######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.Tacbiriyya.Hindawi70615919 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 70615919 #META# Title: التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # البداية‏ # الشعر‏ # القصة‏ # المسرح‏ # النهاية‏ # المصادر‏ # تمهيد‏ # البداية‏ # الشعر‏ # القصة‏ # المسرح‏ # النهاية‏ # المصادر‏ # | التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح # | التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # في كل يوم نقول لأنفسنا أو يقول بعضنا لبعضنا الآخر، «نعبر» عن أفكارنا أو مشاعرنا، ~~وقد يفوتنا أن كلمتي: «التعبير» و«التعبيرية» تدلان على حركة أدبية بدأت في ألمانيا في ~~أوائل هذا القرن، وامتدت ما يقرب من عشرين سنة، ثم اختفت في بلدها الأصلي فجأة، ولاذ ~~أصحابها بالصمت، أو تشتتوا في المهجر، أو سقطوا في الحرب العالمية الأولى، أو انسحقوا تحت ~~أقدام الطغيان النازي. # نشأت هذه الحركة أول ما نشأت في مجال الرسم، وكانت رد فعل للمدرسة التأثيرية، وإيذانا ~~بالتحول عن أسلوبها في الرسم والأدب إلى التعبير عن شعور عميق أو إحساس شامل يكشف عن حقيقة ~~الإنسان بأكمله. وتكونت جماعتان من الفنانين: إحداهما في مدينة درسدن، وقد سمت نفسها ~~جماعة «الجسر»، واشتهر من أعلامها: إميل نولده وهيكل وبششتين. والأخرى في مدينة «ميونيخ» ~~وسميت «بالفارس الأزرق»، وعرف من أعلامها: كاندنسكي وباول كليه وفرانز مارك، الذين ~~لا شك أنك رأيت بعض رسومهم على أغلفة المجلات أو في معارض الفن. ثم التقط النقاد الكلمة ~~وأطلقوها على حركة أدبية قامت بها طائفة من الشباب القلق الثائر في برلين وميونيخ وبراغ، ~~عبروا في الشعر والمسرح والقصة عن فزعهم من رعب الحرب، وإشفاقهم من زحف «التكتيك» والعلم ~~الوضعي، ووحدتهم في زحام المدن الكبرى، وشوقهم إلى عالم إنساني جديد يتوفر فيه العدل ~~والكرامة والمحبة والأخوة بين البشر. # بدأت الحركة التعبيرية في الفن والأدب كما قلت في أوائل هذا القرن، ولكنها لم تنته بموت ~~أصحابها أو عزلة من لا يزال منهم على قيد الحياة. إن أصداءها ما زالت تتردد في كثير مما ~~نقرؤه اليوم من الشعر الجديد ومسرح الطليعة، أو نسمع عنه من ~~التيارات الثورية في الفن والحياة. ولعل من مفارقات ~~الحياة الأدبية أن الخلف يمهدون للسلف أو يذكرون بهم على الأقل! فقد تذكرك ~~مسرحيات «لوركا» أو «شحاده» بمسرحياتهم ، وقد ms01 تذكرك بعض أعمال الوجوديين والعبثيين ~~والاشتراكيين الثوريين بكثير من أعمالهم التي سيأتي الحديث عنها. والواقع أن التعبيرية ~~كانت «حركة» أدبية، ولم تكن مدرسة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. فلا يمكننا أن نقارنها ~~بمدرسة أدبية محددة المعالم والأهداف كالمدرسة الطبيعية أو الرمزية. وليس من المستطاع ~~كذلك أن نصدر عليها حكما واحدا يصدق على كل الأدباء الذين يمثلونها؛ إذ إن هذا ~~ضرب من التبسيط الذي تلجأ إليه تواريخ الأدب مضطرة أو متورطة. صحيح أن هناك جوا عاما ~~يشترك فيه هؤلاء الأدباء، ولكن لا يجب أن ينسينا هذا أن المعول في الأدب يكون دائما على ~~العبقرية الفردية والشخصية الفردية للأديب. ويكفي أن كلمة التعبيرية تطلق في المسرح على ~~أعمال عديدة تشغل فترة زمنية طويلة تمتد من استرندبرج السويدي إلى برشت (أو برخت!) في ~~مرحلته الباكرة، وتضم مسرحيات متفاوتة في قيمتها وأهميتها تسري عليها جميعا صفة التعبيرية، ~~دون أن يدل هذا بالضرورة على أنها تمثل وحدة واحدة متشابهة العناصر والأجزاء. # لقد أصبحت معظم الأعمال التي يتحدث عنها هذا الكتاب جزءا من تاريخ الأدب، وقنعت ~~بركن منزو في رءوس الدارسين ومراجعهم أو على رفوف المكتبات. فإذا سألت هذا السؤال ~~العسير: وماذا يبقى منهم؟ كانت الإجابة عليه أشد عسرا؛ لأنها في الحقيقة تتوقف عليك أنت! ~~فالعمل الأدبي ينطوي دائما على عنصر الفناء والزوال الذي لا تخلو منه كل أعمال البشر. أما ~~ما يبقى منه حيا ليتحدى المكان والزمان والفناء، ويصمد لتغير القيم والمعتقدات والآراء، ~~فهو رهن بنظرة الأجيال المختلفة إليه، ومدى استعدادها للأخذ منه أو مدى قدرته على العطاء، ~~ولا بد من القول بأن كثيرا من المشكلات والقضايا التي شغلت عقول التعبيريين وقلوبهم قد ~~بليت وعفى عليها الزمن، وأن صرخاتهم المرتفعة وشكواهم النبيلة وكلماتهم وصورهم ورموزهم ~~المتفجرة بالغضب والدموع قد تبدو اليوم - في عصرنا المتعقل الجاف - نوعا من السذاجة ~~المضحكة أو المبكية. ولكن جوهر هذه الأعمال الأدبية أو معظمها سيظل باقيا لا يشيخ ولا ~~يموت، وهو الدفاع عن «الإنسان» المطلق في وحدته وعريه وبراءته، وشوقه للمحبة والسعادة ms02 ~~والسلام، والدعوة المخلصة إلى مجتمع جديد يحقق كرامته وكبرياءه، ويحميه من الذل والذبح ~~والانكسار. # وهذا الكتيب لا يطمع في أن يقدم لك التعبيريين بصورة وافية أو شبه وافية، وإنما ~~يكفيه أن يذكرك بروحهم النبيلة، ويبعث إليك نسمة من صدقهم النادر. إن إنتاجهم الخصب ~~أكبر من أن يحصى، والدراسات التي كتبت عنهم لا تزال ناقصة؛ ولذلك فإن أقصى ما تطمح فيه ~~هذه الصفحات هي أن تشير إلى الطريق، أما الطريق نفسه فلا بد أن تسير فيه بنفسك، وتكتشف ~~أشواكه أو زهوره وحدك! # عبد الغفار مكاوي # القاهرة في نوفمبر سنة 1970 # | البداية # رخاء اقتصادي، تقدم مستمر في العلم والصناعة، زحف التيار الوضعي والمادي، تضخم ~~النزعات القومية والوطنية، غرور الاستعمار ونهبه للثروات والشعوب: تلك هي بعض الظواهر ~~التي اتسمت بها بداية القرن العشرين. غير أن الطليعة الفنية والأدبية تشككت على الفور في ~~هذه القيم، وارتابت في معنى التقدم والتطور المزعوم، وأعلنت احتجاجها على المدنية الزائفة، ~~وصممت أن تكشف القناع عن الطمأنينة الكاذبة التي شعر بها البرجوازي الأوروبي، لا بل انغمس ~~فيها إلى أذنيه، وتجلت واضحة على كرشه الضخم وملبسه الفخم وكلماته الطنانة الجوفاء وشهوته ~~إلى المال والمنفعة والغرور الذي لا يبرره عجز الإنسان وضعفه في هذا الكون. # لم يكن هذا الشك العميق بالشيء الجديد؛ فقد امتدت جذوره في التراث العقلي الأوروبي القديم ~~والحديث. ولسنا بحاجة للرجوع إلى مدارس الشكاك عند اليونان، فيكفي أن نتذكر تمجيد بودلير ~~للقبح والبشاعة واعتبارهما عنصرا من عناصر الجمال الفني، وثورة رامبو على أوربا ومدنيتها ~~في شعره ونثره المتفجر كالبركان المحموم. ويكفي أيضا أن نتذكر الضجة التي أثارها نيتشه عن ~~انهيار الأخلاق وتنبؤه بالعدمية وبدء عصر جديد وإنسانية جديدة تمجد القوة والأرض والحياة ~~والشجاعة، واكتشاف داروين لقوانين التطور وفرويد للوعي الباطن أو اللاشعور. فإذا التفتنا ~~للأدب والفن وجدنا ظواهر أخرى تقابلها وتستجيب لها أو تثور عليها، فهناك صيحات التعبيريين ~~(وسنعود للكلمة بعد قليل!) وبيانات المستقبليين والسرياليين، وبشاعات الدادية وعجائبها ~~الفنية والروحية، وغرائب التكعيبية وتطرفها في تحطيم الواقع الخارجي. # أعلنت ms03 كل هذه الظواهر الفنية في بداية القرن العشرين عن احتجاجها على المدنية التي ~~تطرفت في استخدام الآلة إلى حد غير إنساني، ورفعت صوتها بالسخط على مجتمع التجار ~~والنفعيين وآلهة المال وعبيده، والغضب من الظلم الاجتماعي والاضطهاد والبؤس والبطالة ~~والحرب، نعم فقد اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى، وجاءت مآسيها وتجاربها المرة ~~المظلمة تأكيدها لكل ما تنبأ به الضمير الأوروبي وكل ما احتج عليه الفنانون ~~والمثقفون. # ومن الطبيعي أن يكون السخط ملازما للتبشير بشيء جديد، وأن ترتبط الثورة على المدنية ~~والآلية ورجال المال والأعمال وجلادي الشعوب بتأكيد حاد للنزعة الإنسانية المفتقدة. ~~وقد جاء التأكيد الحار من جانب التعبيرية. # التعبيرية إذن ظاهرة ينبغي أن ينظر إليها في إطار أشمل وأعم، وتلتمس جذورها في ~~التراث الروحي والعقلي وأزمة الضمير الأوروبي التي سبقتها بوقت طويل. صحيح أن حديثنا على ~~هذه الصفحات سيقتصر في جملته على التعبيرية الألمانية. وصحيح أن التعبيرية ترتبط في أذهان ~~الدارسين والمثقفين بالروح الألمانية والفكر الألماني، وتمثل جواب الألمان على سؤال ~~أوروبي. ولكن الألمان لم يبتكروها من العدم، كما أنها ليست ظاهرة ألمانية خالصة كما يظن ~~كثير من الباحثين، وإنما هي ثمرة مرة تفتحت على أغصان شجرة الثقافة الغربية العريقة، ~~وقمة حركة عقلية وروحية بلغت ذروتها في العشرينيات، ولا زالت تطبع الفن الأوروبي الحديث ~~بطابعها إلى اليوم. لقد جربت معظم الأشكال والأساليب الفنية والأدبية التي لا تزال حية ~~بيننا: الموسيقى غير النغمية أو ذات الاثنتي عشرة نغمة، الرسم التكعيبي والتجريدي، العمارة ~~الوظيفية، الرقص التعبيري، المونولوج الداخلي، الشعر الجديد بكل ما فيه من غرابة ونشاز ~~وغموض وإلغاز، ولكن هذه الاتجاهات لا تعدو أن تكون أمثلة سريعة تدل على الثورة الهائلة ~~التي تميزت بها تلك المرحلة القصيرة الخصبة من حياة العقل الأوروبي في أوائل القرن ~~العشرين. أقول: القصيرة؛ لأن النهاية جاءت سريعة مفاجئة، بل جاءت أسرع مما تسمح به قوانين ~~الميلاد والحياة والموت! فسرعان ما ذبلت الحركة التعبيرية التي بدأت حوالي سنة 1910 واختنق ~~صوتها حوالي سنة 1925؛ خنقته الأزمة الاقتصادية العالمية، وزحف ذئاب الفاشية ms04 وقطعانها ~~الهمجية واندلاع نيران الحرب العالمية الثانية، وكانت النتيجة أن دفنت التعبيرية حية ~~وانطفأت شعلتها التي لم تكد تتوهج. ومع ذلك فقد كان من نتائج هذه الأزمات - ومن العجيب أن ~~مسوخ الشر والقبح تلد في بعض الأحيان مخلوقات رائعة الجمال! - أن الفن قد أصبح بعد الحرب ~~الثانية شيئا عالميا، وأن النزعات والتيارات القومية والمحلية في الأدب الأوروبي قد ~~انتهت إلى الأبد؛ أعني أنها أصبحت شيئا يتجه للإنسان في كل مكان ويهم الناس في كل ~~ركن من أركان أرضنا الصغيرة البائسة ... ~~••• # لا بد أن نتوقف الآن لنسأل: ما هي التعبيرية؟ # هي اسم أو اصطلاح يطلق على حركة فنية واسعة لا تقتصر على الأدب وحده، بل تشمل ~~الموسيقى والرسم والرقص والمسرح؛ أي إنه ينطبق على مجموعة من الاتجاهات والتيارات المختلفة ~~التي يضمها بشكل عام غير محدد. ونخطئ لو تصورنا أنه يدل على مدرسة فنية أو أدبية ~~بعينها؛ لأنه في الواقع يدل على جو عام مشترك. ونخطئ أيضا لو حاولنا تغييره أو تعديله، ~~فهو اصطلاح يرجع عمره إلى أكثر من نصف قرن، ومن العبث أن نحاول الإفلات منه. ليس الفنانون ~~أو الأدباء هم الذين وضعوه، بل وضعه نقاد الفنون التشكيلية لتمييز الرسم الجديد عن الرسم ~~التأثري الشائع في ذلك الحين. وتلقف الأدباء والدارسون هذا المصطلح الجديد، ووجدوا أنه ~~يعكس نزعتهم الجديدة؛ نزعة التعبير أو قيم التعبير التي وضعوها في مركز فهمهم الجديد ~~للفن. # ثم سرى على الاصطلاح الجديد ما يسري عادة على كل مصطلح عصري عندما يقع بين أيدي ~~الشعراء الكبار فيتجاوزون حدوده الضيقة وتصنيفاته المحدودة. ويكفي أن نتذكر أسماء فنانين ~~وشعراء وكتاب كبار مثل كاندبنسكي في الرسم، وشونبرج في الموسيقى، وجورج تراكل في الشعر، ~~وكافكا في القصة والرواية. إنهم جميعا يصدرون عن نفس المنبع التعبيري، ولكنهم في نفس ~~الوقت يتخطون حدوده. تلك هي طبيعة كل فنان عظيم، وذلك هو قدره ورسالته. فبينما الناس ~~ينتظرون منه أن يشارك في الاتجاه الجديد بنصيب أكبر من غيره، إذا بهم يكتشفون أنه أول من ~~أفلت من ms05 حدوده وتجاوزها؛ أي سبق عصره بمعنى من المعاني. أما المصطلحات المدرسية والأسماء ~~والقوالب الجاهزة فهي دائما من شأن الأوساط من الفنانين والأدباء؛ ولذلك نجد أن التعبيريين ~~الخلص ليسوا دائما أفضل التعبيريين؛ لأن البرامج والبيانات والصيحات لا يمكن أن تحل ~~محل العبقرية أو تغني عنها. ولكن ها نحن أولاء نبتعد عن موضوعنا ... فلنترك هذه الخواطر ~~جانبا ولنعد قليلا إلى التاريخ. # لننظر الآن في حالة الأدب الألماني: في بداية هذا القرن كان هناك تياران أو إن شئت ~~مدرستان رئيسيتان، وكان هذان التياران أو هاتان المدرستان متلازمتين ومتعارضتين في آن ~~واحد. فهناك الطبيعية التي تحاول من ناحيتها أن تنسخ الواقع بدقة توشك أن تكون فوتوغرافية، ~~وتتأثر في القصة والرواية بالكاتب الفرنسي إميل زولا أشد التأثر، وتتطرف واقعيتها وإيمانها ~~بالعلم، وتزعم أنها تصور الإنسان كما تحدده قوانين الوراثة والبيئة والظروف الاجتماعية ~~والتاريخية. فالكاتبان: أرنو هولز (1863-1929) ويوهانيس شلاف (1862-1941) يضعان الأسس ~~النظرية والنقدية لهذه المدرسة الطبيعية، وإن كانت القطيعة قد فرقت بينهما فيما بعد. ~~والكاتب المسرحي العظيم جرهارت هاويتمان (1862-1946) يناقش المشكلات الاجتماعية في مسرحياته ~~الشهيرة (كالنساجين مثلا)، وكانت هناك الرمزية أو التأثرية أو الكلاسيكية الجديدة على ~~الجانب الآخر؛ اتجاه يحافظ على التراث ويرتبط به. ولكنه اتجاه أرستقراطي متعال، رقيق ~~وحساس، ينزع للغموض والأسرار التي تبلغ به في بعض الأحيان إلى معارج الروحانية والتصوف. ~~ويكفي أن نذكر أسماء: ستيفان جئورجه ورلكه وهوفمنستال؛ لنعرف قيمته الشعرية والشعورية ~~الرفيعة. # ولكن لم يلبث أن نشأ جيل جديد؛ جيل غاضب وساخط ومحتج، سئم جمود الطبيعيين وضيق أفقهم ~~وعداءهم للخيال والشاعرية والذاتية، كما كره حساسية الرمزيين وحدتهم مع اللغة والفن المحض ~~وتعاليهم عن مشكلات السياسة والواقع. وأعلنوها ثورة لم تقف عند حدود الأدب والفن، بل أصبحت ~~ثورة سياسية واجتماعية. لم يكون شباب هذا الجيل مدرسة ولم يحاولوا أن يخلقوا مذهبا، ~~بل كانوا مجموعة من الطلاب والنقاد والفنانين ألف بينهم السخط المشترك على المجتمع ~~المنافق، والكره المشترك للحياة الآلية والعملية وقيمها النفعية الحقيرة. أرادوا أن يكشفوا ~~عن فساد الأخلاق البرجوازية ms06 وعفن السلوك البرجوازي، ويرفعوا النقاب عن فظائعه ويقفوا بجانب ~~ضحاياه. وكان ملهمهم الأكبر هو «نيتشه» الذي زلزل العصر وهز القرن العشرين بأسره، وسلط ~~على المجتمع والدين والأخلاق والفلسفة التقليدية والمذهبية نيران حكمته الباهرة الطيبة ~~الجسورة. أخذ هؤلاء الشباب بنقده للدين، واحتقاره للنزعات القومية، وتحطيمه للقيم القديمة، ~~وحملته على الأخلاق «غير الأخلاقية»، وهجومه على الفلسفات الغبية التي فقدت الحياة ~~والقوة وشجاعة المغامرة، كما أخذوا منه تشاؤمه العام من الحضارة والثقافة (الذي توسع فيه ~~إشبنجلر بعد ذلك في كتابه المعروف عن أفول الغرب (1918))، وجدوا أفكارهم عند نيتشه، ولكنهم ~~لم يتطرفوا تطرفه؛ أعجبوا بفكرته عن وجوب تجاوز الإنسان ولكنهم لم يذهبوا إلى حد ~~النداء بالإنسان الأعلى (هذا الذي ظلمه وحوش الحكم المطلق وجنوا عليه!) ومع ذلك فقد شغفوا ~~بالحديث عن الإنسان الجديد، وأرادوا أن يصبح الإنسان الحر الخير الذي يعيش من أجل المجتمع ~~ويتضامن مع آلامه ويحس بعذابه وأشواقه، وليس ببعيد أن يكونوا قد تصوروا أنفسهم في صورة ~~الأنبياء المبشرين بهذا الإنسان ... # كانت التعبيرية إذن حركة فنية ثائرة، تجمعت تحت لواء الإيمان بإنسانية جديدة، أرادت ~~أن تمحو كل أشكال الواقع التي أثبتت الحرب فسادها، وتقضي قضاء تاما على كل قيم التراث ~~والحياة البرجوازية والسياسية والفنية التي أدت إلى الحرب، أو على الأقل لم تحل دون ~~وقوعها أو لم تقف في وجهها. كان هناك سخط هائل على كارثة الحرب العالمية الأولى. وكانت ~~التعبيرية هي «التعبير» الفني عن هذا السخط، أراد الفنان - هذا المخلوق الخالق! - أن يشكل ~~العالم من جديد: بالرؤية والحماس المتوهج للقيم المطلقة، بالإبداع الحر، بالروح الطليق، ~~والكلمة الحية المتمردة على الواقع والمدنية والتقدم وكل القيم التي فضحت الحرب كذبها ~~وخداعها. # كتب الناقد هرمان بار - الذي عاصر التعبيرية ودعا إليها - يقول عن تلك الفترة: لم يوجد ~~عصر من قبل هزه هذا الرعب وهذا الفزع المميت. لم يعرف العالم مثل هذا الصمت الذي يشبه ~~صمت القبور. لم يكن الإنسان في يوم من الأيام صغيرا كما كان في تلك الفترة، ولا شعر بمثل ~~ذلك القلق ms07 الذي شعر به. أبدا لم يكن السلام أبعد مما كان في تلك الأيام، ولا كانت الحرية ~~أكثر موتا. ها هي ذي المحنة تصرخ: الإنسان يصرخ بحثا عن نفسه؛ العصر كله أصبح صرخة واحدة ~~تنطق بالمحنة. إن الفن كذلك يصرخ معه، يطلق صيحته في أعماق الظلام، يستغيث، يستنجد بالروح: ~~هذه هي التعبيرية. # وصدر عن الحركة التعبيرية عدد كبير من البيانات والبرامج النظرية والنقدية التي تحاول أن ~~تحدد معالم هذا الإنسان الجديد وتوضح ملامح المجتمع الذي ينبغي أن يحل محل المجتمع ~~الفاسد الظالم المنهار. وتكونت الجماعات في مختلف المدن وتفككت، وظهرت المجلات والمجموعات ~~الشعرية والنثرية التي تصور الجوانب المختلفة من الثورة التعبيرية. وتعددت الأفكار والآراء ~~ووجهات النظر. كان هناك المتطرفون والمعتدلون، كما كان هناك الإيجابيون والسلبيون. فلم تكن ~~التعبيرية - كما قلت - مدرسة محددة، ولم يلتئم أقطابها في مذهب موحد، بل كانت حركة أو ~~جوا شعوريا وروحيا عاما لا تقيده أفكار أو نظريات ثابتة. ومن المستحيل أن نتعرض في ~~هذا المجال لكل التيارات التي عاشت في هذا الجو العام، أو لكل البرامج ووجهات النظر ~~المختلفة المتعارضة في بعض الأحيان؛ ولذلك فسأقتصر على تقديم بعض العبارات المأخوذة من أحد ~~هذه البرامج الهامة والإشارة إلى الجماعات، وأبرز الأسماء التي تمثل هذه الحركة الخصبة ~~الشهيدة. # تشترك كل البرامج والبيانات النظرية التي صدرت عن التعبيرية في رؤيتها للإنسان الشامل، ~~ورغبتها المخلصة في أن تلمس منه الروح والجسد والنفس والحس في وقت واحد؛ لذلك اعترضوا من ~~البداية على النزعة الشكلية أو الجمالية الخالصة التي تهدف إلى تحقيق الشكل الكامل وحده ~~(كما نجدها عند غلاة الرمزية مثلا)، وحاولوا التغلغل إلى الأعماق الدفينة في الإنسان، بكل ~~ما يختلج فيها من ظلال وأسرار وإحساسات مبهمة. وفضلوا التدفق المحموم على الوضوح ~~الصارم، والنشوة والعنف على التعقل والنظام. # ويكفي أن نستشهد بما يقوله أحد نقاد التعبيرية وأشدهم تحمسا لها، وهو «كورت بنتوس» ~~الذي أصدر أشهر وأهم مجموعة من الشعر التعبيري وهي المجموعة المعروفة باسم «فجر الإنسانية». ~~يقول هذا الناقد ملخصا الملامح البارزة والأهداف ms08 الرئيسية: «تحرير الواقع من الأطر التي ~~يظهر من خلالها، تحريرنا نحن من الواقع وتجاوزه، لا بالالتجاء إلى وسائله الخاصة، ولا ~~بالهروب منه، بل بمعانقته بشدة للانتصار عليه والتحكم فيه بقوة العقل النفاذة، بالمرونة ~~والحركة، بالرغبة في الوضوح، بعمق العاطفة وطاقتها المتفجرة ... تلك هي الأهداف العامة التي ~~يريد أن يحققها هذا الشعر الشاب.» # ويكفي أيضا أن نلقي نظرة سريعة على الرسم التعبيري. لقد سار في نفس الخط الذي سار ~~فيه الشعر أو بالأحرى في خط مواز له. فهو قد مر بتجارب عديدة مشابهة للتجارب التي خاضها ~~الشعر التعبيري، وحاول محاولاته المتعثرة التي تتميز مع ذلك بالجرأة والتهور في سبيل تحطيم ~~الشيء أو الموضوع الخارجي وتحويله إلى ظاهرة مجردة والوصول إلى جوهره أو ماهيته. # أما الشعر التعبيري فقد حاول أن يتجاوز حدود الواقع بالإيقاع السريع المندفع، والصور ~~القوية المجنحة، والانفعال المنغم، والرؤى الغربية، والعاطفة المتفجرة، والصيحات الحادة، ~~التي تكشف كلها عن جوهر الإنسان وحقيقته التي طالما حجبتها المدنية الآلية خلف قناع كثيف ~~من التصنع والكذب والنفاق والفساد والغرور العلمي. # كانت للتعبيرية إذن - وللشعر التعبيري بوجه خاص - رسالتها الكبرى. وكان الشعراء مؤمنين ~~بأنهم لن يستطيعوا تحقيق هذه الرسالة حتى يحطموا القديم. ومن ثم انطلقت صيحاتهم العالية ~~تهاجم الإنسان التقليدي وتبشر بالإنسان الجديد: الإنسان الذي تحرر من نظام حضاري وثقافي ~~جنى عليه وأحاله إلى وحش معتد غبي كاذب. # أخذت معاول التعبيريين تهدم القديم وتنقب فيه عن الفجر الجديد. والحق أنهم نجحوا في ~~الهدم إلى حد بعيد! بل لعل نجاحهم في الهدم كان أكبر من رغبتهم أو من تصورهم للبناء. ومع ~~أنهم قالوا عن أنفسهم: إنهم ثائرون، فلن تكن ثورتهم بالثورة الشاملة. لقد التمسوا روادهم ~~في أشخاص: دوستويفسكي ووالت ويتمان، وفي شعر الباروك، وحركة العصف والاندفاع الألمانية (أو ~~الشتورم والدرانج التي كانت تغلب الاندفاع والجموح على النظام والشكل)، والأساطير والخرافات ~~وحكايات الجن ونصوص التصوف القديم ورؤاه. # ويكفي أن نتصفح «الفارس الأزرق» - وهو الكتاب المشهور الذي نشره الفنانان المعروفان ~~كاندنسكي وفرانز مارك - لنجد فيه بجانب رسوم ms09 الفن الحديث لوحات من «الجريكو» وصور تماثيل من ~~الفن القوطي والبيزنطي والفرعوني والأشوري والياباني ونماذج من النحت الإفريقي ... فقد كانت ~~نظرتهما إلى التعبيرية نظرة واسعة الأفق، والتمسوا التعبير المرئي واليدوي السابق على ~~الحرف المكتوب. ولعل التعبيريين هم الذين اكتشفوا الفن البدائي ورسوم الأطفال اللذين كان ~~لهما أثر كبير على تطور الفن المعاصر. # هكذا ارتبط فن الرسم بالشعر والأدب أوثق ارتباط، ولم يسبق في تاريخ الثقافة الألمانية أن ~~كان لهما مثل هذا التفاعل الحي المتبادل. ويمكن أن نستشهد على هذا بالمجموعات الشعرية أو ~~القصصية التي صورها الرسامون، وكتب الرسم التي علق عليها أو استلهمها الشعراء. فالرسام ~~كيرشنر صور أشعار جورج هايم وأقاصيص ألفرد دبلن. وهناك عدد كبير من الفنانين الذين برعوا ~~في الفن التشكيلي والأدب على السواء. فالرسام أوسكار كوكوشكا والمثال المصور أرنست بارلاخ ~~كتبا المسرحية، والرسام ألفرد كوبين كتب المقالة والقصة والرواية الطويلة. والرسامون: باول ~~كليه وهانز آرب وكورت شفيترز كتبوا القصيدة المتأثرة بأسلوبهم التجريدي أو الدادي. ~~والشاعرة القصاصة إلزا-لاسكر شولر والمثال بارلاخ صورا أعمالهما الشعرية أو المسرحية ~~بنفسهما. وهم بهذا قد أكدوا أحد الملامح البارزة في تاريخ الفكر الحديث، ألا وهو التعاون ~~والتجاوب الحميم بين الفنون المختلفة من أدب ورسم وموسيقى. ولقد كانت أهم نتيجة تمخضت عن ~~هذا التعاون بين الفنانين هي تأسيس عدد كبير من المجلات التي توالى صدورها منذ سنة 1910، ~~واستمرت وقتا طويلا وصل في بعض الأحوال إلى خمسة عشر عاما. ونذكر منها مجلة العاصفة التي ~~وردت فيها كلمة التعبيرية لأول مرة، للدلالة على الرسم الجديد، وقد أصدرها الكاتب والموسيقي ~~والناقد الفني هيرفارت فالدن ابتداء من سنة 1910، ومجلة «الفعل» التي ظهرت سنة 1911 تحت ~~إشراف ف. بفمبفرت، و«الثورة» في ميونيخ، و«الصحف البيضاء» في زيوريخ، و«الشعلة» في فيينا. ~~وأيا ما كانت أسماء هذه المجلات، فالذي يهمنا في هذا المجال أنها كانت أشبه بالمعارض ~~الفنية المنشورة، وأن كبار الفنانين التعبيريين كانوا يزينونها بصورهم ولوحاتهم الأصلية. ~~بل إن «فالدن» الذي سبقت الإشارة إليه قد بالغ في هذا فألحق بمجلته قاعة ms10 فنية ودارا ~~للنشر ومسرحا للتمثيل! وعرض في قاعته أعمالا من الفن التجريدي لكليه وكاندينسكي وغيرهما، ~~ودافع بحرارة عن الأسلوب التجريدي في الحركة التعبيرية. ولم تخل مجلة «الفعل» أيضا من ~~مظاهر الكفاح السياسي والاجتماعي، فقد أيدت الحركة اليسارية الألمانية، ونشرت المقالات ~~والتقارير السياسية، بل نشرت كذلك نص الدستور السوفيتي! وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل ~~على خصوبة الحركة التعبيرية، وتنوع اتجاهاتها واهتماماتها، واحتضانها لمختلف التيارات ~~الثائرة والأصوات الغاضبة. ويطول بنا الحديث لو ذكرنا الحوليات والمجموعات المنتخبة من ~~الأشعار والمسرحيات والقصص التي نشرها التعبيريون، ومن أهمها كتاب بعنوان: «يوم الحساب»، ~~أصدره ك. فولف أكبر الناشرين لأعمال الحركة التعبيرية، وضمنه مجموعة مختارة من كتابات ~~كافكا وجتفريد بن وفرانز فيرفل وغيرهم. ولم يقف الأمر عند الشعر والرسم والنقد الأدبي ~~والنشاط السياسي والاجتماعي، فقد التفت التعبيريون إلى الفيلم وحاولوا لأول مرة في تاريخ ~~تلك الصناعة الناشئة أن يربطوا بينه وبين الشعر. # وقد يسأل القارئ: وماذا عن الفلسفة؟! هذه الصديقة التقليدية للشعر والأدب الألماني؟ لقد ~~انطلقوا حقا من فلسفة نيتشه، واستلهموه وتعلموا منه، ولكن لا بد من القول بأن الفلسفة ~~لم يكن لها مكان في الحركة التعبيرية؛ أعني الفلسفة بمفهومها الاصطلاحي الدقيق، لا الموقف ~~الفلسفي العام الذي لا يخلو منه بالطبع فكر أو فن؛ فالمذهب الفلسفي يتطلب نوعا من الاتزان ~~العقلي، ويحتاج إلى كثير من الهدوء والروية والدأب الذي لم يكن من طبيعة التعبيريين. ومع ~~ذلك فلا أحب أن أحرم القارئ من جواب قريب من سؤاله وإن لم يكن فيه شيء كثير يرضيه. فقد ~~تحسن الإشارة إلى كتابين تشبعا بالجو التعبيري وتأثر أسلوبهما به، وهما: كتاب «نظرية ~~الرواية» للناقد الاشتراكي المجري الشهير جورج لوكاتش، «وفكرة اليوتوبيا» للفيلسوف ~~الاشتراكي إرنست بلوخ، والكتابان شاهدا صدق على هذا العصر الفائر المحموم، ولكنهما بعيدان ~~عن أي محاولة لتنظيره أو دراسته دراسة مذهبية ومنهجية. # | الشعر # ولكن لنعد الآن إلى موضوعنا الأساسي ... لنعد إلى الأدب! الحقيقة الأولى التي تواجهنا في ~~الأدب التعبيري هي أن الشعر يؤلف الجانب الأكبر من إنتاج ms11 أصحابه ، فهو يضم عددا كبيرا من ~~القصائد وعددا أقل من المسرحيات، وأقل القليل من النثر القصصي والروائي والنقدي. الشعر إذن ~~وقبل كل شيء! هنا تبلغ التعبيرية ذروتها ويعبر شعراؤها بنجاح لا شك فيه عن خلجاتهم ~~وهواجسهم وأحلامهم وأشواقهم إلى فجر الإنسانية الجديدة ... # لنضرب مثلا لهذا؛ لنتأمل قصيدة تجسد هذا الكلام، ولنفتح معا هذه المجموعة المنتخبة التي ~~أشرت إليها وهي التي أصدرها كورت بينتوس في سنة 1920؛ أي في وقت مالت فيه شمس التعبيرية ~~(أو قمرها!) للأفول. إن أول ما يلفتنا هو عنوانها الذي يدل على الحركة كلها وهو فجر ~~الإنسانية، فإذا تصفحناها وجدنا الناشر يقسمها إلى أربعة أقسام، أو بالأحرى يجعل منها ~~سيمفونية ذات أربع حركات: «سقوط وصراخ، بعث القلب، نداء وثورة، حب الإنسان». لقد رتبها إذن ~~بحسب الموضوعات لا بحسب الشعراء، وضمنها كل ما يعتز به التعبيريون ويعكس رؤيتهم وأحلامهم: ~~الصراخ والثورة والإلهام والحب للإنسان، ولكن ما هو أسلوب هذه الثورة الأدبية؟ بم يتميز؟ ~~ما الجديد فيه؟ # لننظر في شعر التعبيريين، ولنفتح فجر الإنسانية مرة أخرى. لن نتعب في البحث كثيرا، فيكفي ~~أن نتأمل الصفحة الأولى من الكتاب، هذه هي قصيدة الافتتاح، قصيدة صغيرة سأترجمها لك (على ~~الرغم من أن ترجمة الشعر مستحيلة؛ إذ كيف تستطيع الترجمة أن تنقل الصوت والإيقاع والظلال ~~الدقيقة والإيحاء المنبعث من الكلمات؟! وماذا يبقى من القصيدة الأصلية التي تعتمد على قيم ~~صوتية في ألفاظ بعينها عندما تتحول إلى ألفاظ أخرى في لغة أخرى؟! لنغتفر لأنفسنا إذن هذه ~~الجناية التي تشترك فيها كل اللغات والثقافات والحضارات على مر العصور، ولنعتبر الترجمة ~~جسرا متواضعا أقصى مناه أن ينقلك إلى شاطئ النص الأصلي أو يغريك بالوصول إليه، فإذا بلغت ~~الشاطئ واستغنيت بالأصل عن الصورة فانس ذلك الجسر البائس المسكين!) # لننظر إذن في ترجمة القصيدة؛ على ما في الترجمة من عجز وقصور محتوم. عنوان القصيدة هو ~~«نهاية العالم»، وصاحبها هو ياكوب فان هوديس، واحد من أولئك الشعراء العديدين الذين كتبوا ~~الشعر في شبابهم ثم انقطعوا عنه بعد ذلك كل ms12 الانقطاع (كأنما كانوا يقتدون بالمثال الرائع ~~الشجاع الذي ضربه رامبو!) # قبعة البرجوازي تطير من على رأسه المدببة، # في كل الأجواء تتردد الأصوات كالصرخات، # عمال السقف يسقطون وينكسرون، # وعلى الضفاف - كما تقول الصحف - يرتفع الطوفان. # هبت العاصفة، البحار الوحشية، # تثب على اليابسة لتسحق السدود الضخمة، # أغلب الناس أصابهم البرد، # قطارات السكك الحديدية تهوي من الجسور. # تلك هي القصيدة، ولكن لنتوقف قليلا لنقول كلمة عن الشاعر. ومع أنني لا ~~أحب الكلام عن حياة الأدباء ولا أميل للربط بين حياتهم وأعمالهم، فيبدو لي أن سطورا قليلة ~~عن هذا الشاعر الغريب وشخصيته الغامضة المحيرة لن تخلو من فائدة. إنه شاعر مقل كما قلت، ~~كتب الشعر في شبابه ثم كف عنه إلى الأبد. # وقد ولد ببرلين سنة 1887، في أسرة ميسورة الحال، وقضى صباه السعيد بين أب متشكك ~~مادي النزعة يعمل طبيبا، وأم مثالية رقيقة الحس رفيعة الثقافة. وسرعان ما بدأت ~~التناقضات التي ورثها عن أبويه تظهر في سلوكه؛ فقد ترك المدرسة الثانوية ثم رجع إليها، ودرس ~~العمارة في مدينة ميونيخ، ثم اشتغل فترة لم تزد على نصف عام بالبناء، ولم يلبث أن تخلى عن ~~هذه المهنة الصغيرة ليواصل دراسة الفلسفة واللغة اليونانية القديمة في جامعتي: يينا ~~وبرلين. وأسس مع جماعة من أصدقائه الشبان ناديا يلتقون فيه مرة كل أسبوع ليقرءوا إنتاجهم. ~~وكان من هذه الجماعة شاعر فقدته الحياة الأدبية قبل الأوان وما زالت تتحسر على موته؛ وهو ~~الشاعر جورج هايم الذي مات غريقا سنة 1912، ولم يكد يتم الخامسة والعشرين من عمره. وقد ~~اهتز شاعرنا لموت صديقه، ثم تكفل الإخفاق في الحب بتدمير صحته العقلية (أحب إحدى مصممات ~~العرائس فلم تبادله الحب، وجن بشاعرة فلم يجد صدى لعاطفته)، ولم ينفعه تحوله إلى ~~الكاثوليكية ولا شفاه تنقله بين مصحات عديدة؛ فقد ألح عليه داء شغوف بالفنانين ~~والشعراء، وهو داء الفصام. وامتدت إليه أيدي الأصدقاء بغير جدوى، واختفى فترة ثم ظهر في ~~باريس وميونيخ، ورجع إلى برلين ليجاهر أمه التي كان يحبها ويقدسها بالكراهية والعداء، ~~ويفاجئ أصحابه بقراءة ms13 قصائده الجديدة. وأخذ المرض بخناقه فظل يتنقل بين المصحات العقلية ~~المختلفة حتى استقر في مصحة بندورف-ساين بالقرب من مدينة كوبلنس في جنوب ألمانيا. وفي آخر ~~أيام شهر أبريل سنة 1942 نقل المريض رقم 8 إلى مكان لا يعلمه أحد، واختفى بطريقة لم ~~يعلمها أحد حتى الآن. وقد ضاعت معظم أشعاره وكتاباته النثرية، ونشر ما بقي منها سنة 1958 ~~في زيوريخ تحت عنوان القصيدة التي نقلتها إليك في السطور السابقة، ولم يتجاوز هذا التراث ست ~~عشرة قصيدة. # أما القصيدة نفسها فأول ما تلاحظه النظرة الأولى أنها ليست من القصائد ذات البناء ~~التقليدي التي تتناول موضوعا أو تهدف لتصوير فكرة تمهد لها وتطورها وتنتهي بها إلى غاية ~~أو خاتمة. وهي كذلك لا تنمي فكرة ولا تسير على منطق مألوف، بل تجنح إلى نوع من الشذوذ ~~الذي يثير السخرية، وتزدحم بخواطر وتفاصيل يمكن أن نصفها بالسريالية (وهي سريالية لأنها ~~تشوه معالم الواقع أو تتجاوز حدوده، وليس الواقع هو الذي يمليها بل إرادة الشاعر نفسه ~~وخياله المسرف الجامح). هي إذن تضم مجموعة من الصور التي لا تتصل بعضها ببعض. كل بيت ~~فيها وحدة بذاتها، بحيث تصبح وكأنها نوع من «الموازييك» ألف بينها خيال الشاعر وحده، لا ~~المنطق ولا الواقع المألوف، القصيدة إذن توحي ولا تفهم، شأنها في هذا شأن الغالبية العظمى ~~من قصائد الشعر الحديث، وهي بصورها المفككة تريد أن توحي برؤية الشاعر لنهاية العالم؛ ولذلك ~~فليس غريبا أن يتغير العالم المطمئن المنظم وينهار فجأة أمام عيوننا: فالبرجوازي المطمئن ~~الواثق بنفسه وبعالمه ومجتمعه سيفقد قبعته، وهي رمز ثقته واطمئنانه وثباته. وستصبح القبعة ~~التافهة رمزا لهذا العالم أو هذا المجتمع المنهار، أما رأس البرجوازي فهي مدببة، تماما ~~كما صورها الرسامون التعبيريون مثل كيرشنر وموللر وشميت-روتلوف، فأسرفوا في ذلك مبالغة ~~في الاستهزاء به. # وأما عن جو القصيدة - وهو أهم ما في شعر التعبيريين - فهو يصطخب بضوضاء وأصوات وصرخات ~~غامضة. إن اللاواقع قد غزا الواقع وتمكن منه. نفس الشيء الذي نلاحظه في رسوم كوبين ورؤى ~~كافكا المخيفة ms14 عن الرعب والتعذيب (كما تبدو بوجه خاص في قصته معتقل العقاب التي تكاد تكون ~~نبوءة صادقة عن أهوال الحرب العالمية الثانية وتعذيب الإنسان في معسكرات الاعتقال أو سجون ~~الإرهاب على يد المستعمرين والجلادين القدامى والمحدثين)، ضوضاء، عواصف، دمار، وخراب، كوارث ~~من كل نوع، كل شيء قد انقلب على رأسه، كل شيء قد تحطم وتمزق، والطبيعة والمدنية ~~المتباهية بآلاتها وصناعاتها قد فقدت الطمأنينة، ودقت ساعة الكارثة، فلنتوقع كل ~~شيء. # إن التفاصيل التي يزحم بها الشاعر قصيدته، وطريقته في عرضها، ومزجه بين عظائم الأمور ~~وتوافهها، وانتقاله من كارثة تدمر الكون إلى أحداث تافهة كسقوط عمال بناء السقوف وإصابة ~~أغلب الناس بالزكام ... كل هذا يوحي بالكارثة ويخلق شعورا غريبا تختلط فيه السخرية المرة ~~بالمزاج الأسود. ولكن هذا الأسلوب ليس إلا جانبا واحدا من جوانب التعبيرية المتعددة قد ~~نجده - على سبيل المثال - في الأفلام التعبيرية، فإذا تأملنا شكل القصيدة وأسلوبها وجدنا ~~أنها ليست من القصائد التعبيرية الخالصة؛ فهي تحافظ على الوزن والقافية وشكل المقطوعة (وهو ~~ما تعجز الترجمة عن أدائه!) كما تحافظ على سلامة اللغة وبنية العبارة، وهي أمور تخلى عنها ~~معظم الشعراء التعبيريين واعتبروها قيودا تحد من انطلاق التعبير، ومع أن الشاعر يشارك ~~معظم الفنانين التعبيريين في رؤيته لنهاية العالم وانهياره، وإبقائه على وحدة الأبيات ~~وانعزالها عن بعضها البعض، إلا أن لغته لا تكشف عن أهم الخصائص التي تتميز بها لغتهم؛ فهي - ~~كما قلت - لغة سليمة والتعبيريون يميلون إلى تشويه اللغة، والاكتفاء بالإيحاء والإيماء ~~والتركيز على الكلمات الدالة باستبعاد الضمائر وحروف الربط والوصل وأدوات التعريف والاقتصار ~~في معظم الأحوال على الأسماء والأفعال وحدها. # ومع هذا كله فالقصيدة تحتفظ بجانب تعبيري لا شك فيه. إن لم يتضح في لغتها وأسلوبها فهو ~~أوضح ما يكون في رؤيتها العامة. وأذكرك بالعنوان الذي وضعه الناشر لهذه القصيدة وغيرها من ~~القصائد التي تدور في فلكها. العنوان هو «سقوط وصراخ»، وهو في الحقيقة بالغ الدلالة على ~~غرض التعبيريين. إن الصرخة هي أبلغ تعبير وأعمقه، وهي - إن جاز القول - تعبير ms15 خالص عار ، ~~وكأن الشاعر التعبيري يتمنى أن تكون قصيدته صرخة وحسب. ولكن ما العمل إذا كان الإنسان لا ~~يستطيع أن يكتب قصيدة من الصرخات وحدها؟ ما العمل إذا كان مضطرا أن يبني أبياته من كلمات ~~اللغة، وأن يحافظ فيها على قدر من المعقولية يكفي لتوصيلها للناس؟ ليكثف لغته إذن (فالفن ~~تكثيف وكشف عن الجوهر!) وليحذف منها كل ما يراه تزيدا، ~~وليقتصر على الكلمة الموحية المتشنجة التي تستطيع أن تفجر كل ما يحتبس في قلبه من عنف وغضب ~~وثورة. ولكن الصرخة ستظل في نهاية الأمر هي الشكل الأمثل الذي يحاول الشاعر التعبيري أن ~~يقترب منه. صرخة الإنسان في عالم منهار، صرخة يوحنا الجديد، صرخة الشوق إلى عالم جديد ~~وإنسان جديد يتحرر من الحرب والموت والبؤس والاستغلال. # لتكن كلمة الشاعر إذن كثيفة، مركبة، مشحونة بالقوة والحركة والغضب، وليركب الكلمة الواحدة ~~من كلمات عديدة (واللغة الألمانية تعينه على هذا، فهي - كما يعلم القارئ - تستخدم الكلمات ~~المركبة، وكتابها المعقدون - وما أكثرهم! - يسيئون استخدام هذا الحق ...) وليحذف من ~~جملته كل كلمة، بل كل حرف لا أهمية له ولا أثر في التعبير، وليكثر من الأسماء والأفعال كما ~~قدمت، وليستبعد النعوت والصفات التي طالما كانت حبيبة إلى قلوب الرمزيين، بل ليمض الشاعر ~~إلى أبعد من هذا - كما فعل الشاعر أوجست شترام (1874-1915) - فيكتب القصيدة التي تتألف من ~~كلمات مفردة وحسب. كلمات مكثفة مشحونة بالمعاني، توحي للقارئ بمجموعة من الصور التي يمكن ~~أن يؤلفها خياله كما يشاء، قد يكون هذا تطرفا، ولكن لنقف معا عند إحدى قصائد هذا الشاعر. ~~عنوان القصيدة هو «داورية»، وكلماتها تقول: # الأحجار تعادي، # نافذة تتلمظ بالخيانة، # فروع «الشجر» تخنق، # جبال الأغصان تحف بضوضاء، # صرخات، # موت. # هذه هي القصيدة، أو هذا هو «الموازييك» الذي صفه الشاعر قطعة بجانب قطعة ~~أو كلمة بجانب كلمة. استبعد من العبارة اللغوية كل ما وجده سطحيا أو تافها. حذف أدوات ~~التعريف (فيما عدا الكلمة الأولى من القصيدة) والضمائر وأدوات الربط. لم يبق إلا على ~~الأسماء والأفعال التي جعل منها كلمات ms16 مستقلة تؤدي وظيفة الجملة الكاملة. أما بناء ~~العبارة فقد اختصره إلى أقصى حد ممكن بحيث لم تبق منه إلا كلمات أولية متوترة حادة ~~مركزة، توشك أن تتخلى عن دلالتها الصوتية والمعنوية لتتحول إلى صرخات أو مشاعر من الخوف ~~والرعب والقلق. قد تقول: هي تجربة، وللتجربة حقها المقدس في كل مجال، فلم لا تمارس ~~حقها في اللغة أيضا؟! هذا صحيح. ولكنها تجربة تشرف على حدود الصمت. وهي في الأدب ~~التعبيري نفسه تجربة ثورية متطرفة. ولكن يجب ألا ننسى أن الثورة التعبيرية كانت كذلك ثورة ~~على النحو ومنطق اللغة. لقد ثاروا على البناء التقليدي للعبارة، والترتيب المنطقي للكلمات، ~~بمثل ثورتهم على البناء التقليدي للمجتمع، والنظام المألوف في الطبيعة والواقع. كان كل ~~همهم أن يثيروا القارئ بأقل عدد من الكلمات وأكثره دلالة على المعنى؛ والمعنى يتصل دائما ~~بالغضب والتمرد والرغبة في التغيير. تصوروا أن هذا هو أقرب وسيلة للتركيز على كل ما هو ~~هام وأساسي. حولوا الكلمات إلى شظايا متفجرة وصيحات حادة لتكون أقدر على النفاذ إلى ~~أعماق القارئ. إنهم لا يقدمون الوصف بل الحدث، ولا يعنون بالملاحظة بل بالرؤية. كل ما هو ~~ساكن أو جامد دبت فيه القوة والحياة. الحركة والسرعة والطاقة والعنف والفعل والتفجر، تلك ~~هي المقولات الأساسية عندهم، بهذا يصبح الإيقاع هو أول العناصر الفنية ويفقد الشكل الخارجي ~~للقصيدة أهميته. وهم لذلك يحطمون كل القواعد الكلاسيكية التي تفسد هذا الإيقاع أو تعوق ~~حركته، ويتمردون على كل القيود والأشكال التي التزم بها الشعراء السابقون، ويكرهون الوزن ~~والقافية، ويبغضون أشكال «السوناته» و«الأوده». لا ضرورة إذن للالتزام بالبحور التقليدية ~~ولا التركيب اللغوي للجملة ولا الترتيب المنطقي للعبارات؛ فكلها أشكال خارجية، والكلمات ~~المكثفة وحدها قادرة على إحداث الإيقاع المطلوب، وتعميق الإحساس الذي يريد الشاعر أن يعبر ~~عنه، وهي كذلك قادرة على أن تصدم القارئ وتثيره وتفزعه (وهذه الصدمة هي أكثر ما يحرص عليه ~~الشاعر الحديث منذ عهد رامبو!) أتكون هذه مزايا أم عيوبا؟ لكل شيء بالطبع مزاياه وعيوبه، ~~والأمر يتوقف على الطريقة التي تنظر ms17 بها إليه . ولكن أهم ما يميز هذا الفن الشعري عند ~~التعبيريين أنه فن قلق مقلق في آن واحد، يصدم القراء ويسعى إلى ذلك سعيا. وهو فن ~~مفعم بالعاطفة والحماس والعنف الذي يصبح في بعض الأحيان نوعا من الحمى والهذيان، وهو ~~يتعمد البعد عن التجانس والنظام والاتزان والتعقل والحرص على النسب، وكل ما يدخل في قائمة ~~القواعد والأصول التي التزمها الكلاسيكيون؛ أي إنه في النهاية فن ذاتي إلى أبعد حد، شوه ~~فيه الواقع وتحررت اللغة من القواعد الموضوعية والتاريخية وحلت محلها لغة شخصية قادرة على ~~التعبير عن الرؤى العنيفة المتطرفة؛ ولذلك فإن الشاعر لا يخشى أن يخلق كلمات جديدة أو يخلع ~~على الكلمات المألوفة معاني غريبة وجديدة (ولو استطاع لخلق لغة جديدة وأحال اللغة ~~المعروفة إلى شواظ ملتهب أو طلقات رصاص أو صرخات حادة!) # فإذا تركنا الشكل وانتقلنا إلى مضمون هذه القصائد (جريا على التقسيم المعروف الذي نلجأ ~~إليه رغبة في التبسيط لا غير!) وجدنا أن أهم ما يميز أشعار التعبيريين - بوجه عام - هو ~~التحول من الضمير الشخصي إلى ضمير الجماعة؛ أي من «الأنا» إلى «النحن». حدث هذا بعد اشتعال ~~نيران الحرب العالمية الأولى، وأصبحت القصائد أكثر صراحة والرسالة التي يعلنها الشاعر أشد ~~وضوحا. لقد آن الأوان لتأكيد الدعوة للإنسان الجديد. وأصبحت هذه الدعوة - بل الصرخة - أشد ~~إلحاحا، أمام رعب الحرب وأهوالها وفظائعها الدموية، وازداد العطف على الإنسانية الجريحة، ~~وتتابعت النداءات والصيحات والبيانات. لم يعد هناك مكان لوصف الطبيعة. إن القصيدة تعبر ~~الآن عند المدينة أو عن الحرب، المدينة المفزعة الهائلة، المدينة الصناعية المفتعلة بكل ~~وحشيتها وضخامتها وضياع الفرد الوحيد في زحامها، بكل ضجيجها وضوضائها الخانقة، بأحيائها ~~البائسة المزرية التي يتراكم فيها الكادحون والعمال الفقراء، ببيوتها الميتة ونوافذها ~~الخاوية الصامتة كالقبور، المدينة المجنونة بالسرعة والصخب كأنها الكابوس. # والحرب، ألم تشغل أهوالها الشعراء منذ أيام هوميروس؟ ألم تحركهم مآسيها وفظائعها للغناء ~~والبكاء؟ نعم، ولكن الحرب العالمية الأولى كانت في نظر هذا الجيل من الشباب شيئا لم يسبق ~~له نظير (ترى هل من ms18 حسن الحظ أم من سوئه أن معظم الشعراء والفنانين التعبيريين سقطوا قتلى ~~في الحرب الأولى أو ماتوا قبل أن يشهدوا فظائع الحرب العالمية الثانية أو فظائع المستعمرين ~~في الشرق الأقصى والأوسط؟) الحرب أحالت الطبيعة الحالمة التي غنى بها أسلافهم ~~الرومانتيكيون والكلاسيكيون إلى جحيم أرضي؛ مزقت الأشجار والأجساد، شوهت ودمرت، ملأت ~~الشوارع بالجثث والأشلاء، أغرقتها بدماء الجرحى وأنينهم، بدأت الحرب فبدأت معها نهاية ~~العالم، وعلى الشاعر الذي لم يسقط في الميدان، أن يكون شاهدا على هذه الفظائع التي يقدم ~~عليها الإنسان، أن ينقل اشمئزازه من القبح والوحشية إلى قصيدته، أن يجعل منها لوحة صارخة ~~مثيرة، أن يحول كلماتها إلى صيحات احتجاج مدوية، بهذا يدفع قراءه إلى الثورة والتغيير، ~~ويحفزهم على الإصرار على عالم جديد يحيا فيه الإنسان أخا للإنسان، حتى الإصرار لا يكفي، بل ~~لا بد من العمل على خلق هذا العالم والتعجيل به. # ولقد فعل الشاعر التعبيري كل ما في طاقته لتحقيق هذا الحلم الأبدي المنحوس، وقدم لوحات ~~غنية بآلام الإنسان وعذابه؛ لوحات تصور الخليقة الجريحة المعذبة المشوهة بألوان ~~صارخة تكاد تصل في صراخها إلى حد الهوس والجنون. والحق أنه لا بد من إنصاف هؤلاء الشعراء ~~حتى لا يبدوا كالأطفال السذج المتشنجين العاطفيين. لا بد من القول بأنهم لم يكتفوا باليأس ~~والصراخ والاتهام، بل نادوا على الدوام بالفجر الجديد والإنسان الجديد، ودعوا بنبرة صادقة ~~حارة إلى محبة الجار والأخوة البشرية الشاملة. وقد يعترض ناقد حديث بأنهم دعوا إلى إنسان ~~كلي مطلق؛ أي لم يدعوا إلى شيء محدد. هذا صحيح في جملته، ولكن هذا النوع من النقد ~~الذي استشرى في السنين الأخيرة أقرب إلى السياسة منه إلى الأدب، ومع ذلك فإن معظم هؤلاء ~~الشعراء قد سقط في الحرب أو انتحر أو جن وتشرد في البلاد، وبعضهم شارك بالفعل في ~~الكفاح في صفوف العمال والفقراء والمستغلين وانضم إلى الأحزاب والحركات اليسارية في ذلك ~~الحين، بل صار فيما بعد من أقطاب هذه الحركات السياسية (مثل يوهانس بشر أو برشت وغيرهما). ~~المهم أن تهمة ms19 عدم الانتماء إلى مذهب أو حركة أو ثورة «محددة» لا يمكن أن ينفي عن هؤلاء ~~الشعراء شرف الثورة «الشاملة» ضد الظلم والقهر والاستغلال وتعذيب الإنسان. وأحسب أن هذا هو ~~أقصى ما يمكن أن نطلبه من الفنان والأديب. ~~••• # ولنحاول الآن أن نتعرف إلى الأسماء الهامة في الحركة التعبيرية، ونتحدث قليلا عن بعض ~~أعلامهم بقدر ما يسمح به المجال. ومن المستحيل بالطبع أن أقدم للقارئ قائمة كاملة ~~بأسماء هؤلاء الشعراء والكتاب، أو تفسيرا متعمقا لأعمالهم. إن كتب التاريخ الأدبي أقدر ~~مني على هذا. وأقصى ما أطمح إليه في هذه الصفحات القليلة هو أن يخرج القارئ بفكرة عامة عن ~~الجو الذي أشاعته هذه الحركة الأدبية وقيمتها وأثرها. ولعل الوقت لم يحن بعد لتقديم ~~دراسة شاملة لهؤلاء الشعراء الذين ظلم معظمهم في حياتهم وبعد موتهم، واختفت أسماء بعضهم ~~من الحياة الأدبية ولم تبق حتى في تواريخ الأدب، وتبدد تراثهم القليل أو اندثر أو ما يزال ~~يبحث عن أحد يخرجه للنور. # لنكتف إذن بالحديث القصير عن عدد قليل. # لا يشك أحد اليوم في أن أكبر شعراء الحركة التعبيرية هم «جورج تراكل» و«جورج هايم» ~~و«جوتفريد بن» (في مرحلته الأولى بوجه خاص). والثلاثة الكبار يمثلون نماذج إنسانية وفنية ~~مختلفة، كما يعدون قمما أدبية رفيعة في الأدب الألماني الحديث، وأعمالهم تشغل النقاد ~~والدارسين في الوقت الحاضر وتغري المزيد منهم بالكشف عن أسرارها وتفهم عالمها الساحر ~~الفريد. فأما «هايم» و«تراكل» فقد ماتا في شرخ الشباب؛ غرق الأول في الرابعة والعشرين من ~~عمره مع صديق له أثناء التزحلق على الجليد، وقتل الثاني نفسه بالإدمان على المخدرات التي ~~كانت قريبة منه بحكم مهنته (فقد كان صيدليا)، بعد أن عجز عن احتمال أهوال الحرب التي ~~لمسها بنفسه عندما كان مجندا في الخدمات الطبية. وأما «جوتفريد بن» فهو من الشعراء القلائل ~~الذين امتد بهم العمر بعد زوال التعبيرية (مات سنة 1956)، ونحا في شعره بعد سنة 1925 نحوا ~~أقرب إلى الكلاسيكية. # لنبدأ بالكلام عن «جورج هايم». # إنه من أعمق الشعراء التعبيريين رؤية وأشدهم يأسا ms20 وكآبة. وهو كذلك من أقلهم دعوة ~~للإنسان الجديد الذي طالما هتفوا باسمه أو انتظروا مقدمه؛ فالموت يحوم بأجنحته السود ~~فوق أشعاره، والموت يلفها في ظلماته الكثيفة. لقد صور هول المدينة الكبيرة، وتنبأ بفظائع ~~حربين عالميتين. ربما اشتط خياله إلى حد الهذيان والهلوسة، ولكن صوره الشعرية قوية ~~مؤثرة، تكاد تلمس اليد والعين بتفاصيلها الحسية وألوانها الحادة وملامحها البارزة. وقد ~~تكون استعاراته في بعض الأحيان مفتعلة وأساطيره ورؤاه بعيدة شديدة المبالغة، ولكن فيها ~~مسحة من الجلال لا تقاوم. وإذا أمكن أن نقارنه بأحد الشعراء، فلا شك في أن حياته العاصفة ~~وسخطه على المدينة والطبقة الوسطى، وقوة شعره ورجولته وعنفه تقربه من شخصية الشاعر ~~الفرنسي العظيم أرتور رامبو، كما تقربه - في مجال فني آخر - من شخصية فان جوخ الذي كان ~~يحبه ويعجب به. وإنتاجه قليل في مجموعه، فهناك إلى جانب أشعاره مذكراته اليومية الغنية ~~بصدق العاطفة ودقة التعبير عن روح جيله اليائس الساخط الملول، وهناك مجموعة قليلة الشأن من ~~الأقاصيص والحكايات التي لا يمكن أن تقارن بأشعاره من حيث القوة والقدرة على التأثير. وقد ~~يكفي أن نقرأ إحدى قصائده المشهورة - وهي «الحرب» - ونحللها تحليلا سريعا بسيطا. تقول ~~القصيدة: # الحرب # 1 # نهض من رقاده، من طال نومه، # نهض من الأقباء المنخفضة العميقة. # يقف في الشفق، ضخما ومجهولا، # يسحق القمر في اليد السوداء. ~~••• # في ضجيج المدن عند المساء تنتشر الأنباء، # صقيع وظلال عتمة غريبة. # ودوامة الأسواق تتجمد كالجليد. # يهبط السكون ... يتلفتون، ولا أحد يدري. ~~••• # في الحارات يربت على أكتافهم، # سؤال، ما من جواب، يشحب وجه. # من بعيد ترتعش دقات أجراس نحيلة، # واللحى ترتجف حول ذقونهم المدببة. ~~••• # على ذرى الجبال أخذ يرقص ويصيح: # أيها المحاربون جميعا، انهضوا وسيروا! # وعندما يهز رأسه الأسود تدوي، # صلصلة السلاسل حول آلاف الجماجم. ~~••• # كالبرج يطفئ بقدميه اللهب الأخير، # حيثما يهرب النهار، تمتلئ الأنهار بالدماء. # الجثث التي لا تحصى ممددة فوق الأعشاب، # تغطيها طيور الموت القوية بغلالة بيضاء. ~~••• # بالليل يطارد النار عبر الحقول، # الكلب الأحمر الذي يطلق الصراخ من فمه الوحشي. # من ms21 الظلام يثب عالم الليالي الأسود، # تضيء البراكين خافتة بضوء مخيف. ~~••• # وألوف القبعات العالية هنا وهناك، # تغمر السهول المظلمة المضطربة، # والحشود التي تفر إلى الشوارع من تحته، # يطوح بها في غابات النار المتأججة باللهب. ~~••• # والنيران الحارقة تلتهم غابة بعد غابة، # الوطاويط الصفراء متشبثة بفروع الأشجار، # يغرز عصاه في الأشجار كالفحام، # لكي تتوهج النار ويشتد الضرام. ~~••• # غاصت مدينة كبيرة في الدخان الأصفر، # ألقت نفسها بهدوء في جوف الهاوية. # لكن فوق الأنقاض المحترقة يقف وقفة العملاق، # ذلك الذي يهز شعلته في السموات الموحشة ثلاث مرات. ~~••• # فوق ظلال السحب التي تمزقها العاصفة، # في مجاهل الظلمة الميتة الباردة، # حتى جفف الليل المترامي الأطراف بالحريق، # وصب القطران والنار على عمورة. # 2 # القصيدة تتألف كما ترى من عشر مقطوعات، صيغت أبياتها الأصلية من ست ~~تفعيلات تتميز بالبطء والثقل والجلال، ويقترب الإيقاع في معظمها من إيقاع الموسيقى ~~الجنائزية. ومن الصعب أن نخوض هنا في تحليل شكلها الفني أو خصائصها الجمالية؛ لأن المجال لا ~~يحتمل مثل هذا التحليل؛ ولذلك سنقنع بلمحات سريعة نخرج بها من التذوق البسيط، وأول ما ~~نلمحه منها هو هذه اللغة الخشنة العنيفة المباشرة التي تتفق كلماتها وإيقاعها وصورها الخشنة ~~العنيفة أيضا مع الموضوع الوحيد الذي تكثفه وتضخمه وتبالغ في تأكيد قسوته وبشاعته، وهو ~~موضوع الحرب التي شغلت التعبيريين ونالت أكبر نصيب من ثورتهم وصراخهم واحتجاجهم. # وقد تلمح منها أيضا أنها بعيدة كل البعد عن القصيدة الغنائية التقليدية التي نعرفها من ~~الأغنيات الشعبية أو شعر الرومانتيكيين أو قصائد جوته التي تفيض بصدق العاطفة وعمق الإحساس ~~ورقته؛ فهي تتخلى عن العذوبة الغنائية واللغة التي تفرضها التجربة الذاتية، وتزهد في ~~الشكل المتزن والجمال المنسجم الذي يؤلف بين العالم والذات في وحدة التجربة الباطنة. بل ~~إنها لتمثل في الحقيقة مرحلة جديدة في الشعر تختلف كل الاختلاف عن شعر التجربة والعاطفة، ~~وتنبع من عقلية تحررت من العالم الشعوري والإنساني الذي انبثق منه ذلك الشعر، حتى ليمكن ~~القول بأنها تعانده وتقاومه وتثور عليه. إنها لا تبحث عن الجمال والانسجام في الشكل ms22 أو ~~اللغة ، بل تقصد مباشرة إلى التعبير القوي العنيف بالكلمات والصور القوية العنيفة. # وهي كلمات وصور متقطعة منعزلة عن بعضها البعض يكومها الشاعر طبقة فوق طبقة، ويشيد منها ~~هرما فظيعا تنطق كل أحجاره بالدمار والموت، أو نشيدا يتغنى بانتصار العدم ويتصاعد نغمه ~~الكئيب شيئا فشيئا من فم شيطان مخيف شرير. # إنها تمزق القناع عن الرعب الكوني ووحدة الذات البائسة في هذا الوجود الذي يتربص للإنسان ~~بالخطر والفناء. لا مجال فيها للتجانس بين الذات والعالم، ولا مكان للعاطفة ولغتها العذبة ~~الحنون، ولا موضع للتفاؤل بالتقدم والمستقبل السعيد. ويكفي أن شيطان الحرب أو إلهها الخرافي ~~المجهول يحرم الناس من النور والعزاء، ويسحق القمر الذي طالما تعلقت به عواطفهم وتغنت به ~~أشعارهم، ويلقي مدنهم الكبيرة - مدن الفرد الوحيد والقطيع الذي لا وجه له - في ظلام ~~الهاوية وبردها ووحشتها! # إن أكوام الصور البشعة التي يكدسها الشاعر في هذه القصيدة تعبر عن شيء واحد هو واقع ~~الخراب والكارثة والموت؛ واقع الحرب الذي تنطق به الكلمات والاستعارات وبناء العبارات ~~وإيقاع الأوزان. ولكنها ليست حربا معينة في تاريخ معين، ولا هي من نوع الحروب التي ~~يكتب عنها الشعراء بدافع الحماس الوطني أو الاحتجاج على قسوتها أو الرغبة في تطهير البشرية ~~منها، أو التي يسجلون فيها تجربتهم الشخصية ويصورون ما رأوه فيها من مآس وأحزان، والشاعر ~~لا يقصر رؤيته للحرب على دائرة التاريخ والبشرية، بل يجعل منها ظاهرة تتجاوز شخصية الإنسان ~~وهمومه ومصيره، ظاهرة كونية إن شئت، تلتهم الوجود والطبيعة بكل ما يتفجر فيها من عناصر ~~الدمار والخراب. هي الحرب في ذاتها، تحررت من كل زمان ومكان، وابتعدت عن كل هدف أو معنى أو ~~شعور. أما الذي يدبرها ويدير دفتها فهو شيطان خرافي مخيف، يرتفع فوق العالم والتاريخ كأنه ~~برج مشتعل بالنيران، وتتدفق الكوارث من فمه الأسود كما تتدفق الحمم من فوهة بركان. # وليس من قبيل الصدفة أن يختار «هايم» المدينة ليجعلها ميدانا لهذه الرؤية أو هذا ~~الكابوس، فالمدينة هي رمز الضخامة والفساد والمادية والسأم والضيق. وكراهة المدينة ms23 كالنبات ~~المريض الذي يمد جذوره في أعماقه وأعماق جيله الوحيد البائس من الشعراء والكتاب ~~والفنانين التعبيريين، بل لعله يمتد إلى أبعد من ذلك في الشعر الأوروبي منذ عهد بولدير ~~ورامبو؛ ولذلك تبدو القصيدة كلها أشبه بالرؤية أو النبوءة أو النذير الذي أكدته حربان ~~عالميتان وما زالت تؤكده الأخطار المحدقة بالبشرية. صحيح أن هذه التنبؤات عن أزمة الحضارة ~~الغربية وانهيارها كانت شائعة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، ولا تزال من أحب ~~الموضوعات إلى قلوب الكتاب والقراء في الغرب والشرق. ولقد بلغت ذروة الإحساس بها في ~~كتابات نيتشه ورؤى دستويفسكي وثورة الشعر الفرنسي منذ عهد بودلير ... إلخ، ولكنها لم تكن ~~مسألة حضارية أو فلسفية فحسب، بل كانت لها - كما قلت - جذورها العميقة في تجربة الشاعر ~~وشخصيته وفي قدر جيله المعذب بأكمله، وإحساسه بأنه قد أصبح يعيش على شفا الهاوية. ولقد سقط ~~عدد كبير من شعراء هذا الجيل ضحايا الحرب العالمية الأولى، # 3 # وفضل بعضهم أن يغادر الحياة منتحرا، واعتزل بعضهم وعاش بقية العمر في صمت. ~~ولكن هذا الإحساس بوحدتهم ومأساة وجودهم العاري من كل معنى أو هدف بلغ في بعض الأحيان حد ~~الاستمتاع بالكآبة وتعذيب النفس والفرار إلى نشوة الرؤى المخيفة، ومنها هذه الرؤية التي ~~تصورها «الحرب». ~~••• # أما جورج تراكل فلم يكتب إلا الشعر، وشعره أشد غموضا وعمقا وهدوءا من شعر هايم، ومع أن ~~قصائده لا تكاد تتجاوز المائة إلا بقليل، فقد أثر تأثيرا كبيرا على الشعر الألماني بعد ~~الحرب العالمية الثانية. # والغريب أن قصائده تبدو للنظرة الأولى على جانب كبير من الصفاء والرقة والعذوبة ~~والانسجام. فإذا أعدنا قراءتها مرة ومرات (فهكذا يريد الشعر الحقيقي حتى يكشف لنا عن ~~سره!) وجدناه من أعقد الشعر وأحفله بالرموز والأسرار والاستعارات الغامضة والإشارات ~~البعيدة والصور المحيرة. إنه يجذبنا - لأول مرة - بسحر موسيقاه وعذوبة لغته وجمال صوره، ~~فإذا سألنا أنفسنا عن سر هذا السحر الغريب واجهتنا مشكلات لا حد لها وأسرار أخرى أكثر ~~غموضا وجمالا. وإذا لجأنا للشروح والتفسيرات التي تتوالى عنه في السنوات ms24 الأخيرة ألفينا ~~أنفسنا كمن يهرب من السباحة في النهر إلى السباحة في البحر! إن التفسيرات تكاد تتعدد بعدد ~~المفسرين! هناك من تغريه النصوص الغامضة المؤثرة بتفسير رموزها وصورها تفسيرا دينيا. ~~والحقيقة أن شطحاتها المسرفة تغري بهذا التفسير ... ولكنها ليست شطحات المؤمن بل المدمن على ~~الأفيون، وصاحبها لا يترنم بأنشودة العابد المتبتل لله، بل ينشد مرثية الحداد على صمته ... ~~ويوشك أن يكون شعر تراكل كله عن الشر والألم والموت والذنب والعذاب والفساد والزوال والتحلل ~~والانهيار في عالم مظلم غابت عنه - في رأيه - عناية السماء. # وهناك من فسروا شعره بالرجوع إلى سيرته وحياته التي دمرها القلق والانطواء والخوف من ~~الناس والإخفاق في الاستقرار والتأثر بفظائع الحرب وإدمان المخدرات، وبالغوا في الكلام عن ~~علاقته الحميمة بشقيقته التي حضر وفاتها في نفس السنة التي مات فيها. ولا شك في أهمية تجارب ~~الحياة على الشاعر، ولا شك أيضا في تأثير شقيقته عليه، ولكننا نخطئ كلما بالغنا في تأثير ~~حياة الأديب على إنتاجه أو حاولنا فهم هذا الإنتاج - الذي ينبغي أن تكون له قيمته الخاصة ~~ووجوده المستقل - من واقع سيرته وتجاربه. # وأبسط دليل على هذا فيما نحن بصدده أن تأثير شقيقه تراكل لا يظهر في شعره على الإطلاق. ~~وحاول البعض أخيرا أن يفسر شعره تفسيرا وجوديا، فقام الفيلسوف المشهور «مارتن هيدجر» ~~بهذه المحاولة ولكنه لم يصل إلى نتائج مقنعة (كما فعل مع شعر هولدرلين ولم يستطع أن يرضي ~~الأدباء أو يقنع الفلاسفة!) ولعل الأجدى أن نواجه النص ونلتقي به ونحاوره بغير أفكار ~~سابقة، وننظر في تفاصيله وألوانه ولآلئه، وندرس موضوعاته وصوره، ونحلل أسلوبه، ونبحث عن ~~العوامل المؤثرة على شاعريته المفعمة بالكآبة والشوق والحداد. # إن لغة تراكل تفيض بالرؤى الباطنة والاكتئاب الذي لا حد له، وصور الانهيار الكوني ~~المخيفة، والشوق إلى إنسانية طاهرة نقية تستطيع وحدها أن تخلص العالم. لقد انتهت معه ~~قصيدة الاعتراف الذاتي والجو النفسي، وأصبحت «الأنا» تعبر عن نفسها بلغة موضوعية تقترب من ~~روح الأسطورة التي تجسم رؤاها في صورة محسوسة وملموسة، لغة قريبة ms25 من أسلوب هولدرلين ~~(1770-1843) في شعره المتأخر المفعم بالشوق والأسى والحنين إلى عالم أسطوري نقي. # إن العالم المألوف يتفتت عند تراكل إلى أكوام من الصور المتعارضة المتجاورة، تدل صيغها ~~الملغزة المحيرة على عالم باطني غامض يؤثر أن ينطوي على سره، وهو في مجموعه شعر وحيد، ~~يكشف عن الرعب الكامن في الجمال، ويرفع النقاب عن سحر الوجود، ويعبر عن الشوق الأخرس ~~المحموم إلى اللامحدود، والحنين إلى الخلاص من أسر الموت والخطيئة، وانتظار النجاة التي ~~ينعم بها الله أو تأتي بها الطبيعة العظيمة في صبر وتواضع وسكون ... # إن شعر تراكل يفيض - كما قدمت - بالكآبة، ولكنه يعبر عن هذه الكآبة بلغة موسيقية موحية، ~~تجمع بين الجمال الرقيق والرعب الخانق. وهو بهذا التوحيد بين النقيضين يذكرنا بشعر بودلير ~~الذي يصور أبشع ألوان القبح والقسوة والفساد والظلام بأسلوب ينم عن روح جميل نقي طيب ~~شفاف؛ ولذلك فإن مكانة تراكل في الأدب الحديث لا يكاد يشبهها إلا مكانة بودلير أو هولدرلين. ~~ولنقرأ معا إحدى قصائده التي تبين قدرته على التغلغل إلى أقصى أطراف الوجود مع احتفاظه ~~بأسلوبه الرقيق الهادئ العميق، والقصيدة عنوانها الجرذان، وقد رتبها ناشر شعره مع بعض ~~القصائد الأخرى تحت عنوان «الفلاحون». # في الفناء يبدو قمر الخريف ناصع البياض. # من حافة السقف تسقط ظلال غريبة كالأحلام. # في النوافذ الخاوية صمت مقيم؛ # عندئذ تظهر الجرذان بغير ضوضاء. ~~••• # وتجري مصفرة هنا وهناك، # وخلفها تزحف أنفاس من البخار، # مغبرة آتية من المراحيض، # التي ترتعش في ضوء القمر كالأشباح. ~~••• # وتتصايح وتصرخ منهومة كالمجانين، # وتملأ البيت ومخازن الغلال، # الرياح الثلجية تعول في الظلام. # ولكن تراكل يبعدنا بعض الشيء عن التعبيريين، لا لأنه يتجاوز حدود المدارس ~~والتيارات والحركات الأدبية كما يفعل أي شاعر عبقري، بل لأن لغته الموحية الهامسة تخلو من ~~صرخاتهم العالية وكلماتهم الثائرة، وإشاراتهم وصيغهم القريبة المباشرة. # ولذلك فإن قصائده المنسجمة الهادئة أشبه بالجزر العجيبة الساكنة وسط الطوفان. ~~••• # لنرجع الآن إلى التعبيريين الخلص، وأول من يخطر على بالنا هو جوتفريد بن (1896-1956) ~~وشعره (على الأقل في مرحلته المبكرة) ms26 يضعنا في قالب الحركة التعبيرية . لقد كان طبيبا ~~مختصا بمعالجة الأمراض الجلدية والتناسلية؛ ولذا فلن يدهشنا أن نجد في قصائده الأولى ~~كثيرا من ظواهر المرض والتشوه والقبح، ونصادف فيها الأورام البشعة والقروح المنفرة، والجثث ~~البائسة في المستشفيات والعنابر والمشارح، وكأنما استحالت هذه العنابر والمشارح إلى مسرح ~~فظيع يعرض عليه الشاعر تعاسة البشر ويأسهم في أسلوب بارد وناصع كالثلج. # و«بن» من أبرز الشعراء الذين ينطبق عليهم المبدأ الذي سيطر على الشعر الحديث بعد بودلير ~~وجعله يتخلص بالتدريج من آثار الرومانتيكية، وأعني به تجرد الشاعر (والرسام والموسيقي!) ~~من العواطف البشرية الساذجة، وتعمده أن يكون متزنا دقيقا غير عاطفي، وتخليه عن كل ما ~~يصفه الفيلسوف الإسباني «أورتيجا» جاسيت بالنزعة البشرية - أي تعبيره عن عواطفه وأفكاره - ~~عن طريق ما يقابلها من أشياء واقعية في العالم الخارجي، وهو ما يسميه أيضا الشاعر الناقد ~~الإنجليزي «إليوت» بالمعادل الموضوعي. # و«جوتفريد بن» يكتب شعرا أبعد ما يكون عن العاطفة، بل إنه يبلغ في هذا أقصى ما يمكن أن ~~يتصوره عقل؛ إنه يرد روح الإنسان العاقل وفكره وعلمه إلى أصلها الجسدي، والجسد بدوره يرد ~~إلى العفن والورم والتشوه والسرطان؛ أي إلى كل قبيح فيه، ويصبح العقل الذي طالما مجده ~~الحكماء باطل الأباطيل، والروح التي تغنى بها الشعراء على مر الزمان نوعا من الانحراف في ~~سنن الطبيعة وصورة من صور التحول الفاسد التي لا تلبث أن تختفي من جديد! # وليس من الغريب أن تكثر في شعره رؤى السقوط والانهيار والمرض والتحلل، وتغلب عليه لغة ~~العلم الموضوعية الباردة، لا بل لغة الطبيب الجراح الذي يشق الجلد بلا رحمة ليكشف عما وراءه ~~من أهوال المرض. كل هذا في أسلوب الاصطلاحات العلمية المتخصصة والكلمات الدارجة المشتقة من ~~لغة الشارع، يصفها بجوار كلمات أخرى شاعرية عذبة الرنين، مأخوذة من التراث الرومانتيكي ~~والكلاسيكي. إن الشاعر - مثله في هذا مثل أغلب الشعراء المحدثين - يتعمد أن يصدم القارئ ~~بموضوعه وأسلوبه معا؛ فموضوعاته تثير الخوف والاشمئزاز على الدوام، ولغته قوية حافلة ~~بالصور، شديدة التركيز على الأسماء دون الأفعال، ms27 تعتمد على المفاجأة والمونتاج وصف ~~الأشياء إلى جانب بعضها البعض لإبراز رؤياه للقيم ~~المتحطمة والحياة الممزقة والواقع المشوه (ولعله في هذه النزعة العدمية أن يكون وريث نيتشه، ~~وإن خلا مع ذلك من جلاله وغضبه المقدس وإيمانه بالحياة واحتقاره للثقافة والمثقفين!) ولعل ~~أوضح ما يدل على عالم «بن» الشعري هو عناوين قصصه ودواوينه ... ويكفي أن نذكر منها هذه ~~الأسماء: أمخاخ (قصص) مشرحة، لحم، أنقاض، تخدير، صدع ... إلخ. ويكفي أيضا أن نقدم له ~~القصيدتين التاليتين ليجد فيهما القارئ نماذج توضح الكلام السابق، هذه أولا قصيدة ~~عنوانها: رجل وامرأة يمران في عنبر السرطان: # الرجل ~~: # هنا على هذا الصف أرحام عفنة، # وعلى هذا الوصف صدور مهترئة، # سرير كريه الرائحة بجوار سرير، # الممرضات يتغيرن كل ساعة، ~~••• # تعالي، ارفعي هذا الغطاء بهدوء، # انظري هذه الكومة من الدهون والسوائل العطنة، # كانت يوما في نظر رجل شيئا ذا بال، # وكانت أيضا تسمى نشوة ووطنا. ~~••• # تعالي، تأملي هذه الندبة على الصدر، # هل تحسين المسبحة وحباتها الناعمة؟ # تحسسيها على مهل، اللحم طري ولا يؤلم. ~~••• # هذه تنزف كما ينزف ثلاثون جسدا، # ما من أحد لديه كل هذا الدم، # وهذه. لقد استطاعوا أن يخرجوا طفلا، # من بطنها المصاب بالسرطان. # إنهم يوصونهم بالنوم، ليلا ونهارا، # يقولون لكل قادم جديد: بالنوم يسترد المرء صحته، # وفي أيام الأحد يوقظونهم قليلا لاستقبال الزائرين. ~~••• # يسمحون لهم بطعام قليل. الظهور جريحة، # الذباب كما ترين. في بعض الأحيان، # تغسلهم الممرضات، كما تغسل الأرائك. ~~••• # هنا تنتفخ الحقول حول كل سرير، # اللحم يستحيل أرضا مستوية، الحرارة تزيد، # السائل (اللمفاوي) يتجمد بالتدريج، الأرض تنادي. # وهناك قصائد عديدة ل «بن» تحفل بالتفاصيل المقززة، ويبدو أنه عند كتابتها ~~لم ينس أو لم يرد أن ينسى أنه عالم وطبيب، صحيح أن تحليلاته الدقيقة للأعراض والأمراض، ~~وأوصافه العادية للقروح والجروح تضفي عليها شاعرية نادرة وتغمرنا بإحساس قاتم بالوحدة ~~والضياع في هذا العالم الكبير المخيف، وصحيح أنها تذكرنا بطريقة بودلير في التغلغل في ~~ألوان القبح والشر والوحل والطين، وإن افتقدت لغته الجميلة الرصينة الخالية من شذوذ ~~المحدثين ms28 وإغرابهم ونشاز عباراتهم وصورهم واستعاراتهم، ولكنها مع ذلك تكشف دائما عن حنين ~~رومانتيكي إلى النقاء والصفاء، كما تعبر في المراحل المتأخرة من إنتاج الشاعر عن رغبة في ~~التماس الوحدة والأمن وراء الحطام والخراب، والانتصار على الفساد والخوف والفوضى والعدمية ~~عن طريق الكلمة والشكل الفني الناضج التام. # وقد جاءت هذه المرحلة بعد أن تجاوز «بن» الحركة التعبيرية، كما اتضحت أشعاره التي نشرها ~~بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع أن هذه المرحلة المتأخرة لا تدخل في حدود هذا ~~الكتاب، إلا أن الشعر لا يمكن أن يقسم بالمتر والذراع كما تقسم الأرض الزراعية؛ ~~ولذلك فقد يهم القارئ أن يعرف شيئا عنها، وسأكتفي بقصيدة مشهورة بعنوان: «أنا ~~ضائعة»: ~~«أنا» ضائعة، تفجرت من الغلاف الهوائي، # ضحية الأيون: أشعة جاما - لام، # جزيء ومجال أوهام لا نهاية، # على حجرك المعتم من نوتردام. ~~••• # الأيام تمضي بك بلا ليل ولا صباح، # السنوات تقف بل ثلج ولا ثمر، # اللانهائي مهدد وخفي، # العالم ملاذ. ~~••• # أين تنتهي؟ أين تعسكر؟ أين تمتد أفلاكك؟ # مكسب، خسارة، # لعبة وحوش، أبد وزوال، # تفر إلى قضبانها. ~~••• # نظرة الوحوش، النجوم أمعاء حيوانات، # موت الأدغال أصل الوجود والخلق، # بشر، مجازر، شعوب، حقول، كروم، # تهوي إلى حلوق الوحوش. ~~••• # العالم فتته الفكر، والمكان والأزمان، # وما نسجت البشرية وما أبدعت، # ليس إلا دالة اللانهاية، # الأسطورة كذبت. ~~••• # من أين، إلى أين، لا ليل، لا صباح، # لا تحية ولا حداد، # تود أن تقترض شعارا، # لكن ممن؟ ~~••• # آه، لما توجهوا جميعا إلى مركز واحد، # والمفكرون أيضا لم يفكروا إلا في الله، # وتوزعوا بين الراعي والحمل، # ومن الكأس ظهرهم الدم. ~~••• # والجميع اندفقوا من الجرح الواحد، # كسروا الرغيف، الذي ذاقه كل من شاء، # آه أيتها اللحظة البعيدة القاهرة الممتلئة، # التي عانقت الأنا الضائعة أيضا ذات يوم. # ولا يعنينا أن نناقش هذه القصيدة التي تستشف فيها صفاء لم نعهده في ~~القصائد المبكرة، ونلمح فيها اتساع الأبعاد الميتافيزيقية والفنية في رؤية الشاعر واستخدامه ~~للاصطلاحات العملية والرياضية بطريقة شاعرية رقيقة، والتماسه للوحدة والمعنى وسط طوفان ~~الظلام والقسوة والحداد؛ لا يعنينا ms29 هذا كله، وإنما المهم في هذا المجال هو أن «بن» قد أسهم ~~في شبابه في الحركة التعبيرية، وشارك فيها بنقده الصارخ للمجتمع وتحليلاته القاسية للأمراض، ~~ثم خرج عنها في إنتاجه الذي نشره بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح وجها بارزا من وجوه ~~الشعر الحديث في القرن العشرين، وأحد الأعلام الذين أثروا على بنائه الغريب المحير الشاذ، ~~وشغلوا الشعراء والمثقفين في بلادهم وما زالوا يشغلونهم إلى اليوم. # فإذا انتقلنا إلى غير «بن» وتراكل وهايم من شعراء التعبيرية، كان لزاما علينا - لضيق ~~المجال - أن نكتفي بالإشارة إلى بعض الأسماء التي تقل شأنا عن أولئك الثلاثة الكبار. لقد ~~اندثرت بعض هذه الأسماء من ذاكرة القراء وانطوت في زاوية مظلمة من ذاكرة التاريخ الأدبي، ~~وفقد بعضها الآخر ما كان له في أيامه من لمعان الشهرة والمجد، وما أثاره في حينه من ضجيج ~~وغبار. # هناك مثلا هذه الشاعرة الغريبة الأطوار «إلزه لاسكر-شولر» التي لا تزال المنتخبات ~~الشعرية تحتفظ لها بمكان ضئيل، ولا تزال الأجيال القديمة تتحدث عن حياتها العجيبة الشاذة ~~التي تشبه حياة الشعراء الصعاليك. # كانت تطوف بالبلدان الأوروبية كإحدى نساء الغجر المغامرات أو فارسات الأمازون اللائي ~~تتغنى بهن القصص والأساطير، تكتب في المقاهي، وتعيش في عالم أشبه بعالم الخرافات، وتتصور ~~نفسها أميرة أو جنية في إحدى حكايات الشرق القديم. ألفت قصائد يشع منها جمال غريب ~~يعكس رؤى الماضي والحاضر، والشرق والغرب، والواقع والحلم. # كتبت تقول عن نفسها: «ولدت في طيبة (بمصر) وإن كنت قد جئت إلى هذا العالم في «البرفيلد» ~~إحدى بلاد الراين، وترددت على المدرسة حتى بلغت الحادية عشرة، ثم أصبحت روبنسون (وهي تعني ~~روبنسون كروزو!) وعشت في الشرق خمس سنوات، ومنذ ذلك الحين وأنا أحيا كيفما تشاء الصدف.» ولم ~~يكن هذا كله مجرد خيال؛ فقد تصورت أنها تعيش بالفعل في عالم الشرق الخيالي، وراحت تنسج منه ~~أقاصيصها وأشعارها وتتقمص شخصية أمير من طيبة سمته الأمير يوسف، وأخذت توقع خطاباتها ~~باسمه! ولقد كانت على صلة وثيقة بالتعبيريين، فلم تكتف بصداقة العدد الأكبر منهم فحسب، ms30 ~~بل تزوجت - بين زيجات أخرى بالطبع! - الكاتب هرفارت فالدن الذي أسس جماعة تعبيرية باسم ~~«العاصفة» وأصدر لها - كما تقدم - مجلة تحمل نفس الاسم، وقد منحت جائزة «كلايست» الأدبية ~~الرفيعة في سنة 1932 للقيم الخالدة التي ينطوي عليها أدبها الذي يقف على قدم المساواة مع ~~إبداع الأعلام الكبار في الأدب الألماني كما تقول وثيقة هذه الجائزة. ولكن النظام النازي لم ~~يلبث أن حرم نشر هذا الأدب الذي أثنى عليه كل هذا الثناء، فهاجرت إلى سويسرا ومنها إلى ~~مصر وفلسطين، ثم عادت إلى سويسرا حيث عرضت مسرحيتها «أرتور أرونيموس وآباؤه» في مدينة ~~زيوريخ سنة 1936، ورجعت مرة أخرى إلى فلسطين حيث تعذبت وماتت بائسة وحيدة في مدينة القدس، ~~ودفنت سنة 1945 في جبل الزيتون. # ولا يمكننا أن نختم هذا الحديث قبل أن نذكر شاعرين تعبيريين تمتعا في حياتهما بشهرة ~~واسعة ولقيا من القراء أعظم نصيب من الإقبال، ويظهر أن حظهما من الأدب دليل على تغير ~~حظوظ المؤلفين على مر العصور؛ فما أبعد الشهرة التي كانا يتمتعان بها من الإهمال الذي ~~يعانيانه من قراء هذه الأيام! # هذان الشاعران هما: يوهانس بشر وفرانز فيرفل. لقد استجابا لمطالب عصرهما وعبرا عن ~~مشكلاته وحاجاته؛ وهما لذلك يستحقان من مؤرخ الأدب كل اهتمام وتقدير. ولكن القارئ الحديث ~~(اللهم إلا في القسم الشرقي من البلاد الألمانية حيث يكاد «بشر» أن يكون كتاب المطالعة ~~للجميع) لا يتذوق اليوم شيئا من مبالغاتهما الساذجة، ولا يستجيب لصيحاتهما العالية، ومع ~~هذا فقد كان كلاهما نموذجا للشاعر التعبيري الذي يتقمص شخصية الأنبياء الملهمين والدعاة ~~المبشرين بالإنسانية الجديدة، وكان كلاهما يدعو دعوته بالطريقة التي تتفق مع مزاجه ونزعته؛ ~~فأولهما «فيرفل» شديد التدين، وقد تحول إلى الكاثوليكية وتحمس لها، وثانيهما «بشر» ~~ثائر سياسي، وقد تحول إلى الشيوعية وصار أحد أقطاب النظام الحاكم في ألمانيا ~~الديموقراطية، وشغل منصب وزير الثقافة قبل وفاته سنة 1958، ومع ذلك فقد كانا قبل هذا التحول ~~الديني والسياسي من رواد الحركة التعبيرية، وكان لهما أسلوبهما الفوضوي العاطفي الثائر على ~~اللغة والمجتمع قبل أن ms31 تتمكن الرؤية الصوفية والرمزية من أحدهما والدعوة السياسية الهادفة ~~من الآخر. # ولأكتف هنا بسطور قليلة عن فرانز فيرفل. فقد ولد سنة 1890 في براغ ومات سنة 1945 في ~~كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وتأثر في مبدأ حياته الأدبية بلغة التعبيريين، ~~وتميز بأسلوبه البليغ المؤثر الذي يفيض بالرقة والحنان والتدفق العاطفي والشوق إلى ~~الاتحاد بالكل في الكون والمجتمع، والتطلع إلى إنسانية جديدة وقديمة في آن واحد. إنسانية ~~تعيش على المحبة والتواضع والخشوع والصفاء والأخوة، وقد انطبعت مجموعاته الشعرية الأولى # 4 # بهذا الطابع، وعبرت بلغتها الغنائية العذبة عن أشواقه للخلاص من فساد العصر ~~ومذابح الشعوب وتعاسة الذات المنبوذة المحرومة من نعمة الله، وظل إنتاجه يعاني من التناقض ~~الأليم بين اليأس من الذات والوجود والرغبة العارمة في الحياة «آه أيتها الأرض، أيها ~~المساء، أيتها السعادة، آه من الوجود في هذا العالم!» بين غرور الحاجة إلى الخلق والشك في ~~حقيقة الكلمة وقيمتها، بين التقيد بالأنا البائسة المنقسمة على نفسها، والسعادة التي يشعر ~~بها الفنان عندما يهب نفسه للتعبير عن عذاب الأشقياء المطحونين، ويكرس مواهبه للمنسيين ~~والمضطهدين والمحرومين «يأيها الإنسان! لا أرغب إلا في شيء واحد، هو قربي منك!» وكتاباته ~~تدور حول الخطيئة والخلاص، والشكوى من الذات المتهمة المذنبة، والسعادة التي يتيحها الخلق، ~~والقرب من شهداء الوجود وضحاياه، أراد أن يكتشف الجانب الإلهي في الإنسان ويحرر صورة الله ~~الكامنة في مخلوقاته الترابية الضعيفة، وصور هذه العاطفة النبيلة في أشعاره الحافلة ~~بالرؤى والأحلام والأماني، تجري بها لغة غنائية متدفقة قد لا تخلو أحيانا من نزعة خطابية ~~متكلفة. # كان «فيرفل» يميل إلى الأوبرا، ومسرحياته التعبيرية التي كتبها في المرحلة الثانية من ~~إنتاجه أقرب ما تكون إلى الأوبرات الغنائية والرؤى السحرية. وقد أعاد في سنة 1915 كتابة ~~مسرحية «نساء طروادة» ليوريبيدز، وجعل منها نشيد احتجاج على الحرب وتجاربها المرة، وحاول أن ~~تكون له «فاوست» أخرى، فكتب ثلاثيته المسرحية «إنسان المرآة» (1920)، ولكنه لم ينجح في ~~توضيح الصراع بين «الذات الظاهرة والذات الحقة»، وإنما حمله بالقضايا الفكرية والمشكلات ~~العصرية بأكثر مما ms32 ينبغي لمثل هذا الموضوع الإنساني الخالد. ثم حالفه التوفيق في مسرحيته ~~التاريخية «بواريز وماكسيليان» (1924) التي تصور مأساة الحاكم الذي يحطم على صخرة ~~الأطماع والمصالح وبشاعة السلطة. وتوالت بعد ذلك مسرحياته ورواياته (ومن أشهرها أغنية ~~برناديت التي صورت في فيلم معروف) وأقاصيصه التي يدور معظمها حول صدام الأبرياء ~~والبسطاء وأنقياء القلب والروح مع فساد العصر وقانونه الصارم الميت، ولكنه تجاوز المرحلة ~~التعبيرية الخالصة في هذا الإنتاج المتأخر، واستطاع أن يتوصل إلى أسلوب واقعي متميز يحافظ ~~على الشكل التقليدي، ويميل إلى اختيار الموضوعات الدينية والميتافيزيقية والمثالية التي ~~تنطق بعذاب الأتقياء الأنقياء في هذا العالم. # وننتقل إلى اسم آخر من رواد الحركة التعبيرية المبكرة، وهو الشاعر العالم في فقه اللغة ~~إرنست شتادلر (1883-1914) الذي كان أملا مرجوا للشعر الحديث قبل أن تنتزعه الحرب ~~العالمية الأولى، أثر شتادلر على التعبيرية بلغته الصادقة المتفجرة العميقة، ومقدرته على ~~الشكل المحكم الناضج، وأنغامه الشجية الموقعة، وموضوعاته الطريفة المحدثة التي تصور روح ~~العصر كما تبدو في عالم المدن الكبرى والقطارات السريعة والمغامرات والأعمال الهائلة (إنما ~~أنا لهب، عطش وصرخة وحريق ...) وهو من أوائل التعبيريين الذين تأثروا بالمدرسة الرمزية ~~الفرنسية وبالشاعر الأمريكي والت ويتمان، كما ترجم للشاعر الفرنسي المتدين شارل بيجي، ~~والشاعر البلجيكي فيرهارن، والكاتب الفرنسي بلزاك، وقام بتدريس الأدب في بروكسل وأكسفورد، ~~وكتب العديد من الدراسات النقدية، ونشر مجموعته الشعرية «الرحيل» في سنة 1914، وهي من أهم ~~المجموعات التي صدرت للتعبيرين، استطاع شتادلر أن يدخل الأبيات الطويلة إلى الأدب ~~الألماني، كما استطاع أن يعبر عن روح هذا الجيل الباحث عن نفسه وعن الله، الثائر على ~~الحرب المهلكة التي أرغم على الاشتراك فيها، وكان الشاعر نفسه من أول ضحاياها. وأحب أن ~~أقدم للقارئ هذه القصيدة التي سمى مجموعته باسمها، راجيا أن تلقي شيئا من الضوء على ~~ما قلت: # الرحيل # شدت الأبواق يوما قلبي العجلان حتى نزفت دماه، # وأجفل كالجواد الذي راح من غضبه يعض السور، # قديما أطلقت طبول الزاحفين العاصفة في كل الطرقات، # وبدت لنا روائع الموسيقى كأمطار الرصاص، # ثم ms33 توقفت الحياة فجأة، # انسابت الدروب بين الأشجار العتيقة، # جذبتنا المخادع، # كان جميلا أن نلبث فيها وننسى أنفسنا، # أن نفك عن الجسد أغلال الواقع التي تشبه لباس الحرب المعفر بالتراب، # أن نضطجع منعمين في فراش وثير من الأحلام الناعمة، # وذات صباح تدحرج عبر الهواء المشبع بالضباب صدى النذير خشنا حادا ذا صفير كأنه ~~ضربة سيف. ~~••• # كان أشبه بالأضواء التي تشع فجأة في الظلام، # وصيحات النفير التي ترن مع الفجر في معسكر الجنود، # فيهب النائمون ليزيلوا الخيام ويسرجوا الجياد، # شد وثاقي للصفوف التي اندفعت في الصباح، # والنار تشتعل فوق الخوذة واللجام، # زاحفة للأمام والمعركة في العيون والدماء، # ربما حفت بنا أناشيد النصر في المساء، وربما تمددنا بين الجثث في أي ~~مكان، # ولكن قبل أن يختطفنا الموت وقبل السقوط، ستشرب عيوننا من العالم والشمس حتى ترتوي ~~وتتوهج بالبريق. # من المستحيل أن نسترسل في الكلام عن بقية الشعراء التعبيريين الذين ~~اختفى بعضهم من الحياة الأدبية كما قلت، ولا يزال بعضهم الآخر طي الأدراج والمكتبات ~~والمخطوطات، ولا شك أن كثيرا منهم يستحق وقفة أطول، بل قد يكون جديرا ببحث مستقل، ~~ولكن ضيق المجال يضطرني إلى الاكتفاء بذكر أسمائهم ذكرا عابرا على الرغم مما في هذا ~~من ظلم شديد، لأذكر لك إذن أسماء شعراء مثل تيودور دوبلر، وأغانيه الصوفية والكونية ~~التي تثير التأمل الهادي العميق وفولفنشتين ولشتنشتين وهاردكوبف وقصائدهم المفعمة ~~بالدعابة والسخرية المريرة، وإيفان جول الذي كتب بالفرنسية والألمانية معا، والشاعر ~~العامل باول تسش، وإيرنشتين وليونهارت وهينيكه وغيرهم وغيرهم، وكلها أسماء لمعت كالنجوم ~~القصيرة العمر، وتألقت سنوات معدودة في حديقة التعبيرية التي لم تكد تزدهر حتى ران ~~عليها الذبول ... # | القصة # إذا انتقلنا الآن إلى «نثر» الحركة التعبيرية وجدنا الموقف مختلفا؛ فالقصة والحكاية ~~والرواية الطويلة تحتاج إلى الصبر والعناء والقدرة على البناء والتصميم، والكاتب هنا مطالب ~~بالوصف وخلق الشخصيات وترتيب الأحداث، وما أشقها جميعا على التعبيرية التي كانت في ~~صميمها فورة سخط وصرخة احتجاج! ولا نبالغ إذا قلنا: إن أصحابها قد أبدعوا قصة واحدة في ~~مقابل مائة ms34 قصيدة، ورواية واحدة في مقابل عشرين ديوانا! بل إن الأقصوصة في شكلها المحكم ~~الدقيق تغلب على إنتاجهم النثري أكثر من الرواية التي لا نكاد نعثر لها على أثر. # كانت هناك محاولات لتقديم لون من القصة التعبيرية تستحق منا وقفة قصيرة، نذكر من هذه ~~المحاولات قصتين طريفتين، لن يقلل من طرافتهما أنهما قد أصبحتا الآن طي النسيان، فأما القصة ~~الأولى فهي للكاتب كارل أينشتين (1885-1940) - وهو غير العالم المعروف بالطبع! - الذي اشتهر ~~بتخصصه في تاريخ الفن الزنجي، وقد ظهرت سنة 1910 بعنوان «بييكوان أو هواة المعجزة»، وتتألف ~~من مجموعة من المشاهد الساخرة التي تفتقر إلى الحدث الذي يربط بينها، كما تفتقر إلى الحكاية ~~بمعناها المعروف، ويتحدث الكاتب بنفسه عن أسلوبه الفني فيقول: «يجب أن نتناول المحال (أو ~~العبث) كما لو كان واقعة حقيقية»؛ ولذلك نراه يحاول أن يحرر الأقصوصة من شكلها التقليدي ~~ويحولها إلى نوع من «النثر المطلق» الذي جربه «بول فاليري» في كتابه «المسيوتست»، وهو يشترك ~~مع معظم الكتاب التعبيريين في تقديم ما يسمى بنهر الوعي أو تيار الشعور، ومع أن ~~التعبيريين لم يصلوا إلى نتائج ضخمة في هذا المضمار، ومع أنه لا سبيل إلى مقارنتهم بكاتب ~~مثل جويس أو كاتبة مثل فيرجينيا وولف، فلا شك في أنهم حاولوا أن يضيفوا شيئا إلى ما ~~يعرف بقصة تيار الشعور. # أما القصة الثانية فهي للكاتب ألبرت أيرنشتين (1886-1950) وهو من أكثر التعبيريين تشاؤما ~~ومرارة وسخرية، ومعظم شعره يدور حول توحد الذات واستحالة الحب والاتصال بينها وبين الآخرين، ~~وحول الحرب وخرابها والمدينة الكبيرة وزيفها. # وعنوان القصة هو «توبوتش»، ويصف فيها أفكار رجل تنساب أيامه الخاوية وتتوالى عليه ~~الأسابيع والشهور، وهو عاجز عن ملء فراغها الموحش بعمل أو تجربة أو مغامرة. إن الزمن يدور ~~والفراغ المجدب يدير أفكاره في حلقة فارغة مجدبة. وهنا نضطر مرة أخرى للعودة «لجوتفريد ~~بن»، فربما كانت أهم محاولة من جانب التعبيريين لتحليل الوجدان الحديث هي محاولته التي قام ~~بها في بعض قطعه النثرية التي نشرت بعد موته بعنوان: «الدكتور ms35 رونه»، والدكتور «رونه» هو ~~اسم الشخصية الرئيسية، وهو طبيب يحمل كثيرا من سمات «بن» نفسه، ويحاول المؤلف أن يشركنا ~~في أفكار هذا الطبيب وتأملاته وعذابه الذي يعانيه من برود المجتمع وعدم مبالاته به، ~~واغترابه في العالم الواقعي الذي يحيا فيه، عالم الأمراض والقروح والآلام. # ويمضي هذا الطبيب في اجترار أفكاره الفلسفية، وتلفيق تركيباته وحيله العقلية المعقدة، حتى ~~ينتهي به الأمر إلى الإدمان على المخدرات، وتنتهي به المخدرات إلى الانتحار. # والغريب أن هذه القطع النثرية لا تنطوي على أي حدث ولا تعنى بأي تحليل نفسي. إنها نوع ~~من المونولوج الداخلي الذي تقوم به شخصية تفكر وتشعر دون أي تدخل من المؤلف، وكأنما هو ~~غير موجود أصلا! والواقع أن «بن» لم يبتكر هذا الأسلوب في الكتابة - إذ لولاه ما وجدت ~~الرواية الحديثة - ولكنه كان أول من جربه في الأدب الألماني. # ونصل للحديث عن «كافكا» (1883-1924) الذي يرتبط في أذهان الكثيرين بالحركة التعبيرية، ~~والواقع أن قصص كافكا المحيرة الغامضة لا تتصل بالتعبيرية إلا بصورة غامضة أيضا. # والمعروف أن كافكا كان على اتصال بأوساط التعبيريين في مدينة براغ مسقط رأسه، ومن أبرزهم ~~فرانزفير فل الذي مر الحديث عنه، وماكس برود الذي كتب الرواية التقليدية، واشتهر بإنقاذ ~~آثار كافكا ونشرها والتصرف فيها أيضا! صحيح أن أقاصيص كافكا المبكرة تنطوي على بعض الملامح ~~التعبيرية، ولكن رواياته وقصصه المتأخرة تتجاوز حدود الحركة التعبيرية، وتأسر العقل والقلب ~~بقيمها الشعرية والرمزية الباقية، وربما استطعنا أن نفسر قصته - الحكم، وهي قصة ابن عادي ~~يحكم عليه أبوه بالموت غرقا؛ لأنه أهمل في مراسلة صديقه الغائب في روسيا - بأنها قد ~~كتبت تحت تأثير الموضوع الرئيسي الذي شغل التعبيريين في مسرحهم بوجه خاص، وهو موضوع ~~الصراع بين الآباء والأبناء، وربما استطعنا أيضا أن نفسر قصته المشهورة «التحولات»، وهي ~~التي تروي تفاصيل واقعية دقيقة عن حادثة غير واقعية، وهي تحول موظف بسيط - قومسيونجي - في ~~إحدى الشركات إلى حيوان مقزز يشبه الجعران أو الخنفساء، وموقفه من العالم المحيط به بعد هذا ~~التحول وموقف والديه وشقيقته ms36 منه، قد نستطيع أن نفسرها بأنها من نوع القصص الغريبة المريرة ~~السخرية التي كان يحبها التعبيريون. وقد يمكننا أخيرا أن نقارن بين قصته - أو نبوءته عن ~~أهوال التعذيب في الحرب وفي العالم الحديث «في معسكر العقاب»، وهي تصف آلة تعذيب رهيبة ~~معقدة، وعذاب إنسان يمدد فوقها - وبين قصص التعبيريين وأشعارهم التي تكشف عن فظاعة الإنسان ~~وقدرته الغريبة على القسوة والبشاعة. غير أن كل هذه المقارنات والتفسيرات لا تجعل من كافكا ~~كاتبا تعبيريا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ولا تزيد صلته بالأدباء التعبيريين عن تلك ~~الصلة الغامضة التي تجمع بين الموضوعات المتقاربة التي يعالجها الأدباء بوجه عام. بل نستطيع ~~أن نذهب إلى أبعد من هذا فنقول: إن أسلوب كافكا وروحه الشاعرية والرمزية الشاملة تميزه ~~بصورة واضحة عن التعبيرين، وربما وضعته في الطرف المقابل لهم، فأسلوبه يتميز عن أسلوبهم ~~بأنه دقيق هادئ مركز شديد الوضوح والبساطة، بعيد عن التأثر العاطفي، حريص على سرد الدقائق ~~المرهقة والتفاصيل الموضوعية المضنية عن أشياء وأحداث بعيدة كل البعد عن الواقع والمألوف، ~~وما أبعد هذا عن صرخات التعبيريين وصيحاتهم وأسلوبهم الذاتي والعاطفي المسرف! أضف إلى ذلك ~~أن كافكا يروي قصصه ورواياته بطريقة تقليدية، ويقدم أحداثا ذات بداية ووسط ونهاية، بصرف ~~النظر عن كون هذه الأحداث بطبيعتها وهمية أو غير واقعية أو فوق الواقعية. ثم إن بناء قصصه ~~ورواياته أقرب إلى الحكاية القصيرة أو قصص الجن الخرافية أو القصص التي تضرب للمثل ~~والموعظة؛ ولهذا فهي تنطوي دائما على معنى خفي اختلف المفسرون - وما زالوا مختلفين - ~~حول طبيعته الدينية أو الميتافيزيقية أو الاجتماعية أو الصوفية أو التنبؤية، ولكنهم لا ~~يختلفون حول قيمتها الإنسانية التي تتخطى أسوار الزمان والمكان والحركات والمدارس الأدبية ~~المحددة. # وهذه القيم الرمزية والشاعرية الشاملة في أعمال كافكا هي التي تبعده عن أعمال ~~التعبيريين، لا بل تضعه في الطرف المناقض لهم كما قدمت. والسبب بسيط؛ فالرمزية تخالف ~~المبادئ التي سار عليها التعبيريون. إنهم يميلون للوضوح المباشر الذي يوشك أن يكون استغاثة ~~وصراخا، ومعانيهم الخفية دائما على شفاههم وأطراف ms37 ألسنتهم، وهم يقولون دائما ما يريدون ~~قوله. قد يكون هناك «جو» مشترك بينهم وبين كافكا، ولكن ما أبعد صيحاتهم المجلجلة عن لمحات ~~كافكا وهمساته الموحية، ودورانه المضني حول الشيء والمعنى خشية أن يحدده أو يفصح عنه ~~... # وما أعظم الفرق بين صراخ أبطالهم واحتجاجهم البليغ وبين احتجاج أبطال كافكا الوحيدين ~~المنكسرين الضائعين في دوائر ومتاهات عقيمة لا متناهية! (هذا إذا جاز القول بأن لديه ~~أبطالا أو أنهم كذلك يحتجون!) # ويكفي أن أذكر لك هذا المثل من أحاديثه الرائعة مع الكاتب التشيكي جوستاف يانوخ، فقد قدم ~~له هذا مجموعة مختارة من شعر التعبيريين (لا شك أنها فجر الإنسانية التي أشرت إليها) ~~وسأله عن رأيه فيها، فقال له كافكا بصوته الهادئ العميق: «هذا الكتاب يحزنني. إن الشعراء ~~يمدون أيديهم للناس، ولكن الناس لا ترى منهم الأيدي الصديقة، بل القبضات المتشنجة التي تريد ~~أن تصيب الأعين والقلوب.» # ويسري هذا الكلام نفسه على أعمال الروائيين الكبيرين: ألفرد دوبلن (1878-1957) وروبرت ~~موزيل (1880-1942) وهما - إلى جانب توماس مان - من أكبر كتاب الرواية في الأدب الألماني ~~في القرن العشرين. # أما «موزيل» فيشغل القراء والدارسين بصورة هائلة في هذه الأيام؛ فهو يعد من أقطاب ~~الرواية الحديثة (وهي غير الرواية الجديدة المعروفة الآن في فرنسا!) التي تعتمد على ~~المونتاج والمونولوج الداخلي وتضمين الدراسات والمقالات العلمية والفلسفية في سباق القصة ~~والقضاء على وحدة الحدث والشخصية ... إلخ؛ أي الرواية التي لم تعد رواية بالمعنى ~~التقليدي! # ورواية موزيل الأولى «اضطرابات التلميذ تورليس» التي ظهرت سنة 1906 تدور في فلك ~~التعبيرية. إنها تتناول حياة مراهق صغير في مدرسة داخلية، ومشكلاته الروحية والنفسية التي ~~يعانيها، وهي تتصل من هذه الناحية بالمحاولات التي ذكرناها لجوتفريد بن وألبرت أيرنشتين ~~وكارل أينشتين، ولكنها تختلف عنها من حيث أسلوبها الفلسفي الصارم، وقدرتها على مناقشة ~~المشكلات العقلية والنفسية المعقدة، وتمكن صاحبها من التيارات والمذاهب الفكرية ~~والحضارية، وكلها خصائص بلغت غاية النضج والاكتمال في روايته الكبرى «رجل بلا صفات» التي لا ~~شك في أن صاحبها قد وثب بها وثبة بعيدة ms38 تجاوزت حدود التعبيرية ومملكتها الضيقة ... ونخطئ لو ~~تصورنا أن «تورليس» من نوع القصص الواقعية والنفسية التي وضعها كثير من الكتاب تحت تأثير ~~فرويد أو غيره من علماء النفس، وتناولوا فيها متاعب هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان. إن ~~الكاتب نفسه يحذرنا من هذا التصور، ويقول: إن التفسير الواقعي للحدث الواقعي لا يهمه في ~~شيء؛ فذاكرته - كما يقول - ضعيفة، والوقائع يمكن أن تحل إحداها محل الأخرى، والذي يعنيه ~~في المقام الأول هو ما يدل عليه الحدث أو تدل عليه مادة القصة من خصائص عقلية أو روحية ~~مميزة وما تنطوي عليه من صفات تخيف كما تخيف الأشباح ... فاضطرابات الفتى تورليس لا قيمة ~~لها عنده؛ ولذلك جردها قبل البدء في كتابة قصته من كل أثر للبيئة أو الواقع، كيف السبيل ~~إذن إلى فهم القصة أو تذوقها بعد استبعاد التفسير النفسي والاجتماعي لها؟ لا بد أن نحاول ~~ذلك من داخلها، أي بدراسة بنائها ومعرفة القوانين التي تقوم عليها. # والقصة - كما قدمت - تختلف عن القصص التقليدية؛ فهي تعنى بالتحليل أكثر من عنايتها ~~بالأحداث. وهي لا تنقسم إلى فصول، بل تمضي كأنما كتبت في نفس واحد، تتخلله فقرات ~~تتراوح بين الطول والقصر، ومع ذلك فيمكن أن تنقسم من حيث البناء إلى ثلاثة أقسام: يصور ~~الأول مساء يوم رحيل والدي «تورليس» اللذين كانا في زيارته، وجلسته مع صديقه «بينبرج» في ~~أحد المحال التي تقدم الحلوى ثم زيارتهما للبغي بوزينا، ويتعرض القسم الأوسط ~~للاضطرابات التي يعانيها الفتى، ويحلل المشاعر والأفكار التي تدور في نفسه والقوانين التي ~~تربط بينها بمناسبة حادثة سرقة ارتكبها زميله الشاذ بازينيس وعوقب بسببها، ثم ينتهي القسم ~~الأخير بخروجه من المعهد الذي كان يقيم فيه إقامة داخلية. # ويلاحظ القارئ أن الحدث والحكاية والشخصية والأوصاف الخارجية والتتابع الزمني وغيرها من ~~مقومات القصة التقليدية لم تعد لها أهمية إلا بقدر ما تتيح للكاتب تحليل المشاعر والأفكار ~~التي تدور في عالم الباطن، ويتفق هذا مع رأي موزيل في الرواية الجديدة التي لا ينبغي أن ~~تهدف للتسلية، بل يجب ms39 أن تعين على السيطرة العقلية والروحية على العالم. # وتأتي أهمية هذه الرواية القصيرة من أنها تفتح للرواية العادية - ذات البعد الواحد - ~~آفاقا وأبعادا أخرى جديدة، وتنقلها من عالم الواقع الثابت إلى عالم الإمكان - وهو العالم ~~الوحيد الجدير باهتمام الفن - ومن التسلسل الزمني المطرد إلى تصوير اللحظات الحية الممتلئة ~~التي تضم الماضي والحاضر والمستقبل، والتذكر والإحساس والتنبؤ في لحظة واحدة تنطوي على ~~تجارب عقلية ونفسية لا آخر لها، وتسمح بتحليلات ومناقشات مسهبة يتجاور فيها الممكن والواقع، ~~ويفقد الواقع الخارجي تماسكه، والزمن المألوف تسلسله التاريخي، ويؤثر هذا كله على بناء ~~الرواية ولغتها ومواقفها التي تعكس اضطرابات «تورليس» وأزماته الباطنة وتأملاته ~~الوحيدة. # صحيح أن موزيل لم يحقق نظريته الفنية عن الرواية الجديدة بصورة مرضية إلا في روايته ~~الكبرى التي أشرت إليها، ولكن سخطه على الرواية التقليدية وسعيه لتفكيك شكلها التقليدي كانا ~~شيئا تأثر فيه بالجو التعبيري العام من حوله، وشاركته فيه تجارب قصصية وروائية ظهرت في نفس ~~الفترة بأقلام شعراء وكتاب مثل رلكه وبن وكافكا. # ويسري هذا أيضا على الطبيب والكاتب ألفرد دوبلن؛ فقصصه الأولى التي وضع لها هذا العنوان ~~الغريب: «اغتيال زهرة شقيق أصفر» (1913) تضم مجموعة من الشطحات والهلوسات والتأملات ~~المضطربة التي تدور في ذهن طبيب نفساني وتصدر عن نزعة تعبيرية واضحة، أما رواياته المتأخرة ~~فتبتعد عن التعبيرية بمعناها الدقيق. ويصدق هذا على روايته «وثبات وانج لون الثلاث» (1915) ~~التي تقدم لوحات مثيرة رائعة عن ثائر صيني ينتهي به المطاف إلى العدول عن العنف والبطش ~~والإيمان بالسلام والتسليم بالقدر، كما يصدق على روايته الكبرى «برلين - ميدان ألكسندر» ~~التي كانت جديرة بأن تصبح «الرواية» التعبيرية بحق، لولا أنها كتبت في سنة 1929، أي بعد ~~ذبول الحركة التعبيرية وانطفائها، ولولا أنها تلجأ إلى أساليب وتجارب شكلية عديدة كأسلوب ~~«المونتاج» و«الريبورتاج» الذي يكدس آلاف المعلومات والوثائق وأخبار الصحف والإعلانات ~~وأنباء الطقس وتعليمات السجون والسكك الحديدية وأغاني الأطفال والباعة المتجولين ولغة ~~الدواوين الحكومية إلى جانب لغة الشعراء وكبار الكتاب، كما تلجأ في بعض أجزائها إلى ~~الأسلوب الواقعي الدقيق، ms40 وفي بعضها الآخر إلى شاعرية المونولوج الباطني وتضمين المقالات ~~والدراسات العلمية المفككة والقصص والأمثلة الجانبية العديدة، والنصوص المقتبسة من الكتب ~~المقدسة، وعرض الحدث الواحد من زوايا مختلفة وعلى مستويات مختلفة تعكس اضطراب الحياة ~~الحديثة وفوضاها؛ لولا هذا كله لقيل عنها إنها الرواية التعبيرية بحق، ومع هذا فهي تشارك ~~التعبيرية في مهاجمة المجتمع البرجوازي وبيان أخطار المدينة على كيان الفرد، وتتبع حياة ~~إنسان بسيط كادح يتحطم على صخرة المجتمع وتقاليده ونظمه وأفكاره البالية. إنها تمثل ذروة ~~النثر التعبيري وتتجاوزه في آن واحد إلى نوع من الأسلوب الواقعي الذي تطورت إليه الرواية ~~بعد العشرينيات، وأطلق عليه النقاد اسم «الواقعية الجديدة» أو ربما سموه كذلك «الموضوعية ~~الجديدة». # لم تكن رواية «برلين - ميدان ألكسندر» أول رواية يكتبها دوبلن عن المدينة الكبيرة، فقد ~~نشر في سنة 1924 رواية «يوتوبية» # 1 # بعنوان «جبال وبحار وعمالقة»، تضمنت مجموعة من الرؤى المخيفة التي تصور ~~«التكنيك» أو «التقنية» وجبروت المدينة الكبيرة التي تفوق الطبيعة نفسها قوة وجبروتا. ~~ثم ظهرت هذه الرؤى في صور أشمل وأعقد وأروع في هذه الرواية الكبرى التي تعد بحق بداية مرحلة ~~جديدة في هذا الفن، وتجربة لا تقل عن التجارب التي قدمها جويس الأيرلندي في «يوليسيس»، ~~ودوس باسوس الأمريكي في روايته عن مدينة نيويورك «قطار مانهاتن». # والرواية ملحمة تلعب فيها المدينة الكبيرة دور البطل الحقيقي، ولكنها تحمل عنوانا ~~فرعيا نعلم منه أنها تروي قصة «فرانزبيبر كوبف»، وهو اسم «بطلها» الذي يروي حياته ~~المضطربة في حضيض المدينة الكبيرة ودهاليزها السفلية المظلمة. إنه قاتل ولص ونزيل سجون ~~ومزور وقواد ... كان يعمل شيالا لنقل الأثاث ثم سجن أربع سنوات؛ لأن الغيرة دفعته ~~إلى جرح صديقته جرحا أدى إلى موتها. # وتبدأ الرواية بعد إطلاق سراحه وخروجه كالمجنون إلى الشوارع ليجد العقاب الحقيقي في ~~انتظاره، ويتصعلك ويشقى من عمل إلى عمل، بحثا عن مكان وسط زحام المدينة ورعبها. إنه في ~~صميم قلبه يريد أن يحيا حياة شريفة مستقيمة، ولكنه يضطر أن يتشرد من حرفة إلى حرفة، ويتقلب ~~من تجربة مرة ms41 إلى تجربة أمر، ويفقد ذراعه اليمنى ظلما وغدرا، ويقتنع في النهاية بأن ~~النصب والغش والسرقة والاحتيال هي مواد القانون الذي يحكم العالم، وينضم لعصابة من القوادين ~~واللصوص تستغله أبشع استغلال، ويقتل رئيسها صديقته - وهي بغي كانت تحاول أن تساعده ~~وتكشف عن أعدائه - ويلبث فترة في مستشفى للمجانين فريسة اليأس إلى أن يتم اكتشاف القاتل ~~الحقيقي، ويتحدث الناس عن قصة حبه وتروي الصحف مأساته، وتعرض عليه في النهاية وظيفة ~~متواضعة يقبلها ويصبح مساعد بواب في أحد المصانع! # بهذا يختم الكاتب قصة إنسان (من أبطال هذا الزمان!) تقلب بين دهاليز المدينة وحاناتها ~~البائسة ومجرميها ولصوصها وأهلها الكادحين الفقراء، ولكنه لم يقدم قصة هذا الإنسان العادي ~~لذاتها ... ولم يقصد أن تكون تقريرا عن بيئة العمال الفقراء، بل أراد أن تكون مثلا يتأمله ~~كل الذين لم يسمعوا عنه من جمهور القراء، وكل إنسان يسكن مثله في جلد آدمي ويطلب من الحياة ~~شيئا يزيد على الخبز اليومي ... إن «بيير كويف» رجل عادي تافه لا ينفرد بميزة خاصة، يحاول ~~عبثا أن يحيا حياة مستقيمة فيخفق في كل محاولاته. ومع ذلك فإننا نشاركه آلامه ونفهم ~~سلوكه، ونعرف أن ما يحدث له قد يحدث لكل واحد فينا. ومن هنا فهو يمثل نموذج الفرد الذي ~~خربته قيم الجماعة وجنت عليه. إنه بطل عصرنا ومدننا ومجتمعنا، وهو أيضا ضحيته وشهيده، ~~وهو يعرض علينا لوحة بيئة كاملة، تغلي بمختلف التيارات الروحية والفكرية، وتزدحم بألوان ~~من البؤس والضعة والشقاء لم يعد من الممكن السكوت عليها أو الوقوف منها كأنها قدر محتوم لا ~~يتغير، هو في النهاية قدر المدينة الكبيرة التي يتحطم هذا البطل الصغير في أوكارها وجحورها ~~وشوارعها المسفلتة، ويتدحرج في حضيضها المظلم درجة درجة كأنه «أيوب» معاصر ... # وأخيرا فإن قصة هذا الرجل العادي «فرانزبيبر كويف» هي في الحقيقة رمز «كل إنسان» كما ~~عرفته العصور الوسطى المسيحية، قصة ابن آدم المذنب الذي يسير من الظلام إلى النور، ويشق ~~طريقه في هذه الدنيا وسط الخطايا والآلام، ويظل يتخبط في تجاربه وأيامه وأعماله بلا ms42 تطور ~~ولا معرفة، حتى يطهره الموت في النهاية ويمنحه المعرفة والبصيرة، ولكنها معرفة الثائر ~~المتمرد لا الخاضع المستسلم، وبصيرة الزاحف المتضامن مع إخوته من البشر لتحطيم «بابل ~~الفاجرة» حتى يبزغ فجر العالم الجديد والحرية الجديدة من بين الأنقاض ... # ولعل هذه الرواية أن تكون هي علامة الطريق البارزة نحو التحول الذي طرأ على الأدب ~~الأوروبي بعد غروب التعبيرية. # ولا أحب أن أختم هذه الكلمات السريعة عن النثر التعبيري قبل الإشارة إلى الكاتب «هانز ~~هيني يان» (1894-1959): إنه من أتعس الكتاب الألمان حظا في القرن العشرين سواء عند ~~القراء أو النقاد! ويبدو أن لغته المعقدة المثقلة بالرموز والتجارب اللفظية والشكلية، ~~وعالمه الفوضوي المشحون بالتجديف والشذوذ والتحليلات المرهقة لنوازع النفس المظلمة وصراعها ~~بين قوى الشر الكامنة فيها وبين أشواقها للخلاص من قيود الواقع والغريزة؛ يبدو أن هذا كله ~~قد ساهم في بؤس حظه وبقائه حتى الآن في الظل على الرغم من نبوغه وتفوقه. وأحب أن أذكر أولى ~~رواياته وهي «بيروديا» (1929) التي كتبها بأسلوب صوفي غني بالرؤى والصور الغريبة التي ~~تجعلها قريبة من الروح التعبيرية شديدة التأثر بها. # | المسرح # إذا كان إنتاج التعبيريين في القصة والرواية شحيحا، فهو على خشبة المسرح خصب شديد ~~الخصوبة. إنه ينبع كذلك من خيبة أملهم في المدينة الكبيرة، ومفهوم العلم والتقدم كما شاع في ~~أوائل القرن، وشوقهم للعثور على الإنسان وسط ضجيج الحروب والآلات. # لقد كتبوا عددا هائلا من المسرحيات التي لا تكاد تجد من يذكرها اليوم، فهي لا تعرض ~~على المسرح إلا في حالات نادرة، ولا تكاد تظهر في المجموعات المنتخبة من التمثيليات. قد ~~يكون السبب في هذا هو الحظ البائس الذي يغتال أعمال الإنسان ويحيل شعلتها إلى رماد. وقد ~~يكون ظلما بالغا لحق بعدد من هذه المسرحيات التي لا تزال جديرة بأن تقرأ في الكتب ~~وتشاهد في ملاعب التمثيل. ولكن مهما يكن السبب في هذا الظلم أو هذا الجحود فإن مسرحهم ~~يستحق أن نقف عنده قليلا. وقد كنت أتمنى أن أقدم للقارئ فكرة مفصلة عنه، ولكن ضيق ms43 المجال ~~يضطرني مرة أخرى إلى الإيجاز، # 1 # كما يضطرني إلى شيء آخر تكرهه نفسي وتؤمن بأنه يخنق الأعمال الأدبية والفنية ~~ويشوهها، وأعني به تلخيص هذه الأعمال ... # وعذري الوحيد على كل حال أنني كتبت في موضع آخر دراسة عن هذا المسرح، أرجو أن تظهر مع ~~بعض نماذجه في وقت قريب. # كانت هذه هي حالة المسرح في سنة 1900 على وجه التقريب. # فالدراما الكلاسيكية التي أبدعها كتاب كبار مثل لسينج وجوته وشيلر، ثم واصل السير فيها ~~هيبيل - أعظم التراجيديين الألمان في القرن التاسع عشر - وجريليارزر - أكبر كتاب المسرح ~~النمسويين - قد انتهت إلى نوع من الكلاسيكية الجديدة التي تتسم بالضعف والملل. وكانت ~~المدرسة الطبيعية قد التزمت بالدراما التحليلية والواقعية مقتدية في ذلك بإبسن. # وجاء التعبيريون فأعلنوا ثورتهم على كل النماذج التقليدية، واتجهوا بطبيعتهم إلى النماذج ~~الثورية التي وجدوها في حركة العاصفة والاندفاع، # 2 # كما وجدوها في صورة رائعة مذهلة في مسرحيات جورج بوشنر، وبخاصة مسرحيته الجريئة فويسك # 3 # وفي مسرحيات فيديكتد (1864-1918) أو لوحاته الرمزية الساخرة، وأخيرا في أعمال ~~سترندبرج، الكاتب السويدي العظيم الذي أثر على المسرح الحديث كله، كانت مسرحيات سترندبرج ~~المتأخرة أو بالأحرى لوحاته أو «محطاته» الدرامية المفعمة بالتشاؤم والعنف وصراع القوى ~~الدفينة في أعماق النفس المقهورة الثائرة هي التي تركت أكبر الأثر على التعبيريين. وكانت ~~طريقته في رسم مجموعة من الصور والمشاهد المتتابعة التي تستغني عن البناء التقليدي المتطور ~~بالحدث من أهم العوامل التي طبعت أسلوبهم في الكتابة للمسرح. أعجبهم من مسرحياته المشهورة ~~(كالطريق إلى دمشق ولعبة الحلم وسوناته الأشباح) أنها لا تقدم شخصيات فردية، بل نماذج ~~وأنماطا عامة تحمل أسماء عامة كالابن، والمجهول، والشحاذ، والصديق، والشاعر، والعجوز، ~~والميت، وهو، وهي ... إلخ، وكلها تنطق بمشاعر المؤلف وتعبر عن القضايا والأفكار التي شغلته ~~في الدين والنفس والأسرة والمجتمع، وجعلته يضع شخصية الإنسان المعذب بالبحث عن نفسه وخالقه ~~في مركز أعماله، بل في قلب الأدب الحديث من بعده. # أخذ التعبيريون من سترندبرج أسلوبه الفني، وإن لم يأخذوا شيئا من مشكلاته الذاتية ~~الأليمة ms44 التي نجمت عن إخفاقه المستمر في الزواج والحياة. لقد كانوا بطبعهم بعيدين عن ~~المسائل الاجتماعية والنفسية المحددة، وكان كل همهم أن يجسدوا أفكارهم العامة وثورتهم ~~المطلقة على خشبة المسرح. # ولكن ما هي هذه الأفكار العامة، وعلى أي شيء يثورون؟ إنهم يثورون على المدنية التي أفسدت ~~الإنسان وعلمته أن يكون وحشا قاسيا شريرا. ويهاجمون الحياة في المدن الكبيرة التي تسحق ~~الفرد (أو إن شئت الفنان) وتدمر حريته، وتحكم عليه بالبؤس والانتحار البطيء ضحية التجار ~~والنفعيين والبرجوازيين الأغبياء المطمئنين. وهم في النهاية يحلمون «بالإنسان الجديد» الذي ~~يستطيع وحده أن ينقذ الإنسان «الأخ» الوحيد البريء العاري الباحث عن نفسه الباطنة الأصيلة، ~~وطبيعي أن يصبح بطل الدراما التعبيرية هو الشاب المتمرد الثائر على عالم الآباء، وأن يكون ~~الصراع بين الابن والأب هو المشكلة الأساسية التي تدور حولها معظم مسرحياتهم، وأن يكافح هذا ~~الابن البريء اليائس في البحث عن الطريق الذي ينقذه وينقذ معه البشرية المعذبة. # تلك هي المشكلة الأساسية كما قلت، تتخذ شكلا دينيا أو اجتماعيا أو فلسفيا أو ~~سياسيا على اختلاف الأحوال، ولكنها تظل مشكلة المشاكل على كل حال. # هنا يصطدم القديم والجديد، والشر والخير، والآباء والأبناء، ولكن التعبيريين لا يريدون أن ~~يقدموا تحليلات نفسية واجتماعية واقعية، بقدر ما يريدون التعبير عن عاطفة الثورة بما هي ~~ثورة، وتجسيد عذاب الثائر ومخاوفه وآلامه، والتبشير بعالم جديد وعهد جديد ومملكة نقية يحيا ~~فيها «الإنسان»، مملكة جديدة يتحرر فيها من كل سلطة وسلطان، ومن كل ظلم واستغلال وامتهان؛ ~~أي يتحرر فيها من كل الآباء ...! # وطبيعي أن التعبير عن الثورة المطلقة أو التمرد الخالص لا يحتاج إلى شخصيات فردية محددة، ~~ذات كيان وتاريخ محدد؛ لذلك نجد التعبيريين يلجئون للنماذج والأنماط العامة، ويديرون الصراع ~~في مسرحهم بين «الأب» و«الابن» والمدير والعامل، والرجل والمرأة. كما نجد الحوار يفقد ~~وظيفته الأساسية، فيشيع في أعمالهم جو شاعري مسرف في شاعريته، وتجري على ألسنتهم لغة ~~مجنحة متوهجة، ويصبح المونولوج (أي حوار الشخصية الوحيدة مع نفسها) هو المحرك الأول للوحات ~~والمشاهد المتتابعة، بحيث ms45 يتعذر آخر الأمر أن تسمى هذه المجموعة من اللوحات والمشاهد ~~«تراجيديا» أو «كوميديا» بالمعنى المألوف من هاتين الكلمتين، بل ويتعذر أن تنطبق عليها أية ~~كلمة تدل على نوع من الأنواع الأدبية التي أراد التعبيريون تحطيمها وتمزيق أشكالها. وقد ~~نذهب إلى أبعد من هذا فنقول: إن من الصعب أن نسميها «مسرحيات» ... وربما كان الأوفق أن ~~نسميها رسائل أو اعترافات درامية، أو رؤى عاطفية وفكرية، أو لوحات تبشيرية بالمستقبل الذي ~~لم يولد بعد، والإنسانية التي كانوا يحلمون وما زلنا نحلم بها. # إن الاعتراف والحماس الشاعري يحلان محل التوتر الدرامي، والوسائل المسرحية تبلغ أقصى حد ~~من التطرف والمبالغة، والممثلون يصرخون ويصيحون أو يهمسون ويتمتمون وينشجون بالبكاء، ~~والإشارات والإيماءات تنقلب إلى نوع من «البانتوميم» أو التمثيل الإيقاعي الصامت الذي يغلب ~~على المشاهد المؤثرة، ويغني بالتعبير الجسدي والروحي عن الألفاظ والكلمات، والمناظر تتغير ~~فوق خشبة المسرح أو بالأحرى تختفي منها، فليست هناك تجهيزات آلية معقدة، ولا قطع ديكور ~~ثقيلة من النوع الذي يستخدم في المسرحيات الطبيعية والتاريخية، بل يكاد المسرح أن يكون ~~عاريا من كل شيء؛ رغبة في إثارة خيال المتفرج والإيحاء عن طريق التجريد والتعميم. إن ~~المتفرج مدعو للاستجابة للنداء الذي يتجسد الآن أمامه، مدعو لاتخاذ موقف، ولا بد من ~~إخراجه من تحت عباءة «الوهم» التي أسدلها عليه المسرح الكلاسيكي (الذي كان مسرح وهم ~~بالأصالة). # ومع أن المسرح التعبيري لا يزيل هذا الوهم إلا ليحل مكانه وهما آخر، ولا يقضي تماما ~~على «اندماج» المتفرج في المشاهد والأحداث التي تجري أمامه - وهي مشكلة المسرح الحديث ~~والمعاصر بوجه عام؛ فلا شك أن التعبيريين قد حاولوا شيئا مما نحاول اليوم، وسبقوا إلى نوع ~~من «الإغراب» الذي نسمع عنه كثيرا في هذه الأيام كلما تحدث الناس عن برشت أو مسرح ~~اللامعقول أو المسرح التسجيلي أو المسرح الخالص أو العرض التمثيلي الذي يحاول التخلص من ~~سلطان الأدب ليعطي للجسد حقه في الحركة والتعبير ... # ولعل أهم ظاهرة في المسرح التعبيري هي الضوء. لقد أصبحت له وظيفة أساسية. بل لا نبالغ ms46 إذا ~~قلنا: إنه أصبح البطل الحقيقي في المسرحية. إنه يركز على الشخصيات الرئيسية، ويخلق الظلال ~~والأشباح الغامضة المفعمة بالأسرار، وقد يطفأ تماما فيخيم الظلام المطلق الذي يساعد على ~~زيادة التأثير وتحريك عاطفة المتفرج وتفكيره وخياله، وأخيرا فإن التمثيل يتم على مستويات ~~مختلفة وفي وقت واحد، فيسلط الضوء على جانب آخر من المسرح دون حاجة إلى رفع الستار عن أحد ~~المشاهد (الخالية بالطبع من الديكور) لينقلنا إلى مكان أو زمان آخر. وكلها أشياء يعرفها ~~المتفرج الذي يتردد على المسرح، وتؤكد ما يقوله بحق بعض رجاله من أن المخرج ومهندس الضوء ~~والصوت يساهمون بدور هام في خلق العرض المسرحي أو تأليفه. # والنتيجة التي نخرج بها من هذا كله هي أن عرض الأفكار والمشاعر عرضا مجردا يسمح بالتحرر ~~من قيود الوحدات الثلاث المشهورة التي أشار إليها أرسطو في «فن الشعر» (وهي الزمان والمكان ~~والحدث)، ويسمح كذلك بتصوير ما كان من قبل مستحيلا أو عسيرا، أي بتصوير الحلم والرؤية، ~~والسماء والجحيم، والفقير والمليونير، والمجرم والقديس. إن كل ما تهجس به النفس أو يهمس به ~~القلب يتجسد على المسرح في صورة مرئية. وكل فنون الديكور والإخراج والإضاءة والملابس والرقص ~~والإلقاء تسخر الآن لإثارة وجدان المتفرج وإقناعه بالدعوة الجديدة للإنسانية الجديدة ... ~~أي إنها تشترك في خلق ما يسمى الآن بالمسرح الشامل. # ولعل التعبيريين هم أول من حاول إقامة المسرح الشامل الذي يتردد الحديث عنه في هذه ~~الأيام، وهو مسرح يجمع بين عناصر مختلفة كالكلمة والنغم والرقص والإضاءة والحركة والفن ~~التشكيلي. ويشترك الممثل - الذي يطلب منه أن يكون راقصا كذلك! - مع المؤلف والمخرج ~~والمثال والرسام والموسيقي ومصمم الأزياء والأقنعة ومهندس الإضاءة بنصيب متساو. إنه ~~مسرح مثالي مجرد، أو هو في صميمه تجربة لا تقوم على الكلمة بكل ما تحمله من معان وآراء ~~وفلسفات، بل على الإيقاع الشامل الذي يؤلف بين هذه الفنون المختلفة. وقد قدمت أول تجربة ~~له مع تقديم مسرحية الرسام والكاتب المسرحي النمسوي الشهير أوسكار كوكوشكا «أبو الهول ورجل ~~من القش» (وقد غير عنوانها بعد ms47 ذلك فظهرت سنة 1917 بعنوان أيوب على مسرح زيورخ، واستخدمت ~~فيها معظم الوسائل التعبيرية السابقة)، ثم توجت هذه التجارب جميعا في محاولات المخرج ~~الشهير أرفن بسكاتور الذي بدأت فكرته عن المسرح الشامل تحت تأثير التعبيرية، ولا زالت حية ~~إلى الآن فيما يسمى بمسرح الطليعة والمسرح السياسي (الذي تعاون الأستاذان: ألفريد فرج وسعد ~~أردش على نجاحه في بلادنا عندما قدما مسرحية النار والزيتون على المسرح القومي). # غير أن هذا المسرح ظل أقرب إلى الفنون التشكيلية منه إلى الدراما، وإلى العرض منه إلى ~~التعبير؛ ولذلك أراد الأدباء أن يخلقوا مسرحهم الشعري الذي يختلف عنه ويستفيد منه في آن ~~واحد، ويقوم على الكلمة المتفجرة التي تلقى من على خشبة المسرح حاملة رسالة هؤلاء ~~الشباب وسخطهم على عالم ليس كما ينبغي له أن يكون! وكانت مسرحيات «الابن» (1914) - وسيأتي ~~الحديث عنها - لفالتر هازنكليفر، والشاعر لرينهارد زورجه (1912) من أوائل هذه المسرحيات، ثم ~~ظهرت المسرحيات السياسية بعد ثورة 1918 الاشتراكية الفاشلة، في كتابات عدد من التعبيريين ~~الغاضبين على الحرب المنادين بمجتمع إنساني جديد، وظهرت معها الحاجة إلى المسرح السياسي ~~الذي ينقذ المجتمع ويستثير الجماهير إلى العمل والتغيير والكفاح، فكان مسرح بسكاتور ~~السياسي، ومن بعده مسرح برشت الملحمي. # وإذا انتقلنا للكلام عن بعض كتاب المسرح التعبيري وجدنا أسماء عديدة ونماذج مغرية لا ~~حصر لها. # يمكننا أن نبدأ بكارل شتيرنهيم (1878-1942) الذي تميز بكوميدياته «الجيدة الصنع» التي ~~هاجم فيها المجتمع البرجوازي وتقاليده ومثله هجوما ساخرا مرا لا رحمة فيه، ووضعها ~~تحت هذا العنوان الطريف: «مشاهد من الحياة البطولية للبرجوازية»، ومن أهمها: «السراويل» ~~و«المتحذلق»، وهما من أنجح كوميدياته وأكثر رواجا إلى اليوم. # ونذكر كذلك أكبر كتاب المسرح التعبيري وأخصبهم إنتاجا وأكثرهم قدرة على البناء ~~الدرامي وهو جورج كايزر (1878-1945) الذي سيطر على المسرح الألماني في العشرينيات، كما تذكر ~~مسرحياته الفكرية والاجتماعية البارعة مثل «مواطني كاليه»، و«من الصباح إلى منتصف الليل» ~~وثلاثيته «غاز». # ولكن لا بد من القول بأن عددا قليلا من مسرحيات كايزر المبكرة هي التي تنتمي للمرحلة التعبيرية، # 4 ms48 # أما مسرحياته الكبيرة المتقنة المحكمة البناء فهي تتجاوزها من ناحية ~~الزمن والصنعة جميعا. # ثم نذكر رينهارد زورجه (1892-1916) الذي سقط في عنفوان شبابه في الحرب العالمية الأولى، ~~وتميز شعره بالثورة على النزعة الطبيعية والمادية. كما تميزت مسرحياته الرمزية الحالمة ~~التي توشك أن تقوم على المونولوج بالدعوة إلى تجديد الإنسان وإحياء العقيدة في نفسه والعودة ~~إلى تمثيليات الأسرار في العصور الوسطى. # وأوضح مثل لهذا هو مسرحيته «الشحاذ» التي تتحول قرب نهايتها إلى قداس ينشد على ~~المسرح (ولا ننسى بهذه المناسبة أن معظم المسرحيات التعبيرية قريبة من أشكال التأليف ~~الموسيقي وبخاصة الأوبرا). # ثم نذكر مسرحيات: «الشباب» (1916) و«الوحيد» # 5 ~~(1917) و«الملك» (1920) للكاتب المسرحي هانزيوست (1890) الذي رأس اتحاد الكتاب ~~وأكاديمية الأدب في العهد النازي، ووجهت إليه تهمة التعاون مع هذا النظام في قضية مشهورة ~~سنة 1949. # وقد بدأ حياته بكتابة مسرحيات تعبيرية خالصة اتبع فيها أسلوب المونولوج والمشاهد ~~المتوالية، وتناول مشكلات الشباب الحائر الباحث عن نفسه، ثم تطرق منها إلى المسرحيات ~~التاريخية، وأصبح كاتب المسرح الأول في ظل النازيين وداعيتهم الأكبر إلى التفوق العنصري، ~~وبذلك سقط السقطة التي لا تغتفر. # وأخيرا نذكر فرانز فيرفل ومسرحيته «رجل في المرآة» وإعداده «لنساء طروادة» ليوروبيدز، ~~وفرتزفون أنروه (1885) الذي عرف بمسرحياته التي وقف فيها من الحرب والاستبداد موقفا ~~شجاعا، ودافع دفاعا بليغا عن السلام والمحبة والأخوة بين البشر، كما في مسرحيته «جيل» ~~و«مكان» ومسرحياته التاريخية التي صودرت في عهد القيصر وليم الثاني. ثم «رينهارد جيرنج» ~~(1887-1936) - (وهو غير مارشال الطيران النازي المفزع!) وقد عمل طبيبا في ميادين الحرب ~~العالمية الأولى وهزته تجاربها الأليمة، فكتب مسرحيات شاعرية معتمة تدور حول فكرة ~~البطولة التي تنتصر على القدر، ومن أهمها: «المعركة البحرية»، «المنقذون». # والمنقذون مسرحية تزخر بألوان التعذيب والاضطهاد والقتل والرعب. إنها تصور عجوزين يحتضران ~~ويستعيدان ذكريات حياتهما الماضية، وقبل أن يجودا بأنفاسهما الأخيرة يسمعان طلقات رصاص ~~وصيحات ألم، ويلجأ إليهما المضطهدون والجلادون واحدا بعد الآخر فيحاولان حمايتهم وإعادة ~~الثقة والاطمئنان إلى نفوسهم، ولكن الشر في هذا العالم غلاب، والقتلة مستمرون في القتل، ms49 ~~والجلادون مصرون على التعذيب، وفي النهاية يأتي عاشقان متفانيان في أغنية حب تنسيهما كل ~~شيء، ولكن الموت لا يريد أن يرحمهما أيضا، فما إن يخرجا من حجرة العجوزين حتى يعودا بعد ~~قليل ليموتا من أثر الجراح التي أصابتهما، وعلى شفتيهما نفس الأغنية الحلوة، وفي أجسادهما ~~نفس الرغبة الحارة في العناق إلى آخر لحظة. # 6 # أما مسرحية «المعركة البحرية» فهي أشهر ما كتب المؤلف، وهي كذلك من أشهر المسرحيات التي ~~تعبر عن الاحتجاج على الحروب. إن لغتها الغنائية المفعمة بالجمال والجلال أشبه بلغة ~~الكورس (الجوقة) في المسرح اليوناني القديم، وهي تصور سبعة بحارة على سفينة أو بارجة ~~حربية يمزقهم الصراع بين أداء الواجب الذي سيدفعهم حتما إلى القتل، وبين العصيان الذي ~~سيعرضهم حتما للموت. وتبدأ المسرحية بصرخة عالية؛ والصراخ علامة دالة على الروح ~~التعبيرية كلها! # ونجد البحارة يشكون ويتذمرون ويصرخون «كالخنازير التي تنتظر الجزار أو العجول التي ~~تنتظر الذبح أو القطعان التي تسحقها الصاعقة». وهم يقاتلون عندما تبدو سفينة الأعداء في ~~الأفق، ويتأملون في معنى الموت والحياة، والوطن والحكام، والطاعة والعصيان، ويشتركون في ~~بكائية أشبه بقداس جنائزي ينشدونه على أصوات المدافع، وتساقط جثثهم واحدا بعد الآخر، ~~أو أشبه بجوقة يونانية مليئة بالفجيعة والعذاب. # وليست «المعركة البحرية» مسرحية فحسب، وإنما هي - في صميمها - تعبير عن وجود الإنسان حين ~~يتأمل نفسه وضميره في ساعة القدر والخطر، وفي موقف لا مفر فيه من الموت ولا مفر أيضا من ~~السؤال عن المعنى والقيمة، وعن المعتقدات الموروثة والكلمات الضخمة والأخطاء والأكاذيب التي ~~دفعت هؤلاء البحارة إلى أتون الحرب. # وقد نجحت المسرحية نجاحا هائلا عندما عرضت لأول مرة (سنة 1918) على المسرح الألماني ~~في برلين. وقام بإخراجها المخرج التعبيري الشهير ماكس رينهارت. # وأخيرا فلا يمكننا أن نغفل تلك الشخصية الثورية الحالمة التي يوشك صاحبها أن يكون ~~نبيا ملهما من أنبياء الثورة الاشتراكية في العصر الحديث، أولئك الذين «تعذبوا وضحوا ~~وذاقوا في سبيلها مرارة البؤس والسجن والتشرد والحرمان»؛ وأعني به إرنست تولر (1893-1939) ~~الذي كتب أعنف مسرحيات التعبيريين هجوما ms50 على الحرب، وأشدها سخطا على عبودية الإنسان ~~الحديث للآلة، وأخلصها دعوة إلى نظام اشتراكي يحقق السلام والعدالة وينصف العمال ~~والفقراء. ومن أهم المسرحيات التي كتبها وأشهرها: «الإنسان والجماهير»، «محطمو الآلات» ~~و«هنكمان» و«العدالة» وغيرها من الأعمال التي أعانت المخرج المشهور أرفين بسكاتور على خلق ~~مسرحه السياسي، إذ ألهمته أن يستعين في إخراجها بمكبرات الصوت والصور السينمائية واللافتات، ~~واستخدام المجاميع البشرية الهائلة وغيرها من الوسائل المعروفة اليوم في المسرح السياسي ~~والتسجيلي. # ولا يكاد أحد من المهتمين بالمسرح التعبيري ينسى اسم المثال والرسام إرنست بارلاخ ~~(1870-1938) الذي كتب مجموعة من المسرحيات الغريبة بأسلوب شاعري غامض ولغة مفعمة بعاطفة ~~دينية صادقة ورغبة مخلصة في البحث عن الله وسط حطام هذا العالم. وما دمنا لا نملك الحديث ~~بالتفصيل عن هذه المسرحيات فلا أقل من التنويه بأسماء بعضها مثل: «اليوم الميت» و«اللقيط» ~~وأفراد أسرة زيد يموند الأصلاء، وبول الأزرق، والطوفان. # ثم نصل إلى هذا الكاتب العبقري السيئ الحظ الذي أشرت إليه من قبل وهو «هانز هيني يان»، ~~وقد كتب مسرحيات غريبة محمومة «كالراعي إفراييم ماجنوس»، و«الطبيب وزوجته وابنه»، و«الإله ~~المسروق»، و«ميديا»، و«الفقر والثروة» و«الإنسان والحيوان» ... إلخ. # ولا بد من الحديث أيضا على أعظم كتاب المسرح الألمان في القرن العشرين، ألا وهو ~~برتولت برشت. # 7 ~~(1898-1956) الذي خرج من عباءة التعبيريين واغترف في شبابه الأول من نبعهم. ~~وإذا ذكرت المرحلة التعبيرية في إنتاجه المسرحي ذكرت معها مسرحياته الأولى «بل» و«طبول في ~~الليل» - وقد مثلت منذ سنوات قليلة على خشبة مسرح الجيب في القاهرة - و«في أحراش المدن» ~~و«إنسان بإنسان»، ثم الأوبرا المشهورة «القروش الثلاثة» وأوبرا «ماهاجوني» # 8 # وكلها تفيض بالروح الشاعرية والنزعة العدمية والنقد اللاذع للمجتمع البرجوازي ~~والرأسمالي، كما تحمل الكثير من خصائص الحركة التعبيرية ورفضها وتجاوزها في نفس الوقت، ~~وتمهد للتطور الكبير الذي طرأ على فكر برشت وأدبه من الالتزام الجامد بالمذهب الماركسي إلى ~~النظرة الاشتراكية والإنسانية الرحبة في أواخر حياته، وتنبئ إلى جانب هذا كله بالتحول الهام ~~في تصوره للبناء المسرحي ودعوته إلى التخلص من الشكل ms51 التقليدي وتدعيم المسرح الملحمي # 9 # الذي يحطم قواعد أرسطو ويتخلص من وهم المسرح الكلاسيكي. ويلائم عصر النظرة ~~العلمية والكفاح في سبيل القضاء على الرأسمالية وبناء المجتمع الاشتراكي العادل. ~~••• # وأخيرا فلا بد من الإشارة إلى الكاتب المسرحي الذي استطاع أن يصور المشكلة الحقيقية ~~التي شغلت التعبيريين، وهي مشكلة الصراع بين الآباء والأبناء. هذا الكاتب هو فالتر ~~هازنكليفر (1890-1940) الذي نجحت مسرحيته «الابن» في تجسيد أزمة الجيل الجديد وثورته على ~~سلطة الآباء وحنينه إلى الأخوة والسلام والمحبة بين البشر. # ويوشك «الابن» أن يكون صورة تعكس حياة المؤلف نفسه وتجاربه في لوحات كثيفة متقنة، ولغة ~~دقيقة مركزة تبلغ أحيانا ذروة التوتر والتفجر. # ونحب أن نقف وقفة أخيرة عند هذه المسرحية؛ لنلمس منها روح الحركة التعبيرية، ونعيش لحظات ~~في جوها الحافل بالصور والرؤى والرموز والشعر والهتاف والصراخ ... # كتبت المسرحية سنة 1914، وعرضت لأول مرة على المسرح في مدينة براغ سنة 1916، ~~ومنع تقديمها في أثناء الحرب العالمية الأولى. وهي تشترك مع معظم المسرحيات التعبيرية في ~~أن جميع شخصياتها شخصيات عامة غير محدودة بأسماء معينة ... وذلك باستثناء أربع منها فحسب، ~~فهناك الأب، والابن، والصديق، والآنسة، ومندوب الشرطة، والمعلم، وكلهم يتحدث بأسلوب شاعري ~~تلعب فيه الصورة والاستعارة والرمز دورا كبيرا، ويدخل فيه المونولوج والقصيدة في مواضع ~~عديدة، وتكثر به الإشارات الثقافية التي تتطلب من القارئ دراية واسعة بالتراث الغربي. ~~وتتألف المسرحية من خمسة فصول، وتستغرق أحداثها ثلاثة أيام تصل فيها المأساة إلى ذروتها ~~عندما يقتل الابن أباه في نوبة غضب مجنون. # تبدأ المسرحية بحوار بين الابن ومعلمه الخصوصي، تعرف منه أن الابن أخفق في امتحان ~~المدرسة، وأنه يرجع سبب هذا الإخفاق إلى أبيه الطبيب الثري الذي فرض عليه حياة قاسية ~~تشبه حياة الحبس الانفرادي. والابن سعيد بهذا الفشل الذي سيحرره فيما يعتقد من طغيان الأب ~~ويزيد من غضبه عليه، ويطلب من المعلم أن يبرق إليه بالنبأ لكي تكون فرصة لحضوره والحديث ~~معه وجها لوجه يقول المعلم: لست أفهم أباك. # فيرد الابن قائلا: إذا أصبحت أبا فسوف تصير مثله، ms52 الأب هو قدر الابن. إن خرافة الصراع ~~من أجل الحياة لم تعد لها قيمة، فالحب الأول والكره الأول يبدآن في بيت الأسرة . ويسأل ~~المعلم: ولكن ألست الابن؟ # فيقول الابن: أجل، وأنا لهذا على حق! لا يستطيع أن يفهم هذا سواي. يا عزيزي الدكتور، ربما ~~لا نتقابل بعد اليوم، فاسمع هذه النصيحة الدامية التي تأتي من القلب. إن رزقت بولد ~~فأهلكه أو مت قبله؛ لأنه لا بد أن يأتي اليوم الذي تصبحان فيه أنت وابنك أعداء. ~~وليرحم الله عندئذ من ينهزم. # ويحاول المعلم عبثا أن يحوله عن حقده على أبيه، وسخطه على جبروته، ويذكره بقسوة ~~الحياة على الأحياء، وتعاستها الطبيعية التي لا تحتمل أن نزيدها بالكره والعداء، يا صديقي ~~العزيز، نحن جميعا سنضل في هذا العالم، لم إذن تريد أن تكون بهذه القسوة؟! انزل إلى ~~الشارع وانظر إلى حيوان يرتعش خوفا من الرعد. أتعرف شيئا عن إحساس المومسات الجائعات؟ ~~أرأيت في حياتك مشوها يضطر للبحث عن الخبز في السادسة صباحا؟ هنالك ينبغي أن تشعر ~~بالامتنان لأن لك أبا. كلنا مظلوم وظالم. فمن الذي يقذف بأول حجر؟ لقد كنت كلبا شقيا، ~~وكان أبي يكدح من أجلي. رأيت كيف مات. وبكيت، من جرب هذا فلن يدين غيره. # ولكن الابن يستمر في عناده وسخطه على أبيه ورغبته في الانطلاق من قيوده لمعانقة الحرية ~~والحياة. ويدخل صديق يضع حطبا جديدا على ناره المشتعلة بالغضب والشوق، ويزين له تجربة ~~الحب مع المربية الصغيرة التي عينها أبوه لترعاه وتعد له الطعام، لا بل يزين له الهروب ~~إلى العالم الواسع، ويختلس الابن القبلة الأولى مع هذه الفتاة التي لم يفطن إلى جمالها ~~وطهرها من قبل، والتي فتحت له الباب لكي يعانق الحياة ويضم الخلود إلى صدره. وتخشى الفتاة ~~عليه وعلى نفسها فتقول له في بداية الفصل الثاني: نحن نسقط ونزداد سقوطا كل يوم وأبوك يضع ~~ثقته في. فيقول الابن: ما أمتع أن أغشه وأخدعه! لقد انتشيت بهذه السعادة عندما قبلتك ~~بالأمس في حجرته. والأريكة التي تعانقنا فوقها قد ms53 أحست برغبتي في الانتقام، وقطع الأثاث ~~الميتة الشامتة التي طالما ضربني أمامها قد شهدت كلها، كلها المعجزة. لم أعد ذلك الشيء ~~المحتقر . لقد أصبحت إنسانا. # كل ما يريده إذا هو أن يصبح إنسانا بالمعنى الوجودي المطلق لهذه الكلمة. ولا بد له أن ~~يزيح الطاغية المستبد من طريقه ويفلت من سوطه وجبروته ليحلم كما يشاء؛ وهو لذلك مصمم على ~~أن يواجهه مواجهة الند للند، ويفجر أمامه قنابل الكلمات التي حبسها في صدره طوال ~~حياته. # الأب ~~: # أجبني الآن: ماذا تريد مني؟ # الابن ~~: # إنني إنسان يا أبي. مخلوق. لست من حديد، ولا أنا حصاة ملساء إلى الأبد. ليتني ~~أستطيع أن أصل إليك من هذه الأرض! ليتني أقترب منك! لم هذه العداوة المؤلمة؟ لم ~~هذه النظرة الجريحة بالحقد والكراهية؟ أليس هناك عش في السماء؟ أليست هناك وسيلة ~~للصعود إليك؟ أريد أن أشد وثاقي إليك. ساعدني! # ويركع الابن الضائع أمام أبيه ويتشبث بيده. ولكن الأب ينتزع يده ويأمر بالنهوض قائلا: ~~لا أستطيع أن أمد يدي لإنسان لا أحترمه! فينهض الابن على قدميه في بطء ويقول: أنت ~~تحتقرني. وهذا حقك؛ فما زلت أعيش من مالك. لقد كسرت حدود البنوة لأول مرة بعاصفة قلبي. ~~هل أخطأت في هذا؟ أي قانون يجبرني على الخضوع لنير العبودية؟! ألست أنت أيضا مجرد ~~إنسان؟! وأنا، ألست إنسانا مثلك؟! لقد ركعت أمام قدميك وحاولت أن أنال بركتك، ولكنك ~~تخليت عني وتركتني في قمة ألمي. هذا هو حبك لي. هنا تنتهي مشاعري. # ويستمر الابن في ضراعته للأب كي يطلقه ويرد إليه حريته، ويوجد جسر المودة الذي يصله ~~به، ويقضي على الصراع الذي أقامته الطبيعة بين الآباء والأبناء فيعترف برجولته وإنسانيته. ~~ولكن الأب يصر على عناده وإيمانه بأنه يؤدي واجبه نحوه ويمارس حقه الطبيعي في ~~تربيته. # الابن ~~: # لن تثبط عزيمتي. سأظل دائما أتوسل إليك حتى تسمعني. # الأب ~~: # ألم تفهمني؟ ماذا تريد بعد ذلك مني؟ # الابن ~~(في حماس ملتهب) ~~: # أريد أقصى شيء! حطم الأغلال بين الأب والابن. كن صديقي، أعطني ثقتك كلها ~~لتعرفني أخيرا على ms54 حقيقتي. دعني أكن شيئا مختلفا عنك. دعني أتمتع بما لم تتمتع ~~به. ألست أكثر منك شبابا وشجاعة؟ دعني إذن أعش حياتي! أريد أن تمنحني ~~بركتك. # الأب ~~(ضاحكا باستهزاء) ~~: # من أي كتاب جئت بهذا الكلام؟ من أي صحيفة؟ # ويطالب الابن بمال أبيه الذي يجد من حقه أن يرثه ليحيا حياته بعد أن عاش الأب واستمتع ~~بحياته، فيسأل الأب: هكذا! وماذا تريد أن تصنع بمالي؟ # الابن ~~: # أريد أن أتعرف على غرائب الأرض، من يدري متى يحين موتي. أريد - على مدى قصف ~~الرعد وخطف البرق - أن أمسك بذروة حياتي بين أصابعي، لن أحظى بهذه السعادة بعد. ~~أريد في أروع وأسمى أنواع الصاعقة أن أطل على ما وراء الحدود، وبعد أن أستنفد ~~الواقع بأكمله، تتجلى لي كل معجزات الروح. هكذا أريد أن أكون. هكذا أريد أن ~~أتنفس. سيرافقني نجم طيب. ولن أسقط ضحية لأوساط الأمور. # الأب ~~: # تجاوزت كل حد. إنك تريني حقارتك كلها. احمد خالقك أنني أبوك. ما هذا التبجح ~~الذي تتكلم به عني وعن مالي؟! وبأي صفاقة تذكر موتي على فمك؟! لقد خدعت فيك. ~~أنت شرير. ليس فيك شيء من طبعي، ومع ذلك فما زلت صديقك لا عدوك؛ ولهذا أعاقبك ~~العقاب الذي تستحقه على هذه الكلمة. # وهنا يتقدم الأب من الابن ويلطمه على وجهه لطمة قاسية. ويهدأ الابن لحظات قبل أن يقول: ها ~~أنت ذا لم تدخر أبشع ما عندك في هذا المكان الذي لا تزال سماء طفولتي تظلله. لقد صفعتني ~~أمام هذه المائدة وهذه الكتب، ومع ذلك فأنا أكبر منك! إني أشمخ بوجهي فوق بيتك في كبرياء ~~ولا أحمر خجلا من ضعفك. لقد كرهت في الإنسان الذي لم تستطع أن تكونه. إني أنتصر عليك. ~~اصفعني مرة أخرى. فالرجولة تتملكني، لا دمعة ولا غضب. كم تغيرت الآن وأصبحت أعظم منك. أين ~~ذهب الحب؟! أين انتهت أواصر الدم؟! حتى العداوة لم يعد لها وجود. إني أرى أمامي رجلا جرح ~~جسدي. ومع هذا فقد خرجت من جسده بلورة حددت حياتي ذات يوم. هذا اللغز الذي ms55 لا يفهم! ~~تدخل القدر بيننا. حسنا. إن حياتي أطول من حياتك! ويترنح الابن من هول اللطمة، وتتحرك ~~عاطفة الأبوة في قلب الطاغية فيسرع إليه ليسعفه. ولكن الصدام لا يلبث أن يتجدد. ولا يلبث ~~الأب أن يذكره بأنه إنما يقوم بواجبه ولن يتخلى عن القيام بهذا الواجب الذي تفرضه الطبيعة ~~والتربية نحو الولد العاق، ويذكره الأب كذلك بأنه طالما انحنى على مهده وطالما أحبه، وما ~~يزال يسهر الليالي بسببه، فكيف يمكنه أن يحبه أو يثق به وهو يأتي إليه عاصيا متمردا. ويرد ~~الابن بأنه قد أصبح غريبا عنه، وليس هناك شيء يجمعه به. لقد أراد له الخير، ولكن هذا الخير ~~لم يصل إليه. رباه في حدود مفاهيمه العقلية، ولكن الزمن غير هذه المفاهيم؛ لذلك فهو يلح ~~عليه أن يطلق حريته. ويقول الأب: إن عفن هذا الزمن قد أفسده وسمم عقله ودمه. ويقترب منه ~~ويضع يده على كتفه ويدعوه لنسيان ما حدث، ولكن الابن يجفل منه ويقول: لا يا أبي. إنني أحب ~~زمني ولا أخجل منه. لا أريد عطفا منك. كل ما أريده هو العدل. أريد أن أنطلق إلى بحار ~~المغامرة وأتجرر بالنور من صحراء بيتك، وأواجه أرضا سعيدة أكون نبيها. وتفزع الأب هذه ~~اللهجة فيسأله: كيف يجرؤ أن يحطم هذا القيد المقدس النبيل؛ قيد الأمومة والأبوة؟! وهل ~~يدرك حقا ماذا يترك وراءه وإلى أين يذهب؟! ومن الذي يطعمه في الصباح ومن يقف بجانبه في ~~الشدة؟! وهل مات حتى يخاطبه بهذا الكلام؟! فما يكون من الابن إلا أن يؤكد ما قاله: أجل يا ~~أبي. لقد مت بالنسبة لي. اختفى اسمك. لم أعد أعرفك. لم تعد حيا إلا في ألواح الوصايا. ~~أردت أن أبحث عنك في الريح والسحاب. ركعت أمامك على ركبتي فصفعتني على وجهي وسقطت في ~~الهاوية ... أصبحت عدوي الوحيد المخيف ... علي الآن أن أتسلح للدخول في هذا الصراع ... ولا ~~بد أن ينتصر أحدنا على الآخر! ويطلب منه الأب أن يسمعه للمرة الأخيرة ويسأله: ألم يبق على ~~شفتيك المزبدتين بالغضب نفثة شكر ms56 ولا خشوع؟ ألا تعرف من أنا؟ # الابن ~~: # لقد كلفتني الحياة أن أنتصر عليك! ولا بد أن أحقق هذا التكليف. إن سماء لا ~~تعرفها تؤيدني وتقف بجانبي. # الأب ~~: # أنت تجدف! # الابن ~~(بصوت مرتعش) ~~: # إني أفضل أن آكل الحجارة على أن آكل من خبزك. # ويستمر الجدل المحموم بينهما حتى يقرر الأب أن يحبسه في غرفته إلى أن يتم شفاؤه من مرضه. ~~ويفرض عليه أن يبقى في مدرسته ويتم امتحانه وإلا حرمه من الإرث وبدده بنفسه قبل أن يقع ~~في يد ابن يلطخ اسمه بالعار. ثم يتركه ولا ينسى أن يغلق الحجرة بالمفتاح قبل أن يتمنى له ~~نوما سعيدا! ولكن الصديق لا يلبث أن يظهر وراء النافذة، ويزين له الهروب إلى العالم ~~الواسع حيث يعانق الحياة والأبد، وينضم إلى جيش الثورة الزاحف لإسقاط الآباء من فوق عروشهم! ~~ويخرج الابن من دولابه بذلة سوداء يستقبل بها الحياة الجديدة، بينما تشتعل أنوار المدينة ~~خلفه، وترتعش الجملة الأخيرة من سيمفونية بيتهوفن التاسعة، ويغني الكورس هذا المقطع من ~~أنشودة شيلر إلى الفرح: أيها الأخوة سيروا على طريقكم، فرحين كما يسير البطل إلى النصر ... ~~وتأتي المربية الشابة لتحضر له الطعام فيعلنها بعزمه على الانطلاق إلى الآفاق المضيئة ~~والليل المصطخب بالعطر والموسيقى، والمواكب الزاحفة إلى مستقبل لا يتحكم فيه الآباء (الموت ~~للآباء الذين يحتقروننا!) ولكن تنهار فيه كل السجون؛ ويختفي من النافذة بعد أن تشيعه ~~المربية بالإشفاق والدعاء. # ولكن رحلة المغامر الصغير لا تستمر سوى يوم واحد! فالفصل الثالث يقدم لنا شخصيات غريبة، ~~تتزعم جمعية لا تقل غرابة يسميها أصحابها «جمعية المحافظة على السعادة»، وزعيمها يتدبر ~~الخطبة التي سيفاجئ بها زوار الحفلة التي يقيمها، ويستعد لإعلان صيحاته المنذرة بتحطيم كل ~~القيود وإطلاق كل الشهوات من جحورها وإسقاط كل السلطات عن عروشها! يحدث زميله عن مخاوفه ~~من «الصديق» وشكوكه في أمره. # ولا يلبث الصديق أن يظهر فيهدد بإفساد الخطبة الموعودة ويهزأ بالجماعة كلها، ثم يلح ~~عليه الأعضاء فيرضى بشرط أن يلقي هو خطبته أو يسمح لثالث بإلقاء خطبته. ولا يكون ms57 هذا ~~الثالث غير «الابن» الذي يدخل الحفل دخول الوسيط الذي أخضعه المنوم المغناطيسي لتأثيره ~~الفظيع، ولم يكن هذا المنوم إلا الصديق نفسه . ويلقي الابن خطبته الهائلة التي يعلن فيها ~~الحرب على كل الآباء ويطالب بمحاكمتهم والتحرر منهم! ويهلل الحاضرون ويصفقون، ويغمرون ~~يديه بالقبلات، ويحمله الشباب فوق أكتافهم ويخرجون به إلى الشوارع في موكب الأبطال. وتنشر ~~الجرائد في اليوم التالي أخبار الحادث الرهيب على صفحاتها الأولى ... ونعرف بعد ذلك أن الابن ~~قد جرب تجربته الأولى والأخيرة مع النساء؛ فقد قضى الليلة في حضن مومس ذكية سمعها توصي ~~الآباء أن يرسلوا أبناءهم ليتعلموا الحياة في أحضان المومسات! ويأتي الصديق فيوقظ الابن ~~الحالم من غيبوبته، ويتحدث إليه كما كان يوحنا المعمدان يتحدث عن المخلص الذي سيأتي بعده، ~~وينبئه بأنه هو النبي الذي كتب عليه أن يقود مواكب الثورة على الآباء؛ ليبدأ عصر الشباب ~~والحرية والحياة بغير حدود أو قيود. ثم يكشف له الصديق عن سره المخيف؛ فرجال الشرطة في ~~طريقهم للقبض عليه، وهو الذي أخبرهم! فإذا فزع الابن قال له الصديق: إنه تعمد ذلك لكي ~~يدفعه إلى تقديم الضحية التي ستقدم على مذبح الإله الجديد. وليست هذه الضحية غير أبيه ~~الذي يحرضه على قتله! # الابن ~~: # وماذا ينبغي علي أن أفعل؟ # الصديق ~~: # أن تحطم طغيان الأسرة؛ هذه القرحة التي يرجع تاريخها للعصور الوسطى؛ غرفة ~~التعذيب التي تختنق برائحة الكبريت. أن تبطل القوانين. أن تعيد الحرية؛ أعظم ما ~~يملكه الإنسان! # الابن ~~: # عند هذه النقطة من محور الأرض تتوهج ناري من جديد. # الصديق ~~: # تذكر أيضا أن الصراع مع الآباء شبيه بالانتقام من الملوك قبل مائة عام، نحن ~~اليوم على حق! قديما كانت الرءوس المتوجة تسحق رعاياها وتستعبدها وتسرق مالها ~~وتسجن أرواحها. أما اليوم فنحن ننشد «المرسيلييز»! ما زال في مقدور الأب أن يجيع ~~ابنه ويسخره ويمنعه من إنجاز الأعمال الرائعة دون أن يتعرض للعقاب. وهم يرددون ~~الأغنية القديمة عن الظلم والقسوة، ويؤكدون سلطة الدولة والطبيعة. سحقا لهم ~~جميعا! لقد اختفى الطغاة منذ مائة عام، فلنعمل على ms58 نشوء طبيعة جديدة! لم تزل لديهم ~~القوة كما كانت لدى أولئك الطغاة. وفي استطاعتهم أن يستنجدوا بالشرطة للقبض على ~~الابن العاصي. # الابن ~~: # فلنحشد جيشا! ما زال من واجبنا أن نفتح حصون الفرسان اللصوص! # وتأتي الشرطة حقا بعد قليل. ولكن بعد أن يكون الابن - تحت تأثير هذا الصديق العجيب الذي ~~سيسلم نفسه للموت بالسم بعد أن يتأكد من أنه حقق رسالته في الحياة - قد اقتنع بأنه يتزعم ~~جيش الخلاص من «الأموات»، ويرفع في يده علم الثورة، ويحقق حلم ملايين الشباب الذين وضعوا ~~مصيرهم بين يديه، وينقذ هذا الجنس التعيس المعذب المظلوم على مر العصور. # ويساق الابن مكبلا بالحديد إلى أبيه، ويحاول رجل الشرطة - وهو الوالد الرحيم الذي يحمد ~~السماء على نعمة الأبناء التي تهبها دائما للآباء بغير استحقاق - يحاول عبثا أن يقنع ~~الأب بأن للأبناء حياتهم التي تختلف عن حياة الآباء. ولكن الأب يصر على حقه في القيام ~~بواجبه نحو ولده العاصي، كما يصر على أن هذا الواجب يقتضيه أن يعامله بمنتهى الشدة ~~والقسوة حتى يمنعه من السقوط وينقذ اسمه من العار. # ويؤتى بالابن ليقف في حضرة أبيه فيواجهه مواجهة الند للند. إنه لم يعد يخاف من ~~السوط الذي يقلبه الأب بين يديه؛ لأنه يضع يده في جيبه ويلمس المسدس الذي أعطاه له ~~الصديق وحشاه أيضا بالرصاص! لم يأت الابن ليسمع من أبيه القاسي موعظة الأخلاق، بل ~~ليتحداه ويخبره بأنه قضى ليلته مع امرأة، وأنه لم يأت إليه كما كان طفلا ذليلا يتحمل ~~تعذيبه وضربات سوطه، بل جاء ليعلن إليه أن ثورة الأبناء قد بدأت، وأنه هو الذي بدأها ~~بالأمس في خطبته الرهيبة التي تحدثت عنها الصحف؛ ولذلك فهو يطلب منه أن يطلق حريته، ~~ويحله من رباط الأبوة الذي لم يربطه به أبدا. أما عن ماله فهو يعلن زهده في الميراث ~~ويوصي به للفقراء. ويستجيب الأب، ويخبره في قمة يأسه وغضبه أنه لم يعد ابنه، ويقذف السوط ~~أمامه؛ لأنه لم يعد يستحق أن يلمسه، ويخبره بأن يستطيع أن يذهب. فإذا سأل ms59 الابن إن كان قد ~~أصبح حرا أجابه بأنه سيصبح كذلك، ولكن بعد أن يقضي سنة كاملة تحت إشرافه وسلطانه، حتى ~~يحمي الإنسانية من شره. ويطرده من أمامه، فيأمره الابن ألا يتحرك من مكانه؛ لأنه أغلق ~~الحجرة ووضع مفتاحها في جيبه! ويحاول الأب أن يستنجد بالشرطة عن طريق التليفون فيسدد الابن ~~المسدس إلى صدره وهو يقول كلمة واحدة معناها: الموت. ويبدأ صراع صامت يستمر لحظات خاطفة، ~~قبل أن تنهيه طلقة يسقط الأب على أثرها جثة هامدة. وتدخل المربية الحبيبة فتكتشف جثة ~~الأب وترى شبح المحبوب ذاهلا على كرسيه. ويدور بينهما حوار شعري يفاجئنا بهدوئه ~~وبروده وعذوبته. ونسمع الصديقة الوحيدة التي تواسي صديقها المسكين وهو يخطو إلى الحياة ~~والنجوم فوق جثة لم يعد يربطه شيء بصاحبها. ويسلم نفسه للعدم والفراغ المخيف بعد أن ~~تحدى الموت واتحد بالحياة ... ويمد يده إلى صديقته ويسيران خطوات قبل أن يفترقا ويخرج كل ~~واحد من باب، تاركين الأب الميت وراءهما ... # | النهاية # هذه هي نهاية رحلتنا القصيرة في بستان التعبيرية الذابل، أو في قصرها الجميل المهجور. لم ~~تكن رحلة بين روائع الأدب والفن الخالد، بقدر ما كانت نزهة في أرض منسية أو شبه منسية، ~~كشفت لنا عن أسماء وأعمال ليست كلها جديرة بالنسيان. لقد سبحنا معا في قاربنا الصغير، فوق ~~أمواج صاخبة من التجارب والمحاولات الفنية. وعرفنا كيف كانت بالغة الأثر على الحركات الفنية ~~التالية، وكيف سقطت ضحية قدر مظلم اسمه الحرب والطغيان. حقا إن التعبيرية لم تقدم ~~الروائع الخالدة في الفن كما قلت، ولكنها نفخت في روح العصر طاقة ثورية هائلة لم يزل لها ~~صداها إلى اليوم. لقد أضرمت في ذلك الجيل نار الثورة التي هدأت قليلا ولكنها لم تنطفئ، ~~ودفعته إلى الاحتجاج على كل سلطة في الفن والسياسة، وأيقظت فيه الشوق إلى حلم الإنسانية ~~الأكبر؛ شوقها لعالم يحيا الناس فيه إخوة، متحررين من الخوف والقسوة والظلم والاستغلال ... ~~وها هي ذي ثورة الاحتجاج تندلع من جديد في هذه الأيام: ثورة الشباب الأوروبي على كل سلطة ~~ونظام، وثورة ms60 الفن والشعر والمسرح على القواعد والتقاليد الموروثة، وثورة الفقراء والزنوج ~~والعرب على آلهة الحرب والمال والاستعمار. وكلها تهدف إلى خلق عالم جديد وإنسان جديد طالما ~~نادى به التعبيريون في شعرهم ومسرحهم وفنونهم، وتعذبوا وتشردوا وجاعوا وضحوا من أجله ~~بحياتهم في السجون وميادين الحرب وعلى أرصفة الشوارع، أو بالانتحار الذي ختم به عدد غير ~~قليل منهم حياته. صحيح أنهم لم يستطيعوا وقف كارثة الحرب ولم يصمدوا في وجه البرابرة ~~الشقر، ولكن متى كانت البراءة قادرة على مواجهة الشر؟ وأين استطاع أصحاب القلم أن ينتصروا ~~على أصحاب السلاح؟ وماذا جنى الأدباء والفنانون من حياتهم وتعبهم غير الثمر المر؟ ... ومع ~~ذلك فإن ثورتهم لم تضع عبثا، وصدقهم وحماسهم وصراخهم لم تكن هباء. وإذا كانت حركتهم قد ~~تعطلت في مرحلة زمنية معينة فإنها في الحقيقة لم تتوقف، وإذا كانت شعلتهم قد خبت ~~في العشرينيات، فإن نارها ظلت حية تحت الرماد. وها هي ذي اليوم تتخذ أشكالا فنية ~~وسياسية واجتماعية جديدة أكثر إيجابية، وتتوهج في كل مكان معلنة عن مشرق فجر جديد يطلع ~~على الإنسانية الحديدة التي طالما حلموا بها وعانوا من أجلها. # لا شك أنهم ليسوا هم وحدهم الذين نفخوا في هذه النار، وليسوا وحدهم الذين رووا شجرة ~~الحرية التي تشرئب الآن في الأفق وتقاوم كل الآفات والحشرات. ولكن من واجب الأبناء أن ~~يذكروا الآباء. ومن واجب الذين يتدفئون بالنار المقدسة أو يستظلون بالشجرة الطاهرة أن ~~يتذكروا أولئك الذين شاركوا بجهدهم في رفع الشعلة وري الشجرة. ويكفي التعبيريين أنهم ~~استطاعوا - على مدى عشرين عاما أو أقل - أن يحركوا الضمير الأوروبي، ويزلزلوا كثيرا من ~~القيم العتيقة، ويمهدوا الطريق - بصورة مطلقة وعاطفية حقا - لأشكال من الثورة ~~والاحتجاج أكثر إيجابا وفاعلية، ويؤثروا على عدد من التيارات التي نعرفها اليوم في ~~القصة والرواية والشعر والمسرح الشاعري والملحمي والتسجيلي ومسرح العبث والطليعة، وإذا كانت ~~معظم أعمالهم الفنية قد أصبحت الآن جزءا من تراث الأدب وتاريخه الحديث، فقد بدءوا شيئا لم ~~ينته بعد، وبثوا أنفاس الحياة في أفكار لم تمت ms61 حتى اليوم. وإذا كانت معظم هذه الأعمال ~~تتسم بشيء غير قليل من الفوضى والاضطراب في الشكل والخطابية التي تستهدف التأثير المباشر، ~~فإن المسئول عن ذلك في المقام الأول هو فوضى الحياة التي عاشوا في ظلها، وانهيار القيم ~~والمثل الإنسانية في عصرهم. لقد ظلوا في أعمق أعماقهم ضحايا وحيدين ممزقين مهزومين ~~ثائرين. وحاولوا بكل ما فيهم من عنف الشباب وبراءته أن ينفخوا في رماد العصر ليحيوا جمراته ~~المنطفئة، ويحذروا الأجيال المقبلة من المصير المخيف في عالم خلا من المعنى والقيمة ~~والإيمان، وسيطرت على أقداره حفنة من الجلادين والمشعوذين ورجال المال والأعمال. وإذا كان ~~العالم لم يستمع لهذا النذير، ولم يتعلم من دروس حربين عالميتين وحروب أخرى صغيرة، فيكفيهم ~~- وهم الأدباء والفنانون قبل كل شيء - أن يكونوا قد قدموا الدليل على حيوية الفن وقدرته ~~على بعث الإنسان وتأكيد حقه المقدس في الرفض والتمرد، وشوقه المشروع إلى عالم أفضل ~~وأسعد. # | المصادر # فجر الإنسانية، وثيقة الحركة التعبيرية. وهي مجموعة شعرية نشرها كارل بنتوس سنة ~~1920، ثم أعيد طبعها سنة 1959 في دار نشر روفولت، هامبورج، 383 ص. # صرخة واعتراف، المسرح التعبيري. وهي مجموعة مختارة من المسرحيات التعبيرية نشرها ~~وقدم لها كارل أوتن، دار نشر هرمان لخترهاند، برلين 1959، 1012 ص. # مسرح التعبيرية الألمانية (وتضم ست مسرحيات لفيدكند وإلزه لاسكر - شيلر وجورج ~~كايز وإرنست بارلاخ ورينهارد جيرنج وهانز هيني يان) نشرها يواخيم شوندروف وقدم ~~لها باول بورتنر، لانجن مولر ميونيخ، 1962، 440 ص. # قصائد وقطع نثرية، لجورج هايم، نشره هانز راوشنج، سلسلة كتب فيشر، 1962، 166 ~~ص. # أشعار جورج تراكل، دار نشر أوتو مولر، زالسبورج، 1938، الطبعة الحادية عشرة، 202 ~~ص. # الشعر الألماني، الشكل والتاريخ، مجموعة دراسات نشرها بنو فيزه، دوسلدورف، 1962 ~~ص425-449. # الدراما الألمانية، من الواقعية إلى العصر الحاضر، الجزء الثاني من مجموعة ~~الدراسات التي أشرف عليها ونشرها بنو فون فيزه، دوسلدورف، 1964. # تاريخ الدراما الألمانية، تأليف أوتومان، دار نشر كرونر، شتوتجارت، 1960، ~~ص556-589. # تاريخ الأدب الألماني، تأليف لريتز مارتيني، دار نشر كرونر، شتوتجارت، 1958، ~~ص509-530. # التعبيرية، محاضرة ألقاها بالفرنسية صديقي وزميلي ms62 الدكتور كرستوف سيجرست بالمعهد ~~الثقافي الألماني بالقاهرة في شتاء سنة 1968. # ثقوب في الفكر حول بناء رواية تورليس لروبرت موزيل، بحث للدكتور كرستوف سيجرست ~~نشر بمجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، في المجلد الخامس والعشرين، الجزء الثاني، ~~ديسمبر 1963، ص23-32. # أحاديث مع كافكا، تأليف جوستاف يانوخ، سلسلة كتب فيشر، 1961، ص131. # معجم الأدب العالمي لهرمان بونجز. # معجم الأدباء الألمان لجيرو فون فلبرت (دار نشر كرونر). # القاموس الموضوعي للأدب، لجيروفون فلبرت (دار نشر كرونر). # مجموعات مختلفة من الشعر الحديث. ms63