######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.SittTahira.Hindawi96953826 #META# Tags: literature #META# ID: 96953826 #META# Title: الست الطاهرة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الست الطاهرة‏ # بابا وماما‏ # القزم‏ # يا عم يحيى‏ # عبد الحق أفندي‏ # القلم‏ # يونس في بطن الحوت‏ # فيدو‏ # في الغابة السوداء‏ # أسوار المدينة‏ # زمارة، توت‏ # قيصر‏ # مذكرات يمليخا‏ # الراهب‏ # عزاء‏ # شجرة عيد الميلاد‏ # الصراط‏ # الرجل الذي يعتذر دائما‏ # الست الطاهرة‏ # بابا وماما‏ # القزم‏ # يا عم يحيى‏ # عبد الحق أفندي‏ # القلم‏ # يونس في بطن الحوت‏ # فيدو‏ # في الغابة السوداء‏ # أسوار المدينة‏ # زمارة، توت‏ # قيصر‏ # مذكرات يمليخا‏ # الراهب‏ # عزاء‏ # شجرة عيد الميلاد‏ # الصراط‏ # الرجل الذي يعتذر دائما‏ # | الست الطاهرة # | الست الطاهرة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | الست الطاهرة # نحن في عز المولد. صياح الميكروفونات والناس والعربات وحلقات الذكر ~~يصم الآذان. القزم عتريس يدخل في باب الجامع في طريقه إلى المقام. ~~الشحاذون يبتسمون. الزوار يتلفتون إليه ويبتسمون. السقاءون ~~الواقفون في الممر الطويل كتماثيل من الخشب ينظرون إليه بعيونهم ~~الحزينة الجامدة ويبتسمون. عتريس يدخل المقام وينحشر وسط الزحام. وسط ~~الأجساد والأيدي المتشابكة تتلمس يداه الصغيرتان موضعا على الشباك. ~~يريح وجهه المكرمش العجوز عليه. تتمتم شفتاه. يعلو صوته. لكن أصوات ~~الدعاء والتكبير والتلاوة أعلى منه. الزوار يلمحونه ويعجبون. كم يكون ~~عجبهم لو عرفوا أن الست أيضا تكلمه، تكلمه وحده دون غيره؟ ~~- من ينادي علي؟ ~~- يا ست! نظرة! يا ست! ~~- عتريس يا ست، القزم عتريس. ~~- أنت جئت يا عتريس؟ ~~- جئت يا ست. أبوس الأيادي. أركع عند رجليك. أشم رائحتك ~~الطاهرة. ~~- الغيبة طالت يا عتريس. ~~- دخت يا ست. تهت في بلاد الله شرقت وغربت. لا شغلة ولا ~~مشغلة. ~~- والسيرك يا عتريس؟ ~~- قفلوه في وجهي. قالوا لي عجزت ولا بقى فيك حيل؛ من يوم ما وقعت يا ~~ست. ~~- وقعت؟ ~~- من على ظهر الحصان. كنت أنادي على عادتي بعزم ما في، وأقول نفسك ~~معي يا ست. قلت أعمل حركة من حركاتي المشهورة وأضحك الناس. وقعت على ~~الأرض رأسي تحت ورجلي فوق. الناس ضحكت لغاية ما شبعت، لكن رجلي انكسرت، ~~ظهري انشرخ. ~~- وبعدها يا عتريس؟ ~~- أخذوني على المستشفى. وضعوا رجلي وظهري في الجبس سبعين يوما ~~وحياتك يا ست. سبعين يوما وحق مقامك ms001 الطاهر. ~~- وبعد ما خرجت من المستشفى؟ ~~- سألت عليهم. قالوا لي في مولد الست. يا ناس أرجع لشغلي. لأ يا ~~عتريس. يهديكم يرضيكم. أنت عجزت يا عتريس. طيب جربوني. عمرنا ما شفنا ~~البهلوان على عكاز. نفسي أضحك الناس. ستضحك علينا يا عتريس. يا ناس ~~ترموني رمي الكلاب؟ رزقك على الله يا عتريس. صرخت بعزم ما في: يا ~~طاهرة! سقت عليك النبي يا حبيبة. ~~- وسمعتك يا عتريس. ~~- عارف يا ست، لكن العمل؟ ~~- العمل عمل الله يا عتريس. ~~- كلمة منك تفتح الأبواب. دعوة منك تحنن القلوب. لأجل الحبيب الشفيع ~~تشفعي لي يا حبيبة. ~~- عند من يا عتريس؟ ~~- عند أصحاب الأكشاك يا ست. ألعابهم كثيرة. صحيح انكسرت وما عاد في ~~حيل، لكن أقدر أضحك الناس. أحكي لهم حكايتي. أحلف لهم إني يا ما أضحكت ~~ناس وأبكيت ناس. ~~- رح يا عتريس، ربنا يفتح لك الأبواب. # في اليوم التالي عاد القزم عتريس إلى المقام. الشحاذون على باب ~~الجامع رأوه وابتسموا. الزوار لمحوه يتدحرج في الممر الطويل، ولولا ~~قداسة المكان لضحكوا. السقاءون الواقفون كتماثيل من خشب نظروا إليه ~~بعيونهم الجامدة الحزينة وابتسموا. تزاحم عتريس وانحشر بين الناس. ~~تحسس الشباك وشم العطر وراح في الجلالة وقال: يا ست! ~~- قل يا عتريس! ~~- رحت لهم يا ست. فت عليهم واحدا واحدا. ~~- من يا عتريس؟ ~~- كلهم يا ست؛ الساحر الأسود، شيطان الموت، الغول العظيم، الحاوي ~~العجيب، حتى الأراجوز فت عليه. ~~- ومن هو الأراجوز يا عتريس؟ ~~- رجل صغير يعلقونه من شعره بسلك، ويحركون رجليه ويديه بسلوك. ~~طول النهار يشتم ويلعن ويسب. ~~- ابعد عنه يا عتريس. ~~- هو الذي أبعدني يا ست. ~~- والباقون؟ ~~- قلت لهم أشتغل معكم. قالوا لي راحت عليك يا عتريس. يا ناس ولو نمرة ~~واحدة. ما عاد فيك حيل يا عتريس. يا عالم ولو تقعدوني على المسرح ~~والناس مصيرها تضحك. الناس غيرها أيام زمان يا عتريس. طيب أقف على ~~رأسي، مرة واحدة يا عالم. تقع تموت يا عتريس، ونروح في داهية ~~معك. ~~- معهم حق يا عتريس. ~~- تقولين معهم حق يا ست ms002 ؟ ~~- شعرك ابيض. قلبك تعب يا عتريس. ~~- القلب لا يتعب من ذكرك يا ست. طيب تصدقي بالحبيب؟ ~~- عليه أفضل الصلاة والسلام. ~~- لو تسمحي لي يا ست؟ ~~- ماذا تريد يا عتريس؟ ~~- أقف على رأسي مرة واحدة قدامك؛ أثبت لك أن عتريس هو عتريس؛ ~~بهلوان زمانه، ووحيد عصره وأوانه. ~~- هنا في المقام؟ يا للعيب يا عتريس! ~~- من نفسي يا ست. مرة واحدة يا حبيبة. مرة واحدة لأجل الحبيب. ~~- عيب يا عتريس! # دمدم الصوت المنبعث عن المقام، زام في أذنه كالريح، غامت الدنيا في ~~عينيه، امتدت يد فوقعت يده عن الشباك الطاهر في عنف، زعق صاحبها ~~الذي بدت رأسه كأنها القبة: اسع وصل على النبي! انتبه عتريس إلى ~~العملاق الواقف إلى جانبه وخاف أن يدوسه، يخنقه، يرميه من الباب. صرخ: ~~والعمل يا ست؟ جاءه الصوت العميق الهادئ كأن حمامة توشوشه: اسع وصل ~~على النبي يا عتريس. ~~- الأبواب كلها اتقفلت في وجهي يا ست. ~~- إلا بابي يا عتريس. إلا بابي. ~~- يرضيك عتريس يصبح شحاذا يا ست؟ ~~- الأرزاق على الله يا عتريس. # يومها وقف القزم عتريس على باب الست، طول النهار وقف على باب الحبيبة ~~بنت الحبيب؛ يصعب على واحد ويضحك عليه عشرون. الستات تشير عليه وتقول: ~~شوفوا خلقة ربنا! والأطفال تصرخ وتقول: شوفوا الرجل المسخوط. والمشايخ ~~يستعيذون بالله ويقولون: امش من هنا ورزقك على الله. والشحاذون ~~يطردونه ويقولون: ما بقي غير البهلوان يقف قدام صاحبة المقام. عتريس ~~صعبت عليه نفسه، غضب ودخل المقام ورفع يديه وقال: نفسك معي يا ست. ~~نفسي ضاق يا بنت بنت الحبيب. ~~- رجعت يا عتريس؟ ~~- الشحاذة للشحاذين يا ست، وأنا طول عمري فنان. ~~- ما معنى فنان يا عتريس؟ ~~- أمثل، أضحك الناس، أدهن وجهي بودرة، أقف على رأسي. ~~انظري. # وأحس عتريس أن الشباب عاد إليه. وبحركة مفاجئة كان يقف في وسط ~~المقام كالبصلة؛ رأسه تحت ورجلاه في السماء. وبحركة مفاجئة أيضا هاج ~~الناس، ورفع المشايخ وجوههم عن المصاحف، وهجم عليه حارس المقام، فأمسكه ~~من رقبته وزعق: يا نجس! يا ملعون! وحق مقام ms003 الست الطاهرة لأشدك على ~~القسم! # في الزنزانة المعتمة، على البرش الخشن، نام عتريس وهو يفكر فيما ~~جرى له، ويتذكر حياته القصيرة قصر جسمه. وبالليل طلعت له الست ~~الطاهرة؛ وجهها مضيء كالبدر، جبهتها صافية كاللبن الحليب، ثوبها أبيض ~~في أبيض كالملاك. ~~- عملتها يا عتريس؟ ~~- أمر الله يا ست. ~~- وفي المقام! ~~- معذور وحياتك. ~~- الدنيا واسعة يا عتريس. ~~- الدنيا ضاقت في وجهي يا ست، ما بقي قدامي إلا بابك. ~~- وتتشقلب في المقام يا عتريس؟ ~~- كان نفسي ألعب مرة قدامك، مرة واحدة قبل ما أموت. يمكن نفوز ~~منها نظرة، نظرة واحدة قبل ما أموت. ~~- هجموا عليك كلهم؟ ~~- كلهم يا ست؛ المشايخ والعساكر، الشحاذون والسقاءون، والأفندية ~~والفلاحون. ~~- ورموك في الزنزانة؟ ~~- على البرش الخشن، في العتمة والرطوبة، وسط الفيران ~~والبراغيث. ~~- تعبان يا عتريس؟ ~~- كل واحد ونصيبه يا ست. ~~- زعلان مني يا عتريس؟ ~~- كلك نظر يا أم العواجز. ~~- ألا تريد أن تسامحني؟ ~~- فتح القزم عتريس عينيه قبل أن يغلقهما إلى الأبد، تنهد بصعوبة ~~وقال: لا يا ست. أبدا أبدا. # 1964م # | بابا وماما # تروح الأيام وتأتي الأيام وزينب تعمل في بيت الحاج محمود. من ثلاث ~~سنين، عندما جاءت بها أمها من العزبة، كانت كالبلية الصغيرة، لولا ~~أنها كانت تنط وتجري، وتعرف الكلام أيضا، لقالوا إنها لم تفطم ~~بعد؛ كتلة من اللحم، في خرق مهملة، تحتاج لمن يرضعها ويطعمها ~~ويسقيها. ومن عنده طول البال؟ قالت الحاجة بسيمة - التي زارت سيدنا ~~النبي ووضعت يدها على شباكه - بعد أن خرجت من الصلاة: باسم الله ما شاء ~~الله. يا شيخة، البنت صغيرة. قالت أمها بعد أن لطعت يد الحاجة: خادمتك ~~يا ست الحاجة. قالت الحاجة وهي تلمس رأس البنت وتكاد تقبلها لولا ~~رائحة التراب والعفونة التي تطالعها منها: والنبي إنها محتاجة لمن ~~يخدمها. قالت أمها: ما هي بنتك وخادمتك يا حاجة، تتربى في عزكم أنت ~~وسيدي الحاج، ربنا يخليكم لنا، بطن وانزاحت عنا يا حاجة، والنبي ما هي ~~راجعة ولا آخذها من عندكم إلا وهي عروسة. الحاجة ضربت كفا بكف وضحكت: ~~اللهم ms004 صل عليك يا نبي. طيب يا ستي، رزقنا ورزقها على الله. روحي أنت ~~بالسلامة. # وتروح أمها بالسلامة، بعد أن تتغدى وتأخذ ما فيه القسمة، وترفع ~~كفيها بالدعاء أن يعمر الله البيت ويطيل في عمر الحاج، ولا يحرمها ~~منه أبدا. # تروح الأيام وتأتي الأيام وتأخذ زينب على البيت وأهله. سميرة بنت ~~الحاجة، التي تكبرها بعام واحد، تصبح صاحبتها الروح بالروح؛ إن لعبت ~~أمام البيت لعبت معها، إن ذهبت للسوق رجلها على رجلها، إن جلست تقرأ ~~الحواديت وتجمع وتطرح في البيض والملاليم جلست بوزها في بوزها. وسميرة ~~تموت فيها ولا تتصور الحياة بدونها. صحيح أنها تنام على السرير وزينب ~~على الأرض، ربما أيضا من غير غطاء، ~~وصحيح أنها تأكل مع أمها وأبيها على السفرة، بينما تلقط لقمة من هنا ~~ولقمة من هناك، وياما باتت من غير عشاء لأنهم نسوها، أو لأن النوم كبس ~~عليها، لكن ماذا يهم كل هذا؟ ماذا يهم أن تمشي حافية طول النهار، ~~أن تدوخ كالنحلة بين المطبخ والسفرة وعشة الفراخ على السطوح ودكان ~~البقال والجزار في السوق، ما دامت تستطيع في النهاية أن تلعب مع ~~سميرة، وتسمع ما حدث للخروف المسكين مع الذئب الطماع، وتطمئن على أن ~~الشاطر حسن قد تزوج ست الحسن والجمال، والعصفور ضحك على ذقن الثعلب ~~المكار؟ # الحاجة لا تمل من سيرتها أمام الستات. شوفوا والنبي؛ البنت أخذت ~~علينا خلاص، نسيت أمها، وأبوها كأن عمرها ما شافته. أي والله يا علية ~~هانم ويا ست زينات. البنت فاكرة إني أمها! ~~- يا زينب. ~~- نعم يا ماما. ~~- هاتي لي أشرب. ~~- حاضر يا ماما. ~~- يا بنت عيب قدام الضيوف. ~~- أقول إيه يا ماما؟ ~~- عيب تقولي لي يا ماما. ~~- أقول إيه يا ماما. ~~- قولي يا ستي. ~~- حاضر يا ستي ماما. # الله يخيبك يا زينب، كسفتيني أمام الضيوف. والنبي إن دمها شربات. ~~يلا يا حاجة. كلنا أولاد آدم وحواء. وسيدنا النبي - اللهم صل وبارك ~~عليه - وصى على اليتيم والغريب. أبوها موجود وأمها؟ على كل حال ~~بنتكم، لأجل خاطر سميرة، وربنا يخليكم ms005 وتتربى في عزكم. والحاج أيضا ~~فرحان بها، في كل مجلس سيرتها على لسانه. البعيد والقريب في البلد ~~عرفوها؛ الباشا والبيه، الدكتور ومأمور المركز سمعوا عنها، حتى أصحاب ~~الدكاكين والعيال التي تلعب في الشارع كلما رأوها قالوا لها: سلمي يا ~~زينب على بابا الحاج، قولي يا زينب لبابا الحاج، نادي يا زينب على بابا ~~الحاج. ~~- يا بنت يا زينب! ~~- نعم يا بابا. ~~- قولي لستك تعمل شاي. ~~- حاضر يا بابا. ~~- يا بنت يا زينب. ~~- نعم يا بابا. ~~- هاتي لي علبة الدخان. ~~- حاضر يا بابا. ~~- بو يلهفك! يا بنت قولي يا سيدي. ~~- أقول يا سيدي بابا؟ # تروح الأيام وتأتي الأيام والبنت لا تتعلم. كلمة بابا وماما على ~~لسانها، الكلام معها لا ينفع، السياسة لا تنفع، الضرب لا ينفع. لو كانت ~~الحكاية على قد البيت كانت هانت، لكن البيت لا يخلو من الضيوف، والضيوف ~~لا يخلون من الأغراب، والأغراب لسانهم طويل. وأين يا حاج تداري وجهك من ~~الكسوف؟ وماذا تفعلين يا حاجة في زعل الحاج، والحاج لا يقدر على زعله ~~أحد؟ # الحكاية زادت عن الحد، وفي يوم من ذات الأيام والضيوف معزومون عنده - ~~تجار من آخر الدنيا؛ شيخ البلد وحكيم الصحة - هاج الحاج وطلعت ~~عفاريته. جرى على المطبخ وزعق: يا شيخة شوفي لك طريقة. ~~- خير إن شاء الله يا حاج. ~~- البنت خرجت دماغي قدام الناس. بابا بابا. ~~- غلب حماري معها يا حاج. ~~- ابعتي لأمها تأخذها. اضربيها. شوفي لك أي طريقة. ~~- حاضر يا حاج. # وكما تأتي القطط على السيرة جاءت أمها من نفسها. لطعت يد الحاجة ~~وحمدت ربنا على سلامتها هي والحاج وقالت: أنا جئت آخذ البنت. # قالت الحاجة: والنبي فيك الخير، كنت ناوية أبعت لك. # قالت المرأة: أبوها طلب يشوفها؛ أصله بعيد عنك. # قالت الحاجة: ربنا معه يا نبوية؛ يشفيه ويشفي جميع المسلمين. # تنهدت المرأة: حكم ربنا. الرجل بقى في ربع حاله. # قالت الحاجة: ربنا معه يا نبوية؛ يشفيه ويشفي جميع المسلمين! # بكت المرأة وقالت: ما عاد إلا منه، من ثلاثة أيام وهو يطالع ms006 في ~~الروح. الحاجة نادت على زينب. قالت لها سلمي على أمك. البنت وقفت ~~قدامها لا عرفت سلام ولا كلام. يا بنت سلمي على أمك. أمي يا ~~ماما؟! ~~- خليها عندكم يومين يا نبوية. ~~- بس أبوها يشوفها وترجع على طول يا حاجة. ~~- خليها لغاية ما تعلميها. ~~- أعلمها بعدك يا حاجة؟ ~~- ولو تميز أمها وأبوها، بدل ما طول النهار يا بابا ويا ماما. ~~- بابا وماما في عينيك قليلة الحياء. قدامي يا بنت! # البنت راحت مع أمها على العزبة. مشت في الوحل، وأكلت العيش والملح، ~~وعاشت في وسط البهائم والفلاحين. وفي أول ليلة باتت مع أبيها على ~~السرير؛ السرير الأسود أبو عمدان. وأبوها طول الليل يقول آه يا جنبي، ~~آه يا ظهري، آه يا غلبك يا محمد. وفي عز الليل تقوم مفزوعة من النوم ~~وتنادي عليه وتسقيه. حاضر يا آبه، أنا جنبك يا آبه، عاوز حاجة يا آبه. ~~ولما طلع السر الإلهي، والشيخ علي لتم عينيه، وشاله في الطشت وغسله مع ~~بقية الناس؛ عرفت أنه أبوها. ولما صوتت أمها وعددت عليه، والرجال ~~جاءوا وشالوا النعش على أكتافهم؛ صرخت مع أمها وقالت هاتولي أبويه؛ ~~عرفت أكثر وأكثر. ولما جاءت النسوان وطبطبوا على ظهرها، وقالوا لها ~~البركة فيك، وربنا قادر على كل شيء؛ عرفت أنها محتاجة لأمها وأمها ~~محتاجة إليها. # وتمر الأيام والمأتم ينفض، وهذا حال الدنيا، وتعود زينب مع أمها ~~إلى بيت الحاج. طول السكة وأمها توصيها، طول السكة وهي تهز رأسها ~~وتضغط على يد أمها. ياما تعبت من الشيل والحط والخبيز والعجين. ياما ~~انجرحت وتشققت وشفت المر. ~~- سميرة تقولي لها يا ست سميرة. ~~- لكنني سألعب معها يا أمي، أليس كذلك؟ ~~- الحاجة إذا نادت عليك في حاجة أو محتاجة تقولي لها يا ستي الحاجة. ~~والحاج ربنا يرزقه بطول العمر ولا يحرمنا منه تكوني تحت يديه ورجليه. ~~نعم يا سيدي الحاج، حاضر يا سيدي الحاج. # فتحت لهما الحاجة الباب، فظهر وجهها الهادئ المستدير يتلفع في شال ~~أبيض نقي. الله يسلم عمرك يا ستي الحاجة. زينب تقدمت ms007 هي الأخرى وباست ~~يد الحاجة، ورفعتها على جبينها كما فعلت أمها، وخفضت عينيها إلى الأرض، ~~وعندما رن في أذنيها صوت سميرة تنادي عليها وكانت تلعب على السلالم ~~الرخامية، تهلل وجهها عن ابتسامة واسعة، وجرت نحوها في سرعة الريح ~~وهي تهتف: حاضر يا ستي. # | القزم # زينب لا تحول عينيها عنه منذ وضعوه في حجرة الصالون. كلما حانت لها ~~فرصة تسللت على أطراف قدميها الحافيتين، والنوم يكبس عليها، ودماغها ~~يلف من التعب ويدور، وجسدها الصغير ينتفض من الخوف. فتوارب الباب، ~~وتتطلع فيه بعينيها المملوءتين بالدهشة، وينفتح فمها من نفسه حتى يظهر ~~ضبها، وتكاد تموت على نفسها من الضحك، لولا أنها تضع يديها على فمها؛ ~~خشية أن يسمعها سيدها الذي يعلو شخيره، أو تقلق ستها ذات الوجه ~~الكشر، أو تفزع سيدها كمال وستها سميرة فتصبح ليتلها أسود من ~~وجهها. # كان يقف هناك فوق المائدة الرخامية التي تتوسط الحجرة، على يمينه ~~مطفأة سجائر من البرونز الذي انطفأت لمعته، وعن شماله تمثال صغير ~~لنفرتيتي، انكسر أنفها، وتلطخ وجهها الأبيض النحيل ورقبتها الطويلة ~~المسحوبة ببقع حمراء غامقة، كأنها جربانة لا تتوقف عن الهرش فيهما. ~~هناك يقف منفوش الصدر، ممدود الذراعين إلى الأمام، رأسه الصغير يملؤه ~~شعر أسود مجعد يسقط على أذنيه المدفوستين في جانبي وجهه، وأنفه ~~ضئيلة مدببة ومشدودة إلى أعلى، ولسانه الأحمر الصغير طالع من فمه ~~الضيق المستهتر، وفي عينيه نظرة ولد عفريت يحب أن يعبث بخلق الله، ~~وعلى جانبي فمه وفوق جبينه تجعدات شيخ عجوز طيب مسامح. أما وجاهته فهي ~~الأخرى تغيظ وتجنن، وكأنه نسي تماما أنه قزم مفعوص لا هنا ولا هناك، ~~فلبس سترة زاهية مخططة بخطوط حمراء، تحتها قميص أبيض منقوش وضع ~~في رقبته كرافتة طويلة على آخر مودة، مع أنه على بعضه لا يزيد طوله عن ~~عقلة الإصبع، وسروالا أسود فخما كالذي يلبسه السفرجية أو ~~الدبلوماسيون العظام، حتى حذاؤه - وهو لا يزيد عن حجم الحمصة - لامع ~~ومحبوك ومربوط بعناية. # كان يوما له العجب عندما أخرجته ستها سميرة من حقيبتها وقالت: هدية ms008 ~~من المدرسة يا ماما. كانت جاءت إلى البلد لتمضي الإجازة في الريف، ~~وكان مدفوسا بين الكتب والبيجامات والفانلات، راضيا بحاله وكافيا ~~خيره شره. ولم يكد يخرج من الحقيبة وتراه أمها حتى صاحت وهي تحمله على ~~يدها وتتجه إلى حجرة زوجها: شف يا عبد العال، عامل رجل بحق وحقيق. لأ ~~والمصيبة له نفس يطلع لسانه! يا أخي جاءتك مصيبة، كفاية إنك لابس ~~كرافتة وردنجوت وعامل في نفسك ما لا يعمل! وانتقل القزم من يد إلى يد؛ ~~كل واحد يأخذه على راحته، ويضربه بالقلم، ويحاول أن يشد لسانه وهو ~~يقف أمام الجميع منفوش الصدر، مزهوا بنفسه ولا أبطال المصارعة، ~~مخرجا طرف لسانه الأحمر المدبب لكل من يضحك عليه، فاتحا عينيه ~~المستديرتين كفقاعتين لامعتين تفيضان بالنجوى والحنان والسخرية ~~والطيبة. # وقد حاولت زينب أن تمد يدها إليه لتلمسه، ولكن ستها نهرتها ~~بتكشيرتها الخالدة، وسيدها جاء بنفسه ليرى الهيصة، واختطفه من أيديهم ~~ووضعه على راحة يده التي راح يبعدها ويقربها من عينيه، ويعقد حاجبيه ~~ويزوم قائلا: حتى أنت يا قزم! حتى أنت يا قزم! حتى أنت لك نفس تعمل ~~ناصح؟ # وبعد أن حبسوه في الصالون كادوا أن ينسوه، إلا إذا حضر ضيف وانتبه ~~إليه، ومد يديه يتناوله ويضحك عليه. كانوا يحكون له أن سميرة أخذته ~~هدية من المدرسة الإفرنجية، وكان أحدهم يتطوع فيضربه بالقلم على وجهه ~~أو قفاه فيجد أنه ما يزال ينفش صدره، ويخرج لسانه، ويمد ذراعيه، ~~فيزداد ضحكه عليه. # أما زينب فلا تنساه في اليقظة أو المنام، طول النهار طالعة نازلة على ~~السلالم حتى ينقطع نفسها، طول النهار تلف وتدور كالنحلة في البيت ~~الواسع. تكنس وتمسح، وتغسل الأطباق، وتنفض السجاجيد، وتقشر البصل ~~والثوم، وتمسح حذاء البيه والست الكبيرة، وتعلف البط والفراخ، وتحضر ~~العيش واللبن من السوق، طول النهار عمال على بطال، تجري وتخدم على ~~الأكل، وتنظف الترابيزة، وتحضر الفرشة، وتونس العيال. زينب هاتي، زينب ~~خذي، زينب سوي، زينب روحي السوق، زينب لمي الغسيل، زينب يا مقصوفة ~~الرقبة، زينب يا أم عقل وسخ. وعندما ms009 ينام الجميع، وتسمع شخير البيه ~~الكبير، ويتوقف لسان ستها الذي يشبه الكرباج عن العمل، تتسلل على ~~أطراف قدميها الحافيتين وتفتح باب الصالون، وتدخل وفي يدها الوناسة ~~لتراه هناك، إلى جانب المطفأة وتمثال نفرتيتي الجربان، يمد لها طرف ~~لسانه، ويفرد لها يديه، ويموت على نفسه من الضحك حتى يكاد أنفه الصغير ~~ينفجر ويطير في السماء. # في ليلة قالت لها ستها: ادخلي مع ستك سميرة لحد ما تنام. ولكن ستها ~~سميرة لم يجئ لها نوم. كانت معفرتة وشيطانة تضحك وترقص على السرير، ~~وتريد لو تستطيع أن تنط من الشباك وتلعب طول الليل. قالت لزينب: احكي ~~لي حدوتة يا زينب. قالت زينب التي كانت تقعد على الأرض أمام السرير: ~~وأنا أعرف حواديت يا ستي؟! احكي لي أنت حكاية القزم القاعد يضحك على ~~الناس وعلى نفسه. # قالت سميرة: طيب عارفة يعني إيه قزم؟ # قالت زينب بعد فترة صمت: أبدا يا ستي. # ضحكت سميرة وهللت وقالت: يعني زيك تمام. قزم يعني رجل صغير، قد ~~عقلة الصباع. # سألتها زينب: والقزم يطلع لسانه ويبرق عينيه؟ # قالت سميرة: أصله نازل ضحك على الناس، إنما قلبه طيب. # قالت زينب مستفهمة: قلبه طيب؟ # فردت سميرة: يعني شاف نفسه في المرآة ضحك على نفسه. # شاف الناس ضحك أكثر صعبوا عليه راح يساعدهم. # سألت زينب: يساعدهم في إيه؟ # قالت سميرة: يعني يعمل شغلهم بعد ما يناموا. أصل الحكاية إنه في يوم ~~راح بيت واحد جزمجي، كان رجل فقير وغلبان هو وامرأته وعياله، ولا عنده ~~جلد يعمل به الجزم ولا حاجة؛ قام القزم صعب عليه أنه فقير، راح اشترى ~~له جلد من معه، وقعد على الكرسي وقعد طول الليل يشتغل لغاية ما عمل ~~الجزمة بتاعة الرجل الجزمجي. الرجل باع الجزمة لواحد زبون واشترى جلد ~~يعمل به جزمة ثانية. قطعه بالليل لأجل يعمل منه جزمة تاني يوم، وتركه ~~على الترابيزة ودخل نام، جاء القزم وقعد يشتغل طول الليل. الصبح صحا ~~الجزمجي من النوم لقى الجزمة جاهزة على الترابيزة، فرح خالص وباع ~~الجزمة واشترى جلد ms010 يعمل به جزمتين، وقطعه وتركه على الترابيزة والصبح ~~لقى الجزمتين جاهزتين. قال لامرأته لازم ملاك من السماء عرف أننا فقراء ~~وطيبين جاء يساعدنا، لازم نصحى الليلة ونشوف من هو. وضع الجلد على ~~الترابيزة بعد ما قطعه ووضبه وقعد هو وامرأته سهرانين علشان يشوفوا ~~الملاك الطيب من غير ما يشوفهم. في عز الليل دخل القزم على أطراف ~~أصابعه وقعد على الكرسي، وراح يخبط بالشاكوش ويدق المسامير لغاية ما ~~عمل الجزمة وقام روح. الجزمجي قال لامرأته: شوفي القزم الغلبان؛ عريان ~~وما عليه هدوم، لازم نفصل له بدلة لأنه ساعدنا وخلى الزبائن تكتر ~~عندنا. ثاني ليلة جاء القزم لقى بدلة وكرافتة وجزمة صغيرة على قد رجليه ~~على الترابيزة، لبسهم وقعد يتنطط ويرقص ويغني، ومن يومها وهو فرحان، ~~وكل ما يلقى واحد مسكين يساعده. # قالت زينب: ويساعدني يا ستي؟ # قالت سميرة وهي تتثاءب: طبعا، ويتزوجك كمان. # وتسللت زينب إلى الصالون وجلست تنتظره. كانت رأسها تلف وتدور ~~كالنحلة، وجسمها مفككا من التعب والجري والطلوع والنزول طول النهار، ~~وعندما دقت الساعة المعلقة على الحائط في الصالة كل دقاتها وجدته ~~يفتح عليها باب الصالون ويدخل، كأنه نزل من السماء أو طلع من بطن ~~الأرض. اقترب منها وهمس في أذنها: زينب، زينب، أنا جئت. # قالت: حضرتك القزم؟ قال وهو يضحك ويخرج لها لسانه: أي خدمة؟ قالت: ~~عندي العجين اعجنه، والغسيل اغسله، والفرش وضبه، واكنس وامسح ونظف وهات ~~الحاجة من السوق. فوجدته يجري كالبلية إلى المطبخ وهات يا شغل. ~~الأطباق في دقيقة كانت نظيفة كالفل، الحوض أبيض من المرآة، الغسيل غسله ~~وراح نشره في البلكونة، الدقيق وضعه في حلة، ورش عليه ماء وهات يا شغل. ~~بعد ما انعجن العجين راح يجري على الفرن، شمر هدومه وحماه وراح ~~يلقمه رغيفا برغيف. بعدما انتهى من العجين والخبيز راح يمسح ويكنس ~~وينفض التراب ويحضر الإفطار ويصحي العيال، وكل ما ينتهي من حاجة يفرك ~~يديه ويرقص ويغني ويطلع لسانه، وبعدما الشقة أصبحت تشف وترف مثل ~~العروسة هزها وقال: زينب، بنت يا زينب! # قالت: ms011 من ؟ من؟ # قال: أنا القزم، جئت أساعدك، أصلك صعبت علي. # قالت وهي تغالب النوم: من؟ # قال: أنا القزم. # قالت زينب: ماذا تريد مني؟ # قال القزم: جئت أساعدك. # قالت زينب: تساعدني؟ لماذا تساعدني؟ # قال القزم وهو يطرق برأسه خجلا وتكاد الدمعة تفر من عينيه: أصلك ~~صعبت علي. # قالت زينب وهي تتفرس فيه: يقولوا عنك إنك دائما عريان، إنما أنت ~~لابس. # قال وهو يداري كسوفه: أصل قلت لنفسي عيب تروح عريان للعروسة. # قالت زينب: عروسة؟ من؟ # قال القزم وهو يؤكد بيده ويخبط على الترابيزة بكل يديه: قلت لك إنت ~~طبعا. # قالت تعانده: لأ؛ ستي تعرف، ثم إني ... # قال القزم بعصبية: ثم إنك إيه؟ # قالت زينب: هنا يعني، لا أم ولا أب وغريبة هنا. # قال القزم: لاتخافي، أنا معك. # قالت وهي تعود إلى التفرج عليه: قلت لك لأ يعني لأ. # غضب القزم، ولكنه كتم غضبه وعاد يقول لها: نتزوج يا زينب وأعمل لك كل ~~شيء. # قالت زينب: لأ، خائفة من ستي. # عاد القزم يلح: نتزوج في الحلال يا زينب. # فردت قائلة وهي تحكم الغطاء على نفسها: لأ، لأ، لأ! # فغضب القزم. اختفت ملامح الضحك والفرفشة من على وجهه، عقد حاجبيه ومد ~~بوزه شبرين، ورآها تمد يدها فتحكم اللحاف على نفسها، فتقدم ونزع ~~اللحاف من عليها، ثم صفعها على وجهها صفعة صرخت معها، وحين فتحت ~~عينيها المحمرتين رأت ستها محنية الظهر فوقها ويدها الخشنة علمت على ~~صدغها وصياحها يفزعها من سابع نومة: قومي يا بنت قامت قيامتك! يعني ~~تنامي للظهر؟ # 1964م # | يا عم يحيى # كانت زوجتي قد أوت إلى الفراش وتركت باب حجرة النوم مواربا. وكنت ~~أسمع أنفاسها تتردد وأنا جالس في الصالة أتصفح جريدة، وأنتظر حتى تسقط ~~من يدي كما هي عادتي كل ليلة فأعرف أن موعد نومي قد جاء، أنهض لأغلق ~~النافذة وأندس في الفراش. ولم أكن مستغرقا في الجريدة التي كنت ~~أبحث فيها عبثا عن شيء يسليني حين سمعت الصوت. انشق فجأة في سكون ~~الليل كالسكين اللامعة فانتفضت وطار النوم من ms012 عيني: يا عم يحيى! يا عم ~~يحيى! # نفس الصوت الذي أسمعه منذ ليلتين، مبحوح ومرتعش ومفاجئ وملسوع، ~~يتلوى ويستنجد ويبكي ويستغيث، كأنه جرح غائر مشقوق في مكان مظلم ~~عميق، جرح أصبح له لسان ينزف بالعويل والصراخ كما لو كانت آلاف السياط ~~تنهش جسد صاحبه، آلاف الأيدي والأقدام تضربه وتلكمه وتركله، وآلاف ~~الطيور والوحوش تمزق لحمه وتلغ في دمه، وتحاول أن تبتلع صراخه فيفلت ~~منها ليسترحم الخليقة كلها. ~~- يا عم يحيى! يا عم يحيى! # لم يكن صوتا؛ فالصوت الإنساني مهما ارتفعت درجته نحس نحوه بنوع من ~~الألفة. إنه لا يفاجئنا، ولا يروعنا ولا يذهلنا كما فعل. كان حشرجة ~~مخلوق تنهار السماء فوقه، يرتج الزلزال تحت قدميه، يحز السيف على ~~رقبته، يمر جسده على كل آلات التعذيب التي عرفتها العصور المظلمة، ~~يسحق تحت طاحونة ثقيلة جبارة. # سقطت الجريدة من يدي ولكن النوم طار من عيني إلى الأبد. وقفت في ~~الصالة ودقات قلبي ترتفع وترتفع. خيل إلي أن أفضل وسيلة للهروب من ~~هذا الصوت أن أخلع ملابسي وأخرج عاريا من البيت، وأجري في الشوارع ~~وأنا أضع يدي على أذني. كان يأتي في البداية منخفضا ممدودا، مميز ~~الحروف، ممطوطا في نهاية كل كلمة. إن الياء في يحيى تمتد كاليد ~~المستعطفة الذليلة الباكية، تعاتب وتشكو وتنتظر. إنه صوت طيب، ~~مستغيث ولكنه لا يزال يرجو، ينادي ولكنه يتوقع أن يسمع من يرد ~~عليه، يتوسل ويبكي ولكنه ينتظر ولم ييأس بعد. ثم يزداد حدة، وتسرع ~~مقاطعه فتصطدم ببعضها كعربات القطار، وترتفع درجته وتزداد نحولا ~~وتوترا وسخطا وعصبية فتأكل الحروف بعضها، وتقفز قفزة واحدة وراء كل ~~دلالة بشرية لتصبح صيحة حادة جارحة مبتورة كسيف يغمد في الصدر ثم ~~يستل فجأة، ومع كل صيحة تزداد الضربات على باب العمارة التي أسكن ~~فيها، وتصبح الضربات هي نفسها صيحات ملهوفة ملسوعة مستغيثة، والصيحات ~~ضربات ثقيلة وخائفة ومدوية ترج الأبواب والشبابيك. # منذ ليلتين وأنا أسمع هذا الصوت يحشرج وسط الظلام والسكون، والضربات ~~تهز باب العمارة كأن صاحبها يدق على باب مقبرة ليوقظ ms013 أصحابها. كان ~~في الليلتين السابقتين ينطلق فجأة ليستمر لحظات ثم يختفي فجأة كما ~~جاء. لا نكاد نفيق من الذهول حتى يذهب. لا بد أن السكان قد ظنوا مثلي ~~أنه أحد أقارب البواب، جاء متأخرا في عز الليل فأراد أن يوقظه من ~~نومه الثقيل، أو كأن صاحبه يعاني من مغص هائل أو يطلب نجدة عاجلة، ~~فأفاقوا لحظة من نومهم ثم نسوا الحكاية، أو لا بد أنهم - حين تكرر ~~هذا الصوت في الليلة التالية - قد عزوه إلى كابوس ثقيل كتم أنفاسهم ~~بعد أكلة دسمة، كابوس ضخم أسود كثيف الشعر اشتركوا فيه جميعا، وحين ~~صحوا منه كان الصوت قد راح لحاله، ولكنه حين تكرر هذه الليلة على هذه ~~الصورة الذبيحة كحشرجة مقتول، الملهوفة كأجراس عربات الحريق أو ~~الإسعاف، الصارخة كبكاء شحاذ تنهشه وحوش الجوع، المستنجدة كصياح ~~مجرم توشك أيدي العساكر أن تقبض عليه؛ لعله حين تكرر هذه الليلة ~~على هذه الصورة بدأ ينبهنا إلى أنه لا بد برغم وحشيته وغربته عن عالم ~~الأرض أن يكون مع ذلك صوتا إنسانيا؛ صوت بشر مثلنا من واجبنا على كل ~~حال أن نرى ماذا يريد صاحبه ولماذا يعكر نومنا. # كنت لا أزال أقف في الصالة حين سمعت جاري الأستاذ عادل همام يفتح باب ~~شرفته في غضب هائل وهو يسب ويلعن ويبرطم، وأسرعت أغلق باب غرفة ~~النوم على زوجتي حتى لا تفزع من نومها، وفتحت أنا أيضا شباك حجرة ~~الصالون المطلة على الشارع العمومي. كان الصوت لا يزال يرن في ~~الآذان وعلى الأسفلت كأنه أوان نحاسية ترتطم، وتظل الموجات المنبعثة ~~منها تتسع وتتسع صاخبة مدوية خرساء. وسمعت جاري الأستاذ عادل همام ~~- الذي كان يبدو في روبه الأحمر وشعره المنفوش وجسده المكور كأنه بصلة ~~إفرنجية - يشخط قائلا في صوت كالرعد: يا جدع انت! يا جدع انت! دوشتنا ~~الله يدوشك! # ولم يكف الصوت عن رنينه الجارح المعتم الرتيب، بل ارتفع وعلت ~~درجته وزاد إلحاحه، كأن سياطا نارية تهلبه وتغذيه بعذاب جديد: يا ~~عم يحيى! يا عم يحيى! يا عم يحيى! ms014 والياء الأخيرة طويلة طويلة تنتهي ~~مقطوعة كأنها تقف في الحلق، ثم تبدأ «يا عم يحيى» من جديد أقرب إلى ~~النشيج اليائس اليتيم المهجور. وزعق جاري، بعد أن سمع صوت نوافذ أخرى ~~تفتح في العمارة، وأنوارا توقد، وهمسات تعلو وتتساءل وتتشابك: عم يحيى ~~من؟ عم يحيى من يا جدع انت! # ويظهر أن صاحب الصوت سمع جاري أو تنبه إلى أنه يقصده بالسؤال، ~~فأوقف ضرباته الهائلة على البوابة وإن لم يوقف نداءه المتكرر ~~المستغيث: عم يحيى يا بواب! يا عم يحيى يا بواب! # فزار جاري - ويظهر أنه تلفت حوله ورفع رأسه، فلمح الجيران ينظرون ~~من الشبابيك، وشعر أنه موكل عنهم في إخماد هذا الصوت: البواب اسمه ~~سالم، ليس هنا أحد اسمه يحيى، ثم إن البواب مسافر عند أهله في ~~الصعيد. # ورفع رأسه من جديد إلى الأدوار العليا وكأنه يتأكد بنفسه أنه ليس ~~هناك بالفعل أحد من سكان العمارة بهذا الاسم. وسمع الصوت من جديد ~~يتأوه ويئن في استسلام وضراعة، وكأن صاحبه - الذي بدا الآن واضحا ~~أمام الباب بجلبابه الأبيض الطويل وقامته النحيلة ورأسه الصغيرة - ~~يسترحم اليد التي تطعنه الطعنة الأخيرة: اصح يا عم يحيى يا بواب! أنا ~~سايق عليك النبي تصحى يا عم يحيى. وصاح الأستاذ عادل بعد أن لاحظ وجودي ~~في النافذة في صوت أقل حدة وأقرب إلى الإقناع منه إلى الغضب: يا أخي ~~قلت لك البواب اسمه عم سالم. الله! كل ليلة تطير النوم من دماغنا؟ كل ~~ليلة هوسة وزعيق وخبط على الأبواب؟ # فاقترب الرجل ناحيته، ورفع رأسه التي كانت الآن تحت شرفته تماما، ~~وقال في صوت كأنه دموع تسقط من الحنجرة: والنبي تنادي لي على عم يحيى ~~يا سعادة البيه. الله يخليك نادي لي على عم يحيى! # فسأل الأستاذ عادل وهو يستند بكلتا يديه على سور الشرفة ويمد رأسه ~~ليتحقق من صاحب الصوت الذي يخاطبه: عم يحيى من يا جدع انت؟ # فأجاب صاحب الصوت: عم يحيى يا سعادة البيه. عم يحيى الرجل الطيب. ~~سعادتك لا تعرفه؟ # فصرخ الأستاذ عادل ms015 نافد الصبر : لا أعرفه ولا عمري شفته! # فعاد الصوت كأنه يجفف دموعه ويقول متعجبا: عم يحيى يا ناس! من لا ~~يعرفه يا عالم؟ # فصاح الأستاذ عادل وقد رأى أن المناقشة طالت أكثر مما ينبغي: قلت لك ~~لا أعرفه ولا عمري شفته. يا الله روح نام وخلي الناس في حالها. # فقال الرجل في هدوء لا يخلو من العتاب: أروح يا سعادة البيه، الله ~~يسامحك! أروح من غير عم يحيى! يعني يرضيك والنبي؟ بذمتك يرضيك؟ # أحسست أنني لا بد أن أساهم بشيء في الموضوع، فسعلت أولا ثم قلت ~~لجاري: يظهر إنه مجنون يا عادل بك. فقال الأستاذ عادل وكأنه يحييني: ~~معك حق يا أستاذ سامي، الظاهر إنه مجنون. ومن بختنا إن جنانه لا يظهر ~~إلا نصف الليل. (ثم موجها الكلام إلى الرجل) اسمع يا جدع، إذا لم تمش ~~ناديت على العسكري! # فقال الرجل وهو يداري وجهه بذراعه في حركة أقرب إلى السخرية منها ~~إلى الخوف: العسكري؟! ويرضيك البهدلة يا بيه؟ طيب والله وحياة سعادتك ~~إنه رجل طيب، رجل طيب ابن ناس طيبين، رجل لا يستحق إلا كل خير. العسكري ~~مرة واحدة؟ طيب والله أنا حفيت لأجل ألاقيه؛ خبطت على الأبواب، ناديت ~~في عز الليل، جعت وعطشت وشفت المر، تركت أهلي وطلقت امرأتي لأجل خاطره، ~~ومستعد أبيع هدومي بس ألاقيه. # فقال الأستاذ عادل وقد لاحظ أن المناقشة قد طالت، وأن معظم الشبابيك ~~قد أغلقها أصحابها، ومعظم الأنوار قد انطفأت، قال وقد ظهر في صوته أنه ~~بدأ يهتم بمعرفة الجواب: طيب لماذا تريده، عم يحيى بتاعك؟ فقال الرجل: ~~لماذا أريده؟ طيب اسأل الدنيا عليه. عم يحيى يا بيه رجل طيب، رجل صحيح ~~وربنا ساترها معه. # قال الأستاذ عادل وقد بدأ يلاحظ أن الرجل يهذي، وأن من المخجل له ~~أن يستمر في الاستماع إليه: طيب يعني ضاقت الدنيا في وجهك؟ يعني لا ~~تبحث عنه إلا في شارعنا؟ وعلى باب عمارتنا؟ قال الرجل في استسلام: ~~وحياتك عندي يا بيه أنا دخت عليه. من الشرق للغرب ومن ms016 الغرب للشرق ~~قلبت الدنيا عليه. خبطت على الأبواب طردوني، ناديت ما أحد رد علي، ~~قلت لهم عم يحيى قالوا لي مات من زمان. قلت يا ناس عم يحيى؟ هو عم يحيى ~~طول عمره رجل طيب ويحب المعروف ولازم ألاقيه. صرخت ضربوني. جريت جروا ~~ورائي. سقت عليهم النبي ما حد حن علي. بست رجلهم قلعوني هدومي ~~وألبسوني القميص. هربت منهم وقلت مصيري ألاقيه. عم يحيى موجود وربنا ~~موجود. قلت يا ولد إن ما لاقيته في السكك والحواري يمكن تلاقيه عند ~~العمارات والشوارع النظيفة، ربنا كريم ولازم ... # التفت الأستاذ عادل إلي وقال: الرجل يخرف. أحسن طريقة ندخل ننام، ~~تصبح على خير يا أستاذ سامي. قلت تصبح على خير، وأغلقت ورائي شباك ~~النافذة وتهيأت للنوم. ولم تمض لحظة حتى عاد الصوت من جديد، ~~متوسلا في هذه المرة ومبحوحا، باكيا أكثر منه مستغيثا، يائسا ~~أكثر منه ملحا أو عنيدا. وتوالت الضربات الثقيلة ترج البيت كأنها ~~تهز شجرة قديمة من جذورها: يا عم يحيى! حرام عليك يا عم يحيى! أنا ~~في عرضك يا عم يحيى! # وفتح شباب الشرفة المجاورة فجأة فارتطم بالجدران في غضب وجنون. ~~وسمعت صوت الأستاذ عادل الجهوري يزعق ويسب ويلعن الدنيا ومن فيها: يا ~~شاويش! يا شاويش! # وفتحت أنا أيضا نافذتي ووقفت أنظر ما يحدث. وما هي إلا لحظات حتى ~~لمحنا الشرطي يتدحرج على أرض الشارع؛ تلمع أزرار سترته على ضوء ~~المصابيح الخافتة على الجانبين، ويختلط كعب حذائه بزعيق الأستاذ عادل ~~بالصرخات الممدودة التائهة بالضربات التي تنهال على البوابة الحديدية ~~بوحشة الليل وعتمة الظلام وأصوات الزجاج والنوافذ التي تفتح واحدة ~~بعد الأخرى، بنداءات الغضب والاستفسار والسخرية التي تنبعث منها في ~~نفس واحد. وأقبل الشرطي فأمسك بالرجل من رقبته، ولم يكن في حاجة إلى ~~أن يسأل؛ فالجريمة واضحة، وإزعاج الناس في عز الليل لا يحتاج إلى دليل. ~~قال الأستاذ عادل: يا شاويش! أنا عادل همام القاضي، وزميلي الأستاذ ~~سامي عبد المولى مدرس ثانوي، هذه ثالث ليلة يزعجنا فيها. ناقص يوقع ~~العمارة على رءوسنا. ms017 الأولاد فزعت من النوم، سمعنا الخبط قلنا القيامة ~~قامت. أرجوك يا شاويش تعمل اللازم. # قال الشاويش وهو يحيينا في تكاسل: حاضر يا سعادة البيه إنت وهو. على ~~القسم قدامي يا بوز القرد، أي خدمة يا بهوات، والله يا بيه من ليلتين ~~سحبته بنفسي على القسم. الشاويش النوبتجي قعد يسأله طول الليل. خطرف ~~ولخبط، باس تراب الأرض وقال بس كله ولا الحبس يا سعادة الشاويش، كله ~~ولا سراية المجاذيب؛ صعب علينا رميناه في الشارع وقلنا رزقه على الله. ~~هو حر مع عم يحيى بتاعه. رجعت للنكد يا بوز القرد؟! # قال الأستاذ عادل في لهجة قاطعة: المهم تعمل اللازم يا شاويش! ثم ~~وهو ما يزال يوجه كلامه إلى الشاويش: تصبح على خير يا أستاذ ~~سامي! # صفع باب الشرفة وراءه، وبقيت أنظر إلى الشاويش الذي أمسكت يده برقبة ~~الرجل وراح يدفعه أمامه ويتثاءب بصوت عال. واضطر أن يوسع من خطواته ~~ليلحق بالرجل الذي كان يهبع أمامه كالجمل المسرع في طريقه إلى ~~السلخانة. ولم تمض لحظات حتى اختفى شبحهما في الظلام. # 1964م # | عبد الحق أفندي # الساعة الثامنة «عبد الحق أفندي» الموظف بقلم الحسابات بمصلحة «...» ~~كالثور الهائج، ضرب بقبضة يده على أول مكتب صادفه وهو يزأر كأنه سبع ~~أفلت لساعته من القفص. أنا لن أحتمل هذا، لن أحتمل، أيجرؤ أن يقول إنني ~~أحمق، وإني كلب، وإنني أخرف أيضا؟ ويقولها في وجهي؟ لست أنا الذي ~~يقال له هذا الكلام، لست أنا. وأخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابا، وجسده ~~كله ينتفض، ولكن الغرفة لم تتسع لصولاته؛ فقد كانت مزدحمة بالمكاتب ~~تماما؛ لذلك فقد وقف في وسط الغرفة وأخذ يخطب بصوت عال وهو يدق ~~صدره بيده: لقد قال لي إنني أحمق، ورفع صوته في وجهي أيضا. تجرأ ~~علي أمام الموظفين، وأين؟ في مقر عملي، ولكنني سأنتقم - نعم سأنتقم. ~~سأقول له يا سيدي لقد أخطأت، إنك لم تعرف من أين تؤكل الكتف. # ويبدو أن هذا التعبير قد راقه، فأخذ يكرره مرارا، وهو ما يزال ~~يدق صدره بقبضة يديه، ووجهه متشنج ms018 بالغضب. # كان منصور أفندي السيد جالسا أمام مكتبه، وكان يراجع دفتر المهايا. ~~ويظهر أنه لم يسمع الصوت الهادر في الغرفة؛ إذ لم يرفع رأسه الأشيب عن ~~الملف العريض. أما زميلاه محمود أفندي البنهاوي وعبد الرحيم أفندي عبد ~~اللطيف فقد كان أحدهما يشرب قهوة الصباح ويعزم على جاره بسيجارة، ويلح ~~عليه قائلا: جرب السجائر العربي؛ إنها لا تتعب الصدر. # وعاد صوت عبد الحق أفندي يدوي من جديد، ويلطم الملفات الرابضة فوق ~~المكاتب، وعاصفة من الغبار المتراكم فوقها: إنها لمهزلة مضحكة، بل ~~ومأساة أيضا، أن تهدر كرامة الناس هكذا، ويهان الرجال على هذا الوجه ~~البشع. # لقد شاب شعري يا إخواني، شاب شعري، وكلت عيناي من النظر في ~~الملفات، ثم يكون جزائي جزاء سنمار. ورأى أن العبارة الأخيرة عبارة ~~أدبية صحيحة، فأخذ يعيدها قبل أن يستطرد، لا يا سيدي، إنني سألعنك في ~~وجهك، سأقول لك إنك تسبني بغير وجه حق، لن أخاف شيئا، نعم، لن ~~أخاف! # الساعة الثامنة والربع. # اقترب عبد الحق أفندي من مكتب منصور أفندي السيد ووجهه الأحمر يلتهب ~~بالغيظ، وعيناه تنذران بالشر المحقق، وانحنى عليه وهو يقول: هل رأيت ~~يا منصور أفندي، هل رأيت الناس تشتم وتضيع كرامتها على آخر العمر؟ ولم ~~يرد منصور أفندي فعاد يصرخ: ولكني سأنتقم، سأنتقم. # فسأله منصور أفندي ولم يرفع وجهه عن الملف العريض. ~~- ماذا ستفعل يا عبد الحق أفندي؟ ~~- ماذا أفعل؟ وهل هذا سؤال؟ وماذا يفعل رجل شريف يرى شرفه في الوحل؟ ~~قل لي بالله عليك ماذا يفعل؟ # قال منصور أفندي وهو يرفع رأسه ويحك ذقنه بيديه مفكرا: يا عبد ~~الخالق أفندي. ~~- هيه؟ قالها عبد الحق أفندي وقد فرغ صبره. ~~- هل تسمع نصيحتي؟ ~~- بالطبع، إنك زميلي من عشرين سنة. ~~- هذه الثورة لا لزوم لها. ~~- لا لزوم لها؟! إنكم ستتفرجون عليه، سترون كيف يعتذر إلي أمامكم ~~جميعا. ~~- يا عبد الحق أفندي. ~~- هيه؟ # قالها في هدوء وهو في شوق إلى ما يقوله الرجل الحكيم. ~~- شوف يا عبد الحق، أنا شخصيا لا أحدث نفسي يوما بأن أرفع ms019 وجهي ~~في وجه رئيسي. يجب أن يعرف كل إنسان حده؛ هذا رئيس، وهذا مرءوس. لقد ~~علمني أبي - ألف رحمة عليه - وهو الذي أمضى في خدمة الحكومة أربعين ~~عاما - كيف أعامل علية القوم. أتدري ماذا كان يقول لي؟ ~~- ماذا كان يقول؟ ~~- يا منصور يا ابني لا تنظر إلى فوق. انظر إلى من هم دونك دائما. ~~هذه مواعظ القدماء يا منصور أفندي. ~~- كذب. كذب. # وهاج عبد الحق أفندي، وأخذ يذرع الغرفة الضيقة مرة أخرى وهو يتميز ~~من الغضب. ~~- هل نحن عبيد؟ لا. وإذا كان الإنسان قد اختار أن يكون عبدا فإن له ~~الحق في أن يطلب الحرية يوما. أليس له الحق في ذلك؟ أليس له الحق يا ~~عبد الرحيم أفندي؟ ولم يرد عبد الرحيم أفندي، فعاد يقول: أقول إن ~~الإنسان إذا ما وضع في السجن فله الحق في أن يفكر في الحرية. ~~- لا. كان هذا هو صوت محمود أفندي البنهاوي. إذا وجد الجميع أنفسهم ~~في السجن فليس لكلمة الحرية معنى. فزأر عبد الحق أفندي: لا، لا. إنني ~~لا أتفق معك. الحرية لا يعرفها إلا المساجين. أليس كذلك يا ~~محمود؟ ~~- هيه. سبعة وخمسين وخمسة. هيه. ماذا تقول؟ ~~- أقول إن الناس لم يولدوا عبيدا. ~~- هيه. اثنان وسبعين وسبعة. هل قلت إن الناس عبيد؟ ~~- قلت وسأقول دائما إنهم ليسوا عبيدا، إنهم ولدوا أحرارا، ألم ~~يقل ذلك عمر بن الخطاب؟ # فأجابه محمود أفندي البنهاوي الذي كان قد فرغ من شرب قهوته: بل ~~نابليون. # وزعق عبد الحق أفندي كأنه بطل محارب يبارز خصما عنيدا، ويجرد ~~سيفه ليطعنه في صدره. ~~- غدا سترون أنني رجل حر. هل قلت غدا؟ الآن سترون كل شيء، وسيصير ~~هذا العجوز المتعجرف مسخة للجميع! الآن سترون! # الساعة الثامنة والنصف. # اقترب عبد الحق أفندي من مكتب محمود أفندي البنهاوي، وشد كرسيا جلس ~~عليه وهو يمسح العرق المتصبب من وجهه. لقد ضبط أعصابه عن ذي قبل، ~~ويستطيع الآن أن يزن الأمر في تعقل. ~~- لقد قال لي أنت أحمق. هل أنا أحمق؟ وهل توظف الحكومة الحمقى في ms020 ~~دواوينها؟ # قلب محمود أفندي غلاف الملف الذي كتب عليه بالثلث بخط أسود كبير: ~~«أذونات الصرف.» وما لبث أن قال: السن له حكمه. أريد أن أراجع ملف ~~المهايا فأخطئ وأراجع الأذونات. # وعاد عبد الحق أفندي يقول: قل يا محمود أفندي، قل لي بالحق. نعم، إني ~~أحب أن أقف إلى جانب الحقيقة ولو شنقوني. # فوضع محمود أفندي يده على خده وأنصت إليه قائلا: هل يمكن أن ينجو ~~الإنسان من الخطأ؟ أليست العصمة لله وحده؟ وللأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - خطأ بسيط في المراجعة يستحق أن يهان من أجله رجل طويل ~~عريض مثلي؟ ~~- وهل أهانك حقا؟! ~~- سبحان الله! ألم يقل لي إنني أحمق، وإنني كلب أيضا؟! ~~- لم أسمع شيئا من هذا؟ ~~- تسمع؟ ألم يصرخ في وجهي أمامكم جميعا؟ ~~- يا عبد الحق أفندي، عندك كم ولد؟ ~~- عندي كم ولد؟ ستة. ~~- في سبيل لقمة العيش، أحتمل، يا ما تحملنا. ~~- أنا أدافع عن شرفي، عن كرامتي. أنا رجل شاب شعره في الديوان. قل ~~لي بالله، أليس لي الحق أيضا في أن أدافع عن شرفي؟ ~~- يجب أن تدافع عن رزق أولادك أولا. خمسة وستين وسبعة. وبدأ يراجع ~~نهرا طويلا من الأرقام. # الساعة التاسعة إلا ربعا. # اقترب عبد الحق أفندي من مكتب عبد الرحيم أفندي عبد اللطيف. كان هو ~~الوحيد في المكتب الذي يمكن أن يأخذ ويعطي في الكلام معه؛ فقد كان ما ~~يزال شابا، برغم أنه قضى عشر سنوات في الدرجة التاسعة قبل أن يشمله ~~الإنصاف، ثم إنه يتميز بالحكمة والتعقل بالرغم من أنه - وقد تخطى ~~الأربعين - ما يزال أعزب، وأنه ينفق ماهيته على نفسه، ولا يحرمها من ~~المتع المحرمة على رفاقه من الموظفين. # قال عبد الحق أفندي وهو يسحب الكرسي إلى جانبه: أنت رجل عاقل يا عبد ~~الرحيم أفندي، ومن صواب الرأي أن آخذ رأيك. ~~- فيم؟ ~~- ولكن في هذه القضية، ألم يصرخ في وجهي؟ ألم يقل لي إنني أحمق، ~~وإنني كلب؟ ألم يقل لي اغرب عن وجهي، وعلى مشهد منكم؟ ألم يفعل هذا ~~كله؟ ~~- أنت الملوم يا ms021 عبد الحق أفندي . ~~- يا ناس! إذا كنت مخطئا فدلوني على الصواب. إذا كنت ... ~~- هل يثور العبد على السلطان؟ متى كان هذا يا صاحبي؟ أفعل مثلما ~~فعلت؟ ~~- ماذا فعلت يا عبد الرحيم أفندي؟ ~~- إذا قال رئيسي هذا هو الشرق قلت له نعم يا سيدي، هذا هو الشرق. ~~وإذا تردد قليلا وفكر ثم قال: لا، بل هو الغرب. أجبته قائلا: ~~نعم، هو الغرب يا سيدي. اللباقة، اللباقة يا عبد الحق أفندي هي التي ~~تنقص الموظفين في بلادنا. ~~- وماذا نفعل إذا كان الله قد خلقنا كذلك؟ ~~- أعترف بأن جو بلادنا هو المسئول عن هذا. الحرارة هي التي تشد ~~الأعصاب، فينطق الإنسان بما لا يعرف كما نطقت أنت. # وانكب عبد الرحيم أفندي على عمله، وأمر الساعي أن يدير المروحة، ~~ونهض عبد الحق أفندي من مكانه، وكأن الشيطان قد لبس جسده الناحل من ~~جديد؛ فقد هاج مرة أخرى وأخذ يصيح بصوت كان أهدأ من المرة الأولى بلا ~~مراء: ولكن يجب أن أنتقم، يجب أن أثور لشرفي. هذه سخرية والله. كيف ~~تمنعونني من أن أثور لكرامتي؟ مرة واحدة، مرة واحدة يا ناس. كيف ~~تمنعوني مرة واحدة بعد أربعين سنة؟ # ونظر إلى ساعة الحائط. كانت تعلن التاسعة تماما، واتجه عبد الحق ~~أفندي إلى مكتبه. # دخل رئيس قلم الحسابات الساعة التاسعة وخمس دقائق. لم يحي أحدا ~~بتحية الصباح، وإنما قصد مكتبه مباشرة، فجلس على كرسيه المريح وأخذ ~~يدور فيه حول نفسه؛ فقد كان الكرسي مجهزا بحيث يزيد في راحة الجالس ~~عليه، ويتيح له أن يلف حول نفسه كما يشاء، وأخذ يدور بعينيه ~~الواسعتين بين رءوس الموظفين، وأشعل سيجارا طويلا - كان يفضله على ~~السجائر، ويبرز ذلك دائما بقوله إن العامة تشرب السجائر، والإفرنج ~~وحدهم الذين يدخنون السجائر - وكانت عيناه الواسعتان تلتمعان خلف سحب ~~الدخان المتصاعدة من فمه. وتنحنح ثم نادى على عبد الرحيم أفندي. # كان عبد الحق أفندي في هذه اللحظة يفكر في الانتقام، ويعيد في ذهنه ~~الكلمات التي سيرددها على مسمع من الجميع، ولكن لم تهرب منه ~~الكلمات؟ ms022 لم يحاول أن يقبض عليها فتفلت منه كالأرانب المذعورة التي ~~تعدو في الظلام. وشعر بقلبه يغوص في قدميه، ثم شعر به يدق دقات ~~عنيفة كأنه قد صعد إلى مكانه مرة ثانية، واندفع يريد أن يقفز من ~~حلقه. ونادى رئيس القلم على محمود أفندي، وعبد الخالق أفندي يراجع ~~الكلمات التي سيقذف بها - في شجاعة وبلا أدنى خوف - في وجه رئيس ~~الحسابات المتعجرف، وناجى نفسه قائلا: لعنة الله على رئيس قلم ~~الحسابات، وعلى جميع رؤساء أقلام الحسابات، في حكومات العالم كله، وفي ~~حكومة فرنسا - لم فرنسا؟ - وهربت الكلمات منه مرة أخرى. رآها وهي ~~تهرب منه، وأخذ يلاحقها وهو يلهث. كانت كالشهب الضائعة في سديم من ~~الضباب. ~~- يا عبد الحق أفندي. # ووجد نفسه يهب مذعورا من مكانه. ~~- هات دفتر الخصومات معك. # ولكنه كان قد غادر مكتبه إلى مكتب الرئيس. ~~- أين دفتر الخصومات؟ # إذن فقد نسيته يا عبد الحق، لعنة الله على النسيان! في مثل هذه ~~الأحوال يجوز لك أن تنسى؟ # وعاد مسرعا فالتقط الدفتر من مكانه ووضعه أمام رئيس قلم الحسابات، ~~بدا له في هذه اللحظة كأن الموظفين جميعا يتغامزون ويهزون رءوسهم ~~ويشيرون إليه فالتفت وراءه. وكم كانت سعادته حين وجدهم جميعا غارقين ~~في دفاترهم. وحين فرغ الرئيس من مراجعة دفتر الخصومات تناوله عبد الحق ~~أفندي وأسرع به إلى مكتب، يلوذ به كأنه مأواه. ~~- لا تنس الإذن الإضافي يا عبد الحق أفندي. # ينسى؟ وهل هذا معقول؟ # عكف عبد الحق أفندي على الدفتر الكبير، وحدثته نفسه - ونفس الإنسان ~~تحدثه بالسوء دائما - بأن يرفع رأسه ليرى زملاءه. # وجمع شجاعته كلها ليدير عينيه بينهم. كانت رءوسهم محنية على الدفاتر ~~تفحصها فحصا دقيقا. # وانحنى رأس عبد الحق أفندي. # 1953م # | القلم # ضربوني يا سعادة البيه. والله يا سعادة البيه ضربوني. أولاد الحرام ~~اتلموا علي. هجموا علي في عز الليل. كنت في حالي لا بي ولا ~~علي، نزلوا علي ضرب. بهدلوني. نعم؟ أحكي الحكاية لسعادتك؟ من ~~الأول؟ الله يعمر بيتك ويوقف لك أولاد الحلال. ينصرك على الظالم ويرزقك ~~برزق ms023 عيالك. نعم يا سيدنا الأفندي؟ من هم؟ ناس ظلمة بعيد عنك، اتلموا ~~علي وضربوني، هجموا علي من الباب للطاق، قلم وراء قلم، آه وحياتك ~~عندي، نزل يرف على صدغي. لا عمري شفتهم ولا كلمت أحدا منهم. آي ~~والله يا سعادة البيه، لا مؤاخذة؟ أقول الحكاية من الأول؟ أدخل في ~~الموضوع على طول؟ حاضر يا سعادة البيه، على عيني وراسي. ربنا يعمر بيتك ~~ويوقف لك أولاد الحلال. قلت لسعادتك إنهم ضربوني. هم من؟ ناس أولاد ~~حرام بعيد عنك. أقول الأول أنا من؟ اسمي وبلدتي وصنعتي؟ أمرك يا سعادة ~~البيه. والأمر كله لله. اسمي عبد الموجود، عبد الموجود من؟ محسوبك عبد ~~الموجود بن عبد الموجود، آي والله وحياة مقامك عندي. لا مؤاخذة من ~~الصعيد الجواني. البلد؟ مركز جرجا يا سعادة البيه. رجل على قد حالي، ~~يوم هنا ويوم هناك وكلها أرض الله. يوم فلاح ويوم بياع فجل ويوم ~~شيال على ظهري. ويوم أشتغل وعشرة من غير شغل. وكلها لقمة عيش والرزق ~~كله بالله. تركت الولية والعيال في البلد وقلت أسعى على باب الله؛ أصل ~~لقمة العيش تحب الشقا، إنما الأرزاق كلها ولا يخفى على سعادتك على ~~الله. أدخل في الموضوع؟ ما هي الحكاية ... حاضر يا سعادة البيه. ما أنا ~~قلت لسعادتك إنهم ضربوني، آي والله هجموا علي وضربوني. أولاد الحرام ~~اتلموا علي وبهدلوني. كنت في حالي لا بي ولا علي، في عز الليل ~~والدنيا ساكتة والناس نايمة في بيوتها، وأنا ماشي في حالي لا أكلم ~~أحدا ولا أبص لأحد. بصيت لاقيتهم من بعيد، جماعة بهوات محترمين، كانوا ~~مفرفشين ومبسوطين وضحكهم يصحي النائمين. قلت يا عبد الموجود لازم ~~راجعين من السيما. الله يلعن أبو السيما وسنينها؛ من يوم ما دخلت البر ~~والناس بقى حالها غير الحال. تعلموا السهر وطلع من قلوبهم الإيمان. أنا ~~قلت في سري ما لك يا ولد وما لهم، شبان وربنا يمتعهم بشبابهم. ربنا ~~قادر على كل شيء، ومصيره يصلح حالهم ويهدي قلوب المسلمين. قربوا مني ~~قلت ابعد أنت عنهم. ms024 فاتوا من جنبي قلت اللهم فوت الليلة على خير. ~~تغامزوا وتلامزوا قلت اللهم أخزيك يا شيطان. فرقعوا بالضحك والقهقهة ~~قلت جمد قلبك يا عبد الموجود، أنت في حالك وهم في حالهم وكل واحد وله ~~طريق. وقفوا ورائي قلت في عقل بالي مصير كل حي يروح في طريقه. سمعت ~~واحد منهم ينادي علي: أنت يا رجل يا فلاح! أقول الحق قلبي سقط في ~~رجلي. بصيت ورائي وأنا أرتعش، جمدت قلبي وقلت نعم يا سيدنا الأفندي؟ ~~نادى علي وقال: تعال هنا! قلت وأنا ركبي تنتفض: أيها خدمة يا سيدنا ~~الأفندي؟ وقفت قدامه في أمان الله لقيت القلم على صدغي قلت آه! تقول ~~ترماي وصدمني؟ آي وحق من أحياني. جئت أتكلم كان القلم الثاني حصله. ~~تقول كرباج ولسعني، سكينة وانغرزت في عيني؟ سعادتك تضحك، آي والله يا ~~حضرة البيه. يمكن صحيح حاجة تضحك لكن أنا لقيتني من غير مؤاخذة دخت ~~ودماغي لفت وعيني زغللت ما عرفت رأسي من رجلي. الأفندية ضحكوا وهللوا ~~واتلموا علي. واحد يشد هدومي والثاني يلطعني على قفاي والثالث ~~يناولني بالشلوت، حتى دقني شدوها وضحكوا عليها. وأنا ولا يخفى على ~~سعادتك - رجل كبارة وصاحب عيال، آي والله صاحب عيال، يمكن قدهم أو أكبر ~~منهم. صحيح لا عمري لبست بدلة ولا دخل في مدارس، لكن رجل كبير ومخلف ~~عيال. يا ناس عيب! يا ناس أنا رجل كبير، رجل على باب الله صحيح إنما ~~رجل كبير. هو الغلبان كفر يا ناس؟ يا أفندية حرام عليكم، الدنيا ليل ~~والناس نايمة في بيوتها. يا ناس بلا ضرب وبلا إهانة، يعني ما لقيتم ~~غيري تضحكوا عليه. آه! آه! الأقلام دوختني. الشلاليت هزت ظهري. شلوت من ~~اليمين وقلم من الشمال. رفسة في البطن وهبدة على الدماغ. قل وقعت على ~~الأرض، تقول لا مؤاخذة عجل وكترت عليه السكاكين؟ عددهم كم؟ والله ما ~~أعرف يا سعادة البيه، قل ستة قل سبعة، يمكن أكثر يمكن أقل، ربنا وحده ~~يعلم، كل واحد منهم مثل الحصان؛ صحة وشباب وأبهة، ناس محترمين ms025 أولاد ~~ناس محترمين صحيح . استفرسوا في وعملوني مسختهم. نعم؟ السبب في ضربهم ~~لي؟ بس لو كنت أعرف، لو كان أحد دلني عليه؟ القصد وقعت، جاءت وقعتي ~~بعيد عنك سوداء. الأفندية بعد ما ضحكوا وانبسطوا راحوا لحالهم. تمددت ~~على الأرض والدم يشر مني، من عيني أو من رأسي ربنا وحده أعلم. بحر ~~وغرقت فيه ولا من سمع ولا من دري. الشارع اسكت هس، لا فيه كبير ولا ~~صغير. حتى العسكري ناديت عليه ما حد رد علي. تهت وغبت عن الدنيا وما ~~فيها لا حد سأل عني ولا حد رأف بحالي، قل ساعة قل اثنين رجعت لعقلي ~~لقيت الفجر شقشق والديوك صيحت والطير على الشجر وحد الخلاق. قلت يا ~~ولد تروح لمن وتشتكي لمن وأنت هنا غريب يا ولداه، لا أحد يعرفك ولا أحد ~~عمره يسأل فيك. الناس صحت وقامت تسعى على رزقها، والطير صحا وقام يجري ~~على قوته، والترماي مشى في الشوارع. أنا قلت يا ولد تروح القصر الحكما ~~يربطوا لك دماغك. قل جئت على نفسي رحت على هناك قطعت التذكرة ودخلت. ~~الحكيم كان رجل طيب مثل سعادتك، ربط لي عيني ودماغي وسألني عن اللي ~~حصل، قلت له ربنا يجازي أولاد الحرام؛ ضربوني وبهدلوني وضحكوا علي ~~حتى القلم ما زال معلم على صدغي. ضحك الله يعمر بيته وسألني: تعرفهم؟ ~~قلت له والله ولا عمري شفتهم يا سعادة البيه، ولا حتى كان بيني وبينهم ~~تار. نادى على العسكري قال خذه على البيه المدير الكبير واعمل له ~~اللازم. قل رماني في الشارع جئت على هنا لقيتني في مكان ما وقعت. مثل ~~ما قلت لسعادتك كده. حكيت لك على الحكاية. ربنا ينجيك من أولاد الحرام. ~~حاجة ثانية؟ لا والله يا سعادة البيه، لا أتهم أحد؟ أولاد الحرام طبعا ~~وسعادتك سيد العارفين، ربنا مصيره ينتقم منهم. # أقول لسعادتكم على اسمهم؟ وأنا أعرف أحدا منهم يا سعادة البيه؟ ~~أولاد حرام منهم لله يخلص منهم. تشطروا على رجل في حاله. كتموا عليه ~~نفسه. ضربوه وبهدلوه، حتى القلم ms026 معلم على صدغي. آي والله! شفت سعادتك؟ ~~لا تقول إني كذاب لا سمح الله وحياة مقامك عندي يا سعادة البيه. تقول ~~ولا بصبوص نار؟ تقول كرباج لسعني ولا فاس قسم وجهي نصفين؟ خلاص؟ سعادتك ~~تقول أروح للقسم؟ أقدم بلاغ فيهم؟ نعم؟ وسعادة الشاويش يبعته لسعادة ~~القاضي؟! قاضي من؟ تقول يقيدوه ضد مجهول؟ طيب شفت حضرتك الرباط على ~~عيني ودماغي. يعني يرضيك يضربوني ويتقيد ضد مجهول؟ بقى القلم معلم على ~~صدغي ويقيدوه ضد مجهول؟ # | يونس في بطن الحوت # لم أكن أعلم أنها ستكون ليلة سوداء، ولا كنت أتصور أنني سأحمل في ~~آخرها إلى المستشفى كما يحمل النعش على الأعناق. # فبعد أن أعطيتهم المعلومات اللازمة عني، وقيدوا اسمي ورقم بطاقتي ~~على استمارة في حجم الكف، قادوني إلى حجرة في الدور العلوي، في نهاية ~~ممر مظلم. قالوا لي ليس عندنا غيرها، وسيشاركك فيها محمود بك، عندما ~~يأتي متأخرا كعادته بعد سهرة طويلة في الكازينو. ولم يكن يهمني أن ~~أعرف شيئا عن محمود بك، فلم أسألهم عنه، بل دخلت إلى الغرفة وأقفلت ~~بابها ورائي. كنت متعبا من السفر في أوتوبيس البراري، محملا ~~برائحة العرق والتراب والزحام، وكان كل همي أن أستسلم للنوم في أسرع ~~وقت، وألقيت نظرة سريعة على الحجرة، ولم يكن بها أكثر من دولاب خشبي ~~صغير وسرير مستطيل بدا لي لكآبته كأنه تابوت، فوقه ملاءة بيضاء عليها ~~بقع غامقة، ولحاف حال لونه وبدت آثار العرق على أطرافه المتسخة. ~~وألقيت بنفسي على الكرسي الوحيد الموضوع إلى جانب السرير، فخلعت ملابسي ~~وألقيتها كيفما اتفق، وأخرجت بيجامتي وأسرعت أرتديها قبل أن يكبس علي ~~النوم. # كانت متاعب اليوم قد ازدحمت علي فلم تبق في قدرة على التفكير ~~فيها. لقد طردني أبي من البيت في أول النهار. صرخ في وجهي بأعلى صوته: ~~رح في ستين داهية وإياك أن تعتب الباب وإلا قطعت رجلك. وحين حاولت أن ~~أرد عليه بصق في وجهي وصفعني. كان لا بد أن أغادر البيت وأن أغور من ~~وجهه كما قال. ولم يكن هناك ms027 فائدة من محاولة الصلح معه أو استعطافه بعد ~~أن أهانني أمام الناس أكثر من مرة. وبكت أمي وهي تراني أعد حقيبتي ~~وقالت: أبوك يا ابني على كل حال. رح بس يده ومصيره يرضى عنك. وصرخت ~~فيها وقلت إن العيشة معه أصبحت تكفر وإن بلاد الله واسعة. وقلت إنني ~~سأعرفه شغله وآخذ حقي منه، وإن شاء الله سأحجر عليه وأدخله ~~المورستان. وأعطتني أمي جنيها وضعته في جيبي مع الجنيهين اللذين كانا ~~معي، ورزعت الباب خلفي وأنا أسمعها تدعو لي بأن يصلح الله حالي ويخزي ~~الشيطان عني. # كان لا بد من وضع حد لتصرفات أبي التي زادت عن كل حد. لقد نسينا أنا ~~وأمي وأخوتي الصغار، وكلهم في المدارس ويستحقون التربية، ولم يعد يسأل ~~عنا بقرش واحد، وليته تركنا في حالنا ندبر معاشنا بأيدينا؛ فدكان ~~البقالة الذي نعيش منه يكفينا ويستر علينا، ولكنه لطخ اسمنا بالوحل، ~~حتى صار الناس كلهم في بلدنا يرددون فضائحه، ويأكلون وجوهنا بتظاهرهم ~~بالعطف علينا. لم يكتف بأن يهجر البيت ليعيش مع هانم الغازية - وبعض ~~الألسنة تقول إنها كانت خادمة في بيت العمدة الذي لا يغيب عن مجلسه - ~~بعد أن شاخ وزاد على الستين، بل كان يأتي غاضبا إلى الدكان كل يوم ~~والثاني ويفرغ الدرج مما فيه، ويحاسبني أيضا ويتهمني بالسرقة ~~والإهمال وتطفيش الزبائن. وقد صبرت وشلت الحمل حتى تعبت وصعبت علي ~~نفسي من الذل والنكد والإهانة والشتائم بسبب وبغير سبب. وكان لا بد من ~~أن أفكر في حل يضمن لنا لقمة العيش، ويريحنا من غارات أبي علينا ~~ويسترنا من فضائحه. فقررت أن أسافر إلى المركز وأسأل عن رجل أصله من ~~بلدنا اسمه حسان يشتغل وكيل محام هناك، وأعرف منه إن كان من الممكن ~~أن أرفع دعوى الحجر على أبي. وهكذا سافرت في ذلك اليوم ووصلت متعبا ~~في المساء إلى الفندق الرخيص الذي دلوني على تلك الحجرة فيه. # وفتحت عيني فجأة على أثر إحساس بأنفاس حارة تصدم وجهي. وكان أول ~~ما وقعت عليه وجها أحمر منتفخا لم أتبين ms028 من ملامحه في أول الأمر ~~شيئا، واعتدلت في الفراش محاولا أن أعتذر عن وجودي في الحجرة، وأن ~~أشرح للرجل الذي كان منهمكا في خلع ملابسه أنه لم يكن لي يد في ~~مشاركته في الحجرة في تلك الليلة. وجاءني صوت عميق خشن يقول: مساء ~~الخير. فرددت السلام مرتبكا، ورفعت يدي إلى رأسي فأصلحت شعري، ~~واعتدلت في جلستي على الفراش. ~~- كنت تشخر شخيرا عاليا. يظهر إنك تعبان. # نظرت إليه ولاحظت وجهه الضخم ورأسه الصلعاء والشعر الكثيف على صدره، ~~وقلت: من السفر فقط، أرجو ألا أقلقك الليلة. ~~- أبدا أبدا؛ أنا دائما نومي ثقيل. # ثم بعد لحظة وهو يرتدي جاكتة البيجامة. ~~- غريب؟ ~~- نعم؛ جئت أستشير وكيل محام من بلدنا في مسألة، وربما دعوى في ~~المحكمة. ~~- في المحكمة؟ إذن فسوف تنظر أمامي. # اعتدلت أكثر في الفراش وسألت: حضرتك؟ # فقاطعني قائلا: نعم، قاض في المحكمة الجزئية، أحضر إلى هنا يومين ~~في الأسبوع وأرجع لمصر بعد الظهر. # وازداد انتباهي فأردت أن أنتهز الفرصة وأستشيره في حكايتي. ورحت أشرح ~~له قصتي مع أبي وهو يستمع في هدوء، وحين انتهيت من سردها عليه سألني ~~وهو يبتسم: ما اسمك؟ # ومع أن السؤال بدا لي خارجا عن الموضوع فقد أجبت: يونس، يونس عبد ~~العظيم. # فأطرق برأسه حتى كادت تلامس الشعر الأسود الكثيف في صدره، وقال: ~~يونس هيه، ماذا تريد؟ # أفلت مني الرد الطائش كأنني أصرخ في حلم، فهتفت: أريد ~~العدالة! # زاد من تقطيب وجهه ومسح ذقنه بكفه قبل أن يقول: يونس، ويبحث عن ~~العدالة؛ نفس الحكاية القديمة! # لم أفهم شيئا، فقلت: هل ترى سعادتك فائدة في الدعوى؟ # فوقف وأخذ يتمشى في الحجرة التي بدت ضيقة وهو يذرعها بخطواته الواسعة ~~المتأنية، ثم وقف فجأة وأشار إلي بيده الضخمة: هل تعرف ماذا جرى ~~له؟ # سألت في حيرة: لمن يا سعادة البيه؟ # فقال في عصبية: ليونس طبعا. قلت لك ليونس! # قلت وقد ازدادت حيرتي: وأين جرى له هذا؟ # قال كأنه لم يسمعني: في جوف الحوت طبعا! # ولم أفهم عن أي شيء يتكلم فرأيت من ms029 الخير أن أسكت. وزادت مخاوفي وأنا ~~أراه يقترب من السرير ويشخط في كأنه يوقظ ميتا: عار عليك ألا ~~تعرف! # بلعت ريقي وأخذت أفتش في رأسي عن كلمة أهدئه بها، وأعتذر له ~~بأنني رجل غريب ولا أعرف عن الموضوع شيئا، ولكنني اطمأننت قليلا حين ~~رأيته يدور على نفسه ويسير خطوات في الحجرة ثم يقف في وسطها تماما، ~~ويشبك ذراعيه حول صدره ويحك ذقنه بيده ثم يخطب قائلا: الحقيقة أن ~~الآراء مختلفة في هذه المسألة، مختلفة كل الاختلاف، حتى إنني أعذرك إذا ~~اكتشفت أنها متعارضة مع بعضها. هناك من يقولون مثلا إن يونس بعد أن ~~يئس من أهل نينوى سار إلى شاطئ البحر. وهناك من يقولون أيضا إن الله ~~هو الذي طرده بنفسه من المدينة العظيمة. وعلى كل حال فقد كان من رأيه ~~أنه فشل في مهمته، وأنه لم يعد هناك مبرر لحياته على الإطلاق. تستطيع ~~أيضا أن تقول إنه كان خجلا من أن يراه الله على هذه الحالة، ولم يعرف ~~أين يداري وجهه من الخجل. وبينما كان يرسل بصره على البحر رأى جسما ~~أبيض هائلا يطفو على سطح الماء من بعيد، كان يمكن أن يظنه سفينة ~~لولا أنه رآه يغطس بعد قليل، فأدرك بخبرته الطويلة بالحياة في شواطئ ~~البحار أنه حوت عظيم، وتمنى من قلبه لو اقترب الحوت منه وفتح فمه ~~وابتلعه. وانتهز فرصة وجود سفينة على الشاطئ كان ملاحوها يستعدون ~~لرحلة صيد فركب معهم. وعندما توسطت بهم السفينة البحر، ورأوا ~~الحوت مقبلا عليهم والسفينة تهتز كالريشة على سطح الماء، وجد يونس ~~الفرصة سانحة لتحقيق أمنيته، فقفز من السفينة إلى الماء، وكان الحوت ~~ساعتها فاتحا فمه الرهيب، فأسرع يونس فقذف بنفسه فيه. # قلت لأؤكد أنني أتابع الكلام وأمنع شرا يمكن أن يلحق بي في كل ~~لحظة: هل تقول سعادتك إنه قذف بنفسه داخل الحوت؟ # فقال في حماس الأطفال: عليك نور. تمام كما تقول، والآراء تختلف هنا ~~أيضا فيما فعله في جوف الحوت. ماذا تظن أنه فعل هناك؟ # قلت وأنا أكتم الضحك: ms030 وماذا يستطيع أن يفعل يا سيدي؟ إلا إذا كانت ~~اللقمة في المعدة تفعل شيئا. # فهز رأسه في أسف وعاد يقول: أنت مخطئ. لقد ظل حيا كما يعلم ~~الجميع ثلاثة أيام وثلاث ليال. ولكن ماذا فعل في هذه المدة؟ هذا موضع ~~الخلاف. # خلص ذراعيه من على صدره وشبكهما خلف ظهره، وأخذ يسير في الغرفة ~~محني الظهر وهو يقول، البعض يقول إنه مجرد أن دخل جوف الحوت أخذ ~~يفتش عن ركن منعزل يلجأ إليه، وقد تعب بالطبع ساعات طويلة قبل أن ~~يجد هذا الركن البعيد، خصوصا إذا عرفت أنه كان يسير في الظلام ويصطدم ~~بأنواع مختلفة من الأسماك وطيور البحر وصخور اللؤلؤ والمرجان. وفي ~~ركنه البعيد استطاع أخيرا أن يخلو إلى نفسه ويحاسبها ويراها واضحة ~~كأنه يضعها على كفه. بكى كثيرا ودعا الله أن يريحه، ويغفر له، بل ~~وربما توسل إليه أن يعفيه من عمله. ويمكنك أن تتخيل أنه برغم بكائه ~~وتوسلاته كان في غاية السعادة؛ لأنه وجد أخيرا المكان الذي يستريح ~~فيه راحة مطلقة، من العالم والبشر والتاريخ، بل إذا شئت أيضا من ~~السماء ومن الله نفسه. ولكن ربما لا يعجبك هذا الرأي، فأقول لك إن هناك ~~فريقا آخر يرى رأيا مختلفا. ماذا تظن أنت؟ # فقلت وأنا أدعو الله أن ينجيني من هذه الليلة، وأتلفت حولي لأبحث ~~عن باب أو شباك يمكن أن أفلت منه إذا اضطر الأمر: لا أدري يا سيدي، ~~ولكن ربما كان متعبا مثلا فنام ولم يشعر بشيء. # ولم تفد هذه الإشارة إلى تعبي ورغبتي في النوم، بل زادته حماسا في ~~بيان وجهة النظر التي لم أعرفها بعد: غلط! غلط! هذا خطأ يقع فيه أغلب ~~الناس مثلك؛ فيونس لم يكن في موقف يسمح له بأن يغمض عينيه لحظة، على ~~الرغم من أنه لو فتحهما فلن يرى شيئا في الظلام. لقد مضى في رأي بعض ~~الشراح يختصر المكان بكل حواسه، وكان اعتماده بالطبع على يديه قبل كل ~~شيء آخر. كان أول همه في البداية أن يعثر على جدران الحوت ms031 أو سطحه حتى ~~يعرف طبيعة المكان الذي سيقيم فيه. ولما يئس من العثور على حدوده صرف ~~نظره عن ذلك، وبدأ يبذل جهوده للتعرف على الوسط الجديد لكي يستطيع أن ~~يألفه ويتكيف معه. بالطبع كانت هناك عقبات كثيرة كان لا بد له أن ~~يواجهها ويتغلب عليها، أو على الأقل يعترف بها ويستسلم لها؛ فالأسماك ~~المتوحشة - وبخاصة سمك القرش - التي كانت تسبح في جوف الحوت لم تكن ~~تخلو من الخطر عليه، وكان لا بد له أن يبحث عن شيء حاد يتسلح به، ~~وكان من السهل عليه أن يعثر عليه أيضا في هذا العالم المعتم ~~المزدحم بكل شيء (طبيعي أنك لن تسألني عن طعامه وشرابه؛ فالسؤال هنا ~~سطحي جدا؛ إذ لم تكن المشكلة عنده أن يجد الطعام، بل كانت المشكلة ~~الحقيقية في أن يختار بين أصناف الطعام الحي والميت التي لا آخر لها، ~~والتي كان يكفي أن يمد يده ليقبض عليها. وطبيعي أيضا أن السؤال عن ~~المكان الذي كان يبيت فيه سؤال تافه أيضا؛ إذ كيف يتعب في البحث عن ~~فراش وثير يمكنه أن يصنعه من الأعشاب أو من أخشاب السفن الغارقة التي ~~كان يبتلعها الحوت). هذان هما الرأيان المتصلان بحياة يونس في جوف ~~الحوت. أما إذا كنت تريد أن تسأل سؤالا يستحق الاستماع فيمكنك أن ~~تسأل عن صلته بالعالم الخارجي وكيف كانت تتم. هنا أعترف لك بأن المسألة ~~تزداد صعوبة، ولكن الراجح على كل حال أنه - لكي يعرف الزمن مثلا، أو ~~ليتنفس هواء نقيا منعشا، أو ليطمئن على أن النور ما يزال يسطع ~~في الخارج كلما طلعت الشمس - كان ينتظر حتى يفتح الحوت فمه من حين إلى ~~حين - وقد تمتد المسافة بين كل فتحة وأخرى أياما أو شهورا، بل وقد ~~تمتد في رأي البعض سنين طويلة - فيلقي نظرة على العالم الخارجي أو ~~يفكر جديا في الخروج من جوف الحوت وإن كان تفكيره كما تعلم يظل ~~تفكيرا فحسب. أما عن الحوت نفسه فالآراء مختلفة جدا في شأنه، حتى ~~لتستطيع أن تقول إن هناك ms032 مدارس عديدة تقف لبعضها البعض بالمرصاد، ~~وتتحمس إلى حد قد يصل إلى إراقة الدماء من أجل هذا الرأي أو ذاك. ~~فالبعض يقول إنه كان حوتا عاديا مثل الحيتان في بحار الدنيا ~~ومحيطاتها. والبعض الآخر يقول إن الحوت هنا مجرد رمز، وإنه في الحقيقة ~~كان يعيش في أعماق العالم نفسه حين كان يعيش في جوف الحوت. لا، بل يذهب ~~البعض إلى حد القول بأن الحوت هو الله نفسه، ابتلع يونس لا لكي ينتقم ~~منه أو يمتحن صبره أو يعذبه، بل لأن ذلك كان أمرا طبيعيا لا بد أن ~~يحدث ذات يوم، وأنه لم يبتلعه ويدخله في جوف حوت إلا لكي يؤكد له ~~بصورة ملموسة أنه مثل غيره من الناس يعيش دائما داخل حوت هائل لا ~~يمكنهم أن يهربوا منه. # تلك يا صديقي هي بعض الآراء في هذه المسألة، وهناك بالطبع آراء أخرى ~~كثيرة مفصلة ومدعمة بالحجج والأسانيد لا أريد أن أشرحها لك حتى لا ~~أطيل عليك؛ فالظاهر أنك تريد أن تنام، وأنك ... # ويظهر أنني كنت بالرغم من مقاومتي الطويلة قد نمت بالفعل، فأحسست ~~بيد تهز ضلوع صدري كأنها تريد أن تخترقه: يونس! يونس! # فتحت عيني المحمرتين، وفركتهما طويلا قبل أن أميز القاضي الذي ~~كان محنيا علي كأنه يستمع إلى دقات قلبي ويصيح: أنت يونس! قلت لك ~~أنت يونس نفسه! يونس في بطن الحوت! # لا أدري إلى الآن ماذا فعلت. كل ما أذكره أنني صرخت صرخة حادة، ~~مفاجئة، مفزوعة كصرخة المقتول وهو يحس بالسكين القاضية تخترق صدره ~~قبل أن تصل إلى القلب. وقبل أن أغيب عن الوعي خيل إلي كأن الأبواب ~~المجاورة لنا تفتح عنوة، وصوت أقدام مسرعة تصعد السلم، وأناسا ~~كثيرين تزدحم بهم الحجرة، ويتعالى صياحهم وضجيجهم كأن كل واحد يزعق في ~~بوق، بل لا أخفي عليكم أنني - وأنا ما زلت راقدا في المستشفى أعالج ~~من أثر الصدمة - لا أعرف الآن إن كان ذلك كله قد حدث لي في حجرة الفندق ~~أم أن ذلك الذي ظننته القاضي محمود كان مجنونا اقتحم ms033 غرفتي، أو كان ~~مجرد كابوس ثقيل جثم على صدري لحظة وأنا في عز النوم، حتى إنني على كل ~~حال ما زلت أعالج من الصدمة، وما زلت أفكر في البحث عن وكيل المحامي ~~حسان وفي إمكان رفع دعوى الحجر على أبي الذي نسينا أنا وأمي وإخوتي ~~الثلاثة، كما طردني من بيته كما قال إلى الأبد. # | فيدو # ذكرت الجرائد اسمك يا فيدو. # 1 # نشرت المجلات صورتك. # كتبت بالخط العريض - بلون الدم - كلمات تقرؤها يا فيدو. # أنت لم تر المصورين حين التفوا حولك وكانت آلاتهم تخطف ~~كالبرق. # لأن عينيك كانتا تزدحمان بالدموع. # لأنك كنت تبكي يا فيدو. # لأنك كنت تبكي. # أنت لا تعرف أين غاب صاحبك. # لا تصدق أنه لن يعود. # أبدا لن يعود يا فيدو. # منذ أربعة عشر عاما وعيناك لا تعرفان الدموع؛ لأنك لا ترى غير ~~صاحبك. لا تريد أن ترى سواه؛ وجهه الضامر النحيل، قامته الطويلة، ويده ~~المعروقة كأن أصابعها من خشب، تمسح على رأسك، على شعرك الأبيض الطويل، ~~تراقب جسمك الصغير وهو يضمر يوما بعد يوم، وعاما بعد عام. # وحين تسأل عيناك: لم لا يعود صاحبي؟ لم لا يعود كارلو سورياني؛ ~~العامل ذو الوجه النحيل، والقامة الطويلة، واليد المعروقة كأن أصابعها ~~من خشب يقول لك الناس: إنه لن يعود. وتقف حائرا يا فيدو. لا تعرف ولا ~~تصدق؛ لأن منطق الناس يقول لهم إن من مات لا يعود. الموت شيء يسرق ~~الحياة، ينفي الحركة، وأنت لا تعرف منطق البشر يا فيدو، منطقهم محدود ~~ومنطقك أنت بلا حدود؛ لأن فكرهم يرى البداية وينتظر النهاية، وفكرك لا ~~يعرف بداية ولا نهاية، يحتضن الأبد؛ لأنهم يرون الحب شيئا ينمو ويزهر ~~ثم يموت، وأنت تراه كالشمس؛ لا ينطفئ؛ لأنهم يذكرون ثم ينسون، وأنت - ~~يا فيدو - تذكر ولا تنسى. # لذلك فأنت في كل يوم تسير حتى تكل قدماك، إلى المحطة التي كنت تنتظر ~~عندها صاحبك. تنتظر صاحبك الذي كان يركب هذا الأتوبيس - منذ أربعة عشر ~~عاما - عائدا من المصنع، مع الرفاق عائدا من المصنع. وتتعلق ms034 عيناك ~~الصغيرتان يا فيدو بالباب ، تنتظر أن تفتحه يد حانية؛ أن يطل منه وجه ~~محبوب، أن تسمع الصوت الأليف، فيدو! تعال! أنا هنا! لكن الباب لا ~~يفتح يا فيدو. اليد الحنون لا تفتحه. الوجه الحبيب لا يطل منه. الصوت ~~الأليف لا يصل إليك. وتنتظر يا فيدو. في البرد والريح والمطر تنتظر، ~~بالنهار والليل. ترتعش أرجلك. ينتفض جسدك. تسعل الريح في أذنيك. وأنت ~~وحيد يا فيدو، لا يقف معك حتى ظلك؛ لأن الليل قد أقبل وأنت لا تدري؛ ~~لأن الليل يطمس الظل والنور؛ لأن الليل شكل واحد وكبير. # لم لا تذهب إذن يا فيدو؟ # الأتوبيس قد ذهب. هبط منه العمال - رفاق صاحبك - ثم تفرقوا. لم ~~يبق غيرك؛ أنت وحدك. وليس معك حتى ظلك، هل بقى عندك أمل في أن يعود؟ ~~هل تنتظر أن تحدث المعجزة؟ ألا تعرف شيئا اسمه اليأس يعرفه ~~البشر؟ # وتخفض رأسك يا فيدو. تبكي بلا دموع. تئن أنه لا يسمعها غيرك. ثم ~~تسير عائدا إلى بيتك. وفي الصباح تعود من جديد. # كل يوم. # كل يوم. # لأنك لم تنس ذلك اليوم منذ أربعة عشر عاما؛ لأنك يا فيدو لا تعرف ~~النسيان إذ كنت كومة صغيرة من اللحم، ملقاة في شارع صغير في قريتك ~~الصغيرة. كنت ترتعش يا فيدو من البرد والجوع والوحدة، وكنت تشتاق يا ~~فيدو، تشتاق الدفء والبيت وكسرة من الخبز. # وحين أقبل صاحبك - كان عائدا من الحانة بعد أن شرب كأسين من النبيذ ~~وغنى أغنية على اسم حبيبته - انحنى عليك. مسح أولا على شعرك بيديه. ~~وحين استجبت إليه بكليتك أخذك بين ذراعيه. ضمك إلى صدره. أعطاك الدفء ~~والبيت وكسرة الخبز. وأعطاك اسما يا فيدو. # من يومها - يا فيدو - عرفت صاحبك. # صاحبك ذا القامة الطويلة، والوجه الضامر النحيل، واليدين اللتين كأن ~~أصابعهما من خشب. # وعرفت أن اسمه كارلو. # وأنه عامل في مصنع. # يذهب إليه - مع الرفاق - كل صباح. # ويعود منه - مع الرفاق - كل مساء. # ومن يومها يا فيدو لم تنس شيئا. # لم تنس أن تذهب كل يوم - والشقة ms035 بعيدة - إلى محطة الأتوبيس. # أن تنتظر صاحبك كل يوم، كل ليلة. # في الليالي الباردة في الشتاء، والليالي المقمرة في الصيف؛ أربعة ~~عشر عاما! # لم تنس الوجه الذي يطل عليك من وراء الزجاج؛ الوجه الضامر ~~النحيل. # ولا اليد التي تمسح على رأسك كأن أصابعها من خشب، ولا الصوت الذي ~~يهتف: فيدو! تعال! أنا هنا! # لأنك - يا فيدو - لا تعرف النسيان! # ولكنك لا تعرف ماذا حدث. منذ أربعة عشر عاما وأنت لا تعرف ماذا حدث؛ ~~حدث شيء اسمه الحرب يا فيدو. ألا تدري ما هي الحرب؟ وحش هائل فتح ~~فمه وابتلع الملايين، بين شباب وامرأة وشيخ وطفل. شرب بحرا من الدم ~~والدموع. مشى على المدينة فصارت كومة من الحجارة والأشلاء. حفر هاوية ~~عميقة؛ عميقة من الموت والجوع والشقاء. رقص عليها ورقصت معه أشباح ~~الملايين، بين شيخ وامرأة وطفل وشاب. # وكان صاحبك بينهم يا فيدو. # صاحبك «كارلو سورياني» العامل في المصنع الكبير، في مدينة اسمها ~~البندقية. # أنت لا تعرف يا فيدو. # لا تعرف ولا تصدق. # إنه الآن شبح يرقص مع ملايين الأشباح، في هاوية عميقة عميقة، على ~~رنين طبلة جوفاء، يضربها شيطان بغيض، على غناء غامض، بربري، مميت؛ ~~كما يغني الزنوج ويرقصون، في غابة كثيفة، ومتوحشة، وبلا ~~حدود. # ذلك أن طائرة صغيرة حلقت ذات يوم في سماء المدينة. # في ذات يوم منذ أربعة عشر عاما وحين قاربت المصنع ضغط ربانها - ~~وكان في هذه اللحظة يمضغ قطعة من اللبان اللذيذ - على زر صغير، فهبطت ~~قنبلة صغيرة، كان صاحبك يا فيدو ضحية من ضحاياها. # انطلقت شظية كأنها حشرة كريهة إلى قلبه، وحين يصاب قلب الإنسان - ~~ذلك الشيء العميق كالبحر، الطيب كالسماء - يطفر شيء أحمر على جلده - ~~شيء دافئ، مر، مضيء، كأنه نجمة تنطفئ. # في ذلك اليوم وقفت تنتظر صاحبك، كما تفعل كل يوم يا فيدو. # ساعة وساعتين حتى طال انتظارك. # أقبل الأتوبيس ثم ذهب. # هبط منه الرفاق ثم تفرقوا. # لم يطل منه الوجه الضامر النحيل. # ولم يتردد الصوت الأليف: فيدو! تعال! أنا هنا! # ولم تفتح ms036 بابه اليدان المعروقتان كأن أصابعهما من خشب. # ذلك أن صاحبك - يا فيدو - قد ذهب. ذهب ولن يعود. # هل عرفت معنى هذا: «لن يعود». # لكنك لا تعرف. لا تعرف ولا تصدق. منذ أربعة عشر عاما وأنت لا ~~تصدق. # في الليالي الباردة والليالي المقمرة، تنتظر ولا تيئس. # النساء في القرية الصغيرة عرفتك يا فيدو؛ الزوجات الغنيات وهن ~~ذاهبات بعد العصر إلى المدينة الكبيرة، الفلاحات الفقيرات وهن ~~عائدات مع أزواجهن من الحقول. الأطفال الصغار عرفوك، في كل يوم ~~يلتفون حولك ويرقصون ويغنون: فيدو! فيدو! فيدو! كلهم رأوك على ~~الطريق وأنت ذاهب إلى صاحبك حين كنت صغيرا تجري وتقفز كالعصفور، وحين ~~دبت الشيخوخة إليك فصرت تجر ساقك الأمامية كأنها عمود من ~~الفحم. # وأرملة صاحبك يا فيدو، رأت دموعك في أول الأمر فأحبتك، وكانت تسير ~~معك إلى حيث تسير لكيلا يقول الجيران إن المرأة أقل إخلاصا من الكلب، ~~ثم لما تعبت تركتك تسير وحدك، وحدك ولا شيء معك حتى ظلك؛ لأنها تريد ~~أن تنسى يا فيدو؛ لأن التذكر يقتل الإنسان. وكم حسدتك بينها وبين ~~نفسها! ثم لما رأت عنادك سخطت عليك. تمنت لو تستطيع أن تتخلص منك؛ أن ~~تفتك بك؛ لأنها كانت صبية ما تزال، وكانت تود لو يبحث عنها رجل ~~جديد، ولكنك يا فيدو كنت هناك. قاس كالقدر. رهيب كالحقيقة. # وبالأمس احتفلت القرية بك. # أقبل الناس من كل مكان ليروك. # في صفوف طويلة كمواكب الحجاج. # أقبلوا وهم لا يصدقون: هل هناك حقا من لا ينسى؟ # تقاطر المصورون حولك. # وكانت الأرملة العجوز - بعد أربعة عشر عاما يصبح الإنسان عجوزا - ~~تدفن رأسك في حجرها. تتلقى دموعك ودموعها على يديها. # وفي خطوات رهيبة تقدم عمدة المدينة إليك. # شيخ عجوز يرفل في حلة سوداء، كأنه قديس. # مد يديه فطوق عنقك بشيء لامع مستدير. # وخطفت آلات المصورين كالبرق. # وصفق النساء والشيوخ والشباب. # وهتف الأطفال: فيدو! فيدو! فيدو! # وذكرك الناس - يا فيدو - في كل مكان. # أما صاحبك؛ العامل كارلو سورياني، الذي قتل في إحدى الغارات الجوية، ~~ذات يوم منذ أربعة ms037 عشر عاما. # أما صاحبك ... # فلن يذكره أحد يا فيدو. # لن يذكره أحد. # 1957م # | في الغابة السوداء # في الغابة السوداء طرق لا تؤدي إلى شيء، كأنها دروب في قصر ~~التيه، طرق يعرفها الفلاحون جيدا، ويتحاشونها في ذهابهم ~~وعودتهم. ولم أكن أعرف هذه الحقيقة حين توغلت في المسير، في ذات يوم ~~من أيام هذا الشتاء. تركت الفندق الذي أسكن فيه ورائي، وليس معي غير ~~معطفي الذي أتدثر به، وقفازي الجلدي ومجموعة من شعر «هولدرلن». قلت ~~في نفسي إن خير ما أفعله أن أصل إلى أعلى قمة في هذا المكان؛ فليس أجمل ~~من أن أقرأ شاعر الوحدة وأنا معه وحيد! # كانت الجبال ترتفع حولي في كل مكان كأنها حيتان رهيبة غارقة في ~~نومها منذ الأزل، وأنا أسير بينها كالرحالة الذي تخلى عنه كل ~~رفاقه. وكان الثلج يغمر الأشجار، ويعانق غصونها وأوراقها في حنان، ~~كأنه نعمة بيضاء هبطت من السماء. وكلما تلفت حولي وجدت حروفا نقشت ~~على صدره؛ قلوبا وسهاما وأسماء صبية وبنات. # لست أدري كم مضى من الزمن علي وأنا أضرب في الطريق المجهول، فرحا ~~أمشي على الثلج كأنني أمشي على النور. بعث البياض الناصع من حولي هذا ~~الخيال الغريب، قلت هذه جثة معبود قديم، مات هنا منذ زمن لا يعرفه ~~إنسان، ومدد جسده في كل مكان. في كل عام تنسج له الطبيعة كفنا ~~جديدا، في كل عام. وأعجبني أنني الكائن الوحيد الذي يتنفس ها هنا، ~~ويحمل في كيانه الدفء والدم والحياة، وفي يديه ديوانا من ~~الشعر! # وحين وصلت إلى قمة الجبل - أعلى قمة بين هذه الجبال - خيل إلي ~~كأنني ملك من الملوك الذين يعيشون في خيال الأطفال. هذه جبال الثلج ~~ترتفع من حولي، وكم من هاوية تمتد تحت قدمي، رهيبة وفاجعة ومملوءة ~~بالأسرار. فتحت ديوان الشعر الوحيد ونسيت نفسي - والشعر يسرق العين ~~والقلب والشعور - فلم أغلقه حتى تنبهت على الظلام. # كانت الشمس تجمع خيوطها الذهبية في جانب الأفق، كأنها صياد عجوز ~~يلم شبكته، وانحدرت من على الجبل بأسرع ما أستطيع. كم من ms038 الوقت يا ~~ترى يلزمني لكي أعود إلى الفندق؟ لا شك أن الظلام سيقطع على الطريق. ~~ووسعت خطاي، ورحت أجري كأنني هارب يطارده خطر مجهول. كانت أنوار ~~الفنادق المتناثرة في الغابة كأنها نجوم بعيدة قصيرة العمر، تلمع ثم ~~تخبو في كل لحظة. والأشجار التي مررت عليها منذ قليل والثلج يطوقها ~~بباقة من نور، ترتفع الآن من حولي كأنها أشباح سود، والأسماء ~~المنقوشة على الثلج - وبينها اسمي - لم يعد لها أثر. نعم لقد جاء ~~الظلام وبعد قليل تطمس يداه كل شيء. والسهام المنصوبة في مطلع كل ~~طريق، لتهدي السائرين في الغابة السوداء، أصبحت أفتش عنها في كل ~~مكان. إن وجدت أحدها، فكيف أرى الكتابة المنقوشة عليه؟ # بعد ساعة من السير الشاق أطبق الظلام علي، ووصلت إلى منعطف تذكرت ~~أنني مررت به في طريقي إلى الجبل. قلت يا ترى هل انعطف إلى اليمين أو ~~إلى اليسار؟ ورحت أفتش عن علامة الطريق. كان كل شيء قد امحى، غرق ~~في بحر أسود. قربت يدي إلى وجهي فلم أكد أميزهما. رفعت بصري إلى ~~السماء فلمحت القمر يتقد بين أكوام من السحب كأنه مصباح في قارب ~~صغير، تائه في محيط معتم. وطافت بذهني قصة الطلاب السبعة الذين ~~تاهوا في الصباح. ونظرت إلى ديوان الشعر في يدي نظرة عتاب؛ أهكذا يا ~~شاعر الوحدة والعذاب؟ # وتلفت أبحث عن فندق أقضي فيه ليلتي. لا شك أن الوصول إلى الفندق ~~الذي أسكن فيه أبعد من المحال. كانت الأنوار تبدو من بعيد ثم تختفي، ~~كأنها مصابيح صغيرة يعبث بها طفل صغير. وكان بعضها يأتي من مرتفع ~~بعيد وبعضها كأنه يستقر في قرار الهاوية. ويممت وجهي نحو واحد منها ~~خيل إلي أنه أوضحها وأقربها إليه. لن أقول شيئا عما وجدته وأنا ~~أعبر الطريق إليه. أغمضت عيني وسرت كأني «أورفيوس» يخترق دروب العالم ~~السفلي! # ما كان أسعدني حين لاح البناء أمام عيني! بيت حقيقي، بناء إنسان، وله ~~باب أستطيع أن أطرقه. ترى ما الذي يختفي وراء هذا الباب؟ أي وجه ~~سيطالعني منه؟ أي مأساة ms039 ولدت وعاشت بين جدرانه أو أي ملهاة؟ لا شك ~~أنني سأحقق الليلة؟ حلم يراودني منذ زمن طويل؛ فكم من باب مررت ~~به، في المدينة، في القرية، في الجبل والسهل، تمنيت لو فتحته يد ~~سحرية، ودعتني إلى الدخول، وروت لي القصة التي ظلت تنسج خيطها وراء ~~جدرانه عاما بعد عام. كل نافذة، كل باب، كل جدار، اخترقته عيني، ~~وتمنت لو تعرف السر المختفي وراءه؛ لتحيله بعد قليل سطورا على ~~الورق! # واتضح البناء أمام عيني. خرج من الظلمة فجأة فوجدته يقف أمامي. كان ~~بيتا صغيرا، يحيط به سور خشبي، وترتفع من مدخنته خيوط من الدخان، ~~استطعت أن أتبينها على أشعة النور الدقيقة التي تتسلل من النافذة. ~~وفتحت باب السور في حذر، وسرت خطوات على الأوراق الجافة الملقاة ~~على الأرض حتى وصلت إلى عتبة الباب. ولم أكد أضع قدمي عليها حتى نبح ~~كلب. أغمضت عيني وتنفست في هدوء، حيث يوجد الكلب يوجد الإنسان! وطرقت ~~الباب. وأقبلت أقدام خفيفة تجري، وأحسست بأنفاس تتردد قريبة مني، ~~واختفى النور من النافذة، وسمعت صوتا يقول: سلطان، تعال هنا! وعوى ~~الكلب عواء خفيفا، وعوى الباب وهو يفتح، وأطل وجه عجوز، يكشف ~~معالمه مصباح زيتي يحمله صاحبه في يده، وتبينت رأس كلب تمتد ~~لتتعرف على القادم الغريب، من هناك؟ وظل الباب مواربا. فتح الباب. ~~واقترب المصباح من وجهي. ~~- مساء الخير يا سيدي. ~~- مساء الخير. # وقبل أن يسألني الوجه العجوز عما أريده انطلقت أقول: أنا غريب هنا يا ~~سيدي. أقبل الليل علي وتهت في الغابة، هل أستطيع أن أقضي الليلة ~~عندكم؟ # وقبل أن يجيبني سمعت صوتا يأتي من داخل البيت: من يا ~~إدوارد؟ # والتفت الرجل العجوز وراءه وهتف: أوه! اسكتي أنت يا ماريا! # ثم قال: تفضل. تفضل. سلطان! لا تخف منه؛ إنه كلب عجوز وطيب، ~~ثم إنه مريض لا يستطيع أن يؤذي نملة، تفضل! # وعوى الكلب عواء مكتوما. نظر في وجهي لحظة كأنه كان ينتظر إنسانا ~~يعرفه، فلما أنكرني خفض رأسه، وأقعى على باب الغرفة. # وأقبلت امرأة عجوز حدقت في ms040 وجهي ثم التفتت إلى زوجها قائلة : من يا ~~إدوارد؟! # قلت: مساء الخير يا سيدتي. # ويبدو أنها لم تسمع؛ فقد اقترب إدوارد من أذنيها وقال في صوت مرتفع: ~~السيد يقول إنه غريب هنا، وقد تاه في الغابة (ثم التفت إلي): نعم ~~يا سيدي، الغابة السوداء خطرة جدا، خاصة في الشتاء، تفضل هنا. ~~قريبا من المدفأة. هذه زوجتي ماريا. # ومددت يدي فسلمت على اليد النحيلة التي امتدت نحوي. ~~- أما أنا فاسمي إدوارد. الجو بارد في الخارج، أليس كذلك؟ # قلت: يظهر أن العاصفة ستهب الليلة. # قال: نعم، نعم. الغابة السوداء خطرة جدا. وكم تاه فيها شبان ~~مثلك! مساكين، طرقوا هذا الباب أيضا وباتوا عندنا. هل يعجبك ~~المكان؟ # قلت: بالطبع يا سيدي. # قال: كنا نتعشى الآن، هل تتفضل فتشاركنا الطعام. تفضل، تفضل، ~~طعام متواضع. نحن فلاحون، نعيش هنا منذ عشرين عاما. ليست حياة ~~الفلاحين سهلة كما يتصور الناس. هل تحب كوبا من الشاي؟ # قلت: أشكرك يا سيدي. # قال: أعدي لنا الشاي يا ماري. نعم، نعم. نحن نعيش هنا منذ عشرين ~~عاما. هل يقول السيد إنه غريب هنا؟ # قلت: نعم يا سيدي، جئت في رحلة قصيرة إلى الغابة السوداء. ~~- لست ألمانيا كما أظن. ~~- لا يا سيدي. ~~- من أي البلاد؟ ~~- من مصر. ~~- آه مصر، في الصحراء، أليس كذلك؟ ~~- الصحراء تمتد حولنا يا سيدي، من الشرق والغرب. ~~- لودفيج عاش أيضا في الصحراء، ابني لودفيج، هذه هي صورته. # ألتفت أنظر إلى الصورة المعلقة على الحائط. كانت لشاب في ملابس ~~جندي، واسع العينين، دقيق الشفتين، تكسو وجهه مسحة من الحزن ~~والتأمل. # قلت: ربما تأخر في المدينة يا سيدي، لا شك أنه سيعود بعد ~~قليل. # وأشار بيده قائلا: لا تتعب نفسك؛ إنه لن يعود أبدا. # أردت أن أقول شيئا لأوجه الحديث وجهة أخرى حين سمعته يقول: ~~كثيرون ماتوا في هذه الحرب. شباب مثل لودفيج. هل عرفتم الحرب أيضا يا ~~سيد؟ لقد مات ابني في العلمين. # قلت: نعم يا سيدي، على حدودنا. # وأقبل الكلب فنظر في وجهي لحظة، ثم مسح رأسه ms041 في ثياب صاحبه وأقعى ~~عند قدميه . ~~- هذا هو سلطان. ابني سماه سلطان. هل تدري لماذا؟ # قلت: ربما كان يقرأ كثيرا عن الشرق. # قال: نعم، كان لودفيج يقرأ كتبا كثيرة. هذا الدولاب كله ملآن ~~بالكتب، قرأها جميعا، وحين عثر على هذا الكلب قال سنسميه سلطان يا ~~أبي. # قلت: ولم هذا الاسم الغريب يا لودفيج؟ قال لأن حكايته موجودة عند ~~الإخوة «جريم». هل تدري من الإخوة جريم؟ # قلت: أظن أنهما ألفا مجموعة من أساطير الأطفال. # قال: تماما. وقد روى لي لودفيج حكاية سلطان كما جاءت في هذه ~~الأساطير. ضع قطعة من الزبد على هذه اللقمة. تفضل، تفضل، كان ~~سلطان كلبا عجوزا يعيش عند فلاح عجوز وزوجته، مثلي أنا وماريا، ~~وأراد الرجل أن يتخلص من الكلب العجوز بعد أن مرض وتساقطت أسنانه. أنا ~~لا يمكن أن أفكر في هذا يا سيدي ها! ها! # وقال الفلاح لزوجته إنه سيقتل سلطان في الصباح، وسمع الكلب ما قاله ~~فحزن حزنا شديدا، وذهب إلى صديقه الذئب ليشير عليه ماذا ~~يفعل. # قال له الذئب: حين يقتادك صاحبك إلى الغابة في الصباح ومعه امرأته ~~وطفلهما فسوف أنقذك من الموت. قال له سلطان: وماذا تنوي أن تفعل؟ قال ~~له الذئب: ستترك المرأة طفلها عند الشجرة، عندئذ أهجم أنا عليه وآخذه ~~بين أسناني. قال سلطان: لا! لا تفعل! إنني أحب صاحبي وأحب الطفل. قال ~~الذئب: انتظر، ستجري أنت ورائي، وسأترك لك الطفل فتعود به إلى أمه؛ ~~عندئذ يرق قلبهما لك، ويعطف الفلاح عليك فلا يقتلك. # قطعة أخرى من الخبز؟ # قلت: أشكرك يا سيدي، وماذا حدث بعد ذلك؟ # قال: آه! نعم؛ إن سلطان أيضا قد أصبح عجوزا؛ تساقطت أسنانه ولم ~~يعد يصلح للحراسة، ولكن هل تدري من الذي خطف لودفيج؟ لم يخطفه الذئب؛ ~~خطفته الحرب. الحرب ذئب كبير يا سيدي، يخطف جميع الأطفال، ويترك ~~العجائز، مثلي ومثل ماريا وحدهم، بلا أطفال. إن سلطان كلب مخلص، لم ~~ينس فيلهلم أبدا، انظر، لودفيج! لودفيج! # واشرأب الكلب العجوز ورفع أذنيه. وقف لحظة يحدق في الباب ms042 ويهز ~~ذيله وينتظر. ولما لم يولد من الصمت العميق صوت خفض رأسه، وعوى عواء ~~مكتوما ثم أقعى إلى جانب صاحبه. # قال الرجل وهو يتحسس الكتاب الذي وضعه على المائدة: هذا أيضا كتاب ~~أساطير، أليس كذلك؟ # قلت: بل ديوان شعر. # قال: آه! شعر! لودفيج أيضا كان شاعرا. طالما جلس في مكانك وأخذ ~~يكتب ويكتب، الليل بأكمله. ألا تنام يا لودفيج؟ إنني أكتب قصيدة جديدة ~~يا أبي، أردت أن أجعل منه مهندسا أو معلما، ولكنه كان يقول لي: إن من ~~يولد في الغابة السوداء يصبح شاعرا يا أبي. القدر أراد لي هذا. # كان ولدا مرحا لا يكف عن الضحك، وكم دخل من هذا الباب وهو يهتف: ~~انظر يا أبي! هذه هي قصيدتي، مكتوبة بحروف المطبعة، سيقرؤها اليوم ~~عشرون ألفا، سيقولون ولد اليوم. ما هو اسم ذلك الشاعر يا ماريا؟ أكبر ~~الشعراء عندنا؟ # قلت: هل تقصد جوته يا سيدي؟ # قال: آه! نعم! سيقولون ولد جوته الجديد! وذات يوم كتب قصيدة يلعن ~~فيها الحرب، نعم، كان يكره الحرب ويقول دائما: لم الحرب؟ لم ~~الحرب؟ # هل تنبت الحرب زهرة جديدة؟ # الحرب تحرق كل الزهور. # لم الحرب؟ # هل تداوي الحرب طفلا مريضا؟ # الحرب تقتل كل الأطفال. # لم الحرب؟ لم الحرب؟ # ونشرت القصيدة في الجريدة المحلية، وجاء الجستابو إلى هنا، ثلاثة ~~جنود كالأشجار العالية، فتحت لهم الباب فسألوني: والدة إدوارد؟ أين ~~ابنك؟ # قلت تفضلوا أيها السادة، ماذا تريدون من لودفيج؟ قالوا عندنا أمر ~~بأن نكسر قلمه ونقبض عليه! قلت إنه في المدينة، لم يعد بعد، ولم يعد ~~لودفيج حتى الآن. # قلت: وماذا حدث يا سيدي؟ # قال: وماذا تنتظر أن يحدث؟ قبضوا عليه في المدينة. وبلغني بعد ذلك ~~أنهم حكموا عليه بالسجن، ثم وصلني منه خطاب يقول فيه إنهم رأفوا به ~~لصغر سنه وأرسلوه إلى الميدان، إلى «العلمين»، هل سمعت الراديو ~~عندنا؟ # قلت: بالطبع يا سيدي، وماذا في هذا؟ # قال: أقصد هل سمعت الأغنية التي يطلبها الناس دائما؟ أغنية الجنود ~~العائدين من الصحراء؟ # قلت: لا أذكر يا سيدي ms043 تماما. # ورفع الرجل صوته وراح يغني . كان صوتا خشنا مبحوحا ~~وحزينا: # في رمال الصحراء المحترقة، # بعيدا بعيدا عن أرض الوطن، # لا تحية ولا قلب، # لا قبلة ولا فرحة، # كل شيء بعيد بعيد! # هناك حيث تزدهر الورود، # هناك حيث تخضر الوديان، # كنت ذات يوم في بيتي، # وكان وطني هناك، # كل شيء بعيد بعيد. # هناك حيث تزدهر الورود. # وسمعنا من الداخل صوتا يزمجر: إدوارد! ألا أستطيع أن ~~أصلي للعذراء! والتفت الرجل إلي قائلا: هذه ماريا. مسكينة. هل ~~ترجع الصلاة ولدنا؟ # ثم انطلق يغني: # كنت ذات يوم في بيتي، # وكان وطني هناك، # حيث تزدهر الورود. # يقولون إنهم لا يعرفون مؤلفها، إنه جندي مجهول، أما ~~أنا فعلى يقين من أنه هو الذي كتبها؛ ابني لودفيج. # لا بد أنه عطش، وجاع ونزف دمه فوق الرمال الساخنة. إن ماريا تصلي ~~كل يوم، نعم يا سيدي! زوجتي تقية جدا. كل أحد نهبط معا إلى ~~المدينة. تذهب هي إلى الكنيسة لتصلي، وأنتظرها في الحانة فأشرب كأسين ~~على روح ولدي، ها ها! لا شك أنك ستقول إنني كافر! لا يا سيدي! ولكن هل ~~تعيد الصلاة ولدي؟ هل تعيد الصلاة؟ إن ماريا كلما رأت تمثالا ليسوع ~~ركعت على الأرض. كلما شاهدت صورة للعذراء قبلتها ورسمت علامة الصليب. ~~كانت تصلي لكيلا يأخذوا لودفيج إلى الحرب، ولكنهم أخذوه. أليس الأفضل ~~إذن أن نشرب وننسى؟! # قلت: لا أدري يا سيدي، لا يدري الإنسان ما هو الأفضل أبدا. # قال الرجل وهو يسحب «سلطان» من سلسلته: معذرة، لقد أطلت ~~عليك. # تقدم الليل. نسيت نفسي في الحديث. يمكنك أن تنام على هذه الأريكة. ~~معذرة، ولكننا لا نملك سريرا ثانيا. مساء الخير يا سيدي. نم في ~~أمان. # قلت: مساء الخير يا سيدي. # وتمددت على الأريكة وأغمضت عيني. كنت من التعب كأنني أدور في ~~دوامة. ويظهر أنني أغفيت قليلا ثم صحوت على شيء مجهول؛ صوت ضعيف ~~كأنه طفل صغير تسلل من الغرفة المجاورة ولمسني لمسا رقيقا. ~~تبينت منه كلمات متقطعة؛ أيتها العذراء المقدسة، إن كان لودفيج ~~لا يزال ms044 حيا فأعيديه إلي، يا أم يسوع المحبوب. وإن كان قد ذهب إلى ~~الأبد فلا تعيدي الحرب مرة أخرى. أنت تعرفين قلوب الأمهات، يا أيتها ~~الأم المقدسة، آمين. # فتحت عيني، واستطعت أن أتبين الوجه المعلق على الحائط. تطالعني ~~منه العينان الحزينتان الواسعتان. # وهمست: آمين! # 1957م # | أسوار المدينة # أنا رجل ضائع في المدينة. # شهادة ميلادي تؤكد أنني موجود. # ثيابي رثة. طعامي قليل. شعر رأسي أشعث. وحذائي متمزق من ~~قديم. # أما مدينتنا فهي عظيمة، واسعة الأرجاء، يحدها من الشمال جبل هائل ~~مرتفع، ومن الشرق صحراء ممتدة إلى غير نهاية. ويجري في وسطها نهر ~~لطيف محبوب، بين صفين من أشجار النخيل، وما أكثر ما تراءت مدينتنا ~~لعيني تنينا ضخما، ينفث الدخان من فمه، وعلى رأسه تطوف سحابات شتاء ~~قاتمة. ربما يرجع هذا إلى أن عيني يأكلهما الرمد من زمن بعيد، فلا ~~تميزان الرؤى والمشاهد. كل ما أستطيع أن أؤكده أنني كلما سرت في شوارع ~~مدينتنا استطالت أمامي أجسام الناس، وتضخمت أبعادها، واختلطت علي ~~حدودها، فلا أكاد أعرف إن كانوا بشرا، وتكاد عيناي تدمعان. # مدينتنا مدينة عظيمة كما أسلفت، أعظم ما فيها هذا السور الهائل ~~المنيع الذي لا يذكر اسمها إلا مقترنا به؛ يحدها من الشمال ~~والجنوب، ومن الشرق والغرب. وتاريخها مذكور في الكتب، مدون في ~~الأسفار الكبيرة، محفور في الآثار والصخور، وفي رءوس حكمائنا الشيوخ. ~~وإن نسينا في بعض الأحيان أن مدينتنا قد هاجمتها جيوش أعداء كثيرين، ~~على مر الدهور، فلنا العذر في ذلك؛ فذاكرة أمثالي من رجال أمتنا ضعيفة. ~~وكيف تعلق بأذهاننا تفاصيل لا حصر لها؟ # كان من أعدائنا من يلبسون ~~العمائم الكبيرة والبيضاء، ويحملون السيوف في أيديهم، ويقاتلون ~~أجدادنا كالوحوش، وكان منهم من يلبسون القبعات فوق رءوسهم، ويتطاير ~~الشرر من عيونهم الخضراء، ويرطنون بلسان غريب على أفهامنا، ولكنه ~~رقيق. لن نستطيع أن نذكر جميع أعدائنا. كل ما نذكره أنهم قد بنوا هذا ~~السور الهائل المنيع حول مدينتنا. تقول عجائزنا المخرفات إنهم قد ~~بنوه منذ مئات السنين. ويقول حكماؤنا ذوو اللحى الطويلة، والرءوس ms045 ~~الصلعاء من أثر الحكمة: إنه موجود على حاله منذ الأزل. ونحن بينهم ~~حائرون. فتحنا أعيننا فرأينا هذا السور الهائل المنيع يطوق مدينتنا، ~~من الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب، يكاد يخنق أنفاسنا، ويكاد الحزن ~~يغلبنا فنعتقد أننا سنموت ونتركه وراءنا. # حكاية هذا السور العظيم لا ~~تبرح رءوسنا ولا شفاهنا، في كل بيت، في كل منتدى، في كل شارع، في كل ~~حي، نجد من يذكر السور وهو خائف، وأطرافه ترتعد. جدتي قالت لي - أيام ~~أن كانت تروي لي الحواديت في ليالي الشتاء - إن هذا السور قد بناه ~~حاكم عظيم، كأنه مارد من الجان، بساعديه الغليظين. وأمي حذرتني - ~~وهي على فراش الموت - من أن أقربه، لكنني مع ذلك بقيت حائرا، والشك ~~يطل من عيني. حرصت على أن أجمع كل خبر، وأن ألتقي بكل من أتوسم فيه ~~المعرفة بنبأ السور العظيم. وكان أن جمعت أنباء طيبة، وإن كنت أتعجب ~~من اضطرابها، ومن تناقضها في أكثر الأحيان؛ فحراسنا الأشداء يقولون ~~إنه يحمي مدينتنا من غارة الأعداء - وهم كثيرون - والفلاحون الأتقياء ~~يؤكدون في لهجة صادقة أنه يصد عنا رياح الشمال التي كانت تهلك فيما ~~مضى محاصيلنا، وتؤذي زرعنا ونباتنا. أما الحكماء فهم يقولون - وعيونهم ~~لا تفتأ تتأمل الكتب القديمة الصفراء، وأصابعهم تتخلل لحاهم البيضاء - ~~إن هذا السور يعصمنا من الجهل الذي عم البلاد، ومن وباء استشرى في ~~سائر الأمم، وإننا لذلك سنبقى حكماء عاقلين ما بقي لنا هذا البناء ~~العظيم. # هذا السور قد صحب أعمارنا، ~~وحفظ ذكرياتنا، فنحن نخشى عليه من أن ينهدم منه حجر، أو تفتح فيه ~~ثغرة. أجدادنا من المهندسين صبوا فيه عصارة أفكارهم، وسهروا الليالي ~~الطويلة وهم يعدون رسومه، ويبدعون تصميمه، ويقيمون أعمدته ~~وأبهاءه، وشبابنا من البنائين والصناع والعمال قد وضعوا فيه جهد ~~أعضائهم وأعصابهم ودمائهم، لبثوا عشرات السنين يحفرون، ويردمون، ~~ويحملون الطوب والحجارة فوق أكتافهم، ويتحملون لفحات شمسنا الخالدة فوق ~~رءوسهم، ومات منهم كثيرون، واختلطت عظامهم بالرماد والجير والأسمنت. ~~وأطفالنا لعبوا حوله، ولمسوا أحجاره، وحملوا في رءوسهم الصغيرة أعز ~~الذكريات. والعشاق لم ms046 ينسوا أن يصحبوا معشوقاتهم إلى جانب السور ~~العظيم، فاستندوا معهم على جدرانه، وغازلوهن واعتصروا أجسادهن من الحب، ~~ورقصوا، ورجعوا في آخر الليل وقد أضناهم العناق والضم والتقبيل. أما ~~عجائزنا من الشيوخ والنساء فقد كان لهم في جوار السور أولياء صالحون، ~~وقديسون طيبون، يزورونهم بين حين وحين، ويؤدون فروض العبادة في ~~أضرحتهم، ويلثمون أطراف أكفانهم، ويرجعون إلى بيوتهم راضين ~~مستبشرين. # ولكن حدث منذ عهد قريب ما جعلنا نشفق على سورنا العظيم من أن يصيبه ~~أذى؛ فقد أسفر صباح يوم سار فيه المنادى - وهو رجل أعمى يقوده صبي ~~حافي القدمين - في شوارع المدينة وهو يلقي بالنبأ العظيم: «لقد وجدت ~~أمس في جدار السور ثغرة كبيرة. الحراس يبحثون عن اللصوص.» سرى النبأ ~~في المدينة مسرى الرعب. من هم هؤلاء اللصوص؟ من أين جاءوا؟ كيف ~~واتتهم الجرأة على أن يتسللوا إلى مدينتنا أو يهربوا منها؟ وسرعان ما ~~تم التدبير، واحتاط حراسنا الأشداء لكل الظروف، ووضع على مسافات ~~متقاربة من السور رجال من الشرطة، مدججين بالسلاح، وعيونهم ساهرة ~~بالليل والنهار. ولم يمض قليل حتى ضبط اللصوص المعتدون. وأمر الحاكم ~~العظيم بأن ينزل بهم أشد العقاب، فسار بهم رجال الشرطة في شوارع ~~المدينة بعد أن حلقت رءوسهم ومزقت ثيابهم، حفاة عراة إلا من ~~خرقة تسترهم. أنا قد رأيتهم بعيني؛ فأنا واحد من شعب هذه المدينة، ~~ومن حقي أن أقف على جانب الشارع لأتفرج على الموكب وهو يمر من ~~أمامي. وشد ما كانت دهشتي إذ عرفت اللصوص الثلاثة. لا ريب أنهم من أهل ~~مدينتنا، بل يخيل إلي أنني رأيتهم وعاملتهم، وإن كنت لا أذكر ~~تماما أين كان ذلك. ولقد بلغت بي الشفقة عليهم حدا كبيرا، فاستغفرت ~~لذنوبهم، وطلبت في قلبي لهم الرحمة من الله، ومن الحاكم، كان موكبهم ~~شيئا يبعث على الألم حقا؛ فلا بد أن حراسنا الأشداء قد ضربوهم على ~~ظهورهم بالسياط حتى سالت منها الدماء في خيوط متعرجة، حفرت عليها ~~آثار عميقة كامدة. # ولقد بلغني بعد رؤية هذا المشهد بيومين، أن الحاكم الكبير لم يكتف ms047 ~~بهذا الجزاء، بل طلب أن يوضع الثلاثة في السجن. ولما لم تكن في ~~مدينتنا سجون، فقد أمر فبنيت لهم على عجل زنزانة ضيقة، منعزلة في ~~قلب الجبل - قيل لي إنها قد كلفت ميزانية الحاكم أموالا طائلة - ~~فلما قيل له إنه لا بد للمسجونين من حارس، صار يدمدم يومين كاملين؛ ~~فالنفقات لم تكن تخطر على باله. ولقد سمعنا ونحن في المدينة - فقد صار ~~نبأ هؤلاء المساجين أهم ما يشغلنا ويجذب انتباهنا - أن اللصوص الثلاثة ~~قد صافحوا حارسهم في حرارة وهم يدخلون في الزنزانة، وأن واحدا منهم ~~راح يؤكد حين أغلقت عليهم الزنزانة أنه هو الذي صنع البوابة ~~الحديدية والقفل الكبير بيديه؛ مما سر الحارس وجعله يغرق في الضحك. ~~وكان زميلاه في السجن كذلك في غاية من الانشراح. أما أحدهما فهو ~~فلاح بسيط كان يعيش على قطعة صغيرة من الأرض يزرعها بقليل من القمح ~~والخضر، ويعيش سعيدا مع أبويه العجوزين وأولاده الأربعة. وأما الآخر ~~فكان شابا يشع من عينيه الذكاء والقلق. لم يكد الحارس يغلق عليه ~~باب الزنزانة حتى طلب أوراقا وقلما. # وهكذا سارت الأمور على خير ما يرام؛ فالسجناء الثلاثة فرحون ~~مستبشرون لسبب لا ندريه، بل لقد زادت شهيتهم للطعام (حتى طلب أحدهم ~~أن يؤتى له بفخذ خروف محمر، وثلاثة أرطال من اللحم المشوي، وأقتين من ~~التفاح والكمثرى)، وهم لا يكفون عن الضحك والتهليل حتى كأنهم قد ~~دخلوا حانة أو مشربا، ثم إنهم ينامون نوما هادئا، وعلى الأخص ذلك ~~الحداد الذي لا يكاد يصحو من نومه حتى يطلب الطعام من حارسه ثم يعود ~~إلى النوم في هدوء. # ولقد سارت أمور المسجونين الثلاثة على النحو التالي: كانوا يزدادون ~~سمنة يوما بعد يوم؛ ونتيجة لذلك زادت نفقات إيوائهم على الحاكم، حتى ~~كان يوم استشاط فيه غضبا، أرسل إلى مدير ديوانه ليقول له وعيناه ~~ترسلان الشرر: لا بد من الخلاص من هؤلاء الملاعين. ~~- وكيف يا مولاي؟ ~~- اقطعوا رقابهم. ~~- لا نستطيع يا مولاي. ~~- وماذا يمنعكم؟ ~~- نخاف على سور المدينة. ~~- وما شأن السور في هذا؟ ~~- ستزداد ms048 فيه الثغرات، ويهجم شعبك الأمين عليه فيهدم أحجاره. ~~- إذن فافتحوا أبواب السجن. ~~- ومتى كانت السجون مفتوحة الأبواب؟ ~~- افعلوا أي شيء؛ فقد ضاقت نفسي بهذه التكاليف. # وأذعن مدير الديوان لهذا الأمر، فأمر حارس الزنزانة أن يترك بابها ~~مفتوحا، ولكن هذه الوسيلة لم تجد إزاء عنادهم؛ فقد كانوا يخرجون ~~للطعام أو للنزهة ثم يعودون إلى السجن فيغلقونه عليهم في إحكام. وسارت ~~الأمور على هذا النحو أياما؛ المساجين ينفذون العقوبة المفروضة ~~عليهم بأمانة وإخلاص، والحارس يستولي عليه الملل ويغط في نوم لا ~~يفيق منه. # وبلغت أنباء الثلاثة أسماع أهل المدينة. إنهم يستطيعون - بمجرد فتح ~~ثغرة في السور العظيم - أن ينعموا بسجن هادئ مريح، وأن يناموا ملء ~~جفونهم، ويستسلموا لأحلام صافية. وكان أن تسلل الكثيرون إلى السور ~~في الليل، وكل من فتح ثغرة أو نقل حجرا عن موضعه أسرع إليه الحارس ~~فقبض عليه وأسلمه لرجال الأمن. وتعددت هذه الحوادث حتى ألفت آذاننا ~~صوت المنادي العجوز وهو يطوف بالطرقات ليعلن نبأ القبض على اللصوص. ~~ووجد العاطلون من أهل المدينة عملا مربحا في بناء السجون الجديدة ~~المحكمة. وأطمعت هذه الثروة المفاجئة الكثيرين، فتركوا أعمالهم التي ~~ورثوها عن آبائهم وأجدادهم وشاركوا في البناء الجديد في همة ونشاط، ~~ولكن الأمر الذي لم يكن يتوقعه أحد أن عددا من الصبية والنساء ~~قد تسللوا ذات ليلة إلى السور العظيم - في غفلة من الحراس - فقلبوا ~~أحجارا كثيرة عن مواضعها، وفتحوا فيه ثغرات لا يقوى عليها إلا الرجال. ~~وكان أهل المدينة كراما مع هؤلاء المذنبين؛ فقد أثارتهم المروءة ~~والوفاء، وهزهم الشحوب البادي على وجوههم، فدلوا رجال الأمن ~~عليهم. # لم يكن بد إزاء هذه الأحداث من أن تؤلف المحاكم، وأن يجعل لها ~~قضاة مهيبو الطلعة، طوال اللحى، يتلفعون في مسوح سوداء فضفاضة ~~كمسوح الرهبان. وكثر عدد هذه المحاكم فيما بعد حتى دخلت كل حي، ومن لا ~~يحاكم يتفرج. وتوافد الفلاحون الأتقياء من القرى البعيدة ليشهدوا، ~~ويروا المدينة التي تقيدها سلاسل من الحجارة. أما المحاكم فلم يكن ~~يفهم مما يدور حوله شيئا. كان يعجب ms049 لأهل المدينة الذين يسيرون إلى ~~السجن بمحض اختيارهم، وكان أكثر ما يزيده غيظا أن يسمع أناشيدهم حين ~~تسوقهم الشرطة إليها، وكان أشد ما عجب له أن الحراس الذين وضعهم على ~~مسافات متقاربة من السور العظيم قد تفشى بينهم مرض النوم (لقد رآهم ~~بنفسه يتثاءبون). وراع الحاكم ما سمع وما رأى، فأسرع يستدعي كبير ~~قضاته. وحين مثل هذا بين يديه، وانحنى أمامه حتى كادت جبهته أن تلمس ~~الأرض، صاح فيه: أرأيت؟ أرأيت؟ ~~- أنا أيضا لا أكاد أصدق يا مولاي. ~~- وماذا يريدون؟ ~~- السجن. ~~- أيعاقبون أنفسهم بأنفسهم؟ ~~- ويطلبون المزيد من العقاب. ~~- المدينة امتلأت بالسجون. ليس بوسعي أن أفعل أكثر من هذا. ~~- نحن أيضا قد يئسنا يا مولاي؛ فقد تعطلت وظيفتنا. لم يعد ~~لأمثالنا من القضاة ضرورة، إن الجميع يتمنون العقاب الذي نفرضه ~~عليهم. ~~- احكموا عليهم بعقاب أشد. ~~- الحكم في يدك يا مولاي. ~~- في يدي؟ ~~- نعم. هناك حكم واحد يريحنا من هذا العذاب. ~~- تكلم، تكلم. هل نسجنهم إلى الأبد؟ ~~- لقد جربنا هذا. ~~- إذن نقطع رقابهم. ~~- ولا هذا. ~~- ويحك! بماذا أحكم إذن؟ ~~- احكم عليهم بالحرية. ~~- الحرية؟ وكيف؟ ~~- اهدم السور العظيم. # قال كبير القضاة ذلك واحمر وجهه كفتاة عذراء، ثم انحنى حتى كادت ~~جبهته تلمس الأرض، وخرج وهو يتعثر في أطراف ثوبه الفضفاض. # وعاد القاضي من فوره إلى المحكمة، وسارت الأمور سيرها الطبيعي؛ ~~النساء يلدن، والصغار يكبرون، والعجائز يموتون، والثيران تدور في ~~الطواحين، وأمواج الفلاحين تترى على مدينتنا من القرى البعيدة، كل ~~شيء يجري على ما يرام. # كان ذلك منذ زمان قديم، سحيق في القدم، ولم تزل أسوار مدينتنا كما ~~هي، عالية، مرتفعة، تحجب عنا رياح الشمال، وتكاد تحجب النور. # وما برح أهل مدينتنا يتسللون إليها في ظلمات الليل، يغافلون ~~حراسها، ويحفرون فيها ثغرة جديدة. # أدرك أهل المدينة أن مدينتهم قد باتت وهي سجن كبير. ولم يكن الحاكم ~~يدري أن السجن الصغير يمكن أن يتسع ويتسع حتى يضم كل هذا العدد ~~من الناس. # أما أنا - وإن كنت رجلا مسكينا من أهل هذه المدينة فثيابي رثة، ~~وقدماي ms050 حافيتان، وطعامي قليل - فقد فهمت ما يريدون . لمعت هذه الفكرة في ~~رأسي فجأة وعلى غير انتظار؛ سوف لا يهدأ لهم بال حتى يهدموا السور ~~العظيم، وينقضوه حجرا بعد حجر. # أنا قد لمحت هذا في عيونهم. # 1951م # | زمارة، توت # المشوار طويل والمقبرة ما تزال بعيدة. وعم إبراهيم يضرب الأرض بعصاه ~~رقيقا كأنه يخشى أن يستيقظ راقد تحت التراب ليسأله ما الذي جاء بك إلى ~~هنا؟ كنا أشبه بنملتين غبيتين. نسير بين الأحجار القديمة، والتماثيل ~~المهشمة والمعابد المتهدمة، والجبل الشامخ يظللنا من كل مكان، ~~كأنه خيمة سوداء بلا حدود. ~~- خلاص، قربنا. # قالها عم إبراهيم فانتفض قلبي، كأن يدا رهيبة هزتني لتعلن عن ~~مولد معجزة. والتفت أراقب الوجه العجوز المتهدم. واليد الجامدة ~~تشير إلى كهف في «وادي الملوك» غير بعيد عنا. وهمست خائفا: هي دي ~~المقبرة؟ فجاءني صوته الغاضب: هس! # الحق مع عم إبراهيم؛ فالكلام هنا شيء محرم. إنه حجر يعكر بحيرة ~~السكون. وعدت أتأمل وجه رفيقي العجوز ورأسه الشامخة التي تجللها ~~شعرات بيض كأنها تاج من الفضة، وضعه فرعون العظيم. وابتسمت وأنا ~~أتخيل عم إبراهيم - الصعيدي الطيب - ينفض التراب عن هدومه، وينهض من ~~تابوت قديم، فيفتح عينيه ويفك الأربطة عن جسده، ثم يمد يده فيشرب ~~من قلة قناوي موضوعة بجانبه، ويتجشأ ويقول لي: إيه اللي جابك ~~هنا؟! ~~- تعال. لأ، من هنا. هات إيدك. أيوه كده! # كنا قد بلغنا المقبرة. وهذا هو مأوى رجل من الخالدين أراد أن يخفيه ~~عن أعين الفانين من أمثالي. وصاح بي عم إبراهيم: ما لك خايف ~~كده؟ # فقلت وأنا أرتعش: أصل دي أول مرة ... # فرن صوت كالجرس: يا شيخ، ده اللي يشوفك يقول ده جاي يسرق الترب. ~~وذكرتني كلمته بلصوص المقابر؛ يتسللون في ليالي مصر القديمة ~~ويسلبونها الأكفان والكنوز والأسرار. # وعاد الصمت يجلجل: حد يخاف من أبوه وجده؟ هات إيدك هات. # وتناول يدي يساعدني على صعود الممشى الطويل، وتقدم يدلني على ~~المكان. إنه يعرف كل شبر من أرضه وكل موضع من جدرانه، وكأنما يسبقني ~~إلى بيته القديم؛ فهو ms051 ينفض التراب والعنكبوت عن سقفه وستائره. # ومضى عم إبراهيم يعرفني على المقبرة، كأنه سمسار شقق في وادي ~~الملوك. # قلت وأنا أحني قامتي لأدخل حجرة ضيقة: دي أودة إيه؟ # فقال عم إبراهيم: دي بقى أول أودة، كان فيها تابوت فاضي مفيش غيره، ~~تخش منها على تاني أودة. استنى أما أولع الشمعة فيها هدوم توت عنخ ~~وعصيانه، وقول زلعتين كمان. # فقلت متعجبا: زلعتين! # فهتف كأنه ينكر جهلي: أمال أنت فاكر إيه؟ الراجل يقوم عطشان، يبل ~~ريقه. ~~- طيب والأودة دي؟ # وكنا قد وصلنا إلى قاعة كبيرة. ~~- هنا بقى تمثالين، هو ولا مؤاخذة، والست بتاعته، وجنبهم العربية ~~بتاعتهم، جايز الراجل يجيله مزاجه. ~~- مزاجه؟ ~~- أمال! يقوم يتفسح هو وجماعته شوية، يشموا هوا. القصد، تعرف لقينا ~~الزمارة فين؟ # وأعملت فكري لأتذكر معلوماتي الضئيلة عن المقبرة ومكتشفيها وسألته: ~~قصدك النفير؟ ~~- باقولك زمارة توت عنخ. # وثبت عم إبراهيم الشمعة على الأرض وقال لي وهو يجلس: تعال نقعد ~~هنا تعال. من يومها ويعملوني حارس. أقول لك الحق؟ أنا كنت خايف موت، ~~ما هو أنا اللي لقيتها بقى. ولما وريتها للخواجة قال لي برافو يا ~~خبيبي، إنت كويس كتير. حطتها تحت باطي، ونمت. # ليلتها نام عم إبراهيم على باب المقبرة. كان الأنفار قد هدهم التعب ~~طول النهار، وسهروا يشربون الشاي الثقيل، وينفضون التراب عن أرواحهم ~~وأجسامهم، ويثرثرون عن الفراعنة حتى زحف النوم إلى عيونهم، وبقي عم ~~إبراهيم سهران. ~~- ما تعرفش إيه اللي جرالي من ورا الزمارة دي، حاجة ورا العقل، وثبت ~~عينيه بالسقف، كأنه ينتظر أن ينشق عن الملك الجميل يتقدم إليه ويصافحه ~~ويقول له: إزيك يا عم إبراهيم! # وفي نص الليل ألاقي لك اللي بيخبط على كتفي. قمت مفزوع من عز النوم. ~~لقيت اللي واقف قدامي. قلت بسم الله الرحمن الرحيم. مين؟ # قال: أنا توت. # قلت: توت مين؟ # قال: ما تعرفنيش يا عم إبراهيم؟ # هزيت رأسي وقلت: لا والله، ما خدش بالي. # قال: بقى يا راجل متعرفش توت عنخ آمون، فرعون مصر، قبلي ~~وبحري؟ # قلت له: وعاوز إيه يا ms052 سيدنا توت؟ # قال لي: قوم يا إبراهيم. # قلت له: أقوم أروح فين يا سيدنا توت؟ # أنا راجل غلبان، وعلى الله حالي. # رجع يمد لي إيده، ويقول لي بأقولك قوم انفخ في الزمارة دي. # وعنها والنوم طار من عيني. فتحت ما لقيتش حاجة قدامي، حسست على ~~الزمارة لقيتها مطرحها قول يا شيخ حمدت ربنا اللي جات سليمة، بصيت ~~حواليه لقيت الأنفار نايمين نوم أهل الكهف من تعبهم طول النهار ومن كتر ~~الشيل والحط. قول صحيت وقريت الفاتحة لأهل البيت وفاتت الليلة على ~~خير. # تاني ليلة الشيطان لعب في عبي، قلت يجرى إيه يعني لو جربت الزمارة ~~دي؟ حطيتها على بقي وقلت يا بركة سيدي توت. # فقلت ضاحكا: ليه؟ هو شيخ؟ # فقال وهو يتعجب من جهلي: ومن أولياء الله كمان. # فأحبيت أن أجاريه في قوله: أهل زمان كلهم بركة. # فأطرق برأسه مؤكدا كلامي: أمة لا إله إلا الله ما تخفش عليها. ~~القصد، نرجع للزمارة. سميت ونفخت فيها. حاكم أنا لي صنعة في المزامير ~~دي. طول عمري ما حدش يغلبني على الأرغول. أنا نفخت فيها من هنا. ~~- طلع منها صوت؟ ~~- صوت؟ قول رعد، برق! زي ما تكون السما انطبقت على الأرض. توت توت. ~~اتهيألي إن الفراعنة كلهم صحوا، زي الجن المسلسلين اللي ربنا ها يفرج ~~عنهم يوم القيامة. اتلموا علي من كل ناحية. أنا قلت تروح على فين يا ~~إبراهيم، تيجي منين يا إبراهيم؟ ~~- وتوت، ما كانش معاهم؟! ~~- جاي لك أهه. الفراعنة طبقوا على نفسي. شوف أنت بقى ما هم فراعنة، ~~وسرهم باتع. أنا قلت خلاص، رحت يا إبراهيم في شربة مية، واللي كان كان. ~~اتلموا حوالي يضحكوا، ويشاوروا علي، ويرطنوا بكلام، ما أنا عارف ~~هما بيقولوا إيه. ~~- يمكن بيتكلموا هيروغليفي؟ ~~- عليك نور. أهو كلام كده زي نبش الفراخ! ~~- وما ردتش عليهم؟ ~~- وأنا أروح فين في وسطهم؟ ده كلهم لسانهم فصيح. وشوية وألاقي الوش ~~المنور جاي من بعيد. ~~- توت عنخ؟ ~~- بلحمه ودمه! راكب على عربية مزوقة، فشر الحناطير بتاعة الأيام دي، ~~جاررها فرس ms053 عربي أصيل، والخدم والحشم والعبيد حواليه. وعنها ويخش في ~~وسط الأمم دي، وهو بيزعق: اوعى يا جدع انت وهوه. ~~- كان بيتكلم عربي؟ ~~- أيوة أمال! هو بس اللي بيعرف عربي! ~~- وسلمت عليه طبعا؟ ~~- أقول لك الحق، ما جاليش قلب! ~~- وهو ما كلمكش؟ ~~- فضل يتحايل علي، ويقول لي قوم يا عم إبراهيم، عشان خاطري يا عم ~~إبراهيم. أقوله أروح فين يا سيدنا توت. يقول قوم معايا، الرجالة بتوعي ~~أهم. قلت له أنا راجل غلبان يا عم توت، ما أقدرش أسيب أكل عيشي. قال لي ~~قوم ما لكش دعوة. أنت هاتنفخ في الزمارة وبس. الناس كلها تصحى من عز ~~النوم. قلت له دا نايمين من زمان يا عم توت. قال لي أمة محمد بخير. قلت ~~له يا عم توت، أنا باجري على ولايا، روح أنت لوحدك. ~~- ضروري زعل منك. # فسرح ببصره قليلا كأنه يندم على فرصة فاتت ولن تعود، وعاد يقول: ~~زعل بس؟ طيب دا وشه اللي زي البدر اتعكر وبقى لون الأرض. ركب عربيته ~~وقال: سوقوا يا عبيد. والناس مشت وراه. الأرض دي مش سايعاهم. ما أقولكش ~~بقى على التراب اللي طالع من تحت رجليهم. ~~- وفضل مخاصمك كتير؟ # فمال عم إبراهيم ليشعل شمعة أخرى بعد أن ذبلت الأولى وكادت أن ~~تختنق: الحق لو واحد غيري وعمل معاه الفصل ده ما كانش كلمه طول ~~عمره. ~~- لو أنا منه ما أوركش وشي أبدا. ~~- الراجل اللي يعرف ربنا ما تخافش عليه أبدا. ما فيش ليلة والثانية ~~وألاقيلك اللي بيهزني في نص الليل. ~~- توت عنخ؟ ~~- أنا بصيت في وشه ما عرفتوش أصفر زي الليمون. وعينيه داخلة لجوه، ~~ولا الأموات! متعفر، وهدومه مقطعة، وحالته تصعب على الكافر. قلت له ~~مالك يا عم توت، كفى الله الشر. قال لي أنا مت خلاص يا عم إبراهيم. ~~بصيت حواليه لا لقيت خدم ولا حشم. قلت الله! أنت جاي ماشي ولا ~~إيه؟ # قال: الكفرة يا عم إبراهيم! الكفرة أخذوا مني كل حاجة. ألاقيش عندك ~~لقمة؟ # وأنت عاوز الحق؟ أنا قلبي انقبض ms054 من الكلمة دي. سيدنا توت جعان، يا دي ~~الكسوف يا ولاد. القصد، قعدته جنبي، ودورت على حاجة تنفع للأكل. لقيت ~~لقمتين عيش بايتين من العشاء، وحتة جبنة قديمة. دخلت جيبت له القلة من ~~جوه. الراجل أكل وشرب وحمد ربنا. أمال؟ أهل زمان كانوا باكيين على ~~النعمة. بصيت في وشه لقيته متغير قوي، وعيني دي، اللي ما يملاها إلا ~~التراب اتمدت وبصت على رجليه. تعرف وحق من خلق السما بلا عمد، لقيته ~~حافي. # فهتفت بغير إرادة مني: توت عنخ آمون حافي؟ ~~- زي ما بأقولك كده. ميلت عليه. ومديت إيدي حسست على ضهره. لقيته ~~خاسس قوي. ~~- لازم كان راجع من سكة سفر بعيدة. # فقال عم إبراهيم وقد سرته ملاحظتي: ابن حلال قلت إيه الغيبة ~~الطويلة دي يا توت؟ قال لي: تعرف أنا كنت فين يا عم إبراهيم؟ قلت لنفسي ~~هايروح فين يعني، والناس الطيبين دول حيروحوا فين، الناس اللي لا تعرف ~~سيما ولا قهوة. قلت له: جاي من الجامع طبعا. لقيته اتنفض وقال لي: ~~جامع إيه! أنا جاي من مصر. # أقولك الحق: أنا ما صدقتش واحد ييجي من مصر على رجليه مش معقول. ده ~~حتى القطر بيقطعها في سبعتاشر ساعة. رجعت أقول دول ناس مباركين، وربنا ~~فاتح قلوبهم على الإيمان، فسألته: ورحت فين في مصر؟ قال: والله يا عم ~~إبراهيم أنا دخت! لفيت في كل مكان، رحت القلعة، والسيدة، والإمام، ما ~~سيبتش حارة إلا لما لفيتها، حتى العزب والكفور اللي من هنا ~~لمصر. # قلت له: والناس عرفتك يا توت؟ ~~- ناس مين؟ هو أنا لقيت ناس؟ كلهم نايمين. ~~- نايمين؟ يمكن طبيت هناك بالليل. ~~- بأقولك نايمين، نايمين. قمت سألته وأنا قلبي بينقبض: وفضيلتك كنت ~~عايز تصحيهم؟ # قام اتأثر قوي وبان على وشه الزعل وقال لي: أنا كنت فاكر إن احنا بس ~~اللي نايمين، أتاري الناس كلها نايمة، ورايحة في النوم، من ~~زمان. # أعمل إيه؟ هزيت راسي وقتل له: صحيح من زمان. # رجع يقول: أنا كنت فاكر إن أمة فرعون هي اللي نايمة في التراب، ms055 أتاري ~~الناس هنا كمان، متكفنين، ومتربطين في البيوت ، والشوارع والقهاوي، وفي ~~الحكومة، كله نوم! # استعجبت وقلت له: صحيح يا توت، كله نوم يا رسول الله! # قال لي: أنا غلبت أنفخ في النفير، إن الناس تصحى؟ ما تصحاش. يا عالم ~~اصحوا. لا إحنا مرتاحين كده. قال: تعرف إن بختنا أحسن منكم؟ قول ما ~~عجبتنيش الكلمة دي. قلت له إزاي بأه يا سيدنا توت؟ # قال لي: على الأقل احنا لقينا اللي يفتح قبورنا، ويرفع توابتنا، ~~ويشيل الكفن عنا، لكن أنتم ... # أعمل إيه؟ قلت له: صحيح، إحنا لسه يا عم توت! # رجع يقول: الحقيقة، ما تبسطش من ده الحال. رجعت أعس وأدور، لقيت ناس ~~غرب كتير، كل ما أبص في وش الواحد منهم أقول أستغفر الله العظيم، مش ~~معقول يكونوا من بر مصر! # قلت له: يأجوج ومأجوج؟ # قال لي: عليك نور! همه بعينهم. # قلت له: لكن دول كانوا زمان قوي يا عم توت. # قال لي: ما هو احنا ما عندناش زمان ودلوقتي. كل عدوين بر مصر لقيتهم ~~قدامي، كده على بعض، قل أرجع لأهل بلدي أصحيهم، وعنها وأنفخ في النفير؛ ~~توت، توت. اتلموا علي. ~~- مين؟ المصريين؟! # لأ، اللي عنيه خضر، واللي وشه أصفر، واشي لابس برنيطة. ~~- وقدرت عليهم لوحدك؟ ~~- حاوطوني زي النمل، وقتلوا عساكري كلهم، وكسروا العربية وقطعوا ~~هدومي. ولولا ستر ربنا كانوا خلصوا علي، وأديني أهه، زي ما أنت ~~شايف. # فقال عم إبراهيم وهو يتحسس جبهته كأنما يستخرج منها تفاصيل حلم قديم ~~غاب عنه: في الليلة دي عملت الواجب اللي علي، الراجل اتعشى واتبسط، ~~وكان عطشان شرب، واتمدد جنبي نام، أنا صحيت الصبح، فأسرعت أقول. لقيته ~~متمدد جنبك. # فقال عم إبراهيم: لأ، لقيت واحد من الأنفار بيقول لي: قوم، قوم. أنا ~~افتكرته توت بيصحيني. قلت له: أقوم فين يا سيدنا توت؟ أنا راجل غلبان ~~وعلى قد حالي. لقيت اللي بيلطشني على وشي ويقول لي: قوم شيل لك مقطفين! ~~يومها اشتغلت زي عوايدي، شيلت كام كوم تراب كانوا حوالين السكة دي، ~~وانتظرنا لما ms056 جه الخواجة، فقلت أذكره: كارتر؟ # فقال ساخطا: أنا عارف بأه! أهي أساميهم كانت مالية الجرايد أيامها. ~~فتحنا أودتين من اللي كانوا مقفولين، أصلي كنت بأقف على أيديهم، وما ~~كانوش يدوا سرهم لحد غيري. سألني على الزمارة. قلت له: معايا يا حضرة ~~الخواجة. قال لي: خدي بالك منها، اوعى تنفخي فيها. قلت آه يا ابن ~~اللئيم، ليكون حد قال له إنني نفخت فيها، مكرت عليه أنا كمان، وقلت له: ~~ويجرى إيه يا خواجة؟ قام ضحك قوي وقال: دي كله يصخى يا خبيبي، كل ~~الميتين دي يصخى. # قول الحكاية فاتت على خير، وفي ليلتها قاعد على باب المقبرة، حاطط ~~إيدي على خدي، والأنفار نايمة حوالي مقطوعين النفس، وبأجرب في البوق: ~~فو! ولا يوم القيامة. أتلفت حوالي، وحمدت ربنا إن ما حدش صحي، ~~نفرين تلاتة اتقلبوا شوية من تعبهم، وبعدها اتخمدوا ناموا. وأبص بعد ~~شوية، وألاقيه جاي من بعيد. ~~- توت عنخ؟! ~~- هو بعينه، ماشي زي الخيال، هدومه مقطعة، ووشه معفر، ورجليه حافية، ~~ورايح في ربع حاله. قلت له: ما تقعد يا توت. قال لي: لأ، قوم. قلت له: ~~أنا لسه ما اتعشتش، قوم كل لك لقمة معايا! قال: والله ما ليش نفس. ~~قلت: طيب اقعد اشرب شاي. قال: لأ قوم ندخل جوة. قلت له: جوة فين؟ قال: ~~مطرح ما كنت نايم، في التابوت! قلت له: كده يا سيدنا توت؟ بقى بعد ما ~~صحيت وشفت الدنيا ترضى بالنومة دي تاني؟ قول يا شيخ أنا اتأثرت قوي من ~~الكلمة دي. ميل علي وحط إيده على كتفي، وقال لي مصيرها تتعدل. قلت ~~له: إزاي؟ قال لي: يعدلها من لا يغفل ولا ينام! بكرة ييجي اللي يصحيني. ~~قلت له: ييجي منين يا توت؟! قال لي: اطمئن، من بر مصر طبعا! وعنها ~~مشيت معاه أوصله؛ أصل المقبرة تتوه، لغاية ما وصلنا للأودة بتاعته. ~~الرجل من نفسه دخل التابوت، ومدد رجليه، ونام. قال لي: ما تغفلشي يا عم ~~إبراهيم؛ علشان فيه واحد هايجيني يصحيني. # كانت الشمعة تخفق خفقاتها الأخيرة، ms057 فلا أكاد أتبين وجه صاحبي. وكان ~~عم إبراهيم قد غاب عن نفسه قليلا، وطوقته فترة من الصمت انتبهت بعدها ~~على صوته؛ يظهر أنه راح في سابع نومة، فهمس كأنه يفضي إلي بسر ~~خطير: عمك توت نومه تقيل قوي! # فتشبثت بذراعه حتى لا أتعثر في حجر، وقلت: ربك قادر، يسلط عليه ~~اللي يصحيه، ويصحي العالم ده كله. # قال وهو يقودني إلى خارج المقبرة: العالم الزلط؟! # فقلت: الفلاحين، والأفندية، والعسكر، والغلابة، وتبينت وجه العجوز ~~المتهدم تطل منه عينان مفتوحتان لم تعرفا اليقظة أبدا. # وتنهد قائلا: هيه، الأمر أمره! # فقلت ضاحكا: يا أخي يعدلها سيدك. # وردد كالصدى: معاك حق، يعدلها من لا يغفل ولا ينام. # 1951م # | قيصر # أفسحوا الطريق لقيصر. # من هنا سيعبر موكبه. # عما قليل ستهل عليكم طلعته. # قيصر، يا ظل الله في الأرض. # أصوات الرعية تهمهم من بعيد. # والحاشية تحف بالعربة الإمبراطورية. # الموكب لا ريب قادم في الطريق. أنا إذن سأبصره بعيني هاتين، بل ~~ربما استطعت أن أندس بين صفوف الجند العظام، وأن أهتف مع الهاتفين، ~~وأمد يدي فألمس - أقول ألمس! - العربة الإمبراطورية المزينة بالورود، ~~المتوجة بالذهب وبالفضة. ومن يدري؟ فلعلي أستطيع أن ألفته إلى وجودي، ~~ولعلي أن تواتيني الشجاعة فأمد إليه يدي بشكواي. سيطرق قيصر العظيم ~~برأسه، وربما ابتسم، وربما مال على أذني ليقول لي: «أنا لم أنسك قط. ~~أنا لن أنساك في يوم من الأيام.» ولكن هل أستطيع حقا أن أنفذ من ~~الستار العظيم الذي يطوقه بالرجال والسلاح؟ هل أستطيع حقا أن أعبر ~~السياج الميتن الذي تصنعه الهيبة والجلال حول مجده ~~الإمبراطوري؟! # وا فرحتي بين العالمين! # من كان يصدق أنني سأرى قيصر؟ # هل يمكن أن يتحقق الحلم في لحظة واحدة؟ # سيعبر الموكب بعد قليل. # يا إلهي! ماذا يحدث لو أن قلبي خانته الشجاعة؟ سترهبه الأبواق التي ~~تزعق من حولي، ستخيفه مواكب الجنود التي تزحم المكان. سيتلفت حوله ~~فيجد نفسه غريبا، مفقودا، عبر به الموكب، وانفضت الجموع، وخرس ~~الضجيج. # جاري يصيح وحنجرته تكاد تنشق: الموكب في الطريق. # وامرأة عجوز تداعب ms058 حفيدها وتشير بيدها النحيلة قائلة: عما قليل ~~يمر من أمامنا قيصر. # وطفلة تفتح عينيها وتهتف بصوتها اللطيف: أليست هذه هي العربة يا ~~أبي؟! # لكنني لا أرى على مدى البصر شيئا. # ماذا يحدث لو لم يأت قيصر؟ # اليأس لن يتسرب إلى نفسي، سوف أرى القيصر على أية حال، وسوف أهتف ~~بملء صوتي: أنا رجل من شعبك الأمين يا مولاي! وسوف يضحك قيصر حتى يميل ~~ظهره إلى الوراء، أما أنا فإني سأجري وراء الركب لألحق بعربة قيصر، ~~وسوف يبعدني الحراس عن موكبه برفق، ومع ذلك لن أبعد حتى أعرفه ~~بشكواي، وأبسط له حالي. سيقول لي في آخر الأمر: اذهب إلى دار الطعام ~~والكساء، قل لهم لقد بعثني قيصر إليكم. # دار الطعام والكساء قريبة من هذا الشارع. # سأتوجه إليها بعد قليل، بعد أن أكون قد رأيت الموكب وحادثت ~~قيصر. # سأتقدم في غير وجل ولا خوف لأقول للأمين على خزائن الطعام: هذا أنا ~~يا سيدي. لا لن أقول له يا سيدي - ألسنا جميعا سواء! - أتعرف من أين ~~أنا آت إليك؟ سيفتح الأمين فمه من الدهشة، ستتسع عيناه اتساعا ~~كبيرا عندما أقول في صوت لا تخونه الثقة: لقد بعثني قيصر إليك! قال لي ~~اذهب يا أحب رعيتي إلي، اذهب إلى الأمين ليفتح لك خزائني فكل منها ~~ما تشاء، أشبع بطنك التي هدها الجوع، اكس جسدك الذي أكلته ~~الرياح، وهصرته أمطار الشتاء. سوف لا يصدقني الأمين في أول الأمر، ~~وسوف يزمجر غاضبا ويأمر أتباعه؛ أن اطردوا هذا الرجل من دار الطعام. ~~لكنه لن يعرف في سطوة كبريائه أنني قد انتصرت عليه. نعم! لقد بلغته ~~شكواي. وماذا بوسعي أن أفعل أكثر من هذا؟ # أنا لن أيئس كما قلت؛ ففي يدي ورقة دفعت عليها رسم الضريبة، ~~وسطرت عليها شكواي ونمقتها بالخط الجميل، وحشوتها بعبارات المدح ~~والثناء على قيصر العظيم. كيف تصل ورقتي إلى يد قيصر؟ قد تأخذني الحيرة ~~أو تذهب بلبي؛ فغير بعيد من هذا الحي سأجد قصر العدالة. حقا إنني ~~لم أدخل أبوابه من قبل، غير أنني ms059 سأصعد سلالم المرمر، وأمضي إلى الردهة ~~الكبرى. سوف يسألني الحجاب: ماذا تريد أيها الرجل؟ وسوف أرد عليهم في ~~عزم ثابت: أريد أن ألتقي بقاضي القضاة. ~~- إنه مشغول بإقرار العدل في البلاد. ~~- ولكني أريد أن أسمعه شكواي. ~~- وهل تستطيع أن تعرف الرجل الذي تشكو منه؟ ~~- حسن أيها السادة؛ إنه قيصر! # سيعجب الحجاب من أمري، وسيمد أحدهم يديه ليطردني بعيدا عن قصر ~~العدالة، ولكني سأقنعه أن قيصر هو الذي بعثني، وسوف أفلت من أيديهم ~~لأجري في ردهات القصر باحثا عن قاعة المحاكمات. وسوف أضل في القصر، ~~حتى أجدها. هناك أصرخ بملء صوتي: يا قاضي القضاة، يا قاضي القضاة، ألا ~~تسمع شكواي؟ وسيرفع القاضي وجهه إلى الجريء الذي دنست قدماه قدس ~~أقداس العدالة، وسيقول لي: ممن تشكو أيها الرجل؟ وسوف أقول بلا أدنى ~~خوف: أنا أشكو قيصر أيها القاضي الجليل! # ماذا عسى أن يفعل القاضي؟ إما أن يعطف على شكواي، ويؤجر المحامين ~~للدفاع عنها - فأنا رجل فقير لا أملك حق الدفاع عن نفسي - وإما أن ~~يثور ساخطا: ضعوه بين المتهمين. أما أنا فلن أغضب أو أثور. يكفيني ~~أنني أسمعت القاضي شكواي، وسواء علي أن أقف بين المظلومين أو بين ~~المذنبين. ألم أوفق إلى دخول قصر العدالة في آخر الأمر؟! # أنا أنتظر موكب قيصر، سوف ينحني علي، ويقرب وجهه من أذني، ويقول ~~لي: ستجدني في القصر غدا. # ها هو القصر بلغته بعد أن تمزقت قدماي، وغطى الغبار بشرتي، وها ~~أنا ذا أتقدم من الحراس الأشداء. إنهم يظللون جدران القصر ~~بهيبتهم، ويتسامقون عن جانبيه كالأشجار العتيقة المتكبرة. سوف لا ~~أهاب شيئا. سوف أقول لهم: لقد بعثني الأمير إلى هذا القصر. سيضحك ~~الحراس بلا مراء، وسيتخذون مني أضحوكة لهم، وربما هجم أحدهم فقبض علي ~~بين ذراعيه كأنني دمية عاجزة، لكن هذا كله لن يخيفني، لن يضيرني أن ~~أنتظر يوما أو يومين، أو أن أقف عند البوابة المرمرية شهرا أو ~~شهرين. # فسوف أبعد عن القصر وفي نفسي أحسن الذكريات. ألست قد عرفت الطريق ~~إليه؟ ألست قد ألفت ms060 الحراس، وضاحكتهم، وحفظت ملامح وجوههم؟ ألم ~~أفلح - إلى هذا كله - في أن أعطفهم على حالي، وأن أسرد عليهم حكايتي ~~وتاريخي؟ ألست قد لمست يد الحارس؟ وأليست يد هذا الحارس ستلمس يد رئيسه ~~الذي يفوقه قوة وبأسا وهذا الأخير، من ذا يشك في أنه سيسلم على ~~كبير حراس قيصر؟ أما كبير الحراس فإنه يسلم على قيصر نفسه في كل يوم ~~مرات، أفلا أكون بهذا قد لمست يد قيصر؟! # ربما وجدتهم في المرة التالية يقولون لي: تفضل، لقد أذن لك قيصر، ~~وهو ينتظرك على مضض في الردهة الكبرى! # سأمضي في طريقي غير هياب. ~~- هل تسمح لي أيها الحارس المبجل؟ ~~- أراك رجلا من الشعب! ~~- إني لكذلك يا سيدي. ~~- إذن فقد أخطأت الطريق. ~~- ولكن قيصر هو الذي بعث بنفسه إلي سيدي. # ويفطن هذا الحارس الغبي إلى خطئه حين يهرع إلى حارس آخر أعلى منه ~~مرتبة ليقول لي: تفضل مكرما، نحن ننتظرك من سنين وسنين، ألست ~~أنت ... (وهنا ينطق باسمي)؟ ~~- نعم أنا هو يا سيدي. ~~- ادخل، ادخل. إن قيصر العظيم مشتاق إلى رؤياك! # وأصعد سلالم الرخام الناصعة، حريصا حتى لا تنزلق قدمي. وأمر يدي ~~لأنعمها بملمس الأعمدة الملساء، وأسير في معبر طويل لا تكاد نهايته أن ~~ترى. وحين أبلغ قاعة فسيحة عليها حراس متدثرون بسترة زرقاء، تلمع ~~فوق أكتافهم نجوم وأقمار ذهبية براقة، أسألهم: أنبئوا قيصر أن رجلا ~~من شعبه الأمين قد جاء. ~~- ولكن هذا مكان حاجب الوزير. # فأرد عليهم ساخطا: من قال لكم إنني أريد مقابلة الوزير؟ فيجيب ~~علي أحدهم وهو يحاول أن يرضيني: أردنا أن نقول إنه وزير ~~قيصر. # وأنصرف عنهم لأواصل سيري. عما قريب سأجد قيصر، وسأمثل بين يديه. ~~كيف يصدق إخوتي وصحابي أنني مثلت بين يدي قيصر؟ من كان يظن أن هذا ~~سيحدث لرجل مثلي. وأدور من قاعة إلى قاعة، مبهورا بالسحر الذي ~~يتخايل أمام ناظري، في الثريات، والطنافس، والرسوم، والمرايا، والرياش، ~~والتحف الغالية. ولكني سأمضي قدما حتى أجد قيصر، وسوف تشغلني عما أرى ~~أفكاري التي تضطرب في خاطري، وخطابي المنمق ms061 الطويل الذي سألقيه بين ~~يديه. # ويقفز أمامي رجل طويل غرق جسده في ثوب رمادي يبدو وكأنه قد خرج من ~~بين الجدران، ليقول لي: أي شيطان جاء بك إلى هنا؟ # فأقول له وشجاعتي لا تفارقني: لقد بعث قيصر إلي. # فيقول وهو يرفع حاجبيه من الدهشة: ولكن هذا الجناح مخصص لكبير ~~وزراء قيصر. # فأسأله في صوت رزين: وأين إذن أجد قيصر؟ ~~- اذهب إلى القاعة الكبرى، وهناك فلتسأل كبير التشريفات. # وأقلب الورقة التي كتبت فيها شكواي بين يدي، وحين أفرغ من قراءتها - ~~للمرة الواحدة بعد المائة - يعاودني الأمل في لقاء قيصر، ولكني أصحو ~~على أصوات تناديني من خلفي: أيها الرجل، أيها الرجل. # فألتفت لأجد جماعة من الحراس يتقدمون نحوي. وأجفل لرؤيتهم، وتطرف ~~عيناي إذ تقع على ملابسهم المزركشة بالألوان الحمراء والزرقاء، ويقبض ~~واحد منهم على ذراعي ليقول لي: إنا نبحث عنك منذ ساعات. # فأقول لهم: وأنا أيضا أبحث عن قيصر. # فيعتذر إلي حارس طويل القامة في أدب رقيق: لقد أخطأنا حين تركناك ~~تدخل القصر. # فأتعلق بثيابهم وأنا أستنجد: ألست رجلا من الشعب! ~~- نعم، ولكنه يريد رجلا آخر! # وأعود معهم أشق ردهات القصر، وأعبر دروبه، وأجوز قاعاته، وأتفرج ~~على بدائعه وكنوزه. ويلاحظ الحراس أن رجلي أصابها الوهن، فأنا أعرج ~~بهما. وإنني في حاجة إلى الراحة بعد جهد المسير. # أنا ما زلت في موقفي على إفريز هذا الشارع. # ها قد انقضت ساعات الظهيرة. # ولا بد لي من أن أرى قيصر. # سمعت أناسا يهتفون وتبح أصواتهم. بعضهم يقول إنه قد رأى الموكب ~~وهو يعبر الحي القريب، ولكن عاقته الجماهير المتدافعة عن مسيره. ~~والبعض الآخر يؤكد أنه قد سمع الأبواق على طول الطريق، وهي تؤذن بقدوم ~~قيصر. وفريق ثالث يقسم الأيمان على أنه قد شاهد العربة الإمبراطورية ~~وهي تتخطر في الطريق كالعروسة ~~الجميلة في ليلة الزفاف. ثم يعتذر عن تقصيره في الوصف قائلا: إن أحكم ~~حكمائنا وأعز شعرائنا لن يستطيع أن يصف لكم روعة الموكب الإمبراطوري. ~~ونتحرق نحن شوقا إلى رؤية هذا الموكب. وقد يحلم بعضنا بالذهب ms062 يتناثر ~~من يدي قيصر على جانبي الطريق، وقد يطمع الجياع منا في طعام هنيء ~~يأمر به قيصر، والحفاة في أحذية جديدة يوصي بصنعها قيصر، والمظلومون ~~في العدل الذي يأمر به قيصر. # لكن الشمس تغرب، والشفق يصبغ بحمرته الدامية وجوهنا الشاحبة كشحوب ~~أنواره. # والأصوات التي كنا نخال أنها تصم آذاننا أصبحت موجات من الصدى ~~تنغمها الريح في الفضاء. # وفريق منا أضناهم التعب، فانصرفوا إلى بيوتهم وهم يعدون أنفسهم ~~برؤيته في زمن قريب. # أما أنا فأقلب بين يدي الورقة التي كتبت فيها شكواي، ودفعت عليها ~~رسم الضريبة، وأقول في نفسي أفلا يصدق الحلم فأجثوا أمام قيصر، وأقبل ~~قدميه وأبكي؟ # يا ظل الله في الأرض! # لم لم يعبر بي موكبك؟ # يا سيد البحار والأراضي! # أنا أنتظر موكبك! # ألن يأتي هذا اليوم في عمري أبدا؟ # أنا لن أذهب إلى بيتي كما فعل غيري. فسوف أنتظر، وأنتظر، إلى صباح ~~الغد، وبعد الغد، وأيام المستقبل كله. # على هذا الجانب من الطريق سأسمر رجلي الضعيفتين حتى أسمع الأبواق ~~تنفخ من بعيد، والرعية الأمينة تهتف، والعربة التي تجرها الجياد ~~المطهمة تسير أمامي. عندئذ سأمرق بين الزحام، وأشق السياج المتين ~~الذي يطوق قيصر، وأقف بين يديه، وألقي عليه بشكواي. حقا إن شكواي ~~طويلة مستفيضة، ولكن قيصر لن يسأم منها، سيأمر بوقف الموكب ليراني، ~~سيوصي بإخماد كل الأصوات ليسمع صوتي. وبعد أن أفرغ من شكواي التي ~~ستستغرق أياما وأياما سيميل على أذني، ويسر إلي بهذا السؤال: من ~~أنت أيها الرجل المسكين؟ فأرفع إليه عينين تملؤهما الدموع وأقول: أنا ~~رجل من شعبك الأمين يا مولاي. فيميل على أذني للمرة الأخيرة ليقول لي ~~في حنان عظيم: يا أقرب الناس من قلبي. # انتظر حتى أراك في موكبي التالي. # ولكن متى يمر الموكب؟ ومن أين؟ من الشارع الآخر؟ # لا! في مدينة أخرى؟ لا! في عالم آخر؟ # أحقا أنني لن أراه أبدا؟! # 1954م # | مذكرات يمليخا # هل أروي لكم ما حدث لي في ذلك اليوم؟ # لست أدري إن كانت ستهمكم حياتي القصيرة، التي قالوا لي فيما ms063 بعد ~~لفرط دهشتي إنها أطول من حياة خمسة رجال يموتون على أحسن الفروض بعد سن ~~الستين؛ فقد تعودت خلالها ألا يهتم بي أحد، اللهم إلا غنمي القليلة ~~وكلبي العزيز قطمير، هذا إذا تكرمتم علي واعترفتم بأن نظراتهم ~~الودودة يمكن أن تعد نوعا من الاهتمام. أنا على أية حال سوف أحكي ~~لكم ما جرى لي في ذلك اليوم، أو سيحكيه لكم إنسان مجهول لا أعرفه على ~~لساني، وكل ما أطمع فيه هو القليل من وقتكم، وإن شئتم أيضا من صبركم ~~وتسامحكم. # في ذلك اليوم صحوت كعادتي في كل صباح، فأحسست أن عظام ظهري وجنبي ~~تؤلمني أكثر من أي يوم مضى. لم أكترث لذلك كثيرا، بل لم أحاول أن أفتح ~~عيني؛ لأنني كنت أعلم سلفا أنهما لن تريا شيئا في ظلام الكهف الذي ~~اعتدت أن آوي إليه كلما جن الليل. وعندما تحسست وجهي بكفي - من ~~قبيل الاطمئنان لا غير - لاحظت أن شعر ذقني قد طال أكثر من اللازم، ~~وأنني في حاجة إلى أن أذهب إلى الحلاق في أقرب وقت، وإن كنت أحسب ~~حساب زيارته لما تكلفني من مال لا طاقة لي به، ومن صبر على الجلوس ~~أمامه كأنني قرد مسلسل بالقيود، وثرثرته التي لا تنتهي في كل شيء لا ~~تعنيني، وكل شيء كان في ذلك الحين لا يعنيني. # المهم أنني كنت قد صحوت من نومي - وهذه نعمة من الآلهة أن يصحو ~~الإنسان كل صباح ويتمكن من تحريك عضلاته بغير مشقة - ومددت يدي على ~~الفور في جيبي لأطمئن إلى وجود الورقة المالية التي أعطاها لي زميلاي ~~الجديدان في الكهف - سأحدثكم عنهما بعد قليل فأرجوكم أن تصبروا - ~~كانت السماء تمطر في الخارج فلم أستبشر كثيرا لذلك؛ إذ كنت أعلم أن ~~سقوط المطر معناه أن غنمي التي ربطتها كما أفعل كل ليلة قبل أن آوي إلى ~~الكهف قد ابتلت، وأن بعضها لا شك قد أصابه البرد والسعال، ولكنني لم ~~أجد الغنم في مكانها الذي تركتها فيه، ورحت أبحث عنها في كل مكان، ودرت ~~حول الكهف ms064 أكثر من مرة، وجريت إلى المراعي المجاورة، ولكنني لم أعثر ~~لها على أثر، بل لم أجد حتى آثار أقدامها على الأرض. حزنت بالطبع لفقد ~~غنمي، وهي كل ما أملك من متاع الدنيا، وعزوت ذلك إلى كثرة قطاع ~~الطرق الذين كان عددهم يزداد في مدينتنا أفسوس، خصوصا بعد المجاعة ~~التي كانت قد انتشرت فيها، والفوضى التي كانت قد جعلت الواحد منا لا ~~يطمئن على نفسه أن يخطفوه في عز النهار. المهم أنني حاولت أن أعزي ~~نفسي وأقول لها إنني ربما وجدتها ترعى عند جار لي، أو ربما عوضتني ~~عنها السماء بقطيع آخر أو حتى بالنسيان. وساعدني على ذلك أنني التفت ~~ورائي فوجدت كلبي قطمير يرفع رأسه إلي في حنان عظيم بما يرجع لشدة ~~جوعه، ويهز ذيله ويجري نحوي فيتشمم رجلي ويعلقهما بطرف لسانه ~~ويجري أمامي (ولا بد لي أن أقول هنا إنه كان يبذل مجهودا كبيرا ~~ليقنعني بأنه ما زال قادرا على الجري، حتى ظننت أن عظام ظهره أيضا ~~تؤلمه كما تؤلمني). # لم أكد أسير خطوات في طريقي إلى السوق لأشتري طعاما لي ولصاحبي ~~المترفين في الكهف عددا من الأرغفة، وشيئا من الجبن والخضر، ~~والفاكهة إن بقي من الورقة المالية شيء، حتى لاحظت أن فارسا مهيبا ~~كان يمر بي يقع بجواده فجأة، ويدير رأسه نحوي، ويفتح عينيه دهشة، ~~ويصرخ مفزوعا ثم يطلق لجواده العنان. أقول لكم الحق إنني تعجبت ~~بيني وبين نفسي لمسلكه، وإن كنت قد حمدت السماء أنه لم يكلمني، ولم ~~يكتشف في مشيتي شيئا يؤاخذني عليه؛ فقد كنت دائما سيئ الظن بالفرسان ~~أتجنب طريقهم، وأتلافى التحدث معهم، وأتقي غضبهم المفاجئ وسيوفهم ~~اللامعة وأقدامهم التي تتلذذ دائما بركل الرعاة من أمثالنا. وهززت ~~رأسي تعجبا وسرورا وأنا أتابع سحابة الغبار التي تثيرها حوافر ~~الجواد الأصيل وهو ينهب الأرض نهبا. ومضيت في طريقي أحاول أن أتقي ~~المطر بوضع طرف ردائي على رأسي، والدندنة بلحن كنت أستعذب غناءه ~~خصوصا؛ إذ عرفتم أنني أنا الذي ألفت أنغامه وكلماته التي لا شك أنها ~~كانت سخيفة ms065 وعبيطة ككل شيء كنت أفعله. وتذكرت زميلي تلك الليلة في ~~الكهف. كنت قد قابلتهما في اليوم السابق بينما كنت أحاول أن أجمع غنمي ~~المشتتة قبل أن تغرب الشمس. كانا يسيران، لا، بل يجريان في خوف وكأن ~~هناك أحدا يتربص بهما، وكان منظرهما يوحي بأنهما يبحثان عن ملجأ ~~يسترهما، وكانت ملابسهما تنطق بأنهما قائدان عظيمان، أو حارسان من حراس ~~قصر الملك، أو وزيران من وزرائه كما علمت فيما بعد. اقتربا مني وقال ~~أحدهما، وكان نحيلا طويلا واسع العينين سمح الوجه، عصبيا يتحسس ~~وجهه بيديه، ويتلفت وراءه مذعورا في كل لحظة: أيها الراعي الصالح (لم ~~أدر لأي سبب وصفاني بالصلاح مع أن الجميع، وأنا أولهم، كانوا يشهدون ~~لي بالعبط)، هل تعرف مكانا نأوي إليه؟ قلت وأنا ما زلت أنادي على ~~غنمي وأداري خوفي منهما: ليس في هذه الحقول مكان يليق بكما أيها ~~القائدان العظيمان. قال الرجل الآخر الذي كان يبدو أكبر من صاحبه ~~سنا، كما كان أقصر قواما وأميل إلى السمنة والاعتدال في حركاته ~~وكلماته: أي مكان في الأرض يرضينا أيها الراعي الصالح، ما دامت كلها ~~أرض الله، المهم أن يسترنا عن عدو الله. قلت في غباء شديد لم يكونا ~~يعرفانه بعد عني: وما دام هو عدو الله فما شأنكما به؟ لاحظت ابتسامة ~~متسامحة على وجوههما، وقال الرجل الطويل النحيل في وقار لم أكن أتصور ~~أنه يمكن أن يصدر عنه: إن عدو الله هو عدونا أيضا، فنحن الاثنان نؤمن ~~بالله أيها الراعي الصالح، وسوف تؤمن أنت أيضا به إذا عرفته، ولكن عدو ~~الله وعدونا دقيانوس (وهنا تذكرت أنني سمعت هذا الاسم من قبل) يريد ~~أن يمسك بنا وينتقم منا. وتدخل الرجل السمين المتوسط القامة، فقال ~~في صوت متزن: وأن يفعل بنا مثل ما فعله بإخواننا من الشهداء ~~الصالحين. تساءلت وأنا نفسي مندهش من جهلي: وماذا فعل بهم؟ فأجابا في ~~صوت واحد غاضب حتى خشيت أن أكون قد ارتكبت ما يوجب الموت علي: ~~ألم تدر بعد بما فعله؟ لقد ذبح المؤمنين، وقطع أجسادهم، ms066 وعلقها على ~~أعمدة عالية حول سور المدينة، ألم تسمع بذلك ؟ # قلت كاذبا لأنجو من عيونهما المدهوشة التي تكاد تفتك بي: «طبعا ~~علمت، ولكنني لم أكن أعلم أنكما من أعدائه.» ثم أضفت لكي أنهي الحديث ~~الذي لن أستطيع المساهمة فيه: على كل حال أنا أبيت في هذا الكهف ~~(وهنا أشرت إليه كأنني أعتذر)، إن شئتما أقمتما فيه الليلة معي. وأردت ~~أن أكمل اعتذاري لهما، ولكنهما سارعا إلى الدخول وهما يهتفان في سعادة ~~الأطفال: جازاك الله خيرا أيها الراعي الصالح! لتحل عليك بركة ~~السماء. ثم تمتما بكلام غريب وهما يجريان نحو الكهف ويتلفتان ~~حولهما؛ مما جعلني أطمئن إلى أنني لست العبيط الوحيد في هذه الدنيا، ~~كما كنت دائما أقول لنفسي. # وعندما دخلت من باب الكهف، بعد أن ربطت غنمي وجمعت لها ما يكفي عشان ~~الليلة، سمعتهما يتكلمان، توقفا عن الكلام فجأة وساد عليهما الصمت ~~والظلام والعنكبوت الذي يسود عادة في الكهوف، وانزويت وحدي في ركني ~~المعهود، وبسط قطمير ذراعيه أمامي، وخيل إلي أنني سمعت شخيرهم هم ~~الثلاثة قبل أن أغفو تماما. # لا أطيل عليكم؛ فقد وصلت إلى السوق الذي حدثتكم في أول هذه ~~المذكرات أنني كنت في طريقي إليه لشراء الحاجيات التي كلفوني ~~بشرائها. لم يسترع انتباهي شيء غير مألوف؛ فذلك كان طريقي المعتاد ~~كل يوم تقريبا، من الكهف إلى السوق لأرى الناس وأشتري منهم، أو ~~أبادلهم بغنمي أو لبني أو صوف مغزلي، لقمة أو كسوة أو ذكرى أعود بها ~~إلى كهفي في حضن جبل بنجلوس. كانت أشجار الجميز الضخمة وفروع الكافور ~~العالية تتمايل على جانبي الطريق الجبلي المترب، وأحدثها ~~وتحدثني؛ فأنا راع قديم أفهم لغة الأشجار، وأتبادل الغناء مع ~~العصافير، وأتفاهم مع الأنجم الوحيدة، وأحيي أشعة الشمس التي ~~تقبلها وتغسل عن خصلات شعرها تعب الليل. قلت إنني لم أجد شيئا غير ~~مألوف فيما رأيت، هذا إذا استثنيتم حادث الفارس الشجاع الذي عبر بي ~~وولى مذعورا عندما رآني؛ إذ استطعت بعد أن استنشقت بعض نسمات منعشة ~~أن أسامحه، بل وضحكت أيضا وعجبت؛ ms067 لأن هناك مخلوقا يمكنه أن يرتاع ~~لمجرد رؤيته لي. أقول هذا لأمهد للحادثة التي جرت لي بعد ذلك؛ ~~الحادثة الوحيدة في حياتي القصيرة الطويلة، والتي جعلتني أصرخ وأبكي، ~~نعم أبكي، ربما لأول مرة، أنا الذي ما عرفت شيئا في حياتي مثل ~~الكتمان، والبعد عن كل ما تفوح منه رائحة المأساة. # فلم أكد أدخل السوق حتى بدأ الناس يتهامسون، ويضعون أيديهم على ~~أفواههم، أو على عيونهم، ويفرون من أمامي، ثم لا يقاومون الرغبة في ~~الالتفات إلي بأعين مدهوشة مذعورة. لا أريد أن أبالغ في هذا؛ فأنتم ~~تعرفون أن كل همي في حياتي كان دائما ألا يهتم بي أحد؛ ولذلك فلا ~~تتصورون مدى ضيقي وذهولي ورغبتي في أن أصفعهم جميعا وأستريح. وقد زاد ~~ذهولي عندما اقتربت من دكان صديقي القديم أندرايوس لأشتري حاجتي وأعود ~~بأسرع ما أستطيع، فوجدت الدكان ليس هو الدكان، ولا أندرايوس هو ~~أندرايوس، لا، بل لعنت غبائي وغفلتي حين تلفت حولي فوجدت كل شيء ~~يختلف عن كل شيء تعودته؛ الوجوه غير الوجوه، الأزياء غير الأزياء، ~~البيوت غير البيوت، ولا بد أيضا أن سكانها غير سكانها، حتى وجوه القطط ~~والكلاب كانت تبدو لي جديدة وغريبة ودائمة التساؤل والتطلع إلي. لا ~~أخفي عنكم أنني بدأت أتشكك في كل شيء، بل وتمنيت لو أعطاني أحد في ~~تلك اللحظة مرآة أرى فيها وجهي لأعرف أنه هو وجه يمليخا، وأن عينيه ~~وملامحه وابتسامته هي هي لم تتغير. إنني على كل حال لم أنزعج أكثر من ~~اللازم، بل تماسكت وخطوت بين الوجوه الذاهلة والشفاه المرتعشة ~~والأيدي المشيرة إلي؛ صوب الدكان الذي تصورت أنني زبونه القديم، ~~ومددت يدي في جيبي فأخرجت الورقة المالية التي أعطاها لي القائدان ~~العظيمان، وقلت في أدب مبالغ فيه كان يحس الناس منه دائما أنه ~~دليل الخوف والاعتذار أكثر من أن يكون تعبيرا عن الاحترام: هل تتكرم ~~يا سيدي وتعطيني ثلاثة أرغفة ورطلا من الجبن وآخر من البرتقال؟ ويظهر ~~أن الرجل لم يفهم كلامي، أو لم يتصور أن مثلي يمكن أن يخرج ms068 منه كلام ~~يفهم. «بحلق» في وجهي، ثم عاد «يبحلق» في الورقة المالية (كأنما ~~يبحث عبثا عن وجه التشابه بينهما)، وارتعشت عضلات وجهه، واختلجت ~~حاجباه، ورفع يديه مذهولا ثم جرى من الدكان وهو يصيح بالناس والورقة ~~المالية بين يديه: كنز! كنز! هذا الرجل عنده كنز! # وأقبل الناس من كل مكان (وكان بعضهم في الحقيقة في غير حاجة إلى صياح ~~البائع لأنه كان «يبحلق» في منذ مدة طويلة). وأحسست أنني لا بد شيء ~~يستحق كل هذا الاهتمام الذي لم أحظ به من قبل. وحاصرني الناس من كل ~~ناحية حتى اختنقت أنفاسي، وكدت أغرق في بحر العرق الكريه الذي يتصبب ~~منهم، والأسئلة الغاضبة المستطلعة الخائفة التي أحاطوني بها. ولا أكذب ~~عليكم فأقول إن أفكارا كثيرة خطرت لي في هذه اللحظة؛ فالحقيقة أنني لم ~~أفكر في شيء، ولا كانت عندي القدرة على أن أتصور أنني موجود، فما بالكم ~~بأن أفكر؟ المهم أن صوتا طيبا أنقذني من هذا الشلل - حين تبينت ~~مصدره عرفت أنه يأتي عن شيخ عجوز ذكرتني لحيته الطويلة بأنني أنا ~~أيضا لي لحية طويلة استحقت يد الحلاق منذ مدة طويلة - قال لي الصوت ~~بعد أن وقف صاحبه أمامي بين رهبة الحاضرين وإجلالهم: من أنت أيها ~~الغريب؟ # قلت في أدب عظيم لا يخفي شكري على إنقاذي من هذه الورطة: أنا ~~يمليخا يا سيدي. # فعاد الصوت يسأل في حنان كبير: يمليخا من؟ # فقلت في سخط من يسأل عن شيء يحسب أنه بديهي: يمليخا الراعي يا أبي، ~~يمليخا الراعي. # وكدت أنصحه بأن يسأل وسوف يعرفني لولا أنني لاحظت العيون الجامدة من ~~حولي، وجاءني صوته قائلا: من أبوك وأمك؟ # فصحت ثائرا: ما جدوى هذه الأسئلة كلها؟ لقد ماتا كما يعلم الجميع ~~وأنا طفل، ماتا على عهد ... # وقاطعني في حب عظيم وكأنه عثر على السر: على عهد من؟ # فقلت وكأنني أباهي بانتصاري: على عهد دقيانوس طبعا. # فقال وردد صوته بعض الحاضرين: لكن دقيانوس قد هلك، هلك منذ قرون ~~عديدة، وهلكت بعده أجيال وأجيال. # أردت أن أسخر من ms069 عبطه وأنصحه بأن يخفي جنونه الذي افتضح أمام الناس ~~جميعا ، لولا أنني رأيته فجأة يجثو أمامي ويقبل طرف ردائي الخشن، بل ~~ويمد شفتيه ليقبل قدمي، ويقول وهو يكاد يبكي: أيها القديس! شرفت ~~بلادنا أيها القديس! (ثم وهو يرفع رأسه ويتطلع إلى وجوه الحاضرين) لقد ~~قلت لكم دائما إنهم سيعودون. قلت لكم إن القديسين الثلاثة الذين ناموا ~~في الكهف واختفت أخبارهم سوف يعودون. # هلل الجميع وكبروا وأنا أتعجب كيف يصبح الجنون شيئا عاما في ~~هذه المدينة العجيبة، ولم أفق من حيرتي إلا وقد أخذوا ردائي وطوقوه ~~في عنقي وقادوني - وهم يتمسحون بي ويتحسسون جسدي - في سكك المدينة. ~~ولم ينسوا أن يقودوا معي كلبي العزيز قطمير الذي كان يعوي من الدهشة، ~~ويحاول مذعورا أن يفر من الكلاب التي راحت تحيط به وتتشممه كأنها ~~لم تر كلبا على صورته. # وطبيعي «أنهم سألوني عن مكان صاحبي»، فدللتهم على الكهف الذي كانا ~~ينتظرانني فيه. ولا بد أن جموعهم قد ذهبت إليهما، وساقتهما في موكب ~~كبير عبر شوارع المدينة التي عبر بها موكبي؛ إذ لم نكد نصل إلى قصر ~~الملك - كما أخبروني فيما بعد - حتى رأيتهما قد سبقاني إليه. كان الملك ~~معهما في شرفة القصر المطلة على ساحة عظيمة مزدحمة بالجماهير، تحيط ~~به جموع من الرهبان والحراس والوزراء. وسوف تعجبون إذا قلت لكم إنه لم ~~يكد يراني حتى نزل بنفسه من شرفة القصر، ولم يكتف بتحيتي، بل ~~عانقني وركع أمامي؛ أنا يمليخا، الراعي المسكين الذي لم يكن يهتم به ~~أحد، ولا كان يحلم في يوم من الأيام بأن يتعطف الملك وينظر إليه نظرة ~~واحدة. # لا أريد أن أطيل عليكم؛ فقد أخذت من وقتكم بالفعل أكثر مما كنت أطمع ~~فيه. ولا أريد أن أرهقكم بسرد كل ما حدث لنا قبل أن نعود إلى الكهف من ~~جديد، على أثر صرخاتي التي دوت في أرجاء القصر، وجعلتني أنا نفسي ~~أندهش من أن تصدر عني: أنا يمليخا العبيط الذي كانت لا تفارق ~~الابتسامة شفتيه. # قضيت الساعات القليلة التي أمضيناها في ms070 القصر أفكر في حالي، ربما ~~لأول مرة يتاح ليمليخا أن يفكر في حاله. إما أن هؤلاء الناس جميعا ~~عقلاء وأنا وحدي المجنون، وإما أنهم جميعا مجانين وأنا وحدي العاقل. ~~كل شيء يؤكد لي، كما قالوا، أنني شبح - ولكن متى خالجني الشك في هذا؟! ~~- خرج بعد نومة استغرقت ثلاثمائة عام. # لم أحك لكم شيئا عن حياتي قبل أن أرقد هذه الرقدة المميتة التي ~~أرادوا أن يقنعوني بها - لا عن نفسي ولا عن أبوي، اعتمادا على ~~أنكم ستدركون بأنفسكم أنني حتى لو أردت فلن أجد ما أحكيه عن نفسي ولا ~~عن أبوي اللذين كانا قد ماتا من زمن بعيد - حتى قبورهما لم أكن أعرف ~~مكانها؛ مما كان يجعلني أشك في بعض الأحيان إن كان لي أب وأم وتاريخ ~~مثل بقية الناس. كنت أعيش مهملا من كل شيء ومن كل إنسان - اللهم إلا ~~إذا استثنيتم، كما قلت من قبل، غنمي وكلبي العزيز قطمير - وكنت قد ~~دربت نفسي على السعادة بهذا الإهمال، أؤدي عمل اليوم، وأتجول في ~~السوق، وأغني لغنمي، وأداعب كلبي، وأتكلم مع الأشجار والعصافير ~~والنجوم، حتى كان يوم وأنا أتجول كعادتي في السوق - أرجوكم ألا تعدوا ~~ذلك حادثة؛ فلم يمر بي شيء يرتفع إلى مستوى الأحداث - ورأيت موكبا ~~من الفرسان والحراس والعبيد يسيرون أمام عربة فخمة لم تر مثلها ~~عيناي. أنتم بالطبع تتصورون أنني وقفت على جانب الطريق مثل بقية ~~الناس، أتطلع في شوق غامض إلى داخل العربة. هل أقول لكم إن قلبي انتفض ~~كالعصفور المذبوح حين وقعت عيناي على وجه لم أر أجمل منه في يوم من ~~الأيام؟ إن هذه حادثة مكررة - الشحاذ الذي يقف على جانب الطريق ~~ويحلم بأن الأميرة أحبته من أول نظرة - ولكنني أرجوكم ألا تقسوا ~~علي، وأن تصدقوني إن قلت لكم إنني أنا أيضا قد حدث لي ما حدث ~~للشحاذ المسكين؛ فقد وقعت عيناي على الوجه الجميل كما قلت، وخيل ~~إلي في لحظة من لحظات الجنون أو السعادة المفاجئة أن عينيها أيضا ~~التقتا بعيني، وأنها - أرجوكم ألا ms071 تضحكوا مني؛ فأنا كما تعلمون شبح ~~لا مكان له في عالمكم، سيعود إلى كهفه المعتم الأمين بعد قليل - ~~أيضا قد بادلتني حبا بحب، في لحظة خاطفة، سعيدة ومخيفة وباهرة ~~كضوء البرق. ولم أفق من هذا الحلم الجميل إلا على صفعة قوية على ~~قفاي، لاحظت أنها أضحكت الأميرة الفاتنة، فضحكت أنا أيضا وغفرت ~~لصاحبها قسوته، خصوصا إذا عرفتم أنني التفت فوجدته حارسا أسود ~~ضخما غليظ الكفين، من الحكمة دائما أن يتجنب الإنسان طريقه، ولا يوقظ ~~غضبة سياطه. هذه الحادثة - إن شاء كرمكم أن تسموها كذلك - هي التي ~~جعلتني أرضى عن وجودي، بل وأشكر الآلهة التي ساقت قدمي إلى السوق في ~~ذلك اليوم، وأنعمت علي بتلك النظرة السماوية، كما رزقتني بتلك الصفعة ~~التي لا أشك في أنني أستحقها. من ذلك اليوم، أو قولوا من تلك اللحظة، ~~وأنا أكلم الأشجار والعصافير والنجوم كما قلت لكم للأسف أكثر من مرة، ~~من تلك اللحظة وأنا أحلم وأغني لنفسي ولا أنتظر شيئا. # هل استطردت كثيرا بغير داع؟ أسألكم للمرة الأخيرة أن تعفوا عني؛ ~~فربما دفعني إلى ذلك أنني أردت على الرغم من كل شيء ألا تخلو حياتي من ~~حادثة واحدة أرويها لكم، من ذكرى واحدة يمكن من أجلها أن تسمى هذه ~~الحياة نفسها حياة، ولكن هأنا قد فشلت أيضا في هذا، ولا شك أنني قد ~~استحققت سخطكم؛ مما يجعلني ألتمس منكم العفو من جديد. # صدقوني إذا قلت لكم إن بكائي ذلك اليوم كان شيئا غريبا علي، ~~شيئا دهشت أنا نفسي له، أن يمليخا الذي لم تفارق الابتسامة يوما ~~شفتيه، هل قلت بكائي، لا لم يكن بكاء. كان عويلا، نباحا، نشيجا ~~مفجوعا يشق صدرا مفجوعا، آهات لم تخرج بعد من شفتي إنسان، وقد ~~لا تسمعونها أبدا من إنسان. وما بالكم برجل نام في عالم لم يمت ~~إليه بسبب، ثم صحا بعد ثلاثة قرون ليرى نفس العالم الذي لا يمت إليه ~~بسبب؟ ألا تجدون العذر لصاحبه، الذي لا يكره شيئا كما يكره المبالغة ~~وادعاء المأساة إذا قال لكم ms072 إنه بكى، لا، بل صرخ، لا، بل نبح وأعول ~~كوحش يذبح ويسلخ ويداس على جثته بالأقدام؟ وهل ستفهمونني أو تغفرون ~~لي إن قلت لكم إن بكائي المتقطع المخنوق هو في نهاية الأمر كل ما فعلته ~~في حياتي، حتى إن الأجيال لن تجد ما تقوله بعد ذلك عني - إن ذكرتني أو ~~قالت شيئا - سوى أنني بكيت؟ # معذرة. أنا أقول لكم مرة أخرى إنني لا أود أن أطيل عليكم، لكنني ~~قد أطلت وربما أمللت، فما العمل يا ترى؟ لا شك أنكم تطلبون مني الآن ~~أن أدخل مباشرة في الموضوع، وأن أروي لكم سبب بكائي. # كنت أتجول في حديقة القصر وحدي بعد الظهيرة؛ فرارا من عيون الناس ~~وثرثرة الرهبان ومحاولات النساء والأطفال أن يتبركوا بي، أقول هذا ~~وإن كنت أجد نفسي مضطرا لوضع الأمور في مكانها الصحيح، وأن أعترف ~~لكم بأن اهتمام الناس والرهبان ... إلخ بي كان أقل بكثير من اهتمامهم ~~بالقائدين العظيمين ميشلينا ومرنوش، بل أرجوكم ألا تظنوا بي المغالاة ~~إن قلت لكم إنهم أهملوني، ولولا المصادفة التي جعلتني أرافقهما في ~~الكهف ثلاثمائة عام لنسوني كل النسيان. المهم أنني كنت أتجول ساعة ~~الغروب في حديقة القصر حين رأيت مرنوش (وقد سمح لي ذلك الاكتشاف الذي ~~حدثوني عنه، وأعني به أننا نمنا معا ثلاثة قرون في كهف واحد، أن ~~أرفع الكلفة بيني وبينه، وأن أناديه باسمه مجردا من الألقاب الجديرة ~~به) يدخل من باب القصر مفزوعا شاحب الوجه زائغ العينين. لم أكد أسأله ~~عما يشغله حتى وجدته يجري نحوي، ويعانقني، ويلقي برأسه على كتفي، ~~وينهنه قائلا: ماتوا يا يمليخا، كلهم ماتوا. سألته محاولا أن ~~أعيده إلى العقل: من هم يا مرنوش؟ قال ونشيجه يزداد وصدره يرتفع ~~وينخفض فوق صدري: ابني الوحيد يا يمليخا، ابني الوحيد وزوجتي. كل ما ~~كان لي في هذا العالم انتهى. قلت في برود لا شك أنه كان قاسيا وإن كنت ~~قد تعمدته لأوقظه مرة واحدة: وهل كنت تنتظر أن يظلوا أحياء بعد ~~ثلاثمائة سنة يا مرنوش؟ فرفع وجهه إلي، ms073 ورأيت عينيه الباكيتين ~~المحمرتين بلون الدم وصرخ: يا لها من كلمة يا يمليخا! أنت أيضا ~~تقولها مثلهم! أيها الراعي الصالح، لم يبق لي شيء في هذا العالم. ابني ~~الوحيد مات، زوجتي ماتت. قلت في صوت تعمدت أن يكون غليظا وقاطعا: ~~بالطبع يا مرنوش. لم يبق لنا شيء في هذا العالم. أنا نفسي كنت أعرف ~~هذا قبل أن يقولوه لنا. رفع رأسه من على كتفي ووقف أمامي مذعورا وهو ~~يهتف: كنت تعرفه؟ كنت تعرف أن ابني الوحيد مات ولم تقل لي. تركتني ~~أتعرض لسخرية الناس في الشوارع. يا لك من فظ متحجر! قلت في ~~استخفاف: لا تنس أيها القديس أنك تخاطب قديسا مثلك! فعاد يصرخ: لم ~~يبق لي شيء في هذا العالم. ابني الوحيد مات. أين ميشلينا؟ وجرى يقفز ~~سلالم القصر وأنا في أثره. ودخلنا ردهة بعد ردهة والحراس ينحنون كلما ~~مررنا بهم، وإن لم يخفوا دهشتهم من أن يجري أمثالنا من القديسين على ~~هذا النحو. وحين وصلنا إلى بهو الأعمدة، والوقت ليل والمكان مضيء ~~وجدناهما. وجدنا ميشلينا الذي حلق شعره وذقنه واستحم، ولبس ملابس ~~جديدة، وبدا بثيابه الزاهية وجسده الممتلئ كأنه عريس في ليلة الزفاف، ~~وهي أمامه، هي بعينها الأميرة التي كنت قد رأيتها جالسة في عربتها التي ~~تجرها الجياد ويسير حولها العبيد والحراس، هي بعينيها اللتين نظرت ~~بهما إلي ففرحت وشعرت بذلك الشيء الذي لمع كالبرق في قلبي لحظة ~~واحدة، هي التي صفعني الحارس الغليظ (أين هو الآن؟) على قفاي بسببها ~~فضحكت. يا لها من ضحكة فاتنة لم تزل ترن في أذني وتنسيني اللطمة ~~الخشنة. كان ميشلينا هو الآخر يصرخ ويناجي ويبوح ويكتم ويشرح ويثور ~~ويتذكر ويذكر ويضحك ويبكي في نفس واحد. لم أكن في حاجة لأن أعرف أنه هو ~~أيضا قد أحبها - أو بالأحرى أحب جدة جدتها التي تشبهها كما تعلمون ~~- وأحبته، ووعدها ووعدته، وأخلص لها وأخصلت له. لم أكن كذلك في حاجة ~~لأن أعرف أن قلبي (لم أصر على أن يثبت وجوده في تلك اللحظة؟) قد ~~انتفض ms074 في صدري تماما كما انتفض في ذلك اليوم الذي حكيت لكم عنه. هب ~~مذعورا من رقدة ثلاثمائة عام، ثار وصرخ وأعلن سخطه، لا لأنه اكتشف أن ~~ميشلينا كان يحبها؛ فقد كان يعرف أنه بفخامته وجماله ومنصبه أولى بها ~~منه، ولا يأس لأنه فشل في الوصول إليها وامتلاك حبها؛ فلم يكن قد تعب ~~شيئا في سبيل ذلك الحب، ولا فكر في أن يبذل أية شيء في سبيله، وإنما ~~كان شيئا كخيبة الأم؛ نوعا غريبا منها لا يدري كيف يصفه أو يفسره. ~~عند ذلك صرخ، لنكن أكثر قربا من الواقع فنقول صرخت: أنا يمليخا، ~~الراعي المسكين الذي يسمونه الآن بالقديس ويضايقونه بالتبركات، الذي ~~لم تفارق الابتسامة شفتيه. لم يكن لي الحق بالطبع في أن أنبهه إلى ~~أنني أحببتها قبله، أو حتى معه في وقت واحد، ولم يكن من المعقول أيضا ~~أن تتذكر هي شيئا من ذلك الحب، وهل يتذكر الإنسان نظرة عابرة لمست ~~عينه في لحظة عابرة؟ ثم إنها لم تكن هي نفسها الأميرة الجميلة التي ~~نظرت إلي في ذلك اليوم من أيام عمري البعيد منذ مئات السنين، بل ~~حفيدة حفيدتها، وإن لم يخف علي بالطبع أنها كانت صورة حقيقية منها، ~~لها نفس عينيها ووجهها وشعرها الفاحم الطويل وقامتها الشامخة النبيلة. ~~أقول إنني كنت أعرف هذا كله ومع ذلك بكيت. هل أقول: بكيت. لا، بل صرخت، ~~نشجت، نبحت وأعولت وعويت، وأخرجت من صدري كل عذاب الخليقة وهي تذبح، ~~وتقتل، وتسلخ، وتجلد، وتداس بالأقدام. ليس مهما بعد ذلك ماذا ~~قلت. ربما قلت إن هذا العالم ليس عالمنا، ربما قلت إنه ينكرنا، كل شيء ~~فيه ينكرنا. ربما قلت أيضا إننا لا بد أن نعود إلى الكهف - مع أنني ~~كنت أعلم أننا لا بد عائدون؛ لأن انهيار قواي والرائحة العفنة التي ~~كنت أشمها وهي تتصاعد من جسدي لم تكن تخفي عني أننا أشباح مكفنون، ~~قمنا من قبورنا لنمثل دورا غبيا نعود بعده إلى توابيتنا من جديد - ~~وأن الكهف هو مكاننا الوحيد، هو مأوانا وواحتنا وعزاؤنا ms075 الأخير. لا ~~أدري إن كنت قد قلت هذا كله أو لا. المهم يا صاحبي أنني بكيت، وأعولت، ~~ونبحت، وعويت، كما لم يبك أو يعول أو يعوي وحش يحس ملمس السكين ~~الناصعة تشق لحمه وقلبه وهو مفتوح العينين. # ماذا أقول؟ ألم أقل بالفعل ما فيه الكفاية؟ ألم أعدكم ألا أطيل ~~عليكم أو آخذ ما لا أستحقه من وقتكم وصبركم وتسامحكم؟ ثم ماذا أقول وكل ~~شيء تعرفونه عني؟ ومصيري أيضا لا أستطيع أن أحتال عليكم بحيلة روائية ~~سخيفة لأزعم أنه اختلف عن المصير الذي تعرفون. لأختصر إذن. لأصل ~~إلى النهاية التي سمعتم عنها جميعا. لأقل لكم - وأنا ما زلت أعتذر ~~إليكم وأطلب عفوكم - إننا جميعا عدنا إلى الكهف. عدنا بعد أن ~~اقتنعنا، كل على طريقته، أنه لم يعد لنا شيء في هذا العالم. دعوكم ~~من الموكب الذي صاحبنا إلى هناك، من الصياح والمشاعل والزحام والأيدي ~~الباكية التي طالما ضايقتنا بلمساتها ودعواتها وتبركاتها، من الرهبان ~~وصلواتهم المملة التي كنت أضع أصابعي في أذني لكيلا أسمعها وهي تشيع ~~جنازتي التي كنت أنا نفسي أسير فيها! سأريحكم من هذا كله فهو مكرر ~~معاد. كل ما أريد أن أقوله هو أنني ضحكت على نفسي بعد أن خرجنا من ~~القصر، ضحكت على الدموع، على البكاء الأخرس الموجوع، على الوهم الذي ~~جعلني أتصور ما تصورت، على اللحظة الواحدة المخيفة السعيدة التي ~~تخيلت أنها عبرت بي في ذلك اليوم الذي ذكرته لكم، على الثلاثمائة عام ~~التي قالوا لنا - وشهد بذلك جسدي الذي كان ينهار من كل خطوة ويتساقط ~~ويتعفن - إننا لبثناها في الكهف. ضحكت، أنا يمليخا، الراعي الذي لم ~~تفارق الابتسامة شفتيه، والذي يعرف الناس أنه كان عبيطا وسعيدا ~~بعبطه، والذي يعرف هو نفسه ذلك ولا ينكره. # ضحكت يا صاحبي، يا من تقرءون ذكرياتي المضحكة على لسان رجل مضحك لا ~~أعرفه. وعندما سألوني كما سألوا ميشليا ومرنوش عما أريد قبل أن ~~يواروني التراب، وخيب أملهم أنني لا أطالب بما طالب به القديسون ~~والشهداء، قلت لهم والابتسامة تلمع برغم ظلام ms076 الكهف الذي يخنق أنفاس ~~المشاعل: قولوا عني مات وعلى شفتيه ابتسامة! # | الراهب # ذات يوم من سنين بعيدة، كثيرة لا يحصيها العدد، قديمة لا تدركها ~~ذاكرة إنسان، كان هناك راهب شاب، لم تنبت شعرات لحيته بعد، يجلس ~~وحيدا في غرفته في الدير المعروف بدير هيسترباخ. كان الكتاب المقدس ~~مفتوحا أمامه منذ ساعات، وعيناه تتابعان الآيات المسطورة أمامه، ولكن ~~عقله ذاهل عنها، وفكره مشغول بالعلل الأولى والأخيرة للأشياء، غارق في ~~تأمل الحياة والموت والمصير. كانت هناك عبارة لم يمل من قراءتها، ~~ولكنه لم يستطع أن يفهم معناها أو يصل إلى سرها: «لأن ألف سنة في عينيك ~~مثل يوم أمس بعدما عبر وكهزيج من الليل». # عذبه التأمل والتفكير حتى ضاقت نفسه بمحنتها، وأحس بالحر يكاد ~~يخنقه، وباللهب يمتد من دماغه وقلبه فيتغلغل في جسده حتى يكاد يحرقه. ~~هنالك نهض من مجلسه، وهبط إلى حديقة الدير، فشعر بأنسام الربيع تنعش ~~وجهه، وترفرف حول أذنيه. كان لا يزال سابحا في ذهوله، فلم تبصر ~~عيناه الذاهلتان شيئا مما يجري حوله؛ لا الرهبان العجائز المنتشرون ~~بين أحواض الزرع والزهور، ولا الشبان السائرون في ممرات الحديقة ~~تتحرك شفاههم وهم يتلون من الكتاب المفتوح بين أيديهم، ولا السور ~~الأجرد المبني من أحجار الجبل التي حال لونها ونمت عليها الأعشاب ~~والأشواك، ولكن صوتا رقيقا، مثل أجراس ناقوس يدق وراء الأفق، بدا ~~كأنه أعاده إلى نفسه. كان صوت غناء، شجيا، متقطعا، خجولا، كأنه صوت ~~أجنحة طفل ملائكي يهبط من السحاب ويتجلى للآباء الصالحين والقديسين. ~~وبحثت عيناه قليلا بين أوراق الشجر، وهدته أذناه إلى طائر صغير ينتفض ~~على غصن شجرة الجميز العتيقة المغروسة إلى جانب السور، ويقفز من ورقة ~~إلى ورقة كأنه يتعذب مثله بالتفكير في الأصل والمصير. كان الصوت، على ~~الرغم من ارتعاشه وحزنه، رقيقا وساحرا كأنما ينبعث من ناي يلعب عليه ~~أحد الرعاة. نسي الراهب الشاب عذابه، وغمرته فرحة سماوية أبعدت عنه ~~همه وضيقه، فراح يتابع غناء الطائر العجيب، ويجري وراءه وهو يطير من ~~شجرة إلى شجرة، ولا ينتهي من ms077 لحن إلا ليبدأ في لحن جديد. أخذ الراهب ~~الشاب يتابعه بقلبه قبل عينيه، مسحورا بغنائه الذي يتدفق في صدره ~~كأنه خرير نبع الحياة الأبدية، حتى حط الطائر أخيرا فوق شجرة صنوبر ~~وراء السور. ولما كان باب الدير مفتوحا فقد سار الراهب الشاب في ~~طريقه، وعبر الباب الخارجي بدون أن يشعر، وراح يتابع الطائر الجميل ~~وهو يقفز من شجرة إلى شجرة، ويسكب خيوطه الذهبية الصافية فيجذبه معه. ~~ولم يحس الراهب الشاب بنفسه وهو يجوس في الغابة، مذهولا عن الجمال ~~الإلهي الذي أسدله الربيع على طيورها وأشجارها ونباتها ودروبها. ولم ~~يشعر بنفسه وقد توغل في الغابة حتى وصل إلى واد عميق مخضر كأنه ~~هاوية، تتكاثف فيه أعواد العليق، ويتلألأ فيه نبع صاف تحت أشعة الشمس ~~الذهبية. # وفجأة أحس أن الشمس قد غابت، والطائر سكت، والغابة بدأت تسحب ~~عليها غطاءها الداكن الظلال، والبرودة تسري إليه من جوف الوادي ومن ~~النسمات الباردة التي بدأت تلفح وجهه. كان كل شيء فيه يرتعش رعشة لم ~~يحس بها في حياته من قبل، وإن كان في نشوة انبهاره قد عزاها إلى ~~وحشة الغابة، ورطوبة المساء، وجلال الغروب. وازدادت الرعشة حتى أصبح ~~كيانه كله ينتفض، فاستدار يريد العودة من حيث أتى، ولكن أعواد العليق ~~والتنوب والأرز شبكت في بردته، فراح يخلص نفسه منها في عناء. ولما ~~أنقذ نفسه أخيرا من الأذرع الخضراء التي امتدت لتعانقه على الرغم ~~منه، وسلك الطريق الذي بدا له أنه يوصله إلى الدير، كانت الشمس قد ~~دخلت كهفها الأبدي منذ لحظات، حتى إنه لم يكن يكاد يرى أصابع كفه حين ~~يبسطها أمامه ولا مواضع قدميه عندما وصل إلى الدير. كان باب الحديقة ~~مغلقا، والسكون يخيم على الدير الذي بدا كأطلال مدينة قديمة ~~مهجورة. ووجد الراهب الشاب أن عليه أن يدور حول السور دورة مضنية ~~قبل أن يصل إلى البوابة الرئيسية. وحين وقف أخيرا أمامها، ولمست يداه ~~قضبانها الحديدية العالية، منعه الخجل لحظات من أن يجذب حبل الجرس، ~~ولكنه حين تغلب أخيرا على خجله أخذ يبحث ms078 عن الحبل فلم يجده في ~~موضعه؛ هنالك لم يجد بدا من الطرق على الباب كما يفعل ~~الغريب. # وفتحت البوابة، وأطل منها وجه لم يتبينه في أول الأمر وإن شعر ~~أنه لا بد أن يكون وجه شيخ عجوز لن يرحمه من اللوم والتأنيب. وحاول ~~الراهب الشاب ألا يعطيه فرصة للعتاب والتوبيخ، فأسرع يعتذر إليه عن ~~تأخره الشديد في صوت لا تخطئ الأذن نغمته المتضعة الكسيرة. وأراد أن ~~يمضي في طريقه الذي يعرفه جيدا لولا أن اعترضه الشيخ العجوز، وراح ~~يتفرس في وجهه ويفحصه بعينيه الغائرتين كأنما يفحص وجه حيوان منقرض. ~~ولاحظ الراهب الشاب أنه لم يكن هو نفس البواب الذي تركه وراءه، كما أن ~~البواب الجديد لم يترك له فرصة يحاول فيها أن يتذكر وجهه؛ فقد دعاه في ~~صوت حاسم وسريع للذهاب معه إلى رئيس الدير. وحين وصلا إلى حجرته لاحظ ~~الراهب الشاب أنه لم ير هذا الرئيس العجوز أيضا من قبل. ساوره الشك ~~فراح يقلب عينيه بين سقف الحجرة وجدرانها ولوحاتها التي يعرفها، كما ~~يعرف منها أنه لا يمكن أن يكون قد دخل ديرا غريبا؛ إذ ليس في المنطقة ~~كلها وعلى مسافة مئات الأميال دير سواه. وبينما هو يقلب رأسه في ~~حيرة وقعت عينه على صورته منعكسة تحت ضوء الشموع الخافتة على ألواح ~~الزجاج الذي يغطي صورة العذراء على الجدار المواجه له. واقترب منها ~~قليلا ليتحقق مما أنكرته عيناه؛ كان الوجه الذي يطالعه من المرآة ~~العكرة وجه شيخ عجوز ابيض شعر رأسه، وطالت لحيته حتى كادت تلمس صدره، ~~حتى إنه لم يستطع أن يصدق كيف أنه لم يحس بها. وأحس بألم في ~~ظهره، فمد ذراعه ليتحسسه، وعادت يده لتخبره أن ظهره قد تقوس كما ~~يتقوس ظهر شيخ محطم عجوز. ترنح الراهب ولم تقو ساقاه على حمله، ~~وأسرع الراهبان إليه فأسنداه على مقعد مريح، وساعدهما على حمله إخوة ~~آخرون أخذوا يفدون من قاعات الدير واحدا بعد الآخر، والراهب يدير ~~عينيه بينهم فلا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد. وعندما سألوه عن اسمه ms079 فنطقت ~~به الشفتان المرتعشتان، أرسلوا في طلب سجل الدير القديم وأخذوا ~~يقلبون أوراقه. ولما وصلوا إلى آخر ورقة فيه دون أن يعثروا على اسمه ~~أو اسم عائلته أرسل رئيس الدير يطلب سجلا بعد سجل قيدت فيها أسماء ~~الرهبان على مدى ثلاثمائة عام. وعندما وجدوا اسمه بعد البحث المضني ~~الذي اشترك فيه جميع الرهبان رأوا أمامه هذه الكلمات: «داخله الشك في ~~شبابه، فغادر الدير سرا ولم يعد إلى اليوم.» # عندما سمع الراهب العجوز ذلك أحس بظل ثقيل يزحف على عينيه، ظل ~~كلمات قرأها من قبل ولم يستطع أن يفهمها: «لأن ألف سنة في عينيك مثل ~~يوم أمس بعدما عبر وكهزيع من الليل.» عندها سقط الراهب العجوز، كما ~~يقولون، مثلما تسقط الريح على شمعة واهنة. # 1 # 1960م # | عزاء # كانت قد انقضت سبعة أيام. ~~«سمير» قد عدها يوما بيوم. عدها على أصابع يديه الصغيرتين. لم ~~تكن لديه نتيجة سنوية، ولم يكن يملك تقويما فلكيا، ولكنه حسبها ~~جميعها كأمهر الرياضيين، بأصابع يديه أو بملاليمه الصفراء المستديرة. ~~وجاء يوم الخميس، فهتف: متى ينتهي هذا كله؟ # في مثل ذلك اليوم، كان المأتم مقاما في الساحة المواجهة للدار؛ ~~السرادق الكبير، المصابيح المتلألئة كالنجوم الكبيرة، الزوار ~~القادمون من مشارف المدينة، ومن القرى والكفور المجاورة، الخدم ~~يوزعون القهوة، وينحنون للمعزين. وأبوه «سيد أفندي» النجار ~~الإفرنجي واقف على باب السرادق ويده تصافح الوافدين والذاهبين. وفي ~~الداخل - في القاعة الواسعة التي طالما جلس فيها مع جدته، وأنصت إليها ~~وهي تشرب القهوة السوداء من فنجان أبيض مستدير. كان ذلك قبل أن ~~يحملوها في النعش الكبير بأيام - كانت نسوة كثيرات يبكين، ويبتسمن، ~~ويأكلن، ويندبن، ويثرثرن في أخبار الزواج والميلاد والموت. # كان الوقت ساعة الغروب، وكان الهواء هادئا، والأشجار القائمة في ~~جانب الطريق تستقبل الليل في خشوع، والعصافير تطير بعيدا كأنها تريد ~~أن تودع الشمس الملتهبة فوق أسطح البيوت قبل أن تأوي إلى أعشاشها. ~~وكان سمير يجلس على عتبة البيت. الجميع قد عادوا من المدفن ومروا ~~عليه. رأى ظلالهم السوداء تركض في الطريق كأنها ms080 كتل هاربة من مملكة ~~الظلام، وعرف من بينها كتلتين هزيلتين تحملان النعش الخشبي وقد تدلى ~~منه اللحاف والغطاء الحريري؛ أين جدي؟ أين ذهب جدي؟ ونظر إلى الناحية ~~التي اختفت عندها الشمس منذ أمد طويل. رأى عصا تخبط على المنحدر، وعرف ~~أن جده هو الذي يتوكأ عليها، ولكنه أيضا أراد أن يعبر به ولا يحدثه؛ ~~جدي، لم تأخرت؟ ولكن جده لم يرد عليه، بل دلف إلى الداخل وهو ~~يقول: لكل شيء نهاية؟ وحين أراد أن يسأله كيف لبث في المدافن إلى ما ~~بعد الغروب وجده ما يزال يتمتم: لكل شيء نهاية. لكل شيء نهاية. # كان ذلك في يوم الخميس، وقد مرت سبعة أيام، وما زال جده يكرر ~~«لكل شيء نهاية» ولا يزيد. وسمير يسأل نفسه: ألا يمكن للحزن أن ينتهي؟ ~~أليست سبعة أيام بلياليها الطويلة المقمرة كافية لكي تنسي الإنسان ~~حزنه؟ # في ذلك المساء دلف سمير إلى حجرة جده. وحين فتح بابها ارتجف قلبه ~~رعبا؛ فقد صر صريرا مخيفا، كأنه يسأل غاضبا: لم تدخل غرفة جدك ~~في غيابه؟ ولمحه الشمعدان الزجاجي الطويل القائم على رف الدولاب ذي ~~المرآة الكبيرة، وسأله أيضا: لم تدخل غرفة جدك في غيابه؟ لكنه اقترب ~~منه، وربت عليه هامسا: لن تبوح لجدي، أليس كذلك؟ لن تبوح له. واهتز ~~الشمعدان الكبير، وانحنى أمامه حتى كاد يسقط على الأرض، ثم اتجه سمير ~~إلى الفراش فدس كيسا من الورق تحت الوسادة وعدا هاربا. # وفي مساء اليوم التالي عاد سمير فدخل غرفة جده، ولم يكن قد قدم من ~~الجامع بعد. لا بد أن صلاة المغرب والعشاء تستغرقان وقتا طويلا. وقد ~~صر الباب صريرا مخيفا، وعاد يسأله: لم تدخل غرفة جدك في غيابه؟ ~~لكنه كان شجاعا في هذه المرة - وإن كانت قدماه قد ارتجفتا قليلا - ~~فصرخ فيه بصوت عال: وما شأنك أنت؟! وذهب مباشرة إلى الفراش، ودس ~~يده تحت الوسادة. ها هو كيس الورق. آه! ما أروع هذا! لقد أكله كله. ~~أليس هذا شيئا بديعا؟ ودس يده تحت الوسادة ووضع كيسا جديدا، ms081 ~~ممتلئا حتى نهايته، وكاد ينسى أن يمر على الشمعدان الكبير لولا أنه ~~التفت إلى المرآة فرآه ينظر إليه معاتبا. لم يسأله في هذه المرة لم ~~تدخل غرفة جدك في غيابه، ولكنه حين ربت عليه في حنان حياه بفرح ~~بالغ، وكأنه يقول له: لقد أصبحنا صديقين. # وفي الليلة الثالثة فتح سمير الباب فلم يصدر عنه الصرير المخيف، ~~وإنما همهم بصوت غامض لم يتبينه، وإنما عرف منه أنه يراقبه في حذر ~~ويتتبع خطواته في حسد بالغ. وجرى نحو الفراش، ودس يده تحت الوسادة، ~~وأخرج الكيس. كان فارغا. برافو يا جدي! أنا مسرور منك الآن. لقد أكلته ~~كله. انتظر؛ سوف أملؤه لك في المرة القادمة، أو هل تفضل نوعا آخر؟ ~~إنك أطيب جد على الأرض، ولم ينس أن يمر على الشمعدان الزجاجي، وأن ~~يلامسه برفق وحنان، ويشكره على كتمانه. اهتز الشمعدان مرات، وأومأ ~~برأسه، وابتسم في وجه، كما ابتسم شبيهه في المرآة، وطلب منه أن يعود في ~~الغد. # لم يكد سمير يغلق الباب وراءه حتى رأى جسدا طويلا يواجهه، ~~واضطر أن يرفع رأسه ليرى من يكون صاحبه. كان هو أبوه، لقد أغلق ~~الورشة إذن وعاد إلى البيت، لم جاء مبكرا؟ ولم يتركه أبوه يسترسل في ~~أحلامه. # ماذا تفعل هنا؟ فأجاب وكأنه يغوص إلى سابع أرض: أنا ... كنت ... ~~- يا شيطان، هل نسيت أن الواجب وراءك؟ ~~- حللت المسألة. أقسم لك، أ. # فقبض أبوه على يده كما يقبض الشرطي على لص هارب، وصعد به إلى الدور ~~الأعلى - وكان صوت حذائه الكبير وهو يرتقي السلالم يختلط بكلماته ~~المهددة: سوف أرى. سوف أرى. سوف أرى. المدرسون يشكون منك. لم تخطئ ~~في الحساب؟ لم تخطئ في الحساب؟ لم تخطئ؟ إني لا أفهم شيئا، رأسي ~~ينشق، وأنا جائع أيضا. لا أستطيع أن تجمع عشرة وعشرة، وسوف ~~أرى. # وفي البيت تكون أمه، ذات العيون السوداء والشعر المنفوش، هائجة لأن ~~الخادمة لا تسمع كلامها. وهناك تبدأ في الشجار مع أبيه الذي يصرخ بها: ~~سوف أرى. سوف أرى. رأسي ينشق. أنا جائع. لم ms082 لا تضربين الخادمة؟ لم ~~تضربينها؟ وتصرخ في وجهه بينما يصيح أخوه الرضيع ويصيح حتى تكاد عروق ~~رقبته أن تنفجر. # في مساء اليوم التالي فتح سمير باب الحجرة في حذر بالغ - بعد أن ~~راقب الطريق، وعاين وجوه الرائحين والغادين فيه. ولم يحتج إلى فتح ~~الباب بيديه؛ فقد وجده مواربا - وبدا له كأنه يرحب بمقدمه ويميل ~~عليه يسأله: لم تأخرت الليلة؟ # كانت الغرفة على غير عهده مظلمة، أطل بعينيه الصغيرتين أولا، ~~ولو استطاع إنسان أن يرى عينيه بغير مرآة لحسبهما جمرتين تلتهبان في ~~موقد فحم خمدت فيه النار. وبحث عن الشمعدان فلم يتبينه - إما أن ~~العفاريت اختطفته أو أن الظلام كان أقوى منه - الشيطان وحده يعلم! وهرع ~~إلى الفراش ومد يده ليدسها تحت الوسادة. ~~- من؟ # خرج الصوت من باطن الحجرة كما يخرج قط أسود من جحر الفيران. # وقف سمير مذهولا؛ فها هو جده في نهاية الأمر. ~~- من بالباب؟ قلت من؟ # فهمس سمير وكأن قلبه هو الذي يردد الكلام: أنا يا جدي. # فحشرجت حنجرة العجوز، وكأنها أوراق شجرة يابسة تهزها رياح الخريف: ~~سمير؟ تعال يا ابني. تعال. # لا بد أن جده مد يده ففتح النافذة؛ فقد أغرق في طوفان من النور بهر ~~عينيه، وتكشفت المرئيات أمامه. وها هو الشمعدان رابض أمام المرآة، ~~الشمعدان وشبيهه. نظر سمير إليهما مغيظا وهتف في سره: لعنة الله على ~~شمعدانات الدنيا كلها! ~~- سمير. # فاقترب سمير خائفا من جده، ولمح نورا ينبعث من عينيه الضيقتين، ~~الحائرتين في محجريهم، كانتا تقولان له: اقترب. اقترب. لم تخاف؟ ~~ألست أنا جدك؟ ~~- ما هذا؟ # ابتهل سمير وهو يحاول أن يخفي يده وراء ظهره: إنه ... لا شيء يا جدي، ~~لا شيء أبدا. ~~- إذن فأنت الذي تضعه كل ليلة. ورفعه الجد بيديه الخشنتين فأجلسه على ~~ركبته. واستطاع سمير أن يرى الشمعدان بوضوح. إنه يميزه الآن، وها هو ~~يحاول أن يخفي وجهه فلا يستطيع. وأين يهرب من جريمته؟ ألم يبح بكل ~~شيء؟ ألم يبح بكل شيء؟ # ومرت أصابع العجوز في شعر سمير، بل إنه قد مسح ms083 خده في رأسه كأنه ~~قط هرم: أنت الذي وضعت الكيس تحت الوسادة ؟ ~~- أنا يا جدي لم أضعه. أنا وضعته. ~~- لم فعلت هذا؟ ~~- صدقني يا جدي. ~~- وتحرم نفسك كل يوم من الملبس؟ # سأله سمير وهو يضع إصبعه على شفتيه: الشمعدان قال لك؟! # فقال جده مستنكرا: الشمعدان؟ # فصرخ سمير في حماس: سأكسره. سأكسره حتما. وتنهد الرجل العجوز، ~~وصار من الواضح أنه يغالب دموعه، وأشعل سيجارة، واختنق صوته فجأة، ~~كأن حنجرته امتلأت بالدخان الذي لم يرد أن يخرج منها، وسعل كثيرا حتى ~~بح صوته وهو يقول: أنت أشفقت على جدك. نعم يا حبيبي. لكل شيء ~~نهاية. أين جدتك المسكينة؟ عشرة أربعين عاما، من كان ~~يصدق؟! # هتف سمير كأنه قد عثر على حل مسألة حسابية عويصة: هي عند الله. أبي ~~قال لي ذلك. # فقرب العجوز وجهه منه قائلا: نعم يا حبيبي، هي في السماء، ولكنها ~~لن تعود. هل قال أبوك ذلك أيضا؟ كان ينبغي أن يسبقها جدك. هل قال لك ~~إنها لن تعود؟ # لم يعرف سمير بماذا يجيب؛ فإن كلمات جده كانت أصعب من مسائل الحساب، ~~ولكنه ردد بصره بين الشمعدان المتهم وهو يحاول أن يخفي وجهه عنه ~~عبثا، وبين السرير النحاسي الذي تدلت من أحد عمده جبة وقفطان ~~عظيمان، والنافذة التي ما يزال النور يتدفق منها كأنه موج البحر، ثم ~~رفع وجهه إلى جده ورأى التجعدات الكثيرة على جبهته العريضة. # قال جده وهو يضحك: ولكن أين خبأت الكيس؟ # فهتف سمير وهو يقفز على الأرض: إنه هنا، تحت الوسادة. قال الجد وهو ~~يمد ذراعه: ملبس؟ # فأومأ سمير برأسه موافقا: وفيها طوفي أيضا. # ووضع الجد العجوز ملبسة في فمه صار يلوكها بين فكيه العاطلين من ~~الأسنان، وابتسم راضيا، ومد يده بالكيس إلى سمير: خذ واحدة. خذ. فهتف ~~سمير متحمسا وهو يقفز على الأرض: لا يا جدي، إنها لك، كلها ~~لك. # وانفلت يجري مسرورا. # 1956م # | شجرة عيد الميلاد # يا جدي العزيز، ما أشد حنين إليك! منذ أن رحلت عن قريتنا العزيزة، ~~وعن بيتنا القديم، وأنا أفكر ms084 في العودة إليك. لم يبق لنا غيرك. بعد ~~وفاة المرحوم أبي، أما تزال غاضبا علي؟ لن أسألك الصفح عن غربتي ~~عنك؛ فأنا أعرف أن قلبك الرحيم يغفر كل الذنوب، ولكن أسألك عن صحتك ~~أنت، أما تزال تعاني من ذلك المرض الكريه؟ وأم ستيتة، هذه العجوز ~~الطيبة القلب، أما تزال تردد أنني ناكر للجميل؟ سامحها الله. أنا ~~عائد في هذا الأسبوع. وعلى فكرة، نسيت أن أقول إنني سأحمل معي ولدي ~~الوحيد «نيني». يا ليتك تراه يا جدي العزيز! إنه جميل نضر كوردة ~~منداة. سأحضره معي حتما، وسوف يلعب معك، ويحبو على قدميه ليقبلك، ~~ويعانقك. نعم إنه كالدمية الصغيرة. شعره الأصفر المنسدل، يا ليتك ~~تلمسه بيدك الكريمة! سوف تحبه كثيرا، وسوف تضمه إلى صدرك، وتضعه ~~على حجرك، وتهدهده لينام، كما كنت تفعل معي، ولكن هل تعرف هذه ~~المفاجأة؟ إننا سنحتفل بعيد ميلاده الثالث، في بيتنا القديم. سوف تكون ~~حفلة شائقة، وسوف تنور بيتنا الأنوار الزاهية. # سلامي إليك يا جدي العزيز، وانتظروني في قطار المساء، في يوم ~~الأربعاء. كان هذا هو الخطاب الذي حمله ساعي البريد في ذلك ~~الصباح. # أما ما زلت أذكر صوته المتحشرج وهو ينادي: جواب من مصر! جواب من ~~مصر! # طرت أقفز السلالم الخشبية درجات درجات، وكأني إحدى البطات التي ~~نربيها في بيتنا حين تهرع جائعة إلى الطعام! ونزل ساعي البريد عن ~~حماره العجوز، وصبية الحارة الصغار يقفزون من حوله ويحاولون أن يفتحوا ~~جرابه المنتفخ وكأنه خزانة الأسرار. واستقبلته أنفاسي المبهورة قبل ~~يدي، وطرت إلى جدي وأنا ألوح بذراعي في الهواء. ولم أنس أبدا أن ~~ألتفت ورائي لألقي نظرة على صبية الحارة المذهولين الغيورين. ~~«جواب يا جدي. جواب من مصر.» وألقيت الخطاب في حجره، وانحنيت عليه ~~أريد أن أضمه وأقبل لحيته الكثة البيضاء، كأني عائد من قلب غابة ~~مجهولة الدروب ومعي صيد ثمين. وأنصت إلي جدي المقعد وأنا أتلو ~~عليه رسالة أخرى، في لغة ركيكة، ولسان متلعثم. ~~«بالسلامة يا ابني. بالسلامة يعود.» وافتر ثغره العاري من الأسنان ~~عن بسمة واسعة. ms085 # أنا ما زلت أرى كل شيء أمامي. في ليلة الأربعاء كنا جلوسا في غرفة ~~الفرن. كانت أمامنا مدفأة صدئة، يلتهب فيها الرماد؛ فقد كان حطبنا ~~قليلا. أيدينا ممدودة فوق النار كأنها تريد أن تحمي بها دماءنا؛ ~~دماءنا التي تسري في عروقنا مثلوجة باردة. كان جدي العجوز جالسا على ~~مقعده الذي لا يريم عنه، وكانت عيناه الضيقتان تدوران في المكان ~~كأنهما تحسداننا على مقدرتنا على الحركة؛ فقد كان جدي مقعدا، وربما ~~لا يزيد على قصتي شيء إذا قلت إنه كان مشلولا. جاءه الشلل ذات صباح ~~وهو يشرب القهوة، فأفلت الفنجان من بين يديه وانكسر، وشل نصفه الأسفل. ~~لا أريد أن أعيد قصة شلله، فما ذكرتها إلا عراني حزن أليم. # وكانت أم ستيتة، مربيتي العجوز، جالسة أمامي تعالج عينيها ~~الرامدتين، بعد أن وضعت فيهما قطرات من السائل الأحمر. كان كل شيء ~~هادئا في بيتنا هدأة الانتظار، حتى قطرات المطر التي تتساقط فوق السطح ~~كانت كأنها دقات طبول عميقة، جوفاء، والسحب السوداء التي كانت تغطي ~~وجه السماء، أحسسنا كأنها جاثمة بثقلها فوق رءوسنا. كانت ليلة شتاء لا ~~تلمع فيها نجمة حتى تنطفئ. # كانت آذاننا مرهفة لسماع صوت القطار؛ القطار الذي يزور قريتنا في ~~آخر الليل فيهتز بيتنا من أركانه. لم تكن بي حاجة إلى الكلام؛ فقد ~~غامت عيناي في أفق بعيد، ممتد بغير حدود، ولم أطلب من «أمي» ستيتة ~~أن تحكي لي أسطورة من أساطير الزمان، كما كانت تفعل كل ليلة. وما كان ~~يمكن للسندباد البحري ولا الشاطر حسن ولا الأميرة شهر زاد أن تشغلني عن ~~خواطري، وما كان يمكن لأم ستيتة أن تغمض عيني لأنام على حلم جميل؛ ~~فأنا أنتظر مقدم أخي الكبير لأرى فيه وجه أبي. # سيعود أخي الليلة من بلد اسمها مصر. قالت لي أم ستيتة إنها بلد ~~العجائب؛ قبابها عالية، ومآذن جوامعها مضيئة في الليل كشجرة تتدلى ~~منها النجوم، وأبنيتها عالية تصطدم رءوسها بالسحاب. وقال لي جدي إن ~~الناس يسيرون على أرض لامعة - فلا تغرز القدم في الوحل - وإن ms086 شوارعها ~~كالمرايا، يمكن للناس أن يروا فيها وجوههم، وإن الأولياء الصالحين ~~يحمونها من غلوات أعدائها، ويقفون أمام سورها العظيم وهم يسبحون بحمد ~~الله. # لم أكد أمد يدي ضارعا وأنا أصيح: «يا سيدة زينب، يا سيدنا ~~الحسين، أرجعا إلينا أخي سالما.» حتى سمعنا طرقا على الباب. وقفزت ~~أجري على السلم، وأسرعت أم ستيتة الطيبة القلب تتحسس الطريق. وحين ~~ضمني أخي إلى صدره استطعت أن ألمس بيدي بذلته الناعمة، وأن أشم ~~العطر الذي يفوح منه. قال لي وهو يضحك: هذا هو نيني، ابن أخيك، أليس ~~جميلا؟ سلم عليه يا نيني. نعم، هكذا لقد صرت رجلا. لم لا تضحك؟ ~~أنت متعب من السفر؟ تريد أن تنام؟ لا، لا. قبل أن ترى جدك؟ من؟ جدك ~~العجوز؟ أتخاف منه؟ إنه يحبك. هيا، هيا. أعطني يدك، هكذا. وصعد ~~أخي الكبير على السلم، والضحكات العالية تهتز معه. كان يحمل في يده ~~حقيقة كبيرة، فقلت لنفسي لا بد أنها مملوءة بالحلوى، لن أنام في هذه ~~الليلة! ومد جدي ذراعيه ليحتضن أخي ويقول له، والصوت تخنقه الدموع: ~~«بالسلامة يا ابني، بالسلامة عدت، ما لنا وما لمصر، ابق معنا. هذا ~~هو ابنك؟ قربه مني، ما أجمله! أتخاف مني؟ آخ! لا تشد ذقني أيها ~~العفريت!» # وصاح أخي وهو يرحب بخادمتنا العجوز: لن تنامي الليلة يا أم ستيتة؟ ~~افتحي هذه الحقيبة، ماذا؟ أتعشى؟ لا. أستريح، ولكنني غير متعب. هيا ~~نعد كل شيء معا. ألا تعرفين؟ ولكنه عيد ميلاد نيني؛ نيني ~~العزيز. # كان أخي في هذه الليلة جم النشاط. لم يكد يجلس ليستريح، أو ليحكي ~~لنا شيئا عن البلد الكبير الذي عاد منه. استحال إلى طاقة حية، ~~مندفعة، مشبوبة. إنه يجري، ويضحك، ويهز رأسه، ويثرثر بكلام كثير ~~مثل قطرات المطر التي تتساقط في الخارج سريعة متلاحقة: «ضع هذه ~~الحلوى على المائدة. لا تأكل منها شيئا. وأنت يا نيني، أتريد أن تنام؟ ~~أيها الشيطان الصغير. وهل تنام في عيد الميلاد؟ خذي هذا التفاح يا أم ~~ستيتة. نعم، ضعيه إلى جانب الحلوى. ماذا؟ ولكنك ستأكلين ms087 منه الآن، وهذه ~~الشجرة أيضا؟ نزرعها؟ يا لك من ساذجة! ولكنها لا تزرع . اسمها شجرة ~~عيد الميلاد، ألا تعرفين؟ حسنا، ضعيها هناك. لا تقطعي منها ورقة ~~واحدة. أسرعي أيتها العجوز. وأنت، لم لا تتحرك؟ هل تقف هكذا ساكنا؟ ~~أتعجبك الشموع؟ تريد أن تشعلها؟ ولكن انتظر! سنرى كل شيء، الآن، ~~حالا، حالا، كل عام وأنتم بخير.» # ما أغرب أخي! في مثل هذه الليلة الباردة من ليالي الشتاء؟ ماذا يقول ~~جيراننا؟ ولكنهم نائمون. حسنا فعلوا، وإلا لضحكوا علينا. آه لو رأونا ~~ونحن جلوس أمام المائدة لكنا أصبحنا سخرية البلد يوما بأكمله؛ إذ ~~كيف توقد الشموع ولم يولد في بيتنا طفل، ولم يتم زواج؟ # أنا عهدي بالموالد أن يشترك فيها أهل بلدتي جميعا؛ ففي مولد سيدنا ~~الشيخ «دسوقي» يحق لنا أن نسهر الليل بأكمله، ونأكل الحلوى، ونشتري ~~عرائس المولد الحمراء. لنا نحن أطفال القرية في هذا المولد أن نتبرك ~~بسيدنا الشيخ، ونزور ضريحه، ونلمس السور الحديدي بأيدينا، وقد يتمرغ ~~بعضنا على السجاد العجمي الثمين في نشوة صوفية محببة. ولنا أن نسهر ~~حتى الصباح، ندور في المرجيحة، وننتقل بين الموائد الزاخرة باللحم ~~الشهي، ونرقص في صفوف الدراويش حتى الصباح، ولكن هذا الحفل الذي نقيمه ~~في بيتنا في هذه الليلة شيء عجيب. أيكون نيني شيخا صالحا من ~~الأولياء؟ ولكن هذا شيء محال؛ إذ كيف يصدقه عقلي؟ # ولم يسترح أخي الكبير حتى جلسنا إلى المائدة. إنني لم أزل أذكرها ~~تماما؛ فقد فرحت في تلك الليلة كما لم أفرح قط. أضأت الشموع بيدي، ~~ووضعت الشجرة الجميلة في وسط المائدة، وناولت مربيتي العجوز أكثر من ~~قطعة من الحلوى، ودعوت جدي إلى الطعام أكثر من مرة. # ولم تزل كلمات أخي الضاحكة كأنها ترن في أذني رنينا مضيئا: «كل ~~سنة وأنتم طيبون. كلكم، كلنا، وأنت يا نيني، مد يديك يا حبيبي. نعم، ~~هكذا، ستعيش مائة عام، أليس كذلك؟ ألا يكفيك هذا؟ إذن ستعيش مائتين. ~~تفاحة أخرى؟ ولكنك لم تأكل. أعطه يا أم ستيتة قطعة الجاتوه. نعم، ~~هكذا. الآن تعال إلى ms088 جانبي، ستطفئ الشموع. املأ فمك بالهواء. لا، ~~هكذا، هيا. ستنفخ فيها نفخة واحدة . نعم. ثلاثة فقط؟ ولكنك لم تعش ~~أكثر من ثلاث سنين. تريد أن تكون لكل يوم شمعة؟ ولكن هذا كثير. أنت ~~طماع، هه! لم يبق غير واحدة. هكذا، انطفأت كلها.» # كنا جميعا في نشوة من الفرح أسكرتنا؛ فأنا قد نسيت كل ما حولي، وذقت ~~التفاح، والكمثرى، ربما لأول مرة، ومضيت ألتهم الحلوى قطعة بعد أخرى في ~~نهم جائع، وسرحت مع خيالي لحظات وأنا أتأمل الشجرة الصغيرة التي تتوسط ~~المائدة، وتتدلى منها أوراق مفضضة لامعة، كالقطن الأبيض النقي. وعجبت ~~في نفسي كيف نمت هذه الشجرة، وما لها من جذوع ولا في فروعها ثمر. وسألت ~~عقلي كيف تختلف عن شجرات الصفصاف والتوت التي طالما تسلقتها وأدميت ~~أصابعي، حتى «أم ستيتة» قد رفعت العصابة البيضاء عن عينيها الرامدتين ~~وأخذت تنظر إليها، وتلتقط تفاحة من هنا وقطعة حلوى من هناك، وكأن ~~الشباب قد انتفض في عروقها، والحياة قد بعثت من جديد في روحها. # وأخي الأكبر مشغول بكل شيء، حتى الطبيعة راح يصفها - كاذبا - ~~بالجمال، وبأنها فرحة مع «نيني»، مع أن الليلة - والحق يقال - كانت ~~باردة الهواء، والوجود كله مثل زنزانة معتمة تلمع البروق الخاطفة فوق ~~جدرانها بين حين وحين. # كان جدي وحده حزينا، لقد لبث ساهما مطرقا برأسه إلى الأرض، ~~صامتا، وقورا، مثل أبي الهول. فإذا رفع عينيه فإنما ليثبتهما على ~~وجه «نيني» السعيد، وليتملى بذلته الزاهية وشعره اللامع، ثم يعود ~~ليخفض رأسه إلى الأرض، ويتشاغل بمسبحته الطويلة عنا. # ما لجدي وللحزن؟ هل يعرف الحزن طريقه إلى القلوب في مثل هذه الليلة؟ ~~هل يا ترى قد تذكر فجأة أن أبي وأمي قد ماتا منذ عهد قريب؟ ولكني أنا ~~أيضا أعرف ذلك. ومع هذا فلم يشغلني الحزن عن الطعام؛ فعندي أن آكل حتى ~~أشبع، وبعدها فلتدمع عيني كما تشاء. هل تذكر وجهيهما الشاحبين وهما ~~يصارعان الموت جنبا إلى جنب، على فراش واحد، ونحن أمامهما عاجزون عن ~~كل حركة؟ أنا كذلك أكاد أراهما وهما ms089 يصرخان، ويتقيآن سائلا أصفر بلون ~~وجهيهما. وأنا ما زلت أذكر ما قاله لي الجيران وهم يعزونني: لقد ~~صرعهما الوباء. وليس للناس حيلة في الوباء يا بني. # أنا لا أشك في أن «نيني» كان يرقب جدي؛ فقد رأيته يشرد بخياله وهو ~~ينظر إليه، ويكاد يذهب إليه ليسأله: «لماذا تبكي يا جدي؟» # هل أحس جدي فجأة أنه قد فقد كل شيء؟ وأن حياته لم تكن تستحق أن ~~يحياها؟ أكاد أقول إن جدي، في تلك الليلة، قد التفت وراءه، ونظر بعينيه ~~فلم يجد غير الفراغ؛ الفراغ الهائل، الساكن، الذي يحيطه العدم من كل ~~جانب. هل يجيء على الإنسان حين يلتفت فيه إلى الماضي فلا يجد حتى آثار ~~قدميه على الطريق؟ لحظة يطرق المستقبل فيها أبوابنا، ونحن نيام في ~~الليل، ليقول لنا: لقد نسيت أسماءكم. # ولكنني على يقين من أن جدي لو كان رجع إلى ماضيه لما ملكه شعور ~~بالحزن. إنه قد جرب أكثر من حياة؛ اشتغل في أول حياته أجيرا في ~~مزارع الأغنياء، ثم تجول أعواما في أسواق التجارة ومكيلته تحت إبطه ~~حتى أصبح في يوم من الأيام تاجرا بين التجار. وبدا له ذات يوم أن يكون ~~حلاقا، ففتح صالونا يتردد عليه عشرات التجار والأغنياء، وما زلنا ~~نعيش على صيته حتى اليوم. نعم! لا يمكن أن يكون جدي حزينا لأنه استرجع ~~في ذهنه ذكرى ماضيه. # كل ما أذكره اليوم أن جدي كان يحدق طويلا إلى شجرة عيد الميلاد. ~~وكان كثيرا ما يخيل إلي كأنه يتنهد، أو كان يرى أن حياته كهذه ~~الشجرة، ولكنها كانت شجرة ذابلة الأوراق، جافة العروق مثل أشجار ~~الخريف. أكان يدور في خلده أنه هو أيضا قد صار في خريف العمر؟ # لم تنته ليلة عيد الميلاد على خير؛ فقد أطال جدي التحديق إلى الشجرة ~~الملعونة، واضطربت أنفاسه الواهنة في صدره، حتى رأيت دمعتين تسقطان على ~~خديه وتختفيان في شعرات لحيته. ولم يلبث أن انفجر باكيا وهو ~~ينشج. # أما أخي فترك ما في يديه وأسرع إليه: «ماذا؟ ما هذا يا جدي؟ ms090 أفي هذه ~~الليلة تبكي؟ ولكن ماذا حدث؟ ماذا حدث يا أم ستيتة؟ ألا تعرفين؟ ولكن ~~ما الذي يبكيه؟» وجرى «نيني» ذو العينين الواسعتين إليه وارتمى على ~~صدره وهو يعانقه: «لماذا تبكي يا جدي؟» # أما جدي فقد أشار علينا بأن نبعده عن ذلك المكان. كل ما استطعت أن ~~أتبينه من كلامه المتقطع، المختنق بالدمع: «أبعدوني. أبعدوني.» ~~ثم وهو يمر بيديه الراعشتين على رأس «نيني»: «لا تحزن يا نيني. ~~معلهش، يا نيني.» # وتحامل جدي علينا، وأسند ذراعيه المنهوكتين على أكتافنا، ونحن نسير ~~به إلى فراشه كان أخي لا يفتأ يردد: أهذا ممكن؟ أهذا ممكن؟ وكان ~~«نيني» مشغولا بدموع الشيخ العجوز الذي يضمه إلى صدره ويردد في ~~صوته المتقطع: «أبعدوني. أبعدوني.» وأسرع أخي إلى «نيني» فانتشله من ~~بين ذراعيه، وأشار إلى أم ستيتة التي وقفت مذهولة تفتح عينيها ~~الرامدتين في صعوبة، بأن تحمله بعيدا. ما كان لهذا الصغير أن يرى الجد ~~وهو يتحطم، ما كان له أن يفتح عينيه الزرقاوين على شيخ فيه بقية حياة ~~تذوي وتنطفئ. والتففنا، أنا وأخي، حول جدي العجوز، نكفكف من دموعه، ~~ونهدئ من ثورته التي انفجرت على غير انتظار. # لم نكن ندري ماذا نفعل؛ فقد كنا نراه يبكي أمام أعيننا، بلا سبب. ~~وارتميت على الحصيرة البالية أمام قدميه، وشردت عيناي في السقف، ورحت ~~أعد قطرات المطر؛ واحد، اثنان، ثلاثة. أما أخي فقد تمدد إلى جانبه، ~~يربت على كتفيه ويهدهد من حزنه، ويميل على أذنيه بكلام كثير. # وكان الصمت يلفنا حين رأينا نيني يندفع إلى الحجرة وهو يرى، كأنه ~~يخاف أن يرده عنا أحد. وأم ستيتة العجوز تجري وراءه محاولة أن تمسك ~~به. «جدي، جدي.» كانت صيحاته تخرج مع أنفاسه المبهورة، متقطعة مكتومة ~~كالأنين. وكان يمد يديه نحونا، ويجري حتى لينكفئ على وجهه. «خذ يا جدي. ~~الشجرة أهيه. هي لك. الشجرة لك. ده عيد ميلادك، عيدك أنت. لا تحزن يا ~~جدي. الليلة ليلة ميلادك. أنت، يا جدي، خذها معك؛ لأن الدنيا ~~تمطر.» # ولم ندر ماذا نصنع. أسرع إليه أبوه ms091 يحمله بين ذراعيه، وخرج به من ~~الحجرة وهو يقبله ويكاد ينشج بالبكاء. وأما جدي العجوز فقد لمعت ~~عيناه الضيقتان التماعا غريبا، ومد يده المرتعشة فقبض على الشجرة، ~~وضمها إلى صدره وأخذ يقبلها. # وفي الصباح، كان جدي ما يزال راقدا على فراشه، ولكنني حين اقتربت ~~منه، ووضعت يدي على صدره، لم أجد فيه نفسا يتحرك. # ومررت بيدي الخائفتين على أطرافه المثلوجة ببرودة الموت. كانت شجرة ~~عيد الميلاد ما تزال في يديه. # وكان يضمها إلى صدره ضما شديدا. # 1954م # | الصراط # أهلا وسهلا، يا ألف مرحب، أنا حصل لي الشرف والله. كرسي يا ولد. لا ~~والله لا بد تقعد. عندك موعد؟ طيب ولو ربع ساعة، على الأقل نتعرف على ~~بعض. تقول موعد في السيرك؟ آه! وأنا أيضا من ساعتها أشبه عليك. أقول ~~يا ربي أنا شفته، هذا الوجه ليس غريبا علي، كنت معهم في الموكب من ~~يومين. تقول إنهم لا يعرفونك من وجهك، لكن من رجليك؟ ها ها! أما صحيح ~~بتاع سيرك! نعم؟ قصدك إنك الراقص الأول في السيرك، الراقص على الحبل؟ ~~طيب قل يا أخي من الأول، كنت على الأقل عرفتك إننا أصحاب، حبايب، إخوان ~~في الكار. أنت طبعا مندهش، طبعا لا تريد أن تصدق، معذور بالطبع، ~~واحد مكرش وسمين وعنده ضغط مثلي ويرقص على حبل؟ طبعا حبل عرضه ~~مترين؟ تقول ولا يكفي؟ لا والله معك حق، لكن وحياتك عندي أنا مثلك أرقص ~~على حبل، طبعا طبعا، حبل بحق وحقيق، مشدود من الناحيتين، نعم؟ في أي ~~سيرك؟ لا، لا، لا يكون عندك فكر، ولا سيرك ولا حاجة، تقدر تقول أعمال ~~حرة. نعم، كما يقولون راقص من منازلهم. تقول متى رقصت عليه؟ طول عمري، ~~آي والله، من يوم ما أمي ماتت وأنا أرقص عليه، تقول متى كان ذلك؟ آه؛ ~~أصلها حكاية طويلة، لكن قبل ما أنسى، اشرب حاجة، لا والله لا بد تشرب. ~~شاي؟ قهوة؟ مضبوطة؟ طبعا، أنا أيضا كنت سأطلبها لك مضبوطة. طبعا ~~طبعا، كل حاجة عند الرقاصين لازم تكون مضبوطة، لا ms092 شعرة زيادة ولا شعرة ~~ناقصة. تقول ارجع للحكاية، أية حكاية؟ آه! لا مؤاخذة، كانت راحت من على ~~بالي؛ بيني وبينك السن له حكمه. القصد، نرجع للحكاية. هل قلت لك إنني ~~بدأت أتعلم الرقص من يوم ما ماتت أمي؟ طبعا الصلة بعيدة. خصوصا وإني ~~كنت أيامها لا رحت ولا جيت، ولد صغير في المدرسة، قل عشرا قل إحدى ~~عشرة سنة. كنت أعرف أن أمي راقدة من شهور، لكن عمر ما أحد قال لي إنها ~~كانت راقدة على فراش الموت، كنت أقف مع الحكيم عندها وأشوفه وهو يكشف ~~على قلبها، وبعد ما ينتهي من الكشف وأبي يوصله للباب كنت أقرب منها ~~وأنا خائف. طبعا شيء مخجل، كيف يخاف الإنسان من أمه؟ لكن هذا ما ~~حصل. كانت تنادي علي، وأقترب منها وأسألها إن كانت محتاجة لشيء، ~~وتتأمل في بعينيها وهي ساكتة وتقول بعد مدة: كنت محتاجة لك أنت، كنت ~~أبعد عيني عن عينيها؛ فقد كانت نظرتها تحيرني، تخرسني، تؤنبني ~~وتعاتبني وتغرز مثل السكينة في قلبي. أفلت من السرير وأقول: أنا رائح ~~ألعب مع أصحابي. كنت ألعب مع أصحابي ولا ألعب معهم. كانت نظراتها ~~الحزينة معي في كل مكان. تقيدني وتلومني وتكتف رجلي. ولا أكثر ~~عليك. في يوم نادوا علي بسرعة، قالوا أمك تريد أن تراك. ذهبت إلى ~~حجرتها، أشارت لهم بسرعة أن يغلقوا الباب ويتركونا وحدنا. أحسست أنها ~~كانت آخر مرة. إحساس غريب على طفل مثلي، لكن الأطفال تحس أكثر مما ~~يعرف الكبار. القصد، اقتربت منها وقلت لها: نعم يا أمي. قالت: قرب ~~مني. مدت يدها المرتعشة ومسحت على وجهي. سمعتها تقول: يا ما كان ~~نفسي تكون معي. قلت لها: أنا معك يا أمي. قالت: لا. قصدي هناك. قلت ~~لها: هناك أين؟ قالت: على الصراط. سكت وسكتت. بعد مدة سألتها: صراط ~~يعني إيه يا أمي؟ قالت الواحد منا يوم القيامة يمشوه على الصراط، شيء ~~مثل الشعرة وأحمى من السكين، مشدود بين الجنة والنار، الجنة على اليمين ~~والنار على الشمال. الواحدة منا إذا كان ms093 لها ابن مات قبلها يسبقها على ~~الصراط، يجري مثل الفرس ويقول لها تعالي يا أمي ويأخذ بيدها. لو كنت يا ~~ابني معي هناك! سكت. تمنيت لو أن الأرض تغور بي من الكسوف. قالت لي: ~~قم أنت يا ابني، ربنا يعطيك طول العمر، يرزقك بابن حلال يمشي قدامك ~~ويأخذ بيدك. في يوم لا يعلمه إلا الله، دخل أبي علينا فوجدنا ساكتين. ~~قال: قم أنت يا ابني نام. أنام؟ بذمتك، هل واحد مثلي يأتي له نوم؟ طول ~~عمره بذمتك يأتي له نوم؟ لكن الصاحي مصيره ينام، والصغير يكبر، والكبير ~~يروح لحاله. صحيت الصبح قالوا لي البقية في حياتك، أمك ماتت والبقية في ~~حياتك. # قلت لك إني كنت الابن الوحيد؟ طبعا فهمتها من نفسك. الابن الوحيد ~~ويبخل على أمه بالخدمة الوحيدة، تقدر أنت تتصور حالتي. دفنوها ورجع أبي ~~أخذني على صدره وقال لي: شد حيلك. مصيرك تكبر وتفهم. أنت الآن كبير ~~العائلة. البركة فيك، والموت على رقاب العباد. قلت له: كان لازم أموت ~~قبلها بزمان. قال لي: تموت؟ قصدك إيه؟ قلت له: لأجل أسبقها على الصراط. ~~ضحك وقال لي: الصراط؟ الله يجازيك، ومن حكى لك عليه؟ كذبت وقلت له: ~~أبدا. أصحابي قالوا لي كان لازم أموت قبلها. كان لازم أعمل حسابي لأجل ~~أمشي قدامها. أجري وأقول لها تعالي، تعالي يا أمي ولا تخافي. السكة ~~ظلام والدنيا عتمة، لكن أنا أنور لك الطريق. أبي ضحك ومات على روحه ~~من الضحك، زغدني في صدري وقال لي: روح يا شيخ، إذا كنت تحبها صحيح ~~زرها كل يوم واقرأ لها الفاتحة، وطمنها أنك بخير، وأنك تذاكر دروسك ~~وتنجح في امتحاناتك. # أكثرت عليك؟ تحب تشرب قهوة ثانية؟ صحيح؟ يعني تقدر تقعد لحد ما أكمل ~~الحكاية؟ لا أطيل عليك. الندم أكل في قلبي من يومها، ليل ونهار وأنا ~~أفكر في الصراط. أقول يا ترى شكله إيه وعرضه كم وتقدر صحيح تمشي عليه؟ ~~ويطاوعك قلبك لا ترتعش ولا تخاف ولا تزعق وتقول: يا هوه! وتقف عليه ~~برجل واحدة أو رجلين؟ ms094 وإذا وقعت يا ترى تقع على اليمين أو على الشمال؟ ~~يا ترى الملائكة تحدفك على جهنم أو توصلك عند المؤمنين؟ القصد، أصبحت ~~همي وشغلتي. وتصادف يوم ما ماتت أمي أن سيرك الحلو يحضر على البلد. ~~طبعا هو بعينه. أيام مجده وعظمته. الطبل والمزامير فاتت في الشوارع. ~~البهلوانات والقرود والفيلة مرت من قدام البيت، والميكروفون زعق ~~وصحا النائمين. أنا قلت فرصة العمر. تروح تتفرج وتشوف البهلوان يلعب ~~الوحوش ويرقص على الحبل. لكن المشكلة أن أمي ميتة من يومين، وعيب أطلب ~~من أبي أروح السيرك. قل بقيت أفلت كل يوم ساعة وأروح على هناك، أسمع ~~الضحك والزعيق والهيصة من بعيد ألاقي قلبي ينط وكأنه يرقص على حبل. يوم ~~في يوم عرفت الساعة التي يلعب فيها البهلوان، بقيت أزوغ من بين الحراس ~~الواقفين على الباب من غير ما يشوفوني. وإذا حصل وأمسكوني رجعت أحشر ~~رأسي في الصيوان وأبص من بين الخياطة أو الخروم النافذة في الفراشة. ~~كان كل مناي أني أصبح مثل البهلوان؛ رجل مسلول وغلبان لابس أبيض في ~~أبيض وعلى رأسه طرطور، يمشي على الحبل ويفرد ذراعيه ويزعق بعلو صوته: ~~تعالي لي يا أمي! خطوة خطوة كأنه ماشي على سكاكين أو مسامير. الناس ~~شاخصة له، كأن على رءوسهم الطير، مذهولين ومبهورين وخائفين عليه. ومن ~~لحظة ولحظة يزعق واحد في الحلقة: وحدوه! من يحب النبي يصفق! طبعا ~~الدنيا تقدمت ووضعوا تحتكم شبكة؟ طبعا طبعا. صحيح العمر واحد والرب ~~واحد لكن ضروري من الاحتياط. تقول إنك لا تمشي الآن على رجليك؟ يا ~~سلام؟ تركب على عجلة أو موتوسيكل؟ وتحفظ التوازن مع ذلك؟ ما شاء الله! ~~ما أنا قلت لحضرتك الدنيا تقدمت. وتأخذ واحدا معك أو وراءك؟ تقول ~~واحدة؟ طبعا أحسن؟ والبطل صحيح يوازن نفسه ووراءه واحدة. القصد، قلت ~~لحضرتك يوم في يوم تعرفت على البهلوان، رجل طيب مثل حضرتك. صحيح ~~فنان، طول النهار على الحبل، ولا شبكة ولا يحزنون. ناس صحيح تخاطر ~~بحياتها في سبيل الجمهور. قل يوم في يوم ضربت صحبة مع عم ms095 آدم - نسيت ~~أقول لك إن اسمه كان آدم، صحيح اسم على مسمى - الصبح والعصر بقيت ~~أروح له. الرجل أخذ علي وأحبني، وأصبحت ولا كأنني ابنه تمام. كان ~~يقعد طول النهار يكلمني على سر المهنة؛ إن الواحد منا لازم يحافظ على ~~التوازن في كل شيء، في أكله في شربه في مشيه في كلامه، وفي كل ما يعمل ~~لازم يخلي في باله كأنه ماشي على الحبل. إن مال يمين أو شمال تتقطم ~~رقبته أو تنكسر سلسلة ظهره. القصد لا أكثر عليك، كنت أختلس الفرص في ~~ساعة ما يروق بال عم آدم وأشد الحبل فوق الأرض خطوتين، طبعا عمري ما ~~رفعته عن الأرض زيادة عن شبر أو شبرين؛ مهما كان بني آدم خواف. وفي ~~كل مرة أقف فيها على الحبل وأمسك نفسي ألاقيني غبت عن الدنيا وما ~~فيها. لحظة واحدة طبعا، والعارف لا يعرف، لكن كانت تساوي الدنيا ~~وما فيها. أنا قلت تساوي الدنيا؟ أبدا والله. كانت لحظة من الآخرة، ~~من عالم تاني بعيد كأني واقف على الصراط نفسه. رجل على جسر جهنم ورجل ~~على سرير في الجنة. على يميني ملائكة الرحمة، وعلى شمالي ملائكة ~~العذاب. أصرخ بعزم ما في وأقول أنا جئت يا أمي! أنا ماشي قدامك يا ~~حبيبتي. تعالي، لا تخافي، هاتي يدك، أنا أنور لك السكة العتمة. ~~الصراط عريض أعرض من جسر بلدنا، النار تحت رجليك وفوق رأسك، لكن لا ~~تخافي، غيرك يعديه فيصبح فحما أسود، وأنت تعديه حمامة بيضاء. غيرك ~~يمشي عليه ألف سنة، ألفين، ثلاثة آلاف، وأنت تجري عليه أسرع من البرق ~~والطير والريح. كنت أصرخ وأضحك وأبكي مثل المجنون، طبعا كان الحبل على ~~الأرض، أو بينه وبينها شبر أو شبرين. وكان عم آدم يمشي بجانبي يسندني ~~ويأخذ بيدي ويجفف دموعي. سمها سعادة، سمها حزنا، ندما، خبلا. ~~المهم أنني كنت أحس أني أكفر عن ذنبي؛ ذنب قديم أقدم من الكون ومن ~~سيدنا آدم نفسه. صحيح تقدر تقول إنه ما كان ذنبي. وهل كان في يدي أن ~~أموت قبل ms096 أمي أو لا أموت؟ هل كان في يدي أن أعرف أنني سأكون ابنها ~~الوحيد ؟ لو كان مات لها ابن قبلي أو حتى بنت كنت استرحت من العذاب، ~~كنت رميت الهم من على ظهري ورقصت على الحبل بحق وحقيق. كنت أصبحت أكبر ~~منافس لك. لا، لا! في سيرك ثاني. سيرك عالمي، أمريكاني، آخر مكن ~~واستعدادات ونمر بالكهرباء والنيون. تضحك؟ طبعا على كرشي؟ تقول وأين ~~أروح من اللحم والضغط وتعب الأعصاب ودوا السكر ورعشة اليدين والرجلين؟ ~~لكن أنت نسيت أنني كنت سأرقص بحق وحقيق، رقص صحيح، مثل كل الناس ~~حواليك. أبدا أبدا، من غير حبل ولا حاجة، طبعا على الأرض. وهل فيه ~~غير الأرض! منها وإليها يا صاحبي! حتى الهموم كانت تبقى هموما من نوع ~~ثان. لا فيها ندم ولا خجل، ولا تسمع أحدا ينادي عليك من عالم ثان ~~ويقول لك أنا منتظرك! منتظر تأخذ بيدي. آه يا صاحبي من الانتظار! تعرف ~~إن فيه ناس طول عمرها تنتظر. طول عمرها لا تعمل شيئا إلا أنها تنتظر! ~~أنت تنظر في الساعة؟ لا مؤاخذة؟ يظهر أنك أيضا تنتظر؟ أن أفرغ من ~~كلامي؟ الله يسامحك. طبعا أنا أطلت عليك، لا العفو. والساعة الآن؟ هه؟ ~~تمام. ربع ساعة ويبتدئ العرض؟ ونمرتك ثاني نمرة؟ آه! ياما كان في نفسي ~~تأخذني معك، ساعة ما شفتك من يومين كنت أتمنى أن يشيلوني بلحمي وشحمي ~~ويضعوني على الحبل معك، وأتمدد وأسند رأسي عليه وأقول: يا هوه! أنا في ~~عرضكم! طول عمري كان نفسي أموت على الحبل، حبل مشدود بين الأرض ~~والسماء، صراط ومشدود بين الجنة والنار. يا هوه أنا مت خلاص! أديت ما ~~علي ومت خلاص! لكن أنا أكثرت عليك. من غير كسوف والله أكثرت عليك. ~~تقول أحضر وأشوفك هناك؟ وهل فيها كلام؟ طبعا سأحضر وأصفق لك. ولو ~~كان لي بخت تتوسط لي عند المدير يشغلني معك! تقول والكرش واللحم ~~والشحم؟ علم هذا عند الله؟ يمكن تصادف وأجري عليه مثل الحصان، أو ~~أتمدد وأنتظر لغاية ما أشوفها من بعيد وأمد ms097 لها يدي. تقول أقع تنقطم ~~رقبتي؟ طيب والشبكة راحت يا سيدي؟ ما هي لحسن الحظ دائما ممدودة. ~~مصيرها تتلقف الواحد حي ولا ميت. لا مؤاخذة. تقول لا بد تمشي؟ طيب على ~~كيفيك. تقول ممنون؟ يا شيخ بلا مبالغة! يا رجل العفو! أهلا وسهلا. يا ~~ألف مرحبا. حصل لنا الشرف والله. ومن كل كم سنة لما الواحد يتعرف على ~~واحد مثل حضرتك، يلعب على الحبل. تقول يمشي على الصراط؟ طيب يا سيدي. ~~من هنا ورائح سميه الصراط! # 1964م # | الرجل الذي يعتذر دائما # كنا، أبي وأنا، نزور عمتي المسكينة مرة في كل أسبوع. فمنذ أن دخلت ~~المصحة ونحن نحرص على هذه الزيارة، ونمني أنفسنا بأن تفطن يوما ~~إلينا، وتعرف أنها ليست مقطوعة من شجرة. كنا نركب قطار حلوان صباح يوم ~~الجمعة، ونأخذ معنا ما نستطيع أخذه من مأكولات أو حلويات، ونمضي معها ~~بضع ساعات حتى ينتهي موعد الزيارة، فنذهب إلى العين أو نقضي بقية ~~النهار في الحديقة اليابانية. ومع أنها كانت تظل طول الوقت غائبة عنا ~~تحدق في السقف وتتمتم بكلمات لا نعرفها، إلا أننا مع ذلك لم نكن ~~نقطع الأمل في شفائها يوما من الأيام. # كانت زيارتي للمصحة تفتح لي عالما غريبا ليس لي به عهد، وتتيح ~~لي متعة عجيبة تلذني بقدر ما تؤلمني؛ فقد كانت رؤية هؤلاء المساكين ~~الذين خرجوا من دنيا العقل والتحدث معهم والاستماع إلى نوادرهم لا ~~يعدلها عندي قراءة الحكايات والحواديت أو الاستماع إليها من جدي. وكنت ~~أعود منها في كل مرة في حالة من النشوة والحيرة والذهول لم يكن يستطيع ~~صبي مثلي أن يعبر عنها. وبالطبع كنت أسأل أبي عما حدث لعمتي، فيقول ~~في كلمات مقتضبة: إن زوجها قد مات وتركها شابة صغيرة. ولم يكن ~~هذا الجواب بطبيعة الحال يقنعني، فألح بالسؤال من جديد، فيقول: ~~إنها ظلت تنتظر عودته وما زالت تنتظر. فإذا اعترضت بأن الأموات لا ~~يعودون، قال: إنها لو صدقت أنه مات لما حدث لها ما حدث. عشرون عاما ~~وهي تصلي وتدعو وتنتظر في ms098 كل عام أن تطلع لها طاقة القدر وينزل عليها ~~من السماء أو يسقط عليها من السقف، ولكن طاقة القدر لا تظهر، والزوج ~~الغائب لا يعود. # كنا ندخل من باب العنبر الكبير فنراها جالسة على سريرها في ثوبها ~~الأبيض، على رأسها طرحة بيضاء كبيرة، وعيناها مثبتتان على السقف، ~~وشفتاها لا تكفان عن الحركة. ولم تكن يبدو عليها أنها تنتبه إلى ~~وجودنا، أو أنها ستفتقدنا إن غبنا عنها. ومع ذلك فقد كنت أؤكد لأبي ~~أنني أرى في عينيها الصامتتين فرحة لا يمكن التعبير عنها، تلمع فجأة ~~ثم تنطفئ في ذلة وانكسار. وكان يخيل إلي أنني أرى هذه الفرحة في ~~عينيها حين كنت أقترب منها وألثم يدها، أو حين كنت أتشجع في بعض ~~الأحيان فأمد شفتي وأطبع على خدها أو جبينها قبلة. # وطبيعي أن عمتي المسكينة لم تكن وحدها هي سر المتعة التي كنت ~~أحس بها عند زيارتي للمصحة، بل أستطيع أن أقول إنها لم تكن غير ~~المناسبة التي أنتهزها لكي أراقب سائر المرضى، وأقترب ممن لا خطر من ~~القرب منهم، وأحاول أن أعرف أخبارهم، وألمس تلك الشعرة الدقيقة التي ~~نزعت من عقولهم فلم يعودوا يفرقون بين العقل والجنون. وكما يوجد ~~عادة في كل مستشفى للمجانين، فقد كان هناك أيضا من يتقمص شخصية ~~تاريخية قرأت عنها في كتب المطالعة، أو من يحس دائما بأنه مضطهد من ~~الجميع لأنه أصلح العالم، أو من يغني أو يخطب أو يكلم نفسه أو ~~يتلفت وراءه في كل لحظة، أو من يجلس وحيدا صامتا كأنه جرح كبير ~~حي. كان هناك بالطبع الكثيرون ممن لا يلاحظ الإنسان وجودهم، إما لأن ~~جنونهم عادي وممل، أو لأنهم لا يميلون بطبيعتهم إلى أن يلتفت إليهم ~~أحد، أو لأنهم يثبتون لكل إنسان أنهم عقلاء، فيثبتون بذلك نفسه أنهم ~~مجانين. وكانت هناك شخصيتان تجذبان انتباهي في كل مرة أزور فيها ~~المصحة، لا لغرابتهما، بل ربما لأن صاحبيهما كانا من النوع الحيي ~~الذي لا يتطفل ولا يزعج أحدا. كان أحدهما يسمي نفسه الإسكندر ~~الأكبر (وإن ms099 لم يثبت دائما على هذه التسمية، فكثيرا ما كان يدعي ~~أنه هو هتلر أو موسوليني أو نيرون)، وكان يقترب من الزائر في ثيابه ~~الأنيقة النظيفة، ليقول له في صوت مهذب حزين: صدقني، أنا الإسكندر ~~الأكبر. لم يعد هناك مكان واحد على الأرض لم تحتله جيوشي، لم يعد هناك ~~شبر واحد لم أضع عليه قدمي. حين عرفت هذا لأول مرة بكيت؛ أليس هذا ~~سببا كافيا للبكاء؟ وكان الآخر يسمي نفسه المصلح العظيم. كان ~~عجوزا محني الظهر، بارز العظام، مجهد العينين، ذابل الوجه كأنه ~~جثة. وكان في العادة يرتدي بذلة مهلهلة قديمة، ويحمل تحت إبطه ~~عددا لا حصر له من المجلات والصحف القديمة، ويقترب منك كما يقترب ~~المعلم العجوز، وتبرز أسنانه الصفراء الكبيرة وهو يقول: «إياك أن يفوتك ~~مقالي. سيظهر في مجلة الجهاد. العدد محدود فإياك أن يفوتك مقالي.» فإذا ~~سأله الطبيب الشاب - ربما لأن أحدا لم يعد يسأله حتى لا يسمع نفس ~~الجواب - عن موضوع المقال أو عنوانه قال: إن العالم فسد. كان لا بد من ~~كتابة مقالي. إياك أن يفوتك. العدد محدود. # كانت مثل هذه الشخصيات بالطبع تسليني وتملأ عيني الصغيرتين ~~بدهشة سحرية لذيذة يصعب أن يحس بها الإنسان ذلك الإحساس الخالص بعد ~~أن يتخطى دور الطفولة، ولكنها مع ذلك لم تحفر في ذهني وقلبي نفس الأثر ~~الذي حفره فيهما ذلك الرجل العجوز الصامت الذي ما كنت لأفطن إليه لو لم ~~يدلوني عليه. كان الطبيب يتحدث إلى أبي ويطمئنه على حالة عمتي حين ~~مر علينا، وأحنى رأسه انحناءة لفتت انتباهي؛ لما كانت تنم عليه ~~من أدب مبالغ لا يمكن أن يصدر إلا عن جنتلمان حقيقي كما يقولون في ~~هذه الأيام. كانت ملابسه نظيفة مرتبة وأنيقة بلا تعمد ولا إفراط، ~~وكان متوسط القامة ميالا إلى القصر، ضئيل الجسم، يسير دائما على ~~أطراف أصابعه، ويبتسم لكل من يراه ابتسامة تضيء وجهه الهادئ الطيب ~~الوديع، وتكاد تقول لك في كل مرة: أرجوك أن تعذرني؛ فليس ذنبي أنك ~~تراني. وحين سألت الطبيب عنه تعجب ms100 من جهلي له، وضحك أبي معه ثم قال: ~~ربنا بحاله! كيف لم تسمع عنه حتى الآن؟ ألا تقرأ الجرائد يا أخي؟ فلما ~~نفيت أنني أعرفه وأبديت دهشتي من أنني لم أره في زياراتي السابقة قال ~~موجها كلامه إلى أبي: أغلب الناس لا يتصورون أن هذا الرجل المؤدب إلى ~~حد مخجل يمكن أن يقول عن نفسه ذلك. كنت أنتظر حين سمعت عنه هذا من ~~الطبيب السابق أنني سأرى أمامي عملاقا مؤذيا يحطم الرءوس ويكسر ~~الأبواب والنوافذ ويرعب النزلاء. ولكنني دهشت حين رأيته في أول مرور ~~لي على المرضى. مرق من جانبي كالظل، وحين رآني أحنى رأسه ووضع يده على ~~قلبه وابتسم ابتسامته الصامتة الخجولة. فلما أرسلت إليه التمرجي ليدعوه ~~ويخبره بأنني أنا الطبيب الجديد رأيته يقبل نحوي كالعروس التي تتعثر ~~في ثوب زفافها ويميل على أذني ويهمس: «أنا هنا الله. أرجوك لا تخبر ~~أحدا!» وضحك الطبيب وقال: إنه فيما يقول التمرجية من أقدم نزلاء ~~المصحة. يظهر أن أهله من الأغنياء الذين يملكون الإنفاق عليه كل هذه ~~السنين بلا أمل في الشفاء. إنني لا أعرف متى دخل المصحة، حتى الطبيب ~~الذي قبلي لم يعرف بالضبط متى دخلها. في بعض الأحيان يخيل إلي كأنه ~~هنا من الأزل! # وبدأ اهتمامي يتركز على هذا المريض. نسيت الإسكندر الأكبر ودموعه ~~وصوته الباكي الذي كان يصل إلي في بعض الأحيان، ونسيت المؤلف العجوز ~~الذي كان يلح علي في كل مرة بأن أنتظر مقاله الذي سيصلح العالم، ~~بل كدت أيضا أنسى عمتي المسكينة التي كانت تعيش لتنتظر زوجها الغائب، ~~أو تنتظر لتبدأ العيش بعد أن يعود. ورحت أتتبع المريض المهذب، ~~وأختلس الفرص لأراقبه من وراء زجاج النافذة وهو جالس في الحديقة، بل ~~وأنتهز فرصة انشغال أبي مع الطبيب الذي كان يعرفه معرفة وثيقة لأنزل ~~إلى الحديقة وأقترب منه. كان يجلس وحده على كرسي من الكراسي القش التي ~~توضع عادة في حدائق البيوت حول موائد الشاي، مادا ذراعيه على ~~ركبتيه، صامتا ومستغرقا في صمته كأنه تمثال في المتحف الفرعوني، ms101 ~~يشع من وجهه ومن عينيه الساكنتين هدوء لا يمكن أن يكون له وجود إلا ~~في جزيرة منعزلة صافية. كنت أعرف أنه، على الرغم من أدبه الشديد ~~المحير، لا يكلم أحدا ولا يجيب على سؤال أحد، حتى الطبيب الذي ~~يعالجه كان قد يئس من أن يخرج من شفتيه حرفا واحدا يكشف عن حالته ~~أو يبين أثر العلاج عليه. ومع ذلك فلم يعرف اليأس طريقه إلى قلبي ~~الصغير، بل كنت أحس إحساسا غامضا بأن «الله» سيتكلم معي وحدي من دون ~~الناس جميعا. # في عصر يوم من أيام الجمعة كنت أتقدم منه في بطء وحذر حين سمعت صوتا ~~ينادي علي قائلا: اقترب قليلا. تقدمت في وجل يحدوني الأمل ~~الغامض وقلت: سمعت أنك لا تكلم أحدا ولا ترضى أن يكلمك أحد. ابتسم ~~وقال مشجعا: أنا لا أتكلم إلا مع الأطفال. لماذا تأتي إلى المصحة؟ ~~قلت: لأزور عمتي. قال: الست زكية؟ # قلت نعم. فسأل: وماذا عندها؟ قلت: من سنين وهي تنتظر زوجها. تنتظر أن ~~تطلع لها طاقة القدر. قال وهو يرفع حاجبيه: طاقة القدر؟ بالطبع تنتظر ~~أن يكلمها الله. قلت: ربما. هز رأسه آسفا وقال: مسكينة. لم أستطع ~~أن أنفذ طلبها. قل لها: إني آسف. قلت: لماذا؟ قال: لأنني لا أكلم ~~أحدا. # كنت أقف أمامه حائرا حين نادى علي أبي. قرصني من أذني وأنبني على ~~شقاوتي، وقال لي إنه يبحث عني بعد أنت انتهى موعد الزيارة، وحذرني من ~~الاقتراب من ذلك الرجل مرة أخرى وإلا كسر رقبتي، ولكنني كنت أجري وأنط ~~إلى جانبه، والسعادة باقتحام المجهول تنشر النشوة في جسدي كله الذي بدا ~~كأنه تحول إلى جسد عصفور يرقص ويغني. # وتكررت زياراتنا للمصحة بعد ذلك كثيرا. وفي كل مرة كنا نرى الرجل ~~المؤدب العجوز يحيينا في تواضع وخجل وابتسامته الصغيرة لا تفارق ~~شفتيه، أو جالسا يتشمس في الحديقة، محني الرأس، مستغرقا في صمته، ~~موحشا كأنه قصر عظيم مهجور. وكانت أوامر أبي المشددة بأن أبتعد ~~عن طريقه تخيفني وتمنعني من محاولة الاقتراب منه، بل لقد كان ms102 يحرص على ~~ألا يفلت يدي من يده طوال فترة الزيارة، ويهددني بأنه على الرغم من ~~مظهره الهادئ يثور في بعض الأحيان، ويتشنج ويصفع كل من يعترض طريقه. ~~وكنت بالطبع لا أصدق شيئا مما يقوله أبي، وكيف أصدق أن مثل هذا ~~التمثال الحي يمكن أن يؤذي ذبابة؟ ولكنني كنت أجد نفسي مضطرا إلى ~~كبت رغبتي الهائلة في الاقتراب منه كما فعلت في تلك اللحظة النادرة ~~التي غفل فيها أبي عني، وكنت أمني نفسي بأن الفرص لا شك قادمة، وأنه ~~سيأتي يوم أستطيع فيه أن أتحدث معه، بل ربما استطعت أيضا أن أقضي معه ~~وقتا أطول مما أحلم به، فأعرف حكايته على حقيقتها، وأتصل بأهله في ~~المدينة، بل وأساعده على الشفاء ما استطعت. # ولكن أحلامي سرعان ما تبددت حين قال لي أبي ذات يوم من أيام الجمعة ~~ونحن في الطريق إلى المستشفى إننا سنحضر عمتي معنا إلى البيت، وإنه ~~لا داعي لبقائها في المستشفى بعد أن أخذت العلاج الكافي في مثل حالتها، ~~وإن وجودها معنا ربما ساعدها على الشفاء. وحين قال لي إنه أحضر ملابسها ~~معه عجبت كيف لم أنتبه طوال السفر في الديزل إلى الحقيبة التي يحملها ~~معه. وذهبنا إلى المستشفى وأنهينا الإجراءات اللازمة لخروجها، وجلسنا ~~في قاعة الانتظار حتى تفرغ من ارتداء ملابسها. ولم يطل الانتظار ~~كثيرا؛ فقد حضر الطبيب بعد قليل فشكره أبي على عنايته بها، كما وعده ~~الطبيب بدوره أن يمر علينا بعد أيام ليطمئن على حالتها. وكنا ننتظر ~~عودة عمتي ونتهيأ للانصراف حين لمحت من وراء الزجاج من يشير إلي. ~~كان هو المريض العجوز الذي بدا عليه كأنه كان يبحث عني من مدة طويلة، ~~وينتظر في قلق أن أذهب إليه. ويظهر أنني أنا أيضا كنت أشير إليه ~~محاولا أن أفهمه أن يدي في يد أبي، وأن عليه هو أن يأتي إلينا حين ~~سمعت أبي يقول للطبيب: الحق يا دكتور، الرجل سيكسر الزجاج. كان يدق ~~بكلتا يديه على النافذة الكبيرة، حتى خيل إلي أنه لو لم يسارع ~~الطبيب ms103 ليفتح الباب فسوف يكسره وينفذ منه. وذهب الطبيب ففتح له، وانفلت ~~منه يجري نحوي وهو يمد يده إلي وعلى شفتيه ابتسامته التي آلمني ~~ذبولها وانكسارها. وحين وضعت يدي في يده أخذ يربت عليها بيده الأخرى ~~وعلى كتفي ويقول: لا مؤاخذة يا ابني. أنا آسف يا جماعة. غصبا عني. كان ~~لا بد أن أخلق العالم. أرجوكم أن تبلغوا اعتذاري للست زكية. أنا آسف. ~~آسف جدا. # وانصرف كما جاء على أطراف قدميه. # 1964م ms104