت تمضغه على مهل. # الرجل ~~: # لا بد أن أذهب. أراكم بعد قليل. ~~(ينصرف مسرعا.) # رجل آخر ~~: # من جاء عليه الدور؟ ~~(يشير إلى ~~رجل.) # رجل ~~: # أنا؟ لا، لا. # رجل آخر ~~: # تعرفون قصتي أكثر مما أعرفها. # رجل ~~: # ومن هنا لا يعرف قصة كل منا؟ # رجل ~~: # النساء أسرار! # المرأة ~~: # ولا يخفى عليهن سر! # رجل ~~: # إذن نسكت جميعا ويتكلم الغريب. # أصوات ~~: # الغريب! الغريب؟ # رجل ~~: # قل لنا من أنت؟ من أين أتيت؟ ماذا تعمل؟ # رجل ~~: # يبدو أنك صياد. # رجل ~~: # أو جندي هارب! # رجل ~~: # أو طالب علم متجول! # رجل ~~: # أو مطرود منفي من بلده. # رجل ~~: # أو من مملكته! ~~(يضحكون. الغريب يبدو عليه الارتباك. ~~يلتفتون إلى الكوخ فيسمعون صوت التابع ينادي) ~~: # التابع ~~: # أيها القيصر الأصفر! # الجميع ~~: # القيصر الأصفر! # التابع ~~: # تعال أيها القيصر الأصفر، الناسك في انتظارك! ~~(يضطرب الجميع. يحاول البعض أن يهجم على الغريب فيحول الرجل بينه ~~وبينهم. تتردد بعض الأصوات: جاسوس! اقبضوا عليه دعوه، ابتعدوا عنه! ~~خدعنا - لا يصح أن يفلت منا - الناسك يطلبه - سمعتم أنه ينتظره - ~~دعوه - لا تقتربوا منه! لا يمسه أحد!) # التابع ~~: # أيها القيصر الأصفر! # أيها القيصر الأصفر! # الناسك في انتظارك. # أسرع؛ فقد أوشك الرحيل! # 6 ~~(في كوخ الناسك؛ الإضاءة خافتة، التابع يدخل على أطراف أصابعه، ~~وأنين الناسك الراقد على فراشه يتردد كأنه يصارع نزعات الموت. التابع يتجه إلى ~~النافذة الصغيرة ليفتحها فيوقفه الناسك بقوله.) # الناسك ~~: # لا لا، لا تفتحها. # التابع ~~: # إنه قادم. # الناسك ~~: # كنت أعرف أننا سنلتقي. # التابع ~~: # بعد لحظات تتسمع طرقه على الباب. # الناسك ~~(يتألم) ~~: # وا أسفاه! جاء بعد فوات الأوان. # التابع ~~(يشد الستائر) ~~: # أليس الأفضل أن يغمر النور كل شيء؟ # الناسك ~~: # آه! لماذا تؤلمني يا ولدي؟ # التابع ~~: # عليه أن يرى جريمته، أن يحس بما جنت يداه! # الناسك ~~: # أنت الذي تجني علي! # التابع ~~: # أنا يا معلمي؟! # الناسك ~~: # نعم أنت؛ هل نسيت ما قلته لك يوما: كن نورا يا ولدي تنهزم الظلمات ~~أمامك! # التابع ~~: # ولهذا فتحت النافذة؛ لا بد أن يعرف ذنبه. # الناسك ~~: # أغلقها يا ولدي وكف عن هذا الكلام. ms040 # التابع ~~: # لماذا يا معلمي؟ هل أخطأت عندما تكلمت عن جريمته؟ أليس هو المسئول عن ~~آلامك الفظيعة طوال سنوات وسنوات؟ وما معنى زيارته إن لم يشعر ~~بالندم؟ # الناسك ~~: # الندم؟ بعد فوات الوقت؟ # التابع ~~: # الوقت لم يفت يا معلمي. إن الجلاد يصعد المنحدر، عليه أن يقف الآن ~~أمامك. # الناسك ~~: # ليواجه الجلاد ضحيته؟! ما أشد سذاجتك! وماذا يستفيد الشعب من هذا؟ ماذا ~~تستفيد الأرض والسماء؟ ليتك تعلمت مني شيئا! # التابع ~~: # تعلمت الكثير يا سيدي؛ كل ما أقوله. # الناسك ~~(متألما) ~~: # كل ما تقوله يثبت أنك لم تتعلم شيئا. لم تتخلص من الطبلة الجوفاء! ~~أغلق النافذة، أرجوك ~~(يتأوه ~~ألما) ~~. # التابع ~~: # قبل أن أضع الدواء بجانبك؟ # الناسك ~~(ضاحكا بصعوبة) ~~: # نعم نعم؛ تلك الأعشاب الصفراء التي لم تنجح في شفائي! آه من هذا اللون الأصفر ~~في كل شيء! لا تنس العكاز أيضا يا ولدي. # التابع ~~(يسمع طرقا على الباب) ~~: # هل تفكر في النهوض من الفراش؟ # الناسك ~~: # افعل ما قلت لك. هل سمعت الطرق على الباب؟ ~~(التابع يشد الستارة فيخفت الضوء. يتحرك بسرعة في أرجاء الكوخ ~~الذي يعرفه جيدا، فيضع الدواء بجوار المريض، والعكاز على حافة السرير - يتجه نحو ~~الباب ويفتحه، يدخل القيصر الأصفر الذي يضع يديه على عينيه قبل أن يسمع صوت ~~الناسك.) # الناسك ~~: # جئت أيها القيصر الأصفر؟ ~~(التابع يأخذه من يده قليلا. يتقدم خطوات إلى الأمام، ينسحب ~~التابع ويغلق الباب وراءه. يسمع صوت الناسك.) # الناسك ~~: # تعال، تعال أيها القيصر الأصفر. # القيصر ~~: # سيدي، لا أكاد أرى شيئا! # الناسك ~~: # لا يهم أن ترى، لا يهم أن تسمع، ألا تتذكر ما قلته لك؟ ~~(يتأوه من الألم.) # القيصر ~~: # أسمعك تتألم أيها الناسك. وأنينك يدل خطاي في هذا الظلام، ويزيد إحساسي ~~بالندم! # الناسك ~~: # الندم؟ لا داعي لأن تنطق هذه الكلمة. لا داعي لأن أذكرك بما قلته لك ~~من قبل. ثم إن الوقت قد تأخر. # القيصر ~~: # تأخر؟ ماذا تقصد؟ لكنه سيتسع لتوبتي. سيتسع لأركع على قدميك اللتين ~~قطعت أصابعهما، وأغمر بدموعي وجهك الذي أحرقته. سيدي، سيدي ~~(ينشج نشيجا مؤثرا. يتسمر في موضعه، ms041 فيناديه ~~الناسك) ~~. # الناسك ~~: # بل يتسع الوقت لكي نتحدث كصديقين؛ لكي أجدد لك شكري. # القيصر ~~: # تشكرني مرة أخرى؟ بعد هذا الزمن الطويل؟ # الناسك ~~: # ولم لا؟ ألم تساعدني على التخلص من الطبلة الجوفاء؟ ألم تساعدني على أن ~~أضع قدمي على الطريق؟ # القيصر ~~: # لكنني نزعت مع الطبلة جلدة وجهك. ولم أضع قدمك على الطريق قبل أن أقطع ~~أصابعك! أرجوك، أعطني فرصة الندم. لا تحرمني منها. # الناسك ~~: # لن يتسع الوقت. ما بقي منه لا يسمح بالتلفت إلى الماضي. # القيصر ~~: # لكنك تتألم، تتألم. ألم تقل لي ذات يوم: لقد دفنت جسدي. وكذلك لم أعد ~~أحس بالألم؟! # الناسك ~~(محاولا أن يضحك) ~~: # نعم نعم؛ يبدو أنني استطعت أن أدفن جسدي بنفسي، ولكني لم أنجح في أن ~~أدفن ألمي! تعال، تعال نحاول أن نعيده إلى قبره! # القيصر ~~: # وأقوم مرة أخرى بدور الجلاد؟ وتواجهني مواجهة الضحية؟ # الناسك ~~: # جلاد؟ وضحية؟ كأنك تكرر كلام التابع الصغير! قلت لك لا وقت للندم ولا ~~للحساب. # القيصر ~~: # هنالك دائما وقت للانتقام! # الناسك ~~(في فزع) ~~: # الانتقام؟! وأنا في آخر أنفاسي؟! # القيصر ~~: # حتى القديس لا بد أن يفكر في الانتقام عندما يقع جلاده في يديه. # الناسك ~~: # لقد جئت بنفسك ولم تقع بين يدي. سعيت إلي ولم أحاصرك بجيشي. # القيصر ~~: # وهذا ما يزيد إحساسي بالندم. كانت غلطة فظيعة! ~~(يعود إلى نشيجه المتقطع في الظلام.) # الناسك ~~: # تعال! تعال! قلت لك إن الوقت تأخر؛ أتريد أن أحضر أنا إليك؟ ~~(يبحث عن العكاز، يحاول أن يقوم من الفراش ويستند عليه ~~فتند عنه صرخة ألم فظيع. يسرع إليه القيصر.) # القيصر ~~: # ما هذا؟ ماذا تفعل؟ ~~(يصل إليه ويركع عند ~~فراشه.) # الناسك ~~(متأوها) ~~: # لا شيء، لا شيء؛ حاولت أن ألمس يديك، ربما حاولت أيضا أن أعانقك ~~وأضمك إلى صدري. # القيصر ~~: # تعانقني وتضمني إلى صدرك؟! # الناسك ~~: # نعم نعم. ألم نتفق على أن ندفنه معا؟ ألم أقل إن الوقت لا يتسع لألم ~~ولا ندم. أعرف أنك جئت لشيء آخر. # القيصر ~~: # صحيح ما تقول، وها أنا أرى أن الوقت تأخر! # الناسك ~~: # تكلم، تكلم؛ ربما يتأخر تماما ms042 كما نتصور. # القيصر ~~: # تغير الآن كل شيء، تغير كل شيء! # الناسك ~~: # ربما أكون قد تغيرت. هل حاولت أن تغير نفسك؟ هل عثرت على اللؤلؤة ~~السحرية؟ # القيصر ~~: # اللؤلؤة السحرية؟ نعم نعم. # الناسك ~~: # هل وجدتها؟ # القيصر ~~: # فشلت أيها الناسك. القوة لم تعدني إليها. المعرفة والفصاحة لم تساعداني ~~على العثور عليها. قلت لك فشلت وعجزت. ولهذا جئت لتهديني إليها، جئت ~~لأتوسل إليك أن تصحبني إلى هناك وتكون ذراعي اليمنى. # الناسك ~~: # حتى لو سمح الوقت، هل كنت تنتظر أن أحضر معك؟ # القيصر ~~: # بعد أن جئت والدموع في عيني. # الناسك ~~: # قد يتسع الوقت لإلقاء سؤالك. # القيصر ~~: # سؤالي؟ نعم نعم. لقد نفذت ببصيرتك إلى قلبي. وهل تحتاج أن ألقيه عليك؟ ~~إنك تعرفه بنفسك. # الناسك ~~: # نعم أعرفه. السؤال الذي لم يجب عليه أحد حتى الآن في مملكة الصين ~~الواسعة، السؤال الذي جعلني أترك قريتي ومعلمي وأهلي، وأنطلق لتغيير العالم ~~... # القيصر ~~: # لقد نجحت على الأقل في تغيير نفسك، نجحت في تغيير الناس من حولك. # الناسك ~~: # أتظن هذا؟ # القيصر ~~: # لقد رأيتهم بعيني وسمعتهم بأذني، وتكلمت معهم بلساني. # الناسك ~~: # وما زلت تردد السؤال! # القيصر ~~: # نعم نعم؛ كيف أحكم المملكة؟ # الناسك ~~: # كيف تحكم المملكة؟ كيف تحكم الشعب؟ أيتها السماء أمهليني حتى أروي عليه ~~بعض الأمثلة والحكايات! # القيصر ~~: # لم أحضر لسماع أمثلة وحكايات؛ أريد منك الإجابة على السؤال. # الناسك ~~: # وهذه هي طريقتي في الإجابة. # القيصر ~~: # إنني أستمع إليك؛ عم تبحث أيها الناسك؟ # الناسك ~~: # عن الدواء، ناولني هذه الأعشاب. # القيصر ~~(يبحث عنها ويجدها؛ يناولها له) ~~: # هذه؟ # الناسك ~~: # نعم نعم، ربما تنجح في تخفيف الألم! ~~(يضع في فمه ~~بعض الأعشاب الصفراء. يتنحنح ويقول) # رحل الحكيم «تيين-كين» إلى ~~الجنوب من جبل بين. ولما بلغ نهر «لياو» لقي رجلا مجهولا يهيم على وجهه. ~~سأله الرجل: هل تسمح لي أيها الحكيم بأن أسألك سؤالا؟ قال تيين كين: اسأل ~~يا ولدي. قال الرجل: كيف أحكم المملكة؟ غضب الحكيم فجأة ونهره قائلا: ~~ابتعد عني؛ إنك إنسان فاشل، ولا بد أنك حاكم فاشل! ثم إن سؤالك في غير ~~محله؛ فمنذ ms043 أن سرت على الطريق اتحدت مع كل شيء، واتحد كل شيء معي. وها ~~أنا أحلق بجناحين خفيفين فوق جهات الأرض الست. أدخل مملكة العدم، ~~وأنطلق وحيدا في وحشة السكون والفراغ العظيم؛ لأتوحد بالحركة والامتلاء ~~العظيم. # بدا على وجه الرجل المجهول أنه لم يفهم شيئا. حدق في وجه الحكيم وأعاد ~~سؤاله للمرة الثانية: أرجوك؛ كيف أحكم المملكة؟ # أجاب الحكيم تيين-كين قائلا: تحرر من كل شيء، أرجع روحك للبراءة. ~~عود جسدك على السكينة. أسلم نفسك لنظام العالم، حاول أن تتخلص من ~~ذاتك وأنانيتك. لا تفعل شيئا، لا تتدخل في شيء، لا تتحكم، لا تتسلط. ~~وستفعل كل الأشياء وتحكم مملكة العالم. # أدار الحكيم ظهره للرجل المجهول، ومضى إلى حال سبيله. وقف الرجل مبهوتا ~~يحدق في ظهر الحكيم، ويرفع رأسه للسماء ويقلب طرفه في الجبل والوادي قبل ~~أن ينطلق جاريا وراءه: انتظر! انتظر أيها الحكيم! كيف أحكم المملكة؟ لم ~~يعره الحكيم التفاتا. وربما لم يسمع صوته؛ فقد كان قد عبر نهر «لياو» ~~وقطع مسافة طويلة على الطريق إلى قمة الجبل الأخضر. # القيصر ~~: # غريب! هذا شبيه بما حدث لي. # الناسك ~~: # لك أنت؟ # القيصر ~~: # نعم نعم، لقد قابلت أكثر من حكيم وتلقيت نفس الجواب، ومع ذلك لم ~~يتغير شيء في المملكة! # الناسك ~~: # ربما لم تحاول أن تغير نفسك قبل أن تغير المملكة! # القيصر ~~: # حاولت، حاولت ومع ذلك تخلى عني شعبي. # الناسك ~~: # مثلما فعل القيصر «تين-هوي» عندما لبس رداء النساك الفقراء، وذهب إلى ~~الحكيم كونج-فوتسو. # القيصر ~~: # هو أيضا فعل هذا؟ # الناسك ~~: # وسأله نفس السؤال! # القيصر ~~: # لماذا تخلى عني شعبي؟ # الناسك ~~: # وتوسل إليه أن يدله على الطريق! # القيصر ~~: # هذا ما أريده أنا أيضا؛ لهذا جئت إليك! # الناسك ~~: # هل تعلم ماذا قال له كونج-فو-تسو؟ # القيصر ~~: # ماذا قال له؟ # الناسك ~~: # هناك طريق، لكن من الصعب أن تسير عليه؛ فالطرق السهلة ليست هي طرق ~~السماء، هل جربت الصوم؟ # قال القيصر: لقد امتنعت منذ شهور عن أكل اللحم وشرب النبيذ. # قال الحكيم: لا يكفي ، هذا هو الصوم الذي قررته الطقوس. # انصرف القيصر ms044 ثم رجع بعد شهور وقال: أيها الحكيم، لقد صمت عن تقديم ~~التضحيات وأداء الطقوس. # قال الحكيم: حسن أن تفعل هذا، ولكنه لا يكفي! # غاب القيصر عدة شهور ثم رجع إلى الحكيم وقال: أيها الحكيم، أيها ~~الحكيم. # رفع الحكيم بصره إليه فوجد أمامه رجلا مهزولا نحيل الجسد فسأله: # يبدو أنك خطوت خطوات أبعد ولم تقتصر على الصوم عن الطعام والشراب. # فرح القيصر ببعد نظره ونفاذ بصيرته وهتف: نعم نعم. لقد صمت كذلك عن ~~الكلام، وصمت عن وعظ الناس بالعدالة والفضيلة وحب الجار. # أطرق الحكيم برأسه قليلا ثم رفعها وقلب فيه عينيه الحزينتين وقال: كل ~~هذا حسن، لكنه لا يكفي! # غضب القيصر ونسي في فورة غضبه أنه يرتدي ثياب الناسك الفقير وصاح: ماذا بقي ~~علي لأفعل؟ ماذا بقي علي؟ # قال الحكيم بهدوء: لا بد من صوم القلب. # سأل القيصر نافد الصبر: وما هو صوم القلب؟ # قال الحكيم: تعلم أن تتحد وأن تتجرد. # تبلد وجه القيصر بسحب الهم الثقيلة ولم ينطق. فاستطرد الحكيم ~~كونج-فو-تسو قائلا: أن تتحرر من كل شيء وتتحد بكل شيء؛ هذا هو صوم ~~القلب. في مثل هذا القلب يسكن «الطاو»، لمثله تأتي الحقيقة. ومن يصل إليه لن ~~يسأل سؤالك، لن يتعذر عليه حكم إنسان، ولن يتعذر عليه حكم ~~المملكة. # القيصر ~~: # وهذا هو ما فعله القيصر ولم ينجح في حكم الإنسان ولا حكم ~~المملكة. # الناسك ~~: # وكيف عرفت هذا؟ # القيصر ~~: # لهذا جاء يستعطفك ويتوسل إليك! # الناسك ~~: # جاء والحكيم ينازع الموت. # القيصر ~~: # لا تقل هذا، لا تزال هناك بقية لطرح السؤال والعثور على اللؤلؤة. # الناسك ~~(يحاول أن يضحك) ~~: # إن تخلى عن القوة والمعرفة والفصاحة! # القيصر ~~: # صدقني أيها الناسك الحكيم، لقد تخليت عن كل شيء كما أوصى ~~حكماؤك. # الناسك ~~: # ماذا تقصد؟ # القيصر ~~: # ربما لا تصدقني، ولكن ها أنا ذا أمامك. لولا هذا الضوء الخافت ~~لرأيتني وصدقتني، لقد فكرت طويلا فيما قلته لي في ذلك اليوم. # الناسك ~~: # تقول فكرت؟ # القيصر ~~: # ولم أكتف بالتفكير؛ همت على وجهي في الجبال والوديان والبراري ~~شهورا طويلة. خلعت ثوب القيصر ms045 وتاجه، ولبست ثياب النساك الفقراء. # الناسك ~~: # أنت فعلت هذا؟ # القيصر ~~: # فعلته، فعلته؛ عفرت وجهي في التراب أمام الحكماء، صمت عن أكل اللحم ~~وشرب النبيذ وأداء الطقوس والوعظ بالعدالة والفضيلة وحب الجار. # الناسك ~~: # لكنك لم تصم صوم القلب! # القيصر ~~: # وهذا أيضا جربته، ورحت أبحث عنك في كل مدينة وقرية؛ على قمم الجبال، ~~وفي الكهوف والوديان الموحشة. حتى عثرت عليك أخيرا وأسرعت إليك. # الناسك ~~: # لتسألني نفس السؤال؟ # القيصر ~~: # أجل، أجل؛ كيف أحكم المملكة؟ لماذا تخلى عني الشعب؟ # الناسك ~~: # ولم يخطر على بالك الجواب؟ # القيصر ~~: # جئت لأسمعه منك. # الناسك ~~: # عندما تخليت عن الشعب تخلى عنك. اسمع ما حدث لي بعد أن خرجت من قصرك ~~ومضيت أبحث عن مكان أستقر فيه. # القيصر ~~: # حكاية أخرى؟ # الناسك ~~: # ربما تجد فيها الجواب؛ كنت قد غادرت لتوي قرية صغيرة لم تستقبلني فيها ~~إلا الوجوه العابسة والعيون اليائسة. كان من الواضح أن القرويين يعانون ~~من القحط والجوع، ولا يريدون أن يزيد عدد الأفواه والبطون الجائعة. وتركت ~~القرية وسرت على الطريق المؤدي إلى الجبال المحيطة. وعندما مررت بسور ~~مزرعة جف فيها العشب وأقفرت الحقول ومخازن الحبوب لمحت عددا من الخنازير ~~الصغيرة الهزيلة، التي التفت حول أمها، وراحت تتنافس في صراع مرير على ~~ضرعها. كانت تحاول وتحاول. تبتعد وتقترب، تغرس أفواهها في لحم الأم، ~~وتتشبث لحظة بحلمات ضرعها، ثم تيئس منها وتعود إلى المحاولة العنيدة. وبعد ~~لحظات رأيتها تتجمع عند رأس الأم وتحدق فيه قبل أن تفر هاربة مذعورة. ~~هل تعلم لماذا فرت الخنازير الصغيرة وهي تنتفض يأسا وخوفا؟ # القيصر ~~: # لأن ضرع أمها كان خاليا من اللبن؟ # الناسك ~~: # بل لأن أمها كانت قد ماتت جوعا. وتجمعت الخنازير الصغيرة حولها، ~~وحاولت أن ترضع منها، ثم اكتشفت بعد قليل أن عيون الأم باردة مطفأة، لا تنظر ~~إليها ولا تعطيها الحنان الذي تعودت عليه فانفلتت جارية مذعورة. # القيصر ~~: # أهذا هو حال شعبي معي؟ # الناسك ~~: # بالطبع؛ عندما تخليت عن الشعب تخلى عنك. # القيصر ~~: # أنا لم أتخل عنه؛ لقد جربت كل طريق يؤدي إلى سعادته، سرت ms046 على كل طريق ~~يؤدي إلى إشباع بطنه بأنواع الحبوب الخمسة. # الناسك ~~: # ولم يكن طريقك هو الطريق. # القيصر ~~: # ماذا تقصد؟ # الناسك ~~: # عندما تخليت عن طريق الحقيقة تخلى عنه الشعب، وعندما تخلى عنه ضلت ~~الإنسانية، وعندما ضلت الإنسانية غرق في البؤس والجوع والفوضى ~~والجريمة. # القيصر ~~: # لست وحدي مسئولا عن الفوضى والجريمة؛ لقد وثقت بأعواني الذين أعطيتهم ~~الثقة فخانوني. # الناسك ~~: # أعطيتهم الثقة أم السلطة؟ # القيصر ~~: # وما الفرق؟ هل يمكن أن يعمل الشعب بغير سلطة حازمة تراقب عمله وتعاقبه ~~على تهاونه وخروجه على القوانين؟ # الناسك ~~: # وأصبحت السلطة التسلط، وصار العمل هو القهر، والطاعة العمياء هي ~~المبرر الوحيد للحياة. والعقاب هو الغاية والنهاية الأخيرة. حتى اشتهرت ~~الصين بأنها بلد العقاب، وتحول شعب الصين إلى شعب المعاقبين بأغرب أنواع ~~العقاب. # القيصر ~~: # هذا هو ذنب الأعوان الذين لم يخلصوا لي. # الناسك ~~: # آه! أسطورة الحاكم والأعوان، بل أخلصوا لك ولأنفسهم كل الإخلاص. أليسوا هم ~~ظلك على الأرض؟ أليسوا أشباح القيصر المتربع على عرش المملكة؟ لقد فعلوا ~~ما حذركم منه الحكماء قرونا بعد قرون. # القيصر ~~: # هل انتظرتم أن يفهموا ما تريدونه بعدم الفعل؟ هل كان يرضيكم أن تتحجر ~~المملكة، ويتجمد الشعب، ويتحول الناس إلى جيوش من الكسالى والمتسولين ~~والمتبلدين. # الناسك ~~: # الذين أوصوا بعدم الفعل كانوا يقصدون عدم التسلط. والذين تسلطوا أضاعوا ~~الطريق فضاع الشعب! آه من جيش المتسلطين الذين خربوا ممالك الصين! كان ~~القيصر في العصور القديمة المباركة هو الأب الحكيم، لم يهرب منه الشعب كما ~~هربت الخنازير الصغيرة من أمها الميتة. أتدري لماذا؟ لأنه لم يكن ميتا! ~~أتدري متى يحيا الإنسان كالميت؟ عندما يعيش ليتسلط على غيره ويفرض عليه ~~الطاعة ويضع على رقبته سيف العقاب، عندما يحتكر الحياة لنفسه ويحول غيره ~~إلى أموات، عندما يصمم على إقامة عرشه فوق مقبرة جماعية! ألا تذكر ما كان ~~يقوله لك معلمك وأنت صغير؟ هل نسيت الكلمات المأثورة التي كان يعلمك أن ~~تقرأها وتكتبها بينما كان أبوك ينظر إليك بحنان، ويحلم بأن تخلفه على ~~العرش؟ # القيصر ~~: # نعم، نعم؛ القيصر هو وسط المملكة، ms047 هو مركز التوازن بين السماء ~~والأرض. # الناسك ~~: # وكم مرة في التاريخ اختل ميزان الأرض والمملكة؟ كم مرة اختل الميزان ~~فاختل التوازن؟ وعندما اختل التوازن اختلت الإنسانية، وعندما اختلت الإنسانية ~~ضل الناس الطريق، وفقدوا الأمن والسعادة، وندموا على أنهم ولدوا في مملكة ~~الطاعة والعقاب؛ في مملكة الصين! # القيصر ~~: # لم يحدث هذا إلا عندما فسد الحكم والحاكم. # الناسك ~~: # وقد علمك مربيك العجوز أن الحاكم إذا فسد فسد الحصاد، وفاض النهر ~~الأصفر، وعصفت الأوبئة والمجاعات، وانهارت جبال الثلج لتغرق المدن والقرى ~~والحقول. # القيصر ~~: # وعبرت السحب فلم تمطر، وسقطت الأوراق قبل أن تجف، وشحب وجه الشمس ~~والقمر! معذرة أيها الناسك؛ يبدو أنك لم تتغير. # الناسك ~~: # لقد حاولت أن أغير نفسي. # القيصر ~~: # وما زلت ثائرا كما رأيتك أول مرة؛ إني لأعجب من شيء واحد. # الناسك ~~: # وما هو أيها القيصر؟ # القيصر ~~: # كيف يجتمع الثائر والقديس في شخص واحد؟ # الناسك ~~: # وما الذي يمنع هذا؟ ما الذي يحول دون أن يصبح الثائر قديسا والقديس ~~ثائرا؟ # القيصر ~~: # حقا لا يمنع شيء، يكفي أن أنظر إليك لأتأكد من هذا. # الناسك ~~(ضاحكا ضحكة عالية، يتبعها سعال شديد) ~~: # إلي أنا؟ هل تحملت مشقة السفر الطويل لتقول لي هذا؟ # القيصر ~~: # ويكفيني أن أراه بعيني. # الناسك ~~: # لقد جئت لتسألني لا لتجاملني. # القيصر ~~: # كنت أحلم بأن تصحبني وتكون في عوني. # الناسك ~~: # وها أنت تصحو من الحلم، أما الثائر فقد قضيت عليه. # القيصر ~~: # جئت نادما باكيا! # الناسك ~~: # وقلت لك لا داعي للندم والبكاء؛ فلم تكن أول المتسلطين عليه. # القيصر ~~: # لن يريحني هذا من الندم؛ فربما كنت آخرهم. # الناسك ~~(يسعل سعالا شديدا) ~~: # ربما، ربما. وأما القديس؟ # القيصر ~~: # إنني أراه أمامي وأشعر بأنفاسه على وجهي. # الناسك ~~: # وهل تشعر بأنها أنفاسه الأخيرة؟ أرجوك. ~~(يبحث عن ~~العكاز) # ساعدني كي أستند على عكازي؛ أريد أن أودع ~~قريتي. # القيصر ~~: # لا ترهق نفسك. لقد زرتها قبل قليل وتحدثت مع أهلها. # الناسك ~~: # أرجوك، ساعدني. # القيصر ~~(يساعده على النهوض ويسنده على العكاز. الناسك يقف أمام ~~النافذة ويطل على القرية) ~~: # من يرى ما رأيت لا بد ms048 أن يقول: هذه معجزة لا يقدر عليها إلا ~~قديس. # الناسك ~~: # أو رجل حالم. # القيصر ~~: # ليس الفرق كبيرا. # الناسك ~~: # ولكن منا من يحقق حلمه ومن يصحو على كابوس. # القيصر ~~: # وأنا الذي صحا على كابوس، وعاش في كابوس! ليتك كنت بجانبي يوم زرت مدينة ~~«شن-تن-بي» فوجدتها خالية من سكانها. # الناسك ~~: # تقول وجدتها خالية من سكانها؟ # القيصر ~~: # نعم نعم. كنت قبل ذلك قد سمعت من أعواني أنهم يئسوا منها ومن أهلها. ~~حدثوني عن كثرة اللصوص وقطاع الطرق فيها، فأرسلت حملة لتأديبهم. # الناسك ~~: # وزاد عدد اللصوص وقطاع الطرق. # القيصر ~~: # وعرفت أن الفلاحين والصناع ممتنعون عن دفع الضرائب، فأرسلت حملة ~~أخرى. # الناسك ~~: # فزاد عدد المساجين والهاربين، وأصدرت الأوامر والتعليمات، وشددت ~~العقوبات، فزاد عدد المجرمين والمهاجرين. # القيصر ~~: # بل خلت المدينة ذات يوم من سكانها! وذهبت إلى هناك فوجدت الدور ~~مهجورة، والشوارع تصفر فيها الرياح الباردة، والمزارع والمعامل والمدارس ~~ذابلة موحشة. والمدينة كأنها جثة ضخمة زحف عليها النمل والدود والعناكب ~~والغربان والذئاب. # الناسك ~~: # أي لم تكن مهجورة تماما! # القيصر ~~: # بينما أنت في هذا المكان المنسي على حدود الصين تحلم وتحلم. # الناسك ~~: # كنت هناك تحلم أيضا. # القيصر ~~: # حقا! أحلم أيضا، لكن بطريقة مختلفة ~~(يضع ذراعه ~~على كتفه، ينظران معا من النافذة) # كنت ترعاهم بالنهار كالأب ~~الحنون، وتحرسهم بالليل كالنجم الساهر. تتعاطف معهم وتحبهم، فيعملون ما ~~تحلم به دون أن تصدر أمرا أو تنفذ عقوبة. وبينما كانوا يلتفون حولك ~~ويستمعون إليك بغير أن تفتح فمك بكلمة، كانوا ينصرفون عني خائفين مذعورين ~~كما فرت الخنازير الصغيرة عندما اكتشفت أن أمها ميتة، آه! كم داعبني الأمل ~~بأن تأتي معي وتحلم حلمك عندي! # الناسك ~~: # المهم أن تحلمه أنت، لا أحد يحلم لغيره. # القيصر ~~: # تمنيت أن نحلم للصين كلها. # الناسك ~~: # إن حلمي أبسط مما تتصور، لست أنا الذي حققه؛ إنهم البسطاء الذين ~~قابلتهم وتحدثت معهم. # القيصر ~~: # ألا يمكن أن يستمر الحلم؟ ألا يمكن أن يتحقق في ممالك الصين ~~جميعا؟ # الناسك ~~: # لا أدري، هذا شيء يسأل عنه القياصرة الصفر في ممالك الصين الممزقة، لا ms049 ~~أضمن أيضا أن يستمر، حتى في هذه القرية الصغيرة؛ هذه النقطة المجهولة على ~~أقصى حدود الصين، ربما يأتي قيصر آخر فيبدده، ربما يأتي قيصر فيمحو ~~القرية وأهلها من الوجود، أو يرسل إليهم أعوانه وشرطته وجلاديه، ~~فيهجروها بلا عودة كما هاجر سكان مدينتك ليلا، ولم يرجعوا إلى اليوم! ~~المهم أيها القيصر أن نتعلم كيف نحلم وكيف نحقق الحلم، وحتى النفس الأخير ~~لا نتوقف عن الحلم ~~(يسعل بشدة) ~~. # القيصر ~~: # أرجوك، استرح في فراشك. # الناسك ~~: # في فراشي أو على قدمي، الأمر الآن سواء؛ إنني أرى النهاية تقترب مني، ها هي ~~تمد ذراعيها لتلقيني في حضنها البارد الرهيب. # القيصر ~~: # أتخاف الموت؟ # الناسك ~~: # يخافه جسدي الذي يحترق بالألم منذ سنين، يخافه الطائر المريض الذي يرتعش في ~~قفص الصدر. # القيصر ~~: # ومع ذلك لا زلت تحلم؟ # الناسك ~~: # الحلم البسيط الذي يقدر عليه الحاكم والمحكوم ~~(يسعل بشدة، يتغنى بالكلمات التالية التي يتخللها الأنين ~~والسعال) ~~. # أحلم أم ألمس جذر الأرض، # وأتنفس إيقاع الأرض، # ويتحد النبض مع النبض! # أحلم أن أرغب في شيء واحد؛ # أن لا تملكني الرغبة في الشر ولا الخير، # أن أسكن في قلب العالم، # كالغصن الميت في حضن الموت، # ووحيدا يغشاني الصمت! # كالقارب في ضوء القمر، # كالراقد في ظل الشجر، # يتأمل في مسقط أو صخر، # وطريقي سهل صعب، # أوله هو آخره، # ونهايته يبدأ منها السير، # فطريقي نبع ومصب (يشتد سعاله وأنينه). # القيصر ~~: # أرجوك، عد إلى الفراش. # الناسك ~~: # لا وقت للنوم؛ إن مثلي يحلم إلى آخر نفس فيه، ولكنه لا يحلم لنفسه فحسب، ~~أرجوك، ناد على التابع. # القيصر ~~: # سأفعل، ولكن لماذا تريده؟ # الناسك ~~: # ألم تسمع من يقول: بدأ الطريق فأتم الرحلة. # القيصر ~~: # ربما سمعته، ولكن ما معنى هذا؟ # الناسك ~~: # معناه أن أواصل الحلم أمام شعبي، ناد على التابع. # القيصر ~~(يتجه إلى الباب وينادي) ~~: # أيها التابع، أيها التابع. # التابع ~~(يظهر على الباب) ~~: # نعم يا سيدي. # الناسك ~~: # تعال يا لو-شون. تعال يا ولدي. # التابع ~~: # أمرك يا معلمي ، هل تريد شيئا؟ # الناسك ~~: # أما زال أهل القرية هناك؟ # التابع ~~: # وينتظرون طلعتك يا ms050 سيدي، يتمنون أن يطمئنوا عليك قبل أن يغمض النوم ~~عيونهم. # الناسك ~~: # وأنا أيضا يا ولدي، أريد أن أطمئن ~~عليهم قبل أن يغمض النوم عيني هيا، هيا. # التابع ~~: # ماذا تريد يا معلمي؟ # الناسك ~~: # المحفة يا ولدي، هاتها واحملني إليهم؛ هذا الرجل الطيب سيساعدك. # التابع ~~(وهو يحضر المحفة ويضعه عليها) ~~: # وتقول الرجل الطيب؟ # الناسك ~~: # نعم يا ولدي، لماذا نحرمه من الحلم؟ # التابع ~~: # لأول مرة لا أفهمك يا معلمي. # الناسك ~~: # ولآخر مرة يا بني، أريد أن أروي بقية الحلم، أن أتركه أمانة بين أيديكم؛ ~~من يدري؟ ربما تحققونه من بعدي، أو ربما يحققه من لا أعرفه ولا ~~تعرفونه. # التابع ~~: # إلا هذا القيصر الأصفر يا معلمي، هل يمكن أن تنسى؟ # الناسك ~~: # الفضل له يا ولدي، هو الذي جعلني أنسى وأبدأ من جديد. # التابع ~~: # إن كنت نسيت فنحن لا ننسى، إنهم ينتظرونه هناك؛ الأفضل لك أيها القيصر أن ~~تختفي. # الناسك ~~: # لا لا يا ولدي، سينسون ويبدءون من جديد، وسيحلمون ويحلم معهم، هيا هيا، ~~دعه يحمل المحفة معك، دعه يشاركنا الحلم. # التابع ~~(وهو يحمل المحفة والقيصر يساعده) ~~: # أنت الذي يقول هذا؟ # الناسك ~~: # أقوله وعليك أن تسمعه وتتعلم. # التابع ~~: # أسمع وأتعلم، نعم. أما هذا الحلم؟ # الناسك ~~: # فتواصلونه بعدي. # القيصر ~~: # وأنا معكم، هيا، هيا! ~~(يحملان المحفة ويخرجان من الباب. يستقبلهما هتاف من أسفل ~~المنحدر): ~~- المعلم، المعلم! ~~- والقيصر الأصفر، ~~- القيصر الأصفر! # 7 ~~(على الحدود؛ إلى اليسار بيت صغير أشبه بالكوخ، بالقرب من حاجز ~~خشبي يقطع المسرح بالعرض، ويرفع بالحبال إلى أعلى أو يخفض إلى أسفل؛ حسب حركة ~~الداخلين والخارجين. إلى اليمين في عمق المسرح شجرة تين راسخة، تفرش سجادة ظلها ~~الأسود على الأرض، ويستريح تحتها الحكيم العجوز ودابته السوداء التي يظهر شبحها ~~الباحث عن الخضرة، الرجل الذي عرفناه في المشهدين السابقين - وهو حارس الحدود - ~~يسرع الخطى على نداء صبي صغير، قبل أن يبرز له الصبي ويحادثه نسمع صوتا ~~يلقي الأبيات المتفرقة التالية التي يتجمد الجميع في وقفتهم وهم يستمعون إليها. ~~يتلون الصوت بألوان ودرجات مختلفة حسب المعاني والمشاعر التي ms051 تصبها مكبرات ~~غير منظورة.) # الصوت ~~: # لا شيء أرق من الماء. # ومع ذلك فهو يفتت جلمود الصخر. # الضعيف يهزم القوي. # اللين ينتصر على الصلب. # ولا أحد على الأرض يجهل هذا. # ولا أحد على الأرض يتبعه. # الصوت ~~(بعد صمت قليل) ~~: # الكلمات الصادقة ليست براقة. # والكلمات البراقة ليست صادقة. # الحكيم لا يعرف الكثير. # من يعرف الكثير ليس حكيما! # الحكيم لا يجمع لنفسه شيئا، # وبقدر ما يعيش لغيره، # يزداد ثراء، # بقدر ما يعطي الناس، # يزيد ما يملكه. # الصوت ~~(بعد قليل تزداد نغمته عمقا وانفعالا) ~~: # من يحمل طين العالم، # فهو سيد المملكة. # من يحمل ذنب العالم، # فهو ملك العالم. # وبالوداعة والنقاء والسكينة، # يجعل مملكة الأرض عادلة. # الصوت ~~(بعد قليل) ~~: # سأل الحاكم أحد الحكماء: # علمني أحكم بالحكمة؛ # فلقد فسدت مملكتي، # وانهار الحكم. # فالتفت إليه الرجل، # وكان عجوزا # وتنهد وهو يقول: # آه! ما أبعد نور الفجر! # هل تستطيع أن تحب شعبك وتحكم بلدك، # وتظل مع ذلك مجهولا؟ # هل تستطيع أن تحكم بغير اللجوء إلى القوة؟ # وأن تفعل دون أن تتسلط؟ # عاد الحاكم يسأل: # أرجوك! علمني أحكم مملكتي! # سكت الرجل قليلا، # غامت عيناه وجفف دمعة. # أطرق، همهم، # حرك شفتيه وقال: # أن تحكم معناه أن ترعى. # أن تحكم معناه أن تشفي المرضى. # تحمل هم المحكومين على كتفيك، # وتعمل بسلام وسكون، # حتى ليظن الناس بأنك لا تعمل شيئا! # الصوت ~~: # عاد القيصر يسأل: كلماتك غامضة، أبتهل إليك؛ أوجز كلماتك في كلمة. # الصوت ~~: # أن تتم عملك ثم تتوارى، # ذلك هو طريق السماء. # الصوت ~~(بعد قليل) ~~: # ومن يخطو على طريق السماء، # فهو وديع كالطفل ساعة ولادته. # آه! لا شيء أرق من الماء ولا أضعف منه، # لكن الماء يفتت جلمود الصخر! # الرجل ~~(يتحرك مذهولا) ~~: # ما هذا؟ ماذا أسمع؟ # الصوت ~~: # لا شيء أرق من الماء، # لا شيء أرق من الماء. # الرجل ~~(للصبي الذي يلعب بالحاجز الخشبي) ~~: # من أنتم؟ # الصبي ~~: # نحن الذين نريد أن نعبر الحدود، # وأنت الذي تؤخرنا. # الرجل ~~: # ومن الذي قال: لا شيء أرق من الماء؟ # الصبي ~~: # قال ذلك العجوز الذي أسوق دابته. # وها ms052 أنت ذا تعطلنا حتى تغرب الشمس، # ويحل الظلام فلا نعرف الطريق! # نريد أن نعبر الحدود. # الرجل ~~: # تعبرون الحدود؟ أتظن الأمر بهذه البساطة؟ لا بد من تفتيش متاعكم، لا بد ~~من إجراءات ورسوم! تكلم؛ ماذا تحملون معكم؟ ذهب أم فضة؟ أوان أم تحف ~~نادرة؟ من خزف أم خشب الصندل؟ # الصبي ~~(ضاحكا) ~~: # لا شيء أرق من الماء. # الرجل ~~(غاضبا) ~~: # وأين صاحبك؟ أين؟ # الصبي ~~: # المعلم العجوز؟ هناك! دائما في ظل شجرة. تذكر قبل أن تذهب إليه أن الشمس ~~توشك على المغيب. # الرجل ~~: # وما معنى قوله هذا؟ ما معناه؟ # الصبي ~~(ضاحكا) ~~: # أننا سنعبر الحدود أخيرا. إن الإنسان ينتصر على كل شيء. # الرجل ~~: # الإنسان ينتصر على كل شيء؟ # نعم، نعم. اذهب أنت. أما أنا فأريد أن أعرف هذا، أيها العجوز، أيها ~~العجوز. ~~(العجوز ينهض متجها إليه في خطا بطيئة.) # العجوز ~~: # جئت أخيرا يا ولدي؟ # الرجل ~~: # عرفت أنك متعجل، تريد أن تعبر قبل حلول الظلام. وأريد أن أعرف شيئا ~~آخر. # العجوز ~~: # أنت أيضا؟ كثرة المعرفة تضيع الحكمة يا ولدي. # الرجل ~~: # ولكنها لن تضيع الطريق، بعد غروب الشمس أو شروقها يظل الطريق هو ~~الطريق. # العجوز ~~: # صدقت؛ الطريق لا يعمل أبدا. وكل شيء يعمل من خلاله، لو استطاع الناس أن ~~يحافظوا عليه لتحسنت أحوال العالم، الطريق لا يتدخل في شيء؛ ولهذا لا ~~يفسد شيئا، لا يأخذ شيئا، ولهذا لا يفقد شيئا. # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # وتظن أن هذه الحكم تعفيك مما لا مفر منه؟ # العجوز ~~: # تعفيني من أي شيء يا ولدي؟ # الرجل ~~: # مما يخضع له كل عابر للحدود؛ لا بد من تفتيش المتاع، لا بد من دفع ~~الضريبة. # العجوز ~~: # الضريبة؟ على العجوز الذي لا يملك شيئا؟ أم الدابة التي تبحث عن نبتة ~~عشب؟ أم اليتيم الذي لم يخلص لي سواه؟ # الرجل ~~: # لا شيء أرق من الماء ولا أضعف منه، مع ذلك. # العجوز ~~: # على الكلمات؟ ماذا تأخذ ممن لا يملك إلا الكلمات؟ سوف نذهب جميعا ~~يا ولدي. ستبلى عظامنا ويسحق التراب الذي تخلف منا، كما ذهب الحكماء ~~والأبطال القدماء. ربما لا ms053 تبقى إلا كلماتنا. وربما تندثر هي أيضا كما ~~اندثرنا. # الرجل ~~: # حتى إن وجدت من يسمعها؟ # العجوز ~~: # كم سمعها الكثيرون! المهم أن تجد من يعيشها، ويحولها أعمالا. # الرجل ~~: # بشرط أن يفهمها أولا، لا شيء أرق من الماء؟ # العجوز ~~: # هل تراها غامضة؟ # الرجل ~~: # ليست أشد منك غموضا. # العجوز ~~: # كان الحكماء كذلك يا ولدي؛ منذ القدم وهم يتهمون بالغموض، والذين ~~يتهمونهم يبررون حمقهم وظلمهم. # الرجل ~~: # ربما بلغ عمق الحكيم حدا يستعصي معه الفهم. # العجوز ~~: # ولأن أحدا لم يستطع أن يفهمه؛ لذلك يقول كل من يراه: # هو حذر؛ كأنه يعبر نهرا متجمدا في الشتاء، # خائف؛ كأنه يخشى الناس من حوله، # متسامح؛ كأنه الثلج عندما يذوب، # عنيد؛ كأن آباءه هم الوحوش، # أصيل؛ كأنه خشب لم تمسسه يد، # واسع الصدر؛ كأنه وادي النهر، # مرح؛ كمن يتسلق برجا في فصل الربيع، # مضطرب؛ كأنه دوامة من الماء العكر # آه! من يستطيع أن يهدئ الدوامة حتى تصفو؟ # من يستطيع أن يحرك الساكن حتى تعود إليه الحياة؟ # آه! العالم يسير في اتجاه مضاد للطريق، # والطريق في اتجاه مضاد للعالم، # فمن يعيد التائه والشارد والضال؟ # الرجل ~~: # ليس غيرك، يا من تمتلك الطريق! # العجوز ~~(في أسى وهو يجلس على حجر كبير) ~~: # أمتلك الطريق؟ من يمكن أن يزعم هذا يا ولدي؟ # الرجل ~~: # من يريد السير عليه قبل حلول الظلام، لا بد أنه يعرفه. # العجوز ~~: # يريد ويعرف؟ ليت الأمر كما تقول. المهم أن تكون أنت الطريق ~~والعالم. # الرجل ~~: # ومن غيرك أيها الرجل الغامض؟ ~~(ينحني أمامه ثم يجلس على الأرض عند قدميه - الحكيم يتأمل ~~ملبسه الفقير وجسده الهزيل - ثم يواصل حديثه معه في تعاطف.) # العجوز ~~: # لا أدري يا بني. ربما أكون قد أضعته من كثرة ما بحثت عنه. ومن أضاع ~~الطريق أصبح هو والضياع شيئا واحدا. # الرجل ~~: # هل تعني بذلك أنك ما تزال تبحث عنه؟ # العجوز ~~: # وربما يتحتم علي أن أبدأ من البداية، بالرغم من شيخوختي المرتعشة على ~~حافة الموت، ومن سفري الآن إلى منفى جديد. # الرجل ~~: # هل أفهم من هذا أنك تعبر الحدود إلى ms054 مملكة أخرى. # العجوز ~~: # بل أعبرها إلى ضياع جديد؛ فبعد أن نفيت نفسي في جلدي وقنعت بالتأمل ~~والتعليم، اكتشفت أن جسدي لا يزال موجودا، وإنه لا يزال عرضة للبتر ~~والجلد، والحرق والتشويه. # الرجل ~~(يضحك بصعوبة) ~~: # ولهذا قررت أن تترك القيصر الذي كنت تعمل عنده لتذهب إلى قيصر ~~جديد. # العجوز ~~: # حيثما ذهبت وجدت القيصر الأصفر أمامك. # الرجل ~~: # تقول القيصر الأصفر؟ # العجوز ~~: # نعم، نعم. في كل مكان قيصر أصفر، في كل مكان طاعة وعقاب؛ ولهذا تضيع الحكمة ~~بين ممالك الصين! هل تسمع يا ولدي آخر أغنية لي؟ # الرجل ~~(مناديا) ~~: # تعال أيها الصبي! تعال نستمع إلى أغنية سيدك الهارب من منفاه. # العجوز ~~: # لمنفى آخر لن يلبث أن يهرب منه إلى المنفى! ~~(يضحكان) # دع الصبي يلعب. لقد أضناه السفر، بينما أنا في ~~الطريق إلى هذا المكان، أسأل كل عابر عن الحدود، إذا بالليل يخيم علينا، ~~أنا وهذا الصبي اليتيم والدابة السوداء، في واد قحل تصفر فيه الريح ~~وتعوي الذئاب، كانت علامات الإرهاق واضحة على وجه الصبي، وكان الجوع إلى ~~النوم والطعام الدافئ يطل من عينيه ويصوب سهامه الجارحة إلي. وتجشمت ~~مشقة الصعود إلى أعلى ربوة قريبة، وحالفني الحظ فرأيت نوافذ يلمع فيها ~~الضوء، بل تناهت إلى أذني أصوات غناء وصيحات فرح وعزف على الناي والمزمار ~~والأوتار والدفوف. وتأكدت أنه عرس في قرية غير بعيدة. بشرت الصبي ~~بالوجبة الساخنة، وربت على رقبة الدابة التي فهمت ما أريد فاتجهت من نفسها ~~في اتجاه الأضواء والصيحات. وعندما اقتربنا نزلت عن الدابة وأطلقتها مع الصبي ~~قائلا له: اذهب يا ولدي؛ الناس هنا طيبون. وعندما تضع يدك في الطبق الكبير ~~لن يسألوك عن اسمك أو وجهتك. اذهب يا ولدي وارقص مع الأولاد وغن، وخذ ~~الدابة أيضا؛ فلن يبخلوا عليها بالعلف والماء. إن سألوك عني، قل لهم: سيدي ~~حكيم عجوز هناك في أسفل الجبل، يتعبد ويرتل الدعوات، اذهب يا ولدي اذهب، ~~لدي في الجراب ما يكفيني، وحبست دموعي وأنا أرى الصبي على ظهر الدابة ~~المنحدرة إلى العرس، وانطلق لساني بالأغنية التي ms055 سأقولها لك بغير ~~ترتيب: # آه! ما أبعد الفجر! # الناس جميعا فرحون، # كأنهم يشاركون في وليمة. # كأنهم ذاهبون إلى مهرجان الربيع! # أنا وحدي أرقد في سكون، # أشبه بطفل صغير، # لم يبتسم مرة واحدة في حياته، # أترنح وأتمايل، # كأنني أضعت الوطن والطريق، # كل الناس لديهم ما يكفيهم، # أنا وحدي تعريت عن كل شيء. # كل الناس لامعون. # أنا وحدي منطفئ معتم، # كل الناس واثقون من أنفسهم، # أنا وحدي متعب حزين القلب، # ثائر ثورة البحر، # مضيع كأني بلا هدف! # وأنا وحدي غير الآخرين، # أنا وحدي أمجد الأم الأرض. # الرجل ~~: # جميل. جميل أن يتذكر الابن الضائع أمه. # العجوز ~~: # نعم يا ولدي، # وتذكرت الأم الأرض، # أو الأرض الأم! # وتأملت الكل حوالي، # وكانت تعمل في صمت، # تعمل في صمت، # لا يعنيها العدل أو الظلم، # ولا يعنيها الميلاد أو الموت. # شيء واحد راح يلح علي في تلك اللحظة؛ أن أخرج من ممالك ~~الصين، أن لا ألقى قيصرا أصفر ولا أضطر للعمل معه، وبكيت لأن ~~حياتي لم تكن إلا رحلة من مملكة إلى مملكة، من حطام أتركه ورائي إلى ~~حطام أراه أمامي! في كل بلاط غدر وخيانة، في كل نظام ختل ورياء، ~~ذل وهوان، وعذاب وعقاب. والكلمة للأوغاد السفاحين، للقتلة ~~والدجالين؛ لصوص الأرض لصوص العدل لصوص القوت المحتالين. # الرجل ~~: # وكلماتك؟ ألم تستطع كلماتك أن تصلح أميرا أو وزيرا؟ # العجوز ~~: # كانت تهرب كقطيع مذعور من أنياب ذئاب، كحمام غادر عشا دهمته نسور ~~وأفاع. لا بد أنك تكتم حتى الآن سؤالا يضنيك: من أنت! # الرجل ~~: # نعم، نعم من أنت يا سيدي؟ # العجوز ~~: # يسمونني المعلم العجوز، وأحيانا يسمونني الرجل العابس المقطب ~~الجبين يكفي أن تعلم أنهم كانوا يطلقون علي لقب الحكيم، في كل مملكة ~~تفتح أبواب القصر لتستقبلني الأوجه بالبسمات، وفي كل مملكة تودعني بعد ~~أيام أو أشهر أو سنوات باللعنات، وأتوقف عند بوابة المدينة لأجفف ~~الدموع المنحدرة على خدي. ربما كانت دموع الحزن على فشل حكمتي، أو دموع ~~الفرح ؛ لأنني خرجت منها ورأسي لا يزال على كتفي. وتركتها ماشيا على رجلي ms056 ~~فلم تبتر أصابع يدي وقدمي، ولم يحرق وجهي بأسياخ الكي ~~المشهورة. # الرجل ~~: # تقول لم تبتر أصابع قدميك ولم يحرق وجهك؟ # العجوز ~~: # نعم، نعم، ولم أعلق من مشنقة في السوق. ولكن لماذا تسأل؟ # الرجل ~~: # آه! لا شيء، لا شيء ... أكمل، أكمل. # العجوز ~~: # أكمل قصة يعرفها كل طفل في المدرسة؟ أتلو عليك كلمات يحفظها كل تلميذ ~~صيني ويتعلمها كذلك كل أمير صغير، لكن لا يعمل بها أحد، ولا أحد يكترث ~~بالمعلم العجوز! وماذا ننتظر من رجل عابس الوجه مثلي يقول في كل بلاط ويردد ~~لكل حاكم وأمير: الوداعة والسلام! النقاء والتواضع! لا تتسلط! وسيتم ~~كل شيء! العالم وعاء الله، من يتدخل في مجراه يفسده. من يتمسك به ~~يفقده! تريد أن تكون حكيما ونبيلا؟ الحكيم يتجنب التطرف، يتجنب ~~التهور، يتجنب الخيلاء! هل تطلب الوفرة؟ بالاستغناء! تطمح أن تصل إلى ~~الذروة؟ عش في عمق الأعماق! لامس جذر الكون! تطمع في أن تتقدم ~~الجميع؟ كن في آخر الصفوف! تتطلع للانتصار؟ لا تلجأ للقوة! وإذا ~~اضطرتك الضرورة المؤسفة للحرب، فأتم المعركة واختف عن الأنظار! تتمنى أن ~~تصبح سيد المملكة؟ لا تمثل دور السيد! هل تصبو لرضاء الشعب؟ اجعل ~~أطعمة الناس شهية، ثيابهم جميلة، مساكنهم مطمئنة، حياتهم فرحة، ~~وعندما تتحد مع الطريق، يعود كل شيء إلى وحدته مع كل شيء، عندما تستقر ~~في الصفاء والسكينة، ترجع الأرض والسماء من غيبتها. عندما تصبح أنت الطريق ~~والعالم. ويصبح الطريق والعالم أنت، ستمطر السحب، وتفيض الينابيع ~~والأنهار، وتنتج الأرض أنواع الحبوب الخمسة، وتمتلئ بطن الشعب ويفرغ ~~عقله من الشهوات. هل تعلم ماذا كان حظي في مملكة تشو؟ # الرجل ~~: # تلك التي أرادت أن توحد ممالك الصين؟ # العجوز ~~: # نعم، بالقوة أرادت هذا. فأشاعت في عصرنا المضطرب المزيد من الاضطراب، ~~ومزقت الصين الممزقة إلى أشلاء. # الرجل ~~: # وماذا كنت تعمل هناك؟ # العجوز ~~: # العمل الذي يصون طريق الحقيقة ويحميه، العمل الذي يليق بسليلة الحكماء ~~القدماء. # الرجل ~~: # أراهن أنك كنت مستشار القيصر! # العجوز ~~: # وكيف أشير على قيصر لا يستشير؟ لقد كنت أمين المخطوطات والمحفوظات ~~أستخرج منها ms057 الحكمة وأقدمها له. # الرجل ~~: # وهل تقبلها منك؟ هل عمل بها؟ # العجوز ~~: # وماذا تنتظر من مأفون يحلم بأن يفيض النهر الأصفر بالدم ليروي أراضي ~~الصين الجدباء؟ كان يريد التوسع، فراح يطارد شبح المجد الهارب باستمرار. ~~هل تعرف ماذا كان يطلب مني بعد كل معركة؟ # الرجل ~~: # أن تعالج بحكمتك جروحه وجروح جنوده؟ # العجوز ~~: # بل أن أصبح قائده الأعلى! # الرجل ~~(ضاحكا) ~~: # أنت؟ قائد جيشه؟ بالوداعة والسكينة؟ # وبالفعل الذي لا يفعل ولا يتدخل، ولا يلجأ للعنف والغلظة؟ # العجوز ~~: # نعم، نعم؛ ولهذا كرهني ثم هددني بالعقاب! كنت أقول كلما سمعته يتكلم ~~عن جيوشه: # حيث تكون الجيوش، # تنمو الأشواك والأحراش. # وبعد المعركة العظيمة، # تأتي السنوات العجاف. # وكلما تحدث عن انتصاراته أرفع صوتي وأقول: # القائد الحكيم يصل إلى هدفه ثم يتوقف، # ينتصر مدفوعا بالضرورة المؤسفة، # ينتصر ولكن لا يمجد نفسه، # يكسب المعركة ثم يختفي من المدينة، # حتى لا يظهر في موكب الاحتفال. # وكلما تكلم عن الأسلحة وطالب بصنع المزيد منها وقفت في وجهه ~~وحذرته: # الأسلحة أدوات الشر؛ # لذلك لا يسكن الحكيم بالقرب منها، # الأسلحة أدوات الشر، # والحكيم لا يلجأ إليها إلا مضطرا! # إذا انتصر لم يجد في الانتصار جمالا؛ # لأن من يجده جميلا يفرح بالمذبحة، # ومن يفرح بقتل غيره من البشر، # لا يصح أن يكون سيد المملكة. # الرجل ~~: # من حسن حظك أنه لم يستخدم أسلحته معك. # العجوز ~~: # ومن سوء حظ الشعب أنه استخدمها، أخذ يزدرد أوهام المجد ويلتف بأكفانه ~~البراقة، وأخذ الناس يلتهمون الجوع ويتغطون بالعري ويتداوون بالأمراض ~~والأوبئة وخزعبلات السحرة والكهنة. وقويت شوكة أعدائه الذين ظن أنه ~~هزمهم وأذلهم، فانتقموا لهزيمتهم، ثم لم يلبث أن جمع جيوشه وعاد ينتقم من ~~الذين انتقموا منه. وتركت المملكة التي تحولت إلى مقبرة هائلة وحملت ~~أوراقي ومتاعي على عربة يجرها ثوران أسودان، كنت قد أنقذت ما أمكني ~~إنقاذه من حكمي وأشعاري وأقوالي لقيصر «تشو» ولغيره، وظننت أنني أستطيع ~~أخيرا أن ألجأ للمنفى وأعيش حياة معلم مجهول. وعندما مررت على أبواب ~~مملكة «تسي» فوجئت بقيصرها الأصفر ومعه رجال دولته في استقبالي. ms058 # الرجل ~~: # تقول قيصرها الأصفر؟ # العجوز ~~: # نعم، نعم. لماذا تكرر سؤالك؟ # الرجل ~~: # لا، لا شيء؛ حسبته هو القيصر الذي يبتر أصابع الحكماء، ويحرق وجوههم حتى ~~تصير كالفحم. # العجوز ~~: # سمعت أنه يفعل هذا وأكثر منه. # الرجل ~~: # أكمل، أكمل. # العجوز ~~: # خيل إلي أن الدولة كلها في انتظاري، رحت أنظر في وجوه الوزراء ~~والأمراء، والقواد والأعيان، والمؤرخين والعلماء؛ بحثا عمن يكون هو ~~القيصر. ولما لاحظ الجميع قلقي شدني أحدهم إلى السور، وأشار إلى رجل ~~ضامر كالجرادة، يجلس في برج عال ويتطلع إلى الأفق كأنه ينتظر المجهول ~~القادم من بعيد. همس في أذني شيخ كبير استطاع أن يحتفظ بوجه طفل غرير: ها ~~هو ذا ينتظر، والدولة كلها تنتظر معه. سألت: وماذا ينتظر؟ قال وهو يبتسم في ~~حزن: ينتظر الحكيم الذي يأتي ومعه الإنقاذ. هتفت: الإنقاذ؟ من أي شيء؟ رفع ~~الشيخ حاجبيه دهشة وقال: من أي شيء؟! ألم تسمع بما حدث في مملكة «تسي»؟! ~~ألم يرو لك أحد عن مصيبتها؟! قلت: المصائب في ممالك الصين تزاحم الغرائب، ~~ربما لا تكون مصيبتكم أعظم من غيرها، هز رأسه مرات ومرات ومط شفتيه ~~وشد التجاعيد البارزة على جبينه قبل أن يقول: لا، لا، ليس لها نظير! لا ~~يمكن أن يكون لها نظير في ممالك الصين ولا غير الصين. قلت: تكلم يا سيدي. ~~وستعرف مني أنها ليست أعجب المصائب! وحاولت أن أبتسم فردعتني السحب التي ~~تلبدت في عينيه وعلى وجهه. قال وهو ينظر إلى بعض وجوه الدولة الذين ~~تجمعوا حولنا وأحسست من ملامحهم أنهم يستجيرون بي، دون أن يكتموا يأسهم ~~الدفين: هل تعلم أن سكان «تسي» بدءوا يتركونها ويهاجرون منها؟ هل تصدق أن ~~مدينة كاملة قد خلت ذات صباح من سكانها، ولم يبق فيها حتى الشرطة ~~والموظفون. لم يتخلف فيها حتى القطط والكلاب؟ ابتسمت وقلت: بالطبع؛ ما ~~دامت تستطيع أن تعيش بعيدا عن البشر. ولكن لماذا حدث هذا؟ رفع رأسه في حزن إلى ~~أعلى، وهمس في أذني: اسأل هذا الواقف هناك! قلت: إنه مشغول عنا بسؤال الكواكب ~~والنجوم. دمدم الشيخ ms059 قائلا: وهذا قبل أن تغرب الشمس، فما بالك بسهرنا حوله ~~كل ليلة؟ سألت: وماذا يريد؟ قال رجل نحيل مد رأسه بيننا وبدا على عينيه ~~التعب من النظر في الكتب والأوراق: هل يعرف أحد ماذا يريد؟ لقد أمرنا أن نكون ~~معه في استقباله. سألت: من تقصد أيها العالم الجليل؟ ضحك ضحكة خافتة كأنه ~~يشهق وقال: لو كنت أستحق هذا الوصف لقلت لعله ينتظر من ينقذه بعد أن تأكد ~~من غرقنا وغرقه. ابتسمت وأنا أمر بعيني على وجوههم الحزينة وشفاهم المذمومة ~~التي توشك أن تطلق استغاثة: إذن فهو يحتاج إلى بحارة وملاحين! قال الشيخ: ~~بل يحتاج إلى أمثالك أنت! سألت متعجبا: أمثالي أنا؟ قال: نعم نعم. من الحكماء ~~المتجلين. ضحكت مستنكرا: ومن أدراكم أنني كذلك؟ هل خلا بلاطه من الحكماء؟ ~~قال الشيخ كأنه يستخرج صوته من جب عميق: لا لم يخل أبدا من الحكماء، ولكنه ~~لم يستمع لنصحهم يوما. بل تفنن في عقابهم والتشهير بهم. ومنذ أن جاء إلينا ~~ذلك الناسك الشاب وهو نادم على ما فعل معه. سألت: ناسك شاب؟ ونادم على ما ~~فعله معه؟ قال رجل رزين قصير القامة ظل حتى ذلك الحين صامتا: رئيس الوزراء ~~يقصد ما فعله مع الجميع. لقد حكم عليه ببتر أصابع قدميه وحرق وجهه. ثم ~~اختلى به بعد ذلك طويلا قبل أن يتحول. سألت: يتحول إلى ماذا؟ قال الرجل: ~~ربما إلى حكيم أو ناسك مثله. لا ندري تماما؛ فهو منذ أن رحل ذلك الناسك ~~الشاب لا يكف عن السؤال: متى يعود؟ متى أراه؟ من يجيب على السؤال الذي ~~يعذبني؟ سألت باهتمام: وما هو السؤال الذي يعذبه؟ قال الرجل بعد أن أطرق ~~برأسه طويلا: السؤال الذي يعذب كل القياصرة الصفر: كيف أحكم المملكة؟ كيف ~~أحكم المملكة؟ ولذلك فهو منذ أن ذهب الناسك الشاب ينتظره وينتظر الجواب. قلت ~~ضاحكا: الانتظار وحده لا يكفي. قال الشيخ صاحب الوجه المستدير: إنك لا تدري ~~كم تحول، لقد خلع التاج والرداء الأصفر وهام على وجهه دون طعام أو شراب. ~~تنقل بين ms060 البلاد وعبر الصحاري والأنهار والوديان، وتسلق الجبال في الصيف ~~والشتاء. سألت: بحثا عن ذلك الناسك أم عن الجواب؟ قال الرجل في حزن: لم نعد ~~قادرين على الرد على هذا السؤال؛ لأننا نسأل أنفسنا أيضا باستمرار. ويمكنك ~~أن تتصور كيف ساءت الأحوال في البلاد. وكيف عجزنا عن تهدئته وإقناعه ~~بالاستقرار على عرشه والاهتمام بأمر مملكته وشعبه. قلت: ألم يفعل ذلك دائما؟ ~~قال الرجل: وكانت النتيجة كما ترى. الشعب يترك بيته وحقله وعمله ويهاجر. قلت: ~~لم أسمع أن هذا قد حدث في مملكة أخرى. ولكنه كذلك لا يفاجئني، ألم يتبع نظام ~~الطاعة والعقاب؟ ألم يكثر من القوانين والأوامر والتعليمات؟ ألم يتسلط على ~~العالم والمخلوقات ويصم أذنيه عن نصائح الحكماء؟ إن هذا كله لا يفاجئني؛ ~~لقد عرفته ورأيته في كل الممالك التي زرتها. ولولا عناية السماء لرأيتموني ~~مبتور الأصابع أو مقطوع الساقين والذراعين، أو محترق الوجه أو لم تروني ~~على الإطلاق؛ هذه هي النتيجة الطبيعية أيها الوزراء والعلماء والوجهاء؛ ~~ولذلك ترونني على الطريق الذي لا يرجع من يسير عليه. قال الرجل في غير حماس: ~~مرارة صوتك تكشف عن حكمتك المرة. هل معنى هذا أنك لن تبقى معنا؟ قلت: ولم ~~أفكر في ذلك يا سيدي، لقد مررت ببلدكم وسأخرج منها كما دخلتها. قال الشيخ: ~~ونحن لا نستطيع أن نمنعك، لقد داعبنا الأمل مما قاله الرسل الذين التقوا بك ~~وسألوك. قاطعته قائلا: نعم. لقد قطع طريقي بعض الفرسان وسألوني عن ذلك ~~الناسك الشاب. قلت لهم: أي ناسك أيها الفرسان؟ لقد علمت في حياتي الطويلة ~~عشرات النساك. # الرجل ~~: # وتركت المملكة كما دخلتها؟ # العجوز ~~: # ولماذا أبقى وأنا لست الناسك الذي يبحثون عنه؟ # الرجل ~~: # ألم تسأل نفسك إن كان قد مر عليك يوما؟ # العجوز ~~: # سألتها يا ولدي. ولكن عشرات النساك قد مروا علي. بعضهم لبث معي ~~سنوات، وبعضهم أشهرا معدودات. ومنهم من لم يتحملني ولا تحمل حكمتي ساعات ~~فأدار ظهره ولم يعد إلى اليوم! # الرجل ~~: # هل فكرت في اسم ذلك الناسك؟ # العجوز ~~: # وكيف لعجوز مثلي أن يتذكر الأسماء؟ ms061 إن تلاميذي كثيرون أكثر مما تتصور، ~~أو تحتفظ به ذاكرتي الواهنة. # الرجل ~~: # ومين-كين-وو؟ ألا يعني هذا الاسم لك شيئا. # العجوز ~~: # ماذا؟ مين-كين-وو؟ لا لا، لا أظن. لا أتذكر. # الرجل ~~: # الناسك الشاب الذي بترت أصابع قدميه وأحرق وجهه حتى تفحم! # العجوز ~~: # لم يكن هو الوحيد الذي جرى له هذا، إن كنت تعرفه فهنئه على حسن ~~حظه. # الرجل ~~: # ماذا تقصد أيها العجوز؟ # العجوز ~~: # غيره علق على المشنقة، أو ألقي في جب الحيات والعقارب، أو مات ~~مسموما بيد أخلص الأصدقاء، أو وضع في القدر النحاسي الكبير. وغلي في ~~النار، أو سحقت أعضاؤه وفتتت أحشاؤه، أو رجم بالحجارة علنا في السوق ~~أمام الناس، أو رميت جثته بعد التمثيل بها في مياه «يانج تزي» أو ربط إلى ~~أربعة جياد اندفعت في أربع اتجاهات ومزقت جسده إربا. ابحث يا ولدي في ~~السجلات والمحفوظات وذاكرة العجائز من أمثالي لتعرف أسماء الحكماء الفضلاء: ~~أسماء شانج يانج، وتا آو شي، وباي-لي، ووو-تشي، وكوان-لونج-بنج، ~~وين-تزو-تشي-وتيين-بنج، ومي-تزو-شين. ألم يكونوا شرفاء فضلاء؟ ألم يكونوا ~~حكماء مبجلين؟ ألم يحاولوا هداية القياصرة في كل بلاط، ألم يصل بعضهم إلى ~~أعلى المناصب في الدولة ويحقق أعظم الإصلاحات؟ وتأتي أنت الآن لتسألني عن ~~صاحبك. ماذا قلت؟ # الرجل ~~: # مين-كين-وو، ولكني لا أسألك فقط. # العجوز ~~: # وماذا تريد أن تقول؟ # الرجل ~~: # أريد أن أقول إنه هنا، هنا في المكان. # العجوز ~~(ضاحكا) ~~: # حيث لا قصر ولا دولة ولا بلاط؟ في هذا المكان الموحش البعيد على حدود ~~الصين. # الرجل ~~: # نعم، نعم. في هذا المكان الموحش البعيد، بالقرب من هذه القرية البسيطة ~~المجهولة التي يعيش فيها أناس بسطاء مجهولون. # العجوز ~~: # وماذا يمكن أن يفعله هنا؟ # الرجل ~~: # المعجزة أيها العجوز! المعجزة! # العجوز ~~: # ماذا تقول؟ # الرجل ~~: # المجتمع الأمثل الذي عشتم وعلمتم وتعذبتم من أجله، الجماعة التي ~~تجانست مع الطبيعة والإنسان. # العجوز ~~: # واتحدت بالطريق نفسه. # الرجل ~~: # وجسدت الطريق نفسه. # العجوز ~~: # آه ما أبعد الفجر! إنك تعبث بي. ~~(يسمع صوت ~~ينادي: يا حارس الحدود، يا حارس الحدود! ينهض الرجل وهو ~~يقول) ~~: # الرجل ~~: # ليس الفجر بعيدا أيها ms062 الشيخ! # الصوت ~~: # تعال! تعال يا حارس الحدود، تعال ومعك الحكيم العجوز. # الرجل ~~(للعجوز) ~~: # سمعت؟ # العجوز ~~: # حقا! حقا! وكيف عرفوا أنني هنا؟ # الرجل ~~: # بل قل كيف عرف؟ أليس هو المتجلي؟ # العجوز ~~: # محتمل يا ولدي، محتمل. # الرجل ~~: # هيا أيها الحكيم، تعال نره! هيا قبل أن يتأخر الوقت. # العجوز ~~: # أيتها السماء ~~(يضرب جبهته بيده) # هل هذا ~~ممكن؟ أيكون هو ذلك الطائش المسكين الذي حذرته يوما من طيشه وأنا أقول: ~~الوداع يا ولدي، كم أخاف عليك! # الرجل ~~: # يمكن أيها العجوز؛ ليس في مملكة الصين مستحيل. # العجوز ~~: # آه! ما أبعد الفجر! # الرجل ~~: # بل ما أقربه يا شيخ! ما أقربه! ~~(يسمع صوت الصبي آتيا وهو يجري ويقفز ويغني في مرح.) # الصبي ~~: # لا شيء أرق من الماء، # لا شيء أرق من الماء. # الرجل ~~: # تعال يا بني، سنذهب قليلا ثم نعود لنكتب هذه الحكمة وغيرها، أليس كذلك ~~أيها الحكيم؟ # العجوز ~~: # نعم يا ولدي، وما دمت تريد. # الرجل ~~(وهو يربت على رأس الصبي) ~~: # هيا، ادخل أنت في هذا الكوخ الصغير، أعد الحبر والريشة والدواة، لن نتأخر ~~عليك! # العجوز ~~: # نعم يا بني، لن يتأخر عليك. # الرجل ~~: # هيا أيها الحكيم، هيا قبل أن يتأخر الوقت. ~~(ينصرفان وهما يلوحان للصبي.) # 8 ~~(الناسك راقد على المحفة التي يدفعها تابعه ويعاونه القيصر ~~الأصفر. يتوقفان بها في منتصف المسرح، بينما يتوافد أفراد الجماعة القروية الذين ~~رأيناهم في المشهد الخامس، ويتحلقون حولها واحدا بعد الآخر. يسيطر الوجوم على الجميع ~~ويسودهم شعور بالموت المقترب.) # التابع ~~: # تمهل! رفقا به. # القيصر ~~: # إنه غارق في نومه. # التابع ~~: # أو في ألمه؛ كم قاسى منه ويقاسي الآن! # القيصر ~~: # أرجوك، لا تقلب جروحي. # التابع ~~: # أنت الذي تقول هذا؟! # القيصر ~~: # ليتك تشعر بي! ثم إنه قد عفا عني. # التابع ~~: # عفا عنك؟! هذا الوجه المتفحم، هل يمكن أن يعفو عنك؟! ~~(يكشف الغطاء عن قدمي الناسك) # هاتان ~~القطعتان من اللحم الدامي منذ سنين، هل يغفران لك؟ # القيصر ~~: # لست ألومك، ولكنك لم تكن معنا. # التابع ~~: # لقد أمرني أن أغادر المكان واستجبت لأمره. ومع ذلك تخطئ إذا تصورت ms063 أنني ~~لم أكن معكما. # القيصر ~~: # ولم تسمع ما دار بيننا. # التابع ~~: # وهل يصعب علي أن أتخليه؟ إنك تركع على فراشه وتطلب منه الصفح. وهو كعادته ~~يمد إليك يد قديس ويقول: انهض فقد صفحت عنك. # القيصر ~~: # لم يكتف بهذا؛ لقد شكرني لأنني وضعت قدميه على الطريق، وكلما انهمرت ~~دموعي على يديه شد على يدي وقال: نحن الآن صديقان. # التابع ~~: # ربما يكون لهؤلاء رأي آخر. # القيصر ~~(وهو ينظر مفزوعا إلى القرويين الذين يتقدمون واحدا ~~بعد الآخر) ~~: # أرجوك، أرجوك. # التابع ~~: # يا أبناء القرية، لقد أمرني سيدي أن أجمعكم في هذا المكان ليلتقي ~~بكم. # رجل ~~: # ونحن ننتظر هذا اللقاء منذ أيام وليال في أسفل الجبل. # رجل آخر ~~: # ونصحو وننام على صوته الذي اشتقنا إليه. # رجل ثالث ~~: # وصورته التي لم أرها أبدا عن قرب. # امرأة ~~: # لأن نوره كان يغشى أبصارنا. # امرأة ~~: # وظننا أن وجهه هو الذي أحرق جلده. # التابع ~~(في غلظة) ~~: # بل أحرقه جلاد يمسخ وجه ضحيته بمشيئة جلاد آخر. # رجل ~~: # كنا نشعر بهذا الظلم، كنا نحس أن خلف الغطاء المنسدل على وجهه ~~جريمة! # امرأة ~~: # أنا وحدي أحسست بألمه، وبأن النور الطالع منه آخر أنفاس الشمعة. # امرأة أخرى ~~: # أو آخر ضوء يسطع من جسم شهاب محترق يهوي للأرض. # رجل ~~: # وكفانا النور فلم نسأل أنفسنا: من أضرم تلك النار؟ # التابع ~~: # مهلا، مهلا! ستعرفون عندما يحين الوقت. # رجل ~~(يقترب من الناسك وينظر إليه) ~~: # ومتى يحين؟ # رجل آخر ~~(يقترب ويضع يده على المحفة) ~~: # بعد أن يذهب الطفل السماوي ومعه جراحه؟ # رجل ثالث ~~: # ويقضي عليه السم الذي فتك بكل لحظة من حياته؟ # امرأة ~~: # السم! نعم، نعم. هذا هو الذي صبه الطغاة في دمه، ولم تنفع معه الأعشاب ~~الصفراء. # رجل ~~: # متى يحين وقت الانتقام. # التابع ~~: # الانتقام؟ لقد علمكم أن تحبوا - لم يعلمكم أن تنتقموا. # رجل ~~: # نريد أن ننتقم حبا فيه. # رجل ~~: # بيدي، سأخنقه بيدي؛ هاتان اللتان حاولتا يوما أن تسرقا متاعه يمكن أن ~~تتحولا إلى يدي جلاد! # امرأة ~~: # وقبل أن تخنقه لا بد أن تمسخ جلده وتقطع أصابع قدميه. # الرجل ms064 ~~: # ليتني أضع يدي عليه! # التابع ~~: # كيف تتكلمون عن الخنق والمسخ والقطع وأنتم في كنفه؟! هل هذا هو الحب الذي ~~شع عليكم منكم؟ انتظروا حتى يتكلم بنفسه. # امرأة ~~: # ننتظر والمتهم أمامنا؟! # رجل ~~: # المتهم أمامنا؟ # رجل ثالث ~~: # فلنبدأ بمحاكمته؛ لم لا نبدأ؟ # امرأة ~~: # ها هو يخفي وجهه! # امرأة أخرى ~~: # يرتعش كصل أفرغ سمه! # امرأة ثالثة ~~: # القيصر الأصفر! ~~(أصوات متداخلة: يتقدمون من القيصر الأصفر الذي يتجمد رعبا ~~- يسرع التابع لإنقاذه من أيديهم، ويصيح بهم.) # التابع ~~: # انتظروا، قلت لكم انتظروا! # صوت ~~: # ماذا عندكم لتدافع عنه؟ # التابع ~~: # أنا لا أتهم ولا أدافع، إنما أقول لكم ما قاله معلمي منذ أيام، اجمعهم يا ~~ولدي في يوم واحد؛ يوم يحضر القيصر الأصفر والمعلم العجوز، وعندما أمرني ~~أن أنادي عليهما عرفت أنهما قد حضرا. # صوت ~~: # هل تتكلم عن ألغاز؟ # صوت ~~: # هل كانت نبوءة؟ # صوت ~~: # الناسك في بحر النوم، من يضمن أن يصحو من نومه؟ # التابع ~~: # سيصحو وسيروي حلمه! # صوت ~~: # وسنعرف منه من ظلمه. # التابع ~~: # وكذلك من علمه، من لقنه الحكمة؛ ها هو ذا قادم! ~~(يلتفت الجميع ناحية العجوز الذي يلهث صاعدا المرتفع الصخري ~~وحارس الحدود يأخذ بيده.) # التابع ~~: # ابتعدوا، ابتعدوا؛ هذا الشيخ سيصدر حكمه. # التابع ~~: # مرحبا أيها العجوز. ~~(يوسع الجميع مكانا للمعلم العجوز وحارس الحدود. التابع يأخذ ~~بيد العجوز الذي يندفع نحو المحفة.) # التابع ~~: # إنه ينتظرك، منذ أن حضر إلى هذا المكان وهو ينتظرك. # العجوز ~~(على رأس الناسك) ~~: # ولدي، هل يمكن أن يكون هو ولدي؟ # التابع ~~: # لم تكذب رؤياه ولم يخطئ نوره؛ فمنذ أيام وهو يهتف باسمك ~~ويناديك. # العجوز ~~: # هل قال بأني سأعبر من هنا؟ # التابع ~~: # وأنكما ستلتقيان وتتحدثان. # العجوز ~~: # حقا يا ولدي؟ صدقت رؤياه ورؤياي! ~~(يتأمل وجه النائم ببصره الكليل ويغيب في تأملاته والجميع ~~صامتون.) # ولدي، ولدي. # يا من عبرت حدود التراب. # وحدود الميلاد والموت. # يا من علمتك فصرت معلمي ، # حققت الوعد وها أنا أتبع أثرك! # ولدي، ولدي، # هل هذا ممكن؟ # يا من تغمض عينيك كزهرة ذابلة! # أنت أيها الكامل، # أشبه بكمال الطفل ساعة ولادته. # النمل والعقارب ms065 والحيات لا تلدغك، # الوحوش المفترسة لا تعتدي عليك، # الطيور الجارحة لا تأكل من لحمك. # عظامك لينة، وأوتارك ضعيفة، # ومع ذلك فقبضتك قوية. # وديع ومسالم كحمامة كسيرة الجناح، # ومع ذلك تنشر حولك رهبة تنين! # منطفئ الوجه كوردة محترقة، # مع ذلك تشع منك مصابيح التجلي! # أيها الابن الذي اتحد بأمه، # وها هي ذي تعانقك وتفرح، # أيها الولد الذي حذرته من الضلال والضياع، # وها هو يرشد معلمه الضائع إلى الطريق! # من كان يقدر أن نتلاقى # في آخر عمري؟ # آخر شبر في مملكة الصين؟ # يا ولدي، استيقظ! # عاين وجه معلمك، # ودعه يشهد معجزة الطين! # دبت فيه الروح وشع النور، # وأشرق من ظلمات اليأس يقين! # قم يا ولدي، استيقظ! # داو الجرح المطعون. ~~(المعلم يتحسس بيديه وجه الناسك النائم. الجميع يلاحظون اهتزاز ~~صوته وارتجاف جسده.) # العجوز ~~: # آه يا ولدي! ماذا فعلوا بك؟ # كم حذرتك! كم ألححت عليك! # قل يا ولدي، ماذا فعلوا بك؟ # التابع ~~: # سيتكلم أيها الشيخ، لا بد أن يتكلم. # العجوز ~~(لحارس الحدود) ~~: # أخشى أن يكون الوقت قد تأخر! # التابع ~~: # لقد حضرتما، ولا بد أن يتكلم. # الحارس ~~: # هل تقصدني أنا والشيخ؟ # التابع ~~(مشيرا إلى القيصر الأصفر الذي يقف طوال الوقت بعيدا ~~منكفئا على نفسه) ~~: # أقصد هذا الشيخ، وهذا القيصر. # الحارس ~~: # هذا، القيصر الأصفر؟ # الجميع ~~: # نعم، هو القيصر الأصفر! # الشيخ ~~(متأملا) ~~: # أيهم يا أولادي؟ في كل مكان قيصر أصفر. # الجميع ~~: # من أحرق وجهه. # من بتر أصابع قدميه! # التابع ~~: # باسم الناسك أرجوكم أن تنتظروا! # الجميع ~~(للعجوز) ~~: # باسم ضحيته نبتهل إليك: # حاكمه بنفسك واحكم أنت عليه. # التابع ~~: # أرجوكم، لحظات ويفيق! ها هو يتحرك، ينظر للأفق، يتمتم. # الناسك ~~(يتقلب في نومه، يعتدل ويتطلع في الأفق وفي من حوله، ~~التابع وحارس الحدود يسرعان إليه ويساعدانه. يفتح فمه ويقول) ~~: # أبنائي وبناتي، شكرا لكم! شكرا يا وانج، كنت واثقا من أنهم سيلبون ~~دعوتي. # التابع ~~: # إنهم ينتظرون طلعتك يا سيدي! # الناسك ~~: # طلعتي؟! ~~(يحاول أن يبتسم) # أردت أن ~~يسمعوا صوتي. # التابع ~~: # إنهم منصتون! # العجوز ~~: # وأنا معهم يا ولدي! ~~(الناسك يتفرس في وجه ~~معلمه.) # الناسك ms066 ~~: # شكرا لهم، شكرا لك! أنبأني قلبي أني سأراك لآخر مرة، وستسمعني ولآخر ~~مرة. # العجوز ~~: # لا تقل هذا يا ولدي، سيتسع الوقت لكي أستمع إليك وتستمع إلي! # الناسك ~~(مبتسما) ~~: # هل تتذكر؟ ما زالت كلمتك تحذرني: الوداع يا ولدي! كم أخاف عليك! # العجوز ~~: # أردت أن تغير العالم. وأردت أن تبدأ بتغيير نفسك. وها أنت قد غيرت ~~العالم والناس وتغيرت. # الناسك ~~: # إلى هذا الحد تحسن الظن بي؟ # العجوز ~~: # ألم أقل لك يوما: الحكيم يتخطى حدود التراب. وعندما تتخطى حدود التراب ~~سأتبع أثرك؟ ها أنا ذا أتبعك وأتعلم منك. ليتك تعفو عني! # الناسك ~~: # أنا يا معلمي! # العجوز ~~: # لقد ظلمتك واتهمتك بأنك تحلم. لكن ما سمعته من حارس الحدود وما رأيته حولي ~~قد كذب ظني. # الناسك ~~: # لا أدري، ربما كنت لا أزال أحلم. # العجوز ~~: # بل حققت الحلم. # الجميع ~~: # معه الحق؛ حققت الحلم، حققت الحلم. # الناسك ~~(رافعا يده بصعوبة) ~~: # ومن أجل هذا الحلم جمعتكم حولي؛ لا أعرف إلى متى يستمر؛ فأنا أشعر أن ~~أنفاسي تسحب روحي من جسدي. # صوت ~~: # ما زلت بخير، ما زلت بخير. # صوت ~~: # ماذا نفعل بعدك؟ # صوت ~~: # منك تعلمنا الحلم وتحقيق الحلم! # الناسك ~~: # نعم يا أولادي، وأعلمكم أن تحموه ولو بالدم! # صوت ~~: # سنحميه وندفع عنه الشر، ونواجه كل قياصرة الصين الصفر. # القيصر الأصفر ~~: # لقد جئت نادما وعفوت عني! قل لهم أيها الناسك. # الناسك ~~: # أطمئن أيها القيصر؛ فلولاك ما كان الحلم، لولاك أنت وكل القياصرة ما ~~لاحقني إلى آخر الصين وآخر العمر! أتعرفون يا أولادي؟ لقد ظل يطاردني منذ ~~فتحت عيوني. ظل يتغلغل في دمي، ويسري في بدني وروحي، ويرافق طعامي وشرابي ~~ونومي ويقظتي. دائما نفس الحلم، دائما نفس الحلم! يختطفني كالنسر الهائل ~~على جناحيه، فأنتفض رعبا. ويهبط بي على أرض أخرى فأشعر بالفرح والأمان، كم ~~من مرة ارتعشت من الرعب! وكم من مرة ارتجفت من الفرح ! وفي كل مرة أحس أن ~~يدا هائلة سوداء تقتلعني من جذوري، وترتفع بي فوق الصين وسور الصين والعالم ~~كله. هل جرب أحد هذا الرعب القاتل؟ هل رأى ms067 أحد ما رأيت؟ كل تراث الصين، ~~ماضيها الموغل في آلاف الدول وآلاف الأسر وآلاف القياصرة. كلهم هناك من ~~تحتي، تلتف حولهم دائرة أطول من سور الصين وأكبر، دائرة أنظر إليها من ~~مكاني على جناح النسر العظيم، فأرى صور الماضي تتوالى: مواكب قياصرة ~~تتدافع، وتثير عواصف الغبار والدمار، حشود جائعون وخائفون وموبوءون بالقحط ~~والهوان والحرمان. وكل شيء وكل حيوان وإنسان يغشاه الغبار الأصفر تحت سماء ~~مصفرة على أرض صفراء. دائرة صفراء وأبدية، تلتف كتنين أصفر حول رقاب ~~الجميع! إذا دققت النظر في الوجوه رأيت صفرة الذل واليأس والانكسار، وإذا ~~أصخت السمع ترددت الصرخات والصيحات واللعنات! تصوروا معي آلات ~~التعذيب والعقاب والإرهاب، ترسانة الحروب، الدمار والخراب، ومئات المؤامرات ~~التي يحيك خيوطها الخونة والطغاة والأوغاد. ويقع في شباكها الأبطال ~~والحكماء والقواد. والدائرة تدور وتدور، تتسع وتتسع، وتغرق الدول ~~والعصور والقصور، والمدن والقرى والوديان والسهول. وتضيق وتضيق على الآلاف ~~من المكسورين والمهزومين. حتى تصل إلي فتلتف على عنقي، وتضغط وتضغط ~~بقبضة جلاد محترف قاس. وأصرخ وأصرخ، وأقاوم وأقاوم. حتى يأتي نسر أبيض ~~يرفرف بجناحيه وينظر إلي فأتسلق الجناح وأطير، وأحس أنه يرتفع ~~ويرتفع فوق الدائرة الأبدية التي حاصرتني وحاصرت أجدادي، وينفذ في آفاق ~~تسطع بألوان قوس قزح الزاهية، ثم يهوي إلى أرض أخرى بعيدة. مرج صغير ~~مرصع بالينابيع والجنان، والبحيرات والبساتين. يتجول فيه أو يعمل أو ~~يتأمل في ظل الشجرة أناس مثلي ومثلكم، لهم ملامح أهل الصين، وعيونهم ~~ووجوههم. أناس شهيقهم حب، وزفيرهم حب، يحبون الحلم ويصنعون الحلم، ~~بأيديهم وعقولهم ينسجون خيوطه الحريرية، ويمدون أسلاكه الفضية، وينمقون ~~تحفه الخزفية، ويدبجون حروفه الصينية. عبثا تبحث عيني عن متسلط يعذب ~~متسلطين، عبثا تقع على أفاق أو محتال وخوان، أو محترف للطغيان! ~~والكل وديع ومسالم، والكل حكيم كامل، حر وكريم وشجاع عادل. آه يا أبنائي! ~~هل جربتم سحر الحلم ورعبه ؟ أن يغوص الإنسان فيه كما يغوص في موجة طرية ~~ناعمة، ويفزع منه كأنه يتدحرج في هاوية مظلمة ملعونة، أن يتشبث به بيديه ~~وأسنانه، وأن يخشاه ويفر منه ms068 كأنه برق ينذر بالصاعقة؟ أن يهيم فيه كعاشق ~~مفتون يطوق بذراعه خصر معشوقته، وينتفض خوفا منه كأنه قبضة جلاد قبل ~~إحكام حبل المشنقة؟ لا لم يكن ذلك الفرح هو فرحي أنا وحدي، ولم يشل الرعب ~~قلبي أنا وحدي؛ ففي جدول فرحتي صبت آلاف الجداول القديمة، ومن بركان رعبي ~~تدفقت حمم آلاف المرعوبين والخائفين والغاضبين، وكما اقتضى حلم الأجداد ~~ضحاياه كذلك اقتضاني التضحية. وكما خنق آلاف القياصرة الصفر آلاف الأحلام ~~فبعثوها حية، كذلك خنق هذا القيصر الأصفر حلمي وبعثه حيا! # القيصر الأصفر ~~: # سمعتم؟ لقد عفا عني! # صوت ~~: # لكنا لن نعفو عنك. # القيصر الأصفر ~~: # الناسك غفر الذنب. # الناسك ~~: # أجل يا أولادي؛ فلولاه ما سرت على الطريق. # القيصر الأصفر ~~: # صدقتم؟ # الناسك ~~: # ولا جئت إليكم بالحلم! # القيصر الأصفر ~~: # ولا جئت أسأله أن يصحبني إلى مملكة تسي. # صوت امرأة ~~: # لتسلخ وجهه؟ # صوت امرأة أخرى ~~: # أم لتبتر أصابع يديه؟ # القيصر الأصفر ~~: # لو كان الأمر كذلك ما بحثت عنه في كل مكان. # العجوز ~~: # ولا وقفت على البرج العالي تنتظره ليل نهار! # القيصر الأصفر ~~: # هل سمعت عن هذا أيها العجوز؟ # العجوز ~~: # بل رأيتك بنفسي أثناء الطريق. # صوت ~~: # هبك زرعت الحلم بمملكة تسي، من يضمن ألا يغتاله قيصر آخر؟ # الناسك ~~: # من يضمن شيئا في هذا العالم يا ولدي؟ لهذا أدعوكم: صونوا، صونوا الحلم، ~~صونوا الحلم. ~~(الناسك يغالب آلامه، يفتح فمه ويغلقه قبل أن يرتجف جسده ~~ويسقط! الجميع يلتفون حوله لحظة ثم يبتعدون عن المحفة وينفرد كل منهم ~~بأحزانه.) # التابع ~~: # مات الناسك! # حارس الحدود ~~: # مات! # الجميع ~~: # مات؟ # العجوز ~~: # رجع إلى حضن الأم. # صوت ~~: # بل فتك به السم. # امرأة ~~(تتجه إلى القيصر الأصفر) ~~: # بم تشعر الآن أيها الرجل القاسي؟ هل تشعر بالراحة؟ هل تشعر أنك حر؟ كان ~~شوكة ضميرك، والشوكة قد نزعت. # كان الرعد الغاضب في أذنيك. والآن يمكنك أن تسمع موسيقى الأبواق وطبول ~~الحرب. # القيصر الأصفر ~~: # لا، لن أفعل، أقسم أقسم! # صوت امرأة ~~: # مات الراعي! # صوت امرأة ~~: # مات الكامل! # صوت رجل ~~: # مات الأخ والأب! # العجوز ~~: # بل رجع إلى حضن الأم. ms069 # رجع إلى حضن الأم. # صوت امرأة ~~: # معذرة يا مين-كين-وو، # معذرة يا مين-كين-وو، # إن كنا نحن قتلناك فنسألك الصفح. # ونسألك العفو عن الذنب! # رجل ~~: # عفوا يا مين-كين-وو! # أعطيت ولم نعطك شيئا! # قصرنا في حق الحب، # وأخذنا أنفاسك منك، # ودقات القلب! # والآن وقد جاء الموت، # وغاب الصوت، # فتأكد يا حادي الركب، # يوم حضرت لقريتنا، # امتنع علينا الخوف، # وزال الرعب! # وعرفنا كيف نعيش، # وكيف نحب! # الآن وقد مات الحالم، # لم يقدر كل قياصرة الصين، # على محو الحلم. # العجوز ~~: # رجع إلى حضن الأم، # رجع إلى حضن الأم! # إن كان الحالم قد مات، # فما مات الحلم. # الجميع ~~: # إن كان الحالم قد مات، # فما مات الحلم. # صوت ~~: # يا أبناء الحاضر، # صونوا الحلم، # يا أشباح المستقبل، # صونوا الحلم. # صوت ~~: # يا من تتخلق في الرحم ولم تظهر بعد، # يا من لم تكره بعد، # ولم تقتل بعد، # يا من لم تقس على أحد، # لم تغتر ولم تتسلط بعد، # حاول أن تذكر مين-كين-وو؛ # هذا الحالم، # من أرض الصين، # يا من لم تكره بعد، # ولم تقتل بعد، # حاول أن تذكر مين-كين-وو، # وصن الحلم من القيصر، # واحم الحلم من التنين. # الجميع ~~: # إن كان الحالم قد مات، # فما مات الحلم! # إن كان الحالم قد مات، # فما مات الحلم. ~~(التابع يسند رأسه إلى المحفة ويبكي. يبدأ بعض الحاضرين في ~~التفرق واحدا بعد الآخر وهم يرددون): # عفوا يا مين-كين-وو! # عذرا يا مين-كين-وو! # إن كان الحالم قد مات، # فما مات الحلم. ~~(يتعاون بعض الرجال على حمل المحفة والسير بها بعيدا. تتقدم ~~امرأة وتضع يدها على رأس حارس الحدود الذي يضع رأسه بين كفيه ~~قائلة): # هذه الزهرة كنت أريد أن أضعها على قلبه، أرجوك يا حارس الحدود، ضعها ~~على شاهد قبره. # حارس الحدود ~~: # شكرا لك أيتها البغي! # معذرة، شكرا يا زوجة البستاني. ~~(يسمع صوت يردد: لا شيء أرق من الماء، لا شيء أرق من ~~الماء.) # الصبي ~~: # يا معلمي، يا حارس الحدود! # حارس الحدود ~~: # تعال يا بني، لماذا تركت الكوخ؟ # العجوز ~~: # ولدي، كيف عرفت الطريق؟ # الصبي ~~(ضاحكا ثم ms070 كاتما ضحكته بعد أن رأى الرجال يحملون المحفة ~~ويسيرون في جنازة) ~~: # كما علمتني يا سيدي، وكما علمت الراقد في المحفة! # حارس الحدود ~~: # معذرة أيها العجوز، سأرجع بعد قليل إلى الكوخ. أرجوك أن تسبقني مع ~~الصبي إلى هناك؛ المحبرة والريشة والدواة هناك، وفي الجراب من الزاد ما ~~يكفيك. # العجوز ~~: # أريد يا بني أن أتابع الطريق! # حارس الحدود ~~(متعجلا) ~~: # لقد ترك لنا الحلم، ألا تترك لنا الحكمة لنهتدي للطريق؟ # العجوز ~~: # ما دمت تريد يا ولدي. ~~(ينصرف الحارس بسرعة.) # القيصر الأصفر ~~(يتقدم من العجوز) ~~: # وأنا أيها العجوز. # العجوز ~~: # أنت؟ ماذا تطلب يا بني؟ # القيصر الأصفر ~~: # هل تتخلى عني أيضا. # العجوز ~~: # يا بني، من يتمسك بالطريق لا يتخل عنه الطريق! اذهب وابحث عنه. # القيصر الأصفر ~~: # أرجوك، ساعدني، ساعدني! ~~(ينصرف العجوز مع الصبي. أصوات تردد سطور الحكمة التي ~~سمعناها في مطلع المشهد السابق بغير ترتيب.) # صوت ~~: # لا شيء أرق من الماء؛ # فهو يفتت جلمود الصخر. # صوت ~~: # الكلمات الصادقة ليست براقة. # الكلمات البراقة ليست صادقة. # صوت ~~: # من يحمل طين العالم، # فهو سيد المملكة. # من يحمل ذنب العالم، # فهو ملك العالم! # وبالوداعة والنقاء والسكينة، # يجعل مملكة الأرض عادلة. إلخ! # القيصر الأصفر ~~(متخبطا وحده) ~~: # أرجوك، ساعدني! (متجها إلى الجمهور.) # أرجوكم، # ساعدوني! # ساعدوني! ~~(يسدل عليه الستار وهو يمد ذراعيه للناس متوسلا ~~باكيا.) # | الطفل والفراشة # مسرحية من فصل واحد # الشخصيات # الحكيم تشوانج تسو. # الحكيم هوي تسو. # امرأة شابة. # طفلها. # الطفل والفراشة ~~(حديقة صينية عامة، الحكيمان تشوانج-تسو وهوي-تسو يجلسان على أريكة ~~في ظل شجرة ضخمة، يتطلعان إلى أحواض الزهور والفراشات التي تحوم حولها، والأطفال ~~الذين يجرون وراءها.) # تشوانج تسو ~~: # آه! مشكلة صعبة. # هوي تسو ~~: # آه! مشكلتي أصعب. # تشوانج تسو ~~: # كيف عرفت! إنني لم أحك لك شيئا. # هوي تسو ~~: # وهل من الضروري أن تحكي؟ يكفي أنني سمعتك تتنهد بعمق. # تشوانج تسو ~~: # ولكنك تنهدت أعمق مني! # هوي تسو ~~: # هل أفهم من هذا أنك أحسست بمشكلتي؟ # تشوانج تسو ~~: # وكيف أحس بها قبل أن أعرفها؟ # هوي تسو ~~: # كما أحسست عندما سمعتك تقول آه. # تشوانج تسو ms071 ~~: # أنا أيضا سمعتك تقول آه. كانت صادقة ومن القلب. # هوي تسو ~~: # وماذا تصورت عندما سمعتها؟ # تشوانج تسو ~~: # بل قل عندما شعرت بلفح نارها، شعرت أنك بدأت تحن إلى بلدتك «تشو» ~~وإلى نهر «هاو» الذي يشقها، مع أن زيارتك لم تطل عندنا. # هوي تسو ~~: # صدقت! ولكنني لم أحن إلى نهر «هاو» نفسه، بل إلى الأسماك التي تسبح ~~فيه. # تشوانج تسو ~~: # الأسماك التي تسبح فيه؟ حقا إنها لمشكلة. # هوي تسو ~~: # لا تسخر يا صديقي تشوانج تسو؛ ألا يمكن أن يحدث لك حين تشعر أنك أصبحت ~~سمكة. # تشوانج تسو ~~(ضاحكا) ~~: # هوي تسو الحكيم المشهور في الصين كلها يصبح سمكة؟! # هوى تسو ~~: # أو السمكة تصبح هي صديقك المشهور في الصين كلها هوي تسو! # تشوانج تسو ~~: # هي على كل حال مشكلة هينة إذا قيست بمشكلتي. # هوي تسو ~~: # مستحيل؛ قلت لك مستحيل. # تشوانج تسو ~~: # وكيف تجزم بشيء لم تره ولم تعرفه. # هوي تسو ~~: # ولكنني أحسست به؛ قلت لك أحسست به. # تشوانج تسو ~~: # وبماذا أحسست؟ # هوي تسو ~~: # هل تظن أنني لا أعرفك بعد هذا العمر الطويل؟ ألم نتعلم معا عند معلم ~~واحد؟ # تشوانج تسو ~~: # نعم نعم، ولكن. # هوي تسو ~~: # أحسست أنك حلقت عاليا في السماء وطفت العالم فوق سحابة، ثم هبطت ~~فجأة! # تشوانج تسو ~~: # فجأة! أكمل، أكمل. # هوي تسو ~~: # نعم هبطت في هذه الحديقة، وأخذت تنظر مذهولا إلى الأشجار والزهور، ~~والأطفال التي تجري وراء الفراشات، والفراشات التي ... # تشوانج تسو ~~: # تأكد مما تقول؛ لقد كانت فراشة واحدة. # هوي تسو ~~: # فراشة واحدة أو أكثر؛ لا يهم. # تشوانج تسو ~~: # إنه أمر في غاية الأهمية؛ لقد كانت فراشة واحدة. # هوي تسو ~~: # المهم أنك رأيتني جالسا على هذه الأريكة. # تشوانج تسو ~~: # قلت لك كانت فراشة واحدة؛ هذا أمر في غاية الأهمية. # هوي تسو ~~: # وما أهميته يا تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # إن هذه الفراشة كانت هي تشوانج تسو. # هوي تسو ~~: # أو كان تشوانج تسو هو الفراشة! # تشوانج تسو ~~: # بالضبط، وهذه هي المشكلة! # هوي تسو ~~: # المهم أنك صحوت من الحلم ورأيتني على هذه الأريكة. ms072 # تشوانج تسو ~~: # الحلم، أجل، أجل. وهذه هي المشكلة. # هوي تسو ~~: # وماذا في هذا؟ أنا أيضا رأيت في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # لا يمكن أن تكون قد رأيت نفس الحلم. هل تحولت مثلي إلى فراشة. # هوي تسو ~~: # بل إلى سمكة. # تشوانج تسو ~~: # سمكة؟ لكن مشكلتي أصعب. # هوي تسو ~~: # بل مشكلتي. # تشوانج تسو ~~: # دعني أرو عليك الحلم. # هوي تسو ~~: # بل أنا أولا؛ سترى بنفسك. # تشوانج تسو ~~: # لا يمكن أن تكون قد رأيت ما رأيت؛ اسمعني أولا. # هوي تسو ~~: # مشكلة أخرى! تكلم إذن. # تشوانج تسو ~~: # تصور يا هوي تسو؛ بالأمس حلمت أنني تحولت إلى فراشة! أنا تشوانج تسو، ~~بكل شحمي ولحمي، تحولت إلى فراشة ترف هنا وهناك، تصعد وتهبط، تسقط على حوض ~~الزهور ثم ترفرف وتطير إلى أشجار الورد والتين والبلوط؛ فراشة حقيقية، بكل ~~ما في الفراشات من طيش ونقاء وحنين، وكأن وعيي كإنسان قد تعطل، كأني دخلت ~~في جلدها، وشعرت بأحاسيسها ونبض قلبي بنبضها، كأن ذراعي أصبحا جناحين ~~ملونين بألوان قوس قزح التي تخلب ألباب الأطفال، وكأن فمي صار فم فراشة ~~لا تشتاق إلى أكثر من قطرة ماء أو رشفة ندى أو نفحة شذى! فراشة تدور ~~سعيدة في كل مكان، وكل مهمتها في الحياة أن تنقل تحية السماء والآلهة إلى ~~كل زهرة وكل نسمة وكل عبير. وفجأة ... # هوي تسو ~~: # ماذا؟ لا تقل إنك وجدت نفسك في كف طفل صغير! # تشوانج تسو ~~: # ليت هذا ما حدث! # هوي تسو ~~: # وقعت في شبكة صياد أو صيادة رقيقة؟ # تشوانج تسو ~~: # قلت لك ليت هذا هو الذي حدث! # هوي تسو ~~: # وماذا حدث؟ # تشوانج تسو ~~: # إنها المشكلة؛ لقد صحوت من النوم فجأة. # هوي تسو ~~: # مشكلة أن تصحو من النوم؟ # تشوانج تسو ~~: # بل أن أجد نفسي مرة أخرى كما أنا؛ تشوانج تسو كما يعرف نفسه ويعرفه الناس، ~~راقدا على نفس الفراش الذي رقدت عليه قبل النوم، لابسا نفس المنامة التي ~~لبستها قبل أن أتحول إلى فراشة! # هوي تسو ~~: # ولم تستطع التمييز بين الحلم واليقظة، ولا بين الوهم والحقيقة؟ # تشوانج تسو ms073 ~~: # ليت الأمر اقتصر على هذا؛ فنحن نعيش ليل نهار في هذه الحيرة الدائمة، لا ~~نعرف أين هو الحاجز بين الوهم والحقيقة، لا ندري متى ينتهي الحلم وتبدأ ~~اليقظة. # هوي تسو ~~: # آه! كأنه نفس الحلم. # تشوانج تسو ~~: # مستحيل! قلت لك مستحيل. # هوي تسو ~~: # وما هو المستحيل يا تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # مستحيل يا هوي تسو أن تكون قد واجهت مشكلتي أنا تشوانج تسو، أم أنا الفراشة ~~التي ما زالت تحوق فوق الزهور والأشجار؛ هل كنت أنا الإنسان الذي حلم بأنه ~~فراشة. أم كنت الفراشة التي حلمت بأنها الإنسان؟ هل هناك حاجز بين الإنسان ~~والفراشة؟ وهل تخطيت هذا الحاجز؟ فتحت عيني وأغمضتهما. ثم فتحتهما ورحت ~~أتحسس رأسي ويدي وذراعي وساقي وأنا أسأل: إنسان أم فراشة؟ فراشة أم ~~إنسان؟ # هوي تسو ~~: # هذا أهون على كل حال من أن تسأل: إنسان أنا أم سمكة؟ سمكة أنا أم ~~إنسان. # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة. # هوي تسو ~~: # ومن أين عرفت؟ # تشوانج تسو ~~: # أنت الآن بجانبي ولست في بحيرة أو نهر. # هوي تسو ~~: # ذلك ما رأيت في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # أنت أيضا. # هوي تسو ~~: # ألم أقل لك؟ # تشوانج تسو ~~: # ولكن لا يمكن أن يكون نفس الحلم. # هوي تسو ~~: # اسمع واحكم بنفسك؛ هل تذكر نهر «هاو» الذي مشينا على شاطئه عندما زرتنا في ~~«تشين». # تشوانج تسو ~~: # نعم، نعم. وأذكر الجسر الذي وقفنا عليه، ورحنا نتطلع إلى دوائر الماء. # هوي تسو ~~: # وثعابين السمك الصغيرة التي كانت تلمع تحته كأنها نجوم ترتدي ثياب السحب. ~~أتذكر ما قلته لك عندئذ؟ # تشوانج تسو ~~: # لا، لا أذكر؛ لقد كنت صامتا في ذلك اليوم. # هوي تسو ~~: # ربما، ربما أكون قد قلته لك في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # لي أنا. # هوي تسو ~~: # نعم ، نعم؛ لقد رأيتك معي فوق ذلك الجسر، كنا نطل على الماء وقلت لك: انظر ~~يا صديقي تشوانج تسو. انظر كيف تتسابق الأسماك. هذا ما أسميه فرحة ~~الأسماك. # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة؛ كيف يمكنك أن تعرف أن الأسماك فرحة؟ # هوي تسو ~~: # وهذا هو ms074 الذي قلته أيضا في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # شيء غريب! أنا قلت هذا؟ # هوي تسو ~~: # وأجبتك قائلا: أنا لست أنا؛ فكيف يمكنك أن تعرف أنني لا أعرف فرحة ~~الأسماك؟ # تشوانج تسو ~~: # معقول؛ فأنا لست أنت؛ ولهذا لا أعرفك. # هوي تسو ~~: # وهذا ما قلته أيضا. ثم أضفت إلى ذلك أنك تعرف شيئا واحدا، وهو أنني لست ~~سمكة؛ ولهذا لا يمكنني أن أعرف الأسماك. # تشوانج تسو ~~: # شيء غريب حقا، ولكن لنرجع إلى سؤالك. # هوي تسو ~~: # ورجعت بالفعل إلى سؤالي. # تشوانج تسو ~~: # وماذا قلت؟ # هوي تسو ~~: # لقد سألتني: كيف يمكنك أن تعرف فرحة الأسماك؟ الواقع أنك كنت تعرف أنني ~~أعرف، ومع ذلك أصررت على سؤالك. # تشوانج تسو ~~: # وماذا كان جوابك؟ # هوي تسو ~~: # هو الذي أجبتك به في الحلم. # تشوانج تسو ~~: # وما زلت تذكره؟ # هوي تسو ~~: # نعم، نعم. كأني نطقت به الآن. أعرفها من الفرحة التي أشعر بها وأنا أنظر ~~للماء. # تشوانج تسو ~~: # غريب؛ شيء لا يصدق. # هوي تسو ~~: # أنني تحولت إلى سمكة؟ # تشوانج تسو ~~: # ولكنك لست سمكة! # هوي تسو ~~: # وهل أنت فراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # إنني أراك وأستطيع أن ألمسك، أنت هوي تسو. # هوي تسو ~~: # وأنا أراك وأستطيع أن ألمسك، أنت تشوانج تسو. # تشوانج تسو ~~: # إنسان أنت ولست سمكة. # هوي تسو ~~: # وأنت إنسان ولست فراشة. # تشوانج تسو ~~: # ولكني تحولت إلى فراشة. # هوي تسو ~~: # وأنا تحولت إلى سمكة. # تشوانج تسو ~~: # كان هذا في الحلم، أستطيع الآن أن أهز كتفيك أو أضربك على رأسك فتستيقظ ~~منه. # هوي تسو ~~: # أنا أيضا أستطيع أن أهز كتفيك أو أصفعك على وجهك وأوقظك من ~~الحلم. # تشوانج تسو ~~: # وهل يثبت لك هذا أنك لا تحلم. # هوي تسو ~~: # ما دمت لا أتلقى الصفعة. # تشوانج تسو ~~: # إذن فخذ هذه ~~(يصفعه) # هل أنت الآن في ~~اليقظة أم في الحلم؟ # هوي تسو ~~: # وأنت، خذ هذه ~~(يركله ركلة شديدة في بطنه) # هل ما زلت تحلم أم استيقظت؟ ~~(يدخل طفل يجري ليمسك بفراشة وهو يصيح): # الطفل ~~: # الفراشة، الفراشة! أمسكها أيها السيد، ساعدني، أنت يا سيد. # هوي تسو ~~: # ألست ms075 فراشة؟ ساعده أن يمسك بك. # تشوانج تسو ~~: # تعال يا ولدي، تعال. # هوي تسو ~~: # تقدم يا بني، هذه هي الفراشة. # تشوانج تسو ~~: # من حسن الحظ أنني لست سمكة. # هوي تسو ~~: # ولكنك لا زلت تحلم. # تشوانج تسو ~~: # وأنت؟ هل استيقظت من حلمك. # هوي تسو ~~: # على الأقل عندما ركلتك في بطنك! # تشوانج تسو ~~: # كانت ضربة شديدة. # هوي تسو ~~: # وصفعتك أشد! # تشوانج تسو ~~: # معذرة يا صديقي هوي تسو، لا بد أنني كنت أحلم. # هوي تسو ~~: # معذرة يا صديقي تشوانج تسو، اختلط علي الحلم واليقظة ~~(يتعانقان، الطفل ينظر إليهما متعجبا، تدخل أمه على ~~عجل) ~~. # الأم ~~: # ولدي ولدي، ماذا تفعل؟ # هوي تسو ~~: # ها هو ابنك، لا تخافي. # تشوانج تسو ~~: # كان يجري وراء الفراشة! # هوي تسو ~~: # لقد حسب هذا السيد فراشة وأراد أن يمسك به. # تشوانج تسو ~~: # ولو كانت معه سنارة لأمسك بك! # الأم ~~: # معذرة أيها السيدان، أخشى أن يكون قد أزعجكما؛ كنتما في شجار على ما ~~أظن. # تشوانج تسو ~~: # أبدا، أبدا؛ مجرد اختلاف في الرأي. # هوي تسو ~~: # أو في الحلم. # الأم ~~: # اختلاف في الرأي أو في الحلم؟ # تشوانج تسو ~~: # رأى هذا السيد في الحلم أنه سمكة. # هوي تسو ~~: # ورأى هذا السيد أنه فراشة. # الأم ~~(ضاحكة) ~~: # فراشة وسمكة؟ كنتما تحلمان! # هوي تسو ~~: # ولا نعرف حتى الآن إن كنا في حلم أم في يقظة. # الأم ~~: # في حلم أم يقظة. # تشوانج تسو ~~: # ألا تحلمين أيتها المرأة؟ ألا يحلم طفلك؟ # الأم ~~: # هذا الغبي! كم رأى في الحلم أنه تحول إلى فراشة! # تشوانج تسو ~~: # سمعت؟ # هوي تسو ~~: # وأنت يا سيدتي، هل تحلمين أيضا؟ # الأم ~~: # أنا لا أحلم أيها السيدان، نحن الفقراء لا نحلم، إنني أوقظ ولدي من ~~حلمه. # تشوانج تسو ~~: # ولماذا توقظينه؟ لماذا لا تتركينه يحلم بأنه فراشة . # هوي تسو ~~: # أو بأنه سمكة؟ # الأم ~~: # آه! الحياة قاسية بما فيه الكفاية. # تشوانج تسو ~~: # تقصدين أنك في يقظة دائمة. # هوي تسو ~~: # أم إنك لا تستطيعين التفرقة بين اليقظة والحلم. # الأم ~~: # أقصد ... لا أدري ماذا أقصد؛ أمثالنا ليس لديهم الوقت ليفكروا في ~~هذا. # تشوانج ms076 تسو ~~: # أسألك بكل احترام: ماذا تعنين بقولك هذا؟ # هوي تسو ~~: # وأنا أسألك بكل خضوع نفس السؤال! # الأم ~~: # تعال يا ولدي؛ إنني لا أفهم السؤال ولا أعرف الجواب، لا أعرف إلا أن أمثالنا ~~لا يفكرون في هذه الأمور؛ إنهم يشقون فحسب! # تشوانج تسو ~~: # تشقون فحسب! هذا مفهوم، ولكن في الحلم أم في اليقظة؟ # هوي تسو ~~: # نعم نعم، في الحلم أم في اليقظة؟ # الأم ~~: # تعال يا ولدي. # الطفل ~~: # الفراشة يا أمي، الفراشة! # الأم ~~: # قلت تعال، تريد أن تحلم مثلهم. ~~(تشد طفلها بعنف وتمضي.) ~~(تشوانج تسو ينظر صامتا إلى هوي تسو.) ~~(هوي تسو ينظر في صمت إلى تشوانج تسو.) # هوي تسو ~~: # هل تعرف يا صديقي تشوانج تسو؟ # تشوانج تسو ~~: # ماذا يا صديقي هوي تسو؟ # هوي تسو ~~: # لقد شعرت بالخجل أمام هذه المرأة. # تشوانج تسو ~~: # وأنا شعرت بالخجل أمام الطفل. # هوي تسو ~~: # لأنك لم تكن فراشة كما أراد. # تشوانج تسو ~~: # ولأنني لا أعرف إن كنت فراشة تحولت إلى إنسان، أم أنني إنسان تحول إلى ~~فراشة، وأنت أيضا؟ # هوي تسو ~~: # نفس الشيء يا صديقي، ما زلت لا أدري إن كنت الإنسان الذي شعر بفرحة السمكة، ~~أم السمكة التي أحست بفرحة الإنسان! هل تدري السبب في حيرتنا. # تشوانج تسو ~~: # وما هو السبب؟ # هوي تسو ~~: # كلانا لم يتحول بعد. # تشوانج تسو ~~: # نعم، نعم. كلانا لم يتحول بعد. # هوي تسو ~~: # ما زلنا أطفالا في بداية الطريق. # تشوانج تسو ~~: # وليتنا استطعنا أن نتحول إلى أطفال؛ هل تذكر معلمنا العجوز. # هوي تسو ~~: # كونج-فو-تسو؟ ومن يمكنه أن ينساه. # تشوانج تسو ~~: # وتذكر الحوار الذي دار بيني وبينه، ورحت أبكي بعد انتهائه وأنت تربت على ~~ظهري وتمسح دموعي. # هوي تسو ~~: # كم فعلت هذا! لقد كنت كما قال طفلا صغيرا، أنا أيضا كنت طفلا على بداية ~~الطريق. # تشوانج تسو ~~: # ما زلت أذكر ذلك الحوار كأنه دار بيننا صباح اليوم. # هوي تسو ~~: # أما أنا فقد نسيت؛ مرت سنوات طويلة شاب فيها شعر الأطفال. # تشوانج تسو ~~: # وما زلنا أطفالا لم نتعلم بعد؛ دخلت عليه في صباح ms077 ذلك اليوم، فوجدته كما ~~تعودنا أن نراه، وديعا ساكنا كأنه شجرة عظيمة، شجرة ممتدة الجذور وارفة ~~الظلال، لم يتحرك من مكانه ولم ينظر إلي! سألت نفسي يومها: هل صار المعلم ~~سحابة محلقة فوق العالم. أم أصبح أما تحتضن الكائنات والأشياء كأنها ~~تحتضن أولادها. # هوي تسو ~~: # وتربعت على الأرض أمامه ورحت تنظر إليه؛ كانت هذه هي عادتك، بدلا من أن ~~تسأله عن حاجته. # تشوانج تسو ~~: # بل تشجعت في ذلك اليوم وتقدمت منه وسألت: سيدي، إنك تجلس في هدوء فأجلس ~~في هدوء مثلك. تمشي خطوة فأمشي خطوة. تسرع في السير فأسرع معك. تركض فأركض، ~~ولكن عندما تخرج من حدود التراب أرتبك وأتوقف، وأكتفي بأن أحدق فيك. ~~ضحك وقال: # تشوانج تسو ~~(مقلدا صوت المعلم) ~~: # أجل أجل، كما تفعل الآن. # تشوانج تسو ~~: # كيف يحدث لك هذا؟ # صوت المعلم ~~: # ماذا تقصد بسؤالك؟ # تشوانج تسو ~~: # أقصد هذا؛ عندما تتكلم أتكلم، وعندما تقيم الحجة أقيم الحجة، وعندما ~~تعلم الطريق، أعلم الطريق مثلك، ولكن عندما تخرج من حدود التراب أتوقف ~~مذهولا وأحدق فيك. # صوت المعلم ~~: # سألتك ماذا تقصد؟ ماذا تريد أن تقول؟ # تشوانج تسو ~~: # أريد يا معلمي أن تفسر لي هذا السر؛ إنك تلوذ بالصمت ولا تتكلم، ومع ذلك ~~يصدقك الجميع، لا تتحمس ولا ترفع صوتك، ومع ذلك يوافقك كل إنسان، لا ~~تحاول أن تجذب أحدا، ومع ذلك ينجذب الجميع إليك. هذا هو اللغز الذي لا أفهمه؛ ~~اللغز الذي يؤرقني ويلسعني كالشوكة. # صوت المعلم ~~: # اللغز؟ الشوكة؟ ولماذا لا تحاول أن تصل إلى أصله وجذوره؟ توقعت أن تجهد ~~عقلك وروحك لتعرفه؛ فليس في الدنيا شيء أدعى إلى الحزن من موت العقل والروح. ~~إن موت الجسد لا يقاس بموت الروح. # تشوانج تسو ~~: # تهورت ورفعت صوتي قائلا: أهو لغز آخر يا معلمي؟ تطلع في صمت أمامه ~~ولم يحرك شفتيه. حدق في الفراغ حتى شعرت أنه أصبح جزءا منه. بعد لحظات نظر ~~إلي وقال: # صوت المعلم ~~: # إن الشمس تشرق في الشرق وتغرب في الغرب. ما من شيء يفلت من تأثيرها. ما من ms078 ~~حي يمكنه أن يخرج على نظامها. وكل من له عيون وأقدام يتعلق بها ليحيا ~~حياته ويتم عمله. فعندما تظهر تظهر الحياة، وعندما تختفي تختفي معها ~~الحياة. # تشوانج تسو ~~: # سألت في حيرة: وما العلاقة بين الشمس والروح؟ # ما العلاقة بينهما يا معلمي؟ # صوت المعلم ~~: # العلاقة واضحة يا بني؛ في كل إنسان شمس تشرق وتغرب؛ شمس الروح التي تتعلق ~~بها حياته وموته؛ إن ذهبت مات، وإن رجعت عادت إليه الحياة. هذا هو الذي ~~أسميه التحول الذي يجدد الحياة ويحافظ عليها. فإن جررت جسدي نحو النهاية ~~دون أن أحقق ذلك التحول الذي يجدد الحياة، إن تركت نفسي أستهلك ليل نهار ~~كأني شيء من الأشياء، إن لم أشعر بالموت الأبدي الذي يتم في كل لحظة، إن أحسست ~~أن شمس الروحية قد انطفأت وأنه لا يوجد شيء يمكنه أن ينقذني من القبر؛ عندئذ ~~تضمحل شمس وتصبح شمعة ضعيفة تذبل وتلفظ أنفاسها. حتى يفاجئنا الموت ~~فنشعر أنت وأنا كأن أكتافنا قد تلامست مرة واحدة قبل أن نفترق إلى الأبد! ~~أليس هذا شيئا محزنا؟ # تشوانج تسو ~~: # قلت: هو شيء محزن يا معلمي، غير أنني لا زلت لا أفهمك. # صوت المعلم ~~: # قل إنك لا تفهم نفسك؛ إنك الآن تنظر إلي. # تشوانج تسو ~~: # بل أحدق فيك يا معلمي، ألم أقل إنني أفعل هذا كلما شعرت أنك تخطيت حدود ~~التراب؟ # صوت المعلم ~~: # نعم قلت هذا، ولكنك تحدق ببصرك الآن لكي ترى في شيئا قد اختفى عندما نظرت ~~إلي. ومع ذلك ظللت تحدق في بحثا عن شيء قد تلاشى، وكأنك رجل ذهب إلى ~~السوق ليبحث عن خيول بيعت قبل وصوله! انظر! # تشوانج تسو ~~: # قلت: ما زلت أنظر يا سيدي. # صوت المعلم ~~: # إن ما يعجبني فيك قابل للتحول، وما يعجبك في قابل للتحول. # لماذا تحزن إذن؟ إذا كانت نفسي تموت في كل لحظة، فعلي أن أحولها في كل ~~لحظة لكي تكون أبدية. وإذا كنت تريد الأبدية فعليك أن تتحول! # هوي تسو ~~: # نعم، نعم. صدق معلمنا العجوز؛ ما زال علينا أن نتحول. # تشوانج ms079 تسو ~~: # وما زال الطريق بعيدا عنا! ~~(يبكي.) # هوي تسو ~~: # ونحن بعيدون عنه؛ ربما كان هذا هو سر حزنك يا تشوانج تسو! # تشوانج تسو ~~: # وحزنك أيضا يا هوي تسو؛ هل تنكر؟ # هوي تسو ~~: # وحزني أيضا ~~(يبكي) # ولكنني تحولت إلى ~~سمكة! # ألم أشعر بفرحة الأسماك؟ # تشوانج تسو ~~: # كان مجرد حلم؛ أنا أيضا ... # هوي تسو ~~: # لا تقل تحولت إلى فراشة! # تشوانج تسو ~~: # مثلك تماما؛ في الحلم! # هوي تسو ~~: # ولهذا لم يستطع الطفل المسكين أن يمسك بك. # تشوانج تسو ~~: # وهذا هو سر حزني. # هوي تسو ~~: # وحزني أيضا؛ هل يغرك أنني أضحك؟ لقد تحولنا في الحلم. # ثم عجزنا أن نتحول في اليقظة. # تشوانج تسو ~~: # عدت إلى الحلم واليقظة؟ أين الحلم من اليقظة؟ وأين اليقظة من الحلم؟ آه! ~~أكاد أجن. # هوي تسو ~~: # بدلا من أن تجن حاول أن تتعلم كيف تتحول. # تشوانج تسو ~~: # وأنت، هل حاولت هذا؟ هل تحولت منذ أن مات معلمنا؟ هل وصلت إلى الأبدي؟ هل ~~أصبحت الأبدي؟ # هوي تسو ~~: # أصبحت سمكة، أي إنني الآن على الطريق. # تشوانج تسو ~~: # سمكة أم إنسان، إنسان أم سمكة. # هوي تسو ~~: # لأنك لم تتحول، لأنك ما زلت مثاليا. # كما كنت! # هوي تسو ~~: # وأنا واقعي. # تشوانج تسو ~~: # ولكنني مثالي واقعي مثالي. # تشوانج تسو ~~: # بل أنا الواقعي، # والموضوعي. # هوي تسو ~~: # أنا موضوعي مثالي. # تشوانج تسو ~~: # وأنا مثالي موضوعي. # هوي تسو ~~: # وهل هنالك فرق؟ # تشوانج تسو ~~: # وأي فرق؟! # هوي تسو ~~: # قله إذن أيها الفراشة! # تشوانج تسو ~~: # قله أنت أيها السمكة! # هوي تسو ~~: # أنا يقظ يحلم، وأنت تحلم في اليقظة! # تشوانج تسو ~~: # بل أنت الذي تحلم؛ هل يمكن أن يشعر إنسان بفرحة الأسماك؟ # هوي تسو ~~: # وهل يمكن أن يتحول سمين مثلك إلى فراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # تعيرني بشحمي ولحمي؟! أشرف لي على كل حال أن أكون فراشة. # هوي تسو ~~: # وأشرف لي أن أترك بلدك وأسبح في مياه نهر هاو! # تشوانج تسو ~~: # يقظ يحلم مفتوح العينين! # هوي تسو ~~: # أفضل من حالم لا يستيقظ! # تشوانج تسو ~~: # مثالي موضوعي. # هوي تسو ~~: # موضوعي مثالي. ~~(يوشكان أن يتضاربا ms080 عندما يدخل الطفل الصغير فجأة ووراءه ~~أمه التي تحاول أن تلحق به.) # الطفل ~~: # لن تمسكيني قبل أن أمسك الفراشة. # الأم ~~: # تعال، قلت لك تعال! # الطفل ~~: # ساعداني أيها السيدان! # الأم ~~: # دعي السيدين في حالهما! # تشوانج تسو ~~: # تعال يا صغيري، تعال! # الطفل ~~: # هل وجدت الفراشة؟ # تشوانج تسو ~~: # أنا الفراشة، إذ أردت صرت فراشة! # الطفل ~~: # أنت؟! أنظري يا أمي! هذا السيد فراشة! # تشوانج تسو ~~: # وإذا أردت صرت طفلا. # الطفل ~~: # طفل أم فراشة؟ تعالي يا أمي. # الأم ~~: # معذرة أيها السيد، معذرة! # تشوانج تسو ~~: # إنه لا يزعجنا على الإطلاق. # الأم ~~: # لقد قطع حديثكما؛ معذرة يا سادة! # هوي تسو وتشوانج تسو ~~: # بل أيقظنا من حلم طويل، نحن الآن ... # الأم ~~: # معذرة معذرة؛ ليس لدينا وقت، لا بد أن أشقى لأطعم هذا الطفل اليتيم، تعال ~~أيها الملعون، العمل ينتظرنا ويحلم بأنه فراشة! # الطفل ~~: # هذا السيد هو الفراشة. # تشوانج تسو ~~: # أعاهدك على هذا يا بني، سأكون فراشة إذا شئت. # هوي تسو ~~: # وأنا أيضا، ألا تحب السمك يا بني؟! # الطفل ~~: # أمي، أريد سمكة، هذا السيد سمكة! # الأم ~~: # عفوا أيها السيدان، هذا الصغير لا يعرف ما يقول، إنه لا يريد فراشة ولا ~~سمكا، هل تعرفان ما يريد؟ # تشوانج تسو وهوي تسو ~~: # ماذا يريد؟ # الأم ~~: # يريد رغيفا يملأ بطنه، سقفا يدفئ جسده! # تشوانج تسو ~~: # حقا، حقا! رغيف يملأ بطنه، سقف يدفئ جسده! # هوي تسو ~~: # حقا، حقا! رغيف يملأ بطنه، سقف يدفئ جسده! # الأم ~~: # تعال يا بني، تعال! ~~(تسحب ابنها من يده بشدة وتنصرف.) # تشوانج تسو ~~: # أيتها الأم المبجلة! # هوي تسو ~~: # أيتها الأم الحكيمة، نعدك أن نتعلم. # تشوانج تسو ~~: # نعدك أن نتحول. # هوي تسو ~~: # أن نتحد بكل شيء. # تشوانج تسو ~~: # ونعانق كل شيء. # هوي تسو ~~: # أن نصبح مثلك أما تحتضن جميع الأطفال. # تشوانج تسو ~~: # تحتضن جميع الأشياء. # هوي تسو ~~: # أن نصبح أرضا وسماء. # تشوانج تسو ~~: # سقفا ورغيفا. # هوي تسو ~~: # لابنك ولكل الأبناء. # تشوانج تسو ~~: # سأكون أنا فراشة. # هوي تسو ~~: # وأنا سمكة. # تشوانج تسو ~~: # الفراشة أولا. # هوي تسو ~~: # بل سمكة، سمكة. # تشوانج تسو ~~: # قلت ms081 فراشة؟ # هوي تسو ~~: # وأنا قلت سمكة. # تشوانج تسو ~~(ضاحكا) ~~: # عندما نتحول سنكون كل شيء! # هوي تسو ~~(ضاحكا) ~~: # نعم، نعم، كل شيء! # تشوانج تسو ~~(يمسك يده) ~~: # كل الفراشات والأسماك، كل الأطفال ... # هوي تسو ~~: # كل الأطفال الفقراء. ~~(يضحكان، يضع كل منهما يده في يد الآخر وينصرفان.) # | السيد والعبد # (قاعة فسيحة، تتوسطها منضدة كبيرة يجلس إليها رجل على مشارف الكهولة. ~~أمامه ومن حوله ألواح مسمارية كثيرة، ولوحات معلقة على الجدران تطل منها نقوش بابلية ~~بارزة لملوك وآلهة ومناظر من الحياة اليومية والاجتماعية. نافذة كبيرة تبدو من ورائها ~~خرائب مدينة قديمة. يتململ الرجل في جلسته، يحاول أن يبدأ عمله ثم ينفض يديه من ~~المحاولة وينهض على قدميه صائحا): # السيد ~~: # أيها العبد، أيها العبد! ~~(يتأخر عليه العبد فيقول ~~لنفسه) # ما هذا؟ ماذا جرى لي؟ أنا الذي فكرت وكتبت أكثر من عشرين سنة ~~لم أعد قادرا على تفكير ولا كتابة. حتى المخطوطات القديمة التي كنت أجد متعتي ~~وسلواي في نسخها أصبحت لا أطيق النظر إليها. وتمر الأيام والليالي وأنا أحاول ~~بيتا واحدا من الشعر فلا يستجيب، مع أني كتبت للملك عشرات الحكايات والحكم ~~والأمثال والأشعار، حتى أطلقوا علي اسم شاعر القصر. نعم، نعم. يا عبدي! أنت أيها ~~العبد! ~~(يظهر العبد داخلا مسرع الخطى. وهو شاب لا تفارق الابتسامة ~~شفتيه.) # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # أسرع، أسرع، نفذ ما أقوله لك. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي أمرك! # السيد ~~: # هيا أحضر المركبة وأعدها لأمضي إلى القصر. # العبد ~~: # امض يا سيدي، امض، سأكون تحت تصرفك. ~~(يتلكأ قليلا. السيد يكتشف أنه لم يتحرك من مكانه. يرفع ~~حاجبيه ويفتح فمه دهشة ويهم بالكلام فيسأله العبد.) # العبد ~~: # معذرة يا سيدي، هل قلت القصر ؟ # السيد ~~: # ألم تسمع ما قلته؟ لماذا لا تتحرك؟ # العبد ~~: # أي قصر تقصد يا سيدي؟ قصر الملك، أم الحاكم، أم الوزير، أم كبير ~~الكهنة؟ # السيد ~~: # ما أغرب أسئلتك في هذا الصباح الغريب! # العبد ~~: # اعذرني يا سيدي؛ فلا بد أن أعرف لأي قصر ستتجه. إن الزينة التي ms082 أضعها على ~~المركبة والخيل ستختلف في كل حال. # السيد ~~: # تقول أي قصر؟! الذي تعودت أن أذهب إليه. # العبد ~~: # اعذرني مرة أخرى إذا ذكرت سيدي بأن هذه العادة قد توقفت منذ شهور ~~(ينظر إليه مشفقا، ثم يسير خطوات نحو الباب ويقف عنده. ~~السيد يحول وجهه عنه وينظر من النافذة وهو يكلم نفسه): # السيد ~~: # نعم، نعم؛ كيف غاب هذا عني؟ لقد تنافسوا على طعني وتسديد حرابهم إلى صدري ~~وظهري، أولئك الشعراء الصغار والكتبة الأوغاد! حتى الملك الذي كان يجلسني بجواره ~~ويستعذب سماع شعري لم يستطع أن يفعل شيئا. وعندما أسرعت إليه غاضبا ثائرا قال ~~وهو يتحاشى النظر في عيني: لقد أحكموا المؤامرة عليك، أعدوا القوس والسهم ~~ووضعوه في يدي لأصوبه إلى قلبك! اذهب، اذهب، لكن لا تنس أبدا أنني أحب ~~شعرك. # العبد ~~(مقاطعا) ~~: # سيدي! # السيد ~~: # لا أيها العبد، لن أذهب للقصر، لن أذهب أبدا! # العبد ~~: # لا تذهب يا سيدي، لا تذهب؛ ربما يوقعونك في حفرة جديدة، أو يلفون حبلا آخر ~~حول رقبتك، ستسير في طريق لا تعرفه، وستندم على ذلك ليل نهار! # السيد ~~(لنفسه) ~~: # أندم؟ وهل سأكون حيا لكي أندم؟ ما زلت طيبا أيها العبد، وربما جعلتك الأيام ~~والمحن المتوالية حكيما. ~~(للعبد بعد فترة صمت) # أنصت إلي أيها العبد، أنصت إلي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا ~~(يقفز مقتربا منه في ~~خشوع) ~~. # السيد ~~: # أسرع، أسرع، سنتجه وجهة أخرى. # العبد ~~: # وإلى أين يا سيدي؟ # السيد ~~: # إلى الخلاء؛ إلى الريف الواسع المفتوح، أريد أن أشم رائحة الخضرة، أريد أن ~~أتنفس هواء نقيا. # العبد ~~: # هل أجهز أدوات الصيد؟ # السيد ~~: # وكلاب الصيد أيضا، هل كنا نفعل غير هذا في الخلاء؟ # العبد ~~: # اذهب يا سيدي، اذهب؛ # فالصياد يملأ جوفه ، # وكلاب الصيد ستكسر عظام الفريسة، # والصقر سينقض عليها، # والحمار الوحشي سيعدو مسرعا! # الحراب ذات العيون النافذة ستتعقبه وتخترق لحمه! # السيد ~~(بعد قليل يكلم نفسه متأففا، لا يلحظ أن العبد ~~يسمعه) ~~: # لا يا عبدي، لا، لن أذهب للخلاء، لن أمضي في رحلة الصيد. ~~(ملتفتا إلى النافذة) ms083 # في كل مرة اصطدت فريسة كنت ~~أقول لنفسي: إنني أنا الفريسة، أنظر في عيونها الميتة التي تحدق في وأقول: عبث ~~وباطل ما فعلت، عبث وباطل! وهل أنسى العيون الجائعة التي كانت تلتهم أجساد الفرائس ~~الذبيحة على طريق العودة؟ عجائز وصبية وأطفال تجرحني نظراتهم الخرساء ~~وتتهمني: لعنتك الآلهة ولعنت كل الصيادين! وتظل العيون المحرومة تتابعني حتى ~~أصل إلى عتبة داري وأتخفى في فراشي ~~(ملتفتا إلى العبد ~~وهو يصيح) # لا يا عبدي، لن أذهب أبدا! # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل؛ # إن حظ الصياد متقلب، # وكلب الصيد ستتكسر أسنانه، # وصقر الصياد سيرجع إلى عشه، # والحمار الوحشي سيهجع في حظيرته، # حظيرته الآمنة ببطن الجبل العالي. # لا تذهب يا سيدي، لا تذهب! # السيد ~~: # معك الحق، سأبقى، سأبقى. ولكن أنصت إلي أيها العبد. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # أحضر الماء لأغسل يدي. # العبد ~~: # على الفور يا سيدي، على الفور، هل تريد ... # السيد ~~(بغضب) ~~: # أريد أن أتناول طعامي. # العبد ~~: # أجل يا سيدي، أجل، تناول طعامك مرة ومرة؛ لقد أعددت كل شيء؛ الإفطار الذي ~~نسيته، والغداء الذي لم تطلبه. إن الطعام الشهي يريح الذهن من متاعبه، و«شمس» # 1 # نفسه يرعى من يطهر يديه ~~(يذهب ليحضر ~~الماء) ~~. # السيد ~~: # إفطاري وغدائي معا! يا لك من عبد طيب القلب! أم أن الحكمة قد فاضت منك فأغرقتك ~~في بحار السذاجة؟ ألم تلاحظ إنني أغص باللقمة والشربة التي تحضرها إلي؟ ~~إفطاري وغدائي؟! في كل يوم أسأل نفسي: لماذا كتب علي أن آكل وأشرب وحدي؟ كانت ~~الكلمة هي خبزي، كان الشعر هو إكسير حياتي، وها أنا لم أشبع ولم أرتو! كلما ~~وضعت اللقمة في فمي رأيت العيون الجائعة تلاحقني كأنها تمد مخالبها لتسحبها ~~من حلقي، وأبصرت عيون الأطفال الذين لم أنجبهم وهي تصرخ باكية: لماذا لا يكون ~~لنا نصيب في هذه اللقمة؟ لا يا عبدي، لا، لن آكل ولن أشرب! # العبد ~~(يرجع وينحني أمامه ويريد أن يصب الماء على يديه) ~~: # ولكنك ستغسل يديك يا سيدي! # السيد ~~(مفاجئا) ms084 ~~: # ولا هذا أيضا، لن أغسل يدي، ولن آكل ولن أشرب! # العبد ~~: # لا تأكل يا سيدي، لا تأكل. # الجوع والأكل، العطش والشرب، # ماذا أفاد الإنسان منها؟ ~~(يتطلع من النافذة إلى الأفق البعيد حيث تلوح أكوام الخرائب ~~القديمة.) # اسأل هؤلاء؛ # ماذا أفاد الإنسان؟ # ماذا أفاد الإنسان؟ # السيد ~~(الذي لم ينتبه لما قصد إليه العبد) ~~: # اسمع يا عبدي، اسمع! # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # قررت أن أكون أسرة! # العبد ~~: # مرحى! مرحى! تكون أسرة؟! # السيد ~~: # نعم، وأنجب أطفالا. # العبد ~~: # خيرا تفعل يا سيدي، لتكن لك أسرة وأطفال! # فالرجل الذي يبني بيتا ويربي أطفالا، # يجعل من نفسه ملكا، # على عرش مملكة صغيرة، # يسكنها شعب صغير. # يصبح راعيا مسئولا، # عن مصير قطيع محبوب، # يعتمد عليه في زاده ومائه، # وصحته ومرضه، ونومه ويقظته، # افعل يا سيدي! افعل! # ستجد طعاما ينتظرك، وسراجا يضيء بيتك، وفراشا يدفئ جسدك! # كون أسرة وأنجب أطفالا؛ # فما أحلى أن يجروا حولك في هذه القاعة! # وهم يقفزون ويتصايحون: # علمنا أن نقرأ هذي الألواح، # أسمعنا شعرك يا أبتاه! # السيد ~~(لنفسه) ~~: # أقرأ لهم الألواح التي لا يقرؤها أحد؟ أسمعهم شعري الذي لا أطيق سماعه؟ ~~أواه! ما أشد سذاجتك أو حكمتك! # العبد ~~: # ماذا تقول يا سيدي؟ # السيد ~~: # أقول لا، لا يا عبدي! # العبد ~~: # لن تكون أسرة؟ # السيد ~~: # ولن أنجب أطفالا! # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل! # تفتح بابك لعروسك، # فيصير الباب هو الفخ المطبق بالفكين عليك، # تحملها يوما لفراشك، # وإذا بك في اليوم التالي، # تحمل جبلا يرهق كتفيك، # ويمر الزمن على العذراء الضاحكة العين، # الباسمة الفم، # فيخرج من شفتيها النصل المسنون الحد، # أو الأفعى النافثة السم! # لا، لا تفعل! لا تبن بيتا، لا تستسلم! # لا تغرق نفسك في بحر الدين! # السيد ~~: # لا، لن أفعل، لن أستسلم! هل تعرف ماذا أنوي الآن؟ # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك! # السيد ~~: # سأعشق امرأة! # العبد ~~: # اعشق يا سيدي، اعشق؛ # العاشق ينسى الحزن ويطرد خوفه، # يحيا في حلم وردي يصحو منه، # على حلم آخر وردي، # يخطو العاشق ms085 للمعشوق وتسكره الخفة، # يحدوه الأمل وتعروه الرجفة! # يضنيه اليأس وتتجدد في الصدر اللهفة. # اعشق؛ ما أحلى العشق إذا حاول، # أن يفتح أسوار العفة! # ويعود ومعه الصيد الرائع، # إن ساعدت الصدفة! # السيد ~~: # هل هذا رأيك يا عبدي؟ # العبد ~~: # رأيي؟ ألم تقله لك هذه الألواح؟ ألم تسمعه من هذه الأشعار؟ أين أغانيك ~~يا عشتار الجميلة؟ أين ذهبت ألحانك التي عزفتها للراعي البريء فخلبت ~~لبه؟ ~~(يتجول بين الألواح والتماثيل ويبتعد قليلا.) # السيد ~~(لنفسه) ~~: # وأين لعناتها الرهيبة على رأس جلجاميش وفوق أطلال أوروك؟ أيها العبد المسكين! ~~إنك لا تعرف هذا. ويعود ومعه الصيد الرائع إن ساعدت الصدفة! لكن الصدفة لم تساعد، ~~وعشتار الجميلة لم تغن لي لحنا ولم تصب على رأسي لعنة. كم ذهبت إليها أحمل ~~أثقال الألواح التي دونت عليها شعري! كانت تضحك في طيش وهي تردها بيدها ~~قائلة: شعرك صعب جدا؛ يبدو أنك ضليع في اللغة! وليلة وقفت معها تحت بوابة ~~المدينة، كانت عين الإله الأكبر مردوخ تطل غاضبة علينا، وسيل المطر ينهمر بلا ~~رحمة فوق رءوسنا، ويحيل أشعاري إلى طين عكر يتساقط على الأرض. مددت يدي لأدفئ ~~يدها فأبعدتها. حاولت أن أدفئها بثوبي وأنفاسي فأدارت وجهها وظهرها. عرفت ~~ليلتها أنها ليست لي. وفي ضحى اليوم التالي لمحتها تدخل معبد الإله «شمس» وذراع ~~الكاهن الأكبر القوية تلتف حول خصرها كما تلتف شبكة الصياد حول حمامة بيضاء، ~~وما هي إلا ليلة حتى تركها الكاهن الأكبر لتنهشها الأنياب! وعندما دفعت المبلغ ~~المحدد ودخلت عليها حجرتها رفعت رأسها ببطء ونظرت إلي طويلا، ثم خفضته وجرت ~~الدموع على وجنتيها! لملمت ثوبي واستدرت خارجا في صمت، هذا هو الصيد الرائع ~~أيها العبد الخبيث! لا، لا، لم تساعد الصدفة ولم أساعدها؛ ولذلك امتلأت داري ~~بهذه الألواح. # العبد ~~(يرجع وهو يمد يده بأحد الألواح) ~~: # وجدتها يا سيد. # السيد ~~: # وأنا لم أجدها ولن أبحث عنها، أعد هذا اللوح إلى مكانه. # العبد ~~: # ألا تريد؟ # السيد ~~: # قلت أعده إلى مكانه؛ لا أريد أن أقرأ، ولا أريد أن أعشق! # العبد ~~: # كما تشاء يا ms086 سيدي، لا تعشق، لا تعشق! ~~(يضع اللوح جانبا وينظر إلى النافذة.) # فالمرأة جحر أو حفرة، # فخ، مصيدة، هاوية خطرة! # المرأة خنجر حديدي مسنون يقطع رقبة الرجل! المرأة ... # السيد ~~: # أرجوك، الزم الصمت! # العبد ~~: # أمرك يا سيدي؛ ما دمت تريد هذا. # السيد ~~: # أريدك أن تطيع صمتي كما تطيع كلامي. # العبد ~~: # هل أتركك لصمتك يا سيدي؟ # السيد ~~: # نعم، أريد أن أكون وحدي ~~(يصمت. يتحرك العبد للخروج ~~فيناديه فجأة): # أنت! # العبد ~~: # أمرك يا سيدي. # السيد ~~: # لا، لن أصمت، لن ألزم الصمت! # العبد ~~: # علي أن أطيع كلامك كما أطيع صمتك. # السيد ~~: # أسمع يا عبدي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا! # السيد ~~: # سأقود ثورة! # العبد ~~: # ماذا يا سيدي؟! # السيد ~~: # قلت لك: سأقود ثورة! # العبد ~~: # ثورة؟! # السيد ~~: # نعم، نعم. لا يمكن أن أبقى هكذا كمؤشر الميزان الذي تميل به كفة وتخفضه ~~أخرى! قلت لك لقد صممت. # العبد ~~: # على أن تقود ثورة؟ # السيد ~~: # لا بد، لا يمكن أن أنظر وأسكت. # العبد ~~: # قد ثورة يا سيدي، قد ثورة؛ # لأنك إن لم تفعل، # فمن يثأر لك؟ # من يخلص حقوقك؟ # من يفضح الكذابين والمزيفين؟ # من يفتح عين الشعب عليهم؟ ~~(يتقدم نحو النافذة مشيرا إلى مدينة الموتى.) # السيد ~~: # الشعب؟ هل قلت الشعب؟ # العبد ~~(مستطردا في حماس، بينما السيد غارق في رؤاه) ~~: # نعم، نعم؛ هؤلاء، كلهم منسي في مدن منسية! لو وجد الأموات من يثور ~~لأجلهم ما ماتوا تعساء إلى هذا الحد، ولو وجد الأحياء من ينصفهم وينتقم لهم ما ~~عاشوا كالأموات! # السيد ~~(لنفسه، في نفس الوقت تقريبا مع العبد) ~~: # الشعب؟ أين هي عينه التي تتكلم عنها؟ هل رأتني أو شعرت بي؟ لو ذهبت إليه فلن ~~أنجو منه. سيسلمني أو يسخر بي! ~~(ثم بصوت ~~مرتفع ) # لا يا عبدي، لا! # العبد ~~(كأنه يستيقظ من حلم، يسرع إليه) ~~: # ماذا يا سيدي؟ بماذا تأمر؟ # السيد ~~: # لن أقود ثورة، لن أقود ثورة. # العبد ~~: # كما تشاء يا سيدي؛ # فالثائر إما أن يقتل، # أو يسلخ جلده، # تسمل عيناه، # ويلقى القبض عليه، # وينسى - كالكلب الميت - # في السجن! ms087 # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل! # السيد ~~: # لن أفعل؛ معك الحق ~~(بعد قليل) # ولكن ~~(لنفسه) # كيف أنظر في وجوه أهلي؟ كيف ألاقي ~~المساكين عندما أزور قريتي وأتجول في ضيعتي؟ لا، لا. اسمع يا عبدي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # سأعطي المساكين يا عبدي، # سأقرض الفقراء في قريتي، # وأتصدق بالطعام على أهل ضيعتي. # العبد ~~: # تصدق يا سيدي تصدق، # أعط المساكين وأقرض الفقراء؛ # من يتصدق تزدد غلته، # ويكثر مكسبه. # ومن يحسن للفقراء، # يبق قمحه هو قمحه! # السيد ~~: # لا يا عبدي، لن أقرض أحدا، لن أتصدق على أحد! # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك! # لا تتصدق ولا تحسن إلى أحد؛ # فالإحسان كالعشق، # واسترداد القرض مثل إنجاب الأطفال؛ # سيأتون على قمحك، # ثم يصبون اللعنات على رأسك، # ويسلبونك الفوائد التي جنيتها. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # معك الحق! # فعلوا هذا دائما، # فعلوه دائما! (يسرح ببصره خلال النافذة.) # العبد ~~(لنفسه) ~~: # نسي سيدي أنه لا يملك ما يقرضه، # وأنهم أخذوا منه ضيعته! # السيد ~~: # أنصت إلي يا عبدي، أنصت إلي. # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # لا يصح أن أفكر في قريتي وضيعتي، وأنسى بلدي. # العبد ~~: # ماذا تنوي أن تفعل يا سيدي؟ # السيد ~~: # سأقدم خدمة عامة إلى بلدي! # العبد ~~: # قدم يا سيدي، قدم؛ # من يفعل ذلك يبارك «مردوخ» عمله. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # بلدي وشعبي؟ # ما أغرب هاتين الكلمتين، # حين تخرجان من فمي! # العبد ~~(الذي سمعه بصوت خفيض) ~~: # حقا حقا! # ما أغرب هاتين الكلمتين، # حين تخرجان من فمك! # السيد ~~: # هل قلت شيئا؟ # العبد ~~: # لا يا سيدي، لا. # السيد ~~: # لن أقدم خدمة إلى بلدي، # لن أفعل شيئا ولن أتبرع بشيء. # العبد ~~: # لا تفعل يا سيدي، لا تفعل! (مشيرا إلى النافذة.) # اصعد فوق أكوام الخرائب وتمش هناك، # وانظر لجماجم الأعلين والأدنين؛ # من كان الظالم منهم ومن المظلوم؟ # من كان الشرير ومن كان الطيب؟ # كلهم منسي في مدن منسية. # السيد ~~: # كلهم منسي في مدن منسية! # ألم تقل هذا من قبل؟ # العبد ~~: # ربما يا سيدي، ربما ... ~~(لنفسه): # من ذا ms088 الذي طالت قامته، # حتى صعد إلى السماء؟ # ومن ذا الذي أتسع منكباه، # حتى احتضن العالم السفلي، # وأحتوى العالم بذراعيه؟ # السيد ~~: # هل قلت شيئا؟ # العبد ~~: # لا شيء يا سيدي، لا شيء! # السيد ~~: # إذن فأنصت إلي! # العبد ~~: # ها أنا ذا يا سيدي، ها أنا ذا. # السيد ~~: # أحضر ماء لأغسل يدي! # العبد ~~: # هل أعد الطعام لسيدي؟ # السيد ~~: # لا، لا، أريد أن أضحي لإلهي! # العبد ~~: # ضح يا سيدي، ضح. # قدم القربان لإلهك؛ # فمن يقدم الأضاحي لإلهه # يسر للصفقة التي يقوم بها، # أنه يبادل قرضا بقرض، # ويرد دينا بدين! # السيد ~~: # حقا يا عبدي! ما أصدق قولك! # العبد ~~: # خلق الإنسان ليكون عبدا للآلهة، # هو خادمهم، يطلب منهم الحماية، # ويتوقع الجزاء، # الذي يتوقعه الخادم من سيده؛ # فطريق الطاعة والعبادة، # هو طريق النجاح والتمتع بالحياة. # السيد ~~(لنفسه) ~~: # كم ضحيت لإلهي الخاص! # كم خاطبته قائلا: # لم أهملتني؟ # لم غادرت معبدك في بيتي؟ # من ذا الذي يعوضك عني؟ # بواحد يطيعك ويعبدك مثلي؟ # كم تضرعت إليه وقبلت قدميه! # كم توسلت إليه، # أن يذكرني عند الإله «مردوخ»؛ # لعل مردوخ يتوسط لي عند «شمس»، وشمس يسترحم «إنليل» من أجلي، وإنليل ~~يستعطف سيد الإلهة «إيا»! # لكن عونه تأخر عني، # وها أنا ذا كما يقول عبدي، # منسي في مدينة منسية! # قبر بلا شاهد منصوب فوقه، # ولا زائر يطوف عليه. # اسمع يا عبدي، اسمع. # العبد ~~: # نعم يا سيدي، نعم! # لك الأمر وعلي الطاعة. # السيد ~~: # لن أضحي لإلهي! لن أفعل أبدا. # العبد ~~: # لا تضح يا سيدي، لا تضح! # علم إلهك الخاص أن يركض وراءك، # سواء سألك أن تقدم له الطقوس، # أو طلب منك أن تؤدي له فريضة، # أو توسل إليك لأي شيء آخر! # السيد ~~: # صدقت يا عبدي، سأعلمه أن يسعى ورائي، سأهمله كما أهملني، وعليه أن يعلم أنه ~~محتاج لعبادتي كما أنا محتاج لطاعته، لكن يا عبدي، لكن. # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك! # السيد ~~: # لا يمكن أن تكون صادقا وكاذبا في وقت واحد. لا يمكن أن تكون خيرا وشريرا، ~~عاقلا وأبله، حكيما ومخادعا في نفس واحد؛ ماذا ms089 أفعل إذن؟ # العبد ~~: # أمرك يا سيدي، أمرك! # السيد ~~: # هل أذهب للقصر أو لا أذهب؟ أرحل للصيد أو لا أرحل؟ هل آكل أو لا آكل؟ أكون ~~أسرة أو أبقى وحيدا؟ أعشق أو لا أعشق؟ أتصدق أو لا أتصدق؟ أقدم خدمة عامة أو ~~لا أقدم؟ أضحي لإلهي أو لا أضحي؟ هل يمكن أن يستوي الفعل وعدم الفعل؟! أن ~~يتكافأ الخير والشر والظلم والعدل؟! # العبد ~~: # أنت الذي تسأل يا سيدي! # السيد ~~: # وأريدك أن تجيبني بلا مواربة. # العبد ~~: # تفضل يا سيدي، تفضل. # السيد ~~: # ما الخير إذن؟ # العبد ~~: # الخير؟! # السيد ~~: # نعم، الخير. إذا كان كل شيء يتساوى مع كل شيء: الصدق والكذب، الإحسان والإساءة، ~~العشق والكره، الزواج وعدم الزواج، الوفاء والجحود، العبادة والتجديف. أين الخير ~~إذن؟ # العبد ~~: # في مدن منسية كهذه المدينة؟ # السيد ~~: # ما شأننا بهذا؟ لقد قلت هذا من قبل. # العبد ~~(رافعا صوته بالتدريج) ~~: # أنا الذي يسأل الآن. # في حضارة محتضرة كهذه الحضارة؟ وسط خرائب القيم التي تشبه هذه ~~الخرائب؟ # السيد ~~: # ليكن، ليكن، المهم أين الخير؟ # العبد ~~(رافعا صوته) ~~: # الخير أن أدق عنقك! # السيد ~~(مقاطعا) ~~: # كيف تجرؤ على هذا القول؟ # العبد ~~(مستمرا) ~~: # أو تدق عنقي! # أن ألقيك في البحر، # أو تلقيني فيه! # السيد ~~: # ما هذا؟ ماذا أسمع؟ # العبد ~~: # ما لا بد أن أقوله ولا بد أن تسمعه؛ لقد استمعت حتى الآن يا سيد، عشرون عاما ~~وأنا أسمع وأطيع، وعليك من اليوم أن تستمع! # السيد ~~: # عبدي، إنني أحذرك؛ سأقتلك قبل أن تقتلني، سأرسلك إلى هناك قبل أن ~~ترسلني! # العبد ~~: # لا بأس؛ أنا راض بهذا، المهم أن تفعل شيئا، أي سلاح تختار؟ بأي شيء ~~ستقتلني؟ ~~(يقلب أدوات مختلفة ينتقل بينها بسرعة.) # بهذه الفأس؟ هذا الإزميل الذي طالما نحت به كلماتك؟ هذه المطرقة وهذا المخراز ~~وهذه المسامير التي لم تستخدم حتى الآن في عمل مفيد؟ المهم أن تفعل يا سيد. حتى ~~لو كان هذا الفعل هو قتلي، تكلم، تكلم. # السيد ~~(يرتج عليه) ~~: # لا أصدق، لا أصدق! # العبد ~~: # بل صدق كل شيء، لا بد أن تتكلم! # السيد ~~: # وماذا ms090 تريدني أن أقول؟ # العبد ~~: # تقول كيف تفعل هذا وأين! # السيد ~~: # أفعل، ماذا أفعل؟ # العبد ~~: # هذا السؤال الأوحد؛ تفعل، تفعل، تفعل ... حتى ولو كان هذا الفعل هو قتلي؛ هل اخترت ~~هذا الإزميل؟ هذه المطرقة؟ هذه الفأس؟ أتفضل واحدا من هذه التماثيل لتهشمه ~~فوق رأسي أم لوحا من الألواح المزدحمة بأشعارك؟ # السيد ~~: # فظيع، فظيع! # العبد ~~: # أم تختار مكانا آخر تتنفس فيه للمرة الأخيرة هواء نقيا؛ على شاطئ النهر ~~مثلا، أو بعيدا في الخلاء، وسط الأحراش التي تعودت أن تذهب إليها في رحلة ~~الصيد؟ # السيد ~~: # ما هذا الذي تطلبه مني؟ كيف تتصور أن أفعل هذا؟ # العبد ~~: # المهم أن تفعل شيئا، هل تؤثر أن أقتلك أنا؟ # السيد ~~: # تقتلني؟! # العبد ~~: # نعم نعم، إما أن تفعل أو لا تفعل؛ بهذا الإزميل؟ هذه الفأس؟ هذه المسامير؟ هذه ~~التماثيل؟ هذه الألواح ... # السيد ~~(مذعورا) ~~: # أيتها الآلهة! أين أنت يا إلهي الخاص؟ إلي يا مردوخ! # العبد ~~: # تعلم أنك استجرت بهم فلم يكترث بك أحد، تعلم أنك رفضت أن تقدم لهم الأضاحي ~~أو تمتنع عن تقديمها! # السيد ~~: # حقا، حقا، لكن ماذا أفعل؟ # العبد ~~: # أنت وحدك تجيب على هذا السؤال! # السيد ~~: # تكلم أنت؛ فلم أعد أقوى على التفكير! # العبد ~~: # اسمعني إذن للمرة الأولى والأخيرة؛ فلتكن شاهدا على هذه المدينة الميتة؛ ~~ما دمت لا تستطيع أن تنقذها، فلتكن على الأقل شاهدا عليها! # السيد ~~(كأنه يكلم نفسه) ~~: # شاهدا عليها؟ # العبد ~~: # وتخرج من سأمك ومللك، تفعل شيئا بدلا من أن لا تفعل. # السيد ~~: # وأنت يا عبدي، ماذا ستفعل؟ # العبد ~~: # لم أعد عبدك، ولا أسأل هذا السؤال! # السيد ~~(مستعطفا) ~~: # تعلم أنني لا أحتمل العيش بعدك ثلاثة أيام، تعلم أنني لا أستغني عنك! # العبد ~~: # أنا أيضا كنت كذلك. # السيد ~~: # كنت كذلك؟! والآن ؟ # العبد ~~: # الآن لم أعد عبدا لك، ولم تعد سيدا لي! # السيد ~~: # ماذا أسمع؟! # العبد ~~: # لقد سمعت بالفعل. # السيد ~~: # ولكنه فظيع، فظيع! # العبد ~~: # المهم الآن أن تبدأ؛ أن تكون شاهدا. # السيد ~~(مقاطعا) ~~: # فهمت، وأنت؟ # العبد ~~: # ماذا ستفعل؟ حسبتك في غنى عن هذا السؤال، سأخرج إلى هذه ms091 المدينة، وإذا لم ~~تكترث بي فسوف أمضي إلى القرى والحقول، هنا أو هناك، ينتظرني الكثير، ينتظرني ~~الكثير. # السيد ~~: # وتتركني وحدي؟ ألن تعود لسيدك أبدا؟ # العبد ~~(متهيئا للخروج) ~~: # نعم نعم، عندما لا يقول أحد يا سيدي ولا يقول أحد يا عبدي! # السيد ~~: # لك هذا، المهم أن تعود. # العبد ~~: # عندما تبدأ شهادتك. # السيد ~~: # سأبدؤها من الآن؛ ها أنا ذا أدون أولى كلماتي. ~~(يمسك الإزميل، يبدأ الكتابة.) # العبد ~~: # الآن بدأت تفعل! الآن يمكنني أن أذهب. # السيد ~~: # قبل أن تعدني بأنك ستعود؟ # العبد ~~: # أعدك بهذا، وأودعك أيضا! ~~(يتجه العبد إلى سيده، يمد يده إليه فيعانقه السيد. يغيبان في ~~عناق طويل قبل أن يتجه العبد نحو الباب.) # السيد ~~: # الوداع، لا تنس وعدك! # العبد ~~: # الوداع، ولا تنس أن تفعل ما اتفقنا عليه! # السيد ~~: # لقد بدأت بالفعل. # العبد ~~: # وأنا بدأت قبل أن أبدأ. ~~(يضع الفأس في كيس فيه ملابسه.) # السيد ~~: # الوداع يا ... # العبد ~~: # الوداع يا ... سيد! # | رؤيا ننجال # ترتيلة مسرحية في خمسة مشاهد # 1 ~~(ننجال، ملكة أور، في حجرة نومها. تصحو من كابوس خانق وتدور حول ~~نفسها كالمجنونة. بعد قليل تفتح النوافذ المطلة على المدينة السومرية النائمة في ~~أحضان إله القمر الشاحب ننا أو تنهار.) # ننجال ~~(مذعورة مضطربة الشعر والأنفاس والثياب) ~~: # ماذا جرى لي؟ # ماذا جرى لأمي ومدينتي أور؟ # وهذا الذي رأيته الآن، هل يمكن أن يكون حقيقة؟ # هل دمر ملكي وخربت مدينتي وضاع شعبي المسكين؟ # آه! مذعورة أصحو من نومي الآن! # والرؤيا سلبتني الأنفاس وحرمتني الأحلام! # زلزال ينفضني، نار تشتعل في ثيابي وقصري وكنوزي. # بروق ورعود وجيوش السحب السوداء. # إعصار يقتلع الشجر والبشر والمعابد والبيوت! حيات الوادي وعقارب ~~الجبل وجراد الصحراء، # راحت تطاردني من طريق إلى طريق. # وأنا أصرخ وأستغيث، أبكي وأولول : # آه يا مليكتي ننجال! # آه يا مدينتي أور! # كيف حدث هذا كله؟ # كيف أمكن أن يحدث؟ ~~(تستريح على أريكة وتلتقط أنفاسها، تنهض بعد قليل متجهة إلى مرآة ~~مثبتة على الحائط وتتأمل وجهها.) # أهذه هي ننجال ملكة أور؟ # أهي التي وضع إنليل على رأسها التاج ms092 وسلمها الصولجان ونظر إليها ~~بعين الرضا وقال: # لتخرج من فمك أوامر العدالة؟ # الوجه ورقة خريف صفراء، # والعين حفرة غائرة، # والجبين شعلة مطفأة، # والجسد الناصع كالجدول، # غطته الأتربة وملأته أخاديد! # لا، لا، ليست هي ننجال! ليست هي ننجال! # ما أنا إلا قصبة هشة تذروها الأعاصير، # ما أنا إلا مركب واهن في ماء آسن، # هجره الصياد وتخلت عنه الريح! ~~(تتجه إلى النافذة وتفتحها وتطل منها.) # وأنت يا مدينتي، # هل ما زلت سيدة المدن وسيدة الأقدار؟ # والإعصار الذي هب عليك الآن، # هل أبقى على بيت أو معبد أو إنسان؟ # سمعته وهو يهدر كالطوفان، # والرعود تزمجر كطبول الغزاة المتوحشين، # والبروق مشاعل تقذفها الشياطين؛ # لتضيء طريق البرابرة القادمين. # لكني أنظر في الليل ولا أرى، # هل أنطفأ الحريق؟ # أمد أذني كحيوان أعمى، # هل سكن الرعد والبرق إلى حين؟ # وأنت يا إلهي ومليكي وزوجي، # أنت يا نانا الحبيب! # أرفع عيني إليك فأراك كعهدك؛ # تبتسم كالحكيم العجوز أو الطفل الرضيع! # هل تسخر مني ومن رؤياي، # أم تنعي أور وملكة أور؟ # آه! اختلطت العلامات والإشارات! # سكتت الآلهة وطويت ألواح الأقدار! # لكن ما زال الرعد يدوي في أذني، # ما زال الطوفان يسيل، # وللإعصار هدير. ~~(تترك النافذة وتتوسط الحجرة وهى تصرخ): # يا حراس! أنتم يا خدمي وعبيدي؟ # من رأى منكم ما رأيت؟ # من سمع ما سمعت؟ # تعالوا إلي. # احموني منها واحموا أور، # لا أحد يتحرك، لا أحد يجيب! # هل مات جميع الحراس؟ # هل غرقوا في الطوفان؟ ~~(تذهب إلى الباب وتفتحه وتخاطب حارسا لا نراه): # أنت، أنت! # إنه نائم، الجميع نائمون، # والكارثة تقع على رأسي ورأس أور! # أنت، أنت! (نسمع صوت الحارس.) ~~- مولاتي؟! ماذا أيقظك من النوم الآن؟ ~~- الرؤيا يا غبي! الكارثة التي تزحف علينا! ~~- رؤيا؟ كارثة؟ أية كارثة يا مولاتي؟ ~~- يفرك عينيه ويتثاءب. # حين تنام عيون الحراس، # ماذا يمنع الكوارث الزاحفة على الأبواب؟! # ماذا يمنعها من تدمير البيوت وإهلاك النفوس والنباتات ~~والحيوان؟! # أصرخ فيه صائحة: ألم تسمع الرعود؟ # ألم تر البروق؟ # ألم تشعر بالإعصار والطوفان، # والجراد الذي هبط علينا من الصحاري ms093 والجبال؟ ~~- الجراد؟ والإعصار والطوفان؟ # البروق والرعود؟ # ماذا تقولين يا مولاتي؟ # ماذا تقولين؟ ~~- أقول ما ينبغي أن يفزعك أيها الحارس النوام. ~~- باقي الحراس كذلك نائمون! ~~- والقصر ينهار وتتناثر أحجاره؟ ~~- القصر بخير يا مولاتي. # مدد جسده وتغطى بالليل والسماء. ~~- والليل يلد الكوارث يا غبي! # والسماء ترسل النذر والعلامات. # وملكتكم تصرخ وأنتم نيام. ~~- نامي أيتها الملكة، # وليحرسك ويحرسنا إنليل! # ننجال ~~: # شعرت بالحنين إلى مربيتي، ذهبت إلى حجرة نومها الملحقة بجناحي. ها هي ذي ~~نائمة في فراشها، ووجهها الطيب الحبيب يشع منه الرضا والأمان، كأنها مستسلمة ~~لرعاية إلهها الخاص. ناجيتها هامسة وأنا أتأمل قسماته الهادئة: حتى أنت ~~يا مربيتي ومرضعتي الحنون! حتى أنت لا تفزعك رؤياي ولا تقفين إلى جواري؟ ~~أنت يا مرفئي ومينائي. على أي شاطئ ترسو سفينتي التائهة إن لم ترس على ~~شاطئك؟! ~~- أغلقت الباب ورجعت إلى حجرتي. # رجعت وكلي دمع وبكاء، # لا أحد يشاطرني ألمي! # لا أحد يرى رؤياي! # هل يمكن أن تكذب؟ # هل يمكن أن تخدعني العلامات؟ # وبكائي في الليل ودمعي، # رجفة جسدي كالشجرة في فك الإعصار! # رعشة قلبي كالطير الواقع في شبكة صياد؟ # والألم الحارق بذراعي وأعضائي، # وأنا أتشبث بالدفة والمجداف! # لا لا لا، لم تكن مجرد رؤيا، # حومت تهاويلها في قفص الرأس، # ولا مجرد حلم، # تقلب كالطفل الصريع في تابوت القلب! # لقد ظللت أياما طويلة أتوقع يوم العاصفة ذاك! # يوم العاصفة المقدر لي، # وفي الليل وأنا في فراشي، # وعندما حرمت الأحلام وحرمت النسيان، # وحط على كاهلي الخوف من دمار العاصفة والطوفان! # عرفت أن لا مهرب من يوم العاصفة ذاك، # وأن البكاء المر لم يقدر على وحدي، # أن البكاء المر قد قدر لبلادي. # صرخت فيه قائلة: عد يا يوم العاصفة! # عد إلى صحرائك! # ارفع يدك عنى يا يوم الهلاك! # ارفع يدك يا يوم الهلاك المقدر لي ولبلادي! # بسطت جناحي كالطير، # وكالطير طرت فوق مدينتي. # توقف أيها الإعصار! # تراجع أيها الطوفان! # رحت أبحث عن شعبي؛ # عد أيها القطيع المشرد في الجبال والوديان! # عد لتحمي أسوار مدينتك! # ورأيت ويا لهول ما ms094 رأيت: # تحولت أبواب المدينة ومداخلها إلى طين، # الحقول والمروج العظيمة تراكم فوقها التراب! # عادت أشجارها ملعونة إلى الغابات! # بدت كحقل متفحم بعد الحريق. # مصايد الأسماك أصبحت بركا ومستنقعات، # البساتين المروية جفت من العسل والخمر! # القصور المشيدة تحولت إلى خراب! # رجع آجرها الطيني إلى حالته الأولى في الماء، # وفي المواضع التي كانت تقام فيها الشعائر والطقوس، # راحت الثعالب التي تأوي الخرائب تهز ذيولها! # وعلى الضفاف التي كانت تجر فيها القوارب، # لم تنبت سوى الأعشاب الضارة والأشجار الباكية! # وفي السهول لم ينبت سوى قصب الدموع! # ولم تسع إلا الديدان وعقارب الجبل والحيات. # وبدلا من المياه العذبة، # جرت المياه المرة. # امتلأت طرق المدينة باللصوص. # ومن الجبال البعيدة انحدر البرابرة الوحوش؛ # سرقوا الزوجة من زوجها والبنت من أمها! # ذبحوا الطفل الرضيع والجد العجوز! # والمجاعة فتكت بالجميع. # وأنا التي كنت ملكة على الجهات الأربع، # همت على وجهي في الدروب التي ملأتها الجثث، # حاولت أن أستعيد قطيعي الذي طاردته الذئاب! # وعندما رأيت أن يوم العاصفة المقدر ذاك، # يوم العاصفة العاتية المحتوم قد كتب على شعبي وعلي، # رجعت إلى خرائب قصري! # وعندما انزويت في الركن المظلم سمعت من ينادي: # توجهي إلى مجمع الآلهة الكبار. # اذهبي إلى إنليل القوي المقطب الجبين! # أجبت وكلي دمع وبكاء: # كيف وقد كسر جناحاي؟ # كيف وقد قدروا يوم العاصفة ذاك؟ # قال الصوت: لا تيئسي يا ننجال! # إلى مجمع الآلهة قبل أن يصدر القرار! # وذهبت على جناح الرؤيا إلى هناك؛ # كانوا في مجمع المقدس يشربون ويأكلون ويتناقشون، # وعندما رأوني أشار إليهم آنو الجليل؛ # آنو سيد الآلهة رفع يده فخيم السكوت. # ركعت أمامهم وبكيت # رفعت يدي الفارغتين من النذور والقرابين: # أيها الآلهة العظام، # تريثوا قبل أن تصدروا القرار! # انتظروا بحق الأرملة واليتيم والضعيف والرضيع! # ألمح العلامات في كل مكان. # ألقى رسل الدمار على كل الوجوه وفي كل الأركان. # لكن ترجوكم ننجال التي سلمتموها الحكم والصولجان، # ترجوكم باسم الورقة في الشجرة والسنبلة في الحقل، # باسم المحراث وباسم المنجل والفأس، # باسم المكيال وباسم الميزان، # باسم المرضعة وباسم ms095 الطفل الراقد في الحجر، # باسم البيت وباسم الكوخ ولوح الآجر # باسم العبد والسيد، والكاتب والكاهن، # باسم البناء وباسم الصياد # لا تصدروا القرار! لا تصدروا القرار! # سكبت دمعي أمام «آنو»! # نعيت حالي أمام «إنليل». # قالت لهما دموعي وزفراتي: # ألا يجوز لأور ألا تدمر؟ # ألا يجوز أن تنجو مدينتي من الدمار؟ # ألا يجوز لأهلها ألا يذبحوا؟ # أيتها الآلهة العظام! يا من في أيديكم ألواح القدر ~~المحتوم! # ألا يمكن أن تراجعوا المكتوب؟ # ألا يمكن أن تغيروا الخطة وتعدلوا المسار؟ # وأنت يا إنليل! يا قائد قواد القوة والجبروت! # ألا يمكن أن تبعد عينك عني؛ # عين الموت؟ # هل يمكن ألا تنطق بالكلمة ضدي؛ # كلمة الموت؟ # لكن «آنو» لم يحرك إصبعا في يده ولا قدمه، # وإنليل المقطب الجبين لم ينظر إلي، # لم تبد على شفته بسمة ولا كلمة. # لم يقل آنو: نعم! فليكن ما تريدين! # لم ينطق إنليل: «يسرني ذلك». # أيتها الآلهة! هل صممتم على القرار؟ # هل أطلقتم العاصفة وأمرتم أن يزحف الطوفان؟ # والبرابرة أيضا؟ هل أمرتم أن يهبطوا علينا كالجراد؟ # ماذا أفعل؟ # الآلهة صامتون، والعاصفة في الطريق. # إلي يا شعبي المسكين! # انتظر! لا تمت من الرعب واليأس! # لا تشرد في كل سبيل، # انتظر يا شعبي المسكين! # أيتها الأبقار والثيران، والخيل والحمير، # أيتها المحاريث والفئوس، والرحى والأنوال، # أيها الآجر في الجدران والأعمدة والسقوف، # أيتها المراكب والمجاذيف والعربات، # أيتها الأشجار الباكية على الغدران، # والقصبات الدامعة على الشطآن، # انتظروا ملكتكم ننجال! # انتظروا! # انتظروا، ~~(تهب على قدميها واقفة وتجري مسرعة من الباب.) # 2 ~~(الوقت قبل الفجر بقليل وننجال حافية القدمين مهوشة الشعر زائغة ~~الملامح والعيون، متعثرة بلا دليل على دروب أور.) # ننجال ~~: # أسرعت إلى الطريق والرؤيا وحش يطاردني، نير يعصب عيني ويمسك بخناقي. كان ~~الغسق الأصفر الجاف كالوردة الذابلة تمد خدودها وعنقها إلى الندى والشعاع. ~~والبيوت والأبراج والأشجار غاصت في النوم ولم ترفع غطاءها الأسود البليل. كل ~~شيء ساكن حولي. لكن السكوت وحش مريب، رحم أو قبر يمكن أن تخرج منه مسوخ ~~ومسوخ، هل خدعتني الرؤيا؟ هل كانت جنينا ms096 انتفض في جوفي ولم يشعر بمخاضه ~~سواي؟ أم أشباحا رقصت واضطربت وتصايحت في تابوت الرأس المتعب؟ إنني ~~أتسمع؛ لا صوت. أتطلع للسماء؛ لا برود ولا جذوة نار، بل سحب شاحبة تسبح ~~فوق وجه القمر الشاحب، وجه إلهي «ننا» وإله أور. وهذه قدمي العارية تطأ الأرض ~~الباردة ولا تغرق في السيول. إذن فما زال القضاة الأعلون صامتين؛ هل نطقوا ~~بالحكم وبقي على إنليل الجبار أن يقوم بالتنفيذ! من يدري يا ننجال! ربما كان ~~الشرطي الآلهة الأكبر يعد الأسلحة ويجهز الجيوش ويصف مواكب الأفاعي ~~والعقارب والتنانين قبل أن يضرب ضربته. آه! أم تراني أهذي من أرقي وبكائي ~~طول الليل على نفسي وعلى أور؟ أفقت على صوت خلصني من شبكة أسئلتي، من ~~عقدة مشنقة جدلتها أفكاري السوداء. كان صوتا ممتدا في الليل كمركب بعيد ~~يتقاذفه الموج ويتشبث بالدفة والمجداف المكسور، كطائر بحري تحاصره ~~العاصفة، وتلطمه هامات الموج الهادر، ويفتش في لهفة عن مرفأ أو سفين. لم يكن ~~صوت غضب ولا احتجاج، لم يتردد فيه صدى قوة ولا اندفاع. كان عجوزا كحيوان ~~معمر يزحف بنفسه إلى مكان يموت فيه، مرهقا لا أثر فيه لرغبة أو أمل. وسرعان ~~ما وقع بصري على صاحبه العجوز المرهق مثله. كانت امرأة مثقلة بحمل السنين ~~والأحزان، وثوبها المسدل على الجسد الضامر المتخشب يشف على الضوء الشحيح ~~عن نخلة عجفاء. وامتد الصوت كحبل ملوي يجهد كي يلتف على: # الصوت ~~(تردده ننجال نفسها) ~~: # يا من تتحلين بإكليل من حجر اللازورد أو الياقوت، # زين بالأوراق والفواكه والزهور الذهبية، # لا تضعي الإكليل على صدرك؛ # فعاصفة إنليل على وشك الهبوب. # ننجال ~~: # خيل إلي أنها تكلمني، شعرت أنها تتهمني. تسللت يدي دون وعي إلى ~~صدري. حمدا لك يا إنليل! لم يكن الإكليل على صدري، لقد خرجت من قصري عارية من ~~تاجي وزينتي، من يراني يظنني خادمة مهملة في بيت كبير أو أمير، أمة في معبد ~~آنو أو ننا أو إنليل. تلوى الصوت وزحف نحوي. # يا من تقود عربتك المطهمة بأربعة حمير، # وتجد لتصل بحمولتك إلى ms097 بيتك القريب، # اهرب واترك العربة والحمير؛ # فعاصفة إنليل على وشك الهبوب! # يا من ترعى قطيعك من البقر والأغنام، # وتسوقه إلى الحظيرة ليهنأ بالقصب والأعشاب، # ويستريح تحت ظلها من لفح الشمس وتعب النهار، # اترك القطيع وابحث عن مأوى تختبئ فيه؛ # فقد أوشكت عاصفة إنليل على الهبوب. # ننجال ~~: # كانت حبال الصوت تتلوى كالأفاعي ~~السوداء، وتدور في دوائر كدوامات مؤبدة تطبق علي. خرجت من مخبئي وواجهت ~~العجوز وأنا أهتف بصيحة لم تخف الفرحة بصدق رؤياي: أيتها العجوز! أيتها ~~العجوز! إذن فقد رأيت رؤياي؛ إذن فلم تكن رؤياي وحدي، لم تدو الرعود ولا ~~زمجرت العاصفة في سمعي أنا وحدي، أيتها العجوز، لكنها لم تحفل بي. # استمرت تقول كأنها لم تر أحدا ولم تسمع شيئا: # يا من خرجت لتوك من رحم الأم، # واستقبلت الهواء في أور بالصراخ والعويل، # للموت أتيت يا ولدي، وإليه تعود! # للعبودية أتيت بعد أن صارت الحرية الوحيدة في أور أن ترجع للأم ~~الأرض قبل أن تلوث بالآثام وتوضع في القيود! ولتسرع يا ولدي قبل ~~أن تبدأ عاصفة إنليل. # ننجال ~~: # هممت أن أصرخ فلم تتفتح بوابة الرعب لينطلق لساني. حاولت أقول إن الآلهة ~~نفسها قدرت ألا يولد طفل بلا إثم أو خطيئة. لكنها لم تتوقف عن ضرب الوتر ~~المشدود: # الصوت ~~: # إلى أين تنظر وماذا تنتظر؟ # وراءك ظلام وأمامك ظلام، # وعندما تبلغ عمر الشباب وتجتاز عتبة الحياة، # ستجد في انتظارك الجوع والذل والغدر والإحباط! # انج بنفسك يا ولدي قبل أن ينفخ إنليل في الأبواق، # قبل أن يهدر الإعصار ويزحف الطوفان. # ننجال ~~: # تقدمت من العجوز حتى كادت أنفي تلامس أنفها المجعد كالبلحة الجافة. قلت ~~لها في همس كالفحيح: رأيت الرؤيا مثلي، أليس كذلك؟ قالت وهي تحول عينيها ~~عني: ورآها الألوف بعد الألوف، ثم استمرت في نشيدها تقول: # يا من تحتالون على الفقراء وتظلمون الأرملة واليتيم، # يامن تبخسون الكيل وتغشون الميزان، # وتسرقون الأرض وتنسون أنها قبر السارق والمسروق، # ألم تروا إنليل يمتطي صهوات العواصف والرياح؟ # ألم تسمعوا صوته المزمجر في الجبال والسهول والبطاح؟ # ننجال ~~: # أسرعت ms098 أقول قبل أن تختفي من أمامي: أنا سمعته ورأيته أيتها العجوز، أنا ~~وأنت قد سمعناه ورأيناه، والآلهة التي قررت المصير في لوح القدر المقدور، قد ~~نطقت بالحكم ولم يبق سوى التنفيذ. # تعالي أيتها العجوز، تعالي ومعك الأبناء والبنات والسادة والعبيد. # تعالوا نقرأ ما في اللوح ونفهم الأسباب؛ قالوا ... # الصوت ~~: # يا من تتأمل النجوم وتكتب على لوح من طين، # قصة أور التي دمرها الإعصار وداس عليها التنين، # وساقها البرابرة مغلولة إلى بوابة الذل المهين، # اترك اللوح والمسامير والإزميل والطين؛ # فعاصفة إنليل على وشك الهبوب! # عاصفة إنليل على وشك الهبوب. # ننجال ~~: # صرخت محاولة أن أوقفها، فارتد إلي الصوت وغاب الشبح المتثاقل في ~~الظلام. # ناديت عليه أن ينتظر، سألته أن يدلني على الفاسدين والمغرورين، والمتكبرين ~~والظالمين، ولصوص الأرض والأرملة واليتيم. دعوت أن يضع يده في يدي، أن نرفع مع ~~الألوف والألوف ميزان العدل، ونقيم بيت الحق في البلاد، أن نقف بوجه الإعصار ~~ونبني السور أمام الطوفان. لكن الوتر المشدود انسحب كما ينسحب الثعبان الخائف ~~في جوف الليل، الليل المطعون بسهم الفجر الطالع في الأفق المغبر الشاسع، ~~الأفق المنذر بالخطر الداهم والويل القادم. وقفت وحيدة على طريق موحش في ~~مدينة آيلة للسقوط. من يتأملني لا يعرف أني الملكة في القصر العالي، أتأمل ~~حالي في غبش الفجر فأنكر أني الملكة راعية العدل وحامية السور! أني فوضني ~~إنليل وسلمني التاج ووضع بكفي الميزان. وأنا واقفة وحدي أنتظر الغضب القادم مع ~~إنليل. والصوت الذي سمعته من العجوز يلتف حول رقبتي ويرن في صدر خاو كالقصر ~~المهجور. وقبل أن أردد السؤال القديم: ماذا أفعل؟ سمعت الصوت الآخر يسقط ~~كالصاعقة أو الجمر المتقد بنار اليأس علي، كأن صاحبه يتقدم على صداه. ~~أدركت من النظرة الأولى أن صوته هو عينه التي تضيء له في الظلام. أخذ يطلقه ~~من فمه كالشرر المتطاير ثم يلقي قدميه وجسده الضئيل في أثره. واقتربت منه ~~وحركت يدي أمام وجهه. حدقت في الوجه المحفور المجدور، في العينين ~~الغائرتين كقبرين صغيرين. لم يشعر بأن أحدا اقترب منه ms099 أو تحرك أمامه. ~~وانهمرت الشرارات المتقدة كعيون القطط المتربصة في ركن من أركان ~~الليل: # أنت الذي وهبتني العناء المتجدد على الدوام! # دخلت البيت وروحي مثقلة بالأحزان، # خرجت إلى الطرقات وقلبي مفعم بالآلام. # ننجال ~~: # تقدمت منه وتأملت وجهه الجامد كوجه التمثال. قلت وأنا أنظر في عينيه ~~المطفأتين وقسماته الميتة: تتهمني ولا أعرف من أنت. بحق إلهك إلا أجبتني ~~وعرفتني بنفسك! # الصوت ~~: # أنا الحكيم، لم أقيد مع السفهاء؟ # أنا الذكي لم أعد مع الجهال؟ # الطعام وفير وفي كل مكان، لكن طعامي الجوع! # في اليوم الذي قسمت فيه الأنصبة على الناس، # كان نصيبي هو العناء! # ننجال ~~: # أمسكت يده شأن من يريد أن يساعد شحاذا أعمى على عبور الطريق. # أطبقت يده على يدي فشعرت بالدفء يسري في دمائي. تشجعت وسألته: من هذا ~~الذي سبب لك العناء؟ سمه لتقتص منه العدالة، صفه لأحضره لقضاة ~~العدل. قطب جبينه ورفع وجهه إلى السماء قبل أن يفتح فمه الحجري ويطلق منه ~~طير السر الغامض. # الصوت ~~: # الرجل المخاتل غطاني بالريح الجنوبية، # حول كلمتي الصادقة لأكذوبة، # خان العهد وسلط قوات الشر علي! # وتآمر - وهو المخدوع الخادع - هو والأوغاد علي # فلم يحبط راعي العادل عمله. # قلت له بعد أن عبرنا الطريق وصرنا وحدنا: نطقت ولكن لم تقل شيئا؛ ~~ألا تسمي الاسم؟ ألا تصف الآثم؟ # الصوت ~~: # أقف في حضرتك وكلمتي أنين، # أريد أن أتكلم إليك، # لكن كلامي بكاء ونواح. # ننجال ~~: # ضغطت على يده وأسررت إليه: أنا أيضا كلمتي أنين، أنا مثلك أبكي وأنوح! لكن ~~بعد قليل يشع النهار على البلاد، بعد قليل تنقطع الشكوى وتجف ~~الدموع. # الصوت ~~: # إن كان النهار يشرف على البلاد فنهاري مظلم! # إن كان الحظ يبتسم لغيري فقد اختارني للدموع! # وأنت يا من تضجرك شكاتي وتحول وجهك عن جروحي، # إن كان الجرح النازف في روحي قد خفي عليك، # فانظر ما فعل المرض بجسمي، # والمس إن شئت قروحي! # ننجال ~~: # إلهك سيخفف عنك. # الصوت ~~: # بل أهملني وتخلى عني! # ننجال ~~: # أمك تدعو لك. # الصوت ~~: # بل تندب حظي منذ ولدت! # ننجال ~~: # مدينتك ستثأر ms100 لك. # الصوت ~~: # وهل ثأرت لنفسها حتى تثأر لي؟! انظري حولك إن كنت قادرة على فتح عينيك. ~~انظري حولك لتري الظلم الذي أعمى عيني. # ننجال ~~: # والظلمة، من هم؟ # الصوت ~~: # ألوف وألوف وألوف. # ننجال ~~: # أين أجدهم؟ # الصوت ~~: # سيري في الطرقات، امضي للأسواق، اذهبي للحقل والمعبد والمتجر والحان، ادخلي ~~البيوت وانفذي في الصدور؛ ألوف وألوف وألوف. # وتسألين عن الظلمة والمظلومين؟ افتحي عينيك، سيري في الطرقات، امضي ~~للأسواق. # ننجال ~~: # نفض يده في غضب من يدي، واقتحم ستائر الظلام والضباب وهو ~~يصيح: # تقول مدينتك ستثأر لك، # ومتى يا أور ثأرت لنفسك، # والظلمة يا أور ألوف فوق ألوف؟! # سيري في الطرقات، سيري في الطرقات. # وامضي للأسواق، امضي للأسواق. # 3 ~~(ننجال مستندة بظهرها إلى جدار معبد إنليل. آثار التعب على جسدها ~~المهدود، ووجهها المنهوك، وقدميها المعفرتين بالتراب، وقت الغروب.) # ننجال ~~: # تعبت من السير في الأسواق والطرقات؛ طفت الحقول وعبرت الأنهار ووقفت أمام ~~الأسوار والبوابات، وقادتني قدماي إلى المقابر والجبانات. # في كل مكان كنت أقول لنفسي: # أور، يا مدينتي أور، # لا أم لي؛ أنت أمي، # لا أب لي؛ أنت أبي، # أهذه هي أنت يا أور؟ # شعبي يذرف الدموع، # يلقي بنفسه في الرغام، # ينام كإناء مهشم، # وأنت تتكفئين على وجهك وتبكين! # أهذه هي أنت يا أور؟ # عندما كنت في طريقي إلى قصر «الإنسي» الحاكم رأيتهم من بعيد ~~يدورون ويدورون. سمعت أصوات السياط وهي تلسع الظهور، ورأيت أجساد ~~العراة المشدودة بالحبال وهي تدور. وقبل أن أتبين ملامحهم تردد ~~في أذني أغنية تقول: # دوري أيتها الطاحونة دوري، # العبيد حول حجر الرحى يبكون، # الزراع خلف المحراث يبكون، # الرعاة على مزامير القصب يبكون، # دوري أيتها الطاحونة دوري. # اتجهت إلى المشرف على العمال وسألت: من هؤلاء؟ ~~- أنت ترينهم ولا يرون. ~~- ما معنى هذا؟ ~~- هم عميان؛ قبض جنود الإنسي عليهم. ~~- ليعاملوا كالحيوانات؟ ~~- ليرووا الأرض فيخضر الحقل ويزدهر البستان. ~~- أرض الإنسي؟ ~~- بالطبع؛ فهو السيد والكل عبيد. ~~- من أمر بهذا؟ ~~- ما شأنك أنت بهذا أو بسواه؟ # لولا أنك مبصرة لربطتك معهم في النير! هيا ابتعدي عن هذا ms101 ~~السوط. # وفرقع السوط يشوي الجلود التي راحت تلمع بسيول العرق وتتأجج بلهيب ~~الشرار. وانسابت الأغنية ترجع الشكوى والأنين: # دوري أيتها الطاحونة دوري، # دوري أيتها الطاحونة دوري. # آه يا أور! من أمر بجلد الأعمى كالحيوان؟ من جعل الإنسان يهان؟ ~~مشيت أجر ساقي إلى الحقل الكبير، لم أكن في حاجة إلى سؤال أحد؛ ~~فالحزن يقابلني في عيون الإنسان والحيوان، والحزن يكشف ما تطويه قلوب ~~الحكام والنبلاء والأغنياء والأعيان: استولى على الأرض وجعلها ملكه ~~الخاص. ~~- ثيران الآلهة تحرث حقوله، # وحقوله هي أجود أرض الآلهة. ~~- موظفو القصر يأخذون أموال الفقراء، # ينهبون حميرهم وشياههم وبيوتهم وبساتينهم، # وإذا اشتروها منهم اضطروهم لبيعها بأبخس الأثمان! ~~- القصر ينتفخ ويزداد ثراء، # وأكواخ القصب تزداد فقرا وجوعا! ~~- انظري! هذا هو قصر «الإيشاكو» # 1 # وهذا قصر حريم «الإيشاكو»، # وهذه قصور أطفاله، # وهذه قصور حجابه وحراسه وموظفيه. ~~- هل نظرت في الناحية الأخرى إلى الخرائب والقبور؟ # نعم نعم؛ هذه هي دور الفقراء! # تنحني على الأرض وتعانق التراب. # تتوارى من الخجل وتتماسك كالأيتام، # الأيتام الذين يبكون في الظلام. ~~- هل تعلمين أنهم فرضوا الضرائب على كل شيء، # وأن جباة الضرائب والرسوم في كل مكان؟ ~~- عندما تزوجت امرأتي دفعت الضريبة، # وعندما طلقتها ضاعفوا الضريبة، ~~- إذا أحضرنا الأغنام لجزها في ساحة القصر، # طالبنا المشرف على الأغنام بالضريبة، # والضريبة تسدد بشيقل من الفضة، # وهو أغلى من ثمن الرأس من الأغنام! # وإذا ذهبنا للمعبد وقدمناها للسدنة والكهان، # مدوا أيديهم وطالبونا بالضريبة على القربان. ~~- هل تعلمين ما يحدث لجارتي الآن؟ ~~- وهل تعلمين أنت من هذا المكان؟ ~~- بل قرأه في لوح القدر المسطور. ~~- لوح القدر المسطور بيد إنليل. # رب الحكمة والعدل وحامي أور. ~~- والراعي المسئول عن الأرملة الثكلى، # عن كل يتيم وضعيف وفقير. ~~- بالطبع. هذا يعرفه كل صغير وكبير. ~~- ها ها! يبدو أن المسكينة ليست من أور! ~~- ولماذا؛ ماذا حدث لأور؟ ~~- ما عادت أور هي أور. # انقلب الحال وصارت ألواح القدر المسطور، # يكتبها الإنسي مع الكاهن وينفذها الحارس والشرطي المأجور! ~~- هذا كفر، تجديف، كيف جرؤت على هذا؟! ~~- أنا لا أتجرأ؛ كيف ms102 تواتي الفقراء الجرأة؟ # ولساني ينطق عما شاهدت العين. ~~- شاهدت العين؟ وأين؟ ~~- في الجبانة فجر اليوم. # أسرعت إلى الطريق الضيق المؤدي إلى الجبانة، كان الصمت يحتويني في ~~ردائه الناعم المخيف مع كل خطوة، والأشواك تنغرز في قدمي كلما لاحت ~~الشواهد والأضرحة والمزارات، وأشجار الصنوبر والنخيل الثابتة في ~~أماكنها كالحراس السود، أو تماثيل الآلهة تحت وهج الشمس المحرقة. ~~تناهت إلي أصوات كلام وبكاء وصياح ولغط شديد. ولم يكن من الصعب ~~أن أهتدي إلى مصدر الأصوات المضطربة، وأن أرى أمامي جنازة صغيرة وقف ~~أصحابها عند قبر مفتوح، وجلست النساء والأطفال برءوسهم المسندة على ~~أيديهم، والنشيج المتقطع ينفجر كشلال مفاجئ بين الحين والحين. اقتربت ~~من الجمع المحتشد، بينما وقع بصري على جثمان الميت الممدد أمام فتحة ~~القبر في كفن مغبر فقير. رفعت الأرملة رأسها عندما لمحت ظلي يفترش ~~الأرض، ثم أطرقت صامتة. قلت: هذا زوجك، مات اليوم. قالت صبية ~~واسعة العينين: هو أبي، مات من الجوع والإعياء. رفعت المرأة رأسها ~~وحدقت في وجهي بعينين مطفأتين: بل أنا التي مت مع الأيتام. ~~سألتها: ماذا تعنين؟ نظرت إلي وأدركت من صمتها أنها تقول: وماذا ~~تملكين أنت لي؟ تلفت حولي فوقع بصري على حشد من الرجال، تعرفت من ~~بينهم على كاتب يحمل في يده لوحا من طين، وشرطي تتدلى من حزامه ~~عصا معدنية ثقيلة يطل من مقبضها رأس ثور حاد القرنين. نظروا ~~جميعا إلي، كان من الواضح أنهم فوجئوا بحضوري وهيئتي، وربما لمحوا ~~على وجهي آثار مجد قديم. قال رجل غليظ الوجه واليد: نحن لا نعترض ~~على دفنه، لكن الأوامر والقوانين. ~~- الأوامر والقوانين؟ ~~- نعم نعم، لا بد من دفع الضريبة. # صرخت الأرملة: وهل تأخرنا؟ هذا كل ما نملك. # قال الرجل ذو الوجه الغليظ: لا يكفي، لا يكفي! # سألت الرجل: ولهذا أرسلتم من يفتشون البيت؟ # قال الرجل والأرملة في وقت واحد: إن وجدوا شيئا فيه. # سألت مرة أخرى: ويبقى الميت هكذا؟ # أسرع موظف آخر نحيل الوجه واليدين بصورة ملحوظة: الأوامر والقوانين. ~~تدخلت الأرملة ورن صوتها كجرس خافت معلق ms103 في رقبة شاة عجوز: هل تعلمين ~~ماذا فعلوا؟ لم نكد نضع الميت على الأرض، ولم تكد شفاهنا تختم ~~الضراعة لآلهة العالم السفلي أن لا تضر به شياطين «الجالا» بالسياط ~~ولا تمرغه في الوحل والتراب، حتى ظهروا كجيش من الغزاة المتوحشين ~~انقضوا علينا وعلى الميت، منعونا من وضعه في هذا القبر الذي ~~كلفنا مئونة شهور. # قلت: ومن هؤلاء؟ من أرسلهم؟ # ردت الأرملة ساخرة: تقولين من؟ كأنك غريبة عن أور! # قلت أداري خطئي: هم جباة الضرائب والرسوم؟ # قالت الأرملة وهي تشير بسبابتها إليهم واحدا بعد واحد: بل حشد ~~من الذئاب يسمونهم الموظفين والمحصلين والمرابين ~~والمتطفلين. # لو كان لدموعي ثمن لتقاضوا عليها الرسوم! لو دموع أطفالي وحسراتهم ~~تباع لأسرعوا بدسها في الجيوب والأكياس! ومع ذلك نهبوا ما معنا من ~~الخبز والنبيذ، بعد أن حضروا للبيت مساء وزوجي يحتضر وسلبونا ~~المخزون من الغلة والجعة والشعير. # قلت وأنا أقلب عيني فيهم: وما زالوا ينظرون ما يتمخض عنه البحث ~~والتفتيش. # قالت الأرملة قبل أن يذكرها أحدهم بالأوامر والقوانين: # ويظل المسكين، # هكذا حتى يرجعوا خائبين! # ضحك أحدهم وكشر عن نابه: لا هو من أهل الأرض ولا العالم ~~السفلي! # مرت أصابعي مسرعة على ذراعي وأذني وصدري. وفي لمح البرق كنت ~~أناولهم قطعة من الحلى الذهبية لم أعرف حتى الآن ماذا كان النقش ~~المرسوم عليها. تكالبوا على اليد التي وضعتها فيها وصاحوا كالخنازير ~~وأنا أعطيهم ظهري وأسرع على الطريق: ذهب! ذهب من مقبرة الملكة ~~ننجال! # ننجال ~~: # آه يا أور! # هل أنت مدينة أور؟ # والذين أقسموا القسم أمامك يا ملكة أور! # لماذا خانوا العهود ونكثوا الوعود؟ # لم قلبوا ميزان العدل، # وهدموا الناموس؟ # كان المعبد والقصر والحقل والبستان ملكا للآلهة، # والآلهة عندما خلقت الإنسان من الدم والطين، # طبعت صورتها عليه وقالت: # لم تخلق إلا لتخدم الآلهة وتعبدها؛ # فلماذا جاء «الإنسي» ووضع الآلهة والبشر في خدمته؟ # لماذا استحوذ المشرف على الحقول على محاصيل الحقول؟ # واستأثر ناظر الحظائر بالماشية والقطعان؟ # ونهب رئيس الشرطة حق الأرملة واليتيم؟ # وانتشر الزبانية من حدود البلاد إلى البحر ms104 الأعلى؟ # ومن البحر الأعلى إلى حدود البلاد؟ # آه يا أور! # لماذا أكل الجميع لحم الجميع؟ # واستعبد الجميع الجميع؟ # وأنت يا ننجال، يا ملكة أور، # يا من وكلك «إنليل» عنه لإقامة العدل في البلاد لماذا سقط من يدك ~~الميزان؟ # وفي التراب وقع السيف والتاج والصولجان؟ # لماذا صدقتهم وتركتهم يحكون لك القصص والأساطير: # الحاكم والوزير، والقائد والناظر، والمشرف على الحقول والمصايد ~~والبساتين؟ # وبقيت بقصرك حتى باع الأب أولاده، # وسلم الرجل أفراد عائلته للدائنين، # وصار الرعاة سجانين والرعية مساجين! # ماذا أقول للطفل حين ينظر في عيني وتقول دموعه: # ولدت في أور وليتني ما ولدت في أور! # وبعد أن كنت أعاقب المذنبين والمجرمين والأشرار، # وآمر برجم السارق والمجرم اللئيم، # وأرضي قلب إنليل بالسكائب والأضاحي والقرابين؛ # أصبحت أطوف شوارع أور فلا يعرفني العبد ولا الأمير! # أكلم الناس فيحسبونني خادمة أو بغيا في معبد إنليل! # هل يرضيك ما حدث لأور يا إنليل؟ # هل هذا هو غضبك على أور وملكة أور؟ # كثرت علامات الشؤم في كل مكان، # فسرها يا إنليل. # قل كلمتك، تكلم! # يا من أستند من التعب على حائط محرابك، # ساعدني، ساعد أور! # إني أتضرع لك: # ارفع غضبك، # أوقف إعصارك، # وافعل بي ما شئت؛ # فأنا خادمة لك. # دمرني أو أهلكني، # لكن لا تهلك أور. # لكن لا تهلك أور! # 4 ~~(في معبد إنليل. ننجال تقف باكية مشعثة الشعر في المحراب المقدس ~~أمام تمثال ضخم للإله إنليل.) # ننجال ~~: # كلمني يا إنليل، # يا من كلمتك مقدسية، # وكلامك لا يتبدل، # رد على أسئلتي الحيرى؛ # هل تذكر يوم وضعت على رأسي التاج وسلمتني الصولجان، # وائتمنتني على القوانين المقدسة، # وكشفت عن أمرك الذي هو كلمة قلبك؟ # بكلمتك فاضت الأنهار بالماء، # ووضع سمك البحر بيضه في أدغال القصب، # وبنت طيور السماء أعشاشها على الأرض الفسيحة، # وجادت الغيوم السائرة بمائها، # ونمت الأعشاب والنباتات في السهول، # وازدهر القمح الوفير في المراعي والحقول. # يومها قلت «لأور» وأنت تباركها: # أيتها المدينة الموفورة الزاد، # أيتها المدينة العميقة المياه، # الراسخة كالثور القوي الثابت، # أنت يا منصة خير البلاد، # خضراء ms105 أنت كالجبل، # وارفة الظلال كالغابة، # ليرتفع اسمك إلى قلب السماء! # وليعل مقامك فوق الأقطار! # ليبحر في أعيادك السمن واللبن! # ولتجلب مخازنك السعادة والأفراح! # هذا ما قلت يا إنليل، # يوم اتخذت أور مسكنا لك، # وباركت أسرابها وقطعانها، # وبيوتها ومعابدها، # وجعلتها بلدك المقدس المختار، # فلماذا تأخذ كلمتك وتتركنا للصمت؟ # لماذا جفت الأنهار، # وذبلت المراعي والحقول، # وهجرت سماءنا الغيوم والأطيار؟ # كلمني يا إنليل، # أيها الراعي المبجل الجليل! # ويوم وضعت في يدي الميزان، # وقلت لي يا ننجال: # كوني راعية الأرملة واليتيم، # كوني مأوى الضعفاء وملاذ الفقراء، # اطردي الأشرار والسيئين، # آويت في حضني الفقير واليتيم، # واسيت الأرملة والمسكين، # نصبت الميزان، وأوقفت أمامي الصالحين والطالحين، # وبجانبي وقفت الإلهة «نيدابا» إلهة الكتابة والحساب، # تنقش الأعمال وتسجلها على ألواح الطين، # ويشهد عليها «خاي» مع شهود عديدين. # سلمت القوي للضعيف، # وعينت المكان الذي يهلك فيه الطغاة، # نفذت إلى قلوب الأشرار، # وعاقبت من سلك سبيل العدوان، # من تخطى الحدود ونقض العهود، # أدبت من اغتصبت يده ما لا يملك، # من نظر نظرة الرضا إلى مواطن السوء، # من بدل الوزن الصغير بالوزن الكبير، # والكيل الصغير بالكيل الكبير، # من أكل ما ليس له ولم يقل أكلته، # ومن شرب ما حرم عليه ولم يقل شربته. # منعت رجال السلطة من أن يقترفوا إثما، # في حق يتيم أو أرملة أو مسكين، # حرمت على تابع الملكة أن يقبض على الرجل الأعمى ليروي حلقه بالمياه ~~ثم يحرمه من الطعام، # ويحرم حماره من الماء، # فرضت على السارق أن يرجم بحجارة كتب عليها قصده الشرير، # وأمرت أن تعلق الممتلكات المسروقة على البوابة العظيمة، # يستدل عليها مالكها الشرعي ويستردها، # والمرأة التي تخون رجلها والرجل الذي يخون امرأته، # كانت أسنانهما تهشم بآجر محروق، # وكان هذا الآجر الذي كتب عليه ذنبهما يعلق على البوابة ~~العظيمة. # أمرت يا إنليل ونفذت أوامرك؛ # لم أسمح للجائر والظالم والخوان، # أن يقف أمامك، # لم أسمح للمتكبر والمتسلط والغدار، # أن يفلت من شبكتك، # وفاض الخير والرخاء على أور، # واعتز الإنسان بالخير والصدق، # والاستقامة والأمانة، # والرأفة والعدل والإحسان. # لكنك حولت ms106 وجهك عنا يا إنليل، # سكت وقطبت جبينك كما تقطبه الآن، # وأجزت أن يفلت الظالم الشرير من شبكتك، # ويضع أور وساكني أور في جوفه: # فالمشرف على العمال يستغلهم في أعماله، # والموكل بالملاحين يغتصب السفن لنفسه، # ورئيس الرعاة يسلبهم الحمير والماشية والأغنام، # وكاهن المعبد يستحوذ على الأضاحي والسكائب والقرابين، # ورئيس الشرطة يتقاضى الفضة حتى على ترديد الأنفاس، # وجباة الضرائب المنتشرون من البحر إلى أقاصي البلاد؛ # يحصلون الرسوم والأقوات حتى من الأموات! # وأنا التي تعرف قلب الأرملة واليتيم، # وتنشد العدالة لأفقر الفقراء، # أنا التي تعرف ظلم الإنسان للإنسان، # أسألك يا إنليل وأسأل نفسي: # ماذا شوه هذا الإنسان؟ # ماذا حوله ذئبا يفترس أخاه، # كلبا مسعورا يغرز فيه نابه؟ # ماذا يجعله يتلذذ بالغدر وسوء النية؟ # يرتكب الذنب الفادح ويبرر ذنبه؟ # يظلم باسم العدل، ويضطهد لأجل الحرية؟ # أتقول بأني قصرت؟ # أتقول لزمت القصر ونمت؟ # لا لا لا. أنا ما قصرت، # أنا يا إنليل عجزت! # قالوا أور بخير، صدقت. # حتى امتدت ألسنة النار إلى عتبة قصري حرقت بابي وثيابي، # فأفقت، # لكن بعد فوات الوقت! # بعد فوات الوقت! # قل يا إنليل، تكلم! # لا تتركني في هذا الصمت. # يا راعي الضعفاء وحامي الفقراء، # يا من تسلمنا العدالة من يدك، # كما تلقينا النور من الشمس، # هل آن لنا أن نتخبط في الليل؟ # هل هبطت في هذا الليل شريعة الظلام؟ # قل كلمتك، تكلم. # من يرفع يده غيرك؛ # كي يوقف مرتكب الإثم، # ومنتهك الحرمة؟ # قل كلمتك تكلم. # يا من تمسك لوح القدر، # وتنفذ عينك من حجب الغد، # هل قررت قرارك أن تهلك أور؟ # هل صممت ولم يبق سوى نطق الحكم؟ # الأمر بيدك، ولك ما شئت! # عاقبني، بدد ملكي، # أهلكني إن أحببت، # لكن لا تهلك أور! # لكن لا تهلك أور! # هل يرضيك أن يهجم علينا البرابرة ذوو اللحى الطويلة والقلوب ~~القاسية من الجبال الشمالية ويغطوا أرضنا كالجراد؟ إن كان يرضيك أن ~~يسوقني «سرجون» جديد مغلولة العنق إلى بوابة إنليل، إن كان يرضيك أن ~~أقتاد من خشبة تطوق رقبتي إلى البوابة العظيمة لألعن وأضرب ms107 ~~بالسوط ويبصق علي كل الذين أعبر بهم في طريقي إلى الأسر أو ~~الموت، فهل يرضيك أن يجري هذا لأور وشعب أور؟ هل يرضيك أن تخرب ~~مدينتي وتهدم أسوارها وييتم أطفالها ويغسل البرابرة أسلحتهم ~~بدماء أبنائها وبناتها؟ هل يرضيك أن تقتلع أسس بيوتنا وجذور أشجارنا ~~ونحرم من بذورنا، هل يرضيك أن تؤخذ الزوجة من زوجها، ويذبح ~~الرضيع على حجر أمه ومرضعته؟ # يا إنليل تكلم! # قل كلمتك! تكلم! # هل هذا هو إعصارك، # رعدك، برقك، والطوفان؟ # هل صدقت رؤياي وحط علينا الهول؟ # أرجوك تكلم! # قل يا ننجال، # بل هي وهم. # أو هي أضغاث الأحلام. # يا إنليل تكلم، # لا تتركني في هذا الصمت. # حول وجهك عني، # انزع ملكي، # أو عاقبني بالموت، # لكن لا تسكت عني، # لا تتركني في هذا الصمت، # لا تتركني في هذا الصمت! # 5 ~~(فجر أزرق جاف، في الأفق لمعان ينبئ عن وهج نهار شديد القيظ. ~~ننجال تقف تحت «البوابة العظيمة» في أطراف أور. تستند إلى جدار وتحدث نفسها بينما ~~تظهر أشباح رجال ونساء وصبية وأطفال يفدون إلى الساحة من كل جانب دون أن تشعر ~~بهم.) # ننجال ~~: # آه يا ننجال! # في صدرك تتصارع نفسان؛ # واحدة تدعوك: اذهبي للبعيد البعيد، # هناك خلف الأفق ووراء الحدود، # ولا تفكري يا ننجال أبدا أن تعودي! # والأخرى تهتف بك: بل تبقين يا ننجال في أور، # تبقين لتواجهي الشر المستطير، # وتقضي على سارق الأرملة واليتيم والضعيف والفقير، # والظالم والكاذب والنمام والمغرور! # آه يا ننجال! # تحت قدميك يمتد طريقان، # تضطرب وتتعثر تحتهما خطوتان: # تريد إحداهما أن تأخذك إلى أعدائك، # في «أوما» أو «أكد» أو «عيلام»، # وهناك تصرخين أمام عرش الملوك القساة: # ساعدوني فقد عجزت عن حكم البلاد، # سقط الميزان من يدي وفي الدم والوحل والتراب، # مرغه السفلة والجهلة والأنذال والأوغاد ! # آه يا ننجال! # في حلقك يحتبس ويتقابل صوتان؛ # أحدهما يعول وينوح: سقطت أور! # سقطت أور ولا أمل هناك ولا نور! # والآخر ينذر ويحذر ويقول: لا، لم تسقط أور. # ولن تسقط أور، # لن يهدم هذا السور، # ولن تقتلع من الأرض ms108 جذور. # آه يا ننجال! # عندما حضرت إلى هذه الساحة كان الليل قد بدأ يغطي أور بستاره ~~الكئيب. خيل إليك أن الرؤيا تأخذك إلى الماضي وتطوق حاضرك المختنق، ~~ثم تطير بك على جناحي نسر أسود إلى الغد المجهول. ورأيت نفسك في ~~الماضي عندما كان موكبك يبدأ من هذه البوابة العظيمة، ليعبر الساحة ~~تحت الأقواس المزينة بالرياحين وباقات الزهور، ووسط الهتافات والدعوات ~~بالنصر والبشر والرخاء ليمر بشوارع وبيوت أور. كان مهرجان الاحتفال ~~يبعث الأرض والخصب هو مهرجان ملكي المتجدد وعدالتي الساهرة بالليل ~~والنهار. وتذكرت الميزان المنصوب في الساحة، وجثث الأشرار المشنوقين ~~على الأسوار والأعمدة والأشجار، والكتبة المشغولين بوسم ذنوبهم على ~~جباههم، وتدلية مسروقاتهم وآثار جرائمهم وبقايا أسلحتهم من أقواس ~~البوابة وأركانها، ثم تذكرت خاتمة الحفل وذروته في معبد إنليل، وأنا ~~أحمل الشاة السمينة والحمل الوديع على صدري وأقدمه لكبير الكهنة ~~والحجاب ليسرع بتقديمه مع السكائب والقرابين. كانت الرءوس السود ~~تطرق رهبة أمام الميزان، والقلوب تخشع إجلالا للناموس، والسيئون ~~والأشرار يرتجفون لمرأى التاج والصولجان. # آه يا ننجال! # وماذا رأيت اليوم وأنت تقطعين ميادين وطرقات أور؟ ماذا قلت ~~للتائهين الذين وجدتهم في هذه الساحة من جائعين وضائعين وعاجزين: يا ~~أبنائي، لم تسيرون في الليل الأعمى كأنكم لا تبصرون؟! ~~- اسألي أور؛ فقد ضيعتنا أور! ~~- يا أرباب الحرف، لماذا تقفون هنا ولا تعملون؟ ~~- أصبحت حرفتنا الوحيدة هي التسول في الطريق! ~~- هل يتسول من يتقن عمله؟ ~~- لا يتسول إلا من يتقن عمله؛ ما دامت صنعته لا تملأ جوفه، ما دام ~~الإنسي والشرطي والمشرف والناظر والنبيل والكبير يسرقون، ما دام ~~الإتقان يجر عليه الحسد والهوان. ~~- وممن تتسولون والكل جائع وفقير؟ ~~- ممن أجاعنا وأفقرنا! ~~- من تقصدون؟ ~~- قد يتعطف علينا موكب الإنسي العابر ببعض الفضلات، قد يلقي ~~الكهنة من فوق جدار المعبد بنفايات القربان، وأخيرا ... ~~- أخيرا؟ ~~- قد يأتي الحل على أيديهم! ~~- أيدي من؟ # ويقهقه العاطلون والمتسكعون والعجزة المكتئبون والمشلولون ~~والمجدورون والمجذومون الذين يتجولون في الساحة أو ينتظرون. # ويقول واحد منهم: ألم تعرفي بعد؟ ~~- ألم تسمعي؟ ~~- ألم تشعري؟ ~~- ماذا أعرف أو ms109 أسمع؟ وبماذا أشعر؟ # وتعلو ضحكاتهم وهم يسعلون ويبصقون: البرابرة قادمون! # البرابرة قادمون! # وتدور الفكرة في رأسي وتدور. يوشك أن يخرج من حلقي الصوت الصارخ ~~ويقول: أنا ننجال ملكتكم، وملكة أور، ضائعة وسط الساحات، # وتائهة بين الدور، # وأدور أدور أدور؛ # كأني قطعة صلصال، # في يد فخار مخمور، # من يحضر ثوبي الملكي، # وسيفي المشهور؟ # من يضع التاج على رأس # أثقله الحزن، # فسقط كالطير الهالك، # في شبكة قدر مستور! # قدر ينذر بالويل القادم، # والخطر الداهم كالديجور! # يا أبناء أور وبنات أور! ها أنا أتقدمكم إلى البوابة العظيمة. ~~أجلس على كرسي الملك وأضع التاج على رأسي، أجلس منتظرة وفي يدي ~~مفتاح المدينة؛ هل هم قادمون؟ نعم. لا بد أنهم قادمون؛ من الجبال ~~الشمالية كالجراد زاحفون. وعندما تبدو جيوشهم من بعيد وهي تثير سحب ~~الغبار والدمار الزاحف على أور، سأقول في نفسي كما تقولون: آه! إنهم ~~قادمون، إنهم قادمون. ربما يكون حضورهم هو أحد الحلول. # وتمر أمامك المرأة المثقلة بحمل السنين والأحزان كأنها نخلة عجفاء، ~~ويتمدد صوتها القاتم ويتلوى كحبل يلتف عليك: # يا من تضعين التاج على رأسك، # وفي يديك السيف والصولجان، # اخلعي التاج والمجد والشارة والوسام، # واهدمي خيمة الملك والأبهة والسلطان؛ # فالبرابرة على وشك الوصول، # البرابرة على وشك الوصول! # يا من تقود عربتك المطهمة بأربعة حمير، # وتجد لتصل بحمولتك إلى بيتك القريب، # ابحث عن جدار تأوي إليه واترك العربة والحمير؛ # فالبرابرة في الطريق، وهم على وشك الوصول! # يا من تقف على عتبة الحياة وتنظر للبعيد البعيد، # فترى الظلام وراءك وأمامك، # ولا شيء غير الحاضر المنكود والغد الموءود، # تعال إلى البوابة العظيمة؛ # لتكون في استقبال المواكب والحشود؛ # فالبرابرة - كما سمعت - على وشك الوصول! # والبرابرة - كما علمت - هم أحد الحلول! # آه يا ننجال! # لكن النفس الأخرى تقفز في الصدر كوحش مسعور. تثبت وتتحدى وتثور، ~~والقدم الأخرى تقف وتتصلب كالحجر الراسخ في فتحة نفق مهجور. # والصوت الآخر يرتفع ويزعق، ينذر ويحذر، يشكو ويقول: # أيتها الملكة التي هدمت مدينتها، كيف تقدرين الآن على ~~البقاء؟ # أيتها المرأة التي هلكت ms110 بلادها، كيف أبقى عليك قلبك؟ # بعد أن هدمت مدينتك، كيف تقدرين على البقاء؟ # وبعد أن دمر بيتك، كيف أبقى عليك قلبك؟ # ذوو الرءوس السود تحول غناؤهم إلى بكاء، # حقولهم وبساتينهم صارت أرضا جرداء، # مدينتك التي كانت مدينة الخير والصلاح أصبحت خرائب! # بيتك الذي كان بيت العدل سلم للمغول! # كيف أبقى عليك قلبك؟ # كيف تقدرين على البقاء؟ # الخادم لم يعد لك الآنية المقدسة، # عندما حلت أعيادك لم يحتفلوا بالأعياد على طريقك الذي أعد ~~للمواكب والعربات تنمو الأشواك، # وتشكو العجوز المثقلة بالأحزان ويئن الأعمى المتجدد العناء. # آه! كيف أبقى عليك قلبك، # كيف تقدرين الآن على البقاء؟ # ننجال يا مليكتي، مدينتك تنتحب بين يدي أمها، # كطفل يتيم في شارع خرب، تبحث عنك أور، # والبيت الصالح المشيد بالآجر يمد يده إليك، # كرجل فقد كل شيء وهو يقول: # إلى أين تتركينني، كيف أبقى عليك قلبك؟ # غادرت البيت يا مليكتي، غادرت المدينة، # خرجت إلى الساحات والطرقات ككاهن طرده إلهه، # وراح يمشي تائها في العراء، # كيف طاوعك قلبك أن تقفي عند البوابة العظيمة وتخاصمي ~~المدينة؟ # كيف تقدرين على الجلوس هناك في انتظار البرابرة القادمين؟ # هل يرضيك أن تذبح الأرملة واليتيم والضعيف والفقير؟ # هل يرضيك أن يخطفوا الزوجة من زوجها والابنة من أبيها؟ # ننجال أيتها الأم والمليكة، # عودي كثور لإسطبلك، # كشاة لحظيرتك، # كطفل صغير لحجرة نومك. # أيتها العذراء، عودي إلى بيتك! # يا راعية العدل، عودي إلى بيتك وارفعي الميزان. # وفجأة يا ننجال وأنت غارقة في رؤياك، # فجأة وأنت تنتظرين البرابرة وزحف الإعصار والطوفان، # فجأة يجلجل صوت صارخ كأنه صوت إلهك إنليل: # طاردي السيئين والأشرار! # طهري أور من اللصوص والأوغاد! عودي أيتها الشاردة إلى قصرك! # عودي أيتها العذراء إلى بيتك! # ورأيت جموعا تتزاحم مقتربة كالأمواج الهادرة. وعندما اقتربت من ~~البوابة العظيمة لمحت على رأسها وجها أعرفه. كان هو وجه مرضعتي ~~ومربيتي العجوز. أعرف هذا الوجه الطيب الحبيب، بل أوشك في همي وحزني ~~ألا أعرف سواه أو أثق بسواه. لكن ماذا تحمل في يدها المرتفعة فوق زحام ~~الحشود كالعلم الخفاق؟ ms111 كان في يدها السيف والتاج والصولجان. تلمع ~~في وهج الشمس الساطعة كأنها شموس وكواكب صغيرة. وتردد الصياح ~~الحاد ودوى كالرعود. # ننجال! عودي إلى مدينتك، # مليكتي! عودي إلى أور، # إن كان اللصوص والأوغاد في كل مكان، # إن كان هذا هو غضب إنليل، # ونذيره بالسيل الماحق والطوفان، # فها هو صوت إنليل راعي العدل والأمانة والأمان، # يرتفع من قلب اليتيم الفقير والعامل والزارع والكاتب المهان! # يعلو في أذنيك ويعلو ويصيح: # عودي يا ننجال! # عودي يا ننجال! # باسم الحقل وباسم السنبلة الخضراء، # باسم المحراث وباسم المركب والمجداف، # باسم الأشجار وباسم الأسوار، # باسم الماضين وباسم الآتين، # عودي يا ننجال إلى أور، وردي أور إلى أور، # خذيها من فك الأفعى والتنين، # وأعطيها للطفل الضاحك للمستقبل، # ولكل شريف وأمين عودي يا ننجال! # ها هو سيفك، تاجك، # مدي يدك ليضع الشعب الحكمة فيها والميزان! # عودي يا ننجال إلى أور، # قولي معنا: لن تسقط أور! # لا لا لا، لن تسقط أور! # قمت مذعورة من مكاني كأني حيوان ضرب على رأسه أو قطع لسانه بسيف ~~المفاجأة. زاغت عيناي ولم أفهم شيئا مما يدور حولي، وانحسرت ظلمات ~~الرؤيا شيئا فشيئا وتسللت أشعة الضوء إلى صدري ورأسي وعيني، ~~ففتحتهما على الطوفان الهادر من حولي، والإعصار المدوي في ~~سمعي. # وامتدت يداي إلى يد مربيتي لتستقبل الحب ومعه التاج والسيف ~~والصولجان والميزان. وقبل أن ينفتح فمي ويخرج منه الصوت الغاضب ~~كالإعصار شعرت بجسدي محمولا فوق الطوفان. # شكرا يا إنليل! هذا هو إعصارك والطوفان. ولا بد أنني قد نطقت وصحت ~~وصرخت؛ إذ راح الصوت يهدر ويزمجر ويزحف مع الموكب الزاحف على ~~أور: # لا لا لا، لن تسقط أور! # أبدا لن تسقط أور! # لن تسقط أور! ms112