######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.ShicrWaFikr.Hindawi52615163 #META# Tags: literature :: philosophy #META# ID: 52615163 #META# Title: شعر وفكر: دراسات في الأدب والفلسفة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # ثورة الشعر الحديث‏ # لم الشعراء في الزمن الضنين؟‏ # بين الشعر والفلسفة‏ # جوته وعصره1‏ # حنين مبارك‏ # أمضي كل الأيام‏ ~~«أنجارتي» وغموض الشعر الحديث‏ # أربع قصائد1‏ # ذات ليلة ... في الزمان‏ # كف نفسك‏ # ليوناردو ... والفلاسفة1‏ # ما التنوير؟‏ # الإجابة على سؤال: ما هو التنوير؟‏ # إلى أين يسير العالم؟‏ # خواطر عن مصر‏ # هذه الخواطر ...‏ # للصادقين أنعاك‏ # الله والفتوات والعلم‏ # العالم والتاريخ والأسطورة1‏ # شهادة1‏ # وحوار ...1‏ # تقديم‏ # ثورة الشعر الحديث‏ # لم الشعراء في الزمن الضنين؟‏ # بين الشعر والفلسفة‏ # جوته وعصره1‏ # حنين مبارك‏ # أمضي كل الأيام‏ ~~«أنجارتي» وغموض الشعر الحديث‏ # أربع قصائد1‏ # ذات ليلة ... في الزمان‏ # كف نفسك‏ # ليوناردو ... والفلاسفة1‏ # ما التنوير؟‏ # الإجابة على سؤال: ما هو التنوير؟‏ # إلى أين يسير العالم؟‏ # خواطر عن مصر‏ # هذه الخواطر ...‏ # للصادقين أنعاك‏ # الله والفتوات والعلم‏ # العالم والتاريخ والأسطورة1‏ # شهادة1‏ # وحوار ...1‏ # | شعر وفكر # | شعر وفكر # | دراسات في الأدب والفلسفة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تقديم # بعد عشرين عاما ينضم هذا الكتاب إلى شقيقيه السابقين اللذين ظهرا للنور ~~سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين، وهما «البلد البعيد» و«مدرسة الحكمة»، وهو يضيف ~~إلى تجاربهما الثلاثين في الأدب والفلسفة على الترتيب عشرين تجربة أخرى في ~~الشعر والفكر. وإذا كان الكتابان المذكوران قد قدما تجارب مختلفة كابدها ~~المؤلف مع شخصيات وأعمال ومواقف متنوعة لعدد من الأدباء والفلاسفة صدرت كلها ~~عن تشابك الفكر والعاطفة، والفلسفة والفن، كما حاولت أن تبين للقارئ أن ~~التذوق والتأمل كليهما لا يستغنيان عن الحب والتعاطف والمشاركة، دون أدنى ~~تفريط فيما يقتضيه منهج البحث من أمانة ودقة واستقصاء، فإن هذا الكتاب الذي ~~يواصل الرحلة نفسها يحاول أن يجمع الطرفين في مركب واحد، ويخاطر بدخول تلك ~~الأرض الحرام التي تشف فيها الحدود التقليدية بين الشعر والفكر، لتنفذ في ~~النهاية إلى ما يمكن وصفه بشعر الفكر وفكر الشعر. ولهذا جاء عنوان الكتاب ~~تعبيرا عن اللحن الأساسي الذي لم يتوقف صاحبه عن ترديده والتنويع عليه، كما ~~عبرت المقالات أو بالأحرى المحاولات المختلفة التي يضمها بين دفتيه عن تلك ~~التجربة المحورية بطرق مباشرة أو غير مباشرة. # سيلاحظ القارئ ms001 المتعاطف مع إنتاجي السابق أن بعض المحاولات في هذا الكتاب ~~قد تطورت خلال العشرين سنة الماضية، وتبلورت في كتب كاملة. ف «ثورة الشعر ~~الحديث» كانت إرهاصا بالكتاب الكبير الذي يحمل نفس العنوان (ظهر جزآه الأول ~~والثاني عن هيئة الكتاب في سنتي 1972م، 1974م)، «ولم الشعراء في الزمن ~~الضنين؟» كانت مقدمة أولية لكتاب عن «هلدرلين» شاعر الغربة والاغتراب (صدر ~~سنة 1974م عن دار المعارف)، «وجوته وعصره» ثمرة لقاء حميم مع شاعر الألمان ~~الأكبر الذي سبق أن عشت مع ديوانه الشرقي في «النور والفراشة» (1979م)، ~~وترجمت بعض روائعه كالحكاية والأقصوصة (1966م)، ومسرحية توركواتو تاسو ~~(1967م)، وكتبت العديد من المقالات عن أشعاره ورواياته. فإذا اتجه القارئ إلى ~~الفكر والمقالات والدراسات التي تناولته، وجد أنها محاولات مع روح الشكل - إن ~~صح هذا التعبير - ومجاهدات لتحقيق التزاوج العسير بين الفكر والفن، بحيث يلتف ~~الفكر في غلالة الفن، وينهل الفن من نبع الفكر. # وكل هذا يعبر كما قلت عن اقتناع أكدته تجربة حياتي وعملي العقلي ~~والوجداني، سواء في الفلسفة التي أعيش من تدريس تاريخها منذ ما يقرب من ربع ~~القرن، أو في الأدب الذي بدأت طريقي فيه بكتابة القصة القصيرة والمسرحية ~~والمقالة، وما زلت أكافح للاستمرار في السير عليه على الرغم من كل المرارات ~~والمعوقات. # ولقد ازداد ميلي في السنوات الأخيرة إلى الاعتقاد بأن الفيلسوف يمكن أن ~~يكون في صميمه فنانا وأديبا انتزع الفكرة المجردة من إطارها المحسوس، وقنع ~~بالنواة الجافة دون الثمرة الحية، وأن الفنان والأديب في حقيقته فيلسوف كسا ~~الفكرة بالصورة الحسية وأحياها بالعاطفة الجياشة. لست أريد من ذلك أن أخلط ~~بينهما، فلكل طريقته ورؤيته ومنهجه بطبيعة الحال، ولن يرضى الفيلسوف أن ~~نجعله شاعرا أو أديبا، كما لن يسعد الأديب والشاعر أن نحشره مع الفلاسفة في ~~نظام أو نسق فلسفي محدد، ولكن المقصود أن التفاعل بينهما عميق وأكيد، وإن يكن ~~غير مباشر وشديد التعقيد، وأنه قد آن الأوان لرفع الحواجز السميكة، وإزالة ~~الأسلاك الشائكة التي طالما فصلت بينهما (راجع المسألة من جوانبها المختلفة ~~في ms002 ليوناردو والفلاسفة وبين الشعر والفلسفة، وتأمل كذلك بعض جوانبها في ~~الدراستين المترجمتين اللتين تعالج إحداهما قضية العلم والعلمانية في واحدة ~~من أخطر الروايات العربية الحديثة، وقضية الرؤية وتعلمها من المنهج ~~الظاهرياتي والفلسفة الفينومينولوجية عند مؤسسها هسرل). # والواقع أن الأمر - فيما يخصني على الأقل - لم يكن محاولة لجعل الفكر ~~شاعريا أو وضع الشعر في قوالب الفكر. لقد كان في الحقيقة أبعد ما يكون عن ~~التعمد والقصد؛ لأنه ظل على الدوام نزعة تلقائية تحكمها عوامل التكوين والطبع ~~والمزاج بجوانبها البيولوجية والثقافية ... ومحاولاتي في الكتابة الفلسفية عن ~~أفلاطون على سبيل المثال في صورة الخاطرة الشاعرية، أو عن الحكماء السبعة في ~~صورة لوحات درامية، بجانب محاولات أخرى في كتابة الخاطرة والمقالة الفنية ~~والقصة والمسرحية والبكائية، قد لا تعبر فحسب عن الصراع الذي عانيته، وما زلت ~~أعانيه بين الفلسفة والشعر، وبين العلم والإبداع، بل ربما تجاوزت ذلك إلى ~~محاولة التجريب في الشكل وتأصيله، ومواصلة المحاولة التي بدأها روادنا ~~الإحيائيون لمد الجسور بين جذورنا التراثية التي نتشبث بها والتجارب العالمية ~~التي نحرص على استيعابها والإفادة منها. ولذلك فإن المحاولات التي تطل عليها ~~اليوم - مهما يكن الرأي في جدواها وفي قدرتها أو عجزها عن التغيير والتأثير - ~~هي في الواقع جزء لا يتجزأ من محاولات جيل أتشرف بالانتماء إليه، جيل أخلص ~~الجهد في هذه المواجهة الحضارية المستمرة، وسواء لقي الجحود والنكران، أو حظي ~~في حياته أو بعد موته بشيء من العرفان والتقدير، فالأهم من ذلك في ميزان ~~الحقيقة الحرة المنصفة أنه أخلص وصدق، وحاول أن يتقن عمله قبل كل شيء، ويجود ~~بالعطاء دون أن ينتظر الجزاء. # إن الكاتب يقدم شهادته على الحقيقة بقدر ما يسعه من الجهد، وفي هذا ~~الكتاب شهادة واعتراف، ستشعر بهما خصوصا في الحوار والشهادة اللذين رأيت من ~~واجبي ومن حق التاريخ أن أضيفهما للكتاب. وإذا كانت هذه الشهادة لا تخلو من ~~الأسى والحسرة على جدوى الكلمة التي لم تتحول بعد إلى فعل قادر على التغيير، ~~ولم تجد حيلة - أمام سقوط القيم وظواهر الانهيار والانتحار ms003 الحضاري التي لم ~~تعد خافية على أحد - سوى أن تلجأ إلى الهمس والمناجاة، فإنها لا تركن لليأس، ~~ولا تعدم الإصرار على الأمل في تجاوز الواقع المشوه السائد إلى واقع آخر ~~ممكن، ولا بد من المغامرة والتجريب لتحقيقه. وهذا الكتاب بتجاربه المتواضعة ~~يشارك في السعي لتحقيق الأمل المشترك. # وهل الحياة والفن والأدب والعلم في النهاية إلا تجارب ومحاولات؟ # القاهرة في أغسطس 1987م، عبد الغفار مكاوي # | ثورة الشعر الحديث # ملامح وخطوط # 1 # قصيدة الشعر كائن لغوي حي، يدين لصاحبه بالوجود، كما يدين للعصر الذي عاش ~~فيه، والجو الفكري والحضاري الذي تنفس هواءه. والعصر الحديث بالمعنى الواسع ~~لهذه الكلمة قد بدأ مع بداية الثورة الصناعية باكتشاف القوى البخارية ~~والمائية، ثم مضى الإنسان في صراعه المستمر للانتصار على الطبيعة، واستغلالها ~~وتجريدها من أسرارها وألغازها، حتى وصل به إلى قمة القلق على حياته ومصيره مع ~~اكتشاف الطاقة الذرية، وسباقه على غزو الفضاء. # ولقد تغيرت نظرة الإنسان إلى الطبيعة كما تغيرت نظرته إلى نفسه وإلى ~~المجتمع البشري في خلال القرنين الأخيرين تغيرات كبيرة صاحبت ثوراته الصناعية ~~والاجتماعية والدينية والعقلية، أو تأثرت بها ونتجت عنها، وانعكست بالضرورة ~~على وجدان الشاعر، وظهرت في تعبيره الفني فيما يمكن أن نسميه بثورة الشعر ~~الحديث أو بالأحرى ثوراته المتعددة. فحين كان الناس من حوله مشغولين بالواقع ~~الخارجي، وبالسيطرة على الطبيعة، وبناء المصانع، والمدن الحديثة، واستغلال ~~الأرض، وإنتاج المزيد من السلع، كان هو يقف من ذلك كله موقف المؤيد حينا ~~والمعارض في معظم الأحيان، فيمجد التغيير ~~السياسي والاجتماعي مرة، أو ينصرف إلى تأمل ذاته، واستكشاف عالمها الباطن ~~المستتر في اللاشعور أو الرمز أو الأسطورة مرات. وكل من ينظر إلى تطور الفكر ~~والحضارة في المائة والخمسين سنة الأخيرة لا بد أن يلاحظ مدى التغير الذي تم ~~في هذين المجالين في وقت واحد: في مجال المجتمع والطبيعة، وفي مجال النفس ~~والعالم الباطن. # وطبيعي أن هذا التطور في اكتشاف العالم الباطن قد سار في تيارات معقدة، ~~وأنه كان يختلف في أوروبا وأمريكا من حيث العصر ms004 والمزاج والحركة الأدبية التي ~~يرتبط بها هذا الشاعر أو ذاك، ولكن هذا التطور كان يتتابع في حلقات متتابعة ~~ينبع أحدها من الآخر. فالرومانتيكية كانت كامنة في الكلاسيكية التي أرادت أن ~~تبعث القديم وتطوره، والرمزية هي ذروة النضوج التي وصلت إليها الرومانتيكية ~~المزدهرة في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، والواقعية كانت رد فعل للرمزية على ~~اختلاف أشكالها واتجاهاتها. # ولقد كان الشاعر - الذي خلع عن نفسه صفة الناظم إلى الأبد - يحاول في ~~أثناء هذا كله أن يكتشف مجاهل عالمه الباطن كما يكتشف لغته ويعيد بناءها ~~لتكون قادرة على الإيحاء بعالمه الجديد. صحيح أن هذه التيارات والمدارس التي ~~ذكرتها تختلف فيما بينها باختلاف البلاد وطبائع الأفراد، كما أن لكل منها ~~خصائصه المعقدة المتمايزة وشعراءه المختلفين عن بعضهم أشد الاختلاف، إلا أننا ~~نستطيع أن نقول بوجه عام إن حركة اكتشاف الواقع الخارجي التي كادت تصل إلى ~~نهايتها - على الأقل من ناحية السطح والظاهر - لم تستطع في مجال الواقع ~~الداخلي أن تنتهي من اكتشاف عالم الباطن أو «أفريقيا الباطنة» كما يسميها أحد ~~الكتاب، بل لعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن كل المحاولات والمغامرات ~~الجريئة التي يقوم بها الشعراء منذ قرن ونصف قرن لم تزد «أفريقياهم» هذه إلا ~~سوادا وكثافة، في الوقت الذي فرغ فيه زملاؤهم الجغرافيون من زمن طويل من ~~اكتشاف أفريقيا، حتى لم يعد أحد يجرؤ اليوم على تسميتها بالقارة ~~السوداء. # إن الصورة العامة للشعر الحديث والمعاصر صورة محيرة، ولن يقربنا منها سوى ~~الرجوع إلى الأصول التي مهدت لها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ~~وإلقاء نظرة على ملامحها الفردية عند بعض من يمثلونها أصدق تمثيل. ولما كان ~~هذا شيئا يتجاوز حدود هذا المقال، فليس أمامنا إلا تقديم بعض الملامح ~~والخطوط العريضة لما سميناه ثورة الشعر الحديث. # نشأ الأسلوب الشعري الذي يسيطر اليوم على القرن العشرين في فرنسا لا في ~~أي بلد آخر، وكان ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولقد مهد له ~~الشاعر الكبير بودلير (1821-1867م)، بعد أن ظهرت بوادره عند ms005 شاعر ~~الرومانتيكية الألمانية نوفاليس (1772-1801م)، والشاعر الكاتب الأمريكي إدجار ~~آلان بو (1809-1849م)، حتى وصل الشاعران رامبو (1854-1891م) ومالارميه ~~(1842-1898م) إلى أبعد الحدود التي يمكن أن يصل إليها الشعر. # والواقع أن الشعر في القرن العشرين يبدو كأنه لم يعد يأتي بجديد. وليس في ~~هذا القول ما يغض من قيمته، أو يقلل من شأن الشعراء المجيدين فيه، ولكنه يتيح ~~لنا التعرف على وحدة الأسلوب التي تربطه بأولئك الرواد العظام. ووحدة الأسلوب ~~التي نقصدها لا تعني الاطراد ولا الملل، ولكنها تدلنا على الروح العامة التي ~~تجمع بين الشعراء على اختلافهم في اللون والموضوع والأداء. فنحن لا نستطيع ~~مثلا أن نتحدث عن وحدة الأسلوب عند شاعرين مثل لامارتين وسان - جون - بيرس ~~في اللغة الفرنسية، أو ليوباردي وأنجارتي في الإيطالية، أو جوته وجوتفريد بن ~~في الألمانية، أو شوقي وأدونيس في العربية، ولكننا نستطيع أن نتحدث عن شعراء ~~مثل رلكه وألبرتي وإليوت ورينيه شلر، على ما بينهم من اختلاف في النشأة ~~والنظرة والأصالة والمزاج. والمهم هو أن نعرف أن الظواهر التي رأت النور في ~~القرن الماضي ما زالت تؤثر على الحياة الشعرية حتى اليوم. وسواء تبين لنا أن ~~شاعرا من الشعراء قد تأثر بسلفه أو لم يتأثر، فإن ذلك لن يعفينا من التسليم ~~بحقيقة مهمة تسري على الشعر سريانها على سائر الفنون، ألا وهي أن لكل عصر ~~روحه وأسلوبه الملزم، وأن هناك نهجا في الرؤية والإحساس والأداء لا يزال ~~يسود الشعر الأوروبي منذ أكثر من مائة عام. ولا يصح أن ننخدع بكثرة المدارس ~~والبرامج الأدبية التي ظهرت في أقل من قرن من الزمان، فقد لا يكون هذا التنوع ~~الهائل سوى نوع من خداع البصر، يبين مدى خصوبة الشعر الحديث، وتعدد الفروق ~~والظلال فيه، ولكن لا يجوز أن يحجب عنا وحدة الروح العامة التي تسوده ~~وتتغلغل فيه. # إن من يتصفح بعض المراجع في تاريخ الأدب يجدها تتحدث عن الرمزية، وتكاد ~~تتفق على تحديد نهايتها بسنة 1900، ولكن هل انقطع تأثير أقطابها - وفي ~~مقدمتهم مالارميه - على شعراء متأخرين مثل ms006 فاليري وجوين وأنجارتي وإليوت؟ وهل ~~انقطع سيل المدارس و«المودات» الأدبية في الشعر أو في غيره من الفنون من ~~دادية ومستقبلية وتعبيرية وسيريالية وحديثة وما وراء الحديثة ... إلخ؟ القارئ ~~يعرف الجواب، فلنحاول أن ننظر معا في بعض الملامح والخطوط العامة في هذه ~~الصورة المحيرة التي يقدمها لنا الشعر الحديث. # 1 # ليس من العسير أن نضع أيدينا على ~~اتجاهين رئيسيين في بناء الشعر الحديث سار فيهما رامبو ومالارميه في القرن ~~الماضي. فهناك إن شئنا التبسيط ما يمكن تسميته بالشعر المتحرر من الشكل أو ~~الشعر غير المنطقي في جانب، وهناك الشعر العقلي الملتزم بالشكل المحكم ~~الدقيق في جانب آخر. أما هذا الاتجاه الأخير، فيعبر عنه فاليري ~~(1871-1945م) في سنة 1929 بقوله: «إن القصيدة ينبغي أن تكون عيدا من أعياد ~~العقل.» وأما الاتجاه الآخر المضاد، فيعبر عنه رائد المدرسة السيريالية ~~أندريه بريتون (1886-1967م) حين يقول: «ينبغي أن تكون القصيدة حطام العقل.» ~~أو حين يقول: «إن الكمال هو الكسل.» # ووجود هذه الأضداد في شعر القرن العشرين شيء يرتبط بصورته العامة. فليس ~~الأمر مجرد خلاف بين حزبين متعارضين، بل هو تعبير عن قطبين يدور حولهما ~~الشعر الحديث كله، وقد يمثلان صراعا تدور رحاه في وجدان الشاعر الواحد بين ~~العقل والفوضى، والنظام والحلم، والتجريد والهلوسة. وعلى الرغم من اختلاف ~~النموذجين فهما يؤكدان مشاركتهما في وحدة البناء العام التي تميز الشعر ~~الحديث. فالشعر العقلي والشعر غير المنطقي يشتركان في بعدهما عن العاطفية ~~المسرفة، وزهدهما في قابلية الفهم، وتخليهما عن الشيئية المعتادة، ~~وإيثارهما للإيحاء، واستثارة الخيال، وجعلهما من القصيدة كيانا مستقلا ~~بنفسه، يكمن مضمونه في لغته الحرة وخياله الطليق ولعبه بالأحلام لا في ~~محاولة «نسخ» العالم أو «التعبير» عن العواطف. وكل هذه أشياء تصدم القارئ ~~العربي وتحيره؛ لأنه اعتاد من الشعر أن يصور ويعبر، ولكن لا بد له من ~~تقبلها وتعويد نفسه عليها إذا أراد أن يجد طريقه إلى الشعر والفن التشكيلي ~~والموسيقى الحديثة. ~~(2) البحث عن لغة جديدة # كان من الطبيعي أن تكون لغة الشعر الجديد لغة جديدة، فتفسير ms007 قصيدة من ~~هذا الشعر يحتاج منا أن نقف عند أسلوبها في الأداء أطول بكثير من الوقوف ~~عند موضوعها أو مضمونها أو الباعث عليها. كان في استطاعة الناقد فيما مضى ~~أن يبين للقارئ مضمون القصيدة من الشعر القديم. وكان ذلك أمرا ممكنا ~~ومقبولا ومفيدا؛ إذ كان هدف الناقد والشاعر أن يخطبا ود القارئ، ويمهدا ~~له طريق الإحساس بقصيدة كتبت بلغة تخدم نظام حياته الطبيعية. غير أن الأمر ~~مع الشعر الحديث يختلف عن ذلك اختلافا كبيرا. فليس من الممكن أن نفهم ~~قصيدة من شعر إليوت أو سان - جون - بيرس أو أنجارتي من مضمونها، وإن كانت ~~لا تخلو بالطبع من مضمون أو مجموعة من المعاني المتصلة بعالم هذا الشاعر أو ~~ذاك. فأسلوب الأداء هو المظهر اللغوي المباشر للتحول الذي طرأ على الواقع ~~والمألوف في هذا الشعر. لقد اختل التوازن القديم بين مضمون العبارة وأسلوب ~~أدائها، وأصبح الأسلوب الجديد بما فيه من تنافر وتضاد وإغراب وقلق وتقطع ~~وفجوات هو الذي يلفت الانتباه قبل كل شيء سواه. فنحن لا نستطيع الآن كما ~~كان الحال قديما أن نشغل أنفسنا بمضمون القصيدة عن الأسلوب الذي تم به ~~التعبير عن هذا المضمون؛ لأن التباين بين أسلوب التعبير والشيء المعبر عنه ~~قد أصبح من أهم قوانين الشعر الحديث. هذا الأسلوب المتنافر الشاذ قد زاد ~~ثقله في القصيدة، حتى كاد يجرد الموضوعات التي يلمسها من أهميتها، بل من ~~وجودها نفسه. فالقصيدة تتحاشى الاعتراف «بموضوعية» العالم الواقع خارج ~~الذات أو داخلها، وإذا تناولت بعض بقايا هذا العالم الموضوعي الخارجي، فهي ~~إنما تستخدمها أداة لتحريك المخيلة ودفع طاقتها على التحوير والتبديل. وليس ~~معنى هذا أن الشعر الحديث يقصر نفسه على موضوعات قليلة أو عديمة الشأن، كما ~~فعل مالارميه مثلا. وحتى إذا حدث هذا، فلا يمنع أن تكون هناك قصائد تزدحم ~~بالموضوعات والأشياء تخضع الآن لتركيبة جديدة وأسلوب جديد في الرؤية ~~والأداء، وأنها قد أصبحت مادة تتحكم فيها طاقة الذات الشاعرة، وقدرتها على ~~التخيل، وفقدت كثيرا جدا من «موضوعيتها وشيئيتها». ولو لم يكن ms008 الأمر ~~كذلك لما استطاع الشاعر الحديث أن يؤلف بين أشياء لا تآلف بينها في الواقع ~~والطبيعة، ويرمز إلى أشياء لا يتطابق فيها الرمز والمرموز إليه ، ويشبه بين ~~أمور لا وجه للتشابه بينها على الإطلاق. # أسلوب الشاعر الجديد إذن يأبى على المضمون أن يكون له وجود متماسك ~~وقيمة في ذاته. إنه لا يكف عن البحث عن اللغة الجديدة. إنه يريد كما يقول ~~أبوللينير (1880-1918م)، لغة جديدة لا يدري النحويون عنها شيئا، ولكن كيف ~~ستبدو هذه اللغة المفاجئة الناشزة؟ # يقول «أراجون» (1897-1942م) في مقدمة ديوانه «عيون إلزا»: إن الشعر لا ~~وجود له إلا بفضل الخلق الجديد المستمر للغة، وذلك بتحطيم النسق اللغوي، ~~وتكسير قواعده، وتغيير ترتيبه المعتاد في الكلام. والشاعر «ييتس» يقول: ~~«ليست لي لغة، فكل ما أملكه لا يزيد عن مجموعة من الصور والتشبيهات ~~والرموز.» وفي قصيدة «إليوت» المشهورة «أربعاء الرماد» نجد هذا البيت ~~الغريب: «لغة بلا كلمة، وكلمة بلا لغة». ~~وسان - جون - بيرس يتحدث عن التركيب اللغوي لديه، فيشبهه بالبرق والصاعقة، ~~وكأنما يتفق هؤلاء الشعراء جميعا على أن هذه اللغة الجديدة لن تقوم لها ~~قائمة حتى تحطم اللغة القديمة وتكسر قواعدها المألوفة وتحل التنافر ~~والتعارض والغرابة محل التجانس والتناسق والنظام. # معنى هذا أن اللغة الجديدة ستصبح لغة مفاجئة للقارئ، لا بل معادية له. ~~ولقد ألح الشعراء والفنانون الجدد على كلمة الصدمة أو المفاجأة، حتى صارت ~~تعبيرا اصطلح عليه الفن الجديد من عهد بودلير. يؤيد هذا ما يقوله فاليري ~~من أن أي دراسة للفن الحديث في نصف القرن الأخير لا بد أن تبين كيف كانت ~~تثار مشكلة الصدمة كل خمس سنوات. وهو نفسه يعترف بأن شعر رامبو ومالارميه ~~قد أثرا عليه تأثير الصدمة المفاجئة عند قراءته لأول مرة. والسيرياليون ~~يتحدثون عن «الأذهال» الذي ينبغي أن يحدثه الشعر الجديد، ويذهب زعيمهم ~~«بريتون» إلى حد القول بأن الشعر إنما هو إعلان للتمرد والاحتجاج، كما يقول ~~سان - جون - بيرس (1887م) أن «ترف الشذوذ» هو أول مواد السلوك الأدبي. ~~وكأني بهذه اللغة الجديدة لم تحرص ms009 منذ عهد الرومانتيكية على شيء حرصها على ~~الاحتجاج، وكأنها لم تسع إلى شيء سعيها إلى زيادة الهوة التي تفصل بين ~~الشاعر وجمهوره، بحيث لا نغالي إذا قلنا إنها تحاول عن قصد أو غير قصد أن ~~تصدمه وتفاجئه وتعاديه؛ ذلك لأن الاهتمام بالأسلوب وحده قد أصبح هدفا في ~~ذاته، يختفي وراءه المعنى والموضوع والمضمون، ويستوي معه أن يتناول خلود ~~الروح، أو يصف حذاء قديما أو علبة صفيح فارغة. ~~(3) اللغة سحر وإيحاء # من خصائص الشعر الحديث أنه أصبح منذ عهد رامبو ومالارميه نوعا من ~~السحر اللغوي. وكثيرا ما تظهر فكرة الإيحاء في كتابات النقاد في القرن ~~العشرين في كلامهم عن التأثير الشعري. فبرجسون في كتابه «المعطيات المباشرة ~~للشعور» (1889م) قد جعل منه عنصرا أساسيا من نظريته في الفن، وكثير من ~~الرسامين والموسيقيين يحدثوننا عن أثره في إنتاجهم. والمقصود بالإيحاء هو ~~تلك اللحظة التي يطلق فيها الشعر «العقلي» طاقات وإشعاعات روحية يؤخذ ~~القارئ بسحرها، وإن لم يفهم منها شيئا. هذه الإشعاعات الإيحائية تأتي في ~~الغالب من الطاقات الحسية التي تزخر بها اللغة، أعني من الإيقاع والنغم ~~والصوت. وقد تأتي من تلك المعاني والدلالات التي توحي بها الكلمة أو تحدثها ~~مجموعة الترابطات الشاذة بين كلمات لا تجمع بينها صلة ظاهرة ولا مألوفة. ~~فمثل هذا الشعر الإيحائي الذي يعتمد على سحر اللغة يزيد من سلطان الكلمة ~~ويجعلها أصل الفعل البشري وأول أسبابه. إنه لا يعتبر العالم حقيقة واقعة؛ ~~لأن الكلمة وحدها هي الواقع بالنسبة إليه. ومن هنا نفهم ما يقوله بعض ~~الشعراء المحدثين - مثل ماكليش - من أن القصيدة لا تدل على شيء، بل توجد أو ~~تكون. ومعظم الشروح والتعليقات التي تقدم لما يسمى ب «الشعر المحض» تدور ~~حول هذه الفكرة. ويظهر أن المبدأ الشعري الذي قال به «إدجار ألن بو» قد ~~ثبتت صحته في حركة الشعر الجديد. فالشاعر الكاتب الأمريكي يرى أن يصمم ~~الشاعر قصيدته مبتدئا بقوة النغم الكامنة في اللغة والسابقة على المعنى، ~~فإذا تم له ذلك استطاع بعدئذ أن يضفي عليها المعنى الذي ms010 سيظل على الدوام ~~شيئا ثانويا. وقريب من هذا ما يقوله الشاعر الألماني «جوتفريد بن» من أن ~~القصيدة تكون قد تمت بالفعل قبل البدء فيها، ولكن الشاعر لا يكون قد عرف ~~نصه اللغوي بعد، ولعل شعر «بن» نفسه أن يكون من أصدق الأمثلة على أصالة ~~الكلمة، وسبق الصوت على المعنى. ولعل هذا المبدأ هو الذي مكنه من معالجة ~~أبعد الموضوعات عن الشعر، وجعلها مع ذلك شاعرية. # وفي شعر رامون خيمينيز (1881-1958م) وهنري ميشو (1899م) وتوماس إليوت ~~شواهد كثيرة على هذا التأثير السحري - بل المغناطيسي في بعض الأحيان - الذي ~~يأتي من نغم الألفاظ، أو من تكرار بعض الأبيات بشكل مستمر، أو من مجرد ~~اللعب بالمقاطع والألفاظ أو بداياتها، بحيث تخلق توافقات إيقاعية وتركيبات ~~موسيقية تنفذ مباشرة إلى الأذن، وإن لم تصل إلى العقل، وما ذلك إلا لأن هذا ~~الشعر يعتبر اللغة طاقة نغمية قبل كل شيء. ولا شك أن أبرز ممثليه من ~~الشعراء العقليين هما الشاعران فاليري الفرنسي وجوين الإسباني. ~~(4) شعر بلا منطق أو وراء المنطق # وعلى الطرف الآخر من هذا الشعر النابع من تراث مالارميه نجد ما يمكن أن ~~نسميه بالشعر اللامنطقي، شعر الهواجس والأحلام و«الهلوسات» الصادرة عن حياة ~~اللاشعور الباطنة. والشعراء الذين يمثلون هذه النزعة يتأثرون برامبو ~~ولوتريمو (1846-1870م) وعلوم الأسرار وكيمياء المعادن القديمة وكتابات ~~اليهود المعروفة بالقابالا. فشعرهم هو شعر الأحلام - بالمعنى النقي لهذه ~~الكلمة - سواء أكانت أحلاما ترى في النوم أم أحلام يقظة تصطنع بالعقاقير ~~والمخدرات. وذات الشاعر في هذا الحلم الشعري الذي يخلقه الخيال، أو يرى في ~~المنام ذات منسلخة عن الواقع تؤمن بأن الإنسان هو سيد العالم بفضل ملكة ~~الحلم التي وهبت له وحده. # فالشعر اللامنطقي يستفيد إذن، مثله في ذلك مثل الشعر العقلي، من قدرة ~~الإنسان على تخيل الصور غير الواقعية، ولكنه في حالتنا هذه يتلقى تلك الصور ~~من أعمق طبقات الحلم، ولا يتدخل في ترتيبها. إن الإنسان عند شعراء الحلم، ~~كما يقول بريتون، ليس وحشا ذهنيا، ولكنه - بفضل أبحاث فرويد ويونج - ~~كائن ينطوي على ms011 قوى مظلمة مجهولة تكمن في أعمق أعماق وجدانه. وتفسير «يونج» ~~للأدب بوجه عام، وللشعر بوجه خاص أنه ينشأ تحت تأثير «رؤى أولية» تعيش في ~~اللاشعور الجمعي، وما الشاعر إلا «الوسيط» الذي تتدفق خلاله هذه الرؤى. ~~وبذلك تكون عملية التشكيل الفني عملية ثانوية إلى جانب الاهتمام بهذا ~~العالم المعتم السحيق القدم. # ومن الطبيعي أن يكون لهذا تأثيره على السيرياليين ورائدهم الأول ~~أبوللينير. فقد كتب في سنة 1908م شعرا منثورا بعنوان «أونيرو كريتيك». ~~(عن عنوان الكتاب القديم الذي ألفه أوتيمدور في تفسير الأحلام) ولا بأس من ~~ذكر بعض سطور من هذا النص، اخترناها حيثما اتفق؛ لأن ذلك لن يغير من الأمر ~~شيئا. وسنجد أن أبوللينير يجمع صورا لا واقعية ونتفا من الأحداث التي ~~صفها إلى جانب بعضها بغير رابطة تجمع بينها، بحيث يستطيع القارئ أن يعيد ~~ترتيبها على نحو آخر. وإذا كانت هناك ثمة رابطة بين الصور والأحداث، فيمكن ~~أن نسميها «التحول اللامعقول» الذي يشبه ما يحدث في الأحلام. فالرأس تتحول ~~إلى لؤلؤ والأنغام تتحول إلى ثعابين. ولن تقابل إنسانا بمفرده في هذا ~~العالم، بل حشدا من الناس. وليست الصور وحدها قريبة من الأحلام، بل كذلك ~~طريقة التعبير. إنه عالم أحلام يزدحم بالجنون، والقبح، والجريمة: ~~«كانت قطع الفحم في المساء شديدة القرب مني، بحيث شعرت بالخوف من ~~رائحتها. تزوج حيوانان غير متكافئين، وأصبحت فروع الكروم عناقيد مثقلة ~~بصور الأقمار. من حلقوم القرد ارتفعت ألسنة اللهب، وزخرفت العالم ~~بالزنابق. الطغاة فرحوا. وأقبل عشرون خياطا أعمى. وقرب المساء طارت ~~الأشجار هاربة، وحولت نفسي إلى مائة شخص. القطيع الذي كنته سقته إلى ~~البحر. السيف أطفأ ظمئي. مائة ملاح قتلوني تسعا وتسعين مرة. وشعب كامل ~~ضغطوه في المعاصر، راح ينزف دما وهو يغني. ظلال غير متساوية نشرت ~~السواد بمحبة على حمى الأشرعة القرمزية، بينما تكاثرت عيوني في ~~الأنهار، في المدن وفوق ثلوج الجبال.» # ومع أن السرياليين قد توالى إنتاجهم منذ العشرينيات من هذا القرن، فإن ~~برامجهم تستحق الاهتمام أكثر بكثير من إنتاجهم. فلقد دأبوا منذ عهد ms012 «رامبو» ~~على تأكيد لون من ألوان الإبداع في الشعر حشدوا في سبيله لغة أقرب ما تكون ~~إلى لغة الحلم. ففي رأيهم أن في مقدور الإنسان الذي يتخبط في ظلام اللاشعور ~~أن يمد تجربته الفنية بلا حد، وأن مرضى العقول يستطيعون أن يبنوا لأنفسهم ~~عالما فوق الواقع لا يقل «عبقرية» عن عالم الأدب والشعر، وأن اللاشعور هو ~~الذي يوحي بالشعر والأدب دون التقيد بقيد ولا شكل. تلك هي بعض مواد هذا ~~البرنامج الغريب الطموح. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن السرياليين يخلطون فيه ~~بين التقيؤ والتفنن، وبين الإفزاع والإبداع. ولا يستطيع منصف أن يذكر لهم ~~شعرا عظيما، وإن ذكر لهم برامجهم ونظرياتهم الجديدة الجريئة. وحتى ~~الشعراء الكبار الذين يحسبون عادة من السيرياليين، مثل أراجون (1897م-...) ~~وإلوار (1895-1952م)، لا يدينون بشعرهم لبرامج السيرياليين، بل لذلك ~~الأسلوب العام الذي شاع في عالم الأدب منذ عهد رامبو، وجعل الشعر لغة ~~الأحلام والصور المجردة عن المنطق والمعقول. إن كل ما يذكره الناقد للحركة ~~السيريالية هو أنها كانت نتيجة لا سببا، وأنها شكل واحد من أشكال عديدة ~~تعبر عن شوق الإنسان الحديث إلى الأسرار والألغاز. وقد يشفع لشطحاتهم أن ~~نذكر على كل حال أن الشعر الحديث في أوروبا ما يزال يغوص في غياهب الأحلام، ~~وكأن الشعراء يصرون على أن ينطبق عليهم هذا الوصف الذي يشهر بهم ويمجدهم في ~~آن واحد، فيصورهم كالسائرين نياما. ~~(5) بين الحداثة والتراث # إذا كان الشعر الحديث يحطم القديم، فهل معنى هذا أنه يقطع صلته ~~بالتراث؟ وهل يستطيع شاعر أن يستغني عن التراث، فيكون كالسمكة التي خرجت من ~~الماء؟ ثم ما هو موقفه من عالم التجربة والعلم والتصنيع والتخطيط والمحن ~~الجماعية، وإلى أي حد يرفعه أو يتأثر به؟! # لقد اهتم الشعراء منذ عهد بودلير بهذا الوجه الجديد المزعج من المدينة ~~والتكنيك الحديث، وكان لهذا الاهتمام جانبه السلبي والإيجابي. فأبوللينير ~~يدخل عالم الآلة الواقعي مع أغرب أحلام العبث والمحال في نسيج واحد. وتصبح ~~الآلة في يديه شيئا سحريا، بل قد تحل عليها البركات، وتقدم ms013 إليها ~~القرابين. إنه في قصيدته «منطقة» (1913م) يضع قاعات المطار والكنائس في ~~منزلة واحدة، ويجعل المسيح «الطيار الأول» الذي يضرب أعلى رقم قياسي. ونجد ~~مثل هذا في قصيدة جاك بريفير (1900م-...) «الصراع مع الملاك» (1949م)، حيث ~~نرى هذا الصراع يدور في حلبة المغنيسيوم كما نرى الإنسان يسقط صريعا فوق ~~نشارة الخشب: # لا تذهب إلى هناك، # كل شيء قد رتب من قبل، # اللعبة زيفت. # وعندما يظهر في الحلبة، # تحيطه هالة من المغنيسيوم، # عندئذ ستدوي أصواتهم: ~~«حمدا لله.» # وقبل أن تنهض من مقعدك # سيدقون لك جميع الأجراس، # سيقذفون في وجهك # بالإسفنجة المقدسة، # ولن تجد الوقت للتشبث بريشة، # سيلقون بأنفسهم عليك، # وسوف يصيبك تحت الحزام، # وعندئذ تنهار # وذراعاك مصلوبتان في غباء # في نشارة الخشب، # ولن تقوى أبدا على الحب. # ولكن يبدو أن الشعر الجديد قد تأثر بهذا العالم الصناعي ~~الجديد تأثرا مزدوجا. فالحياة الآلية التي نحياها، والمعيشة في المدن ~~الكبيرة المزدحمة يمكن أن تفتن الإنسان أو تعذبه، ويمكن أن تثير في نفسه ~~إحساسات جديدة أو تملأها بالخراب والضياع. # إن الشعر الحديث يعبر عن عذاب الإنسان وضياع حريته في عالم تتحكم فيه ~~الآلات والساعات والمشروعات الكبرى، وتفجعه الحروب والكوارث التي لا تنقطع، ~~وتحيله في ظل الثورة الصناعية المتجددة إلى كائن صغير ضئيل. إن أجهزته ~~وآلاته تشهد على قوته وضعفه، وتتوجه وتخلعه عن العرش. ولا شك أن هناك صلة ~~قوية بين هذه التجارب التي يعانيها الإنسان وبين بعض خصائص الشعر الحديث. ~~فالانطلاق إلى عالم اللاواقع، والبعد بالخيال الجامح عن كل ما هو مألوف، ~~والشغف بالرموز والأسرار الخفية، و«تعقيل» اللغة إلى أقصى حد يمكن أن تكون ~~كلها محاولات من جانب النفس الحديثة للمحافظة على حريتها في مواجهة عالم ~~يتحكم فيه المال والآلة، وإنقاذ سر العالم ومعجزة الخلق في زمن يلهث وراء ~~السرعة والمنفعة. # ولكن إذا كان الشعر يعلن احتجاجه على هذا العصر، فهو من ناحية أخرى ~~يتأثر به وينطبع بطابعه. فالشاعر الحديث ميال إلى التجريب والمحاولة، ~~دقيق في صنعته دقة العالم في معمله، والرياضي مع رموزه ms014 وأرقامه، متأثر بروح ~~العصر في صلابته وبروده وقسوته. إنه يشكل تلك القصيدة المركبة التي تمتزج ~~فيها الصور الشعرية القديمة - كالنجوم والبحار والرياح - بصور الحضارة ~~الآلية واصطلاحات العلماء المتخصصين. فشاعر مثل «جوفيه» يقول في إحدى ~~قصائده: «أرى بقعة غليظة من زيت الآلة، وأتفكر طويلا في دم أمي». وشاعر ~~آخر مثل «كاردريللي» يشبه ساعة الموت بلحظات الانتظار تحت ساعة المحطة، حيث ~~يحصي الإنسان الدقائق والثواني. وأشعار إليوت وبن وسان - جون - بيرس تزدحم ~~بالتفاصيل العملية والفنية، ومع ذلك تظل محتفظة بصدقها وشاعريتها. على أننا ~~إذا كنا نلاحظ هذا كله، ونقرر وجوده، فلا ينبغي أن نتجاهل خطره. فقد تؤدي ~~المبالغة في هذا الاتجاه - وبخاصة لدى شعراء لا يملكون الموهبة الكافية ~~والثقافة الحقة، والقدرة على الرؤية الشاملة - إلى أن يقضي الشعر على نفسه ~~بنفسه، ويستسلم لهذه النزعة العامة المدمرة التي تزداد ضراوة كل يوم، وكأن ~~الإنسان لا يسعى إلى شيء كما يسعى إلى تفجير الكرة الأرضية في ~~الهواء. # مهما يكن الأمر، فإنه إذا كان الشاعر الحديث قد قطع صلته بالتراث، فقد ~~فتح قلبه وعقله على جميع الآداب والديانات، وراح يغوص في أعماق النفس ~~البشرية، ويلتقط الصور والرموز السحرية والأسطورية التي عرفتها مختلف ~~الشعوب في آسيا وأفريقيا وأوروبا. ونحن نلاحظ هذا بالفعل في أشعار «رامبو» ~~قبل أن يكتشف «فرويد» اللاشعور أو يكتب «يونج» نظرياته عن اللاشعور الجمعي ~~أو النماذج الرئيسية. # وهناك عديد من النصوص في الشعر الحديث تتردد فيها أصداء أسطورية وشعبية ~~من كافة الأمم والعصور. فشعر سان - جون - بيرس مثلا يزدحم بإشارات عديدة ~~إلى الرسم القديم، والأساطير الغابرة، وأماكن العبادة عند مختلف الشعوب، ~~و«وازارا باوند» يورد في قصائده نصوصا من الشعر البروفنسالي والإيطالي ~~والإغريقي والصيني والمصري القديم (برسومها الأصلية في بعض الأحيان). ~~وقصيدة إليوت المشهورة «الأرض الخراب» تقتبس من مرجع كبير عن الشعوب ~~البدائية كالغصن الذهبي لفريزر، كما تستفيد من الكتاب المقدس والأوبا ~~نيشاد، وتورد نصوصا عديدة من أشعار بودلير ومالارميه وشيكسبير وأوفيد ~~ودانتي وكتابات القديس أوغسطين. ويحس الشاعر فيما يبدو كأن قصيدته قد أصبحت ms015 ~~كالدغل الكثيف، فيتولى التعليق عليها بنفسه. ويصبح هذا تقليدا يحتذيه شاعر ~~إيطالي مثل «مونتاله» أو إسباني مثل «دييجو». # ولكن لا يصح أن تخدعنا هذه الاقتباسات العديدة من النصوص القديمة. فهي ~~لا تدل على ارتباط حقيقي بالتراث، ولا بعصر من العصور الماضية. إن الشاعر ~~يمد يده إلى هذه النصوص والإشارات ويأخذها حيثما اتفق الأمر؛ لأنها أصبحت ~~بالنسبة إليه بقايا ماض تمزق وفقد وحدته. إنه لا يعود إلى الرموز ~~والأساطير ليمجد عصرا، أو يبعث زمنا مضى، وإنما يسوي بينها كما يسوي بين ~~الأشياء التي يستمدها من عالم الواقع، ويضعها إلى جوار بعضها، أو يمزج ~~بينها كيفما شاء هواه. ربما يكون هدفه من ذلك أن يزيدنا إحساسا بتمزق ~~قصيدته أو عدم تماسكها، كتمزق الواقع نفسه، أو ربما يريد أن يلبس أقنعة ~~مختلفة للتعبير عن حالة ضياع واحدة، أو يخلق بهذه الكلمات والرموز القديمة ~~نوعا من سحر الأنغام والصور يضفي على شعره روعة وبهاء، والدليل على ذلك ~~أنه لا يضع هذه الرموز والصور والنصوص المقتبسة في عصرها، ولا يوردها بحسب ~~ترتيبها التاريخي، بل يخلطها بكلمات وشعارات وصور أخرى من العالم ~~الحديث. # والواقع أن من حق الشعر أن يطوف في مختلف البلاد والعصور كما يشاء، ما ~~دام يفعل ذلك للشدو والغناء لا لتقرير حقيقة أو إثبات دليل. وإذا سمعنا ~~شاعرا مثل «جوتفريد بن» (1886-1956م) يقول في قصيدته «أنا ضائعة»: # أنا ضائعة، تفجرت من الغلاف الهوائي، # ضجة الأيون: أشعة جاما - لام - # جزئي ومجال أوهام لا نهاية، # على حجرك المعتم من نوتردام. # الأيام تمضي بك بلا ليل ولا صباح، # السنوات تتوقف بلا ثلج ولا ثمر، # اللانهائي مهدد وخفي، # العالم مهرب. # أين تنتهي؟ أين تعسكر؟ أين تمتد أفلاكك؟ # مكسب، خسارة. # لعبة وحوش، أبد وأزل، # تفر إلى قضبانها. # نظرة الوحوش، النجوم أمعاء حيوانات، # موت الأدغال أصل الوجود والخلق، # بشر، مجازر شعوب، حقول كروم # تهوي إلى حلق الوحوش. # العالم فتته الفكر. والمكان والأزمان. # وما نسجت البشرية وما أبدعت، # ليس إلا دالة اللانهائية، # الأسطورة كذبت. # من أين؟ إلى أين؟ لا ليل، ms016 لا صباح، # لا تحية ولا حداد! # تود أن تقترض شعارا، لكن ممن؟ # وإذا سمعناه في ~~قصيدة أخرى يقول: «الدوائر تظهر تماثيل أبي الهول العريقة في القدم، كسبات ~~وبوابة من بابل، رقصة من ريو ورقصة سوينج وصلاة »، استطعنا أن نقول كما ~~قدمنا إن الشاعر يسوي بين حقائق التاريخ كما يسوي بين الأشياء التي يجدها ~~أمامه في عالم الواقع، فكل ما يراه في التاريخ أو على الأرض قد صار غريبا ~~بلا أرض ولا وطن. ~~(6) الوحدة والقلق # من أبرز الإحساسات التي ينقلها إلينا الشعر الحديث هو الإحساس بالوحدة ~~والقلق. فالشاعر هو أشد شعورا بوحدة الذات في العالم وانفرادها بين غيرها ~~من البشر. والفكرة قديمة بغير شك. ولعلها قد وجدت قبل الرومانتيكية بكثير، ~~غير أنها أصبحت في أيامنا فكرة جديدة كل الجدة، ترتبط ببدعة العصر أو ~~حقيقته التي ذاعت اليوم على كل لسان، من أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر ~~القلق والوحدة والضياع في الزحام. ولعل الناس لا تتفق على شيء يتعلق بالشعر ~~والشعراء كما تتفق على أنهم أناس متوحدون قلقون غريبو الطبع، اتفاقهم على ~~أنهم مساكين أو «مجانين» أو يتبعهم الغاوون. # وقد عبر الشاعر «أبوللينير» عن ذلك في قصة نثرية بعنوان «الشاعر ~~المقتول» (1916م) يسرد فيها أحداثا عجيبة غير منطقية تنتهي إلى تصور جريمة ~~القتل التي ترتكبها جميع البلاد في حق جميع الشعراء، وتنتهي القصة بأن يصنع ~~أحد المثالين للشاعر المقتول تمثالا من الدم. والشاعر سان - جون - بيرس ~~يقول عن اللغة التي يستخدمها في قصيده الطويل المشهور «منفى» إنها لغة ~~المنفى النقية. وإن دل هذا كله على شيء، فهو يدل على أن القلق قد أصبح سمة ~~العصر التي يتحدث عنها الجميع كما كانوا يتحدثون قديما عن «القمر» أو ~~«الشوق». ولذلك فليس غريبا أن نجد أحد الشعراء الإنجليز (وهو و. ه. ~~أوديني) يؤلف في سنة 1946م قصيدة بعنوان «عصر القلق». # ولنعقد الآن مقارنة سريعة بين الجو العام الذي يسود إحدى قصائد شاعر ~~قديم نسبيا مثل «جوته» (1749-1832م) وبين بعض قصائد المعاصرين. فهو ms017 يتحدث ~~في قصيدته سكون (ويحتمل أن يكون قد كتبها في سنة 1795م) عن الفضاء الشاسع ~~المخيف، والبحر الساكن العميق الذي لا تتحرك فيه موجة ولا تهب عليه ~~نسمة: # سكون عميق يسود المياه، # وبلا حركة يمتد البحر، # والملاح ينظر مهموما # إلى السطح الأملس حواليه، # لا نسمة من أي ناحية. # سكون الموت المخيف # في الفضاء الشاسع، # لا تتحرك موجة واحدة. # ولكنه يتبعها بقصيدة أخرى تتفق معها في الموضوع والإيقاع ~~والنغم وهي «رحلة سعيدة». نجد فيها كيف ينقشع القلق وينفك أسار الخوف، ~~ويتشجع الملاح، ثم لا يلبث الشاطئ أن يظهر للعيون من جديد: # تبدد الضباب، # وصفت السماء، # والريح تفك # إسار الخوف. # تتنفس الرياح، # ويتحرك الملاح. # أسرعوا، أسرعوا! # فالموج ينثني، # والبعد يقترب، # وها أنا ذا أرى الشاطئ. # فالخوف والقلق هنا ليسا إلا جسرا يعبره الشاعر إلى ~~الأمل والصفاء. أما ما نجده في الشعر الحديث، فهو يختلف عن ذلك. فيندر أن ~~تجد قصيدة تحدثت عن القلق، ثم استطاعت أن تتخلص منه. وتشبه قصيدة «جوته» ~~السابقة قصيدة «لرامون خيمينز» بعنوان «بحر» تصور رحلة على مركب. ويصطدم ~~المركب بشيء ما، ولكن لا يحدث في الحقيقة شيء. فليس هناك إلا السكون ~~والأمواج وشيء آخر «جديد» يتركه الشاعر بلا اسم. وهكذا يسير الشاعر الحديث ~~من الأمل إلى القلق بعد أن كان الشاعر القديم يسير في عكس هذا ~~الاتجاه. # ولنأخذ مثلا آخر من كنز الشعر الإسباني الحديث، ولتكن قصيدة لوركا ~~(1899-1936م) عن الصمت: # أنصت يا ولدي للصمت، # صمت متموج، # صمت، # تنزلق الوديان خلاله # والأصداء، # ويذل جباها # فوق الأرض. # فالصمت هنا لا يمحو هول تلك «الصرخة» المخيفة التي ~~سمعناها تتردد في قصيدة أخرى بهذا العنوان، بل لعله يزيده رهبة؛ إذ يولد ~~هولا جديدا، هول الصمت الذي تنزلق خلاله الوديان والأصداء ويضغط جبهة ~~الحياة على الأرض. والشاعر نفسه في قصيدته «مرثية الصمت» يجعل من هذا الصمت ~~اسما آخر للقلق، ويصفه بأنه شبح الانسجام ودخان الشكوى؛ لأنه يحمل ~~«عذابا» سحيق القدم وصدى الصرخات التي انطفأت إلى الأبد. وكأني بلوركا ~~يتحدث عن ذلك القلق ms018 الذي يقلقه ألا يجد غذاءه من الألم والعذاب، وعن الخوف ~~الذي لم يعد يخاف شيئا كما يخاف الخوف نفسه. # وعلى نحو آخر يتحدث شاعر مثل «إلوار» عن القلق في قصيدة من ديوانه ~~الحياة المباشرة (1932م)، إنه لا يسميه، بل ينقل إلينا الإحساس الحذر به عن ~~طريق النص نفسه عندما يكرر كلمة بعينها «كان هناك»، أو جملة واحدة كأنها ~~صلاة تتلى في ملل: # كان هناك الباب كأنه منشار ... # الباب بلا هدف، # كانت هناك قطع النوافذ المهشمة، # لحم الريح المعذب تمزق عليها ... # كانت هناك حدود المستنقعات ... # في حجرة مهجورة، # في حجرة فاشلة، # في حجرة خالية. # فهذه الأشياء التي تذكر واحدة بعد الأخرى دون أن تكون ~~بينها علاقة لم يهدف إليها الشاعر في ذاتها، بل أراد أن تكون علامات على ~~النفي والرفض والتهشيم، وبذلك تصبح في نفس الوقت علامة على القلق الذي لا ~~تذكره لغة القصيدة، بل توحي به. # هكذا نستطيع أن نقول بوجه عام - وإن كان التعميم هنا شيئا كريها كل ~~الكره - إن الشاعر القديم كان يسعى للاتصال بالعالم والناس، وكانت نفسه ~~تريد أن تقترب منهما، سواء نجحت في ذلك أم خاب أملها. # أما الشاعر الحديث، فيتعمد أن يجعل المألوف غريبا والقريب بعيدا. وكل ~~من يقرأ لكبار الشعراء المعاصرين يخيل إليه أن هناك قوة خفية تدفعهم دفعا ~~إلى تحطيم الصلة بينهم وبين العالم والناس. (ومن يتابع الرواية الحديثة ~~يلاحظ أيضا أنها تحرص على هذا الإغراب وقطع الصلة بين الناس والأشياء أو ~~بينهم وبين بعضهم البعض، وذلك ابتداء من روايات فلوبير الأخيرة إلى روايات ~~وأقاصيص هيمنجواي وألبير كامي والروائيين الجدد). # يقول الكاتب الروائي النمسوي «روبرت موزيل» (1880-1942م): إن الشاعر ~~يحس حتى في الصداقة والحب بأنفاس الكراهية التي تبعد الكائنات بعضها عن ~~بعض. والشعور بأن قرب الإنسان من الإنسان هو في حقيقة الأمر بعد عنه يكاد ~~أن يكون موضوعا ثابتا من موضوعات الشعر الحديث. فقصيدة «أغنية» للشاعر ~~الإيطالي «أنجارتي» الذي ولد بالإسكندرية (1888م) تنتهي بحزم غير عاطفي ~~يعبر عنه قوله: إن الحبيبة بعيدة كما ms019 لو كانت في مرآة، وإن الحب يكشف عن ~~القبر اللامتناهي للعزلة الباطنة: # من جديد أرى فمك البطيء ~~(بالليل يتقدم البحر ليلقاه)، # وأرى فرس فخذيك، # يسقط متهالكا # بين ذراعي اللتين كانتا تغنيان، # وأرى نوما يعيد إليك # نضارة جديدة وموتا جديدا. # والعزلة الشريرة # التي يكتشفها في نفسه كل من يحب، # كأنها الآن قبر لا متناه # يفصلني إلى الأبد عنك. # حبيبتي، بعيدة أنت كما في مرآة ... # ولوركا يقول في إحدى قصائده: «ما أبعدني حين أكون قريبا ~~منك، وما أقربني حين أكون بعيدا عنك.» والشاعر الألماني كارل كرولوف ~~(1915م-...) يقول في «قصيدة حب» (1955م): هل ستسمعينني خلف الوجه المعشوشب ~~للقمر الذي يتفتت؟ والليل يتكسر كالصودا، «أسود وأزرق». وكأن هذه الصور ~~الصلبة، وهذا التحطم والتناثر والانكسار تعبير عن فشل محاولته للقرب من ~~الحبيبة كما هو تعبير عن خلاصه الوحيد المنتظر على يد اللغة الشاعرة ~~الخلاقة. والجزء الأخير من قصيدة لوركا المشهورة عن صديقه مصارع الثيران ~~سانشيت ميخياس يحمل هذا العنوان «نفس غائبة». إنه لا يذكر الميت ولا الموت ~~بكلمة واحدة، وإنما يقول إن أحدا لم يعد يعرف صديقه، لا الثور والخيل ~~والنمل في بيته ولا الطفل والماء، ولا الحجر الذي يرقد تحته. ولقد صار ~~الميت بعيدا عنه بعدا لا يستطيع التذكر نفسه أن يصل إليه. «لكنني أغني ~~باسمك». غير أن هذا لا يجدي أيضا. فالشاعر الذي غلبته الوحدة واليأس من ~~الوصول إلى الصديق البعيد لم يعد يملك إلا الغناء عن النسيم الحزين الذي ~~يسري بين شجيرات الزيتون. # وقل مثل هذا عن قصائد الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي (1902م) التي ~~نشرها في سنة 1929م بعنوان «عن الملائكة». والملائكة التي يتحدث عنها ~~الشاعر ليس لها أي معنى ديني. إنها كائنات خرساء كالأنهار والبحار، خلقها ~~خيال شاعر وحيد. هناك صراع خفي يدور بينها وبين الإنسان وينتهي إلى انقطاع ~~كل أمل في الاتصال بينهما. فالإنسان يعلم أن الملاك موجود. غير أنه لا ~~يراه، ولا الريح وزجاج النوافذ تراه، والملاك أيضا لا يرى الإنسان، ولا ~~يعرف المدن التي يسير فيها؛ لأنه ms020 بلا عيون ولا ظلال، ولأنه يغزل الصمت في ~~شعره، وما هو إلا «ثقب وحيد رطب، ونبع جف الماء فيه ...» لقد مات بيننا نحن ~~البشر، أضاع المدنية وأضاعته. ومع أن من الصعب تفسير هذه القصائد التي ~~وصفها البعض خطأ بالسريالية، إلا أن الرمز الذي تدور حوله لا يستعصي على ~~الفهم. فالملائكة كائنات نورانية مباركة، سواء أرسلت إلى الناس لتبشرهم ~~بنعمة الله أم لتنذرهم بغضبه ونقمته. كان الإنسان يحس صلة بينه وبينها، ~~وكان يشعر أنه ليس وحده في هذا الكون، ويرى بين الحين والحين أن هناك ~~كائنا علويا يرعاه ويتذكر وجوده على الأرض البائسة. غير أنه يبدو أن ~~الملائكة قد سئمت الإنسان، فلم تعد تهتم بشأنه، بل ولم تعد تذكر منه إلا ~~صورا للقبح والفساد والفناء. # للكاتب الألماني فرانز كافكا (1883-1924م) أمثولة جعل عنوانها «القرية ~~المجاورة» يقول فيها: «كان من عادة جدي أن يقول: إن الحياة قصيرة إلى حد ~~مذهل. والآن تضغط الحياة بذكرياتها، حتى لا أكاد أتصور مثلا كيف يمكن أن ~~يصمم شاب على ركوب جواده إلى القرية المجاورة دون أن يخشى - ويصرف النظر ~~تماما عن الصدف المؤلمة - من أن يكون عمر الحياة العادية التي يلازمها ~~الحظ أقصر بكثير من أن يتسع لمثل هذه الرحلة.» # هذه الأمثولة تعبر عن موقف أساسي في وجدان الجيل الحديث، ألا وهو العجز ~~عن الوصول، حتى ولو كان الهدف قريبا. ولنضرب مثلا لذلك من الشعر الحديث ~~بقصيدة لوركا «أغنية فارس»: # قرطبة، # وحيدة وبعيدة، # فرس أسود صغير، قمر كبير، # حبات زيتون في خرج سرجي. # أعرف الطرق حقا، # غير أني لا أبلغ قرطبة أبدا. # خلال المدى الفسيح، خلال الريح، # فرس أسود صغير، قمر أحمر. # الموت يحدق في # من أبراج قرطبة. # آه، ما أطول الطريق! # آه، يا فرسي الشجاع! # آه، الموت يخطفني # قبل أن أبلغ قرطبة. # قرطبة، وحيدة وبعيدة. # فهذا الفارس يعرف الطريق إلى هدفه وهو مدينة قرطبة، ~~ولكنه يعرف أيضا أنه لن يصل أبدا إلى هذا الهدف. إن الموت يحملق فيه من ~~أبراج قرطبة، وهو لن يعود إلى ms021 بيته؛ لأن الموت ينتظره هناك في السهول ~~الشاسعة التي تعصف فيها الرياح. وما كذلك الشاعر القديم الذي كان يحن إلى ~~بيته أو وطنه، ويحمل في نفسه صورة البيت والدخان الذي يصعد من مدخنته، ~~والسور الذي يظهر فوق سطحه، والعجوز التي ستفتح له الباب. # لنضرب كذلك مثلا بقصيدة «جوته» التي تبدأ بهذا البيت: «دعوني أبكي»، ~~وهي إحدى قصائد ديوانه الشرقي التي لم ينشرها فيه، ووجدت في أوراقه بعد ~~موته: # دعوني أبكي، يحوطني الليل # في الصحراء الشاسعة. # الجمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون، # والأرمني سهران يحسب في هدوء، # أما أنا فأرقد إلى جواره، # وأحسب الأميال التي تفصلني عن زليخة، وأتفكر باستمرار في الدروب ~~الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق. # دعوني أبكي، فليس هذا عارا. # الرجال الذين يبكون طيبون. # لقد بكى أخيل حبيبته بريزيس، # وأكسيركيس بكى الجيش الذي لا يهزم، # والإسكندر بكى حبيبته التي انتحرت. # دعوني أبكي، إن الدموع تحيي التراب، # وها هو ذا يخضر. # إن الشاعر هنا بعيد عن هدفه. يقضي ليلته في الصحراء ~~المترامية الأطراف، ويفكر في الأميال التي تفصله عن حبيبته فيبكي. غير أن ~~بعد هذا المكان لا يبعده عنه في الحقيقة؛ ذلك لأنه يظل شيئا يحن إليه كما ~~يظل شيئا مألوفا لديه، قريبا منه بالتذكر والشوق، يمكن الوصول إليه بين ~~يوم وآخر. إنه حزين حقا، لكنه حزن يمكن أن يجد العزاء. بل إنه ليعزي نفسه ~~حين يتذكر أبطالا قدامى، بكوا حقا، والبكاء لا يعيب الرجال. # أما شاعرنا «لوركا» فيقول في مطلع قصيدته: إن قرطبة بعيدة. ولا يصح أن ~~نتصور أنه بعد مكاني. فالفارس يرى المدينة أمام عينيه، ولكنها بعيدة عنه ~~بعدا مطلقا على الرغم من قرب المسافة التي تفصله عنها. إن هناك لغزا ~~محيرا يتمثل في شبح الموت الذي يطارده ويبعد المدينة عنه كما يبعده عنها. ~~ما من شوق ولا دموع ولا عزاء عن هذا الإحساس الفاجع بالبعد المحتوم. فالنفس ~~تعيش في يأس مطبق. والشاعر ينادي الجواد والطريق والموت، وهذا هو كل شيء. ~~أضف إلى ذلك تلك الجمل التي تدور في ms022 شبه دائرة ناقصة، وتخلق باستغنائها عن ~~الأفعال صورة لغوية تعبر عن استسلام الشاعر للغربة، وخوفه من الخطر الجاثم ~~عليه. # هكذا يتجلى لنا الفرق بين أسلوبين في التعبير الشعري. فالهدف البعيد في ~~المكان يظل قريبا من نفوس القدماء. إنهم يتصورونه ويحنون إليه ويبكونه، ~~ويعزون أنفسهم بقرب الوصول إليه. أما المحدثون ، فيتحول القرب المكاني عندهم ~~إلى بعد هائل مخيف تحس به نفوسهم أوضح إحساس وأقساه. الشاعر القديم مطمئن ~~للعودة إلى بيته وأهله. أما الشاعر الحديث فيعلم أن هذه العودة مستحيلة؛ ~~لأن هناك قدرا يأسره ويتسلط عليه، ويبعد الوطن عنه، أو يبعده عن الوطن. ~~إنه ليس غريبا في هذا العالم فحسب، بل إن العالم نفسه قد صار غريبا ~~عليه. ~~(7) خاتمة # إن الشاعر الحديث يحس بأن القوى التي تهدد حريته تزداد كل يوم، ولذلك ~~يزداد تلهفه عليها وتشبثه بها. وهو لا يبخل في سبيل ذلك بشيء ولا تعز عليه ~~تضحية، ولو أدى به الأمر إلى تحطيم الواقع وإعادة النظر في كل المقدسات ~~والانفصام عن التراث أو معاداته والسخرية منه. # لم يعد الشاعر يجد الراحة والاطمئنان في الواقع التاريخي أو الموضوعي ~~المحيط به، ولا عاد يشعر بقربه من حقيقة عالية كانت تطل على أسلافه ~~وترعاهم. لذلك راح يخلق لنفسه عالما جديدا من خياله، ويبدع بالكلمة ~~الشاعرة وحدها مملكة تعادي كل ما هو مألوف، وتناقض كل ما كان يفوح برائحة ~~الثبات والاطمئنان. # الشعر الحديث أشبه بحكاية أو «حدوتة» عظيمة لم تسمع من قبل، ولكنها ~~حدوتة وحيدة شديدة الوحدة. إنه بستان تنمو فيه الزهور، ولكنه يمتلئ كذلك ~~بالأشواك والأحجار، وتكثر فيه الثمار، كما تكثر العقاقير والسموم الخطرة. ~~إذا أراد القارئ أن يتجول في طرقاته أو يعيش في جوه المتقلب، فعليه أن ~~يتحمل أقصى ما يستطيعه من العذاب والشقاء. وإذا أمكنه أن يسمع شيئا، فربما ~~سمع في هذا الشعر صوت الحب الوحيد العنيد الذي يرفض أن يستهلكه القراء ~~و«المعجبون»، ويؤثر أن يضل في المتاهات، أو يتحدث في الفراغ على أن يتحدث ~~إلينا أو يتقرب منا. إن القصيدة الواحدة ms023 تمتلئ بأطلال الواقع الذي فككه ~~الخيال الجريء ومزقه، ولكن هناك عوالم أخرى «غير واقعية» تسبح فوقها، وتكون ~~مع تلك الأطلال ذلك السحر الذي يدفع الشعراء إلى تأليف شعرهم، كما يدفع ~~القراء إلى التحمس له أو النفور منه. # لقد امتلأت لغة الشعر كما قدمت بالأنغام الناشزة والصور المتنافرة، ~~شأنها في ذلك شأن لغة الموسيقى الحديثة أو الرسم والتصوير. ولكنها ستظل لغة ~~شعرية، وإن استعصت على الفهم في معظم الأحيان. إن الشعراء يحسون اليوم أكثر ~~من أي وقت مضى أنهم وحيدون مع اللغة، ولكنهم يحسون كذلك أن اللغة هي ملجؤهم ~~الوحيد. كما يعرف أكثرهم وحدة أنه يتصل على الرغم من كل شيء بنوع من الخلود ~~الذي يمتد من الأزل، ويدوم إلى الأبد، وأعني به حرية اللغة، وقدرتها ~~المستمرة على الابتكار، والتجربة، واللعب، والغناء. # ونسأل الآن سؤالا ربما طاف بذهن القارئ: ما هو مستقبل الشعر الحديث؟ ~~والحق أن الجواب على هذا السؤال شيء عسير، إن لم يكن مستحيلا. فلا يدري ~~أحد حين تنشب ثورة كيف ولا أين ستنتهي، وقد يقول قائل إن ثورة الشعر الحديث ~~قد أوشكت أن تبلغ نهايتها إن لم تكن قد بلغتها بالفعل، وإن الشعر الجديد قد ~~أوشك أن يستنفد طاقاته، ولا بد أن يبحث الشعراء والنقاد عن مخرج ~~جديد. # ولكن كيف يبدو هذا المخرج، وعلى يد أي عبقري سيتم؟ هل سيبتعد عن ~~الموجات الصاخبة والشعارات الصارخة والمدارس المتحمسة والبيانات المزهوة ~~بكل جديد؟ أم سيظل يدور تلك الدورة المحتومة التي كتبت على كل نشاط يبذله ~~الإنسان؟ # لا أحد يدري كما قلت. وترك الأسئلة مفتوحة لا يعني أن نتشاءم أو نستسلم ~~للحزن. فهذا شيء لا بد أن نرفضه ونقاومه دائما، وبكل ما نستطيع من وسائل ~~(ومنها الشعر)، ولكنه يعني أننا لا نستطيع أن نتنبأ بمستقبل الشعر ولا ~~بمستقبل غيره من الفنون، وكل ما نستطيعه أو ما يجب أن نفعله هو أن «نعرف» ~~حالته الحاضرة، و«نفهم» كيف وصل إلى ما هو عليه. # إن المدارس الجديدة تلتئم ويلتف حولها المتحمسون حينا، ثم ينفض ms024 كل ~~إلى سبيله. والسؤال القديم - الذي لا نكف نحن الشرقيين عادة عن إلقائه - ~~وهو: هل هناك جديد تحت الشمس؟ وهل ترك لنا القدماء ما نقوله؟ يمكن أن يجاب ~~عليه بنعم ليس هناك جديد، كما يجاب عليه: بل هناك ما لا نهاية له كل يوم ~~وكل لحظة مما يمكن أن يجرب ويقال، وبخاصة بالنسبة لنا نحن العرب الذين نريد ~~أن نحافظ على التراث ونتجاوزه في آن واحد، ونصمد في مواجهة الحاضر بكل ~~نكباته، ونصر على ميلاد مستقبل جديد مهما كان الثمن (وما أكثر ما يستطيع ~~الشاعر العربي الجديد أن يقول في هذا المجال). # لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل كما قلت. فالثورات في عالم الفن تمضي ~~في سبيلها، ثم تنقلب إلى ضدها. وتنشأ ثورات أخرى باستمرار (الفن طائر فريد ~~يأبى أن يرضى بالأقفاص، وطالما حبسوه في المعبد والكنيسة وقصر السلطان ~~وديوان الحكم ومقر الحزب، فعرف دائما كيف ينجو بنفسه ...) وليس معنى هذا أن ~~ندين ثورات الشعر الحديث في أوروبا أو ثورة الشعر الوليدة في بلادنا. فليست ~~وظيفة الكاتب أن يحكم ويدين، بل أن يفهم ويتعاطف. وماذا يمكن أن يتعلمه ~~شاعرنا الجديد (حارس لغتنا وتراثنا وضميرنا، وأمل حاضرنا ومستقبلنا) من ~~دروس أكثر من نصف قرن قطعها الشعر المعاصر في بلاد غير بلاده؟ لا شك أنه ~~يستطيع أن يتعلم الكثير. يستطيع أن يتعلم أولا ألا يقلد هذا الشعر تقليدا ~~أعمى لا يناسب لغته ولا حسه (فالتقليد فعل القرود)، وألا يتجاهله مع ذلك، ~~أو يسدل من دونه الأستار. ويستطيع أن يتعلم كيف يضع تراثه بين عينيه وفي ~~حبات قلبه، على أن يتعلم في نفس الوقت كيف يتجاوزه إلى مشكلات الحاضر، ~~وآمال المستقبل، ويستفيد من حكمه وأخطائه، ويميز كنوزه وروائعه من نفاياته ~~وأعبائه، ويواجه عالم القلق الحديث بمزيد من جسارة اللغة وشجاعة الذات التي ~~تصر على أن تحقق نفسها أو تموت. # | لم الشعراء في الزمن الضنين؟ # ولهذا كانت قمم الزمان # متراصة هنا وهناك، # وأحب الأحباب يسكنون قريبا، # منهكين فوق جبال منفصلة، # أعطنا إذن ماء بريئا، ms025 # أعطنا جناحين، لنعبر إلى هناك # بحس نقي ثم نعود. # هذا ما يقوله هلدرلين (1770-1843م) في قصيدة «باطموس» ~~التي تعد من أعمق قصائد شعره. ونقف حائرين أمام هؤلاء الأحباب الذين يسكنون ~~فوق قمة جبلين منفصلين متباعدين، ومع ذلك فهم قريبون من بعضهم أشد القرب. ~~وتزداد حيرتنا إذا قرأنا الأبيات التي تبدأ بها القصيدة؛ لأنها كذلك مثقلة ~~بالأسرار: # قريب # وعصي على الإدراك هو الإله، # لكن حيث يكون الخطر # تلوح كذلك أسباب النجاة. # في الظلمة تسكن النسور. # وأبناء الألب يعبرون الهاوية بلا خوف # فوق جسور خفيفة. # ونعود فنسأل أنفسنا من هم هؤلاء الأحباء؟ وإذا طالت بنا ~~الحيرة توجهنا إلى مفكر من أعمق المفكرين المعاصرين أيضا، تولى عنا شرح هذه ~~الأبيات وكثير غيرها لهذا الشاعر نفسه، فوجدناه يقول: هما الشعر والفكر. ~~إنهما جاران، يسكنان فوق جبلين قريبين تفصل بينهما هوة بلا قرار. كلاهما ~~يتلقى النور من أعلى، ويبحث عن حقيقة الوجود. هدفهما واحد، وإن كان كل منهما ~~يسير على طريق غير الطريق. وقبل أن نمضي في السؤال لا بد أن نتعرف إلى الشاعر ~~الوحيد. فلتكن هذه لمحة سريعة عن حياته المعذبة التي قضى نصفها تائها في ليل ~~الجنون. # ولد هلدرلين في نفس السنة التي ولد فيها هيجل وبيتهوفن. واحتفل العالم في ~~شهر مارس من العام الماضي بمرور مائتي سنة على مولدهم. وكان نصيب الفيلسوف ~~والموسيقي العظيم من الاحتفال في بلادنا نصيب الأسد. فقد صدر عدد خاص من ~~«الفكر المعاصر» عن الفيلسوف، وأفردت الإذاعة ساعات طويلة للعبقري الأصم. أما ~~الشاعر فظلم بعد موته كما ظلم في حياته. ونسيه الجميع عندنا كما نسيه أهل ~~زمانه وتجاهلوه، إلى أن تذكره الباحثون منذ حوالي نصف قرن، فبدءوا في إصلاح ~~جنايتهم وجناية أسلافهم عليه، وراحوا يحققون أعماله، ويكتبون عن حياته وشعره ~~ومأساته، ويصورون ظلم أبناء عصره له، # 1 # ويكتشفون أنهم أمام عبقري ملهم قد لا يتفوق عليه أحد من الناطقين ~~بلغته سوى «جوته»، بل ربما ذهب بعضهم إلى حد تفضيله على سيد أدباء ~~الألمان. ~~••• # ومعالم حياة هلدرلين - أو بالأحرى ms026 نصف حياته الذي قضاه ممتعا بالعقل ~~قبل أن يغوص في هاوية الجنون - بسيطة يمكن سردها في سطور قليلة لا يسمح ~~المجال بأكثر منها. فقد ولد في العشرين من شهر مارس سنة 1770م في بلدة ~~«لاوفن» الصغيرة التي تقع على نهر النيكار في منطقة شفابن أو سويفيا، وكان ~~أبوه معلما في أحد الأديرة القريبة ومديرا له. ومات الأب قبل أن يتم ~~هلدرلين سنتين من عمره، وتزوجت الأم بعد موته بسنتين من عمدة مدينة نورتنجن، ~~وانتقلت إلى هذه المدينة، ومعها طفلها الذي قضى مرحلة صباه، وتعليمه الأولي ~~هناك. ومات زوج أمه وهو في التاسعة من عمره، وأنهى دراسته في المدرسة ~~اللاتينية في مدينة نورتنجن، وهناك بدأ كتابة قصائده المبكرة، ثم انتقل إلى ~~«السيمنار» العالي في دير المدينة «ماولبرون»، وقضى به سنتين قبل أن يدخل ~~معهد اللاهوت الشهير في مدينة توبنجن. وكون جمعية أدبية مع اثنين من ~~أصدقائه، ومضى في كتابة أشعاره متأثرا بالشاعر المتدين كلوبشتوك (صاحب ~~الملحمة الغنائية الكبرى عن السيد المسيح) وبشعر شيلر الفلسفي، متوجها بها ~~إلى المثل الإنسانية كالصداقة والجسارة والحرية والحب والجمال، كما بدأ أولى ~~ترجماته عن اليونانية ببعض أناشيد الإلياذة. # وفي التاسعة عشرة من عمره تعرف إلى «شتويدلن» الذي كان يتولى نشر عدد من ~~المجلات الأدبية والفنية، فشجعه ورعى عددا من قصائده، كما تعرف في هذه السن ~~أيضا إلى الشاعر الوطني الحر شوبارت (1777-1811م)، وكان قد خرج من السجن بعد ~~أن قضى فيه عشر سنوات، ولا شك أنه تأثر بنزعته الوطنية المشبوبة، ولغته ~~العاطفية المتدفقة. وحصل في العشرين من عمره على درجة الماجستير في الفلسفة ~~(وكانت في ذلك الحين أدنى الدرجات الأكاديمية) وجمعت الصداقة الحميمة بينه ~~وبين هيجل (الذي كان يشاركه نفس الحجرة في ذلك المعهد الذي طالما عانى فيه من ~~الطعام السيئ والرقابة الصارمة ودروس اللاهوت) كما انضم إليهما شيلنج الذي ~~كان يصغرهما بأربع سنوات، وفي سنتي 1792، 1793م ظهرت أولى قصائده في المجلة ~~التي كان يصدرها شتويدلن، وبدأ يكتب المسودات الأولى من روايته «هيبزيون»، ~~ويشارك صديقيه وشباب ms027 جيله تحمسهم لمبادئ الثورة الفرنسية، وسخطهم على مظالم ~~الحكم الإقطاعي في بلاده. ويقال إنه احتفل مع طلبة المعهد اللاهوتي بعيد ~~الثورة الفرنسية، واشترك معهم في غرس شجرة الحرية في أحد ميادين المدينة بين ~~الرقص والتهليل والغناء ... كان في هذه الفترة من حياته شديد الإعجاب بشخصية ~~شيلر ورجولته ومثاليته. وقد عطف عليه الشاعر الكبير، وأرشده وأعانه على مصاعب ~~الحياة، وإن لم يستطع هو ولا «جوته» أن يقدرا شاعريته حق قدرها. وقد توسط له ~~شيلر - بعد أن أتم امتحان اللاهوت في مدينة شتوتجارت - في البحث عن عمل يكسب ~~منه قوته، وأوصى به خيرا عند السيدة شارلوته فون كالب التي كانت على اتصال ~~بالحياة الأدبية؛ ليعمل مدرسا خصوصيا لأبنائها، وسافر بالفعل للالتحاق ~~بعمله في بيتها بمدينة فالترز هاوزن بمقاطعة تورنجن. وبذلك بدأ سلسلة العذاب ~~والإخفاق التي سيقاسيها من مهنة التعليم الخصوصي البائسة. # ونشر له شيلر قطعة من روايته «هيبريون» في مجلته «تاليا»، وهي روايته ~~الوحيدة التي سيعكف على صياغتها مرات عديدة. وسافر مع تلميذه الصغير الذي ~~كلف بتربيته إلى مدينة «يينا» - كعبة المثالية الألمانية في ذلك الحين - ~~وهناك التقى بشيلر عدة مرات كما قابل الفيلسوف فشته وجوته الذي تجاهله في أول ~~لقاء، ثم قابله بعد ذلك عدة مرات، ولكنه لم ينصفه، ولم يستطع أن يقدر موهبته، ~~وأصر دائما في رسائله إلى شيلر على أنه من «تلك الطبائع المسرفة في التوتر ~~والذاتية». # وفي منتصف شهر يناير سنة 1795م تخلى عن عمله عند عائلة فون كالب، وذهب ~~لمدينة «يينا»، وفي نيته أن يواصل دراسة الفلسفة، ويتقدم بعد ذلك للتدريس ~~بجامعتها الشهيرة. واستمع إلى بعض محاضرات فشته، وتابع كتابة «هيبريون»، ~~وتعرف إلى أخلص أصدقائه وأوفاهم، وهو أسقف سنكلير الذي رعاه في أزماته، وبذل ~~بعد ذلك غاية جهده لإنقاذه من الجنون. ويبدو أنه سئم الفلسفة فجأة، واكتشف ~~أنها تبعده «عن عمله الحبيب»، وتشغله عن الشعر وهو على حد قوله: «أكثر ~~المشاغل براءة»، فغادر المدينة، وقفل راجعا إلى بلدته نورتنجن التي قضى فيها ~~النصف الأخير من ذلك العام، ms028 ولكنه لم يقبل على نفسه أن يكون عبئا على أمه، ~~فسافر إلى مدينة فرانكفورت؛ ليعمل مدرسا خصوصيا في بيت رجل المال والبنوك ~~جونتار. وهناك كان ينتظره أسعد لقاء وأعظم حب في حياته. رأى «سوزيته» جونتار ~~ربة البيت وزوجة رجل الأعمال، فأحبها وعرف فيها قدره ومأساته وفرحته الوحيدة، ~~وسماها ديوتيما على اسم الحبيبة في روايته التي كانت لا تزال تتعثر بين يديه، ~~فشاء لها الحظ أن تنمو وتكتمل، أو على اسم «ديوتيما» الكاهنة الغامضة التي ~~تكلم سقراط وتعلمه أسرار الحب والحكمة في محاورة «المأدبة» لأفلاطون، وظهرت ~~أولى علامات الحب المثالي الجارف في أغنية رقيقة كتبها سنة 1796م تحت عنوان ~~ديوتيما. # بدأت المحبوبة - أو كاهنة الحب المقدس كما كان يسميها - تبادله حبه، ~~وتستمع إلى شعره، وتعزف له على البيان، بينما يشاركها بالغناء، وترسل نظرتها ~~النافذة الحنون إلى أغوار حزنه، وتحاول أن تصرفه عن كآبته. # ورافقها في السفر عندما هربت مع أولادها فرارا من الجيوش الفرنسية ~~الغازية إلى دريبورج عبر مدينة كاسيل. وفي هذه الأثناء مات صديقه شتويدلن ~~منتحرا بعد أن طرد من البلاد، واشتدت عليه المحنة، وأهداه هيجل قصيدته ~~«إلويزس» التي تعبر عن دفء صداقته له (وستجدها بعد قليل على هذه الصفحات)، ~~وظهر المجلد الأول من رواية هيبريون عند الناشر «كوتا». ثم اضطر أن يهجر ~~وظيفته في بيت جونتار في منتصف شهر سبتمبر سنة 1798م، بعد أن حاصرته الإشاعات ~~ورقابة الزوج الغيور. ولجأ إلى صديقه سينكلير في مدينة هومبورج. وحاول هذا أن ~~يخفف عنه جراحه، فصحبه معه في أسفار عديدة. وبدأ يكتب مسرحيته الوحيدة «موت ~~أمبادوقليس» في صياغتها الأولى، كما جرب نفسه في بعض المقالات الفلسفية التي ~~أكدت من جديد أنه لم يخلق للفلسفة. وفكر في إصدار مجلة أدبية، ولكن المشروع ~~مات قبل ولادته، كما حاول أن يتقدم لجامعة بينا لإلقاء محاضرات في الفلسفة، ~~فأوصدت الجامعة أبوابها في وجهه، ورجع إلى بلدته نورتنجن، وهو في أسوأ حال من ~~الضعف وقلق الأعصاب، ولكنه استطاع أن يكتب أخلد قصائده، وأن يبلغ ذروة إبداعه ~~الفني. ms029 وشق عليه أن يكون عبئا على أمه المسكينة، فرجع إلى مهنته البائسة، ~~وقبل العمل في بيت أنطون جونسباخ، وكان من تجار الأقمشة في مدينة «هاوبتفيل» ~~بسويسرا، ولكنه لم يلبث أن هجر العمل بعد أن أخفق من جديد في تلك المهنة التي ~~لم يخلق لها. ورجع إلى أمه في شهر أبريل سنة 1801م، وأقام فترة قصيرة في ~~مدينة شتوتجارت، حيث تفاوض دون نجاح مع الناشر «كوتا» على طبع أشعاره. واضطر ~~أن يلجأ للدروس الخصوصية من جديد، فقبل العمل في بيت القنصل الألماني في ~~مدينة «بوردو» الفرنسية. وسافر إلى هناك في أواخر العام على قدميه عبر ~~مرتفعات الأوفرن الخطرة التي كانت تغمرها الثلوج، ولكنه سرعان ما تخلى عن ~~عمله الجديد؛ إذ يبدو أنه لقي نفس المعاملة التي جرحت كبرياءه في كل بيت ~~دخله - وكان المعلمون الخصوصيون يعاملون معاملة الخدم والأتباع - وتلقى نبأ ~~وفاة حبيبته سوزيته جونتار التي كان يعلم أنها تعاني داء السل. ورجع في شهر ~~يوليو إلى وطنه سائرا على قدميه، ورآه الناس في مدينة شتوتجارت فذهلوا ~~لمنظره. كان محطما ممزق الثياب أشعث الشعر، مضطرب الكلام، في حال من اليأس ~~والارتباك لا نظير لها. وواصل إنتاجه على الرغم من مرضه وظهور بوادر الجنون ~~عليه، فكتب عددا من قصائده المتأخرة التي سماها «أغنيات الليل»، وعكف على ~~ترجمة مسرحيتي «أوديب ملكا»، وأنتيجونا لسوفوكليس، وبعض قصائد من شعر بندار. ~~واشتد عليه المرض، وتأكد للجميع أنه يترنح على حافة الهاوية، فأسرع إليه ~~الصديق الوفي سينكلير، وأخذه معه إلى مدينة «هومبورج»، وسعى له في الحصول على ~~وظيفة أمين مكتبة في بلاط أمير المدينة الزاهد «فريدريش فون هومبورج»، وكان ~~الصديق يدفع له مرتب الوظيفة من جيبه، ولكن محاولات الصديق لم تجد شيئا، ~~فقد ازدادت حالته سوءا، حتى صار الأطفال يجرون وراءه في الشارع. وأدخلوه ~~مصحة الأمراض العصبية في مدينة توبنجن سنة 1806م، لكن حالته تدهورت، ويئس ~~الأطباء من شفائه. وتطوع النجار تسيمر - وكان من هواة الأدب وأحباب الشعر - ~~فتقدم للمصحة، وأعلن استعداده لإيواء المريض في بيته. وقال ms030 له الطبيب وهو ~~يسلمه له إنه لن يعيش أكثر من سنة أو سنتين على الأكثر، ولكن المريض ظل يعيش ~~في بيت النجار الطيب كالحالم أو كالميت ستا وثلاثين سنة ... كان طوال هذه ~~السنوات يتجول في باحة البيت في هدوء غريب، ويجلس بالليل أمام نافذته يتأمل ~~النجوم. لم تفارقه طلعته الجميلة، ولم ينطفئ من عينيه الصافيتين ذلك البريق ~~العجيب الذي كان يشع منهما، ولم تفارقه طفولته ونقاؤه وبراءته وحياؤه ~~وانكساره، لكنه ظل غائبا عن الوعي تماما إلى أن أنقذه الموت في اليوم ~~السابع من شهر يونيو سنة 1843م عندما مات وهو يجلس إلى جوار نافذته يتأمل ~~النجوم. ~~••• # لنعد الآن إلى سؤالنا الذي بدأنا به. # ما العلاقة بين الفلسفة والشعر؟ ما الذي يجمع بين لغة العقل ولغة ~~الوجدان؟ أهما جاران متباعدان أم لعلهما في البداية أو النهاية ~~يلتقيان؟ # لنترك لهلدرلين نفسه الإجابة على هذه الأسئلة، قبل أن نخوض في الحديث عن ~~صلته بالفلاسفة، ومحاولاتهم المستمرة لتأويل شعره وفكره. # إن أوضح ما قاله وأبسطه وأشمله أيضا قد ورد في روايته الشاعرية الوحيدة، ~~وهي رواية «هيبريون»، وهو يأتي في إحدى رسائل هيبريون، بطل الرواية الذي يحكي ~~قصة حياته واتحاده بالطبيعة الإلهية الخالدة وحبه البائس ل «ديوتيما»، وكفاحه ~~لتحرير وطنه «اليونان» من قبضة الأتراك. والرسالة إلى صديقه الألماني ~~«بلارمين»، وهي تقع في الكتاب الثاني من المجلد الأول من الرواية، حيث تلتقي ~~جماعة الأصدقاء في بيت المحبوبة ديوتيما، ويتصل بينهم الكلام عن أمجاد ~~اليونان، وعظمة الأثينيين وفطرتهم الإنسانية الأصيلة التي صانتهم من ~~الاستبداد، وعسف الطغاة، وجعلتهم بحق أمة الشعر والفلسفة والحوار. ويعرف ~~هيبريون من حبيبته أن جبل «الأوليمب» على مسيرة يوم واحد، فيهتف في لهفة: ~~لا بد أن نذهب على الفور إلى هناك. ويركبون السفينة في اليوم التالي، في ~~الساعة التي يستيقظ فيها البشر على صياح الديك، ويبدءون رحلة الحج إلى مهد ~~الآلهة وربات الفن تحت شمس الربيع الخالدة، والحياة من حولهم وفي أعماقهم ~~كالجزيرة التي ولدت في المحيط، وهبطت عليها أول بشائر النور ~~والاخضرار. # ويتصل ms031 بهم الحديث عن مجد الأثينيين. ويقول أحدهم: إن الأصل فيه هو ~~المناخ، ويقول الآخر: بل هو الفن والفلسفة، ويزعم الثالث أنه الدين ونظام ~~الدولة والحكم. ويعترض هيبريون على هذه الآراء، فيقول: إن ما ذكره الأصدقاء ~~هو زهرة الشجرة وثمرتها، لا تربتها وجذورها. لقد نشأ الأثينيون أحرارا من كل ~~قيد، فأتاحت لهم هذه النشأة أن يكونوا آدميين بحق، وأن يبلغوا الإنسانية ~~الجميلة الكاملة. لم يقهرهم قانون الاستبداد، كالإسبرطيين، ولم يستعبدهم ~~طغيان القانون، كشعوب الشمال، ولم تذل طفولتهم عبادة الآلهة الضخمة والفراعنة ~~كالمصريين الذين تعلموا الركوع قبل أن يتعلموا المشي على الأقدام، ولقنوا ~~الصلاة قبل أن يلقنوا الكلام ... لقد نمت طفولتهم في حرية وبساطة، ولم يقهرها ~~أحد على الدخول في مدرسة الحرب والنظام والقانون والعبادة والطاعة قبل ~~الأوان. # وهكذا كان الأثيني إنسانا، وهكذا تحتم أن يصبح رجلا. خرج جميلا من بين ~~يدي الطبيعة، جميل الجسد والروح على السواء. وأول أبناء الجمال البشري ~~والإلهي هو الفن. فبفضله يتجدد شباب الإنسان، ويحقق طبيعته الإلهية في صورة ~~أو تمثال أو معبد يجسد به جماله أمام عينيه. هكذا خلق الإنسان آلهته؛ إذ كان ~~في الأصل والمبدأ هو والآلهة شيئا واحدا وكيانا واحدا. وثاني أبناء ~~الجمال هو الدين. فالدين في حقيقته حب الجمال. والحكيم يحب هذا الجمال الشامل ~~غير المتناهي، والشعب يحب أبناءه الذين يظهرون له في صورة الآلهة المتعددة ~~الأشكال. ولولا هذا الحب الذي بذله الأثينيون للجمال، ولولا هذا الدين لبقيت ~~دولتهم أو مدينتهم الحرة هيكلا عظيما خاليا من الروح والحياة، ولظل فكرهم ~~وسلوكهم كالشجرة المبتورة بلا جذور تمتد في الأرض ولا ذؤابة ترتفع ~~للسماء. # كان الفن والدين إذن أبناء الجمال الخالد، ولكنهما كانا كذلك أبناء ~~الطبيعة الإنسانية الكاملة. ومن يتأمل أعمال الإغريق في الفن، أو يقرأ ~~أساطيرهم وخرافاتهم، لا يملك نفسه من الإعجاب بنزعتهم الإنسانية التي عرفت ~~دائما كيف تحافظ على الحد والاعتدال، وكيف تصون نفسها عن التطرف والشطط، وهو ~~عندهم أشنع الخطايا وأكبر الكبائر. # ولكن كيف استطاع هذا الشعب الأديب الفنان أن يصبح شعبا ms032 فيلسوفا، بل شعب ~~الفلسفة الأصيل؟ # لولا الأدب ما كانت الفلسفة. ويخطئ من يظن أن لا صلة بين صوت القلب ~~الدافئ الحنون وبين صوت العقل البارد المتعالي. فالأدب - والشعر بوجه خاص - ~~هو مبدأ الفلسفة وغايتها. إنها تخرج منه كما خرجت منيرفا (أو أثينا) الحكيمة ~~من رأس سيد الأدباء جوبيتر (أو زيوس). الأدب في صميمه ارتفاع بالإنسان إلى ~~وجود أسمى ، والفلسفة تهتم في صميمها بالمبدأ الأول والغاية الأخيرة، ولا ~~بد أن يصب نهرها البطيء المتعرج في نبع الأدب الحافل بالأسرار. # من لم يشعر ولو مرة واحدة في حياته بالجمال الخالص الكامل، من لم يحس ~~بقوى الوجود وهي تتماوج وتتفاعل في نفسه كما تتماوج ألوان الطيف في قوس قزح، ~~من لم يجرب في لحظات الدهشة والوجد والحماس كيف تتشابك الموجودات، وينسجم كل ~~شيء مع كل شيء، فلن يكون في استطاعته أن يتفلسف أو يتشكك، ولن يقدر عقله إلا ~~على الهدم لا على البناء؛ لأن المتشكك لا يرى النقص والعيب والتناقض فيما ~~يعرض لفكره، إلا لأنه يحس انسجام الجمال الذي لا عيب فيه، ولا نقص، ولا ~~تناقض، أو لأن لديه رؤية غامضة عنه، وإن لم يسعه التفكير فيه. إنه يزور عن ~~الخبز الجاف الذي يقدمه إلى العقل؛ لأنه قد أكل حتى التخمة على مائدة ~~الآلهة. # والكلمة العظيمة التي أطلقها هيراقليطس وهي الواحد المختلف أو المتفرق في ~~ذاته «هين ديافيرون نيآوتي» لم يكن من الممكن أن يعثر عليها، أو ينطق بها إلا ~~رجل إغريقي؛ لأن كنه الجمال موجود فيها، ولم يكن من الممكن أن توجد الفلسفة ~~قبل أن يهتدي الإنسان إلى جوهر الجمال. # وجد الكل أولا، فأمكن أن يوجد التحديد والتعيين. تفتحت الزهرة ونضجت، ثم ~~استطاع الإنسان أن يحلل ويفسر. أعلن الجمال عن نفسه، تجلى للبشر، دبت فيه ~~الحياة والروح، وجد الواحد غير المتناهي، ثم أقبل عليه الإنسان، فأخذ يحلل ~~ويفرق بالعقل، وأخذ يجمع ما تفرق، ويؤلف ما حلل وجزأ. هكذا استطاع أن يعرف ~~كنه الأسمى والأفضل والأعظم، واستطاع أن يجعل مما عرفه قانونا يسري ms033 على ~~مختلف مجالات العقل. وهكذا أتيح للأثيني أن يتفلسف، ولم يتح هذا للمصري ولا ~~للشرقي. فالأول قد أحس المشاعر المتناقضة نحو السماء والأرض، شعر نحوها بالحب ~~والكره والخشوع والخوف في وقت واحد. عاش متحدا مع العناصر التي تؤثر عليه؛ ~~لأنه عاش متحدا مع نفسه وطبيعته، فسهل عليه أن يرى الجمال الخالد في كل ما ~~يقع عليه بصره، أما الثاني فقد قهرته السماء الجبارة، والصحراء الشاسعة، ~~والطاغية المستبد المخيف. تعلم أن يركع قبل أن يمشي، وأن يصلي قبل أن يتكلم. ~~تعبد وأطاع وملكته الرهبة من الآلهة الضخمة والأسرار المقنعة والتماثيل ~~الصامتة والملوك المتسلطين الظالمين. تفتتت نفسه أجزاء قبل أن تعرف الوحدة. ~~ولهذا فهو لا يعرف شيئا عن الواحد ولا عن الجمال. إيزيس عنده لغز صامت مخيف، ~~بداية ونهاية، عدم مرتفع شامخ، لكنه فارغ خواء، ولا يخرج من العدم إلا ~~العدم. # أما الشمالي فقد أكره على أن يكون رجلا عاقلا قبل أن ينضج فيه الإنسان. ~~إن «الشمال» يجبره على العودة إلى نفسه، والانغلاق عليها قبل أن يستكمل عدته ~~للسير على درب الحياة. إنه يطالب بالعقل قبل أن ينضج شعوره، ويحمل مسئولية ~~الرجل قبل أن ينضج الطفل بين جوانحه. لم يترك له أحد الفرصة لتزدهر فيه ~~الإنسانية، وينضج الإحساس بالجمال والوحدة. فالعقل، والعقل الخالص وحده هو ~~الملك المتوج على عرش الشمال، ولكن العقل وحده لا ينتج عنه شيء عاقل، والفهم ~~الذي لا يقترن بجمال الروح والقلب والشعور أشبه شيء ب «الصبي»، الذي ينجر ~~سورا من الخشب كما لقنه معلمه ليقام حول الحديقة. إن عمل العقل كله نابع من ~~الضرورة والحاجة، فهو ينظم ويرتب، وبذلك يحمينا من الخروج على المعقول أو ~~الافتئات على الحق والعدل، ولكن الحماية من الطيش أو الأمان من الجور ليس هو ~~أسمى ميزة يتحلى بها الإنسان. وما العقل بدون القلب والروح، إلا كرجل عينه ~~رب البيت؛ ليراقب عبيده، ويشرف على حسن أدائهم للعمل. فهو كالعبيد أنفسهم، ~~يجهل الغاية من هذا العمل، وكل همه أن يصرخ في وجوههم، ويستحثهم على بذل ms034 ~~الجهد والنشاط. وما من فلسفة تأتي من العقل وحده؛ لأن الفلسفة تزيد عن مجرد ~~المعرفة المحدودة بالواقع الموجود. وما من فلسفة تخرج من الفهم الخالص؛ لأن ~~الفلسفة أكبر من المطالبة العشواء بالتقدم المطرد في تناول المادة الممكنة ~~بالتحليل والتفريق أو التأليف والتركيب. # لا بد إذن أن يجتمع العقل والقلب، ويتعانق الفهم والشعور، ويتحد النظام ~~والجمال. فإذا تجلى مثال الجمال للعقل، إذا سطع عليه نور هذا المبدأ الإلهي ~~الذي ألهم الإنسان ذات يوم أن الواحد متفرق في ذاته، وأن الكل ثابت ومتحرك، ~~متشابه ومختلف مع نفسه، كف هذا العقل عن مطالبه العمياء، وعرف لماذا يعمل ~~ولأية هدف أو غاية. وإذا أشرقت شمس الجمال على العقل كما يشرق نور الربيع على ~~مرسم الفنان، لم يحلق بعيدا، ولم يترك عمله الضروري، بل أمكنه أن يفكر في ~~يوم يحتفل فيه بالعيد، ويتجول مرحا شابا في نور الربيع يوم يتذكر طبيعته ~~الإلهية، ويتذكر القرابة الحميمة التي كانت تؤلف بينه وبين الآلهة والطبيعة ~~والبشر، وتجعل الإنسان مركز العالم، والكأس التي في خمرها يذوب الآلهة ~~والبشر، والسماء والأرض، والأبطال والرجال، والحاضر والخلود. ~~••• # يتضح من العبارات السابقة أننا أمام شاعر غير بعيد عن الفلسفة. فماذا ~~كانت علاقة هذا الشاعر بالفلسفة نفسها؟ وماذا كان موقفه من أضخم بناء عقلي في ~~تاريخ الفكر الحديث، وهي المثالية الألمانية التي عاش في خضمها وعاصر رجالها ~~وتأثر بها، وأثر فيهم بغير جدال؟ لقد اتصل ب «فشته»، وسرعان ما تمرد عليه، ~~وصب اللعنات على الطغيان والطاغية اللذين تمثلا له في صورة الفلسفة ~~والفيلسوف، وجمعت الصداقة بينه وبين «هيجل» و«شيلنج» بضع سنوات من حياته قبل ~~أن يتفرقوا كل في طريق. لنبدأ بصداقته لهيجل وشيلنج قبل الحديث عن صلته ~~بفشته. # دخل هلدرلين المعهد الديني في مدينة توبنجن في شهر أكتوبر سنة 1788م. ~~واستطاع بعد سنتين أن يحصل على شهادة الأستاذية «الماجستير» في اللاهوت. ~~وكانت دراسته الأولى في هذا المعهد تشمل المنطق والفلسفة العملية، وما بعد ~~الطبيعة، والتاريخ، والرياضة، والفيزياء، واللغتين اليونانية، والعبرية. ثم ~~اتجه إلى اللاهوت ms035 الخالص، فأخذ يتعلم الأصول والجدل والأخلاق وتفسير النصوص، ~~وأصبح من حقه أن تصرف له كل يوم قنينة من النبيذ، بشرط أن يصرف وقته كله ~~للاهوت. # وكان هذا المعهد في صرامته وجهامته أشبه بالدير، بل أشبه بالسجن. فأسواره ~~كأسوار السجون، وحجراته الرطبة الخشنة كالزنزانات التي ينفذ المطر والريح ~~والثلج من سقوفها المتداعية، ونوافذها الخربة. وكانت وجبات الطعام دروسا ~~يومية في الصبر على التقشف والجوع، وعيون الرقباء تتجسس على الطلبة، وترصد ~~حركاتهم وسكناتهم، فلا يملكون إلا أن يتكوموا على بعضهم البعض؛ ليتقوا البرد، ~~ويتعلموا دروس اللاهوت المرة. كان كل شيء في هذا المعهد يثير ثائرة الشاعر ~~الرقيق، ويجرح كبرياءه. ولولا توسلات أمه المسكينة، ولولا أن الأقدار ساقت ~~إليه زميلين سيلمع نجماهما بعد ذلك في سماء الفلسفة لما احتمل هذه الحياة ~~التي لا تطاق، ولا صبر على تزمت أساتذة اللاهوت أو حفاري القبور في توبنجن ~~كما كان يحلو له أن يسميهم. # كان أحد هذين الزميلين هو «هيجل» الذي قاسمه حجرته في المعهد. وكان الآخر ~~هو «شيلنج» الذي يصغرهما بأربع سنوات، ويلفت إليه الأنظار بنبوغه المبكر، ~~وقصر قامته، وضآلة حجمه، واعتداده الشديد بنفسه، وتباعده عن زملائه. وقد سعى ~~إليه هلدرلين، فتعرف عليه وقربه منه، وجمعت بينهما صداقة حميمة امتدت من خريف ~~سنة 1790 إلى سنة 1793م، حين تفككت عراها، وحل محلها نوع من التقدير ~~والاحترام، الذي لا يخلو من الجفوة والكبرياء. أما الصداقة التي ألفت هلدرلين ~~وهيجل، فقد كانت أشد عمقا وأكثر دفئا وأطول عمرا من صداقته لشيلنج (إذ ~~استمرت حتى نهاية القرن). ولم يكن السبب في ذلك هو تشابههما في السن، بل لعله ~~يرجع إلى اختلاف موهبتهما وطباعهما - والضد يسعى إلى ضده كما يقال - كما يرجع ~~إلى نشأتهما في بلد واحد غرس فيهما مزاجا واحدا وتقاليد مشتركة، وإلى عاطفة ~~الحب الجارف الذي كان يحمله كل منهما لصاحبه. # ألف الحب والأمل والطموح بين قلوب الأصدقاء الثلاثة. كانوا يجتمعون في ~~حجرة هلدرلين، فيقرأ عليهم شعره أو يتحدثون عن مبادئ الثورة الفرنسية التي ~~ألهبت نفوسهم شوقا ms036 إلى تحرير بلادهم من الفساد والطغيان، أو يطالعون أفلاطون ~~وكانط ورسائل ياكوبي عن مذهب اسبينوزا. وكان من قدر هذه الصداقة الحميمة - ~~وفي كل صداقة عظيمة قدر - أن تؤثر على روح العصر كله، كما أثرت على الحياة ~~الشخصية والعقلية لكل واحد منهم. # كانت بالنسبة لهيجل أكثر الصداقات دفئا في شبابه. وكان هلدرلين يحس ~~الراحة والهناء كلما قابل هيجل. وليس أجمل من تواضعه حين يعترف بذلك فيقول: ~~«إنني أحب رجال العقل الهادئين؛ إذ يستطيع الإنسان أن يهتدي برأيهم كلما ~~التبس عليه الأمر في علاقته بنفسه وبالعالم.» وليس من المبالغة أن يقال إن ~~الأساس الوجودي الذي تقوم عليه فلسفة هيجل، ويكثر الحديث عنه في السنوات ~~الأخيرة - لا يمكن أن يفهم، إلا إذا فهمت صلته الشخصية بهلدرلين. أما هلدرلين ~~نفسه، فيعترف في رسالة له إلى هيجل بعد خروجهما من المعهد بأنه على يقين من ~~استمرار صداقتهما إلى الأبد. ثم يضيف في حسرة: «كثيرا ما كنت روحي الملهم. ~~أشكرك جزيل الشكر. إني أشعر بهذا شعورا تاما منذ فراقنا. لا زلت أتمنى أن ~~أتعلم منك أشياء، وأخبرك في بعض الأحيان بأحوالي ... يجب علينا من حين إلى حين ~~أن ننتبه إلى أن لكل منا عند صاحبه حقوقا واجبة.» # وقد يدهش القارئ إذا عرف أن ~~الفيلسوف - الذي لا يكاد يقرأ له حتى يتصبب العرق على جبينه، وربما تشكك في ~~قواه العقلية - قد أهدى صديقه الشاعر قصيدة تحمل من الرقة والدفء والحنان ما ~~يندر أن نصادقه قبل كتاباته المخيفة. استمع إليه وهو يقول له: # أقبل المساء، السكون من حولي وفي وجداني. # صورتك، أيها العزيز، تتمثل لي، # وأتصور بهجة الأيام الماضية، # لكنها سرعان ما تتوارى أمام آمال اللقاء العذبة # ويرتسم في خيالي مشهد العناق الحار # الذي أشتاق إليه من زمن طويل، # ثم أتخيل الأسئلة التي نتبادلها # وتأمل كل منا لصاحبه في الخفاء، # وكيف غير الزمن من هيئته وملامحه وتفكيره، # وأتخيل متعة اليقين بأن عهد الوفاء القديم # لا زال أشد رسوخا ونضجا مما كان، # عهد الوفاء الذي لم يختمه قسم، # بل ms037 نذرناه للحياة من أجل الحقيقة الحرة وحدها. # وافترق الأصدقاء، وسار كل منهم في طريق. سار هلدرلين - ~~كما يقول في قصيدته عن الاحتفال بالسلام - على طريق «الروح المزدهر»، الذي ~~أحس بأنه يسري في «الكل»، الذي يحيا في جميع الكائنات، ويؤلف بين الطبيعة ~~الإلهية وأرواح السماويين الخالدين والأبطال والبشر الفانين في وحدة واحدة. ~~ومضى هيجل على طريق «الروح المطلق»، الذي تنتهي عنده الأضداد، ويتحقق السلام ~~الأخير. أما شيلنج، فاختار درب الفيلسوف المتصوف الذي يحلم ب «كنيسة يوحنا»، ~~ولكنهم على الرغم من هذا التفرق قد اشتركوا في نسيج واحد قدم له كل منهم ~~خيوطه. ويصعب أن نسمي هذا النسيج المشترك باسم محدد، ولكن لعلنا لا نجاوز ~~الصواب كثيرا إذا سميناه «الفكر الديالكتيكي» أو الجدلي. # لقد أسهم كل منهم في هذا النسيج ~~بالخيط الذي يميزه عن صاحبه، هلدرلين بالبراءة والخشوع المطلق، وشيلنج ~~بالتفكير الجسور الدقيق الحاد، وهيجل بالبناء المذهبي الضخم والقدرة الخارقة ~~على الاستدلال والتمحيص. وتأثر الثلاثة في مبدأ الأمر بلغة هيردر ~~(1744-1803م) المتدفقة، ومنهجه العضوي والحيوي في التفكير. ثم شجعتهم فلسفة ~~فشته المثالية المطلقة، ونظريته الضخمة المتعسفة عن العلم (وكان يقصد به ~~الفلسفة)، وأمدتهم بالمران والقدرة على مواجهة الحياة على اختلاف صورها. وليس ~~التفكير الديالكتيكي إلا مواجهة الحياة المتطورة المتغيرة من خلال التوتر ~~والصراع بين قطبين متضادين، أي إدراك الصيرورة والتحول الناجم عن هذا الصراع ~~بين الطرفين، بحيث يتحقق الطرف أو المبدأ الثالث الذي يصالح بينهما ~~ويتجاوزهما إلى صراع آخر جديد. ولم يكن هذا التفكير الديالكتيكي منهجا طبقه ~~الأصدقاء الثلاثة كل في مجاله، بقدر ما كان الفعل الفكري الأصيل الذي جمع ~~بينهم. ومن طبيعة هذا التفكير المتغير المتطور تطور الحياة نفسها أن يفهم ~~العقل أو الروح فهما تاريخيا، أي إنه لا يهتم إلا بالتاريخ؛ لأن التاريخ ~~هو جوهره وقوامه. # يقول هلدرلين في قصيدته السابقة الذكر عن الاحتفال بالسلام: إن الروح ~~العظيم يفض صورة الزمان. ويتطرق شيلنج إلى المعنى نفسه حين يقول إن كل لحظة ~~خاصة من لحظات الزمان هي كشف عن جانب خاص ms038 من الله يكون مطلقا في كل واحد ~~منها. # وهكذا يفضي التوتر بين المرحلة الأولى (وهي مرحلة الوجود البسيط الخالص ~~الذي لم يتميز أو لم يتفتح بعد) والمرحلة الثانية (وهي مرحلة الوجود الذي ~~يتفكر في ذاته، ويتبلور على نفسه) إلى مرحلة ثالثة يتم فيها التصالح والسلام ~~في الوجود. وهكذا أيضا يمكننا أن نتصور هذا الطريق بخطواته الثلاث التي ~~سارها هيجل وشيلنج وهلدرلين كل على طريقته، وبحسب موهبته بالتأمل أو الرؤيا ~~أو الشعر، وبالعقل المجرد أو الحدس المتصوف أو القلب الملهم. # لا شك أن هذا تبسيط مخل للطريق المعقد، الذي لا حد لتعدد أشكاله ~~ومستوياته، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام أن الأصدقاء الثلاثة يشتركون في ~~الغاية الأخيرة، والهدف من هذا الطريق، وهو السلام الذي ينتهي عنده موكب ~~الصراع، وتتحقق أمنية العقل والقلب. # ونعود فنسأل: كيف سيبدو هذا السلام السماوي الهادئ الجبار، كما يسميه ~~هلدرلين؟ في أي مكان أو زمان يفي بوعده ويبني بيته؟ سيقول الأصدقاء الثلاثة: ~~في مملكة الله. وسيرى كل منهم هذه المملكة على طريقته في الرؤية ~~والتفكير. # إن هلدرلين يكتب إلى هيجل في صيف سنة 1794م - أي بعد تسعة شهور من ~~وداعهما لمدينة توبنجن - فيذكره بكلمة السر التي افترقا عليها، ويؤكد أنها ~~ستجمعهما بعد كل تحول وتغير واغتراب. ولم تكن كلمة السر هذه سوى «مملكة ~~الله». ولم تكن مملكة الله في تصورهم شيئا مجردا متعاليا على الواقع، بل ~~شيئا يستطيع كل واحد منهم أن يشارك فيه بجهده، وإيمانه، وحبه، وأمله. ها هو ~~ذا هيجل يصف في شبابه هذه المملكة الإلهية الصغيرة، فيقول إنها دائرة الحب ~~والأفئدة التي تتنازل عن حقوقها الخاصة تجاه بعضها البعض، بحيث لا يجمع بينها ~~غير الإيمان المشترك والأمل المشترك. # ويبحث الأصدقاء الثلاثة عن نواة هذه ~~المملكة الإلهية، فيجدونها في الفكرة التي قال بها قبلهم «لوثر» و«كانط» ~~و«هيردر» عن «الكنيسة غير المنظورة». ويتلقفون الفكرة، ويتعمقونها كل من ~~جانبه. ويكتب هيجل إلى شيلنج في سنة 1795م فيقول: «لتأت مملكة الله، ولنعمل ~~بأيدينا على تحقيقها، ولا ندعها تسترخي ms039 فارغة في حجرنا. ليبق العقل والحرية ~~دائما قدرنا، وكلمة السر بيننا، ولتكن الكنيسة غير المنظورة هي النقطة التي ~~نلتقي عندها.» # ومملكة الله هذه لا صلة لها بمملكة الأرض ودولتها. ولقد أعلنها السيد ~~المسيح قوية أمام بيلاتوس عندما قال إن مملكتي ليست من هذا العالم. وهي كذلك ~~لا تتصل بالكنيسة المنظورة، ولا شأن لها بطقوس العبادة؛ لأنها من شأن العقل ~~والقلب والحرية . # ستأتي مملكة الله. سيشدو بها ~~هلدرلين بعد ذلك في حماس وحنين لا نظير له في روايته الوحيدة «هيبريون». ~~سيقول: إن الدولة لن تقيمها، بل سيمنحنا إياها ربيع الشعوب، وتدثرنا في سحابة ~~ذهبية، وتحملنا بعيدا فوق الموت والفناء. وسندهش ونصاب بالذهول، وسنسأل نحن ~~التعساء الذين طالما اشتقنا للربيع: أحقا صارت مملكة الله لنا؟ # ولكن متى يتم هذا؟ عندما تبزغ الكنيسة الجديدة، حبيبة الزمان وأجمل بناته ~~وأصغرها من بين الأشكال القديمة البالية. عندما يستيقظ الإحساس بالإله في قلب ~~الإنسان، فيعيد إليه الشعور بألوهيته وشبابه ونضارته وبراءته. إن هلدرلين ~~يعترف أنه لا يحس بها، ولا يمكنه أن يتنبأ بموعدها، ولكنه على يقين من أنها ~~ستأتي. فالموت هو رسول الحياة. وما دمنا نرقد اليوم كالمرضى، ونشعر بدبيب ~~الموت في نفوسنا وأجسامنا، فإن هذا هو بشير الصحوة القريبة والربيع ~~الجديد: # لهذا أحتفل اليوم بالعيد، # وفي المساء في ظل السكون # تزدهر الروح حولي ولو جلل شعري المشيب، # مع ذلك أنصحكم يا أصحابي # أن تعدوا للمأدبة والغناء، والباقات الوفيرة والأنغام # وكأننا شباب خالدون ... # ويطلب هلدرلين من أحبابه وبني وطنه وعصره أن يتذرعوا ~~بالهدوء والسكون. فالسكون هو شرط التجدد الروحي المأمول. وكلاهما موصول ~~بالقدرة على الإنصات وحسن الاستماع لصوت الوجود الحق، أو صوت الخالدين ~~السماويين، الذي لا يفنون ولا يبخلون. ولا بد للاتحاد مع هؤلاء الخالدين أن ~~نكون قادرين على الانسجام معهم، أي أن يتجانس الصوت البشري مع الصوت الإلهي ~~في نغم واحد وسر واحد. ولا بد أيضا أن نحسن الإنصات؛ لكي ندخل في الحوار ~~الشجي، ونعود حوارا كما بدأنا ولغة واحدة هي لغة البراءة والقداسة والحب؛ ms040 ~~لأنها هي لغة القلب. ومن لا يحسن الإنصات، فلن يحسن إلا النزاع ~~والخلاف: # فعندما تطلعوا في البداية إلى بعضهم # بدأ الآخرون يقتربون، # عندئذ جلس رجالنا المتلهفون تحت شجرة الزيتون، # ولكن عندما تلامست ثيابهم # ولم يستطع واحد منهم # أن يسمع قول الآخر # نشب بينهم النزاع ... # ولكنهم لا يكادون يتبادلون الكلمة حتى يتم الصلح بينهم، # وتطلعوا إلى وجوه بعضهم لحظات، # ثم مدوا الأيدي في حب، # وسرعان ما تبادلوا السلاح # وكل ما في البيت من زاد طيب، # وتبادلوا الكلمة أيضا ... # وبدأت الكلمات تأتي من هنا ومن هناك. وبلغت المحبة ذروتها ~~في الحوار، فهو روح الحياة وحياة الروح: # ليس حسنا # أن تستحوذ الخواطر الميتة # على المرء وتسلبه الروح، # لكن الحوار حسن والتعبير عن رأي القلب. # ستتحقق إذن مملكة الله على الأرض، ويتحقق معها الروح ~~الشامل عندما تتحد النغمة الوحيدة في النغم العام، ويذوب الفرد في تطور الكل ~~ونمائه، وتصبح لغة الحب هي لغة سكان الأرض: # لتكن لغة الأحباب # هي لغة الأرض. # هنالك يزدهر الروح حولنا نحن البشر. وحين تأتي هذه الساعة ~~تصبح شريعة المحبين هي شريعة السلام: # أما الشرائع التي تصدق على المحبين # وتحقق التوازن الجميل، # فستصدق على كل الكائنات # من الأرض إلى أعلى السماوات. # تلك هي مملكة الله التي تراود خيال الشاعر. مملكة ستديرها ~~شريعة الحرية والحب والوفاء التي يخضع لها الخالدون، وستأتي في المستقبل ~~عندما ينجلي ليل المحنة، وينتبه البشر إلى الإله الكامن فيهم، وفي كل ما يحيا ~~من حولهم، ويتعلمون لغة الحب والحوار، وينتظرون المنقذ الذي سيحررهم في ثقة ~~وصبر واطمئنان «ففي أوقات الخطر تتجلى سبل النجاة». وقد عبر هلدرلين عن هذه ~~المملكة المقبلة بشعر صادر عن القلب، كما عبر عنها صديقاه بالتأمل المجرد أو ~~بالرؤيا والحدس. وآمن ثلاثتهم بأن مملكة الحب والحق والعدل لن تهبط من ~~السماء، بل لا بد أن تنبع من إرادة الفرد، ولا بد أن يبنيها الرجال بالعرق ~~والجهد. # تفرق الأصدقاء الثلاثة كما رأينا، وآثر الشاعر أن يسير وحده ويتبع نجمه. ~~لم يكن السبب في هذه الفرقة ms041 أن هلدرلين كان بطبعه ملولا خجولا، لا يكاد ~~يستقر في مكان أو يطمئن لإنسان، وأن الكآبة والغرب والوحدة كانت جراحا غائرة ~~في قلبه تستعصي على كل دواء، بل إن السبب الحقيقي يرجع قبل كل شيء إلى موقفه ~~من الفلسفة. لقد أقبل على دراستها في صبر وعناد، وراودته - كما ذكرنا - في ~~فترة من فترات حياته فكرة تعليمها في جامعة «يينا». ومن حسن حظ الشعر أن ~~الجامعة أغلقت أبوابها في وجهه. وجرب نفسه في كتابة بعض المقالات والتعقيبات ~~الفلسفية فلم يكن لها صدى في نفسه، ولا في نفوس الناس. واكتشف في نهاية ~~الأمر - كما اعترف بذلك في شهر يناير سنة 1799م في سياق كلامه عن «صنعة الشعر ~~العذبة» - أن الفلسفة قد أضنته إلى حد اليأس، ووصفها بأنها نوع من السخرة، ~~وأن الحياة معها أشبه بحياة الجنود في المعسكرات. كان كلما انصرف إليها شهق ~~قلبه حنينا إلى «عمله الحبيب»، كما يحن الرعاة السويسريون أثناء فترة ~~تجنيدهم إلى المراعي والسهول والقطعان. وكان يسأل نفسه على الدوام: لماذا ~~تحرمه الفلسفة من الطمأنينة والسلام؟ ولماذا يكون كالطفل المسالم الطيب عندما ~~يفرغ لإلهامه العذب، وينصرف إلى الشعر وهو أكثر الأعمال براءة؟ # لا عجب إذن أن يعلن سخطه على «طغيان» الفلسفة، ويتمرد على قيودها، ويضيق ~~بلغتها، ويهرب بنفسه وموهبته من حيلها وفنونها وأفكارها المجردة. # ولعل المسئول عن هذا السخط هو فشته (1762-1844م) الذي كان «روح مدينة ~~يينا»، وزعيم الفلسفة في ذلك الحين. قدمه صديقه «مانويل نيتهامر» إلى بعض ~~رجال الفكر الذين يشغلون المدينة بأخبارهم. ويحدثنا هذا الصديق في مذكراته عن ~~اجتماع ثلاثة منهم في إحدى أمسيات الصيف في بيته. وكان هؤلاء الثلاثة هم فشته ~~وهلدرلين ونوفاليس الشاعر الرومانتيكي الرقيق الحزين، الذي كان في ذلك الحين ~~في الثالثة والعشرين من عمره. ولسنا ندري ماذا تم في هذا اللقاء، ولكن إشارة ~~واحدة من نيتهامر عن النصيحة التي وجهها إليه صديقه هلدرلين بأن يحمي نفسه من ~~الأفكار المجردة يمكن أن تلقي شيئا من الضوء على رأي شاعرنا في الفلسفة ~~والفلاسفة. # وطبيعي ms042 أن لا يكون هذا اللقاء العابر هو سبب سخطه على الفيلسوف الكبير. ~~فقد سبق أن أبدى إعجابه به، وتحمس لفلسفته إلى حد أن قال لهيجل في إحدى ~~رسائله التي أرسلها إليه في شهر نوفمبر سنة 1794م إنه لا يعرف له نظيرا في ~~عمقه وطاقته العقلية الفذة. بيد أن هذه العبارة كانت بنت اللحظة. فلم يلبث أن ~~شعر بآفة التسلط الكامنة في هذه الفلسفة المجردة . ها هو ذا يعترف لهيجل في ~~شهر يناير سنة 1795م بأنه اشتبه في جمود فشته وتزمته، وبدا له أن الفيلسوف ~~يقف في مفترق الطرق. ولعل شبهة التزمت (أو ما يعرف في لغة الفلسفة بالنزعة ~~الدجماطيقية) أن تكون من أصدق وأقسى ما يوجه إلى هذه الفلسفة المثالية ~~المتطرفة التي تقوم في أساسها على أن «الأنا» هي التي تضع الواقع أو الوجود ~~الخارجي. ومهما حاول فشته أن يدفع التهمة، فإن محاولته تستند إلى نفس الفرض ~~الذي بنى عليه فلسفته. # مهما يكن من شيء، فإن الحوار الفكري الجاد لم يأت إلا بعد مرور فترة ~~طويلة على لقائه بالفيلسوف في بيت صديقه، وذلك عندما كتب في أواخر سنة 1799م ~~مقاله الذي لم يتمه عن الدين. حاول هلدرلين في هذا المقال أن يرد على فلسفة ~~فشته في المطلق، ويناقش فكرته عن أن الذات هي التي تضع الوجود، أي إن الوجود ~~لا قيمة له إلا من جهة تأكيده لوجود الذات. أما فكرته عن الذات الأخرى أو ~~«الأنت» التي اعتبرها مجرد «وسيط لتأدية وتوضيح واجباته الأخلاقية»، فقد رد ~~عليها هلدرلين بفكرة أخرى مطلقة، نابعة من تفكيره الإلهي العميق عن العلاقة ~~الحميمة التي تجمع الأنا والأنت. ولا بد من باب الإنصاف أن نقول إن هذه ~~الفكرة كانت جديدة كل الجدة في تاريخ الفلسفة، وإنها انتظرت أكثر من قرن ونصف ~~قرن، حتى تناولها الوجوديون في الزمن الحديث - وبخاصة هيدجر وسارتر وياسبرز - ~~فتعمقوها إلى أبعد حد في فكرتهم عن الوجود من أجل الآخرين. # لننظر في كلمات هلدرلين التي عبر بها عن فكرته الفلسفية تعبيرا يلائم ~~حقيقة ms043 قلبه وحياته. فإذا أراد الإنسان في رأيه أن يتحدث عن الألوهية، وأن ~~يكون حديثه من القلب لا من القراءة أو الذاكرة أو بحكم الصنعة، فلن يستطيع ~~بالرجوع إلى نفسه وحدها أو الموضوعات الخارجية المحيطة به أن يتبين أن في هذا ~~العالم روحا أو إلها، أو أنه يزيد عن كونه مجرد جهاز آلي ضخم، يتحرك حركة ~~مستمرة، وإنما يمكنه أن يتبين هذا لو اتصل بما يحيط به ، ومن يعيشون معه ~~اتصالا حيا مترفعا عن الحاجات الضرورية. من هنا يكون لكل إنسان إلهه ~~الخاص، بقدر ما تكون له دائرته الخاصة التي يعمل فيها. وبقدر ما يشترك عدد من ~~الناس في دائرة واحدة يعملون فيها، ويتعذبون بصورة إنسانية - أي بصورة تسمو ~~على كل حاجة ضرورية - بقدر ما يشاركون في الألوهية. ويستطيع الإنسان أن يضع ~~نفسه في موضع الآخر، كما يستطيع أن يجعل الدائرة التي يحيا فيها الغير دائرة ~~خاصة به، أي إنه لن يعجزه أن يقر بطريقة الإحساس بالألوهية وتصورها على نحو ~~ما تتأتى من العلاقات الخاصة التي تربطه بالعالم الذي يعيش فيه - بشرط ألا ~~يكون هذا التصور وذلك الإحساس صادرين عن حياة متطرفة في العاطفة أو الغرور أو ~~العبودية ... هكذا تبدأ تجربة الروح أو الإله على حدود الفرد. وحيث تتفتح هذه ~~الحدود على القدر والكل والأنت تتم تجربة المطلق. # الواقع أن هذه الفكرة لا تختلف عن فكرة «فشته» إلا في الظلال الطفيفة ~~التي تكسوها. فكلاهما يرى أن الإنسان لا يجرب واقعه إلا من خلال لقائه مع ~~شريكه أو مع الآخر كما تقول الفلسفة المعاصرة. غير أن نقطة البداية التي ~~ينطلقان منها تختلف عند الفيلسوف عنها عند الشاعر. فالفيلسوف يعنيه أن «يصنع» ~~الإنسان نفسه عن طريق تحقيق مجال طاقته أو دائرته الخاصة، أي إنه لا يشعر ~~بتحقيق طاقاته وإمكاناته إلا بالاصطدام بمجال آخر أو دائرة أخرى. إنه «يضع» ~~نفسه - بالتعبير الشائع في المثالية الألمانية - عندما يقيم «الوضع المضاد» ~~له. # أما الشاعر فينصب اهتمامه على اللقاء الذي يتم بين الأنا والأنت التي ~~يضعها القدر ms044 في طريقه، بحيث يبرز «الثالث» أو المطلق الذي «يقوم بيني وبينك». ~~وليس لنا أن نتوقع من الشاعر أن يتولى هذه الفكرة بالتحليل والتفصيل، فما ~~خلق الشعراء لشيء من هذا. ولهذا نجده يقف فجأة عند هذا الحد، بينما يمضي ~~«فشته» مع فكرته على ترتيب دقيق، حتى يصل بها إلى الغاية المرسومة لها في ~~فلسفته وهي «الفعل». # على أن الشاعر لن يعدم فرصة يعبر فيها عن فكريته تعبيرا ملموسا، فهو ~~يكتب في شهر نوفمبر سنة 1798م رسالة إلى شقيقه يقول فيها: ~~«هكذا يجب علينا أن نقدم التضحية للألوهية التي تجمع بيني وبينك، ~~فنحتفل باللطف والنقاء اللذين يتمثلان في حديثنا عنها إلى بعضنا البعض، ~~كما نحتفل بالروح الأبدي الذي يربط بيننا.» وتعود هذه الصورة في رسالة ~~متأخرة إلى صديقه «بولندروف» بعد أن تغيرت قليلا واكتسبت شيئا من ~~العمق: «أنا في حاجة إلى أنغامك النقية، إن الروح التي تؤلف بين ~~الأصدقاء، ونمو الفكرة في مجرى الحديث وعلى صفحات الرسائل المتبادلة ~~بينهم أمور لا يستغني عنها الفنانون. ولو لم يكن الأمر كذلك ما بقيت لنا ~~فكرة، وظلت ملكا للصورة المقدسة التي نكونها». # والفكرة الأصلية هنا واضحة متميزة، على الرغم من غموض العبارة وبخلها. ~~فالشاعر يكرر رأيه الذي عرفناه، ويزيده قربا. إنه يؤكد أن تجربة المطلق أو ~~الروح التي تجمع بين الأصدقاء ليست تجربة مجردة أو معلقة في الفراغ أو فوق ~~السحاب، بل هي تجربة «بيني وبينك» يمكن استخلاصها من الأحاديث العادية التي ~~تدور بين الناس كل يوم. أما الصورة المقدسة التي نكونها بأنفسنا، فهي تشير ~~إلى بعد أسطوري عميق وجديد. فلعلها تريد أن تقول إننا نحن البشر نشارك في ~~عمل المبدع الأعظم، ونسهم في جهود القوى الخلاقة، وفي «نسج صورة الزمان ~~التي يرسمها الروح الأكبر»، على نحو ما تقول قصيدة «الاحتفال بالربيع» التي ~~أشرنا إليها من قبل. وواجبنا في هذه الحياة هو أن نقف من الخالق المدبر موقف ~~الطاعة والخشوع، ونتأمل حكمته المتجلية في الطبيعة والروح. ~~••• # هذه هي منزلة هلدرلين من المثالية الألمانية، وصلته بروادها ms045 الثلاثة ~~الكبار، عرضتها بإيجاز شديد أرجو ألا يكون مخلا. وقد رأيت بغير شك أن ~~هلدرلين يفكر تفكير شاعر يبتعد جهده عن التجريد، ويلتزم دائما بالواقع ~~المجسد، ويرتبط بتيار التحول والصيرورة في الحياة على اختلاف صورها وألوانها. ~~إنه يصغي على الدوام لدقات قلب الحياة، ويرصد عمليات التغير والنمو التي تتم ~~في تيارها الدافق. وليس من طبيعة هذا الفكر أن يكون مذهبيا مغلقا أو ~~نهائيا تاما في ذاته؛ لأنه في حالة نشوء مستمرة. ولا يهم صاحبه أن يشيد ~~بناء من التصورات والأفكار يرتفع طبقة فوق طبقة، بقدر ما يهمه أن يكون في ~~حركة متصلة، ويتغلغل فيما يحيط به من أسرار القدر والوجود، ويتتبع الخيوط ~~التي يتألف منها نسيج الحياة. وهو لهذا كله فكر يعرف حدوده - وتلك هي أول ~~خطوة على درب المتواضعين الخاشعين الذين أعطاهم الله موهبة الطاعة والانتظار، ~~وأنعم عليهم بالقدرة على التعلم من الطبيعة والإنصات لصوت الوجود - إنه يقف ~~من هذه الطبيعة الإلهية موقف العبد الخاشع والتلميذ المطيع، ويحاول أن يتعلم ~~منها، ويغري الناس بأن يحبوها ويتعلموا منها كما يقول في قصيدته عن بلاد ~~اليونان: # لأن الطبيعة مفتوحة من قديم الزمان؛ # ليتعلموا منها كالأوراق والخطوط والزوايا. # وهو يحاول أن يصل إلى الروح الموجود في كل ما هو حي، وإن ~~كان يعلم أن هذا الروح يحجب وجهه عن فضول البشر، كما يحسن أنه «قريب وعصي على ~~الإدراك»، ولكنه لا يعبر عن هذا الروح بالتصورات والكلمات المجردة، وإنما ~~ينظر إليه بعين الشاعر، فيرى سحره المنثور على جسد الأرض، ويصور انعكاساته ~~على وجدانه بلغة مكثفة وصور حية توشك أن تكون محسوسة وملموسة. فإذا أراد أن ~~يعبر عن الأمل أصبح عنده وهجا حيا ملموسا، وإذا أراد أن يصور السلام لجأ ~~للحدث المحسوس الذي تلمحه العين، ويهتز له القلب. انظر إليه مثلا وهو يخاطب ~~الخالدين: # الأنسام اللطيفة الأنفاس # تبشر بكم، # الوادي الذي يتصاعد منه الدخان، # والأرض التي لا تزال تدوي بالعواصف والأنواء # تعلن عنكم، # لكن الأمل يكسو الخدود بالاحمرار، # وأمام باب البيت # تجلس الأم مع ms046 طفلها # وتتطلع للسلام. # لهذا كله يقترب هذا الشعر من روح الفلسفة، وإن ابتعد ~~الشاعر عن الفلاسفة، وأعرض عن نهجهم المرتب ولغتهم المجردة، ووصفهم بأنهم ~~طغاة متزمتون، وتسلل في جنح الليل هاربا من مدينتهم «يينا» بعد أن شعر ~~بوحدته وبؤسه أمام قصرهم الفخم الذي وضعت عليه لوحة «المثالية ~~الألمانية». # ولهذا أيضا نوه بعض الشراح بالقرابة الروحية التي تجمع بين هلدرلين وبين ~~المفكرين السابقين على سقراط. فقد كانوا مثله يفكرون في الطبيعة، ويحيون في ~~قلب الأسطورة، ويدهشون لمعجزات الوجود الممتدة أمام أبصارهم. وكانوا لذلك ~~مفكرين شاعريين يعبرون عن انبهارهم بالوجود بلغة الصورة والرمز والخيال، كما ~~كان فكرهم هو الفجر الذي سبق ظهور الفلسفة بمعناها الدقيق. فإذا رأينا واحدا ~~منهم مثل هيراقليطس يصور الروح أو العقل أو اللوجوس في صورة البرق الذي يسطع ~~في السماء، فإن هلدرلين - الذي أعجب به وأحبه وأقام فكره على أساس كلمته ~~المشهورة عن الواحد - لا يبتعد عنه كثيرا حين يرسم التفكير - في قصيدته عن ~~بلاد اليونان - على هيئة الأثير الرفاف، ويصور الحب بلون البنفسج الأزرق الذي ~~يكسو الأرض: # النيران أسيرة بين الشطآن المعشبة، # وكذلك العناصر الأربعة، # أما الأثير فيحيا في الأعالي في تفكر خالص. # وأما النور فهو فضي في الأيام الصافية، # والأرض زرقاء بلون البنفسج # علامة الحب. # لعل صلة القربى بين هلدرلين والمفكرين اليونانيين قبل ~~سقراط أن تكون من أقوى الأسباب التي جذبت فيلسوف الوجود «هيدجر» إلى الاهتمام ~~بشعره، وتكريس عدد من بحوثه ومحاضراته عنه. فالمعروف أن هيدجر قد عني بدراسة ~~المفكرين قبل سقراط، وبخاصة هيراقليطس وانكسمندر وبارمنيدز. والمعروف أيضا ~~أنه لا يرى أنهم فلاسفة بالمعنى المصطلح عليه في تأريخ الفلسفة، وإنما هم ~~عنده مفكرون كبار، ومحبو الحكمة أو حكماء الحب؛ ذلك لأنهم كانوا قريبين من ~~الأصل والمنبع، أي من الوجود نفسه، قبل أن تتوه الميتافيزيقا الغربية - بسبب ~~نسيانها لهذا الوجود منذ عهد سقراط وأفلاطون حتى نيتشه، أو بالأحرى حتى هيدجر ~~نفسه - على دروب الموجود. # 2 # وليس هذا هو مجال الإفاضة في هذا القول؛ لأن الذي يعنينا الآن ms047 هو ~~أن هؤلاء المفكرين «الشاعريين» كانوا من أقوى الأسباب التي أغرته بالإقبال ~~على شرح قصائد هلدرلين (إلى جانب أسباب أخرى قومية لا أشك فيها) وبيان قيمته ~~الكبرى كشاعر مفكر، لا بل كشاعر الشعراء الذي عكف أكثر من أي شاعر سواه على ~~تأمل ماهية الشعر، وبالتالي ماهية اللغة والوجود. فهو عنده شاعر الشعر الذي ~~حقق ماهيته، وسكن حيث يتجلى نور الوجود، ويكشف الحجاب عن سره. وهو الذي أحس ~~محنة «الليل الكوني» الذي نعيش فيه كما لم يحسه أحد قبله ولا بعده. وهو الذي ~~شعر بأن الرب قد تخلى عن البشر وانطفأ بريقه الذي يشرق عليهم - وهو ما يسميه ~~هيدجر نسيان الوجود - كما لم يشعر به أحد غيره، وكان هذا النسيان عنده هو ~~محنة المحن. # فكر هلدرلين في الوجود نفسه، ولم يحبس نفسه في أسر الموجود. وعلينا أن ~~نفك قيودنا، وننصت لندائه إن أردنا حقا أن نخرج من محنة الليل الذي يدثر ~~الكون. فالوجود قريب منا كما يقول الشاعر في قصيدة «العودة»، ولكنه في نفس ~~الوقت بعيد، ولذلك لا نكف عن البحث عنه. # والشاعر يتغنى بالوطن في أكثر من قصيدة. والوطن الذي يتغنى به ليس هو ~~الوطن الجغرافي، بل هو القرب من الأصل والمنبع. وهو يتمنى أن يعود إليه؛ ~~لأن من العسير - كما يقول في قصيدة «التجوال» - أن يهجر المكان من كان قريبا ~~من الأصل، ولأن التغني بالوطن هو صنعته ورسالته، ولأن العودة للوطن ليست إلا ~~القرب من أصل كل الموجودات، أي من الوجود نفسه. وهو لا يقترب منه بالشعر ~~فحسب، بل إن الشعر نفسه هو القرب من الأصل؛ لأنه هو الذي يعبر عن فرحة القرب ~~من سره الذي يتجلى ويحتجب، ويهب نفسه ويبخل بها في آن واحد. بهذا تمتزج ~~الفرحة بالحزن، وتختلط السعادة بالهم. # ولكن هذا الشعر لا «يقول» شيئا عن الأصل. وكيف يتسنى له أن يسمي ما لا ~~سبيل إلى تسميته؟ فليكن الشعر إذن غناء، لا بل عزفا على الأوتار. وليكن في ~~نفس الوقت فكرا أو تفكرا فيما يقال عن ms048 الأصل والسر. # والشعر عند هلدرلين هو أكثر المشاغل براءة، ولكنه في نفس الوقت أشدها ~~خطرا. # فهو شكل من أشكال اللعب، يخلق عالمه من الصور والأخيلة بحرية وبلا قيد، ~~ولكنه يخلقها من «مادة» اللغة، واللغة هي أخطر ما أعطي للإنسان، بها يخلق ~~ويبدع، ويقوض ويحطم، وعن طريقها يرجع من جديد إلى الأم والمعلمة الخالدة التي ~~لقنته أسمى ما لديها من جوانب الألوهية، وهو الحب الذي يرعى ويصون، ولكن ~~الشعر لعب خطر أيضا؛ لأنه يجمع البشر ويضمهم في «أساس» وجودهم، ويشعرهم ~~بالراحة في ظله، ويبعدهم عن مشاغل الحياة اليومية وضجيجها ومتاعبها. # لكن الشعر يقال وينطق بالكلمات. واللغة إذن هي مجال «أكثر المشاغل براءة» ~~وهي في نفس الوقت أخطر ما وهب الإنسان من خيرات - لا لأنها تستطيع بالكلمة أن ~~تعبر عن أصدق الأشياء وأسماها، أو أحقرها وأدناها، بل لأنها هي الشهادة على ~~انتمائه للموجود بكليته، أي الشهادة على إمكان التاريخ نفسه. وهي كذلك أخطر ~~ما وهب الإنسان؛ لأنها تتحمل مسئولية الكشف عن الوجود، فتشعله حماسا إذا ~~حضر، أو تملؤه هما وخيبة أمل إذا غاب. # واللغة ليست مجرد أداة للتفاهم، ومن يقول بهذا يبتعد عن حقيقتها وجوهرها. ~~إنها هي التي تكفل للإنسان إمكانية أن يظل منفتحا للوجود، وبهذا تضمن له أن ~~يصبح موجودا تاريخيا. # وحيث تكون اللغة يكون العالم، أي تكون دائرة الأعمال والقرارات ~~والمسئوليات، وكذلك دائرة الضلال والضجيج والعسف والعطب والاضطراب. # اللغة ليست أداة، وإنما هي «الحدث» الذي يتحكم في أعلى إمكانات الإنسان. ~~وماهية الشعر لا يمكن على هذا الأساس أن تفهم بالرجوع إلى ماهية اللغة، بل إن ~~العكس هو الصحيح؛ إذ لا بد أن تفهم ماهية اللغة بالرجوع إلى ماهية الشعر ~~نفسه؛ لأنه هو «اللغة الأم» أو اللغة الأولى التي تؤسس الوجود ~~بالكلمة. # يقول هلدرلين في إحدى قصائده التي لم تتم: # جرب الإنسان الكثير، # وسمى من السماويين الكثير # منذ أن كنا حوارا # ونسمع عن بعضها البعض. # وإذن فنحن البشر حوار. ووجودنا يقوم باللغة وعليها، لكن ~~هذه اللغة «لا تحدث» إلا حيث يكون ms049 الحوار، ولا تبلغ حقيقتها إلا به. وليست ~~اللغة المقصودة هي نسق الكلام وقواعده وبنائه النحوي والصرفي، فهذه كلها ~~مظاهر اللغة. إنما «الحدث» الجوهري للغة هو الحوار، والحوار يفترض إمكانية ~~السماع والإنصات لبعضنا البعض، والحوار يفترض كذلك أن تكشف الكلمة الجوهرية ~~عن الشيء الواحد الذي يمكن أن نتفق عليه، ونتحد به، ويحمل وجودنا. وهذا الذي ~~نتحد عليه لا بد أن يكون شيئا ثابتا وباقيا. # ولكن هلدرلين يقول: منذ أن كنا حوارا، أي منذ أن كان الزمن، ومنذ أن ~~كنا في التاريخ، أي إن الوجود في الحوار وفي التاريخ شيء واحد ونفس ~~الشيء. # منذ أن كنا حوارا جرب الإنسان كثيرا وسمى عددا كبيرا من الآلهة، أي ~~التقط إشاراتهم وأبلغها للبشر على نحو ما يسبق النسر العواصف والبروق ~~والرعود، ويعود للأرض لينبئ «الشعب» بمقدم الآلهة، وبهذا يقف روح الشاعر ~~الجسور بين الآلهة والبشر، ولعل مأساة الشاعر ترجع إلى وقفته في زمن المحنة ~~والليل، بين عهد مضى وغابت عنه الآلهة، وعهد آخر ينتظر قدومهم ولم يأت ~~بعد. # ولعل عظمته أن تكون راجعة إلى قدرته على الانتظار والصبر والخشوع، وبهذا ~~كان بحق شاعر المحنة. # منذ أن كنا حوارا جرب الإنسان كثيرا وسمى عددا كبيرا من الآلهة، ~~ومنذ أن كانت اللغة حوارا تكلم الآلهة وظهر العالم في نفس الوقت، ولكن ~~الآلهة لا تتكلم إلا بلساننا، والعالم لا يظهر إلا لنا. ومعنى هذا أن وجود ~~الإنسان ارتبط بوجود الحوار وقام عليه. # فإذا سألنا: من الذي بدأ هذا الحوار الذي هو نحن، ومن الذي سمى الآلهة، ~~وانتزع من الزمن المتغير الهدام شيئا باقيا عبر عنه بالكلمة، كان جواب ~~الشاعر في ختام قصيدته «ذكرى» على هذا النحو: ~~«أما ما يبقى فيؤسسه الشعراء». والعبارة تكشف لنا عن ماهية الشعر. # فليس الشعر زينة ولا تسلية ولا مظهرا حضاريا ولا لعبة في أيدي النقاد ~~وأصحاب الجمال. إنما الشعر «تأسيس» بالكلمة وفي الكلمة. # ما هذا الذي يؤسسه الشعر؟ هو ما يبقى ويثبت ويدوم. وهو يؤسسه حين ينتشل ~~هذا الشيء الثابت من تيار التغير ms050 الجارف، ويستنقذ البسيط من المعقد، والمعيار ~~من خضم الفوضى والاضطراب. ولا بد له أن يكشف الحجاب عن الوجود لكي يتاح ~~للموجود أن يظهر. ومسئولية الشعراء تفرض عليهم أن يبقوا على ما من شأنه أن ~~يبقى، ويصونوا ما من شأنه أن يصان. وهي «عناية يبذلونها، وخدمة يناط بهم ~~أداؤها» أي بذل وعطاء صادران عن حرية واختيار. والحرية في صميمها التزام بقدر ~~أسمى وضرورة عليا. والقدر الأسمى والضرورة العليا التي يتحملها الأدب عموما ~~والشعر بوجه خاص هي أن يؤسس الوجود بالكلمة، أي يدعم صلة الموجود الإنساني ~~بالوجود. بهذا يكون وجود الإنسان في صميمه وجودا شعريا؛ لأن الإنسان - كما ~~يقول الشاعر - يسكن على الأرض سكنا شعريا. ~~••• # إذا أردنا الآن أن نستخلص من شعر هلدرلين ونثره وحياته الكسيرة البائسة ~~فلسفة، فيمكن أن نقول إنها نمت وتطورت وفقا لقانون التطور الدوري، أو ما ~~يسميه هو نفسه «دورة الحياة» حين قال في قصيدة تحمل هذا الاسم: # هكذا أعبر قوس الحياة # وأعود إلى حيث جئت. # أخذت هذه الفلسفة في روايته «هيبريون» شكل وحدة الوجود، ~~فكانت الطبيعة الإلهية بكل قواها وعناصرها وحدة واحدة مع البشر الفانين ~~والسماويين الخالدين. ثم تطورت في قصائده المتأخرة إلى نوع من الواحدية أو ~~«التوحيد» الذي يضم عناصر من الوثنية الإغريقية بآلهتها المتعددة، ومن وحدة ~~الوجود والمسيحية. ووجدناه يتحدث عن إله أعلى خارج حدود الزمان يسميه «إله ~~الآلهة»، إلى جانب درجات أخرى من الألوهية كان آخر من ظهر منها هو ~~المسيح. # هناك أيضا دورات أخرى يتعاقب فيها الليل والنهار، ويتجلى الإله للبشر ~~أو يحتجب عنهم، على حسب قدرتهم على احتمال نوره الباهر. # وقد كان كل هم الشاعر في أعماله المتأخرة أن يبرر طرق الرب المختلفة إلى ~~الناس. وإن كان قد فعل هذا من خلال تجربته الفاجعة بمأساة الحياة، ومأساة ~~الشاعر في عالم لا يفهمه ولا يسمعه، وتجربته الأشد فجيعة عن «الرب الذي لم ~~يعد يتحرك فوق رءوسنا من زمن طويل». # ويتصل بهذا فكرته عن أن الإله قريب، وعصي على الإدراك، وعن النور الرباني ~~الساطع ms051 الذي لا يحتمله البشر، والذي يفاجئهم، فيرتعشون لحظة، ويظلون يسألون ~~بعد ذلك عن سره. وهي فكرة نجد جذورها في كثير من نصوص العهد القديم وكتابات ~~الأسرار والتراث الشعري، كما نجد لها نظائر في آداب مختلفة عند شعوب متعددة، ~~كما نراها مثلا في الفردوس المفقود لملتون أو في شعر وليم بليك (1757-1827م) ~~الذي يعبر عن هذا المعنى في إحدى قصائده «الصبي الأسود الصغير»: # لقد وضعنا على الأرض فترة قصيرة من الزمان علنا نتعلم كيف نحتمل ~~أشعة الحب. # وتتصل فكرة هلدرلين عن الليل والوحشة وزمن المحنة بفكرته عن «الليل ~~الكوني»، حيث يحتجب الرب ويبتعد، ويتخلى عن البشر فلا يتجلى لهم ولا يهديهم. ~~وفي ليل الوحشة والمحنة يزداد غرور الإنسان، وينسى قوانين السماء، ويتخطى ~~حدود قدرته، أي يزل الزلة الكبرى التي حذر منها اليونان في أدبهم وفلسفتهم، ~~وجعلوها أكبر الكبائر، وأشنع ~~الخطايا. # أما نهاية الفلسفة والشعر وغايتهما الأخيرة، فهي كما تقدم «العودة للوطن» ~~أي للأصل والمنبع، للوجود الذي يظهر كل موجود، لكي تتم الدورة، ويتحد الكل، ~~ويجتمع المتفرق، ويسود التجانس والصلح والوئام. # وواضح أن هذه الفلسفة تمد جذورها في عاطفة التدين العميقة التي كانت تغمر ~~كيان هلدرلين، ولكنه تدين ورع خاشع لا صلة له بالكنيسة، ولا برجال الدين الذي ~~رفض بعناد وإصرار أن يصبح واحدا منهم. وهو التدين الذي يجعله يرتبط بكل شيء ~~وكل إنسان، ويحس الروح الإلهية في كل ما تقع عليه عيناه، ويعبر عن إحساسه ~~تعبيرا أسطوريا، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء ذلك التدين الذي يضع الإنسان ~~في مركز الوجود، فقد آمن هلدرلين بأن «الإلهي» يحتاج كذلك للإنسان. وأقواله ~~في هذا الصدد كثيرة ومتعددة. فهو يقول مثلا في قصيدته التي جعل عنوانها ~~باليونانية وسماها «ميموزينة» أي ذكرى: # لأن السماويين لا يقدرون على كل شيء؛ # إذ لا بد أن يسبقهم القانون إلى الهاوية. # هكذا يتغير حال هؤلاء. # طويل هو الزمان، لكن الحق يتم ... # كما يقول في الصياغة الثانية لمسرحيته «موت إمبادوقليس»: ~~ماذا كانت تصبح السماء والبحر، لو لم أعطها النغمة ms052 واللغة والروح؟ كما يقول ~~في قصيدته عن نهر الراين: وإذا كان السماويون يحتاجون لشيء، فهم يحتاجون ~~للإنسان. # وهي في النهاية عاطفة التدين التي تفيض بالروح الإنسانية، وتتطلع لإنسان ~~المستقبل، وتعمل أيضا من أجله. الإنسان المتكامل الشامخ الحر البريء من ~~العبودية التي كان هلدرلين يرى الناس في عصره غارقين فيها إلى آذانهم. ~~الإنسان الذي يحيا في ظل الكنيسة الحرة، أي المدينة الحرة العزيزة التي يتكلم ~~الناس فيها فيكون كلامهم حوارا ، ويحسنون السماع والإنصات لبعضهم ~~البعض. # مهما يكن رأي القارئ في هذه الفلسفة، فلا يمكن الإغضاء عن أهمية هلدرلين ~~كشاعر مفكر، أو إن شاء كشاعر فيلسوف. إن الفكر وحده لا يصنع شاعرا، والعاطفة ~~وحدها لا تصنعه أيضا. وكل الشعراء العظام قد حققوا نوعا من التوازن الجميل ~~بين الفكر والوجدان، وبين القلب والعقل، فجعلوا من الأفكار أغنيات، وأشاعوا ~~نبض الحياة في التأملات. والواقع أن الحدود الفاصلة بين الفكر والشعر دقيقة ~~ورقيقة كالزجاج الشفاف، وهما متقاربان يسكنان - على حد تعبير الشاعر الذي ~~أوردناه فيما سبق - على قمة جبلين متجاورين وإن كانا منفصلين. # ومع ذلك فقد فطن هلدرلين إلى خطر الفلسفة على موهبته، وشكا في بعض فترات ~~حياته من أن الفكر قد أربكه وشتته، وقال على لسان بطله هيبريون، الذي هو في ~~الحقيقة هلدرلين نفسه: إن الإنسان يكون إلها حين يحلم، وشحاذا حين يفكر. ~~وقد كانت الحياة الفلسفية على أيامه هي المسئولة عن ارتباكه وتشتته. فقد وصلت ~~الميتافيزيقا الألمانية إلى الأزمة التي بررت شكواه. وبلغت أزمة الثنائية ~~العتيقة ذروتها، فأبعدت بين العقل والعالم، والفكرة والواقع، والتأمل والحدس ~~المباشر، والفن والطبيعة. وكان على الأدباء والشعراء أن يلتمسوا لأنفسهم ~~مخرجا من هذه الأزمة التي تحاصرهم من كل مكان. غرق بعضهم إلى أذنيه في بحر ~~الفلسفة، مثل شيلر الذي ظل هلدرلين فترة طويلة من حياته يعده مثله الأعلى في ~~الأدب والرجولة على السواء - ولكن هلدرلين استطاع أن ينتشل نفسه من المتاهة ~~الفلسفية الغريبة - كما فعل شيلر قبله. فاستنجد بقلبه، واستجاب لصوت إلهامه ~~الباطن الذي لا يمكن أن يكذب، ms053 كما ينتظر من كل أديب حق يمر بمثل هذه ~~المحنة، والتقى الواقع والفكرة، واتحد القلب والعقل، ووجد الشاعر طريقه لأول ~~مرة بفضل المرأة التي أحبها، ووجد فيها مثال الجمال والطهر والقداسة عندما ~~كان يقوم بتربية أبنائها. هو الحب إذن ولا شيء سواه. هو المنقذ الذي طالما ~~انتظره وناداه؛ ليخلصه من محنته. وهو الذي أعاده كذلك إلى «ليل المحنة ~~المقدس»، وجعله يغوص في هاوية الجنون نصف حياته الأخير، فسقط فيها سقوط ~~الفنان المبدع في قاع «الوطن» الذي أحبه وقدسه وتغنى به، وإن لم يستطع أن ~~يتحمله أو يفهمه. # لم الشعراء في الزمن الضنين؟ # لم الشعراء في الزمن التعيس؟ # سؤال هتف به الشاعر هلدرلين منذ قرن ونصف قرن من الزمان، ~~حين أحس ليل المحنة يلف الكون، وأن الآلهة لم تعد تكترث بالبشر، والثلاثة ~~العظام - هرقل وديونيزيوس والمسيح - قد هجروه إلى غير رجعة. # لم يقل: أين الشعراء؟ لأن الشعراء كانوا كثيرين في عصره، وكانوا يغنون ~~فيحسنون الغناء، ويعبرون فيجيدون التعبير عن آلامهم وآلام وطنهم وآلام ~~الناس. # وكان الزمن ضنينا وتعيسا؛ لأنه نظر حوله، فوجد البشر بعيدين عن السماء، ~~والسماء بعيدة عن البشر، ووجد الرب «يتحرك من وقت طويل فوق رءوسنا بغير ~~اكتراث»، وأحس أن الدنيا خلت من البراءة والقداسة والنور والجمال، وأن الحب ~~نفسه أصبح سخفا وخداعا، واللغة أقفرت من الحوار، فلم تعد هي لغة الأرض ~~والأحباب. # تلفت حوله، فوجد وطنه ممزقا إلى أشلاء من إمارات وولايات، ورأى الإقطاع ~~في أوج سلطته وجبروته، والقهر والاضطهاد والاستبداد والفساد في كل مكان، ~~والصغار والأنانية والجشع والإرهاب تكتم على الأنفاس. وتطلع بكل شوقه ~~وإخلاصه إلى بلاد يونان جديدة حرة، تمنى أن تبعث لتمحو هوان وطنه وسوء ~~حاله. ولم يكتف بالشعر والغناء، فأراد أن يكون الشعر هو السبيل الهادي إلى ~~الفعل، بل أن يتحول هو نفسه إلى فعل خلاق. ها هو ذا يكتب في سنة 1794م - ~~قبل أن يصاب بخيبة الأمل المتكررة في الحب والناس والحياة - إلى صديقه ~~«نويفر» قائلا: سنكسر أوتارنا التعيسة إذا لزم الأمر، ونعمل ms054 ما كان يحلم به ~~الشعراء. ثم يكتب بعد ذلك بخمس سنوات إلى شقيقه من أبيه فيقول: وإذا أرادت ~~مملكة العتمة أن تظهر للوجود، فسوف نقذف بأقلامنا تحت المائدة، ونمضي باسم ~~الله إلى حيث تكون المحنة على أشدها، ونكون نحن أشد الممتحنين بها. # لقد كان ليل المحنة يلف في الحقيقة كل شيء بظلامه. ونظر هلدرلين فرأى أن ~~شعاع الأمل الوحيد الباقي لبلاده هو الأدب الذي كان في أوج ازدهاره، ولكن ~~الحياة الأدبية تجاهلته، والناشرين أعرضوا عنه، ولقمة العيش أجبرته على مرارة ~~التعليم الخصوصي، والحب العظيم اليتيم في حياته حاصرته التقاليد وأعين ~~الرقباء وألسنة الصغار. # وصرخ من قلبه قبل أن يغوص في ليل الجنون بقليل: # لم الشعراء في الزمن الضنين؟ # هكذا صرح الشاعر الوحيد منذ أكثر من قرن ونصف قرن. # فماذا عسانا أن نقول بعد ما ازداد الزمن تعاسة؟ # هل نقول: لم الشعراء في الزمن الضنين، والشعراء عندنا أكثر من الهم على ~~القلب، وإن كان الصوت الصادق فيهم أندر من قطرة ماء أو نفحة ورد في ~~الصحراء؟ # ماذا نقول في محنتنا الكبرى في الأرض والوطن والقيم والضمير ~~والرجال؟ # ماذا نقول وعصابات القتلة واللصوص والأفاقين المطرودين من بلاد الله تدنس ~~أرضنا، وتهين كرامتنا وتاريخنا؟ وطوفان الكذب والضجيج والتنغيص والإحباط ~~والصغار يحاصرنا من كل ناحية، وكرامة العربي مستباحة للكلاب والذئاب، وأشجع ~~رجالنا من الفدائيين يذبحون بأيدي الخونة أمام أعيننا، والبيروقراطية ~~الفرعونية تخنق الأنفاس وتتحرش الآن بالنور والهواء والأشجار والطيور ~~والزهور، والبرجوازية المريضة تواصل جنايتها على روح التمرد والثورة ~~والمغامرة، وعلى ملايين الفقراء المقهورين، وتستحم في مستنقع الجشع والتظاهر ~~والغرور والثرثرة والأغاني والأفلام العاطفية المقززة؟ # لا نستطيع أن نقول مع الشاعر الغريب: # لم الشعراء في الزمن الضنين؟ بل نقول: # لم الحياة نفسها في الزمن التعيس؟ # ما السبيل لإنقاذ الرجولة والبطولة والكبرياء والطهر والبراءة في نفوسنا ~~ونفوس أبنائنا؟ كيف نخفف من التعاسة ما دامت السعادة أبعد من الأحلام؟ وكيف ~~تصبح الحياة محتملة ما دام الموت هو الشيء الوحيد الأكيد؟ # لنسأل الشاعر الملهم العراف، فقد نجد عنده ms055 الجواب. سيقول لنا: لا بد أن ~~يصل البشر الفانون إلى قاع الهاوية وقرار المحنة قبل أن تمتد إليهم يد المنقذ ~~بالخلاص. # ونعود فنسأله: ألم نصل بعد إلى قاع الهاوية وقرار المحنة، مع كل ما ~~نقاسيه ويقاسيه العالم من مخاوف الرعب والقلق والتعذيب والاضطراب وانتصار ~~الوحشية في كل مكان؟ # من يدري؟ فلعل المحنة أن تشتد عما هي عليه، ولعل العزاء والأمل الوحيد ~~أن يكونا في قول الشاعر نفسه: # أما حيث يكون الخطر، # فتلوح كذلك أسباب النجاة ... # وسننجو حتما ما بقيت لدينا القدرة على الغضب المقدس على ~~أنفسنا. ~~(1970م) # | بين الشعر والفلسفة # بين الشعر والفلسفة ... # هل بينهما شيء؟ # هل يلتقيان على شيء؟ # مشكلة كبيرة ومحيرة، فماذا عسى أن يجمع بين الفلسفة التي تخاطب العقل ~~والوعي، وتتوسل بالحجة والبرهان، وبين الشعر الذي يتجه إلى القلب والشعور، ~~ويوحي بالصورة والاستعارة والرمز العميق والتشكيل الفني للغة والإيقاع الملون ~~المنغم للكلمات وللأصوات؟ هل يمكن أن تكون الفلسفة شاعرية، وأن يكون الشعر ~~فلسفيا؟ هل يمكن أن يحدث هذا دون أن تفقد الفلسفة طابعها ووظيفتها، أو يضيع ~~الشعر روحه المرفرفة الغامضة، ويتحول إلى حكمة جافة أو نظم تعليمي؟ # كلنا يعرف أسماء العديد من الشعراء الفلاسفة والفلاسفة الشعراء في أدبنا ~~العربي أو في غيره من الآداب القديمة والحديثة. وما من مثقف مهتم بالشعر ~~والفلسفة إلا وقد قرأ أو سمع - على سبيل المثال لا الحصر - عن زهير بن أبي ~~سلمى والشعراء الصعاليك، وأبي تمام والمتنبي وحكيم المعرة والصوفية الذين ~~كتبوا الشعر كالحلاج وابن عربي وابن الفارض، وشعراء في العصر الحديث دمغوا ~~بخاتم الفلسفة مثل جميل صدقي الزهاوي، وبعض شعراء المهجر مثل جبران خليل ~~جبران، وميخائيل نعيمة، وبعض المجددين في شعرنا الحديث كالبياتي - شاعر ~~الغربة والمنفى - وصلاح عبد الصبور، الذي تلفع بعباءة الحكيم في «أقول لكم»، ~~وبخرقة الصوفي الثوري المحبط، والعدمي اليائس في مأساة الحلاج، وفي العديد من ~~قصائده المتأخرة، وأدونيس في عالمه الزاخر بغرائب التجريب والتحول. # وكلنا قد قرأ أو سمع عن شعراء فلاسفة وفلاسفة شعراء في الآداب الأخرى: ~~الخيام ms056 في الأدب الفارسي، وطاغور وإقبال في الأدب الهندي، هوميروس أب ~~الشعراء الإغريق، وشعراء التراجيديا من إيسخيلوس إلى سوفوكليس ويوريبيدز ~~مرورا بلوكريس صاحب القصيدة الفلسفية الكبرى عن طبيعة الأشياء، ودانتي في ~~قصيدته الكونية الكبرى «الكوميديا الإلهية»، وشيكسبير في قصيدتيه المأساويتين ~~الملك لير وهاملت، وهلدرلين وبعض الشعراء الرومانطيقيين الأول في الأدبين ~~الألماني والإنجليزي مثل نوفاليس وشيلي وكيتس، وتيار كامل من الشعراء ~~الميتافيزيقيين في القرن السابع عشر في الأدب الإنجليزي بوجه خاص (مثل جون ~~دون ومدرسته)، وإن كان من الممكن التوسع في هذا التيار - كما يذهب إلى ذلك ~~الشاعر الميتافيزيقي الحديث ت. س. إليوت - ليبدأ من دانتي في القرن الرابع ~~عشر عندما انهارت وحدة العالم المسيحي والكنسي، ويمتد إلى المجددين في الشعر ~~الغربي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر من بودلير وأتباعه الرمزيين - ~~خصوصا مالارميه إلى رلكه، والشاعر الأيرلندي ييتس وإليوت نفسه - حتى بعض ~~الشعراء الأوروبيين والأمريكيين المعاصرين الذين أثرت عليهم ظروف عصرنا ~~المضطرب من تغير في الرؤية العلمية النسبية للعالم، وتمزق في الحياة ~~الاجتماعية، وفوضى في الحياة السياسية، وانهيار للقيم التقليدية والنظم ~~الفلسفية الشامخة، وتفتت لوحدة الواقع المادي والوجود الإنساني، بحيث أصبحت ~~كلمة «جون دون» في القرن السابع عشر حقيقة تتردد في أسماعنا: «إن الفلسفة ~~الجديدة تبعث على الشك في كل شيء. انطفأ عنصر النار تماما، ضاعت الشمس وضاعت ~~الأرض، وعقل الإنسان عاجز عن هدايته للبحث عنه.» ولا شك أن هذه الكلمات كانت ~~رد فعل للآلية الديكارتية وضياع صورة العالم الحي عند الإغريق وتمزق دائرة ~~الكمال في عصر النهضة. # أما الفلاسفة الشعراء أو القريبون من روح الشعر، فيصعب حصرهم أو الاتفاق ~~على أسمائهم. فهناك الفلاسفة قبل سقراط الذين كتب أحدهم - وهو بارمنيدز - ~~فلسفته عن الوجود الواحد في شكل قصيدة، وعبر أحدهم - وهو هيراقليطس - عن ~~فلسفته في التحول والصراع الدائم في نثر شاعري غني بالصور والاستعارات ~~الغامضة غموض الوحي المتدفق على ألسنة الكهنة والعرافين. وهناك أفلاطون سيد ~~الفلاسفة الشعراء الذي وقف كما نعلم موقفا عدائيا من الفن والشعر ونصح - ~~في الكتاب العاشر من ms057 الجمهورية - بطرد الشعراء من جمهوريته أو مدينته ~~المثالية، ومن أفلاطون إلى اليوم تقابلنا وجوه اقترب أصحابها من عالم الشعر، ~~وقربوا بين العقل والوجدان، وذلك من أوغسطين إلى جوردانو برونو - شهيد عصر ~~النهضة وبطله الذي انتهى على المحرقة - ومن شوبنهور ونيتشه (الذي لم يقتصر ~~على أن ينظر للعالم نظرة فنية وشعرية، وإنما كتب فلسفته بلغة شعرية متوهجة ~~كما كتب بعض الأناشيد «الديثيرامب» التي يناجي فيها ديونيزوس مثله البطولي ~~والرمزي الأعلى)، حتى كيركجور أب الوجودية المسيحية الذي تمنى لو ولد ~~شاعرا وعد نفسه أدبيا يكتب قصصا عن الوجود الذاتي الحميم، وفلاسفة الوجود ~~الذين لم يتركوا لنا شعرا حقيقيا، وإن كانوا قد اهتموا بشعر الوجود، ~~ودرسوا شعراءه (فهيدجر قد كتب عن هلدرلين، وسارتر درس بودلير). # هذا التمهيد السريع عن الشعر والفلسفة يدفعنا من ناحية أخرى إلى طرح سؤال ~~مهم: هل يمكن أن نجد خلفية فلسفية لكل شعر حقيقي وكل أدب عظيم؟ إن الأمر لا ~~يحتاج إلى دراسة عميقة لكي نؤكد هذه الحقيقة، كما أن تأكيدها لا يعطينا الحق ~~في تحويل الشعراء والأدباء العظام إلى فلاسفة، لكن نظرة واحدة إلى إنتاج من ~~ذكرنا الآن من الأدباء والشعراء تبين لنا أن في كل أدب عظيم فلسفة، وفي كل ~~فلسفة عظيمة أدبا. وليس من الصعب أن نعثر في النقد الغربي - وإلى حد أقل في ~~النقد العربي - على أعمال تبرز «المعادل الفلسفي» - إن صح هذا التعبير - ~~لإنتاج كبار الشعراء والأدباء، وأن نجد الصور النثرية والشعرية التي تكثف ~~بطريقتها أفكار الفلاسفة: هوميروس وآراؤه الفلسفية عن أصل الكون، ومصير النفس ~~بعد الموت، ونماذج الخير والشر والبطولة والخسة في ملحمتيه، سوفوكليس والحس ~~المأسوي الفاجع بمصير الإنسان، وإيثار عدمه على وجوده، يوريبيدز والنقد ~~السفسطائي والسقراطي والتشاؤم الإغريقي بوجه عام، أبو تمام والمتنبي وتأثير ~~العقلانية اليونانية والمنطق الأرسطي، أبو العلاء المعري وفلسفة الشك ~~والشكاك، دانتي الذي لا يمكن فهم كوميدياه الإلهية بغير فلسفة توماس الإكويني ~~وبنائه الميتافيزيقي والمسيحي (وقد وصف دانتي نفسه كوميدياه بأنها رسالة في ~~الفلسفة الأخلاقية)، فولتير وديدرو وفلسفة عصر ms058 التنوير، وحدة الوجود العضوي ~~الحي الفعال عند «جوته»، ووحدة الوجود عند أفلوطين وواحديته عند اسبينوزا، ~~فريدريش شيلر والمثالية الكانطية التي تميز عالم الظواهر عن عالم الحقائق، ~~وعالم الحس عن عالم الحرية والضمير والغايات، دستويفسكي والروحانية الصوفية ~~الروسية، إقبال والكانطية الجديدة فضلا عن الفلسفة الحيوية عند نيتشه ~~وبرجسون وفلسفة الإسلام ورؤيته للحياة والإنسان، هلدرلين شاعر الغربة وهيدجر ~~الذي درسه ودعم به فلسفته في زمن المحنة والاغتراب عن حقيقة الوجود والانصراف ~~عن الإصغاء لصوته والاستجابة لندائه، جبران ونيتشه، ميخائيل نعيمة والتصوف ~~الشرقي، توفيق الحكيم والثنائية الأفلاطونية والديكارتية بين الجسد والروح، ~~والوهم والحقيقة، والطبيعة والفن، والواقع والفكر المثالي المتعالي، نجيب ~~محفوظ والثورية الاشتراكية جنبا إلى جنب مع الحس الفاجع بالتدهور والانهيار ~~الذي يذكرنا بتشاؤم شوبنهور ونيتشه وفرويد وعبثية الوجود ولعنته عند ألبير ~~كامي وسارتر. # لا يمكننا أن ننساق وراء هذه التمهيدات التي تغري بالمزيد. ولا بد أن ~~نمضي إلى سؤال أهم وأكثر تحديدا: متى تصبح القصيدة فلسفية؟ كيف تعبر عن بعض ~~الحقائق الكبرى مع المحافظة على شروط الشعر وإمكاناته الفنية ~~والجمالية؟ # قبل أن نجيب عن هذا السؤال أود أن أذكر بعبارتين مشهورتين سنعود إليهما ~~بشيء من التفصيل بعد قليل. العبارة الأولى لأرسطو في كتابه «فن الشعر»: «إن ~~الشعر أكثر تفلسفا وأهم من التاريخ؛ لأن الشعر يتعامل مع الكليات، والتاريخ ~~يتناول الجزئيات.» # 1 # والعبارة الثانية لمارتين هيدجر عن أبيات مشهورة للشاعر هلدرلين: ~~«إن أحب الأحباب يسكنون على جبلين منفصلين، وإن كانا متجاورين.» # ونعود إلى سؤالنا السابق فنقول: إن القصيدة تكون فلسفية بأحد معنيين؛ فقد ~~تكون أداة تستخدم لتوصيل حكمة أو تعليم فلسفي مستقل عن القصيدة نفسها، ويمكن ~~تبعا لذلك أن يترجم إلى مجموعة متسقة من العبارات التقريرية دون تشويه ~~للمعنى أو فقدان له. ومعظم القصائد التعليمية من هذا النوع، كما تندرج فيه ~~بقصيدة لوكريس المطولة عن طبيعة الأشياء، والمقال عن الإنسان ل «ألكسندر بوب» ~~وقصيدة بريدج «وصية عن الجمال». # ويمكن من جهة أخرى وعلى نحو أعمق مما سبق أن تعتمد القصيدة على الأدوات ~~اللغوية ms059 والفنية والإيقاعية لتزيدنا بصيرة بالقيم والعلاقات والدلالات ~~الممكنة على القضايا الكبرى في حياتنا (كالحب والموت والمصير)، بحيث يستحيل ~~التعبير عن كل ذلك بصورة وافية لو تحولت القصيدة إلى عبارات نثرية تشوه ~~بنيتها الأصلية، وتضيع جمالها ورنينها. في هذا النوع الأخير تدخل قصيدتا ~~شيكسبير المسرحيتان «هاملت» و«الملك لير»، وقصيدة كيتس «أنشودة إلى مزهرية ~~إغريقية»، و«الأرض الخراب» أو «الرباعيات ~~الأربع» لإليوت. # فالفلسفة في النوع الأول فلسفة صريحة، و«القصيدة» تأتي بقضايا عامة توشك ~~أن تكون صورة مكررة من القضايا العامة المجردة في تلك الفلسفة. عندئذ لا ~~نستطيع في الحقيقة أن نتكلم عن شعر ولا قصيدة؛ لأن عباراتها قد اتحدت تماما ~~مع الفلسفة، ولأن الجزئيات التي قد تصورها لا تخرج عن أن تكون أمثلة أو ~~رموزا شفافة عن تلك الفلسفة. # بيد أن التعميم هنا غير جائز؛ إذ ~~لا يخلو الأمر من قصائد فلسفية صريحة نجحت في أن تنقل إلينا فلسفة معينة، وأن ~~تبقى في نفس الوقت شعرا جيدا. فقصيدة لوكريس السابقة الذكر تنجح في بعض ~~أجزائها في التأليف بين الفلسفة والشعر باللجوء إلى وسائل شعرية لا منطقية، ~~واستخدام لغة الأفكار والآراء الكامنة فيها وتضفي عليها حيوية. إن «طبيعة ~~الأشياء» تعبر كما نعلم عن المذهب الذري عند ديموقريطس وأبيقور، ولكنها تحييه ~~وتنفخ فيه الدفء بصور لا ننساها مثل صورة الاستحكامات الملتهبة للعالم أو ~~روابط الحب التي تشد فينوس بها الذرات بعضها إلى بعض. وهذه الروابط التي تعبر ~~عنها كلمة، # Foedus # وجمعها # Foedera # توحي بمعنى القوانين الرومانية ~~الصارمة التي كان الرومان يلتزمون بها، ويقسمون على طاعتها والخضوع لها، أكثر ~~مما توحي بمعنى الضرورة الآلية العمياء التي فرضها ديمقريطس على ذراته. وهكذا ~~تعبر الصورة السابقة عن خشوع الشاعر في حضرة الكون، ورهبته لجلاله، وإشادته ~~بالروابط التي تباركها ربة الحب. وهذا ما يتجلى في أول بيت تتفتح به تلك ~~القصيدة: «إيه يا أم جنس إينياس، يا من تثيرين الرغبة في البشر والآلهة.» ~~وينجح هذا البيت الأول في إضفاء النغمة الرومانية على القصيدة المعبرة عن ~~فلسفة إغريقية، والإهابة برمز ms060 أو نموذج أولي راقد في أعماق اللاوعي هو فينوس ~~الأنثى التي تؤلف بين قلوب المحبين، والأم التي تنتج الحياة الكونية وتحافظ ~~عليها. # ربما يعزز ما قلناه عن التمييز بين الفلسفة الصريحة والفلسفة الكامنة في ~~القصيدة أن نورد التفرقة التي أقامها الشاعر الناقد ت. س. إليوت - في مقاله ~~المشهور عن دانتي - بين الوضوح العقلي والوضوح الشعري، بين المعتقدات ~~الفلسفية من ناحية والتصاعد والسمو الشعري من ناجية أخرى. فالموقف الاعتقادي ~~الذي يتخذه القارئ من الكوميديا الإلهية لدانتي لا بد أن يكون مختلفا عن ~~الموقف الذي يتخذه من المجموع اللاهوتي لتوماس الإكويني أكبر فلاسفة العصر ~~الوسيط، على الرغم من أن المعتقدات الفلسفية واحدة في كلا العملين. والسبب في ~~هذا أن الكوميديا قد بنيت - على العكس من المجموع اللاهوتي - على أساس «منطق ~~للحساسية» يمثل «سلما كاملا يعبر عن العواطف والانفعالات البشرية من أدناها ~~إلى أعلاها». لهذا لا ينفصل السمو الشعري عند دانتي - الذي يعكس موقفه ~~الاعتقادي بأكمله - عن الصور والأخيلة التي لم تعد عنده مجرد صيغ بلاغية ~~عتيقة، بل صارت وسائل وأدوات عملية جادة لإبراز الجوانب الروحية في صورة مرئية. # 2 # هكذا نرى أن القصيدة الشعرية يمكن أن تنطوي على فلسفة كامنة، وأن تعبر عن ~~الحقائق الكبرى في الكون والحياة من خلال طبيعتها الشعرية الخاصة. وأول من ~~صرح بهذا الرأي هو أرسطو في عبارته الشهيرة التي ذكرناها من قبل: «إن الشعر ~~أكثر تفلسفا من التاريخ؛ لأن الشعر يتعامل مع الكليات، والتاريخ يتناول ~~الجزئيات». # لا شك أن هذه العبارة تبدو مخيبة للآمال، وربما تسببت للوهلة الأولى في ~~قدر كبير من سوء الفهم. فكيف يمكن أن يتعامل الشعر مع الكليات، وهي كما نعلم ~~تصورات عامة وتجريدات ذهنية من الجزئيات المحسوسة؟ هل يتوقع الناس من الشعر ~~أن يقدم لهم أفكارا عامة ومعاني مجردة أم كلمات تنطق بالصور الحية وتنقل ~~المواقف الشعورية والأشكال الجمالية الموقعة؟ لا بد إذا من أن نصحح فهمنا ~~لهذه العبارة المظلومة بتصحيح فهمنا لنظرية المحاكاة المشهورة عند المعلم ~~الأول. فلا شك أنه كان يرد ms061 على موقف الأفلاطونيين من الشعر والفن بوجه عام، ~~وموقفهم من عالم الطبيعة والواقع الذي نحيا فيه. إن هذا العالم في رأيهم ظل ~~أو نسخة ناقصة من عالم واقعي وحقيقي آخر هو عالم المثل أو الصور الثابتة ~~والنماذج الخالدة، أي عالم المعاني الكلية والقيم المطلقة. فالموجودات الحسية ~~في عالمنا تعبر تعبيرا ناقصا عن تلك المثل والمعاني الكاملة. وما دامت ~~الفنون المختلفة - ومنها الشعر - تصور ~~العناصر التي تلتقطها من العالم الطبيعي، وتعبر عنها بوسائطها العديدة، من ~~كلمات وإيقاعات أو رسوم وأشكال، فهي تبتعد مرتين عن ضوء الحقيقة والواقع ~~والحق، ولا تنتج إلا نسخة من النسخة. # غير أن أرسطو يرى رأيا آخر. فعالم الطبيعة ينطوي في اعتقاده على إمكانات ~~جميع الأشياء، ويسعى - بدرجات متفاوتة - إلى تحقيقها ونقلها من القوة إلى ~~الفعل. ولهذا يقول في كتاب «الطبيعة»، ويكرر قوله في نصوص أخرى من كتبه أن ~~الفن يحاكي الطبيعة من جهة، ويكمل من جهة أخرى ما تركته ناقصا. وإكمال ما ~~تركته الطبيعة ناقصا أو مشوها نتيجة لتدخل المصادفة التي تعوقها عن تحقيق ~~إمكاناتها هو على التحديد ما يجعل من الفن عملية فلسفية؛ إذ لا بد للخلق أو ~~الإبداع الفني - باعتباره محاكاة - من أن يرمز للطبيعة أثناء قيامها بفعل ~~الخلق أو الإبداع. ولهذا ذهبت التفسيرات المتأخرة لعبارة أرسطو إلى أن ~~الكليات التي يعبر عنها الشعر تمثل الطبيعة الطابعة - أي أفعالها الإبداعية ~~الممكنة - ولا تمثل الطبيعة المطبوعة أو الأشياء المتحققة والموجودات الظاهرة ~~المحسوسة. وهكذا تفيد العبارة أن الفن يعبر عن «روح» الطبيعة لا عن جسمها، ~~ويمثل الكليات العينية لا الكليات المجردة، ويصور الدوافع الخلاقة لا ~~المنتجات الجاهزة، كما تفيد أن الشعر يعكس فاعلية الخلق والإبداع وينميها، ~~سواء تمثلت هذه الفاعلية المبدعة في عمل الطبيعة أو في عمل الفنان. # وجدير بالذكر أن شاعر الألمان الأكبر جوته (1749-1832م) قد أخذ برأي ~~أرسطو وطبقه في كتاباته الشعرية والأدبية والنقدية. فهو يذهب إلى أن ~~الغائية الكامنة واضحة في نشوء الكائنات العضوية الحية وتطورها وفي الأفعال ~~الإنسانية المبدعة في الفن سواء بسواء. ms062 وليس على الذهن أو الفهم أن يفرض ~~مبادئه وقوانينه على عالم الحس أو عالم الظواهر الغريب عنه (كما فعل كانط في ~~كتابه نقد العقل الخالص)، وإنما يقوم دوره الحقيقي على التفكير من خلال ~~الموضوعات واكتشاف ألوان التجانس والتناظر بين الإبداع في الطبيعة والإبداع ~~في الفن، وبذلك يتوصل إلى المثل أو النماذج والظواهر الأولية الكامنة في ~~كل منهما. هذه المثل أو النماذج والظواهر الأولية كما يسميها «جوته» ليست ~~متميزة عن الموجودات الجزئية والفردية التي تجسدها، ولا هي منفصلة عنها كما ~~يرى أفلاطون، وإنما توجد في الجزئيات وتحيا بداخلها، ولن يستطيع أن يعرفها أو ~~يكشف عنها إلا من يفتح بصره وسمعه وقلبه على العالم الحسي الحي، ويلمس فعل ~~الفعال الأبدي المبدع، ويستعيد تجربته الحية في كل ما يتجلى فيه «سره ~~المكشوف» للعين القادرة على الرؤية. ولهذا ينطوي الشعر بطبيعته على الكشف؛ ~~لأنه حين يتناول «الجزيء» المفرد في طابعه الحي إنما يستبصر في الوقت نفسه ~~استبصارا ضمنيا بالكلي الفعال المبدع في كل شيء حي. # ونأتي إلى الحركة الرومانطيقية، فنجد عددا من أعلامها الأول - وبخاصة ~~في ألمانيا وإنجلترا - يؤكد الطبيعة الفلسفية للشعر، أو يؤكد أن الشعر في ~~جوهره فلسفي. فالأخوان شليجل (أوجست وفريدريش)، والشاعر توفاليس، والفيلسوف ~~شيلنج يتوسعون في مفهوم الشعر، بحيث يشمل - بتعبير فريدريش شليجل - «الشعر ~~الذي لم يتخذ شكلا معينا، والشعر اللاشعوري الذي ينبض في النجوم والكواكب، ~~ويسطع في الضياء، ويتوهج في صدور النساء» (عن حديثه عن الشعر 1800م). ويدعم ~~أوجست رأي شقيقه بالحجة المنطقية، فيقول إن كل الأشياء في الطبيعة مترابطة، ~~بحيث يدل كل شيء على نحو من الأنحاء على كل شيء عداه، وبذلك يعكس الكل. ولما ~~كان الوعي الشائع وسطا مضطربا يعتم رؤية الكل، فإن الخيال ينفذ خلال هذا ~~الوسط، ويغوص بنا في العالم الحقيقي، حيث لا يوجد ثمة شيء ساكن أو منعزل، بل ~~يشارك كل شيء في كل شيء في حالة تحول مستمر. ويتفق نوفاليس وشيلنج على أن قوة ~~الخلق والإبداع في الطبيعة هي الحب الذي هو الشعر الطبيعي ms063 بأسمى معانيه - كما ~~يقول نوفاليس - وهو روح الطبيعة التي لا تتكلم معنا إلا عن طريق الرموز، كما ~~يعبر شيلنج. # ولا شك أن الرومانطيقية الجديدة كان لها تأثيرها على فيلسوفين ساهما في ~~فلسفة الشعر بأوفى نصيب. هذان الفيلسوفان هما شوبنهور (1788-1860م) ونيتشه ~~(1844-1900م). يذهب الأول إلى أن الإرادة، لا الحب، وراء كل أفعال الطبيعة، ~~وأن تمثلات هذه الإرادة أو مستوياتها الطبيعية المختلفة من النبات إلى ~~الحيوان إلى الإنسان تميزها المثل أو الأفكار التي تعبر عن فعل الإرادة في ~~مستوى معين. والفن، بما في ذلك فن الشعر، هو ذلك النوع من المعرفة المتعلق ~~بالأفكار، وهدفه الوحيد هو توصيل المعرفة. والمهم في هذا كله أن الفن بأسمى ~~صوره ومعانيه والشعر كذلك بأسمى صوره ومعانيه شيء واحد؛ لأنهما يبلغان بنا ~~تلك الحال التي يختفي فيها الألم، وتتوقف عجلة الصيرورة، ونشعر بالتحرر ~~والخلاص من الإرادة الشريرة، ولو في لحظات الإبداع أو لحظات التذوق ~~والاستمتاع. # وتتخذ الإرادة صورة أخرى إيجابية عند نيتشه، فتصبح هي إرادة القوة أي ~~إرادة الحياة والمزيد من الحياة. إن عنف العاصفة، وانبثاق النبات، وبزوغ ~~الجنين من الرحم، ونشوة المحارب البطل بالمعركة، وحساسية الفنان المبدع ونسك ~~الناسك والقديس ... كلها مظاهر للإرادة الحية التي لا تتوقف عن الخلق. وإرادة ~~الخلق والإبداع عند الفنان تعبر عن الصراع المزدوج بين المبدأين المصطرعين في ~~الوجود، ألا وهما المبدأ الديونيزي نسبة لديونيزوس إله النشوة والخلق ~~والتدمير المأسوي والبعث المتجدد. والمبدأ الأبوللوني نسبة لأبوللو إله الفن ~~والتشكيل والوهم الجمالي، وكلاهما يفضي إلى عاطفة العلاء على الذات التي يتحد ~~فيها الحكمة الفلسفية والإبداع الفني، وينصهران في كيان واحد. # هكذا يصبح الشعر والفلسفة شيئا واحدا بالذات، وتكون بروق الرؤية ~~الشعرية - لا البراهين العقلية والحجج المنطقية - هي الطريق إلى ~~الحقيقة. # أما في إنجلترا، فكان التوحيد بين الشعر والفلسفة في أثناء الحركة ~~الرومانطيقية من الموضوعات الأثيرة والمألوفة. فالشاعر شيللي يعبر عن هذا ~~بقوله: «إن الشعراء فلاسفة بلغوا أسمى درجة من القوة، وأن الشعر هو مركز كل ~~معرفة ومحيطها.» ويضيق كولريدج أن الشاعر فيلسوف ms064 على نحو ضمني غير صريح. ولا ~~عجب بعد ذلك أن يقيم هو والشاعر «ورد زوورث» رأيهما عن طبيعة الشعر الفلسفية ~~على نظرية في الخيال مستمدة إلى حد ما من الفيلسوف كانط. ويفسر ورد زوورث ~~الخيال تفسيرا يتأثر فيه بكانط، وبالكلمة الألمانية الأصلية التي تفيد ~~الخيال (وهي كلمة # Einbildungskraft # أي قوة ~~التشكيل أو ملكة التكوين) فيقول إنه - أي الخيال - هو الملكة التي يصور بها ~~الشاعر، وينتج أشكالا مفردة تتجسد فيها أفكار كلية أو تجريدات. ويخطو ~~كولريدج خطوة أبعد من زميله، فيميز بين خيال أولي أو ميتافيزيقي وهو القوة ~~الحية الفعالة في كل إدراك بشري، وخيال ثانوي أو فني وهو انعكاس للخيال ~~الأولي يوجهه الهدف الفني ويتحكم فيه. وكلاهما في نهاية الأمر يكرران في ~~العقل المتناهي ذلك الفعل اللامتناهي الخلاق الذي يتم في الكينونة ~~اللامتناهية، وبذلك تتأكد الصلة الوثيقة بين الرؤى الفلسفية عند الشاعر وبين ~~إبداعاته الشعرية. # حتى إذا وصلنا أخيرا إلى الشعر الحديث وجدناه رد فعل مضاد للرومانطيقية. ~~ولقد كان من نتائج النزعة الحديثة للتجرد من الرومانطيقية والعواطف البشرية ~~تأكيد انفصال الشعر عن الفلسفة. إن القصيدة - حسب تعبير الشاعر إرشيبالد ~~ماكليش - لا ينبغي عليها أن تعني شيئا، وإنما ينبغي عليها أن تكون. وعلى ~~الشاعر نتيجة لذلك أن يتخلى عن دور الرائي أو المتنبئ ليصبح صانعا. وجاء ~~النقاد - خصوصا ريتشاردز - فعززوا طلاق الشعر من الفلسفة، وأكدوا أن الشعر ~~صياغة للمشاعر والمواقف الوجدانية وتعبير عنها (ريتشاردز في كتابه عن النقد ~~العملي 1929م). ثم تدخل بعض الفلاسفة - وبخاصة أصحاب التجريبية أو الوضعية ~~المنطقية - فزعموا أن العبارات الشعرية والأخلاقية ليست إلا أشباه عبارات لا ~~تحتمل الصدق ولا الكذب، وإنما تدل على مواقف ومشاعر وجدانية. ومع ذلك فإن بعض ~~الدراسات الحديثة في علم الدلالة قد بدأت تصحح هذا الموقف العدائي من الشعر، ~~وتقرب بين المعنى والوجود، والفكرة، والعاطفة، وتحاول تفهم الدور الذي يؤديه ~~المعنى والاعتقاد في الشعر، وتبين أن من الخطأ وصف التعبير الشعري بأنه شبه ~~تعبير؛ لأن الأجدر به أن يسمى تعبيرا عميقا ينطلق من ms065 عبارات عميقة ثرية ~~بالمعاني والدلالات والمفارقات، مختلفة تمام الاختلاف عن العبارات أو القضايا ~~العلمية والمنطقية المحددة المعاني والإشارات. # تتعدد مواقف الشعراء الفلسفية أو الفكرية من الكون والإنسان، من الحياة ~~والموت، من الزمان والتاريخ والتراث، من المكان والمدينة والمجتمع. كل هذه ~~المواقف التي يمكن أن تتفاوت عند الشاعر الواحد من مرحلة من العمر إلى مرحلة، ~~ومن قصيدة إلى قصيدة، بل ربما تفاوتت في القصيدة الواحدة، يمكن أن تلقي شيئا ~~من الضوء على فلسفته أو وجهة نظره. وسوف نقتصر على مشكلة فلسفية واحدة تكثر ~~الكتابة والحديث عنها في الغرب والشرق على السواء، ألا وهي مشكلة الغربة أو ~~الاغتراب. # ونعود فنذكر بعبارة هيدجر السابقة «إن أحب الأحباب - أي الشعر والفكر - ~~يسكنون على قمة جبلين متباعدين، وإن كانا متجاورين.» محاولين النظر في هذه ~~المشكلة الفلسفية. وسنكتفي بأمثلة قليلة من شاعر كلاسيكي مغترب هو «فريدريش ~~هلدرلين» لنرى كيف «فلسفة» هيدجر، ثم ننظر في أمثلة أخرى قليلة من شعرنا ~~العربي الحديث تبين أصداء هذه المشكلة، واستجابة الوجدان العربي لها. # ولكلمة # Alienation # في اللغات الأجنبية ~~منذ أصلها اللاتيني تاريخ طويل يصعب أن نتتبعه في هذا المقام، ويكفي أن نقول ~~إنها كانت تدل على معان متعددة كالبيع، والتنازل للغير، وانتقال الملكية من ~~شخص إلى آخر، والانفصال والابتعاد، والضلال واختلال العقل. ثم استعملها أصحاب ~~العقد الاجتماعي مثل هوبز وروسو للدلالة على تنازل الأفراد عن حقوقهم وحريتهم ~~سواء للحاكم أو للجماعة كشرط للعقد الاجتماعي. ولم تأخذ الكلمة معناها ~~الفلسفي الحقيقي إلا منذ هيجل واليسار الهيجلي - فويرباخ وماركس - حتى ~~الفلسفة المعاصرة. # وللاغتراب عند هيجل صور ومظاهر ~~عديدة يتخذها الروح المطلق على طريق تحقيقه لذاته أو وعيه لذاته؛ إذ تتخارج ~~هذه الروح المطلقة أو يغترب عن ذاتها في الطبيعة والتاريخ والوعي، وفيما ~~ينشئه الإنسان من علوم وحضارات. وهو عند فويرباخ إفقار لمعنى الإنسان لإغناء ~~معنى الألوهية؛ إذ يغترب الإنسان عن ذاته (في المسيحية واليهودية) عندما ~~يتخلى من جوهره ليسقطه على موجود أسمى مفارق تحرر في تصوره من حدود البشرية ~~وقيودها، وأصبح موضوعا ms066 يجله ويعبده، وكأنه مستقل عنه. ولهذا يجب عليه أن ~~يسترد حقيقته التي خلعها على الله، ويتحول من الإيمان بالله إلى الإيمان ~~بالإنسان والإنسانية التي هي الديانة الحقة. وأخيرا نجد ماركس - خصوصا في ~~المخطوطات الاقتصادية الفلسفية لسنة 1844م - يطبق فكرة الاغتراب في مجال ~~العمل والإنتاج، ويبين كيف يكتسب المنتج قوة مستقلة تجاه العامل الذي أنتجه، ~~ويصبح سبب شقائه واستغلاله من قبل صاحب العمل، أي سبب اغترابه عن ذاتيته ~~وحريته وإنسانيته، بدلا من أن يؤدي إلى تحرره وإشباع حاجاته وتحقيق ~~إنسانيته. ولا سبيل لرفع هذا الاغتراب إلا بإلغاء الملكية الخاصة والثورة على ~~المجتمع الرأسمالي، وإنهاء الصراع الطبقي بين المستغلين والمستغلين. # وتتعدد مفاهيم الاغتراب ومظاهره مع التطور التاريخي والعلمي والآلي كما ~~تتعدد محاولات قهره والتغلب عليه. ويمكننا على كل حال أن نحدده في هذه الصور ~~والأشكال المتداخلة: اغتراب الإنسان عن العالم والكون، وهو اغتراب ميتافيزيقي ~~أو اغتراب أساسي ملازم لوعيه بوجوده وتناهيه، واغترابه عن الجماعة التي ينتمي ~~إليها بما لها من ماض وقيم وتقاليد، ثم اغترابه عن ذاته، ولعله أن يكون أخطر ~~هذه الأشكال الثلاثة وأهمها، سواء بالنسبة للشاعر أو الفيلسوف أو عالم ~~النفس. # وشاعرنا الذي اغترب عن ذاته ومجتمعه وعصره وراح يتغنى بأناشيد الحنين إلى ~~«ديوتيما» رمز حبه الضائع، واشتياقه لبعث الروح اليونانية في شعبه ووطنه ~~ووجوده، بحيث يصبح هذا الوجود شعريا ومسكنا للشعر، هذا الشاعر الذي اغترب ~~كذلك عن ذاته وعقله ما يقرب من نصف حياته هو فريدريش هلدرلين (1770-1843م) ~~الذي درسه فيلسوف الوجود الأكبر في عصرنا مارتن هيدجر (1889-1976م)، وسماه ~~شاعر الشعر، واستخلص من شعره الغامض الموحي ماهية الشعر نفسه، كما قرأ فيه ~~فلسفته هو عن الوجود. # ولكن هل يكشف شعر هلدرلين عن حقيقة الوجود؟ # هل يتردد فيه ذلك النداء الذي لم يمل الفيلسوف من ترديده لعلنا نستمع ~~إليه، فننفتح على نور الوجود، ونؤسس وجودنا الأصيل عليه؟ وهل نطق هلدرلين ~~بلغة هذا الوجود وفكر فيه وجعله مسكن الشعر ومسكنه؟ # إن الشاعر يحيا في زمن المحنة، وهو لهذا يسأل: # لست أدري ms067 ماذا أفعل وأقول، # ولم الشعراء في الزمن الضنين؟ # ولماذا صار الزمن هو زمن المحنة، وحل الظلام والشقاء على ~~الأرض والإنسان؟ لأن السماويين كما يسميهم أو الآلهة المباركين قد ارتحلوا ~~عنه، وما عادوا يحفلون به، فاغتربت الأرض واغترب الإنسان عنها وعن نفسه. ومتى ~~ترتفع هذه المحنة وتزول الغربة؟ عندما يسطع نور وجودهم الحق، ويستمع الإنسان ~~إلى صوتهم. وأين يتجلى هذا النور ومن ينطق بكلمتهم؟ # يتجلى في أغنية الشاعر، الشاعر الرائي والملهم؛ لأن أغنيته هي شعر الوجود ~~الحق، ولأن الوجود يسكن سكنا شعريا في قلبه وكلمته التي يبلغها لإخوته من ~~البشر. لنستمع إلى هذه الأبيات من المقطع السابع من قصيدته الكبرى «خبز ~~ونبيذ»: # لكننا يا صديق قد أتينا جد متأخرين ... # صحيح أن الآلهة حية، # لكنها تحيا فوق رءوسنا هنالك في عالم مختلف. # هنالك يكون فعلهم بغير حدود، # ولا يبدو عليهم أنهم يحفلون كثيرا بوجودنا، # فهكذا يرأف السماويون بحالنا؛ # إذ ليس بوسع إناء هش أن يحتويهم، # ولا يقدر الإنسان أن يحتمل وجودهم إلا في بعض الأحيان. # ولهذا كانت حياتنا حلما يطوف بهم. # غير أن المحنة والليل يجعلاننا أقوياء. # حتى ينمو عدد كاف من الأبطال في المهد الحديدي، # وتصبح الأفئدة في قوتها شبيهة بالسماويين، # هنالك يأتون بصوت الرعود ... # لست أدري عندئذ ماذا أفعل وأقول، # ولم الشعراء في الزمن الضنين؟ # إنهم - كما تقول - مثل كهنة رب الخمر المقدسين، # الذين سروا في الليل المقدس # من بلد إلى بلد ... # الشعراء إذن هم الذين يكشفون عن حقيقة الوجود؛ لأنهم وحدهم ~~الذين يؤسسون ما هو باق. والباقي هو الوجود نفسه الذي يتجلى في نوره كل ~~موجود. كيف يفعلون هذا؟ عن طريق القول الحقيقي أو الجوهري الذي يسمى الآلهة ~~والأشياء، وبهذه التسمية يوجدها ويؤسسها في الوجود ويضعها في نوره. تلك هي ~~أمانة الشعراء وعهدهم حين يغنون وحين يقولون. هذا القول الجوهري هو الشعر. ~~والشاعر ينطق بواسطته عن حقيقة الوجود. ولذلك فمعرفتنا لماهية الشعر هي معرفة ~~لحقيقة الوجود؛ لأن اللغة في الأصل هي لغة الوجود نفسه، وهي ميدان تكشفه. ولن ~~نعرف ms068 ماهية اللغة حتى نبدأ بماهية الشعر. ولهذا لا يصح أن نعد اللغة مجرد ~~أداة للتواصل والتوصيل، بل علينا أن نلتمس حقيقتها عند الشعراء المفكرين ~~الذين «شعروا» الوجود وفكروا فيه، وبذلوا لنا تجربته التي نقيم عليها وجودنا ~~التاريخي في الزمان: # لقد خبر الإنسان أمورا كثيرة، # ووضع أسماء لعديد من السماويين # منذ أن كنا حوارا، # واستطاع بعضنا أن يسمع من البعض الآخر. # فاللغة حوار، ونحن البشر حوار، والحوار بدأ شعرا أي قولا ~~جوهريا تجلى فيه الواحد الذي بفضله اتحدنا، وكنا أنفسنا حقا. ولهذا كانت ~~اللغة هي أخطر النعم وأوفرها حظا من البراءة. كانت هي الشهادة على حقيقة ~~وجودنا، وكانت هي مسكننا الشعري على الأرض: # هناك فحسب، حيث توجد لغة، يوجد عالم (...) # وهناك فحسب، حيث يوجد عالم، يوجد تاريخ. # فاللغة نعمة بمعنى أشد أصالة. أما أنها نعمة وضمان لهذا العالم وهذا ~~التاريخ، فمعناه أنها تضمن أن يكون في استطاعة الإنسان الوجود بوصفه كائنا ~~تاريخيا (هلدرلين وماهية الشعر، الفقرة الثالثة). # ونسأل الآن: هل استطاع هيدجر أن ينصف شعر هذا الشاعر المغترب أم جعله ~~مناسبة لعرض فلسفته؟ هل ترك الشعر ينطق بنفسه عن فكر صاحبه أم قسره على ~~الدخول في قالب غريب عليه؟ إن نقاد الأدب يتهمون الفيلسوف على كل حال بأنه لم ~~يجعل القصيدة نفسها «تكون» كما زعم ذلك مرارا، وإنما حملها تفسيرات ومواقف ~~وأفكارا لا تنبع من لغتها وبنائها وصورها وعالمها، بقدر ما تنبع من عالم آخر ~~هو عالم «هيدجر» نفسه وفلسفته في الوجود. # لقد طالما عرف الشعر الغربي موضوع ~~الغربة والاغتراب، واشتد إحساس الشاعر الرومانطيقي بغربته عن مدينة المال ~~والتجارة والصناعة والزحام والقسوة، فلجأ إلى الطبيعة أو إلى الحنين للماضي ~~«الشعري» أو مناجاة الذات. ومع بداية الشعر الحديث منذ بودلير حتى عصرنا ~~الحاضر ورد الفعل العنيف على الرومانطيقية، برزت أشكال أخرى من الغرب ~~والاغتراب ساعد عليها تعقد الواقع وتفتته في نفس الوقت، وانهيار القيم ~~التقليدية والأنساق المثالية الشامخة، وتغير صورة العالم الأكبر والعالم ~~الأصغر، كما رسمها العلم الحديث، واكتشاف أعماق الباطن واللاوعي، ms069 والتحول ~~الذي طرأ على مفاهيم الواقع والزمن والتراث واللغة والشعر نفسه مما زاد من ~~وحدة الشاعر مع لغته التي صارت مجال إبداعه وتأمله، وتجربته المستمرة. ويكفي ~~أن نطلع على شعر المعاصرين الكبار، سواء أكان هذا الشعر ينتمي للتيار ~~الديونزي - تيار الباطن واللاوعي - أم للتيار الأبوللوني - المهتم بالشكل ~~والصنعة والعمل العقلي - ويكفي أن يختار القارئ شيئا من شعر أنجارتي أو سان ~~- جون - بيرس أو إلوار أو جين أو ت. س إليوت أو أرشيبالد مكليش؛ ليرى صور ~~الاغتراب وأسبابه وأبعاده المختلفة (ومن شاء فليرجع لكتابي المتواضع عن ثورة ~~الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر)، وسوف أختار قصيدة لشاعر نحبه في ~~البلاد العربية، ونشعر بصلته الحميمة بوجداننا وتأثيره على بعض المجددين من ~~شعرائنا. هذا الشاعر هو «لوركا» الذي يقول في قصيدة مشهورة بعنوان ~~قرطبة: # قرطبة، # وحيدة وبعيدة. # فرس أسود صغير، قمر كبير. # حبات زيتون في حقيبة سرجي. # أعرف الطرق حقا # غير أني لا أبلغ قرطبة أبدا، # عبر المدى الفسيح، عبر الريح، # فرس أسود صغير، قمر أحمر. # الموت يحدق في # من أبراج قرطبة. # آه، ما أطول الطريق! # آه، يا فرسي الشجاع! # آه، الموت يخطفني! # قبل أن أبلغ قرطبة، # قرطبة، # وحيدة وبعيدة. # إن قرطبة في قصيدة لوركا ليست هي المدينة الإسبانية ~~المعروفة. إنها مدينة شعرية مستحيلة، يعرف الشاعر أنه لن يصل إليها أبدا، ~~وأنه فقد الأمان، ولن يعود إلى بيته؛ لأن الموت يترصده من أبراجها وينتظره في ~~السهول الشاسعة التي تعصف فيها الرياح. # هذا مثل واحد كما قلت. فإذا اتجهنا إلى شاعرنا العربي الحديث وجدنا موقفه ~~أكثر تعقيدا من موقف الشاعر الغربي. فغربة شاعرنا مضاعفة، واغترابه عن الزمن ~~والتاريخ والمجتمع والمدينة يبلغ حد التمزق والثورة والرفض المطلق في بعض ~~الأحيان. وقد لا يقتصر على رفض الواقع، وإنما يرفض ذاته ويعذبها ويسخر منها. ~~وقد درس الدكتور إحسان عباس أبعاد هذه العلاقة المعقدة، ومواقف بعض شعرائنا ~~الكبار من الزمن والتراث والحب والمدينة والمجتمع، وحلل الاتجاهات الفكرية ~~الكامنة وراءها، وعكف على القصائد نفسها، وحلل بناءها وصورها وألفاظها ms070 ~~تحليلا دقيقا. وسنكتفي هنا بنماذج قليلة تصور المشكلة التي نحن بصددها، ~~وتبين الفلسفة الكامنة وراء كل منها، وتأثيرها المحتمل على شخصية الشاعر ~~وفهمه لطبيعة الشعر ووظيفته، ثم نستخلص ملاحظات قليلة حول العلاقة بين الشعر ~~والفلسفة بوجه عام. # لننظر في قصيدة واحدة من شعر «البياتي» المبكر، وهي قصيدة «مسافر بلا ~~حقائب» من ديوانه «أباريق مهشمة»: # من لا مكان # لا وجه لا تاريخ لي. من لا مكان # تحت السماء وفي عويل الريح أسمعها تناديني ~~«تعال» ... # عبر التلال # وأنا وآلاف السنين # متثائب، ضجر، حزين. # من لا مكان # تحت السماء # في داخلي نفسي تموت بلا رجاء. # وأنا وآلاف السنين # متثائب، ضجر، حزين. # سأكون، لا جدوى، سأبقى دائما من لا مكان، # لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكان. # إن الشاعر هنا يعاني الاغتراب المطلق، وهو بلا هوية ولا ~~مكان ولا تاريخ. وتتردد في القصيدة كلمات معجم الوجودية التي كانت تيارا ~~سائدا عند كتابتها «كالسأم واللاجدوى»، ومع ذلك فلا يصح أن نتسرع فندمغها ~~بخاتم وجودي؛ لأن بعض أبياتها وكلماتها ومشاعرها توحي كذلك بالتأثر بالاتجاه ~~الماركسي الذي كان منتشرا كذلك في الخمسينيات: # لا شيء ينتظر المسافر غير حاضره الحزين ~~- وحل وطين - # وعيون آلاف الجنادب والسنين، # وتلوح أسوار المدينة، أي نفع أرتجيه # من عالم ما زال والأمس الكريه # يحيا، وليس يقول «إيه». # يحيا على جيف معطرة الجباه # نفس الحياة. # لا شك أن الشاعر هنا يحاكم مدينة عربية وتاريخا عربيا ~~يسميه «مستنقع التاريخ»، وواقعا حضاريا متخلفا يموت ويميت الشاعر معه. ~~فإذا كان اغترابه ميتافيزيقيا أو وجوديا يوحي بالتأثر بعالم سارتر وكامي، ~~فإنه كذلك اغتراب ثائر على مجتمعه وواقعه ومدينته. وقد تجاوز البياتي هذه ~~الصورة من صور الاغتراب بعد ذلك في شعره، وتداخلت فيه تيارات واتجاهات عديدة، ~~ولكنه بقي مغتربا ثائرا مع اختلاف الأصوات ~~والأقنعة (كالمتنبي والمعري وعائشة) على ~~حضارة تغرق وتسقط، كما بقي أشبه بطائر الرعد المحلق فوق مدن منهارة، ونحو مدن ~~مستحيلة: # مدينة مسحورة # قامت على نهر من الفضة والليمون، # لا يولد الإنسان في أبوابها الألف ولا ms071 يموت، # يحيطها سور من الذهب، # تحرسها من الرياح غابة الزيتون. # ولكن الشاعر المغترب لا يكتفي برفض واقعه، وإنما يتجاوز ~~ذلك إلى رفض ذاته. لقد توالت الهزائم والإحباطات على ذاته الجماعية التي هو ~~جزء منها، فلم يجد أمامه إلا هذا النوع من «تعذيب الذات» والسخرية بها كأنها ~~شيء غريب عنه مفروض عليه. وهذا هو صلاح عبد الصبور يمعن في تعذيب ذاته التي ~~لم تطمع طول عمرها إلى أكثر من أن تكون ذات شاعر بسيط، حتى أدركت - بعد ~~انهيار الذات الجماعية في حرب الأيام الستة - أنها لم تكن إلا لتابع صغير في ~~حاشية السلطان، موقفه «في آخر الممر» مع مهرج البلاط والمؤرخ الرسمي والعراف، ~~وكلهم «بدون أسماء ولا سيوف»، وكلهم «مؤجر بالقطعة»، وبينهم «صداقة عميقة ~~كالفجوة». ولهذا يواجه واقعا سقطت عنه أقنعة الزيف ويدلي باعتراف تأخر عن ~~أوانه: # كنت أحس، سادتي الفرسان، # أنكمو أكفان، # وكان هذا سر حزني. # ولكنه لا يكتفي برفض ذلك الواقع المنهار، وإنما يدخل عصر ~~الرفض من أحلك أبوابه ألا وهو رفض الذات: # أصبحنا مثل الطين بقاع البئر، # لا يملك أن يتأمل صفحة وجهه. # فهل وقفت وظيفة الشاعر في عصر الرفض والاغتراب الكامل عند ~~رؤية الطين الذي لا يملك أن يرى فيه صفحة وجهه، ورفض ذاته التي هي جزء من هذا ~~الطين؟ ألم يبق عند الشاعر سوى هذا المغني الحزين والفارس المهزوم الذي ~~انكسرت قوادم أحلامه، والصوفي المحبط الذي صلبت كلمته؟ بلى! إن الشاعر نفسه ~~يبحث عن «وردة الصقيع»، وينتظر نبيا يحمل سيفا، وينثر كلماته في الريح ~~السواحة لعل فؤادا من أفئدة وجوه الأمة يلتقطها، فيوفق بين الحكمة والقدرة، ~~ويحلم بمدينة الضياء، وإن كان يشك في الوصول إليها أو الحياة في ظلها. # هنالك إذا رؤية ل «الإنقاذ» من هذا الاغتراب الذي تتعدد صوره وألوانه ~~القاتمة. قد تكون في العودة إلى «جيكور» شعرية خلدها السياب، أو في الانبعاث ~~وتجدد «السندباد» الجواب عند خليل حاوي في «طفل تخضر به الأنقاض»، ويسترجع ~~الخصب المغني، أو في التحول الدائم، وهدم الواقع القائم والبنية ms072 الثقافية ~~التقليدية، وإبداع عالم فني يتصور «أدونيس» أنه مواز له وبديل عنه، أو في ~~استرداد الأرض الجريحة السليبة التي يحملها محمود درويش على كفه في أسفاره ~~ومنافيه ويصونها سميح القاسم داخل قلبه وإبداعه في سجنه الكبير ... # من هذا العرض السريع المخل لمشكلة فلسفية واحدة في الشعر الحديث، ~~وللعلاقة بين الفلسفة والشعر يمكننا أن نستخلص الملاحظات السريعة التالية: ~~(1) # إن الفكر والشعر مرتبطان، فالقصيدة فكرة عيانية مجسدة في كلمات ~~وإيقاعات وعلاقات وصور لها خصوصيتها النابعة من داخلها ومن تراثها ~~اللغوي والأدبي، ومن شخصية صاحبها ومواقفه واتجاهاته المختلفة باعتباره ~~ذاتا تاريخية تكون رؤاها وتجسدها لذوات تاريخية تتلقاها منها. وقد ~~اهتمت الفلسفة منذ أرسطو بتوضيح ماهية الشعر وبنيته ووظيفته وتأثيره، ~~واهتم الفلاسفة المسلمون بشرح كتاب أرسطو وتلخيصه، كما أثر على ~~البلاغيين العرب مثل (قدامة وعبد القاهر وحازم القرطاجني)، وعلى ~~الشعراء كأبي تمام والمتنبي. بيد أننا لم نهتم بعد الاهتمام الكافي ~~بتأسيس «فن شعر» أو فلسفة للشعر العربي الحديث ولا باستخلاص الاتجاهات ~~الفلسفية في مواقف شعرائنا من الواقع والحياة والزمن والمجتمع ~~(باستثناء كتاب الدكتور إحسان عباس عن اتجاهات الشعر العربي المعاصر ~~الذي يعد بداية طيبة على الطريق الطويل، وبعض بحوث الدكتور شكري محمد ~~عياد ومقالاته الأخيرة عن الشعر الحديث). ~~(2) # إن مواقف الشعراء من الاغتراب متعددة يصعب إدراجها تحت تيار أو ~~اتجاه فلسفي بعينه؛ لأنها تختلف من شاعر لآخر كما تختلف عند الشاعر ~~الواحد مع تطوره، وقد يتداخل أكثر من تيار أو اتجاه فلسفي في القصيدة ~~الواحدة. ولهذا ينبغي التزام الحذر عند استخلاص الأفكار الفلسفية من ~~القصيدة، كما يجب علينا أن نقترب بتأن وخشوع من البنية الحية التي ~~نسميها القصيدة، ولا ننسى أبدا أن الشعر الحديث بوجه عام يوحي أكثر ~~بكثير مما يفهم، ويكون أولا قبل أن يعني شيئا، كما أن إيحاءه وغموضه ~~وغرابة بنائه ولغته وصوره جزء من فلسفته وفلسفة الواقع الحديث ~~المضطرب. ~~(3) # إن الشعر العربي المعاصر كان أجرأ من كل فنون القول الأدبي والفكري ~~على كشف الواقع والتنبيه إلى السقوط والانهيار والتمزق في محنة ms073 الوجود ~~العربي في السنوات الثلاثين الأخيرة. والتحليل الفلسفي لهذا الشعر ~~سيساعد على بلورة الاتجاهات الفلسفية التي أثرت عليه وعلى العقل ~~والوجدان العربي في الثلث الأخير من هذا القرن، وموقفنا من هذه ~~الاتجاهات - وهو موقف غلب عليه التأثر والترديد وندر فيه النقد أو ~~انعدم - وربما يكون في ذلك نوع من المراجعة النقدية للاتجاهات الفلسفية ~~الوافدة أو السائدة، ونوع من الاستقلال عنها نتعلمه من شعرائنا الكبار ~~الذين اتسمت استجاباتهم لها بالأصالة والتحرر والتفرد. ~~(4) # لقد كان الشعر العربي المعاصر - كما قدمت - أعمق تبصرا بأزمة ~~التاريخ العربي من كل فنون القول الأخرى، والشعر بوجه خاص والأدب بوجه ~~عام - هو في أعمق أعماقه أو في بنيته الأعمق رسالة أو دعوة لتغيير ~~الوعي الجماعي والسلوك الاجتماعي - (وإن كان ذلك لا يتم عند الأديب ~~والشاعر المبدع إلا بطريقة معقدة وغير مباشرة ولا واعية). فماذا كانت ~~رؤية شعرنا الجديد لوعينا الاجتماعي وواقعنا التاريخي منذ انطلاقته ~~الحاسمة في الخمسينيات؟ إن الدراسة الفلسفية يمكن أن تساعدنا على ~~التبصر بهذا الواقع وأزماته وسبل إنقاذه إذا استطعنا أن نترجم حدوس ~~الشعراء وصورهم ورموزهم إلى أفكار منسقة، ولعلها تساعد كذلك على تجديد ~~الحياة الفلسفية، وتخليصها من الانغلاق والعقم المدرسي. # ومن يدري؟ فربما تعجل بميلاد فلسفة عربية لا تزال في المخاض، أو ~~تعينها - إذا كانت قد ولدت بالفعل - ~~على أن تحبو خطواتها الأولى، وتسعى إلى مدارج الشباب والنضوج. # | جوته وعصره1 # أما عن جوته (فرانكفورت 1749-فايمار 1832م)، فهو شاعر الألمان الأكبر، ~~صاحب فرتر وفاوست والديوان الشرقي وفيلهلم ميستر، وما لا حصر له من الأشعار ~~الغنائية والقصصية والفلسفية والمسرحيات بأشكالها المختلفة والقصص القصير ~~والطويل والكتابات العلمية عن الضوء والألوان، وتحولات النبات والمعادن بجانب ~~آلاف الصفحات من الرسائل والأحاديث والمذكرات والمراجعات. لم يكن جوته مجرد ~~ظاهرة فريدة في الأدب الألماني والأوروبي فحسب، وإنما كان ظاهرة إنسانية ~~بالمعنى الشامل لهذه الكلمة. لهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يطلق اسمه على ~~عصر بأكمله هو عصر ازدهار الأدب والثقافة الكلاسيكية في ألمانيا. # وأما جورج لوكاش فهو الناقد الماركسي وفيلسوف ms074 الفن والجمال المشهور الذي ~~عرفت له اللغة العربية قبل هذا الكتاب كتبا أخرى مثل «الرواية التاريخية» ~~و«الواقعية الأوروبية المعاصرة» (من ترجمة الدكتور أمين العيوطي)، ودراسات في ~~الواقعية الأوروبية (من ترجمة الدكتور أمير إسكندر ومراجعة كاتب هذه السطور) ~~كما يعرفه كل المشتغلين بنظرية الأدب وفلسفة الفن. ولد لوكاش سنة 1885م في ~~بودابست، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعتها سنة 1906م. ثم درس بعدها ~~على يدي فيلسوف الحياة جورج زيميل وفيلسوف الاجتماع ماكس فيبر في هايدلبرج. ~~ولم يلبث أن ذاع صيته كواحد من أهم نقاد الأدب في أوروبا بعد صدور كتابيه ~~الروح والأشكال (1911م) «ونظرية الرواية» (1920م). وعندما انضم إلى الحزب ~~الشيوعي المجري عام 1918م عين مفوضا ~~للثقافة والتربية في حكومة بيلاكون الشرعية التي انهارت في أغسطس سنة 1919م. ~~وفي سنة 1923م أصدر الكتاب الذي عرف به حتى اليوم وهو «التاريخ والوعي ~~الطبقي». وقد أثار هذا الكتاب ثائرة النقاد الماركسيين الحرفيين، ووصفوه ~~بالانحراف والخروج على المذهب مما أدى إلى طرده من الحزب وصحيفته. ولما ~~استولى هتلر على السلطة لجأ إلى روسيا وشارك بالعمل في معهد الفلسفة ~~للأكاديمية السوفيتية للعلوم من سنة 1933 إلى 1944م. ورجع إلى بلده بعد ~~انتهاء الحرب الثانية، وأصبح عضوا في البرلمان، وأستاذا في فلسفة الجمال. ~~وفي 1956م شارك في الانتفاضة الشعبية التي سحقها الجيش الروسي، وعمل وزيرا ~~للثقافة في حكومة أمري ناجي التي لم تعمر طويلا. ونفي لوكاش إلى رومانيا ثم ~~سمح له بالعودة إلى بودابست، حيث اعتزل الحياة العامة، وعكف على تأليف كتابه ~~الضخم في فلسفة الجمال إلى أن مات في سنة 1971م. ~~••• # صدر هذا الكتاب الذي نعرض له سنة 1947م، في وقت اشتدت فيه النزعة القطعية ~~المتزمتة أو الاتجاه الستاليني في النقد الأدبي الماركسي والواقعية ~~الاشتراكية. فهل تناول لوكاش أدب جوته وعصره بهذه النظرة المتشددة - لا سيما ~~بعد الحملات المتكررة التي تعرض لها، والاعترافات المتتالية التي اضطر إليها ~~- أم عالجه من وجهة نظره الماركسية المتفتحة التي انطبعت منذ البداية حتى ~~النهاية بطابع هيجلي وإنساني لم ms075 تتخل عنه؟ سوف نناقش هذه القضية بعد أن ~~نفرغ من عرض الكتاب عرضا حرا نحاول فيه أن نقرب بعض إنتاج جوته للقارئ ~~الذي لم يطلع عليه. ~~••• # يقدم لوكاش لكتابه بمقدمة يحلل ~~فيها العوامل التاريخية والسياسية التي عاقت مسيرة الأمة الألمانية نحو ~~الوحدة القومية والديمقراطية والثقافة التقدمية التي كانت قد بلغتها أمم أخرى ~~في إنجلترا وفرنسا. وهو يتتبع هذا المسار التاريخي إلى ثورة الفلاحين في سنة ~~1525م، عندما تسببت الهزيمة الساحقة التي منيت بها في كارثة قومية بقيت ~~عواقبها ظاهرة لعدة قرون، وانبثقت عنها ملكية مطلقة أقامت عروشها المستبدة ~~على الأرض الألمانية المفتتة إلى أمارات إقطاعية صغيرة . وعندما اندلعت الثورة ~~البورجوازية أخيرا (وهي ثورة مارس 1848م التي قام الأدب الواقعي بدور كبير ~~في إشعال وقودها) كان نصيبها كذلك الهزيمة وسحق الآمال التي تعلقت بالحرية ~~والوحدة القومية. في ظل هذا التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وعلى أرض الواقع ~~المقهور المجزأ، ازدهر العصر الذهبي للأدب والفكر الألماني الذي نسميه عصر ~~جوته، وهو العصر الذي استمر أكثر من قرن من الزمان، وسطعت فيه كواكب أخرى ~~دارت حول شمس هذا الشاعر الكبير، مثل شيلر وهيردر وياكوبي وأقطاب المثالية ~~الألمانية من فشته إلى شلينج وهيجل. بل إن المؤلف يوسع من حدود هذا العصر، ~~فيمده من لسينج إلى هايني، ويعده واحدا من أهم العهود التقدمية والثورية في ~~تاريخ التفكير «البرجوازي»، ويمجد اكتشافه للمنهج الجدلي على يد هيجل وجوته، ~~ويعتبره دليلا على انتصار تيار التقدم على نقيضه الرجعي، وسببا كافيا ~~لإنصاف هذا العصر من تهم اللاعقلانية واللاتاريخية التي ألصقت به، وتسليط ~~الضوء على جوانبه الإيجابية التي دفعت حركة التنوير للإعلاء من شأن العقل ~~والنقد والتحرر من التسلط والجهل والخرافة. لهذا كله يمهد المؤلف لإنصاف جوته ~~نفسه ومواجهة الأساطير التي افترت عليه ودمغته بالرجعية ومعاداة الثورة ~~والتكبر على الشعب، وتأكيد مشاركته في حركة التنوير التي هيأت من الناحية ~~الفكرية للثورة الفرنسية الكبرى والتقدم الديمقراطي بوجه عام، بجانب مساهمته ~~في الحركة الواقعية للأدب الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع ~~عشر. ~~••• # يبدأ الفصل ms076 الأول من الكتاب بالحديث عن رواية «آلام فرتر» التي كانت ~~سببا في شهرة جوته الشاب شهرة عالمية. # والمعروف أن هذه الرواية قد كتبها جوته للخلاص من محنة حب فاشل لشارلوته ~~بوف أو «لوته» التي كانت مخطوبة لأحد أصدقائه. # والمعروف أيضا أن الرواية علامة بارزة على عصر أدبي قصير العمر، اصطلح ~~مؤرخو الأدب على تسميته عصر العصف والدفع، ووضعوا فيه الأعمال التي كتبها ~~جوته وشيلر في شبابهما الباكر، وتميزت بالتمرد البطولي والتدفق العاطفي، ~~والانطلاق من كل قيود العقل والقواعد والتقاليد المرعية في الأدب والاجتماع. ~~أثرت فرتر تأثيرا عميقا على الوجدان الأوروبي والأدب العالمي. فهل يمكن أن ~~تعد هذه الرواية العاطفية (التي أعقبت ظهورها موجة انتحار أقدم عليها عدد ~~كبير من الشباب الأوروبي) دليل أزمة عاطفية وعقلية تعبر عنها حركة العصف ~~والدفع الأدبية أم علامة على حركة تنوير ألمانية أكدت انتصار العقل على ~~العاطفة؟ إن المؤلف يؤكد الرأي الأخير، ويدافع عنه في وجه «الأساطير» التي ~~روجها في زعمه مؤرخو الأدب «البرجوازيون»، وأنكروا بها كل صلة بين فرتر ~~وحركة التنوير الثورية. فما حججه لرفض هذه الأساطير؟ # أولها أن هؤلاء المؤرخين يرون أن «العقل» هو المظهر الوحيد للتنوير، وأن ~~ثورة العاطفة والروح هي مظهره المضاد الذي عبرت عنه حركة العصف والدفع من ~~ناحية، كما عبر عنه من ناحية أخرى روسو وريتشاردسون من قبل الحركة ~~الرومانتيكية من بعده. والواقع أن أعلام التنوير مثل «ديدرو» و«لسينج» ~~و«فولتير» لم يكونوا معادين للعاطفة، وإنما وقفوا في وجه الجوانب اللاعقلية ~~وغير الإنسانية منها. والمثل الواضح على ذلك هو مقاومة لسينج لعاطفية كورني ~~وضحالة فولتير في معالجتهما للإنسان في المآسي أو التراجيديات التي كتباها، ~~وهو كذلك التفات بعض التنويريين أنفسهم إلى الجوانب الشعبية التقدمية في أدب ~~روسو وريتشاردسون اللذين عبرا عن تناقضات الطبقة الوسطى في أيامهما. # المهم في هذا السياق أن فرتر وإنتاج جوته المبكر (مثل مسرحيته جوتز فون ~~برليشنجن) هو استمرار للخط الذي سار فيه روسو، وأن ذلك الإنتاج تعبير عن ~~«البؤس» الألماني، والتخلف الاجتماعي والاقتصادي الذي عانته الحياة ms077 الألمانية ~~في ذلك الحين. صحيح أن جوته الشاب لم يكن ثوريا حتى بمفهوم شيلر في إنتاجه ~~الدرامي المبكر (كمسرحيتيه اللصوص والحب والدسيسة)، ولكن النظرة التاريخية ~~المنصفة إلى فرتر وربطها بالثورة والتنوير وتناقضاتهما تجعلانها ذروة التعبير ~~عن نزعة ثورية طالبت بالتطور الحر المكتمل للشخصية الإنسانية في صراعها مع ~~المجتمع البرجوازي المتخلف والحكم المطلق شبه الإقطاعي في الإمارات الصغيرة ~~في عهده. إن فرتر قد جسد في ذاته جدل الصراع المحتدم بين الشخصية الإنسانية ~~والمجتمع المتخلف الذي يعوق تطورها واكتمالها. # ولعل هذا التطور الحر المنبعث من الشخصية الموحدة أن يكون من أهم الهموم ~~التي شغلت فرتر في تمرده على القوانين الأخلاقية المجردة، كما شغلت جوته نفسه ~~في شبابه وطوال حياته. يؤكد هذا ما يقوله بعد ذلك في شيخوخته في كتابه «شعر ~~وحقيقة» الذي عرض فيه جزءا من سيرة حياته: «إن كل ما يحاول الإنسان تحقيقه ~~سواء بالفعل أو القول أو بطريقة أخرى، يجب أن ينبعث من مجموع قواه المتحدة، ~~وإن الضرر ليكمن في كل ما هو معزول، تلك قاعدة ممتازة، ولكن اتباعها أمر ~~صعب.» # إن تمرد فرتر على القواعد الأخلاقية المتخلفة في ظل مجتمع إقطاعي متخلف ~~ليعبر عن التناقضات الداخلية لنزعة إنسانية ثورية في عمل إبداعي عظيم. ويكفي ~~مصداقا لذلك أن يدافع فرتر دفاعا حارا عن حق المواطن في الانتحار، وأن ~~يقول لألبرت - خطيب حبيبته - في إحدى رسائله إليه: «بإمكانك أن تصف بالضعف ~~شعبا يئن تحت نير طاغية لا يطاق إذا انتفض أخيرا وكسر قيوده؟» وهي عبارة ~~بسيطة مباشرة تعبر عن ثورة جوته الشاب على المجتمع الاستبدادي والحكم ~~الإقطاعي والرياء الاجتماعي، كما تشير إلى ملامح الإنسان الجديد الذي راح ~~يتخلق في مجرى الإعداد للثورة البرجوازية، ويعلن عن التمرد الشعبي على عقم ~~الطبقات الأرستقراطية وجهلها، وتفاهة الطبقة الوسطى، وركودها ونفاقها. ولعل ~~إهابته المستمرة بأشعار هوميروس وأوسيان - بوصفهما شاعرين شعبيين - وهروبه ~~إلى الطبيعة العظيمة وإلى حياة الشعب البسيط، لعلها أن تكون تعبيرا عن ~~إيمانه بالشعب المنتج، ومثله الثورية الخلاقة. هذه الثورية الشعبية هي التي ~~تجعل ms078 من «فرتر» وغيره من أعمال جوته في شبابه أعمالا ثورية معبرة عن ~~الأيديولوجية البرجوازية في فترة الإعداد للثورة الكبرى في العصر الحديث ~~(الثورة الفرنسية) لا مجرد تعبير عن ثورة وجدانية أو فورة عاطفية عابرة ~~تخلص منها جوته عندما سجلها في روايته. وحتى هذه الفورة وتلك الثورة هما في ~~النهاية تعبير فني مكتمل عن مثل النزعة الإنسانية الثورية، وعن التناقض ~~المأساوي في تلك النظم التي عاش في ظلها. ولهذا تعد فرتر أحد المعالم البارزة ~~في أدب القرن الثامن عشر، ورائدا للأدب الواقعي في القرن التاسع عشر (خصوصا ~~عند بلزاك وستندال ومانزوني) وهي في الحقيقة تعبير عن مأساة البرجوازية ~~الألمانية في عصر الإقطاع والتجزؤ والاستبداد الملكي المطلق. ولهذا تحطم فرتر ~~على صخور تناقضاته الباطنية التي هي نفسها تناقضات الشخصية المأساوية مع ~~مجتمعها وعصرها. نعم إنها مأساة حب من أعظم مآسي الحب في أدب العالم، ولكنها ~~تجسد مأساة عصر بأكمله وتناقضاته. وربما كانت مأساة فرتر الحقيقية كامنة في ~~عدم تنازله عن مثله الإنسانية الثورية، واختياره الحر للتحطم عليها بدل ~~المساومة معها. وهذا هو سر جمالها الآسر الذي آذن بإشراق فجر الحرية مع ~~الثورة الفرنسية التي تحطم أبطالها على مذبح أوهامهم، ومثلهم البطولية قبل أن ~~يشدها نابليون إلى عجلة الاستبداد والتوسع الإمبراطوري. ~~••• # ينتقل المؤلف إلى الفصل الثاني من كتابه، فيتناول القسم الأول من رواية ~~جوته «التربوية» عن «فيلهلم ميستر»، وسيرة حياته التي راح يبحث فيها عن نفسه، ~~متجولا بين آفاق عديدة، مشتركا مع شخصيات وجماعات ونماذج بشرية مختلفة، ~~هائما بين المسرح والحب والحكمة والتصوف. وقد اقتصر المؤلف كما قلت على ~~القسم الأول من هذا العمل الفريد الذي يعد أهم نتاج أدبي في فترة الانتقال من ~~القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، (إذ فرغ جوته من صيغته النهائية بين ~~عامي 1793-1795م، في ظل الأزمة الثورية التي بلغت ذروتها في فرنسا في ذلك ~~الحين، مكتفيا بهذا القسم الذي سماه «سنوات التعلم» عن القسم الثاني «سنوات ~~التجوال» الذي جمعه الشاعر بعد ذلك بسنوات طويلة، ولم يستطع ms079 أن يحقق فيه ~~الإحكام والاتساق اللذين اتسم بهما القسم الأول). والجدير بالذكر أن أصول هذه ~~الرواية ترجع إلى حوالي سنة 1777م عندما كتب جوته مسودتها الأولى تحت هذا ~~العنوان الدال «رسالة فيلهلم ميستر المسرحية» (وقد عثر على هذه المسودة بمحض ~~المصادفة في سنة 1910م)، وخصص فصولها الستة لتصوير علاقة بطله فيلهلم بالمسرح ~~الذي لجأ إليه ليلتمس فيه تحرير روحه الشاعرية القلقة من ابتذال العالم ~~البرجوازي وضيق أفقه، وليجد في التمثيل والشعر الدرامي وسيلة لتهذيب شخصيته، ~~والتطور بها نحو الكمال. غير أن الصيغة المتأخرة للرواية تجاوزت حدود المسرح، ~~ووضعت البطل الناضج في مواجهة المجتمع البرجوازي بأسره. وإذا كانت قد أبقت ~~على الفصل الطويل الذي تمثل فيه أجزاء من هاملت، وتدور فيه تفسيرات عديدة ~~لشخصية الأمير الحزين ولعبقرية شيكسبير بوجه عام، فلأن شيكسبير في رأي جوته ~~منذ خطبته المشهورة عنه في شبابه هو طبيعة كاملة رائعة، ومرب عظيم للشخصية ~~الإنسانية المتطورة. بيد أن المسرح قد أصبح في الصيغة الأخيرة لسنوات التعلم ~~والطلب مجرد مرحلة انتقالية إلى الوصف الواقعي الشامل لمجتمع البرجوازية ~~والأرستقراطية، وتصوير الحياة الإنسانية النموذجية على مسرح العالم نفسه. ~~ولهذا نتجول في هذه الرواية وسط متحف كامل من الشخصيات المعبرة عن طبقات ~~مختلفة، ونبحث بينها مع البطل عن مثال الشخصية الموحدة المنسجمة مع نفسها ~~وفقا للحكمة العريقة «كن نفسك»، ونلمس كافة الضغوط والقيود التي تشوه جمال ~~الطبيعة البشرية في مختلف المراتب الاجتماعية. وإذا كان جوته قد تعاطف مع بعض ~~الشخصيات من مجتمع النبلاء مثل شخصيتي «ناتالي» و«لوتاريو» فلم يكن ذلك عن ~~تحيز أو ضعف، وإنما نظر إليهما على ضوء المثل الإنسانية، وأشاد بالإمكانات ~~التي يوفرها نبل المحتد والثروة الموروثة لتطوير الشخصية بصورة شاملة. هكذا ~~كانت الرغبة في تحقيق المثل الإنسانية هي المقياس الذي نحكم به على الشخصيات، ~~وهي القوة الدافعة على حركة الرواية بأسرها. كل ذلك في إطار نظرة إلى العالم ~~مؤمنة بالفعل الذي يحرك الكون والإنسان منذ البدء إيمانها بضرورة أن يكون ~~فعلا محوريا يوجه حركته، حتى لا يتحطم أو ms080 يتحلل أو يتبدد أو يتحجر في جانب ~~واحد من شخصيته، فتصاب بقية جوانبها بالضمور. # ما الجديد في رواية جوته؟ وما الذي يميزها عن غيرها من الروايات ~~«التربوية» التي سبقتها في عصر التنوير وعصر النهضة؟ الجديد - فيما يرى لوكاش ~~- هو تعبيرها عن المثل الإنسانية للثورة الفرنسية. ولقد أدرك جوته بواقعيته ~~الراسخة أن تحقيق هذه المثل في المجتمع الألماني المتخلف البائس على أيامه ~~وهم مستحيل، ولكنه أدرك كذلك بوضوح وعمق أن هذه المثل هي النتائج الضرورية ~~التي لا بد أن تنتهي إليها حركته الاجتماعية والتاريخية. ربما تكون هذه رؤية ~~متناقضة للمجتمع، ولكنه استطاع أن يخلق بها ما يشبه أن يكون «جزيرة» داخل ذلك ~~المجتمع المعادي بطبيعته وتكوينه لتلك المثل، أو قل إنه استطاع أن يصور بها ~~داخل المجتمع القائم مجتمعا متفاعلا يمكن أن يحوله نحو تحقيق تلك المثل. ~~ولقد رسم شخوص هذا المجتمع من خلال تطورها الواقعي وتجاربها الواقعية ~~الملموسة، ولم يهبط بها إلى صورة مثالية أو «طوباوية» جوفاء. ولهذا نجده يؤكد ~~الاتجاه التربوي الواعي سواء في تلك الجماعة الغريبة، وهي جماعة «البرج» التي ~~تشبه أن تكون مجتمعا مثاليا أو نحلة سرية من الحكماء وإخوان الصفا، أو في ~~الرسائل التعليمية المتناثرة عبر الرواية، أو في تطور بطلها فيلهلم نفسه تحت ~~إشراف وتوجيه محددين، وبحرية وعفوية تستبعدان أي تأثير للقدر أو للأوامر ~~الأخلاقية المطلقة التي أعلنها فيلسوف مثل كانط. # وعلى الرغم من وجود شخصيات رومانسية في الرواية تأسرنا بسحرها الخلاب ~~وغموضها الموحي - مثل الصبية المسكينة مينون # 2 # وعازف القيثار الأعمى والكاهنة والراهب الذي يدلي باعترافات ~~مفزعة عن قصة زواجه بأخته - وعلى الرغم من وجود شخصيات أخرى لا نتردد في ~~وصفها بالنفعية والأنانية، فإن الرواية في مجموعها تهاجم الإغراق الرومانسي ~~في الاستبطان الذاتي، كما تنفر القارئ من الفاعلية المحضة التي يمكن أن تبلغ ~~حد الثورة العمياء، لقد وقف جوته في وجه هذين الطرفين المتناقضين، وأدان ~~العاطفية الحالمة (التي سقط فيها فرتر من قبل) كما حذر من النزعة العملية ~~المسرفة على حد سواء، واستطاع بحسه ms081 الواقعي المتأصل فيه أن يصور لنا المثل ~~الإنسانية في صراعها مع الحياة، وأن يرسم صورة البطل الذي يربي نفسه شيئا ~~فشيئا؛ ليكون إنسانا يفهم الواقع الموضوعي على حقيقته، ويشارك في حركته ~~مشاركة فعالة مثمرة، ويواجه «نثره» المحبط المعوق بشاعرية وجوده الإنساني ~~الجديد. لقد طالما انغمس «فيلهلم» في حنينه العاطفي إلى المسرح، في صبواته ~~المريرة وجولاته المخفقة، ولكن لم يربه إلا مواجهة الواقع القائم والصراع معه ~~ومحاولة تفهمه وتغييره بشخصيته الفاعلة المتكاملة ... إن رواية جوته تعبر عن ~~المثل الإنسانية وأزمتها المأسوية في ظل البرجوازية المتخلفة في أواخر القرن ~~الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. وهي تجسد مثل الثورة الفرنسية في عصر الآمال ~~العظام التي جاشت بها نفس جوته ونفوس معاصريه الكبار - على الرغم من تحفظاتهم ~~على أساليب تلك الثورة نفسها وفظائعها الدموية - في مرحلة انتقالية لذلك ~~المجتمع الذي صورت الرواية تناقضاته وتنبأت بحركته نحو مجتمع جديد، وإنسان ~~جديد. ~~••• # ونأتي للفصل الثالث من الكتاب، فنطلع على حديث المؤلف عن الرسائل ~~المتبادلة بين جوته وشيلر في فترة امتدت من سنة 1794م حتى وفاة شيلر سنة ~~1805م. والواقع أن هذه الرسائل التي تنضح بالحب والدفء والحوار الودي العميق ~~حول مشكلات الأدب والفن والحياة تعد من أهم وثائق الأدب الألماني، بل لعلها ~~أن تكون في الأدب العالمي كله من أبدع الآثار التي حافظت على صداقة عقلية ~~نادرة، ربطت بين أديبين كبيرين، على الرغم من اختلاف مزاجهما ونظرتهما للعالم ~~وأسلوبهما في الفن بين الحماس والاتزان، والمثالية والواقعية، والطبيعة ~~والصنعة. أضف إلى ذلك أن هذه الرسائل هي شهادات تلقائية حميمة عن تجارب ~~الشاعرين الخاصة في إبداعهما، وفي صراعهما مع المواد والأشكال الفنية ~~المختلفة، ومحاولاتهما لإيجاد أساس نظري لإنتاجهما، وكل هذا يزيد من أهميتها، ~~بحيث لا يمكن أن يستغني عنها مؤرخ الأدب وناقده، وفيلسوف الفن والجمال. ولا ~~ننسى أن الرسائل كتبت في ظل أوضاع تاريخية واجتماعية معينة، وأنها تعبر عند ~~الشاعرين عن فلسفة للفن بلغت ذروتها النظرية في عصرهما «عصر المثالية الممتد ~~من كانط إلى هيجل»، وانعكست بصورة أو ms082 أخرى على ممارستهما الأدبية؛ ولذلك ~~فإنها تحتم علينا - شأنها في هذا شأن كل الوثائق الخاصة بحياة الفنانين ~~العظام وتجاربهم الإبداعية - أن ندرسها من الناحيتين التاريخية والجمالية في ~~وقت واحد. # كتبت هذه الرسائل في فترة تمت فيها نخبة من أعمال الشاعرين «الكلاسيكية» ~~التي تميزت بالنضوج الأدبي والنظري، وكان لتعاونهما فضل كبير في إنجاز بعضها، ~~والتوقف عند المسائل الجمالية التي تتعلق بشكلها ومضمونها. ففي هذه الفترة ~~الزمنية كتب شيلر رسائله الفلسفية والتربوية عن الفن والجمال، كما أنشأ عددا ~~كبيرا من أشعاره الغنائية المهمة ومسرحياته الكبرى من «ثلاثية فالنشتين» إلى ~~مسرحية «ديمتريوس» التي تركها ناقصة. أما صديقه جوته، فقد أنجز قصيدته ~~الملحمية «هيرمان ودورثيا» (ترجمها للعربية المرحوم محمد عوض محمد)، وكتب ~~مسرحيته «الابنة الطبيعية» التي تمس موضوع الثورة الفرنسية، وأقبل على العمل ~~في روايته الكبرى عن فيلهلم ميستر، وفي مشروع حياته الأكبر فاوست بتشجيع من ~~صديقه المتفاني في حبه وإعجابه به، كما واصل جهوده العلمية وبحوثه عن النبات ~~والضوء والألوان والمعادن. # أين تقع هذه الرسائل من الناحية التاريخية؟ # إذا كان إنتاج جوته وشيلر في شبابهما يمثل آخر ذروة فنية لعهد التنوير ~~السابق على الثورة الفرنسية، فإن أعمالهما التي أبدعاها في مرحلة النضج ~~«الكلاسيكي» - ومن بينها هذه الرسائل نفسها - تعبر في رأي «لوكاش» عن الذروة ~~الأولى للتطور الفني للبرجوازية فيما بعد الثورة، بينما تعبر أعمال بلزاك ~~وستندال الروائية عن الذروة الثانية من هذا التطور الفني الذي طبع بطابع ~~الواقعية (وامتد في مرحلتيه بين اندلاع الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789م، ~~وقيام ثورات التحرر الأوروبية في سنة 1848م)، وكأن الأفكار والمشكلات التي ~~شغلت الشاعرين الألمانيين، وقدما لها الحلول والإجابات الممكنة في خلقهما ~~الأدبي وتنظيرهما النقدي والجمالي كانت خير جسر عبرت عليه الواقعية الأوروبية ~~العظيمة التي اكتملت بعد ذلك في منتصف القرن التاسع عشر وأواخره. # من المعروف أن صداقة جوته وشيلر ظلت تشوبها بعض القيود والتحفظات على ~~الرغم من التقدير المتبادل بينهما. وقد بدأت بلقاء تناقشا فيه حول «الظاهرة ~~الأولية» التي اعتقد جوته أنها المبدأ والأصل الذي ms083 تتفرع عنه أشكال النباتات ~~وتحولاتها حتى لقد زعم أنه رأى النبتة الأولية رأي العين في صقلية أثناء ~~رحلته المشهورة إلى إيطاليا ... ورد عليه شيلر بأن هذه الظاهرة الأولية ليست ~~إلا فكرة أو مثالا، وأجابه جوته بجفاء: ولكنني رأيتها بعيني! وكاد اللقاء أن ~~يسفر عن قطيعة نهائية. وكتب شيلر إلى أحد أصدقائه في تلك الفترة قائلا: «إن ~~هذا «الجوته» يقف في طريقي!» غير أن الأيام والاهتمامات والهموم المشتركة حول ~~قضايا الفن والإبداع ما لبثت أن قربت بينهما، ووجد كل منهما في زميله جانبا ~~يكمل ما يفتقر إليه الآخر، وبقي جوته على وعيه بالفوارق التي تفصل بينهما في ~~الطبيعة والفن على السواء. فهو الشاعر المطبوع أو كما عبر شيلر إلى أحد ~~أصدقائه في تلك الفترة قائلا: إن هذا «الجوته» يقف بالجزئي الخاص، وترى فيه ~~الكلي العام في مقابل صديقه الذي وصف نفسه في تلك الرسالة المشار إليها بأنه ~~عاطفي أو مثالي يبدأ من الكلي العام، وقد يصل أو لا يصل إلى الخاص. وجوته قد ~~تخطى مرحلة الشباب والحماس التي مر بها في فترة «العصف والدفع»، بينما بقي ~~صديقه المثالي الثائر محتفظا بالكثير من توقدها. والأول قد بلغ مرفأ ~~الإنسانية المستنيرة الهادئة واستقر فيه، في الوقت الذي ما يزال فيه صديقه ~~الذي يصغره بعشر سنوات مشتعلا بالثورة على استبداد الإقطاع والحكم المطلق. ~~غير أن كل هذه الأسباب التي كانت خليقة أن تبعد بينهما، وقد سجلها شيلر كما ~~ذكرت في رسالته عن الشعر الساذج والشعر العاطفي، # 3 # كما عبر عنها جوته في شيخوخته في بعض أحاديثه المشهورة مع ~~«أكرمان» لم تستطع في النهاية أن تحول دون اللقاء الذي يحقق التكامل، ويعمر ~~بالود والتقدير والمحبة. وقد كانت الرسائل المتبادلة بينهما هي أنضج ثمرات ~~هذا اللقاء الذي أكد أن عوامل التقارب والتجاذب بينهما كانت أقوى بكثير من ~~عوامل التباين والتنافر. كل هذه أمور يعرفها قراء الأدب الألماني ومؤرخوه، ~~لكن مؤلفنا - لوكاش - يحاول أن يثبت شيئا آخر يدفعه إليه منهجه الواقعي ~~الاجتماعي، وهو أن الأديبين الكبيرين كانا ms084 مؤمنين عن وعي أو غير وعي بالمضمون ~~الاجتماعي والسياسي للثورة الفرنسية، وإن اتفقا على رفض أسلوبها الثوري ~~والأساليب الثورية على وجه العموم. هذه الرابطة الاجتماعية والسياسية التي ~~حددت نطاق التعاون بينهما هي في رأي المؤلف وراء محاولتهما خلق فن كلاسيكي ~~برجوازي وجهودهما لتوضيح العديد من القضايا النظرية والعملية الكبرى للفن ~~والأدب الذي «أدركا دائما أنه هو التعبير عن العصر العظيم الذي بدأ مع ~~الثورة الفرنسية» (ص61). # هكذا انعكست الخلفية السياسية والاجتماعية على رؤية الشاعرين للمسائل ~~النظرية والعملية في الفن، كما أثر إدراكهما للتناقضات المتزايدة في الحياة ~~البرجوازية الحديثة على نظرتهما إلى قضية الشكل الفني والأنواع الأدبية، ~~وتداخلها الملحوظ في كثير من الأعمال الشعرية إلى وضع الشاعر نفسه في مجتمع ~~متخلف مختلط الأوضاع، مجتمع دخل مرحلة تقسيم العمل الرأسمالية قبل أن ينتهي ~~من تصفية الإقطاع، وآمن مثقفوه بمثل الثورة الفرنسية مع شعورهم بعجزهم، وتفتت ~~بلادهم إلى إمارات مجزأة يتحكم فيها طغيان الملكية المطلقة والنبالة ~~المستبدة. ولهذا اعترف الشاعران بضرورة تداخل الأنواع الأدبية، واقتراب ~~القصيدة الملحمية من المأساة، ونزوع الدراما نحو الشعر الملحمي، واستحالة ~~المحافظة على نقاء الشكل الكلاسيكي، وصعوبة كتابة الملحمة والشعر الحكمي ~~الموجز «الإبيجرام» على الشاعر الحديث، الذي لم يعد في مقدوره أن يلتزم ~~بقواعد الفن الإغريقي أو يحاكي النماذج الأدبية الإغريقية. ولعل الشاعرين قد ~~مهدا بذلك كله لضرورة تجاوز الكلاسيكية وأشكالها وقواعدها نتيجة لضغط المادة ~~الجديدة وتناقضات الحياة الاجتماعية الحديثة. ولقد جاءت الحركة الرومانسية، ~~فحققت التداخل بين الأشكال والأنواع الأدبية إلى حد الخلط والاضطراب اللذين ~~حذرا منهما، ثم سرعان ما جاءت الواقعية، فاستوعبت الطرفين وتجاوزتهما معا ~~(والغريب أن بعض أعمال الشاعرين قد حققت هذا بالفعل قبل ظهور الرومانسية ~~والواقعية كتيارين متميزين بزمن طويل، كما نرى مثلا في رواية جوته «فيلهلم ~~ميستر»، وفي فاوست، وفي مسرحية وليم تل لشيلر). ~~••• # ونصل أخيرا إلى العمل «البربري» الذي لا يقاس به أي عمل آخر من أعمال ~~جوته (كما قال عنه بنفسه!) إلى إلياذة الحياة الحديثة (كما وصفها الشاعر ~~الروسي بوشكين) إلى القصيدة الكبرى ms085 التي خرجت عن حدود الملحمة والدراما ~~والشعر الغنائي إلى فاوست ... هذا الفرد الواحد الذي يلخص مصيره مصير البشرية ~~كلها. # أدرك جوته منذ شبابه الباكر ما تنطوي عليه أسطورة فاوست الشعبية من ~~إمكانات شعرية هائلة، وظلت تشغل عقله ووجدانه ما يقرب من ستين عاما من عمره ~~الطويل، فراح يعالج مادتها الزاخرة في صيغ ومقطعات وصور ومشاهد متفرقة يبتعد ~~عنها سنوات طويلة ثم يعود إليها، حتى فرغ من كتابة القسم الثاني منها قبل ~~وفاته بقليل. وكان من الطبيعي أن تنضج القصيدة الكبرى مع نضجه، وأن تعكس ~~تحولات حياته وفكره كما تعكس التحولات الجذرية التي غيرت مجتمعه وعصره. ولم ~~يكن الأمر مجرد تشخيص لمصيره الشخصي أو لذاتيته الخاصة في موضوع شعبي أسطوري، ~~وإنما كان «تطويرا مستقلا متميزا للوعي الذاتي القومي، بل للوعي الذاتي ~~للبشرية» (ص90). # لقد سبق لجوته الشاب أن عالج أساطير شعبية (مثل فاوست الأصلية في مسودتها ~~الأولى، واليهودي التائه وبروميثيوس) أو شخصيات تاريخية تحيط بها هالة من ~~التراث والتقاليد الشعبية (مثل شخصية النبي محمد وشخصية قيصر)، إلا أن هذه ~~الموضوعات جميعا لم تكن لها جذور في الحاضر، ولهذا اقتصر تعبيره عنها على ~~بعض الشذرات الغنائية أو المشاهد المسرحية الناقصة التي بقيت شخوصها أشباحا ~~غامضة مفتقرة إلى الحركة والفعل. فلما أن عالج موضوعا من التاريخ الألماني ~~من عصر الإصلاح الديني مثل ثورة «جوتز فون برليشنجن» في مسرحيته المعروفة ~~بهذا الاسم ظل هذا الشخص التعس - كما سماه ماركس - بطلا وهميا من أبطال ~~الحرية الجوفاء، وتحتم عليه الاندحار والسقوط بسبب تشوش مفهومه عن الحرية ~~والواقع والتاريخ. ولعل هذا أن يكون أيضا هو السبب في بقاء الصياغة الأولية ~~لفاوست - التي كتبت في نفس الفترة الزمنية تقريبا - شذرة ناقصة مفككة، ~~واحتياج المشروع الكبير إلى عشرات السنين؛ لكي ينضج مع نضوج جوته نفسه وتطور ~~تصوره للتاريخ والحرية وتناقضات مجتمع متخلف عاجز عن الثورة الحقيقية. فلما ~~أن عكف على «فاوست» اتسعت فكرة «الفارس المعتمد على ذاته» وازدادت عمقا، ~~واستوعبت العالمين الكبير والصغير، وضمت الماضي والحاضر والمستقبل، وطرحت ~~قضايا ms086 الطبيعة والمعرفة والخير والشر، والعلاقة بين الفكر والعمل، وتطور سعي ~~الإنسان وجهده المحدود على الأرض بصورة شاملة، ومختلفة اختلافا جذريا عن ~~الصورة التي قدمها عصر الإصلاح الديني للأسطورة الشعبية. # ولعل الإحساس بجدلية الحياة والفكر والطبيعة والتاريخ - هذا الإحساس الذي ~~نجده بصورة حدسية غامضة عند بعض أقطاب عصر التنوير الألماني مثل جوته نفسه ~~وصديقه وراعيه هيردر، ومن قبلهما «هامان» قبل أن يكتمل في صيغته المثالية ~~الرائعة لدى هيجل - لعله كان وراء هذا التطور في تصور فاوست الذي أصبح يعكس ~~بمتناقضاته تناقض الحياة والتاريخ والواقع الاجتماعي والإنساني جميعا، كما ~~يعكس تطور تفكير جوته الفلسفي، ونظرته إلى العالم في اتجاه هذه الجدلية ~~الحيوية الشاملة. والتتبع التفصيلي للفوارق الأساسية بين فاوست الأصلية (التي ~~ترجع إلى خريف سنة 1775-1776م) وشذرة فاوست (لسنة 1790م)، وبين الصياغة ~~النهائية للقسم الأول أتمه جوته سنة 1806م يبين تأثير هذا التطور التاريخي ~~والفكري والفلسفي الذي انعكس على بنية فاوست ومختلف قضايا المعرفة والحياة ~~والخير والشر والحب والمصير ... إلخ، التي عبرت عنها القصيدة الكبرى التي بين ~~أيدينا اليوم. # إن فاوست في هذه القصيدة الشاملة الفريدة فرد تمثل تجاربه وتطوره ومصيره ~~تقدم البشر كلهم ومصيرهم. ويكفي أن نقرأ معا هذه الأبيات التي يقولها في ~~حواره مع الشيطان مفيستو فليس (وقد وردت شذرة سنة 1790م مؤذنة بالتعديل ~~الجديد للقصيدة): # أود أن أتمثل في أعماق كياني # ما قدر للبشرية جمعاء. # أن أدرك بعقلي أسمى الأشياء في نظرهم وأعمقها، # وأجمع في قلبي سعادتهم وشقاءهم. # وبذلك أصل ما بين كياني وكيانهم. # وأتحطم في النهاية كما يتحطمون. ~~(القسم الأول حجرة الدرس 1770-1775) # نعم لقد نجحت هذه الإلياذة - أو بالأحرى هذه الأوديسة - الحديثة في أن ~~تلخص في مسيرة فاوست من السقوط والبؤس إلى الارتفاع والخلاص مسيرة البشرية ~~ذاتها، دون أن تضحي بالخصوصية والعينية التاريخية والبشرية للبطل، أو تقضي ~~على الحيوية الشعرية التي تميزه كما تميز سائر الشخصيات والمواقف. ولا شك أن ~~هذه المحاولة الموسوعية لتصوير العالم كله ومسيرة البشرية بأسرها كان من ~~الممكن أن تتعرض لأخطار التعميم التي ms087 وقع فيها شعراء عظام قبل جوته (مثل ~~ملتون في فردوسه المفقود والمستعاد وكلوبشتوك في قصيدته الملحمية عن المسيح)، ~~ولعل هذا هو الذي جعل فاوست كما ذكرنا إنتاجا لا يقاس به إنتاج غيره، وهو ~~الذي أتاح للمؤلف أن يحاول - بمنهجه الجدلي التاريخي - تفهم علاقاتها الخفية ~~وجذورها التاريخية. # ولعله كذلك قد شجعه على أن يعقد موازنة بين فاوست وظاهريات الروح لهيجل ~~(التي اتفق الفراغ منها في سنة 1807م وفي وقت واحد على وجه التقريب مع إتمام ~~القسم الأول من فاوست)، وإذا كانت فاوست كما ذكرنا تلخص في حياة فرد نموذجي ~~واحد وتجاربه ومصيره تطور البشرية كلها، وكانت الظاهريات تطورا للوعي الفردي ~~خلال مراحله المختلفة منظورا إليه كتلخيص للمراحل التي قطعها وعي البشر في ~~مجرى التاريخ، فإن الموازنة تصبح ممكنة ومشروعة على الرغم من الهوة الفاصلة ~~بين عمل شعري وآخر فلسفي ... وإذا كان هيجل في ذلك الكتاب - الذي يعد بجانب ~~فاوست أهم المنجزات الفكرية في العصر الكلاسيكي في ألمانيا - إذا كان قد نظر ~~إلى التطور التاريخي برمته بوصفه عمل الإنسان نفسه، وأدرك أن الإنسان الحقيقي ~~يخلق نفسه من خلال عمله الخاص، فإن هذه على وجه التحديد هي الصياغة الفلسفية ~~العامة لفاوست، كيف تنشأ قواه الباطنية وتتطور وتتخطى العقبات وتواجه مصيرها، ~~وكيف يؤثر عليها العالم الموضوعي - الطبيعي والاجتماعي التاريخي - ويكون في ~~نفس الوقت نتاجا لها، أو ميدانا لفعلها الخلاق لذاتها، من أين ينطلق كل هذا ~~وإلى أين يؤدي ... # ذلكم هو موضوع فاوست والبؤرة ~~الفكرية الخفية التي تربط كافة علاقاتها وأجزائها وصورها ومواقفها (على الرغم ~~من أن جوته قد أصر دائما على رفض الاعتراف بأنه قد سعى إلى تجسيد أية فكرة ~~فيها)، ولهذا يمكن القول بأن مأساة فاوست هي في الواقع «ظاهريات» ~~(فينومينولوجيا) شعرية للنوع البشري كما تتجلى في مسيرة وعي فاوست ومصيره ~~الفرديين، بعيدا عن أي منطق محدد أو فلسفة تعسفية. هي مأساة فرد كما وصفها ~~صاحبها؛ لأن تطور النوع نفسه ليس مأساويا، وإنما يجري عبر مآس فردية ~~ضرورية لا يحصيها العد، مآس جربها ms088 فاوست (مع روح الأرض، وحبيبته جريتشن التي ~~تخلى عنها، ورمز الجمال المطلق هيلينا التي تزوجها وأنجب منها أعجوبة شبه ~~بشرية عاجزة، وموته في النهاية عندما كان يحفر قناة لري الأرض المنتزعة من ~~البحر، فإذا به يحفر قبره)، وكلها تؤكد أن خلاص النوع لا يتم إلا بتحطيم ~~الفرد، وأن الكلي اللامتناهي لا ينتج إلا عن هلاك الجزئي المتناهي، وأن عجلة ~~التطور المتصل للعالم الأكبر لا بد أن تمر فوق مآسي العالم الأصغر ... ولعل هذا ~~كما ذكرت من قبل هو الذي يجمعه (أي فاوست) بظاهريات هيجل، على الرغم من كل ما ~~يفرق بين إبداع شعري وآخر فكري. ~~••• # آمن «جوته» بوجود نواة كامنة في باطن الإنسان، نواة لا تقبل الفساد مهما ~~أغراه الشيطان، ومهما تورط في الذنوب والأخطاء، والصراع من أجل هذه النواة ~~الطاهرة رغم الزلات والكبوات هو موضوع العقدة الحقيقية لفاوست، وموضوع الصراع ~~الدائر بينه وبين الشيطان مفيستوفليس. # لقد أعلن مفيستو في مفتتح العمل الشعري كله، وهو «الاستهلال في السماء»، ~~أنه سيجعل فاوست «يلتهم التراب بلذة». وهو لا يخفي رأيه في الإنسان، أو في ~~عقله الذي يستخدمه عندما يخاطب الله سبحانه بقوله: # كان من الممكن أن يحيا خيرا مما يحيا الآن # لو لم تنعم عليه بظل النور السماوي، # إنه يسميه العقل، ولكنه لا يستخدمه # إلا ليكون أكثر وحشية من كل الوحوش. ~~(الأبيات 283-286) # بهذا حدد فكرته عن العالم والاتجاه الذي تسير فيه إرادته، كما حدد ميدان ~~نشاطه وقوته. فهدفه - كما كان في الأسطورة الشعبية - هو امتلاك روح فاوست، ~~لكن جوته يخرج في عرضه الحي لتحقيق هذا الهدف خروجا عن الأسطورة. فقد ظلت ~~هذه تحمل طابع القرون الوسطى، وتعبر عن التضاد الحاد بين الخير والشر ~~المتصارعين على كسب روح الإنسان. أما الآن فقد أصبح الصراع يدور بأكمله في ~~الباطن كما أصبح «مفيستو» يمثل جانبا من شخصية «فاوست»، وتطوره النفسي ~~والتاريخي الخاص، بقدر ما يحتفظ بملامح وجهه المتميز إلى الحد الذي ينكر معه ~~طبيعته الشيطانية، ويخلع عنه كل ملامحه العرضية والسحرية التي ألصقتها به ms089 ~~الأسطورة، حتى ليعلن أن طريق فاوست إلى الخلاص أو اللعنة إنما يعتمد عليه ~~وحده: # وحتى لو لم يسلم نفسه للشيطان # لكان قد هلك مع ذلك ... # لقد فقد الشيطان طابعه المتعالي أو فوق الطبيعي بمثل ما ~~أكد فاوست مكانه فوق الأرض، وحركته في التاريخ: # من هذه الأرض تنبع أفراحي، # وهذه الشمس هي التي تضيء أتراحي، # ولو أوتيت القدرة على البعد عنهما # فليحدث عندئذ ما شاء له أن يحدث. ~~(1663-1666) # وتتوالى المشاهد بعد هذا الحوار الرئيسي الأول بين فاوست ومفيستو. وتتحول ~~الأسطورة الأصلية إلى صراع من أجل حماية النواة الباطنة من كل الإمكانات ~~«الشيطانية» داخل الإنسان نفسه (أي داخل فاوست وجوته الذي يعبر الإنسان ~~والشيطان كلاهما عن ذاته ومعتقداته) وهذا الصراع بين الخير والشر هو الذي ~~يولد الاتجاه نحو التطور، وهو الذي يعبر عن «الاستقطاب» الدائم في نظرة جوته ~~إلى العالم، كما يعبر عن إيمانه بمستقبل البشرية. فحتى الشر في هذا الجدل ~~الطبيعي الحي يمكن أن يكون عجلة للتقدم الموضوعي، تشهد على هذه العبارة ~~المشهورة التي يعترف فيها مفيستو بأنه جزء من تلك القوة التي تريد الشر ~~دائما وتخلق الخير على الدوام (البيتان 1335-1336) أن بذور الخير يمكن أن ~~تكمن في الشر، كما يمكن أن يكون ثمة شيء شيطاني في أسمى المشاعر. وهذا ~~التأرجح على حد الموسي هو الذي يؤلف الدراما الداخلية في فاوست، التي تؤلف ~~بدورها جزءا من الدراما أو بالأحرى من الجدل الكلي. وهنا يحاول المؤلف أن ~~يثبت أن جدل الخير والشر يعبر عن المرحلة التي شهدها جوته من تطور ~~الرأسمالية، وأن جشع الشيطان إلى الذهب والمال والجنس بوصفها الخير الأسمى هي ~~كذلك تشخيص حي للرأسمالية، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن نجد مفيستو في ~~القسم الثاني من فاوست يصبح هو مخترع النقود الورقية، ورمز سيطرة المال على ~~أوضاع مجتمع إقطاعي مضمحل، وأن نراه يساعد فاوست على إخضاع البحر للفعل ~~الإنساني، فيبني مرفأ وتزدهر تجارته، كما يعينه على إتمام سيطرته على أرضه ~~ومملكته الجديدة بمصادرة قطعة الأرض الصغيرة التي ms090 كان العجوزان الطيبان ~~«فيلمون وباوكيس» يقيمان عليها كوخهما الفقير، وطبيعي أن تكون مساعدته ~~بالطريقة الرأسمالية المعتادة، أي بالنار والسيف! ومع ذلك فإن الصراع بين ~~فاوست ومفيستو يتعدى هذا الجانب الرأسمالي الأساسي في شخصية الشيطان؛ لأنه ~~صراع روحي وأخلاقي يمتد إلى قضايا الحياة البشرية، ويعكس في حركة صعوده ~~وهبوطه تأثير الاتجاهات الشيطانية على روح الإنسان. ومسيرة هذا الصراع كله هي ~~وحدها التي تقدم الجواب على الرهان بين الله والشيطان، وتبين انحلال العقيدة ~~في مصير فاوست. والواقع أن اللقاء بين فاوست ومفيستو، حتى فيما يتعلق بالرهان ~~ليس إلا لقاء على ساحة المعركة. وبالرغم من أنهما يوافقان معا على الرهان ~~الذي تم منذ البداية في «الاستهلال في السماء»، فإن كلا منهما يفهم معنى ~~مختلفا لنفس الكلمات. إن جهد مفيستو الشيطاني يتركز في عرض الحياة على ~~فاوست، ولكن فاوست يحمل في ذهنه شيئا مختلفا تماما عن التمتع بالحياة. إنه ~~يريد تحقيق إمكاناته الفردية وتطويرها، بحيث يمكنه أن ينفذ إلى الواقع، ~~ويعرفه ويسيطر عليه - كما حدث بالفعل في نهاية القسم الثاني عندما اتجه إلى ~~خدمة المجموع بالعمل المثمر - تدل على هذا تلك الأبيات المشهورة التي لم ~~يستطع مفيستو أن يفهمها أبدا؛ لأنها لم تقصد الاستمتاع باللحظة العابرة، ~~وإنما أرادت التحقق في واقع ما يزال يتمثل له رؤيا في المستقبل: # إن قلت للحظة يوما: # تريثي قليلا فما أجملك! # فبإمكانك أن تقيدني بالأغلال، # وسيكون الموت هو أقصى مناي! # عندئذ فلتقرع أجراس الموت، # ولتوقف عقارب الساعة، # فلقد ذهبت أيامي وانقضى زماني! ~~(الأبيات 1699-1704 حجرة الدرس) # كان فاوست يتطلع إلى الحياة بمعناها الإنساني الشامل لا إلى الاستمتاع ~~الحسي بالحياة. ولهذا يبلغ الصراع بينه وبين الشيطان ذروته في مواقف يصعب ~~الحديث عنها هنا بالتفصيل: في الرهان بينهما، وفي مأساة جريتشن، وفي نشاط ~~فاوست العملي الأخير. في هذه المواقف كلها لم يلتهم فاوست التراب كما تصور ~~الشيطان، ولم يستسلم لمتعة اللحظة العابرة؛ لأنه كان دائما ينتظر «السعادة ~~العظمى في لحظة متناهية الجلال» لعلها أن تكون هي اللحظة التي تحقق وعد الله ms091 ~~سبحانه في نهاية فاوست: ~~«من أخلص في مسعاه، كتبنا له النجاة» (البيتان 11936-11937)، ولم يكن من ~~قبيل المصادفة أن تتسم المشاهد الختامية من القسم الثاني من فاوست بمزيد من ~~المناجاة (المونولوج) العميقة في دراميتها ومأساويتها؛ ذلك لأن مفيستو لا ~~يساهم في الصراع الداخلي الذي يخوضه فاوست ضده. لقد كرس فاوست نفسه للنشاط ~~العملي، وراح يعمل على إخضاع الطبيعة للإنسان، وانتزاع اليابسة من البحر ~~لخدمة المجموع. تجاوز مرحلة الاستمتاع الجمالي بالعالم (وإن ظل ينظر إليه ~~كشيء متعال خالد)، فأصبح بالنسبة إليه ميدانا للنشاط العملي والسيطرة ~~البشرية «وطريقا وحيدا للخروج من الفوضى الشيطانية والسحرية للعصور الوسطى» ~~(ص143)، ولكنه جعل نفسه بذلك أكثر تعرضا لتهديد مفيستو مما كان عليه عندما ~~وقع في حبه الفردي لجريتشن. لقد سقط الطابع الفردي عن صراعاته الداخلية، ~~وعذاب الندم الذي يعانيه بسبب موت العجوزين الفقيرين اللذين أشرنا إليهما قد ~~صار عذابا من أجل المجموع، وارتبط بالأسس الاجتماعية والإنسانية لطريقة ~~تصرفه بأسرها. ويسلط عليه مفيستو «الهم» في صورة امرأة تطفئ نور عينيه، ولكنه ~~يعجز عن فرض سلطانه عليه، وينجح في أن يعمي عيني جسده لا عيني روحه. # ويتجه فاوست كما قدمت إلى النشاط ~~العملي الذي يحقق «التقدم للحشود البشرية»، ولكنه يتبين أن هذا النشاط مستحيل ~~بدون مساعدة مفيستو الفعالة. لقد حلم بأن يشق طريقه نحو الحرية، ويطرد ~~السحر من طريقه، ويقف أمام الطبيعة مجرد إنسان يجد سعادته في كونه إنسانا ~~قادرا على التحقيق العملي لما يراه صحيحا من خلال قوته الخاصة وفاعليته ~~الخاصة وحدها، لكنه يدرك أن ذلك مستحيل بدون مساعدة مفيستو، وأن البديل عن ~~السحر هو العودة اليائسة إلى غرفة دراساته التأملية الكئيبة (ولعله قد أدرك ~~أيضا - فيما يفسر لوكاش - استحالة تطور القوى المنتجة في المجتمع البرجوازي، ~~إلا في ظل الرأسمالية التي يجسد مفيستو استغلالها وطغيانها بالذهب والمال ~~والجنس، ولهذا السبب تظل محاولة فاوست للابتعاد عن السحر محاولة عقيمة، ويبقى ~~حلمه بمستقبل مشرق للإنسانية مجرد حلم. ص148)، ومع أن فاوست - مثله مثل جوته ~~- يحلم بهذا المستقبل؛ لأنه خصم ms092 لدود لكل الثورات، فإن محتوى حلمه بالغ ~~الأهمية والدلالة على شخصيته. إنه لا يزال يسعى وراء الأهداف السامية للجنس ~~البشري. ومع أنه قد اكتفى أيضا حتى الآن بتحقيقها في تطوره الذاتي الباطن، ~~فإننا نجده في ختام القصيدة الكبرى يعبر تعبيرا واعيا عن الرغبة في النضال ~~الجماعي الحر من أجل هذه الأهداف. ولهذا نراه في مناجاته الأخيرة مصرا على ~~حلمه العظيم، بينما الواقع يتناقض مع هذا الحلم تناقضا مؤلم السخرية. ففي ~~الوقت الذي يتصور أنه واقف مع الحشود على أرض حرة ذات شعب حر، إذا بأرواح ~~الموتى تحفر قبره بأمر من مفيستو، وهو يظن أنها تحفر قناة تجري بالعنصر ~~المخصب للرمال: # هكذا أفتح الآفاق لملايين كثيرة # تعمرها بحرية ونشاط، # وإن لم تكن آمنة مطمئنة، # ويصير الوادي أخضر خصبا، # ويستريح الإنسان والقطعان # فوق الأرض الجديدة. # وهنا في الداخل تترعرع جنة، # وإذا ما عربد الطوفان في الخارج، حتى بلغ الحافة، # وراح يقرضها بأنيابه ويحاصرها بعنف، # سارع البشر سوية لسد الثغرات. # هذا هو فصل الحكمة والمقال. # لا يستحق الحرية والحياة # إلا من يصر على غزوهما كل يوم! # وهكذا يقضي الأطفال والرجال والشيوخ، # وقد أحاطت بهم الأخطار، # سنوات عمرهم الحافل بالنشاط. # ولكم أود أن أرى هذه الحشود # واقفة على أرض حرة مع شعب حر، # حينئذ يحق لي أن أخاطب اللحظة وأقول: # تريثي قليلا فما أجملك! # وعندها لن تمحى في الآباد # آثار أيامي التي قضيتها على الأرض. # إني لأستشعر تلك السعادة القصوى، # وأستمتع الآن بأسمى اللحظات. ~~(القسم الثاني، الفصل الخامس، 11563-11586) # ولعل هذا التناقض يتناسب أخيرا مع تلك الجدلية أو الثنائية الروحية التي ~~ألح عليها المؤلف في تقييم جوته للتقدم البشري. لقد عجز في رأيه عن إدراك ~~الحياة الاجتماعية والاقتصادية للرأسمالية الناشئة إدراكا تصوريا واضحا، ~~فعبر بدلا عن ذلك بحدسه الشعري عن دورها المتناقض في تطور الإنسانية. وإن ~~حلم فاوست الأخير بالمستقبل ليصور بإيقاعه القاسي المدمر تصويرا كافيا نظرة ~~جوته إلى هذا التناقض، الذي لم يحل أو لم يستطع هو نفسه أن يجد له حلا، وإن ms093 ~~عظمته الشعرية لتكمن في طرحه لهذا التناقض (الذي جعل فاوست يضع تحقيق حلمه ~~الكبير بالعمل من أجل المجموع بين يدي مفيستو كما يضع في يديه كذلك إمكانية ~~تحطيمه)، ويكفيه صدقا أنه صور لنا احتدام هذا التناقض في نفس فاوست، وكشف عن ~~قدرة «نواته الباطنة» على الصمود والبقاء نقية في صراعها مع الشيطان. وهو ~~صادق، حتى في عجزه عن أن يقدم أكثر من حلمه المشرق بالمستقبل، بل ربما بسبب ~~هذا العجز نفسه (الذي كان في رأي لوكاش تعبيرا أمينا عن الوعي البرجوازي ~~العاجز في عصره عن رؤية الواقع الموضوعي رؤية ثورية صحيحة)، ولعل صراع فاوست ~~للحفاظ على نقاء نواته الباطنية أن يكون دليلا شعريا حقيقيا على الإيمان ~~بأن البشرية رغم مفيستو ورغم الرأسمالية لم يحكم عليها بالسقوط في أيدي ~~الشيطان ، ولا «أكل التراب» كالدودة الحقيرة! وهي لن تسقط ما بقيت على إيمانها ~~بأن النجاة والخلاص من نصيب من يسعى بأمانة وإخلاص. # يشعر القارئ بعد هذا العرض الموجز لفصول الكتاب أن القضايا الجمالية ~~البحتة لم تأخذ حقها الكافي، أو يشعر على الأقل بأنها التحمت بالمسائل ~~التاريخية والاجتماعية، بحيث لا تنفصل عنها تأثيرا وتأثرا. ويأتي الفصل ~~الأخير استجابة لهذه الحاجة النظرية والجمالية، فيحلل المفاهيم الفنية ~~الأساسية التي قامت عليها أعمال جوته الشعرية، وفي مقدمتها فاوست. # وفاوست من الناحية الجمالية إنتاج لا يقاس به غيره. إنها كما ذكرنا من ~~قبل ليست دراما ولا ملحمة، وإن جمعت أفضل خصائص النوعين. فهل يكفي أن نصفها ~~بأنها قصيدة كبرى عن تطور الجنس البشري من خلال تطور فرد ومصيره؟ أم يقتضي ~~الأمر النظر في بعض أفكار جوته النقدية قبل التسرع إلى هذا الحكم؟ # لقد حاول جوته وصديقه شيلر - في رسائلهما التي تحدثنا عنها - تمييز ~~الدراما والملحمة وتحديد الطابع النوعي لكل منهما. ولم يأت حرصهما على ذلك ~~بدافع نظري محض، وإنما كان الأمر ضرورة اقتضتها عملية الإبداع ذاتها عندما ~~وجدا نفسيهما في مواجهة مضامين تتأبى على الشكل الدرامي أو الشكل الملحمي ~~وحده، وتفرض عليهما التسليم بالتفاعل بينهما. وقد أخذ ms094 جوته على عاتقه تحديد ~~المفاهيم الأساسية لكل منهما، وكان من أهمها أن كل شيء في الملحمة يصور ~~كماض، في حين أن كل شيء في الدراما هو حاضر. بهذا تكون فاوست بحق عملا ~~دراميا يقوم على الحضور المحسوس لأشكال الوعي التي يمر بها فاوست خلال ~~اكتمال تطوره الروحي في مشاهد تصور الحقيقة الواقعية لكل مرحلة من مراحله، ~~وكأن كلا منها - كما صرح جوته نفسه لصديقه وتلميذه أكرمان - عالم مستقل ~~صغير، لا يتماس مع بقية العوالم، ولا يرتبط بالمجموع إلا بعلاقة رخوة مع ~~الأحداث السابقة واللاحقة. والغريب أن هذا المبدأ الدرامي في التأليف هو الذي ~~يخلق الطابع الملحمي للعمل ككل! فالعوالم الصغيرة المستقلة تفتقر إلى الترابط ~~الضروري الذي تفترضه الدراما، ولهذا يبقى العمل في مجموعه غير قابل للقياس، ~~ويظل مسألة مفتوحة وغير محلولة تحفز الناس باستمرار إلى التأمل فيه. ومعنى ~~هذا أن فاوست تحقق التفاعل بين المبادئ الدرامية والملحمية؛ لأنها إذا كانت ~~درامية في كل جزء منها، فهي ملحمية في استقلال هذه الأجزاء داخل تصور كلي ~~(كما كتب إليه شيلر بحق). ويبدو أن جوته قد استفاد من هذه التأملات النظرية ~~في طبيعة الدراما الملحمية عندما عاد إلى «عمله البربري»، وهو يائس من تحقيق ~~صفته الدرامية أو الملحمية بصورة كاملة. ولهذا لا يفاجئنا قوله لصديقه إنه ~~سيحرص على أن تكون الأجزاء ممتعة ومسلية، أما الكل فسيبقى دائما شذرة ناقصة ~~... والواقع أن تداخل الدرامية والملحمية في بنية فاوست أمر يقوم - كما أشرنا ~~من قبل - على موقف جوته من المأساة ونظرته الشاملة إلى العالم. فهو يرى أن ~~المراحل النموذجية لتطور البشرية سلسلة من المآسي، ولكنها في مجموعها الكلي ~~ليست مأساوية. ولا بد أن اعتقاده بالضرورة الكونية ووحدة الوجود التي تأثر ~~فيها بفلسفة اسبينوزا قد أثرت بدورها على هذه النظرة العالمية، كما اقتضى ~~التعبير عنها بصورة مكثفة وشاملة ذلك الشكل الدرامي الملحمي الذي يحقق ~~ديناميكية الأجزاء وتوازن الكل. ولهذا يصبح من الخطأ أن نتصور فاوست كما لو ~~كانت ملحمية مكونة من درامات منفردة أو دراما كبرى ms095 مؤلفة من أجزاء ملحمية. ~~فالتداخل بين الشكلين ملموس في كل جزء من أجزائها؛ لأن مصير نموذج إنساني (أي ~~مرحلة من مراحل تطور البشرية)، يتقرر أمام أعيننا على أساس الجدل الكامن في ~~تناقضاته الداخلية وبطريقة مأساوية في معظم الأحيان، كما أن كل جزء من جهة ~~أخرى هو ملحمة؛ لأن الصدق الضروري لهذا النموذج أو النمط الإنساني أو هذه ~~المرحلة من التطور البشري قد استلزم إعطاء الوسط الاجتماعي لهذه التناقضات ~~امتلاء ملحميا يتعدى ما هو درامي بحت. بهذا أمكن أن تصبح فاوست رواية ~~تربوية من طراز «فيلهلم ميستر»، أو ملحمة هوميرية حديثة تتضمن سلسلة من ~~الدرامات. # هكذا أدرك جوته وشيلر أن التفاعل والتداخل بين الدراما والملحمة من سمات ~~«الأدب الواقعي» الحديث الذي بدأ في أواخر أيامهما وأعمالهما. وقد تأكدت هذه ~~السمة المميزة، حتى صارت اتجاها عاما أبرزه «بلزاك» بعد ذلك بنصف قرن في ~~مقدمته للكوميديا الإنسانية عندما شدد على العنصر الدرامي والطابع التاريخي ~~للرواية الحديثة في القرن التاسع عشر (عند بلزاك نفسه وستندال ووالتر سكوت ~~ومانزوني وغيرهم) خلافا لما كانت عليه في القرن السابق عليه. ولا شك أن ~~أعمال جوته قد أقامت «الجسر الجمالي» بين هذين القرنين، وعبرت عن ذروة اكتمال ~~المفاهيم الفنية في عصر التنوير كما تخطتها في الوقت نفسه، ومهدت لعصر ~~الواقعيين العظام الذين أشرنا إلى أهم أسمائهم. وإذا كانت «فترة فنية» قد ~~انطوت بوفاته، فترة كان السعي فيها وراء الجمال والانسجام والكمال هو غاية ~~الغايات، فإن تأثيره على واقعية العصر الحديث يثبت أن الجمال عنده لم يكن على ~~الإطلاق جمالا شكليا بحتا (كما سيفعل الشعر الرمزي اللاحق واتجاه الفن ~~للفن)، بل كان له محتواه الاجتماعي المعبر عن مشكلات العصر وتناقضاته ~~التاريخية تعبيره عن الوعي بتقدم الإنسان وارتقائه نحو الكمال. ولهذا يمكن ~~القول بأن إيمانه الثابت بالجمال الإغريقي أو الكلاسيكي لم يكن إيمانا ~~بمقاييس فنية أبدية، وإنما يرجع إلى أن جوهر الإنسان وعلاقاته في الحياة ~~القديمة قد انعكست في التراث الفني والأدبي الكلاسيكي بصورة أنقى منها في ~~حاضر الحياة التي ms096 خبرها. فكأن الأشكال الفنية ليست في نهاية الأمر «التراكيب ~~الأكثر عمومية وتجريدية للجوهر الإنساني والعلائق الإنسانية»، وما نسميه ~~موضوعات «فنية» هو على حد قوله ظواهر للروح البشرية تكررت، وسوف تتكرر، ~~والشاعر وحده هو الذي يعرضها بوصفها ظواهر تاريخية، ويعبر عنها تعبيرا ~~فكريا وجماليا (ص175)، ولعل هذا كله أن يكون تعبيرا عن النزعة الإنسانية ~~لجوته وعصره في أكمل صورها، وعن دفاعه عن وحدة الوجود الإنساني - جسدا ~~ومجتمعا وروحا - ضد كل القوى التي كانت قد بدأت تشوهه وتجزئه تحت تأثير ~~الرأسمالية الوليدة، وهو في النهاية - كما رأينا في فاوست - دفاع عن نقاء ~~النواة الباطنة في الإنسان، ومحاولة لإنقاذ الجنش البشري من خلال التضحية ~~المأساوية للفرد الذي يرقص رقصة الموت؛ لكي ينبعث المجموع في جلاله ~~وكماله. # لا شك أن هذا الكتاب يثير قضايا ومشكلات عديدة متصلة بالنقد الأدبي ~~الماركسي بوجه عام وتفكير «لوكاش»، ونقده وفلسفته الجمالية بوجه خاص. ولن ~~نستطيع بطبيعة الحال أن نتوسع في الجانبين بما يبعد عن الكتاب نفسه، ولذلك ~~فسوف نكتفي ببعض الملاحظات الأساسية التي لا تهملهما إهمالا تاما، ولا ~~تتعدى الحدود المرسومة لمثل هذا العرض النقدي. ولا ننسى قبل تقديم هذه ~~الملاحظات أن نذكر القارئ بأمرين؛ أولهما: أن الكتاب قد وضعه صاحبه سنة 1947م ~~أيام اشتداد النزعة القطعية المتزمتة، وغلبة النظرة الاجتماعية المبسطة التي ~~ألفناها طويلا في تلك الفترة من النقد الأدبي الماركسي (الذي أصبح اليوم ~~نقدا تقليديا بالقياس إلى الجهود والاجتهادات الحديثة والمعاصرة في هذا ~~النقد نفسه). وثانيهما: أن الاتجاه الذي يمثله لوكاش هو اتجاه مثالي (هيجلي) ~~إنساني، وقد حافظ على هذا الاتجاه الذي يمكن أن نتتبعه إلى المرحلة التي سبقت ~~تبنيه للماركسية، وذلك على سبيل المثال في مقاله المبكر عن تطور الدراما ~~الحديثة (1909م)، وكتابه عن نظرية الرواية (1918م)، وإن توسع فيه بعد ذلك، ~~وتعرض بسببه لمحن كثيرة لم يكن أقلها هو مصادرة كتبه ونفيه عن بلده! صحيح ~~أنه كان في المرحلة الباكرة من إنتاجه يؤكد الجانب الذاتي الباطن، بل الجانب ~~الفردي اللامعقول، ويتصور أن مهمة الأدب ms097 هي التعبير عنه في مواجهة مجتمع ~~معاد ومغترب ومن خلاله، وصحيح أنه تعلم من الماركسية أن الفرد والمجتمع وحدة ~~واحدة، وأن العلاقات الاجتماعية هي أساس الأدب والفن والجمال، ولكن هذا كله ~~لا يمنعنا من القول بأن «لوكاش» لم يتحول كثيرا عن بعض «الثوابت» المنهجية ~~والنظرية التي يمكن أن نبلورها في اعتقاده بالوحدة الجدلية التي تؤلف بين ~~الذات والموضوع في المجتمع، وإيمانه بالخلاص من الاغتراب عندما يصل المجتمع ~~عن طريق الطبقة العاملة إلى الوعي بذاته، وفكرته عن الحقيقة من حيث هي كل ~~شامل ما يزال على الإنسان أن يكافح ويصارع في سبيل بلوغه. وتقترن بهذه ~~الثوابت ثلاثة مفاهيم نقدية أساسية يلح عليها «لوكاش» على الدوام، وهي الوحدة ~~الشاملة (التي يؤلف بها العمل الأدبي بين العام والخاص، وبين التصوري والحسي، ~~وبين الاجتماعي والفردي، ويصلها وصلا جدليا حيا، بحيث يصبح العمل صورة ~~مصغرة من الوحدة الشاملة المركبة للمجتمع)، والعامل التاريخي والاجتماعي (وهو ~~المضمون الذي يحدد الشكل الفني، بحيث تصبح الأشكال على اختلافها تركيبات ~~وتكثيفات معقدة لذلك المضمون التاريخي والاجتماعي - إذ لا يوجد ثمة مضمون لا ~~يكون الإنسان نفسه هو بؤرته - وبحيث يصر لوكاش باستمرار على رفض النزعات ~~الشكلية على اختلافها في الأدب والفن بوصفها نزعات فاسدة منحلة)، ثم تأكيده ~~«للنمطي» على اعتبار أن مهمة الأدب هي إبرازه من خلال الفردي والاستثنائي، أي ~~إن الشخصية النمطية أو النموذجية هي التي تجسد القوى التاريخية دون أن تفقد ~~شيئا من خصوصيتها الحميمة وثرائها الفردي المحسوس. # ننتقل بعد هذه المقدمة الضرورية إلى بعض الملاحظات التي تتصل بالكتاب ~~الذي نناقشه كما تتجاوزه من بعض الجوانب: ~~(1) # يقسم «لوكاش» إنتاج جوته تقسيما يثير التساؤل، ولا يستند إلى ~~هذا الشاعر وشخصيته الباطنة وتصوراته النظرية وتجاربه الإبداعية ~~والعملية. فهو يميز فيه قسمين كبيرين يقع الأول منهما - وهو الذي أنتجه ~~الشاعر في شبابه وجزء من رجولته - قبل قيام الثورة الفرنسية، ويعبر ~~فنيا وفكريا عن آخر ذروة بلغها عصر التنوير الذي مهد لتلك ~~الثورة. أما القسم الثاني - الذي يقع في مرحلة النضوج «الكلاسيكي» ثم ms098 ~~مرحلة الشيخوخة - فيعبر في رأي المؤلف عن الذروة الأولى للتطور الفني ~~للبرجوازية بعد الثورة الفرنسية، هذه الذروة التي أكملتها ذروة أخرى ~~بلغها الأدب البرجوازي كما رأينا مع نضج الواقعية الأوروبية على أيدي ~~بلزاك وستندال ومانزوني بوجه خاص، وكذلك ولترسكوت وزولا وتولستوي ~~وغيرهم. # لا شك أن هذا التقسيم قد ساعد لوكاش على تأكيد الطابع الواقعي في ~~أدب جوته كله، كما ساعده على أن يطبق عليه مفاهيم الأيديولوجية السائدة ~~مع استثناءات قليلة وعلى درجات مختلفة. بيد أن التقسيم نفسه لا يخلو من ~~التعسف، كما أن كلمة الواقعية نفسها كلمة ضخمة مطاطة، أشبه بالقدر التي ~~تتسع لكل شيء: لفيرتر وفيلهلهم ميستر، وبروميثيوس وفاوست، وجوتز ~~وهيرمان ودوروثيا، والرسائل المتبادلة بين جوته وشيلر، على الرغم من ~~تفاوت درجات «الواقعية» في هذه الأعمال، ومن تردد القارئ ومؤرخ الأدب ~~في وصف بعضها بالواقعية، ولنناقش هذه المسألة على ضوء تفسير المؤلف ~~للجزء الأول من رواية فيلهلم ميستر، سنوات الطلب، ثم للجزأين الأول ~~والثاني من فاوست. ~~(2) # يؤكد المؤلف أن «فيلهلم ميستر» تعبر عن مثل الثورة الفرنسية التي ~~كان تحقيقها مستحيلا في المجتمع الألماني المتخلف أيام جوته. والواقع ~~أن هذه قضية لا يمكن قولها بهذه الصورة المبسطة، وبخاصة إذا تذكرنا ~~موقف جوته المتحفظ من هذه الثورة، وعرفنا مدى استهجانه لأساليبها ~~البشعة التي أثارت نفوره واشمئزازه من أية «نظرية كوارثية» تحاول تحطيم ~~الترتيب الاجتماعي والنظام الأخلاقي والروحي. وإذا كان قد استحسن ~~«المحتوى الاجتماعي» للثورة الفرنسية، فإن هذا لا يكفي لكتابة رواية ~~كاملة تعبر عن مثلها الثورية. أضف إلى هذا أن شخصية بطلها فيلهلم ~~شخصية تبحث عن وحدتها وانسجامها مع نفسها وعالمها وسط طبقات ونماذج ~~إنسانية متباينة. وإذا كان يعبر عن تناقضات المجتمع «البرجوازي» في عصر ~~جوته، فليس من الضروري أن تكون مثله تعبيرا عن مثل الثورة الفرنسية، ~~بل يمكن أن تكون مستمدة من النزعة الإنسانية التي طبعت تفكير جوته ~~ومفكري عصره جميعا، مثل هيردر والأخوين فيلهلم وألكسندر فون همبولت ~~وشيلر وفيلاند، ومن قبلهم ليسينج وفنكلمان. إن تفسير الشخصيات والصور ~~والنماذج الشعرية ms099 بما يقابلها من صور ودلالات اجتماعية وتاريخية ~~(أيديولوجية) أشبه بالسير على حد الموسي أو المشي فوق حبل مشدود فوق ~~هاوية. فقد يهبط بالتفسير إلى التعسف والفجاجة، وقد يضيء حنايا العمل ~~الفني، ويزيد من غناه. والمهم في رأيي ألا يسرف الناقد في لي أعناق ~~الحقائق الشعرية ناحية الحقائق الاجتماعية، والواضح من الكتاب أن لوكاش ~~قد أجهد نفسه؛ ليثبت أن فيلهلم شخصية نمطية تجسد القوى التاريخية، دون ~~أن تضحي بثرائها الفردي، وأن جوته تبعا لذلك كان «تقدميا» وواقعيا ~~واصل الخط الواقعي والتقدمي الطويل الذي يمتد في رأيه (أي رأي مؤلف ~~الكتاب) من الإغريق إلى شيكسبير وعصر النهضة حتى بلزاك وستندال. ومع أن ~~محاولة لوكاش جديرة بالإعجاب، إلا أن قراءته للنص، كما يقول المعاصرون ~~من النقاد الذين جاءوا بعده، تحتمل السؤال والمراجعة، أي تحتمل هي ~~نفسها قراءة وتفسيرا مختلفا ... والدليل على هذا أنه يفسر الشيطان ~~خصوصا في القسم الثاني من فاوست - أو ما يعرف بفاوست الثاني - بأنه ~~تجسيد للرأسمالية الناشئة، ويؤكد هذا بمسئوليته عن اختراع النقود ~~الورقية وتمثيله للجشع الرأسمالي وقتله هو وأعوانه عجوزين مسكينين ~~(وهما فيلمون وباوكيس اللذان اشتهرا منذ العصور القديمة بحبهما النادر، ~~وفقرهما النادر أيضا) قتلة فظيعة تكشف عن أنانية الرأسمالي ووحشيته، ~~ولكن المؤلف يعترف من ناحية أخرى بأن الصراع بين فاوست ومفيستو يتعدى ~~هذا الجانب الرأسمالي في شخصية الشيطان؛ لأنه صراع روحي وأخلاقي يمتد ~~إلى كل قضايا الحياة البشرية، ويعكس في حركة صعوده وهبوطه تأثير ~~الاتجاهات الشيطانية على روح الإنسان. # كل هذا يدل على أن المؤلف لم تغب عنه أوجه الدلالة المختلفة في هذا ~~العمل الشعري الذي لا تنفد كنوزه، ولكن القارئ يشعر بأنه يكاد يسخر ~~كل شيء فيه لخدمة قضية اجتماعية وأيديولوجية ثابتة، وهي قضية التقدم في ~~الوعي بتناقضات الواقع والتمهيد للثورة عليه. فهل كان جوته نفسه سيقبل ~~هذا التفسير، وهو الذي تنصل دائما من أي تفسير فكري أو فلسفي لأعماله ~~الشعرية وسخر من كل الذين حاولوا استكناه معانيها وأسرارها العميقة؟ ~~وإذا صح أن الناقد لا يهمه رأي ms100 المؤلف؛ لأن مهمته هي أن ينطق العمل بما ~~لم ينطق به، ولم يقصد إليه قصدا هو أو صاحبه - وهو صحيح على اختلاف ~~مناهج التفسير أو الشرح والتأويل - فستبقى المشكلة هي درجة هذا النطق ~~ونسبته، ومدى تعبيره عن تفكير المؤلف أو العصر أو الناقد نفسه، وإلا ~~أمكن أن يصبح العمل الواحد نهبا لكل تفسير ومطية لكل «أيديولوجية» حسب ~~الهوى والمقدرة والظروف ... ولا شك أن خصوصية الأدب متشابكة مع الأمور ~~العامة والسياسية والتاريخية، وتطويع الأمور الخاصة بالبنية الفنية ~~والشعرية لها بأي ثمن، هو في تقديري شيء بالغ الخطأ والخطورة كما أن ~~نقيضه على الطرف الآخر أمر بالغ الخطأ والخطورة. ولو أن لوكاش التفت ~~إلى جوانب التفاوت والصراع والتفرق والتعدد والتغير في معاني ومستويات ~~هذين العملين الكبيرين من أعمال جوته، وأعني بهما «روايتيه» الملحميتين ~~الدراميتين في آن واحد وهما فيلهلم ميستر وفاوست، بدلا من محاولة ~~تأكيد وحدتهما الشاملة، وتجسيدها للقوى والعوامل التاريخية والاجتماعية ~~ونمطية شخصياتهما بأي ثمن، ولو انتبه إلى «أيديولوجية» الشاعر فيما لا ~~يقوله بدلا من عناء البحث عنها فيما يقوله، ولو حاول أن يبتعد قليلا ~~عن «أيديولوجيته» هو نفسه، ولم يفرضها بكل وسيلة على الشاعر الذي نعلم ~~نفوره من الأفكار، واستغراقه في الموضوعات؛ لأمكنه أن يلمس مفارقات ~~العملين وثغراتهما وتشتتهما وعدم اكتمالهما، بل «صمتهما» في كثير من ~~الأحيان، مما يدل على علاقة التوتر والصراع في موقف جوته المعقد من ~~«أيديولوجية» عصره، ومن كل تفكير أو تفلسف بوجه عام، ويؤكد كذلك إيثاره ~~للأشكال المفتوحة على المغلقة، وللصراع بدلا من الحل، وللصور والمشاهد ~~والمواقف الملموسة الحية المتقطعة بدلا من التعميمات المجردة. ~~(3) # كان لوكاش متسقا مع نفسه في حديثه عن قضية الشكل الملحمي الذي ~~تناقش حوله جوته مع صديقه شيلر في رسائلهما الرائعة، كما لجآ إليه في ~~بعض أعمالهما المتأخرة كما بينا من قبل. ولقد أكد لوكاش في مرحلة ~~مبكرة من إنتاجه (كما في مقاله عن تطور الدراما الحديثة الذي يرجع إلى ~~سنة 1909م) أن الشكل هو العنصر الاجتماعي الحقيقي في الأدب، أي إن ms101 ~~الأشكال الفنية - كما رأينا من قبل - هي الحوامل الفعلية للأيديولوجيا ~~في الفن. وقد حاول أن يثبت أن التطور المهم في شكل المسرح الملحمي ~~والرواية الدرامية الملحمية عند جوته وشيلر قد نتج عن تغيرات مهمة في ~~الأيديولوجيا السائدة، وجسد طرائق جديدة في إدراك هذين الشاعرين للواقع ~~الاجتماعي (حتى ولو لم يكن إدراكهما واعيا بصورة كافية). # والحق أن العلاقة بين الشكل والأيديولوجيا علاقة معقدة يصعب الخوض ~~فيها في هذا المجال المحدود، وهي على كل حال ليست علاقة تماثل بسيطة، ~~ولا هي علاقة استقلال مطلق. فالشكل بنية مركبة من عناصر ثلاثة على ~~الأقل؛ لأنه يتشكل بواسطة التاريخ الأدبي للأشكال، ويتبلور من أبنية ~~أيديولوجية سائدة، ويجسد وضعا معينا من العلاقات بين المؤلف والمتلقي # 4 ~~- ناقدا كان أو قارئا متذوقا - فإذا أضفت إلى ذلك أن ~~للناقد، وهو هنا لوكاش، أيديولوجية ، وأن لهذه الأيديولوجية تأثيرا لا ~~شك فيه على نظرته النقدية، عرفت أن مشكلة الشكل في الحقيقة أعقد بكثير ~~من الصورة المبسطة التي عرضها بها المؤلف. ومع أنه لم يهمل عناصر أخرى ~~غير العنصر التاريخي والاجتماعي في اختيار «جوته» مثلا في فاوست للشكل ~~الذي تتداخل فيه الدراما والملحمة، وعلى الرغم من إنصافه وحساسيته ~~الشديدة في حديثه عن الدوافع الباطنة والعوامل الإبداعية التي ألجأته ~~إلى اختياره، بالإضافة إلى رؤيته الكونية والميتافيزيقية ورغبته الخاصة ~~في الوفاء بمعايير الجمال الكلاسيكية، وبمقتضيات المادة الحديثة ~~والحياة الجديدة في آن واحد، على الرغم من هذا كله، فقد وظف كل هذه ~~العوامل والعناصر في تأكيد وجهة نظره الثابتة عن «اجتماعية» الشكل ~~وأيديولوجيته. والأخطر من هذا أنه فرض هذا التفسير الأيديولوجي على ~~أعمال جوته دون تفرقة. وإذا افترضنا أن من الممكن أن نصرف النظر عن ~~نفور جوته من السياسة وأحداثها المربكة بوجه عام، وعن صعوبة القول بأن ~~«أيديولوجيته» - إن صح هذا التعبير الحديث عن نزعته الإنسانية ورؤيته ~~الكونية الحيوية التي يمكن أن نصفها بأنها وحدة وجود متطورة كانت أبعد ~~ما تكون عن الثورة والجدلية بمعنيهما المحدد عند هيجل أو ماركس فيما ~~بعد - إذا صرفنا ms102 النظر عن هذا كله، فكيف يمكن أن نطبق «قراءة» سياسية ~~واحدة على كل أعماله مهما تفاوتت ظلالها ودرجاتها؟ ربما أمكن قراءة ~~مسرحياته عن «جوتز» و«أجمونت» و«الابنة الطبيعية» قراءة سياسة حديثة ~~تستنبط منها دلالاتها الاجتماعية والتاريخية، ولكن هذه القراءة تصبح ~~أمرا متعذرا مع نصوص أخرى مثل «فيرتر» و«فاوست». وحتى لو سلمنا بأن ~~النسق العقائدي والفكري (أي الأيديولوجية) يشكل داخل العمل أفقا ~~محددا لمبدعه، سواء أكان واعيا بذلك أم لم يكن، فلا بد أيضا من ~~التسليم بأن المبدع الحقيقي يمكنه أن يخترق هذا النسق أو يكسره في ~~مواضع عدة أو يغيره، ويستبدل به أفكارا ومعتقدات أخرى خلاقة لا تجعله ~~مجرد «انعكاس» لنسق عصره (ولا ننسى أن نظرية الانعكاس الماركسية، سواء ~~في المعرفة أو الفن، قد أصبحت اليوم نظرية واضحة التهافت)، ولا مجرد ~~انعكاس لأيديولوجية الناقد نفسه الذي يحاول أن يقترب من حقيقة النص ~~ويقربنا منها! وقد يمكن في النهاية أن نقبل تحليلات «لوكاش» لو توسعنا ~~في مفهوم الأيديولوجية، بحيث لا تعني نسقا شموليا موحدا، بل مجموعة ~~من الأفكار والمعتقدات بينها تشابه أسري (على حد تعبير فتجنشتين في ~~كتابيه الأزرق والبني)، إن هذا الفهم يتيح للمبدع فرصة التحرر والتعبير ~~عن خصوصيات لا تندرج في أيديولوجية محددة، كما يتيح للناقد أن يتحرر في ~~ضم عناصرها واستشفاف رؤية موحدة منها، قابلة للتقطع والتكسر والاختراق ~~والتحرر من الشمولية المجردة لتستجيب لخصوصية تجاربه ورؤاه الإبداعية نفسها، # 5 # ويقتضيني الإنصاف أن أقول إن لوكاش قد حاول شيئا من هذا ~~فهي مواضع كثيرة من كتابه، ولكن بدرجة أقل من المتوقع مع أديب مثل ~~«جوته» طغت مثله الإنسانية والروحية على مثله السياسية والاجتماعية ~~المفترضة (وليته قد اهتم اهتماما حقيقيا بالتفرقة الأساسية المعروفة ~~التي أقامها العالم اللغوي دوسوسير بين اللغة والكلام). # خلاصة القول إن المقولة الرئيسية في النقد الأدبي الماركسي قديمه ~~وحديثه (وهي أن الأدب نتاج الأوضاع التاريخية) لا يصح أن تتحول إلى طوق ~~حديدي يلتف حول النصوص، ويخنق أنفاسها (وخصوصا نصوص العباقرة الذين ~~عبروا عن عصورهم بقدر ما تجاوزوها)، ولا ms103 يدع لها ولا لأصحابها مجالا ~~للإيماء واللمح والإشارة إلى آفاق أبعد من التربة التاريخية ~~والاجتماعية، ولا يتيح النظر في نسيجها الفني نظرا كافيا. ثم إن ~~تفسير لوكاش أو غيره لا بد أن يتأثر بأوضاع المفسر التاريخية، ولعله أن ~~يفرض على جوته أو غيره جزءا غير يسير من أيديولوجيته هو نفسه. ولهذا ~~فإن دراسة لوكاش لتاريخية جوته وعصره يجب أن تكملها كما أشرت إلى ذلك ~~من قبل دراسة أخرى لتاريخية نقد لوكاش، والعوامل التي شكلته والدوافع ~~والرغبات التي حركته. ويمكنني في النهاية أن أتمثل بالعبارة الشهيرة ~~التي قالها «إنجلز» في كتابه عن «فويرباخ» ونهاية الفلسفة الألمانية ~~الكلاسيكية (1888م)؛ لكي أؤكد أن أدب جوته، كما يثبت كتاب لوكاش نفسه ~~لمن يقرأ ما بين سطوره وينطقه بما لم ينطق به إلا على نحو غير مباشر! ~~ليس مجرد انعكاس لأيديولوجية عصر لم يكن قد أدرك أيديولوجيته بعد بصورة ~~كافية واعية. وسواء غير جوته عنها أم عن بعض عناصرها أو تحداها وخرج ~~عليها في مواضع كثيرة، فإنه قد أكد الاستقلال النسبي لأدبه وفكره. تقول ~~عبارة إنجلز التي أشرت إليها: «إن الفن أكثر غنى وصعوبة من النظرية ~~السياسية والاجتماعية؛ لأنه أقل منها أيديولوجية»، وإذا كان لوكاش لم ~~يتذكر هذه العبارة، أو لم يستفد منها تماما في تأليف كتابه، فإن ~~أصالته لا تكمن في تطبيق المنهج الاجتماعي التاريخي على أدب جوته وعصره ~~- لأن هذا شيء مألوف ومكرر عنده غيره - وإنما تكمن في فهمه الثوري لهذا ~~الأدب، ولمجموع الأفكار والقيم والمثل والمشاعر التي قدمها لنا في صورة ~~غنية حية مؤثرة. ~~(4) # بقيت ملاحظات أخيرة أسوقها على بعض أفكار المؤلف الجزئية المنثورة ~~في الكتاب أتبعها بملاحظات أخرى عن الترجمة العربية. فالمؤلف ينسب ~~اكتشاف المنهج الجدلي (الديالكتيك) إلى هيجل وجوته معا. والواقع أن ~~هذا القول ينطوي على تجاوز أو تسامح كبير. فلا يمكن أن يوصف تفكير جوته ~~بالجدلية إلا بصورة عامة شديدة التعميم. قد يمكن القول بأن لديه نوعا ~~من «الاستقطاب»، الذي ألح عليه في كثير من أشعاره الفلسفية، وبعض ~~قصائد ms104 الديوان الشرقي، وفي بحوثه العلمية في الضوء والألوان ورؤيته ~~الكونية بوجه عام (فقد حاول مثلا أن يفسر ظاهرة اللون بالرجوع إلى ~~أصلها في التقابل بين قطبي النور والظلام، كما فسر تحولات النبات ~~بالتعاقب الدوري للقبض والبسط الواضحين، كذلك في التنفس وفي الإيقاع ~~الكوني القائم على التجاذب والتنافر والتضاد بين قوى الخير والشر، بحيث ~~تتخلل الوجود كله عملية أبدية تراوح بين الفصل والتوحيد) من الممكن أن ~~نسلم بوجود نوع من الثنائية أو التضاد والصراع بين هذه العوامل الكونية ~~في إطار وحدة الوجود الشاملة لديه، ولكن من الصعب أن نقول بجدلية من ~~النوع الذي قاله به هيجل، حتى ولو ذهبنا إلى أن هذا الأخير قد قال بها ~~في إطار وحدة وجود منطقية شاملة. ~~(5) # يذكر المؤلف اسمي نيتشه وإشبنجلر بوصفهما «السلفين الروحيين ~~للإنسانية الألمانية الحديثة». والواقع أن هذا القول لا يمكن أن يصدق ~~على الفيلسوفين، إلا إذا صدقنا تفسير النازيين أو بالأحرى إساءة ~~تفسيرهم لهما واعتمادهم على اقتباسات غبية معزولة عن سياقها أخذوها عن ~~نصوصهما، ووقفوا عند ظاهرها البلاغي البراق. أما أفكارهما ~~الميتافيزيقية الأصيلة، وخصوصا أفكار نيتشه، فلم يكن من المتوقع منهم ~~أن يرتفعوا إليها، أو يضعوها في إطار رؤيتهما الكونية والتاريخية ~~والفنية. وكما أننا نظلم ماركس إذا حاكمناه على الجرائم التي ارتكبها ~~«ستالين»، فمن الظلم أن نأخذ «نيتشه» أو إشبنجلر وغيرهما من فلاسفة ~~الحياة بذنوب النازيين ووحشيتهم، أو نحاسب الفلاسفة على بشاعة الجلادين ~~والموظفين. ~~(6) # يذكر المؤلف أن ترجمة رد الفعل النظري أو الأيديولوجي في ألمانيا ~~إلى ممارسة عملية كان أمرا نادرا جدا، ويستشهد على ذلك بإنتاج ~~«جورج فورشتر» وحياته الثورية (ص57)، ولعل المقصود هو الطبيب والكاتب ~~المسرحي الشاب «جورج بشنر» (1813-1837م) الذي ألف جمعية ثورية من ~~العمال الحرفيين والفلاحين أخمد أنفاسها الحكم الإقطاعي في مقاطعة ~~«هسن»، وارتاب فيها المثقفون وجبنوا عن الوقوف معها. وهو معروف ~~بمسرحياته الواقعية ومآسيه الاجتماعية التي لم تقدر قيمتها إلا في ~~القرن العشرين على يد كتاب مثل هويتمان وفيديكند وبرشت (ومن أهم هذه ~~المسرحيات مسرحيته عن موت دانتون ms105 التي تعبر عن خيبة آماله في الثورة ~~الفرنسية ومسرحيتاه فويسيك وليونس ولينا، وقد نقلها جميعا كاتب السطور ~~إلى العربية). ~~(7) # أما عن ترجمة الكتاب، فلا بد من إزجاء الثناء الخالص على جهد ~~المترجم الفاضل. فنقل كتاب عن جوته ليس بالمهمة الهينة؛ لأنه يفترض ~~قدرا غير يسير من الإلمام بحياة هذا الشاعر الكبير، وإنتاجه الزاخر ~~الفياض. ولا يقلل من هذا الجهد الطيب أن المترجم الفاضل لا يعرف ~~الألمانية، فما أكثر الترجمات الأمينة لأعماله في اللغات الحية، وما ~~أسعد حظه في هذه اللغات والآداب إذا قورن بحظه البائس في اللغات ~~العربية! # وقد انعكس عدم إلمام المترجم بالألمانية على طريقة رسم الأسماء ~~مثلا - كما يفعل إخوتنا في الشام لسبب لا أدريه - على إبدال الجيم ~~التي ينطق بها الاسم في الأصل بالغين (كما في جوته نفسه ولسينج وهيجل ~~وشيلنج وميرنج)، وأحيانا بالكاف (كما في كلاجيس الذي تحول إلى كلاكيس، ~~وهو فيلسوف الحياة المعروف، أو في جوتزفون برليشنجن، بطل مسرحية جوته ~~المبكرة المعروفة بهذا الاسم الذي تحول إلى كوتز ... وبقدر ما سعدت ~~بسلامة ترجمة الأشعار وجودتها وإشراقها (وإن لم يمنعني هذا من مضاهاتها ~~على الأصل، وإعادة النظر فيما اقتبسته منها).) فيؤسفني القول بأن ~~الترجمة في مجموعها قد وقعت في خطأ التصور بأن الأمانة مرادفة للحرفية، ~~حتى ولو أدى الأمر إلى الركاكة. أضف إلى هذا القصور في لغة المترجم أنه ~~تعمد تركيب بعض الصيغ المصدرية غير المستساغة (مثل قوله إن مفيستوفليس ~~ليس طيفا قروسطيا أو قروسطويا، ص118 و119. أو قوله ديالكتيك وحدي ~~وجودي بدلا من أن يستخدم صيغة الإضافة، فيقول طيف من القرون الوسطى أو ~~جدل وحدة الوجود) كما استخدم بعض الكلمات الأجنبية التي استقرت ترجمتها ~~العربية، بحيث تغني عنها (مثل ديالكتيك بدلا من جدل، والبلاستيكية ~~بدلا من النحت أو الطابع النحتي والفينومينولوجيا بدلا من الظاهريات ~~والشظية بدلا من الشذرة). بجانب استخدامات أخرى غريبة كوصفه محاولة ~~موسوعية بأنها متنطعة (ص108) والمنطق والاكتمال بأنهما تنطعيان (ص111)، ~~ولعله يقصد أنها مفتعلة أو مصطنعة أو متعسفة. ~~(8) # يتكرر في الترجمة مصطلح ms106 «العاصفة والتأزم» ترجمة للأصل الألماني، # Sturm und Drang # وترجمته الإنجليزية # Storm and Stress # والأصح هو العصف ~~والدفع عنوان الحركة الأدبية التي ذكرناها في سياق هذا العرض. كذلك ~~يترك المترجم المصطلح اللاتيني الذي يدل عند اسبينوزا على أسمى ~~الانفعالات الأخلاقية وغايتها، وهو المحبة العقلية لله بدون ترجمة # Amor Dei Intellectualis ~~(ص38)، كما ~~يتحدث عن فلسفة هيجل عن خداع العقل وصحتها دهاء العقل (الذي يصور ~~لعظماء التاريخ وأبطاله أنهم يحققون أهدافهم، بينما هم يحققون أهداف ~~العقل أو الروح المطلق نفسه)، ويتكلم عن «ندوة» أفلاطون (ص168) وصحتها ~~محاورة «المأدبة» لأفلاطون (السيمبوزيون أو المشرب) وهي المحاورة التي ~~تدور حول الحب وتورد حديثه على لسان الكاهنة ديوتيما. وأخيرا فإن ~~الترجمة تقتبس أول الأبيات الأربعة التي تختتم بها فاوست بأكملها على ~~هذه الصورة: كل شيء عابر ليس إلا شكلا وصحتها ليس إلا مثلا، والأنثى ~~الخالدة تسحبنا إلى أعلى وصحتها تجذبنا. ~~(9) # وختاما كنت أتمنى لو أضاف المترجم الفاضل بعض الحواشي المهمة ~~للتعريف بأعمال جوته التي لم تترجم بعد إلى العربية وتنبيه القارئ إلى ~~ما ترجم منها للعربية. وما زلت كذلك أتمنى لو اتجهت «دار الطليعة» ~~وغيرها من دور النشر العربية إلى نقل الأعمال الكبرى لعظام الأدباء ~~وأمهات التراث العالمي وعيونه قبل التفكير في ترجمة بحوث نقدية عن نصوص ~~لم يعرفها القارئ العربي وشعراء ومفكرين لم يلتق بنصوصهم نفسها بصورة ~~كافية. وأحسب أن هذه هي المهمة الحقيقية الملقاة على عاتق دور النشر ~~العربية الكبرى، حتى لا تزيد عن غير قصد منها في التشوش والخلط ~~المسيطرين على حياتنا الثقافية وعلى ناشئة الكتاب والأدباء الذين ~~التقطوا قطرات متناثرة من تراثنا وتراث العالم، فظنوا أنهم قد ارتووا ~~من المنابع التي لم يهدهم أحد إلى طريقها ... ~~(1986م) # | حنين مبارك # قصيدة من الديوان الشرقي للشاعر الألماني الأكبر «جوته» # لا تقل هذا لغير الحكماء، # ربما يسخر منك الجهلاء، # وأنا أثني على الحي الذي # حن للموت بأحضان اللهيب. ~~••• # في ليالي الحب والشوق الرطيب # يصبح الوالد والمولود أنت، # يحتوي قلبك إحساس غريب، # ومن الشمعة إطراق وصمت. ms107 ~~••• # تترك السجن الذي عشت به # غارقا في عتمة الليل الكئيب، # ينشر الشوق جناحيه إلي، # وحدة أعلى وإنجاب عجيب، # سوف تعروك من السحر ارتعاشة، # ثم لا تجفل من بعد الطريق، # وستأتي مثلما رفت فراشة، # تعشق النور، فتهوي في الحريق. ~~••• # وإذا لم تصغ للصوت القديم # داعيا إياك: مت كيما تكون، # فستبقى دائما ضيفا يهيم # في ظلام الأرض كالطيف الحزين. # هي إحدى قصائد «الديوان الشرقي» لشاعر الألمان الأكبر ~~«يوهان فولفجانج جوته»، ومن الصعب الحديث عن هذه القصيدة التي تعد درة فريدة ~~في عقد الأشعار التي يضمها الديوان الشرقي. ومن أصعب الأمور أيضا أن تتحدث ~~في هذا المجال عن جوته نفسه، أو عن ديوانه الشرقي الذي يعتبر - بعد قصيدته ~~الدرامية الكبرى فاوست - أعذب ما كتب من الشعر وأكثره نضجا وحكمة ودعابة ~~وصفاء. # فلنقل باختصار شديد إن جوته هو أعظم شعراء الألمان، وإن اسمه يطلق على ~~عصر أدبي بأكمله هو عصر جوته، وإنه أثر بأدبه وفكره وحياته وبحوثه العلمية ~~وثقافته العالمية الشاملة على نهضة الأدب الحديث في بلاده، وعلى العقل ~~الأوروبي بوجه عام، حتى لقد أصبح ظاهرة إنسانية فريدة ونموذجا لكل حياة جادة ~~ومتجددة بالحكمة والحب والتطلع وتحقيق الخلود في كل لحظة من لحظاتها الممتلئة ~~بالعمل والتجربة والبهجة. تطور شعره المتميز بالتعبير عن تجاربه الحميمة ~~المباشرة من القصائد الذكية الأنيقة والمسرحيات الرعوية القصيرة التي كتبها ~~في سنوات الطلب في مدينة «ليبزيج» إلى التعبير العاطفي الذي يتسم بتأكيد ~~العبقرية الفردية المتطرفة فيما يسمى بمرحلة «العصف والدفع»، التي أبدع فيها ~~شعرا عميق الحساسية، حر الإيقاع، وكتب فيها مسرحياته المبكرة وروايته ~~المشهورة «آلام فيرتر». وانتقل إلى المرحلة الكلاسيكية التي تزعم حركتها ~~الداعية إلى محاكاة النماذج الإغريقية الراسخة محاكاة خلاقة، والتمسك ~~بالشكل المتزن والتعبير المنسجم الذي يتجاوز الوجدان الشخصي أو الفردي، في ~~لغة دقيقة، متوازنة، نقية وصحية، إن جاز هذا الوصف للروح الكلاسيكية في مقابل ~~الروح الرومانتيكية التي وصفها بالمرض، وأبدع في هذه المرحلة عددا من ~~المسرحيات «النفسية»، والملاحم الشعبية التي تدور كلها حول العلاقة بين الفرد ~~والمجتمع، وتقدم ms108 صورا مثالية تخلد شخصيات إنسانية. رفيعة مثل مسرحيته عن ~~«توركواتو تاسو» و«إفيجينيه» وملحمته الشعرية «هيرمان ودوروثيا»، وروايته ~~«فيلهلم مايستر في سنوات التعلم». # ثم انتقل الشاعر إلى مرحلة الكهولة والشيخوخة، فنفذت عناصر رومانتيكية ~~إلى مؤلفاته المتأخرة التي غلبت عليها الحكمة والفكر واللغة البطيئة الساكنة، ~~وتحولت عن تمجيد التربية الذاتية والعلاء بالفردية المتجانسة المتكاملة إلى ~~الدعوة للعمل والتأثير النافع على حياة الجماعة، كما فعل في الجزء الثاني من ~~روايته «فيلهلم مايستر، سنوات التجوال»، والقسم الثاني من قصيدته الدرامية ~~«فاوست» الذي أتمه قبل موته بعام واحد، وروايته «الأنساب المختارة»، بجانب ~~كتاباته المستفيضة التي سجل فيها ذكريات حياته، مثل «شعر وحقيقة» وأشعاره ~~التي وصفها بأنها «شذرات من اعتراف كبير»، ودراساته العلمية المتنوعة في ~~النبات والحيوان والتشريح والمعادن والألوان والبصريات، وقد حاول فيها جميعا ~~أن يصل بطريقته الشاعرية المتأملة إلى القوانين العضوية التي تحكم التطور ~~والتشكل الأبدي الحي. هذا فضلا عن عدد لا يحصى من الأحاديث والرسائل ~~والمقالات والمراجعات والحكم والتأملات والقصص والمسرحيات التي لا يتسع ~~المجال لذكرها. # أما الديوان الشرقي، # 1 # الذي كان ثمرة لقاء الشاعر بعالم الشرق والإسلام، وهجرته الروحية ~~إلى منابع الطهر والنقاء والوحي والغناء، وتأثره ببعض ما عرفه من آيات القرآن ~~الكريم، وسيرة الرسول الكريم، ومن شعراء المعلقات وشعراء الفرس، وخصوصا حافظ ~~الشيرازي الذي اعتبره «توأم روحه»، وراح يناجيه ويحاوره في قصائد ديوانه، ~~فيكفي أن نقول إن إقباله على كتابة هذه القصائد كان محاولة منه لتجديد شبابه ~~وإبداعه، والتعبير عن تجربة حب مر بها في شيخوخته، ثم خاب أمله فيها أو في ~~نفسه، فتجاوزها إلى تجربة الحب الإلهي. وقد تمخض هذا اللقاء بروح الشرق ~~والإسلام وشعراء العرب والفرس بوجه خاص عن هذا الديوان الذي يتألف من اثني ~~عشر كتابا تضم عددا من القصائد يبلغ ثلاثمائة وخمسا وثلاثين قصيدة تسري ~~فيها العذوبة والدعابة واللعب بالأقنعة مع الحب والإيمان الديني والكوني ~~العميق. ومن هذه القصائد اخترت لك هذه القصيدة من كتاب «المغني» أول كتب ~~الديوان. ~~••• # تبدأ الأبيات الأولى من القصيدة بما يشبه التحذير ms109 للقارئ أو المستمع الذي ~~ينصت لغناء الشاعر: # لا تقل هذا لغير الحكماء، # ربما يسخر منك الجهلاء. # فالشاعر يوشك أن يكشف له عن سر لا يريد أن ينكشف، وينوي أن ~~يفضي إليه بتجربة حميمة يضن بها على الجهلاء والدهماء. وليست هذه هي أول مرة ~~يحاول فيها الشاعر أن يبوح بلواعج قلبه، وأن يكتمها في وقت واحد. فكذلك كان ~~شأنه في معظم شعره النابع من تجربة باطنة يعبر عنها تعبيرا يسترها ويخفيها. ~~ويكفي أن نستمع إلى هذين البيتين من كتاب الحكمة، وهو الكتاب السادس من كتب ~~الديوان الشرقي: # إن كنت تحاذر أن ينهبك الناهب ويشينك، # فاكتم ذهبك وذهابك، واكتم دينك. # أو نستمع إلى هذه الأبيات التي وردت في القسم الأول من ~~«فاوست»، حيث يقول هذا في حواره مع تلميذه «فاجنر»، الذي يؤكد أن كل الناس ~~تود أن تعرف العالم، وتعرف قلب الإنسان وروحه: ~~«فاوست: نعم ما يسميه الناس معرفة # ومن ذا الذي يحق له أن يسمى الطفل باسمه؟ # إن القلة التي عرفت شيئا عنه، وبلغ بها الحمق ألا تصون قلوبها التي امتلأت به، فراحت تكشف ~~للعامة عن عواطفها ورؤاها قد جوزيت من قديم الزمان بالصلب والإحراق. # أرجوك يا صديقي، لقد توغل الليل، ولا بد أن نقطع الحديث ...» # غير أن «المغني» في قصيدتنا السابقة لا يقطع الحديث، بل يواصل الكشف عن ~~سر لا يحب مع ذلك أن ينكشف لغير الحكماء. ومهما عذبه هذا السر، وأوشك أن ~~يخرس لسانه، فهو المغني الذي لا بد أن ينشد، وهو الشاعر الذي لا يملك إلا أن ~~يعبر عن سره المكنون. # لكن ما هو هذا السر؟ # وإذا كان هو الحب الذي يسري عبيره في كل قصائد الديوان، فأي نوع من الحب ~~هو؟ أهو الحب الإلهي الذي يرتفع بالإنسان إلى أعتاب الألوهية؟ أم هو العشق ~~البشري الذي يشده إلى مباهج الحس ولذات الجسد؟ أم هو في النهاية حب يتشابك ~~فيه الحنين الورع المبارك إلى الألوهية والشوق الملتهب الجارف للمحبوب ~~البشري؟ # يصعب الجواب على هذه الأسئلة. فالقصيدة من أصعب قصائد ms110 «جوته»، بل لعلها ~~أن تكون في رأي نقاده (مثل بورداخ) أصعب شعره على الإطلاق. إن أبياتها ~~الأولى تدل كما سبق القول على أن الشاعر ~~يريد أن يطلعنا على سر يضن به على الجهلاء، ولا نكاد نمضي في قراءة الأبيات ~~التالية، حتى نحس أنه سر صوفي نلمس فيه روح ~~التصوف الشرقي: # وأنا أثني على الحي الذي # حن للموت بأحضان اللهيب. # هذا الحي الذي يحن للموت في أحضان اللهيب، من عساه يكون ~~غير الفراشة التي تجذبها النار، فتحترق فيها؟ ومن عساها تكون هذه الفراشة إن ~~لم تكن هي النفس التي تحترق بالحب، ولا بد أن تحترق إذا كان حبها عميقا ~~وصادقا؟ # لقد أخذ «جوته» هذه الصورة المعروفة عن التصوف الشرقي. فالحب من ناحية هو ~~اللهب الذي يحرق شمعة وجودنا الأرضي والجسدي ويصهرها ويطهرها. والنفس أو ~~الروح من ناحية أخرى هي التي تندفع إلى هذا الحريق وتفنى فيه. والقصيدة تعبر ~~عن جانبي الصورة، وإن كان تعبيرها عن الجانب الأخير أقوى وأوضح. وليس يكفي أن ~~نقول إنه استوحاها من التصوف الشرقي؛ إذ أثبت الباحثون أنه استقاها من إحدى ~~قصائد ديوان حافظ الشيرازي التي قرأها في ترجمة المستشرق النمسوي «فون هامر - ~~بورجشتال». يؤكد هذا أن «جوته» نفسه قد دون بخط يده هذه الكلمات فوق أبيات ~~قصيدته «كتاب الصاد، الغزلية الأولى» مشيرا بذلك إلى إحدى قصائد الشاعر ~~الفارسي التي وردت في ديوانه في كتاب الصاد. كما يؤكده أيضا أنه كتب لها بخط ~~يده هذا العنوان الذي لا يخلو من دلالة دينية عميقة: «تضحية الذات، اكتمال»، ~~وذلك على أثر انتهائه من تدوينها في اليوم الأخير من شهر يوليو سنة 1814م، ~~وكأنما كان يريد معارضة قصيدة حافظ توأم روحه الشرقي، أو يثبت على الأقل ~~تأثره البالغ بها. # بيد أن الفكرة التي تعبر عنها صورة الفراشة التي تحن للاحتراق في اللهب ~~ليست صورة شرقية فحسب، ولا ترجع للشاعر الفارسي وحده. فهي صورة غربية أيضا، ~~تعبر بالقدر نفسه عن شاعر غربي يؤكد ارتباطه العميق بتوأم روحه الشرقي. ~~والأهم من هذا ms111 كله أنها تعبر عن جوهر الحب الحقيقي الذي يعلو بالإنسان فوق ~~ذاته. فنحن لا نحب إلا من يرتفع فوقنا، ويسمو وجوده على وجودنا، ولهذا نضحي ~~بأنفسنا في الحب، ونسعى إلى الفناء في المحبوب. وسواء أكان هذا الحب تعبيرا ~~عن شوقنا للاتحاد بمن نحب، أو بالأحرى للعودة للاتحاد بالنصف الآخر من نفسنا ~~الذي انفصل عنا بعد أن كان في الأصل وقبل المولد متحدا بنا، كما قال أفلاطون ~~قديما، أو كان الحب كما يقول فيلسوف حديث مثل اسبينوزا في كتابه الأخلاق هو ~~الفرح الذي ينفعل به المحب نحو علة خارجية هي المحبوب، بحيث يزيد هذا الفرح ~~من فاعليته ونشاطه وقوة استمراره في الوجود، فهو في كل الأحوال ارتفاع فوق ~~الذات وفناء في ذات المحبوب، وتضحية بالنفس، وتخل عنها من أجل الاتحاد بمن ~~نحب. والعجيب في أمر الحب أننا نقوم بهذه التضحية عن رضا وطيب خاطر، بل نشعر ~~معها بالفرح واللذة التي يصعب التعبير عنها. وربما كان السبب في هذا أن الحب ~~الصادق مثالي بطبيعته، وأنه أبعد ما يكون عن الرغبة في الاستمرار في الوجود ~~وغريزة المحافظة على الحياة التي تميز كل الكائنات. ولهذا كان الحب الحقيقي ~~ارتفاعا فوق النفس، ونحو المحبوب الذي يسمو علينا، وكانت أسمى صوره هي ~~الارتفاع نحو أسمى الموجودات ومحاولة الاتحاد به. من هنا نشعر بأن «الموت ~~بأحضان اللهيب» الذي يذكره البيت الرابع من المقطوعة الأولى للقصيدة هو في ~~الحقيقة موت روحي، وهو اتحاد باطني بالموجود الأسمى الذي نشتاق إلى الاتحاد ~~به، ونحس معه، أو تجاهه أن وجودنا الأرضي والجسد وجود زائل. # ولهذا كان الاحتراق في هذا اللهيب مختلفا كل الاختلاف عن نوع آخر من ~~الاحتراق يدمر عشاق الجسد الذي يتلظون بنيران الشهوات والأهواء، ويسقطون في ~~أتون الحس ليفنوا فيه. ففراشة الروح تحن إلى اللهيب أو النور الأعلى وتفنى ~~فيه، ولكنه فناء آخر ينطوي على ميلادها، ويؤدي إلى بعثها من جديد. ومن هنا ~~نفهم الأبيات الأخيرة كما نفهم العنوان الذي وضعه «جوته» للقصيدة كلها وهو ~~«الحنين المبارك». والمعنى الديني ms112 العميق في هذه الكلمة الأخيرة غير خاف، ~~فهو يدل على الحنين الفطري الكامن في كل كائن روحي إلى كيان أسمى منه. وهو ~~حنين يصعد به على درجات الحب، ويمر به على درجة الحب الأرضي أو البشري بين ~~الرجل والمرأة، ولكنه يمر بها ولا يتوقف عندها؛ إذ يواصل ارتفاعه إلى أسمى ~~ذروة يستشعر عندها حضور الألوهية. # ونمضي في قراءة القصيدة، فنحس إحساسا غامضا بأن الشاعر لا يستهين ~~بمستوى الحب البشري الذي ذكرناه الآن، ولا يقلل أبدا من شأنه. بل لعله يريد ~~أن يمثل به للحب الإلهي الأسمى، ويجعله طريقا إليه، ومعبرا ضروريا ~~للوصول إلى قمته واستكناه سره: # في ليالي الحب والشوق الرطيب # يصبح الوالد والمولود أنت، # يحتوي قلبك إحساس غريب، # ومن الشمعة إطراق وصمت. ~~••• # تترك السجن الذي عشت به # غارقا في عتمة الليل الكئيب، # ينشر الشوق جناحيه إلى # وحدة أعلى وإنجاب عجيب. # ولا نكاد نسمع هذه الأبيات، حتى نحس شيئا من الارتباك، ~~ونشعر كأن القصيدة قد تخلت عن الفكرة الأصلية البسيطة التي أشرنا إليها، بل ~~ربما شعرنا بأنها قد تخلت عنا وخيبت آمالنا. # ماذا يريد الشاعر بهاتين المقطوعتين الأخيرتين؟ وكيف نفهم صفة الرطيب - ~~أو الترطيب في ترجمتها الدقيقة - في ليالي الحب والشوق؟ ألا يتوقع أن نسمع ~~منه كلمة أخرى أنسب لليالي الحب والشوق والعشق مثل كلمة التوهج أو الاشتعال؟ ~~ولكننا نخطئ معنى القصيدة وهدفها لو اتجه تفكيرنا في هذا الاتجاه. فالشاعر ~~والقصيدة قد تركا التوهج الجسدي والاشتعال وراءهما، وثبتا بصرهما على ~~«الترطيب» أو البرودة والانطفاء الذي لا بد أن يعقب كل حب متوهج مشتعل. ~~والمعنى العميق الذي توحي به القصيدة العميقة هو أن الحب لا يقف عند التوهج ~~الحسي، وأن التوهج الحسي لا يبلغ أعماق الحب الحقيقي. وكلما سما الحب وارتفع ~~ازدادت خيبة أمل المحب في كل ما يمت للأرض بسبب، وازداد كذلك إحساسه باليأس ~~من تطرف الجسد واشتعاله بالشهوات والنزوات. # فكأن الشاعر يقصد بالترطيب شيئا ~~قريبا من البرودة والجمود والخجل، شيئا أشبه بالإحساس بالغربة أو الاغتراب ~~عند المقارنة بين الحب ms113 الجسدي والحب الإلهي، بين الحب الأرضي والحب السماوي. ~~ومع ذلك فإن الشاعر الذي أحس بعجز الحب البشري قد اعترف بالحدود البشرية التي ~~لا مفر من المرور بها قبل تجاوزها إلى مستوى أعلى وصورة أسمى من صور الحب ~~والوجود. لقد سبق له في قصيدة مشهورة من قصائده التي كتبها في سنوات شبابه ~~ورجولته - وهي قصيدة «حدود البشرية» - أن نصح الإنسان بالتزام هذه الحدود، ~~حتى لا يتأرجح في الفراغ، وينجذب إلى الموجات التي تشد أجيال البشر ~~وتبتلعهم: # لأنه لا يحق لإنسان # أن يقيس نفسه بالآلهة، # إنه إذا ارتفع بنفسه # ولمس النجوم بهامته، # لا يثبت كعباه المرتعشان # في أي مكان، # بل تعبث به # السحب والرياح. # لكن الشاعر الآن شيخ حكيم تجاوز الستين من عمره، ومهما ~~عبثت به سحب الحب ورياحه، وحاولت أن تجدد شجرة عمره التي أوشكت على الذبول، ~~فهو لا ينصح الإنسان بالاستقرار فوق الأرض الصلبة، وإنما يغريه بالعلو عليها ~~والصعود إلى أعتاب الألوهية. وها هو الإحساس الغريب يستولي على الإنسان بعد ~~أن يخمد بركان الحب وتبرد حمى الشهوة، ويلتفت إلى شمعة جسده، فيجدها مطرقة ~~صامتة، ويتملكه إحساس آخر بضرورة التحليق إلى درجة أرقى من درجات الحب ~~والحياة والخروج من سجن الظلام الأرضي الذي لفه في عتمة ليل كئيب، وترفرف ~~فراشة الروح لتغادر سجن الأرض والجسد والمادة، ولكن إلى أين؟ # ينشر الشوق جناحيه إلى # وحدة أعلى وإنجاب عجيب. # إلى حب من نوع آخر، إلى «إنجاب» يختلف عن ذلك الذي استغرق ~~كيانه الجسدي في حياته على الأرض، إلى اتحاد أسمى بالمحبوب الأسمى وهو الله. ~~في هذا الاتحاد الذي طالما وصف لنا متصوفو الشرق وشعراؤه مختلف درجاته ~~ومقاماته وأحواله تحترق فراشة الروح في اللهب الأكرم والأصفى، تتعذب وتتطهر ~~وتفنى، وفي هذا الفناء تلمس حقيقتها، وتجد ذاتها وتولد ولادة جديدة. هذا ~~الحنين المبارك - بالمعنى الديني المألوف في لغة «جوته» ولغة عصره - ليس مجرد ~~حنين فطرت عليه نفس الإنسان، وإنما هو في الحقيقة واجب يطالب به إذا شاء أن ~~يكون إنسانا بحق. وإذا أهمل تحقيق هذا ms114 الواجب أو تقاعس عن الوفاء بهذا ~~المطلب، فلن يعدو أن يكون ضيفا نكدا يحيا حياة الأطياف العابرة على الأرض ~~الملتفة في الظلام. وإذا لم يشعر بهذا الحنين المبارك إلى «الموت في اللهب»، ~~فلن يستطيع الارتفاع فوق الأرض وأحزانها العكرة إلى دائرة الأبدية. ولهذا ~~يدعوه الشاعر في المقطع الأخير هذه الدعوة القديمة المخيفة في آن واحد: «مت ~~وكن»، فهل يريد منه أن يميت جسده بالزهد والتقشف، كما أراد له سقراط وكل ~~المتصوفة في الشرق والغرب؟ هل يكون الموت الجسدي هو الشرط الذي لا غنى عنه؛ ~~لكي تتحرر فراشة الروح، وتنطلق للاحتراق في لهب الحب الحقيقي، لهب الحب ~~الإلهي؟ إن القصيدة لا تصرح بهذا، بل تتركه للقارئ أو السامع ليستوحي ما يشاء ~~من سحر معانيه وأسراره: # وإذا لم تصغ للصوت القديم # داعيا إياك: مت كيما تكون، # فستبقى دائما ضيفا يهيم # في ظلام الأرض كالطيف الحزين. # ومن الصعب أن نفهم معنى واحدا من هذا الأمر الرهيب : مت ~~وكن. فالموت هنا لا يمكن أن يكون هو موت الجسد أو إماتته بالزهد والتقشف ~~والحرمان؛ لأن شاعرنا ليس واعظا ولا ناسكا متصوفا، مهما كان من تغلغل ~~الروح الصوفية أو الدينية في شعره المتأخر. لقد ظل حتى النهاية عاشق الحياة ~~الذي يؤكدها ويحترمها، حتى وهو يأمر الإنسان بأن يموت ليحياها. إنه يبارك ~~الحياة التي تقوى على السمو فوق حدودها الأرضية، وتملك شجاعة الموت المتجدد ~~والتحول المستمر في كل لحظة من لحظاتها؛ لكي ترتفع إلى حياة أبدية أعلى. ~~والدعوة إلى الموت هي نفسها الدعوة إلى «الموت في اللهيب»، أي إلى الاحتراق ~~بنار الحب الأبدي والتطهر بنوره. ولهذا فإن «مت وكن» تعني من ناحية: تحول ~~أيها الإنسان، وجدد حياتك وشبابك في أشكال لا تنتهي - وقد فعل جوته ذلك بنفسه ~~عندما جدد شيخوخته بالحب، وانتقل إلى عالم الشرق والإسلام، وتقمص روحه وتنسم ~~عبيره - كما تعني من ناحية أخرى أهم منها أن يجدد الإنسان حياته الأرضية ~~والجسدية المحدودة بالإيمان بحياة إلهية يسمو إليها، ويحن حنين الفراشة إلى ~~الفناء في نورها. وعلى ms115 الإنسان أن يحاول هذه المحاولة الدائبة في حياته ~~الأرضية، وأن يحقق الأبدية في كل لحظة يعيشها على الأرض الحزينة ~~المظلمة. # عندئذ يتحقق ما تقوله الأبيات الأخيرة من قصيدة «العالي والأعلى» من ~~كتاب الخلد أو كتاب الفردوس، وهو آخر كتب الديوان الشرقي: # حتى نسبح ونرف ونمحى # في رؤيا الحب الأبدي الأسمى. # وعندئذ يطمح الإنسان للخلود، ويأمل الشاعر كما تأمل ~~كلماته أن تطرق بأناملها الرقيقة أبواب الفردوس، وتحظى مثله بنعيم الخالدين ~~المخلدين: # اعلموا أن كلمات الشاعر (المسكين) # ترف حول أبواب الفردوس، # تطرقها دائما بصوت مهموس، # وهي تتوسل حياة الخالدين ... ~~(1983م) # | أمضي كل الأيام # أمضي الأيام على درب غير الدرب، # حينا للشجر الأخضر في الغابة، # حينا آخر للنبع، # للصخرة حيث الأزهار مفتحة الأكمام، # انظر من فوق التل إلى السهل، # لكن لا أجدك أبدا يا حبي، # في أي مكان لا أجدك أبدا في النور، # تتطاير مني الكلمات وتذروها الأنسام، # كلماتي الطيبة وكانت في ماضي الأيام ... # حقا كم أنت بعيد، ناء يا وجه النعمة. # يخبو نغم حياتك، # وأنا لا أملك أن أنصت ... # يا أيتها الألحان الساحرة الصوت، # يا من أفرغت على قلبي الراحة من نبع الخلد، # ومن كف الأرباب العلويين، # طال العهد وغاب. شب الولد وشاب. # حتى الأرض - وقد كانت تتبسم لي - # عابسة الوجه. # الآن أقول وداعا، عيشي في خير. # روحي كل نهار ترحل عنك تعود إليك، # عيني تبكيك، تريق الدمع، # تتمنى يوما أن تصفو كي ترنو لك # فتراك هناك وتهنأ بك ... # الأغنية التي قرأناها أغنية لم تتم، فقد اختنقت في صدر ~~الشاعر مع غصة الفراق. إنه يتلفت بقلبه وعينيه إلى حيث تقيم المحبوبة، ولكنه ~~لا يستطيع أن يخدع قلبه ولا يعنيه عن بعد الشاطئ واستحالة اللقاء. ومع ذلك ~~فهو لا يزال يناجيها ويتعلق بها كما يتعلق الغريق بطوق النجاة. كيف يصدق أن ~~حبيبته «ديوتيما» التي جسدت حلم حياته بالجمال الإغريقي وعالم الآلهة ~~المباركين، بل أوشكت أن تتمثل أمامه واحدة من تلك القوى العلوية التي طالما ~~حن إليها، وناشدها العودة إلى الأرض المعذبة والبشر الفانين، ms116 كيف يصدق أنه ~~حرم منها إلى الأبد، وأنه سيهيم بعدها كما تهيم الظلال: # أنت يا من أشرت لي قديما، وأنا على مفترق الطرق، # يا من علمتني بصمتك، وأوحيت لي في هدوء # أن أرى العظمة وأغني للآلهة الصامتة، # أنت يا ابنة الآلهة ... # هل تتجلين لي وتحيينني كما كنت تفعلين، # وهل تلهمينني الحياة والسلام من جديد؟ # هل ستفعل «ديوتيما» ذلك حقا، فتدب فيه الحياة، ويحلق ~~جناحاه، ويهتف بفرحته لعودة الربيع واخضرار الأرض، أم تتركه في يأسه وحيرته، ~~يحاصره شتاء الاكتئاب، وتطبق عليه جدرانه المظلمة الخرساء، في سجن الجنون ~~الذي سيبقى فيه طوال الأربعين سنة الأخيرة من عمره؟ ولكن من هي هذه المحبوبة ~~التي أطلق عليها الشاعر اسم الكاهنة الإغريقية القديمة «ديوتيما» التي أجرى ~~أفلاطون الحكمة على لسانها في محاورة «المأدبة»، وجعلها تعلم سقراط ما لم يكن ~~يعلم من أسرار الحب الفلسفي؟ ومن هو هذا الشاعر الذي ساقه القدر إلى طريقها ~~كما ينساق المتجول في النوم، واندفع إليها حين تصور أن الرؤيا تتحقق والنبوءة ~~والحلم؟ إنه فريدريش هلدرلين (1770-1843م) الذي وهب الشعر كل شيء، فأعطاه بعض ~~أسراره الغامضة. شاعر الغربة الذي عاش غريبا في عصره وبين أهله وعلى الأرض ~~التي اغترب عنها الآلهة الخالدون، فراح يتغنى بهم، ويحتفل بموكبهم المنتظر، ~~ويناشدهم العودة للبشر المعذبين، وينشدهم ما ألهموه من أشعار مثقلة بالرموز ~~والتنبؤات والإشارات، فاجتمع في شخصه ما اصطلح القدماء على فهمه من كلمة ~~الشاعر؛ فهو الذي باركته الآلهة بوحيها، فأصبح العراف الناطق بلسانها، ~~والوسيط بينها وبين الفانين من أبناء الإنسان، وهو الساحر والمتنبئ بالمستقبل ~~والمنشد بصوت الشعب وآلامه، ولهذا لا نعجب أن سماه البعض شاعر الشعر أو شاعر ~~الشعراء. ~~••• # ولد هلدرلين في العشرين من شهر مارس سنة 1770م في بلدة «لاوفن» على نهر ~~«النيكر» في منطقة «أشفابن» المعروفة بغاباتها وجبالها الغامضة التي غرست في ~~سكانها حب الوطن والحنين الدائم إليه مثل حنينهم الصوفي إلى عالم مثالي موغل ~~في البعد والخفاء والطموح. # مات أبوه وهو طفل صغير، وتردد على مدارس الأديرة قبل أن يدخل ms117 المعهد ~~الديني في مدينة «توبنجن» تحقيقا لرغبة أمه الطيبة المسكينة. واحتمل مرارة ~~الحياة الخشنة الصارمة بين جدران هذه الزنزانة اللاهوتية التي تعرف فيها ~~على صديقي صباه وفيلسوفي المثالية الألمانية الكبيرين هيجل وشيلنج. ولم ~~تلبث الصداقة والمحبة أن جمعت بين الثلاثة، كما جمع بينهم الطموح إلى عالم ~~مثالي تتحقق فيه الحرية، ويتم الخلاص من الظلم والركود والاستبداد الجاثم على ~~صدر شعبهم. واشترك الأصدقاء في قراءة أفلاطون وروسو وكانط وشيلر واسبينوزا ~~الذي عبرت الكلمة اليونانية القديمة «الواحد والكل» عن مذهبه في وحدة الوجود، ~~وأثرت بعد ذلك على حياة هلدرلين، وظلت هي شعاره الناطق بحضور الإله في كل ما ~~يتجلى لعينيه. وكان من الطبيعي أن يتأثر الشاعر مع شباب جيله بالثورة ~~الفرنسية التي تأججت نيرانها فجأة، فبدت كأنها فجر الخلاص والأمل في الحرية ~~والتقدم والكرامة، وأن يتأثر كذلك بحركة بعث الروح الإغريقية ومحاكاة روائعها ~~محاكاة خلاقة. لقد كان مؤرخ الفن القديم «فنكلمان» هو باعث هذه الروح التي ~~تمثلت فيها «البساطة» النبيلة والعظمة الساكنة. ثم ازدهر الأدب والفلسفة ~~الألمانية على يد «ليسنج» و«هيردر» و«كانط» و«جوته» و«شيلر»، فأمدتها بدماء ~~جديدة، وأكدت مثلها الأعلى الذي تراءى لعيون هذا الجيل، وهو الإنسان الحر ~~الجميل، المتحد بالطبيعة والآلهة والأبطال الأسطوريين في وحدة حية متجانسة لم ~~تجرب التمزق والتصدع الذي كانوا يعانونه. وقد كان هلدرلين أكثر أبناء جيله ~~انفعالا بهذا العالم المقدس الرائع، وكان أشدهم حنينا إليه في كل أناشيده ~~وأغانيه ... تغلغلت هذه الرؤية الدينية والكونية في أعماقه يوما بعد يوم، وراح ~~يغوص في متاهتها، ويستغرق في أسرارها مع كل تجربة جديدة تؤكد عجزه، وإخفاقه ~~في الحب والحياة. ومع كل يوم يزداد بعدا عن الوعي وعن الناس، ومع كل عذاب ~~تزداد لغته كثافة وغموضا، وتصبح كلمته الشعرية كإشارات الوحي المثقلة ~~بالرهبة والجلال والجمال، وتشتد قسوة قدره المعذب الوحيد، فينحني له راضيا ~~مطمئنا، وتستجيب له نفسه الوديعة في خشوع وانكسار: ~~«أيتها الروح! أيتها الروح! أنت يا جمال العالم! يا من لا تتحطمين! ~~أيتها الساحرة الفاتنة بشبابك الأبدي! أنت حية باقية، ms118 وما الموت وكل عذاب ~~البشر إذا قورن بك؟ آه! كثيرة هي الكلمات الجوفاء التي صنعها هؤلاء ~~المدهشون. ومع ذلك فكل شيء يصدر عن الفرح، وينتهي إلى السلام. وما مظاهر ~~الشذوذ في العالم إلا كالخلاف بين الأحباب. إن الصلح قائم في قلب التنازع ~~والشقاق، وكل ما تفرق سيلتقي من جديد. والشرايين تتشعب، ثم تعود فتصب في ~~القلب، وتظل الحياة الواحدة الخالدة المتوهجة هي الكل.» # تخرج هلدرلين في المعهد الديني سنة ~~1793م، وقرر أن ينفض عنه أغلال اللاهوت والوظائف الكنسية ليتفرغ لموهبته ~~الشعرية. واضطره ذلك أن يعيش عشر سنوات مليئة بالحرمان والسعي الخائب من بيت ~~لبيت في سبيل لقمة العيش. كانت مهنة التعليم وإعطاء الدروس الخصوصية لأبناء ~~الأسر الثرية هي الباب الوحيد الذي يمكن أن يطرقه المثقفون والأدباء الذين ~~بخل عليهم الحظ، فلم يرعهم ملك ولا أمير. وكان عليهم في كثير من الأحيان أن ~~يتحملوا المهانة والهوان، ويعاملوا معاملة الخدم والأتباع. وتوسط له الشاعر ~~«شيلر » للعمل في أحد هذه البيوت المرموقة التي كانت على صلة بالحياة الأدبية، ~~ولكنه أخفق في مهمته التربوية، وتأكد له إخفاقه في الحياة العملية عندما ~~حاول بعد ذلك أن يستقر في مدينة «يينا» - كعبة المثالية في ذلك الحين - ويعمل ~~بتدريس الفلسفة في جامعتها. وتبين له عجزه عندما سعى للاتصال بفشته - رائد ~~المثالية وباعث القومية - والتقرب من «جوته» أمير الشعر وعملاق الأدب، ~~فتجاهله الفيلسوف، وأعرض عنه الشاعر، ولم يستطع أن يقدر موهبته التي اتهمها ~~بالغموض والاضطراب. ولم يبق له غير مواطنه شيلر الذي كان مثله الإنساني ~~والشعري الأعلى. وقد أشفق عليه الشاعر في البداية ورعاه، ونشر له الصيغة ~~الأولى من روايته «هيبريون» في مجلة «ثاليا» التي كان يصدرها، ولكنه لم يلبث ~~أن ضاق به وانصرف عنه. وكانت هذه التجربة من أمر التجارب التي ذاقها في ~~حياته. وعاد يجرب حظ المعلم الخصوصي البائس، فالتحق سنة 1796م ببيت رجل من ~~رجال المال والأعمال والبنوك يدعى جونتار في مدينة فرانكفورت. هنالك لقي من ~~المهانة ما لا تحتمل نفسه الحية الوديعة، وصبر ثلاث ms119 سنوات على النزيف المستمر ~~من جرح الكبرياء، ولكن القدر عوضه عن ذلك بالنعمة الوحيدة التي عرفها في ~~حياته الوحيدة. أحب ربة البيت «سوزيته جونتار»، وبادلته السيدة الرقيقة حبه ~~اليائس، ومدت يدها الحنون إلى روحه الغريقة في ظلمات الاكتئاب. وجد فيها مثال ~~الإنسانية الجميلة الطاهرة التي قربته من الروح الإلهي الخالد، بل جعلته يشعر ~~بأنه تجسد حيا فيها. إن الروح الإلهي لا يؤمن به إلا من كان هو نفسه ~~إلهيا. # وهو لا يتمثل له فحسب في الطبيعة الحية، والسماء والأثير، والأرض والنهر، ~~بل يحيا كذلك في «ديوتيما» التي يعيش الآن بقربها ويعبدها ويقدسها. كانت ~~«سوزيته» هي مثال الجمال والانسجام والحكمة الذي طالما داعب أحلامه ورؤاه، ~~وكانت هي الروح الإغريقية نفسها التي اشتاق إليها، وانتظر ميلادها وتعزى ~~بها عن محنة وجوده وسط الظلم والتجاهل والفساد والطغيان، ولكنه اضطر أن يغادر ~~البيت الذي تحققت فيه الرؤيا، غادره مهانا مدحورا، وافترق عن المحبوبة التي ~~لم تجد حيلة في الفراق، فحبست حبها في صدر عشش فيه السل، وافترس حياتها بعد ~~ذلك بسنوات قليلة. ها هو ذا يناجيها بعد رحيله عنها في قصيدة عنوانها ~~«ديوتيما»: # تسكتين وتصبرين، وهم لا يفهمونك، # يا أيتها الحياة الغالية # تذبلين في صمت؛ لأنك واحسرتاه # تبحثين عبثا بين البرابرة # عن أهلك في نور الشمس، # عن تلك الأرواح النبيلة الحنون، # التي ما عاد لها وجود. # غير أن الزمن يسرع الخطى، # ولا زالت أغنيتي الفانية ترى اليوم # الذي تسميك فيه، يا ديوتيما، # بعد الآلهة ومع الأبطال. # لكن ديوتيما قد غابت عنه إلى غير رجعة، وصار الفراق عنها هو مأساة وجوده ~~كله: # آه! أين أنت الآن يا حبيبة؟ # أخذوا مني عيني، وقلبي فقدته بفقدها؛ # لهذا أهيم هنا وهناك، # مقضيا علي بأن أعيش كما تعيش الظلال، # وكل شيء يبدو بلا معنى. # بدأ الشاعر طريق ~~العذاب. لم يعزه قليلا عن فراقه عن حبيبته إلا قدرته على الحب والأمل ~~والعرفان، أي قدرته على قول الشعر. ففي هذه الفترة التي امتدت من سنة 1798م، ~~حتى حوالي سنة 1804م، ولم ms120 تكد تزيد على الخمس سنوات كتب عددا كبيرا من ~~أناشيده الغنائية الكبرى، وأتم روايته الوحيدة «هيبريون»، وترجم مسرحيتي ~~سوفوكليس «أوديب ملكا» و«أنتيجونا»، وعددا من قصائد بندار الأوليمبية ترجمة ~~شاعرية رائعة. كما عكف على مسرحيته الشعرية «موت أنبادوقليس». والواقع أنها ~~ليست مسرحية تصلح للتمثيل، بل هي قصيدة درامية عن ذلك الفيلسوف الطبيعي ~~والكاهن والساحر والطبيب والمصلح الثائر الذي ولد في مدينة أجريجنت عاصمة ~~صقلية حوالي سنة 490 قبل الميلاد، ثم طرده أهلها بعد أن أوشكوا أن يؤلهوه ~~ويتوجوه على عرش مدينتهم، ونسجوا عن موته تلك الحكاية العجيبة التي ألهمت ~~العديد من الشعراء. فقد رووا عنه أنه ألقى بنفسه في فوهة بركان «أتنا» وترك ~~حذاءه بجانبها ليدل على موته أو انتحاره الأعجب، هل استجاب الفيلسوف لنداء ~~الأرض الأم فاتحد بالطبيعة الإلهية، أم لجأ إلى حيلة ماكرة أراد منها تخليد ~~اسمه وذكره؟ # لقد كتب عنه هلدرلين إحدى قصائده قبل أن يكتب المسرحية. وهو يمجده فيها ~~ويتمنى لو يتبعه إلى أعماق الأرض لولا أن قوة الحب تمنعه: # أنت تبحث عن الحياة، تبحث عنها فتنبثق وتلمع # نار إلهية من أعماق الأرض، # وأنت بالشوق الواجف # تلقي بنفسك في لهيب «أتنا»، # لكنك مع هذا مقدس عندي، # مثل قوة الأرض التي اختطفتك # أنت أيها المقتول الجسور! # ولكم تمنيت أن أتبع البطل إلى الأعماق، # لولا أن الحب يمنعني ... # لكن الحب ومعه الرؤيا والتجربة الكبرى قد انهار، والانتحار ~~البطيء باسم الاكتئاب يفترسه ليل نهار. وبعد أن كان هبوط الفيلسوف القديم في ~~فوهة البركان تكفيرا عن ذنبه عندما وضع نفسه في مصاف الآلهة، أصبح في ~~الصياغة المتأخرة للمسرحية تعبيرا عن شوق صوفي إلى رحم الأرض، وحنين إلى ~~أحضان الطبيعة المباركة والأصل المقدس: # عندما ينوح الآن قلب الأم # في وحدته الأليمة، # وتنشر الأم المظلمة ~~- وهي تذكر الاتحاد القديم - # ذراعها النارية للأثير، # ويأتي ملك الشمس في هالة إشعاعه، # هنالك نغوص في اللهب المقدس # علامة على قرابتنا له. # وبدأ هلدرلين يغوص في هاوية اللهب الأسود المقدس، وراح ~~الاكتئاب المميت يحاصره من كل ناحية، ويضطره ms121 للتسليم. ولكم حاول أن يتشبث ~~بذكرى الحب ورؤياه الشعرية لتحميه من السقوط. فطفق يناجي القوى السماوية، ~~ويستنجد بها من لعنة الوحدة التي تطبق عليه: # بلا قدر كالرضيع النائم # يتنفس الإلهيون، # أعفاء مصونين # في البرعم الطيب # تزدهر أرواحهم أبدا، # وعيونهم المباركة # تطل في هدوء وصفاء خالد. # أما نحن فكتب علينا # ألا نهدأ في موضع. # والبشر المعذبون # يتلاشون يسقطون # كالعميان من ساعة لأخرى، # كما تندفع المياه على مر السنين، # من صخرة لصخرة، # إلى الهاوية الغامضة. # أخذ الشاعر يندفع إلى الهاوية الغامضة التي لن يخرج منها. ~~وبدأ ظلال الجنون تلتف حوله يوما بعد يوم. وعاد يهيم في البلاد بحثا عن ~~لقمة العيش، فعمل فترة قصيرة في سويسرا، ثم هجرها وقام برحلته الأخيرة إلى ~~مدينة «بوردو» الفرنسية ليتولى تعليم أبناء القنصل الألماني المقيم فيها، ~~ولكنه لم يلبث أن ترك عمله وعبر الحدود على قدميه، حتى وصل إلى وطنه، وقد ~~ظهرت عليه أمارات الاضطراب النفسي والعقلي. هل تعرض في أثناء رحلته لضربة ~~صاعقة من رب النور «أبوللو»؟ أم انفجر فيه جرح الحب الذي ظل سنوات ينزف في ~~صمت؟ هل تأكد له أن العالم الذي يحيا فيه قد صار حطاما لا موضع فيه للتجانس ~~والجمال، وأن السماويين المباركين قد تخلوا عنه إلى غير رجعة؟ لقد صور له ~~الأمل أو الشعر أنه يمكن أن يحلم بهم على الرغم من قسوة الواقع، وأن يناجيهم ~~ويتغنى بهم ويتحدى القبح المتفشي من حوله، فهل اقتنع الآن بما قاله في أشهر ~~قصائده المتأخرة وهي قصيدة «الخبز والنبيذ»: # لكننا يا صديق قد أتينا جد متأخرين، # صحيح أن الآلهة حية، # لكنهم يحيون فوق رءوسنا، هناك في عالم مختلف، # ولا يبدو عليهم أنهم يحفلون كثيرا بوجودنا ... # لقد حولوا وجوههم عن البشر، وبدأ الحداد ~~- كما يقول في المقطع الثامن تلك القصيدة - # يخيم على الأرض. # ولهذا يسأل قبل ذلك مباشرة: # ولم الشعراء في الزمن الضنين؟ # وكأنه قد تشكك في جدوى الشعر والشعراء في زمن المحنة، بعد ~~أن آمن بهما من قبل، وقال بيته المشهور: # وما يبقى ms122 يؤسسه الشعراء ... # لا لم يعد في طاقته أن يأمل أو يتشبث برؤياه، حاصره ~~الشتاء، وها هو ذا يعلن صرخته للريح: # ويلي لو جاء شتاء # أين سأقطف أزهاري # وألاقي نور الشمس # وظل الأرض؟ # تبدو الجدران أمامي # باردة خرساء، # والرايات ترفرف في الريح. # كان المريض الذي عبر جبال الألب على قدميه قد لجأ إلى ~~أمه، وعاش معها في بلدته الصغيرة «نورتنجن» حتى سنة 1804م، لكن المرض ألح ~~عليه، فغادر البيت وعاد يتنقل بين البلاد، حتى استقر في مصحة الأمراض العقلية ~~في مدينة «توبنجن». ولما يئس الطب من شفائه تسلمه نجار طيب آواه في بيته، ~~فعاش فيه نصف عمره الأخير أشبه بالظل الهادئ والشبح الهائم في الليل ~~الطويل: # ما عاد صوت يتردد من أجلك # أنت أيها الرائي المسكين! # عينك المشوقة تنطفئ # والنعاس يجرفك إلى الأعماق، # فلا يذكرك أحد ولا يبكيك إنسان ... # وأقبل الموت فخلصه من حلمه أو من رؤياه في اليوم السابع من ~~شهر يونيو سنة 1843م. # وتمت دورة الحياة التي غناها قبل ذلك بأكثر من أربعين عاما، ~~فقال: # تطلعت روحي إلى السماء، # غير أن الحب جذبها إلى الأرض، # والعذاب قهرها بقوة. # هكذا أعبر قوس الحياة، # وأعود إلى حيث جئت ... ~~(1983م) # | «أنجارتي» وغموض الشعر الحديث # من مفارقات الشعر الحديث أن يكون الغموض من أوضح مظاهره، يشترك في هذا ~~جانب كبير من الشعر الأوروبي والشعر الجديد في بلادنا. ومع أنني أعلم عن نفسي ~~أن «أوضح» عيب في هو الوضوح، فسأحاول في السطور القادمة أن ألقي شيئا من ~~الضوء على هذه الظاهرة التي طالما عذبت القراء، وحيرت النقاد، وتعجب منها ~~الشعراء أنفسهم. وأحب قبل أن يتشعب بي القول في هذه المشكلة العويصة أن أقدم ~~للمقال بمجموعة من الملاحظات العامة، تمهيدا للحديث عن ظاهرة الغموض في ~~الشعر الأوروبي في القرن العشرين، وبخاصة عند واحد من أكبر شعرائه، وهو ~~جوسيبي أنجارتي أعظم شعراء إيطاليا المعاصرين الذي يعده بعض النقاد من أكثرهم ~~غموضا، بل يزعمون أنه من الداعين إليه والمؤسسين لنزعة قوية فيه ... ~~(1) # يعبر الشاعر الجديد عن تجربة ms123 جديدة. هذه التجربة الجديدة تجعله ~~يتناول اللغة تناولا خاصا، يقوم بدوره على فهم خاص للحياة وظواهر ~~الوجود. ~~(2) # في عروق اللغة يعيش نبض ~~العصر، وينعكس وجهه المظلم أو وجهه المضيء. وإذا كان عصرنا يختلف عن ~~العصور السابقة، فكيف لا تختلف لغتنا عن لغة الآباء والأجداد؟ وإذا كان ~~عصرنا يتمزق بالقلق والخوف والتشتت والصراع بين الدول والمذاهب، وسيطرة ~~الآلة على الإنسان وبعد هذا عن نفسه وعن العالم بقدر محاولته السيطرة ~~عليها والتحكم فيها، فكيف لا تكون لغتنا مرآة لكل هذه الغرائب ~~والمتناقضات؟ وإذا جاز القول بأن لكل منا عالمه، فكيف نستبعد على شاعر ~~اليوم أن يكون له عالمه أو قل غابته الكثيفة المظلمة؟ ~~(3) # ليس لكل عصر لغته فحسب، بل لكل شاعر لغته أو قاموسه الشعري الخاص ~~به. وقد يكون من أسباب حكمنا بالغموض على طائفة كبيرة من نماذج الشعر ~~الحديث راجعا إلى آفة الكسل والتعود، أو عجزنا عن بذل الجهد الواجب ~~للتخلي عن القوالب والصيغ التعبيرية التقليدية لنستطيع استكشاف القوالب ~~والصيغ الجديدة التي تحمل نبض العصر. وكيف لا نشكو من غموض أدونيس أو ~~خليل حاوي أو البياتي ما دمنا نقرؤهم، ونحن نرتدي زي الجاهليين أو ~~الأمويين أو العباسيين، لا بل زي البارودي وشوقي وحافظ؟ ثم إن الشعر ~~معبود لا يحب أن يشرك به، فإذا دخلت إلى معبد شاعر، فعليك أن تقدم له ~~كل تضحية، وتفنى فيه كل الفناء. وهل يصح إيمانك إن صليت في المسجد أو ~~الكنيسة وقلبك مشغول بآلهة المجوس والفراعنة والبابليين؟ ~~(4) # ينبغي أن نلتزم الحرص في استخدام كلمة الغموض. صحيح أن الشعر ~~الجديد - وأقصد نماذجه الممتازة التي تستحق هذه التسمية - يتصف عامة ~~بالغموض غير أن هناك، إن جاز هذا التعبير، غموضا أصيلا، وغموضا ~~زائفا. والغموض الأصيل ينتج عن التحام لغة الشعر وقلبه بالحياة ~~والوجود. فحياتنا اليوم تحفل كما قلت بالتناقض والتمزق والغرابة، وتموج ~~بظواهر من الظلم والرعب والتفتت التي تزيد من غربة الشاعر عن العالم، ~~وغربة العالم عنه، وتجعلنا عاجزين عن فهمها أو تفسيرها مهما حاولنا أن ~~نصطنع منطق أرسطو ms124 أو نفزع إلى طبائع الأشياء. وهناك إلى جانب هذا غموض ~~زائف يزور لغة كاذبة، فيأخذ إطار الشعر الجديد وشكله، ولكنه يحشده ~~بتعبيرات سخيفة أو استعارات كاذبة أو صور ورموز وأساطير يكدسها إلى ~~جانب بعضها البعض كيفما اتفق. # وقد يسأل القارئ: ولماذا لا يكون الشعر الجديد بسيطا واضحا، ~~وهناك قدر هائل من الشعر البسيط الواضح الذي يؤثر علينا ويهز ~~مشاعرنا؟ # والرد على هذا أن الغموض ليس مقصورا على الشعر القديم دون الجديد، ~~وأن الشاعر الجديد لا يبحث عن الغموض حبا في الغموض أو التعقيد ~~لذاته. فليس كل الشعر المعقد شعرا غامضا، ولا كل الشعر الغامض شعرا ~~معقدا. ثم إن الشعر الغامض يمكن أن يهزنا ويؤثر فينا مثل الشعر الواضح ~~البسيط، بل قد يكون الغموض من أقوى أسباب هذا التأثير. ~~(5) # لا بد أن نفرق بين الغموض والإبهام، فالشيء المبهم المستغلق ليس هو ~~بالضرورة الشيء الغامض؛ لأن الإبهام صفة نحوية قبل كل شيء أي ترتبط ~~بتركيب الجملة، في حين أن الغموض صفة خيالية تنشأ قبل مرحلة التعبير ~~والصياغة اللغوية النحوية، فالغموض إذن هو غموض الرؤية أو التجربة ~~نفسها. وما دام الشاعر صادقا، فهو ينقل لنا تجربة وجود يزداد كل يوم ~~غموضا، أي يزداد اضطرابا وقلقا وتفتتا، ويبتعد بأحداثه المروعة ~~المفاجئة عن النسق التقليدي المتكامل المنسجم. وإذن فالغموض ليس صفة ~~سلبية تأتي من عجز الشاعر أو فشله في الوضوح، بل هو صفة إيجابية تفرض ~~ضرورتها على الشاعر؛ لأنها كامنة في التفكير الشعري نفسه، أي متصلة ~~بجوهر الشعر وطبيعته الأصلية. ولذلك تزداد عند الشاعر بقدر ما يزداد ~~نصيبه من الأمانة والصدق في التعبير. ~~(6) # الشعر وليد الخيال، والخيال تعبير آخر عن الاختراع. لذلك فلا عجب ~~أن نجد الشاعر يخترع المعاني والألفاظ والاستعارات والصور الجديدة، ~~محاولا أن ينقل إلينا تجربته أو رؤياه الجديدة للكون والحياة، أو يشكل ~~بها تلك الوحدة الشعورية أو الصورة اللغوية والموسيقية التي تظل تعتمل ~~في باطنه قبل أن تتجسد في الكلمات. وليس عجيبا كذلك أن نجد كلماته ~~تبتعد عن معانيها الاصطلاحية، أو دلالاتها ms125 العادية المألوفة في حياتنا ~~اليومية، بحيث نستطيع أن نقول إنه يزداد غموضا بقدر ما يزداد اقترابا ~~من جوهر الشعر الحقيقي. وغني عن القول أن الغموض لا يعني أبدا الألغاز ~~أو السخف أو التعقيد. ~~(7) # كل إنسان منا يعيش في التراث، فمن لم يكن له ماض فلا حاضر له ولا ~~مستقبل. والشاعر العصري يتخذ بالضرورة موقفا من تراثه، وسواء حاول أن ~~يخرج عليه أو أن يرفضه رفضا تاما، كما فعل بعض غلاة الرمزيين ~~والسرياليين من دعاة العصرية المطلقة في النصف الثاني من القرن الماضي ~~وأوائل هذا القرن، أو قبل منه شيئا ورفض شيئا آخر، فهو على كل حال ~~يريد أن يتجاوزه أو يغير النظرة إليه، ولكننا نحن القراء العاديين أميل ~~إلى المحافظة أو قل إلى التعود، ولذلك يشق علينا أن نحسن الظن بمن يثور ~~على التراث، ونتصور أنه يثور علينا، ونسارع إلى وصفه بالغموض والإغراب. ~~ولو تذكرنا أن الثورة على التراث لا تعني معاداته ولا البصق عليه، بقدر ~~ما تدل على الارتباط العميق به، ومحاولة إثرائه بتجارب وأبعاد جديدة، ~~فربما يزول سبب من أهم أسباب الغموض الذي نتصوره في الشعر الجديد. وقد ~~نستطيع أن نضيف سببا آخر، وهو أن الشاعر الجديد، مهما يكن موقفه من ~~التراث المحلي والإنساني، يحيط علما بخفايا هذا التراث، ويتفنن في ~~استغلاله واستلهامه. ونظرة إلى شعر البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور ~~مثلا، أو إليوت وأزرا باوند وجوتفريد بن، تؤكد أن الشاعر الجديد قد ~~أوغل إلى حد مخيف في معرفته بالتراث الإنساني، مخيف لنا نحن قراءه ~~العاديين كما قلت. فإذا رأيناه يكثر من استخدام الرموز والأساطير ~~والمواقف والأبطال المستمدة من التاريخ القديم والحديث، والشرقي ~~والغربي، وإذا رأينا شاعرا مثل إليوت يتنقل بحرية في آفاق الثقافة ~~العالمية، ويعيد صياغة المواقف والرموز والشخصيات القديمة بما يوائم ~~رؤياه الشعرية والنفسية، وإذا رأينا شاعرا آخر مثل باوند يتطرف في هذا ~~الاتجاه، فيكتب بعض الكلمات والجمل الشعرية بلغاتها ورسمها الأصلي - ~~كالهيروغليفي والصيني - فإننا نصاب كما قلت بالخوف والفزع، لا من معرفة ~~الشاعر بالتراث، بل ms126 من جهلنا نحن به. ولعل هذا أيضا أن يكون أحد ~~الأسباب التي تجعلنا نتهم الشعر الحديث بالغموض. ~~(8) # وأخيرا قد يقع ذنب الغموض على الشاعر نفسه لا على قرائه، فهو قد ~~يستخدم الرموز والأساطير استخداما تقريريا مباشرا، دون أن يستوحيها ~~أو يستلهمها، وقد يكدسها بجانب بعضها البعض دون أن ينجح في ربطها ~~بحالته النفسية، أو بسياق القصيدة، أو يعجز عن تناولها التناول الشعري ~~الحق الذي يبعث الحياة فيها، ويربط معناها الخاص بالمعنى الإنساني ~~العام. وقد يفتعل من الاستعارات والمعاني والكلمات ما لا تقتضيه طبيعة ~~الموقف الشعوري الذي يريد أن ينقله إلينا. لذلك لا يصح أن نظلم القراء ~~دائما، ونتهمهم بالجهل والغباء، فكثيرا ما يتحمل الشعراء أنفسهم ~~مسئولية الغموض. # بعد هذه المقدمة التي اهتديت فيها بالكتاب القيم «الشعر العربي المعاصر، ~~قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية» للدكتور عز الدين إسماعيل، أنتقل إلى ~~الكلام عن ظاهرة الغموض في الشعر الأوروبي المعاصر بوجه عام، تمهيدا للكلام ~~عنها عند أحد أعلامه. # والغموض من أهم الخصائص التي تميز الشعر الحديث. فهو يلقي على اللغة مهمة ~~عسيرة وغريبة معا، ألا وهي أن تفصح عن المعنى وتخفيه في آن واحد. إنه يعزل ~~القصيدة عن وظيفة اللغة الأساسية في النقل وتوصيل المعاني، ليعلقها فيما يشبه ~~الفراغ، فتبتعد عن القارئ كلما حاول الاقتراب منها. وقد يبدو في بعض الأحيان ~~كأن الشعر الحديث ليس إلا محاولة لتسجيل إحساسات مبهمة، وتجارب مضطربة يحتفظ ~~بها الشاعر لمستقبل قريب أو بعيد، يتمكن فيه من التعبير عن إحساسات أوضح ~~وتجارب أنجح. ولهذا يدور ويدور حول إمكانات لم تثبت أو تتحقق بعد. # ولكن من أين يأتي هذا الغموض؟ # قد يأتي من المضمون أو الأسلوب الذي يلجأ إليه الشاعر. فالقصيدة تتكلم عن ~~أحداث أو كائنات لا يعرف القارئ شيئا عن مكانها أو زمانها أو أسبابها، ولا ~~يخبره الشاعر بشيء عنها، وعباراتها لا تتم ولا تكمل، بل تنقطع فجأة لسبب لا ~~يدريه، كأنما حاولت أن تقطع الصمت المطبق فلم تفلح. وقد لا يتألف المضمون إلا ~~من مواقف لغوية، تختلف بين ms127 الخشونة والنعومة والسرعة، بحيث لا تكون الموضوعات ~~والعواطف التي تتحدث عنها سوى مادة لا معنى لها. ومن أبرز وسائل الأسلوب التي ~~تسبب الغموض تغيير وظيفة الحروف والصفات والظروف وصيغ الأفعال، وترتيب الجملة ~~العادية ترتيبا غير مألوف، والميل إلى ما يمكن تسميته بالجمل المفتوحة، كأن ~~تتألف الجملة من أسماء لا يرتبط بها فعل، أو نجد جملة رئيسية بلا جملة جانبية ~~أو العكس، أو جملة شرطية بلا جواب شرط، أو بإسقاط أدوات التعريف عن الأسماء ~~واستخدامها بطريقة تزيد من الغموض بدلا من أن تعمل على التحديد والتعريف. ~~أضف إلى هذا أننا قد نجد قصائد بلا عنوان، أو بعناوين لا توافق موضوعها، ~~فتزيد بذلك من تعدد المعاني المختلفة التي توحي بها. وقد يكون السبب في ~~التخلي عن العنوان هو رغبة الشاعر أن يخلي مضمونه من أية صلة تربطه بالواقع ~~والمألوف. ويذكرنا هذا ببيكاسو الذي اشتهر عنه أنه لا يضع عناوين للوحاته، بل ~~يتولى ذلك عنه تجار اللوحات ومنظمو المعارض الفنية. # ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتتبع ~~أقوال الشعراء التي يطالبون فيها بالغموض أو يحاولون تبريره. فالشاعر «ييتس» ~~يتمنى أن يكون للقصيدة من المعاني بقدر عدد قرائها. وإليوت يقول إن القصيدة ~~شيء مستقل يقف بين المؤلف والقارئ، كما أن العلاقة بين المؤلف والقصيدة تختلف ~~عن العلاقة بينها وبين القارئ. فالقصيدة التي يكتبها الشاعر تخرج من يده إلى ~~الأبد. وقد يستشف القارئ فيها معاني لم تخطر على بال المؤلف، أي إن من حق ~~القارئ أن «يؤلفها» من جديد. والشاعر البرتغالي بيدرو ساليناس يقول في هذا ~~المعنى: «إن الشعر يرتبط بشكل عال من التفسير يكمن في سوء الفهم. فالقصيدة ~~تنتهي بعد كتابتها، ولكنها لا تتوقف، بل تبحث عن قصيدة أخرى في نفسها أو في ~~المؤلف أو القارئ أو في الصمت.» أي إن القوى الكامنة في القصيدة أو في اللغة ~~التي كتبت بها لا تنتهي بمجرد الفراغ من تأليفها، بل تطلق قوى جديدة في نفس ~~الشاعر والمتلقي. # وقد «يوضح» ما نريده بهذا الغموض في الشعر الحديث ms128 أن نضرب له مثلا بإحدى ~~قصائد الشاعر الإسباني «جين» وعنوانها «أغمض عيني»، ويمكن أن نجد فيها ~~تصويرا لخفايا هذا الغموض أو نوعا من التبرير له: # أغمض عيني، والسواد يطلق شرارات # هي القدر السعيد. # الليل يفض أختامه ويجلب من الهاوية # ضوءا يرتفع فوق الموت، # أغمض عيني، فيقوم عالم عظيم يعشيني، # عالم خال من الضوضاء، # يقيني أبنيه على الظلام، # وكلما زاد البرق عتمة، كان ملكا لي. # في السواد تطفو زهرة. # وليس من العسير فهم معنى القصيدة. فالظلام أو الغموض الذي ~~يتحدث عنه الشاعر يأتي من احتمائه بنفسه من العالم الخارجي والابتعاد عن ~~أضوائه وضوضائه. إنه يغلق عينيه، فينفتح عالمه الداخلي، ويتحرر من ضجة ~~الحياة، ويحول الظلام - أو اختفاء الواقع الخارجي - إلى نور، ويطلع تلك ~~الزهرة التي لا تتفتح إلا في نور الظلام (والوردة هنا رمز الكلمة الشاعرة). ~~أي إن الشعر لا يكتمل إلا في عالم «اللاواقع» الذي يجبره على الغموض ~~والإظلام. # وقد نشأت في إيطاليا منذ حوالي أربعين عاما حركة أدبية راحت تنادي ~~بالغموض في الشعر، حتى سميت بحركة الغموض والإلغاز، وكان من بين ممثليها ~~الشعراء بونتمبللي، ومونتاله، وسابا، وكوازيمودو، وأنجارتي الذي سنتحدث الآن ~~عنه بشيء من التفصيل. وقد تأثرت هذه الحركة بشعراء البارناسية والرمزية في ~~القرن التاسع عشر (رامبو، مالارميه، فاليري) فراحت تسعى إلى تأكيد طابع ~~الغموض والسحر والإيحاء في الشعر، وتقدم نغمة الكلمة وقيمتها الشعورية على ~~معناها، ولكن هل تنطبق حقا صفة الغموض على أنجارتي؟ لنحاول الآن أن نتعرف ~~عليه، فقد يهمنا أن نعرفه لأسباب كثيرة، ليس أقلها أنه ولد في بلادنا، وقضى ~~صباه في أجمل مدننا، وحوت أشعاره كثيرا من ذكرياته وانطباعاته عنا. ~~••• # ولد جوسيبي أنجارتي # Giuseppe Ungaretti # في العاشر من فبراير سنة 1888م في الإسكندرية، من أبوين مهاجرين من مدينة ~~لوكا. وفي الإسكندرية التي أصبحت على حد قوله: «حلما مألوفا» لديه، قضى ~~طفولته وشبابه المبكر. فهو لم يغادرها إلى إيطاليا لاستكمال دراسته إلا بعد ~~أن أتم الثامنة عشرة من عمره. ثم ذهب إلى باريس، واستمع إلى محاضرات ~~السوربون، ms129 واكتشف عن كثب ما يجري من تيارات جديدة في الأدب والفن. وتعرف على ~~رواد الثورة الوليدة في الشعر والرسم، أمثال أبوللينير وماكس جاكوب وديران ~~وبيكاسو وبراك وبيجي، كما استمع إلى محاضرات برجسون الفلسفية في نهم وحماس، ~~وشارك في الحوار آنذاك حول الفن الجديد، وتأثر بقراءاته لمالارميه وفاليري ~~وسان - جون - بيرس الذي ترجمه إلى لغته. # 1 # غير أن الحرب شاءت أن تضع حدا لسنوات التعلم. فما كادت تشتعل نيران ~~الحرب العالمية الأولى حتى جند أنجارتي في كتيبة المشاة التاسعة عشرة، وقضى ~~معظم الوقت في الجبهة النمسوية. وبينما الحرب في عنفوانها، ظهرت مجموعته ~~الشعرية الأولى سنة 1916م في مدينة «أودين». لم تكن أشعار حرب ما حوته هذه ~~المجموعة الصغيرة، بل قصائد إنسان «وجد نفسه فجأة يسير في شارع الحرب الذي لم ~~يكن يعلم عنه شيئا»، إنسان يسأل لماذا، فيردد سؤال كثيرين مثله، كتب عليهم ~~أن يتساقطوا واحدا بعد واحد كأوراق الخريف. إنهم إخوته الذين يتحدث على ~~لسانهم في هذه القصيدة البسيطة المصفاة: # من أية كتيبة أنتم # يا إخوتي؟ # كلمة ترتعش # في الليل، # ورقة لم تكد تولد # في الهواء المثير، # تمرد غير مقصود # لرجل # يعرف ضعفه، # إخوتي. # وفي هذه السنة أيضا، في لهيب الحرب، نشأت هذه القصيدة ~~العجيبة «جنود». أربعة أسطر، تسع كلمات. لا شيء غير هذا. فالشاعر لا يقول إلا ~~القليل، بل أقل من القليل؛ لأنه لم يبق أمام الكارثة من شيء يقال: # يقفون # كما في الخريف # على الأشجار، # ورقة ورقة. # وانتهت الحرب فأقام أنجارتي في روما، وعمل في وزارة ~~الخارجية مشرفا على تحرير نشرة باللغة الفرنسية. وتوالت دواوينه واحدا بعد ~~الآخر: الميناء المدفون، فرحة الغارقين، وعاطفة الزمن. واشتهر أنجارتي وكثر ~~قراؤه المعجبون والساخطون. فها هو شعر فريد وجديد، يضع حدا للبلاغة والزخرف ~~والتكلف الذي ساد الشعر الإيطالي زمنا طويلا. وها هم الناس يتحمسون في ~~الترحيب به كما يتحمسون في الحرب عليه. بل لقد وصل الأمر في تلك السنوات إلى ~~حد تأسيس مجلات لا يشغلها شاغل سوى الهجوم على أنجارتي أو الدفاع ms130 عنه، غير أن ~~الشاعر كان يقف بعيدا ووحيدا، لا يجد ما يقيم به أود أسرته. وبدأ يعمل ~~مراسلا لجريدة الشعب في مدينة تورين، ويسافر من بلد إلى بلد في سبيل لقمة ~~العيش، ويكتب مقالات يرسلها إلى جريدته من الجنوب الإيطالي، ومن معظم البلاد ~~الأوروبية، ولكنه برغم هذه الظروف لم ينقطع عن كتابة الشعر، وهو أمر لا نعطيه ~~في الغالب ما يستحقه من التقدير والإجلال. # لنقف لحظة عند هذه الفترة من حياة الشاعر قبل أن ننتقل إلى ما بعدها. ~~وليطمئن القارئ، فلن تطول وقفتنا؛ لأن قصائد شاعرنا أقصر من نفس واحد بين ~~شهيق وزفير. ولنقتصر على هاتين القصيدتين اللتين جعلهما عنوانا للديوانين ~~اللذين أشرت إليهما. فلنحاول معا أن نعرف - أو بالأحرى نتعلم - من هاتين ~~القصيدتين القصيرتين المكثفتين. يقول في قصيدة «الميناء المدفون»: # هناك يصل الشاعر # ثم يلتفت إلى النور بأغانيه # وينثرها # من هذا الشعر، # يبقى لي # ذلك العدم # الذي لا ينفد سره. # وتقول القصيدة الأخرى «فرحة الغارقين» أو فرحة السفن ~~الغريقة: # وفجأة # نستأنف الرحلة: # كما يفعل، # دب البحر # بعد غرق السفينة. # ومن الصعب نقل الإحساس الذي توحي به القصيدة في الأصل، لا ~~لأن الترجمة - وكل ترجمة - تفقد الإيقاع ~~والجرس في لغتها الأولى، بل لأنها تعيد كذلك ترتيب السطور والكلمات، وهذا أمر ~~بالغ الأهمية في الشعر الحديث بوجه عام. ~~••• # مهما يكن من شيء، فقد رحل أنجارتي في سنة 1936م إلى البرازيل؛ ليقوم ~~بتدريس الأدب الإيطالي في جامعة «سان باولو». ويبدو أن تأثيره على الوسط ~~الأدبي هناك كان كبيرا، كما أتيح له أن يعقد أواصر صداقة ثبتت عراها إلى ~~اليوم. غير أن موت ابنه أنطونيو ذي التسع سنوات جعله يعود إلى وطنه، حيث راح ~~يكتب أغانيه للأطفال الأموات تحت عنوان «يوما بيوم». # ويظهر أن الموت كان يتربص بإيطاليا على نحو آخر. فقد بدأت أسود سنواتها ~~بعد أن نشرت الفاشية العسكرية كفنها المظلم فوق سمائها وأرضها. ثم احتلت جيوش ~~الألمان روما، وخمدت أنفاس المدينة الخالدة تحت أقدام البرابرة الشقر. # ولم تلبث هذه الكارثة أن ms131 غيرت شعر أنجارتي. إنه حزين على بلاده، حزين ~~لفقد أحبابه. وها هو ديوان جديد يظهر للشاعر، العذاب عنوانه، والعذاب محتواه. ~~فلنقرأ بعض قصائده لنعرف مدى العذاب الذي يقاسيه شاعر ينطق بلسان شعبه العجوز ~~المقهور. تقول قصيدة «لا تصرخوا بعد الآن»: # كفوا عن قتل الموتى # لا تصرخوا بعد الآن، لا تصرخوا، # إذا كنتم لا تزالون تريدون أن تسمعوهم، # إن كنتم ترجون ألا تفنوا، # همسهم لا يحس # ما عادوا يحدثون ضجيجا # إلا كنمو العشب # الذي يسعد حين لا يمشي عليه إنسان. # فالقتلى ما عادوا في حاجة إلى القتل مرة أخرى. لقد ~~استسلموا وانتهى الأمر. لم إذن تملئون الدنيا هتافا وصراخا؟ إن صراخكم ~~سيغطي على أنينهم. وماذا يبقى لكم لو حرمتم حتى من سماع هذا الأنين؟ وكيف ~~تعرفون أنكم ما زلتم أحياء، لو أضعتم هذه الفرصة أيضا من أيديكم؟ لا تصرخوا، ~~فهم لا يسمعون. أليس هذا ما أردتم؟ لم تحرمونهم حتى من متعة الموت على ~~انفراد؟ إنهم يهمسون، وهمسهم لا يسمع. إنهم لا يضجون. وإن تصورتم أن همسهم ~~ضجيج، فهو لا يعلو على صوت العشب الذي ينمو، العشب الذي لم تبق له سوى فرحة ~~واحدة ألا تمشي عليه قدم إنسان. # ولكن هل ضاع كل أمل؟ هل يزداد اليأس كل يوم بلا انقطاع؟ أتصبح الحياة ~~عنده، كما يقول في إحدى قصائده، صخرة جمدت فيها الصرخات؟ إن الكهنة السود ما ~~زالوا يصرخون ويهتفون ويطلقون بخور البشاعة والظلم في المعبد الخراب. ولكن ~~الأمل معقود على ملاك الفقراء الذي سيهبط ذات يوم ليخلصهم ويواسيهم: # الآن حيث يغزو العقول المطموسة # إشفاق غليظ بالدم والطين، # الآن حيث يثقلنا مع كل نبضة قلب # صمت كل هذا العدد من الموتى والمظلومين، # الآن فليستيقظ ملاك الفقراء، # رقة الروح التي لا تزال على قيد الحياة ... # بتلك الإشارة التي لا تمحى على مر الأزمان، # فليهبط على رأس شعبه العجوز # وسط الأشباح ... # ويشرق الأمل من أعماق اليأس ... ويقسم بينه وبين نفسه أن ~~يقبل على العمل. وينتظر أن تتفتح العيون المغلقة على نور الشمس، ويعانق ~~الفقراء ms132 الفقراء، وتتصافح الأيدي المغلولة، وتبعث الحياة في الأجسام والأرواح ~~التي قتلها الذل: # بلا لهفة على الإطلاق سوف أحلم، # سوف أقبل على العمل # الذي لا ينتهي أبدا، # وشيئا فشيئا، بقرب النهاية # تمتد الأذرع للأذرع، # وتبسط من جديد # أكف تبذل العون، # وفي كهوفها تعود للحياة # عيون تعطي النار من جديد، # وأنت، فجأة لم تمس، # سوف تبعث، وسوف يهديني صوتك # مرة أخرى، # وإلى الأبد أراك. # ولكن يبدو أن هذه الآمال كانت وهما أو حلما. فالنكبة ~~كانت أكبر مما يتصور عقل. وحتى بعد أن انجابت سحابة الظلم الفاشي عن سماء ~~بلاده، ظلت حالة كالشلل أو الكابوس تخيم على الرءوس وتكتم الأنفاس. ولذلك لا ~~عجب أن تكون خاتمة الديوان هي هذه الخاتمة: # ما عاد يرعد، ما عاد يهمس البحر، # البحر. # يثير الشفقة أيضا، يثيرها البحر، # البحر. # سحب غافلة تحرك البحر، # البحر. # الدخان الحزين يترك الآن فراشة البحر، # البحر. # هو أيضا مات، انظر، البحر، # البحر. # يبدو أن الحزن قد سرى منذ ذلك العهد المظلم في دم الشاعر ~~ونخاعه. صحيح أنه أصبح الآن من أشهر شعراء بلاده، إن لم يكن أشهرهم جميعا. ~~وصحيح أن جامعة روما تستدعيه للتدريس فيها، وتجعل له كرسيا خاصا به، وأنه ~~يؤسس هناك مدرسة أدبية تسمى باسمه، ويتخرج فيها عدد كبير من كتاب إيطاليا ~~وشعرائها وأساتذتها المرموقين، ولكن التعب لا يزال ثقيلا على كتفيه، والحزن ~~لا يزال يسري في دمه وصوته، فيخرج ديوانه الذي يعلن به خاتمة مؤقتة لحياته ~~الشعرية، ديوان «مفكرة رجل عجوز». # إن كل دواوين أنجارتي تحمل هذه العبارة «حياة رجل». والشاعر نفسه يشرحها ~~في مقدمة ديوانه «الفرح»، حيث يقول: «هذا الكتاب مذاكرات يومية». والمؤلف لا ~~يطمح، ويعتقد أن الشعراء الكبار لم يكونوا يطمحون إلى أبعد من أن يتركوا ~~وراءهم سيرة حياة جميلة. ولذلك فإن القصائد هي عذاباته الشكلية، أو سجل عذابه ~~مع الشكل، ولكنه يريد أن يفهم عنه للمرة الأولى والأخيرة أن الشكل يعذبه؛ ~~لأنه يطالبه بملاءمة التغيرات التي تطرأ على فكره ووجدانه. وإذا كان كفنان قد ~~حقق أي تقدم ms133 يذكر، فهو يتمنى ألا يكون لهذا سوى معنى واحد، وهو أنه كإنسان قد ~~استطاع أن يبلغ شيئا من الكمال. لقد نضجت رجولته وسط أحداث غير عادية لم يقف ~~بعيدا عنها أبدا. وهو وإن لم ينكر أن الأدب يتجه إلى العام، فقد رأى على ~~الدوام أنه حيث ينشأ شيء ذو بال، فإن العام من خلال شعور تاريخي فعال، لا ~~بد أن يلتقي في النهاية مع صوت الشاعر الوحيد ...» # يقول أنجارتي كذلك عن نفسه إنه لما كان الذئب يفقد جلده، ولا يفقد ~~رذيلته، فإنه يراجع قصائده وينقحها مع كل طبعة جديدة لأحد دواوينه. والحق أن ~~شعره يتميز بهذه الصفة النادرة، ألا وهي البحث عن الجوهر وإبرازه نقيا ~~خالصا كالبلور. وهو يسعى جاهدا إلى أدق تعبير ممكن، وأقربه إلى الطبيعة ~~والإقناع، كما ينشد النغم المتسق، ويلون القصيدة بجرس موسيقي يوحي بالشعور ~~الذي يحاول نقله إلى القارئ مما يستحيل بالطبع على كل ترجمة. # اشتهر عن أنجارتي بحق أو بغير حق أنه شاعر غامض ملغز، بل مؤسس دعوة إلى ~~الإلغاز ، ولكن من يقرأ شعره لن يفهم هذا القول، ولن يستطيع أن يصدق كل ما ~~فيه. فلنحاول الآن أن نتدبره معا. # يعرف القارئ من النماذج السابقة أن أشعار أنجارتي تتميز بالتركيز البالغ. ~~فالكلمة كما يقول بنفسه هي شق أو صدع قصير للصمت. إنها شذرة تقف وحيدة مرتعشة ~~بين عالم الأسرار الذي لا تكاد تلامسه، إلا من بعيد، وبين الصمت الذي لا يلبث ~~أن يطبق عليها. وكل قصائد أنجارتي تتفق في هذا الطابع الذي يميزها، ويجعل ~~منها شذرات لم تتم، ويتضح هذا بوجه خاص في قصائده المركزة القصيرة التي يعد ~~أستاذا فيها مثل لوركا، والتي سنعود إليها بعد قليل. # ولا يصح أن نحاول فهم قصائد أنجارتي من ناحية المضمون. فكثيرا ما يصيبنا ~~الذهول؛ لأنها لا تتضمن أي شيء، أو لأننا لا نستطيع في بعض الأحيان أن نفهمها ~~على الإطلاق. والواجب أن ننظر إلى كلماتها كصيغ صوتية أو أشكال نغمية تخلف ~~وراءها صدى ساحرا. ولنتأمل إحدى قصائده الحرة ms134 لنرى كيف يبدو هذا الغموض ~~الذي اشتهر به شعره عن حق أو غير حق كما قدمت. إنها قصيدة «الجزيرة» التي ~~ظهرت في سنة 1933م في ديوانه عاطفة الزمن. لنقرأها أولا قبل التعليق ~~عليها: # هبط إلى شاطئ، كان يسوده المساء الأبدي # من غابات متفكرة سحيقة القدم # وتوغل بعيدا، # وجذبه حفيف أجنحة، # صعد من خفقة قلب الماء الصارخة # ورأى شبحا (يسقط ثم يعود فيزدهر)، # وحين استدار ليصعد # رأى أنها كانت حورية بحر، وكانت تنام # منتصبة وهي تعانق شجرة دردار. # فالقصيدة تتكلم عن حدث ما، في جمل متموجة بالغة القصر ليس ~~فيها أثر للأنا. إنها تتكلم عن شخص فتقول «هو»، ولكن من هو هذا الشخص؟ لن ~~نتلقى جوابا. فالضمير غير محدد ولا معروف. ويزيد من هذا الغموض أن العبارات ~~قد رصت بغير علاقة تربط بينها، وجمعت صورا من الحياة الرعوية التي طالما ~~تغنى بها الشعراء، وحنوا إليها كالجزيرة والغابات وحورية البحر والراعي ~~والماشية. ولكننا سنسأل أنفسنا حين يذكر العذارى: أي عذارى هؤلاء؟ غير أن ~~الحدث يتوقف هنا، ويظل شذرة لا سبب لها ولا هدف. ومع الخاتمة تزداد مجموعات ~~الكلمات شذوذا وبعدا عن بعضها البعض: # الأغصان قطرت # مطرا كسولا من النبال، # الماشية نعست # تحت الوداعة الناعمة # ورعت «قطعان» أخرى الغطاء المضيء، # ولكن أين وصل الآن ذلك الشخص؟ إن الخاتمة التي تشبه السكون ~~قد أنستنا بداية الحدث، وكأن لم يكن له ولا لصاحبنا القديم وجود ولا معنى. ~~وإذا أمكن أن نجد للقصيدة مضمونا، فهو في اتجاه حركتها: وصول ولقاء وهدوء. ~~وكلها حركات مجردة لا تعني شيئا غير نفسها، مشيعة بسر ذلك الحدث الغامض الذي ~~تظهر على سطحه. فإذا جاءت الخاتمة لم تحل هذا السر، بل أضافت إليه جديدا. ~~صحيح أن الحركة ستنتهي بالهدوء والهمود، ولكن تنافر الصور فيها يشير إلى ~~مستوى أعلى من الغموض تصنعه اللغة نفسها. # طبيعي أن مثل هذا الغموض له سحره، كما أن له عند الشاعر العظيم ما يبرره ~~في النغمة أو الصورة أو الرؤية. غير أنه قد يصبح لدى العاجزين من ms135 الشعراء ~~ميدانا للادعاء والثرثرة، أو للتهكم والسخرية عند القراء. ومنذ سنوات عمد ~~بعض هؤلاء القراء في أستراليا إلى دعابة خبيثة تشبه عندنا ما سمي بفضيحة ~~اللامعقول ومسرحية دورنمات المزعومة، فألفوا أبياتا لا معنى لها ونسبوها إلى ~~عامل مناجم مغمور زعموا من باب الاحتياط أنهم وجدوها في أوراقه بعد موته. ~~وراح النقاد يشيدون بعمق هذه الأبيات، ويبكون موهبة الفقيد. ~~••• # هل ننتهي الآن إلى القول بأن شعر ~~أنجارتي شعر غامض وصعب؟ إن القارئ لن يستطيع أن يقرأه بسهولة، ولكن هذه ~~الصعوبة عنصر مشترك بين الشعراء المحدثين. وستقابله ألغاز كثيرة تستعصي على ~~المنطق والعقل، ولكنه سيحس أنها ليست ألغازا مستعصية، بل تتصل بلغز الحياة ~~والكون نفسه، بحيث يمكننا أن نقول إنها ألغاز من النوع الذي لا يحتاج إلى حل ~~أو الذي يجعل الشعر «سرا مكشوفا» على حد تعبير جوته في ديوانه الشرقي، وهو ~~أقصى ما يمكن أن يصل إليه شاعر. إنه شعر ساطع البريق، خفيف حر، متألق لا ~~تحتمل الكلمة فيه معنيين، جميل وصاف كحبات البلور. ولا يمنع هذا بالطبع أن ~~يكون هذا الشعر عسيرا على الفهم؛ ربما لأنه يقذف بنا فجأة بعباراته المركزة ~~الشديدة الإيجاز إلى قلب الوجود. وماذا نقول في قصيدة تتألف من كلمتين ~~اثنتين، ويمكن أن تصبح حجرا يلقى في دوامة نفوسنا، فيهزها ويثيرها إلى آخر ~~العمر؟ ماذا نقول في قصيدته المشهورة «صباح» التي تتكثف في هاتين الكلمتين: ~~«استضئ باللانهاية»؟ التي حار كل المترجمين الأوروبيين في نقلها إلى لغاتهم، ~~وحرت معهم كيف أنقلها إليك؟ هل نعبر عنها تعبيرا آخر فنقول: «نفسي تشرق ~~باللامحدود» أم نقول: «يغمرني نور الكون الهائل»؟ إن هذا كله لا يغني ولا ~~يفيد. فالمهم أننا نحس بالإحساس المفاجئ الذي أراد الشاعر أن ينقله إلينا، ~~ونرتعش ارتعاش القطرة التي عانقت البحر. خذ أيضا هذه القصيدة بعنوان ~~«أبدي»: # بين زهرة مقطوفة وأخرى مهداة # عدم لا يوصف. # أو هذه القصيدة «كون»: # من البحر # صنعت لي # نعشا من النضارة، # أو هذه «لعنة»: حبيسا بين أشياء فانية ~~(كذلك ستفنى السماء ذات النجوم) ms136 # ما الذي يجعلني نهما إلى الله؟ # ألا تحس فيها صرخة المخلوق حنينا إلى الخالق؟ ألا تشعر ~~بالألم الفردي يتحول إلى ألم كوني عام؟ حتى القصائد القصيرة أو الطويلة التي ~~نتصور أنها تصف الطبيعة نجدها تلمس المرئيات لمسا خفيفا، فترتعش أمامنا أو ~~تشهق كالمولود الجديد أو كالمحتضر. هذه مثلا قصيدة «غروب»: # احمرار السماء # يوقظ واحات # لراعي الحب. # أو هذه الذكرى من أفريقيا: # الشمس تقهر المدينة، # العين لا ترى شيئا، # ولا القبور نفسها تقاوم طويلا. # أو «ليلة مايو» التي لا تزال، كقصائد كثيرة غيرها، تحمل ~~انطباعات شبابه عن بلادنا: # السماء تضع # على رءوس المآذن # أكاليل نور. # أو «هذا المساء»: حاجز من الريح # كي يسند حزني # في هذا المساء. # ولا أحب أن أستسلم أكثر من هذا لإغراء الشعر، فتكفي هذه ~~النماذج القصيرة للدلالة على أسلوب شاعرنا ودقته الرياضية في اختيار الألفاظ ~~واكتفائه بأقل قدر ممكن من الكلمات التي تحمل أكبر طاقة ممكنة من المشاعر ~~والمعاني. ولا نستطيع بالطبع أن نقول إنه شعر سهل. غير أن صعوبته لا تجيز لنا ~~مع ذلك أن نصفه بالغموض؛ لأن الغموض يتصل كما قدمت بتشويش الفكرة، أو تشتت ~~الإحساس أو تعقيد البنية اللغوية والنحوية أو غرابة المصطلح الجديد أو الخروج ~~المتعمد على المألوف في ترتيب عناصر العبارة، وتسلسل الأفكار والأبيات في ~~القصيدة الواحدة. ~~••• # من العسير علينا أن نقدر مكانة أنجارتي في الأدب الإيطالي الحديث، ~~واختلاف النظرة إليه بين المتحمسين له والساخطين عليه. ذلك أن النقد الأدبي ~~في بلد من البلاد يرتبط بظواهر وظروف يصعب تقديرها في بلد آخر. فقد ننقل ~~شاعرا أو أديبا أجنبيا إلى لغتنا ونقيسه بمقاييسنا، فنقبل عليه ونعجب به، ~~ولكن من النادر أن نتبين حقيقة تيار أو حركة أدبية، وإذا حكمنا عليها فإن ~~أحكامنا ستثير الدهشة عند أصحابها الأصليين أو قد تثير الضحك والرثاء - وما ~~أشد ذهولنا حين نطلع مثلا على ما يكتبه الأجانب عن أدبائنا الكبار أو حين ~~نلاحظ كيف يعجزون عن الإحساس بالجو الأدبي الذي نعيش فيه - ومع ذلك كله ~~نستطيع أن نقول ms137 ونحن مطمئنون أن أنجارتي يعد عند فريق كبير من أهله أكبر شاعر ~~بعد «جبرييل داننزيو». والجميع يتفقون على أنه خلص القصيدة في بلاده من أثقال ~~البلاغة والزخرفة والتكلف. وكل من يقرأ له سيتذوق بنفسه نضارة شعره ورقته ~~وعفويته، وسيتفق على أنه من هؤلاء الشعراء الملهمين الذين يصدق عليهم القول ~~بأنهم أعادوا إلى الشعر بدائيته الأصيلة، وبراءته المفقودة، وطرقوا به أبواب ~~السر العظيم. # لنكتف اليوم بهذا القدر عن أنجارتي إلى أن تيسر لنا المراجع الكافية ~~لدراسته. ولنختم حديثنا عنه وعن ظاهرة الغموض بقولنا إنها تعبر أفضل تعبير عن ~~إحدى مفارقات الشعر الحديث. فإذا كان الغموض هو «أوضح» ظاهرة في هذا الشعر، ~~فإن هذا الغموض ينبغي أن يظل غموضا واضحا أو وضوحا يكسوه الغموض. وليصدقني ~~القارئ، فأنا لا أتلاعب بالألفاظ. وإنما أريد ببساطة أن القصيدة الحديثة - ~~عند شاعر جدير بهذا الاسم - أشبه بالبرق الخاطف، لا تضيء إلا لتخبو، ولا تخبو ~~إلا لتضيء. وما دامت تكشف لنا في الحالين عن سرنا وسر الوجود أو تحاول الكشف ~~عنه، وما دامت تطرح عنها أعباء مئات السنين من تكلف وبلاغة وطنطنة وقواعد ~~وتقربنا منه، فهل يصح بعد ذلك أن نضيق بهذا الغموض الأصيل؟ وهل نطلب الكثير ~~لو تمنيناه لشعرائنا الذين تعقد اللغة والوطن عليهم أكبر الآمال؟ ~~(1968م) # | أربع قصائد1 # هذه أربع قصائد لأربعة من الشعراء المحدثين. أما القصائد، فستجد ترجمتها ~~فيما بعد، وأرجو أن تغفر قصور هذه الترجمة وعجزها، ذلك أن ترجمة الشعر في كل ~~اللغات أمر عسير مشكوك فيه، وهي في الشعر الحديث - الذي يهتم بجرس الكلمة ~~وقيمتها الصوتية الموحية وعلاقتها بغيرها من الكلمات أكثر بكثير من اهتمامه ~~بالمعنى والمضمون - تكاد أن تكون شيئا مستحيلا. أما الشعراء فهم جين ~~الإسباني، وأنجارتي الإيطالي، وإلوار الفرنسي، وبن الألماني، وأستأذنك في ~~تقديم نبذة موجزة عن حياتهم قبل تناول قصائدهم؛ إذ ليست السطور التالية إلا ~~محاولة لإشراكك معي في قراءة هذه القصائد وتذوقها وتقديم تفسير يعين على ~~إلقاء شعاع من الضوء على بناء الشعر الحديث. # والشعر الحديث بناء شامخ، ms138 يضل الإنسان في متاهاته المحيرة، أو بستان عجيب ~~حافل بالزهور والأشواك، والحصى والجواهر، والسموم والوحوش أيضا إذا شئت، وهو ~~في جملته بناء غريب شاذ، على أن نفهم هاتين الكلمتين بمعناهما الجمالي لا ~~الأخلاقي. لقد نشأ في فرنسا لا في أي بلد آخر. أرسى دعائمه «بودلير» في ~~كتاباته النظرية التي تأثر فيها بشاعر الرومانتيكية الألمانية نوفاليس، ~~والكاتب الشاعر الأمريكي إدجار آلان بو. وظهرت ملاحمه الأساسية في بعض شعره. ~~ثم أحكم هذا البناء شاعران عظيمان هما «رامبو» و«مالارميه» اللذان جعلا منه - ~~كل على طريقته الصاخبة أو الهامسة - مغامرة فريدة في البحث عن المطلق أو عن ~~العدم. ولا أحب أن أسترسل في هذا الكلام الذي قدمت لك طرفا منه في دراسة ~~سابقة عن الشعر الحديث، وإنما أحب أن أقصر حديثي على القصائد ~~الأربع التالية. ومع ذلك فقد يحسن أن ~~أحدثك بإيجاز عن بعض عناصر هذا البناء الغريب الشاذ قبل الحديث عن القصائد، ~~لتكون مصباحا صغيرا نهتدي به في تفسيرها. # فمن عناصر هذا البناء وضعه الخيال في مكان الواقع، وتأكيده لحطام العالم ~~لا لوحدته، ومزجه بين عناصر متنافرة وناشزة، وتعمده الاضطراب والتشويه ~~والتفتيت للواقع واللغة على السواء، وتأثيره السحري عن طريق الغموض والإلغاز ~~وسحر اللغة المنبعث من رنين الكلمة وإشعاعاتها العديدة، وإغرابه لكل ما هو ~~مألوف أو معتاد في مجال الفكر والواقع أو الزمان والمكان، وإيثاره للتفكير ~~الرزين المحسوب الشبيه بالتفكير الرياضي، واستبعاده للعاطفية المسرفة، ~~واطراحه لكل ما يسميه الفيلسوف الإسباني «أورتيجا إي جاسيت» بالنزعات ~~البشرية، وتخلصه مما يسمى بشعر الإلهام أو الشعر المباشر، وطغيان المخيلة ~~الخلاقة التي يسيرها العقل والوعي، وتدمير نظام الواقع والأنظمة المنطقية ~~والانفعالية المألوفة، واستغلال الطاقات الموسيقية في اللغة إلى أقصى حد ~~ممكن، والاعتماد على الإيحاء بدلا من الفهم، وإعلان القطيعة مع التراث ~~الإنساني والأدبي والديني والتمرد المقصود عليه، وإحساس الشاعر بانتمائه إلى ~~عصر حضاري متأخر، وشعوره بالتوحد والتفرد، وتكافؤ التعبير الشعري مع التأمل ~~المستمر في هذا التعبير، أي تلازم الشعر وفن الشعر، وتعمد إذهال القارئ ~~ومفاجأته وإدهاشه إلى حد ms139 الصدمة، والانسياق وراء المغامرة سواء في الشعر ~~العقلي الخالص أو في شعر الأحلام وغياهب النفس غير الواعية بما يجدد اللغة ~~ورموزها وصورها واستعاراتها ... إلى آخر هذه العناصر والعوامل السلبية في هذا ~~البناء المعقد الذي يعكس وحدة الشاعر والفنان الحديث مع لغته وآلام عصره، ~~لنبدأ الآن رحلتنا القصيرة في هذا «البستان الوحشي» بقصيدة لشاعر من إسبانيا. ~~وخورخه جين من أكبر الشعراء الإسبان المعاصرين. ولد سنة 1893م في فالادوليد ~~ودرس الأدب والفلسفة في مدريد وغرناطة. عاش من سنة 1909 إلى سنة 1911م في ~~سويسرا، وقام بالتدريس في جامعة السوربون من سنة 1917 إلى سنة 1923م. حصل على ~~الدكتوراه في سنة 1924م، وعين أستاذا للأدب في مورثيا، ثم في جامعتي ~~أكسفورد وإشبيلية. وقد لجأ في سنة 1938م إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ~~وتولى تدريس الأدب الإسباني في كلية وليسلي في ماساشوتس. ومبلغ علمي أنه يعيش ~~منذ سنوات في مدينة فلورنسة في إيطاليا. # ويعد «جين» من أهم رواد الشعر الإسباني المعاصر، وأكبرهم أثرا على الجيل ~~الجديد من الشعراء، كما يعد من أكبر ممثلي الشعر الخالص أو الشعر المحض. ظهرت ~~مجموعته الشعرية «أنشودة» التي ضم فيها كل ما كتب من قصائد في حياته في أكثر ~~من طبعة، وعلى أكثر من صورة، وأضاف إليها ونقح فيها عدة مرات. وقد تأثر ~~تأثرا قويا بشعر «خيمينيث» و«مالارميه»، وترجم كثيرا عن الشعر الفرنسي ~~وبخاصة «فاليري» و«كلوديل» و«سوبرفيي». وهو من أشد الشعراء المعاصرين ~~التزاما بأوزان الشعر وبحوره التقليدية، وتعد مجموعته أنشودة كبيرة في تمجيد ~~الحياة والإنسان، وكل من يقرأ شعره يلاحظ أنه يبدأ من أشياء واقعية محسوسة لا ~~يلبث أن ينقيها ويرتفع بها إلى عالم شاعري خالص من كل آثار الواقع، لنقرأ ~~معا قصيدته التي تقول: # 1 # باب # الباب موارب. # عمن يبحث هذا الضوء؟ # الشفق سيال # يتلألأ عاجزا ~~- لمن هذا الصمت؟ - # مكان مقفل. # صوت ينادي، لعله وعد # من المجهول. مشاعر. # لأي شمس مثل هذا الهدوء؟ # ويظهر التحول، # يتجه في هواء # فارغ مقنع. # باطن. الجدران بلا شك # تخفي المجهول. # هنا؟ شجرة جوز، ms140 كأس. # صمت يعزل نفسه. # عادي، مهذب جدا؟ # عطر وردة يومية # الباب مغلق: بعيدا. # هذا الضوء، أهو رسول؟ # والآن: عين في عين ... # وأول ما نلاحظه على القصيدة أنها تضع مقطوعتين منها من ~~الناحية البصرية البحتة في موضع جانبي، وكأنها تنبه إلى نوع من تغير الصوت ~~أو النغمة في داخلها (ويسري هذا على المقطوعتين الثالثة والسادسة اللتين ~~يضعهما الأصل على يسار باقي المقطوعات)، ومع هذا التنوع في طريقة الطبع أو ~~الكتابة، فإن أسلوب الحديث واحد في كل أجزاء القصيدة، وهو شبيه بأسلوب هذا ~~الشاعر في معظم أشعاره التي يغلب عليها الإيجاز الشديد، والميل إلى استخدام ~~الجمل الاسمية. والقصيدة تتحدث عن درجات مختلفة من الضوء، ومكان يحده باب، ~~وجدران تحد بدورها فضاء. وهي توشك أن تكون خالية من الإشارة إلى أي إنسان، ~~اللهم إلا من إشارة عابرة ترد مرتين إلى «مجهول» (في البيتين الثامن ~~والرابع عشر)، وإن كانت هذه الإشارة نفسها تؤيد إحساسنا بغياب العنصر ~~الإنساني ولا تقلل منه. أضف إلى هذا أنها بعيدة كل البعد عن الواقع بعدها ~~عن أي محاولة لنسخه من الخارج . وهي ترد موضوعاتها (كالمكان والنور ... إلخ إن ~~صح أن فيها ما يمكن أن يوصف بأنه موضوع) إلى عناصر مفككة تظهر أو تختفي ~~لغير سبب ظاهر. هذا التفكك بالإضافة إلى صيغة السؤال في الأبيات الستة ~~المنتهية بعلامة استفهام، تجعل من الصعب علينا أن نصل إلى تفسير محدد لها، ~~لا بل تكاد أن تجعل هذا التفكير مستحيلا. # والواقع أن صيغة السؤال المتكررة في القصيدة تساعد على البعد بها عن أي ~~تحديد واضح؛ ولذلك فقد نستطيع أن نقول على سبيل التخمين إن القصيدة تتحدث ~~على هذا النحو: ~~«هناك باب موارب يغلق بعد فترة من الزمن، وضوء غامض ينفذ إليه أو يتسلل ~~منه. ومن خلال الإحساسات والفراغ والسكون والعطر تطل شجرة، ويتحول القرب ~~إلى بعد، وينشأ في هذا البعد قرب جديد، ربما يكون قرب إنسان كما في البيت ~~الأخير.» # ومع ذلك فقد يكون الأمر على غير هذا، وقد يمكن أن نقول عكس ms141 ما قلناه عن ~~موضوع القصيدة التي تشع كمعظم قصائد الشعر الحديث بإشعاعات عديدة ودلالات ~~وأحاسيس وظلال مختلفة. والواقع أن هذه الفروض والاحتمالات هي التي تعطي ~~للقصيدة طابعها المتميز. فهي لا تريد أن تتحدث عن موضوع معين بقدر ما تريد ~~أن تشير وتوحي عن طريق اللغة دون أي تحديد لما تشير إليه هذه اللغة أو لما ~~توحي به. # ومن يدري فقد يكون هدف الشاعر هو أن يخلق فينا هذا التوتر أو هذه ~~الحيرة، وقد يكون هدف القصيدة أن تتحول إلى رفيف هامس يهتز ويهزنا معه بين ~~إمكانات وإشعاعات مختلفة المعاني والمشاعر والظلال ... تتيح لكل منا أن ~~يفسرها أو يحياها كما يشاء. # 2 # أما هذه القصيدة، فهي للشاعر الإيطالي جوسيبي أنجارتي الذي سبق أن ~~حدثتك عنه، وتناولت ظاهرة الغموض في شعره، وفي الشعر الحديث بوجه ~~عام. # ويعد شعر أنجارتي نقطة تحول في الشعر الإيطالي بوجه عام وإيذانا ببدء ~~مرحلة جديدة بعيدة عن الخطابية الزائفة التي عرفت عند شاعر مثل «داننزيو» ~~راح يمجد البطولة والقوة ويتغنى بالأساطير الغابرة، ويملأ شعره بالصور ~~والكلمات الصارخة. # جاء شعر أنجارتي بنغمة جديدة هامسة لم تكد تجد في بلاده أذنا تصغي ~~إليها. وكان بجمله القصيرة المركزة، وتخليه عن الأشكال والأوزان القديمة، ~~وعكوفه على التأمل الهادئ بعيدا عن الأساطير والبطولات والأساليب البلاغية ~~الطنانة، أشبه بواحد من أولئك الرهبان الفرنسسكانيين الذين يكرسون حياتهم ~~للتعبير عن معجزة الوجود وعذابه ... # وقد أثار شعر أنجارتي في البداية موجة من الغضب والسخط، وأنشئت مجلات ~~أدبية للهجوم عليه، واتهمه النقاد بالغموض، لا بل نصبوه زعيما لممارسة ~~الغموض والألغاز (الهرمتزم) التي كانت رد فعل لرومانتيكية القرن التاسع ~~عشر، وكل مساوئها في السياسة والفلسفة والإغراق في النزعة الخطابية ~~والبلاغية. # إن شعراء الغموض - إذا صحت هذه التسمية - وعلى رأسهم أنجارتي، يبحثون ~~عن جوهر الشعر نفسه، بالنغمة الهادئة الهامسة، واللغة المركزة الكثيفة. ~~والصور والإشارات والاستعارات الغريبة الناشزة والنبرة المحايدة الأمينة ~~التي تبرز ألم الفرد بعيدا عن الذاتية والعاطفية، إلى حد يصل إلى اطراح ~~النزعات البشرية - كما طالب بذلك الفيلسوف ms142 الإسباني أورتيجا إي جاسيت في ~~مقاله الذي أشرت إليه أكثر من مرة # 2 ~~- وهم يتميزون إلى جانب هذا كله بلغتهم الصافية الساحرة التي ~~قد تبلغ بالقارئ درجة اليأس من فهم أي معنى على الإطلاق. ولا عجب في هذا ~~إذا عرفنا أن الشعر الحديث في مجموعه يهدف كما قلت إلى الإيحاء لا الفهم، ~~ويعنى بجرس الكلمة ونغمها أكثر بكثير من عنايته بالمضمون، ولكن لنقرأ معا ~~قصيدة أنجارتي نفسها، ونحاول أن نجربها بدلا من الاسترسال في أفكار نظرية ~~قد تقف حائلا بيننا وبينها. وعنوان القصيدة «شعب». وقد كتبها الشاعر في ~~أواخر الحرب العالمية الأولى أو بعدها بقليل: # شعب # فر قطيع النخيل الوحيد # والقمر # اللامتناهي فوق ليال جديبة، # الليل الأسحم # سلحفاة في حداد # تتحسس # لا لون يدوم # اللؤلؤة السكرى بالشك ~~(بدأت) تنبه الفجر، # وعند قدميه السريعتين # تثير الوهج # ها هي ذي تدوي # صيحات ريح شابة، # خلايا النحل تنشأ في جبال # الأبواق الضالة # ارجعي أيتها المرايا القديمة، # يا خطوط الماء الخفية # بينما الآن # و... # براعم مرتفعات الثلج المقطوفة # تحيط بالصورة التي تعود عليها آبائي، # تصطف الأشرعة # في الهدوء الصافي، # آه يا وطني، كل فصولك # صحت في دمي # تتقدم آمنا وتغني # فوق بحر جشع. ~~(1919م) # عنوان هذه القصيدة يتصل بموضوعها، وهو الوطن الذي يذكره ~~البيت الرابع والعشرون. ومع ذلك فإن هذه الصلة شيء نرجحه، ولا نستطيع أن ~~نقطع به. فإذا شئنا أن نتمسك بها أمكننا أن نقول إن القصيدة تصور فيما يبدو ~~رجوع الشاعر من الشرق الأدنى (وبالتحديد من مسقط رأسه بالإسكندرية) إلى ~~وطنه. وقد يؤيد هذا الظن أنها تبدأ البيت الأول منها بفعل ماض «فر»، ثم ~~لا تلبث أن تتحول عنه في سائر أبياتها إلى الفعل المضارع. وقد تؤيده أيضا ~~من ناحية المضمون مثل هذه العبارات: قطيع النخيل الوحيد (البيت الأول) ~~ارجعي (البيت السادس عشر)، آبائي (البيت الحادي والعشرون). ولكن المؤكد على ~~كل حال أن القصيدة تتجنب التحديد المادي وتعمد إلى الإيحاء الذي يثير في ~~الخيال مختلف الفروض والاحتمالات. ولهذا فمن العبث أن نحاول ms143 الاهتداء فيها ~~بمكان أو شيء محدد. أما الأحداث الزمنية، فهي على العكس من ذلك واضحة يسهل ~~التعرف عليها في درجات الضوء المختلفة. وإذا قرأنا القصيدة في أصلها ~~الإيطالي لاحظنا أنها تخلو تماما من التنقيط، ولو قرأناها بصوت مرتفع ~~لوجدنا أنها تتكون من مجموعة من الجمل القصيرة، لا يستثنى من ذلك إلا ~~المقطوعة الثامنة منها (من البيت 18 إلى البيت 23). # ربما كان أروع ما في القصيدة هو استعاراتها الغنية. وتختلف نماذج هذه ~~الاستعارات التي تلجأ إلى الصفة مرة (كما في البيت الخامس حين تصف السلحفاة ~~بأنها في حداد)، ومرة أخرى إلى الإضافة (كما في البيت الأول والبيتين ~~الثامن والعشرين). وقد تكون استعارة مطلقة (كما في البيتين الرابع عشر ~~والخامس عشر)، حيث لا يشير طرفا الاستعارة إلى أشياء محددة (خلايا النحل ~~وجبال الأبواق الضالة). والمهم أن الاستعارات تشترك جميعا في شمول الصور ~~التي تعبر عنها، بحيث تبلغ أقصاها في البيتين الرابع والخامس، والبيتين ~~الرابع عشر والخامس عشر. وربما أراد الشاعر إلغاء الفرق بين الكلام المجازي ~~والكلام العادي وأحداث الغرابة والشذوذ من ناحيتي الصوت وبناء العبارة عن ~~طريق التأليف بين كلمات لا تأتلف بطبيعتها، ولكن على الرغم من كل ما في ~~القصيدة من غموض وإلغاز اشتهر بهما الشاعر، فإن فيها حركة توحد بين أجزائها ~~المتفرقة، فهي تبدأ بقطيع النخيل الليلي الهارب، ثم تصف الليل نفسه إلى أن ~~تتكشف شيئا فشيئا، حين تتكلم عن لؤلؤة الشك السكرى (أو ضوء الفجر الذي لا ~~يتأكد بعد)، وعن ريح الصباح، حتى تنتهي إلى الحديث صراحة عن الهدوء الناصع ~~(في البيت الثالث والعشرين)، وعن اليقظة والصحو النهائي (في البيت الخامس ~~والعشرين). وتبلغ الحركة ذروتها في الفضاء المنتصر فوق بحر العواطف ~~المضطربة (وهو البحر الجشع في البيتين الأخيرين). # وهكذا تؤيد القصيدة قضية تنطبق على الشعر الغربي الحديث في مجموعه، وهي ~~أن هذا الشعر يفسر بحركته اللغوية والفكرية لا بألفاظه أو معانيه. # 3 # ونأتي إلى هذه القصيدة لبول إلوار (1895-1952م)، ولا شك أنك تعرف ~~الكثير عنه، ولا شك أيضا أنك ms144 قرأت بعض أشعاره. ومع ذلك فأرجو أن تأذن لي ~~بتقديم هذه الحقائق البسيطة عن حياته وأعماله. فقد ولد في سان دنيس وهي ~~إحدى ضواحي باريس. كان أبوه موظفا في مكتبة، وكانت أمه تشتغل بالخياطة. ~~اشترك في الحرب العالمية الأولى، وأصيب بتسمم خطير من الغازات السامة. أصدر ~~كتابه «الواجب والقلق» في سنة 1917م، وعبر في قصائد للسلام (1918م) عن ~~كراهيته للحرب وجمود المجتمع البرجوازي. انضم إلوار بعد نهاية الحرب إلى ~~جماعة الداديين والسرياليين، وشارك في حركتهما الأدبية مشاركة فعالة، ~~وكتب مجموعة من القصائد التي تحمل سخطه على الظلم الاجتماعي وغضبه من عدم ~~الاكتراث بشقاء الإنسان. سافر في سنة 1924م في رحلة إلى شرق آسيا، أصدر ~~بعدها مجموعة من أجمل قصائد الحب التي كتبها، «عاصمة الألم سنة 1926م» ~~و«الحب، الشعر سنة 1929م». اشترك في المؤتمر الدولي الثاني للكتاب ~~الثوريين الذي انعقد في خاركوف سنة 1930م، ووصل إلى ذروة إنتاجه في كتاب ~~«الحياة المباشرة» (1932م). # انتقل إلوار تحت تأثير الحرب الأهلية الإسبانية من التمرد الفردي إلى ~~الإيمان بضرورة الكفاح المشترك، وقطع صلته نهائيا بالسرياليين في سنة ~~1938م. واشترك في الحرب العالمية الثانية وعبر عن احتجاجه عليها في ~~«الكتاب المفتوح 1940، 1942م» كما اشترك في حركة المقاومة السرية للاحتلال ~~النازي لبلاده، وكان له دور كبير فيها. وقد انضم للحزب الشيوعي الفرنسي في ~~سنة 1942م، وظل عضوا فيه حتى وفاته في سنة 1952م، وأثرت قصائده التي كتبها ~~في ظل الاحتلال أبلغ الأثر على الشعب الفرنسي، وأثبتت أن الشعر يمكن أن ~~يكون عونا على الفعل، وسلاحا من أهم الأسلحة التي تحرر وجدان الإنسان ~~وأرضه. ومن أهم هذه القصائد قصيدته المشهورة «الحرية» التي نشرت في ديوانه ~~الشعر والحقيقة (1942م)، وسبع قصائد حب في الحرب (1943م)، وموعد مع الألمان ~~(1947م)، وكلها تعبر - على الرغم من صعوبة بنائها وشدة تركيزها وغرابة ~~صورها واستعاراتها - عن حب وتعاطف غير محدود مع البشر، وحرص على حياتهم ~~وشرفهم وسعادتهم التي كافح طوال حياته في سبيلها. # لنقرأ الآن القصيدة التي اخترتها لك من شعره، ولنحاول ms145 بعد ذلك أن ننظر ~~فيها كما فعلنا مع القصيدتين السابقتين (وأرجو أن تلاحظ أن الكلمات ~~الموضوعة بين قوسين في هذا النص وفي غيره زيادة مني لتيسير قراءته): # لغة الألوان، # أعرفك يا ألوان الرجال والنساء، # زهور نضرة، ثمار عطنة، هالات منثورة، # موشورات موسيقية، (كتل) ضباب أبناء الليل، # ألوان، وكل ما يفتح عيني مضيء، # ألوان، وكل ما يدفعني للبكاء كئيب، # ألوان العافية، الرغبة، الخوف، # وعذوبة الحب تضمن المستقبل، # ألوان جريمة وجنون وتمرد وشجاعة، # والضحك في كل مكان يعري السعادة، # وأحيانا العقل الذي يبصقنا كأغبياء، # ودائما العقل الذي يعيد خلقنا عظماء، # خفق الدم على كل دروب العالم، # ألوان ليحفر اليأس الليل (كما يشاء)، # ولتسود الألغاز المؤرقين حتى العظام، # فالأحلام تشرق بالجمال والخير. # إن يقم الشتاء في ركن من قلبي، # ففي (الركن) الآخر أرى بوضوح، وأرجو «وأبتهج» # بالألوان، # أعكس أخصب جسدا سوف يدوم، # أكافح، أسكر بالكفاح من أجل الحياة، # في نصاعة الآخرين أشيد انتصاري. ~~(1949م) # تتكون هذه القصيدة في الأصل من عشرين بيتا غير مقفى ~~من البحر السكندري. وتقابلنا فيها مجموعة من الأشكال الصوتية أو النغمية ~~كترداد الحرف الأول في بعض الكلمات المتتالية في البيتين الأول والثاني، ~~والقافية العارضة في البيتين السادس والتاسع، والقافية الداخلية والمقطع ~~المتشابه في كلمتين متفقتي النهاية. وهذه الأشكال الصوتية التي تظهر على ~~نحو عرضي شاذ، هي التي تعطي للقصيدة طابعها المميز، أضف إلى هذا أن ~~المقطوعة الأخيرة من القصيدة تتميز بالتكرار المتعمد للحرف الصوتي «أي» في ~~كلماتها، بحيث يعبر عن نوع من التصاعد المستمر في الأفكار والمعاني التي ~~تتضمنها. # وتتميز القصيدة إلى جانب هذا بالغموض في بناء عباراتها أو على الأقل ~~بغرابته وندرته. إنها تبدأ البيت الأول بنداء المخاطب الجمع «انظر البيت ~~الأول الهامش»، «أعرفك يا ألوان ... إلخ»، ولكن من الصعب أن نقرر إن كانت ~~الأبيات التالية تحتوي على مثل هذا النداء، أو على أية تسمية أخرى، اللهم ~~إلا في المقطوعة الأخيرة التي تتخلى جملها القصيرة عن أسلوب استخدام ~~الأسماء المتبع في المقطوعات الثلاث السابقة، وهذا الأسلوب يتحاشى الترابط ms146 ~~المألوف في بناء الجمل، بحيث نتشكك في وجوده في كل مرة نظن أننا تعرفنا ~~عليه. هل هناك مثلا علاقة إضافة تجمع بين «جريمة وجنون» في البيت الثامن، ~~وبين «ألوان العافية ... إلخ» في البيت السادس أم أنها تركيبات مستقلة ~~بنفسها؟ وهل يتصل البيت الرابع عشر «لتسود الألغاز المؤرقين حتى العظام» ~~بالبيت السابق عليه مباشرة، بحيث يمكن أن يسري عليه ما أضفناه إليه على ~~سبيل التوضيح، فنفهمه مثلا على هذا النحو «لتسود الألغاز كما تشاء ... إلخ» ~~أم أن المصدر الأصلي فيه قائم بذاته؟ # أسئلة كثيرة كما ترى، لا يبدو أننا سنصل فيها إلى جواب أخير. ومع ذلك ~~فإن القصيدة لا تخرج عن هذا الغموض المقصود في بناء عباراتها إلا في ~~المقطوعة الأخيرة التي تتميز بعباراتها الواضحة، وحركتها الصاعدة الظافرة ~~التي لا تخطئها الأذن ولا الفهم. # وأعجب ما في القصيدة أنها تتحدث عن الألوان، ولكن معظم الأشياء أو ~~الأحداث التي تلمسها خالية من الألوان التي نعرفها في الطبيعة. فهناك ~~الأزهار، والموشورات. وهناك الليل والسواد، والنصاعة والوضوح. والبيت ~~الوحيد الذي يسمى لونا محددا (وهو اللون البني الغامق الذي يعبر عادة عن ~~القتامة والكآبة) هو البيت الخامس الذي ترد فيه كلمة «كئيب»، ولعل جسارة ~~القصيدة أن تكون كامنة في إضفائها اللون على مجالات فكرية وتصورية لا لون ~~لها، مستعينة في هذا بكلمة ألوان المجردة التي تتكرر ست مرات في القصيدة، ~~وتؤثر في الحقيقة تأثيرا صوتيا لا بصريا. وهكذا نجد أنفسنا أمام ~~مجموعة من الكائنات والأفكار التي اكتسب كل منها لونا مع أنها بطبيعتها ~~بلا لون، كالرجال والنساء والعافية والخوف والجريمة والجنون واليأس ... وهكذا ~~تتحرر القصيدة أيضا من النظام الطبيعي للأشياء، وتتحرك حركة حرة بين عالم ~~الإنسان وعالم الألوان، أو عالم «التلون» إن شئنا البعد عن التحديد. وفي ~~ظل هذه العلاقة الحرة بين العالمين يتم الصعود المنتصر الظافر الذي تعبر ~~عنه المقطوعة الأخيرة؛ إذ تنتقل قيمة اللون إلى النصاعة والصفاء، تؤيدها في ~~ذلك الأصوات المتحركة التي أشرت إليها، والوضوح النسبي في تركيب العبارات. ~~وأخيرا فإن أية ms147 محاولة لتذوق القصيدة، ينبغي أن تبتعد عن تفسير أبياتها، ~~كل على حدة، كما ينبغي أن تنتبه لقيمة الكلمات والعلاقات التي تربط ~~بينها، أما المعنى الكلي فهو في هذه العلاقات نفسها، وفي موكب التصاعد ~~المستمر نحو النور والصفاء. # 4 # وأخيرا نصل إلى قصيدة للشاعر الألماني جوتفريد بن (1886-1956م)، وهو ~~من أكبر شعراء بلاده وأعظمهم أثرا على الجيل الجديد من أدبائها، وإن لم ~~يعرف للأسف معرفة كافية خارج حدودها ... ولد في مانسفلد (منطقة فستبريجنتس) ~~ومات في برلين. كان أبوه قسيسا، ودرس الأدب واللاهوت في جامعة ماربورج، ثم ~~تحول إلى دراسة الطب في برلين وعمل طبيبا عسكريا في الحربين العالميتين، ~~ومارس علاج الأمراض الجلدية والتناسلية منذ سنة 1918م في عيادته بمدينة ~~برلين. # رحب «بن» بالنظام النازي في بداية عهده، وظن أنه سيخلص العالم الغربي ~~من العدمية والركود الروحي، فلما اكتشف خطأه الرهيب لزم الصمت ابتداء من ~~سنة 1936م، وطرده النظام أيضا من اتحاد كتابه، وشهر بأعماله ~~«المنحلة». وعاد إلى النشر في سنة 1948م، وكتب القصيدة والقصة والمقالة ~~والمسرحية، وتميز بأسلوبه الغريب الذي يزخر بالمصطلحات الطبية والعلمية ~~والفلسفية، ونظرته العدمية الصريحة، واهتمامه البالغ بالشكل. وقد بدأ «بن» ~~متأثرا بالمدرسة التعبيرية، وراح يسجل بأسلوب تهكمي بارد، ولغة قوية ~~متفجرة مشاهد المرض والفساد في الحضارة الغربية الحديثة، ويكشف بمبضع ~~الجراح وموضوعية العالم وبروده مظاهر الانهيار المختفية وراء قناع التمدن ~~والتقدم. ومع ذلك فإن شغفه بالصور الوحشية المقززة عن الأمراض والأورام ~~والقرح والجثث والمشارح ينطوي على حنين رومانتيكي إلى البراءة والنقاء ~~اللذين راح يلتمسهما في الشكل الفني الناضج التام والصور والرموز الأسطورية ~~القديمة التي يضعها إلى جانب أحدث المصطلحات العلمية، فيشع من قصائده وهج ~~شعري يخطف العين بقدر ما يلسع القلب. وقد استطاع في أواخر حياته أن يتغلب ~~على نزعته العدمية المغرقة في التشاؤم، وأن ينصرف عن أسلوبه المتهكم المرير ~~عن طريق الكلمة الساحرة والروح الغنائية والتشكيل الكامل، ولعله قد نجح في ~~رأي بعض النقاد في إيجاد نوع من «العدمية الخلاقة» التي تحاول عن طريق ~~الشكل الفني ms148 كما قدمت أن تعلن مقتها لكل الأيديولوجيات، وتوجد معنى لعالم ~~خلا في رأيه من المعنى ومن عناية السماء. # 3 # وإليك هذه القصيدة التي كتبها في سنة 1930م: ~~«دائما أشد صمتا» # أنت في الممالك الأخيرة، # أنت في النور الأخير، # إن لم يكن نورا # في الوجه الشاحب المحملق، # هناك الدموع دموعك، # هناك تتعرين من نفسك، # هناك الإله الواحد، # الذي يخلص من كل عذاب. # من بين أزمنة لا تسمى # حطمك واحد منها، # نداءات، أغان تصحبك # تسمع فوق الماء، # ظلال أشجار استوائية، # غابات من عمق البحر، # أماكن نشوى بالرعب # ندفعها إلى هنا # قديما كان شوقك، # قديمة كانت الشمس وكان الليل، # كل شيء: الأحلام والأحزان # تبددت في التيه، # دائما أكثر انتهاء، دائما أكثر صفاء # تطوى في الأبعاد، # دائما أكثر صمتا، لا أحد ينتظر، # ولا أحد ينادي. # إذا كان من الصعب أن نفسر قصيدة من الشعر الحديث ~~بالاعتماد على ترجمتها، فإن هذه الصعوبة تزداد في هذه القصيدة التي نحس عند ~~قراءتها وسماع كلماتها الأصلية بأنها قصيدة غنائية بكل معنى الكلمة. وتزداد ~~هذه الصعوبة أيضا إذا عرفنا أنها تحافظ في الأصل على الوزن والقافية ~~اللتين تقضي عليهما بالطبع أية ترجمة. # إن الروح الغنائية تغلب على القصيدة؛ ولذلك يأتي السؤال عن معناها في ~~المقام الثاني. والواقع أن المعنى يحوطه الغموض من جهات عديدة. فبناء ~~العبارة يميل إلى الاختزال الشديد، ولكن ماذا تختزل؟ # إذا نظرنا في البيتين الأولين وجدنا حرف الجر «في» (وهو في الأصل يدل ~~على الاتجاه؛ إذ يتبعه المفعول به)، ولكن لم نجد الفعل المتصل به. والبيتان ~~الثالث والرابع في صيغة الشرط، ومع هذا فإننا نبحث عبثا عن جواب هذا ~~الشرط، فلا نجد إلا «هناك». # وإذا نظرنا في المقطوعة الثانية، وجدنا فعلين في البيتين الثاني عشر ~~والسادس عشر، وتعذر علينا أن نهتدي إلى الفاعل. فمن هو الذي يسمع ~~النداءات والأغاني؟ ومن الذي يدفع وماذا يدفعه؟ أهي الأغنيات أم الغابات؟ ~~حتى إذا بلغنا المقطوعة الثالثة تملكتنا الحيرة أمام البيت السابع عشر ~~(قديما كان شوقك). فهل فيه مقارنة أو ms149 تماثل كأن تقول مثلا الشوق كان ~~قديما قدم الشمس والليل؟ أم أنها مجموعة مستقلة من الكلمات لا تشترك مع ~~البيت السابق عليها إلا في صفة القدم؟ # ونأتي إلى البيت الحادي والعشرين (دائما أكثر انتهاء، دائما أكثر ~~صفاء)، فنعجز عن العثور على الفاعل الذي يحدث هذا كله أو يحدث له. ولا شك ~~أن هذا الاختزال في بناء العبارة، والإيجاز الشديد فيها، وافتقاد الصلة ~~المباشرة بين الكلمات المختلفة تزيد من حيرتنا في تفسير القصيدة تفسيرا ~~محددا، ولكن هل نخرج منها مع ذلك صفر اليدين؟ # لا يمكننا أن ننتهي إلى هذه النتيجة. فلا شك أن قراءة القصيدة، حتى في ~~هذه الترجمة القاصرة، تبعث في نفوسنا الإحساس العميق بالألم والمرارة. ~~والعنوان وحده - وهو مأخوذ من البيت قبل الأخير - يثير فينا هذا الإحساس. ~~وتكرار كلمة الأخيرة في البيتين الأولين، والنهاية التي تغلق الباب أمام كل ~~أمل، ونغمة الحزن والفقد الشائعة في القصيدة كلها تؤكده وتزيده عمقا ~~ونفاذا. ومع ذلك فإن سبب هذا الحزن وهذه المرارة غير معروف. إن الشاعر لا ~~يحدده ولا يسميه، بل يضفيه على الأحداث والأفكار. وهذه الأحداث والأفكار ~~تزيد فيها قيمة النغم والإيحاء على قيمة المعنى والمضمون. أي إنها تنغم ~~وتوحي أكثر مما تفهم أو تفيد. ثم إن هذه الأفكار والأحداث المتفرقة معزولة ~~عن بعضها البعض، ولو حاولنا أن ننظر إليها كأحداث موضوعية لما وجدنا هناك ~~صلة تجمع بينها. ولا يقتصر الأمر على غموض العلاقات التي تربط بينها، بل إن ~~هناك إمكانات متعددة في بناء الجمل والعبارات. ولا يملك القارئ إلا أن يسأل ~~نفسه: لماذا يتحدث الشاعر في بداية القصيدة عن الإله الذي يخلص من كل عذاب، ~~ثم يتحدث في نهايتها عن الوحدة الصامتة أو الصمت الوحيد؟ ألم يكن العكس هو ~~الأولى؟ # ليس لهذا من تفسير إلا القول بأنه يتخلى عن المسار الطبيعي والنظام ~~المنطقي المألوف، وإن هذا هو الأسلوب المتبع عند معظم الشعراء المحدثين منذ ~~أيام بودلير ورامبو ومالارميه، وعند هذا الشاعر الذي نتناوله بوجه ~~خاص. # ويسأل القارئ نفسه: من أين ms150 يأتي الزمن الذي يحطم؟ ولماذا يحطم الزمن ~~بالذات؟ (البيت العاشر). هل تفهم الأبعاد (في البيت الثاني والعشرين) ~~بمعناها الاستعاري أم بمعناها اللفظي؟ وأخيرا من هي (أو من هو) التي ~~تخاطبها القصيدة بأنت؟ أهي أنا تخاطب نفسها أم هي أنت أخرى يخاطبها الشاعر؟ ~~هل القصيدة مونولوج أم ديالوج؟ ومن الذي تبدد بفكره في التيه؟ (البيت ~~العشرون) أهي الأحلام والأحزان أم هي الأنا أم الأنت؟ # على أن غموض القصيدة وعدم تحددها لا يمكن مع ذلك أن يؤدي إلى القول ~~بأنها خالية من المعنى أو الإحساس. فنحن لا نخطئ فيها الشعور بالألم ~~والوحدة والفراق، وهو شعور كامن في نغمتها العامة وبحرها القصير وقوافيها ~~المتكررة. أما أسلوبها الموجز الذي يلجأ للحذف والاختزال في بناء العبارة، ~~فهو لا يبعدها فحسب عن أسلوب الكلام والإحساس العادي، بل ينقلها إلى بيئة ~~لغوية ونفسية خاصة بها، تنفرد فيها بنفسها وترفض الخروج منها. ولعل هذه ~~البيئة هي مملكة المنفى التي يلجأ إليها الشاعر وحيدا مع لغته وعذابه ~~وصمته وعزلته المخيفة في الكون. والشاعر الحديث دائما وحيد مع لغته، فهي ~~ملاذه وملجؤه وموطن ألعابه ومغامراته وتجاربه التي لا تهدأ ولا ~~تنتهي. # تلك خواطر عن تفسير عدد من قصائد الشعر الحديث، اهتديت فيها بالكتاب ~~القيم «بناء الشعر الحديث»، الذي وضعه عالم كبير في اللغات الرومانية هو ~~الأستاذ «هوجو فريدريش»، وصدرت طبعته الثانية في العام الماضي. ومن أسف أن ~~هذه السطور تنقل إليك رسم الكلمات المطبوعة، ولا تستطيع أن تنقل أصواتها ~~وأنغامها، ومن أسف أيضا أنني لا أملك أن أقدم لك النصوص في لغتها الأصلية؛ ~~لأن العرف لم يجر بهذا في مجلاتنا أو في كتبنا، ولأنني لا أحب كذلك أن ~~أثقل عليك، ولا أرى من الخير أن يملأ الكتاب مقالاتهم بالكلمات ~~الأجنبية. لقد حاولت أن أقدم لك زادا متواضعا أرجو أن يعينك على تذوق ~~الشعر الحديث كلما واجهك بغموضه وتعقيده وألغازه. ولقد أشرت إلى الطريق ~~وحسب. أما الطريق نفسه، فعليك أن تسير فيه وحدك، وتكتشف مسالكه ودروبه ~~بنفسك. ~~(1970م) # | ذات ليلة ... في ms151 الزمان # قصائد للشاعرة جيزيلا كرافت # عرفت هذه الشاعرة قبل ثلاث سنوات. كنا - أخي الأديب القاص يوسف الشاروني ~~وأنا - قد دعينا إلى مدينة برلين في إطار برنامج يدعى إليه أدباء من أنحاء ~~العالم، ويسمونه برنامج الفنانين (نوع من أنواع السياحة والدعاية الراقية، ~~ليتنا ننتبه إليه ونأخذ به!) كان هذا تشريفا وتكريما للأدباء العرب في ~~أشخاصنا؛ إذ كانت تلك هي المرة الأولى التي يستضيف فيها البرنامج أحدا من ~~أبناء البلاد العربية. وحاولنا جهد طاقتنا أن نترك وراءنا انطباعا يشجع ~~الهيئة المضيفة على دعوة غيرنا من الإخوة والزملاء. وكان كل المطلوب منا أن ~~نقرأ بعض قصصنا على الجمهور المثقف في إحدى قاعات الأكاديمية، وقد تم هذا قبل ~~مغادرتنا للمدينة بأيام قليلة. أما فيما عدا ذلك، فقد تركت لنا حرية الحركة ~~في مؤسسات المدينة ومسارحها ومتاحفها وندوات الأدب والفن فيها. وكان من ~~الطبيعي أن يعاودني الحنين للجامعة التي درست بها قبل ذلك بحوالي خمسة عشر ~~عاما، وأن أسقي شجرة الحب التي غرسها في قلبي أحد أساتذتها الذي أصبح يتولى ~~رئاسة المعهد الإسلامي بها. وشاء الأستاذ الكريم، # 1 # أن يمد ظلال رعايته التي طالما غمرني بها، فدعانا لإقامة قاعة ~~بحث عن تطور شكل القصة العربية منذ عهد المقامة والمقالة القصصية، حتى نضوج ~~القصة القصيرة عند أعلامها المعاصرين. # في هذه القاعة رأيت الشاعرة لأول مرة: شقراء، طويلة جدا، تجاوزت ~~الأربعين بقليل، صامتة ضيقة العينين، تنبعث منهما شيخوخة لا تناسب عمرها، ~~وبرود وسكون لا نلحظهما إلا في عيون الجلادين والحكماء! وتعرفت عليها بعد ذلك ~~فعلمت المزيد. فهي تقوم بتدريس اللغة التركية في قسم اللغات الشرقية ~~بالجامعة، كما نشرت العديد من قصائدها في المجلات الأدبية، وإن كان ديوانها ~~الأول لا يزال تحت الطبع. لقد ولدت سنة 1936م في برلين، ولا زالت تعيش بها، ~~وحصلت على الدكتوراه في الأدب التركي الحديث برسالة عن خلق العالم ورموز ~~الحيوان عند الشاعر فاضل حسنود أغلاركا، ونقلت إلى لغتها عددا من الآثار ~~الأدبية التركية: قصائد للشاعر أراس أورن بعنوان «منفى خاص»، وقصائد أخرى ms152 ~~لنفس الشاعر بعنوان: «ألمانيا، حكاية تركية»، وملحمة شعرية «لناظم حكمت» هي ~~ملحمة الشيخ بدر الدين. أضف إلى هذا مسرحية للهواة نشرتها سنة 1977م بعنوان ~~«عبور القديس فرانشكو» بجانب مشاركتها في الحياة الأدبية في مدينتها، وشرف ~~عضوية إحدى الأكاديميات العلمية التي لم أعد أذكرها! ودعتنا ذات ليلة إلى ~~مسكنها للتعرف على أصدقائها وزملائها من أدباء الشباب. وأتيح لنا في هذه ~~الليلة أن نلمس حب القلوب الشاعرة، ونسمع قصائد القلق والشوق، ونطلع على ~~حكايات الشباب الفخور بحريته المطلقة، ونحس سعادته بها وإشفاقه منها، ونقرأ ~~في النهاية قصتين لنا، ونلمح أثر الخشوع والتعاطف اللذين ارتسما على وجوه ~~المتلقين وفي عيونهم. ثم شاءت الصدفة أن أسمع في الخريف الماضي بوجودها في ~~القاهرة، ولم يتسع وقتي للقائها أكثر من مرتين مع بعض الأصدقاء من الأدباء ~~والشعراء، وتكرمت بإهدائي ديوانها، الذي صدر أخيرا بعنوان «ذات ليلة، في ~~الزمان» (لاحظت فرحة الكتاب الأول في لمعان عينيها الضيقتين الطيبتين) قرأت ~~علينا بعض القصائد، وتولينا - صديقي الدكتور عوني عبد الرءوف وأنا - نقل ~~معانيها للحاضرين نقلا يؤكد صدق العبارة المأثورة: «أيها المترجم، أيها ~~الخائن!» وأحسست منذ ذلك الحين أن شوكة «الأميرة المينوية الصغيرة» (وهي ~~القصيدة التي ستقرؤها بعد قليل) قد انغرست في قلبي، وأن حوار الدرويش والقطة ~~في كوة حائط بيزنطي بإحدى المدن التركية التي لا أعرفها يلاحقني حتى باب ~~مسكني، ويتسلل رغما عني إلى فراش نومي، قلبت صفحات الديوان قبل أن أنام، ~~ولمس قلبي الإهداء الذي كتبته عليه، واقتبسته من أبيات للشاعر الصوفي ~~«إنجيلوس سيلزيوس»: «عليك أن تصبح شمسا، أن ترسم بأشعتك بحر الألوهية الخالي ~~من الألوان». ويبدو أنني في تلك اللحظة بدأت أتراجع عن قراري بالتوبة عن ~~الخيانة المحتومة، أي عن ترجمة الشعر، فقد تسللت قوة خفية - في ليل صنعاء ~~الطويل الهادئ - لتحرك يدي لنقل بعض قصائد هذه الشاعرة، وها هي الآن تدعوك ~~لقراءتها، وها أنا ذا أمهد بمقدمة من تلك المقدمات التي يحس الإنسان دائما - ~~تجاه أعمال الفن التي يجب أن نتركها تتحدث بنفسها - أنها ضرورية، وأنها ms153 في ~~نفس الوقت سطحية ولا داعي لها. ~~••• # نشأت معظم قصائد هذه المجموعة أثناء زيارة قامت بها الشاعرة في خريف سنة ~~1978م لجزيرة كريت. ويبدو أن وقوفها على أطلالها وحفائرها وآثارها قد حرك ~~فيها مختلف المشاعر والأفكار التي حاولت أن تعبر عنها في صورة حية ملموسة ~~للعين والوجدان. ومع أن معرفة التاريخ - أو بالأحرى ما قبل التاريخ - لا يلزم ~~بالضرورة لتذوق الشعر - لأنه كما علمنا ~~المعلم الأول يتجاوز التاريخ ويسمو عليه - فلا بد من كلمة سريعة عن «الجو» ~~التاريخي الذي نمت براعم الشعر على أرضه، ولا بد من الإلمام ببعض الحقائق ~~التي تقربنا من روحه، وتعرفنا ببعض الأماكن والأسماء الواردة فيه. وأهم هذه ~~الأسماء هو اسم الملك الخرافي «مينوس» الذي حكم جزيرة كريت في عصر يبدو ألا ~~وجود له إلا في ذاكرة الأساطير، فهي تروي عنه أنه ابن «زيوس» عظيم الآلهة من ~~زوجته أوروبا، وأنه طرد شقيقه «ساربيدن» بمساعدة رب البحار «بوزيدون»، ~~واستولى على عرش كريت، وامتد سلطانه من جزيرة كنوسوس إلى جزر البحر الإيجي، ~~كما يؤكد المؤرخ الإغريقي «توكيد يديس» (441) أنه عمر هذه الجزر، وطهر البحر ~~من القراصنة. وتذكر أوديسة هوميروس (النشيد التاسع عشر، البيتان 178-179) أنه ~~أقر القوانين الحكيمة العادلة، وأن الناس هابوه لصداقته لزيوس نفسه. وتروي ~~عنه الأساطير أيضا أنه تزوج سيفايا ابنة الشمس التي ولدت له أندروجيوس ~~وأريادنه وفيدرا، وأن أرباب الأوليمب عاقبوه؛ لرفضه التضحية بثور معين، وأن ~~زوجته وقعت في غرام هذا الثور، وأنجبت منه الوحش الخرافي «المينوتا توروس» ~~(ثور مينوس)، الذي يعد من أشهر شخصيات الأساطير الإغريقية! وتزعم هذه ~~الأساطير وبعض النصوص الدرامية الأثينية أن مينوس فرض على أهل أثينا بعد ~~احتلالها تقديم أطفالهم طعاما للوحش، حتى خلصهم منه البطل «ثيسيوس» وحكاية ~~أريادنة، والخيط الذي مدته لهذا البطل لكي لا يضل طريق الدخول والعودة من ~~المتاهة التي هبط إليها لقتل الوحش أشهر من أن تذكر، وقد كانت ولا تزال ~~موضوع الإبداع الفني والأدبي والمسرحي والأوبرالي. وأخيرا فقد جعلت منه ~~الحكايات والخرافات أحد قضاة الأموات في ms154 العالم السفلي «هاديس». ولعل التاريخ ~~الموغل في القدم لهذا الملك الأسطوري هو الذي دفع بعض المؤرخين على الربط ~~بينه وبين الدين والطقوس برباط وثيق (كما فعل ديودوروس الصقلي في تاريخه ~~8745)، ولكن بعض الباحثين يرجحون على ضوء الحفريات التي تمت في كريت وزارتها ~~الشاعرة التي تتحدث عنها أن مينوس كان مجرد اسم ملكي على حكام العصر ~~البرونزي الذين تتابعوا على الجزيرة، وبذلك اختلفت الروايات المأثورة عنه، ~~ولكنها تؤكد على كل حال أن كريت كانت فيما قبل التاريخ (أي حوالي سنة 2500 ~~قبل الميلاد) قوة بحرية تهابها سائر بلاد الإغريق، والهيبة كما يعلم القارئ ~~لا تخلو من الحسد والحقد! أما «كنوسوس» التي تذكرها القصائد التالية فقد كانت ~~أهم مدن جزيرة كريت، وكان بها قصر الملك مينوس، أو مجموعة الملوك الذين حملوا ~~اسمه. وقد ازدهرت المدينة سنة ألف قبل الميلاد، حتى دمرها الزلزال، فاحترقت ~~وتخلت بعد ذلك بقرن من الزمان عن مجدها الحضاري لمدينة «ميكينة»، وقد كشفت ~~حفريات كريت - التي بدأت في القرن الثامن عشر ولا تزال مستمرة حتى اليوم - ~~أنها أقدم بؤرة للحضارة الأوروبية. ولعل زيارة هذه الشاعرة وإقبالها على ~~معايشة آثارها أن تكون تعبيرا عن حنينها وحنين الأدب الغربي الحديث للعودة ~~للمنبع والأصل، والبحث عن طريق الخلاص بعد أن وصل العقل الأوروبي إلى طريق ~~مسدود، لا مخرج منه إلا بالمعجزة أو بالموت الشامل، ولهذا يكثر تنقيب الشعراء ~~والفنانين والعلماء أيضا في أرض هذا العقل، والتفتيش في حفرياته وأعماقه عن ~~الرموز الأصلية والعلامات المنسية، وأما هيركولانيوم التي يرد ذكرها كذلك في ~~النص والتعليق، فهي مدينة رومانية قديمة في ولاية كامبانيا بإيطاليا، أحرقها ~~بركان «فيزوف» الذي ثار سنة 79 بعد الميلاد، وأغرقها تحت حممه، كما طمس معها ~~مدينتي يوستي وستابيا بالقرب من مدينة نابولي الحالية. وقد ربط التراث ~~الإغريقي بينها وبين البطل الأشهر هرقل، وبدأت الحفريات في الكشف عنها منذ ~~بداية القرن الثامن عشر عندما عثر أثناء حفر أحد الآبار على جدار تبين أنه ~~جزء من مسرحها القديم، ثم عثر فيها على عدد ms155 هائل من التماثيل والنقوش والأثاث ~~المنزلي والملابس ... إلخ، ووقع الباحثون في «فيلا البردي» على مجموعة ثمينة من ~~التحف الفنية من البرونز والرخام وأوراق بردي يونانية تزخر بنصوص فلسفية ~~مستوحاة من تراث المدرسة الأبيقورية. ولا تزال الحفائر مستمرة في هذه المدينة ~~البائسة الحظ، كما أن النصوص التي تلقي الضوء على شخصية أبيقور ومدرسته لم ~~تنشر كلها بعد، ولكن الحفائر قد كشفت على كل حال عن عدد كبير من معالمها ~~كالسوق، والمعابد، والحمامات والملاعب الرياضية، والبوابات والتماثيل ولوحات ~~الحائط ... إلخ، ولا بد أن الشاعرة التي رأت هذا كله رأي العين قد حاولت أن ~~تبعث بضميرها وصوتها الشعري وراء هذه الآثار لعلها تستشف المعنى الخالد وراء ~~حياة الإنسان وموته، وسر وجوده ومصيره، بل لعلها أن تكون قد ذهبت إلى أبعد من ~~التاريخ البشري وما قبل التاريخ لتلمس أسرار الحزن الكوني. ~~••• # تكشف القصائد التالية - على الرغم من عجز الترجمة وقصورها - عن بعض ~~الخصائص المميزة لبنية الشعر الأوروبي الحديث، وهي البنية الغربية التي بدأت ~~تتشكل على يد الشعراء الفرنسيين العظام - بودلير ورامبو ومالارميه - وما زالت ~~تتشكل في صور أغرب عند الشعراء المعاصرين. وربما كانت أهم عناصر هذه البنية ~~(مع الحذر من التعميم؛ إذ إن كل قصيدة بناء مستقل، مهما عكست مرآتها الصغيرة ~~معالم البناء المشترك) هي بوجه عام التشكيل الذي يكشف عن جهد عقلي وإرادي ~~مقصود، ولا يترك للإلهام وشطحات الوجدان سوى حيز ضئيل، التوتر والقلق اللذان ~~يعكسان تفتت الواقع الحديث وتمزقه وانقسامه على نفسه، اعتماد القصيدة على ~~الإيحاء لا على «التعبير» عن فكرة أو معنى محدد، وهي لهذا تشع في عقل كل ~~قارئ ووجدانه بإشعاعات مختلفة، تغير وظيفة الاستعارة والتشبيه والرمز نتيجة ~~التوسع إلى أقصى حد ممكن في استغلال طاقات اللغة والخيال والبعد عن مقاييس ~~المعقول والمستساغ التي كانت من قواعد الشعر الكلاسيكي - غربية وشرقية - وكأن ~~الشاعر الحديث يتعمد الإدهاش والإغراب إلى حد الصدمة، ويوغل في رحلة صيده ~~للمذهل والمستحيل، الإيجاز والاقتصاد في التعبير إلى الحد الذي تصبح معه ~~القصيدة مجموعة من الإشارات والإيماءات، ms156 ويوشك الشاعر أن يعبر بالصمت قبل ~~الكلام، وينقل صور الأشياء مجردة من الأفعال والصفات بقدر الإمكان، التخلي عن ~~النزعة الإنسانية - على حد تعبير الفيلسوف الإسباني أورتيجا إي جاسيت - أي ~~إلجام خيول العاطفة وأمواج الوجدان، وصبها في «معادلات موضوعية» من عالم ~~الأشياء وصور الموجودات المرئية والمحسوسة بدلا من الغرق في طوفان الذات ~~وحميا الانفعالات التي أصابت شعر العاطفة الرومانتيكي عندهم وعندنا بأفدح ~~الأضرار. البعد نتيجة لذلك عن سذاجة الانفعال إلى صرامة العقل، وبرودة ~~التشكيل، فالإلهام أو الوحي - كما يقول بول فاليري - قد يسعدنا بالبيت الأول، ~~أما بقية القصيدة، فتستلزم جهد الصنعة وتعب البناء، إعلان القطيعة مع التراث ~~اللغوي والشعري التقليدي إلى حد التهكم عليه، والسخرية من «مقدساته»، وقيمه ~~الجمالية رغبة في البدء من جديد، وإنكار وصاية الآباء، وإن كان هذا لا يمنع ~~من كثرة اللجوء إلى «تضمين» النصوص القديمة المعروفة أو الاستعانة بمصطلحات ~~العلم والطب - «غير الشعرية» في المفهوم البلاغي الكلاسيكي - إمعانا في ~~الإغراب وهدما للحواجز الفاصلة بين «الواقعي» و«الجميل»، مما يكشف اليوم عن ~~وجه الشاعر «العالم» أكثر من الشاعر «الموهوب»، الاعتماد على العين أكثر من ~~القلب، وكأن الشاعر - إن جاز التعبير - يكتب بعينه أكثر مما يغمس ريشته في ~~جراحه كما كان يزعم الشاعر القديم أو بعض شعرائنا حتى الآن، ونتيجة هذا أن ~~تتألف القصيدة من أشياء متجاورة تتحدث بنفسها دون تعليق من الشاعر ولا ثرثرة، ~~تلازم الشعر وفن الشعر، فالشاعر الحديث لا يكف عن تأمل عمليته الإبداعية ~~والبحث عن «فن شعري» جديد وغزو آفاق جديدة تؤكد فرحته بالمغامرة والمخاطرة ~~على سفن اللغة التي صار وحيدا معها، وصارت كنزه ومنجمه الوحيد، تصوير القبيح ~~والمقزز وعدم الاكتفاء بتصوير الجميل والسار، كما كان يريد القدماء (كان ~~الإغريق يفرضون عقوبة قد تصل إلى الموت على من يصور القبح خوفا من إفساد ~~الأخلاق العامة)، بحيث تكون مع الزمن علم جمال القبح الذي يعكس بشاعة الواقع ~~الحديث ويفضحه ويتمرد عليه، إلى آخر هذه العناصر التي شرحتها في موضع ~~آخر. ~~••• # إذا التفتنا الآن إلى هذه القصائد وجدناها ms157 تحمل بعض ملامح الجديد؛ لأن من ~~الطبيعي أن تردد أنفاسها نفس الهواء الذي تعيش صاحبتها فيه، وأن تعكس ملامحها ~~سمات التراث الثقافي الذي امتزج بدمها. فهي تضع الأشياء بجوار بعضها، كأنها ~~عدسة آلة تصوير كتوم. ولن يغيب عليك أن الأفعال فيها قليلة، والصفات شحيحة، ~~وأن الصور الساكنة لا تكاد تهتز أو تعكس حركة، وإنما توشك أن تكون تماثيل ~~سوتها وصقلتها يد نحات - بالكلمات. وهي لا تعلق على الصور بشيء، فكلماتها ~~نفسها تتحول إلى إشارات للأشياء، كما تقدم مفردات الطبيعة والوجود تاركة لك ~~استخلاص معانيها وعلاقاتها. إن القصيدة توحي ولا تتكلم، تشير ولا تثرثر، تشع ~~بإشعاعات تختلف باختلاف قرائها، بل واختلاف لحظات قراءتها، حمار مطرق، حقل ~~زيتون، بيوت ونافذة وكوكب الزهرة، درويش وقطة داخل كوة في جدار بيزنطي، إناء ~~فخار يدور دورة الحظ الأبدي - كما فعل قديما في يد صانع الفخار في كريت ~~وطيبة، وبابل وسبأ وبلاد العرب والفرس - ويلهمها كما ألهم الشاعر الشعبي ~~المجهول على مر العصور، فالحظ يتسرب منا في القرن العشرين كما تسرب من البشر ~~في القرن العشرين قبل الميلاد إلى حضن الأرض الأم التي جئنا منها ونعود إليها ~~نفس الحسرة، نفس الدورة، نفس العود الأبدي، ومن أدرى بها من شاعرة يحضر ~~أمامها الزمن في لحظة الحاضر السرمدي، اللحظة التي يضم قوسها المتوتر تجربة ~~ما قبل التاريخ وتجربة العصر الراهن في وقت واحد. فعين الشاعر ترى الأبدي، ~~ومملكته هي اللامتناهي، ولكنه يستخرجهما - كالساحر القديم الذي يستدعي ~~بتعاويذه قوى الأشياء، بل يطلق من كلماته نفسها قوى الفعل - من باطن الأشياء ~~والكائنات العابرة المتناهية المتنوعة الألوان حواليه. وكأن كلماته وأنغامه ~~وحدها قادرة على بعث الحقيقة الكامنة في الظواهر، واستحضار الخالد من داخل ~~الغشاء الفاني، وما أشبه صوته بصوت المسيح، وهو يدعو لعازر للنهوض من بين ~~الأموات. # لم تر الشاعرة إلا آثارا وحفريات وحطام مدن ومعابد وملاعب وأسواق، ولكن ~~لا بد أن خيالها قد رد الحياة إليها، واستعاد تجربة البشر الذين كانوا ذات ~~يوم يدبون فيها ويملئونها بضجيج أعمالهم وآمالهم وآلامهم ms158 وضحكاتهم ودموعهم. ~~وليس قلبها وحده هو الذي يعيش هذه التجارب من جديد، فظل المعابد التي أصبحت ~~فتاتا يفكر هو أيضا في حاله ويسأل: هل هذا القصر، وهو بيتي العامر، في ~~الزمن الغابر؟ نفس الحكاية القديمة حلم الإنسان بالخلود، يضنينا اليوم كما ~~أضنى أهل كريت قديما، لكن ها هو ذا يتمدد تحت الأرض، ماذا يتبقى إلا ~~الأحجار؟ - أهي رؤية عدمية متشائمة؟ - سيكون هذا التساؤل تفسيرا نفرضه على ~~النص. والنص نفسه ضنين وبلا طموح. يكفي أنه يثير في أنفسنا السؤال، أن تكون ~~كلماته حجرا يلقى في نهر حياتنا اللاهية. يكفي أن يوقظنا لحظة من كابوس ~~العبادة والتقليد والنسيان. # من الطبيعي أن تمد الشاعرة يدها - ~~كما يفعل زميلها في الغرب والشرق - إلى كنز الحكايات والحواديت والأساطير، ~~فقلبها الهرم بالحكمة لا يزال طفلا يعشق الحياة. يتجلى هذا في أجمل قصائدها ~~عن الأميرة «المينوية» الصغيرة. إنها تسألها عن المكان الذي كانت تلعب فيه ~~بين أكوام الحجارة، عن دميتها وكلبها الصغير، عن الحدوتة التي كانت تحكيها ~~لها مربيتها كل مساء. وهي لا تكتفي بهذا، بل تدخل معها في حوار، وتؤكد لها أن ~~الناس لا تزال تجوس في نفس الموضع الذي كان يضم فراش نومها، وفي عيونهم دموع ~~تشبه دموعها. نفس المأساة، ونفس القدر - فالحاضنة القديمة كانت تحكي لها ~~الحواديت اللطيفة عن الملوك والآلهة والأبطال الذين راحوا يغزون المستحيل. ~~والحاضنة الجديدة تحكي الحدوتة المروعة عن زمن الكوبلت والأسمنت، عن آلهة ~~العلم والمال وأبطال الصناعة والرعب الذين يحطمون أسرار الذرة، ويطلقون ~~شياطين الطاقة، ويبنون شواهق المسلح المتطاولة على السماء - أولم يتغير شيء؟ ~~أكل هذا «التقدم» عبث؟ ألا يزال الإنسان هو نفس الكائن الذي يخاف الموت ~~ويصنعه في نفس الوقت؟ وهل كشف التقدم عن وجهه الجدلي المظلم للشاعر الأوروبي ~~فلاذ بكهوف الماضي وطقوس الأجداد؟ وما السر وراء اليأس الكوني المر عند هذه ~~الشاعرة وكثير من زملائها الأوروبيين؟ (في الكون فراغ، ومحال أن يملأه شيء) ~~أهو السأم من عالم العقل والحساب والأنظمة والآلات والمحطات النووية وشعارات ~~الحرب والسلام والثورة والمستقبل ms159 والعلم المغرور الذي أشعل وقود حربين ~~عالميتين، وما يزال ينذر كل لحظة بالحريق الأكبر الذي يلتهم مدن البشر ويفحم ~~مجد حضارتهم البراق؟ أم نفذت الشاعرة إلى الأسباب «الواقعية» - الاقتصادية ~~والاجتماعية والتاريخية - التي تؤجج ضراوة التنين الغربي، الذي يريد أن يبتلع ~~العالم، ويستعد لغزو النظام الشمسي، ويؤكد كل يوم - حتى في تعاطفه وتعاونه ~~المزعوم - إصراره على قهر الشعوب الفقيرة وحرمانها من حقها في الكرامة ~~والحرية والحياة، وهو السبب الأول في قهرها وفقرها؟ يخيل إلي أن الشاعرة ~~بعيدة عن هذا الرأي الأخير. ومع ذلك لا أستطيع أن أقطع بشيء. والمهم على كل ~~حال أن ظاهرة العودة للماضي الكوني والبشري، والإهابة بالرموز والأساطير ~~والطقوس القديمة ظاهرة مشتركة بين شعراء الغرب المعاصرين، وهي كذلك قاسم ~~مشترك بين صفوة شعرائنا المجددين (لا بين المزيفين من أدعياء الشعر الجديد ~~الذين ظنوها استعراض عضلات ثقافي وبراعة حواة مبتدئين!) أهو في النهاية فرار ~~من وحدة الشاعر في عالم لم يعد فيه مكان للتواصل والحب والحوار والحقيقة ~~الحية، أم سعي للوحدة والانسجام بين أشلاء القبح والتمزق التي يتعثر فيها كل ~~يوم؟ أم أن الشاعر - وهو ضمير العصر المثقل ~~بالذنب - تدفعه مسئوليته التقليدية عن خضرة الأرض والحياة وتحقيق الوحدة ~~والجمال لأن يرفع صوته بالعودة للأصل والمنبع، ومحاولة البدء من جديد، وفضح ~~الأقنعة المعقدة التي حجبنا بها وجه الواقع؟ أسئلة لا تغني شيئا. فكلمات ~~الشاعر الحديث إيحاءات ونبوءات، وعليك وحدك أن تفض معانيها وتحسها كما تشاء! ~~والمهم أن الشاعرة تلتمس الدفء والبراءة والحب وسط خرائب كريت، بعيدا عن ~~خرائب أوروبا العجوز الواقعة في فك الحوت - حوت التقدم والشمول والصراع على ~~غزو العالم - أي على دماره. ~~••• # بقي أن أحدثك عن جانب من هذا الديوان لم أجد أنه يستحق النقل؛ لأنه في ~~رأيي يعبر عن وجهة نظر لا يمكن أن نقبلها نحن العرب مهما اختلفت مشاربنا. ولا ~~نستطيع أن نغفرها للشاعرة ولا لغيرها من المعاصرين لها مهما تسترت بثياب ~~فلسفية أو إنسانية. ذلك هو موقفها من الثورة. فهي تدينها وتسخر منها في عدد ms160 ~~كبير من قصائدها، وإن اتخذت هذا الموقف من برج عاجي يطل على مأساة الجنس ~~البشري. إن في إمكاننا بغير شك أن نفهم الحزن الكوني الذي ينبعث من صوتها ~~وأصوات عدد كبير من أبناء بلادها (مثل باول سيلان الذي انتحر منذ سنوات في ~~نهر السين، وجنترآيش الذي مات قبل عدة أعوام، والشاعرة العظيمة أنجبورج ~~باخمان التي ماتت هي الأخرى محترقة في فراشها، وكانت عبقرية حقة سطعت وخبت ~~بسرعة خاطفة في سماء الشعر الألماني)، # 2 # لكن الذي لن نفهمه أو نقبله منها أو منهم هو سخطهم على الثورة ~~بشكل مطلق، وإدانتهم للثوار، على نحو ما فعلت مع ثائر كبير غير وجه الأرض ~~التي نعيش عليها، وهو ماو تسي تونج. ولا يقلل من هذا - كما كتبت إلي ردا ~~على استفسارات وجهتها لها - أنها تؤمن باشتراكية روحية يعيش البشر في ظلها ~~إخوة متحابين، وأنها تعتبر المادية وهما كبيرا. فنحن لا نستطيع أن نستغني ~~عن الإيمان بالاشتراكية، وما زلنا مطالبين أمام شعوبنا ومشكلاتنا الضارية ~~باشتراكية علمية وإنسانية نطبعها بخاتم شخصيتنا وقيمنا وتراثنا. ونحن في ~~واقعنا العربي المتخلف أحوج ما نكون إلى الوعي الثوري، وشعراؤنا الذين سيكتب ~~لهم البقاء ثوار حقيقيون. وإذا كانت الشاعرة الغربية قد يئست من رعب الثورات ~~الحديثة، وإخفاقها في التطبيق، فإن الشاعر العربي لا يملك ترف اليأس من تخبط ~~ثوراته الحديثة، ولا بد أن يرفع صوته لتقويمها وإبقاء جذوتها متأججة، والصمود ~~على سفينتها مع البحارة الشجعان مهما تهددها الغرق أو داهمها القراصنة ~~واللصوص، حتى تبلغ بر الحرية والديمقراطية والعدل. إنه يعلم أن الأتون الوحيد ~~الذي يطهرنا من التخلف، ويخلصنا من الجمود، ويقوينا على تأكيد هويتنا، وتحدي ~~أعدائنا في الداخل والخارج. ولذلك فهو يغنيها بوقود متجدد من أنفاسه وكلماته ~~المحترقة. ولو تخلى عن مهمته لأصبح مضحكا في بلاط الأمير أو متسولا على ~~باب الوزير والسلطان، وهو دور خلعه الشاعر العربي الجديد إلى الأبد، ورفض أن ~~يرثه من تركة الآباء والأجداد. وإذا كانت الشاعرة الغربية تنفض يدها من ~~عالمها الحاضر، وتفر إلى خرائب الماضي، ms161 فقد نلتمس لها بعض العذر، وقد يكون ~~فرارها نفسه نوعا من الاحتجاج، ولكن هذا بالنسبة إلينا ترف لا نقدر عليه، ~~ونحن نواجه مشكلات تحتم علينا أن نقرر هل نوجد أو لا نوجد. وسيكون على كل من ~~يحمل القلم في بلادنا أن يكون مع الثورية بلا تردد؛ لأنها هي الطريق الوحيد ~~في معركة التحدي والبقاء. # إن الشاعرة وهي في هذا تشترك كما قلت مع غيرها من الأصوات لا تقف عند ~~إدانة الثورة، بل تصرح بتعبها وعجزها عنها: «هل نمضي أم نتوقف، نبني أن ننظر، ~~نعرق أم نجلس، ونحارب أم نخلد للنوم؟ زعيم الثورة يسأل: أيهما أفضل؟ مخترع ~~الثورة يسأل: ماذا نفعل؟ والساخر يعجب ويقول: أيهما أجمل؟» والسؤال لا معنى ~~له أصلا في حياتنا؛ إذ لا بديل لنا عن اختيار الطرف الأول في هذه الثنائية ~~الفاسدة. وهي تتهكم من شعارات الثورة التي تطمح لتغيير الإنسان ليصبح غير ما ~~هو عليه، بينما «الحياة» مستمرة بعد الثورة كما كانت قبلها (وهو موقف تجريدي ~~يصدر عن حكمة متعالية على آلام أمثالنا): «مساء - أنت الأنت الأخرى، وبأكوام ~~الكتب تغطي السجادة، وسريعا سوف تنام - مع النجباء، ومع البلهاء، والثورة لن ~~توقف زحف الليل - فسيأتي ليل آخر بعد الثورة، وستأتي معه الأحزان، ويأتي صبح ~~آخر شاحب، وسكون فناء خلقي، حتى بعد الثورة ستكون حياة.» فهل يرضي الشاعرة أن ~~تتخلى الشعوب المقهورة عن ثوريتها لتنام إلى الأبد مع البلهاء؟ هل خطر على ~~بالها أن بعض أسباب القهر والفقر قد صدرت ولا تزال تصدر من ورثة حضارتها ~~الكريتية والأفريقية والرومانية؟ إننا لا نستطيع أن نوافقها على نقدها للثورة ~~في مثل هذه الأبيات التي ترددها؛ لأن دوافع الثورة وأهدافها عندنا مختلفة ~~تمام الاختلاف: «ما هي حقيقة الثورة؟ كلمة فارغة، شيء رائع مجنون، شيء يفقد ~~الآلاف رءوسهم من أجله، ويجعل الآلاف يضعون رءوسهم في الرمال، شيء يتسرب أغلب ~~الأحوال في الرمال، الثورة أسلوب حياة، سبب من أسباب الموت.» أجل هي كذلك، ~~أسلوب حياة لا غنى لنا عنه، وسبب من أسباب الموت والحياة ms162 أيضا، ولن نستطيع ~~أن ننظر إليها من قمة برج ميتافيزيقي مجرد. وإذا كان التجمد العقيدي أو ~~الإرهاب الفكري والبوليسي قد خنق الثورية في بعض بلاد العالم، فإن هذا الخطر ~~الذي لم تنج منه الثورات الحديثة لا يمكن أن يزهدنا في ضرورة الثورة نفسها ~~بعيدا عن التجمد والإرهاب الذي ترفضه طباعنا ويأباه تراثنا. تقول الشاعرة ~~على لسان أحد أعضاء «اللجنة»: «الثورة ستقوم بتوزيع الخبز بالعدل، لكن هل ~~يمكنها في الليل، أن تشفي أوجاع الوحدة والعجز؟» والجواب من القارئ غير ~~الغربي بسيط: وهل يمكن للشلل والتخلف والجمود أن تشفينا منها؟! إنها تظن أنها ~~تعبر عن المواطن الصغير المجهول الذي يقف حائرا لا يدري ما يعمل لكي يكون ~~ثائرا، هل يواصل حياته أم يدين هذه الحياة أم يموت من الضحك عليها، هل تخرج ~~للطرقات وتضع الأسلاك الشائكة على القضبان؟ هل نبني التحصينات؟ أم نمضي في ~~سبيل العيش كما كنا نفعل حتى الآن، أم نضحك حتى تقتلنا الضحكات؟ «ولكن ~~الثورة - وهي تقصد بالطبع تجارب لا تلزمنا - تجيب على هذا المواطن المجهول ~~الحائر بلا تردد: «لا، هذا هو ما تعلنه الثورة، لا شيء سواه، أما الباقي ~~فسنعلنه فيما بعد».» ولا شك أن هذا المواطن يختلف موقفه عن مواطن آخر يواجه ~~الاضطهاد والفقر والقهر والعدوان الصهيوني وغفلة ضمير العالم وصممه ونفاقه. ~~ويبلغ الشك عند الشاعرة ذروته في هذه السطور الفظيعة التي تذكرنا طريقة ~~كتابتها بما يسمى اليوم بالشعر المجسم: «ملايين الأقدام المتجمدة والأجساد ~~المدماة وملايين ملايين العيون المصابة بالعمى والجلود المتفجرة وملايين ~~ملايين الأطفال الجوعى والحيوانات الممزقة، ملايين المتجمدين من البرد ~~الغارقين في الدماء المصابين بالعمى المتفجرين الجائعين الممزقين، ملايين ~~الحيوانات الأطفال البيوت العيون والأجساد الأقدام المسحوقة التي تسحق كلها ~~خطى الهامس.» ولا يملك القارئ العربي لهذه السطور (التي يقدر صدقها من وجهة ~~نظرها وظروف بلادها) إلا أن يسألها: وملايين اللاجئين؟! ~~••• # هذه على كل حال نماذج من الشعر الغربي المعاصر، ليست بأفضل نماذجه ولا هي ~~كذلك من شاعرة عبقرية أو ذائعة الصيت، ولكنني دخلت معها في ms163 حوار؛ لأنها تردد ~~نغمة مشتركة في نماذج غربية عديدة. وإذا استطعنا أن نتذوق بعض قصائدها ~~ونعجب به، فإن علينا أن نحاذر من بعضها الآخر، ونتمسك إزاءه بحريتنا ~~وقدرتنا على النقد. # ذات ليلة ... في الزمان # قصائد من كريت # خزف (1) # نثار ركام، # ونثار كلام، # إطراق حمار، # حقل الزيتون سلام، # هذا ما تعطيك اليوم # ساعة نجم. # خزف (2) # لو كنا أخلصنا الجهد وسوينا الفخار # كما فعل القدماء # لوجدنا أوعية تكفي # لاستيعاب الحظ المقسوم من الأقدار # بينا نجلس محنيين # وفي أيدينا شقفة طين # تلتف تدور، # يتسرب منا الحظ المقدور # خلف الظهر # في جوف الأرض المكنون. # باخيا أموس # 3 # ستة بيوت أو خمسة، # نافذة يتحدر منها الضوء، # ينعكس عليها ظل البطل # الجالس في كرسيه، # البطلة تحمل كأسا # تمتد ذراعه ~~- في آخرها تتوهج عين السيجارة - # وتحاول أن تلمسها ~~••• # خلف الأسطح # في الجهة الأخرى # تنزلق الزهرة، # خلف حواف الجبل المسنون # وبقية سطح العالم # يظلم في إبطاء. # حلم الخبز # في الحلم # رأيت الدجال ~~- المسخ الأعور - # يغويني، # الصخرة كانت منذ القدم # بلون الخبز # فصارت خبزا، # فوق الصخر # على المنحدر # استلقيت # على جنبي الأيمن؛ # لأن الصخر # عندئذ صار # الجنب الأيمن # خبزا # بينا بقي الأيسر # إنسانا. # واستيقظت. # كاتو زاكروس # 4 # فتات معابد # في فم حوت # تعوم كريت # نحو الشرق، # إن هل الصبح # شهقت في الصدر # ريح الأنفاس، # تنساب الشمس # بين الأسنان # من قلب كريت، # يمتد لسان # ترعى الأغنام، # يصعد إنسان # يلهث عطشان # يسعى للظل # والظل يفكر: # هل هذا القصر # هو بيتي العامر # في الزمن الغابر # لما أن غبنا # في جوف الحوت؟ # كاتو زاكروس، # ماذا يتبقى # إلا الأحجار # تسحقها سحقا # قدم الأقدار؟ # أميرة مينوية صغيرة # 5 # أميرتي الصغيرة، # أين كنت # بين أكوام الحجارة؟ # أين كان ملعبك؟ # هل كنت تملكين دمية؟ # وهل ربطت في هذا العمود جروا # هذا العمود الأخرس # المرتفع الآن قليلا # فوق سطح الأرض # يستثير حزن عالم الآثار؟ # وما الذي صنعت # حين أطلقوا النيران؟ # هل أرسلوك للمنام؟ # هل حكت لك المربية # حكاية من سالف العصور والأوان # من زمن الحجارة القديم؟ # في سالف ms164 الزمان # لم يكن الإنسان # قد زرع السفوح والوديان # واكتشف الإنسان أن الشاة # تذهب حيث شاءت الرعاة # وأنها طيبة، وتعشق السلام والحياة # ترى أكانت أمك المليكة # تحنو عليك # أو تهديك قبلة المساء # حين تعود من مذبحة الثيران # وحفلة الطقوس والقربان # أم عذبتكم هذه الأفكار ~~- وما تزال تملأ الأسفار - # عن حكمة التراث والأيام # والفلسفة القديمة؟ # ماذا ترى كنت تقولين # أميرتي الصغيرة المروعة # بعد مرور هذه السنين # وهي تعد بالألوف أربعة # وبعد حيرة الفؤاد والضمير # عن غاية الإنسان والمصير # إذا عرفت أن الناس لا تزال # تجوس بالأقدام فوق موضع يقال # بأنه كان قديما مهجعك # بأعين مبتلة # بالأدمع التي تشبه أدمعك؟ # أميرتي الصغيرة # إني أنا الحاضنة الجديدة # أروي لك الحدوتة المثيرة # عن طريق المستقبل البعيدة # حدوتة من زمن الأسمنت # أو زمن الذرة والكوبلت # وصدقيني يا أميرتي # فسوف تدهشين # أن كلينا ميت # ولن يقاوم # هذا هو السر الذي # يعقد بيننا عرى التفاهم # فلتحرصي هذا المساء # أن تكوني عاقلة! # خزف (3) # ينهر اليوم # ورق الزيتون # من فوق الصخر # آذان حمير # تهرب في ذعر # ومياه البحر # تتبخر من # حلق الأسماك # ونساء الدير # يبذرن الحب # والحب غبار # في الكون فراغ، # ومحال أن # يملأه شيء. # جزيرة التمساح # 6 # نيزوس ديا # تمساح يحرس # أمنيسوس # عبثا قد غادر # مينوس قصره # ثيزوس ديا # تمساح يختلس النظرات # إلى ماليا # لكن الوقت # قد مر وفات # سار بيدون، # انقرض ومات، # نيزوس ديا # طيور النورس # تبني الأعشاش # فوق الصخر # الصخر الأخرس # عوليس عاد # للوطن الأم # ألقاه أليم # من زمن باد # حديث درويش وقطة يسكنان # كوة في حائط بيزنطي في حي من # أحياء مدينة كانكور تازان ~~- يا قطة فيم الفكر؟ ~~- فيم تفكر يا درويش؟ ~~- يا قطة إني جائع. ~~- وأنا جائعة يا درويش. ~~- يا قطة نزل المطر علين.ا ~~- أنا لن أهرب يا درويش. ~~- الله كبير يا قطة. ~~- يا درويش مخدتك ستبتل. ~~- أترانا موجودين؟ ~~- محتمل يا درويش. ~~- دافئة يا قطة أنت. ~~- يدك كقطعة جلد يا درويش. ~~- يا قطة جلدك يشبه لمسة كف الله. ~~- من يدري إن كان الله تعالى نمرا ms165 يا درويش. # تغيير في البرنامج # أردت أن أبني رفا للكتب # لكنني بنيت بيت شعر # فيه مكان لمئات الكتب. # سارة # 7 # عندما يأخذني الفكر لسارة، # تصبح الأحجار أحجارا نفيسة، # والرجال # نبلاء طيبين. # ربما لم تك إلا امرأة مثلي، ولكن # طالما أني لا أعرفها # فالذي يكسو ظهور القطط الحلوة # في حجرتها جلد مفضض، # والذي يسكن في الموقد تنين مذهب، # إنه يصلح كراساتها # وعلى الأسطر يذرو الرمل # والرمل مشع كالشهب # بينما تصنع شايا # مثلما أفعل بعد الظهر # في يوم رتيب. # يوم بلا شعر # تغفو الورقة # الجمل عنيدة # تنثر ملحا # تصغي لحديث في استرخاء # تصلح وضع النظارة # تتطلع نحو البحر # ما زال البحر هو البحر # وعلى بالك # يخطر شيء # شيء فيه جديد بكر # لكن ما أكثر من قالوه # ومن كتبوه؟ # الورقة لا زالت تغفو # بيضاء مدببة الطرف # تنتظر - كما ينتظر - الضيف # 8 # النهاية # أقرب مما تتصور # تتلوى تحت خيوط السجاد، # تدهم أحد الجيران، # يجلس غير بعيد عنك # بين ثلاثة جدران # يلتهم الخبز الممزوج بقطعة جبن # تدهمه فجأة # ضوضاء في منطقة القلب # تشكل حراك الأسنان # كان بإمكانك أن تتفاهم معه # حول الشمس وقيمتها ~~- لا حول الفكر وقيمته - # إذ إنك أيضا تعرف لغة البطن # وكان كذلك بالإمكان # أن تأكل نفس الخبز الممزوج بقطع الجبن # لكن الرجل المجهول # كان يقول: # كل الأشياء سواء # وليأت القدر بما شاء # أما أنت فتعني شيئا آخر: # الآتي أفضل مما كان # ولهذا فالأفضل لي # أن أمسك هذي الورقة بين يدي # لكي أقرأها في إمعان # هذا رأيك لكن # هل هو حقا # أفضل ما في الإمكان؟ # غسق # اقرأ لي حدوتة # ابق معي، عاوني # في تأويل كتاب الليل # واقلب صفحات الغاب # اقرأ لي أسرار الأحرف في الأخشاب # أسمعني أخبار الريح # العملاق، # البطل المنتصر الغلاب # سأضيء برفق # شمعة هذا القمر # وراء التيجان # اقرأ تحت الضوء # اقرأ دربي # سافر مع سطر الريح # إلى نقطة عش # اقرأ لي حدوتة. # صلواتك # صلواتك! # صلوات سنابل قمح للأمطار، # صلوات الموقد يتضرع أن تحرقه النار، # صلوات الخبز ليهضم في الأحشاء، # صلوات السمك ms166 الجائع لصفاء الماء، # صلوات الماء الحالم بالأسماك، # صلوات التائه في الغيبوبة للأنفاس، # والأنفاس إلى التائه في الغيبوبة # صلوات القيد إلى السجان؛ # ليفك قيود الإنسان # ذات ليلة ... في الزمان # ذات ليلة # في الزمان # بعد أن تمضي الحياة # بعد كل الظلمات الكالحة # والظهيرات المخيفة # ذات ليلة # في سنا الضوء الحنون # عندما لا تخجل الأرض الرءوم # من خطاياها الصغيرة # حين لا تزفر بالريح العنيفة # لا ولا تغرق في الوحل السنابل # حين لا تقصف أشجار الفواكه # بالبرد، # ذات ليلة # عندما تغفو الأعاصير # مع الأسماك في البحر # بأحضان السلام # ويرى قرص القمر # وهو ينمو في سكون # ويسوي شعره الماء على سطح البحار # عندها تصحو وأصحو # لحظة خالدة مثل الأبد # أنت ما بين يدي # وأنا بين يديك # تتلاقى نظرات في العيون # ذات ليلة # في الزمان # عندما تبدأ في صمت حياتي وحياتك # دورة أخرى جديدة # في المسافات البعيدة ... ~~(1979م) # اللحظة الخالدة ... والحاضر السرمدي ~~«الزمن الماضي والزمن الآتي # لا يتيحان إلا القليل من الوعي # أن تكون واعيا هو ألا تكون في الزمان # لكن في الزمن وحده يمكن للحظة في حديقة الورد # ولحظة التعريشة التي ينقر عليها المطر، # واللحظة في الكنيسة التي يسري فيها # تيار الريح عند سقوط الدخان # أن يتذكرها المرء متضمنة الماضي والآتي # عبر الزمن وحده ينتصر على الزمن # فقهر الزمان لا يكون إلا خلال الزمان # الحاضر والماضي # ربما كان حاضرا في المستقبل، # وربما كان المستقبل طي الماضي. # لو كان الزمان كله حاضرا سرمديا # لما أمكن استرداد كل الزمان # ألا إن ما كان يمكن حدوثه لتجريد # يبقى بمثابة الإمكان الدائم # في عالم من التأمل دون سواه. # ألا إن ما كان يمكن حدوثه وما قد حدث فعلا # ليشيران إلى غاية واحدة # هي حاضر سرمدي ...» # ت. س. إليوت # 9 ~~••• # ما هو لغز الحاضر الذي حير عقل الإنسان وقلبه، منذ أن عاش بين الطقوس ~~والأساطير إلى أن أطلق مركبات الفضاء؟ كيف واجه سره الذي يتسرب منه كما ~~يتسرب الماء من بين كفيه، وكما يفلت الهواء إذا حاول القبض عليه؟! # إنه ms167 يشعر في حياته وتجربته اليومية أن الزمن موجود. فمن منا لا يذكر ~~ماضيه ويحن إليه؟! من منا لا يحلم بمستقبله ويخطط له؟! # مع ذلك فهو دائم القلق من زواله، دائم البكاء على ضياع عمره ومجده، ~~والشكوى من عبث كفاحه وتعبه. لو أرهفنا السمع قليلا، فربما هزتنا الأنات ~~الآتية من أناشيد المغني الفرعوني الأعمى على قيثارته، وزفرات أيوب في ~~العهد القديم ومن قبله «أيوب البابلي» المبتلى ظلما في الألواح الأربعة ~~التي حملت شكواه وعرفت باسم «لدلول بيل نيميقي»، سأمجد رب الحكمة، وحسرات ~~سليمان وداود في المزامير، وبكائيات الشاعر الجاهلي على أطلال الأحباب، ~~وأناشيد الجوقة في المسرح الإغريقي، ودعوة هوراس «اقطف يومك»، ونقوش ~~المقابر والمعابد، وربما انتهت إلينا لعنات أبي العلاء التي صبها على ~~الزمان، مختلطة بآهات «الخيام» و«دانتي» و«ليوباردي» و«هلدرلين» ~~و«إليوت». # والإنسان يحاول منذ القدم أن يستمهل هذا الضيف العزيز الذي لا يزورنا ~~إلا لكي يودعنا، كما يحاول أن يعرف طبيعته، ويحدد موقعه بين ضيف سبقه ولن ~~يعود، وضيف سيأتي بعده ولن يقيم. # من منا لا يرثي أو يضحك للجهود التي بذلها المفكرون والفلاسفة ~~لاصطياد اللحظة الحاضرة التي نحياها ولا نمسك بها، ونحاول قياسها وتحديدها ~~فتفلت منا، وتسرع بها دورة الفلك وعقارب الساعة كالشبح الهارب، بينما ~~تدوم وتتمدد في أعماق الشعور، حتى توشك أن تضم «الأزل والأبد» في ومضة ~~واحدة؟ # من منا لا يحن لهذه اللحظة المواتية العابرة التي دعا أحد حكماء ~~اليونان السبعة «بيتاكوس» لمعرفة قيمتها، والقبض على خصلات شعرها الذهبية ~~المتدلية من جبينها قبل أن تعبر بنا، ونحاول بعد ذلك أن نجري وراءها ~~لنوقفها، فإذا هي صلعاء الرأس من الخلف. # 10 # ومن منا لا يؤثر عليه سعى «فاوست» الدائب إلى لحظة الخلود التي ~~يستريح على صدرها حين يتحد بالمنبع الخالد؟ من منا لا يتعاطف معه وهو ~~يراه يجد في البحث عنها في لحظة «الحب» أو «المجد» أو «العمل النافع لشعب ~~حر على أرض حرة»، فإذا به يتعثر في هاوية الخطيئة أو يسقط في حفرة الندم، ~~بينما يتردد هتافه بها: ms168 ~~«تريثي قليلا فما أجملك؟!» # ثم من منا لم يعش مع محاولات الفلاسفة لتثبيتها أو ~~إنكارها؟! من منا لم يدهش لمفارقات «زينون» الإيلي العنيدة التي تلغي ~~الزمان والحركة لتثبت الأبدية؟ ومن منا لا يعجب لتساؤلات «أفلاطون» عن ~~«الآن» وجهود «أرسطو» لتحديدها، وجعلها وحدة قياس الزمان، وحيرة «أوغسطين» ~~أمام سرها حتى هداه الله إلى أنها «توتر النفس التي تستجمع الماضي وتتأهب ~~للمستقبل» و«مواقف المتصوفة» ومواجدهم وأشواقهم إلى جعلها بيت السرمدية، ~~واكتشاف «ديكارت» لضوئها الخاطف وفعلها الحدسي في يقين «الأنا»، وكل يقين ~~مترتب عليه، وفي فعل الخلق والحفظ الإلهي المتصل للطبيعة والإنسان! # ومن منا لم يهزه جدل «كيركيجارد» المعذب، وهو يفتش عنها داخل الزمان، ~~فإذا بها لا «تتكرر» إلا في «الأبدية»، وإلهام «نيتشه» المحير بلحظة «العود ~~الأبدي» التي صعد معها فكره إلى القمة الخطرة، ووجد عندها السلام ~~والطمأنينة في «حب القدر»، وقلق «هيدجر» الذي وجدها في لحظة التصميم على ~~مفترق الطرق إلى تحقيق الوجود الأصيل، وجمع فيها بين ماض كناه وعلينا أن ~~نكرره فيها، ومستقبل علينا أن نصر عليه ونحققه فنحقق ذواتنا معه في وجه ~~الموت المتربص المحتوم؟! # كلنا يحس سر الزمن. قد لا نتمكن من التعبير عنه، ولكنا نحس بزمانيتنا ~~في كل قول وكل تجربة وكل موقف نمر به. فالزمن قدرنا، والزمن أملنا ويأسنا. ~~وتجربة الإنسان بزمانيته هي تجربته الحزينة بزواله وانقضائه وتناهيه. ~~فالزمان نهر متدفق أبدا يجرف كل أبنائه معه، وشكوى الإنسان من الزمان شكوى ~~أزلية، وأغلب الظن أنها ستبقى شكوى أبدية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن ~~تسجل شواهد التاريخ والحضارة والدين والفكر والأدب هذه الشكوى المرة في صور ~~مختلفة. # لم يكن البحث في سر الزمان عند مفكري اليونان قضية تفلسف مجرد، بل ~~شعورا مأساويا ودينيا عميقا ترددت فيه أصداء الشكوى القديمة ~~المتجددة. وإلا فما الذي دفع «أنكسماندر» في شذرته الوحيدة الباقية إلى ~~القول بأن الأشياء ينبغي أن ترجع لأصلها، وأن تكفر عن ذنبها وفقا لنظام ~~الزمان؟! وما الذي دفع «زينون» الإيلي لإلغاء الزمان ومعه التغير ~~والصيرورة؟ ألم يكن هو ms169 البحث عن ملجأ ثابت يتيح للإنسان السكينة في حضن ~~الأبدية، وتجربة العناق بين الفكر والوجود الذي علمته الربة المجهولة ~~«أستاذة أستاذه بارمنيدز» أنهما متساويان وثابتان؟ # وما الذي جعل «أفلاطون» يقول: «إن الزمان هو صورة الأزل» # 11 # إن لم يكن هو الفزع من الزمان؟! ثم ما الذي دفع أرسطو - ~~والمفكرين من بعده حتى «برجسون» - إلى «تمكين» الزمن وقياسه، إلا أن يكون ~~هو الخوف من عضة نابه، والسعي إلى قيمة أخرى ترتفع فوقه كالفكر الثابت الذي ~~يفكر في نفسه أو الأبد الساكن الذي يتعزى الإنسان به ويأمل فيه. # إن صرخة «باسكال» التي ترددت في «خواطره»، # 12 # ستظل تطرق أبواب قلوبنا بشدة: ~~«أرى هذا الفضاء الكوني المخيف الذي يحط بي، وأجد نفسي مقيدا بركن ~~من هذا الامتداد الهائل، دون أن أعرف لماذا وضعت في هذا الموضع دون ~~سواه، ولا لماذا حددت هذه الفترة الزمنية القصيرة التي قدر لي أن ~~أعيشها في هذه النقطة بعينها لا في نقطة غيرها من الأزلية التي سبقتني ~~أو الأبدية التي ستأتي بعدي. # لست أرى من كل ناحية إلا هذه اللانهايات التي تحبسني، وكأنني ذرة ~~وظل لا يدوم إلا لحظة واحدة بلا عودة.» # وإن «كانط» ليقدم الزمان على المكان، فيصف الأول بأنه الشرط الصوري ~~القبلي لجميع الظواهر بوجه عام، وهذا عكس المكان المقصود على الظواهر ~~الخارجية وحدها، # 13 # كما يحمل أحد الكتب المؤثرة على الفكر المعاصر هذا العنوان ~~المهم: «الوجود والزمان». ومع أن مشكلة المكان قد لا تقل أهمية عن مشكلة ~~الزمان، بل ربما كانت أشمل منها وأقدر على إلقاء الضوء على طبيعة الإنسان ~~وماهيته التي تعلو على المكان والزمان جميعا، وإن ظلت أسيرة لها، # 14 # على الرغم من هذا كله فإن الحديث عن الزمنية كان على الدوام هو ~~الحديث عن تناهي الإنسان الذي يظهر في صورته الحادة في زمانيته المنطوية ~~على فنائه وزواله وموته. ولهذا كان التفكير في الإنسان من حيث هو كائن فان ~~أو «مائت» مساويا للتفكير فيه من جهة الزمان وفي أفق الزمان. ولهذا أيضا ~~كثر ms170 الحديث في الفكر المعاصر عن كون الإنسان ملقى أو مقذوفا به في هذا ~~العالم، أي في مكان وزمن محددين كل التحديد. وهو يعيش فيه - وهذا هو أوضح ~~تعبير وأقساه عن تناهيه - دون أن يدري لماذا يحيا في هذا الزمن لا في زمن ~~آخر. ولقد عبر «بسكال» في ختام القطعة السابقة عن هذا أقوى تعبير حين ~~أنهاها بقوله: «بلا عودة» معبرا بذلك عن واحدية البعد الزمني، وأن اتجاهه ~~لا يقبل أن يعكس. فالإنسان يشبه ظلا لا يدوم إلا لحظة واحدة، بلا ~~عودة. # إن السر الأول للزمان هو أنه ~~يلتهم كل ما فيه ويلقي به في قبره الذي لا يشبع. ولهذا ارتبط الزمان ~~بالزوال والانقضاء. فالماضي لم يعد له وجود، والمستقبل لم يكن بعد، وإذا ~~أقبل فسرعان ما يتحول إلى ماض. والماضي والمستقبل كلاهما لا وجود لهما في ~~وجدان الإنسان، إلا من حيث هما حاضر، أي في تذكر الماضي وتوقع المستقبل. ~~أما الحاضر فلا وجود له في تجربتنا اليومية. كلما مددنا أيدينا للتشبث به، ~~تسربت منها حبات رمال الزمن (أو «آناته»). وكلما حاولنا أن نمد في أجل هذه ~~اللحظة الخالية من الامتداد - في لحظات الصفاء والحب والأنس، أو في لحظات ~~الرعب واليأس - روعتنا الحقيقة المحتومة التي تقول إن كل مستقبل يصبح فيها ~~ماضيا، وأن حاضرها حد وهمي أرق ملمسا من الحد الفاصل بين نقطة البحر ~~والنقطة التي تليها، أو نسمة الريح والنسمة الرفافة في ذيلها ... # ولهذا ربما عذرنا «أرسطو» الذي أغاظه «الآن»، فأخرجه من الزمان؛ ليجعله ~~وحدة قياسه ... # أنعيش إذا بلا حاضر على الإطلاق؟ أتكون حياتنا حلما؟ أنخطو على ~~الطريق بلا أرض نقف عليها؟! أتكون حياتنا حياة الأسرى المغلولين الذين ~~يتعثرون في الهاوية باستمرار؟! # أكتب علينا الزوال والانقضاء في كل لحظة من لحظات مدتنا المحدودة، بلا ~~عودة ولا سبيل للرجوع؟! # أهذه هي نهاية المطاف في تفكيرنا في الإنسان؟! ألا يبقى أمامنا إلا ~~الاستسلام للبكاء أو الوثوب فوق جواد الزمن إلى حظيرة «الأبدية» لنلتمس ~~فيها الخلود والبقاء، ونجفف على صدرها دموع السفر والشقاء، ms171 أو نتعلل ~~بالسعادة والهناء؟ # هنا نبلغ باب السر الثاني للزمن. فنحن زمانيون، ولا نملك الهروب من ~~الزمان ولا المكان، # 15 # ولكننا في نفس الوقت لا زمانيون، لا بمعنى الخروج من الزمن - ~~كما نرى في لا زمانية القوانين المنطقية مثلا - ولكن بمعنى أن الزمن هو ~~المرآة التي نرى عليها السرمدية ... فنحن قادرون على المشاركة فيما فوق ~~الزمن، أي في السرمدية ولو للحظات كالبرق الخاطف. ومفهوم السرمدية شيء ~~مختلف عن الزمانية، كما يختلف عن الديمومة الزمانية اللامتناهية ويتفوق ~~عليها. والأولى بنا أن نفكر في الزمان من جهة السرمدية لا أن نفكر في ~~السرمدية من جهة الزمان. إن علاقة السرمدية بالزمان لا يمكن أن تتصور ~~تصورا زمانيا؛ لأنها ترتفع فوق الزمان وتشمله بصورة ما. # وسر الزمن الثاني هو قدرته أن يتلقى السرمدية فيه. وما دام الإنسان ~~بطبعه كائنا زمانيا، فإنه سيكون كذلك قادرا على المشاركة في الأبد ~~والسرمد، بل ربما كان من واجبه أن يسعى إلى هذه المشاركة حتى يكون إنسانا ~~بحق ... ولهذا يمكننا القول إن شوكة فنائنا هي خلودنا؛ لأن الشيء الفاني لن ~~يؤلمه فناؤه، ولأن ما يمكنه أن يحيا فقط، سيمكنه أن يموت فقط. أما من يشعر ~~أن كل شيء لا بد أن يفنى ذات يوم، فإن شعوره هذا يرفعه فوق ذاته وفوق الكل. ~~كل شيء سينقضي ويزول أنا وأنت وكل ما يحيط بنا، ولكن فيك وفي شيئا ~~يزيد عن الكل، ويختلف عنه، وإلا ما عرفنا عنه شيئا ... # ولكن بأي معنى نفهم قدرة الزمن على تلقي السرمدية ونفاذها فيه؟ بمعنى ~~أننا بغير هذه القدرة لن نجد أرضا نقف عليها، وأننا ونحن نندفع في مجرى ~~الزمان نفسه لن نجد الحاضر الحق، الحاضر الخالص الذي يهوي إلى وادي الماضي ~~بمجرد وصوله من قمة جبل المستقبل. # إن الحاضر واقع نحياه دون أن ننتبه إليه - في لحظات سنتحدث عنها بعد ~~قليل - ونحن نحياه في مجرى الزمن وفوق الزمن؛ لأن السرمدية تنفذ في الزمن، ~~وتضفي عليه الحضور. كما أن الإنسان يمكنه، بل يجب عليه أن يستحضرها ms172 فيه. ~~فالسرمدية حاضرة دائما، وهي سبب إحساسنا بالحاضر على الإطلاق. لولاها ما ~~أمكننا أن نقول «الآن»، فهي التي ترفع الآن فوق مجرى الزمن العابر. # 16 # ونحن لا نقصد هذا بالمعنى الديني والصوفي وحده، بل نقصده ~~بالمعنى الفلسفي والحياتي؛ إذ يكفي أن نستغرق في الصلاة لحظات لنحسه، يكفي ~~أن نطالع ما يقوله الكتاب الكريم عن الدار الآخرة، وما يقوله الإنجيل ~~الرابع عن الأبدية، وما يشكو به المزمور التسعون (بالغداة كعشب يزول، ~~بالغداة يزهر فيزول، عند المساء يجز فييبس) من زوال بني آدم إذا قورنت ~~حياتهم بأبدية الله. # يكفي هذا كله لنعرف السرمدية والأبدية، «فألف سنة عنده كيوم أمس» هي ~~التي تعطي ل «الآن» معناها وواقعها اللانهائي، # وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ~~. # 17 # بهذا تصبح الفلسفة سعيا دائبا إلى الحضور الخالص، وقهرا مستمرا ~~للزمان والزمانية. وإذا كان أفلاطون قد علمنا تعريفين أساسيين من تعريفات ~~الفلسفة عندما قال في أحدهما إنها التأمل الدائم للموت، فمن حقنا أن نغير ~~هذا التعريف (الذي لا ينطبق إلا على مرحلة فايدون وما قبلها) فنقول إن ~~الفلسفة هي تأمل دائم للحضور الحي. وإذا كان قد قال في تعريفه الآخر - الذي ~~تبعه فيه فلاسفة العصر الوسيط من مسلمين ومسيحيين - إن الفلسفة هي التشبه ~~بالله بقدر الطاقة، فبإمكاننا أن نزيده وضوحا، فنقول: إن الفلسفة هي جهد ~~دائب؛ لكي يتشبه الكائن الزماني بالكيان السرمدي. # لن نقف عند هذه المعاني كلها، بل سنتجاوزها إلى معنى يتصل بوجودنا ~~اليوم كأبناء أمة تسعى إلى اكتشاف هويتها وتحديد مكانها بين الأمم. أمة ~~يعرف المخلصون من أبنائها أنها مهددة بالانقراض والانهيار إن لم تع ~~حاضرها، وتؤد واجب لحظتها، وتستوعب قيمة ماضيها وتنهض بأعبائها التي ~~تفرضها عليها فلسفة جديدة حية للتاريخ، أي فلسفة للزمان الذي لا غنى عنه ~~لفهم التاريخ. # ماذا أقول؟! أأقول إننا اليوم وأينما تلفت فسحب الأخطار تزحف وأهوال ~~التحديات تنادي باليقظة للحاضر الذي ينبغي أن يكرر خير ما في الماضي من ~~تراث، ويتهيأ لخير ما في المستقبل من أمل وعمل. # أأقول ms173 إننا اليوم نعيش بداية انقراض تلوح نذره، أم نهاية انقراض بدأنا ~~نتخلص من آثاره؟! لن أستسلم للتفاؤل أو التشاؤم. حسبي أن أدعوك يا قارئي ~~لواجب الحضور الحي وعبء اللحظة الخالدة. ليست دعوة صوفي، فأنا لم أبلغ ~~أعتاب هذا الشرف، والعلاقة بين الوعي بالحضور الحي لزمانيتنا وبين السرمدية ~~«مقام مهيب غامض»، # 18 # إنما هي دعوة إنسان يقدر قيمة اللحظة الحاضرة، ويعلم أنها ~~الفرصة الوحيدة للسرمدية، أو بلغة أقرب إلى واقعنا اليومي البائس هي الفرصة ~~الوحيدة لكي «نكون أو لا نكون». # وإذا كانت الأسماء التي تكلمت عن الحضور في اللحظة الخالدة أكثر من أن ~~تحصى أو تعد، وإذا كانت هذه الأسماء تزدحم بها شواهد التصوف والفلسفة والفن ~~والشعر والأساطير والطقوس مما لا يجدي معه حصر للمراجع والنصوص، فلنختر ~~أقصر الطرق وأشدها تواضعا، ولنكتف بالنظر في تأملات فيلسوف معاصر لم يمض ~~على وفاته أكثر من عام، نتلوها بخواطر مستمدة من واقع آخر ومجال مختلف ~~قلما ننتبه إليه، وهو واقع الشعر والأسطورة والطقوس، لنختم هذه النظرات ~~بسطور قليلة عن الحضور في اللحظة الخالدة، لحظة نفاذ السرمدية في الزمانية، ~~اللحظة التي يتعانقان فيها - في لمسة هي أشبه بوميض الشمعة أو لمح البرق - ~~فنؤكد وجودنا وحاضرنا في «الآن»، ونعي ذاتنا حين نتشبث بصخرة اللحظة، ~~ونقاوم طوفان الزمن الصاخب، ونثبت أننا جديرون بالنعمة السرمدية حين نكون ~~أوفياء للحظة، مستعدين لتحمل مشقتها ومسئوليتها استعدادنا لترقب نورها ~~وبريقها. ~~••• # لماذا ارتبط الزمان دائما بالوجود؟ ولماذا لا نفكر في أحدهما دون أن ~~نفكر في الآخر؟! الوجود منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور. والحضور ~~يكون في أفق الحاضر، ويتكلم بصوته. والحاضر في التصور الشائع بعد من ~~الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصورنا للزمن، الذي يسير على طريق لا رجوع فيه ~~من ماض إلى حاضر إلى مستقبل. والماضي في تصورنا الشائع أيضا هو الذي لم ~~يعد له وجود كما أن المستقبل هو الذي لم يوجد بعد. # ونحن نذكر الزمان حين نقول: لكل شيء زمانه، فكل موجود يأتي عندما يجيء ~~أوانه، ويذهب عندما يحين حينه، ms174 ويبقى مدة الزمن التي قدرت له. ولكن هل ~~الوجود شيء؟! هل يشبه الموجودات التي تكون في الزمن؟ وهل الزمان نفسه شيء، ~~أم هو الذي يسع الأشياء والموجودات التي تكون فيه وتفسد، تولد ثم تموت بعضة ~~نابه؟ # عبثا نبحث عن الوجود نفسه بين الموجودات المحيطة بنا، فليس مثلها ~~موجودا زمنيا. ومع ذلك فنحن نقول إنه «يحضر» في الزمان، يتحدد بكل ما ~~يوجد فيه، يظهر بظهوره، ثم لا يلبث أن يحتجب ويخفي عنا سره. # عبثا نحاول أن نلقي الزمان بين الموجودات والأشياء التي تتزمن به ~~وتنتهي فيه. فهو نفسه ليس موجودا ولا شيئا. إنه ينقضي باستمرار، ولكنه في ~~انقضائه يختلف عن كل ما يوجد فيه، والبقاء عكس التلاشي، أي هو الحضور، ~~والحضور هو أسلوب الوجود. # الوجود والزمان إذن يتحددان بالتبادل، ولكنهما يتحددان على نحو لا يسمح ~~لنا أن نصف أحدهما - وهو الموجود - بأنه شيء زمني، ولا أن نتحدث عن الآخر - ~~وهو الزمان - كما لو كان أحد الموجودات والأشياء. # 19 # هل وقعنا بهذا في شباك العبارات المتناقضة؟ هل نلجأ إلى ما تلجأ إليه ~~الفلسفة في مثل هذه الأحوال من تصعيد للتناقض، والجمع بين طرفيه في وحدة ~~أشمل، نسميها بعد ذلك وحدة جدلية؟! أليست هذه الوحدة التي تهدف للمصالحة ~~بين العبارتين المتناقضتين عن الزمان والوجود، هروبا منهما معا ومن ~~العلاقة القائمة بينهما؟ # وما الطريق الذي نسلكه كي ننظر في موضوع كل منهما على حدة، أعني في ~~القضية التي يطرحانها أمام الفكر؟ فلنأخذ أنفسنا بالحذر الواجب، ولنواجه ~~هذه القضية بما يليق بالفكر من صبر وأناة. # نحن نقول على الدوام: الوجود يكون، والزمان يكون. فلنجرب تغيير الصيغة ~~اللغوية لنقول: الوجود يوجد والزمان يوجد (على أن نفهم من كلمة يوجد معنى ~~الجود والعطاء الذي يجمع بينهما ويجود بهما). # 20 # إن الوجود يتيح للموجود أن «يحضر»، ويسمح له بأن يظهر ويكون، وإحضار ~~الموجود بهذا المعنى يساوي إخراجه من التحجب والخفاء إلى الانفتاح والجلاء، ~~ومن ثم يكون الوجود نوعا من العطاء. # غير أن العطاء لا يزال ملفوفا بالظلام، كما ms175 أننا لا نزال نجهل كل شيء ~~عمن يقوم به. لقد حاولت الميتافيزيقا في تاريخها كله، منذ بدايتها ~~الساذجة عند طاليس، وحتى اكتمالها في فلسفة «نيتشه» أن تفكر في الوجود من ~~ناحية الموجود، وتفسره باعتباره الأساس لهذا الأخير. فلنحاول أن نفكر فيه ~~من جهة «الحضور» والتكشف والظهور، أو كما قلنا الآن من جهة العطاء. # بهذا يتحول معنى الوجود، ويصبح العطية أو الهبة التي يجود بها الكشف ~~والإظهار من ثنايا التحجب والخفاء، # 21 # وبهذا أيضا يصبح هو الحضور. هذا الوصف للوجود بأنه حضور ليس ~~بالأمر الذي نقرره من جانبنا أو نختاره بمشيئتنا. لقد تقرر منذ زمن طويل ~~وليس لنا فضل فيه، والتزم به الإنسان منذ طرح سؤاله القدري: «ما هو الوجود» ~~حتى «حضر» هذا الوجود في تفسيره الأخير له على هيئة أقمار صناعية تجوب ~~الفضاء، وتدور حول الأرض، ومركبات تغزو القمر والزهرة والمريخ ... ~~إلخ. # لقد كان يحضر في كل مرة في صورة يعبر عنها الإنسان بالقوة والفكر، ~~ويلتزم بها في الفعل والسلوك، ويراها ماثلة في الكائنات المحيطة به ~~والأشياء التي يحيا بالقرب منها، ويستخدمها أدوات في شئون معاشه. # هكذا تغيرت صور الحضور، واختلفت باختلاف المفكرين وتعاقب العصور، فكان ~~الحاضر مرة هو «الواحد»، أو «اللوجوس»، وكان هو الجوهر والمثال والفعل، ~~والمونادة، والتصور والإرادة، والروح المطلق، وإرادة القوة، وإرادة الإرادة ~~في عودة الشبيه الأبدية. # هذا شيء يشهد عليه التاريخ، حتى لقد طغى الوهم بأن تاريخ صور الحضور هو ~~تاريخ الوجود. غير أن تاريخ الوجود شيء مختلف عن تاريخ المدن والحضارات ~~والشعوب. فتاريخية الوجود لا تتحدد إلا بكيفية حدوثه، أي بأسلوب عطائه ~~الوهاب، وتكشفه في نفس الوقت الذي يتوارى فيه خلف حجاب. هذا العطاء نوع من ~~«التقدير»، والوجود الذي يعطيه هو الذي نصفه بالمقدر. # كل التحولات في صورة الوجود المعطى هي مراحل في تاريخ الوجود، أو ~~بالأحرى تاريخ حدوثه. ومن قدر هذا التاريخ أن تفسيرات الوجود عن طريق ~~الموجود كانت تحجب «قدره» الأصلي شيئا فشيئا، بحيث تواري معنى الحضور ~~والعطاء بالتدريج، وأسدل عليه ستار بعد ms176 ستار. # إن الارتباط بين الزمان والوجود يشير إلى الأخير بوصفه حضورا، أي إلى ~~طابعه الزمني. فلنفكر الآن في الزمان؛ لعلنا نهتدي إلى حقيقته. # كلنا يألف كلمة الزمان، ويستخدمها في تصوراته الشائعة على نحو ما ~~يستخدم كلمة «الوجود»، ولكن ما أسرع ما نكتشف جهلنا بهما عندما نتصدى ~~لتحديد معنيهما. # وما أصدق عبارة القديس «أوغسطين» # 22 # عن الزمان: ~~«إن لم يسألني أحد عنه عرفته، وإذا طلب السائل مني أن أشرحه لم ~~أعرفه.» # يتبين من كلامنا إذن أن الوجود في طابعه المميز مختلف عن كل ما يتسم به ~~الموجود، وأنه في صميمه عطاء، والعطاء قدر تاريخي أعلن عن نفسه في صور ~~وتحولات متنوعة. # كما يتبين مما قلناه أن ماهية الزمان لا توضحها التصورات الشائعة عنه، ~~وأن الجمع بينه وبين الوجود ربما يقربنا منه، فالوجود كما عرفناه حضور أو ~~هو بالأحرى إتاحة الحضور. # ونحن لا نكاد نذكر الحضور حتى نذكر معه الماضي والمستقبل، أي المتقدم ~~والمتأخر بالقياس للآن. # غير أننا إذا أردنا أن نفهم الزمان من جهة الحاضر، فلا بد أن يكون هذا ~~الحاضر هو «الآن» الذي يختلف عن آن الماضي الذي لم يعد له وجود، وآن ~~المستقبل الذي لم يأت بعد. وإذا كنا لم نتعود على النظر إلى الزمان من جهة ~~«حضور» الحاضر، فالواقع أننا نتصور الزمان - أي وحدة الحاضر والماضي ~~والمستقبل - على أساس «الآن». وقديما قال أرسطو إن «الآن» هو ما يكون من ~~الزمان أو يحضر فيه. أما الماضي والمستقبل فهما شيء لا وجود له # 23 ~~- صحيح أنهما ليسا عدما، بل هما وجود أو حضور ينقصه شيء نصفه ~~بأنه هو «الآن» التي لم يبق لها وجود، و«الآن» التي لم تأت بعد. # وبهذا يبدو «الزمان» سلسلة من الآنات المتتابعة، بحيث لا نكاد نذكر ~~إحداها، حتى يبتلعها لتوه ويطاردها على الفور. # هذا «الزمان» هو الذي يقصده كانط بقوله: «إنه ذو بعد واحد فحسب.» # 24 # وهو الزمان الذي يتألف من آنات متعاقبة، ونعرفه جميعا عندما ~~نخضعه للقياس والحساب، وعندما نتطلع للساعة، ساعة الحائط أو ساعة ms177 اليد، ~~ونراقب عقاربها قبل أن نقول مثلا: الساعة الآن الخامسة وعشر دقائق. نقول ~~«الآن»، ونعني بها الوقت أو الزمن، ولكننا لن نعثر على الزمن نفسه مهما ~~قلبنا في الساعة، وفحصنا آلاتها وفتشنا بين عقاربها! بل لن نلمس له أثرا ~~مهما حاولنا أن ندقق النظر في أجهزة قياسه الحديثة التي تسمى ~~«بالكرونومترات». ولعلنا أن نبتعد عن جوهره الحق كلما أمعنا في هذا ~~البحث. # أين الزمان إذا؟! أهو موجود؟ أله مكان يحل فيه؟ أهو وعاء يضم الآنات ~~والمكان الذي شبهه أرسطو بوعاء يسع العالم؟! # من الواضح أن الزمان ليس عدما. فكلنا يذكر اسمه، ويشعر بخطاه. فلنجرب ~~أن ننظر إليه من جهة «الوجود» الذي وصفناه بالحاضر أو الحضور. ولنعلم أن ~~حضور هذا الحاضر مختلف كل الاختلاف عن حضور الأبد، بحيث لا يمكن أن يفهم ~~هذا ابتداء من الآن، بل تفهم الآن وتحدد ابتداء منه. # 25 # إذا صح هذا، فلا بد أن يكون الزمان هو الحاضر بمعنى الحضور، ولا بد أن ~~يختلف عن تصورنا المألوف له على هيئة سلسلة من الآنات المتعاقبة التي تخضع ~~للقياس. وإذا صح ما قلناه أيضا من أن الوجود حضور (تكشف وعطاء) أصبح ~~الحاضر بقاء وتريثا في مواجهة هذا التكشف والعطاء، كما أصبح «الإنسان» هو ~~الكائن الوحيد الذي يتلقاه وينتظر ظهوره، وينفتح عليه ويستجيب له. ولو لم ~~يكن هو الذي يتلقى على الدوام هذه العطية لما بلغت إليه، ولبقي الوجود ~~محجوبا مغلقا عليه، بل لما أصبح الإنسان هو الإنسان. # هل ابتعدنا بهذا عن موضوع الزمان ~~وانصرفنا إلى الإنسان؟! الواقع أننا لم نبتعد عنه كما نتصور، بل ربما ~~ازددنا اقترابا منه. فطبيعة الزمان لا تتجلى إلا في الحاضر، بالمعنى الذي ~~قصدناه من الحضور، كما أن طبيعة الإنسان لا تتحدد إلا عن طريق التعرض لهذا ~~الحضور، وتلقي عطاء الوجود الذي يتجلى له ويتخفى عنه في نفس الوقت. صحيح ~~أنه يخاطبه على الدوام، ولكن ما أندر ما «ينتبه» لصوته. وصحيح أنه معرض ~~لنوره الذي يظهر في هذا الموجود أو ذاك، ولكن ما أكثر ms178 ما ينشغل بظهور ~~الموجود فيغيب عنه نور الوجود! # بيد أن «الحضور» لا يكون بالضرورة في الحاضر وحده، بل قد يكون فيما ~~انقضى وما هو آت، أي في الماضي والمستقبل. وإذا شئنا الدقة، فإن العلاقة ~~المتبادلة بين الآتي والمنقضي تتعانق في الحاضر، بل إن الثلاثة جميعا تسلم ~~أيديها إلى بعضها البعض، بحيث تحضر في وحدة الزمن الواحدة. # ولكن ما الذي تسلمه إلى بعضها البعض؟! # إن هذا الذي تسلمه ليس إلا الحضور. وهذا الأخير هو الذي يلقي الضوء على ~~ما نسميه عادة بالمجال الزمني. غير أن الزمن هنا لم يعد سلسلة من الآنات ~~متعاقبة الحلقات، ولا مسافة فاصلة بين نقطتين آنيتين مما نقيسه ونحسبه ~~عندما نقول على سبيل المثال: «في مجال زمني يبلغ طوله خمسين سنة حدث كيت ~~وكيت». فالمجال الزمني الذي نقصده الآن هو الانفتاح، أو المجال المفتوح ~~الذي تتحد فيه أبعاد الماضي والحاضر والمستقبل الثلاثة في عناق الحضور ~~والعطاء، بل هو الذي يسبق ما نسميه بالمجال أو المكان، ويجعله ممكنا، كما ~~يسبق كل قياس وحساب للزمن إلى نقط آنية تتتابع في خط ذي بعد واحد. # في هذه الوحدة التي تتلاقى فيها أبعاد الزمن الثلاثي، يحضر كل منها على ~~طريقته: الوافد المقبل الذي لم يصبح بعد حاضرا، والذاهب المنقضي الذي لم ~~يعد حاضرا، ثم الحاضر نفسه. وقد يخطر على بالنا أن هذا البعد الزمني ~~الأخير هو أقرب الأبعاد إلى الحضور وأنسبها إليه. # ولكننا بذلك نخطئ معنى «الحضور» الذي يتجلى في الأبعاد الثلاثة جميعا، ~~حتى إن «هيدجر» ليذهب إلى أن تبادل العلاقة بينها، بحيث تناول العطاء إلى ~~بعضها البعض هو نفسه البعد الرابع للزمن. # وإذا كنا نسميه البعد الرابع، فالحقيقة أنه الأول من حيث الموضوع ~~والرتبة، فهو الذي يحدد الحضور، ويشد الأبعاد الأخرى بعضها إلى بعض أو ~~يباعد ما بينها. # ولهذا تقوم عليه وحدة الزمن التي نتحدث عنها، بل إننا لنستطيع أن نسميه ~~ب «القرب»: القرب الذي يقرب بقدر ما يباعد. # فهو يبقي على الماضي مفتوحا عندما يحول بينه وبين أن يصبح ms179 حاضرا، وهو ~~يدع باب المستقبل مفتوحا ويهيئ الحاضر لتلقيه. وهو قبل هذا كله يجمع بين ~~اتحاد صور الحضور المختلفة في الماضي (الانقضاء) والمستقبل (الوصول)، ~~والحاضر في وحدة واحدة. # علينا إذن ألا نتحدث عن كينونة الزمن أو وجوده، بل عن عطائه. هذا ~~العطاء يتحدد بالقرب الذي يمنح ويهيئ ويضمن انفتاح مجال الزمن، يحفظ فيه ما ~~فتح من الماضي، وحيل بينه وبين أن يصبح حاضرا وما هيئ من المستقبل ليكون ~~حاضرا. وهو بطبعه عطاء ينير ويحجب، يظهر الموجود من حيث يستر الوجود ~~نفسه. # منذ بدأت الفلسفة وهي تتساءل عن الأصل في الزمن. وكان من الطبيعي أن ~~تهتم في المقال الأول بالزمن المحسوب الذي يتتابع في آنات متعاقبة. # وعرفت الفلسفة منذ البداية أيضا أن الزمن الذي نحسبه مستحيل بغير ~~النفس أو الروح أو الوعي، أي مستحيل بغير الإنسان. # ولكن ما معنى هذا؟! هل الإنسان هو الذي يعطي الزمان أم هو الذي ~~يتلقاه؟! وإذا كان التلقي هو الأقرب إلى المعقول، فكيف يتلقاه؟! هل يفعل ~~ذلك «صدفة» بين الحين والحين؟! # إن الزمن الحقيقي هو القرب الذي يوحد بين أبعاده الثلاثة ويسلم أحدها ~~للآخر في وحدة حضور حاضر وماض ومستقبل. # والإنسان يصبح إنسانا بقدر ما يتعرض لهذا القرب وينفتح عليه، وبقدر ما ~~يعايشه من داخله أو يواجهه من خارجه. # 26 # ليس الزمن من صنع الإنسان، ولا الإنسان من صنع الزمن. فليس هنا مجال ~~للصنع أو الصنعة، وإنما هو عطاء بمعنى التسليم المنير الذي يتيح كل حضور في ~~مجال الزمن المفتوح. # قلنا الوجود «يوجد» كما قلنا الزمان «يوجد». وفهمنا الفعل بمعنى الجود ~~والعطاء. والمعطى في الحالين واحد، ولعله شيء متميز، ولكنه يظل غامضا غير ~~محدد، كما نظل إزاءه في حيرة. «فعبثا نحاول أن نفسر العبارتين على أساس ~~القضية العادية المؤلفة من موضوع ومحمول، عبثا نفتش عن المجهول في العبارة ~~الأصلية التي تنطوي على فاعل لا وجود ~~له.» # وخير ما نفعله الآن أن نفهمه من ناحية عطائه وأسلوبه في العطاء على نحو ~~ما تجلى في «قدر» الوجود و«تسليم» ms180 الزمان بالمعنى الذي أشرنا إليه. فالعطاء ~~قدر، والعطاء تسليم منير. وكلاهما متصل بالآخر من حيث إن القدر يقوم على ~~التسليم. والذي يجمع بينهما ويحفظ لهما ماهيتهما هو ما يسميه هيدجر بالحدث ~~الذي يتم ويحتجب في نفس الوقت من خلالهما. # أيكون هذا الحدث هو المعطى الذي تعبنا في البحث عنه؟! لنؤخر هذا السؤال ~~قليلا، بحيث نجيب على سؤال أسبق منه: ما هو الحدث؟! ولنعلم قبل الإجابة ~~أن «الحدث» هنا لا علاقة له بالمعنى المألوف للكلمة؛ لأننا لن نفهمه إلا ~~على ضوء ما قلناه عن الوحدة الجامعة بين «التقدير والتسليم»، وكلاهما أسلوب ~~عطاء. بهذا نكون قد اقتربنا من الهدف الذي أخذنا ندور حوله منذ البداية: ~~تحديد الوجود عن طريق الزمان. # وبهذا نأتي إلى العبارة الحاسمة التي اجتهدنا في إلقاء الضوء عليها: ~~«الوجود حدوث». # هل انتهينا إلى تفسير جديد للوجود يضاف إلى التفسيرات العديدة التي ~~قدمتها الفلسفة للوجود على أساس الموجود، كالمثال والفعل والتصور المطلق ~~والإرادة؟! # أنكون بهذا قد خطونا خطوة أخرى على طريق «الميتافيزيقا» الذي أردنا أن ~~نحولها عنه؟! لن نخشى شيئا من هذا لو فهمنا الوجود بمعنى الحضور، وفهمنا ~~«الحدوث» بمعنى العطاء الذي يكلفه قدر الحضور. # فسوف يكون الوجود أسلوب حدوث، ولا يكون الحدوث أسلوب وجود. # ولكن ما معنى أن الوجود حدوث؟! # معناه أن الوجود والزمان كليهما يحدثان، والحدوث عطاء مقدر، والعطاء ~~كما رأينا مرتبط بالتقدير والتسليم، وهذا بالحفظ والحيلولة والتهيئة (على ~~نحو ما رأينا عند الكلام عن أبعاد الزمان الأربعة). # أي إن الحدث في نهاية الأمر مرتبط أيضا بما يسميه هيدجر هنا بالتمنع ~~أو التراجع، وما يسميه في مواضع أخرى «بالتستر والاحتجاب». # 27 # ولما كان الوجود - بوصفه حضورا - إنما يعني الإنسان ويخاطبه، فإن جوهر ~~الإنسان يقوم على الاستجابة له والإنصات لندائه، كما يعتمد على الدخول في ~~المجال الزمني ذي الأبعاد الأربعة الذي يتم فيه الحضور، أي يتحقق العطاء ~~والتسليم. # ومعنى هذا أن الإنسان مرتبط بالحدوث؛ إذ فيه وحده يعطي الوجود والزمان. ~~بل هو الذي يعيد الإنسان إلى ماهيته وحقيقته، ولا ms181 بد له في سبيل هذا أن ~~يتلقى حضور الوجود؛ لأنه يعنيه وحده، وأن يدخل كما قلنا في مجال «التسليم» ~~الذي هيأه الزمن الحقيقي الموحد ذو الأبعاد الأربعة. # هكذا ينتمي الإنسان انتماء أصيلا للحدث، ففيه وحده يعطي الوجود ~~والزمان. ولأن هذا الانتماء يعتمد على ما يقوم به الحدث من تأصيل (أو ~~توحيد)، فإن الإنسان يتصل بالحدث عن هذا الطريق. # بهذا يؤكد هيدجر أننا لن نستطيع أن نضع الحدث، كما لو كان شيئا ~~يواجهنا مواجهة الشيء أو الموضوع. ولن نستطيع أن نتصوره، كما لو كان هو ~~الشامل المحيط بكل شيء. ولهذا أيضا يعجز العقل المفسر عن بلوغه، كما يخفق ~~القول المعبر بالقضايا المألوفة عن الوصول إليه. # هل استطعنا أخيرا أن ندرك طبيعة ~~الحدث؟ هل ساعدنا النظر إلى الوجود «وقدره» والزمن «وتسليمه» على بلوغ ~~معناه؟ هل اقتنعنا بما يفرضه على الإنسان من واجب ومسئولية؟ أم تمخض الأمر ~~كله عن بناء فكري كسائر الأبنية التي يزخر بها تاريخ الفلسفة؟ وإن هذه ~~الأسئلة جميعا تفترض أن الحدث لا بد أن يكون موجودا كسائر الموجودات. ~~والتسليم بهذا الفرض المعكوس أشبه بمحاولة اشتقاق المنبع من النهر! إن ~~الحدث ليس «موجودا»، فأقصى ما يمكن قوله عنه إنه يحدث. قد تبدو هذه ~~العبارة مجرد تحصيل حاصل. ولو حاكمناها بمقاييس المنطق لما قالت شيئا، حتى ~~إذا جعلناها موضوع التفكير والتأمل تبينا أنها لا تقول جديدا، وإنما تعبر ~~عن شيء قديم قدم الفكر الغربي نفسه، شيء منطو فيما اصطلح الإغريق على ~~تسميته «الأليثيا» أي الحقيقة بمعنى تجلي الوجود وتكشفه من طوايا التستر ~~والاحتجاب. والتأمل في هذا المعنى الأول لا يزال يلزم كل تفكير جاد. # بهذا يكون هيدجر قد حاول التفكير ~~في الوجود بعيدا عن الاهتمام بالموجود، بعيدا عن الميتافيزيقا التي ما ~~فتئ يبذل المحاولة تلو المحاولة لقهرها وتخطيها؛ لكي يمهد للتفكير في ~~الوجود نفسه. ولعله في هذه المحاضرة المتأخرة عن «الزمان والوجود» قد نفض ~~يديه من الميتافيزيقا، وجرب أن يفكر في الوجود نفسه «وحدوثه»، أو حضوره ~~وظهوره في الزمان. وهكذا وجد ms182 نفسه مضطرا للتخلي عن أرض الميتافيزيقا وطرح ~~لغتها، والبحث عن لغة أخرى تعذب في تطويعها للتعبير وعذبنا معه! لقد أخذ ~~يزيح العقبات عن طريقه وبقيت العقبة الكبرى التي لم يقو عليها، إذ اضطر ~~للكلام بالعبارات والقضايا التقليدية عن موضوع لا تصلح له ولا يصلح لها؛ ~~لأنه ليس في الحقيقة موضوعا، بل هو الأساس لكل موضوع. ~~••• # عرضنا فيما سبق رأي فيلسوف معاصر، لم يمض على موته أكثر من عام، عن ~~الحاضر والحضور. ولا شك أنه متصل بفلسفة صاحبه عن الوجود، كما ينطوي على ~~قدر غير قليل من التعسف والغموض. وهو لم يصادف على كل حال ما يستحقه من ~~عناية واهتمام، لا سيما من أصحاب العقل الذين يعولون عليه في شئون الحساب ~~والقياس والتقدير. # لقد آمنت الأجيال السابقة كما يؤمن الجيل الحاضر بأن العلم الطبيعي ~~والفلسفة المرتبطة به هما وحدهما القادران على الكشف عن جوهر الأشياء، ~~وتحديد إمكانات التجربة، أي إن العقل الذي يحسب ويقيس هو وحده القادر على ~~كشف معنى الواقع. ولا شك أن معهم الحق في هذا ما بقوا في مجال العلم والعمل ~~وتصريف شئون التقدم والمعاش. # غير أن الإنسان كان يحس على الدوام بعالم آخر مختلف تمام الاختلاف تحرك ~~شخصياته وصوره الوجدان، ويضفي على الوجود كله كرامة وجلالا ومجدا يعجز ~~عنه البحث العلمي، ولا يكاد يعرف عنه شيئا. # ذلك هو عالم «الشعراء» وعالم «الأساطير» و«الطقوس» عند الشعوب القديمة ~~والشعوب الفطرية. # فلنحاول أن نفسر ظاهرة الحضور من وجهة نظر الشعر والأسطورة والطقوس ~~تفسيرا جديدا. # ترددت شكوى الإنسان الدائمة - كما رأينا - من زوال وجوده وتناهيه ~~وانقضائه، وليس من المحتمل أن تتوقف هذه الشكوى، وما ينبغي لها كذلك أن ~~تتوقف. فليس من قبيل الصدفة أن يقول المتنبي: # صحب الناس قبلنا ذا الزمانا # وعناهم من أمره ما عنانا # ولم يكن من قبيل الصدفة كذلك أن تتردد شكوى الزمان على ألسنة الحساسين ~~من الأدباء والمنشدين في الحضارات القديمة. غير أن شكوى الإنسان كانت ~~تقابلها على الدوام معرفته بما لا يزول أو ينقضي، وإحساسه بالأبدي ms183 غير ~~الزمني، وشعوره بسكينة مقدسة، أشبه بصخرة تتدافع حولها أمواج الزمن الصاخب ~~وتتحطم عليها. # وقصيدة ليوباردي (1798-1837م) # 28 # التي جعل عنوانها «اللامحدود» تعبر عن هذه المواجهة بين الأبدي ~~والزماني: ~~«غاليا على نفسي كان على الدوام هذا التل الموحش # وهذا السياج الذي يسد منافذ الرؤية # من كل جانب من جوانب الأفق البعيد # غير أنني عندما أجلس وأنظر، # تتمثل لفكري الأماكن الشاسعة هناك # والصمت وراءها يفوق قدرة البشر # والسكينة العميقة العميقة، # فيوشك قلبي أن يتزلزل من الرعب، # وكلما سمعت الريح تعصف بهذه الأغصان # وجدتني أقارن بين الصمت العظيم هناك # وبين هذا الصوت، # وأتفكر في الأبدي، # في الأزمان التي ماتت ولا تزال الآن حية # وفي الصوت الذي يتردد منها. # وهكذا يغوص فكري في اللامحدود. # وأشعر بعذوبة الغرق في هذا البحر.» # الإنسان إذن يعيش في الزمن والأبد معا، «فالروح لها ~~عينان، عين تتطلع للحاضر، وتحن الأخرى للأبد» كما يقول أشهر شعراء التصوف ~~عند الألمان. # 29 # وكلما ازداد حنين عين للأبدية، ازداد تألم العين الأخرى ~~لانقضاء الزمن وزواله، ازداد عذابها بيقين الموت المحتوم (فحتى الجميل ~~يتحتم عليه أن يموت كما يقول «شيلد»). إن الزمان يعيد إلى قبر الماضي كل ~~مولود يولد، بعد أجل موقوت وحضور عابر. # ولقد حرك هذا الشعور - كما رأينا - وجدان الإنسان منذ آلاف السنين، ~~وأراد الكثيرون أن يحولوا أنظارهم عن الزمن كي يتطلعوا إلى الأبدية ~~وحدها. # وتنافس الدين والفلسفة في سلب كل قيمة عن الزمني والمنقضي، والبحث عن ~~الحقيقة والوجود في الأبدي واللازمني. ولقد شعر البعض بالراحة، وتنفسوا ~~الصعداء عندما قدمت لهم فلسفة «كانط» الدليل تلو الدليل على أن المكان ~~والزمان لا شأن لهما بوجود الأشياء ذاتها، وإنما هما من شأن الطبيعة ~~البشرية، صورتان قبليتان للحدس أو العيان قائمتان في وجدان الإنسان. # ومهما يكن من قوة هذه الأدلة أو ضعفها، فقد احتجت التجربة الحية عند ~~أصحاب الرؤية من الفنانين والشعراء أشد احتجاج على ما قاله «كانط» عن ~~مثالية المكان. # أما مشكلة الزمان، فيبدو أنها كانت ولا تزال أقرب لوجود الإنسان وأغنى ~~بالألغاز. ms184 # وهل هناك أشد إيلاما من اليقين بأن كل ما حولنا، ونحن أيضا، سنغوص ~~ذات لحظة في الماضي لنصبح «خبر كان»؟ أي شيء أبعث على الحزن من العلم بأن ~~«الميت» في هذا العالم يزيد ملايين المرات عن «الحي»، وأن وجودنا الذي يمتد ~~الآن بجذوره في الماضي يسرع دون توقف نحو اللحظة التي سيتلاشى ~~فيها؟! # أليس من حق الإنسان أن يلتمس العزاء في حقيقة خالدة لا تمتد إليها يد ~~الفناء، وأن يعد الزمانية من علامات النقص في وجوده الأرضي؟! # ألم يعمد الإنسان منذ القدم إلى وصف أربابه بالخلود، في الوقت الذي كان ~~يتبين له فيه عجز كل ما هو بشري وتبدده كالدخان؟! # غير أن هناك نظرة أخرى للعلاقة بين الزمن والسرمدية: إن السرمدية نفسها ~~تحضر في الزمان، وأبعاد الزمن الثلاثة يمكن أن تصبح كلها حضورا سرمديا ~~في أزلية الماضي، وأبدية المستقبل، وخلود اللحظة الحاضرة. # بل ربما وجدنا من «الشعراء» # 30 # من يقول بأن «الإلهي» نفسه في سرمديته محتاج للزمانية ~~وللإنسان، وأن للزمني كرامته ومكانته وثراءه بالوجود. # لن تنقطع الشكوى إذن من الزوال والانقضاء، ولكن لا ينبغي لهذه الشكوى ~~أن تتحول إلى اتهام، فيعمى المتهم عن معجزات الوجود التي يمر بها مرور ~~العابرين، وتغفل عينه عن الحضور الذي يناديه من أعماق «النهر» الذي مضى، ~~ومن وراء «البحر» الذي أوشك أن يظهر السفين، ومن قلب الواقع الذي يكشف ~~الأقنعة لكل من يريد أن يرى وجهه الخاطف البريق. # وماذا يكون حال الوجود إن خلا من جلال الماضي، وانتظار المستقبل، ونشوة ~~الحاضر؟ هل يمكن أن تنعكس عليها جميعا روعة الحاضر؟! # يقول الشاعر «شيلر» في حكمة على لسان «كونفوشيوس»: ~~«ثلاثية هي خطوة الزمان: # مترددا يأتي المستقبل على مهل # وفي سرعة السهم طار الآن # والماضي ساكن سكون الأبد.» # عرف الناس في كل العصور والبلاد أن كل شيء يسرع إلى قبر ~~الماضي، وأن الحاضر عابر والمستقبل مجهول. وتنطق العرافة «كاساندرا» بلسان ~~الغريب فتحذرنا من عبث الوجود الأرضي، وذلك في قصيدة «شيلر» عيد النصر. # 31 ~~«غدا يتهدم كل كيان # غدا ms185 سيرف رفيف الدخان # وتبقى من الأرض أمجادنا # وتبقى على الدهر أربابنا # مخلدة تتحدى الزمان # وحول الجواد ورأس البطل # تحوم الهموم، وحول السفين # ستمضي الحياة ويذوي الأمل، # فهيا نعش يومنا يا صحاب!» # ولعل «شيلر» كان يردد نفس الدعوة التي عبر عنها قبله ~~شاعر الرومان «هوراس» عن رغبة الناس في الاستمتاع بيومهم قبل أن يتحسروا ~~عليه: ~~«بينما يمضي الوقت في الكلام # سيولي العمر الغيور بالفرار # لهذا أقطف يومك.» # ومع ذلك فقد كان الإنسان يشعر على الدوام بأن الماضي لا ~~يزال موجودا، وإن يكن كل شيء قد انقضى. وكانت تجربته العريقة تعلمه أن ~~الماضي لم يزل له وجود (من حيث هو ماض لا من حيث النتائج التي ترتبت ~~عليه). # والأهم من هذا أن الإنسان جرب الخلود، وعرف الأبد في هذا الماضي. لم ~~تأت تجربته أو علمه من عالم آخر أو قوة أخرى، بل جاءت من الزمان نفسه. ~~فاللازمني أو الخالد ليس غريبا عن الزمن كما نتصور، بل كلاهما متعلق في ~~وجوده بالآخر، وكلاهما ينبع من الآخر باستمرار. # وخطوة الزمن الثلاثية التي ذكرها «شيلر» في حكمته الشعرية تؤكد لنا ~~بالصورة الموحية ما تعجز مفاهيم العقل عن إيضاحه: إن أنواع الوجود الثلاثة ~~في خطى الزمان تكشف جميعا عن اللازمني أو السرمدي. # كان يقين الموت المحتوم ولا يزال هو الشاهد القاسي على أن كل شيء يمضي، ~~وأن كل وجود على الأرض يفنى ويزول. وترددت أقوال الأدباء والمفكرين التي لا ~~يجدي حصرها عن أن «ساعة الميلاد هي ساعة الموت»، و«أن الطفل يولد شيخا ~~ناضجا للموت»، «ولما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة ~~يولد.» # وعبر «هيجل» عن هذه الأفكار أفضل تعبير حين قال على طريقته: ~~«إن وجود الأشياء المتناهية، من حيث هو كذلك، ينطوي على بذرة ~~الفناء يوصفها وجودها في ذاته، فساعة ميلادها هي ساعة موتها.» # وسرت نغمة الوجود للموت في فلسفة الوجود المعاصرة مسرى النار في ~~الهشيم، تغذيها فظائع حربين عالميتين، وأخطار حرب متوقعة في كل لحظة، ~~وأهوال الظلم والعسف التي تثقل على صدر ms186 عالمنا البائس. # غير أن هناك صوتا قديما لم يقدر له الارتفاع فوق هذه الأصوات الناعية ~~المكتئبة، وإن لم يكن أقل منها حرارة ولا صدقا، صوت لا يوافق على أن الموت ~~هو الرعب الجاثم فوق صدر الطبيعة، ولا يملأ القلوب بالقلق والقتامة، ولا ~~يزعم أيضا أن الموت هو المحرر الأكبر ~~الذي يفتح لنا أبواب السعادة الأبدية. فليس الماضي في رأيه عدما، ليس ~~شيئا فات وانقضى إلى غير رجعة، ولم تبق منه - إن بقي شيء - سوى آثاره، ~~وإنما هو عنده كيان مقدس، لا يقل في الوجود عن الحاضر أو المستقبل. # إنه يعبر عن تجربة القدماء والأسلاف بأن الأجداد حاضرون في الأحفاد، ~~وأن الماضي ترفعه الذكرى وتصفيه وتعلي قدره. # فالموت وكل ما مات يبعث في النفس الخشوع. وربما صور لنا العلم أو ما ~~نتوهم أنه علم أن ما نسميه بعبادة «الموتى الأسلاف» شيء تفسره حاجة الإنسان ~~وعجزه وخوفه ووحدته في هذا الكون، ولكن الشهادة التي يقدمها تاريخ الشعوب ~~من آلاف السنين أقوى من كل دليل. فكم من أساطير وكم من عادات وتقاليد عريقة ~~قامت على وجود أولئك الذين عبروا بوابة الموت، وهو وجود رفيع القدر لا يقاس ~~به وجود الأحياء. # صحيح أن الأسلاف عند من نسميهم بالشعوب البدائية أو الفطرية قد ماتوا ~~وذهبوا، ولكنهم كأموات لا يزالون موجودين وجودا واقعيا يفوق كل وجود. ~~إنهم يرجعون إليهم في كل احتفال، ويهيبون بهم في كل موقف تكشف فيه الحياة ~~عن أعماقها الأصيلة في الموت والميلاد والزواج، في الزرع والحصاد، والخصب ~~والجفاف. هم الغائبون الحاضرون على الدوام، وجوههم تطل عليهم، وأصواتهم ~~تباركهم وتشد أزرهم، أو تلعنهم وتحذرهم. # هل نحن بحاجة إلى شواهد عن هذه العقيدة الأصلية التي تستند إلى التجربة ~~الأولى للإنسان؟ هل يكفي أن نذكر أسماء الأبطال وهم حالة واحدة من حالات ~~الفناء الذي يسري قدره على كل الأشياء وينقلها إلى وجود آخر هو الذي نسميه ~~الماضي؟! # أليس هذا وجودا ساميا رفيع القدر، يصل عند بعض الشعوب إلى رتبة ~~الوجود الإلهي نفسه، وإن لم نكد ms187 نفهم عنه اليوم شيئا، نحن الذين نحيا على ~~السطح، ونلهث وراء المنفعة، ونكبر من شأن العقل الذي يحسب ويقيس ويغفل عن ~~نبض الواقع الذي اتصل به قلب الإنسان منذ القدم؟! # ألا يكفي أن ننظر لحياة الفلاح المصري والعربي، وحياة الكادحين في بلاد ~~النهرين لنرى كيف يحددها ويسيطر عليها وجود الآباء والأجداد والأولياء، بل ~~قبورهم التي لا يكفون عن زيارتها والتبرك بها؟ # عرفت أساطير الإغريق عالم الموت السفلي، ونسب شاعر الأوديسة للأموات ~~وجودا في «هاديس» أقرب للظلال، وإن يكن وجودا على كل حال؛ لأن الحياة ~~الحقة عنده وعند سائر اليونان هي الحياة تحت الشمس. # ولكن أقدم أساطيرهم وعقائدهم الشعبية تكرم الموتى، وترفعهم إلى مصاف ~~الأبطال، بحيث أصبحت صورة البطل الإلهي جزءا لا يتجزأ من الديانة ~~الإغريقية. # والعهد القديم يصف «صمويل» الذي بعث حيا من بين الأموات بأنه ~~«إلوهيم» أي بنفس الكلمة العبرية التي تدل على الله. # أما الرومان، فكانوا يجعلون من أمواتهم آلهة، حتى طغت هذه العقيدة على ~~تقاليد الموت عندهم، فالأسلاف الذين ماتوا كانوا حاضرين دائما في كل ~~احتفال بدفن الموتى، وكان من المألوف أن يحمل بعض الممثلين أقنعتهم ~~وشعاراتهم وهم يسيرون خلف جنازتهم، بل إن اللغة اللاتينية تصف الأجداد ~~بأنهم «العظماء». # 32 # الماضي موجود إذن في عقيدة الإنسان وتجربته الأصلية، بل إنه ليتحول في ~~ذاكرة الأحياء ذلك التحول الذي تصفه أنشودة «آرييل» في مسرحية «العاصفة» ~~لشيكسبير، وهي الأغنية التي نقشت كلماتها على قبر الشاعر الغريق «كيتس» في ~~روما : ~~«لا شيء منه قد ذوى أو شحبا، # بل استحال تحت البحر عجبا # أبهى من الكنز سنا وأغربا.» # والأعجب من هذا التحول نفسه هو ما تمخض عنه، وهو الكلمة. ~~كان الشعر هو الثمرة التي ازدهرت على شجرة الماضي المقدس، كانت الكلمة هي ~~ابنته المقدسة. وهل كان في مقدور الروح أن تبتدع ما أبدعت من روائع القصيد ~~لو لم يكن للماضي وجود أقوى من كل وجود؟! ألم يكن الشاعر القديم - في أدبنا ~~وأدب غيرنا - يفتخر بقدرته على أن يمنح بغنائه الخلود لمن يشاء، ms188 وينزل ~~اللعنة الأبدية على من يشاء؟! # أكان من قبيل الصدفة أن تعتز القبيلة العربية بشاعرها الذي يشيد ~~بأمجادها، وأن يرفع الرومان من شأن شاعرهم الذي يصفونه باسم «الفاتس»، # 33 # أي الرائي أو الملهم والعراف؟ # أيرجع الفضل في هذا الغناء لموهبته الشعرية، أم قدرته على استقبال ~~الماضي والاشتغال به؟! ألم يكن هذا الماضي في انتظار من يخلده، لا ماضي بطل ~~فرد مات، بل الماضي نفسه الذي أصبح له ~~نوع من الوجود الإلهي؟ ولماذا أصبحت ربات الفن «الموازي»، # 34 # عند الإغريق هي أصوات الحقيقة؟ ولماذا أطلقوا على اسم أمها «المينموزينة»، # 35 # أي ربة الذاكرة والتذكار، وجعلوها أشد الأرباب قربا من زيوس ~~رب الأرباب؟! صحيح أن «الموزاي» تتغنى أيضا بالحاضر والمستقبل الإلهيين، ~~ولكن واجبهن الأسمى هو الارتفاع بالماضي إلى بهاء الخلود. ولهذا لم يعرفن ~~شيئا عن ظلمة الموت وجهامته. ولهذا أيضا نرى الشاعرة «سافو» تعلم ابنتها ~~أن النواح حتى على الأموات غير مباح في حضرة ~~ربات الجمال: ~~«فالبيت تعبد فيه ربات الجمال # لا يستباح به النواح؛ # لأن هذا لا يليق ولا يقر به السماح!» # ونخطئ لو تصورنا أن الشاعر الحق يتغنى بالجميل والجليل ~~ويخلده؛ لأنه شيء فريد فحسب، فعالم الماضي كان يتشابك بألحانه العديدة في ~~أغنية الشاعر التي نتعلم منها معنى الخلود. # في وجود الماضي، وفيه وحده، يسطع نور السرمدي، هنا أيضا نجد أصلا من ~~أصول الخلود الأبدي، وهو شيء مختلف كل الاختلاف عن اللازمانية أو لا نهائية ~~الزمان. # إن طقوس العبادة لدى الشعوب القديمة هي في صميمها طقوس تذكر وتكرار ~~دقيق لما قامت به الآلهة نفسها في الأزمنة السحيقة من أعمال. صحيح أن هذا ~~جانب واحد من حقيقة هذه الآلهة التي تنجلي كذلك - كما سنرى فيما بعد - من ~~جهة الحاضر والمستقبل، لكن الحديث عن الرب الخالد منذ الأزل وتسميته بالأب ~~القديم أمر عرفه الإغريق والرومان (الذين وصفوا الآلهة القديمة بالآباء)، ~~كما هو معروف عند الشعوب الفطرية حتى يومنا الحاضر، مما يؤكد أن التفكير في ~~الألوهية وفكرة الخلود نفسها مرتبطة بالماضي بأوثق رباط. ms189 # وليس من قبيل الصدفة أيضا أن تصف المسيحية بأنه «الآب»، ولا أن يجمع ~~شاعر أوروبي حديث هو «جوته» بين هذا التصور المسيحي وبين أقدم ~~الأساطير والمعتقدات في قصيدته المشهورة ~~التي تذكر الإنسان بالحد والاعتدال، وتحذره من أن يقرن نفسه ~~بالآلهة: ~~«عندما يبذر الأب المقدس الموغل في القدم # بيده الساكنة من السحب الدوارة # بروقا مباركة فوق الأرض. # أقبل طرف ردائه # تجرفني رعشة طفل # تتملك مني الصدر # بالرهبة والتحنان # إذ لا يخلق بالإنسان # أن يقرن نفسه بالأرباب # فإن ارتفع بنفسه # وبهامته لمس الأنجم # لن يثبت كعباه المرتعشان # في أي مكان، # بل سرعان # ما يصبح لعبة # في كف السحب وكف الريح.» # هذه الملاحظات التي سقناها عن الشعوب التاريخية القديمة، ~~أو شعوب ما قبل التاريخ، تبين لنا أن الإنسان كان يحيا في الماضي، ويغترف ~~من نبعه الأصلي بمقدار ما يزداد قربه من الطبيعة الأم. من هنا استمدت ~~الشعوب القديمة ثباتها وصمودها. # لم تكن آلهتها تبشرها بالمستقبل أو تحمل لها الوعود، بل كانت تهبها ~~الحقيقة وثراء الأصل. # أما الاتجاه الحاسم للمستقبل فهو شيء جديد وطارئ، لم تعرفه أوروبا إلا ~~في مطلع العصر الحديث. # لقد ظلت تحلم بالمستقبل وتصوره في «يوتوبيات» (مدن مثالية) على لسان ~~أدبائها ومفكريها منذ عهد أفلاطون، وربما قبله إلى يومنا الحاضر. ولكن هل ~~عاشت في حضور المستقبل الذي يتجلى في السرمدية، أم ظلت تحلم بحالة مقبلة ~~تبدو عليها الأشياء في صورة أكمل، سواء أكانت دنيوية أو لاهوتية، علمية أو ~~اقتصادية؟ # لقد بدأ الحلم بالخلود مع أواخر عهد الديانة اليهودية، وتبعته الرؤى ~~المختلفة عن الكايروس، # 36 # أو لحظة الخلاص عند نهاية التاريخ أو بدئه من جديد كما تبعته ~~رؤاها عن نهاية العالم، والحساب الأخير، والخلق الجديد. # فلما تبددت هذه الأحلام ولم ينته العالم ولا اكتمل، ظهرت من جديد في ~~صورة فكرة التقدم التي تحولت أشكالها منذ فلاسفة التنوير حتى المذاهب ~~الفلسفية والاقتصادية المعاصرة. وابتعد الإنسان عن الطبيعة، وأوغل في الصنع ~~والتصنيع، وفقد القديم خلوده، وزالت عن الماضي قداسته. ~~••• # رأينا من تجربة الإنسان الأولية ms190 في الشعر والأسطورة والحس الفطري أن ~~الماضي لا يزال حاضرا، وأن حضوره يتخذ صورة الوجود الذي يحوطه الشرف ~~والجلال. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المستقبل. فهو حاضر على الدوام في ~~وجود عجيب يظهر في أشكال وظواهر لا حصر لها، تفطن أعين البشر إلى بعضها، ~~ويختص قليل منهم بكشف السر عن بعضها الآخر. ولقد عرفت الشعوب القديمة أن ~~العلم بالمستقبل يحتاج لموهبة أو إلهام مخصوص، فراحت تغدق على أصحاب الرؤية ~~ألوان التكريم والتعظيم. وهدتها الخبرة الطويلة إلى أساليب مختلفة للملاحظة ~~والتفسير والكشف والتنبؤ بما يأتي به الأيام. ومراقبة أسراب الطير (زرقاء ~~اليمامة) وظواهر الخسوف والكسوف والرعد والبرق وأحشاء الذبائح والأضاحي ~~والأوبئة والحروب والمجاعات ... إلخ عند العرب والإغريق والرومان أشهر من أن ~~نتحدث عنها. والدور الذي يشغله الكاهن والمتنبئ والعراف والمنجم والساحر ~~والرائي عند هذه الشعوب أو غيرها ولا يزال يحتل مكانه في أعماق شعورنا أشهر ~~من التعرض له. ومهما يكن من أمر التفسيرات والشواهد، فإنها جميعا تقوم على ~~هذه الظواهر الأولية أو هذه التجربة الأصلية للمستقبل علامات وإشارات ~~تسبقه، ولا يستطيع فهمها وقراءة حروفها إلا الموهوبون من أصحاب الرؤية ~~والبصيرة. وحتى ظواهر «الكشف» المختلفة التي يدرسها اليوم علماء النفس تشهد ~~بأن المستقبل حاضر بالفعل، وقد ترك آثاره حولنا، مهما تكن ضآلة هذه ~~الآثار. # إن تجربة اللقاء بالمستقبل تثير ~~في النفس شعورا عجيبا. ليس من الضروري أن يكون هذا المستقبل المتوقع ~~خطيرا، ولا أن يحمل في أحشائه النعمة أو النقمة. فالمهم أن يصبح حقيقة ~~حية. وكلنا يشعر أن فرحة الانتظار أصفى وأجمل من سعادة التحقق. وكلنا يدعو ~~الله في سره أن يحميه من ألم الرغبات المتحققة، ويحييه على أمل الوعد ~~والرجاء ... # وسعينا الدائب إلى المعرفة يستمد حرارته وإخلاصه من وجود المستقبل. ~~والأمل في العدالة والسعادة والمحبة والخير، تجربة يعيش عليها الأدب والفن ~~والفكر والحياة اليومية؛ لأن الإنسان بطبيعته حيوان آمل، ولو فرض أن ~~تحققت هذه المثل والقيم والآمال لتوقف الزمن، وامتنعت الحياة. وستظل كلمة ~~الأديب الناقد الألماني «ليسنج» تتردد في الآذان ms191 ككل الكلمات الصادقة: ~~«ليست الحقيقة التي يملكها إنسان أو يتصور أنه يملكها هي التي تجعل ~~له قيمة، بل الجهد الصادق الذي بذله في التماسها والسعي إليها. فليس ~~تملك الحقيقة هو الذي ينمي قواه وطاقته، وإنما البحث عنها هو الذي يعمل ~~على تفتحها، وفيه وحده تكمن قدرته على الاستزادة من الكمال. إن التملك ~~ليجعل الإنسان كسولا ساكنا مغرورا. ولو أن الله وضع الحقيقة كلها في ~~يمناه، وترك الدافع الوحيد الذي يحرك الإنسان إلى طلبها في يسراه، ومد ~~نحوي يديه المضمومتين وهو يقول: «اختر بينهما» لركعت أمامه في خشوع ~~وهتفت وأنا أشير إلى يسراه، رب أعطني هذه، فالحقيقة الخالصة ملكك أنت ~~وحدك!» # غير أن وجود المستقبل لا ينطوي على الأمل والوعد فحسب، بل قد ينذر ~~بالهول والدمار. هنالك يسيطر على كيان الإنسان، بحيث يصبح بصورة من الصور ~~هو هذا الوجود نفسه. كذلك كان العرافون والعرافات (السبيلا) والمتنبئون ~~وأصحاب الرؤية، بل كذلك يكون العبقري الذي وصفه «هلدرلين» في أنشودته عن ~~«روسو»: ~~«فروحه تطير كالنسور # لتسبق الرياح والأنواء # معلنة عن موكب الأرباب.» # 37 # وكذلك يكون المنشدون و«المقدسون» الذين عبر عنهم ~~«هلدرلين» في قصيدته المعروفة «خبز ونبيذ». # 38 # فحرفتهم هي سبق الزمان، ولهذا يسبقون الأقدار العظيمة، ويحيون ~~في خدمتها وطاعتها. ولهذا أيضا يستمعون في حياتهم الحاضرة إلى صوت ~~المستقبل: ~~«الحكمة في شرعتنا أغنية المهد # تغطي العين بليل أقدس، # لكن ما أكثر ما يتوهج # بين السحب الرنانة # صوت إله الزمن يحذر.» # قد يكون صوت المستقبل متوعدا أو واعدا، قد يكون وجوده ~~رائعا أو مريعا، فإشارات المستقبل على الدوام تلفها هالة إلهية، ولهذا ~~كانت وستبقى محفوفة بالرهبة والجلال. وهي تحمل على كل حال أثرا من آثار ~~«معجزة الأصل» و«تجربة المنبع». ولكن هذه المعجزة وهذه التجربة ليستا سرا ~~غيبيا لا يفهمه إلا الصفوة. إنها ماثلة في الطبيعة المحيطة بنا، وإن كانت ~~تحتاج إلى العين المندهشة لتراها خلف سطوح الأشياء: # في الطفل المولود الذي يختبئ فيه المستقبل، وكل ما يحيط به من رهبة ~~ورعشة وأمل وخوف، في جمال الصبي ms192 أو فتنة الفتاة التي تبعث فينا الحب النقي ~~الخالص، في ابتسامة الأم الشابة التي تبتسم لوليدها، فيرتفع بها صفاء ~~الابتسامة من المرأة المحدودة إلى الأصل الراسخ البعيد، إلى المرأة والأم ~~والربة إيزيس والأرض الأم التي ولدت الابن السماوي. وتصبح الأم الصغيرة ~~رمزا للميلاد الخارق الذي سجلت به الأسطورة، وشعائر الطقوس القديمة رؤيتها ~~للمستقبل في مولد البطل الرب، أو الرب البطل. هكذا تحدث المستقبل منذ القدم ~~للإنسان، هكذا كشف له عن وجهه الرهيب أو وجهه الحبيب. # في كل هذه الرموز والأحوال «يحضر» المستقبل، نقف منه موقف الحب والشوق ~~كما وقفنا من الماضي وقفة الخشوع والإشفاق. # صحيح أن شوقنا إليه أو إشفاقنا منه لا يخلو من الحاجة أو المنفعة، ~~والرغبة أو الرهبة، ولكن الشاعر الحق هو الذي يملك الرؤية الخالصة، ويتحدث ~~إلى المستقبل حديثه لوجود لا محدود يحس دبيب خطواته، ويشعر بنبضه، وينفتح ~~على وجوده، ويعين القلوب على الإحساس ~~به. فالشاعر يسكن سكنا شعريا فوق الأرض، وهذا الشاعر الذي اقتبسنا بعض ~~أبياته منذ قليل هو الذي يختم قصيدته إلى العروس بهذه الأبيات: # لا أيها الأحباب! لا! إني لا أحسدكم، # فالشعراء يعيشون دون أن يؤذوا أحدا # كما تعيش الزهرة على النور # وتطيب لهم الحياة على الصورة الجميلة # حالمين، سعداء، مساكين. # لكن هؤلاء الحالمين المساكين هم الذين يحيون في ماء ~~النبع الأصلي. وهم الذين يعيشون تجربة الحضور، سواء أكان حضور الماضي ~~الرهيب أم حضور المستقبل المحبوب. وليس هذا مقصورا عليهم أو على واحد منهم ~~ذكرناه. فالإغريق كانوا يحتفون بالربة «خاريس»، ويعدونها ربة النعمة ~~الماثلة في كل ما يزدهر ويوحي بالأمل. # عرفوا أنها هي الروح التي توقظ الغناء، لا بالماضي وخلوده - ومنه يتدفق ~~كل شعر عظيم - بل بالحب والمعرفة بالمستقبل، بحضوره غير المحدود. وليس من ~~قبيل الصدفة أن كان للعراف والعرافة في أدبهم كل هذا الشأن. # أراد «زينون» الإيلي أن يؤيد فلسفة أستاذه بارمنيدس بكل وسيلة، فراح ~~يثبت بمفارقاته العجيبة أن الزمن يتألف من آنات. وعبثا حاول «ديوجينس ~~الكلبي» أن يفند مهزلته الحزينة عندما نهض ms193 واقفا من بين المستمعين الذين ~~التفوا حوله، وأخذ يذهب ويجيء على مشهد من الجميع، لعل صاحبنا يقتنع بأن ~~الحركة موجودة، وأن الزمان تبعا لذلك موجود! وبدت المفارقة - حتى عهد قريب ~~عندما فك عقدتها برجسون والرياضيون المحدثون - كالصخرة العنيدة التي يتحطم ~~عليها كل سفين. وبدا كأن الناس لا تجرب حياتها إلا في آنات تعقبها آنات، ~~وكأن صاحبنا القديم قد جمع أبعاد الزمن كلها في هذه «الآن». لكن الواقع ~~يشهد بأن الإنسان يقضي حياته في الماضي أو في المستقبل، وأن تجربة «الآن» ~~من التجارب النادرة في حياته. فإذا أراد أن يجرب الحضور الحق في اللحظة ~~فلا بد أن تنبهه الأشياء وتوقظه بقوة، ولا بد أن يملك القدرة على رؤية ~~الأعماق الكامنة وراء السطح، والكشف عن الأقنعة التي خلقتها العادة. هنالك ~~يكشف الواقع عن وجهه الملكي أو وجهه الإلهي. ولهذا لن يدهشنا أن نجد ~~المتصوفة من أصحاب الرؤية في الشرق والغرب على مر العصور هم أول من يحدثنا ~~عن تجربة «الحضور الكامل»، وعن اللحظة الخالدة، أو تجربة «الآن» الخارج عن ~~الزمان. # الطبيعة كتاب مفتوح لكل من له عين. وكلما ازدادت العين حدة والنظرة ~~نفاذا تفتحت لنا الطبيعة، وأعطتنا كل كنوزها. غير أن الإدراك الحسي لا ~~يكفي، وأعضاء الحس لا تمكننا من إدراك اللب والجوهر، ولا غنى لنا عن رؤية ~~الروح كي نتأمل ونشاهد ما لا نراه بعين الجسم. # ولا بد أن يرتفع وجودنا نحن كي نلمس حقيقته، وكلما ازداد حظنا من ~~العظمة، كشف لنا العالم عن عظمته. فاللحظة التي تنكشف فيها روعة الواقع هي ~~نفس اللحظة التي ترفع وجودنا إلى السمت، هنالك نتطلع برعشة السعادة ~~المجهولة إلى المجهول الرائع وجها لوجه. قد يكون شكلا من أشكال الطبيعة، ~~حادثا عاديا مما يجري في حياة العالم أو حياة الناس، فسيعلن اللامحدود ~~عن نفسه في كل مرة، سندرك الكل بنظرة واحدة، سيتجلى الإله في كل ما هو ~~أرضي، سيطل علينا في اللحظة السرمدية، اللحظة التي يتوقف عندها الزمن، أو ~~التي أوقفت الزمن حتى يتم اللقاء بأنفسنا ms194 والآخر. # عندها نجرب الحضور الكامل، الحضور السرمدي. عندما لا يعود «الحاضر» ~~شكلا من أشكال الزمان، ولا بعدا من أبعاده، بل الخلود اللازمني الذي ~~أتيح لنا أن نقبس لمحات من برقه ونلمس ومضات من ناره. # إن كل ما قلناه عن الماضي والمستقبل، وما نقوله الآن عن الحاضر تؤكده ~~تجربة «جوته» في شيخوخته بعد أن بلغ الثمانين من عمره وكتب إحدى قصائده ~~الفلسفية المتأخرة بعنوان «وصية» (1829م): ~~«النعمة بين يديك، فمتع نفسك بالقسطاس، # وليكن العقل رفيقا لا يتخلى عنك، # حيث تسر حياة بحياة. # عندئذ يبقى الماضي ويدوم # والمستقبل يصبح حيا قبل أوانه # واللحظة تصبح بيت الأبدية.» # إن الحاضر الحق يشبه دائما أن يكون كيانا ينظر ~~للإنسان، عينا تصيب وجوده وتغوص به في أعماق وراء أعماق. ولا بد في هذه ~~الحالة أن تستجيب «أناه» للأنت التي تخاطبه. ولا بد أيضا أن تكون أقصى ~~درجات الحضور هي درجة «الجذب» أو «الوجد» - أو ما شاء أن يسميه أصحاب ~~الرؤية من أفلوطين إلى اليوم - حين يتم حضور الواقع الحق، وتتعانق «الأنا» ~~و«الأنت»، بحيث لا يبقى في النهاية إلا الوجود اللانهائي. # ليس من قصدنا أن نطرق باب هذه الحضرة بكلمات اللغة وتصورات الفهم ~~العاجزة بطبعها عن ولوجه. ولن نتخذ موقفا من الخلاف بين أهل البصيرة حول ~~هذا اللقاء أهو إثبات للأنا أم اتحادها في الآخر وتلاشيها. فكل ما يهمنا هو ~~أن نشير إلى معجزة الحضور في اللحظة الخالدة، حيث يجد الإنسان نفسه، ويكون ~~لقاء الأنا مع الأنت هو في نفس الوقت لقاء الأنا مع ذاتها. # في تجربة اللحظة الخالدة يكتمل وجود الإنسان كما يكتمل الوجود نفسه. ~~تبقى نظرة عين واحدة - كالشمس - تحاول أعيننا أن تتملى فيها، حيث نشارك في ~~الأبد الخالد، أو نصبح نحن الأبد الخالد. وليس أقدر من «الحب» على التعبير ~~عما نعجز عن التعبير عنه. وشواهد الحب ماثلة في حياتنا اليومية مثولها في ~~قلوب المحبين الخالدين. فلننظر إلى ما يقوله الشاعر «جوته» على لسان ~~الحبيبة في قصيدته «الحبيبة مرة أخرى»: ~~«هكذا وقفت أمامك، كي أتطلع ms195 إليك، # ولم أقل شيئا. وماذا كان لي أن أقول؟ # كان كياني كله قد اكتمل في ذاته.» # لقد اعتاد الناس أن يمروا ببعضهم البعض مرور العابرين ~~دون أن يرى أحدهم الآخر رؤية حقة. ويظل الحال كذلك حتى تصيبهم النظرة ~~الخالدة، ويسطع الحاضر سطوع البرق، (تجربة الحب الحقيقي عند المحبين ~~الحقيقيين) وقل نفس الشيء عن لقائنا المعتاد بالسماء والأرض، بأشكال الوجود ~~المختلفة، بالأحداث الكبرى والصغرى، فكلها يمر بنا ويعبرنا. وإذا التفتت ~~إلينا أو التفتنا إليها، نظرت إلينا من خلف قناع. وبينما نحن تائهون عنها ~~في حلم أو كابوس لا نفيق منه، إذا باللقاء يتم فجأة، تشرق الحقيقة، يتفتح ~~الوجود، ندخل تجربة الحضور. فإذا توافر للتجربة العمق، ولعين الروح الدهشة ~~والصدق، بدا كأن إلها يمعن النظر فينا من خلال لقائنا بالأحباب والأعزاء ~~ومختلف الصور والأشكال والأحداث مهما تكن ضئيلة أو تافهة الشأن في عين ~~الحياة اليومية والعملية. ~~«كن نفسك» تلك هي الحكمة التي لم يكف عن ترديدها الحكماء. وفي ~~«المواجهة» و«اللقاء» يكون الإنسان هو نفسه، وحين يفنى في الآخر يكون ~~بكليته. والعكس صحيح. ~~«من عرف نفسه فقد عرف الله.» هكذا يقول الحديث الشريف. ~~«كوني أنت نفسك أكن لك.» هكذا يخاطب الله نفس الإنسان على لسان «نيقولا ~~الكوزاني» (1401-1464م)، وعندما يرى الإنسان بحق ويخاطب بحق، أي عندما ~~تصيبه نظرة الآخر أو كلمته في الصميم، يصبح هو نفسه. عندئذ تتم معجزة ~~الحضور، معجزة التحرر من الوسائل والأهداف، والهموم والعادات، من سيطرة ~~الرغبة، من كل ما ليس وجودا خالصا وحقيقة محضة. عندئذ يتحول الجسد ~~والروح إلى كيانهما الخالد، يستجيبان لحضور كيان رائع. يجد الجسد نفسه ~~فيرقص استجابة لمعجزة الحضور (فينطلق بالغناء المعبر عن روعة الكيان الذي ~~حل فيه وتملكه، كما نجد في الشعر الغنائي عند كبار المحبين عندنا أو عند ~~غيرنا). # كذلك يخطو الإنسان الذي مسته روح الإله، وهو يؤدي الطقوس أو بالأحرى ~~يتركها تؤدي نفسها فيه. ويصبح هذا الحضور الكامل علامة على حضور الإله، ~~بالخطوة الخفية، والإشارة الرائعة، والإيماءة المهيبة، بوقفة التعظيم ~~والإجلال. هنا مهد ms196 الدراما والشعر البطولي، فلم يكن كلاهما سوى الترحيب ~~بالإله. # وأخيرا نقول إن الحضور ليس مقصورا على الطقوس وحدها. إنه يمتد إلى ~~أشكال الوجود وكل مواقف الوعي الحاسمة في تاريخ الإنسان في فعل الخلق ~~المبدع، في لحظة حسم ثوري، في كل لقاء حق، ساعة يولد طفل أو يحتضر الشيخ، ~~في لحظة العلو فوق الكل، ولحظة التحدي للفناء والزوال، في لحظة القرار ~~والاختيار، لحظة استغراق في فضاء الكون الظاهر أو الباطن، في خيبة الأمل أو ~~نشوة النصر، فيما نسميه اليوم بالمواقف الحدية ... إلخ. # ولقد عبر الأب العظيم ولا يزال إلى اليوم يعبر عن أشكال الوجود الأصيلة ~~التي تجسدت قديما في الأسطورة والطقوس. # وكان الشعر وسيظل أقدر من غيره على التعبير عن تجربة الحضور السرمدي ~~التي يكشف عنها الماضي والحاضر والمستقبل. وتصبح «الخطوات الثلاث» التي ~~تغنى بها شيلر ثلاثة وجوه للخلود والسرمدية. إنها لتفقد أشكالها الزمنية ~~التي طالما اختلفت حولها العقول، وطالما حاولت قياسها كما يقاس المكان، ~~ومدت لها حبال الديمومة في التذكر أو الانتظار، ولو التقى بها الإنسان كما ~~ينبغي أن يكون اللقاء لأصبحت كلها حاضرا ممتدا في وعيه، ولأصبح وعيه ~~الباطن هو وعاء الحاضر السرمدي (فأن تكون واعيا معناه أن تكون خارج ~~الزمان، على حد قول إليوت في رباعياته الأربع ...) عندئذ يعي الموجود نفسه، ~~كما يتم وعيه بالآخر وبوجوده هو نفسه وكيانه. عندئذ تتكشف له معاني كلمات ~~نسمعها كل يوم، يثرثر بها معظمنا، ويسعى أقلنا إلى فهمها والعمل بها، ~~كالحرية، والتفتح، والشخصية، والمعنى، والواجب ، والمسئولية، والخلق، ~~والإبداع، والقلق، والشجاعة، والحب، والتفاني، والصدق، والأصالة ... ~~إلخ. # عندئذ ترجع النقطة إلى البحر الذي انبثقت منه، أو قل تصبح هي البحر، ~~يصبح ماضي العالم والإنسانية ومستقبلها حاضرا حيا في اللحظة. # عندئذ تكشف كل الأقنعة ونسكن بيت الأبدية، نلمس نور البرق الخاطف أو ~~يلمسنا ... نحيا اللحظة أو تحيانا. # عندئذ تصبح هي الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين ~~أن يحملنها وحملها الإنسان. # وعندئذ نلمس السرمدية، أو نكون نحن جزءا من السرمدية، في لحظة وعي ~~فوق ms197 الزمن. ~~(1977م) # | كف نفسك # قراءة في نصوص نيتشه النفسية # القسم الأول # هذه قراءة لبعض نصوص نيتشه (1844-1900م) «النفسية». ربما تثير الكلمة ~~الأخيرة شيئا غير قليل من الشك والحيرة. وربما ذكرت القارئ بالجدل ~~الطويل الذي دار، وما يزال يدور حول الفيلسوف الشاعر مؤلف «هكذا تكلم ~~زرادشت» و«أناشيد ديونيزيوس الديثرامبية»، صاحب الأسلوب المتوهج بالصور ~~الحية، والرؤى العميقة المخيفة، والعبارات البركانية المتفجرة بالغضب ~~والشوق، ذلك الذي «تفلسف بالمطرقة»، ولم يكتب كلمة واحدة لم يغمسها - على ~~حد قوله - في دم القلب، هل هو شاعر أم فيلسوف؟ وهل نحسم هذا الجدل الذي لم ~~ينته بأن نضيف إليه مشكلة جديدة، فنزعم أنه عالم نفس؟ # لا شك عندي في أن نيتشه مفكر وجد في التفكير وحده كل نشوته وعذابه، ~~وبهجته وألمه، بل إن التفكير المجرد ليبلغ عنده تلك القمة التي يصبح فيها ~~فكرا غنيا بالصور الحية التي تليق ب «فيلسوف الحياة». ويكفي أن نطلع على ~~فقرة واحدة مما كتب، وأن نتذكر العبارة التي قالها في كتابه الأكبر «إرادة ~~القوة»، الذي لم يقدر له أن يتمه، وجمع ونشر بعد موته: «إن الفكر هو أقوى ~~شيء نجده في كل مستويات الحياة»، والعبارة التي صرح بها في إحدى كتاباته ~~المتأخرة: «إن التفكير المجرد لدى الكثيرين عناء وشقاء، أما عندي فهو في ~~الأيام المواتية عيد ونشوة»، وأخيرا هذه العبارة التي دونها في أوراقه ~~التي عثر عليها بعد موته، وكأنه كان يتنبأ بالغيب ويرد على الأجيال التي ~~شعر أنها لن تفهمه ولن تنصفه: «إرادة القوة» ... كتاب هدفه التفكير، ولا شيء ~~غير التفكير. # 1 # إرادة القوة إذا شأنه شأن غيره من كتبه قد وضع ليفكر فيه الناس. إنه ~~قول ميتافيزيقي يتحدث عن العالم ككل، ويتجاوز كل ما يضمه من أحوال وأشياء. ~~ويصدق الشيء نفسه عن أفكاره الكبرى - التي تعرضت دائما لسوء الفهم - عن ~~الإنسان الأعلى وإرادة القوة - أي إرادة الحياة والمزيد من الحياة - وعودة ~~الشبيه الأبدية. فهي أفكار فلسفية وميتافيزيقية قبل كل شيء، وصاحبها الذي ~~طالما تفاخر بعدائه للميتافيزيقا والمنطق والجدل والعقل النظري ms198 أو السقراطي ~~هو في رأي معظم الدارسين (وبخاصة هيدجر وتلاميذه) أشد الميتافيزيقيين ~~تطرفا في تاريخ التفكير الغربي، بل إنه في رأيهم منتهى غايتها وآخر حلقة ~~من حلقات تطورها منذ أفلاطون، ومن قبله من المفكرين قبل سقراط. # بيد أن هذا كله لا يتنافى مع الحقيقة التي وصف بها نفسه حين قال إنه ~~«خبير بالنفس» لم يتوقف عن سبر أغوارها، وإنه كما قال في كتابه «إنساني، ~~إنساني جدا» قد استفاد من «مزايا الملاحظة النفسية»، وراح في كل كتاباته ~~يحلل نفسه وينقدها، وينطق بلسان «السيكولوجي» حين ينطق عن حاله. يقول على ~~سبيل المثال في كتابه «نيتشه ضد فاجنر»: «كلما ازدادت خبرة المرء بالنفس، ~~واتجه كعالم نفس بالفطرة والضرورة إلى الحالات الاستثنائية والأنماط ~~المختارة من البشر زاد الخطر الذي يتهدده بالاختناق شفقة عليها ...» ولكن ما ~~حاجتنا للجوء إلى مثل هذه العبارات وكتابات الفيلسوف تنطق بخبرته بالنفس، ~~وتعمقه في طبقاتها الدفينة، ومتاهاتها المظلمة؟ إن المطلع على هذه الكتابات ~~ابتداء من «ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى» حتى شذراته الأخيرة ~~وخطاباته التي كتبها في ليل جنونه، ووجهها إلى قيصر والمسيح وبعض أصدقائه، ~~كل هذه الكتابات تشهد شهادة كافية على تحليلاته النافذة، ونظراته النفسية ~~الثاقبة، بل إنها لتشهد بأنه سبق مؤسس التحليل النفسي في هذا المضمار، وأنه ~~أراد طريق علم النفس التحليلي وعلم النفس الفردي - كما سنرى بعد قليل - ~~وأثر عليها جميعا بحدوسه، وخواطره الملهمة تأثيرا مباشرا أو غير مباشر - ~~وصل في بعض الأحيان إلى حد استباق النظريات - كاللاوعي وما تحت الوعي وما ~~فوقه ووراءه، وكذلك اللاوعي الجمعي النماذج أو الأنماط الأولية، بل لقد بلغ ~~حد التطابق في المصطلحات كما سنرى مثلا مع كلمة «الإعلاء» التي تتكرر في ~~كتبه أكثر من اثنتي عشرة مرة. # الواقع أن نيتشه قد تجاوز علماء النفس «المدرسيين» في عصره، وتخلص من ~~لغتهم التصورية الجافة، وسبقهم إلى كثير من المعارف والأنظار التي لم يدروا ~~عنها شيئا. نظر في خفايا النفس الفردية وما تنكره خجلا أو تحجبه خوفا من ~~نفسها ومجتمعها، كما نظر في العلاقات ms199 الوثيقة بين الحضارة والدين، وبين ~~المجتمع والأخلاق، وتتبع التطورات الحضارية التي كونت ما نسميه الوعي إلى ~~الأجداد وأجداد الأجداد، وأثبت أن هذ الوعي ليس إلا حصيلة أخطاء عريقة، وأن ~~الضرورة تقتضي الغوص إلى ما تحته في متاهة الدوافع المستعرة، كما تقتضي ~~التطلع إلى ما بعده في «رعي جمعي» يحمله جيل من أصحاب الأرواح الحرة ~~المريدة الخلاقة، جيل راح ينتظره، ويعد له ويبشر به بأعلى صوته. وهو لم ~~يكتف في كل هذا بأن يكون خبيرا بالنفس يقتفي آثار منابعها الذاتية الحقة، ~~ولم تقف تجاربه ومحاولاته عند البحث عن هذه المنابع الأصيلة (يقول في إحدى ~~القطع التي كتبها عن زرادشت: الانتظار والتأهب. انتظار أن تنبثق منابع ~~جديدة. أن ينتظر المرء عطشه ويتركه، حتى يصل إلى أقصى مداه؛ لكي يكتشف ~~منبعه) لم يقف الأمر عند هذا، بل عرف أن «السيكولوجية» التي يقصدها ~~«سوماتية» أو ممتدة الجذور في الجسد. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ~~يجعل عنوان إحدى حكمه التي كتبها ضمن شذرات كتابه الأكبر الذي سبقت الإشارة ~~إليه: «الاهتداء بالجسد»، وأن يقول فيها: «على فرض أن «النفس» كانت فكرة ~~جذابة غنية بالأسرار الغامضة، ولم يستطع ~~الفلاسفة - والحق معهم - أن ينفصلوا عنها ~~إلا مرغمين، فربما كان ذلك الذي بدءوا يتعلمون كيف يستبدلونه بها أكثر ~~منها جاذبية وأحفل بالغوامض والأسرار»، ولا شك أن نيتشه - بعد شوبنهور ~~وفويرباخ - قد اكتشف أن الجسد فكرة أكثر إثارة للدهشة من فكرة النفس ~~«العتيقة». وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا باختصار يحتمه ضيق المقام أن هؤلاء ~~الثلاثة قد عملوا على تحول الفكر الحديث من ميتافيزيقا العقل - الذي انهار ~~وخلع عن عرشه بعد موت هيجل - إلى ميتافيزيقا الجسد والإرادة والدوافع. ولعل ~~نيتشه أن يكون أشدهم من هذه الناحية تأثيرا على تيارات عديدة من فلسفة ~~الحياة إلى فلسفة الوجود إلى علم النفس الوجودي إلى الأنثروبولوجيا ~~الفلسفية إلى مدارس التحليل النفسي المختلفة. # هل يعني هذا أن نجعل من نيتشه «عالم النفس»، كما أصر على وصف نفسه في ~~بعض نصوصه؟ وهل يصح أن ms200 نشق على أنفسنا، فنوازن موازنة دقيقة بين نصوصه التي ~~تتجلى فيها «إنجازاته السيكولوجية»، وبين نصوص أخرى نستقيها من علماء ~~النفس التحليليين (كما فعل فيلسوف الحياة لودفيج كلاجيس (1872-1956م) في ~~كتابه إنجازات نيتشه السيكولوجية # 2 # مبينا سبقه لهؤلاء في العديد من مناهجهم ونظراتهم ~~ومصطلحاتهم)؟ إن البحث العلمي لا يعرف حدا يقف عنده، ولا يتهيب بابا ~~يطرقه ولا طريقا يقتحمه. وكل ما سبقت الإشارة إليه أمور مشروعة لا غبار ~~عليها، ولكن المشكلة أن جوانب نيتشه متعددة - مثله في ذلك مثل كل مفكر ~~حقيقي ضخم، فهو «سيكولوجي» أراد - على حد قوله - أن يجعل من علم النفس ~~«طريقا إلى المشكلات الأساسية الكبرى» بحيث يصبح «سيد العلم»، ويسخر سائر ~~العلوم لخدمته والإعداد له. وهو بجانب ذلك «فسيولوجي» أراد أن يعرف ~~«الفيزيس» في الطبيعة وفي حياة الإنسان وجسده الخاص، و«فيلولوجي» ضاق ~~بمناهج فقهاء اللغات القديمة في عصره - وقد كان أستاذا لها - وبضيق أفقهم ~~وقصور تفسيراتهم اللغوية المرهقة. ثم هو قبل كل شيء وبعد كل شيء مفكر ~~ميتافيزيقي وفيلسوف حضارة عدمية غاربة، وأخرى مقبلة في مستقبل يبشر به، ~~ويعلن عنه، ويدعو إلى خلقه وإبداعه. # وتبقى في النهاية مشكلة نصوصه نفسها. إن هذه النصوص المجنحة المتوهجة ~~بنار الغضب أو النشوة، تحير كل من يحاول الاقتراب منها. فهل يمكن أن نقف ~~منها موقفا موضوعيا باردا يقتضيه التحليل العلمي، وهل نستطيع من ناحية ~~أخرى أن نقي أنفسنا خطر الانجذاب لدوامتها والانجراف مع حماسها وجموحها؟ إن ~~نيتشه يصف نفسه بأنه ليس بشرا، وإنما هو ديناميت، وهو يؤكد باستمرار أنه ~~قدر وأن قدرا لم تسمع عنه البشرية قد ارتبط به. ومن يطلع على صفحة واحدة ~~من كتاباته لا ينجو من زلزلة تصيبه أو حمم تتناثر من بركانه. ولن ينسى أحد ~~وصفه لنفسه في هذه الأبيات التي جعل عنوانها «هو ذا الإنسان» من كتابه الذي ~~يحمل نفس العنوان: # حقا! إني أعرف أصلي. # نهم لا أشبع # أتوهج، آكل نفسي # كاللهب المحرق، # نورا يصبح ما أمسكه # فحما ما أتركه # حقا! إني لهب محرق! # لا مفر ms201 إذن من أن نحاول الأمرين معا على صعوبة الجمع ~~بينهما: أن نفهم هذا المفكر اللاهب الملتهب، وأن نتعاطف معه، ونجرب أن نرى ~~رؤاه، وبذلك نرضي مطلب الموضوعية الذي لا غنى عنه، ونستجيب لدفء الوجدان ~~الساحر الذي يلفح وجوهنا مع كل سطر من سطوره. الأمر عسير كما قلت، وهو أشبه ~~بإقامة العدل أو عقد الزواج بين الثلج والنار! إنه يتطلب اتخاذ مسافة البعد ~~الكافية التي تحتمها النظرة العلمية المحايدة، كما يقتضي القرب المتعاطف ~~الذي يحتمه التعامل مع مثل هذا الفيلسوف الشاعر بالمعنى الأعمق لا بالمعنى ~~التقليدي لهاتين الكلمتين. ولعل هذا البعد السحيق من جهة، وهذا التواصل ~~الوثيق من جهة أخرى هما اللذان تفرضهما كل علاقة أصيلة يمكن أن تنشأ بين ~~الأنا والأنت (على حد تأكيد مارتن بوبر في كتبه العديدة عن هذه العلاقة ~~الجوهرية الأصلية التي أوشكت أن تغيب غيابا مطلقا عن حياتنا العربية ~~والمصرية). # بقي أن نتم المهمة التي أشرنا إليها في بداية هذا التقديم، ألا وهي ~~بيان التأثيرات المباشرة أو غير المباشرة لكتابات نيتشه «النفسية» على ~~أعلام التحليل النفسي أو بالأحرى «علم نفس الأعماق» كما يوصف في لغته. وهي ~~مهمة سنحاول أداءها بإيجاز شديد لا يسمح المقام بتفصيله. # لنبدأ برائد التحليل النفسي ومؤسسه فرويد (1856-1939م). ولنذكر أولا ~~أنه كان معاصرا لنيتشه الذي يكبره في السن باثني عشر عاما فحسب، وأنه ~~اتخذ منه ومن فلسفته موقف التحفظ الذي لم يكد يتزحزح عنه. ولعل القارئ لم ~~ينس تلك الفقرة المشهورة من نهاية المحاضرة الثامنة عشرة من محاضراته ~~التمهيدية عن التحليل النفسي التي يشرح فيها كيف أوذي الإنسان الحديث ثلاث ~~مرات في غروره واعتزازه بنفسه ومكانته في العالم. كانت المرة الأولى عندما ~~تم التحول الأكبر في عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد ~~كوبر نيقوس (1473-1543م) الذي افترض أن أرضنا ليست هي مركز الكون، وكان من ~~الضروري أن يستخلص الإنسان من ذلك أنه ليس تاج الخليقة، وأن العالم لم ~~يخلق من أجله. وكانت المرة الثانية عندما قدم تشارلز داروين ms202 (1809-1882م) ~~كتابه عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، فأثرت نظريته في التصور ~~الديني بوجه خاص عن كون الإنسان صورة الله وخليفته على الأرض. أما المرة ~~الثالثة فكان الأذى أشد قسوة وأعمق جرحا؛ إذ جاء من جانب «البحث ~~السيكولوجي الراهن، الذي يريد أن يثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدة ~~في بيتها الخاص، وإنما تظل معتمدة على أنباء شحيحة عما يجري بصورة غير ~~واعية في حياتها النفسية». ومع أن فرويد يقرر في تواضع أن أصحاب التحليل ~~النفسي ليسوا هم أول من نبه إلى ضرورة الرجوع إلى الذات، ولا هم وحدهم ~~الذين فعلوا ذلك، إلا أنه يستطرد فيقول: «يبدو أنه قد كتب علينا أن نعبر عن ~~هذا أقوى تعبير، وأن ندعمه بالمادة التجريبية التي تهم كل فرد.» ولسنا هنا ~~بصدد مناقشة الطابع التجريبي والعلمي للتحليل النفسي، فالجدل حول هذه ~~المسألة يطول، ولكننا نسأل فحسب إن كان من حق فرويد وتلاميذه وحدهم أن ~~يستأثروا ب «مجد» إيذاء الإنسان الحديث، وتعرية عالمه الباطني المظلم، أم ~~أن نيتشه قد سبقهم إلى الأخذ من هذا المجد بنصيب؟! # مهما يكن الأمر، فإننا نجد فرويد يشيد في سيرته (أو صورته) الذاتية - ~~التي نشرت سنة 1925م - بالفيلسوف شوبنهور ويتحدث عن توجه التطابق القوي بين ~~التحليل النفسي وفلسفته. وهو يشهد بأن هذا الأخير لم يصرح فحسب بأولوية ~~«الانفعالية»، والأهمية القصوى ل «الجنسية»، وإنما توصل كذلك إلى نظرات ~~نافذة في «آلية الكبت» (راجع سيرة فرويد الذاتية، فرانكفورت على نهر ~~الماين، سلسلة كتب فيشر، ص87) # 3 # ويستدرك فرويد - الذي كان فيما يبدو شديد الحرص على عدم المساس ~~بأصالته واكتشافه للاوعي - فيقول إنه لا يمكن الحديث عن أي تأثير لشوبنهور ~~عليه وعلى بناء نظريته؛ لأنه لم يطلع على كتابات الفيلسوف إلا في وقت متأخر ~~جدا. ولم يكن ينتظر من رجل مثل فرويد الذي عرف بثقافته واطلاعه الأدبي ~~الواسع أن يتجاهل معاصره نيتشه، فنجده يسجل في الموضع السابق من سيرته هذه ~~معاصره نيتشه، فنجده يسجل في الموضع السابق من سيرته هذه ms203 الملاحظة الدالة: ~~«أما نيتشه، الذي كثيرا ما تتطابق مشاعره ونظراته بصورة مذهلة مع النتائج ~~المضنية للتحليل النفسي، فقد تجنبته طويلا، ولم يكن يرجع ذلك إلى السبق ~~(أو الأولوية) بقدر ما كان يرجع إلى حرصي على المحافظة على حريتي ...» ولا ~~يخفى على القارئ أن هذه العبارة تنطوي على عكس ما أراد عالم النفس الشهير؛ ~~إذ يبدو أنه - في هذه النقطة على الأقل - لم يعرف نفسه كما كان يتوقع منه، ~~ولم يستطع إخفاء اهتمامه بنفي أي تأثير عليه من نيتشه، فكأني به قد وقع في ~~زلة من زلات اللسان أو القلم التي تثبت عكس ما حاول أن ينكره ~~ويخفيه. # ولا يتسع المجال لتناول علاقة فرويد بنيتشه بصورة مفصلة، ويكفي أن ~~نشير - تأكيدا لهذه العلاقة التي حاول ~~مؤسس التحليل النفسي أن ينفيها أو يقلل من شأنها - إلى أن مؤرخ حياة فرويد ~~- وهو العالم الإنجليزي إرنست جونز - يذكر في كتابه عن حياة أستاذه خطابا ~~مؤرخا في سنة 1900م يقرر فيه أنه «مشغول بقراءة نيتشه»، ولا بد أنه لم ~~يفته أن يطلع عليه من قبل وإن لم يبدأ العكوف عليه إلا في السنة ~~المذكورة. ونضيف واقعة أخرى لا تخلو من دلالة على العلاقة غير المباشرة ~~بينهما. فقد حضرت صديقة نيتشه لوسالومي (وهي التي حاول عبثا أن يخطب ودها) ~~مؤتمر التحليل النفسي الثالث الذي انعقد في شهر سبتمبر سنة 1911م في مدينة ~~قيمار. والمعروف أنها انضمت بعد ذلك إلى مدرسة فرويد الذي اعتبرها من ~~تلاميذه، كما حاولت في مذكراتها التي كتبتها بعنوان «من مدرسة فرويد» أن ~~نربط نظريات التحليل النفسي ، وتعبيرات نيتشه وصيغه النفسية المختلفة، ~~وأخيرا نشير باختصار إلى الرسائل المتبادلة بين فرويد والكاتب الروائي ~~الاشتراكي أرنولد تسفايج # 4 ~~(1887م-...) في فترة امتدت من سنة 1927م حتى سنة 1939م. فقد ~~أخبره تسفايج أنه يزمع وضع كتاب أو رواية طويلة عن نيتشه، ثم أرسل إليه في ~~الثاني من ديسمبر سنة 1930م من مدينة فينا خطابا يقول فيه إنه - أي ~~فرويد - قد حقق كعالم نفس تلك الرسالة التي ms204 شعر نيتشه بوجدانه الملهم أنه ~~مكلف بأدائها، وإن كان قد عجز عن تحويل رؤاه الشعرية إلى حقائق علمية. وأخذ ~~الكاتب الروائي يعدد «إنجازات» فرويد التي سبقه الفيلسوف إلى الإحساس بها ~~وصياغتها: «لقد حاول نيتشه أن يصور «ميلاد التراجيديا»، وأنت قد فعلت هذا ~~في كتابك عن «الطوطم والمحرم (التابو)»، وعبر عن شوقه على عالم يقع وراء ~~الخير والشر، وقد استطعت عن طريق التحليل النفسي أن تكتشف مملكة تنطبق ~~عليها عبارته، وأن تقلب قيمه كل القيم، وتتجاوز المسيحية، وتصوغ «خصم ~~المسيح» الحقيقي، وتحرر مارد الحياة المتصاعدة من الزهد الذي كانت تعتبره ~~المثل الأعلى. ولقد استطعت كذلك أن ترد «إرادة القوة» إلى الأساس الذي تقوم ~~عليه، وأن تتناول بعض المشكلات الجزئية التي اهتم بها نيتشه عن الأصل ~~اللغوي للمفاهيم الأخلاقية، فتتطرق منها إلى مشكلات أعظم وأهم عن الكلام ~~والإفصاح والربط بين الأفكار وتبليغها، ونتوصل إلى حلها. أما الروح ~~المنطقية أو السقراطية التي رفضها، فقد قصرتها على مجالات الوعي، ووضعتها ~~في حدودها بصورة أدق. «ولما كنت باحثا طبيعيا وعالما نفسيا يتقدم ~~خطوة خطوة، فقد أتممت ما تمنى نيتشه أن يتمه، ألا وهو الوصف العلمي للنفس ~~البشرية، وجعلها مفهومة، ثم زدت على ذلك فبينت - بحكم كونك طبيبا - سبل ~~تنظيمها وعلاج أمراضها. إنني أعتقد كذلك أن هناك قدرا كبيرا من الملاحظات ~~الفردية التي تتصل بفرويد «الكاتب»، وتمد جسورا بينه وبين نيتشه، كما ~~أعتقد أن بسالة «المتفلسف بالمطرقة» قد فاقتها بسالة الباحث بأسلوب موضوعي ~~خالص عن الدوافع «الأورفية والديونزية»، واكتشاف تأثيرها وفعلها في كل واحد ~~منا ...» # ماذا كان رد فعل مؤسس التحليل النفسي على كل هذا التمجيد والإشادة ~~بدوره؟ # العجيب حقا أنها لم تحوله عن تحفظه تجاه الفيلسوف، بل لعلها قد زادته ~~إصرارا عليه، فهو ينصح الكاتب الروائي بالعدول عن فكرة تأليف الكتاب، بل ~~يضيف في خطاباته التالية أننا لا نعرف إلا أقل القليل عن تكوين نيتشه ~~الجنسي، وهذا القليل القليل لا يساعدها على تطبيق أدوات التحليل النفسي ~~لإلقاء الضوء على حياته وقدره، ويبدو أن الكاتب لم ms205 يقتنع بالحجج التي ~~تذرع بها فرويد، فأرسل إليه هذا الأخير - في خطاب مؤرخ في السابع من ~~ديسمبر من السنة نفسها 1930م - هذه العبارة الدالة: «اكتب عن العلاقة بين ~~تأثير نيتشه وتأثيري بعد أن أموت» (راجع الرسائل المتبادلة بين نيتشه ~~وأرنولد تسفايج، نشرها إرنست فرويد، فرانكفورت على الماين، 1969م، ص35 وما ~~بعدها). # لعل هذا الموقف المتحفظ أن يرجع - كما تقدم - إلى خشية فرويد أن يستقر ~~في الأذهان سبق نيتشه، وأن يضر ذلك بريادته وأصالته. والرد على هذا بسيط: ~~فليس نيتشه هو الوحيد الذي أثر على تفكير فرويد، سواء اعترف به أم أنكره ~~(فثمة تأثيرات مؤكدة من أسماء أخرى مثل ليبنتز وجوته وشوبنهور وكاروس ~~الفيلسوف الطبيعي الرومانتيكي المعروف بكتابه عن النفس وبحديثه عن اللاوعي) ~~كما أن عشرات المؤثرات لا تصنع عبقرية، والاطلاع على مئات الحكم والأفكار ~~الملهمة لا يغني عن ضرورة تشكيلها، ولا ينال من أصالة اكتشاف المنهج، وسبل ~~الفحص والعلاج. هل نقول إذا مع باحث مثل هنري ف إلينبرجر (في كتابه اكتشاف ~~اللاشعور، الجزء الأول عن نيتشه نبي عهد جديد، ص73-385 من الترجمة ~~الألمانية، 1973م) # 5 # إن تأثير نيتشه يتغلغل في مدرسة التحليل النفسي بأكملها؟ إن ~~الحكم الموضوعي النزيه يقتضي المقارنة بين النصوص مقارنة دقيقة. وهو جهد ~~مشروع كما قلت، وسنخرج منه في النهاية بما لا يمس رائد التحليل النفسي في ~~أصالته، ولا يحول فيلسوف إرادة الحياة والقوة إلى عالم نفس. وفي تقديري أن ~~هذه المقارنة الدقيقة - التي نفتقدها حتى الآن - ستنتهي إلى النتيجة التي ~~أشرت إليها، ولكنها ستؤكد فضلا عن ذلك أوجه تشابه عديدة بين فكر المفكر ~~وعلم العالم (بغض النظر عما أثير حول علمه من ظنون، وعما بذل من محاولات ~~لتدعيم أفكاره بالتجارب و«التقنيات» أو الأساليب العلمية والطبية الدقيقة). ~~سوف نلاحظ مثلا أن الفيلسوف وعالم النفس يشتركان في الاعتقاد بأن كل تفكير ~~الإنسان وفعله وكل أشكال التعبير عن الحياة البشرية عند الفرد والجماعة ~~إنما هي مظاهر أو ظواهر معبرة عن «عمق» باطن، وأن «اللاوعي» هو الذي يقوم ~~في ذلك ms206 بالدور الأول لا «الوعي»؛ إذ تكون السيطرة لقوى الدوافع التي تأتي ~~من مناطق لا واعية في النفس، وهي قوى أو طاقات تعد أقدم من الوظيفة ~~العقلية، كما تكشف عن الجانب الأكبر من شخصية الإنسان الذي يحاول بطبيعته ~~أن يتستر خلف أقنعة من كل نوع، ويتم هذا الكشف حتى في أحلامه (حسب نظرية ~~فرويد عن الأحلام). ولهذا يؤكد نيتشه في مواضع كثيرة من نصوصه أننا نستطيع ~~أن نستخلص من التعبيرات الانفعالية لأي إنسان ما يفوق في حقيقته ودلالته كل ~~ما يمكن أن نستخلصه من العقل الذي يعمد دائما إلى الوزن والقياس والحساب ~~والتخطيط. # ولقد اعترف فرويد - كما سبق القول - بأن كتابات نيتشه تنطوي على نظرات ~~حدسية نجدها في كثير من الأحيان متطابقة مع النتائج التجريبية للتحليل ~~النفسي. والواقع أن هذه الكتابات تتناثر فيها مفاهيم وأفكار لا شك في ~~أهميتها وقيمتها التحليلية والنفسية، ناهيك عن مصطلحات يمكن أن توصف بأنها ~~بذور نمت منها بعض المصطلحات التي استقرت في التحليل النفسي (مثل مصطلح ~~«الهو» الذي يقابلنا أكثر من مرة في الكتاب الأول من هكذا تكلم زرادشت)، ~~وتبقى النظرات الحدسية - كما وصفها فرويد بحق - هي الأجدر بالاهتمام؛ إذ لا ~~نستبعد أن تكون قد أثرت على رائد التحليل النفسي مهما أنكر ذلك التأثير أو ~~تنكر له. ولنذكر بعض هذه النظريات باختصار: التصور الدينامي للنفس مع ~~تصورات أخرى مرتبطة به كالطاقة النفسية، ومقادير الطاقة الكامنة أو ~~المعوقة، وتحويل الطاقة من دافع إلى آخر، تصور أن النفس نظام أو نسق من ~~الدوافع التي يمكن أن تتصادم وتتصارع أو تندمج وتذوب في بعضها، تقدير أهمية ~~الدافع الجنسي، وإن لم يجعله الدافع الأول والأهم كما فعل فرويد قبل أن ~~يتكلم عن عزيز الموت في كتاباته المتأخرة؛ إذ إنه يأتي عنده بعد دوافع ~~العدوان والهدم، فهم العمليات التي سماها فرويد «آليات دفاعية»، وبخاصة ~~عملية الإعلاء والتعويض، التعطيل أو التعويق - والذي يسميه فرويد الكبت - ~~واتجاه الدوافع وجهة مضادة للذات نفسها. كذلك نجد بعض الأفكار المهمة ~~متضمنة في نصوص الفيلسوف مثل صورة ms207 الأب والأم، وأوصافه للإحساس بالحقد ~~والضمير الكاذب والأخلاق الفاسدة التي سبقت أوصاف فرويد للإحساسات العصابية ~~بالذنب كما سبقت وصفه للأنا الأعلى. أضف إلى هذا كله أن كتاب فرويد المشهور ~~«الضيق بالحضارة» يكاد أن يوازي كتاب نيتشه عن «تسلسل الأخلاق» موازاة ~~دقيقة في نقد العصر والحضارة، ولعل كليهما قد تأثر بما قاله الفيلسوف ~~والكاتب الفرنسي ديدرو (1713-1784م) من أن الإنسان الحديث مصاب بمرض عجيب ~~مرتبط بالمدنية؛ لأن المدنية تتطلب منه أن يتخلى عن إشباع دوافعه. وغني ~~عن الذكر أن الاثنين قد عاشا متعاصرين، وأنهما قد «مرضا» بزمانهما ~~وحضارتهما، وحاولا أن يعرياهما من أقنعتهما الزائفة. والفرق الأساسي بينهما ~~أن عالم النفس قد اهتم بالتطور الذي يبدأ من الماضي، بينما تطلع الفيلسوف ~~بكل غضبه وحماسه إلى المستقبل. ~~••• # ويأتي دور ألفرد آدلر (1870-1937م) مؤسس علم النفس الفردي الذي يدور ~~حول قضية أو فكرة تبدو شديدة القرب من تفكير نيتشه. فالمعروف أن آدلر قد ~~اعتبر الشعور بالنقص أو الضآلة من أهم حقائق الحياة النفسية، كما استخلص ~~منه نتائج مهمة تتعلق بتحديد شخصية ألفرد وبطابع الحياة الاجتماعية. وهو ~~يذهب إلى حد القول بأن الإنسان هو الكائن الذي يسعى سعيا دائبا لإكمال ~~شخصيته، وذلك ب «فضل» إحساسه بنقصه وضآلة قيمته، فإذا عاق هذا السعي إلى ~~الكمال عائق، وحيل بينه وبين الطموح إلى القوة وإثبات الذات ظهرت عليه ~~أعراض المرض العصابي. # ولا شك أن العبارات السابقة تغرينا بالتقريب بين فلسفة نيتشه وبين مذهب ~~آدلر الذي يحركه الطموح إلى القوة أو «إرادة القوة». وقد نسرع إلى الظن بأن ~~هذا المذهب يردد تنويعات مختلفة على لحن أساسي من ألحان نيتشه. وربما ~~يؤيدنا في هذا الظن أن آدلر نفسه - في كتابه عن الشخصية العصبية (1912م) - ~~يوافق على أن «إرادة القوة» تصلح للتعبير عن مسعاه، وأن هذه الفكرة الموجهة ~~- كما يقول في التمهيد للجزء النظري في الكتاب المشار إليه - «يندرج تحتها ~~اللبيدو والدافع الجنسي والميل للانحراف أيا كان مصدرها جميعا. إن ~~«إرادة القوة» و«إرادة المظهر» عند نيتشه تنطوي على جوانب كثيرة من ms208 رأينا ~~الذي يقترب بدوره في بعض النقاط من آراء فيريس وغيره من المؤلفين القدامى.» ~~ولا يكتفي آدلر بهذه العبارات التي تشهد باطلاعه الواسع على فلسفة نيتشه، ~~واعترافه بتأثيرها عليه، بل يضيف قوله في كتاب آخر نشره بالاشتراك مع زميله ~~كارل فورتميلر تحت عنوان «العلاج والتربية»: «إذا ذكرت اسم نيتشه، فقد كشفت ~~عن أحد الأعمدة الشامخة التي يقوم عليها فننا. إن كل فنان يطلعنا على خبايا ~~نفسه، وكل فيلسوف يعرفنا بطريقته في توجيه حياته وجهة عقلية، وكل معلم ~~ومرب يشعرنا بانعكاس العلم على وجدانه، كل هؤلاء يهدون بصرنا وإرادتنا في ~~أرض النفس الواسعة» (راجع كتاب يوسف راتنر عن ألفرد آدلر، 1972م، ص82، ~~سلسلة كتب روفلت المصورة عن شخصيات الأدباء والفنانين والمفكرين، العدد 189). # 6 # ربما أوحى إلينا هذا كله بأن مذهب آدلر صورة نفسية من فلسفة نيتشه. غير ~~أن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الظن، بل ربما جاز القول بأن علم النفس ~~الفردي يسير في اتجاه مضاد لأفكار فيلسوف القوة. ولا يرجع هذا إلى أن آدلر ~~قد تأثر به كما تأثر بغيره، فالتأثيرات مهما اشتدت وتنوعت لا تصنع - كما ~~قدمنا - شخصية ولا فكرا متميزا، وإنما يرجع إلى الفروق الموضوعية الدقيقة ~~بينهما. فإرادة القوة التي تصورها نيتشه تختلف عن الطموح إلى القوة الذي ~~يفسح له آدلر مكانا مهما في نظريته عن العصاب. وبينما يعبر الأول بفكرته ~~عن إنسانية أعلى، ويجعل منها وسيلة تخطي الإنسانية الحاضرة وغايتها، نجد ~~آدلر يعتبر الفكرة نفسها وموقف نيتشه بأكمله تعبيرا عن اليأس والقلق ونزعة ~~التعويض التي تدفع بصاحبها إلى السيطرة على الآخرين، وإثبات القوة والغلبة ~~عليهم (ولا ننسى بهذه المناسبة أن فيلسوف القوة كان فاسد المعدة ، مضطرب ~~الأعصاب، مصابا بالأرق المزمن وشقيا بتجاهل العصر وجحوده)، بحيث يمكننا ~~أن نقول مع بعض الباحثين إن علم النفس الفردي هو أبلغ اتهام لإرادة القوة ~~وأقسى تعرية لخداع صاحبها لنفسه وتدميره لها. وكما وضع فرويد التصميم ~~الواعي والتدبر والحكم العقلي الواضح في مقابل الدوافع اللاواعية، كذلك ~~أقام آدلر من الشعور بالجماعة ms209 سدا يحمي الحياة النفسية عن عواصف الطموح ~~إلى القوة والسيطرة الأنانية. صحيح أن آدلر قد سلم بوجود ثنائية نفسية ~~تذكرنا بما قاله فرويد عن مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، أو دوافع الحب والحياة ~~ودوافع التدمير والموت، ولكن الواقع أن علم النفس الفردي يحاول تحقيق ~~التوازن بين النزوع الفردي إلى القوة وبين الشعور بالجماعة أو المجتمع. ~~فإذا كانت إرادة القوة تمثل الدافع الأصلي وتعبر عن غريزة الحياة الأساسية ~~والمحور الذي يدور حوله الوجود، فإن الشعور بالجماعة هو الأصل والأساس في ~~حياة الإنسان، وما النزوع إلى القوة إلا حركة نفسية نابعة من عقدة الشعور ~~بالنقص (أو ضآلة القيمة) مفسدة للإنسان مدمرة لكيانه. # وليس الإنسان في نظر علم النفس الفردي مجرد حالة فردية أو استثنائية ~~تطمح إلى القوة والسيطرة، ولا تعرف شيئا عن الحب كما زعم فرويد عن تلميذه ~~المنشق، وإنما يقاس الفرد دائما بمقياس الإنسان المثالي الذي يتبع قواعد ~~اللعبة التي يسنها المجتمع ويسير - على هدي التربية وعلم النفس - إلى تحقيق ~~الحياة الإنسانية المشتركة مع إخوته في الجماعة الإنسانية. ~~••• # ونصل أخيرا إلى العلم الثالث من أعلام «علم نفس الأعماق»، وهو كارل ~~جوستاف يونج (1875-1961م) لنعرف إلى أي حد تأثر ب «الخبير بالنفوس». والحق ~~أن يونج يسلم بهذا التأثير بجوانبه الإيجابية والسلبية. ونستشهد على هذا ~~برسالة كتبها قبل موته بشهور قليلة إلى أحد رجال الدين الأمريكيين، وقال ~~فيها: «إن تقديم تقرير مفصل عن تأثير أفكار نيتشه على تطوري العقلي لمهمة ~~طموح تتخطى حدود قدرتي. فقد أمضيت شبابي في المدينة التي كان نيتشه قد عاش ~~فيها فترة من حياته، وعمل في تدريس اللغات القديمة في جامعتها، وبذلك شببت ~~في جو لا يزال يرتجف تحت سطوة مذهبه، على الرغم من أن هجماته كانت تلقى ~~مقاومة شديدة. لم أستطع أن أتجنب الأثر الذي أحدثه إلهامه الأصيل على نفسي، ~~وشدني إليه بقوة. فقد كان يتميز بالإخلاص والصدق الذي لا يمكن أن يدعيه عدد ~~غير قليل من الأساتذة الأكاديميين الذين يهتمون بمظاهر الحياة الجامعية ~~أكثر مما يهتمون بالحقيقة. والأمر ms210 الذي أثر في أعظم تأثير هو لقاؤه ~~بزرادشت ونقده ل «الدين»، هذا النقد الذي أفسح في الفلسفة مكانا للعاطفة ~~المتوقدة، من حيث هي دافع أصيل على التفلسف. شعرت أن «التأملات لغير ~~أوانها» قد فتحت عيني، أما «تسلسل الأخلاق» و«العود الأبدي»، فكان حظهما من ~~اهتمامي أقل، واستطاعت أحكامه السيكولوجية النفاذة أن تبصرني تبصرة عميقة ~~بما يمكن أن يحققه علم النفس. # وعلى الجملة كان نيتشه بالنسبة إلي هو الإنسان الوحيد الذي قدم لي ~~في ذلك العصر إجابات كافية عن بعض الأسئلة والمشكلات الملحة التي كنت أشعر ~~بها أكثر مما أفكر فيها» (رسائل يونج، الجزء الثالث، ص370 وما ~~بعدها). # هذا الاعتراف الصريح من مؤسس علم النفس التحليلي لا يحتاج إلى تعليق. ~~ويمكن أن نضيف إليه اعترافا آخر يسجله بكل العرفان عن سنوات الطلب ~~والتحصيل في شبابه. فقد أقبل على قراءة نيتشه في نهم وحماس، ثم قرأ «هكذا ~~تكلم زرادشت»، فكانت قراءته لهذا الكتاب - بجانب فاوست لجوته - أقوى تجربة ~~مر بها في شبابه (راجع ليونج: ذكريات وأحلام وأفكار، نشرتها أنييلا جافيه، ~~زيورخ وشتوتجارت، 1963م، ص109 وما بعدها). # 7 # ولعل أول أثر لهذه القراءة قد ظهر في رسالته الجامعية عن ~~«سيكولوجية الظواهر المسماة بالظواهر الخفية وتشخيص أمراضها» (1902م)، فقد ~~درس فيها حالة من حالات «الكريبتومنيزيا» التذكر الخفي واللاشعوري التي ~~صادفها عند نيتشه. # ولم تمض سنوات قليلة حتى رجع إلى نفس الموضوع، وحاول أن يتحسس طريقه ~~إلى «شيطان اللاوعي» الذي وقع الفيلسوف تحت تأثيره السحري عند تدوينه ~~لكتابه عن زرادشت: «إن هذه الاهتزازات الراجفة العميقة للمشاعر، وهي التي ~~تتخطى مجال الوعي وتتجاوزه، هي القوى التي أظهرت للنور أقصى التداعيات ~~تطرفا وخفاء.» هنا اقتصر الوعي على القيام بدور العبد الخادم لشيطان ~~اللاوعي الذي طغى على الوعي، وراح يغمره بالخواطر الغريبة، وما من أحد ~~استطاع أن يصف حالة الوعي بمركب لا واع مثل نيتشه نفسه (الكلريبتومنيزيا، ~~في المجلد الأول من مؤلفات يونج الكاملة، ص113 وما بعدها) ويحاول الطبيب ~~النفسي الشاب أن يتابع هذا الموضوع الشائك عن «الأرواح»، والأرباب ms211 عند ~~الإغريق، وبخاصة عن شخصية ديونيزيوس مع الإشارة الصريحة إلى تأثيرها على ~~نيتشه ابتداء من كتابه «ميلاد التراجيديا»، فيقول في رسالة وجهها سنة ~~1909م إلى فرويد: «يبدو أن نيتشه قد أحس بهذا إحساسا قويا، ويخيل إلي ~~أن «الديونيزي» كان يمثل موجة ارتداد جنسية لم تقدر قيمتها التاريخية حق ~~قدرها، وقد تدفقت بعض عناصرها الجوهرية إلى المسيحية، وإن طبقت تطبيقا آخر ~~يتسم بالاعتدال والتصالح» (رسائل يونج، الجزء الأول، ص35). # ولا يقف الأمر عند هذه النصوص وأشباهها لبيان تأثير نيتشه على يونج. ~~فالواقع أن خيوط هذا التأثر بشخصية نيتشه و«نمط» حياته وتفكيره، بل وأحلامه ~~ورؤاه تتخلل كتاباته من بداية حياته إلى نهايتها. ولا شك أنه كان صادقا كل ~~الصدق عندما قال في كتابه المشهور عن سيكولوجية اللاوعي 1912م (وطبع طبعات ~~منقحة بعد ذلك) أنه قد بدأ حياته طبيبا نفسيا وعقليا، ولكن نيتشه هو ~~الذي أعده إعدادا لعلم النفس الحديث (سيكولوجية اللاوعي، المجلد السابع من ~~المؤلفات الكاملة، ص128)، # 8 # ولولا ضيق المقام لتعرضنا للتجارب «الدينية» التي مر بها ~~الفيلسوف وعالم النفس في صباهما وشبابهما؛ إذ انحدر كلاهما من صلب قسيس، ~~ووجد نفسه محاطا بعلماء اللاهوت الذين عجزوا عن الإجابة عن الأسئلة التي ~~أرقتهما. # ولكن الأهم من ذلك ألا ننساق وراء ~~التأثير والتأثر - الذي يظل في تقديري أمرا غامضا على كل المستويات - وإن ~~علم أن مؤسس علم النفس التحليلي لم يكن مجرد معجب متحمس لفيلسوف الإرادة ~~والحياة، وإنما أتيح له أن يتطور وينضج ويجد ذاته وينظر إليه بعين ناقدة. ~~ونكتفي في هذا الصدد بمثلين نقدمهما من مؤلفاته. فهو في كتابه عن «الأنماط ~~النفسية» (1921م) - وهو أول مؤلف كبير بعد كتابه عن تحولات الليبيدو ورموزه ~~الذي شهد انفصاله عن فرويد (1912-1913م) - لا يكتفي بسرد نصوص يقتبسها من ~~نيتشه، وإنما يتناول شخصيته كمثل على نوع من الوعي الذي يحاول بكل جهده ~~السيطرة على الدوافع المظلمة. إنه يذكر بالتقابل الأساسي الذي يعبر عن ~~التضاد الحاسم بين طرفين هما ديونيزيوس وأبوللو - كما عرضه نيتشه في كتابه ~~المبكر عن ms212 ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى - ثم يتطرق إلى نقد دينامية ~~الدوافع الكامنة وراء هذا التضاد، ويسوق أمثلة أخرى من التاريخ الحضاري ~~والأدبي، نذكر منها رسائل الشاعر الفيلسوف شيلر (1759-1805م) عن التربية ~~الجمالية ليعزز بها نقده. # لقد أهمل المفكران الشاعران في رأيه البعد الديني، واقتصرا على ~~الاهتمام بالبعد الجمالي والفني لشخصيتي أبوللو وديونيزيوس، وهو لا يكفي ~~لتفسير مضمون التجربة الدينية والتاريخية التي تغلغلت في «اللاوعي الجمعي» ~~لقدماء الإغريق، فضلا عن أن نيتشه قد تجاهل الجانب الصوفي والتأملي الذي ~~اتسمت به طقوس ديونيزيوس في أماكن مختلفة من بلاد الإغريق: «لقد اقترب ~~نيتشه من الواقع إلى الحد الذي جعل تجربته الديونيزية المتأخرة أشبه بنتيجة ~~ضرورية لا مفر منها. أما هجومه على سقراط في ميلاد التراجيديا فهو هجوم على ~~العقلاني العاجز عن الإحساس بالنشوة والتوهج الديونيزي» (الأنماط ~~السيكولوجية، المجلد السادس من المؤلفات الكاملة، ص151)، # 9 # وقد كان من الطبيعي أن يحاول يونج فحص الخصائص النفسية لهذين ~~النمطين الأسطوريين وأن يبين العلاقة بينهما وبين نظريته عن الوظائف ~~النفسية والمواقف أو الأنماط الأساسية التي تؤدي في مذهبه دورا كبيرا ~~(والمعروف أنه يحدد أربعة أنماط من الوظائف هي التفكير والشعور والإحساس ~~والحدس، كما يحدد نمطين أو موقفين أساسيين هما الانطواء والانبساط). وهكذا ~~يجد أن ما يصفه نيتشه ب «الديونيزي» يقترب في تصوره من الشعور المنبسط ~~المتجه إلى الموضوعات الخارجية؛ إذ تظهر في هذه الحالة تأثيرات أو انفعالات ~~دافعية قاهرة وعمياء تعبر عن نفسها في صور جسدية عنيفة. أما ما سماه نيتشه ~~ب «الأبوللوني» فهو - كما أوضح بنفسه - تعبير عن إدراك الصور الباطنة ~~للجمال والحد والمشاعر المعتدلة المنظمة. وتبرز طبيعة الحالة الأبوللونية ~~إذا قارنا بينها وبين الحلم. فهي حالة استبطان وتأمل متجه إلى الباطن ~~مستغرق في عالم الحلم الغني بالأفكار والمثل الأبدية ، أي إنه في النهاية ~~تعبير عن حالة الانطواء (المرجع نفسه، ص152)، ثم يتطرق عالم النفس إلى ~~تحليل شخصية نيتشه نفسه، فيقول إنها تجمع بين الوظيفة النفسية للحدس من ~~ناحية، وبين وظيفة الإحساس والدافع من ناحية أخرى. ms213 إنه يمثل النمط الحدسي ~~أو الوجداني الذي يميل للانطواء، يشهد على ذلك طريقته الحدسية والفنية في ~~الإنتاج كما يدل عليه أسلوبه في الكتابة بوجه عام وفي ميلاد التراجيديا ~~وزرادشت بوجه خاص. ومع ذلك فإن هذه النزعة الانطوائية تخالطها - كما نرى من ~~كتبه العديدة التي وضعها في صورة حكم منثورة - نزعة عقلية ونقدية حادة ~~متأثرة باعتراف صاحبها نفسه بإعجابه بحكم الكتاب الأخلاقيين الفرنسيين ~~في القرن الثامن عشر. وتبقى الغلبة في نهاية المطاف للنمط الحدسي المنطوي ~~الذي يفتقر عموما إلى التحدد والتنسيق العقلي والمنهجي، ويميل إلى إدراك ~~«الخارج» عن منظور «الباطن» ولو على حساب الواقع. ويظل الفيلسوف طوال حياته ~~واقعا تحت تأثير السمات الديونيزية للاوعي الباطن؛ إذ لم تبلغ هذه السمات ~~سطح الوعي إلا بعد أن تفجر مرضه الأخير، واستسلم لغيبوبته العقلية الطويلة ~~التي انتهت بموته، ولم تظهر قبل ذلك إلا في مواضع قليلة متفرقة من كتاباته ~~في صورة رموز وإشارات شبقية. # أما المثل الثاني الذي يدل على ~~مدى اهتمام يونج بشخصية نيتشه، فيمكن أن نسوقه من النصوص المختلفة التي ~~تعرض فيها العالم السويسري ل «القدر» الألماني والمحنة التي جرها الألمان ~~على ملايين البشر في حربين عالميتين. فنحن نجد في كتابه السابق الذكر عن ~~الأنماط النفسية إشارات يفهم منها أن «زرادشت» نيتشه قد ألقى الضوء على ~~مضمونات من اللاوعي الجمعي مرتبطة بظهور «الإنسان القبيح» وبالمأساة ~~اللاشعورية الفاجعة التي يعبر عنها هذا «النبي-الضد» أو المتنبئ المعذب ~~(وقد كان العصر يفيض في ذلك الحين بجرائم الفوضويين والعدميين ومقتل ~~الأمراء والنبلاء والحكام وتطرف اليساريين ... إلخ) أما عن اللمحات والرموز ~~التي فاضت عن اللاوعي الأوروبي للتعبير عن الخطر القادم على يدي الوحش ~~الفاشي، فنلاحظ أن يونج يتحدث عن «البربري الجرماني» في دراسة صغيرة له عن ~~«اللاوعي» ترجع إلى سنة 1918م. والغريب في حديثه أنه يعهد إلى المسيحية ~~بمهمة ترويض الجانب «الواضح والأعلى» من وعي هذه الجماعة الخطرة، ويترك ~~مهمة التحكم في جانبها «السفلي» للعناية الإلهية، والأغرب من هذا أنه لا ~~يذكر الخطر الجرماني وحده، وإنما يؤكد ms214 أن «الجنس الآري الأوروبي» يتعرض ~~لنفس الخطر النابع من عمق اللاوعي الجمعي. ثم يشير إلى نيتشه إشارة غير ~~خافية حين يقول إن: «الوحش الأشقر يمكنه في سجنه السفلي أن يستدير إلينا، ~~فيهددنا انفجاره بأفظع النتائج. إن هذه الظاهرة تتم كثورة نفسية في داخل ~~الفرد، كما يمكن أن تظهر في صورة ظاهرة اجتماعية» (عن اللاوعي، المجلد ~~العاشر من المؤلفات الكاملة، ص25). # 10 # لقد صدق تاريخ العالم حدس يونج واستيقظ الوحش الأشقر وفجر حمم الكارثة. ~~فهل نقول اليوم إنه ظلم نيتشه فصوره (كما فعل توماس مان بعد ذلك في روايته ~~الرائعة عن الدكتور فاوستوس التي تحمل ملامح من نيتشه ومن المؤلف الموسيقي ~~الغريب الأطوار أرنولد شينبرج ...) في صورة النمط المعبر عن الوحش الأشقر، أم ~~أنه أنصفه حين أكد أنه عبر عن ذلك «البربري» الكامن في طبقات اللاوعي ~~السفلي من كل جرماني، وفي أعماق نيتشه نفسه وتجربته؟ مهما يكن الأمر فإن ~~يونج قد اهتم من الناحية العلمية البحتة بإبراز قوى الدوافع «النمطية ~~الأولية» التي وصفها نيتشه نفسه، وأعلن عن عواصفها وصواعقها المقبلة، وحذر ~~من أخطارها، وكأنما كان هذا الشاعر الفيلسوف «الخبير بالنفوس» هو ساحر ~~العصر الذي يستحضر أرواح الشياطين المدمرة، ويتنبأ بالكارثة المحتومة، ~~ويعري الأقنعة الحضارية والأخلاقية والفكرية الزائفة لتسقط وسط الحطام ~~الهائل المتراكم على صدر أوروبا العجوز: «ويل لهذه المدينة العظيمة، وأنا ~~الذي تمنيت أن أشاهد أعمدة النار التي تحترق فيها؛ لأن هذه الأعمدة النارية ~~يجب أن تسبق الظهر العظيم. ومع ذلك فلهذا أوانه وقدره الخاص». # إن هذا النص الذي نجده في زرادشت كما نجد أشباهه في كتب نيتشه الأخرى ~~يدل دلالة واضحة على أنه كان فيلسوف الكارثة. ومع ذلك فإن أمثال هذه النصوص ~~المزدحمة بصور الخراب ورموزه لا يصح أن تغرينا بتفسيرها تفسيرا تاريخيا ~~ضيقا، ولا يجوز أن تنسينا لحظة واحدة أنها تعبر تعبيرا رمزيا عن ~~«الزلزلة القادمة» التي ستتبعها إشراقة «الفجر الجديد» (ولا ننسى أيضا أن ~~الرموز الأصيلة ذات أبعاد عميقة متعددة). # ونسأل أخيرا: ما هي هذه الزلزلة؟ وما هو ms215 هذا الفجر الجديد؟ ليس من ~~السهل أن نحدد ما يقصده نيتشه بهاتين الكلمتين أو بغيرهما من كلماته ~~ومصطلحاته الغنية بالإيحاءات والإشعاعات، ولكن ليس من الصعب كذلك أن نرى - ~~على ضوء ما سبق وما سيأتي بعد - أن نيتشه يمثل «صدعا في تاريخ البشرية» ~~(والتعبير لفيلسوف الحياة لودفيج كلاجيس الذي تقدمت الإشارة إليه). ولقد ~~أكد تأكيدا لا مزيد عليه أنه «آخر العدمين»، وأن رسالته هي الكشف عن تصدع ~~عصره «البرجوازي»، وانهياره على رءوس رجاله الجوف، وتعرية وعيه الكاذب ~~بأسره، وتغيير ألواح قيمه التي فقدت قيمتها بعد أن تداعى عامود النظام ~~الميتافيزيقي الذي كان يستند عليه، ولكن من الذي سيطلع هذا الفجر الجديد؟ ~~من الذي سيحول القيم من اللوجوس (المنطق والجدل العقلي) إلى البيوس (الحياة ~~وإرادة المزيد من الحياة)؟ وأخيرا من الذي سيبدع هذا العالم الجديد؟ إنه ~~جيل المبدعين من أفراد الإنسان الأعلى. وليس الإنسان الأعلى على الإنسان ~~المبدع. ومن أجل هذا الإنسان الذي اشتدت حاجتنا إليه كتب هذا البحث، تحية ~~للمبدعين الحقيقيين، ولكل من يساعدهم على فهم أسرار الإبداع. # القسم الثاني # أ # يطرح نيتشه سؤاله عن الذات الحقة ويحدد الطريق إلى هويتها ووحدتها في ~~القطعة الثالثة من كتابه «تأملات لغير زمانها» (1873-76). فالإنسان يحيا ~~حياته مستسلما للكسل والنوم، غارقا في بحر العادات والرغبات ومشاغل كل ~~يوم. وفجأة يناديه صوت آت من أعماق ضميره: كن نفسك. كل ما تفعله الآن ~~وتفكر فيه وتتوق إليه شيء مختلف عنك. وتصحو «النفس الشابة» من غفوتها ~~وتحاول أن تسترد ذاتها. ها هي ذي تناجي نفسها قائلة: حقا لست شيئا من ~~هذا كله. ما من أحد يمكنه أن يتولى عنك بناء الجسر الذي يتحتم عليك أن ~~تعبريه فوق نهر الحياة، ما من أحد غيرك. صحيح أن هناك طرقا وجسورا ~~وأنصاف آلهة لا حصر لها تريد أن تحملك عبر النهر، لكن ذلك سيكلفك الثمن ~~الباهظ، والثمن الباهظ هو أن ترهني نفسك وتضيعيها. لا يوجد في العالم غير ~~طريق واحد، ولا أحد يمكنه أن يسير عليه سواك. لا تسألي إلى ms216 أين يؤدي هذا ~~الطريق؟ عليك أن تقطعيه. ~~«كل نفس شابة تسمع هذا النداء ليل نهار فترتجف؛ لأنها تشعر بالقدر ~~المقسوم لها من السعادة منذ الأزل عندما تفكر في تحررها الحقيقي، غير ~~أنها لن تبلغ هذه السعادة ما بقيت مأسورة في أغلال الخوف والآراء ~~الشائعة. وكم تصبح الحياة مجدبة من كل معنى ومن كل عزاء إذا حرمت هذا ~~التحرر، فليس في الطبيعة مخلوق أولى بالرثاء أو أدعى للنفور والاشمئزاز ~~من إنسان تهرب من روحه الحارس، وراح يطوف بعينيه فيما حوله، ويتلفت مرة ~~ناحية اليمين وأخرى لليسار أو الخلف. إن مثل هذا الإنسان لا يستحق حتى أن ~~نهاجمه؛ لأنه مجرد قشرة خارجية منزوعة اللب، ثوب بال منتفخ ملطخ ~~بالألوان، شبح بائس لا يستطيع حتى أن يثير فينا الخوف، وهو يقينا لا ~~يستثير فينا العطف أو الإشفاق.» # 11 # هذا الإنسان الذي تحول إلى قشرة خارجية منزوعة اللب إنسان يخدع ~~نفسه بنفسه. التصق قناع المنصب أو الوظيفة التي يؤديها في المجتمع بجلده، ~~حتى أخفى وجهه الحقيقي وتوحد ب «الدور» الذي يقوم به، فاستبدله بذاته ~~الأصيلة. وإذا كان هذا الدور ضرورة تحتمها الحياة الاجتماعية، ويفرضها ~~التعامل مع العالم والناس، فإنه يصبح في الحالات المرضية قناعا تتخفى ~~وراءه الشخصية أو بالأحرى تختفي فيه. # 12 # ولا شك في أن نيتشه قد سلط نيران غضبه على الأقنعة الكاذبة ~~التي ارتداها الناس في عصره، واستطاع أن يعري حضارته، ويكشف عن العفن ~~والفساد والانحلال والعدمية التي فغرت هاويتها المخيفة لتتردى فيها. فعل ~~ذلك ليحمي «النفس الشابة» من لعنة الأقنعة والأدوار المتشابهة إلى ما لا ~~نهاية، من السقوط والضياع وسط الجماهير المجهولة كما سيقول هيدجر فيما ~~بعد من إنكار الذات الأصيلة، وتسليم قيادها للناس والرأي العام، فعل ذلك ~~لكي تقسو على نفسها وتقول لها: كوني نفسك! # ولكن كيف يعرف الإنسان نفسه وهي شيء مظلم يلفه الغموض؟ كيف تجد الذات ~~ذاتها، وتعثر على المعنى الأصلي والمادة الأولية لكيانها؟ أتكون هذه ~~الذات كامنة تحت قناع «الأنا» اليومية أم تكون متعالية فوقها؟ أيمكن أن ms217 ~~تصل في بحثها إلى شيء يجعلها تهتف فرحة: ها أنت ذي حقا، لقد اختفت ~~القشرة! # إن كل شيء يتوقف في نظر «الخبير بالنفس» على أن يقوم الإنسان بتحرير ~~نفسه وتربية نفسه بنفسه. وليس معنى هذا أن «اللب» الإنساني شيء يقبل ~~الصياغة والتشكيل، أو أن المربي صاحب نظريات يعلنها أو معلومات وتوجيهات ~~يقدمها، فالذات الحقة تمتنع على «التربية»، اللهم إلا إذا فهمنا التربية ~~بمعنى الخلاص والتحرير، وعرفنا أن المربي هو المحرر، وأن الفرد وحده هو ~~الذي يمكنه أن يجد نفسه، وهو الذي يتحمل مخاطر الطريق إلى لقاء ~~ذاته. # كيف يتسنى له أن يجدها؟ هل يحفر في نفسه ويهبط إلى أغوارها مع ما في ~~ذلك التغلغل في الأعماق من خطر وعذاب؟ إن نيتشه لا ينصح بذلك، لا لأنه ~~يقلل من شأن الأعماق التي غاص فيها أصحاب التحليل النفسي (فكم نظر في ~~هاويتها وتاه في متاهتها)، ولكن «لأن كيانك أو جوهرك الحق لا يختفي في ~~أعماقك، وإنما يعلو فوقك علوا لا حد له، أو هو على الأقل يعلو فوق ما ~~تتصور عادة أنه «أناك». وهنا يعلمك مربوك الحقيقيون أن ذاتك تحرر ولا ~~تربى، وأن التربية الحقيقية هي تحرير الذات الحقيقية من كل زيف، ~~وتخليصها من الأعشاب والأوساخ والديدان التي تؤذي براعمها الرقيقة ... هي ~~انسكاب النور والدفء، انهمار المطر الليلي، محاكاة الطبيعة والتضرع إليها ~~حيثما كانت رحيمة كالأمهات، وهي كذلك إكمال للطبيعة عندما توقف نوباتها ~~الفظيعة القاسية، وتوجهها إلى الخير، وعندما تسدل حجابا يخفي ظواهرها ~~الغادرة وغباءها المحزن.» وينصح الفيلسوف بما يشبه العلاج النفسي عندما ~~يطلب من «النفس الشابة» أن تدير «أهم استجواب» مع نفسها، وتنظر إلى ~~الحياة التي عاشتها متسائلة: ما الذي أحببته حقا حتى الآن؟ ما الذي جذب ~~روحك إليه، وسيطر عليها وأسعدها في آن واحد؟ تأمليها مجتمعة ووازني ~~بينها، فربما كشفت لك طبيعتها وتتابعها عن القانون الأساسي لذاتك ~~الحقيقية. انظري إليها كيف يكمل بعضها بعضا، ويتفوق بعضها على بعض، وكيف ~~تكون السلم الذي صعدت عليه حتى الآن لترتفعي إلى ذاتك. # وماذا ms218 يجد المرء إذا ارتفع إلى الذات الحقة؟ سيجد أن التفرد المنتج ~~الخلاق هو لب كيانه. وإذا ما تم لديه الوعي بهذا التفرد جللته هالة غريبة ~~من الضوء، هي الهالة التي تحيط بكل ما هو خارق للمألوف. ولن يطيقها معظم ~~الناس؛ لأنهم بطبعهم كسالى، ولأن ذلك التفرد تطوقه سلسلة من المتاعب ~~والأعباء. لا شك أن هذا المتفرد الشامخ، الذي ينوء بحمل السلسلة الثقيلة، ~~سيضحي بكل ما تشتاق إليه الحياة الشابة من مرح أو أمن أو رفعة شأن، سيكون ~~التوحد هو نصيبه من الناس، وسيجد نفسه يعيش في الصحراء والمغارة حيثما ~~شاء أن يعيش عليه عندئذ أن يكون حذرا فلا يستعيده شيء، صامدا قويا ~~لا يصيبه حزن أو اكتئاب. # لقد شق طريقه بنفسه، وتحمل كل المخاطر حتى وجد ذاته المتفردة، فهل ~~كثير عليه أن يتمسك بهذا الوجود الذي لا يستبدل غيره؟ أليس من الطبيعي أن ~~يتقبل كل ما يفرضه عليه من أعباء وأقدار كأنه جزء لا يتجزأ من «لب ~~كيانه»؟ بيد أن الوعي بالتفرد لا يعني إلا التوحد، وتجربة الإنسان على ~~طريق النضج ومعرفة النفس تجربة لا تنقل للآخرين؛ إذ يتحتم على كل فرد أن ~~يخوضها بنفسه. ولهذا أيضا تخلق رغما عنه مسافة بعد تقصيه عن الناس. ~~وقد تنمو الأشواك، فيزداد توحده. وقد يكو من سوء حظه أن يعيش في ظل حكومة ~~مستبدة ومجتمع أو رأي عام شديد البطش، فلا يكون له ملجأ إلا وحدته. إن من ~~عادة الطغيان أن يحقد على الفيلسوف الوحيد؛ لأن الفلسفة هي الملجأ الذي ~~يلوذ به، ولا يقوى الطغاة على النفاذ إليه، ولكنه لا يستطيع أن يلازم ~~كهفه الباطن، حتى لا يتعرض لأعظم الأخطار، فهو مضطر للظهور بين الناس، ~~والارتباط معهم بالصلات التي يفرضها المولد والنشأة والتربية والمصادفة ~~وتطفل الآخرين، ولكن الناس تتشكك في أنه يظهر غير ما يبطن، ويرتابون في ~~وحدته، فيلقون شباك ظنونهم وسوء فهمهم على حركاته وسكناته، ويتحيرون في ~~تأويل سلوكه، وهو الذي لا يبتغي غير الحقيقة والأمانة. عندئذ تتبلد سحب ~~الاكتئاب فوق جبهته، ms219 وتتكاثف المرارة في نفسه، فيصبح كالبركان الذي يهدد ~~بالانفجار. إن الظهور ضرورة تفرضها عليه الحياة، ولكنه يكره هذه الضرورة ~~كراهة الموت. ولذلك يثأر من وقت لآخر من هذه الوحدة التي فرضها على نفسه، ~~فيخرج من كهفه بملامح مفزعة، وتتفجر كلماته وأفعاله، وربما أهلك نفسه ~~بنفسه. # هل كان نيتشه يتنبأ بالصراع الذي سيخوضه مع عصره وحضارته، أم كان ~~يعبر عن تجربته وقدره الشخصي الذي جعله يحطم نفسه بنفسه؟ إنه يصف حالة ~~الإنسان الذي يلوذ بكهف الباطن. وربما تصورنا أنه سبق علم النفس التحليلي ~~إلى وصف النمط الانطوائي أو المنطوي. غير أنه يهدف في الحقيقة إلى شيء ~~أبعد من ذلك. فالتوحد والاتجاه إلى الباطن صفتان يطلقهما على أصحاب الذات ~~المتفردة أو «أحرار الروح»؛ لأنهما علامة على التحرر الذي بلغوه بكدحهم ~~ومعاناتهم، وعلى الأخطار التي تتهددهم بعد أن رأوا أبعد مما رأى غيرهم، ~~وعرفوا أكثر مما عرفوا. # ولكن كيف تتحقق هذه الذات المتفردة؟ في أي شكل من أشكال الوجود ~~الفريد تكون؟ متى يتخلص الإنسان من أسر الطبيعة وضروراتها؟ وما هي ~~الخطوات التي يمكن أن تسير به على الطريق إلى الذاتية الحقة والعقبات ~~التي تحول بينه وبينها؟ # ليس الإنسان واقعة بيولوجية، ولا يمكن أن يفهم من خلال المقولات ~~الطبيعية والحيوية، صحيح أنه يتكاثر باستمرار، ولكن المهم أن يتصاعد هذا ~~التكاثر إلى أعلى، وأن يواصل عملية التفرد وتحقيق الذات، ولو كان ذلك في ~~لحظات نادرة من ديمومته الممتدة. فالطبيعة لا تهتم بغير الإنسان، وهي في ~~اندفاعها نحوه تؤكد حاجتها إليه لتخليصها من لعنة الحيوانية. والوجود ~~بأسره يجعل من الإنسان مرآة ينظر فيها ليدرك أن الحياة لم تعد خالية من ~~المعنى، وأنها تظهر في صورته البشرية بكل دلالتها الجمالية ~~والميتافيزيقية. # ولكن أين يتوقف الحيوان وأين يبدأ الإنسان؟ إننا نعيش الجزء الأكبر ~~من حياتنا دون أن تتجاوز نظرتنا أفق الحيوان. وما دمنا نسعى إلى الحياة ~~كما نسعى إلى السعادة، فنحن لم نتميز عنه إلا بأننا نطلب عن وعي ما يطلبه ~~بدوافعه العمياء. ونظل أفرادا وشعوبا نضطرب في ms220 دوامة الحياة، وتضطرب ~~بنا دون أن نتخطى الحيوانية، بل نظل نحن أنفسنا الحيوانات التي تتعذب ~~بلا معنى، وتأتي لحظات ندرك فيها أن الطبيعة بأسرها، ونحن معها، تشرئب ~~إلى الإنسان كشيء يعلو فوقها وفوقنا. وتتبدد السحب وينهمر الضوء الساطع، ~~ونتلفت حولنا ووراءنا: لا زالت الوحوش المفترسة تتجول في كل مكان، ولا ~~زالت حركات البشر فوق الأرض الموحشة - من بناء مدن ودول أو انهيارها ~~وسحقها، من حرب وزحام وتجمع وتفرق، من تآمر أو تعاون وصراخ في المحنة أو ~~هتاف في النصر - لا زالت كلها استمرارا للحيوانية. وكأن الإنسان قد نكص ~~على عقبيه، وأنكر فطرته الميتافيزيقية، أو كأن الطبيعة التي اشتاقت إليه، ~~وعملت دهورا على ظهوره قد ارتجفت رعبا منه وآثرت الرجوع إلى دوافعها ~~اللاواعية. # وأخيرا تأتي لحظة «التجربة ~~الكبرى»، والمعرفة القصوى. لحظة تعرف الطبيعة أن الإنسان هو هدفها، ويعرف ~~الإنسان ضرورة أن يمتلك ذاتها ويحققها، ويعي - مرة أخرى في لحظات فريدة - ~~أن كل ما نأتي وندع في حياتنا، كل لهاثنا إلى المنصب والمكسب ومخالطة ~~الناس، بل كل سعينا إلى العلم نفسه ليست سوى ألوان من التهرب من مهمتنا ~~الأصلية، والخوف من لقاء ذواتنا الحقيقية، والفرار كل لحظة مما تريد كل ~~لحظة من عمرنا أن تهمس به، والتستر وراء أقنعة السخرية اليومية، حتى لا ~~تلمحنا عين من عيون الضمير المائة، ثم الرعب من السكون إلى أنفسنا، حتى ~~لا نطفو فوق الموج ولا ننتبه من الكابوس. وهكذا تستبد بنا ظاهرة الخوف من ~~لقاء ذواتنا، فتشدنا قوى ترجع بنا إلى حالة اللاوعي التي تميز الدافعية ~~الحيوانية، ثم لا تلبث الشوكة أن تؤرق نومنا فجأة، وتنبهنا إلى ضرورة ~~الارتفاع فوق أنفسنا صعودا إلى صيرورتنا الذاتية الحقة. # هل يمكن أن نرتفع بأنفسنا، أم أن هناك من يساعدنا على العلو ~~والارتفاع؟ هل يشير نيتشه بطريقته الحدسية الملهمة إلى نوع من المعرفة ~~الصوفية التي طالما أشار إلى أسرارها وطقوسها في موكب الاحتفال برب ~~النشوة والخلق المتجدد ديونيزيوس، أم يوحي إلينا بضرورة الدخول في مدارس ~~التدريب الروحي (الذي يمارسه رهبان ms221 «الزن»، ويوصي به رودلف شتاين)، # 13 # أم يأخذ بأيدينا على طريق «التفرد»، الذي وصفه «يونج» ~~متأثرا به بغير شك؟ المهم أنه دعانا إلى ضرورة العلو إلى وجودنا الذاتي ~~والارتفاع فوق أمواج الأنا اليومية التي تغرقنا صباح مساء، كما نبهنا إلى ~~أولئك الذين يمكنهم أن يأخذوا بأيدينا على هذا الطريق الحتمي، أولئك ~~الذين ارتفعت إليهم الطبيعة نفسها في نهاية صيرورتها نحو ذاتها المتحضرة ~~المبدعة. # من هم؟ إنهم الفيلسوف والفنان والقديس. هم الأفراد العظام الذين ~~أبدعتهم البشرية بعد عناء طويل، هم نماذج من «الإنسان الأعلى» قبل أن ~~يرفع الفيلسوف صوته بالدعوة إليه في «هكذا تكلم زرادشت». ليسوا مجرد ~~حالات استثنائية، بل هم نماذج تخلقها الحياة وتحقق فيها معنى وجود ~~الإنسان، وتصوغ معها التفكير والشعور والإرادة على صورة جديدة. فالفيلسوف ~~يجسد تعميق الوعي، والفنان يشكل الوجود الجديد، والقديس ينجز التحول. ~~كلهم كامن بالقوة فينا، وكلهم أقرب إلينا مما نتصور، ومن يدري؟ لعل نيتشه ~~بإلهامه العظيم قد استبق الاهتمام العلمي الحديث بأسرار الإبداع، دون أن ~~يستطيع بطبيعة الحال أن يكون «عالم نفس» يحدد قوانينه وظروفه المواتية ~~والانحرافات المرضية التي تعوقه ... لقد أسند هذه المهمة إلى الطبيعة التي ~~تحتاج إلى الفيلسوف لكي يعرفها بنفسها، وتتمثل في صوره الخالصة ما لم ~~تستطيع أن تراه بوضوح خلال صيرورتها القلقة، كما تحتاج إلى الفنان لكي ~~يفصح عما عجزت عن الإفصاح عنه، ثم تحتاج إلى القديس ليحول الأنا ~~اليومية من إحساسها الفردي إلى الشعور العميق بوحدتها مع كل ما هو حي؛ ~~ليبلغ بمعجزة التحول إلى الغاية الأخيرة من لعبة الصيرورة، ألا وهي تحقيق ~~الإنسان المبدع الذي تندفع إليه الطبيعة ليخلصها من نفسها. # ب # هل بدأ نيتشه نفسه يخطو على الطريق الصعب نحو ذاته الحقيقية؟ إذا ~~كانت النصوص التي استوحيناها على الصفحات السابقة من كتابه «تأملات لغير ~~زمانها» تشهد على عثوره على علامات هذا الطريق، وتبين بأسلوبها الخطابي ~~والتعليمي أنه عقد العزم على تربية نفسه بنفسه، وخوض مشقة الكفاح على ~~الدرب المفضي إلى ذاته، فإن كتابه التالي (إنساني إنساني جدا، ms222 الذي ~~بدأه سنة 1876م وأتمه سنة 1878م) يسجل - كما يقول - في كل حكمة منه، بل ~~في كل عبارة انتصارا حققه على طريق العذاب نحو الذات، بعد أن راح ينفض ~~عنه كل ما هو غير أصيل وغير حقيقي. صحيح أنه لم يبلغ بعد مرحلة الإلهام ~~المتدفق الذي سيفاجئه عند كتابة «هكذا تكلم زرادشت» (بين سنتي 1883 ~~و1885م)، ولكنه قد شرع خلال الفترة التي قضاها في تدوين هذا الكتاب في ~~التخلص من كثير من أعبائه وأغلاله، فقاطع صديقه القديم فاجنر قطعية نهاية ~~«1878م»، وقدم استقالته من عمله المرهق البغيض كأستاذ للغات الكلاسيكية ~~في جامعة بازل «1879م»، وراح يتابع رحلاته المضنية وجولاته الوحيدة على ~~جبال الألب في إيطاليا وسيلز ماريا، ويقاسي الآلام التي لا تطاق من مرض ~~عصبي وراثي أوشك أن يحطم رأسه، ويعمي عينيه قبل أن ينهار في «تورين»، ~~وتبدأ كارثة جنونه في يناير 1889م. لا عجب بعد هذا أن نجد في هذا الكتاب ~~كيف بدأت الأزمة، وبدأ معها الطريق إلى الذات الحرة المبدعة التي راحت ~~تنضج شيئا فشيئا على نار الألم والوحدة، وتفوح إلى حد النشوة بشرارات ~~الإلهام المنطلقة من قبس أو نبع مقدس كان يخشى عليه أن يخمد أو يغيض. # 14 ~~••• # النفس سر مغلق، هي عالم كامل من الأحوال الباطنة، و«الخبير بالنفوس» ~~يلاحظها، ويحاول أن يسبر أغوارها كما يحاول أن يرتفع فوقها، ويرقى إلى ~~«ذاتها» الحقة، ماذا هو صانع مع الاختيار العسير بين الطريق الهابط ~~والطريق الصاعد؟ أيشفق على نفسه من الأول، وهو الذي تعذب على أشواكه ~~وفي متاهاته كما لم يتعذب غيره؟ أم يشفق عليها من الثاني، وهو الذي ~~طالما اجتاز الشعاب الوعرة، وتجول وحيدا فوق القمم؟ أم أن الطريق الهابط ~~والطريق الصاعد طريق واحد في الحقيقة كما قال حبيبه ونظيره الإغريقي ~~هيراقليطس؟! # النفس سر، والسر مفهوم ديني كان له شأن كبير من الحضارات القديمة. ~~فقد حدد الناس أماكن مقدسة لا تطؤها إلا أقدام السالكين، وأحاطوها بأسوار ~~التحريم الإلهي الذي كان يحظر على غيرهم دخولها، ويبث في صدورهم الرعدة ms223 ~~والقلق إذا اقتربوا منها. وما لبث هذا التحريم أن انتقل إلى علاقات أخرى ~~(كالعلاقات الجنسية التي ظلت وقفا على الكبار الناضجين وحراما على صغار ~~السن الذين صور لهم أولئك الكبار أن الآلهة نفسها تقدسها وتحميها وتسهر ~~في مخدع الزوجية على حراستها، وكذلك علاقات الملكية التي حددت أملاكها ~~منذ البداية، ووضعت حولها الأسوار، وأحاطتها بهالة إلهية من القوة والسر، ~~وقل الشيء نفسه عن مقر الحاكم أو الملك وعرشه وقصره وأعماله وكلماته ... ~~إلخ) كل هذه كانت حرمات محرمة على الرعايا والأتباع دون السالكين. ولا ~~زالت لها آثارها ورواسبها الباقية عند شعوب عديدة إن لم يكن عند كل ~~الشعوب. وظلت النفس كذلك سرا محرما على غير الحكماء والعالمين ببواطن ~~النفوس، سرا اعتقد الناس دهورا طويلة أنه من أصل إلهي ولا يليق بأحد ~~غير الآلهة أن يتصل به، حرما مقدسا يثير في الناس مشاعر الرهبة والحيرة والحياء. # 15 # ولهذا بقي الإنسان حتى اليوم محصنا من نفسه أمام كل محاولة ~~منه لمحاصرة نفسه، واستطلاع أسرارها، فهو في العادة لا يدرك منها أكثر ~~مما يدرك من أعماله الخارجية: «إن الحصن الذي تعتصم به نفسه موصد الأبواب ~~في وجهه، خفي ومختف عن بصره، اللهم إلا إذا تطوع الأصدقاء والأعداء ~~بالقيام بدور الجواسيس لكي يرشدوه للطرق الخفية التي توصله إلى ~~نفسه.» # ما الذي جعله ينشط هذا النشاط كله لتحصين نفسه من نفسه؟ المسئول عن ~~هذا هو نشاطه نفسه! فهو يستغرقه، فيحكم حوله أغلال التعود، ويصنع قضبان ~~سجنه دون أن يدري، ويزداد فعله ونشاطه، فتزيد عبوديته وسخرته. إنه الموظف ~~النشط، والتاجر الذي لا يتوقف عن العمل، والعالم الذي لا يكل من البحث، ~~هم أفراد النوع العامل كالنمل أو النحل، لكنهم ليسوا بالأفراد المتفردين ~~من بني الإنسان (فهم من هذه الناحية كسالى!) من سوء حظ هؤلاء «الفعالين» ~~أن فعلهم غير عقلي أو لا نصيب للعقل فيه. وتخطئ لو سألت أحد رجال المال ~~والأعمال والبنوك من الذين لا يكفون عن جمع المال عن الهدف من فعلهم؛ ~~لأنه خال من العقل، ولأنهم ms224 وأمثالهم يدورون كما يدور الحجر حسب «غباء ~~الميكانيكا»، وليتهم يعرفون أن القليل من التفكير والإخلاد إلى السكينة ~~يمكن أن يشفي جميع أمراض النفس، وأنهم لو عقدوا النية على استخدام هذا ~~الدواء لاكتشفوا فائدته، وليت الأمر كان مقصورا على هؤلاء الفعالين بلا ~~كلل ولا ملل. إنه طابع الحضارة الحديثة التي تحولت إلى حضارة الفعل ~~والحركة والقلق، حتى لقد أوشكت الفصول نفسها أن تتدافع وتهرول آخذة بخناق ~~بعضها. وتزداد هذه الحركة فيزداد معها القلق، وتتحول حضارتنا أو مدينتنا ~~إلى بربرية جديدة. فلم يحدث أن طغت قيمة الفعل والحركة والنشاط كما طغت ~~على هذا العصر. والنتيجة أن يفتقد الهدوء الضروري للتأمل، وأن تضيع في ~~طاحونة الفعل العقيم قيمة فعل أسمى منه، ونعني به الفعل المتفرد الذي ~~يهبط بنا إلى منابعنا المتفردة، أو يعلو بنا إلى ذواتنا الأرقى (والأمر ~~هنا هو أمر مفارقة لا بد منه: هبوط إلى الأعلى، وعلو إلى الأدنى). # علينا إذن أن نتحرر من هذه العبودية. فالناس ينقسمون اليوم كما ~~انقسموا في كل الأزمنة إلى عبيد وأحرار. «ومن لم يملك ثلثي يومه ليفرغ ~~إلى نفسه فهو عبد، وليكن من رجال الحكم أو التجارة أو الإدارة أو العلم ~~أو ما شاء أن يكون.» إن نشاطه الدائب وفعله المستمر لا يعفيانه كما قلنا ~~من أن يوصف بالكسل، وكسله يرين على أعماق نفسه، ويمنعه من أن يغترف الماء ~~من نبعه الخاص. لقد أصبح الناس - حتى العلماء منهم - يتنافسون في العمل، ~~ويتسابقون على تحقيق الرقم القياسي فيه، ويتصورون أنه يحقق لهم المتعة ~~التي يحققها لغيرهم. والواقع أنهم ينسون متعة أخرى أجدر بهم، متعة لا ~~ينالها إلا القادرون على «التفرغ» أو «الفراغ» بالمعنى الذي فهمه منهما ~~حكماء الإغريق، من ترك النفس للتأمل والنظر في نفسها وفي كل شيء. وإذا صح ~~ما يقال من أن الفراغ مفسدة، وبداية كل الرذائل، فالأصح من ذلك أنه أقرب ~~ما يكون إلى كل الفضائل. والإنسان المتفرغ أفضل دائما من صاحبه النشط ~~الفعال (ولا ينسى الكسالى أنهم مستثنون من حديثنا عن الفراغ ms225 بالمعنى الذي ~~ذكرناه!) ولا يتصور أصحاب التأمل والنظر أن الفراغ أو التفرغ معناه ~~انتظار الإلهام المفاجئ، وكأن الأفكار المبدعة في الفن والأدب والفلسفة ~~معجزات أو نعم تهبط من السماء. إن مخيلة الفنان أو المفكر تنتج باستمرار ~~ويتراوح إنتاجها بين الجيد والمتوسط والرديء، ولكن ملكة الحكم المدربة ~~لديه إلى أقصى درجة هي التي تختار وتحذف وتؤلف وتربط. لقد كان كبار ~~المبدعين دائما من كبار العاملين المجتهدين، ولم يقتصر عملهم وجهدهم ~~المستمر على الابتكار، بل امتد كذلك إلى الحذف والمراجعة والتشكيل ~~والتنظيم والجمع والاختيار. # يلهث الفعالون والعمليون كل لحظة وراء ما يسمونه «التحقيق» أو ~~«النفع» و«الإنجاز» و«النجاح»، ولكنهم في لهاثهم المسعور يضيعون اللحظة ~~والزمن والحياة. # فالحياة تتألف من لحظات نادرة فريدة ممتلئة بالمعنى والدلالة، ~~وبجانبها فترات استراحة تراودنا فيها على أحسن الأحوال ظلال تلك اللحظات ~~النادرة. # فالحب والربيع، واللحن الجميل، والجبل، والقمر، والبحر - كلها تتحدث ~~إلى القلب مرة واحدة لا تتكرر - هذا إذا تحدثت إليه أصلا! وأكثر الناس ~~لم يجربوا تلك اللحظات. ولهذا يعيشون ويموتون كأنهم فترات استراحة وسكون ~~في سيمفونية الحياة الحقة. وإذا كانوا لم يعرفوا تلك اللحظات التي تفيض ~~في حديثها من القلب إلى القلب، فأولى بهم ألا يعرفوا تلك اللحظة التي ~~يتواصلون فيها مع «الذات الأعلى» - وهي في الوقت عينه الذات الحقة ~~الحميمة - اللحظة التي يطرح فيها الإنسان عبوديته، ويصبح هو الإنسان ~~نفسه. إن أصحاب الطبائع الفعالة الناجحة لا يسيرون على الشعار القديم ~~«اعرف نفسك بنفسك»، بل يبدو أنهم يطيعون هذا الأمر الذي يلح عليهم: «رد ~~نفسا، تصبح نفسا»، ويبدو كذلك أن القدر قد ترك لهم حرية الاختيار، على ~~حين أن المتأملين من أصحاب الطبائع غير الفعالة قد اختاروا ذلك الشعار ~~القديم منذ اللحظة التي ولدوا فيها. # ماذا بقي لمن يحيا للمعرفة وحدها؟ ماذا يصنع أصحاب العقل الحر ~~والوجدان الحر؟ # إن أوضاعهم في المجتمع والدولة ليست هدفهم من الحياة، وإنما هي الهدف ~~الخارجي لها، ولهذا يقنعون بعمل متواضع أو ثروة قليلة تكفيهم مئونة ~~العيش. وهم لا يتقلبون بتقلب النظم ms226 السياسية، ولا يتحولون مع تحولات ~~القيم والمواقف من الخيرات المادية. إنهم يدخرون طاقتهم ونفسهم الطويل ~~للغوص في عنصر المعرفة، ورؤية الأساس والقرار رأي العين. وهم بطبيعة ~~الحال قادرون على الحب، لكن حبهم حذر قصير الأنفاس؛ لأنهم لا يريدون أن ~~يتركوا أنفسهم لعالم الميول والدوافع العمياء. سيفعلون ذلك وهم واثقون أن ~~رب العدالة ينصف أولياءه من الأصوات التي تتهمهم بالعجز عن الحب أو ~~الافتقار إليه. وهم في حياتهم وتفكيرهم يتسمون بنوع من البطولة المهذبة ~~التي تأبى عليهم التهالك على إعجاب الجماهير على نحو ما يفعل إخوتهم من ~~أصحاب الغرور والفجاجة، ولهذا كان دأبهم السعي في هذا العالم والخروج منه ~~في صمت وسكون. ومهما تكون المتاهات التي يجوسون فيها، والصخور التي ~~يحفرون في ثناياها مجرى لأنهارهم، فإنهم لا يكادون يظهرون للنور، حتى ~~يواصلوا طريقهم في صفاء وخفة، وبلا ضجيج، ويتركوا ضوء الشمس يداعب ~~أعماقهم الدفينة. # هكذا يتقدمون في ثقة وكبرياء على طريق الحكمة. إن الواحد منهم ليقول ~~لنفسه: أيا ما كانت، فاجعل من ذاتك نبع تجربتك! أنفض عنك السخط، ولا ~~تقس على نفسك، في كل الأحوال أمامك سلم من مائة درجة، في إمكانك أن ~~ترقاه لتبلغ المعرفة. إن العصر الذي تتهمه بأنه ألقى بك بين أناس لا تطاق ~~ولا تحتمل، هذا العصر يباركك من أجل هذا الحظ نفسه. إنه يناديك قائلا: ~~لقد كتب لك أن تمر بألوان من التجربة، ربما لا تتاح للناس في عصور ~~تالية. لا تقلل كذلك من شأن تجاربك الدينية، واعلم أنها قد هيأت لك ~~مدخلا أصيلا إلى الفن. أليس في استطاعتك، بمساعدة هذه التجارب نفسها، ~~أن تتابع المسافات الشاسعة التي قطعتها البشرية في عهود سالفة بمزيد من ~~الفهم والتعاطف! ألم تنم على هذه الأرض نفسها، هذه الأرض التي استشرى ~~فيها الزيف، فأثارت سخطك، كثير من الثمرات البديعة التي أنضجتها حضارة ~~سابقة؟ # حاول أن تجوب الدروب التي قطعتها البشرية في مسيرتها الرائعة المعذبة ~~عبر صحراء الماضي، وستجد أنك قد عرفت معركة أكيدة أن البشرية لا يمكنها، ~~أو لا يجوز ms227 لها أن تعاود السير على تلك الدروب. وكلما حاولت بكل طاقتك أن ~~تطلع على عقدة المستقبل، صارت حياتك أداة وسيلة للمعرفة. ففي يدك أن تجعل ~~من كل ما جربته من محاولات وأخطاء، وخيبة أمل وانفعال، وحب وأمل، في يدك ~~أن تجعله جزءا لا يتجزأ من هدفك. وهذا الهدف النهائي هو أن تكون أنت ~~نفسك حلقة ضرورية في سلسلة الحضارة، وأن تستدل من هذه الضرورة على ~~الضرورة التي تحكم مسيرة الحضارة الشاملة. وعندما يشتد بصرك ويقوى على ~~النظر في قرار النبع المظلم لكيانك ومعارفك، فربما تنعكس على مرآته نجوم ~~الحضارات التي ستزدهر في المستقبل. هل تعتقد أن مثل هذه الحياة التي تتجه ~~إلى مثل هذا الهدف حياة مضنية جرداء؟ إن خطر على بالك هذا، فلم تتعلم بعد ~~أن عسل المعرفة أعذب من كل ما عداه، وأن سحب العلم الملبدة هي الضروع ~~التي تستطيع أن تمد إليها يديك لتحلب منها اللبن الشهي. فإذا جاءت ~~الشيخوخة لاحظت أنك قد استجبت لنداء الطبيعة التي تسيطر على العالم كله ~~عن طريق اللذة، وستجد أن الحياة التي يمتد طرفها في الشيخوخة هي نفس ~~الحياة التي يمتد طرفها كذلك في الحكمة، في ذلك النور الرقيق الذي يسطع ~~من النشوة الروحية الدائمة. وسوف تلتقي بالشيخوخة والحكمة معا على منحدر ~~واحد من حبل الحياة. فهكذا شاءت لك الطبيعة. عندئذ يكون الحين قد حان ولا ~~وقت للغضب من اقتراب ضباب الموت. فلتكن آخر حركة تقوم بها هي الاتجاه إلى ~~النور، وليكن آخر صوت تلفظه شهقة فرح بالمعرفة. # ج # وتنضج الثمرة ويبزغ «الفجر» (وقد ألفه نيتشه بين سنتي 1880 و1881م). ~~وتصبح معرفة الذات هي غاية سعي الإنسان وهدف «العالم كله»: «فالإنسان لا ~~يتوصل إلى معرفة ذاته إلا بعد أن ينتهي من معرفة الأشياء؛ إذ لا تخرج ~~الأشياء عن أن تكون هي حدود الإنسان.» ويظهر الألم في ضوء جديد، ويكتسب ~~العذاب والمرض قيمة جديدة. فلقد نشأت أفظع الأمراض التي عاناها الإنسان ~~من محاولته الدائبة للتغلب على المرض. ويمر الزمن، فتصبح وسائل علاج ms228 ~~المرض وتسكينه أسوأ أثرا من المرض نفسه. وتصبح أقصر الطرق التي ينصح بها ~~«أطباء الروح» (كالمخدرات التي تسبب المرض بالتعود عليها كما تسببه ~~بالحرمان منها) أقصر طريق إلى أن تترك الإنسانية طريقها ثم تفقده. ولهذا ~~يحتم الواجب على الأطباء الجدد أن يعرفوا أن المرض طريق، وأن الحياة ~~بطبعها طريق يجتازه الفرد مهتديا بنوره الباطن. وعليه إذا أراد أن يحقق ~~سعادته أن يزيح «التعليمات» و«التوجيهات» عن طريقه؛ لأن سعادته الفردية ~~لا تنبع إلا من ذاته، ولا تخضع إلا لقوانينه الخاصة التي يجهلها كل من ~~عداه. هذه التعليمات والتوجيهات التي تفرض عليه من الخارج، وتوصف في ~~العادة بأنها «أخلاقية» هي في الواقع موجهة ضده، ولا تحقق سعادته ولا ~~سعادة الإنسانية. والعذاب الذي لا بد أن يقاسيه لكي يصير ذاته ويعرفها هو ~~الذي يحرر نظرته إلى الأشياء المحيطة بها، ويمحو «ألوان السحر الكاذبة ~~الصغيرة» التي تسبح فيها. وهو الذي يخلصه من الواجبات والعادات التي ~~اكتسبت رداء الأخلاقية والأخلاق، وينبهه إلى ضرورة الشروع في قلب جميع ~~القيم التي أسفرت عن وجهها، فبدت مجرد أشكال من التحيز. # وأول خطوة على هذا الطريق إلى «عالم الذات المجهول» هي تعميق ما ~~نسميه بالوعي والعلو فوقه والغوص تحته. فمعرفة الذات لا يمكن أن تقتصر ~~على عالم الوعي في حياتنا اليومية المألوفة، وما نسميه «الأنا» لا يعبر ~~أبدا عن الإنسان في كليته. كان أصعب شيء على الناس منذ أقدم العصور إلى ~~الآن أن يفهموا مدى جهلهم بأنفسهم! لا بالقياس إلى الخير والشر، بل ~~بالقياس إلى ما هو أهم من ذلك بكثير. ولا يزال الناس يحيون على ذلك الوهم ~~العتيق الذي يصور لهم أنهم يعرفون السلوك الإنساني تمام المعرفة، ~~ويعلمون على وجه الدقة كيف يتم في كل الأحوال. إنني أعرف ما أريد، وأعرف ~~ما فعلت، وأنا حر مسئول عنه، كما أدرك مسئولية الآخرين. في إمكاني أن ~~أحدد جميع الإمكانات الأخلاقية، وجميع الحركات الباطنية التي تسبق ~~السلوك، وأن أسميها بأسمائها، لتفعلوا ما تشاءون، وليكن مسلككم ما يكون، ~~فإني أفهم نفسي من ms229 خلاله كما أفهمكم جميعا، هكذا كان يفكر كل إنسان ~~قديما، وهكذا يفكر اليوم كل إنسان على وجه التقريب. # ولكن مهما بلغت معرفة الإنسان بنفسه، فإن صورة «الدوافع التي تكون ~~حقيقته» تظل في ذهنه ناقصة إلى أقصى حد. فهو عاجز عن تسمية تلك ~~«المخلوقات الغليظة» بأسمائها، جاهل كل الجهل بعددها وقوتها، ومدها ~~وجزرها، وتشابكها وتفاعلها وحروبها الخفية غير الواعية. وأهم من ذلك أن ~~قوانين «تغذيتها» تظل غائبة عنه. فالمصادفة وحدها هي التي تتولاها. ونحن ~~نجرب ما نجرب في حياتنا اليومية، ونقدمه فريسة لهذا الدافع أو ذاك. ~~والدافع يلتهم الفريسة في نهم، ويتم هذا دون سياق أو اتساق مع حاجات ~~الدوافع مجتمعة إلى الغذاء. وهكذا يحدث أحد أمرين: فإما أن تجوع بعض ~~الدوافع وتضمر، أو يشبع بعضها الآخر إلى حد التخمة ... وتواصل يد عمياء ~~تفريق الطعام من تجاربنا اليومية دون حساب للجائع أو المتخم. ويخضع مجموع ~~الدوافع للمصادفة نفسها التي تتحكم في وجوده وصيرورته، كما تتحكم في شبعه ~~أو جوعه وعطشه. ويستمر كل ذلك أثناء اليقظة، حتى يصاب الإنسان بالركود ~~والهموم، ويستسلم للنوم، فتقوم الأحلام أثناء الليل بدور «التعويض» عن ~~«الغذاء» الذي افتقده أثناء النهار، وماذا تكون الأحلام التي نبكي فيها ~~أو نضحك، نسمع أعذب الألحان أو نحلق كالنسور فوق ذرى الجبال، إن لم تكن ~~أنواعا من التنفيس عن دوافعنا الكامنة، وتأويلات غاية في الحرية والتعسف ~~للاستثارات العصبية، وحركات الدم والأحشاء، وضغط الأذرع والأغطية، وأصوات ~~الرياح أو الأجراس المنحدرة من الأبراج ... وغيرها مما نحسه أو ينتهي إلينا ~~أثناء النوم؟ أليست كلها تأويلات مختلفة باختلاف الدوافع لنص واحد بعينه؟ ~~ألا يمكن أن نقول نفس الشيء عن الدوافع التي تحركنا أثناء اليقظة، وتقوم ~~بدورها بتأويل استثاراتنا العصبية، وتغير أسبابها حسب الحاجات الملحة ~~إليها؟ وهل تخرج أحكامنا وتقويماتنا الأخلاقية عن أن تكون صورا وتخيلات ~~عن أحداث فسيولوجية نجهلها، ونوعا من اللغة التي تعودنا عليها، ~~وأطلقناها على تنبيهات عصبية معينة؟ وهل نعدو الحقيقة إذا قلنا في ~~النهاية إن وعينا المزعوم كله ليس سوى تعليق خيالي على ms230 نص غير معروف أو ~~غير قابل للمعرفة وإن كنا نحسه ونشعر به؟ # 16 # ما العمل إذا كنا نحن جميعا لا نعرف أنفسنا، ولا نحاول أن ~~نعرفها؟ إذا كنا نجهلها ونتجاهلها، نتهرب منها ونشفق من قسوة الطريق ~~الصاعد أو الهابط إليها؟ # لا مفر كما أسلفنا من أن «نربي» أنفسنا. وآفة التعليم والتربية في كل ~~مكان هي هذه: ما من إنسان يريد أن يتعلم أو يعلم غيره كيف يتحمل ألم ~~الوحدة، وما من معلم يريد أن يعطي بغير أن يمن على تلميذه. إن المعلم ~~الحقيقي يهدي ويفرح بأنه ازداد فقرا عما كان عليه، وهو يأخذ بيد التلميذ ~~إلى ذاته ليتركه لصمته ووحدته معها. ويساعده على الاغتراف من منبعه، ~~واكتشاف كنوزه، ثم ينسل بعيدا دون أن يشعره بأنه ساعده في الحفر عن هذه ~~الكنوز، بل دون أن يجعله يشعر بوجوده! لقد عرف نفسه، فاستطاع أن يعرف ~~الآخرين بأنفسهم. ثم اقتضته الحكمة أن يسكت، فلا يتطفل عليها أو عليهم. ~~لقد جرب أعمق التجارب، واهتز وزلزل من جذوره، حتى صح وشفي وخرج بابتسامة ~~متألمة إلى الحرية وصفاء السكينة، حطم أغلاله وتحمل سخرية الذين راحوا ~~يشيرون إليه هازئين: ها هو يثبت خيبته الكبرى! إذ كيف يتعود امرؤ على ~~الأغلال، ثم يذهب به الحمق إلى تمزيقها؟ # ومع ذلك فقد وجد الشجاعة لكي يخطو الخطوة الحاسمة على طريقه الخاص ~~عندها تكشف له السر؛ تخلى عنه أولئك الذين كانوا أقرب الناس إليه، تعالوا ~~عليه، وتصوروا أنه أهانهم. والغريب أن أفضل من فيهم لا يزال يتوقع منه أن ~~يعثر على الطريق الصحيح، ويرجع إليه - وكأنهم يعرفون هذا الطريق خيرا ~~منه! لهذا آثر الوحدة ورجع إلى صحرائه. تركهم وهو يقول لنفسه: إنني ~~متعجل. لا بد أن أنتظر نفسي. سيتأخر الوقت قبل أن ينبثق الماء من نبع ~~ذاتي، ويظهر إلى النور، وسيكون علي في أغلب الأحيان أن أتحمل ألم العطش ~~أكثر مما أتحمل الصبر. لهذا أذهب إلى وحدتي، لكي لا يكتب علي أن أشرب ~~من مستودع كل إنسان. إنني أحيا بين أغلب ms231 الناس كما يحيا أغلب الناس، ولا ~~أفكر كما ينبغي أن أفكر - ويمضي الوقت، فأشعر دائما كأن هناك من يريد أن ~~ينفيني بعيدا عن نفسي، وينهب مني ذاتي - وهنالك أحقد على كل إنسان، ~~وأخاف من كل إنسان، عندئذ أحتاج إلى الصحراء لكي أعود إلى نفسي. أحتاج ~~إلى الوحدة لأكون ذاتي. # د # وتشرق الشمس على من طلع عليه الفجر، وتشع بنور جديد. وتغمر المفكر ~~الوحيد نشوة فرح لم يعرفها من قبل، فيدون في صيف عام 1881-1882م كتابه ~~«العلم المرح» خلال إقامته في منطقة سيلز-ماريا، بين الجبال التي سيلقى ~~فيها زرادشت بعد سنوات قليلة ليبشره بالإنسان الأعلى، وعنوان الكتاب يشير ~~إلى التراث البروفنسالي للتروبادور وإن كانت المحبوبة فيه مختلفة عن تلك ~~التي تغنى بها «مطربو الدور»؛ إذ إن العاشق قد تيمه محبوب لن يظهر إلا ~~في المستقبل، أو إن شئت فإن المحبوب هو المستقبل نفسه. ولهذا فإن الحكم ~~المنثورة في هذا الكتاب أشبه باللحن الممهد للقادم الجديد، كما أن الحكيم ~~الذي تعذب باستكناه أغوار الوعي والبحث عما تحته ووراءه قد وضع كل ~~خبرته في استقبال هذا الأمل المنتظر. # وتعزف بعض الحكم على الوتر القديم، وتعاود الإلحاح على صيرورة الذات ~~إلى ذاتها: «ما الذي يقوله ضميرك؟ عليك أن تصير أنت نفسك! لا تتردد ... ~~واحفر في عمق الأرض، حيث وقفت فتحتك نبع، أما الأشباح السود، فدعها لا ~~تهتم بصيحتها، لا يوجد شيء تحتك إلا نيران جهنم!» وتتردد بعض الأصوات ~~التي سمعناها في الكتب السابقة في صيغ أخرى، فصوت يؤكد ارتباط النفس ~~والجسد (أو الجانب السيكوسوماتي) تأكيدا يذهلنا لو تأملناه على ضوء علم ~~النفس الحديث: «ليس من حقنا نحن الفلاسفة أن نفصل بين النفس والجسد، ولا ~~بين النفس والروح. فلسنا ضفادع مفكرة ولا أجهزة تقرير، وتسجيل ذات أحشاء ~~باردة، إن علينا أن نلد أفكارنا من ألمنا، علينا أن نرعاها رعاية ~~الأمهات، ونبذل لها كل ما نملك من دم وقلب ونار، ولذة وحماس وعذاب وقدر ... ~~معنى الحياة في نظرنا نحن الفلاسفة هو أن نحول كياننا بأسره إلى ms232 نور ~~ولهب، كما نحول كل ما يتصل بنا أو يصيبنا، ولن نملك غير ذلك. أما عن ~~المرض فهل يمكننا أن نستغني عنه؟ إن الألم العظيم، الألم الطويل البطيء ~~الذي نحترق فيه كما يحترق الخشب الأخضر، هو الذي يلزمنا بالهبوط إلى ~~أعماقنا الأخيرة، ويتردد صوت آخر عن العلاقة الوثيقة بين المرض والفلسفة ~~... فلولا الأمراض التي استسلم لها الفلاسفة، ولولا أجسادهم المريضة التي ~~عذبت عقولهم وألهمتها وأغرتها بالبحث عن السلام والسكون والصبر والعزاء ~~ما كانت معظم مذاهب الأخلاق والطبيعية وما بعد الطبيعة، ولا كانت أشواقهم ~~إلى ما فوق وما وراء، وكأن الفلسفة لم تخرج حتى الآن عن أن تكون تفسيرا ~~للجسد أو سوء فهم له. وكأن أعظم الأفكار وأرقى أحكام القيمة عبر التاريخ ~~لا تخفي وراءها غير أنواع من سوء الفهم لأحوال الجسد، سواء كان جسد الفرد ~~أو الطبقة أو الجنس.» # ويعود صوت ثالث إلى السخرية بالوعي، وبكل من يبالغ من شأنه «مبالغة ~~مضحكة»، بيد أن هذا الوعي لم يعد هو الوعي الفردي المغلول بسأم الحياة ~~اليومية، وزيف الأخلاق السائدة، بل هو الذي قفز إلى السطح من أعماق دفينة ~~تراكمت طبقاتها منذ أجيال، وشاركت في صنعه شعوب عريقة وحضارات قديمة. ولو ~~لم توجد هذه الأعماق الدفينة، وهذا «اللاوعي الجمعي» الموغل في القدم ~~لقضت البشرية ضحية وعيها السطحي الذي تغتر به أيما غرور. # لا بد إذا من إخراج هذه الأعماق الدفينة إلى نور الشمس. فهي نفسها ~~الأخطاء العريقة التي شكلت وعي الأجداد، وعلى الأحفاد أو أحفاد الأجداد ~~أن يتمثلوها ويجعلوها جزءا لا يتجزأ من كيانهم. وليست هذه الأعماق أو ~~الأخطاء إلا غريزة القطيع الذي يتحتم على القلة أن تخطو فوق جثته لتستقبل ~~القادم المنتظر، وتتبعه إلى شواطئ عالم جديد. # ولكن من الذي يشعر بالمحنة ~~ويرى الجثث والأنقاض في كل مكان؟ من الذي أحس بليل العدم المطبق على ~~الغرب، فراح يوجه شراع سفينته نحو شاطئ بعيد وشرق جديد؟ هم القلة التي ~~اختارت ألم الروح والجسد، وجربت جرح العصر الذي سيولد منه فجر الإنسان ~~الموعود: ms233 «نحن الجدد الذين لا أسماء لهم، والذين يصعب فهمهم، نحن ~~المواليد المبكرون لمستقبل لم يتأكد بعد - إننا بحاجة من أجل الهدف ~~الجديد إلى وسيلة جديدة، أعني إلى صحة جديدة، أكثر قوة وذكاء وعنادا ~~وبسالة ومرحا من كل ما عرف الناس حتى اليوم - من تعطش إلى هذه الصحة ~~العظيمة، وجرب كل ما كان يعد ذا قيمة حتى الآن، وطاف بسفينته على شواطئ ~~هذا «البحر المتوسط» المثالي، من دفعته مغامرات تجربته إلى الإحساس ~~بمشاعر الفاتح ومكتشف المثل الأعلى فضلا عن الفنان والقديس والمشرع ~~والحكيم والعالم والمتنبئ والعابد المتنسك من الطراز القديم، من فعل هذا ~~فهو في أشد الحاجة إلى الصحة العظيمة ... تلك التي لا يملكها المرء فحسب، ~~بل يكتسبها ولا بد له أن يكتسبها على الدوام؛ لأنه سيضحي بها، ولا بد أن ~~يضحي بها بصفة مستمرة ...» # لماذا يحتاج هؤلاء الجدد إلى الصحة العظيمة أو الشجاعة الخارقة؟ ~~لأنهم يواجهون - كما رأينا - عالما فظيعا من الحطام والأنقاض، ويرون ~~مجتمعا دينيا اهتز وزلزل فيه الإيمان من أساسه، وانهارت فيه الكنيسة ~~حتى أصبحت قبرا ل «الإله الميت» و«موت الإله» هي الصيحة المرعبة التي ~~أطلقها المتنبئ بالإنسان الأعلى في نهاية القرن التاسع عشر، والحدث ~~الأكبر الذي راح يدق له الأجراس، وهو يردد كلمته المخيفة المتناقضة إلى ~~أبعد حدود التناقض. وليس أدل على هذا التناقض من تضارب أسلوبه في التعبير ~~عن هول هذا الحدث. فهو مرة شاعر يرسم صور الانهيار والظلام والدمار ~~والكسوف. ومرة أخرى نبي أو متنبئ يعلن بصوته الغامض المتهدج عن إشراقة ~~عصر جديد تفقد فيه كل المعايير والقيم التقليدية قيمتها، ويبشر بضياء ~~غريب يشع بالسعادة والطمأنينة والمرح والشجاعة. ومرة ثالثة متشكك في قدرة ~~أغلبية الناس على استيعاب مغزى الحدث الضخم وتقدير نتائجه الرهيبة. وهو ~~في كل الأحوال مضطرب الوجدان، مثقل بالشعور بالذنب، فلم يعد الأمر يقتصر ~~على تغير الوعي الفردي، بل أصبح مسألة تحول في وعي البشرية كلها، وزلزلة ~~تقتلع التراث الأفلاطوني-المسيحي من جذوره العتيقة، وانتظار للخلاص على ~~يد جيل من الأبطال المبدعين يقهر ليل ms234 العدمية، ويتجاوز إنسان العصر ~~العفن، ويحقق معنى الأرض والحضارة والوجود. # لتستمع إليه في هذا النص الذي يهلل فيه بالفجر الجديد: «إننا نحن ~~الفلاسفة وأحرار الروح نشعر عند سماع نبأ موت الإله العجوز بأن فجرا ~~جديدا يشع علينا نوره، وأن قلوبنا تفيض بالعرفان والدهشة والرجاء ~~والتوقع، أخيرا يبدو لنا الأفق حرا من جديد، وأخيرا تعاود سفننا ~~الانطلاق لتواجه كل الأخطار، ويتغلب العارف على تردده ويقدم على ~~المغامرة، ويمتد البحر - بحرنا - وينفتح أمامنا، ونحس أن هذا البحر ~~المفتوح لم يوجد أبدا قبلنا.» # ثم لنقرأ هذا النص المشهور عن المجنون الذي راح يلقي على أبناء جيله ~~مسئولية الحدث الهائل المهول، ويحملهم ويحمل نفسه ذنب الجريمة التي لم ~~يسبق لها نظير: «هل سمعتم عن ذلك المجنون الذي أشعل مصباحا في الضحى، ~~ومشى في السوق وهو يصرخ صراخا لا ينقطع: إني أبحث عن الإله! أبحث عن ~~الإله! وتجمع حوله عدد كبير من الكافرين الذين راحوا يهزءون به، ~~ويتعجبون منه، وهم يتصايحون ويتضاحكون: هل تاه هذا الرجل كما يتوه ~~الأطفال؟ أم كان مهاجرا ثم عاد؟ وقفز المجنون وسط الجمع الغفير، وراح ~~يسلط عليهم نظراته الثاقبة، وهو يهتف قائلا: أين ذهب الإله؟ أنا أتولى ~~الجواب عنكم: لقد قتلناه أنتم وأنا. نحن جميعا قتلته! لكن كيف فعلنا ~~هذا؟ كيف استطعنا أن نعب البحر؟ ماذا فعلنا لكي نفصل هذه الأرض عن شمسها؟ ~~وإلى أين تتحرك الآن؟ إلى أين تتحرك؟ بعيدا عن كل الشموس؟ ألا نتخبط ~~باستمرار في كل اتجاه؟ هل بقي هناك ما هو أعلى وما هو أسفل؟ ألا نضل فيما ~~يشبه العدم؟ ألا يلفح الفراغ وجوهنا؟ ألم تزدد البرودة، ويجن علينا الليل ~~والمزيد من الليل؟ مات الإله، ونحن الذين قتلناه. فكيف نعزي أنفسنا ونحن ~~أعتى القتلة؟ أقدس ما ملكت البشرية وأقواه قد سقط تحت سكاكيننا مضرجا في ~~دمائه، فمن يمسح عنا هذا الدم؟ أين الماء الذي يطهرنا؟ أليست عظمة هذا ~~الفعل أعظم منا؟ ألا يتحتم أن نصبح نحن آلهة كي نكون جديرين به - لا لم ~~يوجد أبدا فعل ms235 أعظم من هذا الفعل - وكل من سيولد بعدنا سيدخل بسببه في ~~تاريخ أسمى من كل تاريخ عرفه الإنسان!» # كابوس غريب يدور في ذهن مجنون حالم يتجول في نومه ينتهي بأن يصمت ~~ويتبادل من حوله نظرات الذهول، ويلقي بمصباحه على الأرض فيتحطم وينطفئ! ~~لقد جاء قبل الأوان، كما يقول على لسان الشاعر الفيلسوف الذي صوره، ~~وهذا الأخير يقول كذلك عن نفسه إنه «آخر العدميين»، والطائر الذي يسبق ~~العاصفة، وهو - مثل غيره من رواد القرن القادم - ينتظر فوق الجبال، في ~~قلب التناقض بين اليوم والغد، ويلمح الظلال الزاحفة التي توشك أن تلتف ~~على أوروبا، إنه كما تقول العبارة الأخيرة من النص السابق ينتظر تاريخا ~~أسمى من كل تاريخ سابق، ويعقد الأمل على إنسان أعلى من كل إنسان ~~حاضر. # كيف نفسر هذه الكلمات الفظيعة والرؤى المضطربة؟ كيف نفهمها كالألغاز ~~التي تستعصي على الأفهام؟ هل نلهث وراء التأويلات التي لا حصر لها لتلك ~~الرؤيا المختلطة عن «موت الإله»، فنقول مع البعض إنها تعبير عن انهيار ~~التراث الغربي، وتداعي الميتافيزيقا والأخلاق والأفلاطونية-المسيحية؟ أم ~~نقول إنها محاولة لتأسيس ديانة جديدة تؤله الأرض والإنسان وإرادة الحياة؟ ~~أم نقول على العكس من ذلك إنها محاولة يائسة من مسيحي صادق الإيمان في ~~عصر فقد فيه المؤمنون إيمانهم كما فقد الإيمان الحقيقي من يؤمنون به؟ أم ~~تراها في النهاية هي الصورة الميتافيزيقية-الشعرية التي تعكس مذهب التطور ~~الطبيعي عند داروين وترتفع به؟ # كثيرة هي التفسيرات التي قدمت ولا تزال تقدم لهذه الكلمة المخيفة ~~التي تعد مفتاحا أساسيا لتفكير هذا الفيلسوف ذي المائة باب! وأكثر ~~منها اللعنات أو البركات التي ما لبثت تنزل على رأسه الذي تعذب وجن ~~واحترق في أتون أفكاره الغامضة الغاضبة. والذي يهمنا الآن أن كلمته ~~المخيفة المتناقضة التي أعلنها في «العلم المرح»، ثم صرخ بها في زرادشت ~~قد تمخضت عنها كلمات وأفكار أخرى لا تقل عنها تناقضا وإلغازا. ولسنا ~~نريد أن ندخل في متاهة التأويلات المختلفة للإنسان الأعلى وإرادة القوة ~~وعودة الشبيه الأبدية. فالواضح مما سبق أن الشاعر ms236 المفكر - الذي يقف على ~~مفترق الطرق أو على قمة الجبل بين اليوم والغد - يتوجه ببصره إلى ~~المستقبل، وينتظر «النموذج الأصلي» الذي يجسد أحلام اللاوعي الجمعي ~~لبشرية نضجت للموت وللبعث الجديد. هذا النموذج المنتظر هو التجسيد الحي ~~«للتجلي الديونيزي» الذي أشرق بنوره وإلهامه عليه والديونيزي نسبة للإله ~~الإغريقي الأسطوري «ديونيزيوس»، الذي تتمثل فيه مأساة الوجود وبهجته، ~~وعذابه ونشوته، ودورته الأزلية الأبدية بين البداية والنهاية، إنه ~~الإنسان الأعلى الذي «يصعد إلى الأعماق» من أجل أولئك الذين يريد أن ~~يهديهم بسخاء، كشمس الغروب التي تغوص في الأفق، بينما تغرق العالم نورها ~~الذهبي. هو «معنى الأرض» التي ينبغي على الإنسان أن يمحضها الحب والولاء، ~~يعلنه المعلم والنبي الملهم زرادشت الذي تجسدت فيه إرادة القوة والعلو ~~على الإنسان: «إنني أعلمكم الإنسان الأعلى. فالإنسان شيء ينبغي تجاوزه. ~~ماذا فعلتم لكي تتجاوزوه؟ كل الكائنات السابقة قد أبدعت شيئا تخطاها، ~~أتريدون أن تكونوا جزر هذا المد العظيم، وتؤثروا النكوص إلى الحيوان على ~~تخطي الإنسان؟» # ما القرد بالقياس إلى الإنسان؟ سخرية مضحكة أو شيء مخجل أليم. وكذلك ~~ينبغي أن يكون الإنسان بالقياس إلى الإنسان الأعلى سخرية مضحكة أو شيئا ~~مخجلا أليما. لقد قطعتم الطريق من الدودة إلى الإنسان، ولا يزال فيكم ~~من الدودة شيء كثير. كنتم قرودا في يوم من الأيام، ولا يزال الإنسان إلى ~~اليوم قردا أكثر من أي قرد. # انظروا، إنني أعلمكم الإنسان الأعلى! والإنسان الأعلى هو معنى الأرض! ~~فلتقل إرادتكم: ليكن الإنسان الأعلى معنى الأرض، أستحلفكم يا إخوتي أن ~~تتعهدوا بالوفاء للأرض، وألا تصدقوا أولئك الذين يكلمونكم عن آمال ~~علوية. خالطوا السموم هم سواء عرفوا أم لم يعرفوا. محتقرون للحياة هم، ~~منقرضون وهم أنفسهم مسمومون، تعبت من حملهم الأرض، فليذهبوا عنها! # حقا إن الإنسان الآن لنهر قذر. ولا بد أن يكون الإنسان بحرا لكي ~~يستوعب البحر دون أن يتلوث. انظروا، إنني أعلمكم الإنسان الأعلى، فهو هذا ~~البحر، وفيه يمكن أن يغيب احتقاركم العظيم. # تفرس زرادشت في عيون الناس وتعجب. ثم تكلم وقال: الإنسان حبل مربوط ~~بين ms237 الحيوان وبين الإنسان الأعلى حبل معلق فوق هاوية. هو معبر خطر، خطوة ~~خطرة على الطريق، التفاتة خطرة إلى الوراء، ارتجافة وتوقف خطر. أعظم ما ~~في الإنسان أنه جسر لا هدف، وأحب ما فيه أنه مرتقى ومنحدر. إنني أحب ~~أولئك الذين لا يحيون حياة المنحدرين؛ لأنهم هم العابرون المتجاوزون. أحب ~~من كانت نفسه عميقة، حتى في جراحها، ومن يمكنه أن يذهب ضحية تجربة صغيرة، ~~بهذا يقطع الجسر عن طيب خاطر. أحب جميع من يشبهون قطرات المطر المثقلة ~~التي تتساقط قطرة قطرة من السحابة السوداء المعلقة فوق الإنسان. إنهم ~~يبشرون بمقدم الصاعقة، ويسقطون وهم المبشرون. # انظروا، إني مبشر بالصاعقة، قطرة ثقيلة تنحدر من السحابة، أما هذه ~~الصاعقة فاسمها الإنسان الأعلى. # 17 # نعود للسؤال: ومن هو الإنسان الأعلى؟! # لم تتعرض كلمة في تاريخ التفكير الحديث لسوء الفهم الذي تعرضت له هذه ~~الكلمة. إنها في رسمها الأصلي تدل على «ما فوق الإنسان». والكلمات التي ~~ترمز لفوق، ووراء، وبعد، تتكرر كثيرا في كتابات نيتشه، وبخاصة في ~~زرادشت، وهي أكثر الكلمات دلالة على طابعه في التفكير والتفلسف. غير أنها ~~لا تستخدم للتعبير عن التفضيل والمبالغة، ولا عن تطرف نيتشه أو جموحه ~~المعروف. فكثيرا ما يريد بها التعبير عن تجاوز الضدين جميعا والعلو فوق ~~كل ما عرفته البشرية من أشكال التصور والتفكير. ولهذا نسيء فهم الإنسان ~~الأعلى أو ما فوق الإنسان إذا ذهب بنا الظن إلى إنسان أضخم حجما أو أقوى ~~عضلا من بقية الناس؛ إذ ليست له أدنى صلة بالبطل المحارب أو الوحش ~~النازي الأشقر الذي راح ينشر الخراب والدمار ويغرق العالم في بحار الدم. ~~ونحن نخطئ أبلغ الخطأ إذا فهمناه في إطار المقولات العرقية، أو رددناه ~~إلى التطورات البيولوجية والطبيعية زاعمين أنه يمثل غاية تطورها. إن ~~الأمر مع هذا الإنسان الأعلى هو أمر تجاوز وعلو وارتفاع، تجاوز للإنسان ~~الحاضر، وعلو فوق الأخلاق السائدة، وارتفاع على التركة الميتافيزيقية ~~التي ورثها العالم عن أفلاطون. ليس مجرد تمهيد للأنا المريدة الخلاقة - ~~التي طالما سمعناه يتغنى بها، ويدعوها لأن ms238 تصير ذاتها - بل للإنسانية ~~المبدعة التي تعي ذاتها وتتبصر برسالتها، وتتطلع بكل ما في طاقتها من حب ~~إلى «الذات الأرقى التي لا تزال خفية». # 18 # ولهذا كان الإنسان الأعلى أقرب ما يكون إلى «الطفل الملاعب» ~~الذي تحدث عنه في زرادشت، وإلى الرائد الذي يكتشف المنابع الجديدة ~~والآفاق الغريبة المجهولة، وأشكال الفجر التي لم يقدر لنورها أن يشرق بعد ~~كل هذه الصور والاستعارات عن العالم الجديد والفجر الجديد والشرق الجديد ~~... إلخ، الذي بحث الفيلسوف عنه، وتعذب من أجله، وتحمل أزمات عصره ومحن ~~تاريخه لكي يبشر به ... أليست كلها إشارات إلى المكتشف والرائد الذي راح ~~يعلن عن مقدمه وهو واقف كالحارس العنيد على البوابة الفاصلة بين عهد قديم ~~وعهد جديد؟ ومن يكون هذا الرائد الذي اكتشف منابعه الفردية والجماعية إن ~~لم يكن هو الإنسان المبدع الذي ينتشل نفسه وإخوته من مستنقع الفساد ~~والانقراض والعدمية الذي أوشكت البشرية الحاضرة أن تغرق فيه؟ وهل من أمل ~~في إنقاذ هذه البشرية المنحدرة إلى الهاوية إلا أمل الإبداع على يد جيل ~~مبدع؟ - إبداع الذات الفردية والجمعية، إبداع لقيم جديدة بعد أن فقدت كل ~~القيم قيمتها، إبداع الحياة - بفضل إرادة القوة أي إرادة المزيد من ~~الحياة، ومن كل ما يبارك الحياة، إبداعها في كل لحظة تتحول على يديه من ~~لحظة عابرة إلى خلود؟ من سيكون هذا الإنسان المبدع إن لم يكن هو الإنسان ~~الأعلى؟ ومن يكون الإنسان الأعلى إن لم يكن هو الإنسان المبدع؟ # عرف نيتشه قدره وأخلص له. وقد وضعه قدره التاريخي على حافة عصر عدمي ~~منهار، فراح - بكل ما فيه من ألم وتمزق وحماس - يتغنى بالعصر القادم ~~والإنسان الأعلى. ولم يكن هذا الإنسان في رأيي - على الرغم من كل ما أحاط ~~به من غموض وظلم وسوء فهم - إلا الإنسان المبدع. فهل آن لنا أن نعي هذا ~~الدرس؟ هل آن لنا - ونحن نجتر محنتنا العربية، ونهدم بيت حضارتنا ~~بمعاولنا، وننتحر على كل المستويات بأيدينا، ونغرق كل يوم في مستنقع ~~التفاهة والسأم والصغار والتسلط بعضنا على بعض ms239 - هل آن لنا أن نؤمن ~~بإنسان عربي حق - ولا أقول إنسان أعلى - إنسان مبدع، يعلو فوق الإنسان ~~القرد، وفوق الإنسان الكلب، وفوق الإنسان الأفعى - يدرك ألا أمل ولا ~~إنقاذ سوى الإبداع - إنسان يبدع ماضيه وحاضره وغده، يبدع واقعه وقيمه، ~~إنسان يدعو ذات الفرد وذات الأمة وهو يقول: رفقا يا نفس بنفسك! يا نفسي ~~كوني نفسك! # | ليوناردو ... والفلاسفة1 # هل يمكن أن تنهل الفلسفة من ينابيع ~~الإبداع التي يحيا عليها الأدب والفن؟ وهل نتصور فيلسوفا كبيرا لم يكن ~~خلاقا بمعنى من المعاني ألا يشارك مزاجه وطبعه الخاص في تأليف «وجهة ~~النظر» التي يقدمها لنا في بناء عقلي محكم؟ ألا تختفي الروح الشخصية خلف قناع ~~النظرة الكلية العامة، والنبض الفردي وراء قضايا الفكر ومبادئه، واليد الحية ~~على أطراف سلسلة «المفاتيح» التي أعدها لمعالجة صناديق السر والمجهول، ~~والنفاذ إلى مغاليق الوجود والمعرفة؟ كيف نتصور فلاسفة ملهمين (مثل هيراقليطس ~~وأنبادوقليس وأفلاطون وأفلوطين والرواقيين وأوغسطين والفارابي وابن سينا ~~وبرونو وديكارت واسبينوزا وليبنتز وهيجل وشيلنج ... إلخ، بالإضافة إلى فلاسفة ~~الوجود والحياة والمتصوفة في كل مكان وزمان) كيف نتصور الأنظمة التي شادوها ~~بغير العذاب والمعاناة، والأفكار التي رتبوها بغير الصورة الحسية والخيال ~~المجنح والشرارة التي انقدحت في قلوبهم قبل أن تبرد وتسكن في بناء أو نظام أو ~~نسق؟ وهذه الأنظمة والأنساق المجردة نفسها، ألم تصبح اليوم قصورا جليلة ~~دارسة، نستمتع برؤيتها وتأملها كما نستمتع بأي عمل فني خالد؟ أليس الفلاسفة ~~أيضا فنانين على طريقتهم؟ ألا يمكن أن تتفجر القصيدة والقصة والمسرحية ~~والخاطرة والبحث والدراسة العميقة من نفس الفعل الخلاق؟ # لا شك أن الإجابة تبدو سهلة. فما من عمل عظيم لا يصدر عن تجربة، وما من ~~تجربة لا تنديها قطرة من نبع الخلق. وتاريخ العلم والعلماء، وحياة المبدعين ~~في كل ميدان لا تخلو من مواقف ولحظات لا ينفع فيها تفسير أو تحليل. صحيح أن ~~الطرق بعد ذلك تتشعب، والدروب تختلف، والغايات والنتائج تتفرق، ولكن النبع ~~الخلاق دائما هناك، ولولا عطاؤه ما كانت للإنسان حضارة، ولا تفوق في علم ~~أو ms240 فن أو صنعة أو فضيلة. هذه أمور يعرفها كل من عايش النابغين معايشة كافية، ~~واستطاع أن ينصت إلى وجيب قلوبهم من خلال الكلمات والألحان والخطوط والظلال. ~~هذا إلى توافر عدد كبير من الشعراء في تاريخ الفلسفة، ومن الفلاسفة في تاريخ ~~الأدب والفن غير أن الفيلسوف لن يرضيه أن نصفه بأنه شاعر أو فنان، ولن يسعد ~~الشاعر والفنان أن نخلع عليهما لقب الفيلسوف! وتبقى المشكلة قائمة (والمشكلات ~~الحقيقية لا تعرف الحلول الأخيرة؛ لأن الحل النهائي معناه الموت النهائي، ~~ولأننا لا نملك إلا محاولة الاقتراب منها، وتجربة أسلحتنا في اقتحام ~~أسوارها). # عشت السنوات الأخيرة مع هذه الأسئلة التي تمزقني منذ أن «تورطت» في تدريس ~~الفلسفة، فلا أنا بقادر على نزع أشواكها المغروسة في قلبي، ولا أنا بمستطيع ~~أن أصم أذني عن نداء الخلق الذي يتردد صداه في كياني. لا العمل اليومي يحفظ ~~شجرة التجربة من الذبول والسقوط في دوامة الثرثرة والتكرار والتسطيح والجفاف ~~والابتذال، ولا لقمة العيش تسمح بترف الانتظار لبروق الإبداع والطاعة ~~لقوانينه والاستسلام لمخاطره ومفاجآته ومفارقاته (وهو كما نعلم معبود يكره أن ~~يشرك به، ولا يعطيك شيئا حتى يأخذ منك كل شيء!) # ووسط المحنة التي لا يدري إلا الله مصيرها، وقعت عيني مصادفة على هذه ~~الصفحات التي كتبها الشاعر الفيلسوف الفرنسي بول فاليري (1871-1945م) عن ~~«ليوناردو والفلاسفة». # ولا أزعم أنها هدتني إلى حل، أو قدمت لي عزاء. فمن المشكلات كما قلت ما ~~لا يحل ولا ينفع فيه عزاء (اللهم إلا إذا أمكنك أن تقفز فوق ظلك وقدرك أو ~~تتسلى برؤية «بنات» أفكارك وعذابك ووحدتك، وهي تغتال كل لحظة أمام عينيك!) ~~ولكني وجدت نفسي أمد يدي للقلم، فأتابع هذه الصفحات العميقة الدقيقة المرهفة، ~~وأختصر منها وأضيف إليها القليل من توابل شطحاتي وتجاربي. ثم تركتها وكدت ~~أنساها حتى ذكرني بها احتفال الإنسانية المثقفة في سنة 1974م بنشر مخطوطات ~~جديدة للعبقري الإيطالي المذهل دافنشي (وصدر بها العدد القيم من مجلة ~~اليونسكو في طبعتها العربية في شهر ديسمبر من نفس السنة). # ربما يدهشك حديثي ms241 عن دافنشي الفيلسوف، بعد أن عرفته مصورا خالدا ~~ونحاتا وموسيقيا وعالما طبيعيا ومهندسا وأديبا، وستتكفل الخواطر ~~التالية بتسليط الضوء على صورة جديدة للعبقري الذي «رسم» فلسفته، ونزهها عن ~~كل نظام لغوي أو عقلي. وقد يريبك الكلام عن فاليري «الفيلسوف» بعد أن قرأت له ~~أو قرأت عنه، واطلعت على درر من شعره ونثره وتأملاته النفسية عن فعل الخلق ~~الفني (في الشعر بوجه خاص)، وسمعت عن مكانته المرموقة في الأدب الفرنسي ~~والعالمي، ووقفته النبيلة في وجه البربرية النازية، وانتصاره للسلام العالمي ~~والتعاون الثقافي بين الأمم. فما الذي يبرر وصفه بالفيلسوف؟ وما الذي يدعو ~~بعض المعاجم الفلسفية (مثل معجم لاروس) إلى أن يفسح له مكانا بين ~~الفلاسفة؟ # لا مشاحة في الأسماء كما يقال، فلو ~~فهمت الفلسفة بالمعنى التقليدي الذي يتمثل في نظام أو نسق أو مذهب مغلق يحيط ~~بمسائل الوجود والمعرفة، ويصدر عنها وجهة نظر كلية من خلال فكرة أو مبدأ واحد ~~يتفرع عنه كل شيء، أو عدة مبادئ وقضايا عامة تلخص الواقع كله، ولو فهمت ~~الفيلسوف بمعنى المتخصص في الكلي العام، المعبر عن تخصصه بلغة برهانية وعقلية ~~مجردة، فلن يكون فاليري فيلسوفا، ولن يحتمل أن تلصق عليه بطاقة الفلسفة. أما ~~إذا أخذت الفلسفة بمعناها العام، وروحها الخالد الباقي - النظر المتعالي، ~~القدرة على السؤال عن ال «ما» وال «لماذا» نزعة التحليل والبحث والفهم، ~~الوقوف بين الأنا والأنا، أو تأمل التأمل، ونقد النقد والتعمق في فعل الخلق ~~نفسه، فسيحتل فاليري مقعدا مريحا في صفوف الشعراء الفلاسفة. وسوف يكفيك ~~- للاقتناع بهذا الرأي - أن تنظر في بعض شعره الناصع الغامض، الباهر الملغز ~~(وكأن كل بيت فيه ماسة يخطف ضوءها البصر ويغشاه في آن واحد) كالمقبرة ~~البحرية، وربة القدر الشابة، وغيرهما من القصائد التي يضمها ديوانه «رقي» ~~(1922م). ويكفي أن تتأمل بعض كتبه التي يدور معظمها حول فعل الخلق المتأرجح ~~بين مثال الجمال والكمال المطلق، وعاطفة الجسد والحس الدافئ الحي مثل «المدخل ~~إلى منهج ليوناردو دافنشي» (1895م)، و«أمسية مع السيد تست» (1906م)، ~~و«أويبالينوس أو المهندس المعماري» (1923م)، ms242 و«النفس والرقص» (1925م)، ~~و«ليوناردو والفلاسفة» (1929م)، و«حديث عن العقل» (1929م)، و«نظرات على ~~العالم المعاصر» (1933م)، وألوان (من 1924 إلى 1944م)، ومقاله عن استندال ~~(1927م)، ورسالته عن معلمه مالارميه (1928م)، وحواره الفكري فاوست كما أراه ~~(1945م) يكفي أن تطلع على شيء من هذا كله لتواجه العقل الذكي الباهر، ~~والثقافة الشاملة الجامعة، والأسلوب الكلاسيكي الصافي، والروح الديكارتية ~~الواضحة المتشككة، والسخرية السقراطية السمحة، والاطلاع الواسع على مختلف ~~العلوم والفنون، وفي مقدمتها الرياضيات والعمارة والتاريخ والرسم والموسيقى. ~~ثم تلمس أنفاس هيراقليطس وبارمنيدز في شذراتهما الدقيقة المقتصدة التي يتضوع ~~منها عبير الشعر والنبوة والسحر والرمز، وتتأكد في النهاية من صدق العبارة ~~التي وصفه بها عميد أدبنا العربي - رحمه الله - في مقاله الرائع عنه (في ~~كتابه ألوان، ص51-64، سنة 1958م)، وقال عنه فيها إنه «شاعر العقل وعقل ~~الشعر.» # اقرأ معي هذه المقطوعة التي تبدأ بها قصيدته الشهيرة «المقبرة البحرية» ~~التي تعد من أروع و«أفظع» الشعر على الإطلاق: # هذا السقف الهادئ، الذي يخطو عليه الحمام # يرف بين أشجار الصنوبر، بين القبور، # والظهيرة العادلة تشمله بالنيران. # البحر، البحر، الذي يبدأ على الدوام ويعيد. # يا لها من نعمة بعد تفكير عميق # في نظرة طويلة إلى هدوء الآلهة! # وستلمس فيها اللغة الدقيقة المحسوبة - كأنها رياضيات الشعر ~~- والشكل النقي المحكم، والنفس الهائم بين مناطق الوعي اليقظ ومجاهل الوعي ~~المظلم، بين كمال العقل وعذاب الجسد. واقرأ معي أيضا هذه المقطوعة من نفس ~~القصيدة؛ لتعرف أن «الحس» و«الشهرة» و«الشبق» هي الأصل في كل شعر عظيم، وأننا ~~نظلم هذا الشاعر إن حاولنا أن نحدد أسلوبه بأنه «رمزي» أو «محض» أو «مثالي» ~~أو «مطلق» أو بغيرها من الأوصاف المضادة: # الصيحات الحادة من الفتيات الماجنات، # العيون، والأسنان، والجفون المنداة، # النهد الساحر الذي يعبث باللهيب، # والدم اللامع في الشفاه المستسلمة، # العطايا الأخيرة، والأصابع التي تذودها، # كل ذلك يثوي تحت الأرض، ويدخل في اللعبة. # والحديث عن شعر فاليري - أبو الأحرى شعر الشعر - طويل لا ~~يتسع له هذا المجال. والحديث كذلك عن صمته الطويل عن كتابته - وقد قارب ~~العشرين ms243 سنة - يمكن أن يفيد بعض شعرائنا المكثرين بغير داع. ولهذا أود أن ~~أحيلك إلى الدراسة القيمة التي قدم بها الأستاذ شفيق مقار لمختارات من شعره، ~~(وتجدها في كتابه «شيء من الشعر»، من صفحة 137 إلى 172. وإلى دراستي عنه في ~~الجزء الأول من كتابي عن ثورة الشعر الحديث، من صفحة 274 إلى 292. والقصائد ~~التي اخترتها له - ومن بينها هذه القصيدة العسيرة - في الجزء الثاني من نفس ~~الكتاب، ص163-172)، ويكفي أن أنقل إليك هذه السطور التي لخص فيها فاليري ~~أسلوبه في الشعر الذي تأثر فيه بأسلوب مالارميه، ومنهج دافنشي، واختلف عنهما ~~في آن واحد: «عند الشاعر تتكلم الأذن، وينصت الفم، إن العقل واليقظة هما ~~اللذان يخلقان ويحلمان، والنوم هو الذي يرى رؤية واضحة، إن الصورة والخيال ~~هما اللذان ينظران، والفقد والفراغ هما اللذان يبدعان.» كما أنقل إليك عبارة ~~أخرى من اعترافاته الحكيمة عن نظرته إلى فعل الخلق: «إنني أفضل أن أكتب شيئا ~~هزيلا، وأنا في حالة وعي تام ونصوع كامل على أن أخلق تحفة رائعة من أجمل ~~الروائع، وأنا في حالة جذب تضعني خارج نفسي.» وكلتا العبارتين تبينان أن هذا ~~الشاعر العسير الذي ألزم نفسه بقوانين العقل والشكل قد أبدع - رغم أنف هذه ~~القوانين - شعرا محترقا بلهيب الإلهام الذي لا يتحكم فيه إلزام. # مهما يكن من شيء، فقد تعين الصفحات التالية على إبراز بعض قسمات هذا ~~الوجه الفلسفي المتلألئ بنور الوضوح والشك والحزن النبيل. إن صاحبه يرفض ~~المذهب، ويؤكد - كما يفعل المعاصرون - أنه لو كانت له فلسفة لكان موضوعها ~~الأوحد هو الممكن، ولحاولت أن تنفذ إلى منابع الطاقة الخلاقة الفعالة في ~~أغوار الإنسان. و«الأنا» هي المحور الذي تدور حوله خواطر هذا المفكر، والأنا ~~من كل زواياها وجوانبها المتناقضة المتصارعة (لدى الفنان والعالم والفيلسوف ~~والطاغية، في الإبداع الفني، والتأمل الكوني، والاستماع الموسيقي، والتفكير ~~في الفكر، ونقد النقد، وشعر الشعر، ولغة اللغة)، ولهذا لا يصح أن تتصور أن ~~الخواطر التي ستقرؤها الآن تدور حول ليوناردو وحده، فليس هذا العبقري ~~الإيطالي ولا الميسيو تست وفاوست ms244 وغيرهم من الشخصيات إلا رموزا تومئ للمثل ~~الأعلى، وهو الإنسان الذي يملك طاقة غير عادية على الخلق غير العادي، أي على ~~التعبير عن أقصى سهام الممكن التي تقدر عليها قوس الإنسان. # إليك إذا هذه السطور التي يتحد فيها عقل المفكر الشاخص إلى الكمال ~~والجمال والمثال وقلب الفنان المضطرب بغرائب الواقع، ومتناقضات الفرد وعذابات ~~الجسد، ومصادفاته ومفاجآته. ~~- بين الطبيعة والأعمال (الفنية)، بين شهوة الرؤية وشهوة القدرة، علاقات ~~لا نهاية لها، سرعان ما يتوه التحليل فيها. ~~- إن العقل الذي يحاول باستمرار أن يعيد تنظيم الموجودات، وترتيب رموز ~~جميع الأشياء حول بيت المجهول يستنفذ جهده في هذه المحاولة، وييأس في هذا ~~المجال الذي تسبقه فيه الأجوبة والأسئلة، وتلد النزوة قوانين، ويؤخذ الرمز ~~مأخذ الشيء، والشيء مأخذ الرمز، ويستغل هذه الحرية للوصول إلى نوع من الدقة ~~التي لا سبيل إلى تفسيرها. ~~- الجمال متعة وإغراء هائل لا يقاوم - مشاهدة الجميل تغري كل إنسان ~~بتعمقه - ولعلها هي التي تهدي العقل هداية خفية، لعلها هي مبدؤه. ~~- الفيلسوف هو نوع من المتخصص في الكلي العام، وهي صفة يعبر عنها بنوع من ~~التناقض. ثم إن هذا «الكلي» لا يظهر إلا في صورة لغوية أو لفظية. ~~- لم يعدم الفلاسفة الشعور بالقلق من العواطف والانفعالات. وقد انتبهوا ~~إليه بطريقتهم المنهجية، فأخذوا يبحثون عن أسبابه، وآليته، ومعناه، ~~وماهيته. ~~- إن الجهد الأكبر للفلسفة - حتى لو نظرنا إليه في قلب الفيلسوف - ~~يتألف قبل كل شيء من محاولة تحويل ما نعرفه إلى ما ينبغي علينا معرفته. ~~وهذه المحاولة تقتضي أن تقدم في نظام معين. هذا هو الذي يجعلنا نضع الفيلسوف ~~بين الفنانين، لكن المشكلة هي أن الفيلسوف نفسه لا يستريح لهذا الوضع. من هنا ~~كانت مأساة الفلسفة أو ملهاتها. ~~- بينما يتجادل الفنانون، ويختلفون حول مكانة كل منهم من فنه، يتجادل ~~الفلاسفة، ويختلفون حول مشكلة «الوجود». لعل الفيلسوف يعتقد بينه وبين نفسه ~~أن «الأخلاق» (لاسبينوزا) أو «المونادولوجيا» (مذهب الكائنات الفردة أو ~~الأحادات لليبنتز) أهم وأكبر خطرا من سويت أو سوناته من مقام «ري» ~~الصغرى؟! ~~- حقا إن ms245 بعض الأسئلة التي تطرحها عقول الفلاسفة والمشكلات التي يحطمون ~~بها رءوسنا قد تكون «أعم»، وأقرب إلى الطبيعة والفطرة من الأعمال الفنية، ~~ولكن ما من شيء يثبت أن هذه الأسئلة والمشكلات ليست ساذجة (بل إن معظم ~~المشكلات الفلسفية الكبرى نشأت عن أسئلة تبدو في غاية السذاجة: ما الوجود؟ ما ~~الموت؟ ما معنى الحياة؟ ما غايتها ومصيرها؟ ماذا أفعل؟ ... إلخ). ~~- إن نظام الأسئلة هو الذي يميز الفلسفات المختلفة؛ لأن رأس الفيلسوف لا ~~يمكن أن تحتوي على أسئلة منفصلة أو معزولة تماما. بل إننا لنجد فيها نغمة ~~كامنة قد تكون بعيدة أو قريبة، تربط بين جميع الأسئلة والمشكلات التي تضمها ~~هذه الفلسفة. والشعور بهذا الارتباط العميق، هو الذي يوصي بالنظام وبفرضه. ~~ونظام الأسئلة يؤدي بالضرورة إلى أب الأسئلة جميعا، وهو السؤال عن ~~المعرفة. ~~- ولكن بمجرد أن ينتهي الفيلسوف من وضع مشكلة المعرفة أو تأسيسها ~~وتبريرها - سواء بالغ من شأنها بتركيبات منطقية أو حدسية قوية، أو امتحنها ~~بمقاييس النقد، أي بمقاييسه هو نفسه - فإنه يجد نفسه مضطرا إلى التفسير - ~~أي إلى أن يعبر في المذهب أو النظام الذي وضعه - وهو نظامه الشخصي في الفهم - ~~عن النشاط الإنساني بوجه عام، الذي لا يمكن أن تكون المعرفة البشرية في نهاية ~~الأمر سوى وجه واحد من وجوهه، أو حالة واحدة من حالاته، وإن كان هو الذي يمثل ~~مجموعها الكلي وإطارها العام. هنا تجد كل فلسفة نفسها في وضع حرج ... فكل فكر ~~بحت أو كل فكر محوري يسعى على اختلاف مضمونه ونتائجه إلى تحقيق المثل الأعلى ~~لترتيب الأفكار والتصورات حول اتجاه محوري أو فكرة مركزية تشغل المفكر نفسه ~~أو تميزه عن غيره. مثل هذا الفكر لا بد أن يرجع بالضرورة إلى التنوع والتفرق ~~واللانظام واللامتوقع في الأفكار الأخرى، وأن يحاول إضفاء النظام على ما يبدو ~~غير منظم. بعبارة أوضح: إنه يحاول أن يعيد تركيب التنوع والتعدد والاستقلال ~~الذي يجده عند الآخرين، وأن يخلع عليه وحدته هو ونظامه هو. إنه مضطر إلى ~~تبرير وجود أشياء اتهمها بالخطأ أو التناقض ms246 أو الشر، مضطر أن يعترف بحيوية ~~المحال أو غير المعقول، ويسلم بخصوبة المتناقض والسلبي. بل إنه بعد استبعاد ~~كل ما هو جزئي وواقعي وفردي لا بد أن يحس بينه وبين نفسه أنه في حاجة لأن ~~ينتبه إلى اتجاه معين، أو إنتاج خاص، أو حالة شخصية معينة. هذا الرجوع ~~الاضطراري من الكلي إلى الجزئي، من العام إلى الخاص، من شمول المنطق إلى تنوع ~~الواقع وتناقضه وتمرده على كل ترتيب ذهني ذكي، هو بداية الحكمة وغروبها في ~~وقت واحد. ~~- الحق أن وجود الآخرين شيء يقلق أنانية المفكر، ويزعج استعلاءه على ~~الدوام، فلا يسعه إلا أن يصدم بلغز الآخر، لغز شخصيته وسر إرادته، حتى أقرب ~~الناس إلينا وأعزهم علينا، نحاول أن نبرر تصرفاتهم أو نفهمها أو نقول إنها ~~كانت ضرورية لكي ننزع منها شوكة التعسف والإرادة المستقلة التي تستثير غيظنا، ~~لكن الآخر موجود في النهاية. ولغز وجوده يضغط علينا، يتحدانا ويحصرنا ويربكنا ~~بمسلكه وتصرفاته وطبعه الذي يختلف عن مسلكنا وتصرفاتنا وطبعنا، وقراراته ~~ومواقفه في كل ما يتصل بالمحافظة على البدن أو على الاستمتاع الحسي والمادي ~~مختلفة عنا. الآخر يظهر اختلافه عنا تنوع ذوقه وتعبيره وما يبدعه أو يخلقه ~~بحساسيته. ~~- الفيلسوف يضيف بهذا كله: بالتنوع والاختلاف والتفرد. إنه يجاهد؛ لكي ~~يغرق كل هذا الواقع، أو كل هذه الوقائع في نوره الخاص؛ لكي يحيطها بإطاره ~~الفكري الصارم أو يردها إلى إمكانات تتعلق به هو نفسه. باختصار: إنه يحاول أن ~~يفهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من محاولة التفسير والتبرير. ~~- من هنا يحاول أن يبني علما لقيم التعبير أو الإبداع - أي علما ~~للأخلاق أو الجمال - وكأن قصر الفكر يبدو له ناقصا بغير هذين الجناحين ~~المتجانسين. ففي هذين الجناحين تحاول ذاته المجردة أو «أناه» المتعالية أن ~~تأسر العاطفة والفعل والانفعال والخلق. لهذا يرجع كل فيلسوف في النهاية - شاء ~~هذا أو لم يشأه - إلى البشر الآخرين وإلى أعمالهم، بعد أن ينتهي إلى الله أو ~~الذات أو المكان أو الزمان أو المقولات أو الماهيات. لا بد له من الهبوط ms247 من ~~أعلى السلم إلى سفح الواقع الملون المتنوع، الخير أو الشرير، ومن ثم كانت ~~كل فلسفة مسألة «شكل» أو «نظام» أو «إطار»، حتى الفلسفات الذاتية أو الوجودية ~~التي تحاول أن تقصر نفسها على مشكلات الذات والوجود الحميم الصميم لا تخلو في ~~النهاية من فرض الشكل على ما لا شكل له. كل فلسفة هي في آخر المطاف أشمل شكل ~~يمكن لفرد معين أن يضفيه على تجاربه الباطنة أو تجاربه المختلفة عن تجارب ~~غيره. كل هذا بصرف النظر عن المعارف التي يمكن أن يملكها مثل هذا الفرد، الذي ~~كثيرا ما ينسى أنه شخص أو فرد. # والغريب أنه كلما اقترب في صياغة هذا الشكل العام لفلسفته من التعبير عنه ~~تعبيرا فرديا أو تعبيرا مناسبا بدت الأشكال والأفعال والأعمال التي يقوم ~~بها غيره غريبة عنه. من هنا كان إحساس كل فيلسوف بتميزه وتفرده عن غيره. ~~من هنا كانت كل فلسفة أشبه بجزيرة منعزلة وسط جزر منعزلة في بحر المعرفة أو ~~المجهول. ~~- كما خلق الفيلسوف «الحق» أو «الحقيقة»، فقد خلق كذلك «الخير» ~~و«الجمال». وكما ابتدع القواعد التي يتفق بها الفكر المستقل مع نفسه (على يدي ~~أرسطو) راح يشغل نفسه بتحديد القواعد التي يمكن أن يتطابق بها الفكر والتعبير ~~مع مثل ونماذج وقواعد خالصة من نزوات الأفراد وشكوكهم، وأن يوحدها في إطار ~~مبدأ كلي عام عن كل تجربة، وعن كل فرد (كما حاول كانط في أخلاقه مثلا أو في ~~مبادئ معرفته). ~~- ودخول المثل إلى مجال الفكر يعد من أهم الأحداث التي تمت في تاريخ ~~العقل البشري. هو حدث أوروبي بالأصالة، وضعف هذا المثل منذ عهد أفلاطون إلى ~~اليوم يسير جنبا إلى جنب مع ضعف الفضائل الأوروبية المتميزة جيلا بعد ~~جيل. ~~- من الواضح أن «الخير» و«الجمال» قد أصبحا بدعة «مودة» قديمة، أما ~~«الحق» فقد بينت الفوتوغرافيا (التصوير الشمسي) طبيعته وحدوده. أوشك تسجيل ~~الظواهر تسجيلا أمينا ألا يحتاج للإنسان إلا في أضيق الحدود. ~~- ومع ذلك فمن فضل هذه «المثل» الراسخة في ضمير الإنسان، أننا لا زلنا ~~نتعلق بفكرة ms248 «العلم البحت» الذي ينتقل من حقائق جزئية إلى حقائق جزئية، ~~محاولا أن يصل إلى المثل الأعلى للمعرفة الخالصة الموحدة المطلقة. وما زلنا ~~- لحسن الحظ - على اقتناع بوجود قيم أخلاقية وجمالية ومعرفية مستقلة عن تغير ~~الأزمان والأماكن والأجناس والأشخاص، نقول لحسن الحظ على الرغم من كل جهود ~~الوضعيين والماديين في طعن هذه المثل أو إخضاعها لنير «النسبي» و«المتغير» ~~و«المشروط». ~~- ومع هذا، فكل يوم يمر ينظر بعين الاتهام إلى أنقاض هذا البناء المعماري ~~النبيل. ونكاد نشهد هذه الظاهرة العجيبة كل يوم، إن تطور العلوم نفسها يتجه ~~إلى التقليل من فكرة المعرفة (كأنما تتحقق نبوءة إليوت الحزينة عن المعرفة ~~التي ضاعت مع العلم، والكلمة التي ضيعتها الكلمات، والحكمة التي طمستها كثرة ~~المعلومات ...) أي إن ذلك الجانب العلمي الذي كان يبدو أنه باق وخالد، وأنه ~~يجمع بين منهج العلم وروح الفلسفة (الإيمان بالمعقول، والاعتقاد في القيمة ~~الخالصة للعقل) قد تخلى عن مكانه بالتدريج لأسلوب جديد في تصور دور المعرفة ~~وقيمتها. فلا يمكن الزعم بأن جهود العقل تتجه اليوم إلى ذلك الحد العقلي ~~النهائي الذي نسميه «الحقيقة». يكفي أن نواجه أنفسنا بالصدق، ونسألها بأمانة ~~لنحس في أنفسنا جميعا هذا الاقتناع الحديث بأن كل معرفة لا تقابلها القدرة ~~والقوة المؤثرة لم تبق لها أية أهمية تذكر، اللهم إلا الأهمية التي يضفيها ~~عليها التقليد أو التعسف. كل معرفة أوشكت أن تصبح «وصفة» لقوة يمكن تحقيقها. ~~لهذا انفصلت كل ميتافيزيقا، وكل نظرية للمعرفة أيا كان نوعها انفصالا ~~مؤلما عما يشعر الجميع - عن قصد أو غير قصد - بأنه المعرفة الوحيدة الحقة؛ ~~أي المعرفة التي تتحول إلى قوة وذهب ... هكذا تفككت الأخلاق والجمال من تلقاء ~~نفسها إلى الأوهام الضائعة التي ننسى معها روح الأخلاق والجمال. ~~- هل ما زال في إمكاننا أن نتحدث عن «استطيقا»، عن علم «الجمال» ...؟ وهل ~~من المعاصرين من يذكر هذه الكلمة؟ يبدو أنهم لا يذكرونها إلا باستخفاف عابر، ~~كأنها قد أصبحت أثرا من آثار الماضي. الجمال نفسه أصبح أشبه بالميت. حلت ~~محله الجدة، الطرافة، والغرابة، والحدة، والإثارة؛ ms249 أي كل قيم الأشياء التي ~~تصدم وتفاجئ. الإثارة الفجة أصبحت لها السيطرة على النفوس الحديثة، والأعمال ~~التي توصف اليوم ب «الجمال» أصبحت مهمتها أن تنتزعنا بعيدا عن حالة التأمل ~~الهادئ والسعادة المطمئنة التي لم تكن تنفصل أبدا عن فكرة الجمال. لقد ~~تغلغلت فيها أساليب النفس القلقة، ونفذت إليها صور الحس العابرة. يكفي أن ~~تقرأ هذه الكلمات الجارية: اللاوعي، اللامعقول، اللحظي المباشر، وكلها كما ~~تدل عليها أسماؤها ألوان من النفي لصور الفعل العقلي الثابت المستقر، ونماذج ~~الفكر الخالص المحض. أصبح من النادر أن تجد إنتاجا يدل على رغبة في ~~«الكمال»، كادت هذه الرغبة «المتخلفة»، الكامنة وراء الأعمال العظيمة التي ~~خلدها تاريخ الفن والفكر والأدب أن تختفي أمام العطش الذي لا يروى، والفكرة ~~المتسلطة عن «الأصالة»، وكأن الأصالة أصبحت لا تعني إلا «الإغراب» و«الشذوذ»، ~~والخروج على قواعد العقل، وعلى بنائه النبيل وميزانه العدل. وكأن المرء لا ~~يمكنه اليوم أن يكون «وضعيا» أو عمليا في حياته، أي لا يمكنه أن يكون ~~«معاصرا»، إلا إذا سعى إلى التأثير المباشر المفاجئ، وتخلى عن كل «عمل جميل» ~~بالمعنى العريق الخالد. ألسنا نشهد بهذا أفول شمس الخلق المبدع الأصيل لتحل ~~محلها شهب الإثارة السريعة والتجديد بأي ثمن؟! ~~- أصبح الطموح إلى الكمال مختلطا بالرغبة في أن يكون العمل الفني ~~مستقلا عن كل عصر وزمان، لكن الحرص على الجديد يريد أن يجعل منها حدثا ~~مهما يلفت الأنظار؛ لأنه ضد اللحظات نفسها. الأول يسلم بالموروث والمحاكاة ~~والتقليد، بل يقتضيها؛ لأنها درجات السلم التي يتحتم عليه أن يصعد عليها ~~ليصل إلى المطلق الذي يحلم به. والثاني يستبعدها جميعا، وإن كان في نفس ~~الوقت يتضمنها بصورة أدق؛ لأنه ماهيته تكمن في «اختلافه» عن الموروث. ~~- تعريف «الجمال» في عصرنا لا يمكن إذا أن يخرج عن كونه وثيقة تاريخية ~~أو لغوية. هذه الكلمة الشهيرة - إذا أخذناها بمعناها العريق - ستلحق حتما ب ~~«عملات» لفظية أخرى لم يعد أحد يستعملها. ~~- ومع ذلك فهناك عديد من المشكلات التي لا يمكن أن تندرج تحت أي علم ~~محدد، ولا ms250 أن تنشأ من أي صنعة (تكنيك) خاصة، مشكلات يبدو أن الفلاسفة جهلوها ~~أو تجاهلوها، وإن كانت تظهر على الدوام، أو تعود إلى الظهور فيما ينتاب ~~الفنانين من شك وقلق، وفيما يعبرون به عن أنفسهم تعبيرا غامضا أو ~~غريبا. # لنفكر مثلا في مشكلات التأليف والبناء بوجه عام (أي في العلاقات القائمة ~~بين أجزاء العمل الفني وبينها وبين الكل)، أو في المشكلات التي تنشأ عن تعدد ~~وظائف كل عنصر من عناصر العمل، أو في مشكلات الصياغة التي تتصل في وقت واحد ~~بعلوم الهندسة والفيزياء والمورفولوجيا (علم البنية)، ولا تثبت في واحد منها، ~~بل تكشف عن القرابة بين صور توازن الأجسام والأشكال المتجانسة، ومحاسن ~~الكائنات الحية، وأوجه النشاط الإنساني التي تصدر عن حالة الوعي أو اللاوعي، ~~وتحاول أن «تغطي» المكان والزمان الحر، وكأنها تخضع لنوع من الخوف من ~~الفراغ. ~~- مثل هذه المشكلات لا تفرض نفسها على الفكر الخالص. إنها تنشأ وتستمد ~~قوتها من غريزة الخلق، وحين ترتفع هذه الغريزة إلى ما وراء «التنفيذ اللحظي» ~~المباشر. تلتمس من التأمل حلولا وتتخذ شكل التجريد أو شكل التفلسف لكي تثبت ~~شكل الخلق الواقعي الحي وتقيم بناءه. ويبدو في هذه الحالة كأن الفنان يصعد ~~على طريق الفيلسوف؛ لكي يصل إلى مبادئ تبرر أهدافه الفنية أو تدعمها أو تضفي ~~عليها سلطة فوق السلطة الفردية، ولكنه سيظل مختلفا عن الفيلسوف؛ لأنه مهما ~~صعد مع الأفكار المجردة، فإنما ليبحث عن نتائج خاصة بعمله الفني. وبينما يكون ~~الكائن أو الموجود هو الحد الأقصى الذي يسعى إليه الفيلسوف الحق، والغاية ~~التي ينتهي إليها من كل عملياته العقلية، يحيا الفنان، ويعمل في مجال الممكن، ~~ويسعى لما سوف يكون. إنه حين يقدم على عمل ضخم، أو مركب جديد عليه هو نفسه، ~~ويرى أن رسائله وتخطيطه لا تتحدد مباشرة على أساس التناسب المتبادل بينها، ~~يحاول أن يبحث له عن نظرية عامة، وأن يلتمس في لغة الفكر المجرد سلطة يقيمها ~~ضد نفسه تيسر له المضي في مشروعه، وتخلق له «شروطا» كلية عامة. يكفي أن يكون ~~الإنسان ms251 قد عايش الفنانين ليعرف أن السلطة التي يلجأ إليها الفنان شيء، وسلطة ~~الفلسفة نفسها شيء آخر. فربما كان الفارق الأساسي بين «الاستطيقا الفلسفية»، ~~وبين تأملات الفنان هو أن الأولى تصدر عن تفكير يعتقد أنه غريب على الفنون، ~~وأن ماهيته تختلف عن فكر الشاعر أو الموسيقى أو الرسام. إن أعمال الفن ~~بالنسبة لها (أي للاستطيقا أو علم الجمال) حالات عارضة أو خاصة، آثار حساسية ~~نشيطة تبحث بطريقة عشوائية عن مبدأ لا تمتلكه ولا تعرف إلا الفلسفة فكرته ~~الخالصة. هذه الحساسية الفعالة لا تبدو للفيلسوف ضرورية؛ لأنه يرى أن موضوعها ~~الأسمى ينبغي أن ينتمي للفكر الفلسفي، ويكون في متناوله مباشرة عن طريق ~~الاهتمام بمعرفة المعرفة أو بنظام أو نسق للعالم المحسوس والمعقول. إن ~~الفيلسوف لا يشعر بضرورتها الخالصة الفريدة. إنه يسيء فهم الوسائل المادية، ~~وأساليب تنفيذ العمل وقيمه؛ لأنه يميل إلى تمييزها عن الفكرة. إنه لا يستطيع ~~أن يفكر معه في تلك العلاقات الخفية الصميمة المتبادلة في داخل العمل الفني ~~بين ما يريده الفنان وما يقدر عليه، بين ما يراه عرضيا وما يراه أساسيا، ~~بين الشكل والعمل والصورة والمضمون والروح والوعي والتنفيذ. إن الفيلسوف ~~يفتقر إلى الإحساس بهذا المقياس الخفي الذي يقيس به الفنان عناصره المتباينة ~~في طبيعتها كما يفتقد الشعور الذي يملكه الفنان، أو بالأحرى يملك الفنان في ~~كل لحظة من لحظات الخلق، وكل فعل من أفعاله بالتعاون والتآزر بين الإرادي ~~والضروري، بين المتوقع والمفاجئ، الشعور بالجسم الذي يعالجه بمادته، برغباته، ~~بحضوره بل بغيابه، وهو ما يسمح له بالاتصال بالطبيعة نفسها بوصفها المنبع ~~الخصب الذي لا ينضب للموضوعات والنماذج والوسائل والأساليب. وكل هذا موضوع لا ~~يمكن تبسيطه أو رده إلى فكرة مجردة بسيطة؛ لأنه يصدر عن نظام مستقل عنه، ولا ~~يخضع للتحكم العقلي. إن مشكلات الفنان لا يمكن تلخيصها على نحو ما يلخص ~~الفيلسوف «عالمه». والدليل على هذا أن تلخيص أي موضوع فكري، يمكن أن يحافظ ~~على فكرته الجوهرية. أما تلخيص العمل الفني فيضيع جوهره. من هنا كانت تحليلات ~~«الاستطيقي» للعمل ms252 الفني في نهاية الأمر وهما كبيرا. إنه يحاول - ويا للجهد ~~الضائع في الشروح والتحليلات - أن يستخلص من العمل الفني بعض خصائصه ~~الجمالية؛ لكي يرتفع إلى صيغة عامة عن الأشياء الجميلة. وتلخيص العمل في بعض ~~الخصائص العامة يفقده قيمه العاطفية أو فضيلته الانفعالية. ~~- لا يستطيع الفيلسوف أن يفهم بسهولة أن الفنان ينتقل بصورة تلقائية من ~~الشكل إلى المضمون، ومن المضمون إلى الشكل، ولا يفهم أن الشكل يأتيه قبل ~~المعنى الذي سيضفيه عليه، وأن فكرة الشكل مساوية عنده للفكرة التي تتطلب ~~شكلا. ~~- بكلمة واحدة: لو أمكن قيام «الاستطيقا» لاختفت الفنون من أمامها؛ أي ~~اختفت أمام ماهيتها. ~~- ترى كيف كان يبدو الحال لو أن الفلاسفة كانوا فنانين؟ أكان الفيلسوف ~~الذي يصنع التمثال أو يبدع الصورة أو يخلق القصيدة أقدر على تذوق أسرار ~~الإبداع الجمالي في النحت أو الرسم أو الشعر؟ ~~- ربما كان الإنسان أقدر على تصور ما يبدعه بنفسه تصورا أفضل. ~~- لقد قال لنا باسكال إنه لم يبدع فن الرسم. واعترف صراحة - وكل أفكاره ~~وخواطره الخالدة اعترافات - بأنه لا يرى ضرورة في مضاعفة الأشياء التافهة ~~العقيمة، وبذل العناء في إيجاد صور لها - ومع ذلك فكم كان هو نفسه فنانا ~~كبيرا، وكم أجاد رسم اللوحات الناطقة عن كلماته - لكن يبدو أنه وصل في ~~النهاية إلى طرح كل شيء في سلة التفاهة، واعتبار كل شيء - ما عدا الموت - من ~~قبيل الرسوم الوهمية. ~~- من أسهل الأمور أن يثبت الإنسان - بالتأمل البحت - أن كل شيء عبث ~~وباطل. هذا نوع من البلاغة الرخيصة التي استطاع باسكال أن يكشف عنها النقاب. ~~وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على مزاج مريض، أو عيب فسيولوجي، أو محاولة ~~للتأثير على العقول من أيسر الطرق. # ما أسهل أن يثير الكاتب في قرائه الرعب من الحياة والتقزز من الوجود، أن ~~يصور لهم تفاهتها وعبثها وبؤسها وحمقها. ما أسهل أن يثير فيهم النزعات ~~الشبقية أو الشهوات الحسية . يكفي أن يغير الكلمات، يكفي أن يجيد اللعب بها. ~~غير أن عدم الانخداع بالكلمات فن. إنه نوع ms253 من الشعر المحض. # لنتأمل أمر الفلاسفة قليلا، ماذا فعل رجل مثل كانط عندما أسس أخلاقه ~~واستطيقاه على أسطورة الكلي العام، على التسليم بوجود عالم ضروري مشترك موجود ~~بالقوة في كل نفس تأتي إلى هذا العالم؟ وماذا فعل كل فلاسفة الخير والجمال؟ ~~أليسوا كذلك فنانين من طراز خاص؟ أليسوا مبدعين جهلوا أنفسهم؟ ألم يعتقدوا ~~أنهم استبدلوا بالفكرة السطحية الفجة عن الواقع فكرة أكمل وأدق؟ ماذا فعلوا ~~بتحليلاتهم العميقة، وتفريقاتهم الدقيقة، بشوقهم الدفين إلى حالة معينة، ~~وحبهم العميق لما يمكن أن يكون وما ينبغي أن يكون، ألم يكونوا خالقين مبدعين؟ ~~ألم يكونوا فنانين على طريقتهم عندما أضافوا مشكلات إلى مشكلات، وموجودات إلى ~~موجودات، ورموزا إلى رموز، وصورا إلى صور، فأثروا كنز العقل وتركيباته ~~الحرة بثروة جديدة؟ ~~- لقد دخل الفيلسوف منذ الأزل في معركة ل «احتواء» الفنان واستغراقه، ول ~~«تفسير» ما يحسه الفنان وما يعمله، لكن النتيجة كانت عكس ما أراد. فالفلسفة ~~لم تسطع أن تتمثل كل مجال الحساسية المبدعة، أو تدرج كل أسرار النشاط المبدع ~~تحت فكرة الجميل. إنها لم تستطع أن تفسره أو تفهم «أعماقه»، فراحت تفتش عن ~~بنائه وتركيبه، عن الحرية الكامنة في شعره المجرد، عن المبادئ والمسلمات ~~الخفية أو المعلنة التي يقوم عليها، عن العناصر التي تتألف منها لغته أو ~~منطقه أو روحه؛ أي راحت تفتش عن أطلال ميتافيزيقية دارسة. ~~- هل يمكننا - بوصفنا فنانين - أن نجرب التفكير في مشكلات لم يبحثها حتى ~~الآن إلا «الباحثون عن الحقيقة»؟ هل يمكن أن نغير العادة المألوفة منذ قرون ~~وقرون، فنتأمل أفكار الفلاسفة، وكأنها أكاذيب جميلة وأوهام مجردة وخيالات ~~وأحلام مجسدة؟ لنصور هذا بمثل من تاريخ النحت القديم. كان الناس في وقت من ~~الأوقات لا ينظرون فحسب إلى تمثال إنسان أو حيوان على أنه شبيه بالإنسان أو ~~الحيوان الحي، بل كانوا يتصورون أنه يملك قوى روحية خارقة تفوق القوى ~~الطبيعية. كانوا يصنعون من الحجر أو الخشب آلهة لا تشبه البشر في شيء. وكانوا ~~يقدمون الطعام والقرابين لهذه «الأصنام»، ويقدسون هذه «الصور» التي لم ms254 تكن ~~«صورا» إلا من بعيد جدا. والعجيب أنهم كانوا يزدادون عبادة وتقديسا لها ~~كلما ازدادت بعدا عن الشكل أو الصورة (وهو شيء تلاحظه في علاقة الأطفال ~~بعرائسهم أو المحبين بمحبوباتهم؛ إذ يبدو أننا نعتقد أننا لا نتلقى الحياة من ~~شيء إلا بقدر ما نسخو في إعطائها له). ثم ضعفت هذه الحياة التي كان يضفيها ~~«المخلوق» على «خالقه» الوهمي بالتدريج، ورفض أن يعبد الصورة الفجة أو ~~التمثال الغليظ، وتحول معبوده إلى «صنم جميل»، وفقد هذا الصنم - تحت ضغط ~~النقد - تأثيره الخيالي على الأحداث والكائنات، وصار له تأثير واقعي على من ~~ينظر إليه أو «يتذوقه». وصار التمثال حرا، أصبح هو نفسه. ~~- هل يمكننا - بغير أن نصدم العاطفية الفلسفية صدمة قاسية - أن نشبه كل ~~هذه الحقائق العريقة المعبودة - هذه المبادئ والمثل، والماهيات والمقولات ~~والحقائق في ذاتها، هذا الوجود وهذا العالم، هذا الحشد الهائل من التصورات ~~والأفكار التي كانت تبدو أهميتها لكل عصر وجيل - هل يمكن أن نشبهها بالأصنام ~~التي تحدثنا عنها الآن؟ ~~- أجل! إن كل تجريدات الفلسفة التقليدية تبدو أعمال بدائيين. إن أفكارها ~~ومشكلاتها التي تعبر عنها تنطوي - إن جاز هذا القول - على نوع من السذاجة ~~البالغة، وفكرة الواقع والسببية تبدو بوجه خاص من أشد الأفكار غلظة وأكثرها ~~فجاجة، أليس تقديم الأفكار المجردة بغير تعريف دقيق لها نوعا من الخلط بين ~~هذا الفعل الشعري الخالص وبين لغة تقنية (فنية) تحاول إخضاعه لها؟ ~~- ربما يسأل اليوم سائل: ما هي الفلسفة التي يمكن أن تكون بالقياس ~~للفلسفة القديمة مثل تماثيل القرن الخامس بالقياس إلى أصنام الآلهة المجهولين ~~في القرون السحيقة المجهولة؟ ~~- ربما بدت التركيبات المجردة والتأليفات الفكرية القديمة أكثر إنسانية ~~وإغراء وخصوبة من كثير من المذاهب والأنظمة الحديثة القائمة على أوهام ~~التفسير والتحليل والنقد المحكم الدقيق. وربما استطاع عقل حديث بروح جديدة ~~وطموح مختلف أن يواصل العمل السامي الذي قامت به الميتافيزيقا القديمة، بعد ~~أن يوجهها إلى الغايات التي أضعفها النقد إضعافا شديدا. ~~- لقد استطاعت الرياضة منذ القدم أن تستقل بنفسها عن كل غاية غريبة ms255 عنها، ~~وأن تجد تصورها الصحيح عن طريق التطور الخالص لأسلوبها والوعي بقيمة هذا ~~التطور، والكل يعلم كيف أدت بها حريتها إلى إكسابها مرونة خارقة، وجعلها ~~سلاحا يستعين به عالم الطبيعة. ~~- فن مؤلف من الأفكار، فن نظام الأفكار أو فنون أنظمتها المختلفة، أهذا ~~تصور عقيم؟ إن البناء المعماري ليس مجرد واقع، والموسيقى ليست مجرد أصوات. ~~هناك عاطفة أو شعور بالأفكار يبدو أن من الممكن تربيته في النفس كما يربي ~~الشعور باللون أو الصوت، بل إن الفيلسوف - إن جاز لنا أن نقدم تعريفا له - ~~يتميز بتفوق هذا الشعور أو هذه الحساسية وسيطرتها على كيانه. ~~- إن الإنسان يولد فيلسوفا كما يولد نحاتا أو موسيقيا. هذه الموهبة ~~الفطرية إذا تعهدها صاحبها، وأخذ يستعين بها في تقصي حقيقة أو واقع معين يمكن ~~أن تثق بنفسها فتخلق وتبدع أكثر مما تبحث وتتقصى. هناك يستطيع الفيلسوف أن ~~يستخدم طاقاته بحرية كاملة، وأن يستغل ملكته الطبيعية في أساليب وصور لا حصر ~~لها. هنالك يصبح ذلك الفيلسوف الحق الذي «يرى» المجرد رأي العين، ويبعث ~~الحياة والحركة في الأفكار والمعاني الخالصة. ~~- لهذا فإن تعليم الفلسفة يصبح أعدى أعداء الفلسفة إن لم يعلم الطالب ~~حرية العقل المطلقة، لا بإزاء المذاهب فحسب، بل إزاء المشكلات نفسها. لا بد ~~لهذا التعليم أن يخلق عند المبتدئ شهوة التفلسف. ~~- وهذا هو الذي يسمح بإنقاذ الحقائق في ذاتها (أو النومين بتعبير كانط). ~~إذا استطعنا أن نحس التجانس الداخلي القائم بينها. # يظهر أن الأعمال الفلسفية تؤدي عند المهتمين بها نفس الدور، وتترك نفس ~~الأثر الذي تتركه الأعمال الفنية في نفوس المتذوقين لها، والمهتمين بها. هناك ~~عشاق لديكارت واسبينوزا وليبنتز وكانط كما أن هناك عشاقا لباخ وبيتهوفن ~~وموزارت. وهناك أمثلة للتقارب بين الجانبين. خذ مثلا فاجنر ونيتشه. ~~- هل تريد دليلا ناصعا على ما سقناه الآن على سبيل الظن والترجيح؟ فكر ~~في المصير الذي انتهت إليه مذاهب كبار الفلاسفة. بأية عين نطلع اليوم على هذه ~~النفائس التي تضم بين دفتيها نظاما لن يتحقق؟ هل نلتمس فيها شيئا غير ~~المتعة ms256 العقلية الخالصة؟ أنمارس فيها حرية غير حرية العقل في أسمى ألعابه؟ ~~أينتظر أحد منها شيئا غير هذا؟ أيتصور أحد منا إمكان تحقيق جمهورية أفلاطون ~~في الواقع أو إمكان بلوغ الروح المطلق أو الحقيقة الكاملة؟ ألسنا ندخل إلى ~~المذاهب القديمة كما ندخل في معبد جليل، ونتقدم منها كما نتقدم من أثر عريق؟ ~~هل ننتظر منها إلا متعة اللعب الجميل؟ هل نقبل عليها لغير هذه اللذة المؤلمة؟ ~~أصحيح أنه لن يبقى شيء من أفلاطون أو اسبينوزا إذا رفضهما العقل؟ وهل كانا ~~يطمعان في أكثر من هذا؟ ~~- هناك أفراد ممتازون كانوا بعيدين عن الفلسفة. ومع ذلك فقد كانت لديهم ~~كل مزايا التفكير المجرد، وكل دقائقه وأعماقه. لقد استطاعوا أن «يصوروا» ~~تفكيرهم المجرد، أن يطبقوه في أشكال واقعية ويثبتوه ببراهين حسية. (كان لديهم ~~هذا العلم الدفين بالعلاقات المستمرة بين «الإرادي» و«الضروري»). ~~- ليوناردو دافنشي هو نموذج هؤلاء الأفراد الممتازين. ~~- أغرب شيء أن يستبعد من لوحة الفلاسفة الذين يعترف التراث بهم. لا شك أن ~~السبب في هذا يرجع إلى أنه لم يكتب نصوصا فلسفية بالمعنى الشكلي لهذه ~~الكلمة. إن ملاحظاته ومذكراته ومخطوطاته التي تركها وراءه تذهلنا بتنوع ~~الموضوعات والمشكلات التي اهتم بها. لكأنما أخذ على عاتقه أن يطيع جميع ربات ~~الفن والفكر ويكون رهن إشارتهن! ~~- إذا كان الفيلسوف هو الذي يبني نظاما مرتبا من الأفكار ويضمن بذلك ~~لنفسه مكانا في تاريخ الفلسفة (وهو تاريخ يعتمد على الاصطلاح أو الاتفاق، ~~وهذا الاتفاق يستند بدوره إلى تعريف تعسفي للفلسفة والفيلسوف)، وإذا كان من ~~الصعب أن نلخص أفكاره أو نرتب مشكلاته، بحيث نقارن مذهبه بغيره من المذاهب، ~~فلا بد أن نستبعد ليوناردو دافنشي من قائمة الفلاسفة. ~~- بيد أنه يتميز عن الفلاسفة، ويقارن بهم في نفس الوقت لأسباب أخرى ~~أهم. # فإذا كان هدف الفيلسوف هو التعبير عن تأملاته بالقول، وإذا كان كل همه ~~ينحصر في تكوين معرفة يمكن نقلها عن طريق اللغة ، فلا يمكن أن يكون ليوناردو ~~فيلسوفا بهذا المعنى الضيق. ~~- فاللغة ليست كل شيء بالنسبة إليه، والمعرفة ليست في ms257 نظره كل شيء، بل ~~ربما لم تكن عنده سوى وسيلة. إنه يرسم ويحسب ويبني ويزين ويستخدم جميع ~~الوسائل المادية التي تستطلع الأفكار، وتكشف عنها في نفس الوقت، ويتيح لها أن ~~تثبت على الأشياء وتصطدم بها، وتخلق لها المصاعب الغريبة التي تقاومها في ~~وجهها وتضعها في عالم آخر لا يمكن أن تحيط به معرفة أولية أو يتنبأ به جهد ~~عقلي مسبق. ~~- إن المعرفة لا تشع هذه الطبيعة المعجزة، بل هذه الطبائع المتنوعة. ~~القدرة هي هم صاحبها وطموحه ومجاله. وهو لا يفصل «الفهم» عن «الخلق»، ولا ~~النظر عن العمل، ولا التأمل عن القوى الحية التي تنمو في الخارج، ولا الحق عن ~~المتحقق بكل صوره وأشكاله التي يتجسد فيها من آلات وأعمال وإنشاءات. ~~- هنا كان ليوناردو هو «الجد» الأصيل للعلم الحديث والمعاصر. فأهم ما ~~يميز العلم ويحدد ماهيته أنه «مجموع العمليات والوصفات التي تنجح باستمرار»، ~~وأنه يتقدم على الدوام وفي يده لوحة من «التطابقات» بين أفعالنا وبين ~~الظواهر، وهي لوحة تزداد بالتدريج دقة واقتصادا وإحكاما. العلم بمعناه ~~الحديث يخضع «المعرفة» للقدرة (وهو بهذا يسير في الطريق الذي رسمه بعد ذلك ~~فرانسيس بيكون، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا أرجعناه إلى أول يوناني فكر ~~تفكيرا نظريا مجردا، وصاغ فكره في هذا السؤال: ما الموجود؟) وهو يصل في ~~هذا إلى حد أن يجعل المعقول تابعا للتحقق، أو لما يقبل التحقيق ويحتمله. ~~(وهذه العبارة تلخص مذاهب الواقعيين في الحقيقة سواء أكانوا وضعيين أو ~~براجماتيين أو تحليليين ... إلخ) إن إيمان العلم وثقته يستندان على التأكد من ~~القدرة على استعادة ظاهرة معينة أو تكرارها على أساس أفعال معينة ومحددة. إن ~~قضاياه صيغ أفعال. ومعيار القيمة لديه هو «عدم الخطأ» في التنبؤ. وكل ما عدا ~~ذلك من نظريات وتفسير للظواهر ووصف لها أمر يمكن الخلاف حوله، هو شيء من ~~الأدب مجرد وسائل وأدوات. # إن القوانين عنده مجرد «مواضعات» قد تخطئ وقد تصيب. والأسس والمناهج ~~والمبادئ النظرية قد تتعارض وتتضارب. المهم عنده هو النتيجة العملية أو ~~الوضعية، هو القوة والقدرة ms258 المكتسبة. بكلمة واحدة هو النجاح. هذا هو الذي يهم ~~رجل العلم الحديث. ولهذا لا تفصل معرفته أبدا عن الفعل وأدوات التحقيق ~~والتحكم والتنفيذ. إن عقله يتحرك دائما بين تجربتين، تجربة معطاة وأخرى ~~متوقعة. ولهذا فكل معرفة تصدر عن القول أو تتحرك نحو الأفكار لا قيمة لها ~~عنده. ~~- ماذا تفعل الفلسفة وهي تفاجأ كل لحظة بعواصف الاكتشافات العلمية ~~الحديثة؟ ماذا تفعل الميتافيزيقا وهي ترى نفسها مهجورة مخلوعة عن العرش، تندب ~~حظها وتبكي فجيعتها في أبنائها (كأنها «هيكوبا» زوجة بريام ملك طروادة التي ~~رأت أبناءها يذبحون أمام عينيها؟) ما مصير مشكلاتها العنيدة العريقة؟ ماذا ~~تصنع ب «أنا أفكر» و«أنا موجود»؟ بفعل «الوجود» أو الكينونة الغامض الذي يدور ~~منذ القدم في الفراغ بكل المشكلات والأسئلة التي تمخضت عنه؟ # الجواب عسير. وقد كانت ردود فعل الفلسفة - ممثلة في أمها العجوز المحتجة ~~أبدا المهانة على الدوام (الميتافيزيقا) - على الاكتشافات العلمية مدهشة أو ~~غامضة أو مضحكة: أليس من الخير للفيلسوف أن يجعل فكره مستقلا عن جميع ~~المعارف التي يمكن أن يقوضها الكشف عن تجربة جديدة، أي أن يكون فكرا يدور في ~~فلك الممكن لا الواقع، ويحمل غايته وهدفه في ذاته؟ لكن هل يمكن أن يتحصن ~~الفيلسوف في قلعة الفكر المحض أو يحبس نفسه في قفصه البلوري الصافي دون أن ~~تحين منه نظرة إلى الواقع؟ ~~- لو استطعنا أن نتحرر من عاداتنا الفكرية، أن نرتفع فوق تنوع الاتجاهات ~~الفلسفية المعاصرة وفوق ضجيجها أيضا، لأمكننا أن نتفق بسهولة على أن الفلسفة ~~- كما يحددها تراثها العريق المكتوب - نوع «أدبي» خاص، يتميز بموضوعات وأشكال ~~واصطلاحات معينة تتردد فيه. هي نوع من العمل العقلي و«الإنتاج» اللغوي يطمح ~~دائما إلى النظر الكلي العام، سواء في مواقفه وغاياته أو في صيغ التعبير ~~عنه. ولما كان بطبيعته بعيدا عن كل تحقق في الخارج، ولا يهدف إلى أن يتمثل ~~في قوة أو سلطة قائمة - باستثناء بعض الفلسفات التي حاولت تغيير الواقع ~~بالعلم والتخطيط أو الخرافة العنصرية أو الثورة السياسية والاجتماعية - فإن ~~هذا النظر الكلي العام ينبغي ms259 ألا يكون مؤقتا، ولا أن يكون وسيلة أو أداة، ~~ولا تعبيرا عن نتاج، قابلة للتحقق، أعني أن تكون له غاية في ذاته. من هنا ~~يمكننا أن نضعه غير بعيد من الشعر والفن. ~~- غير أن المشكلة هي أن هؤلاء الفنانين الذين ذكرتهم من قبل - أي ~~الفلاسفة - يجهلون أنهم فنانون ولا يريدون أيضا أن يكونوا فنانين. لا شك أن ~~فنهم يختلف عن فن الشعراء. فهم لا يفكرون كثيرا في رنين الكلمات، وسحرها ~~الخفي، وقراباتها الحميمة، بل يبدءون عادة من الإيمان بوجود قيمة مطلقة ~~مستقلة عن حواسهم وإحساساتهم. الفيلسوف يسأل: ما الواقع؟ ما الوجود؟ ما ~~الخير؟ ... إلخ، إنه لا يعني نفسه كثيرا بأصول هذه الكلمات وجذورها الممتدة في ~~عروق الأسطورة والصورة والاستعارة، وفي حياة المجتمعات والشعوب، ولا يهتم ~~بمعانيها الدقيقة العسيرة التي اكتسبتها على مر العصور، وعلى مختلف الشفاه، ~~ولا بمجدها أو تماسكها وهي تنتقل من قلم إلى قلم، ومن لسان إلى لسان. إنها ~~تصبح بالتأمل والتفكير والجدل أدوات عجيبة قادرة على تعذيب مجموعات ومجموعات ~~من الأفكار، مفاتيح سحرية مخيفة صنعتها رءوس لحل مشكلات الوجود والواقع ~~والإدراك، حفر واسعة عميقة على استعداد لابتلاع كل شيء، وتصور كل شيء. ~~- ولكن هذا التعميم، هذا الاستخدام الكلي للكلمات، ألا يخفى وراء مظهره ~~الشمولي هذا روح الفن؟ ألا ينطوي مع ذلك على وجه شخصي أو فردي يحاول أن يتنكر ~~وراء قناع الكلي العام؟ أليس عمل الفيلسوف الذي يرى في «التعبير الشائع» آلاف ~~الصعوبات التي لا يلحظها الرجل العادي، ويخلق آلات المشكلات والمتاعب ~~والمتناقضات التي لا تراها عينه، ويبلبل العقول، ويزرع فيها أشواك الحيرة ~~والاندهاش والاستغراب، حيث لا يحس الناس غير الطمأنينة والأمن والوضوح ... أليس ~~هذا عملا شخصيا وفرديا، وإن ارتدى مسوح الشمول والتعميم؟ ~~- وإذا كانت الكلمة هي أداة الفيلسوف وغايته، إذا كانت هي مادته التي ~~ينفخ فيها ويعذبها ويستخلص أحشاءها، ويثبت عليها أجنحة التعميم، فإن الفنان ~~ينظر إليها نظرة أخرى. إنه يعذب الكلمة، ويتعذب بها، وهي أيضا وسيلته ~~وغايته، ولكنه يحس فيها إحساسات، ويرى ظلالا وأطيافا، ويسمع ms260 نبضات لا يراها ~~الفيلسوف ولا يسمعها ولا يهتم بها. إن الكلمة هي مادته التي يشكلها ويصنع ~~من «عدمها» مخلوقات حية. شعرا أو قصة أو مسرحا، ونحتا أو موسيقى (فكلاهما ~~لغة أيضا) لهذا يمكننا القول بأن الكلمة هي أخطر أدواته وأقلها في نفس ~~الوقت، هي الشيء الوحيد الذي يملكه ويريد من خلاله أن يصل إلى ما لا ~~يملك. ~~- فلنتأمل حال فنان عظيم من عصر النهضة ليوناردو دافنشي (1452-1519م) ~~هناك (كما ذكرت لك) أمور تجمعه بالفلاسفة وتميزه عنهم. أهمها أن الرسم هو ~~فلسفته. وهو نفسه يقول هذا. إنه يعبر بالرسم كما يعبر غيره بالفلسفة. أي إن ~~الرسم عنده هو كل شيء. قد يرى غيره أن الرسم فن خاص بالنسبة للفكر، أو أنه ~~أبعد ما يكون عن إرضاء كل رغبات العقل، ولكن ليوناردو يفكر تفكيرا آخر. ~~فالرسم في نظره غاية أخيرة، هدف نهائي لجهد عقلي كلي. باختصار: إنه يفعل ~~بالرسم ما يفعله الفيلسوف، بل يزيد عليه أنه يتعمق الأشياء بكل وسيلة، ~~طبيعتها وتكوينها العضوي ونفسيتها، هندستها وتشريحها وبنيتها الخفية ولغتها ~~السرية - الرسم عنده عمل يستلزم كل المعارف وجهد يحتضن كل الأساليب على وجه ~~التقريب: الهندسة، والديناميكا، والجيولوجيا، والفسيولوجيا - تصوير معركة ~~حربية يقتضي منه معرفة قوانين حركة الأعاصير وحركة الغبار المتطاير، تصوير ~~شخص يستلزم منه بحوثا في تحليل حركاته وتشريح ملامحه وقسماته الفسيولوجية ~~والنفسية، ودراسة التوافق بين العضو ووظيفته. ~~- إن العلم والفن والفكر تمتزج في أعماله امتزاجا تاما. فالرسم عنده ~~معرفة بكل شيء، تعبير عن جميع الظواهر، حتى الظواهر غير المنظورة. الصنعة ~~عنده ملازمة للمعرفة، الفعل ضمان للفكر، العمل لا ينفصل عن الكلمة. اللغة ~~عنده أداة مثلها مثل غيرها من الأدوات، كالعدد مثلا أو التخطيط الكروكي، إنه ~~لم ينته أبدا إلى ما انتهت إليه معظم الفلسفات في عصرنا، فصارت كلمات بلا ~~فعل، إنه باختصار يجد في العمل الفني المرسوم كل المشكلات التي يمكن أن يوحي ~~بها للعقل نظام فكري أو فلسفي عن الطبيعة. ~~- هل ليوناردو فيلسوف أم ليس فيلسوفا؟ # المسألة ليست مسألة اختيار أو ms261 تردد في إطلاق هذا الوصف الجميل على هذا ~~الرسام الذي اشتهر بأعمال عديدة غير مكتوبة. إنها مسألة تتصل بعلاقة النشاط ~~الكلي لعقل ما بوسيلته التي اختارتها للتعبير أو بنوع الأعمال التي تجعله يحس ~~بقوته أعمق إحساس وأشده. وحالة ليوناردو الخاصة - التي تجعلنا نلمح الفيلسوف ~~وراء اللوحة - تقتضي منا إعادة النظر في كثير من عاداتنا العقلية، وتدعونا ~~للانتباه إلى الأفكار التي تطل من وراء الخط والظل وبقعة اللون. وإذا كانت ~~الفلسفة تقاس في حياة العقل بمدى ما تشهد عليه من عمق النظرة، والميل إلى ~~التعميم وعدد الظواهر التي تتمثلها وتحتويها، والعطش الدائم للبحث عن الأسباب ~~الخفية، فإن رسوم ليوناردو تنطوي على هذا كله. ~~- لعل مثال ليوناردو أن يدعونا إلى مراجعة تفرقتنا المألوفة بين الفلسفة ~~والفن، بين الفكر والشعر. ولعله أن يصحح نظرتنا القديمة في تقسيم الطبيعة ~~الإنسانية، وكأن الفلاسفة بلا أيد ولا عيون، وكأن الفنانين رءوس خلت من كل ~~شيء إلا من الغرائز والانفعالات؛ لأننا لو تشبثنا بهذه النظرة العرجاء، لأصبح ~~رجال مثل ليوناردو أشبه بكائنات خرافية وحوش أو قنطورات (كائنات خرافية تقول ~~الأسطورة اليونانية إن نصفها إنسان والنصف الآخر حصان). ~~- لو قصرنا أنفسنا على النظر إلى الظواهر الحميمة الباطنة، على لحظات ~~الحياة النفسية المتدفقة الدافئة، فلن نقدر على التمييز بين فيلسوف وفنان، إن ~~الفروق بينهما ستكون غير محددة، بل قد لا تكون موجودة. # أما إذا التفتنا إلى الجانب الموضوعي من التعبير عند كل منهما، فسيكون ~~الفارق هائلا. سنجد الفلسفة لا تنفصل عن اللغة التي هي غاية كل فيلسوف ~~ووسيلته، ولهذا سنحكم بأنه ليس فنانا، وسنجد أن الرسم هو كل ما عند الرسام، ~~فنحكم بأنه لا يمكن أن يكون فيلسوفا. وبهذا نظلم الاثنين معا. مع أن ~~الإحساس المباشر يدلنا على الفن عند كثير من الفلاسفة، ويهدينا إلى الفلسفة ~~عند كثير من الفنانين. ~~- قد نرى هذا لأول وهلة، وقد ننساق مع النظرة السطحية فلا نشك في أن ~~الفيلسوف يصف ما فكر فيه. والمذهب الفلسفي يمكن تلخيصه في تصنيف للكلمات أو ~~قائمة من ms262 التعريفات. والمنطق هو طريقة استخدام هذه القائمة، أو هو الإطار ~~الذي يضم الأنفع والأكمل من التفكير العادي، إن التفكير الأعمق لا بد أن ~~يجرنا إلى أبعد من اللغة. ونحن لا نستطيع أن نفكر أو نحافظ على فكرنا، أو ~~نوجهه، أو نتنبأ به بغير اللغة. اللغة هي وجودنا نحن. غير أننا لو نظرنا ~~للمسألة عن قرب لوجدنا الأمر مختلفا. فكلما حاول فكرنا أن يتعمق نفسه ~~وموضوعه، وأن يقترب من موضوعه - لا من الرموز والاصطلاحات التي تثير أفكاره ~~عن هذا الموضوع - عشنا هذا الفكر، وأحسسنا أنه ينفصل بنفسه عن كل لغة متواضع ~~عليها. هنالك نحس أن الكلمات تنقصنا، أو لا تستجيب لنا، أو تحاول أن تتدخل ~~بيننا وبين الموضوع، أو تنوب عنا. صحيح أنها تخدمنا خدمة لا تقدر حين تقربنا ~~من الموضوع الذي نفكر فيه ومن فكرنا نفسه حين تنظم هذا الفكر وتكرره، ولكن ~~التفكير، التفكير «العميق» ليس هو التفكير الأدق. إن الفكر المعاش - الحميم ~~والصميم - يحس أن اللغة تبعده عن نفسه، أنها عاجزة في ميدانه، إنها تثبت ما ~~لا يثبت، إنها تستبدل شيئا بشيء، تستبدل الجامد البارد المحدد العام بالحي ~~الشخصي الدافئ. ~~- أترانا نظلم الفلاسفة؟ لا شك أنهم حاولوا دائما أن يربطوا لغتهم ~~بأعماق فكرهم وحياتهم. وحاولوا دائما أن يعيدوا تنظيمها، أن يكملوا نقصها ~~لتستجيب لحاجات تجربتهم الوحيدة، أن يجعلوا منها أداة أدق وألطف، وأقدر على ~~المعرفة، بل على معرفة المعرفة! ربما استطعنا أن نتصور الفلسفة موقفا، أو ~~اتجاها، أو وجهة نظر، أو وعدا، أو انتظارا، أو قيدا يقسر به بعض الناس ~~أنفسهم على أن يفكر حياته أو يحيا فكره، في نوع من التعاون أو الانعكاس بين ~~الوجود والمعرفة، إنهم يحاولون أن يوقفوا كل تعبير تقليدي أو مصطلح عليه لدى ~~شعورهم بأن «الواقع» يقدم نفسه لهم، أو بأنهم سيستقبلونه، وأنه سينتظم ويتضح ~~في تأليف أو مركب جديد أثمن وأدق من كل مركب آخر مطروق أو مسبوق إليه (وفي ~~هذا العناء يشاركهم الشاعر والكاتب والرسام ويزيد عليهم). ~~- غير أن طبيعة اللغة (التي ms263 خلقت أصلا للإشارة إلى الأشياء الثابتة ~~والكائنات المحددة) لا تمكن من إنجاح هذا الجهد الذي يبذله كل الفلاسفة (وإن ~~كان إحساسهم بخيبة الأمل فيها لا يبلغ من العمق والألم قدر إحساس الشاعر ~~والأديب!) إن أقدر القادرين منهم قد استنفد جهده في محاولة دائبة لترجمة ~~فكره، أو جعله ينطق ويتكلم. من هنا يضطر أغلبهم إلى نحت كلمات جديدة من كلمات ~~قديمة أو تحويل معانيها عن المألوف المعتاد (لهذا يصدم الرجل العادي دائما ~~في لغتهم. وهذا أمر طبيعي، فهم لا يستخدمون لغة أخرى غير لغته؛ إذ إن هذا ~~محال، فلا بد أن تأتي لغتهم من نفس الطبيعية حتى يتمكنوا من فهم أنفسهم ~~وإفهام غيرهم. ولكنهم يحولون بعض الكلمات عن معناها المألوف، يرتفعون بها إلى ~~مستوى آخر. خذ مثلا كلمات كالوجود أو العدم أو الواقع أو الأنا أو المثال أو ~~الفكرة ... إلخ، وستجدها في لغة الفيلسوف، وقد تحولت تحولا تاما، وإن لم ~~تفقد بطبيعة الحال كل صلتها بالأصل الذي نبعت منه) لكن معظم جهودهم تذهب في ~~النهاية هباء. فهم لم يستطيعوا نقل «حالاتهم» إلينا. إن أفكارهم التي ~~يحدثوننا عنها كالطاقة أو الإمكان (ديناميس) أو الوجود أو النومين (الشيء في ~~ذاته) أو الكوجيتو (أنا أعرف أو أفكر) ... إلخ ليست إلا «شفرات» لا يحدد ~~معانيها إلا السياق الذي وردت فيه. وينبغي على القارئ أن يلجأ إلى قدرته على ~~الإبداع الشخصي؛ لينفض أنفاس الحياة في أعمال تلوي عنق اللغة العادية للتعبير ~~عن أشياء لا يستطيع الناس أن يتبادلوها فيما بينهم، أشياء لا وجود لها في ~~المجال الذي تتردد فيه الكلمة الجارية (تأمل ما سبق هل يختلف موقف القارئ من ~~عبارات الفلاسفة عن موقفه من قصائد الشعراء إلا من حيث الدرجة؟ ألا يشارك ~~الفيلسوف والشاعر في الخلق والإبداع؟) ~~- معنى هذا أن قصر اللغة على صيغ التعبير اللغوي - الذي يتميز به ~~الفلاسفة بطبيعة الحال عن غيرهم من أصحاب القول - سيظلم الفلسفة ويحرمها ~~ألوانا من الحرية، بل ألوانا من المتاعب التي تتمتع بها مختلف الفنون. ولكي ~~نتصور هذا الظلم ms264 نقول إننا لن نشهد أبدا، ولا يمكن أن نتصور فلسفتين ~~متطابقتين تمام التطابق. ولم نشهد ولا يمكن أن نتصور تفسيرا وحيدا خالدا ~~لأي مذهب أو نسق فلسفي. ما من مشكلة أمكن التعبير عنها بطريقة «نهائية» أو ~~بطريقة تقضي على الشك حتى في وجودها (من هنا تبقى الفلسفية صورة الفكر ~~الإنساني الحر المتغير، كما تنعكس على صفحة نهره المتدفق أبدا أو بالأحرى ~~تعكسه ... من يملك القدرة على تثبيت الصورة على الماء؟ من يملك تثبيت الماء في ~~صورة أو إطار؟) ~~- الفلسفة تواجه الآن خطرا جديدا: اكتشاف أبعاد جديدة للغة، بل اكتشاف ~~لغات عديدة أصبحت تضيق من حدود آفاقها التقليدية (لغة الشكل التي تجرب ثورات ~~التجريد الجسورة، لغة الموسيقى التي كانت وستظل أدق اللغات وأنقاها وأقدرها ~~على التعبير عن أمواج العواطف والأفكار والأحاسيس، لغة الحساب والرياضة التي ~~تقاوم التباس اللغة العادية وغموضها) بيد أن الفلسفة قد حاولت دائما، ~~وستحاول باستمرار أن تؤكد أنها لا تسعى إلى هدف لفظي بحت. صحيح أن العلوم ~~انتزعت منها آفاقا عديدة كانت طيورها ترفرف فيها على هواها، لكن الفنون ~~أصبحت تجرب التعبير المجسم عن كثير من مشكلاتها المجردة. ولهذا نشهد غلبة ~~المزاج الفني على العديد من الفلاسفة المعاصرين، سواء في الموضوع أو الأسلوب. ~~كما نجدهم يطرقون ميادين شاسعة ومناطق مظلمة ويتغلغلون في دروب خطرة لم يكن ~~يحلم بها الأقدمون. إن «الوعي بالذات» (الذي كان دائما - على اختلاف أسمائه ~~وصفاته - وسيلتها الأساسية إلى الوجود، كما كان كذلك سبب انزلاقها إلى الشك ~~والضياع والضلال) يدلها اليوم على حيويتها المتجددة، وضرورتها الباطنة ~~والملازمة لوجود الإنسان، ولكنه يدلها في نفس الوقت على مصدر عجزها وكل ~~ضعفها، ألا وهو الاعتماد على القول، بل على نوع معين منه. لهذا نلاحظ حرص ~~جميع الفلاسفة على وجه التقريب على تمييز فكرهم عن كل فكر تقليدي أو مألوف ~~كما نجد بعضهم - وبالأخص المهتمين بعالمهم الداخلي، ورصد تحولاته وحالاته - ~~يتطلعون إلى ما وراء اللغة، إلى تلك الأرض البكر المجهولة التي يسميها بعضهم ~~«الحدس» أو «الوجدان»، وينفذون إليها أو ms265 تنفذ إليهم بطريقة تلقائية، فتهديهم ~~«نورا» مباشرا، وإجابات مفاجئة، وقرارات وذبذبات وإيحاءات غير متوقعة. ~~وبعضهم الآخر يوجه انتباهه إلى ما يبقى ويثبت، ويحاولون أن يلتمسوا في اللغة ~~نفسها سندا يؤيد مواقفهم الفكرية. إنهم يثقون في القوانين الصورية والعلاقات ~~المنطقية الخالصة، يرون فيها بناء المعقول أو العقل نفسه، يكتشفون فيها ~~الأشكال الأولية التي تستمد منها بقية اللغات أنماطها المختلفة في التعبير ~~(لنذكر المحاولة الطموح التي بدأها ليبنتز لاكتشاف لغة رياضية كلية أو علم ~~كلي، ومحاولات المحدثين لتكوين نسق صوري محكم يلخص الهيكل الخالد ~~للفكر!) # الفريق الأول تجذبهم ميولهم «الباطنة» إلى طرق الفن، إنهم فلاسفة شعراء ~~أو فلاسفة موسيقيون. والفريق الثاني يفرض على اللغة طوق العقل الجاد، ويخضعها ~~لنير الاستدلال المحدد. إنهم فلاسفة «مهندسون»، يبنون قصورا شامخة؛ ليسكنها ~~كل إنسان، ولا يسكنها أي إنسان (وغالبا ما ينزوون - كما يقول كيركجورد عن ~~هيجل - في كوخ بائس مجاور لذلك القصر الساحر المخيف). # ترى ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن الفريقين استلهما نموذج ليوناردو دافنشي ~~الذي استبدل الرسم بالفلسفة؟ # هذا العبقري الذي رسم الفلسفة وفلسف الرسم؟! ~~(1974م) # | ما التنوير؟ # تقديم # هذه مقالة مشهورة لكانط - أعظم فلاسفة العصر الحديث - يحدد فيها معنى ~~التنوير الذي عاش هو نفسه في عصره، وكان بفلسفته النقدية الحرة الشامخة ~~أنضج تعبير عن ذروة نضجه وازدهاره. وقد ظهرت هذه المقالة في عدد ديسمبر سنة ~~1784م من «مجلة برلين الشهرية»، ردا على ملاحظة جاءت في هامش مقال دافع ~~فيه قس بروتستنتي مغمور من أهالي برلين (ويدعى يوهان فريدريش تسولنر ~~1753-1804م) عن الزواج الديني ضد الأصوات التي يبدو أنها كانت قد ارتفعت - ~~باسم التنوير - للدعوة إلى الاكتفاء بالزواج المدني والاستغناء عن بركة ~~الكنيسة. وقد ظهر المقال الأخير بما حواه من هجوم شديد على التنوير ~~وأدعيائه في عدد ديسمبر سنة 1783م من المجلة المذكورة، وكان أهم ما فيه هو ~~تعبير ذلك القس عن حيرته إزاء مفهوم التنوير، وبحثه عبثا عن إجابة على هذا ~~السؤال المهم: ما هو التنوير؟! وانبرى الفيلسوف اليهودي موسى مندلسون ~~(1729-1786م) ms266 للرد عليه بمقال نشر في عدد سبتمبر سنة 1784م من المجلة نفسها ~~تحت هذا العنوان: «حول السؤال: ما هو التنوير؟» وقبل الحديث عن هذا المقال ~~الأخير نود أن ننبه القارئ إلى أن كانط كتب مقاله قبل أن يطلع على مقال ~~صديقه مندلسون، وأن التشابه في عنوان المقالين لم يأت بمحض المصادفة، ~~وإنما كان تعبيرا عن قضية شغلت العقول في ذلك العصر، ألا وهي قضية تحديد ~~معنى التنوير ومفهومه، ومن ثم الدفاع عن القضية الأساسية التي عاش لها ~~عصر التنوير كله، ودعا إليها مفكروه وأدباؤه وعلماؤه ومصلحوه، وهي قضية ~~حرية الإنسان وتفكيره المستقل الخالص من كل قيد، بجانب الإيمان بانتصار ~~العلم، بعد الانتصار الذي حققه العقل في تأسيس المنهج العلمي (الطبيعي ~~الرياضي)، وترسيخه والوصول إلى قوانين واكتشافات مهمة أحس رجل الشارع نفسه ~~بأهميتها، وخطرها على حياته - والتفاؤل بمستقبل البشرية الحرة العاقلة التي ~~خلصتها أنوار التنوير - التي أشعها العقل النقدي الحر الذي بنى المذاهب ~~الفلسفية الشامخة والنظم العلمية المتسقة من ظلمات الخرافة والجهالة والخوف ~~والاستعباد. # قلنا إن مقالي كانط ومندلسون نشرا في «مجلة برلين الشهرية» التي صدر ~~أول عدد منها سنة 1783م، وظلت صامدة وفية لرسالتها في تنوير العقول ~~والقلوب، حتى توقفت سنة 1796م. وتستحق هذه المجلة أن نذكرها بكلمة وفاء ~~وعرفان. فقد كانت أهم المجلات التي عبرت عن عصر التنوير، واشترك في تحريرها ~~عدد كبير من ألمع العقول الحريصة على الحرية والمعرفة والتقدم والاستنارة، ~~سواء في ألمانيا نفسها أو في البلاد الأوروبية بوجه عام. كان الهدف الذي ~~وضعه الناشران (الكتبي إريش بيستر والمربي فريدريش جيديكه) هو إشاعة ~~«الغيرة على الحقيقة» والحث على «التنوير النافع، وطرد الأخطاء المفسدة» مع ~~الحرص على تنوع المادة التي تجمع بين التعليم والتسلية. وسرعان ما بدأ ~~الهجوم على المجلة ممن أساءوا فهم التنوير، وحقدوا على الداعين إليه في ~~هذه المجلة، فسموهم «عصابة التنوير» ولا نستطيع أن نذكر أسماء الأدباء ~~والفلاسفة الذين أسهموا في تحريرها؛ إذ يكفي أن يكون بينهم كانط (الذي نشرت ~~له خمس عشرة مرة) وجوته ms267 وشيلر وفيلهلم فون همبولت، وغيرهم من أدباء الألمان ~~ومفكريهم إلى جانب ميرابو وبنيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون من أعلام ~~الثورتين الفرنسية والأمريكية. # قلنا إن الإجابة على هذا السؤال المهم: «التنوير» قد كانت وليدة ~~المصادفة البحتة، التي وقعت في مناسبة عارضة وتافهة. وذكرنا القس المغمور ~~الذي حيره الشعار الرائج على كل لسان فهتف: ما هو معنى التنوير؟ ولا بد أن ~~نشكر لهذا الرجل الطيب حسن نيته، وأن نذكر له فضوله المحمود؛ إذ يكفي أنه ~~دفع اثنين من أهم فلاسفة القرن الثامن عشر إلى محاولة تقديم الإجابة على ~~سؤاله. وليس المهم هنا هو السؤال والجواب، بل هو الموقف الذي اتخذه كانط ~~ومندلسون وغيرهما من مفكري هذا العصر وأدبائه (ومن أشهرهم ليسينج وهيردر ~~وفيلاند وشيلر) من حقيقة الإنسان وحقه في التقدم على طريق النور والمعرفة ~~والتحرر، بل حقه في الثورة المتجددة على طواغيت الجهل والخرافة والنفاق ~~والاستبداد. والغريب أن هذه الطواغيت كانت لا تزال تنفث سمومها، وتنشر ~~ظلمات عدواتها للتنوير بعد مرور قرن على بداية عصر التنوير! ولعل انتشارها ~~في ألمانيا بوجه خاص أن يكون دليلا على ما يؤكد نيتشه في كتابه الفجر ~~(1881م) من عداء الألمان للتنوير (على الأقل حتى انهيار النازية وأواخر ~~النصف الأول من القرن العشرين). # ينطلق موسى مندلسون في مقاله القصير «حول السؤال عن معنى التنوير» من ~~الاستعمال اللغوي للكلمة التي لا تنفصل عنده عن كلمتي الثقافة والحضارة، ثم ~~يحاول تقديم الجواب من وجهة نظر إنسانية تجعل الإنسان هو الهدف والمقياس، ~~وتلقي الضوء عليه من حيث هو إنسان على الإطلاق، ومن حيث هو مواطن في مجتمع ~~ودولة. وهو يرى أن الثقافة # Bildung # هي ~~المفهوم الكلي الذي يندرج تحته مفهومان جزئيان هما الحضارة # Kultur ~~«التي جاءت كما هو معروف من زراعة ~~الأرض وتعميرها» والتنوير # Aufklarung # والحضارة تتعلق بالجانب العملي من حياة الإنسان (المهارة والدقة والجمال في ~~الفنون والصنائع وآداب السلوك وعاداته)، أما التنوير فينصب على الجانب ~~النظري منها، أي على المعرفة العقلية، والقدرة على تأمل العالم والأشياء ~~والحياة الإنسانية. وتوضح اللغة ms268 طبيعة المفهومين، فتستنير أو تصل إلى درجة ~~التنوير عن طريق العلوم، وتبلغ مستوى التحضر عن طريق «التعامل الاجتماعي ~~والأدب والفصاحة». # هكذا تكون علاقة التنوير بالحضارة كعلاقة النظر بالتطبيق والممارسة. ~~فإذا كانت الحضارة تهم الإنسان باعتباره «عضوا في المجتمع»، فلا غنى له من ~~حيث هو إنسان عن التنوير. إن الإنسان بحاجة إلى التنوير. هذا مطلب أساسي ~~لتحقيق إنسانيته وحقيقته، ولكن مندلسون يفرق مرة أخرى بين تنوير الإنسان ~~كإنسان وتنويره كمواطن، وعضو حي مسئول من أعضاء المجتمع. ولعل هذه التفرقة ~~أن تكون قريبة من تفرقة كانط في مقاله هذا بين الاستخدام العلني العام ~~للعقل (أي حقه في النقد والتفكير الحر المستقل في كل شيء)، والاستخدام ~~الخاص أو المحدود لهذا العقل في الأمور المتصلة بالوظيفة التي يؤديها ~~الإنسان في ظل المجتمع والدولة والقوانين والأعراف المرعية. # إن تنوير الإنسان - كما يؤكد مندلسون - يتعلق بماهيته كإنسان، أما ~~تنوير المواطن فيتصل بمطالب الوظيفة التي يؤديها، والوضع الاجتماعي الذي ~~يشغله. والواقع أن هذين الجانبين المتكاملين من التنوير يمكن في بعض الظروف ~~التاريخية والاجتماعية أن يبلغا حد الصراع والتناقض. وهنا ينتقل مندلسون ~~إلى الجانب السياسي والاجتماعي من المشكلة، فيقول في وضوح: «شقية هي الدولة ~~التي تحتم عليها الظروف أن تعترف بأن حقيقة الإنسان ومصيره فيها كإنسان لا ~~ينسجم مع حقيقته ومصيره كمواطن، بأن التنوير - الذي لا غنى للبشرية عنه - ~~لا يمكن أن يعم جميع الطبقات في الدولة بغير أن يتعرض دستورها ~~للانهيار.» # وكان من الطبيعي أن يتعرض مندلسون (ولو من بعيد وبأسلوب فلسفي مجرد) ~~لأعداء التنوير الذين هم في الواقع أعداء الحرية والمساواة والعدالة، ~~وانتشار المعرفة بين الناس. ولذلك نجده يدين الأفكار المغرضة، والأحكام ~~والتصورات المتحيزة في مجال الدين بوجه خاص، مع ما يرتبط بها من تعصب ~~وتطرف ونفاق. نقول إن هذا كان أمرا طبيعيا؛ لأن الدعوة إلى التسامح ~~وتأكيد وحدة الأديان في جوهرها الأصيل قد كانت من الأعمدة الأساسية التي ~~قام عليها التفكير في عصر التنوير (وأروع من عبر عن التسامح ووحدة الأديان ~~هو ليسينج في مسرحيته ms269 ناتان الحكيم، وفي كتابه الصغير عن تربية الجنس ~~البشري)، ويكفي أن مندلسون قد تنبه إلى «جدل التنوير» وإمكان تدهوره وفساده ~~وهو في قمة مجده وازدهاره، وذلك قبل «لوكاتش» في كتابه عن جوته وعصره، وقبل ~~تيودور أدورنو وماكس هوركهيمر في كتابهما المشهور عن جدل التنوير، ويكفيه ~~أنه أشار إلى أخطار إساءة فهم التنوير، وسوء استخدامه، وحذر منها تحذير ~~الملهم الذي تنفذ رؤياه من أستار الحاضر لتكشف عن كوارث المستقبل. وهل بعد ~~محنة الجهل والتعصب والتطرف التي بلغت ذروتها المدمرة في كابوس النازية، ~~وما أعقبه من كوابيس تزحف على بلادنا العربية من كارثة؟! لنقرأ هذه السطور ~~التي يختم بها مقاله محذرا من مغبة سوء استخدام التنوير التي لا بد أن ~~تؤدي إلى إضعاف الحس الأخلاقي، وخلق التصلب والأنانية والكفر والفوضى: ~~«كلما زاد الشيء نبلا وكمالا، زادت بشاعة فساده وتحلله. فالخشب الذي يفسد ~~ليس في بشاعة الوردة التي تفسد، وهذه لا تثير الاشمئزاز بقدر ما تثيره جثة ~~حيوان متعفن، كما أن هذه بدورها ليست بأبشع من جثة إنسان تعرضت للفساد. ~~والأمر كذلك مع الحضارة والتنوير. فكلما ازدادا نبلا في حالة ازدهارهما، ~~زادت بشاعة تحللهما وفسادهما. إن إساءة استخدام التنوير يضعف الشعور ~~الأخلاقي، ويؤدي إلى التصلب والأنانية والكفر والفوضى. وإساءة استخدام ~~الحضارة يفضي إلى الترف والنفاق والطراوة والخرافة والعبودية. وكلما تقدم ~~التنوير جنبا إلى جنب مع الحضارة، كانا أفضل وسيلة لوقف الفساد، والثقافة ~~التي تسود في أمة من الأمم نتيجة امتزاج التنوير بالحضارة تجعل هذه الأمة ~~أقل عرضة للفساد.» ~~••• # إذا كان «مندلسون» قد استقرأ في مقاله معنى التنوير وأبعاده، والأخطار ~~التي يمكن أن يتعرض لها، فإن كانط يتبع في مقاله منهجا استنباطيا يبدأ ~~من مسلمة أو تعريف قاطع للتنوير. إنه في رأيه هو خروج الإنسان من حالة ~~الوصاية المفروضة عليه. وهو يخرج أو بالأحرى يخرج نفسه منها عن طريق ~~التفكير الحر المستقل أي عن طريق النقد! يشرح كانط في السطور التالية مفهوم ~~التنوير، ويختمها بترديد الشعار الذي رفعه العصر كله في عبارة «هوراس»: ~~«تشجع ms270 على المعرفة!» وهو شعار يمكن أن يكون بداية وخاتمة، بل لعله أن يكون ~~«أمرا مطلقا» يتوجه به فيلسوف الواجب إلى ضمير القارئ. ويواصل شرح ~~التعريف الذي وضعه في البداية مع تكرار صورة الوصي والقاصر التي يبدو من ~~حديثه أنها صورة موفقة في التعبير عن عصر التنوير بقدر ما هي محببة إلى قلب ~~«حكيم كونجزبرج»، الذي كانت فلسفته النقدية دعوة للتفكير والوجود الحر ~~المستقل، بعيدا عن الفرض والوصاية التي عاناها في طفولته وشبابه وعانتها ~~معه طبقات الأرقاء من الفلاحين والعمال وصغار الموظفين المضطهدين في ظل ~~الإقطاع والاستبداد البروسي الصارم. # وينتقل كانط بعد ذلك من تنوير الفرد إلى تنوير الرأي العام، فيشترط ~~وجود الحرية في الحالين. وعندما تتوفر هذه الحرية يصبح التنوير أمرا لا ~~مفر منه، ولا غنى عنه، ولكن من ذا الذي سيقوم بالتنوير؟ من سيؤدي دوره في ~~توجيه «الجمهور»؟ إنهم القلة أو الصفوة كما نقول اليوم، هم علماء الشعب ~~وكتابه الذين يتجهون إليه، ويفتحون عيونه على العيوب والأخطاء والأحكام ~~المغرضة التي تفسد عليه شئون حياته السياسية والاجتماعية والدينية والعلمية ~~... إلخ. # ويتطرق كانط إلى موضوع الثورة - التي نادى بها، وعمل لها الكثيرون في ~~أيامه متأثرين بالثورة الفرنسية - فيرفضها من حيث المبدأ. فالثورة في رأيه ~~تعجز عن إحداث «الإصلاح الحقيقي في أسلوب التفكير». ولهذا يستدل بهذا ~~الإصلاح، أي تربية العقل الإنساني تربية تحفزه على التفكير النقدي الحر ~~بنفسه ولنفسه، وترتفع به إلى الإنسانية المستنيرة المسئولة. ولا يصح أن ~~نستنتج من هذا أن رفضه للثورة هو رفض للثورة الفرنسية. فقد رحب بها، ~~واستبشر بفجر الخلاص على يديها عندما شبت نيرانها، واعترف صراحة بوقوفه إلى ~~جانب أفكارها الأساسية عن الحرية والإخاء والمساواة، على الرغم من الأخطار ~~التي كان يمكن أن يتعرض لها - وهو المعلم البروسي المتواضع الحال - بإدراج ~~اسمه في القائمة السوداء! ولقد عبر عن موقفه الثابت من الثورة الفرنسية في ~~أحد كتبه الصغيرة التي كتبها في أواخر حياته (وهو نزاع الكليات الذي صدر ~~سنة 1798م)، وذلك بعد سنوات من انتهاء المجزرة التي أثارت ms271 سخط كبار ~~الإنسانيين، وجعلتهم يتحفظون في حكمهم عليها (ومن أهمهم جوته وشيلر). يقول ~~كانط في هذا الكتاب: «إن ثورة شعب ذكي، نراها في هذه الأيام دائرة أمام ~~أعيننا، يمكن أن يكتب لها النجاح أو الإخفاق، ويمكن أن تمتلئ بالشقاء ~~والفظائع، بحيث يستحيل على إنسان حسن الطوية لو قدر له أن يقوم بها مرة ~~أخرى، وينفذها بطريقة يرجى منها الخير - يستحيل عليه أن يقرر إجراء هذه ~~التجربة مع كل التضحيات التي كلفتها - أقول إن هذه الثورة لتصادف في وجدان ~~جميع المتابعين لها (الذين لم ينخرطوا في لعبتها) مشاركة حارة توشك أن تبلغ ~~درجة الحماس، كما كان التصريح بها مرتبطا بالخطر، وليس لها من سبب إلا ~~الاستعداد الأخلاقي المغروس في طبيعة الجنس البشري.» # الحرية إذا وقبل كل شيء! فهي الأساس الذي يقوم عليه التنوير، والشرط ~~اللازم لوجوده وانتشاره بين الناس. والمقصود بهذه الحرية عند كانط هي حرية ~~الكلام، وحق إبداء الرأي الحر قولا وكتابة، ولكنه يؤكد أقل أنواع الحريات ~~ضررا، ألا وهي حرية الاستخدام العلني للعقل، أو حرية ممارسته صراحة في كل ~~ما يمس الصالح العام، ولكن من الذي يملك هذا الحق؟ يعود كانط فيحدد مفهومه ~~للاستخدام العلني للعقل، ويقصر حرية الكلام على الحرية الأكاديمية، أو حرية ~~العلماء في استعمال عقولهم وعرض آرائهم على قرائهم. ويبدو أن كانط يعتمد في ~~هذه الفكرة على ما يمكن أن نسميه دهاء العقل (وهو هنا شيء مختلف عما يقصده ~~به هيجل!) فهو يصف هذه الحرية العلنية التي يطالب بها بأن تكفلها الدولة ~~للعلماء بأنها «أقل الحريات ضررا»، وكأنه يريد أن يطمئن السلطة، ويهدئ ~~خاطرها، ثم لا يلبث أن يضع ثقته في العقل الذي يبدأ عمله بإقناع المتخوفين ~~بأقل الحريات ضررا؛ لكي ينتقل بعد ذلك إلى تبصيرهم بضرورة حريات أخرى أخطر ~~وأكثر ضررا. # ويرتبط مفهوم الاستخدام العلني العام للعقل بمفهوم آخر استحدثه كانط في ~~لغته، وهو مفهوم الاستخدام الخاص الذي يقتصر فيه العقل على مجال الوظيفة أو ~~المهنة أو ما نسميه اليوم ب «الدور الاجتماعي». ويمثل كانط ms272 لذلك بالضابط ~~ودافع الضرائب ورجل الدين الذين يسمح لهم - باعتبارهم علماء فحسب - أن ~~يوجهوا النقد الحر كما يشاءون، ويحرم عليهم هذا النقد في دوائر عملهم ~~وواجباتهم الوظيفية التي تفرض عليهم طاعة الأوامر، حتى لا يضطرب نظام ~~الدولة وأمنها واستقرار نظمها ومؤسساتها ... والسؤال الذي يلح على الخاطر في ~~هذا الصدد هو هذا السؤال: هل يمكن أن ينفصل «الشخص العاقل» عن «الموظف» في ~~إنسان واحد؟ إن أحد الفلاسفة المعاصرين يرجع هذا الفصل العجيب إلى جذوره ~~التاريخية عند لوثر، كما يجد نظيرا له عند روسو الذي فرق بين «الإنسان» ~~و«المواطن»، وقابل بينهما مقابلة الضد للضد (هربرت ماركوزه، السلطة ~~والعائلة، 1936م) والأسباب التي دعت كانط - سليل الفقراء الكادحين والمعلم ~~المسكين في ظل التنين - إلى الاقتصار على الثورة العقلية أسباب متعددة ~~ومتشابكة. فهو إذا كان يرفض الثورة من حيث المبدأ، فإنه ينادي بالإصلاح، ~~ويؤكد إمكانه وضرورته عن طريق النقاش العلمي العلني الذي يبصر الحاكم أو ~~الأمير بحقائق الأمور، وبحثه على تغيير الفاسد والمعوج منها. وطبيعي أنه لن ~~يقدم على شيء من هذا، إلا إذا كان حاكما أو أميرا مستنيرا يتوفر لديه ~~الاستعداد «لتوحيد الإرادة الشعبية بأكملها في إرادته». وكأن الفرصة ~~الوحيدة للإصلاح في ظل الاستبداد المطلق - الذي عاش كانط نفسه في قبضته ~~وواجهه بثوريته الحكيمة ولم ينج في النهاية من غضبه وتهديده - تكمن في خضوع ~~صاحب السلطة الفعلية لأصحاب السلطة الفكرية والعلمية، ولكن متى خضع أولئك ~~لهؤلاء؟ وهل يكفي أن يكون الحاكم مستنيرا ليستجيب لنور العقل الحر؟ أم أن ~~هذا العقل الحر يحتاج إلى إرادة شعبية تنقل أفكاره إلى قلب الواقع، وتغير ~~به وجهه الكئيب؟! كما أن هذه الإرادة الشعبية بحاجة هي الأخرى إلى ~~الاستنارة، حتى يفرض التنوير نفسه، وينطلق من أسفل إلى أعلى، لا من أعلى ~~إلى أسفل، كما حدث ويحدث في معظم الأماكن والأزمان، وخصوصا في الشرق ~~المسكين منذ آلاف السنين؟! # نكتفي بعد إلقاء هذه الأسئلة بأن نقول إن لكانط عذره أو أعذاره التي ~~ألمحنا إليها، وأنه لم يذكر في مشروعه هذا أي ms273 ضمانات قانونية أو دستورية ~~لنشر التنوير من أسفل إلى أعلى، اللهم إلا صدق الأمير المستنير وحسن نيته. ~~إنه يرسم صورة الإصلاح الممكن في مجتمع أبوي كان يرفضه من صميم قلبه، ولكنه ~~لم يجد حيلة أمام ضعف حيلته، فقرر في النهاية - وبحكم إيمانه بالنظام ~~والواجب والعقل - أن يقف في صف الأمن والنظام والاستقرار. ويبقى السؤال آخر ~~المطاف قائما: ألا يؤدي الوقوف مع استقرار الدولة الغاشمة إلى تقويض فكرة ~~التنوير العام لسائر طبقات الشعب، وتدمير التنوير نفسه؟ مهما يكن من شيء، ~~فإن لموقف كانط جذوره وأسبابه التاريخية، التي ما تزال فعالة ومؤثرة، بحيث ~~يمكن أن نتتبع خيوطها المتصلة من كانط - بل من لوثر وروسو كما ذكرنا - إلى ~~شروح هربرت ماركوزة عن «التسامح المكبوت»، الذي يدفع بعض أنظمة الحكم إلى ~~السماح لأعدائها بحرية الكلام والتعبير، بشرط ألا يجاوزوهما إلى السلوك ~~والفعل (ماركوزة، نقد التسامح الخالص، فرانكفورت، 1966م، ص97) ويبدو أيضا ~~أن الظروف التاريخية جعلت كانط يركز في مقاله على التنوير على «أمور الدين» ~~التي جعلها محور حديثه. وحديثه في هذا السياق جدير بأن ننتبه إليه، ونتعلم ~~منه، خصوصا في أيامنا هذه التي يحتدم فيها النقاش حول تطبيق الشريعة، ~~ويتدخل فيه العلماء الأجلاء جنبا إلى جنب مع الجهلاء والأدعياء. إن عدم ~~بلوغ الرشد والقصور في الأمور المتصلة بالدين هو في رأيه أشد أنواع القصور ~~ضررا وأكثرها إهانة للإنسان. وأهم ما يهمه في هذا الشأن هو إعلان استقلال ~~الإنسان - إن جاز هذا التعبير - والدفاع عن طبيعته وحقيقته، وحقه المقدس في ~~التقدم على طريق التنوير. ولقد جاءت العقبة الكبرى أمام التنوير (في القرن ~~الثامن عشر) من بعض رجال الدين الذين أساءوا فهم الدين نفسه، وتصوروا أو ~~صوروا للناس أن التنوير مرادف للكفر ومعاد للكنيسة، ولم تأت أبدا من ~~جانب العلوم والآداب والفنون، ولا من جانب العلماء والأدباء والفنانين ~~الذين لم تقيد حرياتهم، ولم يخضعوا للرقابة الصارمة إلا في القرون التالية، # 1 # ولا عجب أن يصف كانط عصره بأنه عصر فريدريش؛ إذ كان هذا الملك ~~البروسي المستنير ms274 مقتنعا تمام الاقتناع بحرية كل إنسان في أن يلتمس خلاصه ~~الروحي بالطريقة التي يراها، ولكن الأحوال لم تدم لأحد؛ إذ سرعان ما تغيرت ~~بعد موت فريدريش الثاني هذا، واصطدم كانط نفسه بالسلطة التي حذرته سنة ~~1794م (على إثر صدور كتابه عن الدين في حدود العقل وحده) من التعرض لأمور ~~العقيدة المقدسة، وبدأ الهجوم الضاري على التنوير وعصره. # يختتم كانط مقاله بالتعرض لمشكلة ~~التنوير من الناحية السياسية والاجتماعية. والواقع أن من يقرأ الفقرات ~~الأخيرة من المقالة، لا يستطيع أن يقرر إن كان الباعث عليها هو خوفه من ~~الفوضى والتمرد، أو حرصه على بيان الاعتراضات والحجج التي يبديها أنصار ~~الأمن والاستقرار وأعداؤه على السواء، فالصورة التي يلجأ إليها عن القشرة ~~والبذرة توحي بأنه يساند المفارقة القديمة المتجددة التي تدعي أن التنوير ~~لا ينتشر، ولا يزدهر إلا في حماية جيش منظم كبير العدد «يضمن الأمن العام»، ~~هل يلجأ كانط مرة أخرى إلى «دهاء» العقل؟ إنه يقدم في العبارات الأخيرة من ~~المقال نوعا من «جدل التنوير» الزاخر بالمفارقات العجيبة؛ إذ يمكن في ~~النهاية أن تؤثر بذرة التنوير أو الميل الفطري إلى التفكير الحر على الشعب، ~~فتزيد حريته الفكرية، وربما أثرت على المبادئ والأصول التي يرتكز عليها ~~نظام الحكم نفسه. ويكفي كانط شرفا أنه أكد أن هذه البذرة لا بد أن تشق ~~القشرة الصلبة المحيطة بها، ولا بد أن يستنير الشعب، ويخترق الوصاية ~~المفروضة عليه، ويحقق حريته الحقة في النقد والتفكير بنفسه؛ لكي يتسنى له ~~تغيير نفسه وواقعه ومجتمعه. ~~••• # توالت المقالات في المجلة السابقة الذكر - قبل أن تصادر نهائيا ويرحل ~~أصحابها من برلين - وشارك في إلقاء الأضواء على التنوير مختلف الأدباء ~~والمفكرين. وقد أسهم في الدعوة إلى التنوير - قبل كانط ومندلسون وبعدهما - ~~رجال من أمثال ليسنج وهيردر وشيلر وفيلاند، كما هاجمه وحمل عليه رجال آخرون ~~- مثل هامان وياكوبي - مهدوا لظهور حركة مضادة اتهمت حركة التنوير بالسطحية ~~والضحالة، وتبلورت في النهاية في الحركة الرومانتيكية. ومن الصعب أن نتابع ~~كل ما كتب في هذا المجال ، وما يزال ms275 يكتب إلى يومنا الحاضر. ويكفي في هذا ~~المجال المحدود أن نسجل لحركة التنوير أنها اهتمت بتقدم الإنسان على طريق ~~العقل، والعلم، والحقيقة، والديمقراطية، والإنسانية، والتسامح، والإخاء ~~البشري، وأن الهجوم عليها واتهام أصحابها بالكفر والخروج على نظم الجماعة ~~وتقاليدها لم يستطع أن يلغي تراثها العظيم في تأكيد إنسانية الإنسان، وحقه ~~المقدس في الحرية والتطلع إلى مستقبل لا تلبد سماءه خفافيش الجهالة والتعصب ~~وظلمات الخرافة والوصاية. وليتنا - نحن العرب وأبناء العالم الثالث بوجه ~~عام - نتعلم من درس التنوير، ونرفع راياته؛ لنواجه بها جحافل الجهل والتطرف ~~والتخلف الزاحفة علينا. ليتنا نقتنع أخيرا بأن تنوير عقول الناس لا غنى ~~عنه للحياة الجديرة بأن يحياها الإنسان، وأن التنوير نفسه لا يستغني عن ~~نظام الحكم الحر الذي يحقق إرادة الشعب في التقدم. وأخيرا ليت هذا المقال ~~يساعد على السير خطوة واحدة على هذا الطريق. # | الإجابة على سؤال: ما هو التنوير؟ # أمانويل كانط # التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. وهذا القصور ~~هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. ويجلب الإنسان على نفسه ~~ذنب هذا القصور عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى ~~العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر. ~~لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك، # 1 # ذلك هو شعار التنوير. # إن الكسل والجبن هما علة رضاء طائفة كبيرة من الناس بأن يبقوا طوال ~~حياتهم قاصرين، بعد أن خلصتهم الطبيعة # 2 # منذ أمد بعيد من كل وصاية غريبة عليهم، وهما كذلك علة تطوع ~~الآخرين بفرض الوصاية عليهم. ويبدو الأمر وكأن كل واحد منهم يقول لنفسه: إن ~~الوصاية علي لمريحة! وما دمت أجد الكتاب الذي يفكر لي، والراعي الروحي ~~الذي يغني ضميره عن ضميري، والطبيب الذي يقرر لي نوع الطعام الصحي الذي ~~أتناوله، فما حاجتي لأن أجهد نفسي؟ ليست هناك ضرورة تدعوني للتفكير، ما دمت ~~أقدر على دفع الثمن، وسوف يتكفل غيري بتحمل مشقة هذه المهمة الثقيلة. أما ~~أن أغلب الناس (وفيهم الجنس ms276 اللطيف بأكمله) يشفق على نفسه من التقدم خطوة ~~واحدة على الطريق إلى الرشد، ويعدونه أمرا شديد الخطر عليهم بجانب صعوبته ~~ومشقته، فقد تكفل بإقناعهم بذلك أولئك الأوصياء الذين تكرموا بالإمساك ~~بزمام أمورهم، وتفضلوا بفرض رقابتهم عليهم. فبعد أن دمغوا بالغباء ~~حيواناتهم الأليفة، وحرصوا كل الحرص على أن يحولوا بين هذه المخلوقات ~~الوديعة، وبين التجرؤ على القيام بخطوة واحدة خارج «المشاية»، # 3 # التي حبسوا فيها خطاهم، أخذوا يبينون لهم هول الخطر الذي ~~يتهددهم لو حاولوا السير بمفردهم. بيد أن هذا الخطر ليس كبيرا كما يدعون؛ ~~لأنهم سيتعلمون في النهاية كيف يسيرون على أقدامهم بعد أن يتعثروا عدة ~~مرات، ولكن مثلا واحدا يضرب لهم على بعض من سقط في الطريق كفيل بأن يخيف ~~الناس، ويصدهم عن الشروع في أية محاولة أخرى. # من العسير إذا على أي إنسان أن يتمكن بمفرده من التخلص من هذا القصور ~~الذي أوشك أن يصبح طبيعة ملازمة له. بل إن الأمر قد وصل إلى حد أن يعشق هذا ~~القصور، بحيث أصبح عاجزا عجزا حقيقيا عن استخدام عقله؛ لأن أحدا لم ~~يتح له أبدا أن يقوم بهذه المحاولة. وبقيت التعليمات والقواعد - هذه ~~الوسائل الآلية لتلقينه كيفية الاستخدام المعقول لمواهبه الفطرية - بقيت هي ~~أغلال القصور المستديم، وكل من تمكن من التحرر من هذه الأغلال لم يستطع أن ~~يقفز فوق أضيق الحفر إلا قفزة غير مطمئنة؛ وذلك لأنه لم يتعود على مثل هذه ~~الحركة الحرة. ولهذا لن نجد إلا قلة ضئيلة استطاعت بفضل استخدامها لعقولها ~~أن تنتزع نفسها من الوصاية المفروضة عليها، وتسير بخطى واثقة ~~مطمئنة. # ومع ذلك، فإن قيام الجمهور # 4 # بتنوير نفسه هو أولى الأمور وأقربها إلى الاحتمال، بل إنه - ~~إذا أوتي الحرية التي تمكنه من ذلك - لأمر لا مناص منه تقريبا. إذ سيتوفر ~~في هذه الحالة - حتى بين أولئك الذين عينوا أوصياء على عامة الناس - عدد ~~ممن يفكرون بأنفسهم وينشرون حولهم، بعد أن ينفضوا عن كاهلهم نير الوصاية، ~~روح التقدير العقلي لقيمة كل إنسان وواجبه في أن يفكر ms277 بنفسه. والأمر الجدي ~~بالنظر في هذه الحالة أن الجمهور الذي سبق أن وضعوا هذا النير على كاهله ~~سيجبرهم بنفسه بعد ذلك على البقاء تحته، عندما يحرضه على ذلك بعض أوصيائه ~~الذين تعوزهم القدرة على التنوير، ولهذا كان غرس الأحكام المتحيزة أمرا ~~بالغ الضرر؛ لأنها تثأر في النهاية، حتى من أولئك الذي تسببوا هم أو ~~أسلافهم في غرسها. ولهذا السبب أيضا لا يمكن أن يصل الجمهور إلى التنوير ~~إلا ببطء شديد. وربما نجحت ثورة في القضاء على الاستبداد الفردي والقهر ~~القائم على الجشع والتسلط، ولكنها لا يمكن أبدا أن تؤدي إلى إصلاح حقيقي ~~لأسلوب التفكير، بل إن ما يستجد من أحكام متحيزة لن يستخدم - شأنه في هذا ~~شأن الأحكام القديمة - إلا في تضليل عامة الناس وجرهم وراءه. # لكن مثل هذا التنوير لا يتطلب شيئا غير الحرية، وهو في الحقيقة لا ~~يتطلب إلا أبعد أنواع الحرية عن الضرر، ألا وهي حرية الاستخدام العلني ~~للعقل في كل الأمور. # بيد أنني أسمع أصوات المنادين ~~تتردد من كل جانب: لا تفكروا، # 5 # فالضابط يقول: لا تفكروا، بل تدربوا. والخازن يقول: لا تفكروا، ~~بل ادفعوا. ورجل الدين يقول: لا تفكروا، بل آمنوا (إلا سيدا واحدا في العالم # 6 # يقول: فكروا ما شئتم وفيما شئتم، ولكن أطيعوا!) إن في كل هذا ~~تقييدا للحرية. فأي هذه القيود يقف عقبة في سبيل التنوير؟ وأيها لا يعرقله ~~وإنما يسانده؟ أجيب على هذه الأسئلة بقولي: إن الاستخدام العلني العام للعقل # 7 # ينبغي أن يبقى حرا في كل الأوقات، وهو وحده القادر على نشر ~~التنوير بين الناس، أما استعمال العقل استعمالا خاصا، فيجوز في أحيان ~~كثيرة أن يقيد تقييدا شديدا، دون أن يؤدي هذا بالضرورة إلى إعاقة تقدم ~~التنوير بصورة خطيرة. ولكني أقصد باستعمال الإنسان لعقله الخاص، ذلك النوع ~~الذي يمارسه العالم قبل جمهور قرائه. وأما الاستعمال الخاص للعقل، فأعني به ~~حق هذا العالم في استعماله في منصب يشغله أو وظيفة عهد إليه القيام بها في ~~المجتمع المدني. والواقع أن هنالك بعض ms278 الأعمال المتصلة بالصالح العام ~~للمجتمع يتطلب تدبيرها نوعا من الآلية التي تفرض على بعض أعضاء هذا ~~المجتمع أن يكونوا في سلوكهم سلبيين، حتى يتسنى للحكومة - من خلال الإجماع ~~الذي تصطنعه اصطناعا - أن توجههم نحو تحقيق الأهداف العامة، أو تمنعهم على ~~أقل تقدير من تدمير هذه الأهداف. ومن الطبيعي ألا يسمح في هذا المجال ~~بالتفكير (العقلي المستقل)؛ إذ إن الطاعة هنا واجبة. فإذا ما نظر هذا الجزء ~~من أجزاء الآلة إلى نفسه باعتباره عضوا في مجتمع، وإذا توسع في هذه ~~النظرة، فاعتبر نفسه عضوا في المجتمع العالمي بأسره، واتخذ صفة العالم ~~الذي يتجه بكتاباته التي تحمل رأيه الخاص إلى الجمهور، فإن في إمكانه في ~~هذه الحالة أن يفكر تفكيرا حرا مستقلا دون أن يكون في هذا إضرار ~~بالأعمال التي أسند إليه القيام بها، وحكمت عليه وظيفته من هذه الناحية أن ~~يكون سلبيا إلى حد ما. ولو أن أحد الضباط العاملين عمد إلى إثارة الجدل ~~حول الهدف من أمر صدر إليه من رئيسه، وحول المنفعة التي يمكن أن تترتب على ~~هذا الأمر لكان في ذلك الضرر أشد الضرر؛ لأن الواجب سيحتم عليه الطاعة. ومع ~~ذلك فلا يصح - إن كان من العلماء الملمين بالأمور - أن يحرم من حقه المشروع ~~في إبداء ملاحظاته على الأخطاء التي تقع في الخدمة العسكرية، وأن يعرض هذه ~~الملاحظات على جمهوره ليحكم عليها. وليس من حق المواطن أن يمتنع عن سداد ~~الضرائب المفروضة عليه، بل إنه ليستحق العقاب لو تعمد توجيه الانتقادات إلى ~~هذا النوع من الضرائب الذي ينبغي عليه تسديده باعتبار ذلك فضيحة يمكن أن ~~تتسبب في خلق متاعب عامة. ومع ذلك فإن هذا المواطن نفسه لن يخل بواجبات ~~المواطن إذا ما استغل حقه كعالم في التعبير علنا عن رأيه في خروج هذه ~~الضرائب عن الحدود المعقولة، أو مجافاتها للعدالة. وقل مثل هذا عن رجل ~~الدين الذي يفرض عليه واجبه أن يجعل عظاته لتلاميذه والمؤمنين من أتباع ~~ملته على مذهب الكنيسة # 8 # التي عين في خدمتها بناء على ms279 هذا الشرط. # أما من حيث هو عالم فله الحرية ~~الكاملة، بل عليه واجب نشر أفكاره - التي وصل إليها بعد فحص دقيق وبنية ~~خالصة - عن الأخطاء التي يرى أنها لحقت بالمذهب، كما يقضي عليه الواجب كذلك ~~بأن يعرض على الجمهور اقتراحاته لإصلاح أمور العقيدة والكنيسة. وليس في هذا ~~أي شيء يمكن أن يكون عبئا على ضميره؛ لأن ما يعلمه بحكم منصبه كقائم ~~بأعمال الكنيسة إنما يقدمه باعتباره شيئا لا سلطان له عليه ولا حرية له في ~~تعليمه حسب ما يتراءى له؛ إذ إنه يتولى تقديمه للناس نزولا على التعليمات، ~~وباسم جهة أخرى عينته لهذا الغرض. سوف يقول: إن كنيستنا تعلم هذا أو ذاك، ~~وهذه هي الأدلة والبراهين التي تعتمد عليها. ثم إنه يستخلص للمؤمنين من ~~جماعته كل فائدة عملية يمكنه استخلاصها من التعاليم التي قد لا يكون ~~مقتنعا بها تمام الاقتناع، ومع ذلك يبذل كل ما في وسعه لكي يقدمها لهم؛ إذ ~~ليس من المستحيل أن تكون منطوية على حقيقة كامنة، وليس من المستبعد في كل ~~الأحوال أن تكون خالية مما يناقض الدين في صميمه. فلو خالجه الظن بأن فيها ~~ما يتناقض مع الدين لما أمكنه أن يؤدي عمله بضمير مستريح، ولتحتم عليه ~~عندئذ أن يعتزله. وإذن فاستخدام معلم الدين المعين في هذه الوظيفة لعقله ~~قبل جماعته المؤمنة ليس سوى استخدام خاص؛ لأن هذه الجماعة تظل على الدوام ~~جماعة عائلية مهما زاد عدد أعضائها، ولهذا الاعتبار لا يكون رجل الدين، ~~بوصفه قسا، حرا في تصرفاته، ولا ينبغي له أن يكون كذلك ما دام ينفذ ~~تكليفا عهد به إليه من جهة أخرى. أما بصفته عالما يتحدث من خلال كتاباته ~~إلى الجمهور الحقيقي، أي إلى العالم كله، أي بصفته رجل دين يستخدم عقله ~~بصورة علنية عامة، فإنه يتمتع بحرية كاملة ولا يقيده أي قيد في استعمال ~~عقله الخاص والتعبير عن شخصيته. ذلك أن تحويل الأوصياء على الشعب (في أمور ~~دينه) إلى قصر يحتاجون بدورهم إلى فرض الوصاية عليهم، إنما هو تناقض ~~سخيف، يمكن ms280 أن يؤدي إلى سلسلة لا نهاية لها من التناقضات السخيفة. # ولكن ألا يحق لجماعة من رجال الدين كالمجمع الكنسي أو الطبقة الجليلة ~~(كما يسميها الهولنديون) # 9 # أن تلتزم فيما بينها بمذهب ثابت يخول لها أن تفرض على كل واحد ~~من أعضائها، ومن ثم على الشعب، وصاية عليا مستديمة تجعلهم يرسخونها إلى ~~الأبد؟ أجيب على هذا السؤال فأقول: إن هذا لأمر مستحيل تمام الاستحالة. ~~فمثل هذا التعاقد الذي يهدف إلى القضاء قضاء مبرما على كل محاولة لمواصلة ~~تنوير الجنس البشري لا بد أن يكون تعاقدا باطلا كل البطلان، مهما أيدته ~~أعلى السلطات، وأقرته المجالس الشعبية، وروجته لجان السلام. فلا يجوز لعصر ~~من العصور أن يجمع على التآمر على العصر اللاحق، بحيث يزج به في وضع يستحيل ~~عليه فيه أن يوسع معارفه (وبخاصة الملحة منها)، وينقيها من الأخطاء، وأن ~~يتقدم بوجه عام على طريق التنوير. إن ذلك لو حدث لكان جريمة ترتكب ضد ~~الطبيعة البشرية التي تقوم ماهيتها الأصلية على هذا التقدم، وسيكون من حق ~~الأجيال التالية أن تدين تلك القرارات التي اتخذها قوم ليسوا من أهل ~~الاختصاص، وتعدوا فيها حدودهم بصورة آثمة. والواقع أن محك النظر في كل ~~قانون يقرر على شعب من الشعوب يتمثل في هذا السؤال: هل يمكن أن يفرض الشعب ~~على نفسه مثل هذا القانون؟ قد يكون هذا أمرا ممكنا، في انتظار قانون أفضل ~~ولفترة محدودة بغية الأخذ بنظام معين، وذلك بأن يترك لكل مواطن، وبخاصة ~~لرجل الدين بوصفه أحد العلماء، أي عن طريق مؤلفاته، حرية إبداء ملاحظاته عن ~~عيوب النظام السابق، بحيث يستمر النظام المأخوذ به ساريا إلى أن يبلغ ~~التبصر بهذه الأمور عند الرأي العام حد التأييد والإقرار، فتجمع الأصوات ~~(وإن خرج البعض على هذا الإجماع) على التقدم باقتراح إلى العرش، فيكون في ~~ذلك ما يعوق أولئك الذين يرون الإبقاء على القديم عن التمسك برأيهم. أما ~~الاتفاق على مفهوم ديني ثابت لا يسمح لأحد بانتقاده علنا، حتى لو اقتصر ~~ذلك على فترة تبلغ عمر إنسان واحد، ms281 والقضاء بذلك على مرحلة من مراحل تطور ~~البشرية، وتقدمها نحو أوضاع أحسن، وجعلها مرحلة عقيمة، وبالتالي ضارة ~~بالأجيال التالية، فذلك أمر غير جائز على الإطلاق. ربما كان لفرد واحد من ~~الناس أن يؤجل التنوير فيما يتصل بشخصه، ولفترة مؤقتة فحسب، وفيما يلزمه ~~العلم به، أما أن يتخلى عنه تماما سواء بالنسبة لشخصه أو بالنسبة للأجيال ~~القادمة، فذلك معناه انتهاك الحقوق المقدسة للبشرية ووطؤها بالأقدام. وما ~~لا يجوز أن يقرره شعب على نفسه لا يجوز بالأولى أن يقرره ملك على شعبه. ذلك ~~أن هيبته التشريعية إنما تقوم على أن الإرادة الشعبية في مجموعها تتحد في ~~إرادته. وإذا كان حريصا على أن يكون كل إصلاح حقيقي أو مزعوم متجانسا مع ~~النظام المدني، فما عليه إلا أن يدع رعاياه يفعلون ما يجدونه ضروريا ~~لخلاص أرواحهم، إن هذا أمر لا شأن له به، وإنما شأنه أن يحول دون أن يتجرأ ~~مواطن على منع مواطن آخر بالقوة من أن يعمل على تحقيق خلاصه الروحي بقدر ما ~~في طاقته. وإن صاحب الجلالة ليسيء إلى نفسه بتدخله في هذه الأمور، وذلك بأن ~~يضع المؤلفات التي يشرح رعاياه آراءهم فيها تحت رقابة الحكومة، سواء استند ~~في هذا على رأيه السامي الخاص به، فعرض نفسه للوم وفقا للمثل القائل بأن ~~القيصر ليس فوق النحاة، # 10 # أو عمد إلى ما هو شر من ذلك فحط من سلطته العليا بحماية ~~الاستبداد الديني لبعض الطغاة في مملكته الذين يتسلطون على سائر ~~رعاياه. # لو سأل سائل: هل نحيا اليوم في عصر متنور؟ لكان الجواب: لا، بل في عصر ~~التنوير. ولو قسنا الأمور بالأوضاع الراهنة في مجموعها لقلنا أن الناس ما ~~يزالون بعيدين عن استخدام عقولهم المستقلة في أمور الدين استخداما صالحا ~~واثقا بدون توجيه من غيرهم، وأنهم ليسوا على استعداد لذلك، ولا هيئوا ~~للقيام بهذه المهمة. ومع ذلك يمكن القول بأن هنالك من الدلائل ما يشير إلى ~~أن المجال قد فتح أمامهم للسعي نحو تحقيق هذا الهدف بحريتهم، وأن العقبات ~~التي تقف في ms282 وجه التنوير العام أو في وجه الخروج من حالة القصور التي ~~اقترفوها في حق أنفسهم قد بدأت تقل بالتدريج، ومن هذه الناحية يحق لنا ~~القول بأن هذا العصر هو عصر التنوير أو عصر فريدريش. # 11 # إن أميرا لا يستنكف أن يقول إنه يعتقد أن من واجبه ألا يفرض على الناس ~~شيئا في أمور الدين، وإنما يترك لهم الحرية الكاملة في هذا الشأن، حتى ~~ليبلغ به الأمر حد الترفع عن أن يطلق على نفسه تلك الصفة المتكبرة، وهي صفة ~~التسامح، مثل هذا الأمير رجل مستنير يستحق ثناء العارفين بالجميل في عصره، ~~وفي العصور التالية؛ لأنه أول من خلص الجنس البشري من القصور، على الأقل من ~~ناحية الحكومة، وترك لكل إنسان حرية استخدام عقله في كل ما يتصل بالضمير. ~~وفي ظل هذا الأمير يتاح لرجال الدين الأجلاء بغير مساس بواجبات وظائفهم أن ~~يعرضوا على الجمهور - باعتبارهم من العلماء - علنا وبحرية أحكاما وآراء ~~تخرج في هذا الجانب أو ذاك عن نصوص العقيدة التي يتفقون على الإيمان بها، ~~وذلك لكي يفحصها الجمهور ويمحصها بنفسه، بل إن هذا ليتاح بصورة أوسع لكل ~~رجل دين لا تقيده واجبات وظيفته. وإن روح الحرية هذه لتنتشر كذلك في ~~الخارج، حتى في تلك البلاد التي تجد نفسها مضطرة لمناهضة المعوقات التي ~~تضعها حكومة تسيء فهم نفسها. # 12 # ذلك أن مثل هذه الحكومة لا بد أن يتضح لها من المثل السابق أن ~~الأمن العام ووحدة المجتمع لا خوف عليهما على الإطلاق في ظل الحرية. إن ~~الناس هنا يسعون من تلقاء أنفسهم إلى الخروج من حالة الفظاظة؛ إذ لم يكن ~~هناك تدبير متعمد للإبقاء عليهم فيها. # لقد حرصت على أن أحدد النقطة الأساسية في التنوير - وهو خروج البشر من ~~حالة القصور التي يتحملون مسئوليتها - بالأمور الدينية بوجه خاص؛ لأن ولاة ~~الأمر فينا لا يهتمون بأن يقوموا بدور الوصي على رعاياهم في شئون الفنون ~~والعلوم، فضلا عن أن الوصاية في أمور الدين هي أشد أنواع الوصاية ضررا ~~وامتهانا لكرامة الإنسان. ومع ذلك ms283 فإن تفكير رئيس الدولة الذي يساند ~~التنوير في أمور الدين ، يمضي إلى أبعد من ذلك، ويقتنع بأن تشريعه لن يتعرض ~~لأي خطر إذا سمح لرعاياه أن يستخدموا عقولهم في الأمور التي تتصل بالصالح ~~العام، وأن يقدموا للناس اقتراحاتهم عن صيغة أفضل لذلك التشريع القائم ~~مصحوبة بالنقد الحر النزيه، وملكنا الذي نجله يقدم على هذا كله المثل ~~الرائع الذي لم يفقه فيه ملك آخر من قبل. # ولكن حتى ذلك الملك (أو الأمير) المستنير، الذي يخاف الأشباح، ولديه في ~~الوقت نفسه جيش كبير منظم لضمان الأمن العام، يمكنه أن يقول ما لا تجرؤ على ~~قوله دولة حرة: فكروا ما شئتم فيما تشاءون، ولكن أطيعوا! وهكذا يظهر هنا ~~مسار غريب غير متوقع للأمور البشرية، على نحو ما يظهر في ميادين أخرى، ~~فيبدو كل شيء فيه، إذا نظرنا إليه في مجموعه، عجيبا زاخرا بالمفارقات. ~~فإتاحة درجة أكبر من الحرية المدنية أمر يبدو في صالح حرية التفكير العقلي ~~عند الشعب، وإن كان يفرض عليها قيودا لا فكاك منها، وكلما قلت درجة تلك ~~الحرية (المدنية) عمل هذا على إفساح المجال للحرية الفكرية عند الشعب؛ لكي ~~تزدهر بقدر ما في وسعها. وإذا كانت الطبيعة قد أظهرت، من تحت هذه القشرة ~~الصلبة، بذرة تتعهدها بالرعاية والحنو الشديد، ألا وهي بذرة الميل إلى ~~التفكير الحر والإخلاص والتفاني في سبيله، فإن هذه البذرة ستعود وتؤثر من ~~جديد على وجدان الشعب (بحيث يصبح بالتدريج أكثر قدرة على السلوك الحر)، بل ~~إنها ستؤثر على الأصول والمبادئ التي ترتكز عليها الحكومة التي سيرضيها أن ~~تعامل الإنسان - الذي ليس مجرد آلة # 13 ~~- معاملة تليق بكرامته. ~~(1985م) # | إلى أين يسير العالم؟ # هبط الإنسان على سطح القمر مرتين. # وكان من حظنا - نحن أبناء هذا الزمان - أن نشهد تجربة رائعة ومخيفة في آن ~~واحد. رائعة لأنها لا تقل في معناها عن غزو المحيطات في القرن الخامس عشر أو ~~اكتشاف القارة الجديدة، أو الوصول إلى القطبين، أو الطيران في الفضاء. ومخيفة ~~لأن هذه الانتصارات كان لها أثر كبير ms284 على حياة البشر؛ إذ وسعت المجال الذي ~~يعيشون فيه، ويتنفسون ويزرعون ويحصدون ويستمدون الطاقة والغذاء، بينما الهبوط ~~على القمر لا يمثل حتى الآن أكثر من انتصار علمي لا ندري هل ستكون نتيجته ~~خيرا أو شرا على الإنسانية. ومن سوء الحظ أن الجهاز الضخم الذي تولى إطلاق ~~الصاروخ والمركبة القمرية لم يرسل مع روادها شاعرا ولا فيلسوفا ليعبر لنا ~~عن عواطفه وأفكاره، وهو يخطو على سطح ذلك الكوكب الهادئ الشاحب الجميل، ومع ~~ذلك فلا شك عندي أن رواد الفضاء سألوا أنفسهم وهم يطئون بأقدامهم أرض القمر ~~عن مصير أرضهم وجنسهم الذي يعيش ويتصارع عليها. # ولا شك عندي أيضا أنهم في قمة فرحتهم واعتزازهم بهذا النصر العلمي قد ~~سألوا أنفسهم بشكل واضح أو غامض هذا السؤال الذي يؤرق زميلا لهم على الأرض ~~يشغل نفسه بالتاريخ وفلسفة التاريخ: ماذا بعد؟ وإلى أين يسير العالم؟ # والسؤال يرتبط بتاريخ البشرية العام، بهدفه ومصيره ومعناه. وليس أحق منا ~~- نحن أبناء القرن العشرين الذين نعايش صراعا عالميا لم يسبق له مثيل ~~أيضا - ليس أحق منا بطرح هذا السؤال الذي يتصل بمستقبل الجنس البشري على ~~الأرض. والكلام عن تاريخ البشرية العام ومصيرها ليس مجرد كلام عن «يوتيوبيا» ~~خيالية أو فرض علمي جذاب أو حلم جميل عن السلام. إنه ينبع من شعور عام يشترك ~~فيه العالم والمؤرخ مع رجل الشارع الذي يقرأ الجريدة اليومية، أو يسمع ~~الأخبار كل صباح ومساء. ففي الوقت الذي بلغ فيه العلم والتقنية (التكنيك) ~~ذروتهما، وتطورت سرعة المواصلات ونقل الأنباء إلى حد مخيف، وتكاثر عدد السكان ~~حتى وصل أو كاد إلى درجة الانفجار، وازداد في مقابل ذلك ضحايا الجوع أو ~~المهددين به في وقت قريب أو بعيد، ووصلت الحرب الباردة أو الساخنة إلى مأزق ~~لا يدري أحد كيف يكون المخرج منه، وتعددت التجارب النووية، حتى صارت أخطارها ~~حديث كل يوم، وبلغ تأثير الإعلام والدعاية النفسية وغسيل المخ درجة تنذر ~~بالقضاء على شخصية الفرد، وقدرته على النقد واستقلال الرأي، وكثر كذلك الكلام ~~عن واجب التربية والمربين ms285 وأصحاب العلوم الإنسانية في إنقاذ حرية الإنسان ~~وخلقه وتراثه أمام هذا الطوفان - في هذا الوقت المضطرب العصيب يزداد شعور ~~البشر بطبيعة الحال بارتباط مصيرهم على هذه الأرض، وتصبح مسألة البقاء أو ~~الفناء مسألة يطرحها الناس على أنفسهم كل يوم كما قلت - سواء في ذلك العالم ~~الذي يشترك في صنع وتصميم القنابل والصواريخ، أو الخباز الذي يصنع رغيفنا ~~اليومي، أو الأم التي ترضع طفلها الصغير، أو المفكر الذي يسأل عن معنى ~~التاريخ. إن هذا المفكر يعلم أنه يجب عليه أن ينظر في الماضي والحاضر ~~والمستقبل - لا لكي يخرج بفلسفة أو نظرية جديدة، بل لكي يوقظ الوعي بالأخطار ~~التي تهدد الناس، ويجعل من السؤال عن معنى التاريخ العام مسألة تهم كل الذين ~~يعيشون معه. إنه يجمع لهم حقائق الماضي، ويعرض عليهم أزماته وكوارثه ليفكروا ~~معه في مخرج من الموقف الحاضر، هل يكون في عقيدة واحدة أو فكرة واحدة أو ~~حكومة عالمية واحدة؟ هل يكون في مجتمع أخير تنتهي فيه كل تناقضات المصالح ~~والطبقات كما قال «ماركس»، أم في الوصول إلى الشول والتكامل الذي تهدف إليه ~~كل تربية إنسانية صحيحة كما قال «شيلر» وغيره من أصحاب النزعة المثالية؟ - ~~وليس الحل هو المهم؛ لأن وظيفة المفكرين ليست هي إيجاد الحلول، بل المهم هو ~~إيقاظ الضمير على وحدة البشر - وحدتهم من حيث الطبيعة والعقل، وحدتهم الباقية ~~وراء اختلاف الديانات والحضارات والأجناس والمذاهب والألوان، وحدتهم من حيث ~~النوع البشري نفسه، الذي تشغله الآن مشكلة واحدة: هل يبقى أم يفنى؟ هل يوجد ~~أو لا يوجد؟ ~~••• # إلى أين يسير العالم؟ # سؤال ينصب على المستقبل. والمستقبل ابن الحاضر. والحاضر لا يفهم إلا من ~~لحظات أخرى كانت حاضرة ثم انقضت، أي من الماضي. فلنرجع إلى الوراء قليلا ~~«وهو قليل بالنسبة لعمر الحياة، بل لعمر الإنسان نفسه على الأرض.» ~~«كل تاريخ فلسفة، وكل فلسفة تاريخ.» عبارة قالها هيجل، ولكن أليس من ~~التهور أو الطموح الشديد أن نبدأ بهيجل؟ فلنكن أكثر تواضعا، ولنحاول أن نبدأ ~~من البداية، من الجذور. # ليست «فلسفة التاريخ» ms286 بالكلمة القديمة. إنها ترجع للقرن الثامن عشر، ~~وتنسب فيما أعلم لفولتير. غير أن الموضوع الذي تدل عليه أقدم من ذلك بكثير. ~~وإن شئنا الدقة قلنا الموضوعات؛ لأن الكلمة توحي بأكثر من معنى، وأكثر من ~~قضية ... # ما من أحد يتصدى لكتابة التاريخ لمعاصريه أو للأجيال اللاحقة إلا ويفعل ~~ذلك عن قصد أو غير قصد في إطار فلسفة معينة، ومهما حاول أن يكون علميا ~~وموضوعيا في تقريره للحوادث، فلا بد أن يواجه أسئلة ومشكلات تتجاوز حدود ~~العلم، أسئلة ومشكلات عامة بطبيعتها، لا يمكن الإجابة عليها إجابة قاطعة، ومع ~~ذلك فلا بد من مواجهتها لفهم التاريخ وموقف الإنسان: ما المصادفة وما ~~الضرورة؟ هل هناك قوانين تحكم التاريخ؟ هل يعيد التاريخ نفسه؟ أيمكن التنبؤ ~~بالأحداث قبل وقوعها؟ ما أثر الدور الذي قام به بعض الأفراد وهل ننسبه إليه ~~أم إلى عصرهم؟ إلى أي مدى يمكننا أن نقارن عصرا بعصر وتطورا بتطور؟ ما ~~الحرب؟ ما الثورة؟ ما الأزمات؟ كيف يؤثر الاقتصاد والحضارة والأديان والسياسة ~~على مسار التاريخ، وكيف تؤثر هذه القوى على بعضها البعض؟ أسئلة كثيرة لا ~~يستطيع المؤرخ أن يتجنبها، ولأنه لا يستطيع أن يتجنبها فلا بد أن يجد نفسه ~~على حدود الفلسفة. ولأنه لا يريد أن يصبح فيلسوفا، بل يحب أن يظل مؤرخا، ~~فلا بد أن يجد نفسه على حدود فلسفة التاريخ. # وهو يفلسف التاريخ أيضا كلما أعاد النظر في منهجه، وكلما سأل نفسه: ماذا ~~يمكنني أن أعرف وبأي طريقة أعرفه؟ ماذا أستطيع أن أعرف على وجه اليقين؟ وماذا ~~يخرج عن هذه المعرفة؟ ما الذي يستحق أن أبحث عنه؟ وما الذي لا يساوي جهد ~~البحث؟ أي كلما وضع علمه كله موضع السؤال، وحاول أن يقيمه على أساس وطيد. قد ~~نستطيع أن نسمي هذا نظرية المعرفة في علم التاريخ - ونظرية المعرفة فرع من ~~فروع الفلسفة ... ومعرفة التاريخ أو نقده شيء لم يقم به الفلاسفة المتخصصون ~~وحدهم - مثل ابن خلدون وفيكو وهيجل وكروتشه - بل قام به كذلك كثير من ~~المؤرخين. # وأخيرا نصل إلى المعنى المألوف ms287 من فلسفة التاريخ. إنها مجموعة الآراء ~~والأفكار التي تتأمل تاريخ الإنسان ككل ، سره الخفي، سياقه، حركته، قوانينه، ~~القوى التي تتحكم في سيره. بهذا المفهوم تكون فلسفة التاريخ فلسفة بالمعنى ~~الدقيق، فكرا يتأمل الإنسان والعالم، لا لأجل التأمل، بل لأن تاريخ الإنسان ~~أو وجوده في الزمان وتغيره وتطوره عنصر أساسي في بناء كيانه. من هنا يصبح ~~لفلسفة التاريخ معنى شامل. ومن هنا نجدها تنشأ غالبا في عصور القلق ~~والأزمات والاضطرابات. إنها تريد عندئذ أن تفهم الحاضر - سواء اعترفت بذلك ~~صراحة أو لم تعترف به - وربما تحاول أن تتنبأ بالمستقبل، فترجع إلى الماضي ~~كله لتسأله عن متاعب هذا الحاضر، وما الحاضر إلا ابن ذلك الماضي. هكذا فعل ~~هيجل، وفلسفته في التاريخ أعمق الفلسفات وأغناها. لقد رأى عصره - عصر الثورة ~~الفرنسية ونابليون - يمر بأزمة لم يسبق لها نظير، واستنتج من هذه الأزمة ~~نتائج طبقها على الماضي كله، فكانت فلسفته في التاريخ فلسفة الأزمات. ويصدق ~~هذا على كارل ماركس ويعقوب بورخارت، وكلاهما - على ما بينهما بالطبع من ~~اختلاف - مفكر أزمات. كما يصدق أيضا على أزفالد أشبنجار الذي وجد في الحرب ~~العالمية الأولى أزمة تشبه الأزمة التي وجدها هيجل في حروب نابليون، وعلى ~~أرنولد توينبي وما رآه في حربين عالميتين. وهو ينطبق كذلك على ذلك القديس ~~الأفريقي الذي نستطيع أن ننظر إليه نظرتنا إلى فيلسوف للتاريخ، على القديس ~~أوغسطين. لقد شعر أنه يحيا في عصر مضطرب حافل بالأزمات الخطيرة، ومن هذا ~~الشعور نشأ كتابه المعروف عن مدينة الله. # هذه الأشكال المختلفة من فلسفة التاريخ يمكن أن تتداخل وتتشابك. غير أننا ~~سنحاول أن نفرق بينها توضيحا للأمور. فالمؤرخ - طالما كان له عقل، وكان لديه ~~الاستعداد لاستخدام هذا العقل - لا بد أن يكون فيلسوفا للتاريخ. وهو مضطر أن ~~يفعل ذلك كما قلت سواء قصد إليه عن وعي أو لم يقصد إليه. إنه يواجه بالضرورة ~~مشكلات تتصل بفلسفة التاريخ، ولا بد أن يدلي فيها برأي. هناك مؤرخون أصبحوا ~~فلاسفة للتاريخ عندما وضعوا علمهم كله موضع السؤال، أي عندما ms288 حاولوا أن ~~يقيموه على أسس جديدة. ثم هناك المؤلفات الكبرى في فلسفة التاريخ، أي ~~التأملات النظرية في معنى التاريخ وغايته، أي ما يمكن أن نسميه ميتافيزيقا ~~التاريخ. ~~••• # لننظر الآن نظرة سريعة فيما حققته وما فكرت فيه فلسفة التاريخ منذ نشأتها ~~الأولى. إن كلمة التاريخ - مثلها في هذا مثل كلمة الفلسفة - ترجع من حيث ~~اللفظ والمضمون إلى اليونان. فالتاريخ - أو الهستوريا # Historia ~~- كلمة تدل على البحث والفحص ~~والنظر. واليونان الذين وضعوا أسس الفلسفة الغربية هم كذلك الذين وضعوا أسس ~~التاريخ. ومع ذلك فإن اليونان لم يفهموا من التاريخ ما نفهمه اليوم منه، بل ~~لم يكن من طبيعة الفكر اليوناني أن يفهمه. والسبب أنه كان يبحث دائما عن ~~الوجود الخالد، والحقيقة الخالدة، والجمال والخير الخالدين، أي كان يبحث عن ~~شيء، ثابت لا يتغير، في حين أن ماهية التاريخ، أي ما يحدث في الزمن، هي ~~التغير. كان في استطاعتهم أن يعرفوا الرياضة والهندسة والأخلاق، أما التاريخ، ~~هذا الذي يتغير ويتحول ويزول على الدوام، فلم يكن في استطاعتهم أن يعرفوه، ~~ومن ثم فلم يكن في نهاية الأمر جديرا بالمعرفة. قد يصعب علينا أن نصدق أن ~~مفكرا عظيما مثل أفلاطون لم يكن يهتم كثيرا بالتاريخ، ولكن هذه هي ~~الحقيقة. إن الدولة أو الجمهورية التي فكر فيها معزولة عن جيرانها بقدر ما هي ~~معزولة عن التاريخ. لقد تصور أنها يجب أن تبقى كما هي، أو كما كانت في تفكيره ~~وفي محاوراته المشهورة، وهو شيء يستحيل تصوره عن دولة تعيش في التاريخ، ولا ~~بد أن تتغير بتغيره. # وجاء أرسطو فكان أوفر حظا منه في السياسة، أو كان - كما نقول اليوم ~~وكما أراد هو لنفسه - أكثر واقعية من أستاذه. جمع في كتبه مادة تاريخية غنية، ~~وقارن بين الدساتير المختلفة، ونظر في مزاياها وعيوبها كما يفعل اليوم أستاذ ~~في العلوم السياسية، ولكن اهتمامه ظل منصبا على كل ما يبقى ويدوم ويتكرر ~~كأنه قانون لا يتغير، ونظرته ظلت معلقة بالنظام الشامل المحدود المغلق على ~~نفسه. وقل مثل هذا عن أعظم ms289 مؤرخي الإغريق، وهو الأثيني «توكيديوس»، الذي كتب ~~عن الحرب البليبونيزية (وهي الحرب الأهلية التي دارت على ثلاث مراحل بين ~~أثينا وإسبرطة من سنة 431 إلى 404ق.م.) أروع تاريخ يمكن أن يخطه قلم. إنه ~~ينظر نظرات عميقة في النشاط السياسي لبني الإنسان، في الحروب والثورات، في ~~الصراع بين الدول والأحزاب والطبقات، في الكفاح من أجل تحقيق التوازن أو ~~التسلط على الغير، في تأثير المصالح الاقتصادية على السياسة ودورها في التفوق ~~في البر أو البحر. وهو كاتب موهوب، يملك القدرة على تصوير الناس والمشاهد في ~~صور حية نكاد نراها ونلمسها، ولكن هذا المؤرخ العظيم يبحث أيضا عما يبقى ~~ويدوم ويتكرر. إنه رجل يائس محدود الأفق ... يروي لنا تاريخ تلك الحروب ~~البيلوبوينزية أو الحرب العالمية اليونانية، ويمر على ما سبقها مر الكرام، بل ~~إنه ليصرح بأنه لم يسبق أن وقع حادث يمكن أن يقارن بهذا الحادث الخطير. لذلك ~~لم يواصل أحد هذا التاريخ، ولم يكن من الممكن أن يواصله أحد. إنه كاللوحة ~~التي لا تحتاج لمن يكملها؛ لأنها كاملة ومكتفية بذاتها، هو أقرب إلى «تاريخ ~~معين» منه إلى «التاريخ». إنه يروي للأجيال المقبلة لكي تتهيأ لمواجهة تواريخ ~~أخرى مشابهة قد تعرض لها؛ لأن ما حدث بين أثينا وإسبرطة سوف يحدث بين غيرها ~~من المدن ويتكرر حدوثه طالما بقيت الطبيعة البشرية على حالها. وهل تتغير ~~طبيعة البشر؟ # إن كانت هذه فلسفة تاريخ فهي فلسفة يائسة، خالية من كل عزاء، بل هي لا ~~تبحث عن معنى ولا أمل ولا عزاء؛ لأن التاريخ في نظرها يتساوى مع الطبيعة، ~~ولأنها لا تجد فيه غير حلقات مملة متكررة من آلام وكوارث، وميلاد ونمو وموت، ~~وصراع من أجل الوجود، وغرور وانتقام واندثار. ~~••• # هذه الأفكار كلها تتردد في العصر الحديث. فكتابات شوبنهور عن التاريخ لا ~~تختلف كثيرا عن هذه المعاني، وفهمه له لا يكاد يفترق عن فهم أفلاطون. إنه ~~يشبهه في ضعف إحساسه بالتاريخ، وقلة اهتمامه به، وعدم إيمانه بقيمته أو ~~جدواه. ما من جديد عنده، فنفس الشيء يتكرر على ms290 الدوام، والاختراعات التي ~~اكتشفت في حياته كالسكة الحديدية والبرق لم تغير من الأمر شيئا . نفس الشيء ~~دائما. شر كثير وخير قليل. نفس الشيء إلى الأبد ومنذ الأزل. سواء اختلف ~~فلاحان على قطعة أرض أو تنازع ملكان على دولة. سواء تعلق الأمر بأثينا ~~وإسبرطة، أو بروسيا وفرنسا، أو أمريكا وروسيا. من العبث أن نبحث في التاريخ ~~عن حقيقة أو رجاء. نفس الرأي الذي قاله به شوبنهور منذ مائة وعشر سنوات، ~~وتوكوديدس منذ ألفين وثلاثمائة وخمسين سنة. وهو أيضا نفس الرأي عند الإغريق ~~والرومان الأقدمين، مع فروق قليلة. صحيح أن الرومان أضافوا للوعي التاريخي ~~أبعادا جديدة في المكان والزمان. فقد امتدت حدود دولتهم من اسكتلندا إلى ~~شواطئ الفرات، وأحسوا إحساسا واعيا بتاريخ دولتهم الطويل منذ تأسيسها - وهو ~~مشروع جريء، لم يكن ليقدم عليه مؤرخ إغريقي، بل لم يكن ليتصوره أو يفكر فيه - ~~وصحيح أيضا أن إشبنجلر زعم أن الرومان لم يكن لديهم إحساس بالديمومة أو ~~البقاء، ولم يكن يعنيهم الماضي ولا المستقبل، وذلك على عكس المصريين القدماء. ~~وقد يتفق هذا الزعم مع تصور إشبنجلر لتاريخ الحضارة بوجه عام، ولكنه لا يتفق ~~مع الواقع في شيء. فالأهرامات قد بقيت حقا إلى يومنا الراهن، ولكن ألم تبق ~~كذلك قبور الرومان ومعابدهم على طريق آبيا (الفيا آبيا)؟ ألم تبق الكتابات ~~والنقوش التي حفروها عليها؟ الرومان لا ينقصهم الإحساس بالبقاء، ولكن ينقصهم ~~شيء آخر. شيء هو عكس البقاء تماما. ينقصهم الإحساس بالتغير، بالتحول، ~~بالصيرورة، بالجدة، أي الإحساس بالتاريخ كما نفهمه اليوم. عجز الرومان عن فهم ~~التاريخ وعن إدراك التغير كقوة حقيقية. وعاش مؤرخوهم وسياسيوهم الكبار - مثل ~~بوليبيوس وشيشرون وسالوست وليكيوس وتاسيتوس وبلوتارك - في عصور شهدت تغيرات ~~حقيقية، ولكن التغير في رأيهم كان معناه التدهور والخطر والفساد. والعصر ~~الذهبي لا وجود له إلا في الماضي. وإحياء العادات والنظم القديمة التي أسسها ~~الآباء هو واجب المؤرخ ورجل السياسة. كانوا محافظين في تفكيرهم، وحتى لو لم ~~يكونوا كذلك في قرارة نفوسهم، فقد كانوا يؤكدونه في خطبهم وكتابات - هكذا ~~حاول ms291 أغسطس أن يصور أعماله بأنها بعث للماضي وإحياء للقديم - وإن خالهم ~~الشعور مرة بأنهم يعيشون في الحاضر أو في عصر يختلف كل الاختلاف عن العصور ~~السابقة، فهو الشعور بأن الزمان فاسد، وأن العالم متدهور. يستوي في ذلك أن ~~نسمع الشكوى المريرة في كتابات تاسيتوس، أو نجد الشك والارتياب في أعمال ~~سالوست. هكذا صارت الأحوال، صار الحاضر (السيكولوم)، فما أعظم الفرق بينه ~~وبين الماضي السعيد. لم يخطر على بال الرومان أن التغير ليس دائما دليلا ~~على التدهور والفساد، أو أنه ليس شيئا يدعو للأسف والبكاء في كل الأحوال لم ~~يدركوا أن التغير هو جوهر التاريخ، وأنه قد يحمل في أحشائه التطور والتقدم ~~والأمل ... تلك فكرة ظلت غريبة عن الرومان. نحن نختلف الآن عنهم في إحساسنا ~~بالتاريخ، واستعدادنا للتغير، وقدرتنا على التكيف. وما أكثر ما تمكن ~~السياسيون في العصر الحاضر من مواجهة التغيرات الحاسمة بالحكمة، والتخلي عن ~~النظم القديمة أمام الواقع الجديد (تحول الإمبراطورية البريطانية إلى ما يسمى ~~الآن بالكومونولث من أوضح الأمثلة على هذا). أما الرومان فقد عجزوا عن هذا ~~التكيف. لذلك انهارت الجمهورية الرومانية القديمة، وسقطت الدولة الدستورية. ~~اعتقد الجمهوريون أنهم يستطيعون أن يحكموا الدولة الواسعة المترامية الأطراف ~~على أساس دستور دولة المدينة الصغيرة، بل إن الدكتاتورية العسكرية التي ~~أقامها القياصرة ظلت تتدثر بالرداء الجمهوري القديم. أما الجديد (الريس نوفا # Res nova ~~)، فقد ظل بالنسبة إليهم شيئا ~~محرما، شيئا غير جائز ولا مشروع. # مع هذا كله فقد أخرجت روما عددا من أعظم كتاب التاريخ. وليست عظمة هؤلاء ~~الكتاب في أنهم عرفوا ماهية التاريخ والتطور، بل في قدرتهم الرائعة على ~~التصوير المعبر الحي، والأسلوب المؤثر الدقيق، في الرواية الموجزة الكاملة ~~عند سالوست، وفي العرض النفسي المتشائم العميق عند تاسيتوس. انظر إلى هذه ~~العبارات التي لا يقدر عليها إلا كاتب عظيم: «ما من أحد توصل إلى السلطة ~~بالوسائل الشريرة، ثم استطاع أن يستخدمها في الأهداف الخيرة»، «من طبيعة ~~القلب البشري أن يكره من ألحق به الظلم.» ما من مؤرخ حديث استطاع أن ms292 يكتب عن ~~الطغيان بأصدق ولا أروع من تاسيتوس. ومع ذلك فكم من مؤرخ حديث تفوق عليه وهو ~~أقل منه شأنا. والسر بسيط أن المحدثين يحسون بالتحول في الزمن، بالتغير، ~~بالاستمرار، بالتفرد، وكلها أشياء غريبة على الرومان. ~~••• # هذا الإحساس، هذه الفكرة، جاءت إلى العالم الغربي عن طريق المسيحية. وصلت ~~إليها عن طريق العهد القديم، ثم تأكدت في العهد الجديد، وظلت زمنا طويلا ~~تحتفظ بطابعها الديني. وأصبح العالم يؤرخ للزمن بظهور المسيح، وما زلنا نؤرخ ~~له اليوم ونحن في بداية سنة 1970م. فظهور المسيح أعطى للتاريخ معنى، خلع ~~عليه نظاما لم يكن يعرفه في العصور القديمة. صارت السنون تحسب بين ظهور ~~المخلص للمرة الأولى وظهوره للمرة الثانية. أصبح الزمن الذي امتد قبل ظهوره ~~هو زمن الأمل والوعد والانتظار. أما الرومان فكانت طريقتهم في حساب التاريخ ~~أن يسموا السنين بأسماء الماجستيرات والقناصلة، وكم كانت طريقة معقدة! # فرق كبير بين التاريخ عند الرومان وبينه بعد ظهور المسيحية. صحيح أن ~~الوعي التاريخي في ظل المسيحية كان له وجهان مختلفان. كان هناك من آمن بأن ~~أفعال الإنسان وأحداث العالم لا أمل فيها ولا نجاة - فالقديس أوغسطين مثلا ~~ومن بعده البابا جريجور السابع بستة قرون يحتقران الدولة والسلطة أشد ~~الاحتقار - ولكننا لا ندري على وجه اليقين إن كانت المملكة الأخرى، مملكة ~~الله أو مدينته، ستتحقق في رأيهما على الأرض أم في عالم آخر. وكان هناك الوجه ~~الآخر. فالمسيحية هي التي جعلت لفكرة الزمن قيمة وشأنا، هي التي جعلت ~~التاريخ وكتابة التاريخ أمرا ممكنا. لا تاريخ مدينة أو دولة فحسب، بل تاريخ ~~العالم، تاريخ البشرية «على الأرض السلام وبالناس المسرة». هكذا كانت بشارة ~~الملائكة. # السلام على الأرض، والمسرة والمحبة للناس أجمعين. لا لشعب من الشعوب، أو ~~دولة من الدول فحسب. هكذا كان أيضا رأي فلاسفة القرن الثامن عشر، هؤلاء ~~الذين انفصلوا عن التراث المسيحي، وراح بعضهم - مثل فولتير وكوندورسيه - ~~يهزءون بالكنيسة ويناصبونها العداء. المهم أن التأمل في التاريخ ككل، في ~~منشأه وحركته وهدفه، صار أمرا ممكنا بعد المسيحية ms293 ومن بعدها الإسلام، ولم ~~يزل كذلك إلى اليوم (والكتابة عن تصور المؤرخين المسلمين لفكرة الزمن يستحق ~~دراسة مستقلة). # بلغ الوعي التاريخي ذروته الأولى في أوروبا في القرن الثامن عشر، أراد ~~الإنسان أن يعرف مكانه في التاريخ، أراد أن يفهم إلى أين تسير البشرية. حاول ~~أن يعرف سر الأحداث التي تجري حوله: كيف أصبحت فرنسا قوة ضخمة، كيف ظهرت ~~روسيا على مسرح السياسة الأوروبية، كيف توغل الأوروبيون في العالم الأمريكي، ~~كيف نشأ النظام البرلماني في إنجلترا. من هنا الإقبال على دراسة التاريخ ~~الروماني (مونتسكيو وجيبون)، من هنا الاهتمام بدراسة الحضارات البعيدة ~~كالحضارة الصينية. ومن هنا الخلاف الذي بدأ في القرن السابع عشر: لمن التفوق؟ ~~للإغريق والرومان أم للمحدثين؟ وأخيرا هذا النشاط الهائل في جمع الوثائق ~~وتفسير الوقائع التاريخية بشكل لم يسبق له نظير. وكم يدهشنا اليوم أن ننظر في ~~التاريخ الذي كتبه فولتير عن عصر لويس الرابع عشر! لم يقتصر هذا الكاتب ~~الكبير على تدوين تاريخ سياسي، بل راح يضيف إليه التاريخ الحضاري والسياسي، ~~ويربط بينها جميعا. # صحيح أن فولتير - ومعه عدد كبير من معاصريه - قد وقفوا من الماضي موقف ~~الرفض والاحتقار. كان من رأيهم أن ساعة الإنسانية الحقة قد بدأت، أو ستبدأ في ~~مستقبل أفضل، ولكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى معرفة الماضي معرفة تامة؛ لكي ~~يستطيعوا التحرر من خرافاته وأنظمته البالية. لذلك فقد يدهشنا أن هؤلاء ~~الكتاب الثائرين قد أسهموا في تجميع قدر كبير من المعلومات والحقائق ~~التاريخية الحية، على الرغم من ازدرائهم للعصور الوسطى المسيحية، وتجنيهم ~~عليها بصورة تبدو لنا اليوم ظالمة بعيدة عن الإنصاف. # على أن غرورهم واحتقارهم للماضي لم يبق بغير أثر. فإذا كان فولتير قد ~~أسرف في السخرية بالعصور المظلمة، وخرافات رجال الدين، وإذا كان العصر الوسيط ~~لم ينج من هجوم رجل حكيم مثل كانط الذي وصفه بأنه «ضلال غير مفهوم للعقل ~~البشري»، فقد كان هناك من أنصف الماضي، وأحس بقيمته وجماله. كذلك فعل «جوته» ~~في شبابه، وكذلك فعل الرومانتيكيون الإنجليز. من هذه الاتجاهات المتعارضة ~~المتباينة ms294 من حركة «عصر التنوير»، التي أسرفت في ثقتها بالعقل، وفي عدائها ~~للماضي، من الحركة الرومانتيكية التي أحبت ذلك الماضي، وعكفت على إحياء أدبه ~~وجمع تاريخه، ومن الأحداث المهمة التي اضطرب بها العصر، انتصارات بروسيا على ~~عهد فردريك الأكبر، حصول أمريكا على الاستقلال، الإصلاحات التي تمت في ~~النمسا، وأخيرا تلك الكارثة الرائعة - الثورة الفرنسية - من هذا كله انبثق ~~عدد كبير من المؤلفات التي حددت الوعي التاريخي الأوروبي في العقود الأولى من ~~القرن التاسع عشر، نذكر منها كتاب «هردر» أفكار في فلسفة تاريخ الإنسانية، ~~ومقال كانط «أفكار عن تاريخ عام من وجهة نظر عالمية»، ورسالة «شيلر» معنى ~~التاريخ العام والغاية من دراسته، وأخيرا أعمال ذلك الرجل الذي عرف هذه ~~المؤلفات كلها، وأفاد منها وحقق في فلسفة التاريخ شيئا لم يسبق إليه، وقد ~~لا يلحق فيه، ونعني به هيجل. # كل هؤلاء المفكرين يتفقون في إيمانهم بمعنى التاريخ وبرسالة الإنسانية. ~~ومع أنهم يختلفون في موقفهم من المسيحية، فلولا التراث المسيحي لما كان من ~~الممكن أن يصلوا إلى هذا الإيمان، ولا إلى هذا الوعي التاريخي، إنهم جميعا ~~- وهردر يقل عنهم بعض الشيء - يعتقدون أن الحضارة الأوروبية هي الحضارة التي ~~ألقى عليها القدر العبء التاريخي الأكبر، وهي التي ينبغي أن تنهض به في ~~المستقبل. ~~••• # في سنة 1784م ألف «كانط» مقاله ~~الرائع السابق الذكر «أفكار عن تاريخ عام من وجهة نظر عالمية» (وقد ترجمه ~~أستاذنا عبد الرحمن بدوي في كتابه عن النقد التاريخي)، ثم عالج الموضوع بصورة ~~أوسع في كتابه عن السلام الدائم (وقد ترجمه أستاذنا عثمان أمين). والمقال ~~والكتاب يتناولان مشكلة التاريخ البشري العام، ويبدو أن شيئا غريبا لا يكاد ~~الإنسان يصدق أنه صدر عن مفكر وحيد وبعيد عن صراع المصالح ومشكلات السياسة ~~والسياسيين في عصره، ولكنهما مع ذلك يبدوان لنا اليوم معاصرين إلى أقصى حد، ~~حتى ليوشك الحكيم الطيب العجوز الذي لم يغادر مدينته كونجسبرج أن يكون قد ~~تنبأ بمشكلتنا الكبرى التي نعاني منها صباح مساء. ويقوم المقال والكتاب على ~~افتراض - لا مجرد حسن نية ms295 - أن الإنسان قادر على أن يصل بنفسه إلى الكمال ~~الذي تحدث عنه شيلر والمثاليون الإنسانيون من قبل، كما يقوم على الثقة في ~~الانتصار النهائي للإنسان، باعتباره الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحكم عقله. ~~اقترح كانط في مقاله أن يكون الهدف من تاريخ الإنسانية هو تحقيق الإنسان نفسه ~~بكل ملكاته ومواهبه النبيلة، في ظل اتحاد أو عصبة أمم، ولغاية كبرى هي ضمان ~~سلام دائم منظم وطيد الأركان. ولا تتحقق هذه الغاية إلا إذا توفرت للإنسان ~~فكرة عن ماضيه بالمعنى الشامل، الذي لا يقف عند حدود الأمم والجماعات. وكانط ~~يمهد لهذا التاريخ حين يبين الخط الصاعد، الذي سار فيه العقل الإنساني إلى ~~مزيد من الوضوح، ومزيد من الإنجازات العلمية. # غير أنه يلاحظ - في حزن لا يستغرب من الحكماء - أن هذا التطور في الحضارة ~~والمدنية لم يصاحبه تطور في الضمير والأخلاق نفس العلة التي نشكو منها اليوم، ~~وتكاد تدفع بالشرية إلى حافة الهاوية. ولذلك فإن واجب الإنسان في المستقبل هو ~~الوصول بالأخلاق إلى مستوى العلم، وإلا جاء اليوم الذي تضطره فيه الطبيعة أو ~~على الأصح يضطره التاريخ إلى شيء كان من الممكن أن تعلمه إياه الأخلاق أو ~~العقل العملي كما يسميه، أي يأتي اليوم الذي تتطور فيه أساليب الحرب المهلكة ~~إلى الحد الذي تجد فيه الدول نفسها أمام اختيار واحد لا مناص منه، فأما فناء ~~الحضارة وانتحار البشرية جمعاء، أو تنظيم الدول ذات السيادة على أساس العقل ~~في عصبة أمم ترعى السلام العالمي. # ولكن ما هو موقف كانط من عذاب البشرية المتصل على مر التاريخ؟ ما رأيه في ~~الكوارث والأزمات التي ألمت بها، وألوان الخراب والدمار التي لم تكف عن ~~تدبيرها لنفسها؟ الجواب أنه ينظر إلى الإنسانية «ككل»، بحيث تبدو كل الكوارث ~~والأزمات أشياء مؤقتة أو محلية. أما التقدم والتطور - تقدم العقل وتطوره - ~~فهو ثابت ومستمر، بل إن العناية الإلهية قد شاءت أن تكون ألوان الدمار ~~والعذاب التي عانتها الإنسانية وتعانيها هي الطريق الذي يصل بها إلى التبصر ~~والتعقل، لا بل يفرضها عليها ms296 فرضا، ولكن هل تقطع هذه الثقة في العقل كل ~~أسباب الشك واليأس؟ هل صحيح أن الإنسان يتطور وينضج جيلا بعد جيل؟ وما العمل ~~إذا احتكم لغريزته الأصلية كما فعل في كل العصور؟ وما العمل إذا كانت الهوة ~~لا تزال سحيقة بين العلم والسلوك، بين العقل والضمير، بين التقنية والأخلاق؟ ~~الغريب أن هذه الشكوك ليست جديدة. لقد ثارت في نفوس الناس في حياة كانط. ففي ~~سنة 1800م رد أحد الصحفيين من أهالي برلين، ويدعى فريدريش جنس، على كانط ~~بكتاب من تأليفه سماه «عن السلام الدائم»، وحاول أن يرد فيه على تفاؤله، فقال ~~بالحرف الواحد: «... وحتى لو استطاع الجنس البشري بأسره أن يصل إلى أكمل دستور ~~شرعي بين أعضائه، فإن المادة العدوانية الكامنة في الدوافع الغريزية الغلابة ~~سوف تزعج هذا النظام في كل لحظة، وسوف تبقي على التناقض الأبدي بين قانون ~~العقل الذي يوحي دائما بالسلام، وبين قانون الطبيعة والفطرة الفجة الذي يريد ~~الحرب على الدوام.» # هذا التناقض القائم بين العقل والطبع أو بين العلم والخلق مسألة قديمة، ~~وإن كان وعينا بها اليوم قد ازداد حدة. وتاريخ الحضارات المعروفة ليس في ~~الحقيقة إلا سجلا عامرا بالضعف والتهور والكذب والشر والغدر والاضطراب. ~~وليس هذا كله كامنا في الطبيعة أو الغريزة الفطرية وحدها كما يقول الصحفي ~~البرليني، بل المشكلة أن «الدودة» كامنة في العقل نفسه منذ البداية ... مهما ~~يكن من شيء، فلا يسع المتأمل للظروف التي نمر بها اليوم إلا الإعجاب بهذه ~~الفكرة التي تعد من أعمق وأصدق ما عبر عنه حكيم كونجسبرج الطيب ~~العظيم. ~~••• # فإذا انتقلنا إلى «شيلر» وجدناه يسير في أفكاره التاريخية في نفس الخط ~~الذي سار فيه «كانط». لقد كان في شبابه أشد حماسة من هذا «الحكيم العالمي»، ~~كما كان يسميه في نظرته إلى الحاضر السعيد، بل كان من رأيه أن الماضي كله لم ~~يكن له هدف إلا الوصول إلى هذا الحاضر المنعم بالحرية والكرامة والأمل. فلما ~~بدأ يكتب التاريخ بنفسه بدلا من الاكتفاء بتأمله من بعيد، شغله الواقع الحي ~~عن ms297 فكرته الكانطية الأولى، وأخذ يصور الناس والأحداث كما كانوا في الواقع، ~~دون أن يعني نفسه بالأهداف والنتائج البعيدة. لم يكن كانط مؤرخا. أما شيلر، ~~فكان يملك الحاسة الدرامية القوية بالتاريخ، بالصراع الرهيب بين الدول، ~~بالعواطف الرفيعة أو الوضيعة التي تتحكم في الأفراد، وربما استغرقه هذا ~~الإحساس الدرامي بالماضي، فأنساه تأملاته المثالية في التاريخ العام. ويكفي ~~أن نقرأ مسرحياته التاريخية - وفي مقدمتها ثلاثيته الكبرى عن فالنشتين - ~~لنعرف أنه شاعر التاريخ الأكبر بغير نزاع. ~~••• # كذلك كان هيجل مؤرخا أصيلا، يملك النظرة الناقدة التي تلم بحقيقة ~~الدولة الحديثة، وتميز بين روح عصر وعصر. وإذا كانت المثالية والواقعية لا ~~تجتمعان دائما عند شيلر - فكثيرا ما نسي تأملاته الفلسفية كما قدمت في غمرة ~~انشغاله بالوثائق والوقائع - فقد تلاقى الجانبان تلاقيا تاما عند هيجل، ~~وكان المثال والواقع عنده شيئا واحدا. ولعل هذا هو سر مشروعه التاريخي ~~والفلسفي الهائل الذي يأخذ النفس بطموحه وروعته، كما يحيرها بطموحه ~~وتعقيده. # تاريخ العالم في رأي هيجل هو تاريخ العنف والقسوة. # وإذا كانت قد مرت به عصور عرف فيها السعادة والأمن والسلام، فإن هذه ~~العصور لا تهم فيلسوف التاريخ في شيء. إن عصور السعادة هي أوراق التاريخ ~~الجافة الذابلة. أما أوقات الرعب والهول، والحروب والثورات، وآلام الوضع ~~ومتاعب النمو، وعذابات الاحتضار في تاريخ شعب أو حضارة. أما هذه فكانت هي ~~المعقول، كانت هي الفكرة في تحققها. # سار تاريخ العالم دائما بمقتضى العقل. وكانت النتيجة دائما هي الصواب، ~~انتصر من يستحق الانتصار، واندثر من وجب عليه الاندثار. القوة والحق هنا شيء ~~واحد. العقل والواقع نفس الشيء. # كل أشكال السلطة والحكم والحضارة عاشت فترة من الزمن، ثم اختفت من المسرح ~~عندما آن أوان اختفائها. كان المؤرخون وفلاسفة التاريخ الأوروبيون قبل هيجل ~~يعتقدون في وجود أزمة واحدة كبيرة مرت بها الإنسانية الحديثة وتحررت. واعتقد ~~هيجل أيضا بوجود هذه الأزمة، وتأثرت أعمق التأثر بأحداث الثورة في أمريكا ~~وفرنسا. غير أنه عمم هذه الفكرة الجديدة عن أزمة التاريخ على الماضي كله. ~~فالتاريخ عنده هو تاريخ الأزمات، ms298 سواء أكانت أزمات سياسية أو عقلية أو ~~أخلاقية. من خلال كل أزمة، وكل ثورة، وكل اندحار أصاب إحدى الحضارات لترتفع ~~مكانها حضارة جديدة بلغ العقل البشري أو العقل الكلي درجة أعلى، والنتيجة أن ~~العقل قد بلغ الآن - أي في عصر هيجل - أعلى درجة في تنظيم الدول الأوروبية - ~~في الدولة الدستورية أو الدولة الليبرالية التي لم تصل بعد إلى الديمقراطية - ~~كما بلغ أعلى درجات في التفكير الفلسفي (أي في فلسفة هيجل نفسه). انتهى ~~الفيلسوف إلى هذه النتيجة دون أن يكشف لقرائه عن تصوره لما سيكون عليه ~~المستقبل. ولم تكن فلسفته فلسفة مستقبل، بل كانت تحتقر كل تفكير مثالي (أو ~~يوتوبي). فاليوتوبيا (بمعناها المشتق من الكلمة اليونانية) تدل على ما لا ~~وجود له في أي مكان، أي ما لا وجود له إلا في رأس المفكر وحده. أما هيجل، ~~فيريد أن يفهم ما هو موجود «فالموجود أو الواقعي هو العقل أو المعقول». ولا ~~وجود في الواقع إلا للحاضر وحده، وللماضي الذي أدى إلى هذا الحاضر، ويمكن ~~معرفته والإلمام به. وليس يليق بالفيلسوف أن يفكر فيما يمكن أن يصير إليه هذا ~~الحاضر حين يصبح ماضيا، أي لا يليق به أن يفكر في مستقبل ليس له ~~وجود. # بهذا المعنى كان هيجل مفكرا محافظا إلى أقصد حد، مفكرا تأمليا لا ~~يريد أن يصل إلى شيء عملي. فالشيء العملي قد تحقق بالفعل، والمهم الآن أن ~~يفهم ويوضع في الصيغة الفلسفية المناسبة. وبهذا المعنى أيضا أحس هيجل أنه ~~يمثل حضارة متأخرة، ناضجة، وجدت الراحة بعد أن أصابتها هزات عنيفة في الماضي ~~القريب (وأعماله المتأخرة تعبر كثيرا عن هذا الإحساس). ولعل هذا هو السر في ~~أن هذا العمل الضخم لم يجد ولا كان من الممكن أن يجد من يواصله ويستمر فيه. ~~أراد له صاحبه أن يكون خاتمة ونهاية. وقد كان بالفعل كذلك. ولهذا السبب اضطر ~~تلاميذه - الذين لم يقف بهم طموحهم عند الشرح والتفسير - إلى البحث عن أدوات ~~أخرى وغايات أخرى. # هكذا أصبحت فلسفة التاريخ بعد هيجل أكثر قلقا ms299 وحدة مما كانت عليه قبله. ~~إن كارل ماركس - وهو تلميذه الذي لا يمكن فهمه بدونه - لم يعد يكفيه أن يفهم ~~العالم - أي الماضي - بل يريد أن يغيره بالفلسفة، أي يحدد صورة المستقبل، ~~بحيث يصبح هذا التحديد المسبق قوة فعالة. وهو لا يصبح كذلك حتى يتطابق مع ~~الواقع، ويعرف قانونه العلمي. كل ما كان قبله - وبالأخص عند هيجل - فلسفة ولا ~~شيء غير الفلسفة، أي تأملات بغير أثر فعلي، أصبح عنده فعلا سياسيا يستمد ~~قوته من الفلسفة أو من العلم (فكلاهما شيء واحد في رأي ماركس). من ثم نشأت ~~وحدة جديدة من الفكر والوجود غير التي ذهب إليها هيجل. وصارت وحدة جديدة من ~~الفكر والوجود غير التي ذهب إليها هيجل. وصارت فلسفة التاريخ - التي ظلت حتى ~~الآن شيئا لا ضرر منه - نظرية للثورة، وصار فيلسوف التاريخ ثائرا ومعلما ~~وداعيا إلى الثورة. # هكذا كان ماركس وإنجلز، وإن خلت حياتهما مما يلفت أنظار رجال الشرطة. ~~وهكذا كانت بعدهما حياة لينين وتروتسكي وستالين، الذين أضافوا إلى نظرية ~~الثورة نظرية «الاستراتيجية الثورية»، والرعب والإرهاب، ثم طبقوها بالفعل ~~عندما جاء الوقت المناسب. هؤلاء رجال ثلاثة ظلوا ينظرون للواقع أو يكتبون ~~تاريخه بأنفسهم كما فعل تروتسكي. أهم ما يميزهم هو اعتقادهم القاطع بأنهم ~~يعرفون دورهم التاريخي تمام المعرفة، وأن أعمالهم معصومة من الخطأ؛ لأنها ~~مستمدة من العلم بقوانين التاريخ نفسه. كل من يحيد عن وجهة نظرهم فالويل له. ~~كل من يخالفهم فهو مرتد وخائن وعميل. # الصراع العالمي الذي نعيش اليوم في ظله بين شرق وغرب، يرجع إلى طموح ~~ماركس الضخم، إلى دعواه الهائلة رغم أنه عرف قوانين التاريخ العلمية، وحدد ~~مسيرته وهدفه إلى الأبد. كل من يقسم عهد الولاء لماركس ولينين فهو على حق. ~~وكل من يخالفهما فهو عدو وملعون ومطرود. تلك هي النهاية. لا نهاية فلسفة ~~التاريخ بالطبع، فهذه لا تنتهي. بل نهاية جانب من تراثها الذي وصل به هيجل ~~إلى الذروة. نهاية مؤلمة، أقل ما يقال فيها أنها مسئولة عن المأزق الذي نجد ~~أنفسنا اليوم فيه، ms300 وليس أمامنا إلا الاختيار بين فناء مطلق أو سلام مضطرب. ~~أيكون الإنسان قد حمل نفسه أكثر مما تستطيع أو ما ينبغي أن تحتمل، عندما زعم ~~أنه عرف معنى التاريخ وحدد هدفه واكتشف قوانين حركته؟ هذا الزعم ليس جديدا. ~~والمحاولة كذلك ليست جديدة. لقد جرب الإنسان ما يشبهها القرن التاسع عشر. أحس ~~أنه يحيا في عصر تاريخي فريد، يحمل في أحشائه الأمل أو الخطر أو كليهما، ~~ولكنه على كل حال عصر لم يسبق له نظير، فالعواصف السياسية والاجتماعية تجتاح ~~أوروبا، وانتصارات التقنية (أو التكنيك) والعلوم الطبيعية والبيولوجية تتوالى ~~مؤذنة بانتصارات أكبر وأعجب، والدين يهتز في القلوب، والكنيسة تضعف بصورة ~~واضحة، والتوسع والغرور الاستعماري يصلان إلى أقصاهما، كل هذه ظواهر قوت شعور ~~الناس بأنهم يعيشون في عصر فريد، فأرادوا أن يعرفوه ويحددوه. أرادوا أن يسموا ~~أبا الهول باسمه، ليأمنوا بعد ذلك شره. وأقدموا على المحاولة بجهاز مثير يعين ~~للأبد قوانين التاريخ. هكذا فعل «أوجست كونت» مؤسس النزعة الوضعية الحديثة. ~~أعتقد أنه اكتشف القانون الذي تسير كل الحضارات بمقتضاه في ثلاث مراحل: مرحلة ~~يسودها الدين، وثانية تسيطر عليها الميتافيزيقا أو التأمل، وثالثة وأخيرة ~~يحكمها العلم الوضعي. العالم الغربي - في رأي كونت - قد دخل هذه المرحلة ~~الأخيرة بالفعل. معنى هذا أن العلميين والخبراء الفنيين قد احتلوا مكان ~~الملوك والكهنة والعسكريين. # نفس الشعور بتفرد العصر، نفس الإحساس بأزمة تاريخية لم يسبق لها مثيل ~~- نجده أيضا عند هذا الفيلسوف الشاعر العجيب - عند نيتشه. إنه يثور على ~~المعرفة التاريخية التي ازدحم بها عصره، حتى حجبت أكوام الوثائق والمعلومات ~~عنه الرؤية، وشت إرادته، وقتلت فيه روح المخاطرة، وجعلت من المؤرخين أشباحا ~~ضعيفة متهاوية تفترس الكتب القديمة، وتضع النظارات على عيونها. فلنطرح هذه ~~المعرفة التاريخية، ولنقبل على الحياة على اللحظة الراهنة لنحقق أنفسنا فيها ~~بقوة وحرية، وبلا وساوس أو أحزان. # بيد أن هذه اللغة الغاضبة الجارفة لم تستطع أن تخفي الإحساس بأزمة ~~تاريخية متوقعة، تنبأ نيتشه بأن القرن العشرين سيشهد حربا طاحنة لن يعرف لها ~~العالم مثيلا من قبل. ms301 وزعم أنه سيفرح فرحة كبرى بهذه الحرب. وهو في هذا يخطئ ~~تقدير نفسه النقية الطاهرة، كما ينسى أنه أعلن عن نفسه في كتابه الأكبر الذي ~~لم يستطع أن يتمه (وهو إرادة القوة) أنه آخر العدميين. فكيف كان يرضى لنفسه ~~أن يشهد ذلك العدم والدمار الرهيب الذي شهده العالم في حربين عالميتين؟ وكيف ~~كان يتردد لحظة واحدة في التبرؤ مما اقترفه النازيون باسمه، وتحت شعار فلسفته ~~التي أخطئوا فهمها وتجنوا عليها؟ # ها هو ذا رجل آخر يأتي بعده - مؤرخ أصيل بحق - (يعقوب بوخارت) فيشك في ~~معنى التاريخ، وييأس من هدفه الذي بحث عنه كانط وشيلر وهيجل، ويعود مرة أخرى ~~إلى رأي العصور القديمة عند اليونان والرومان تعب الإنسان لا يتغير. موجة ~~تعلو موجة تهبط. كما في الماضي كذلك في الحاضر والمستقبل. لا جديد هناك. لا ~~أمل ولا نجاة. ومع هذا فلم يستطع بورخارت أن يخفي إحساسه بالأزمة. صحيح أن ~~روح التشاؤم تظلل تأملاته في تاريخ العالم كالسحابة الهادئة القائمة، ولكن ~~رؤاه القلقة على مصير الإنسان تلمح كالبروق في ثنايا رسائله وخطاباته ~~الشخصية. # لم يختف الإحساس بالأزمة منذ ذلك الحين من فلسفة التاريخ، لم يختف من ~~أي تفكير في مستقبل العالم والحضارة والإنسان. سواء بالأمل أو باليأس، سواء ~~تنبأ بنهاية التاريخ كله، أو تنبأ بنهاية التاريخ الماضي، وراح يعلن عن بداية ~~التاريخ الحق، التاريخ الحر العادل المجيد. ~~••• # لا نستطيع أن نختم هذا العرض السريع بغير أن نذكر اسم أزفالد إشبنجلر. قد ~~تكون فلسفته اليوم خاطئة في بنائها العام، وهناك بالفعل أكثر من دليل على ~~خطئها، ولكن لا شك أن إشبلنجر - الذي وضع كتابه عن تدهور الغرب تحت تأثير ~~الحرب العالمية الأولى - قد خاطب جيله، وعبر عن عصره، ورسم صورا تاريخية ~~غنية رائعة تدل على نفاذ بصيرته، وقدم مجموعة من الملاحظات عن الحاضر ~~والمستقبل أثبتت الأيام صدقها، وإن كان قد حشاها في ذلك البناء العام، الذي ~~لا يتسع المجال لبيان خطئه. المهم أنه يثبت لنا كما أثبت كل من حاول ذلك قبله ~~أن ms302 تصور التاريخ في صورة شاملة تامة مغلقة لم يعد أمرا ممكنا ولا مفيدا، ~~وأن محاول الإنسان أن يحدد معنى التاريخ وهدفه، ويتنبأ بمستقبله محاولة مقضي ~~عليها بالفشل؛ ذلك لأنها تفوق طموحه وقدرته وطبيعته المحدودة الفانية، ولأنه ~~- أي الإنسان - يحيا في الزمن ويرتبط به، ولذلك فلا يمكنه أن يحدد معناه ~~وهدفه من داخله. إن فلاسفة التاريخ قد وضعوا لغز الوجود والإنسان في قلب ~~الزمن، وأرادوا أن يلتمسوا التحقق التام - أي الوحدة الكاملة بين الوجود ~~والفكرة، أو بين الواقع والواجب - في هذا الزمن المتحول نفسه، مع أن هذه ~~الوحدة لا يمكن أن توجد على الأرض ولا في الزمن. قد يستطيع الزمن أو التاريخ ~~- بأزماته وكوارثه، بانتصاراته وهزائمه، بأفراحه وآلامه - أن يكشف لنا عن ~~معنى المطلق أو المتعالي أو الروح الكلي أو الفردوس الأخير أو ما شئنا من ~~أسماء لا تسميه، ولكنه لن يستطيع أبدا أن يوجده في الزمن، لن يستطيع أن ~~يحققه على الأرض. # أدركت فلسفة التاريخ - منذ عهد القديس أوغسطين إلى اليوم - معنى الزمن، ~~وعرفت أنه يكمن في التحول والتغير والتجدد. هذا كشف ضخم لن نفقده بعد اليوم. ~~لا يمكن أن نرجع للوراء، لا يمكن أن نعود لتصور «توكيديدس» أو غيره من مؤرخي ~~الإغريق والرومان. هؤلاء الذين اعتقدوا أن الخير كله في العصور الذهبية ~~الماضية، وأن الزمن لا يأتي بجديد، ولكن لا يمكن أيضا - بعد مسيرة ستة عشر ~~قرنا من أيام أوغسطين - أن يظل الإنسان يبحث عن المطلق في الزمن والتاريخ، ~~مع أن المطلق نفسه - أيا كان الاسم الذي نعطيه له، وسواء وضعناه في عالم ~~آخر أو قلبناه ووضعناه على الأرض - لا بد - بحسب اسمه نفسه - أن يظل خارج ~~الزمن والتاريخ. كل ما يستطيع الزمن أن يفعله هو كما قلت أن يكشف عنه، أن ~~يرينا لمحة منه، ويشدنا إليه، أما تحقيقه في التاريخ فهو المستحيل بعينه. ~~وتحقيق هذا المستحيل - في ثوبه المقدس أو في أثوابه الأرضية - هو الذي جر ~~الغرب ومعه بقية العالم إلى الأزمات المتوالية التي لاحظها فلاسفته ومؤرخوه، ~~وجر ms303 البشرية اليوم - إزاء التقدم المذهل في العلم والتقنية وأسلحة الدمار ~~والتأخر المذهل أيضا في الضمير والأخلاق - إلى الاختيار المحتوم الذي تنبأ ~~به كانط، فإما الفناء المطلق الذي يتساوى فيه الغالب والمغلوب في راحة القبر، ~~وإما التعلم من دروس غاندي ومارتن لوثر كنج في العصر الحديث، ومن تعاليم ~~الحكماء والشعراء في كل العصور، بل ومن مجرد النظر إلى براءة الطفل والحيوان، ~~واحترام الحياة في كل مظاهرها الطبيعية المحيطة بنا، وإن كنا كالعميان لا ~~نراها، أي بالتخلي عن القوة والعنف، وترويض الغرائز المظلمة العمياء، ومحاولة ~~العيش في سلام، وتحمل المسئولية المشتركة عن حاضر الجنس البشري ~~ومصيره. ~~••• # هل نستخلص مما سبق أن جميع المؤرخين الذين ذكرناهم مخطئون؟ بالطبع لا، ~~ولا يمكن أن يصل بنا الغرور أو الغباء إلى هذا الحد. لقد أحسوا بأزمات عصرهم، ~~وحاولوا أن يعبروا عنها أو يفسروها أو يقترحوا لها الدواء، أو يحملوا إلى ~~أجيالهم بعض الراحة والأمل والعزاء. ولقد أصبح الإحساس بالأزمة بفضل هؤلاء ~~الفلاسفة والمؤرخين جزءا لا يتجزأ من فهمنا للتاريخ، بل إن هذا الإحساس قد ~~زاد اليوم عنه في أي وقت مضى. فإذا قلنا أن البشرية تمر بمرحلة لا نظير لها ~~في تاريخها الطويل لم يكن قولنا مجرد ترديد أو تأثر ساذج بما سبق، وأمكن أن ~~يصدقنا الجميع، لا فرق في ذلك بين الفيلسوف ورجل الشارع. ألم يسر الإنسان على ~~أرض القمر مرتين؟ ألا يدل هذا على أن العقل البشري قد بلغ أقصى درجات تقدمه، ~~وأنه - وهذا هو الأهم - لا يزال يواصل تقدمه ولا نهاية للآفاق التي يتطلع ~~إليها ولا للمفاجآت التي ننتظرها منه؟ ومع ذلك فلا يزال الألوف يموتون من ~~الجوع أو التعذيب أو المذابح الجماعية في فيتنام أو العدوان البشع على شعب ~~فلسطين والشعوب العربية، ألا يدل هذا من ناحية أخرى على أن نفس العقل البشري ~~قد بلغ أقصى درجات تأخره؟ ألا يثبت أن التوازن الذي حلم به كانط أو غيره بين ~~العقل والضمير وبين العلم والخلق قد اختل أفظع اختلال، وأن هذا العقل ينطلق ms304 ~~الآن بسرعة الصاروخ، بينما الضمير يلهث على عكازه وراءه؟ ألم يأت اليوم الذي ~~تنبأ به حكيم كونجسبرج يوم تجد البشرية نفسها أمام اختيار وحيد بين فناء مطلق ~~بفعل الأسلحة المهلكة، أو تعايش في سلاح منظم دائم في ظل «جمعية من الأمم ~~المستقلة»؟ ألا نعيش الآن في هذا اليوم؟ # ولكن «جمعية الأمم» التي كان يحلم بها كانط قد وجدت واتحدت، والبشرية ~~تتحرك كل لحظة - حقيقة لا مجازا، واقعا لا تشاؤما - على حافة الهاوية. فما ~~بال الضمير العالمي لا يستيقظ؟ وإذا كان قد استيقظ لدفع ظلم بشع - كحرب ~~الإبادة في فيتنام - فلم لا يتحرك بنفس القوة لدفع ظلم لا يقل عنه بشاعة ~~كتشريد شعب من وطنه؟ أين ضمير الشباب النقي؟ وأين ضمائر علماء العالم ومفكريه ~~ومثقفيه؟ وكيف لا تتفق على استنكار كل هذه الجرائم التي تتستر وراء الأكاذيب ~~والخرافات المتعصبة؟ وإذا كانت أكاذيب الصهيونيين وخرافاتهم قد خدعت عددا ~~كبيرا من الناس العاديين، فكيف استطاعت أن تخدع هذه الصفوة التي ينبغي أن ~~تفكر لنفسها وبنفسها؟ ~~••• # لا يستطيع المؤرخ أو الفيلسوف أن ينفصل عن عصره، ولا يملك - كما قال هيجل ~~- إلا أن يكون تعبيرا عن زمنه ومرآة له. وأقصى ما يطمع فيه المؤرخ أو ~~الفيلسوف هو أن ينطق بلسان جيله، أن يصور أزمته، أن يخاطب ضميره، أن ينبه، ~~ويوقظ، ويثير. # وليس كاتب السطور مؤرخا ولا فيلسوفا. إن أقصى طموحه أن يكون مجرد شاهد ~~أمين، وهو يشترك في هذا مع كل من يكتب، وهو لا يستطيع مهما طالت به الرحلة ~~بين العصور أن ينفصل عن عصره وجيله وأهله. ففي الوقت الذي يكتب فيه هذا ~~الكلام، وفي الوقت الذي تقرءونه يضحي إخوة لكم وله بحياتهم وينزفون دماءهم، ~~لا لكي نكتب عن معنى التاريخ أو نتفلسف في أزمته. فالشيء الوحيد الذي يجدي في ~~هذا الموقف الذي نعيشه اليوم هو نقطة الدم وطلقة الرصاص. وإن يقيننا وعزاءنا ~~الوحيد هو أننا جميعا نشترك في معركة واحدة كبيرة، وأننا - كما قال شكري ~~محمد عياد في تعبير صادق جميل - نقف جميعا ms305 في صف واحد كبير، وننتظر دورنا. ~~هؤلاء الإخوة يعطون للتاريخ بهذه الدماء التي يبذلونها معناه الحقيقي الدافئ، ~~ويجسمون أزمته لكل من يرى، وكل من يحس. إنهم أيضا يسألون بطريقتهم التي لا ~~يوجد الآن سواها: إلى أن يسير التاريخ؟ وهم لا يسألون فحسب، بل يجيبون ~~بالفعل، بالدم والشجاعة، بالمدفع والطائرة، بالعبور كل ليلة، بتثبيت العلم ~~على الأرض التي يدنسها العدو. وهم أيضا يخاطبون الضمير العالمي بطريقتهم: ~~لماذا لا تستيقظ؟ أهناك دليل على أزمة الجنس البشري أوضح من هذه الأزمة التي ~~نعيشها في هذه المنطقة من العالم؟ أهناك دليل على تقدم العلم والتقنية إلى ~~أبعد حد وتأخر الخلق والضمير إلى أبعد حد أيضا من هذه الدولة الصغيرة ~~المغرورة التي تفكر تفكير العصابات، وتسرق وتنهب وتقتل كما تفعل ~~العصابات؟ # لقد استعارت التقدم العقلي والعلمي فجاءها جاهزا من تلك الدولة الكبيرة ~~التي تمثل النموذج الصارخ لتفوق العقل إلى أقصى حد وتخلف الضمير إلى أقصى ~~الحدود. وإذا لم تستيقظ الآن يا ضمير العالم ويا مناط الأمل الوحيد الباقي ~~للجنس البشري، فمتى تستيقظ؟! ألا تريد أن تفتح عينيك إلا والبشرية في قرار ~~الهاوية؟ # إلى أين يسير العالم؟ # حقا، ما أخطره من سؤال. # وما أعظم وأنبل الجواب الذي يقدمه الأبطال. # والشهداء على أرضنا وفي كل مكان يشهد اليوم ... # مأساة التطور العقلي المذهل والتخلف الخلقي البشع في آن واحد. ~~(1970م) # | خواطر عن مصر # - كل شيء هنا رتيب، النهر، الصحراء، الشريط الضيق من الأرض الخضراء بين ~~النهر والصحراء، الآثار والرسوم المنقوشة والنحت البارز عليها. دائما أبدا ~~نفس الشيء، نفس الخطوط البسيطة الجلية، تتكرر على الدوام بلا كلل أو ملل على ~~النقيض من اللون الأجرد والصخب الأجوف الذي يغرق هذا العالم الجديد، العالم ~~الذي تحول كل شيء فيه إلى لافتة ختمتها التقنية (التكنيك) بخاتمها. # دائما وأبدا نفس الشيء علامة الروح الصوفي الأصيل. ~~- السكون مدرسة التصوف؛ إذ لا وجد بغير سكون. ~~- الخطر الذي يتهددني أن تحول انطباعات الحياة - التي تتلاحق بسرعة مذهلة ~~وتصل إلى حد التسطح - دون الوصول إلى بعض المناطق ms306 الباطنية الغائرة في أعماقي ~~أو التمكن من ملامستها، أي إلى العجز عن بلوغ التغيرات الحقة. # ومع ذلك فلعل كل شيء قد جعل من أجل هذه التغيرات الأولية، ولعل الإنسان ~~الذي يعجز عن تحقيقها لا يعجزه الحفاظ على ما وصل إليه فحسب، بل يتدهور شيئا ~~فشيئا في هاوية التفاهة والابتذال. ~~- من عايش الطبيعة فترة كافية وجربها تجربة عميقة، فلا بد أن يتحد كيانه ~~بكيانها. إن كانت طبيعة عارية أصبح هو نفسه عاريا، وإن كانت عظيمة أخذ عنها ~~العظمة، وإن كانت نقية استمد منها النقاء. ~~- كيف لإنسان أن يجد الصحراء موحشة؟ وكيف يتسنى لمثله أن يحس أدنى إحساس ~~بالروح المصري الأصيل أو يلمسه أو يراه؟ ~~- صوفية العري، لماذا؟ لأن العري انفتاح، والانفتاح في صميمه انفتاح على ~~«الآخر». ~~- ما إن يصبك الشعور ب «الأولى» الأصيل، حتى تحس أنك غير محتاج لشيء. من ~~هنا تأتي المتاعب العصبية التي تعانيها الأنا المغلقة على ذاتها، فإذا أحسست ~~بالعري زالت عنك كل هذه المتاعب. ~~- لأن النور في هذا البلد باهر، ولأن ضوء النهار فيه ساطع، فإن ظلام ~~الليل وثقله - ككل شيء فيه - عظيم. هنا لا يزال فضاء النجوم واقعيا. ~~- ليس من قبيل المصادفة أن نكون ورثة الروح الهللينية والديكارتية، فنحن ~~اليوم بكل ما لدينا من المفاهيم الحديثة والمسطحة والأبنية العقلانية عاجزون ~~عن الاقتراب من الروح المصري القديم، نحن لم نعد نعرف شيئا عن ذلك المركز ~~الباطن الذي انبثقت منه كل هذه الأعمال والآثار، وكانت ذات يوم تفيض واقعية ~~وحياة. ~~- كلما ازداد السر ازداد الكتمان، وكلما ازداد الكتمان ازداد الفهم. غير ~~أن المصريين القدماء لم يتكتموا فحسب أكثر مما نتكتم اليوم، وإنما فعلوا ذلك ~~على نحو آخر مختلف تمام الاختلاف، لهذا فنحن عاجزون كل العجز عن الرجوع ~~إليها، بل إننا لا نريد ذلك على الإطلاق. # ومع هذا فإن اللقاء المباشر مع آثار حضارة ما زالت تشع حتى اليوم بالنقاء ~~والقوة بما لا يقاس بأي شيء آخر صنعته يد الإنسان، وتجربة الشعور بأن هذا ~~كله قد تحقق يوما على ms307 هذه الأرض، وكان واقعا حيا، كل هذا يستطيع أن يحرر ~~شيئا كامنا في أعماقنا، وينفخ فيه اللهب والنار. ~~- من التناقض البين أن نحاول الاقتراب من حقيقة الروح المصرية القديمة، ~~أو نحاول فهمها عن طريق الدراسات المصرية والأثرية بمعناها الدقيق، ذلك أن ~~اللوجوس (العقل، المنطق، المعنى) هو الشيء الذي لم يعرفه المصريون، لقد كان ~~غريبا عنهم غربة النحت المرن الطيع (البلاستيك) الذي يحيط بالجسد البشري. ~~هنا أيضا نجد الخلط الذي فيه المحدثون بين الوصف والتفسير. ~~- اللوجوس - كما عبر أحد الكتاب - هو التقدم الهائل الذي حققه الإغريق، ~~وسبقوا فيه المصريين لا أحد يجادل في هذه الحقيقة، لكن السؤال الوحيد الذي ~~يجدر بنا أن نطرحه هو: إلى أين وصل هذا التقدم؟ ومن أين انطلق؟ ~~- الملمح الآخر الذي يميز كل ما هو مصري، وترمز له الخطوة التي تتحرك في ~~اتجاه واحد كما تدل عليه الحركة المهيبة الهادئة بوجه عام شيء غريب على ~~الإغريق. ~~- هوميروس وهيزيود - على الرغم مما نحس في شعرهما من كثافة وقوة وعمق - ~~لن نجد لديهما الروح الدينية الجادة حقا. الملاحظة التي يبديها هيرودوت - ~~فيما كتبه في تاريخه عن مصر - من أن المصريين كانوا أشد الناس ورعا وأكثرهم ~~تقوى (الباب الثاني، 37) وهربه في نفس الوقت من المشكلات الدينية الحقة ~~(الباب الثاني، 65). ~~- من هذه الناحية يكون نيتشه محقا فيما زعمه عن أفلاطون من أنه «كان ~~بغريزته عدوا للروح الإغريقية»، وأن المصريين هم الذين «أفسدوه»، فلا شك أن ~~هناك نوعا من «عدم الوحدة» يسري في جميع أعمال أفلاطون، فنحن نجد لديه ~~الطابع الصوفي والديني القوي من ناحية، كما نجد لديه من ناحية أخرى نزعة ~~قوية إلى الأفكار والمفاهيم المجردة، وميلا واضحا إلى الاستمتاع بها، هذه ~~الوحدة المفتقدة تتغلغل في تفاصيل محاوراته، بل إنها لتميز هذه المحاورات في ~~مجموعها، ويمكن أن نقول أنها تسربت من أفلاطون إلى الفلسفة الغربية بوجه ~~عام. ~~- هؤلاء السائحون المتعجلون، بأعصابهم الثائرة وكاميراتهم الفضولية، ~~يتوهمون أنهم عرفوا سر ذلك العالم القديم، وسر العالم على وجه الإطلاق بمجرد ~~سماعهم بعض الأخبار السخيفة ms308 المبتذلة، وإضافة بعض تعليقاتهم الفكهة إليها. ~~لقد فقدوا القدرة على الإحساس بما ينطوي في أصغر قطعة من آثار ذلك الفن ، ~~وبالبعد السحيق الذي جاء منه. ~~- قاعة المومياوات في المتحف المصري بالقاهرة، يستطيع أي إنسان اليوم أن ~~يتطلع إلى هؤلاء الملوك «وجها لوجه». يستطيع أن يرى شارة رمسيس الثاني ~~المهيبة التي حرك بها يده، وهو على فراش الموت، ولن يكلفه هذا سوى خمسة ~~وعشرين قرشا فوق تذكرة الدخول، وهو مبلغ إضافي يتخوف أغلب الزوار من التورط ~~فيه، وبهذا يجد الأموات على أقل تقدير ما يحميهم من التطفل والفضول. ~~- «قديما كان العالم يزخر بالأسرار» فهل خلا منها اليوم؟ ولكن ليس السبب ~~في هذا أننا قد تمكنا من اكتشاف «السر»، بل إننا استبعدناه من عالمنا وشوهنا ~~نظرتنا بالتفسير المزعوم للطبيعة، وأفسدنا إحساسنا به، حتى ضمر وأوشك أن ~~يتلاشى. ~~- قديما على سبيل المثال كان المكان الذي تغرب فيه الشمس لا يزال سرا ~~- ولا بد من التفرقة بين سر من الأسرار وبين السر - وكان انتقالها مرة أخرى ~~من الغرب إلى الشرق لغزا يحير القدماء. «وما من أحد يعرف الطرق التي تأتي ~~عليها أو تذهب منها» (نشيد الشمس لإخناتون)، يظن اليوم بعض الناس أن العالم ~~لم يعد سرا بعد المعلومات الفلكية والفزيائية التي توصلنا إليها. قديما ~~كان منبع النيل لا يزال سرا من الأسرار، وكذلك كان فيضان النيل في فصل ~~الصيف، وهو أشد فصول السنة حرارة وجفافا، أما اليوم - كما يتصور بعض الناس ~~أيضا - فلم يعد هذا سرا بعد ما حصلناه من معارف جغرافية وجيوفزيائية (عن ~~طبيعة الأرض). ~~- من ذا الذي يجادل في أن الروح اليونانية هي أصل الروح الأوروبية ~~ومبدؤها؟ ولكن من ذا الذي لا يساوره الشك اليوم في الروح الأوروبية؟ (بشرط ~~ألا ننظر لهذا المفهوم بمعناه الجغرافي، ولا بمعناه السياسي، بل بمعناه ~~الواسع الذي يضم الروح الأمريكية في بعض مظاهرها كما يضم كل ما تحدده التقنية ~~الحديثة وتختمه بطابعها) ~~- بدأت «النزعة الإنسانية» مع بداية الروح الإغريقية الخالصة، أي إنها لم ~~تبدأ مثلا مع سقراط ms309 وأفلاطون أو مع السفسطائيين. # متحف الآثار الأهلي في أثينا، القطعة رقم 15118 «تمثال إله هرميس أو شاب» ~~من الصعب علينا أن نحدد ذلك من العمل الفني وحده، أصبح الآلهة بشرا خالصين، ~~ولكن على مستوى أكبر. ~~- عندما نرى قطار الأنفاق (المترو)، ونسمع قعقعته، وهو يعبر السوق ~~الإغريقية القديمة (الأجورا) في طريقه إلى بيرايوس، بحيث يتعذر على الإنسان ~~أن يجد السكينة التي تعينه على تأملها، وعندما تلاحظ أن «الأكروبوليس» يقع ~~الآن وسط مدينة مخيفة ومزعجة، فلا بد من القول بأن هذا كله ليس من قبيل ~~المصادفة، لقد كان منذ البداية كامنا في البذرة ... ~~- الأكروبوليس، وتلتقط الكاميرات الصور. ~~- واقع فن التصوير (الفوتوغرافيا) شيء، والواقع الذي يصوره تصورا دقيقا ~~- وإن يكن في نفس الوقت تصويرا زائفا - شيء آخر. قد تبدو هذه ملاحظة تافهة، ~~وهي بالفعل كذلك، لكن هل لا يزال الإنسان الحديث - الذي تتساوى عنده كل ~~الفروق يوما بعد يوم - يحس حقا بالفارق بينهما؟ ما عاد الناس يرون، إنهم ~~يصورون. ~~- المعابد الإغريقية، لا شك أن الإغريق كانوا يحتفلون فيها بالعالم على ~~نحو نادر وفريد، غير أنها لم تعد مكانا قدسيا بالمعنى المباشر للقداسة كما ~~كانت عند المصريين، ولهذا أيضا خلت أعمدتها وجدرانها من الكتابة الدينية ~~(التي لم تقتصر عند المصريين على الكتابة الهيروغليفية، بل كانت تشمل كذلك ~~الرسوم والنحت البارز). ~~- الآثار والمباني المصرية لا تعد ضخمة على الإطلاق، أو هي على الأقل ~~ليست كذلك بالمعنى الذي يفهم من ضخامة «الكولوسيوم الروماني». إنها على أقصى ~~تقدير أعمال هائلة، وذلك إذا لم نفهم هذه الكلمة الأخيرة بالمعنى الذي يحضر ~~في ذاكرة المتأمل إليها كما يقول رودلف أنتيس: العظمة الحقيقية لا تقاس ~~بمقياس كمي. حتى القطع الضئيلة الحجم من الفن المصري القديم تشع منها في معظم ~~الأحيان عظمة لا توصف. ~~- لماذا اتجهوا لكل ما هو عظيم وجليل؟ لا لأنهم كانوا يبحثون عما هو ضخم ~~وهائل، بل لأنهم كانوا يريدون ما يزيد عن كونه مجرد شيء بشري (لا لكل يزيدوا ~~من تأكيد أنفسهم كبشر كما يحدث الآن في ms310 المنشآت الصناعية الضخمة، بل لكي ~~يتمثلوا ضآلة كل ما هو بشري محدود، ويصوروه لأنفسهم في صورة حية ~~ملموسة). ~~- إن الإنسان وكل ما هو مجرد شيء إنساني يصغر ويتلاشى أمام أعمالهم في ~~البناء. لهذا فإن الأرقام والأعداد لا تفلح في تقدير أبعاد هذه الأعمال، على ~~عكس المتبع مع المنشآت الصناعية الحديثة والمساكن الضخمة، ذلك أن عظمتها تفوق ~~كل تصور. ~~- يبدو أن «أبا الهول» الراقد في الجيزة هو أفضل مثل يصلح لتوضيح الفارق ~~بين الجلال والضخامة، فمع أن أبعاده تتجاوز كل مقياس بشري، شأنه في هذا شأن ~~الأهرام التي يتصل بها أوثق اتصال، فإن المتأمل له لن يحس أدنى إحساس ~~بالضخامة أو الهول، بل سيشعر حياله بالعظمة الكونية. ~~- حتى التمثالان الجباران الجالسان على واجهة معبد أبي سمبل، لا يمكن ~~وصفهما بالضخامة بالمعنى المألوف من هذه الكلمة، بل الأولى أن يقال أنهما أجل ~~وأعظم من كل مقياس بشري. ~~- من الخطأ أن نفتش عن أصل التقنية والنزعة التقنية عند المصريين، كما أن ~~من الخطأ أن نبحث عن أصل الدين عند الإغريق. هذا على الرغم من أن المصريين قد ~~نجحوا في حل أعوص المشكلات «التقنية» بطريقة لا تزال غامضة حتى اليوم. إنهم ~~لم يتغلبوا أبدا على المصاعب «التقنية» بوسائل تقنية. # وإذا كانت التقنية الحديثة قد التهمت هذه الآثار كما التهمت كل شيء على ~~هذه الأرض، فيبدو أنها استطاعت أيضا أن تصمد دونها. ~~- صحيح أن السائح الفضولي النهم إلى كل مثير يصل إلى غرفة الملك المنهوبة ~~التي تسطع بأنوار النيون في الهرم الأكبر على طريق مريح وفوق سلالم مأمونة، ~~ولكنه لا يصل إليها قبل أن ينحني ويحني رقبته بما يناسب المقام. # ولا زالت هناك غرف ملكية وقبور لا يهبط إليها الإنسان إلا بالجهد الجهيد ~~على ضوء الشموع المرتعش. ~~- «... لقد خلقوا أعمالهم كما خلق عندنا جهابذة الفن في العصر الوسيط ~~أعمالهم لكي تراها عين الله ...» غير أن هذه التماثيل لم تخلق للرؤية على ~~الإطلاق، لا من عين بشر ولا من عين إله. ~~- لم يكن هذا الفن استطيقيا ms311 - فالجميل شيء لم يبدعه إلا الإغريق - ولا ~~كان كذلك دينيا، لم يكن «دينيا»؛ لأن غايته كانت غاية دينية ~~مباشرة. ~~- «كان الفنان المصري كذلك صانعا للشعائر والطقوس.» ولكن هذه العبارة ~~وإن بدت قريبة من صميم الموضوع تمثل وجهة النظر الحديثة في التصور والتفكير. ~~إن الفنان المصري لم «يصنع أو ينتج» شيئا، فهذا شيء لا يقوم به إلا الإنسان ~~الحديث الذي طبعته النزعة التقنية بطابعها. وهل يعني الكلام عن الشعائر ~~والطقوس إزاء هذه الأعمال الفنية سوى محاولة تفسير المجهول بمجهول آخر، أي ~~عدم قول شيء على الإطلاق؟ ~~- لوح «نارمر» بين عصر ما قبل التاريخ والعصر التاريخي. الوحشان اللذان ~~روضهما الإنسان يصوران برقبتيهما المتشابكتين دائرة العالم. ~~- أبدا لا تنفصل التماثيل انفصالا تاما عن كتلة الصخر التي نحتت ~~منها، إنها تظل مغمورة فيها، بل ما أكثر ما تكون مدفونة فيها، على العكس من ~~النحت الإغريقي المرن، ويتضح هذا بوجه خاص حين يكون الارتباط بالصخر ظاهرا ~~للعيان، كما هو الحال في النحت البارز. ~~- كل الإشارات من الإنسان للإنسان، ومن الإنسان للرب، ومن الرب للإنسان ~~إشارات حيية ومقتصدة. غياب كل انفعال وكل زخرف. التطابق بين الاعتدال ~~والقوة. ~~- الأيدي التي تهب الهدايا والقرابين، وتتلقاها لا تضم وتمسك وتحمل، بل ~~تلمس فحسب، لا تقبض على الشيء أبدا ولا تتسلط، إنها تومئ وتشير، وتظل وتحمى، ~~وتبقى على الدوام متزنة وديعة. ~~- لم يتصوروا الحيوانات تصورا بيولوجيا (حيويا) ولا تصورا تطوريا ~~عقلانيا، بل إنهم لم يتخيلوها على صورة الإنسان، تماثيل الآلهة التي تعلوها ~~رءوس الحيوانات لم يقدها الفنان على قد الإنسان، وإنما عبر بها وهو في طريقه ~~إلى «الآخر»، إلى ما يزيد عن كونه مجرد إنسان. ~~- الكرنك، إنه باق هناك، دائم وكل ما عداه يزول، مكتف بنفسه حقا، ~~مرتفع فوق ذكريات التاريخ وأبنية العلماء. ~~- الكرنك، معابد فوق معابد، ردهات بعد ردهات، أحواش وراء أحواش، غابات من ~~الأعمدة، بحيرات مقدسة مدينة كاملة من المعابد يستطيع الإنسان أن يتجول فيها، ~~ويتوه عن نفسه ويفقدها، أعني يجدها، على العكس من الإكروبوليس في أثينا، حيث ms312 ~~لم يقدر المرء على ذلك، على الرغم من امتداد رقعته، فكل شيء فيه مقدود على ~~مقاس الإنسان، وكل جميل فيه متزن ومتناسب ومحسوب. ~~- الكرنك، هناك شيء أبدى يحوم فوقه، شيء عجيب يأخذك ويستحوذ عليك. وأنا ~~أدور وأدور حول البحيرة المقدسة والمسلات المنكفئة بجوارها، والجعران الضخم ~~الملقى في أحد أركانها. # من أين يأتي هذا الشعور بأن ثمة شيئا يستحوذ عليك؟ لأن ما أبدع هنا لم ~~يكن إلا تعبيرا عما هو كامن في طبيعة هذه المنطقة من الأرض، وما كانت دائما ~~تشير إليه إشارة كونية. # هذا هو سر الطاقة السحرية العجيبة التي لا يمكن أن تنبعث على هذه الصورة ~~من أي عمل بشري بحت، ولا من أي عمل فني خالص. من لم يلمس هذا ويحسه، فلن يجد ~~في هذه الأشياء جميعا - كتماثيل الآلهة ذات الرءوس الحيوانية - سوى مسوخ ~~«بشعة». ~~- مدينة الموتى في طيبة، مدافن الأشراف على حافة الصحراء، أما قبور ~~الملوك ففي عمق الصحراء نفسها. ~~- الرسوم المنقوشة على جدران القبور. من العسير أن نقول أن الموت كان ~~بالنسبة لهم عدما مجردا، من الصعب أيضا أن نقول إنهم غفلوا عن بشاعته، أو ~~قللوا من شأنها. ~~- مركب الشمس، في مقبرة رمسيس السادس الفسيحة، على جدار الغرفة الخلفية ~~الأخيرة - غرفة الموتى - ترفعه الربة الراكعة بذراعيها المفتوحتين، ويديها ~~الممدودتين، بحيث يمكن أن يسقط ضوء النهار الذي ينفذ من باب المقبرة البعيدة ~~فوق قرص الشمس المرفوع مباشرة على الرغم من أن الغرفة مدفونة في قاع الأرض، ~~بينما يظل كل شيء، بما في ذلك تابوت الملك، غارقا في الظلام. ~~- الدير البحري، كلما ارتقى الإنسان الدرجات العريضة لمعبد الملكة ~~العظيمة الذي يسبح في نور الصحراء، وترف ألوانه الصفراء المائلة للبياض، ~~ازداد إحساسه بجبروت الجبل الذي نحت في أحضانه، حتى يصل في النهاية إلى ~~المصطبة العليا بالقرب من قدس الأقداس المؤلف من ثلاث غرف بنيت خلف بعضها ~~البعض، ويرى نفسه في مواجهة الجدران الصخرية الوعرة كأنه وسط جبل عال، ولا ~~يدري من أي شيء يعبر عن ذهوله ودهشته، أمن الكتلة ms313 الصخرية المهشمة المهترئة ~~في بطن الجبل الرائع، أم من الخطوط البسيطة الجليلة المجردة في معمار المعبد؟ ~~أما أكثر ما يثير الدهشة ، فهو التناغم بينهما. # هنا حقق الإنسان أسمى ما يمكن تحقيقه، طبيعة عظيمة وفنا عظيما بجوار ~~بعضهما البعض مباشرة. ~~- صوفية الجبل الماثلة في أنقى صورها في معمار هذا المعبد مثل صوفية ~~الصحراء المنبسطة في معمار الأهرام. ~~- سر التجريد في هذا المعمار، بأبعاده ومنافذه الكونية الخالصة الراقدة ~~في الفضاء الكوني. من هنا يجيء تأثيرها المتزايد في ضوء القمر. ~~- في هذه الطبيعة، في حواف جبالها، في طابعها الفريد الذي لا يوصف، تعثر ~~على سر أبي الهول الأكبر، سر الأهرام، سر المباني والتماثيل المصرية القديمة ~~بوجه عام. إنه سر لم يبتدعه بشر، بل كان دائما هناك. كان الفنانون القدماء ~~يعملون بوحي من هذا التلاحم والاتصال، لم يخترعوا شيئا ولن يبتدعوا أي شيء ~~من العدم، بل اكتفوا باستخراج السر الكامن فيه. ترى هذا أوضح ما تكون الرؤية ~~في معبدي أبي سمبل، لم يصنع الإنسان هنا شيئا ولم يضف أي شيء، وإنما نحت كل ~~شيء من باطن الصخر. ~~«... يبدو المعمار والطبيعة من خلق فنان واحد» (فلوبير)، بيد أن هذه ~~العبارة تقوم على تصور شخصي للخالق، وهو تصور لا يلائم هذا المجال. ~~- ليس عليك إلا أن تستغرق في هذه الصخور المهشمة الناتئة من الجبل ~~الصحراوي الشاخص المتلألئ بالأضواء، وهنالك تجده ليلا على ظهر السفينة عبر ~~النوبة. الشواطئ الجبلية الجرداء على الجانبين ماء النيل المخضر المائل ~~للاصفرار ينساب كسولا، من فوقه السماء السوداء المتألقة بالنجوم، الجو اللين ~~الثقيل، كل شيء يبدو كأن الإنسان يعبر أحد أنهارهم المتجهة صوب العالم ~~السفلي. ~~- أبو سمبل، تبدأ الرحلة النيلية من أسوان لتمتد بنا مسافة ثلاثمائة ~~كيلومتر في عمق الجبل الصحراوي الرائع العاري، هذا وحده شيء يهز النفس، ~~ويستحوذ عليها، ثم نلمح هذه المعابد الصخرية والشمسية التي يشع منها سحر قوي ~~وعجيب، لكأن هذا كله وهم حقيقي في عالم كهذا العالم الذي نعيش اليوم فيه، أو ~~بالأحرى وراء كل عالم ... ~~- لماذا يختلف ms314 تأثير هذه المباني والتماثيل تمام الاختلاف عن تأثير أفضل ~~الأعمال في الفن الغربي الكلاسيكي، ولماذا يفوقها عظمة وجلالا إلى ما لا ~~نهاية؟ لأن كل شيء قد نشأ عن إحساس كوني وعلاقة كونية مباشرة، مع العلم بأن ~~صفة «الكوني» هنا قريبة ما وصفناه بأنه «سحري». كلاهما بالطبع من قبيل ~~الأوصاف التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن حيرته وارتباكه، ولكن أين الكلمة ~~التي لا تعبر في هذا المقام عن الحيرة والارتباك؟ ~~- هذه التماثيل لا تجلس ولا تقف ولا تخطو في المكان الدنيوي أو ~~«العالمي»، بل في الفضاء الكوني، إنها لم تعد في هذا العالم. ~~- عن فكرة العلو (الترانسندنس) في التكرار بمعناه الدقيق. ألا يقوم ~~التأثير الهائل المنبعث من تمايل الملوك، الآلهة والحيوانات المتشابهة ~~المتجاورة في نهاية الأمر على هذا التكرار الأصيل؟ ألا ينفرد به الفن المصري ~~عن كل الفنون؟ ~~- كلما أطال الإنسان التأمل في وجوه هؤلاء الملوك، الآلهة التي تشبه وجوه ~~الرضع الذين شبعوا من أثداء أمهاتهم، ازدادت ابتسامتهم ألوهية، وسموا على ~~العالم. من أي مكان نظرت إليهم خيل إليك أنهم يشيرون إليك مبتسمين. ~~- التعارض الواضح بين السد الجديد بالقرب من أسوان ومعابد أبي سمبل يلقي ~~ضوءا على الصراع الباطني الذي يعانيه العالم الحديث. ذلك أن ماهية هذا ~~الصراع تكمن في أنه لا يمكن أن يحل بهذه الصورة، فلا الإنسان بقادر على ~~التخلي عن التقدم التكنولوجي لصالح المعابد، ولا هو بقادر على التضحية بهذه ~~الشواهد الفريدة على الشعور الديني. ويظهر القلق والارتباك أوضح ما يكون ~~عندما يزعم البعض أن حل هذا الصراع لا يعدو أن يكون مشكلة تقنية ومالية. ولا ~~مناص من القول بأن المعبد الذي ينقل من مكانه وتضاف إليه بعض الرتوش الجمالية ~~لا بد أن يفقد قوته السحرية، إنه لن يكون أكثر من موضوع يصلح للدعاية ~~السياسية والسياحية. ~~- دندرة، معبد متميز، مفعم بالأسرار، وإن لم يكن السر هنا بنفس القدر من ~~الانفتاح والقوة اللذين كانت تتسم بهما أعمال البناء في العصور المصرية ~~المزدهرة. ~~- دندرة، تسير الأقدام على طريق صاعد باستمرار ms315 من غرف الموتى المدفونة في ~~باطن الأرض في ساحة المعبد، إلى سلالم ترتفع ارتفاعا خفيفا بين جدران ~~المعبد الشامخة لتؤدي إلى المصطبة الخلفية تحت السقف، وفيها محراب «هاتور» ~~المفتوح على السماء، حتى يصل المرء أخيرا إلى أعلى الدرج الأمامي الواسع، ~~ويجد نفسه وحيدا مع الصحراء وجبالها. ~~- تتناغم مع هذا كله صور النجوم والنقوش السماوية المنتشرة في كل مكان، ~~كل شيء يعبر عن الإحساس الكوني. ~~- الأهرام، هل وجد على هذه الأرض شعب اتجه مثل هذا الاتجاه الخالص الحاسم ~~نحو «الآخر» كما فعل الشعب المصري عندما شيد الأهرام في قلب الصحراء؟ ~~- الأهرام، أشكال كونية خالصة يلعب النور والظل على جوانبها لعبا ~~هندسيا، وترتفع سامقة في المكان، المكان الحقيقي، أي المكان المتعالي، لا ~~المكان الأرضي المحدود الذي يقيم فيه الإنسان. ~~- بوجه عام لا يزال كل شيء عند قدماء المصريين يحمل طابع المكان، فهو ~~مكاني في هندسته، مكاني في سكونه، مكاني في تعاليه. ~~- تكمن ماهية المكان في أبعاده، وفن التصوير المصري الذي يميل كما هو ~~معروف إلى التسطيح لا يتخلى عن المكان، كما قد يبدو لأول وهلة، وإنما يتخلى ~~عن كل وهم مكاني، الأولى أن يقال أنه يلجأ إلى العديد من مستويات الإسقاط؛ ~~لكي يزيد من الإحساس بالمكان إلى أقصى حد. ~~- يبدو أن من أهم خصائص الأهرام أنها لم تكن مجوفة، بل كانت كتلة سميكة ~~متماسكة. ومع هذا فإن كتلتها الصخرية لا تضغط على الأنفاس ولا تكتمها؛ إذ ~~نشعر أمام سطوحها المائلة كأننا نواجه بحرا هائلا من الأحجار يجرفنا تياره ~~الرهيب، ويحملنا بعيدا. # ويتجدد ذهولنا ونحن نقف مشدوهين أمام هذه السطوح المستوية التي تندفع ~~بقوة إلى أعلى، وكأنها رمز الهروب إلى الأعالي. ~~- هذه الومضات الرائعة - كاللمحات المتطلعة إلى أعلى - على الجدران ~~المائلة للأهرامات، وبخاصة أضواء الليل. من تصور أن من الضروري تسلق ~~الأهرامات أو «قهرها» فقد أخطأ بالغا، وأدار فكره نحو هذا العالم. والتجربة ~~التي يظن السائح الحديث أنه عاشها بعد مشاهدة هذه المحاولات السخيفة ليست ~~تجربة مقطوعة الصلة بالروح المصرية القديمة فحسب، بل ms316 هي غريبة عليها، ~~ومتعارضة معها، ولا تتصل أدنى اتصال بعلم الآثار. ~~- فالظاهر أن من أهم ما يميز الأهرامات، سواء كانت مدرجة أو مستوية، إنها ~~لم تكن مهيأة للتسلق عليها، كما أنها كانت بطبيعتها عصية على البشر، أضف إلى ~~أهم خصائصها أنه كانت تتبعها في الأصل منطقة واسعة تضم المعابد وأماكن تأدية ~~الشعائر والطقوس. ~~- لم تجعل كل هذه الأشكال الهندسية البسيطة - كالأهرامات والمسلات ~~والبوابات - من أجل الصعود إلى السماء، فلا أثر هنا لما كان يسمى في العصور ~~الوسطى بالسلالم الصاعدة إلى الجنة، ولا من أجل الانتفاض عليها، بل جعلت - إن ~~جازت هذه الفكرة - لتحويل القوى السماوية نحو الأرض وشدها إليها. إنها - كما ~~يقول الأثري الفرنسي ساميفيل - مغناطيسات كونية. ~~- غرفة التابوت داخل هرم خوفو، مكان على شكل مكعب دقيق، مكون من كتل ~~جبارة من الجرانيت ملصقة ببعضها البعض بلا أسمنت أو لحام ولا شيء غير هذا. ~~أقصى حدود البساطة، ولكن أية عظمة وأي اقتدار وأي جلال: # رقد الميت هنا حرا من كل مشاغل العالم، ومن كل صخب أو صغار، رقد رقدة ~~الملوك. ~~- وحده. # صحيح أنه لم يرقد في مكان حر مفتوح، ولكنه كان في مكان، وإن يكن مكانا ~~للموتى. ~~- نفس الشيء يتكرر هنا أيضا عند الأهرامات. فالإنسان الحديث الذي يغلب ~~عليه النزق والسطحية لا يمكنه أن يأخذ ذلك الشيء الأصيل الذي دفع شعبا ~~كاملا إلى بنائها مأخذا جادا - وأعني به المنبع الذي ينبثق منه الآخر - ~~ولا يمكنه أن يفهمه على حقيقته، وإنما تستلفت انتباهه مختلف التصورات النفعية ~~والغرضية من عقلية وتكنولوجية، وهي تصورات تخلع على الأهرامات بصور تتفاوت ~~فيها البراعة والحذق. # غير أن أمثال هذه الأعمال لم تقصد لمنفعة أو غرض، بل لم يكن لها هدف فني ~~أو جمالي، وهذا هو الذي يجعلها عديمة المعنى في نظر الإنسان الحديث. إنها لم ~~تشيد من أجل شيء، أي لم تشيد من أجل شيء متصل بهذا العالم، ولكننا لا نتصور ~~ولا نملك القدرة على تصور عمل ليست له غاية مرتبطة بشيء يتعلق بهذا العالم. ~~الدليل ms317 على هذا أن مشاعرنا الدينية المزعومة لا تكاد تخرج في معظمها عن أن ~~تكون مشاعر دنيوية مقنعة. ~~- قوم تحركوا في اتجاه مختلف تمام الاختلاف عن الاتجاه الذي نتحرك فيه ~~اليوم. من المستحيل - إن أذن القارئ بهذا الزعم الأحمق - أن نتصور ما كان ~~يمكن أن يحدث لو أن الإنسانية سارت في ذلك الاتجاه. ~~- آثار الحضارة المصرية القديمة مهولة فيما بقي منها، أكثر هولا فيما ~~أصابها من دمار رهيب. ~~- نصيحتان تتكرران دائما فيما أثر من الحكمة المصرية القديمة: # اتبع قلبك. # احتفل بيوم جميل. # هذه النصائح قد تبدو لنا اليوم سخيفة، ولما كان القلب هو أشد الأعضاء ~~خفاء في باطن الإنسان، فإن حقيقة ما يأمر به تظل خافية، كما أن الاحتفال الذي ~~تتحدث عنه - لاحظ أنها تنصح بالاحتفال لا بالاستمتاع - يظل هو أصعب ~~الأمور. ~~- أدهش المدهشات في هذا البلد هو أقدمها، الهرم المدرج في الصحراء بالقرب ~~من سقارة. ~~- ما الذي يجعل الأهرامات المدرجة أقوى تأثيرا من الأهرامات المستوية؟ ~~لأن للهرم المدرج ذبذبة تجعله أشبه بنهر من الأمواج الهائلة التي تتدفق نحو ~~السماء. إنه يجمع بين السكون والإيقاع. ~~- أنصاف الأعمدة والأعمدة المتموجة وجدران السور الكبير المحيط بهذا ~~الهرم - وإن كانت أقدم الأعمال التي شيدتها البشرية - لا يبدو عليها أي أثر ~~للجهامة والشيخوخة، فأحجارها الجيرية البيضاء المائلة للاصفرار تبدو ناصعة، ~~حتى ليخيل للمرء أنها بنيت حديثا أو أنها تنتمي إلى حضارة كاملة سحيقة القدم ~~هبطت على الأرض من عالم آخر. # من هنا أيضا يأتي سر ذلك السحر العجيب المنبعث من هذه المنطقة. ~~- سقارة، ازدهار النور. رفيف الهواء والصحراء التي تقع فيها هذه ~~الأهرامات بمعابدها وقبورها. هذا النور الوهاج الذي يحرر النفس. ~~- لحظات من الانفتاح الكوني، أي الانفتاح الأخير، جيشان المنبع: ~~صفاء. # | هذه الخواطر ... # ما أجمل أن نرى بلادنا بعيني الغريب، وما أندر هذه التجربة في حياتنا. ~~تمر الأيام بعد الأيام ونحن ندور وندور، معصوبي الأعين، مؤرقين بلقمة العيش، ~~غارقين في دوامة الأضواء والألوان والأصوات والأنباء، ضائعين في زحام الهموم ~~الصغيرة والمشاغل والصراعات الحقيرة، بعيدين عن ms318 أقرب الأمور إلينا، عاجزين عن ~~الخروج من الدائرة والارتفاع فوقها والبعد عنها. ونحاول في لحظات نادرة أن ~~نخلص أنفسنا، فنكون أشبه بذلك البطل الروائي المسكين الذي أراد أن ينتشل نفسه ~~من المستنقع فراح يشد شعر رأسه بكل ما أوتي من قوة! فإذا زارنا الغريب بضعة ~~أيام رأى ما لا تراه أعيننا واندهش من أقرب الأشياء إلينا، واستطاع أن يبصر ~~«الغابة» دون أن يتوه في زحمة الأشجار، وأن ينظر نظرة الطائر بغير أن يضيع ~~بين النتوء والتضاريس. وندهش لرؤيته ونعجب لصدق نظرته. ونتعلم أن البعد شرط ~~القرب، وأن العلو فوق كل شيء لا غنى عنه للوصول إلى قلب أي شيء. # فإذا كان هذا الغريب العزيز إنسانا أحب بلادنا وتعاطف مع شعبنا، وزارنا ~~مرتين ليلتقي لقاء حيا مع آثار حضارتنا وشواهد تاريخنا وضميرنا، واقتفى ~~آثار فيلسوفنا - «الأسيوطي» - أفلوطين - الذي كدنا أن ننساه على الرغم من ~~أثره العظيم على تصوف الغرب والشرق، إذا كان هذا الغريب القريب أستاذا ~~للفلسفة، وعالما في الفيزياء والرياضيات، ومتصوفا رقيق الحس دقيق العبارة، ~~توقعنا أن تكون رؤيته أوضح وأتم، وأن يكون حوارنا معه متعة للقلب ~~والعقل. # وفولفجانج شتروفه هو أستاذ الفلسفة في جامعة فرايبورج - وهي نفس الجامعة ~~التي علم بها إدموند هسرل صاحب الظاهريات ومارتن هيدجر فيلسوف الوجود - وقد ~~شرفت بالدراسة على يديه كما شرفني بإهداء هذه الخواطر إلي. وهو رجل دأب على ~~القيام برحلات فلسفية طاف فيها معظم أنحاء العالم، صحاريه وغاباته وجباله ~~وسفوحه والثلجية، بحثا عن السكينة والوحدة التي تمكنه من تسجيل خواطره ~~بعيدا عن كل صوت وكل إنسان. وهذه الخواطر التي قرأتها الآن هي أحد فصول ~~كتابه «الملمح الآخر» الذي نشره سنة 1969م، وسجل فيه - كما سجل في كتبه ~~الأخرى الثلاثة «نحن وهو»، الانتقال إلى الواقع، و«الواقع الذي لا يصدق» - ~~مجموعة كبيرة من الخطرات والأفكار المفعمة بالعاطفة الجياشة والمفارقة ~~اللماحة والتجربة الحية التي تحاول أن تصف ما لا يوصف، وتقول ما لا يقال. ~~فالخاطرة الدقيقة الحادة، والحكمة القصيرة الموجزة، واللمحة الشفافة الذكية ~~هي الجسر الوحيد ms319 الذي يستطيع أن يعبر عليه إلى «الواحد» الذي يحيا وحيدا معه ~~- كما تقول عبارة أفلوطين الخالدة - ولأنه هو «الآخر» المختلف عن كل شيء؛ إذ ~~ليس كمثله شيء، تجده يبتعد عن لغة التفسير والوصف والتحليل بتحديداتها ~~الضيقة، وأوعيتها الجاهزة إلى لغة الخاطرة المتقدة والفكرة الخاطفة. وهو بهذا ~~يؤصل تراثا عريقا تلقاه في أمثال الشعوب، وأقوال الحكماء الشعراء من بوذا ~~ولاوتسي وكونفوشيوس إلى الفلاسفة قبل سقراط، ومن ابيكتيت وماركوس أورليوس إلى ~~متصوفة المسيحية والإسلام، ومن باسكال ومونتني والأخلاقيين الفرنسيين إلى ~~جوته ولشتنبرج ونيتشه. وهذه الخواطر شواهد على تجربته الكبرى التي يعيش ويخلص ~~لها منذ أكثر من ثلاثين سنة. وهي جميعا - إلى جانب كتابه «الأكاديمي» الوحيد ~~الذي حاول فيه أن يتناول تجربته من خلال التراث الفلسفي (وأقصد به كتابه ~~«فلسفة العو» الذي تشرفت بنقله إلى العربية، وأرجو أن يرى النور عن قريب) # 1 ~~- تسجل مجاهداته المتصلة في سبيل الوصول إلى الواحد، أو وصول ~~الواحد إليه، وتصف مختلف السلالم الجدلية التي لم ينقطع عن تجربة الصعود ~~عليها لعله أن يمسك شعاعا من بريق «الآخر»، وهذه التجربة التي أشار إليها ~~عرضا في خواطره عن «مصر» هي تجربة «العلو» (أو ما يعرف في المصطلح الفلسفي ~~باسم الترانسندنس) والمجال لا يتسع لشرح هذه التجربة، أو الحديث عن أبعادها ~~وأعماقها وظلالها، فهي تجربة كما قلت. # والتجربة لا تريد منك إلا أن تجربها وتعانيها. وكل وصف أو شرح أو تحليل ~~لها لا بد أن يشوهها ويسطحها ويخنق نبضها الحي. وكل «كلام» عنها يهددها ~~بالضياع؛ لأن اللغة التي خلقت بطبيعتها للتخاطب اليومي، ووصف الأشياء لا يمكن ~~أن تصف ما لا يوصف أو تقول ما يقال. وكل محاولة لفهمها عن طريق العقل ~~ومفاهيمه وتصوراته تظل قاصرة عن لمسها والاقتراب منها. هل معنى هذا أن نعطل ~~اللغة أو الفكر؟ بالطبع لا. فهما كل ما نملك، ولا بد أن نواصل الرحلة معهما ~~إلى أقصى الحدود التي يطيقانها، ثم نتخلى عنهما - كما تقول عبارة فتجنشتين - ~~كما نتخلى عن السلالم بعد الوصول إلى السقف. هناك ms320 تكون الرؤية بعد أن يعجز ~~الفكر، تكون المشاهدة بعد أن يقصر العقل، وتحق المفارقة والتناقض وجدل ~~العاطفة المعذبة بعد أن تيأس أجنحة المنطق المألوفة واللغة المألوفة. # لنقل باختصار أن تجربة العلو هي صميم تجربة التفلسف. وإذا كان التفلسف - ~~أي السؤال المتصل عن المعنى والكل والقيمة والمصير - هو الذي يضمن للإنسان ~~إنسانيته ويعصمه من التدهور إلى درج الحيوان والآلة والرقم، فإن العلو يصبح ~~ضرورة يحتمها الوقوف في وجه الأخطار التي تهدد الإنسان اليوم، الآلية ~~والتسوية والتسطيح والغرور العلمي والمذهبي والثرثرة والضجيج والابتعاد عن سر ~~الواقع وضياع الجانب الأبدي الخالد فينا ضحية التشتت والنهم إلى المنفعة ~~والجشع إلى التصارع والتظاهر. لا بد إذا من العلو فوق كل شيء على الإطلاق. ~~كيف؟ عن طريق التغلغل في كل شيء إلى الأعماق. قد تبدو هذه مفارقة، ولكنها ~~تجربة المتصوف في كل العصور، أن تتخلى عن كل شيء لكي تجد كل شيء، أن تترك ~~العلائق وتتمسك بالحقائق، أن ترتفع فوق العالم وكل ما يمت له بسبب؛ لكي ترجع ~~إلى «العالم»، أن تعلو فوق الواقع الحسي الملموس؛ لكي تستطيع بعد ذلك أن تلمس ~~سر «الواقع»، وتراه بعين الدهشة التي كانت أصل الفكر، وتتحول إلى «الآخر» ~~المختلف عن كل ما هو شيء، وتحتمل أقصى ما يمكنك من الصبر والمشقة والجهد؛ لكي ~~تستطيع بعد ذلك أن تحس بواقع كل شيء، لكي يعود «الأخضر أخضر» والواقع واقعا. ~~والتجربة شاقة وطويلة، لا بد أن تكابدها بنفسك، لا يمكن أن ينوب عنك أحد في ~~تحملها، لا تنمو إلا على أرض السكينة والتوحد، لا تثمر إلا إذا سرت على أشواك ~~الجدية والصبر. قد تعود منها خالي اليدين، وقد ترتد عنها بلا شيء، ولا بد أن ~~تعيد الكرة، وتعاني التحول من الباطن، وتصمد «للهجوم» عليها من جديد كما يصمد ~~الفارس العنيد للقلعة الغامضة المنيعة. هناك بعد تجارب وتجارب، قد تلمس ~~«الآخر» أو بالأحرى يلمسك، قد تحس بالمعنى والحرية الشخصية والواقع، قد تعيش ~~في ماض لم يعد له وجود، ومستقبل لم يوجد بعد. وحين تجد ms321 «اللحظة» - فاكهة ~~الأبدية - ستحس أن الماضي أصبح حاضرا كان، وأن المستقبل حاضر لم يأت، ~~وترتفع «الأنا أو الذات» الحقيقية من تحت ركام الأنا أو الذات الغارقة في ~~المحسوس، المشتقة بين الصغائر، الجزعة الموزعة بين الرغبات والآمال والمنافع ~~والغايات. هناك تتعلم أنك تقدر على العلو فوق نفسك وفوق العالم؛ لكي تكتسب ~~نفسك الحقيقية والعالم الحقيقي. هناك تعرف أن فيك شيئا أبقى من الكواكب ~~والنجوم، وتكتشف أن الواقع الحقيقي - الذي طالما أخفته المفاهيم العقلانية ~~المسطحة والتفسيرات العلمية أو شبه العلمية - أقرب إليك مما كنت تتصور، بل هو ~~ماثل في كل شيء حولك، مهما صغر حجمه وضؤل شأنه. ليس معنى هذا أن تنكر «العلم» ~~أو تلغي «المنطق» أو تزهد في «العمل» - فهي الأسس التي لا غنى عنها لحياتنا - ~~ولكن معناه أن نرتفع إلى المستوى الذي تفترضه كل هذه المستويات كما يفترضها، ~~والذي لم يخل منه فكر حقيقي ولن يخلو منه. وما أشد حاجتنا إلى هذا العلو في ~~زمن يحاربه ويلغيه، زمن أصبح الكلام فيه عن السكينة، والوحدة، والمعنى، ~~والشخصية، والحرية كلاما يثير الشبهات. والعلو هو الذي يضمن لنا - ولو ~~للحظات - أن نطل على العصر لنرى إلى أين يسير ويجرفنا معه، ويتيح لنا أن ~~نستوضح المفاهيم التي تشوهت من كثرة التكرار والترديد والتجريد، ويضيء أحوال ~~وجودنا ومسائله وهمومه الكبرى، ويعيدنا إلى التفكير في المعنى والحرية ~~والشخصية والأبدية والأصالة والتراث وغيرها من الأفكار التي نرددها صباح ~~مساء، لا هروبا من الواقع، بل عودة إلى قلب الواقع، لا زهدا فيه، بل بهجة ~~واندهاشا لسره المعجز المتجدد، لا تعاليا فوقه، بل علوا عن طريق التحول ~~الباطن إليه والتغلغل في كل تفاصيله وأشيائه والانفتاح على معنى كل شيء فيه. ~~ولن يتم هذا إلا من خلال الاتصال بالآخر المختلف عن كل شيء، أو بالأحرى من ~~خلال التهيؤ بالصبر والسكينة للمسته النادرة الخاطفة، هناك في حضن الطبيعية ~~العظيمة النقية، أو في آفاق المكان الباطني الذي لا يعرف حدود المكان الهندسي ~~والفيزيائي، أو في خضم عمل جماعي وإنساني عظيم. # بهذه التجربة ms322 زارنا الضيف الغريب، ومن خلالها نظر إلى أهرامنا ومسلاتنا ~~ومعابدنا وآثار فننا وحضارتنا. كان هذا - إن لم تخني الذاكرة - في سنتي 1960 ~~و1966م. لقد وجدها جميعا تتحرك حركة واحدة إلى أعلى، حركة مهينة رزينة ~~ساكنة، كأنها تحاول أن تنفذ إلى أسرار السماء، أو تحاول أن تشدها إلى الأرض، ~~هنا لمس الحقيقة العالية، ورآها تتحقق في صورتها الخالصة لأول مرة على هذه ~~الأرض: «أين وجد على هذه الأرض شعب تحرك هذا الاتجاه الحاسم نحو الآخر كما ~~فعل شعب مصر عندما شيد الأهرام في قلب الصحراء؟» هنا وجد الطبيعة العظيمة ~~والفن العظيم. وجد العري والنقاء والانفتاح والتحرر الذي لا يأتي إلا من باطن ~~الإنسان حين يسلم نفسه لما يعلو فوق الإنسان. # وتسأل نفسك اليوم - وبعد انقضاء ما يزيد على خمسة وعشرين قرنا على ~~انهيار الحضارة القديمة، وبعد أن فقدنا كل صلة حية بها - هل لا تزال لدينا ~~القدرة أو الرغبة في الاتصال بالحقيقة العالية أو التحرك - النابع من أعمق ~~أعماق الباطن - نحوها؟ لا شك أننا أمة متدينة بالفطرة. شهد بهذا أبو التاريخ ~~في كتابه عندما قال إننا أشد الناس ورعا. وشهد به غيره حين قال إننا تعلمنا ~~الصلاة قبل أن نتعلم الكلام، وتعلمنا السجود قبل أن نتعلم المشي على الأقدام. ~~ولا شك أن إيماننا بالدين السماوي يختلف عن إيمان أجدادنا الأقدمين. مع هذا ~~يبقى السؤال: هل نحن مؤمنون حقا؟ هل نحاول - بكل عذاب المؤمن وعاطفته وجذور ~~فرديته وأعماق شخصيته الصميمة الحميمة - أن نتجه لمن لا يصح أن نتجه إلى ~~سواه، أم تحول بيننا وبينه العادة والتقليد، وتحجبنا عن نوره سحب الكهنوت ~~التي تراكمت منذ عصور التدهور والانهيار، فأصبحت تتدخل في علاقتنا به؟ # إن محاولات التجديد وربط الدين بالحياة لم تنته ولن تنتهي. فمتى تتجه إلى ~~إحياء «الذات المؤمنة» التي أشارت بها الآيات الكريمة، وطالبتها بالتفكير ~~والتدبر، وعرضت عليها - وحدها - الأمانة؟ # ومتى نوجه جهودنا إلى الذات المؤمنة وعذابها وفرحها وعلاقتها الحميمة ~~الصميمة بالله بمثل ما نوجهها إلى «المظهر» و«التشريع» و«القانون» ~~والتطبيق؟ # إن الفكر ms323 المعاصر يضع الإنسان في موضع القلب من اهتمامه. فهل آن الأوان ~~لكي نهتم بالإنسان، بكيانه العيني الحي الدافئ، بدلا من الاختناق في قبضة ~~المجردات الهابطة علينا من أعلى؟ # إلى متى نبقى على تجاهلنا للفرد والشخص والذات - وهو منبع كل مبادرة وأصل ~~كل حياة - ونظل نحاول «تركيبه» بالمجردات والتصورات؟ # وتسأل نفسك: ونحن اليوم نقيم قاعدتنا الكبرى للصناعة، ونحاول أن نوجهها ~~إلى ضرورات الشعب، بدلا من كماليات طبقة واحدة (أو بالأحرى شريط نحيل متطفل ~~عليها) كيف نوفق بين السر الذي ورثناه، وما يزال في دمنا وبين اللوجوس؟ كيف ~~نناغم بين التراث والتقنية التي لا غنى عنها؟ كيف نتطور في العلم والقوة دون ~~أن نفقد «العظمة» و«الجلال» الذي أكدته هذه الخواطر؟ كيف نتجنب آفات الروح ~~الغربي من ضياع «الروح» والانغماس في روتين الآلة والعمل، وانكماش الضمير مع ~~تضخم العضل، ونظل مع ذلك معاصرين ومستعدين لتحدي العصر؟ كيف نجانس بين قيمنا ~~وآمالنا؟ وكيف نتيح لقيمنا - التي نكثر من الحديث عنها - أن تنفذ من السطح ~~إلى الأعماق، وتصبح حقائق نحياها ونجسدها في سلوكنا اليومي، ونواجه بها قلق ~~العصر وضجيجه الذي بدأ طوفانه يغزونا؟ إن الضيف الغريب يلوذ بالسر والعظمة ~~والجلال والعلو الذي تصوره عندنا. فهل هو عندنا حقا؟ أليس من واجبنا أن ~~نطرح على أنفسنا هذا السؤال؟ وإذا كان قد ضاق بالعقل وحساباته وتصوراته ~~وآلاته، فكيف نحافظ عليه - وما عندنا منه جد قليل - دون أن نقع في أزماته؟ ~~كيف نعتصم بقيم الإيمان والأخلاق الموروثة، فنحييها حقا، ونواجه بها أخطار ~~العصر بدلا من التخفي وراءها هربا منه، وخوفا من مواجهته؟ وإذا كان ~~النموذج الغربي - اللوجوس - قد أصبح ملزما للعالم كله، ولا مفر منه، فكيف ~~ندعم صلتنا بالحقيقة العالية؛ لكي تحمينا من شروره وأخطاره وتمكننا من تمثل ~~خيراته؟ # نقول بالحرية. ونحن اليوم قد بدأنا نسير خطوات جادة على طريقها الطويل. ~~والمناقشات التي جرت في الآونة الأخيرة شيء طيب وجميل، ولكن الكلام عن الحرية ~~يظل تجريدا أو ثرثرة، حتى يتحرر كل منا، ويحرر نفسه بنفسه، كيف؟ بممارستها ~~وتجربتها ms324 و«غزوها» في كل مسلك نقوم به، وكل موقع نعمل فيه. (ما زلت أذكر هذا ~~البيت النادر من فاوست الثانية: لا يستحق الحرية والحياة إلا من يغزوهما كل ~~يوم ...) في كل لحظة ... في كل فعل، ولكن كيف؟ بالمشاركة. فالحرية الحقيقية ليست ~~حرية من ... بل حرية لأجل ... لأجل ماذا، ونحن أمة فقيرة مريضة متخلفة متخلفة ~~(ولا بد أن نكون شجعان، ونعترف بهذا حتى نجد الحافز للتقدم)، بالمشاركة في ~~عمل كبير يستوعب جهد الأمة، وتتحرك نحوه حركة رجل واحد وقلب واحد. # بهذا يتأكد القول المعروف: الحرية مسئولية. بهذا تزداد حرية من يزداد ~~إحساسا بالمسئولية. وكلما ازدادت مسئوليتنا نحو الأغلبية العظمى ازدادت ~~حريتنا. مرة أخرى كيف؟ بالانغماس في جهد ضخم نقتحم به أسوار التخلف، كل على ~~قدر جهده. ~~(تعمير سيناء، القضاء على البلهارسيا وغيرها من أمراضنا القومية، التصنيع ~~والمزيد من وحدات التصنيع في كل قرية وكل نجع، حملة كبرى على الأمة، اتجاه ~~حاسم وأخير بالإنتاج إلى الجموع الصابرة الصامتة في الريف والحارة والكوخ، ~~منخفض القطارة ...) بهذا يكون للحرية معنى. بهذا لا تتحول إلى ثرثرة ~~مترفة. # وتسأل: وهذه الرتابة التي يتحدث عنها الزائر الغريب، هذا الركود والملل ~~الخانق المحيط بنا إحاطة السور الشائك بالسجين؟ ماذا نفعل فيه؟ أهو من ~~طبيعتنا المستوية التي لا تعرف شيخوخة الشتاء ولا أعراس الربيع؟ أهو من ~~حياتنا المطردة المنسابة انسياب نيلنا الطيب العجوز؟ أهو من الروتين - هذا ~~الداء القديم قدم بلادنا نفسها - الذي أوشك أن يحولنا إلى جيش من السخرة؟ أهو ~~من غياب كل مغامرة وكل تجربة تهز شجرة حياتنا الساكنة. إن السكون هو طابعنا ~~منذ القدم، فهل يتعارض حقا مع الوجد والعذاب؟ وإذا كنا - في المدينة ~~المزعجة على الأقل - قد فقدنا هذا السكون، فهل الضجيج المزعج والصخب الأجوف ~~والثرثرة والاستعراض والتظاهر والبطولات الزائفة التي منينا بها في كل مجال ~~وصناديق الضوضاء - التي نسميها باسم مهذب هو أجهزة الإعلام - من أسباب هذا ~~الملل الأزلي؟ كيف يمكن أن تعود الحياة حياة؟ كيف نندهش لها ونبتهج بها ونعمل ~~على تطويرها ونتعذب منها، ms325 فتأتي الدهشة والبهجة والعمل والعذاب من أعماقنا ~~نحن، ولا نسمح لشيء أن يهبط علينا من أعلى؟ # سبق الجواب، بالحرية حين نفهم الحرية بمعنى التحرر الذي يأتي من الباطن، ~~ولا يأتي هبة من أحد. وحين تفهم بمعنى المشاركة في الرأي والفعل، لا من أحل ~~نفسي، بل من أجل الأغلبية الساحقة، لانتشالها من ليل الفقر والجهل والتعاسة ~~والتخلف الأزلي. (وهذه الأغلبية هي التي تؤكد في كل المحن ملامح وجهنا ~~الأصيل، وفطرتنا التي كادت أن تتشوه، الشاب الذي لف حزام الديناميت حول جسده؛ ~~لينسف تحصينات العدو جاء منها. الرجل الذي ألقى نفسه على دبابة العدو منها - ~~الشهيد الذي أهدى دمه لرمال سيناء في صمت وصبر منها - ترى لو بعث واحد منهم، ~~ورأى الذين يتاجرون باسمه، ويزيدون أرقام حساباتهم على حساب موته وجراحه، ~~فماذا كان يقول؟) والحرية بكل هذه المعاني المسئولة لا بد أن تكون حرية ~~«الشخص». وما أقل ما نهتم به في بلادنا، فهو إما مجهول في طابور، أو رقم في ~~بطاقة، أو رسم على استمارة. (يندر أن تجد من يحس بك، من ينظر في عينيك) وكيف ~~يتحقق وجود هذا الشخص؟ كيف ينتزع من فراغ «المجهول» وضباب «الناس»؟ كيف ~~نحترمه في كل مكان ونقدره دائما وأبدا كغاية في ذاته لا كوسيلة كما تقول ~~عبارة «كانط» الجليلة الخالدة؟ كيف نضعه أو بالأحرى كيف يضع نفسه في خضم ~~التاريخ بعد أن انزوى عنه أجيالا بعد أجيال؟ كيف نعيد «الوعي التاريخي» إلى ~~ضمير كل فرد منا قبل أن تسحقه طاحونة الخرافات والغيبيات، ويحاصره أخطبوط ~~المجردات المتزمتة القاسية المتسلطة؟ كيف نجعل تراثه «الماضي» حاضرا يحياه ~~في لحظته الراهنة، ومستقبلا «حاضرا» يشكله، ويعيد صياغته في كل يوم وكل ~~ساعة بالعمل والأمل، بالثقة وحب النفس (وهو أصعب أنواع الحب كما قال أفلاطون ~~في قوانينه)؟ # لسنا بحاجة إلى تنبيه كل مصري وعربي إلى الخطر الأكبر الذي يهدد وجودنا ~~الجسدي والمعنوي، ويريد أن يجتثه من جذوره، لسنا بحاجة إلى توجيه نظره إلى ~~«التحدي البشع» الذي كتب على جيلنا وعلى أجيال أخرى ms326 أن تواجهه، فدولة ~~السفاحين واللصوص التي تعيش في أوهام الخرافة والأسطورة والتعصب والكذب على ~~التاريخ الحي من أهم الأسس التي يقوم عليها وعينا التاريخي، وتخلفنا العلمي ~~والحضاري عنها من أهم حوافزه. # لكنني أشير إلى أساس آخر لا غنى عنه في هذا التحدي الذي لا بد أن يعمق ~~وعينا بالتاريخ، ويعلو بنا فوقه في آن واحد. وأقصد به باختصار أن «نحيي» ~~تاريخ «الضمير» في أمتنا، منذ أن ولد في ظل الفراعنة (تذكر حكاية الساحر ~~العجوز المعجز في قصة خوفو مع السحرة، لقد سمع عنه فرعون أنه يقدر على إعادة ~~الرقبة المفصولة إلى مكانها. وأمر بالعبيد والمساجين فما كان منه إلا أن رفض ~~وطلب أوزة! هل يمكن أن يولد الضمير أعظم من هذه الولادة؟) إلى ثورات المصريين ~~المتجددة في الدولة الوسطى وشهداء المسيحية في العصر الروماني وثورة الصعيد ~~في عهد المأمون وثوراتهم على التتار والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين ~~والإنجليز والصهاينة، وعلى استبداد الإقطاع والتخلف في ثورتنا الأخيرة. لا ~~مفر من أن «تحضر ثورات الضمير» في نفس كل صبي وشاب وشيخ، وكل صبية وفتاة وعجوز. # 2 ~~(ترى ماذا نعلمهم اليوم من تاريخنا؟ وإذا استمر الحال على هذا فهل يبقى - ~~بعد سنوات معدودة - من يذكر منهم اسم عرابي أو مصطفى كامل أو سعد أو محمد ~~عبده أو النديم، ولا أقول اسم سقننرع أو أحمس أو الصالح أيوب؟ وكيف يتحقق لنا ~~الوعي التاريخي - ومن ثم القدرة على التحدي التاريخي - إن لم نستوعب تاريخ ~~ضميرنا، ونحمله أمانة في صدورنا وفوق أكتافنا، إن لم نتفتح - بحكم سماحتنا ~~الفطرية - على كل وقفات القلب والضمير في تاريخ الإنسان؟) # الجواب فيما قلت. فما هذه كلها إلا أعضاء كيان حي واحد. # الحرية تؤكد التحرر من الباطن. والمسئولية هي صميم التحرر، والاتجاه إلى ~~مشكلات أمتنا الكبرى هو لب المسئولية، والشخص الحي المشارك الواعي بتفرد ~~لحظته التاريخية هو حامل هذا كله. # والطريق الوحيد - الذي اهتدينا إليه في الشعار الذي نردده، ولم يصبح بعد ~~حقيقة حية متجددة - هو العلم والإيمان. العلم بمعنى الأسلوب المنظم الملتزم ms327 ~~بالواقع، وهو وحده الكفيل بتخلصينا من مظاهر الارتجال والفوضى والتخبط، ومن ~~أمراض التظاهر والاستعراض والثرثرة والإزعاج في كل مجالات حياتنا (بدأنا نعطي ~~العيش لخبازيه، وليتنا نواصل هذا بكل ما نملك. وبدأنا نفطن لما فطن إليه ~~أفلاطون في جمهوريته منذ أكثر من أربعة وعشرين قرنا، الملاحة للبحار لا ~~للطبيب، والطب للطبيب لا للملاح) والإيمان بمعناه الحق النابع من أعماق ~~الشخصية لا الهابط من أعلى كالألواح الأزلية - بهذا يمكننا أن نحقق بعض ما ~~ألمحت إليه هذه الخواطر - الإنسانية التي تسترد معناها وأصالتها وحريتها من ~~اهتدائنا بالعلم والوعي في حياتها العلمية وواقعها اليومي، ثم تجاوزها لهذا ~~المستوى وترتفع إلى «العالي» من خلال علاقتها الأولية الأصيلة به. هل يمكن أن ~~نحقق هذا؟ لن تجدينا اللوائح والقوانين والوصايا، فهي تجربة كما قلت، ~~والتجربة بمعناها العميق لا يقوم بها سواك، ولا ينوب فيها أحد عنك. وكلما ~~كابدتها وصبرت على مشاقها انفتحت لك مغاليق «المعنى» و«الحرية» و«الشخصية» ~~و«الواقع» و«التاريخ»، واستطعت أن تشارك في الأبدية (لأن ذاتك الحقيقية ~~المطمورة تحت ركام المشاغل والتوافه والرغبات والمنافع جزء منها، وهو - لو ~~علمت - أخلد من النجوم وأبقى من كل النظم الكونية التي ستندثر وتنطفئ لا ~~محالة في يوم من الأيام). هناك تشارك الآخرين وتحبهم وتجل «الأبدي» فيهم. ~~وهناك تتعلم أن تكسب نفسك حين تفقدها، وأن تحررها حين تساعد على تحرير ~~غيرك. # أسئلة وهموم كثيرة. انهمرت قطراتها - المثقلة بحزن الليل وهمس الفجر - ~~على رأسي بلا نظام. وقد أثارتها خواطر أخرى انبثقت كالشلال النوراني من نبع ~~تجربة بعيدة عميقة. لعلك تعذرني فيما قلت. فإنما الشجي يبعث الشجي. وما كان ~~لي أن أنقل إليك هذه الخواطر عن روح مصر، ثم أغفل الهموم التي أثارتها في نفس ~~مصرية تحمل أحزان الماضي والحاضر والمستقبل، وتحاول أن تصنع لحظة صدق، فلعل ~~النور يكون ... ~~(1974م) # | للصادقين أنعاك # عثمان أمين ورحلة عمر مع حكمة الأجيال # يخرج النعش في هدوء من مسجد الجمعية الشرعية. بنفس الهدوء والبساطة ~~اللذين اتسمت بهما حياته (هل يدري شيئا عمن يرقد فيه، الوجه الناصع ~~كالمشكاة، ms328 والعقل الواضح كالبلور، والقلب السمح المفعم بالحكمة والإحسان؟) ~~يمش وراءه رجال لهم لحى كثيفة ووجوه راضية بالقضاء. بعض الأقارب من الشباب ~~والشيوخ. أطفال وصبية فقراء ينظرون للموكب الصغير في دهشة (هل يأتي يوم ~~يدركون فيه أنه عاش ليعلم، أنه نذر حياته للشعب؟ هل سيسمعون عنه أو يقرءون ~~له؟) عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من أبناء الأجيال التي علمها حب ~~الحكمة ومحبة الوطن. ربما كان لهم العذر، فلم يكن النعي قد ظهر بعد. والقيظ ~~شديد لافح. «ومزغونة» الصغيرة نقطة ضائعة على خريطة الأرض. خطوات وتتصافح ~~الأيدي وتتحرك الشفاه بالأصوات المألوفة. لحظات ويغيب عن الأنظار في طريقه ~~إلى واحة السلام الأخيرة. عاش حياته المباركة في صمت. وها هو ذا يمضي في صمت. ~~لا أكاليل زهور ولا مشاعل، ولا خطب رثاء. فالعالم مشغول عنه وعن أمثاله (يوم ~~مات أحد أساتذة الأدب في البلد البعيد الذي تعلمت فيه. ما زلت أذكر كيف طافت ~~مواكب الطلبة طول الليل بشوارع المدينة الصغيرة، حاملة في أيديها المشاعل ~~وأكاليل الزهور. ليلتها عرف كل طفل وكل ربة بيت من هو الرجل الذي ~~فقدوه). ~~••• # قبل شهور قليلة تحامل على نفسه ليحضر مناقشة رسالة عن معلمه وحبيبه مصطفى ~~عبد الرازق، الفيلسوف الكامل كما كان يحب أن يسميه في أكثر من كتاب أهداه ~~إلى روحه. كانت أعباء المرض قد ثقلت عليه، وكنا نشفق عليه ألا يتمكن من إخراج ~~جملة واحدة. كان وجهه يفيض سعادة بوجوده بين أبنائه، وعيناه الزرقاوان ~~الصافيتان يترقرق فيهما ندى الحمد والعرفان. لعله الإحساس بأداء الأمانة ووصل ~~الأجيال، بالمعجزة وقد نضجت ثمرتها بعد جهاد العمر. إن الأستاذية أبوة. ~~والتعليم - خلافا لما يتصور الذين جعلوه حرفة كسب وتجارة، أو مسرح تسلط ~~واستعراض وغرور - حب وعطاء بغير مقابل وبغير حدود. وها هو ذا المعلم الحق لا ~~يضن على أحد أبنائه، حتى بآخر أنفاسه. هو فلاح زاهد صبور، يغرس بذوره ~~ويرعاها، وينتظر في صمت. ما أسعده حين يراها تخضر، بينا تذيل شحرته وتجف ~~وتسقط. ~~••• # كان عثمان أمين - وما أقسى فعل كان ms329 - مؤرخ الفلسفة بالمعنى الواسع الكريم ~~لهذه الكلمة. أقام في صدره مأدبة للحكماء من كل العصور والشعوب، وجعل من عقله ~~وقلبه بيت ضيافة يسع ديكارت وابن سينا، وكانط والغزالي، ويأنس فيه أفلاطون ~~والرواقيون بصحبة الفارابي وإخوان الصفاء. ويجتمع نيتشه وبرجسون وهيدجر ~~وياسبرز مع محمد عبده ومصطفى عبد الرازق وإقبال والعقاد. هؤلاء جميعا ~~«مواطنون في عالم واحد». هم رسل الوعي الإنساني وهداته. وقد كانت الفلسفة ~~وستظل تهدي الإنسانية كلما ألمت بها المحن، وضاعت منها الحقيقة، وانخدعت ~~بالمظهر، وتفتت أمامها الواقع، وتاهت منها «حكمة الكل»، وتنكبت طريق الاعتدال ~~ومعرفة الحد. # كان منهجه أن يعرض مذهب العظيم من عظماء الفكر، كما لو كان مذهبه هو، وأن ~~يصطنعه لنفسه مذهبا، ولو في فترة البحث. ثم يتجه لنقده بعد أن يتم له الوقوف ~~عليه والتمكن منه. ولم يكن شيء مما يكتب عن مذاهب الفلسفة ليعدل عنده الاتصال ~~المباشر بالفلاسفة أنفسهم، ولا وسيلة لتحقيق هذا الاتصال أفضل من قراءة ~~مؤلفاتهم في نصوصها الأصلية بلا واسطة، بحيث نتأملها بعيوننا وقلوبنا في ~~تعاطف وحب. وقد علمنا - نحن أبناءه ومحبيه - أن الفكر تعاطف وحوار ومحبة. ~~فليس ثمة معرفة صحيحة من غير مشاركة روحية، ولا عمل عظيم بغير عاطفة تحييه ~~وتسري فيه. وأي مذهب من المذاهب لا يساوي في الحقيقة إلا ما يساوي صاحبه، وما ~~وضع فيه من نفسه. وقد ضرب هو نفسه أصدق مثل على التعاطف مع الأفكار ~~والمفكرين. ويكفي أن عشرته لديكارت قد دامت ما يقرب من نصف قرن، فكان محاميه ~~وغارس أشجاره في قلوب العرب وعقولهم. ولو لم يكتب غير كتابه عن ديكارت - الذي ~~تباهي به العربية أي لغة أخرى - لكفاه هذا الكتاب الذي لم يحظ كتاب فلسفي ~~مثله - فيما أعلم - بمثل ما حظي به من طبعات. وستبقى ترجماته لنصوصه ~~(التأملات ومبادئ الفلسفة) من أجمل ما تعتز به المكتبة الفلسفية، ويهتدي به ~~المترجمون. # أخذ عثمان أمين عن «أب الفلسفة» الكثير، واقتبس من «نوره الفطري» أشعة ~~ظلت تضيء روحه، وتذكي فيه شعلة الثورة المتجددة. ولا يقف الأمر عند الوضوح ms330 ~~والتميز، وإشراق الأسلوب وبساطته، والإيمان بالوعي أساس كل وجود، والاعتزاز ~~بالعقل «أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، وإنما تجاوزه إلى الحياة «الجوانية» ~~المنصرفة إلى مشاغل الفكر، البعيدة عن التكلف والتعالم والتظاهر، المتعففة عن ~~كل طموح مريض إلى الشهرة والجاه والبطولة الكاذبة. ولذلك عانى - كما عانى ~~ديكارت - أيام محنة الفكر وبلاء الاستبداد. ولم تخل محاضراته أبدا من ~~الحديث عن الفلسفة «حارسة المدينة» وراعية الحرية. # لم تكن الفلسفة عنده محاضرات تلقى أو معلومات تملى على الطلاب، بل كانت ~~في جوهرها تجربة حياة، عملا أخلاقيا وفعلا من أفعال المحبة الخالصة، ~~سعيا موصولا يبذله الإنسان الناضج الواعي لمجاوزة نفسه بإطلاقها من أسر ~~الأنانية ورق الشهوات، نغمة روحية تتردد في جوانب الحياة الإنسانية، فتشيع ~~فيها السلام، وتضفي عليها الانسجام (مقدمة محاولاته الفلسفية، 1953م). ولم ~~يكن الفلاسفة في رأيه أناسا غريبي الأطوار يقولون كلاما لا يفهمه أحد، ولا ~~يحتاجه أحد، ولا آلات مفزعة تفرز عقارب المفاهيم الصعبة والتصورات الغامضة، ~~بل هم حملة لواء القيم الروحية، وبناة الحضارة بمعناها الإنساني الصحيح. إنهم ~~المصلحون الحقيقيون، وكل إصلاح تم في الماضي، أو سيتم في المستقبل إنما هو ~~أثر من آثار الفلاسفة وأحرار المفكرين (شخصيات ومذاهب فلسفية، 1945م). ولهذا ~~كان «رواد المثالية» في الشرق أو الغرب، كما كان المصلحون الملهمون في التراث ~~الإنساني، أو في تراثنا القديم والحديث أقربهم إلى مزاجه العقلي الذي لم ~~ينفصل أبدا عن شعوره الوطني، ونزعته الإنسانية. ولم يكن من قبيل الصدفة أن ~~يضع رسالته في الدكتوراه (باللغة الفرنسية قبل نقلها إلى العربية، ثم ترجمتها ~~إلى الإنجليزية منذ أكثر من ربع قرن) عن رائد الفكر المصري «محمد عبده»، ~~فيبرز آراءه الدينية والفلسفية، ويبين أثر هذا الإمام المجدد في شئون الدين ~~والأخلاق والتربية، وفي مجالات الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وعلى رواد الحركة ~~الفكرية المستنيرة في مصر، وفي بلاد العروبة والإسلام. ولم يكن من قبيل ~~الصدفة أيضا أن يحفزه على تأليفها، ثم يكتب مقدمتها أستاذه الروحي مصطفى عبد ~~الرازق، وأن يصفها بأنها رسالة الحب والوفاء. وأي شيء في الدنيا - كما ms331 قال ~~الشيخ ووعى التلميذ - أكرم من الحب والوفاء؟! # كان من الطبيعي أن يؤدي هذا الطريق «الجواني» في المعرفة إلى فلسفة ~~«جوانية» تغلب الروح على المادة، والجوهر على العرض، والباطن على الظاهر، ~~والفكر على اللغة، والقلب واللب على الصور والقشور. وظهور كتاب «الجوانية، ~~أصول عقيدة وفلسفة ثورة» (1965م)، فأثار حوله كثيرا من الجدل الذي لم يخل ~~من التندر والتهكم. كان الكتاب في الحقيقة مجموعة من المذكرات اليومية أضيفت ~~إليها فصول متفرقة عن عدد من المفكرين والأدباء الذين أحبهم المؤلف، وصحبهم ~~صحبة ائتناس وتعاطف، ومودة واستلطاف. وكان يفتقد البناء المنهجي المنشق الذي ~~ينمي الفكرة ويشرحها، بدلا من أن يدور حولها، ويحشد لها الشواهد والنصوص. ~~وأخذ عليه البعض أحكامه المثالية المطلقة، مواقفه الروحية والأخلاقية النبيلة ~~التي ثبتت في مكانها على الشاطئ، واكتفت بالتفرج على الأمواج الفكرية ~~والاجتماعية والسياسية المتلاحمة والسخرية بالمدارس والمذاهب و«الموضات» ~~الزاحفة. واندفعت الأقلام على الجانبين إلى شيء من التطرف الذي لم يتعد - ~~والحق يقال - حدود الاحترام المتبادل، ولم ينزلق إلى ما نشهده اليوم كثيرا ~~من ألوان التطاول على كرامة الناس. وربما يجد المؤرخ المنصف الذي سيكتب عن ~~هذه المرحلة أن موقف عثمان أمين وبعض أبناء جيله يعبر في وقت واحد عن قوة ~~المثالية، وعن ضعفها وعجزها عن متابعة التطور الاجتماعي والتاريخي الدائب، ~~ولكنني أعتقد أنه لن يشتط في اللوم عليهم. فلعل ساعة الفلسفة العربية الأصيلة ~~لم تدق بعد. ولعل المناخ الحضاري والنفسي والظروف المريرة المتقلبة التي ~~فاجأته هو وجيله لم تساعد على ولادتها العسيرة. ولا شك أنه ظل صادقا مع ~~نفسه، مخلصا لجذوره الروحية العميقة. ويكفي جيله وجيل الرواد السابق عليه، ~~والجيل الحاضر أيضا أنهم اجتهدوا في إخلاص، وما زالوا يجتهدون لتمهيد الطريق ~~وتعبيد الجسر. ولا بأس عليهم أن تنساهم الأجيال القادمة، وتنسى سهرهم وعرقهم ~~بعد أن تعبر هذا الجسر، وتضع أقدامها على الشاطئ! وكفاهم أيضا أنهم تمثلوا ~~ما قدموه، ووضعوا أنفسهم فيه، وأحسنوا القيام بدور الوسطاء أو «السماسرة» ~~المخلصين (بالمعنى الذي يقصده زميل جهاده أستاذنا زكي نجيب محمود بارك ms332 الله ~~في حياته وصحته)، ولم يتحولوا إلى سماسرة سوء يثيرون الضجيج حول بضاعة لم ~~يتعبوا فيها، ويتباهون بأزياء غريبة ليست من صنعهم، ويسودون آلاف الصفحات في ~~كل شيء، وأي شيء على طريقة «القص واللصق» و«الخطف والهبش» التي طالما حذر ~~منها الفقيد (ومتى استطاع قطاع الطرق أن يزرعوا أرضا أو يرعوا ~~قطيعا؟). # سئل أحد الفلاسفة المعاصرين أن يروي شيئا عن تاريخ حياته. وتطلع ~~المستمعون المتلهفون على الطرائف والأخبار، فلم يكن منه إلا أن قال: «ولد ~~أرسطو، تعب ومات». ولقد ولد عثمان أمين، تعب وعلم، ثم مرض ومات. والفلاسفة - ~~كما قال بنفسه - كغيرهم من أفراد الإنسانية مائتون. وأفكارهم وأعمالهم مؤقتة ~~مرهونة بزمانها، ولكن الفكر الفلسفي نفسه خالد لا يموت. وليست «الفلسفة ~~الخالدة» مذاهب مغلقة، ولا أنحاء نظر ضيقة ترضي رغبة الإنسان المتطلع إلى ~~المعرفة أو إلى شهوة التعالي والتسلط على غيره، وإنما هي «طريق قويم في ~~الحياة» كما أرادها اسبينوزا، ولقد بذل عثمان أمين غاية جهده ليكون للفلسفة ~~مكانها المرموق ووظيفتها الفعالة في المجتمع. فهي حارسة المدينة، ويجب أن ~~تقول كلمتها فيما يعرض للفرد والجماعة من أزمات الوجود ومشكلات الحياة ~~والمصير (تعوزنا الفلسفة اليوم أكثر من ذي قبل، وعصرنا أحوج إليها من أي عصر ~~سابق عن مقدمة شخصيات ومذاهب فلسفية، 1945م). غير أنه قد أدرك جيدا أن هذه ~~الكلمة ليست بالضرورة عالية الصوت، وأن تأثيرها لا يقاس بمدى ما تحدثه من ~~ضجيج. كما عرف جيدا أن كثيرين من «صانعي الأفكار» قد أوذوا في أنفسهم أو ~~اضطهدوا أو استشهدوا في سبيل ما صنعوا من أفكار. # حكم اليونان القدماء على اكسينوفان بالنفي، وحكم الأثينيون على سقراط ~~بتجرع السم. أوشك أفلاطون أن يتعرض للموت أو قضاء حياته في الأسر جزاء تحمسه ~~لتحقيق مدينته الفاضلة، وأرسطو اضطر للهرب لينجو بحياته من كيد الغوغاء. أهدر ~~دم السهروردي في حلب، وصلب الحلاج في بغداد، ونكل بابن رشد في الأندلس. وكثير ~~من رواد عصر النهضة قتلوا، أو انتزعت ألسنتهم من حلوقهم، أو أحرقوا في النار. ~~في الشرق وفي الغرب ms333 تعرض أكثرهم لنفس المصير الفاجع، ولكنهم قاوموا الزيف ~~والغباء والاستبداد؛ لأن الفلسفة تموت إذا تخلت عن النقد والمقاومة، ورفعوا ~~لواء القيم، وأدوا للعقل والضمير ما ينبغي لهما من احترام، ودفعوا ثمن ~~الحقيقة والحرية، وتصدوا للمتعالين والأدعياء والمهرجين. كان معظمهم من ~~الثائرين، ولكنهم لم يكونوا أبدا في الحقيقة من الأبطال الجوف، بل عاشوا في ~~الخفاء (أبيقور، واسبينوزا)، ونسجوا تأملاتهم في غرفة دافئة وحيدة (ديكارت)، ~~وقالوا ما قالوه في تواضع، وعلى استحياء (أفلوطين والفارابي وكانط). وقد عاش ~~عثمان أمين متواضعا كريما على نفسه، وأدى حق العلم والوطن في نزاهة وترفع ~~وإخلاص. ربما شعر في أواخر أيامه بالمرارة التي لا بد أن تصيب المفكرين حين ~~يواجهون في النهاية بواقع غير مفهوم، ويتساءلون عن جدوى الأفكار والكلمات ~~التي عجزت عن إنقاذه. وربما شقي في بعض أيامه بجحود الجاحدين، ولكن المؤكد ~~أنه كان يسعد دائما بمودة الأوفياء الصادقين. # زاره بعض مريديه وخلصائه قبل وفاته بأيام قليلة. تخافت الصوت الفضي ~~المجلجل الذي طالما هزهم في الدروس والمحاضرات، وشحب الوجه الناصع، وغابت ~~اللمحات التي كانت تلمع كالبروق. نظر إلى أحدهم وقال: أشعر باغتراب. اختلجت ~~شفته المتقلصة، وعاد يطيل النظر إليه، ثم قال بصعوبة: أريد أن أرحل. عز عليهم ~~أن يعجز سيد البيان عن إكمال عبارته. أخذوا يطردون عنهم طيور الخواطر ~~السوداء. وتمنوا في هذه اللحظات لو أن الكتاب الذي اشتركوا في إهدائه إليه لم ~~تعطله ظروف النشر السيئة، إذ كان من الممكن أن يرسم على وجهة ابتسامة أخيرة. ~~واختفت الدموع وهم يودعونه، ويهبطون درجات السلم. ربي! هل يمكن أن يتداعى ~~الهرم الشامخ أو ينضب نهر النيل؟! # أعط الصادقين القوة ليحملوا الأمانة، والقدرة على الحب ليواصلوا العطاء ~~... ~~(1978م) # | الله والفتوات والعلم # عن أولاد حارتنا لنجيب محفوظ # بقلم الأستاذ فرتس شتيبات # إذا كان نجيب محفوظ هو أعظم روائي معاصر في مصر - ولعله أن يكون أعظم ~~الروائيين في العالم العربي بوجه عام - فإن هذا يرجع في المقام الأول إلى ~~ثلاثيته بين القصرين وقصر الشوق والسكرية التي رسم فيها - على طريقة ms334 المدرسة ~~الواقعية - لوحة عميقة بالغة التأثير لتاريخ بلاده في النصف الأول من القرن العشرين. # 1 # وقد ظهرت أجزاء الثلاثية في سنتي 1956 و1957م. ولكن المؤلف انتهى ~~من كتابتها في شهر أبريل سنة 1952م، أي قبل بداية الثورة المصرية، ثم لم يمد ~~يده إلى القلم لسنوات طويلة. وقد أوضح في وقت لاحق أن رغبته في نقد المجتمع ~~القديم قد زالت بزوال ذلك المجتمع، ولهذا لم يكن لديه ما يقوله أو يكتبه. # 2 # غير أنه لم يلبث أن بدأ سنة 1957م في كتابة رواية جديدة نشرت من ~~21 سبتمبر إلى 25 ديسمبر سنة 1959م، # 3 # في جريدة الأهرام القاهرية في شكل متواضع هو شكل الرواية ~~المسلسلة، وكانت الرواية تحت عنوان «أولاد حارتنا». # 4 # والواقع أن الرواية لم يقدر لها الصدور في مصر حتى اليوم على ~~هيئة كتاب، كما أن السلطات المصرية قامت بمصادرة الطبعة التي نشرتها دار ~~الآداب البيروتية في يناير سنة 1967م. # 5 # إذا كانت هذه الظروف والملابسات الخارجية تثير الانتباه، فسوف يتبين ~~للقارئ الذي يطلع على الرواية أن نجيب محفوظ يقدم في الحقيقة عملا غير عادي. ~~فهذه «الرواية» - وهو الوصف المثبت على صفحة الغلاف - تتناول موضوعا جبارا، ~~ألا وهو تاريخ البشرية من حيث هو تاريخ البحث عن النجاة والخلاص، بدءا بخلق ~~العالم وطرد آدم وحواء من الجنة، ومرورا بظهور الأنبياء، وانتهاء إلى ~~مشكلات العصر الحاضر. وهي في تناولها هذا تنقل تاريخ النجاة إلى نطاق حي من ~~أحياء القاهرة، وبهذا تخلصه من البعد الأسطوري لتقربه من جمهور القراء قربا ~~مباشرا. # وأولاد حارتنا تدل على الناس الذين يعيشون في حارة تقع على الحدود ~~الفاصلة بين القاهرة القديمة وصحراء جبل المقطم. ففي الصحراء في «الخلاء ~~الخرب»، استطاع الجبلاوي «بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي» (ص5 وما بعدها) أن ~~يقيم لنفسه ملكا واسعا، ويشيد بيتا كبيرا ذا حديقة مترامية. ويريد ~~الجبلاوي أن يوقف هذا الملك على أبنائه وذريتهم من بعدهم ليكفل لهم حياة ~~مستقرة آمنة، ولكنه يطرد اثنين من أبنائه من أصحاب الأولاد: إدريس (= إبليس) ms335 ~~لأنه لا يوافق أباه على إسناد إدارة الوقف لأخيه الأصغر أدهم (= آدم)، وأدهم ~~لمحاولته الاطلاع على حجة الوقف التي يحافظ أبوه على سريتها. ويحاول الجبلاوي ~~أن يسترد أحد أبناء أدهم، وهو همام (= هابيل)، ليعيش معه في البيت الكبير، ~~ولكن محاولته تخفق بعد مقتل همام بيد شقيقه الغيور قدري (= قابيل). وعلى أثر ~~ذلك يعتكف الجبلاوي في البيت الكبير، ويكل الإشراف على الموقف للناظر، ولا ~~يحرك ساكنا عندما يعبث هذا الناظر بريع الوقف، ويغش ذرية الواقف، أي سكان ~~الحارة التي تنشأ في هذه الأثناء. # وتسقط الحارة في هاوية البؤس والظلم. وتذوق الأمرين من الفتوات الذين ~~يسيئون معاملة الناس، ويبتزونهم الإتاوات، ويجعلون من أنفسهم أدوات لتأييد ~~سلطة الناظر. ومن حين إلى حين ينهض رجل لرفع البؤس عن الناس وقهر الظلم. فجبل ~~(= موسى) يستخلص نصيب آلة من ريع الوقف بالقوة. ورفاعة (= يسوع) يرفض اللجوء ~~إلى القوة، ولا يهتم بريع الوقف؛ لأنه يسعى إلى تحرير الناس من عفاريت ~~شهواتهم، ولكن نجاحه في مسعاه، والتفاف الناس حوله، وزعمه التحدث بلسان ~~الواقف، كل هذا يوغر عليه صدور الفتوات والناظر، فيحسون بخطره ويقتلونه. ~~وقاسم (= محمد) ينجح في تحطيم نفوذ الفتوات بالقوة، ولكنها القوة التي تجمع ~~إلى البراعة السياسية موهبة التنظيم. إنه يتجه ببصره مرة أخرى إلى الوقف، ~~ويأمر لأول مرة بتوزيع ريعه على جميع سكان الحارة دون تفرقة بينهم في العشيرة ~~أو الجنس، ولكن الذي يحدث بعد موته، مثلما حدث بعد موت سلفيه، هو عودة الناظر ~~والفتوات إلى سلطتهما القديمة، ورجوع الظلم والبؤس سيرتهما الأولى؛ لأن البشر ~~سرعان ما ينسون تعاليم روادهم الكبار. # إن الصور التي تتوالى في الظهور على شاشة العرض تختلط فيها مستويات ~~مختلفة من المعاني والدلالات، مما يضفي على هذا العرض طابعا سحريا ~~متميزا. والبيئة التي تدور فيها الأحداث بيئة مألوفة لكل إنسان يعرف الأحياء ~~الفقيرة في المدينة الشرقية، الزحام، والقذارة، والضوضاء، والتنازع والصراع ~~المضني في سبيل لقمة العيش اليومية. بل إن أخبار الفتوات تقدم لنا مادة بحث - ~~ما زلنا نفتقده إلى اليوم - عن هذه ms336 الصورة الحديثة المشوهة من مثل أعلى قديم، ~~وتنظيم جريء كان يحقق - في مدن العصور الوسطي الإسلامية التي كانت تفتقر إلى ~~المؤسسات الشرعية - وظائفه الإيجابية في حفظ النظام والأمن، بل إننا لا نزال ~~نلمح هنا ظلالا باقية من هذه الوظائف، فلم يكن الجبلاوي نفسه في بداية أمره ~~إلا «سيد الخلاء والفتوة الرهيب» (ص11، 15، 18)، ولكن من الواضح أن الفتوات ~~الحاليين لا يعملون لحسابهم فحسب، وإنما يرمزون لكل سلطة قائمة على القوة ~~والبطش. أضف إلى هذا أن الإدارة الفاسدة للأوقاف ليست على اليقين هي السبب ~~الرئيسي في سوء الأحوال الملحوظ في هذه الرواية، وإنما هي كذلك رمز لنظام ~~اجتماعي مضطرب. وأخيرا يأتي مستوى التاريخ الإلهي - تاريخ النجاة والخلاص - ~~في صورته الأسطورية. لقد نهل المؤلف في معظم الأحيان من التصورات الإسلامية ~~لهذا التاريخ، وإذا كان قد استعان أحيانا بالمصادر التوراتية، # 6 # فمن المؤكد أن القارئ المسلم يعرف سلفا الخطوط الأساسية التي ~~تقوم عليها الأحداث. ولهذا فإن التوتر لا ينصرف إلى ما يحدث بقدر ما ينصرف ~~إلى كيفية حدوثه. وهذه منظومة فنية تدفع القارئ إلى ألوان من التدبر ~~والتفكير. # ما الذي يريد له المؤلف أن يتأمله ويفكر فيه؟ إن العثور على إجابة هذا ~~السؤال تفرض علينا تناول ذلك الجزء من الرواية الذي يعقب عصر الأنبياء، وهو ~~الجزء الذي لا يعتمد فيه المؤلف على أصول مستمدة من التاريخ الموروث. # هنا نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة رجل يحتل مركز الأحداث، وهو الساحر ~~عرفة. ولما كان مجهول الأب، فإنه لا ينتمي إلى أية جماعة من الجماعات أو ~~الأحياء الثلاثة التي تنقسم إليها الحارة وهي: الجبلية (لليهود)، والرفاعية ~~(للمسيحيين)، والقاسمية (للمسلمين)، بيد أنه يختار أن يقيم مع الرفاعية. ولا ~~شك في أنه يمثل العلم الذي لا ينتسب لدين أو وطن، وإن يكن قد ازدهر في بلاد ~~الغرب المسيحي. ويستأنف عرفة الصراع الذي بدأه جبل ورفاعة وقاسم مع الفتوات ~~لكي يوفر لأولاد الحارة حياة بشرية لائقة. إنه يريد أن يحقق الشروط العشرة ~~التي تنص عليها وصية وقف الجبلاوي (الوصايا ms337 العشر)، وإن لم يكن في الواقع من ~~رجال الجبلاوي (ص471)، بل يتشكك في وجوده على قيد الحياة. وعندما ييأس من ~~بلوغ هدفه، يتسلل إلى بيت الجبلاوي الكبير لكي يكتشف سر وصية الوقف. ويتورط ~~عن غير قصد في قتل الخادم العجوز الذي يحرس الوصية، ويلوذ بالفرار مذعورا. ~~ثم يتبين بعد ذلك أن الواقف المسن كان لا يزال على قيد الحياة، ولكنه مات ~~متأثرا بالصدمة. ويطارد الفتوات عرفة، فيتمكن من إنقاذ نفسه بإلقاء الزجاجة ~~السحرية التي اخترعها على مطارديه، وهي سلاح متفجر يفوق كل ما عداه من أسلحة. ~~غير أن الناظر يسخره لخدمته. ويتخلص الناظر من الفتوات بفضل الزجاجة السحرية، ~~ولكنه يفعل هذا لصالحه لا لصالح الحارة، وهكذا يصبح عرفة فتوته الجديد. وفي ~~النهاية يتمكن عرفة من الهروب، ولكن أتباع الناظر يلقون القبض عليه ويقتلونه ~~قتلة فظيعة. # ويتجه أولاد الحارة في البداية إلى إدانة عرفة، فيتهمونه بأنه هو الذي ~~قتل الجبلاوي، وأن سلاحه العجيب هو الذي جعل من الناظر طاغية لا يقهر، ولكن ~~بعد موت عرفة يشيع الأمل في الصدور، فقد تمكن شقيقه حنش من النجاة بنفسه، ~~ولعله أيضا أن يكون قد تمكن من إنقاذ كراسة عرفة السحرية. وكلما اشتدت حملة ~~الناظر على عرفة، وقوي اتهامه له بقتل الجبلاوي مضى الناس يقولون: لا شأن لنا ~~بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر ~~لاخترنا السحر (ص551). وأخذ بعض شبان الحارة يختفون تباعا لكي يتعلموا السحر ~~على يدي حنش استعدادا ليوم الخلاص الموعود. # الجبلاوي إله، وهو إله يظل جبروته وامتناعه عن الناس وعدم اكتراثه ~~بمواجهة الإدارة الظالمة لميراثه أمرا غامضا محيرا، «إنه لا يسمح باجتماع ~~القوة والضعف في نفس إلا نفسه هو». حقا أن نجيب محفوظ يضع هذه العبارة على ~~لسان إدريس-إبليس (ص56 وما بعدها)، ولكن الابن الساقط للجبلاوي لا يقوم هنا ~~بدور الشرير المطلق الذي تنطوي أقواله بالضرورة على نفسها، إنه إنسان كسائر ~~الناس، وينبغي أن تفهم أقواله من وجهة نظر إنسانية. أضف إلى هذا أن جبل- موسى ms338 ~~(ص135، 171). ورفاعة-يسوع (ص230-234)، وقاسم-محمد (ص410) تنتابهم لحظات شك في ~~الجبلاوي. وليس عجيبا بعد هذا أن نجد عرفة الساحر العالم يطلق العنان لشكوكه ~~«لكن ماذا أفدت من الحكايات يا حارتنا؟» (ص460). # وعلى الرغم من هذا كله يقتحم عرفة بيت الجبلاوي، فلا تعقب هذه الخطوة إلا ~~أسوأ النتائج: مقتل الخادم - الذي لم يقصد إليه عرفة - موت الجبلاوي، تسخير ~~عرفة في خدمة الناظر، وانتصار هذا الناظر انتصارا مطلقا. ماذا يريد نجيب ~~محفوظ من هذا كله؟ هل أخفق عرفة لأنه لم يتحرر من إيمانه بالجبلاوي؟ أم أخفق ~~لأنه أراد أن ينفذ إلى ميدان الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) الذي ليس للعالم ~~أن يبحث فيه عن شيء؟ أم يرجع إخفاقه في النهاية إلى تجرؤه على المساس بأقدس ~~المقدسات؟ وعندما يصل عرفة في خدمته للناظر إلى الدرك الأسفل، تظهر امرأة ~~تحمل إليه الرسالة الوحيدة التي وجهها الجبلاوي إليه: «اذهبي إلى عرفة ~~الساحر، وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض عنه.» (ص538) وتبقى حقيقة هذه ~~الرسالة غامضة، ولا نستطيع أن نقطع بأنها لم تكن إلا حلما من أحلام السطل، ~~ولكنها على كل حال هي التي تشجع عرفة على اتخاذ قراره بالهرب من خدمة الناظر ~~كما تمهد بذلك للتحول النهائي الذي تسوده روح التفاؤل. لقد وثق من رضاء جده ~~عنه، واطمأن إلى أنه لم يغضب لاقتحامه بيته وقتل خادمه، ولكنه يفهم كذلك أن ~~رضاه ينطوي على سخطه من عمله في خدمة الناظر (ص542). وقد يجوز لنا الآن أن ~~نفك هذه الرموز، مات الإله، ولكن العالم - وهو صاحب الحق في المستقبل - يعترف ~~بالقيم والمعايير الأخلاقية التي وضعها الإله، ومن هذا الاعتراف يأتي الاتجاه ~~إلى الخير. # لا يتخلى نجيب محفوظ عن البعد الميتافيزيقي الذي يضفيه على موضوعه، ولكنه ~~في نفس الوقت لا يقتصر عليه وحده. إن نقل التاريخ المقدس - تاريخ النجاة ~~والخلاص على يد الرسل والأنبياء - إلى مستوى الحارة هو الذي يهيئ الشروط ~~الملائمة «لعلمنته»، وإضفاء النزعة الدنيوية عليه، وتصغير مقاييسه. فأدهم-آدم ~~بعد طرده من بيت أبيه يسعى في سبيل رزقه ms339 في شوارع المدينة، وهو يدفع عربة ~~يبيع ما عليها من الخضر (ص54 وما بعدها). وجبل-موسى لا يعثر عليه طافيا على ~~ماء النيل، بل يرى طفلا عاريا يستحم في حفرة مملوءة بمياه الأمطار (ص131). ~~والفتوات الذين يضطهدون آله ويطاردونهم لا يموتون في البحر غرقا، بل في فخ ~~حفر لهم في دهليز (ص196). ورفاعة-يسوع لا يتعلم من كتبة المعبد، بل من شاعر ~~ضرير يروي الحكايات وزوجته «كودية الزار» (ص228 وما بعدها) وبدلا من أن يؤسس ~~قاسم-محمد أمة نجده ينشئ ناديا للرياضة البدنية (ص366). هذا التصغير للجليل ~~السامي يؤثر في معظم الأحيان تأثير الصدمة، ولكنه يقرب إلى القارئ أحداث ~~تاريخ النجاة. وليس من المستطاع أن تعرض الأعمال التي أنجزها الأنبياء ~~وشجاعتهم الشخصية، واستعدادهم للتضحية بالحياة المريحة في سبيل رسالتهم أمام ~~جمهور القراء في أيامنا بمثل هذا النجاح، الذي وفق إليه نجيب محفوظ في ~~روايته. والأهم من هذا كله أن المؤلف يوضح على هذه الصورة رأيه الذي يقتنع ~~به، لا يمكن أن يقتصر تاريخ النجاة على خلاص الروح الفردية، ولا بد له كذلك ~~من أن يهدف إلى سعادة البشر في هذه الدنيا، أي إلى تحقيق نظام اجتماعي مرض. ~~إن كل طموح أولاد حارتنا يدور حول بيت الجبلاوي الكبير وحول الوقف. أيعبر هذا ~~عن نزعة مادية كريهة؟ يبدو في بعض الأحيان - وبخاصة في تقرير رفاعة-يسوع - أن ~~هذا السؤال وارد، ولكن نجيب محفوظ يختار ألا يضع حدا يفصل ببساطة بين طيبات ~~الدنيا وطيبات الآخرة. فالبيت الكبير يرمز للجنة، والاطلاع على حجة الوقف ~~يعبر عن الأكل من شجرة المعرفة. ورسالة الجبلاوي إلى قاسم-محمد، خاتم ~~الأنبياء، تصل إلى ذروتها في إبلاغه بأن تصير الحارة امتدادا للبيت الكبير ~~(ص353)، أو قل في جعل الأرض امتدادا للجنة. # وإذا كان نجيب محفوظ قد قرر في مواضع أخرى من أحاديثه وكتاباته أنه اختار ~~الوقوف في صف الاشتراكية - وإن لم يخل موقفه منها من النقد والتحفظ # 7 ~~- فإنه في هذه الرواية لا يتعرض لشكل النظام الاجتماعي الذي ~~يمكنه أن يحيل الأرض إلى جنة. ms340 ومن الواضح أنه لا يريد أن يضع تخطيطا محددا ~~أو يروج لعقيدة جامدة، فحسبه أن يعبر ببساطة عن شوق أبدي في نفس الإنسان. ~~فأدهم لا تطيب له سعادة أكبر من أن ينفخ في الناي في حديقة أبيه الغناء ~~(ص18 وما بعدها، ص30 وما بعدها) والناس بعد طردهم من الجنة يتشبثون بهذا ~~الحلم بحياة صافية لاهية بلا عمل (ص72، 111، 168، 170، 202، 249، 344، 368، ~~442، 531) بلا عمل؛ لأن العمل من أجل القوت لعنة اللعنات (ص61 وما بعدها). ~~هذا على كل حال هو شعور الرجال، أما النساء فيبدو أن من الأسهل عليهن أن يجدن ~~معنى في العمل (أميمة-حواء ص63، شفيقة-صورة ص169)، والحياة التي تنعم بها ~~عواطف، زوجة عرفة، بلا عمل أشبه بتلك التي تحسر عليها أدهم، حياة ثقيلة وعذاب ~~متصل، سجن مليء بالمخاوف يطوقه السقوط والزلل. (ص525) وعرفه نفسه يصف حلم ~~أدهم بحياة يفرغ فيها للسعادة والغناء بأنه حلم جميل، ولكنه مضحك، ويرى أن ~~الأجمل حقا أن نستغني عن العمل لنصنع الأعاجيب (ص463)، وهو يوضح رأيه حين ~~يقول إن الحياة الجديدة ستأتي إذا تحققت العدالة، إذا نفذت شروط الواقف، ~~إذا استغنى أكثرنا عن الكد، وتوفروا على السحر (ص484). # ما هي هذه «العجائب»، وما هو هذا «السحر» الذي تتوقف عليه الحياة ~~الجديدة؟ لا بد أن يكون شيئا يزيد عن العلم الطبيعي الخالص الذي ينتج ~~الأقراص المنشطة والأسلحة العجيبة. يقول عرفة: «حجرتي الخلفية (= المعمل) ~~علمتني ألا أؤمن بشيء إلا إذا رأيته بعيني وجربته بيدي.» (ص487)، فالأمر إذا ~~يتعلق في المقام الأول بالمعرفة العقلية والعينية للأشياء والمشكلات. # ولكن الروح العلمية والنزعة العقلانية لم تكد تقوم حتى الآن بأي دور في ~~حياة الحارة. فالناس يأخذون معارفهم في أغلب الأحيان عن «الحكايات القديمة». ~~وهذا وحده شيء يدعو للارتياب؛ لأن الذين يروون هذه الحكايات هم «الشعراء» أو ~~الرواة المحترفون الكذابون نهازو الفرص، الذين يخدمون الناظر وينافقون ~~الفتوات (ص117، 120، 179 وما بعدها، 187، 196، 226 وما بعدها، 310، 318، ~~551)، بل إن عرفة ليتشكك في قيمة الحكايات التي تروى عن الجبلاوي وجبل ~~ورفاعة وقاسم (ص468، 371). # والعقبة الأخرى التي تقف حجر ms341 عثرة في طريق المعرفة العقلانية هي الحشيش. ~~فهذا المخدر يظهر كأنه عنصر بديهي في حياة الحارة، وهو يعود دائما إلى ~~الظهور، فيعبق به الجو في زفة أدهم قبل طرده من بيت أبيه (ص27)، وجبل- موسى ~~يتجاذب الجوزة مع الحاوي العجوز (البلقيطي) الذي يعلمه أصول فنه (ص171)، ~~ورفاعة-يسوع لا يطيقه حقا (ص246، 259)، ولكن أباه يتناوله بانتظام (ص225)، ~~وقاسم يحبه ويقدمه لأصحابه (ص322، 330، 338 وما بعدها، 342). # وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن المؤلف يعتبر الحشيش وسيلة لا ضرر منها ~~لنسيان هموم الحياة، ومنغصاتها الصغيرة والكبيرة. صحيح أن تجارة المخدرات يرد ~~ذكرها كسبيل للإثراء غير المشروع (ص209)، ولكن القارئ سيصدم بغير شك حين يعرف ~~أن قاسم يعرض في جلسة خططه التي تهدف إلى تحقيق رسالته في الحرية والكرامة ~~والسعادة (ص362 وما بعدها)، والرجل الوحيد في الحارة الذي لا يقبل على الحشيش ~~هو «الساحر» عرفة الذي يحتاج عمله إلى اليقظة والانتباه، ولكنه لا يلبث أن ~~يصبح حشاشا بعد دخوله في خدمة الناظر (ص525، 530 وما بعدها) هنا يتبين من ~~جديد أن اللوحة التي يقدمها لنا نجيب محفوظ متعددة الأبعاد والمستويات، ~~فالحشيش شر في ذاته بطبيعة الحال، ولكنه هنا رمز يدل بجانب ذلك على التفكير ~~غير الدقيق، والتأمل غير الواقعي، والهروب من الحقيقة، كما يدل على الاستسلام ~~الأعمى للشهوات، وعلى كل ما يتعارض مع الروح العلمية المأمولة. # إن مهمة السحر، أي العلم، هي أن يقضي على الفتوات، ويطهر النفوس من ~~عفاريتها، ويجلب الحياة الصافية اللاهية التي حلم بها أدهم (ص498). أما الهدف ~~الأسمى الذي يلوح لعيني «الساحر» عرفة فهو قهر الموت. عند هذه النقطة يعود ~~المؤلف، فيتجه إلى الميتافيزيقا. وهو لا يكتفي بالتعبير عن الخوف من الموت ~~الذي يشترك فيه الناس كافة، وإنما يثور على حاجز القوة الذي وضع هنا أمام ~~الإنسان، فلا يمكنه أن يقهره أو يبلغ مداه. إن قدري- قابيل يقول لنفسه أمام ~~جثة أخيه المقتول: «ما دمت لا أستطيع أن أرد الحياة، فلا يجوز أن أدعي القوة ~~أبدا (ص96)، وعرفة الذي يعتقد أنه تسبب ms342 في موت الجبلاوي ينتهي إلى أن الشيء ~~الوحيد الذي يمكن أن يكفر عن جريمته هو إعادة الحياة إلى الجبلاوي # 8 ~~(ص502)، وليست هذه النية مجرد محاولة يائسة لإلغاء حادث وقع، ~~فيصبح وكأنه لم يكن، وإنما تزيد عن ذلك وتصدر عن اقتناع بأن الخسارة التي ~~وقعت يتحتم التعويض عنها كما يمكن أن يتم هذا التعويض، إن كلمة من جدنا كانت ~~تدفع الطيبين من أحفاده إلى العمل حتى الموت، موته أقوى من كلماته، إنه يوجب ~~على الابن الطيب أن يفعل كل شيء، أن يحل محله، أن يكونه.» (ص503) معنى هذا أن ~~الإنسان يجب أن يحل محل الإله، وعندما يفعل ذلك يكون قد حقق المقصد الإلهي. ~~وهكذا تكون إعادة الحياة إلى الإله هي الرمز الذي يدل على أن العالم أو ~~الإنسان الذي يسلك سلوكا عقلانيا هو الذي يتولى عن الإله تنظيم ~~العالم. # ولكن ماذا عن مكافحة الموت البشرية؟ # يقول عرفة: «الموت يكثر حيث يكثر الفقر والتعاسة وسوء الحال.» ويسأله ~~الناظر: وحيث لا يوجد منها شيء يا أحمق؟ فيرد عليه عرفة بهذا الجواب: نعم؛ ~~لأنه معد مثل بعض الأمراض ... إذا حسنت أحوال الناس قل شره، فازدادت الحياة ~~قيمة وشعر كل سعيد بضرورة مكافحته حرصا على الحياة السعيدة المتاحة ... سيجمع ~~الناس السحرة ليتوفروا لمقاومة الموت، بل سيعمل بالسحر كل قادر، هنالك يهدد ~~الموت الموت. (ص354 وما بعدها) إن الثورة على الموت ليس لها طابع ميتافيزيقي ~~فحسب، وإنما هي كذلك رمز متطرف على الكفاح العقلاني والواقعي من أجل حياة ~~أفضل، وهو كفاح يعنيه نجيب محفوظ بكل ما لهذه الكلمة من قوة. # كل هذا يلقي مزيدا من الضوء على مفهوم المؤلف عن الروح العلمية التي ~~يتوقع منها كل شيء لنفسه وللناس. إنها - رغم أنف الشفرة التي يستعملها - ليست ~~لونا من ألوان «السحر» الذي تسقط نتائجه في حجر الإنسان، وإنما تتطلب كفاحا ~~وتحتاج لأقصى جهد ممكن، وحتى إذا صح أن العلم ليس له نهاية (ص497، 542) فإن ~~جهد العالم الواحد لا يكفي؛ لأن الواحد بمفرده لا يقدر إلا على ms343 القليل، ولأن ~~العالم الواحد عرضة للانحراف عن الطريق الصحيح. وإذا كانت لجبل ورفاعة وقاسم ~~جوانب ضعفهم الإنسانية، فلم يبلغ أحد منهم من الفساد مبلغ عرفة. إن نجيب ~~محفوظ لا يمجد العلم تمجيدا أعمى، فهو يدرك الأخطار التي يتسبب فيها ~~بابتعاده عن القيم الأخلاقية والاجتماعية. ولهذا نجده يؤكد اعترافه بالمعايير ~~الأخلاقية وينبه إلى ضرورة إيجاد حل اجتماعي للمشكلة: يجب أن يصير أغلبنا ~~سحرة! # هذا التحول من الفرد إلى المجتمع ملمح أساسي آخر من ملامح هذه الرواية. ~~وليس معنى هذا أنها تصور «أولاد حارتنا» في صورة الممثلين القائمين بالأدوار ~~الفعلية. صحيح أن آل حمدان يتمردون على الناظر والفتوات (ص118، وما بعدها)، ~~ولكن تمردهم يبوء بالإخفاق الذريع، حتى يتبنى جبل قضيتهم. والشعب يتضامن مع ~~رفاعة ويقف وراءه، وهو الذي لا يطمع في ريادة ولا يطمح إلى زعامة (ص276 وما ~~بعدها)، ومع ذلك فهو الذي فجر الحركة التي عانت بسبب دعوته نفسها من الانقسام ~~بين أتباعه حول أهدافها، وهل تكون مادية أو روحية خالصة؟ (ص302 وما بعدها) ~~مهما يكن من شيء، فإن جبل ورفاعة وقاسم هم الذين يحددون شكل حركاتهم وغايتها، ~~وتنهار هذه الحركات بعد موت روادها، فلا يلبث البؤس القديم أن يرجع بخطوات ~~مسرعة. فإذا بلغنا عرفة وجدناه طوال حياته يواجه التعاسة والظلم مواجهة ~~العاجز؛ لأنه لا يجد بين «أولاد الحارة» سندا يستند إليه. # ويوشك القارئ أن يخرج بانطباع يوحي إليه بأن هذه المراجعة الحزينة ~~للتجارب التاريخية تفعم نفس المؤلف بالتشاؤم، أو بأنه يذكر نفسه بنفسه ~~ويحذرها عندما نراه يعارض التواكل والقدرية معارضة صريحة (ص448)، ربما بدا ~~للفرد أن من الممكن أن يحتفظ لنفسه بركن صغير من السعادة والسلامة وسط الشقاء ~~المحدق بالمجموع، ولكن أدهم لا يجد مفرا من أن يناجي نفسه قائلا: لا يهدد ~~السلامة مثل طلبها بأي ثمن (ص21 وما بعدها). ولقد تعلم عرفة في النهاية أن ~~الفعل الذي يحدده الخوف من الموت فعل عقيم لا يجدي شيئا، فالخوف لا يمنع من ~~الموت، ولكنه يمنع من الحياة. ولستم يا أهل حارتنا ms344 أحياء، ولن تتاح لكم ~~الحياة ما دمتم تخافون الموت. (ص546)، والتسليم هو أكبر الذنوب جميعا ~~(ص476)، وليس أولاد حارتنا هم أبطال الرواية، وإنما هم المقصودون بحديثها ~~إليهم. فلا بد لهم أن يعرفوا أن الجهد المبذول لتأمين السلامة والعدالة ~~تمهيدا لخلق الحياة الجديدة جهد يسعى إلى نجاتهم وخلاصهم، وأن نضال الموت ~~نفسه - الذي لا بد أن يعانيه كل إنسان بمفرده - له من ناحية أخرى معنى ~~اجتماعي. ففي مقدور الفرد أن يستمد الشجاعة من تضامنه مع الآخرين. وهكذا ~~تنتهي الرواية نهاية واعدة تفيض بالأمل في المستقبل، هذا إذا تيسر كسب ~~الأغلبية لمتابعة الطريق الذي بين لهم عرفة معالمه. # ويتضح من البناء الشكلي للرواية أن نجيب محفوظ لا يتجه بحديثه إلى صفوة ~~مثقفة أو دائرة صغيرة من أصحاب الاهتمامات الأدبية، وإنما يتجه به إلى الشعب. ~~وهل كان من الممكن أن ينشرها على صورة رواية مسلسلة في صحيفة يومية لو كان ~~الأمر على خلاف ذلك؟ إن الأسلوب موضوعي. وكل وصف يؤدي وظيفته أداء مباشرا ~~في سياق العرض، لا تحليق مع الخيال، ولا إغراق في سرد المعلومات التاريخية ~~(قارن بين ما فعله نجيب محفوظ وبين ما فعله توماس مان بموضوع موسى في قصته ~~المعروفة باسم «القانون») ويندر أن تبدو التأملات صادرة عن المؤلف، فهو بوجه ~~عام قد وضعها في أقوال شخصياته وأفكارهم. هذه الشخصيات لا تجسد بالدرجة ~~الأولى أناسا من لحم ودم، وإنما تجسد أفكارا وآراء، هنا يتذكر القارئ ~~روايات فولتير الفلسفية والرمزية، كما أن نجيب محفوظ ذاته يقارن نفسه بسويفت ~~(وإن يكن في الحقيقة يميز نفسه منه، ففي رأيه أن سويفت - في رحلات جليفر - قد ~~نقد الواقع عن طريق الأسطورة، أما هو فقد نقد الأسطورة من خلال الواقع). # 9 # ومع هذا فلن نجد في الرواية وعظا - على الرغم من الجانب التعليمي ~~المقصود - كما أن الحيوية التي تفتقدها الرواية عن طريق الصنعة الواضحة في ~~بناء الشخصيات والأحداث تعوضها إلى حد كبير واقعية المشكلة الأساسية، وتصوير ~~البيئة تصويرا حيا ملموسا. إن القارئ يجد الحياة مرسومة أمامه ms345 على النحو ~~الذي يألفها عليه (ويكفي أن نفكر في تدخين الحشيش)، غير أنه يفاجأ ببعض ~~المواقف التي تدفعه دفعا إلى أن يسأل نفسه إن كانت هذه الحياة المألوفة هي ~~الحياة السليمة الطيبة التي يمكن قبولها على المدى الطويل. # إن الحدث المشوق هو الذي يحتل مركز الصدارة، وإن كان التشويق، كما ذكرنا، ~~لا يكمن فيما يحدث، بل في كيفية حدوثه. ومن الواضح أن المؤلف يريد أن يشد ~~اهتمام القارئ البسيط، ويأسره ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره. # ربما تبادر إلى الظن أن كتابة الحوار على الأقل باللغة العامية، إن لم ~~نقل كتابة الرواية كلها، كانت تكون أقدر على تحقيق هذا الهدف، ولكن نجيب ~~محفوظ يقصر استخدامه للعامية على الأغنيات والأمثال الشعبية التي يقتبسها، ~~بالإضافة إلى بضع كلمات ومصطلحات تجري على الألسنة في الحياة اليومية، ولو ~~نقلت إلى اللغة الفصحى لبعدت عن هذه الحياة بعدا كبيرا (فالمائدة تظل ~~طرابيزة، والأريكة كنبة، والعرب التي يجرها حصان عربة كارو ... إلخ) وكل ما خلا ~~ذلك مكتوب باللغة الفصحى التي يتردد فيها أحيانا إيقاع قرآني (مثل التعبير ~~الوارد على صفحة 344 يؤدي الإتاوة صاغرا) أو في صيغ عتيقة مثل «فوه» بدلا ~~من «فمه»، و«فيه» بدلا من «فمه»، و«فاك» بدلا من «فمك» (ص55، 69، 67، على ~~عكس الصيغ المألوفة التي ترد على سبيل المثال ص119، 507)، وقد نعجب أيضا ~~لوجود تعبير عامي مألوف مثل «ما فيش فايدة» على هذه الصورة ما فيها (أي ~~الدنيا) فائدة (ص448، وربما كانت هنا إشارة إلى تعبير منسوب لسعد زغلول)، ~~ولكن النص في جملته - بصرف النظر عن هذه المواضع القليلة - نص سهل ومقروء، ~~وهذا أمر يتفق مع من يقصده المؤلف. لقد طالما وجه اللوم إلى نجيب محفوظ ~~بسبب تمسكه باللغة الفصحى، ولكنه لم يحد عن رأيه أبدا، ولم يحاول أن يجعل ~~منه مذهبا متزمتا. لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحى، ووجد ~~من طبائع الأمور أن يستعملها فيما يكتب. والواقع أن استعمال العامية يمكن أن ~~يصدم كثيرا من القراء، بدلا من أن يؤثر ms346 فيهم تأثيرا مباشرا؛ إذ ليس من ~~المألوف أن تتناول الموضوعات الجادة. أضف إلى هذا دور الفصحى بوصفها وسيلة ~~التفاهم في العالم العربي كله، ونجيب محفوظ لا يكتب لمواطنيه المصريين وحدهم. ~~وأخيرا فإن اللغة الدارجة تعد في رأيه علامة على الجهل، وهي لن تصلح ~~للاستعمال في عمل فني يهدف إلى نشر الروح العلمية. # 10 # أما عن الأثر الذي تركته أولاد حارتنا، فيحتمل أن تكون ظروف النشر قد ~~قللت منه إلى حد كبير. حقا إن نشرها في «الأهرام» قد قربها لجمهور عريض ~~من القراء، ولكن لا شك في أنها قد عانت من تقسيمها إلى حلقات عديدة لم يراع ~~فيها دائما أن تكون مطابقة لتسلسل المعنى. # 11 # ولقد أثار مضمون الرواية - قبل أن يتم فهمه كاملا - عاصفة من ~~الاهتمام والاتهام. ويقال إن الدوائر الأدبية راحت تتنافس في تأويلاتها ~~المثيرة، بينما عبرت القوى المحافظة، وفي مقدمتها الأزهر، عن استنكارها ~~وسخطها على التجرؤ على المقدسات الذي تصورت وجوده في الرواية. # 12 # والحق أن الحكومة لم تقف من الاتجاه العام للرواية موقف الرفض، ~~وإلا ما سمحت بنشرها في أهم جريدة يومية، ولكن ردود الفعل بلغت من الحدة ~~والقوة درجة جعلت المسئولين يفضلون عدم نشرها في كتاب، بل ويزيدون على ذلك ~~تحريم الحديث عنها. ولم أستطع أن أعثر على أي نقد مستقل للرواية في مصر، وإن ~~كنت قد وقعت على بحث لغالي شكري، وهو بحث تفصيلي متعمق ضمنه كتابه عن نجيب ~~محفوظ «المنتمي»، بجانب بعض الملاحظات التي أبداها محمود أمين العالم في سياق ~~إحدى مقالاته التي مس فيها «أولاد حارتنا» مسا سريعا. # 13 # وهناك كتاب آخر عن المؤلف وصل به الأمر إلى حد تجاهل الرواية ~~بحجة أنها لم تصدر في كتاب. # 14 # ولكننا لو تطلعنا خارج حدود مصر، فلن نجد كذلك - كما كنا ننتظر - عددا ~~كبيرا من الدراسات المنشورة عن «أولاد حارتنا». وإذا كانت مجلة الآداب ~~البيروتية قد نشرت عنها أكثر من مقال، فإن هذا أمر لا ينفصل عن حقيقة أن دار ~~الآداب هي التي أصدرت الرواية ms347 في كتاب مطبوع، وغني عن الذكر أن هذا لا يقلل ~~من أفضال سهيل إدريس على الرواية، وهو صاحب هذه الدار ورئيس تحرير المجلة. # 15 ~~⋆ # بالإضافة إلى أنه هو نفسه كاتب مرموق. والحقيقة المؤكدة على كل حال هي أن ~~عددا كبيرا من الناس يعرفون الرواية حق المعرفة، ولكنهم يجفلون من التعبير ~~عن رأيهم فيها صراحة. أيكون التحدي أكبر من طاقتهم؟ ربما تكفي هذه الإشارة ~~للدلالة على الموقف الذي نحن بصدده، فيبدو أن من العسير على الكثيرين أن ~~يفصحوا عن المقصود بالجبلاوي، وإذا لم يتحاش النقاد الخوض في هذه المسألة، ~~وجدناهم يتحدثون عن المطلق (غ شكري، 233، 245) أو عن «الإله»، وكأنه ينتمي ~~لديانة غريبة (م. البطوطي، 81)، ويندر أن نجد من يتحدث صراحة عن «الله» (ج ~~طرابيشي، 18). # إن تحليل هذه الآراء والتعليقات يستحق الجهد المبذول فيه، ولكننا مضطرون ~~في هذا المجال للاكتفاء ببعض الإشارات. فغالي شكري - وهو ناقد شاب ينحدر من ~~أصل قبطي، ويعتنق الاتجاه الماركسي - يفسر مفهوم نجيب محفوظ عن التاريخ ~~تفسيرا يتفق تمام الاتفاق مع مفهوم المادية التاريخية، والواقع أنه يبالغ في ~~ذلك مبالغة شديدة، ويبدو أنه هو نفسه قد شعر بذلك عندما اعترف في ختام دراسته ~~القيمة بأن نجيب محفوظ يتجاوز الماركسية، ويطرح أسئلة تتخطى مجال الماركسية ~~(ص255). وماهر البطوطي يركز في نظرية للرواية على الجانب الميتافيزيقي؛ إذ ~~يرى أن المشكلة الأساسية فيها هي مشكلة الصراع بين الخير والشر. ومحمود أمين ~~العالم - وهو مثل غ. شكري كاتب ماركسي معروف - يبحث عن نوع من التوازن عندما ~~يقرر أن نجيب محفوظ قد أقام في روايته «وحدة جدلية حية» بين العلم والدين ~~وبين النزعة المادية والنزعة الروحية (ص83 وما بعدها)، والواقع أنه بقوله هذا ~~قد أنصف المؤلف أكثر مما فعل النقاد الذين سبق ذكرهم. وناجي نجيب يؤكد بحق ~~العلاقة الوثيقة بين أفكار المؤلف وبين التطور التاريخي في مصر، فمن رأيه أن ~~المجتمع القديم لم يكن قد اختفى سنة 1952م كما تصور نجيب محفوظ، كانت الثورة ~~قد بدأت، وكان من الضروري أن تتابع طريقها، وهذه ms348 هي القضية التي يدافع عنها ~~نجيب محفوظ في روايته. # أما عن الاستشراق والمستشرقين، فقد نشر جاك جومييه - الذي ندين له بدراسة ~~رائدة عن الثلاثية - بعض الملاحظات القليلة عن «أولاد حارتنا». وتكمن قيمة ~~هذه الملاحظات قبل كل شيء في أنها تعكس الشعور السائد عند نشر الرواية على ~~حلقات مسلسلة. ويرجع الفضل إلى ل. و. شومان في أنه كان أول من نبه الغرب إلى ~~عظمة هذه الرواية عندما وفاها حقها من التقدير في محاضرته التمهيدية التي ~~ألقاها بجامعة أمستردام، وكانت بداية انضمامه إلى هيئة التدريس بها. هذا ~~فضلا عن دراسة الناقد العبري ساسون سوميخ الغنية وتأملات ب. ج. فاتيكيوتيس ~~عن مفهوم الفتوة في الرواية، ولا يمكنني على كل حال أن أوافق الدارسين ~~الأخيرين على تفسيرهما المفرط في التشاؤم. # لست أعرف في الأدب العربي الحديث ~~عملا تناول مثل هذه المشكلات المهمة على هذا النحو المثير الذي تناولته به ~~«أولاد حارتنا»، ولا شك أن السؤال الأساسي الذي يحتل منها مكان القلب هو مدى ~~تأثير الدين على الحياة. هل ينكر نجيب محفوظ وجود الله؟ إن تعدد المعاني ~~والإيحاءات أمر مسموح به للأديب، وهو يلجأ إليه هنا كما فعل في مواضع أخرى ~~كثيرة. والحجة التي يسوقها لتبرير ذلك هي أن على الميتافيزيقا أن تتراجع وراء ~~الضرورات الأرضية. إن حياة الإنسان، كما صرح بذلك في أحد أحاديثه، تتألف من ~~مأساة الوجود وعدم الوجود كما تتكون من مآسي اجتماعية أخرى عديدة، كالجهل ~~والفقر والعبودية والبطش. ولا بد للإنسان أن يتحرر من المآسي الاجتماعية التي ~~صنعها بنفسه، وهو قادر على التحرر منها. فإذا فرغ من هذا أمكنه بعد ذلك أن ~~يلتفت إلى مأساة وجوده. وقيام نجيب محفوظ بطرح هذه القضية على بساط البحث ~~أمام الجمهور العريض، لا على نحو سري أو خفي، هو في الواقع من أهم النتائج ~~التي أدى إليها التطور العلماني في الإسلام. ويبدو لي في نفس الوقت أنه قد ~~ساهم بذلك مساهمة طيبة في الأدب العالمي بالمعنى الذي قصده «جوته»، فقد قدم ~~عملا يستحق أن يضاف ms349 إلى الرصيد العقلي والروحي الذي تعتز به البشرية. ولا شك ~~أن ترجمة هذه الرواية إلى اللغات الأوروبية ستظل أملا نتطلع إليه ~~ونتمناه. ~~(1978م) # ملاحظات # أود أن أقدم شكري للسيد يوسف الشاروني، القاهرة، والسيد الدكتور ناجي ~~نجيب، برلين، على إرشاداتهما القيمة. ~~(1) # قارن الدراسة الكبيرة التي قام بها الأب جاك جومييه عن الثلاثية ~~تحت عنوان: حياة أسرة قاهرية في ثلاثية نجيب محفوظ، وقد نشرت في مجلة ~~ميديو # Mideo ~~، العدد الرابع (1957م)، ~~ص27 وما بعدها. ~~(2) # فؤاد دواره: عشرة أدباء يتحدثون (القاهرة) دون تاريخ، حوالي سنة ~~1965م، ص283 وما بعدها، وراجع كذلك ماهر البطوطي ص81، وناجي نجيب ص34 ~~وما بعدها . أما عن المعلومات الببليوجرافية الكاملة عن التعليقات التي ~~صدرت عن أولاد حارتنا، فانظر فيها الملاحظة رقم 13 فيما بعد. ~~(3) # غالي شكري، ص230 وما بعدها، ومجلة ميديو، العدد 8 (1964-1966م)، ~~ص343، الملاحظة رقم «1». ~~(4) # يبدو أن اللهجة العامية في نطق أولاد حارتنا تقتضي وضع كسرة تحت ~~الراء على صفحة الغلاف، وهذا هو الذي افترضه «شومان» في رسمه للكلمة ~~بالحروف اللاتينية. غير أنه من الواضح أن هذا التصرف لا يتفق مع قصد ~~المؤلف، الذي سنتعرض لتحفظاته على اللغة العامية في نهاية هذا المقال. ~~أضف إلى هذا أن التشكيل الكامل «أولاد حارتنا» سيكون له رنين ~~طنان. ~~(5) # نجيب محفوظ في حوار مع سمير الصايغ، مجلة مواقف، العدد الأول ~~(أكتوبر-نوفمبر 1968م) ص85 وما بعدها. وقد ظهرت الطبعة الثانية للرواية ~~عن دار الآداب سنة 1972م. (الآداب السنة العشرون، العدد الرابع، ص18، ~~الملاحظة الأولى). ~~(6) # راجع بعض الإشارات إلى هذه المسألة لدى شومان ص18 وما ~~بعدها. ~~(7) # يشير شومان (ص16 وما بعدها) وطرابيشي (ص19 وما بعدها) إلى احتمال ~~أن يكون نجيب محفوظ قد فكر في فعل جبل (شكل، وصور وإبداع) عند صياغته ~~لاسم الجبلاوي. والواقع أن كثيرا من أسماء الأعلام في «أولاد حارتنا» ~~ترجح أن تقوم معاني الألفاظ بدور معين في سياق العمل الروائي، ويكفي أن ~~ننظر في اسم عرفة الساحر-العالم (من يعرف). ومع ذلك فإنني أشك في تفسير ~~شومان لاسمي ولدي أدهم (ص16)؛ ms350 إذ يرى أن «قدري» مشتق من «قدر» (تقدير ~~الله)، وأن اسم همام يأتي من حمال الهموم (هم)، ألا تكفي ملاحظة ~~التناظر في الحروف التي تبدأ بها أسماء قدري وقابيل، وهمام وهابيل؟ ~~إنني أفضل قراءة الاسم الأخير هكذا «همام»؛ لأنه اسم شاع استعماله في ~~العصر الأخير. والأرجح أن يكون اسم همام أقرب إلى معنى الإرادة والطموح ~~منه إلى معنى الهم والغم (وقد جاء في «المنجد»: من إذا هم بشيء أمضاه، ~~كما جاء معجم «بيلو» # Belot # أن الهمام ~~هو الذي ينضج مشروعاته وينفذها). وليس من المستبعد على كل حال أن يكون ~~المؤلف قد استخدم اسم همام وفي خاطره معنى الهم (وقد جاء في اللسان: ~~عظيم الهمة، كما جاء فيه إذا هم بأمر أمضاه لا يرد عنه، بل ينفذ كما ~~أراد)، والغريب أن تطلق أسماء بعض الشخصيات الجانبية مثل كعبلها على ~~رجل وتمر حنة وأم بخاطرها على النساء (والتشكيل هنا غير مؤكد). ~~(8) # راجع تصريحه المهم الذي أعلنه في مجلة مواقف، العدد الأول، ~~ص84. ~~(9) # انظر حواره مع غالي شكري في مجلة حوار، العدد 3 (مارس-أبريل 1963م) ~~(72، وانظر كذلك ناجي نجيب، ص35). ~~(10) # راجع فؤاد دواره ص286 وما بعدها، ومجلة حوار، العدد 3، 67، وكذلك ~~الأب جومييه في مجلة «ميديو» العدد 4، 87 وما بعدها. ~~(11) # محيي الدين محمد 73. ~~(12) # محيي الدين محمد، غالي شكري، ص230 وما بعدها، 257. ~~(13) # المراجع التي سبق ذكرها في الهوامش هي التي بلغت إلى علمي عن رواية ~~أولاد حارتنا. # | العالم والتاريخ والأسطورة1 # (1) # تنقسم هذه المحاضرة إلى قسمين كبيرين، يحاول القسم الأول منها أن ~~يبين أهم الأسس التي تقوم عليها فلسفة الظاهرات (الفينومينولوجيا) ~~لإدموند هسرل. ولا تعتمد هذه المحاولة على كتاباته المنشورة فحسب، بل ~~تعتمد كذلك على المخطوطات التي تركها وراءه. أما القسم الثاني فينطلق من ~~تلك الأسس، ثم يتجاوزها، ويضع تخطيطا لتحليل ظاهرياتي للأسلوب الأسطوري ~~لوجود الإنسان. ~~(2) # إن مشكلة البداية من أصعب مشكلات الفلسفة. والبحث عن البداية يعد ~~نوعا من البحث عما هو أول، عما يأتي في المقام الأول. ومع ذلك فإن هذا ~~الأول لا يوجد بذاته ms351 منفردا، إذ لا يوجد الأول إلا لوجود الثاني وما ~~يتبعه أو يتلوه. وإذن فالبداية لا تنفصل عما يصدر عنها. ومعنى هذا - من ~~جهة أخرى - أننا لا نستطيع أن نجد البداية مستقلة عما صدر عنها ~~بالفعل. # إن البداية هي المدخل إلى ما نوجد فيه سلفا. ولهذا فإن حل مشكلة ~~البداية يكمن في العثور على تبرير أخير لما نوجد فيه بالفعل، للفهم ~~المسبق - العصي على التعبير - لكل ما هو موجود. أي إنه تبرير لا يمكن ~~إلغاؤه أو الذهاب إلى ما وراءه، وافتراض أخير يتبين كافتراض أخير. هذه هي ~~بداية الفلسفة، وهذا الافتراض الأخير هو الذي كشف عنه إدموند ~~هسرل. # والأمر يتعلق في الواقع بشيء لا يسأل عنه، شيء ألفه الناس واعتادوا ~~قبوله، بحيث لم يفكر أحد قبل هسرل في أن يضعه موضع السؤال، ألا وهو أننا ~~نعيش في العالم، وأن كل واحد منا هو أنا - موجودة - في العالم، وأن ~~العالم - تبعا لذلك - هو الافتراض الأخير، ولكن العالم هنا لا يعني ~~العالم ببساطة، ما دمنا موجودين بالفعل في العالم، فالمبرر الأخير هو ~~تجربتنا بالعالم، تجربتنا الأصيلة بالعالم. # إن الوجود «في» العالم قد أصبح ~~هو الأساس الذي تقوم عليه فلسفة الظاهريات الحديثة بأكملها، وهو بوجه ~~خاص أساس فلسفة مارتن هيدجر، أشهر تلاميذ هسرل. # إذا كنا قد عرفنا أن العالم هو ~~أرضنا أو تربتنا الأخيرة، ومن ثم فهو كذلك التربة التي تنمو فيها ~~الحقيقة، فيبقى علينا أن نحدد حقيقته، ونعبر عنها تعبيرا مفصلا. # نحن نعيش في العالم، ونجربه، ~~نحن حياة تجرب العالم. ما الذي يترتب على القول بأننا قادرون على وضع ~~مشكلة التعبير عن تجربتنا بالعالم وحقيقتها بهذه الصورة، وأننا كذلك ~~ملزمون بضرورة وضعها؟ إن الفلسفة يتعين عليها تقديم العبارة الأولى عن ~~العالم، ولكننا في الوقت نفسه نعرف على الفور أن هذه العبارة الأولى ~~ذاتها هي في الواقع شيء ثان بالنسبة للتجربة العينية بالعالم، وبالنسبة ~~للحياة العينية. # وتتطلب الظاهريات أن تكون كل العبارات التي تقال عن العالم، وكل ~~المفاهيم، مستمدة من التجربة، أي تجربتنا بالعالم. ms352 # هنا يكمن المعنى الحقيقي ~~لمطالبتها بالتخلي عن أي افتراض مسبق. والواقع أننا حين نتكلم عن التخلي ~~عن أي افتراض إنما نقصد في الحقيقة افتراضا يسبق كل شيء آخر، أي يكون هو ~~البداية والتبرير. هنا يفترض أننا لا نبلغ المعرفة إلا ابتداء من هذه ~~التجربة، وهذه الرؤية نفسها. في هذا الافتراض يكمن ما تطالب به الظاهريات ~~من التخلي عن كل افتراض. ومعنى هذا أنها تتضمن افتراضاتها الخاصة ~~وتوضحها. ~~(3) # لنسأل الآن: أين تقع نواة العطاء المسبق للعالم؟ كيف نتوصل إلى جعل ~~العالم موضوعا للبحث والوعي؟ إنه التوتر القائم بين العطاء والدلالة، ~~بين المعطي والمعنى المصاحب له. # إن كل تجربة، أيا كان ما نلقاه فيها، تنطوي على معرفة مصاحبة ~~ومعرفة سابقة بما ينتمي إلى موضوع التجربة، وذلك دون أن يقدم لنا هذا ~~الموضوع مباشرة. «من جهة الوعي، لا ينتهي المدرك، حيث ينتهي الإدراك» ~~(الفلسفة الأولى، الجزء الثاني، ص147). # 2 # وإذا حاولنا على سبيل المثال، رد إدراك الموضوع إلى «الإدراك ~~الخالص» قلنا: إننا لا نرى الآن سوى جانب واحد من الموضوع، ولكن هذا ~~معناه أننا نراه في «أفقه»، أي بوصفه جانبا من الموضوع، ونحن لا نرى ~~فحسب جانبا واحدا، وإنما نرى جانبا «من» هذا الموضوع، كما أن الموضوع ~~كله له بدوره أفق أوسع. فكل ما هو معطى يزيد عن كونه مجرد معطى، أي يحتوي ~~على شيء زائد يكون أفقه. # كل ما أعرفه فله أفق، وله «ما يتجاوزه»، ولهذا فهو في النهاية وجود ~~في «داخل»، في «أفق كل شامل». هذا الأفق الشامل في العالم. وليس العالم ~~مركبا مؤلفا من آفاق، وإنما هو يتخطى هذه الآفاق. ولهذا فهو تربة ~~تجربتنا وهدفها على السواء. هذه الخاصية التي تميز العالم هي التي يصفها ~~هسرل ب «العلوم» (الترانسندنس). ~~(4) # لما كان الأنا موجودا في العالم، فينبغي علينا أن نشير باختصار إلى ~~تشابك الأنا والعالم. # إن الموجود، من حيث أن له أفقا، ومن حيث أنه معطى، يحيل من تلقاء ~~ذاته إلى قدرة الأنا على تفسيره. هذا هو معنى وجوده المعطى. ويرتبط ms353 بمعنى ~~وجوده ما يمكن أن نسميه صلاحية العالم (أو صدقه وقيمته) التي تحيل كذلك ~~إلى قدرة الأنا على تفسيره. إن الأنا «يملك» العالم بوصفه التربة التي ~~تضم كل ما هو موجود، وهذا الملك هو «أنا أقدر» (أو أستطيع). في ملك ~~العالم هذا نقول: أستطيع أن أفهم هذا وذاك، على هذا النحو أو غيره، ~~ويمكنني دائما أن أواصل تحديده، قد تظهر أحيانا بعض المتناقضات، ولكنني ~~قادر باستمرار - في إطار وحدة العالم - على تصحيح تجاربي في كل مرة، ~~وإضفاء التجانس والاتساق عليها. # إن العالم - بوصفه أفقا شاملا - لا يقدم إلي أبدا توقعا ~~يقينيا لتجانسه تجانسا نهائيا، ولكن هذه فكرة لا متناهية؛ لأنني لن ~~أتمكن أبدا من معرفة العالم معرفة كاملة، ولا من تحديده تحديدا تاما، ~~ولأنني أستطيع دائما أن أكتشف فيه جديدا. ولولا هذه الفكرة لصار العالم ~~ركاما مختلطا، ولما كان ثمة تجربة منظمة وقابلة للتصحيح، والواقع أن ~~كوننا نملك العالم بوصفه «أنا-أقدر» إنما هو أمر يثبته العمل نفسه، كما ~~تؤكده قدرتنا على تفسير العالم. ~~(5) # لقد كشفنا عن المعطى في ارتباطه بأفق ملازم له، ثم كشفنا عنه في ~~ارتباطه بالعالم أو في «عالميته». ولما كان كل معطى يحيل إلى ما وراءه، ~~وكانت البداهة تحيل دائما إلى بداهة ~~أخرى، فإنه لا يمكن لموجود فردي أو جزئي أن يعرف معرفة مطلقة البداهة ~~واليقين. إن كل تجربة تعطي نفسها تشير إلى ما يتعداها، وهي كذلك انتظار ~~لذاتها. ومن طبيعة كل انتظار أن يحتمل خيبة الأمل. وهكذا نجد أن من طبيعة ~~البداهات أن تحيل إلى ما وراءها، وأن تحتمل الخيبة، كما أن من طبيعتها - ~~وهذا أمر في غاية الأهمية - أنه لا يمكن أن يقوم مقامها، أو لا يمكن أن ~~يستبدل بها، إلا بداهات أخرى عديدة (المنطق الصوري والترنسندنتالي، ص139 ~~وما بعدها). # بهذا نكون قد وصلنا إلى رأي مهم يتعين علينا الآن أن نعبر عنه في ~~صيغة واضحة، أن المعرفة اليقينية الوحيدة التي نملكها هي المعرفة ~~بالحياة التي تجرب العالم، بالأنا «في» العالم، ب «عالمية» كل شيء ms354 جزئي ~~أو فردي. وبهذا نرى في نفس الوقت أن حل مشكلة الحقيقة والبداهة إنما يكون ~~في العالم. # إن الذي يوصف باليقين (أو بالضرورة اليقينية) هو العالم والحياة التي ~~تجرب العالم، وتجرب نفسها بما هي كذلك، ولكن هذا اليقين، كما يقول هسرل، ~~لا يمكن أن يكون مطابقا أو مكافئا، فحتى «الأنا-أفكر»، وإن كان من ~~الممكن معرفته معرفة مكافئة، أي بوصفه تجربة قابلة لأن ترد في كل لحظة ~~إلى وجود موضوع وضعا يقينيا، فليس من الممكن أن يعرف معرفة مكافئة. ~~(الفلسفة الأولى، الجزء الثاني، ص396 وما بعدها). إن يقين المعارف ~~الجزئية لا يتصف في ذاته باليقين الضروري، وإنما يشارك فحسب في ذلك ~~اليقين الواحد الوحيد. والعالم في يقينه الضروري هو الشيء الوحيد الذي ~~يتصف بالحقيقة. وعلى التربة الشاسعة لحقيقة العالم تتخذ كل بداهة، وكل ~~عطاء ذاتي (للمعطى بما هو معطى) كما يتخذ إدراكه طابعه واسمه المميز. ~~وليس هذا طابع الحقيقة، بل هو طابع تحقيق الحقيقة (راجع: الفلسفة علما ~~دقيقا، ص201). # إن كل تجربة جزئية هي تجربة محدودة تتم على أساس الصلاحية أو الصدق ~~الشامل للعالم، إنها تجربة تخصص أو تعزل وتبرز من هذا العالم نفسه. بهذا ~~يظهر كل جديد، وكل تجربة جديدة بوصفهما نوعا من التخصيص. ويتخذ كل ما ~~يجرب تجربة حية شكل التخصيص في إطار العالم المعطى (قارن الجزء الثالث من ~~الفلسفة الأولى، ص620 وما بعدها). وهكذا يكون كل ما يعاش في التجربة ~~شيئا جديدا، وخاصا في داخل الأفق الشامل للعالم، كما يكون بلوغ الشيء ~~المجرب تحقيقا (وضعا في الحقيقة) يمكن أن نتابعه بصفة مستمرة على ~~الأساس المتجانس للعالم الحق. واليقين الذي يتصف به تحقيق العالم (وضعه ~~في الحقيقة) هو في الواقع يقين نسبي متعلق بيقين العالم وبتجربة حية. ~~وهكذا يتوصل هسرل إلى هذا المفهوم الذي يبدو للوهلة الأولى متناقضا، ألا ~~وهو مفهوم اليقين النسبي (راجع: الفلسفة الأولى، الجزء الثاني، ص406)، ~~ويترتب على هذا أن اليقين النسبي هو الذي يميز المعطى عندما نحققه (أو ~~نضعه في الحقيقة) بوصفه تخصيصا من العالم ms355 أو في العالم. ~~(6) # الوجود «في» العالم فهم، إنه فهم الإنسان ذاته - «في» العالم - ~~بكليته. ولهذا الفهم جانبان. فنحن حين نفهم أنفسنا في العالم ننشغل بكل ~~ما هو ممكن، دون أن نعزله لنجعل منه موضوع بحثنا، ودون أن نخصصه على حدة. ~~وإذن فلدينا جانبان من الفهم؛ أحدهما يتجه مباشرة إلى الموضوع، والآخر ~~يفسره ويكشف عنه، وهما مرتبطان ارتباطا وثيقا. ومعنى هذا أننا لا نملك ~~فحسب ذلك الفهم الشامل للعالم الذي نحيا فيه على علاقة مباشرة بالأشياء ~~دون أن نعنى ببحثها، بل إن فهمنا يكون على الدوام فهما مصحوبا ~~بالتفسير. هذا الفهم الذي يشرح ويفسر هو الذي أطلقنا عليه صفة ~~التخصيص. # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف نفسر شيئا معينا في أفقه؟ كيف ~~نبحث شيئا ونجعله - بوصفه شيئا جزئيا - موضوعيا للوعي ؟ وكيف نعزله ~~من ثنايا فهمنا للعالم ونخصصه؟ ~~(7) # بهذا نصرف نظرنا عن الفهم المباشر للموضوع وعما فهمناه مباشرة، ونجعل ~~منه - من حيث هو موضوع مخصص - موضوعا للوعي. وأهم شيء هنا هو أن ما ~~نتأمله الآن، ونبتغي وصفه يصبح معطى مخصصا عن طريق تعبيرنا عنه تعبيرا ~~ذهنيا أو صوتيا. ومن خلال العبارة نجعل من موضوع البحث مهادا، # 3 # وذلك على حد وصف هسرل له. # وإذا كنت سأتكلم الآن مثل هسرل عن المهاد والتحديد، فإني أؤكد أهمية ~~ما أقوله؛ لأنه سيكون أساس تحليل مواز سأقدمه في القسم الثاني من ~~المحاضرة. # إن الموضوع أو المهاد هو المفهوم الأول والأصلي للواقع الذي يمكننا ~~أن نقول شيئا عنه، وأن نكشف تجربتنا له، ونعبر عنها. وعن طريق عبارتنا ~~عنه يصبح الموضوع مهادا. وأي تجربة نقوم بها هي في الحقيقة تجربة بمهاد، ~~أو هي بتعبير أوضح متعلقة بمهاد. # والموضوع الذي أدركه هو الموضوع الذي أكون عنه أو أصدر عليه عبارات، ~~هو الذي أحكم عليه، وهو الذي أفسره في تجارب جزئية أو تجارب خاصة. # إن تفسير أي موضوع تفسيرا يعتمد على التجربة الحية أمر مرتبط بتحديد ~~ماهيته وسماته وخصائصه. هذا التفسير يتضمن في كل الأحوال الفارق بين «ما ~~يقال ms356 عنه أو يحكم به عليه»، وبين ما أحدده بصدده خلال التجارب الجزئية ~~الخاصة، أي إنه يتضمن التفرقة بين المهاد والتحديد. # غير أنني أستطيع كذلك أن أتناول الماهية، وأجعل منها موضوعا للبحث؛ ~~لكي أواصل شرحها وتفسيرها. بهذا يتخذ ما كان في الأصل تحديدا طابع ~~المهاد. وبهذا أيضا «أمهد» (من المهاد)، أو أسمي تحديدا ما. # ويصف هسرل أنواع المهاد، التي لم تنتج عن تحديد لطبيعتها كمهاد، ~~بأنها مطلقة. والمهاد المطلق هو ذلك الذي يمكن إدراكه بكل بساطة وبطريقة ~~مباشرة. في إمكاني كذلك أن أدرك إدراكا مباشرا عدة أجسام معطاة ببساطة ~~للإدراك، وموضوعة على سبيل المثال في سياق مكاني-زماني. بهذا يصبح هذا ~~السياق الأخير بدوره مهادا مطلقا. # ونحن نعني بالتحديدات المطلقة تلك التحديدات التي لا يمكن أن تصبح ~~«مهادات» إلا عن طريق تسميتها ، وجعلها مهادات. ويبين هسرل بتفرقته بين ~~المهاد والتحديد أننا نقوم بالضرورة بتفسير الأفق الذي يقدم فيه الشيء ~~المعطى. ~~(8) # إن المهادات التي نصفها بأنها مطلقة يمكن في الحقيقة أن تكون موضوع ~~تجربة مباشرة، وذلك في مرحلة أولى، ولكنها توجد في علاقات تضايف أو إحالة ~~متبادلة. وهذا يبين مرة أخرى أنها توجد داخل أفق شامل، وهذا الأفق هو ~~العالم. وبسبب هذا النظام من العلاقات والإحالات المتبادلة، وبسبب وجودها ~~داخل «أفق أشمل»، لا تكون المهادات المطلقة مستقلة. إنها تجد نفسها، كما ~~يقول هسرل، في مهاد أشمل، أي في مهاد العالم. # في إمكاننا أيضا أن نتجه مباشرة إلى العالم كما نتجه إلى كل أو ~~موضوع واحد للتجربة، ولكن علينا في هذه الحالة أن نعرف بوضوح أننا لا ~~نجربه ولا نحياه بوصفه مهادا، وأننا لا نعاينه عيانا بسيطا. وهنا ~~ينبغي أن نعبر بوضوح عما لم يوضحه هسرل. فنحن حين ننتقل من مهاد مطلق ~~جربناه تجربة بسيطة مباشرة، إلى مهاد مطلق ومستقل، أي إلى العالم، فإن ~~المهاد في هذه الحالة يغير وظيفته. إنه يتحول مما «أقول بصدده شيئا» إلى ~~ما هو «داخل». وعندما نجعل هذا «الداخل» موضوعا للبحث، يصبح بدوره «ما ~~يقال بصدده شيء»، ولكنه سيختلف ms357 كذلك عن المهاد المعتاد. # مهما يكن من شيء، فإن العالم سيبدو عندئذ في صورة المهاد المطلق ~~المستقل. وبهذا يصبح هو المطلق الخالص البسيط. إن جميع المهادات المطلقة ~~توجد «في» شيء ما، وهي تحدد بأنها كل ما يوجد «في» شيء ما. غير أن العالم ~~نفسه لا يوجد في شيء ما. إنه هو الشيء الكلي. وإذن فالعالم وحده هو ~~المهاد المطلق، مأخوذا بمعنى الاستقلال المطلق. ~~(9) # لعل من أهم الاكتشافات التي توصلنا إليها حتى الآن اكتشاف الفارق بين ~~التجربة المباشرة والبحث (المقصود الواعي). فنحن حين نعيش في العالم ~~ببساطة لا نعيش فيه كما لو كنا نريد أن نجعله موضوعا للبحث، أو كما لو ~~كان مبحثا نهتم بالنظر فيه. وحتى لو وجهنا اهتمامنا نحو الجزئيات، سواء ~~أكانت أشياء واقعية، أم أمورا شخصية، فإننا لا نبحث في بيئة هذه الأشياء ~~ولا في آفاقها التي تعطى لنا من خلالها. # وينبغي علينا، فيما يتعلق بمسألة البحث، أن نلتفت إلى أمر مهم يتصل ~~بمنهج الكشف الظاهراتي. ولا بد لنا - إن جاز هذا القول - أن نكتبه على ~~الحائط حتى لا ننساه؛ لأن النسيان يغلب على كل من يميل بطبعه إلى التفكير ~~والتنظير. # إن ما أجده عندما أغير موقفي وأتجه إلى البحث، لا يبقى على ما كان ~~عليه في الأصل، أي على ما كنت أجربه تجربة مباشرة، وأحياه حياة مباشرة. ~~إنه الشيء نفسه، وهو في الوقت عينه شيء آخر مختلف. ومنهج الكشف الظاهراتي ~~بأكمله لا يسمح لنا إلا بالإحالة إلى الحياة التي نعيشها بطريقة عينية، ~~وإلى التجربة العينية الملموسة التي تبقى - بما هي كذلك - في نهاية ~~المطاف غير قابلة للتعبير عنها من جهة ما تمثله من حياة وتجربة مباشرة. ~~إن العبارات التي تقال عنها لا تكون ممكنة إلا على صورة إحالات ~~عكسية. ~~(10) # لقد انطلقنا من المشكلة الأساسية في فلسفة الظاهرات، ألا وهي مشكلة ~~المعطى في علاقته المتوترة مع المعنى المعطى معه، أي من المعطى وتفسيره. ~~ثم وصلنا في النهاية إلى «الداخل» النهائي المطلق والمستقل أو المكتفي، ~~ونعني به العالم. ولسنا ms358 بحاجة إلى الإشادة بما أسداه هسرل إلى الفلسفة ~~بمنهجه الجديد، وبكشفه للعالم وللحياة التي تجرب العالم. ولنكتف في هذا ~~المقام بذكر عبارة واحدة قالها الأستاذ ج. جرانيل: «إن هسرل هو ببساطة ~~أعظم فيلسوف ظهر منذ الإغريق» (إدموند هسرل، في الموسوعة العالمية، ~~المجلد الثامن، باريس، 1971م، ص613). # ومع ذلك فهنالك «داخل» مطلق آخر لم يره هسرل، وسوف يتحتم علينا أن ~~نسأل أنفسنا إن كان هذا المطلق مرتبطا بالعالم، وعلى أي نحو يتم ارتباطه ~~به، بل إن كان يشمل هذا العالم ويحيط به. # إن اكتشاف هسرل للأفق ومن ثم للعالم يأتي من فلسفة تركز على الرؤية. ~~وقد كان هسرل نفسه على وعي كامل بهذا، تشهد على ذلك رسالة وجهها إلى أ. ~~ميتسجر وقال له فيها: «أنا الذي وهبت حياتي كلها لتعلم الرؤية والمران ~~عليها ، وتأكيد حقوقها، أقول: من بلغ درجة الرؤية الخالصة (بالعمل على كشف ~~العيانات أو الحدوس) فقد بلغ اليقين الكامل بالمرئي، بوصفه عملية إتمام ~~لما هو «معطى عطاء أوليا» (...) ثم أضيف عن المنهج وآفاق مجالات البحث ~~عن الأفكار هذه الكلمة الوحيدة» (انظر الحولية الفلسفية لجمعية جوريس، ~~62، 1، المجلد النصفي، ص196). # ومع أن التاريخ يشغل مكانا مهما من مؤلفات هسرل التي وضعها في ~~أخريات حياته، فإننا لا نكاد نجد فيها شيئا عن الأساس الذي يقوم عليه ~~التاريخ، ونقصد به العمل. وإن فيلسوفا ينطلق من الرؤية كما يفعل هسرل، ~~لا بد له - كما كان من الممكن أن يقول بنفسه - أن «يكف» العمل، على الرغم ~~من أنه يتساوى مع الرؤية في أهميته. ~~(11) # وقد عثرت على نقطة الانطلاق ~~الوحيدة لظاهريات العمل - التي يمكن أن تقف على قدم المساواة مع ظاهريات ~~الرؤية، أو بالأحرى يمكن أن ترتبط بها - في بعض الفقرات الموجزة أشد ~~الإيجاز، وفي موضعين يشغلان عدة صفحات من المخطوطات التي تركها وراءه، ~~وتناول فيها موضوع «الذاتية المشتركة». وهي المخطوطات التي لم تنشر إلا ~~منذ ثلاث سنوات. وما سأعرضه عليكم الآن مستمد من مخطوطات هسرل التي ترجع ~~إلى بداية العشرينيات، والذين يعرفون منكم فلسفة هيدجر ms359 سيدهشون قليلا ~~مما يسمعون. # يصف هسرل العالم، كما يعطي لنا ~~عطاء مباشرا، بأنه عالم عملي. إنني - بصفتي «أنا» جسمية، جسدية أو ~~متجسدة - لا أعيش في بيئة وعالم جسميين أو ماديين. فبيئتي وعالمي هما في ~~الأصل بيئة عملية. ولهذه البيئة جانبان، فأنا أتدخل فيها، وأشكلها أو ~~أغير شكلها، وأسعى لتحقيق أهداف وغايات فيها. # بيد أن غائية العالم العملي ~~ليست «موضوعية» بحتة، بل تنطوي على الحالة الوجدانية (المزاج) والتعبير. ~~والآخرون، الذين يعطون لي في صورة جسدية، يعطون لي كذلك مع تعبيرهم عطاء ~~مباشرا. وأنا نفسي معطي لنفسي مباشرة في أحوال وجدانية متغيرة، أعرف عن ~~طريق الآخرين أنها معبرة: «إن العالم في مواجهتي (...) العالم الذي هو ~~«مسرحي»، ومجال نشاطي، العالم الذي يصيبني بالفزع والخوف وسائر الأحوال ~~الوجدانية، هذا العالم كان دائما مثل هذا المسرح، وهو يستمد ملامحه من ~~أوجه نشاطي وفاعليتي، ومن مختلف الأحوال والأمزجة التي تعرض لي.» ~~(الحولية الفلسفية لجمعية ~~جوريس، المجلد الثاني، قبل سنة 1924م). # إن الجسد والتعبير متشابكان ومتلازمان. ولما كان العالم في جوهره ~~عالما عمليا، فإن التعبير والحالة الوجدانية ينتقلان من الأجساد إلى ~~الأجساد (الأشياء المادية)، بحيث «تعبر» كثير من الأشياء، وتثير في معظم ~~الأحيان نوعا من المزاج أو الحالة الوجدانية. # وفي العالم العملي يكون الجسد أداة الأدوات، بحيث تعد الأدوات ~~(الآلية) امتدادا لجسدي. # إننا نقوم بتشكيل البيئة تشكيلا مناسبا، ويكون للأشياء التي ~~شكلناها جانبا، فهي في الجانب الأول تشير إلى الإنتاج البشري، كما تتصف ~~في الجانب الثاني بأنها يمكن أن تخدم أهدافا وغايات معينة. والمعنى ~~العملي (أو النفعي) للأداة نفسها يحيل بدوره إلي من ناحيتين؛ فهو من ~~ناحية يحيل إلي بوصفي «أنا» جسدية قادرة على استخدام هذه الأداة ~~بطريقة أو بأخرى، وهو من ناحية أخرى يحيل إلى كوني «أنا» ذات رغبات، ~~وقيم، وغايات عملية، تتصرف في تلك الأشياء المشكلة لتحقيق هذه الرغبات ~~والقيم والغايات: «إن عالم البيئة لا يتكون فقط من طبيعة مادية ومجموعة ~~موحدة من الظواهر، بل هو كذلك بيئة أقوم أنا (وغيري من الناس) بتشكيلها. ~~إنه ms360 تغيير في شكل الأشياء يتم وفقا للغايات المقصود، وبأفعال غائية أو ~~عملية، تكشف عن الجانب المزدوج الذي أشرنا إليه. والشكل نفسه، على النحو ~~الذي انتهى إليه، سواء أكان ساكنا أم متحركا، يحيل إلى أفعال موجهة ~~لتحقيق هدف، وإلى إنتاج مقصود، وينطوي على معنى غائي باطن، وخاصية ~~قابليته الدائمة لأن يوضع موضع التصرف من جهة الأفعال التي تتوخى غاية، ~~وذلك باعتباره أداة أو أية وسيلة أخرى من وسائل التشكيل. هنا أيضا نجد ~~الجانب المزدوج المشار إليه. فالمعنى المرتبط بتحقيق غاية أو هدف يحيل ~~إلى «أنا» ذات جسد وقدرات جسدية، ولكنها كذلك «أنا» تشعر برغبات، وتصدر ~~أحكام القيمة، وتسعى للوفاء بأهداف وغايات» (الحولية الفلسفية لجمعية ~~جوريس، المجلد الثاني، ص330، سنة 1924م). # هكذا نرى بوضوح تام كيف يدخل العمل في نسيج العالم العملي. # ويتحدث هسرل في موضع ثان عن أن من طبيعة البشرية أن تعمل على تطوير ~~نفسها، وتضفي على العالم طابعا إنسانيا. ما معنى هذا القول؟ معناه ~~أولا أن الإنسان يطور ذاته باستمرار على المستوى النفسي، وبوصفه شخصا. ~~ومعناه ثانيا أن هذا يرجع إلى أنه يحيا حياته في عمل متصل، وأنه ينتج ما ~~ينتجه بنشاطه الفردي أو الجماعي. ومعناه ثالثا أن هذا التشكيل الفعال ~~للبيئة يخلع على العالم معنى إنسانيا. و«أنسنة» العالم هذه أو خلع ~~الطابع الإنساني عليه يتم عن طريق التعاون المشترك مع الآخرين. فالأفراد ~~يحققون على الدوام أفعالا، ويقومون بأعمال في إطار الجماعة ومع الجماعة. ~~ونتيجة هذه الأعمال تدخل في تكوين العالم. فالعمل إذن هو الذي يصبغ ~~العالم بصبغة إنسانية. ويعبر هسرل عن هذا بوضوح عندما يقول إن العالم ~~يعرض علينا وجهه العقلي أو الروحي، وهذا الوجه هو العمل. وهو كذلك ما ~~ينتج عن العمل، سواء أكان عملا مقصودا أم غير مقصود. # والواقع أن الأمر منذ البداية لا يتعلق بالصنع وحده، ولا بالفعل ~~الأدائي، بل يتعلق بالعمل الشخصي الذي يوثق رابطة الفرد مع الآخرين، ~~ويحثه على التواصل معهم، ويتيح له أن يحقق شخصيته الاجتماعية، وأن يكون - ~~نتيجة لذلك - شخصا مشاركا ms361 في جماعة نشطة (راجع الحولية الفلسفية لجمعية ~~جوريس، المجلد الثالث، ص391 وما بعدها). ~~(12) # على الرغم من الأهمية البالغة للمنطلقات التي أشرنا إليها، فإن هسرل ~~لم يستعن بها على اكتشاف العالم. ولهذا فسوف نحاول أن نقوم بهذا في القسم ~~الثاني من تأملاتنا. سنحاول، من منظور العمل، أن نقوم بتحليل مواز لذلك ~~التحليل الذي أجريناه مع هسرل في القسم الأول من المحاضرة، عندما كنا ~~بصدد تفسير الأفق اعتمادا على مفاهيم معينة، كالمهاد والتحديد والعالم، ~~ولكننا لن نلجأ إلى هذه المفاهيم باعتبارها نماذج يقتدى بها، بل سنسترشد ~~بها في القيام بالتحليل الموازي الذي أشرنا إليه. ~~(13) # لو أننا بحثنا عن مفهوم مكافئ للمهاد المعيش ببساطة، لكان أول ما ~~يخطر على بالنا - على الأرجح - هو الفعل أو العمل. فإذا حاولنا أن نفسر ~~معنى العمل تبينا أنه في الواقع مواز للتحديد، ولكن كيف كان هذا ممكنا؟ ~~لنسأل أنفسنا ببساطة ما مقومات العمل؟ أو بتعبير أفضل، ما المقومات التي ~~يدخل فيها العمل؟ ولا ننسى أن العمل الذي نقصده هنا ليس هو العمل الشيئي ~~أو الأدائي، فالعمل يدل على الانطلاق من شيء والاتجاه إلى شيء. فقد ~~استثير في باعث أو دافع معين، جعلني أسعى لتحقيق شيء ما في المستقبل. ثم ~~إنني لا أعمل إلا بالنظر إلى الآخرين الذين يعملون هم أيضا في إطار موقف ~~معين، ولكن ما معنى الموقف الذي يوجد فيه عدة أشخاص يشتركون سويا في ~~العمل؟ # الموقف جزء من تاريخ. ولقد نشأ وتطور ابتداء من ماض، كما أنه يشير في ~~ذاته إلى المستقبل. وفي الموقف تكون لدي مقاصد معينة، وغايات أحققها ~~بواسطة العمل، مثلي في ذلك تماما مثل الآخرين الذين ينتمون - بوصفهم ~~عاملين - إلى الموقف نفسه. والموقف في النهاية وضع حاضر في تاريخ. ~~(14) # من الطبيعي أن يؤدي بنا هذا إلى السؤال التالي: ما هذا الذي نسميه ~~تاريخا؟ وهي مشكلة معقدة لا يمكن أن نتناولها هنا بكل تفصيلاتها. وقبل ~~أن نسأل عن معنى تاريخ معين وعن مضمونه، نود أن نطرح هذا السؤال: أين ~~يتبين - أول ما يتبين ms362 - معنى تاريخ معين ووحدته؟ وسنجد هذا الجواب في تاريخ # 4 # يروى كتابة أو مشافهة، في حكاية، في قصة. # 5 # والتاريخ الذي يروى، أو يمكن أن يروى، يمكننا أيضا أن نسميه قصة، # 6 # أو حكاية مروية، # 7 # وذلك حتى لا تثير الكلمة (التي تعني التاريخ والحكاية # 8 # معا) أي غموض في المعنى. # ونسأل الآن: ما الحكاية أو القصة؟ القصة هي التي تروي لنا تاريخا. ~~وكما يتحول الموضوع لأول مرة إلى مهاد بفضل عبارتنا - عبارتنا التي تجعله ~~موضوعا للبحث - كذلك لا يتحول التاريخ الحي - الذي لم يصبح بعد تاريخا ~~بمجرد تجربته تجربة حية - إلى تاريخ إلا بفضل روايتنا أو قصنا له. والقصة ~~تروي التاريخ نفسه، أو تقص حكايته، بإحصاء الشخصيات والأحداث، وذلك في ~~تتابعها ومن جهة تتابعها. وبم يبدأ الإحصاء والقص؟ # 9 # يبدأ بالحدث الأول والشخصية الأولى، يبدأ بالبداية. فالقصة ~~تبدأ بتكرار البداية باعتبارها الأصل الذي انحدرت منه. وبهذا تكون القصة ~~تكرارا واستعادة، كما يعاد وضع الماضي # 10 # في التاريخ (أو الحكاية التاريخية)، بحيث يستحضر هذا الماضي ~~حاضره الذي كان، ويصبح التاريخ (أو الحكاية التاريخية) استعادة (إعادة ~~وضع) وقصا في وقت واحد. وهكذا يفسر التاريخ نفسه بنفسه عندما يستعيد ~~أصله - عن طريق القص - ويكرره ويحصي ما جرى بعد ذلك. ونود هنا أن نقدم ~~نموذجا مثاليا يوضح ما نقول. فقد يحدث أن تبدأ قصة (أو حكاية) «من ~~الوسط»، وألا يعرف الأصل فيها أبدا، ولكنها تنتهي - مهما يكن ذلك بطريقة ~~معقدة - إلى نهايتها التي تشف عنها بدايتها (ولا ننسى أن العودة إلى ~~الأصل تظل هي العنصر الأساسي في كل «تفسير»، وأن هذه العودة تتحول في ~~الفلسفة إلى البحث عن «الأصول» والمبادئ الأولى - «الأرخاي») # 11 # بهذا تبرر القصة نفسها بوصفها هذه القصة. وبهذا أيضا تستبعد ~~منها المصادفة بطريقة معينة. نقول «بطريقة معينة» لأن المصادفة التي ~~بطبيعة الحال هي المصادفة، ولكنها تكتسب في القصة معناها الخاص بوصفها ~~حدثا «مقصودا» يضفي على الموقف أسلوبا «جديدا». والواقع أن المصادفة ~~جزء من الحدث المفهوم فهما عينيا. ~~(15) # إن الذي يستوجب ms363 التفسير والتبرير ليس هو الإمكانات العامة والمجردة، ~~بل هو «الهنا والآن» للحالة الخاصة، هو فردية قصة # 12 # عينية يمكن أن تجرب تجربة بسيطة. ولا يتيسر فهم الطابع ~~الفردي للحدث الشخصي المعيش، إلا إذا نجحنا في رده إلى ما لا يقل فردية ~~وعينية، بحيث لا يقبل أي تفسير آخر، ولا يحتاج إليه، ولكنه (أي الطابع ~~الفردي) يجب أن يكون واضحا، ومعنى هذا أن البواعث أو الدوافع التي تحرك ~~أبطال القصة أو شخصياتها الفاعلة ينبغي أن تكون واضحة. والدوافع بدورها ~~تتطلب تبريرا؛ لأنها تكون في الغالب الأعم غامضة. وسبب الدافع والقصد هو ~~مبرره، ولكن هذا يبين أيضا أن السبب نفسه كثيرا ما يكون غامضا ~~ومخفيا. وما أكثر ما نقف أمام الدافع متسائلين: لماذا يفعل إنسان هذا ~~أو ذاك؟ أو لماذا أفعله أنا؟ ~~(16) # إن تبرير الرؤية هو الصحة أو الحقيقة. وقد بينا أن الحق لا يوجد إلا ~~مخصصا ، وذلك بوصفه تحقيقا (أو تأكيدا للحقيقة)، يستند إلى وحدة العالم ~~وتجانسه (أو اتساقه). وعلى ذلك يكون «تبرير» العمل هو الكشف الخاص عن ~~الدوافع، سواء كانت خيرة أو شريرة، اعتمادا على وحدة القصة نفسها ~~واتساقها. ولا بد أن يتم إدراك هذه الدوافع في سياقها المترابط. وفي هذا ~~تكمن وحدة القصة. إن القصة تفسر نفسها، وتقدم الحساب عن نفسها. ولهذا ~~نلمس العلاقات والروابط العميقة بين المعاني المختلفة التي تدل عليها ~~كلمة القصة والقص في اللغات الأوروبية المختلفة مثل # Erzählung ~~(قصة)، # Tale ~~(حكاية أو خبر مروي)، # Récit ~~(قصة)، # Conte ~~(أقصوصة)، # Count ~~(يحصر أو يحصي)، # Account ~~(يقرر أو يعد أو يقدم الحساب)، # Raconter ~~(يحكي أو يروي)، مع العلم بأن ~~الكلمة الأخيرة تحيلنا إلى # Reconter ~~(يعيد العد والحساب) وإلى # Ren-Contrer ~~(يلتقي ب...) و # Rendre Compte ~~(يقدم الحساب ~~عن ...) أما كلمة # Tale ~~(قصة - حكاية - خبر) ~~الإنجليزية، فتأتي من الفعل # Tell ~~(يخبر)، الذي يتصل كذلك بالعد. إن المرء يعيد العد، ويقوم بالحصر ~~والإحصاء، وهذا يوضح التبرير (أو تقديم كشف الحساب). والماضي تستعاد ~~روايته أو يعاد وضعه من جديد. # 13 # وبذلك يمكن أن ms364 يسأل أو يستجوب على نحو ما تسجل شهادة الشاهد، ~~بل إن الماضي الذي تعاد قصته، أو يعاد وضعه (في الحاضر) يمكن أن يقدم ~~الشهادة (عما جرى فيه). والكلمتان # Conte # في الفرنسية و # Count # في الإنجليزية تأتيان ~~من العد. ولا شك أن الكلمة الفرنسية # Raconter # تردد أصداء العد، وتقديم ~~الحساب أو التبرير واللقاء. فبغير اللقاء لا يمكنني أن أقوم بهذا أو ~~ذاك. ~~(17) # إن الشيء الذي تكاد القصة تخفيه هو النهاية. فالقصة لا تتوقف عند ~~نهاية حقيقية، أو لا تنقطع انقطاعا، وإنما تنتهي إلى نوع من الحاضر ~~الذي حكت لنا أصله. فالنهاية تقع إذن في الحاضر. # ويصدق نفس الشيء على المستقبل. فلو أرادت القصة أن تحكي المستقبل لما ~~جاز لها أن تتوقف، ولكان عليها أن تواصل الحكي، لكن المستقبل لن يكون ~~عندئذ هو المستقبل، بل سيكون ماضيا محكيا. إن المستقبل في القصة أشبه ~~ما يكون بامتداد الحاضر الذي تتوقف عنده القصة. فالقصة تقودنا إذن إلى ~~حاضر لم يقص (لم يحك)، حاضر مفتوح، متعال على الزمان إن صح هذا ~~التعبير. ~~(18) # هكذا يكون الموازي المقابل للمهاد - الذي يمكن تجربته تجربة خالصة - ~~هو حكاية أستطيع أن أرويها أو أسمع غيري يرويها. # أما عن العمل فيمكنني - موازاة للتحديد - أن أسميه وأحوله إلى مهاد. ~~ويتم هذا عندما أقدمه أو أضعه في موضع الصدارة، وأجعل منه عملا منجزا ~~أو تاما، ولكن العمل لن يخرج عن كونه تحديدا نسبيا للتاريخ، إذ لا ~~يوجد عمل وحيد، ولا عمل من إنجاز فرد واحد. ~~(19) # لنتابع الآن التحليل الموازي الذي بدأناه. # كما أن هناك مهادا يمكن تجربته تجربة خالصة، أي مهادا مطلقا، ~~يتكون من واقع مفرد أو من أنواع متعددة من الواقع، من مجموعة أو «تشكيلة» ~~من الوقائع، فهناك كذلك حكاية يمكن روايتها وتجربتها تجربة خالصة بسيطة ~~غاية البساطة، كما أن هناك بالمثل حكاية هي «تشكيلة» أو مجموعة أشكال من ~~الحكايات التي يمكن تجربتها تجربة خالصة، أي إدراكها إدراكا ~~مباشرا. # وقص الحكاية البسيطة يوازي التخصيص (الذي تحدثنا عنه فيما سبق). ~~فالحكاية تبرز من ms365 حكاية شاملة في الخلفية، كما ترتبط - إذا تمعنا فيها عن ~~قرب - بحكايات أخرى. بهذا نكتشف علاقات الترابط العامة بين الحكايات ~~المختلفة، أو نكتشف أن هذه الحكايات يحيل بعضها إلى البعض الآخر. ~~(20) # لقد استطاع هسرل أن يميز المهاد المطلق من المهاد النسبي، وأن يفرق ~~كذلك بين التحديد المطلق والنسبي. وقد بين أن المهادات المطلقة ~~بطبيعتها المطلقة، أي بحكم كونها قابلة للتجربة المباشرة الخالصة، ليست ~~مستقلة بنفسها. فهي في رأيه يحيل بعضها إلى بعض كما تحيل دائما إلى ما ~~يتجاوزها، أي إلى ما تكون فيه وهو العالم. # هنا نصل إلى هذا السؤال المهم: أين توجد الموازاة؟ وما «الداخل» ~~المطلق المستقل الذي توجد فيه الحكايات؟ ~~(21) # ربما يبدو للوهلة الأولى أن هذا ~~الداخل هو الزمان. وقد كنا انطلقنا من الموقف بوصفه الوضع الحاضر لحكاية ~~ما. والموقف شيء صار أو خضع للصيرورة، وأنا الذي أوجد في الموقف لي كذلك ~~«صيرورتي»، التي تسهم في تحديد الموقف بالنسبة لي، وأنا ونحن لنا ~~مقاصدنا، ونحن نسعى إلى شيء في المستقبل ، لنا مقاصدنا التي نحققها ~~بأعمالها المتجهة إلى المستقبل. غير أن الزمان - وهذا ما بينه هسرل بوضوح ~~تام - لا يوجد ك «ظاهرة»؛ لأنني لا أستطيع أن «أراه» ولا أن «أتأمله». إن ~~العالم ظاهرة، وهو معطى لي، أما الزمان فليس معطى لي، إنه صورة للعالم ~~(أو شكله) كما هو صورتي أنا نفسي (راجع الحولية الفلسفية لجمعية جوريس، ~~المجلد الثالث، ص362). ومع ذلك فنحن نتكلم عن الزمان، أي «ندركه» على ~~نحو من الأنحاء، ولكن ما طبيعته التي ندركه عليها؟ # لقد بين هسرل أن الزمان هو ~~صورة (شكل) الحياة التي تجرب العالم. وقد رأينا منذ قليل أن الحياة التي ~~تجرب العالم ليست رؤية فحسب، بل هي عمل أيضا. ومعنى هذا أن الحياة التي ~~تجرب العالم تجري على هيئة حكايات (تواريخ)، وأنها يجب أن تدرك بهذه ~~الصفة. والظاهرة العينية ليست هي الزمان، بل هي الحكاية (التاريخ) # 14 # المعيشة، المروية، والمعبر عنها. والزمان هو صورة الحكاية ~~(التاريخ). والزمان لا يظهر نفسه بنفسه، إنه يعبر ms366 عن نفسه بوصفه صورة ~~مضمون حي. أما ما يظهر نفسه فهو الحي ذاته، الصورة والمضمون، الحكاية ~~(التاريخ) العينية. إن الزمان - من حيث أنه صورة - كامن فيما يعبر عنه، ~~وما يقال، وما يسمع، وما يعاش، وما يحكى. ~~(22) # لو بحثنا تبعا لهذا عن «داخل» ~~الحكايات (التواريخ) باعتباره ظاهرة، لما أمكن أن يكون هو الزمان، إذ ليس ~~الزمان ظاهرة، بل هو صورة، ولهذا يتحتم أن يكون هو الحكاية (التاريخ) ~~المطلقة المستقلة. # إن ظاهرة «الحكاية (التاريخ) ~~المطلقة المستقلة»، بوصفها «الداخل» الذي يشمل الحكايات (التواريخ)، تفجر ~~صورة الزمان. ويرجع هذا إلى سبب بسيط، فالحكاية - وهذا شيء يقتضيه معناها ~~- يجب أن تكون ذات بداية ونهاية. أما الزمان أو الزمانية - بوصفها صورة - ~~فليس له بداية ولا نهاية. ولو حاولت أن أتصور بداية للزمان لبقيت دائما ~~«في» الزمان. ويصدق نفس الشيء إذا حاولت أن أتصور نهاية الزمان. وكما ~~تصورت البداية أو النهاية بقيت داخل صورة الزمان. # ولما كان للحكايات وللتاريخ ~~صورة الزمان، فإن بداية ونهاية التاريخ الذي نوجد بداخله «لا يمكن أن ~~تعطى للرؤية». ويصدق هذا على تاريخ حياتي الخاصة المجربة للعالم. فأنا ~~مثلا لا أعرف شيئا عن مولدي إلا من الآخرين. كما أن موتي لم يعط لي. ~~ويصدق نفس الشيء صدقا أعم وأشمل على «الداخل» المطلق المستقل الذي توجد ~~فيه كل الحكايات. # إن المهاد المطلق قد أعطي لي ~~في تجربة خالصة بسيطة. ويمكنني أن «أقص» التاريخ المطلق باعتباره تجربة ~~خالصة حية، ولكنني لن أستطيع أن أقص بداية التاريخ المطلق المستقل ~~ونهايته بصورة حقيقية وافية. ولهذا لا يمكن أن يقص التاريخ المطلق ~~والمستقل - باعتباره «الداخل» المطلق المستقل - على نحو ما يقص التاريخ ~~«الزمني» (أو التاريخ الواقع في الزمان). ~~(23) # إن التاريخ المطلق والمستقل ~~يفجر صورة الزمان، وبهذا يعلو على الزمان ويتجاوزه. وكما أن العالم في ~~رأي هسرل هو «العالي» (الترانسندنس)، فالتاريخ المطلق كذلك هو ~~«العالي». # هكذا نجد أنفسنا أمام هذا ~~السؤال العسير: كيف يتيسر إدراك هذا «الداخل» المطلق والمستقل؟ فكما أن ~~العالم ليس مهادا يمكن أن يجرب تجربة خالصة ms367 بسيطة، كذلك التاريخ المطلق ~~والمستقل - وهو «الداخل» الذي يحتوي جميع الحكايات (التواريخ) - ليس ~~حكاية (تاريخا) يمكن أن تقص أو تروي رواية خالصة بسيطة. ~~(24) # ما هذا الذي يحتوي البداية والأصل اللذين يتجاوزان الزمان، كما يشتمل ~~على النهاية المفتوحة التي تتخطى الزمان أيضا، دون أن يكون في المستطاع ~~قصه أو روايته بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة؟ الإجابة تقول: إنه ~~الأسطورة. # وكما أننا لا نملك ابتداء ولا في أغلب الأحيان وعيا «بحثيا» ~~بالعالم، فكذلك الحال مع الأسطورة. فنحن في الغالب نجربها متناثرة في ~~شذرات، أي فيما يسمى بالموضوعات الأسطورية، دون أن نفطن إلى ذلك. ومع ذلك ~~فإن من الممكن تفسير بنية الأسطورة، شأنها في ذلك شأن بنية ~~العالم. # مهما يكن الأمر فقد استطعنا على كل حال أن نؤكد هذه الحقيقة ~~الأساسية: كما أن الوجود «في» العالم هو الأسلوب الرئيسي لوجود الإنسان، ~~فكذلك يمكن أن نقول إن الوجود «في» الأسطورة أسلوب أساسي في ~~وجوده. ~~(25) # اسمحوا لي في الختام أن أعرض عليكم بعض الملاحظات عن البنية الأصلية ~~للأسطورة. # سننطلق في هذا العرض من تناهي الإنسان. والتناهي يظهر في النقص. وليس ~~المقصود بهذا أنه عيب أو «خطأ» يمكن تلافيه، بل المقصود به أن البنية ~~الأساسية لكل موجود هي معاناة النقص «في» ذاته، وأكتفي بأن أذكركم بما ~~بيناه في القسم الأول من هذه المحاضرة عن النقص الملازم لتكافؤ كل معرفة ~~(بحيث لا نجد معرفة مكافئة لموضوعها أو مطابقة له مطابقة تامة). ولكي ~~نفهم بنية النقص المشار إليها بصورة أفضل، أود أن أقدم لكم، باختصار ~~شديد، ودون دخول في التفصيلات، مثلين اثنين يلقيان عليه الضوء. # إن النقص لا يقوم على الكلية (أو الشمول) المفتقد. فاللغة مثلا تعد ~~ناقصة في ذاتها؛ لأنها استدلالية منطقية. فهل يمكننا أن نتصور لغة كاملة؟ ~~هل يسعنا أن نتخيل لغة شامة متكاملة لا تقتصر على أن تكون لغة استدلالية ~~منطقية؟ إننا لنعجز حتى عن تصور مثل هذا الشمول الكلي. # ثم كيف تبدو صورة الزمان إن لم يكن في ذاته نقصا؟ إن المثل يقول: ~~الزمن يهرب. ms368 # 15 # وليس معنى هذا أن الزمان يفلت أو يهرب منا، بل معناه أنه في ~~ذاته عابر وزائل. وحتى لو حاولنا أن نتصور الأبدية كزمن كلي، فإنها لن ~~تعدو في الحقيقة أن تكون «لحظة دائمة». # 16 # وهذا هو الذي يفترضه الزمان الذي يتدفق في ذاته وينساب ويفلت ~~حتى من ذاته. # هكذا تكون اللغة ناقصة في ذاتها، ويكون الزمان ناقصا في ذاته. غير ~~أننا لا نملك حتى أنن طرح هذا السؤال: ما الذي ينقص اللغة؟ وما الذي ينقص ~~الزمان؟ ~~(26) # نحن نرى إذن، من وجهة النظر الفلسفية، أن النقص هو البنية الأساسية ~~للموجود المتناهي. هذا النقص يتجسد في الأسطورة، ويمكن أن يقص ويحكى ~~ليتخذ بذلك الشكل الأسطوري-التاريخي لدراما أصلية. وتجسيد النقص بصورة ~~درامية-تاريخية يقوم على حقيقة أن وفرة أو امتلاء أصليا قد فقد فقدا ~~أليما، وأنه سيستعاد مرة أخرى بالألم والمخاطرة. ومعنى هذا أن الأسطورة ~~لها شكل دراما أصلية تتمثل في الوفرة الضائعة، واليأس، والرجاء، والصراع، ~~والانتصار. فالأسطورة إذن في صميمها هي أسطورة الصراع الدائم، حتى ولو لم ~~تظهر في هذه الصورة، بل في صورة أخرى، كأسطورة البحث على سبيل المثال. ~~ولا يجوز بطبيعة الحال أن نفهم الصراع المذكور على أنه قوة، أو على أنه ~~مجرد قوة فحسب، بل يجب أن يفهم منه أنه جهد لا يتوقف عن الصراع. ~~(27) # إن الهدف من هذا الصراع هو الانتصار. وليس معنى الانتصار الذي نقصده ~~سحق العدو بالقوة، بل معناه خلاصه من اليأس، معناه النجاة. وهكذا يرتبط ~~الانتصار والخلاص والنجاة برباط لا تنفصم عراه. إن النجاة هي الانتصار ~~الشامل على النقص عن طريق الأسطورة وبفضلها، بحيث يلتقي الأصل والنهاية. ~~وما النجاة في نهاية المطاف؟ إنها الانطلاق من «المقدس» بوصفه الأصل في ~~وجودي، والوصول إلى المقدس بوصفه نهايتي. ومفهوم النجاة، أو بالأحرى ~~فكرته، ليست فكرة غير محددة فحسب، بل يتحتم أن تكون غير محددة، إذ يكمن ~~فيها الانتصار الشامل على النقص أو إلغاؤه إلغاء شبه كامل. ~~(28) # اليأس يولد الأمل، والأمل يولد الصراع. وفي الصراع يتحول اليأس إلى ~~أمل ms369 فعال. # إن ضياع الوفرة الأصلية منا يمكن أن يكون شيئا من صنع الإنسان نفسه، ~~فمن المحتمل أن تكون قد ضاعت بسبب أخطاء ارتكبها أو ذنب اقترفه. لهذا ~~يرتبط ضياع الوفرة الأصلية واليأس بالشعور بالذنب. ولهذا أيضا يقوم ~~الصراع من أجل استعادة ما ضاع على الجهد المبذول للوصول إلى الخلاص من ~~الذنب، أي للوصول إلى الغفران، ويرتبط بهذا الجهد أيضا أن نحاول تجنب ~~الوقوع في أي ذنب آخر. غير أننا لا ننجح أبدا في ذلك كل النجاح، وذلك ~~لأننا موجودون دائما في الذنب واليأس. ولهذا السبب على التحديد كان ~~الغفران هو محو الذنب الأساسي أو الأصلي، وإلغاء الذنب العيني ~~المحدد. # ويرتبط كذلك بالأمل الفعال الذي لا يتوقف عن الصراع أن العذاب الذي ~~ينطوي عليه اليأس والصراع يعد نوعا من الانتقال إلى الخلاص. ذلك هو ~~الطابع الإيجابي للعذاب، للعذاب نفسه من حيث هو بداية الخلاص، وللصراع ~~الذي يعد سيرا على الطريق نحو الخلاص، وذلك من حيث هو صراع مقترن ~~بالعذاب، وعذاب تقبله الإنسان برضاه، ومن ثم فهو عذاب فعال. ~~(29) # نلاحظ من هذا كيف يتجلى في الدراما الأصلية للأسطورة ما اتفقنا على ~~تسميته بتاريخ النجاة أو تواريخ النجاة. # 17 # ولكن هذا لا يمنع أن تواريخ النجاة - وهذه ملاحظة مهمة - ~~يمكن بغير شك أن تكتسب طابعا سياسيا، وتعبر عن جوانب سياسية بالمعنى ~~الواسع لهذه الكلمة الأخيرة. ~~(30) # بيد أن المهمة التي تضطلع بها فلسفة الظاهريات (الفينومينولوجيا) ~~ليست هي تفسير تواريخ (قصص) النجاة. والتحليل الظاهراتي للأسطورة - الذي ~~ألقينا الضوء على الأسس التي يقوم عليها - سوف يجيب عن الأسئلة التالية: ~~ما الوسائل والمناهج التي تعين على تصور تواريخ (قصص) النجاة؟ وكيف تبدو ~~أبنيتها الأساسية؟ إن تواريخ النجاة أساطير رحبة شاملة. ونحن نجد بجانبها ~~أساطير جزئية، بل إن هناك أساطير شخصية. وسوف يتعين على فلسفة الظاهريات ~~أن تلقي الأضواء على مضامينها، وتكشف عن قيمتها ودلالتها على وجودنا ~~الإنساني. # | شهادة1 # (1) # من السهل أن أذكر عددا كبيرا من الكتاب الذين أحببتهم، سواء من ~~أدبنا أو من الآداب العالمية. وربما سميت ms370 بعضهك في النهاية، على الرغم ~~مما في ذلك من غرور وتظاهر أستغفر الله من ذنبهما، لكنني أحب في البداية ~~أن أصارحك بما قد يغضبك ويغضب النقاد. فالأديب يكون بالفطرة أو لا يكون. ~~وإذا لم تكن لديه الموهبة فلن تجعل منه آلاف الكتب أديبا. قد يتقن ~~مهارات شكلية، وبراعات تقنية، وقد يقتبس من هنا، وينقل من هناك، ويتأثر ~~بهذا أو بذاك. ربما يصبح حرفيا وصاحب أسلوب، وربما تدق له الطبول، ~~ويخدع فيه الجمهور المتطلع لكل جديد، ولكنه لن يكون في رأيي أديبا ~~أصيلا، له رسالته ورؤيته ومشروعه الأصيل. لن يقترب من دائرة النار ~~المقدسة التي يتوهج فيها المطلق، وتسطع الحقيقة، لن يقربنا منها أبدا ~~مهما استعرض حيله وأدواته. أترك لك التفكير في عظام الأدباء الخالدين: ~~هوميروس وأيسخيلوس وسوفوكليس، شعراء المعلقات، بل شيكسبير نفسه الذي يقال ~~إن تاريخ بلوتارك كان منبعه الأكبر، أو منبعه الوحيد، بجانب بعض الحكايات ~~والأساطير والروايات الشائعة في زمانه. هؤلاء وأمثالهم في مختلف الآداب ~~والفلسفات لم يقرءا لكي يكتبوا (كما يفعل معظمنا اليوم بكل أسف)، بل ~~كانت تكفيهم الفكرة أو الحكاية أو الحادثة، وربما الكلمة لتشعل عبقريتهم ~~الطبيعية. أترك لك أيضا أن تتلفت حولك للماضي القريب أو الحاضر المشهود ~~لتحكم على الكثيرين ممن يكتبون ويقولون، وليس عندهم ما يكتبون ولا ما ~~يقولون، حتى ولو أزعجونا بأعمالهم الكاملة وأصواتهم العالية. إنما هي ~~شطارات في عصر الشطار. هل معنى هذا أن أنكر دور القراءة في صقل الموهبة، ~~وإتقان الصنعة والشكل والأسلوب ... إلخ؟ وكيف أفعل وأنا نفسي قارئ، كما ~~أصبحت في السنين الأخيرة - بعد أن قل زادي من التجربة الحية، وانكسرت ~~أجنحة المغامرة - أستمد تجاربي من القراءة، وأنفعل بالتاريخ أكثر مما ~~أنفعل بالحياة، وأعيش مع الموتى الأحياء أكثر بكثير من الأحياء؟ ثم كيف ~~أجرؤ على إنكار فضل القراءة ونحن جميعا أبناء التراث، نخرج من بطنه ~~ونسبح في بحره، ثم نحاوره ونرد عليه أو نستوحيه ونعيد بناءه أو نهاجمه ~~ونقاطعه أحيانا دون أن نفلت أبدا من خيمته؟ لست أذهب إلى هذا الحد ms371 ~~بطبيعة الحال، لكنني أكرر إيماني السابق، لا بد أن يكون الأديب أولا ~~نبتة ممتدة الجذور في الأرض، قاربا حساس الشراع في مهب الريح، ثم يأتي ~~الكتاب والمعرفة والاطلاع كما يأتي الفلاح والملاح لرعاية النبتة وتوجيه ~~القارب. أعوذ بالله من الكتب التي تخرج من الكتب، ومن المؤلفين الذين ~~يعيدون تأليف كتب مات أصحابها، وشبعوا موتا. وأستغيث برحمته من هؤلاء ~~«الكتاب» و«المفكرين» الذين تعد كتبهم بالعشرات، بينما هم أنفسهم غائبون ~~في كوكب آخر، يعيشون في عصر الوراقين، وليتهم يملكون ذرة من تواضع ~~أجدادهم وصبرهم النبيل! أتابع المصارحة التي بدأتها ومهدت بها لحقيقة ~~بسيطة في حياتي. لم أنطلق من الكتب التي أصبحت لعنتي ومصيري ومنفاي ~~الاختياري، وملجئي الوحيد من عالم لا يطاق، لقد كانت أمي التي لا تقرأ ~~ولا تكتب هي كتابي الأول، وما زالت هي كتابي الوحيد والأخير ستضحك بطبيعة ~~الحال، لكن هذه الأم المسكينة الطيب التي روت أرضي بحكاياتها هي التي ~~حببت إلى «الحدوتة» أو الحكاية الشعبية التي لا زلت مجنونا بها في كل ~~الآداب أستلهمها بعض ما أكتب. من فمها سمعت حكايات السندباد، وعبد الله ~~البري، وعبد الله البحري، وعرفت الصياد والقمقم والعفريت وسيدنا سليمان ~~والجواري والصيادين والنساك واللصوص والتجار. عرفتهم قبل أن ألتقي بهم ~~وبغيرهم في ألف ليلة وليلة، وفي الحكايات الشعبية التي أعتز بمكتبة كبيرة ~~منها. أعلم أنني لا أقول جديدا. فمعظم كتاب القصة يقولون هذا عن أمهاتهم ~~أو جداتهم الطيبات، ولكنني أنطلق عن تجربة لا زالت حية، لم يطفئها ~~الاشتغال بالفلسفة وتدريسها، ولم تزدها القراءات المستمرة إلا رسوخا ~~(وربما كانت هي المسئولة عما يعرفه المقربون مني من بساطة أو براءة تصل - ~~كما أعلم تماما - إلى حد البلاهة والغباء) ومع ذلك فإن جهدي الأكبر وسط ~~عالمنا المزعج بالضوضاء والتلوث هو المحافظة عليها. وها أنا ذا يا صديقي ~~أشبه ذلك البطل المسكين (سيمبليسيوس للروائي الألماني الأول جريملزهاوزن) ~~الذي اكتوى بنيران حرب الثلاثين وظلماتها المضطربة، وراح يحاول أن ينتشل ~~نفسه من المستنقع الذي وقع فيه، فأخذ يشد شعره ليخرج منه، ms372 لكن هل في ~~إمكاننا أن ننتشل أنفسنا منه؟ # ألا زلت مصرا على بعض الأسماء؟ أظن أن هذا حقك، وهو كذلك واجبي، ~~ولكن ماذا أفعل والأمر أعسر مما تظن؟ هل يستطيع إنسان ظل يأكل ويشرب طول ~~حياته أن يحدد من أي طعام أو شراب جاءت كريات دمه الحمراء والبيضاء؟ ~~وعصير العمر والفكر والشعور الذي يسري في عروقنا، هل يمكننا أن نحدد كيف ~~تجمعت قطراته، ومن أي نبع أو جدول أو سحاب؟ قرأت لعشرات، وركزت على عدد ~~قليل نهب بعضهم سنوات من عمري على هذه الأرض. وعشت تجارب إحباط عام وخاص ~~مرارة ومهانة لا تنتهي، وبجانبها لحظات فرح قليل. هل كان الأدباء أم كانت ~~التجارب المرة وراء كتاباتي؟ هل تأثرت بأحدهم تأثرا مباشرا أم غاص في ~~الحلم وراء الشاطئ المظلم للوعي وغافلني وأنا أكتب؟ أسئلة تحيرني كما ~~تحير كل من كتب أو يكتب، لكنني أحاول أن أخرج من الحيرة - التي لا مخرج ~~منها أبدا إن كانت حقيقية - فأقول إنني انطلقت من الشعر. بدأت به حياتي ~~وتجاربي التي لم تتوقف مع الفن، واكتمل لي منها قبل الخامسة عشرة من عمري ~~عدة دواوين صغيرة وسخيفة احترقت كلها في نار الفرن (كما رويت ذلك في ~~مقدمة كتابي ثورة الشعر الحديث)، وفي النهاية توقفت تماما في الحادية ~~والعشرين بعد أكثر من حب خائب لم يكتف برفضي، بل رفض كذلك أشعاري، ولكن ~~هل توقفت الشاعرية؟ هل كان من الممكن أن تتوقف؟ ألا تفاجئنا بعد مشيب ~~الشعر كما تفاجئنا رؤية وجه حبيب غائب يزورنا في النوم ويلمسنا ويحنو ~~علينا؟ المهم أنني انقطعت عن «النظم»، وبقيت روح الشعر كالجني الماكر ~~تسكن لحمي ودمي، ولا تقوى على إخراجها طبول الفلسفة، ولا أبواق الدرس ~~والتدريس. وانعكس هذا على تجاربي الأولى في القصة، وأظنها بدأت في حوالي ~~الثامنة عشرة من عمري، انعكس على الرؤية والعاطفة قبل اللغة الأسلوب. ولا ~~زلت أعاني من هذه الشاعرية - بعد أن انحسر الشعر، واكتفيت بدراسته في أدب ~~الغرب، وترجمة بعض روائعه - لا زلت أعاني منها؛ لأنها تفوح ms373 برائحة ~~«الرومانتيكية» التي أحاربها بعقلي، فتأبى إلا أن تفرض نفسها علي وعلى ~~جيلي (ربما كان الإحباط الدائم وخيبة الأمل المستمرة، وغيبة الحرية، ~~واضطراب الظروف التاريخية والاجتماعية من الأسباب التي جعلت «الحزن» ~~و«الحلم بالمستحيل» إطارا وجدانيا عاما لنا). هذه الشاعرية مرتبطة ~~بما قدمت عن «كتابي الأول والأخير»، بالحكاية الشعبية التي لا زلت وفيا ~~لها، بمحاولتي المستمرة لإحلال «المفارقة» و«المتعالي» في الواقع اليومي، ~~بشخصيات المساكين والمجانين والدراويش والمهرجين والحيوانات التي تملأ ~~قصصي القليلة المتواضعة. أتمنى لو كنت أكثر موضوعية وواقعية، لكن ما ~~باليد حيلة تكويننا النفسي والتربوي والتراثي أقوى منا، مزاجنا الخاص هو ~~سجننا وملجؤنا، والمهم أن نكون صادقين في كل الأحوال. # أتلح على معرفة الأسماء؟ إذا فاسمع بعضها مما يحضر في الذاكرة: بكيت ~~كما بكى كل صبي مصري بدموع ماجدولين وسيرانو دي برجيراك، ذرفت عبرات ~~أسامح المنفلوطي عليها، وأدعو الله أن يبلل بها قبره وذكراه. وهدهدتني ~~أمواج طه حسين الصافية المعجزة في أحلام شهرزاد (أذكر عندما ظهرت أنني ~~كنت في السنة الأولى الثانوية) وعلى هامش السيرة والجزء الأول من الأيام، ~~وفتنت بأسلوب الزيات وترجماته القليلة عن الفرنسية، وبكيت كثيرا لآلام ~~فرتر (ولعلي فكرت مثله في الانتحار، ولكنني لمبرر لا أفهمه بقيت حيا ~~لأعيش مع «جوته» سنوات من عمري وأقدم بعض روائعه وأكتب عنه)، ثم ثرت مع ~~أبطال جبران الذين سبقوني مرارة التوحد، وغصص الاكتئاب التي لم أنج منها ~~إلى اليوم. ثم كان لقائي بالحكيم الذي وهبته بعد ذلك كل حبي، فقد كان ~~لقاء بالفن الخالص والشكل المحكم والأسلوب الرياضي الدقيق، خلصني من ~~كثير من الإنشائية والبلاغية التي لا زلت أحاول الخلاص منها. وفي ~~الجامعة قرأت كافكا وكامي وقصص توماس مان قبل أن أقرأه بعد سنوات في ~~لغته الأصلية. أما لقائي بنجيب محفوظ وجيله كالسباعي وباكثير والسحار، ~~فقد كان ولا يزال فاترا، ولا يخجلني أن أقول إنني لم أقرأ كل شيء لهم، ~~إذ كان الاختيار ولا يزال هو قانون حياتي، والذين أختارهم ألازمهم وأغلق ~~عليهم وعلى بابي. هل تعجب إذا قلت لك ms374 إنني ظللت سنة كاملة أقرأ كل ما وصل ~~إلى يدي من مؤلفات تشيكوف بالإنجليزية (لكي أختمها في النهاية بمقالة ~~يتيمة نشرتها سنة 1956م في «المجلة»، وجعلت عنوانها تشيكوف شاعرا)؟ وهل ~~يدهشك أن أعيش السنة التالية أو معظمها مع بيراندللو - وكنت في ذلك الحين ~~أجيد الإيطالية التي جرفها تيار النسيان فيما بعد - لكي أقطف ثمرة ضئيلة ~~هي مقالي «مأساة بيراندللو» الذي نشر كذلك في المجلة قبل أن يضم لغيره من ~~المقالات في كتابي «البلد البعيد»؟ وهل يحزنك - كما يحزنني اليوم - أن ~~يفترس سنوات من عمري كتاب وشعراء معدودون مثل جوته وهلدرلين وشيلر ~~والمعري وبشنر والتعبيريون وألبير كامي وبرخت، بجانب عدد آخر من الفلاسفة ~~الذين أحببتهم، وتعلمت منهم وكتبت عنهم (مثل هيراقليطس وأفلاطون ~~والفارابي ونيتشه وكانط وماركس وهيدجر)؟ غباء لا شك فيه ... غيري ينتقل في ~~البستان، وأنا أسند ظهري إلى شجرة واحدة. غيري يعكف على عملين أو ثلاثة ~~في نفس الوقت، وأنا أسقط في جب واحد، ولا أكاد أخرج منه، لكنني أتلفت ~~حولي الآن فأرى أمامي معاجم عن أدباء العالم، وأتصفح واحدا منها عن ~~الأدباء الألمان، فأجد أكثر من ثلاثة آلاف اسم من بدايته إلى عصرنا ~~الحاضر. من نختار ومن نترك؟ العمر محدود، والطاقة محدودة. الأيام ضنينة ~~وطاحونة التدريس تتربص ولقمة العيش مرة. وخير لي أن أعرف عددا قليلا ~~- ربما لن يزيد عن أصابع يدي الواحدة - معرفة تكون وتؤسس من أن ألم ~~بعشرات من السطح. ألم أقل لك إنه غباء لا شك فيه، أوقعني فيه انطوائي ~~الفطري وأمانتي الفطرية، حتى أصبحا سجني وجحيمي؟ نسيت تيمور ويحيى حقي ~~الذي كان أقرب كتاب بلادي إلى نفسي. ونسيت أسماء كثيرة خصوصا من ~~الأدب الألماني الحديث الذي تخصصت فيه، وكتبت عن بعض أعلامه وترجمت لهم، ~~لكني لن أنسى كتابا أحببتهم، وتعلمت منهم، وجددت بهم تجربتي: أصدقاء ~~الجمعية الأدبية المصرية الذين أتشرف بالانتماء لهم، وأعلم أنني أقلهم ~~شأنا وأضعفهم ضوءا، وخصوصا شكري محمد عياد وعبد الرحمن فهمي وفاروق ~~خورشيد وبهاء طاهر (أما أشعار صلاح عبد الصبور، فتغلغلت ms375 في كياني منذ ~~البداية، وبناؤها القصصي لا يخفى عليك)، وكتاب الشباب الذين أتابعهم بقدر ~~الطاقة، وأعتز بمحبة بعضهم (المرحوم العزيز ضياء الشرقاوي ونبيل عبد ~~الحميد ومحمد الراوي ومحمد مستجاب وعبد الله خيرت على سبيل المثال) بجانب ~~الصديقين الكريمين يوسف الشاروني - الذي أدين له بفضل رعاية قصصي الأولى، ~~ونشرها في «الأديب» ومتابعة إنتاجي بتعاطف عقلي نادر - والدكتور نعيم ~~عطية. قرأت بالطبع لغيرهم من فرسان الساحة، ولبعض الذين انتفخوا اليوم، ~~وتضخموا وصارت وراءهم جوقة من الشراح والمفسرين، لكني لا أملك أن أذكر كل ~~الأسماء. يكفي أن الشعر والمسرح والفلسفة قد لازمت اهتمامي بالقصة ~~ومحاولاتي القليلة فيها، ويبقى بعد هذا أن تفكر معي في نعمة القراءة أو ~~نقمتها. ~~(2) # اسمح لي أن أستبدل بكلمة الاهتمام كلمة الضرورة. فالأديب إن كان ~~حقيقيا - وما أندر الأدباء الحقيقيين في كل زمان ومكان - يكتب ولا ~~يكتب. هل تملك الوردة إلا أن تفوح بالعبير، وهل يملك الجدول إلا أن ~~يتدفق ويسيل، والشمس والريح والمطر ... إلخ، هل تملك إلا أن تكون؟ المسألة ~~ليست من شأن الإرادة، لا تدخل في باب الاهتمام أو عدم الاهتمام. في ليلة ~~نادرة يتم الاختيار، يصحو الأديب صحوته النهائية، ويقول لنفسه وللعالم: ~~لا بد أن أكتب، لا بد أن أقول، وما دمت اخترت فليكن بعد ذلك ما يكون ~~(راجع إن شئت رسائل رلكه إلى أديب شاب). كتابة القصة القصيرة كانت عندي ~~امتدادا للشعر الذي توقفت عنه بعد أن تأكد لي غياب الموهبة الأصيلة ~~والقدرة على إحياء الأشياء والتفكير بالصورة. ولهذا كانت معظم قصص دفقات ~~تنسكب في ليلة واحدة، أو جلسة واحدة، مفاجآت كالبروق وسط سمائي الملبدة ~~بسحب الاكتئاب والدرس والتحصيل. معظمها أيضا كان البذرة التي ألقتها ريح ~~مجهولة عابرة - كلمة أو خاطرة أو موقف أو شخصية أو حكاية من فم عجوز - ثم ~~ظلت تنمو على مدى الأيام والسنين، وتمد جذورها في الأعماق المظلمة، حتى ~~استطالت واهتزت فروعها بالثمرة. النضج هو كل شيء. عندئذ لا تملك إلا أن ~~تمد يدك لتقطف هذه الثمرة. تحضرني الآن الشخصيات الست ms376 المشهورة في مسرحية ~~بيراندللو فأقول: هذه هي ضرورة الفن التي هي من ضرورات الحياة أو أقوى ~~منها. إنها تفرض نفسها، وتجعلنا وسطاء نساعدها على الظهور للنور. ألم يسم ~~سقراط نفسه قابلة للأفكار يولدها كما كانت أمه تولد الأطفال؟ ألم يقل ~~أفلاطون أن المنشد أو الشاعر ممسوس تتملكه قوة أكبر منه؟ ألم تخبر الجن ~~امرأ القيس أشعارها؟ كلام سيتهم بالسذاجة أو الرومانتيكية، ولكني في ~~الحقيقة أؤمن به، وإن لم أدع الوفاء به أو الاستجابة له إلا في أندر ~~الأحوال. # أذكر الآن أن تجاربي الأولى كانت قصصية مسرحية في آن واحد، شيئا ~~هلاميا بلا شكل ولا قوام، نبضات تائهة لم ينظمها العقل في إطار. جمعتها ~~في كراسة اطلع عليها بعض أساتذتي أو صوروا لي أنهم اطلعوا عليها، ثم ~~رحمني منها صديق قديم، ولم تعد إلى اليوم. أذكر أيضا أن معظمها كتب تحت ~~تأثير قراءاتي لميترلنك (الذي نصحني بقراءته الصديقان القديمان بدر الديب ~~ومحمود العالم) ولتوفيق الحكيم (الذي فتنت به كما قلت، ثم ابتعدت عنه ~~بعد ذلك ) ولكافكا (الذي خيم على كابوسه الذي لم أفق منه تماما إلى ~~اليوم) أما أول قصة نشرتها بفضل يوسف الشاروني، فكانت هي «العتبة»، في ~~الأديب سنة 1951 أو 1952م إن لم تخني الذاكرة: شخصيات مظلمة، امرأة تبيع ~~طفلها في المزاد، أسلوب لا يزال متأثرا بطه حسين والزيات والرافعي ~~والمنفلوطي، صور قاتمة من كافكا، وسرد تفصيلي من توماس مان، وبالجملة مسخ ~~مبك أو مضحك عرضته في أحد الاجتماعات الأولى للجمعية الأدبية المصرية في ~~بيت أستاذنا المرحوم محمد كامل حسين (أستاذ الأدب الفاطمي لا الطبيب ~~العالم الأديب) فشجعني الأصدقاء أو واسوني، بل إن صديقي الدكتور عز الدين ~~إسماعيل تطوع لشدة دهشتي بعمل دراسة عنها. يا للهول كما يقول يوسف وهبي! ~~إذا فقد تورطت وأصبحت في نظر الأصدقاء أديبا. وعلي بعد اليوم أن أقدم ~~المزيد، وأحاول الفكاك من نير المنطق والميتافيزيقا والعناد الأكاديمي ~~العقيم إلى فردوس الفن المحرم. ورطة تهربت منها سنوات، لكنها كانت تفرض ~~نفسها وتعودني كأشباح الأسلاف. والآن ms377 تلح بأعمال أكبر أستجيب لبعضها كلما ~~أسعف العمل والزمان، «وأركن» أكثرها في جراب المشروعات الذي أحمله منذ ~~سنوات طويلة أشقى به، وأهرب منه معظم الوقت، ولكنه ينتفخ على الدوام ~~وتزداد وطأته ثقلا. وتمر الأيام وتتساقط أمام العين، ويلتمس حامل الجراب ~~ظلا يسند إليه ليكتب قصة واحدة. ويتوه عشر سنين في هجير الدراسة والبحث ~~والترجمة قبل أن يلجئه ثقل الحمل أو الذنب إلى الظل. وهناك يحلم بالتفرغ، ~~ويقنع إرادته الشاحبة بالتحرر من نظام السخرة الجامعي، ويراوده حلم ~~الاعتكاف في دير من أديرة الرهبان (لكن من يدعوه إليه؟) تقول تجاربي ~~الأولى كل ما أكتبه تجارب، وكل ما أطمح إليه أن تكون كل تجربة جديدة ~~ومختلفة عن سابقتها اختلافها عن التجربة اللاحقة. ولهذا ترتعش اليد كلما ~~هممت بتحريك القلم، وكأني أكتب لأول مرة، وأبدأ في كل مرة من الصفر. أليس ~~الفن كله «تجربة» لإظهار ما في الباطن إلى الخارج في شكل لغوي مرض؟ ~~حسبنا أن نجرب ونجرب، أن نكون الأبناء الأوفياء لسندباد وأوديسيوس ~~وفاوست، وكل الحجاج لبيت المطلق. إن وفقنا في محاولة واحدة فما أسعدنا. ~~وإن خبنا فتكفينا المحاولة. حسبنا الصدق والأمانة زادا على الطريق. ولو ~~عاشت لي قصة واحدة أو عمل واحد في ضمير قارئ واحد، فسأغمض عيني في ~~النهاية وهي قريرة، سأقول لنفسي: لم يضع العمر هباء ... ~~(3) # أنا في العادة - وبالقسوة/الاعتراف - لا أثق بالبحوث والدراسات، ولا ~~بالباحثين والدارسين. غريب أن يقول هذا إنسان كتب عدد شعر رأسه من البحوث ~~والدراسات والترجمات، وإن كان شفيعه أنه كتبها بقلب الأديب والفنان (أو ~~هذا على الأقل مجرد عزاء). ولهذا لا أميل إلى الكتب التي تحمل عناوين ~~بغيضة إلى نفسي: كيف نكتب القصة أو الرواية أو المسرحية ... إلخ، ولا ينتهي ~~عجبي من سذاجة أصحابها أو جرأتهم. إن النماذج الراسخة هي المرجع والدليل. ~~النص هو الألف والياء. هناك تراث وتطور لا شك فيهما ولا فكاك منهما، لكن ~~هل عرف هوميروس أو شيكسبير أو فوكنر ... إلخ أمثال هذه البدع العجيبة ~~والأدلة المحيرة؟ إنني أتعلم من النصوص وحدها. ms378 أترك الموضوع يختار شكله، ~~المهم أن يحضر وأن يمتلئ حياة، أن ينضج فيكتبني كما قلت ويعفيني من ~~كتابته. أمل بعيد بغير شك، لا يتوفر إلا للنادرين والملهمين، لا أدعي ~~أنني حظيت بنعمته - إن كنت قد حظيت بها - إلا في لحظات نادرة وصفحات ~~أندر. لا أنكر فضل «الوعي» ومعرفة التراث القومي والعالمي، وجهد البناء ~~والتشكيل، وحيل التقنية (الصنعة)، ودور العقل ومكر الرمز وبراعة القناع ... ~~إلخ، لكنني أومن بأن الفن حضور حي. والغاية المثلى عندي أن يصبح الفن ~~طبيعة حية كما تحاول الطبيعة عن طريق الفنان أن تصبح فنا. ~~(4) # يعفيني الكلام السابق من الإجابة على هذا السؤال. فأنا لا أختار ~~الإطار، ولكنه هو الذي يختارني. العاطفة أو الفكرة أو اللمحة أو الشخصية ~~أو الموقف هي التي تفرض إطارها. وهذا الإطار - كما يدل تطور القصة ~~القصيرة - أوسع مما يتصور دعاة الحبكة و«الحكاية» و«المفاجأة» و«التنوير» ~~... إلى آخر ما تعيد فيه كتب النقد الركيكة وتزيد. فالقصة القصيرة تقترب من ~~الشعر الغنائي والحوار المسرحي والمقال الفني، وقد تتسع للتقرير الصحفي ~~والبحث العلمي والأرقام والحسابات الجافة، بل إنها قد تحتوي على رسوم ~~توضيحية (على نحو ما فعل الأستاذ الفنان المرحوم يس العيوطي في إحدى قصصه ~~المتأخرة). ولهذا ستظل القصة القصيرة فنا متجددا، كأسا صغيرة يمكن أن ~~تضم الكون كله، عدسة رقيقة يمكن أن تعكس الشمس وكل ما يستضيء بنورها. ثم ~~إني لا أقتصر على إطار القصة القصيرة؛ لأنني أجرب الكتابة للمسرح منذ زمن ~~طويل، كما جربت كتابة الرواية في عمل لم يظهر بعد، وإذا ترفقت غازلات ~~خيوط العمر والقدر، فربما أنجز روايتين كبيرتين. أما أن الأمر يرجع ~~للحالة النفسية، فليس هذا صحيحا في كل الأحوال، إذ يمكن أن تكون الرواية ~~لاهثة الأنفاس مركزة كالقصة القصيرة، كما يمكن أن تكون القصة القصيرة ~~رواية مكثفة لم يصبر عليها صاحبها ليفض كل كنوزها. ولي قصص حولتها ~~مسرحيات، وأخرى يمكن أن تغرى بالمحاولة، وفي الأمر سر لا أدريه وقد يدريه ~~غيري. أما إمكانية النشر فهي إغراء قوي ومخرب أيضا. ويبدو أنه ms379 كان وراء ~~التعجل وقلة الصبر اللذين أفسدا خير سنوات شبابي. وأشنع منهما «التكليف» ~~والدخول في أحشاء الصحف والمجلات وأجهزة الأعلام؛ لأن من يدخلها مرة فلن ~~يخرج منها أبدا، ولكن هل يمكن أن أنصح أحدا بالبعد عنها؟ وهل هذا ممكن ~~أصلا؟ ما أشد حسدي للكتاب القدامى قبل لعنة اختراع الطباعة، واكتشاف ~~الموجات الكهرومغناطيسية، ويا ليتني عشت في زمن الرواة والحكائين ~~والمبدعين في الظل والصمت. ~~(5) # لا شك أن أي عمل فني يحاول أن «يوصل» شيئا إلى القارئ، وإذا تم ~~توصيله فقد نجح. أما طبيعة هذا الشيء، فيصعب تحديدها اللهم إلا في ~~الأعمال الرديئة. قد يكون هذا الشيء هو المتعة أو الغضب على مفارقات ~~الواقع ومتناقضاته أو المشاركة والتعاطف الإنساني أو العزاء عن تعب ~~الحياة وآلامها، أو تمجيد الحياة والفرح بها، أو تعميق الشعور بها، أو ~~بعث الأمل في مدن المستقبل، أو إحياء القيم الخالدة للخير والحق والجمال ~~... إلخ، أو هذه الأمور جميعا، ولكن الفنان لا «يهدف» إلى غاية محددة، ~~وإلا أصبح داعية أو معلما أو مبشرا بعقيدة معينة أو غير ذلك مما يصلح ~~له العالم والباحث والمصلح والمربي ... إلخ، إلام تهدف كوميديا دانتي أو ~~أشعار المتنبي والمعري أو مسرحيات شيكسبير أو روايات دستويفسكي أو قصص ~~تشيكوف ... إلخ؟ لا شك أن لكل منهم رؤيته للإنسان والعالم والله، ولكننا لا ~~نقرؤهم لنستفيد علما أو فكرا - فالفلسفات والمذاهب الاجتماعية ~~والاقتصادية والسياسية أقدر على هذا - بل لندخل عالما ونعيش تجربة حياة، ~~ونزداد فهما لحقيقة الإنسان والواقع وحقيقتنا. # هل حاولت أن أوصل شيئا بهذا المعنى؟ لا أظن أنني تعمدت هذا بصورة ~~مقصودة مباشرة. ولو كنت فعلت فأنا المخطئ. إنما هي رؤية كونتها تجارب ~~الحياة والثقافة والمزاج الموروث والوضع التاريخي والاجتماعي الذي وجدت ~~نفسي فيه. وإذا كان لي أن أصف هذه الرؤية فهي «الثورية المحبطة»، ثورية ~~الضعفاء والمقهورين والممتحنين في حبهم وحياتهم وعقولهم ومصيرهم، ~~المحرومين من الحرية والعدل والحب، الحالمين المهزومين والمتحدين - حتى ~~في لحظات السقوط - في آن واحد. كل ما أكتبه يدور - أو هذا ما أتمناه ~~وأحاوله ms380 - حول الحرية. وكل كلمة لا تصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ~~الحرية لا تستحق عندي المداد الذي كتبت به، ولا الوقت الذي ينفق في ~~قراءتها. # أما عن القارئ الذي أتمثله عند الكتابة، فهو قارئ مجهول أكاشفه ~~وأحبه، وأعتقد أنه يحبني. طبيعي أن عملية الكتابة فعل جدلي يفترض الحوار ~~بين كاتب وقارئ. وطبيعي في أمة «اقرأ» التي لا يقرأ فيها أكثر من عشرين ~~في المائة، ولا يقرأ الأدب إلا أقل من النصف في المائة أن يتمنى الكاتب ~~لو انمحت الأمية، ووصل إنتاجه إلى الفلاح والعامل والموظف البسيط ورجل ~~الشارع. لكنا - ويا للحسرة - نكتب في الأغلب الأعم لبعضنا أعلانا صوتا ~~وأكثرنا حظا من الدعاية والأضواء هو الذي يقرأ. ولا بد لمثلي - ممن لا ~~يقرؤه حتى النقاد أو يقرءونه ويتجاهلونه - أن يفترض القارئ البسيط ~~المجهول الذي يعيش اليوم أو زمن مقبل، وليته لا يكون ناقدا ولا ~~برجوازيا! حدثني مرة أحد الأصدقاء أن والدته لم تستطع النوم قبل الفراغ ~~من قراءة مجموعتي الأولى «ابن السلطان ». لا يمكنك أن تتصور سعادتي في ذلك ~~اليوم بما قاله هذا الصديق، فهذه السيدة الكريمة - وهي ربة بيت بسيطة - ~~أخلفت موعد نومها بسببي، وجدت في قصصي بساطة أو براءة يصعب أن يجدها ~~الناقد المحترف، اطمأنت يومنها إلى أنني لم أقع ضحية الحذلقة وحيل ~~التجديد. لمثل هذه القارئة الطيبة المجهولة أكتب، وبمثلها أعتز. وإذا كان ~~النقد قد تجاهلني، فهذا من حسن حظي. لا كرامة لكاتب في وطنه ولا بين ~~أهله. والناقدان الوحيدان اللذان اهتما ببعض أعمالي كانا من اليمن ~~(الدكتور عبد العزيز المقالح) وألمانيا (الأستاذ بيتر باخمان). هل تذكر ~~ما قاله فولتير في نهاية قصته الفلسفية «كانديد»؟ ازرع حديقتك. وأقول لك ~~وللمخلصين من الشباب ابذر بذرتك واتركها. احرث حقل اللحظة بالعمل الصادق ~~وألق بذورتك فيه. ربما تنمو الشجرة بعد زمان يطول أو يقصر. وربما ينتفع ~~بها فلاح أو حطاب أو مسافر وحيد، وحتى إذا لم تنم شجرتك ولم تثمر فقد ~~فعلت ما في طاقتك، حرثت الأرض، وطرحت البذرة. وقاك ms381 الله شر المتورمين ~~والمتضخمين المشغولين بأنفسهم. أتريد أن تكون كارثة تضاف إلى الكوارث ~~التي تزحم حياتنا، وتخنق أنفسنا، وتملأ جونا بالضجيج والفجاجة ~~والانتهازية والتخبط والكذب؟ ~~(6) # القصة القصيرة عندي دفقة واحدة. إن لم أفرغها - كما قدمت - في ليلة ~~واحدة وجلسة واحدة فلن تتم أبدا. أعلم أنني بحاجة إلى تعلم الصبر، وقد ~~بدأت أتعلمه في السنين الأخيرة، لكني لا أكاد أكتب إلا إذا «حضرت» القصة ~~بشخصياتها ومواقفها وانفعالاتها وصورها، وأكاد أقول بلغتها. عندئذ ~~تكتبني ولا أكتبها. ما أنا في هذه الحالة إلا مدون فحسب. ربما راجعت بعض ~~الكلمات، واستبدلت بها كلمات أخرى، لكن هذا أيضا أمر نادر. أظن أن هذا ~~عيب كبير، وأنا أعترف به. ثم إن الأمر لا يتم دائما بهذا التخطيط ~~الدقيق. فللفن مفاجآته. أذكر أنني جلست من سنوات تقل عن العشرين قليلا ~~لأكتب قصة عن سيدة ريفية في شتاء العمر، مات زوجها، في وجهها آثار جمال ~~قديم، تنتظر ليلة القدر مع صبي صغير هو راوي القصة. أعدت معه كل شيء، ~~وبدأت تتمتم بالدعوات، وتغالب المرض العضال توقعا «للطاقة» الباهرة ~~الضوء. وهي تلفظ أنفاسها تظهر لها الطاقة، ويدعوها الصوت الرهيب أن تفصح ~~عن رغبتها، لكنها تكون في آخر الأنفاس. تنظر للضوء الساطع، وتهمس في أذن ~~الصبي: «قل له لقد تأخرت، لا أريد شيئا، لا شيء». كانت هذه هي القصة ~~التي تهيأت لكتابتها، ولم أكتبها إلى اليوم، أتدري ماذا كتبت ليلتها؟ ~~فوجئت بقزم صغير يحتل مكان المسكينة، قزم عجوز، ومريض طرده صاحب الخيمة ~~التي تقدم الألعاب في مولد السيدة لكبر سنه، فذهب إلى المقام الطاهر وقدم ~~فيه ألعابه. وقبض الزوار على الكافر وأودع «التخشيبة». وتتجلى له «الست» ~~وهو يحتضر وتسأله عن طلبه، فينظر إليها بعيون دامعة، ويقول: «لا شيء يا ~~ست. لا شيء أبدا». وكانت هي قصتي «الست الطاهرة» عنوان مجموعتي الثانية، ~~تسألني عن الصعوبات التي ألقاها أثناء الكتابة؟ لا، ليست هناك صعوبات. ~~«فالحضور» الذي حدثتك عنه، والعاطفة الدافئة، والممارسة، والقراءات ~~الماضية التي تبرز من رصيد الكهف الباطن ... إلخ كلها تتكفل ms382 بحلها. ~~الصعوبات يا سيدي قبل الكتابة ومن حولها في الحياة غير السوية التي ~~نحياها، في الجو الموبوء الذي لا يسمح بحياة إنسانية سليمة، فما بالك ~~بحياة مبدعة، في طاحونة التدريس التي تسحق بذور الفن وتقتل عذاراه ~~... ~~(7) # لا أعرف ماذا تريد «ببعض العناصر الحرفية». لست كاتبا حرفيا بأي ~~معنى من المعاني. واشتغالي بتعليم الفلسفة ودراسة الأدب الغربي والترجمة ~~لم يكن احترافا، ولا حتى تخصصا. الكتابة عندي عشق وبكاء، زهد وفناء، هي ~~- كما يقول القرآن الكريم - نسكي ومحياي. والفن معبود جشع للدماء. إنه ~~يطلب ما يسمى «بذبح الذات» في الطقوس القديمة، عندئذ يمكن أن يسمح لك ~~بالمثول لحظات بين يديه. إن أعطيته كل شيء، فربما أعطاك شيئا. وإن تخليت ~~عن عرش العالم، فربما يمنحك نعمة الرضا عن النفس. لهذا أشفق على الذين ~~يمتطون صهوة حصان الأدب أو العلم سعيا وراء الشهرة أو السلطة أو المال ~~أو الإعجاب أو الظهور تحت الأضواء. أشفق عليهم وعلى الفن والمجتمع منهم ~~كما أرثى لهم. هل هربت من السؤال ؟ لا شك أن في القصة القصيرة كما في كل ~~الفنون حرفيات. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتكلم النقاد العرب عن ~~«صنعة» الشعر، وأن يسمى الفن عند اليونان «تيخني» (صنعة ومهارة). ومن يشأ ~~الاطلاع على هذه «الحرفيات» المختلفة يجدها في كتب النقد، ولكن هل سيجد ~~نفسه أو يجد القصة أو الشعر ... إلخ؟ لا بد أن تصبح هذه الحرفيات المتطورة ~~عبر الزمان وتحت تأثير الظروف الحضارية والاجتماعية والسياسية ... إلخ ~~طبيعة ثانية. إن اكتفى بتطبيقها فهو مهما ادعى أو زعم مجرد حرفي بارع، ~~معد أو مقتبس أو متأثر أو ناقل ... إلخ، إن الحقيقة لا تغتصب. وإذا لم تصبح ~~دقائق الصنعة طبيعة أخرى فستكشف اللعبة. ربما كنت أملك بعض العناصر التي ~~تتحدث عنها، لكنني أصارحك بأنني لا أعرفها، ولا أتذكرها عند الكتابة. ولا ~~بد أنني اكتسبت من قراءاتي لمختلف الكتاب ومختلف الأعمال والأشكال الفنية ~~بعض هذه العناصر، لكن لماذا أختار أحدها دون الآخر (كأسلوب المناجاة أو ~~المونولوج مثلا) ولماذا يحرك الرمز ms383 والحكاية الشعبية والأسطورة ومشاهد ~~التعاسة وصور الانهيار والاحتضار ... إلخ، لماذا تحرك مائي الراكد؟ لا بد ~~أن الأمر أكبر من الصنعة والحرفة، ولا بد أن يكون الصدق مع النفس ومع ~~الفن أخطر وأولى بالنظر. اعذرني إن لم أستطع أن أحدد لك هذه العناصر، لكن ~~يسعفني عند الكتابة ما سبق أن حدثتك عنه: الحضور والامتلاء، النضج ~~والاستواء. وتسعفني قراءاتي السابقة (وربما تسللت خفية لما أكتب) ونظرتي ~~الكونية المفعمة بالشحن، وخيبة الأمل، وربما ساعدت الفلسفة أيضا بطريقة ~~غير مباشرة على ما يوصف بالعلو والنظرة الكلية والقدرة على تحليل المشاعر ~~والمواقف والأفكار والتركيز على ما يسميه بعض فلاسفة الوجود بالمواقف ~~الحدية، كالعذاب والإخفاق والفراق والموت والذنب. حاشاي أن أقصد بهذا أن ~~قصصي المتواضعة تملك هذه الخصائص. إنما أردت أن أقول إن روح التفلسف ربما ~~تسللت إلى بعضها وإعارتها جناحا تحلق به قليلا فوق تفاصيل الواقع، أو ~~تغوص به في قلبه. ~~(8) # لا أظن أن الأمر أمر اهتمام أو عدم اهتمام، فتعمد المغزى أو الهدف ~~الاجتماعي أو الفلسفي أو السياسي ... إلخ، لا يمكن أن يصنع فنا. قد يصنع ~~مقالة أو درسا أخلاقيا أو اجتماعيا متنكرا في ثياب قصة أو مسرحية ~~أو قصيدة، ولكننا سنفضل عليها المقالة أو الدرس. تأمل أقاصيص فولتير ~~الفلسفية (مثل زاديج وكانديد)، وانظر فيما كان يكتب باسم الواقعية ~~الاشتراكية عندنا أو عند غيرنا، وستجد أنها قد ظلمت الفن والحقيقة ~~(الفنية والإنسانية). لا أريد أن أدخل في متاهة الأسئلة العقيمة: هل الفن ~~للفن أم الفن للمجتمع، فهي في رأيي قد أسيء طرحها، ولم تكن دائما لوجه ~~الحقيقة. لا يمكن أن يوجد عمل فني لا يطمح إلى أن يكون فنا، وما من عمل ~~فني يمكنه أن ينكر أصوله الاجتماعية أو دوره الاجتماعي، حتى لو حطم كل ~~القواعد المعترف بها من الجماعة. وفي استطاعة الفنان أن يضمن عمله المغزى ~~الذي يشاء، بشرط أن يسري فيه سريان الدم في عروق الكائن الحي، تعرف أنه ~~موجود وإن كنت لا تراه. إنني - مثل غيري - أعيش «هنا والآن»، وأكتب لقارئ ms384 ~~يحيا هنا والآن. حتى كاتب القصة التاريخية يفعل هذا من وراء الأقنعة ~~التاريخية. وأي كتابة في الأدب أو الفلسفة أو العلم تصدق عليها هذه ~~الحقيقة البسيطة، نحن لا نكتب للموتى ولا للخلود، ولكننا مثل من نكتب ~~لهم، أبناء لحظتنا التاريخية والاجتماعية والحضارية، مؤقتون وعابرون ككل ~~شيء يصنعه الإنسان. أين إذن ذلك الذي «يبقى مما يؤسسه الشعراء» على حد ~~تعبير هلدرلين؟ يبقى منها ما يقترب من دائرة الحقيقة أو يدخل فيها، وإن ~~كان قد كتبه إنسان فان مثلنا، لأناس فانين مثلنا من هنا «وآن» مختلفين، ~~فأثبتا على مر الزمان أنهما لكل هنا وكل آن ... لهذا بقي «أوديب» و«هاملت» ~~و«فاوست» ونماذج ألف ليلة وليلة، وكل الشخصيات والأعمال التي لا تزال حية ~~تعبر عن حقيقة الإنسان فينا، وسائر الحقائق التي يرتبط بها ويسعى ~~للاقتراب منها في حياته وموته، وعذابه وفرحه، وشقائه وسعادته. الاستطراد ~~مغر، ولكنني أقطعه وأقول إنني قبل كتابة أي عمل قصصي أو غير قصصي أحاول ~~جهد طاقتي أن يجمع ثلاث دلالات تعبر عن ثلاثة مستويات، أو ثلاث دوائر ~~متداخلة: الدلالة الشخصية (وإلا ما وجدت الدافع لكتابتها) والاجتماعية ~~(وإلا فلمن أكتب؟) والكونية (وإلا فما قيمة عمل لا يفتح نافذة على ~~المطلق، أو لا ينبعث منه شعاع ينفذ في ظلماته؟). # لست أيديولوجيا، بمعنى الانتماء إلى نظام مغلق من الأفكار والقيم ~~والمعتقدات. ولست كذلك ضد الأيديولوجية. لا أنا متعصب لها ولا ضدها. ~~علمتني الفلسفة أن أضع كل شيء موضع السؤال. علمني الإيمان بالحرية أن أقف ~~موقفا حرا من كل شيء وكل إنسان. أحاول أن أستفيد من كل المذاهب بقدر ~~جهدي، لكني لا أسمح لواحد منها أن يستعبدني. ولأني طائر وحيد، لا يستطيع ~~أي قفص أن يأسرني. ربما كتبت قصة تحمس لها الأيديولوجي، وربما كتبت قصة ~~أخرى فلعنني، وتمنى أن يقتلني! ليس معنى هذا من جهة أخرى إنني خاو من ~~الرأي والحلم. إنني ثائر محبط، شأني شأن معظم أبناء جيلي. في ضميري يعيش ~~اشتراكي محزون خائب الأمل، أشبه بالناسك المعدم أو القديس العدمي. إحساسي ~~بعذاب ms385 الإنسان وتعاسته يجعلني قدريا، وحلمي المستحيل بمدن المستقبل ~~المستحيلة يجعلني جدليا، بين القطبين يهتز وترى المشدود ويلتقط الأصوات ~~والصور والأحداث التي تحركه. كم تمنيت أن أنشد على هذا الوتر، لكنني كما ~~قلت لا أملك موهبة الشاعر. لهذا قنعت في كثير مما كتبته بأن أكون صدى ~~وظلا. إذا تعرفت بأحد أسرع قليلا أنت الذي ترجم كذا وكذا. وتهوي ~~السكين في قلبي. إن كنت قد ترجمت فهي ترجمة أديب لأدباء. وإن كنت قد كتبت ~~في الفلسفة فبقلب أديب، أو في الأدب فبعقل فيلسوف. هل يصدق ما قاله عني ~~أحد المعذبين (بكسر الذال المشدودة) في الأرض، وما أكثرهم: أديب بين ~~الفلاسفة وفيلسوف بين الأدباء؟ أي لا شيء عن الإطلاق! ويبقى على فيما ~~يبقى من سني العمر أو شهوره أو أيامه أن أحدد ملامح وجهي. ~~(9) # أحيانا يكون مدخلي إلى القصة كلمة أسمعها صدفة، أو صورة، أو موقفا ~~أراه، أو فكرة استلهمها من قراءاتي. تحرك هذه كلها أو إحداها بذرة كامنة، ~~تبعث حياة منسية، تكسو جسما عريانا بثوب مناسب كان يفتش عنه. ما أعظم ~~ثراء المنجم الذي يطويه كل منا في داخله، وما أقل ما نفطن إليه! أظن أن ~~الحدث هو الذي كان يلفتني في البداية. ثم اهتممت بالشخصية أو بالأحرى ~~فرضت نفسها علي (وقصصي مزدحمة بالشحاذين والدراويش والمجانين والمهرجين ~~والممثلين الفاشلين، والعصاميين الذين يكلمون أنفسهم، والموتى، ~~والحيوانات، وخصوصا القطط التي أكاد أعبدها، وأتمنى لو تناسخت روحي في ~~واحد منها متكبر وصامت ووحيد) أصبحت الآن أميل إلى الموقف المعبر عن ~~مفارقة، وإحلال الأسطوري أو الرمزي أو الماورائي في الحياة اليومية. أظن ~~أن ما بقي حيا في ذاكرتي من قصصي القديمة يصور موقفين أو خطين أو ~~مستويين متوازيين ومتصادمين في آن واحد. وغالبا ما يكون أحد الموقفين أو ~~الشخصيتين ذا بعد مفارق للواقع، أسطوري أو كابوسي (يونس في بطن الحوت، ~~الحصان الأخضر بموت على شوارع الأسفلت، التابوت ... على سبيل المثال). لكن ~~الأمر هنا أيضا لا يخضع لقاعدة. فقد تجر الكلمة أو الصورة شخصياتها ~~ومواقفها المناسبة، وربما ms386 لغتها أيضا، وقد يفعل الحدث أو الموقف أو ~~الرمز نفس الشيء. ألم أقل أن كل قصة يجب أن تكون كائن متجددا وجديدا؟ ~~أعتذر لأني قلت «يجب» حيث لا وجوب، اللهم إلا للحضور الحي والنضج ~~والامتلاء، لكن ما أندرها وما أفقر حظي منها. ~~(10) # ليس في يدي أن أعين المكان أو الزمان أو أتركهما بلا تعيين. إنما ~~القصة كيان حي مستقل عني تعين زمانها ومكانها بنفسها. وربما اختارت أن ~~تكون بلا زمان ولا مكان ولا أسماء محددة. أكتفي بأن أقول أن للحكاية أو ~~الحدوتة التي أحبها دخلا في هذا البعد عن التحديد. وكذلك الميل إلى ~~استلهام الماضي والتاريخ. وربما كان للتعبيرية (التي شغلت بها وقتا ~~طويلا، ووضعت عنها كتابين) أثر على بعض القصص التي تجنح للتجريد ~~والمباشرة والصراخ. ~~(11) # الإجابة على هذا السؤال متضمنة في الإجابات السابقة، ثم إنها من شأن ~~القراء. كل ما يشغلني الآن أن تكون قصصي القادمة مختلفة عما سبقها. أيكون ~~«تطورا» بالمعنى الذي تقصده؟ وإلى الأسوأ يكون أم إلى الأفضل؟ هذا ما لا ~~أحكم عليه. كل ما أتمناه أن تواتيني اللحظة، وأن تترفق بي ~~الطاحونة. ~~(12) # لم أنصرف عنها، هي التي انصرفت عني. فعندما وجدتني مشغولا عنها ~~بالطموح العلمي العقيم، أشاحت بوجهها زمنا طويلا. أنا الآن أسترحمها ~~لتعود، فهل تستجيب؟ في السنوات الأخيرة شغلتني بكائياتي على نفسي وجيلي ~~ووطني الأكبر الممزق المنهار. كانت آخرها بكائيتي على صديق العمر صلاح ~~عبد الصبور. والقصة تؤكد نفسها حتى في هذه البكائيات التي لا أعرف لها ~~شكلا محددا. لم أكتب قصة بالمعنى المتعارف عليه منذ سنوات طويلة. ومع ~~ذلك فإنني أثق بالموجة القادمة وأنتظرها. ربما توردت خدود العزم فجأة، ~~فأقبلت على مشروع مجموعة قصص تختمر في باطني منذ أكثر من عشر سنوات. ~~واعذرني إن لم أبح لك بشيء أكثر من هذا. أولا تعلم أن الفن يحب الكتمان، ~~أولا تسمع صوت الطرقات على باب الوجدان؟! ~~(13) # إذا كنت بطبعي متشائما فيما يخص حياتي الخاصة، فإنني كبير الأمل في ~~مستقبل الفن والوطن والإنسانية. من يأتي بعدنا يجب ms387 أن يكون خيرا منا. ~~هذا شيء لا يحتمل الشك. وعدم إيماننا به يساوي الكفر بالتقدم، وبقدرة ~~الشعب على الإبداع. وقد ذكرت فيما سبق أنني أحرص بقدر طاقتي على كتابعة ~~أعمال الشباب، وأسعد بالتعلم منهم. وأقع في التكرار الممل إذا قلت أن ~~الجيل الذي جاء بعدنا قد أضاف - خصوصا في ميدان القصة القصيرة - إضافات ~~واضحة وثمينة، لكن القصة القصيرة نفسها إغراء خطر. والنجاح في واحدة أو ~~أكثر لا يبيح لأحد أن يزهو كالطاوس (تكفينا الطواويس الزائفة في كل مجال) ~~لهذا أتمنى أن يجربوا الأشكال الأخرى. فيخيل إلي أن إتقان القصة ~~القصيرة أو التوفيق فيها ينطوي بالضرورة على القدرة على إتقان الرواية. ~~وهذه تهيئ إشباعا أكبر وثقة أوطد بالنفس. وبعض الشباب قد نجح بالفعل - ~~لا بالقوة وحدها - في المجالين. يكفي أن أسماء نخبة منهم قد انضمت إلى ~~أسماء الجيل السابق فيما ترجم من قصص مصرية وعربية إلى بعض اللغات الحية، ~~ولكن هذه الترجمات والانتشار في الصحف والمجلات وأجهزة الإعلام لا يقدم ~~أدنى مبرر للغرور. إن الغرور بداية السقوط كما يقول المثل المعروف، بل هو ~~السقوط نفسه كما تشهد الحقيقة. تعففوا واعكفوا. هذا قولي لكم. إن تفاني ~~الفنان في فنه هو واجبه الأقدس، اكتشاف نفسه ورؤيته وأسلوبه، إتقان ~~أدواته، تعميق وعيه بالواقع من حوله، وبالتراث القومي والعالمي ... أهناك ~~أولى من هذا كله؟ ستغريكم الأضواء، فاحذروها. لقمة العيش يمكن أن تدفعكم ~~لطرق أبواب الكسب، فحاولوا أن تكسبوا أنفسكم أولا (لأن العالم كله لن ~~يغني عنها كما تقول كلمة السيد المسيح) ركزوا ولا تتشتتوا، فالتركيز هو ~~أب الفضائل جميعا. كم في تاريخ الأدب من أسماء عكفت عشرين سنة من عمرها ~~أو عمرها كله على عمل واحد. جيلي تشتت بين الكتابة الحرة والدراسة ~~والترجمة والإعداد لأجهزة الإعلام. حتم علينا قدرنا التاريخي أن يقوم ~~الواحد منا بأدوار متعددة توزع في البلاد المتحضرة على أفراد عديدين. ~~وإذا تحتم عليكم أن تطرقوا أبواب أجهزة مختلفة فلا تنسوا أنكم أدباء، أي ~~إنكم تخدمون الحقيقة قبل أن تخدموا الأجهزة ... وخدمة الحقيقة ms388 تتطلب أن ~~يكون ما تنتجون أدبا جميلا وصادقا قبل كل شيء، ومهما اضطررتم لصبه في ~~الأشكال المرئية أو المسموعة التي لا مفر من تطويعه لها، فلا يمنع هذا أن ~~يظل في خدمة الحقيقة، وأن يبقى أدبا جميلا وصادقا. الصدق هو كل شيء. ~~ما لا يصدر من القلب لا يصل إلى القلب. ومن الصعب أن نحافظ على الصدق في ~~عالم يتنفس الكذب ويبيعه ويشتريه، ولكن لا مناص من الصراع في سبيله ~~والموت تكريما له. لتكن أيامكم أسعد حظا من أيامنا. لقد تعذبنا من أجل ~~الحرية والعدل والصدق، وسنغمض عيوننا قبل أن نشهدها. وإذا نجوتم من ~~الطوفان الذي أغرقنا فاذكرونا وسامحونا. فلا تنسوا أننا تعذبنا ومتنا من ~~أجلكم، لا تنسوا أننا كنا صادقين. ~~(1984م) # | وحوار ...1 # س1 ~~: ما هي أبرز المؤثرات في نشأتك ~~وحياتك الاجتماعية والفكرية؟ # س2 ~~: تمتزج في كتاباتك الفلسفة بالأدب ~~والفن، فكيف تتصور علاقة الفلسفة بالأدب؟ وما هو مفهومك الخاص للفلسفة؟ وهل ~~ترى إمكان قيام فلسفة عربية؟ وإذا كانت هناك معوقات تمنع وجودها في الوقت ~~الحاضر، فما هي شروط تحققها وأهم معالمها في المستقبل؟ وإذا افترضنا أن ~~ديوجينيس الكلبي - الذي كتبت عنه في مجموعتك القصصية الأخيرة - قد بعث في ~~عالمنا العربي، فما تراه يفعل بمصباحه المشهور؟ # س3 ~~: ما عطاؤك الفكري والفني الذي قدمته ~~حتى الآن؟ لقد كتبت القصة والشعر، فأيهما أقرب إلى نفسك؟ وهل يستطيع الفنان ~~أن يبدع في أكثر من فن؟ # س4 ~~: رحل عنا منذ شهور الشاعر الكبير ~~صلاح عبد الصبور - رحل بجسده فقط؛ لأن الشاعر لا يموت شأن المهرجين والطغاة - ~~وقد كانت تربطكم به صداقة عمر. فكيف تعرفت عليه في البداية، وكيف استمرت ~~مسيرة التعارف، وما تقييمكم لإبداعاته في الشعر؟ # س5 ~~: كيف تنظر للحياة، وخاصة في ظل ~~الأوضاع العربية المتردية؟ # ج1 ~~: أخشى أن تكون بسؤالك هذا كمن يدعو ~~القراء إلى تكريم ضيف لا يعرفونه ولم يسمعوا به، أو كالمنادي في السوق يبح ~~صوته ويدق أجراسه ليلفت أنظار عابري السبيل (المشغولين بهموم حياتهم ولقمة ~~عيشهم) إلى بداية اللعب في ms389 سيرك نصبت خيامه منذ ثلاثين سنة، ولم يلتفت إليه ~~أحد، لكن المهرج المسكين يقدم ألعابه كل ليلة، ويواصل تسلية الجمهور بضحكاته ~~ودموعه. والجمهور يتغير مع كل عرض، والنمر والمشاهد تتغير أيضا، وهو يتمنى ~~أن يدخل شعاع الفرحة إلى قلوبهم وشفاههم، عالما أنه يواجه مجهولا لن يذكره ~~أبدا، وإن ذكره بعد موته فسيكون مجهولا يتحدث عن مجهول. ها أنت تطلب من ~~المهرج أن يتوقف عن لعبه لحظات يراجع فيها حياته الماضية، فهل يملك - في هذه ~~الاستراحة القصيرة - أن يقدم لك سيرة حياته وتجربة عمره؟ دعه إذا يروي لمحات ~~منها، مواقف يظن أنها كانت حاسمة على طريقه، خيوطا قليلة من الشبكة التي ~~نسجتها ربات القدر الأسطوريات دون علمه أو رأيه، ويعلم رب الغيب وحده متى ~~ستقطعها، واستعد لكي يكون كلاكما ضحية، فالمهرج الفيلسوف - أو الفيلسوف ~~المهرج - يبدأ حوارا مع نفسه ومعك وهو في الحقيقة مناجاة لن يسمعها أحد، ولا ~~يعنيه أن يسمعها أحد. ما أصعب موقف الحكيم المحزون الذي عاش وسط عالم لا يشعر ~~به، واكتشف - بعد جفاف الشجرة والضحكة والدمعة - أنه تحول دون أن يدري إلى ~~مهرج وحيد بلا سيرك ولا جمهور. # ولدت في أحد بيوت الطبقة الوسطى في ريف مصر، ولا يزال تاريخ مولدي هو ~~الشيء الوحيد المؤكد في حياة مضطربة لا شيء فيها أكيد. فيبدو أن ذلك اليوم قد ~~أثار فضول البسطاء في بلدتي البسيطة في شمال الدلتا كما أثار دهشتهم التي ~~انطفأت بعده مباشرة، فقد ولدت مثلثا، أقصد ثالث ثلاثة. ولم يلبث ضلع المثلث ~~أن وجد نفسه وحيدا بعد أن اختفى الضلعان الآخران بعد شهرين! لا زلت حتى ~~اليوم لا أفهم مبررا لبقائي دونهما. والشعور بالذنب يلاحقني منذ فتحت عيني ~~وعرفت. لماذا قدر لأضعف الثلاثة أن يعيش، وما الذي يسوغ أن ينجو الطفل الرقيق ~~النحيل الذي نذرته أمه للموت دون أخويه؟ وهل قدم شيئا في حياته العادية يضمن ~~له أن يتخطى الخمسين؟ وإذا كان قد بدأ أول أنفاسه بظلم غيره، فهل يحق له أن ~~يعجب من أن يعيش ms390 مظلوما؟ أليس من العدل أن يذوق طعم الجحود والمرارة مع كل ~~كأس تقدمها كل لحظة من عمره؟ لك أن تضحك إذا تصورت الصبي الصغير يبحث وحده في ~~المقبرة الريفية عن قبر شقيقيه. كم ضرب واكتوت قدماه بسوط حام لكي يقلع عن ~~التجول عند الغروب بين أشباح الموتى، لكن الشعور بالذنب لاحقه كظله، وما يزال ~~يلاحقه. فكرة ثابتة مجنونة لا تعقل من صاحب عقل أثقله العلم وقيدته ~~الموضوعية، لكن من قال إن كل أفكارنا يمكن أن تفهم وتفسر؟ ربما كان الذنب ~~القديم الذي لا ذنب لي فيه هو علة إحساسي الدائم بأنني غير مطلوب ولا مرغوب - ~~حتى الهواء أحس أحيانا أنني لا أستحق أن أتنفسه - وربما كان وراء الحرص ~~الدائم - أو الحصر الدائم - بأن أعطي وأعطي بغير حدود، وأحب وأسامح وأجود، ~~وأغبط نفسي كل ليلة بأن أبيت مظلوما لا ظالما، كما كانت أمي تقول باستمرار ~~ربما كان كذلك وراء الاكتئاب الذي أعرف أنه مرض رومانسي أحاربه بعقلي ومنطق ~~عصري دون أن أفلح من ذلك في الخلاص منه، لكن النقمة في نهاية المطاف قد لا ~~تخلو من نعمة. فقد أبقتني في الظل، وعلمتني أن ألازم الظل. أكدت لي أن كل ما ~~أريد هو أن أعيش في هدوء، وأعمل في هدوء وأموت في هدوء. وفي النهاية أتسلل ~~كالظل. ولهذا لا تفرغ دهشتي من الباحثين عن الشهرة، والساعين إلى الظهور في ~~الصورة، والمتهالكين على الإعلان والإعلام وتسويق الإنتاج حتى قبل أن ينتجوا ~~شيئا! يا حصان المجد البراق! هل استطاع أحد أن يمتطي صهوتك رغما عنك؟ ألم ~~تكن تسعى بنفسك وتقدم سرجك الذهبي، وتحني رأسك الجميل لمن زهد فيك؟ ويبقى ~~التعفف عن الشهرة وأضوائها مسألة مبدأ. ليس مكرا ولا طمعا في جائزة مؤجلة ~~ولا أملا في إنصاف مفقود أو موعود، وإنما هو كما قلت مسألة مبدأ وطبع ~~وأسلوب حياة. ولتسامحني السماء وتغفر ما يعلق بهذا التعفف من بقايا الطمع أو ~~الأمل مهما تكن هزيلة. فتحت عيني - المدللتين بالطبع في بيئة لا تسمح ~~بالتدليل - على أب ms391 صارم جاد، لا يخلو من قسوة تغلف الحنان المكتوم، يقرأ طوال ~~حياته في كتاب واحد لم يقرأ غيره، وكان بغلافه الخشبي الساذج هو الشيء الوحيد ~~الذي ورثته عنه، وهو القرآن الكريم. وأم مسكينة طيبة أتقنت فن العطاء، ولم ~~تنتظر كلمة شكر أو جزاء، بل كانت دائما أسعد الناس بأن يغالبها النوم أثناء ~~صلاة العشاء (بعد عناء يوم طويل بدأته قبل الفجر) على زمجرة الأب الذي لا يكف ~~عن السخط والشكوى، كما كانت على الدوام مبتسمة وراضية بأن تبيت مظلومة لا ~~ظالمة ... هل قلت مبتسمة وراضية؟ لقد كانت بضحكها ودعاباتها وسخريتها التي ~~تحاكي بها الأب والأولاد والأقرباء هي الضد المقابل للأيام والأعمال الكالحة ~~الضنينة التي لم ترحمها لحظة واحدة. من الجد الصارم من ناحية، والسخرية المرة ~~المتسامحة من ناحية أخرى، غزلت خيوط وجودي. نشأت وتموت مثل آلاف الصغار في ~~الريف المنكسر الطيب يرزح منذ القدم تحت قدر لا فكاك منه: الشعور بالظلم ~~والشوق إلى الحرية، الأمراض التقليدية التي أصبحت علامات الوشم القومية على ~~الجلد والدم والأعضاء، من الدوسنطاريا والملاريا إلى الرمد الربيعي وفقر ~~الدم، الحنين الدائم إلى البعد والخروج وتجاوز الحدود (هذا الحنين الذي جعلني ~~- ويا للأسف - أبعد في أسفاري وسياحاتي في حضارات وثقافات وبلاد بعيدة بعيدة، ~~لا أكاد أنظر إلى الأرض التي أقف عليها، والتربة التي نمت بذرتي فيها إلا منذ ~~سنوات قريبة!) لا جدوى من أن أحدثك عن تعليمي الابتدائي والثانوي في بلدتي، ~~ثم مع شقيقي الأزهري في طنطا عاصمة الريف (كم أتلفت بالحمد والامتنان إلى ~~الأيام الطويلة التي قضيتها في صحبة أزهريين طيبين يجيدون فن الحب والاحترام ~~الذي أصبح نادرا في هذه الأيام، ويقولون الشعر ويروونه، فأصبح لبعضهم راوية، ~~ويقرءون «الرسالة» فأدمن قراءتها حتى توقفها عن الصدور، وأعرف عن طريقهم على ~~هامش السيرة وأحلام شهرزاد وقادة الفكر وأهل الكهف ورسائل الحب والجمال ~~وأوراق الورد، وأسمع معهم آيات وحي الرسالة وعذاب «فرتر» وآلامه، وأستعذب ~~دموع المنفلوطي في الفضيلة وسيرانودي برجراك) كم كانت تلك الأيام الشقية ~~الجميلة زادا للعمر، وكم ms392 تمردت أيامها على فصولها وبصلها وكشريها المقررين ~~على مائدة الغداء، دون أن أتنبأ بأني سأحن إليها بعد المشيب أكثر من حنيني ~~إلى نزهات الغابة السوداء وشواطئ الراين! من الطبيعي أن أقول الشعر في صباي ~~الذي لم يتجاوز الحادية عشرة، وأن أدون الديوان بعد الديوان، وأن أحاول بعد ~~سنوات قليلة أن أعارض غير مجد في ملتي واعتقادي و«يا نائح الطلح أشباه ~~عوادينا»، لكنها محاولات تقليد ساذج، أصداء ليس فيها صوت واحد أصيل، انطفأت ~~كلها - والحمد لله - في سن الواحدة والعشرين بعد حب فاشل أساء فهمها إساءة ما ~~بعدها إساءة! ودخلت كلية الآداب التي كانت تموج بالفرسان والرجال، لم أدخل ~~القسم الذي كان ينتظر مني دخوله لأواصل التعثر على درب الشعر المفقود، بل ~~القسم المضاد الذي يجفف ينابيع الوجدان والإلهام تحت وهج العقلانية المحرقة. ~~ولم تنجح الفلسفة ولا أساتذتها العظام (الذين أحبني بعضهم وقربني منه كزكي ~~نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي وعثمان أمين عليه رحمة الله ورضوانه) لم تنجح في ~~إسكات النبض الخافت أو تجفيف الجدول الصامت الذي ظل ينسكب بين أحراش المجردات ~~والنظريات والمذاهب. ظلت العاطفة كالأم الحنون التي تحتضن أطياف أبنائها ~~العصاة، وتبكيهم إن غابوا عنها. واستمرت قراءاتي في الشعر، ودراساتي له بعد ~~أن تأكدت أنني حرمت صوته الأصيل وملكته المبدعة. واتصل الصراع بين الأخوين ~~المتقاتلين في صدري حتى اليوم. ولما تخرجت في الكلية بعينين حائرتين ونفس لا ~~تعرف نفسها أمعنت في الخروج والسفر إلى البعيد والبحث عن الخلاص من المنفى ~~المقدور. عينت في دار الكتب المصرية، وألفيتني أعيش سنوات طويلة كالفأر ~~المذعور في مصيدة الكتب، وزبانية البيروقراطية، ومرارة السكن الفقير مع ~~الزملاء الفقراء. كان السبيل الوحيد لاقتناص أمل «الخروج» هو الاستمرار في ~~القراءة المشتتة، والإصرار على تعلم لغات جديدة (في العشرين وما بعدها) بدأت ~~تعلم الإيطالية التي لا زلت أقرؤها، وإن كنت قد فقدت ذلاقة اللسان التي ~~اكتسبتها بعد زيارة لبلادها لمدة ثلاثة شهور هبطت علي كما يهبط عفو الله ~~على شيطان مذنب صغير، كما بدأت أخرج كل شهر ms393 ثلاثة جنيهات من جيبي الخاوي ~~لتعلم الألمانية التي واصلت دراستها بعد ذلك، حتى ارتبط اسمي - لشدة بلائي أو ~~عزائي لا أدري - بأدبها وفكرها، حتى كان يوم نودي على اسمي لمراجعة الواجب في ~~أحد فصول مدرسة الألسن التي كانت مسائية في ذلك الحين. أما المنادي فكان هو ~~المستشرق الألماني الذي أهديته كتابي «النور والفراشة» الذي صدر بعد ذلك ~~بحوالي العشرين سنة (فرتز شتيبات عميد معهد الدراسات الإسلامية اليوم في ~~جامعة برلين الحرة الذي لم أعرف أحدا أقدر منه على الحب والحنو والعطاء)، ~~أما المنادى عليه، فكان هو التلميذ الهزيل الخجول الذي كان قد شرع قبل سنوات ~~قليلة في نشر قصصه ومقالاته في بعض المجالات الأدبية. وكان أن فتحت طاقة ~~صغيرة في السجن الأزلي، نفذت منها إلى ألمانيا لأبقى هناك خمس سنوات، وأملأ ~~رأسي حتى التخمة بزاد الجرمان. هل أصبحت بعد عودتي - قبل عشرين سنة بالتمام - ~~مثل ساعي البريد الذي عفر قدميه، ونزف عرقه، وهو يوزع رسائل البريد المحمل ~~بها، ونسي في زحام الجهد والتعب رسالته الشخصية أو رسائله الخاصة؟ ربما يكون ~~الأمر كذلك، وربما أكون اكتشفت هذه الغلطة الكبرى قبل سنوات قليلة تحت سماء ~~صنعاء الطيبة الهادئة، وفي ظل خيمتها العريقة التي أفاءت على السكون، الذي ~~طال حرماني منه، وأتاحت لي فيما أتاحته الحرية الوحيدة الممكنة في عالمنا ~~العربي الموبوء باللاحرية، ألا وهي حرية البكاء! # ج2 ~~: من المستحيل أن نحصر تعريفات ~~الفلسفة على مر العصور والأجيال، فهي تكاد تختلف باختلاف الفلاسفة والمدارس ~~والتطور الحضاري والعلمي والاجتماعي. وقد قدمت في بداية كتابي الأخير «لم ~~الفلسفة؟» مجموعة من هذه التعريفات القديمة والوسيطة والمحدثة والمعاصرة، ~~وتكاد كلها تتأرجح بين قطبين للوعي الفلسفي بين مجاراة الواقع القائم وتحليله ~~وبلورته في نسق فكري مجرد يعكسه ويستوعبه (مثل نسق أرسطو وكانط والوضعيين ~~والبنيويين) وبين الجهد العقلي لفتح عيون الوعي على تناقضات هذا الواقع رغبة ~~في نقده ومقاومته والثورة عليه وتغييره من جذوره (مثل أفلاطون والفارابي ~~«وابن رشد وابن طفيل» وبيكون وديكارت وفلاسفة التنوير، وهيجل وماركس ونيتشه ~~وبعض ms394 فلاسفة الوجود والظاهرياتية والنقدية الجدلية المعاصرين، مع العلم بأن ~~التغيير يتراوح بين «تثوير» الباطن أو الخارج والبدء في الحالتين من جديد ومن ~~الصفر!) لا تنس كذلك أن مفهوم الفلسفة يسير في خطين متلازمين منذ القدم: ~~الأول هو المفهوم «العلمي» المحض الذي يتتبع مجموع النظريات والحقائق والصيغ ~~المختلفة للأسئلة الفلسفية والإجابات عليها في «الأنظمة» الفلسفية المتطورة، ~~منذ الحكمة الشرقية، والتأمل العقلي اليوناني حتى يومنا الحاضر في المعرفة ~~والوجود والقيم الأخلاقية والجمالية، في الطبيعة وما بعد الطبيعة، في الإنسان ~~والمجتمع والذات والآخرين وعلاقة الفلسفة بالعلم ... إلخ. دعني أروي لك قصة ~~صغيرة، فقد سئل الفيلسوف الإنجليزي المعاصر جورج مور (من رواد الفلسفة ~~التحليلية، مات سنة 1958م) سئل ذات مرة السؤال الخالد الذي توشك كل الفلسفات ~~أن تكون محاولات للرد عليه: ما الفلسفة؟ نظر الرجل إلى الصحفي الحائر النظرة ~~والابتسامة، ثم أشار بيده إلى رفوف مكتبته المكتظة بالمراجع قائلا: الفلسفة؟ ~~هي كل هؤلاء! فكأنها بهذا التعريف هي مجموعة الجهود العقلية والتحليلية ~~المتنوعة للإجابة على مشكلات وأسئلة لا يزال بعضها حيا، وبذلك لا تختلف عن ~~أي علم من العلوم وإن طمحت دائما لأن تكون أم العلوم وملكتها ومشرعة أسسها ~~ومناهجها وغاياتها. ودراستها من هذه الناحية دراسة علمية تشارك فيها البشرية ~~العاقلة على اختلاف نظرتها وأهدافها من الحياة، ولا بد لنا أيضا من المشاركة ~~فيها بنصيبنا وجهدنا لنعبر عن إنسانيتنا الباحثة عن الحقيقة العلمية الخالصة. ~~أما الخط الآخر الملازم للأول، فهو ما يعبر عنه بالنظرة العالمية أو الكونية ~~الشاملة. وهي تكاد تختلف بين كل الأفراد والمجتمعات كما تتفاوت في حظها من ~~تأثير المزاج والذاتية والتجارب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية ... ~~إلخ بهذا المعنى الأخير يكون «كل» إنسان فيلسوفا - من البدائي الذي يفسر ~~الواقع بالحلم والرمز والأسطورة إلى الإنسان الحديث الذي تعكس نظرته للحياة ~~تشاؤمه أو تفاؤله وسخطه ورضاه. يستوي في ذلك الفلاح والحداد والملاح والشحاذ ~~والملك والصعلوك - وفي كل الأحوال تكون الفلسفة - كما تقول عبارة هيجل ~~المشهورة - هي بنت زمانها أو هي عصرها مبلورا في الأفكار، كما ms395 تصبح تعبيرا ~~عن عقل الإنسان القلق الذي لا يقف في بحثه عند حد، ولا يقنع بإجابة أخيرة، ~~ولا يقبل الواقع على ما هو عليه، وإنما يمضي في التفكير النقدي إلى أقصى ~~الحدود وما وراء الحدود، محاولا أن «يوطن» العقل والمعقول في العالم الذي ~~يراه فاسدا وغير معقول، وأن يوحد أطراف الوجود الذي يبدو له ممزقا منهارا، ~~ويؤكد حرية الإنسان المهددة على الدوام من محاكم التفتيش الظاهرة والخفية، ~~ومن قوى التسلط والقهر التي تتعدد أسلحتها وأقنعتها على مر الأزمنة والظروف ~~والمجتمعات. لنخرج الآن من ضباب التعميم الذي يطول أمر شرحه وتخصيصه إلى ~~سؤالك المحدد عن مفهومي الخاص للفلسفة، ورأيي في وجود فلسفة عربية أو إمكان ~~وجودها وشروطه. أما الإجابة عن السؤال الأول فقد تنطوي على ادعاء النضج أو ~~بلوغ المرفأ بما لا يستطيع أن يدعيه سائر على الطريق (والفلسفة كلها سير على ~~الطريق كما أكد معلمنا الأكبر ونبعنا الأعظم أفلاطون) لا يملك في جراب حيرته ~~وقلقه إلا كسرا متناثرة من فتات مأدبة الحكمة! ومع ذلك يمكنني أن أقول إن ~~الفلسفة وعي كلي نقدي حر شامل بمختلف جوانب الواقع، وهي في نظر إنسان مثلي، ~~مؤقت ومحدود ومرهون بلحظته التاريخية والاجتماعية ... إلخ، تحرر دائم ومحاولة ~~لمساعدة غيري على التحرر (من طلابي وقرائي والمجهولين الذين أتعب من أجلهم، ~~وإن كنت لا أعرف وجوههم) ولهذا فكل كلمة لا تصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة ~~في الحرية، لا تستحق في رأيي المداد الذي كتبت به، ولا الوقت الذي ضاع في ~~كتابتها، أو سيضيع في قراءتها. يقول هذا ولا بد أن يقوله إنسان محدد ومؤقت ~~ومحاصر بواقع أمته الكبيرة التي يحاصرها خطر أكبر هو خطر الوجود أو الانقراض ~~الحضاري الذي لا بد أن تواجهه، إنسان لا يملك الحقيقة المطلقة ولا النظرية ~~الشاملة الوحيدة، ولا يؤمن بإمكان وجودها (اللهم في مجال الدين والعقيدة). ~~ولذلك فهو يتجه «باجتهاداته» إلى شركائه في الوطن والألم والأمل الذين يعيشون ~~معه «هنا والآن»، ويؤمن بأن أي فلسفة (أو لنكن أكثر تواضعا فنقول أي ms396 تفلسف ~~أو مشروع أو اجتهاد فلسفي) لا بد بالضرورة أن تتجه إلى هؤلاء المهددين - في ~~لحظتنا التاريخية الراهنة - بالانهيار والانقراض والمسرعين إلى الانتحار ~~بأيديهم وأعمالهم «وبداحس والغبراء» الخفية أو المعلنة بينهم، وهو يرى نفسه ~~وقد أصبح جرس الخطر أو البومة الناعقة على الأطلال الموجودة والمقبلة حتما ~~في رعب أكبر من هذا سوف يجيء (كما يعبر صديقي الحاضر الغائب صلاح عبد ~~الصبور)، ويحاول في الوقت نفسه أن يتنبأ بالعنقاء التي يمكن أن تبعث من ~~الرماد، وبالربيع الذي يتحتم أن نعجل بمولده من أحشاء الشتاء الجهم المتراكم ~~بالظلمات ونذر الإبادة (وهل بعد هذا الغزو البربري المجنون للبنان من نذير؟!) ~~بالطبع لا يمكن إلا أن أرحب بكل جهد أمين يشارك في الجهود العلمية الخالصة ~~التي تسهم فيها كل الأمم الواعية المتقدمة، وهناك بعض الأسماء التي لها صوت ~~مسموع في الجهود والمؤتمرات واللقاءات العالمية، سواء عن المشكلات التي ~~تثيرها فروع البحث المتخصصة، أو مشكلات تراثنا الوسيط أو تقدم نصوص هذا ~~التراث ومخطوطاته محققة ومدروسة. وهنا لا بد أن أتحسر على جمعية فلسفية عربية ~~مفتقدة، ولا بد أن أنادي المخلصين بالبدء في تأسيس فروعها في أقطارنا العربية ~~المختلفة إن كنا جادين وصادقين في تحقيق أملنا في وحدة عربية مأمولة، ومنكوبة ~~حتى على يد الذين ينبغي أن تكون صناعتهم هي «التوحيد». ويطول الشرح ويمل لو ~~حاولت أن أحصي الأسماء القليلة (المهاجرة في معظمها إلى أعشاش حضارات غربية ~~توفر لها الدفء والأمان والاحترام المفتقد لدينا)، ومعظمها يضيف إلى التاريخ ~~العقلي العربي والإسلامي أو إلى فلسفة العلم وتاريخه عند العرب، أو يساهم على ~~تردد وحياء شديدين - في مجالات التفلسف المعاصرة - من المؤلم أن «تنشد» هذه ~~الطيور المهاجرة بلغات البلاد التي لجأت إليها، ولكن السبب يسيطر، فهي لم ~~تختنق كزملائها في الوطن بغصص القهر، ولم تحول مهنة البحث عن الحقيقة والحرية ~~إلى صنعة وتجارة ورطانة محترفين لا يفهم بعضهم عن بعض، فكيف يفهم عنهم الناس؟ ~~وأعود إلى سؤالك عن مفهومي الخاص، فأؤكد خشوعي للحقيقة التي أحاول منذ ثلاثين ~~سنة ms397 على الأقل أن أعاين لمحة واحدة من لمحات وجهها النبيل البعيد، كما أكرر ~~ما ذكرت من أن الفلسفة في نظري - بالإضافة إلى الجانب العلمي المتخصص الذي لا ~~غنى عنه - قضية تحرر مستمر، تحرر الوعي الذي يمهد لتحرير الواقع وتغييره ~~وتثويره، حتى تصبح مثل الجمال والحق والخير حقائق يحياها الناس ويعملون لها. ~~ولهذا فهي كما قلت قضية تمتد إلى جذور شخصيتي، أجربها وأعانيها وتختلج بها كل ~~رعشة في كياني - ومن هنا تقترب من تجربة الفن والشعر - كما هي قضية عقل يطمح ~~إلى توطين العقل والوحدة في عالمنا العربي، الذي لا يزال أسير التمزق والتفتت ~~والغيبوبة العقلية عن «هويته»، وغايته ومعنى وجوده الماضي والحاضر والمستقبل، ~~ولا يزال سجين الخرافة في صورها الحديثة من تسلط واستسلام لزعامة الحزب ~~والمستبد العادل «المعصوم» والتقاليد والمسلمات التي يقدس جثثها بدل أن ~~يواريها القبور ويهيل عليها التراب. ولهذا كله تجدني أهتم منذ سنوات ببلورة ~~نظرة فلسفية (يمتزج فيها قلب الشعر وعقل الفكر) عن «اللحظة» بدأت منذ واجهنا ~~العدو الأكبر والأوحد وصمدنا له (للأمانة صمدنا له ولم ننتصر عليه) في لحظة ~~تاريخية حاسمة وخلاقة يوم العاشر من رمضان المشهود. وفي نفس الوقت أحاول أن ~~أتصيد بلورات نظرة أخرى عن «الفعل» أو «العمل» سواء في ذلك الفعل الذي يغير ~~الوعي أو يغير الواقع أو كليهما. وأنت تعلم أن فلسفة العمل هي التي تكمن وراء ~~كل تطور وكل إنجاز، كما تعلم أن الدعوة للعمل هي دعوة معظم فلسفات العصر على ~~اختلاف تصوراتها لطبيعة هذا العمل وقيمته ووسيلته وغايته: أليست التحليلية هي ~~فاعلية تخليص اللغة (الفلسفية واللغة الجارية) من أمراض الفلسفة التقليدية ~~المزمنة ومن كلمات بلا معنى، وما ورائيات بلا مدلول حسي أو واقعي أو عملي؟ ~~أليست فلسفات الوجود دعوة للأفراد إلى عمل حرفي موقف يتحملون مسئوليته ~~ومخاطرته ونتائج اختياره؟ والظاهريات؟ أليست دعوة «لعالم الحياة» عن طريق ~~استحضار «الماهيات» الحية في الوعي المتعالي الفعال، هذا الوعي المؤسس لمناطق ~~العالم والوجود والتاريخ والزمان والقيم، البادئ مرحلة حضارة ووعي جديد ~~للإنسان الغربي بعد ms398 إفلاس الوضعيات، وانهيار القيم والغايات القديمة؟ أليست ~~البرجماتية وأبناؤها الشرعيون كالأداتية والإجرائية تحديدا للحق بنتائجه ~~العملية، وللعبارة بالعمل المترتب عليها، وللتفكير بالإنجاز والنجاح، نجاح ~~الغزاة الأوروبيين (للأرض والمزرعة والسكة الحديد والمصنع، إذ ليس لديهم وقت ~~يصرفونه في ترف التأمل في المطلق) في خلق المدنية الأمريكية التي لم يسبق ~~للشر أن أوجدوا آلة أخطر منها ولا أضخم؟ ثم أليست الماركسية ثورة تغيير ~~وتطبيق يلتحم فيها النظر والعمل ويتعاون الوعي والممارسة؟ وفي النهاية لا بد ~~أن تكون هذه النظرة (ولا أقول الفلسفة) مؤقتة ونسبية وممكنة، أنقلها لمواطني ~~المهددين المعرضين، عالما أنها لا تقدم دواء شافيا من كل الأمراض، ولا ~~إجابة نهائية على كل الأسئلة، ولا حقيقة مطلقة أو شبه مطلقة، وإنما هي دعوة ~~إلى وعي اللحظة الذي ننتبه فيه على الخطر، ونستوعب قيم تاريخنا والتاريخ ~~الإنساني، ونتعرف على هويتنا الغامضة أو الضائعة، ونركز على المشكلات أو ~~بالأحرى على المشكلة الأولى والأخيرة: هل نوجد؟ هل نحتقر ونباد إذا تحتم ~~التضحية ببعض شعوب العالم أم نعمل لكي نثبت للمحنة ونؤكد أن لنا دورا نقوم ~~به في هذا العالم، ورسالة نشارك بها في حضارته وعلمه ومستقبله؟ وأخيرا فهي ~~نظرة إلى الناس الموجودين هنا والآن، فيها همومهم ومتاعبهم وآلامهم وآمالهم، ~~لا تدعي الخلود، ولا تغازل المطلق؛ لأنها تعرف جيدا أنها مؤقتة ونسبية ~~وزائلة، وإن نظرات أخرى أصلح لزمانها ستأتي بعدها، ومن يدري إن كان سيبقى شيء ~~من طموحها (وطموح كل فلسفة) إلى تخطي عصرها ومكانها، ومن يدري إن كانت ~~الأجيال القادمة ستذكرها أو تذكرني بكلمة واحدة طيبة أو ستنساهما وتنساني كل ~~النسان؟ ليس هذا مهما. المهم أن يقول الإنسان كلمته ويتحطم. والمهم ألا ~~تلعننا الأجيال التي لم تر النور بعد وتتهمنا - ونحن تراب - كما اتهمت سقراط ~~ظلما بأنه عاش في السحب، بينما كان أهله يواجهون المحنة، ويدافعون عن أسوار ~~المدينة، ويتخبطون في الظلام في عز الظهيرة، وتسألني عن الفلسفة والشعر، أو ~~الفلسفة والفن، وكيف يمتزجان عندي. هذه مجاملة لا أستحقها، وهو امتزاج لا ~~حيلة لي فيه. ms399 لم أتعمده علم الله ولم أحتل له. إنما هي طبيعتي العاطفية التي ~~أدمنت قراءة الشعر والحياة به ومعه، تنعكس دون قصد على عبارتي، مع حرصي ~~الدائم ألا تكون على حساب ما يسمى بالحقيقة أو الحقائق الموضوعية. لهذا أميل ~~أحيانا إلى تشبيه نفسي بنيتشه، مع علمي بالفارق الشاسع بيني وبينه، وبأنني ~~وبلا تواضع زائف لا أستحق أن أكون التراب الذي مشى عليه هذا العبقري المجنون ~~المسكين. لقد أنذر هو أيضا وحذر، بلغة وحشية شاعرية غاضبة. تفلسف ~~بالمطرقة وما أحوجنا إلى المطرقة لنهدم، ثم نبني على أنقاض الوعي المخرب ~~الزائف، والواقع الممزق الآيل للسقوط على رءوسنا. ولهذا أيضا اهتممت به ~~وكتبت وسأكتب وأترجم عنه (دون أن أغفل بطبيعة الحال عن عيوب فرديته وجموح ~~طبيعته، وإسراف رومانسيته التي لم تعد تلائم العصر والظروف) إنه طائر العاصفة ~~الذي أنذر وحذر من العدمية التي ستجتاح أوروبا. وأنا البومة الحكيمة التي ~~تنذر بالانقراض، وتسألني عن ديوجينيس، عن هذا المجنون المسكين الذي ظل يمشي ~~شبه عار وحاف وجائع كالكلب المسعور في شوارع أثينا، ربما ليثبت أن الفلاسفة ~~الرسميين وأصحاب السلطة والناس العاديين هم الكلاب! لقد كتبت قصته منذ سنوات ~~بعيدة. تركته يدق جرسه للأسماع اللاهية الصماء، ويحمل مصباحه في وضح النهار؛ ~~ليكشف عن الظلام المنتشر، أو الظلام القادر الذي لا تراه إلا عين الحكمة ~~المتنبئة الباحثة عن الإنسان. ما زلت أحمل في أحشاء ضميري الفني شخصيات أخرى ~~عديدة مثله، عربية وغير عربية، في أيديها مصابيح وأجراس، أحملها أو أحمل بها ~~منذ أكثر من عشر سنوات، وهي تتحرك جميعها ووراءها ستارة الانهيار القائمة ~~التي تتراءى لعيني في السنوات الأخيرة، وأتمنى أن تظهر في كتاب أسميه «كلاب ~~وفلاسفة». لا زلت أعمل في هذا الكتاب ولا أدري متى أنتهي منه. والمهم - كما ~~قال جوته - هو النضوج، والأهم في رأيي - وقد يكون هذا حجة علي وعلامة على ~~غلبة الفن وقصور أداتي التحليلية والفلسفية الدقيقة - الأهم أن يختارك ~~الموضوع لا أن تختاره، أن تكون المكتوب لا الكاتب، أي أن يكتب من خلالك ms400 ~~- فأنت الفرد المحدود الزائل - لا أن تكتبه. هذه ضرورة تحتمها مواجهة المحنة، ~~تصغر أمامها أقدارنا الشخصية، وتتحد فيها ذاتنا المتناهية «بذاتنا» التاريخية ~~التي تقاتل، أو ينبغي كل لحظة أن تقاتل دفاعا عن أسوار مدينتها المتداعية. ~~يوم نفعل هذا - ولا نكتفي بقوله والصراخ به خطبا وشعارات وبيانات ومحادثات ~~ومؤتمرات - سنحترم أنفسنا، ونجبر الآخرين على احترامنا واحترام حقنا في ~~الحياة والمستقبل. هل يفهم من هذا كله أنني متشائم؟ لا أعفي نفسي من ظلام قدر ~~علي وران على حياتي الشخصية. فأنا بالفعل متشائم فيما يتصل بحياتي الشخصية ~~(التي لم ينفذ إليها النوران - نور ابنتي وزوجتي - إلا قبل سنتين)، أما فيما ~~يتعلق بحياة أمتي الكبرى ومستقبلها، فإنني متفائل، وإن يكن التفاؤل العسير ~~الذي يولد من مخاض الألم والموت والمعاناة. فالمحنة لن تدوم، والحيوانات ~~نفسها تقاتل لتنفذ من المنفى والزنزانة (فكر في صورة الكلب المتوحش الذي ~~كانوا يدخلونه إلى زنزانة التعذيب لينهش الضحية، فإذا به يتركها، ويدق على ~~الباب، ويخمشه في جنون!) ولا بد أن تولد أجيال - إن لم تكن قد ولدت بالفعل - ~~ترفض اللاحرية، وتتطلع للعدل، وتهدم قلاع التخلف والظلم والانتكاس إلى ماض ~~«ذهبي» لن يعود لسبب بسيط هو أن الماضي لا يعود، وأقصى ما نملك هو استعادة ~~قيمه الباقية، وغرسها في حاضرنا المتجدد ليزهر مستقبلنا الموعود. وأخيرا ~~تسأل عن الفلسفة والشعر وعن الفلسفة والفن. إنهما بطبيعة الحال مختلفان في ~~الرؤية والأداة وأسلوب التعبير والتأثير، لكنهما ليسا متضادين ولا متناقضين. ~~إنهما - على حد تعبير الفيلسوف المعاصر هيدجر (مات سنة 1976م ووضعت عنه ~~كتابا مرهقا سيئ الطبع والحظ) - يسكنان على قمتي جبلين متجاورين ومنفصلين ~~في نفس الآن. فكر في العديد من الفلاسفة الشعراء الذين اتحد عندهم العقل ~~والإلهام، والفكرة والصورة، والمنطق والأسطورة، فكر في معظم الفلاسفة قبل ~~سقراط وفي أفلاطون - سيد الشعراء المفكرين أو المفكرين الشعراء - في المتصوفة ~~من الشرق والغرب من أفلوطين إلى إيكهارت والحلاج وابن عربي ويعقوب بوهمه، في ~~لاوتسي وكونفوشيوس وبوذا، في الفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن باجة، في ~~شاعر النهضة ms401 وشهيدها جوردانو برونو، في باسكال ونيتشه وكيركجور وفلاسفة ~~الوجود المعاصرين الذين كتب معظمهم الشعر والرواية والمسرحية (أونا مونو ~~وسارتر وجابرييل مارسيل وألبير كامي وسيمون دوبوفوار) في ماركس نفسه الذي بدأ ~~حياته شاعرا، وظلت لغته تحمل عبق الشعر ووهجه، في إرنست بلوخ الماركسي ~~اليوطوبي (مات سنة 1977م) الذي تسير وأنت تقرؤه في أحراش وغابات عذرية وتشم ~~زهور الأفكار والعبارات البرية! في البنيوي ليفي أشتراوس الذي يشي فكره ~~العلمي الدقيق بنبض القلب الشاعر الرقيق، وأخيرا في كتاباتي الفلسفية التي ~~أعرف قلة شأنها بالقياس لمن ذكرت، كما أعرف أنها استمالت قلوبا وعقولا ~~مجهولة أعتز بوفائها ومحبتها، كما جعلت بعض النقاد المغرمين بالمفارقة وذلاقة ~~اللسان يقولون عني: أديب بين الفلاسفة وفيلسوف بين الأدباء، أي في الواقع لا ~~شيء على الإطلاق! ثم لا تنس النقاد المغرمين بالمفارقة وذلاقة اللسان يقولون ~~عني: أديب بين الفلاسفة الحقيقية لا تخلو من أدب، والأدب الحقيقي لا يخلو من ~~فلسفة - ومهما يكن نصيبي في حياتي أو بعد موتي من أحكام الناس، فإني في ~~النهاية راض عن بعض ما كتبت؛ لأنه كما يقول نيتشه - قد كتب بالدم والعذاب، ~~بعد التجربة والاختمار. ومع ذلك فلا أقول شيئا عن مدرسة الحكمة (التي كتبت ~~مقالاتها قبل التورط في التدريس الجامعي) ولا عن «لم الفلسفة؟» والمنقذ ~~قراءة لقلب أفلاطون، ولا عن بعض عيون التراث الفلسفي القديم والحديث والمعاصر ~~التي قدمتها بأمانة وخشوع للحقيقة، ولقدر أصحابها في نظري وفي نظر التاريخ، ~~ليبذر كل منا بذوره. أما أن تزدهر أشجارها في حياته أو بعد موته، فلا أهمية ~~لذلك. المهم أن نزرع حديقتنا - كما نصحنا فولتير في ختام روايته الفلسفية ~~كانديد - وأن نحرث حقل عمرنا المتاح، بل حقل كل لحظة ممكنة - ونملأه بعرقنا ~~وإخلاصنا. وعزاؤنا أن مصفاة التاريخ تصغي وتنصف، سواء عشنا وتلقينا الجزاء، ~~أو عشنا ومتنا ممرورين ومجحودين. إن عيونا طيبة تنظر إلينا على الدوام، وهي ~~عيون مجهولة تمدنا بالثقة والبسمة المشجعة لمثل هذه العيون المجهولة ينبغي أن ~~نعمل ونشقى، وبمثلها يجب أن نثق رغم كل الظلام ms402 والجحود والغدر ~~والإحباط. # وأخيرا تسألني عن الفلسفة العربية. أوجز فأسألك بدوري: وهل لدينا حياة ~~عربية؟ أعني الحياة السوية التي يزدهر فيها الإنسان، ويجرب الحرية والكرامة ~~ويغامر بالفعل والإبداع والخلق؟ الحياة التي تنمو فيها أشجار العلوم المختلفة ~~من طبيعية وتطبيقية وإنسانية، فتحتاج في النهاية للفيلسوف (أو لنقل للمتفلسف ~~العربي الذي يعد لفيلسوف لم يولد بعد!) لكي يبلورها في جهد أو اجتهاد فلسفي ~~نظري، وينفدها ويقومها ويربط جذور ماضيها بأغصان حاضرها وثمار مستقبلها؟ ~~الحياة التي توفر الحوار الحي القائم على التقدير المتبادل، وتبتعد عن التعصب ~~للرأي الواحد، وفر هذه الحياة الديمقراطية الحرة أولا، ثم اسأل عن فلسفة أو ~~فلسفات، عن اجتهاد أو اجتهادات نظرية. هناك بالطبع جهود طيبة مشكورة لأسماء ~~نعتز بها جميعا على الساحة العربية، قد تكون لي بعض الملاحظات النقدية عليها ~~أو على بعضها (وهذا في حد ذاته تفلسف أو اجتهاد نقدي) وقد أذكر لك عددا منها ~~(مثل زكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي وفؤاد زكريا والحبابي وعبد الله العروي ~~والجابري وصادق العظم وأبو بكر السقاف وغيرهم وغيرهم)، لكننا لا نزال نفتقد ~~الأرض الطيبة التي نقف عليها ونتحاور، فتنشأ المدارس والاتجاهات المتعارضة في ~~ظل وحدة الهدف والمصير. ولا يزال إسهامنا في الحقيقة الفلسفية المتخصصة ~~ضئيلا يقتصر على التمثل والاستيعاب (وهما مشرفان ومشكوران لو تما بالأمانة ~~الكافية وعن علم كاف) ولا تزال حياتنا الفكرية تعاني من الأصوات العالية ~~والكتابات «المعقربة» والتعصب لموجات تذهب وتجيء، ولا نخضعها للنقد الواجب، ~~وتصل لشواطئنا متأخرة في العادة عشرين سنة عن أوانها، وبعد أن تكون قد ذابت ~~في رمال الأرض التي نشأت فيها، (كما حدث مع الوجودية والبنيوية مثلا في ~~السنين الأخيرة) علينا أن نتعلم ونتفتح لكل جديد. هذه ضريبة المعاصرة التي لا ~~بد من دفعها، ولكن علينا أيضا ألا ننسى هويتنا (إن كنا قد اكتشفناها أو ~~حاولنا اكتشافها) وأن نسلط ضوء عقولنا وقيمنا المميزة لنختار ونواجه مواجهة ~~الأحرار. إن هذا في حد ذاته تفلسف، ولعل التفلسف العربي لن يبدأ إلا بنقد ~~العقل العربي لنفسه، واقتلاع ms403 جذوره البدوية ورواسبه القبلية والخرافية ~~وتحريره من معوقات التفكير النقدي التي نصطدم بها كل لحظة في مجتمعاتنا ~~المصرة حتى الآن على التخلف، وإطلاق الصوت الواحد وخنق الحوار الحر ... فهل ~~تمتد أيدينا إلى هذا العمل المشترك (بجانب معرفة تراثنا الذي لا يزال ~~مجهولا، والعلم بالتراث الحديث والمعاصر الذي لا نزال نحبو ونتعثر على أرضه، ~~ونرتدي أزياءه، ونتحمس لأقنعته دون أن نغزل خيطا واحدا في نسيجه؟!) ما ~~أحوجنا إلى البدء من الصفر. في زمن المحنة لا بد من بداية جديدة. هكذا فعل ~~كبار الفلاسفة، فبدءوا التفلسف، وكأن لم تكن قبلهم فلسفة، والمتفلسف العربي ~~يتحمل القدر الثقيل عليه أن يجمع في إهابه المصلح، والثائر الغاضب، والكاتب ~~الذي يجذب الجماهير المشغولة عنه. عليه أن يكون المرضع والمربي والسياسي ~~والفلاح والثائر وعامل رصف الطرق والبناء والهدم في وقت واحد، فكر معي أيضا ~~في المجتمعات والحضارات التي نشأ فيها التأمل العقلي والتفكير النظري الحر في ~~أثينا بركليس في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد، وفي روما أوغسطس وبغداد ~~الرشيد والمأمون وبندقية آل المديتشي في القرن السادس عشر وإنجلترا وفرنسا ~~وألمانيا في القرون الثلاثة الأخيرة، وخاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ~~بل فكر في بلادنا العربية في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن عندما ~~تفتحت زهرات الإصلاح والتجديد في الدين والحكم والعلم والأدب والفن والغناء. ~~إن قدرا معقولا من الحرية ولكرامة الإنسانية لا بد أن يتوفر للناس قبل أن ~~ننتظر منهم شعاعا واحدا من قبس السر الأكبر الذي نسميه الإبداع. والإنسان ~~العربي الذي شوه وفقد إنسانيته طوال قرون ستة من الانحطاط الحضاري - منذ ~~إحراق التتار لبغداد إلى حملة الفرنسيين على مصر، هذا الإنسان الذي بدأ منذ ~~القرن التاسع عشر في إقامة الجسور بين دينه ودنياه، بين طبيعته الشرقية ~~والإسلامية المتمسكة بقيم الماضي ونموذج العلم والتحضر الغربي الذي زحف عليه ~~بشره وخيره، وهدد بسيادة العالم وغزوه - هذا الإنسان الذي سجلت «نهضته» قصة ~~كفاح طويل لاكتشاف ذاتيته والدفاع عن عقيدته ووطنه ووحدته العربية، كفاح ~~طويلة مضن تعثر كثيرا في حفر التردد ms404 والتوفيق والازدواجية، ولم يبلغ شيئا ~~مما بلغته النهضة الأوروبية - هذا الإنسان الذي كان بغير شك على الطريق - ~~لماذا نكب وانتكس وشوه وخصيت رجولته في السنوات الأخيرة؟ لماذا تتردى ~~أحواله من سيئ إلى أسوأ؟ ولماذا يعجز عن مواجهة الحقيقة مهما كانت مرة (ما ~~دامت الحقيقة هي الطريق والغاية)؟ ولماذا يهزم من الداخل قبل الخارج - إن ~~إنقاذه من الذئاب التي تحاصره في ظلام النفس والعقل والمجتمع والنظم والقيم ~~الفاسدة قد يكون أو خطوة نحو التفلسف العربي، أي نحو الحرية والتكامل ~~والوحدة. وإذا لم نؤمن بالعلم منهجا والحرية طريقا وأسلوب حياة، ~~والديمقراطية وسيلة وغاية وشرط وجود - إذا لم نحققها ونتحقق بها، فكيف يمكن ~~أن نسأل عن إمكان قيام فلسفة أو فلسفات عربية أو عدم قيامها؟ ألن يكون السؤال ~~لونا من الهذر الذي يحتل مساحات شاسعة من صحفنا وأجهزة إعلامنا ووقتنا ~~المضيع منذ سنين عن «عالمية» فننا وأدبنا وغنائنا ... إلخ لنبدأ بإنقاذ هذا ~~الإنسان العربي المشوه من الأغلال المفروضة عليه، ثم نسأل بعد ذلك عن العلم ~~والفن والفلسفة. ليكن سبيل الإنقاذ الوحيد هو العلم والحرية . ولنثق بأن هذا ~~الإنسان لا يزال بخير رغم كل شيء (ولا ضرورة للتصريح بأكثر مما صرحت!) إنه ~~بحاجة ماسة إلى فصد دمه الفاسد على حد تعبير الكاتب المسرحي الكبير سعد الله ~~ونوس. # ج3 ~~: تسألني عن عطائي الفكري والفني. ~~لست متأكدا إن كانت الإجابة على هذا السؤال من حقي أم من حق القراء، بل لست ~~أدري إن كنت قد أعطيت شيئا على الإطلاق. اسمح لي أن أسألك: هل تحب النور؟ ~~سؤال ساذج بطبيعة الحال. فمن منا لا يحب النور ويفضل الحياة فيه؟ لكني أقصد ~~أن نكون نورا ونورانيين، لا بالمعنى الأعمق الذي يحترق فيه الصوفي كما تحترق ~~الفراشة العابدة، فهذا مطمح بعيد عن آمالنا، بل بالمعنى البسيط الذي أردته أن ~~نكون نورا في كل لحظة، أن نشيع النور حولنا ونتركه إذا استطعنا وراءنا. هذا ~~هو الذي حاولته ولا زلت أحاول أن أكونه، أقولها بحق النور ويسر صفاته ونقائه ~~وبساطته. لست ms405 شمعة تحترق لتضيء لغيرها، هذا غرور بشع لا أتورط فيه. إن ما ~~أريد أن أقوله أبسط من هذا بكثير. فقد أحبت عيناي النور منذ البداية وفتحت ~~عيني - كما أكد لي أهلي - عند الفجر. ولا زلت بعد ضعف البصر المحتوم لا أحب ~~شيئا كما أحب تأمل النور ولو احترقت الجفون. أتراه غرورا أو افتخارا إذا ~~قلت لك إنني حافظت بهذا على طفولتي على الرغم من شيبي؟ هل ستصدقني إذا أقسمت ~~لك بسر النور أنني لا زلت أفرح به كما يفرح الوليد والرضيع؟ أتراني مبالغا ~~أو مدعيا إذا قلت إنني أحمله في كياني، وأتركه يشع براءة وطيبة لا يعرفهما ~~إلا السذج والمجانين والأطفال؟ لا أدري كيف أشرح الأمر، لا أعرف كيف أبوح ~~بالسر، فما زلت أتهم نفسي في كل كلمة أقولها بالحمق أو الغرور! وما زلت لا ~~أستطيع أن أعفي نفسي من ظلمات تراكمت مع التجارب والأيام، من وصمات لطخت ثوب ~~النفس الذي جاهدت أن أبقيه نقيا نورانيا، لأخرج من هذا المأزق الذي ~~وضعتني فيه سذاجتي أو غروري ولأقل لك: المهم أن نكون نورا ، ولن يكون أديبا ~~أو كاتب كلمة من لا يدين بدين النور، ويعطي النور، ويتشجع بالنور، ويدافع عن ~~النور. إذا لم تأت أعماله قطرات من هذا الفيض وأشعة من هذا القبس الباطن، فلا ~~كانت هذه الأعمال. وإذا لم تبل عطش القارئ أو تنفذ في وعيه، فلا استحققت أن ~~تقرأ، لكن هل يمكن أن يعطي النور من لا يكومه ويتحقق به؟ صدقني أني لا أغرق ~~في تصوف أوغسطين والسهروردي وابن عربي وأصحاب الإشراق. إنما هي حقيقة بسيطة ~~لا أملك الكلمة التي تكشف النقاب عن وجهها. عشت أحب الناس الأهل والأصدقاء ~~والتلاميذ والزملاء الطيبين والفقراء. حاولت وكنت بحمد الله شعاعا يسري ~~بالطيبة والخير ما استطعت. قلوب كثيرة مظلمة لم أستطع أن أنفذ في سدودها ~~المظلمة - ربما صرت في تلك الأحوال أسود كالفحم، ربما تكسرت وانكسرت وعدت ~~أفتش عن نبعي، لكن هذا هو سر حياتي، سر العفوية والبراءة التي لاحظها أكثر من ms406 ~~قارئ وصديق ومحب، وهو كذلك سر الحزن الجارف والجارح الذي يغشى على الدوام ~~عيني وصوتي وملامح وجهي ومشيتي وإيقاع كلماتي. أيجرح النور صاحبه إلى هذا ~~الحد؟ يكفي ما قلت (ربما لا أفهمه أنا نفسي، وإن كنت أحسه من بعيد) وحسبي أن ~~أقول الآن إن خير ما أعطيت للحياة (أو بالأحرى ما أعطاها الله عن طريق شخصي ~~الزائل) هو ابنتي الوحيدة نوران. # 2 # تأمل الاسم وفكر فيما قلت منذ قليل. # لأترك الحكم على حياتي للآخرين، فلا بد أن ما انجرفت إلى قوله غرور يقشعر ~~منه حتى النور، ولأحكم بمقياس هذا النور على أعمالي. هل انعكس منها شعاع واحد ~~على وجدان واحد من الناس؟ ولكن ها أنا ذا أقع في الدور من جديد. فلأترك هذا ~~أيضا للناس، لأقل مباشرة وليؤيدني النور وواهب النور أنني كتبت معظم ما كتبت ~~بصدق النور وعفته وصفائه. لم أطلب - علم الله - من ورائه مالا ولا شهرة ولا ~~اسما، ولا زلت لا أتمنى منها شيئا. انسكب نور في داخلي من مؤلفين عديدين من ~~أموات أحياء (من الكلاسيكيين) أحببت عشرتهم وأنست لهم أكثر من كثير من ~~الأحياء الأموات الذين يعذبونني ويحاصرونني ليل نهار. وكنت ساعي الخير الذي ~~يحاول أن يعكس قبسا من هذا النور في وعي القارئ المجهول ووجدانه. هذا تفسيري ~~لمعظم ما كتبت حتى الآن للشعراء الذين فاض نورهم علي، من سافو شاعرة ~~اليونان إلى جوته وهلدرلين وبرخت ومعظم شعراء الغرب المعاصرين، للكتاب الذين ~~أحببتهم وتمليت نورهم من جوته أيضا إلى تشيكوف وبيراندللو وبشنر والتعبيريين ~~وكامي، ولكن ماذا أقول عن الفلاسفة، من أفلاطون وأرسطو إلى ليبنتز وكانط ~~وهيدجر؟ وهل كان الأمر هنا وهناك مسألة أداء واجب ثقافي ودفع ضريبة لغة نادرة ~~تصادف أن عرفتها وتقيد بها اسمي ومصيري لبلائي أو لعزائي كما سبق أن قلت؟! ثم ~~ماذا أقول عن النور الذي يفيض من النبع الداخلي أو شمس الباطن الحقة، ولا ~~يتدفق علي من شلال خارجي أو من شمس يمكن أن تغيم وتحجبها أسراب ~~الغربان؟ # هنا ألمس قلب سؤالك ms407 وجرح وجودي كله. لا أدري لماذا تعلقت عيني بالنور ~~الوافد ولم تغترف من النور الباطن، أكان ذنبا موروثا أكفر عنه؟ قضاء ~~خفيا بأن أصبح مرآة تعكس وصدى يردد أصواتا أخرى؟ أم هو طريق الدرس والبحث ~~والتعليم الذي تعثرت في حفره ولا زلت أتعثر؟ صحيح أنني استجبت للصوت الباطن ~~عندما فرض نفسه علي - في خجل وعلى استحياء - مرات قليلة متقطعة في العمر، ~~ولكنها كانت مرات قليلة وضئيلة الشأن ثلاث مجموعات قصصية نشرت في مجلات أدبية ~~على مدى ربع قرن أو يزيد، بضع مسرحيات تزيد قليلا عن عدد أصابع اليد ~~الواحدة، ولا زالت مطمورة في المجلات، أشعار تناثرت هنا وهناك ولا يزال بعضها ~~طي الأوراق والكتمان. # 3 # الصراع يستمر ويتأجج، وعلى جمره أتقلب في فراشي كل ليلة وفي ~~حياتي وعملي كل لحظة. والانتظار يطول لأمل يبدو مع الأيام شبه مستحيل، انتظار ~~تفرغ للتأليف الحر ضنت علي به الدولة، وبخلت به لقمة العيش وضيق الحال. ~~وعشرات المشروعات تنتظر وتثور وتهجم في الليل أشباحا وكوابيس، وقصص ومسرحيات ~~وروايات أخطط لها، وأبدأ فيها، وأدفئها في عشي سنين، فتحط عليها أفعى العمل ~~اليومي فتلتهمها أو تفلت منها فتطير وتنسى للأبد ... وأنا أسأل نفسي كل صباح: ~~ماذا أفعل؟ وأخرج أحيانا عن شكي وترددي فأستجيب وتكون بكائيات لم يضمها بعد ~~كتاب. وتكون رواية قصيرة تحتاج لمراجعة واستكمال، وقصائد عديدة تنتظر أن تسلك ~~في عقد قصصي، وتحط الأفعى، و«الأجدل المنهوم»، فيخطفان الأفراخ ويسحقان ~~البيض. ويشتد الصراع، ويحمر الجمر، فتتلوى المعدة، وتذبل العين، ويتكاثر ~~الثلج على الفودين، والأيام تخترم الجسد المتعب وتنهبه، وخيول اللحظات ~~الواعدة تحيي وتقف وتنتظر، ثم تشيح برءوسها الجميلة، وتمضي بلا التفات ... ~~وأعزي نفسي أحيانا المهم أن تكون أنت نفسك، في كل ما تقول وما تكتب وما ~~تفعل. سواء أكان قصة أو محاضرة أو مقالا أو ترجمة، لا بأس المهم أن تكون أنت ~~نفسك، وتتوالى الكوارث العامة (وها نحن نعيش آخرها الغزو الوحشي المجنون ~~للبنان)، فتكتب النفس، وتثور على نفسها، وتسقط في صندوق التفاهة كل همومها ~~وأشواقها. ms408 وتمر خيول اللحظات ... وتمر بلا عودة، وها أنت تستدرجني للبوح ~~والكلام، مع أن الفن يحب الإخلاد لعش الكتمان، وتقول إنني أكتب الشعر ~~والقصة؟ # أما القصة القصيرة فنعم، وسأظل أكتبها وأحاول أن تكون كل واحدة منها ~~مخلوقا لا يشبه غيره. ما أكثر المتعة والعذاب في القصة القصيرة، لكنني أتحول ~~بالتدريج نحو البناء المعقد المترامي الأطراف، ولهذا اتجه نحو المسرحية ~~والرواية، وأتمنى أن أشرع فيهما عن قريب. أما الشعر فأشهد رباته وشياطينه ~~أنني لا أقوله ولا أدعي قوله ولن أدعيه. إنما أدرسه وأترجمه لقومي (وحسبك بما ~~في ترجمة الشعر من جناية أو خيانة لا يغفرها إلا علام القلوب) وإذا تصادف أن ~~سلس معي الإيقاع، فإنما يأتي ذلك صدفة أو استجابة لشعر مقروء أو لروح قديم ~~سكن ضلوعي زمنا، ثم خرج بلا عودة! لست شاعرا يا صديقي. لا أملك الموهبة ~~الحقيقية، ولا الصوت المتميز الأصيل، ولا القدرة الفطرية على التفكير بالصورة ~~ونسج البناء الموحد الحي الرقيق. ربما لاحظت «شاعرية» في نثري المكتوب. ألا ~~تترك الأسماء المنقرضة آثار حياتها الماضية على الصخر؟ أسرع وطمئن أصدقاءك ~~الشعراء، فلم يزعج مملكتهم متطفل جديد! أجل أحب الشعر، وهو الأقرب للنفس ~~وللقلب. اقرأه ولا أكف عن قراءته، بل ربما كنت أحياه وفي حركاتي وسكناتي ~~أجسده، لكن معرفة الحد أولى. وأنا رجل يعرف الحد ولا يتخطاه، طمئن نفسك ~~وأصدقاءك. يكفيني أن أسمع منكم ما يخضر له غصني اليابس، أو تبتل به صحرائي، ~~يكفيني أن يعجبكم أو يرضيكم أو يلهمكم ما ترجمت من الأشعار، يكفيني أني تركت ~~لكم ثورة الشعر الحديث الذي طويت فيه ستا من أفضل سنوات العمر. حبا للشعر ~~وللشعراء، وحبا في صلاح عبد الصبور وليبقى جزائي أو غفران ذنوبي عندك يا ~~ربي. أيدني يا نور النور، فالعالم وحل وظلام. # ج4 ~~: يستحيل علي أن أتحدث عن صلاح. وتصبح ~~الاستحالة غصة خانقة حين أسمع من يتحدثون عنه، وكأنه «كان» أو «غاب». إنه بعض ~~مني، من دمي وحياتي ومئات من ليالي عمري وأيامه، تجسيد شعري لأشواقي وأحزاني ~~التي أعجزني ضعف ms409 الموهبة عن البوح بها. إن الموت كما نعلم حقيقة ثابتة، تغرز ~~شوكتها الدموية والمنطقية في الوقت نفسه في كل حي، وما كذب من قال إننا نولد ~~لكي نموت، أو نموت منذ لحظة الميلاد؛ لأن هذا السر العادل الرهيب يحيط بكل ~~شيء وكل لحظة، وليس مجرد محطة نهائية توقف عندها حين يحم الأجل. أسلم بهذا ~~كله، فهو المنطق القاسي الذي لا مفر منه، ولكن صدقني أيضا إذا قلت إنني لا ~~أسلم بأن صلاح عبد الصبور قد مات، أو بأنه غاب ولن يعود. يخالجني الإحساس ~~(وليس مجرد عزاء) أنه مسافر، وإنني سألقاه وأقبله وأنظر في عينيه العميقتين ~~وأسمع صوته الخشن الطيب، ودعاباته الحلوة المرة. ولكم سافر وسافرت، وغاب ~~وغبت، وبقي الإحساس بأنه موجود كما توجد الشمس والنهر والليل والقمر والنجوم ~~والجبال. هل جربت مرة فقد عزيز؟ ألم تشعر أن غياب جسده - على قسوته - لا يعني ~~الغياب المطلق؟ ألم تحس أن له حضورا يخترق حواجز المكان والزمان (الوهمية في ~~عين الوعي الأبدي الشامل)، وأنه «هناك» في منطقة سرمدية، نتصل به ويتصل بنا؟ ~~هذا هو شعوري، ولهذا أرفض التسليم بالموت، وأكره فعل «كان». # تعارفنا في أواخر الخمسينيات، ~~بالتحديد سنة 1957م كنا زملاء في الفرقة الأولى بكلية آداب القاهرة، نحيلين ~~فقيرين حالمين. ربما لم ألاحظ وجوده، أو يلاحظ وجودي، حتى كان يوم لا أنساه. ~~كنت كعادتي متجها إلى المكتبة العامة للجامعة. ووضعت قدمي على أول سلالم ~~الدرج والخجل الفطري يمنعني من التلفت إلى مجموعة صاخبة من الشباب تضحك وتدخن ~~وتستعرض الثقافة والذكاء. ورن في أذني اسم نيتشه، وكنت أيامها غارقا فيه وفي ~~كافكا وكامي وغيرهم من فرسان الوجودية الوافدة بضجيجها وغموضها. ولم تلبث ~~الكلمة المخيفة عن «موت الله» أن طرقت سمعي. وتدخلت لأصلح ما بدا لي سوء فهم ~~لفيلسوفي المفضل. ودار حوار أدركت من ضحكاته العذبة القوية، ولمحاته الشاعرية ~~أننا لن نفترق بعد ذلك أبدا. وتعرفت بعدها بأيام على صديقنا المشترك فاروق ~~خورشيد، ثم على بعض رفاق الحياة والجمعية الأدبية المصرية في الندوة التي ~~كانت ms410 تقام في الكلية، ويحضرها فرسان الشعر والقصة المحزونون وأحفاد «جيل ~~الديوان»، وأبوللو وعشاق علي محمود طه، ورواة محمود حسن إسماعيل وناجي ~~ومقلديهما ... كنت أحضر ولا أشارك. وكان من أهم ما استلفت نظري «كمان» صديقنا ~~الروائي والمسرحي الأسمر عبد الرحمن فهمي. فقد كان - ولا يزال - يقرأ قصصه ~~ويعزف كمانه، ولا زلت إلى اليوم أحرص على زيارته وسماع كل جديد يكتبه على ~~أنغام العود والكمان. # وعرض علي صلاح وفاروق أن أحضر لقاء في بيت أستاذنا محمد كامل حسين ~~أستاذ الأدب الفاطمي، عليه رحمة الله، سبقه لقاء في ندوة الأمناء حضرته ~~كالطيف المعتذر، ورأيت وسمعت ذلك الفارس العظيم والمعلم الذي طالما ربى ~~العقول، وحطم الأصنام والأوهام، أمين الخولي الذي صنع جيلا من «الأمناء» ~~يتوسطهم كالقمر الذي تلتف حوله النجوم. وبدأت أواظب على حضور اللقاءات، وأسمع ~~قصص الأصدقاء وقصائدهم، وأتحرر شيئا فشيئا من الغيبوبة الفلسفية وأحلامها ~~وكوابيسها الأكاديمية، وألمس ذاتي الأدبية المطمورة تحت ركام أشكال القياس ~~ونظرية المثل وكوجيتو ديكارت ونقد كانط، وأتنفس قبل كل شيء عطر المحبة ~~والوفاء والصعلكة الفنية التي ستجمع بيننا لأكثر من ثلاثين عاما. في هذه ~~اللقاءات في بيت المرحوم محمد كامل حسين، ثم في قاعة صغيرة من قاعات نادي ~~المعلمين بميدان الأوبرا (أهدانا إياها ذلك الأب والمعلم القادر على الحب ~~قدرة رجال ذلك الزمان، وهو محمد فريد أبو حديد رحمه الله) في هذه اللقاءات ~~سمعت معظم قصائد صلاح عبد الصبور الأولى، وهي تخرج دافئة كالأرغفة الطازجة ~~الفواحة بعبير الأرض والشمس لحن وأبى وهجم التتار ورحلة في الليل وغيرها من ~~قصائد «الناس في بلادي». كما سمعت قصص فاروق خورشيد وعبد الرحمن فهمي وأحمد ~~كمال زكي وقصائد عز الدين إسماعيل التي لم يحرص للأسف أبدا على جمعها في ~~ديوان حتى الآن، وتعقيبات شكري عياد وعبد الحميد يوسف وحسين نصار مد الله في ~~عمرهم جميعا. فتحت عيني على عالم نقي ظللت وفيا له وظل وفيا لي أكثر من ~~ثلاثين سنة تعلمت منهم، وشاركت ببعض قصصي، وأرغمت على تحضير تعقيباتي، والغوص ~~قليلا في ms411 بحر الأدب العربي الذي كنت ولا زلت أقف على شاطئه، وأشغل نفسي عنه ~~بأدب الغرب والشرق. هل أصف لك جلساتنا الصاخبة أو الهادئة أمام ألواح الشطرنج ~~في نادي المعلمين وندوة أمين الخولي ومقر الجمعية الأدبية في الدور الأول من ~~بيت قديم بسلالم متآكلة في شارع قولة بحي عابدين، ثم في الدور الثامن من ~~بيت من شارع عرابي أمام قهوة أم كلثوم؟ أم أحدثك عن مئات الليالي التي التأم ~~فيها شمل الجمعية ومئات الندوات والمحاضرات والمناقشات التي أقبل عليها أدباء ~~اليمين واليسار، وسهراتنا في مكتب صديقنا فاروق خورشيد «موتور» الجمعية، ~~وقلبها النابض، أم عن تولينا إصدار الأعداد السبعة الأخيرة من مجلة «الثقافة» ~~المحتجبة (سنة 1952م)، ومشاركتنا في «الأدب» التي كان يصدرها أستاذنا أمين ~~الخولي وفي غيرها من المجلات؟ إن الأهم من ذلك النشاط العملي هو الحب النادر ~~الذي لم شملنا وشد أزرنا طوال العمر، ولا يزال هو النور الذي لا ينطفئ من ~~ذكرى شبابنا المظلم التعس، وحياتنا التي حرمت الحرية والديمقراطية، وجوعنا ~~الذي لا يشبع للقراءة والدرس والفهم والإبداع والتجريب. # تاريخ مشترك ورحلة عمر مشتركة. كيف تصلح الكلمات لاحتواء لحظات الحب ~~والشوق والغضب المتكررة كل ليلة، أو على الأقل ليلة كل أسبوع؟ فلأتركها ~~لمجال آخر، فما أكثر ما فيها من أفراح وأحزان، وعتاب وخصام وفراق ولقاء ~~من حياة لم تتوقف ولن تتوقف إلا بعد أن نغيب جميعا بخيرنا وشرنا. # أقمت مع صلاح - وكان كلانا عزبا مشردا لا يزال - في مسكن واحد بين سنتي ~~1956، 1957م، لم نفترق إلا لكي أسافر إلى ألمانيا، ويقيم في بيت قريب من دار ~~روزاليوسف التي ألتحق بها بعد أن طلق التدريس. وعدت بعد خمس سنوات ليتصل الحب ~~واللقاء الذي لا أتصور قوة يمكن أن تقطعه، ولا لغة يمكن أن تعبر عنه. نقرأ ما ~~نكتب، ونعقب عليه، ونتعاتب ونضحك، ونبكي أحيانا، ونفترق ليلة الثلاثاء إلى ~~لقاء. أعمالنا كالمرايا التي نرى فيها وجوهنا وقلوبنا. وكل منا يكمل الآخر، ~~ويشجعه، ويستند عليه أو يسنده إلى صدره. أشعار صلاح هي صوتنا ms412 الذي لم ينطلق ~~إلا منه؛ لأنه أقدرنا وأكثرنا موهبة. ولو نظر ناقد في هذه الأعمال المختلفة ~~لوجد بصمات من عمرنا قيدت في الكلمة المطبوعة، وربما بقي بعضها في تاريخ ~~أدبنا. قل بالله عليك كيف أصور بالكلمات شجرة عمرنا الملتفة الأغصان؟ يكفي أن ~~أقول إنني أعطيت ست سنوات من عمري على الأقل حبا في عيني صلاح. وقد رويت ~~هذا في مقدمة كتاب الشعر الحديث الذي عكفت عليه من مجرد كلمة عابرة منه في ~~جلسة عابرة. يكفي أنني أعيش الآن ما تبقى من العمر على أمل الوفاء بعهدي ~~لصلاح، أن أخرج ما في نفسي بعد أن طالت رقدته في أكفان العناد العلمي والغيبة ~~عن الذات، هل ستمكنني الأيام فأوفي العهد؟ يكفي أن أقول لك أيضا البكائية ~~التي كتبتها أخيرا وقرأتها منشورة في الآداب # 4 # يمكن أن تنوب عن قلمي العاجز، أو تشرح بعض ما قصر عنه البيان من ~~أسرار الحب والوفاء. ويقيني أنه لو نسي الناس كل أعمالنا (والجحود هو طابع ~~بلادنا، ألم أقل في تلك البكائية على لسان الحلاج إنها أقسى البلاد طرا في ~~قتل أبنائها الموهوبين؟) ولو تنكرت الأجيال لتعبنا وعطائنا، فمن واجبها ~~وصالحها أيضا ألا تجحد إخلاصنا، أو تنسى الحب الذي جمعنا، وهو في رأيي حب ~~نادر في تاريخ الآداب. # تسألني عن عطاء صلاح، مع أني لست ناقدا بالمعنى الدقيق الذي يفترضه ~~النقد الأدبي ولا بالثقافة الشاكلة التي يستوجبها، فأحاول باختصار أن أقول ما ~~أستطيع: # لا بد أنك قرأت المراجعة النقدية التي كتبها في بداية حياته ~~الأدبية عن عطاء طه حسين والمازني والحكيم والعقاد وجعل عنوانها هذا ~~السؤال: ماذا يبقى منهم للتاريخ؟ ولو سألت اليوم: ماذا يبقى من صلاح ~~للتاريخ؟ لقلت لك: لا أستطيع أنا ولا غيري أن نتنبأ بالمستقبل أو نتحول ~~إلى منجمين. فلكل عصر كتابه وشعراؤه. والمشاهير في عصر قد يخبو بريقهم ~~في عصر آخر، ومن يظن أنه يكتب «للخلود» يضاجع وهما وحلما مطلقا ~~مستحيلا، ولكن يبقى المحك الذي لا يخطئ، والمقياس الذي لا يخيب أن ~~أصدق ms413 الكتاب والشعراء تعبيرا عن عصره هو الذي يكتب له البقاء (النسبي ~~في كل الأحوال). عاش مع المتنبي مئات الشعراء، فلماذا بقي شامخا ~~واندثروا؟ لماذا بقي نجم شيكسبير ساطعا، وخبت نجوم أخرى لم تخل من ~~الموهبة؟ إن شعر صلاح بوجه خاص شهادة أمينة وحزينة على جيل تعس وحزين، ~~ويقيني أن اسمه سيسلك في عقد الشعراء العظام من كل العصور والآداب ~~عندما ينجلي غبار المعاصرة وحجابها، وينصف الزمان الذي لا بد أن ينصف ~~الصادقين. # تحمل صلاح عبء الكلمة، وكان ~~إيمانه بالكلمة مبرر حياته. وبقي سؤاله الذي يعذبه: متى وكيف تصبح ~~الكلمة فعلا؟ لعلك تذكر الأبيات المشهورة في مأساة الحلاج: ماذا أصنع؟ ~~لا أملك إلا أن أتحدث، ولتنقل كلماتي الريح السواحة، ولأثبتها في ~~الأوراق شهادة إنسان من أهل الرؤية، فلعل فؤادا ظمآنا من أفئدة وجوه ~~الأمة، يستعذب هذي الكلمات، فيخوض بها في الطرقات، يرعاها إن ولي ~~الأمر، ويوفق بين القدرة والفكرة، ويزاوج بين الحكمة والفعل. هل كان ~~يحلم حلم أفلاطون بالملك الفيلسوف أو «منقذ» المدينة الذي يجمع في شخصه ~~بين الفكرة والقدرة، والحكمة والقوة؟ أم كان يعبر عن الشوق - الأبدي ~~المهزوم - إلى العدل، في زمن طغى فيه الاستبداد وتأله الجلاد؟ أم ينفض ~~ما في صدره من سخط من ضياع الكلمة وامتهانها والتجارة بها في سوق الكذب ~~والانتهازية والنخاسة ولعق أحذية القابضين على الصولجان؟ أم في النهاية ~~عن يأس من تشردها وهوانها ويتمها وضيعتها في أمة الشعر التي فقد فيها ~~الشعر بداهته وقوته الموروثة، وتحول إلى ثرثرة أو طنطنة أو اجترار ~~أحلام مريضة؟ وحتى لو كانت هذه الأمة لا تزال تهتز للشعر، فكيف ينفذ ~~إليها من سدود الأمية والذل والفقر، وخصوصا إذا كان شعرا حديثا ~~يحتاج إلى ثقافة لا يملكها أكثر المثقفين؟ لقد ظل صلاح يتعذب بهذه ~~المشكلة التي هي في الحقيقة مشكلة الإنسان العربي في هذه المرحلة ~~التاريخية الانفصام بين الكلمة والفعل، إطلاق الأصوات الفارغة من ~~المعنى ومن قابلية ترجمتها إلى أعمال. ولهذا رأى الأيام بلا أعمال، ~~وصرخ صرخاته المدوية على لسان النبي ms414 المهزوم الذي يحمل قلما، وينتظر ~~نبيا يحمل سيفا: يا أهل مدينتنا! هذا قولي: «انفجروا أو موتوا». ~~وتعذب بالمشكلة إلى حد الاختناق بالصمت، وتخلي الشعر عنه، أو تخليه عن ~~الشعر في السنوات الأخيرة من حياته، فتحولت ثورته المحيطة إلى الداخل، ~~وتحول الثائر اليائس من جدوى الكلمة إلى صوفي صامت وحكيم محزون، فقد ~~صلته بالواقع المريض والعالم المختل من حوله، ولم يعد أمامه إلا ~~«الإبحار في الذاكرة» التزم الحلاج بأن يقول كلمته ودفع الثمن من دمه. ~~والتزم صلاح بكلمته، وحمل عبئها، ودفع الثمن من حياته. لا أظن أن ~~شاعرا غيره قد عبر عن أشكال الشعر في العصر الحاضر وأشكال أمة الشعر ~~التي لم تعد تشعر، وأمة اقرأ التي لم تعد تقرأ أو تعي مثلما عبر صلاح ~~عبد الصبور. # يتهم صلاح بحزنه ويدان على حزنه. وقد ناقش هذه القضية في سيرة ~~حياته وكفاحه مع الشعر (حياتي في الشعر)، وأكد أنه شاعر متألم لا شاعر ~~حزين، والواقع أن حزنه هو حزن جيله كله، الجيل الذي خرج من عباءة ~~الرومانتيكية العربية، من حزن المنفلوطي وجبران وناجي وجماعة أبوللو، ~~وحزن المواطن الصغير الذي نشأ في أحضان الطبقة المتوسطة الدنيا، مكبلا ~~بضعفها وتعاستها وقيمها البالية وطموحها المادي والطبقي البائس، فاتجه ~~بآماله وعواطفه إلى الثقافة و«العلم» و«الفن» ينشد فيها خلاصه. ولما ~~يئس من جدوى الكلمة وعجزها عن تغيير الواقع، وتفجير صخرة البنية ~~الاجتماعية والسياسية المتحجرة أيقن أن الثائر الحق هو الحكيم المحزون، ~~وأصبح حزنه هو ثورته المهزومة في أعماقه. واستحال الحزن الذاتي - بعد ~~أن سلم به، ونفض يديه من شهوة إصلاح العالم، وبعد أن كسرت راياته ولم ~~تنفعه فلسفته، وداس الأوغاد على فؤاد «الفارس القديم» - استحال هذا ~~الحزن الذاتي إلى حزن كوني، وموقف ~~عام من الوجود، وحالة وجدانية لا مهرب منها إلا إليها، ها هو ذا يخاطب ~~أوغاد العصر وفرسانه المهزومين في «حكاية المغني الحزين»: ~~«لعلكم لا تعرفون الحزن يا سادتي الفرسان ~~(وإن عرفتموه فهو ليس حزني)، # حزني لا تطفئه الخمر ولا المياه، # حزني لا تطرده الصلاة، # قافلة ms415 موسوقة بالموت في الغرار، # والأشباح في الجرار ... والندم، # حزني لا يفنى ولا يستحدث.» # هذا هو حزن ~~جيل وعصر لا حزن شاعر ذاتي أو حكيم متفلسف. وعندما يكتب تاريخ هذا ~~الجيل، وتكشف الأسباب الاجتماعية والسياسية والنفسية التي قيدته بحزنه، ~~وجعلت هذا الحزن إطارا وجدانيا لحياته، عندما يروي تاريخ الهزائم ~~التي مني بها - على الرغم منه - في الثلاثين سنة الأخيرة، فشوهت ~~إنسانيته وحرمته البراءة والكرامة والحرية والعدل، عندما نقرأ يوميات ~~الصوفي بشر الحافي الذي هرب مذعورا من مدينته بعد أن وجد أن الإنسان ~~الإنسان عبر، من أعوام، ومضي لم يعرفه بشر، حفر الحصباء ونام، وتغطى ~~بالآلام عندما يكتب هذا التاريخ سنعرف في أي الأيام الموبوءة عاش صلاح ~~وجيله (اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس في الشهر الثالث عشر)، ~~وسنتبين من منطق هذا التاريخ المشوه المهزوم لماذا نهدد اليوم بالإبادة ~~بعد أن حكم علينا بالموت والانقراض أو بالأحرى بعد أن قضينا على أنفسنا ~~بالانتحار ... # إن حزن صلاح عبد الصبور هو ~~وثيقة إدانة لعصره ورجاله الجوف. وهو جزء لا يتجزأ من تاريخنا ~~الاجتماعي والسياسي الحديث الذي أصبحت فيه الكوارث هي زادنا اليومي. ~~والأولى بنا هو دراسة هذا الحزن لا اتهامه، وبدلا من أن نسأل الشاعر: ~~لم أنت حزين؟ علينا أن نسأل أنفسنا وواقعنا: ما الذي سبب له كل هذا ~~الحزن؟ من أين جاء كل هذا الظلام؟ وكيف السبيل إلى الإنسان العربي، ~~الإنسان قبل أن يفوت الأوان؟ # أعتقد أن أهم ما يميز شعر ~~صلاح هو «إيقاعه». لا أتحدث عن تجديده في البناء والصورة والموسيقى، عن ~~درامية معظم قصائده وبنيتها القصصية، عن لغته التي تجمع بين الموروث ~~الشعبي ومفردات الواقع المحسوس والحياة اليومية، عن النزعة التشكيلية ~~التي تقربه من النحات والرسام في بعض قصائده الأخيرة ... إلخ لا أتحدث عن ~~شيء من هذا، فغيري أقدر مني على وصفه وتحليله. إنما الإيقاع هو الذي ~~أريد أن أتحدث عنه ولا أستطيع. هذا الإيقاع الممدود الثقيل الخطى، ~~الحزين الساخر في وقت واحد، الإيقاع الذي اختار له الشاعر أو اختار ~~لنفسه ms416 في معظم الأحيان بحر المتدارك والرجز، وظل يتماوج كالمناجاة مهما ~~تعددت الأصوات (والحلاج مناجاة شعرية موزعة على عدة أصوات)، ويكتم ~~أكثرها مما يبوح به، هذا الإيقاع البطيء الثقيل المجروح - كخطى جيش ~~مهزوم أو راقص متعب - هو في تقديري أكثر ما يشدنا إلى شعره ويؤثر فينا. ~~لا شك أن دارس الشعر أقدر مني على إثبات أن هذا الإيقاع الداخلي هو ~~الذي يجتذب صوره وكلماته وأنغامه، وهو في النهاية كان أقدر من عناصره ~~الأخرى على التأثير على عدد كبير من شعراء الشباب. أذكر من حوار قديم ~~مع صلاح أننا اتفقنا على أن الإيقاع هو أخص ما يميز الشاعر الحقيقي، ~~وأننا خرجنا من قراءاتنا المشتركة في أول العمر «لإليوت» بأن أعظم ما ~~فيه هو إيقاعه. قد نرفض فكره وتشاؤمه وحنينه إلى عصر وسيط تباركه ~~الكنيسة، وقد نشك في أسلوبه وتضميناته الكثيرة وثقافته الواسعة التي ~~يحتال بها أحيانا لرتق ثوب موهبته المهلهل! بل قد نشك في حبه للبشر، ~~وقدرته على التعاطف معهم، ولكننا لا نستطيع أن نفلت من سحر إيقاعه ~~الممدود الهادئ الذي يشدنا إلى عالمه. أقول هذا الكلام الذي لا يغني عن ~~الدرس المتأني، وتقصي أسباب هذا الحزن الموقع وبواعثه ومكوناته الفنية ~~والنفسية والاجتماعية. لقد صار تراث صلاح ملك الجميع، فمتى نتحرك قبل ~~أن يخجلنا الأجانب والمستشرقون؟! # وأخيرا فإن غياب صلاح وهو على قمة نشاطه وعطائه الشعري والثقافي ~~مأساة ينبغي أن ينتبه لها الغافلون. وإذا كانت كابوسا ثقيلا، فهي في ~~النهاية جزء من الكابوس العربي العام. ها هو ذا شاعر تتربص به نصال ~~الخسة والغدر على مدى ربع قرن، حتى تطعنه في النهاية. انهالت عليه ~~الضربات من اليمين الجاهل واليسار الثرثار، حتى سقط من ذا الذي يعوضنا ~~عن إنسان وشاعر عظيم. وإلام يطغى الحطابون الفقراء من الموهبة على ~~أصحاب الموهبة ويسمون حياتهم؟ ومتى ننصف المبدعين أو نتركهم على الأقل ~~في حالهم بدلا من أن نذيقهم مرارة الجحود والحقد الأسود؟ أهو فصل من ~~فصول تعذيب الذات الذي تعيش فيه أمتنا منذ سنين وسنين؟ أم ms417 ظاهرة من ~~ظواهر الانتحار الذي نقبل عليه بكل قوانا البدوية والقبلية الموروثة؟ ~~أحرام أن نوفر للمبدعين في كل الميادين جوا يساعدهم على التنفس؟ هل ~~أصبحنا نكره كل من يقول لنا الحقيقة، مع أن الحقيقة وحدها هي القادرة ~~على تحريرنا؟ لقد شقى صلاح كما يشقى كثيرون من زملائه الواقفين في الصف ~~نفسه الذي وقف فيه، وينتظرون دورهم. شقى بالانقسام والتمزق بين شخصيته ~~كمواطن وموظف وشخصيته الحقيقية كمبدع. فهل كثير على أمة النفط والشعر ~~أن ترعى أبناءها الشعراء والمفكرين وتحميهم من نفسها؟ إن الشعر الحديث ~~- في أصواته الرائدة الأصيلة - هو النور الوحيد في ظلام حياتنا ~~الثقافية المعاصرة، وهو الذي حمل العبء عن الفلسفة العاجزة والعلم ~~المشلول والنقد السطحي الثرثار، وهو الذي عانى آلام السقوط العربي، ~~وارتفع صوته بالثورة والاحتجاج وبالكرامة والحرية والعدل. فلماذا نكره ~~شعراءنا الصادقين إلا إذا كنا نصر على كراهية أنفسنا ونسرع بأنفسنا إلى ~~نهايتنا؟ إنها مأساة وقضية، ويا ويل أمة لا تتعلم من مآسيها. # ج5 ~~: تسألني كيف أنظر للحياة في ظل ~~الأوضاع العربية الراهنة؟ وأسألك بدوري: هل يكفي «النظر» في مثل هذه الأوضاع؟ ~~ومتى كان التأمل وحده كافيا في أي وقت من الأوقات؟ # هل تذكر «مشارف الخمسين»؟ لقد بدأ الحبيب الحاضر الغائب صلاح عبد الصبور ~~في نشرها حوالي سنة 1979م، وكنت قد بدأت في شتاء العام نفسه - ربما بنوع من ~~التعاطف الوجداني أو تلاقي الخواطر عبر المسافات - بدأت بكائياتي (التي قدر ~~أن تكون أخراها إليه)، ولا أحب أن أضيف شيئا عنها؛ لأن الفن كما قلت يحب ~~الكتمان. تابع صلاح ذكرياته الحزينة، ونفض أشجانه وخيبة أمله وأمل جيله السيئ ~~الحظ. وكانت الحلقة الأولى منها رثاء للنفس، وبكاء على العمر لا أعرف في كل ~~ما قرأت في هذا الباب أصدق منه. أهو إلهام الشاعر المتنبئ سلسل الساحر ~~والكاهن والعراف الناطق بلسان الغيب؟ أم أن الأمر لا يحتاج لسحر ولا تنبؤ ولا ~~عرافة بعد أن أصبح الجاهل والعالم، والمخلص لأمته، والمتاجر بأوجاعها يتحدثون ~~جميعا في الشارع والصحيفة وأجهزة البث الإذاعي والمرئي عن ms418 ظواهر التمزق ~~والانهيار التي لم تعد خافية، ويحسون الخطر الأكبر الذي يتهددنا كل يوم (أكتب ~~هذه الكلمات بعد أيام من الهجمة البربرية المجنونة على لبنان، أكتبها وبيروت ~~الحرة الجميلة تخرب وتدمر وتحاول أن تحمي لحم أبنائها ودماءهم المتناثرة، ~~بينما العرب يثرثرون ويتسكعون وينتهزون فرص إثبات البطولة الكاذبة) فهل ~~يستغرب علينا وعلى عدد كبير من الأمناء على الكلمة أن يرثوا أنفسهم وأمتهم ~~بعد أن أصبح الكلام لا يجدي، وسقطنا مفتوحي الأعين في الهاوية أو المستنقع؟ ~~نحن لا نملك إلا أن نتكلم. لا نملك إلا تعذيب أنفسنا ورثاءها والبكاء على ~~الكلمة التي لا تنقذ حضارة وعلى الحضارة الآفلة التي لم تحول الكلمة إلى فعل، ~~لكن البكاء ورثاء النفس وتحذير الأهل والقوم هو في النهاية أدب وكلام مهما ~~يكن جميلا وصادقا، فهو لا يغني ولا يغير ولا يقتل عدوا يحاصر سور المدينة ~~المحاصرة. وتبقى رصاصة الفدائي الذي تخلى عنه الجميع هي الفعل الحاسم الوحيد. ~~فهل نهب لنجدته والوقوف بجانبه؟ هل نسترد رجولتنا في لحظة تاريخية تندثر فيها ~~شعوب وتحيا شعوب، وهل نتجاوز أحقادنا القبلية والبدوية ونفصد دمنا الفاسد ~~لعلنا نخرج من طوفان الدم مطهرين؟ هي تبعث العنقاء العربية من الرماد أم ~~نتخبط في الأنقاض وفي العار؟ # كل ما يتجرعه الكاتب من مرارة يهون بجانب هذه المرارة أن يصبح بومة تنعب ~~على أطلال أمته. ولقد حذر إيبور وأنذر لم يمنع التحذير والنذير من سقوط ~~الحضارة الفرعونية، وتنبأ نيتشه بليل العدمية، ورأى أشباحها تجوس في ربوع ~~أوروبا. وجاءت العدمية مرتين في حربين عالميتين، لكن أدباء آخرين لم يجدوا ~~الوقت للبكاء أو الرثاء. تذكروا أنهم مواطنون أحرار وحملوا السلاح. فأين أنت ~~أيتها الاتحادات الأدبية الموقرة؟ أين لتوحدي الأدباء وتنصريهم على أنفسهم ~~وتوجهيهم لقصائد وملاحم تتحدث بصوت الرصاص؟ # ليست كارثة لبنان هي أول كارثة تمر بنا. لقد أصبحنا نألف عشرات الكوارث ~~بالنهار، ونحتضنها في أحلامنا وكوابيسنا بالليل. هل «رعب أكبر من هذا سوف ~~يجيء» كما قال صلاح على لسان النبي المهزوم الذي يحمل قلما؟ هل يتمخض ليل ms419 ~~الأوجاع عن صباح نشهد فيه مجتمع الحرية والعدل ومدن الرؤية المضيئة التي ~~تعانق الشمس الأطفال؟ وهل سنظل متفرجين أم نقوم أخيرا بأدوارنا ونمضي إلى ~~المصير باختيارنا؟ وإذا تحتم أن نغرق ونسقط، فلماذا لا نسقط كرجال؟ أليست هذه ~~اللحظة التي يمكننا أن نقول فيها للموت إننا نموت ونحن نحتقرك ونثبت لك أننا ~~لا نستحق الاحتقار. وإذا تركنا اللحظة تفوت كما فات غيرها، فكيف سننظر إلى ~~وجوهنا؟ وماذا سنقول لأولادنا وأحفادنا؟ أسئلة وأسئلة وأسئلة. أبكي نفسي ~~وعصري وأمتي، وأعلم أن الدموع ذليلة لا تقدم حلا ولا عزاء. ليس في يدي ~~برنامج إصلاح، ولا أملك نظاما مغلقا من القيم والمبادئ والأخلاق، فأمام ~~البيت المتداعي تتساقط القيم والنظم والشعارات. ومن السفينة الغارقة تهرب ~~فيران الحكمة والفصاحة والشعر، ولا يبقى إلا شجاعة الربان وصمود الملاحين. ~~فهل نتشجع ونصمد؟ هل يظهر من طوفان اللحظة أبطال ورجال؟ وهل نغرق (حتى لو ~~عشنا بالملايين، فنحن الأموات المحتقرون) أم ننجو ونطهر بيتنا ونفوسنا؟ هل ~~يسترد الإنسان العربي إنسانيته واحترامه أم يظل القطيع تحت سكين الذئب ~~المغرور؟ تحركوا أيها الرعاة. إن الكلمة عاجزة لا تجدي. الكلمة طبل أجوف أو ~~صيحة ندابة. والكلمة تنتظر الفعل، وأن تصبح فعلا لا يرحم. إن القبيلة ~~المفترسة تهدد الحضر المترف، لكن من يتذكر ابن خلدون؟ والمغول والتتار على ~~الأبواب يتربصون وسوف يتربصون لأجيال. من يضع السيف في يد النبي المهزوم؟ متى ~~يفزع الحكيم المحزون إلى البندقية، وتخرج ثورة الباطن إلى الخارج، وينتهي ~~الطلاق العربي بين الكلمة والفعل؟ متى ومتى وكيف؟ # حيرتي هي مكاني المطلق. وأنت تستدرج مجهولا ليناجي المجهول. تسألني عن ~~رأيي وأنا أسألك أمام الأطلال المتداعية على ساحتنا، أسأل نفسي، أسأل قراءك: ~~ماذا نفعل؟ ms420