######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.TarikhFalsafaCalamiyya.Hindawi68413140 #META# Tags: philosophy #META# ID: 68413140 #META# Title: تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية: آخر نص كتبه الفيلسوف كارل ياسبرز #META# AuthorID: 40404835 #META# Author: كارل ياسبرز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 46308160 #META# Translator: عبد الغفار مكاوي #META# Related_books: 1388KarlJaspers.WeltgeschichteDerPhilosophie (TRANSL) #META#Header#End# # مهمة كتابة تاريخ الفلسفة‏ # مهمة كتابة تاريخ الفلسفة‏ # | تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية # | تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية # | آخر نص كتبه الفيلسوف كارل ياسبرز # تأليف # كارل ياسبرز # تقديم وترجمة # عبد الغفار مكاوي # | تقديم # بقلم عبد الغفار مكاوي ~~(1) تعريف موجز بالمؤلف وبعض مؤلفاته # لا تذكر فلسفة الوجود إلا ويذكر معها كارل ياسبرز (1883-1969م) وصديقه «اللدود» ~~مارتن هيدجر بوجه خاص (1889-1976م)، على الرغم من الاختلافات العميقة بينهما. ولا يذكر ~~ياسبرز إلا وتذكر معه كلمات صارت أشبه بعلامات الطريق إلى فلسفته، وجرت على أقلام ~~المثقفين وألسنتهم: الوجود الذاتي الحميم، التواصل، الشامل، شفرات الوجود، المواقف ~~الحدية ... إلخ. # وإذا كان التعريف بفلسفة خصبة مؤثرة، كانت وما تزال رسالة روحية إلى الإنسان، أمرا ~~بالغ الصعوبة في مثل هذا التمهيد القصير، فسوف أحاول تقديم فكرة موجزة عنها وعن هذا ~~النص المهم الذي كان آخر ما خطته يد الفيلسوف. # ولد كارل ياسبرز سنة 1883م في شمال ألمانيا في مدينة أولدينبورج بالقرب من شاطئ بحر ~~الشمال. ويبدو أن بيئة الشمال المفتوحة، وبحره الممتد بغير حدود، قد أثرا على فكره ~~وحياته، وانعكسا على عقله حركة لا نهائية، وأفقا شاسعا متلألئا بالأضواء، وتفتحا ~~على كل الأبعاد والجهات والثقافات، وومضات وبروقا ساطعة هي أشبه بوصايا ورسائل مفتوحة ~~إلى البشر المعاصرين، مفعمة بالحكمة والإحساس بالمسئولية والتعاطف والقلق على مستقبلهم ~~في عصر تتهدده أخطار التعصب المذهبي والحرب النووية. # بدأ ياسبرز بدراسة الطب، مدفوعا من ناحية بمجالدة مرض رئوي مستعص، والحرص على ~~استنقاذ أقصى طاقة ممكنة من جسده الضعيف، ومن ناحية أخرى بإرضاء حاجة فلسفية إلى تدريب ~~عقله على المنهج العلمي الدقيق، ومعرفة حدود الفكر التجريبي. وأتاحت له دراسة الطب أن ~~يتعمق مشكلات الطب النفسي، ويقرن منهج البحث العلمي والفسيولوجي بمنهج التفهم الحدسي ~~والكلي للأمراض النفسية والذهنية، فكانت ثمرة ذلك كتابه «علم النفس المرضي العام» ~~(1913م)، الذي أتبعه بكتابه «سيكولوجية وجهات النظر العالمية» (1919م)، الذي يعد ~~إسهاما مهما في نظرية الحياة النفسية السوية، ومدخلا إلى الفلسفة على السواء، ~~بجانب بحثيه الرائدين عن «سترندنبرج» و«فان جوخ»، اللذين اتخذ ms01 منهما نموذجين لما ~~سماه «إضاءة الوجود الكلي للإنسان». # وفي سنة 1921م عين ياسبرز أستاذا للفلسفة في جامعة هيدلبرج، فأقبل على مهام ~~التعليم بما عرف عنه طوال حياته من جدية وشعور بالمسئولية، حتى هجمت جحافل النازية ~~السوداء على السلطة فعزل من منصبه في سنة 1937م. وفي هذه الآونة من حياته كان أهم من ~~تأثر بهم من الفلاسفة هم كانط (1724-1804م) وكيركجارد (1813-1855م)، كما كان أهم شركائه ~~في الحوار من معاصريه ماكس فيبر (1864-1920م) ومارتن هيدجر. وفي هذه المرحلة أيضا أتم ~~أعظم كتبه: «فلسفة» (1932م) و«الموقف الروحي للعصر» (1931م) و«العقل والوجود» (1935م)، ~~فضلا عن كتابيه عن «نيتشه» و«ديكارت» (1932 و1937م)، و«فلسفة الوجود» (1938م) الذي منع ~~النازيون نشره، ثم توالى إنتاجه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي لطخت الضمير ~~الألماني بالذنب والإثم، فاتسم جانب كبير منه بالاهتمام بالقضايا السياسية والقومية ~~(مسألة الذنب، فكرة الجامعة، القنبلة الذرية ومستقبل الإنسان، الحرية وإعادة توحيد ~~ألمانيا)، بالإضافة إلى إنتاجه الفلسفي الخالص (عن الحقيقة، الإيمان الفلسفي، المدخل ~~إلى الفلسفة، شيلنج، الفلاسفة العظام، خطب ومقالات فلسفية). # ويبقى أعظم كتب ياسبرز وأشملها هو كتابه «فلسفة» بأجزائه الثلاثة؛ فهو في الجزء الأول ~~الذي جعل عنوانه «التوجه في العالم» يحمل حملة شعواء على العلم وموضوعيته المزعومة، ~~وكأنما هو أصلح وسيلة للكشف عن حقيقة العالم. ولهذا يسوق حجتين لتأييد هجومه: فالمعرفة ~~العلمية بالطبيعة لا يمكن أن تكتمل في صورة كونية تامة؛ لأن نتائج البحث العلمي تتولد ~~عنها مشكلات جديدة وأساليب جديدة لمواجهة هذه المشكلات، كما أن المناهج العلمية من ~~الكثرة والتعدد بحيث لا يمكن أن ترد إلى منهج واحد موحد، بل إن مجرد الوعي بأن ~~العلم نفسه عملية تركيب وتحليل لا ينتهيان يشير إشارة كافية إلى أن الحياة العقلية ~~والعلمية لا يمكن أن يحيط بها البحث التجريبي والعلمي نفسه؛ ولذلك فإن ياسبرز لا يحاول ~~النظر في «ماهية» هذه الحياة العقلية كما نجدها في التراث الميتافيزيقي العريق، وإنما ~~ينظر إليها من منظور «عملي» على نحو ما فعل كانط. وهذا مضمون الجزء الثاني الذي آثر ms02 أن ~~يجعل عنوانه «إضاءة الوجود» لا «نظرية العقل». # وقبل أن ننتقل إلى هذا الجزء الثاني لا بد من التوقف لحظة نشير فيها إلى موقف ~~فلاسفة الوجود بوجه عام من العلم بمعناه النظري الدقيق، أو بتطبيقاته التقنية، وتفرقتهم ~~الحاسمة بينه وبين التفلسف بوصفه فعلا باطنيا وتجربة شخصية قبل كل شيء؛ فتأملاتهم عن ~~الوجود الإنساني تقوم في معظم الأحيان على افتراض ميتافيزيقي صريح أو مضمر بأن الوجود ~~في الواقع وجودان أو له على الأقل بعدان مختلفان: الوجود الذاتي الحميم أو الحقيقي ~~الأصيل من ناحية، والوجود العلمي غير الأصيل من ناحية أخرى، الأول يشارك فيه الإنسان ~~بوصفه وجودا قوامه التحقق والمعاناة والتجربة الباطنة، وهو وجود يفلت من البحث ~~الموضوعي بمناهجه العقلية والتجريبية، وتعبر عنه عبارة ياسبرز: «إن الإنسان في الأساس ~~لأكثر مما يمكنه أن يعرف عن نفسه.» # 1 # كما تدل عليه عبارة أخرى ل «جابرييل مارسيل» (1889-1973م) وردت في ~~يومياته الميتافيزيقية: «إنني على الدوام وفي كل الأحوال لأكثر من مجموع الصفات التي ~~يمكن أن يخلعها علي أي بحث أقوم به لنفسي أو يتولاه غيري عني.» ولهذا يكرر فلاسفة ~~الوجود أنه لا سبيل للإفصاح المباشر عن هذا الوجود المستسر الحميم، ولكننا نحياه ~~ونتصل به في لحظات نادرة من حياتنا الباطنة التي تجاوز تفسيرات العقل ومناهج التجريب ~~العلمي. ولا عجب بعد ذلك أن يصفوه أوصافا مختلفة تدل على عدم قابليته للتحديد أو على ~~عجزهم عن تحديده، كالوجود الأصيل «هيدجر»، والوجود الذاتي أو العلو «ياسبرز»، والسر ~~«مارسيل»، والأنت الأبدي «مارتن بوبر وإمانويل ليفيناس». ولا عجب أيضا أن يقللوا من ~~شأن العلم الدقيق ومناهجه، أو على الأقل من قدرته على النفاذ إلى حقيقة ذلك الوجود ~~الحميم الصميم، وأن يتابعوا «كيركجارد» في تأكيده المستمر «بأن الحقائق والمبادئ ~~العلمية التي تلزم العقل بتصديقها - لأنها ضرورية وعامة الصدق - لا تلزمني ولا تهزني ~~بما أنا وجود فردي وحيد، ولا تجيب عن أسئلتي القلقة عن حقيقتي ومصيري.» # 2 # ونعود إلى مضمون الجزء الثاني من كتاب «فلسفة» فنقول: إنه يدور حول الوعي بوجودي ms03 ~~الحاضر والماضي بما أنا كائن حر يحيا في ظل الحقيقة والكرامة، بحيث أتمكن من تحقيق هذا ~~الوجود وتحمل مسئوليته. ليس ثمة معايير موضوعية جاهزة لهذا التحقق، ولا سبيل ~~لالتماس العون من التراث المأثور ولا من أية سلطة ميتافيزيقية أو دينية لا يعترف بها ~~الفيلسوف. والسبيل الأوحد هو أن يجرب الفرد تلك المواقف الأساسية النادرة، التي ~~يسميها «المواقف الحدية»، فتوقظ فيه حقيقته الباطنة التي هي قانون حريته، هنالك يمر ~~بتجارب تكشف عن تناهيه، من أهمها تجربة «التواصل» التي كتب عنها ياسبرز صفحات خالدة ~~(يطل من خلالها ذلك الوجه الطيب الحنون لرفيقة دربه «جيرترود» التي رعت جسده العليل، ~~وأسندت رأسه المتعب على صدرها طوال العمر). ففي التواصل يشعر الفرد بأن ثمة إنسانا ~~يحبه حبا يفرض عليه الولاء والصدق نحو نفسه ونحو محبوبه، كما يستشعر حرية النهوض ~~بمسئوليته تجاه نفسه وتجاه شريكه، وفي هذا الموقف الذي يعد إمكانية أساسية للإنسان ~~لتحقيق وجوده الحقيقي، لا يتصل فهم بفهم، ولا عقل بعقل، بل وجود حميم بوجود آخر ~~حميم (فيه تتحقق كل حقيقة أخرى، وفيه وحده أكون أنا نفسي، بحيث لا أحيا مجرد حياة، ~~وإنما أحقق حياتي). أما التجربة الأخرى فهي تجربة «المواقف الحدية» (التي قدمها ياسبرز ~~لأول مرة في كتابه «وجهات النظر العالمية»، الذي صدر في سنة 1919م). في هذه المواقف ~~التي يعاني فيها الإنسان تجارب العذاب، والشعور بالذنب، والإخفاق، وفقد الأعزاء، ~~ووطأة الصدفة المباغتة، وضياع الثقة بالعالم يحس أنه يصطدم بجدار لا منفذ منه ولا ~~سبيل إلى تخطيه، ويتبين عجزه عن مواجهته بكل ما لديه من قوى عقلية وقدرات عملية. قد ~~يتمكن منه الإحساس بالإخفاق ويهزمه في النهاية؛ وذلك إذا تهرب منه بالمسكنات ~~والحلول الوهمية، وعجز عن مواجهته بأمانة، وتقبله في صمت، بوصفه الحد النهائي لوجوده، ~~هذا الحد الذي يكشف له عن «الآخر» الذي يستعصي على التحديد والتفسير؛ «فحقيقة الإخفاق ~~هي التي تؤسس حقيقة الإنسان». # غير أن الجرح الذي يؤلم هو نفسه الجرح الذي يشفي، «وداوني بالتي كانت هي الداء» تصدق ~~في هذه الحالة ms04 أكثر مما تصدق في حالة السكر والنشوة كما تصورها وعبر عنها أبو نواس؛ ~~فالإخفاق الذي يهز الإنسان من جذوره يمكن من ناحية أخرى أن يهديه الطريق إلى وجوده، ~~ويساعده على أن يكون «هو ذاته»، ويكتشف في داخله البعد الباطن الذي كان خافيا عليه، ~~والذي تحيا عليه الحرية والحكمة والأصالة. هذا البعد هو الذي يسميه بكلمة «العلو» ~~الغامضة المراوغة؛ لأنه هو الإمكان الذي يتخطى آفاق جميع الإمكانات الأخرى. # حول هذا «العلو» أو «العالي» (الترانسندنس) # 3 # يدور الجزء الثالث الذي جعل عنوانه «ميتافيزيقيا»، كما تدور فلسفة ياسبرز ~~بأسرها؛ فالوعي بالعلو وعي وجودي من كل ناحية، والذي ينخرط في «الموقف الحدي» يعلو ~~فوق الحد ويتوق إلى العثور على أساس يقيم عليه حياته، ويشعر بأن حريته ليست مجرد مصادرة ~~أولية أو مطلب أساسي، وإنما هي تجربة بالوجود غير المحدد، الذي يصفه بالعلو، وهي تجربة ~~مختلفة كل الاختلاف عن التجارب التي نتحدث عنها في العلم التجريبي أو في الحياة ~~اليومية، ويمكننا أن نكررها بإرادتنا؛ لأنها مرتبطة «بحدية» وجودنا الحميم واستعصائه ~~على «التموضع» أو التجسد في موضوع. لهذا تتخذ طابع الاعتقاد أو الإيمان؛ أي التصميم على ~~إمكان تشكيل حياتنا تشكيلا عقليا على الرغم من تناهينا المؤكد أو في مواجهته. ~~وتجلابة العلو التي يقصدها ياسبرز يمكن أيضا أن تفصح عن نفسها في صور مختلفة مما ~~ندركه ونلقاه في العالم الطبيعي. غير أن هذه الصور لن تكون أكثر من «شفرات» ملتبسة ~~متعددة المعاني، ليس بينها وبين ما تشير إليه علاقة ضرورية، ولا يستطيع أن يقرأها ويفك ~~رموزها إلا من خبر التجربة نفسها، فضلا عن أن هذه التجربة - كما سبق القول - مما ~~يستحيل تحديده أو تسميته أو جعله موضوعا للتناول. إنها من الندرة والمفارقة بحيث لا ~~تتفق للإنسان إلا في لحظات ومواقف استثنائية تضيء وجوده، وتقربه من معناه وحقيقته ~~وحريته، وربما لا تتفق له على الإطلاق في حياة تستهلكها الألوان المألوفة من خداع ~~الذات. # ولما كان تاريخ الفلسفة هو الميدان الزاخر بتجارب الحقيقة من كل العصور والحضارات، ~~الغني بصور ms05 التواصل مع العالي والشامل، وبالنماذج البشرية التي سمت إلى ذراه أو لمست ~~جذوره، فقد اهتم «ياسبرز » بتاريخ الفلسفة وبأعلامها الكبار منذ مرحلة اشتغاله بعلم ~~النفس، وظل أقربهم إلى نفسه «كانط» «وكيركجارد» بجانب «نيتشه» و«ديكارت» و«هيجل» كما ~~سبق القول. ثم تجلى هذا الاهتمام في كتابه الضخم الذي لم يصدر في حياته غير الجزء ~~الأول منه، وهو «الفلاسفة العظام» كما ظهر واضحا في هذه الدراسة، أو هذا المشروع الذي ~~تجده بين يديك عن كتابة تاريخ الفلسفة من وجهة نظر كلية وعالمية، وقد وجد في أوراقه ~~التي تركها بعد وفاته، وبلغت أكثر من عشرين ألف ورقة، يعكف على ترتيبها ونشرها واحد من ~~تلاميذه المقربين، سبق له أن كتب سيرة حياته وفكره. # 4 # يتناول ياسبرز الفلاسفة العظام من منظور عالمي واسع الأفق، يضم فلاسفة الغرب إلى جانب ~~حكماء الشرق الأقصى ومصلحيه ومؤسسي دياناته. والفلسفة من هذا المنظور هي مملكة العقل ~~التي يأتينا منها نداء هؤلاء الكبار من كل العصور. والواقع أنه يؤرخ لهم من وجهة نظر ~~تعلو على التاريخ بمعنى التتابع الزمني حقبة بعد حقبة، وتتأمل أفكارهم الحية وتستوعبها ~~وتدربنا على استيعابها على أساس أنهم عاشوا في زمن فوق الزمن، وارتفعوا فوق أساليب ~~وجودهم التاريخية وشروطها، وانفتحوا - بوصفهم نماذج من الوجود الإنساني الممكن - على ~~العلو أو العالي، وشاركوا - كل على طريقته - في تلمس جذور الحقيقة الخالدة التي ~~تتخطى حدود المكان والزمان واختلاف الآراء والمذاهب والأصول والغايات. ولهذا لا نعجب ~~كثيرا إذا وجدناه يضع كونفوشيوس وبوذا وسقراط والسيد المسيح بوصفهم نماذج دالة على ~~معنى التفلسف، بجانب أفلاطون والقديس أوغسطين وكانط بوصفهم المؤسسين والمطورين للتفلسف، ~~وأرسطو وتوماس الأكويني وهيجل الذين يعدهم حفظة التراث ومنسقيه المبدعين، وأنكسمندر ~~وهيراقليطس وبارمنيدز وأفلوطين وأنسيلم وكوزانوس واسبينوزا ولاوتزو الصيني وناجارجونا ~~الهندي من الميتافيزيقيين الذين تغذى تفكيرهم على الأصل وانبثق منه، وهوبز وليبنتز ~~وشيلنج من أصحاب العقول البناءة، وأبيلار وديكارت وهيوم من أقطاب النفي الحاد والتشكك ~~النافذ، وباسكال وليسينج وكيركجارد ونيتشه من الذين يؤثر أن يسميهم «الموقظين» العظام. ~~(وطبيعي أن يغضب القارئ ms06 العربي ولا ينفد عجبه من تجاهل هذا الفيلسوف لعالم الإسلام ~~وحضارته، وإغفاله لفلاسفة الإسلام وأئمته الكبار وصفوة مفكريه وعلمائه، ولكن لعله لم ~~يعرف عنهم ولا عن الحضارة الإسلامية شيئا يذكر، أو لم يكلف نفسه مشقة المعرفة ~~لأسباب يصعب التكهن بها وتفسيرها.) # من الواضح أن مواطني «الجمهورية العقلية» العالمية التي تدعونا إلى شرف الانتماء ~~إليها قد مارسوا التفلسف بمعناه الوجودي ومعاناته، وانعكس عليهم نور الوجود الكلي ~~والحقيقة الشاملة، على الرغم من اختلاف ميادين نشاطهم التي توزعت بين الدين والأدب ~~والفلسفة والتربية والعمل السياسي وحكمة الحياة، هؤلاء المفكرون الأصلاء يقفون هناك في ~~الأفق اللانهائي المفتوح لكل التفسيرات الممكنة، ينادوننا أن نشاركهم التفكير، ويدعوننا ~~لأن نصبح معاصرين لهم ويصبحوا معاصرين لنا، دون أن يضطر أحد منا إلى التخلي عن خصوصيته ~~النابعة من تفرد ذاتيته وتراثه وتجربته بالوجود. # ويبدو أن مشروع كتابة تاريخ عالمي للفلسفة قد شغل ياسبرز منذ سنة 1937م وأنه وهبه من ~~جهده المتصل أكثر من ربع قرن، حتى أثمر ذلك الجزء الأول الذي تحدثنا عنه، بجانب هذا ~~النص الذي كان - بقدر ما أعلم - هو آخر ما كتبه في حياته، استجابة لطلب المنظمة ~~العالمية للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو». ولا شك أن مشروع كتابة تاريخ عالمي ~~للفلسفة كان جزءا من مشروع أكبر منه وأقدم عن الدعوة إلى إنسانية جديدة. وربما بدأ ~~التفكير فيه كما قلت بعد عزله من منصبه في الجامعة وخوضه محنة الحرب العالمية التي ~~هزته كما هزت كثيرين غيره من مفكري العصر وعلمائه وأدبائه وشعرائه، فأخذوا يراجعون ~~أصول الحضارة الغربية المهددة بالانهيار أو الانتحار، مشفقين على مستقبلها ومستقبل ~~البشرية والكوكب الأرضي الصغير من سطوة «تنينها» العقلي والتقني، ومعترفين - بعد غرور ~~مدمر واستعلاء طويل الأمد - بأن أوروبا لم تعد هي مركز العالم، ولا عادت حضارتها هي ~~نموذج كل الحضارات. # 5 # تجلت آثار هذه «العالمية» في كتاب «ياسبرز» البديع عن أصل التاريخ وهدفه «1949م»، ~~ثم في عروضه الضافية لتفكير الفلاسفة العظام من الغرب والشرق، الذين شاركوا في غرس ~~الجذور المشتركة للحقيقة «الشاملة» وإلقاء ms07 الضوء على الوجود الإنساني العاقل الحر. وكما ~~حدث فيما يطلق عليه اسم «الزمن المحوري» (من القرن الثامن إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد) الذي بزغت فيه شموس الديانات والحضارات الكبرى في الصين والهند وعند ~~العبرانيين والإغريق، كذلك يتصور ياسبرز أن عصرا محوريا جديدا قد بدأ حقا وبدأت ~~معه حضارة إنسانية وعالمية قادرة على وقف التطورات الخطيرة التي تورطت فيها المدنية ~~التقنية الغربية، من تعصب للعلم الوضعي والتجريبي إلى الحد الذي أوشك معه أن يصبح خرافة ~~جديدة، ومن نظم السيطرة والهيمنة والتسلط والاستبداد الفردي والشمولي في الغرب والشرق، ~~وخصوصا في عالمنا الثالث الذي لم يكد الفيلسوف يتذكره أو يفكر فيه، وكأنه برغم دعوته ~~للعالمية لم يتطهر تماما من رواسب مركزية أوروبية متمكنة! ومن جماهيرية ضاعت معها ~~ملامح الفردية الحرة العاقلة. ولذلك كان تناوله للمؤسسين والبنائين العظام من العصور ~~الماضية بمثابة العودة إلى النماذج الإنسانية التي اتصلت بالعلو أو حاولت القرب منه، ~~كما كانت بمثابة إعداد مركب جديد يتمثل في حضارة عالمية وإنسانية جديدة، لم يكف عن ~~دعوة الضمائر إليها، على الرغم من ضياع صوته وخيبة أمله داخل بلاده وخارجها. # والفكرة الموجهة لهذا المشروع الذي ستطلع على ترجمته العربية هي أن تاريخ الفلسفة ~~كل متكامل، فإذا اقتربنا منه لكي نبحثه تفتت إلى وحدات متعددة ومذاهب وأنظار متباينة. ~~وكل وجهات النظر في تفسير هذا التاريخ مفتوحة وممكنة، ولكن المهم هو أن نختار وجهة ~~النظر «الجوهرية» التي تبين كيف جاءت الفلسفة إلى العالم عن طريق أفراد عاشوا في ~~تاريخ معين لحضارة معينة وعصر معين، «وحققوا» فلسفتهم بما هم أفراد وأشخاص فكروا في ~~معاني ومضامين، وعاشوا قضايا وإشكالات. بذلك يصير تاريخ الفلسفة هو تاريخ إشكالات ~~تحاوروا حولها، وطرحوا أسئلة وقدموا أجوبة عنها. إن كل مفكر من مواطني جمهورية العقل، ~~التي تمثل مجموع تاريخ الفلسفة، هو قبل كل شيء فرد متفرد، وشخصية متميزة لا تنوب عنها ~~شخصية أخرى، وترتيبه في المجموع الكلي يخضع لمكانته ونوع تفكيره وأسلوب تحقيقه لفلسفته ~~ومدى تأثيرها في العالم. وتفكيره يعكس الأصول والمنابع ms08 التي نهل منها، لغة كانت أو ~~أسطورة أو أدبا أو دينا أو فنا. وهو من ناحية أخرى ينعكس عليها ويؤثر فيها. ثم إن ~~كل مفكر منهم له علاقة بغيره من المفكرين؛ فهو يأخذ تفكيرهم ويستوعبه، ويتصارع معه، ~~ويكتشف وعيه بالإشكالات الكبرى وصياغته الجديدة لها. بذلك يكون تاريخ الفلسفة هو تاريخ ~~الحوار والتواصل في إطار ما يسميه ياسبرز ب «الفلسفة الخالدة» التي تظل من خلال هذا ~~التاريخ الكلي - المرتفع فوق التاريخ، والمهتم مع ذلك بكل التفصيلات التاريخية المحددة ~~والممكنة - فلسفة معاصرة وحاضرة. وهكذا يسجل هذا التاريخ الكلي ملحمة الوعي البشري في ~~تطوره عبر التاريخ الحي للأفكار والمفكرين، في محاولة ل «تفهم» صراعهم مع الحقيقة «من ~~الباطن»، بعيدا عن كل نزعة مسبقة تدعي المذهبية، ولإشراكنا نحن القراء في استيعاب ~~الحق الشامل واكتشاف حقيقتنا وذاتيتنا وحريتنا وعلونا بالتواصل «الوجودي» الحميم معه. ~~وهكذا يكون تاريخ الفلسفة نفسه طريقا مفتوحا إلى التواصل العالمي والحضارة الإنسانية ~~الجديدة، من خلال التواصل بين العقول الكبرى التي استمعت إلى دعاء الحقيقة، واستجابت ~~لنداء العلو، وشدتنا للاستماع إليه والتحاور معه والتمرس عليه بالفكر الجاد، والتجربة ~~الذاتية الحميمة، والفعل الاجتماعي والسياسي المسئول عن البشرية الممتحنة المهددة ~~في «قريتنا الصغيرة» التي نسميها الأرض. ~~(2) تصور ياسبرز للفلسفة ~~(1) # يكاد النص المنشور مع هذا التقديم أن يكون مرآة مصغرة لفلسفة ياسبرز، فهو ~~يردد أصداء نداءاته الفكرية التي ألح على توجيهها طوال حياته، ويركز في بؤرته ~~أكثر الأشعة المتفرقة في معظم كتبه المشهورة (كالمدخل إلى الفلسفة، والموقف ~~الروحي لعصرنا، والعقل والوجود، والإيمان الفلسفي، والتمهيد الضافي لآخر كتبه ~~الذي لم يقدر له أن يتمه وهو الفلاسفة العظام). وقبل أن ننظر في هذا النص ~~بقدر ما يعكس الاتجاهات النقدية المعاصرة، أو بقدر ما تنعكس عليه بصورة مباشرة ~~أو غير مباشرة، يحسن بنا أن نقف قليلا عند معنى «التفلسف» عنده، ثم نلخص أهم ~~الأفكار التي يدور حولها النص نفسه، وتتشابك فيها وحولها ظلال متباينة من وجهات ~~نظر ومناهج متعددة (كالمنهج النفسي، والظاهري أو «الفينومينولوجي»، ومنهج الفهم ~~والتفسير أو التأويل ms09 «الهيرمنيوطيقي»). # يمكننا - مع الاعتذار عن التبسيط المخل - أن نلخص تصور ياسبرز لمعنى ~~«التفلسف» والغاية منه فيما يلي: # أن ترى الواقع الحقيقي في منبعه الأصلي. # أن ندرك هذا الواقع في مواقفنا الفكرية من أنفسنا وفي أفعالنا ~~الباطنة. # أن ننفتح على «الشامل» بكل مداه (والشامل هو المصطلح الذي ~~يؤثره الفيلسوف للدلالة على الأبدي والكلي والحق والعلو - أو ~~العالي - الذي لا يمكن تحديده ولا الإحاطة به لأنه ليس موضوعا ولا ~~موضوعيا). # أن نبادر إلى «التواصل» الحق من إنسان إلى إنسان بنوع من الحوار ~~الحميم أو التصارع الفكري (الذي لا ينقلب إلى الإدانة والتصادم بل ~~يقوم على التنافس المفعم بالحب). # أن ندعم يقظة العقل في صبر وإصرار إزاء الغرابة البالغة وفي ~~مواجهة العجز والإخفاق (فالفلسفة لا تعطي، وكل ما تستطيعه هو أن ~~توقظ، وتذكر، وتساعد على الضمان والإبقاء. # 6 # أما ما نستطيعه نحن ويتوجب علينا النهوض به فهو التعلم ~~من «الموقظين الكبار» في كل العصور والحضارات، وإن كان ياسبرز نفسه ~~قد حددهم في أربعة لم يسعفه الوقت لتناولهم في كتابه السابق الذكر ~~عن الفلاسفة العظام، وهم: باسكال وليسينج وكيركجور ونيتشه). # أن تكون الفلسفة هي «بؤرة التركيز» التي تجعل الإنسان يصبح هو ~~نفسه بمشاركته في الواقع مشاركة حرة. # ولما كانت الصياغة الواعية لحقيقة التفلسف وهدفه لا تكتمل أبدا في صورة ~~نهائية يمكن الإجماع عليها (كما هو الشأن مع الحقائق العلمية التي تظل ملزمة ~~للعقل وعامة الصدق ما لم تظهر حقائق أخرى تعدلها أو تنسخها) فلا بد لكل منا ~~أن يضطلع بها مرة أخرى، وأن يعدها مهمة ومسئولية يتعين عليه أن يواجهها ~~ويتحمل تبعاتها ما بقي إنسانا. ولا بد في كل الأزمان من النظر إلى الفلسفة ~~بوصفها كلا حيا، ذا حضور دائم، يتحقق في تاريخها كله، وفي نصوص عظماء ~~الفلاسفة التي يجب أن «نتحاور» معها و«نكابدها» و«نتواصل» معها تواصلا ~~وجوديا حميما حتى توقظ الحقيقة الشاملة الكامنة فينا وفي كل ما يحيط بنا. ~~ذلك بأن كل قول فلسفي يكون بطبيعته ناقصا إلى أبعد حد؛ لأنه يطالب من ms10 يسمعه ~~بأن يعمل على إكماله من وجوده الخاص، كما أن الفلسفات جميعا تنطوي على فلسفة ~~واحدة خالدة لا يملكها أي إنسان، وإنما اتجهت إليها الجهود الجادة في كل زمان، ~~وفي الشرق والغرب على السواء. ولا غنى لنا عن إقامة جهدنا الفلسفي على هذا ~~الأساس، ولا عن المشاركة في هذا المسرح التاريخي الذي يتقارب فيه أفذاذ ~~الفلاسفة ويتباعدون، ويتخاصمون ويتنافسون، ويتناقشون ويتحاورون فيما يشبه أن ~~يكون جمهورية حكماء تعلو وترتفع فوق التاريخ. # والأفكار الأساسية الموجهة للنص الذي نحن بصدده لا تخرج عن الأفكار السابقة ~~وإن زادتها تفصيلا. وسوف نقتصر على عرضها بالقدر الذي يسمح لنا بمناقشتها في ~~ضوء المناهج الجمالية والنقدية السابقة الذكر، راجين أن نوفق إلى تحليل النص من ~~داخله بغير أن نفرض عليه شيئا من عندنا، أو نقسره على الدخول في قالب غريب ~~عليه، أو نسلط عليه وجهة نظر أو حكما مسبقا يتعارض مع روحه العامة. ~~(أ) # إن كل مفكر من مواطني «جمهورية العقل» أو «ملكوت الحكمة» هو قبل ~~كل شيء فرد متفرد، وشخصية متميزة، لا تنوب عنها شخصية أخرى، ولا ~~يستعاض عنه بفرد سواه، وتفكيره يعكس الأصول والمنابع التي نهل ~~منها، لغة كانت أو أسطورة أو أدبا أو دينا أو فنا أو علما ~~(بقدر ما تحث فروض العلم الأساسية أو حدوده النهائية على التفلسف)، ~~كما ينعكس من ناحية أخرى عليها ويؤثر فيها، وكأن تاريخ ~~الفلسفة (وربما استطعنا أن نضيف إليه تاريخ الأدب والفن والعلم ~~بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه) هو تاريخ الحوار والتواصل بين ~~أولئك المواطنين الأفراد وبيننا في إطار ما يمكن تسميته بالحقيقة ~~الخالدة؛ وهي التي تظل خلال هذا التاريخ الكلي الشامل - أو العالمي ~~- حقيقة معاصرة وحاضرة فيهم وفي كل من يعايش نصوصهم ويحاول القرب ~~منهم ومن منابعهم الأصلية. ~~(ب) # إن دراسة هذا التاريخ الكلي في تطوره عبر تجارب المفكرين هي ~~محاولة «لتفهم» صراعهم مع الحقيقة من الباطن، بعيدا عن كل نزعة ~~مسبقة إلى «المذهبة» أو «القولبة» أو «الأدلجة»، كما هي محاولة ~~لإشراكنا في اكتشاف الحقيقة من ms11 ناحية، والتبصر بحقيقة وجودنا ~~وذاتيتنا وعلونا بالتواصل الحميم معها من ناحية أخرى. ~~(ج) # كل مؤرخ للفلسفة (ونستطيع أيضا أن نقول مؤقتا: وكل مؤرخ ~~للأدب والفن) ينبغي أن يعرف نفسه معرفة واضحة، بجانب معرفة الكل ~~الذي ينطلق منه، وما دامت الحقيقة الفلسفية ليست معرفة دقيقة ~~وضرورية ملزمة للعقل، وإنما هي استيعاب باطني، ومحاولة تملك ذاتي ~~أو شخصي خاص، فلا بد أن يتغير وجهها ويتحول شكلها من عمل فلسفي ~~(وأدبي وفني ...) إلى آخر، ربما نسارع قائلين: إذن فلا شيء حق؛ إذ إن ~~الحقيقة الفلسفية والفنية تتغير مع تغير الإنسان وتطوره وتبدل ~~شروطه وأحواله، ولكننا بهذا لن نجد شيئا مؤكدا، وسنقع حتما في ~~النسبية، ولن نعثر على الحقيقة في أي مكان، بيد أننا قد نكتشف أن ~~المعرفة «الموضوعية» أو «المطلقة» موجودة بمعنى آخر على الدوام، ~~وأن «الحقيقة» حاضرة في الشكل أو الثوب الذي تفرضه لحظتها ~~التاريخية. ستكون مهمة المؤرخ والناقد في هذه الحالة هي «تفهم» ~~كل شيء، والوعي بأن ما هو حق لا تقتصر حقيقته على عصر أو شخص معين، ~~ولا تنحصر داخل حدود تاريخية ضيقة وعابرة؛ لأن «ما لا يصدق على كل ~~العصور والأزمان بصورة مطلقة وشاملة فليس من الحق في شيء». ~~(د) # يمكن أن تعبر الفلسفة عن نفسها في صورة نظام خاص مكتمل، يحمل ~~الطابع الشخصي لصاحبه، ويدل على الأسلوب الأصيل للتحقق الفلسفي. ~~وكل نظام من هذه الأنظمة يمثل نسقا أو مجموعا حيا متماسكا لا ~~يمكن تخطيه؛ إذ يبقى قيمة متفردة نسيج وحدها؛ لأنها تكمن في ~~صميم الكل وتعبر عن «الفلسفة الخالدة» تعبيرها عن الحقيقة الخالدة ~~التي لا يستحوذ عليها أحد، ومع ذلك تظل «حاضرة» على الدوام ولا ~~تتحدد - كما قلنا - بأي أسلوب أو منهج أو مذهب ولا تنغلق فيه؛ ~~لأنها تظل كذلك واحدة متغلغلة في أعماق كل شيء. لقد تجلت في ~~أشكال تاريخية متعددة، وكان كل شكل منها بالنسبة لصاحبه كليا ~~وحقيقيا، ولم يزل كذلك بالنسبة إلينا، دون أن يلزم عن هذا نضطر ~~أن نلتزم به أو نقيد وجودنا الخاص ms12 به، اللهم إلا بقدر ما يكشف عن ~~«الشامل» أو «العالي» الذي نتطلع إليه جميعا، ويحاول كل منا أن ~~يجربه تجربته الخاصة به، وأن يضيئه بعقله بقدر ما يستطيع. ~~(ه) # يمكننا من الناحية الصورية أو الشكلية أن نقارن بين تاريخ ~~الفلسفة - بالمعنى الذي شرحناه في الفقرة السابقة - وتاريخ الأدب ~~والفن؛ فالفلسفة والفن يشتركان في كونهما حقائق كلية باقية في كل ~~زمان، تصدق قيمتها بهذه الصفة الكلية أو لا تصدق على الإطلاق، وكل ~~فيلسوف وفنان عظيم يطمح إلى الكل ويسعى لتحقيقه في صورة كلية، مهما ~~تكن هذه الصورة جزئية أو غامضة أو متهافتة. وكلما تفتح الكل ~~واكتمل واتضح، وجدنا أنفسنا أمام عمل من أعمال الفلاسفة أو ~~الفنانين العظام. وطبيعي أن كل فيلسوف أو فنان عظيم لا يمكنه - من ~~حيث هو إنسان - أن ينفصل عن العمل الذي أبدعه؛ فالشامل أو الحق ~~الخالد يتجلى في عمله، وهو لا يتجلى إلا في صورة شخصية، ولهذا كان ~~تاريخ الفلسفة وتاريخ الأدب والفن هو تاريخ فلاسفة وأدباء عظام، ~~قبل أن يكون تاريخ أفكار وقيم ونظم ومذاهب أثرت على الواقع ~~التاريخي والاجتماعي، أو تأثرت به، ضمن شروط وسياقات معينة. ~~(و) # إن الحق الخالد أو الواقع الشامل لا يتحدد بشيء آخر، وهو يستعصي ~~على الإحاطة به من أي مكان أو في أي عمل على انفراد. ومع ذلك ~~يمكننا أن نلمح حقيقته من المنبع الذي انبثق عنه كل ما اشتق منه ~~وتفرع عنه. وهنا ينبغي علينا أن ننتبه إلى أمرين: تجربة المفكر أو ~~الفنان بالواقع الحي الشامل وأسلوبه في التعبير عنه (لا سيما إذا ~~كانت تفصلنا عنه مسافة زمنية ومكانية شاسعة)، وواقع ما حققه ~~بالنسبة إلينا اليوم (هنا والآن). وغني عن الذكر أن «تفهم» تلك ~~التجربة أمر لا ينفصل عن الشخص (أو الذات والوجود الحميم) الذي ~~يحاول فهمها، ومدى قدرته على الإحساس بمعنى الواقع وإعادة تكوينه ~~واستحضاره. وفهمنا وتفسيرنا لهذا الواقع لا يمكن أن يحالفه التوفيق ~~إلا بقدر ما يتجه الشامل الحاضر فينا نحو الشامل الحاضر في ~~التاريخ، المتجلي في ms13 أشخاص المبدعين العظام وفي أعمالهم التي ~~«تدعونا» لتحقيق وجودنا الحر المسئول، وتساعدنا على أن نكون نحن ~~أنفسنا . ~~(ز) # هذا التفهم من خلال التواصل القائم على المحبة والتعاطف والجد ~~والاحترام لا ينفي أنه صراع من نوع خاص، لا من أجل القوة أو ~~السيطرة أو إثبات التفوق أو غير ذلك من الصغائر التي يحرص عليها ~~صغار النقاد والمفسرين البعيدين عن التواصل بمعناه الأصيل، بل من ~~أجل الحقيقة الكلية المشتركة التي يكتشف فيها الطرفان نفسيهما. ولا ~~ضير في أن يتخذ التواصل مع تفكير آخر، مختلف في جذوره وشروطه ~~وأنماطه عن تفكيري، شكل الصراع والتساؤل، والاعتراض، والتفنيد، ولا ~~بأس أيضا في أن يتبين لي أنه آخر وغريب عني وعن واقعي التاريخي، ~~بحيث يمتنع تداخل أفق مع أفق، واندماج ذات في ذات، فالمهم هو أن ~~أضع نفسي بقدر الطاقة في موضع السؤال والسائل، وأن أنصت بأمانة لما ~~يدور في نفسه، وأتحسس ألوان «الشامل» وخيوطه في نسيجه الخاص الذي ~~استعصى علي أو استعصيت عليه. ذلك أن تاريخيته الخاصة لا تقوم إلا ~~على تاريخية الكل، ولا بد في النهاية أن تستقر سكينة الحقيقة ~~وصفاؤها في هذا الصراع المتعاطف المحب. ~~(2) # هل يمكن أن نكتشف من الأفكار السابقة بعض المناهج النقدية التي يحتمل أن ~~يكون ياسبرز قد طبقها عن قصد في هذه الدراسة وغيرها من دراساته، أو أفاد منها ~~على الأقل بصورة غير مباشرة؟ إن علينا الآن أن نتقدم خطوة نحو التحقق من ذلك، ~~وأول ما يخطر على البال من حديثه المستمر عن العظمة وعظماء الفلاسفة «الأفراد»، ~~أو عن بعض كبار الفنانين والأدباء الذين توفر على دراسة شخصياتهم «المرضية»، ~~أنه قد لجأ إلى المنهج النفسي. وينبغي علينا، قبل أن نؤكد هذا أو ننفيه، أن ~~نثبت حقيقتين أساسيتين كان لهما تأثير لا ينكر على كتاباته: # أولاهما: إنه قد تخصص في بداية حياته في الطب النفسي والعقلي، وكان من أوائل ~~الذين شاركوا في تأسيس ما يسمى اليوم علم النفس الوجودي، كما أنه انطلق منه في ~~اتجاهه بعد ذلك إلى فلسفة الوجود ms14 التي أصبح من أبرز أعلامها. ويكفي في هذا ~~المقام أن نذكر كتابيه المبكرين: «علم النفس المرضي العام » (1913م) و«علم نفس ~~وجهات النظر إلى العالم» (1919م)، ثم كتابه عن سترندبرج وفان جوخ: محاولة تحليل ~~مرضي مع الإشارة إلى سويدنبورج وهلدرلين # 7 ~~(1922م) وهو الكتاب الذي تتبع فيه «صيرورة» التكوين النفسي ~~لسترندبرج بوجه خاص من خلال كتاباته المختلفة عن سيرته الذاتية، منذ أن بدأت ~~وساوس الغيرة وجنون الاضطهاد في التسلط عليه، كما تناول غيره من «الفصاميين»، ~~وانعكاس مرضهم على شخصيتهم، ومضمون إبداعهم ونظرتهم للكون، أو على رؤاهم ~~الحدسية والصوفية الكاشفة، بجانب كتبه الأخرى عن ماكس فيبر (1932م)، ونيتشه ~~(1936م)، وديكارت (1937م)، ونيتشه والمسيحية (1947م)، وليوناردو فيلسوفا (1953م)، ~~وشيلنج (1955م)، وعظماء الفلاسفة (1957م)، ونيقولا الكوزاني (1964م)؛ وهي كتب لم ~~تخل من النظر إلى وجودهم المتفرد بالأصالة والحرية، أو تجاربهم المتميزة ~~بالتمزق والخيبة والانكسار. # وثانية هذه الحقائق، أن تأكيده المستمر لخصوصية تجارب الفلاسفة والفنانين ~~والأدباء، مع حسبانها تجليا تاريخيا للحقيقة الخالدة المتعالية على ~~التاريخ، دليل على تأثره بالمنهج أو المنحى النفسي بوجه عام، وانشغاله بالمواقف ~~الحدية - على حد تعبيره المشهور - في حياة الإنسان، كالألم والعجز والإخفاق ~~والموت وإدراك تناهي العالم. # وعلى الرغم من أن المنهج النفسي في نقد الأدب والفن قد تراجع في العقود ~~الأخيرة تراجعا شديدا أمام زحف المناهج الجديدة، وأنه قد أثار الشك من حوله ~~والهجوم عليه من أكثر من ناحية، فلا يمنع هذا من القول بالتأثير المتبادل بين ~~الأدب وعلم النفس. إن الإحساسات، والمشاعر، والأفكار، والخيالات، والحالات، ~~والمواقف النفسية، تؤلف جميعا مادة لا غنى عنها للأديب والشاعر والفنان، كما ~~أن افتراض وجود «النفس» ضروري لإثبات استجابتها للأدب والفن والفكر (بالرغم من ~~الارتياب في وجودها نفسه، منذ أن تشكك «هيوم» في وحدتها الجوهرية، وأنكرها ~~الماديون والوضعيون التقليديون والجدد، واستبعدها السلوكيون من تسمية العلم ~~نفسه ليصبح في رأيهم هو علم السلوك ...) ومع أن حدود التأثير المتبادل الذي سبق ~~ذكره غير واضحة، كما أن الحدود الفاصلة بين الأدب وعلم النفس غير واضحة أيضا، ~~فإن ms15 العمليات الذهنية والمضامين الباطنية واقع لا شك فيه، كما أن هذا الواقع ~~يدخل في أي لون من ألوان الأدب والفن، ويمكن أن يكون موضوعا من موضوعات البحث ~~النفسي ، وأن تشهد عليه حياة الأدباء والفنانين وأعمالهم، وحياة بعض الفلاسفة ~~والمفكرين على مر العصور. # وإذا كانت كتابات ياسبرز عن بعض عظماء الفلسفة والفن والأدب توحي في ظاهرها ~~بما يسمى بالسيرة النفسية، أو تقدم تحليلات علمية، وتطبق مناهج وأساليب ~~وصفية وعلاجية معروفة في علم النفس المرضي النفسي والعقلي، فلا يصح في الحقيقة ~~أن نتسرع بإطلاق صفة «النفسي» عليها، أو نجعل من صاحبها «سيكلوجيا» نفسانيا ~~بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. وتتلخص حجتنا على هذا في الأمور ~~التالية: ~~(أ) # كان انشغال ياسبرز بالطب النفسي والعقلي، ومشاركته في تأسيس علم ~~النفس الوجودي تعبيرا عن اتجاهه الأساسي إلى النظر الكلي للإنسان ~~بوصفه «شيئا» أكثر بكثير مما يمكن أن تسفر عنه نتائج العلوم ~~والبحوث الطبيعية والحيوية والطبية والاجتماعية والنفسية التي ~~تتناوله أو تطبق عليه. ومن ثم كان تحوله من الطب النفسي إلى ~~الفلسفة تأكيدا لرغبته الأصلية في إضاءة الوجود الإنساني الحميم ~~بالوعي الفلسفي. وإذا كان في بداية حياته قد اعتمد منهج التواصل ~~الوجودي بين الطبيب والمريض، حتى ينير الأول وجود الأخير ويعيده ~~إلى السواء والشفاء، فقد تلفع بعد ذلك بمسوح طبيب الأرواح ~~والنطاسي المداوي لأمراض العصر، وظل التواصل عنده هو لب الوجود ~~الإنساني وسبيله إلى سر الوجود الشامل وإلى تجربة الأفراد العظام ~~لحقيقته الغامضة والنابضة مع ذلك بالحياة فينا وفي كل شيء. لذلك لم ~~تكن العظمة الشخصية للفيلسوف أو الأديب والفنان، ولا كانت الأحوال ~~المرضية والظواهر الاستثنائية عند بعض العظماء منهم، مجرد حالات ~~يمكن إدراكها بوسائل علم النفس. فالإنسان دائما أكثر مما يمكن أن ~~نعرف عنه من الزوايا النفسية. والعظمة في الفرد صورة من عظمة ~~الكلي، وقيمتها لهذا السبب قيمة كلية. وإذا كانت وقائع حياة ~~العظيم، وسلوكه في حياته ووسطه، وأعماله وسجيته، ومظاهر قلقه ~~وتمزقه ومرضه وشذوذه؛ إذا كانت كلها تصلح لأن تكون موضوعا للبحث ~~النفسي، فإن هذا البحث ms16 يهتم بدلالتها الميتافيزيقية والوجودية لا ~~بدلالتها «السيكولوجية» الخالصة. # 8 # ثم إن معنى العظمة يغيب عنا إذا لجأنا إلى البحث ~~النفسي والاجتماعي؛ فمن شأن «طراز الفكر في علم النفس والاجتماع أن ~~يعشي البصر ويحجب العظمة عندما نعد ذاك الطراز مطلقا، ذلك أن ~~العظمة في نظر هذين العلمين تنحل إلى كيف، إلى خصائص، إلى ما ~~تمكن مشاهدته موضوعيا وكميا». # 9 ~~(ب) # إذا كانت دراسات ياسبرز لبعض الظواهر والشخصيات المرضية التي ~~أشرنا إليها تنتمي إلى الطب النفسي وعلم النفس الوجودي، فقد نشأت ~~من السؤال عن حدود التفهم الممكن للوجود والإبداع الإنساني. ففي كل ~~وجود فعلي، بما في ذلك الوجود العقلي، لحظة أو لحظات غامضة يمكن أن ~~نصفها بأنها مستعصية على الفهم. وعندما يتعلق الأمر بالأمراض ~~العقلية والنفسية، يمكن إخضاع الوجود الفعلي للتجريب والتحليل ~~والمقارنة الدقيقة، غير أنه يظل محتفظا بقدر من الغموض الذي لا ~~يسمح برؤيته والكشف عنه كشفا نهائيا؛ لأنه آخر الأمر جزء من لغز ~~الوجود نفسه، أو من «شفرته» التي يحاول الوعي الفلسفي أن يضيئها ~~ويحل رموزها. # ومع التقدير لكل الجهود العلمية والموضوعية التي تبذل للبحث في ~~أمراض النفس والعقل وعلاجها، فلا بد أن تنبع هذه الجهود من الوجود ~~الحميم أو الأصيل وتصب فيه، ولا بد أن تتجه من وراء الوقائع ~~والمقارنات والتحليلات إلى إنارة هذا الوجود والاستبصار بألغازه ~~وإمكاناته وحريته الأصيلة. # 10 ~~(ج) # يؤكد ياسبرز بصفة مستمرة أن الفكر الفلسفي بالمعنى الصحيح لا ~~يمكن أن ينفصل عن شخص صاحبه، وإذا عزلناه بوصفه تعبيرا موضوعيا ~~وحسب، لم يبق فكرا حقيقيا بالمعنى ذاته. وقد عرفنا من الصفحات ~~السابقة أن الفلسفة الحقيقة تتركز حول شخصيات عظيمة وتنبثق وتتدفق ~~منها، وأن اللغة التي كتبوا بها نصوصهم يمكن أن تفهم من حيث ~~تعبيرها عن موجودات بشرية. # ومع ذلك فإن كثرة الفلاسفة وتنوع الفروق الفردية بينهم تمثل ~~الفيلسوف الحقيقي الواحد، أو تعبر عن وحدة الحق التي تتمثل كذلك في ~~تواصلهم جميعا مع الحقيقة السرمدية الواحدة. إن المفكرين العظام ~~يظهرون حقا في التاريخ. ولكن جوهرهم - وهو أشبه ms17 بلغة الحقيقة - ~~يفوق وجودهم الطبيعي والنفسي، وانتماءهم التاريخي، وأخص ما يخصهم ~~هو معناهم فوق-التاريخي. وهذا المفهوم لا يجعلنا ننفي التاريخ ولا ~~علم النفس، وإنما يجعلنا نؤكد أن الشخصية العظيمة تعلو عليهما، ~~فمضمون الحقيقة الجوهرية يكمن في وحدة الزماني والسرمدي التي تتمثل ~~في شخصية العظيم وإبداعه. ~~(د) # وأخيرا فقد يعاني الفيلسوف أو الفنان أو الأديب أمراضا نفسية، ~~وقد يكشف نسقه الفكري أو عمله الفني عن خصائص أو علامات وأحوال ~~مرضية، غير أن هذه الخصائص والأحوال المرضية لا تفسر فكره أو ~~عمله كما يزعم النقاد المتأثرون بالتحليل النفسي (وإن كان بعض ~~النقاد قد استغل فكرة يونج عن النموذج الأولي وعن «النفس» # anima # والاتجاهات والوظائف ~~والأنماط النفسية بطريقة ناجحة في تحليل شعر إليوت وقصيدة كيتس ~~الشهيرة «أنشودة للعندليب»). ويحتمل - في تقديري المتواضع - أن ~~يكون ياسبرز قد تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة ب «يونج» في ~~محاولته إيجاد ما يمكن أن يسمى بظاهريات النفس التي تتخطى الفردية ~~الواقعية وتغوص في أعماق الوعي واللاوعي الجمعي المتأصل فيه (على ~~نحو مشابه لما فعله باشلار في تفسيره للخيال الخلاق والصورة ~~الشعرية)، وليس من المستبعد أيضا أن يكون قد تأثر بصورة مباشرة أو ~~غير مباشرة بكتابات «دلتاي» و«هسرل» وتلاميذهما، وأن يكون قد ~~أخذ عن الأول ما وصفه ب «علم نفس الفهم» أو التفهم للحياة ~~الشعورية، وتجربتها من الباطن، والاندماج المتعاطف فيها، ومحاولة ~~تفسيرها، وتأويل حوافزها وإمكاناتها، وأن يكون قد تابع الثاني في ~~هجومه الساحق على النزعة النفسية والبشرية في المنطق والمعرفة، وفي ~~محاولته جعل فلسفته في الظاهريات (أو الفينومينولوجيا) نوعا من ~~علم النفس الخالص للوعي المحض الذي ترى الماهيات أو تعاين في ~~مجاله الحي، ويبدأ منه وحده تأسيس كل مناطق الوجود والمعرفة ~~والتقويم. ~~(3) # هل يعني كل ما ذكرناه الآن أن ياسبرز قد تأثر بالمنهج الظاهري ووليده الأحدث ~~عهدا، وهو منهج التفسير (أو التأويل - الهرمنيوطيقا) الذي تطور إلى فلسفة ~~شاملة عند بعض أقطابه، مثل جادامر وريكور وبولنو وبيتي ... إلخ؟ وهل نجد لهما ~~مكانا لديه على الرغم من تحفظه إزاء ms18 المناهج بعامة، وخلو كتاباته من الإشارة ~~الصريحة إليها؟ # يعلم القارئ أن «الظاهرية» تعد نفسها منهجا معرفيا محايدا لوصف معطيات ~~الوعي أو الشعور وتمحيصها بغية «الحدس» بماهيات الظواهر التي تتجلى فيه ، أو ~~رؤيتها وعيان حقائقها ومعانيها عيانا حيا. وقد عرفها مؤسسها إدموند هسرل ~~(1859-1938م) بأنها «عودة إلى التجربة»، وراح في بداية عهدها يردد نداءه ~~الشهير: «لنرجع إلى الأشياء نفسها.» ولم يقتصر الأمر بعد ذلك على الوصف المباشر ~~لظاهرات الشعور دون أي أحكام أو فروض مسبقة، إلى حد وضع العلم الطبيعي والعلم ~~الوضعي «بين قوسين» أو تعليقهما (وهو ما يعرف عنده بمصطلح الإيبوخية الذي ~~استخدمه قدماء الشكاك الإغريق)، بل تعداه إلى تحديد نسيج هذا العالم الحي ~~الذي سميناه الشعور، بوصفه قطب الوعي العيني المباشر، الذي يتميز بأنه يتوجه ~~إلى كل ما يعيه أو «يقصد» إليه (ومن ثم كانت القصدية هي بنيته الأساسية). ثم ~~تطورت الظاهرية وتنوعت تطبيقاتها ومناهج الرد فيها، وبلغت مرحلة مثالية ~~متعالية، عجز كثير من تلاميذ هسرل عن ملاحقته فيها أو إقراره عليها. بيد أن ~~هدفها المزدوج قد بقي على كل حال كما حدده مؤسسها على الصورة ~~التالية: ~~(أ) # أن تكون الظاهرية علم نفس محضا، موازيا للعلم الطبيعي، بحيث ~~يميز النفسي عن الطبيعي تمييزا حاسما (ولا ننس أنه شن حملة ~~ساحقة على النزعة النفسية في المعرفة والمنطق فلم تقم لها قائمة ~~بعده). ~~(ب) # وأن تكون منهجية كلية شاملة لإعادة بناء العلوم والمعارف بأسرها؛ ~~أي فلسفة متعالية وعلم وجود عام (أنطولوجيا) مهمتها الكشف عن البنى ~~الأساسية للشعور ذاته ومقولاته الدائمة التي تؤسس أو تكون مناطق ~~الوجود ومجالات المعرفة ووحدات المعنى وماهيات الحقائق والقيم ... ~~إلخ، التي «تظهر» نفسها في عالمه الحي. # والحق أن أهداف «الظاهرية» ومناهجها تشترك في أمور كثيرة مع أهداف الفن ~~والأدب والشعر بوجه خاص، ومناهج فهمها وتفسيرها؛ فبقدر ما تكشف الظاهرية من ~~خلال اللغة عن «كينونة» التجربة ونسيج العالم المعيش، يمكن - بغير تجاوز كبير - ~~أن نصف مبحثها بأنه في صميمه وفي روحه المتغلغلة في الوجدان الباطن مبحث أدبي ~~بوجه ms19 عام. بهذا توفق بين النزعة الوجودية الحميمة ووحدة التجربة وعدم قابليتها ~~لأن ترد إلى شيء عداها؛ وبذلك أيضا ترفض التحليل المنطقي الذي يمكن أن ~~يهدد وحدة الشعور وتكامله، على نحو ما يعبر «موريس ميرلو-بونتي» ~~(1908-1961م): «ليس العالم هو ما أفكر فيه، بل هو ما أعيشه وأحياه.» # ولعل هذا هو الذي حدا ببعض فلاسفة العصر - مثل هيدجر (1889-1976م) وسارتر ~~(1905-1980م) وميرلو-بونتي نفسه - إلى التعبير عن كثير من حدوسهم وأنظارهم ~~الفلسفية بلغة تقترب أحيانا من لغة الأدب والفن، وأن يقيموها في أحيان أخرى ~~على حدوس الأدباء والشعراء (مثل هيدجر في شروحه لشعر هلدرلين وريلكه وتراكل، ~~وسارتر في تفسيره لشعر بودلير ولأعمال عدد كبير من أدباء العصر، ومثل غيرهما من ~~النقاد الظاهريين الذي اهتموا بشعراء غنائيين مثل مالارميه وريلكه ووالاس ~~ستيفنز ورينيه شار وسواهم ممن أبدعوا عوالمهم الخيالية الخاصة). إنهم يوحون ~~إلينا بأن الأدب يمكن أن يكون أصدق شكل من أشكال التعبير الفلسفي، كما يمكن أن ~~ينهل الفكر الفلسفي من ينابيع الشعر والفن، وأن يلجأ إلى الفن وإلى الشعر بوجه ~~أخص، بوصفه مصدرا أساسيا لمعرفة طبيعة الإدراك الحسي وغيره من ظواهر النشاط ~~العقلي، كالخيال على سبيل المثال. # 11 # والواقع أنه لا عجب في هذا كله؛ فالأدب في النهاية وصف وتحليل ~~لمعطيات الوعي؛ وكم قدم من الشواهد على «اللاوعي» في صور لغوية واعية، وكم ~~«علق» وجود العالم المكاني - الزماني أو وضعه بين قوسين (كما يقتضي منهج الرد ~~الذي توسعت فيه الظاهرية) ليحقق امتلاء التجربة وتدفقها. ولعل الأدباء والشعراء ~~أنفسهم أن يكونوا أكثر من تعمق هذا المنهج - الذي طبقته الظاهرية - كما سبق ~~القول - بطريقة معرفية «وماهوية» قصدية لكي يتأملوا الأشياء والمعاني في الشعور ~~المحض تأملا يتسم بالجدة والأصالة والنضارة، ويوظفوا اللغة في سبيل استدعاء ~~عالمهم الشعري وإبداع عالمهم الخيالي الذي لا يتعلق بعالم الوقائع بقدر ما ~~يتعلق مباشرة بالشعور الخالص، ذلك لأن الشاعر - شأنه في هذا شأن الفيلسوف ~~الظاهري - ينطلق من التسليم بأولوية الشعور، وبأن الأشياء لا تفهم، وربما لا ~~توجد أصلا، إلا في علاقتها ms20 بالشعور الذي يتوجه إليها بطبيعته، أو يقصدها؛ كما ~~سبق القول. ويكفي في هذا المجال المحدود أن نورد عبارة مالارميه (1848-1892م) ~~التي توضح قدرة الشعور الخلاق على تكوين عالمه الشعري من خلال اللغة الرمزية ~~المصفاة من كل أثر للشيئية إلى حد التماس مع العدم: «أقول زهرة! ومن داخل ذلك ~~النسيان لأي معلم من المعالم التي يمكن أن يرتبط بها الصوت الذي نطقت به، ~~تتصاعد بشكل موسيقي، وبفكرتها أو مثالها الرقيق تلك الزهرة المفتقدة في كل ~~باقات الزهور.» # وحسبنا هذا المثل الواحد دليلا على استفادة نقاد الأدب والشعر من خصوصية ~~عالم التجربة الشعورية الحي، ومن غناه وامتلائه الدائب لكي يرد إلينا «جسد ~~العالم» كما يعبر عنه الشعر الذي لا يستمد وجوده - في نظرهم - إلا من الشعور ~~وفي الشعور؛ لأنه ببساطة جزء منه ولا استقلال له عنه. # ولقد نبهنا النقد الظاهري إلى عدد من الحقائق التي يمكن إجمالها على النحو ~~التالي: ~~(أ) # حسبان الخيال أو التخيل مصدرا للتحرر، فبقدر ما يجذبنا العالم ~~الفني الخيالي للاستغراق فيه، نجده يساعدنا كذلك على التحرر منه ~~والشعور بنوع من الصفاء والسكينة الجمالية الخالصة. وهو بقدر ما ~~يجعلنا نغوص في خصوصيته، يتيح لنا أن نجرب خصوصية شعورنا الباطني ~~الحميم. ~~(ب) # حسبان العمل الفني والأدبي موضوعا قصديا مستقلا، مع تأكيد ~~أن تجربة هذا العمل نوع من التذوق أو التأمل الذي يحقق إنسانيتنا ~~ويزيدها عمقا وغنى وامتلاء. ومن ثم لا يكون النقد الظاهري ~~تقويما، بقدر ما يكون تجلية للتجربة الجمالية، وإشادة ~~بثرائها. ~~(ج) # حسبان الاستجابة الجمالية والأدبية استجابة فعالة؛ أي عملية «وضع ~~بين قوسين» يتخلى فيها الناقد والمتلقي عن كل افتراضاته وأحكامه ~~المسبقة، بحيث يقصد إلى الموضوع الجمالي ذاته على نحو ما هو معطى ~~له «بلحمه ودمه» وبحيث يستغرق فيه، كما تقدم القول، وينفتح عليه، ~~ويسلم نفسه له كما يقضي بذلك مبدأ التفاعل بين الآفاق، أو ~~المشاركة بين الذوات، الذي طالما أكدته الفلسفة الظاهرية، وكأننا ~~نتعلم منها كيف نرى وكيف نقرأ كما ينبغي أن تكون الرؤية والقراءة، ~~دون أي تحفظ ms21 عقلي، أو رغبة في الاحتفاظ بحكم عقلي مستقل (وهو درس ~~في التواضع للمغرورين والمعذبين في أرض الأدب والفكر والفن) وعند ~~ذلك نلتزم الالتزام المنشود من القارئ بما يقرأ، ونشعر شعورا ~~حدسيا مباشرا بشعورنا نحن بالموضوع الجمالي الذي استغرقنا حتى ~~جعلنا نتخلى عن التعارض أو التضاد المعتاد في المواقف الإدراكية ~~بين شعوري أو وعيي من جهة والموضوعات أو الأشياء الطبيعية المطروحة ~~أمامه من جهة أخرى، وفي ذلك تكمن المفارقة التي نبه إليها ~~«دوفرين» إزاء التجربة الجمالية؛ فهي استغراق عميق مصحوب بتحرر ~~وجداني، كما أنها تعبير عن وصف «باشلار» للخيال بأنه ضرب من ~~التحويل الذي يحررنا من إحساسنا العادي بالواقع؛ لأن التجربة ~~الجمالية عنده هي نوع من «الحلم» الذي تتم فيه حالة استجابة يكون ~~فيها الشعور شديد الاستغراق وشديد الانتباه في وقت واحد؛ بل إن هذه ~~التجربة - في رأي باشلار - تجربة نموذجية أولية (على حد تعبير يونج ~~المشهور)، أي عودة إلى الصور والبنى الأصلية للشعور؛ وهي بهذه ~~المثابة نوع من تحقيق إنسانيتنا وتعميقها وإثرائها. ~~(3) نظرة تحليلية لمحتويات الكتاب # لننظر الآن في نص ياسبرز لنرى مدى تطبيقه للمنهج الظاهري في قراءته لنصوص الفلاسفة، ~~وفي تأريخه للفلسفة من وجهة نظر عالمية. وأول سؤال يخطر على البال، هو هذا ~~السؤال: # كيف يمكن لحواري مع الأموات أن يجعلهم أحياء؟ وكيف يستطيع الاتصال بنصوصهم أن يلبسها ~~ثوب الحياة؟ # والجواب في السؤال نفسه، وهو جواب تمتزج فيه عناصر ظاهرية وتفسيرية في وقت واحد؛ لأنه ~~كامن في الحوار معهم ومع نصوصهم. فعندما أسأل يجيبني النص الذي لا يرد على من يمر عليه ~~مرور الكرام. غير أن إجابة النص - أو أجوبته الممكنة - لن تصل إلى سمعي إلا إذا استطعت ~~أن أسوغها بحسب المعنى القصدي الذي يضمره النص. وإذا لم يستجب هذا المعنى ظل الأموات ~~صامتين. وعندما أستوعب المضمون الحقيقي وأتملكه بحق، يمكنني كذلك أن أفهم المعنى ~~المختفي بين السطور أو تحتها ووراءها، ولن يتيسر هذا حتى تتفاعل أفكار المفكر «الميت» ~~مع أفكاري، ويتداخل أفقه مع أفقي - كما يقول اليوم فيلسوف ms22 التفسير أو التأويل هانز جورج ~~جادامر. # ومما يرجح هذا المنحى الظاهري أن ياسبرز يؤكد على الدوام الأسس التي يقوم عليها؛ إذ ~~يفترض استبعاد أي أحكام مسبقة، بل يفترض وضع العالم الطبيعي والوضعي، لا معارفي وأحكامي ~~السابقة وحدها، بين قوسين، قبل أن أحاول القرب من النص واستكناه قصده ودلالته في ~~حيدة تامة. ومعنى هذا أن من التبجح على الفيلسوف ونصوصه أن أعد كلامه مجرد سلم ~~أتصرف به أو أتسلق عليه، وأمضي في اتباع درب لا يقودني هو نفسه إليه، # 12 # أو أن أقحم عليه معنى لا ينطوي عليه، أو أقسره على الدخول في وجهة نظر ~~مسبقة للعالم، شاء ذلك أم أبى؛ فمثل هذا السلوك لا يمكن أن يوصف من الناحية الأخلاقية ~~إلا بانعدام الحياء. # الفلسفة إذن تجربة معيشة قبل كل شيء. هي تجربة الحقيقة التي تحياها الذات في تواصلها ~~مع ذات أخرى - عبر رموز لغتها وعلاماتها ودلالاتها الممكنة - وفق إمكاناتها الوجودية ~~الصميمة. وما دامت تجربة وجودية وذاتية تتم في التاريخ، فلن يتم تفسيرها على الوجه ~~الملائم إلا بمنهج ذاتي وتاريخي أيضا. وغني عن الذكر أن هذا المنهج يقترب الآن أشد ~~الاقتراب من منهج التأويل (الهرمنيوطيقا)، ويبتعد بالتدريج عن المنهج الظاهري بمعناه ~~الدقيق عند مؤسسه الأول الذي استنكر أن تدخل فيه عناصر الذاتية البشرية من أي سبيل، أو ~~قل إنه يقترب من منهج تفسيري انطلق من أساس ظاهري، كما حدث مع كل أصحابه الذين تبنوه ~~بصور وأشكال مختلفة (خصوصا من هيدجر إلى جادامر وتلاميذهما). # والحق أن التاريخ لم يغب أبدا عن عيني ياسبرز؛ فهو لم يتوقف عن التفكير في أصله ~~وهدفه (كما ينطق بهذا كتابه المشهور بالعنوان نفسه (1949م، 1963م)، وكتاباته المتأخرة ~~عن مستقبل الإنسانية ومصيرها في مواجهة الخطر النووي المنذر بالإبادة والكارثة ~~الجماعية)، وإذا كان التاريخ عنده هو قبل كل شيء تاريخ الأفراد العظام، فإننا لا نتصل ~~بتراثه الماضي والحاضر لإشباع فضولنا للمعرفة، ولا لإثبات تميزنا بالعلم أو تفوقنا على ~~الآخرين - كما يتصور بعض الصغار في بلادنا، من الأدعياء الاستعراضيين والمتضخمين ms23 الجوف، ~~الذين ارتفع ضجيج طبولهم، واشتد سعارهم النرجسي إلى الشهرة الرخيصة والأضواء الكاذبة - ~~بل لكي نوجد بعمق وصدق حين نتواصل مع وجود العظماء ومع عظمة الذين وجدوا أنفسهم في ~~الحقيقة، ولكي نوقظ في أنفسنا ينابيع المسئولية والجد والإنسانية، ونؤكد حريتنا في أن ~~نكون ونأمل ونعمل في سبيل مستقبل نشارك في صنعه مع بقية «الأحياء» الذين ضمهم حضن ~~الأرض منذ مئات السنين أو آلافها، أو من الذين ما فتئوا يضطربون على ظهرها. ومن لا ~~يتدبر وجوده على «خلفية» من آلاف السنين في عمر البشرية فلن يعرف ذاته، ولن يدرك الهدف ~~من الماضي والحاضر والمستقبل. ومن ثم يصبح التاريخ والتراث وجودا حيا يصل الأمس ~~بالغد في لحظة سرمدية هي لحظة الفعل الحاضر في الحقيقة الشاملة العالية، لحظة الوعي ~~الحر المسئول عن وجودها وعملها الدائب فينا وفي كل شيء وكل إنسان، فالتاريخ في النهاية ~~هو مجلى هذه الحقيقة وسجل حضورها الحي، وما لم يتواصل وجودنا مع وجود أولئك الذين ~~جسدوها فيه فلن نفهم شيئا عن معنى الفلسفة ولا غير الفلسفة. ~~(4) # لعلنا أن نكون قد رأينا من العرض السابق أن «ياسبرز» قد اقترب أشد القرب من ~~منهج الفهم والتأويل «الهرمنيوطيقي»، وإن لم يحرص هو نفسه على التصريح بذلك، ~~ولا حرص أصحابه الذين تبلور المنهج على أيديهم في السنوات الأخيرة على ضمه ~~إلى صفوفهم أو الإشادة بدوره في صياغته وتطبيقه. إن قراءاته لنصوص الفلاسفة ~~وبعض الفنانين والأدباء تشهد على أنه ينظر فيها من الداخل ويحاول أن يتملك ~~مضامينها الباقية بالتعاطف والحوار النقدي الحر معها، لا من وجهة نظر يفرضها ~~عليها، ولا بمعيار مذهبي أو «شعاري» خارجي يدعي الصحة أو «الموضوعية» المطلقة، # 13 # ولا لانتقادها ومناظرتها وهدمها؛ فالنقد الحقيقي يفترض الحب، ويقوم ~~على التفهم والكشف، وهو يبتعد عن كل شهوة رخيصة لإثبات التفوق والتحذلق. هذا ~~التعاطف لا يمنع بطبيعة الحال من التصارع مع النصوص وإدراك حدودها وتناقضاتها ~~وجوانب ضعفها وقصورها، ولا يتعارض مع تطبيق المناهج والأدوات العلمية الدقيقة ~~لتحقيقها وتمحيص لغتها وبناءاتها ومستوياتها المختلفة، ووضعها في ms24 سياقاتها ~~التاريخية والاجتماعية والسياسية ... إلخ، فكل ذلك يقوي من أواصر اتصالنا بها، ~~ويوقظ معرفتنا بحدود وجودنا وإمكاناتنا، وسواء استوعبنا مضامينها وتملكناها ~~بحيث صارت شيئا خاصا بنا، أو رددناها وفندناها بوصفها «الآخر» المباين ~~لحقيقتنا وغايتنا، فإن ذلك لن يقلل في شيء من موقفنا المبدئي القائم على ~~«تجربة» النص، وإعادة استحضاره وإنتاجه، وضرورة بذل كل الجهود الذاتية ~~والموضوعية الممكنة للاندماج فيه والاتصال بحقيقته المحدودة بحدود النقص ~~والتناهي والقصور البشري المحتوم. # وليست هنالك طريقة (أو وصفة) معينة يمكن التوصية بها لتفسير نص معين أو ~~تأويله. فلا مفر من اختلاف التفسير باختلاف النصوص والمفسرين. صحيح أنه ينبغي ~~علينا أن نلجأ إلى المقولات العامة، وأساليب البحث وقواعده «العلمية» المتفق ~~عليها، ولكن المهمة الملحة هي تحقيق المشاركة فيها، والتواصل معها، وبغيرهما ~~يستحيل النقد الحقيقي كما يستحيل «التفلسف» الحقيقي الذي أوصانا به كانط ~~(1724-1804م) عندما كان يكرر قوله لتلاميذه: «أنا لا أعلمكم الفلسفة - بمعنى ~~تاريخ الآراء والأفكار والمذاهب - وإنما أعلمكم التفلسف، قفوا على أقدامكم، ~~فكروا بأنفسكم!» ولا ننسى في هذا السياق أن نقاد فلسفة التأويل يأخذون عليها ~~أنها لم تتوصل إلى مبادئ أو قواعد يمكن الإجماع عليها، ناسين هم أيضا أنه لم ~~يتوصل أحد حتى اليوم إلى مبادئ ثابتة أو قواعد مطلقة، لا في الفلسفة ولا في ~~النقد، وأن من الطبيعي أن تختلف المبادئ والقواعد - إذا صح استخدام هاتين ~~الكلمتين - باختلاف المفسرين الذين تختلف قراءاتهم وتفسيراتهم للنص الواحد، دون ~~أن يلزم عن ذلك بالضرورة أن نتهمهم بالذاتية والنسبية، وتنكب سبيل الموضوعية؛ ~~لأن هذه المفاهيم نفسها بحاجة دائمة إلى التحديد والتوضيح، كما أن أصحاب فلسفة ~~التأويل يؤكدون أن منهجهم ذاتي وتاريخي ونسبي، وأن الموضوعية «المطلقة» هنا شيء ~~مستحيل؛ ذلك لأن الفهم أو التأويل عملية دائرية تنصهر فيها الآفاق وتتداخل، أو ~~تتنافر وتتباعد، فتحاول «ترجمة» الغريب والآخر الأجنبي عنها من موقفها الخاص ~~لتزداد معرفة به. وهو على كل حال ليس عملية أفقية أحادية الاتجاه (وقد ألح ~~على هذا فلاسفة التأويل، من هيدجر إلى جادامر وبولنو) والمهم هو فتح أبواب ms25 ~~الإمكانات المختلفة للقراءات المتعددة والممكنة للعمل الفكري أو الفني وللوجود ~~الإنساني. # ربما جاز لنا في النهاية أن نعترض على النظر إلى الأعمال والتجارب الفلسفية ~~والفنية بوصفها مجرد رموز، أو بالأحرى شفرات تحتاج إلى الحل، لبيان دلالتها على ~~العلو أو الحقيقة الشاملة كما يفهمها ياسبرز نفسه، أو كما يوحي إلينا بأنها ~~مستعصية على الفهم. وسيكون من حقنا في هذه الحالة أن نأخذ عليه تقييده للمعاني ~~الممكنة للرمز في معنى واحد، بالرغم من أن الرمز يختلف عما يدل عليه ويزيد ~~عنه، ولا يمكن أن يقتصر على العالي أو الشامل وحده. وربما جاز لنا كذلك أن نقول ~~إن هذا في نهاية المطاف تفسير أحادي لا يستقيم مع استقلال العمل أو النص ~~وخصوصية تركيبه وسياقه، ولا مع قابليته لتفسيرات وتأويلات متعددة، يمكن أن ~~ينفتح عليها وأن تنفتح عليه، كما أن مختلف النصوص والأعمال ستصبح في هذه ~~الحالة مجرد أمثلة أو نماذج لا تكتسب معناها وحقيقتها الخاصة إلا من حيث ~~دلالتها على تلك الحقيقة الشاملة، أو بالأحرى من حيث تعبيرها عن فلسفة «ياسبرز» ~~نفسه، التي تدور حولها دوران السواقي والأراجيح حول محور واحد، أو الأغاني ~~والتنويعات على لحن لا يتغير (وهذا ما يمكن أن يقال أيضا بمعان مختلفة عن ~~تفسيرات فلاسفة كبار آخرين لنصوص غيرهم، مثل تفسيرات أرسطو قديما، وهيجل ~~حديثا، وهيدجر في عصرنا الحاضر؛ إذ يبرزون من تلك النصوص ما يؤكد فلسفاتهم هم) ~~كل هذا جائز ومشروع. ولا يملك أحد أن يحرمنا حقنا في تفسير «تفسير» ياسبرز أو ~~غيره، ولا في تقديم تفسير مختلف تحكمه عوامل تكوين ذاتيتنا ووجودنا التاريخي، ~~وتأثير تجاربنا اللغوية والثقافية والتراثية التي تضافرت على تشكيلهما، بجانب ~~انعكاس المقولات والأحكام والتصورات السائدة على معرفتنا وفهمنا ونقدنا، بل ~~جنايتها في كثير من الأحيان على محاولاتنا في تفسير الأعمال والنصوص، وبخاصة ما ~~ينتمي منها إلى عصر غير عصرنا، وإلى ثقافة وتاريخ وتقاليد مختلفة عن تلك التي ~~كونتنا. صحيح أن التفسير الجوهري - إذا صح هذا التعبير - ينطوي دائما على ~~محاولة لمجاوزة النص نفسه إلى ms26 السؤال أو الإشكال الأساسي الذي بعث ذلك النص إلى ~~الوجود. ومهما حاولنا أن نفتح أفقنا على أفق النص والذات التي أبدعته، فلا بد ~~أن يبقى تفسيرنا محدودا بالحدود والعوامل التي سبق ذكرها، ولا مفر من أن يكون ~~مختلفا عن أي تفسير آخر لذات أخرى غير ذاتنا، فلا مجال هنا للحديث عن ~~«موضوعية» مطلقة، نعلم اليوم أكثر من أي يوم مضى أنها مستحيلة، ولا مناص من ~~الاعتراف بأننا نفهم دائما من خلال أسلوبنا في الرؤية والوجود، وهو أسلوب قد ~~لا نعيه إلى حد كبير، ولا نستطيع في الوقت نفسه أن نعيش بدونه. # مهما يكن الأمر فإن تدخل التأمل الفلسفي (أو التأمل النقدي القائم بالضرورة ~~على أسس فلسفية) ما يزال بنظرياته واتجاهاته الكثيرة التي تشغلنا اليوم - ولا ~~حاجة بي لذكر أسمائها أو الجدل حولها - أقول إنه ما يزال موضع السؤال والإشكال، ~~ولم يفلح معظمها - كما أسلفت - في تقديم معايير مضمونة أو قواعد متفق عليها من ~~الجميع (ربما لأننا ننسى أحيانا أن التفسير يقوم على الفهم والتذوق، ولا بد أن ~~يختلف كلاهما باختلاف النصوص والمتذوقين ...) ولو نجحت الفلسفة في تقديم أسس ~~نظرية متينة للتمييز بين التفسير «العلمي» والفهم «الإنساني» - أو الذاتي ~~التاريخي - (كما حاول فلاسفة الهرمنيوطيقا وما زالوا يحاولون دون أن يصلوا إلى ~~مبادئ أو نتائج عامة الصدق، ربما لأسباب كامنة في فلسفتهم نفسها)؛ أقول لو ~~أمكن هذا ذات يوم في حدود معينة، لكان للفلسفة تأثير أكبر وأكثر فعالية على ~~النقد الأدبي والفني، ولا شك عندي في أنها تسعى دائبة على الطريق إلى هذا ~~التأسيس، كما يتبين من بحوث بعض المعاصرين (مثل رومان إنجاردين، وج. ه. فون رايت، ~~وك. و. آنيل، وت. م. زيبوم، وغيرهم). وسيبقى تفسير التفسيرات نفسها ومراجعتها ~~أمرا يحتمه مبدأ تعدد التفسيرات وثراء النصوص العظيمة - في الفلسفة والأدب ~~والفن - بالإمكانات التي لا حد لها. ويكفي النص الذي نقدمه أن يكون قد سمح لنا ~~بتفسيره، بعد أن سمح بالانفتاح على مختلف التفسيرات، ومن بينها تفسيرنا المحدود ~~بقدراتنا وإمكاناتنا وأدواتنا المحدودة. # | مهمة ms27 كتابة تاريخ الفلسفة # التصور التاريخي للفلسفة # تتراكم أمامنا النصوص الوفيرة والمعارف المتواترة من التراث؛ فما معناها بالنسبة إلينا؟ ~~وكيف تتسق فيما بينها؟ وعلى أي نحو تمثل كلا متكاملا؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لتنبع ~~من طريقة فهمنا لهذه النصوص والمعارف. فتصورنا للتراث المأثور وتفسيرنا له هو وحده الذي ~~يجعله حاضرا أمام عقولنا. # والصعوبة التي تواجه أية محاولة لإعادة كتابة تاريخ الفلسفة تكمن في ضرورة الانفتاح على ~~هذا التاريخ في مجموعه وتصوره تصورا كليا حتى يمكن أن يصبح موضوعا للتأمل. فليس هناك ~~عرض نهائي وموضوعي، ولا توجد موسوعة معتمدة لتاريخ الفلسفة يمكنها أن تفي بطبيعة التجربة ~~الفلسفية أو توضح ماهية التفكير الفلسفي. إن النصوص وحدها هي التي يمكن أن توصف بالموضوعية، ~~وذلك بقدر ما تكون قد نقلت إلينا أو أعيد بناؤها بأمانة، وتعمق النصوص يبين لنا أن ~~حجمها - في نطاق التاريخ العالمي للفلسفة - من الضخامة بحيث يصبح من المحال على إنسان واحد ~~أن يعرفها جميعا معرفة دقيقة، كما يبين من ناحية أخرى أن النصوص الأصلية تحتمل تفسيرات لا ~~نهاية لها. # إن كل العروض التي تزعم أنها تصنف المادة التاريخية وترتبها وتعممها وتؤلف بينها في ~~إطار الموضوعية الخالصة إنما تنطبع في الواقع بأسلوب التفكير الفلسفي الخاص بأصحابها. وهي ~~تختلط - دون أن يقصدوا إلى ذلك في معظم الأحوال - بالنزعات المدرسية المتزمتة، التي تغفل ~~عما تنطوي عليه من تبريرات عقلية وتركيبات مصطنعة تتسم بالتوفيق والتلفيق. ويظل تصور هؤلاء ~~المؤلفين مقيدا باستخلاص الدروس التعليمية، وتحليل ما بينها من علاقات عقلية، وما يترتب ~~عليها من نتائج وتناقضات. كذلك يظل مضمون هذا التصور في نهاية المطاف أمرا غامضا من ~~الناحية الوجودية. # ينبغي علينا إذن أن نسأل عن موقف مؤرخ الفلسفة ووجهة نظره لكي نتمكن من تقدير أهمية ~~تصوره وحدوده، والكشف عن العوامل الذاتية التي تدخلت فيه. والواقع أن المؤرخ الجدير بهذا ~~الاسم يتعين عليه أن يعرف نفسه معرفة واضحة. فكل وجهة نظر يتبناها عن وعي لا تعدو أن تكون ~~زاوية واحدة من زوايا الرؤية التي تكون في ms28 مجموعها صورة شاملة لتاريخ الفلسفة. وهو في ~~الحقيقة لا يريد أن تكون له وجهة نظر؛ لأنه يسعى إلى أن يفهم ابتداء من الكل، وأن يرجع ~~بتفلسفه إلى الأصل في هذا الكل، مدفوعا بتاريخ الفلسفة بأسره، بل إنه ليتمنى - مهما تكن ~~أمنيته بعيدة المنال - أن تهتدي جهوده في هذا السبيل بفكرة معرفة عامة بحصيلة الموروث ~~الفلسفي الذي لا نهاية له، وطبيعي ألا يكون تصوره تصورا جامدا أو محدودا بوجهة نظر ~~ثابتة؛ لأنه يصب في نهر التفلسف العام، ويشارك في مجراه الواحد، لكي يستطيع في هذه اللحظة ~~أن يجربه في نفسه، انطلاقا من موقفه، واعتمادا على وسائله وإمكاناته، حتى تنبثق عنه في ~~النهاية صورة خاصة به، أو بالأحرى صور كثيرة يلقي بعضها الضوء على بعضها، ويتفاعل بعضها مع ~~بعضها في حركة مستمرة. وعلينا الآن أن نستوعب هذا التصور لتاريخ الفلسفة وننظر إليه عن ~~قرب. ~~(1) الفلسفة بمعناها الصحيح وتاريخ الفلسفة (فكرة الفلسفة الخالدة) # ترتبط الفلسفة بتاريخها بعلاقات متعددة: ~~(1) # فقد يكون التاريخ سلسلة من الأخطاء التي تم تجاوزها، أو يكون هو التقدم ~~الذي تحقق بتحصيل المعارف الدقيقة وتجميعها، بحيث تمثل اللحظة الحاضرة في ~~هذا التقدم أقصى ذروة بلغها. # هكذا ترتسم أمامنا الصورة التالية لتاريخ الفلسفة: فليس ثمة غير حقيقة ~~واحدة في ذاتها، صادقة في كل زمان، وهي ثابتة لا يمكن أن تتغير، متماثلة مع ~~نفسها إلى أبد الآبدين، غير أن الإنسان يكتشفها على مدار الزمن خطوة فخطوة، ~~وجزءا بعد جزء، بحيث تكون كشوفه حصيلة نهائية لا رجعة فيها. والمعنى ~~الكامن في الحقيقة التي تم الكشف عنها لا يتوقف على العصر ولا على الحضارة، ~~وهو لا يعتمد على المواقف والظروف التي أمكن العثور عليه في ظلها، فالحقيقة ~~نفسها مستقلة عن الظروف التي خضع لها اكتشافها. كانت نظرية فيثاغورس صادقة ~~قبل الكشف عنها، وسوف تظل صادقة إلى آخر الزمان. وفهم هذه النظرية يتطلب ~~دراستها هي نفسها، لا دراسة تاريخ اكتشافها؛ إذ كان من الممكن اكتشافها قبل ~~ذلك التاريخ أو بعده، وليس التاريخ إلا المجال الزمني الذي ms29 تم فيه التوصل ~~إلى حقائق دقيقة تخطت كل زمان، حقائق عرفها الإنسان هنا وهناك، وظلت تنمو ~~وتتطور على نحو متصل. والوجود التاريخي هو الشكل الخارجي الذي تتخذه رؤية ~~الحقيقة وهي في سبيل تحققها، ربما يكون فهم التاريخ أمرا مهما ، ولكن ~~التاريخ لا أهمية له بالنسبة إلى الحقيقة نفسها؛ لأنه لا يخبرنا إلا عن ~~تتابع الاكتشافات بصورة عرضية أو محتملة، ونحن نتعلم من الماضي ما وفره ~~لنا من معارف مكتسبة، ولكننا نفضل دائما أن يكون ذلك على هيئة عرض ~~منهجي وموضوعي منظم، لا على هيئة الدراسة التاريخية، ونحن ندرس الكيمياء، ~~أما تاريخ الكيمياء فلا ندرسه في أحسن الأحوال إلا على سبيل الهواية أو ~~المتعة الشخصية، وقياسا على هذا يلزم دراسة الفلسفة من حيث هي مجموع ~~الأنظار الفلسفية الراهنة. صحيح أن تاريخ الفلسفة يبين التطور الذي أدى ~~إليها، ولكن هذا التطور يقتصر في الواقع على تتبع ظهور هذه الأنظار ~~النهائية التي ثبتت صحتها، والتي كان من الضروري استخلاصها من سحب الأخطاء ~~التي كانت تغلفها. لقد تقدمنا وتخطينا أفلاطون وكانط. ولنمثل لهذا الزعم ~~بصورة متواضعة في ظاهرها: لقد كان المفكرون السابقون عمالقة بحق، أما أنا، ~~وإن كنت مجرد عصفور، فإني أحط على رأس العملاق وأرى أبعد مما رآه. # إن هذا التصور سيقصر مهمة تاريخ الفلسفة على البحث عن شيء غريب عن موضوعه ~~الحقيقي، وتفسير جوانبه العرضية تفسيرا نفسيا أو اجتماعيا، وتعرف ~~الطبيعة الإنسانية التي أمكنها أن تقع في مثل هذه الأخطاء، أو تتوصل لمثل ~~هذه الآراء في ظل ظروف معينة، بحيث يسهل تجنب العثرات في ضوء ~~معرفتها. # بيد أن هذه الصورة التي قدمناها لتاريخ الفلسفة - على الرغم من صحة بعض ~~تفصيلاتها - هي في مجموعها صورة خاطئة خطأ جذريا. # هناك فرق كبير بين تاريخ العلوم المتخصصة وتاريخ الفلسفة؛ فالواقع أن ~~تاريخ الكيمياء أو تاريخ الرياضيات لا يبدو أنه جزء أساسي من دراسة تلك ~~العلوم، على حين أن تاريخ الفلسفة يمثل منذ عهد طويل المجال الحقيقي لدراسة ~~الفلسفة، حتى في تلك العصور التي بلغ فيها ms30 الإبداع الفلسفي غاية ازدهاره. ~~ولما كانت الفلسفة مختلفة عن العلم، فإن ما يصدق على تاريخ العلوم - وإن لم ~~يكن هذا بصفة مطلقة - لا يتحتم بالضرورة أن يصدق على تاريخ الفلسفة. # هنالك عالم يمثل كل ما هو «دقيق»، ويمكن أن يتحقق فيه التقدم إلى ما لا ~~نهاية، وتتسع المعارف بصورة مستمرة، ويتم توصيلها إلى أفهام الناس جميعا ~~ونقلها من حضارة إلى أخرى بغير تغيير. ويضم هذا العالم قدرا هائلا من ~~المعارف المحددة التي يمكن البرهنة على صحة محتواها، كما يتفق الإجماع ~~العام على الاعتراف بنتائجها. غير أن هذا العالم ليس هو كل العالم؛ فعالم ~~المعارف الدقيقة أو الضرورية يفتقر قبل كل شيء إلى الكلية، ونحن نستطيع أن ~~نميز فيه جوانب جزئية، ولكننا لن نميز الكل أبدا، اللهم إلا إذا كان كلا ~~نسبيا في علاقته بكل آخر، لا الكل ذاته وبصورة مطلقة. أضف إلى هذا أننا ~~لا ندرك في هذا العالم إلا بعض الوقائع الموضوعية المحددة، في حين يوجد ~~خارجها شيء آخر مختلف عنها، وأقصد به الذات التي تعرفها، بجانب موضوعات ~~أخرى ترتبط في علاقة معها. # ثم إن هذا العالم يفتقر كذلك إلى قيمة مطلقة تهم وجودنا الحميم؛ ذلك ~~لأنه لا يقدم أية إجابة عن الأسئلة المتعلقة بحقيقتنا الذاتية أو كينونتنا ~~الخاصة، ونحن نملك شعورا أصيلا بجدية هذه الأسئلة: فحقيقة كوننا موجودين ~~تنطوي في صميمها على سر معتم غامض؛ هذا السر يعطي الحياة وزنا لا ~~نهائيا، ففي هذه الحياة يتقرر شيء ما، ومن المهم أن أعرف كيف أعيش ولأجل ~~أية غاية أعيش. ونحن نملك كذلك شعورا بالمطلق، يمكنه أن يقف في مواجهة كل ~~ما هو جزئي، هذا الشعور شامل محيط؛ لأنه ليس بحاجة للخضوع لأي موضوع، ونحن ~~نجد كذلك أن ما يمكن إثبات صحته يظل من ناحية المضمون شيئا لا يكترث به ~~وجودنا الذاتي الحميم (صحيح أن الجهد الذي نبذله للتوسع في معارفنا لا يمكن ~~أن يكون شيئا نقف منه موقف عدم الاكتراث، ولكن مضمون الشيء الدقيق وحسب هو ~~الذي لا يهم ms31 وجودنا الشخصي). إن الحقيقة التي تشد أزر حياتنا وتوجهها لا ~~يمكن أن تحتاج إلى إثبات أو برهان ملزم. # هنالك طرق عدة لإيقاظ شعورنا بالكل، وتنبيه وعينا بما لا يمكن إثباته ~~بصورة ضرورية، وعلى أمثال هذه الطرق تسير الفلسفة. إنها تضع ما ليس بموضوعي ~~في قالب المعرفة الموضوعية، وتظهر ما يهم الوجود في صورة مرئية للعين، ولا ~~بد أن يكون لتاريخ هذه الفلسفة طابع مختلف عن تاريخ العلوم. # والواقع أن تاريخ العلوم نفسه لا يخلو من أهمية بالنسبة لموضوع العلم ~~ذاته، وذلك بقدر ما ينطوي على شيء من تاريخ الفلسفة؛ فالفلسفة في نهاية ~~الأمر هي المحرك للبحث العلمي، ولا بد أن يكون «الدقيق» أو «الصحيح» من ~~الأهمية بحيث يستحق البحث عنه، وقد تنبع هذه الأهمية من أهداف محددة، ~~ودوافع تقنية، وقد تستجيب لحاجات عملية، ولكن هناك وراء ذلك أهمية لا يتيسر ~~إثباتها بطريقة ملزمة ومؤكدة، وإنما تأتي من علاقة بالكل وبالوجود، وتكون ~~العنصر الفلسفي الذي لا يستغني عنه أي علم حقيقي. ولهذا تظهر أهمية تاريخ ~~العلم أمام الباحث أيا كان مجال بحثه، لا بوصفه نوعا من تراكم الكشوف، ~~بل من حيث هو إبراز ل «المهم» وتوضيح ل «المبادئ» الكامنة في صميم الكل. ~~هذا الاهتمام التاريخي الذي نجده في جميع العلوم الجزئية يعبر عن اللحظة ~~الفلسفية الحاضرة في كل معرفة أصيلة. ~~(2) # ولكن كيف يكون تاريخ الفلسفة على الدوام أمرا جوهريا لا غنى عنه ~~للفلسفة؟ هذا هو السؤال. فإذا لم تكن الحقيقة الفلسفية معرفة دقيقة ملزمة ~~للفهم، بل كانت استيعابا باطنيا للوجود، فلا بد أن يتغير وجهها، ويتحول ~~شكلها، من عمل فلسفي إلى آخر. ومن ثم يمكننا أن نقول: كل شيء حق على نحو ~~معين، بالنسبة إلى هذا الإنسان وإلى هذا العصر. ويمكننا - على العكس من ذلك ~~- أن نقول: لا شيء حق؛ إذ لا يمكن لشيء مما مضى أن ينقل بالطريقة نفسها، ~~كما أن الحقيقة الفلسفية تتغير مع تطور الإنسان وتبدل مواقفه وأحواله. بهذا ~~لن نجد شيئا نهائيا مؤكدا، ولن نعثر على الحقيقة ms32 في أي مكان، وسنكتشف ~~أن الإنسان لم يحقق المثل الأعلى ولم يبلغ المعرفة المطلقة في أي مكان؛ أو ~~ربما اكتشفنا أن هذه المعرفة المطلقة موجودة بمعنى آخر على الدوام، وأنها ~~حاضرة في الشكل الذي تفرضه عليها لحظتها التاريخية. وستكون مهمة تاريخ ~~الفلسفة في هذه الحالة هي تفهم كل شيء، وعدم استبعاد شيء، وتقبل الأعمال ~~على ما هي عليه وتسليط الضوء عليها. # مثل هذا الموقف من التاريخ لا بد أن يصدم إحساسنا بمعنى الحقيقة، ولا بد ~~أن نسخط عليه ونرفضه حتى لا يتحول تاريخ الفلسفة في مجموعه إلى خليط مضطرب، ~~وصور من الصراع اليائس العقيم، ومبارزة زائفة بغير طائل بين الآراء الذاتية ~~وأشكال الحياة المختلفة، ولن يكون تاريخ الفلسفة في هذه الحالة سوى تاريخ ~~الأوهام والأخطاء البشرية، ولن يحظى في النهاية إلا باهتمام نفسي أو ~~مرضي. # هذا الموقف نفسه؛ أعني هذه النزعة التاريخية التي تجعل كل شيء نسبيا؛ ~~ستدمر معنى الحياة، ولن يكون في وسعنا أن نقيم علاقة بين الحقيقة الخالدة ~~والتاريخ بغير إفساد الحقيقة، ما دام التاريخ يعلمنا أن نشك في كل شيء، ~~وألا نؤمن بشيء. ولهذا يتعين علينا أن نؤكد دائما بكل وضوح أن ما هو حق لا ~~تقتصر حقيقته على عصر أو زمن معين، ولا تنحصر قيمته داخل حدود تاريخية ~~ضيقة، وما لا يصدق على كل العصور والأزمان بصورة مطلقة شاملة فليس من الحق ~~في شيء. ~~(3) # وتسعى الفلسفة التي وعت طابعها الخاص للوصول إلى تصور عن تاريخها يجمع ~~أطراف التصورات المضادة والسابقة يصهرها في بوتقته. إنها لتسعى إلى الفلسفة ~~الخالدة التي لا يستحوذ عليها أحد، ومع ذلك فهي حاضرة على الدوام، لا تحدد ~~بأي أسلوب فكري ولا تنغلق فيه، وتظل واحدة متغلغلة في أعماق كل شيء، وهي ~~تتجلى في أشكال متعددة كان كل شكل منها بالنسبة إلى صاحبه شيئا كليا ~~وحقيقيا، ولم يزل كذلك بالنسبة إلينا، دون أن نضطر للالتزام به أو لتقييد ~~وجودنا الخاص به. هذه الفلسفة الخالدة تتطلع إلى الشامل الذي يتطلع إليه ~~الجميع، ويمكن أن ms33 نقدم الآن بعض سماتها المميزة: ~~(أ) # إن الفلسفة تتضمن عنصرا أو مستوى يتم فيه التوصل إلى ~~الدقة، وتحصيل المعارف، وتحقيق التقدم على غرار العلوم ~~الجزئية. ويتمثل هذا بوجه خاص في مجال المنطق في شمول المقولات ~~ووضوحها، كما يتمثل في العلوم، بقدر ما تحدد موقف البحث ~~الفلسفي وشروطه الضرورية. في هذا المستوى الفلسفي نجد أخطاء ~~أسقطت، وفروضا تم تجاوزها، كما نجد فكرة حقيقية عامة الصدق، ~~بيد أن من الصعب دائما تحديد معالم هذا المستوى؛ لأن الخطأ ~~نفسه يمكن أن يتخذ شكل رؤية فلسفية فريدة لا يمكن أن تستبدل ~~بها رؤية أخرى، ولا يمكن إصدار حكم نهائي على قضية سقطت وفسد ~~محتواها ولم تزل مع ذلك تحتفظ بحيوية لغة تاريخية لم تسقط ولم ~~تفسد. صحيح أن البحث الفلسفي يوسع مجاله، ويتطهر من شوائبه، ~~ولكن بغير أن يتحول إلى شكل منهجي منسق للفلسفة الحقة التي ~~يمكن أن يوافق عليها جميع الناس، وعملية التوسع والتطهير ~~المذكورة تعد أحد العوامل الداخلة في تكوين الفلسفة الخالدة، ~~ولكنها ليست نسقا أو نظاما يكفل المعرفة الدقيقة. ~~(ب) # يمكن أن تعبر الفلسفة عن نفسها في صورة نظام خاص مكتمل، ~~يحمل الطابع الشخصي لصاحبه، ويدل على الأسلوب الأصيل للتحقق ~~الفلسفي، وكل نظام من هذه الأنظمة يمثل مجموعا حيا متماسكا ~~لا يمكن تخطيه؛ إذ يبقى قيمة متفردة هي نسيج وحدها؛ لأنها تكمن ~~في صميم الكل، وتعبر عن الفلسفة الخالدة. ويمكننا من الناحية ~~الصورية أن نقارن بين هذا الجانب من تاريخ الفلسفة - بوصفة ~~صيغة زمنية وشكلا متغيرا من أشكال الفلسفة الخالدة - وتاريخ ~~الفن، فالفلسفة والفن يشتركان في كونهما حقائق كلية باقية في ~~كل زمان، تصدق قيمتها بهذه الصفة الكلية أو لا تصدق على ~~الإطلاق. # إن كل إنسان - إذا كان فيلسوفا - يطمح إلى الكل ويسعى ~~لتحقيقه في صورة كلية، مهما تكن هذه الصورة متهافتة أو جزئية ~~أو غامضة. وكلما تفتح هذا الكل واكتمل واتضح، رأينا أمامنا ~~عملا من أعمال الفلاسفة الأعلام. ولكن ما من إنسان يمكنه أن ~~يكون فيلسوفا على نحو ما يمكنه ms34 مثلا أن يكون عالما في ~~الرياضيات؛ أي مبدع عمل أو إنجاز خاص يقف تجاهه وينظر إليه من ~~الخارج، وينفصل عنه انفصالا جذريا من حيث هو إنسان. إن ~~الفلسفة هي البذرة الأولى والزهرة الأخيرة للتفكير العقلي الذي ~~يتحرك في ميدان المعرفة بما هو جزئي ونهائي محدود، وهي تتحقق ~~عندما تخرج عن نفسها بشكل من الأشكال، وتعبر عن نفسها في ~~العلوم الخاصة وفي الحياة وكل مجالاتها العينية واليومية. ~~ولكنها كذلك هي «الشامل» الذي يتبين نفسه بوضوح من خلال تأثيره ~~وفاعليته؛ ولا يتم هذا بكل ما فيه من جلال وصدق وعمق إلا في ~~صورة شخصية. ولهذا كان تاريخ الفلسفة قبل كل شيء هو تاريخ ~~الفلاسفة العظام. ~~(ج) # إن الفلاسفة العظام يتحاورون حوارا عقليا مستمرا عبر ~~آلاف السنين، ويحيون في مجال مشترك لا يقتصر على كونه مجال ~~التفكير العقلي الذي يتطور فيه الإنسان ويتقدم، ولا يقف عند حد ~~المجال الذي يتجسد فيه نموذج إنسان فريد. إنه مجال الفلسفة ~~الخالدة الذي يخلق التعاون المشترك، ويوحد بين الأطراف ~~المتباعدة، ويجمع بين الصينيين والغربيين، بين مفكرين مضى ~~عليهم ألفان وخمسمائة سنة ومفكرين يعيشون في أيامنا الراهنة، ~~ونور هذه الفلسفة الخالدة يجعلنا نشعر في معظم الأحيان بأننا ~~أقرب إلى بدايات الفلسفة الغربية عند المفكرين قبل سقراط منا ~~إلى الألعاب العقلية والدروب الجانبية المصطنعة التي تتكرر في ~~كل العصور. إنها لنغمة أساسية عميقة تربط كل شيء بكل شيء، ولكن ~~كيف؟ ليس من السهل إدراك السر في هذا، إن التفكير الفلسفي نفسه ~~يظل تفكيرا واحدا على اختلاف الشخصيات التي يتم التواصل ~~بينها، وهو ذلك الشيء الذي لا يمكن أن يتحدد بشيء آخر، وإنما ~~نعرف من المنبع الذي انبثق عنه كل ما اشتق منه وما تفرع عنه، ~~في حين يبقى هو نفسه مستعصيا على الإحاطة به من أي مكان، إنه ~~يتولد بطاقته الخاصة، ويندفع بلا توقف خلال جميع الشخصيات لكي ~~يصل إلى المنبع الذي صدر عنه. ~~(2) إدراك الحقيقة والواقع في تاريخ الفلسفة (اختيار الأساسي والجوهري) # لن يتحقق عندي المعنى من تاريخ ms35 الفلسفة إذا اكتفيت بالنظر في المادة الموضوعية ~~اللانهائية التي يقدمها إلي التراث، أو اقتصرت على إخضاعه لمعايير معرفية محددة، وعلى ~~اختياره وتنظيمه. إن ذلك كله لن يكون إلا عملية ذهنية تتعامل مع موضوعات ميتة، دون أن ~~أشارك فيها بنفسي مشاركة أساسية. ولن ينفتح علي تاريخ الفلسفة حتى أنفتح في الوقت ~~نفسه عليه. ولهذا يتحتم علي أن أغوص بكل كياني في هذا العالم، وأن أرى وأشعر وأجرب ما ~~يتحرك في نفسي ويتضح ويصبح شيئا جوهريا. ولا بد أن يسبق فعل الحضور كل عملية منهجية، ~~وسنحاول الآن أن نصف هذا عن قرب: ~~(2-1) الإحساس بواقع «الشامل» # يمكننا أن نصف التاريخ بأنه تجربة الواقع، ويمضي الإنسان عبر الزمان وهو يزاول ~~فعله ونشاطه في العالم، ويراقب الكائنات والدلالات، ويستعين بالأفكار والمفاهيم، ~~يمضي متجها نحو الوجود الذي يتكشف له من خلال الأهداف التي يسعى لتحقيقها، ~~والشخصيات التي يلتقي بها، والأفكار التي يستوعبها، دون أن يتجلى له هذا الوجود ~~أبدا على نحو نهائي في صورة الواقع الواحد الكلي. وفي أثناء عملية التكشف هذه - ~~التي لا تكتمل أبدا - يصبح الوعي هو الشرط الضروري لنمو الإنسان وتقدمه وإصراره ~~على تجربة الواقع. وغني عن الذكر أن هذه التجربة نفسها تتحول وتتطور مع تطور ~~المعرفة. # وتفهم طبيعة هذه التجربة التي يفترض أن تظهر - بكل ما يميزها من وضوح وصفاء - ~~في تاريخ الفلسفة أمر يتوقف على الشخص الذي يقوم بعملية الفهم، وعلى مدى إحساسه ~~بمعنى الواقع الذي لا يتضح له إلا عن طريق هذا الفهم نفسه. وقد يحدث في يسر أن تضيق ~~حدود هذا الإحساس بمعنى الواقع ضيقا شديدا، فينحصر فهمه للعلم الوضعي في الوقائع ~~التجريبية، ويقف إدراكه للاهوت عند وحي إلهي بعينه، وتقتصر حماسته الرومنطيقية على ~~بعض الرؤى الأسطورية، وتتحدد اهتماماته في مجال الحياة السياسية بما يتعلق بالدولة ~~والسلطة، وفي كل بعد من هذه الأبعاد، كما في غيرها، يتم إدراك جانب من الواقع، ~~ولكن المهم هو الإحساس بالواقع كله في أعماق الشامل، لكي نتعرف المضمون الحقيقي ~~لتاريخ الفلسفة، ولهذا يتعين ms36 علينا أن نلاحظ أمرين: أما الأول فهو تجربة المفكر ~~القديم بالواقع الحي وأسلوبه في التعبير عنها، وأما الثاني فهو واقع ما حققه وقيمته ~~بالنسبة إلينا اليوم. # وإذا صح أن تفهم تجربة الواقع التي انتقلت إلينا عبر تاريخ الفلسفة لا ينفصل عن ~~الشخص الذي يريد فهمها ومدى قدرته على الإحساس بمعنى الواقع، فإن من واجب هذا ~~الأخير أن يعي الواقع بكل أبعاده واتجاهاته ولا يهمل شيئا منها؛ فالعلم في نظره هو ~~مجموع المعارف الدقيقة والمناهج الصحيحة، والتصور الواضح للمعرفة التي حصلها ~~الإنسان وطبقها بنجاح هو الشرط الذي لا غنى عنه لكل فهم لاحق. غير أن من الخطأ أن ~~نتصور أن تطور العلم هو المحور الذي يدور عليه تاريخ الفلسفة، أو أنه هو لب ~~المشكلة، فلقد تبين منذ عهد بعيد أن العلم بما هو كذلك ليس له هدف في ذاته، وأنه ~~يخيب الآمال، ولا يضع قيما، ولا يقدم أساسا تقوم عليه الحياة؛ بل إن الحياة لتفقد ~~معناها إذا تصور صاحبها أن العلم بما هو علم خالص هو الغاية الأخيرة. # ليس هناك مطلق، فضروب الواقع تنشأ وتنمو، والإنسان لا يقتصر على معرفتها بوصفها ~~وقائع، بل ينظر إليها بوصفها كائنات. وما يوضحه العالم لكل الناس ويلزمهم به - ~~وإن يكن علامة على الطريق الذي لا غنى عنه - لا يبلغ أعماق الواقع، ولا يتمثل ~~الواقع أيضا فيما يبقى ويدوم، في حين يعد العابر والمتلاشي غير واقعي. لا، ليس ~~الأمر كذلك، فكل شيء واقعي؛ لأن كل شيء يسمح بالتغلغل إلى الأساس، حيث لا يتحدث ~~الواقع بلغة الوقائع الجزئية بل بلغة الأسرار الكبرى. ومن فهم اللغة التي تنطق ~~بلسانها «أثينا» و«كاساندرا» و«برونهيلد» فقد فهم قدرا أكبر من الواقع، بل واقعا ~~آخر مختلفا عما يلقنه العلم إياه. وإن كل الوقائع الجزئية لتشحب وتتسطح إذا قورنت ~~بذلك الواقع الحقيقي. # إن المعرفة بمفهومها الفلسفي (والمعرفة العملية لا تمثل إلا جانبا واحدا منها) ~~ينبغي أن تؤخذ بمعنى أوسع. وما يعد وهما بالنسبة لمن عميت عيناه عن الواقع - ولم ~~يحكم عليه إلا المقاييس ms37 التجريبية - هو نفسه شكل من أشكال المعرفة بالوجود. # لهذا فإن فهم تاريخ الفلسفة يقتضي التجرد من الأحكام المسبقة، والإدراك الواضح ~~لكل أساليب الوعي بالواقع، وكل أساليب تجلي هذا الواقع ذاته. والواقع متضمن في جميع ~~أحوال الشامل وأنحائه، التي ينبثق عنها في أشكال محددة ونسبية، وهو موجود في وحدة ~~الشامل؛ في الكينونة أو الوجود الواحد الذي يمكنه؛ بوصفه المتعالي، أن يتكلم خلال ~~كل شيء. إن تاريخ الفلسفة هو التحقيق التاريخي للأبدي على النحو الذي تم به تصوره، ~~وهو يفترض أن الإنسان، في علاقته المباشرة بالله، قادر في كل لحظة على أن يلمس ~~الأبدية من خلال الوجود الحاضر في شموله وإحاطته. # ومن انفتاح الفهم على الواقع في كليته وفي أعماقه ينشأ الحس النقدي الذي يكتشف ~~الانحرافات الممكنة في تفسير الواقع. إن لدينا في علوم الطبيعة معايير محددة تمكننا ~~من التثبت من الوقائع التجريبية أو الكشف عن المزاعم الباطلة التي تقرر وجودها بغير ~~أساس. ولكن عندما نكون بصدد واقع نؤمن به، واقع لا يلغي إيماننا به أنه يناقض ~~الوقائع ويخيب التوقعات المنتظرة، فليس التعبير عن هذا الإيمان إلا شكلا من ~~أشكال الإدراك لواقع يستعصي على الإثبات والتحقيق التجريبي. # لكل حالة من حالات الواقع دلالتها النوعية، ولكل أسلوب من أساليب خدمته معنى ~~مختلف باختلاف خدمة الوقائع أو الهدف أو الأسطورة أو الله. ولكن الانحراف يبدأ ~~عندما يزعم عنصر معين من عناصر الواقع أنه هو الواجب نفسه في كليته ومعناه المطلق، ~~ومن الخطأ أن ننكر الواقعية على شيء لا تنطبق عليه المعايير التجريبية المعمول بها ~~في مجال التقنية والتأثير العملي. ومن الخطأ كذلك أن ننظر إلى موضوع يمكن معرفته ~~بطريقة سببية، واستخدامه استخداما تقنيا، على أنه هو الواقع ذاته، كما أن من ~~الخطأ أن نأخذ الصور الأسطورية على أنها الواقع، ونتوهم وجود الواقع في ذاته في ~~الرؤى السامية، فلن تكون هذه كلها غير جوانب جزئية، وحقائق مشتقة من الواقع، ولن ~~يفهم معناها وتأثيرها وشكلها المحدد إلا من خلال ذلك الواقع. # ونحن لا نملك - لهذه الأسباب ms38 كلها - أن نطبق معايير واحدة ثابتة على تفسيرنا ~~لتاريخ الفلسفة. فلا يمكن أن نوفق في هذا التفسير إلا بقدر ما يتجه الشامل الحاضر ~~في أنفسنا - الذي نشعر أنه دائب الحركة فينا - نحو الشامل الحاضر في التاريخ. ~~عندئذ ينكشف لنا الوجود في أعماقه، في أثناء فهمنا للتاريخ، وتتبين لنا الصور التي ~~تجلى فيها حتى الآن، وعندئذ يتضح أمامنا تسلسل مراتب الواقع، وتتبين لنا ~~الانحرافات التي تمخضت عنه لتتخذ صورا مختلفة مما هو سطحي ومحدود بحدود عقلية ~~ضيقة، أو مما هو موضوعي، ومتناه، ومادي، وشيئي، وذري، أو تافه يؤخذ مأخذ ~~الواقع. ~~(2-2) الوجود الممكن يستجيب للوجود الماضي # لا وجود لفلسفة حقيقية واحدة على هيئة رصيد منهجي منسق من المعارف التي تفرض ~~نفسها على كل إنسان وتلزمه بالتسليم بها، وكأنها موضوع لا يتطلب منه إلا أن يبذل ~~جهدا عقليا لتعلمه، كما يفعل مع سائر المعارف الموضوعية في العلوم الطبيعية ~~والرياضية. ومن تصور أن الحقيقة الفلسفية موجودة أمامه ولا تحتاج منه إلا أن ~~يتعلمها فلن يبلغ من الفلسفة شيئا؛ فالواقع أن الإنسان يشرع في دراسة الفلسفة ~~بوصفه وجودا ممكنا يتواصل مع وجود آخر، وهو يحقق هذا التواصل من خلال تاريخ ~~الفلسفة مع أولئك الذين بلغوا أقصى درجات المطلق والوضوح. إنه يدخل في حوار مع أكبر ~~عقول الماضي وأكرمها، ويستطيع أن يطرح عليها أسئلته، وإذا لم يفعل هذا فلن يكون ~~لدراسة الفلسفة أي معنى. # ويكون الإنسان حرا بقدر ما يكون موجودا ممكنا أو مدعوا للوجود؛ فهو هذا ~~الكائن الذي لا يفهم، والذي يحيا حياته وهو على وعي بضرورة اتخاذ قرارات ذات قيمة ~~أبدية، ولهذا فإنه لا يحيا حياته وحسب، وإنما يعرف الجد الذي تصبح الحياة نفسها ~~بالقياس إليه شيئا غير ذي بال. وعندما يردد الناس: «يا إلهي! هكذا خلقت! هذه هي ~~طبيعتي!» فإن هذه العبارة لا تبدو له خاطئة لمجرد أن مضمونها غير قابل للمعرفة؛ بل ~~لأنه يشعر بأنها تخدعه تحت ستار معرفة مزعومة، وتنصب له فخا يغريه بالتخلي عن ~~مسئوليته والاستسلام السلبي ل «هكذا ms39 خلقت وهذه هي طبيعتي»، والتردي في تفاهته أو ~~انفعالاته. # وليس الوجود في الزمان مجرد حلقات متتابعة من التجارب والخبرات، ولا هو مجرد ~~تذكر لما لم ينس بعد، فالواقع - على العكس من ذلك - أن السابق يحدد اللاحق، وأن ~~المستقبل يرتبط ارتباطا واعيا بما تم إنجازه واستيعابه وتقريره في الماضي. ~~وبالمثل يمكن القول إن اللاحق يحدد السابق، وذلك بقدر ما كان الماضي ملتزما ~~بمستقبل لا يسمح لذلك الماضي بأن يحيا حياته كيفما اتفق، وما من وجود يخلو من الوعي ~~بماض - كنته أنا نفسي - يدفعني في الحاضر لاتخاذ قرارات قد حددها المستقبل من ~~قبل. # إنني أتواصل مع نفسي ما دمت موجودا؛ فلست أحيا ببساطة وكأنني موجود فحسب، وإنما ~~أنا وجود له علاقة بذاته ومن ثم بالمتعالي، غير أنني لا أوجد نفسي في علاقة بالوجود ~~في ذاته، هذا الذي يعد «آخر» لا سبيل إلى النفاذ إليه، والذي يواجهني وتتأسس عليه ~~حياتي، وإنما أوجد كذلك في علاقة بوجود الذين يمكنني أن أتواصل معهم. # ولما كان التفلسف وجوديا، فإنه يتحقق عن طريق استيعاب تفكير أولئك الذين وجدوا ~~في الماضي والتحاور معه. وإذا كان الوجود (الذاتي الحميم) يتسم دائما بالأصالة، ~~فإنه لا يبدأ أبدا بداية مطلقة؛ لأن هناك سياقات متتابعة على الطريق الذي أدى به ~~إلى موقفه الراهن. ويتوقف عمق التفكير الفلسفي على مدى قدرة الإنسان على استيعاب ~~الروح التاريخية الفعالة التي انبثقت منها شخصيات الماضي. # ولكن العلاقة التي يمكن أن تربطنا بشخصية ظهرت في الزمن الماضي هي علاقة بعد ~~واحد. فكل ما هو تاريخي يضع الإنسان الحاضر أمام إمكانات مختلفة. وكل ما عرفته عن ~~ماض - كان واقعا ذات يوم - لا يعدو أن يكون مجموعة متنوعة من آثار من سبقوه على ~~الدرب، وضروبا من التنظيم والتصنيف المؤقت، وعددا من الأشكال والاتجاهات والمواقف ~~الأساسية، غير أن الأمر المهم في كل الأحوال هو أن يحرص في أثناء وجوده الزمني على ~~الدخول في علاقة أصيلة ومباشرة بالمتعالي، وأن يكون هو نفسه، ولا بد له من أن يسمع ~~في الحاضر ما ms40 قد سمع قديما في الماضي، ومع ذلك فإن الماضي لا يقدم ضمانا كافيا ~~لمجرد أنه قد وجد من قبل؛ إذ يتحتم علينا أن نجربه تجربة جديدة إذا أردنا أن ~~يحتفظ بحقيقته وواقعه في أنفسنا. # ولهذا فإن كل محاولة لتكرار الوجود الماضي أو محاكاته لا يمكن أن تخلو من خداع ~~النفس، وهذا هو السر في ألوان الانحراف التي تؤدي بالإنسان إلى التشبث بغيره بدلا ~~من أن يكون هو نفسه وأن يجرب تجربته، كما تفسر حرصه على التمسك بالمعارف ~~اليقينية التي انتقلت إليه بدلا من حرصه على الارتباط المباشر بوجود المتعالي. ~~وطبيعي أن تتخذ هذه الانحرافات شكل المعرفة (الدقيقة)، والاعتقاد المتزمت، والنزوع ~~إلى الأحكام المطلقة، وأن تستمد يقينها من المؤسسات والضمانات الموضوعية. ~~(2-3) الماضي بوصفه شرطا لا غنى عنه للاستيعاب # لاحظنا التعارض القائم بين حقيقة ضرورية ثابتة تتسم بالموضوعية البحتة من ناحية، ~~وحقيقة الوجود في الزمان من ناحية أخرى، هذه الحقيقة التي تتضح بالتواصل، وتعي ~~ماضيا ينتمي إليها، وحاضرا تتخذ فيه القرارات الحاسمة، ومستقبلا تحدده وتجربه ~~قدرا لها؛ لأنها حقيقة لا تعطى أو توجد كغيرها من المعطيات والموجودات، وإنما ~~تتحقق من خلال الحرية، وتقوم على أساس معتم. # هناك معارف دقيقة تتخطى الزمان. هذا أمر لا ينكره أحد، ولكن السؤال الذي يطرح ~~نفسه هو: هل هذه المعارف هي كل شيء؟ وهل تنحصر الحقيقة في إدراك العلاقات الدقيقة؟ ~~أم أن بجانب المعرفة الموضوعية المضبوطة ومن فوقها معرفة أخرى ممكنة تضيء كل أحوال ~~الشامل وجهاته، معرفة لا تتوقف ولا تنغلق على نفسها، بل تتيح للحرية أن تشف ~~وتتكشف لذاتها؟ من هنا تصبح كل معرفة بالموضوعات مجرد وسيلة، وهي لن تبلغ الكمال ~~في ذاتها أبدا، على حين أن وضوح الشامل - الذي يعد وعيا بالحاضر الأبدي - لن ~~يتحقق إلا في صورة زمنية، ولن يكون إلا وعيا تاريخيا. وإذن فلن تغدو الدقة التي ~~تتخطى الزمان حقيقة نهائية في ذاتها، بل سيصبح الماضي، بكل ما يملؤه، أساسا يرتكز ~~عليه وجودي. صحيح أننا نجرب الزمانية بوصفها ظاهرة، أو نجربها على ms41 مستوى الظواهر، ~~ولكن هذه الزمانية وحدها هي التي تسمح لنا ببلوغ ما هو حق وجوهري. وليس من سبيل إلى ~~تجاوزها إلا بالعلو والاتجاه نحو المتعالي، نحو اليقين بحضور أبدي لا أحصل عليه إلا ~~إذا بلغ إحساسي بالزمان أقصى درجاته، كما أفقده فقدا تاما حين أواجه لا زمانية ~~المعارف الدقيقة التي تزعم لنفسها الأبدية. ذلك أن هذه المعارف الدقيقة تنطوي في ~~الواقع على تجاوز زائف للزمان عن طريق نفيها له، في حين يتحتم على التجاوز الصحيح - ~~بوصفه ظاهرة - أن يتخذ صورة زمنية. إن الحقيقة هي الماضي، ولكن ليس هو الماضي الميت ~~الذي يتمثل في المعرفة بما مضى، بل هو الماضي الذي لا يمكن أبدا أن يقال عنه ~~ببساطة إنه قد انقضى، والذي يبقى بفضل حريتي. وهذه الحرية تكون حرة بقدر ما ألتزم - ~~في وجودي نفسه - بالإحساس بالمسئولية والذنب تجاه أفعال قديمة قدم الماضي الذي ~~التزمت بنفسي خلاله، ولا زلت ألتزم بها إلى اليوم. # إذا كانت الحقيقة ترتبط بالزمان بوصفه الشكل الضروري لظهورها وتجليها، وإذا كانت ~~الحقائق العلمية الدقيقة التي تتخطى الزمان لا تعدو - إن صح هذا التعبير - أن ~~تكون هي الهيكل العظمي الذي يتضح الوجود ويتكشف من خلاله - وبذلك لا تكون شيئا ~~مستقرا في ذاته بل شيئا مضادا للحرية؛ إذا صح هذا كله فلن يكون التاريخ شيئا ~~نعرفه من الخارج، بل سيصبح حاضرا نحيا فيه. إنني لم أصبح ما أنا عليه من فراغ؛ ~~فماضي هو التاريخ. وأنا أحصل الفلسفة الماضية عندما أتفلسف، ويرقى تفلسفي إلى ~~المستوى الوجودي ويزداد حظه من الامتلاء بقدر ما تتكشف علاقتي بفلاسفة الماضي ~~العظام وتزداد حضورا، وبقدر ما أتلقى عنهم، وأدخل في عراك معهم، وأجد نفسي من ~~خلالهم. وإذا كنت فردا له مصيره الفردي، فإنني لا أكون إنسانا بحق حتى أشارك في ~~مصير العقل البشري، أي في تاريخه، وأجل الذين صنعوه، وأحبهم، أو أنقدهم وأدخل في ~~صراع معهم. # من المحال أن نلغي شيئا تم وقوعه حقا، أو نجعل الماضي كأن لم يكن، وكما أن ~~استيعاب الماضي - خلال ms42 الزمان - وإضاءته وتوضيحه هي التي تتيح لي تعميق وجودي ~~الشخصي وتغييره أو إضاعته وفقده، فإن التاريخ الذي يحيا في الحاضر ليس على الإطلاق ~~مجرد رصيد من الآراء الجامدة والمعارف الثابتة التي لا يمكن تغييرها، ولا هو مجموعة ~~من الأفعال التي حسمت وانتهى الأمر، ولكنه يظهرنا - عن طريق الحرية - على أعماق ~~جديدة وإمكانات لن تخطر على البال. والتاريخ يتحول من الناحية الباطنة تحولا لا ~~يتوقف، في حين يظل ثابتا لا يقبل التغيير في واقعه الخارجي. ونحن كلما استوعبناه ~~استيعابا باطنيا استعاد حضوره، وبعثت أطيافه حية بدم الأحياء الذين يقتربون ~~منها بكل ما في وجودهم من جدية. عندئذ تستأنف الأطياف حياتها وتتفتح ~~وتزدهر. # بهذا المعنى يتصل المتفلسف بفلاسفة الماضي ويصبح شاهدا على تواصل تم تحقيقه. ~~وكلما تغلغل بعمق في هذه المملكة التي تهيم فيها العقول والأرواح وتحفها الأسرار، ~~تبين له بوضوح كيف يتصارع بعضهم مع بعضهم، وكيف يتشابكون في تفاعل تسوده المحبة، ~~وكيف يردون الحياة لبعض الموتى ويعيدونهم إلى الحاضر في صورة جديدة، أو يهملون ~~بعضهم الآخر ويسلمونهم للضياع والنسيان. أليس عجيبا أن يكون أوفر الناس حظا من ~~الحياة هو أقدرهم على السكن مع الموتى، وأن يكون ناسيهم فقيرا في الحياة؟ إن علامة ~~الوجود الطبيعي الخالص أن صاحبه يحيا حياته يوما بيوم. أما علامة الوجود الحق فهي ~~عدم الاستسلام للدورة الموضوعية للزمان اللانهائي، وإحالتها إلى شكل زمني - أي إلى ~~حاضر فماض فمستقبل - دون أن يفقد القدرة على رؤية ذاته أو رؤية الحقيقة. عندئذ ~~يصبح الزمن كيانا باطنا، ويغوص الوجود الحميم في الماضي كأنه يغوص في الأبدية، ~~كما يلقي التفكير التأملي وإرادة التحقيق والإنجاز العملي بنفسهما أمام المستقبل. ~~حينئذ يبدو كأن الأدوار تعكس أو تتبادل؛ إذ لا يكتسب المستقبل عمقه إلا من ~~الماضي، كما أن الماضي يصبح مجرد امتداد ميت بدون الحرية والحاضر والمستقبل. وها هو ~~ذا الشاعر كونراد فرديناند ماير (1825-1898م) يعبر عن هذا في أنشودته «جوقة ~~الموتى» التي تبدأ بهذه السطور: # آه آه! نحن الموتى! نحن الموتى! نحن جحافل جرارة # أكثر ms43 عددا من أكثركم في اليابسة وفوق بحور هدارة. # ثم يستطرد فيقول: # وكل ما بنينا أو بدأنا في ظروف صعبة # لا زال يجري في الينابيع مياها عذبة، # وكل حبنا، وكرهنا، صراعنا على الطريق # لا يزال ينبض كالحياة في الدماء والعروق، # وكل قانون كشفنا أمس كنهه وصدقه # يغير الأرض ويهدي للحياة الحقة. # إلى أن يختتمها بهذه السطور: # لا زلنا حتى الآن نفتش عن معنى قدر الإنسان، # فاحنوا الهامات خشوعا، ضحوا، هاتوا القربان! # إذ لا زلنا أكثر منكم حتى الآن! # إن الموتى يلوذون بالصمت، ونحن لا نسمعهم إلا من خلال كتاباتهم، نتكلم عنهم ~~ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونا إلا بما سبق أن قالوه في مؤلفاتهم، وسنجد في هذه ~~المؤلفات عبارات تبعث حية بعد رقاد طال أمده آلاف السنين؛ لأنها يمكن أن تقدم ~~الإجابة عن أسئلة نطرحها اليوم، بل إننا لنستطيع أن نتوصل من قراءة النصوص المشهورة ~~إلى كشوف قادرة على تغيير آراء كنا نحسبها ثابتة. # والتعامل مع الموتى لا يقوم إلا على الخشوع والاحترام، كأنما نقول لأنفسنا: أليس ~~من الممكن أن ينهضوا فجأة من رقادهم ونراهم أمامنا؟! وكيف نتحمل المسئولية ~~تجاههم، بماذا نرد عليهم إذا سألونا عما قلناه عنهم؟ إن دعاة الواقعية التافهة هم ~~وحدهم الذين يتصورون أن الموتى قد ماتوا، وهم الذين لا يطلبون عندهم شيئا. وربما ~~تطلعنا - في ساعات الحسرة والاكتئاب - إلى أجيال أخرى تنصفنا بعد موتنا ممن ~~يشوهون أعمالنا ويسيئون إليها. ويدفعنا الشعور بالمخاطر التي تهدد ذاكرة التاريخ ~~إلى القيام بواجبنا وتقديم كل ما في وسعنا للمحافظة على معاني الجلال والحقيقة التي ~~يزخر بها وإلقاء الضوء عليها. وإزاء المحاولات المستمرة التي تبذل دون طائل منذ ~~عهد الفراعنة لمحو آثار الماضي ونسيانه وإفساده، يمكننا أن نتصور مدى الرعب الذي ~~أحس به نيتشه عندما تخيل أن من الممكن أن يظهر في المستقبل وحش رهيب يسخر ~~التاريخ بأسره لخدمته، ويعمل على تشويهه، وتزييفه، وتدميره. وإذا كانت العاطفة ~~الصادقة التي تدفع الإنسان للمحافظة على نقاء ذاكرته التاريخية مرتبطة بوجوده ~~الزمني، فإن هذه العاطفة نفسها ms44 تصدق على الوجود الأصيل الحميم الذي يحيا في الزمان ~~ويعلم في الوقت نفسه أن التاريخ في مساره الموضوعي ليس هو الحساب أو القضاء الأخير. ~~إن المتعالي وحده هو المرجع الأخير، ولا يمكن لإنسان أو شعب، بل لا يمكن للجنس ~~البشري بأسره ، أن يستأثر به لنفسه. وقد كان الاعتقاد بأن التاريخ العالمي يمثل ~~القضاء الأخير هو الخطأ الذي وقع فيه فكر انغلق على نفسه داخل حدود المباطنة (أو ~~المحايثة). ومع ذلك يصدق على الوجود الحميم في الزمان أن الماضي هو الأساس الذي ~~يستند عليه، وأن تذكر التاريخ واستيعابه هما لبه وجوهره. ولهذا فسوف نحافظ على ~~عاطفتنا نحو التاريخ ما بقينا أحياء، وسنشعر نحوه بعاطفة أكبر إذا عرفنا كيف نتمثل ~~تجارب أولئك الذين حققوا العلو فوق الزمان وتمكنا من استيعاب أفكارهم. هناك، في ~~هذا العلو، لا يكون الموتى أمواتا، بل أحياء حاضرين، وكل ما نفعله الآن معهم، كل ~~ما يدور بينهم وبيننا، يتصل اتصالا مشحونا بالأسرار بذلك الحاضر الأبدي الذي ~~اختفى فيه كل صراع ونزاع؛ لأن الحكم الأخير قد صدر فيه بكل حسم ووضوح. # هنا والآن يتم التحصيل التاريخي واستيعاب معطيات التاريخ. وعلى حياتنا الخاصة - ~~وعليها وحدها - يعتمد الفلاسفة العظام لكي نردهم إلى الحياة. # ولكننا بهذا لا نكاد نلمس إلا لب المشكلة التي تستحوذ على اهتمامنا، ولا نعبر ~~عما يحدث حقا في أثناء البحث التاريخي بمعناه الحقيقي. فلا بد هنا من العمل ~~المضني، ولا بد من تحصيل المعارف الضرورية والمعلومات الممكنة حتى نقترب، في ~~اللحظات المشرقة، من العقول الكبرى، ونبلغ الحاضر الأبدي للتاريخ. # يمكننا إذن أن نصور الصعود التدريجي نحو ما هو جوهري وأساسي في الخطوات ~~التالية: ~~(1) # نذكر في البداية العلم الخارجي: المعرفة التجريبية بالوقائع، ~~والقضايا والأبنية أو السياقات، والتأثرات والتأثيرات، وهذا هو ميدان ~~تاريخ الفلسفة بوصفه علما متخصصا. ~~(2) # ويأتي بعد ذلك تمييز الأشكال، والصور، والمجاميع الكلية ذات الطابع ~~الشخصي أو النسقي. هنا تبقى المعطيات الواقعية موضوعية خالصة، ترى عن ~~بعد، بنظرة النسر المحيطة الشاملة، كأنها مشاهد متتالية، وتكون رؤية ~~الأعمال الكبرى ms45 المؤثرة رؤية باردة غير ملتزمة، وموضوعية ذات مسحة ~~جمالية. ~~(3) # وأخيرا يأتي دور الاستيعاب، فيبدأ التحاور والجدال مع شخصيات تعد ~~مثلا ونماذج أو خصوما وأعداء، وفي أثناء هذا الاستيعاب يتنبه ~~الإنسان لنفسه ويفهم نفسه. ويتحول الموضوعي البحت إلى دالة على الوجود ~~الحميم ، ويصبح الغريب خصوصيا، ويصير الماضي حاضرا، والوقتي العابر ~~أبدية، وتتبدل الملاحظة السلبية فتصبح إعدادا للوجود الحميم الفعال. ~~ومن خلال هذا الاستيعاب عن طريق التواصل الشخصي يصير الإنسان ~~نفسه. # والخطوة الثالثة والأخيرة مسألة تخص كل فرد على حدة. أما العرض ~~الموضوعي فيستلزم الخطوتين السابقتين، وإذا كانت تلك الخطوة الثالثة ~~التي تحرك الدفعة وتدل على الهدف تتراجع خلف الخطوتين الأخريين، ~~فإنها لا تستطيع أن تعبر عن نفسها إلا من خلالهما ولهذا فإن ما ندركه ~~منها بشكل غير إرادي يبقى أمرا مباشرا. ~~(2-4) النقطة المرجعية ليست وجهة نظر معينة، بل هي الانفتاح على الوجود الواقعي (أي ~~على الحقيقة بوصفها الشامل الأبدي) # إن إدراك الحقيقة والواقع في تاريخ الفلسفة لا يتم بتطبيق معيار من الخارج عليه. ~~وهو لا يتم كذلك باللجوء إلى حقيقة جزئية معينة تشغل حيزا من ذلك التاريخ وتطمح ~~مع ذلك إلى السيطرة عليه كله وإصدار حكم القاضي عليه، وباختصار لن نفهم تاريخ ~~الفلسفة إذا سطحناه وأخضعناه لحقيقة معروفة سلفا، وسنخفق أيضا في محاولة فهمه ~~إذا لجأنا إلى نظام كلي شامل للوجود، يعد كل تفلسف سابق مجرد إسهام جزئي فيه، أو ~~إلى معيار التقدم في المعرفة أو تتبع التطورات والتحولات التي طرأت على المشكلات ~~وحلولها. # وكذلك لن نفهمه إذا أدرجناه تحت تصنيفات شكلية ومقولات تقويمية، أو أحلنا جميع ~~أفكاره إلى أفكار نسبية تخضع للتعسف والهوى. # وسيكون من العبث أيضا أن نحول هذا التاريخ إلى ميدان حرب يقسم فيه المفكرون ~~السابقون إلى خصوم تفكيرنا الخاص وأصدقائه. # وأخيرا لن نفهم تاريخ الفلسفة إذا اعتمدنا على التصورات الاجتماعية البشرية في ~~مجموعها، أو ربطناه بغاية مطلوبة أو منفعة يمكن أن تعود على أهداف نسعى إلى تحقيقها ~~في الوقت الحاضر. # كل هذا الذي ذكرناه يمكن أن ms46 يستغل في عملية استيعاب التاريخ كما يمكن أن يكون ~~أداة في يد البحث العلمي، وأن يسمح بإنشاء سياقات معينة. وبهذا يمكن أن تتضح ~~الواقعة التاريخية بفضل إحدى الحقائق التي تفتح أمامي - حتى ولو رفضتها - آفاقا ~~جديدة، وتكشف لي عن إمكانات كامنة فيها . وبهذا أيضا يمثل الجدل المستمر بعدا ~~ثابتا من أبعاد الحوار المتنوع بين الفلاسفة. # غير أن هدفنا النهائي هو الوصول إلى تصور لتاريخ الفلسفة في مجموعه؛ تصور يتغلغل ~~إلى الأعماق وتصلح الأسس التي يقوم عليها لأن تكون نقطة مرجعية يرتبط بها الكل؛ ~~أريد أن أرى كيف يرتفع الإنسان - في حياته الزمنية - إلى الوعي الباطن بالوجود، ~~وكيف يتوصل إلى اليقين بالمتعالي انطلاقا مما يعرف عن الخليقة، وكيف يتخذ هذا ~~اليقين لديه صورة موضوعية في فكرته عن الله، ومعرفته بالعالم، وتصوره لوجود ~~الإنسان. وأحب - من خلال تجربتي للإمكانات - أن أفتح مغاليق الوجود الأصيل، كما ~~أتوق كذلك - وأنا أغوص فيما يقدمه كل مفكر من شيء فريد في تاريخيته - أن أتوصل إلى ~~تأمل الجوهر الذي يحمل كل فكرة جوهرية ويحيط بها إحاطة شاملة. ~~(3) الخصائص الأساسية لتصور تاريخ الفلسفة تصورا له معناه # سنحاول الآن أن نضع أيدينا على العناصر الجوهرية العميقة في علاقة الفلسفة بتاريخها، ~~وذلك من خلال تصور كلي يفسر هذا التاريخ في مجموعه، ويتصف بالخصائص التالية: ~~(3-1) يجب أن يكون تاريخ الفلسفة عالميا ~~(أ) امتداده في المكان والزمان (تناهي المكان الأرضي وتفرد اللحظة ~~التاريخية) # تتم اليوم حركة فذة غير مألوفة مهد لها قرن من الزمان؛ فقد أصبح الناس على ~~وعي بأن الكرة الأرضية التي يعيشون عليها مكان محدود. وبدأت الشعوب يتعرف بعضها ~~بعضا في مواجهة واقع واحد، وأخذ البشر يشعرون بمستقبلهم ويخططون له، واضعين ~~المكان الأرضي المحدود نصب أعينهم؛ فلم يعد في إمكان الجغرافي أن يقصر ~~ملاحظاته على مناطق معينة، بل أصبح من واجبه أن يتوسع فيها لتشمل الكوكب كله. ~~ورجل الدولة يجد اليوم لزاما عليه أن يضع في حسابه موازين القوة المؤثرة على ~~مصير الكرة الأرضية قبل أن يتخذ قراراته المهمة، ms47 والسياسة العالمية لم تعد ~~فكرا على مستوى القارات فحسب، وإنما تغلغلت في الواقع في وعي الرأي العام؛ ~~والتاريخ بوجه عام قد أصبح تاريخا عالميا لا مجرد تاريخ غربي مغلق على نفسه ~~على زعم أنه هو تاريخ العالم. بهذه المعاني كلها تغير كذلك تاريخ الفلسفة. ~~فالمفكر يهتم اليوم بالضرورة بكل فكر حقيقي يتم على وجه الأرض، وفي حين يكافح ~~رجل الدولة لتدعيم مجال الواقع وتشكيله، نجد رجل الفكر يكافح في سبيل الوصول ~~إلى العمق ورحابة الأفق اللذين تتيحهما له أصالة وضعه الإنساني، يؤيده كل ~~المفكرين الحقيقيين ويشدون أزره حتى يجد نفسه. ولن يشعر الإنسان حقا بأن ~~العالم قد أصبح بيته حتى يجتاز كل نقد يتعرض له من أي مكان، ويحس أنه قد وسع ~~أفقه وثبت خطاه. # إن المكان الأرضي لا يملؤه إلا التاريخ، ونحن لا نبلغ الرؤية العالمية حتى ~~نتغلغل في أعماق الزمن، ولا يكون الإنسان إنسانا بحق، ولا يفهم نفسه، إلا عن ~~طريق الماضي؛ فمعرفة التاريخ هي التي تفتح أمامنا العالم على اتساعه، وهي التي ~~تسمح لنا بفهم الوجود الإنساني في مجموعه بوصفه وجودنا الخاص، ولهذا فنحن في ~~حاجة إلى تاريخ عالمي للفلسفة البشرية بأسرها. # إننا نأمل، ونحن نتفلسف على هدي التاريخ، أن نكون معاصرين لكل المفكرين ~~الأصلاء، أو نأمل - والأمر سواء - في أن نجعلهم معاصرين لنا. ونحن نطمح لتوسيع ~~أفق حاضرنا بحيث نعايش تلك اللحظة الفذة التي تمت فيها صحوة الإنسان على ~~وجوده في العالم، وندرك بأنفسنا أن صحوة الوعي هذه كانت فعلا فريدا متسقا، ~~وأنها قد تمت - من وجهة النظر الكونية الشاملة - في لحظة خاطفة نسميها التاريخ ~~العالمي. ونحن نتمنى أيضا أن تكون لدينا القدرة الكافية على التحليق فوق قرون ~~من التطور المتصل بحيث تتقلص في لحظات تبدو في مجموعها جهدا واحدا نشارك في ~~كفاحه من أجل الوضوح، والواقع، والأبدية. # ونحن نرجو أخيرا أن نتمكن من الوثوب في الحاضر الأبدي للوجود؛ هذا الحاضر ~~الذي يتجلى في كيان الإنسان على تلك الصورة التاريخية. # ونحن نحاول، بقدر ما في وسعنا، ms48 أن ننفذ إلى الأزمنة السحيقة والأماكن الموغلة ~~في البعد، حريصين على التحرر من كل وجهات النظر التي نجدها فيها لكي نحتفظ ~~بالمرونة الكافية للمشاركة في كل واحدة منها. ويظل هدفنا الأخير - ونحن نتغلغل ~~بأرواحنا في الأبعاد الشاسعة - هو تولي مسئولية وضعنا الخاص في التاريخ وتحقيقه ~~بمزيد من الحرية والتصميم والوعي، بحيث لا نتخلى عنه إلا بالموت؛ إذ إن الأبدية ~~وحدها هي التي تجعله أمرا نسبيا وهي التي تحفزنا على إطاعة الحقيقة ~~الواحدة. ~~(ب) العالمية بوصفها مرآة # إن النظر إلى الواقع البشري في سياق التاريخ العالمي هو الطريق المؤدي إلى ~~الوجود الإنساني في تمام حريته ونقائه؛ فالصورة العالمية وحدها هي المرآة ~~المستوية الصافية التي يمكن أن يرى فيها الإنسان نفسه ويفهم نفسه. وفي هذه ~~المرآة وحدها تتحقق جميع الإمكانات الإنسانية، ويتم إدخال التعديلات الضرورية ~~على الصورة المحدودة المرتبطة بمعرفة الذات. غير أن الحصول على هذه المرآة ~~العالمية - التي لا تتوافر أبدا بصورة مكتملة - أمر يتوقف على المستقبل ~~ويحتاج إلى المعرفة المحيطة الشاملة، كما أن بحثنا الدائب عنها هو الذي يحفزنا ~~على تفجير كل الحدود وتخطيها. إن الحدود تشدنا إليها بقوة، ولكن الاستثناء ~~الخارق يسطع أمامنا كالمنارة. وما يبدو لأعيننا كأنه أغرب الغرائب يستثير شغفنا ~~ويؤثر علينا عن كثب. # وبعد أن نحبس أنفسنا داخل عالم ثقافي رائع ومتنوع إلى أبعد حد، نجد أنفسنا ~~مندفعين للرجوع إلى الأصل الذي نبع منه، هنالك نعود لاكتشاف الخصائص الأولية ~~للإنسان، وننفتح على دوافعه الأساسية ومواقفه الجدية. ونعتقد عندئذ أننا نتعرف ~~شيئا ظل خافيا عنا في كل ثقافة رفيعة، ونحاول أن نلتمسه في جذور الحضارات ~~الكبرى؛ عند الإغريق وغير الإغريق، وعند الشعوب البدائية. ويدفعنا تعطشنا إلى ~~أصلنا إلى الإمساك بمرآة تعكس كل الأصول الأخرى. إن الجوهر الذي انبثقت منه ~~الفلسفة الحقيقية قد كان ولا يزال كامنا في أنفسنا منذ عهود بعيدة ممتدة إلى ~~ما قبل التاريخ، دون أن نشعر به في أي وقت من الأوقات شعورا واضحا جليا، ~~ولكننا نبدأ في تعرفه في التاريخ العالمي، هذا التاريخ ms49 العالمي في مجموعه هو ~~مرآة الوجود الإنساني التي تكشف عما يكمن فينا من إمكانات، وما حققناه في ~~الواقع، وما لا يزال راقدا في أعماقنا. وتاريخ الفلسفة هو أداة استيعاب ~~الفلسفة بصورة عالمية، وهو في الوقت نفسه مرآة الوجود الإنساني كما هو مرآة ~~الفلسفة التي نحققها في أنفسنا. ~~(ج) العالمية في تعدد الظواهر # هناك شيء واحد غير محدد - متعلق بالوضع الإنساني، والوجود، والعلو - يخاطبنا ~~من ثنايا التاريخ العالمي ويشدنا إليه، دون أن نتمكن من الإمساك به بصورة ~~مباشرة، ولهذا نسأل أنفسنا: كيف نتوصل إلى هذا الشيء الواحد من خلال ما هو ~~عالمي، ما دمنا لا نطلب هذا الأخير إلا من أجله؟ # إن التفكير الفلسفي - بكل ما يتسم به من التشتت واتساع الرقعة - يتجه نحو ~~تفهم الأصيل تفهما حقيقيا. ولا بد لهذا السبب أن يكون تاريخ الفلسفة ~~جذريا؛ فتتبع جذور الأفكار هو الذي يمكنه من فهم فروعها، وكلما تقدم هذا ~~البحث اتضح أن الوجود يتجلى في العالم بصور مختلفة وأساليب متباينة، فهناك عدة ~~لغات أولية تعبر عن الأصول الفلسفية، لدينا بالمعنى الحرفي اللغات ~~الهندو-أوروبية واللغات الصينية، ولدينا بالمعنى المجازي الأشكال الأساسية ~~للمقولات العقلية ورموز الكتابة بالشفرة. # غير أن هذه الأصول الفلسفية المتجاورة ليست منقطعة الصلة فيما بينها؛ فتعدد ~~الأصول يتيح للناس من كل مكان أن يحتكوا بعضهم ببعض عبر جسور التاريخ، وأن ~~يتبادلوا الأفكار ويفهم بعضهم بعضا، وتنشأ بينهم أواصر قرابة تربطهم بالأصل - ~~على الرغم من اختلاف ظواهره؛ قرابة تجمع بين كل أولئك الذين مروا في حياتهم ~~وفكرهم بتجربة تجلي الوجود، وعرفوا كيف يعبرون عن هذه التجربة وينقلونها إلى ~~غيرهم. والواقع أن كثرة الأصول التاريخية لا تحول دون التواصل بل تجعله أمرا ~~مطلوبا؛ فالحقيقة تتوق دائما إلى التعبير عنها، وتتجه بندائها إلى الآخرين، ~~وتنتظر الجواب منهم، وتضع نفسها منهم موضع الاختبار. والتنافر الشديد بين ~~اللغات المختلفة التي تعبر عن الأصل يدفعهم إلى اللقاء والمواجهة. ويمكن أن ~~يمتد التواصل ليشمل الأرض بأسرها، وذلك بقدر ما يستيقظ الوعي بوحدة البشرية في ~~ضمير كل إنسان، ms50 بل يبدو أن كل الحركات العقلية تستمد أهميتها من حتمية كونها ~~مسألة تهم البشرية جمعاء. # إن العالمية هي الاستعداد لهذا التواصل والقدرة عليه، والدولة أو المجتمع ~~الذي يغلق حدوده في وجه إبداعات المجتمعات الأخرى في الفكر والعلم والدين ~~والفلسفة والفن أو يحرمها من إبداعاته هو مجتمع أنكر إنسانيته. عندئذ تتصدع ~~الإنسانية، وتفقد القدرة على سماع صوتها وفهم ذاتها. والواقع أن عملية التواصل ~~التي تعبر عن القدرة العالمية على تلقي التأثير الروحي وممارسته عملية ذات ~~مستويات متنوعة ومعاني متعددة. ~~(أ) # إننا نفهم ماهية الشيء الجزئي فهما أعمق إذا عرفنا شيئا آخر ~~نقارنه به ونضعه في مقابله، بحيث تظهر أوجه التباين بينهما، ~~والمقارنة هي التي توجه الرؤية وتثير التساؤل. وكلما اتسعت آفاق ~~المقارنة اتضحت نقط الالتقاء والافتراق، وظهرت عوامل الاختلاف ~~والاتفاق. # إنني أقارن ما هو خاص بي بما هو غريب عني، وأحاول عن طريق هذه ~~المقارنة أن أنظر إلى أفكاري بأقصى حد ممكن من التجرد. وبهذه ~~المقارنة تتدرب عيني على اكتشاف أنواع التحيز فيما أسلم به كأنه ~~أمر بديهي. وتتضح هذه التحيزات عندما أقابل بينها وبين ما هو غريب ~~عني. فالفكر الصيني على سبيل المثال يمكنه أن يحررنا، على الرغم ~~من أنه هو نفسه ظل أسير أفكار مسبقة عن العالم لم يستطع التخلص ~~منها. # بيد أن المقارنة بين ما يجيء مني وما يأتي من مصدر أجنبي عني ~~تقتصر دائما على ما تم إبداعه والتفكير فيه، وما أريد قوله أو ~~تصوره، ولا تنصب أبدا على الأصل. تلك هي حدود المقارنة. فهي ~~تتطلب النظر من الخارج، وتقتضي الوقوف من بعيد، فإذا تعلق الأمر ~~بالوجود الأصيل الحميم أصبحت المقارنة من المحال، وإذا حاول المرء ~~القيام بها أضاع وجوده وفقد صدقه. إنني هنا لا أنظر من الخارج، ~~وإنما ألتمس الأساس التاريخي الذي تقوم عليه إنسانية واحدة شاملة. ~~وأنا لا أريد أن أتحول إلى كائن محدود ضيق الأفق، وإنما أحاول - ~~بقبول الوضع التاريخي لوجودي - أن أكون إنسانا ممتد الجذور إلى ~~أعماق هذا الوجود، غنيا بمضمونه. وليس يكفيني ms51 كذلك أن أميز ~~نفسي عما هو غريب عني، وإنما أطمح إلى استيعابه وتمثله، وأتواصل ~~معه لكي أعارضه وأتحد به في آن واحد؛ فلا أنا أقلده، ولا أنا ~~أنكره، بل أسعى إلى صحبته على الطريق المؤدي إلى قلب ~~التواصل. ~~(ب) # ربما صور لي الظن أني بالغ هذا كله بالفهم، فأنا أفهم ما لا ~~أحتاج أن أكونه أو أصير إليه. وباستطاعتي أن أفهم أفلاطون دون أن ~~أكون أفلاطون. والفهم يمكنني من مشاركة غيري في الموضوعات التي ~~يفكر فيها، والدوافع التي يصدر عنها، والمشاعر التي يحسها، ~~والانفعالات التي يجيش بها وجدانه. والفهم - أو بالأحرى التفهم - ~~أداة صالحة لإدراك حركات النفس، والعقل، والوجود. وإذا فهمت غيري ~~ووجهت جهدي نحو الإنسانية بأسرها فقد صرت عالميا، وشعرت كأني ~~في كل مكان في بيتي. # لكن الأمر في الواقع ليس كذلك. # فالاعتقاد بأنني أصبحت كل شيء لمجرد أنني فهمت كل شيء لا بد أن ~~يلغي ذاتي ويردني إلى نقطة اللاوجود والملاحظة الصرف، ويحيل حياتي ~~إلى شيء عرضي لا مطلب له ولا مصلحة فيما يفهمه. كما أن الفهم ~~نفسه يضيق أفقه ويزداد شحوبه كلما قل وجودي أنا نفسي، هنالك يفلت ~~مني الآخر في الوقت الذي اعتقدت فيه أنني فهمته وأصبحت قادرا على ~~التصرف فيه، وربما صورت لي معرفتي المزعومة - حين أشبهها تشبيها ~~خاطئا بالمعارف التي تقدمها العلوم الطبيعية - أنني أستطيع أن ~~أستخلص منها مناهج فعالة وصالحة للتحكم في الجماهير والسيطرة على ~~شعوب أخرى وأناس آخرين يحيون حياة تاريخية مختلفة عن حياتي. # إن الحد الذي يميز الفهم يتمثل في أنه لا يكون تأملا ~~موضوعيا خالصا إلا في مرحلة انتقالية عابرة؛ فأنا في النهاية لا ~~أفهم إلا إذا كنت قادرا على أن أكون أنا نفسي، كما أنني لا أتقدم ~~في الفهم إلا إذا حولته إلى فعل باطن، إلى استيعاب، وحركة وحركة ~~أخرى مضادة، وأزمات يتولد عنها وجودي الحميم. ~~(ج) # إن الفهم من خلال التواصل يعني في الوقت نفسه أنه صراع، وهو صراع ~~من نوع خاص، لا من أجل القوة، بحيث ينتصر ms52 طرف على طرف، بل من أجل ~~الحقيقة التي يكتشف فيها الطرفان نفسيهما. # والجدال خاصية أساسية من خصائص التواصل الفلسفي، ولكن الجدال ~~المنحرف أو المجادلة هي التي تصر على أن تنتصر، وأن يكون معها ~~الحق، وأن تستبعد الطرف الآخر وتجعله نسيا منسيا ... إلخ . وهي ~~تلجأ في سبيل ذلك إلى تطبيق مناهج نفسية وحيل تقنية معينة، وكلما ~~وجدنا الجدال يساء استخدامه بهذا المعنى في تاريخ الفلسفة كان ذلك ~~دليلا على أن هذا التاريخ قد جانب الحقيقة، غير أن التواصل مع ~~تفكير آخر مختلف يتخذ شكل الصراع، والتساؤل، والاعتراض، والدحض، ~~كما يدفعه إلى أن يضع نفسه موضع السؤال وينصت بأمانة لما يدور في ~~نفسه. # وهكذا تستقر سكينة الحقيقة وصفاؤها في هذا الصراع الأخوي ~~الفياض بالحب، ويعمل الجدال على تدعيم أواصر المشاركة الروحية ~~الباقية. ~~(د) # إن التواصل العالمي يعمل بصفة أساسية على توسيع أفق الوجود ~~الإنساني عن طريق الاستيعاب المتبادل بحيث يكسب طرفا الحوار ~~ويزدادان ثراء، وهو يفتح لهما الطريق إلى أعماق الوضع الإنساني، ~~ويثبت في الوقت نفسه انتماءهما إلى جذور التاريخ العالمي. ولهذا ~~تدل المشاركة في التاريخ العالمي على تفتح إمكانات الإنسان من هذا ~~الأساس التاريخي هنا والآن، في هذا الموقف وهذا الزمان. ~~(د) العالمية هي الطريق المؤدية إلى الكلية # تقوم التاريخية الخاصة على أساس تاريخية الكل: ~~(أ) # ينبغي التفرقة بين العالمية المشتركة بين الجميع، والكل التاريخي ~~الواحد الذي يشارك فيه كل منا؛ فالمعرفة الدقيقة الملزمة، وبعض ~~القوانين والمطالب الأخلاقية، والقدرة على التفاهم المتبادل - ~~أيا كان نوعه وكانت حدوده - كلها أمور عالمية. أما صور الإيمان ~~وأساليبه، وفعل العلو، ورؤية ماهيات الموجودات، فلا تتحقق إلا في ~~الكل التاريخي أو من خلال التاريخ في كليته. # وينبغي أن يكون تاريخ الفلسفة عالميا؛ أن يجذب إلى دائرته أغرب ~~الأشياء وأبعدها عنا، أن يقترب من صميم الكل وأساسه، ويلمس ذلك ~~الذي يربط كل إنسان بكل إنسان - وليس هذا الرباط مجرد وسط أو مجال ~~عام يجمع بينهم، وإنما هو ذلك الذي ينشئ العلاقة بين جميع الأفكار ~~ويجعلها تتبادل التأثير ms53 والتأثر بصورة حية مباشرة. # إننا نحس بهذا الكل الشامل ينبثق أمامنا كلما استمعنا إلى شيء ~~يكلمنا بصوت يختلف عن صوت «العام» وحده ويزيد عليه، وكذلك نحس ~~بأننا ننجذب - بفضل فكرة التواصل العالمي الممكن، وارتباط جميع ~~العبارات بعضها ببعض - نحو الحضور الأبدي الذي يحتفظ بوحدته على ~~الرغم من تغير الظواهر وتشتتها. بذلك نجرب الوحدة التي هي أصل الكل ~~وهدفه، وهي وحدة المتعالي التي تتخطى كل وسائط التعبير العالمي ~~ووحدة تاريخية العالم والوجود الإنساني. # ومن الخطأ الظن بأن هذه الوحدة يمكن أن توجد في عالمية الوعي ~~بوجه عام، أو في فكرة روح كلي تعبر الحضارات عن بنيته «هيجل» ~~ويحتل فيه كل شيء مكانه العضوي، وكأن التاريخية بما هي كذلك ليست ~~إلا عنصرا يدخل في تكوين الكل ويمكن معرفته عن طريق هذا الكل ~~المعروف من قبل. ~~(ب) # ذلك أن كلية الواحد التاريخي لا تكون أبدا تحت تصرفنا، فنحن ~~نميل بطبعنا إلى تمثلها - بالإحساس المسبق - في صورة عمومية عالمية ~~أو شكل نوعي ونهائي للتاريخية، ولكن الفكرة المحركة لتاريخ الفلسفة ~~تظل هي الكشف عن أقصى درجة من الوحدة في التفكير وفي الصورة. وهذه ~~الوحدة تتجلى في تفتح العقل، والحرص الدائم على التواصل، لا في ~~معرفة تامة منتهية. # ولن نجد الكلية أبدا، لا في العام ولا في حقيقة ندعي أننا قد ~~اكتشفناها في مكان ما من العالم، وأنها هي الحقيقة الوحيدة التي ~~ينبغي أن يهتدي الناس بها، والوحي الخاص الذي ينبغي أن يلتزم به ~~الجميع. ~~(ج) # إن فكرة الفلسفة العالمية المقبلة فكرة لا مفر منها، ولكنها لن ~~تتحقق في مذاهب ماسخة تتظاهر بأنها عالمية، ولا بالرجوع إلى ~~الرواقية القديمة، ولا في لغة براجماتية «نفعية وعملية» ~~أنجلوسكسونية، تسمع اليوم في كل مكان من الكرة الأرضية؛ فالفلسفة ~~العالمية لن تصبح حقيقة إلا بالانفتاح على الكل الذي يتجلى ~~تجليا تاريخيا في انعكاسات النور الأصلي وإشعاعاته المتشابكة ~~المتتالية. # إن الفلسفة العالمية المقبلة ستكون بالضرورة هي المكان الذي ~~يزداد فيه وضوح التاريخية النوعية لكل تفكير فلسفي خاص بقدر اتصاله ~~بتاريخية الوجود ms54 الإنساني في مجموعه. # وستكون الفلسفة العالمية هي أورجانون (أداة) العقل، والنسق ~~الكامل لجميع إمكانات الفكر؛ إنها تخلق الانفتاح غير المحدود ~~للفهم، وتمهد الأرض الصالحة لتحقيق التاريخية الخاصة - والمطلقة ~~بغير أن تكون نهائية - لكل إنسان، وتهيئ أنضج صياغة ممكنة للأفكار، ~~وتحرص على أن تكون صورة التاريخ العالمي للفلسفة كلية وتاريخية إلى ~~حد مطلق. ~~(3-2) ينبغي أن يكون تاريخ الفلسفة عيانيا (أو حدسيا) ~~(أ) لا يوجد عيان (أو حدس) إلا بما هو جزئي خاص # لا تتكشف ماهية العمل أو المؤلف حتى يستعاد العالم والموقف الذي أبدع ~~فيه، ويتجدد التفكير في الفكرة التي ألهمته بكل ما تزخر به من معان، وعندئذ ~~تتجلى الفلسفة الخالدة من خلال وضعه التاريخي. ~~(أ) # ينبغي إعادة التفكير في كل ما أنجزه المفكر بمعايشة الموقف الذي ~~وجد نفسه فيه، والظروف والعالم الذي قضى حياته في ظله، ولا غنى ~~عن المعرفة التاريخية بالتفصيلات الدقيقة لكل الموضوعات التي ~~استوحى منها أفكاره، واستمد منها تشبيهاته واستعاراته؛ وذلك ~~للاقتراب من مضمون تلك الأفكار وإدراك معانيها الدالة ودوافعها ~~ومقاصدها. ~~(ب) # ثم ينبغي أن تدرك الفكرة نفسها في نقائها وتكاملها؛ فالتغلغل ~~في النص بغية تفسيره تفسيرا شاملا مستقصيا يقتضي التوقف عند أدق ~~التفصيلات، والعناية بتتبع تطوراته وأخص تفريعاته، ولا تتضح الفكرة ~~إلا من خلال عمق مضمونها الموضوعي. ويتعين على من يعيد التفكير في ~~أفكار مؤلف قديم لتبين دلالتها أن يهتم بالموضوع أو المشكلة ~~المطروحة، وأن يفهمها ويطرحها على نفسه كما لو كانت مشكلته الخاصة؛ ~~وبذلك يستخلص القيم الموضوعية والكامنة في النص المأثور. ولا بد من ~~الفهم النافذ لما يدور حوله النص من الناحية الموضوعية؛ إذ إن ~~الفهم الكامل للنص يشترط أن يطرح القارئ أو الشارح على نفسه ~~المشكلة التي يطرحها النص، أو أن يجعل الموضوع الذي يدور حوله ~~موضوعا خاصا به؛ عندئذ يمكن أن يتوصل الشارح إلى فهم المؤلف ~~أفضل مما فهم به هذا المؤلف نفسه (وذلك على حسب تعبير ~~كانط). ~~(ج) # وأخيرا فإن العيان الفلسفي يتيح إدراك الأبدي فيما هو جزئي ذو ~~صفة تاريخية. ms55 # إن الفلسفة الخالدة وكل الأشكال التي تتخذها الأبدية لا يمكن أن ~~تدرك كما هي في ذاتها، بل تدرك من خلال الظواهر التاريخية، ~~فالأبدي لا يوجد أبدا بصورة مطلقة أو نهائية في أي شكل من الأشكال ~~الجزئية، وإنما يوجد في كل مكان وزمان، في كل موجود جزئي، وفي ~~مجموع حركات هذه الموجودات تجاه بعضها، وهو لا يتجلى إلا للعيان ~~الفلسفي الذي ينفذ في اللانهائي، والذي يحقق العلو على نفسه حين ~~يحقق نفسه، لا في ذلك النوع من العيان الذي يكتفي بملامسة الظواهر ~~ولا يتجاوز سطوح الأشياء. ~~(ب) الرؤية العيانية تلجأ للنماذج والصور # يتعرض العيان للضياع في اللانهائي إذا لم يتشبث بصور تظل على الدوام مؤقتة ~~ونسبية، وكل الروايات التاريخية تبلور في صور ما قد كان في حينه حركة حية، ~~وتوحد وتثبت وتتم ما لم يكن في الواقع إلا توترا، وتصدعا، وتخطيطا غير ~~مكتمل. ولكن العيان لم يكن ليتسنى له، بغير هذه النماذج والصور، أن يصل إلى ~~الثبات والاستقرار، أو يرى نفسه رؤية واضحة، أو يتقدم في سيره في الأعماق ~~المضيئة. # صحيح أنه لا توجد صورة صادقة في ذاتها؛ فهي تتوقف على النشاط العياني، كما ~~أنها مجرد وسيلة يلجأ إليها العيان وليست شيئا بلغ ذروة الكمال. ولهذا يجب ~~التفكير من الناحية المنهجية في وضع نماذج واضحة وملموسة، ثم يجب بعد ذلك ~~وبالوضوح نفسه أن نجعلها نسبية، وأن نذيبها ونلقي بها مرة أخرى في تيار الحركة، ~~وذلك بعد أن تكون قد نجحت - ولو للحظة واحدة - في خلق الوهم بالكمال. ~~(ج) الارتباط بين ملكة العيان والعالمية # إن الانفتاح على العالمية ليتوه في الفراغ إذا استغنى عن الرؤية العيانية ~~واكتفى بالتعميمات المجردة. كذلك تضل الرؤية العيانية للجزئي في الغموض ~~والاضطراب الذي لا حد له إذا لم تستند إلى العالمية. # إن الكل ينعكس في الجزئي كما ينعكس العالم في قطرة الماء، والمعرفة الكاملة ~~بالجزئي مساوية للمعرفة بالكل؛ لهذا يتعذر الوصول للعالمية الأصيلة بغير الرؤية ~~العيانية العميقة للجزئي، كما أن الطاقة اللازمة للنفاذ في الجزئي تستمد قوتها ms56 ~~من رحابة العالمي. ولا تتحقق العالمية إلا بقدر ما تقوم في أساسها على التغلغل ~~في صميم الجزئي. # إن تجميع الدقائق والتفاهات التي لا نهاية لها، وإطلاق التعميمات الفارغة، ~~أمران متلازمان تلازم الرؤية العيانية الخصبة للجزئي والعالمية الغنية بالمعنى ~~والمضمون. # والاستقطاب (أو التقابل الضدي ) بين الرؤية العيانية والعالمية هو الذي تتولد ~~عنه المناهج المتنوعة التي تلقي الضوء على تاريخ الفلسفة. ويتحقق هذا على أفضل ~~صورة في المؤلفات التي تعرض لموضوع واحد أو شخصية واحدة (المونوجرافات). وهو ~~يستلزم في كل مرة أن نحاول تقديم صورة تخطيطية عامة لتاريخ الفلسفة؛ هذه الصورة ~~التي تكون بحسب الفكرة المقصودة منها أهم شيء، في حين أنها في الواقع شيء هش ~~وواه إلى أبعد حد. ويرجع هذا إلى أن المفكر الفرد يعجز بطبيعته عن التعمق ~~الحقيقي المطلق إلا في المواضع القليلة النادرة، ولهذا يضطر في بقية الحالات ~~إلى الاكتفاء بالنتائج التي تقدمها له «المونوجرافات»، والقناعة ببعض الحقائق ~~التي يعثر عليها بالصدفة المواتية. ولكن إذا تيسر وجود مفكر تعمق تاريخ ~~الفلسفة تعمقا حقيقيا فينبغي عليه أن يغامر بتقديم لوحة إجمالية عنه؛ لأن ~~ذلك في الواقع واجب يتعين القيام به مرة بعد مرة. ولو لم تكن لدينا مؤلفات تضم ~~المعرفة الشاملة المحيطة بتاريخ الفلسفة لما كان للمونوجرافات مكان ~~بيننا. ~~(د) بهجة العيان الفلسفي # يبلغ الإنسان ذرى الحكمة والبصيرة عندما يتحالف عالم الفكر مع فهمنا للنص ~~فنكتشف بأعيننا ما ينطوي عليه الموضوع (الذي يتناوله هذا النص) من غنى وثراء، ~~ويتضح أمامنا صدق العبارة، وتوافق الأسلوب مع استخدام الكلمات، ونشعر أن هذا ~~كله قد تآلف مع وضوح الوعي المعبر عن نفسه، واتحد مع الدوافع والقوى المبدعة ~~التي اكتسبت لغة تنطق بها، ومع المتعالي الذي يفصح عن نفسه في هذه الرموز ~~والشفرات؛ عندئذ تتخذ الظاهرة التاريخية العينية شكلا مجازيا يرمز لذلك الذي ~~يعود عودا أبديا، ذلك الذي يعد فريدا نسيج وحده، والذي يختلف اختلافا ~~جذريا عن أي شكل من الأشكال التي تتصف بالعمومية. # ما أروع السعادة والبهجة التي نشعر بها إذا استطعنا ms57 أن نهب أنفسنا لمثل هذا ~~التأمل العياني! لن نشاهد أحلاما، بل سنعاين الواقع الحاضر الحي. ولن نكون ~~بصدد بناءات عقلية مصطنعة، بل سنجرب - عبر هذه البناءات التي استعان بها ~~التفسير - ذكريات عن الواقع الذي استعدناه. وسوف يفتح المنهج التجريبي أبوابه ~~لأعجب التجارب قاطبة ، فكل ما تلقيته من الخارج على هيئة معلومات تاريخية أحفظها ~~في ذاكرتي يصبح كأنه ذاكرتي الخاصة، ويلقي أضواءه الساطعة على ما كنت أعرفه من ~~قبل، وليس هذا تأملا سلبيا، وإنما هو النشوة التي تحلق بوجودي، والأصل ~~الذي ينبع منه نشاط جديد. وهذا هو الذي يعبر عنه «جوته» في الجزء الثاني من ~~فاوست حين يقول: # أشعر أن الروح الحي تغلغل في، # تتراءى لي الأشكال جليلة، # والتذكارات أجل. ~~(البيتان رقم 1789 و1790) ~~(3-3) ينبغي أن يكون تاريخ الفلسفة بسيطا # لو نظرنا إلى تاريخ الفلسفة نظرة خارجية لوجدنا أن مادته لا حد لها ولا نهاية، ~~وعندما يركز هذا التاريخ في كل واحد، يتحول غياب الحد والنهاية إلى تجربة ~~باللانهائية. # وينبغي على تاريخ الفلسفة في مجموعه أن يتوخى البساطة (فدوائر المعارف وحدها هي ~~التي تحرص على تجميع المادة المهمة، أو المادة التي يمكن أن تصبح مهمة في يوم من ~~الأيام). كما يجب أن يجتهد تفسير هذا التاريخ في إلقاء الضوء على الفكرة الأساسية، ~~وأن يحرص على البساطة دون تبسيط، ويبرز الجوانب الجوهرية مع العدول عن الجوانب ~~العرضية والثانوية. ولا تتأتى البساطة بلصق الشعارات السريعة، وإجراء التصنيفات ~~السطحية، بل بالنظرة النافذة التي تدرك البسيط وتفطن لإمكانية التطور اللامتناهية ~~الكامنة فيه. وليس تأثر المرء إلى حد الانفعال، ولا شغفه بتحقيق هذه الغاية أو تلك، ~~دليلا على البساطة، وإنما الدليل عليها هو أن تستولي عليه وتأخذ بمجامع نفسه. وليس ~~البسيط هو ما نفهمه في سهولة ويسر، وإنما هو الذي يساعد على تركيز العقل وتجمع ~~الروح. # ويتحتم على تاريخ الفلسفة بمعناه الحقيقي أن يحاول إدراك الأصول والخصائص ~~الأساسية، بجانب إدراك الوثبات الجديدة والقمم الرفيعة؛ بحيث يجعلنا نفهم علاقتها ~~بالكل، ونشعر بتعبيرها الأمين عن الواقع. كذلك ms58 يتعين عليه أن يتخلى عن الاهتمام ~~بالوفرة في المعلومات التي يسهل الحصول عليها لكي يتمكن من إظهار الثراء الكامن ~~في الأفكار والحقائق التي تملك النفس وتستولي عليها. وينبغي عليه في النهاية أن ~~يتوصل إلى عنصرها البسيط الذي يحسم الأمر ويفصل في اتخاذ القرار. # بهذا يمكن لهذا التاريخ - الذي يسير على طريق البحث عن المبادئ الأساسية، وحركات ~~الوعي المطلق ومواقفه الكبرى، والعوالم والأبنية الرئيسية - أن يتحول إلى مدخل إلى ~~الفلسفة. إنه يكشف لنا عن المسار الفلسفي نفسه، وما انتهى إليه خلال صيرورته عبر ~~الظواهر والأشكال التاريخية، ولكنه يكشف عن هذا المسار في بساطته، وهذه البساطة ~~تكثف حضور الفكر، وتحول دون تلاشيه في التجريدات، وهي تبرز من أعماق الباطن وتحقق ~~في الحاضر ما لو رأيناه من الخارج لوجدناه يتبدد في تشتت الآراء وتعددها بغير ~~نهاية. ~~(3-4) ينبغي أن يكون تاريخ الفلسفة نفسه فلسفة # لماذا نشغل أنفسنا بتاريخ الفلسفة؟ # ربما كان الدافع على ذلك هو الفضول: لكي نتعرف تاريخ الأوهام البشرية، أو ربما ~~كان وراءه الاعتقاد بضرورة نفسية واجتماعية مزعومة؛ لفهم مرحلة منتهية من مراحل ~~التطور الإنساني، وهي المرحلة السابقة على عصر العلم، وتتبع سياق الأسباب والمسببات ~~العجيبة التي أدت إلى اكتشاف الصواب من ثنايا الخطأ، وظهور الحق من خلال طوايا ~~الباطل. وربما جاء الاهتمام بتاريخ الفلسفة عن ميل إلى الترف العقلي: فينكب ~~الإنسان على لعبة عقيمة يملأ بها أوقات فراغه، أو عن حذلقة جوفاء تسجل كل ما وقع ~~بحذافيره، وتضع كل ما يمكن أن تطلق عليه صفة الفلسفة في موسوعة تضم وقائع التاريخ ~~العقلي التي لا حصر لها. # غير أن أمثال هذه الدوافع وما شابهها غير كافية؛ وهي ترتد في النهاية إلى نفي ~~الفلسفة وإنكار حقيقتها. إنها تبين أن السبب الكافي للاشتغال بتاريخ الفلسفة لا ~~يمكن إلا أن يكون هو التفلسف أو التأمل الفلسفي نفسه، ولن يكون لهذا الاشتغال معنى ~~إلا إذا انشغلنا بالأسئلة والأجوبة التي نلتقي بها في تاريخ الفلسفة. وإذا لم نفعل ~~هذا فلن يخرج الأمر عن تحصيل معلومات عقيمة، ms59 معلومات خارجية عن واقع مضى ولم يعد ~~يعنينا في شيء. أو ربما لا نخرج - بإنكارنا للفلسفة على هذه الصورة - عن تحقيق بقية ~~من الفلسفة أو فلسفة سلبية تتسلى باللهو الطائش بالأفكار الفلسفية، وتفرغها من ~~معانيها، وتعبث مع ذلك بعظام أجسادها الميتة عبث المشعوذين، أو تستخدمها في تعذيب ~~النفس. # ولا معنى لتاريخ الفلسفة إلا بالقياس إلى التفكير الفلسفي نفسه، الذي يشعر ~~بانتمائه الأصيل إلى الشخصيات التاريخية المعبرة عنه، ويحرص على تأكيد حياته ~~بمداومة النظر فيها. إننا نريد أن نجد فيه ما يحثنا على التفلسف، نريد أن نجرب في ~~الحاضر ما هو بطبيعته أبدي، وإن كان لا يظهر في التاريخ إلا في صور وأشكال جزئية. ~~ونحن نفهم أنفسنا حين نفهم تاريخ الفلسفة، ونستمد الشجاعة من النماذج التي يقدمها ~~لنا. كما أننا نتواضع ونعرف حدودنا عندما نرى أن كل ما هو عظيم قد كتب عليه الفناء ~~والعزلة، وأنه يظل في نهاية المطاف شخصيا وفريدا. ونحن ندخل في حوار باطن مع ~~الماضي، ونمد آفاق حاضرنا عبر آلاف من السنين، إن هذه الآلاف من السنين لم تنطو ~~بالنسبة إلينا، فعلى كل واحد منا أن يقرر بنفسه ماذا يبقى منها حيا، وماذا يستحق ~~أن يبعث للحياة، ماذا سيطويه النسيان، أو سيلحق بنا على جناحيه، أو يتركنا في حال ~~من اللامبالاة وعدم الاكتراث. # إن إقبالنا على تاريخ الفلسفة عن رغبة واهتمام هو نفسه نوع من التفلسف. ولا بد ~~الآن من توضيح هذا عن كثب: ~~(1) # لن يفهم الفكرة الفلسفية إلا من يقدر على التفلسف. ويعتقد بعض ~~الناس اعتقادا ساذجا أن معرفة اللغة التي كتب بها النص الفلسفي ~~تكفي لفهمه فهما عقليا واضحا، ويأخذون هذه المسألة كأنها أمر ~~بديهي. ولكننا نطرح هذا السؤال: وماذا نفهم نحن حقا من فلسفة الماضي؟ ~~إن الإحاطة بالمؤلفات الموجودة، ومعرفة المضمون العقلي للأفكار ~~المثبتة فيها، والإلمام باستدلالاتها الصورية، والقدرة على تحديد ~~التصورات والمفاهيم؛ كل هذا الذي ذكرناه لا يرقى إلى مستوى الفهم؛ ~~فالفهم معناه أن نضع أنفسنا فيما نريد فهمه، لنتمكن من إعادة التفكير ms60 ~~فيه انطلاقا من الأصل الذي انبثق عنه، تتبع الفكرة العقلية لإدراك ~~الحدس (أو العيان) اللامعقول الذي عبرت عنه ومشاركة المؤلف فيه، ~~السماح لما لا يمكن قوله باللغة المباشرة بالتأثير على أنفسنا، الإنصات ~~لما أراد المفكر أن يوصله إلينا بطريقة غير مباشرة. مثل هذا الفهم ~~الحقيقي لا يتيسر إلا في حدود معينة، وبشروط ترجع إلى القارئ نفسه ~~الذي يسعى إلى الفهم، وترتبط بحياته العقلية، وموقفه، وواقعه. # إن الذي يقدر على طرح السؤال الفلسفي هو الذي يستطيع أن يكتشف ~~الجوانب الفلسفية المهمة في النص. والقاعدة تقول: «لا يدرك الشبيه إلا ~~الشبيه.» ولكن ليس معنى هذا بحال من الأحوال أن نلتمس من النص تأييد ~~رأي أو فكرة تشغلنا، وليس معناه كذلك أن تاريخ الفلسفة «ترسانة» نستخرج ~~منها الأسلحة والحجج التي تبرر تفكيرنا الراهن (وكأن أمر التاريخ في ~~ذاته سواء، أو كأن الحاضر يمكنه أن يستقل بنفسه ويستغني عن أساس يستند ~~عليه). فالواقع أن الأمر على العكس من ذلك، وأن القارئ الذي يتفلسف ~~بنفسه يستطيع أن يدرك الأفكار الفلسفية ولو كانت مضادة له، غريبة عليه، ~~نابعة من أصول أخرى مختلفة عن أصوله تمام الاختلاف. إن المهم في ~~الحقيقة هو التفلسف في حد ذاته، فهو الذي يتيح لي أن أتفلسف مع كل ~~فيلسوف وأن أشارك في كل فلسفة ممكنة. ومع ذلك فثمة حد جديد يقف عقبة ~~أمامنا، ويتصل بما نسميه «المستوى». فعلى المستوى الذي يستند إليه ~~وجودنا وتفكيرنا يتوقف فهمنا لما هو قريب منا، أو مضاد لنا وغريب عنا. ~~ومن السهل علينا أن ننفذ ببصرنا إلى المستويات الدنيا ونحيط بها، أما ~~المستوى الذي يرتفع عن مستوانا فيظل عصيا ممتنعا علينا. من أجل هذا ~~يثير فينا التفلسف الأصيل موقفا أساسيا: فنكون على استعداد لتسلق ~~المستوى الأعلى، أو على الأقل لرؤيته والانتباه إلى وجوده، بحيث يصبح ~~بالنسبة إلينا حدا ودافعا يحفزنا على التقدم، ويدلنا على سر لم ~~ينكشف حتى الآن، وهذا الموقف الذي ذكرناه يتطلب القدرة على الإنصات ~~ورد الفعل، والشعور بأننا لم نفهم بعد، وأن علينا ms61 أن نبذل الجهد ~~للتوصل إلى الفهم، بحيث يكون هذا الفهم فعلا باطنا تكابده النفس بكل ~~كيانها لا مجرد نظر عقلي. # وينتج عن هذا من ناحية أخرى أن نفقد كل اهتمامنا بالمؤلف الذي ~~اعتقدنا يوما - وهذا أمر نادر - أننا قد أحطنا بتفكيره كله؛ ذلك لأن ~~مثل هذا المؤلف لن يكون في نظرنا فيلسوفا، ولن يبقى منه إلا الفكر ~~العقلاني الذي يتعامل مع المفاهيم، ويعرفها، ويوفق بينها، ويتصور أنه ~~قد وضع يده على الكل. بيد أن المفكرين الذين لهم شأن في تاريخ الفلسفة ~~هم أولئك الذين يكافحون ويصارعون، أولئك الذين لا يدعون أن السر قد ~~كشف لهم القناع عن وجهه، والذين ندرسهم فلا نتعلم منهم مادة معرفية ~~فحسب، بل يشدوننا في مجرى الصراع الدائر في داخلهم، ويعينوننا على ~~تجربة دوافعهم ومطامحهم. ولن تكون لدراسة تاريخ الفلسفة أية قيمة ما لم ~~يستمر فيه الكفاح المتصل للوصول إلى الرؤية الفلسفية الخاصة. # لنتمسك إذن بالتواضع ونحن نقبل على هذه الدراسة، فلم يتسن حتى الآن ~~لإنسان واحد أن يطلع على جميع مؤلفات جميع الفلاسفة، أو يعرف كل ~~اللغات التي تم بها التفلسف معرفة كافية. أضف إلى هذا أن حدود تفلسفنا ~~الخاص هي نفسها التي تحد من قدرتنا على تصور تاريخ الفلسفة وفهم قدامى ~~الفلاسفة. ولهذا فإن هذه القدرة تنمو وتتزايد بمقدار نمو تفكيرنا الخاص ~~واتساع أفقه. ~~(2) # إن استيعاب تاريخ الفلسفة متضايف مع التفلسف الشخصي. وليس معنى هذا ~~على الإطلاق أن يوجه هذا التاريخ أو يبنى ويقوم من وجهة نظر ~~فلسفية محددة؛ لأننا بهذا سننظر إليه من الخارج نظرة غير تاريخية. ولن ~~يكون استيعابنا لتاريخ الفلسفة فلسفيا إلا إذا وفقنا في الاحتفاظ ~~بوعينا بالشامل، وتمسكنا بفضل هذا الوعي بقدرتنا على الحركة وسط ~~وجهات النظر المتعددة، وحرصنا على الانفتاح العالمي على كل ما يتسم ~~بالطابع الفلسفي الحق. # من أجل هذا كله تتعذر كتابة تاريخ الفلسفة من وجهة نظر محددة؛ ~~فليست الفلسفة عبر تاريخها كالوجه الإنساني الذي يمكننا رؤيته ووصف ~~ملامحه بنظرة واحدة؛ من حيث مراحل تطوره الموضوعي، وظروفه ms62 وشروطه ~~الاجتماعية والنفسية والبشرية ... إلخ (فكل هذه مناهج بحث مفيدة تتصل ~~بوقائع، وظواهر، وجوانب جزئية مختلفة، دون أن تمس ماهية الفلسفة ~~نفسها). وليس من سبيل إلى الفلسفة إلا بالتفلسف نفسه ومن داخله؛ قد ~~يستطيع الإنسان أن ينفذ إليه، ولكنه لن يستطيع أن يحيط به إحاطة ~~شاملة. # والنفاذ إلى صميم التفلسف لا يعني تبني وجهة نظر محددة، كما أن ~~الاستيعاب التاريخي لا يعني تطبيق نسق ثابت أو تخطيط مسبق. إن فهم ~~أفكار التراث وفلسفاته بفضل المعرفة المشتركة التي يكفلها «الشامل» هو ~~الذي يجعلنا قادرين على التواصل الذي تتضح الأصول في ضوئه. ومن يدرس ~~مؤلفات أحد الفلاسفة السابقين في إطارها التاريخي، ويلمس أعماقها ~~الدفينة، سيحس هو نفسه بواقعه التاريخي الخاص، وتنكشف له أعماقه التي ~~لا يسبر غورها. والمهم قبل كل شيء هو مدى توغل ذلك الشيء - الذي ~~ينبثق من التاريخ ليوقظني - في أعماق الشامل الذي أكونه أنا نفسي. ~~والمهم أيضا هو من ينصت في داخلي وما الذي ينصت إليه. إن التفلسف ~~المشترك لينفذ - عبر التاريخ - في مجال إنسانيتنا ويكون التاريخية ~~الواحدة التي يقوم عليها وجودنا بأكمله، والذي يهدينا ويقود خطانا هو ~~وعينا بالأصل الواحد، والمصير الإنساني المشترك. كذلك فإن تاريخيتي ~~الخاصة وتاريخية المفكر الغريب عني لا تفصلنا فصلا مطلقا، وإنما تربط ~~بيننا برباط التاريخية المشتركة التي لن نتمكن أبدا من إدراك كنهها أو ~~تحديد شكلها، وإن كان التواصل هو الذي سيجعلنا نشعر بها في صيرورة ~~الوجود الكوني بأسره. # لهذه الأسباب لا توجد حقيقة وحيدة في صورة وجهة نظر أو نسق محدد. ~~ولا يمكن أن تدعي الحقيقة أنها هي الحصيلة النهائية للمعرفة الراهنة ~~وأن كل معرفة يجب أن ترتب على أساسها بحيث تكون مجرد إعداد وتمهيد ~~لها. # وليس في تاريخ الفلسفة كذلك مركز واحد أو نقطة ثابتة ونهائية - كتلك ~~التي يتصورها التفسير المسيحي للتاريخ في صلب المسيح، بل هنالك ~~المكان اللانهائي الذي تعبر فيه الحقيقة عن نفسها بأصوات متعددة ~~المعاني. وكل محاولة لتثبيت دائرة المفكرين العظام ستكون أشبه بلاهوت ~~جديد، إن لم تكن ms63 نوعا من التعبير الجمالي عن عدم الإحساس ~~بالمسئولية. # لا شك أن المفكرين الكبار يتفوقون علينا تفوقا لا حد له في عظمتهم ~~وقوة إبداعهم وعمق وجودهم، ولكنهم بشر يشاركوننا المصير نفسه وليسوا ~~آلهة. وإذا كنا ننظر إليهم نظرتنا إلى القدوة والمثل، فليس معنى هذا ~~أن نقلدهم أو نقتفي آثارهم على طريق محدد مرسوم، بل معناه أن نتابعهم ~~في السير على الدروب الباطنة التي لم تكتشف بعد. ~~(3) # إن رفض تجميد تاريخ الفلسفة في مجموعة من الحقائق الموضوعية، ~~القطعية، النهائية، لا يمنع ضرورة اكتسابه شكلا ملائما، فلا بد له ~~من أن يتخذ شكلا كليا بالنسبة لعصره ولقدرة المفكرين المعاصرين على ~~الفهم. وهذا التصور التاريخي الشامل يسهم في تحديد شكل التفلسف ~~الحاضر. فإذا تغير التفلسف تغيرت معه طريقة تصور تاريخ الفلسفة ~~واستيعابه. # ومعرفة هذه التغيرات تؤثر حتما على طريقة الاستيعاب. صحيح أن هذا ~~الاستيعاب يلجأ إلى صور ثابتة، ولكنه يحرص على الاحتفاظ بقدرته على ~~الحركة والتغير الممكن. وتنشأ رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة عندما يتغير ~~التفكير الفلسفي نفسه فجأة بحيث تبدو الصور التي دأب تاريخ الفلسفة ~~على استخدامها حتى ذلك الحين محرفة أو مشوهة، ويطرح الناس على أنفسهم ~~هذا السؤال: ما الصورة التي يجب أن يتخذها تاريخ الفلسفة في ظل الظروف ~~والأوضاع الجديدة؟ كيف نتصوره، على سبيل المثال، تصورا وجوديا؟ وكيف ~~يتعرف تفكيرنا الفلسفي الخاص على تفكير العصور القديمة؟ بل كيف نعرف أن ~~تفكيرنا - الذي تصورنا للحظة واحدة أنه جديد كل الجدة - ينعكس على ~~صفحة التفكير القديم الموغل في القدم؟ وكيف نقضي على وهم الجدة بحيث ~~تشف من خلال الثوب التاريخي المعاصر تلك الفلسفة الخالدة التي تربطنا ~~بجميع الفلاسفة السابقين؟ ~~(4) # إذا كان الاستيعاب الأمثل للفلسفة يقتضي التخلي عن كل وجهة نظر، ~~وإسقاط كل نسق أو تخطيط مسبق، فإن رائدنا في ذلك لن يكون شيئا ~~قليلا (كأن نقع في السوقية والفوضى)، بل سيكون كثيرا، سيكون هو ~~الواقع وهو الحقيقة التي نحيا عليها، ونقيس ونحكم، ونقبل ونرفض وفقا ~~لها، بحيث لا نجمد أو نثبت عند معيار موضوعي ms64 معين. وسيكون علينا أن ~~نحافظ على رحابة هذا الواقع وعمقه وثراء معانيه كما خبرناه في ~~تفكيرنا الفلسفي، وتعرفناه في فلسفات الماضي. وستزداد قدرتنا على ~~الكشف بمقدار قربنا من الواقع. # إن أية محاولة تهدف للوصول إلى معرفة ثابتة - حتى ولو كانت غامضة - ~~بالواقع والحقيقة بمعناهما الفلسفي ستكون في النهاية معرفة غير كافية، ~~وستلجأ إلى التفسير السطحي الذي يبسط كل شيء، سواء في ذلك أقدمت ~~المنفعة العملية للمعرفة أم جعلت الصدارة للدقة اليقينية الملزمة. ~~وسترجع بوجه خاص إلى المعرفة التجريبية والموضوعية في علم الاجتماع، ~~وعلم النفس، وعلم الحياة (وعندئذ تصبح الفلسفة وظيفة للحياة، ويستوي ~~في ذلك أن تمد الناس بالأوهام الضرورية وتحجب عنهم العيوب والشرور، ~~أو أن تصبح نوعا من العلاج النفسي أو قوة دافعة على الانطلاق)، أو ~~ترد إلى الوضوح العلمي للوعي بوجه عام، أو إلى الأخلاقية التي تضع ~~المثل العليا وتشرع قواعد السلوك. لا شك أن كل هذه الاتجاهات تحتوي ~~على جزء من الحقيقة، ولكن التفسير الذي يستوعب تاريخ الفلسفة بأكمله ~~ينبغي عليه أن يجعل تعدد أبعاد حقيقة فعلية تتمثل في تشابكها اللانهائي ~~وحركتها المتصلة (ولا تجعل منها مجموعا مركبا من عناصر بسيطة)، كما ~~ينبغي عليه ألا يهمل المعطيات المباشرة الملموسة (كالمواقف الاجتماعية ~~والأمراض العقلية ... إلخ) بل يقبلها على ما هي عليه، ويسجلها ويحدد ~~أهميتها، دون أن يتجاهل الجوانب الخيالية العجيبة، بل يحاول جهده أن ~~يكتشفها ويستخلص منها مضمونا واقعيا. غير أن تعدد التفسيرات على هذه ~~الصورة أمر يتهدده التشتت والتفتت، فأين نجد المركز؟ أين نعثر على ~~الواحد والكل الذي يتعلق به كل شيء ويرجع إليه كل تفسير؟ إنه تكشف ~~الوجود في الإنسان؛ فمن خلال جميع أشكال الشامل - الذي يكون هو نفسه، ~~ويعرف فيه نفسه بوصفه وجودا يستشرف العالي - يحقق الإنسان ما يدرك أنه ~~وجوده الأبدي تحقيقا تاريخيا، بحيث يرتبط وجوده بالمعرفة التي ~~يحصلها، ويصبحان شيئا واحدا. ~~(5) # إذا كان «الشامل» هو الأصل في كل محاولة لاستيعاب تاريخ الفلسفة، وهو ~~الموضوع الذي لا سبيل للوصول إليه، فإن هذا الاستيعاب يتم بطريقة ms65 ~~عينية ومحددة من خلال موضوعية المعطى في الواقع؛ أي من خلال دلالته، ~~وتخطيطه، ومشروعه، والهدف منه ... إلخ، وينظر مؤرخ الفلسفة فيرى أمامه ~~المجال الشاسع الذي تتراكم فيه مواد لا حياة فيها، ويبدأ بفرز هذه ~~المواد على مستوى الوقائع ووضعها في غربال النقد العلمي. والحقيقة أن ~~«الشامل» هو المعنى والواقع في آن واحد، وكلاهما لا يفهم إلا بطريقة ~~غير مباشرة في شيء اتخذ صورة موضوعية محدودة. وعلينا أن نتحسس حركات ~~الشامل من خلال الوقائع. ولهذا ينبغي البدء بفحص الوقائع وتمحيصها ~~للتأكد مما حدث في الواقع، ثم تأتي لحظة الإنصات والاستبار واستكناه ~~حقيقة ما كان. # بهذا ينشق الواقع للحظة إلى واقع تجريبي وآخر جوهري. ونلاحظ شيئا ~~يتحقق بأعمق ما للتحقق من معنى، ولكنه يبقى معزولا، معدوم الأثر، ~~ويسقط في النسيان. ومن طبيعة الذروة العالية أن تتخذ محاولة الاقتراب ~~منها في تاريخ الفلسفة هذا الطابع المؤقت؛ فليس من الممكن أن نثبتها في ~~صميم الأصل، بل يتحتم محاصرتها والدوران حولها من الخارج - ربما يستطيع ~~المؤرخ أن ينفذ إليها بتفسيره، ولكن يستحيل عليه الإحاطة بها. وأسباب ~~تأثيرها أو عدم تأثيرها على مجال الواقع لا تكمن فيها هي وحدها، وإنما ~~ترجع كذلك إلى مواقف جزئية وشروط خارجية؛ بحيث إن التفسيرات التجريبية ~~التي تقدم لها لا تكون أبدا تفسيرات نهائية شاملة. # وعمليات التحريف والتعديل التي تتعرض لها «الذروة» وتجعلها تتحول إلى ~~أشكال تساعد على انتشارها واتساع نطاق تأثيرها عمليات ملازمة لطبيعتها، ~~ولكنها ليست قوانين مطلقة بغير استثناء؛ فهي تلقي الضوء على النتائج، ~~ولكنها لا توضح الجوهر نفسه. # إن تاريخ الفلسفة بمعناه الحقيقي هو حركة صيرورة التفلسف الذي ندركه ~~عندما نقترب منه لمحاولة فهمه، ونتأمل عالمه، ونتدبر نتائجه، ولكن ~~أصول هذا التفلسف هي الحد الذي ينطلق منه كل شيء، ويتجه إليه كل شيء، ~~وإن كان من المحال أن تصبح موضوعا أو واقعا يمكن بيانه بطريقة ~~موضوعية محددة. وأكثر تفسيرات تاريخ الفلسفة حظا من التفلسف هي تلك ~~التي تمكننا من الإحساس بالذرى، والأصول التي يتوقف عليها كل شيء، ~~وتساعدنا ms66 على ألا نفقد علاقتنا معها، وأن نبقى على صلة مستمرة ~~بها. # بهذا يمكن أن يتحول البحث في تاريخ الفلسفة في نهاية الأمر إلى مصدر ~~تأثير وفاعلية فلسفية متجددة، فلا يستبعد أن ينطوي المجال الفسيح - ~~الذي تتكدس فيه أنقاض المواد والمعلومات التي يخيم عليها الموت - على ~~بذور خفية يمكن أن تبعث إلى الحياة أو أن تدب فيها الحياة لأول ~~مرة، وذلك إذا استطعنا أن نعثر عليها، ونتعرفها، ونعيد غرسها مرة أخرى. ~~لقد كان هنا شيء لم يسمع له صدى، وهو ينتظر من يستخرجه من النصوص ~~ويفسره، عندئذ يظهر للنور وتزدهر فيه الحياة. ولا يندر في التاريخ أن ~~نعثر على حركات جديدة انبثقت من معطيات أو «لقى» تاريخية تم الكشف ~~عنها، فقد تعلم الإنسان كيف يقرأ نصا ويفك رموزه، بعد أن ظل قرونا ~~طويلة ضحية عدم الفهم أو سوئه. ~~(6) # إن مؤرخ الفلسفة يجد أمامه فرصة اختيار المفكرين الذين يمكنه أن ~~يرتبط بهم ويتخذهم قدوة أو يعدهم على العكس أضدادا له، وهناك تنفسح ~~أمامه طرق ودروب غير مطروقة يكون حرا في أن يسير فيها أو يتجنبها. ~~كذلك فإن وضوح اختياره هو الذي يلقي الضوء على ميوله ودوافعه. # لهذه الأسباب كلها تكون دراسة تاريخ الفلسفة دراسة فلسفية. وينبغي أن ~~يكون التاريخ الصحيح للفلسفة مدخلا إلى صميم الفلسفة نفسها، كما يتحتم ~~أن يؤدي الاشتغال به إلى تعمق التفكير الفلسفي. ms67