######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.ThawratShicrHadith01.Hindawi83579057 #META# Tags: literature #META# ID: 83579057 #META# Title: ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الأول) : الدراسة #META# AuthorID: 46308160 #META# Author: عبد الغفار مكاوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - مدخل إلى الشعر الحديث‏ # 2 - بودلير (1821-1867م) شاعر العصر ~~الحديث‏ # 3 - رامبو (1854-1891م)‏ # 4 - مالارميه (1842-1898م)‏ # 5 - ثورة الشعر في القرن العشرين‏ # خاتمة‏ # كلمة أخيرة‏ # تقديم‏ # 1 - مدخل إلى الشعر الحديث‏ # 2 - بودلير (1821-1867م) شاعر العصر ~~الحديث‏ # 3 - رامبو (1854-1891م)‏ # 4 - مالارميه (1842-1898م)‏ # 5 - ثورة الشعر في القرن العشرين‏ # خاتمة‏ # كلمة أخيرة‏ # | ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الأول) # | ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الأول) # | الدراسة # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | تقديم # صلتي بالشعر صلة قديمة وحميمة. بدأت أكتبه في العاشرة من عمري حتى ~~اجتمع لي منه بعد ذلك بسنتين ديوان صغير في حجم الكف لم يكن فيه بيت ~~واحد موزون! وظللت محتفظا بهذا الديوان حتى ضاع فيما ضاع من كتب ~~وأوراق، وتبعته بعد ذلك دواوين أخرى كنت أعتني بكتابتها وأفرح بوضع ~~اسمي على غلافها وإثبات صدورها عن «مطبعتي الخاصة». كنت أخبئها في ~~دولاب خشبي صغير أجعل مفتاحه دائما في جيبي. ولم تلبث أمي رحمها ~~الله أن عثرت عليه فأراحتني منها جميعا؛ إذ عرفت بفطرتها - ولم تكن ~~تقرأ وتكتب - أن أفضل ما يمكن عمله بهذه الكراسات الصغيرة المضيعة ~~للوقت هو إحراقها في الفرن أو «الكانون» واستغلال أوراقها في شيء ~~مفيد! واستمرت تجربتي في الشعر حتى الثانية والعشرين عندما توقفت ~~تماما بعد حب فاشل. وبدأت تجارب أخرى في القصة والمسرحية تزاحمه، ~~وأخذت الدراسة تحاصرني من كل ناحية حتى توارى غضبا أو حياء وراء طموح ~~أكاديمي سخيف، واختنق تحت تراب المراجع والكتب العقيمة فلما عرفت ~~أنني فقدت كنزه إلى الأبد، رحت أعزي النفس بتسمع خفقاته الضائعة ~~بين ركام الكتب والأوراق والهموم، وأقنع بلمسات منه تصحبني في رحلتي ~~اليومية فتعزيني عن خيبة أملي في الحياة والناس، وتسري في كل ما أكتبه ~~- أو هذا على الأقل ما أرجوه - فتخفف من حسرتي التي لا تنقضي ~~عليه. # وظل اهتمامي بالحياة مع الشعر قديمه وحديثه هو البقية الباقية من ~~التركة الضائعة بعد أن تأكد عجزي عن قوله حتى في ms001 أشد أزماتي وأتعس ~~لحظاتي. ويبدو أن روح الشعر أشبه بروح الآباء والأجداد لا تترك جسما ~~دخلته ، ولا تخرج منه قبل أن يصبح جثة باردة. ومن يدري؟ فقد تكون قبسا ~~صغيرا من النار الخالدة التي سرقها ذلك اللص الإغريقي العظيم ~~«برومثيوس» وبدلا من أن يضعها بين أيدي البشر نسي فألقاها في قلوبهم. ~~وتمر الأجيال بعد الأجيال ولم يزل لهيبها يحرقهم، ويجلو نفوسهم، ~~ويشعرهم بعظمتهم وتعاستهم، ويجعلهم يسيرون على الأرض كالنيام الذين ~~يحلمون بعالم أبهى وأكمل وأعدل ممكن التحقق على هذه الأرض ~~نفسها. # هكذا رحت أعزي النفس من حين إلى حين بترجمة الشعر ودراسته وتقديم ~~لمحات من تراثه إلى القراء والشعراء. فعلت هذا مع أشعار سافو اليونانية ~~ولاوتسي الصيني وبرشت الألماني، إلى جانب دراسات أخرى في شعر جوته ~~وغيره من أدباء الغرب. غير أن هذه الأعمال لم تقنعني أو ترضني، فقد كنت ~~أطوي في الصدر أملا أعيش عليه وأنتظر اللحظة التي تسعفني بتحقيقه. ~~كنت أحلم بإلقاء نظرة شاملة على الشعر الأوروبي الحديث، وتقديم نماذج ~~من كبار شعرائه إلى القارئ العربي في طبق واحد. وظل هذا الحلم يشير ~~إلي من بعيد حتى كان صباح يوم من الأيام في أوائل سنة 1966م؛ فقد ~~شاءت الظروف أن تجمعنا - الشاعرين الكبيرين عبد الوهاب البياتي وصلاح ~~عبد الصبور وأنا - في مجلس واحد. ودار الحديث بطبيعة الحال عن الشعر. ~~وذكرت ترجماتي المتواضعة فيما ذكر عن الشعر والشعراء المحدثين. وبرزت ~~الأمنية القديمة حتى أوشكت أن تتجسد أمامنا وتزاحمنا في الحديث. وترددت ~~أسماء نحبها جميعا: لوركا، كافافيس، إليوت، برخت، ناظم حكمت، ~~أنجارتي ... إلخ. واتفقنا على أن هناك أمانة تنتظرنا؛ أمانة تقديم نماذج ~~من هذا التراث العظيم الذي أصبح معظمه كلاسيكيا بالفعل. وسألنا ~~أنفسنا: بمن نبدأ؟ ماذا نختار وكيف نختار؟ أيكون الاختيار على أساس ~~الموضوعات أم البلاد أم الشعراء؟ هل نضع لأنفسنا حدودا في الزمان ~~والمكان؟ وإذا التزمنا بالقرن العشرين فمن من الشعراء نأخذ ومن ندع؟ هل ~~نكتفي بتقديم نماذج من شعرهم أم نضيف نبذة عن حياتهم وأعمالهم؟ ولكن ~~هل تغنى ms002 هذه النبذ القصيرة عن دراسة شعرهم؟ وهل تغني دراسة الشعر عن ~~فهم الحركة أو العصر الذي ينتمون إليه؟ وهل يمكن أن ينفصلوا عن الرواد ~~الذين أثروا عليهم؟! # أسئلة كثيرة واجهتنا كصخور اليأس. ومع ذلك فقد اتفقنا على تقسيم ~~العمل بيننا، وما أسهل الاتفاق على مشروعات المستقبل الضخمة في لحظة ~~قصيرة تتضوع بعطر المحبة والقهوة والدخان! كان شعر العالم ~~الأنجلوسكسوني بما في ذلك اليونان ولوركا وشعر الزنوج من نصيب صلاح عبد ~~الصبور، ووقع شعر العالم الشرقي، سواء في ذلك العالم السلافي أو ~~الآسيوي، من نصيب عبد الوهاب البياتي الذي يعرف اللغة الروسية ويترجم ~~عنها، أما أنا فقد كان الشعر في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا من ~~حظي. # ومضيت أعمل بالجدية الساذجة التي يعرفها عني أصدقائي! فلم ينقض ~~العام حتى اجتمع لي أكثر من ثلاثمائة قصيدة لأكثر من أربعين شاعرا. ~~وعرضت المسودات على صديق العمر صلاح فهاله ما فعلت. ثم سألت صديقنا ~~البياتي بعد ذلك فهالني أن الصديقين الكبيرين لم يسيرا في مشروعنا ~~خطوة واحدة؛ لقد عكف كل منهما على شعره وإنتاجه. وحزنت في مبدأ الأمر. ~~ثم تبين لي أنهما أحسنا صنعا. فليس أضر بالفنان المبدع من التخلي عن ~~موهبته إلى النقل والترجمة، ولكنني كنت قد وقعت في الفخ، ولم يكن بد من ~~الاستمرار فيما بدأت. ومرت الأيام ومرت السنون، فإذا بالمشروع يكبر ~~بالتدريج. أضفت إلى النصوص المترجمة دراسة قصيرة عن الشعر في القرن ~~العشرين، ثم رأيت أن هذا الشعر لا يفهم على حقيقته حتى يوصل آخره ~~بأوله. ورحت أفتش عن جذور الحركة الشعرية المعاصرة حتى عثرت عليها في ~~البدايات الرومانتيكية وكتابات بودلير وترجماته، وتتبعت خيوط نسيجه ~~الشامل الذي بدأه بودلير وأحكم بناءه رامبو ومالارميه، ثم طبع الشعر ~~المعاصر كله بطابعه. واهتديت في هذا كله بكتاب قيم يعد من أهم ~~الكتب التي صدرت في السنوات الأخيرة عن الشعر الحديث، بل أرجو ألا أكون ~~مغاليا إذا قلت إنه عند المختصين أهمها جميعا، ولقد عرفت الكتاب عند ~~صدور طبعته الأولى سنة 1957م، وكان لي حظ ms003 الاستماع إلى بعض محاضرات ~~صاحبه العالم الكبير في اللغات الرومانية. وإذا كنت قد اعتمدت أكبر ~~اعتماد على هذا الكتاب القيم، بحيث لم أغفل حقيقة علمية واحدة من ~~الحقائق التي ذكرها ولا تركت سطرا واحدا بغير أن أستفيد منه؛ فلقد ~~نقلته كذلك نقل المتذوق المتأمل لا نقل المترجم الحرفي، أضف إلى ~~هذا أنني استعنت بمراجع أخرى عديدة في الشعر الحديث تجدها مثبتة في ~~هوامش الكتاب، وتوسعت فيه وأضفت إليه - وبخاصة في الفصل الخاص ~~بمالارميه والفصلين الأول والأخير - إضافات عديدة أملاها ذوقي أو ~~اطلاعي، وزدت في المختارات التي ألحقها بدراسته؛ بحيث صار الكتاب الذي ~~بين يديك خمسة أضعاف الكتاب الأصلي. ولست أريد من هذا الكلام كله إلا ~~أن أؤكد فضل هذا الكتاب القيم علي، واعترافي بديني العظيم نحو صاحبه. ~~ولولا أن عملي فيه جاء في وقت كرهت فيه الترجمة وزهدت فيها، ولولا ~~أنني تصرفت فيه وأضفت إليه من عندي، لما ترددت في وضع اسم «هوجو ~~فريدريش» في موضع المؤلف على الغلاف. ومع ذلك فأرجو أن ينظر القارئ إلى ~~الكلمة التي تشير إلى اسمي نظرته إلى كلمة «المؤلف» و«التأليف» ~~بمعناهما اللغوي الدقيق، أعني بمعنى الجمع والترتيب و«التأليف» بين ~~فصول وأفكار ليس لي فيها فضل الخلق والإنشاء بل نصيب التذوق والعرض ~~والتجميع. # أقول هذا عرفانا بالفضل الأكبر لأصحابه أو بالأحرى لصاحبه، وإنصافا ~~لنفسي التي لا أحب أن أنسب لها شيئا لا تستحقه. ~~••• # تبين لي من خلال العمل في هذا الكتاب أن الشعر الأوروبي الحديث ينبع ~~من رافدين كبيرين تدفق عطاؤهما في القرن التاسع عشر وفي بلد واحد ~~هو فرنسا، وأعني بهما الشاعرين رامبو ومالارميه. إن ما يجمعهما بالشعر ~~الحديث ليس مجرد الريادة والسبق، بل عوامل مشتركة في البناء، لم تزل ~~تظهر بصور مختلفة في ظواهره العديدة. ولعل البدايات ترجع إلى أبعد من ~~القرن التاسع عشر، ولعل بعضها أن يمتد بجذوره إلى القرن الثامن عشر. ~~ولكن هذا البناء الشامل قد بدأ يتشكل في صورته النظرية والنقدية ~~حوالي سنة 1850م، ثم وضحت آثاره على الخلق الشعري ms004 حوالي سنة 1870م. ولم ~~يزل هذا البناء يتعقد ويزداد تعقدا وتركيبا، ولم يزل يزداد تخصصا ~~وتفردا عند كل شاعر جدير بهذا الاسم، بحيث نستطيع أن نقول ونحن ~~مطمئنون إنه لا يزال أيضا يترك آثاره على كل الإنتاج الشعري الأوروبي؛ ~~بل وعلى كثير من الإنتاج غير الأوروبي حتى اليوم. فهذان الشاعران ~~الفرنسيان يفسران لنا قوانين الأسلوب التي تحكم بناء الشعر المعاصر، ~~وقراءاتنا للشعراء المعاصرين تبين أنهما ما زالا معاصرين. هناك إذن ~~وحدة في بناء الشعر الحديث، لن نذكرها أو نقدرها حق قدرها حتى نحرر ~~أنفسنا من التقسيمات التقليدية التي تلجأ إليها كتب النقد وتاريخ ~~الأدب، ونوسع من نظرتنا بحيث لا نقتصر على شاعر أو أسلوب بعينه، بل ~~نجعلها تشمل الكل ولا تقف عند الأفراد والأجزاء. ~~••• # وبناء الشعر الحديث عند أعلامة الثلاثة الكبار - بودلير ورامبو ~~ومالارميه - ومن جاء بعدهم حتى اليوم بناء غريب شاذ. ولا بد من فهم ~~هاتين الكلمتين بمعناهما الاستطيقي لا الأخلاقي. أما عناصر هذا البناء ~~فهي وضعه الخيال في مكان الواقع، وتأكيده لحطام العالم لا لوحدته ومزجه ~~بين عناصر متنافرة وناشزة، وتعمده الاضطراب والتشويه، وتأثيره السحري ~~عن طريق الغموض والألغاز وسحر اللغة، وإغرابه لكل مألوف أو معتاد، ~~وإيثاره للتفكير الرزين المحسوب الشبيه بالتفكير الرياضي، واستبعاده ~~للعاطفية الساذجة أو ما سوف نسميه فيما بعد بالنزعة البشرية، وغياب ما ~~يسمى بشعر الإلهام أو الشعر المباشر، وطغيان المخيلة الخلاقة التي ~~يسيرها العقل والوعي، وتدمير نظام ~~الواقع والأنظمة المنطقية والانفعالية المألوفة، واستغلال الطاقات ~~الموسيقية في اللغة إلى أقصى حد ممكن، والاعتماد على الإيحاء بدلا من ~~الفهم، وإعلان القطيعة مع التراث الإنساني والمسيحي، وإحساس الشاعر ~~بانتمائه إلى عصر حضاري متأخر، وشعوره بالتوحد والتميز، وتزاوج ~~التعبير الشعري مع التأمل المستمر في هذا التعبير، أي تلازم الشعر وفن ~~الشعر ... إلى آخر هذه العناصر والمقولات التي سيأتي بيانها في الصفحات ~~القادمة. # تلك هي بعض عناصر البناء الذي سيرسي بودلير دعائمه في نظريته في ~~الشعر وفي عدد من قصائده، وسيبدع رامبو ومالارميه وأتباعهما شعرهم على ~~أساسه، وأحب أن ms005 أؤكد منذ البداية أنني لم أرسم هذه الصورة حبا في ~~الغرابة أو ولعا بالشذوذ، ولست أريد أن أدعو إليها أو أحبذ تقليدها. ~~وأنا لا أنفي هذا لسبب ذاتي فحسب؛ فالواقع أنني لا أميل إلى كثير من ~~النماذج التي يقدمها هذا الكتاب، وقد أستريح بطبعي لقصيدة من شعر امرئ ~~القيس أو المعري أو الأندلسيين أو البارودي وشوقي وناجي أكثر مما ~~أستريح لقصيدة من السياب أو البياتي أو عبد الصبور أو خليل حاوي أو ~~أدونيس. وقد أجد نفسي في أبيات لسافو أو بندار أو جوته أو هولدرلين ~~أكثر مما أجدها في أبيات لرامبو أو إلوار أو كرولوف أو أنجارتي. ومع ~~ذلك فإن الذوق الفردي لا ينبغي أن يحول بيننا وبين الشعر الحديث، ~~وواجبنا في كل الأحوال أن نعرف هذا الشعر ونفهمه وندرسه ونتتبع أصوله ~~ونضعه في سياق تراثه. أما أن نتأثر به أو لا نتأثر فشيء آخر؛ ذلك لأن ~~لكل لغة طبيعتها وتاريخها وحياتها الخاصة. # والمهم أن «نعرف» هذا الشعر الغربي كما أكدت في مواضع أخرى من ~~الكتاب بمثل ما نعرف غيره من فروع العلم والفن الحديث، حتى يمكننا أن ~~نعاصر العالم الذي نعيش فيه ونعرف مكاننا منه ودورنا فيه. وطبيعي أننا ~~لن نضيف إليه شيئا حتى نفهمه قبل ذلك ونعرفه ونعاصره. # هذه كلمة لا بد منها حتى لا يصيبني رذاذ ذلك الشعار الرخيص السخيف ~~الذي يحلو لكثير من الناس ترديده في هذه الأيام عن «عقدة الخواجة» أو ~~«الغزو الفكري» وما إلى ذلك من الصيغ البليدة التي تحاول تبرير الكسل ~~والتخلف والجمود. ~~••• # سيلاحظ القارئ أن الكتاب يرتكز في مجموعه على ثلاثة شعراء جرت العادة ~~في كتب الأدب على وصفهم بأنهم أقطاب المدرسة الرمزية. وسيدهشه أن كلمة ~~«الرمزية» لن تصادفه في الكتاب كله سوى مرات معدودة لن تزيد على أصابع ~~اليد الواحدة. فقد آثر الكاتب أن ~~يتجنب هذا الاصطلاح الشائع الغامض ويستعيض عنه بتحليل النصوص نفسها ~~ودراسة الظواهر الفنية التي أدت إلى هذه التسمية. والواقع أن الكلام عن ~~المدارس والحركات الأدبية، كما يقول ms006 الناقد الكبير س. م. بورا، # 1 # شيء محفوف بالمخاطر. فأنفاس الإلهام تهب عنيفة كالرياح ~~وتستعصي على القياس، وشخصيات الشعراء أعمق وأعقد من أن تصنف في هذه ~~الفئة أو تلك، ولغتهم أغنى من أن تتخذ مثالا لقاعدة أو مذهب بعينه. ~~هذا شيء لا بد من قوله، بل الصياح به إن أمكن بصوت يصم الآذان ~~لنقادنا المولعين بترتيب الأدباء والشعراء في برامج ومدارس وأدراج، ~~وهم لا يدرون أنهم في الحقيقة إنما يضعون عليهم شواهد قبور ويحشرونهم ~~في توابيت وأكفان. # غير أن هذا لا يمنع من القول بوجود خصائص مشتركة، تميز الشعراء ~~الأوروبيين الذين كتبوا بعد سنة 1890م عن الجيل الذي سبقهم والجيل ~~اللاحق لهم، بحيث نستطيع أن نسلم بأن هناك تغييرا قد تم، وأن ~~الشعراء المحدثين يشتركون في صفات تجعلهم أشبه بأعضاء أسرة واحدة ~~تشغلهم هموم واحدة أو متقاربة، وإن كان من الضروري أن نؤكد مرة أخرى ~~أن هذه الصفات لم تأت عن قصد ولم تكن نتيجة برامج متفق عليها، وإنما ~~هي أوصاف تطلقها عليها الأجيال اللاحقة عندما تلاحظ أنهم يمثلون خصائص ~~عصر بعينه ويتحدون في نسيج بناء فني مشترك. # وإذا أردنا أن نتوخى التبسيط واستخدمنا كلمة «الرمزية» جريا على ~~الاصطلاح المعروف فلا بد من التمييز فيها بين حركتين أو موجتين ~~متتابعتين. بدأت الحركة الثانية بفريق من الشعراء بلغوا قمة نضجهم في ~~أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، ثم استنفد الآن طاقته بعد موت ~~أكبر ممثليه وأصبح جزءا من التاريخ، من هؤلاء الشعراء بول فاليري ~~ورينيه ماريا رلكه وستيفان جورجه وألكسندر بلوك ووليم بتلرييتس ~~... # والواقع أن الكتاب لم يكتب عن هؤلاء، وإن كان يذكر بعضهم ذكرا ~~عابرا ويثبت في المختارات قصائد من شعرهم، بل إنه لم يكتب في الحقيقة ~~عن شعراء بعينهم وإنما أريد به أن يكون مدخلا لفهم الشعر الحديث بوجه ~~عام وإلقاء الضوء على العوامل التي تتحكم في بنائه؛ ولذلك فقد كان من ~~الطبيعي أن يعنى بالحركة الأولى ~~التي يعد الشعراء المذكورون امتدادا لها، ألا وهي حركة الشعراء الذين ~~يسميهم ms007 تاريخ الأدب تارة بالشعراء «الرمزيين» وتارة أخرى بشعراء ~~الانحلال أو الانحطاط أو الشعراء الملعونين (كما سماهم واحد منهم وهو ~~بول فيرلين في معرض الدفاع عنهم). وكل هذه الأسماء والأوصاف كما قلت ~~غامضة تستوجب الحذر في استخدامها، ولذلك ابتعدت عنها الصفحات التالية ~~بقدر الإمكان وحاولت أن تتفرغ لفهم الشعر نفسه وتحليله، ابتداء من ~~الإرهاصات التي آذنت بتكوينه في صورته الحديثة عند الرومانتيكيين، ~~مارة ببودلير الذي كان أول من احتفل بالرموز ومهد الطريق لتقدير ~~قيمتها الكبيرة في بنائه، إلى فيرلين الذي استخدمها بفطرته الغنائية ~~البسيطة العذبة، وإن ظل أثره محدودا على أشكال الشعر الحديث ونظرياته ~~ومثله، إلى رامبو الذي سار ببعض أفكار بودلير وإدجار ألن بو إلى ~~غايتها الحاسمة وخاض بها بحار تجربة شعرية فريدة صاخبة، إلى ~~مالارميه الذي يعتبر خاتمة هذه الحركة وتاجها وذروتها، بحيث لا تذكر ~~«الرمزية» إلا ويذكر معها اسم مالارميه وجهوده في خلق «الشعر المحض» ~~وإرسائه على أسس فلسفية أو ميتافيزيقية. وهؤلاء الشعراء يكادون يتفقون ~~في نظرة واحدة إلى الحياة ونظرية موحدة في الشعر على الرغم من ~~الاختلاف بين تجاربهم ومدى تأثيرهم في بلادهم أو خارجها وارتباط ~~الأجيال اللاحقة بهذه النظريات أو خروجها عليها إلى نظريات مستقلة ~~وتجارب متميزة. # ومع أن التعميم شيء خطير فقد نستطيع أن نجمل خصائص هذه «الحركة» في ~~مجموعة من الملاحظات التمهيدية التي سيزيدها الكتاب توضيحا ~~وتفصيلا: ~~(1) # تتميز هذه الحركة «الرمزية» في القرن التاسع عشر بطابع ~~صوفي عام، يتجلى في الاحتجاج على النزعة العلمية ~~والوضعية والنزعات التجارية وتيار الواقعية الأدبية التي ~~بدأت تسيطر على روح العصر، كما تتميز بالبحث عن «الحقيقة» ~~بعد أن تزعزع الإيمان التقليدي بالدين والتراث، والانطلاق ~~من العالم «الصغير الضيق الممل» - كما وصفه «بودلير» - إلى ~~عالم مثالي مجهول أشد واقعية في رأيهم وأكثر كمالا، ~~بحيث لا نعدو الصواب إذا قلنا إنهم أقاموا نوعا من عبادة ~~الجمال المثالي أخلصوا لها وأفنوا حياتهم من أجلها ~~واقتنعوا بها بعمق وإيمان. ~~(2) # تتجلى هذه النزعة الجمالية أو على الأصح «الاستطيقية» ~~في إيمان بودلير بالجمال المثالي الذي ms008 كان يقابل باستمرار ~~بينه وبين حياته الغارقة في الخطيئة والندم، فظل شعره ~~يتمزق بين السماء والأرض، والملاك والشيطان، والقداسة ~~والذنب ، وهذا الإيمان أيضا هو الذي جعل فيرلين يتحدث ~~بلغة شعبية غنائية بسيطة عن روحه وجسده معا، ويبرر ~~البحث عن سعادة خفية محرمة. أما مالارميه فقد كان هذا ~~الجمال المثالي المطلق هو كل شيء عنده، وكان التقرب إليه ~~بتنقية اللغة من شوائب المادة والظاهر، وصياغة عبارات ~~مظلمة ملغزة، نافذة موحية مع ذلك وساحرة الإيقاع؛ هو شغله ~~الشاغل وقربانه الذي لا يكف عن تقديمه كالكاهن الزاهد ~~المتبتل إلى إلهه المعبود ... # 2 ~~(3) # أثبتت هذه الحركة أن هناك أوجه تشابه عديدة بين التجربة ~~الاستطيقية والتجربة الدينية والصوفية. فقد حاول مالارميه ~~أن يصور الجمال المثالي في أشعاره بنفس الحماس الذي حاول ~~به دانتي أن يصور عالمه غير المرئي في صورة مرئية. ~~ولذلك فقد كان على دانتي أن يلجأ إلى الرموز المستمدة من ~~عالمه المسيحي، وكان على مالارميه أن يلجأ إلى الرموز ~~والاستعارات لينقل بها تجربته المتعالية فوق الطبيعة في ~~لغة الطبيعة والأشياء المنظورة. ولذلك أيضا لم تكن دلالة ~~الرمز مقصودة لذاتها أو لغرضها المألوف بل بقدر ما توحي ~~بحقيقة تقع وراء عالم الحواس والمحسوسات. والواقع أن هذا ~~كله ليس جديدا على لغة الشعر فقد سبقه إليه وليم بليك ~~مثلا، ولا هو جديد على اللغة بوجه عام، فتلك طريقة ~~معروفة في كل أدب صوفي. ولكن الجديد فيها هو دلالة الرموز ~~على تجربة جمالية لا تجربة دينية، وإن كان صاحبها يتحدث ~~عن رؤاه بنفس الحماس واللهب الذي يتحدث به المتصوف عن رؤاه ~~الإلهية. وإذا كان الدين أو التصوف يطلب من المؤمن والمريد ~~أن يخلص لصلواته وخلواته وتأملاته، فالشعر أيضا يطلب نفس ~~الإخلاص في الصنعة والتركيز والبعد عن شواغل الزمان ~~والمكان والوجود والعدم والفرح والحزن. ومع ذلك فلا يصح أن ~~ننسى أنه على الرغم من هذا التشابه بين التجربتين إلا أن ~~هناك اختلافات أساسية بين الرموز الدينية المستمدة ~~بأكملها من العقيدة التي يفهمها الجميع ويشاركون فيها، ~~وبين رموز ms009 التجربة الفنية المتميزة بذاتيتها وتفردها بحيث ~~يصعب على الكثيرين أن يفهموها ما لم يفهموا عالم كل شاعر ~~على حدة ويدرسوه بتعمق وصبر. # وستحاول الصفحات القادمة أن تلقي شيئا من الضوء على ~~غوامض هذه الرموز وتمهد الطريق للمشاركة في تجاربها، دون ~~أن تعد القارئ مع ذلك بأكثر من المحاولة التي قد توفق وقد ~~تخيب! ~~(4) # أهم ما يميز هؤلاء الشعراء هو إخلاصهم لذلك المثل ~~الأعلى. ولقد حماهم هذا من الوقوع في الخطابية المباشرة أو ~~تملق الجماهير أو الدعوات الأخلاقية البالية أو الانشغال ~~بشيء ما خلا الجميل والجمال (الذي اتسع مدلوله عندهم فصار ~~يسع القبح والقبيح كما سنرى). صحيح أن عالمهم ضيق ~~وموضوعاتهم قليلة، ولكنه مع هذا عالم غني، إذ إن الرؤية ~~التي تتجاوز الظاهر والمحسوس لا تعرف الحدود، وهو كذلك ~~عالم مثير وغريب، إذ يتطلب الإخلاص في البحث عن لغة جديدة ~~تناسب الرؤى التي لا تدركها لغة التفاهم البالية. ~~(5) # اهتم هؤلاء الشعراء بالعنصر الموسيقي في الشعر، وجعلوا ~~واجبهم الأساسي - كما يقول فاليري - أن يستردوا من ~~الموسيقى ما أضاعه منها الشعراء. # أرادوا أن يؤدوا بالكلمات ما كانت تؤديه موسيقى فاجنر ~~بالأصوات. فلقد كانت موسيقى فاجنر أشبه بالكشف العظيم الذي ~~فتن العصر كله، حتى وصفها مالارميه بأنها «قمة المطلق ~~المخيفة»، كما امتدحها فيرلين في أكثر من قصيدة. لذلك كان ~~احتفالهم بالموسيقى من أهم ما حققه الشعر الفرنسي الحديث ~~وأثر به على الشعر في إنجلترا وألمانيا أكبر الأثر، ولذلك ~~أيضا نستطيع أن نفهم ما يريده مالارميه من الشعر عندما ~~يقول إنه لا يفيد بل يوحي، ولا يسمي الأشياء بل يخلق ~~جوها ويبعث أثرها. قد لا يكون هذا القول جديدا. ولكن ~~الجديد هو مثابرته (أي مالارميه) على تحقيقه بحيث أصبح ~~الشعر عنده نوعا من الموسيقى ورجوعا به إلى الغناء، أي ~~إلى صميم الشعر نفسه. وإذا كانت قصائده لا تزال تحير ~~الشراح والمفسرين، فذلك لأنها تريد التعبير عن تجربة ~~استطيقية مطلقة وراء الفكر أو خارجه، أي وراء الكلمات ~~الدالة، ومن هنا فهي تجاور الصمت، أي تجاور السر. ms010 إنها ~~تحاول الاقتراب من الكلمات الصامتة، «والموسيقى التي لا ~~تسمعها أذن»، أي من مثل أعلى للشعر الخالص المطلق، بحيث ~~يكون كل شعر كتب قبله - إذا جاز لنا أن نستخدم لغة أرسطو - ~~كالهيولى بالنسبة للصورة أو كالمادة بالنسبة للشكل. كان ~~الهدف الذي يرجوه مالارميه هو تنقية الشعر حتى يخلق تجربة ~~خالصة شبيهة بتجربة الجذب عند المتصوفين، ويبعث فرحة ~~مطلقة تتجاوز كل الحدود التي فرضتها الطبيعة على الكلمات، ~~بحيث تبدو وكأنها تنتمي لعالم مثالي بالغ الشفافية ~~والغنائية والصفاء. فهل نجح مالارميه في الوصول إلى هذا ~~الهدف البعيد؟ ألم يؤد به إلى عزلة عن حياة الناس أشبه ~~بعزلة الكهان والنساك؟ ألم تنته به إلى احتقار الجمهور ~~«والقبيلة» والاقتصار على نخبة أرستقراطية مثقفة من ~~القراء؟ ألم تفض كثرة التفكير في الفن ونظرياته إلى عجز ~~الفنان عن تحقيقها أو عقمه ويأسه؟ - كل هذه أسئلة سيحاول ~~الكتاب أن يجيب عليها. # قلت إن منهج هذا الكتاب يقوم على دراسة النص وتحليله واستقراء ~~الظواهر الفنية والفكرية منه. وليس معنى هذا أنه يدرس كل نص على حدة أو ~~يقتطعه من مجموع السياق العام، بل معناه أنه يدرسه كجزء من كل، ويضعه ~~في إطار البناء الفني الشامل الذي يبحث طابعه العام وظواهره المتصلة في ~~غيره من النصوص عند صاحبها وعند غيره من الشعراء، ودلالتها على روح ~~العصر ونظام الفكر. ومعنى هذا مرة أخرى أن الكتاب يتعمد البعد عن ~~منهج آخر لا يزال يتبع للأسف بكثرة؛ وأعني به المنهج «الرومانتيكي» ~~الذي يرى في الشعر امتدادا لحياة الشعراء أو انعكاسا لتجاربهم ~~المعذبة التي يلاقونها في حياتهم. # 3 # وإذا كان من واجب دارس الشعر أن يقوم بوظيفة سقراط في «توليد» النص ~~وبعثه من جديد في عقل القارئ وقلبه، فهناك واجب آخر لا يقل عنه ~~أهمية، وهو أن يخفي نفسه حين يفعل هذا بقدر الإمكان. إن دراسة النصوص ~~في هذا الكتاب تعنى بالوقوف عند الجزئيات المتعلقة ببناء العبارة ~~واختيار الكلمة وظواهر الإيقاع والنغم والصوت ودلالتها جميعا على ~~الخلفية العقلية والفلسفية للشاعر والعصر. وقد يسخط ms011 هذا بعض ~~المتذوقين الذين يكرهون تفتيت القصيدة وتشريحها - وهي الكائن الحي - ~~بمبضع الناقد القاسي. وقد يغضبهم أنه يحاول أن يقرأ النص قراءة قد لا ~~يوافقونه عليها إيمانا منهم بأن لكل قصيدة من التفسيرات بقدر ما لها ~~من القراء، وأن التحليل يفسد الإحساس العام الذي يخرج به. ولست في ~~الحقيقة ضد هذه الآراء، فمن الواجب أن يبدأ الدارس بالمعنى الكلي ~~والانطباع العام الذي يوحي به النص في مجموعه، ومن الواجب أيضا أن ~~ينتهي إليه. ولكن هذا لا يمنع أن التحليل الدقيق ضروري في المرحلة ~~المتوسطة، وبخاصة في نصوص بلغت من إحكام البناء وتعقيد العبارة وغموض ~~الإشارات والرموز والخروج عن القواعد اللغوية والنحوية المألوفة ما ~~تبلغه على سبيل المثال بعض قصائد مالارميه. # ليس الدارس أو الشارح سوى الدليل الذي يساعد صاعد الجبل ويمده ~~بالحبال التي تعينه على اجتياز الصخور الوعرة، أما الطريق نفسه ~~والاستمتاع بالرحلة كلها فشيء لا بد أن يعتمد فيه صاعد الجبل - أي ~~القارئ - على ذاته. وغني عن الذكر أن التحليل والتفسير يضران أشد الضرر ~~إذا لم نخرج منهما بحكم أو تذوق عام للعمل الفني ثم لصاحبه وعصره. ~~وهذا كلام يصدق على القصيدة كما يصدق على اللوحة والتمثال والسيمفونية. ~~وإذا كان التحليل شيئا هاما وضروريا، فإن المبالغة فيه قد تصبح ~~أمرا لا يحتمل. والسبب في هذا بسيط. فما زلت أومن بأن في كل عمل ~~فني عظيم شيئا يستعصي في نهاية الأمر على التفسير. ومن الخطأ أن ~~ندعي العلمية في هذا المجال فنزعم أن ما يستعصي على التحليل لا أهمية ~~أو لا وجود له. إن الخسارة في هذه الحالة لا تعوض، هذا شيء تدركه ~~العقول والنفوس الحساسة. والمهم بعد كل شيء أن لا يفرض التفسير ~~«الجاهز» من خارج النص، ولا يبالغ الدارس في عمله حتى لا يصبح التفسير ~~مرضا أو جنونا يتسلط عليه، بحيث لا يترك شيئا إلا فسره، ولو كان ~~واضحا كالشمس! إن كل ما يطمع فيه المفسر أو الناقد هو أن يعينك على ~~تجربة القصيدة في مجموعها وفي أجزائها. ms012 فهو يعمد إلى التحليل ولكنه لا ~~ينسى التركيب، أي لا ينسى المبدأ أو البناء العام الذي تقوم عليه. وهو ~~لا يفرض تجربته عليك، بل يضع يدك على ما توصل إليه من أسرارها وخصائصها ~~ثم يترك لك أن تجرب وتتذوق بنفسك. وماذا يكون التذوق وأي جدوى من ~~التجربة إن لم نعرف قبل ذلك شيئا عن الاستعارات والرموز التي استخدمها ~~الشاعر، والوزن الذي اختاره، والكلمات التي فضلها على غيرها، والتجديد ~~الذي ذهب إليه في بنية العبارة أو معنى الكلمة أو الرؤية الكونية ~~والإنسانية التي تستتر وراء عمله ... إلى آخر ما يكشف عنه اجتهاد ~~الدارسين؟ ~~••• # بقيت كلمة أخرى عن النماذج المختارة وأسلوب الترجمة. أما عن ~~الاختيار فقد التزمت كما قلت من قبل بفترة زمنية محددة لا تخرج عن ~~القرن العشرين، كما تقيدت بمجال معين لا يتجاوز الآداب الفرنسية ~~والإسبانية والإيطالية والألمانية. وأنا أعلم أن هذا التحديد يظلم ~~الشعر الحديث في كتاب يحمل مثل عنوانه الطموح، وأعلم أن القارئ سيفتقد ~~أسماء كبيرة لمعت في سمائه بل سيفتقد بلادا بأكملها في الغرب والشرق ~~وبين الشعوب الناهضة لم تذكر بكلمة واحدة. # والواقع أنه لا بد لأي كاتب أن يحدد نفسه حتى لا يضل في التيه. ~~والكتاب الذي بين يديك لا يريد إلا أن يكون مدخلا لقراءة الشعر الحديث ~~وتتبع أصوله بقدر الطاقة وفي فترة زمنية محددة تمتد من منتصف القرن ~~التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. إنه يهتم قبل كل شيء ببنائه ولا ~~يفكر في تقديم لوحة شاملة - أو بانوراما - تضم كل أعلامه. # إن مثل هذه المحاولة تخرج بطبيعة الحال عن هدف الكتاب. ثم إنها تفوق ~~قدرة إنسان واحد وحياته، ولا بد أن تتضافر فيها جهود عشرات ~~وعشرات. # توخيت في النماذج المختارة كما ~~قلت ألا تخرج عن القرن العشرين؛ ولذلك اكتفيت من الشعراء الثلاثة ~~الكبار - بودلير ورامبو ومالارميه - بالنصوص الواردة في متن الدراسة ~~وأحسب أنها تقدم صورة وافية لهم. ثم أضفت إليها في المختارات بعض ~~قصائد من فيرلين حتى تتم صورة هؤلاء الأربعة الكبار، وقد كان ms013 المقصود ~~بالمختارات أن تكون «تطبيقا» للمبادئ النظرية التي يعالجها الجزء ~~الخاص بالدراسة، وأن تكشف عن البناء الجديد الذي يحاول أن يلقي الضوء ~~عليه. ولذلك فقد كان من الواجب أن تتم في حدود أضيق بكثير مما هي ~~عليه، وأن تستبعد شعراء كبارا لم يكن لهم تأثير حاسم على الشعر ~~الحديث ولا مشاركة مباشرة في بنائه. ولكنني اقتنعت بعد القراءة ~~والتفكير أن الأمور في الأدب عموما لا يمكن أن تؤخذ بهذا التحديد ~~الرياضي الدقيق، وأن عددا من الشعراء الكبار قد أسهموا بغير شك في ~~تكوين صورة الشعر الحديث إن لم يكن بقصائدهم نفسها فبآرائهم ومواقفهم ~~في الفن والحياة. ولذلك يجد القارئ، مثلا نماذج مختلفة من شعر ~~أونامونو وماتشادو في إسبانيا، وبول فيرلين وجول سوبرفيي في فرنسا، ~~وشتيفان جورجه ورلكه وهسه وكاروسا وبنسولت وكستنر في ألمانيا ممن لا ~~يمثلون الطابع الجديد للشعر الحديث بالمعنى الدقيق. ولقد فكرت أن أضم ~~إليهم مختارات من شعراء «الموجة الثانية» التي سبق الحديث عنها من ~~أمثال ألكسندر بلوك ووليم بتلر ييتس أو من الدائرين بشكل أو آخر في نفس ~~فلكهم مثل كونستانتين كافافيس اليوناني أو آندره آدي المجري أو غيرهما ~~من مشاهير الشعراء في العالم السلافي والأنجلوسكسوني والشرقي ~~والإفريقي. وفكرت كذلك أن أضم إلى المختارات نماذج من شعراء التعبيرية ~~وفي مقدمتهم جورج تراكل وجورج هايم ثم طرحت الفكرة جانبا، لا لأن ~~معظم هؤلاء الشعراء ليس لهم دور حاسم في بناء الشعر الحديث كما يفهمه ~~هذا الكتاب، بل كذلك لاقتناعي بأن الكثيرين منهم يحتاجون إلى دراسات ~~مستقلة أرجو - إن بقي في العين نور وفي العمر بقية - أن ~~أفرغ لها أو يلتفت إليها غيري في ~~المستقبل، وإن الاهتمام العام بحركة الشعر الحديث في وطننا العربي أو ~~خارج حدوده، والدراسات والترجمات التي تتوالى على نحو جدير بالحمد ~~والثناء، لتجعلنا نطمع ألا يطول بنا الانتظار. # 4 # ولقد فكرت أيضا أن أضم إلى المختارات عددا من قصائد الشعراء في ~~العالم الأنجلوسكسوني ممن لهم تأثير لا شك فيه على الشعر الحديث، مثل ~~ييتس وياوند ms014 وأودن واديث سيتويل وديلان توماس وغيرهم. لكنني استبعدت ~~الفكرة كذلك راجيا أن يقوم بها من هم أقدر مني وأوثق صلة بالشعر ~~الإنجليزي والأمريكي . على أنني قد خرجت عن هذه القاعدة في استثناء ~~واحد أود أن أستأذن القارئ بشأنه فقد أوردت بعض النصوص من ت. س. ~~إليوت، لا لشهرته ولا لحبي القديم له فحسب، بل لأنني تحدثت عنه في ~~الكتاب بشيء قليل من التفصيل، وأصبح من الضروري أن أورد نماذج تطبيقا ~~لما قلته. وقد أعدت نشر قصيدة «الرجال الجوف» التي كنت قد ترجمتها ~~ونشرتها سنة 1952م في مجلة الثقافة القاهرية، كما اهتديت في سائر ~~القصائد بالترجمة القيمة التي قام بها الأستاذ ماهر شفيق فريد وأرجو أن ~~تجد سبيلها إلى النور في وقت قريب. # وأما عن الأسس التي أقمت عليها اختياري للقصائد فأرجو ألا ينزعج ~~القارئ إذا قلت إنها لم تقم على أساس معين! صحيح أنني راعيت فيها - ~~باستثناء الشعراء الكبار الذين ذكرتهم والذين ينتمون إلى الكلاسيكية ~~الجديدة أو الرومانتيكية المتأخرة كما قلت - أن تكون ممثلة لبناء الشعر ~~الحديث كما يبينه الكتاب. ولكن لا بد من الاعتراف بأن كل اختيار يقوم ~~على الذوق الخاص قبل أي اعتبار آخر، لأن كل اختيار ~~إنما هو في الواقع اختيار للنفس. ~~والحقيقة أنني لا أملك تفسيرا آخر للإكثار من نصوص بعض الشعراء دون ~~بعضهم الآخر. صحيح أن مجموعات الشعر التي بين يدي لم تسعفني في بعض ~~الحالات. ولكن لا بد من الاعتراف بأن ذوقي الشخصي هو الذي تحكم إلى ~~حد كبير في اختيار النصوص كما تحكم أيضا في عددها. ولهذا فإني أرجو ~~ألا يفاجأ القارئ إذا لاحظ السخاء الزائد مع بعض الشعراء دون بعضهم ~~الآخر (مثل أنجارتي الإيطالي، وإلوار الفرنسي، ولوركا وألبرتي ~~واليخاندر الإسبان، وبن وكرولوف الألمانيين). وهناك حالة واحدة لا ~~بد من ذكرها وهي حالة الشاعر الإيطالي «أويجنيو مونتاله» الذي لم أستطع ~~أن أورد له نصا واحدا على الرغم من اقتناعي بأهميته في الشعر ~~الحديث. ولا يرجع السبب في هذا إلى قلة النصوص التي وجدتها ms015 عنه وعن ~~الشعر الإيطالي الحديث بوجه عام فحسب، بل لأنني لم أستطع أن أتذوق ~~شعره على الإطلاق! وقد كان حظي مع الشعر الإيطالي سيئا في مجموعه، ~~وإني لأرجو أن أعرض هذا في مستقبل الأيام. # أما عن أسلوب الترجمة فقد كنت أطالع مع كل نص أترجمه شبح الحكمة ~~الإيطالية المعروفة: «أيها المترجم، أيها الخائن»! وإذا كانت الترجمة ~~تنطوي حقا على الخيانة فلا بد أن تكون ترجمة الشعر هي الخيانة ~~العظمى. ولقد طالما سألت نفسي وأنا أعمل في هذه النصوص إلى متى أضيف ~~إلى ذنوبي الكثيرة ذنب الترجمة؟ كنت كذلك أسألها كيف نترجم القصيدة - ~~وهي كيان فني مكتف بذاته، ونظام لغوي مرتبط بلغته - بغير أن ~~ننزع منها روحها ونفقدها أهم ما يميزها من نبر وإيقاع وإحساس؟ ثم ~~أجدني أرد عليها بقولي: وكيف نعزل أنفسنا عن التجارب الشعرية عند ~~الأمم المختلفة؟ وكيف نرجو لشعرنا العربي أن ينمو ويتجدد ويستجيب ~~لعقولنا وأذواقنا وهمومنا إذا ظل بعيدا عن التطور الهائل في الشعر ~~العالمي الحديث؟ وكيف نرضى أن تظل أسماء أعلامه بعيدة عن قرائنا؟ أليس ~~من الواجب «توصيل» هذه التجارب إليهم بأي وسيلة مهما كان من عجز هذه ~~الوسيلة؟ # غير أن هذه الأسباب لا ينبغي أن تخدعنا عن حقيقة لا مناص من التسليم ~~بها، وهي أن ترجمة الشعر مشكلة من أعقد المشكلات، بل ينبغي أن تكون ~~لدينا الشجاعة للاعتراف بأن الشعر لا يكاد يترجم، وأن هذه الصعوبة تصير ~~استحالة كلما جربنا ترجمة الشعراء الذين اصطلح على تسميتهم خطأ أو ~~صوابا بالرمزيين، وتبلغ هذه الاستحالة أقصاها في شعر مالارميه على وجه ~~التخصيص. # وأحب أن أؤكد للقارئ أنني كنت على وعي بهذا كله، ولم أترك فرصة ~~تفوتني بغير أن أشير عليه بالرجوع إلى الأصل كلما أمكن ذلك. ومع أنني ~~التزمت دائما بالأمانة التامة في نقل النصوص، ولم أضف إليها شيئا من ~~عندي إلا وضعته بين أقواس وأشرت إلى الضرورة التي ألجأتني إليه، فإنني ~~أرجو القارئ أن ينظر إلى هذه الترجمات كلها كتجارب ومحاولات للاقتراب ~~من روح الأصل (لا ms016 من جسده بالطبع فكل ترجمة هي حكم عليه بالإعدام)، ولا ~~يمكن في نهاية الأمر أن تغني عن الأصل بحال من الأحوال. # إن الترجمة ضرورة نلجأ إليها اضطرارا، مجرد جسر نعبر عليه إلى ~~الشاطئ الآخر، وسرعان ما ننسى الجسر ومن مده بعد أن نضع أقدامنا على ~~بر الأمان! وإذا كنا نتفق على أن الخلق الأدبي عذاب ومعاناة، فالترجمة ~~عذاب ومعاناة مضاعفة. إنها - على حد تعبير شوبنهور - نوع من تناسخ ~~الأرواح فلا بد أن تتقمص روح المؤلف وفكره وإحساسه، ثم تنقلها في صبر ~~وتعاطف وحب إلى جسد لغة أخرى. ولا بد أن تكون لديك القدرة على الفناء ~~في النص الأصلي والقدرة على إفناء نفسك أمامه أي على القيام بفعل صوفي ~~حقيقي فيه الخشوع والوجد ونكران الذات. وكلما تخليت عن نفسك وأنكرتها ~~وجدتها وكسبتها كما يحدث في كل اتحاد صوفي، وكلما قضيت الأيام ~~والأسابيع في البحث عن حقيقة نفسك ووجدتها في النهاية - كما يقول لوثر، ~~وهو واحد من أعظم المترجمين في كل العصور - كانت الثمرة أحلى وأجل. فهل ~~هناك أندر من المترجمين الصادقين في كل جيل؟ وهل هناك ضرورة أكثر ~~إلحاحا من أن يتجه الأدباء وحدهم إلى ترجمة الأدباء، وأن يرفع التجار ~~والمرتزقون أيديهم عنها؟! # هذا وقد رجعت إلى كل المجموعات الشعرية التي استطعت التوصل إليها، ~~ولم أدخر وسعا في الالتزام بالأصل حتى في الحالات التي كنت أجهل ~~فيها لغته، وذلك مثلا في النصوص الإسبانية التي كنت مع ذلك أستعين ~~بمعلوماتي المتواضعة في اللغتين اللاتينية والإيطالية لأضاهيها ~~بترجمتها في الإنجليزية أو الألمانية. أما النصوص الفرنسية فقد كنت ~~أرجع فيها إلى الأصل بطبيعة الحال، وكان من حسن حظي أن وجدت الترجمة ~~الألمانية الدقيقة لمعظم هذه الأصول. وأما الترجمات العربية السابقة ~~لبعض النصوص فقد كنت أهتدي بها شاكرا جهود أصحابها ومشيرا إلى ~~التعديلات التي رأيت إدخالها عليها. وسوف يجد القارئ بعض هذه المجموعات ~~مثبتة في قائمة المصادر، وله أن يعود إليها إذا شاء. # وأخيرا فليغفر لي قارئ الكتاب عنوانه الطموح، وليكن شهادة وفاء ~~للكنز المفقود، ms017 وتحية حب لقرائنا وشعرائنا الجدد، ورسالة أمل مفتوحة ~~إلى كل أحباب الشعر والمؤمنين برسالته الخالدة في تنقية العالم، وتوحيد ~~حطامه المبعثر، وإعادته إلى الكمال ~~والخير والعدل والجمال، ودعوته الأزلية - بصوت الغناء - إلى تحرير ~~الإنسان من ذنوبه التي اقترفها على مدار التاريخ في حق الطبيعة ~~والحياة، وتذكيره على الدوام بعالم المثال وبأصله الإلهي النبيل. # 5 ~~(القاهرة) يوليو 1970م # عبد الغفار مكاوي # الفصل الأول # | مدخل إلى الشعر الحديث # (1) بين الثورة والحداثة # ثورة الشعر الحديث هو العنوان الذي وضعته لهذا الكتاب. ولا شك أن ~~كلمة «الحداثة» تحتاج إلى تحديد. أما الثورة فهي في بنائه وظواهره ~~العامة التي أرجو أن يوضحها الكتاب بشيء من التفصيل. # ومهما يكن اختلافنا في تحديد معنى الحداثة فلا شك أننا سنتفق على ~~أن هذا الكائن اللغوي الحي الذي نسميه بالقصيدة يدين لصاحبه ~~بالوجود كما يدين للعصر الذي عاش فيه، وللجو الفكري والحضاري الذي ~~تنفس هواءه. # فنحن عندما نتذوق القصيدة نرجع تجربتنا الجمالية إلى عبقرية ~~الشاعر الفردية وإلى شيء آخر قد نسميه روح العصر، أو تجربته وجوه ~~العام، شيء تأثر به هذا الشاعر كما تأثر به غيره من الشعراء ~~المعاصرين له سواء أكان هذا التأثير سلبا أم إيجابا وسواء كان ~~يسير في اتجاه العصر أو في عكس اتجاهه. # إن العصر الحديث بالمعنى الواسع لهذه الكلمة قد بدأ مع بداية ~~الثورة الصناعية باكتشاف القوى البخارية والمائية، ومضى الإنسان ~~الحديث في حربه المستمرة للانتصار على الطبيعة واستغلالها لمصلحته ~~وتجريدها من كل أسرارها وألغازها، حتى وصل به إلى قمة القلق على ~~حياته ومصيره مع اكتشاف الطاقة الذرية. # ولقد تغيرت نظرة الإنسان إلى الطبيعة والله كما تغيرت نظرته إلى ~~نفسه وإلى المجتمع البشري في خلال القرنين الأخيرين تغيرات كبيرة ~~صاحبت ثوراته الصناعية والاجتماعية والدينية والعقلية أو تأثرت بها ~~ونتجت عنها، وانعكست بالضرورة على وجدانه الفني وظهرت في تعبيره ~~الشعري فيما يمكن أن نسميه بثورة الشعر الحديث أو ثوراته ~~المتعددة. # فحين كان الناس من حوله مشغولين بالواقع الخارجي وبالسيطرة على ~~الطبيعة، وبناء المصانع والمدن الحديثة ms018 واستغلال الأرض وإنتاج ~~المزيد من البضائع، كان الشاعر يقف من ذلك موقف المؤيد حينا أو ~~المعارض في معظم الأحيان، فيمجد التغيير السياسي والاجتماعي مرة ~~أو ينصرف إلى تأمل ذاته واستكشاف عالمها الباطن المستتر في ~~اللاشعور أو الرمز أو الأسطورة مرات. وكل من ينظر إلى تطور الفكر ~~والحضارة في المائة والخمسين سنة الأخيرة لا بد أن يلاحظ مدى ~~التغيير وعمق الاكتشافات التي تمت في هذين المجالين في وقت ~~واحد. # في مجال المجتمع والطبيعة، وفي مجال النفس والواقع ~~الداخلي. # وطبيعي أن هذا التطور في اكتشاف العالم الباطن قد سار في تيارات ~~معقدة، وأنه كان يختلف في أوروبا وأمريكا من حيث العصر والمزاج ~~والحركة الأدبية التي يرتبط بها هذا الشاعر أو ذاك، ولكن هذا ~~التطور أو هذه الثورة كانت تسير في حلقات متتابعة ينبع أحدها من ~~الآخر، فالرومانتيكية كانت كامنة في الكلاسيكية التي أرادت أن تبعث ~~القديم وتطوره، والرمزية هي ذروة النضوج التي وصلت إليها ~~الرومانتيكية المزدهرة في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، والواقعية كانت ~~رد فعل للرمزية على اختلاف أشكالها واتجاهاتها. # والشاعر، الذي خلع عن نفسه صفة الناظم إلى الأبد! يحاول في أثناء ~~هذا كله أن يكتشف مجاهل نفسه وعالمه الباطن كما يكتشف لغته ويعيد ~~بناءها لتكون قادرة على الإيحاء بعالمه الجديد، صحيح أن هذه ~~التيارات والمدارس تختلف فيما بينها باختلاف البلاد والطبائع ~~الفردية، كما أن لكل منها خصائصه المعقدة المتمايزة، وشعراءه ~~المختلفين عن بعضهم البعض أشد الاختلاف، إلا أننا نستطيع أن نقول ~~بوجه عام إن حركة اكتشاف الواقع الخارجي التي كادت تصل إلى ~~نهايتها - على الأقل من ناحية السطح والظاهر - لم تستطع في مجال ~~الواقع الداخلي أن تنتهي من اكتشاف عالم اللاشعور أو «أفريقيا ~~الباطنة» كما يسميه الكاتب الألماني «جان باول». # 1 # ولعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن كل محاولات الاكتشاف الجريئة ~~التي يقوم بها الشعراء منذ قرن ونصف قرن لم تزد «أفريقياهم» هذه ~~إلا سوادا وكثافة في الوقت الذي فرغ فيه زملاؤهم الجغرافيون من ~~اكتشاف أفريقيا من زمن طويل، حتى لم ms019 يعد أحد يجرؤ اليوم على ~~تسميتها بالقارة السوداء. ~~(2) نشاز وشذوذ # الصورة التي يقدمها لنا الشعر الحديث صورة جذابة بقدر ما هي ~~محيرة؛ إنها تزخر بالألغاز والرموز والمفارقات ، ولكنها تحفل كذلك ~~بشخصيات لا يمكن تجاهلها، ونماذج لا يمكن الشك في روعتها وأصالتها، ~~وإنتاج مثير خصب يدل على أن الشعر الحديث والمعاصر لا يقل شأنا ~~عن الفلسفة أو الرواية أو المسرح أو الفنون التشكيلية في قدرته على ~~التعبير عن روح عصرنا ومشكلاته وأزماته. ولو تأملنا مثلا إنتاج ~~الشعراء الألمان ابتداء من رلكه في مرحلته المتأخرة إلى شاعر ~~التعبيرية تراكل، أو الشعراء الفرنسيين من أبوللينير إلى سان-جون ~~بيرس ورينيه شار، أو الإسبان من جارثيا لوركا إلى جيان، أو ~~الإيطاليين من بالاتسيسكي إلى أنجارتي، أو الإنجليز من ييتس إلى ~~إليوت، لاقتنعنا بأهميته وخطورته، وسحره وغموضه، وتعقيده وطرافته ~~في آن واحد. إن القارئ يدخل معهم في تجربة تضع يده - ربما عن غير ~~قصد منه - على روح هذا الشعر وطابعه المميز؛ فهو يؤخذ بغموضه بقدر ~~ما يحار في فهمه، وهو ينجذب نحوه بقدر ما يصدم فيه، والسحر الذي ~~ينبعث من كلماته الحافلة بالأسرار يأسره ويفرض نفسه عليه، ولكنه ~~يضله في متاهاته ويقطع عليه كل طريق للفهم أو المشاركة أو التذوق ~~بمعناه القديم. وليأذن لنا القارئ منذ البداية أن نسمي هذا المزيج ~~من الغموض والسحر تسمية نستعيرها من لغة الموسيقى فنصفه «بالنشاز» ~~فإن سأل: وما معنى النشاز في هذا المقام! قلنا: لعله نوع من التوتر ~~يميل إلى القلق والاضطراب أكثر مما يميل إلى الراحة والتجانس ~~والاطمئنان، ولعله كذلك أن يكون طابع الفنون الحديثة وهدفها بوجه ~~عام. ومن أوضح ما يدل عليه هذه العبارة التي يقولها الموسيقى ~~الأشهر إيجور سترافتسكي في كتابه عن «فن الموسيقي (1948م)»: «ما من ~~شيء يلزمنا بالتفتيش عن المتعة في الهدوء وحده، فالأمثلة تتراكم ~~منذ أكثر من قرن من الزمان لتقديم أسلوب استقل فيه النشاز بنفسه ~~تمام الاستقلال وأصبح شيئا في ذاته، وهكذا اتفق أنه لا يمهد لشيء ~~ولا يعلن عن شيء؛ فليس النشاز ms020 دليلا على الاضطراب ولا التناغم ~~ضمانا للنظام واليقين.» # هل تصدق عبارة سترافتسكي كذلك على الشعر الحديث؟ هذا ما سوف ~~تحاول الصفحات القادمة الإجابة عليه. فغموض الشعر الحديث غموض ~~متعمد مع سبق الإصرار. ولقد قال إمام هذا الشاعر ورائده بودلير: ~~«إن في تعذر الفهم نوعا من المجد.» وشاعر آخر من أبرز ممثلي هذا ~~الشعر مثل «جوتفريد بن» يقول: «إن الشعر هو الارتفاع بالأمور ~~الحاسمة إلى لغة المستحيل على الفهم، والفناء الكلي في أشياء تستحق ~~ألا يقتنع بها أحد.» ويخاطب سان-جون بيرس الشاعر فيقول بلغته ~~الصوفية الفياضة بالوجد والحماس: «يا صاحب اللغة المزدوجة بين ~~أشياء متطرفة في الازدواج، يا من تمثل الصراع بين كل ما يعيش في ~~الصراع، وتتكلم بعديد المعاني كإنسان ضل في الكفاح بين الأجنحة ~~والأشواك!» ويعود الشاعر الإيطالي مونتاله فيقول: «لو كانت مشكلة ~~الشعر هي أن يكون صاحبه مفهوما لما كتب أحد بيتا واحدا من ~~الشعر!» # لا مناص إذن من أن يعود القارئ عينيه على الظلام الذي يحيط بهذا ~~الشعر. لا مفر من أن يدرك منذ البداية أنه شعر يبتعد بقدر ما ~~يستطيع عن نقل المعنى الواضح والتعبير عن المضمون الذي لا خلاف ~~حوله. إن القصيدة الجديدة تريد أن تكون شيئا مكتفيا بذاته، ~~كيانا يشع دلالات عديدة، نسيجا من عناصر متوترة، ميدانا ~~تتصارع فيه قوى مطلقة تؤثر بالإيحاء على طبقات من النفس لا صلة ~~لها بالعقل - سابقة عليه أو متجاوزة له - وتمد أثرها على مناطق ~~الأسرار المحيطة بالأفكار والكلمات فتشيع فيها الرعشة ~~والرفيف. # ولا يقتصر هذا التوتر أو هذا النشاز في القصيدة الحديثة على هذا. ~~إنه يتجلى كذلك من ناحية أخرى. فالقصيدة تجمع في الغالب بين ~~عالمين متعارضين، وتبدو كالوجه الواحد الذي يضم ملامح ~~متباينة، فهناك ملامح تنحدر من أصول صوفية أو طقوسية أو مرتبطة ~~بعبادات الأسرار، تقابلها في الجانب الآخر ملامح النزعة العقلانية ~~الحادة، والعبارة البالغة البساطة ذات المضمون المركب المعقد ~~البالغ التعقيد، والدقة والتحديد مع العبثية والاستحالة، والبواعث ~~والأغراض التافهة الضئيلة الشأن في أسلوب فوار بالحركة والعنف. ms021 ~~وقد تكون هذه جميعا أنواعا من التوتر الشكلي، لا يقصد بها إلى ~~أبعد من الشكل، ولكنها تترك أثرها على المعنى والمضمون وتظهر فيهما ~~بصورة أو بأخرى . # والقصيدة الحديثة حين تلمس الواقع أو جوانب منه في البشر أو في ~~الأشياء، لا تتناوله تناولا وصفيا ولا تقف منه موقفها من شيء ~~مألوف في الرؤية أو الشعور، بل تنقله إلى صعيد المذهل غير المألوف، ~~كما تشوهه وتغر به، إذا صحت هذه الكلمة التي شاعت في السنوات ~~الأخيرة، ولذلك يستحيل أن تقاس بما نصفه عادة بأنه الواقع، بل هي ~~لا تريد ذلك مهما وجدنا فيها من أجزاء الواقع أو بقاياه، لأنها لا ~~تلجأ إليها إلا كوسيلة للانطلاق إلى آفاقها الحرة. إن الواقع في ~~هذه القصيدة قد تخلص من نظامه المكاني والزمني والموضوعي ~~والنفسي، كما تحرر من تلك التفرقة التي لا نستغني عنها في توجيه ~~نظرتنا العادية إلى الأمور، وأعني بها التفرقة بين الجميل والقبيح، ~~والقريب والبعيد، والنور والظل، والألم والفرح، والأرض ~~والسماء. # كان المفهوم الذي حددته الرومانتيكية للشعر (وإن كان من الخطأ ~~تعميم هذا المفهوم) هو أنه لغة الوجدان، والتعبير عن الذات ~~الفردية. وكلمة الوجدان هنا تعني الرجوع إلى المألوف، والسكون إلى ~~وطن النفس الذي يشترك فيه أكثر الناس انفرادا مع كل من يشعر ~~ويحس، ولكن القصيدة الجديدة تحس بالغربة أعمق إحساس، وتنفر من ~~اللجوء إلى هذا الوطن الساكن المطمئن. إنها تبتعد عن «الإنسانية» ~~أو «البشرية» بمعناهما المصطلح عليه، وتصرف النظر عن التجربة ~~والعاطفة، بل تذهب في كثير من الأحيان إلى البعد عن ذات الشاعر ~~نفسه. لم يعد هذا الشاعر يشارك في قصيدته مشاركة الذات الفردية أو ~~الشخصية، بل مشاركة عقل مبدع، وصانع لغة، وفنان يجرب خياله المتسلط ~~أو نظرته غير الواقعية على مادة فقيرة من المعنى، عرضت له كيفما ~~اتفق. ولا يعنى هذا بالضرورة أن قصيدة من هذا النوع لا توقظ سحر ~~النفس المكنون أو لا تنبع منه، بل معناه أنها أصبحت شيئا آخر ~~يختلف عما نسميه بالقصيدة الوجدانية، وأنها تستخدم لغة أخرى ms022 غير ~~اللغة التي اصطلحنا على وصفها بلغة الوجدان. لقد أصبحت لحنا متعدد ~~الأصوات والأنغام وصورة مطلقة من الذاتية المحضة الخالصة التي لا ~~يمكن تجزئتها إلى قيم شعورية مفردة. يقول جوتفريد بن، وهو أحد ~~السحرة الكبار في معبد الشعر الحديث: «الوجدان؟ إنني لا أملك شيئا ~~منه.» وهو كغيره لا يكاد يجد أثرا لنعومة الوجدان أو رخاوة ~~العاطفة حتى يقطعه بسكين العقل، ويمزقه بالكلمات القاسية ~~الناشزة. # باستطاعتنا إذن أن نتحدث عن نزعة درامية عدوانية في الشعر ~~الحديث. إنها تكمن في العلاقة بين الموضوعات أو البواعث ~~(الموتيفات) التي تتقابل تقابل الأضداد بدلا من أن تتصل وتتلاقى ~~بنظام واطراد. وهي تكمن كذلك في العلاقة القائمة بين هذه الموضوعات ~~والبواعث وبين الأسلوب القلق الذي يفرق ما وسعته التفرقة بين ~~الدلالات والمدلولات. ولكن هذه النزعة الدرامية العدوانية تحدد ~~كذلك العلاقة بين القصيدة والقارئ. فكثيرا ما تصدم القصيدة قارئها ~~فيشعر أنه يتلقى منها الإنذار بالخطر بدلا من أن ينعم بالأمان! ~~صحيح أن لغة الشعر كانت وستظل على الدوام مختلفة عن لغة التفاهم ~~العادية وأنها لم تكن ولن تكون مجرد وسيلة للنقل والتوصيل. لقد كان ~~الفارق بين اللغتين - باستثناء حالات قليلة نجدها في شعر دانتي ~~الإيطالي أو جونجورا الإسباني - يتسم بالتدرج والاعتدال بوجه عام. ~~وفجأة اختل الميزان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فتأكد ~~الفارق الحاسم بين لغة الشعر ولغة الكلام، واتضح التوتر الهائل ~~بينهما، وجاءت المعاني والمضمونات الغامضة المظلمة فزادت الهوة ~~اتساعا، وأثارت دوامة الحيرة والبلبلة التي ما زالت تتسع حتى ~~اليوم. # أصبحت الكلمات المألوفة ترد بمعان غير مألوفة، والاصطلاحات ~~العلمية الموغلة في التخصص تمتلئ بشحنة شاعرية، وتركيب العبارة ~~يفقد ترتيبه العضوي أو ينكمش أحيانا إلى جمل أو كلمات اسمية توضع ~~إلى جانب بعضها البعض. # والتشبيه والاستعارة، وهما من أقدم الوسائل التي لجأ إليها الشعر ~~في كل البلاد والعصور، تتغير وظيفتهما فيستخدمهما الشاعر بطريقة ~~جديدة تتحاشى عنصر التشبيه الطبيعي أو تفرض على الأشياء وحدة غير ~~واقعية لا تتفق مع المنطق والطبيعة. # أصبحت البنية اللغوية المتحركة والتتابع ms023 النغمي والإيقاعي ~~المتحرر من المعنى أهدافا تقصد لذاتها كما حدث في فن الرسم الحديث ~~والمعاصر عندما استقل اللون والشكل بنفسهما وأزاحا الموضوع والشيء ~~أو استبعداهما كل الاستبعاد؛ ولذلك لم يعد من الممكن أن تفهم ~~القصيدة من مضمون عباراتها، لأن مضمونها الحقيقي يكمن في «درامية» ~~القوى الشكلية التي تتحكم فيها من الخارج أو من الداخل. مثل هذه ~~القصيدة تجذب القارئ أو المستمع ولكنها تحيره وتصدمه. إنها ~~تستخدم اللغة بطبيعة الحال ولكنها لغة لا توصل لقارئها موضوعا ولا ~~تنقل إليه معنى. # لا غرابة إذن في أن يوصف الشعر الذي يحتوي على مثل هذه الظواهر ~~بأنه نشاز. ولكنه يتصف كذلك بالشذوذ والخروج على المألوف. يشهد ~~بهذا أن صفة المفاجأة أو الغرابة قد أصبحت من المفهومات الرئيسية ~~التي تتردد في كتابات نقاده المعاصرين. والحق أن من يروم المفاجأة ~~بالوسائل غير المألوفة يضطر للجوء إلى وسائل شاذة. والشذوذ كلمة ~~خطيرة لا يرتاح إليها الإنسان في الشعر ولا في غير الشعر. فهو يوحي ~~بوجود قيم ثابتة تعلو على الزمان والمكان، بينما الواقع يؤكد أن ~~ما يصفه عصر بالشذوذ قد يتخذ منه عصر تال معيارا له، أي أن ~~القيمة التي يستهجنها زمن قد يتقبلها زمن آخر. ولكن هذا الكلام ~~لا يصدق على الشعر الذي نتحدث عنه، بل لا يصدق على رواده الفرنسيين ~~الأوائل. فما زال شعر رامبو ومالارميه بعيدا عن تذوق الجانب ~~الأكبر من جمهور القراء، على الرغم من كثرة ما كتب ويكتب عنهما، ~~كما أن استحالة تمثل الشعر الحديث من أهم الصفات التي تنسحب أيضا ~~على شعر المعاصرين. # ونحب أن نؤكد هنا أن استخدامنا لكلمة الشذوذ في الحكم على الشعر ~~الحديث لا يعني أنه شعر مرضي أو منحل، ولا يعني أننا نصدر عليه ~~حكما أخلاقيا، ولكننا نقصد منه الكشف عن ظواهره التي تميزه عن ~~الشعر القديم. فإذا وصفنا مثلا إحدى قصائد جوته أو هوفمنستال ~~بأنها سوية فإنما نقصد بذلك وصف الحالة النفسية أو الشعورية التي ~~تقدر على فهم هذه القصيدة. صحيح أن بعض المتحمسين للشعر الحديث ms024 ~~يحاولون أن يحموه من ضيق الأفق البرجوازي أو الذوق المدرسي ~~والتقليدي ولكنهم بهذا يثبتون عدم نضجهم ويخطئون في إدراك الباعث ~~الحقيقي على مثل هذا الشعر، بل ويؤكدون جهلهم بتطور الشعر الأوروبي ~~على مدى ثلاثين قرنا. ليس الشعر الحديث ولا الفن الحديث في حاجة ~~للوقوف منهما موقف الانبهار أو الإنكار. إنهما ظاهرتان راسختان من ~~ظواهر العصر الحاضر ومن حقهما أن نعرفهما ونقدرهما عن وعي وتبصر. ~~ومن حق القارئ أيضا أن يستمد مقاييسه وقيمه في الحكم والتذوق من ~~الشعر القديم الذي تعود عليه، وليس لنا أن نلومه على ذلك. وإذا ~~كنا نتحاشى تطبيق هذه القيم والمقاييس في حكمنا على الشعر الحديث، ~~فإن هذا لا يمنعنا من الاستعانة بها في الوصف والمعرفة. والوصف ~~والمعرفة ممكنان حتى في مثل هذا الشعر الذي لا ينتظر من القارئ أن ~~يفهمه؛ لأنه، كما يقول إليوت، لا يحتوي على أي معنى يرضي عادة من ~~عادات القارئ. ذلك لأن بعض الشعراء، كما يقول إليوت أيضا، يشعرون ~~بالقلق والضيق إزاء هذا المعنى لأنه يبدو لهم شيئا سطحيا، وهم ~~يرون أن إمكانيات العمق أو الحدة الشاعرية يمكن أن تأتي من انصراف ~~الشاعر عن المعنى، والشعر الحديث قابل بغير شك أن يوصف ويعرف، مهما ~~سمح لنفسه بأقصى درجات الحرية. صحيح أن الناقد أو القارئ لن يفهم ~~منه كثيرا، بل إن قدرة الشاعر نفسه على فهم قصيدته محدودة إلى ~~أقصى درجة، ولكن القارئ سيعرف على الأقل أنه شعر متحرر، وسيحاول أن ~~يتبين مظاهر هذه الحرية التي بررت من قبل وصفه بالشذوذ أو النشاز، ~~وسيقرر بعد قراءة العديد من نماذجه الصالحة أن صعوبة فهمه أو ~~استحالته في أغلب الأحيان طابع مميز فيه وعلامة دالة على ~~أسلوبه. وقد يستطيع كذلك أن يتبين بعض علاماته الأخرى المميزة، إذا ~~حاول أن يضعه في سياق التطور التاريخي، ويستكشف أسرار صنعته ويدرك ~~العوامل المشتركة بين مختلف الشعراء المحدثين والمعاصرين في اللغة ~~والبناء والأداء، ولا بد أن كثرة المعاني التي تشع من القصيدة ~~الواحدة ستربكه وتحيره، ولكنه سيعرف في النهاية ms025 أن تعدد المعاني في ~~القصيدة وقابليتها لإمكانات التفسير المختلفة المفتوحة من أهم ~~خصائص الشعر الحديث. ~~(3) مقولات سلبية # لا بد لدارس الشعر الحديث أن يبحث عن المقولات التي يصفه بها، ~~ولا مناص من القيام بهذه المهمة التي يؤكدها النقد كله، ولا مناص ~~أيضا من القول بأن هذه المقولات في مجموعها مقولات سلبية. وينبغي ~~أن نؤكد ما قررناه من قبل من أننا نستخدم هذه المقولات للفهم ~~والتعريف، لا للتقييم وإصدار الأحكام. ووصفنا لها بالسلبية لا يعني ~~بطبيعة الحال أننا ندين الشعر الحديث أو نوجه إليه الاتهام. ~~فأقصى ما يطمح إليه الدارس هو أن يعرف طبيعة هذا الشعر ويضعه في ~~موضعه التاريخي الصحيح. بل إن موقف التعريف لا التقييم هو نفسه جزء ~~من العملية التاريخية الشاملة التي تحرر بها الشعر الحديث من ~~القديم. # لقد أدى التغيير الذي طرأ على الشعر في القرن التاسع عشر إلى ~~تغيير مماثل في مفهوم الآداب ونظريات النقد. كان الشعر حتى أواخر ~~القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر وربما بعد ذلك بفترة غير ~~قصيرة، يعيش بأكمله في إطار المجتمع أو في حماه. فالناس ينتظرون ~~منه أن يكون تعبيرا أو تشكيلا مثاليا للمواقف والمشاعر ~~العادية، وعزاء شافيا للآلام والجراح مهما تناول من موضوعات ~~مخيفة أو قاسية. وكان الشعر نوعا من الأنواع الأدبية لا يفكر ~~أحد في تقديمه عليها أو تفضيله عنها. ثم وجد الشعراء أنفسهم في ~~مواجهة مجتمع مشغول بمطالبه الاقتصادية وتأمين حياته المادية، ~~وتقدم علمي يجاهد في تجريد العالم من أسراره وألغازه. فكانت صرخات ~~الاحتجاج التي أطلقها على المجتمع والجماهير التي فقدت الإحساس ~~بروح الشعر. وكان أن أنشق على التراث، وأصبح شذوذ الشاعر تبريرا ~~لأصالة الشعر، وصار الأدب لغة العذاب المتصل الذي يدور ويدور حول ~~نفسه فلا يسعى إلى النجاة والخلاص بقدر ما يسعى إلى الكلمة المعبرة ~~عن عذاب الوجدان. وأصبح الشعر هو أسمى مظاهر الأدب وأنقاها، بل لقد ~~وقف من بقية الأنواع الأدبية موقف المعارضة، وأعطى لنفسه الحرية ~~المطلقة في التعبير عن كل ما يوحي به الخيال القادر ms026 المتسلط، ~~والتغلغل المستمر في الحياة الباطنة وأعماق اللاشعور، واللعب بفكرة ~~الوجود الخالي من كل حقيقة متعالية. وانعكس هذا التحول على اللغة ~~التي يستخدمها النقاد والشعراء أنفسهم في كلامهم عن الشعر. # كان نقاد الشعر القديم وشعراؤه يحكمون على القصيدة من مضمونها ~~ويصفونها بما يمكن تسميته بالمقولات الإيجابية. ولو نظرنا في ~~تعليقات جوته مثلا على بعض قصائده أو قصائد غيره من الشعراء ~~لوجدنا مثل هذه الأحكام: متعة، فرح، توافق سعيد، وكل ما خاطر به ~~الشاعر يخضع لمعيار محكم مقنن. الكارثة تستحيل إلى نعمة، العادي ~~والدنيء يسمو ويرتفع. وفضيلة الأدب أنه يعلم الناس أن حالة الإنسان ~~أو وجوده شيء محبب مرغوب فيه؛ فهو ينطوي على «مرح داخلي»، ~~«ونظرة سعيدة وموفقة إلى الواقع» وهو يرتفع بالفردي إلى المستوى ~~العام، أما الأوصاف الشكلية فنجد منها: # الدلالة الفنية للكلمة، اللغة المتزنة المتماسكة التي «تسير بحرص ~~ودقة وتأن». ~~«وتنتقي الكلمة الصحيحة وتتحاشى المعاني الجانبية.» # وأحكام شيلر لا تخرج كذلك عن هذا الإطار، فالقصيدة عنده تضفي ~~النبل وتخلع على الانفعال ثوب الكبرياء، إنها «تكوين مثالي ~~للموضوع الذي تتناوله، بغيره لا تستحق أن تسمى قصيدة.» وهي تتلافي ~~«الإغراب» والشذوذ الذي ينافي «العام المثالي»، وكمالها مستمد من ~~روح مرحة صافية، وشكلها الجميل من «اتصال السياق». وطبيعي أن مثل ~~هذه الأوصاف الإيجابية تستدعي أضدادها من الأوصاف السلبية. ولكن ~~الشعر القديم لم يكن يستخدم هذه الأوصاف السلبية إلا للاتهام أو ~~الإزراء بما يخالف معاييره وأحكامه، كأن يقول مثلا إن القصيدة ~~شذرة ناقصة، أو غامضة مضطربة، أو مجرد حشد للصور، أو ليل مظلم ~~(بدلا من أن تكون نورا يضيء)، أو أحلام مختلطة مترنحة أو نسيج ~~مهزوز (كما يقول الشاعر والناقد النمسوي جريلبارزر في بعض ~~أحكامه). # وهناك نوع آخر من المقولات السلبية يستخدمه أصحابه استخداما ~~ينصب على الشكل أكثر مما ينصب على المضمون. فالشاعر الكاتب ~~الرومانتيكي الألماني الشهير نوفاليس (1772-1801م) يطبق هذا النوع ~~في شذراته المشهورة التي احتوت على تأملات قيمة عن الشعر تطبيقا ~~يميل إلى الوصف والإطراء ويبتعد عن اللوم والاتهام وإبراز العيوب. ms027 ~~إن الشعر عنده يقوم على «الإنتاج العرضي المقصود»، ويصور ما يقوله ~~في «تسلسل عرضي حر». وكلما كانت القصيدة شخصية وكلما زاد ~~ارتباطها بالمكان والزمان، كلما اقتربت من مركز الشعر (ولنلاحظ هنا ~~أن الزمانية والمكانية أو المحلية كانتا تعدان في النقد القديم ~~من المآخذ التي تحد من آفاق الأدب عامة). # وإذا انتقلنا إلى شاعر مثل لوتريمو (1846-1870م) وجدنا المقولات ~~السلبية تتراكم عنده بشكل ملحوظ. فقد تنبأ في سنة 1870م بالصورة ~~التي سيكون عليها الأدب من بعده. صحيح أن هذه الصورة تبدو أشبه ~~بالتحذير ودق نواقيس الخطر، وإن كان من المتعذر أن يستقر الإنسان ~~على تفسير لما يقوله هذا الفوضوي العظيم الذي ظل يغير الأقنعة على ~~الدوام. ولكن المدهش حقا أن هذا الشاعر الذي ساهم مساهمة ~~كبيرة في التمهيد للشعر من ~~بعده، قد عرف كيف يحدد خصائصه الأساسية تحديدا صادقا يدل على ~~بعد النظر، ويجعلنا نشك فيما يقال من إنه أراد أن يوقف تطور الشعر ~~على هذا النحو الذي صوره، أو يحملنا على الأقل على عدم الاكتراث. ~~ولننظر الآن إلى بعض هذه الخصائص والملامح التي حددها. سنجد بينها ~~مثل هذه التعبيرات: القلق، الاضطراب، إهدار القيم، السخرية المرة، ~~غلبة الاستثناء والشذوذ، الغموض، الخيال الجامح، الكآبة والظلام، ~~التمزق بين الأضداد المتطرفة، الميل إلى العدم. ثم تأتي هذه الكلمة ~~بين غيرها من عديد الكلمات: النشر (بمعنى نشر الخشب!) ... # ونحن نجد هذه الكلمة الأخيرة # scies # في مواضع أخرى كثيرة، ~~في الشعر والفن التشكيلي على السواء. فالسطر الأول من قصيدة ~~«لإلوار» بعنوان «الشر» (وتجدها بين مختارات هذا الكتاب)، يقول ضمن ~~ما يقوله من صور الدمار والتحطيم: # هناك كان الباب كالمنشار ... إلخ. # وكثير من لوحات بيكاسو تصور المنشار أو تكتفي بتصوير أسنانه ~~التي تخترق مساحات هندسية وحسب، دون أن تكون هناك ضرورة يفرضها ~~الموضوع الذي يصوره، وبعضها الآخر يصور أوتار قيثارة في تكوينات ~~أشبه بالمناشير. ولا يجوز أن نتكهن هنا بأي تأثر أو تأثير متبادل ~~بين الشاعر والرسام. وكل ما نستطيع أن نقوله هو إن ظهور رمز ~~المنشار ms028 هذا على فترات زمنية متباعدة إنما يدل على ما أشرنا إليه ~~في الصفحات السابقة من وحدة البناء التي تغلب على الأدب والفن ~~الحديث والشعر بوجه خاص ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع ~~عشر. # ونستطيع أن نستطرد في ذكر بعض الاصطلاحات والأوصاف المميزة لطابع ~~الشعر الحديث مما يكتب عنه في اللغات الإنجليزية والفرنسية ~~والإسبانية والألمانية. فمن هذه الاصطلاحات التي تستخدم كما قدمنا ~~للوصف لا لإصدار الأحكام أو توجيه اللوم والاتهام نذكر على سبيل ~~المثال لا الحصر: الضياع. تبديد العادي والمألوف. النظام المفقود، ~~التفكك. الاقتطاف. العكس. أسلوب الرص والتجاور (أي رص الكلمات ~~والمعاني بجانب بعضها البعض دون ضرورة منطقية أو معنوية أو ~~لغوية). الشعر المجرد من الشاعرية. التحطيم والتفتيت. الصور ~~القاطعة. المفاجأة الضارية. الإزاحة. الإغراب. إحداث الصدمات ... ~~إلخ. وأخيرا نورد هذه العبارة للناقد الإسباني داماسو ألونسو: # ليس هناك وسيلة لتسمية فننا إلا بالتصورات والمفهومات ~~السالبة. # ولقد كتب ألونسو هذه العبارة في سنة 1932م، واستطاع هو وغيره أن ~~يكرروها بعد ذلك في سنة 1954م دون حاجة إلى تغيير. # من الأمانة العلمية إذن أن نستخدم هذه المفهومات في حديثنا عن ~~الشعر الحديث. ومع ذلك فالأمر لا يخلو من وجود مفهومات واصطلاحات ~~أخرى. # فالشاعر فيرلين يصف أشعار رامبو بأنها «فرجيلية». ولكن أشعار ~~راسين يصدق عليها هذا الوصف أيضا. ولعل هذا الوصف الإيجابي من ~~جانب فيرلين لم يقصد به إلا أن يكون محاولة غامضة للتقريب بين ~~الشاعرين، ولعله لا يريد أن يصف أشعار رامبو وصفا دقيقا بقدر ما ~~يريد أن يلمح للنشاز الملحوظ في موضوعاته وقاموسه اللغوي. ومن ~~النقاد الفرنسيين من يتحدث عن شعر إلوار فيذكر جماله المتميز. ولكن ~~هذه القيمة الإيجابية تقف وحدها بين طائفة من القيم السلبية التي ~~يضفيها الناقد عليه وتميز جمال هذا الشعر قبل غيرها من القيم. ولا ~~يقتصر هذا على نقاد الأدب وحدهم؛ إذ نصادفه كثيرا عند عدد من نقاد ~~الفن الحديث. فهم يصفون رقبة يرسمها بيكاسو بأنها «أنيقة». وقد ~~يصدق عليها هذا الوصف. ولكنه لا يصدق على الطابع المميز ms029 الذي جعل ~~لها هذه الأناقة وأعني به أنها تكوين غير واقعي صرف، ليس فيه أثر ~~من الشكل البشري المألوف. ولكن لماذا لا يتشجع أحد من النقاد فيذكر ~~لنا هذه القيمة أو المقولة السلبية في وصفه لأناقة تلك الرقبة التي ~~لم يبق هناك شبه بينها وبين رقبة الإنسان؟ # إن السؤال يفرض نفسه أيضا في مجال الشعر. فلماذا تصف المقولات ~~السلبية هذا الشعر بأدق مما تصفه المقولات الإيجابية؟ # هل سبقنا كل هؤلاء الشعراء بمراحل بحيث لم يعد في مقدور أية فكرة ~~أو تعريف إيجابي أن يلحق بهم؛ مما اضطرنا إلى استخدام الأفكار ~~والتعريفات السلبية في الكلام عنهم؟ هل معنى هذا أن الشعر الحديث - ~~وهو الغرض الذي أشرنا إليه من قبل - يستعصي على التمثل أو التذوق، ~~وإن هذا هو أحد خصائصه المميزة؟ إن هذه الأسئلة تنصب على التحديد ~~التاريخي لهذا الشعر، أي تتعلق بمستقبله، والسؤال عن المستقبل لا ~~يدخل في نطاق العلم، وقد تصدق كل الأسئلة، ولكننا لن نستطيع أن ~~نقطع فيها على وجه اليقين. والشيء الوحيد الذي يمكننا أن نؤكده هو ~~شذوذ هذا الشعر، أي خروجه عن المألوف، ومن هذه الحقيقة نستخلص ~~نتيجة ضرورية، وهي أننا ملزومون بمعرفة عناصر هذا الشذوذ معرفة ~~دقيقة، لكي يحق لنا بعد ذلك أن نستخدم القصورات والمقولات السلبية ~~التي قلنا إنها تفرض نفسها على قراء الشعر الحديث. ~~(4) مقدمات نظرية في القرن الثامن عشر ~~(4-1) روسو وديدرو # يلاحظ المتأمل للفكر ~~الأوروبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بعض الظواهر ~~التي يمكن اعتبارها مقدمات مهدت للشعر الحديث والمعاصر. ~~وسنكتفي في الصفحات المقبلة بتوضيح هذه الظواهر عند روسو ~~(1712-1778م)، وديدرو (1713-1784م) ... # ولا يعنينا في هذا المجال أن نتحدث عن روسو المشرع للدولة ~~والمجتمع، ولا عن روسو الذي أسكرته الطبيعة النقية العذراء ~~فأخذ يتغنى بفضائلها بعاطفة الأنبياء وإخلاص المصلحين. ولن ~~نمس هذا الجانب الهام من تفكيره إلا بقدر ما يتصل بأحد طرفي ~~التوتر والصراع الذي يسري في كل أعماله، وأقصد به الصراع بين ~~حدة العقل وفورة الانفعال، بين التفكير المنطقي ms030 المحكم والخضوع ~~لمثاليات العاطفة، وهو صراع يمكن أن نرى فيه مظهرا من مظاهر ~~النشاز الذي يطبع التفكير والأدب والفن الحديث بطابعه. # ومع ذلك فهناك ملامح أخرى من تفكير روسو تبرز أهميته في هذا ~~المقام. فالمعروف أنه وريث أكثر من تراث. ولكن يبدو أنها لا ~~تلزمه ولا تخدم هدفه. فأعجب ما في روسو أنه يريد أن يقف وحيدا ~~وحدة تامة في مواجهة نفسه ومواجهة الطبيعة. وهذه الإرادة هي ~~الشيء الجديد الفريد فيه. إنه يقف في نقطة الصفر من التاريخ، ~~كأنما يريد أن يبدأ من العدم. وهو بمشروعاته التي يضعها للدولة ~~والمجتمع والحياة يجرد التاريخ من قيمته، بل يعتبر أن دخولها ~~في الظروف التاريخية تزييف وإفساد لها، ولذلك كان موقفه الفردي ~~المطلق تجسيدا لأول شكل حاسم من أشكال الخروج على التراث، ~~كما كان في نفس الوقت خروجا على البيئة المحيطة به وانشقاقا ~~عليها. # تعود الكتاب أن ينظروا إلى روسو نظرتهم إلى مريض نفسي، بل ~~إن بعضهم يعتبره أنموذجا كلاسيكيا على جنون الاضطهاد! ~~ولكننا نعلم أن هذه الأحكام النفسية لا تكفي دائما لتفسير ~~الأعمال الفنية والأدبية، بل إنها في بعض الأحيان تفسدها وتجني ~~عليها. فهي لا تفسر في حالتنا هذه سبب إعجاب الناس بشذوذ روسو ~~ووحدته وتفرده إعجابا لم ينقطع إلى اليوم. صحيح أن هناك ~~ظواهر مرضية لا يمكن إنكارها في شخصية روسو، وصحيح أنها ساعدت ~~على توسيع الهوة التي فصلته عن مجتمعه وتراثه، وصورت لذاته ~~المطلقة الوحيدة أنه العبقري الذي لا يفهمه أحد. ولكن هذه ~~الظواهر أو التجارب النفسية قد التقت مع تجربة العصر كله، وهي ~~تجربة ترتفع فوق الذوات والأشخاص. والمهم أننا نجد عند روسو ~~نوعا من التفسير الذاتي الذي سنجده عند عدد غير قليل من ~~شعراء القرن التالي له، وهو تفسير الشذوذ بأنه الضمان الأكيد ~~لرسالة المفكر والأديب والاقتناع بالصراع الضروري والشقاق ~~المحتوم بين الذات والعالم اقتناعا يجعل روسو وأتباعه يقولون: ~~«أحب إلي أن أكون مكروها من الناس على أن أكون عاديا ~~مثلهم، بل إنهم ليجعلون من هذا القول قاعدة ms031 لسلوكهم وحياتهم. ~~إن الذات التي لا يريد أن يفهمها أحد تتعذب بالاحتقار الذي ~~تسببه لنفسها من الناس والمجتمع، كما تتعذب بالانطواء في ~~عالمها الباطن الوحيد، وترى في ذلك آية العزة والكبرياء. بل ~~إنها لتجد في هذا الاحتقار دليلا على رفعتها. ولقد عبر الشاعر ~~فيرلين عن هذا كله حين أطلق على نفسه وأصدقائه كلمته المشهورة ~~«شعراء ملعونون». # استطاع روسو في أحد أعماله المتأخرة «أحلام متجول وحيد» أن ~~يعبر عما يمكن أن نسميه حالة يقين وجودي سابقة على مرحلة ~~العقل. ومضمون هذه الحالة أشبه بضباب الحلم الذي يتسرب من ~~الزمن الميكانيكي إلى الزمن الباطن الذي لا يفرق بين الماضي ~~والحاضر، والخيال والواقع، والفوضى والنظام. والحق أن اكتشاف ~~الزمن الباطن (أو الديمومة النفسية التي طالما تحدث عنها ~~برجسون) ليس شيئا جديدا، ولكن الجديد عند روسو هو هذا الحماس ~~الشاعري الذي يصفه به ويصوره جزءا من الذات الوحيدة ~~المعادية للبيئة والمجتمع. وهو شيء سيكون له أكبر الأثر على ~~حركة الشعر فيما بعد، وسيزيد في قوة تأثيره عن كل التحليلات ~~الفلسفية لفكرة الزمن عند لوك أو غيره. وها هو ذا الزمن ~~الميكانيكي أو الساعة، تصبح عند المتأخرين رمزا كريها ~~للحضارة الآلية (كما نرى عند بودلير وغيره من الشعراء ~~المعاصرين مثل ماتشادو)، كما يصبح الزمن الباطن ملاذ الشعر ~~الذي يجاهد في الهروب من سجن الواقع. # أشار روسو في مواضع أخرى من كتاباته إلى فكرة إلغاء الفوارق ~~بين الخيال والواقع، فالخيال وحده - كما يقول في قصته الشهيرة ~~«هيلوييز الجديدة» - هو الذي يهب السعادة، أما التحقق في ~~الواقع فهو للسعادة موت وفناء، كما يقول أيضا إن «بلاد الوهم ~~هي البلاد الوحيدة التي تستحق أن يسكنها الإنسان في هذه ~~الدنيا» (6، 8). # ووجود الإنسان قد بلغ من العدم والزوال بحيث لا يكون جمال ~~إلا فيما لا وجود له. أضف إلى ذلك فكرة الخيال الخلاق. فمن حقه ~~أن يخلق بقوة الذات وسلطانها أمورا ليس لها وجود ويضعها في ~~منزلة أعلى من كل ما هو موجود (الاعترافات 2، 9). # قد يكون من الخطأ أن نبالغ ms032 في قيمة هذه العبارات وأثرها على ~~الشعر المتأخر. إنها تنبع من حرارة العاطفة عند روسو وتصطبغ ~~بألوانها. ولكننا لو استبعدنا هذه العاطفة لوجدنا الخيال قد ~~أصبح ملكة جسورة تعلم أنها خادعة، ولكنها تريد هذا الخداع لأن ~~صاحبها مقتنع بأن العدم - وروسو يفهم من الناحية الأخلاقية - ~~لا يسمح للعقل بغير الإبداع الخيالي، وهذا وحده هو الذي يشبع ~~حاجة الوجدان إلى التفتح والخلق. بهذا يصبح الخيال أو تصبح ~~المخيلة قوة مطلقة، ولا يجد العقل نفسه ملزما بأن يقيس إبداع ~~الخيال بمقياس الواقع. وسوف نلتقي بهذا الخيال نفسه في القرن ~~التاسع عشر، بل سنجد إنه قد زاد حدة بحيث نستطيع عندئذ أن ~~نتحدث عن طغيان الخيال المتسلط أو المخيلة الطاغية التي تحررت ~~نهائيا من الألوان العاطفية التي صبغها بها روسو. # وإذا انتقلنا إلى ديدرو وجدناه يجعل من الخيال شيئا ~~مستقلا بنفسه ويسمح له أن يقيس نفسه بنفسه وأفكار ديدرو ~~تختلف عن أفكار روسو فهي مرتبطة بتفسيره لظاهرة العبقرية ~~والعبقري كما عرضه في روايته «ابن أخ رامو». # 2 # وفي مقاله عن العبقرية في دائرة المعارف الشهيرة ~~التي كان له فضل تأسيسها وإتمامها، يقول ديدرو في روايته إن ~~الارتباط الذي نلمسه كثيرا بين العبقرية والنزعة اللاأخلاقية، ~~وبين الإخفاق في الحياة الاجتماعية والنبوغ العقلي حقيقة ينبغي ~~أن نقررها وإن كنا نعجز عن تفسيرها. والفكرة في حد ذاتها ~~فكرة جريئة؛ فهي تلغي ما عرف منذ العصور القديمة من تسوية بين ~~الملكات الجمالية والمعرفية والأخلاقية ووضعها في مرتبة ~~واحدة. بذلك تصبح العبقرية الفنية نظاما مستقلا يخضع ~~لقوانين مستقلة، كما يصبح العبقري استثناء يشذ عن كل ~~قاعدة. ويكفي أن نقارن هذا الرأي بمحاولات «ليسنج» و«كانت» ~~للربط بين شذوذ العبقرية وبين قيم الحق والخير. # ولا تقل مقالة ديدرو في دائرة المعارف عن ذلك جسارة. صحيح ~~أنها تتصل بفكرة قديمة تقول إن العبقرية قوة فطرية تمكن ~~صاحبها من القدرة على الاستشراف والتنبؤ وتجيز له أن يحطم كل ~~القواعد المألوفة. ولكننا لن نجد عند كاتب قبل ديدرو أمثال هذه ~~العبارات: إن من ms033 حق العبقري أن يكون ضاريا، ومن حقه أن يخطئ، ~~بل إن أخطاءه الغريبة المذهلة هي التي تلهب وتضيء. إنها تنتثر ~~في كتاباته كالشرارات المتقدة الخاطفة. وهو يحلق كالنسر ~~المسحور بروعة أفكاره، ويبني بيوتا لا يستطيع عقل أن يسكنها. ~~إن إبداعاته تأليفات حرة يفتن بها ويحبها، وملكته تنتج أكثر ~~مما تكتشف. ولذلك «لم يعد الصدق والكذب من الخصائص المميزة ~~للعبقرية.» أما الخيال أو المخيلة فهي القوة التي توجه ~~العبقري، وما يصدق عليه يصدق بالمثل عليها، أعني أن تكون حركة ~~ذاتية لملكات العقل وقواه، تقاس قيمتها بأبعاد الصور المبدعة، ~~وتأثير الأفكار، والدينامية الخالصة التي تحررت من الارتباط ~~بأي مضمون ولم تعد تعبأ التفرقة بين الخير والشر، والصدق ~~والكذب، والصواب والخطأ. ألا يجعلنا هذا كله على بعد خطوة ~~واحدة مما سميناه بطغيان الخيال أو المخيلة المتسلطة التي ~~سيكون لها أكبر الأثر على الشعر فيما بعد؟ # ثمة شيء آخر نجده عند ديدرو في كتابه «الصالونات» الذي كان ~~يصدر فيه أحكامه النقدية على فن الرسم في عهده. فنحن نجد فيها ~~لونا من التذوق الحساس لجو اللوحة، كما نجد آراء جديدة عن ~~القوانين المستقلة للضوء والألوان، أعني المستقلة عن الذات ~~المبدعة والذات المتلقية على السواء. وأهم من هذا كله أن ~~تحليلات ديدرو عن الرسم تلتقى بتحليلاته الأدبية. ولا صلة لهذا ~~بالنظرية القديمة التي ارتبطت بكلمة هوراس المعروفة (وهي كلمة ~~أسيء فهمها كثيرا): «الشعر كالرسم # ut pictura Poesis # فالملاحظ عند ديدرو هو تقارب ~~التفكير في الأدب من التفكير في الفنون التشكيلية، وهو شيء ~~يعود إلى الظهور عند بودلير ويستمر ويزداد قوة في العصر ~~الحاضر. # ونجد كذلك في «الصالونات» رأيا في طبيعة العمل الأدبي ~~والخلق الشعري قد لا نعرف له نظيرا إلا في آراء الفيلسوف ~~الإيطالي ج. ب. فيكو الذي لم يعلم ديدرو عنه شيئا. فديدرو يرى ~~أن النغمة بالنسبة للبيت من الشعر كاللون بالنسبة للصورة. وهو ~~يسمي العنصر المشترك بينهما «سحر الإيقاع»، ويقول إنه يؤثر على ~~العين والأذن والخيال تأثيرا عميقا لا تقدر عليه الدقة ~~الموضوعية. إن ms034 «الوضوح يضر!» ولذلك فهو يهتف بالأدباء: «أيها ~~الأدباء، كونوا غامضين.» ويدعو الأدب إلى الاتجاه للموضوعات ~~المظلمة، البعيدة، المفزعة، الحافلة بالغموض والظلام والأسرار. ~~والمهم بعد هذا كله أن الأدب في رأي ديدرو ليس تعبيرا عن ~~الأشياء والموضوعات، بل هو حركة وجدانية «تتوسل بالخلق الحر ~~للاستعارات» لتقذف بنفسها إلى أقصى الحدود والأطراف، كما ~~تستعين كذلك بالألحان والأنغام الغريبة المتطرفة. # وديدرو يعلن بهذا كله حقائق جوهرية تتمثل فيها روح الشعر ~~الحديث، وكأني به يتنبأ بما ستكون عليه حاله في المستقبل الذي ~~نشهده اليوم! # فها هو ذا يقدم سحر اللغة على مضمونها، وحركة الصورة على ~~معناها. وبينما كان عصر التنوير يشرف على نهايته كان ديدرو ~~يكتشف ما أنكره أقطاب هذا العصر وتجاهلوه. فالأدب عنده سر، ~~نسيج هيروغليفي، حديث بالرموز والألغاز، يتألف من طاقات ~~نغمية أفعل في تأثيرها من الفكرة. بل إنه ليسير إلى أبعد ~~مدى ممكن في التحرر من الموضوعية أو الشيئية، تشهد على ذلك ~~هذه العبارة المدهشة: «إن الأبعاد الخالصة المجردة للمادة لا ~~تخلو من قدرة معينة على التعبير.» وسنرى من هذه الدراسة أن ~~بودلير سينطق بمثل هذه العبارة وسيزيدها حسما وتحديدا، وإنه ~~سيضع بذلك حجر الأساس لأحد معالم الأدب الحديث، وهو الذي يمكن ~~أن نسميه الشعر المجرد أو الشعر الخالص المحض. # وقد وضع ديدرو نظرية في الفهم يمكن تلخيصها على النحو ~~التالي: ليس الفهم في أفضل حالاته إلا فهما للنفس. ولما كانت ~~اللغة عاجزة عن أن تعكس المعاني بصورة دقيقة فإن العلاقة بين ~~الأدب وقارئه ليست علاقة فهم بل إيحاء سحري. # وأخيرا فإن لديدرو الفضل في توسيع مفهوم الجمال؛ فلقد وجد ~~في نفسه الشجاعة للتنبيه - في حذر شديد - إلى أن الاضطراب ~~والفوضى يمكن التعبير عنهما تعبيرا جماليا، كما أن الإدهاش ~~أو الإذهال يمكن أيضا أن يحدثا أثرهما الفني. # كل هذه أفكار جديدة سطعت في عقل عظيم طالما ومض في سمائه ~~إلهام الخواطر والأحاسيس، حتى لقد شبه صاحبه بالنار أو البركان ~~أو بروميثيوس. صحيح أن ساعة هذه الأفكار لم تدق إلا بعد أن ms035 ~~نسي صاحبها نسيانا يوشك أن يكون تاما. ولكنها كانت قد ~~تقمصت غيره من نوابغ الأجيال المتأخرة، ومهدت الطريق للحركة ~~الجديدة الطموح التي سميناها حركة الشعر الحديث أو بالأحرى ~~ثورته. ~~(4-2) نوفاليس ورأيه في مستقبل الشعر # هذه الأفكار الجديدة التي نقلناها عن روسو وديدرو عن وظيفة ~~الخيال والأدب زادت قوتها مع الحركة الرومانتيكية في ألمانيا ~~وفرنسا وإنجلترا. ويضيق المجال عن تتبع الطريق الذي سارت فيه ~~حتى وصلت إلى الأدباء في منتصف القرن التاسع عشر وأواخره. ~~ولكننا سنقف وقفة قصيرة عند الرومانتيكية لكي نتأمل أهم ~~ظواهرها التي أصبحت من أدل الظواهر على طابع الشعر ~~الحديث. # ولا بد أن نبدأ بالشاعر والكاتب الرومانتيكي الألماني ~~نوفاليس (1772-1801م) إذ لا يستطيع منصف أن يتجاهل تأملاته ~~وخواطره عن الشعر، ونحن لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن هذه ~~التأملات والخواطر التي دونها في شذراته المعروفة أو في بعض ~~صفحات من روايته «هينريش فون أفتردنجن» التي لم يقدر له ~~كذلك أن يتمها، أهم بكثير من أعماله الأدبية نفسها. # كان نوفاليس يريد في مبدأ الأمر أن يفسر طبيعة الشعر ~~الرومانتيكي، فخرجت منه مجموعة من الأفكار التي تحدد ملامح ~~الشعر كله في المستقبل. ولن نستطيع أن نقدر هذه الأفكار على ~~حقيقتها حتى نقيسها بالإنتاج الشعري الذي بدأ من بودلير وما ~~زال مستمرا حتى اليوم. # ويحسن بنا قبل مناقشة آراء نوفاليس أن نورد بعضها بنصه، حتى ~~يتضح لنا مدى أهميتها وأثرها على كثير من الأفكار التي نرددها ~~اليوم عن الشعر الحديث. # يتحدث نوفاليس في أحد فصول «الشذرات» عن «الأدباء وعالمهم» ~~وإن كان يقصد في الحقيقة الشعراء والشعر الغنائي قبل كل شيء: # ملكة الخيال هي أعظم ما في الوجود. # طبيعة العبقري بوجه عام طبيعة شاعرية، وحيثما ~~أثر العبقري كان تأثيره شاعريا. كل إنسان ذي ~~خلق أصيل فهو أديب أو شاعر (فالكلمة الأصلية تدل ~~على المعنيين معا). # إذا كان الفيلسوف ينظم كل شيء ويضعه في موضعه، ~~فإن الأديب يفك كل القيود. إن كلماته ليست علامات ~~عامة، بل هي أنغام، رقى سحرية تحرك من ms036 حولها ~~مجموعات جميلة. وكما تحتفظ ثياب القديسين بقوى ~~عجيبة، فرب كلمة تباركها ذكرى رائعة، فتصبح ~~بمفردها قصيدة. اللغة لا تجدب أبدا عند الأديب ~~والشاعر، ولكنها تكون شديدة التعميم. كثيرا ما ~~يحتاج إلى كلمات مكرورة بليت لطول الاستعمال. ~~عالمه بسيط كأداته ، ولكنه مع ذلك عامر بالأنغام ~~التي لا تنفد. # الشعر هو الواقع الأصيل المطلق، هذه هي نواة ~~فلسفتي. كلما كان «التعبير» أشعر كان أصدق. # لا نستطيع أن نعرف ماهية الشعر على وجه التحديد. ~~إنه مركب إلى حد هائل ومع ذلك فهو بسيط، جميل، ~~رومانتيكي، منسجم؛ كل هذه تعبيرات جزئية عن ~~الشعر. # الشعر يأمر وينهى بالألم والوخز، باللذة ~~والعذاب، بالخطأ والصدق، بالصحة والمرض. إنه يمزج ~~كل شيء لخدمة هدفه العظيم؛ هدف الأهداف، وهو ~~الارتفاع بالإنسان فوق ذاته. # الساحر شاعر. والنبي بالقياس إلى الساحر، كالرجل ~~الحساس بالنسبة للشاعر. # الشعر بالنسبة للإنسان كالجوقة (الكورس) بالنسبة ~~للمسرحية الإغريقية. هو مسلك النفس الجميلة ~~الموقعة، صوت مصاحب لذاتنا المكونة، مسيرة في بلد ~~الجمال، أثر ناعم يشهد في كل مكان على إصبع ~~الإنسانية، قاعدة حرة، انتصار على الطبيعة الفجة ~~في كل كلمة، تعبير عن فاعلية حرة مستقلة، علو ~~وارتفاع، بناء للنزعة الإنسانية، تنوير، إيقاع، ~~فن. # الشعر تصوير (تعبير) للوجدان، لعالم الباطن ~~بكليته. إن وسيلته، وهي الكلمات، تدل بنفسها على ~~هذا؛ فهي كما نعلم المظهر الخارجي الذي يكشف عن ~~تلك المملكة الباطنة؛ مملكة القوى والطاقات. إنه ~~أشبه تماما بعلاقة فن النحت، بالعالم الخارجي ~~المتشكل، وفن الموسيقى في علاقته بالأنغام. إن ~~التأثير المغرب على عكس طبيعته تماما - من حيث هو ~~مرن (بلاستيكي) - ومع ذلك فثمة شعر موسيقي، يهز ~~الوجدان نفسه ويحركه حركات متنوعة. # يجب أن يكون تصوير الوجدان - كتصوير الطبيعة - ~~مستقلا، عاما بشكل ملحوظ، عاملا على ~~الترابط، خلاقا. لا كما هو عليه، بل كما يمكن ~~أن يكون وكما ينبغي أن يكون. # من الواضح تماما لماذا يصبح كل شيء في النهاية ~~شعرا. ألا يصير العالم في آخر المطاف ~~وجدانا؟ # أليس من الواجب ألا يخرج الشعر عن كونه رسما ~~وموسيقي باطنة ... إلخ؟ ms037 معدلة بالطبع من خلال طبيعة ~~الوجدان. # يحاول الإنسان عن طريق الشعر - وليس إلا الأداة ~~الميكانيكية لهذا الغرض - أن يبدع مشاعر باطنة ~~ولوحات أو ألوانا من الحدس، وربما حاول أيضا أن ~~يبدع رقصات عقلية ... إلخ. # الشعر يساوي فن إثارة الوجدان. # البداية الأصيلة هي شعر الفطرة. والنهاية هي ~~البداية الثانية، وهي شعر الصنعة. # شعر الفطرة هو الموضوع الحقيقي لشعر الصنعة، ~~والمظاهر الخارجية للعبارة الشعرية تبدو صيغا ~~عجيبة لعلاقات مشابهة، وعلامات دالة على الطابع ~~الشاعري للظواهر. # الاختيار الموفق ونقاء (الأسلوب). # أنسب تعبير وأصفاه. # الإيقاع والقافية. تناسق النغم. # فن الشعر. الشعر بمعناه الدقيق يوشك أن يكون هو ~~الفن الوسط بين الفنون التشكيلية وفنون الألحان. ~~موسيقى، شعر، الشعر الوصفي هل ينبغي أن يكون ~~الإيقاع مطابقا للشكل، والنغمة مطابقة للون؟ ~~الموسيقى الإيقاعية المتجانسة الألحان، النحت ~~والرسم. # عناصر الشعر. # من لا يستطيع أن يبدع القصائد لا يمكنه أن يحكم ~~عليها إلا حكما سلبيا. النقد الأصيل يرتبط ~~بالقدرة على إبداع نفس الإنتاج الذي ينقده الذوق ~~وحده لا يحكم إلا حكما سلبيا. # فن الشعر الرومانتيكي هو فن الإغراب بطريقة ~~لطيفة مقبولة، هو جعل الشيء غريبا وجعله مع ذلك ~~مألوفا وجذابا. # هناك حس خاص بالشعر؛ جو شاعري كامن فينا. إن ~~الشعر شيء شخصي تماما ومن ثم لا يمكن وصفه ولا ~~تحديده. من لا يعرف الشعر ويتذوقه بطريقة ~~مباشرة، لا يمكن أن يعطيه أحد فكرة عنه. الشعر شعر ~~إنه بعيد عن فن الكلام (اللغة) بعد السماء عن ~~الأرض. # أما عن روايته «هينريش فون أفتردنجن» فنكتفي بهذه المختارات ~~التي تتكرر فيها معظم الأفكار التي وجدناها في الشذرات: # الحلم في رأيي سلاح يحمينا من اطراد الحياة ~~وسيرها المعتاد راحة من الخيال المقيد، حيث تخلط ~~كل صور الحياة بعضها ببعض، وتقطع الجدية المستديمة ~~التي يحيا فيها البالغون عن طريق اللعب، الطفولي ~~المرح. لولا الحلم لشيخنا قبل الأوان؛ ولذلك ~~نستطيع أن نعده هبة إلهية، ورفيقا طيبا على ~~طريق الحج إلى القبر المقدس. # الحق إننا لم نعن أبدا باستكناه أسرار ~~الشعراء، وإن كنا نصغي لغنائهم بلذة ms038 واستمتاع ربما ~~كان من الصواب القول بأن ظهور شاعر في هذا العالم ~~يكون لحكمة يشاؤها القدر، لأن الأمر في الحقيقة مع ~~هذا الفن أمر عجيب. كذلك فإن الفنون الأخرى تختلف ~~عنه اختلافا شديدا، كما يمكن بالقياس إليه فهمها ~~بسهولة. (وبعد أن يبين نوفاليس طبيعة الفنون ~~المختلفة كالرسم والنحت والموسيقى والغناء يستطرد ~~في كلامه عن الشعر فيقول): أما فن الشعر فلا نجد ~~منه شيئا في الخارج، وهو كذلك لا يبدع شيئا ~~بالأيدي والأدوات، ولا تستوعب العين والأذن منه ~~شيئا لأن مجرد سماع الكلمات ليس هو التأثير ~~الحقيقي لهذا الفن المغلف بالأسرار، إن كل شيء فيه ~~يدور في عالم الباطن، وكما يملأ أولئك الفنانون ~~الحواس الخارجية بالمشاعر اللطيفة يملأ الشاعر قدس ~~أقداس الوجدان بأفكار جديدة عجيبة محببة. إنه ~~يعرف كيف يثير فينا تلك القوى الخفية الكامنة فينا ~~كما يشاء، ويمنحنا عالما مجهولا رائعا نستوعبه ~~من خلال الكلمات. إن العصور القديمة والمقبلة، ~~وجموع البشر التي لا حصر لها، والأماكن والجهات ~~العجيبة، والمشاعر والإحساسات الغريبة، تتصاعد ~~كلها في نفوسنا كأنها تخرج من كهوف عميقة، ~~وتنتزعنا من براثن الواقع المألوف. إننا نسمع ~~كلمات غريبة ولكننا نعرف مع ذلك ما تدل عليه. حكم ~~الشاعر تؤثر علينا بقوة سحرية. كذلك تخرج الكلمات ~~المألوفة في ثوب من الأنغام الخلابة فتسكر ~~المستمعين المأخوذين بسحرها. # لا بد أن الطبيعة كلها كانت في الأزمنة القديمة ~~أكثر حياة وأتم معنى منها اليوم، فالأحداث التي ~~لا تكاد الحيوانات الآن تلاحظها ولا يكاد يحس ~~بها ويتذوقها إلا الناس؛ كانت تحرك الجمادات في ~~العهود الماضية. وهكذا أمكن لأصحاب الفن وحدهم أن ~~يأتوا من الأمور ويخلقوا من الظواهر ما نحسبه ~~اليوم من الخرافات أو الخوارق التي لا يصدقها ~~العقل، من ذلك أنه عاش من أزمنة سحيقة في بلاد ~~اليونان الحالية، كما يروي الرحالة الذين صادفوا ~~هذه الحكايات الخرافية بين عامة الشعب هناك، شعراء ~~استطاعوا عن طريق الأنغام الغريبة التي تصدر عن ~~بعض الآلات العجيبة أن يوقظوا الحياة المستترة في ~~الغابات، والأرواح الخفية في جذوع الأشجار، ويحيوا ms039 ~~البذور في المناطق القاحلة المقفرة، ويخلقوا ~~البساتين الرائعة، ويستأنسوا الحيوانات الضارية، ~~ويهذبوا المتوحشين من الآدميين، ويثيروا فيهم ~~نوازع الخير والسلام، ويجعلوا من الأنهار العاتية ~~مياها هادئة بل ويوحوا إلى الأحجار الموات أن ~~تأتي حركات منتظمة راقصة. ولا بد أن هؤلاء ~~الشعراء كانوا في نفس الوقت عرافين وكهنة، ومشرعين ~~وأطباء، هبطت الكائنات العليا نفسها بقوة سحرهم ~~لكي تلقنهم أسرار المستقبل وميزان الأشياء ونظامها ~~الطبيعي، فضلا عن فضائل الأعداد والنباتات وسائر ~~المخلوقات وقدرتها على الشفاء. ولا بد أن الأنغام ~~المتنوعة والعواطف والنظم العجيبة، كما تقول ~~الخرافة، قد وجدت طريقها منذ ذلك الحين إلى ~~الطبيعة بعد أن كان كل شيء فيها وحشيا مضطربا ~~منذرا بالعدوان. # ما من شيء ألزم للشاعر من الاستبصار بطبيعة كل ~~شيء، ومعرفة الوسائل الموصلة إلى كل هدف، وحضور ~~البديهة الذي يمكنه على اختلاف الأوقات والظروف من ~~اختيار أنسب هذه الوسائل وأوفقها. إن الحماس ~~الخالي من العقل شيء عقيم وخطير، وإن الشاعر ~~ليقصر عن إتيان المعجزات، إن سمح لنفسه أن يدهش ~~بالمعجزات. # ينبغي للشاعر الشاب أن يكون على أكبر قدر كاف ~~من الرزانة والتعقل. # الوجدان الأصيل كالنور، يشبهه في هدوئه وحساسيته ~~ومرونته ونفاذه. وهو في قدرته على التأثير القوي ~~غير الملحوظ أشبه بهذا العنصر البديع الذي ينتشر ~~فوق جميع الأشياء بميزان دقيق، ويجلوها جميعا في ~~مظهر متنوع أخاذ. إن الشاعر من الصلب الخالص، ~~وهو في حساسيته أشبه بخيط من الزجاج الهش ولكنه ~~كذلك قاس كالحصاة الجامدة. # يريد الشعر بالدرجة الأولى أن يكون فنا ~~محكما. # إن أفضل الشعر لقريب منا أشد القرب، ولا يندر أن ~~يكون الشيء العادي من أحب الموضوعات إليه. والشعر ~~بالنسبة للشاعر مقيد بأدوات محدودة، وبهذا وحده ~~يصبح شعرا. # ليس هناك حد لما يمكن أن يتعلمه الشعراء من ~~الموسيقيين والرسامين. # 3 # إن على هؤلاء أن يكونوا أكثر شاعرية، كما أن ~~علينا أن نكون أكثر موسيقية. # من هذه المقتطفات نتبين أن ما يقوله نوفاليس عن الشعر يكاد ~~ينصب بأكمله على الشعر الغنائي الذي يعده الشعر الحق. فجوهر ~~هذا الشعر ms040 عنده هو إفلاته من كل تحديد، وبعده الشاسع عن بقية ~~الأنواع الأدبية الأخرى. صحيح إنه يصفه أحيانا بأنه «التعبير ~~عن الوجدان»، ولكن هناك عبارات أخرى تفسر الذات الشاعرة بأنها ~~محايدة أو بأنها مجموع العالم الباطن الذي لا يحدده إحساس ~~بعينه. إن التعقل الرزين هو رائد الفعل الشعري. فالشاعر مخلوق ~~«من الصلب الخالص»، قاس كالحجر الجامد. والشعر يؤدي إلى المزج ~~بين العناصر المتنافرة سواء جاءت مادتها من العقل أو من ~~الأشياء، إنه يحمي الإنسان من الحياة العادية، والخيال فيه ~~يتمتع بحرية تكفل له «تخليط الصور جميعا بعضها ببعض». إنه ~~اعتراض منغم على عالم من العادات والتقاليد لا يستطيع الشعراء ~~الحياة فيه لأنهم «أناس سحرة متنبئون». # الشعر إذا أشبه بالسحر. وهي علاقة ترجع إلى تراث قديم لدى ~~شعوب عديدة نظرت إلى الشاعر نظرتها إلى الساحر والعراف ~~والنبي. ولكن نوفاليس يلقي على هذه العلاقة ضوءا جديدا؛ إذ ~~يربط بينها وبين ما يسميه «البناء» و«الجبر»، أي ذلك الملمح ~~العقلي الذي يؤكده الشعر الحديث. هذا الشعر الساحر، أو هذا ~~السحر الشعري يتصف بالدقة والإحكام. إنه توحيد بين الخيال ~~والفكر، «عملية» تختلف في تأثيرها عن المتعة الخالصة التي لم ~~يعد لها مكان في الشعر. # ونوفاليس يأخذ من السحر فكرة «التعزيم» أو التعويذ التي ~~نعرفها لديهم. لكل كلمة عنده رقية وتعويذة، وكل كلمة تسحر ~~الشيء الذي تسميه أو تبطل سحره، ومن ثم كان حديثه عن سحر ملكة ~~الخيال، وقوله إن «الساحر شاعر» كما أن الشاعر ساحر. ففي ~~مقدوره أن يجعل المأخوذين أو المسحورين بكلامه يتصورون الشيء ~~ويعتقدون فيه ويحسون به كما يريد لهم أن يفعلوا. وكل هذا يشهد ~~على خيال متسلط (دكتاتوري) أو خيال طاغ مبدع، سيتكرر حديثنا ~~عنه فيما بعد، هذا الخيال هو أعظم ما في الوجود، وأعظم ما في ~~العقل، وهو مستقل عن المنبهات والمؤثرات الخارجية؛ ولذلك ~~كانت لغته «لغة ذاتية» ليس من هدفها الإفادة أو التوصيل. إن ~~الأمر مع لغة الشعر كالأمر مع «الصيغ الرياضية التي تؤلف ~~عالما مستقلا بنفسه، وتؤدي الأدوار مع نفسها ms041 وحسب.» وهذه ~~اللغة معتمة غامضة إذ قد يحدث للشاعر في بعض الأحيان ألا يفهم ~~نفسه، ويرجع هذا إلى اهتمامه «بالأحوال النفسية الموسيقية، ~~وتتابع سلسلة الأنغام والتوترات التي تتعلق بمعاني الكلمات.» ~~صحيح أن الشاعر يسعى إلى أن يفهمه الناس بعض الفهم ولكنه الفهم ~~الذي لا يقدر عليه إلا العارفون. وهؤلاء العارفون لا ينتظرون ~~من الأدب تلك الصفات التي تطلق عادة على أنواعه المنحطة؛ أي ~~الصواب، والوضوح، والصفاء، والكمال، والنظام.» ذلك لأن هناك ~~صفات أسمى كالتجانس والانسجام وتوافق الأنغام. # ثم ينتقل نوفاليس نقلة حاسمة عندما يقرر ما يشبه أن يكون ~~قانونا للشعر الحديث؛ وأعني به الفصل بين اللغة والمضمون ~~لصالح الأولى: «قصائد منسجمة النغم، ولكنها كذلك خالية من أي ~~معنى أو ترابط، لا يفهم منها إلا بعض المقطوعات المفردة، ~~كأنها مجرد شذرات من أشياء مختلفة.» سحر اللغة إذن من حقه - ~~لكي يضفي الروح السحرية على العالم - أن يحطم هذا العالم إلى ~~نتف وشذرات. ومن ثم يصبح الغموض والتفكك وعدم التماسك شروطا ~~ينبغي توافرها في الإيحاء الشعري. «إن الشاعر يحتاج اللغة، كما ~~يحتاج الموسيقي إلى أصابع البيان.» وهو ينتزع منها قوى وطاقات ~~لا تعرف عنها لغة الكلام العادي شيئا (سنلاحظ فيما بعد أن ~~مالارميه يتحدث عن «بيانو الكلمات»). # ثم يقول نوفاليس في معرض هجومه على الأدب القديم الذي كان ~~«يضع ذخيرته في نظام يسهل إدراكه»: «أكاد أقول إن الاضطراب ~~والاختلاط # chaos # يجب أن يتخلل ~~كل أنواع الأدب.» «فالأدب الجديد يؤدي إلى الإغراب الكامل.» ~~لكي يتسنى له الارتفاع بنا إلى «الوطن الأعلى». وطبيعة عمله ~~شبيهة بعمل المحلل بالمعنى الرياضي، وهي استنباط المجهول من ~~المعلوم. أما من ناحية الموضوع فإن الخلق الأدبي يخضع للمصادفة ~~كما يخضع من ناحية المنهج للتجريدات الجبرية التي تقترب من ~~تجريدات الحكاية الخرافية، أعني من ناحية تحررها من قيود ~~العالم المألوف الذي «يعاني من الوضوح الشديد.» عالم الباطن ~~المحايد بدلا من الوجدان، الخيال مكان الواقع، حطام العالم لا ~~وحدته، المزج بين العناصر المتنافرة، الاضطراب والاختلاط، ~~التأثير السحري عن طريق الغموض وسحر ms042 اللغة، التفكير المتعقل ~~الرزين الشبيه بالتفكير الرياضي، الإغراب لكل مألوف ومعتاد، ~~تلك على التحديد هي عناصر البناء الذي سيؤكده بودلير في نظريته ~~في الشعر، ويبدع رامبو ومالارميه والشعراء المعاصرون شعرهم على ~~أساسه. وسوف يظل هذا البناء صحيحا في جملته وإن تغير فيه هذا ~~العنصر أو ذاك، أو أضيفت إليه عناصر أخرى لم تكن فيه. # ونستطيع أن نختم هذا كله ونكمله بعبارات لناقد الحركة ~~الرومانتيكية الألمانية الكبير «فريدريش شليجل» تدور حول فصل ~~قيمة الجمال عن قيم الصدق والأخلاق (وهو شيء لم يكن ليرضاه ~~الأدب الكلاسيكي القديم أبدا!) والضرورة الشاعرية التي تقضي ~~بوجود الاضطراب والاختلاط، ثم حديثه عن التطرف والغرابة ~~والوحشية بوصفها من شروط الأصالة الشعرية. والمهم أن الفرنسيين ~~عنوا بقراءة نوفاليس وشليجل اللذين أثرا على الحركة ~~الرومانتيكية الفرنسية وأوحيا إليها بعدد من أفكارها الرئيسية. ~~وما دمنا قد ذكرنا هذه الحركة فلا بد من حديث قصير عنها يوضح ~~مدى تأثيرها على بودلير، أول الشعراء العظام في العصر الحديث، ~~وأول منظر للشعر الأوروبي والإحساس الفني منذ أكثر من قرن ~~من الزمان. ~~(5) الرومانتيكية الفرنسية # انطفأت شعلة الرومانتيكية الفرنسية «كمودة» أو بدعة أدبية في ~~منتصف القرن الماضي، ولكنها ظلت قدرا يحدد مصير الأجيال المتأخرة، ~~حتى تلك الأجيال التي عملت على القضاء عليها وإحلال مودات أخرى ~~محلها. وسقطت عنها كل مظاهر التطرف والبهرجة والتظاهر والتفاهة ~~الرخيصة. غير أن الوعي الذي بدأ يتغير من منتصف ذلك القرن ويتخلص ~~شيئا فشيئا من الروح الرومانتيكية ظل يلجأ إليها كوسيلة للتعبير، ~~كانت ظواهر الشذوذ والنشاز التي تحدثنا عنها في الفصل السابق كامنة ~~في أنغامها المتجانسة كمون البذرة في الثمرة. # كتب بودلير في سنة 1859م يقول: «إن الرومانتيكية بركة من السماء ~~أو من الشيطان، وقد تركت فينا جروحا لن تندمل أبدا.» # وهذه العبارة تؤيد ما قلناه من أن الأجيال التي جاءت بعد ~~الرومانتيكية لم تسلم منها، فقد أبت وهي في ساعة الاحتضار إلا أن ~~تترك عليهم آثارها الدامية. صحيح أنهم ثاروا عليها، ولكنهم فعلوا ~~ذلك لشعورهم بأنهم واقعون في أسرها؛ لذلك ms043 لا نغالي إذا قلنا على ~~سبيل المفارقة إن الأدب الحديث رومانتيكية تخلصت من الرومانتيكية ~~أو أرادت أن تتخلص منها. # إن المرارة والقتامة ومذاق التراب والخراب كلها من التجارب ~~الأساسية التي تفرض نفسها على الرومانتيكي كما ينميها هو في ~~نفسه. # ولقد كان الفرح والسعادة بالنسبة للحضارة القديمة والحضارات ~~التالية لها حتى القرن الثامن عشر يمثلان القيمة النفسية الرفيعة ~~التي تدل على كمال حكمة الحكيم، وإيمان المؤمن، وبسالة الفارس، ~~وحنكة السياسي، وثقافة المثقف. وكان الحزن والكآبة - اللهم إلا أن ~~يكونا شيئا عارضا - يمثلان الفساد والانحراف، بل لقد كان رجال ~~الدين يعدونهما خطيئة كبرى. ثم تغيرت الحال منذ بدأ الإحساس ~~بالعذاب والألم يسود الوجدان الغربي في المرحلة السابقة على ~~الرومانتيكية في القرن الثامن عشر. تراجعت السعادة والفرح من ~~الأدب، وحلت مكانهما الكآبة والعذاب الكوني. وراحت هذه الكآبة ~~وهذا الإحساس الأسيان بالعذاب يستمدان غذاءهما من نفسهما، وسرعان ~~ما أصبحا من علامات السمو والنبل الروحي. إن شاتوبريان الرومانتيكي ~~الأصيل يكتشف الكآبة التي لا سبب لها ولا تتعلق بموضوع خارجي، ~~ويجعل من «علم القلق والأحزان» غاية الفنون، ويفسر التمزق النفسي ~~بأنه نعمة من نعم المسيحية. وينتشر هذا الشعور بالانحلال ~~والانهيار، ويصبح نبعا ينساب في قلوب هؤلاء المعذبين، ينهلون من ~~مائه الدامي ويتلذذون بغرائبه ومفارقاته. ولا تلبث اللهفة أن ~~تتعلق بكل ما يتسم بالشذوذ والتحطيم والأجرام. # ويصبح الشعر الغنائي في إحدى قصائد ألفريد دي فيني (بيت الراعي) ~~شكوى من أخطار التقنية # 4 # التي تتهدد الروح. وتبدأ فكرة العدم في أداء دورها، ~~فتنطلق لأول مرة على لسان ألفريد دي موسيه الذي راح يعبر عن عواطف ~~جيل من الشباب تحمس فترة من الزمن لنابليون ثم وجد نفسه فجأة ~~يصطدم بعالم من الوهم والعبث والخراب والصمت، عالم من العدم. ها هو ~~ذا يكتب قائلا: «إنني أومن بالعدم كما أومن بنفسي.» وأخيرا تتحول ~~الشكوى والكآبة إلى خوف غامض من المجهول الفظيع. ويكفي أن نستشهد ~~ببيت ورد في إحدى قصائد جيراردي نيرفال التي تحمل عنوانا يشذ عن ~~مضمونها (أبيات ذهبية، 1840م): ~~«خف ms044 نظرة في الجدار الأعمى تتلصص عليك.» # وسوف نرى كيف تستمر هذه المشاعر كلها في قصائد بودلير، وكيف ~~تتغير وتتحول بالتدريج ... # ويتأثر الرومانتيكيون الفرنسيون بالنماذج الألمانية في تفسيرهم ~~لطبيعة الشعر والشعراء. فالشاعر عندهم كاهن في معبد الفن المقدس، ~~ونبي وعراف لا يفهمه أحد. والشعراء يؤلفون حزبا يعارض جماهير ~~الطبقة الوسطى (البرجوازية) ثم يؤلفون فيما بينهم أحزابا يعارض ~~بعضها البعض. وتفقد العبارة المشهورة التي صاغتها الناقدة التي ~~اشتهرت برحلتها في ألمانيا وكتابتها عن الأدب الألماني، مدام دي ~~ستايل، وهي أن الأدب هو التعبير عن المجتمع؛ تفقد هذه العبارة ~~معناها. # ويتكرر في الأدب ما حدث في الثورة من احتجاج على المجتمع القائم، ~~ويصبح أدب الرفض أو أدب «المستقبل»، وأخيرا يصبح أدب انعزال ~~فخورا بوحدته وانفراده. وتتحقق فكرة روسو من أن الأصالة في الأدب ~~تعتمد على الشذوذ والغرابة فتؤمن بها هذه الأجيال والأجيال ~~اللاحقة. # ما من شك في أن تجارب العذاب والألم والكآبة والعدمية التي تغنى ~~بها الشعراء كاذبين أو صادقين قد أطلقت كثيرا من طاقاتهم الكامنة، ~~وأدت للشعر نفسه خدمات جليلة، فلقد ازدهر الشعر الفرنسي في ظل ~~الحركة الرومانتيكية وبلغ قمة مجده الذي استمر قرابة ثلاثة قرون. ~~والذي يقرأ هذا الشعر سيجد فيه أشياء رائعة لا يقلل من روعتها ~~أنها لم تنتشر على صعيد القارة الأوروبية. لقد استفاد من تلك ~~الفكرة التي ذاعت في كل مكان من أن الشعر هو اللغة الأولى أو اللغة ~~الأم للبشرية، اللغة الشاملة للذات الشاملة التي لا تعرف حدودا ~~فاصلة بين المواد والموضوعات، ولا تعرف كذلك الحدود الفاصلة بين ~~الحماس الديني والحماس الشعري. وقد استطاع الشعر الرومانتيكي في ~~فرنسا أن يعمق التجارب الباطنة ويلونها، ويتأثر تأثرا خلاقا ~~بالأجواء الغريبة في بلاد الجنوب وبلاد الشرق، ويبدع أجمل الشعر ~~وأرقه في الحب ووصف الطبيعة، ويثبت قدرته الفائقة على التمكن من ~~الصنعة. سنحس بهذا الشعر الخطابي الخصب الذي يومض كاللهب عند ~~فيكتور هيجو، وسنرى مع ذلك أنه قد يوفق، في أحيان كثيرة إلى ~~التعبير عن لواعج الباطن، توفيقه في رسم صور ms045 نابضة بالحياة. وسنجد ~~في شعر موسيه مزيجا من التهكم المرير والألم الدفين، وفي شعر ~~لامارتين عذوبة النغم الصافي الذي وصفه بأنه ناعم الملمس ~~كالقطيفة. # ولو أردنا أن نفتش هنا عن بدايات الشعر الحديث والمعاصر لوجدناها ~~في الاهتمام باللغة، والبحث عن الطاقات الكامنة في الكلمة . إن ~~فيكتور هيجو لم يكتف بتطبيق هذا على شعره بل حاول أيضا أن يبرره ~~ويثبته مستعينا بعدد كبير من الشعراء السابقين عليه. اقرأ مثلا ~~هذه العبارة من تأملاته # contemplations ~~: «الكلمة كائن ~~حي، وهي أقوى ممن يستخدمها؛ إنها وهي التي خرجت من الظلام تخلق ~~المعنى الذي تشاؤه، إنها هي ما ينتظره منها الفكر والرؤية والعاطفة ~~في الخارج وأكثر منه أيضا، هي اللون، والليل، والفرح، والحلم، ~~والمرارة، والمحيط، واللانهاية، إنها كلمة الرب ...» # وسوف يكون علينا أن نذكر هذه العبارة كما نذكر عبارات أخرى جاءت ~~على لسان ديدرو ونوفاليس إذا أردنا أن نفهم فكرة مالارميه عن قدرة ~~اللغة على المبادرة والمبادأة، وإن كنا سنجد عند مالارميه من الضبط ~~والإحكام ما لم نجده في عبارة هيجو المتوهجة بالحماس. ~~(6) الشذرة والمسخرة # ربما بدا عنوان هذه الفقرة غريبا منفرا، ولكنه يدل على ~~فكرتين من الأفكار الرئيسية في مفهوم الشعر الحديث. ونبدأ بنظرية ~~المسخرة (أو الجروتيسك) التي شرحها فيكتور هيجو في المقدمة ~~المشهورة التي كتبها لمسرحيته «كرومويل (1827م)». والنظرية جزء من ~~نظريته في الدراما، وتعد في الحقيقة من أعظم ما أضافته ~~الرومانتيكية الفرنسية. ولعل جذورها أن تكون ممتدة في أقوال ~~فريدريش شليجل عن الدعابة والتهكم اللذين تتصل بهما معان أخرى ~~تحدث عنها أيضا مثل الاختلاط (الكاوس)، والخفة الأبدية، ~~والتهريج المتعالي (الترنسندنتالي) وطابع الجزئية أو الشذرة. ذلك ~~شيء نرجحه ولا نقطع به، اعتمادا على ما قلناه من تأثر ~~الرومانتيكيين الفرنسيين بجيرانهم الألمان، وبخاصة نوفاليس ~~وشليجل. # مهما يكن من شيء فقد ومضت في مقدمة فيكتور هيجو (وكان عمره إذ ~~ذاك خمسة وعشرين عاما) بعض الخواطر الأصيلة التي تنبئ بأحد ~~المظاهر الرئيسية في الشعر الحديث وإن كان من الواجب مع ذلك ألا ~~نقيسها بمقياس عقلي دقيق، ms046 ونقصد بذلك خواطره عن السخرية ~~والمسخرة. # وقد كانت كلمة المسخرة في بداية الأمر تعبيرا يرد في لغة ~~الرسامين للدلالة على الزخارف التي كانت ترسم على هامش اللوحات أو ~~التهاويل التي تمثل ما يشبه الإطار المحيط بها وتصور في الغالب ~~موضوعات خرافية. ثم اتسع مفهوم الكلمة منذ القرن السابع عشر ~~وانتشر في مجالات الأدب والفن المختلفة فأصبحت تدل على كل غريب أو ~~عجيب أو مضحك أو مشوه تشويها يبعث على السخرية. # كان هذا هو الذي فعله فيكتور هيجو، ولكنه زاد على هذه المعاني ~~كلها معنى القبح. فهو لم يتوسع في نظريته عن المسخرة فحسب، بل ~~سوى بين الجمال والقبح، وتلك في الحقيقة هي أهم خطوة خطاها ~~الشاعر الفرنسي، وكان لها بعد ذلك أبعد الأثر في نظرية الشعر ~~الحديث، ففكرة القبح التي كان ينظر إليها نظرة الإزراء ولا يسمح ~~بها إلا في الأنواع الأدبية المنحطة أو على هامش الفنون ~~التشكيلية؛ قد ارتفعت قيمتها حتى أصبحت قيمة ميتافيزيقية. # وفيكتور هيجو يصدر في هذا كله عن فكرته عن العالم الذي يراه في ~~حقيقته منقسما على نفسه إلى أضداد متصارعة، كما يرى أنه لا يتحد ~~مع نفسه إلا بفضل هذا الصراع بين الأضداد. والفكرة قديمة قدم ~~هيراقليطس، ولكن الذي يضيفه شاعرنا هو الدور الجديد الذي تقوم به ~~فكرة القبح في نظريته؛ فلم يعد القبح قيمة مضادة للجمال، بل أصبح ~~عنده قيمة مستقلة بنفسها، تظهر في العمل الفني على صورة المسخرة، ~~أي على صورة كيان ناقص مشوه متنافر. والنقص كما يقول هيجو: ~~«هو أنسب وسيلة لتحقيق الانسجام.» وإذن ففكرة التجانس قد غيرت ~~مدلولها القديم بحيث أمكن أن يدخل فيها التنافر وعدم الانسجام، ~~ونقصد به تنافر الأجزاء أو الشذرات الناقصة، ووظيفة المسخرة أن ~~تريحنا من الجمال وتجنبنا رتابته «بصوتها الزاعق». إنها تعكس على ~~مرآتها ذلك التنافر أو النشاز القائم بين المراتب الحيوانية ~~والمراتب الإنسانية العليا، وتشوه الظواهر أو تفتتها إلى قطع ~~متناثرة معبرة عن أن «الكل العظيم» لا يمكن أن يدرك إلا على ~~صورة شذرات؛ لأن إدراك ms047 الكل يتعارض مع طبيعة الإنسان. # ولكن ما هو هذا الكل؟ الغريب أن فيكتور هيجو لا يجيب على هذا ~~السؤال أو يجيب عنه إجابة مضطربة. ولعله أراد أن يجيب عنه إجابة ~~مسيحية، كأن يقول مثلا إنه العلو (أو الترانسندنس) الخالي من كل ~~حقيقة. # المهم أنه لا يرى منه إلا حطامه الذي يتبدى له على هيئة نتف ~~ممزقة تثير المسخرة وإن كانت لا تثير الضحك ولا تتصل به، ولو كان ~~فيه شيء يضحك لكان ضحكا أقرب إلى التهجم والفزع والتكشير عن ~~الأنياب؛ ضحكا من ذلك النوع الذي يبعث على الإحساس بالقلق والتوتر ~~الذي تتطلع إليه النفس الحديثة أكثر مما تتطلع للهدوء والراحة ~~والاستقرار. # تلك نظريات رومانتيكية سنجدها بعد سنوات قليلة عند كاتب مثل ~~تيوفيل جوتييه. إنها بعض من هذه الجراح التي تحدث عنها بودلير ~~وذكرناها في الصفحات السابقة. وهي تمهد الطريق على كل حال لقصائد ~~فيرلين عن المهرجين، ولكثير من شعر رامبو وترستان كوربيير، كما ~~تشير إلى «المزاج الأسود» الذي عرف عن السرياليين وسلفهم لوتريمو، ~~وإلى كل ألوان العبث والمحال التي نلمسها لدى المعاصرين. وهي إن ~~دلت على شيء فإنما تدل على الحقيقة الشاملة المتعالية (أو ما يعرف ~~في لغة الفلسفة بالترانسندنس) # 5 # التي استحالت عند المحدثين إلى شذرات ممزقة وألوان ~~وأنغام متنافرة، فلم يعد أحد يعتقد بكليتها وشمولها أو يؤمن ~~بانسجامها وتجانسها. # الفصل الثاني # | بودلير (1821-1867م) شاعر العصر ~~الحديث # العالم ممل وصغير اليوم وأمس وغدا. ~~*** # تمهيد # ما من شاعر استحق هذه التسمية مثل بودلير؛ فلم يقتصر أثره على ~~الشعر الحديث من بعده إلى يومنا الراهن فحسب، بل امتد كذلك إلى ~~نظريات فن الشعر التي تتحدث عن طبيعة بنائه وظواهره ~~وقضاياه. # صار الشعر الفرنسي بعد بودلير مسألة تعني القارة الأوروبية كلها. ~~ويكفي أن نذكر تأثيره على الإنتاج الشعري في ألمانيا وإنجلترا ~~وإسبانيا وإيطاليا، بل يكفي أن الفرنسيين أنفسهم سرعان ما تبينوا ~~أن هذا الشعر كان أبعد أثرا من شعر الرومانتيكيين، وأن التيارات ~~الجديدة التي انبعثت منه كانت أعظم قوة وأشد إثارة. لقد ms048 نفذ في ~~قلوب فيرلين ورامبو ومالارميه، واعترف هذا الأخير بأنه بدأ من حيث ~~انتهى بودلير. ولم يتردد شاعر كبير مثل فاليري في أن يتتبع قبل ~~موته بقليل ذلك الخط المباشر الذي يصل من بودلير إليه، ثم جاء صوت ~~الشاعر العظيم توماس إليوت ليؤكد في دراسته الهامة عنه أن بودلير ~~هو أعظم مثل للشعر الحديث في أية لغة من اللغات. ولسنا بحاجة إلى ~~الاستطراد في هذه النماذج والنصوص؛ فكل من يقرأ بودلير اليوم يعرف ~~بغير شك أنه الرائد الذي وضع أساس هذا البناء الشامخ الغريب الذي ~~نسميه بالشعر الحديث. بل إن القارئ الذكي لن يعدم أثره هنا وهناك ~~على رواد شعرنا العربي الجديد. # لا غرابة إذن في أن يكون بودلير هو شاعر العصر الحديث، وأن يحس ~~هو نفسه أنه جدير بهذه التسمية؛ فهو الذي استخدم الكلمة لأول مرة ~~في سنة 1859م، واعتذر عن غرابتها وجدتها، ثم اضطر إليها للتعبير ~~عما يميز الفنان الحديث. وما يميز الفنان الحديث هو أن يحيا في ~~صحراء المدينة الكبيرة فلا يرى سقوط الإنسان فحسب، بل يحس كذلك ~~بنوع من الجمال الغامض الذي لم يكتشف من قبل، والواقع أن هذه هي ~~نفسها مشكلة بودلير: كيف يمكن أن يحيا الشعر في ظل المدنية التي ~~سيطرت عليها التجارة والصناعة؟ ونستطيع أن نقول إن شعره يشير إلى ~~الطريق، ونثره يتأمله ويتفكر فيه. # ولكن إلى أين يؤدي هذا الطريق؟ إنه طريق الخروج من سجن الواقع ~~الضيق، طريق النجاة من تفاهته إلى منطقة السر. ولكن ما يميز بودلير ~~أيضا أنه يأخذ معه عناصر هذه المدنية المثيرة وهذا الواقع التافه ~~إلى تلك المنطقة الغامضة التي قد تكون في أعماق الحضيض أو في أعالي ~~القمم، وأنه يضفي عليها رفيف الشعر واهتزازه وخلجاته، ولا نبالغ ~~إذا قلنا إنه بهذا يمهد للشعر الحديث ويلمس طبيعته السحرية القاسية ~~في آن واحد. # لعل أهم ما يميز بودلير هو دقة عقله ونصاعة وعيه الفني. إن ~~العبقرية الشعرية والذكاء النقدي يتحدان في طبيعته. وآراؤه في فن ~~الشعر وطبيعة الخلق الشعرى ms049 تقف على مستوى واحد مع إنتاجه، بل قد ~~تزيد عليه في أهميتها وخطرها، شأنه في ذلك شان الشاعر الرومانتيكي ~~نوفاليس الذي تعد آراؤه المنثورة في شذراته أهم بكثير من أعماله ~~الأدبية، وأقوى منها تأثيرا على الأجيال من بعده. وقد جمع بودلير ~~أفكاره وآراءه تلك في مجموعتين من المقالات هما «تطلعات جمالية» ~~و«الفن الرومانتيكي». # 1 ~~(وقد نشر كلاهما في سنة 1868م بعد موته.) وفي هذين ~~الكتابين تفسيرات عديدة لأعمال فنية عاصرها بودلير، لا في الأدب ~~وحده، بل كذلك في الرسم والموسيقى. وهي ظاهرة يتكرر فيها عند ~~بودلير ما لمسناه من قبل عند ديدرو من استفادة بالفنون الأخرى في ~~معرفة طبيعة الأدب والخلق الشعري. ولكن تحليلات بودلير وتفسيراته ~~تزيد عن ذلك كله في أنها تقدم تحليلا لضمير العصر ولفكرة الحداثة ~~بوجه عام، ينبع من إيمانه بأن الأدب والفن هما التعبير عن روح ~~العصر وقدره. وهو بهذا يخطو الخطوة الأولى على الطريق الذي سيقطعه ~~مالارميه فيما بعد، وأعني به الطريق إلى الشعر الأنطولوجي ~~(الوجودي) ونظريته الوجودية في فن الشعر. ~~(1) التخلي عن النزعة الشخصية # طرق كثير من الباحثين موضوع العلاقة بين بودلير وبين ~~الرومانتيكيين ونود هنا أن نتحدث بإيجاز عن الدوافع والأسباب التي ~~مكنت بودلير من تحويل التراث الرومانتيكي إلى لون جديد من الأدب ~~والتفكير، أدى بدوره إلى لون جديد من الشعر الغنائي عند ~~المتأخرين. # ويحسن أن نبدأ هذا الحديث بالكلام عن ديوان بودلير الشهير «زهور ~~الشر» (1857م). # وزهور الشر ليست من شعر الاعتراف الذاتي في شيء، وليست كذلك من ~~قبيل المذكرات الشخصية الخاصة التي يسجل فيها الأديب قصة حياته ~~وآلامه، على الرغم مما نجده فيها من عذاب شاعر وحيد شقي مريض. ~~ولم يحدث أن دون بودلير تاريخ كتابة قصائده، كما فعل فيكتور هيجو ~~على سبيل المثال. ولو حاولنا الربط بين إحدى هذه القصائد وبين ظروف ~~حياته لما خرجنا من ذلك بشيء يلقي بعض الضوء على موضوعها. ولذلك ~~فلا بد من القول بأن بودلير أول شاعر حديث تنفصل حياته عن أدبه، ~~وإذا أردنا المزيد ms050 من الدقة أمكننا أن نقول إن الاتجاه إلى التخلي ~~عن النزعة الشخصية والعواطف الذاتية في الشعر الحديث قد بدأ مع ~~بودلير. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة قلنا إن الكلمة الشعرية لديه ~~لم تعد تصدر عن وحدة تجمع بين الشعر والشاعر الحي كما حاول ~~الرومانتيكيون ذلك وحققوه إلى حد كبير، على خلاف قرون كثيرة ~~سابقة من الإنتاج الأدبي. وكلام بودلير في هذا الموضوع يستحق أن ~~يؤخذ مأخذ الجد. ولا يقلل من شأنه أنه يعتمد فيه على كلام مشابه ~~قال به الكاتب الشاعر الأمريكي إدجار آلان بو الذي ترجم بودلير ~~العديد من مقالاته وأقاصيصه. # كان «بو» أول من فصل فصلا حاسما بين الشعر والشاعر أو بين ~~الكلمة والقلب. كان يريد أن يكون موضوع الشعر هو العاطفة المتأججة، ~~على أن تكون عاطفة لا صلة لها بالعاطفة الذاتية أو الشخصية ولا بما ~~سماه «نشوة القلب». # 2 # إنه يريد بها نوعا من الحساسية الشاملة، يسميها في ~~بعض الأحيان «الروح» ليسرع بعد ذلك بقوله: «لا القلب!» # وبودلير يكرر في هذا الموضع - وفي مواضع أخرى عديدة من آرائه ~~النقدية - ما يقوله «بو»، وإن عدل بعض الشيء في صياغته. فهو يقول ~~مثلا (ص1031 وما بعدها): «إن مقدرة القلب على الإحساس ليست في ~~صالح العمل الأدبي.» # ماذا يكون إذن في صالحه؟ مقدرة المخيلة على الإحساس. ولكن ماذا ~~يفهم بودلير من كلمة المخيلة أو ملكة الخيال؟ هي عنده قوة تعمل ~~بتوجيه من العقل (وسنعود لذلك بالتفصيل فيما بعد). # ولذلك ينصح الشاعر بالبعد عن كل نزعة عاطفية ذاتية، والانصراف ~~إلى «المخيلة الناصعة» التي تستطيع في رأيه أن تنهض بواجبات لا ~~تقوى عليها العاطفة. ويقول أيضا على لسان الشاعر «إن مهمتي تخرج ~~عن الحدود البشرية» (ص1044). كما يقول في إحدى رسائله إنه يتعمد أن ~~تكون أعماله الأدبية غير شخصية، أي تكون قادرة على التعبير عن كل ~~الأحوال الوجدانية التي يمكن أن يحس بها الإنسان، والأحوال ~~المتطرفة، منها بوجه خاص. أليس ثمة مكان للدموع؟ أجل، ولكنها ~~الدموع التي لا تنحدر من القلب. ms051 والشعر لا يكون شعرا بحق حتى يثبت ~~مقدرته على أن يضع القلب في حالة حياد. # يريد بودلير للذات (أي جماع العواطف والانفعالات الشخصية التي ~~أسميناها بالقلب) أن تكون في حالة حياد. وهو بذلك يضع يده على ~~ملمح هام من ملامح الشعر الحديث، وأعني به نزعة التجرد من ~~الذاتية، أو اطراح النزعة البشرية كما يسميها بعض النقاد، ونحن ~~نجد في إنتاج بودلير وفي آرائه النقدية ذلك التخلي عن الذاتية الذي ~~سيؤكد «أورتيجا أي جاسيه» و«إليوت» وغيرهما أنه شرط ضروري لصدق ~~الشعر ودقته. # ومع ذلك فلا يجب أن نفهم من هذا أن بودلير يلغي «الأنا» أو ~~«الذات»، لأن قصائد «زهور الشر» تكاد كلها تتحدث عن «الأنا» أو ~~تعبر عنها. فبودلير شاعر عاكف على نفسه بكل ما في كلمة العكوف من ~~معنى (ولا أقول الانطواء حتى لا تفسر الكلمة بمعنى المرض ~~النفسي أو غيره من التفسيرات النفسية السخيفة)! ومع ذلك فيندر أن ~~يلتفت هذا العاكف على نفسه عندما يكتب شعره إلى ذاته التجريبية أو ~~الشخصية. إنه يعبر عن نفسه من حيث هو إنسان يتعذب بروح العصر ~~الحديث ويعاني آلامه، ومن حيث هو شاعر يدرك هذه الحقيقة ويعيها ~~تمام الوعي. إنه واقع في أسرها، وما أكثر ما قال إن العذاب الذي ~~تقاسيه ليس عذابه هو وحده! بل إن بعض قصائده التي لا تزال تعلق بها ~~بقية من عذابه الشخصي لا تعبر عن هذا العذاب إلا بطريقة غامضة ~~وغير دقيقة. ولذلك فلا نستطيع أن نتصور مثلا أنه كان في إمكانه أن ~~يكتب قصيدة من نوع القصيدة المشهورة التي كتبها فيكتور هيجو عن ~~موت طفل. إنه يتعمق ذاته الشخصية تعمقا منهجيا دقيقا ليفتش ~~عن كل القيم والآلام «غير الشخصية» أو «فوق الشخصية» التي يعانيها ~~عصره كله: القلق، والضياع والسقوط، وانهيار النفس التي تشتاق إلى ~~عالم مثالي تراه يتدهور في هوة الفراغ، وهو يتحدث عن هذا القلق ~~النفسي الذي يعانيه تحت وطأة هذا القدر. # والواقع أن «القلق» والقدر، من الكلمات الدالة على فكر بودلير، ~~كما أن «التركيز» ms052 و«التمركز» من مفاتيح شخصيته، وكأني به قد اتخذ ~~لنفسه شعارا كلمة أمرسون: «البطل هو الذي لا يشغله عن التركيز ~~شيء.» أما الكلمات المضادة فهي «التفكك» و«الدعارة»؛ والأخيرة تعني ~~الاستسلام، والتخلي عن القدر الروحي، والهروب إلى الآخرين، ~~والخيانة عن طريق التشتت. وكلها كما يؤكد بودلير من ظواهر المدنية ~~الحديثة كما هي من الأخطار التي عاهد نفسه أن يحميها من شرها، وإنه ~~لقادر على ذلك بفضل القدر الذي هيأته له طبيعته، وبفضل التركيز ~~على «الأنا» التي تخلصت من الأعراض الشخصية وارتفعت حتى صارت وعاء ~~يحتوي العصر كله. ~~(2) التركيز والوعي بالشكل؛ الشعر والرياضة # ليس بودلير من الأدباء الذين تقاس خصوبتهم بعدد الموضوعات التي ~~يطرقونها، بل بمدى العمق في تناولها. فلقد تناول عددا قليلا من ~~الموضوعات التي ظل طوال حياته يدور في فلكها ويرجع إليها بالتهذيب ~~والتنقيح من حين إلى حين. ومن المدهش حقا أنها تظهر في ~~الأربعينات، أي في فترة مبكرة من حياته، وأنه لم يكد يزيد عليها ~~بعد ذلك شيئا ذا بال، بل ظل منذ ظهور «أزهار الشر» حتى وفاته لا ~~يكاد يخرج عن دائرتها. هذه الموضوعات القليلة التي ساعدت مقالاته ~~ومذكراته الشخصية ورسائله على تثبيتها والتركيز عليها، تتخلل ~~ديوانه وتجعل منه ما يشبه النسق المنظم أو الكيان العضوي الحي. وهي ~~على قلتها أقرب إلى أن تكون تحولات أو متنوعات على لحن رئيسي ~~واحد يفيض بالألم والصراع، ونستطيع أن نسميه لحن التوتر بين النزعة ~~الشيطانية والنزعة المثالية. هذا التوتر يظل قائما بلا حل أو ~~نهاية، ولكنه يظل كذلك محتفظا بالنظام والتسلسل اللذين يميزان كل ~~قصيدة على انفراد. # والواقع أننا لن نفهم تطور الشعر الحديث حتى نفهم هذا التوتر ~~الذي سيصل إلى غايته في شعر رامبو فيصبح لحنا من النشاز المطلق ~~الذي تحطم فيه كل تماسك ونظام، ويزيد حدة وعنفا في شعر مالارميه ~~وإن طرق به موضوعات أخرى وخلق له لغة جديدة غامضة موغلة في ~~الغموض. ~~••• # لقد حذر بودلير كما رأينا من الاستسلام «لنشوة القلب». وتركز ~~قصائده على عدد من الموضوعات القليلة يحقق ms053 هذا الغرض. صحيح أن هذه ~~النشوة قد تظهر في بعض شعره، ولكنها ليست هي الشعر نفسه بل مادته. ~~ففي رأيه أن الفعل المؤدي إلى الشعر الخالص فعل كله جهد وتعب وبناء ~~ومعمار وتجريب متصل لطاقات اللغة وبواعثها. ولقد نبه بودلير إلى ~~أن زهور الشر لا تريد أن تكون مجرد «ألبوم» يضم عدة قصائد، وإنما ~~هي كل متكامل يبدأ وينمو وينتهي إلى غاية. قد لا تخرج من ناحية ~~المضمون عن مجموعة من العواطف السلبية كاليأس والشوق إلى الموت ~~والشلل والتطلع المحموم إلى المثال والانفعالات الشاذة. ولكن هذه ~~العواطف كلها محصورة في إطار من التأليف المحكم المدروس. ولذلك لا ~~نكون مبالغين إذا قلنا إن زهور الشر - بجانب أغاني بتراركا وديوان ~~أنشودة لجيان الإسباني - هي أكثر مجموعات الشعر الأوروبي الحديث ~~دقة وإحكاما، ولقد راعى بودلير في كل ما أضافه إليها بعد ظهور ~~الطبعة الأولى سنة 1845م أن يكون متفقا مع الإطار العام الذي وضعه ~~لها منذ البداية. بل إن حرصه في تلك الطبعة على أن يكون عدد ~~القصائد مائة تقسم إلى خمس مجموعات، يدل على حرصه الشديد على دقة ~~الشكل والبناء. صحيح أن هذه النزعة الشكلية عنصر مشترك بين أبناء ~~الروح الرومانية أو اللاتينية، ولكن الآثار الباقية من التفكير ~~المسيحي في شعره تدل من ناحية أخرى على تأثر البناء الشكل لقصائده ~~بالاتجاه الرمزي العام الذي غلب على أواخر العصور الوسطى، عندما ~~كانت أشكال التأليف الأدبي انعكاسا لنظام الكون الذي خلقه ~~الله. # تخلى بودلير في الطبعات التالية من زهور الشر عن ذلك العدد ~~الكامل، ولكنه لم يتخل عن النظام الداخلي الذي يربط بين قصائدها، ~~بل زاده قوة. والنظرة العابرة إلى الديوان الشهير تكفي لتعرف هذا ~~النظام. فبعد أن يبدأ بقصيدة تمهد للديوان كله «إلى القارئ» نجد ~~المجموعة الأولى «ملال ومثال» تتناول التضاد القائم بين الارتفاع ~~والسقوط، والثانية «لوحات باريسية» تشير إلى محاولة الفرار إلى ~~عالم المدنية الكبيرة، والثالثة «النبيذ» تصور الانطلاق إلى جنة ~~مصطنعة. # ولكن الشاعر لا يجد الراحة التي كان ينشدها؛ ولذلك يستسلم ms054 لإغراء ~~التخريب والتدمير الذي تدور عليه قصائد المجموعة الرابعة التي جعل ~~عنوانها «زهور الشر» عنوانا للديوان كله. وينتهي به التخريب ~~والتدمير إلى التمرد الساخر على الله في المجموعة الخامسة «تمرد». ~~ولا يبقى أمامه إلا التماس الراحة في الموت، هذا المجهول المطلق. ~~وبذلك ينتهي الديوان بالمجموعة السادسة والأخيرة «الموت». # ولا يقتصر هذا البناء المعماري على تكوين الديوان في مجموعه، بل ~~يتخلل المجموعات نفسها كنوع من التسلسل الديالكتيكي للقصائد. ولذلك ~~نجد الديوان كله أشبه بنسق أو نظام متحرك، تتغير خطوطه من الداخل، ~~ويسير في اتجاهه العام كالمنحنى من أعلى إلى أسفل. ونهاية المطاف ~~في الحضيض أو الهاوية. والأمل في الجديد لن يكون إلا فيها. ولكن ما ~~هو هذا الجديد؟ عبثا نبحث عن اسم له. فالأمل المعلق بالهاوية لا ~~يعرف له كلمة تسميه. # زهور الشر إذن بناء منظم مقصود، وهذا وحده يؤكد بعد بودلير عن ~~الرومانتيكيين الذين لم تكن دواوينهم الشعرية سوى مجموعات من ~~القصائد رتبت كيفما اتفق، وعبرت بذلك من ناحية الشكل عن عفوية ~~الإلهام وخضوعه للصدفة والاتفاق. وهو يؤكد أيضا أهمية الدور الذي ~~تؤديه الطاقات الشكلية في أدب بودلير. فليست هذه الطاقات والقوى ~~الشكلية مجرد حلية أو تقليد، ولكنها وسيلة الإنقاذ التي يلجأ إليها ~~الشاعر للنجاة من الأزمات الروحية التي تحاصره بالقلق والعذاب. ~~ولقد عرف الأدباء والشعراء دائما هذه الحقيقة البسيطة أو هذا ~~العزاء الوحيد: إن الغناء يبدد الألم والعناء، والتعبير يرتفع ~~بالتعاسة والشقاء. وعرفوا دائما أنه لا سبيل إلى التطهر من العذاب ~~حتى يتحول أو يتشكل عن طريق الكلمة. فلما جاء القرن التاسع عشر ~~وتحول العذاب الخصب إلى صحراء مجدبة بالوحشة والضياع والعدم، ~~أصبح الشكل هو المنقذ الوحيد. وكان حتما أن تكون العلاقة بين ~~الشكل المحكم المستقر الهادئ وبين المضمون القلق المتوتر علاقة ~~تنافر ونشاز. ومثلما انفصلت القصيدة عن القلب تباعد الشكل عن ~~المضمون، وأصبحنا نواجه أحد الملامح الرئيسية في الشعر الحديث، وهو ~~التنافر أو النشاز. # سيبقى المضمون متفجرا كالبركان بالعذاب والقلق والتناقض. وسيكون ~~على الشاعر أن يبحث عن النجاة ms055 في تجاربه الشكلية مع اللغة. # ويعبر بودلير في مواضع كثيرة من كتاباته عن الشكل كوسيلة للنجاة ~~والإنقاذ. فهو يقول مثلا: «إن المزية المدهشة للفن هي أن الشيء ~~المفزع المخيف يصبح جميلا إذا عبر عنه تعبيرا فنيا، وإن ~~الألم الذي يدخله الإيقاع والتكوين يملأ الروح بالفرح الهادئ» ~~(ص1040). والعبارة وإن شابها بعض الغموض تفصح في الواقع عن اقتناع ~~بودلير بتفوق إرادة الشكل على إرادة التعبير، وعن شوقه إلى التماس ~~الأمان والاطمئنان في الشكل، والبحث عن «خاتم الأمان المنقذ» كما ~~سيقول الشاعر الإسباني جيان في إحدى قصائده، وهو يقول في موضع ~~آخر: «من الواضح تماما أن قوانين الوزن ليست قوانين طاغية ~~اختلقت اختلاقا؛ إنها قواعد تتطلبها بنية العقل نفسه. ولم يحدث ~~أبدا أن كانت عقبة في طريق الأصالة، بل إن العكس هو الأصح إلى ~~أبعد حد؛ فلقد كانت دائما خير عون للأصالة على النضوج» (ص779). ~~وسيعود علم من أعلام الموسيقي الحديثة وهو سترافنسكي إلى هذه ~~العبارة نفسها في كتابه «فن الموسيقى» كما ستتكرر الفكرة بعينها ~~عند مالارميه وفاليري. ولم يرجع هؤلاء إلى هذا النص لمجرد أنه يؤكد ~~وعي الروح اللاتينية بالشكل، بل لأنه يدعم التجربة العملية التي ~~يمارسها المحدثون ويؤثرونها على غيرها، هذه التجربة التي تجعلهم ~~يتناولون القواعد المتواضع عليها في القافية، وعدد المقاطع في ~~البيت الواحد وبناء المقطوعة في القصيدة كما لو كانت أدوات تؤثر ~~بدورها على اللغة وتنتزع منها إمكانيات وتضطرها إلى ردود أفعال لم ~~يكن المضمون الأصلي وحده ليصل إليها بنفسه. # أثنى بودلير ذات مرة على الرسام الفرنسي دومييه، فقال إن لديه ~~المقدرة على تصوير كل ما هو منحط وفاسد وتافه في صورة واضحة ~~دقيقة. ولقد كان في استطاعة بودلير أن يطبق هذا الكلام على نفسه. ~~فإنتاجه الأدبي يجمع بين الألم المميت والدقة الشديدة في وحدة ~~واحدة، ويمهد بذلك للشعر الذي سيجيء بعده. وقد كان نوفاليس وإدجار ~~بو أول من أدخل فكرة الحساب الدقيق في نظرية الأدب. والتقط بودلير ~~الفكرة فوجدناه يقول مثلا في معرض كلامه عن سمو الفن ms056 على الطبيعة ~~الخالصة: «الجمال هو حصيلة العقل والحساب» (ص911). بل إن الإلهام ~~يبدو له طبيعة أو فطرة محضة، وذاتية غير نقية. ولو أن أديبا ~~أنتج بدافع الإلهام وحده لما استطاع أن ينتج غير الخلط والاضطراب. ~~مرحبا بالإلهام لو سبقه الجهد الفني الطويل والتدريب والمران ~~الشاق. عندئذ يكتسب تلك الرقة التي نلمسها في راقص كسر عظامه في ~~الخفاء آلاف المرات قبل أن يسمح لنفسه بالظهور أمام الجمهور!» ~~(ص1133). # لن يخفى على القارئ من هذه العبارات كلها أن بودلير يؤكد دور ~~اللحظات الإرادية والذهنية في فعل الخلق الأدبي. إنه يلجأ إلى فكرة ~~الرياضة التي سبق أن لجأ إليها نوفاليس. فهو مثلا يشبه الأسلوب ~~الدقيق «بمعجزات الرياضة». وهو يقول إن الاستعارة تنطوي على قيمة ~~«الدقة الرياضية». وهو يستند بالطبع في هذه الأفكار كلها إلى «بو» ~~الذي تكلم كثيرا عن صلة القرابة التي تجمع بين المشكلات الأدبية ~~وبين «المنطق الدقيق في إحدى المشكلات الرياضية»، هذه كلها أمور ~~سيكون لها أعظم الأثر على مالارميه، وسيمتد هذا الأثر كما سنرى على ~~فن الشعر المعاصر كله. ~~(3) الشعور بنهاية الزمن والشعور بالحداثة # أشرنا من قبل إلى مسافة البعد التي تفصل بودلير عن ~~الرومانتيكيين وقلنا إن هذا البعد يتجلى في اختياره للموضوعات ~~التي يتناولها ويؤثرها على غيرها. # ولكن هذا لا يمنع أنه قد ورث الكثير عن الرومانتيكية وإن كان قد ~~حول هذا الموروث إلى تجربة قاسية تبدو تجارب الرومانتيكيين إلى ~~جانبها أشبه باللهو والعبث. كان الرومانتيكيون قد ساروا خطوات في ~~تفسيرهم الإسكاتولوجي للتاريخ (الذي انتشر منذ أواخر عصر التنوير ~~وإن كانت له جذوره القديمة) وهو تفسير يعتبر الزمن الحاضر نهاية ~~الزمن. ومع ذلك فقد ظل تفسيرهم هذا نوعا من الإحساس الحزين الرقيق ~~الذي يعرو النفس حين تشاهد شمس الحضارة الآفلة ترسل ألوانها ~~الجميلة الشاحبة. # وبودلير يضع نفسه وعصره في نهاية الزمن، ولكن صوره وعواطفه ~~مختلفة كل الاختلاف. إن هذا الشعور بنهاية الزمن، وهو شعور يتغلغل ~~في الروح الأوروبية منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم، يظهر لديه في ~~صورة حادة، ms057 مفزعة ومفزوعة في آن واحد. ويبدو هذا في قصيدته «غروب ~~شمس الرومانتيكية» التي كتبها في سنة 1860م. فالقصيدة تضم مجموعة ~~من الصور التي يأفل فيها النور والفرح حتى تغرق في ظلام الليل ~~البارد ورهبة الخوف الفظيع من المستنقعات والحيوانات ~~البشعة: # ما أجمل الشمس عندما تشرق وهي مكتملة النضارة، # وتلقي علينا بتحية الصباح مثلما يدوى (صوت) ~~انفجار! # سعيد ذلك الذي يستطيع في حب # أن يحيى غروبها الذي يزيد في روعته عن حلم! # ما زلت أذكر! رأيت كل شيء، الزهرة، والنبع، ~~والأثر، # تنتفض تحت عينها كالقلب الخفاق. # هلموا بنا نجري نحو الأفق، تأخر الوقت، فلنسرع ~~الجري، # فقد نلتقط على الأقل شعاعا مائلا! # لكن عبثا أسعى وراء الإله الذي يتوارى؛ # الليل الذي لا يقاوم ينشر سلطانه، # أسود، رطبا، فظيعا، وشديد الرعب؛ # رائحة القبر تسبح في الظلمات، # وقدمي المتوجسة تدوس على حافة المستنقع، # على الضفادع والقواقع الباردة. # وليس من العسير أن نفهم رموز القصيدة. فهي تدل على ~~الظلام الكالح المطبق وفقدان النفس لشعاع الأمل الذي تبقى لها في ~~الغروب. ولا بد للشاعر أن يتشبث بالظلام والشذوذ حتى يستطيع أن ~~يقول شعرا يتفق وروح العصر وقدره. الظلام هو الملجأ الوحيد الذي ~~تبقى للنفس الموحشة الغريبة على ذاتها، والمكان الوحيد الذي تستطيع ~~أن تبدع فيه الشعر وتهرب من تفاهة «التقدم» الذي يتقنع به الزمن ~~الأخير؛ ولذلك فليس عجيبا أن يصف بودلير «أزهار الشر» بأنها «لحن ~~نشاز من وحي آلهة الزمن الأخير». # وبمثل ما اختلفت نظرة بودلير إلى الزمن الأخير أو نهاية الزمن عن ~~الرومانتيكيين اختلفت كذلك نظرته إلى فكرة الحداثة. والفكرة عنده ~~مركبة شديدة التعقيد. فهي من الناحية السلبية تدل على عالم المدن ~~الكبيرة الذي يفيض بالعقم والقبح والخطيئة، عالم الشوارع المسفلتة، ~~والأضواء الصناعية والإعلانات واللافتات البشعة، ووحدة الإنسان ~~الضائع وسط الزحام؛ عالم التقدم والتكنيك الذي يعمل بالبخار ~~والكهرباء. والتقدم في رأي بودلير هو ذبول الروح وضمورها بالتدريج ~~وسيطرة المادة سيطرة تزداد كل يوم. وكثيرا ما نقرأ في كتاباته عن ~~«الاشمئزاز اللانهائي من اللافتات، والصحف اليومية ms058 وطوفان ~~الديمقراطية التي تسوى بين جميع الأشياء». وهذا كلام يشبه ما يقوله ~~ستندال وتو كفيل، كما يشبه ما سيقوله فلوبير فيما بعد. ولكن ~~بودلير يزيد على ذلك فينظر إلى الحداثة من زاوية أخرى. فهي عنده ~~فكرة تنطوي على تنافر ونشاز، ولكنه ينتزع من جوانبها السلبية شيئا ~~له سحره وجاذبيته. فالشر والبؤس والسقوط والظلام والتقدم الآلي ~~والافتعال ... إلخ ؛ تنطوي كلها على عناصر مثيرة يستطيع الشاعر أن ~~يفيد منها. لا، بل إنها تنطوي على أسرار يمكن أن توجه الشعر ~~وجهة جديدة. وكل من يقرأ «زهور الشر» سيلاحظ مقدرة بودلير على ~~إضفاء الروح الصوفية على ركام المدن الكبيرة وبث أنفاس الروحانية ~~في أكوامها وقاذوراتها، وليس معنى هذا أنه يريد العودة إلى الطبيعة ~~كما أرادها روسو. فهو يؤكد كل فعل يلغي الطبيعة، أو يعمل على تأسيس ~~مملكة الفن والصنعة المطلقة. ونحن نحس من إحدى قصائده المشهورة أن ~~الكتل الحجرية المكعبة التي تزدحم بها المدينة الكبيرة - وهي كتل ~~صماء خلت من الحياة الطبيعية وأصبحت مأوى للشر والفساد - أنما تمثل ~~حرية العقل، كما تعبر عن الروح الخالص. وسنجد أصداء هذه الفكرة ~~المتأخرين، وسنلاحظ أن الشعر الأوروبي في القرن العشرين لا يزال ~~ينشر هذه الغلالة الصوفية التي اكتشفها بودلير فوق المدن ~~الكبيرة. # إن الصور التي تقدمها المدينة الكبيرة صور متنافرة تنبعث منها ~~أنغام ناشزة. ولكنها مع ذلك أو لهذا السبب عميقة شديدة العمق. ~~إنها توحد بين أنوار الغاز وسماء الليل، بين شذا الأزهار ورائحة ~~القار. وهي غنية بالفرح والألم، والمتعة والشكوى، يحس القارئ أن ~~مضمونها متنافر مع أبياته ذات الأنغام المنسجمة الموقعة. إنه ~~ينتزعها من التفاهة كما يستخلص الصيدلي عقاقيره من النباتات ~~السامة، فتصبح بعد تحولها الشعري وسيلة لعلاج «رذيلة التفاهة». إن ~~كل ما تشمئز منه النفس يأتلف مع نبل النغم ويكتسب تلك «الرعشة الجالفينية» # 3 # التي طالما امتدحها في كتابات إدجار بو، وها هي ذي ~~الصور تتوالى: النوافذ المتربة التي لا تزال عليها آثار المطر، ~~واجهات البيوت الهرمة الكالحة، خضرة السم المعدنية، الفجر الذي ~~تراه العين ms059 كأنه بقعة قذرة، أو كأنه نوم المومسات الحيواني، ضجة ~~السيارات العامة، وجوه بلا شفاه، عجائز، موسيقي الصفيح، عطور ~~عفنة. تلك بعض صور الحداثة عند بودلير. وإنها لحية لا تزال في ~~قصائد شاعر مثل إليوت. ~~(4) استطيقا القبح # ربما يبدو هذا العنوان طريفا لما فيه من مفارقة، ولكنه يمثل في ~~الواقع حقيقة أساسية من حقائق فن الشعر الحديث، أشار إليها فيكتور ~~هيجو، ثم أكدها بودلير، وسارت فيها الأجيال اللاحقة إلى أقصى ~~مداها. # كثيرا ما تكلم بودلير في دراساته النظرية عن الجمال، غير أن ~~الجمال في شعره ظل قاصرا على البناء والشكل والتناول الموسيقي ~~للغة. لم تعد الأشياء عنده تحتمل الفكرة القديمة عن الجمال؛ ولذلك ~~فهو يلجأ إلى الإضافات التي تدل على الغرابة والمفارقة، ليخلع على ~~الجمال طابعة العدواني المثير. إن الجمال ينبغي أن يكون «نقيا ~~وغريبا» كما يقول في أحد تعريفاته له، ولا بد له أن يكون غريبا ~~حتى يحمي نفسه من التفاهة والسوقية، ويستثير الذوق التافه السوقي ~~في وقت واحد. # ومع ذلك فقد رحب بودلير بالقبح، واعتبره معادلا للسر الجديد ~~الذي يريد أن يغزو أرضه، ونقطة الانطلاق التي يبدأ منها الصعود إلى ~~المثالية. إن الشاعر، كما يقول: «يوقظ في القبح سحرا جديدا.» ~~(ص1114). فالقبيح يولد المفاجأة، وهذه تولد «الهجوم غير المنتظر». ~~بهذا يعلن الشذوذ عن نفسه كمبدأ أساسي من مبادئ الأدب والشعر ~~الحديث، بل كأحد العوامل والأسباب التي أدت إليه. ولا بد من إثارة ~~الأعصاب على كل ما هو تافه وتقليدي نلقاه في حياتنا كما نلقاه كذلك ~~في الجمال بمفهومه القديم. إن الجمال «الجديد» يمكن أن يتساوى مع ~~القبح، وهو يبلغ القلق الذي يتميز به عندما يتلقى ما هو تافه وسطحي ~~فيحوله أو يشوهه ويجعل منه شيئا غريبا مثيرا. وعندما يجمع بين ~~«المفزع والمضحك» على حد قول بودلير في إحدى رسائله! # لا شك أن القارئ قد لاحظ أن هذه كلها أفكار وردت في صورة أقل من ~~ذلك حدة عند الناقد الرومانتيكي فريدريش شليجل (في فكرته عن ~~التهريج الترنسندنتالي) وعند فيكتور هيجو ms060 في نظريته عن المسخرة ~~(وقد فات الحديث عنها). # وقد أعجب بودلير - فوق إعجابه المستمر بشخصية «بو» وأعماله - ~~بعنوان: «أقاصيصه عن المسخرة والأرابسك». # 4 # وقد عرف بالطبع أن المسخرة لا علاقة لها من قريب أو بعيد ~~بالدعابة أو المرح، فهي في الحقيقة ميدان الصراع بين النزعة ~~المثالية والنزعة الشيطانية (التي تطبع حياته وأدبه كما قدمنا). ~~ولذلك نجده يثني على رسوم «دومييه » الكاريكاتيرية ويحيي فيها ما ~~يسميه «بعبث المغفلين الدموي»، ليبرر سخطه على الفكاهة الخالصة أو ~~الدعابة البسيطة، بل إنه يضع «ميتافيزيقا المضحك المطلق» ويوسع من ~~مفهوم المسخرة ليجعل منها فكرة سيكون لها في التفكير والوجدان ~~الحديث أثر بعيد، وهي فكرة المحال أو العبث # 5 ~~(ص710). وسيستمد من قانون العبث (ص438) تجاربه الخاصة ~~بل وتجارب كل إنسان يجد نفسه معلقا بين السمو إلى قمة الوجد ~~والمثال، والسقوط في قرارة الحضيض والعدم. إنه القانون الذي يحتم ~~على الإنسان أن «يعبر عن عذابه عن طريق الضحك». وهو يتحدث كذلك عن ~~«شرعية العبث» ويمجد الحلم لأنه يزود المستحيل بمنطق المحال ~~المخيف. # هكذا يصبح العبث هو الأفق الذي تطل منه العين على اللاواقع هربا ~~من سجن الواقع الضيق. وسوف يتعلم منه المتأخرون هذه النظرة. ~~(5) إثارة السخط لذة أرستقراطية # كان من الضروري لمثل هذا الأدب الذي يحتاج إلى مثل هذه الأفكار ~~أن يستثير أعصاب القارئ أو يصدمه ويبعده عنه. ولقد عرفنا كيف بدأ ~~هذا التصدع في علاقة الأديب بجمهور القراء على يدي روسو ثم أدى ~~بالرومانتيكيين إلى موضوعهم الأثير عن الشاعر الوحيد. # وقد التقط بودلير هذه الفكرة فزادها حدة، وأضفى عليها نوعا من ~~الدرامية العدائية التي ستصبح فيما بعد طابعا عاما للأدب والفن ~~الأوروبيين. # إنه يتحدث عن «اللذة الأرستقراطية التي تأتي من إثارة السخط» ~~ويصف «زهور الشر» بأنها «متعة حارة بالمقاومة» وبأنها «نتاج الحقد ~~والكراهية» وهو يرحب بأن يثير الأدب «صدمة عصبية» ويشيد بقدرته ~~على إثارة أعصاب القارئ، وبأن هذا القارئ لم يعد قادرا على فهمه. ~~استمع إليه وهو يقول: «إن الشعور الأدبي الذي كان فيما مضى ms061 منبعا ~~لا نهائيا للأفراح، قد أصبح الآن ترسانة تعج بأدوات التعذيب» ~~(ص519). ونخطئ لو تصورنا هذا كله مجرد صدى أو تقليد للنزعات ~~الرومانتيكية؛ فالواقع أن عوامل التنافر والنشاز الكامنة في الأدب ~~قد صارت بالضرورة أسبابا للتنافر والنشاز بين العمل الأدبي ~~وقارئه. ~~(6) مسيحية محطمة # لا حاجة بنا الآن للكلام عن هذه العوامل والأسباب بالتفصيل، ~~فربما يكون الكلام عن التنافر الأساسي في أدب بودلير وشخصيته بين ~~النزعة المثالية والنزعة الشيطانية أخطر منه وأهم، وربما نرى فيه ~~إحدى الخصائص الرئيسية التي تميز مضمون الشعر من بعده والتي سنصفها ~~بالمثالية الفارغة. # يقول بودلير: «ينبغي علينا لكي ننفذ إلى روح الأديب أن نفتش عن ~~الكلمات التي يكثر من استخدامها في أعماله؛ إن الكلمة تكشف عن ~~الفكرة التي تتسلط عليه.» هذه العبارة يمكن أن تكون أساسا صالحا ~~للتفسير، كما يمكن أن نطبقها على بودلير نفسه. فالإحكام الذي ~~يسيطر على عالمه العقلي، وإصراره على تناول موضوعات قليلة العدد ~~يدور في فلكها ويزيدها على الدوام عمقا؛ كل ذلك يسمح لنا أن نستشف ~~عالمه من بعض الكلمات التي تتردد في أعماله. إنها المفاتيح التي ~~نستطيع أن ننفذ بها إلى هذا العالم. وليس من العسير على القارئ ~~المتأني أن يقسمها إلى مجموعتين متضاربتين. فهناك من ناحية ~~كلمات كالظلام، والهاوية، والقلق، والصحراء، والقفر، والسجن، ~~والبرودة، والسواد، والعفن ... وهناك على الجانب الآخر كلمات ~~كالارتفاع، والزرقة، والسماء، والمثال، والنور، والصفاء ... ولا تكاد ~~قصيدة من قصائد بودلير تخلو من هذا التضاد. بل لقد يتركز في ~~تعبيرات تجمع هذا الصراع الجدلي في صورة مكثفة كأن يقول مثلا: ~~«عظمة قذرة»، أو «منهار وساحر»، أو «رعب جذاب»، أو «أسود وناصع»، ~~وعلماء الأدب يسمون هذه الوحدة التي تجمع بين طرفين لا يجتمعان ~~عادة بالتناقض الظاهر، # 6 # وهي صيغة فنية من صيغ التعبير الأدبي تصلح لتصوير ~~الأحوال والمواقف النفسية المعقدة، وليس عجيبا أن تكون هذه الصيغة ~~الأدبية هي مفتاح شخصية بودلير وشعره. بل إن من محاسن الصدف حقا ~~أن يوفق إليها «بابو» صديق بودلير فيسمي ديوانه «أزهار ~~الشر». # على ms062 أن هذه الصيغ اللغوية المتناقضة تدل على شيء آخر يختفي ~~وراءها ولا يستقيم لها معنى بدونه؛ ذلك هو التفكير المسيحي الذي ~~لا يزال يتحرك في أعماق بودلير، وإن لم تبق منه إلا بقايا حطام. ~~صحيح أنه لا يعد مسيحيا بالمعنى الحقيقي، ولكن من المستحيل أن ~~نتصور وجوده بمعزل عن المسيحية. # والنزعة الشيطانية التي طالما دمغه الشراح بها لا تلغي هذه ~~الحقيقة، بل قد تؤكد صلته العميقة بالمسيحية أو بالأحرى بما تبقى ~~منها في نفسه. إنه يعلم أن الشيطان يأسره (وهذا وحده دليل على ~~التفكير الديني)، ولكنه لم يعد يؤمن بعقيدة الخلاص التي تبشر بها ~~المسيحية. ونزعته الشيطانية هي سبيله للارتفاع إلى سماء المثال ~~وصفائه. إنها تحاول التغلب على الشر الحيواني (بما في ذلك التفاهة ~~والسوقية) عن طريق شر آخر من صنع العقل وتدبيره، وهدفها هو ~~الوصول إلى قمة الشر كي تنطلق منها إلى سماء المثال. # من هنا امتلأت «أزهار الشر» بألوان بشعة من الفساد والقسوة ~~والسقوط. إن الشاعر يحس «بالعطش إلى اللامتناهي»، ولكنه يغوص إلى ~~حضيض «الشيطان» لكي يتسنى له البحث عن الجديد. إنه إنسان ~~ممزق؛ إنسان ذو طبيعة مزدوجة (كما قال باسكال واليونان من ~~قبل). ثمة قطبان يتجاذبه كل منهما ويشده من ذراع، ولا بد أن ~~يشبع نهم القطب السالب لكي يلمس أثر الموجب على روحه، لا بد أن ~~يطيع الشيطان قبل أن يشتاق إلى السماء. ولا بد أن الشاعر قد أحس ~~بالحاجة إلى هذا «السقوط» إحساسا ملحا وعنيفا، وليس مهما أن ~~يكون قد تأثر بالمانوية والغنوصية والأفلاطونية أو غيرها من ~~الأشكال والمذاهب السابقة على المسيحية، أو يكون قد عرف قليلا أو ~~كثيرا عن نزعة الإشراق # Illumination ~~، التي سادت في ~~القرن الثامن عشر أو بإيمان جوزيف دي ميستر (1753-1821م)، فأهم من ~~ذلك كله أنه أحس بضرورة «السقوط» كوسيلة لا غنى عنها للسمو ~~والارتفاع، وأنه بهذا يعبر عن ظاهرة أساسية من ظواهر التفكير ~~الحديث الذي يحلو له الرجوع إلى المذاهب الفكرية القديمة كلما رأى ~~فيها تعبيرا عن صراعه وتمزقه الباطن. ms063 # ومع هذا كله فإن بودلير لم يهتد إلى طريق المسيحية ~~الحقة. # صحيح أنه طالما أحس في نفسه بالرغبة في الصلاة وطالما شعر شعورا ~~عميقا بخطيئة الإنسان، ولكن الصلاة ماتت على شفتيه، وإحساسه ~~العميق بالعجز والتمزق سد عليه الطريق إلى الله. لقد تغنى في ~~شعره بالألم، وعانى من لعنة الخطيئة الأزلية، وعرف أن العذاب هو ~~أنبل ما في الإنسان. وكان من الممكن أن يجعل منه هذا كله مسيحيا ~~مخلصا، لولا أن الإيمان بعقيدة الخلاص لم يجد له مكانا في قلبه، ~~والخلاص كما نعلم هو جوهر المسيحية وأولى حقائقها. إنه يحس ~~باللعنة، ولكنه يتلذذ بهذا الإحساس. وهو يذكر المسيح أحيانا في ~~شعره، ولكنه يبدو كالطيف العابر أو الاستعارة الخاطفة، كإنسان تركه ~~الله يسقط في الهاوية. وهو يتكلم عن الشر لا كطرف واحد من طرفي ~~الحقيقة والخلق، بل كقوة مستقلة ذات كيان وسلطان. صحيح أن هذا ~~كله لم يكن ممكنا بغير التراث المسيحي. ولكنه لا يجعل منه ~~مسيحيا؛ إذ لم يبق في نفسه من المسيحية إلا بقايا حطام. ولعل ~~هذا هو الذي أكسب شعره الجرأة على الشذوذ والنشاز. # صحيح أن الشعراء المتأخرين - فيما عدا رامبو - سينسون أن هذا ~~الشذوذ لم يأتهم إلا بعد أن تنكبوا الطريق واحتضرت المسيحية في ~~قلوبهم. ولكن الشذوذ نفسه لا يزال على ما هو عليه. ولا يستطيع أكثر ~~الشعراء تمسكا بالمسيحية ودعوة إليها أن ينكر أصل هذا الشذوذ أن ~~يفلت من قبضته. ويكفي أن نقرأ إليوت لنتحقق من هذا الكلام. ~~(7) التقابل والتماثل # كان بودلير يؤمن إيمانا تاما بالضعف البشري؛ ضعفه، وضعف ~~القارئ «المنافق» شبيهي وأخي «كما يقول البيت المشهور في افتتاحية ~~«زهور الشر»». شعر طوال حياته أن مثله تحكم عليه وتدينه، وأنه ~~سيظل دائما يتخبط في دائرة خانقة من الأمل واليأس، ويتمزق بين ~~السماء والأرض، والملاك والشيطان، والمثال والملال ... كل ما كان ~~الأخلاقي المتطهر الكامن في أعماقه يدينه ويحتقره، كان في نفس ~~الوقت يجذب فيه الفنان ورجل الحس والجمال. ولا شك أن هذا التناقض ~~الأساسي هو أصل هذا العمق ms064 وهذه الحدة الغريبة التي تميز كل ما كتب. ~~وهو لا شك أيضا علة رفضه الواضح الصريح للتوحيد بين فكرتي الخير ~~والجمال الذي طالما وجدناه في صورة متفائلة وساذجة عند لامارتين ~~وهيجو. ولعله أيضا أن يكون المسئول عما سميناه بنزعته الشيطانية ~~التي تجعله ينتقل دائما من الجمال - مثله الاستطيقي الأعلى أو ~~حلمه الحجري كما كان يسميه - إلى إغراء الجمال الأنثوي ~~المجسد: # ما أهمية أن تأتي من السماء أو من الجحيم # أيها الجمال! أيها الوحش الهائل، المخيف، البريء! # ما دامت عينك، ابتسامتك، قدمك، تفتح لي الباب # إلى اللامتناهي الذي أحببته وما عرفته أبدا؟ # بحيث يصبح «ملاكه» أو حوريته مجرد وسيلة للفرار من ~~الواقع القاسي ومن سأم الحياة. ولعله أخيرا أن يكون المسئول عن ~~رغبته الدائمة في التحرر ولجوئه إلى النسيان الذي وجده أحيانا في ~~الحب أو في تجربته القصيرة مع الحشيش والأفيون أو رغبته العارمة في ~~الانطلاق إلى مكان آخر، أي مكان خارج هذا العالم، حتى ليصبح الموت ~~نفسه هو «النبأ الطيب» والوثبة المرحة في قرار المجهول للعثور على ~~الجديد. # ومن شواهد هذا التقابل والتضاد في شعر بودلير أنه يؤثر التعبير ~~عن العواطف والمشاعر بالتماثل بدلا من التقرير المباشر أو الإغراق ~~في الوصف. تدل على هذا قصيدته المشهورة «التقابلات» أو «التجاوب» # Correspondances # التي توضح لنا ~~جانبا من نظريته الشعرية. ولنقرأ القصيدة قبل الكلام عما تحمله من ~~أفكار. # تجاوب # الطبيعة معبد، تنبعث من أعمدته الحية # في بعض الأحيان كلمات مختلطة، # هناك يسير الإنسان وسط غابات من الرموز، # تحدق فيه وتتأمله بنظرات أليفة. ~~••• # وكما تختلط الأصداء المدينة من بعيد # في وحده مظلمة وعميقة، # لها رحابة الليل والضياء؛ # تتجاوب العطور والألوان والأنغام. ~~••• # هناك عطور ندية كلحم الأطفال، # عذبة كالمزامير، خضراء كالمراعي؛ # وأخرى فاسدة متبرجة وظافرة، ~~••• # شاسعة كالأشياء غير المحدودة، # كالعنبر والمسك والصمغ والبخور، # التي تتغنى بنشوة الروح والحواس. # لعل هذه «السوناتة» المعروفة أن تكون مصداقا لما ~~أشار إليه بودلير نفسه من أن الشاعر الأصيل يملك دائما الإحساس ~~«بالتماثل الشامل»، # 7 # وليس في حاجة لأحد من ms065 الفلاسفة أو المتصوفين لكي يرشده ~~إليه، ولا لمن يقول له إن الطبيعة معبد تخرج في بعض الأحيان من ~~أعمدته الحية كلمات مختلطة. ولكن ما معنى هذا التماثل الكلي ~~الشامل وماذا يقصده الشاعر بغابات الرموز التي يسعى فيها ~~الإنسان؟ # الواقع أن الفكرة القائلة بأن «المادي» يرمز «للمعنوي» أو ~~«الروحي» أقدم بكثير من الفلسفة الأفلاطونية التي تقول إن عالم ~~الحس يماثل عالم المثل والمعقولات مماثلة الظل للأصل. بل إنها ~~فكرة قديمة قدم الديانات جميعا. ومع ذلك فمن الخطأ أن نقول إن ~~غابات الرموز تدل على عالم المثل الأفلاطونية. # فالمعنى الذي يقصده بودلير هو أن الأشياء في عالم الحس تترجم ~~بطبيعتها عن أفكار ومشاعر بشرية. بل قد نستطيع القول بأن فكرة ~~بودلير بعث للفكرة القديمة التي اشتهرت في أواخر العصور الوسطى عن ~~الماكرو كوزم (العالم الكبير) والميكرو كوزم (العالم الصغير) ~~فالأول مادة بأكمله وأجسامنا جزء منه، و«يقابله» أو يتجاوب معه ~~العالم الصغير، أي الروح أو العقل الواعي وغير الواعي. ولما كان ~~الله الذي خلق العالمين عقلا أو روحا غير متناه، فإن نماذج ~~الأفكار الإنسانية موجودة فيه، وبهذا المعنى تكون الأرض هي مقابل ~~السماء أو تكون الأرض ومشاهدها لمحة من السماء على حد تعبير ~~بودلير نفسه. # وإذن فالجديد عند بودلير هو هذا النظام الكامل من التقابلات أو ~~التماثلات التي يستغلها عن قصد كأداة للكشف والتعبير الشعري. على ~~أن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فهناك نمط آخر من التقابلات تخصص ~~له القصيدة عشرة أبيات من مجموع أبياتها الأربعة عشر. فالبيت الذي ~~يقول إن العطور والألوان والأصوات تتجاوب مع بعضها البعض إنما يعبر ~~عن فكرة كانت معروفة في عهد بودلير، وهي أن اللون أو الصوت أو ~~الرائحة أو الطعم أو الملمس يمكن أن تثير انفعالا أو انطباعا ~~وجدانيا واحدا. وقد لوحظ أن بعض الأشخاص يتميزون بحساسية خاصة ~~تجعلهم يشعرون بتشابه الانطباعات الصادرة عن الحواس المختلفة، بل ~~إن كلامنا العادي يحفل بأمثلة كثيرة من هذا النوع كان نقول مثلا ~~أحمر صارخ، أو زرقة ناعمة، أو جرس ms066 ذهبي. وقد تعرض بودلير نفسه ~~لهذا في مقاله الذي كتبه عن فاجنر حيث يقول: «قد يثير الدهشة حقا ~~ألا يستطيع الصوت الإيحاء باللون، أو لا تستطيع الألوان إعطاء فكرة ~~اللحن، أو يعجز الصوت واللون عن ترجمة الأفكار.» # ويقودنا هذا إلى ظاهرة أخرى يسميها علم النفس الحديث ~~«بالسينيستيزيا» ويقصد بها الارتباط التلقائي - الذي يتفاوت من ~~فرد لآخر - بين إحساسات ذات طبيعة مختلفة تبدو كما لو كانت تثير ~~إحداها الأخرى ، كأن يثير صوت ما إحساسا بلون أو رائحة معينة. أي ~~أنها أشبه بعملية سحرية إذا حدث فيها تنبيه لإحدى الحواس استثار ~~ذلك في أذهاننا كل الخصائص الحسية الأخرى التي تتصف بها تجربة أو ~~شيء ما، وصور للخيال أنه موجود أيضا في الواقع. # والقصيدة التي نقلناها الآن تنطوي على ظاهرة «السينستيزيا» # 8 # بأوضح معانيها. فالأصداء الممدودة التي تتجاوب بها ~~الألوان والأصوات والروائح تشير إلى وحدة هذه «التجربة العميقة». ~~وهذه الوحدة ليست قائمة فينا فحسب، بل هي كذلك وحدة الكون ~~الشاملة. فمنذ أن خلق الله العالم كوحدة مركبة غير منقسمة، ~~والأشياء تعبر عن نفسها عن طريق التماثل المتبادل. والأبيات ~~الأربعة الأخيرة من القصيدة تبين أن بعض الإحساسات المتصلة ~~بالشم يمكن أن تؤدي إلى ما وصفناه بالسينستيزيا وتسبب حالة من ~~النشوة الحسية والروحية معا. # هناك إذن أفكار ثلاث يمكن القول بأن نظرية بودلير الاستطيقية ~~تقوم على أساسها: التقابل أو التماثل، وتكافؤ عناصر التجربة الحسية ~~أو قابليتها للعكس، والسينستيزيا، تضاف إليها فكرة رابعة يسميها ~~علم النفس الحديث المشاركة. ومعنى هذا كله إنه إذا كانت المعرفة ~~العقلية تعزلنا عن الموضوع الذي نريد معرفته فإن الحالات الذهنية ~~والنفسية التي يثيرها التقابل والسينستيزيا تجعلنا نشارك في موضوع ~~المعرفة ونشعر أننا وإياه شيء واحد. هذا هو الطابع الحقيقي ~~للتجربة الفنية، وهو الذي ألمح بودلير إليه ثم أوضحه من بعده كثير ~~من الشعراء والنقاد المحدثين، ولا شك أنه يشترك فيه من وجوه عديدة ~~مع التجربة الدينية. # وأكثر قصائد الحب عند بودلير توضح أسلوبه في البعد عن الوصف ~~الخالص والتقرير المباشر والتجاءه ms067 إلى طريقة المقابلة واستيحاء ~~الموضوعات الحسية الخارجية للتعبير عن أحواله الذاتية. ومن أفضل ~~الأمثلة على هذا قصيدته «الدعوة إلى السفر» # 9 # وسأنقلها إليك منثورة لأن من المستحيل المحافظة على ~~تفعيلاتها القصيرة وقوافيها العذبة وإيقاعها السريع البسيط: # يا طفلتي، يا أختي، فكري كم سيكون بديعا أن ننطلق ~~بعيدا ونحيا معا هناك! نحب على هوانا، نحب ونموت، في بلد ~~تشبهك! الشموس الرطبة في تلك السماوات (الملبدة) بالضباب ~~تخلب روحي بسحر غامض سحر عينيك الخائنتين عندما تلمعان ~~من خلال الدموع. # ليس هناك إلا النظام والجمال، والترف والهدوء والاشتهاء. ~~قطع أثاث براقة، صقلتها السنون، ستزين حجرتنا هناك؛ أندر ~~الزهور تمتزج عطورها بأنفاس العنبر الخافتة، السقوف الثرية ~~(بالزخارف)، المرايا العميقة، روعة الشرق، كلها ستكلم ~~الروح خفية بلسان الوطن الحلو. # ليس هناك إلا النظام والجمال، الترف والهدوء والاشتهاء. # انظري تلك السفن الهاجعة في (مياه) القنوات، (السفن) المولعة ~~بالتجوال؛ جاءت من آخر الدنيا، رغبة في إرضائك. # 10 # الشموس الآفلة تكسو الحقول، القنوات، المدينة كلها ~~بالسنبل والذهب، العالم يغفو في نور دافئ. # ليس هناك غير النظام والجمال، الترف والسكينة والاشتهاء ... # والقصيدة تنمو من داخل الدعوة إلى «البلد التي تشبهك». هذه البلد ~~فيما يقول الشراح هي هولندا. وسماء هولندا تقابلها عينا المحبوبة ~~وجو البيوت الهولندية بكل ما فيها من ثراء وروعة وتمدن وغرابة يرمز ~~للعلاقة الحميمة التي تجمع الحبيبين أو يرجى أن تجمعهما. والسفن ~~التي رجعت إلى مراسيها عبر القنوات الهادئة قد قامت بأداء ~~مهمتها، ووضعت العالم تحت قدميها. # ولا جديد في هذا كله بالنسبة للخيال الشعري، وحتى الرمز الأخير ~~الذي يصور روعة العاطفة في صورة الشمس الغائبة ليس جديدا. ولكن ~~أصالة بودلير تتجلى في تعبيره عن العاطفة بطريقة المقابلة أو ~~التماثل بدلا من محاولة التعبير عنها بالتقرير والوصف المباشر. ~~وحتى العنصر التقريري الوحيد في هذه الأغنية العذبة وهو المقطع ~~المتكرر (ليس هناك غير النظام والجمال ... إلخ) لا معنى له إلا ~~الإشارة ضمنا إلى أن «هنا» (في مقابل هناك) الفوضى والقبح والفقر ~~والقلق والعذاب. أي أن العالم الخارجي كله ms068 بما فيه من جمال أو قبح، ~~من نشوة أو ألم، من سماء النعمة أو هاوية اللعنة، إنما هو مجرد ~~وسيلة تعبر في نهاية الأمر عن حالة ذاتية. وعن طريق المقابلة ~~نستطيع نحن القراء أن نشارك في تلك الوحدة الوجدانية التي جمعت ~~الداخل والخارج، والذات والموضوع. # ونستطيع أن نقول أخيرا إن هذا الأسلوب في تصوير التقابل بين ~~الحواس المختلفة أصبح شكلا أساسيا من أشكال التعبير الشعرى بعد ~~بودلير، فأثر على فيرلين وغيره وامتد إلى الشعر الحديث. # لقد خلق نموذجا من الاستعارة يختلف تمام الاختلاف عن الاستعارة ~~العقلية التي كانت سائدة في عصر النهضة أو في القرن السابع عشر. ~~وأصبح من المألوف أن نجد المشاعر الطبيعية كالكره أو الحب أو ~~الغرور أو اللذة أو الخوف يعبر عنها بطريقة الاستعارة من عالم ~~الحواس، أي بالصوت والشم واللمس واللون والمذاق. # 11 ~~(8) مثالية فارغة # كثيرا ما تتردد في قصائد بودلير على نحو ما رأينا كلمات ~~كالمثال، والروحانية المتوهجة والارتفاع، ويسأل الإنسان نفسه: ~~ارتفاع؟ إلى أين؟ ربما يذكر اسم الله هنا أو هناك، ولكن الهدف ~~الأخير يضيع في زحام الكلمات والأوصاف العامة. # لنبحث عن جواب السؤال في إحدى قصائد بودلير. إنها قصيدة «ارتفاع». # 12 # واللحن والمضمون يشيران إلى العلو والارتفاع. هناك ثلاث مقطوعات ~~تتجه بالكلام إلى روح الشاعر نفسه وتطالبه بالتحليق فوق البرك ~~والجبال والوديان والغابات والسحب والبحار والشمس والنجوم والأثير ~~إلى منطقة تتوهج باللهب وتطهر الروح من أبخرة الأرض. ثم يتوقف ~~الخطاب الموجه إلى روح الشاعر لتأتي بعده عبارة شديدة ~~التعميم. # سعيد من يقدر على هذا ويستطيع في تلك الأعالي أن يفهم «لغة ~~الأزهار والأشياء الخرساء»: # عاليا فوق البرك، عاليا فوق الوديان، # فوق الجبال، الغابات، السحب، البحار، # وراء الشمس، وراء الأثير، # وراء حدود الأفلاك ذات النجوم، ~~••• # تنطلقين خفيفة يا روحي. # وكمثل سباح بارع ينعم بالأمواج، # تشقين أعماقها المهولة. # بلدة رجولية تستعصي على التعبير. ~~••• # حلقي بعيدا بعيدا عن هذا العفن المريض؛ # هيا، طهري نفسك في أعالي الهواء، # وعبي من تلك النار الناصعة التي تملأ ساطع ~~الأجواء، ms069 # وكأنها الرحيق الإلهي الصافي. ~~••• # وراء الهموم ووراء الأحزان الرهيبة # التي ترزح بثقلها على الوجود الغائم كالضباب، # ما أسعد من يستطيع بجناحه الجبار # أن يطير صوب المروج المضيئة الصافية! ~~••• # من تحلق أفكار كالقبرات، # حرة كل صباح إلى السماوات. # من يرفرف فوق الحياة ويفهم بغير عناء، # لغة الزهور والأشياء الخرساء. # تدور القصيدة في إطار من التفكير الأفلاطوني ~~والروح المسيحية الصوفية. فارتفاع الروح إلى الحقيقة المتعالية، ~~وسموها فوق القشرة الأرضية، ونفاذها من هذا الطريق إلى جوهرها ~~وجوهر الحياة الأرضية هو ما تسميه كتب التصوف المسيحي بالارتفاع أو ~~السمو أو الصعود # elevatio-ascensio ~~- وهذه الكلمة الأخيرة هي التي جعلها بودلير عنوانا على قصيدته ~~التي توحي إلى جانب هذا بالاتفاق في كثير من الوجوه بين لغتها ولغة ~~التصوف عامة والتصوف المسيحي بوجه خاص. فالنار الصافية التي ~~يذكرها بودلير تقابل المذاهب القديمة والمسيحية التي ترى أن السماء ~~العليا، أو سماء النار # Empyreum # هي ~~موطن «الترانسندنس» أو الحقيقة المتعالية. والتطهر المعروف عند ~~المتصوفين من أقدم العصور يذكرنا به حديث الشاعر إلى روحه بقوله: ~~«طهري نفسك.» أضف إلى هذا أن التصوف يرتب مراحل السمو والارتفاع ~~على تسع درجات، توافق ما لهذا العدد من قداسة لحقت به منذ القدم. ~~وإذا تأملنا القصيدة وجدناها تصف تسع درجات أو لنقل «مقامات» ينبغي ~~للروح أن ترتفع إليها واحدة بعد الأخرى. فهل نستنتج من هذا أن ~~التراث الصوفي قد أثر على بودلير؟ لا نستطيع أن نجيب على هذا ~~التساؤل إجابة حاسمة. لا سيما وأن الشاعر قد تأثر أيضا بالمتصوف ~~السويدي «سويد نبورج» وغيره من المتصوفين المسيحيين. ولا نستطيع من ~~جهة أخرى أن ننكر دور التراث المسيحي عامة في التأثير على بودلير. ~~والمهم بعد كل شيء أن القصيدة تفتقر إلى شيء يجعل التقابل الذي ~~افترضناه ناقصا. فالشاعر لا يذكر شيئا عن الهدف الذي يريد أن يصل ~~إليه من ارتفاعه، أو لعله لا يريد أن يذكره. وإذا وجدنا شاعرا ~~صوفيا مثل الشاعر الإسباني خوان دي لاكروز يقول: «حلقت عاليا ~~عاليا» حتى بلغت الهدف من رحلتي «فان ms070 بودلير لا يبلغ هذا الهدف أو ~~لا يملك الوسيلة التي تمكنه من بلوغه.» والدليل على هذا تقدمه ~~الأبيات الأخيرة من قصيدته. إنها تتحدث بطريقة غامضة عن الرحيق ~~السماوي، كما تتحدث عن الأعماق المهولة غير المحدودة والأجواء ~~الساطعة، ولكنها لا تذكر الله بكلمة واحدة. ثم إننا لا نعرف شيئا ~~عن تلك اللغة التي ستفهمها الروح بغير عناء؛ لغة الأزهار والأشياء ~~الصامتة الخرساء. ولذلك يظل الهدف بعيدا، أو بالأحرى يظل نزعة ~~مثالية خالية من كل مضمون، وهذه المثالية في حقيقتها تمثل أحد ~~قطبي التوتر والصراع الذي يعانيه الشاعر ويسعى إليه دون أن يستقر ~~لديه في آخر المطاف. # هذه المثالية الفارغة هي التي تسيطر على تفكير بودلير بوجه عام. ~~إنها تنحدر بلا شك من أصول رومانتيكية. غير أن الشاعر يبث فيها ~~الحركة ويضفي عليها ديناميكية تجعل منها قوة جذب شديدة، تدفع ~~التوتر إلى أعلى ثم لا تلبث أن تسقط المتوتر نفسه إلى الحضيض. إنها ~~كالشر قوة قاهرة يطيعها الشاعر دون أن تزيل توتره أو تريحه منه؛ ~~ولذلك نجد بودلير يسوي كثيرا بين المثال والهاوية، كما نجده في ~~مواضع عديدة من أشعاره يستخدم تعبيرات تبدو متناقضة في ظاهرها ~~ولكنها مشحونة بالتوتر الذي لا مخرج منه ... لنذكر أمثال هذه ~~التعبيرات التي ترد كثيرا في قصائده: «مثال مؤلم»، «إنني مغلول ~~إلى هاوية المثال»، «سماء مسدودة» ... # وأمثال هذه التعبيرات معروفة في كتابات المتصوفين الكبار، وهي ~~تدل عندهم على الأثر المؤلم اللذيذ الذي تتركه النعمة الإلهية في ~~نفوسهم، كما تدل على المرحلة التي تسبق حلول هذه النعمة، ولكنها ~~تدل عند بودلير على الصراع والتوتر الذي أشرنا إليه بين النزعة ~~الشيطانية والنزعة المثالية، بين الرغبة في السقوط والشوق إلى ~~الارتفاع. ووظيفة التوتر القائم بين هذين القطبين هي المحافظة على ~~العاطفة المتمردة الثائرة التي تمكنه من الخلاص من العالم السطحي ~~السخيف الذي تختنق فيه حياته. ومع ذلك يظل هذا الخلاص بغير هدف، ~~ويظل عاجزا عن الخروج من هذه العاطفة الثائرة أو تجاوزها إلى ما ~~بعدها. # ربما تكون القصيدة الأخيرة في ms071 أزهار الشر، وهي قصيدة «الرحلة»، ~~من أدل قصائده على ما نقول. إنها تجرب كل محاولات الخلاص، لكي تصمم ~~في النهاية على الموت، أما ما يجلبه الموت، فهو شيء لا ~~ندريه. # فالمهم هو السفر في حد ذاته، وأما الشاطئ المجهول فلا أهمية ~~له: # أما المسافرون الحقيقيون فهم وحدهم الذين ~~يسافرون، # من أجل السفر، قلوبهم خفيفة أشبه بالبالونات، # لا يهربون أبدا من قدرهم، # يقولون دائما: «إلى الأمام!» ولا يدرون لماذا. # إن الموت يشدهم إليه. فهو فرصتهم الباقية للهروب ~~من سجن العالم الممل الضيق الشرير: # معرفة مرة، تلك التي يستخلصها المرء من رحلته! # العالم ممل وصغير، # اليوم، وأمس، وغدا، # يرينا صورتنا على الدوام: # واحة من الرعب في صحراء من السأم! # وهو وسيلتهم الوحيدة للعثور على «الجديد». وما هو ~~هذا «الجديد»؟ هو شيء غير محدد. هو الضد الأجوف الفارغ للواقع ~~الموحش. وعلى قمة هذه المثالية يتربع الموت، الموت المملوء بالعدم ~~والفراغ: # يا موت! أيها الملاح العجوز، آن الأوان فارفع ~~المرساة! # مللنا المقام هنا، يا موت! فعجل بالرواح! # إن يكن قد ادلهم سواد البحر والسماء # فإن قلوبنا التي تعرفها يفيض منها الضياء! # اسكب سمك فينا، كي يمنحنا القوة! # إن تكن هذه النار تحرق منا الدماغ، # فنحن نريد أن نغوص إلى أعماق الهاوية، # ماذا يضيرنا إن كانت هي الجحيم أو السماء؟ ~~(نريد أن نغوص) في أعماق المجهول، لكي نعثر على شيء ~~جديد! # هذه الحيرة التي يقاسيها بودلير هي نفس الحيرة ~~التي تمزق الروح الحديث. إنها تتمرد على سجن الواقع وتنتفض للإفلات ~~من ضيقه وملله ووحشته وانحطاطه، ولكنها عاجزة عن الإيمان بحقيقة ~~عالية تبارك ثورتها أو ترسم هدف رحلتها. وهي لذلك تحيا في صراع لا ~~نجاة منه، وتنتهي إلى نوع من الصوفية التي تعشق الأسرار ~~لذاتها. # وبودلير يتحدث كثيرا عن «السر» وعما فوق الواقع والطبيعة. ~~ولكننا لن نفهم معنى هذه الكلمات حتى نعرف مضمونها عنده، وليس هذا ~~المضمون إلا السر المطلق نفسه. تلك هي المثالية الفارغة التي يعيش ~~فيها بودلير، وذلك هو الشيء الآخر الغامض الذي سيزداد ms072 لدى رامبو ~~غموضا، وينتهي عند مالارميه إلى العدم، وعند الشعراء المعاصرين ~~إلى ولع بالأسرار، وحب للغموض لذاته. ~~(9) سحر اللغة # ويجب ألا يفهم من الكلام السابق عن الغموض والأسرار أن شعر ~~بودلير غامض أو محاط بالأسرار والألغاز. فالواقع أن أزهار الشر ~~تعبر تعبيرا واضحا عن كل الأسرار والحالات الوجدانية الشاذة ~~والمواقف المتنافرة التي تحتويها. # وينطبق هذا الكلام أيضا على نظريته في فن الشعر والأدب بوجه ~~عام. فهي نظرية واضحة كل الوضوح، وإن كان هذا لا يمنع من القول ~~بأن فيها آراء واقتراحات مهدت للشعر الغامض من بعده، ولم يطبقها ~~هو نفسه على شعره. وسنقتصر هنا على مناقشة رأيه في سحر اللغة وفي ~~الخيال الخلاق. # لقد عرف الشعر دائما، وبخاصة ذلك الذي أبدعته الروح ~~اللاتينية-الرومانية، لحظات كان البيت يتحول فيها إلى قوة أو طاقة ~~نغمية تزيد في تأثيرها بكثير عن تأثير المضمون. وكانت الأشكال ~~الصوتية المؤلفة من إيقاعات متجانسة أو من توافقات بين الحروف ~~الساكنة والمتحركة تسحر الأذن برنينها الأخاذ. ومع ذلك فلم يكن ~~الشعر القديم يضحي في مثل هذه الحالات بالمضمون، بل كان يحاول أن ~~يزيد من قوة تأثيره عن طريق العناصر الموسيقية التي يحتويها. ~~والأمثلة على هذا عديدة في شعر فرجيل أو دانتي أو كالديرون أو ~~راسين، ولكن الأحوال تغيرت منذ عهد الرومانتيكية؛ فوجدنا أبياتا ~~من الشعر تهتم بالجرس أكثر من اهتمامها بالمعنى، وتسحر بالنغم أكثر ~~مما تقول. واكتسبت موسيقي اللغة أو مادتها النغمية قدرة فائقة على ~~الإيحاء. واستطاعت كلمات القصيدة المترابطة في سلسلة من الاهتزازات ~~والذبذبات أن تفتح أمام الشاعر والقارئ آفاقا فسيحة من اللانهائية ~~الحالمة. لم يعد هم الشاعر أن يفهم، بل أن يوحي. ولم تعد وظيفة ~~القصيدة أن تنقل معنى أو مجموعة من المعاني، بل أن تؤلف كيانا ~~حيا أو مجالا مستقلا من الطاقات الموسيقية. وتغيرت النظرة ~~بطبيعة الحال إلى وظيفة اللغة، واتضح الفارق الكبير بين لغة «توصل» ~~ولغة «توحي». وأصبح من الممكن أن تنشأ القصيدة عن «تأليفة» ~~موسيقية تتعامل مع العناصر الإيقاعية والنغمية الكامنة في اللغة ms073 ~~كما لو كانت تتعامل مع أشكال وصيغ سحرية. وأصبحت عناصر الإيقاع ~~والنغم هذه هي التي تحدد دوافع العملية الشعرية نفسها، وتتسبب في ~~وجود القصيدة واختيار كلماتها، لا بحسب معانيها بل بحسب الطاقات ~~الموسيقية التي تشعها، والدلالات التي توحي بها. وساد هذا في الشعر ~~الحديث والمعاصر حتى أوشك أن يصبح صنعة جديدة. وتحقق حلم ~~الرومانتيكيين فأصبح الشاعر هو الساحر الذي يلعب بالأنغام ~~والألحان. # ولقد كانت العلاقة الحميمة بين الشاعر والساحر معروفة من أقدم ~~العصور. ولكن كان لا بد أن تكتشف من جديد في أواخر القرن الثامن ~~عشر، بعد أن هدمها أصحاب النزعة الإنسانية والنزعة الكلاسيكية. ~~وأدى هذا في أمريكا إلى نظريات إدجار ألن بو التي وافقت حاجة الروح ~~الحديثة إلى «تعقيل» الأدب وربطه في نفس الوقت بالصور القديمة ~~الموغلة في القدم. ولقد تكلمنا عن مظاهر هذه الحداثة عندما ذكرنا ~~أن نوفاليس حاول أن يقرب بين شيئين يبدوان شديدي البعد عن بعضهما ~~البعض، وهما الرياضة والسحر؛ ولذلك فليس من قبيل الصدفة أن نجد مثل ~~هذه الأفكار في حديث الشعراء عن فنهم، من بودلير إلى عصرنا ~~الحاضر. # والمعروف أن بودلير قد ترجم «بو» إلى اللغة الفرنسية وكان سببا ~~في امتداد أثره على الأدب في فرنسا وخارجها حتى القرن العشرين. ~~ونود أن نذكر في هذا المجال مقالتين شهيرتين «لبو» ترجمهما ~~بودلير فيما ترجم من أعماله، وهما «فلسفة الإنشاء» # 13 ~~(1846م)، و«المبدأ الشعري» # 14 ~~(1848م) وتعتبر هاتان المقالتان من الآثار الباقية ~~التي تسجل تأمل الشاعر في فن الشعر والأدب عموما وفي إنتاجه الذاتي ~~بوجه خاص، كما تعبران كذلك عن ظاهرة من ظواهر الأدب الحديث التي ~~يلتقي فيها الإنتاج الأدبي بالتفكير في طبيعة هذا الإنتاج. وقد ~~ترجم بودلير المقالة الأولى بأكملها، ونقل مختارات من المقالة ~~الثانية، وتبنى النظريات الواردة فيهما بحيث نستطيع أن ننظر ~~إليهما كتعبير عن رأيه الشخصي. # وأهم ما في أفكار «بو» أنه عكس تسلسل الأفعال الشعرية التي سلم ~~بها علم الجمال القديم. «فالشكل» الذي كان يعد نتيجة أو محصلة ~~نهائية للقصيدة أصبح هو ms074 مبدأها وأصلها، و«المعنى» أو المضمون الذي ~~كان يعتبر أصلا لها أصبح هو النتيجة. # إن في عملية الخلق الأدبية والشعرية شيئا سابقا على اللغة ~~الدالة وعلى المعنى والمضمون، وهذا الشيء هو «النغم» أو الحالة ~~النفسية أو الجو الذي لم يتشكل بعد. ويحاول الأديب أو الشاعر أن ~~يعطي لهذا النغم أو هذا الجو شكلا، فيبحث في اللغة عن الأصوات ~~التي تتفق مع هذا النغم الأصلي أو تقترب منه. وتربط الأصوات ~~بكلمات، وتتجمع الكلمات في بواعث أو دوافع (موتيفات ) ينتج عنها في ~~نهاية الأمر معنى أو مضمون. # والملاحظ أن «بو» يبني نظرية متناسقة من فكرة عابرة أحس بها ~~نوفاليس من قبل. فلقد شعر نوفاليس بهذه النغمة أو هذا الجو الذي ~~يسبق اللغة ويحدد لها طريق البحث عن المعنى، أو يحدد للمعنى الطريق ~~الذي يمكن أن يجد نفسه عليه، كما أحس أيضا بأن المعنى أو المضمون ~~ليس هو لب القصيدة وجوهرها، بل هو الذي يحمل الطاقات الصوتية ~~والإمكانيات النغمية بكل ما فيها من اهتزازات وذبذبات هي أهم بكثير ~~من المعنى والمضمون. ولقد بين «بو» أن هناك كلمات معينة وردت في ~~قصائده ويرجع الفضل في وجودها إلى سحر النغم الكامن فيها وإلى نوع ~~من التداعي الحر نتج عن أبيات سابقة. أما الأفكار نفسها فيصفها ~~بأنها «مجرد إيحاء من شيء غير محدد أو معلوم.» والغرض من هذا كله ~~أن الأفكار شيء جانبي وأن العوامل الصوتية والقوى النغمية ينبغي ~~أن تبقى في المكان الأول ولا يضحى بها من أجل العوامل المعنوية ~~أو الفكرية. # بهذا يصبح الخلق الشعري نوعا من الفناء في الطاقات السحرية ~~للغة. فإذا أراد بعد ذلك أن يضيف إلى النغم الأولي معنى أو فكرة ~~كان عليه أن يفعل ذلك بكل الدقة الرياضية. إن القصيدة كيان تام في ~~ذاته. إنها لا تنقل لنا الحقيقة ولا نشوة القلب بل لا تنقل في ~~الواقع أي شيء على الإطلاق! إنها قصيدة لأجل ذاتها وحسب، ولعل «بو» ~~بهذه الأفكار أن يكون قد وضع أساس النظرية الشعرية التي ستدور فيما ~~بعد ms075 حول فكرة «الشعر الخالص» وهي الفكرة التي سنتحدث عنها عند ~~الكلام عن الشعر في القرن العشرين. # كل هذه الأفكار عن سحر اللغة وقوة الصوت والنغم يحتمل أن تكون ~~قد وصلت إلى نوفاليس وبو نتيجة تأثرهما بالإشراقيين الفرنسيين. ~~ونحن نعلم هذا عن بودلير، ونرجحه ولا نقطع به عن نوفاليس، وقد كان ~~في نظريات هؤلاء الإشراقيين (التي تمتد فيها جذور الرمزية) نظرية ~~فلسفية في اللغة، تقول إن الكلمة ليست شيئا عارضا من خلق الإنسان ~~وإنما تنحدر من أصل كوني واحد. ونطق الكلمة يعقد صلة سحرية بين ~~المتكلم وهذا الأصل. والكلمة الشاعرة هي التي تستطيع أن تغوص بأتفه ~~الأشياء في السر الميتافيزيقي الذي انحدرت عنه، وتلقي الضوء على ~~ألوان التشابه بين أجزاء الوجود. وقد كان بودلير يعرف كل هذه ~~الأفكار ولذلك لم تكن نظريات «بو» في فن الشعر - التي يحتمل أن ~~يكون قد أخذها عن نفس الأصل - غريبة عليه. لنستمع إليه وهو يتحدث ~~عن أهمية الكلمة في هذه العبارة التي سيقتبسها مالارميه فيما بعد: ~~«إن للكلمة قداسة تمنعنا من العبث بها. وإن تناول لغة من اللغات ~~تناولا فنيا معناه القيام بنوع من التعويذ أو الرقى السحرية» ~~(ص1035). # هذا التعبير عما يسميه بودلير بالتعويذ السحري سيتردد كثيرا ~~فيما بعد، لا في الشعر والأدب وحدهما بل كذلك في الفنون ~~التشكيلية. وهو في حقيقته تعبير عن فكر متأثر بالسحر والتصوف ~~وعلوم الأسرار؛ ولذلك فليس عجيبا أن تصادفنا كلمات مثل «الصيغ ~~السحرية» والعمليات السحرية والإيحاء وغيرها مما يتردد بكثرة فيما ~~نقرأ عن نظرية الشعر الحديث. # ولا يقلل من أهمية هذه الأفكار أن شعر بودلير نفسه في «زهور ~~الشر» لا يقدم نماذج كثيرة من هذا السحر اللغوي، وإن كتاباته ~~النظرية قد تجاوزت إنتاجه تجاوزا بعيدا في هذا الصدد، فالمهم ~~أنها قد مهدت للون من الشعر يقدم القوى النغمية الكامنة في ~~اللغة على كل شيء، بل إنه ليضحي في سبيلها بالجوانب الموضوعية ~~والمنطقية والانفعالية، وقد تصل به هذه التضحية إلى حد الخروج على ~~النظام النحوي نفسه. إنه شعر يعتمد ms076 على نبض الكلمة، ويظل يتسمع إلى ~~هذا النبض حتى يعثر عن طريقه - لا عن طريق التفكير والتدبير المسبق ~~- على المعنى أو المضمون المناسب. ويأتي هذا المعنى أو المضمون في ~~أغلب الأحوال شيئا غريبا شاذا، يقع على حدود الفهم أو وراء ~~حدوده. # وليس هذا بالأمر المستغرب من شعر أفرغ من المثالية، وأخذ يحاول ~~الفكاك من الواقع عن طريق الإغراب في الغموض والإغراق في الأسرار. ~~وليس غريبا أن يلجأ إلى سحر اللغة ليجد فيه سنده وعونه. ~~فالتعامل المستمر مع إمكانيات النغم وتداعيات الكلمة هو الذي يطلق ~~معاني غامضة ويفجر طاقات سحرية تنبعث من النغم الخالص. ~~(10) الخيال الخلاق # يتحدث بودلير في مواضع كثيرة من أعماله عن اشمئزازه من الواقع. ~~وهو يريد به الواقع السطحي السخيف الذي يكون نسخة من الطبيعة. وقد ~~قلنا إن شعره كله محاولة للخلاص من هذا الواقع؛ الذي غاص مع ذلك في ~~لجته إلى القرار! وليس أدل على سخطه على الواقع من غضبه الشديد ~~لاتهامه بالواقعية عندما قدم إلى المحاكمة بسبب ديوانه «زهور ~~الشر». ويبدو أنه كان محقا في هذا الغضب؛ إذ كانت الواقعية في ~~ذلك الحين صفة تطلق على الأدب الذي كان كل همه أن يعبر عن جوانب ~~الانحطاط الأخلاقي والجمالي في الواقع، دون أن يكون له هدف سوى هذا ~~التعبير. وشعر بودلير يختلف في الحقيقة عن ذلك كل الاختلاف. فهو لا ~~يريد أن ينسخ الواقع بل أن يحوله، ومن الخطأ والسخف أن نصف ~~بودلير بالواقعية أو الطبيعية. إن الدوافع الفطرية إلى الشر تتحول ~~عنده إلى ما سميناه بالنزعة الشيطانية، وصور الشقاء والتعاسة ~~تتوهج تحت يده فتصبح رعشة بالفزع تعبر عن التوتر والصراع ~~والاستقطاب الذي تكلمنا عنه في فصل سابق، والظواهر الواقعية ~~والطبيعية المحايدة تصبح لديه رموزا لحالات نفسية باطنة أو ~~لعالم غامض غير محدود يشغل ما وصفناه بالمثالية الفارغة من الهدف ~~والمعنى الأخير. إن المادة التي يعالجها بودلير تتوهج على الدوام - ~~مهما بلغت من الحدة وإثارة الفزع والاشمئزاز - بروحانية متوقدة ~~تسمو فوق كل واقع وتنزع بكل قوتها للخلاص ms077 منه. ومن مظاهر هذه ~~النزعة في صنعته الشعرية عنايته الفائقة بدقة التعبير عن الجانب ~~الأدنى من الواقع أي من هذا الواقع بعد تشكيله وتحويله، وخلو مضمون ~~الصورة عنده من كل تحديد مكاني، وميله إلى الأوصاف الانفعالية ~~بدلا من الأوصاف الموضوعية الدقيقة، والاستغناء عن المعالم الحسية ~~المحددة وغير ذلك كثير مما يدل على نزوعه للإفلات من الواقع ~~والخروج من أسره. # هذه الملكة التي تمكن الشاعر من تحويل الواقع وتخليصه من ~~«واقعيته» يسميها بودلير «الحلم» كما يسميها في أحيان أخرى ~~«الخيال» أو «المخيلة»، وهو يخطو خطوة أبعد من ديدرو وروسو عندما ~~يصفها بأنها ملكة خلاقة مبدعة. ولا بد من فهم هذا الوصف في إطار ~~القوى الذهنية والإرادية التي تنطوي عليها فكرة الحلم والخيال ~~لديه، والتي تدور كذلك في دائرة تسمح أيضا بالكلام عن الرياضة ~~والتجريد. # ولا بد أن نفهم فكرة الحلم عند بودلير فهما جديدا حادا يصل ~~إلى أقصى درجات الحدة. صحيح أنه قد يستخدمها أحيانا بمعناها ~~القديم عندما يخلع صفة الحلم على مظاهر مختلفة من الحياة ~~الوجدانية، أو على الزمن الباطن أو الشوق. ولكنه يؤكد حتى في هذه ~~الأحوال نوعا من السمو فوق عالم الأشياء القريبة، كما يؤكد نوعا ~~من التعارض الكيفي بين رحابة الحلم وضيق الواقع. # أضف إلى هذا أنه يميز الحلم في أغلب الأحيان عن «الكآبة الناعمة» ~~و«الفيض العاطفي» و«القلب»، كما يصفه في المقدمة التي كتبها ~~«للأقاصيص الجديدة» التي ترجمها عن «بو» بأنه «متوقد، غامض، كامل ~~كالبللور». إنه ملكة مبدعة لا مدركة، تسير على خطة دقيقة واضحة ~~ولا تخضع للصدفة والاتفاق. ومهما تكن طريقة الحلم أو شكله فالمهم ~~دائما هو أنه يبدع مضمونات غير واقعية. قد يكون ملكة أدبية ~~فطرية، وقد تساعده العقاقير والمخدرات على أداء وظيفته، وقد يصدر ~~عن أحوال نفسية مرضية. ولكن هذه جميعا وسائل يستعين بها للقيام ~~بالعملية السحرية التي يستطيع الحلم أن يضع بها اللاواقع الذي ~~يبدعه فوق الواقع المألوف. # وليس من قبيل الصدفة أن يصف بودلير الحلم بأنه كامل كالبللور. ~~فهو بهذا الوصف الذي ms078 يقارن فيه الحلم بشيء غير عضوي إنما يضمن له ~~منزلة متفوقة على الواقع المحسوس. # وأمثال هذه المقارنات التي تقلب سلم الموجودات وتضع غير الحي فوق ~~الحي ترد كثيرا عند نوفاليس، نتيجة تأثره بمصادر الكيمياء ~~القديمة. ويكفي أن نقرأ هذه العبارة لديه: «إن الأحجار والمواد هي ~~أسمى الموجودات. الإنسان هو العماء أو الاختلاط الحقيقي». والعبارة ~~تردد كذلك عند بودلير، وبخاصة عندما يتكلم عن الحلم، فيضيف ~~إليها ما يدل على امتهانه للطبيعة وتحقير كل ما هو طبيعي بحيث ~~يوازي الاختلاط والاضطراب والفساد. فالطبيعة في رأيه تعني ~~الموجودات النباتية، كما تعني كذلك مظاهر الانحطاط المختلفة في ~~أحوال البشر. فإذا لجأ إلى صور من العالم غير العضوي، كانت هذه ~~الصور رموزا على العقل المتفوق والروح المطلق، وتولد عنها لون من ~~التوتر الحاد الذي نلمسه لديه. وكل من يتأمل الفن التشكيلي في ~~القرن العشرين سيلاحظ هذه الظاهرة نفسها. فالأشكال التكعيبية ~~والصور التي ترسم بألوان غير واقعية، والتنافر والنشاز الذي يغلب ~~على تركيباتها يتفق تماما مع ما يقوله بعض كبار الفنانين - مثل ~~فرانز مارك وإرنست بكمان - عن الطبيعة ووصفهم لها بالاضطراب ~~والاختلاط والفساد. وليس حتما أن نجد في هذا دليلا على التأثير ~~المتبادل؛ إذ يكفي أنه يدل على وجود بناء مشترك يلتزم به الأدباء ~~والفنانون المحدثون على السواء. # يري بودلير أن الكائنات غير العضوية ليست لها أهمية في ذاتها. ~~إنها لا تكتسب دلالتها ومعناها حتى تصبح مادة للعمل الفني. ~~فالتمثال عنده أدل من الجسد الحي، ومنظر الغابة على خشبة المسرح ~~أعظم من منظر الغابة الطبيعية. وقد يقال إن هذا كله يتفق مع ~~العقلية اللاتينية التي تعنى بالشكل والبناء أكثر من عنايتها ~~بالمعنى أو الحياة. ولكن التطرف في تطبيق هذه الأفكار هو الأمر ~~الجديد حقا. فالمساواة بين العمل الفني وبين الكائنات غير ~~العضوية، وطرد «الواقع» من الأدب والشعر على هذه الصورة العنيفة ~~أشياء جديدة قد لا نجد لها مثيلا من قبل إلا في أدب الباروك ~~الإسباني الذي تربطه بالشعر الحديث روابط قوية. ومع ذلك فلم يكن ~~من ms079 السهل أن نجد في العصور السابقة قصيدة مثل قصيدة بودلير التي ~~تظهر الكائنات غير العضوية والفنية المصنوعة في صورة روحانية ~~وتجريدية بالغة الدقة والروعة والصفاء، ونعني بها قصيدته «حلم ~~باريسي». والقصيدة لا تصور مدينة واقعية بل مدينة لا ترى إلا في ~~الأحلام؛ فهناك أشكال هندسية مختلفة ليس فيها أثر للحياة ~~النباتية، وهناك أقواس هائلة تحيط بالماء وهو العنصر الوحيد ~~المتحرك في هذه الصورة - وإن بقي مع ذلك ميتا - وهناك أخاديد من ~~الماس، وأنفاق من أحجار كريمة. لا شمس ولا نجوم، بل سواد ناصع ~~بذاته، لا إنسان، ولا مكان، ولا زمان، ولا صوت: # رأيت في الحلم مشهدا مربعا # لم تره عين فانية، # ولم تزل صورته الغامضة البعيدة # تخلبني في هذا الصباح. # أن النوم يزخر بالعجائب! # فبنزوة فريدة # كنت قد نفيت من هذه المناظر # فوضى الحياة النباتية، # ورحت أستمتع في لوحتي # كالرسام المزهو بعبقريته # بالرتابة المسكرة # للمعدن والمرمر والماء. # كان قصرا هائلا غير محدود # أشبه ببابل كلها سلالم وأقواس # مملوء بالأحواض ومساقط المياه # التي تهوي في ذهب باهت أو ناصع؛ # وهنالك كانت الشلالات ضخمة # كستائر من بللور # يعشي ضوءها البصر # معلقة على أسوار معدنية. # لم تكن أشجارا، بل أبهاء للأعمدة # تلك التي أحاطت بالبرك الناعسة، # التي انعكست على مرآتها آلهات الماء، # وهي تتأمل نفسها كما تفعل النساء. # وهناك كانت مساحات شاسعة من الماء # تنسكب، زرقاء، بين مراس وردية وخضراء، # وتمتد ألوف الألوف من الأميال # حتى آخر حدود العالم؛ # وأحجار لم تخطر على بال # وطوفان أمواج ساحرة؛ # ومرايا هائلة غشيت # من كل ما كانت تعكسه! # وأنهار في قبة السماء # غير مكترثة وصامتة # راحت تسكب كنوز جرارها # في أخاديد من الماس. # أنا الذي صممت خرافاتي # جعلت بإرادتي # بحرا مكبوح الجماح # يمر في نفق من نفائس الأحجار. # وكل شيء، حتى السواد # بدا لامعا، صافيا وبراقا؛ # السيولة ثبتت بهاءها # في الشعاع البلوري. # وما من نجم، ولا من أثر للشمس # حتى ولا على حافة السماء # يضيء هذه العجائب # التي كانت تتلألأ بنارها! # وفوق هذه المعجزات المتحركة ~~(يا ms080 للفزع الجديد! كل شيء للعين، # ما من شيء للآذان!) # كان يرف صمت الأبدية. # 2 # عندما فتحت عيني المتوهجتين بالنور # رأيت بشاعة حجرتي البائسة # وأحسست، وأنا أعود لنفسي # بشوكه الأحزان الملعونة، # أخذت الساعة بدقاتها الكئيبة # تعلن في ضراوة عن الظهيرة # والسماء راحت تصب الظلمات # فوق هذا العالم البارد التعيس. # والقصيدة توضح ما يقصده بودلير من هذا الحلم الذي ~~جعله عنوانا لها: إنه تعبير بالصور عن بناء ذهني وروحي مركب، ~~يسجل انتصاره على الطبيعة والإنسان في رموز مشتقة من عالم المعادن ~~والأحجار والعناصر، ثم يلقي بهذه الصور المركبة في المثالية ~~الفارغة، لتشع مرة أخرى فتسكر العين ببهائها الرائع، وتشقي النفس ~~برعبها الفظيع. ~~(11) التفكيك والتشويه # لعل تحليل بودلير للمخيلة أن يكون أهم إضافة ساهم بها في نشأة ~~الشعر والفن الحديث. فهي عنده الملكة الخلاقة، بل هي الملكة ~~(بكسر اللام!) التي تتربع على عرش القدرات البشرية. ولكن كيف تعمل ~~هذه الملكة التي تبدو هي والحلم شيئا واحدا؟ لنقرأ ما كتبه عنها ~~في سنة 1859م: «إن المخيلة تفكك # Décompose # العالم كله؛ إنها ~~تجمع أجزاءه وتنظمها وتخلق منها عالما جديدا، بمقتضى قوانين ~~تنبعث من أعمق أعماق النفس» (ص773). # نستطيع أن نقول إن هذه العبارة تنطوي على مبدأ أساسي من مبادئ ~~علم الجمال الحديث أو على الأصح «علم الاستطيقا». ووجه الحداثة ~~فيها أنها تضع «التفكيك»، أو «التحطيم» في بداية العمل الفني، ~~ويؤكد بودلير هذا المعنى في إحدى رسائله حين يضيف إلى «التفكيك» ~~كلمة أخرى هي «العزل» أو «الفصل». # وتفكيك الواقع أو عزل أجزائه التي ينقسم إليها معناه تغيير شكله ~~وتعديل بنائه، أي تشويهه. والتشويه تعبير يرد بكثرة في كتابات ~~بودلير ويستخدم بمعنى إيجابي. فهو يعبر عن قوة ذهنية وروحية، ~~تفكك الواقع وتحطمه وتخلق منه عالما جديدا يختلف كل الاختلاف عن ~~العالم الواقعي المنظم، أو بناء غير واقعي لا يمكن أن تحكمه ~~القواعد والنظم التي تسيطر على عالم الواقع المألوف. # كل هذه إشارات وفروض نظرية لم يطبقها بودلير على شعره إلا في ~~مواضع قليلة، بيد أن تأثيرها على ms081 الشعر من بعده كان بالغ القوة. ~~ويكفي أن نتذكر شعر رامبو لنرى مدى ما حققته عبارة بودلير السابقة ~~عن المخيلة من جرأة وجسارة. لقد كان الهدف الأساسي دائما هو ~~الرغبة في الخلاص من أسر الواقع الضيق. ولن نستطيع أن نقدر القيمة ~~الحقيقية لفكرة المخيلة أو الخيال الخلاق عند بودلير حتى نقارنها ~~بفكرة النسخ الفوتوغرافي التي تصادف ظهورها وانتشارها في عهده. لقد ~~احتج بودلير مرارا على هذا اللون من التصوير الحرفي للواقع، ~~وأكد بذلك - كما قدمنا - أنه بعيد عن الاتجاه الواقعي أو الطبيعي ~~الذي يكتفي بنسخ الواقع. # والظاهر أن من قوانين الوجود أن يؤدي الإفراط في شيء إلى النقيض ~~منه؛ فالتحمس في تصوير الواقع نتيجة لاكتشاف الفوتوغرافيا، قد ساعد ~~على استهلاك هذا الواقع الضيق المحدود وأغرى المخيلة بالاتجاه إلى ~~عالم الخيال الحر. ويشبه هذا رد الفعل الذي نتج عن التحمس للنزعة ~~الوضعية العلمية في العصر الحديث؛ مما أدى للرجوع إلى دراسة ~~الإنسان وبعث التيارات الميتافيزيقية والوجودية على اختلاف ~~مذاهبها. ويتصل هذا الاحتجاج على نسخ الواقع بالتصوير الفوتوغرافي ~~باحتجاج بودلير على العلوم الطبيعية، فالمحاولات التي تبذلها ~~للتغلغل إلى العالم والتحكم في الطبيعة هي في رأيه تضييق للعالم ~~وتضييع لأسراره. ولذلك كان من الطبيعي أن يكون إطلاق الخيال إلى ~~أقصى طاقاته هو الرد على تلك النزعة التي ثار عليها حسه ~~الفني. # كان لهذه المشاعر والأفكار التي اعتملت في نفس بودلير وعقله ~~أثرها القوي الذي امتد إلى يومنا الراهن. لقد قال بودلير مرة في ~~حديث له: «أتمنى أن أرى مراعي حمراء وأشجارا زرقاء.» وجاء رامبو ~~فنظم شعرا في مثل هذه المراعي والمروج العجيبة، ورسمها فنانو ~~القرن العشرين في لوحاتهم. وليس من قبيل الصدفة أن يصف بودلير الفن ~~النابع من الخيال الخلاق بأنه فن يعلو على الطبيعة أو فوق ~~الطبيعة. # إنه الفن الذي يجرد الأشياء من شيئيتها فيحيلها إلى خطوط وألوان ~~وحركات وظواهر وأعراض قائمة بنفسها، ويلقي عليها ضوءا سحريا ~~يمحو واقعيتها ويعلن عن سرها. ولن يدهشنا بعد ذلك أن يأتي الشاعر ~~جيوم أبوللينير فيشتق ms082 من تعبير بودلير السابق «فوق الطبيعية» ~~تعبيره فوق الواقعية (السيريالية) فيواصل ما بدأ بودلير، ويؤسس ~~حركة فنية وأدبية لا يزال لها دور كبير حتى اليوم. ~~(12) التجريد والأرابيسك # لم يكن الخيال الذي تحدث عنه بودلير ملكة أفلتت من كل قيد، بل ~~قوة ترتبط أوثق ارتباط بالعقل الذي يحكمها ويحدد لها الطريق. ويكفي ~~أن نقرأ هذه العبارة التي يقولها في إحدى رسائله: «إن الشاعر هو ~~العقل الأسمى، والخيال هو أكثر القدرات نصيبا من الروح العلمية» ~~(المراسلات، 1، ص368). # ولا زالت المفارقة التي تنطوي عليها هذه العبارة صادقة إلى ~~اليوم. إنها مفارقة تدل على أن الأدب الذي اقتحم اللاواقع فرارا ~~من عالم سادت فيه الصنعة وجرده العلم من أسراره لا يزال مع ذلك ~~يطمح في تعبيره عن هذا اللاواقع إلى نفس الدقة والذكاء والإحكام ~~الذي جعل من الواقع شيئا ضيقا وسخيفا وسطحيا. أي أن الأدب ~~الذي ثار على العلم لم يتخل عن دقته ومنهجه، ولذلك كان من ~~الطبيعي أن ينتهي بودلير إلى القول بفكرة جديدة وهي فكرة التجريد. ~~وقد سبق لنوفاليس أن استخدم نفس الفكرة لتحديد ماهية الخيال. وكان ~~هذا بدوره أمرا مفهوما طالما أن الخيال هو الملكة القادرة على ~~خلق اللاواقع. أما بودلير فيستخدم في الغالب كلمة «مجرد» بمعنى ~~«عقلي» أي «لا شيء». ونستطيع أن نلاحظ في هذا بداية الفن والشعر ~~المجرد، كما نستطيع أن نقول إن بودلير قد توصل إليها من فكرته عن ~~الخيال المطلق التي تجد المعادل الموازي لها في الخطوط والحركات ~~المتحررة من الأشياء والموضوعات. هذه الخطوط والحركات هي التي ~~يسميها بودلير «الأرابيسك» ويقول إنها أكثر الرسوم نصيبا من العقل ~~(ص1192). ولقد حاول نوفاليس، وبو، وجوتييه أن يقربوا بين الأرابيسك ~~والمسخرة (الجروتيسك). وجاء بودلير فزادهما قربا، وجمع في مذهبه ~~الاستطيقي بين المسخرة والأرابيسك والخيال برباط متين. فالخيال في ~~رأيه هو ملكة الحركات المجردة - أي الخالصة من الأشياء - للعقل ~~الحر؛ أما المسخرة والأرابيسك فهما نتاج هذه الملكة. # وإذا كان الخيال الخلاق يحول الأشياء إلى خطوط وألوان فإنه يجعل ~~من اللغة أو ms083 من العبارة الشعرية مجموعة من «الأرابيسكات» أي من ~~الخطوط والمنحنيات المتحركة المتحررة من المعنى. والعبارة الشعرية ~~- كما يقول بودلير نفسه في كلمة كان يريد أن يقدم بها لزهور الشر - ~~هي مجموعة من الأصوات والحركات الخالصة يمكن أن تكون خطا أفقيا ~~أو خطا صاعدا أو هابطا، كما يمكن أن تكون خطا حلزونيا أو ~~متعرجا تتلامس حوافه، ومن هنا يتلامس الشعر والرياضة والموسيقى؛ ~~جمال يتسم بالنشاز، تنحية القلب عن مكانه القديم في الشعر، تعبير ~~عن حالات وجدانية شاذة، مثالية فارغة من المعنى أو دائبة في ~~البحث عنه، تخليص الأشياء من شيئيتها، غموض ونزوع إلى الأسرار ~~مستمد من الطاقات السحرية الكامنة في اللغة ومن إطلاق الخيال ~~بغير حدود، تقريب اللغة الشعرية من تجريدات الرياضة والموسيقى. تلك ~~هي بعض الملامح التي اكتشفها بودلير في وجه الشعر الحديث، وهي خطى ~~بدأها هذا الشاعر العظيم، وكان على الأجيال التي جاءت بعده أن تسير ~~فيها وتواصل الطريق. # إنه شاعر تركت عليه الرومانتيكية آثار جراحها. لكنه استطاع أن ~~يحول عبث الرومانتيكية إلى جد خالص، وأن يقيم بناء شامخا من ~~بعض الخواطر المتناثرة التي ~~وجدها عند أعلامها. صحيح أن واجهة هذا البناء تدير ظهرها لهم، ~~ولكنها لا تخلو مع ذلك من لمساتهم؛ ولذلك نستطيع أن نقول عن شعر ~~خلفائه إنه رومانتيكية خلعت عنها الرومانتيكية. وماذا تكون هذه ~~المفارقة إلى جانب المفارقات التي ينطوي عليها هذا الشعر ~~كله؟! # الفصل الثالث # | رامبو (1854-1891م) # عبرت عما لا سبيل للتعبير عنه. ~~*** ~~(1) خصائص عامة # حياة لم تتجاوز السابعة والثلاثين عاما، موهبة شعرية تفجرت ~~في سن الصبا ثم لم تلبث أن توقفت بعد أربع سنوات، صمت أدبي ~~مطلق، ضياع بين أوروبا والشرق الأدنى وأواسط أفريقيا، حيرة متصلة ~~بين أعمال متباينة تقلب فيها بين جيوش الاستعمار، والمحاجر، ~~وشركات التصدير، تجارة البن والجلود في عدن، السفر مع القوافل ~~لشراء الأسلحة وبيعها لنجاشي الحبش، كتابة التقارير للجمعيات ~~الجغرافية عن مناطق لم تكتشف في الصومال، رحلات دائمة مع الحر ~~والبرد والجوع والشقاء، علاقة جنسية شاذة مع شاعر آخر كبير ms084 (بول ~~فيرلين)، مرض التيفوس، بتر ساق، موت مبكر في مرسيليا، تطور ~~شعري مذهل في غضون أعوام قليلة تفوق فيه الشاعر على نفسه وتراثه ~~وخلق لغة شعرية أصيلة لم تزل حتى اليوم هي لغة الشعر الحديث، تلك ~~هي بعض الحقائق البارزة في حياة رامبو وشخصيته. # والعنف في حياته يتفق تمام الاتفاق مع أدبه. إن إنتاجه قليل، ~~ولكن لعل الكلمة الوحيدة التي تصدق عليه أنه أشبه بالانفجار. لقد ~~بدأ بالقصائد التقليدية، وانتقل منها إلى الشعر الحر، ثم انتهى إلى ~~قصيدة النثر الموقعة غير المتساوقة مثل قصائده الطويلة ~~«الإشراقات» (1872-1873م) و«فصل في الجحيم» (1873م)، وفي هذه ~~الأشكال المختلفة التي مر بها - ومهد لها السابقون عليه - تسري ~~عاصفة من الشعر النابض المفعم بالحركة، الذي يستغل الموضوعات ~~والأشياء على هواه ليؤكد حريته قبل كل شيء. ونستطيع في الصفحات ~~القادمة أن نهمل التقسيم المألوف لهذا الإنتاج إلى شعر ونثر، ~~لنعتمد على تقسيم آخر لعله أقرب إلى روح هذا الإنتاج وحقيقته: وهو ~~النظر إليه في المرحلة الأولى التي تنتهي في حوالي منتصف سنة 1871م ~~وهي مرحلة الشعر المفهوم، ثم المرحلة الثانية التي يتصف شعره فيها ~~بالغموض والإغراب. # نستطيع أن نقول بوجه عام إن أدب رامبو يحقق الأفكار النظرية ~~التي خطط لها بودلير في ترجماته وكتاباته النقدية. ومع ذلك فهو ~~يقدم صورة مختلفة كل الاختلاف. إن ألوان التوتر الحاد التي عرضنا ~~لها عند الكلام على «زهور الشر» وقلنا إنها بقيت بغير حل على الرغم ~~من إحكامها وترتيبها قد بلغت أشدها عند رامبو وأصبحت ألوانا من ~~النشاز المطلق. فالموضوعات التي يطرقها شعره لا تكاد تتصل ببعضها ~~إلا على نحو قد يحدس به القارئ ولكنه لا يستطيع أن يقطع فيه ~~بالرأي اليقين، وهي في معظم الأحيان تختلط ببعضها البعض أشد ~~الاختلاط وتمتلئ بالثغرات والفجوات. إن حقيقة هذا الشعر لا تكمن في ~~موضوعاته، بل في غليان انفعالاته، وهو منذ سنة 1871م لا يقدم ~~للقارئ أفكارا أو معاني مفهومة، بل مجرد شذرات، وخطوط متكسرة، ~~وصور حسية حادة، ولكنها في نهاية الأمر صور ms085 غير واقعية. ثمة ~~اختلاط شامل يسري في نغم هذا الشعر الذي تتألف من ألحانه ~~المتناغمة أو المتنافرة وحدة تتجاوز المعنى والمفهوم. إن الشاعرية ~~أو الفعل الشعري يتحول عن المضمون والعبارة إلى نوع من الرؤية ~~الديكتاتورية المتسلطة التي تستلزم بدورها تكنيكا غير عادي في ~~التعبير. وليس من الضروري أن يترتب على هذا التكنيك تحطيم بناء ~~العبارة ونظامها المألوف. فالغريب أن رامبو (على عكس مالارميه) ~~يلجأ نادرا إلى هذا، على الرغم من طبعه الانفعال المتفجر. إنه ~~يكتفي بإفراغ مضموناته المضطربة المشوشة في جمل قد تصل في ~~بساطتها إلى حد بدائي. ~~(2) ضياع وضلال # لا غرابة إذن في أن يحير هذا الشعر ويربك. إن رسالة رامبو - ~~كما قال الكاتب الناقد جاك ريفيير في سنة 1920م - هي أن يحيرنا ~~ويضلنا. وأجمل ما في هذه العبارة هو اعتراف صاحبها برسالة رامبو. ~~وليس ريفيير هو الوحيد الذي قال هذا. إن شاعرا كبيرا آخر - هو ~~بول كلوديل - يقول في رسالة وجهها إليه بعد قراءاته لقصائد رامبو ~~«الإشراقات»: «أخيرا استطعت أن أخرج بنفسي من العالم المنفر، ~~عالم «تين» و«رينان»، من هذه الآلية البشعة التي تسيرها قوانين ~~صارمة وهي مع ذلك قوانين يمكن معرفتها وتعليمها. لقد كانت هذه ~~القراءة إلهاما كشف لي عن وجود يسمو فوق الطبيعة.» وكلوديل يهاجم ~~هنا النزعة الوضعية العلمية التي قامت على الاعتقاد بأن في الإمكان ~~معرفة العالم والإنسان معرفة كاملة، فأدت من حيث تدري أو لا تدري ~~إلى خنق الطاقات الفنية والنفسية التواقة للبحث عن الأسرار. ~~ولذلك فليس عجيبا أن يكون الشعر الغامض الذي ينطلق بقارئه من عالم ~~جرده العلم من الألغاز والأسرار إلى عالم المخيلة الذي يموج بهذه ~~الألغاز والأسرار بمثابة رسالة تعين المتلقي على التحليق في ~~سمائه، ولعل هذا هو سر تأثير رامبو على الشعراء الذين جاءوا بعده. ~~إن عالمه غير الواقعي المضطرب يحمل لهم الخلاص من الواقع الضيق. ~~صحيح أنه لا ينتهي بهم إلى حقيقة عالية تسمو فوق هذا الواقع بل ~~إلى مثالية فارغة أشد تطرفا من تلك التي وجدناها عند بودلير ms086 ~~وأكثر عدمية. ولكنه كان ولا يزال نوعا من التحرر والخلاص على كل ~~حال، مهما كان من ضباب الألغاز والأسرار التي أغرقها فيها. # ويزداد إحساس القارئ لرامبو بالضياع والضلال كلما تبين له أنه ~~ينطلق من لغة لا تستطيع أن تجرحه وتصدمه وتروعه فحسب، بل تملك كذلك ~~القدرة على أن تشجيه بالنغم العذب الساحر. ولقد يبدو له في بعض ~~الأحيان وكأن الشاعر يهيم في ملكوت سماوي رائع، أو كأنه ينحدر ~~من عالم آخر، تحيط به هالة من النور والفرح والصفاء ... يقول عنه ~~«جيد» إنه غابة شوك متوهجة ، ومالارميه يصفه بأنه ملاك يعيش في ~~المنفى. وتختلط أحكام الكتاب والنقاد على إنتاجه الزاخر بالعناصر ~~الشاذة المتنافرة. # ويغالي البعض فيصفه بأنه أعظم الشعراء، ويحط البعض الآخر منه ~~فيجعل منه مراهقا شاذا نسجت حول حياته وشعره الأساطير. ولا شك ~~أن الدراسة المنصفة تستطيع أن تتجنب هذا التطرف من كلا الجانبين، ~~ولكنها لا تملك أن تقف موقف الحياد من المبالغات التي وقع فيها ~~الفريقان، ولا بد أن تفسرها بأنها نتيجة ضرورية للتأثير القوى ~~الذي انبعث من شعر رامبو. ومهما يكن حكمنا عليه فلن نستطيع أن ~~نتجاهل ظاهرة رامبو الذي أضاء واختفى كالشهاب القصير العمر، ولم ~~يزل نوره يضيء سماء الشعر. ~~(3) رؤية في رسالتين (شذوذ مقصود، موسيقى نشاز، فراغ) # كتب رامبو في سنة 1871م رسالتين دون فيهما برنامجه عن شعر ~~المستقبل. وتدور الرسالتان حول الفكرة القديمة المعروفة التي تعتبر ~~الشاعر شخصا ملهما يتنبأ بالمستقبل ويتحدث عنه بلسان الساحر ~~والعراف والحكيم. ولذلك جاءت تسمية هاتين الرسالتين باسم «الرائي ~~أو البصير # Lettre du voyant ~~» (ص251 ~~وما بعدها)، واتفق النقاد على أنهما تعبران عن بداية المرحلة ~~الثانية في إنتاج رامبو التي تعتبر قصائده النثرية أو اعترافاته ~~الرائعة «فصل في الجحيم» خاتمة لها. والرسالتان تؤكدان ما قلناه من ~~أن الشعر الحديث يسير يدا في يد مع التأمل في طبيعة هذا ~~الشعر. # والدعوة التي تحملها الرسالتان تتلخص في أن الشاعر ينبغي أن يجعل ~~من نفسه رائيا أو بصيرا، ولكن كيف يصبح الشاعر كذلك؟ ms087 كيف يتسنى ~~له أن يستحضر الرؤى؟ يجيب رامبو إجابته المشهورة: بإحداث بلبلة ~~متصلة حادة في حواسه، بالانغماس «الديونيزي» المقصود في كل تجربة ~~حسية ووجدانية ممكنة. وما غايته من بلبلة الحواس وتعمد تشويهها؟ ~~الغاية هي معرفة الحقيقة الجوهرية الكامنة وراء الظواهر الخارجية ~~والتعبير عنها. إن الرائي يستنفد كل سم وكل شراب لكي يحافظ على ~~الجوهر واللباب، إنه يصبح بين الناس المريض الأكبر والمجرم الأكبر ~~والملعون الأكبر، والعارف والرائي الأعظم! ذلك لأنه يصل إلى ~~المجهول! وعندما يصيبه مس الجنون ويبوء بالعجز عن فهم رؤاه تكون ~~هذه الرؤى قد أصبحت ملكة لديه؛ هو إذن بروميثوس جديد سرق النار ~~الخالدة حقا لا خيالا، أو مسيح جديد منتظر يتوقف على ظهوره ~~مستقبل الحياة ومستقبل الإنسانية. # لعل هاتين الرسالتين أن تكونا تنويعات على فكرة بودلير عن ~~التماثل الشامل التي سبق الكلام عنها. بل إن رامبو يرى أن بودلير ~~نفسه هو «الرائي الأول، ملك الشعراء إله حقيقي». وطبيعي أن مثل هذا ~~الهدف الطموح لا يقاس إلا بالشعر الذي ألهمه وقد كانت «السفينة ~~السكرى» - التي ستجد نصها فيما بعد - هي أعظم إلهام تمخض عنه خطاب ~~الرؤية. # وليس جديدا على الشاعر أن يطمح إلى منزلة الرائي والبصير ~~والعراف. فالفكرة كما قلت فكرة قديمة انحدرت إلينا عن ~~الإغريق. # وقد رجع إليها أصحاب النزعة الأفلاطونية في عصر النهضة، ثم عرفها ~~رامبو وهو بعد تلميذ صغير من إحدى مقالات «مونتني» التي تناول ~~فيها فكرة أفلاطون عن المس أو جنون الإلهام الذي يصيب الشعراء ~~(وقد عرضها بوجه خاص في محاورة فايدروس). وليس ببعيد أن يكون ~~رامبو قد تأثر في هذا الصدد أيضا بفيكتور هيجو. المهم على أية حال ~~أنه فهمها فهما جديدا، وأنه فسر الرؤية تفسيرا يختلف اختلافا ~~كبيرا عما كانت عليه عند اليونان. # إن هدف الشعر في رأي رامبو هو «الوصول إلى المجهول»، أو هو في ~~عبارة أخرى «رؤية ما لا يرى، وسماع ما لا يسمع.» ويعلم القارئ ~~أن هذه الأفكار ليست جديدة كل الجدة؛ فهي موجودة كما رأينا عند ~~بودلير، وهي ms088 تستخدم هنا وهناك للدلالة على المثالية الفارغة، أو ~~المتعالي (الترانسندانس) الخالي من كل معنى. ورامبو لا يحددها عن ~~قرب، بل يكتفي بالتعريف السلبي للهدف الذي تتجه الرؤية نحوه. فهو ~~أحيانا «غير المألوف» أو «غير الواقعي»، وهو في كل الأحيان ذلك ~~«الآخر» الذي يخلو من أي معنى إيجابي. وأشعار رامبو تؤكد هذ؛ فأنت ~~تلمس نزعتها العاصفة المتفجرة للانطلاق وراء الواقع، ثم تلمس ~~تحويلها أو تشويهها للواقع إلى صور مفككة، صور غير واقعية حقا، ~~ولكنها لا تدل على معنى متعال أصيل. إن المجهول يظل عند رامبو ~~كما كان لدى بودلير قطب توتر فارغ من المضمون، ورؤيته الشعرية ~~تتغلغل في حطام الواقع - الذي مزقه الشاعر عن عمد! - لتبصر السر ~~المظلم. فما هو موضوع هذه الرؤية؟ # يجيب رامبو على هذا السؤال بعبارة مشهورة: ... «لأن «أنا» شيء ~~آخر، عندما تبعث الحياة في الصفيح فيتحول بوقا، فليس للصفيح فضل ~~في هذا. إنني أعاين ازدهار تفكيري، أنظر إليه، أتسمع صوته. إنني ~~ألمس الوتر، وما هو إلا أن تهتز السمفونية في الأعماق. من الخطأ أن ~~يقال: أنا أفكر. لا بد أن يقال: إن هناك من يفكرني.» # ليست الأنا التجريبية إذن هي الموضوع الصالح للرؤية، بل هناك ~~قوى تحل محلها، قوى صادرة من الأعماق، سابقة على الشخصية، ولكنها ~~نافذة وقاهرة. إنها هي الأداة الملائمة لرؤية «المجهول». وليس من ~~الصعب أن نحس اللمسة الصوفية في هذا الكلام. فالأنا تتجرد من ~~نفسها، تطرح ذاتها، لأن الإلهام الإلهي يتملكها ويسيطر عليها، ~~ولكن هذه السيطرة تأتي الآن من أسفل، تأتي من الأعماق. تغوص الأنا ~~في الأعماق وهناك تغلب عليها الروح الكلية # Lâme miverselle # الجامعة فتشلها وتسلب إرادتها. ~~ها نحن نعاين مشهدا جديدا سيتكرر في الشعر الحديث. إن الشاعر ~~يتلقى تجاربه الجديدة - التي أصبح العالم المستهلك عاجزا عن ~~تقديمها له - من عالم آخر هو عالم المجهول الذي يسوده الاضطراب ~~والتشويش. ولا غرابة بعد هذا أن يرى السيرياليون في رامبو أحد ~~آبائهم وروادهم. # ولكن لنعد مرة أخرى إلى فكرتنا الأصلية لنسأل: كيف تصل الأنا ~~إلى ms089 تجريد ذاتها من كل قوة؟ يقول رامبو: عن طريق الفعل. ولكن ما هي ~~طبيعة هذا الفعل؟ الجواب: الإرادة والذات هما اللتان تقومان ~~بتوجيهه: «أريد أن أكون شاعرا، وإني لأعمل جاهدا لأن أكونه.» ~~والعمل هنا جهد إرادي دءوب مضن يحاول به الشاعر، مهتديا بالعقل ~~«أن يشوش حواسه ويشيع فيها الاضطراب.» بل إنه ليذهب إلى أبعد من ~~هذا فيقول: «إن المهم هو أن يصنع الشاعر لنفسه نفسا مشوهة، متشبها ~~في ذلك برجل يزرع البثور في وجهه ويرعاها حتى تكبر.» والدفعة ~~الشعرية لا تنبعث إلا «بمسخ» الذات «وتقبيح» النفس. وما الهدف من ~~كل هذا العناء ؟ الهدف هو بلوغ «المجهول». والشاعر الذي ينظر في ~~المجهول هو «المريض العظيم، والمجرم العظيم، والمحتقر العظيم، وهو ~~كذلك أعظم العارفين.» # إذن فلم يعد الشذوذ قدرا يحتمله الشاعر في صمت وشجاعة، كما كان ~~الحال عند روسو والرومانتيكيين. إنه الآن رغبة مقصودة في ~~«الابتعاد» و«الانطلاق» و«الخروج». والأدب، والشعر بوجه خاص، ~~مرتبط بالمجهود الذي تبذله الإرادة «لمسخ» الذات أو تشويه النفس؛ ~~لأن هذا المسخ وهذا التشويه هما اللذان يسمحان بالاندفاع الأعمى ~~نحو الأعماق البدائية الدفينة أو الانطلاق نحو المتعالي ~~(الترانسندنس) الفارغ من كل معنى وحقيقة. وما أبعدنا الآن عن ذلك ~~الشاعر أو الرائي الإغريقي الذي تتملكه ربات الفن وتصيبه الرؤية ~~بمس الإلهام أو عبقري الجنون! # إن الأدب الذي يأتي عن هذا الجهد الشاق سيصبح الآن «لغة جديدة» ~~أو «لغة جامعة»، وهذه اللغة تختلط فيها عناصر الإغراب والعمق ~~والتنفير والنشوة، يستوي أن يكون لها شكل أو لا يكون، ويستوي فيها ~~الجميل مع القبيح. إن مقياس قيمتها هو الانفعال والموسيقى، هي عند ~~الشاعر الذي لا يكف عن الحديث عنها «موسيقى مجهولة»، وهو يسمعها في ~~«القلاع المبنية من العظام»، في «الأغنية الحديدية المنبعثة من ~~أسلاك البرق»، وهي «نشيد مشرق عن محنة من نوع جديد». هي موسيقى ~~عميقة امحى فيها كل أثر «للعذاب الشجي» الذي طالما تغنى به ~~الرومانتيكيون. وكلما نغمت موسيقى هذا الشعر الأشياء والكائنات ~~انبعث منها صراخ وزئير يخترمان الغناء والنشيد؛ إنها موسيقي ms090 نشاز ~~أو هي نشوز موسيقي. # ولكن لنرجع مرة أخرى إلى الرسالتين؛ ستستوقفنا عبارات جميلة ~~كهذه العبارة: «إن الشاعر يحدد مقدار المجهول الذي يجيش في روح ~~عصره الشاملة.» # ثم يأتي الكلام عن الشذوذ فيعلن في برنامجه أن الشاعر هو الشذوذ ~~الذي أصبح معيارا. ويصل إلى القمة حين يقول: «إن الشاعر يبلغ ~~المجهول، وإذا لم يستطع في نهاية الأمر أن يفهم رؤاه، فيكفي أنه ~~تمكن من رؤيتها.» قد تقضي عليه وثبته الهائلة في محيط الأشياء التي ~~لم يسمع بها ولم يعرف لها اسم، ولكن سيأتي عمال آخرون مخيفون ~~فيبدءون من تلك الآفاق التي تحطم هو نفسه عليها. # من هو الشاعر إذن؟ # هو ذلك الذي يعمل على تفجير العالم بالمخيلة الطاغية المستبدة ~~التي تنطلق إلى المجهول وتتحطم عليه. فهل يا ترى أحس رامبو أن ~~القوتين المتعاديتين في عالمنا الحديث، وأقصد بهما العامل في ~~الصناعة و«العامل» في الشعر يمكن أن يتلاقيا في الخفاء، ربما لأن ~~كليهما مستبد متسلط على الأرض والنفس على حد سواء؟ ~~(4) قطيعة مع التراث # هذا التمرد الذي يعلنه رامبو في أشعاره وفي برنامجه الطموح ~~يرتد أيضا إلى الوراء فيصبح تمردا على التراث. والمتمرد على ~~التراث قد ينجح في تحطيمه أو مقاطعته ولكنه لا ينجو أبدا من ~~تأثيره ولا يستطيع الإفلات منه. فالمعروف أن رامبو كان في صباه ~~وشبابه شديد النهم إلى القراءة، وأشعاره زاخرة بأصداء من أدباء ~~عصره أو أدباء القرن التاسع عشر، ومع ذلك فإن حدة النغم في هذه ~~الأصداء شيء يأتي من رامبو نفسه ولا يأتي من النماذج التي تتردد في ~~وجدانه. إن كل ما يتلقاه من التراث الأدبي قديمه أو حديثه يتحول ~~عنده إلى شيء جديد كل الجدة، شيء ينتج عن زيادة في دفء الانفعال ~~تصل إلى حد الغليان، أو تطرف في برودته إلى حد التثلج ... ولذلك فلا ~~يعتد كثيرا في الحكم على شعره بالأصداء المنبعثة من التراث، كل ~~ما هناك أنها تؤكد حقيقة تصدق على رامبو كما تصدق على غيره: ما من ~~أديب يبدأ من العدم. # إن ms091 رامبو يغير ما يقرؤه ويحوله إلى شيء آخر مختلف تمام ~~الاختلاف، ولعل هذا هو الدليل على موقفه من التراث بوجه عام. إنه ~~لا يكتفي بمقاطعته والتمرد عليه، بل يمقته ويعلن كراهته له، ويكفي ~~أن نذكر كلامه في رسالة الرؤية الثانية عن لعنة الأسلاف، ويكفي ~~أيضا أن نتذكر ما يؤثر عنه من سخرية بمتحف اللوفر، ودعوته إلى ~~إحراق المكتبة الأهلية في باريس! وقد تبدو هذه الأقوال صبيانية، ~~ولكنها تتفق مع الروح الشائعة في آخر أعماله «موسم في الجحيم» الذي ~~يشهد حقا بأن صاحبه لا يزال شابا، ولكنه يشهد كذلك بأنه تخطى ~~مرحلة الصبا. # على أن انعزال رامبو عن جمهور القراء وعن عصره الذي عاش فيه بهذه ~~الصورة المثيرة قد أدى كذلك إلى عزلته المثيرة عن الماضي، ولا ترجع ~~هذه العزلة إلى أسباب شخصية بقدر ما ترجع إلى طبيعة العصر نفسه، ~~فيبدو أن طغيان الروح التاريخية والتطرف في الاهتمام بالجمع ~~المتحفي كانا عبئا كبيرا على كاهل العصر؛ مما أدى إلى انقطاع ~~الاتصال الحي بالتراث، بل إلى مهاجمة كل ما يتصل بالماضي والنفور ~~منه. ولا زالت آثار هذه الظاهرة ملموسة في الأدب والفن في القرن ~~العشرين. # ويبدو أن رامبو كان في سني التلمذة شديد التحمس للتراث ~~الكلاسيكي. ولكن التراث الكلاسيكي يظهر في أعمال هذه المرحلة من ~~إنتاجه في صورة ممزقة شائهة، والسخرية أو المسخرة التي أخذها من ~~فيكتور هيجو ومن رسوم دومييه تمتد فتشمل عالم الآلهة والأساطير، ~~وتجرهما إلى حياة الشارع اليومية بكل ما فيها من فجاجة وسطحية. ~~فنحن نقرأ عن «نساء باخوس» # 1 # اللائي يعشن في الضواحي، كما نقرأ عن فينوس التي تقدم ~~كئوس الخمر للعمال، والغزلان التي ترضع من ثديي ديانا. # وتصل نزعة التقبيح إلى قمتها في سوناتة بعنوان «فينوس أنا ~~ديومين» كتبها في 27 يوليو سنة 1870م، إذ تتحول فيها الأسطورة ~~الإغريقية الجميلة عن ميلاد فينوس من زبد البحر إلى شيء غريب ~~ومخيف: # فينوس # كأنما يرقد في تابوت أخضر من صفيح # رأس امرأة، بني الشعر، مضمخ بالدهون، # يطفو من حوض ms092 استحمام # 2 # قديم، في غباء وخمول، # والعيوب التي يكشف عنها، قد أساء إليها العلاج؛ # والرقبة بعد ذلك مكتنزة بالشحم وداكنة، # والكتفان العريضان بارزان، والظهر القصير معوج؛ # الدهن يلمع تحت الجلد كالأوراق الملساء؛ # والاستدارة أسفل الظهر تبدو شديدة الانتفاخ؛ # سلسلة الظهر محمرة قليلا، والجسد كله # ينشر رائحة مفزعة غريبة، ويرى الإنسان # أشياء عجيبة تحتاج لعدسة مكبرة ... # محفورة أسفل الظهر كلمتان: فينوس الشهيرة؛ # الجسد كله يحرك ويمد خلفيته العريضة، # التي يزيد من جمالها البشع قرح في الشرج. # إن مضمون القصيدة يبين المفارقة الحادة مع ~~عنوانها؛ فها هي ذي فينوس الجميلة الحالة قد استحالت امرأة بشعة ، ~~يطفو رأسها المقروح من مغطس من الصفيح، وتستقر رقبتها الغليظة ~~الكالحة فوق ظهر مقوس حفر عليه الاسم الرائع المهان، وبين الفخذين ~~قرحة تنشر رائحة لا شأن لها بالطيب والعطور! وقد حاول بعض الشراح ~~أن يجد في القصيدة سخرية ببعض قصائد شعراء البارناس (وهم جماعة من ~~الشعراء الفرنسيين كانوا يميلون إلى التغني بالأساطير القديمة). ~~بيد أنها سخرية مفزعة لا دعابة فيها؛ فالشاعر يهاجم الأسطورة ~~نفسها، بل يهاجم التراث والجمال بوجه عام. وهو يفرغ في هذا الهجوم ~~شحنة هائلة من رغبته العارمة في التحوير والتغيير والتشويه، ولكن ~~الغريب حقا أن هذه الرغبة في التشويه تملك من المقدرة الفنية ما ~~يمكنها من أن تجعل من القبح أسلوبا له منطقه الخاص. # وتزداد السخرية المرة بالجمال والتراث في قصيدة أخرى بعنوان: ~~«ما يقال للشاعر عن الزهور»، إنها تهزأ بالقصائد التي يتغنى فيها ~~الشعراء بالورود والزهور والسوسن والزنبق، فهناك نباتات أخرى ~~تلائم الشعر الجديد: فلا تتغن أيها الشاعر بالزهرة والكرمة، بل ~~بالدخان، وأعواد القطن، وأمراض البطاطس. إن دمعة شمعة واحدة أصلح ~~للشعر من ندى الزهرة الحية أو الميتة، والنباتات الغريبة النادرة ~~أنسب مما تراه في وطنك، وتحت سماء سوداء في زمن الرعب والحديد ~~ينبغي أن تكتب قصائد سوداء، تبزغ فيها القافية كالملح أو كالمطاط ~~السائل، إن أسلاك البرق هي قيثارتها، وسيأتي إنسان يعزف عليها نغم ~~الحب العظيم، إنسان «يسرق منا المغفرة المظلمة.» # أيها ms093 التاجر! أيها الزارع! أيها الوسيط! # سوف تنبثق قافيتك الوردية أو البيضاء، # أشبه بالمطاط المصهور، # أو حزمة من ملح النطرون! # من قصائدك السوداء، أيها الحاوي! ~~(وهي) مرايا بيضاء وخضراء وحمراء، # دع الزهور الغريبة تفلت منها، # وأجنحة الفراشات الكهربائية! # ها هو عصر الجحيم يأتي على فجأة. # وأعمدة البرق سوف تزين ~~- كأنما هي قيثارة أغان من حديد - # ذات يوم ظهرك البديع. # المهم أن تنظم قصيدة # عن مرض البطاطس! # 3 ~~(5) الحداثة وشعر المدينة # ربما استطاعت الأبيات السابقة أن تعطينا فكرة عن موقف رامبو من ~~الحداثة، وهو شبيه بموقف بودلير. فكلاهما يكره الحداثة إذا كانت ~~تدل على التقدم المادي أو التطور العلمي، وكلاهما يتشبث بها بقدر ~~ما تعطيه من تجارب جديدة، تدفعه بخشونتها وسوادها على أن ينشئ ~~فيها قصائد خشنة سوداء. # من هنا نستطيع أن نفهم شعر رامبو عن المدينة، وهو الذي نجده في ~~مجموعة القصائد النثرية التي تحمل عنوانا قد يفيد معنيين: ~~الإشراقات أو اللوحات الملونة # Ill ~~uminations ~~. # ولو تذكرنا قصيدة بودلير السابقة التي يروي فيها حلمه عن مدينة ~~صناعية لا توجد إلا في خيال عقل هندسي مجرد، فإن قصائد رامبو في ~~هذه المجموعة الرائعة تصل بذلك الحلم إلى أقصى مداه، ومن أفضل هذه ~~القصائد تلك التي تحمل عنوان «مدينة» و«مدن». هنا نجد أمامنا ~~أكواما من الصور المفككة المتراكمة التي ترسم لنا مدن الخيال أو ~~مدن المستقبل، وتحلق فوق الأزمنة والعصور، وتعكس كل نظام مكاني ~~مألوف، هناك الكتل الضخمة التي تتحرك وتترنم بالأصوات الشجية وتبكي ~~وتصرخ وتنشج، ويختلط الشيء بما ليس بشيء. و«ينهار المتألهون» بين ~~أكواخ من بللور ونخيل من نحاس، وفوق أخاديد رهيبة وهوى عميقة ~~ترقص فيها الأشباح، ونرى حدائق صناعية وبحرا صناعيا، وقبة كنيسة ~~من الصلب قطرها خمسة عشر ألف قدم! وشمعدانات هائلة ومدينة عالية ~~لا تكاد العين ترى المدينة الصغيرة التي بنيت تحتها: # مدينة # لست بالمواطن العابر الساخط كل السخط في عاصمة يعتقد ~~الناس أنها حديثة لأن كل ذوق معروف قد استبعد من أثاث ~~بيوتها الداخلي والخارجي كما استبعد من خريطة ms094 المدينة. لن ~~يمكنكم أن تعثروا هنا على أثر واحد للخرافة. إن الأخلاق ~~واللغة قد ردا إلى أبسط تعبير لهما، أخيرا! هذه ~~الملايين من الناس الذين لا يشعرون بالحاجة إلى معرفة ~~بعضهم البعض، يمارسون التربية والحرفة والشيخوخة، بصورة ~~بلغت من التشابه حدا يجدر معه أن تصبح أعمارهم أقصر ~~بكثير مما يثبته التعداد المجنون لشعوب القارة. وهكذا ~~أطل من نافذتي وأرى أشباحا جديدة تدور في دخان الفحم ~~الأزلي الكثيف - ظل غاباتنا، ليل صيفنا! - وآلهة انتقام ~~جديدة، أمام كوخي، الذي هو وطني وقلبي كله، وإذ كان كل شيء ~~هنا يشبه هذا، ينشج الموت الذي خلا من الدموع ، خادمنا ~~النشيط وعبدنا، وحب يائس، وجريمة فاتنة في وحل ~~الطريق. # مدن # إنها لمدن! إنه لشعب من أجله ارتفعت جبال الأحلام في أليجانيس # 4 # ولبنان. أكواخ (شاليهات) من البللور والخشب، ~~تتحرك على بكر وقضبان غير منظورة. فوهات البراكين ~~القديمة التي تطوقها الأعمدة الضخمة وأشجار النخيل ~~النحاسية، تزأر زئيرا شجيا في النيران. أعياد الحب تدق ~~أنغامها فوق القنوات المعلقة خلف الأكواخ. مطاردة الأجراس ~~تضج في الأغوار. زمر من المغنين العمالقة يهرعون في ~~أثواب فخمة وبأيديهم أعلام تشع ضوءا أشبه بضوء القمم. ~~على الأسطح، وسط الأغوار، يترنم أبطال (ملحمة) رولاند ~~بشجاعتهم. فوق جسور الهاوية وأسطح الفنادق يزين وهج السماء ~~السواري بالرايات. انهيار (الأبطال) المتألهين يبلغ ~~الأعالي، حيث تتواثب القنطورات الساروفية # 5 # بين الحمم فوق مستوى الحواف العليا بحر جائش ~~بميلاد فينوس الأبدي، محمل بأساطيل أتباع أورفيوس وهدير ~~اللآلئ والأصداف النفيسة، البحر يظلم أحيانا من الدوي ~~المميت. على المنحدرات تزأر قطوف الورد، التي تشبه دروعنا ~~وكئوسنا في ضخامتها، أسراب من الجنيات في ثياب حمراء ~~متلألئة تخرج من الهوى والأغوار. وفي مرتفع عال ترضع ~~الغزلان من ثديي ديانا، وأقدامها في مساقط المياه وفي ~~الأشواك. عابدات باخوس في الضواحي ينشجن، والقمر يحترق ~~وينوح. فينوس تدخل كهوف الحدادين والنساك، فرق من نواقيس ~~العواصف تتغنى بآمال الشعوب. من القلاع المشيدة من العظام ~~تنبعث الموسيقى المجهولة. الأساطير كلها تتقدم مسرعة ~~والحماس يندفع إلى الأسواق. جنة ms095 الإعصار تنهار. المتوحشون ~~يرقصون بغير انقطاع في عيد الليل. نزلت ساعة كاملة في أحد ~~أسواق بغداد التي تضج بالحركة والحياة، حيث كانت ~~المجموعات تغني بالفرحة والعمل الجديد، بينما يهب عليها ~~نسيم كثيف. رحت أدور هنا وهناك، دون أن أستطيع الإفلات من ~~الأشباح الخرافية في الجبال، وهي التي كان يخلق بي أن أجد ~~نفسي فيها. # أي ذراعين جميلتين، وأي ساعة حلوة ترد على هذه المدن ~~التي يزورني منها نوم ليالي وأوهى حركاتي؟ # من العسير حقا أن يحاول الإنسان فهم هذه الصور ~~المختلطة أو البحث عن المعنى الذي تنطوي عليه؛ ذلك لأن معناها كامن ~~في اضطراب صورها لقد خلقها خيال منفعل جياش، وغلفها بضباب شامل ~~من المشاهد الغريبة المتشابكة التي يصعب تفسيرها، وإن كان من ~~الممكن إدراكها بشكل محسوس وتلمس أوجه الشبه بينها وبين بعض ~~العناصر المادية والنفسية التي تتكون منها الحياة الحديثة في المدن ~~الكبرى. ولا شك أنها صور مخيفة مفزعة، ولكن لها تأثير السحر على ~~نفوسنا، وربما يكون السبب في هذا أنها تقترب في كثير من الأحيان من ~~صور الحياة اليومية التي نعيشها في المدن الكبرى، مدن الرعب ~~والأسفلت! ~~(6) ثورة على التراث المسيحي # ثورة رامبو على المسيحية جزء من ثورته على التراث بأكمله. إنها ~~ثورة لا تهدأ، بل تبدأ بالعذاب وتنتهي بالعذاب. إنه يتمرد على كل ~~شيء لا يستطيع أن يتخلص منه. والدين، ككل موروث، يفرض سلطانه على ~~من يثور عليه، بل إن عبئه يزيد على رافضيه أكثر من المؤمنين به، ~~وهذا العذاب، عذاب من لا يقدر الإفلات من عبء التراث، أوضح ما يكون ~~في شعر رامبو. فنصوصه تبين كيف يبدأ متعذبا بالثورة عليه، وكيف ~~ينتهي متعذبا بالعجز عن الإفلات منه، وعذابه هذا جزء من عذابه في ~~البحث عن «المجهول»، عن ذلك «المتعالي الأجوف» الذي لا يستطيع أن ~~يكشف عنه إلا بتحطيم الواقع وتفتيته. # عرف رامبو كل هذا، وسجل هذه المعرفة في شعره، فهو في المرحلة ~~الأولى يوجه هجومه العنيف على المسيح والمسيحية، ويحلل النفس ~~المسيحية تحليلا سيكولوجيا يكشف عن ms096 محنتها وشقائها. ففي قصيدة ~~«قداس العشاء الرباني الأول» (يوليو 1871م)، نراه يكتب عن فتاة ~~صغيرة تدخل الكنيسة لتحضر المناولة الأولى وتسمع ثرثرة القسيس، ~~وتنسج أحلام المراهقة المتعبة التي تستسلم لثورة رغباتها الدفينة، ~~وتلقي ذنب الكبت الذي تعانيه على العذراء والمسيح. # ولكن الشاعر يذهب إلى أبعد من هذا. فهو يكتب في حوالي سنة 1872م ~~أو سنة 1873م قطعة نثرية تبدأ بهذه الكلمات: «بيت صيدا، المغطس ذو ~~الأبهاء الخمسة» وتعتمد على ما ذكر في إنجيل يوحنا عن شفاء السيد ~~المسيح لأحد المرضى عند بركة بيت صيدا. ولكنه يغير في قصة هذه ~~المعجزة تغييرا شاملا فالمرضى والعجزة ينزلون في الماء الأسود ~~العكر ، ولكن لا يهبط ملاك، ولا يشفيهم أحد، ويقف المسيح مستندا ~~إلى أحد الأعمدة، وينظر صامتا إلى المرضى الذين يستحمون، ويرى وجه ~~الشيطان الساخر يطل من وجوههم، وينهض أحد هؤلاء المشلولين فيخرج من ~~الماء ويتجه نحو المدينة في خطى واثقة، من الذي شفاه؟ أهو السيد ~~المسيح؟ ولكنه لم يقل كلمة واحدة! ولم ينظر إلى المرضى نظرة ~~واحدة! أهو الشيطان؟ ولكن النص يصمت ويكتفي بأن يضع المسيح على ~~مقربة من المريض. على أن القارئ قد يخرج بفكرة آخرة؛ قد لا يكون ~~المسيح هو الذي شفى المريض، وقد لا يكون الشيطان. ربما تكون قوة ~~علوية لا يعرف أحد عنها شيئا. ربما تكون تلك الحقيقة الجوفاء من ~~كل معنى، ذلك المتعالي الأجوف. # بيد أن رامبو يقول كلمته الأخيرة عن المسيحية في مجموعته النثرية ~~المشهورة «موسم في الجحيم» (أبريل - أغسطس 1873م): ويتألف النص من ~~سبع قطع نثرية طويلة، تمضي لغتها في خطوات متعددة وحركات ~~مفاجئة. إنها أشبه بدفعات قوية، تبدأ عبارة دون أن تختمها، وتبني ~~أكواما من الكلمات المحمومة التي تركض هنا وهناك بغير اتجاه، ~~وتلقي أسئلة بلا جواب، وتنثر في النص ذلك الجنون الساحر المريع ~~الذي يصنعه تغير الفصول. # وموسم في الجحيم أشبه ما يكون بمراجعة يقوم بها الشاعر لكل ~~المراحل الفنية التي مر بها. ولكنه كذلك أشبه بمجموعة من القفزات ~~والكبوات المتصلة، فهو لا ms097 يكاد ينفض عنه مرحلة حتى يعود فيسقط ~~فيها، وتكون النتيجة حيرة مربكة لا تستقر، فما أحبه الشاعر مرة ~~فهو يكرهه الآن، ثم لا يلبث أن يحبه مرة أخرى، لكي يكرهه من جديد. ~~وما يثبته في جملة يعود فينفيه في جملة تالية، ثم يكرره في ثالثة. ~~وإذا تمرد مرة رجع فتمرد على تمرده ... حتى تأتي الخاتمة فتجرف شلال ~~المتناقضات في هوة واحدة: وداع الشاعر لكل حياة عقلية أو روحية، ~~ويأسه من الحب ومن كل يد صديقة. ~~... أحيانا أرى في السماء شطآنا مترامية تغطيها أمم بيضاء ~~سعيدة. ثمة سفينة ذهبية كبيرة فوق رأسي ترفرف أعلامها ~~الملونة في نسيم الصباح. لقد خلقت كل الأعياد، كل الانتصارات، ~~كل المآسي. حاولت أن أبتكر أزهارا جديدة، نجوما جديدة، بشرا ~~من لحم جديد، ولغات جديدة. اعتقدت أن في استطاعتي اكتساب ~~قدرات خارقة. حسنا! علي أن أدفن خيالي وذكرياتي. يا له من ~~مجد جميل ذهب؛ مجد فنان وقصاص! # أنا! أنا الذي سميت نفسي ساحرا أو ملاكا، ونفضت يدي من كل ~~أخلاق، قد رددت للأرض كي أبحث لنفسي عن واجب وأعانق الواقع ~~المجعد! يا لي من فلاح! # هل خدعت؟ أيكون الحب الرحيم بي شقيقا للموت؟ # مهما يكن الأمر فسوف أطلب الغفران لأنني عشت على الكذب. ~~ولأمض إلى الأمام! # ولكن ما من يد صديقة! وأين ألتمس العون؟ ... # ذلك إذن هو مجمل هذه المقطوعات الحائرة المحيرة؛ ~~تشرد في العالم المألوف، عالم الأشياء والنفوس والعقول وتحديد ~~لموقف الشاعر من التراث الديني. إنها تذكر المصطلحات المسيحية هنا ~~وهناك: الجحيم، الشيطان، الملاك، ولكنها تتأرجح بين المعنى اللفظي ~~والاستعاري، ولا تثبت إلا على معنى واحد، هو معنى الثورة العمياء ~~والتمرد الجامح. يدل على هذا وصف رامبو نفسه لها بأنها «صحائف ~~قبيحة من مذكراتي عن اللعنة، مقدمة للشيطان». أو قوله في مقطوعة ~~منها «دم شرير»: «الدم الوثني يعود!» الروح قريب؛ لماذا لا يساعدني ~~المسيح ويمنح نفسي النبل والحرية؟ آه، لقد فات الإنجيل، الإنجيل. ~~الإنجيل! ثم يقول: «إنني أغادر أوروبا، أريد أن أسبح، أكسر العشب، ~~أصطاد، أدخن ms098 بصورة خاصة، أعب خمورا قوية كالمعدن المصهور، كما ~~كان يفعل الأجداد الأعزاء عندما كانوا يجلسون حول النار. سأرجع، ~~بأعضاء من حديد، ببشرة غامقة، بعيون وحشية. عندما يبصرون قناعي ~~سيعتقدون أنني من جنس قوي. سأملك الذهب؛ سأعيش عاطلا وضاريا. ~~النساء يرعين هؤلاء المرضى المتوحشين العائدين من المناطق الحارة. ~~سأهتم بالسياسة، وأنقذ نفسي.» غير أنه يقول في عبارة سابقة من نفس ~~المقطوعة: «أنتظر الله في نهم.» وفي عبارة تأتي بعد هذا: «ما كنت ~~مسيحيا أبدا. أنا من جنس يغني في العذاب.» وهو يدعو «لذات ~~اللعنة» ولكنها لا تستجيب. وينادي المسيح والشيطان، ولكنهما لا ~~يسمعان، ومع ذلك يحس بقيودهما حول جسده وروحه: «أعلم أنني في ~~الجحيم، وإذن فأنا فيه!» الجحيم هو العبودية في ظل شريعة تسأل ~~وتجيب. والوثنيون ليس لهم جحيم، ولذلك تمتنع عليه الوثنية ~~أيضا. # وقد يتصور الإنسان أن الشاعر يعاني من المسيحية كما يعاني من ~~جرح. ولكن سرعان ما تتحول ثورته إلى سخرية، ويصبح عذابه تهجما ~~وسقوطا في آن واحد. ربما كان هذا هو ما يقصده من قوله إنه في ~~الجحيم. والكلام عن الجحيم يدل على نوع من الارتباط بالتراث ~~المسيحي، ولكنه يدل كذلك على نوع غريب وجديد، ويحس القاري «لفصل ~~في الجحيم» أن الشاعر يكاد يسأل نفسه بشكل خفي: أليس الاضطراب في ~~العالم الحديث وفي باطن الإنسان نفسه نوعا من القدر المسيحي؟ ولكن ~~الشاعر لا يجيب على السؤال ولا يحل المعضلة. ويحس القارئ من ~~ناحية أخرى بموضوع آخر يطرقه الشاعر بإلحاح؛ الهجرة من القارة ~~الأوروبية، والهرب من «مستنقعات الغرب» وحماقته، من البرهنة على ما ~~هو واضح وطبيعي، وعدم الانتباه إلى أن البرجوازي الضيق الأفق قد ~~ولد يوم ميلاد المسيح. ويبرز هذا الموضوع في ثنايا المقطوعات ~~السبع، ويسير في اتجاه محدد، وتمضي خلال الخريف، والشتاء، والليل ~~والتعاسة؛ «ديدان في شعري وكتفي وقلبي». ثم يأتي القرار بعد الضياع ~~الأخير: معانقة الواقع المغضن، الهروب من أوروبا العجوز إلى شطآن ~~البحار وغابات الوحوش، بداية حياة من العمل الحازم القاسي ... # ولقد برهن رامبو على صدق ms099 هذا القرار. أوغل في البحث عن المجهول ~~بأقصى طاقته، وفعل في سبيل ذلك ما لم يفعله شاعر سواه، ولكنه لم ~~يصل في النهاية إلى شيء واضح عن طبيعة هذا المجهول. ولذلك أعلن ~~استسلامه أمام صراعات الوجود العقلي وتوتراته التي لم يجد لها ~~حلا وعدل عن هذا الطريق بعد أن أدرك خيبته، وراح يجتر موته ~~الباطن، وصمته حيال العالم الذي فجره بنفسه. كان التراث المسيحي ~~هو أعتى عقبة صادفته. لقد عجز عن إشباع جوعه الهائل إلى حقيقة تسمو ~~فوق الواقع الذي بدا له ضيقا محدودا ككل ما هو أرضى. وكان من ~~نتيجة الحريق الذي أشعله رامبو في الواقع والموروث أن انهارت ~~المسيحية أمام عينيه. # وإذا كان بودلير قد استطاع أن يصنع من لعنته نظاما متسقا، فقد ~~تحولت اللعنة على يدي رامبو إلى عماء مضطرب، ثم إلى صمت ~~مطبق. # ولذلك فلا يستطيع أحد أن يصدق ما روته شقيقته إيزابيل من أنه مات ~~مؤمنا، بعد أن تأكد الباحثون من كذب هذه الرواية. ~~(7) طرح النزعة البشرية # إذا أردنا أن نفهم رامبو فلا بد من الفصل بين الذات الشعرية ~~والذات التجريبية لديه. إن «الأنا» التي تتحدث في شعره - شأنها في ~~هذا شأن الأنا التي تتحدث في أزهار الشر - لا صلة لها بالأنا ~~والشخصية أو النفسية، أعني أن شعره ليس تسجيلا لحياته التي عاشها، ~~أو تجاربه النفسية التي كابدها. ولعل هذا هو أهم مظاهر الحداثة في ~~شعره، بل لعله أن يكون بداية هذه الظاهرة العامة التي نلاحظها ~~بوضوح في الجانب الأكبر من الشعر الحديث - وبخاصة في شعر أزرا ~~باوند وسان-جون بيرس - ألا وهي ظاهرة الانفصال بين الذات الشعرية ~~والذات الشخصية. # صحيح أن تجارب رامبو الغريبة في صباه وشبابه قد تفيد في شرح ~~نصوصه من الناحية السيكولوجية، ولكنها لا تكاد تصلح في شيء لبيان ~~ذاته الشعرية. فعملية طرح النزعة البشرية التي تكلمنا عنها من قبل ~~قد زادت وضوحا في شعره، وأصبحت الأنا ذات الأصوات المتعددة ~~المتنافرة ثمرة ذلك التحول الذاتي الذي أشرنا إليه فيما تقدم، وذلك ~~الأسلوب ms100 التخيلي الذي تنبع منه مضامين شعره وصوره. # قد تضع هذه الأنا على وجهها مختلف الأقنعة، وقد تمتد فتسع مختلف ~~الشعوب والأزمنة والبقاع. وقد نجد رامبو في بداية كتابه «فصل في ~~الجحيم» يتحدث عن آبائه وأجداده الغاليين. ولكننا لا نلبث بعد قليل ~~أن نتبين أنها مجرد كلمات؛ إذ نقرأ بعد سطور قليلة: «لقد عشت في ~~كل مكان، ما من أسرة أوروبية لا أعرفها.» ثم بعد قليل: «إنني أتذكر ~~تاريخ فرنسا، أكبر بنات الكنيسة. كان من الممكن أن أسافر إلى ~~الأراضي المقدسة كواحد من رقيق الأرض، في رأسي شوارع السهول ~~الشفابية، ومناظر من بيزنطة، وأسوار القدس ...» هذه عبارات تصدر عن ~~خيال حركي، لا عن رغبة في كتابة حياة شخصية. إن هذه الأنا ~~الشعرية أو الذات الفنية تتغذى على صور حمقاء، وأثارات تأتي من ~~عالم الشرق أو من عالم البدائيين، وتتسع فتشمل الأفلاك ومختلف ~~أشكال الوجود، وتتحول إلى ملاك أو شيطان أو ساحر. # ومما يؤكد انفصال الذات الشعرية عن الذات التجريبية أن رامبو ~~نفسه يفسر قدرة العقلي والروحي على أساس العوامل غير الشخصية ~~المتصلة بعصره وبالحداثة بوجه عام. إنه يقول في ختام النص السابق: ~~«الصراع الروحي شبيه في ضراوته بمعركة تنشب بين الرجال.» # إن الشاعر يعلم أنه سقط في قرار عميق، أعمق من كل من سقط قبله ~~أو يسقط بعده؛ وهو لذلك يستطيع أن يرى آفاقا أبعد، ويحمل الموت ~~معه أينما ذهب. لكنه يعلم أيضا أنه لن يفهمه أحد، ولديه الكبرياء ~~التي تجعله يقول إن «لهذا العذاب الغريب سلطة مقلقة.» ومع هذا كله ~~فهو عدو لدود لما يسمى عند الرومانتيكيين «بالقلوب الحساسة»، وهو ~~معتز بأن تفوقه يرجع إلى أنه ليس له قلب، حريص على التخلص من ضعفه ~~البشري بحيث يستطيع أن يقول في إحدى قصائده: «هكذا تحرر نفسك من ~~إعجاب الناس، من الطموح الدنيء ثم تحلق ...» (ص132). # تخلص الشعر إذن من النزعة البشرية. إنه لا يتحدث لأحد، بل يكاد ~~يتحدث لنفسه. لا يحاول أن يجذب انتباه القارئ. لا يحاول أن يغري ~~المستمع. يبدو ms101 كأنه يتكلم بصوت لا يخرج من فم إنسان، خصوصا كلما ~~توارت الأنا المتخيلة وراء عبارة خالية من كل ذكر أو إشارة إلى ~~الأنا. إن العواطف المتميزة تخلي مكانها لنوع من التعبير المحايد، ~~نكاد نحس به عند رامبو أقوى من إحساسنا به عند إدجار ألان بو. ~~ولنضرب مثلا لذلك بقصيدة نثرية بعنوان «قلق # Angoisse ~~»: # أمن الممكن أن تلهمني الصفح عن رغباتي الممزقة على ~~الدوام، وأن تعوض نهاية مريحة أوقات الحرمان، وأن ~~يعينني يوم أيام النجاح على النوم فوق عار خيبتي المقدورة؟ ~~(آه أيها النخيل! أيها الماس! - أيها الحب! أيتها القوة! - ~~أسمى من كل الأفراح والأمجاد! - في كل الأشكال - في كل ~~مكان، شيطان ، إله - شباب هذا الكائن. أنا!). # أمن الممكن أن تحب مزاعم الخرافات العلمية والحركات ~~الداعية إلى الأخوة البشرية كما لو كانت محاولات تدريجية ~~لإعادة الحرية الأولى؟ # لكن مصاصة الدماء التي تجعلني رقيقا ومحبوبا تأمرني أن ~~أستمتع بما تتركه لي، وإلا فلأكن أكثر حماقة ~~وسخفا. # أن يتمرغ الإنسان في جراحه، في الهواء وفي البحر، في ~~ألوان التعذيب، في صمت المياه والرياح القاتلة؛ في أشكال ~~العذاب التي تضحك بصمتها الأجوف المخيف. # ويبدو من عنوان القصيدة كأنها تشير إلى حالة نفسية محدودة. غير ~~أن قراءتها تبين أن هذه الحالة لا وجود لها. فالقلق فقد وجهه ~~المألوف. بل إن القارئ ليسأل نفسه: أهذا القلق موجود؟ إنه يشعر ~~بعاطفة شديدة غير محددة، يختلط فيها الرجاء والاندحار والفرح ~~والسخرية والسؤال - القصيدة تقول ما تقوله على عجل ولا تلبث أن ~~تعبره إلى شيء جديد - حتى تصب الكلمات في الجراح والعذاب ~~والتعذيب والصمت - دون أن يدري الإنسان من أين جاءت هذه الكلمات أو ~~ماذا تعنيه، إنما هو خليط من الصور والانفعالات غير المحددة - ~~مثلها في ذلك مثل الكائنين الأنثويين اللذين تشير إليهما ~~القصيدة إشارة عابرة. قد يكون الانفعال كله نوعا من القلق، ولكنه ~~انفعال تحرر من الإطار المألوف الذي يضم معالم الحياة الشعورية، ~~بحيث لا نستطيع أن نسميه باسم بشري مألوف كالقلق. # وليس أدل على طرح النزعة البشرية ms102 من أن رامبو يظهر الناس إذا ~~جاء ذكرهم في شعره في صورة ممسوخة أو في صورة مخلوقات غريبة ~~مجهولة الأصل. وإذا ذكرت بعض أعضاء الجسد وجدنا علاقتها بالجسد في ~~مجموعه علاقة شاذة غير مألوفة. إنه يركز الضوء على هذه الأعضاء ~~بمفردها، ويثقل وصفه لها باصطلاحات من علم التشريح تزيدها موضوعية. ~~ونستطيع أن نضرب مثلا لما نقول بقصيدة هادئة مثل قصيدة «النائم ~~في الوادي» (أكتوبر سنة 1870م) التي تنطوي على سخرية هادئة بالحرب ~~التي اشتعلت في سنة 1870م بين الفرنسيين والبروسيين. ولنقرأ ~~القصيدة أولا قبل أن نشرع في تحليلها: # في ثغرة من الخضرة، حيث يطوف نهر # بغنائه المجنون حول أهداب الأعشاب، ~~(ثغرة) من الفضة ، تضيئها الشمس المتكبرة من جانب ~~الجبل؛ # هنالك واد صغير، يفور بالأشعة. # جندي شاب، فمه مفتوح ورأسه عارية، # رقبته تستحم في الفجل الصغير # 6 # الطازج الأزرق، # ينام؛ ممددا على العشب، تحت خيمة السماء، # شاحبا في فراشه الأخضر، الذي يهطل فوقه الضوء. # ينام وقدماه في الليلك. يبتسم، في هدوء، # كما ابتسم طفل مريض في نومه: # أيتها الطبيعة، دثريه في مهدك الدافئ؛ فهو ~~بردان. # العطور لا تنقل الرعشة إلى أنفه، # ينام في الشمس، ويداه على صدره، في هدوء. # في جانبه الأيمن ثغرتان حمراوان. # فالقصيدة تبدأ من واد صغير يكسوه العشب ويزيد ~~ويفور بالشعاع، لتنتهي فجأة بالموت. ولغتها تتبع نفس المسار، فتبدأ ~~بأبيات هادئة النغم وتنتهي بعبارة موضوعية محايدة - أشبه ~~بالتقرير - نعرف منها أن الجندي النائم ميت. ومع السطور ننحدر في ~~بطء إلى هذه الحقيقة التي تبرز في النهاية فجأة وعلى غير انتظار. ~~ومضمون القصيدة هو الانتقال من النور إلى الظلام. ولكن هذا ~~الانتقال يتم بغير مشاركة وجدانية، بل في هدوء وبرود. إنها لا ~~تتكلم عن الموت، بل تستخدم نفس الكلمة التي لجأت إليها في البيت ~~الأول. هناك «ثغرة من الخضرة» وهنا «ثغرتان في جانبه الأيمن». ~~والميت صورة خالصة في عين الشاعر أو القارئ الذي ينظر إليه. ~~والانفعال الذي يمكن أن يجيش به القلب من رؤية هذا المشهد لا وجود ~~له. ms103 لقد حل مكانه أسلوب فني يضع الثقب الذي تحدثه الرصاصة في ~~موضع الموت، موت الإنسان. بهذا يحيل الحركة إلى سكون مفاجئ. أم ~~ترى نستطيع أن نقول إن هذا السكون نفسه يحركنا أكثر من أي شيء ~~سواه؟ أتكون هنا مفارقة من مفارقات الشعر الحديث؟ ~~(8) تفجير الحدود # كثيرا ما تنزع الذات الشاعرة عند رامبو إلى التوغل في آفاق ~~خيالية بعيدة. إن البحث عن «المجهول» يلح عليه ويدفعه إلى ~~التعبير عن «هاوية السماء الزرقاء» التي عبر عنها بودلير من قبل. ~~وتزدحم هذه السماء العالية بالملائكة، ولكنها في نفس الوقت قرار ~~الهزيمة، هوة الفشل، نبع لهيب تتلاقى فيه البحار والحكايات ~~الخرافية، والملائكة نفسها نقط من الضوء الحاد تلمع وتختفي، علامات ~~على البعد والاتساع والعلو والرحابة، لكنها ملائكة بلا إله ولا ~~بشارة. إن المحدود داخل في دائرة رحبة أشمل منه. والقصائد المبكرة ~~تشهد على هذا، ويكفي أن نذكر منها قصيدته الرائعة المشهورة عن ~~أوفيليا (15 مايو 1870م) لنرى منها كيف يرتفع الجزء إلى الكل، ~~ويذوب المحدود في اللامحدود: # أوفيليا # 1 # على الموج الهادئ الأسود حيث تنعس النجوم # تسبح أوفيليا الشاحبة كزهرة سوسن كبيرة، # تسبح في بطء شديد، ملتفة في وشاحها الطويل ... # ومن الغابات البعيدة يسمع صوت الصيادين ~~«هالالا». # ها هي أوفيليا الحزينة منذ أكثر من ألف عام # شبح أبيض يعبر فوق التيار الأسود الطويل. # منذ ألف عام يهمس جنونها الحنون # بأغنيتها الخيالية لنسمة المساء. # الريح تقبل نهديها وتنشر وشاحها الكبير # كأنه إكليل زهرة تهدهده المياه الناعمة؛ # الصفصاف المرتعش يبكي على كتفيها، # وعلى جبينها الكبير الحالم تهجع أعواد البوص. # ورود الماء التي اختلجت من لمسها تتنهد حولها؛ # أحيانا توقظ في شجرة حور نائمة؛ # عشا تفلت منه رعشة جناح صغيرة، # أغنية غامضة تهبط من النجوم الذهبية. # 2 # أوفيليا الشاحبة! أنت أيتها الجميلة كالثلج! # نعم، مت يا طفلتي، عندما جرفك نهر! ~~- لأن الريح الهابطة من جبال النرويج الشامخة # كلمتك في همس عن الحرية القاسية؛ # لأن نسمة تخللت شعرك الغزير، # حملت لروحك الحالة أنباء غريبة؛ # لأن فؤادك سمع غناء ms104 الطبيعة # في بناء الأشجار وتنهدات الليالي؛ # لأن نداء البحار المجنونة، نشيجها الهائل المرير، # كسر قلبك الطفل، قلبك الإنساني الرقيق؛ # لأنه في صباح يوم من أبريل جثا فارس شاحب جميل، # فارس مسكين مجنون، عند ركبتيك في صمت وذهول! # السماء! والحب! والحرية! أي حلم، أيتها المجنونة ~~المسكينة! # ذبت فيه ذوبان الثلج في اللهيب. # رؤاك العميقة هي التي خنقت كلمتك، ~~- واللانهاية الرهيبة أقلقت عينك الزرقاء! # 3 ~~- والشاعر يقول إنه رآك في ألق النجوم # باحثة، بالليل، عن الزهور التي قطفتها يداك، # وأنه أبصر أوفيليا الشاحبة طافية على الماء، # مكفنة في غلالتها الطويلة كالزنبقة البيضاء! # أوفيليا هذه لا تمت بصلة لبطلة شيكسبير ~~المعروفة. # إنها تطفو على سطح الماء، فينفتح حولها فضاء رحب غير محدود ، ~~تتألق في سقفه النجوم الذهبية التي يتحدر منها غناء غامض، وتهب ~~الرياح من أعالي الجبال، وينشج البحر كحشرجة ميت، ويطوف فوقها رعب ~~اللانهاية والكون الشاسع المخيف. لقد ارتفعت فصارت شخصية باقية ~~ترمز للصفاء والجمال الحزين المجروح. فها هي ذي ألف سنة تنقضي منذ ~~أن سبحت على النهر، وها هي ذي ترسل أغنيتها الباكية منذ ألف سنة، ~~أغنية الجنون الذي يصيب أصحاب الرؤى العظيمة العميقة ويفقدهم ~~القدرة على الكلام. # هذه النزعة للارتفاع بالقريب الداني إلى أفق رحب بعيد تتخلل ~~أعمال رامبو كلها. وكثيرا ما تتركز العاطفة في جملة واحدة، تصل ~~في بعض الأحيان إلى درجة شديدة من السرعة والحماس: «لقد شددت ~~الحبال من برج إلى برج، وباقات الورد من نافذة لنافذة، والسلاسل ~~الذهبية من نجمة لنجمة، وها أنا ذا أرقص» (ص178). لكنه رقص ~~المتخبطين بغير هدف (أشبه برقصة بودلير بعد أن رأى في المدينة ~~الصاخبة أشباح «العجائز السبعة» وعاد مفزوعا إلى بيته وأغلق الباب ~~وراءه، وراح في حمى الذهول والخوف يستعيد صور البؤساء الممسوخين: ~~«عبثا حاول عقلي أن يمسك المجداف، العاصفة أخذت تهزأ بكل جهوده، ~~ومضت روحي، سفينة بضائع عجوز، ترقص وترقص، بلا شراع، فوق بحر مخيف ~~بلا شطآن!»). # لكن البعد والرحابة لا يرتفعان دائما، بل يدمران في نهاية ~~المطاف، استمع إلى ms105 قصيدته النثرية «ليلية شعبية» التي تبدأ بهذه ~~الكلمات: «العاصفة تفتح فجوات أوبرالية في الجدران، تزعزع أركان ~~السطوح المتآكلة، تبدد معالم المساكن، تعتم النوافذ ...» # والقصيدة تكاد تكون عنوانا على طريقة رامبو في التأليف؛ فهي ~~تزدحم بصور متفجرة من كل مكان، وتكرر في الخاتمة ما بدأت به: ~~«العاصفة تقوض معالم المساكن.» # وهناك قصيدة متأخرة (دموع، مايو 1872م) تفيض بالألغاز الغامضة، ~~ولا ينفع في حلها أن نرجع إلى العنوان، الذي لا صلة له بموضوعها، ~~ولا إلى صورها أو مضموناتها المتعددة، وربما تكون أفضل وسيلة ~~لتذوقها وتفسيرها أن نتتبع اتجاه حركتها بدلا من الوقوف عند صورها ~~المتحركة، بل ربما تكون أفضل وسيلة لتذوق الشعر الحديث بوجه ~~عام. # والقصيدة تتحدث عن رجل يشرب وهو جالس بالقرب من أحد الأنهار، ~~ونلاحظ منذ البداية أنه يشعر بالاشمئزاز من الشراب. ثم يحدث شيء ~~غريب: تهب العاصفة لتغير وجه السماء، ونرى على الجانب الآخر من ~~النهر أراضي سوداء، وبحيرات، وأعمدة تحت ليل أزرق ومحطات سكك ~~حديدية. وتنحدر المياه فوق الغابات، وكتل الثلج في المستنقعات ~~ونسأل أنفسنا، ماذا حدث؟ إن قطعة محدودة من الأرض قد تحولت فجأة ~~إلى قطعة من السماء تشارك فيها الأرض بدورها، وينتهي النص بكلمات ~~مختلطة على لسان الشارب، وتأتي الخاتمة التي لا تختم شيئا، بل ~~تجدد اللغز الغامض. ومع ذلك فقد ندرك أمرا واحدا، هو الفعل الذي ~~يذيب المعالم ويفجر الحدود حين تنفذ فيها الأبعاد المترامية ~~الغاضبة. وإليك القصيدة نفسها (مايو 1872م): # دموع # بعيدا عن الطيور، والقطعان، والقرويات، # رحت أشرب وأنا قابع في مرعى بري، # تحيط بي أشجار البندق الرقيقة، # ويلفني بعد الظهيرة ضباب أخضر وفاتر. # ماذا كان بوسعي أن أشرب من نهر «الأواز» # 7 # الشاب، # أشجار دردار بلا صوت، عشب بلا زهر، سماء مفتوحة. # وماذا كان باستطاعتي أن أستخلص من ثمر اليقطين؟ # سوى عصارة ذهبية، باهتة، تسيل العرق. # هكذا كنت أشبه بعلامة سيئة على (واجهة) نزل. # ثم لم تلبث العاصفة أن غيرت السماء، إلى أن حل ~~المساء. # وكانت بلاد سوداء، وبحيرات، وقصبات، # وأعمدة تحت الليل ms106 الأزرق، ومحطات. # ماء الغابات ضاع في الرمال العذراء، # ريح السماء ألقت الجليد في المستنقعات ... # ذهب! كمثل صياد ذهب أو أصداف، # أقول إنني لم أشعر بميل إلى الشراب! # وتتردد كلمات العطش والجوع في لغة رامبو. وقراء ~~التصوف يعرفون أنهما من الكلمات التي استخدمها المتصوفون دائما - ~~كما استخدمها دانتي - للتعبير عن شوقهم للاتحاد بالذات العلية. غير ~~أن رامبو يستخدمهما للدلالة على حالة من الظمأ الذي لا يروى ~~والجوع الذي لا يشبع. # ويكفي أن نتذكر النهاية التي يختتم بها قصيدته الجميلة «كوميديا ~~العطش». فالكائنات كلها، الحمام والوحوش والأسماك والفراشات، تحس ~~بالعطش. ولكن ما من واحد منها يستطيع أن يذوب هناك حيث تذوب ~~السحابة التائهة: # الحمامات المرتعشة في المرج، # الغزلان التي تجري وترى الليل، # الحيوانات في الماء ، والحيوانات المستعبدة، # الفراشات الأخيرة! ... كلها تحس بالعطش. # لكن آه! من يقدر أن يذوب حيث تذوب السحابة ~~التائهة، # التي ترعاها الأنسام المرطبة المنعشة! # من يقدر أن يموت على حوض البنفسج الندي # الذي يحمله الفجر إلى هذه الغابات؟ # ويكتب رامبو في نفس السنة قصيدته «أعياد الجوع». ~~ولكنها أعياد إنسان لا يحس إلا بطعم الأرض والأحجار، ولا يأكل غير ~~الهواء والصخور والفحم والحديد! يقيم احتفاله في هواء أسود ~~مسموم، وتحت سماء زرقاء تدق الأجراس، ويأكل الحصى التي كسرها شحاذ، ~~وأحجار الكنائس القديمة، والخبز المخزون في الأودية ~~المعتمة: # يا جوعي، إنه، إنه # اهرب بحمارك من هنا. # لا أشتهي شيئا # كالأرض والأحجار # دن! دن! دن! دن. # أريد أن آكل # الصخرة والهواء # والفحم والحديد! # ليس جوع المعدة الخاوية فحسب، بل هو الشقاء. إنه ~~لا يشبع أبدا، لأن الطريق إلى الزرقة، أي إلى السماء، طريق ~~مسدود؛ ولذلك فهو يعض الحجر، ويلتهم العشب، ويحتفل بعيد الجنون ~~الغاضب المظلم، عيد اللعنة والشقاء: «إن العطش المريض يملأ عروقي ~~بالظلام ...» ~~(9) السفينة السكرى # ونصل الآن إلى أشهر قصائد رامبو، وهي قصيدة «القارب النشوان» أو ~~السفينة السكرى، # Le bateau ivre ~~(1871م) التي كتبها الشاعر بغير أن يعرف شيئا عن البحار والبلاد ~~العجيبة التي تزخر بها! وقد رأى بعض الشراح أن ms107 قراءته للمجلات ~~المصورة هي التي أثارت فيه هذه الصور. وقد يصدق هذا الرأي، ولكن ~~صدقه أو كذبه متوقف على ما يستطيع الإنسان أن يستخرجه منها. إن ~~القصيدة لا تتصل بالواقع بأي سبب، وقارئها يواجه خيالا جبارا ~~متجبرا يخلق رؤى محمومة عن أماكن شاسعة مدومة عاصفة، خالية من ~~كل أثر للواقع. وقد نبه بعض النقاد إلى تأثرها بأعمال أدبية أخرى ~~فقارنوا مثلا بينها وبين قصيدة فيكتور هيجو «السماء الصحو Plein ciel ~~» (في ديوانه ~~أسطورة العصور) وقالوا إن القصيدتين تتحدثان عن سفينة منطلقة في ~~الآفاق. ولكن إذا صح هذا التأثر أو الاقتباس فهو لا يلغي أصالة ~~رامبو، ولا يستطيع أن يطمس ذاته المتميزة. # فالصور العديدة التي نراها في قصيدة فيكتور هيجو إنما تخدم ~~عاطفة تافهة تتحمس للتقدم والخير والإخاء والسعادة. أما «السفينة ~~السكرى» فهي تعبر عن حرية إنسان وحيد فاشل؛ حريته الضارية ~~المدمرة. وإذا كانت بعض صورها متأثرة بقصائد أو أعمال أدبية ~~أخرى، فإن بناءها وحركتها تدلان على سبق رامبو وأصالته، وإذا ~~تذكرنا قصيدة «أوفيليا» وجدنا هذه القصيدة تبالغ إلى حد التطرف ~~فيما تناولته تلك؛ وأعني به الارتفاع بالجزئي المحدود حتى يذوب في ~~أفق كلي لا محدود. # هناك سفينة أو - إذا شئنا الترجمة الحرفية - قارب كبير يحمل ~~الأحداث جميعا. والأحداث تعبر تعبيرا ضمنيا لا يمكن إساءة فهمه ~~عن الذات الشاعرة. أما الصور الواردة فيها فهي من القوة بحيث لا ~~يمكن أن نتبين التشابه بين القارب والإنسان إلا من اتجاه حركة ~~القصيدة في مجموعها. والمضامين المتحركة التي تحملها هذه الصور هي ~~نفسها جزئيات تفصيلية مرئية ومرسومة بدقة شديدة. وكلما زادت ~~غرابة الصور وبعدها عن الواقع، كلما نزعت لغتها إلى الحسية. أضف ~~إلى هذا أن الصنعة الشعرية تجعل من النص كلمة واحدة عن الذات التي ~~يرمز لها ولا بد أن رامبو كان جريئا في ~~ذلك إلى أبعد حد. يدل على هذا ~~أنه قرأ القصيدة على صديقه الشاعر «بانفيل» فعاب عليها هذا أنها ~~«للأسف» لا تبدأ بهذه الكلمات. «أنا قارب ...» ولم يدرك بانفيل أن ~~الاستعارة ms108 هنا ليست مجرد أداة للتشبيه، بل تخلق وحدة بين الذات ~~والقارب. وكل من يقرأ الشعر الذي جاء بعد رامبو يعرف أن الاستعارة ~~المطلقة تغلب عليه. ولقد ظلت كذلك هي الطابع الأدبي الغالب على ~~رامبو، مما سنصفه فيما بعد «باللاواقعية الحسية». # إن «السفينة السكرى» تنطلق انطلاقة واحدة وفريدة، صحيح أنها ~~تبطئ من سرعتها هنا وهناك، ولكن لتستأنف انطلاقها أشد عنفا وقوة، ~~حتى تصل في بعض المواضع إلى ما يشبه الانفجار المحموم. ويبدأ الحدث ~~في هدوء نسبي، إذ ينزلق القارب هابطا مع النهر. غير أن هذا ~~الهدوء قد سبقته دفعة قوية، فالقارب أو السفينة لم تعد تكترث ~~بملاحيها الذين قتلوا على الشاطئ قتلة فظيعة ... ولا يلبث كل شيء ~~ثابت أن يتحلل ويتفكك بسرعة مذهلة. وإذا بالهبوط الهادئ مع تيار ~~النهر يتحول إلى رقصة القارب المحطم في عباب العواصف والبحار، ~~والطواف بكل البلاد والأراضي الممكنة، رقصة تدور في أعماق الليالي ~~الخضراء، وفي لجة العفن والأخطار، تحت شعار الموت و«الفسفور الذي ~~يغني»، يندفع إيقاعه في أثير خلا من ذوات الجناح، ويحفر ثقوبا في ~~سماء ذات جدران حمراء، حتى يأتي التحول الأكبر، وهو الحنين إلى ~~أوروبا، لكنه حنين لا يشتاق إلى وطن من الأوطان. وتتمثل للقارب ~~صورة مثالية بريئة، صورة طفل يلعب في أريج المساء على شط ~~مستنقع. إلا أن هذه الصورة تظل حلما عاجزا؛ ذلك لأن القارب قد ~~استنشق رحابة البحار وخلجان النجوم، وعرف أن أوروبا قد ضاقت عليه. ~~وبمثل ما انطوى الهدوء الذي بدأت به القصيدة على دفعة قوية، فإن ~~النهاية المتعبة التي تختتم بها تنطوي على التوسع المخيف الذي ~~اشتملت عليه المقطوعات السابقة. إنه هدوء العجز، هدوء القارب الذي ~~يتحطم أخيرا على صخور اللامحدود، وهدوء القارب الذي لم يعد يقنع ~~بالمحدود. # والقصيدة تتميز بالبساطة الشديدة في بناء عباراتها، والوضوح ~~والتنظيم فيما تعبر عنه. والانفجار الذي يحدث فيها لا يتم في تركيب ~~الجمل بل في التصورات التي تحتوي عليها. بل إن هذا الانفجار ليزداد ~~دويا كلما زاد التنافر الشكلي بينه وبين روابط الجمل ms109 ~~والعبارات. # أما التصورات والأفكار نفسها فهي أشبه بتفجرات تنبثق عنها ~~المخيلة لا تحدث من مقطوعة إلى مقطوعة فحسب، بل من بيت إلى بيت، ~~وقد تتم أحيانا في داخل البيت ~~الواحد، فتضيف إلى البعد والضراوة بعدا أشد، وضراوة أقسى وأمر. ~~أما الصور فهي فيما بينها غير متماسكة؛ ما من صورة منها تخرج ~~بالضرورة من الصورة السابقة عليها أو تؤدي إلى الصورة اللاحقة لها، ~~حتى ليستطيع الإنسان أن يبدل في ترتيب المقطوعات كيفما يشاء، أو ~~يستبدل بعضها بالبعض الآخر. ويزيد من حدة هذا كله أن بعض الصور ~~تنشأ عن امتزاج الأضداد المتباعدة، والتوحيد بين أشياء لا يمكن ~~التوحيد بينها من الناحية الواقعية والموضوعية كالجمع بين الجميل ~~والقبيح، وبين العفونة القذرة والفتنة المعطرة، أو استخدام بعض ~~الاصطلاحات الفنية الغربية، وفي مقدمتها اصطلاحات الملاحة البحرية. ~~وكأنما يشير هذا كله إلى العماء المختمر داخل إطار ثابت من ~~التراكيب اللغوية المتينة. # ومع ذلك يبدو أن هذا العماء لا يخلو من التنظيم والترتيب. # إن اتجاه الحركة هنا - كما أكدنا من قبل - أهم بكثير من الصور ~~أو المضمونات المتحركة نفسها، وحركية القصيدة أو ديناميتها، هي ~~التي تتيح للصور أن تظهر مفككة كيفما تشاء ووقتما تشاء، لأنها هي ~~التي تحمل الحركات المستقلة بنفسها. أما هذه الحركات فتسير في ~~خطوات ثلاث: الاندفاع والتمرد، الانطلاق إلى اللامتناهي غير ~~المحدود، السقوط في الهدوء الذي يتبع التحطم والدمار. وهذه الخطوات ~~أو الحركات الثلاث لا تسري على «السفينة السكرى» وحدها، بل تصدق ~~كذلك على شعر رامبو كله. إن «العماء» الذي ذكرناه كثيرا في ~~مضموناته يستعصي في معظم تفاصيله وجزئياته على التفسير، ومع ذلك ~~فالوسيلة الوحيدة لتفسيره - إن لم يكن لفهمه - هي النفاذ إلى اتجاه ~~حركته، ومحاولة إدراك هذا الاتجاه بدلا من الوقوف عند الصور التي ~~تحمله؛ ولذلك لم يكن غريبا أن يصبح هذا الشعر في معظمه شعرا ~~تجريديا، أي أنه يضحي بالقيمة الواقعية لمضموناته بل يحطمها إلى ~~حد الغموض والإلغاز لصالح حركته الخالصة. ولا بد من إدراك هذه ~~المسألة إذا أردنا أن نجد مدخلا ms110 للشعر الحديث أو على الأقل لجانبه ~~الأكبر الذي يتصل بنموذج شعر رامبو من قريب أو بعيد. # إن الخطوات أو الإيقاعات الثلاث التي ذكرنا أن شعر رامبو يسير ~~عليها تمثل علاقته بالواقع وبالحقيقة المتعالية في آن واحد. تغيير ~~الواقع بل تحويره وتشويهه، انطلاق إلى الآفاق الشاسعة البعيدة، ~~خيبة أمل في نهاية المطاف، حين تجد الذات أن الواقع ضيق يكاد ~~يخنقها، وأن المتعالي فارغ لا يستطيع أن يرضيها. وقد لا نجد ~~تعبيرا عن هذا كله أفضل من تعبير رامبو نفسه حيث يقول «أسرار ~~دينية أو طبيعية، موت، ميلاد، مستقبل، ماض، خلق العالم، عدم» ~~(ص213). وفي نهاية الحلقة نجد العدم. ~~••• # وإليك الآن قصيدة «السفينة السكرى» التي أرجو أن تصبر على ~~قراءتها (كما صبرت على نقلها!). # عندما هبطت مع الأنهار العصية # أحسست أن ملاحي تخلوا عني: # كان ذوو الجلود الحمراء قد سددوا حرابهم إليهم، # وسمروهم، وهم يصرخون، عرايا إلى الأوتاد ~~الملونة. # لم يعنني أمر البحارة أجمعين، # ولا إن كنت أحمل قمح الفلمنك أو قطن الإنجليز. # ولما انتهى الضجيج وقضي على الملاحين، # تركت الأمواج تسوقني إلى حيث أشاء. # كنت في هدير المد والجزر المخيف طوال الشتاء، # أشد صمما من أدمغة الأطفال أجري وأطير! # أشباه الجزر المقتلعة في صخب الأعاصير # لم تعرف في حياتها أروع من هذا الغناء. # العاصفة باركت صحوي في البحار. # أخف من سدادة رحت أرقص فوق الأمواج # التي تدحرج، كما يقال، ضحاياها إلى الأبد. # عشر ليال، غير آسف على وهج المصابيح السخيف! # أعذب من لحم التفاح النيئ (في أفواه) الأطفال، # غمرني الماء الأخضر، وغسل النبيذ الأزرق # وبقايا البصاق من هيكل قاربي الصنوبري، # وانتزع (من يدي) الدفة والمرساة. # رحت منذ ذلك الحين أستحم في قصيدة البحر، # التي تومض بالنجوم وتفور كاللبن، # وأبتلغ السماوات الخضراء، التي يحدث في بعض ~~الأحيان # أن يهوي فيها غريق، وجهه شاحب وشارد وجذلان؛ # وحيث يحدث فجأة تحت وهج النهار # أن تصبغ الفضاء الأزرق نشوة وأهازيج # أقوى من الخمر وأعمق من كل قيثار، # فتؤجج شعلة الحب المريرة! # رأيت السماء تتفجر بالصواعق، ms111 وسمعت زفير الإعصار # فوق الأمواج المتكسرة، ورأيت المساء، # والفجر يرف كأنه سرب من الحمام، # ورأيت أحيانا ما يتوهم الإنسان أنه يراه! # رأيت الشمس في الأعماق، تملؤها بقع صوفية ~~مرعبة، # وتلمع بإشعاعات البنفسج المستطيلة الجامدة، # التي تشبه ممثلين في مسرحيات عريقة القدم. # بينما الأمواج تقعقع من بعيد كأنها تدحرج ألواحا من ~~خشب؟ # حلمت، في الليل الأخضر، بالثلوج الناصعة تغشى ~~البصر، # والقبل تصعد في بطء إلى عيون الأمواج، # والعصارات العجيبة تزبد وتفور، # والصحوة الصفراء والزرقاء في أغنية الفسفور! # تابعت جيشان الأمواج أشهرا عديدة، # وكأنما هو ثور مجنون يناطح الصخور. # ونسيت أن قدم مريم المضيئة # كانت على الدوام تقهر فاه المحيط المبهور! # اصطدمت، أتدرون هذا؟ بجزر فلوريدا العجيبة، # حيث تمتزج عيون الفهود بالزهور، ~~(وتغطي) جلد الإنسان، وحيث أقواس قزح # معلقة كاللجم تحت مرآة البحر، فوق قطعان خضراء! # المستنقعات رأيتها تختمر، والشباك الهائلة، # حيث يتعفن في عيدان الأسل تنين بأكمله. # دفقات المياه المدومة في سكون الريح، # والأبعاد المنحدرة شلالات نحو الأخاديد! # حقول الجليد، شموس فضية، أمواج لؤلؤية، مجامر ~~السماوات! # أطلال بشعة في قاع الخلجان المغبرة؛ # حيث تهوى الحيات الضخمة التي افترستها الزنانير # من على الأشجار المعوجة، فتفوح منها عطور سوداء! # كم تمنيت أن أدل الأطفال على أسماك المرجان ~~(التي تسبح) في اليم الأزرق، هذه الأسماك الذهبية التي ~~تغني. ~~- زبد الأزهار قد هدهد رحلاتي، # ورياح رائعة حملتني على أجنحتها في بعض الأحيان. # أحيانا (كنت أراني) كالشهيد المتعب (من ~~الأسفار). # بين القطبين وفي المناطق البعيدة، وكان البحر الذي ~~تسوقني # تنهيدته الناعمة # يرفع نحوي أزهاره ذات الظلال وعليها العلق ~~الأصفر، # وكنت أبقى هناك، أشبه بامرأة راكعة على ~~ركبتيها. # شبه جزيرة، أهدهد على شطآني مشاحنات الطيور # ووسخها، الطيور الصياحة ذات العيون الشقراء. # ورحت أسبح، بينما كان ينساب من حبالي الهشة # بعض غريق، يغوص في النوم ورأسه إلى الوراء! # ها أنا ذا، سفينة ضائعة تحت ضفائر الخلجان، # طوح بي الإعصار في أثير خال من الطيور، # أنا الذي ما كانت المدمرات ولا سفن الهانزا # 8 # لتنتشل أشلائي السكرى بالماء. # حر، ms112 أدخن، وأخرج من خلال الضباب البنفسجي، # أنا الذي رحت أشق السماء المحمرة كالجدار # الذي يحمل بقع الشمس ومخاط السماوات الزرقاء، # كأنها الحلوى الشهية لنوابغ الشعراء. # أنا الذي رحت أجري، وقد تناثرت علي الأسماك ~~الكهربية، # كلوح مجنون، تحف به أفراس البحر السوداء، # عندما كانت شهور يوليو تبدد بالرعود والضربات # زرقة السماوات في أقماع ملتهبة حمراء. # أنا الذي كنت أرتجف، عندما كنت أسمع من بعيد # نداء أفراس البحر واللجج الهائلة. # أنا الذي فتن شراعه السكون الأزرق، # أحن إلى أوروبا ذات الأسوار العجوز! # رأيت الأرخبيل المتلألئ بالنجوم، وشاهدت الجزر # التي يتألق فيها وهج السماء الرحبة للملاح: ~~- أتنام منفيا في مثل هذه الليالي التي لا يسبر لها ~~غور، # يا ملايين الطيور الذهبية، يا قوة المستقبل؟ # لكنني بكيت كثيرا! أنوار الفجر جارحة. # كل الأقمار قاسية ، وكل شمس عذاب. # نفخني الحب المرير حتى أصابتني النشوة بالخمود. # آه! فلتنكسر يا قاع سفينتي! آه! فليغيبني البحر؟ # إن كنت لا أزال أشتهي من أوروبا ماء، # فهو المستنقع المظلم البارد، الذي يلقى فيه طفل ~~محني، # عند الغسق، يفيض (قلبه) بالحزن والشقاء، # قاربا رقيقا مثل فراشة في الربيع. # أيتها الأمواج، بعدما استحممت في أشواقك الفاترة # ما عدت أستطيع أن أمنع ناقلي القطن من الرحيل، # ولا أن أجوس في غرور الأعلام والمشاعل، # ولا أن أسبح تحت عيون الجسور المفزعة. ~~(10) واقع محطم # الصورة هي حياة الشعر. # وهي تنطوي دائما على نوع من الصلة بالواقع. ~~ولكن لن تبلغ بأحد السذاجة أن يقيم الأدب بعامة، والشعر الغنائي ~~بخاصة، على أساس دقة صوره ومضموناته المتعلقة بالواقع الخارجي في ~~التعبير عن هذا الواقع ومطابقته مطابقة تامة. لقد كان من حق الأدب ~~دائما أن يغير الواقع، ويعيد بناءه، ويضيق منه بالتلميح الموجز أو ~~يوسع فيه بالخيال الرحب، ويجعل منه وسطا يعبر عن الوجدان أو رمزا ~~لموقف شامل من الحياة. # ومع ذلك فقد حرص الأدباء والنقاد دائما - عن قصد أو غير قصد - ~~أن تكون هذه التغييرات كلها مراعية للعلاقات الموضوعية الخارجية، ~~وأن تظل متصلة - مهما شط بها الخيال - بعالم ms113 الأشياء الواقعية، وأن ~~تبقى في إطار القوى الصورية والاستعارية التي تكمن من بداية الأمر ~~في كل اللغات. ومعنى هذا أنهم حرصوا على أن يكونوا مفهومين على نحو ~~من الأنحاء. # غير أن الشعر بالذات لم يعد يحرص على شيء من هذا بعد رامبو. ~~ولذلك أصبح من الضروري للدارس أن يحلل الواقع ويكشف عنه ليستطيع من ~~المقارنة بينه وبين ذلك الشعر أن يتبين إلى أي مدى تحطم الواقع ~~وإلى أي حد تفجر الأسلوب التقليدي في الصورة والاستعارة. # يقول رامبو في بعض كتاباته المتأخرة على لسان صديقه فيرلين: «كم ~~من ليلة سهرت بجانب جسده النائم؛ لكي أعرف لماذا استبدت به (أي ~~برامبو) الرغبة في الانطلاق من حدود الواقع!» (ص216)، ومن الواضح ~~أن رامبو يتحدث هنا عن نفسه. إنه لا يدري سبب هذه الرغبة التي ~~تستبد به، ولكن أعماله تدلنا على التطابق الواضح بين مسلكه من ~~الواقع وعاطفته التي تشده إلى «المجهول». # وقد عرفنا شيئا من هذا التوتر عند بودلير، ولكن رامبو يزيد عليه ~~أن المجهول عنده قد فرغ من كل مضمون ديني أو فلسفي أو أسطوري، ~~ولذلك فهو يمثل قطب التوتر الذي يعود - بسبب فراغه هذا - فيرتد على ~~الواقع. ولما كان الشاعر يعاني من عجز هذا الواقع وقصوره بالقياس ~~إلى المجهول أو الحقيقة المتعالية (الترانسندنس)، فإن العاطفة التي ~~تشده إلى هذا الأخير تتحول إلى نوع من التحطيم والتمزيق للواقع ~~بغير هدف. وهذا الواقع المحطم يصبح بدوره علامة على عجز الواقع ~~بوجه عام واستحالة الوصول إلى ذلك المجهول. ويستطيع القارئ أن يصف ~~هذا الصراع بأنه ديالكتيك الروح الحديثة. ويستطيع أيضا أن يقول ~~إنه قد تجاوز رامبو وشعره وصار طابع الأدب والفن الحديث بوجه ~~عام. # لعل القارئ يتذكر عبارة بودلير التي يقول فيها إن أول أفعال ~~الخيال هو «التفكيك». هذا التفكيك - الذي كان بودلير يعني به فيما ~~يعني نوعا من التغيير بل التشويه - قد أصبح عملية أدبية ومسلكا ~~فنيا حقيقيا في شعر رامبو. فالواقع عنده - هذا إذا كانت قد ~~بقيت له بقية أو إذا استطعنا ms114 أن نحكم على القصيدة من حيث صلتها به ~~- هذا الواقع قد أصبح يحتمل من التعديل والاتساع والتشويه والتمزيق ~~والتقبيح والتوتر بين الأضداد ما يجعله مجرد معبر إلى اللاواقع أو ~~مرحلة انتقال إليه، فالماء والريح مثلا من العناصر الأولية التي ~~يتكون منها عالم رامبو الواقعي. كان الشاعر يروضهما ويكبح جماحهما ~~في قصائده المبكرة، ثم انطلقت قواهما المكبوتة في إنتاجه الناضج ~~والمتأخر؛ فصار لهما دوي العواصف وقصف الرعود، وأصبحا أشبه بطوفان ~~كوني يقوض كل نظام في الزمان أو المكان: «السهول والصحاري والآفاق ~~تصبح ثوبا أحمر يرتديه الإعصار» (ص124). ويذهل الإنسان إذا تفكر ~~لحظة في كل هذه الموجودات التي تظهر في شعره ويأخذه العجب حين ~~يراها قلقة ترتفع إلى قمة لتهوي في حضيض، لا تستقر في مكان ولا ~~تهدأ في زمان (ربما كان السبب في هذا أنها لا ترتبط بشيء في المكان ~~أو الزمان). إن الصور والأشياء تختلط في موكب غريب؛ متشردون ~~وصعاليك، سكارى ومومسات، طرق زراعية وشطآن وحانات، غابات ونجوم، ~~ملائكة وأطفال، فوهات براكين وكتل من الجليد، أبراج ومساجد وملاعب ~~للسيرك، وعالم زاخر بالمناظر العجيبة كأنه «جنة التجهم المجنون» ~~(172). ~~(11) شدة القبح # مثل هذه الموجودات الواقعية لا تدور حول مركز واحد تنتظم حوله ~~وتستمد منه قيمته ومقياسه. إنها آثار محمومة من انفعال عميق ~~محموم. وهو يصورها تصويرا لا صلة له بأي مذهب واقعي. حتى القبح ~~الذي تفيض به بقايا الواقع في نصوصه، لا بد أن نأخذه كانفعال ~~عميق محموم. وليس القبح وحده في ذلك. فالجمال أيضا نوع من هذا ~~الانفعال. صحيح أن هناك مواضع جميلة في شعر رامبو، جميلة في صورها ~~ونغمها على السواء، ولكن المهم أنها لا تقف وحدها، بل تكون دائما ~~بجانب مواضع أخرى قبيحة. ليس الجمال والقبح أضدادا من ناحية ~~القيمة، بل من ناحية الإثارة والتنبيه، الفرق الموضوعي بينهما لا ~~وجود له، تماما كالفرق بين الصواب والخطأ، أو بين الصدق والكذب، ~~والتجاور الشديد بين الجميل والقبيح يؤدي إلى «دينامية الأضداد» ~~التي يدور عليها كل شيء، لأن الصراع هو في الحقيقة ms115 كل شيء في هذا ~~الشعر. على أن القبح وحده قادر أيضا على توليد هذا الصراع؛ هذه ~~«الضدية». # كان القبح في الأدب علامة على السخرية أو التعريض بالنقص الخلقي. ~~ويكفي أن نتذكر شخصية «ثيرزيتيس» # 9 # في الإلياذة، أو الشخصيات العجيبة التي يزدحم بها جحيم ~~دانتي، أو أدب البلاط في العصور الوسطى. وكان الشيطان رمز القبح، ~~ولم يكن من الممكن أن يتصور أحد ملاكا قبيحا، أعمى أو أفطس الأنف ~~أو متشردا في أحياء المدينة كما نرى في بعض الشعر الحديث! وأصبح ~~القبح في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ثم عند نوفاليس، ~~وأخيرا عند بودلير شيئا مسموحا به، بل جديرا بالاهتمام، ووافق ~~حاجة الفنان والشاعر لشدة الانفعال وعمق التعبير. ثم أصبحت مهمته ~~عند رامبو أن يستجيب لطاقة حسية تريد تغيير الواقع بل تشويهه ~~وتمزيقه بلا رحمة، وتبين أن مثل هذا الشعر الذي لا تهمه مضمونات ~~الأشياء بقدر ما يهمه تصوير علاقات التوتر والصراع الذي يعلو فوق ~~الأشياء يحتاج إلى القبح أشد الاحتياج، لا رغبة في تشويه الواقع ~~فحسب، بل كذلك لإثارة الشعور الطبيعي بالجمال وتوليد ذلك الإحساس ~~بالصدمة الذي تكلمنا عنه في الصفحات السابقة، وقلنا إنه من أهم ما ~~يحرص الشاعر الحديث منذ عهد بودلير ورامبو على بعثه في نفس القارئ ~~عندما يلتقي بالنص. # ومن أدل القصائد على القبح الذي تحدثنا عنه قصيدة رامبو الجريئة ~~«القاعدون» التي كتبها في سنة 1871م. ويروى فيرلين أنها كتبت عن ~~أمين المكتبة العامة في مدينة شارلفيل، وكان رامبو قد غضب منه ~~غضبا شديدا! وقد تكون هذه الرواية صحيحة، ولكنها لن تساعدنا على ~~فهم النص؛ فلغته تزخر باصطلاحات من علم التشريح، وكلمات من اللهجة ~~العامية، واشتقاقات منحوتة، تخلق ما يشبه أن يكون أسطورة للقبح ~~الفظيع. وهي لا تذكر أمين المكتبة المسكين بكلمة واحدة، ولا تورد ~~كلمة واحدة عن الكتب أو المكتبات. إن حديثها كله ينصب على جماعة ~~من العجائز الذين تتجسد فيهم الحيوانية والشر والتعاسة والخمول. لا ~~بل إنها لا تتحدث عن هؤلاء العجائز مباشرة، وإنما تذكر ms116 تفصيلات ~~بشعة محزنة: أوراما سوداء، ندوب الجدري، عيونا حولها حلقات ~~خضراء، أصابع هزيلة معقودة حول السيقان، جباها تغطيها تلافيف ~~غامضة مزمجرة أشبه بقروح النبات فوق الجدران القديمة. ثم يأتي دور ~~الشخصيات والوجوه: هياكل عظمية خرافية زاوج أصحابها في وله ~~بينها وبين هياكل الكراسي، وأقدام مصابة بالكساح تلتف حول قوائم ~~المقاعد من الصباح إلى المساء دائما وإلى الأبد، وشموس حارقة ~~تشوي جلودهم، وعيونهم تمتد إلى النوافذ «حيث يذوي الثلج»؛ في القش ~~الذي حشيت به الكراسي. تتوقد أرواح شموس قديمة مختنقة، كان القمع ~~فيما مضى يختمر تحت أشعتها. والعجائز قابعون، ركبهم في أسنانهم، ~~كأنهم عازفو بيان خضر، يدقون بأصابعهم العشر تحت الكراسي، ~~ورءوسهم تتأرجح مع اهتزازات خيالهم العجوز. فإذا ناداهم أحد راحوا ~~يموءون كالقطط المضروبة، ويكشفون عن عظام أكتافهم، وتتسحب أقدامهم ~~الملتوية إلى الأمام وترتطم رءوسهم الصلعاء بالحيطان الكالحة، ~~وتخترق أزرار ستراتهم عين الإنسان خلال الظلام الذي يغشى الممرات، ~~ومن نظراتهم المميتة يترقرق سم كلاب شبعت ضربا. فإذا جلسوا مرة ~~أخرى غاصت أكفهم في أساور قمصانهم القذرة، وتحت الذقن الهزيلة حزمة ~~من الغدد توشك أن تنفجر. إنهم يحلمون بكراسي أجمل، وزهور «الحبر» ~~التي تبصق «بذور حروف العطف» تهدهد هذا الحلم. # مثل هذا القبح لم ينسخه الشاعر من العالم الخارجي وإنما ولده ~~توليدا. إنه يصف لنا مجموعة من الكائنات توجد في كل مكان وزمان. ~~ليسوا بشرا، بل هياكل بشر، هم والأشياء كيان واحد، والأشياء ~~بدورها رفاق أولئك الذين يقعون فوقها. ثم انظر إلى نزعتهم الشريرة ~~العاجزة، والضباب الذي يغشى حالتهم الجنسية في الشيخوخة. كل هذا في ~~لهجة متهكمة، تظل خافية وراء غنائية الأبيات، فكأن القصيدة ~~بأكملها نوع من التنافر بين النغم والصورة. صحيح أنها لا تخلو كما ~~قلت من مواضع «جميلة» ولكن هذه البقية الباقية من الجمال تخدم ذلك ~~التنافر أو هي نفسها متنافرة، تجمع على سبيل التضاد بين صور ~~وعناصر غنائية بطبيعتها وبين أسخف الأشياء وأكثرها تفاهة. فها هي ~~ذي القصيدة تتحدث عن أزهار الحبر، وبذور الشولات أو الفواصل التي ~~تجملها بالمقارنة ms117 بينها وبين الفراشات الطائرة على زهور ~~الجلاديولا: # وأزهار الحبر التي تبصق بذور الشولات # تهدهدهم، وهم مقعون على طول الكئوس، # كما يرى الإنسان الفراشات تطير نحو زهور ~~الجلاديولا # ودور القبح هنا واضح. فإذا أردنا أن نقارن بينه ~~وبين القبح العادي وجدنا أن هذا القبح الشاعري قد غير من القبح ~~المألوف وشوهه، بمثل ما غير الواقع وشوهه، لكي يجعل الانطلاق إلى ~~ما فوق الواقع من خلال هذا التدمير والتمزيق أمرا ملموسا. ولكنه ~~انطلاق إلى الفراغ، لأن الحقيقة المتعالية فوق الواقع فارغة كما ~~علمنا من كل دلالة دينية أو فلسفية أو أسطورية. # وقد كتب بودلير قصيدته «العجائز السبعة» قبل أن يؤلف رامبو ~~قصيدته هذه باثنتي عشرة سنة. ولا بأس من المقارنة بين القصيدتين ~~لنرى إلى أي مدى يتفق الشاعران أو يختلفان في تصورهما «الدرامي» ~~للقبح. فقصيدة بودلير تصور أيضا قبح الناس والأشياء ولكنها لا ~~تتركنا حيارى، بل تعطينا بعض التوجيهات المحددة التي تعين على ~~فهمها، وتقدم لنا المكان والحدث في ترتيب دقيق. في البداية نجد ~~المدينة الكبيرة المزدحمة، ثم نجد شارعا في إحدى الضواحي، في زمن ~~حدده لنا الشاعر بالصباح الباكر. ويظهر عجوز ترتسم أمامنا صورته ~~وتتبين معالم هيئته، يتبعه عجوز آخر ثم ثالث ورابع حتى يظهر ~~السابع. وتستجيب الذات الشاعرة لهذه المشاهد بانفعالات محددة: ~~بالفزع والارتعاش حتى تصدر حكمها الأخير. ويبرز القبح بكل حدته ~~المحسوسة، ولكنه قبح معتدل، نعرف العلاقة التي تربطه بالمكان ~~والزمان والانفعال. والشاعر يشبه أحد العجائز بيهوذا، وفي هذا ~~التشبيه إشارة وتوجيه؛ إشارة إلى شخصية معروفة، وتوجيه يصلنا بشيء ~~مألوف. أما انفعالات الذات الشاعرة إزاء هذا المشهد المخيف، فهي ~~تشيع الدفء في النص، أي أنها تظل - على الرغم من كل الألم والعذاب ~~- انفعالات بشرية. # وإذا التفتنا إلى قصيدة رامبو لم نجد أثرا لهذه الإشارات ~~الموجهة؛ فعجائزه ليسوا أفرادا ذوي معالم واضحة، بل مجموعة ~~غامضة تتألف من تفاصيل تشريحية ومرضية، لا من وجوه وشخصيات ~~وأشكال. المكان لم تبق منه إلا بقايا، والزمان ديمومة متصلة، ~~وليس غريبا ألا نجد في القصيدة ms118 أية إشارة لأمين المكتبة المسكين ~~الذي ذكره فيرلين في روايته عن صديقه، فلو قد ذكره لكان ذلك ~~توجيها واضحا يتنافى مع الروح العامة للقصيدة وقربا من الواقع ~~الذي تجاهد في تحطيمه والبعد عنه. إن من العسير أن نصل هذا القدر ~~الهائل من القبح بواقع مألوف، حتى ولو كان ذلك عن طريق الرعب ~~والفزع منه؛ ذلك لأن إرادة الشاعر الحديث في تغيير هذا الواقع ~~وتشويهه قد فاقت كل حد، حتى وصلت به، كما يقال اليوم في لغة ~~السياسة، إلى طريق لا عودة منه. ~~(12) لا واقعية حسية # إن كل محاولة تبذل لقياس صور رامبو ومضموناته بمقياس الواقع لا ~~يمكن أن تكون لها غير قيمة واحدة وهي الكشف عن النص وتوضيحه بقدر ~~الإمكان. ولكننا كلما تعمقنا هذا النص اكتشفنا عجز كلمات مثل واقعي ~~وغير واقعي. ولعل كلمة أو اصطلاحا آخر أن يكون أنسب منهما، ألا ~~وهو «اللاواقعية الحسية» الذي أشرنا إليه في الصفحات السابقة. ~~ونقصد باللاواقعية الحسية أن الشاعر يتحدث عن مادة الواقع ~~المشوهة في مجموعات من الكلمات لكل جزء منها كيفية حسية. ومع ~~ذلك فإن مثل هذه المجموعات توحد بطريقة شاذة بين أشياء ليس من ~~طبيعتها أن تتحد في الواقع، بحيث ينشأ من الكيفيات الحسية تكوين ~~لا واقعي. إن الصور تكون دائما صورا عيانية، ولكنها صور لم ~~تصادفها العين أبدا ولن تلتقي بها في يوم من الأيام. إنها تتجاوز ~~الحرية التي أعطاها الشعر دائما لنفسه، بفضل الطاقات الاستعارية ~~الكامنة في كل اللغات الإنسانية. ~~«بقسماط الشارع»، «الملك الذي يقف على بطنه»، «مخاط الأثير ~~الأزرق» ... إلخ، قد تكون مثل هذه الصور نوعا من المبالغة الحادة في ~~بعض الخصائص التي تكمن أحيانا في الواقع، ولكنها لا تتجه إلى ~~الواقع بل تتبع منهجا ديناميا في الهدم والتحطيم يهدف - وهو في ~~هذا ينوب عن المجهول الخفي - إلى أن يجعل من الواقع نفسه نوعا من ~~المجهول المثير والمستثار في آن واحد، عن طريق تغيير حدود الواقع ~~وأشكاله الثابتة، وضم أطرافه المتباعدة، وتوحيد ما هو متضاد فيه ~~بالطبيعة أو ms119 بالضرورة. والحق أن تغيير نظام الواقع والبقاء مع ذلك ~~في إطار المحسوس إنما هو من الأمور التي كان الشعر التقليدي يلجأ ~~إليها في كثير من الأحيان. وهناك أمثلة عديدة على هذا في شعر ~~رامبو. فهو يصف راية حمراء بأنها «راية من اللحم الذي ينزف دما». ~~ولكن اللون الأحمر وهو المقابل الواقعي في هذه الصورة، ليس هو الذي ~~تتحدث عنه؛ إذ سرعان ما تضيف اللغة (في ميلها إلى كل بشع وفظيع) ~~تلك الاستعارة إلى الشيء الموصوف. ومع ذلك فإن هذه الأمثلة القليلة ~~تخفي ما تعلنه معظم الحالات الأخرى التي تبين أن اللاواقعية الحسية ~~عند رامبو هي المجال الحقيقي الذي تتم فيه درامية الصدمة التي ~~تثيرها نصوصه في نفس القارئ. # ولننظر إلى هذه الصور التي تتكرر في شعره: «زهور من اللحم، تتفتح ~~في غابات النجوم»، «قصائد رعوية ذات أحذية خشبية تزمجر في ~~الحديقة»، «قذر المدن، أحمر وأسود كالمرآة، عندما بدور المصباح في ~~الحجرة الجانبية»، وكلها صور ~~تتألف من عناصر لا شك في وجودها في الواقع المحسوس. ولكن الشاعر ~~يرتفع بها إلى مستوى قوى الواقع عن طريق الإدغام والإزاحة والقفز ~~من الضد إلى الضد والتأليف الجديد بين عناصر لا تأتلف بطبعها في ~~واقع الأشياء. ولذلك فإن «التركيبة» الجديدة لا تعود بنا إلى ~~الواقع، بل تجبر العين والعقل أن ينتبها إلى «الفعل» الذي أبدعها. ~~إنه فعل يقوم به خيال متسلط، أو خيال دكتاتوري. هذه الكلمة ~~الأخيرة التي تعبر عن القوة الكامنة وراء أشعار رامبو ستعفينا في ~~الحقيقة من قياس النصوص بمقياس الواقع، وهو الأمر الذي تحاشيناه في ~~بداية هذه الفقرة. إن القياس هنا شيء مستحيل؛ فنحن في عالم تقوم ~~واقعيته في اللغة وحدها. ~~(13) خيال دكتاتوري # ما طبيعة هذا الخيال الذي وصفناه بهذه الصفة البشعة؟ ما وظيفته؟ ~~كيف يعمل؟ # الخيال الدكتاتوري لا يقوم على الإدراك والوصف، بل على الحرية ~~الإبداعية المطلقة من كل قيد. إن العالم الواقعي يتحطم ويتفجر ~~تحت سلطان الذات الشاعرة التي لم تعد تقنع بأن تتلقى مضموناتها ~~وصورها، بل تصر على أن ms120 تخلقها بنفسها خلقا. # وقد لا نجد عبارة توضح هذا الكلام مثل هذه العبارة التي تروى عن ~~رامبو عندما كان يعيش في باريس: «يجب علينا أن نخلص الرسم من عادة ~~النسخ القديمة لكي نجعله فنا شامخا مستقلا بنفسه. عليه، بدلا ~~من إعادة نسخ الأشياء، أن يستثير الانفعالات عن طريق الخطوط ~~والألوان والمعالم والحدود التي تستمد حقا من العالم الخارجي ~~ولكن تبسط وتهذب: سحر أصيل». # ونستطيع أن نقول إن هذه العبارة تدل أبلغ دلالة على فن الرسم في ~~القرن العشرين. ويبدو أن رامبو قد تنبأ فيها، دون أن يشعر، بأن ~~الرسم الحديث لا يمكن ولا ينبغي أن يفسر أو يفهم من جهة الموضوعات ~~والأشياء الخارجية، وهي من أبسط الحقائق التي يعرفها كل من لديه ~~فكرة عن الرسم التجريدي. # إن الذات الحديثة في الشعر والرسم بوجه خاص تريد أن تؤكد حريتها ~~المطلقة، وليس من الصعب أن نتذكر هنا تأملات بودلير النظرية عن ~~الخيال، لنرى إلى أي حد مهدت للإنتاج الشعري والفني في العصر ~~الحاضر. وقد تكلم «روسو» و«بو» و«بودلير» عن الخيال الخلاق، وأكدوا ~~ملكة الخلق وقدرة الإبداع فيه. واحتضن رامبو هذا التعبير نفسه، ~~وزاده دينامية. فهو يتكلم عن «الدافع الخلاق»، أو «الحافز إلى ~~الخلق» في عبارة يمكن أن تعد تلخيصا لنظرته الإستيطيقية: # ينبغي أن تكون ذاكرتك وحواسك غذاء للحافز الذي يدفعك ~~إلى الخلق. أما العالم، فماذا سيتبقى منه بعد أن تتركه ~~وراءك؟ شيء واحد مؤكد؛ إنه لن يحتفظ عندئذ بشيء من ~~مظهره المألوف ... (ص200) # وإذن فالدافع الذي يحفز الفنان إلى الخلق سيترك وراءه وجها ~~غريبا ممزقا للعالم، لأنه فعل، وفعل ضار متجبر، ولذلك فليس ~~عجيبا أن تتردد كلمة القسوة كثيرا في نصوص رامبو، حتى لتصبح إحدى ~~المفاتيح التي يتوسل بها من يريد أن يطرق أبوابه. # والخيال الدكتاتوري المتسلط يعكس نظام المكان، ويكفي أن نذكر بعض ~~الأمثلة على ذلك من نصوص رامبو: المركبات تسير على درب السماء. في ~~أعماق بحيرة يرقد صالون. البحر يسبح فوق قمم الجبال العليا. قضبان ~~السكك الحديدية تنفذ في الفندق ms121 وتسير فوقه ... # ولكن الخيال المتسلط يعكس كذلك العلاقة السوية بين البشر ~~والأشياء: «الموثق معلق من سلسلة ساعته» (ص59)، وهو يجمع بين أمور ~~متباعدة كل التباعد، ويضم المحسوس والخيالي في سياق واحد «متكدر ~~إلى حد الموت من دمدمة لبن الصباح، وليل القرن الأخير» (ص163). وهو ~~يحقق رغبة بودلير عندما يصف الأشياء بألوان تنطبق عليها في الواقع، ~~كأن يقول مثلا: «عشب أزرق، مهر أزرق، عازفو بيان خضر، ضحك ~~أخضر، أقمار سوداء.» وهذا الخيال الذي ينطلق بعيدا عن العالم ~~يجمع أشياء لا تجمع في الواقع لأنها بطبعها واحدة (كأن يجمع كلمات ~~مثل أتنا وفلوريدا) وبذلك يزيدها حسية، ولكنه يجردها في نفس الوقت ~~من كل صلة بالواقع. يقابل هذا ما نجده عند رامبو من شغف شديد ~~بتجريد الكائنات المفردة من كل تحديد موضعي أو زمني أو غير ذلك من ~~وسائل التحديد وذلك باستعماله كلمة «كل» قبلها: «كل جرائم القتل ~~وكل المذابح»، «كل الثلوج» ... مما يلخص هذه المفردات ويرتفع بها فوق ~~مستوى الواقع، وكلها أساليب يلجأ إليها الخيال المتسلط الذي يقلب ~~في الواقع بملء يديه، ويطرحه إلى أبعد ما يستطيع، ويحوله إلى «ما ~~فوق الواقع». # وتمتد الرؤى الحالمة - كما رأينا عند بودلير - إلى الكائنات غير ~~العضوية، لنكتسب منها صلابة وغربة عن الواقع والمألوف: «في ساعات ~~المرارة أتخيل كرات من اللازورد (السفير) والمعدن» (ص170). ومن ~~أكمل القصائد النثرية التي تدل على هذا كله قصيدة «زهور» من مجموعة ~~الإشراقات. إن عباراتها ترتفع شيئا فشيئا كالأمواج، وتخلق ~~إحساسا بالتوتر تساعد خاتمة القصيدة على إزالته ولكنها مع ذلك لا ~~تساعد على فهمها. وصورها تتحرك حركات أشبه ما تكون بمنحنيات ~~خالصة يرسمها الخيال المطلق واللغة المطلقة. ويستفيد الخيال واللغة ~~من الكائنات غير العضوية التي ترد في القصيدة في خلق جو من ~~اللاواقعية ونسج غلالة شفافة من الجمال السحري: عتبة ذهبية. ~~قطيفة خضراء. قطع من البللور تسود كقطع البرونز في الشمس؛ ~~وتتفتح قمعية على سجادة ذات شبكات من الفضة والعيون وخصلات الشعر، ~~قطع من الذهب منثورة على العقيق، وأعمدة من خشب ms122 البلاذر ~~(الماهاجوني) تحمل كنيسة من الزمرد، أفرع نحيلة من الياقوت. وفي ~~مثل هذه البيئة تتحول الزهور والورود إلى شيء غير واقعي، وترتبط ~~بالسم الكامن في القمعية بقرابة خفية. ففي أعماق هذا الخيال ~~المتسلط يتحد الجمال المسحور مع العدم والدمار. وإليك هذه القصيدة ~~لتنظر فيها بنفسك: # من فوق عتبة مذهبة، بين الأربطة الحريرية، والأقنعة ~~القاتمة وبقع القطيفة الفضية، والأقراص البللورية التي ~~تسود كقطع البرونز في الشمس؛ أرى كيف تنفتح القمعية ~~على سجادة ذات تلافيف من الفضة والعيون، والشعر. # بقع من الذهب الأصفر مبذورة فوق العقيق، أعمدة من خشب ~~البلاذر (الماهاجوني) تحمل قبة كنيسة من الزمرد، باقات من ~~الساتان الأبيض وأعواد نحيلة من الياقوت تحيط بوردة ~~الماء. # أشبه بإله له عينان زرقاوان هائلتان وأعضاء من الثلج، ~~البحر والسماء يجذبان حشود الورود الشابة الجميلة إلى ~~الممرات المرمرية ... # وفي هذه القصيدة وغيرها نلاحظ كيف تجتمع النقائض وتخلق التنافر ~~والنشاز الذي يميز شعر رامبو. فالنباتات السامة تأتي مع الورود ~~الجميلة، والقذر البشع يتجاور مع الذهب الناصع، وكأن هذا هو الشكل ~~العام للصورة التي تخلعها المخيلة الخلاقة على مبدعاتها المتنافرة ~~الناشزة. وقد لا يكون هذا النشاز في الصورة بل في الكلمة. فكثيرا ~~ما نصادف تنافرات لغوية حادة، أعني مجموعات من الكلمات التي تؤلف ~~بين موضوعات أو قيم متضادة في أضيق مجال لغوي ممكن. انظر مثلا ~~إلى هذه التعبيرات: شمس سكرى بالقطران. صباح يوم من أيام يوليو له ~~طعم الرماد الشتوي. نخيل نحاسي. أحلام تشبه زبل الحمام ... وكثيرا ~~ما تستمتع بالكلام عن شيء مريح، أخاذ، مألوف، ثم لا تلبث أن تصدمك ~~في ختام النص كلمة سوقية أو حوشية أو وحشية. وتخرج من قراءتك لمعظم ~~النصوص وأنت تقول لنفسك. هذا شعر يحب النهايات المفتوحة - كما يقال ~~في لغة المسرح - لا النهايات المقفلة، ينطلق بك - ومعذرة للتشبيه ~~المعاصر الأخاذ - على صاروخ تدفعه قوة خيال محموم أو في أرجوحة ~~تموج بالصور والألوان والأضواء والأصوات والرؤى المختلطة ~~المتداخلة. إلى أين؟ ربما إلى ما فوق هذا العالم أو ما وراءه. ربما ~~في ms123 رحلة البحث عن المجهول؟ # وقد يلفت انتباهنا في هذا الشعر نوع آخر من التنافر أو النشاز ~~بين ما يقال والطريقة التي يقال بها، أو بين المضمون والأداء. ~~فالشاعر ينشد واحدة من أجمل قصائده وأكثرها غموضا وغرابة بنغمة ~~الأغنية الشعبية (التي تأبى الغموض بطبيعتها)، وأعني بها قصيدة ~~«أغنية أعلى الأبراج». وفي قصيدة أخرى «الباحثات عن القمل» نراه ~~يضع الوسخ وحمى الشهوة وعادة البحث عن القمل في شعر الرأس؛ يضع كل ~~هذا في أصفى وأعذب لغة غنائية يمكن تصورها! ويظهر العماء والعدم ~~والعبث في أوجز تعبير، وتصطف الأضداد والمتناقضات إلى جانب بعضها ~~البعض كأنها شيء طبيعي محايد، بغير «لكن» أو «مع ذلك» أو «على ~~الرغم من ذلك». وهذه قصيدة «أغنية أعلى الأبراج» التي تحررت قليلا ~~في ترجمتها، وحاولت أن أحافظ على شيء من نغمها الأصلي، واضعا كل ~~ما زدته عليها بين قوسين: # شبابي الخامل، # كم أنت مستعبد # برقة الحس! # ضيعت أيامي. ~~(عهد الصبا بادا) # يا ليته عادا # ليشعل القلبا! # قد قلت يا نفس ازهدي، # لا تتركي أحدا يراك، # لا تضرعي، لا تحلمي # بسعادة عليا هناك. # زمن التخفي والرجوع # لا يوقفن أحد خطاك! # كم تصبرت طويلا! # بعدما أنسي فؤادي # كيف يصبر، # كل خوفي وعذابي # صعدا نحو السماء، # عطشى وهو السقام # راح يسرى كالظلام # في عروقي ودمي. # هكذا ينمو ويزهر # بعدما ينسى ويهجر. # ها هنا مرج معطر # ببخور وسموم، # حولها يهفو ويهدر # من ذباب بالمئات. # كل وحشي قذر، # يا ألف هم وهم # يعرو النفوس الشقية، # لم يبق فيهن إلا # خيال رسم قديم # لأمنا العذرية! # فهل هناك قلوب # تدعو لها وتصلي # من هذه البشرية؟ ~~••• # شبابي العاطل # كم أنت مستعبد # برقة الحس! # ضيعت أيامي. # عهد الصبا بادا # يا ليته عادا # ليحرق القلبا! ~~(14) الإشراقات # نستطيع الآن أن نتحدث عن مجموعة القصائد النثرية المعروفة باسم ~~«الإشراقات». والكلمة تحتمل عدة معان؛ فهي - إلى جانب المعاني ~~الصوفية التي توحي بها - قد تفيد الإشراقات التي تومض فجأة في ~~القلب أو في الروح، فتقترب من الإلهام أو الكشف، وقد تفيد معنى ~~اللوحات ms124 أو الرسوم الملونة. ومن أصعب الأمور أن نحاول تقسيم هذه ~~القصائد بحسب موضوعاتها؛ فهي تزدحم بالصور والأحداث الغامضة ~~الحافلة بالألغاز. ولغتها تتراوح بين العذوبة المسكرة والتقطع ~~المفاجئ، بين التكرار المتصل الممل في بعض الأحيان وتسلسل ~~الكلمات في تداعيات لا تجمع بينها علة أو رابطة ظاهرة. وكل قصيدة ~~منها تحمل عنوانا خاصا بها، ومع ذلك يندر أن يفيدنا هذا العنوان ~~في فهمها فائدة تذكر. والموضوع المفتت الممزق الذي تعالجه يتحرك ~~بين النظرة التي ترجع للوراء والنظرة التي تتطلع للأمام، بين الحقد ~~والتجلي، بين التنبؤ والزهد. والانفعالات الجياشة التي تحتشد بها ~~تنتثر في مجال يمتد من النجوم إلى القبور، ويزدحم بصور وأشكال ~~وشخصيات بلا أسماء، ما بين قتلة وملائكة، وتلتقي فيها مدن وبلاد ~~متباعدة في مكان واحد؛ إبيروس # 10 # واليابان وبلاد العرب وقرطاجنة وبروكلين. وعلى العكس ~~من ذلك نجد أشياء متفرقة بعيدة كل البعد عن بعضها البعض، في حين ~~أنها متلاحمة في الواقع أشد التلاحم. إن النزعة الدرامية الكامنة ~~في هذه المقطوعات تهدف إلى تدمير العالم وتفتيته، حتى تصبح الفوضى ~~أو الاضطراب هو المجال المحسوس الذي يمكن أن يتجلى فيه السر الخفي ~~المجهول. وتبدأ كل منها بداية بعيدة عن الفكرة أو الموضوع الذي ~~دفع الشاعر إلى كتابتها، فيحمل النص على الفور طابع شذرة لم تتم، ~~أو مزقة وصلت إلينا بطريق الصدفة من عالم آخر. وهنا وهناك يحكي ~~لنا الشاعر شيئا. ولكن ماذا يحكي؟ وعن أي شيء يتحدث؟ لنقرأ على ~~سبيل المثال هذه «الحكاية» القصيرة وهي المقطوعة الثالثة من الإشراقات: # كان هناك أمير أغضبه أنه لم يهتم أبدا إلا باستكمال ~~أسباب الإحسان إلى الشعب. تنبأ بحدوث ثورات مدهشة في ~~الحب، وأحس أن زوجاته يمكن أن يتقن شيئا أفضل من هذه ~~الملاطفة المحلاة بالسماء والترف. أراد أن يرى ~~الحقيقة. # ساعة الشوق والرضى الأصيلين. وسواء أكان في ذلك انحراف ~~عن التقوى أو لا، فقد أراده. لقد كان له على كل حال سلطان ~~هائل على الناس. # كل النساء اللائي عرفنه # 11 # ذبحن. أي خراب في بستان ms125 الجمال! كن يباركنه ~~ومن تحت السيوف. ولم يأمر بنساء جدد، وعادت النساء إلى ~~الظهور. # قتل كل أفراد الحاشية التابعين له، بعد الصيد أو بعد ~~الشراب، استمر الجميع في متابعته. # تسلى بذبح الحيوانات البديعة. أمر بإشعال النار في ~~القصور، انقض على الناس ومزتهم إربا. ومع ذلك فقد كانت ~~جماهير الشعب، والأسقف الذهبية، والحيوانات الجميلة تستمر ~~في الحياة. # أيمكن أن ينتشي الإنسان بالخراب، ويجدد شبابه ~~بالقسوة؟! # لم يدمدم الشعب بشيء. لم يتقدم أحد إليه برأي. ذات مساء ~~راح يركض فخورا فوق جواده. # ظهر جني جماله فوق التصور، بل فوق الإمكان. من ملامحه ~~وهيئته انبثق وعد بحب مضاعف وشامل! بسعادة فوق كل تعبير، ~~بل فوق كل احتمال! ربما يكون الأمير والجني قد أهلكا ~~نفسيهما في الصحة الجوهرية. أكان من الممكن ألا يموتا ~~بسببها؟ هكذا ماتا سويا، لكن هذا الأمير مات في قصره، في ~~سن معقول. كان الأمير هو الجني، كان الجني هو ~~الأمير. # إن الموسيقى الخبيرة لا ترضي شوقنا ... # هي إذن حكاية تروى عن أمير، ولكن من هو هذا الأمير؟ إنه يقتل ~~زوجاته، فيعدن إلى الحياة من جديد. ويقتل رجاله، فيتبعونه. «كيف ~~يمكن أن ينتشي الإنسان بالدمار، ويجدد شبابه بالقسوة؟» ويقابله جني ~~يسمو جماله فوق كل تعبير، ويموتان معا. «ولكن الأمير مات في قصره، ~~في سن معقول.» إن القتل والموت لا يحققان غرضهما. فالموتى ~~يواصلون الحياة، والأمير الذي مات مع الجني قد مات ميتة سوية. ~~ماذا نفهم من هذه الحكاية؟ لعل المعنى الذي أراده الشاعر هو هذا: ~~حتى التدمير يخفق وينتهي نهاية تافهة. ومع ذلك فإن أهم ما يسترعي ~~النظر في هذه «الحكاية الشعبية» # conte # أنها تعبر عن العبث ~~بوسائل القص المحددة، مع علمها بأن هذا العبث أيضا لا يكفي. ~~وتنتهي المقطوعة هذه النهاية الغريبة «الموسيقى الخبيرة لا ترضي ~~شوقنا». # من العبث أن نحاول فهم والإشراقات؛ إنها لا تفكر في القارئ ولا ~~تحسب حسابه، ولا تريد أن تكون مفهومة، هي أشبه بالبرق الخاطف الذي ~~يفرغ شحنات من الصور والرؤى القريبة من الهلوسة، وأقصى ms126 ما تطمح ~~إليه هو إيقاظ ذلك الخوف من الخطر الذي ينبع منه الحب للخطر. وهي ~~كذلك نص خال من «الأنا»، لأن الأنا التي تظهر في بعض القصائد ~~إنما هي الأنا المصطنعة الغريبة التي صورها الشاعر في رسالتي ~~الرؤيا السابقتين. وإذا كانت الإشراقات تثبت شيئا، فهي تثبت أن ~~صاحبها مبدع بل مخترع يختلف عن كل من تقدمه من الشعراء. ولا شك ~~أنها ستظل أول أثر عظيم من آثار الخيال المطلق في الشعر ~~الحديث. ~~(15) أسلوب التضمين # لرامبو قصيدة كتبها في سنة 1872م، يرجح الدارسون أن تكون من ~~مجموعة الإشراقات، كما يضمها الناشرون إليها بالفعل. وعنوان ~~القصيدة هو «بحرية» # Marine # أو ~~صورة بحرية إن شئنا التصرف قليلا. وتعد القصيدة أول نموذج للشعر ~~الحر في فرنسا. فهي تتألف من عشرة أبيات متفاوتة الطول، خالية من ~~الروي والقافية. وقد كان التخلي عن الوزن المحكم الدقيق (ولا يزال ~~إلى اليوم لحد كبير) ظاهرة تسترعي الانتباه في فرنسا عنها في أي ~~بلد أوروبي آخر، كما كان ولا يزال شيئا يقابل بالإعراض ~~والاستهجان ويعد دليلا على التطرف والشذوذ وقد استطاع رامبو في ~~هذه القصيدة أن يجد الشكل أو الصيغة اللغوية الملائمة لخياله ~~المنطلق «المتفكك». فهو يكون من الأبيات وحدات غير متساوقة، ~~تقترب في بنائها اقترابا شديدا من قصائده النثرية. # وبهذا يخطو من الناحية الشكلية خطوة أبعد وأعنف بكثير من ~~بودلير. ولقد انتشر الشعر الحر في فرنسا انتشارا واسعا بعد قصيدة ~~رامبو، ورأينا شعراء مثل أبوللينير وماكس جاكوب وإلوار يسهمون فيه ~~بنصيب كبير. وهو على كل حال أحد أشكال هذا النموذج الشعري الذي ~~يتأثر فيه الشعراء - عن قصد أو غير قصد - برامبو. تقول القصيدة ~~التي أشرنا إليها. # العربات الفضية والنحاسية - # صدور (السفن) من الصلب والفضة - # تضرب الزبد، # ترفع جذور الأشواك. # تيارات الأرض البور، # الآثار الهائلة للمد والجزر، # تتجه في دوائر نحو الشرق، # نحو أعمدة الغابة، # نحو جذوع الرصيف، # التي تلطم حافتها دوامات النور. # تحتوي القصيدة - ويمكنك أن ترى هذا حتى من الترجمة ~~العربية! - على تقابل مزدوج، مرة بين اختلاف ms127 الوزن في الأبيات ~~وبين لغتها المتزنة المنتظمة، ومرة أخرى بين هذه اللغة الهادئة ~~نفسها وبين جرأة المضمون جرأة غير عادية. إنها تضع تعبيرا إلى ~~جانب تعبير، في هدوء واعتدال تام. وهي لا تربط بينها بالظروف إلا ~~في موضعين اثنين، ليست لهما أهمية كبيرة في واقع الأمر. والحق أن ~~الاستغناء عن الظروف وأدوات الربط يرفع القصيدة فوق لغة النثر ~~الخالص، ويضفي على أسلوبها الموضوعي المحايد والمجرد عن الأنا طابع ~~الغموض والأسرار. أضف إلى هذا أن الكلمات في معظمها اسمية، ~~والأفعال القليلة التي نصادفها تتراجع أمام الموضوعات والأشياء ~~التي نجد أن قيمة الصور فيها أهم بكثير من الحركة، ولا يقف الأمر ~~عند هذا؛ إذ لا نلبث أن نتبين مفاجأة أخرى، تولدت عن قوة الخيال ~~غير الواقعي وتسلطه. فهذه القطعة البحرية تبدأ ببيت من الشعر لا ~~يناسب العنوان: عربات فضية ونحاسية. ويأتي البيت الثاني فنجده ~~أكثر اتفاقا مع العنوان: صدور (سفن) من الصلب والفضة. والعربات ~~وصدور السفن معا تلطم الزبد، وترفع جذور الأشواك. ثم تتحدث ~~القصيدة عن «تيارات الأرض البور» وعن «آثار المد والجزر»، ويتجه ~~هذا كله إلى «أعمدة الغابة» وإلى «جذوع الرصيف» التي ترتطم بها ~~دوامات الضوء. # القصيدة إذن تسير بنا في مجالين، أحدهما بحري (سفينة، بحر) ~~والآخر أرضي (عربات، أرض بور)، ولكن المجالين يتداخلان بحيث يبدو ~~أحدهما متضمنا في الآخر كما تزول كل تفرقة مادية وموضوعية ~~بينهما. وتصبح القطعة البحرية قطعة برية، والعكس صحيح. وليست ~~المسألة مسألة استعارات، بحيث يمكن أن نقول مثلا إن السفينة تمخر ~~الماء كما تنهب العربة الأرض. ذلك لأن الأفعال تشد كلا المجالين ~~بعضهما ببعض وهذا ما تفعله كذلك الكلمات المفردة (التيارات، الأرض ~~البور ... إلخ). وبدلا من الاستعارات نرى القصيدة تسوي تسوية ~~مطلقة بين أشياء مختلفة من الناحية المادية والموضوعية. أضف إلى ~~هذا كله أن النص لا يتكلم عن البحر، بل عن المد والجزر والزبد، ولا ~~يتكلم عن السفينة، بل عن مقدمها أو صدرها. صحيح أن أسلوب الاستعاضة ~~بالأجزاء عن الكل أسلوب مألوف في الأدب، ولكنه يصل ms128 عند رامبو إلى ~~أقصى حدته، فهو إذ يتعمد ذكر أجزاء من الأشياء إنما يمهد لعملية ~~التدمير أو التفتيت التي ستشمل نظام الأشياء بوجه عام. # ليست هذه القصيدة المركزية الهادئة أول قصيدة من الشعر الحر في ~~فرنسا وحسب، بل تعد كذلك أول مثل لأسلوب التضمين الحديث الذي يعد ~~بدوره حالة من حالات «تجريد الواقع» أو ما سميناه «باللاواقعية ~~الحسية». فما هو الجديد فيه إذن؟ يمكن أن نحدده من ناحية الموضوعات ~~بطريقة سلبية فنقول إنه «لا واقع» أو إنه إلغاء الفروق المادية ~~التي تميز بين الأشياء. وينشأ عن هذا نوع من الإلغاز أو الغموض ~~الذي لا يحل. وتدور الأشياء المتضمنة في بعضها البعض حول أمور ~~اعتباطية تعرض للشاعر كيفما اتفق أو أمور يمكن استبدالها بغيرها، ~~ويصدق هذا على النص نفسه. فنحن نجد ثلاثة أو أربعة أبيات من مجموع ~~الأبيات العشرة يمكن تغيير أماكنها بالتقديم أو بالتأخير دون أن ~~يغير هذا شيئا من بناء القصيدة وتكوينها العضوي. ويمكننا أن ~~نستخدم فكرة إيجابية في وصف المخيلة التي أنتجت هذا كله، فنقول ~~إنها مخيلة حرة فإذا أردنا أن نحددها عن قرب وجدنا الأوصاف ~~السلبية تفرض نفسها علينا. وتفسير هذا أن الحرية التي نتحدث عنها ~~إن هي إلا انطلاق من نظام الواقع، أو تداخل لا واقعي بين أشياء ~~مختلفة. ومثل هذه الحرية التي تلجأ إليها المخيلة حرية قوية ~~مقنعة من الناحية الفنية، ولكنها لا تتسم بالضرورة عند انتقالها من ~~مرحلة إلى أخرى. وسيظل هذا طابعا أساسيا للشعر الحديث، ~~فالمضمونات التي يعبر عنها يمكن استبدالها واحدة بالأخرى، بينما ~~تخضع طريقة التعبير لقانون في الأسلوب يملك بداهته في ذاته. # والغريب أن أسلوب التضمين يمثل حتى أيامنا هذه عنصرا مشتركا ~~بين الأدب والرسم. بل إن الأدب والشعر خاصة، قد مهد لفن الرسم ~~الحديث طريق هذا الأسلوب. ومن المدهش حقا أن نجد بروست يشرح ذلك ~~شرحا مفصلا، ففي الجزء الثالث من روايته «البحث عن الزمن الضائع» ~~وهو في ظل الفتيات الزاهرات (1917م) يصف زيارة لدى الرسام الخيالي ~~«ألستير». وتتخلل الوصف ms129 تأملات تتفق بصورة مذهلة مع جماليات الرسم ~~الحديث، بل يمكن أن نعدها تأكيدا لأسلوب رامبو في القصيدة التي ~~انتهينا الآن من مناقشتها. وتتلخص تأملات بروست في أن «الحلم» هو ~~القوة الحقيقية التي يملكها الفنان. والمقصود بالحلم هو المخيلة ~~التي تتفوق على الواقع وتسمو فوقه، ومثلما يلجأ الأدب إلى ~~الاستعارة، يلجأ الرسم إلى «التحول» # Metumorphose # فيحيل الأشياء ~~المادية والموضوعية إلى صور وتركيبات فنية لا وجود لها في عالم ~~الواقع. ويطبق بروست هذا الكلام على رسامه الخيالي «الستير» فيقول ~~إن من بين ما كان يلجأ إليه من تحويلات متكررة أنه كان في صوره ~~البحرية يلغي الحد الفاصل بين البحر والبر، فيصور المدينة ~~«بتعبيرات مأخوذة من البحر»، ويصور البحر «بتعبيرات مأخوذة من ~~المدينة». وتكون النتيجة في النهاية صورة لا واقعية وصوفية، تتفتت ~~فيها وحدات الأشياء والمجالات إلى أجزاء بحيث تتحول إلى «معادلة» ~~غير واقعية بين أشياء مختلفة متباينة. # هذه كلها أحكام يمكن أن تطبق بحذافيرها على قصيدة رامبو البحرية. ~~ومن الصدف العجيبة أن بروست يطبق أحكامه أيضا على صورة ~~بحرية. ~~(16) شعر تجريدي # تناولنا «المخيلة المتسلطة» أو «الخيال الدكتاتوري» في الفقرات ~~السابقة ورأينا أنه قد يصل في بعض قصائد «الإشراقات» إلى حد العبث ~~والمحال. ولو نظرنا مثلا في القصيدة الأولى منها، وهي «بعد ~~الطوفان» لوجدنا فيها الأرنب الذي يجلس على العشب ويتلو صلاته لقوس ~~قزح من خلال شبكة العنكبوت، ولوجدنا كذلك السيدة التي تضع المعزف ~~(البيانو) في جبال الألب. والفندق الفخم الذي يبنى في عماء الثلج ~~وليل القطب. والقمر الذي يسمع عواء بنات آوى في الصحاري، وزمجرة ~~قصائد الرعاة ذات الأحذية الخشبية في البساتين، والملكة الساحرة ~~التي تنفخ نارها في الوعاء الفخاري، والتي لن تحكي لنا أبدا ما ~~تعرفه ولا نعرفه. # هكذا تزخر معظم هذه القصائد بخليط من الصور المتباعدة الممزقة، ~~غير أن فيها إمكانيات أخرى لما وصفه بودلير بالتجريد. ويصدق هذا ~~على بعض نصوص رامبو التي نرى فيها نسيجا مجردا من الخطوط ~~والحركات الخالصة من كل أثر للأشياء المادية. ولنضرب لهذا مثلا ~~بقصيدة ms130 قصيرة هي قصيدة «الجسور»: # سماوات رمادية من البللور. نسيج غريب لجسور، هذه ~~مستقيمة، وتلك مقوسة، وأخرى تهبط بزوايا منحرفة فوق ~~الأولى، وكل هذه الأشكال تتكرر في التعرجات المضاءة من ~~القنال، ولكنها جميعا من الطول والخفة بحيث تميل الأنهار ~~المحملة بالقباب، وتختفي. بعض هذه الجسور لا يزال مثقلا ~~بأسوار قديمة، وبعضها الآخر يحمل أشرعة، وأعمدة إشارة، ~~وحواجز هشة. أنغام من الديوان الصغير (المول)، تتشابك معا ~~وتسبح في خطوط. أوتار تصعد من المنحدرات. تتبين سترة ~~حمراء، وربما ميزت العين ملابس أخرى وآلات موسيقية. أهذه ~~أنغام شعبية، شذرات من حفلات موسيقية يؤمها علية القوم، ~~بقايا أناشيد عامة؟ الماء داكن وأزرق، عريض كلسان ~~البحر. # شعاع أبيض يهبط من علياء السماء ويبدد هذه ~~الملهاة. # قد تكفي القراءة الأولى لتبين أن الشاعر يسير في وصفه على نهج ~~دقيق. ولكن القراءة الثانية سرعان ما تكشف لنا أن الموضوع الذي ~~يتناوله موضوع خيالي، وأن هذه المدينة التي يصف لنا جزءا منها ~~مدينة بلا مكان ولا زمان، لم تأت عن طريق النسخ من الواقع بل عن ~~طريق الرؤية الخيالية. إنه يصف مجموعة من الجسور، ولكن ليس المهم ~~في هذه الجسور هو حجمها المادي، بل خطوطها المختلفة من مستقيمة ~~ومقوسة ومنحرفة الزوايا، بحيث تتولد في النهاية صورة أو تركيبة ~~شاذة وغريبة (لنتذكر هنا أن الغرابة في رأي بودلير تتصل بالتجريد ~~والأرابيسك). وتلخص القصيدة هذه الخطوط جميعا فتصفها بأنها ~~«أشكال». وتتكرر هذه الأشكال وتنعكس في المنعرجات الأخرى من ~~القنال. ولكن القصيدة لا تذكر لنا شيئا عن هذه المنعرجات ~~«الأخرى». ونلاحظ أن قوانين الثقل قد ألغيت، فالأشكال (التي نراها ~~الآن على هيئة الجسور) قد بلغت من خفة الوزن حدا جعلها تحمى ~~الشواطئ الثقيلة، أي أن الخفيف يضغط على الثقيل. ثم نرى خطوطا ~~جديدة، تتألف في هذه المرة من أنغام تتحول إلى خطوط تسبح وترف ~~في الهواء. وتأتي بعدها إشارات ~~موجزة لسترة حمراء وآلات موسيقية، إلى أن نفاجأ بالخاتمة الغريبة ~~التي يتبدد معها كل شيء، ويظل كل شيء عصيا على الفهم. صحيح أن ms131 ~~تركيب الجمل بسيط غاية البساطة، ولكنه ينطوي على غرابة شاملة، ~~تضاعف منها دقة التعبير وبرودته الشديدة. سنلاحظ أيضا أن القصيدة ~~لا تذكر شيئا عن الناس، ومع أنها تشير إشارات عابرة إلى سترة ~~حمراء وآلات موسيقية، وأنغام لا نعرف أصلها، فإن هذه الإشارات تظل ~~منعزلة وتؤكد غيبة البشر عن جو القصيدة. قد نقول إن البديل هو وجود ~~الأشياء بكثرة فائقة، ولكن هذه الأشياء تذكر دائما في صيغة ~~الجموع غير المحددة، كما أن العلاقات التي تربط بينها علاقات ~~عبثية أو غير معقولة لا تدل على صلة ضرورية بين الأسباب والنتائج. ~~لقد تعرت هذه الأشياء من ثيابها المادية وتحولت إلى محض خطوط ~~وحركات خالصة وتجريدات هندسية. ومهما تكن درجة اللاواقعية في هذه ~~اللوحة كلها، فإن الخاتمة المفاجئة التي تحمل معها الدمار والفناء ~~تزيدها غرابة ولا واقعية! # إن رامبو يتحرك في هذا العالم الغريب الذي لا يوجد في مكان ولا ~~زمان بغير أدنى انفعال. بل لقد أصبحت لديه القدرة على التخلي عن ~~تفجراته الصارخة المتمردة التي كانت تدفع بكتاباته المبكرة إلى ~~الغرابة؛ ذلك لأنه يعيش الآن في صميم هذه الغرابة. # إن نظرته الحادة تأخذ الآن كل ما أبدعته بنفسها من غرابة وشذوذ ~~مأخذ الأمور العادية المألوفة وتسلمه إلى لغة تتحدث عنه بلهجة من ~~يتحدث عن شيء بديهي ومفهوم بذاته. غير أنها لا تسأل نفسها لمن ~~ترويه، لأنها ترويه للاأحد! ~~(17) شعر حديث ذاتي (مونولوج) # أصبح شعر رامبو بعد سنة 1871م مونولوجا أو حوارا مع الذات. ~~وإذا كان الدارس يستفيد فائدة كبيرة من مقارنة مسودات الشاعر أو ~~الكاتب ومخطوطاته بالصيغة الأخيرة التي ترك عليها نصوصه، فإن دارس ~~رامبو الذي يقارن مسوداته الباقية من بعض أعماله النثرية بصيغتها ~~التي بين أيدينا سيرى بنفسه إلى أي مدى كان الشاعر يغير فيها، ~~وفي أي اتجاه كان يسير تفكيره. لقد أصبحت الجمل تميل إلى الإيجاز ~~والتركيز، وزادت جرأته في إغفال أدوات الربط بين أجزاء العبارة، ~~وكثرت فيها الكلمات الغريبة الشاذة كثرة ملحوظة. وإذا أخذنا ~~برواية بعض معاصريه فسنجد أنه كان ms132 يستهلك كميات هائلة من الورق ~~قبل أن يصل إلى الصيغة التي ترضيه، وأنه كان يتردد ~~طويلا ويفكر كثيرا قبل أن يضع ~~فاصلة أو يحذف صفة، بل لقد كان من عادته أن يحتفظ بمجموعة من ~~الكلمات المهجورة أو النادرة الاستعمال ليلجأ إليها في نظم قصائده. ~~وهذه الأخبار كلها تدل - إن صدقت - على أن رامبو كان يسير على نفس ~~الطريقة التي سار عليها الشعراء الكلاسيكيون المشهورون بالوضوح ~~ورصانة الأسلوب. ومن هنا يمكن تفسير الغموض في شعره بأنه لم يكن ~~نتيجة جموح في العاطفة بقدر ما كان نتيجة تدبير فني محكم، ولذلك ~~يصبح شيئا منطقيا ومعقولا في إطار هذا الشعر الذي يضطر تحت ~~إلحاح عاطفة متأججة فشلت في تحقيق المجهول والوصول إليه - إلى ~~تحطيم المألوف وتغريب كل ما هو معروف، ولننظر إلى هذه العبارة التي ~~يقولها رامبو في إحدى كتاباته المتأخرة (ص219): «كنت أدون ما لا ~~يمكن التعبير عنه، كنت أقبض على الدوامات.» ثم إلى هذه العبارة ~~التي ترد بعد ذلك بصفحات قليلة: «لم أعد قادرا على الكلام.» وبين ~~هذين الموقفين المتباعدين يمضي شعر رامبو المظلم الغامض؛ غموض ما ~~لم يقله أحد من قبل، وغموض ما لم يعد من الممكن قوله، بعد أن تقف ~~اللغة عند حدود الصمت واستحالة التعبير عما يستحيل التعبير عنه ~~(وهي تجربة المتصوفين في كل اللغات والعصور). # قد نسأل: ولماذا يكتب الشعر من لا يخاطب به أحدا؟ ولكن السؤال ~~عسير على الجواب. قد نجرب مع ذلك فنقول إن مثل هذا الشعر يكون ~~محاولة أخيرة لإنقاذ حرية العقل والروح عن طريق الخيال المتسلط ~~والقول المغرب الشاذ، في موقف تاريخي يبذل فيه العلم والتمدن ~~وأجهزة الاقتصاد والتقنية أقصى جهودها لتنظيم الحرية وطبعها بخاتم ~~الشمولية، أعني بقتل جوهرها وروحها. هل نعجب بعد ذلك إذا وجدنا ~~الشاعر الذي طرد من كل مسكن وملجأ، يبني من أبيات شعره مسكنه ~~وملجأه الوحيد؟ ألا يجوز أن يكون هذا هو السبب الذي يدفعه لكتابة ~~الشعر؟ ~~(18) دينامية الحركة وسحر اللغة # ينشأ نسيج التوتر في شعر رامبو عن طاقات ms133 من النوع الذي نجده في ~~الموسيقى، والموسيقى الحديثة بوجه خاص. # وتشبيه الشعر بالموسيقى لا يرجع إلى الأشكال النغمية فيهما بقدر ~~ما يرجع إلى تفاوت درجات الشدة والعمق، واختلاف الحركات المطلقة ~~بين صعود وهبوط، والتغير المتصل بين «شحن» و«تفريغ». من هنا يأتي ~~سحر هذا الشعر الغامض الذي يبدو كأنه يتحدث في فراغ. # ولنحاول أن نوضح العبارات السابقة عن «ديناميكية الحركة» في هذا ~~الشعر بدراسة إحدى القصائد النثرية في الإشراقات، وهي قصيدة ~~«تصوف». لنقرأ القصيدة أولا بقدر ما تسعفنا الترجمة: # على جانب المنحدر ترقص الملائكة بأثوابها المنسوجة من ~~الصوف، وسط أعشاب من صلب وزمرد. # مراع ملتهبة، تثب إلى قمة التل. تربة النتوء على اليسار ~~داستها أقدام كل القتلة وكل المعارك، وكل ضجيج الدمار ~~يمد هنا قوسه. خلف النتوء الأيمن خط الشروق والتقدم ~~المستمر. # وبينما الشريط في أعلى اللوحة يكتسب شكله من الضوضاء ~~المدومة الفوارة لأصداف البحر وليالي البشر، تهبط العذوبة ~~الموردة للنجوم والسماء وباقي العالم تجاه المنحدر، مثلما ~~تهبط سلة، قريبة جدا من وجهي وتجعل الهاوية معطرة ~~وزرقاء، هناك أسفل. # نحن إذن أمام مشهد خيالي من طبيعة خيالية، يتم فيه حدث هو نفسه ~~جزء من هذه الطبيعة. في البداية نرى الملائكة ترقص على منحدر وسط ~~أعشاب من صلب وزمرد، ثم نرى المراعي التي تتوثب ألسنتها كاللهب ~~لتبلغ قمة التل. على اليسار بروز من هذا التل عليه آثار أقدام جميع ~~القتلة والمعارك وكل ضجيج الفناء والدمار يغزل قوسه ويمد خيوطه. ~~أما الشريط الأعلى من اللوحة فهو يتكون من ضوضاء أصداف البحر ~~والليالي البشرية. ثم تأتي الخاتمة التي تجعل «عذوبة النجوم ~~الموردة» تهبط في قاع الهاوية «المعطرة الزرقاء». إن المرئي ~~والمسموع يذوبان في بعضهما البعض، كما يتداخلان كذلك في المجردات، ~~فنتوء الجبل يصبح «خطا من شروق وتقدم». # إن تجريد الموجودات الفردية من حدودها وأبعادها، يقابله تجريد ~~الكل من حدوده ومادته عن طريق الحركات الممتدة في المكان. فهذه ~~حركة أفقية تبدأ بها القصيدة، تليها حركة صاعدة، ثم تعود الحركة ~~الأفقية لتتجه إلى أعلى (وتكمن المفارقة ms134 في هذا العلو في أنه ~~يتكون من أفكار تصور القاع: أصداف البحر) إلى أن تأتي في الخاتمة ~~حركة هابطة تنتهي أسفل القاع. هذه الحركات كلها - كما يقال في لغة ~~الفيزياء - ديناميات مطلقة، نلمس وجودها من الحسيات غير ~~الواقعية أكثر مما نراها. كذلك تتحرك الجمل على هذا النحو؛ فتبدأ ~~صاعدة بقوة (كحركة الكريشندو في الموسيقى) ثم تستمر في صعود بطيء ~~حتى منتصف القصيدة، ويمتد بعد ذلك منحنى عريض، يمضي في البداية ~~خفيفا سابحا، ثم يهبط متعثرا إلى أن تأتي الخاتمة التي تقطع ~~هذا المنحنى فجأة بهذه الكلمة القصيرة المنعزلة «هناك ~~أسفل.» # والمهم أن القصيدة في جملتها تؤكد ما قلناه من قبل من أن ~~الحركة، لا المعنى أو المضمون، هي التي تعطيها شكلها ونظامها. ~~وكلما قرأناها وأعدنا قراءتها زاد تأثيرها السحري علينا. # وهنا ننتقل للكلام عن سحر اللغة، ولقد تقدم القول عنه في الفصول ~~السابقة، وعرفنا كيف استقر الرأي من «نوفاليس» إلى «إدجار آلن بو» ~~و«بودلير» على أن النص الشعري لا ينشأ عن الموضوعات والبواعث ~~الفنية فحسب، بل ربما كان الفضل في خلقه يرجع أساسا إلى إمكانيات ~~التأليف والتركيب بين أنغام اللغة وأصواتها والذبذبات المترابطة ~~المتداعية التي تنبعث من معاني الكلمات. ولقد رأينا أمثلة لذلك عند ~~بودلير. ولكن رامبو توسع فيه بجرأة لم يسبقه إليها شاعر قبله، ~~وساعده على ذلك أن شعره لا يهتم بأن يفهم بالمعنى العادي المقصود ~~من كلمة الفهم، ولهذا أمكنه أن يفصل بين الكلمة كنغمة وإيحاء، ~~وبينها كجزء من بناء لغوي يهدف إلى توصيل المعنى. وقارئ رامبو ~~(ومالارميه ومعظم كبار الشعراء في القرن العشرين) في حاجة لمن يؤكد ~~له دائما أن قيمة الكلمة عنده تكون في نغمها وصوتها وإيحاءاتها ~~وإشعاعاتها الموسيقية والمعنوية التي تنبعث من جرسها قبل أن تكون ~~في معناها أو فكرتها أو مضمونها. إن الكلمة تطلق طاقات وقوى لا ~~منطقية، وهذه الطاقات والقوى هي التي توجه مسار العبارة وتؤثر ~~بفضل تسلسل أنغامها غير العادية تأثيرا سحريا غير عادي. وهذا ~~التأثير السحري يساهم بنفس المقدار في خلق ms135 الإحساس «بالمجهول»، ~~بمثل ما تفعل اللاواقعية الحسية والحركات المطلقة التي تكلمنا ~~عنها. # ولا بد الآن من الحديث عن المقصود بالسحر في هذا السياق بشيء ~~قليل من التفصيل. فالمعروف أن رامبو يتكلم عن كيمياء الكلمة، وقد ~~استنتج البعض من هذا التعبير ومن تعبيرات أخرى مشابهة أنه كان على ~~صلة وثيقة ببعض الجماعات السرية التي تمارس الطقوس السحرية، وأنه ~~تأثر ببعض الكتابات القديمة في الكيمياء والسحر والعرافة. والواقع ~~أن مثل هذه الكتابات كانت قد انتشرت في فرنسا من منتصف القرن ~~التاسع عشر حتى وصلت إلى أيدي الطبقات المثقفة ثقافة أدبية ~~عالية، وكان من بينها تلك الكتب المعروفة بالكتب الهرمية التي ~~ترجمها مينار في سنة 1863م إلى اللغة الفرنسية، وهي مجموعة من ~~الكتب تضم المذاهب والآراء السحرية المنسوبة لهرميس ترسمجتسوس أو ~~هرمس المثلث القوة، ويقال إنه هو توت أو تحوتي إله الحكمة في مصر ~~القديمة الذي سوى اليونان في العصر الهلليني بينه وبين هرميس ~~رسول الآلهة إلى البشر وأصبح عندهم إله المعرفة وبخاصة ما يتصل ~~منها بالسحر والكيمياء. وهذه الكتابات المنسوبة إلى هرميس مثلث ~~القوة عبارة عن اثنين وأربعين مقالة يونانية ولاتينية وعربية ترجع ~~إلى القرن الأول بعد الميلاد، وتصور آراءه على شكل حوار مستمد من ~~أفلاطون وفيثاغورس وأورفيوس وبوزيدونيوس وتدور حول مذهب الغنوصيين ~~في الخلاص ونشأة العالم. # مهما يكن من شيء فليس هناك دليل قاطع على أن رامبو قد عرف هذه ~~الكتابات أو مارس مثل هذه الطقوس. والمحاولات التي يبذلها البعض ~~ليثبت أن أشعاره نصوص سرية ملغزة كتبت لأصحاب الأسرار ما هي ~~في الحقيقة إلا ضرب من العبث والتجني. # صحيح أن التقريب بين الأدب وبين السحر والكيمياء (بمعناها القديم ~~الذي يقصد منه البحث في العناصر المكونة للأجسام وخصائصها ~~الأولية وتأثير أجسام الكواكب على الأجسام الأرضية وتحويل المعادن ~~الخسيسة إلى معادن نفيسة كالذهب والبحث عن حجر الفلاسفة ... إلخ) ~~أصبح من القرن الثامن عشر شيئا مألوفا، ولكن ينبغي ألا تأخذ هذا ~~مأخذا حرفيا، فالمهم في هذا التقريب هو البحث عن أوجه التقابل ~~بين العمل ms136 الشعري والعمل السحري أو الكيميائي. والواقع أن تأكيد ~~هذا التقابل أو التشابه من جانب الشعراء المحدثين إلى اليوم إن ~~دل على شيء فإنما يدل على النزعة الحديثة التي تحاول أن تضع الشعر ~~بين طرفين متباعدين: العقلانية المحضة في جانب، والطقوس السحرية ~~القديمة في جانب آخر. # يقول رامبو في تفسيره لما يريده بكيمياء الكلمة (ضمن مجموعة ~~قصائد فصل في الجحيم): «لقد ابتدعت لون الحروف الصوتية! # A # أسود، # E # أبيض، # I # أحمر، # O # أزرق، # U # أخضر. حسبت شكل وحركة كل حرف ~~ساكن وأوهمت نفسي أنني تمكنت بفضل إيقاعات فطرية من اختراع كلمة ~~(أو لغة) شعرية يمكن في وقت قريب أو بعيد أن تصبح في متناول جميع ~~الحواس.» ثم يقول بعد ذلك بقليل: «كان هذا في بداية الأمر مجرد ~~تدريب. كتبت الصمت، الليالي، دونت ما يستعصي على التعبير. ثبت ~~الدوار.» # ومع أن هذه الكلمات الواردة في آخر أعمال رامبو (فقد كتب فصل في ~~الجحيم بين أبريل وأغسطس 1873م) تعبر فيما يبدو عن مرحلة تجاوزها ~~الشاعر، فإن هذا لا يغير من الحقيقة شيئا وهي أنه كان لا يزال ~~يجرب أسلوب السحر اللغوي على درجات مختلفة حتى في آخر أعماله، وفي ~~كل مرة يطبق فيها هذا الأسلوب تنشأ تركيبات نحس لو قرأناها بصوت ~~مرتفع أن الشاعر قد تدبر ظلال الحروف الصوتية وأحسن استغلال ~~الارتباطات القائمة بين الأحرف الجامدة أو الساكنة. وتزداد جرأة ~~الشاعر وجسارته كلما تمكنت منه إرادة النغم - إذا صح هذا التعبير - ~~بحيث لا يعود للبيت الذي يوجهه هذا النغم أي معنى أو لا يبقى فيه ~~سوى معنى مظلم أو عبثي أو غير معقول. # 12 # وفي مثل هذه الأحوال يمكننا أن نتحدث عن الموسيقى غير ~~النغمية # atonale # في الشعر، كما ~~يكثر الحديث عنها في الموسيقى الحديثة. والمهم أن النشاز بين ~~المعنى العبثي المظلم وبين القوة النغمية المطلقة التي تحملها ~~الكلمات سيظل قائما في الشعر الحديث بعد رامبو، وسيظل من أهم ~~ملامحه وقوانين بنائه؛ ولذلك فإن العبارة عند رامبو وعند غيره، ~~تكاد تكون مستحيلة على ms137 الترجمة. إنها في معظم الأحوال لا تخرج عن ~~كونها سلسلة من الأنغام والأصوات المجردة التي يحددها التقارب أو ~~التنافر بين الحروف المتحركة والحروف الساكنة، بحيث يتعذر علينا أن ~~نفهم معنى الكلمات التي توحي بها هذه الأنغام والأصوات لأنه في ~~معظم الأحيان لا يفيد معنى ولا صورة؛ ولهذا كله تظل الترجمة قاصرة ~~وعاجزة. إنها ستكون في أحسن الأحوال تقريرا عن معنى القصيدة أو ~~مضمونها، في حين أن معظم هذا الشعر «الرمزي» - وفي أعقابه أغلب ~~الشعر الحديث كما قدمت - لا يهتم بالمعنى والمضمون بقدر ما يهتم ~~بالصوت والنغم الموحى. هكذا تتسع الهوة بين لغة الشعر السحرية وبين ~~لغة الكلام العادية. وهكذا يتحتم على المترجم أن يعرف حدوده، كما ~~يتحتم على القارئ أن يرجع إلى النص الأصلي كلما أمكنه ذلك. ~~(19) حكم أخير # يقول ج. ريفيير في كتابه عن رامبو: «إن المساعدة التي يقدمها لنا ~~هي أنه يجعل إقامتنا على الأرض شيئا مستحيلا ... إن العالم يهوي في ~~عمائه أو فوضاه الأولى من جديد، والأشياء تعود إلى الظهور في ~~حريتها المخيفة التي كانت تمتلكها قبل أن تستخدم لتحقيق غرض أو ~~منفعة.» إن عظمة رامبو تكمن في أنه استطاع أن يعبر عن هذا العماء الأول # 13 # في لغة بلغت من الكمال حد السحر والسر والغموض، وأنه ~~استطاع أن يسيطر عليه بقدرته الفنية المبدعة. لقد عرف أنه أخفق في ~~الوصول إلى «المجهول» فكان العماء هو البديل عنه، وكان أن حاول ~~نقله إلى لغته التي تصور عالما ممزقا محطما فقيرا من حقيقة ~~ذلك المجهول. # ولقد استطاع، كما استطاع بودلير من قبله، أن يحمل تبعة «الصراع ~~الروحي الوحشي» الذي تحدث عنه بنفسه وكان قدر عصره كله. تحمله ~~بشجاعة وأمانة وقدرة على التنبؤ بالمستقبل تشبه الإلهام؛ ولذلك لم ~~يكن شذوذ شعره وغموضه واضطرابه سوى نوع من تقديم فروض الطاعة ~~للمرحلة التاريخية التي عاشها وتعذب بها. # وعندما وصل إلى الحد الذي أدرك معه أن شعره الذي شوه العالم ~~والأنا قد بدأ يشوه نفسه ويدمرها، وجد في نفسه الرجولة ~~والشجاعة الكافيتين للإخلاد ms138 إلى الصمت المطبق. إن هذا الصمت جزء ~~لا يتجزأ من وجوده الشعري نفسه. وكأن الحرية التي مارسها إلى أقصى ~~حد ممكن في الأدب هي نفسها التي استطاعت أن تحرره من الأدب. وليت ~~الذين فتنوا به وحاولوا أن يقلدوه تعلموا منه هذا الدرس؛ ~~ليتهم عرفوا متى يصمتون في اللحظة المناسبة. وليت الذين يكثرون ~~اليوم من الكلام دون أن يكون لديهم ما يقولونه يتعلمون أيضا هذا ~~الدرس الخالد، وليت الثرثارين من أشباه الكتاب والشعراء في بلادنا ~~يتعلمونه فيصمتون طويلا قبل أن تنتابهم شهوة الكتابة ~~والكلام! # ولقد جاء بعد رامبو شعراء أثبتوا بأعمالهم أن رسالته في حاجة لمن ~~يتمها، وأن جهد النفس الحديثة في التعبير عن التعبير عن ذاتها ~~بالكلمة جهد متصل لا يمكن أن ينتهي. # الفصل الرابع # | مالارميه (1842-1898م) # وجدت الجمال بعد أن وجدت العدم. ~~*** # تمهيد # يبدو شعر مالارميه وكأن لا سبيل لمقارنته بشعر أحد من السابقين ~~عليه أو المعاصرين له. لقد خطته يد إنسان عاش حياة برجوازية ~~هادئة، ومنعته طبيعته الخيرة النبيلة من إظهار عذابه وتمزقه، بل ~~أعانته على أن يتكلم عن نفسه في معظم الأحيان بأسلوب ساخر، على ~~الرغم مما كان يعانيه من ألم وعذاب. وفي ظل هذه الحياة الطيبة ~~الوادعة كان عقله يعمل في تأن وبطء شديدين، وينتج شعرا مجردا ~~غاية التجريد، يختلف عما ألفناه من شعر رامبو بصخبه ونشوته ~~وغرابته، واشتهر هذا الشعر بغموضه، وخاف الناس هذا الغموض وأحبوه ~~في وقت واحد. ولا يكفي أن يكون الإنسان ملما باللغة الفرنسية ~~حتى يقرأ مالارميه؛ إذ لا بد له من فك رموز لغته التي لا يكتبها ~~شاعر غيره، وليس معنى هذا أنه ظاهرة فريدة في تاريخ الشعر الحديث، ~~بل معناه أنه جزء من هذا الشعر ولبنة في بنائه العام الذي امتدت ~~جذوره كما رأينا من قبل إلى الرومانتيكية واشتد عوده على يدي ~~بودلير. # ونستطيع على ضوء العرض السابق للعناصر الجديدة في بناء الشعر ~~الحديث أن نحدد العوامل المشتركة بينه وبين شعر مالارميه في النقط ~~التالية: # غياب ما يسمى بشعر العاطفة ms139 أو شعر الإلهام. المخيلة الطاغية ~~الخلاقة التي يسيرها العقل. تدمير الواقع والأنظمة المنطقية ~~والانفعالية المألوفة. استغلال الطاقات الموسيقية في اللغة. ~~الاعتماد على الإيحاء بدلا من الفهم (أي أن الشعر يريد أن يوحي ~~أكثر مما يريد أن يفهم). إحساس الشاعر بأنه ينتمي إلى عصر حضاري ~~متأخر. العلاقة المزدوجة بالحداثة. إعلان القطيعة مع التراث ~~الإنساني والمسيحي. الشعور بالتوحد وبأنه علامة من علامات التميز. ~~تكافؤ التعبير الشعر والأدبي مع التأمل في هذا التعبير، وغلبة ~~المقولات السلبية على هذا التأمل أو هذا الفن الشعري. # كل هذه الخصائص التي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد تبين أن شعر ~~مالارميه ينتمي للطابع العام الذي يميز الشعر الحديث. ومع أنها ~~تزداد لديه عمقا وتعقيدا، إلا أن القارئ لا يملك إلا أن يقتنع ~~باتساقها المنطقي، والواقع أن شعر مالارميه من أول نماذج الشعر ~~الحديث. والمفارقة التي تحكم شعر رامبو تحكمه أيضا، ونقصد بهذه ~~المفارقة أنه قد أثر تأثيرا هائلا على الرغم من غموضه وتعقيده ~~وإغرابه الشديد. وهذه الحقيقة نفسها تعد مظهرا لحالة الشعر ~~الحديث بأكمله؛ فالشاعر الوحيد المغلق الغامض يقلق الناس وينزع ~~الطمأنينة من نفوسهم! ولكنهم مع ذلك - أو بسبب ذلك! - يتهافتون على ~~سماعه ويحاولون في كل مرة أن يفسروه تفسيرا جديدا. إن شعره ~~يجتذب إليه المريدين والمحبين، وغرابته تفتن العقول التي سئمت ~~المألوف. لم يكن هذا الشعر ثمرة لهو أو ترف أدبي، ولم يأت عن ~~نزعة استطيقية أو حب للفن من أجل الفن أو ما أشبه. وإنما جاء ~~نتيجة طموح عظيم، بل أقصى طموح يمكن أن يتطلبه شاعر من نفسه. ~~ولقد استمع الناس لمالارميه وقرءوه، وأينع شعره ثمرات ناضجة، يكفي ~~أن نذكر منها أسماء شعراء أوروبيين لامعين مثل شتيفان جئورجه، بول ~~فاليري، سوينبيرن، ت. س. إليوت، جيان، أنجارتي ... # ونود أن نشير إلى بعض خصائص شعر مالارميه قبل أن نحاول تفسير عدد ~~من قصائده، وسنقصر الإشارة والتفسير على المرحلة الثانية في ~~إنتاجه، وهي مرحلة النضوج التي تبدأ من سنة 1870م. # أهم ما يميز هذا الشعر أنه شعر هامس حيي، لا ms140 يفرض نفسه على ~~قارئه، بل يبدو كأنما يرف في فراغ. إن للقصيدة الواحدة طبقات ~~عديدة من المعاني والدلالات، تسمو بعضها فوق بعض، بحيث تنتهي آخر ~~هذه الطبقات وأعلاها إلى معنى لا يكاد يفهم. ومالارميه يتمم ~~الرأي الذي نعرفه منذ عهد بودلير من أن المخيلة الفنية لا تنسخ ~~الواقع ولا تصوره تصويرا مثاليا بل تغيره أو بالأحرى تشوهه. ~~وهو يتمم هذا الرأي حين يرسيه على أساس أنطولوجي (وجودي)، كما ~~يبرر غموضه وصعوبة فهمه تبريرا وجوديا كذلك (وكلمة الوجودية هنا ~~وفي السطور التالية لا صلة لها بالفلسفة المعروفة بل بعلم الوجود ~~أو الأنطولوجيا). # ذلك لأن الوحدة التي أشرنا إليها بين الفن وتأمل الفن أو بين ~~الشعر وفن الشعر يعلو بها فكره الذي يدور حول الوجود المطلق ~~(ويتساوى لديه مع العدم) وعلاقته باللغة، ويعبر مالارميه عن فكره ~~هذا تعبيرا نظريا يتسم بالحذر الشديد في مقالاته المتنوعة وفي ~~بعض رسائله. غير أنه لا يتشكل بصورته الحقة إلا في إنتاجه الأدبي ~~وبخاصة في شعره القليل. ولا ينبغي أن نفهم من هذا أنه شعر تعليمي ~~يعرض قضايا نظرية. بل ينبغي أن نفهم منه أن الشعر هو المجال الوحيد ~~الذي يمكن أن يلتقي فيه المطلق واللغة؛ بهذا يكون الشعر قد بلغ قمة ~~لم يتح له أن يبلغها في العصور التي جاءت بعد الشعر القديم (ونعني ~~به الشعر الإغريقي والروماني بوجه خاص) ومع ذلك فهي قمة وحيدة ~~بائسة، تنقصها الآلهة، وتغيب عنها الحقيقة المتعالية أو ~~«الترانسندنس» الحق. # لا شك أن هذا الكلام سيبدو للقارئ غامضا أو سابقا لأوانه. ~~ولكننا سنعود إليه بشيء من التفصيل، بعد أن نعيش مع بعض نماذج هذا ~~الشعر الذي نصفه الآن بالغموض والتجريد والتعقيد. ومع ذلك فربما ~~يسأل القارئ هذا السؤال: ألا يزال هذا الذي وصفته يعد شعرا؟ ~~ماذا بقي فيه إذن من الشعر؟ ولماذا لا يريحنا مالارميه فيسجل ~~أفكاره الفلسفية والأنطولوجية في نثر واضح مفهوم يدل على معنى ~~واحد ومحدد؟ # والإجابة المباشرة على هذا السؤال أنه لم يكن من الممكن أن يعبر ~~الشاعر ms141 عن أفكاره تعبيرا ثابتا محدد المعنى، لأن ذلك معناه ضياع ~~«السر» الذي يطبع الشعر بطابعه. والحقيقة أن همه كله ينصب على ~~الاقتراب من هذا السر. وشعره وفكره كله لا يسير من العالم التجريبي ~~إلى الفكرة الأنطولوجية العامة، بل يسير في عكس هذا الاتجاه. إنه ~~يستخدم أشياء بسيطة غاية في البساطة. كالزهرية والمنضدة والمروحة ~~والمرآة. صحيح أنه ينزع عنها رداء «الشيئية» ويحيلها من الحضور إلى ~~الغياب، ويحملها تيارا من التوتر والصراع غير المنظور. ولكنها على ~~كل حال تظل حاضرة للتصور عن طريق الكلمة التي تسميها، وفي هذا ~~الحضور «التصوري» تكتسب معناها غير العادي لأن تيار التوتر غير ~~المنظور يتخللها ويجري فيها، بحيث تمتلئ هذه الأشياء العادية ~~البسيطة بالسر حتى الأعماق. فكأن هذه الأشياء العادية البسيطة تقوم ~~مقام كل ما نجده حولنا من أشياء. إن مالارميه لا يتناولها تناولا ~~فكريا، بل يطبع الوجود المطلق أو العدم عليها، ويحيلها أمام ~~أعيننا إلى أشياء غامضة زاخرة بالأسرار، وبذلك يحقق طابع السر ~~الأصيل في أشياء عادية ومألوفة. هذا هو الذي يجعل شعره شعرا، أو ~~تغنيا بالسر عن طريق الصور والكلمات التي تدركها النفس فترتجف ~~وتهتز، وإن كانت تشدها إلى أفق بعيد وغريب. ~~(1) ثلاث قصائد # ولنترك الآن هذه المقدمة النظرية لنقرأ ثلاث قصائد من أشهر ~~أشعاره ونحاول تفسيرها، وهذه القصائد هي على الترتيب: قديسة، مروحة ~~(زوجة الشاعر تمييزا لها عن قصيدة أخرى كتبها عن مروحة ابنته)، ~~بروز من الاستدارة. # ومع إحساسي بأن تفسير شعر مالارميه لن يخلو من شيء من الادعاء أو ~~المخاطرة أو التعسف فإن المحاولة تستحق مع ذلك أن تبذل. ولنبدأ ~~بالقصيدة الأولى (ص53 من طبعة البلياد الكاملة) التي كتبها الشاعر ~~في ديسمبر سنة 1865م ثم استقرت بصورتها النهائية في سنة 1884م. ولا ~~بد من الاعتذار للقارئ عن إيراد النص الفرنسي والاكتفاء بالترجمة ~~القاصرة. ولا بد أيضا أن ننصح القارئ المتمكن من الفرنسية بالرجوع ~~إلى النص الأصلي وقراءته بصوت مسموع، لأن شعر مالارميه خلق ~~للتأثير على الأذن واستثارة المعنى - إن كان هناك معنى يمكن ms142 فهمه ~~على الإطلاق - من إيقاع النغم وجرس الحروف وتوافق الأصوات أو ~~نشازها، هذا ويلاحظ أن كل ما يوضع بين قوسين فهو زيادة منا لتوضيح ~~النص. # قديسة # عند النافذة التي تتكتم ~~(خشب) الصندل العجوز الذي يفقد ذهبه # عن كمانها (الكبير) الذي كان قديما # يتألق مع الناي أو بالعود، ~~(تقف) القديسة شاحبة وتنشر # الكتاب القديم الذي يتفتح # بالتسبيحة # 1 # التي كانت فيما مضى # تتفطر مع صلاة المساء وصلاة النوم: # على هذا اللوح من الوعاء المقدس # 2 # الذي تلامسه قيثارة # قدت من رفيف ملاك في المساء، # لأجل جزء رهيف من أصبعها # 3 # الذي تهدهده، بغير (خشب) الصندل العجوز، # بغير الكتاب القديم، # على المعزف المجنح، # موسيقية الصمت. # والنص كما نرى مركب من جملة واحدة لا تصل إلى ~~نهاية محددة. وبنيته بسيطة غاية في البساطة، وإن كنا نحتاج إلى ~~بعض الوقت للتعرف عليها. فهي ترتكز على هذه المحاور الثلاثة: «عند ~~النافذة ... تقف القديسة (أو كما يقول الأصل تكون # est ~~)، وعند هذا اللوح ...» وهي ~~تقوم على تحديد ظرفي المكان والزمان (عند النافذة، قديما) وعبارة ~~أساسية تبدأ بفعل الكينونة، وهو أبسط الأفعال وأعمها وأخفاها، ثم ~~بجملة إضافية متأخرة (عند هذا اللوح ...) غير أن هذه البنية ~~الرئيسية لا تبدو واضحة لأول نظرة؛ إذ يخفيها المقطع الأول الذي ~~يؤخر بداية الجملة الأساسية، والاستدراكات الكثيرة التي ترد على ~~شكل جمل إضافية أو إن شئت اعتراضية في المقطوعة الثانية، وأخيرا ~~الجمل الإضافية في المقطوعتين الثالثة والرابعة. والمتأمل للجملة ~~الإضافية الأخيرة (عند هذا اللوح ...) يلاحظ أنها معلقة في الهواء ~~وكأنما تساعد الجمل الإضافية أو الاعتراضية التي تأتي بعدها - ولا ~~تكتمل منها جملة مستقلة أبدا - على الإيحاء بأن القصيدة كلها ~~تهيم في فراغ أو تظل مفتوحة وبغير خاتمة محددة. هذه الجمل البسيطة ~~التي تدور حول نفسها تفسح المجال كذلك للأسلوب الهامس الخافت في ~~الحديث، كما تقف بنا على حدود الصمت (الذي يذكره البيت الأخير ~~صراحة). # وقد عالج الشاعر القصيدة نفسها بصياغة سابقة على هذه الصياغة ~~الأخيرة بما يقرب من عشرين سنة. وكان عنوان ms143 الصياغة الأولى هو ~~«القديسة سيسليا وهي تعزف على جناح ملاك من نور». # وقد بقيت من هذا العنوان كلمة «قديسة» وحدها، أي أنه اقتصر على ~~أكثر الكلمات تعميما وبعدا عن التحديد. وكأن نزعة الشاعر للخلاص ~~من الواقع أو البعد عنه قد أدركت العنوان وجردته من كل تحديد ~~مباشر. # والقصيدة تسمي بعض الأشياء بأسمائها؛ فهنالك نافذة، وآلة ~~موسيقية قديمة مصنوعة من خشب الصندل، ولوح زجاجي يغطي وعاء ~~قربان مقدس، وقيثارة، وكتاب به تسابيح العذراء البتول. ولكن ~~العلاقة بين هذه الأشياء كلها تظل علاقة غامضة محفوفة بالأسرار، ~~بحيث لا تبدو حاضرة بالمعنى الموضوعي لهذه الكلمة. وهذه الأشياء ~~تتداخل في بعضها البعض وترتفع الفروق الواقعية التي تميز بينها. ~~فاللوح الزجاجي الذي يغطي الوعاء المقدس يبدو كأنه إضافة شارحة ~~للنافذة، إذ يذكر الشاعر في بداية المقطوعة الثالثة بقوله «عند هذا ~~اللوح»، فهل هذا اللوح هو النافذة؟ إن طبيعة الأمور لا تكاد تسمح ~~بهذا التصور، والقيثارة التي ترد في المقطوعة الثالثة قد صيغت «من ~~رفيف ملاك في المساء ». فهل هي استعارة عن جناح الملاك؟ ولكن ~~الأبيات التالية توحي بأنها قيثارة أو جناح من الريش تعزف عليه ~~اليد الرقيقة كما تعزف على آلة موسيقية. هي إذن جناح وقيثارة في ~~وقت واحد، وليس في الأمر استعارة بل وحدة ذاتية. تلك عملية فنية ~~عرفناها ورأينا أمثلة كثيرة منها في شعر رامبو. # الفروق الواقعية المميزة للأشياء قد ألغيت إذن في هذه القصيدة، ~~والأشياء قد خف وزنها وراحت تتداخل في بعضها كأنما ترف في أثير ~~أو فراغ، تصبح فيه الأجسام رموزا ولغة الحديث همسا. إن النافذة ~~«تتكتم» الكمان الكبير، أي أن وجوده ليس وجودا في الواقع بل في ~~اللغة وحدها. والناي (أو بالأحرى الفلوت) والماندورا (وهي آلة ~~موسيقية أشبه بالعود) لا وجود لهما إلا في الذاكرة من ماض قديم. ~~بل إن كتاب التسبيحات القديم لا ينتمي كذلك للحاضر؛ إذ إن أنغامه ~~كانت «تتقطر فيما مضى.» ومع بداية المقطوعة الثالثة يشتد غياب ~~الأشياء أو أبعادها عن الحاضر والواقع. # والشاعر يمهد لهذا بالحديث ms144 عن القيثارة التي هي في نفس الوقت ~~جناح ملاك، أي عن هذه الوحدة الذاتية غير الواقعية التي تكلمنا ~~عنها فيما تقدم. ثم تغيب الأشياء بعد ذلك تماما، فالقديسة تعزف ~~بدون خشب الصندل العجوز، وبدون الكتاب القديم. فهل تعزف القديسة ~~حقا؟ الأولى أن نقول إنها تعزف في الصمت، أليست هي موسيقية ~~الصمت؟ # وإذن فالأشياء الواقعية الحاضرة قليلة العدد، وهي إن وجدت ~~فوجودها غير واضح ولا محدد، يتداخل في أشياء مختلفة عنه ويتحد ~~معها وحدة «غير واقعية»، إلى أن يتسلط عليها العدم في نهاية الأمر ~~وتختفي في ظلال الغياب والصمت. ما من حدث «موضوعي» أو فعل من أفعال ~~القديسة يوحي بهذا الإحساس. اللغة وحدها هي التي تفعل هذا؛ فهي ~~التي تتكفل بإلغاء وجود الأشياء في الواقع، لتحيله بعد ذلك إلى ~~وجود في اللغة. هذه الأشياء الغائبة عن الواقع حاضرة في اللغة ~~وحدها، وحضورها حضور روحي، تزداد قوته وأثره كلما قل نصيب ~~الأشياء من الحضور الموضوعي والتجريبي. # القصيدة إذن في مجموعها حدث في اللغة لا في الواقع، وهذا الحدث ~~يتم في مرحلة زمنية تساعد من جانبها على إبعاد الأشياء عن الحاضر. ~~ويكفي أن ننظر في الأبيات الأولى منها لنتأكد من هذا. فخشب الصندل ~~العجوز يفقد ذهبه فيشيع ضوءا باهتا يوحي بالمساء. وصلاة المساء ~~والنوم تؤكدان الشعور بهذا، ولكنه ليس مساء محددا في الزمن، يمكن ~~أن نقول إن القديسة حاضرة فيه، وإنما هو شيء أقرب ما يكون إلى ~~مقولة الزمن المتأخر، إن جاز هذا التعبير، أي أنسب المقولات ~~الزمنية للتعبير عن التلاشي والغياب والغوص في قرار العدم. ويتأكد ~~هذا الانطباع في المقطوعة الثالثة التي تتحدث في وضوح عن «رفيف ~~المساء»، وهو شيء يفلت بدوره من كل تحديد زمني تجريبي. فإذا أضفنا ~~لهذا أن القصيدة تذكر كلمة قديم أو عجوز أربع مرات، كما تضع الكمان ~~والناي وكتاب التسابيح «فيما مضى»، قوي لدينا الشعور بتأخر الزمن ~~أو بالزمن المتأخر على إطلاقه. إن «شيئية» الشيء تحطمت، والملامح ~~الزمنية التي تتلبس به تلاشت. وفي توافق لا واقعي مع ms145 الغياب ~~والعدم نجد ملامح الزمن - التي صارت مطلقة - تكون ماهية «القدم» ~~و«التأخر» (انظر ما تقدم عن المساء)، وهي ماهية لا تبلغ حقيقتها ~~إلا في مجال مجرد من الأشياء. # إن المكان الكبير «تتكتمه» النافذة أو تخفيه. والناي والعود لا ~~وجود لهما إلا بالقدر الذي توحي به اللغة، فما الذي يدعو إلى ~~وجودهما، ولو كان هذا الوجود في اللغة وحدها؟ إنهما آلتان ~~موسيقيتان مثلهما في هذا مثل القيثارة الواقعية. وهذه الأشياء ~~الخفية أو الغائبة أو اللاواقعية تحمل ماهية وتعبر عن حقيقة، هي ~~ماهية الموسيقي وحقيقتها. ولكن ما هي طبيعة هذه الموسيقى؟ إن ~~القديسة لا تعزف شيئا. والموسيقى صامتة؛ ولهذا فهي حقيقة أو ماهية ~~تمثل مع حقيقة الزمن المتأخر وبعد الأشياء أو غيابها عن الواقع ~~وجودا روحيا أو عقليا في اللغة، وفي اللغة وحدها. # وعلى الرغم من غياب الأشياء في هذه القصيدة التي تعد من أجمل ~~وأنقى أشعار مالارميه، فإنها تثير فينا مدركات بصرية بل وقد تثير ~~فينا أيضا مدركات سمعية، ولكنها تحول المدرك نفسه إلى شيء غريب ~~غير مألوف، بل لعله كذلك شيء مخيف. إنها ببراءة همسها الحالم تحقق ~~شيئا عجيبا وشاذا. فهي تحطم الأشياء أو تلغيها لترتفع بها إلى ~~مستوى الماهيات المطلقة، وهذه الماهيات المطلقة لا يتم لها وجود ~~إلا في اللغة، لأنها فقدت كل صلة تربطها بعالم التجربة وبفضل اللغة ~~تتشابك هذه الماهيات في علاقات أفلتت من كل نظام واقعي. # كل هذه أمور يحتاج الإلمام بها إلى صبر وعناء طويل، ولعلها ~~تحتاج أيضا إلى «نظارات المخ» التي تهكم بها موريس باريه ~~(1862-1923م) في نقده لأشعار مالارميه؛ ذلك لأن هذا الشعر لم تعد ~~له صلة بشعر التجربة أو الشعور والعاطفة، صحيح أنه شعر غريب وغير ~~مألوف، ولكنه بأنغامه الهادئة الهامسة ينطق عن وجدان وحيد متخفف ~~من كثافة الأشياء. هناك تتأمل الروح ذاتها وقد تحررت من ظلال ~~الواقع، وتلعب بتوتراتها وصراعاتها المجردة فتجد في هذا اللعب، ~~نوعا من متعة السيطرة التي يعرفها الرياضيون وهم يبنون رموزهم ~~ويؤلفون معادلاتهم وحساباتهم. # ترجع الصياغة الأولى ms146 لهذه القصيدة كما قدمت إلى شهر ديسمبر سنة ~~1865م، تدل على هذا رسالة كتبها مالارميه إلى صديقه هنري كازاليس ~~في مساء الثلاثاء الخامس من ديسمبر يقول فيها: «أبعث إليك بقصيدة ~~صغيرة منغمة كانت مدام برونيه قد طلبتها مني.» وكانت مدام برونيه ~~هذه صديقة حميمة لعائلة مالارميه، كما كانت تسمي نفسها على اسم ~~القديسة سيسليا (وهي عذراء رومانية استشهدت حوالي سنة 232م وتعتبر ~~راعية الموسيقيين) وقد وعدها مالارميه بالقصيدة لتقرأها في عيد ~~ميلاد هذه القديسة (22 نوفمبر) فتأخر قليلا في الوفاء ~~بوعده. # والمخطوطة الأولى للقصيدة تختلف قليلا عن الصياغة التي بين ~~يدينا والتي يجد القارئ ترجمتها قبل هذا الكلام. فهي تحمل عنوانا ~~واضحا حذفه الشاعر فيما بعد واستبدله بعنوان أعم. يقول العنوان: ~~«القديسة سيسليا وهي تعزف على جناح ملاك نوراني» أغنية وصورة ~~قديمتان. ويلاحظ على هذه الصياغة أنها تختلف قليلا عن صورتها ~~الراهنة، وبخاصة في المقطوعة الثالثة، وأن كلمة تتكلم # Recelant # قد تكررت في قافية ~~البيتين الأولين من المقطوعتين الأولى والثانية، وقد عدل الشاعر ~~عن ذلك فيما بعد، وجعل قافية البيت الأول من المقطوعة الثانية ~~كلمة ينفتح # étalant ~~. وفيما عدا هذا ~~فالاختلافات طفيفة لا تزيد عن تغيير حرف جر أو ظرف، وقد لاحظ ~~الناقد شارل موران # Charles Mauron # أن القصيدة تتميز بوحدة نغم غير عادية ودقة في «السيمترية» لا ~~تقلل في شيء من حساسيتها العامة. كما لاحظ أيضا أن الكمان ~~الكبير والكتاب يمثلان الفن البشري كما يراه مالارميه، وإن الآلات ~~الموسيقية القديمة كانت دائما تربط في تفكيره بالأمومة والطهر ~~والعفاف. # وجدير بالذكر أن «موسيقية» القصيدة قد أغرت عددا من المؤلفين ~~الموسيقيين بتلحينها، ومن هؤلاء موريس رافيل الذي لحنها في بداية ~~حياته سنة 1896م وبيير دي بريفي وبيير فيللون # 4 ~~... ~~••• # ونأتي الآن إلى قصيدة مروحة (زوجة مالارميه) وهي سوناتة ترجع ~~كتابتها إلى سنة 1887م. ولنحاول ترجمة هذه القصيدة، على ما في ~~ترجمة الشاعر عامة وشعر مالارميه خاصة من مجازفة ومخاطرة. وقد أضفت ~~التنقيط الذي تخلو منه القصيدة تماما (فيما عدا القوسين المفتوحين ms147 ~~في المقطوعة الثالثة) عملا على تقريبها بعض الشيء: # بلغة كأنها ليست سوى # خفقة نحو السماوات، # ينتزع بيت المستقبل # 5 # نفسه من المسكن النفيس. # جناح، شديد الهدوء، رسول # هذه المروحة، إن كانت هي نفسها، # التي من خلالها # أضاءت خلفك مرآة ما. # بضوء ناصع (حيث سيسقط بعد، # مطاردا في كل حبة # قليل من الرماد غير المنظور، # الذي يسبب وحده الحزن لي)، # ليظهر إذن على الدوام # بين يديك النشيطتين # 6 # قد نقول بعد الفراغ من قراءة القصيدة. موضوع ~~تقليدي في شكل تقليدي. فشكل السوناتة الإنجليزي شكل تقليدي، وإن ~~كان يندر استعماله في فرنسا. # 7 # وموضوعها الذي يدور عن مروحة امرأة موضوع تقليدي ~~أيضا، كثيرا ما تناوله شعر الحب في القرون السابقة. ومع ذلك فإن ~~القارئ يخرج من قراءته للقصيدة بشيء غير تقليدي، شيء أقرب إلى ~~العجز عن الفهم. سيسأل نفسه: ما الذي يقوله الشاعر في هذا الشكل؟ ~~لماذا وقع اختياره على شيء تافه كالمروحة؟ كيف تداخل موضوع المروحة ~~مع موضوع مثالي آخر؟ وسيلفت نظره كذلك بناء القصيدة من ناحية ~~اللغة؛ فهي خالية تماما من التنقيط، اللهم إلا من قوسين يجدهما في ~~المقطوعة الثالثة، ولكن هذين القوسين الوحيدين لا يساعدانه ~~كثيرا على الفهم، ولا يقطعان ذلك الهمس الحالم الذي يشيع في ~~القصيدة بأسرها. وسيلاحظ أيضا أن السطرين الأولين من ~~المقطوعتين الأولى والثانية متشابكان ومضغوطان بشدة، وأن المقطوعة ~~الثانية تزدحم بالفواصل أو بالأحرى تتألف منها وحدها، وأن صيغة ~~الحال «شديد الهدوء» استخدمت كفاصلة استخداما جسورا. وهذا البيت ~~«جناح بهدوء شديد، رسول» يمثل أسلوب مالارميه المتأخر، وهو أسلوب ~~يجعل الكلمات تشع معانيها المختلفة من ذاتها لا من العلاقة النحوية ~~التي تقوم بينها. وسيجد القارئ، عناء كبيرا في التعرف على بناء ~~الجملة، ويزداد هذا العناء ابتداء من المقطوعة الثانية. فالملاحظ ~~أن «هذه المروحة» في المقطوعة الثانية تنتمي إلى البيت قبل الأخير ~~«ليظهر على الدوام» وبين هذين المجموعتين من الكلمات يمتد قوس ~~طويل من الجمل الاعتراضية، بحيث يبدو في مجموعه أشبه بجملة ~~دائرية، توحي في امتدادها وتشابكها بمعان ms148 مختلفة شأنها في ذلك شأن ~~المضمون. # المروحة ترد في عنوان القصيدة، ولكن النص يتجنب هذا الشيء ~~المباشر على الفور، ويقتصر على معنى من المعاني الكثيرة التي يوحي ~~بها. فنقرأ في البيت الثاني كلمة «خفقة»، ولكن الكلمة تأتي ناقصة ~~ومعزولة عن كلمة أخرى تتممها وهي «خفقة الجناحين»، وبذلك يرتفع ~~الشاعر إلى معنى أعم يتجاوز «المروحة» بمسافة شاسعة. بل إن هذا ~~المعنى لم يعد يتصل بالمروحة وإنما أصبح استعارة ترمز للشعر نفسه، ~~أو بالأحرى للشعر المثالي أو لشعر المستقبل «بيت المستقبل ينتزع ~~نفسه ... إلخ.» وإذن فالقصيدة لا تحاول أن تصف شيئا حاضرا أو تصوره ~~تصويرا دقيقا، وإنما تبذل كل جهدها من البداية في التحرك بعيدا ~~عن هذا الشيء، أي في تجريده من شيئيته. # ربما استطعنا على وجه التقريب أن نتحدث عن موضوع المقطوعة الأولى ~~في العبارات التالية: ليس لشعر المستقبل (أو أدبه بوجه عام) لغة ~~بالمعنى التقليدي المألوف، بل شيء «أشبه» باللغة، شيء أقرب إلى ~~العدم، إلى خفق جناح يرتفع نحو السماء، نحو الأعلى، نحو المثال. ~~هذا الشعر يتحاشى كل مألوف (ينتزع نفسه من المسكن النفيس) ويتجنب ~~كل ما تسكن النفوس إليه. # فكأن مالارميه يقول بأسلوبه الهادي الهامس المنغم ما قاله من ~~قبل رامبو بأسلوبه الثائر العاصف الصخاب: «عاصفة تفتح ثغرات ~~الجدران، تقتلع معالم المساكن.» # ويعود النص من المقطوعة الثانية فيلمس موضوع المروحة. ونتوهم ~~للحظات معدودة أن الشاعر بدأ يصور شيئا من الأشياء في خطوط ~~وملامح غاية في الدقة والرهافة، ولكننا لا نلبث أن نستبعد هذا ~~الوهم. # إن النص يذكر المروحة حقا (هذه المروحة ... السطر الثاني من ~~المقطوعة الثانية) ولكنه يقول على الفور: إن كانت هي نفسها، كأنما ~~يخشى أن يقع في التحديد فيسرع إلى التعميم أو الفرض أو الاحتمال! ~~ويتكرر نفس الشيء مع المرآة. فهي قد أضاءت من خلال المروحة، أي ~~أنها لم تعد حاضرة بالمعنى الواقعي، ثم إن الشاعر يصفها بأنها ~~«مرآة ما» وهو أمر يلجأ إليه الشاعر في أغلب الأحيان ليضفي على ~~الموصوف ثوب التعميم وعدم التحديد. ويحدث لهذه ms149 المرآة شيء آخر ~~يبعد بها مرة أخرى عن الحضور ... فسوف يسقط على المرآة رماد غير ~~منظور، فإذا سألنا عن طبيعة هذا الرماد وجدنا القصيدة صامتة. أيكون ~~هو الشعر الذي شاب في رأس المرأة التي يخاطبها الشاعر؟ لا ندري. ~~ولا بد أن يظل باب الإجابة مفتوحا على فروض عديدة. المهم أن ~~الرماد موجود في اللغة وحدها لا في الواقع، إنه رماد غير منظور، لم ~~يسقط بعد، بل سيسقط يوما ما، ساعة ما، وهو إلى جانب هذا كله ~~«مطارد في كل حبة». والمهم في هذه القصيدة وفي سواها من شعر ~~مالارميه ألا نلتفت للمعنى الظاهر للكلمات، بل إلى المقولات التي ~~تتناول بها اللغة الأشياء، وليس من الصعب أن نتبين المقولات التي ~~أمامنا الآن. إنها الماضي، والمستقبل والغياب، والفرض، وعدم ~~التحدد، وهي لا تنطبق على النص وحده وإنما تسيطر كذلك على ~~الخاتمة. فالمروحة ينبغي أن تظل على الدوام خفقة نحو الأعالي، ~~شيئا فرضيا محتملا، يتصل صلة غامضة بالمرآة الماضية، والضوء ~~الماضي، والرماد الذي ينتظر أن يسقط في المستقبل. # قد نسأل أنفسنا: لمن كتبت هذه القصيدة؟ وقد يبدو لنا من النص أن ~~الشاعر يتوجه بها إلى امرأة يخاطبها «بأنت» (ضمير المخاطب في ~~البيت الرابع من المقطوعة الثانية، والبيت الثاني من المقطوعة ~~الأخيرة). ولكننا سنتبين بعد قليل أن هذا الضمير لا قيمة له، شأنه ~~في هذا شأن البقايا البشرية الأخرى كالرماد والحزن. # فالقصيدة تخلو من العواطف الرقيقة وما أشبه، وحتى الحزن الذي ~~تذكره ذكرا عابرا يكاد يكون مجردا من الشعور. إن الأشياء ~~والمشاعر لا وجود لهما إلا في اللغة؛ ولذلك يغلب على القصيدة نوع ~~من البرود الهادئ الذي يستبعد كل ما يتصل بالبشر أو بالأشياء. ~~فالأشياء والمشاعر البشرية «غائبة». وإذا كان لها ثمة حضور فهو ~~حضور لغوي فحسب. لقد أخرجت من مسكنها المألوف؛ ولذلك تحقق القصيدة ~~هذه الرغبة التي عبرت عنها في المقطوعة الأولى: «بيت المستقبل ~~ينتزع نفسه من المسكن النفيس.» # إن قصيدة «مروحة»، مثلها مثل معظم قصائد مالارميه، هي في حقيقتها ~~قصيدة عن «الشعر»، ms150 هي قصيدة تتغلغل فيها الفكرة الأنطولوجية ~~الأساسية التي يقوم عليها كل تفكير مالارميه وعالمه الشعري ~~والشعوري. # تظل الأشياء غير مطلقة وغير نقية بقدر ما يكون لها من وجود ~~واقعي فإذا ما انعدمت أو تحطمت صار لها وجود حقيقي ونقي في اللغة. ~~ولو حاولنا أن نقارن هذه اللغة باللغة العادية لكانت أقرب ما تكون ~~إلى لغة فرضية (أو لغة كما لو أن ... على حد التعبير الأجنبي). أي ~~لغة تعلو بالأشياء وتقي نفسها من كل مدلول محدد. إنها أشبه ~~بخفقة الجناح، وينبغي أن تظل كذلك. إنها مجال يشع بمعان متعددة، ~~وكل ما في هذا المجال يتحرك حركة لا تقبل التحديد. # كان من حق الشعر دائما أن يترك للكلمة حق الإيحاء بمعان مختلفة ~~وظلال ودلالات عديدة، ولقد استغل مالارميه هذا الحق إلى أقصى حد ~~ممكن فمن أصعب الأمور أن نجد في قصائده مضمونا محددا، والسبب في ~~هذا أنه جعل الإمكانيات والطاقات غير المتناهية للغة هي المضمون ~~الحقيقي لشعره، وبهذا وصل إلى نوع من الغموض أو السر الذي لا يكتفي ~~بتحرير العقل والخيال من الواقع الضيق، كما كان الحال عند بودلير ~~ورامبو، بل يتيح كذلك للحقيقة المتعالية الفارغة (التي تحدثنا عنها ~~من قبل والتي يفسرها الآن تفسيرا أنطولوجيا) أن تظهر في اللغة ~~نفسها عن طريق الإغراب الشامل لكل ما هو مألوف وتجريد الأشياء من ~~شيئيتها. # وأخيرا نصل إلى القصيدة الثالثة التي نحاول تفسيرها، وهي سوناتة ~~بغير عنوان تعود إلى سنة 1887م (ص74 من طبعة البلياد). وقد وضعت ~~القوسين في البيت الأول من المقطوعة الأخيرة لتيسير القراءة، كما ~~وضعت ثلاث كلمات بين قوسين زيادة منى لمحاولة التوضيح، أما ~~الفواصل وعلامتا التعجب فهما من عند المؤلف: # بارزة من الاستدارة ومن وثبة ~~(قطعة) من الزجاج سريعة الزوال، # بغير أن تزين اليقظة المرة بالزهور # تتوقف الرقبة المجهولة (فجأة). # أعتقد أن فمين لم يشربا أبدا، # لا حبيبها ولا أمي، # من نفس الوهم (الخداع)، # آنا، سلف # 8 # هذا السقف البارد! # الزهرية النقية بغير شراب # سوى الترمل الذي لا ينفد، # تحتضر ms151 ولكنها تأبى، ~~(يا قبلة بريئة من أقتل القبلات!) # أن تزفر بشيء يبشر # بوردة وسط الظلمات. # والنظرة الأولى للقصيدة تصور لنا زهرية دقيقة ~~(فازة) موضوعة فوق منضدة، كانت فيما مضى مزدانة بالزهور. يرى ~~الشاعر هذه الزهرية فيؤخذ بشكلها المدور الرقيق الذي يبدو وكأنه ~~يثب من مكانه، ثم يلاحظ أن رقبتها ترتفع لكي تتوقف فجأة. ويخطر ~~للشاعر خاطر حزين يجعله يفتقد الزهور التي كان من الممكن أن تعزي ~~سهاده المرير. ولكن ألا يمكن أن يجد الشاعر في نفسه هذه الزهرة ~~التي تحمل له العزاء؟ ألا يمكنه أن يتخيلها أو يستوحي صورتها؟ هنا ~~يغلب عليه الانفعال. فالوراثة نفسها تمنعه من هذا. والقصور والعجز ~~يرزحان منذ الطفولة فوق كاهله ولا بد أن أبويه لم يمنحاه قوة ~~التصور والاستيحاء، ولا بد أنهما لم يكلفا نفسيهما بالشرب من نبع ~~الوهم الخصب؛ لهذا جف النبع الذي لم يرده أحد. يا للحسرة! ها هي ~~ذي الزهرية عاطلة من تاجها الدافئ الجميل، إنها تحتضر كالعقيم، وقد ~~ترملت من كل شراب إلا من فراغها الأجوف الحزين. وأخيرا فهي تأبى ~~أن تلبي دعاء الفنان وتحمل هذا التاج الذي يزينها ، تاج الورود المزدهرة. # 9 # أما من ناحية الشكل فالقصيدة محكمة البناء، وهي تسير على التقسيم ~~الكلاسيكي للسوناتة، فبينما تتألف الرباعيتان الأوليان من جملتين ~~مختلفتين، فإن الثلاثيتين الأخيرتين تندمجان في جملة واحدة، ~~ولكن هذا الشكل السليم - الذي لا يكاد يختلف بناء العبارة فيه عن ~~البناء العادي - ينطوي على مضمون بالغ الغموض. وتبدو اللغة وكأنها ~~تقول شيئا بديهيا، ولكنها لا تنطق إلا بأعوص الألغاز. ويجب ~~علينا الآن أن نستكشف هذه الألغاز، على أن نقف عند الحد الذي ~~يتحول فيه الكشف إلى نغم مسموع ويصبح ما نعرفه منها أغنية تعود ~~فتضيع في المجهول. # ومن العبث في مثل هذه القصيدة أن نحاول شرح الكلمات أو تفسير ~~الصور؛ إذ لا بد من الالتفات إلى الحركة أو مجموعة الحركات التي ~~تسري فيها. فالمقطوعة الأولى # 10 # تبدأ بحركة البروز أو الظهور أو الانبثاق # surgir # التي تنقطع فجأة. من ~~أين ms152 هذا البروز؟ ليس من شيء مادي مجسم، بل من شكل ومن حركة. أما ~~الشكل فهو الاستدارة # croupe # وأما ~~الحركة فهي الوثبة أو الطفرة # bond ~~. ~~ولغة القصيدة تضع القيمتين (المكانية والدينامية) على مستوى ~~واحد، فتؤلف بين عنصرين متنافرين. ولكنها لا تفيدنا بشيء عنهما، ~~وكل ما نعرفه أنهما متصلان بقطعة زجاج أو بنية زجاجية عابرة ~~وسريعة الزوال # une verrerie ~~éphémère ~~. صحيح أن هذه القطعة شيء من الأشياء ~~ولكن الشاعر يتعمد أن يصفها وصفا عاما غير محدد، بحيث نيئس في ~~النهاية من التثبت منها ونضطر لاعتبارها في عداد المجهولات. إن ~~الشاعر كما قلت يتعمد وصف الأشياء وصفا عاما يتركها بغير تحديد، ~~أي أنه «يبعدها» ويجردها من «شيئيتها» بقدر الإمكان، ولكنه يميل ~~إلى الدقة والتحديد كلما تكلم عن الحركة أو مجموعة الحركات التي ~~تنعكس أيضا على الشيء نفسه وتحول خطوطه الساكنة إلى وثبة. وبعد أن ~~يتم له تجريد هذا الشيء من شيئيته، نجده في المقطوعة الثالثة يسميه ~~«زهرية وفازة نقية»، ها هي ذي الزهرية تبرز من خلف نقاب الحركة. ~~ولكنها تبرز للحظات. فنحن لا نستطيع أن نكون لأنفسنا صورة ~~عيانية عن هذه الزهرية. أضف إلى هذا أن وصفها في بداية المقطوعة ~~الثالثة بأنها نقية أو خالصة Pur # وصف يتصل بشكلها قبل كل شيء، كما يبعد كل تصور مادي يمكن أن يختلط ~~به ويجعل من المتعذر تكوين صورة محسوسة لها. # لغة القصيدة تقترب إذن من الشيء ولكنها لا تثبته ولا تتمسك به. ~~إنها تبدو كأنما تعبث به أو تلعب معه. والحق أن هذا ليس أمرا ~~غريبا على مالارميه الذي كان يحلو له الحديث عن ألاعيب الفن ~~وحيله. وهو يقصد بهذا فيما يقصد أن هناك أبياتا من الشعر تنشأ عن ~~تركيبات غامضة أشبه ما تكون بالألعاب اللغوية. فإذا استطاع ~~القارئ، أن يكتشف الحيلة الكامنة لم يضر ذلك بالبيت، لأن هذا الشعر ~~في صميمه لعب كبير بطاقات اللغة وإمكانياتها. ونضرب مثالا ببيت ~~يرد في قصيدته عن قبر إدجار آلان بو (ص70 من الطبعة الكاملة): ~~«صخرة هادئة، انحدرت ms153 من كوكب شؤم مظلم». # 11 # والبيت يتحدث عن بو وقبره كما يتحدث عن الشعر في وقت ~~واحد. وقد كان الأقرب إلى الشاعر أن يقول: «كوكب مظلم» خاصة وأنه ~~في بعض كتاباته النثرية يصف الشاعر الأمريكي بهذا الوصف. ولكن ~~البيت يتجنب كلمة # astre ~~(كوكب) ~~عن عمد ويضع كلمة أخرى عكسها # désastre # قد تدل على الكارثة ~~كما تدل على كوكب الشؤم فيصل بهذا إلى تعبير غنى عن الشعر بوجه ~~عام. فالكلمة الأولى قد أوحت بالثانية. ولولا أن الشاعر يتأمل في ~~عملية الخلق، ولا يخلق فحسب، ولولا أنه يفحص ألفاظه كما يفحص ~~الصائغ جواهره في كفه، لما كانت مثل هذه الألعاب. إنه يلعب لعبته ~~السحرية باللغة، وما أشبهه «بالحاوي» الذي يتلو تعاويذه فتتحرك ~~الألفاظ كما يشاء! # والحق أن هذه «الألاعيب والحيل» تنطوي على معنى عميق طالما حاول ~~مالارميه أن يخفيه بابتسامته الساخرة. فهي تتفق تمام الاتفاق مع ~~نهجه الشعري بأكمله، وتتلاءم مع طريقته في التجربة مع كل غريب، ~~(كأنما يريد أن يوقظ الأرواح النائمة في اللغة!). ولم يكن من ~~الممكن أن يقيم الشاعر تجاربه على الطاقات الكامنة في اللغة لو لم ~~ينزع بأسلوبه إلى البعد عن تحديد الأشياء تحديدا ماديا ~~وموضوعيا، بل إلى البعد عن التصور العادي لشيئية الأشياء. ومن ~~طريف ما يذكر في هذا الباب أن الرسام الشهير «ديجا» - وكان يقول ~~الشعر أيضا! - شكا مرة أمام مالارميه من أن الأفكار تتزاحم عليه ~~وتفسد قصائده؛ فما كان من الشاعر أو «المعلم» - كما كان يسميه ~~أصدقاؤه ومريدوه - إلا أن قال: «الأشعار لا تصنع بالأفكار ولكن ~~بالألفاظ.» ويضيف بول فاليري الذي يروي هذه النادرة في كتابه عن ~~ديجا: «هنا يكمن السر كله.» # كان مالارميه - مثله في هذا مثل أغلب الشعراء المعاصرين - على ~~اقتناع تام بأن الكلمات تنطوي على طاقات وإمكانات تستطيع أن تحقق ~~ما تعجز عنه الأفكار. ولا شك أن هذا الإيمان بسحر الكلمة وقدرتها ~~على التأثير والإيحاء شيء قديم في حياة الإنسان قدم السحر ~~والعرافة والكهانة، ولا شك أن مالارميه وتابعيه يبعثون ما يمكن ms154 أن ~~نسميه «بعقيدة اللفظ» التي ظلت حية في فلسفة العصور الوسطى وأدبها، ~~والفرق الوحيد بين القدماء والمحدثين هو أن هؤلاء لا يريدون بإطلاق ~~المعنى من اللفظ واستخراجه من قيمه الصوتية أن يؤكدوا حقيقة دينية ~~أو يثبتوا نظاما موجودا (فالمعروف أن عقيدة الخلق المسيحية كانت ~~تنعكس في معاني الألفاظ). إن أقصى ما يريده المحدثون هو المغامرة ~~في آفاق المجهول. # ولكن لنرجع إلى قصيدتنا، سنسأل أنفسنا بعد قراءة المقطوعة ~~الأولى: ما الذي يبرز وما الذي ينقطع؟ البيت الرابع يقول إنها ~~«الرقبة المجهولة». لعلها هي رقبة الزهرية؟ ولكنها قد تكون كذلك ~~شيئا آخر. قد تكون شيئا لا يتصف بهذا التحديد. ماذا يكون إذن؟ ~~هنا نجد أنفسنا مرة أخرى وجها لوجه مع الحيل والألاعيب اللغوية! ~~وقبل أن نجيب على سؤالنا نتذكر عبارة قالها مالارميه في خطاب مبكر ~~له تعليقا على إحدى قصائده: «المعنى - إن كان للقصيدة معنى على ~~الإطلاق - تهيب به الانعكاسات الداخلية للكلمات نفسها.» أي أن ~~الكلمة تمد معناها على سواها من الكلمات التي تجمعها بها صلة ~~موضوعية. ومثل هذه الكلمة في قصيدتنا هي «تزهر» أو «تزين بالأزهار» # fleurir ~~. فهي توحي بمعنى ~~الزهرة بجانب معاني أخرى وتعكسها على الرقبة، التي تصبح رقبة زهرة ~~أو بالتعبير المألوف عود زهرة، ربما يكون هذا التفسير صحيحا ~~خصوصا إذا عرفنا أن كلمة «زهرة» ترد في البيت الأخير من القصيدة، ~~ولكنه سيظل مجرد احتمال، لأن الشاعر لا يريد أن يثبت للأشياء معنى ~~محددا. # ولكن الشاعر يريد فيما يبدو أن يثبت أمرا آخر. ويكفي أن نتأمل ~~كلمات مثل «سريع الزوال، مرة، بغير مجهولة، تتوقف أو تنقطع ...» إنها ~~جميعا تدل على صفات سلبية. وأقوى هذه الصفات السلبية هو أن ~~الرقبة مجهولة. وإذن فعود الزهرة - إن كان هو حقا ما يقصده ~~الشاعر - لا وجود له. وتنتشر هذه الصفات السالبة في القصيدة كلها ~~بمثل ما لاحظناها في القصيدتين السابقتين «قديسة» و«مروحة»، وكأن ~~الشاعر يصر عليها إصرارا. والقصيدة تتحدث بلسان كائن خرافي (هو ~~السلف # Sylph # الذي يرد ذكره في ~~كتابات المتصوف العالم بارا ms155 سيلزوس). ونعرف عنه أن أبويه لم ~~يجربا الحب (لاحظ أن القصيدة تعكس الترتيب الطبيعي فتقول لا ~~حبيبها ولا أمي). ومعنى هذا إذا كنا قد فهمنا مالارميه هو أن هذا ~~الكائن الخرافي لا وجود له أيضا. إن الزهرية تحتوي على فراغ ~~أجوف. إنها قريبة من الموت، ترفض أن تسمح بإطلاق زفرة أو تنهيدة ~~يمكن أن تحمل معها البشارة بميلاد «زهرة وسط الظلمات». وليس من ~~الصعب أن نتبين الآن أن الزهرة عند الشاعر رمز للكلمة الشاعرة (وقد ~~كان هذا هو معناها في كتب الخطابة القديمة؛ إذ يستخدمها شيشرون ~~بهذا المعنى «زهرة الحديث» في كتابه عن الخطابة، 3، 96) ومن ثم ~~يصبح معنى الخاتمة التي تنتهي بها القصيدة أن الزهرية الفارغة التي ~~تغشاها الخيبة والفشل من كل ناحية تأبى السماح بكلمة الخلاص التي ~~لا تستطيع بدورها أن تقوم بدورها إلا إذا قيلت في الظلام. # القصيدة تزخر إذن بالسلبيات. تنعكس هذه السلبيات في البداية على ~~الأشياء: فالزهرة لا وجود لها، والكائن الأسطوري (السلف) غير ~~موجود، والزهرية خالية إلا من الفراغ، ولكن الشاعر يريد ما هو أبعد ~~من هذا. إنه يريد أن يعبر عن مقولة السلب كماهية وحقيقة في ذاتها ~~تنتشر على الأشياء وتتجاوزها. ولا بد أن «الكلمة» تحتمل مثل هذه ~~الماهية المجردة غاية التجريد، وإلا لما أمكن أن تنشأ مثل هذه ~~القصيدة. فهي تقول كلمات ولا يمكن أن تقول غير الكلمات. ولكنها ~~تحولها بحيث تصبح علامات على تلك الماهية أو المقولة المجردة. ~~ومعنى هذا أيضا أن السلب أصبح حاضرا في الكلمة لأنها استطاعت أن ~~تقول شيئا لا حضور له في المادة والواقع. ولكن هذا الهدف لا يتحقق ~~بصورة كاملة. فالكلمة لم تستطع أن تتوصل «لزهرة الخلاص»، أي لم ~~تحقق العدم أو بمعنى آخر لم تحقق المثالية الخالصة عن طريق اللغة. ~~هذا الفشل في التحقق اللغوي المطلق (للعدم أو للمثالية الخالصة) هو ~~الذي صار كلمة، أي صار هذه القصيدة، وكأن خيبة الطموح الأنطولوجي ~~قد نجحت في أن تصبح قصيدة. # ربما خطر لنا من هذا كله أن شعر ms156 مالارميه غامض. والواقع أن ~~العناء الذي نبذله في فهمه أو تفسيره لا يمنع من القول بأنه في ~~صميمه شعر واضح، يبلغ أقصى درجات الوضوح والصفاء. إن لغته أشبه ما ~~تكون بالسر المن غم، الذي يحاول أن يحمي الفكرة الأنطولوجية شر ~~الذبول. # ولكن هذا كلام يجيء قبل أوانه، فلنؤجله إلى الفصول القادمة التي ~~ستتناوله بالتفصيل. ~~(2) تطور الأسلوب # يعتبر مالارميه أحد الفنانين القلائل الذين لم يتعجلوا، بل تركوا ~~لأنفسهم الوقت الكافي على حد قول التعبير الدارج. ونظرة واحدة إلى ~~تاريخ حياته كما كتبه في رسالة قصيرة جميلة إلى صديقه الشاعر ~~فيرلين (الطبعة الكاملة، ص661-665) ترينا كم صبر واحتمل وقاوم، وكم ~~عكف السنوات الطوال على صياغة قصيدة واحدة من قصائده القصيرة، ~~عكوف الزاهد على صلاته أو النحات على تمثاله أو الصائغ على جوهرته ~~النفيسة. نشأ في أسرة كان جل أفرادها من كبار موظفي الإدارة ~~والسجلات، ولكنه رفض هذا المصير الذي حدد له منذ الطفولة، وصمم ~~على أن يستخدم قلمه في شيء آخر غير الملفات والسجلات. وصبر، كما ~~يقول، صبر الكيماوي القديم الذي يضحي بالغرور والطمأنينة، ويحرق ~~أثاثه وأعمدة سقفه لكي يغذي نار الفرن الذي تختمر فيه تجربته ~~الكبيرة. كان ينشر هنا وهناك مقطوعات نثرية وقصائد متفرقة ~~وترجمات عن الإنجليزية ودراسات مختلفة (مثل كتابه عن الكلمات ~~الإنجليزية أو كتابه عن الآلهة القديمة). ولكنه ظل طوال حياته يحلم ~~بعمل كبير، بكتاب واحد يصمم بناءه ويفكر فيه على مدى العمر ويكون ~~على حد قوله هو التفسير «الأورفي» للأرض، فيحقق به الواجب الوحيد ~~المطلوب من الشاعر «واللعبة الأدبية الحقيقية». ولقد عانى الكثير ~~من وظيفة كريهة إلى نفسه (فقد كان معلما للغة الإنجليزية بإحدى ~~المدارس الثانوية) وقاسى من الفقر الشديد في فترات كثيرة من ~~حياته، والأرق الذي تسلط عليه سنوات طويلة، ولكنه ظل مخلصا ~~لمهمته الكبرى، يأخذ نفسه في سبيلها بنظام فكري شاق أشبه ما ~~يكون بصرامة المصلحين، أو مجاهدات المتصوفين. كان يقضي في تأليف ~~القصيدة الواحدة في بعض الأحيان عشرين أو ثلاثين سنة، ولم يكن ~~يضيق بذلك ms157 لأن الهدف الأكبر كان يرتسم دائما أمامه. ومع أنه كان ~~يعلم أن ذلك الكتاب الفريد يحتاج إلى أكثر من حياة، فقد ظل مقتنعا ~~منذ البداية بأنه يمسك خيوطه الأساسية في يديه. لذلك لم يكف ~~أبدا عن المحاولة، لقد أراد لهذا الكتاب أن يكون مثل «زهور الشر» ~~في تصميمه وتنسيقه ومعماريته، وشاء القدر ألا يتم هذا المشروع ~~الهائل. ولكن ما بقي من قصائده المتفرقة يدل على أجزاء متقنة ~~الصنع من بناء محكم يقوم على أساس متين. ولا يصدق هذا الكلام على ~~قصائده المتناثرة - كالدرر واللآلئ التي لم يتسن لها أن توضع في ~~تاج رائع - بل يصدق كذلك على مقطوعاته النثرية وترجماته عن ~~الإنجليزية، ومن أهمها ترجمة أشعار إدجار بو والأقاصيص الهندية ~~التي أعاد كتابتها، وكلها تنبع من نفس المنبع الخصب الذي خرجت منه ~~أعماله الشعرية الباقية، كما تعد من الروائع التي لم تحظ بعد ~~بنصيبها الكافي من التقدير. # وإذا كان مالارميه يتميز في كتاباته المتنوعة بالتدفق والغنى ~~والخصوبة فقد كان يميل في أشعاره إلى التركيز الشديد والحرص ~~البالغ، ونستطيع أن نتأكد من هذا إذا تتبعنا قصائده في صيغها ~~المختلفة على مدى السنين. كان يطيل النظر في القصيدة فيحذف منها كل ~~صوت مرتفع وينقيها من كل نغمة خطابية. إن «الكليشيهات» ~~والتعبيرات التقليدية تتخلى عن مكانها لكلمات وتعبيرات نادرة ~~والجمل الطويلة تتحول إلى جمل ذرية - إن صح هذا التعبير - بحيث ~~توشك كل كلمة أن تستقل بنفسها وتشع بإشعاع ذاتي من داخلها. # والشيء، الذي كان يذكر في الصياغة الأولى في بداية القصيدة يؤجل ~~إلى موضع تال لكي يحرر هذه البداية أو يتيح لها الانطلاق ~~بعيدا عن ذلك الشيء. وإذا فتشنا عن الشيء الذي ظهر في صورته ~~البسيطة المألوفة الكاملة في الصياغة الأولى وجدناه في الصياغة ~~الأخيرة ممزقا إلى تفاصيل وأجزاء منعزلة متعددة المعاني. إن ~~الموضوعات التي يطرقها الشاعر تقل في العدد وعالم الأشياء يتخفف من ~~ثقله ويزداد شفافية، والمضمون يميل باستمرار إلى الغموض والشذوذ. ~~وبينما كانت الأبيات في صيغتها الأولى تحكي حكاية أو تصف ms158 شيئا أو ~~تنقل إحساسا، أو توجه الأنظار إلى مضمون محدد، إذا بها في ~~الصياغة الأخيرة لا تهتم إلا بنفسها، ولا تلفت الانتباه إلا إلى ~~وجودها اللغوي. # وإذا بحثنا عن شبيه لهذه التعويلات والتنقيحات المستمرة وجدناه ~~لدى بعض الرسامين المشهورين. فالمعروف عن الفنان الإسباني جريكو ~~أنه رسم لوحة «الطرد من المعبد» ثلاث مرات. وبينما كان الرسمان ~~الأولان قريبين من الطبيعة، وجدناه في الرسم الثالث يخضع لأسلوب ~~يميل في تصوير الأشكال والأشياء إلى الاستطالة والشحوب والوعورة ~~بحيث يبعد العين عن الموضوع ليجذبها إلى الأسلوب، والفنان الشهير ~~بيكاسو في رسومه الثمانية (الليتوغرافات) للثيران يبدأ بتصوير ~~الطبيعة لينتقل إلى الأسلوب التشريحي والتكعيبي وينتهي بأشكال تمثل ~~خطوطا بحتة مجردة عن الأجسام والرسام هنا مثله مثل الشاعر؛ ~~كلاهما يبتعد عن الشيء ليتجه للأسلوب. ~~(3) طرح النزعة البشرية # لا يعني هذا العنوان القصير أن الشاعر الحديث قد تنكر للبشرية ~~أو أصبح غير إنساني، ولكنه يعني في المقام الأول أن الشاعر الحديث ~~قد أخذ يبتعد عن شعر التجربة والاعتراف والعاطفة، ويتجه إلى ~~الاهتمام بالشكل والأسلوب والتجريب المستمر مع اللغة. سار الشعر ~~الحديث خطوات واسعة باعدت بينه وبين الحياة الطبيعية والنزعات ~~البشرية، وتمت الخطوة الحاسمة على هذا الطريق على يدي رامبو ~~ومالارميه اللذين أدارا ظهريهما إلى الأبد لنموذج من شعر العاطفة ~~والتجربة كان لا يزال حيا على عهدهما في أغنيات فيرلين العذبة. ~~ونخطئ لو تصورنا أن الشاعرين قد أبدعا شيئا جديدا لم تكن له ~~بذور عريقة. # فالواقع أن النماذج الكبرى من الشعر القديم، من أشعار التروبادور ~~إلى ما قبل الرومانتيكية، كانت في أغلبها تهتم بالأسلوب وتجنح إلى ~~تعميم التجربة، لم تكن تعبر عن العواطف والتجارب الخاصة إلا في ~~حالات نادرة غير أن مؤرخي الأدب الذين أصابتهم عدوى الرومانتيكية ~~قد أساءوا فهمه. ولو أعدنا النظر في هذا الشعر القديم وخلصناه من ~~آفات النقد التقليدي لوجدنا فيه - عند مختلف الأمم وفي مختلف ~~اللغات - بعض الخصائص التي نلاحظها اليوم في بناء الشعر ~~الحديث. # مهما يكن من شيء فإن هذا الدفاع السريع عن الشعر ms159 القديم لا ينفي ~~أنه في جملته يدور في الأفق الإنساني المألوف. أما الشعر الحديث ~~فهو لا يستبعد الذات الخاصة فحسب، بل يحاول أن يتلافى كل الصفات ~~والنزعات البشرية العادية. وأقرب مثل يفسر هذا الكلام نجده في ~~قصائد مالارميه الثلاث التي انتهينا من شرحها. فما من واحدة منها ~~يمكن أن تفسر تفسيرا «بيوجرافيا» أي من خلال شخصية الشاعر ~~وظروف حياته. وإذا كان هناك عدد من النقاد ومؤرخي الأدب لا يزالون ~~يحاولون هذا مع مالارميه أو غيره فتلك آفة رومانسية ينبغي كما قلت ~~أن نتخلص منها بكل وسيلة ممكنة، فلم تخلق القصائد العظيمة أبدا ~~لإثارة حب الاستطلاع لدى القراء أو تملق عواطفهم، أو استدرار ~~دموعهم على الشعراء «المعذبين المساكين». # نعود إلى ما قدمناه عن قصائد مالارميه فنقول إنه ما من قصيدة ~~واحدة منها يمكن أن نفسرها على أنها تعبير عن فرحة أو حزن من تلك ~~الأفراح والأحزان التي نفهمها جميعا لأننا نحسها جميعا. وليس ~~معنى هذا أن مالارميه إله أو جماد، بل معناه أن شعره ينبثق من منبع ~~أو مركز باطني يصعب أن نجد له اسما. قد نستطيع أن نسميه النفس، ~~ولكن بشرط ألا نفهم من ذلك مجموعة من العواطف والانفعالات ~~المختلفة المتضاربة، بل نوعا من الوجدان الشامل الذي ينطوي على ~~طاقات عاقلة وأخرى سابقة للعقل، ويضم مشاعر حالمة وتجريدات ~~صلبة صارمة، بحيث تظهر وحدة هذا المزيج كله في اهتزازات اللغة ~~الشاعرة. لقد سار مالارميه على الطريق الذي أشار إليه «نوفاليس» ~~و«إدجار بو» فوصل فيه إلى أقصى مداه. وهو كما عرفنا من قبل طريق ~~الذات الشاعرة التي تصل إلى حالة الحياد غير الشخصي أو التي ترتفع ~~فوق الأشخاص. # ولقد أشار مالارميه بنفسه إلى هذا الطريق، فهو يقول في معرض ~~حديثه عن صديقه الشاعر تيودور دي بانفيل (1823-1891م) إن الشعر شيء ~~يختلف كل الاختلاف عن الحماس أو البحران العاطفي. إنه في رأيه ~~تناول للكلمات على مقتضى وزن وإيقاع مطلق، بحيث تصبح «صوتا يخفي ~~وراءه الشاعر والقارئ معا» (ص333 من طبعة البلياد). هذه الكلمة ms160 ~~تعبر عن قضية أساسية من قضايا الشعر المطلق الذي يبدو وكأن أنغامه ~~لم تعد في حاجة لأن تخرج من فم بشري أو تتجه إلى أذن ~~بشرية. # يقول مالارميه في موضع آخر (ص386) إن روح الشاعر «مركز ذبذبة ~~لانتظار غير محدد.» وهو وصف يستبعد كل ما يتصل بالنفس من صفات ~~وأسماء. ويقول أيضا في عبارات أبسط: «إن مهمة الأدب - وهو في هذا ~~يتفق مع الجوع - استبعاد السيد كذا الذي يكتبه» (ص657). أي لا يصح ~~أن نسأل ماذا يفعل كل يوم مع أهله. كما أن الإبداع أو قول الشعر في ~~رأيه هو «أن نفنى يوما من أيام العمر أو أن نموت قليلا» (ص410)، ~~وهو كذلك «أن نهب أنفسنا لواجب فريد يختلف كل الاختلاف عن كل شيء ~~ينزع للحياة» (ص551). ليس للفن أية صلة بالأمور العملية وليس للعمل ~~الفني أي شأن بالمطامع والمصالح لأنه عمل خالص يكفي نفسه بنفسه ~~(ص413). والذين يجرونه إلى الشارع ويجعلونه موضوعا للحديث على ~~الشاي، ويكرهونه على دخول البيوت، هم الذين يهينونه أبلغ إهانة ~~(ص569). إن الفن آلهة رقيقة الطبع، تعيش منزوية في الخفاء، وتكره ~~الظهور وتقدم الصفوف، ولا تطمع أبدا في إصلاح الغير، وهي تحيا ~~عاكفة على نفسها، مشغولة بشخصها، باحثة عن الجمال في كل الظروف ~~والأوقات، عازفة عن شهوة تعليم الناس أو إصلاحهم أو تغيير بيئتهم ~~(هكذا عاش رهبان الفن مشغولين بفنهم وحده، مثل رمبرانت وفيلاسكويز، ~~وبول فيرونيز وغيرهم). كل هؤلاء لم يكونوا مصلحين، ولم يشغلوا ~~أنفسهم إلا بإنتاجهم، والكشف عن قوانين فنهم، ورؤية الجمال الحق ~~الذي كان مصدر يقينهم وانتصارهم؛ لذلك لم يخلطوا الشعر بالعاطفة، ~~ولا الجمال بالفضيلة، ولا الفن بالمنفعة. فإذا صاح أحد من نقادنا ~~المتحمسين: والفن والحياة؟ والفن والجماهير؟ قال له مالارميه - على ~~لسان الفنان الأمريكي وستلر # whistler # 12 # إن الجماهير زائلة من على وجه الأرض والفن وحده باق. ~~أما الفنان فهو الذي كلفته الآلهة بأن يتم عملها، ولا تزال تنظر ~~إليه في دهشة لأنه خلق فينوس أكمل من حواء. والفنان غريب في ~~المجتمع؛ ms161 الذي ينظر إليه نظرته إلى العاطل. وليس أمام الفنان في ~~مثل هذا المجتمع إلا أن يقضي حياته الوحيدة في شيء واحد؛ هو نحت ~~قبره، وأن يبذل جهده في شيء واحد؛ أن يكون هذا القبر جميلا. لأن ~~الفن نوع من الموت كل يوم في الحياة (راجع من ص569-583). # كان من رأي مالارميه أن الفن قد بدأ منذ الأبد وأنه سيستمر إلى ~~الأبد، وعلى الفنان أن يعيد صوته الناعم الكامل إلى الحياة في كل ~~عمل من أعماله. وقد كان مالارميه نفسه فيما يرويه عنه معاصروه ~~إنسانا مهذبا بالغ الرقة، شديد التعاطف مع الغير، ناعم الصوت ~~في أحاديثه وفي أشعاره. سأله يوما أحد زواره هذا السؤال الساذج: ~~ألا تبكي أبدا في أشعارك؟ فأجابه على الفور: «ولا أتمخط ~~فيها!» # لقد انتقل الصوت الخفيض الناعم إلى شعره، ولكن لم تصحبه العاطفية ~~والشفقة وكل ما تحمله النزعات البشرية. # ويبدو أن نزعة مالارميه إلى التخلص من العواطف البشرية واتجاهه ~~إلى التجرد الخالص في التعبير قد ظهرت في بواكير أشعاره. فهي ظاهرة ~~في القطعة النثرية العجيبة التي خطط لها سنة 1869م (وتسمى إجيتور # Igitur # ومعناها باللاتينية ~~بالتالي أو ولهذا السبب) وحاول في أسلوب مركز كالنقط أو الرموز ~~الرياضية أن يرسم صورة إنسان يريد يائسا أن يحقق فعلا عقليا ~~صرفا هو الاندماج في العدم المطلق. # وهي كذلك ظاهرة في الحوار (من فصلين صغيرين يعد أولهما مجرد ~~تمهيد ثانوي للحوار) الذي سماه «هيرودياد» وظل يعمل فيه من سنة ~~1864م حتى أواخر حياته، وقد كتبه عن سالومي جديدة تحاول أن تحقق ~~جهدا عقليا يفوق القدرة البشرية، وهو أن تصبح كيانا أو ماهية ~~عقلية خالصة، بعد أن استبد بها الخوف من جسدها الجميل والرعب من ~~الغرائز والعطر والنجوم. إنها ترفض الطبيعة، وتموت عذراء، وتغوص في ~~«ليل أبيض من الجليد والثلج ألمخيف»، في حالة عقلية أو روحية ~~تقتل كل حياة. ويظل عذاب سالومي الوحيد أنها لا تستطيع أن تسير في ~~هذا «القتل» إلى أبعد مداه: «ثم إنني لا أريد شيئا يمت بصلة ~~للبشر.» ms162 هذا البيت الذي تقوله سالومي يمكن أن نضعه عنوانا لشعر ~~مالارميه كله. إن من مظاهر التجرد من النزعة البشرية عنده أنه ~~يبتعد بنفسه عن الحياة العضوية والنباتية كما فعل من قبله بودلير. ~~وكل من يقرأ شعره المتأخر يلاحظ أنه يكاد يخلو خلوا تاما من ~~الكائنات الحية، ويكاد يقتصر على الأشياء الصناعية أو المصنوعة ~~كقطع الأثاث وما أشبه. صحيح أنه يذكر الأزهار هنا أو هناك (ويمكن ~~أن تراجع السوناتة الأخيرة التي تكلمنا عنها) ولكنها لم تعد زهورا ~~طبيعية حية، بل مجرد رموز غير طبيعية للكلمة الشاعرة. ~~(4) الحب والموت # عرف مالارميه الحب كما عرفه كل من كتب الشعر الغنائي، غير أن ~~الحب عنده لم يكن سوى مناسبة للتعبير عن أفعال عقلية، يستوي في ~~ذلك مع الزهرية الفارغة أو الكأس أو الكمان أو الستارة. بل إن ~~قصيدة تشبه من نواح كثيرة قصائد الغزل التقليدية مثل السوناتة ~~البديعة: «آه يا عزيزة من بعيدة وقريبة وبيضاء!» التي يرجع تأليفها ~~إلى سنة 1895م تبتعد بلغتها العسيرة عن عاطفة الحب المألوفة، وتفصح ~~بتجربتها الرهيفة عن القبلة الصامتة التي تقول أكثر مما تقوله ~~الكلمة عن تجربة أساسية في شعر مالارميه وعالمه، ألا وهي أن ~~الكلمة لا تدرك عجزها ولا تتبين مصيرها وغايتها في أن تصبح كلمة ~~(لوجوس، معنى) إلا على حدود الصمت. # ويتضح هذا على أكمل وجه في قصيدة كتبها مالارميه سنة 1887م ونرى ~~فيها كيف يحلق الموقف العقلي فوق الحب بحيث يضمه ويطويه. # والقصيدة من نوع السوناتة أيضا (وقد كتبت على طريقة الإنجليز في ~~السوناتة، ثلاث رباعيات وثنائية) وتبدأ بهذا البيت (ص53): # الشعر رفيف لهب إلى الغرب القصي، # للرغبات التي (تريد) أن تنشره كله # يميل (قد أقول إن تاجا يموت) # نحو الجبهة المتوجة، مسكنه القديم. # فالشعر رمزه شعلة اللهب وهو يغادر جبهة الحبيب ~~(الشرق)، تحركه أيدي الرغبات، ليتجه إلى المحبوب (الغرب). والقصيدة ~~تحلق في أفق مرتفع بعيد، وكأنها نسيت وظيفة اللغة في الإفادة ~~والإفهام! # ونلاحظ أن «الأنا» في البيت الثالث تظهر بصورة عابرة وفي موضع ~~لا أهمية ms163 له، ثم لا نجد إشارة إلى «أنت»، وكل ما نجده ذلك الشعر ~~الذي ينتشر فوق الجبهة، ولا يلبث هذا الشعر أن يتحول إلى شعلة من ~~اللهب تصدر عنها سلسلة من صور الاحتراق والاشتعال. ويقف الحدث ~~الحسي في القصيدة عند هذا الحد، ولكننا نلمح وراءه حدثا آخر أهم، ~~أو لعله هو الحدث الحقيقي المقصود. إنه الأمل في مثالية سامية، ~~والفشل، والقناعة المرتابة بالواقع المحدود. إن اللعب بالصور ~~والاستعارات ينقي الشيء المادي، وهو هنا الشعر، من ماديته، والرؤية ~~الباطنة المتأملة تنقي عاطفة الحب وتجردها. والنتيجة شيء غريب غير ~~مألوف. غريب في بناء الجملة، غير مألوف في الصور ~~والاستعارات. # فالاستعارات في هذه السوناتة لا يمكن أن تفهم على ضوء ~~الاستعارة التقليدية التي تقوم على صلة واقعية أو منطقية تجمع بين ~~التشبيه والمشبه، بل ينبغي أن تفهم من شعر مالارميه في مجموعه، ~~بحيث تصبح رموزا بعيدة الدلالة على موقفه الأنطولوجي من الحياة ~~والفن والوجود. إن هذه الاستعارات تتحرر من سببها المادي وتستقل ~~بنفسها وتقتحم مجالات وآفاقا بعيدة كل البعد عن شعر المحبوبة. ~~والحدث الظاهر الذي تتناوله القصيدة (وهو خصلات شعر الحبيب التي ~~تسقط على جبينها) تخفي وراءها حدثا آخر مجردا ومشحونا بالتوتر، ~~لا يمت للإنسان عامة بأية صلة، ومن الصعب أن نحلل القصيدة تحليلا ~~كاملا؛ لأن الشاعر نفسه يتعمد هذا التداخل والتعقيد، ويتعمد أيضا ~~أن توحي بمعاني عديدة بحيث يصبح من المتعذر أن نعود بها إلى ~~المجال البشري الطبيعي. # ونستطيع الوصول إلى نتائج مشابهة لو قارنا بين قصيدتي فيكتور ~~هيجو ومالارميه في رثاء صديقهما الشاعر تيوفيل جوتييه، فقصيدة هيجو ~~«قبر ت. جوتييه 1872م» تعبر عن حزن الشاعر على صديقه الذي مات وإن ~~كان لا يزال قريبا منه كإنسان، تحيطه هالة من ذكريات الشاعر عن ~~الصداقة التي كانت تجمعهما، في أبيات ذات نغمة خطابية مؤثرة، ~~وصور مثالية عن العالم الآخر. # أما قصيدة مالارميه «نخب جنائزي لتيوفيل جوتييه» فهي تضع الميت ~~في بعد شاسع لا سبيل للوصول إليه، وتؤكد أنه قد اختفى وانطفأ ~~«كإنسان» - لأن الروح ms164 تموت مع الموت - بينما تبقى روحه في أعماله ~~الأدبية التي تبلغ الآن حقيقتها «اللاشخصية» المأمولة بعد أن غاب ~~صاحبها. فهي إذن تقوم بعملية التجريد من البشرية من ناحيتين. ~~والغريب أن القصيدتين قد كتبتا في وقت واحد، والشاعران متأثران، ~~ولا شك، بالمدرسة الرومانتيكية. والفارق بينهما هو أن أولهما كان ~~أحد مؤسسيها وقد وصل بها إلى القمة في شيخوخته، أما الآخر فهو ~~وريثها الذي استطاع أن يتخلى عن إرثه؛ ولذلك فمن العسير أن نقيم ~~جسرا يصل بين إنتاجهما الذي كتباه في وقت واحد. ~~(5) مأساة الشاعر # ويجرنا هذا إلى نظرة مالارميه لمأساة الشعر والشعراء كما عالجها ~~في عدد من قصائده التي نعى فيها أصدقاءه وفي غيرها من شعره. # وقد لا نجد قصيدة تصور مأساة الشعر والشاعر أروع من القصيدة ~~التي كتبها سنة 1885م بعنوان: «اليوم البكر الحي الجميل»، ولنحاول ~~أن نقرأها أولا، على الرغم من استحالة ترجمتها ترجمة تفي بنقاء ~~لغتها وتشابك عباراتها وتميز قوافيها (وقد اهتديت فيها بترجمة ~~الأستاذ شفيق مقار في كتابه «شيء من الشعر»، ص131): # اليوم البكر، الحي، الجميل # أتراه سيفتت لنا بضربة جناح مخمور # هذه البحيرة الجامدة المنسية التي تغشاها تحت ~~الصقيع # الثلاجة الشفافة للأسراب التي لم تهرب! # طائر بجع من الزمن الخالي يتذكر أنه رائع، # ولكن بلا أمل يحاول الخلاص؛ # لأنه لم يغن للأرض التي (تصلح) للحياة # عندما تألق الملل من الشتاء الجديب. # كل رقبته ستنفض هذا الاحتضار الأبيض # الذي ينزله القضاء على الطائر الذي ينكره، # ولكنه (لن ينفض) رعب الأرض التي أخذ منها الريش. # شبح يلزمه ألقه الصافي بهذا المكان، # يتجمد في حلم بارد من الاحتقار، # يتدثر به طائر البجع في منفاه العقيم. # القصيدة كما نرى تقدم رمزا واضحا للشاعر في صورة ~~طائر البجع أسير الثلج والصقيع، وفي ثلاث عبارات أو قضايا تؤلف بين ~~قدر الشاعر والطائر في نسيج واحد محكم. ونخطئ لو فهمنا من هذا ما ~~فهمه بودلير من هذا الرمز في قصيدته عن البجع أو في قصيدة أخرى عن ~~طائر القطرس (الألباتروس) أراد أن يصور ms165 فيهما العبقري الذي يعيش ~~وحيدا في بيئة لا تفهمه كأنه يعيش في المنفى. # فقصيدة مالارميه تعبر عن مأساة شاعر لم يحقق - في الماضي - ~~رسالته الشعرية، بحيث تبدو «الآن» هدفا بعيدا عصيا، بل لعلها ~~أن تكون مثالا يستحيل تحقيقه على بني الإنسان. # وتشير ضربة الجناح المخمور، والأسراب التي لم تهرب إلى الخيال، ~~كما تشير إلى تحليق الطائر الكبير، أما الأرض التي تصلح لأن يعيش ~~فيها الطائر فلا يتحتم أن تكون إحدى بلاد الجنوب بل هي أرض الجبال ~~أو عالم الخلق الشعري. # والطائر يتذكر روعته الماضية، أي طبيعته الحقة التي كان عليها. ~~لقد اقترف الخطأ الذي يدفع الآن ثمنه الغالي؛ لم يغن الأغنية ~~الحقيقية للبلد الوحيد الذي يمكن أن يحيا فيه، وليست أغنيته غير ~~الهمسات الموسيقية التي تخرج من خفق جناحيه. أما إنكاره للفضاء ~~فهو تأكيد جديد لطبيعته الحقة - لأن طبيعة الطائر الحقة في ~~إلغاء المكان بقوة الطيران - وتأكيد لقدرة الخيال الشعري على بلوغ ~~البعيد واستحضار الغائب والمفقود. # وتبرز أهمية البعد الزمني في القصيدة إلى جانب البعد المكاني. ~~فالبيت الثاني يسأل إن كان في استطاعة «اليوم» أو «الآن» أن يخلص ~~الطائر (الشاعر) بفعل إرادي يفوق طاقة البشر. ولكن سرعان ما تجيب ~~القصيدة على هذا التساؤل أو هذا الافتراض؛ فالشاعر يحيا الآن في ~~الحاضر، وهو يتذكر الماضي أو يتذكر طبيعته الأصيلة ونفسه المثالية ~~التي فشل من قبل في تحقيقها عندما عجز عن الغناء أو فرط فيه؛ ~~ولذلك تنتقل إلى المستقبل المباشر (رقبته ستنفض ...) الذي سيفشل كذلك ~~في أن يحرره تحررا كاملا. وأخيرا ننتقل إلى حالة من الديمومة ~~- الحياة في الموت أو الموت في الحياة - أي الأبدية والصمت الجامد ~~المطلق، فلم يبق للطائر إلا أن يتحول إلى شبح من نفسه؛ شبح أبيض ~~يعيش في صمت أبيض بارد، ويحملق في الكوكب الذي يستعير منه اسمه ~~(فقد كان فيما تقول الأسطورة اليونانية بطلا أو نصف إله ثم أحاله ~~أبوللو إلى نجم منفي على حدود الفضاء). هو إذن جهد عقيم هذا الذي ~~يبذله الطائر لتخليص نفسه، لأن ms166 النجم لا يرسل إلا نقطة باهتة من ~~الضوء، ولن يبقى للشاعر إلا الوعي الصامت الذي يشبه شعاعا خافتا ~~ينفذ في تابوت. أي لن يبقى له إلا الإحساس بهدفه البعيد وقدره ~~المستحيل. وهكذا تنتهي القصيدة بالخروج من دائرة الزمان وتصوير ~~مشهد أخير يغطيه الثلج والجليد. وهكذا يعكس طائر البجع صورة ~~الشاعر الذي خان رسالته الشعرية أو فشل في تحقيقها، ولم يبق ~~أمامهما إلا أن يتدثرا بالثلج ويتطلعا إلى سماء المثال ~~المستحيل. # على أن هذه النغمة اليائسة لا تلازم مالارميه، بل تختفي في بعض ~~قصائده التي ينعى فيها رفاقه الشعراء، مثل قصيدتيه الرائعتين عن ~~«قبر إدجار بو» و«نخب جنائزي لتيوفيل جوتييه». ونكتفي هنا بإشارة ~~موجزة إلى قصيدته الأولى التي كتبها في ربيع سنة 1876م ونشرت في ~~نفس السنة (كما ترجمها الشاعر بنفسه بعد ذلك إلى الإنجليزية) في ~~الكتاب التذكاري الذي صدر في مدينة بالتيمور بالولايات المتحدة ~~الأمريكية بعد وفاة الشاعر الأمريكي العظيم: # كما ترده الأبدية أخيرا إلى ذاته الحقه. # 13 # يثير # 14 # الشاعر بسيف عار # عصره الذي أفزعه إن لم يعرف # أن الموت انتصر في هذا الصوت الغريب! # لكنهم، كرجفة خسيسة من الهيدرا # 15 # حين استمعت قديما للملاك # وهو يضفي على كلمات القبيلة معاني أكثر نقاء، # راحوا يذيعون بأعلى أصواتهم أن الشراب مسحور # بفيض دنس من مزيج أسود، # 16 # من (شر) الأرض و(حقد) السحاب، يا للشقاء! # 17 # إن لم ننحت من أفكارنا نقشا على الحجر، # يزدان به ضريح بو الرائع المجيد، # أيتها الكتلة (الصخرية) الهادئة التي سقطت من كوكب مظلم ~~(مشئوم)، # لعل هذا الجرانيت أن يوقف إلى الأبد # أسراب التجديف السوداء التي ستنتشر في المستقبل. # والقصيدة كلها تعبر عن مأساة «بو» # 18 # التي ترجع إلى البيئة المعادية التي لم تتورع عن ~~التشهير به والافتراء عليه. ولكن هذا التشهير والافتراء قد لا ~~يخلوان من قيمة، إذا عرفنا كيف ننقش القصة الحقيقية عن رسالة هذا ~~الشاعر وكل شاعر غيره في قلوبنا وعقولنا. والمهم أن الموت قد كرس ~~انتصار الشاعر وضمن له الخلود، لا لأنه ms167 أدى واجبه وارتفع بلغة ~~(القبيلة) بل لأن فكرة الموت كانت دائما متسلطة على عقله. ~~(6) الشعر كأسلوب للمقاومة والعمل واللعب # التف حول مالارميه عدد كبير من المعجبين والمريدين الذين ~~أحاطوه بشعائر الإعجاب والإجلال والإكبار التي تشبه الطقوس التي ~~يقدمها المؤمنون للإله المعبود. ولكن مالارميه كان يملك لحسن ~~الحظ من التواضع والذوق ما يجعله يوقف هؤلاء المريدين عند حدهم ~~كلما بالغوا في إحراق البخور أمامه. ولعل عقيدته في الفن والشعر هي ~~التي دفعت الحواريين إلى هذا التطرف. كان يؤمن بأن الشعر لغة لا ~~يمكن أن تقوم مقامها أو تغني عنها لغة أخرى، وأنه هو المجال ~~الوحيد الذي يمكن أن يقضى فيه على كل ما يتصف به الواقع من ضيق ~~ومهانة وعرضية، ويخلق للإنسان في خضم السخف والتفاهة اليومية ~~جزيرة التحرر والصفاء الروحي والعقلي. إنه يقول مثلا في خواطره ~~التي كتبها ونشرها في سنة 1895م تحت عنوان «تنويعات على لحن ~~واحد»: «إن الآخرين ينظرون إلى إنتاجي نظرتهم إلى السحب في الغسق ~~وإلى النجوم، أي نظرتهم إلى شيء عقيم» (ص358 من الطبعة الكاملة)، ~~أي أنه يريد أن يحقق لنفسه الحرية الكاملة، والنقاء التام، ~~والتجريد الشامل. وهو بهذا يتابع الاتجاه الذي بدأ في الأدب والفن ~~منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، عندما راح الأدباء ~~يحاربون طبقة التجار ورجال الأعمال ويقاومون النزعة الوضعية التي ~~أخذت تجرد العالم من أسراره باسم العلم والتقدم. ولا شك أن هذا ~~الاتجاه كله صورة حديثة من صور السخط على العالم والواقع الضيق ~~المحدود. ولا شك أن هذا السخط كان يظهر عند ذوي العقول المتفوقة ~~والأرواح الكبيرة على اختلاف العصور والبلاد. # ولعل أفضل تمهيد لشعر مالارميه أو على الأصح لفلسفته في الشعر هو ~~الرسالة التي كتبها في سنة 1865م إلى أحد أصدقائه وقال فيها: «نعم. ~~أعرف أننا لا نعدو أن نكون صورا عقيمة من المادة، ولكننا أسمى ~~منها لأننا اخترعنا (فكرة) الله والروح. بل إننا يا صديقي لنبلغ من ~~السمو أنني أريد أن أظهر بمظهر المادة التي تعي الوجود ومع ms168 ذلك ~~تلقي بنفسها بقوة في هذا الحلم الذي تعلم أنه لا وجود له، لكي ~~تتغنى بالروح وبكل الانطباعات الإلهية التي تراكمت في نفوسنا منذ ~~العصور الأولى، والأكاذيب المجيدة أمام هذا العدم الذي يسمى ~~بالحقيقة! ذلك هو مشروع كتابي الشعري، وربما حمل هذا العنوان: مجد ~~الكذب أو الكذب المجيد.» # بهذه العبارات يحدد مالارميه موقفه من التيار الوضعي في عصره ومن ~~بودلير نفسه تحديدا واضحا. فليس الواقع ولا وقائع الوجود المادي ~~ولا كل جهد يبذل في تصويرها إلا عدما، لا بل إنه هو التفاهة ~~بعينها. وليست الطبيعة كما تصور بودلير؛ معبدا من الرموز الموجودة ~~من قبل، وإنما الحلم بأكاذيبه المجيدة أو ما يمكن أن نسميه الجمال ~~أو الحقيقة العليا شيء يخلقه الشاعر خلقا. ومع تسليم مالارميه بأن ~~الحلم لا يمكن أن يخرج عن كونه حلما وأن المثال أو الفكرة كما ~~يسميها في أكثر الأحيان لا يمكن أن يزيد عن كونه مثالا، فقد ظل ~~على اعتقاده بأن الكلمات تستطيع إذا أخذت بمعناها النقي الخالص أن ~~تحقق تحولا هائلا أشبه بتحول المعادن الخسيسة إلى ذهب على يد ~~الكيميائيين القدماء. # أضف إلى هذا كله ما قاله في محاضرة مشهورة ألقاها في أكسفورد سنة ~~1894م: «إننا نعلم أن ما هو موجود ليس موجودا على وجه اليقين!» ~~فهو يلخص في هذه العبارة إيمانه بأن الثروة الروحية التي يملكها ~~الإنسان وتتجسم في قدرة الفنان أو الشاعر على الخلق هي كل شيء ولا ~~شيء في وقت واحد! # إن المادية والعرضية التي يتصف بها الحاضر الذي يفلت في كل لحظة ~~من حياتنا لا قيمة لها إذا قيست بماض انقضى ومستقبل لم يتحقق ~~بعد. غير أنه إذا كان للماضي والمستقبل كل هذا الدور في حياتنا ~~العقلية فإن الوعي نفسه يمكن أن يصبح عدما، اللهم إلا إذا استطعنا ~~أن نتصل بتراثنا الحق بفعل إرادي هو فعل الشاعر. بهذا يصبح الخلق ~~الشعري تفسيرا «أورفيا» للأرض لأنه سيستطيع عندئذ أن يصور ~~الطيور والأشجار والنجوم كما لو كانت خيالات يتحكم فيها كما يشاء ~~ليخلق «النموذج ms169 الأبدي» أي النموذج الكامل المجرد من المادية ~~والصدفة، ومع ذلك فمهما نجح الشاعر بنوع من الكيمياء الشعرية في ~~تنقية لغته وتعريتها من المادية والوصول بها إلى الكمال المجرد، ~~فلن ينجح أبدا في إلغاء عنصر الصدفة أو «رمية النرد» التي يتعرض ~~لها كل جهد بشري. ~~••• # أراد مالارميه إذن أن يعبر عن كل ما يتصف بالثبات والضرورة؛ لذلك ~~كان أبغض شيء إلى نفسه وتفكيره هو التغير والصدفة والواقع العرضي. ~~وكل من يقرأ نثره بإمعان سيجد أنه يكثر من استخدام كلمة ~~الصدفة # Hasard # للدلالة على ~~الواقع العادي في مقابل الضرورة التي لا يملكها إلا العقل الذي ~~يخضع لقانونه الخاص. ولعل هذا أن يفسر أيضا موقفه من الصحافة ~~والصحفيين! كان يكره الجدل والدخول في المناقشات والمنازعات على ~~صفحات الجرائد، ويضيق أشد الضيق بالضجيج الذي نسميه اليوم ~~بالإعلام. وكان يؤمن بقوة الصحافة وسلطانها ولكنه كان يؤمن كذلك ~~بخطرها على الأدب والفن، وكان يعلن نفوره من المخبرين الصحفيين ~~الذين تهيؤهم الجماهير لتصوير كل شيء في صورة مبتذلة، ويتناولون ~~كل ما هو نبيل وفريد بالكتابة السطحية السريعة تلبية لمطالب الحاجة ~~اليومية. ولذلك فإن الكتاب في رأيه هو العمل العقلي الخالص الذي ~~يستطيع أن «يقهر الصدفة كلمة كلمة» (ص387)، كما أن المفكر إنسان له ~~يدان بسيطتان (ص412)، والبساطة هنا معناها أن لا مهادنة في الفكر ~~ولا توسط. إنها بساطة الفكر المجرد، أو بساطة التجريد الذي يبتعد ~~بنفسه عن عالم التجار والمنتفعين، كما يبتعد أيضا عن عالم الغرائز ~~والطبائع البشرية المألوفة. إن الحداثة تصل لديه إلى أقصى مداها ~~حين تطالب بسيطرة العقل الغريب عن الطبيعة، أو الروح التي تجردها ~~نفسها من «البشرية» وهنا أيضا نلمح جانبا من دكتاتورية الشعر ~~الحديث التي وصفناها عند الكلام عن رامبو، بل لعل مالارميه أن يكون ~~قد تطرف - على طريقته - في هذه الدكتاتورية أكثر مما فعل ~~رامبو. # كيف السبيل إلى تحقيق هذا المطلب الصعب الذي يبدو كأنه يفوق طاقة ~~البشر بالعمل الصابر الدءوب؟ هذا العمل يتلخص في التجريب مع الكلمة ~~بحيث تدل على معاني ms170 متعددة، وبحيث تكون هذه الدلالة علامة على ~~توترات لا واقعية تمر بها النفس. والصعوبة - إن جازت المفارقة - ~~تكمن في أن يكون تعدد المعاني هذا صائبا وموفقا. # لا أثر إذن للإلهام الذي يصفه الشاعر بأنه ذاتية فاسدة. إنه ~~يتحدث عن «معمله»، عن «هندسة العبارات»، ويعالج إبداعه الشعري ~~بمسئولية العالم المتخصص في «الفعل العقلي الخالص» وفي «السحر ~~اللغوي». والمشكلة هي في إحالة هذا الفعل العقلي الخالص إلى ~~«غناء»، ولكنه غناء يصدر عن «أستاذية باردة»، تعمل تحت ظروف صعبة ~~غير مألوفة؛ ولذلك يقف منها الناس موقف العداء ويتهمها النقاد ~~بالإلغاز والغموض (ص535). إن بيت الشعر الذي ينبع من هذه العقلانية ~~الباردة ومن هذا العمل الصابر الدقيق يؤلف من الكلمات العديدة ~~«كلمة جديدة شاملة»، تضمن «عزل اللغة» عن المصادفات العرضية، ~~بحيث تدل على الجوهر، والحقيقة، والماهية، وبحيث يخيل للسامع أن ~~الكلمة التي يسمعها في بيت الشعر كلمة غريبة عليه لم يسمعها أبدا ~~من قبل، وتذكره بأن الموضوع الذي تسمية أو تصفه يسبح في جو جديد ~~عليه (ص368). # إن اللغة الشعرية تنفصل أو تنعزل عن لغة الإفادة أو تدور حول ~~نفسها، والشاعر الذي ينطق بهذه اللغة ينعزل بالضرورة أيضا. إنه في ~~نظر الناس «مسكين» أو «مريض» جدير بالرثاء. بل قد يصفه البعض ~~بالحمق والجنون والانحلال، ويندد بخطره على أوروبا! ولكنه لهذا ~~السبب نفسه رجل يعرف كيف يتعامل مع «المواد شديدة الانفجار» التي ~~يصطدم بها في عمله مع اللغة (ص651). # كل هذه كما نرى خطوات على الطريق الذي أشار إليه روسو وديدرو ومن ~~بعدهما إدجار بو وبودلير. إنه الطريق الذي يسير عليه الشاعر أو ~~العبقري فيبتعد عن المجتمع أو يبتعد عنه المجتمع، وقد كان مالارميه ~~يملك من السخرية والتهكم ما جعله يصف الشعر أحيانا بأوصاف تساوي ~~الحكم عليه بالإعدام في نظر القراء والنقاد العاديين. إنه يقول ~~عن الكتابة والأدب كله «ما الهدف من هذا كله؟ إنه اللعب» (ص647). ~~أو يقول إنه «بريق الكذب.» وليس المقصود باللعب هو العبث، وإنما ~~المقصود به هو التحرر من الهدف والغاية ms171 والمنفعة، بل الحرية ~~المطلقة للروح الخلاق. أما المراد من بريق الكذب فهو أن كل ما ~~ينتجه الأديب «لا واقع»، وكل ما يصل إليه شيء مؤقت إذا قيس بصعوبة ~~رسالته وخطورتها. ~~(7) العدم والشكل # لم يقف عناء مالارميه عند هذا الحد. لقد بذل كل جهده لإحكام شكل ~~البيت، وحافظ على قواعد الوزن، وقوانين القافية، وتقسيم المقاطع. ~~ولكننا حين نقرأ شعره نواجه بمفارقة غريبة، إذ لا نلبث أن نكتشف ~~أن دقة الشكل عنده تتعارض مع غموض المضمون وعدم تحدده. يقول ~~مالارميه في إحدى رسائله التي كتبها سنة 1885م: «كلما وسعنا من ~~مضموناتنا، وكلما «رققنا» أو «خففنا» منها، كلما كان علينا أن ~~نربط بينها في أبيات محددة المعالم، ملموسة، يتعذر نسيانها.» هذا ~~التعارض الذي تشير إليه العبارة بين المضمون المخفف (من المادة ~~بالطبع!) وبين الشكل المحكم المترابط هو في الحقيقة تعارض بين ~~الخطر ووسيلة النجاة، وقد لاحظنا مثله في كلامنا السابق عن ~~بودلير. # ويكتب مالارميه عبارة أخرى في إحدى رسائله المبكرة سنة 1866م ~~يمكن أن نجد فيها إشارة إلى الخلفية الأنطولوجية التي يبني عليها ~~عالمه الشعري والتي تتصل عنده كذلك بالشكل ووظيفته. والعبارة تقول: ~~«وجدت الجمال بعد أن وجدت العدم.» ومن حقنا بالطبع أن نفهم الجمال ~~على أنه جمال الأشكال الموزونة الكاملة، فإذا أردنا أن نفهمه من ~~الناحية الأنطولوجية (التي ألمح إليها في هذه العبارة وإن لم ~~يوضحها إلا في مرحلة متأخرة) أمكننا أن نقول إن مالارميه يربط ~~فيها بين العدم (أو المطلق) وبين الكلمة (أو اللوجوس). فالكلمة في ~~المكان الذي يولد فيه العدم ويدرك وجوده. # ونستطيع أن نتوسع في هذا الفهم قليلا إذا وضعناه في إطار التراث ~~الفكري الفرنسي - أو الروماني بمعنى أوسع - الذي يعتبر الأشكال ~~الأدبية مظاهر للكلمة. فشعر مالارميه الذي يلغي الواقع ويحطمه، ~~يحاول في نفس الوقت أن يحقق الجمال في اللغة والكمال في الشكل. ~~ولذلك تصبح الأوزان والإيقاعات الدقيقة المحكمة بمثابة الوعاء ~~المنقذ الذي يحتوي الواقع الذي ألغاه أو «أعدمه» من الناحية ~~الموضوعية، وسنرى فيما بعد أن الشعراء المعاصرين قد ms172 أسقطوا هذا ~~التبرير الأنطولوجي للشكل من حسابهم. # ولكن هؤلاء الشعراء - مثل فاليري وجيان ومن تأثر بهما أو جرى ~~مجراهما - سيثبتون أن الشعر، مع كل ما فيه من تجريد شديد وتعدد في ~~معاني الكلمات؛ يحتاج أشد الحاجة إلى أحكام الشكل، لكي يكون سندا ~~يعتمد عليه في المكان المجرد من الأشياء وطريقا ومعيارا للغناء. ~~ويصبح الشكل هو طوق النجاة للشعر المحض الذي تسبح أغانيه في عالم ~~لا واقعي حطم الأشياء وألغاها (من أدل الكلمات على هذا ما يقوله ~~الشاعر الألماني جوتفريد بن عن قدرة العدم على إزكاء الشكل). ويؤكد ~~كلام مالارميه عن الشكل - إذا أخذناه في سياقه التاريخي - أن ~~الانفصال الذي بدأ منذ القرن الثامن عشر بين الجمال والصدق قد أصبح ~~انفصالا نهائيا. ولا شك أن جمال الشكل المطلق يؤكد أيضا أن ~~الكلمة الإنسانية لا يخبو نورها ولا تذبل روعتها حتى ولو وقفت أمام ~~العدم وجها لوجه. وقديما قيل: في البدء كانت الكلمة. واليوم ~~نقول: وفي النهاية أيضا. إن لغة الإنسان هي مجده، ولغة الشاعر هي ~~موضع مجده وعذابه ومغامرته ووحدته. وماذا يبقى سواها، بعد أن أصبح ~~الواقع غريبا عنه، وأصبح هو غريبا عن الواقع؟ ~~(8) قول ما لا يقال # يعاني قارئ الشعر الحديث معاناة شديدة في فهمه وتذوقه. وتشتد ~~معاناته وتصل في أكثر الأحيان إلى حدود اليأس إذا قرأ مالارميه! ~~والحق أن صعوبة الشعر الحديث وتعقيد لغته ظاهرة ينبغي ألا ننظر ~~إليها منفصلة عن ظواهره الأخرى، وإن كانت بالطبع أشدها غرابة ~~وشذوذا وتطرفا. ويبدو أن مالارميه قد وضع هذا الأمر في حسابه، ~~واقتنع بأنه يكتب لعدد قليل من القراء أو نخبة منهم كما كان يؤثر ~~دائما أن يقول، هذا إذا كان قد فكر في القراء على الإطلاق! وقد ~~حاول في كثير من تأملاته وخواطره (مثل التنويعات على لحن واحد، ~~والموسيقى والآداب، وكتاباته النثرية المتفرقة) أن يبرر لغته ~~العسيرة المتميزة. وهذه التأملات والخواطر تكاد تدور حول فكرة ~~واحدة هي أن من واجب الأديب أن يعيد للغة تلك الحرية التي تجعلها ~~تتقبل «بروق المنطق ms173 الأولى» (ص386)، وألا يسمح بأن تستهلك في أغراض ~~الإفادة والتوصيل أو تتجمد في كليشيهات وصيغ محفوظة تمنع الفكر ~~والشعر من أن يقولا شيئا جديدا كل الجدة. والإبداع الشعرى معناه ~~عنده تجديد فعل الخلق اللغوي الأصيل تجديدا حاسما بحيث يكون ~~القول على الدوام هو قول ما لا يقال (ص386). # والمتأمل لهذه الخواطر يعرف أنها قد قيلت من قبل صراحة أو ضمنا ~~في أعمال كثير من الشعراء والمتصوفين، ولكن الفرق كبير بين خاطرة ~~ترد صدفة هنا أو هناك وأخرى يصل بها صاحبها إلى غايتها ويجعل منها ~~مبدأ أو قانونا يسير عليه من الناحيتين النظرية والعملية. ولقد ~~حاول مالارميه في إنتاجه أن يحتفظ «للقول الذي لا يقال» ببدائيته ~~وأصالته الأولى، بحيث تحميه صعوبته من كل فهم محدود، وتقيه من ~~السير في الطرق العادية المألوفة. إن الكلمة الشعرية عنده لا تريد ~~أن تكون مجرد درجة قصوى من درجات اللغة المفهومة، بل تريد أن تكون ~~نشازا صريحا لكل لغة سوية أو عادية. # مثل هذا الهدف غير العادي يحتاج بالطبع إلى وسائل غير عادية، ~~تخالف في معظم الأحيان قواعد النحويين في بناء الجملة أو تصريف ~~الكلمة أو ترتيب العبارة. مثال ذلك أن نجد في أشعاره أفعالا في ~~حالة المصدر المطلق (بدلا من حالة الإعراب المنتظرة) أو أسماء ~~الفاعل والمفعول في الحالة التي تعرف في اللغة اللاتينية باسم ~~مفعول الأداة المطلق # ablativus ~~absolutus # أو حالات تقلب فيها العبارة بغير ~~سبب واضح، أو يلغى الفرق بين المفرد والجمع، أو تستخدم الظروف ~~استخدام الصفات، أو ترتب الكلمات على عكس التسلسل المعتاد، أو ~~تستعمل أدوات التعريف والتنكير استعمالا جديدا ... إلخ. # والغريب أن هذه الأساليب كلها ترد في كتاباته النثرية أكثر مما ~~ترد في أشعاره. ويشبه نثر مالارميه أن ينطبق عليه اصطلاح الموسيقى ~~«الكونترا بونكتيه» الحديثة، فالفكرة تتداخل في العبارة الواحدة مع ~~الفكرة، بل قد تتشابك مجموعة من الأفكار في عبارة واحدة وفي وقت ~~واحد بحيث نسمع أكثر من صوت يعارض الآخر أو يكمله أو يوقفه، وبحيث ~~نخرج من العبارة كلها ms174 بالإحساس بأن هناك «وحدة تأليفية متحركة» ~~تجمع الأفكار المفردة كما تجمع الجملة الموسيقية أصواتا متعددة ~~(هنا أيضا نلاحظ الصلة الوثيقة بين الأدب والموسيقى كما لاحظناها ~~من قبل بينه وبين الرسم ...) # كل هذه وسائل وأساليب لا يمكن تقليدها أو نقلها. والواقع أنه لم ~~يبق منها في شعر خلفاء مالارميه وأتباعهم إلا القليل، وبخاصة تلك ~~الوسائل والأساليب التي يسخرها الشاعر لقلب النظام الطبيعي ~~للأشياء، أو تجريد الواقع من ماديته وشيئيته كما أوضحنا من قبل ~~وكما سيأتي تفصيله في الفصل القادم. والمهم أن هذا الشعر لم يخلق ~~للقارئ ولا الناقد المتعجل. لقد قاوم هذا النوع من القراء والنقاد ~~في عصره، وسوف يقاومهم في كل عصر؛ ذلك لأنه يخرج كما قلت عن حدود ~~الفهم العادي، ويرتفع إلى أفق تستعيد فيه الكلمة أصالتها الأولى ~~وبراءتها وثباتها. هناك تلمع الكلمة لمعان البرق أو الصاعقة، وهناك ~~تقترب من الصمت لتقول ما لا يقال. والشيء الذي يستحق الملاحظة أن ~~هذا الهدف لا يتم إلا بتجزئة الجملة أو تقطيعها إلى شذرات. وهكذا ~~نجد الانفصال يحل محل الاتصال، والتجاور في مكان التسلسل. ونخطئ ~~لو تصورنا أن هذه أساليب ظاهرية تريد أن تلعب باللغة لمجرد اللعب. ~~إنها علامات على الانفصال الباطني في نفس الشاعر، على اللغة التي ~~تقف عند حدود المستحيل. والغريب أن هذا التمزق إلى شذرات - وهو ~~تمزق قائم في روح العصر وفي وجدان الشاعر على السواء - يسمح للشاعر ~~أن يجعل الشذرة رمزا للكمال الذي يبحث عنه ويحس بالقرب منه: ~~«الشذرات علامات عرس الفكرة » (ص387). وهي كلمة تعبر عن قضية ~~أساسية من قضايا الإستيطيقا الحديثة. ~~(9) في جوار الصمت # قلنا إن مالارميه يريد أن يقترب من المستحيل، أي من الصمت. كانت ~~وسيلته إلى هذا هي «تكتم» الأشياء (التي يلغيها أو يحطمها أو ~~يجردها من كيانها المادي الملموس)، وكانت هي اللغة التي ازدادت ~~كلماتها مع الأيام إيجازا وهمسا (من هنا تستحيل ترجمة هذا الشعر ~~بلغة خطابية زاعقة، هذا إن كان من الممكن ترجمته على الإطلاق). ~~والصمت كلمة تتردد كثيرا في خواطر مالارميه ms175 وتأملاته. # فهو يقول مثلا إن الأدب تحليق صامت إلى المجرد، كما يقول إنه ~~يخاف الثرثرة إلى حد الرعب (ص385)، وإن نصوصه «تنطفئ» على الصفحة ~~المكتوبة (ص409) وإنها سحر لا يفهم معناه ولا يتذوق التذوق ~~الكامل حتى تعود الكلمات إلى المعزوفة (الكونسير) الصامتة الوحيدة ~~التي نبعت منها (ص380). من هنا تصبح القصيدة المثالية هي «القصيدة ~~الصامتة من بياض تام»، أو هي التي تتحول كلماتها إلى ذبذبات ~~عقلية أو روحية تذكرنا بالقصيدة السيمفونية الأولى التي كانت ~~مستقرة في أعماق الإنسانية، قبل أن توجد اللغة وقبل أن تسمي ~~الأشياء وتلتصق بها. # والواضح من هذا كله أن مالارميه يقترب من التفكير الصوفي، وأن ~~تجربة «المتعالي» (الترانسندنس) أو بالأحرى تجربة الفشل في الوصول ~~إليه هي التي تشعره بعجز اللغة، هذا التصوف في صميمه هو «تصوف ~~العدم»، أي أنه قد خطا خطوة أبعد من تصوف «المتعالي الفارغ» أو ~~المثالية الفارغة التي لاحظناها من قبل عند بودلير ورامبو. # عرف مالارميه بنفسه أن جوار الصمت أو القرب من المستحيل هو الحد ~~الأخير الذي يطمح إليه إنتاجه ويقف عنده، وليس هذا مجرد استنتاج ~~عقلي أو اجتهاد في التفسير، ولكنه ثمرة استقراء قصيدته التي ~~يصدر بها مجموعة أشعاره، وهي قصيدة تحية # Salut ~~. ويدلنا التحليل البسيط ~~لهذه القصيدة على المحاور الثلاثة التي يدور حولها فكره وشعره؛ ~~إنها الوحدة، وهي الموقف الذي يميز الشاعر الحديث بوجه عام، ~~والصخرة التي تصطدم بها سفينته فيفشل ويخيب، والنجمة التي ترمز ~~للمثالية البعيدة التي عجز عن بلوغها فرجع من رحلته باليأس والتمرد ~~والمرارة أو بالرضى والزهد والاكتفاء. # صرح مالارميه في أحد أحاديثه مرة بقوله: «إن أدبي طريق مسدود.» ~~والواقع أن عزلة مالارميه عزلة كاملة مقصودة، وقد كان في طبيعته ~~من المرح وطيبة القلب ما عصمة من السخط والمرارة. إنه يشبه رامبو، ~~وإن كان يسير على طريق آخر. ولقد بلغ بشعره إلى النقطة التي يلغي ~~فيها نفسه بنفسه، لا بل يشير إلى نهاية كل شعر وكل أدب وكل كلام، ~~والغريب أن هذه الرغبة الشديدة في الصمت أو ms176 النهاية تتكرر كثيرا ~~في شعر القرن العشرين. ولا بد أنها تدل على حاجة ملحة في ضمير ~~الإنسان الحديث. ~~(10) الغموض # لا بد أن القارئ قد بذل جهدا غير قليل في فهم نصوص مالارميه ~~التي قدمناها في الصفحات السابقة، ولا بد أنه التمس لنا العذر في ~~الترجمة والتفسير اللذين لا يخلوان بالضرورة من العجز والقصور. ~~والحقيقة أن شعر مالارميه - ونثره أيضا إلى حد بعيد - يبدو ~~كأنما كتب لقارئ لم يوجد بعد، أو كأنه يحاول أن يخلق القارئ ~~المتخصص لنصوصه المتخصصة. إنه يقوم كما قلنا على التجرد من النزعات ~~البشرية أو طرح كل ما يتصل بالإنسان من عواطف وغرائز ورغبات. ومن ~~شأن هذا التجريد المستمر للأشياء من واقعيتها وماديتها واستخدام ~~الكلمات استخداما جديدا لتحقيق هذا الهدف أن يحطم المثلث المعروف ~~الذي تتكون أضلاعه من المؤلف والعمل والقارئ، بحيث ينفصل العمل ~~الشعري عن طرفيه البشريين. إن الكتاب - وهو رمز العمل الأدبي ~~لديه - شيء غير شخصي، وبمجرد أن ينفصل عنه المؤلف لا يحتمل أن ~~يقترب منه القارئ. إن من طبيعته أن يقف وحده، مخلوقا، موجودا ~~(ص372). أضف إلى هذا أن رموز مالارميه وصوره واستعاراته ليست من ~~ذلك النوع الذي يمكن أن يقال عنه إنه ملك مشاع بين المؤلف ~~والقارئ. إنه إذا جاز أن نستخدم هذا التعبير، شيء مالارمي خالص. ~~لقد وضع معظم هذه الرموز بنفسه ولا بد أن تفهم من خلال أعماله. ~~وإذا كانت هناك استثناءات ~~قليلة فهي ترجع إلى تراث أدبي قريب يتأثر فيه بودلير بوجه خاص. ~~ومن هنا يختلف الغموض عند الشاعر الحديث مثل مالارميه عنه عند ~~الشعراء القدامى. فهؤلاء كانوا يتعمدون تعقيد العبارة أو استخدام ~~الصور والاستعارات النادرة والكلمات المهجورة، أو يعمدون إلى ~~التلميحات الخفية والتصورات البعيدة عن عالم الواقع لكي يدهشوا ~~القارئ أو يفوزوا بإعجاب نخبة من القراء «الأرستقراطيين» الذين ~~يجدون متعة في حل رموزهم واستكشاف صورهم. ولكن عالمهم الرمزي كان ~~يقوم على كل حال على نوع من الاتفاق الضمني بينهم وبين القراء ~~ويستغل مجموعة مشتركة من الرموز والصور. أما الشاعر ms177 الحديث فهو ~~يختلف عن ذلك؛ إن أسلوبه في الرمز يحول كل شيء إلى «علامة» على ~~شيء آخر، دون أن يدخل هذا الشيء الآخر في معنى مقبول أو مفهوم ~~أو متفق عليه من قبل، ولذلك فهو يخلق لنفسه رموزه الذاتية التي ~~تظل بعيدة عن الفهم المحدود الذي اعتاد أن يربط الرمز بمعناه ~~القديم المتوارث. على أن هذا كله ليس هو السبب الوحيد في غموض ~~مالارميه؛ إنه يستمد شعره الغامض من الغموض «الأصلي» الذي يستقر في ~~صميم الأشياء جميعا، والذي لا يتكشف قليلا إلا «في ليل ~~الكتابة». # لقد عرفنا من قبل كيف كان ديدرو ونوفاليس وبودلير يطالبون ~~بالشعر الغامض. ولكن هذا الشعر الغامض يعد شيئا متواضعا إذا ~~قيس بالغموض الذي وصل إليه شعر مالارميه. صحيح أنهم قد مهدوا ~~الطريق، وأن رامبو سار عليه خطوات. ولكن مالارميه قد وصل فيه إلى ~~الحد الذي لم يستطع معه شعراء القرن العشرين أن يسايروه فيه أو لم ~~يريدوا ذلك ولم يحاولوه. # مثل هذا الشعر المعقد لا بد أن يثير الدعابة. ولقد أثارها في ~~نفس مؤلفه الذي راح في «قصائد المناسبات» (ص81 وما بعدها) يتفكه ~~على أصدقائه من الكتاب والشعراء والناشرين والموسيقيين. يروى من ~~نوادره أن صحفيا استعجله في تسليم إحدى مخطوطات قصائده؛ فما كان ~~منه إلا أن قال له: «انتظر حتى أضع فيها قليلا من الغموض.» وسأله ~~أحد زواره مرة عن معنى إحدى «سوناتاته» وهل تدل على الشفق أو الفجر ~~أو المطلق، فأجابه بقوله: «لا، بل تدل على التسريحة.» ~~(الكومودينو). هذه القدرة على السخرية من النفس لا تتأتى إلا لذوي ~~العقول والقلوب الكبيرة، وهي تكشف بغير شك عن مكمن القوة في مثل ~~هذا الشعر الغامض، تكشف عن حريته في اللعب وبعده عن غرور ~~«الخالدين» وعلمه بأنه شيء مؤقت. # ولكن هذا لا يقلل بالطبع من عزلته وانفراده. ~~(11) شعر يوحي ولا يفهم # ليست اللغة في مثل هذا الشعر أداة للتفاهم والإفادة والتوصيل، ~~لأن هذا يفترض وجود أساس مشترك بين القائل والسامع، أو بين الكاتب ~~والقاري. إن لغة مالارميه ms178 تعبر عن نفسها فحسب، ولذلك لم تضع القارئ ~~في حسابها، أو لم تضع على أحسن الفروض في اعتبارها سوى عدد قليل ~~من صفوة القراء. # وقد أشرنا من قبل إلى الدور الذي يلعبه العبث أو المحال # 19 # في الشعر الحديث. ومفارقة هذا العبث أو المحال موجودة ~~عند مالارميه فيما يمكن أن نعبر عنه بقولنا إنه يتكلم لكي لا يفهمه ~~أحد، ويقل جانب العبثية أو الاستحالة في هذه الحقيقة - وإن لم ~~يقل جانب الشذوذ والغرابة - إذا استطعنا أن نتخلى عن المفهوم ~~الشائع لفكرة «الفهم» واستبدلناه بالإيحاء. فالواقع أن شعر ~~مالارميه يؤثر بتعدد معانيه وإشعاعاته وعذوبة أنغامه غير المألوفة ~~تأثير السحر على سمع القارئ، قبل عقله. إن الشاعر يفكر على حد قوله ~~في قارئ «متفتح لألوان عديدة من الفهم» (ص283). # إن القصيدة تغري القارئ أن يفهمها بطريقته. ليس هذا فحسب، بل ~~إنها تستثيره ليكمل فعل الخلق الذي لم تتمه أو تركته ناقصا عن ~~عمد، إما لأنها تكره النهاية المستقرة الهادئة، أو لأن هذا ينافي ~~طبيعة الشاعر والقارئ معا. # هذه القصيدة التي تنطوي على طاقات وإمكانات لا نهاية لها لا يمكن ~~أن يستجيب لها إلا القارئ الذي حركت طاقاته وإمكاناته في تفسير ~~المعاني والدلالات المختلفة، وليس على هذا القارئ أن يفك رموز ~~القصيدة وأسرارها، بل عليه أن يعايش الرمز والسر نفسه بحيث يحاول ~~أن يكتنه معاني مختلفة ويستكشف دلالات قد لا تكون خطرت على بال ~~الشاعر نفسه. # وسيأتي تلميذ مالارميه العظيم بول فاليري فيعبر عن هذا تعبيرا ~~أكمل وأجمل حيث يقول: «إن معنى أبياتي هو ذلك الذي يعطيه لها ~~القارئ.» وهو نفس المعنى الذي سيعبر عنه شاعر معاصر - سيأتي ~~الكلام عنه في الفصل القادم - بقوله إن للقصيدة الواحدة من المعاني ~~بقدر ما لها من القراء. # القصيدة إذن توحي بالعديد من المعاني والظلال والذبذبات ~~والإشعاعات. إنها لا تحب أن تفهم عن خلال فكرة ثابتة غليظة بل ~~تريد أن ترف وتتردد. وقد استخدم مالارميه اصطلاح الإيحاء للدلالة ~~على هذه المعاني كلها، وهو اصطلاح استخدمه بودلير قبله ms179 وورد كثيرا ~~في سياق كلامه عن سحر اللغة. ويفسر مالارميه ما يريده بالإيحاء حين ~~يقول سنة 1896م عن أزمة الشعر (في التنويعات على لحن واحد ص364) ~~إن المدارس الأدبية الحديثة تشترك في اعتناق نظرة مثالية (أشبه ~~بالسوناتات والفوجات في الموسيقى) تتجنب المواد أو الأشياء ~~الطبيعية كما ترفض كذلك الفكرة المضبوطة التي تقوم بتنظيمها ~~باعتبارها فكرة غليظة لكيلا تكون إلا مجرد إيحاء، «هذا الإيحاء هو ~~نقيض الوصف الموضوعي، إنه إهابة، # 20 # وتلميح # 21 # واستثارة.» # ويزيد مالارميه فكرته عن الإيحاء تحديدا فيقول في موضع آخر في ~~رده على أسئلة عديدة عن الحياة الأدبية وجهها إليه أحد الصحفيين - ~~جول هوريه - ونشر إجابته عليها في جريدة «صدى باريس» (في سنة ~~1891م) إن الإيحاء هو الهدف من الأدب، وليس للأدب هدف سواه، أي ~~الإيحاء بالأشياء لا تسميتها أو وصفها وصفا مباشرا؛ ذلك لأن ~~تسمية الشيء تضيع على القارئ ثلاثة أرباع المتعة الأدبية، متعة ~~التخمين والحدس التدريجي؛ الإيحاء بالشيء، هذا هو الهدف (ص869). إن ~~الأثر الذي يتركه هذا الإيحاء على القارئ هو الجسر الوحيد الذي لا ~~يزال يمتد بين الشاعر الحديث وبين قارئه، ومع ذلك فلا يمكننا أن ~~نتحدث عن نوع من الوحدة أو المشاركة بين الشاعر والقارئ، كما كان ~~الحال مع الشعر القديم. قد يساعد الإيحاء على أن «يهتز» القارئ ~~مع القصيدة. وقد يصل القارئ إلى معرفة الموضوعات الأساسية التي ~~يدور حولها شعر مالارميه ويسير معه إلى الحد الذي يستحيل معه ~~تفسيرها. # ولكن المهم أنه لم يعد من الممكن أن تفرض هذه المعرفة على ~~القارئ. إن غموض هذا الشعر وانعزاله لا يمكن أن يزولا بإرادة أحد، ~~وسيبقى فيه من الغموض ما يوحي بالتساؤل ويثير الرغبة في التفسير ~~بعد التفسير. ~~(12) النسق الأنطولوجي ~~(أ) الابتعاد عن الواقع # تكلمنا في الصفحات السابقة عن الأساس أو النسق الأنطولوجي (الوجودي) # 22 # الذي يقوم عليه عالم مالارميه الشعري، وبخاصة في ~~مرحلة النضج. هذا النسق يشبه الخلفية التي تتحرك القصيدة في ~~أفقها أو على هداها، بحيث تصبح وكأنها تحقيق لحدث أو فعل ms180 ~~أنطولوجي، دون أن يضر هذا بروح الشعر وغنائيته وسره وقدرته على ~~الإيحاء. والذي يلفت النظر إلى هذا النسق أن هناك أفعالا ~~أساسية أو محاور مركزية تتكرر في مختلف القصائد، وتعطى لأبسط ~~الكلمات والصور والأفكار بعدا لا يمكن أن تفسره هذه الكلمات ~~والصور والأفكار وحدها. وقد حاول مالارميه في كتاباته النظرية ~~وفي رسائله أن يشرح هذا النسق الفلسفي الذي يقوم عليه شعره. ~~ولسنا في حاجة إلى مناقشة هذا النسق الوجودي؛ لأننا لا ننظر ~~إليه باعتباره إضافة إلى الفلسفة، بل باعتباره مظهرا من مظاهر ~~الحداثة، فقيمته الحقيقية هي أنه استطاع أن يعطي لتجارب الروح ~~الحديث (كتجربة الفشل في الوصول إلى التعالي أو التنافر ~~والشذوذ، والصدع الذي حدث بين الإنسان والواقع وغيرها من ~~التجارب التي أشرنا إليها) معنى أنطولوجيا، وأن ينقلها من خلال ~~هذا البعد الجديد إلى مجال الشعر. وأود أن أؤكد مرة أخرى أن ~~المهم في هذا كله هو ألا يفقد الشعر جوهره وألا ينسيه هذا ~~الطموح الفلسفي حقيقته الوجدانية. والواقع أن عظمة مالارميه ~~وعبقريته الفنية تنجلي في قدرته على جمع النسق الأنطولوجي ~~والكلمة الشاعرة في تلك النقطة التي يتذبذب فيها النغم وتتعانق ~~الأسرار؛ أي على الأرض التي كانت دائما مهد الشعر ~~ومسكنه. # وقد فهمنا من القصائد التي ناقشناها في بداية هذا الفصل أن ~~التجريد من الواقع أو نفي صفة الحضور عن الأشياء هو من أهم ~~الظواهر أو الأفعال الأساسية في شعر مالارميه. ونستطيع أن نعده ~~استمرارا لنزعة الانفلات والبعد عن الواقع «الضيق» التي ~~رأيناها في كتابات بودلير النظرية وفي شعر رامبو. كما نستطيع ~~أيضا أن نقول إنها ترتبط ارتباطا وثيقا بروح العصر على نحو ~~ما أشرنا في الفصول السابقة (كغلبة النزعة العلمية التي هددت ~~بطرد الأسرار من العالم، وسيطرة الروح التجارية على الطبقات ~~البرجوازية الزاحفة، وظهور تيارات جديدة في الأدب رأى الشعراء ~~فيها تهديدا لهم كالواقعية والطبيعية ... إلخ). على أن الشيء ~~الذي يميز مالارميه هو تعمقه لكل هذه الظواهر والأسباب وتأمله ~~الطويل في موقف الشعر والشعراء والأدب بوجه عام من طوفان ms181 ~~العلم والتجارة والصحافة. ولذلك فليس غريبا أن يكون التجريد ~~من الواقع عنده نتيجة للتنافر بين الواقع واللغة، وأن يفهم هذا ~~التنافر فهما أنطولوجيا. # ومن الصعب بل من المستحيل أن نجد عند شاعر من الشعراء نسقا ~~فلسفيا بمعنى النظام المرتب المتكامل التام من الأفكار، ومن ~~الخطأ أيضا أن نحاول البحث عنه. وكل ما سنجده هو مجموعة من ~~الأفكار أو الأفعال الرئيسية التي نحاول نحن أن ننسقها لغرض ~~الفهم والتقريب فحسب، لا لنجعل من صاحبها فيلسوفا رغم أنفه! ~~ولن يزيد ما سنجده في كتابات مالارميه النظرية عن بعض العبارات ~~التي تفسر هدفه من الشعر والفن، وهو كما قلت الابتعاد عن ~~الواقع أو تجريده. يقول مالارميه في بيتين من إحدى ~~قصائده: # هكذا أغنية الحب، تطير على الشفاه، # إن بدأتها فاطرد منها الواقع، لأنه منحط. # وهو يقول في أحد أحاديثه التي ألقاها في ~~أكسفورد (ص642 وما بعدها) إن الطبيعة موجودة أمامنا، ولن ~~نستطيع أن نضيف إليها سوى بعض الاختراعات المتصلة بحياتنا ~~المادية كالمدن والسكك الحديدية، أما العمل الوحيد الذي يدل ~~على الحرية الحقيقية فهو إدراك العلاقات الخفية المتعددة بفضل ~~حالة باطنية تمتد حسب تقديرها فوق العالم وتبسطه. هكذا تكون ~~طبيعة الخلق: «إيجاد الكلمة التي تدل على شيء غير موجود» ~~(ص647). # وحذف الواقع الموضوعي أو استبعاده يرتبط بعمل المخيلة ~~الخلاقة ويؤدي هذا إلى عمليات مختلفة ومتعددة، منها على سبيل ~~المثال استخدام المواد غير العضوية أو غير الطبيعية استخداما ~~رمزيا. فنرى مثلا - كما رأينا عند بودلير من قبل - كيف ~~تصبح المعادن والجواهر النفيسة والأحجار الكريمة علامات ترمز ~~للحياة العقلية والروحية التي تسمو على الطبيعة. من هنا نفهم ~~دور هذه الأشياء في القصيدة الحوارية «هيرودياد» كرمز معادل ~~للمرحلة التي تريد هذه العذراء الغريبة أن تصل إليها وهي كما ~~قدمنا مرحلة قتل الحياة الطبيعية والغريزية فيها. # ومن هنا أيضا نفهم ~~غرام مالارميه بوصف الحلي والملابس وقطع الزينة في مجلته «آخر ~~مودة» التي أشرف على تحريرها وظهر أول أعدادها في السادس من ~~سبتمبر سنة 1874م - تحت اسم مستعار هو ms182 ماراسكان - وأكملت ~~ثمانية أعداد قبل أن تنتقل إلى سيدة اهتمت بتفاهات الزواج ~~وفضائح باريس. وكان يشارك في تحريرها أصدقاؤه من الشعراء ~~والقصاصين والموسيقيين، كما كانت تهتم بالملابس والحلي والأثاث ~~وأخبار المسرح. والغريب أن أول مقال كتبه مالارميه فيها كان عن ~~الحلي، ويقال إنه كان يعد بحثا عن الأحجار الكريمة لم يعثر ~~له على أثر! على أن تجريد الواقع كان يتجلى أقوى وأوضح ما يكون ~~في تصوير مالارميه للأشياء في صورة الغائبة، وفي تلافي كل ~~معنى لغوي محدد أو كل معنى واحد وثابت، بغية الإيحاء بمعاني ~~مختلفة للكلمة الواحدة. وكان من وسائله إلى ذلك ما يسمى بال Périphrase # أي المواربة أو ~~الدوران حول المعنى (كأن تسمي القمر مصباح الليل أو كوكب ~~الظلام، أو تسمي العصفور رسول الربيع ... إلخ). وهنا يلاحظ ~~النقاد أن أسلوب مالارميه في طمس معالم الواقع وإخفائها يشبه ~~إلى حد كبير أسلوب أدب عصر الباروك - وبخاصة في فرنسا - ~~الذي كان ينزع إلى الزخرف والتزين والتصنع. كانت وظيفة ~~المواربة أو الدوران حول المعنى هي تخليص الشيء من ماديته ~~الغليظة، وتحرير الكلمة من معناها العادي المستهلك. ولكنه كان ~~يذهب إلى أبعد من هذا فيحلل الشيء الموصوف إلى خصائص أو كيفيات ~~تتصل بحالات النفس الباطنة. ونضرب لذلك مثالا بيتين من قصيدة ~~«هيرودياد» التي أشرنا إليها. تقول العذراء مخاطبة مربيتها: ~~«أشعلي أيضا هذه الأضواء، حيث يبكي الشمع في ناره الخفيفة ~~ووسط الذهب العقيم دمعة غريبة» (ص48). # تدور هذه الأبيات كما ترى حول الشمعة، ولكن الشيء المحدود ~~يدخل في أفق غير محدود من العلاقات الرمزية. فهناك البكاء ~~والغربة والعقم أو الإحساس بالعبث والزوال، وكلها تكون ~~المضمون الحقيقي للأبيات. لقد انقطعت صلتها بالشمعة، وأصبحت ~~ترتبط بالحالة الوجدانية التي تعيش فيها هذه العذراء التي تريد ~~أن تميت جسدها وجمالها (وهو فعل صوفي أصيل وقديم) كما ترتبط ~~بالموضوعات الأساسية التي تشغل فكر مالارميه وأدبه. ~~(ب) المثالية، المطلق، العلم # تلتقي نزعة البعد عن الواقع بنزعة أخرى إلى المثال. وقد ~~يبدو مالارميه في بعض الأحيان في صورة أفلاطونية. وقد ms183 تؤكد ~~هذا بعض عباراته التي توحي لأول وهلة بأنه أفلاطوني صميم. ~~فهو يقول مثلا في إحدى قطعه النثرية التي سماها «ميداليات ~~وشخصيات»: إن التغيير الإلهي، الذي يحيا الإنسان لتحقيقه، يسير ~~من الواقع إلى المثال (ص522). هذا الاتجاه من الواقع إلى ~~المثال، أو من أسفل إلى أعلى، هو في حقيقته شيء غير أفلاطوني؛ ~~فليس للمثال هنا أي وجود ميتافيزيقي مستقل، كما أن كل ~~الأوصاف الإيجابية التي يصفها به تظل غامضة كل الغموض. # والحقيقة أنه لا يتحدد إلا حين يصفه وصفا سلبيا فيسميه ~~العدم # Le néant # وبذلك يخطو ~~مالارميه الخطوة الأخيرة الحاسمة التي تكمل الخط الذي تتبعناه ~~من بودلير ورامبو ووصفناه «بالمثالية الفارغة» أو «الترانسندنس ~~الخاوي». # لا يمكننا أن نتتبع في هذا المجال كيف وصل مالارميه إلى فكرة ~~العدم، ولا كيف تأثر فيها بالفلسفة الألمانية (هيجل وشيلنج ~~وفشته) كما يرجح بعض الدارسين، فقد يناسب ذلك بحث آخر ~~مستقل ولكننا سنقتصر على بعض الملاحظات التي تتصل بشعره قبل كل ~~شيء. فالملاحظ أن مالارميه بدأ منذ سنة 1865م يستخدم في قصائده ~~كلمة «العدم» للتعبير عن نفس الموضوعات التي كان يعبر عنها في ~~قصائده السابقة بكلمات مثل «زرقة السماء» أو «الحلم» أو ~~«المثال». صحيح أن الشاعر حر في اختيار كلماته، ولكن تغير ~~الكلمات هذا التغير الملحوظ يدل بغير شك على تغير في الموقف ~~الفكري والفلسفي، وبخاصة إذا تذكرنا أن هناك كلمات معدودة ~~تتكرر في قاموس كل شاعر كبير ويمكن أن تكون دليلا على منحاه ~~الفكري والنفسي. # ومن أبرز الأمور دلالة على هذا الاتجاه عند مالارميه هذه ~~العبارة التي يقولها في إحدى رسائله سنة 1866م: «العدم هو ~~الحقيقة.» ومن أبرز النصوص أيضا هذا النص الهام المحير الذي ~~أشرنا إليه من قبل وهو الذي جعل عنوانه الظرف اللاتيني # Igitur ~~(بالتالي - ولهذا ~~السبب) والذي كتبه سنة 1869م. والنص محير كما قلت؛ محير في ~~طريقة كتابته التي تشبه الكلمات المتقاطعة التي تنتشر على ~~الصفحة بغير ترتيب كما تنتشر النجوم على صفحة السماء. # والحق أنني لست متأكدا من فهم النص، ms184 ومع هذا فسوف أعرض عليك ~~ما فهمته منه. إنه يتكلم عن شخصية غريبة تتأرجح بين المطلق ~~والعدم، والمطلق يدل على حالة من المثالية تلاشت منها كل ~~«مصادفات» وأعراض العالم المادي والتجريبي. ولكن الخطوة التي ~~تؤدي إلى المطلق تمر بالمحال أو العبث (لاحظ ورود هذه الكلمة ~~المشهورة في أيامنا عند مالارميه) أي تمر بمرحلة تتخلى فيها ~~هذه الشخصية عن كل ما هو طبيعي ومعتاد وحي. ولكن المطلق - الذي ~~لم يسمه بهذا الاسم إلا لأنه يدل على «الانطلاق» والخلاص من ~~كل صلة بالزمان والمكان والأشياء - هو العدم نفسه في نهاية ~~الأمر. # يقول «إجيتور» في نهاية القسم الثاني تحت عنوان «يترك الغرفة ~~ويضيع بين السلالم» (ص439): «دقت ساعة الرحيل. سيحل نقاء ~~المرآة، بغير هذه الشخصية، رؤية ذاتي، لكنه سيحمل النور معه! ~~الليل! فوق الأثاث الفارغ، احتضر الحلم في هذه القنينة ~~الزجاجية (التي تحمل السم!)، نقاء، يشتمل على جوهر ~~العدم.» # إن «إجيتور» يحاول الفكاك من أسر الصدفة والخروج من ممر ~~الزمن بماضيه وحاضره، والعودة إلى ذاته خلال النظر في المرآة، ~~والوصول إلى المطلق واللامتناهي عن طريق التحرر من الصدفة. إنه ~~يفعل كل ما يستطيع ليتحرر منها ويلغيها: يغلق الكتاب، يطفئ ~~الشمعة، يضرب الزهر، يرقد على ذرات تراب الأجداد، يشبك ذراعيه ~~على صدره. غير أن المطلق يتلاشى. ويتبين أن كل فعل يقوم به مع ~~الصدفة فعل عقيم؛ لأنها توجد دائما ولا توجد، وتحتوي المحال ~~أو العبث في حالة الكمون. ويهبط أخيرا إلى المقابر على شاطئ ~~البحر ومعه قنينة السم التي «تحتوي على قطرات العدم التي يفتقر ~~البحر إليها.» ويرقد المسكين على تراب النجوم، ويلقي الزهر ~~أمامه، وعندما يسكن يكون الزمن أيضا قد توقف بكل ما فيه من ~~حياة ومن موت، ولا يبقى في نهاية المطاف غير الفضاء الفارغ ~~المطلق، أو العدم. # حرص مالارميه على ألا يغرق نفسه في تأملات نظرية عن العدم. ~~وعلينا نحن أيضا أن نتجنب ذلك ما أمكن، وإن كان هذا لا ~~يمنعنا من التنويه بأهمية هذه الفكرة في شعره. وينبغي ألا يغيب ms185 ~~عنا على كل حال أن هذه الفكرة السلبية، بل أشد الأفكار في ~~سلبيتها، قد نفذت بكل هذه القوة إلى إحدى قمم الشعر الحديث، ~~لكي ترسل بعد ذلك ضوءها المعتم على الشعر المعاصر كله. # ومع ذلك فينبغي علينا أن نحذر من الخطأ الذي يمكن أن نقع فيه ~~لو تصورنا هذا العدم من الناحية الأخلاقية أو فهمناه كما فهمه ~~نيتشه على أنه «فقدان كل القيم لقيمتها». إن فكرة العدم عند ~~مالارميه فكرة أنطولوجية تمتد جذورها بغير شك في الفلسفة ~~المثالية. ولسنا في حاجة كما قدمت لأن ننسب للشاعر فلسفة ~~معينة، ولكن يمكن أن نقول بوجه عام إن الشيء الذي يشغل ~~مالارميه هو قصور الواقع وعجزه، والاعتقاد بقصور الواقع وعجزه ~~لا يصدر إلا عن فكر مثالي. فإذا كان المثال الذي يسعى إليه ~~الشاعر ويقيس به الواقع من السمو والارتفاع بحيث لا يدركه ~~التحديد بل يظل نوعا من عدم التحدد الخالص فلا بد في هذه ~~الحالة أن يسمى بالعدم. وقد رأينا شيئا من هذا عند بودلير ~~ووجدنا فيه تفسيرا لضيقه بالواقع والعصر والمدينة. ولا بد أن ~~مالارميه قد تأثر بفكرته عن المثالية الفارغة ففهم من العدم ~~أنه قوة عليا تقهر الروح وتسيطر عليها ولا بد أيضا أنه تأثر ~~بذلك القدر العام الذي خيم على الروح الحديث فجعل الأدباء ~~والشعراء يقفون من العقيدة والتراث موقف المعارضة أو الرفض في ~~معظم الأحيان، فلا يتركون المثال الأعلى أو المتعالي كما ~~سميناه فارغا أجوف فحسب (كما فعل بودلير ورامبو) بل يخطون ~~خطوة أبعد فيحيلونه (كما فعل مالارميه نفسه) إلى عدم ~~خالص. # إن عدمية مالارميه تعبر عن مطلب طبيعي للعقل الحديث الذي ~~يستبعد كل المعطيات لكي يطلق العنان لحريته الخلاقة. إنها ~~عدمية مثالية تنبع من تصميم هائل على التجريد، ورغبة في ~~اعتبار المطلق جوهر الوجود الخالص (من كل المضمونات). ولو أن ~~الأمر اقتصر على هذا لقلنا فلسفة كسائر الفلسفات. ولكن ~~مالارميه حاول أن يقرب الأدب منها، ويجعل العدم حاضرا في ~~اللغة نفسها، بقدر ما تسمح بذلك قدرته على تجريد ms186 الواقع أو ~~تحطيمه واستبعاده. # المهم بعد هذا كله أنه لم يقدم لنا مجموعة من الأفكار ~~النظرية التي يمكن الحصول عليها - وربما بشكل أدق وأكمل - ~~في أي كتاب فلسفي، بل عبر عنها في شعر استطاع أن يحافظ على ~~روحه الخالدة، ويبقي على خصائصه المميزة من غنائية وسحر وغموض ~~وإيحاء. ~~(ج) العدم واللغة # كيف استطاع مالارميه أن يحل هذه المشكلة؟ # كيف أمكنه أن يعبر عن العدم بالكلمة؟ # الواقع أن المشكلة الأنطولوجية الأساسية عنده تنصب على ~~العلاقة بين العدم واللغة، وهي في نفس الوقت مشكلته كشاعر. ~~وإجاباته عليها تحمل آثارا من فكرة اللوجوس (الكلمة، المعنى، ~~الكل) عند الإغريق وان كانت مع ذلك لا تدل على أنه تأثر بهم ~~بصورة مباشرة، وليس ببعيد - لمن يعرف شخصيته ومزاجه وأسلوب ~~تفكيره - أن يكون قد فكر في المشكلة تفكيرا مستقلا. وليس ~~ببعيد أيضا أن يكون قد تأثر - عن وعي أو غير وعي - بنظرية ~~الرومانتيكيين في اللغة فسار بها إلى غايتها، دون أن يدري أن ~~هذه النظرية تحمل أصداء بعيدة من التفكير اليوناني. مهما يكن ~~من شيء فإننا نجده يكتب هذه العبارات في إحدى رسائله سنة ~~1867م: «أنا الآن غير شخصي. لم أعد أنا ستيفان الذي عرفته، بل ~~استحلت إلى قدرة من قدرات العالم العقلي على رؤية نفسي وتفتيح ~~طاقاتي وذلك عن طريق ما كانته ذاتي. لا زال في وسعي أن أنهض ~~«بالتفتحات» التي لا بد منها حتما لأجل أن يجد العالم ذاتيته ~~أو هويته في هذه الأنا.» # ومع أن هذه العبارات قد صيغت صياغة معقدة غير موفقة، فليس ~~من الصعب أن نستشف معناها على وجه التقريب. يريد مالارميه أن ~~يقول إن هناك «أنا» أو «ذاتا» أخرى قد حلت محل الأنا أو ~~الذات التجريبية التي كان يعرفها في نفسه ويعرفها أصدقاؤه عنه. ~~وهذه الأنا «غير شخصية»، وهي المكان الذي يحقق فيه العالم أو ~~الكون «ذاتيته العقلية» والروحية، أو بمعنى آخر يصل إلى الوعي ~~بنفسه. # ولنقرأ أيضا هذه العبارة التي كتبها في سنة 1895م: «إن ~~جنسنا البشري قد وكل ms187 إليه شرف أن يعطي للخوف الذي تحس به ~~الأبدية الميتافيزيقية المغلقة تجاه نفسها - والذي تحس به ~~بطريقة تختلف عن إحساس الوعي الإنساني به - أن يعطي لهذا ~~الخوف أحشاء» (ص391). # هذه العبارة المزدحمة بالصور الغامضة تكمل العبارات التي ~~وردت في رسالته السابقة. وكلاهما يدور حول فكرة واحدة هي أن ~~الموجود المطلق يتحقق في الإنسان باعتباره عقلا أي باعتباره ~~لغة أو كائنا لغويا قبل كل شيء، بحيث يولد هذا المطلق في ~~اللغة لا في أي مكان آخر. إن المطلق، أو العدم بتعبير ~~مالارميه، يدعو اللغة - أو الكلمة اللوجوس - لكي يظهر فيها ~~بصورته الخالصة، ولكي تكون المجال الوحيد الذي يتحقق ~~فيه. # هذه الفكرة توضح كثيرا من الألغاز التي تحيرنا في أدب ~~مالارميه، وفي مقدمتها تجريد الأشياء أو إحالة كل ما هو واقع ~~إلى «الغياب»، أي التعبير عن الموجود الحاضر كما لو كان ~~غائبا، على نحو ما بينا في بداية هذا الفصل. هذه الظاهرة ~~التي نلاحظها دائما لديه ليست مجرد إدانة للواقع. إنها فعل ~~ينبغي أن يفهم من الناحية الأنطولوجية؛ إذ تستطيع اللغة عن ~~طريقه أن تحيل الشيء إلى «الغياب»، وأن تجعل هذا الغياب ~~معادلا للمطلق (أو للعدم)، وتحقق الحضور الخالص (من كل صفات ~~الشيئية والمادية) في الكلمة. أي أن ما يلغى ويتحطم من الناحية ~~الموضوعية والواقعية عن طريق اللغة (وذلك عندما تعبر عن بعده ~~أو غيابه أو عدمه، يعود فيتلقى من هذه اللغة نفسها وجوده ~~العقلي، وذلك عندما تسميه). # هكذا يتأكد سلطان الكلمة في الأدب الحديث كما تتأكد قوة ~~الخيال غير المحدود على أسس أنطولوجية. فالكلمة هي الفعل ~~الخلاق للروح الخالص، ومن تمام حريتها ألا تقيم وزنا للواقع ~~التجريبي، بل تترك لحركاتها الخالصة التي توجهها كيف تشاء أن ~~تبعث إيقاعاتها وإيحاءاتها. # ولعل من أهم ما يتميز به مالارميه أنه لم يفهم هذه الحركات ~~فهما ذاتيا، بل نظر إليها كأحداث أو أفعال أنطولوجية تحمل ~~ضرورتها في ذاتها. وعلى الرغم من ذلك نجده يسمي «العقل المطلق» ~~مخيلة، كما يسميه حلما، وقد استعملت الكلمتان من قبل ms188 ~~للدلالة على حرية الخلق، والواقع أن ظهور الكلمتين عنده ~~يفيدنا فائدة كبيرة، إذ يمكننا من تتبع الطريق الطويل الذي ~~سارت فيه كلمة المخيلة (أو الخيال الخلاق) منذ أواخر القرن ~~الثامن عشر حتى تسلمها القرن العشرون، ويستطيع القارئ أن يراجع ~~ما قلناه عنها عند الكلام عن روسو وديدرو وبودلير ورامبو، ليرى ~~كيف اتفقوا على أنها قوة تسمو على الواقع، لا بل ذهبوا إلى ~~القول بأنها ملكة دكتاتورية طاغية. # لم يقف مالارميه عند هذا الحد بل ارتفع بالمخيلة إلى مستوى ~~أعلى، أصبحت هي المكان الذي يتحقق فيه الوجود العقلي للموجود ~~المطلق؛ بهذا تكون فكرة المخيلة قد تطورت تطورا طبيعيا حتى ~~صارت إلى ما هي عليه عند مالارميه. وإذا دل هذا على شيء فهو ~~يدل على وحدة البناء التي طالما أشرنا إليها في الشعر الحديث ~~وفي «فن الشعر» الحديث على السواء. # وفكرة مالارميه عن المخيلة تبرر من ناحية أخرى أهم خصائص ~~شعره، ألا وهو تحطيم الواقع. ويبدو أنه قد فطن إلى هذه الخاصية ~~الأساسية قبل أن يجد الأساس الأنطولوجي الذي يفسرها. فهو يقول ~~في رسالة له سنة 1867م إنه لم يستطع أن يخلق أعماله إلا بالحذف ~~أو الاستبعاد، وإنه قد تعمق باستمرار في تجربة «الظلمات ~~المطلقة». ثم يقول مشيرا إلى بياتريش حبيبة دانتي الخالدة: « ~~أصبح التحطيم عندي هو بياتريش.» # وإذا كانت عبارات الشاعر التي يقولها عن نفسه لا تكفي بالطبع ~~لتفسير شعره، فيكفي أن نرجع لبعض الكلمات التي يكثر من ~~استعمالها. فمن هذه الكلمات التي يميل دائما إلى استعمالها ~~للدلالة على تحطيم الواقع أو إبعاد الأشياء كلية # Abolition # أي الطمس أو ~~الإلغاء والتحطيم. وهناك كلمات أخرى تعيش في جوارها أو تدور ~~في فلكها مثل: فجوة، فراغ، بياض، نقاء، غياب، وكلها كلمات ~~«سالبة» تعد مفاتيح هامة لفهم شعره وتأملاته النظرية في ~~الشعر، وثمة كلمة أخرى تبدو إيجابية على عكس الكلمات السابقة، ~~وهي كلمة «زهرة» التي ترد في بعض الأحيان في صور ~~أخرى كالوردة أو السوسنة ... ~~إلخ، وتدل في كل الأحوال على أن اللغة هي ms189 الجوهر الذي يميز ~~الإنسان: «إن الإعلاء من شأن الكلمة معناه الإشادة بأخص ما ~~يميز جنسنا البشري، وأدلة على صميم كيانه، ألا وهو اللغة» ~~(ص492). # وهل تتجلى فاعلية اللغة بأقصى طاقتها إلا في الأدب؟ # ها هي ذي عبارة أخرى توضح ما نقصده: «ما الفائدة إذن من ~~تحويل واقعة من الوقائع الطبيعية إلى ما يشبه أن يكون تلاشيها ~~التام عن طريق اللعب باللغة، إن لم تخرج من ذلك - بغير أن ~~يزعجها القرب الوثيق - الفكرة الخالصة كما تنبثق الزهرة، أقول ~~زهرة، فترتفع بالنغم فكرة حلوة معطرة، تفتقر إليها كل ~~الباقات» (ص368). # ونحسب الآن أن هذه العبارات لم تعد في حاجة إلى تفسير. فها ~~هو ذا الشاعر يفسر الأدب مرة أخرى كإلغاء للشيء، أو حذف ~~للواقع، ثم يكمل هذه الفكرة بأن هذا الإلغاء أو الحذف لا يتم ~~إلا لأن الشيء ينبغي أن يتحول في اللغة أو في الكلمة إلى فكرة ~~خالصة أو ماهية عقلية. ولكن هذه الفكرة لا توجد أبدا إلا في ~~الكلمة الشاعرة؛ ولهذا يقول إن الزهرة تفتقر إليها كل ~~الباقات. # بهذا يصبح الأدب فعلا وحيدا يشع بأحلامه وألعابه وأنغامه ~~السحرية في عالم محطم منهار. ويصبح ما يقوله في النهاية ~~مجموعة من التوترات والاهتزازات والأشكال المجردة التي توحي ~~بمعاني مختلفة لا حد لها. # وهكذا نلتقي مرة أخرى بفكرة الأرابيسك التي وجدناها عند ~~بودلير، ونرى كيف توسع مالارميه فيها بحيث أصبحت «أرابيسك ~~شاملة» أو بتعبير آخر يأتي بعده مباشرة «ترقيما صامتا ~~بالرموز والألغاز». # 23 ~~(د) أظافرها الناصعة # لا شك أن العبارات السابقة لا تزال في حاجة إلى توضيح. ~~وتوضيح المعاني النظرية التي يقوم عليها الشعر أو تعيش في ~~«خلفيته» لا يتم إلا بتقديم نموذج منه نحاول أن نتذوقه ~~بالأذن والقلب والعقل جميعا. ولذلك يحتاج الكلام السابق عن ~~الفعل الشعري الذي يحطم الواقع الموضوعي ثم يعيد خلقه في اللغة ~~إلى تفسير، والتفسير يحتاج إلى نص، والنص الذي نقدمه سوناتة ~~تركها مالارميه بغير عنوان، وانتهى من صياغتها الأخيرة في سنة ~~1887م، وتبدأ بهذه الكلمات «أظافرها النقية ms190 أو (الناصعة) # 24 ~~» ... إلخ (ص68). # كتب مالارميه الصيغة الأولى للقصيدة في سنة 1868م وكانت ~~كلماتها تختلف عن الصيغة التي بين أيدينا اختلافا كبيرا ~~(راجع صفحة 1488 من الطبعة الكاملة)، وإن شابهتها تماما من ~~ناحية الفكرة والموضوع. وقد استقبلت القصيدة لأول مرة أسوأ ~~استقبال، وأعلن أصدقاء الشاعر الذين تناقلوها فيما بينهم (إذ ~~لم تنشر إلا في سنة 1887م) يأسهم التام من فهمها ودهشتهم ~~لغرابة قافيتها، وإن أبدى بعضهم إعجابه بالشاعر الذي يشرفه أن ~~يتحدى أذواق الجماهير! مهما يكن من شيء فقد عمد مالارميه - على ~~غير عادته - إلى التعليق على هذه القصيدة - أو على صيغتها ~~الأولى - في خطاب أرسله في يوليو سنة 1868م إلى صديقه هنري ~~كازاليس وقال فيه: ~~«إنني أستخرج هذه السوناتة من دراسة شرعت في كتابتها عن ~~الكلمة، إنها مقلوبة، أريد أن أقول إن معناها - إن كان لها ~~معنى - (وأنا أعزي نفسي بالعكس بفضل ما تحتويه من الشعر) يوحى ~~به انعكاس داخلي للكلمات نفسها. وإذا همس بها الإنسان عدة ~~مرات شعر بإحساس سري غامض # 25 ~~... إنها تتألف بقدر الإمكان من «الأبيض والأسود»، ~~ويبدو لي أنها تصلح أن تكون نقشا محفورا مليئا بالحلم ~~والفراغ. على سبيل المثال: نافذة ليلية مفتوحة، حجرة ليس ~~فيها أحد، ليلة مكونة من الغياب والسؤال، بغير أثاث، اللهم إلا ~~خطوط موائد غامضة مثبتة تحت مرايا (كونسولات) ومرآة معلقة في ~~الخلفية في لحظة احتضار، تعكس «الدب الأكبر» بصورة نجمية غير ~~مفهومة فتربط هذا البيت المهجور بالسماء» (ص1489). والتعليق ~~على وعورته يصدق أيضا على النص في صيغته الأخيرة التي سأحاول ~~تقديمها إليك بقدر ما تسعفني الترجمة: # بأظافرها الناصعة تمنح العقيق، # 26 # القلق، وتحمل كرافعة المشاعل في منتصف الليل # بعض أحلام السماء التي أحرقتها العنقاء، # 27 # ولم يتلقها وعاء رماد # على المناضد، في الصالة الخاوية: لا ثنية ~~(قطعة) زينة مطموسة، عقمها يرجع الصدى # لأن المعلم قد ذهب يغرف الدموع من الستيكس، # 28 # ومعه هذا الشيء الفريد الذي يفاخر العدم به. # ولكن بقرب النافذة المواربة في اتجاه الشمال، # ربما يحتضر ذهب ms191 على طول الديكور، # 29 # الذي يصب منه وحيدو القرن النار على جنية الماء، # 30 # هي، السحابة المطفأة # 31 # في المرآة، وإن كانت # في النسيان المغلق في الإطار، سرعان # ما يسكن سباعي النغم # 32 # الباهر التلألؤات. # من الصعب كما أكدت مرارا أن نقدر هذا الشعر ~~في غير لغته الأصلية. فالقصيدة تحيا على انعكاس الكلمات بعضها ~~على بعض، ونتابع حركتها وفقا للأنغام ورنين الأصوات لا ~~للمعنى. والقوافي في الأصل لها سحر غريب نافذ، ينبع من صوتها ~~وندرتها؛ ولذلك تفقدها الترجمة أو أي ترجمة أخرى أهم ما ~~يميزها، وهو الروح الموسيقية. وهناك كلمات يونانية غريبة ~~الأصل، لم يضعها الشاعر ليضفي على قصيدته لونا محليا أو ~~ليباهي بعلمه، بل ليزود النص بطاقة لغوية تثير الغرابة (وترى ~~هذه الكلمات في هامش الترجمة). # ماذا تقول القصيدة؟ هل نستطيع أن نجد لها معنى؟ هل نتبين ~~فيها حدثا أو فعلا؟ # أول ما يقابلنا هو القلق # angoisse # الذي يسود القصيدة كلها. صحيح أنه ~~يظهر في شكل رمزي، ولكنه خال من الحياة. ثم هناك الليل، ~~والقاعة (أو الصالة) الخاوية، ومرآة، ونافذة مفتوحة، وذهب ~~ينطفئ نوره. وهناك أشياء أخرى، ولكن وجودها لغوي فحسب؛ «فحلم ~~المساء» «محترق»، وما من وعاء أو جرة رماد تتلقاه. وهناك الثنيات # 33 ~~(القصيدة تذكرها بالنفي فتقول لا ثنيات). ثم يأتي ~~بيت هام يقول عن هذا الشيء المطموس إنه لا أهمية له # aboli bibelot # أو زخرف بلا ~~قيمة، وإنه لا يوجد إلا في النغم وحده، وإن كان هذا النغم ~~عقيما لا جدوى منه، لأنه عاجز وقاصر. # ثم نفاجأ ببيتين غريبين وضعهما الشاعر بين قوسين يقولان ~~إن المعلم قد ذهب ليجلب الدموع من نهر في العالم السفلي، وإنه ~~قد حمل معه هذا الشيء الفريد الذي يفاخر به العدم أو يشرف ~~به. # ولكن من هو هذا المعلم؟ وأي مجد هذا الذي يفاخر به العدم؟ إن ~~العدم يبلغ المجد عن طريق هذا الشيء المطموس الذي لا يوجد إلا ~~في الكلمة التي تسميه. أي أنه لا يوجد وجودا «ماديا» وإنما ~~يكون وجوده ms192 الخالص النقي في اللغة وحدها. # وجنية الماء النيكسي # Nixe # في المقطوعة الثالثة سحابة مطفأة أو ميتة. وإذن فكل الموجودات ~~التي تسميها القصيدة غائبة، وليس بحاضر إلا النافذة والمرآة. ~~ومن يعرف رامبو يعرف أنهما رمزان لاستشفاف اللامتناهي أو ~~المتعالي. وكل ما عداهما من أشياء يلغى أو ينطمس في نفس الوقت ~~الذي يولد فيه في اللغة وتسري في النص كله عملية انطفاء أو ~~موت تدريجي تصاحب الانتقال المستمر من «الحضور» إلى ~~«الغياب». # وفي النهاية نسمع أن لألأة النجوم «سرعان» ما تسكن أو تهدأ ~~ونلمح من هذا أن الزمن الذي كان أقرب إلى السكون في ~~المقطوعتين الأوليين، سينتقل إلى حالة «اللازمانية أو ~~الأبدية» أو المطلق؛ أي أنه «سيكون» في المستقبل. والسر في هذا ~~أن القصيدة لا تستطيع أو لا تريد أن تقترب من المطلق إلا في ~~صيغة المستقبل أو الافتراض والاحتمال، كما لم تستطع أو لم ترد ~~أن تقرب من الغياب (أو العدم) إلا عن طريق الرمز. ولو أنها ~~حاولت أن تنقل المطلق (اللازمانية واللاشيئية) إليها لما أمكن ~~على الإطلاق أن توجد كقصيدة، ولأصبحت لحظة صمت أو بقعة بيضاء ~~فارغة (وخواطر مالارميه مليئة بحبه العميق للبياض والورق ~~الأبيض الناصع الذي كان لا يمل النظر فيه ساعات طويلة!). إن ~~اللغة تقف عند الحد الأخير الذي تستطيع فيه - عن طريق طمس ~~الأشياء - أن تخلق بالكلمة النافية السالبة ذلك المجال الذي ~~يمكن أن يدخله العدم. ودخول العدم يصحبه الخوف والقلق (الذي ~~يسيطر على القصيدة كلها كما قدمنا). هذا القلق هو الذي ينتشر ~~ويغرق الأشياء القليلة الباقية، ويجعلها مخيفة ورهيبة، بل يزيد ~~من خوفها ورهبتها أن كل ما يجاورها من أشياء قد غاب وانطمس ~~وسقط في لجة الظلام والعدم. كل هذا من عمل اللغة. وما يحدث في ~~عالم اللغة لا يمكن أن يحدث في أي عالم واقعي. ~~(13) النشاز في شعر مالارميه # حاولنا في السطور السابقة أن نقدم هذا الشاعر العسير في ثوب ~~متجانس ما أمكن. وهذه المحاولة شيء يلجأ الدارس إليه بالضرورة، حتى ~~ولو خالفت الواقع الأدبي ms193 والفكري الذي يعالجه. والحقيقة التي لا ~~يمكن أن تغير منها الدراسة هي أنه شاعر صعب معقد، لغته مليئة ~~بالغرائب والألغاز. هناك صدع يشق بناءه الفكري كله، وهو نفس الصدع ~~الذي لاحظناه من قبل عند بودلير ورامبو بين اللغة والمثال، ~~والإرادة والقدرة، والطموح والغاية. ولكن مالارميه يزيد هذا الصدع ~~عمقا حين يبرره تبريرا أنطولوجيا. ومع ذلك فليس هذا الصدع سوى ~~وجه من وجوه الظاهرة التي لاحظناها في الشعر الحديث كله ووصفناها ~~بالنشاز الذي يسيطر على بنائه. ولعل الفارق الذي يميز مالارميه عن ~~الشعراء الذين سبقوه هو أن هذا النشاز قد أصبح عنده، إن صح هذا ~~التعبير، نشازا أنطولوجيا. # لننظر في هذا الكلام، كما فعلنا من قبل وكما ينبغي أن يفعل ~~الدارس دائما على ضوء بعض النصوص. هناك كلمات تتردد كثيرا عند كل ~~شاعر، وتدل إذا أحسنا النظر فيها على عالمه الشعري والنفسي ~~والفكري. من هذه الكلمات عند شاعرنا: الصخرة، الغرق، السقوط، ~~الليل، العبث والزوال ... إلخ. وكلها مفاتيح لتجربة كبيرة واحدة هي ~~تجربة الفشل والخيبة (بشرط ألا نفهمها فهما نفسيا أو ذاتيا بل ~~فهما فلسفيا وأنطولوجيا يرمز إلى العجز عن الوصول إلى المثال ~~والمطلق، والسعي إلى بديله الوحيد وهو العدم الذي يحاول الشاعر أن ~~يظهره في مجاله الوحيد وهو اللغة). # غير أن الفشل لا يظهر في الكلمات وحدها؛ إنه يعبر عن نفسه أيضا ~~في الحدث الرمزي للقصيدة كلها. وهذا الفشل على نوعين: فشل اللغة ~~تجاه المطلق (ونستطيع أن نسميه تجاوزا الفشل الذاتي)، وفشل المطلق ~~تجاه اللغة (ونستطيع أن نسميه الفشل الموضوعي). # وقد قدمنا أمثلة عديدة للنوع الأول نستطيع الآن أن نستكملها ~~بأمثلة أخرى. يقول الشاعر في إحدى العبارات الأخيرة من القطعة التي ~~أشرنا إليها من قبل (إجيتور ص451) إنني أستخرج الكلمة لكي أغمسها ~~من جديد في عقمها (عبثيتها أو لا جدواها) # 34 ~~... ويقول في موضع آخر من التنويعات على لحن واحد ~~(ص371): «إن كل ما يقدمه الإنسان للمثال كمركبة أو مسكن إنما يناقض ~~طبيعته.» ويستطرد في نفس الموضع فيقول: «إن العمل الأدبي ms194 ووسائله ~~يلطخان بعضهما البعض بالتبادل» (ص371). # ولعل تفسير هذه العبارات الغامضة هو أن المثالية التي يريد ~~الأديب أن يحققها في عمله تظهر ما في اللغة من عجز وقصور وانحطاط؛ ~~تمنع تحقيق ذلك المثال الأسمى. # وإذا تركنا «إيجتور» جانبا وجدنا عملا آخر من أعمال مالارميه ~~المتأخرة (يتميز بالطبع الغريب لكلماته التي رتبت كما قدمت على ~~طريقة الكونترابنكت في الموسيقى ووزعت على الصفحات كأنها نثار من ~~النقط أو النجوم على صفحة السماء) وهو قصيدته المسماة «ضربة زهر». # 35 # وموضوع هذا النص العسير هو أن العدم أيضا لا يمكن ~~الوصول إليه، لأن الفكر لا يمكنه الإفلات من الصدف (في اللغة وفي ~~الزمن)؛ ولذلك يصبح الإنسان هو «أمير الصخور المر». # ونذكر بعد هذا قصيدته «أغنية لاسنت» # 36 # التي تعد تعبيرا عن فن الشعر لديه، وهي أشبه بقصيدة ~~فيرلين المشهورة «فن الشعر» # 37 # وإن كانت تختلف عنها من حيث الغموض الشديد الذي حير ~~المفسرين والشراح. والواقع أن القصيدة من أكمل السوناتات التي ~~كتبها مالارميه، وهي عمل فني خالص، كتب من أجل الفن وحده، ~~وينبغي أن نستمتع بسماعه أو برؤيته مطبوعا في كتاب فحسب؛ إذ إنه - ~~كما يقول هنري شار بنتيير ~~(ص1474) - لا يتجه إلى القلب ولا إلى العقل، ولا ينفع فيه التحليل ~~النحوي أو المنطقي. وموضوع القصيدة يدور حول عجز اللغة وقصورها عن ~~الوصول إلى هدفها المثالي، أو إلى الجمال المحض الذي تذكره في آخر ~~مقطوعاتها. والمقطوعات العشر الأولى تحتوي على نداء للشعر الذي ~~يتجه إلى غاية سامية - أسمى من أن يبلغها الإنسان أو اللغة - ~~وتدور حول إمكانية خلقه. ولكن الشاعر - الذي يخاطب شقيقته فيما ~~يشبه الحلم - يرى أرض الشعر أو جزيرة الجمال المحض من بعيد ولا ~~يستطيع أن يملك رؤاها، فأرضها ذات المائة زنبقة ليس لها اسم يمكن ~~أن يهتف به «ذهب البوق الصيفي»، وأزهار الزنبق فيها تختلف عن كل ~~الأزهار، وبراعمها تتفتح دون أن نستطيع الحديث عنها، وجزيرة الشعر ~~تبتسم للشاعر الذي يريد أن يدنو منها، ولكنها لا تمكنه أبدا من ~~دخولها: # لكن ms195 هذه الأخت العاقلة الرقيقة # لم تلق بنظرتها إلى أبعد # من ابتسامة، وأنا كما لو كنت أسمعها، # أؤدي واجبي القديم. # آه! فلتعلم روح الشقاق # في ساعة صمتنا هذه # أن براعم الزنابق العديدة # قد نمت أكبر من عقولنا. # الهدف يلوح للمسافر وعليه أن يجاهد ليقترب منه. ~~إنه يحمل معه مجد الشوق القديم، وأفكارا، وكل شيء فيه يلتهب رغبة ~~في أن يعرف كيف ستستطيع «عائلة الزنابق أن تنهض بالواجب الجديد»، ~~لا بد أن يواصل جهاده (ضد المادة والواقع والأشياء، وضد الكلمات ~~والألفاظ المثقلة أيضا) ولا بد أن تستمر «روح الشقاق» التي تسكن ~~هذه القصيدة، أي يستمر الصراع بين الإرادة والهدف، والطموح ~~والغاية، وأن يعرف الشاعر في مرارة أن «تلك الأرض موجودة» (أي أرض ~~المثال أو جزيرة الجمال) وأن قدر الشعر والشاعر معا أن يجربا ~~الارتفاع إليها والبحث عنها، ويجربا كذلك الفشل في بلوغها. وليس ~~هذا بالفشل المطلق؛ فيكفي أنه يدل على وجود المثال. # نخرج من هذا كله بأن مالارميه يسير في نفس الخط الذي سار فيه ~~بودلير، وإن كان يزيد عليه أنه يكمل ما بدأه «أبو الشعر الحديث» ~~ويدعمه على أساس أنطولوجي. ويتجلى هذا بصورة أتم فيما سميناه ~~«بنزعة التجرد من البشرية» أو طرح «البشرية» التي قلنا فيما سبق ~~إنها من أهم ظواهر الشعر الحديث. # ويبدو أن مالارميه قد سار هنا خطوة أوسع بكثير من بودلير ~~ورامبو، ووصل بهذه الظاهرة إلى أقصى مدى ممكن. فهو - أي مالارميه ~~- قد نقل مصدر الشعر والفكر من الإنسان إلى الوجود المطلق نفسه، ~~ولذلك فقد كان عليه أيضا أن يعتبر أن النشاز الكامن في الروح ~~والفكر والشعر الحديث - وقد تكلمنا عنه فيما تقدم - ليس من صفات ~~الإنسان فحسب، بل كذلك من صفات الوجود المطلق نفسه. ولا بد أن تكون ~~النتيجة مخيفة وهائلة. ولا بد أن تكون صدمة الفشل رهيبة ومفجعة - ~~بل أشد رهبة وهولا مما كانت عليه في أي وقت مضى. فبعد أن كان ~~الاتصال بالمثال أو المتعالي ممكنا (عند من سبقوه من الشعراء بل ~~عنده أيضا في ms196 مراحله المبكرة) أصبح هذا الاتصال الآن بين الإنسان ~~والمثال مستحيلا. وليست اللغة وحدها هي العاجزة عن تحقيق المطلق ~~فيها، بل إن المطلق نفسه - وهذا هو الجديد المخيف كما قدمت - عاجز ~~عن الاستجابة لنداء اللغة. والنتيجة المحتومة هي أن يخضع قطبا ~~التجربة (اللغة والمطلق) لقانون الخيبة والفشل. صحيح أن الشعر أو ~~الأدب والفن بوجه عام يظل هو أعلى الإمكانيات في هذه التجربة، ولكن ~~الصدع أو النشاز الأنطولوجي سيبلغ قمته وسيصب على اللغة أقصى قدر ~~من مرارة الفشل والشقاء. هل معنى هذا أن فشل اللغة والأدب فشل ~~مطلق؟ بالطبع لا. ولكنها - إن سمح القاري بهذه المفارقة - ستنجح عن ~~طريق الكلمة في شيء واحد، هو التعبير عن الفشل في تحقيق الاتصال ~~بين الإنسان والمثال. ولعل عبقرية مالارميه تكمن في أنه عبر عنه ~~بأسلوب هادئ وصوت هامس مكتوم. # لنطبق هذا الكلام على الشعر نفسه، والقصيدة الأولى هي «مروحة أخرى» # 38 ~~(إشارة إلى قصيدة مروحة التي أهداها لزوجته وقدمناها ~~من قبل) التي أهداها لابنته جنيفييف، وقد كتبها في سنة 1884م، ~~ونشرت في المجلة النقدية # 39 # ثم أعيد نشرها ضمن مجموعة أشعاره سنة 1887م، ولحنها ~~الموسيقى الكبير كلود دوبيسي سنة 1913م. لنستمع الآن إلى المروحة ~~نفسها وهي تخاطب سيدتها وتصف حركاتها وسكناتها في خمس مقطوعات أشبه ~~بالريشات الخمس في هذه المروحة (ص58): # أيتها الحالمة، لأجل أن أغوص # في متعة صافية بلا طريق، # 40 # تعلمي، بكذبة بارعة، # حمل جناحي في يدك. # 41 # طراوة (النسيم) في الغسق # تأتيك مع كل خفقة # تزيح ضربتها السجينة # الأفق في نعومة # دوار! ها هو ذا الفضاء # يرتعش كقبلة كبيرة # جنت لأنها ولدت لغير إنسان # فلا تستطيع أن تنبثق ولا أن تهدأ. # هل تشعرين بالجنة القاسية # 42 # كمثل ضحكة مدفونة # تنساب من زاوية فمك # على الملامح البديعة! # صولجان الشطآن الوردية # الآسنة فوق الأمسيات الذهبية، # هو هذا الرفيف الأبيض المطوي # الذي تسندينه على نار أسورة. # 43 # في هذه القصيدة حدثان، أحدهما مادي والآخر عقلي. ~~أما الأول فهو في منتهى البساطة: مروحة في يد فتاة ms197 رقيقة، ~~والمروحة تفتح ثم تطوى. هذا الحدث البسيط يتفق تمام الاتفاق مع ~~حدث عقلي أو روحي آخر، بل يكاد يرمز له. فالمروحة تجسد الرغبة ~~الضالة (بلا طريق) في الارتفاع إلى أعلى، أي إلى المثال البعيد غير ~~المحدود. غير أن «الفضاء» - الذي يقوم مقام هذا المثال - يرتعش ~~كالقبلة الكبيرة التي جن جنونها إذ ولدت فلم تجد أحدا يتلقاها، ~~فلا هي تستطيع أن تنبثق ولا هي قادرة على أن تهدأ أو تستريح. ~~القبلة إذن تقاسي من العزلة، وكذلك المطلق معزول، لأن «قبلته» لا ~~تجد العقل أو الروح الذي يتلقاها. لذلك تطوى المروحة أي تخيب ~~الرغبة المتطلعة للمثال، فتنطوي على نفسها، ولا يبقى منها غير ~~«الابتسامة المدفونة»، أي الوعي بالفشل المزدوج. هل ضاع كل شيء؟ لن ~~يبقى شيء واحد: شواطئ وردية راقدة على ذهب الأمسيات، أي ذلك ~~البريق الذي يشعه المطلق. يبقى من ناحيتين؛ فهو لا يتقدم للأمام ~~ولا يصبح ضوءا كاملا، ولكنه يبقى في الكلمة التي تخلده، الكلمة ~~التي جربت عبثا أن تعانق المستحيل. الكلمة إذن عاجزة، ولكن العدم ~~يستطيع - على الرغم من عجزها ومن عزلته - أن يجد فيها مكانا يحل ~~فيه. والمقطوعة الأخيرة تعبر عن هذا بطريقتها الرمزية حين تقول: ~~«إنه هو، الرفيف الأبيض المطوي، الذي تسندينه على نار أسورة.» ولا ~~بد أن القارئ قد أحس بروح الكآبة والاستسلام والمرارة التي تسري في ~~هذه القصيدة المعتمة الجميلة! # أما القصيدة الثانية فهي «أغنية صغيرة»، يعطيها الشاعر رقم «2» ~~(ص66). ويصعب ترجمتها ترجمة مفهومة، لأنها تخالف بناء العبارة في ~~اللغة الفرنسية، وتقدم الحال والفعل والإضافة على الفاعل، ربما ~~لتشعر القارئ بأنها بهذه الإطالة تريد أن تؤخر الحقيقة التي تنطق ~~بها لتزيد من أهميتها، ولنحاول أن نقدم الأغنية في ثوب نثرى يقرب ~~معناها فهي تحكي عن صوت غريب جامح، دوى في الغابة الصغيرة في ~~«غضب وسكون» وضاع في الأعالي، بينما راح يلاحقه بالأمل والرجاء. لم ~~يتبع الصوت أي صدى، فهو صوت طائر لا يتاح للإنسان أن يسمعه مرتين ~~في حياته. هذا الموسيقي القاسي (الطائر) يشهق ms198 شهقة معذبة، ~~ولكنها تتلاشى مع الشك فيما إذا كانت تنبعث من صدره أو من صدر ~~الشاعر. وأخيرا يسقط الطائر ممزقا على أحد الدروب! # ويبدو من القراءة الأولى للأغنية الصغيرة أنها تعبر عن تجربة ~~مؤلمة فشل فيها الشاعر - الذي يتحدث فيها بضمير الأنا - في تحقيق ~~مثل أعلى، ولكن القراءة الثانية ستكشف عن نجاحه في التعبير عن ~~فعل أنطولوجي وتوفيقه في خلق الصورة الملائمة له. # فالصوت الجامح يتردد من الأعالي في نغمة معذبة هادئة، لكي يقهر ~~بعد ذلك ويضيع. وهو يتردد في نفس اللحظة التي يتطلع فيها «أملى ~~إليه» (أي نزوعي إلى المطلق). إنه صوت طائر لا يسمعه الإنسان في ~~حياته مرتين، أي صوت المطلق. غير أنه يصمت ولا يصل إلى السامع، على ~~الرغم من إلحاحه ودويه المجنون. فهو إذن - أي المطلق - منعزل ~~وبعيد، مهما صدر عنه من إشارات أو إشعاعات أشبه بالفنارة الغارقة ~~في ظلمات الليل والبحر. ثم تند شهقة لا نعلم مصدرها، وتتلاشى في ~~غمرة الشك. أتكون قد انبعثت من صدري لأنني لم أسمع صوت الطائر ~~(المطلق) أم انبعثت من صدر المطلق لأن صوته لم يصل إلي؟ # وتنتهي تجربة الفشل المضاعف بسقوط الطائر ممزقا على ~~الدرب. # والتعبير في القصيدة يتعمد الابتعاد عن القطع واليقين، ويترك ~~القارئ في حالة الشك والشعور بأن كل شيء محتمل وليس بواقع أكيد. ~~وكأن الشاعر يتجنب العبارة المحددة ويتعمد أن توحي رموزه بمعاني ~~متعددة، بعد أن وصل إلى أقصى حدود التجربة الوجودية واللغوية معا. ~~قد يكون هذا فشلا آخر، ولكنه فشل مقصود: إن الشاعر لا يريد ~~لمأساة الوجود والعدم أن تنسى أو تستهلك عن طريق الكلمة الثابتة أو ~~الفهم المحدد، ولهذا فهو يحميها بالأغنية الهامسة اللماحة من ذلك ~~المصير. # يتحدث الكاتب والروائي الألماني جان باول (1763-1825م) في كتابه ~~الهام «الإعداد للاستطيقا»، # 44 # في فصل بعنوان «الشعراء العدميون» # 45 # عن «روح العصر الحاضر» الذي يريد أن يدمر العالم ~~والكون بدافع من شهوة الأنا لكي يستطيع أن يخلق لنفسه مجال الحرية ~~في العدم بدلا من الانصراف إلى تقليد ms199 الطبيعة. # وتكاد هذه العبارة أن تكون حدسيا بالحالة التي آل إليها الشعر ~~الحديث من أيام بودلير إلى اليوم. وهي تصدق على شعر مالارميه أكثر ~~من أي شاعر سواه، مع فارق واحد وهو أن «شهوة الأنا أو طغيانها» ~~قد أخلت مكانها في شعره لنوع من استقلال العقل أو تجرد الروح حاول ~~أن يبرره تبريرا أنطولوجيا. وقد تختلف الآراء حول هذا ~~التبرير وهل أفاد شاعريته أو أضر بها، ولكن لا خلاف في أن هذا ~~الرجل الهادئ المتواضع الذي تفانى في إخلاصه لفنه كان في غاية ~~الأمانة حين تقبل الموقف السلبي الذي قدر على الشعر الحديث، وفكر ~~فيه إلى آخر الشوط، ووفق إلى حد كبير في التعبير عنه، ومن ~~الطبيعي أن يكون شعره غامضا مظلما، ولكن اتساقه مع نفسه يكفل له ~~حق البقاء. وسيظل هناك دائما من يعجب بجمال شعره وصفائه وسحر ~~موسيقاه (التي تعجز للأسف كل الترجمات عن القرب منها). ~~(14) سحر اللغة وكيمياء الكلمة # يبدو أن كلمة رامبو هذه قد تركت تأثيرها القوي على مالارميه؛ فقد ~~اهتم اهتماما كبيرا بالكتابات السحرية، بل يقال إنه قرأ كتابات ~~الأسرار المأثورة عن العصر اليوناني المتأخر والمنسوبة إلى هرميس ~~مثلت القوة (هرميس ترسمجيستوس) بشغف كبير، وشجع ترجمتها إلى اللغة ~~الفرنسية رتراسل مع مترجمها ميشليه. ولا بد أنه فطن إلى تأثيرها ~~على الشعر إذ يقول في فقرة بعنوان «سحر» ضمن كتاباته النثرية: «إن ~~هناك قرابة خفية بين الطقوس القديمة وبين السحر الكامن في الشعر.» ~~ولذلك فإن الشعر عنده إهابة أو (تعزيم، تعويذ) بالأشياء المتكتمة ~~في غموض مقصود عن طريق الكلمات اللماحة غير المباشرة، أما الشاعر ~~فهو «ساحر الحروف» (ص399) وأما أسلافنا فقد كانوا كيمائيين ~~(بالمعنى القديم المعروف عنهم في العصور الوسطى كما تقدم). # ولا يعني هذا بالطبع أن مالارميه كان يمارس طقوس السحر أو ينتمي ~~للجمعيات السرية، ولكنه يعني أنه كان مقتنعا بالصلة العريقة بين ~~الشعر والسحر. # ولا شك أنه قد شارك مشاركة قوية في نزعة الشعر الحديث كله إلى ~~الجمع بين الشعر التأملي المجرد والتعبير عن ms200 أعماق النفس الضاربة ~~في جذور السحر ونماذجه وشعائره القديمة، ولا شك أيضا أن السحر ~~اللغوي في أشعاره كان هو الوسيلة التي استطاع عن طريقها - بالإضافة ~~إلى غموض مضموناته - أن يخلق فيها تلك القدرة الهائلة على الإيحاء، ~~وأن يخلصها من المعاني الثابتة والكلمات المباشرة والأساليب ~~الجامدة والفهم المحدود. وسحر اللغة عنده يكمن في قوة تأثير النغم ~~وطاقة الكلمات على تحريك الشاعرية نفسها. ويكفي أن نذكر كلمته ~~المشهورة: «إن الشاعر يترك للكلمات حرية المبادرة» (ص366). كما ~~نذكر العبارة التي يقول فيها: إن إيقاع اللامتناهي يأتي من استخدام ~~الكلمات الملائمة بل الكلمات اليومية الشائعة، عندما يمر الإصبع ~~«المتسائل» على «بيانو الألفاظ» (ص648). وسيعرف قارئ مالارميه ~~بنفسه أن بعض قصائده لم تنشأ في الأصل عن فكرة أو معنى بل بدافع من ~~الطاقة اللغوية التي تحملها الكلمات التي تستطيع - برنينها ونغمها ~~الصوتي وحده - أن تستدعي كلمات أخرى، ويظهر هذا بوضوح إذا راجعنا ~~بعض قصائده في صياغتها الأولى وقارناها بصيغتها الأخيرة. ولولا ~~خوفي أن أثقل على القارئ لعرضت عليه بعض النصوص الأصلية التي تبين ~~كيف يأتي الشاعر في بعض الأحيان بكلمة لا تتصل بالموضوع ولا ~~الفكرة، وإنما ترتبط بكلمة أخرى بنغمة معينة. # 46 # ولذلك فهناك أبيات كثيرة من شعره تثبت في الذاكرة وإن ~~لم يتصور العقل لها أي معنى. ويؤكد هذا ما يقوله فاليري من أنه كان ~~يستطيع أن يحفظ أغرب أبيات مالارميه، على الرغم من أن ذاكرته ~~الضعيفة لم تكن تحتفظ بشيء على الإطلاق! ونستطيع نقول دون أن نخشى ~~الوقوع في التعميم إن هذه الظاهرة تنطبق على نماذج كثيرة من الشعر ~~الحديث، فكم من أشعار يحفظها الناس ويرددونها دون أن يفهموها! بل ~~إن هذا قد يكون في بعض الأحيان مقياسا صحيحا لجودة القصيدة أو ~~رداءتها! ~~(15) الشعر الخالص # يمكننا الآن أن نتناول اصطلاحا أشرنا إليه مرات عديدة في سياق ~~الكلام، ألا وهو اصطلاح الشعر المحض أو الشعر الخالص Poésie pure # وقد ورد ذكره في ~~بعض نصوص «سانت بيف» وبودلير وغيرهما، كما ورد كذلك في كتابات ~~مالارميه. ms201 والنقاد والدارسون في القرن العشرين يقصدون به نظرية في ~~فن الشعر تستند إلى إنتاج مالارميه و«الرمزيين». أما مدلول ~~الاصطلاح نفسه فيجب البحث عنه في كلمة «خالص» التي تتردد كثيرا في ~~كتابات مالارميه النثرية والشعرية. فالكلمة تعني دائما «خالص من ~~شيء ما»، وهو نفس معناها عند «كانت» الذي يصف التصورات (في مقدمة ~~كتابه نقد العقل الخالص) بأنها تكون خالصة حين تخلو من كل ما يتعلق ~~بالإحساس أو بالعيان. ومالارميه يقصد بها نفس الشيء تماما. فإذا ~~قال إن الشيء خالص كان غرضه من ذلك أنه نقي من كل الشوائب التي ~~يمكن أن تلحق به فتفسد ماهيته وحقيقته النقية. ويمكن أن نرجع إلى ~~إحدى رسائله التي كتبها في سنة 1891م لنتبين معنى الكلمة بوجه عام ~~من هذه العبارة: «تبديد الأشياء واستهلاكها باسم نقاء ~~أساسي.» # شرط النقاء أو الخلاص الشعري إذن هو التجرد من الأشياء أو نفيها ~~وإلغاؤها على نحو ما أشرنا في الفصول السابقة، ولا يقتصر الأمر على ~~هذا، بل إن كل خصائص الشعر الحديث التي تعرضنا لها تتجمع في هذه ~~الفكرة كما استخدمها مالارميه وسلمها للأجيال التالية. فهي تعني ~~إهمال مواد التجربة اليومية والمضمونات التعليمية أو الهادفة، وصرف ~~النظر عن الحقائق العملية والمشاعر العادية، ونشوة القلب أو التطرف ~~في الانفعال. وعندما يخلو الشعر من كل هذه العناصر يصبح قادرا على ~~الإيحاء والسحر اللغوي الذي تحدثنا عنه. بهذا تستطيع الطاقات ~~اللغوية - التي تكمن بعيدا عن وظيفة التفاهم والتواصل اليومية ~~للغة، أو تحتها وفوقها إن شئت - أن تجرب وتجرب، وتوفق إلى النغم ~~المؤثر المتجرد من المعنى الذي يحيل بيت الشعر إلى «تعويذة سحرية» ~~ويضفي عليه قوتها وتأثيرها. # وقد تكلم مالارميه كثيرا عن الصلة الوثيقة بين الموسيقى والشعر، ~~واتخذت بعض عباراته بمثابة تعريف للشعر الخالص، أو ساعدت على ~~الوصول إليه. فالناقد الفرنسي برن-جوفروي # A. Berne-Joffroy # يقول مثلا في سنة 1944م: «الشعر ~~الخالص هو اللحظة العليا التي ينسى فيها البيت - بطريقة منسجمة ~~متجانسة - مضموناته. إنه الشعر الذي لم يعد يريد أن يقول شيئا، ~~وإنما يريد أن ms202 يغني فحسب.» ومع ذلك فلا ينبغي أن نفهم من كلام ~~مالارميه عن الموسيقى ما يفهم منها عادة من حلاوة النغم أو عذوبة ~~الأصوات؛ فالواقع أنه يقصد بها نوعا من الرفيف أو الذبذبة التي لا ~~تقتصر على الأصوات وحدها بل تمتد كذلك إلى المضمونات العقلية للشعر ~~وتوتراته المجردة، وكلها تتجه ~~إلى الأذن الداخلية - إن صح هذا التعبير - أكثر مما تتجه إلى الأذن ~~الخارجية. يبقى أن نقول إن فكرة مالارميه عن الشعر الخالص تتلاءم ~~تماما مع الأسس العامة التي يقوم عليها. إنها - بمعناها السالب أو ~~النافي الذي فهمنا منه النقاء من كل العناصر الشائبة - هي المعادل ~~النظري لفكرة العدم التي يدور حولها شعره. # ونستطيع أن نقول إن هذا الشعر الخالص لا يصدق على شعر مالارميه ~~وحده، بل يتعداه إلى كل شعر - قديم أو حديث - لا يقصد إلى إثارة ~~الإحساس أو التعبير عن أفكار ومضمونات، بقدر ما يريد أن يكون ~~«لعبا» تمارسه اللغة والخيال. ~~(16) الخيال المتسلط، التجريد والنظرة المطلقة # تكلمنا في الفصول السابقة عن الخيال المتسلط أو الدكتاتوري. وهذا ~~الخيال يظهر أيضا في شعر مالارميه لتحل صوره محل الواقع الذي لم ~~يعد يهمه أن يصفه ولا أن يعرف نظامه الموضوعي. إنه يعمل بشكل أكثر ~~هدوءا وهمسا مما كان عليه عند رامبو، ولكن هذا العمل الهادئ ~~الهامس له وزن الفعل القائم على أساس أنطولوجي، كما تظهر فكرة ~~التجريد ضمن الأفكار التي يوحي بها، على نحو ما رأينا عند كل من ~~بودلير ورامبو. إن الخيال بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة يوازي ~~التجريد، تؤكد هذا عبارة ترد في معرض كلامه عن ريتشارد فاجنر إذ ~~يقول إن الروح الفرنسية - التي تكره حكايات الخوارق والأبطال - ~~روح خيالية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ومجردة، أي شاعرية (ص544) ~~والشاعرية هنا مقصورة بالمعنى الذي فهمه الإغريق عن الشعر من أنه ~~صنعة وإنتاج. وبجانب هذه الفكرة نجد فكرة أخرى عن النظرة المطلقة ~~التي يشرح مالارميه معناها في مقاله عن «الباليهات» (ص303-307) ~~بقوله: «ليست الراقصة امرأة ترقص، بل هي استعارة تحتوي في ذاتها ~~على صورة ms203 أولية من صور كياننا؛ سيف، أو كأس، أو زهرة ... إلخ. وهي لا ~~ترقص، بل توحي بكتابة جسمها بشيء لا يستطيع النص أن يؤديه إلا ~~بطريقة ملتوية» (ص304). # الرقص إذن تجسيم بصري للفكرة، أي أن الذي ينظر إلى الراقصة يرى ~~من خلال مظهرها المادي صورة أولية من صور الوجود الإنساني، وهذا ~~يأتي من «نظرة غير شخصية براقة، مطلقة» (ص306). قد يخيل إلينا أننا ~~نلمس في هذا كله مسحة أفلاطونية، ولكننا لا نلبث أن نقرأ هذه ~~السطور في نهاية المقال: ~~«تقدم إليك الراقصة، من خلال النقاب الأخير الذي يبقى دائما، ~~عري (أو صفاء) أفكارك وتسجل رؤيتك في صمت، في صورة رمز (أو علامة) ~~هي الراقصة نفسها» (ص307). # لا نلبث كما قلت أن نتبين أن الفكرة غير أفلاطونية. فالذي ينظر ~~لا يرى حقائق موضوعية ثابتة أو نماذج أولية خالدة - كما هو ~~الحال مع المثل عند أفلاطون - بل يرى صورا أولية من عقله أو ذاته ~~هو يسقطها على الظاهرة التي يراها ليحولها إلى علامات أو رموز ~~تدل على ذاته وكيانه هو. ولا يتم هذا إلا «بنظرة مطلقة» تستطيع أن ~~تنفذ في الظاهرة - دون أن تتحول مع ذلك عن ذاتها - لترى فيها ~~رموزا على حركتها وجوهرها الباطن. ومن هنا يعد مقال «الباليه» ~~أقوى دفاع عن فعل الخلق الحر المطلق من كل قيد، كما يصلح تعبير ~~«النظرة المطلقة» أن يكون شعارا يصدق على الشعر المجرد عند ~~مالارميه وأتباعه، بل يصدق كذلك على الرسم الحديث الذي يصرف النظر ~~عن الموضوعات الخارجية ليستبدل بها بناء متشابكا من الخطوط ~~والأشكال والألوان. # إذا طبقنا هذا الكلام على شعر مالارميه وجدناه يقلب نظام العالم ~~الخارجي، ويجرد الظواهر والأشياء من النسق المألوف في الزمان ~~والمكان. وهو في هذا قريب من شعر رامبو، وإن اختلف الأساس الفلسفي ~~عندهما اختلافا شديدا. ويمكن أن نمثل لهذا ببعض إنتاجه ... # فأحد مقالاته (والمقالات أيضا أدب!) بعنوان «اللذة المقدسة» ~~يبدأ بعبارات لا يمكن أن نفهمها بالمقاييس العادية إلا إذا ~~ترجمناها على النحو التالي: «في الخريف يعود سكان باريس ms204 من الصيد ~~ويذهبون إلى المسرح، ويسلمون أنفسهم لسحر الموسيقى.» فإذا نظرنا ~~إلى النص الأصلي (388) وجدناه يقول: «الريح تدفع الناس للعودة من ~~الأفق إلى المدينة عندما يرتفع الستار عن روعة الخريف المهجورة. ~~رفيف لعب الأصابع، الذي تهدأ منه أوراق (الشجر)، ينعكس عندئذ في ~~حوض الأوركسترا المتهيئ (للعزف).» # ويلاحظ أن هذه العبارة لا تتكلم عن الخريف إلا في صورة استعارة ~~غير مباشرة، أي عندما يكون الكلام عن المسرح (الستار) وقائد ~~الأوركسترا (لعب الأصابع) وبذلك يلتقي الخريف والمسرح في وحدة ~~واحدة تزيد بالطبع عن كونها مجرد استعارة. كما أن تقديم التفاصيل ~~الجزئية على الكل والأمور العرضية على الجوهر تعد من ناحية أخرى ~~إحدى خصائص الأسلوب اللاواقعي الذي سيكون له صداه الكبير في شعر ~~القرن العشرين. انظر مثلا إلى هذا البيت - من إحدى قصائده المبكرة ~~- الذي يصف فيه ملاكا يحمل سيفا عاريا بقوله: «ملاك يقف في عري ~~سيفه» (ص28). فيصف الملاك بما ~~يميز السيف. أو حين يتكلم عن مجموعة من الراقصات فلا يذكر أشكالهن ~~بل «شحوب الموسلين (نوع من القماش) العابر، الذي تبرز منه ابتسامة ~~وذراع مفتوحة في حركة ثقيلة كحركة الدب» (ص276). فالراقصات يظهرن ~~من خلال صفة جزئية واحدة ضمنت فيها صفة جزئية أخرى من كائن ~~آخر يصعب علينا أن نتبين المقصود به في النهاية، وهو مهرج السيرك. ~~أي أن الصفات العرضية تعزل عن الشكل الكلي الذي يحتويها وتتحول إلى ~~صور لا واقعية متداخلة في بعضها البعض. وتبدأ إحدى القصائد ~~المتأخرة بالإشارة إلى ستارة من الدنتيلا، ثم تتحدث المقطوعة ~~الثانية فجأة عن خلاف عام أبيض لباقة ورد مع نفسها، يفر إلى ~~النافذة الباهتة ويسبح أكثر مما يدفن (ص74). فنرى كيف جردت المخيلة ~~ذلك الشيء من خصائصه المادية وحولته إلى مجموعة متشابكة من ~~الحركات. إن الشاعر هنا لم يتلق مجموعة من الانطباعات من العالم ~~الخارجي على طريقة التأثريين في الرسم، بل راح يطبع أشكالا خيالية ~~على أشياء جردت تجريدا تاما من مادتها الواقعية. ~~(17) الشاعر وحيد مع لغته # لعل هذه الأمثلة القليلة أن تكون مصداقا ms205 لقول مالارميه إن الشعر ~~بناء منعزل. فالواقع أن شعر مالارميه أكثر أبنية الشعر الحديث ~~عزلة وابتعادا ... لقد شيده بمواد قليلة ، وحاول في حرص وحذر أن ~~ينقل المجال الفارغ اللامتناهي للمطلق إلى لغة أرضية تعبر عن ~~رموزه في «نغم صامت منسجم» (ص648). ولقد قال مالارميه مرة في أحد ~~أحاديثه إن الشعر قد ضل طريقه منذ أن «انحرف به هوميروس انحرافا ~~عظيما.» وعندما سأله محدثه عما كان قبل هوميروس أجاب قائلا: ~~«أورفيوس.» # فهو إذن قد حاول أن يرجع إلى هذا الشاعر الأسطوري البعيد، وأن ~~يحقق فكرته عن الشعر كغناء يتحد فيه الشعر والفكر، والسر والمعرفة، ~~ومن يدري؟ فلعله قد أحس بالقرابة التي تجمعه بهذا الشاعر القديم، ~~أو لعل لغته الشعرية التي حاولت أن تعيد للكلمة بكارتها وأصالتها ~~الأولى قد أعادته كذلك إلى هذا المنبع الشعري الأصيل ~~القديم. # إن شعر مالارميه يجسد العزلة والوحدة الكاملة؛ فهو لا يحس ~~بالحنين إلى التراث المسيحي أو الإنساني أو الأدبي، وهو يحرم على ~~نفسه التدخل في شئون الحاضر، بل إنه يصد القارئ عنه ويأبى أن ~~يكون بشريا، بالمعنى الذي أشرنا إليه مرارا من التجرد من ~~النزعات والعواطف البشرية. وهو إلى وحدته أمام الماضي والحاضر وحيد ~~تجاه المستقبل: «يجب على الشاعر أن يقوم بشيء واحد، هو أن يعمل في ~~ظلال السر، ويوجه بصره إلى زمن يأتي فيما بعد أو لا يأتي أبدا» # 47 ~~(ص664). ولذلك فالوحدة هي رفيق الشاعر وقدره الضروري ~~وسط مجتمع ينكره ويضع العقبات في طريقه. # إن الواقع قاصر، والحقيقة المتعالية عدم، وعلاقته بهما صراع ~~مرير؛ ونشاز مستمر، والفشل دائما هو الحصاد الأخير ماذا يبقى إذن ~~لهذا الشاعر؟ يبقى له القول الذي يحمل في ذاته حجته وبرهانه. إنه ~~وحيد تماما مع لغته، يجربها ما شاءت له التجربة الحرة والخيال ~~الطليق. هنا حريته ووطنه، وهو يقوم بمغامرته ويعلم أن الناس قد ~~تفهمه وقد لا تفهمه، ولو لم يكن هذا هو موقف الشعر الحديث كله، لما ~~وجد مالارميه ما وجده حتى الآن من الإكبار والإعجاب. ~~(18) كلمة أخيرة # يقول ms206 مالارميه: «بعد أن وجدت العدم وجدت الجمال.» ولكنه بعد أن ~~وجد الجمال المطلق رأى نفسه يعود من جديد إلى العدم. تبين له أو ~~لمن جاءوا بعده أن «التذوق المتطرف للشكل» - كما يقول بودلير - ~~والعناية الفائقة بالجمال قد التهمت الحياة وأفقرت الواقع وانتهت ~~إلى عقم الشعر. # وإذا قلنا في نهاية هذا البحث بالعودة إلى الواقع فليس ذلك ~~إيثارا للسهولة، ولا جريا وراء النداءات والكلمات المكرورة التي ~~جنت هي أيضا على الواقع حين وضعته في قوالب جامدة محدودة. ~~ولكننا نقصد أن الشعر كان دائما في صميمه مشغولا بالواقع، أعني ~~بوضع الإنسان وحالته في العالم. وإذا كان الشعر في أواخر القرن ~~التاسع عشر قد اندفع إلى أقصى حدود هذا الواقع لكي يمد يديه إلى ~~المجهول، وإذا كان قد حاول إلغاء هذا الواقع والفرار من سجنه ~~الخانق بحثا عن المطلق أو الجمال الخالص أو المجهول؛ فقد كان في ~~ذلك كله يحقق وظيفة الشاعر الخالدة؛ تنقية الواقع وإعادة خلقه أو ~~تشكيله بعد أن خربه الإنسان بالشر والقهر، وأفسده بالظلم والفقر، ~~وتقديم أغنيته شهادة على إيمانه بالمعنى في عالم فقد معناه. صحيح ~~أنه أسرف في هدمه للواقع - الخارجي واللغوي - وتصفيته بل وإلغائه، ~~حتى صار الشاعر هو الشهيد أو المنتحر الذي يقتل نفسه في سبيل أن ~~يحيا المطلق. ولكن ألم تكن هذه هي النهاية المحتومة لقصة طويلة ~~بدأت من عصر الإصلاح والنهضة حين انفصلت الرموز عن الواقع الذي ~~كانت قائمة فيه، وراح الإنسان بعد ذلك - مثل باسكال - يضل بينهما ~~في صحراء البحث؟ ألم تصل هذه الدراما إلى ذروتها عند «كانت» الذي ~~أوقف موكب العقلانية المنتصر، وكشف لسفينة العقل البشري عن الظلمات ~~المحيطة بها من كل جانب في رحلتها إلى المطلق والمجهول؟ أليس حكيم ~~كونجسبورج العجوز هو الذي سلب العقل من كل أمل في بلوغ المطلق ثم ~~أشفق عليه ففتح باب الأمل الخلفي عن طريق القلب أو الإيمان أو ~~الأخلاق أو العقل العملي كما يسميه؟ ألم يزد الاهتمام بعد ذلك ~~بتجربة الخلق والفن والجمال على يد فلاسفة مثل ms207 شيلنج وشوبنهور حتى ~~وصل إلى حد الرعشة المقدسة عند نيتشه؟ ألم يقل هذا إن العالم في ~~صميمه «ظاهرة جمالية» وإن ملكة الخلق والإبداع هي السبيل الوحيد ~~إلى المطلق، وإن الشيء الوحيد الذي يبرر العالم والوجود إلى الأبد ~~هو أن يكون ظاهرة جمالية؟ ألم يحكم بعجز المعرفة والأخلاق عن إدراك ~~معناه؟ وحين كان في مراحل حياته التالية يفقد إيمانه بهذه الحقيقة ~~أو «هذا الإنجيل الوحيد الممكن على الأرض» - ألم يكن ينحدر إلى ~~أعماق اليأس ويجد نفسه وحيدا مع العدمية التي كان أكبر مكتشفيها ~~وأكثرهم استماتة وأملا في القضاء عليها؟ ألم يكن يحدث له هذا كلما ~~تشكك في الجمال وتصور أنه وهم وباطل؟ # ولكن نيتشه حلقة في سلسلة طويلة بدأت بكانت إلى شوبنهور، وامتدت ~~بعدهما إلى فاجنر وبودلير، إلى أن وصلت لمالارميه فكان أعظم وآخر ~~حلقة فيها، وجوهرة العقد التي توهجت ثم خبا فيها البريق. صحيح أن ~~نورها أو لهيبها ما يزال يلسع أصابع الشعراء إلى يومنا الحاضر، ~~ولكن لعلهم قد صاروا الآن أكثر ميلا إلى الاستدفاء بشمعة الحياة ~~والواقع، بدلا من الاحتراق في وهج المثال والمطلق. # الفصل الخامس # | ثورة الشعر في القرن العشرين # ليكن الشعر عونا على الفعل. # إلوار ~~*** # كانت هذه نظرات سريعة إلى التطور العام للشعر ~~الحديث، لا تغني بالطبع عن التفصيل؛ فالصورة العامة لهذا الشعر صورة ~~محيرة، ولن يقربنا منها سوى الرجوع إلى الأصول التي مهدت لها في النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر، وإلقاء نظرة خاطفة على ملامحها الفردية ~~عند بعض الشعراء الذين يمثلون أصدق تمثيل. # ولقد رأينا أن الأسلوب الشعري الذي يسيطر اليوم على القرن العشرين قد ~~نشأ في فرنسا لا في أي بلد أوروبي آخر، وكان ذلك في النصف الثاني من ~~القرن التاسع عشر. # 1 # مهد له الشاعر الكبير بودلير بعد أن ظهرت بوادره عند شاعر ~~الرومانتيكية الألمانية نوفاليس والشاعر الكاتب الأمريكي إدجار ألن بو، ~~ثم سار فيه الشاعران رامبو ~~ومالارميه إلى أبعد الحدود التي يمكن أن يجسر الشعر على السير فيها. ~~والواقع أن الشعر في ms208 القرن العشرين لم يعد يأتي بجديد. وليس في هذا ~~القول ما يغض من قيمته أو يقلل من شأن بعض الشعراء المجيدين فيه، ~~ولكنه يتيح لنا، أو بالأحرى يفرض علينا، التعرف على وحدة الأسلوب التي ~~تربطه بأولئك الرواد العظام. ووحدة الأسلوب لا تعني الاطراد ولا الملل، ~~ولكنها تدلنا على الروح العامة التي تجمع بين الشعراء على اختلافهم في ~~النظرة والموضوع والأداء اللغوي والمنحنى الداخلي. # فنحن لا نستطيع مثلا أن نتحدث عن وحدة الأسلوب الشعري عند شاعرين ~~مثل لامارتين وسان-جون بيرس في اللغة الفرنسية أو عند ليوباردي ~~وأنجارتي في الإيطالية، أو جوته وجوتفريد بن في الألمانية، أو شوقي ~~وأدونيس في العربية، ولكننا نستطيع أن نتحدث عن شعراء مثل رلكه وألبرتي ~~وإليوت ورينيه شار، على ما بينهم من اختلاف في النشأة والنظرة والأصالة ~~والمزاج. فوحدة الأسلوب التي نتحدث عنها هي سبيلنا الوحيد للاقتراب من ~~هذا الحشد الهائل من القصائد التي تتأبى - عامدة - على الفهم ~~المعتاد، تتلوها ولا شك خطوة أخرى للتغلغل في العبقرية الفردية لكل ~~شاعر على حدة. والحق أن المجال لا يتسع للإشارة إلى هؤلاء الشعراء إلا ~~في أضيق الحدود. وكل ما نستطيع أن نقوم به هو استكشاف الصورة المحيرة ~~التي يقدمها الشعر المعاصر، وتبين بعض ظواهره الحية التي لا تزال تعمل ~~عملها فيه منذ القرن الماضي. # المهم هو أن نعرف أن الظواهر التي رأت النور في القرن الماضي لا زالت ~~تؤثر على الحياة الشعرية حتى اليوم. وسواء تبين لنا أن شاعرا من ~~الشعراء قد تأثر بسلفه أو لم يتأثر، فإن ذلك لن يعفينا من التسليم ~~بحقيقة هامة تسري على الشعر سريانها على سائر الفنون، ألا وهي أن لكل ~~عصر روحه وأسلوبه الملزم، وأن هناك أسلوبا في الرؤية والإحساس والأداء ~~لا يزال يسود الشعر الأوروبي منذ أكثر من مائة عام، ولا يصح أن ننخدع ~~بكثرة المدارس والبرامج الأدبية التي ظهرت في أقل من قرن من الزمان. ~~فقد لا يكون هذا التنوع الهائل سوى نوع من خداع البصر يبين لنا مدى ~~خصوبة الشعر ms209 الحديث وتنوع إمكانياته وتعدد الفروق والظلال فيه، ولكن لا ~~يجوز أن يحجب عن أعيننا وحدة البناء والروح العامة التي تسوده وتتغلغل ~~فيه. # إن من يتصفح المراجع الحديثة في تاريخ الأدب يجدها تتحدث عن «المدرسة ~~الرمزية» وتكاد تتفق على تحديد نهايتها بسنة 1900م. ولقد آثرنا تجنب ~~هذا الاصطلاح المدرسي ما أمكن، إذ رأينا أن الخصائص المميزة لشعرائها ~~الكبار لا تزال في مجموعها هي نفس الخصائص التي تميز الشعر في العصر ~~الحديث، وأن تأثير أقطابها - وفي مقدمتهم مالارميه - لا يزال قويا ~~على شعراء متأخرين مثل فاليري وجيان وأنجارتي وإليوت. وإذن فالأمر لا ~~يخرج عن إحدى اثنتين؛ فإما أن الرمزية «لم تمت بعد» وإما أن الكلمة ~~تعبر تعبيرا ناقصا عن أسلوب أدبي بذاته، ولا بد في هذه الحالة أن ~~نقتصد في استعمالها أو تستغني عنها بوصف خصائص هذا الأسلوب وإبراز ~~ظواهره. # والمهم بعد كل شيء هو ألا نغتر بالأسماء أو ننسى سياقها في التراث. ~~وكل من يقرأ الدراسات النقدية التي تتناول الحياة الأدبية الأوروبية في ~~نصف القرن الأخير لا بد أن تدهشه أو تفزعه كثرة المدارس والاتجاهات ~~و«المودات» التي يلغي بعضها البعض! فمن دادية إلى مستقبلية إلى ~~تعبيرية، ومن إبداعية إلى وضعية جديدة إلى سريالية إلى هرميتية أو ~~إلغازية ... إلى آخر هذه الأسماء التي لن ينقطع سيلها مع تطور العصور. ~~وكأنما هي صدى لتعدد الأحزاب السياسية وصراعاتها في بلاد البحر الأبيض ~~بوجه خاص. ومع ذلك فلعل هذه الكثرة الهائلة أن تكون مظهرا صحيا من ~~مظاهر الشعر الحديث الذي يؤكد أصحابه أنهم لا يكتبون للخلود وإنما ~~يثبتون تجاربهم المستمرة في اللغة وحرصهم على قطع صلتهم بالماضي أو ~~بالتراث الذي لا يمكن فهمهم مع ذلك إلا إذا عرفنا موضعهم منه. # ولننظر الآن في الظواهر العامة في شعر القرن العشرين، ولنحاول أن نقي ~~أنفسنا شر التبسيط والتعميم. ~~(1) تمجيد العقل أم تحطيمه؟ # ليس من العسير أن نضع أيدينا على اتجاهين رئيسيين في بناء ~~الشعر الحديث، سار فيهما رامبو ومالارميه في القرن الماضي. فهناك، ~~إن شئنا التبسيط، ما ms210 يمكن أن نسميه بالشعر المتحرر من الشكل أو ~~الشعر غير المنطقي في جانب، وهناك الشعر العقلي الملتزم بالشكل ~~المحكم الدقيق من جانب آخر . وقد تم التعبير من كلا الاتجاهين سنة ~~1929م في صيغتين تناقض إحداهما الأخرى. فأما الصيغة الأولى فيعبر ~~عنها فاليري بقوله: «ينبغي أن تكون القصيدة عيدا من أعياد العقل.» ~~وأما الاتجاه الآخر المضاد فيعبر عنه رائد المدرسة السيريالية ~~أندريه بريتون حين يقول: «إن القصيدة ينبغي أن تكون حطام العقل.» ~~أو حين يقول بعد ذلك بقليل: «إن الكمال هو الكسل.» (المجلة ~~السيريالية سنة 1929م). # ووجود هذين الضدين في شعر القرن العشرين شيء يرتبط بأسلوبه ~~وصورته العامة، فليس الأمر - كما قد يبدو من النظرة السطحية - مجرد ~~خلاف بين حزبين أدبيين متعارضين، بل هو تعبير عن توتر يشمل ~~الشعر الحديث كله، وصراع تدور رحاه في وجدان الشاعر الواحد بين ~~العقل والأسطورة، والنظام والحلم، والتجريد والهلوسة. وعلى الرغم ~~من اختلاف النموذجين فهما يؤكدان مشاركتهما في وحدة البناء العام ~~التي تميز الشعر الحديث. فالشعر العقلي والشعر غير المنطقي يشتركان ~~في طرحهما للنزعات البشرية، وبعدهما عن العاطفية المألوفة، ~~وتخليهما عن الشيئية المعتادة، وتأبيهما على الفهم المحدد، ~~وإيثارهما للإيحاء بمعاني متعددة، وجعلهما من القصيدة كيانا ~~مستقلا بنفسه يكمن مضمونه في لغته وخياله الطليق ولعبه بالأحلام ~~لا في محاولة نسخ العالم أو التعبير عن العواطف. وكل هذه الصفات ~~ستصدم القارئ العربي وتحيره لأنه اعتاد أن ينتظر من الشعر أن ~~«يصور» و«يعبر»، ولكن لا بد له أن يتقبلها ويعود نفسه عليها ~~إذا أراد أن يجد مدخلا إلى الشعر والفن التشكيلي والموسيقى ~~الحديثة. # إن وحدة البناء في الشعر الحديث هي نفسها وحدة البناء في الفن ~~الحديث بوجه عام، وهذا هو الذي يفسر تشابه الأساليب في الشعر ~~والرسم والموسيقى. وهناك ظاهرة خارجية قد تؤكد هذا كله؛ فليس من ~~قبيل الصدفة أن تنعقد أواصر الصداقة العميقة بين أقطاب الشعر ~~والرسم والموسيقى الحديثة، وأن يشعروا بأنهم يشتركون في مغامرة ~~واحدة، والصداقة التي كانت تربط بودلير بالرسام الشهير ديلاكروا، ~~أو تجمع بين ms211 طائفة الرسامين والشعراء مثل هنري روسو وبيكاسو وبراك ~~وأبوللينير وماكس جاكوب، أو بين لوركا ومانويل دي فايا وسلفادور ~~دالي؛ أشهر من أن نتحدث عنها . أضف إلى هذا أن الرسامين والموسيقيين ~~يلجئون في كثير من كتاباتهم التي توزع في معارضهم أو حفلاتهم إلى ~~استخدام تعبيرات واصطلاحات يستعيرونها من كتابات الأدباء، والعكس ~~أيضا صحيح. ولقد استطاع ديدرو أن يتوصل من تحليله لعدد من الرسوم ~~إلى حقائق مذهل، وربما كان هذا نوعا من الإحساس بهذا البناء ~~العام الذي تشترك فيه كل مغامرات الفن والأدب الحديث. ~~(2) رأيان في الشعر الحديث # كان من طبيعة الأمور أن يتفكر الشعراء المحدثون منذ عهد إدجار بو ~~وبودلير في شعرهم فيضعوا له البرامج والنظريات التي لا تقل أهمية ~~عن إنتاجهم من هذا الشعر. ولم ينشأ هذا عن رغبة في التعليم بقدر ما ~~نشأ عن اقتناع بأن العمل الشعري هو إحدى مغامرات العقل الذي يعمل ~~ويتأمل ذاته في وقت واحد فيزيد بهذا التأمل من حدة التوتر الشعري ~~نفسه. ويوشك معظم الشعراء الكبار في القرن العشرين أن يكونوا قد ~~وضعوا مذهبا نظريا أو فنا شعريا عن أدبهم أو عن الأدب بوجه ~~عام. ومع أن الفنان المبدع قد لا يحسن النقد في أغلب الأحيان، إلا ~~أن في استطاعتنا القول بأن هذه الكتابات النظرية التي أخرجها ~~الشعراء لا تقل أهمية عن شعرهم نفسه، وأنها قد أكدت الرأي المعروف ~~في أوائل القرن التاسع عشر من أن الشعر الغنائي هو أنقى وأعلى ~~ظواهر الإبداع الأدبي وأنه ما من طريق يصل بين قمة الشعر الوحيدة ~~وبين منعرجات الأدب المستوية، وأن هناك مسافة بعد شاسعة بين الشعر ~~وبين الفنون الروائية والدرامية التي تعتمد على المنطق والواقع، ~~وهي نفسها مسافة البعد بين كتابة يتحدث فيها الأديب إلى نفسه ~~(مونولوج) وأخرى يريد بها التوصيل إلى الآخرين، لأن الشعر، كما ~~يقول جوتفريد بن، هو فن متنسك معتزل. # ويصح أن نعرض هنا لرأيين في الشعر بقلم شاعرين كبيرين يؤكدان ~~فيهما أن كثيرا من الملامح والخصائص الهامة في فن الشعر في القرن ms212 ~~التاسع عشر قد انتقلت إلى فن الشعر في القرن العشرين. # ويرجع الرأي الأول إلى الشاعر الفرنسي «جيوم أبوللينير»، وهو ~~برنامجه الذي نشره في سنة 1918م بعنوان «الروح الجديدة والشعراء» ~~في مجلة «مر كيردي فرانس». # 2 # والروح الجديدة التي يقصدها أبوللينير هي روح الحرية المطلقة. ~~والحرية في الشعر معناها أن يعالج الشاعر كل مادة ممكنة بغير ~~اعتبار لدرجتها أو شرفها وأهميتها. فالشاعر يستطيع أن يجد مادة ~~إلهامه في الكواكب والمحيطات، كما يجدها في منديل ملقى على الأرض ~~أو في عود ثقاب مشتعل. إن خياله يرى في أسمى الأشياء وأحقرها ما لم ~~يره أحد، وأذنه تسمع فيها ما لم يسمعه إنسان قبله. إنه يحولها فجأة ~~إلى مفاجآت مثيرة و«أفراح جديدة ولو كان في تحملها العذاب كل ~~العذاب.» إن أقل الأشياء وأحقرها شأنا يصلح أن يكون معبرا إلى ~~لانهاية مجهولة، تلمع فيها أضواء المعاني المتعددة، كما يصلح أن ~~يكون سبيلا مؤديا إلى غياهب اللاشعور. # إن الشيء المضحك العابث يستوي في درجته وقيمته مع أمجاد البطولة. ~~وكذلك لا يجد الشعر حرجا من اختيار مادته من واقع الحياة الآلية ~~والتقنية التي وصلت إليها المدنية الحديثة، فيتسع للكلام عن ~~التلغراف والتليفون والطائرة، والآلات التي هي «بنات الرجال اللاتي ~~لا أمهات لهن». وهو يربط هذه الأشياء جميعا بأساطير يبتكرها ~~خياله؛ أساطير يسمح فيها بكل شيء، وبالمحال نفسه أو المستحيل قبل ~~أي شيء آخر. وهدف الشعر من ذلك كله هو الوصول إلى ما يسميه ~~أبوللينير «القصيدة المركبة» التي تشبه صفحة في جريدة يومية، ~~تلتقي العين فيها بأشياء مختلفة في وقت واحد، أو فيلما تتجاور ~~فيه الصورة إلى جانب الصورة. لا مكان هناك لأسلوب الوصف والزخرفة ~~والتنميق والخطابة، بل صيغ جادة تعالج أعقد الموضوعات بأدق شكل ~~ممكن. إن الإبداع الأدبي أشبه ما يكون بعمل الميكانيكي الدقيق، ومن ~~واجب الأدب والشعر بوجه خاص أن يبذلا كل ما في وسعهما لمنافسة ~~العلوم الرياضية في دقتها وجسارتها، ومن واجب، الشعر كذلك أن يتشبه ~~بالكيمائيين القدامى فيضني نفسه في البحث عن «صيغ وكشوف ms213 نادرة» ~~تجعل منه «كيمياء شعرية عريقة». # إن الشعر الجديد تواجهه الأخطار والمزالق، مثله في ذلك مثل الروح ~~الجديدة بوجه عام. ولكنه يظل تجربة تستحق الإقدام عليها، وتستمد ~~قيمتها من شجاعة المخاطرة لا من النجاح النهائي. ينبغي أن يقوم ~~الشعر دائما على المفاجأة؛ فالمفاجأة التي تذهل القارئ بغرابتها ~~أو بلهجتها الدرامية المعادية له هي أهم ما يميز الشعر الحديث عن ~~الشعر القديم؛ وعلى الشاعر الذي يبحث عن المجهول ويعبر عنه بلغة ~~شاذة غير مألوفة ولا مقبولة أن يتحمل الوحدة والانعزال، ويصبر على ~~سخرية الناس أو تشهيرهم به. # ونعرض الآن - بعد هذا البرنامج الجريء الذي يستمد كما نرى من روح ~~رامبو والذي يعد أهم حلقة نظرية تربط بين شعر رامبو وبين الشعر في ~~القرن العشرين - نعرض لرأي آخر أبداه جارثيا لوكا في حديث ألقاه ~~في سنة 1928م في ذكر الشاعر الإسباني الكبير جونجورا # 3 # بعنوان «الخيال الشعري عند دون لويس دي ~~جونجورا». # وجونجورا (1561-1627م) شاعر قديم لعله أعقد الشعراء القدامى في ~~إسبانيا وأصعبهم. وقد أعاد الإسبان اكتشافه منذ سنة 1910م وأفادوا ~~بحركة البعث هذه شعرهم الجديد فائدة لا تقدر، فلوركا يقول عنه في ~~حديثه السابق إنه «أب الشعر الحديث» ويبين أوجه التقارب بينه وبين ~~مالارميه في الأسلوب والأداء، بل ويقول إن مالارميه هو أفضل تلاميذ ~~جونجورا، وأقربهم إلى فنه الشعري، على الرغم من أن الشاعر الفرنسي ~~لم يعرف شيئا عن الإسباني! # ويعد كلام لوركا عن هذا الشاعر القديم تعبيرا عن رأيه في الشعر ~~الجديد ونظرته الإستيطيقية إليه. فقد كان جونجورا - كما يقول لوركا ~~- يعتقد أن قيمة الشعر لا ترتفع إلا بمقدار بعده عن كل ما هو ~~عادي مألوف في العالم الخارجي والداخلي على السواء. كان يحب ~~الجمال النقي العقيم، ويرى أن هذا الجمال لا يظهر إلا إذا تخلص ~~الشاعر من التعبير المباشر عن العواطف. وكان يكره الواقع، ولكنه ~~كان يملك القدرة على السيطرة المطلقة على الممالك الشعرية وحدها. ~~إن الكلمات عنده مستقلة بذاتها، وهو يقيم منها بناء يناهض الزمن، ~~لم يكن للطبيعة ms214 مكان في شعره، لأن «الطبيعة التي تخرج من بين يدي ~~الخالق غير الطبيعة التي تحيا في القصيدة.» ولذلك فإن قيمة قصائده ~~لا تقاس بالواقع بل تنبع من ذاتها. لقد كان «يحمل الأشياء والأحداث ~~إلى غرفة ذهنه المظلمة حيث تتحول هناك وتعود لتتجاوز ~~العالم.» # هذه القوة التي تحولها هي قوة الخيال القادرة على التشبيه ~~والاستعارة. إنها تخلق صورا غير واقعية ترتفع إلى مستوى الأساطير ~~وتؤلف بين أكثر المجالات بعدا عن بعضها البعض، وهو يسلط بهذه ~~الصور ضوءا مشعا باهرا على المضمون الموضوعي لشعره بحيث يصبح ~~هذا الشعر في النهاية عديم المعنى. إن أبياته يغمرها «ضوء روما ~~البادر»، ربما يكون الإلهام قد سبقها، إلا أنها لم تتحول على يديه ~~إلى حقائق نقية صلبة إلا لطول تجربته للخصائص النغمية والصوتية ~~الموجودة في اللغة. # هكذا نشأ نوع من الشعر لا يبحث عن القارئ، بقدر ما يفر منه. ~~فإذا أراد أن يقترب منه فعليه أن يستخدم العقل وحده. وإذا لاحظ فيه ~~غموضا أو ظلاما فما ذلك إلا لشدة النور العقلي الذي ~~يغمره. # لا بد أن القارئ قد لاحظ الفرق بين ما يقوله الشاعر الفرنسي ~~والإسباني من حيث اللهجة والمستوى والهدف، ولكنه قد أدرك بغير شك ~~أنهما يتفقان في تأكيد نوع من الشعر يوجهه العقل ويستقل بنفسه عن ~~الواقع والمألوف، ويصدم القارئ، بغرابته وتنافر أنغامه. ~~(3) اللغة الجديدة # من الطبيعي أن تكون لغة الشعر الجديد لغة جديدة، فتفسير قصيدة ~~من هذا الشعر يحتاج منا أن نقف عند أسلوبها في الأداء أطول بكثير ~~من الوقوف عند موضوعها أو مضمونها أو الباعث عليها. كان في استطاعة ~~الناقد فيما مضى أن يبين للقارئ، مضمون القصيدة من الشعر القديم. ~~وكان ذلك أمرا ممكنا ومقبولا ومفيدا، طالما كان هدف الناقد ~~والشاعر معا أن يخطبا ود القارئ ويمهدا له طريق الإحساس بقصيدة ~~كتبت بلغة تخدم نظام حياته الطبيعية. غير أن الأمر مع الشعر ~~الحديث يختلف عن ذلك اختلافا بينا. فليس من الممكن أن نفهم ~~قصيدة من شعر إليوت أو سان-جون بيرس أو أنجارتي ms215 من مضمونها، وإن ~~كانت لا تخلو بالطبع من مضمون أو مجموعة من المعاني التي تكشف عن ~~عالم هذا الشاعر أو ذاك. ذلك لأن المسافة هنا بين الذات وبين ~~«التكنيك» أو الصنعة الفنية أكبر بكثير مما كانت عليه في الشعر ~~القديم، كما أن قمة التأثير في هذا الشعر وطاقاته الفنية تكاد تكمن ~~بأكملها في الصنعة أو الأسلوب. فالأسلوب هو المظهر اللغوي المباشر ~~للتحول الذي طرأ على الواقع والمألوف في هذا الشعر. لقد اختل ~~التوازن القديم بين مضمون العبارة وأسلوب أدائها، وأصبح الأسلوب ~~الجديد بما فيه من تنافر وتضاد وإغراب وقلق وتقطع وفجوات هو الذي ~~يجذب الأنظار قبل أي شيء آخر. إننا لا نستطيع الآن كما كان الحال ~~قديما أن نشغل أنفسنا بالمضمون الذي تعبر عنه القصيدة عن ~~الأسلوب الذي تم به التعبير، لأن التباين والتنافر بين أسلوب ~~التعبير والشيء المعبر عنه أو بين الإشارة والمشار إليه قد أصبح ~~من أهم قوانين الشعر والفن الحديث. وقد نجد في إحدى اللوحات أن ~~قطعة قماش أصبحت تدل على آلة موسيقية كما تجد في إحدى القصائد أن ~~الغاية تشير إلى ساعة البرج، واللون الأزرق يرمز إلى النسيان، ~~وأداة التعريف تهدف إلى زيادة الغموض والإبهام وعدم ~~التحدد. # هذا الأسلوب المتنافر الشاذ قد زاد ثقله في القصيدة إلى حد تجريد ~~الموضوعات التي يلمسها من أهميتها ومعناها، بل ومن وجودها الواقعي ~~نفسه. فالقصيدة الحديثة تتلافي الاعتراف «بموضوعية» العالم الكائن ~~خارج الذات أو داخلها حتى لا ينال من أسلوبها، وإذا تناولت بعض ~~بقايا هذا العالم الموضوعي فهي تستغلها لتحريك المخيلة «الطاغية» ~~وزيادة طاقتها على التحويل والتشويه والتبديل. وليس معنى هذا أن ~~الشعر الحديث يقصر نفسه على موضوعات قليلة أو عديمة الشأن، كما ~~فعل مالارميه مثلا. وحتى إذا حدث هذا فلا يمنع أن هناك قصائد ~~تزدحم بالعديد من الأشياء والموضوعات. إنما المهم أن هذه الأشياء ~~تخضع الآن «لتركيبة» جديدة وأسلوب جديد في الرؤية والأداء، وأنها ~~قد أصبحت مادة تتحكم فيها الذات الشاعرة كما تشاء، وفقدت كثيرا ~~جدا من «موضوعيتها»، و«شيئيتها». ms216 ولو لم يكن الأمر كذلك لما ~~استطاع الشاعر الحديث أن يؤلف بين أشياء لا تآلف بينها في الواقع ~~ولا الطبيعة، أو يرمز إلى أشياء لا تطابق فيها بين الرمز والمرموز ~~إليه، أو يشبه بين أمور لا وجه للتشابه بينها على الإطلاق ... من هنا ~~نفهم السبب الذي يدعو الشعراء المحدثين إلى الإغضاء من شأن ~~موضوعاتهم، كما نفهم أيضا ما يقوله الشاعر الفرنسي بيير ريفردي ~~(1889-1960م) من أن الشاعر لا موضوع له، وإنه يفترس نفسه بنفسه، ~~وأن قيمة العمل الشعري أنه يكشف عن سبب تمزقه وربطه بين عناصر لا ~~رابط بينها. # بل إن شرط «الشعر الخالص» أن وجوده كما يقول الشاعر الإسباني ~~ساليناس، متوقف على قدرته على التخفف بقدر الإمكان من الموضوعات ~~والأشياء لأن هذا وحده هو الذي يتيح للغة أن تتحرك حركتها ~~الإبداعية الحرة. ثم إن الشاعر، كما قال جوتفريد بن في سنة 1950م، ~~يلجأ إلى الحيل الشكلية ليحافظ على انطلاق الأسلوب؛ فهو يثبت ~~الخواطر التي ترد عليه كما لو كان يدق المسامير ويعلق عليها ~~متتابعات ألحانه، وهو يتحاشى أن يربط الأشياء ببعضها ربطا ماديا ~~سيكولوجيا بل يكتفي بالإشارة ولا يمضي في شيء إلى غايته. # إن أسلوب الشعر الجديد يأبى على المضمون أن يكون له وجوده ~~المتماسك وقيمته الذاتية. إنه لا يكف عن البحث عن اللغة الجديدة، ~~ويعيش في صراع متصل بين مطامحه المتطرفة وبين مضموناته، وهو يريد، ~~كما يقول أبوللينير، لغة جديدة لا يدري النحويون عنها شيئا. ولكن ~~كيف ستبدو هذه اللغة المفاجئة الناشزة؟ # إن الشاعر الفرنسي لا يقدم إجابة محددة، بل بشير إلى لغة ~~وحشية متنافرة أو لغة إلهية تكون الكلمة فيها مفاجئة أشبه بإله ~~مرتعش! # يقول «أراجون» في مقدمة ديوانه «عيون ألز!» (1942م): إن الشعر لا ~~يوجد إلا بفضل الخلق الجديد المستمر للغة وذلك بتحطيم النسق ~~اللغوي، وتكسير قواعده، وتغيير ترتيبه المعتاد في الكلام. والشاعر ~~«ييتس» يقول: ليس لي لغة، فكل ما أملكه لا يزيد عن مجموعة من الصور ~~والتشبيهات والرموز، وفي قصيدة إليوت المشهورة «أربعاء الرماد» نجد ms217 ~~هذا البيت الغريب: «لغة بلا كلمة وكلمة بلا لغة.» وسان-جون بيرس ~~يتحدث عن التركيب اللغوي لديه فيشبهه بالبرق والصاعقة. وكأنما ~~يتفقون جميعا على أن هذه اللغة الجديدة لن تقوم لها قائمة حتى ~~تحطم اللغة القديمة وتكسر قواعدها المألوفة وتحل التنافر ~~والتعارض والغرابة محل التجانس والتناسق والنظام، وكأنما يجمعون ~~أيضا على نوع من التعالي باللغة أو «الترانسندس» الذي تحدثنا عنه ~~كثيرا عند الكلام عن بودلير، ولكنه يظل هنا وهناك تعاليا مفرغا ~~من أي معنى أو مدلول. # معنى هذا أن اللغة الجديدة ستصبح لغة مفاجئة للقارئ، لا بل ~~معادية له. ولقد ألح الشعراء والفنانون الجدد على معنى الصدمة أو ~~المفاجأة التي تحدثها هذه اللغة حتى صارت تعبيرا اصطلح عليه في ~~الشعر الجديد منذ عهد بودلير. يؤيد هذا ما يقوله فاليري من أن أي ~~دراسة للفن الحديث في نصف القرن الأخير لا بد أن تبين كيف كانت ~~مشكلة الصدمة تثار كل خمس سنوات، وهو نفسه يعترف بأن شعر رامبو ~~ومالارميه قد أثرا عليه عند قراءته لهما لأول مرة تأثير الصدمة ~~المفاجئة. والسيرياليون يتحدثون عن «الإذهال» الذي يجب أن يحدثه ~~الشعر الجديد، ويذهب زعيمهم «بريتون» إلى حد القول بأن الشعر إنما ~~هو «إعلان احتجاج»، كما يقول سان-جون بيرس إن «ترف الشذوذ» هو أول ~~مواد السلوك الأدبي! وكأن هذه اللغة الجديدة لم تحرص منذ عهد ~~الرومانتيكية على شيء حرصها على الاحتجاج، وكأنها لم تسع إلى شيء ~~سعيها إلى زيادة الهوة التي تفصل بين الشاعر وجمهوره، بحيث لا ~~نغالى إذا قلنا إنها تحاول عن قصد أو غير قصد أن تصدمه وتفاجئه ~~وتعاديه؛ ذلك لأن الاهتمام بالأسلوب وحده قد أصبح هدفا في ذاته، ~~يختفي وراءه المعنى والباعث والمضمون، ويستوي معه أن يعالج خلود ~~الروح ووجود الله أو يصف حذاء قديما أو علبة صفيح فارغة ... والمهم ~~بعد كل شيء هو شذوذ هذه اللغة الشعرية الجديدة. # أراد فلوبير (1828-1880م) عندما كان يعمل في روايته «مدام ~~بوفاري» أن يعرف الأسلوب فقال إنه «رؤية». وقد يبدو هذا التعريف ~~مألوفا لدينا اليوم، ms218 ولكنه كان في عصره شيئا جديدا كل الجدة على ~~«الاستطيقا» القديمة، وقد تحقق معنى هذا التعريف في روايات فلوبير ~~نفسه، كما تحقق بصورة أكبر في الرواية الحديثة والشعر الحديث ، ~~والقانون الذي يحكم مثل هذا الأسلوب لا ينبع من الموضوعات الخارجية ~~ولا من اللغة الفنية الموروثة وإنما ينبع من المؤلف نفسه. وقد نتجت ~~عن ذلك ظاهرة تتجلى في أوضح صورة في فن الرسم الحديث. فقد أصبح من ~~المألوف منذ عهد سيزان (1839-1906م) أن يتناول الرسامون موضوعا ~~عديم الأهمية، لأن هذا الموضوع لا يعنيهم بقدر ما تعنيهم تجربة ~~إمكانياتهم في الأداء وقدراتهم في مجال الشكل؛ ولذلك فالرسام مشغول ~~بخلق كيان فني مستقل، مستمد من عناصر الصورة نفسها لا من عناصر ~~الواقع الخارجي، وكانت نتيجة هذا أن قل عدد الموضوعات إلى أقصى حد، ~~بل أصبح وسيلة لتجربة متنوعات مختلفة عليه، كما أصبح الأسلوب هو ~~الهدف والغاية الأخيرة. وتكرر نفس الشيء في مجال الشعر، فوجدنا ~~فاليري يقول مثلا إن الشعر في رأيه هو خلق متنوعات متعددة على ~~موضوع واحد، كما وجدنا شاعرا مثل جيان يترجم إحدى قصائد فاليري ~~«نائمة» أربع ترجمات مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض، وكاتبا ~~مثل كوينو (1903م-؟) يسمي أحد كتبه «تمارين في الأسلوب» (1947م) ~~ويقدم فيه تسعة وتسعين متنوعة على موضوع واحد! وكل هذه أمثلة على ~~الأسلوب الذي استقل بنفسه فراح يشكل ويتشكل، ويحول ويتحول. ~~(4) أبوللو بدلا من ديونيزيوس # هل اختفى الإلهام إذن؟ هل حرم على الشعراء أن يتحدثوا عن ~~شياطينهم أو يتذكروا وادي عبقر؟ # إن الشعر الحديث يتسم ببرود العقل، والتأمل فيه تأمل بارد ~~محسوب. والكلام عنه يحتاج دقة المعرفة والتخصص والصنعة. ولكن هذا ~~لا ينفي أبدا أن الشاعر الحديث يعلم في نفس الوقت الشعر سر ~~ومعجزة، سحر وقوة، منطقة رقيقة ينتزعها الشاعر مما يكاد يقصر عنه ~~التعبير والكلام. ويصبح الشاعر مغامرا يخاطر بنفسه في مناطق ~~لغوية ظلت مجهولة قبله، وتصبح لغته المملوءة بالأسرار أشبه ~~بالتجارب الكيماوية القديمة، يختبر فيها القوة الكامنة في الكلمات، ~~وينتظر انفجارها الذري في كل ms219 لحظة. وهو في ذلك لا ينسى أن يراقب ~~نفسه مراقبة دقيقة، ويقيس أفكاره بمقاييس فكرية دقيقة، ويقيها ~~غلبة العواطف الطاغية والانفعالات الفجة السخيفة. لم تعد حرارة ~~الإلهام منذ أوائل القرن التاسع عشر هي معياره الوحيد. فالسحر الذي ~~ينبع من الشعر الحديث فيه رجولة، والعذاب فيه عذاب صلب خشن. ~~ومهما كان من غموضه وتنافره فإن أبوللو إله النور والفن الواضح - ~~لا إله النشوة والإلهام ديونيزوس - هو الضمير الفني الذي يسيطر ~~عليه ويتحكم فيه. ويكاد معظم رواد الشعر الحديث يتفقون في سوء ظنهم ~~بالإلهام، ويفرقون تفرقة تامة بين الانفعال والقوة، وبين المعاناة ~~الشخصية والصدق العقلي. وها هو ذا فاليري يكتب في مقاله عن قصيدة ~~«أدونيس» للافونتين فيقول «إن الشعر فن شكاك إلى أقصى حد، إنه ~~يفترض الحرية البالغة تجاه عواطفنا الشخصية. إن الآلهة تباركنا ~~بنعمتها فتهدينا بيتا من الشعر ثم يصبح علينا بعد ذلك أن نؤلف ~~البيت الذي يليه، والذي ينبغي أن يكون جديرا بشقيقه العلوي ~~القديم. وفي ذلك نحتاج إلى كل طاقات التجربة والعقل.» ثم يقول في ~~موضع آخر إن التنهد والتوجع لا مكان لهما في الشعر، حتى يصبحا ~~أشكالا عقلية. # ولقد امتدح لوركا الشعراء الفرنسيين في خطبته السابقة عن الشاعر ~~القديم جونجورا لهذا السبب وأكد هذه الأفكار وزادها حدة. والشعراء ~~الإيطاليون ساروا أيضا في نفس الاتجاه بعد أن تراجعت النغمة ~~الخطابية الانفعالية التي غلبت على شعر دانو نزيو فوضعوا «الكلمة ~~العارية» التي طال التفكير فيها، كما يقول أنجارتي، في منزلة أعلى ~~من الكلام العاطفي المنفعل. وليست هذه الأفكار كلها جديدة ولا هي ~~مقصورة على البلاد الواقعة تحت تأثير الروح اللاتينية، وكل هذا يدل ~~على أن الشعر الحديث مشغول منذ عهد بودلير بالتجرد من الرومانتيكية ~~والبعد بقدر الإمكان عن العواطف الشخصية الساذجة. # ومن هنا نستطيع أن نفهم إليوت حينما يتحدث عن تجرد الذات الشاعرة ~~من شخصيتها بحيث يصبح عملها أشبه بعمل العلماء الوضعيين، وحين يؤكد ~~حدة العملية الفنية ولا يكتفي بأن يطلب من الشاعر أن ينظر في أعماق ~~قلبه، بل يزيد ms220 على ذلك فيطالبه بالنظر في تلافيف المخ والجهاز ~~العصبي. ويمضي الشاعر الألماني جوتفريد بن في هذا الاتجاه نفسه في ~~محاضرته التي ألقاها عن مشكلات الشعر وأصبحت اليوم هي «فن الشعر» ~~للجيل الحاضر من شعراء بلاده. إنه يمجد إرادة الشكل والأسلوب ~~اللذين يحتفظان بحقيقتهما الذاتية التي تسمو بكثير على حقائق ~~المضمون. ذلك «لأن الإنسان لا يعرف بحق إلا في مجال التشكيل.» ولأن ~~الإلهام وحده لا يهدي الشاعر بل يغريه ويغويه ولا يفضي به إلى شيء ~~ذي قيمة. قد يفجر فيه أبياتا قليلة ولكن يبقى عليه بعد ذلك أن ~~يعالجها بالتشكيل فيتناولها على الفور في يده ويضعها تحت ~~الميكروسكوب ويفحصها ويلونها ويبحث عن مواضع المرض فيها. # لهذا كله لا يدهشنا أن نرى عددا كبيرا من الشعراء المعاصرين ~~يتحدثون عن «معملهم» أو عن «الجبر والحساب» في أبياتهم؛ إنهم ~~يجربون الصيغ والأشكال، ويرتبون نسق اللغة ويحددون نظام الأصوات ~~والأنغام. هكذا يصبح النموذج الأسمى كما تقول الشاعرة الألمانية ~~إليزابيث لانجيسر، هو «الشاعر المفكر»، الذي يتحول البرتقال ~~والليمون بين يديه إلى «جبر الثمار الناضجة» كما يعبر عن ذلك ~~الشاعر الألماني كارل كرولوف الذي يقول كذلك عن نفسه إنه صانع ~~مواشير وعدته قطع الزجاج. والحقيقة أن كلمة الصنعة والصانع لا ~~تستغرب في هذا المجال؛ فكلمة الشعر بلفظها اليوناني القديم مشتقة ~~من الصنعة. ولذلك فليس عجيبا أن نجد فاليري يميل إلى استبدال كلمة ~~«الشعر Poésie ~~» بكلمة «الصنعة # Fabrication ~~» وبهذا لا يصرف ~~تفكيره إلى العمل الشعري نفسه بقدر ما يصرفه إلى أسلوب إنتاجه أو ~~صنعه أو التفنن فيه. # على أنه من الواجب ألا يساء فهم هذا الاتجاه. فاهتمام الشعراء ~~المحدثين بالشكل والصنعة ليس معناه أنهم يجعلون منه بديلا باردا ~~لقوى الخلق والإبداع بل معناه أن التفكير أو التأمل الذهني لا يؤدي ~~باللغة إلى التفوق الشعري إلا حيث يكون على هذه اللغة أن تصارع ~~للتحكم في مادة معقدة من نسيج الأحلام والأحاسيس. وليس معنى هذا ~~أن الشعراء المحدثين مجردون من الحساسية بل معناه أنهم يسلطون ضوء ~~أبوللو أو نور الفهم ms221 الفني الواضح الصريح على حساسيتهم المفرطة، ~~فكأنهم يلجمون هذه الحساسية المفرطة ويمتحنونها ويضعونها تحت منظار ~~العقل قبل أن يسمحوا لها بالكلام! # هكذا يلعب الوعي بالشكل دورا كبيرا في الشعر الحديث. والشعراء ~~من أمثال مالارميه قد طبقوا هذا تطبيقا عمليا بالمراعاة الدقيقة ~~للوزن والموسيقي وتناغم الأصوات. ولكن لعل أوضح شاهد نظري وعملي ~~على دقة الشكل وأحكامه هو الشاعر بول فاليري. وكتاباته العديدة في ~~هذا المجال وبالأخص كتابه «مدخل إلى فن الشعر» # 4 # تعد قمة العناية بالشكل المحكم الدقيق. لقد عرف ذلك ~~التداخل الخفي بين الشك والإحكام الشكلي حين قال «إن الشك يؤدي إلى ~~الشكل». فالشك يعرف مقدار التعسف الكامن في اكتشاف الأشكال ~~العروضية الأولى التي حددت الوزن والإيقاع كما يعرف بالمثل أن ~~الخواطر الخالصة التي تأتي من المضمون شيء لا يوثق فيه، ولكن الشعر ~~يأخذ هذه الأشكال مأخذ القواعد الملزمة ثم يرتفع بها فوق التلقائية ~~الفجة والخواطر والعواطف المضطربة، بذلك تصبح مراعاة الوزن ودقة ~~الالتزام بالشكل هي الوجه المقابل للمضمون الغارق في ضباب الغموض ~~مثله في ذلك مثل التقابل الذي أشرنا إليه من قبل بين التركيب ~~اللغوي البسيط وبين العبارة المعقدة الغامضة. # ولعل هذا هو الذي يفسر لنا كيف أن الشعراء المحدثين لا يملون من ~~إمعان التفكير والمراجعة في وسائلهم الشكلية في الوزن والقافية ~~وبناء البيت الحر. فقد طالما فكر كلوديل في الملاءمة بين البيت ~~الحر ووقفات التنفس، وطالما حلل أراجون نظام القافية وما أدخله ~~عليه من تجديد. وكل هذا يدل على أن الشعر الحديث أبعد ما يكون عن ~~القواعد المدرسية القديمة. # ولنستمع إلى شاعر مثل لوركا ظل يجرب إمكانات الشكل حتى استنفدها ~~جميعا حين يقول في حديث له: # إذا صح أنني شاعر بفضل الله - أو بفضل الشيطان - فقد ~~أصبحت كذلك شاعرا بفضل الصنعة والجهد المضني، ومحاسبتي ~~النفس حسابا مطلقا عن ماهية القصيدة. # أو لنستمع إلى رأي شاعر مثل إليوت حين يقول إن العمل الفني ~~يتطلب الدقة والإتقان وأنه يشبه صناعة آلة أو خرط أقدام مائدة. ~~وإذا كان إليوت يتحرر كثيرا ms222 من الأوزان والأشكال العروضية فإنه ~~يلتزم مع ذلك بدقة لا مزيد عليها في بناء القصيدة، بحيث تبدو في ~~مجموعها ومن خلال تكرار أبيات معينة فيها أشبه بعمل موسيقي ~~كبير يتألف من حركات متعددة. ولو ألقينا نظرة سريعة على فن ~~الموسيقى المعاصرة لتأكدت لنا من جديد وحدة البناء في كل الفنون ~~الحديثة. ويكفي أن نتصفح كتاب «فن الموسيقى» # 5 ~~- الذي يعد توأما لكتاب فاليري عن فن الشعر - لنجد ~~مثل هذه الأفكار الأساسية: ينبغي لأي عمل فني أن يتم على ضوء «فن ~~الشعر»، أي على ضوء الإلمام بالصنعة. الفنان هو أسمى نموذج ~~«للإنسان الصانع»، # 6 # وإلهه هو أبوللو لا ديونيزوس؛ الإلهام أمر ثانوي، ~~والأصل هو فعل الاكتشاف الذي يضع التركيب والبناء في موضع ~~الارتجال، كما يضع «مملكة التحديد الفني في مكان الحرية الفوضوية»، ~~وفي هذه المملكة وحدها يمكن أن تبتسم الألحان. وليس فن الشعر في ~~نهاية الأمر إلا نوعا من فلسفة الوجود (الأنطولوجيا). ~~(5) بين الحداثة والتراث # إذا كان الشعر الحديث يحطم القديم فهل يعني هذا أنه يقطع صلته ~~بالتراث؟ وهل يستطيع شاعر أن يستغني عن التراث فيكون كالسمكة التي ~~خرجت من الماء؟ ثم ما هو موقفه من عالم التجربة والعلم والتصنيع ~~والتخطيط والحروب والمحن الجماعية؟ وإلى أي حد يرفضه أو يتأثر ~~به؟ # لقد اهتم الشعر منذ عهد بودلير بهذا الوجه الجديد المزعج من ~~المدنية والتكنيك الحديث، وكان لهذا الاهتمام جانبه السلبي ~~والإيجابي. فأبوللينير يدخل عالم الآلة الواقعي مع أغرب أحلام ~~العبث والمحال في نسيج واحد. وتصبح الآلة في يديه شيئا سحريا، ~~بل قد تحل عليها البركات وتقدم إليها القرابين ... وتفضي به التجربة ~~إلى النشاز وتنافر الأنغام، فهو في قصيدته المشهورة «منطقة» # 7 ~~- التي تجدها في مختارات هذه المجموعة - يضع قاعات ~~المطار والكنائس في منزلة واحدة، ويجعل المسيح الطيار الأول، الذي ~~يضرب أعلى رقم قياسي! ونجد مثل هذا في قصيدة أخرى لجاك بريفير ~~«الصراع مع الملاك» # 8 ~~- وتجدها كذلك في هذه المجموعة - فالصراع مع الملاك ~~يدور في حلبة «البوكس» تحت أضواء المغنيسيوم، والإنسان ms223 يخسر ~~الملاكمة ويسقط صريعا على نشارة الخشب! # ولكن يبدو أن الشعر الجديد قد تأثر بهذا العالم الصناعي تأثرا ~~مزدوجا. فالحياة الآلية التي نحياها، والمعيشة في المدن الكبيرة ~~المزدحمة قد تجذب الإنسان وتستهويه، وقد تملأ نفسه بالخراب والوحدة ~~واليأس والضياع . # وهكذا أيضا كانت استجابة الشعر الحديث ذات وجهين. فهو يعبر عن ~~عذاب الإنسان وضياع حريته في عالم تتحكم فيه الآلات والساعات ~~والمشروعات الكبرى والحروب والكوارث الجماعية وتحيله في ظل «الثورة ~~الصناعية الثانية» إلى كائن صغير ضئيل. إن أجهزته وآلاته تشهد ~~على قوته وضعفه، وتتوجه وتخلعه عن العرش في آن واحد. والنظريات ~~الفلكية عن الانفجار الكوني ومليارات السنين الضوئية وملايين ~~النجوم والكواكب والأنظمة الشمسية الأخرى قد أشعرته بأنه ليس إلا ~~صدفة عارضة حقيرة في مجموع الكون اللانهائي. كل هذه أشياء صورها ~~العلماء والفلاسفة والشعراء وعبر عنها باسكال في القرن السابع عشر ~~في صورة تهز النفس أروع تعبير. ولكن لا شك أن هناك صلة قوية بين ~~التجارب التي يعانيها الإنسان وبين بعض خصائص الشعر الحديث. # فالانطلاق إلى عالم اللاواقع، والبعد بالخيال الجامح عن كل ما هو ~~مألوف، والشغف بالرموز والأسرار الخفية، وتعقيل اللغة إلى أقصى حد؛ ~~يمكن أن تكون كلها محاولات من جانب النفس الحديثة للمحافظة على ~~حريتها في مواجهة عالم يتحكم فيه المال والآلة، وإنقاذ معجزة ~~العالم والخلق في زمن يلهث وراء القوة و«العلم» والمنفعة، ويعاني ~~من البطش والقهر والتعذيب، ويسعى وراء النجاح والأرقام القياسية ~~بأي ثمن. # ولكن إذا كان الشعر يعلن احتجاجه على هذا العصر فهو من ناحية ~~أخرى يتأثر به وينطبع بطابعه، فالشاعر ميال إلى التجريب ~~والمحاولة، دقيق في صنعته دقة العالم في معمله، متأثر بروح العصر ~~في صلابته وبروده وقسوته. إنه يحاول أن ينشئ القصيدة التركيبية ~~التي تمتزج فيها الصور الشعرية القديمة - كالنجوم والبحار والرياح ~~- بصور الحضارة الآلية واصطلاحات العلماء المتخصصين. فالشاعر ~~بيير جان جوف P. J. Jouve ~~(ولد في 1887م) يقول مثلا في إحدى قصائده: «أرى بقعة غليظة من ~~زيت الآلة وأتفكر طويلا طويلا في دم أمي.» # والشاعر ms224 الإيطالي كارداريللي # Cardarelli # يشبه ساعة الموت بلحظات الانتظار تحت ~~ساعة المحطة، حيث يحصي الإنسان الدقائق والثواني. وأشعار إليوت ~~وسان-جون بيرس تزدحم بهذه التفاصيل العلمية والفنية وتحتفظ مع ذلك ~~بصدقها وشاعريتها. ولكن إذا كنا نلاحظ هذا كله ونقرر وجوده فلا ~~ينبغي أن نتجاهل خطره. فقد تؤدي المبالغة في هذا الاتجاه - وبخاصة ~~لدى شعراء لا يملكون الموهبة والثقافة الحقة والقدرة على الرؤية ~~الشاملة - إلى أن يقضي الشعر على نفسه بنفسه - وقد وصل إلى هذا ~~الحد أحيانا في بعض أشعار رامبو ومالارميه - ويستسلم لهذه النزعة ~~العامة المدمرة التي تزداد كل يوم، وكأن الإنسان لا يسعى إلى شيء ~~كما يسعى إلى تفجير الكرة الأرضية في الهواء. # وموقف الشاعر الحديث من التراث الأدبي والتاريخ بوجه عام موقف ~~مزدوج كذلك. فالقاعدة العامة هي تحطيم هذا التراث أو الوقوف منه ~~موقف العداء. لقد اتسعت دائرة العلوم التاريخية وأصبح ما نسميه ~~بكنوز الثقافة والآداب العالمية في متناول كل يد، وصار في إمكان ~~الإنسان بعد جولة واحدة في متاحف إحدى المدن الكبرى أن يعود إلى ~~بيته حاملا فوق ظهره تاريخ البشرية كله! وتطورت كذلك وسائل النسخ ~~والطبع والتفسير إلى أقصى حد. وازدحمت دور الكتب كما ازدحمت رءوس ~~الناس بالمعلومات، وزاد الإحساس بثقل المادة التاريخية حتى تجلى ~~رد الفعل منذ القرن التاسع عشر على هيئة نفور من كل ما هو قديم، ~~وصار هذا النفور في بعض الأحيان نوعا من التعب والملل أو ~~الاستخفاف والاحتقار. وظهر هذا الإحساس لدى أشد المفكرين اعتدالا ~~وأكثرهم تعلقا بالماضي؛ فراحوا يطالبون بأن يؤلف الشعراء بطريقة ~~مخالفة لطريقة القدماء. ولذلك فليس عجيبا أن نجد فاليري يكتب ~~بأسلوبه الساخر النبيل فيقول: # لقد أصبحت القراءة عبئا علي، إنني أتمنى في بعض ~~الأحيان أن أكون في منتهى الفقر وأعجز عن الاطلاع على كنوز ~~المعرفة المتراكمة؛ هنالك أكون فقيرا، ولكنني سأكون ملكا ~~على قرودي وببغاواتي الداخلية. # وبقدر ما ينحو الشعر الحديث نحوا رمزيا نجده يحاول - منذ عهد ~~مالارميه - أن يبتدع رموزا جديدة مستقلة لا تتصل بالتراث القديم ~~ولا تستمد أصولها ms225 منه. قد نستثني فاليري وجيان من هذه القاعدة، ~~ولكن رموزهما لا ترجع إلى أبعد من مالارميه، أي أنها تمثل نمطا ~~حديثا في الأسلوب أكثر مما تعبر عن رغبة في الاتصال بمناهل التراث ~~القديم. وعندما يحول شاعر مثل سان-جون بيرس أشياء كالجير والرمل ~~والصخر والرماد إلى رموز، يصبح من العبث أن نحاول فهمها بالاستعانة ~~بمعلوماتنا من التراث الأدبي؛ ذلك أن هذه الرموز تختلف من شاعر إلى ~~آخر ولا بد أن نحاول فهمها من المعاني العديدة التي توحي بها في ~~شعره، وإن كانت محاولاتنا ستبوء بالفشل في أغلب الأحيان! # على أنه إذا كان الشاعر الحديث قد قطع صلته بالتراث فقد فتح قلبه ~~وعقله على جميع الآداب والديانات وراح يغوص في أعماق النفس ~~البشرية، ويلتقط الصور والرموز السحرية والأسطورية القديمة التي ~~عرفتها الشعوب المختلفة في آسيا وأفريقيا وأوروبا. ونحن نلاحظ هذا ~~في أشعار رامبو، قبل أن يكتشف فرويد اللاشعور، أو يكتب يونج ~~نظرياته في اللاشعور الجمعي والأنماط الرئيسية للشخصية، وكلها ~~كتابات أثرت أعظم التأثير على الأدب والفن الحديث. # وهناك نصوص عديدة في الشعر الحديث تتردد فيها أصداء أسطورية ~~وشعبية من كافة الأمم والعصور. # فشعر سان-جون بيرس مثلا يزدحم بإشارات كثيرة إلى الرسم القديم، ~~والأساطير الغابرة وطقوس العبادة عند مختلف الشعوب والحضارات. ~~و«إزرا باوند» يورد في قصائده نصوصا من الشعر البروفنسالي ~~والإيطالي والإغريقي والصيني والمصري القديم برسومها الأصلية في ~~بعض الأحيان! وقصيدة إليوت المشهورة «الأرض الخراب» تقتبس من مرجع ~~كبير عن الشعوب البدائية كالغصن الذهبي لفريزر، كما تستفيد من ~~الكتاب المقدس والأويانيشاد، وتورد نصوصا عديدة من أشعار بودلير ~~ومالارميه وشيكسبير وأوفيد ودانتي وكتابات القديس أوغسطين. ويحس ~~الشاعر فيما يبدو أن قصيدته قد أصبحت كالدغل الكثيف المخيف فيتولى ~~التعليق عليها بنفسه ويصبح هذا تقليدا يحتذيه شاعر إيطالي مثل ~~«مونتاله» أو إسباني مثل دييجو، أو بعض رواد شعرنا الجديد في ~~ترجماتهم الذاتية القيمة. # ومع ذلك فلا يصح أن تخدعنا هذه الاقتباسات من النصوص القديمة؛ ~~فهي لا تدل على ارتباط حقيقي بالتراث أو بعصر من العصور الماضية. ms226 ~~إن الشاعر يمد يده إلى هذه النصوص والإشارات فيأخذها كيفما اتفق ~~لأنها أصبحت بالنسبة إليه بقايا ماض تمزق وفقد وحدته. إنه لا يعود ~~إلى هذه الرموز والأساطير ليمجد عصرا ~~أو يسترجع ماضيا وإنما يسوي ~~بينها كما يسوي بين الأشياء التي يستمدها من عالم الواقع، ويضعها ~~إلى جوار بعضها أو يمزج بينها كيفما شاء هواه. ربما يكون هدفه من ~~ذلك أن يزيد إحساسنا بتمزق قصيدته أو عدم تماسكها كتمزق الواقع ~~نفسه وفوضاه، أو ربما يريد - كما يفعل باوند - أن يلبس أقنعة ~~مختلفة لتعبر عن حالة ضياع جماعية واحدة أو يخلق بالكلمات ~~والرموز القديمة - كما يفعل بن، وسان-جون بيرس - نوعا من سحر ~~الأنغام والصور يضفي على شعره روعة وبهاء. والدليل على ذلك أنه لا ~~يضع هذه الصور والرموز والنصوص المقتبسة في عصرها ولا يوردها بحسب ~~ترتيبها التاريخي بل يخلطها بكلمات وشعارات وصور أخرى من العالم ~~الحديث. # والواقع أن من حق الشعر أن يطوف كما يشاء في مختلف البلاد ~~والعصور، ما دام يفعل ذلك للشدو والغناء، لا لتقرير حقيقة أو إثبات ~~دليل. وإذا سمعنا شاعرا مثل جوتفريد بن يقول: ~~«الدوائر تظهر: تماثيل أبي الهول العريقة في القدم، كمنجات ~~وبوابة من بابل، رقصة جاز من ريو ورقصة سوينج وصلاة.» استطعنا أن ~~نقول كما قدمنا إن الشاعر يسوي بين حقائق التاريخ كما يسوي بين ~~الأشياء التي يجدها مختلطة أمامه في عالم الواقع، فكل ما يراه في ~~التاريخ أو على الأرض قد صار غريبا بلا بيت ولا وطن. ~~(6) طرح النزعة البشرية # من مفارقات الشعر الحديث وظواهره الغريبة التي تستلفت الانتباه ~~ظاهرة يمكن أن نسميها باطراح الإنسانية أو تعرية التعبير الشعري ~~بقدر الإمكان من النزعات والعواطف البشرية. ولا شك أن هذا يبدو ~~أمرا محيرا للقارئ العربي الذي يغرق كل يوم في بحران العواطف ~~الكاذبة والانفعالات المائعة التي تزعم أنها تعبر عن الكآبة والحزن ~~والفرح، وهي في الواقع تزيفها. فما هي إذن هذه الظاهرة وكيف ~~نفهمها؟ # ظهر في سنة 1925م مقال للفيلسوف الإسباني أورتيجا أي جاسيت # Ortega y ms227 Gasset # عن ~~تجريد الفن من النزعة البشرية فأصبحت هذه # La ~~déshumanizacion del arte # الكلمة منذ ذلك ~~الحين اصطلاحا شائعا في لغة النقد الحديث، لا يبغى إدانة الشعر ~~بقدر ما يبغي وصف ظاهرة من ظواهره الأساسية. والفكرة الرئيسية في ~~هذا المقال هي أن الإحساس الإنساني الذي يثيره العمل الفني يصرفنا ~~عن قيمه الفنية وخصائصه الاستطيقية. # 9 # ولا شك أن جاسيت متأثر بكتابات كانت وشيلر الفلسفية عن ~~الجمال المجرد من الهدف أو الغرض، ولكنه يطبق فكرته على عصور الفن ~~المختلفة فيعلي من شأن كل أسلوب فني يحول الأشياء أو يحورها ~~أو يشوهها أو يعريها من حضورها المشاهد. «فالأسلبة» في الفن ~~معناها تحوير الواقع وتغييره، والأسلبة تنطوي على «نزعة التجريد من ~~البشرية». والحق أن كلمة التحوير أو لنقل التشويه # Deformation # التي يعبر بها ~~الفيلسوف الإسباني عن مبدأ استطيقي بعينه تستند - كما رأينا من ~~قبل - إلى وقائع بدأت تظهر في مجال الفن الحديث بشكل عام منذ ~~منتصف القرن التاسع عشر ولكنها مع ذلك تجعل من كلمته تعبيرا ~~حديثا بمعنى الكلمة يستمد قوته من قوة الرفض والسلب التي يزداد ~~سلطانها منذ قرن من الزمان. فالعمل الفني بهذا المعنى لا تكون له ~~قيمة إلا بمقدار ما يحتوي على إمكانيات الأسلوب التي تحور و ~~تغير بل وتشوه الموضوعات، وبمقدار ما فيه من قدرة التهكم على ~~النفس، التي تعد نوعا من رد الفعل على النزعات الانفعالية التي ~~يزخر بها الفن القديم. # ولكن ما معنى «التجرد عن الإنسانية أو طرح البشرية»؟ وكيف يتم؟ ~~معناه استبعاد الحالات العاطفية الطبيعية وقلب النظام المتواضع ~~عليه في ترتيب الكائنات ابتداء من الجماد إلى الإنسان، بل وجعل ~~الإنسان في أسفل السلم الطبيعي من هذا الترتيب وتصويره على نحو ~~يجعله يبدو في أقل درجة ممكنة من الإنسانية أو يخليه ما أمكن من ~~الصفات البشرية. ويوضح «جاسيت» هذا بقوله: «إن المتعة الجمالية ~~التي يشعر بها الفنان الحديث تأتي من هذا الانتصار على كل ما هو ~~إنساني.» وفي هذا يلتقي مقاله بمختلف الأساليب والبرامج الأدبية ~~التي وضعها ms228 الشعراء وطبقوها منذ عهد بودلير. # ولا بد من توضيح ما نقصده بالتجرد من النزعة البشرية بأمثلة من ~~الشعر الحديث. فالذات فيه قد أصبحت نوعا من «الجو الوجداني» ~~المحايد، وكلما أوشكت أن تقع في العاطفية أو الطراوة لجأت إلى ~~عناصر تزيد من صلابتها وخشونتها وبرودها. وأوضح مثال يخطر على ~~البال في هذا الصدد هو شعر رامون خيمينث (وله في هذه المجموعة ~~قصائد كثيرة يمكن الرجوع إليها) وما طرأ عليه من تطور. فلقد كان ~~شعره قبل الحرب العالمية الأولى شعرا ذاتيا خالصا يمزج الكآبة ~~بالدموع بالأحلام بالحدائق النضيرة. غير أنه اشتد صلابة بعد ~~العشرينات. فنجده مثلا في إحدى القصائد يصف النفس بأنها «عمود من ~~الفضة» والتشبيه جميل ولكنه يعبر كما تعبر القصيدة كلها عن نفس ~~تخلصت من الكآبة اليسيرة الساذجة وأصبحت نوعا من التوتر المعلق ~~بين السماء والأرض لا يمكن تحديده أو وصفه. # وشعر الشاعر الإيطالي أنجارتي (وبخاصة بعد ظهور ديوانه «عاطفة ~~الزمن» في سنة 1936م) ينطق عن حال لا تعرف الفرح ولا الألم بل ~~ترف في جو من التأمل الخالص المحايد. فليس في أبيات القصيدة عنده ~~«قيم نفسية» - لاحظ مثلا أنه يتجنب في إحدى قصائده التي تجدها في ~~هذا الكتاب أن يظهر الفرح بمولد الفجر كما اعتاد الشعراء دائما - ~~وإنما تقتصر الحركة فيها على حركة اللغة والصور غير الواقعية، وكأن ~~الشاعر يخشى أن يضبطه القارئ متلبسا بعاطفة مألوفة، أو يتنهد عند ~~قراءته له ويقول: «هذا هو ما كنت أحس به دون أن أستطيع التعبير ~~عنه!» إن الإحساسات اليومية المعتادة ينبغي أن تصمت في القصيدة، ~~والقصيدة التي يسميها فاليري «عيد العقل» تحتوي كما يقول أيضا على ~~أشياء لا يمكن أن يتصف بها في العادة أي إنسان؛ ذلك لأن الجهد ~~الفني، شأنه في ذلك شأن العمل العلمي، يحتوي على شيء غير إنساني. ~~وليس غريبا بعد هذا أن نجد شاعرا يسمي ديوانه «لا قصائد» (كما ~~فعل بيشيت # H. Pichette # في سنة ~~1947م)، أو «كراهية # La haine de la ~~poésie # الشعر» (كما فعل باتاي # G. ms229 Bataille # في نفس السنة ~~أيضا) ... # ونسوق مثلا آخر لتوضيح هذا الكلام عن الشعر الخالص من «الأنا» ~~ومن النزعة البشرية بقصيدة «الصرخة» التي يجدها القارئ في هذه ~~المجموعة (وقد كتبها لوركا في سنة 1921م): # منحنى # 10 # صرخة ~~... يمضي من جبل # إلى جبل ... إلخ. # والقصيدة لا تؤكد على المكان ولا على الصرخة، بل ~~على هذا الشكل الهندسي الذي تبرزه كموضوع رئيسي تتكون منه بعد ذلك ~~أو تنبني عليه موضوعات أخرى كالمكان، والليل، والجبال، وأشجار ~~الزيتون. ويصبح المنحنى أو الإهليلج - الذي صار نصفه موضوعا ونصفه ~~الآخر استعارة - قوس قزح أسود ثم قوس كمان «ترتعش تحته أوتار الريح ~~الطويلة». وإذا سألنا أنفسنا من أين تأتي هذه الصرخة لم نتلق ~~جوابا. فالصرخة هناك، بل تكاد تكون هي وحدها الموجودة. ولكن هل هي ~~صرخة إنسان؟ إن القصيدة تتكلم قبل نهايتها عن الناس الذين سمعوا ~~هذه الصرخة: «الناس في الكهوف يعلقون المصابيح في الخارج.» غير أن ~~هذا لا يخلع على النص صفة إنسانية. أضف إلى ذلك أن البيتين ~~الأخيرين موضوعان بين أقواس، وكأن القصيدة تلقي نظرة من بعيد على ~~أولئك البشر الذين وقفوا حائرين أمام تلك الصرخة التي تصدر عادة عن ~~الإنسان ومع ذلك فقد قطعت صلتها بكل إنسان. # الصرخة إذن شيء محايد مجهول، خط من النغم يصل اليوم وأمس وغدا ~~إلى الجبال والرياح وأشجار الزيتون ولكنه مقطوع الصلة بالإنسان، أو ~~نحن نجهل على الأقل أنه يخرج من صدر إنسان. # وهناك أمثلة أخرى يستطيع القارئ أن يجدها في شعر رافائيل ~~ألبرتي، تتحدث عن موضوعات مألوفة كالبكاء على الحب، ولكنها تدخلها ~~في نسيج شفاف معقد وتستوحي خيوطها من اكتشافات المدنية والعلوم ~~الحديثة، وتملؤها بالإشارات السريعة إلى السفن والطائرات ~~والكازينات والبارات والبنوك المغلقة ... إلخ. وأوضح مثل لهذا ~~قصيدته «الآنسة» س «المدفونة في ريح الغرب» (1926م)، فهي لا تتكلم ~~عن حزن شخصي بل تضع الحزن في الأشياء وتعبر عنه من خلال أمور ~~مضحكة أو سخيفة أو عادية أو كونية أو فلسفية، وتزيد بهذا من صلابته ~~وتجرده من العاطفية والانفعال. والغريب ms230 أنه ليس هناك شخص واحد ~~يبكي في القصيدة، بل أشياء كعمود التليفون الذي يحزن لأن الآنسة س ~~لا ترسل حديثها منه، وكالشمس التي صعقتها الكهرباء والقمر الذي ~~تفحم! # ويطول بنا المقام لو تتبعنا ما سميناه بالتجريد أو التعرية من ~~النزعة البشرية في الشعر الحديث. ويكفي أن يلقي القارئ نظرة سريعة ~~على نماذج من شعر سان-جون بيرس، هذا الشعر المجيد الذي يتغنى بعظمة ~~الطبيعة وروائع الأعمال البشرية في بناء فني رفيع، ولكنه يدور ~~في مناطق عجيبة منزوعة عن المكان والزمان، يصعب أن يهتدي القارئ ~~فيها أو يجد في أجوائها النفسية الغريبة قدرا قليلا من الفرح أو ~~البهجة، ويكفي أيضا أن يطلع على شعر «رافائيل ألبرتي» أو «خورخه ~~جيان» ليرى إلى أي مدى يمكن أن ~~يخلو الشعر من الوصف المباشر العاطفة الحزن والفجيعة والمرارة ~~ويؤثر، على الرغم من ذلك بصوره وخياله ومفرداته اللغوية وبنائه ~~الفني، أعظم تأثير. إن الشاعر يحول الناس والأشياء إلى صور ~~ومقولات مجردة. إنه يتجرد عن عواطفه الشخصية لينظر إلى الأشكال ~~الخالصة في المكان والنور. ومن العبث أن نسأل أين يعبر الشعر ~~الحديث عن الفرح وأين يعبر عن الحزن. فمثل هذه المضمونات التي لا ~~يمكن أن يستغني عنها الشعر بالطبع، ترف علوا أو هبوطا في ~~منطقة تستطيع النفس أن تنظر فيها وتحس بأبعد وأشجع وأصلب وأنقى ~~مما تستطيعه نفس عادية حساسة. ولعل هذا يفسر لنا كيف أن بعض ~~الشعر الحديث الذي استطاع أن يتعرى من «معطف الأنا» - إن صح هذا ~~التعبير - قد جعل من الأشياء موضوعه الوحيد. # إن الشاعر يستطيع الآن - كما يفعل الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج ~~(ولد في 1889م) الذي يرفض أن يسمي شعره شعرا - أن يتكلم عن باب أو ~~رغيف خبز أو قوقعة أو شمعة أو سيجارة بطريقة أشبه ما تكون ~~بالفينومينولوجيا الشعرية إذا جاز أن نستعير هذا التعبير من فلسفة ~~هسرل في الظاهريات! لا لكي يصف الأشياء وصفا واقعيا أو يشوهها ~~ويغيرها، بل ليظهرها جامدة أشد الجمود أو ليضفي على الجماد منها ~~حياة لا واقعية غريبة. ms231 والمهم أنه يستبعد الإنسان من شعره ويحاول ~~كما يقول: «أن يولد الأشياء من الكلمات». # مثل هذا الشعر «الموضوعي في ظاهره» لا يكاد يبقي من الإنسان إلا ~~اللغة الخلاقة والخيال الطليق. إن تجريد المضمونات وردود الأفعال ~~النفسية من طابعها البشري هو النتيجة الضرورية التي ترتبت على ~~السلطة غير المحدودة التي أعطاها العقل الشاعر أو الذات الشاعرة ~~لنفسها. لقد أصبح الشاعر الحديث «دكتاتورا» مع نفسه. إنه يحاول أن ~~يلغي نزعاته الطبيعية ويسلخ نفسه عن العالم أو يسلخ العالم عن نفسه ~~لكي يؤكد حريته في التخيل والخلق وتجديد اللغة ويثبت قدرته على ~~الثورة والاحتجاج والإغراب. وتلك هي المفارقة الكامنة فيما نسميه ~~طرح النزعة البشرية. ~~(7) التوحد والقلق # هل يعني هذا أن الشعر الحديث - على طريقته المختلفة عن شعر ~~الأقدمين - لا يعبر عن مضمون نفسي، ولا ينقل لنا إحساسا ولا ~~شعورا؟ # ليس أبعد عن الصواب من هذا الظن. فالشعر الحديث ينقل إلينا ~~الكثير على الرغم من أنه ينفر في مجموعه من إيجاد تلك العلاقة ~~الحميمة التي كان يعتز بها الشعراء الأقدمون بين الشاعر وبين ~~جمهوره من القراء. بل إنه ليغالي في ذلك في بعض الأحيان حتى ليوشك ~~المرء أن يعتقد بأنه لا يبحث عن «معجبين» بقدر ما يبحث عن كارهين ~~أو غاضبين. # وأبرز الإحساسات التي ينقلها إلينا الشعر الحديث، هو الإحساس ~~بالوحدة والقلق؛ فالشاعر - كما يقول الكاتب النمسوي روبرت موزيل - ~~هو أشد الناس شعورا بوحدة الذات في العالم ووحدتها بين غيرها من ~~البشر، والفكرة قديمة بغير شك، وجدت قبل الرومانتيكية وبقيت حية ~~بعدها ولكنها قد أصبحت في أيامنا فكرة جديدة كل الجدة، ترتبط ~~ببدعة العصر أو حقيقته التي ذاعت اليوم على كل لسان من أن العصر ~~الذي نعيش فيه هو عصر «القلق» والوحدة والضياع في الزحام. ولعل ~~الناس لا تتفق في شيء يتعلق بالشعر والشعراء كما يتفقون على أنهم ~~أناس متوحدون قلقون. # وقد عبر الشاعر أبوللينير عن ذلك في قصة نثرية بعنوان «الشاعر المقتول» # 11 ~~(1916م) أو المغتال. والقصة تصور أحداثا عجيبة غير ~~منطقية تنتهي ms232 إلى تصوير جريمة القتل التي ترتكبها جميع البلاد في ~~حق جميع الشعراء! وتنتهي القصة بأن يصنع أحد المثالين للشاعر ~~المقتول «تمثالا من العدم». والقصائد الأخيرة لشاعر التعبيرية ~~الأكبر «تراكل» # 12 ~~(1887-1914م) تثبت أن وحدته مع نفسه كانت وحدة مطلقة. ~~والشاعر سان-جون بيرس يقول عن اللغة التي يستخدمها في قصيده الطويل ~~المشهور «منفى» (وتجد بعض مقتطفات منه في هذا الكتاب): «إنها لغة ~~المنفى النقية.» وإن دل هذا كله على شيء، فهو يدل على أن القلق ~~قد أصبح سمة العصر التي يتحدث عنها الجميع كما كانوا يتحدثون ~~قديما عن «القمر» أو «الشوق»، حتى إن أحد الشعراء الإنجليز وهو و. ~~ه. أودن، قد كتب في سنة 1946م قصيدة مشهورة بعنوان «عصر القلق» ~~(1946م). ولكن الأمر ليس مجرد بدعة أو تقليد؛ فما أكثر القصائد ~~الأصيلة التي تشهد بهذه التجربة الأساسية في وجدان الإنسان ~~الحديث. # ولنعقد الآن مقارنة سريعة بين الجو العام الذي يسود إحدى قصائد ~~شاعر قديم نسبيا مثل «جوته» وبين بعض قصائد المعاصرين. فهو ~~يتحدث في قصيدته «سكون البحر» التي يحتمل أن يكون قد كتبها في سنة ~~1795م، عن الفضاء الشاسع المخيف، والبحر الساكن العميق الذي لا ~~تتحرك فيه موجة ولا تهب عليه نسمة: # سكون عميق يسود المياه # وبلا حركة يمتد البحر، # والملاح ينظر مهموما # إلى السطح الأملس حواليه. # لا نسمة من أي ناحية! # سكون الموت المخيف! # في الفضاء الشاسع # لا تتحرك موجة واحدة. # ولكنه يتبعها بقصيدة أخرى تتفق معها في الموضوع ~~والإيقاع والنغم وهي قصيدته «رحلة سعيدة»، فنجد كيف ينقشع القلق، ~~وينفك إسار الخوف ويتشجع الملاح ثم لا يلبث شاطئ النجاة أن يظهر ~~للعين من بعيد: # تبدد الضباب، # وصفت السماء، # والريح تفك # إسار الخوف. # تتنفس الرياح، # ويتحرك الملاح؛ # اسرعوا! اسرعوا! # فالموج ينثني # والبعد يقترب، # وها أنا ذا أرى الشاطئ! # فالخوف والقلق هنا ليسا إلا جسرا يعبر عليه ~~الشاعر إلى الأمل والصفاء. # أما ما نجده في الشعر الحديث فهو يختلف عن ذلك. فيندر أن نجد ~~قصيدة تحدثت عن القلق ثم استطاعت أن تتخلص ms233 منه. وتشبه قصيدة جوته ~~السابقة قصيدة لرامون خيمنيث بعنوان «بحر» تصور رحلة على مركب ~~ويصطدم المركب بشيء ما، ولكن لا يحدث في الحقيقة شيء، فليس هناك ~~إلا السكون والأمواج وشيء آخر «جديد» يتركه الشاعر بلا اسم. وهكذا ~~يسير الشاعر الحديث من الأمل إلى القلق بعد أن كان الشاعر القديم ~~يسير في عكس هذا الاتجاه. # وإذا تذكرنا قصيدة «الصرخة» للوركا التي تحدثنا عنها من قبل ~~تذكرنا معها قصيدة أخرى له بعنوان «الصمت» (ويجدهما القارئ معا ~~في هذا الكتاب). # أنصت يا ولدي للصمت؛ # صمت متموج، # صمت، # تنزلق الوديان خلاله # والأصداء، # ويذل جباها # فوق الأرض. # فالصمت لا يمحو هول تلك الصرخة المخيفة التي ~~سمعناها تتردد في القصيدة السابقة بل لعله يزيده رهبة إذ يولد ~~هولا جديدا هو هول الصمت الذي تنزلق الوديان والأصداء خلاله ~~ويضغط الجباه على الأرض. # وهو كذلك في قصيده «مرثية الصمت» يجعل من الصمت تعبيرا هامسا ~~عن القلق ويصفه بأنه «شبح الانسجام ودخان من الشكوى» لأنه يحمل ~~«عذابا سحيق القدم وصدى الصرخات التي انطفأت إلى الأبد». وهو في ~~إحدى قصائده المتأخرة وهي قصيدة بانوراما عمياء لنيويورك يتحدث في ~~إيقاع حر عن مضمونات لا تكاد تمت بصلة للعنوان الذي وضعه لها. ~~ويسأل القارئ نفسه بعد قراءتها: أين هو الألم العظيم المطلق؟ ليس ~~له وجود في المدن الضخمة الهائلة؛ مدن الدم والشقاء، ولا على الأرض ~~«ذات الأبواب المتشابهة دائما، التي تؤدي إلى احمرار الثمار»، ولا ~~هو في أصوات الناس، إنما الأسنان هي الموجودة وحدها، ولكنها أسنان ~~«يتحتم عليها أن تصمت في العشب الأسود.» وكأني بلوركا يتحدث عن ذلك ~~القلق الذي يقلقه ألا يجد غذاءه من الألم والعذاب، وعن الخوف الذي ~~لم يعد يخاف شيئا كما يخاف الخوف نفسه. # وعلى نحو آخر يتكلم شاعر مثل «إلوار» عن القلق في قصيدة الشر ~~(من ديوانه الحياة المباشرة 1932م). # 13 # إنه لا يسميه بل ينقل إلينا الإحساس الحذر به عن طريق ~~النص نفسه عندما يكرر كلمة بعينها: «كان هناك ...» أو يكرر جملة ~~واحدة كأنها تعويذة سحرية ms234 أو صلاة تتلى في ملل، وهو أسلوب معروف ~~عند رامبو: # كان هناك الباب كأنه منشار ... # الباب بلا هدف، # كانت هناك قطع النوافذ المهشمة، # لحم الريح المعذب تمزق عليها ... # كانت هناك حدود المستنقعات ... # في حجرة مهجورة، # في حجرة فاشلة، # في حجرة خالية. # فهذه الأشياء التي تذكر واحدة بعد الأخرى دون أن ~~تكون بينها علاقة؛ لم يهدف إليها الشاعر في ذاتها بل أراد أن تكون ~~علامات على النفي والرفض والتهشيم والتحطيم، وبذلك تكون في نفس ~~الوقت علامة على القلق الذي لا تذكره لغة القصيدة بل توحي به ~~وتخلقه. # وهكذا نستطيع أن نقول بوجه عام - وإن كان التعميم شيئا كريها!- ~~إن الشاعر القديم كان يسعى للاتصال بالعالم والناس وكانت نفسه تريد ~~أن تألفهما وتقترب منهما، سواء نجحت في ذلك أم خاب أملها ~~فيه. # ونحن في حياتنا اليومية نصف أشياء كثيرة بالشاعرية، فنقول مثلا ~~عن مكان خال - مهما يكن فقره وبؤسه - إنه شاعري، أو نصف وجها ~~عجوزا معبرا أو حفلا بهيجا بأنهما شاعريان؛ فنفهم في كل ~~الأحوال أن هناك صلة ود بين النفس وبين ما تراه من الظواهر الحسية ~~الخارجية تجعلها تسكن إليها وتأنس بها. أما في الشعر الحديث فالأمر ~~مختلف. # فالشاعر يتعمد أن يجعل المألوف غريبا والقريب بعيدا! وكل من ~~يقرأ لكبار الشعراء المعاصرين يخيل إليه أن هناك قوة خفية تدفعهم ~~دفعا إلى تحطيم الصلة بينهم وبين العالم أو بينهم وبين غيرهم من ~~الناس، ومن يتابع الرواية الحديثة يلاحظ أيضا أن أسلوبها يحرص على ~~هذا الإغراب وقطع الصلة بين الناس والأشياء أو بينهم وبين بعضهم ~~البعض، ابتداء من روايات فلوبير الأخيرة إلى روايات وأقاصيص ~~هيمنجواي وألبير كامي والروائيين الجدد. وكأنها تحرص على إبراز ~~التضاد بين الإنسان والعالم أو بينه وبين الناس عن طريق تفتيت ~~الحدث إلى وحدات منفصلة لا تجمع بينها رابطة سببية، أو حذف ~~الروابط في العبارة ووضع الكلمات إلى جانب بعضها البعض كأنها كتل ~~متنافرة لا تدخل في سياق أو معنى عام. # ولقد سمعنا جميعا بالضجة التي أثارها برتولت برشت وناقدوه منذ ms235 ~~العشرينيات باصطلاحه المعروف عن «الإغراب» الذي جعله شعارا ~~لنظريته في المسرح الملحمي. كما وجدنا شاعرا كبيرا مثل أبوللينير ~~يتكلم قبل موته بقليل عن «المناطق الغريبة» التي ينتظر أن ينطلق ~~الشعر إليها. # يقول الكاتب الروائي النمسوي «روبرت موزيل»: «إن الشاعر يحس حتى ~~في الصداقة والحب بأنفاس الكراهية والتقزز التي تبعد الكائنات عن ~~بعضها البعض» والشعور بأن قرب الإنسان من الإنسان هو في حقيقة ~~الأمر بعد عنه، يكاد أن يكون موضوعا ثابتا من موضوعات الشعر ~~الحديث. # فقصيدة «أغنية» للشاعر الإيطالي «أنجارتي» (راجع النصوص) تنتهي ~~بحزن (غير عاطفي!) يعبر عنه قوله: إن الحبيبة بعيدة كما لو كانت ~~في مرآة، وإن الحب يكشف عن «القبر اللامتناهي» للعزلة الباطنة. ~~ولوركا يقول في إحدى قصائده: «ما أبعدني حين أكون قريبا منك! وما ~~أقربني حين أكون بعيدا عنك!» والشاعر الألماني كارل كرولوف يقول ~~في «قصيدة حب» (1955م) التي تجدها فيما بعد: «هل ستسمعينني خلف ~~الوجه المعشوشب للقمر الذي يتفتت؟ والليل يتكسر كالصودا، أسود ~~وأزرق.» وكأن هذه الصور الصلبة وهذا التحطم والتناثر والانكسار ~~يعبر عن فشل محاولته للقرب من الحبيبة كما يعبر عن خلاصه المنتظر ~~على يد اللغة الشاعرة الخلاقة، وهو في الواقع خلاصه الوحيد. # ونجد في قصيدة أخرى للوركا (تجد مقتطفات منها في هذه المجموعة) ~~كيف يتحول بعد الأموات - وهو شيء طبيعي - إلى بعد مطلق. والجزء ~~الأخير من قصيدة لوركا هذه عن مصارع الثيران سانشيز ميخياس ~~(1935م) يحمل هذا العنوان «نفس غائبة». إنه لا يذكر الميت ولا ~~الموت بكلمة واحدة وإنما يقول: «إن أحدا لم يعد يعرفه، لا الثور ~~ولا الخيل والنمال في بيته، ولا الطفل والمساء، ولا الحجر الذي ~~يرقد تحته. لقد صار بعيدا عنه بحيث لا يستطيع التذكر نفسه أن يصل ~~إليه. لكنني أغنى باسمك.» غير أن هذا الغناء لا يجدي أيضا؛ ~~فالشاعر الذي غلبته الوحدة واليأس من الوصول إلى الصديق البعيد لم ~~يعد يملك إلا أن يغني عن النسيم الحزين الذي يسري بين شجيرات ~~الزيتون. # وقل مثل هذا عن قصائد رافائيل ألبرتي التي نشرها ms236 في سنة 1929م ~~بعنوان «عن الملائكة» والتي تجد مختارات منها في هذا ~~الكتاب. # فالملائكة التي يتحدث عنها الشاعر - كالملائكة التي تحدث عنها ~~رامبو - ليس لها أي معنى ديني. إنها كائنات «خرساء كالأنهار ~~والبحار»، خلقها خيال شاعر وحيد. هناك صراع درامي خفى يدور ~~بينها وبين الإنسان وينتهي إلى انقطاع كل أمل في الاتصال بينهما. ~~فالإنسان يعلم أن الملاك موجود، غير أنه لا يراه، ولا النور يراه، ~~ولا الريح وزجاج النوافذ تراه، والملاك أيضا لا يرى الإنسان ولا ~~يعرف المدن التي يسير فيها، لأنه بلا عيون، ولا ظلال، ولأنه «يغزل ~~الصمت في شعره»، وما هو إلا «ثقب وحيد رطب، ونبع جف الماء فيه». ~~لقد مات بيننا نحن البشر، أضاع المدينة وأضاعته. ومع أن من الصعب ~~تفسير هذه القصائد (التي وصفها البعض خطأ بالسيريالية)، إلا أن ~~الرمز الذي تدور حوله لا يستعصي على الفهم، لقد كانت الملائكة ~~دائما كائنات نورانية مباركة، سواء أرسلت إلى الناس لتبشرهم ~~بنعمة الله أو تنذرهم بغضبه ونقمته. كان الإنسان يحس صلة بينه ~~وبينها، وكان يشعر أنه ليس وحيدا في هذا الكون، وأن هناك كائنا ~~علويا يرعاه ويتذكر وجوده على الأرض البائسة. غير أنه يبدو أن ~~الملائكة التي يصورها الشاعر قد سئمت الإنسان فلم تعد تعرفه أو ~~تهتم بشأنه، بل ولم تعد تذكر منه إلا صورا للقبح والفساد ~~والفناء. # للكاتب الألماني الشهير فرانز كافكا أمثولة لطيفة جعل عنوانها: ~~«القرية المجاورة» # 14 # يقول فيها: «كان من عادة جدي أن يقول: «للحياة قصيرة ~~إلى حد مذهل!» والآن تضغط علي الحياة بذكرياتها حتى لا أكاد ~~أتصور مثلا كيف يمكن أن يصمم شاب على ركوب جواده إلى القرية ~~المجاورة دون أن يخشى - بصرف النظر تماما عن الصدف المؤلمة - أن ~~يكون عمر الحياة العادية التي يلازمها الحظ أقصر بكثير من أن يتسع ~~لمثل هذه الرحلة.» # هذه الأمثولة (وما أشبه اليوم بالأمس! فهل تذكر أيها القارئ ~~مفارقات زينون الأيلي عن أخيل والسلحفاة؟) تعبر عن موقف أساسي في ~~وجدان الجيل الحديث من الشعراء، ألا وهو العجز ms237 عن «الوصول» حتى ولو ~~كان الهدف قريبا. ولنضرب مثلا لذلك من الشعر الحديث بقصيدة لوركا ~~«أغنية فارس» (1924م). # قرطبة # وحيدة وبعيدة # فرس أسود صغير، قمر كبير، # حبات زيتون في حقيبة سرجي. # أعرف الطرق حقا، # غير أني لا أبلغ قرطبة أبدا # عبر المدى الفسيح، عبر الريح، # فرس أسود صغير، قمر أحمر. # الموت يحدق في # من أبراج قرطبة. # آه! ما أطول الطريق! # آه! يا فرسي الشجاع؟ # آه! الموت يخطفني # قبل أن أبلغ قرطبة! # قرطبة # وحيدة وبعيدة . # فالفارس يعرف الطريق إلى هدفه وهو مدينة قرطبة، ~~ولكنه يعرف أيضا أنه لن يصل أبدا إلى هذا الهدف. إن الموت يحملق ~~فيه من أبراج قرطبة، وهو لن يعود إلى بيته لأن الموت ينتظره هناك ~~في السهول الشاسعة التي تعصف فيها الرياح. # وما كذلك الشاعر القديم الذي كان يحن إلى بيته أو وطنه، ويحمل ~~في نفسه صورة البيت والدخان الذي يصعد من مدخنته، والسور الذي يظهر ~~فوق سطحه، والعجوز التي ستفتح له الباب ... إلخ. # ولنضرب مثلا آخر بقصيدة «جوته» التي تبدأ بهذا البيت: ~~«دعوني أبكي» وهي إحدى قصائد ديوانه الشرقي التي لم ينشرها فيه ~~ووجدت بعد الموت في أوراقه. # دعوني أبكي ... يحوطني الليل # في الصحراء الشاسعة. # الجمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون، # والأرمني سهران يحسب في هدوء، # أما أنا فأرقد إلى جواره، وأحسب الأميال # التي تفصلني عن زليخة، وأتفكر باستمرار # في الدروب الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق. # دعوني أبكي فليس هذا عارا. # الرجال الذين يبكون طيبون. # لقد بكى أخيل على حبيبته بريزيس. # 15 # واكسيركس بكى الجيش اللي لا يهزم. # 16 # والإسكندر بكى حبيبه الذي قتله بنفسه. # 17 # دعوني أبكي. إن الدموع تحيى التراب، ~~(و) ها هو ذا يخضر. # فالشاعر هنا بعيد عن هدفه. وهو يقضي ليلته في ~~الصحراء المترامية الأطراف، ويفكر في الأميال التي تفصله عن حبيبته ~~«زليخة» غير أن بعد هذا الهدف في المكان لا يبعده في الحقيقة عنه، ~~لأنه يظل شيئا يحن إليه كما يظل شيئا مألوفا له، قريبا منه ~~بالتذكر والشوق، يمكنه أن يصل إليه ms238 بين يوم وآخر. إنه حزين، ولكن ~~حزنه يمكن أن يجد العزاء، بل إنه ليعزي نفسه حين يتذكر أبطالا ~~قدامى، بكوا حقا، ولكن البكاء لا يعيب الرجال. # أما شاعرنا «لوركا» فيقول في مطلع قصيدته إن قرطبة بعيدة. ونخطئ ~~لو تصورنا أنه بعد مكاني. فالفارس يرى المدينة أمام عينيه ولكنها ~~بعيدة عنه بعدا مطلقا، على الرغم من قرب المسافة التي تفصله ~~عنها. هناك لغز محير يتمثل في شبح الموت الذي يطارده ويبعد ~~المدينة عنه ويجعل الطريق إليها طريقا خطرا لا نهاية له. ما من ~~شوق ولا دموع، ما من عزاء عن هذا الإحساس بالبعد المحتوم. فالنفس ~~تعيش في يأس مطبق، في حالة شعورية لا حدود لها ولا معالم. والشاعر ~~ينادي الجواد والطريق والموت وهذا هو كل شيء. أضف إليه هذه الجمل ~~التي تدور في شبه دائرة ناقصة، وتخلق باستغنائها عن الأفعال صورة ~~لغوية تعبر عن استسلام الشاعر للغربة والخطر الجاثم عليه. # هكذا يتجلى لنا الفارق العميق بين أسلوبين في التعبير الشعري؛ ~~فالهدف البعيد في المكان يظل قريبا من نفوس القدماء، إنهم ~~يتصورونه ويحنون إليه ويبكونه ويعزون أنفسهم ببلوغه، أما المحدثون ~~فيتحول القرب المكاني عندهم إلى بعد باطني مخيف، تحس به نفوسهم ~~أوضح إحساس وأقساه. # إن الشاعر القديم مطمئن إلى العودة إلى بيته وأهله، أما الشاعر ~~الحديث فيشعر أن هذه العودة مستحيلة، لأن هناك لغزا أو قدرا ~~يأسره ويتسلط عليه ويبعد الوطن عنه أو يبعده عن الوطن. إنه ليس ~~غريبا في هذا العالم فحسب، بل إن العالم نفسه قد صار غريبا عليه. ~~ولعل قصيدة لوركا الأخيرة أن تكون من أوضح الأمثلة على استحالة ~~العودة إلى وطن تسكن النفس إليه، ربما لأن الوطن صار غريبا، ~~والغربة صارت وطنا. ~~(8) غموض الشعر الحديث # تحدثنا في الصفحات السابقة عن غموض الشعر الحديث، وبينا أنه من ~~أهم الخصائص التي تميزه. والواقع أن الشعر الحديث يلقي على اللغة ~~مهمة عسيرة وغريبة معا، ألا وهي أن تفصح عن المعنى وتخفيه في آن ~~واحد. فالغموض يوشك أن يصبح مبدأ جماليا عاما ms239 لهذا الشعر. إنه ~~يعزل القصيدة عن وظيفة اللغة الأساسية في النقل وتوصيل المعاني، ~~ليعلقها في ما يشبه الفراغ، فتبتعد عن القارئ كلما حاول أن يقترب ~~منها. وقد يبدو في بعض الأحيان كأن الشعر الحديث ليس إلا محاولة ~~لتسجيل إحساسات مبهمة وتجارب مضطربة يحتفظ بها الشاعر لمستقبل ~~قريب أو بعيد، يستطيع أن يعبر فيه عن إحساسات أوضح وتجارب أنجح. ~~ولهذا فهو يدور ويدور حول إمكانيات لم تثبت أو تتحقق بعد. # ولكن من أين يأتي هذا الغموض؟ # قد يأتي من المضمون أو من الأسلوب الذي يلجأ إليه الشاعر. ~~فالقصيدة تتكلم عن أحداث أو كائنات أو أشياء لا يعرف القارئ شيئا ~~عن مكانها أو زمانها أو أسبابها، ولا يخبره الشاعر بشيء عنها، ~~وعباراتها لا تتم ولا تكمل بل تنقطع فجأة لسبب لا يدريه، كأنما ~~حاولت أن تقطع الصمت المطبق فلم تفلح. وقد لا يتألف المضمون إلا من ~~مواقف لغوية متباينة، تختلف بين الخشونة والنعومة والسرعة، بحيث ~~تكون الموضوعات والمشاعر التي تتحدث عنها مجرد مادة بلا معنى ~~محدد. ومن أبرز وسائل الأسلوب التي تسبب الغموض تغيير وظيفة الحروف ~~والروابط والصفات والظروف وصيغ الأفعال المختلفة، وترتيب الجملة ~~العادية ترتيبا غير عادي، والميل إلى ما يمكن تسميته بالجمل ~~المفتوحة، كأن تتألف الجملة من أسماء لا يرتبط بها فعل، أو نجد ~~جملة رئيسية بلا جملة جانبية أو العكس، أو جملة شرطية بغير جواب ~~الشرط، أو إسقاط أدوات التعريف عن الأسماء أو استخدامها بطريقة ~~تزيد من الغموض بدلا من أن تعمل على التحديد والتعريف، أو استخدام ~~الكلمات بمعان قديمة مشتقة من أصولها الأولى التي لم يعد يستخدمها ~~أحد. أضف إلى هذا أننا قد نجد قصائد بلا عنوان، أو بعناوين لا ~~توافق موضوعها فتزيد بذلك من تعدد المعاني المختلفة التي توحي بها. ~~وقد يكون السبب في التخلي عن العنوان هو رغبة الشاعر أن يخلي ~~مضمونه من أية صلة تربطه بالواقع والمألوف. ويذكرنا هذا ببيكاسو ~~الذي اشتهر عنه أنه لا يضع عناوين للوحاته، بل يتولى ذلك عنه تجار ~~اللوحات ومنظمو ms240 المعارض الفنية. # ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتتبع أقوال الشعراء التي يطالبون ~~فيها بالغموض أو يحاولون تبريره. وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه ~~الأقوال في الفصل الأول. ولا بأس من أن نورد بعضها الآخر؛ فهي ~~جميعا تثير مشكلة الفهم إلى جانب مشكلة الغموض، ومعظمها يتجه إلى ~~الجواب عليها في نفس الاتجاه الذي سار فيه مالارميه من قبل. ~~فالشاعر «ييتس» يتمنى أن يكون للقصيدة من المعاني بقدر عدد قرائها! ~~وإليوت يقول إن القصيدة شيء مستقل يقف بين المؤلف والقارئ، كما أن ~~العلاقة بين المؤلف والقصيدة تختلف عن العلاقة بينها وبين القارئ. ~~فالقصيدة التي يكتبها الشاعر تخرج من يده إلى الأبد. وقد يستشف ~~القارئ فيها معاني لم تخطر على بال المؤلف، أي أن من حق القارئ أن ~~«يؤلفها» لنفسه من جديد. والشاعر البرتغالي بيدرو ساليناس يقول في ~~هذا المعنى: «إن الشعر يرتبط بشكل عال من التفسير يكمن في سوء ~~الفهم. فالقصيدة تنتهي بعد كتابتها ولكنها لا تتوقف، بل تبحث عن ~~قصيدة أخرى في نفسها أو في المؤلف أو القارئ أو الصمت ...» أي أن ~~القوى الكامنة في القصيدة أو في اللغة التي كتبت بها لا تنتهي ~~بمجرد الفراغ من تأليفها بل تطلق طاقات جديدة في نفس الشاعر ~~والمتلقي، وهي طاقات تظل كامنة في لغة القصيدة دون أن يعرف الشاعر ~~عنها شيئا. # وقد «يوضح» ما نريده بهذا الغموض أو الإظلام في الشعر الحديث أن ~~نضرب مثلا له بإحدى قصائد الشاعر الإسباني «جيان» عنوانها «أغمض ~~عيني» ويمكن أن تعتبر نوعا من التبرير الشعرى لذلك الغموض، كما ~~يمكن أن نتسمع فيها أصداء من قصيدة مالارميه السابقة عن الزهرية. ~~تقول القصيدة: # أغمض عيني، والسواد يطلق شرارات # هي القدر السعيد؛ # الليل يفض أختامه ويجلب من الهاوية # ضوءا يرتفع فوق الموت، # أغمض عيني، فيقول عالم عظيم يغشيني ~~(عالم) خال من الضوضاء؛ # يقيني أبنيه على الظلام، # وكلما زاد البرق عتمة، كلما أصبح ملكا لي، # في السواد تبزغ زهرة. # وليس من العسير أن نفهم معنى القصيدة. فالظلام أو ~~الغموض الذي ms241 يتحدث عنه الشاعر يأتي من احتمائه بنفسه من العالم ~~الخارجي والابتعاد عن أضوائه وضوضائه. إنه يغلق عينيه فينفتح ~~عالمه الداخلي ويتحرر من ضجة الحياة والموت ويحول الظلام - أو ~~اختفاء الواقع الخارجي - إلى نور، ويطلع تلك الزهرة التي لا تتفتح ~~إلا في نور الظلام (والوردة هنا هي الكلمة الشاعرة كما عرفناها عند ~~مالارميه وإن لم تقترن عند الشاعر البرتغالي بمعنى الفشل الذي ~~وجدناه لدى الشاعر الفرنسي). أي أن الشعر لا يوفق ولا يكتمل إلا في ~~عالم «اللاواقع» الذي يجبره على الغموض والإظلام، وهي فكرة أساسية ~~في الشعر الحديث. # وقد نشأت في إيطاليا منذ حوالى ثلاثين عاما حركة أدبية راحت ~~تنادي بالغموض في الشعر حتى سميت بحركة الغموض والإلغاز # Hermetism-ermetismo # وكان من ~~بين ممثليها الشعراء بونتمبيللي، ومونتاله (الذي ترجم أشعار إليوت ~~إلى الإيطالية) وسابا، وأنجارتي، وكوازيمودو. وقد تأثرت هذه الحركة ~~بشعراء البارناسية والرمزية في القرن التاسع عشر (رامبو، مالارميه، ~~فاليري) فراحت تسعى إلى تأكيد طابع الغموض والسحر والأسرار في ~~الشعر، وتقدم نغمة الكلمة وقيمتها الشعورية على معناها. ويصح أن ~~نقف هنا قليلا عند أحد أعلام هذه الحركة الذين ارتبط اسمهم بها، ~~وهو أنجارتي # 18 # الذي ولد في بلادنا سنة 1888م، وعاش فترة من حياته في ~~الإسكندرية. # تأثر أنجارتي بمالارميه ~~وأبوللينير وفاليري وسان-جون بيرس الذي ترجمه إلى الإيطالية، كما ~~تأثر كذلك بالشاعر الإسباني القديم جونجورا. ويتميز شعره منذ ~~العشرينيات - كما سيلاحظ القارئ بنفسه من النصوص الواردة في هذا ~~الكتاب - بالتركيز الشديد. فالكلمة كما يقول بنفسه وكما كانت عند ~~مالارميه، هي شق أو صدع قصير للصمت. إنها شذرة مبتورة، تقف ~~وحيدة مرتعشة بين عالم الأسرار الذي لا تكاد تلامسه، وبين الصمت ~~والسكون اللذين لا يلبثان أن يطبقا عليها. وكل قصائد أنجارتي تتفق ~~في هذا الطابع الذي يميزها ويجعل منها شذرات ناقصة، ويتضح هذا ~~بوجه خاص في قصائده المركزة القصيرة التي يعد أستاذا فيها مثل ~~لوركا. وقد يبلغ من قصرها في بعض الأحيان أن تتألف من كلمتين ~~اثنتين، كما في قصيدته المشهورة التي يصعب ترجمتها ms242 وتقول: # m’illumino d’immenso ~~(أي ~~أستضيء باللانهاية أو يغمرني نور الكون الهائل). # ولا يصح أن نحاول فهم قصائد أنجارتي من ناحية المضمون، فكثيرا ~~ما يصيبنا الذهول لتفاهة مضمونها أو لأنها لا تتضمن أي شيء أو ~~لأننا لا نستطيع في بعض الأحيان أن نفهمها على الإطلاق! والواجب أن ~~ننظر إلى كلماتها كصيغ صوتية أو أشكال نغمية تبعث صدى ساحرا. ~~ومن المؤسف أن ترجمتنا أو أية ترجمة أخرى إلى أية لغة ستخيب أمل ~~القارئ وتضيع عليه متعة هذه الأنغام والأصداء. وإذا كانت الترجمة ~~خيانة والمترجم خائنا كما يقول الإيطاليون أنفسهم، فلعل الترجمة ~~هي الخيانة الوحيدة المسموح بها للتقريب بين الشعوب ~~والحضارات! # ولنتأمل الآن إحدى قصائد أنجارتي الحرة لنرى كيف يبدو هذا الغموض ~~الذي اشتهر به شعره. # إنها قصيدة «الجزيرة» (وقد ظهرت في سنة 1933م في ديوانه عاطفة ~~الزمن)، ولنقرأ القصيدة أولا قبل التعليق عليها: # هبط إلى شاطئ، كان يسوده المساء الأبدي # من غابات متفكرة سحيقة القدم # وتوغل بعيدا، # وجذبه حفيف أجنحة # صعد من خفقة قلب الماء الصارخة، # ورأى شبحا (يسقط ثم يعود فيزدهر)؛ # وحين استدار ليصعد، # رأى أنها كانت حورية بحر، وكانت تنام # منتصبة وهي تعانق شجرة دردار. # وبينما يترنح في نفسه بين الوهم واللهب الحق # أتى إلى مرعى # حيث كان الظل يتجمع # في عيون العذارى # كما يحدث مساء عند أقدام الزيتون، # قطرت الأغصان # مطرا كسولا من النبال، # هنا نعست الماشية # تحت الوداعة الناعمة، # ورعت (قطعان) أخرى # الغطاء المضيء، # يدا الراعي كانتا زجاجا، # صقلته الحمى الهامدة. # القصيدة تتكلم عن حدث ما، في جمل متموجة بالغة ~~القصر، مركبة تركيبا نغميا دقيقا، خالية تماما من أي أثر ~~للأنا. وهي تدور حول شخص تسميه «هو». ولكن من هو هذا الشخص؟ لن ~~نتلقى جوابا. فالضمير غير محدد ولا معروف، ويزيد من عدم التحديد ~~أن العبارات قد رصت بغير علاقة ضرورية تربط بينها. والقصيدة ~~تضم صورا من الحياة الرعوية التي طالما تغنى بها الشعراء وحنوا ~~إليها: كالجزيرة والغابات وحورية البحر والراعي والماشية. ولكننا ~~سنسأل أنفسنا حين يذكر العذارى: ms243 أي عذارى هؤلاء؟ غير أن الحدث ~~يتوقف، ويظل شذرة لا سبب لها ولا هدف. ومع الخاتمة يحل السكون ~~وتزداد مجموعات الكلمات شذوذا وبعدا عن بعضها البعض: # الأغصان قطرت # مطرا كسولا من السهام، # الماشية نعست # تحت الوداعة الناعمة # ورعت قطعان أخرى الغطاء المضيء، # ولكن إلى أين وصل ذلك الشخص؟ إن الصورة الهادئة في ~~النهاية قد أنستنا بداية الحدث، وكأن لم يكن له ولا لصاحبنا القديم ~~وجود ولا معنى. وإذا أمكن أن نجد للقصيدة مضمونا فهو في اتجاه ~~حركتها. وصول ولقاء وسكون. وكلها حركات مجردة، لا تعني إلا نفسها، ~~مشبعة بسر ذلك الحدث الغامض الذي تظهر على سطحه. فإذا جاءت الخاتمة ~~لم تحل هذا السر، بل أضافت إليه جديدا. صحيح أن الحركة ستنتهي ~~بالهدوء والسكون - ولكن تنافر الصور فيها (يدان كالزجاج) يشير إلى ~~مستوى أعلى تصنعه اللغة نفسها - أي يشير مرة أخرى إلى الغموض ~~والظلام. # ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذا الغموض سحره الشديد، وقد يكون له ~~عند الشاعر العظيم ما يبرره في النغمة أو الصورة أو الرؤية. غير ~~أنه قد يصبح عند العاجزين من الشعراء ميدانا للادعاء والثرثرة ~~السخيفة، أو مجالا للتهكم والسخرية عند القراء، أو مبعثا ~~للحيرة عند النقاد. وقد عمد بعض هؤلاء القراء منذ سنوات قليلة في ~~أستراليا إلى دعابة خبيثة تشبه عندنا فضيحة اللامعقول ومسرحية ~~دورنمات المزعومة؛ فألفوا أبياتا لا معنى لها، ونسبوها إلى عامل ~~منجم مغمور، زعموا من باب الاحتياط أيضا أنهم وجدوها بعد موته في ~~أوراقه ... وراح النقاد يشيدون بعمق هذه الأبيات ويبكون موهبة ~~الفقيد! # وليس ببعيد أيضا ذلك السخف الذي وقع فيه شاعر كبير مثل «رلكه» ~~حين زعم في إحدى رسائله أن السوناتا السادسة عشرة من ديوانه «أغاني ~~أورفيوس» موجهة إلى كلب ... فهل يئس الشاعر أن يعثر بين الآدميين على ~~أحد يفهمها أو يحسها؟! ~~(9) اللغة سحر وإيحاء # أصبح الشعر الحديث منذ عهد رامبو ومالارميه نوعا من السحر ~~اللغوي. وقد شرحنا المعنى المقصود من هذه الكلمة في الفصول السابقة ~~وبينا أن النظريات النقدية والأدبية في القرن ms244 العشرين تتعرض ~~دائما لفكرة الإيحاء كلما عرضت لتأثير الشعر. ونحب الآن أن نذكر ~~شواهد أخرى على هذا. فبرجسون في كتابه «المعطيات المباشرة للشعور ~~(1889م)» قد جعل من الإيحاء عنصرا أساسيا من نظريته في الفن، ~~وكثير من الرسامين والموسيقيين يحدثوننا عن أثره في إنتاجهم. ~~والمقصود بالإيحاء هو تلك اللحظة التي يطلق فيها الشعر «العقلي» أو ~~الذهني طاقات وإشعاعات روحية يؤخذ القارئ بسحرها ولو لم «يفهم» ~~شيئا من هذا الشعر. هذه الإشعاعات الإيحائية تأتي في الغالب من ~~الطاقات الحسية التي تزخر بها اللغة؛ أعني من الإيقاع والنغم ~~والصوت. وقد تأتي من تلك المعاني والدلالات التي توحي بها الكلمة ~~أو تقع على حدودها أو يحدثها الربط بين الكلمات بطريقة شاذة غير ~~مألوفة. # مثل هذا الشعر الذي يعتمد على سحر اللغة وإيحائها يزيد من سلطان ~~الكلمة ويجعلها أصل الفعل الشعري وأول أسبابه. إنه لا يعتبر العالم ~~حقيقة واقعة، بل الكلمة وحدها هي الواقع بالنسبة إليه. ومن هنا ~~نفهم ما يقوله بعض الشعراء المحدثين من أن القصيدة لا تدل على ~~شيء، بل توجد أو تكون. ومعظم الشروح والتعليقات التي تقدم عما ~~يسمى «بالشعر المحض» أو الشعر الخالص Poésie ~~pure # تدور حول هذه الفكرة. ويظهر أن المبدأ ~~الشعري الذي قال به «إدجار ألن بو» وأشرنا إليه من قبل قد ثبتت ~~صحته في حركة الشعر الجديد. فالشاعر الكاتب الأمريكي الكبير يرى أن ~~يصمم الشاعر قصيدته مبتدئا بقوة النغم اللغوي أو الطاقة الصوتية ~~السابقة على المعنى، فإذا تم له ذلك استطاع أن يضفي عليها المعنى ~~الذي سيظل على الدوام شيئا ثانويا. وقريب من هذا ما يقوله ~~الشاعر الألماني «جوتفريد بن من أن القصيدة تكون قد تمت بالفعل قبل ~~البدء فيها، ولكن المؤلف لا يكون قد عرف نصه بعد.» # وشعر «بن» نفسه من أصدق الأمثلة على أصالة الكلمة وتقدم الصوت ~~على المعنى. ولعل هذا هو الذي مكنه من معالجة أبعد الموضوعات عن ~~الشعر وجعلها مع ذلك شاعرية. وقصيدته عن «شوبان» التي تجدها في غير ~~هذا الموضع؛ هي في الحقيقة ms245 سيرة حياة بالأنغام. فليس المضمون فيها ~~سوى مجموعة شذرات تشير إلى أحداث وتأملات ومونولوجات (أحاديث ~~ذاتية)، صيغت في عبارات مبتورة. # والحدث في هذه القصيدة لا يسير في مسار الزمن العادي من الحياة ~~إلى الموت، بل يعكس هذا الاتجاه. وهو لا يجد حرجا من ذكر أبعد ~~الألفاظ عن الشعر، فيحدثنا بأسماء بعض الآلات الموسيقية أو ~~«ماركتها»، ومقدار المكافأة التي كان يتقاضاها الموسيقي العظيم، ~~وأسماء العظماء الذين كان يعزف أمامهم وعناوين بيوتهم بمنتهى ~~الدقة، وبعض التفصيلات الخاصة بأسلوب شوبان في الفن. ولا ينسي «بن» ~~أنه طبيب للأمراض الجلدية فيورد جزءا من التشخيص الطبي لمرض شوبان ~~الفتاك (مع نزيف وتكوين بثور ... إلخ). غير أننا نحس مع هذا كله بشيء ~~يشبه الرعشة تتخلل كل هذه التفاصيل الموضوعية والاصطلاحات العلمية ~~والشذرات والجمل الناقصة، شيء ينبع منها ويطغى عليها في وقت واحد. ~~وإذا دلت هذه القصيدة التي لا تنسى على شيء، فإنما تدل على أن ~~الشاعر يستطيع أن يتخلى عن الموضوعات التقليدية التي كان يدور ~~حولها الشعراء، وأن يقترب كثيرا من لغة النثر دون أن يحطم جوهر ~~الشعر نفسه. # وفي شعر رامون خيمنيث، وهنري ميشو، وتوماس إليوت شواهد كثيرة ~~على هذا التأثير السحري - بل المغنطيسي في بعض الأحيان - الذي يأتي ~~من نغم الألفاظ، أو من تكرار بعض الأبيات بشكل مستمر، أو من مجرد ~~اللعب بالمقاطع والألفاظ أو بداياتها بحيث تخلق توافقات إيقاعية ~~أو تركيبات موسيقية تنفذ إلى الأذن مباشرة وإن لم تصل إلى العقل، ~~وما ذلك إلا لأن هذا الشعر ينظر إلى اللغة بوصفها طاقة نغمية قبل ~~كل شيء، ولا شك أن أبرز ممثليه من الشعراء العقليين هما الشاعران ~~فاليري الفرنسي وجيان الإسباني، وكلاهما يستحق منا وقفة ~~قصيرة. ~~(10) بول فاليري (1871-1945م) # مات مالارميه في سنة 1898م، وبدا عندئذ كأن الحركة التي كان ~~رائدها وكاهنها الأكبر قد ماتت معه. صحيح أن الشعر الفرنسي أخرج ~~بعده عددا من أقطابه المتميزين (مثل جان موريا وفرانسيس جام وهنري ~~دورينير وبول كلوديل) ولكن لم يكن واحد منهم من أتباع مالارميه ولا ms246 ~~كان من «الرمزيين» بمعنى الكلمة. تساءل الناس: هل أضاع «المعلم» كل ~~هذه السنوات الطويلة في البحث عبثا عن الرؤية الشعرية الحقة؟ أم ~~تراه كان يبحث عن رؤيته هو وحده؟ ولكن الجواب لم يلبث أن جاء بعد ~~سنوات قليلة. لقد غرس المعلم بذوره في أحد تلاميذه والمعجبين به، ~~وكان لهذه البذور أن تنمو وتزدهر. كان هذا التلميذ هو «بول فاليري» ~~الذي طالما أعجب بأستاذه وكتب بعض قصائد شبابه تحت تأثيره، ولكن ~~التلميذ رأى أن يبتعد فترة ليجد نفسه، وأن يصمت ليكتشف طريقه الخاص ~~به، فعكف من سنة 1898م إلى سنة 1917م على دراسات علمية وتحليلية ~~دقيقة، وظل عازفا عن نشر الشعر حتى ظهرت قصيدته «آلهة القدر الشابة» # 19 # في سنة 1917م، وظهر معها بوضوح أنه تعلم من دروس ~~أستاذه ومبادئه، وأن الحركة الروحية التي ذبلت أو كادت تنطفئ في ~~أواخر القرن التاسع عشر قد عادت مرة أخرى إلى الحياة. وتجلى كذلك ~~بوضوح أنه وإن لم يكتب شعرا في هذه الفترة الطويلة التي قاربت ~~العشرين عاما، فقد كان في أعماق نفسه مشغولا بالتفكير فيه، وأن ~~الدراسات العلمية والرياضية والفنية التي عكف عليها قوت موهبته ~~وزادته معرفة بنفسه، وبلورت ذوقه وأفكاره. # و«آلهة القدر الشابة» مشهورة بصعوبتها، حتى لقد قيل إنها من أعقد ~~ما كتب في الشعر الفرنسي وأشده غموضا. ومن الصعب، إن لم يكن من ~~المستحيل، أن نحدد موضوعها الذي اختلف عليه الشراح والمفسرون. ~~ولكننا قد نقترب منها قليلا لو عرفنا شيئا عن الصراع الذي كان ~~يدور في كيان صاحبها فيوزع نفسه ويكاد يمزقها. إنه الصراع الذي ~~عانى منه معظم حياته بين الفنان والشاعر والإنسان في نفسه، وبين ~~المفكر العقلي الصارم الدقيق الذي يميل إلى التحليل والتأمل ~~والاستقلال والتجرد. ولا بد أن هذا الصراع بين العقل والجسد هو ~~الذي أعاده إلى الشعر وأجرى قلمه بهذه القصيدة الغامضة العجيبة، ~~وليست القصيدة مجرد تسجيل لصراع نفسي، ولا تتضمن أية إشارة إلى ~~حياة الشاعر الشخصية بل ولا تمس موضوعا محددا. وهي كذلك ليست ~~من نوع القصائد ms247 الدرامية أو القصصية التي تتناول موضوعا أو ~~موضوعات معينة، وإنما هي قصيدة رمزية تقوم على أسطورة غامضة ~~وتعبر عن حالات شعورية متعددة أشبه بحالات المد والجزر وتتفاوت ~~أمواجها بين التردد والتصميم، بين العزلة الهادئة والانفعال ~~الجارف، بين الإقبال على دفء الحياة والعزوف عنها إلى برودة الفكر. ~~وتتداخل كل هذه الأمواج في بعضها البعض فلا نتبين معالم ولا ~~حدودا. قيل مثلا في تفسيرها إنها «مونولوج» آلهة قدر شابة تواجه ~~مشكلة الاختيار بين عزلتها السماوية ومسئولياتها الأرضية. وقيل ~~إنها رحلة في مجاهل الوعي الإنساني بين غرائب الموت والحياة. وقيل ~~إنها أحلام شاعر راقد في فراشه. وقد تكون القصيدة شيئا من هذا ~~كله وقد لا تكون. إنها بطبيعتها لا تقبل التحديد في شكل معين، ولا ~~تقرر موضوعا بل تحدث أثرا وتشير إلى حالة. وربما لم نبعد عن ~~الصواب كثيرا إذا قلنا إنها حالة صراع واجهه الشاعر نفسه وألبسه ~~هذه الرموز الغائمة وهذه الأسطورة الغامضة. # وطبيعي أن يقارن القارئ بين هذه القصيدة وبين قصيدة مالارميه أو ~~حواريته القصيرة «هيرودياد»، وهي هذه العذراء العنيدة الباردة ~~برودة الثلج التي أراد أن يجسد فيها رغبة الإنسان في البعد عن كل ~~الرغبات والعواطف والتجرد من كل الانفعالات والغرائز، فهل أراد ~~فاليري كذلك أن يعبر «بآلهة القدر الشابة» عن الصراع بين الرغبة في ~~الحياة الدافئة الفعالة، وبين الرغبة الأخرى في التأمل المستقل ~~المجرد من كل العواطف والانفعالات التي يوحي بها الجسد أو توحي بها ~~الحياة؟ # قد يكون هذا حقا، ولكنه لا يمثل كل الحقيقة؛ فقد سار مالارميه ~~على طريقة درامية وأدار الحوار على لسان هيرودياد ومربيتها ليصور ~~جانبي الصراع الذي قد يعبر عن نفسه. أما فاليري فليس في قصيدته شيء ~~من هذه الدرامية، وموضوعاتها بغير معالم أو حدود، وهي تبدأ وتنتهي ~~بغير حدث معين، والخيط الوحيد الذي قد نعثر عليه فيها هو هذه ~~الحالة المركبة التي تعبر عن وجدان أو وعي نصف حالم، تتوالى عليه ~~أمواج ودرجات مختلفة من المشاعر والتجارب، وتترابط فيه مجموعة من ~~الرموز التي تتجاوب مع ms248 التغيرات المختلفة في جو الحلم العام. وقد ~~ننسى لدى قراءتها شخصية «الآلهة» التي تدور حولها، بل قد نحس بأن ~~الشاعر نفسه قد نسيها! وربما كان الحق معنا ومعه فهو يعالج أمورا ~~لا يكفي الرمز الذي اختاره للإلمام بها، ويتناول مشاعر يصعب ~~تحديدها وترتيبها في نظام أو تفكير محدد. هكذا يكون التلميذ قد ~~ذهب إلى أبعد من أستاذه. فنحن نستطيع أن نفهم «هيرودياد» بغير حاجة ~~إلى النظر وراء شخصيتها هي ومربيتها. أما «آلهة القدر» فندخل معها ~~في عالم شحب فيه كل شيء حتى شخصية هذه الآلهة نفسها. هذا الشحوب أو ~~الغموض أو عدم التحدد يميز القصيدة من بدايتها. لنستمع إلى هذه ~~الأبيات التي تفتتح بها القصيدة وتوحي بأن الشاعر يتكلم عن ~~نفسه: # من يبكي هناك، غير الريح البسيطة، في هذه الساعة ~~الوحيدة # ذات الجواهر القصية؟ ... لكن من يبكي، # قريبا كل القرب مني في لحظة البكاء؟ # ولكننا لا نلبث أن ننتقل - بغير إشارة ولا تحذير - ~~إلى مونولوج الآلهة الفتية التي جاءت إلى عالم غريب عليها، ~~ويتغلغل الشاعر فيها، وتصبح كلماتها هي كلماته التي تجسد أفكاره ~~وتأملاته. ومع ذلك فنحن لا نكاد نتأكد من شيء على وجه اليقين. لا ~~نكاد نعرف، حين تبدأ في الكلام، إن كانت هي التي تتكلم أو إن كان ~~الشاعر هو الذي ينطق بلسانه أو لسانها. إن من الصعب التمييز بين ~~الشاعر ورمزه. فآلهة القدر مخلوقة تنبثق من حالة وسط بين اليقظة ~~والحلم، والوعي واللاوعي، وهي تخرج من الشاعر لكي تعود فتذوب فيه، ~~بحيث لا ندري إن كانت مثل هذه الأبيات تصدق على الشاعر أم على ~~آلهته الفتية: # نامي، يا حكمتي، نامي. شكلي لنفسك هذا الغياب؛ # عودي إلى المنشأ والبراءة المظلمة، # هبي نفسك حية للأفاعي، للكنوز. # نامي أبدا! اهبطي، نامي على الدوام! # اهبطي، نامي، نامي! # فهي تصدق على آلهة القدر التي تتمزق بين السماء ~~والأرض وتريد أن تبقى على الأرض حيث عضتها الأفعى. وهي تصدق كذلك ~~على الشاعر الذي سئم صراعه مع الوعي اليقظ أو تخلى عنه ويريد ~~الآن ms249 أن يستسلم لتجربة الحلم المضطربة. # من الصعب إذن أن نميز بين الشاعر ورمزه، بل ليس هناك ضرورة لذلك. ~~علينا بدلا من هذا أن نتذوق الجو أو الأثر أو الحالة التي توحي ~~بها القصيدة وأن نستمتع به ونعيشه ونتلقاه بالشعور والإحساس لا ~~بالعقل أو الفهم. فالقصيدة لا تريد أن تعلمنا وتفيدنا بقدر ما تريد ~~أن توحي وتؤثر وتبتعث جوا عاما تتماوج فيه مختلف المشاعر ~~والتجارب والانفعالات. ولعلها تصور ما قاله فاليري نفسه من أن ~~الشعر لا يهدف على الإطلاق لتوصيل فكرة محددة إلى إنسان ما. بل ~~إن المهم فيه هو الكلمات وإيقاعها، والصور التي توحي بها، ~~والتداعيات التي تثيرها. والتجربة أو الحالة التي تخلقها. ولو كانت ~~القصيدة أقل غموضا مما هي عليه، أو لو استطعنا أن نميز بوضوح بين ~~الشاعر وبين آلهته الشابة أو نضع أيدينا على أحداث أو أشياء محددة ~~لفقدت أهم شيء فيها وهو هذه الحالة الغامضة التي يريد الشاعر أن ~~يخلقها فينا؛ حالة التأرجح بين الحلم واليقظة، حيث تتجلى الصور ~~المتألقة ثم تنداح في ضباب الغموض، وحيث نفهم معانيه في بعض ~~اللحظات لنغوص من جديد في الحلم أو الضباب. # وليس المهم بالطبع أن يكون الشعر غامضا أو صعبا؛ فهذا شيء ~~مألوف من الشعر الحديث، وإنما المهم أن ينقل إلينا في النهاية حالة ~~نستطيع أن نقول إنها قريبة من الحالات التي نعرفها في أنفسنا، ~~وإنها في غموضها أو وضوحها لا يمكن التعبير عنها بالنثر ولا ~~بالوضوح الكلاسيكي القديم. بل إن مثل هذه الحالة التي توحي بها ~~القصيدة بين الحلم واليقظة تقدم لنا صورا ورموزا تتجاوز نفسها، ~~وتجعلنا ننظر إلى أنفسنا في ضوء جديد وكأنما نحن رموز لقوى كونية ~~أكبر وأعظم. فالشاعر يرى نفسه أشبه بآلهة تخلت عن مسكنها السماوي ~~الأعلى لتشارك في متاعب الحياة الفانية وعواطفها ومصادفاتها، أي ~~يصور نفسه ممزقا بين أفكاره وأفعاله، بين عقله وجسده. ونحن نتعاطف ~~معه ونشاركه هذه الحالة التي تتجاوز حدود طاقتنا البشرية العادية، ~~ونحس أننا قد أصبحنا مركز الكون كله أو على الأقل ms250 مركز نظام هائل ~~كبير، وأن كل ما نفعله أو نفكر فيه أو نحس به إنما يحمل دلالات ~~أكبر وأعظم منا. انظر مثلا إلى هذا البيت: # الكون كله يتأرجح ويرتعش على برعمي! # أو إلى هذا البيت: # كل الأجسام المشعة ترتعش في صميم كياني. # لترى أن كل تغير في النغمة أو الرمز يفتح أفقا ~~جديدا، ويكشف عن إمكانيات جديدة من البهجة أو الألم، توشك أن ~~تكون كونية لا شخصية فحسب. # لم يعد الشاعر يرى نفسه بمثابة المركز من عالم خاص به، بل تحول ~~إلى أفق أكبر منه، وأوسع، وكأنما حدثت - كما يقول س. م. بورا - ~~ثورة كويرنيقية في عالم الشعر «الرمزي» استبدلت بمثاليته الرمزية ~~نزعة مطلقة جعلت أفكار الروح الواحد هي أفكار الكل، كما جعلت ~~تجربته الفردية هي تجربة الإنسان بوجه عام. # فالقصيدة تتحرك إذن بين طرفين، وتشير لصراع الآلهة الشابة - ~~وصراع الشاعر نفسه - بين عالم السماء؛ عالم الأسرار والألغاز ~~والانسجام والآلهة - وعالم الأرض، عالم الألم والمرارة والقبل ~~والاحتضار والأجساد. وتختار الآلهة أن تعود إلى السماء. وينتهي ~~صراعها عندما تتأكد من فشل الحياة وفزعها. والقصيدة يمكن كما قلت ~~أن تكون تعبيرا عن صراع في نفس الشاعر بين فكره الدقيق وذاته ~~الشاعرة، وما دام قد نجح في صياغة هذا الصراع في شكل فني فقد نجح ~~إلى حد كبير في التخلص منه (وهذا ما تعلمنا تجارب الفنانين ~~الكبار بوجه عام). ومع ذلك فإن نجاحه في إبداع قصيدة استلهمها من ~~مشكلته الباطنة لا يعنى أنه نجح في حل مشكلة أخرى، وأعني بها ~~منزلة الشعر في حياة تريد أن تخضع لقواعد العقل وتصر في نفس الوقت ~~على رؤية الأشياء الواقعية على ما هي عليه. # أي أن مشكلة فاليري - وعدد كبير من الشعراء المحدثين - هي ربط ~~الشعر بالتجربة المألوفة، والعثور على موضوعات لا تكون بالضرورة ~~شاذة أو غير واقعية، والجمع بين اكتشافات العقل ورؤى الخيال. ولعل ~~هذا هو الذي جعل فاليري يحس أن طاقته الشعرية تستطيع أن تتجاوز ~~الحدود التي يحاول عقله التحليلي الدقيق أن يرسمها لها، ms251 وأن هناك ~~عوالم أخرى غير العالم الذي يقع بين الحلم واليقظة كما صورته ~~«آلهة القدر الشابة» لا تقل عنه أهمية وخصوبة وشاعرية، وأنه يستطيع ~~أن يكون أقل غموضا وأقرب إلى التذوق (وإن بقي شعره في نهاية الأمر ~~مقصورا على الصفوة التي تستطيع أن تتذوق ما فيه من دقة ورهافة، ~~وتفهم ما تعنيه صراعاته ومشكلاته أو تشاركه فيها). # ويبدو أن فاليري قد غير طريقته في التعبير في ديوانه «تعاويذ» أو «رقى» # 20 # الذي يختلف اختلافا واضحا عن «آلهة القدر الشابة». ~~إنه يضم مجموعة كبيرة من القصائد المتنوعة البحور والموضوعات، ~~ويعدل عن غموض الحلم الذي ساد جو «آلهة القدر» إلى جو أكثر ~~وضوحا، ويقتصد في استخدام الاستعارات والرموز المركبة ليستخدم في ~~القصيدة رمزا أو استعارة واحدة تحفظ عليها تماسكها واتزانها، ~~ويلجأ في بعض الأحيان (بما يشبه التنازل للقارئ العادي!) إلى تفسير ~~مراميه أو تقديم لمحات تشير إلى موضع القصيدة سواء في عنوانها أو ~~نصها، أو اقتباس نص يصلح أن يكون مفتاحا أو عكازا نافعا! (كالنص ~~المعروف الذي اقتبسه من بندار ووضعه في بداية المقبرة البحرية) أو ~~تقرير بعض الحقائق (كما فعل في نهاية قصيدته عن الكاهنة بيثيا)، # 21 # أو غير ذلك من أمور كان من الممكن أن تصدم مالارميه ~~وتفزعه فزعا هائلا! ومع ذلك فلا ينبغي أن نفهم من هذا كله أنه ~~يتنازل للقارئ العادي حتى يفهم ما يريد أو أنه أصبح يكتب شعرا ~~تعليميا أو مجموعة شروح وتفسيرات. إنه لا يزال يكتب كشاعر. وهو ~~في «التعاويذ» يكتب عن موضوعات يمكن أن تفهم فهما واضحا إلى حد ~~ما، أي يمكن أن يشارك فيها الفكر أيضا، وأن تصدر عن التأمل الواعي ~~للشاعر وتجد مكانها فيه، بحيث لو تناولها بنفس طريقته في «آلهة ~~القدر» لشوهها أو زيفها. وليس معنى هذا أيضا أنه يضحي ~~بالشاعرية أو بالإيحاء والخيال، بل معناه أنه يحاول أن يوحد بين ~~نفسيه المتصارعتين، بين عقله التحليلي الناصع وبين ذاته الخلاقة ~~الشاعرة. # والعنوان الذي اختاره فاليري لهذه المجموعة له دلالته، بل يكاد ms252 ~~يكون نوعا من التعليق على محتوياتها. فالفكرة التي تقول بأن الشعر ~~نوع من السحر، وأن الشاعر يعرف من الأسرار ويملك من الطاقات ما لا ~~يملكه غيره من الناس فكرة قديمة متأصلة الجذور في ضمير الجنس ~~البشري كما تقدم، والشاعر الذي كان يطلق عليه الرومان اسم ~~«فاتيس # Vates ~~» كان شاعرا ~~ونبيا وعرافا وساحرا في وقت واحد، والشعراء الرومانتيكيون ~~كانوا أيضا بهذا المعنى أنبياء. # وقد ساهم مالارميه كما سبق في تأكيد هذا المعني بنظرته المثالية ~~إلى الشعر كنوع من السحر الذي يحرر العالم ويخضعه بقوة الكلمة. ~~وربما يصعب علينا أن نتصور أن فاليري يوافق على هذا الرأي. ألم يقل ~~في كتاباته النقدية إن واجب الشعر هو أن يصنع من لغة الأمة بعض ~~التطبيقات الكاملة؟ ألم يقل إن اختياره لنوع معين من البحور هو ~~الذي يحدد طريقته في التأليف، وأنه يحس دائما بالحاجة إلى الكتابة ~~كلما وجد القلم والحبر أمامه؟ ألم يذهب إلى أن الشعر يمكن أن يختفي ~~من العالم كما اختفت منه فنون الضرب بالرمل أو التطير أو شعائر ~~الحروب؟ ومع ذلك فإن العنوان الذي اختار له كلمة «التعاويذ» يوحي ~~بإيمانه بأن الشعر ضرب من السحر، وأنه لم يستخدم هذا العنوان لمجرد ~~السخرية. فالشعر عنده فعل خلاق، وهو يؤثر على النفس بوسائل تخفى ~~حتى على الشاعر نفسه. إنه يعمل على طريقته، ولكن النتيجة تخرج عن ~~رؤيته وتتجاوز قصده. ولذلك فإن اختيار «التعاويذ» عنوانا لقصائد ~~هذه المجموعة اختيار له ما يبرره؛ فهي تريد أن تؤثر وتوحي، لا أن ~~تعلم أو تفيد، والشاعر فيها يشبه الساحر بقدر ما يؤثر على النفوس ~~والمشاعر بوسائل لا يفهمها هو نفسه تماما ولا يستطيع أن يسيطر ~~عليها كل السيطرة. # إن مجرد وجود الشعر ليكفي في حد ذاته لإثارة التساؤل في عقل ~~الناقد والعجب في نفس الشاعر. والواقع أنه يثير الأمرين معا في ~~نفس فاليري وعقله. لقد شغل طوال حياته بالتفكير في الشعر، في ~~قيمته ووظيفته وكرامته ومعناه. وكتب عنه أجمل وأحكم ما يمكن أن ~~يكتب. وصدقت عليه هذه ms253 العبارة التي لا تصدق على شاعر سواه وهي أنه ~~«شاعر الشعر»، الذي لم يمل من الكلام عن معنى الشعر وطبيعة الخلق ~~الشعري، ولم يتعب من التغلغل في أعماق الشاعر للكشف عن ظلماتها ~~وأنوارها. إن الشعر عنده شيء واقعي لا مثالي. وهو لا يهتم كثيرا ~~- كما فعل بودلير أو مالارميه أو شيلي - بالقصيدة المثالية ولا ~~بمكان الشاعر من العالم أو بآماله في المجد والخلود. إن اهتمامه ~~كله ينصب على عمل الشاعر ورأيه فيه وشعوره نحوه عندما يكون في طور ~~النشأة أو بعد أن يفرغ منه. وقد نجح في التعبير عن هذه العملية ~~الخلاقة التي تفلت دائما من الشاعر وتخفي عنه أسرارها في قصائد ~~تجمع بين التأمل المجرد والغنائية العذبة، نذكر منها على سبيل ~~المثال قصائده «الخطى»، و«تخيل»، و«أغنية الأعمدة»، و«فجر». ~~وسنكتفي بالحديث عن القصيدة الأولى باختصار. # تقول أبيات هذه القصيدة: # 22 # خطاك، أطفال صمتي، # قدسية تطأ (الأرض) وبطيئة، # نحو سرير يقظتي # تتقدم خرساء مثلجة. # كيان خالص، ظل إلهي، # ما ألطفها، خطاك المتئدة! # أيتها الآلهة! ... كل الهبات التي أنتظر # توافيني على هذه الأقدام العارية! # إن أردت، بشفتيك الممدودتين، # أن تهيئ، له الهدوء، # وتهبي المعتاد من أفكاري # طعام قبلة، # فلا تتعجلي هذا الفعل الرقيق، # حلاوة أن نكون وألا نكون # لأنني عشت على انتظارك # وقلبي لم يكن إلا خطاك. # تبدو القصيدة للوهلة الأولى كأنها تصف حالة انتظار ~~الشاعر لمحبوبته القادمة إليه. ولو صح هذا لما كانت به حاجة للحديث ~~بهذه الصورة الملتوية. فما الداعي للتجريد الشديد في قوله «سرير ~~اليقظة»؟ ومن هو «ساكن أفكاره»؟ وما السر في وصف الخطى المحبوبة ~~بأنها «أطفال الصمت»؟ # لا شك أن شاعرا يدقق في اختيار كلماته مثل فاليري لا يستخدم هذه ~~العبارات كيفما اتفق. فما الذي يدعوه إذن إلى استخدامها؟ الجواب ~~بسيط: إن المحبوبة التي ينتظرها هي الشعر نفسه؛ من هنا يمكن أن ~~تكون الخطى هي الشعر نفسه، من هنا يمكن أن تكون الخطي هي «أبناء ~~صمتي» لأن معنى الخلق الشعري قد نضج لديه في وقت آثر فيه أن ms254 يعتزل ~~ويصمت عن قول الشعر. وسرير يقظتي، هو النفس التي تنتظر استقبال ~~الوافد، والمعتاد من أفكاري هو الذات الخلاقة التي تعيش وسط ~~الأفكار المتعددة. # فالقصيدة كلها توحي بجو الانتظار والتهيؤ الواثق المستبشر ببدء ~~الفعل الخلاق. والرموز التي يستخدمها الشاعر متجانسة تماما مع هذا ~~الجو. فانتظار الشعر أشبه بانتظار زيارة الحبيب، وحالة الشاعر ~~المنتظر أشبه بحالة العاشق المتلهف على مقدم المحبوب. كلاهما ~~يحيا على الأمل، ويثق في ساعة اللقاء. ومهما تأخر الوافد المحبوب ~~فهو لا يقلق ولا يتعجل. إنه يتهيأ لهذه اللحظة العذبة الأليمة ~~ويجمع شتات نفسه قبل أن يستسلم لفعل الخلق استسلام الحبيب ~~للحبيب: ~~(10-1) عذوبة أن نكون ولا تكون # هذه اللحظة هي ذروة العمر كله، هي التي يهب فيها الإنسان ~~نفسه ويبقى على الرغم من ذلك هو نفسه، كمثل ما يكون العاشق ولا ~~يكون في اللحظة التي يطبع فيها المحبوب قبلته على شفتيه. هذه ~~المفارقة التي تعبر عنها «عذوبة أن نكون ولا نكون» لها دلالتها ~~على نظرة فاليري إلى طبيعة الإلهام والخلق الفني. كانت نظرة ~~القدماء إلى الإلهام أن الشاعر هو أداة أو وسيلة تنطق بلسانه ~~قوة إلهية خفية. فهوميروس يبدأ إلياذته بأن يطلب من ربة الفن ~~أن تنبئه عن غضبة أخيل. ولكن فاليري يرى أن هذه النظرة ساذجة ~~وغير علمية، وأن فكرة الإلهام أو القوة الخفية التي توحي ~~للشاعر وتسيطر عليه فكرة لا تتفق مع ملاحظته للواقع. إن ~~العملية الشعرية تسير على نحو آخر، فهناك كما يقول أبيات من ~~الشعر «يجدها» الإنسان وهناك أبيات أخرى «يصنعها صنعا». ومن ~~السهل أن نفهم المراد بالجزء الثاني من هذه العبارة، أما الجزء ~~الأول فلا يزال سرا خفيا. قد يستطيع علم النفس أن يقدم له ~~تفسيرا ولكنه تفسير غير كاف ولا مقنع. فهو قد يصطنع له سببا ~~من الأسباب، ولكنه يقصر عن تفسير البهجة التي تصحبه أو القوة ~~التي يرد بها عليه؛ ولذلك يظل الفعل الشعري شيئا غامضا ~~محفوفا بالأسرار، ويثير من المشاعر والانفعالات ما لا يعبر ~~عنه إلا الشعر نفسه. إن ms255 الخلق الشعري يحتوي دائما على عنصر ~~المصادفة. فما من شاعر يستطيع أن يتنبأ بما ستنتهي إليه قصيدة ~~بدأ في تأليفها. صحيح أنه يبدأ بفكرة معينة، فإذا مضى في عمله ~~اكتشف أن فكرته وأسلوبه وهدفه قد تغير، وأن كل جهد يبذله وكل ~~عقبة تصادفه إنما تبدل أفكاره وتزيدها غنى. وقد فطن مالارميه ~~إلى هذا الرأي وعبر عنه بكلمته المشهورة التي ذكرناها في ~~الصفحات السابقة: «ما من رمية زهر تستطيع أن تلغي الصدفة.» - ~~وقد تكون الصدفة التي يقصدها هي الواقع العرضي الذي تحاول لغة ~~الشعر أن تلاشيه. وقد يكون تعبيرا عن البلبلة والحيرة المطلقة ~~التي تواجه الشاعر في أثناء الخلق. فهو يلقي «زهرة» ولا يدري ~~ماذا يكون حظه من التوفيق أو الفشل، لأن مادته تواجهه ~~بمفاجآتها العديدة التي لم يكن يتوقعها أو يحسب حسابها. # ولكن ماذا يحدث لو تأخر هذا العطاء، لو تلكأت هذه ~~الصدفة؟ # هذا هو موضوع القصيدة الأخرى «التخيل». إن الملاك الذي يظهر ~~في سطورها الأولى يوصي الشاعر بأن ينتظر في ثقة وهدوء (والملاك ~~رمز آخر أخذه فاليري من معلمه مالارميه ويدل عنده على المثال ~~المطلق للجمال والسلام). فقد تمر به أوقات يحس فيها بالعجز ~~والعقم والإجداب، ولكن هناك قوى خفية تظل تعمل عملها في ~~أعماقه دون أن يدرى، ولا بد أن يأتي الشعر في اللحظة ~~المناسبة: # هذه الأيام التي تبدو لك فارغة # وضائعة في نظر العالم # لها جذور نهمة # كنبت الصحاري. # ولا بد أيضا أن ينتظر الشاعر في صبر وثقة ~~وأمل، وأن يتأكد من أنه سيكافأ على هذا الصبر، وأن المفاجأة ~~السعيدة لا شك آتية. # صبرا، صبرا، # صبرا في الأفق الأزرق! # فكل ذرة صمت # فرصة ثمرة ناضجة! # ستأتي المفاجأة السعيدة: # حمامة، نسمة، # التوهج العذب اللذيذ # والمرأة التي تنعطف (عليك) # ستجعل هذا المطر يتساقط # فيخر المرء راكعا على ركبتيه! # وإذن ففاليري يميز بين المعطي - وهو عنصر ~~الصدفة والمفاجأة غير المنتظرة - وبين عنصر «الصنعة» الذي يجعل ~~الشاعر يشكل الأفكار التي نضجت في عقله، والإحساسات والصور ~~والتداعيات التي جمعها عن غير وعي ms256 واختزنها في ذاكرته ويضعها ~~في إطار أو نظام لغوي معين. وقصيدة «النخيل» تشهد على هذا ~~كله، كما تشهد على ما كرره فاليري من أن الشعر لا يأتي من ~~الأفكار بل من الجسد، أو بعبارة أخرى من الإحساسات؛ فالحمامة، ~~والنسمة والمرأة، كلها إحساسات تستثير في الشاعر قدرته على ~~الخلق، والمهم بعد كل شيء هو أن ينتظر ويصبر. # ويبلغ حديث فاليري عن سر الخلق الشعري والأدبي ذروته في ~~قصيدته الرائعة «كاهنة بيثيا». والقصيدة درامية وفلسفية، بل ~~توشك أن تكون تعليمية في سطورها الأخيرة. وهي كما يدل عليها ~~عنوانها تدور حول كاهنة معبد أبوللو في دلفي، التي اعتاد إله ~~الفن والنور أن يعلن تنبؤاته على لسانها. وهي لذلك تشبه الشاعر ~~الذي يوحي إليه بالكلام بلا سبب معروف. ومع أن القصيدة لا تشير ~~إلى الشاعر مباشرة فإن عذابها الذي تعانيه لا يقتصر عليها ~~وحدها، وإنما يرمز لعذاب كل شاعر، بل كل من يحتمل آلام التجربة ~~اللغوية والفنية بوجه عام. ومع أنها أيضا تعبر عن جانب واحد ~~من جوانب الخلق وهو جانب العذاب والصراع واليأس والفزع الذي ~~تقاسيه الكاهنة في واحد وعشرين مقطوعة حتى يأتي الخلاص الأخير ~~في المقطوعة قبل الأخيرة، فإن الشاعر يختمها في المقطوعة ~~الأخيرة بما يشبه الحكمة التعليمية التي تعتبر خاتمة القصيدة ~~وذروتها في آن واحد. # و«بيثيا» هي العذراء التي تصارع قوة إلهية تريد أن تحل فيها ~~رغما عنها. هذا الحلول يؤلمها ويهينها ويثير فيها عواصف ~~الثورة والتمرد. إنه نوع من الغزو والاغتصاب. وهي تصرخ وتعوي ~~كالحيوان الجريح، وتلعن «الإله القذر» الذي يجلدها ويعذبها. ~~إنها أشبه بالضحية التي ستقدم على المذبح. وصراعها المخيف يبدأ ~~عندما يصر الإله على أن يحل فيها ويقتحم وجودها، وتصر طبيعتها ~~البشرية على مقاومته، وهي بهذه الآلام كلها ترمز للفعل الروحي ~~الذي تتحول به القوى الإلهية والبشرية إلى كلام مرتب ومنظم. ~~ولذلك فإن صراعها هو نفس صراع الشاعر الذي تغزوه هو أيضا قوة ~~متعالية أو إلهية تحاول أن تخلق النظام في الكلمات، وتضطر لذلك ~~أن تصارع انفعالات الجسد ms257 وغرائزه وعواطفه حتى تخضعها. والجسد ~~يقاوم لأن هذه القوة العالية تهدد أمنه واستقلاله وسعادته. ~~ويحس الشاعر أنه ليس هو الذي يعمل أو يخلق، بل إن هناك قوة ~~خارجية تتخذه أداة لها وتعمل وتخلق من خلاله، كما يحس أنها ~~تفوق احتماله وتتجاوز قدرته المحدودة. هذا الصراع الذي تقاسيه ~~الكاهنة أو الشاعر مثل لصراع آخر أعم تقاسيه الروح البسيطة ~~عندما تصطدم بالحياة وتحاول أن تكيف نفسها مع الوجود فتفقد ~~براءتها. بل إنه هو صراع فاليري نفسه بين القلب والعقل، وبين ~~الشعر والفكر المجرد. ويشتد هذا الصراع ويحتد، وتكابد ~~الكاهنة كما يكابد الشاعر أفظع الآلام، ولكنه يهدأ شيئا ~~فشيئا حتى يصل به فعل الخلق إلى التحرر والخلاص ~~الأخير. # إن الكاهنة تشعر أنها أهينت واغتصبت لأن الإله اعتدى على ~~حريتها العقلية والروحية. ليست هذه هي الحياة التي كانت تحلم ~~بها، ليس هذا هو العالم المثالي الذي يخلو من الحركة والحياة، ~~والذي يمكن أن تصبح فيه أشبه برأس «الميدوزا» الخرافية التي ~~تحول كل إنسان وكل شيء تقع عليه عيناها إلى حجر: # عندئذ، بهذه الشريدة ~~(التي صارت) ميتة، تائهة، وقمرا أزليا، # فلنفاجئ مياه البحار، # ولتندفع الموجة مرغمة إلى ذرى أبدية! # ليتحول البشر إلى تماثيل، # بقلوب متجمدة وأرواح مقتولة، # وبالجليد المتساقط من عيني، # لينقلب شعب بكلماته # إلى شعب من أوثان بكماء؛ # أخرسه الحمق والكبرياء! # 23 # إن الكاهنة تدافع عن براءتها وكبريائها دفاع ~~المستميت. وإنكار الحياة هو المثل الأعلى لهذه البراءة ~~المهانة: # إلهي! أنا لا أعرف جرما جنيته # أكبر من أنني كدت أعيش! # والرب الذي يغزوها يحطم هذا المثل الأعلى، ~~ويدمر أشواقها ووجودها الذي ظل مكتفيا بذاته، وعالمها الخاص ~~الذي بنته لنفسها بعيدا عن عالم الناس. # هذا الصراع لا يمكن أن يحله البعد والتجرد العذري. فالمؤلم ~~فيه حقا أنه يدور في الجسد. إن الكاهنة تحس بجسدها في هذا ~~الصراع، كما يحس الشاعر بمادته الشعرية في غرائزه وعواطفه، أي ~~في جسده. فالجسد في نهاية الأمر شيء يشترك فيه البشر جميعا، ~~وشهواته وحاجاته وإشباع رغباته هي الأساس المشترك الذي تقوم ms258 ~~عليه حياتهم. والكلام أيضا شيء جسدي وطبيعي. والإله حين يفرض ~~إرادته على الكاهنة ويملي عليها كلماته إنما يعيدها إلى النظام ~~ويحرمها من استقلال المجرد، ويوحد بينها وبين سائر الناس، ~~ويستمر الصراع فتهدأ الثورة شيئا فشيئا. ويبدو للكاهنة أن ~~المهانة التي عذبتها بدأت تؤذن بالتقاط الأنفاس وتعد ~~بالأمل والخلاص. لعل الألم الذي احتملته لم يذهب عبثا، لعل ~~النصر أن يأتي من الخضوع للمغتصب الغازي: # أنصتي يا نفسي، أنصتي لهذه الأنهار! # أي كهوف هنا؟ # أهذا دمي؟ أهذه هي الغمغمات الجديدة # للأمواج التي لا ترحم؟ # أسراري تقرع فجرها! # أيها النحاس المحزون، أيتها الأصداغ المدوية، # ما عساك تقولين عن المستقبل؟ # اقرعي، اقرعي في الصخر، # أجهزي على أكثر الساعات قربا ... # إن طبيعتي على وشك الاتحاد! # ونشهد الكاهنة ما يحدث في كيانها. إن ~~طبيعتيها العقلية والجسدية الخاصة والعامة على وشك الاتحاد، ~~والصراع أيضا على وشك أن ينتهي إلى الحل المتجانس ~~السعيد. # هذه هي المعرفة التي تصل إليها؛ ما من طبيعة منهما يمكن أن ~~تحيا بمفردها. والكاهنة تعرف هذا الصراع في كيانها بين أفكارها ~~العذرية وغرائزها الجسدية، كما يعرف الشاعر الصراع الذي يعانيه ~~بين الفكر والشعر. # كلا الطرفين إذن في حاجة إلى الآخر؛ فالعقل بغير الجسد يعيش ~~في عالم وهمي مجرد، والجسد بغير العقل يتحول إلى وعاء تضطرم ~~فيه الغرائز والانفعالات. لا بد أن يتحد الطرفان، ولا بد أن ~~يوحد بينهما إله. # وحين يدوي صوت النبوءة في النهاية، تكون التجربة الفردية قد ~~وجدت إطارها العام، وانتقلت معها تجربة الخلق إلى آفاق أخرى ~~تتسع لتجربة اللغة نفسها عند البشر. وتنتهي القصيدة بأبيات ~~«النبوءة» التي تدهش القارئ بنزعتها الحكمية أو التعليمية ~~الغريبة على فاليري: # يا شرف البشر، أيتها اللغة المقدسة # أيها القول النبوي الموشى، # أيتها السلاسل الجميلة التي يتقيد بها # الإله الذي ضل في الجسد، # أيتها اللألاء والآلاء! # ها هي ذي حكمة تتكلم # ويدوي صوت مهيب # يعرف عن نفسه حين يتردد # أنه ليس بصوت إنسان # بقدر ما هو صوت الأمواج والغابات! # بيت غريب تنتهى به هذه القصيدة؛ فلا يتوقع ms259 ~~القارئ من الشاعر المتفلسف أن يقدم له نظرية في اللغة. إن ~~الصوت الذي يتكلم من خلال كاهنة بيثيا ليس بصوت الأمواج ~~والغابات، ولكنه يشبهها بعض الشبه. وهو ليس بصوت إنسان واحد، ~~بل ينطق عن الجميع؛ ذلك لأن فعل الكلام وحده وإمكان فهمه دليل ~~على إنكار الانفصال بين البشر. ولا مفر من تفسير هذه النهاية ~~بأن الكلام أو الشعر فعل يقرب الفرد من الحياة ويكسر الحدود ~~التي تعزل إنسانا عن إنسان. ولا مفر أيضا من القول بأن تلميذ ~~«مالارميه» قد ابتعد قليلا عن الشعر الخالص أو «الشعر ~~المطلق»، وإنه يرفض ما ذهب إليه المعلم من أن الشعر لا وجود له ~~إلا في المطلق، ويؤكد أنه مهما اشتدت آلامه وعذاباته فلا بد أن ~~يتصل في نهاية الأمر بالحياة العادية والوجود العادي، ولا بد ~~أن يحترم الجسد ويلمس الإحساس # 24 ~~... ~~••• # لعل أحدا لم يفكر في العلاقة بين الأدب واللغة كما فعل ~~فاليري. لقد تأثر في هذا بأفكار مالارميه أعظم التأثر وأخذ ~~يطورها ويسير فيها إلى غايتها. فالخلق الأدبي في رأيه يعني ~~التعمق إلى الطبقات السفلى للغة، عندما كانت قادرة على صياغة ~~التعاويذ والرقى السحرية، وعندما تكون قادرة عليها في ~~المستقبل، والخلق الأدبي معناه أن يعكف الأديب على تجربة ~~التركيبات المشتركة بين المعاني المختلفة والتأثيرات الصوتية ~~حتى يوفق إلى تأليفة واحدة لها ضرورة الصيغ الرياضية. وفاليري ~~يعلم أن هذا يتم دائما على حساب المعنى؛ فليست هناك قصيدة ~~واحدة ذات معنى واحد صادق، أي ليس هناك معنى واحد يمكن أن ~~يستنفد كل طاقاتها وإشعاعاتها وظلالها، وشعر فاليري نفسه مصداق ~~لهذا القول. # فلو نظرنا مثلا في قصيدته «خطى» (التي تجدها في نصوص هذه ~~المجموعة) لبدت لأول وهلة كأنها مشهد حب رقيق ولكنها ستكشف لنا ~~بعد القراءة الأولى عن معاني أخرى أهمها التعبير عن الحالة ~~العقلية والوجدانية التي تصاحب عملية الخلق الأدبي، والإحساس ~~بأن انتظار «ربة الشعر» يسعد القلب أكثر مما يسعده وصولها. ~~والقصيدة تنطوي على المعنيين، ولا يصح أن نؤكد أحدهما ونسقط ~~الآخر، وإلا فقدت ذلك ms260 الضوء الخافت الذي تسبح فيه. # يقوم تفكير فاليري في أساسه على «عدمية المعرفة»، ولا يتسع ~~المجال للكلام عن هذا الرأي بالتفصيل؛ ولذلك سنكتفي بالإشارة ~~البسيطة. # لما كانت المعرفة غير ممكنة، فإن اللغة الشعرية تكتسب مطلق ~~الحرية في أن تسقط «مخلوقاتها» في العدم، ويسمي فاليري هذه ~~المخلوقات «بالأساطير»، ويعرف الأسطورة بأنها الاسم الذي يطلق ~~على كل ما لا وجود له ولا نلمسه إلا عن طريق الكلمة. أما ~~الكلمة فهي «الوسيلة التي يلجأ العقل إليها لكي يتكاثر في ~~العدم». وفي مواجهة الواقع الذي ليس له سوى وجود عرضي، يقوم ~~الخلق الأدبي بعملية تحويل وتشكيل مستمرة ، إلى أن يصل إلى تلك ~~اللاواقعية التي يصفها فاليري بأنها «حلم». ففي الخلق الأدبي ~~يتعرف العقل على إمكانياته ويحققها بالسيطرة على الشكل المحكم ~~الذي فرضه على نفسه. إن أفعاله وحدها لها صفة الضرورة ولذلك ~~فهو دائما أسمى من الواقع العرضي. # هذه أفكار قريبة جدا من أفكار مالارميه، وهي تبين أن أعظم ~~الشعراء الفرنسيين في القرن العشرين يبرر وجود الأدب من خلال ~~الذاتية الخالصة (لا الشخصية) ويؤكد أن موطن هذه الذاتية هو ~~اللغة والحلم، لا العالم أو الواقع. إنه يرى في تفاهة الواقع ~~وعدمية الحقيقة المتعالية (الترانسندنس) شرط الكمال الوحيد ~~الممكن، وهو الكمال الفني. إن القصيدة، كما يقول في كتابه «ألوان # 25 # شذرة كاملة التشكيل من بناء غير موجود». أما أن ~~البناء غير موجود فلان مضمونها لا يوجد إلا في اللغة، وأما ~~أنها شذرة فلأنها تظل دائما عاجزة عن بلوغ الهدف. ونلاحظ أن ~~فاليري يعمد إلى فكرتين سالبتين لكي يؤكد شيئا إيجابيا ~~واحدا هو فعل الخلق. يقول في عبارة أخرى من عباراته العميقة ~~الدقيقة. «ليس هناك شيء أجمل مما لا وجود له». وهي شبيهة ~~بالعبارة التي أوردناها من قبل لروسو ويقول فيها إن بلاد ~~الوهم هي البلاد الوحيدة التي تستحق أن يسكنها الإنسان في هذا ~~العالم، وإن الإنسان من التفاهة بحيث إن الشيء الوحيد الجميل ~~هو الشيء الذي لا وجود له. ولا شك أن القارئ قد رأى بنفسه ms261 أن ~~فكرة فاليري أقسى وأبعد عن العاطفة، وهي تدلنا بغير شك على ~~وعورة الطريق الذي سار فيه التأمل في الأدب من أيام روسو إلى ~~هذه الأيام. # عرف فاليري بيت الشعر بأنه «توازن معجز وشديد الحساسية ~~يقوم بين الطاقة الحسية والطاقة العقلية للغة.» ونستطيع أن ~~نقول إن شعره يحقق هذا التوازن. لقد روي عن نفسه في مناسبات ~~كثيرة كيف كانت بعض قصائده تنشأ في البداية عن لعب حر ~~بالإيقاع والتنغيم، تنضاف إليه بعد ذلك الكلمات والصور ~~والأفكار. والقصيدة التامة تحتفظ هذا التدرج في القيم، فهي في ~~المرتبة الأولى غناء وفي المرتبة الثانية مضمون. # ويكفي أن يتلو القارئ بعض المقاطع التي تبدأ بها قصائده ~~ليتذوق سحر النغم الكامن في ألفاظها الأصلية؛ سيلاحظ كيف تتدرج ~~الحروف الصوتية والأنفية بين علو وهبوط لكي ترجع إلى المركز ~~الذي بدأت به. # ومع ذلك فقد تأتي المبادرة من المعاني لا من الكلمات. فقصيدة ~~«باطن» - التي تجدها أيضا مجموعة النصوص - يدور الحدث فيها ~~داخل الوجدان وخارجه في وقت واحد. إنها تبدأ بهذه ~~الأبيات: # أمة ضيقة العينين، تثقل نظرتها الأغلال ~~الناعمة، # تغير ماء أزهاري، تغوص في المرايا القريبة ... # ونلاحظ أن الأصل في استعارة الأغلال أو ~~السلاسل في البيت الأول هو الأمة التي توحي بالعبودية، كما أن ~~الغوص في المرايا في البيت الثاني يأتي من الماء، ومع ذلك فلا ~~تريد هذه الأبيات أن تصف شيئا، بل تريد أن نسمعها ونتذوقها ~~كتجارب لغوية تتولد فيها الكلمة عن كلمة أخرى، أضف إلى هذا ~~أن الكلمة التي يصف بها الشاعر المرايا تدل على الزمن لا على ~~المكان، فالمرايا قريبة # 26 # قربا مباشرا (في الزمان أو المكان) وهي كلمة ~~يستخدمها الشاعر ليتلافى كلمة أخرى يتوقعها القارئ لدلالتها ~~المباشرة على القرب المكاني وهي «قريبة». # 27 # ونستطيع أن نجد أمثلة أخرى على توليد الصور ~~والرموز بل والفكرة الفلسفية نفسها من الكلمات. ويكفي أن يرجع ~~القارئ إلى إحدى قصائد فاليري المبكرة وهي قصيدة «الحائكة» # 28 # ليرى كيف عبر الشاعر عن فكرة - تأثر فيها بمعلمه ~~مالارميه - وهي فكرة ms262 انقطاع الصلة بين الإنسان والعالم. فهناك ~~فتاة تجلس في المساء أمام نافذة، مستغرقة في النوم والأحلام. ~~عبثا تحاول زهرة من الحديقة المجاورة أن تحيي الناعسة ~~الجميلة، وتنجح اللغة فيما أخفقت الزهرة فيه، فتجمع بينهما في ~~وجود غير واقعي، تنسج خيوطه من كلمات مشتقة من الخيط ~~والنسيج، تخرج منها كما تخرج الأرواح من الرقى والتعاويذ ~~السحرية. # على أن شعر فاليري أعمق وأبعد غورا من أن نفسره من ناحية ~~اللغة وحدها. إن له أيضا أسلوبه الداخلي الذي يخضع لقانون ~~خاص به. ولا يتمثل هذا في الموضوعات التي يتناولها بقدر ما ~~يتمثل في الأفعال العقلية التي نتسمعها من خلال الصور ~~والرموز الغنية، فنتبين أنها أفعال «الوعي الفني» الذي طالما ~~شغل تفكيره. وقد تحدث مرة عن «الكوميديا العقلية» # 29 # التي تكون لب القصيدة أو المركز الذي تدور حوله. ~~وأوضح الأمثلة على ذلك قصيدته «إلى شجرة الدلب». # 30 # ولسنا في حاجة إلى القول بأن الشاعر لا ينظر إلى ~~الشجرة كما نجدها في الطبيعة، بل هي عنده «ظاهرة» تدل على ~~حركة (ديناميكية) خالصة مشدودة بين نداء يهبط عليها من ~~أعلى، وقيود تشدها إلى أسفل. إن الشجرة تسمع نداء «الرياح» ~~التي تريد أن تتحقق لغتها فيها، ولكنها تحس كذلك بالضرورة التي ~~تعجزها عن اللغة أو تجعل اللغة ممتنعة عليها، كل هذا على نحو ~~يذكرنا بتجارب مالارميه الفنية، ومن خلال التوتر المستمر الذي ~~لاحظناه لديه. فالتوتر يظل هنا أيضا بغير حل، والنشاز واضح في ~~عوامل الصراع المجرد في القصيدة. ولكنه واضح كذلك في التوتر ~~القائم بين المضمون المقيد والغناء المنطلق. # ومما يلفت النظر في شعر فاليري أن الموضوعات التي يعالجها ~~والحلول التي يقدمها ليست واحدة، وهذا دليل على اهتمامه ~~بالصراع الدرامي أو بما يسميه بالكوميديا العقلية قبل أي شيء ~~آخر. إن الأحداث العقلية نفسها تتغير وتتبدل؛ فهي تعبر مرة عن ~~اليقظة من ظلام الحلم إلى نور الوعي، كما تعبر مرة أخرى عن ~~الهبوط من جديد في غياهب الحلم، وهذا يؤدي بنا إلى القول بأن ~~فاليري - على الرغم من ms263 قربه الشديد من مالارميه - ينوع ~~كثيرا من موضوعاته، بينما يحرص معلمه على الالتزام الشديد ~~بعدد قليل من الموضوعات، ومع ذلك فإن اختلاف الموضوعات ~~والحلول لا يمنع أن هناك شيئا واحدا تتفق فيه القصائد ~~العديدة، وهو تحول «الفعل العقلي» إلى غناء شعري، تتحد فيه ~~النزعة العقلية مع النزعة الحسية، ويأتلف فيه وضوح الفكرة ~~وغموض السر. ونمثل لهذا بقصيدتين إحداهما هي «أغنية الأعمدة» # 31 # وهي نشيد يتغنى فيه الشاعر بالخطوط الخالصة التي ~~يراها في الكتل المعمارية، بل هي نشيد صامت للعيون التي تدرك ~~الوجود المستقر في الحجر، المنتظم في النسب والأعداد، وكأن ~~العقل نفسه هو الذي يقوم بعزف هذا النشيد. وأما الأخرى فهي ~~القصيدة الشهيرة «المقبرة البحرية» # 32 ~~... وتتردد فيها أنفاس من قصيدة لو كريس المعروفة ~~«طبيعة الأشياء»، # 33 # ويغلب عليها التأثر بعدد من صورها وموضوعاتها، ~~والقصيدة تعبر عن أزمة عقلية. فالوعي يحاول أن يتحد بالوجود ~~الثابت، «بسطح» البحر، بتاج النور الأعلى، بغيبة الأموات ~~وعدمهم، غير أن إغراء الحياة «المتحركة» أقوى وأغلب. ويستسلم ~~الوعي لها، وإن كان يعلم خداعها وزيفها. وتختفي الصور ~~والاستعارات التي كانت تدل على البحر في حالتي الثبات والحركة ~~ليسمى بأسمائه الطبيعية من جديد (أمواج، مياه)، وليكون في ذلك ~~الدليل على أن الوعى قد تفتح لاستقبال الطبيعة والواقع ~~الخارجي. # وقد نشعر من قراءة هذه القصيدة العسيرة # 34 # أنها تتراجع عن تجريد الأشياء وإلغاء الواقع كما ~~رأيناه في أقصى صوره عند مالارميه، بل قد نشعر أيضا أنها تقول ~~عكس ما تقوله القصيدة السابقة (أغنية الأعمدة). ولكن لا يصح أن ~~نقف عندهما طويلا، فهناك قصائد أخرى تقدم حلولا وموضوعات ~~مختلفة. والمهم أن الأمر لا يتوقف على الموضوعات والحلول، بل ~~يتوقف على شيء واحد حرص عليه فاليري، كما قدمت، كل الحرص. ~~وهو أن يتحول الفعل العقلي الخالص إلى شعر، أي إلى غناء، يتحد ~~فيه العقل والحس، ويتجاوز الوضوح والغموض. ~~(11) خورخه جيان # والحديث عن فاليري يؤدي بنا إلى الحديث عن هذا الشاعر الإسباني ~~الذي يعد أكمل وأنضج ممثلي الشعر الخاص أو الشعر المحض ms264 في العصر ~~الحاضر. إن أشعاره تتلألأ بالنور الذي تشعه عليها أعمال مالارميه ~~وفاليري (اللذين ترجمهما إلى لغته)، وقصائده حبات في عقد واحد ~~فريد، ظهر للناس لأول مرة في سنة 1928م، ثم أضاف إليه ونقح فيه حتى ~~ظهر في شكله الأخير سنة 1950م تحت عنوان «أغنية» # 35 ~~... # والملاحظ على هذا الديوان أنه يشبه «أزهار الشر» لبودلير في ~~بنائه المعماري العام، وأنه ألف وفق نظام عددي دقيق يذكرنا ~~بالكوميديا الإلهية لدانتي. # يمكن أن نصف شعر جيان في مجموعه بأنه أنطولوجيا شعرية أو «فن ~~شعري» يقوم على أساس أنطولوجي. إنه يتراوح بين أبسط الظواهر وأدق ~~التجريدات، وهو شعر غامض، بل لعله أن يكون من أكثر نماذج الشعر ~~الحديث غلوا في الغموض. إنه لا ينطق عن ذات أو «أنا» شخصية، بل ~~ينطق عما يمكن أن نسميه «عيون العقل» التي تذكرنا «بالنظرة ~~المطلقة» التي تحدثنا عنها عند مالارميه. فعيون العقل تتجرد من ~~مادة الحياة لكي تصير مرآة للعالم ككل، أو لهيكل الوجود الخالص ~~الذي يتجلى من خلال العالم بكل ما فيه من ظواهر وكائنات. ويوشك ~~القارئ، أن يسمع في هذا الشعر رنة فرح هادئ مختلف عن كل أفراح ~~البشر؛ ذلك لأنه فرح عقلي أو سعادة روحية خالصة تأتي من رؤية ~~قادرة على النفاذ في صميم الأشياء وإدراك صورها الأولية الثابتة، ~~وماهياتها الساكنة الهادئة، وهي رؤية تعلم كذلك أنها قادرة على أن ~~تعطي - بالكلمة - لكل الكائنات وجودها العقلي الباقي. # وقد وصف بعض النقاد جيان بأنه أقرب الشعراء المعاصرين من المدرسة الإيلية، # 36 # محاولين بذلك أن يميزوا شعره من خلال علاقته بالوجود ~~الأسمى وحقائقه الثابتة، ولكن الواقع أن هذا الوصف يقلل من شأنه، ~~فهو لا يريد أن يكون تعبيرا عن الوجود نفسه - وإلا لما كان شعرا ~~على الإطلاق! - بقدر ما يريد أن يكون حركة؛ حركة في اتجاه الوجود، ~~من الظلام إلى النور، ومن الاضطراب إلى السكون. # إن القيمة الرئيسية في شعر جيان والمحور الأساسي الذي يدور حوله ~~هو النور. فالنور هو المظهر النقي الخالص للوجود، وأكثر القصائد ms265 ~~نصيبا من النور هي أدقها من ناحية الشكل والبناء. يقول أحد ~~الأبيات: «دائما يكون النور.» ولكن الحدث الهام فيه هو حدوث النور ~~نفسه وصيرورته، أو هو على حد تعبيره «نشوة الانتقال». والطاقة ~~الشعرية فيه تنبثق عن حالة من التوتر الذي يسعى إلى التجاوز ~~والعلو. إنه يرتفع بالشيء البسيط إلى حقيقته وكمال ماهيته، فيجعل ~~الحديقة «أكثر من حديقة» والجسر «أكثر من جسر»، لكي يستخلص من ذلك ~~مقولة الماهية أو الحقيقة (كما رأينا عند مالارميه) التي يغمرها في ~~النهاية نور الوجود الكامل. وهذا الفعل أو هذا الحدث الشعري يمتد ~~فيشمل كل الأحياء والمحسوسات، حيث «تنغم المادة بالنغمة التي ~~تجعل منها ظاهرة». ولكنه من ناحية أخرى يحولها ويعمل على ~~«تغريبها ». فالأشياء تستجيب «باكية» للمثالية الخالصة. واللغة لا ~~تزينها ولا تزخرفها، بل تعري جوهرها المحض، الذي تدخله في نسيج من ~~العلاقات غير الواقعية. # فإحدى القصائد مثلا تتكلم عن مدينة صيفية (تسميها مدينة الصدفة) ~~يسقط عليها نور حريري يجلي خطوطها فتصبح «نشوى من الهندسة». ~~وتتمكن منها «لذات الدقة والتحدد» فتصير «مدينة الماهية». # 37 # وتتحول المناظر الطبيعية إلى خطوط شفافة لا مادية في ~~نسيج من التوتر، ويصبح الثلج والبرد كلمتين ترمزان إلى المطلق ~~الذي يتلاشى منه الموت المحتوم على كل حياة، لا بل يتلاشى فيه كل ~~أثر للحياة، (وإن كان يبدو من بعض القصائد أن الشاعر يمجد الحياة ~~الشاملة فيما يشبه وحدة الوجود). وتتجرد المرئيات شيئا فشيئا من ~~صفاتها الحسية. وينشأ نوع من الفراغ، تغلب عليه الصور والظواهر ~~الساكنة (كالدوائر والخطوط والأحجام) أو رموز لمثل هذه الصور ~~والظواهر (كالوردة والنهر والبحر) ويتحول شعر جيان كله إلى نموذج ~~مصغر للوجود، متسق البناء غامر ~~النور. ومن الطبيعي ألا يترك للإنسان شيئا من «إنسانيته» وأن يمضي ~~فيما أسميناه بطرح النزعة البشرية إلى أبعد مدى ممكن. وحتى الحب ~~لا ينجو من هذا التجريد؛ فشعر الحب، يصبح نوعا من المعرفة ~~بالوجود، ويتجلى هذا الوجود في أسمى مظاهره للمحب الذي يراه بفكره ~~من خلال جسد الحبيبة لا من خلال روحها. أما هي ms266 فلا تدري، كما هي ~~العادة، شيئا عن هذا، ولا تعلم أنها هي النافذة التي يستشف منها ~~النور. # وروعة الربيع لم تخلق للقلب، «ففوق الهدير المضطرب يسري نداء ~~بعيد وخافت؛ نداء ناعم من لا أحد إلى لا أحد.» # والأطفال تلعب على شاطئ البحر، ولكن ليست هي التي تقوم باللعب، ~~بل البحر والأصداف، وكذلك أيادي الأطفال التي صارت موجودات ~~مستقلة بذاتها. وتنتهي القصيدة بنقلة أخيرة إلى موسيقى الأفكار: ~~«سلاسل حمراء، أصداف، أصداف، تناغم، نهاية، دائرة». لأن سر الوجود ~~الذي يعلو على الحياة ويتجلى في روعة الضياء ويختفي، إنما يلمع في ~~الدائرة «ويتخفى بين كتل الهواء» (انظر قصيدة كمال الدائرة) مثله ~~في ذلك مثل الشعر نفسه. # هذا الشعر في صميمه غناء . غناء معدني قاس، صيغ بلغة إسبانية ~~هي بطبيعتها حادة وقاسية. وتجريداته غناء؛ وهو مضطر لهذا السبب أن ~~يستخدم ثروة من الكلمات التي تدل على التجريد: كالمنحني، والخط، ~~والدائرة، والمركز، واللانهاية، والجوهر، والعدم، والحاضر ... ~~إلخ! # وليس ثمة حدود لغوية تفصل في هذا العالم الشعرى بين الكلمات ~~المجردة والكلمات البسيطة الأخرى، وليست هناك كذلك حدود موضوعية ~~بين مضموناته المعنوية والحسية. يقول أحد الأبيات: «ريش البجعة ~~يرسم نظاما من الصمت المقدور ...» # وفي قصائد أخرى تصور مشهدا من مشاهد الطبيعة نرى المجردات ~~تتحول إلى ذوات فاعلة. ولكن اللغة تكيف نفسها بوسائل أخرى وفقا ~~للموضوع. فقد تستخدم جملا اسمية فقيرة في الأفعال، وتعزل بواسطتها ~~مختلف الظواهر والأفكار التي تخلصها من الزمان أو تضعها خارج ~~الزمان. لن تحس بتدفق هذه اللغة، بل ستشعر بأنها تتردد وتتعثر ~~وترص الكلمات كما ترص الكتل الصخرية بجوار بعضها البعض، ثم تعود ~~فتنفتح على سؤال قصير، أو لمسة سريعة كلمسة الوتر. وستشعر أيضا ~~ببراعة الشاعر وقدرته على أن يستخرج من الكلمات المركزة مجموعة ~~من الأصداء التي تتردد طويلا ~~في فضاء مملوء بالأسرار. وستتبين في هذا شيئا هاما يشترك فيه ~~عدد كبير من الشعراء المحدثين، وهو التناقض بين عذوبة اللغة ~~وصعوبة الفكرة، بين بساطة العبارة وغموض المضمون. وتظهر المضمونات، ~~سواء أكانت صورا أم أفكارا، ms267 على شكل شذرات وضعت بجانب بعضها ~~البعض، لم ينم أحد منها من داخل المضمون السابق عليه، ولم تبق ~~رابطة - مهما كانت صغيرة - إلا وتحطمت. # هناك شيء يحدث دائما في قصائد جيان، ولكن مراحل هذا الحدث ~~وخطواته - ما دامت في مجال التجربة - لا تحمل ضرورة في ذاتها، ولا ~~تعرف تسلسل السبب والنتيجة. ولا تصبح للضرورة فاعلية أو تأثير إلا ~~مع تفاعل التوترات المجردة أو تغيرها وتبدلها. والمهم أن هناك ~~شيئا واحدا في هذه القصائد لا يختلف حوله اثنان؛ أنها تفتقد ~~الألفة بينها وبين القارئ. # ولكن ماذا يحدث عندما يتناول هذا الشعر موضوعا قديما؟ تستطيع ~~قصيدة «ليلة قمرية» (التي تحمل عنوانا فرعيا آخر هو «بلا حل») ~~أن تجيب على هذا السؤال. # 38 # إنها ترسل لنا لوحة طبيعية من أفكار كهذه: علو، بياض، ~~انتظار إرادة، نحولة، تكون في مجموعها سورا من الماهيات ~~المتعالية فوق الأشياء، يحيط بحدث يتم في برودة الليل دون أن يشارك ~~فيه إنسان. وإذا تلفتنا داخل هذا السور لم نجد شيئا تراه العين، ~~وحتى لو عثرنا على شيء فسوف نراه ينزلق كالأشباح في ثنايا الحدث ~~اللاواقعي. ويسير هذا الحدث في حركته من الهبوط (بينما ترف رياش ~~البرد) إلى التريث لحظات في السهل (بينما ينتشر الانتظار المتموج ~~في صمت)، والصعود من الأعماق لأول مرة؛ صعود إلى البياض (بينما ~~تلتمس الشواطئ الرائعة نعمة الرياح)، يتلوه صعود ثان، لا يزال ~~يتم في تساؤل، ولكنه في تساؤله يرفع العالم إلى «زوال أبيض، تام، ~~أبدي». # هذه القصيدة، ككثير غيرها، نسيج يتكون من مجالات توتر خالصة. ~~والسؤال الذي تطرحه في النهاية ثم تتركه بغير جواب يزيد التوتر ~~حدة. وليست هناك أنا تتكلم. لأن اللغة وحدها هي التي تتكلم اللغة ~~التي توجد بين المرئي والمعقول وتنزل عليهما برودة الصيغ الرياضية، ~~ولكنها صيغ تشدو وتغني. وهذا هو الذي يجعلها شعرا. ~~(12) شعر بلا منطق أو وراء المنطق # وعلى الطرف الآخر من هذا الشعر النابع من تراث مالارميه نجد ما ~~يمكن تسميته بالشعر اللامنطقي، أي شعر الهواجس والأحلام والهلوسات ~~التي ms268 تصدر أو تحاول الصدور عن اللاشعور الباطن. والشعراء الذين ~~يمثلون هذه النزعة يتأثرون رامبو ولوتريمو وعلوم الأسرار والكيمياء ~~القديمة والكتابات اليهودية السرية المعروفة «بالقبلة». إن شعرهم ~~هو شعر الأحلام - بالمعنى النقي لهذه الكلمة - سواء أكانت أحلاما ~~طبيعية ترى في النوم أو أحلام يقظة «فنية» تصطنع بالمخدرات ~~والعقاقير لتنشيط ملكة التخيل الخلاق. والواقع أن الفارق بين الحلم ~~بمعناه النفسي أو بمعناه الفني فارق غير ملموس، والمهم أنهما ~~يتلاقيان في شيء واحد هو أن ذات الشاعر فيهما ذات منسلخة عن ~~الواقع وأن الإنسان هو سيد العالم بفضل ملكة الحلم التي وهبت له ~~وحده. # الشعر اللامنطقي يستفيد إذن مثله في ذلك مثل الشعر العقلي من ~~قدرة الإنسان على تخيل الصور اللاواقعية، ولكنه في حالتنا هذه ~~يتلقى هذه الصور من أعمق طبقات الحلم دون أن يتدخل في ترتيبها ~~وتنظيمها. فالإنسان عند شعراء الحلم ليس وحشا ذهنيا كما يقول ~~«بريتون» ولكنه - بفضل أبحاث فرويد ويونج التي سبقت الإشارة إليها ~~- كائن ينطوي على قوى مظلمة مجهولة تكمن في أعمق طبقات وجدانه ~~وتسبق ذاته الشخصية الواعية. وقد رأينا أمثلة لتأثير هذا العالم ~~المظلم على خيال الشاعر في كثير من قصائد رامبو. ثم جاءت أبحاث ~~فرويد ويونج فأحدثت هي الأخرى أثرها. فيونج مثلا يفسر الأدب ~~والشعر بوجه خاص بأنه ينشأ تحت تأثير «رؤى أولية قديمة» تعيش في ~~اللاشعور الجمعي وما الشاعر إلا «الوسيط» الذي تتدفق هذه الرؤى من ~~خلاله، وبذلك تكون عملية التشكيل الفني عملية ثانوية إلى جانب ~~الاهتمام بهذا العالم المعتم السحيق. # ومن الطبيعي أن يكون لهذا تأثيره على السيرياليين ورائدهم الأول ~~أبوللينير الذي أوجد كلمة السيريالية نفسها. فقد كتب، في سنة 1908م ~~شعرا منثورا بعنوان «أو نيرو كريتيك» # Oniro ~~critique ~~(عن عنوان الكتاب القديم الذي ألفه ~~أرتيمدور في تفسير الأحلام باليونانية # ÔvSipo-kpitika ~~) ولا بأس من ذكر بعض سطور من ~~هذا النص (اخترناها كما اتفق، لأن ذلك لن يغير من الأمر شيئا!) ~~وسنجد أن أبوللينير يجمع صورا لا واقعية ونتفا من الأحداث التي ~~صفها إلى جانب بعضها ms269 بغير رابطة تجمع بينها بحيث يمكن أن يعيد ~~القارئ ترتيبها على نحو آخر. وإذا كانت هناك ثمة رابطة بين الصور ~~والأحداث فيمكن أن نسميها «التحول اللامعقول» الذي يشبه ما يحدث في ~~الأحلام؛ فالرأس تتحول إلى لؤلؤة والأنغام تتحول إلى ثعابين. لن ~~تجد إنسانا بمفرده في هذا العالم بل ستقابل حشدا من الناس. وليست ~~الصور المفككة غير الواقعية هي وحدها التي تشبه الأحلام بل كذلك ~~طريقة التعبير. إنه عالم يزدحم بالجنون والقبح والجريمة: ~~«كانت قطع الفحم في السماء شديدة القرب منى بحيث شعرت بالخوف من ~~رائحتها. حيوانان غير متكافئين مارسا الجماع، وفروع الكروم أصبحت ~~عناقيد ثقيلة بصرر الأقمار. من حلقوم القرد ارتفعت ألسنة اللهب ~~وزخرفت العالم بالزنابق. الطغاة فرحوا. أقبل عشرون خياطا أعمى. ~~قرب المساء طارت الأشجار هاربة وتكاثرت حتى صرت مائة شخص. القطيع ~~الذي كنته جلس على شاطئ البحر. السيف أطفأ ظمئي. مائة ملامح قتلوني ~~تسعا وتسعين مرة. شعب كامل ضغطوه في المعاصر، فراح ينزف دما وهو ~~يغني. ظلال غير متساوية نشرت السواد بمحبة على حمى الأشرعة ~~القرمزية، بينما تكاثرت عيوني في الأنهار والمدن وفوق ثلوج الجبال ~~...» ولن يخطئ القارئ صوت رامبو في هذا النص، ولن ينسى أوجه التشابه ~~العديدة بينه وبين الإشراقات. # ومع أن السيرياليين قد توالى إنتاجهم منذ العشرينيات من هذا ~~القرن فإن رائدهم وملهمهم أبوللينير يعد أبدعهم خيالا. والحق أن ~~برامج السيرياليين تستحق الاهتمام أكثر بكثير من إنتاجهم. فلقد ~~دأبوا على تأكيد لون من ألوان الإبداع ظهر في الشعر منذ عهد رامبو، ~~وحشدوا في سبيل ذلك لغة أشبه ما تكون بلغة العلم. إنهم مقتنعون بأن ~~في مقدور الإنسان الذي يتخبط في ظلام اللاشعور أن يمد تجربته ~~الفنية بلا حدود، وهم مقتنعون بأن مرضى العقول يستطيعون أن يبنوا ~~لأنفسهم عالما فوق الواقع لا يقل «عبقرية» عن عالم الأدب، وأن ~~اللاشعور هو الذي يملي الشعر والأدب دون أن يتقيد بقيد ولا شكل. ~~تلك هي بعض مواد هذا البرنامج الغريب الطموح. وقد نبالغ إذا قلنا ~~إنهم يخلطون فيه بين التقيؤ ms270 والتفنن أو بين الإفزاع والإبداع! ولا ~~يستطيع منصف أن يذكر للسيرياليين شعرا عظيما، وإن ذكر لهم ~~برامجهم ونظرياتهم الجديدة الجريئة. وحتى الشعراء الكبار الذين ~~يحسبون عادة من السيرياليين - مثل أراجون وإلوار - لا يدينون ~~بشعرهم لبرامج السيرياليين، بل لذلك الأسلوب العام الذي شاع في ~~الأدب منذ عهد رامبو وجعل الشعر لغة الأحلام والصور المجردة عن ~~المنطق والمعقول. إن كل ما يذكره الناقد للحركة السيريالية هو أنها ~~كانت نتيجة لا سببا، وأنها شكل واحد من أشكال عديدة تعبر عن شوق ~~الإنسان الحديث إلى الأسرار والألغاز. وقد يشفع لشطحاتهم أن نذكر ~~على كل حال أن الشعر الحديث في أوروبا ما زال يغوص في غياهب ~~الأحلام، وكأن الشعراء يصرون على أن ينطبق عليهم هذا الوصف الذي ~~يشهر بهم ويمجدهم في آن واحد فيصورهم كالسائرين ~~نياما. # ويمكن أن نوضح ما تقدم بقصيدة مشهورة من شعر لوركا وهي قصيدة ~~«خيالية ناعسة أو جوالة في النوم» # 39 # التي كتبها قبل سنة 1927م. # وإذا أردنا أن نعرف القصيدة من مضمونها لم نجد إلا فتاة تقف في ~~ضوء القمر مستندة إلى سور شرفة. ويتحدث رجلان في مكان لا ندريه، ثم ~~لا تلبث أن نجدهما أيضا في الشرفة، وبعدها بقليل نجد الفتاة ~~مقتولة في صهريج. ولكن هذا التلخيص يدمر القصيدة تدميرا ويجعل ~~منها جريمة قتل لا أكثر ولا أقل! ذلك لأن هناك شيئا آخر يختلف عن ~~ذلك تمام الاختلاف. نسيج حالم من بقايا أحداث، وصور غير واقعية، ~~وسحر ينبعث من نغم الكلمات وكأن النشيج كله من صنع إنسان يسير في ~~نومه وتبدأ القصيدة باللون الأخضر، واللون هنا لا علاقة له ~~بالأحداث ولا بالأشياء، وهو لا يأتي منها، بل يأتي إليها: «ريح ~~خضراء، لحم أخضر، شعر أخضر» إنه أشبه بغلالة من النغم تشع منها ~~قوة سحرية تشيع في القصيدة كلها. وتظهر مشاهد طبيعية مفككة ~~تتحرك وسطها الأحداث والأشكال البشرية الباهتة، فهناك سفينة في ~~البحر وحصان في الجبل يتعاقبان في بيتين يكرران وحدة نغمية ~~قوية. وتسير القصيدة بطريقة غنائية لا ملحمية، فتغني ms271 أكثر مما ~~تحكي، وتترك كل موضوع تقوله بغير تحديد مكاني أو زماني أو سببي. ~~بل إنها لا تذكر كموضوع القصيدة - وهو الحب والموت - بكلمة واحدة، ~~ومع ذلك فهو يبدو واضحا من خلال الخطوط الباهتة التي تلقيها ~~الأشياء والأحداث. وتتوالى الاستعارات الرائعة أمام أعيننا: شجرة ~~التين التي تمسح فروعها ريح الصباح، الجبل الذي ينفش صباره كالقط ~~المتلصص، القمر الثلجي الذي يرعى الفتاة القتيلة فوق الماء. ~~والكلمات والألوان تحل محل الأحداث أو توحي بها. فها هو ذا اللون ~~الأسود يشوب الاخضرار قبل أن يذبل وينطفئ - واللون الأسود هو علامة ~~الموت. # كل شيء في القصيدة يلمح ويشير ويفتح الباب لإمكانيات وإشعاعات ~~عديدة. إننا نحس كأننا لا نقف على الأرض الصلبة، بل كأنه ليس هناك ~~مكان سوى المكان الحالم الذي تخلقه الاستعارات والصور غير ~~الواقعية. ونحس أيضا أننا لسنا في زمان، لأن الزمان توقف في ~~القصيدة. إنها تبدأ في الليل، ثم يطلع الصباح «الذي تجرحه آلاف ~~الطبول البللورية» إلى أن يحل الليل مرة أخرى في النهاية، ولكن لا ~~الليل ولا الصباح من الزمن، إنهما منظوران شعريان للزمن الذي لا ~~يتحرك. أما الخاتمة التي تكرر بيتين من بداية القصيدة فتبدو كأنها ~~تغلق الدائرة. غير أن الواقع يختلف عن هذا؛ فنحن نحس كأن شيئا ~~لم يحدث أو كأن الأمر كله أشبه بحركة مروحة فتحت بسرعة أشبه بسرعة ~~الضوء في لحظة واحدة. ولم نذكر هذه القصيدة لتكون تطبيقا ~~للنظريات النفسية أو الأدبية عن الأحلام بل لنقول إنها مثال لما ~~يمكن أن يصل إليه الشعر العظيم الجسور. # ولا نستطيع أن نترك شعر الأحلام قبل أن نتكلم عن ميله إلى ما ~~يمكن أن نسميه «بنشاز» اللامعقول «أو العبث والمحال». ولقد نوه ~~بودلير بقدرة الحلم على ابتداع اللامعقول ورأى في هذا دليلا على ~~انتصار الذاتية المطلقة من القيود، وكذلك طالب إلوار في سنة 1939م ~~- متأثرا في ذلك رامبو - أن يكون الأدب «إزعاجا للمنطق إلى درجة ~~اللامعقول». أما بريتون فذهب إلى أبعد من هذا وأعلن أن اللامعقول ~~وحده هو الذي يقدر ms272 على الشعر. وتدخل في مجال اللامعقول كل الأشعار ~~الغريبة التي يمكن أن نسميها أشعار «المسخرة» وذلك من نوع قصائد ~~رافائيل ألبرتي، وكل الإنتاج الأدبي الذي يتصف بالسخرية والمرارة ~~ويسميه الفرنسيون «المرح الأسود أو المزاج الأسود»، # humour noir # ويذهبون فيه ~~بنظرية فيكتور هيجو السابق ذكرها عن # humour ~~noir # المسخرة أو الجروتيسك # Grotesque # إلى أقصى ~~مداها. # ففي مثل هذا الإنتاج يتفتت العالم إلى شذرات مبتورة، وتصبح ~~الغرابة والشذوذ المضحك المؤلم من علامات أسلوب التشويه الذي أشرنا ~~إليه من قبل عند الكلام عن رامبو. إن المزاج الأسود يمزق الواقع ~~إلى أجزاء متناثرة غير مترابطة، ويخترع أبعد الأشياء عن الاحتمال، ~~ويصل بين أزمنة وأمكنة وأشياء لا صلة بينها في عالم الحقيقة ~~والواقع، ويغرب كل ما هو موجود ومألوف، ويشق السماء ليكشف عن «بحر ~~الفراغ الهائل »، ويعبر عن التنافر الأصيل بين الإنسان والعالم، ~~وكلها متنوعات على لحن الشعر الحديث. # ويؤدي بنا هذا الكلام باختصار عن موقف الشعر الحديث من الواقع ~~وكيف يحور مادته أو يدمرها أو يسقطها من حسابه. لقد عبر بودلير ~~من قبل عن موقف الفنان والشاعر من الواقع عندما سجل تجربته ~~المخيفة في هذه الأبيات: «العالم ممل وصغير، اليوم، أمس، غدا، ~~إلى الأبد ...» ولا شك أن هذه العبارة تصدق أيضا على الموقف في ~~القرن العشرين، كما تصدق على كل ما سميناه بديالكتيك العصر الحديث، ~~فالشاعر والفنان في شوقه إلى المجهول واللامتناهي يصطدم بخلو ~~العالم من الحقيقة المتعالية (أو الترانسندنس) فيعود إلى عالم ~~الواقع ليجده كذلك خرابا وحطاما خلا من المطلق والحقيقة والمعنى. ~~وقد تكلمنا في الفصول السابقة عن المثالية الجوفاء أو فراغ العالم ~~من حقيقة عالية، وشرحنا ذلك عند الحديث عن بودلير ورامبو ~~ومالارميه. # إن نفس الكلام يصدق أيضا على الشعر المعاصر. # وإذا كان بعض الشعراء المحدثين يحلقون في فضاء المطلق فلا يصح ~~أن يخدعنا هذا عن فزعهم من فراغ العالم من الحقيقة المتعالية. إن ~~المطلق في شعر جيان مثلا نور وكمال هندسي، غير أنه لا يحدد لنا ~~مضمونه أي تحديد. وكلما اقترب ms273 الشعر من حقيقة مثالية أو أوشك أن ~~يلامسها وجدناه يعمد إلى التجهيل أو يلجأ إلى الرموز ~~والأسرار. # إن علاقة الشاعر الحديث بعالم الواقع غنية متنوعة ولكنها تتفق ~~في نتيجتها النهائية على شيء واحد هو تجريد العالم الواقعي من ~~قيمته. وهذا العالم يتحول في الشعر - كما تحول في الرواية على يد ~~فلوبير في أواخر إنتاجه أو على يد هيمنجواي وكامي ومن جاء بعدهما - ~~إلى ظواهر مفردة متناثرة يدقق الشاعر في وصفها وتشريحها ولكنه ~~يضعها في مكان الكل الشامل الكبير. قد يتم هذا على صورة تقريرية ~~غليظة، كما في قصائد الشاعر السويسري بليز سندرارس (1887-1961م) ~~الذي حاول في معظم أشعاره أن يلائم بين لغة الشعر وكل ما جد في ~~عصر السرعة والتقنية والفيلم والطائرة من تغيرات في البناء النفسي ~~والاجتماعي (وعنوان أحد دواوينه «وثائق » وقد سماه فيما بعد ~~«كوداك»). # وهو يصور العالم في صورة شديدة الحيدة، وكأن الصلة قد انقطعت ~~بينه وبين الإنسان، أو كأن هذا العالم قد أصبح يقاومه ويحد من ~~حريته وانطلاقه بعد أن كان الوسيط الذي يعبر به الشاعر القديم عن ~~عذاب الإنسان وأفراحه. ولهذا يبحث الشاعر الحديث عن كل ما قد يبدو ~~لسلفه القديم حقيرا وسخيفا ومخزيا. ولعله بذلك يزيد من إحساس ~~الإنسان «بضغط» العالم عليه ووحدته المؤلمة فيه؛ فهو يتحدث عن ~~نفايات المدينة الكبيرة وحانات البيرة وقضبان الترام، وقصاصات ~~الصحف وساحات المصانع ... إلخ. وينفث فيها - في بعض النصوص الجيدة ~~فحسب - تلك الرعشة الكهربية التي أراد بودلير وبو أن يضفيا بها ~~الشاعرية على الحياة اليومية. وهنا نجد القبح - الذي عرفنا دوره ~~الهام عند رامبو - يحتل مكانة بارزة ويصبح وسيلة للإثارة ~~والإدهاش. ولو تأمل القاري، قصيدة «صورة» # 40 # لجوتفريد بن، لوجد فيها - شبه جملة واحدة - لوحات ~~مخيفة تعكس القبح والمرض والفساد والانهيار وتقول للقارئ في ~~النهاية إن هذه هي أعمال «العبقري العظيم» أو أن القبح هو الأثر ~~الذي يدل على عالم علوي خلا من كل حقيقة عالية، وهي نظرة تعبر عن ~~تشاؤم هذا الشاعر وتجاربه المخيفة أصدق تعبير. ~~(13) توماس ms274 إليوت # رأينا في الفصول السابقة كيف تمزق الواقع على يد الشعراء ~~المحدثين وتفتت إلى أجزاء وشذرات. وقد تبينا أهمية هذه الفكرة في ~~شعر مالارميه وفاليري وفي تصورهما للشعر على السواء. فهما يقصدان ~~من ورائها أقصى درجة ممكنة من الحضور الفني لغير المرئي في المرئي ~~- أو بلغة أبسط للمثل المجردة البعيدة أو الحقائق المتعالية في ~~الواقع المشاهد - بحيث تدل على مدى تفوقها كما تدل على مدى قصور ~~الواقع المرئي وعجزه. ولقد ظل هذا الطابع - طابع التجزؤ والانقسام ~~إلى شذرات - غالبا على الشعر المعاصر، بحيث يتناول الشاعر قطعا ~~متفرقة من الواقع أو على الأصح من بقايا أطلاله ويظل يعالجها في ~~عناية واهتمام حتى تتلاقى أطرافها أو تتلاءم مع بعضها البعض، ويبدو ~~العالم الواقعي في نهاية الأمر أشبه بجدار تتخلله الصدوع المخيفة ~~من كل ناحية، أي لا يمت للواقع بأية صلة. # هذه المقدمة كلها تفضي بنا للحديث عن الشاعر الأشهر توماس ستيرن ~~إليوت. والحق أن الكلام عنه في هذا الحيز الضئيل أمر مستحيل ولكنه ~~لن يعفينا من تقديم صورة مبسطة تكشف عن الملامح الرئيسية في شعره. ~~ولقد اختلف النقاد في تفسير هذا الشعر وتباينت مذاهبهم في فهمه، ~~ومع ذلك يبدو أنهم يجمعون على شيء واحد؛ وهو أن السحر الذي ينبعث ~~منه راجع إلى «نغمه»؛ فهو نغم لا يمكن أن ينسى، وإن لم يكن في ~~الحقيقة نغما واحدا بل خليطا من الأنغام العديدة المتنافرة. إن ~~اللغة تتنقل تنقلات مفاجئة وتسير من التقرير الجاف إلى التأمل ~~المجرد، ومن الكآبة الصافية العذبة إلى الانفعال أو الغضب العارم، ~~ومن السخرية والتهكم المرير إلى لغة الحوار اليومي المملة المرهقة. ~~وهذا التعدد في الأنغام هو الذي يربط كل أجزاء قصائده وهو الذي ~~يخلع عليها وحدة لا تستطيع الحالة النفسية أو الموقف الفكري الذي ~~تقوم عليه - وما من أحد استطاع حتى الآن أن يصل إلى كنهها!- أن ~~تخلعها عليه. صحيح أن هناك موضوعات أساسية تتردد في شعر إليوت: ~~ضياع الإنسان ويتمه في صحراء المدينة الكبيرة، الإحساس بالزوال ~~والفناء، التأمل الطويل في ms275 حقيقة الزمان ووظيفته، وفي غربة العالم ~~واغترابه. ولكن هذه الموضوعات المختلفة تسري كالنسمات في هذه ~~الحديقة الموحشة الساحرة، ولا تصلح أساسا يمكن أن ينهض عليه. ~~ولعلنا نجد هذا الأساس فيما يسميه إليوت نفسه «بالعاطفة الفنية» ~~التي يريد لها أن تكون بعيدة عن الذاتية أو الشخصية كل البعد. إنها ~~تمتد بين القمة والحضيض، وتسير، كما يقول بيتان من القسم الرابع من ~~قصيدته «أربعاء الرماد» في الأبيض والأزرق، لوني مريم، وهي تتكلم ~~عن أشياء تافهة، وتعبر هذه العاطفة عن نفسها «بالمقابل أو المعادل ~~الموضوعي» أي بالصور والأحداث التي تدور في عالم الناس والأشياء. ~~ولكن أية صور وأية أحداث؟ يقول إليوت في إحدى ملاحظاته النقدية ~~الخصبة إن التقلب والتضاد الحاد من أهم الخصائص المميزة للعصر ~~الحاضر. # والواقع أنهما أيضا من أهم الخصائص المميزة لأسلوبه الشعري . ومن ~~هنا يمكن القول بأنه يلائم المدنية الحديثة التي تتطلب - بتعقيدها ~~البالغ وتناقضاتها ومشاعرها وأفكارها المضطربة - أدبا يتصف ~~بالشمول ويلمح ويوحي ويتحدث حديثا غير مباشر؛ أي أدبا يجنح ~~بالضرورة إلى الغموض والتعقيد. # في بداية «الأرض الخراب» نجد هذا البيت (البيت العشرين): # يا ابن الإنسان، ليس في مقدورك أن تقول ولا أن ~~تحدس، # لأنك لا تعرف غير كومة من الصور المهشمة. # وفي آخرها نقرأ هذا البيت (البيت الأربعمائة ~~والثلاثين): # هذه الشذرات قد كومتها أمام أطلالي. # وكلاهما يمكن أن يعد اعترافا من الشاعر بأسلوب ~~التجزئة والتفتت والشذرة، أو بالأحرى بقانونه الذي يحكم كل ~~أعماله الشعرية. فهو يحدد عباراته التي تبدأ أحيانا بحكاية قصيرة ~~ثم لا تلبث أن تقطعها لتمضي في مونولوج داخلي، لا يلبث أن يقطعه ~~أيضا نص مقتبس يضمنه الشاعر في قصيدته لغير سبب ظاهر، يتبعه ~~على الأثر نتف من حوار عادي بين أشخاص ليست لهم معالم ولا ملامح ~~محددة، وما يقال في مجموعة من الأبيات ينسى على الأثر في مجموعة ~~أخرى، كذلك الشأن مع الصور والأحداث؛ فهي تركيبات (على طريقة ~~المونتاج في السينما) من قطع متفرقة متنافرة الأصول، لا تمت لمكان ~~أو زمان محدد. هناك قطع الأثاث المتهرئة ms276 وأنابيب الغاز، والفيران، ~~والسيارات، وضباب لندن، وأوراق الشجر الجافة، ثم حوريات الماء. ~~والعراف تريزياس، والجواهر النفيسة، إلى جانب حلاق أشعث الشعر من ~~أزمير، وكلها تختلط في اضطراب غريب والحضارات المختلفة تتداخل في ~~بعضها البعض، فلا يكاد الشاعر يتحدث مثلا عن نادل حتى تلمع فجأة ~~في عقله ذكرى أجاممنون. ومن أمثلة ذلك قصيدة «الرباعيات الأربع» ~~التي يصف فيها أحد أيام شهر نوفمبر وصفا مسهبا يقطعه بعد حين ~~ليقول: «كان هذا وصفا غير مرض.» ثم يتحدث عن نفس الموضوع بطريقة ~~أخرى، يعبر بها عن مضمون مختلف عن المضمون الأول كل الاختلاف، ~~متبعا في هذا كله أسلوب الشاعر «لوتريمو» صاحب «أغنيات ~~مالدورور». # وفي نفس النص نجد القسم الثاني من «شرق كوكر» # East Coker # ينتهي بهذا البيت: ~~«حكمة الخضوع، الخضوع بلا نهاية.» وتتلوه صورتان لا رابطة بينهما ~~على الإطلاق: «كل البيوت اختفت في البحر. كل الراقصين اختفوا في ~~الت.» وتبدو الخاتمة وكأنها تعقد صلة خفية بين مضمون البيت السابق ~~وبين حدثين مختلفين (لم يأت ذكر البيوت أو الراقصين فيهما إلا ~~في موضع سابق على الخاتمة بمسافة بعيدة). ولكن لعل هذه الصلة ~~الخفية أن تكون في تجاور هذا الخليط من الأفكار والأحداث والأشياء ~~التي لا تربط بينها صلة، فكأن الشاعر يعبر عن العلاقة الممكنة ~~بتفكيك كل علاقة! # أي عالم هذا الذي يرسمه لنا إليوت؟ # إن كلمة «غير واقعي» تصادفنا كثيرا في قصيدة الأرض الخراب كما ~~نقرأ في «أربعاء الرماد» عن الرؤية المطلسمة في حلم أسمى، وعن ~~الكلمة التي لم تسمع. وكل هذه أشياء ترتبط ببعضها البعض لتؤكد أن ~~الشاعر يعرف ما يصنع. إنه يستعين بقدرة «الحلم» على تحطيم العالم، ~~وتصويره في صورة غير واقعية، لكي يبث فيه أسرارا لم تكن لتشع ~~منه لو بقي عالما واقعيا. إن تعدد الأنغام والأصوات السحرية في ~~لغته يقربها مما «لا يقال»، ويجعلها تلتقط موسيقى الحلم التي لا ~~تسمع عن طريق الكلمات المحطمة والصور المشتتة. ~~(14) سان-جون بيرس # 41 # تكلمنا في الصفحات السابقة عن فكرة اللاواقعية الحسية عند رامبو، ~~ويبدو أن ms277 هذه الفكرة نفسها تصدق تماما على شعر سان-جون بيرس. إن ~~من العسير أن نفهمه من جهة المضمون؛ فالأناشيد والأبيات الطويلة ~~الشبيهة بالمزامير تكاد تغمر القارئ كالطوفان، والأصوات المهيبة ~~الغامضة تتردد أصداؤها - كأصوات السحرة والعرافين القدماء - لتخلق ~~سيلا من الصور الكثيفة المتجددة التي تبهر القارئ وتحيره. ما من ~~صورة منها تستقر أو تهدأ، وكأن روح العالم كله تجيش وتفور، هو ~~عالم غريب عالم «المنفى». الواقع الذي ينطوي عليه واقع مجهول، ~~عجيب، يأتي من بلاد مجهولة عجيبة، ويحكي عن حضارات مندثرة ~~وأساطير نادرة. ميزة هذا الشاعر أنه يضمن إبداعات خياله كثيرا ~~من الوقائع والحقائق الثابتة التي يلتقطها من بعيد، ويعبر عنها ~~تعبيرا سريعا شاذا بحيث لا نحس بقيمتها الواقعية، وبحيث تتحول، ~~كما يقول في إحدى قصائده، إلى لحن «أغنية لم توهب لشاطئ». # إن سعيه الدائب إلى اللامتناهي تقابله التفاصيل الدقيقة التي ~~يغرق في أوصافها، ويشتق معظمها من عالم الحيوان. ولكن هذه التفاصيل ~~الحسية الدقيقة ملغزة بعيدة عن الوضوح، يستعين الشاعر فيها ~~بمصطلحات مستمدة من علوم النبات أو الطب أو البحرية أو الصيد ~~وتضطر القارئ الفرنسي نفسه إلى اللجوء إلى القواميس المتخصصة ~~لمعرفة معناها. ولعل الأوفق ألا يجهد الإنسان عينيه في البحث عن ~~معانيها، بل يحاول أن يسلم نفسه لها كما لو كانت أنغاما تنبعث من ~~آلة موسيقية غريبة تأتي من بلد غريب. # وبين التفاصيل المرهقة واللانهاية غير المحددة تضيع - عن عمد - ~~الخصائص العامة التي تميز الأشياء والمشاهد والمواقف. ولنأخذ لذلك ~~مثالا من قصيدته «مدائح»؛ فهي تضم فيما تضمه جبينا بين أيد ~~صفراء، ذكرى عن سهام ملقاة في بحر الألوان، سفن موسيقى على رصيف ~~الشاطئ، جبالا من خشب أزرق، ولكن ماذا جرى للسفن؟ أصبحت أشجار ~~نخيل. ثم هناك بحر أليف تلجأ إليه الأسفار غير المنظورة، مدرج ~~كسماء فوق الحدائق، منتفخ بالثمار الذهبية والأسماك والطيور ~~البنفسجية والعطور ترتفع إلى الأعالي الساحقة، و«بفضل شجرة القرفة ~~في حديقة أبي، ترنح عالم غريب!» أجل عالم غريب. الإنسان الذي يحيا ~~فيه مغامر يخاطر بنفسه في كل مكان وزمان، ms278 أمير يخطو نحو المجهول، ~~إسكندر (ومن هنا يجيء عنوان أحد دواوينه من حملة الإسكندر «أنا ~~باز») ولكن لا بد لهذا المغامر الفاتح أن يحطم كل ما سبقه. تقول ~~بعض أبيات قصيدته أمطار: «امسحوا الوصمة من على عين الصالح ~~المستقيم، وصمة الجدير الموهوب، امسحوا تاريخ الشعوب، الحوليات ~~العظيمة والأخبار، امسحوا الواح الذكريات، ~~امسحوا من قلب الإنسان أجمل ~~كلمات الإنسان!» ذلك لأن الفاتح المغامر لا يريد أن «يوصم بخمر ~~البشر وبكائهم». ولكن ما هو هدفه وأين يكون؟ الشاعر لا يجيب. إنه ~~لا يزيد عن الكلام عن الانطلاق بعيدا عن الأوطان وبعيدا عن مسقط ~~الرءوس، ولا يزيد عن الكلام عن «قصيدة لم تكتب أبدا». ولا شك أن ~~القارئ قد لاحظ أنفاسا من رامبو؛ تحطيم المألوف رغبة في الانطلاق ~~إلى المجهول، غير أن اللغة تقف عاجزة أمام المجهول. إن أقصى ما ~~تستطيعه هو أن تنشد ألحانها الغريبة من أعماق الكلمات التي تقترب ~~من الصمت أو تقترب من الجنون. # هنا نرى أيضا كما رأينا عند رامبو رغبة حارة في إبداع الصور ~~المثقلة بالصفات الحسية التي لا تنتمي مع ذلك إلى أي واقع مألوف. ~~ويكفي أن نذكر بعضا منها نختاره كيفما اتفق: «البحر في تشنجات ~~الميدوزا»، «الصوف الأسود للإعصار»، «السماء ترضع عصارتها ~~البنفسجية من إسفنجة الشجر الخضراء»، «إنسان يتأمل السماء ويريح ~~ذقنه على النجم الأخير»، «وباء الروح في طقطقة الملح، في جير اللبن ~~الحي»، «الرياضة المعلقة في جبال الملح الثلجية». إن كل عناصر ~~الصورة حسية، ولكن الصورة في مجموعها تؤلف بين أجزاء لا تآلف بينها ~~فتصبح صورا غير واقعية. هي إذن لا واقعية حسية. ومن العجيب أن ~~سان-جون بيرس يمزج صوره كثيرا بالملح. لقد رأينا هذا عند رامبو، ~~كما رأينا كيف تتكرر صورة «المنشار» التي وجدناها عند لوتريو في ~~شعر إلوار ورسوم بيكاسو. لا بد إذن أنها ضرورة كامنة في بناء ~~الشعر الحديث. وتتأكد هذه الضرورة إذا عرفنا أن الملح كان في ~~الكتابات الكيمائية القديمة أحد العناصر الطبيعية الأساسية إلى ~~جانب الزئبق والكبريت. # ولعل من مظاهر ms279 وحدة البناء المشترك أن أشعار سان-جون بيرس قد ~~حظيت بمترجمين هم أنفسهم شعراء كبار؛ فقد ترجمه إليوت إلى ~~الإنجليزية وأنجارتي إلى الإيطالية، كما قدره الشاعر الإسباني جيان ~~أعظم التقدير، وقدم الشاعر النمسوي هوفمنستال سنة 1929م لديوانه ~~«أنا باز» وأبدى بعض ملاحظاته العميقة الحساسة التي يقول فيها إن ~~مالارميه وفاليري وسان-جون بيرس أفراد مبدعون، يلقون بأنفسهم في ~~اللغة نفسها. وقد كانت هذه في رأيه هي طريقة الشعراء اللاتينيين في ~~الاقتراب من اللاشعور، فهي لا تتم على طريقة الروح الجرمانية في ~~تدفق نصف حالم، بل بتحطيم الأنظمة القائمة وبعثرة الأشياء في بعضها ~~البعض على نحو ساحر قوي معتم ينبعث من سحر الكلمات ~~والإيقاعات. ~~(14-1) الخيال المتسلط # يقول «هوفمنستال» عن هؤلاء الشعراء إنهم أفراد مبدعون، وهذا ~~القول يفضي بنا إلى فكرة طالما تحدثنا عنها أثناء الكلام عن ~~رامبو، وهي فكرة الخيال المتسلط أو الدكتاتوري، فهذا الخيال هو ~~في الشعر المعاصر أيضا أصل كل ما يصيب العالم الواقعي من ~~تغيير وتحطيم. ولذلك فمن المستحيل أن نقيس إنتاج هذا الخيال ~~بمقاييس الواقع أو نزنه بموازين الأحوال البشرية السوية، ولا ~~بد أن نتخذ منه وسيلة للكشف والاهتداء فحسب. صحيح أن الشعر ~~الغنائي كان في مختلف اللغات والعهود يلغي الفروق بين الواقع ~~والظاهر أو بين ما هو موجود وما يبدو الخيال الشاعر كذلك، ~~وصحيح أيضا أنه كان ولا يزال يخضع مادته لسلطان النفس الشاعرة ~~التي تغيره وتحوره كما يتراءى لها. ولكن الجديد أو المعاصر ~~حقا هو أن العالم الذي يبدعه هذا الخيال الخلاق وهذه اللغة ~~المتميزة أصبح معاديا للعالم الواقعي كل العداء. ولقد قال ~~بودلير في إحدى عباراته النقدية: إن الخيال أو المخيلة تبدأ ~~بالتفكيك والتشويه ثم تواصل عملية إعادة البناء والتركيب بفضل ~~قوانينها الخاصة، وهذه العبارة لا تصدق فحسب على الشعر في ~~القرن العشرين، بل تؤكدها كذلك أقوال الشعراء أنفسهم، ~~والفنانين التشكيلين كذلك. والشيء الذي يلفت النظر أن هذه ~~الأقوال تصاغ على الجملة في صيغة سلبية أو عدوانية ظاهرة. ~~فلوركا مثلا يصف شعر خيمنيث فيقول: «أي ms280 جرح نقي وكبير تركه ~~خياله في البياض اللانهائي!» # ويلاحظ أورتيجا أي جاسيت أن «النفس الشاعرة تهاجم الأشياء ~~الطبيعية، فتجرحها أو تميتها.» ودييجو يقول إن الشعر هو خلق ~~لأشياء لن نراها أبدا. ومارسيل بروست يكتب قائلا إن عمل ~~الفنان أشبه بتلك الحرارة الشديدة التي تعمل على تحلل ~~التركيبات الذرية وتجميعها في تركيبات جديدة مختلفة عن ~~سابقتها تمام الاختلاف. والشاعر الألماني جوتفريد بن يتحدث عن ~~الروح الغربي فيقول: إن من طبعه القدرة على «تفكيك» الحياة ~~والطبيعة ووضعهما في إطار جديد نابع من القانون الإنساني. ~~وبيكاسو يصف فن الرسم بأنه «صنعة عميان» ويقصد بذلك أن الفن ~~متحرر من كل اعتبار لعالم الموضوعات الخارجية. وكل هذا يدل على ~~أن سلطان الخيال الذي بدأ في الظهور منذ أواخر القرن الثامن ~~عشر قد وصل إلى أقصى قوته في القرن العشرين، وأن الشعر قد أصبح ~~بما لا يحتمل الشك لغة التعبير عن عالم من خلق الخيال وحده، ~~عالم يرتفع فوق الواقع أو يحطمه ويلغيه. ~~(14-2) آثار الخيال المتسلط # عديدة هي آثار هذا الخيال الطاغية المتسلط على المضمون ~~وأسلوب التعبير في الشعر الحديث، ويكفي أن نذكر بعض الأمثلة ~~على لسان بعض الشعراء المعاصرين، فالمكان أيضا يتفتت في الشعر ~~ويفقد تماسكه وأبعاده المعتادة. ولقد عاب الشاعر الألماني ~~الكبير فريدريش شيلر مرة على إحدى القصائد بأنها تتحدث عن حافة ~~الجبال ثم تتحدث بعد ذلك مباشرة عن مرعى في الوادي، وكان من ~~رأيه أن الشاعر قام بطفرة «قطعت اتصال السياق». ويستطيع القارئ ~~أن يقلب في بعض النصوص التي اخترناها من شعر إليوت أو سان-جون ~~بيرس ليتبين بنفسه كيف تتنقل القصيدة الحديثة بين أجزاء المكان ~~المتباعدة التي تفصل بينها مسافات شاسعة. # إننا نقرأ مثلا في شعر جوج تراكل - أكبر الشعراء التعبيريين ~~الألمان - قوله: «قميص أبيض من النجوم يحرق الأكتاف التي ~~تحمله.» فيلغي المكان بهذا المزج بين النجوم والوجه البشرى ~~إلغاء تاما. وفي قصيدة «منطقة» للشاعر الفرنسي أبوللينير ~~نلاحظ تجاور أمكنة عديدة في وقت واحد، فبراغ ومرسيليا وكوبلنز ~~وأمستردام كلها مسرح واحد يدور ms281 فوقه حدث خارجي وداخلي واحد. ~~وفي معظم الأحوال تختفي الإشارات المكانية أو تستخدم عكس ~~استخدامها الصحيح. ففاليري مثلا يقول إن البحر ينام فوق ~~القبور، ورافائيل ألبرتي يقول: «فوق النجمة الريح، وفوق الريح ~~الشراع.» أضف إلى ذلك قلب النظام المألوف الذي رتبت الأشياء ~~في العالم الخارجي بمقتضاه. فالشاعر الإيطالي كوازيمودو يقول ~~إن الهواء يزفر أوراق الشجر المرة. والشاعر الإسباني جيان يقول ~~إن الرطوبة المظلمة الملموسة تفوح برائحة الجسر. بل إن المثل ~~الأخير يوضح كيف تستخدم الكلمة في غير موضعها؛ إذ نجد الرطوبة، ~~وهي شيء غير مادي، توصف بأنها ملموسة، مع أن الجسر كان أحرى ~~بهذا الوصف. وهذا الأسلوب (الذي أجازته البلاغة اليونانية ~~القديمة وإن اقتصدت فيه أشد الاقتصاد) قد انتشر في الشعر ~~الحديث منذ عهد رامبو ثم تغلغل اليوم في الشعر المعاصر ، لأنه ~~فيما يبدو أقدر الأساليب على جعل الصور تتشابك في بعضها البعض ~~بطريقة غير واقعية، وإضفاء الأهمية على الكلمات المستخدمة بعكس ~~المقصود منها. وانظر مثلا إلى هذه الأبيات؛ فجاك بريفير يقول. ~~«عجوز من الذهب معه ساعة في حداد.» بدلا من قوله «عجوز في ~~حداد ومعه ساعة من الذهب.» وخيمنيث يقول: «غصن محزون وقلب ~~جاف.» بدلا من قوله: غصن جاف وقلب محزون. والأمثلة عديدة ~~يستطيع القارئ أن يكتشفها بنفسه من نصوص هذا الكتاب. # ولا يقتصر الأمر في هذا كله على المكان؛ فالزمان أيضا تصبح ~~له وظيفة شاذة. إن الشاعر الحديث يؤمن فيما يبدو بكلام ~~أينشتين، ويرى معه أن الزمان هو البعد الرابع الذي يضاف إلى ~~أبعاد المكان الثلاثة بحيث يمكن - كما رأينا عند إليوت - أن ~~تتجمع عناصر زمنية متفرقة في لحظة واحدة تقابلها صورة ~~مكانية واحدة، أو أن تستخدم الصفات الزمانية بدلا من الصفات ~~المكانية المنتظرة (وقصيدة فاليري عن المرأة من أوضح الأمثلة ~~على هذا). ويصل الأمر في أغلب الأحوال إلى إلغاء التدرج العادي ~~في مراحل الزمن، بل إلى إلغاء الزمن نفسه. # ويتم هذا في أغلب الأحوال عندما تتنقل القصيدة في حرية بين ~~الأزمنة المختلفة، دون أن تكون هناك حاجة ms282 لذلك من ناحية ~~المضمون فإذا استخدم الشاعر صيغ الأفعال لم تزد هذه عن كونها ~~منظورا شعريا يعرض من خلاله شيئا مستقرا متجردا من ~~الزمن أو مرتفعا عليه. بل قد لا تزيد هذه الأفعال عن كونها ~~متنوعات نغمية وإيقاعية تفرضها طبيعة اللغة نفسها واتجاه ~~سيرها. وقد يلجأ الشاعر إلى استخدام صيغ الأسماء للتعبير عن ~~أحداث تجريبية تتم في عالم واقعي من شأنه أن يحتاج إلى ~~الأفعال، ثم يعبر بصيغ الأفعال عن حدث لا واقعي يتم في زمن لا ~~واقعي من شأنه أن يلغي التدرج الزمني ويمحو الفوارق الفاصلة ~~بين المستقبل والحاضر. # وهناك قصيدة للوركا يمكن أن نسوقها دليلا على تحكم الخيال ~~وخضوعه لقوانين ذاتية تختلف عن قوانين الواقع، واستبعاده ~~للتسلسل الزمني والترابط العلي المألوف في المنطق والحياة. ~~والقصيدة التي نعنيها هي قصيدة «صيادون» وتتألف من ثماني ~~أبيات، تسير بطريقة بصرية تلخص الصور والأحداث. فهناك أربع ~~حمامات يطرن إلى أعلى ثم يرجعن إلى الأرض وقد «جرحت ظلالهن.» ~~والحدث بسيط غاية البساطة تعبر عنه لغة موجزة غاية الإيجاز، ~~لا تفصح عن الترابط السببي بل تمثل له بواو العطف أو بتغيير ~~المكان (أعلى - الأرض). # وفي لحظة من اللحظات يبدو كأن اللغة تقترب من التعبير عن ~~العذاب (في كلمة مجروح) ولكنها سرعان ما تؤجله على الفور حين ~~تقول إن الظلال هي التي تجرح، وحين تمتنع عن التصريح بالسبب ~~الحقيقي في تغير الصور والأمكنة وهو الطلقة النارية التي ~~يسددها الصياد إلى الحمام، أضف إلى هذا أن بداية القصيدة ~~ونهايتها مكتوبتان بصيغة الفعل المضارع على الرغم من أن طرفي ~~الحدث ينتميان أو ينبغي أن ~~ينتميا لمرحلتين زمنيتين مختلفتين، هذا لو أن الشاعر وضع ~~الواقع الخارجي في اعتباره، ولكن الخيال يفرض حكمه وسلطانه؛ ~~فيبدع صورا متحركة تحذف من الحدث ما تشاء أو ما تستطيع حذفه، ~~ولا تستثني من ذلك الزمن ولا التسلسل العلي. # على أن الشاعر قد يلجأ إلى عكس ما تقدم؛ فهناك بيت لإليوت ~~يقول: «اذهب، هكذا قال الطائر، لأن الشجر كان مزدحما ~~بالأطفال.» فالبيت كما نرى ms283 يقيم علاقة سببية بين أمرين لا ~~علاقة بينهما. فازدحام الشجر بالأطفال هو السبب الظاهر لنداء ~~الطائر، مع أن الواقع والمنطق لا يشهدان بضرورة الجمع بينهما. ~~هذه المفارقة وأمثالها كانت ممكنة في الشعر القديم، ولكنها ~~كانت نادرة. أما الشعر الحديث فقد جعل منها قانونا من أهم ~~القوانين التي تحكم بناءه. ولولا الخيال الذي بلغ أقصى درجات ~~قوته وحريته ما أمكن أن يوجد مثل هذا القانون الذي يحاول أن ~~يلغي كل القوانين! # ومن الأساليب التي يلجأ إليها الشعر الحديث أنه يسوي بين ~~الواقع المشاهد وبين الفكرة المجردة. فمن أمثال هذه التعبيرات ~~التي تجمع بين الواقع والمجرد «رماد العار» لسان-جون بيرس، ~~«أبناء الشكوى» لرافائيل ألبرتي، «ثلج النسيان» لإليوت. ~~وكثيرا ما تلجأ المخيلة إلى الألوان غير الواقعية بغية التحكم ~~في المشاهد أو المسموع، وغالبا ما يكون الأخضر هو اللون ~~المفضل، ومن أمثلة ذلك «خطوات تخضر»، «عيناك الأرجوانيتان ~~الخضراوان»، «شمس خضراء»، «ذهب أخضر»، «رائحة خضراء»، «موسيقى ~~خضراء». ونخطئ لو تصورنا أن هذا كله نوع من ازدواج الإحساس أو ~~«السينستزيا» كما يقول الاصطلاح المدرسي. فالواقع أنها ألوان ~~من الأغراب والتنافر والنشاز التي تحكم بناء الشعر الحديث ~~ويريد الشاعر أن يفزعنا بها كما تفزع الأطفال عفاريت ~~الأساطير. ~~(14-3) الاستعارة غيرت وظيفتها # ونود قبل أن نختم هذا العرض السريع لبعض ظواهر الشعر الحديث ~~أن نلقي نظرة سريعة على الاستعارة ووظيفتها المتغيرة فيه. فمن ~~المعروف أن الاستعارة كانت دائما من أمضى وسائل الشعر لتغيير ~~الواقع وإضفاء ثوب الشاعرية عليه. إنها، كما يقول أورتيجا أي ~~جاسيت: أعظم قوة يملكها الإنسان. فهي تقترب من حدود السحر ~~وكأنها أداة من أدوات الخلق التي تركها الله في ضمير مخلوقاته، ~~على نحو ما يترك الجراح المشتت البال إحدى آلاته في بطن ~~المريض. # كانت الاستعارة في ~~الأدب التقليدي تقوم على أساس المشابهة بين الشيء والصورة فإذا ~~قلت مثلا إن شعر العذراء ذهب، اتضح وجه الشبه على الفور ~~(وربما جاز لنا أن نقول إن الأدب قد استطاع في بعض عصوره ~~التالية للأدب الكلاسيكي القديم أن يستعين ms284 بالاستعارة ليحقق ~~الترابط بين الأشياء بطريقة شاعرية، وإن ذلك كان يقوم على ~~عقيدة دينية تؤمن بأن الكائنات جميعا تتصل ببعضها في نظام ~~إلهي رائع). غير أن الاستعارة الحديثة قد أصبحت أهم أدوات ~~الخيال غير المحدود، فهي تقلل من التشابه بين الأشياء أو تقضي ~~عليه تماما، وهي لا تعبر عن الترابط بين الأشياء بقدر ما تجمع ~~بين أشياء لا ترابط بينها في المنطق أو الواقع. إن أهم ما ~~يميزها الآن هو التباعد الهائل بين الشيء والصورة، وطبيعي أن ~~يتم هذا على حساب الشيء وقيمته الواقعية، وإن كان يفيد الصورة ~~وكل ما يبدعه الخيال ويصل بالقوة العقلية التي كانت تكمن ~~دائما في الاستعارة إلى أقصى درجاتها. # بهذا تصبح الاستعارة صورة مطلقة، لا تحتفظ إلا بأثر ضعيف ~~غاية الضعف من الأصل ولا تأتي من التشابه بينها بل من قفزة أو ~~طفرة واسعة. ومما يوضح هذا أن نجد شاعرا كبيرا مثل «إزرا ~~باوند» يتحدث عن الاستعارة فيطالب بأن تكون دوامة مشعة تعصف ~~خلالها أفكار تتردد أصداؤها ترددا غير متناه. وشاعر آخر يقول ~~إن الشعر وحده هو الذي يعرف أن الريح يمكن أن تسمى بالشفاه مرة ~~وبالرمال مرة أخرى. # ويمكن أن نوضح الوظيفة الجديدة للاستعارة في الشعر الحديث ~~بأمثلة من قصائد ورد معظمها في هذا الكتاب. فإلوار يقول مثلا: ~~«في السهل العاصف تفسد جذور التنهد.» ولوركا يقول: «القمر يحصد ~~ببطء رعشة النهر القديمة.» وكثيرا ما يضع الشاعر الاستعارة ~~إلى جانب الشيء مباشرة، حتى يكاد أن يوحد بينهما. والمثل ~~المشهور على هذا هو البيت الأخير في قصيدة أبوللينير «منطقة»: ~~«شمس - رقبة مذبوحة»، الذي يصور فيه غروب الشمس. # وفي بعض الأحيان تبتعد الاستعارة عن الشبه بالشيء الموصوف ~~بعدا شديدا، وقد لا يذكر هذا الشيء إلا متأخرا وقد لا يذكر ~~على الإطلاق. ومن أمثلة ذلك ما يقوله الشاعر كارل كرولوف في ~~أحد أبياته: «عملات النهر الفضية.» أو ما يقوله فاليري: «هذا ~~السطح الهادئ» فنكتشف بعد ذلك أنه يقصد البحر. # وإذا كانت هذه ~~الاستعارات جميعا تقسر أبعد الأشياء عن ms285 بعضها على التقارب ~~والترابط فإن هناك ألوانا أخرى من الاستعارات الناشزة ~~المتنافرة التي يحار فيها القارئ. ومن أمثلة ذلك وصف «رافائيل ~~ألبرتي» للشواطئ بأن لها جباه حيات، أو قول لوركا «رمل ~~المرآة»، أو إلوار: «قش الماء». والأمثلة كثيرة، ومن الأفضل أن ~~يكتشفها القارئ بنفسه في النصوص التالية ليتأكد له أن هذا ~~التنافر أو النشاز الذي يلاحظه إنما يخضع لقانون كامن في بناء ~~الشعر الحديث، بل وفي رؤية الرسامين المعاصرين مثل مارك، ~~وكاندينسكي، والموسيقيين (وفي مقدمتهم استرافنسكي) والموقف ~~العقلي والروحي الذي نعيش فيه اليوم بوجه عام. # إن الفنان الحديث يحس بأن القوى التي تهدد حريته تزداد كل ~~يوم؛ ولذلك يزداد تلهفه للحرية وإلحاحه عليها. إنه لا يبخل في ~~سبيل ذلك بشيء ولا تعز عليه تضحية، ولو أدى به الأمر إلى تحطيم ~~الواقع وإعادة النظر في كل المقدسات والانفصام عن التراث أو ~~معاداته. # إنه لم يعد يجد الراحة ~~والاطمئنان في الواقع التاريخي أو الموضوعي المحيط به، ولا عاد ~~يشعر بقربه من حقيقة عالية كانت تطل على أسلافه وترعاهم. ~~ولذلك راح يخلق لنفسه عالما جديدا من خياله، ويبدع بالكلمة ~~الشاعرة وحدها مملكة غير واقعية، مملكة تتعمد أن تعلن العداء ~~على كل ما هو مألوف، وتناقض كل ما كان يفوح برائحة الثبات ~~والاطمئنان. # إن الشعر الحديث أشبه بحكاية أو «حدوتة» عظيمة لم تسمع من ~~قبل، ولكنها حدوتة وحيدة شديدة الوحدة. إنه بستان تنمو الزهور ~~فيه، ولكنه يمتلئ كذلك بالأشواك والأحجار والأصباغ الكيماوية ~~وعجائب علم النبات الحديث، وتكثر فيه الثمار، كما تكثر ~~العقاقير والسموم الخطرة. وإذا أراد القارئ أن يتجول في لياليه ~~أو يعيش في جوه المتقلب فلا بد أن يستعد لتحمل أقصى ما يستطيعه ~~من العذاب والشقاء. وإذا أمكنه أن يسمع شيئا فربما سمع في هذا ~~الشعر صوت الحب الوحيد العنيد الذي يرفض أن يستهلكه القراء ~~«والمعجبون»، بل يؤثر أن يضل في المتاهات أو يتحدث في الفراغ ~~على أن يتحدث إلينا أو يتقرب منا. إن القصيدة الواحدة تمتلئ ~~بأطلال الواقع الذي فككه الخيال الجريء ms286 ومزقه. ولكن هناك عوالم ~~أخرى غير واقعية تسبح فوقها، وتكون مع تلك الأطلال ذلك السحر ~~الذي يدفع الشعراء إلى تأليف شعرهم. # لقد امتلأت لغة الشعر الحديث كما قدمنا بالأنغام الناشزة ~~والصور المتنافرة، ولكنها ستظل لغة شعرية وإن استعصت على ~~الفهم في معظم الأحيان. إن الشعراء يحسون اليوم أكثر من أي وقت ~~مضى أنهم وحيدون مع اللغة، ولكنهم يحسون كذلك أن اللغة هي ~~ملجؤهم والمنقذ الوحيد لهم. كما يعرف أكثرهم وحدة أنه يتصل ~~على الرغم من كل شيء بنوع من الخلود الذي يمتد إلى الأزل ويتصل ~~بالأبد، وأعني به حرية اللغة وقدرتها المستمرة على أن تبتكر، ~~وتجرب، وتلعب، وتغني فتسحر الأسماع والقلوب. # | خاتمة # يتغير الشعر كما يتغير كل كائن حي، ويتجدد # 1 # على الدوام بمعايير وأساليب جديدة. ولكن لعلنا لا نكون ~~مخطئين إذا قلنا إنه ظل يتحرك بين طرفين؛ بين التعليم من ناحية والسحر ~~من ناحية أخرى. ذلك يؤكد على المعنى والفكرة، ويريد أن ينبه العقل ~~ويرتفع بالنفس ويهذب الضمير ويغير العالم بالموضوع الشريف والحكمة ~~السامية، وهذا يؤكد سحر الكلمة وعذوبة النغم وجمال الإيقاع ويريد أن ~~يوحي ويخلق الجو والانطباع ويهدف في النهاية إلى القرب من مثله الأعلى ~~في الموسيقى أو في الصمت. على أن هذا لا يمنع وجود طرق أخرى عديدة بين ~~هذين الدربين المتباعدين، فالشعراء العظام - مثل هوميروس ودانتي ~~وشيكسبير - قد علموا وسحروا، وأفادوا العقل بقدر ما أسعدوا القلب، ومن ~~حسن حظهم أن الأزمنة التي عاشوا فيها كانت تنتظر من الشاعر أن يكون ~~حكيما ذا نظرة خاصة في الحياة، كما كانت تتوقع منه أن يمتع الأذان ~~والمشاعر بحلاوة النغم وعذوبة الألحان. أما الشاعر الحديث فهو أقل ~~حظا من زميله القديم، لم يعد في مقدوره أن يكون معلما بنفس الدرجة ~~التي كان عليها أسلافه. لقد نازعه العالم في كثير مما كان وقفا عليه، ~~وأصبح الفلكي والجغرافي وعالم النفس والتاريخ والأساطير القديمة ... إلخ؛ ~~يعرفون عن موضوعاتهم أكثر مما يعرف، بل لقد أصبح عليه في مجال الأخلاق ~~أن ينافس الكاهن والشيخ والفيلسوف ms287 والصحفي. ما من أحد يسمح له الآن ~~بحقوقه «الشرعية» القديمة؛ إنه مطالب بأن يكون شاعرا فحسب، أما معنى ~~الشعر أو وظيفة الشاعر فأمر لا يعرفه الجمهور ولا يعني نفسه ~~بمعرفتها. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت الشاعر يرتد إلى التصور ~~السحري القديم عن الشعر، ويتحول من جديد إلى ساحر كل قوته في تأثيره ~~على الآخرين؛ أي يتحول إلى ما كان الرومان يسمونه «فاتيس» # 2 # ويقصدون به الساحر والكاهن والرائد والمتنبئ، والملهم الذي ~~ينطلق بلسان قوة عالية غامضة، أو بالأحرى تنطق هذه القوة بلسانه، وقد ~~ينجح هذا الساحر حقا في النفاذ إلى أعماق النفس البشرية والتعبير عما ~~يستقر في قلوب الكثيرين دون أن يتمكنوا من التعبير عنه. غير أن وظيفته ~~الأساسية تظل هي الإيحاء وإحداث الأثر وتحريك النفوس وامتلاك الأسماع؛ ~~أي السحر بمعناه الشامل. لم يكن هناك أحد أشد إحساسا بهذه الوظيفة ~~المتميزة من طائفة الشعراء التي تسمى خطأ أو صوابا باسم الرمزيين، ~~ابتداء من بودلير ورامبو وفيرلين ومالارميه إلى أتباعهم والمتأثرين ~~بهم أو الثائرين عليهم في القرن العشرين. لقد عاشت هذه الطائفة للشعر ~~وحده، وأراد أصحابها - وكان لهم ما أرادوه - أن يكونوا شعراء فحسب، وأن ~~يكتبوا شعرا خالصا يملك قوة السحر وتأثيره، ويقدم موسيقى الكلمة ~~والإيقاع على الفكرة والمعنى والمضمون، ويعنى بالصنعة والشكل عناية ~~النحات بصياغة تمثاله، ويقف بعيدا عن مطامع المجتمع ومادية العصر ~~وغرور العلم. # وطبيعي أن يكون الشعر الذي اصطلح على تسميته بالشعر الرمزي قد تغير ~~كثيرا على يد الأجيال التي خلفت أولئك الرواد. فقد أخذ يعبر عن تجارب ~~جديدة، واختلف مفهومه عن السحر والصنعة والرمز، واقتحم آفاقا حرمها ~~الرواد على أنفسهم أو حرمتها عليهم نزعتهم الإستيطيقية البحتة، ونزل ~~بعض أصحابه من «برجهم العاجي» إلى الواقع واستخدموا لغة الناس وحاولوا ~~أن يكون الشعر قوة تغير الحياة. أصبح بعضهم معلما ومبشرا ~~بإنسانية جديدة مثل ستيفان جورجه، وبعضهم الآخر نبيا أو ثائرا مثل ~~ألكسندر بلوك، واشتغل فريق منهم بالسياسة مثل وليم بتلر ييتس وجورجه، ~~وغاص فريق في بحار التجربة ms288 الصوفية إلى أبعد مما فعل الرواد مثل رلكه ~~وييتس وبلوك في مراحلهم الأولى. غير أنهم ظلوا على كل حال بعيدين أو ~~مترفعين إلى حد كبير، وظلت رؤيتهم بوجه عام رؤية غيبية أو صوفية ~~أو روحانية، وبقيت مثاليتهم مرتبطة بالجمال الخالص البعيد على الرغم ~~مما تناولوه في بعض الأحيان من موضوعات قبيحة أو عادية. ولكنهم قد ~~حافظوا في كل الأحوال على احترامهم الذي بلغ حد التقديس للشعر ورسالته، ~~وأخذوا عملية الخلق مأخذ الجد والتعبد والفناء، وأبقوا على المعنى الذي ~~ورثوه عن الرواد من أن الشعر ضرب من السحر أو السر الملهم الذي يحرك ~~القلوب ويثير الخيال. أي أنه شيء لا سبيل إليه إلا بالإخلاص الكامل في ~~التعبير عن تجربة فردية عميقة متميزة، تجربة نابعة الاختيار الشخصي ~~الحر والإيمان المطلق بالذات الصادقة الجسورة المتفردة والمنفردة معا. # 3 # ومعنى هذا كله أن تجربتهم ظلت في مجموعها قريبة من تجربة الرواد، وأن ~~الظواهر الفنية التي لاحظناها عند هؤلاء بقيت في خطوطها العامة شبيهة ~~بمثيلاتها عندهم وإن اختلفت عنها في كثير من التفاصيل بحيث يمكننا أن ~~نقول إنهم عاشوا وأنتجوا ورأوا العالم من خلال ما نستطيع وصفه بالنزعة ~~المثالية الذاتية. ولا يعني هذا أنهم تأثروا بمدرسة فلسفية أو أنهم ~~أهملوا الحياة وابتعدوا عن الأرض، بل يعني أنهم رأوا العالم الخارجي من ~~خلال ذواتهم ومن خلال رؤية مثالية لما ينبغي أن تكون عليه وظيفة الشعر ~~والشاعر. # وإذا كانت رؤيتهم تختلف عن رؤية الرواد الكبار من حيث الدرجة فإنها ~~لا تختلف عنها من حيث النوع، بل تشاركها في نبلها وبعدها وترفعها وسمو ~~معاييرها الفنية ومحافظتها على النزعة الصوفية واهتمامها بعنصر ~~الموسيقى على نحو ما عبر عنه فيرلين في قصيدته المشهورة «فن الشعر» حيث ~~قال: «الموسيقى أولا وقبل كل شيء.» # 4 ~~... ولعل هذه الرؤية المثالية هي التي جعلتهم يغفلون كثيرا ~~مما عني به الشعراء الذين جاءوا بعدهم وبدوءا من حيث انتهوا، فاهتموا ~~بالأشياء العادية وبلغة الحديث الدارج بين الناس، ونظروا نظرة أخرى ~~إلى الموسيقى والأداء ومعطيات العصر الحديث ms289 وهمومه وآلامه ~~وكوارثه. # لعل أعظم ما حققه الشعر الحديث وما يزال يحققه في كبار أعلامه ورواده ~~أنه وصل العالم المنظور بعالم آخر غير منظور، واحتفى بتجربة الخلق ~~أيما احتفاء، وجعلها أقرب إلى التجربة الدينية والصوفية وأكد قدرة ~~الروح المبدعة وانتصارها ورهبتها أمام أسرار الخلق، وقدم الدليل بعد ~~الدليل على أن الفن - وبالأخص الشعر - هو طريق النجاة من قسوة الموت ~~وظلم السلطة وتخبط السياسة وغرور العلم وتعنت الفلسفة وجشع البرجوازية ~~وضياع أنقى وأبقى ما في الإنسان - وهو حياته الباطنة وقدرته على الخلق ~~والتجدد والإبداع - تحت عجلات الآلية والنفعية والوضعية وزحام المدينة ~~الكبيرة. ولقد أعاد هؤلاء الرواد وتلاميذهم المباشرون للشاعر وظيفته ~~الأولى؛ وظيفة الساحر والمتنبئ والكاهن، وعلموه أن مهمته هي الشعر وحده ~~ولا شيء سواه، ورسالته في البحث عن حقيقة واحدة والتغني بهذه الحقيقة، ~~التي قد تتفاوت بين الواحد منهم والآخر بمهابة وإجلال، مستعينين برموز ~~ملهمة موحية. إن الإنسان عندهم ليس هو الحيوان السياسي ولا القديس، ~~ولا هو المتصوف أو الفيلسوف، بل هو الفنان القادر على أن يجعل من ~~الحياة نفسها فنا تستحق من أجله أن تعاش، ويصل الكنوز الخافية في ~~أعماقه الفردية بكنوز الإنسانية وأسرارها ورموزها القديمة، ويثبت ~~جدارته بهذه الإنسانية من خلال جدارته بالخلق والإبداع. # قد يكون صحيحا أن الشعر الأوروبي أصيب بالتدهور في السنوات الأخيرة، ~~وفقد كثيرا من صدقه وحيويته واندفاعه بعد أن خنق الموت أو العجز أصوات ~~أعلامة الكبار. # 5 # لكن من الصحيح أيضا أنه وصل في بعض المناطق من العالم - ~~مثل بلادنا العربية في السنوات القليلة الأخيرة - إلى درجة مذهلة من ~~التجدد والاستجابة للمحنة التي ألمت بوطن الشاعر وهددت حضارته ~~وتاريخه ووجوده، بل وطردته في بعض الأحيان من وطنه ودمرت بيته وغرزت ~~سكينها في لحمه. والواقع أن الشعر الأوروبي قد بالغ منذ أواخر القرن ~~الماضي في التأمل في نفسه، وقيدها بدقائق الصنعة و«بما ينبغي» أكثر مما ~~ينبغي! ويستحيل بالطبع أن نقول إن الناس انصرفت أو يمكن أن تنصرف عن ~~الشعر؛ فهي تنتظر دائما كما انتظرت في كل ms290 الأزمنة صوت الشاعر الذي ~~يعبر (بالأغنية قبل كل شيء) عن آلامها وأفراحها وعن حظها ومصيرها في ~~زمن الكوارث التي تصيبها أو تتوقعها. ولا شك أن شاعر المستقبل - وربما ~~يكون الآن عاكفا على عمله! - سيستفيد من التجارب التي خاضها الشعراء ~~العظام في كل العصور وفي العقود القليلة السابقة على زمننا مباشرة. ~~ومع ذلك فإننا - نحن المتلقين - نتمنى أن يخلص نفسه من قيود الحركات ~~والمذاهب، ويحرر دفعة الخلق الحية فيه، ويعمق حسه بصدق الحياة وعظمتها ~~وحقيقتها، ويعبر عن آلام الإنسان المشتركة في عصره، كما يغني بجوهره ~~الباقي وسعيه الخالد إلى فهم العالم الذي يعيش فيه وحبه وصونه من كل ~~أسباب الشر والدمار التي تعذب بالفعل أعظم وأتعس سكانه ... ~~الإنسان. ~~••• # لم يستطع أحد حتى الآن - ولا أرسطو نفسه في كتابه المعروف! - أن يجد ~~تعريفا كافيا للشعر، والغالب أن أحدا لن يجده. إن كل واحد منا يظن ~~أنه يعرفه، ولكننا سرعان ما نتبين أننا لا نملك التعريف الجامع المانع، ~~وأن التعريف الذي نملكه يذكر أشياء ويغفل أخرى، ويرضي بعض الناس ويسخط ~~بعضهم، ويختلف في كل الأحوال عن آراء النقاد والكتاب الأقدمين. هذا كله ~~أمر طبيعي، فنظرية الشعر وتطبيقه يختلفان من عصر لعصر. وفهمه وتذوقه ~~يختلفان كذلك في العصر الواحد بل ويتفاوتان من قارئ لقارئ بالنسبة ~~للقصيدة الواحدة. # ونحن حين نتكلم عن الشعر نقصد على الدوام ما هو أكثر من الشعر كما أن ~~الشعر يعني على الدوام شيئا أكثر من نفسه. ما هو الشعر إذن؟ من الصعب ~~أن نعرفه كما قلت. ولكننا نستطيع أن نقول إن الشعر في صميمه تأكيد ~~لقيمة العالم وجدارة الحياة وتجربة الإنسان (وقد نشأت ثورات الشعر ~~وأزماته على الدوام عندما أحس الشعراء بأن الحياة قد خلت من الشعر أو ~~أن الشعر قد خلا من الحياة). إن الشعر في صميمه احتفال وثناء، عيد ~~وغناء، بهجته ليست مجرد لذة، شكواه ليست مجرد بكاء، يأسه ليس مجرد قنوط ~~واستسلام، ومهما يكن من أمر فهو في النهاية تأكيد لوجود عالم له معنى ~~وهو يفعل ذلك ms291 حتى ولو أنكر فوضاه واحتج على خلوه من كل معنى. الشعر ~~نظام، حتى ولو عبر عن الاضطراب والظلام، والشعر أمل حتى ولو صرخ من ~~اليأس. إنه ينفذ إلى قلب الأشياء، ويغوص إلى صميم كيانها، ولذلك فكل ~~شعر بهذا المعنى الشامل واقعي؛ أي محاولة للعودة بالأشياء إلى الواقع ~~الأصيل، أو إن شئت إلى الحقيقة. # وكلمة الواقع تستحق منا وقفة قصيرة، فلم يكن الشعر في وقت من ~~الأوقات مجرد وصف أو نقل أو محاكاة بالمعنى الذي أراده أرسطو. لقد كان ~~على الدوام قوة مبدعة خلاقة. وهو يبدع ويخلق من ناحيتين؛ إنه يبدع أو ~~«يصنع» أشياء لم تكن موجودة من قبل (وكلمة الشعر باشتقاقها اليوناني ~~تفيد معنى الصنعة والصنع). وهو يبدع كذلك بالمعنى الأعمق لهذه الكلمة ~~عندما يصقل العنصر الخلاق الكامن في التجربة نفسها ويسمو به. فليست ~~التجربة هي الانطباعات والإحساسات والمدركات التي نتلقاها من العالم ~~الخارجي، بل هي إضفاء المعنى عليها، ولهذا فإن الشعر هو أهم من يصنع ~~معنى التجربة، إنه إذا شئنا أن نستخدم لغة أرسطو يحقق في الفعل أجزاء ~~جديدة من التجربة الموجودة بالقوة. ولعل هذا هو السر في غربة الشعراء ~~الدائمة في مجتمعاتهم. إنهم أول ضحايا الشك واليأس؛ لأنهم يعيدون خلق ~~التجربة أو يعطونها معنى جديدا لا يرضي سائر الناس الذين يقنعون ~~بالحياة في ظل تجربة حدد غيرهم معناها من قبل. # ولكن ماذا يحدث لو امتد الشك في حقيقة الأشياء إلى مجال التجربة ~~والوجدان الذي يخلق فيه ومنه الشعر نفسه؟ ماذا يحدث لو أصاب هذا الشك ~~قيمة العالم الواقعي؟ هنالك لا يكون أمام دفعة الخلق الشعري إلا أن ~~تلتمس ملجأ لها في عالم داخلي صغير خاص بها يحتفظ بقيمه التي ~~فقدها الواقع الخارجي. هنالك يصنع الشاعر عالما في العالم كما يوجد ~~لغة في اللغة. (وربما كانت قصة الشعر الغربي الحديث من عصر النهضة إلى ~~الوقت الراهن هي قصة اكتشاف الباطن واستعمار الأعماق). هكذا انطلق ~~المغامرون من أرضهم المجدبة وراحوا يعرضون على العالم كنوزا لم ~~يتوقعها. فهل يكون رجوعهم إلى ms292 الواقع أقرب إلى حنين الجنس المهزوم؟ وهل ~~ينتهي بعودة الابن الضال إلى صدر الأب؟ # 6 ~~••• # الشعر إذن في صميمه غناء، لحن يعيد للعالم انسجامه وتوازنه، صياغة ~~جديدة لمصيره ومعناه، لأخلاقه وقوانينه، لشريعته وسياسته. هذا هو المثل ~~الذي جاهد الشعراء في كل العصور لتحقيقه. والأسطورة الإغريقية القديمة ~~التي تروى في هذا المعنى غير بعيدة عن الأذهان؛ فقد قيل إن شاعرا ركب ~~مع جماعة من البحارة الغلاظ في سفينتهم، وتوهم البحارة من هيئته وصمته ~~أنه يحمل معه كنزا ثمينا فعزموا على قتله، وأعلنوه بالحكم فرضي به، ~~ولكنه طلب منهم أن يمهلوه ريثما ينشد أغنيته. وتناول قيثارته وأخذ يوقع ~~عليها لحنا رائعا جذب الدلفين - صديق الغناء والإنسان - فطفا على وجه ~~الماء ليستمع إليه. ولم يكد الشاعر ينتهي من أغنيته حتى ألقى بنفسه على ~~ظهر الحيوان الصديق. ~~••• # ليست الأغنية هي سبيل الإنقاذ وإعطاء معنى جديد للعالم الذي فقد ~~معناه أو إعادته إلى المعنى المفقود فحسب، بل هي كذلك تعبير عن مغامرة ~~الحقيقة وسط محيط التجربة الإنسانية المضطرب غير المتناهي. هنالك يصبح ~~«الخلق الجديد» هو الهدف الذي يحلم الشاعر ببلوغ شاطئه البعيد. # ويحكي «رلكه» قصة أخرى عن قارب يمخر عباب بحر متلاطم الأمواج، ~~ويحاول الملاحون أن ينقذوا القارب فيجدفوا بإيقاع رتيب. ويتكاثف ~~الظلام وتشتد الأمواج وما من علامة تشير إلى بر الأمان وفجأة يطلق رجل ~~كسول عقيرته بالغناء، وبينما يبذل الملاحون جهدهم اليائس لمقاومة ~~الأمواج تحاول أغنيته أن تقاوم يأسهم. إنهم يريدون السيطرة على العنصر ~~الثائر القريب منهم، وصوت الشاعر يريد أن يربط القارب بالغاية البعيدة ~~ويشيع الأمل في النفوس بقربها منهم أو على الأقل بأن جهدهم لن يضيع # 7 # ويعقب «رلكه» على هذه الحكاية فيقول: لست أدري لماذا ولا ~~كيف حدث لي هذا؟ ولكنني أدركت فجأة موقف الشاعر، وعرفت مكانه ووظيفته ~~في هذا العصر. لا بأس أن ينكر عليه الناس كل مكان آخر، ما خلا هذا ~~المكان. هنا ينبغي عليهم أن يتحملوه؛ أي لا يضنوا عليه بمغامرة البحث ~~عن الشاطئ المجهول، ومرافقة الملاحين التائهين ms293 بالنشيد والغناء، وإرسال ~~سحابة هادئة من المعاني والرموز فوق رحلة المصير المظلم المخوف. وليس ~~المراد بهذا كله أن الخلاص - خلاص الشعر والعالم - مرهون بوجود عدد من ~~البلابل والقبرات والعصافير! صحيح أن الصوت العذب سيظل محبوبا ~~ومطلوبا على الدوام. ولكن الشعر ليس هو المعادل الإنساني لغناء ~~البلابل والطيور، إنه شيء أكبر من هذا؛ إنه فيرجيل ودانتي، وجوته ~~وهولدرلين، وشكسبير وإليوت، والمتنبي والمعري، وحافظ والخيام، وإليوت ~~ولوركا وأنجارتي وتراكل، والسياب وأدونيس والبياتي وصلاح عبد الصبور، ~~هو هؤلاء، وهو كذلك تحديد لحالة الإنسان وكشف لها بطريقته الخاصة التي ~~ستظل دائما - حتى في أكثر الأشعار تعقيدا وغموضا - هي طريقة اللحن ~~والغناء. # | كلمة أخيرة # حاولت السطور السابقة أن تصف الشعر الحديث وتبين أهم الخصائص ~~المشتركة في بنائه وأسلوبه. وطبيعي أن الشعراء يختلفون فيما بينهم من ~~حيث الخيال واللغة والاستعارة والرؤية، بل من حيث الوضوح والغموض، ~~والقوة والضعف، والأصالة والسخف. لكنهم يتفقون على كل حال فيما يتفق ~~فيه الفن الحديث في نصف القرن الأخير، أعني في البعد عن الواقع ~~المألوف، واختيار اللغة الجسورة المتميزة التي تختص بكل منهم. وطبيعي ~~أن يحتفظ كل شاعر بخصائصه الفردية، ولكنني أرجو أن تساعد الصفحات ~~السابقة على تمييز الغث من الثمين والثرثرة من الأصالة، كما أرجو أن ~~تمكن القارئ من التفرقة بين الذين يجددون عن عمد وافتعال ليوصفوا بأنهم ~~طليعيون فيكون تجديدهم عبثا وسخفا، وبين الذين يجددون لأنهم لا بد أن ~~يجددوا، أعني لأنهم مدفوعون بالضرورة الخالدة التي لولاها ما وجد فن ~~ولا شعر حقيقي. # ونسأل الآن سؤالا ربما طاف بذهن القارئ: ما هو مستقبل الشعر الحديث؟ ~~والحق أن الجواب على مثل هذا السؤال شيء عسير إن لم يكن أقرب إلى ~~المستحيل. فلا يدري أحد حين تنشب ثورة إلى أين ستنتهي. وقد يقول إن ~~ثورة الشعر الحديث قد أوشكت أن تبلغ نهايتها إن لم تكن قد بلغتها ~~بالفعل، وإن الشعر الجديد قد أوشك أن يستنفد طاقاته، ولا بد أن يبحث ~~الشعراء والنقاد عن مخرج جديد. # ولكن كيف يبدو هذا المخرج وعلى ms294 يد أي عبقري أو مجموعة من العباقرة ~~سيتم؟ هل سيبتعد عن الموجات الصاخبة والشعارات الصارخة والمدارس ~~المتحمسة والبيانات المزهوة بكل جديد، أم سيظل يدور تلك الدورة ~~المحتومة التي كتبت على كل نشاط يبذله الإنسان؟ # لقد غاص الشعراء في عالم الباطن، واغترفوا من كنوزه ورموزه وأحلامه ~~وأساطيره، وساروا في رحلة طويلة بدؤها من الرومانتيكية إلى الرمزية ~~إلى السيريالية إلى عديد من «المودات» التي لا تكاد تلمع حتى تخبو. فهل ~~سئموا هذه الرحلة المضنية في العالم السفلي للذات، وهل بدءوا يوجهون ~~الأبصار إلى عالم الجسد والواقع والأرض والظواهر التي ترى وتلمس، وتحس ~~وتشم؟ هل سيكفون عن تمزيق الواقع والإغراب في اللغة؟ وهل يزهدون في ~~صوامعهم الزجاجية الملونة التي طالما لجئوا إليها؟ قد نقول: إن محنة ~~العالم ورعب الحروب وأخطاء العلماء وتعاسة الجماهير تهزهم وتقلقهم ~~وتدفعهم إلى محاولة إنقاذ العالم النقي البريء من المصير المخيف الذي ~~ينتظره. ولكن ألم يفعل الشعراء الحقيقيون ذلك في مختلف العصور وبمختلف ~~اللغات والأساليب؟ وقد نقول: إنهم يبحثون الآن مع نقادهم ومنظريهم ~~الأكاديميين عن موجة جديدة، معقولة أو غير معقولة، يطلقون بها صواريخ ~~ملونة تجذب أنظار الناس التي يبدو أنها شغلت عنهم بتعاسة الحروب ~~المتصلة، وسخف الأبطال الزائفين، وشقاء البحث عن لقمة العيش، وملل ~~الكفاح والتعب والانتظار الطويل للسلام والحرية الموعودة. ولكن هل ~~فعلوا دائما غير هذا؟ وهل أجدت قصائد الشعراء أو لوحات الرسامين أو ~~ألحان الموسيقيين في ترويض الوحش الكامن في الإنسان؟ هل استطاعت أن ~~توقف الرصاص أو تغلق السجون أو تخفف التعذيب والشقاء المتصل على مدى ~~العصور؟ # لا أحد يدري كما قلت. وترك الأسئلة مفتوحة لا يعني أن نتشاءم أو ~~نستسلم للحزن، فهذا شيء لا بد أن نرفضه ونقاومه دائما وبكل ما نستطيع ~~من وسائل (ومنها الشعر). ولكنه يعني أننا لا نستطيع أن نتنبأ بمستقبل ~~الشعر ولا بمستقبل غيره من الفنون، وكل ما نستطيعه أو ما يجب أن نفعله ~~هو أن نعرف حالته الحاضرة، و«نفهم» كيف وصل إلى ما هو عليه. # إن المدارس الجديدة تلتئم ويلتف ms295 حولها المتحمسون حينا ثم ينفضون ~~كل إلى سبيله. والسؤال القديم - الذي لا نكف نحن الشرقيين عادة عن ~~توجيهه!- هل هناك جديد تحت الشمس؟ وهل ترك لنا القدماء ما نقوله؟ يمكن ~~أن يجاب عليه بنعم ليس هناك جديد! كما يجاب عليه: بل هناك ما لا نهاية ~~له كل يوم بل كل لحظة مما يمكن أن يجرب ويقال، وبخاصة بالنسبة لنا ~~نحن العرب الذين نريد أن نحافظ على التراث ونتجاوزه في آن واحد، ونصمد ~~في مواجهة الحاضر بكل نكباته ونصر على ميلاد مستقبل جديد مهما كان ~~الثمن. (وما أكثر ما يستطيع الشاعر العربي الجديد أن يقول ويضيف في هذا ~~المجال! وما أعظم وأجمل ما قاله وأضافه بالفعل!) # لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل كما قلت. فالثورات في عالم الفن ~~تمضي في سبيلها ثم تنقلب إلى ضدها، وتنشأ ثورات أخرى باستمرار (الفن ~~طائر خجول يأبى أن يرضى بالأقفاص. وطالما حبسوه في المعبد والكنيسة ~~وقصر السلطان وديوان الحكم ومقر الحزب فعرف دائما كيف ينجو بنفسه). ~~وليس معنى هذا أن ندين الثورة الجديدة في الشعر الحديث في أوروبا أو ~~ثورة الشعر الوليدة في بلادنا، فليس من وظيفة الكاتب أن يحكم ويدين، بل ~~من واجبه أن يفهم ويتعاطف. وماذا يمكن أن يتعلمه شاعرنا الجديد (حارس ~~لغتنا وتراثنا وضميرنا، وأمل حاضرنا ومستقبلنا) من دروس نصف قرن قطعها ~~الشعر الحديث في بلاد غير بلاده؟ لا شك أنه يستطيع أن يتعلم الكثير. ~~يستطيع أن يتعلم أولا ألا يقلد هذا الشعر تقليدا أعمى، وألا يتجاهله ~~مع ذلك أو يسدل دونه الأستار. ويستطيع أن يتعلم كيف يضع تراثه بين ~~عينيه وفي حبات قلبه على أن يتعلم في نفس الوقت كيف يتجاوزه إلى ~~مشكلات الحاضر وآمال المستقبل، ويستفيد من حكمه وأخطائه، ويميز كنوزه ~~وروائعه من نفاياته وأعبائه، ويواجه عالم القلق الحديث بمزيد من جسارة ~~اللغة وشجاعة الذات التي تصر على أن تحقق نفسها أو تموت. # إن الشعراء سوف يغنون دائما، كما سيولد الأطفال وتتفتح الأزهار ~~وتغرد العصافير ويعذب المساكين في الأكواخ والحقول والسجون ms296 ومكاتب ~~الوظيفة. وستنشأ المدارس الجديدة والشعارات الكبيرة، ويتصارع القديم ~~والجديد، ويثرثر ذوو الأصوات العالية والشعارات التافهة والبدع ~~الرخيصة. سوف تختلط الحكمة بالغباء، والحقيقة بالزيف. لا بأس من هذا ~~كله ولا سبيل إلى تلافيه، ولكن المهم أن يتجاوب الشعراء مع الناس، ~~فيمتعوهم بألحانهم الشجية أو يصدموهم بألحانهم المتنافرة، ويستجيبوا ~~لشوقهم الخالد إلى الغناء وحنينهم الدائم للاستماع إلى الصوت الدافئ ~~الصادق الأمين. المهم أن يدركوا دائما أن الشاعر، بالمعنى القديم ~~الأصيل لهذه الكلمة، # 1 # هو صاحب رسالة، بل هو نبي يرفع صوته ليبشر أو ينذر، ويغير ~~العالم كما يغير النفوس بقوة الكلمة وسحرها، حتى ولو قدر عليه في بعض ~~الأحيان أن يضيع صوته في الصحراء. # لا يستطيع أحد ولا يجوز لأحد كما قلت أن يتنبأ بمستقبل الشعر الحديث. ~~وكل ما نستطيعه هو أن «نعرف» حالته الحاضرة، «ونفهم» لماذا وكيف وصل ~~إلى ما هو عليه، ونعايش الموقف العقلي والحضاري الذي أدى به إلى هذا ~~المصير. وأنت حر أيها القارئ في أن تحب الشعر الذي يقدمه لك هذا الكتاب ~~أو لا تحبه، وأن تقبل عليه أو تنفر منه. ولكن لا تنس أن يكون حبك له ~~أو نفورك منه عن فهم ومعرفة. ~~(1) لوحة تاريخية عن الوقائع البارزة في الشعر ~~الحديث، وأهم أعلامه ودواوينه ~~والبحوث المتصلة به # 1759م وما بعدها # ديدرو، الصالونات. # 1760-1772م # ديدرو، ابن أخ رامو (رواية). # 1776-1777م # روسو، أحلام جواب وحيد. # 1798م # نوفاليس، الشذرات. # 1801م # نوفاليس، رواية هينريش فون افتردنجن. # 1821م # مولد بودلير في باريس. # 1827م # فيكتور هيجو يكتب مقدمة مسرحيته كرومويل. # 1842م # مولد مالارميه في باريس. # 1845-1855م # بودلير، تطلعات استطيقية. # 1846م # مولد لوتريمو في مونتفيدو. # 1846م # ادجار الن بو، فلسفة الإنشاء. # 1846-1862م # بودلير، الفن الرومانتيكي. # 1848م # بو، المبدأ الشعري. # 1854م # جيرار دي نيرفال، أوهام. # 1854م # مولد رامبو في شارل فيل. # 1857م # بودلير، أزهار الشر (الصياغة الأخيرة سنة ~~1868). # 1862م # ظهور قصائد مالارميه الأولى. # 1863-1870م # مالارميه يعمل مدرسا للغة الإنجليزية في تورنو، ~~وبيزانسو، وافينيو. # 1864م # بودلير، قصائد نثرية صغيرة. # 1867م # لوتريمو في باريس. # 1867م # وفاة ms297 بودلير في باريس. # 1867-1869م # لوتريمو، أغاني مالد ورود. # 1869-1873م # رامبو يكتب أشعاره. # 1870م # وفاة لوتريمو في باريس. # 1870-1894م # مالارميه يعمل مدرسا في باريس. # 1871م # رسالتا الرائي لرامبو-رامبو ينتقل إلى باريس. # 1871م # مولد فاليري في سيت بجنوب فرنسا. # 1874م # رامبو يتخلى عن كل نشاط أدبي ويبدأ حياة التشرد ~~والتجوال. # 1874م # مالارميه يشرف على تحرير مجلة «آخر مودة». # 1875م # مولد رلكه في براغ. # 1876م # صورة مالارميه من رسم صديقه الحميم إدوار ~~مانيه. # 1880م وما بعدها # رامبو في إفريقيا. # 1880م # مولد أبو للينير في روما. # 1881م # مولد رامون خيمنيث في موجوير (بالأندلس). # 1884م # الشعراء الملمونون تفيرلين (ومن بين الذين كتب ~~عنهم رامبو ومالارميه). # 1885م # وفاة فيكتور هيجو في باريس. # 1885م # مولد ازرا باوند في هيلي (بالولايات المتحدة ~~الأمريكية). # 1886م # مولد جوتفريد بن في مانسفلد. # 1887م # ظهور «الأشعار» لمالارميه (بدأت كتابتها منذ سنة ~~1862م). # 1887م # مولد سان-جون بيرس في سان ليجين لي في (في جزيرة ~~جوا ديلوب إحدى جزر الأرخبيل). # 1887م # مولد جورج تراكل في زالسبورج. # 1888م # مولد أنجارتي بالإسكندرية. # 1888م # مولد ت. س. اليوت في سانت لويس (الولايات المتحدة ~~الأمريكية). # 1889م # ظهور كتاب برجسون مقال عن المعطيات المباشرة ~~للشعور. # 1891م # وفاة رامبو في مرسيليا. # 1891م # فاليري يزور مالارميه لأول مرة. # 1892-1893م # ازدهار الندوات الأدبية التي كان مالارميه يعقدها ~~في مسكنه بشارع روما بباريس كل ثلاثاء. # 1893م # مولد جيان في فالا دوليد (قشتالة القديمة ~~بإسبانيا). # 1894م # ديبوسي يلحن بعض قصائد مالارميه. # 1894م # مالارميه يحال إلى المعاش، ويسافر إلى إنجلترا ~~لإلقاء بعض المحاضرات في أكسفورد عن الأدب ~~الفرنسي، ثم يعتزل في مدينة فالفان (على نهر ~~السين). # 1896م # مولد ديبجو في سانتاندر (ميناء في منطقة قشتالة ~~القديمة). # 1896م # مولد مونتاله في جنوا. # 1896م # وفاة فيرلين في باريس. # 1897م # ظهور مجموعة من قصائد مالارميه النثرية ومقالاته ~~ومحاضراته في الأدب وفن الشعر بدأ في كتابتها منذ ~~سنة 1864م بعنوان «ضلالات». # 1898م # ظهور الطبعة النهائية من أشعار مالارميه ووفاته في ~~نفس السنة. # 1898م # أبوللينير ينتقل إلى باريس. # 1898م # سان-جون ms298 بيرس ينتقل إلى باريس. # 1899م # مولد لوركا في فوينتا فاكويروس (بمنطقة ~~غرناطة). # 1902م # مولد رافائيل البرتي في بويرتودي سانتا (منطقة ~~كاديز بإسبانيا). # 1905م # بداية الصداقة التي ربطت بين بيكاسو ~~وأبوللينير. # 1910-1914م # أنجارتي يتصل في باريس بأبو للينير وغيره من ~~الشعراء. # 1911م # ظهور ديوان «المدائح» لسان-جون-بيرس. # 1914م # ظهور الرسامين التكعيبين لأبوللينير. ظهور ديوانه ~~«الكحول» (وفيه قصيدته المعروفة منطقة). # 1914م # أنجارتي ينتقل إلى إيطاليا. # 1914م # ظهور «القصائد» لجورج تراكل أكبر الشعراء ~~التعبيريين وموته في نفس السنة في إحدى المستشفيات ~~العسكرية في كراكاو. # 1916م # ظهور الشاعر المغتال لأبولينير. # 1918م # ظهور «الروح الجديدة والشعراء» و«كالليجرام» ~~لأبوللينير. وفاة أبو للينير في باريس. # 1920م # ظهور مجموعة مشهورة من الشعراء التعبيري بعنوان ~~«فجر الإنسانية، سيمفونية الشعر الحديث»، نشرها ~~كورت بينتوس. # 1921م # كتاب القصائد نجارنيا لوركا. # 1921م # مجموعة أشعار فاليري «رقي» (أو تعاويذ). # 1922م ~~«أناباسي» لسان-جون بيرس. # 1922م ~~«الأرض الخراب» لاليوت. # 1922م # صداقة لوركا والمؤلف الموسيقي مانويل دي ~~فايا. # 1924م # أول بيان (مانيفستو) سريالي ينشره أندريه ~~بريتون. # 1924-1944م # توالي ظهور كتاب «ألوان» (في خمسة أجزاء) ~~لفاليري. # 1924م ~~«بحار على اليابسة» لرافائيل ألبرتي. # 1924م # الأغاني لجارثيا لوركا. # 1925م ~~«تجريد الفن من النزعة البشرية» للفيلسوف الأديب ~~أورتيجا أي جاسيت. # 1925م # صداقة تجمع بين لوركا وجيان والرسام سلفادور ~~دالي. # 1926م # وفاة رلكة في فال-مونت (سويسرا). # 1927م # اليوت يصبح مواطنا إنجليزيا. # 1927م # مجموعة قصائد جوتفريد بن. # 1928م ~~«عن الملائكة» لرافائيل ألبرتي. # 1928م # إنشودة (الصيغة الأولى) جيان. # 1928م # أغاني لوركا - والخيال الشعري عند دون لويس ~~جونجورا (حديث نشر سنة 1932م). # 1928م ~~(وما بعدها) مناسبات للشاعر الإيطالي مونتاله ~~(ظهرت سنة 1940م). # 1930م وما يليها # لوركا في نيويورك - قصائده التي ظهرت بعنوان شاعر ~~في نيويورك. # 1932م # الحياة المباشرة لالوار. # 1932م # صور لدييجو. # 1934م # البيان السريالي الثاني (أندريه بريتون). # 1935م # مرثاة أجناثيو سانشيز ميخياس للوركا (عن صديقه ~~مصارع الثيران). # 1936م # عاطفة الزمن لانجارتي. # 1936م # مصرع لوركا على يد أتباع فرانكو. # 1936م # العيون الخصبة لالوار. # 1938م # تمهيد لفن الشعر، لفاليري. # 1940م # سان-جون-بيرس يهاجر إلى الولايات المتحدة. # 1941م ms299 ~~«الحقيقة قبرة» لدييجو (وتضم أشعاره ~~المبكرة). # 1942م # عيون الز لأراجون. # 1942م # منفى، لسان-جون بيرس. # 1944م # أمطار، لسان-جون بيرس. # 1944م # الرباعيات الأربع لاليوت. # 1945م # وفاة فاليري في باريس. # 1948م # للرسم، لرافائيل ألبرتي. # 1948م # قصائد ساكنة، لجوتفريد بن. # 1948م # فن الموسيقى، لايجور سترافنسكي. # 1949م # كلمات، لجاك بريفير. # 1950م # إنشودة، لجيان (الصياغة النهائية). # 1950م # الأرض الموعودة لأنجارتي. # 1951م # مشكلات الشعر لجوتفريد بن. # 1952م # قصائد للجميع لالوار (وتضم قصائده من سنة 1917م ~~إلى سنة 1952م). # 1952م # علامات العالم لكارل كرولوف. # 1956م # وفاة «بن» في برلين # 1957م ~~«مرارات» لسان-جون بيرس. # 1958م # وفاة خيمنيث في سان خوان دي بويرتو ريكو. # 1959م ~~«مذكرات رجل عجوز» لأنجارتي. # 1960م # فيثنته أليخاندر؛ الأشعار الكاملة ~~(1924-1957م). # 1960م # جوتفريد بن؛ الأشعار الكاملة (1912-1956م). # 1961م # الشعر؛ لسان-جون بيرس (وهي الكلمة أ لتي ألقاها ~~بمناسبة منحه جائزة نوبل للآداب). # 1965م # وفاة اليوت في لندن. # 1965م # شعر الحب، لدييجو (1918-1961م). # 1965م # القصائد الكاملة، لكارل كرولوف (1944-1964م). # النصوص‏ # الشعر‏ # في إسبانيا‏ # في إيطاليا‏ # في فرنسا‏ # في ألمانيا‏ # قصائد من إليوت‏ # الشعراء‏ # بعض المصادر‏ # النصوص‏ # الشعر‏ # في إسبانيا‏ # في إيطاليا‏ # في فرنسا‏ # في ألمانيا‏ # قصائد من إليوت‏ # الشعراء‏ # بعض المصادر‏ # | ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الثاني) # | ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الثاني) # | النصوص # تأليف # عبد الغفار مكاوي # | النصوص # قصائد مختارة من الشعر المعاصر في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، مع نماذج من شعر ~~إليوت ونبذة عن حياة الشعراء وأعمالهم. # | الشعر # | في إسبانيا # (1) ميجويل دي إدنامونو (1864-1936م) # في المنفى # حب نقي للحياة الوحيدة، # بحث دائب عن السر، # غوص في ينابيع الحياة، # عزاء قاسي! # ابتعدوا عني ، يا إخوتي المساكين، # دعوني أسر على طريق الصحراء، # دعوني وحيدا مع قدري، # بلا رفيق. # أريد أن أذهب إلى هناك وأضيع في رمالها، # وحيدا مع الله، لا وجهة لي ولا مأوى، # لا أشجار ولا أزهار ولا نفس حية، # وحيدين معا ومهجورين. # أنا وحيد ومنفرد على الأرض، # الله وحيد ومنفرد هناك في السماء، # وبيننا تبسط اللانهاية العارية # روحها. ms300 # هناك أكلمه بعيدا عن الشهود اللئام، # بصوت مبحوح في السر، # وهو # 1 # يسمعني في السكون ويحفظ تنهداتي في صدره. # يقبلني الله بفمه اللانهائي، # بفم الحب وكله من نار، # يقبلني على فمي فيشعل فيه أشواقي، # وعندما أحترق أعود إلى الأرض، # وتلمس يداي التربة، # وتغوصان في الرمال الملتهبة # وتدمى الأصابع، # تنسلخ الأظافر، مخالب النهم، # يبلل العرق أعضائي المعذبة # يغلي الدم في عروقي، # أتعطش للماء، # لماء الله الذي تخفيه الرمال، # لماء الله الذي يهجع في الصحراء، # للماء يجرى منعشا وصافيا # تحت تلك التربة؛ # للماء الخفي الذي يحفظه الرمل الملتهب # في حب داخل حجر عقيم، # للماء الذي يحيا بعيدا عن النور، # ولكنه مشبع بالسماء، # وعندما يحيي الشراب، وهو نبع الحياة، # قلبي وحسي من جديد، # أرفع جبهتي لله ومن عيني، # تسقط في بطء # دمعتان على الرمال، # التي تتلقاهما في الحجر العقيم، # فتمتزجان هناك بالمياه الصافية، # وتحملان معهما أشواقي. # فابقوا إذن في الحقول الهادئة، # التي تستقبل المياه من السماء، # لأن الله - أثناء المطر - يخفي وجهه في السحاب، # ويراقب الأعمال. # ابقوا في الحقول العامرة بالأشجار والأزهار والطيور ... # إنني أترك لكم كل الطيبات # التي تعيشون في ظلها لاهين # عميانا عن الله. # دعوني وحيدا منفردا. # وحيدا مع إلهي الوحيد في الصحراء؛ # وسأبحث في مياهه الدفينة # عن عزائي القاسي. # أشعار، 1907م # أبانا الذي في السموات # أبانا الذي في السموات # مر أبناء إسبانيا أن يتحركوا، # ليتقدس اسمك، # لأن يوم المجد قرب. # ليأت إلينا ملكوتك: # الطغيان يرفع شراعه الدموي. # لتكن مشيئتك، # كما في السماء، كذلك على الأرض الضنينة. # ألا تسمعون زئير الجنود الوحشي # في ميادين الحرب العطاش؟ # خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، # ففي بيوتنا يسكن الجوع، # واغفر لنا، يا إلهي، ذنوبنا، # إنهم يقتلون نساءنا وأطفالنا، # فاجعلنا نغفر للمذنبين إلينا، # يا مواطني إسبانيا! إلى السلاح! # لنضم صفوفنا، # لا تدخلنا في كمين، # ولا تجعلنا ننزف دمنا في الحفر؟ # نجنا من كل شرور المعارك. # مرنا أن نزحف، نزحف: هذا هو الطريق! # لتكن إسبانيا ملكوت الرب. # 1928م # فاشية # لا عصبة، بل عصابة، # تلك هي جماعة الفاشيين؟ # خلف ms301 التحية عدم؛ # خلف العدم هاوية. # كتاب الأغاني، 1928م # دعاء # إلهي خلصني من شكي: # أتراك تحمي من أحبك؟ # إلهي، تعال، قف بجانبي، # فهم يريدون أن ينتزعوا ذاتي! # كتاب الأغاني # ولما افترقنا على قبلة # ولما افترقنا على قبلة # ويا أسفى أن تكون الأخيرة! # تمزق منا الفؤاد الحزين # على حلوة الطعم لكن مريرة! # وكم ضحكت قبلة عذبة # فودعتها بالدموع الغزيرة! # مضت ومضى العمر في إثرها # وهيهات يرجع ماض بعيد # تقولين سوف تعود الحياة # وقبلتنا يا ترى هل تعود؟ # أغنيات، 1935م # الهلال مهد # الهلال مهد # من ذا الذي يهدهده؟ # الطفل الذي يرقد فيه # بم يحلم؟ # الهلال مهد؛ # من ذا الذي يهزه؟ # الطفل الذي يرقد فيه # يحيا لأية غاية؟ # الهلال مهد، # سرعان ما يصبح بدرا، # الطفل الذي يرقد فيه # أتراه يحفظ عهدي؟ # كتاب الأغاني ~~(2) أنطونيو ماتشادو (1875-1939م) # أسير على الطرق الحالمة # أسير على الطرق الحالمة # للأصيل. # التلال ذهبية، أشجار الصنوبر الخضراء، # السنديان المترب! ... # إلى أين ... يؤدي الدرب؟ # أمشي عليه مغنيا، # ومسافرا عبر الطريق. # المساء يهبط، # كانت في قلبي شوكة عاطفة، # نجحت ذات يوم في انتزاعها: ~~(والآن) # 2 # لم أعد أشعر بقلبي: # ويظل الريف كله لحظة # هادئا ومعتما، # متأملا. # الريح يسمع صوتها # في أشجار الحور على الشاطئ. # المساء يزداد ظلاما؛ # والطريق الذي يتلوى، # ويبيض في وهن، # تكسوه القتامة ويختفي. # أغنيتي ترتد آنينا: ~~«أيتها الشوكة الذهبية الحادة، # ليتني أحس بك # مغروزة في قلبي.» # 1903 # أسير حالما # أسير حالما على الدروب، # في ساعة الأصيل. # تلال، أشجار صنوبر خضراء، # شجر بلوط مترب. # يا درب قل لي، إلى أين تسير؟ # أسير وأنا أغني، # وأجوب الحقول ... ~~- ينعطف الأصيل # نحو الظلال - # كانت في قلبي # شوكة عاطفة، # وذات يوم # نجحت في انتزاعها: # القلب أصبح فارغا . # الحقول من حولي # تعلق أنفاسها # على حين فجأة، # تصمت، تغرق في التأمل، # في أشجار الحور على النهر # تئن الريح. # الظلال تخيم على الأصيل، # الدرب الأبيض يتشابك، # يظلم، يلفه الضباب، يزول، # أغنيتي تصبح شكوى. # يا شوكة حبي الذهبية، # من ذا يشعر بك # في أغوار القلب؟ # وحدة، 1899-1907م # في الليلة ms302 الماضية، عندما كنت أحلم # في الليلة الماضية، عندما كنت نائما # حلمت، يا للرؤيا المباركة! # بنافورة تسيل # في قلبي. # قل لي، بأي مجرى خفي # جئت، يا ماء، إلي؟ # يا نبع حياة جديدة # لم أشرب أبدا منه؟ # في الليلة الماضية، عندما كنت نائما # حلمت، يا للرؤيا المباركة! # بخلية نحل في قلبي؛ # والنحلات الذهبية # كانت تصنع فيها # من المرارة القديمة # شمعا أبيض وعسلا جديدا. # في الليلة الماضية، عندما كنت نائما # حلمت، يا للرؤيا المباركة! # بشمس تتأجج # في قلبي. # كانت تتأجج لأنها # تتوهج كالموقد الأحمر، # وكانت شمسا لأنها # كانت تضيء وتبكيني. # في الليلة الماضية، عندما كنت نائما # حلمت، يا للرؤيا المباركة! # أن الله هو الذي كان # في داخل قلبي. # 1907م # قال لي فجر ربيع # قال لي فجر ربيع: # منذ سنوات عديدة # أزهرت في قلبك المظلم # يا أيها المسافر العجوز # الذي لا يقطف أزهار الطريق. # قلبك المظلم الكئيب # لعله لا يزال يعبق # بشذا زنابقي القديم؟ # ألم تزل ورودي تفوح # بعبير الجنين الأبيض # لجنية أحلامك الماسية؟ # أجبت الصباح: # إنما أحلامي بلورية # أنا لا أعرف جنية أحلامي، # ولا أعرف أن كان قلبي مزهرا. # لكن لو انتظرت الصباح النقي # الذي يكسر الزهرية البللورية، # فربما أعادت إليك الجنية ورودك، ~~(وربما رد) قلبي زنابقك. # 1907م # ما أسهل الطيران، ما أسهله! # ما على الإنسان إلا أن يحرص # على ألا تبلغ الأرض الأقدام. # عمل شجاع؛ الطيران! الطيران! الطيران! # بالأمس حلمت (في نومي) أنني رأيت الله، # وأن الله تكلم: # حلمت أن الله سمعني ... # ثم حلمت أنني حلمت. # حقول كاستيلا، 1907-1917م # كان ياما كان ملاح، # زرع حديقة على شاطئ البحر، # وجعل نفسه بستانيا # الحديقة أزهرت، # أما البستاني # فانطلق في بحار الله. # حقول كاستيلا، 1907-1917م # سوريا، يا باردة # 3 # سوريا، يا باردة، # سوريا ، يا نقية، # يا رأس إكسترا مادورا، # بقلعتها الحربية ~~(و) أطلالها، على (نهر) الدويرو # بجدرانها المتهدمة # وبيوتها السوداء! # أيتها المدينة الميتة، # يا مدينة الجنود والصيادين، # وبوابات عليها شعارات # 4 # مائة أسرة نبيلة، # وكلاب جائعة، # كلاب هزيلة حادة، # تلد في الأزقة الحقيرة، # وتولول في ms303 منتصف الليل، # عندما تتعب البوم. # سوريا، يا باردة! # ناقوس المحكمة # يدق دقة واحدة. # سوريا، يا مدينة في كاستيليا # ما أجملك، تحت القمر! # حقول كاستيلا، 1907-1917م # في ذكري دون فرانشسكو جينيه دي لوس ريوس # عندما مات المعلم # قال لي نور الصباح: ~~«منذ أيام ثلاثة # وشقيقي فرانشسكو لا يعمل! # هل مات»؟ نحن لا نعلم # إلا أنه رحل عنا وسار على طريق مضيء، # وقال لنا: اجعلوا النشاط والأمل # حدادكم. كونوا طيبين # لا شيء أكثر من هذا، # كونوا مثل ما كنت بينكم: روحا. # عيشوا، الحياة لا تتوقف، # الموتى يموتون، والظلال تزول؛ # من يعط يملك، ومن عاش يعيش. # أرعدي، أيتها السنادين، # 5 # أيتها الأجراس، اسكتي! # في النور الباهر غاب # من كان شقيقا للفجر # شمسا لبيوت العلم # الراعي المرح الشيخ # لحياة القدس. # 6 ~~- أجل يا أصدقاء! # احملوا جسده إلى الجبال، # الجبال الزرقاء. # في «جوا دارا ما» الشاسعة. # هناك أخاديد عميقة # مخدرات وعرة خضراء، # حيث تغني الريح. # ليسترح قلبه. # تحت شجرة بلوط طاهرة، # في أرض الصعتر # حيث تلهو الفراشات الذهبية ... # هناك راح المعلم ذات يوم. # يحلم بازدهار إسبانيا من جديد. # حقول كاستيلا، 1907-1917م # بيع كل شيء! # يد حاقدة، يا وطني إسبانيا. ~~- يا قيثارة مشدودة بين بحرين - # ألقت مناطق الحرب، والقمم المحصنة # فوق الجبل والوادي والتل والهضاب. # أرواح الحقد والجبن القديمة # تجتث غاباتك من شجر البلوط، # تدوس في معاصرك ثمار التوت الذهبية، # تسحق الغلال التي تخرجها أرضك. # ومن جديد من جديد! يا إسبانيا الحزينة! # كل ما يقف في الريح، ويستحم في البحر، # يسقط (ضحية) للعبة الخيانة، # كل ما كان مستورا في معابد الله # يلطخه النسيان، وكل ما ينضج في حضن الأرض، # نهب للجشع، كل شيء بيع! # شعر ونثر متنوعان عن الحرب، 1937م ~~(3) خوان رامون خيمينيث # 7 ~~(1881-1958م) # لا أحد هناك ~~- لا أحد هناك. الماء . ~~- لا أحد؟ هل الماء لا أحد؟ ~~- لا أحد هناك. الزهرة. ~~- لا أحد؟ وهل الزهرة لا أحد؟ ~~- لا أحد هناك، كانت الريح. ~~- لا أحد؟ هل الريح لا أحد؟ ~~- لا أحد. خيال. ~~- لا أحد؟ وهل الخيال ms304 لا أحد؟ # حدائق بعيدة، 1904م # ريح سوداء وقمر أبيض ~~«... برقة الحس ضيعت أيامي.» # رامبو # ريح سوداء وقمر أبيض # ليلة كل القديسين. # برد، كل الأجراس على الأرض # تقرع للأموات. ~~••• # قاسية هي السماء، وفي الأعماق # زرقة، تشع من القاع # حتى تصل إلى أحلام الخيال # 8 # التي تلف أبراج الأجراس العجاف. ~~••• # مشاعل، أزهار، باقات، # أجراس تدق للأموات! # ريح هوجاء، قمر كبير، # في ليلة عيد القديسين. # أمشي ميتا، # في نور الطرقات المر، # أهتف بالحياة # بكل جسدي، # أريد الحب؛ # أقول كلمتي # لكل من جعلوني أخرس، # أقولها باكيا، # دم شفتي المهان # أحمر من الحب. ~~••• # أريد أن أصبح إنسانا آخر، # أريد أن يكون لي قلب وذراعان عملاقان، # وابتسامات لا حد لها من الشكايات # التي استحالت بسببي إلى دموع! ~~••• ~~... لكن هل يقدر قلب مدفون # أن يتحدث عن أشجار وروده؟ # يا قلب، كم مت موتا! # غدا يذكرونك # في قداس الأموات! # عاطفة الحس تجمدت. # المدينة تدق للأموات. # قمر أبيض، ريح سوداء # ليلة كل القديسين. # حدائق بعيدة، 1904م # إلى نفسي # دائما ما تعدين الغصن # للوردة الملائمة؛ يقظة تعيشين دائما # الأذن الساخنة على باب جسدك # في انتظار السهم الذي لا أمل فيه. # ما من موجة تخرج من العدم، # لا تحمل معها أبهى أنوار ظلك المفتوح. # بالليل، تتفكرين في نجمك، # تسهرين على الحياة. # تضعين في الأشياء علامة لا تزول. # وبعد أن تصيري مجد القمم # ستبعثين في كل ما طبعته بخاتمك. # وردتك، ستصبح مقياس كل الورود؛ # سمعك: مقياس الانسجام، # ومقياس الوضوح فكرك، # والنجوم يقظتك. # 1915م # أكتوبر # كنت مستلقيا على الأرض، # أمام ريف كاستيلا الشاسع، # الذي لفه الخريف في العذوبة الصفراء # لشمسه الواضحة الغاربة. # في بطء كان المحراث # يشق الأرض السوداء # في خطوط متوازية، # واليد الطيبة المفتوحة تترك البذور # في أحشائها المشقوقة باحترام. # فكرت أن أنتزع قلبي، وألقي به، # بما يملؤه من عواطف سامية وعميقة ، # في تجاعيد الأرض الحنون؛ # لأرى إن كان كسره وبذره # سيجعل الربيع يمنح العالم # شجرة الحب الأبدي الصافية. # أغاني روحية، 1916م # القمر الأبيض # القمر الأبيض يأخذ من البحر # البحر، ويعطيه البحر. ms305 بجماله، # في انتصار هادئ صاف، # يجعل الحقيقة غير ما هي عليه، # كما يجعل الحقيقة الخالدة الوحيدة # تصبح شيئا لم تكنه. # نعم. # أيتها الحكمة الإلهية، # يا من تحطمين اليقين # وتضفين على الحق كيانا جديدا! # وردة لم يدركها الخيال أبدا: # لتأخذ الوردة من الوردة، # ولتعط الوردة للوردة! # 1916م # أبريل # ذهب الساعة # 9 ~~- بغير أن يراه أحد - # يضع روعتة في الغصون، # كأنه لا يزال طفلا: وبغير أن يثنيها # يحمل كل مجد الذهب، # والزمرد، ومجد حياته. # ينظر مرتاحا إلى السماء والأرض، # شابا، مشبوب العاطفة. # 1917م # الحديقة # 10 # الليل وحيد لا متناه، # نسيانك. # أسفل رائحة الياسمين # رائحة غيابك. # الأنجم تبدو عالية # شهقاتك وردات # لن تفتحها روحي ... # أسعى بين ظلال ... # لا أحد يراني # ما دامت عينك لا تقع علي، # وسمائي بعدت # منذ رحلت، # تخفق، ترتعش بعاطفة # لم تحملها لي، # تلمع، تطفح بفراغ أخرس # نهب للوجد، # وجد عذابي الساهر غير المحدود. # 1917م # الشعر # في البدء جاء نقيا، # عليه ثوب البراءة، # أحببته مثل طفل. # ثم كسا نفسه ~~- لا أدري من أين - # بخرق زاعقة # فكرهته دون وعي # وبعدها صار ملكا # 11 # وأخذ يحدق في الذهب ... # يا للحقد المر! يا للغضب المجنون! ~~... من الثياب تعرى، # أما أنا فضحكت. # ولما عاد # إلى ثوب البراءة الأولى # آمنت به من جديد، ~~... ثم طرح هذا الثوب # وبدا عاريا تماما ... # أواه يا معنى حياتي، # أيها الشعر العاري، # أنت لي إلى الأبد! # 1918م، أبديات # يا عقل أعطني # 12 # يا عقل، أعطني # الاسم الدقيق للأشياء! ~~... لتكن كلمتي هي الشيء نفسه # وقد خلق من روحي خلقا جديدا. # عن طريقي فليجد الأشياء # كل من لا يعرفونها! # عن طريقي فليجد الأشياء # كل من يحبونها ... # يا عقل، أعطني # الاسم الدقيق للأشياء # اسمك واسمه واسمي! # 1918م # الموسيقى # على حين فجأة، # كدفقة ماء، # من صدر مشروخ، # يكسر تيار العاطفة # الظل - كامرأة # تفتح نوافذ الشرفة # تتنهد عارية للنجوم، # متلهفة على الموت، بلا سبب، # وقد يستحيل لديها # حياة هائلة مجنونة # ولا تعود أبدا، ~~- لا المرأة ولا الماء - # وإن ظلت في داخلنا، # تنبثق على الدوام # حقيقية ms306 وغير موجودة، # لا تستطيع أن تتوقف. # جمال، 1923م # الوردة الأخيرة # اقطف الوردة، اقطفها! # لا، لا: فهي الشمس! # الوردة نار، # الوردة ذهب، # الوردة مثال. # لا، لا: فهي الشمس! # وردة المجد، # وردة الحلم، # الوردة الأخيرة. # لا، لا: فهي الشمس! # اقطف الوردة، اقطفها! # أغنيات النور الجديد، 1923-1936م # سهاد # الليل يمضي، ثور أسود ~~- جسد ممتلئ بالفجيعة، والرعب، والسر؛ # مفزعا دوي، بغير حدود، # فأخاف جميع الساقطين، خوفا يسيل العرق. # ويأتي النهار، صبي نضر # يلتمس الثقة والحب والضحك - ~~- هناك، بعيدا جدا # في الخفاء # حيث تلتقي كل بداية مع كل نهاية، # لعب الصبي لحظة قصيرة # على مرج # من نور وظل # مع الثور، الذي هرب ... # 1923م # الفجر في موجوير # الثور الأسود يصحو وحده، نقيا وجميلا، # فوق الفجر البارد الأخضر، على قمة صخرة زرقاء. # يخور من الجنوب للشمال، يلطم الذروة العميقة الداكنة # التي لا تزال النجوم الكبيرة تشع عليها # يلطمها بعنقه الهائل. # الوحدة اللانهائية تتجمد، # الصمت اللامحدود يخرس. # الثور - صخرة منزوعة - # تهبط في جرف كثيف الأشجار # لا شيء يبقى سواه. # ذلك الأسود الهارب. # ويأتي النور، أبيض ووردي. # 1923م ~~(4) خورخه جين (1891م-؟) # طفل # صفاء التيار، # دائرة الوردة، # لغز الثلج: # فجر وشط في الأصداف. ~~(أنت) قوة عاصفة، ~~(يا) أفراح القمر، # بالصبر تزدادين قوة: # ملح الموجة العاتية # لحظة بلا تاريخ # تزخر في عناد # بأساطير كامنة في الأشياء: # بحر وحده بطيوره. # كل هذه الثروة، هذه الرقة، # كل هذا السحر، # مكتمل دائما أمام العين: # بحر، وحدة حاضرة. # شاعر الألعاب # الخالصة التي لا تنتهي # إلهي، بلا خبث: # البحر، البحر، الذي لا يمس! # 1928م # مدينة الصيف # مدينة الصيف # العارضة، # 13 # سيدات # فوق النور. تحت الزرقة. # حرير: حرير مطلق # 14 # يشير، يتحاشى # الزوايا العابرة. # الخط المستقيم # ينزلق على قضبانه. يسير، يسير # إلى غايته. ~~••• # آه المدينة # مجنونة بالهندسة # أوه، بدائية جدا! ~~••• # أغسطس الحكيم. # بكل بساطته. هامة، # قدر رقيق. # في شبكة من الاتجاهات، # ناصعة في المساء، # تسري مباهج دقيقة. # وتحت أشعة الشمس الساطعة # تتمدد. # مدينة الماهيات. # 1928م # كمال الدائرة # كالأسرار تنتهي # في أعلى قمة ~~- تطبع خطا # يناسب البصر - # جدران ms307 السر # الواضحة الحبيبة # خفية في داخل # كتل الهواء. # نور إلهي: # سر بلا ظل. # الظل ينشر # أقنعة مزرية # سر كامل، # كمال الدائرة، # دائرة في التدوير، # لغز السماء. # غني بالأسرار # يلمع، يتخفى # ولكن من؟ الله؟ القصيد؟ # غني بالأسرار. # 1950م # الأسماء # فجر. الأفق # يفتح رموشه نصف فتحة # ويبدأ في الرؤية. ماذا؟ أسماء. # مكتوبة على صدأ الأشياء. # اليوم أيضا لا تزال الوردة # تسمى وردة، # وذكرى تحولها # تسمى سرعة. # سرعة المزيد من الحياة. # كي يحملنا إلى حب أعظم # عنفوان اللحظة # الذي لا يأتي في أوانه: # خفيف هو # حتى إذا بلغ هدفه # بادر بفرض «ما بعد». # انتبهوا! انتبهوا! # سأكون، سأكون! # والورود؟ رموش # مغمضة: أفق # أخير. لعله إذن لا شيء؟ # لكن الأسماء تبقي. # 1928، 1950م # باب # الباب موارب. # عمن يبحث هذا الضوء؟ # الشفق سيال. # يتلألأ عاجزا ~~- لمن هذا الصمت؟ - # مكان مقفل. ~~••• # صوت ينادي، لعله وعد # من المجهول. مشاعر. # لأي شمس مثل هذا الهدوء؟ ~~••• # ويظهر التحول. # يتجه في هواء # فارغ مقنع. # باطن. الجدران بلا شك # تخفي المجهول. # هنا؟ شجرة جوز، كأس. ~~••• # صمت يعزل نفسه. # عادي، مهذب جدا؟ # عطر وردة يومية. ~~••• # الباب مغلق: بعيدا. # هذا الضوء، أهو رسول؟ # والآن: عين في عين ... # 1950م # مذاق الحياة # هناك سماء في الهواء # تتنفس. # أنا أتنفس، # أطفو على الصدفة # 15 # خلال الأفراح. # أفراح إنسان # تعمق وتنتشر على الشاطئ. # أنا فرحان بالأشجار # بالدفء، بالظل. # مخاطرات؟ إن صيادي # لا يطاردونها. # لي مع الشمس نفسها # موعد أبدي. # الحاضر! يا له من مراوغ # في لبه وروحه، # 16 # يكافئ تراخيا # بأقصى مذاق للحياة. # بطيئة هي الروح، بطيئة هي الخطى، # هيا نسير معا! # المجد الذي لا يتحقق أبدا # لا يمحى أبدا! # 17 # أغنية، 1950م # موت من بعيد ~~«احتملت سناء الموت الصافي.» # بول فاليري # في بعض الأحيان يخيفني يقين، # 18 # ويرتعش مستقبلي أمام عيني. # وبينما أرقد في انتظار، (يبرز) فجأة # جدار في الضاحية الأخيرة # 19 # يسقط عليه ضوء الحقل. # ولكن هل سيكون هناك حزن # إذا كانت الشمس ستكشف عنه؟ # لا، لا جزع هناك. # الثمرة الناضجة هي (الضرورة) الملحة. # اليد تقشرها بالفعل. ms308 ~~... ومن بين هذه الأيام جميعا # سيأتي أشد الأيام حزنا. ~~(و) سوف يكون على اليد # أن تقدم نفسها بلا خوف # وفي خشوع أمام القوة السامية # سأقول بغير دموع: # تعال، أيها القدر العادل. # الجدار الأبيض سيفرض علي # قانونه، لا صدفته. # 20 # العاشقان # غصون. وحدة، # 21 # خفيفة. شرفات # محلقة؟ جبال، # غابات، طيور، أجواء. # فضاء كبير، كبير # يلف العناق الحار # بوجود الكواكب. ~~(وجودها) الحي. # 22 # شهوات، كتل، شهوات، # كتل، امتلاء، # ضوء مفزوع، # واحمرار نشوان! # والنهار، استواء # الزجاج. # 23 # الحجرة # تهبط، صامتة. # شرفات بيضاء. # وحدك، يا حب، أنت نفسك، # قبر. لا شيء، لا أحد، # قبر. لا شيء، لا أحد، # مع ذلك ... أنت معي؟ # كتبت الصياغة الأخيرة للقصيدة سنة 1950م # ليلة قمرية (بلا حل) # علو يقظان: # الحراس يهبطون # على سنا القمر # 24 # البياض النجمي للبحر! # 25 # أجنحة البرد # مفرودة، ترف. ~~••• # والسهل، # 26 # الأمل. # انتظار الأمواج # ينتشر في صمت. # 27 ~~••• # آه، أخيرا؟ من الأعماق # تنور الليل # أحلام حشائش الماء. # إرادة الخفة: # 28 # شواطئ رائعة # تنشد الرحمة من الريح. ~~••• # ارتفاع للبياض! # أموات الأعماق السفلى، # يمضون، هواء في الهواء. ~~••• # نحول عسير: # أيبحث العالم عن غياب # أبيض، تام، خالد؟ # 1950م # تلك الجبال # صفاء، وحدة؟ هناك. كابية. # قتامة لم تمس، لا القدم الضالة # فاجأتها، وهي ترف في استعلاء # قائمة، لصيقة بالعدم الكئيب، # الجميل، الذي يتلقاه الهواء كأنه روح، # واضحة من شدة الإخلاص للهدف: الانتظار # وجود، وجود، حتى وهو أكثر بعدا، عن الدخان، # عن نظرات الأعمى نفسه، # عدم، في مأمن: قتامة لم تمس # فوق جدب لطيف، قتامة تلك الجبال! # 1950م # كلا # النهار يطلع في زجاج النافدة، # التاريخ يتمدد متعبا، # أحيا بين الخير والشر. # ذباب، أكوام من الذباب. # أيها الذباب الصيفي الأزرق # يا من تتسلى على جلدي. # فليحيا الجليس # 29 # البارد! # النهار يطلع، أشعر بالبرد! # الخريف يأتي مبكرا، # أسرع إلى البحر، يا نهري، أسرع إلى البحر # بخار بنزين بودلير # فوق الأسفلت، مطر # الليل الناعم يتجول # جائعون؟ ألهم وجود؟ في ضواحي # غير بعيدة في مناطق، # هي أبشع الضواحي، # أولا يرون أبدا أبطالنا الأوذيسيين؟ # يا ms309 خالق حدودنا، أيها الإله المقدس # لوب دي فيجا ~~- يصارع الحدود ~~- أيفعل اكثر مما يستطيع # إبليس صغير؟ - بلا اهتمام. # الحياة تتفجر في الفكرة. # عدم، سكون سيف. # وأنا أعود نفسي على الفكرة: # ليل، حلم، موت، عدم. # صخب، 1957م # صراخ نجمي # ضوضاء، شبكة ضوضاء، تلف الكوكب # الذي تذوب عليه الانفجارات والطلقات # والهمسات في الأنين والصراخ والعويل # تحت نور صامت. # النور يتراجع واللغط يخفت # ويأوي إلى الواقع الضئيل للظلام # الذي يحمي الجميع، العشاق، المرضى # الأقوياء في أوج الحياة، في المحنة، في الرجاء. # أبدا يستمر العناء، بغير أن يقطع (حبل) الألم # أو الحب، أثناء الهدنة (الممتدة) # بين النوم والظلام، حين توشك العلامة الحلوة الصوت # ألا يكون لها عند الساهدين وجود. # في الأعالي لا تدري الأنوار البعيدة شيئا # عن الإنسان الذي يتأملها، يقويه السلام، # الذي تتم فيه تلك العمليات البالغة العنف، # نيران الخلق تلك. # الخلق الذي يسيء العقل لقاءه، # لا نهائية النجوم والقرون، # التي لا تثير أدنى نشوة في هذا البحر الليلي # الذي تشقه بالخطوط، مثل كوكبنا # الغارق في الصمت بين علامات السماء. # صخب، 1963م ~~(5) فيديريكو جارثيا لوركا (1899-1936م) # الصرخة # منحنى # 30 # صرخة # يسري من جبل # إلى جبل. # من ناحية الزيتون # يصبح قوس قزح أسود # فوق الليل الأزرق. # آه! # كأنما تحت قوس كمان # ارتعشت تحت الصرخة # أوتار الريح الطويلة. # آه! ~~(سكان الكهوف # يعلقون مصابيحهم أمامها.) # 1921م # الصمت # أنصت. يا ولدي، للصمت. # صمت متموج، # صمت، # تنزلق الوديان خلاله، # والأصداء، # ويذل جباها # 31 # فوق الأرض. # 32 # أغنية ملقة # الموت # يدخل ويخرج # في الحانة. # تمر خيول سوداء # وأناس مظلمون # فوق الدروب العميقة # للقيثارة ... # وتفوح رائحة ملح # ودم نساء # في المسك المحموم # للبحر البعيد. # الموت # يدخل ويخرج # يخرج ويدخل # الموت # في الحانة. # أغنية # في أغصان الغار # تسري حمامتان سوداوان. # إحداهما كانت الشمس، # الأخرى كانت القمر. # قلت لهما: يا حبيبي، # أين قبري إذن؟ # قالت الشمس، في ذيلي. # قال القمر، في رقبتي. # وسرت في طريقي، # والأرض في حزامي، # رأيت نسرين من مرمر # وفتاة عارية. # أحدهما كان الآخر، # والفتاة لا أحد. # قلت لهما: ms310 أيها النسر الحبيب # أين قبري إذن؟ # قالت الشمس، في ذيلي. # قال القمر، في رقبتي. # في أغصان شجرة الكرز # رأيت حمامتين عاريتين، # إحداهما كانت هي الأخرى # والاثنتان لا أحد. # موت # يا للعناء! # يا لعناء الفرس أن يصبح كلبا! # يا لعناء الكلب، أن يصبح عصفورا! # يا لعناء العصفور، أن يصبح نحلة! # يا لعناء النحلة، أن تصبح جوادا! # والفرس، # أي سهم مسنون يشده من الوردة، # وأي وردة داكنة يطلقها من فمه! # والوردة. # أي خليط من الأنوار والصرخات # تمنحه للسكر الحي في ساقها! # والسكر، # بأي خناجر صغيرة يحلم في اليقظة! # والخناجر، # أي قمر هي بغير إسطبل، وأي عري، # وتفتش دائما عن الجلد الأبدي والحمرة، # وأنا، تحت السقوف، # أي ملاك ناري أبحث عنه وأنا هو نفسه! # لكن القوس المصنوع من الجبس، # كم هو كبير مع ذلك، وكم هو خفي وضئيل! # وبغير عذاب. # سيجويريا تعبر # بين فراشات سوداء # تمشي بنت سمراء # بجانب حية بيضاء # من الضباب. # أرض كالنور، # سماء كالأرض. # تمشي مقيدة برعشة # إيقاع لا يصل أبدا، # تحمل قلبا من فضة # وخنجرا في يمناها. # أرض كالنور، # سماء كالأرض. # سيجويريا، إلى أين تذهبين، # بإيقاع بلا رأس؟ # أي قمر سيسترد # الملك المجبول من الجير والدفلي؟ # 33 # أرض من نور، # سماء كالأرض. # 1921م # أغنية فارس # قرطبة # وحيدة وبعيدة # فرس أسود صغير، قمر كبير، # حبات زيتون في غرارة سرجي. # أعرف الطرق حقا، # غير أني لا أبلغ قرطبة أبدا. # عبر المدى الفسيح، عبر الريح، # فرس أسود صغير، قمر أحمر. # الموت يحدق في # من أبراج قرطبة. # آه! ما أطول الطريق! # آه! يا فرسي الشجاع! # آه! الموت يخطفني # قبل أن أبلغ قرطبة! # قرطبة # وحيدة وبعيدة. # 1924م # هذه هي الافتتاحية (مقتطفات) ~~... # ديوان شعر # هو خريف ميت: # الأبيات أوراق سوداء # على الأرض البيضاء. ~~... # الشاعر يفهم # كل ما يستعصي على الفهم. # والأشياء التي تكره بعضها: # يجعلها أصدقاء # يعرف أن الطرق # جميعها مستحيلة؛ # لهذا يسير عليها # بالليل، في هدوء. ~~... # الشعر مرارة، # عسل إلهي # السيل من خلية مجهولة # تصنعها الأرواح # دواوين الشعر العذبة # نجوم تسري # خلال الصمت والسكون ms311 # في مملكة العدم، # وتكتب على السماء # مقطوعاتها الفضية. # روح ذهبت (مقتطفات من مرثيته لمصارع الثيران ~~إجناثيو سانشيت ميخياس) # لا الثور يعرفك ولا شجرة التين، # ولا الخيول ولا النمل في بيتك. # لا الطفل يعرفك ولا المساء، # لأنك مت إلى الأبد. # لا ظهر الحجر يعرفك، # ولا الحرير الأسود، الذي هويت فيه. # لا يعرفك التذكر الصامت فيك، # لأنك مت إلى الأبد. # سيأتي الخريف بأبواق القواقع # بعنب الضباب وسرب الجبال، # لكن ما من أحد سينظر في عينيك، # لأنك مت إلى الأبد، # لأنك مت إلى الأبد، # ككل أموات الأرض # ككل أموات الأرض نسيت # في ركام من الكلاب المطفأة # لا أحد يعرفك. لا. غير أني أغني باسمك، # أغني للأجيال صورتك، سماحتك. # النضج الشهير لحكمتك # شهوتك للموت، وطعم فمه. # الأسى الذي كان في فرحك الشجاع. # سيمضي وقت طويل، قبل أن يولد من جديد # أندلسي نبيل مثلك، وغني بالمغامرة: # أغني روعته بكلمات كالأنين # وأذكر كيف سرت نسمة حزينة في أشجار الزيتون. # وداع # إن مت # دعوا الشرفة مفتوحة. # الصبي يأكل البرتقال ~~(من شرفتي أراه). # الحصاد يحصد القمح ~~(من شرفتي أراه). # إن مت # دعوا الشرفة مفتوحة! # أغنيات، 1927م # أغنية الحزن الأسود # معاول الطيور # تحفر باحثة عن الفجر، # عندما تهبط على الجبل الأسود # مونتويا سوليداد. # 34 # جسدها نحاس أصفر # يفوح برائحة الفرس والظل. # ثدياها سندانان داخنان # يتنهدان أغنيات مستديرة. ~~- «سوليداد، عمن تبحثين # وحدك، في هذه الساعة؟» ~~- «أبحث عمن أبحث عنه، # أخبرني ما شأنك أنت؟ # أبحث عما أبحث عنه # عن سعادتي وعن نفسي.» ~~- «يا سوليداد أحزاني # الفرس الذي يهرب # يعود أخيرا للبحر # وتبتلعه الأمواج.» ~~- «لا تذكر لي البحر # لأن الحزن المر ينبثق # من أرض الزيتون # تحت حفيف الأشجار.» # أي حزن يدعو للإشفاق! ~~- «سوليداد، أي حزن تطوين! # أي حزن يدعو للإشفاق! # دموعك عصير ليمون # مر مشتاق للشفتين.» # 35 ~~- «يا للحزن الهائل! # أجري في بيتي كالمجنونة # ضفيرتاي على الأرض # من المطبخ إلى غرفة النوم # يا للحزن! أصبحت في سواد الليل، # جسدي، ملابسي. # آه على قمصاني من الكتان! # آه على فخذي (كأوراق) الخشخاش!» # 36 ~~- «سوليداد، ms312 استحمي # بمياه اليمام # واتركي قلبك # في سلام # 37 # يا سوليداد مونتويا.» # في السفح يغني النهر: # 38 # السماء والأوراق تدور. # النهار الجديد يتوج رأسه # بنوار القرع واليقطين # آه يا حزن الغجر! # حزنهم دوما نقي ووحيد # آه يا حزنا خفي المنبع # فجره ناء بعيد! # أغاني الفجر، 1928م # الزوجة الخائنة ~~... وكذلك سرت بها للنهر # وأنا أحسبها عذراء، # لكن كان لها زوج. # كانت ليلة سانتياجو # 39 # وكأني كنت على عهد. # 40 # انطفأت مصابيح الشوارع، # وتوهجت الفراشات في النار، # 41 # في أطراف المدينة # لمست نهديها النائمين؛ # فازدهرا فجأة # كسنابل الخزامي. # خشونة لباسها # 42 # رنت في أذني # كقطعة حرير # تشقها عشر سكاكين. # 43 # والأشجار، بغير نور فضي في أوراقها # لاحت أكبر # 44 # وأفق من الكلاب # تنبح بعيدا عن النهر. # 45 # بعد أن تجاوزنا غابة العليق، # والأسل والزعرور، # تحت غطاء شعرها # مهدت فجوة في الوحل # خلعت رباط عنقي # خلعت ثوبها، ~~(نزعت) الحزام مع المسدس ~~(ونزعت) قطعها الداخلية الأربع. # لا الوردة # 46 # ولا المحارة # لها رقة بشرتها، # ولا الغدير # 47 # في ضوء القمر # يتلألأ مثل لألائها # فخذاها زاغا مني # كالسمك إذا ما فوجئ # نصفاها ملئا نورا # والنصف امتلأ برودة. # في تلك الليلة سرت # على أجمل طريق، # ركبت على مهرة لؤلؤية، # بلا لجام ولا ركاب، # لا أحب، كرجل، أن أبوح # بما قالته لي، # إن نور ذكائي # يجعلني كتوما، # ملوثة بالقبلات والرمال # عدت بها من النهر. # 48 # نصل سيوف السوسن # كان يصارع الهواء. # فعلت ما ينتظر مني # كغجري حق # 49 # أهديتها سلة خيط # من حرير القش، # 50 # وفضلت ألا أقع في حبها # إذ كان لها زوج، # وأخبرتني أنها عذراء # عندما أخذتها إلى النهر. # 51 # أغنيات غجرية، 1928م # أغنية في الحلم # أخضر، كم أريدك أخضر! # ريح خضراء. غصون خضراء، # السفينة في البحر، # والفرس في الجبل. # بالظل فوق خصرها # تحلم في شرفتها، # لحم أخضر، شعر أخضر، # وعينان من فضة باردة. # أخضر، كم أودك أخضر! # تحت القمر الغجري، # كل الأشياء ترنو إليها، # لكنها لا تقدر أن تراها. # أخضر، كم أحبك أخضر! # نجوم هائلة ms313 من صقيع أبيض # تأتي مع سمكة الظلام # التي تفتح طريق الفجر. # شجرة التين تمسح الريح # بور، أغصانها الخشنة، # 52 # والجبل، قط متسلل، # ينفش صباره المر. # ولكن من القادم؟ ومن أين؟ # تتمشى في شرفتها # لحم أخضر، شعر أخضر، # حالمة بالبحر المر. ~~- يا صديق، أريد أن أستبدل # فرسي ببيتك # سرجي بمرآتك، # سكيني بدثارك. # يا صديق، أنا قادم من مواني كابرا # بجراح تنزف. ~~- لو كنت أستطيع، يا أيها الشاب، # ختمت هذا العقد. # لكنني لم أعد أنا # ولا بيتي عاد بيتي. ~~- يا صديق، أريد أن أموت # في هدوء على سرير # من الحديد، وإن أمكن # على ملاءات من كتان رقيق. # ألا ترى جرحي الممتد # من صدري إلى حنجرتي؟ ~~- قميصك الأبيض يحمل # ثلاثمائة وردة سوداء، # دمك الحار يرشح # حول حزامك. # لكنني لم أعد أنا، # ولا بيتي الآن هو بيتي. ~~- دعني على الأقل أتسلق # الدرج العالي: # 53 # دعني أصل! دعني أصل! # للدرج الأخضر. # درج القمر العالي # حيث يتردد خرير الماء. # الآن يصعد الصديقان # إلى الدرج العالي. # تاركين وراءهما شريطا من الدم # تاركين شريطا من الدموع. # فوانيس صغيرة من الصفيح # كانت ترتعش على الأسطح. # ألف دف من النجف # كانت تشق الفجر. # أخضر، كم أريدك أخضر! # ريح خضراء، غصون خضراء. # ذهب الصديقان # والريح الطويلة تركت # في الفم طعما غريبا # من المر، والنعناع، والريحان. # يا صديق، أين هي، خبرني، # أين فتاتك المرة؟ # ما أكثر ما انتظرتك! # ما أكثر ما انتظرتك! # وجه رطب، شعر أسود، # في هذه الشرفة الخضراء! # على وجه الصهريج # ترنحت فتاة الغجر. # لحم أخضر شعر أخضر، # بعينين من فضة باردة. ~~(كتلة) جليد من القمر # علقتها على سطح الماء. # الليل صار ودودا # كأنه ميدان صغير، # الحراس السكارى # أخذوا يطرقون الباب. # أخضر، كم أحبك أخضر! # ريح خضراء، غصون خضراء. # السفينة في البحر # والفرس في الجبل. # غزلية الموت الأسود # أريد أن أحلم حلم التفاحات، # 54 # أن أبتعد عن ضوضاء المقابر، # أريد أن أحلم حلم الطفل # الذي أراد أن يمزق قلبه على البحر العالي. # لا أريد أن أسمع ما يتكرر على الدوام ms314 # من أن الموتى لا يفقدون دمهم. # وأن الفم المتعفن لا يكف عن الصراخ طلبا للماء. # لا أريد أن أعرف شيئا عن العذابات التي يعدها العشب، # ولا عن القمر الذي له فم ثعبان # ينشط قبل طلوع النهار. # أريد أن أنام فترة قصيرة، # فترة، دقيقة، قرنا، # ومع هذا فليعلم الجميع أنني لم أمت، # لأنه يوجد إسطبل ذهبي بين شفتي، # لأنني الأخ الأصغر للريح الغربية، # لأنني الظل الهائل لدموعي. # غطني بنقاب في ساعة الفجر، # لأنها سترميني بملء يديها بالنمل. # بلل حذائي بالماء القاسي، # حتى تنزلق لدغة العقرب. # لأنني أريد أن أحلم حلم التفاحات، # أن أتعلم مرثية تطهرني من الأرض؛ # لأنني أريد أن أحيا مع الطفل المظلم # الذي أراد أن يمزق قلبه على البحر العالي. # 1936م ~~(6) بيدرو ساليناس (1891-1951م) # أنا لا أراك # أنا لا أراك. أعلم جيدا # أنك هنا، خلف جدار # هش من الطوب والطين، # على مسمع مني # إن ناديت. # غير أني لن أنادي. # سأناديك غدا، # حين لا أعود أراك # فأتخيل أنك دائما هنا # بالقرب مني، بجواري، # وإنه سيكفي أن أنطق اليوم # بالكلمة التي لم ألفظها بالأمس. # غدا ... عندما تكونين هناك # خلف جدار هش من الرياح # والسموات والسنين. # 1923م # الغرب البعيد # ريح، على بعد ثمانية آلاف كيلومتر! # ألا ترى كيف يطير كل شيء؟ # ألا ترى شعر «مابيل» الهارب، # شعر الفارسة المرسل، # التي تفتح نظرتها الصافية نصف فتحة، # أهي ريح تعاند الريح؟ # ألا ترى الستارة المرتجفة، # هذه الورقة الطائرة، # والوحدة المدحورة # التي بينك وبينها، بسبب الريح. # أجل: أرى. # لا شيء إلا أنني أرى. # هذه الريح # تسري على الجانب الآخر، # في عصر بعيد، # 55 # لبلاد لم تطأها قدماي. # تحرك الغصون # بغير «أين»، # تقبل الشفاه # بغير «من». # لم تعد هي الريح، # بل صورة ريح ماتت، # بغير أن أفطن إليها، # وهي الآن مدفونة # في المقبرة البعيدة للهواء القديم، # للهواء الميت. # نعم: أراها، وإن كنت لا أشعر بها. # هناك تسري، في عالمها، # ريح، ريح السينما، الريح. # 1929م، صدفة مؤكدة # ألوان من الموت # في البداية نسيتك في صوتك. # لو أنك ms315 تكلمت هنا، # الآن، بجانبي، # لسألت: «من هذه؟» # ثم نسيت خطوتك. # لو أن ظل جسد # تراجع في الريح # 56 # لما تبينتك. # سلخت نفسك من أوراق الزهر، # 57 # في بطء، قبل شتاء: # بسمتك نظرتك، لون ردائك، # رقم حذائك. # 58 # بل سلخت نفسك أكثر من هذا # من أوراق الزهر: # لحمك سقط عنك، جسدك. # لم يبق لي إلا اسمك، لم يبق منك # إلا سبع رسائل، # ما زلت فيها تعيشين، # تتعذبين بيأس # بالجسد والروح. # هيكلك، آثارها، # صوتك، ضحكتك، سبع رسائل، تلك السبع. # جسدك الآن هو وحده الذي ينطق بها. # نسيت اسمك # الرسائل السبع تهيم شاردة، # لا تعرف بعضها البعض. # عربات الإعلانات تمر في الشوارع، # رسائل تسطع ليلا بالألوان، # رسائل تمر على الظروف، # وتنادي بأسماء الغير، # وستكون أنت هناك # مفككا، محطما، ومستحيلا # أنت ستكون هناك، أنت، # اسمك الذي اعتاد أن يدل عليك، # 59 # صاعدا، # إلى سماء باطلة، # في مجد الألف باء المجرد. # 1931م # هم # هم # ألا أفترق عنك # من أجل جمالك. # عناء # ألا أبقى حيث تريد: # في حروف الألف باء، # في (أنوار) الفجر، على الشفاه. # قلق # من أن أمضي، أن أهجر # الدعابات، الملابس، الحنان، # وأنتهي # بعد تجربة # كل ما تغير فيك # إلى العري والثبات. # وبينا تتغير وتتغير بلا نهاية، # وتهب نفسها، وتخدع نفسها # وجوهك (الكثيرة)، ونزواتك وقبلاتك، # لذاتك المتقلبة، # لمساتك السريعة للعالم؛ # إذا بي أنتهي # إلى مركز نفسك النقي الثابت. # وأرى كم تتغير ~~- وأنت تسمي ذاك حياة - # في كل شيء، في كل شيء، # أجل، لكن لا تتغير في # حيث تبقى على الدوام. # 1923م # تفكيري فيك هذه الليلة # تفكيري فيك هذه الليلة # لم يكن تفكيرا فيك # بفكري أنا وحدي، من داخل نفسي. # العالم الواسع كان يفكر معي فيك. # كان يفكر باستغراق. # نوم الحقول العظيم، النجوم، # البحر الصامت، العشب الذي لا يرى، # ولا يحس إلا من عبيره الجاف، # 60 # كل شيء، # من الألدبران إلى الصرصار # كان يفكر فيك. # يا للهدوء # الذي تجلى في الانسجام # بين الأحجار، النجوم، # الماء الساكن، الغابة المرتعشة، # كل الجمادات، # وروحي، # تهبها جميعا لك! # كل ms316 شيء استجاب # وانقاد لندائي # ومن أجلك، # 61 # ارتفع للهدف، في قوة الحب! # الظلال والأضواء اتحدت # كي تتلاقى في ضوء حبك، # كذلك اتحد الصمت الهائل على الأرض، # وأصوات السحب الناعمة في السماء، # في تسبيحة باسمك، # أنشدت نفسها في وجداني. # تواؤم العالم والوجود، # الزمن والرغبة، # هدنة بعيدة الاحتمال، # دخلت في نفسي، كما تدخل السعادة # عندما تأتي متأنية، قبلة فقبلة. # كدت أكف عن حبك، كي أزداد حبا لك، # في شيء أكبر مني، وأستودع عهدي في حبك # لليل الهائل، وأهيم في الزمان، # محملا برسالة، رسول حب # تحول إلى نجوم، سكون، عالم # ناجيا من رعب الجثة # التي تبقى عندما ننسى. # عن ديوانه «سبب الحب»، 1936م # لو أن الصوت تدركه العيون # لو أن الصوت تدركه العيون # آه! إذن لوددت أن أراك! # في صوتك نور يضيء كياني، # نور السمع. # عندما تتكلمين # يتوهج فضاء النغم. # يتفجر الظلام العظيم # الذي يسمونه الصمت # كلمتك تتألق ببياض يعشي العيون، # كلما وصلت إلي، # صار كل نهار فجرا شابا. # إن قلت نعم # بلغت راحتي ذروتها، # أصبح الظهر سيدا # لا يحتاج لفن العينين، # الليل يفر، إن كلمتني بالليل # الوحدة تزول، إن كنت هنا وحيدا في غرفتي # وجاءني صوتك، خفيفا، بلا جسد. # لأنه يخلق جسده بنفسه. # الصور المتكسرة الباقية # من جسد صوتك # تولد بغير عدد، في المكان الخالي. # الشفاه والأذرع التي تبحث عنك # تكاد تسقط في الوهم. # وأرواح الشفاه، أرواح الأذرع # تبحث في دائرة ولدها صوتك، # عن مخلوقات إلهية # أبدعها حديثك # وعلى ضوء السمع، بعيدا عن العيون، # يقبل عاشقان بعضهما من أجلنا، ~~(عاشقان) لا يملكان بعد الليل والنهار # إلا صوتك (اللامع) بالنجوم، # إلا شمسك. # سبب الحب، 1936م # القصيدة # والآن، ها هي ذي تقف أمامي. # كم من صراع كلفتني! # كم من أرق ملهوف! # كم من أخطار الفشل! ~~(ومع ذلك) # فهي في ضوء هذه الروعة الصافية # ليست شيئا، لقد نسيت # أنها تبقى، # 62 ~~(ويبقى) فيها العالم، # الوردة، الصخرة، العصفور، # هذه الأشياء الأولية # التي تدهش أمام هذه النهاية. # كانت تبدو لنا شديدة الوضوح! # ولكن كان من الممكن أن ms317 تصبح أشد وضوحا # إنها الآن أفضل: # نور لا تعرفه الشمس # يضيئها بأشعته، وراء الليل، # ويكشف عنها للأبد. # إشراق اللحظة الحاضرة # يبدو أكثر صفاء من إشراق مايو. # إن كان قد تجلى هناك، فهو هنا الآن # أكثر بهاء وشفافية. # كم تبدو طبيعية، # ما أبسط المعجزة! # في نور هذه القصيدة # كل شيء، # من القبلة الليلية المظلمة # إلى بهاء السمت # كل شيء أشد وضوحا. # كل شيء أشد وضوحا وقصائد أخرى، 1949م ~~(7) رافائيل ألبرتي (1902م-؟) # إن مات صوتي # إن مات صوتي على اليابسة، # فاحملوه إلى البحر، # واتركوه وحيدا على الشاطئ. # احملوه إلى البحر # وعينوه قبطانا # على سفينة حربية بيضاء. # آه يا صوتي، # تزينك علامة البحر: # فوق القلب مرساة، # وفوق المرساة نجمة، # وفوق النجمة الريح، # وفوق الريح الشراع! # ملاح على الأرض، 1925م # بحر # بالليل أراك # كأنك خيمة # زهرة النوم الشمسية. # 63 # تطل منها خلسة # أشرعة كالمناديل، # تقول لي وداعا، # بينما أواصل نومي. # ملاح على الأرض، 1925م # صيحة صياد صقور تحت البحر # كم سأكون سعيدا # في بستان بحري # معك، يا حورية بستاني! # في عربة صغيرة، # يجرها حوت سليمان، # يا للفرحة أن أبيع تحت البحر المالح # بضاعتك. يا حب! # أعشاب البحر الطازجة، # أعشاب البحر، # أعشاب البحر! # عن ديوانه الأول «ملاح على الأرض»، 1925م # حلم ~~«إلى المجاذيف أيها الملاحون!» # خيل فيثنته # ليل. # قوقعة خضراء، القمر. # في كل الشرفات # فتيات بيضاوات وعاريات. # أيها الملاحون، إلى المجاذيف! # من الأرض تبزغ الكرة # التي لا بد أن تموت في البحر. # فجر. # نمن، أيتها الفتيات البيضاوات # حتى لا تسقط الكرة الأرضية # بين ذراعي الطوفان. # أيها الملاحون، إلى المجاذيف! # حتى لا تغفو الكرة السماوية # بين نهدي البحر! # الحبيبة، 1926م # جنة ضائعة # عبر القرون # وسط العدم الكوني # أبحث عنك بلا نوم. # ورائي، لا يرى، # لا يلمس كتفي، # ملاكي الميت، يقظان. # أين هي الجنة، # الظل الذي كنته؟ # سؤال في الصمت. # مدن بلا جواب، # أنهار بلا لغة، قمم # بلا أصداء، بحار خرساء. # لا أحد يدري. ناس يقفون # على الشاطئ ساكنين، # طابور قبور، # يجهلونني. طيور محزونة، # أغنيات متحجرة # ركب ms318 مذهول. # عميان! لا يدرون شيئا # رياح قديمة، بلا شموس، # على أطراف المدن، عاجزة # عن الهبوب، ترتفع # محترقة، ثم تنكفئ # وتظل صامتة. # منطلقة تفر مني السماوات، # والحقيقة التي لا شكل لها # مختفية في ذاتها. # هناك عند نهاية الأرض، # على الحافة الأخيرة، # تنزلق العيون، # أبحث عن ذلك الدهليز الأخضر # في الهاوية السوداء # وقد مات الأمل في نفسي. # آه يا شرخا في الظلال! # يا دوامة العالم! # يا حيرة القرون! # رجوعا! رجوعا ! يا للأخطار # التي تتهددني بها الظلمات الخرساء! # يا لضياع روحي! ~~- استيقظ، أيها الملاك الميت. # أين أنت؟ أضيء # طريق العودة. # صمت، صمت أكثر عمقا # جامدة هي نبضات # لا نهاية الليل # جنة ضائعة! # ضعت عندما بحثت عنك، # أنا، بلا ضياء إلى الأبد. # عن الملائكة، 1927-1928م # الملاك # 64 # يصطدم بالأبواب، # بالأشجار. ~~••• # لا النور يراه، ولا الريح، # ولا زجاج النوافذ. # نعم، ولا زجاج النوافذ. ~~••• # لا يعرف المدن. # لا يتذكرها # يسير ميتا. ~~••• # ميتا على قدميه، خلال الشوارع. # لا تسألوه. أوقفوه! # لا، بل دعوه. ~~••• # بلا عيون، بلا صوت، بلا ظل. # نعم، بلا ظل. # خاف عن العالم، # عن كل إنسان. # عن الملائكة، 1927-1928م # ملاك الأعداد # عذاري يحملن زوايا # وبراجل، يسهرن # على ألواح السماء. # وملاك الأعداد # يطير متفكرا # من «1» إلى «2» # من «2» إلى «3» # من «3» إلى «4». # طباشير بارد وإسفنج # يمسح ويشطب # نور الفضاء. # لا الشمس، لا القمر، لا النجوم، # ولا الخضرة المفاجئة # لا البرق والرعد، # ولا الهواء. ضباب فحسب. # عذاري بلا زوايا، # بلا براجل، يبكين. # وفوق اللوح الميت، # ملاك الأعداد # مكفن، بلا حياة # فوق ال «1» وال «2» # فوق ال «3»، فوق ال «4». # عن الملائكة # الملاك الطيب # هناك جاء من طلبت، # من دعوت. # لا من يكتسح السموات العزلاء، # النجوم التي لا مأوى لها، # الأقمار التي لا وطن لها، # الثلوج. # ثلوج من النوع الذي يسقط من يد، # اسم، # حلم، # جبين. # لا من يربط الموت # في شعره. # من دعوت. # بغير أن يحز الهواء. # بغير أن يجرح الأوراق أو يحرك زجاج النوافذ. # من ربط الصمت # في شعره. # كأنما ليحفر # بغير أن يجرحني # نهر ضوء حلو في صدري # ويجعل ms319 روحي # صالحة للملاحة. # عن الملائكة، 1929م # شبح يجوس في أوروبا ~~... والأسر الطيبة العريقة توصد النوافذ، # تؤمن الأبواب، # والأب يهرع في الظلام إلى البنوك، # ونبض البورصات يتوقف، # ويحلم في الليالي بالمحرقات، # بالقطعان المشتعلة بالنار # بأنه يملك اللهب بدلا من القمح. # والشرر بدلا من الحنطة # والدواليب المصفحة، # 65 # الصناديق الحديدية المملوءة بالتراب الملتهب. # أين أنت؟ # أين أنت؟ # إنهم يطاردوننا بالرصاص # آه! # الفلاحون يزحفون ليدوسوا على دمنا # ما هذا؟ # فلنغلق الحدود، # فلنغلقها سريعا. # أنظروا إليه وهو يزحف من هناك مع الريح الشرقية # من مراعي الجوع الحمراء. # حتى لا يسمع العمال صوته، # حتى لا يصل صفيره إلى المصانع، # حتى لا يرى الرجال في الحقول منجله المرفوع. # قيدوه! # فهو يثب فوق البحار، # ويذرع الأرض بأكملها، # 66 # وهو يتخفى في غرف الشحن بالسفن # ويتكلم مع الوقادين # ويشدهم إلى ظهر السفينة # ويثير الحقد والشقاء، # ويحض الملاحين على التمرد. # أغلقوا السجون. # ينبغي أن يتكسر صوته على الجدران. # ما هذا؟ # أما نحن فنتبعه، # ندعوه للهبوط من على الريح الشرقية التي تحمله إلينا، # نسأله عن المراعي الحمراء، مراعي السلام والنصر، # نجلسه على مائدة الفلاح الفقير، # نقدمه لأصحاب المصانع، # نجعله يقود الإضرابات والمظاهرات، # ويتحدث للجنود والملاحين، # ويرى الموظف الصغير في مكتبه # ويرفع قبضته صارخا في برلمانات الذهب والدم. # شبح يجوس في أوروبا، # في العالم. # ندعوه رفيقا. # شاعر على الدرب، 1931-1936م # إلى إنريك ليستر # عاد الخريف. الحرب مستمرة، باردة كالثلج، # غير عابئة بتساقط الأوراق من جديد. # الجذوع العارية بالقرب من المياه الحمراء # تشبه الإنسان في «جزيرة أيبريا»، # 67 # تحت نيران المدافع. # صمود الشجرة، يبلغ من الصلاة والإنسانية # ما يبلغه صمود الجندي الواقف تحت عاصفة # الموت الليلي يشهد مشرق الصباح # الذي يزدهر من جديد بالغصون الخالدة. # أرى الأوراق، أرى كيف تتعرى الأرض # لفترة قصيرة من غابتها المحبوبة، # وكيف يشعر الإنسان الصامد في إسبانيا # بأنه شبيه بالجذوع العارية أو الكاسية. # الخريف عاد. ومن بعده الشتاء. لا بأس. # ثوب الشجرة يتساقط، الشمس لا تذكرنا، # بيد أن الإنسان في المعركة أشبه بالجذوع، # فهو أعجف، مصفر، بارد، ms320 لكنه يخضر من الأعماق. # عاصمة المجد، 1936-1938م # تحولات القرنفلة # 1 # على حافة الحر وعند ضفة نهر في سنوات طفولتي # أردت أن أكون فرسا. # الشواطئ المعشوشبة لم تكن إلا رياحا وخيولا # أردت أن أكون فرسا. # الذيول المشدودة كنست النجوم. # أردت أن أكون فرسا. # أماه، أصغي إلى خببي على الشاطئ. # أردت أن أكون فرسا. # من الصباح، يا أماه، سأعيش بالقرب من الماء. # أردت أن أكون فرسا. # في قاع البحر نامت مهرة ذات أربع سيقان بيضاء # أردت أن أكون فرسا. # أخطأت الحمامة # أخطأت الحمامة # الحمامة أخطأت # لأنها أرادت أن تتجه للشمال، طارت للجنوب. # حسبت حقل القمح بحرا # أخطأت. # حسبت البحر سماء # والليل نهارا # أخطأت. # النجوم خالتها ندى، # والحرارة ثلجا # أخطأت. # وتنورتك حسبتها صديريتك # 68 # وقلبك حسبته بيتها # أخطأت. ~~(نامت على الشاطئ # ونمت على فرع غصن). # بين القرنفلة والسيف، 1939-1940م # قصيدة المنفى # أنتم يا من تنادونني بلا صوت من بعيد # بمثل هذه الأفكار المذعورة # وفي الريح الخائفة الخرساء، # أتنطقون باسمي بلا صوت؟ # أنتم يا من تضرعون هناك ويا من تصرخون # ويموت (الصراخ) في مثل هذا النغم البعيد، # أتنزعون بهذا النداء الأخرس # عظامي من جلدي؟ # مذاق الأسنان هو مذاق الكلمة المثلجة، # مات اللسان من شدة الرعب، # وكذلك الفؤاد الأخرس النبضات ... # جلد الثور يفر دفاقا بالدماء، # البحر يفر بحر الدموع الجاف ... ~~... والذين نادوني، قد شبعوا موتا. # بين القرنفلة والسيف، 1939-1940م ~~(8) خيراردو دييجو (1896م-؟) # سحب ~~(إلى أويخنيو دورس؛ راعي الشوارع الواسعة.) # أنا # فككت الأرائك، # ولما جلست على شاطئ النزهة الجاري # تركت حملاني من التلاميذ يتبعثرون، # كان كل شيء قد توقف؛ # كراستي. ~~••• # ورقة الشتاء الوحيدة # والجوسق # 69 # المثبت وسط الزبد. ~~••• # فكرت في الأسرة التي بلا دليل، الطازجة أبدا # لكي أدخن قصائدي وأحصي النجوم، # فكرت في سحبي، # أمواج السماء الفاترة # التي تبحث عن مسكن بغير أن تخفض من (سرعة) الطيران، # فكرت في ثنيات الأصباح الجميلة # المطوية مقلوبة كأنها منديلي، # ولكن لكي نطير # لا بد أن تتذبذب الشمس كالبندول، # وأن تدور المينى # 70 # في أيدينا # كل شيء أصبح واضحا، # قلبي ms321 الراقص يخدع النجم، # وهو من الحمى والكهرباء # بحيث يضيء الزجاجة حتى تتوهج بالبياض. # لا البرج الوحشي يوزع الرياح # التي تدور ببطء حول نفسها، # ولا يداي تحلبان أوعية الساعات. # لا بد أن ينتظر الإنسان # زحف العواصف والنبوءات، # لا بد أن ينتظر الإنسان # أن يلد القمر الطائر المسيح # 71 # لا بد أن يتم كل شيء. # زحف الأمواج من السينما يشبه أمواج البحر، # الأيام البعيدة تتشابك على الشاشة # الأعلام التي لم يرها أحد تعبق رائحتها في الفضاء، # والهاتف # 72 # ينقل صدى المعركة، # الأمواج تدور دورتها حول العالم، # لم يعد هناك مكتشفون للقطبين ومضايق البحار. # ومن مرض مجهول # يموت السياح # وفوق صدورهم دليل بمواعيد القطارات، # الأمواج تدور حول العالم، # أتمنى لو أمضي معها، # رأت كل شيء؛ # المخدات البالية وصنادل المسيح. # لا ترجع أبدا للوراء ولا تدير الرأس، # دعني متكئا للأبد # سوف أدخن قصائدي وآخذ سحبي معي # على كل طرقات الأرض والسماء، # وعندما ترجع الشمس فوق فرسها الأبيض # سأرفع سريري المتوازن إلى السماء. # 1922م # نظرة ~~(إلى رامون جوميز دي لاسيرنا.) # من شرفة إلى شرفة # تسمع كمنجات العميان # بأوتارها العاطفية، # خسارة لا تعوض! # تقطيع هذا الشارع بالمقص، # الرسائل التي تولد في باطني # تتعلم كيف تحسن الطيران قليلا، # وحاج نادم # رآه الناس ينزل في المصعد. # في السوق # تجدد الأعلام الهواء، # وفرس أوراق اللعب # يخطو أفضل من جندي # وأنت أيها الترام الطيب القلب # يا دودة دموعي، # يا من تنسج حزني في أحشائك، # قدني إلى حظيرتك # وأخرجني من البئر # التي أخاطبك منها، # أعدك أن تزدهر أسلاكك # في هذا الربيع فوق كل الأسطح؛ # كل الأسطح المنسية # التي لا ترعى الماشية فيها، # ولا يبلغها شعاع من الماء # لندع الرب # يطلق سراح النجوم، # ولنخلد إلى النوم، # فلا نسألها كثيرا. # 1924م # شجرة سرو في دير سيلوس # شعاع الأحلام والظلال، يا من تنطلق إلى أعلى # فتخيف السماء برمحك # العين التي تفور فتوشك أن تبلغ النجوم # تندفع بلا كلل أو إعياء. # أنت يا شراع الخلاء، يا جزيرة الأعاجيب، # يا سهم الإيمان والرجاء، # ماذا حدث حتى ms322 تحج روحي # إلى «أرلانزا» لزيارتك؟ # لما رأيتك وحيدة، حلوة، وثابتة، # شعرت أنني مدفوع للانطلاق، # التحليق معك على جناح البلور، # معك، أيها البرج الأسود الزاخر بالأطراف الحادة، # يا مثلا لكل الذين تطلعوا إلى الله، # أيتها الشجرة الخرساء وسط نيران ديرسيلو. # 1925م، أشعار إنسانية # أرق # أنت وحلمك العاري. لا تعرفين. # تنامين. لا. لا تعرفين. أسهر، # وأنت، يا بريئة، تنامين تحت السماء. # أنت في حلمك، والسفن في البحر. # أطباق الهواء تحبسك عنى في سجون الفضاء. # تنتزعك مني. ثلج، # بللور الهواء من آلاف الأوراق. لا. # ما من طيران يحمل أجنحة طيوري إليك. # أعرف أنك تنامين، مطمئنة، في سلام. # تيار الاستسلام المطيع، خط نقي، # قريبة جدا من ذراعي المغلولة. # عبودية مخيفة لرجل الجزيرة، # أنا سهران، مضطرب، فوق الصخور، # السفن في البحر، وأنت في حلمك. # 1929م، قبرة الحقيقة # جمل شرطية # إذا كسرت. كما تكسر البيضة # ساعة هجرتها الساعات، # 73 # فستسقط صورة أمك الميتة فوق ركبتك. # إذا نزعت هذا الزر الصرى من سترتك، # حيث لا يطل أحد من خلف الأوراق؛ # فستغمض الإسفنجات عيونها واحدة بعد الأخرى. # إذا فتح لك التأمل الطويل # طريق الأمواج الخالية من الزبد (الذي يصل) لأذن حبيبة # فسوف يشع صميم حياتك بالنور، # 74 # إذا قشرت مساء اليوم برتقالة بيديك الموضوعتين في قفاز # فسوف يعبر القمر الصامت # على شاطئ النهر في الليل، # ويجمع خواتم الأرامل # وخطط # 75 # أزهار الأقحوان # 76 # البطيئة. # إذا اشتقت مرة # إلى الرغبة الأخيرة ~~(التي يبديها) المحكوم عليهم بالإعدام والحملان البريئة # فلا تنس أن تقطع أجمل فجر يشرف عليك، # وأحب الأظافر إلى نفسك. لا تنس. # 1941م، سيرة حياة ناقصة # صمت # صمت، صمت. أنا لا أصمت بإرادتي، # أصمت لأن الألم يثقل علي، # حتى لا تخلع الكلمات # صمتي العميق الحق عن عرشه. # يهيمن الصمت، قوة الفعل الجادة، # التي تمد جسرا بين نغمة ونغمة، # لكيما يشدو الفم الأخرس # بمزموره كله، في عمق الباطن، في عمق الهوة. # وددت لو فتحت طرف ردائي، # لو أطلقت سراح طيور الانسجام، # لو وهبتها للسماء على جناح الأنغام، # لولا خوفي أن ms323 يثب غصني، # وبدلا من الثناء الجميل الدافئ # يسمح بترديد كلمة لا تعرف الحب. # 1951م ~~(9) لويس ثرنودا (1902-1963م) # مخبوء بين الجدران # بنشوة خفية # تمنحني هذه الحديقة # المخبوءة بين الجدران # أغصانها ومياهها. # 77 # أي هدوء! أهكذا العالم؟ # السماء تعبر الحقول # وتصفها بجوار بعضها البعض # باسمة للأفق البعيد. # الأرض غير مبالية. # عبثا يلمع القدر. # بقرب المياه الهادئة # أحلم وأفكر، أنني أعيش، # الزمن وحده # يحدد قدرة هذه الساعة # ينضج مقياسها. # يفلت من بين ورودها. # وترجع الأنسام الرطبة # مع اقتراب الليل، # الغصون والمياه # تنسى نعومتها. # أشعار أولى، 1924-1927م # ولم يقل كلمة # لم يقل كلمة، # قرب جسدا يسأل فحسب، # لأنه لم يكن يعلم أن الرغبة # سؤال لا جواب عليه، # ورقة بلا فرع، # عالم بلا سماء. # القلق يشق لنفسه طريقا بين العظام، # يصعد في العروق، # حتى يحفر في الجلد # نوافير أحلام، # سؤالا من لحم الجسد، يرد إلى السحب. # تكفي لمسة خفيفة عابرة، # نظرة خاطفة في الظلام، # وينقسم الجسد إلى اثنين، # يتشهي أن يحتوي جسدا آخر حالما، # نصفا مع نصف، حلما مع حلم، لحما مع لحم، # شبيهين في الشكل، في الحب، في الشوق. # حتى ولو بالأمل، # لأن الرغبة سؤال، لن يعرف أحد جوابه. # اللذات المحرمة، 1931م # كانت هناك في أعماق البحر # كانت هناك في أعماق البحر لؤلؤة وزمارة قديمة. وكانت طبقات الماء ~~الرفيقة تبتسم بعذوبة كلما جرت بالقرب منها؛ سموهما ~~الصديقتين. # كان هناك طفل غريق بجوار شجرة من المرجان. الذراعان الباهتتان ~~والغصون المضيئة تشابكا بقوة؛ سموهما العاشقين. # كانت هناك بقايا عجلة تدحرجت من مسافة بعيدة جدا وطائر محنط راح، ~~وهو الغريب الأنيق، يفزع الأسماك التي فوجئت به، سموهما الرعاة. # كان هناك ذيل جنية ساحرة ينثر السموم من حوله وفخذ صبي صغير؛ ~~وكانت هناك روائع أخرى عجيبة، وعندما يجري الماء يجري. # كانت هناك نجمة، جورب رجل، كتاب مفكك الأوراق وكمان صغير، وكانت ~~هناك روائع أخرى عجيبة، وعندما يجرى الماء يجري فوقها ويلمسها لمسا ~~خفيفا كان يبدو كأنه يدعوها أن تكون الحاشدية البراقة التي تسير في ~~ركابه ... # ولكن لم يكن ms324 بينها شيء يشبه يدا مقطوعة من الجبس. # لقد بلغت من الجمال ما جعلني أصمم على سرقتها. # من ذلك الحين وهي تملأ علي أيامي وليالي، تعانقني وتحبني، أنا ~~أسميها حقيقة الحب. # اللذات المحرمة، 1931م # حارس الفنار يتحدث مع نفسه # أيتها الوحدة، كيف أملؤك # إلا بنفسك؟ # عندما كنت طفلا يحيا في كهوف الأرض التعيسة، # منزويا في ركن مظلم، # فتشت فيك، يا باقة الورد الملتهبة، # عن فجر أيامي المقبلة وليالي المختلسة، # وفيك استشرفتها # أمينة ودقيقة، حرة وصادقة، # صورة من نفسي، # صورة منك، يا وحدتي الخالدة. # ثم ضيعت نفسي في أرجاء الأرض الظالمة # كمن يبحث عن أصدقاء أو حبيبة مجهولة؛ # على خلاف العالم، # صرت نورا صافيا ورغبة جارفة، # وفى المطر القاتم أو الشمس الساطعة # نشدت حقيقة يمكن أن تشي بك، # ناسيا في غمرة اللهفة والشوق الجياش # أن الأجنحة العابرة تصنع لنفسها سحابة كابية. # وعندما احتجبت عيناي خلف قناع # من سحب متراكمة في خريف مزبد # ولمحت فيك نور الأيام الغابرة، # أنكرتك متعللا بالقليل؛ # بمغامرات الحب الصغيرة التي لم تكن جدا ولا هزلا، # بالأصحاب والمعارف المحترمين ذوي الإشارات السخيفة والكلمات ~~الجوفاء، # باسم ذي سمعة مريبة في عالم المظاهر الخداعة، # باللذات القديمة المحرمة، # واللذات المباحة التي تبعث على الاشمئزاز # ولا تصلح إلا للصالونات الأنيقة وأحاديثها الهامسة، # بالأفواه الكاذبة والألفاظ الثلجية. # ها أنت ذي تدلينني على صدى كياني القديم، # الذي لطخته بألوان من غدر الشباب؛ # ها أنت ذي يا كوكب السعد # البريء من كل منزع غريب # ترينني الشمس - إلهتي - والليل الهامس، # المطر، رفيقي الحميم، # الغابة وشذاها الوثني، # البحر، البحر، وما أجمل اسمه! # وفوق كل هؤلاء، يا جسدا مظلما نحيلا # ألقاك يا وحدتي الحبيبة، # فتمنحينني القوة والضعف، # كمثل ذراعين حجريتين للطائر المضني، # ها أنا ذا أستند على الشرفة، # وأنظر إلى المياه بعينين لا تشبعان، # أسمع لعناتها المعتمة، # أتأمل عناقها الأبيض. # وفي وقفة الحراس، # أشبه ماسة تدور لتحذر الناس # الذين أعيش من أجلهم، وإن كنت لا أراهم، # وهكذا أجدني بعد أن بعدت عنهم ونسيت أسماءهم من زمن طويل، # ما زلت ms325 أحب جماهيرهم # الخشنة العنيفة كالبحر، بيتي ومسكني، # النقية حين تنتظر ثورة عارمة، # أو الوديعة الأليفة كما يستطيع البحر أيضا أن يكون # عندما تدق ساعة الراحة التي تغلب قوته. # أنت، يا حقيقتي الوحيدة، # يا عاطفتي الشفافة، يا وحدتي المقيمة، # عناق لا متناه؛ # الشمس والبحر، # الظلام والبراري، # الإنسان وأشواقه، # الجماهير الغاضبة، # هل هي إلاك؟ # لأجلك، يا وحدتي الحبيبة، طلبتهم ذات يوم؛ # فيك، يا وحدتي، أحبهم الآن. # توسلات، 1934-1935م # مرثية إسبانية # يا أيتها الحقيقة الغامضة # لجيلنا، # 78 # أجيبيني، تكلمي معي، # بعد كل هذه القرون، # يا أيها النفس الخلاق # لأبناء اليوم، # الذين أرى كيف يدفعهم الحقد # لتقديم أرواحهم للموت # وهو أعمق الأوطان. # عندما يبدأ الربيع العجوز # في نسج (خيوط) سحره # على جسدك غير المحدود، # أي طائر سيجد هناك عشا، # وأية عصارة ستجد غصنا # تخضل فيه دفعتها الخضراء؟ # 79 # أي شعاع للنور الممراح، # وأية سحابة فوق الحقل المهجور # ستجد (حفنة) ماء، نافذة بيت هادئ، # تعكس عليها ألعاب قوس قزح؟ # حدثيني، يا أمي، # وإذا كنت أخاطبك بهذا النداء، # فلأن امرأة لم تعامل إنسانا # كما عاملتني. # كلميني، قولي كلمة واحدة # في هذه الأيام الطويلة المعذبة، # هذه الأيام التي تسودها الفوضى، # التي تتصارع أمام عينيك، # السكين المرة # في أيدي أبنائك. # لا تشيحي هكذا ببصرك عني # وتنطوي خلف الأقنعة الترابية الطويلة، # التي تحجب عنا عينيك الواسعتين الجميلتين. # تلك الورود المتساقطة، # البراعم المسحوقة في الدماء والأقذار، # ظلت خالدة تلمع بين يديك # منذ قرون سحيقة # حين كانت حياتي حلما في رءوس الآلهة. # أنت وعيناك، هذا ما أبحث عنه، # أناديك وأنا أصارع الموت، # أنت أيتها الأم البعيدة الغامضة # يا أم (آلاف) النفوس الميتة # التي توصيك، بلمعة الحجر الناصع، # بأشواقها للخلود، رمز الجمال. # لكنك لست سيدة # الأشواق الميتة نحسب؛ # رقيقة كنت دائما وحنونة مع أشواقنا الحية، # شفوقة على حظنا البائس نحن الفانين. # أو كنت تعلمين أننا جديرون بك؟ # تأملي الآن من خلال الدموع، # انظري كم من الخونة، # انظري كم من الجبناء، # ينكرون اسمك وحضنك، # وهم يفرون بعارهم بعيدا عنك، # في الوقت الذي نرقد ms326 فيه صابرين عند قدميك، # ونرفع إليك أبصارنا من الأرض، # ويشعر أبناؤك شعورا غامضا # بجزائهم على هذه الساعات الشقية! # لن يعرف الحياة # من لم يستمد الشجاعة من الحرب. # إنها تنشر أجنحتها الكثيفة علينا، # وأنا أسمع حفيفها الحديدي، # وأرى الذين يموتون فجأة # يسقطون في العشب المحترق، # بينما يتعذب جسدي، # ويصارع مع فريق منهم فريقا آخر، # لست أدري ما الذي يرتجف في كياني ويموت، # وأنا أراك مكلومة ووحيدة، # وأرى بين الأنقاض عطايا أبنائك # عبر القرون؛ # كم أحببت ماضيك، # وبريقه المنتصر بين الظلام والنسيان! # أنت ماضيك، # وأنت كذلك الفجر # الذي لم يشرق بعد على حقولنا. # أنت وحدك تبقين، # مهما ينزل بنا الموت؛ # فيك وحدك القوة، # التي تمنحنا الأمل في المستقبل # مهما غشيت منا الأبصار. # فمن وراء هؤلاء وغيرهم من الأموات، # ومن وراء هؤلاء وغيرهم من الأحياء المكافحين، # يشهد شيء بعذابك الذي تقاسينه مع الجميع، # وكل حقدهم، وقسوتهم، وصراعهم. # ليس إلا عدما لديك، مثل حياتهم سواء بسواء. # لأنك خالدة، # وأنت وحدك التي خلقتهم # للسلام ومجد الأجيال. # مرثية إسبانية مهداة إلى فيثته إليخاندره # 2 # ها هي ذي مسافة البعد التي تفرق بيننا # تحمل معها العذاب، # وتبدد إشراق السعادة، # كأنها سحابة ممزقة # في المطر المنسي؟ # لم يتغير شيء بيني وبينك يا بلدي، # كلمتك البائسة، # تدفق الذكريات الخفي # الذي يتلقى الحياة والحقيقة من روحك الطاهرة. # أنا لا أعاديك، (فقد كتب علي) أن أشهد في سكون # هذا الشقاق العقيم الذي يخيم عليك، # وأحس ريح الجنون التي تصرعك. # الله وحده يحرسنا، # فهو الذي يقضي ويفصل في الحقد الأبدي # منذ وعت ذاكرة الإنسان. # سقوفك صارت رمادا، وحقولك المجدبة # تنبت حصاد الجوع؛ # جناح الموت يمزق هواءك، # أهلك يتساقطون مسحوقين كالزهور، # وهم الذين قد خلقوا للحب والعمل، # والذين دبروا الحرب تحت ستار الظلام # يتلذذون بانتصارهم. # أما أنت، # يا أرضي، يا حبي الوحيد العظيم، # فتلوذين بالصمت، # تبكين وحدتك، عذابك، عارك. # لم تزل روحي وفية نشوى كالعصفور # الذي طار في الربيع إلى عشه القديم، # ثم ما لبث أن رجع إليك وأنهي رحلته، # عندما جذبه من ms327 بعيد، يا وردة القدر، # سحر لا يوصف. # إنها تترك هذا الضباب المنتشر من حولها، # ترسل شكواها في سمائك الرحبة، # بينما يظل الجسد مترددا، # ضائعا، نائيا، بين الحلم والحياة، # يصغي لحفيف الساعات الكسولة. # بيد أن هذه العيون المتيمة بك # لن تستطيع أن تعكس صورتك. # لن تستطيع الروح التي كانت تعيش # مطمئنة في ظلك، # أن تجوب غاباتك # وتحلم بالعالم الذي كنت أتخيله وأبنيه # عندما كنت أذعن لشبابي الحزين. # أنت أيها البرج المنيع وسط الأنقاض، # ولا شيء سواه، # تستطيعين أن تملئي عزلتي حياة، # ففيك وحدك ينعس # هذا الغياب عن كل شيء. # اجعلي نسماتك تمر على جبهتي، # نورك يترقرق في صدري حتى الموت # وهو المجد الوحيد الأكيد. # الذي ما زلت أشتهيه. # السحب، 1937-1940م ~~(10) فيثنته أليخاندره (1900م-؟) # بعد الموت # الواقع الذي يعيش # في أعماق قبلة ناعسة، # حيث لا تجسر الفراشات أن تطير # لكيلا تحرك الهواء الساكن كالحب، # هذه الشفافية المسعدة، # حيث التنفس لا يعني أن تحس بلورة في الفم. # لا يعني أن تتنفس صخرة جامدة، # لا يعني أن تحرك الصدر في الفراغ # بينما ينعطف الوجه البنفسجي كالزهرة. # لا. # الواقع الحسي # يرفرف بجناحين هائلين، # لكن من بعيد، دون أن يمنع # اهتزاز الأزهار الناعم الذي أتحرك فيه، # ولا عبور الطيور الرقيقة # التي تحط لحظة على كتفي كلما استطاعت ذلك ... # البحر كله، وهو بعيد، وحيد، # محبوس في مكان، # يمد ألسنة طويلة خلال نافذة فيمنعه الزجاج، # وتكوم (أمواج) الزبد الغاضبة وجوهها # التي تضغط على الزجاج # دون أن يشعر بها أحد. # البحر أو حية # البحر أو ذلك اللص الذي يسرق الصدور، # البحر الذي ظل جسدي مدى الحياة نهبا لأمواجه، # الواقع الذي أحياه، # هذه الشفافية السعيدة # التي لن تمكنني أبدا من أن أسمي الهواء يدين، # ولا أن أدعو الجبال قبلا، # ولا ماء النهر فتاة تهرب مني. # الواقع الذي لا يمكن أن تختلط فيه الغابة # بهذا الشعر الهائل # الذي يزيد معه الغضب. # كلا ولا يصبح الشعاع الباكي والصوت الذي يناديني، # عندما تتمكن الصخرة - ووجهي مدفون بين يدي - # أن تكون في عين النسر ms328 صخرة. # الواقع الذي أحياه، # هذه الشفافية السعيدة المباركة # التي يقترب فيها نغم القميص الروماني الأبيض # 80 # أو نغم ملاك، # أو النشيج الأبدي لهذا اللحم # وكأنه مطر مصفى # أو هذه النبتة الدائمة الاخضرار، # أو أرض مجدبة، طازجة، عطرة، # تستطيع أن تحمل قدمين خفيفتين. # كل شيء يزول. # الواقع ينقضي # كطائر مرح. # يحملني بين جناحيه # كريشة خفيفة. # ينتزعني من الظلام، من النور، من الجنون الإلهي. # يجعلني ريشة وهمية، # يتجاهلها البحر عندما تمر فوقه، # البحر الذي انتصر في النهاية، # هذه المياه الكثيفة التي تطمس كل شيء متميز # كأنها شفاه سوداء. # الدمار أو الحب، 1932-1933م # بلا نور # سمكة السيف، # 81 # التي يرجع تعبها إلى العجز عن اختراق الظلام، # إلى الإحساس ببرودة قاع البحار، # حيث السواد لا يعرف الحب، # حيث تفنفد تلك الأعشاب الطازجة الصفراء، # التي تكسوها الشمس في المياه العليا بلون الذهب. # الحزن المتنهد لسمكة السيف الجامدة # التي لا تدور عيناها، # التي يلتهم اطمئنانها الهادي حدقتها، # التي تنزلق دمعتها في المياه نفسها، # بغير أن يفطن أحد إلى اصفرارها المحزن حتى الموت. # قاع هذا البحر، حيث تتنفس السمكة الساكنة، # الطين بخياشيمها، # هذا الماء الذي يشبه الهواء، # هذا التراب بذراته الدقيقة، # الذي يفور كالدوامة كلما داعب حلما عجيبا، # ويهدأ هدوءا رتيبا حين يغطي الفراش الوديع # الذي يحط عليه الجبل الأعلى بثقله. # وتهتز ذراه كباقة ريش، # لكن في حلم معتم. # الزبد على السطح، أمواج الشعر المنفوش، # لا تعرف شيئا على الأقدام الطينية العميقة، # واستحالة الفكاك من الهاوية، # والارتفاع بأجنحة الأمواج الخضراء فوق الهاوية الجافة، # والانطلاق بلا خوف إلى الشمس المتوهجة. # أمواج الشعر البيضاء، أفراح الحياة الشابة، # تكافح بإصرار وسط زحام الأسماك ~~- في سبيل الحياة التي تبدأ الآن - # لكي ترفع صوتها في الهواء الشاب، # حيث تصنع شمس مشعشعة # من الحب فضة ومن العناق ذهبا، ~~(وتصنع) الجلد الواحد، # هذه الصدور المتشابكة كالقلاع، # التي لا تهدأ حتى تتلاحم مع بعضها. # لكن القاع يرتجف مثل سمكة وحيدة مهجورة. # لا جدوى من أن تتجعد في الزرقة جبهة صافية # كأنها شمس تهب نفسها، # كأنها ms329 حب يزور البشر. # لا جدوى من أن يحس بحر كامل غير محدود # أن أسماكه وسط أمواج الزبد أشبه بالطيور # الدفء الذي سلبه منه القاع الهادئ الكثيف، # القاعدة الساكنة لعمود عمره ألف عام # التي تسحق جناح بلبل غريق، # ومنقارا غنى بزوال الحب، # أغنية فرحة، تحت ريش ناعم، # وشمس شابة. # هذا الظلام العميق الذي لا موضع فيه للشكوى، # ولا عين تدور في محجرها الجاف، # سمكة السيف التي لا تقوى على اختراق الظلام، # حيث الطين الهادئ لا يقلد حلما أجوف. # الدمار أو الحب، 1932-1933م # تعال دائما، تعال # لا تقترب. جبينك، جبينك المتوهج، # جبينك الملتهب، # آثار القبل، # هذا البريق، الذي أحسه بالنهار # عندما تقترب، # هذا البريق المعدي، الذي يعلق بيدي، # هذا النهر المتألق، الذي أغرق فيه ذراعي، # ولا أجرؤ أن أشرب منه # خشية أن أصبح نجما قاسيا. # 82 # لا أريد أن تحيا في كما يحيا النور، # بعزلة نجم يتخذ بضوئه، # ويمتنع عليه الحب خلال الفضاء # الفعاء الأزرق القاسي الذي يفرق ولا يجمع، # ويبدو فيه كل كوكب بعيد المنال # وحدة تنشج بالبكاء وترسل حزنها الأليم. # الوحدة تشع في عالم بلا حب. # الحياة قشرة حية، # بشرة مجعدة ساكنة، # لا يستطيع الإنسان أن يجد فيها راحته، # مهما يبن حلمه على نجم منطفئ. # أما أنت فلا تقترب. جبهتك المشعة، # فحم ملتهب يسلبني وعيي، # ألم براق، أشعر فيه بغتة بإغراء الموت، # برغبة في إحراق شفتي بلمستك التي لا تمحى، # بالإحساس بلحمي يتحلل في ماستك المحرقة. # لا تقترب، لأن قبلتك تمتد # امتداد التصادم المستحيل بين النجوم. # أشبه بالفضاء الذي يشتعل فجأة، # الأثير الذي ينمو وينتشر ويصبح دمار العوالم فيه # قلبا واحدا، يحترق ويتحول بأكمله إلى رماد. # تعال، تعال، تعال كفحة مظلمة مطفأة، # تحيط بميتة؟ # تعال كالليل الأعمى، # الذي يقرب وجهه مني؛ # تعال كشفتين انطبع عليهما اللون الأحمر، # من ذلك الخط الطويل الذي يذيب المعدن. # تعال، تعال، يا حبي؛ تعال، أيها الجبين الغامض، # أيتها الاستدارة التي تكاد تدور، # يا من تلمعين كمدار (فلكي) سيموت بين ذراعي؛ # تعال كعينين أو وحدتين عميقتين، ms330 # كنداءين آمرين من أعماق لا أدريها. # تعال، تعال، يا موت، يا حب؛ # تعال سريعا، إني أدمرك؛ # تعال، لأني أريد أن أقتل أو أحب أو أموت # أو أعطيك كل شيء؛ # تعال، لأنك تتدحرج كحجر خفيف، # مضطربا كقمر يطلب أشعتي! # الدمار أو الحب، 1932-1933م # تحت الأرض # لا. لا. أبدا. أبدا. # قلبي ليس له وجود. # عبثا تعبرون واحدا بعد الآخر، كأشجار جرداء، # عندما تدور الأرض. # عبثا يردد النور نغمه في الأشجار مثل ريح محبوبة، # ويقلد بعذوبة قلبا يدعو وينادي. # لا. أنا الظل المعتم الذي يتقوس # كالحية في جذور الشجر ويرسل موسيقى. # الحية الجبارة التي تتنفس تحت الأرض كجذع شجرة # دون أن تتوقع عشبا. # أعلم أن هناك سماء. ربما كان فيها إله يحلم. # أعلم أن هذه الزرقة المشعة، # التي تحملونها في عيونكم # سماء صغيرة (يتألق) فيها ذهب ناعس. # تحت الأرض يعيش الإنسان. الرطوبة هي الدم. # هناك ديدان صغيرة كأطفال لم تولد. # هناك درنات تنمو في الداخل كالأزهار، # تجهل أن البراعم - في ذروة الكمال وفي ظل الحرية - # تكون ورودا صفراء، قرمزية أو بريئة. # هناك أحجار، لن تتحول أبدا إلى عيون. # أعشاب هي (في الحقيقة) لعاب مؤلم. # وهناك في الأرض أسنان، تتحرك وسط الأحلام، # وتمضغ ما يستحيل أن يكون قبلة. # والصخر هناك تحت الأرض، في أعماق أبعد غورا، # الصخر العريان النقي، المكان الوحيد # الذي قد يستطيع البشر أن يعيشوا فيه، # والذي يبعث الدفء في اللحم العاري، # هناك في الأعماق، وتتفتح فيه زهور رائعة وضاءة. # هناك الماء تحت الأرض. ماء مظلم، أتعرفون هذا؟ # ماء بلا سماء، # ماء ينتظر الوجه في صمت من آلاف السنين، # الوجه الطاهر أو الناصع كالبللور، الذي يعكس ظله، # أو ينتظر ريش الطير الذي يشق سماء مفتوحة. # والنار تطهر في أغوار أبعد، أكثر بعدا # النار الموحشة التي لا يهبط إليها أحد. # المنفى المحرم على النفوس والظلال. # الأحشاء المحترقة في وحدتها الأليمة. # لستم أنتم، يا من تعيشون في العالم، # يا من تعبرون أو تنامون مكبلين بالسلاسل البيضاء، # يا من توشكون أن تطيروا بأسماء الغروب، # أو ms331 السحر أو السمت # 83 # العالي، # لستم أنتم الذين ستدر كون قدر إنسان. # عالم وحدي، 1934-1936م # العناصر الأربعة # 84 # الأرض # الأرض المتحركة # تسكب فرحتها نباتا. # أنظر: ها هي قد ولدت! # حمرة خضراء، تبحر اليوم # في فضاء لم يزل شابا. # ماذا تحوي؟ وحيدة، # طاهرة بذاتها، # لا يسكنها أحد. # السحر الصامت وحده، # السحر الأول للكون، # يسري بين الأنجم # ويطوف خفيفا عذريا # في هالة نور ذهبية. # النار # كل نار تتحاشى العاطفة. # هي نور وحسب! # انظروا كيف ترتفع # حتى تلامس السماء # بينما تخترقها الطيور جميعا # إذا احترقت لم تتحول إلى رماد # والإنسان؟ أبدا # لم تزل هذه النار # متحررة منك، # يا أيها الفاني. # هي نور، نور بريء. # يا أيها الإنسان، # ليتك ما ولدت! # الهواء # لم يزل الهواء أقوى من البحر، # أشد هولا من البحر، # يحوطه الهدوء والسكون. # حراسة عالية للنصاعة الخالية من البشر. # ربما استطاعت قشرة الأرض في يوم من الأيام # أن تحس بك، يا أيها الإنسان. # الهواء الذي لم يعرف الهزيمة # ينكر أنه عاش في صدرك. # خالدا، بلا ذاكرة، يتألق الهواء. # البحر # ترى من الذي قال إن البحر ~~- شفة الحب الممتدة للشاطئي - # تنهد في حزن؟ # دعوه، وقد التف في النور، يخضر. # المجد، المجد في الأعالي، وفي البحر الذهب! # يا أيها النور الجليل، اشمل بغطائك # هذا العمر اليانع أبدا للبحر الفرحان وغن له! # هناك، يعيش البحر # بلا زمن، يبعث بأشعته. # قلب إله خالد، # قلب يخفق! # ظل الفردوس، 1939-1943م # الشمس # خفيفة، حرة، # 85 # بالتقريب: # صنادل، خطو بلا جسد. # إلهة وحسب، # تطلب عالما # تجعله نعلا لجسدها، # المشمس هناك. # لا تقولوا: شعر، ~~(بل) شعر محترق. # قولوا صنادل، # خطو خفيف؛ # لا تقولوا: أرض، ~~(بل) عشب ناعم # يئز تحت هذا البريق، # من الرقة بحيث تعبده # عندما تمر عليه. # آه! أشعري بنورك، # بلمستك الشمسية المهيبة! # هنا، تصبح الأرض سماء # حين تحس بك. وتلمع. # كتبت قبل سنة 1943م # ويغني الشاعر للناس جميعا ... # 1 # ها هم أولاء جميعا هناك، وتراهم يعبرون. # هناك، أجل هناك، كم تود لو اختلطت بهم وأعلنت (لهم) عن ~~نفسك! # الدوامة ms332 الثائرة في قلبك تدفعك للجنون، # كتلة ألم غاضبة، # تفتت على جدران اللحم الخرساء، # وبجهد أخير، تحسن أمرك. # نعم، يمرون. # يمرون جميعا. أطفال ونساء. رجال جادون. # حزن ما. نظرات. # ويمر جمهور وحيد، كائن فريد، # حشد هائل. # وأنت، بقلبك المحزون الذي ينتفض من الملك الوحيد، # تغوص في القاع بجهد أخير. # نعم، كم ترضى في نهاية الأمر وتغتبط! # هنالك تسلم نفسك فرحا للأمواج # تتبع مجرى النهر، يهزك، يصدمك، يهدهدك # فترق وتصفو. # وتسمع ضجة كثيفة، أشبه بأهزوجة تصم الآذان، # وتغدوا آلاف القلوب قلبا واحدا يحملك. # 2 # قلب واحد يحملك. # تخل عن حزنك. اشرح قلبك المنقبض. # قلب واحد يجري في كيانك، خفقة واحدة # تصعد إلى عينيك، # تقهر جسدك، تنفخ صدرك، # تحرك يديك عندما تسير للأمام # فإن وقفت لحظة، وإن رفعت صوتك، # عرفت غنوتك. # هذا الذي تجمع من كل الأجساد المظلمة التي لا تكاد تحصى، # واتحد وأرسل الصواعق، # كل ما تحرر فجأة في صرختك من خلال الأجسام والأرواح، # إنما هو صوت أولئك الذين يحملونك، # الصوت المرتفع الصادق. # الذي يمكنك أن تسمع نفسك فيه، # وتتعرف نفسك في دهشة. # الصوت الذي يخرج من كل القلوب المتفرقة، # وينفذ من حنجرتك ليرفرف حرا في الهواء. # 3 # صوت للآذان جميعا. انظر كيف يصيخون السمع إليك. # يستمعون لأنفسهم. يصغون لصوت واحد، # يتغنى بهم. # جماهير الغناء نفسها تتحرك كالموجة. # وأنت في القرار، توشك أن تتحرر، # تعرف أنك عقدة في حبل وجودهم. # ويتردد الصوت الذي يحملهم جميعا. # يتحدر كالدرب. # كل ما تنبته الأرض يخطو عليه. # يخطو في زينته وجماله، يطبخ لحمه فوقه. # وهو يتفتح ويهتدي بنفسه، # والجماهير كلها تعبر بوجوه جادة. # كأنما تصعد جبلا، وهو وجهة الزاحفين. # وتظل تصعد حتى تبلغ ذروته الناصعة. # وتشرق الشمس فوق الجباه. # ويقف الجميع على القمة الرائعة ويغنون. # وصوتك هو الذي يعبر عنهم. # صوتك السامي النبيل، صوتهم أجمعين. # وسماء قادرة كاملة الوجود. # تردد بجلال كل صدى الإنسان. # تاريخ القلب، 1945-1953م ~~(11) ثيثليا ميريليس (1901م-؟) # سأحبك من بعيد # سأحبك من بعيد # من تلك المسافة الهادئة # التي يصبح الحب فيها شوقا # وعاطفة ms333 ووفاء. # 86 # من ذلك المكان المقدس # حيث فرحة الوجود ~~- وهي الأبد والخلود - # تبدو كأنها غياب. # من يحتاج أن يفسر # لحظة الوردة وأريجها # التي تقنع # بغير ما غرور؟ # وفي أعماق البحر # يحقق النجم، بغير عنف # حقيقته # ناسيا الشفافية. # أغنيات، 1956م # باعث # أغني لأن اللحظة موجودة # وحياتي كاملة. # لست سعيدا ولا حزينا. # أنا شاعر. # 87 # شقيق الأشياء الزائلة، # لا أشعر بفرح ولا عذاب، # أعبر الليالي والأيام # في الريح. # سواء كنت أهدم أو أبني، # سواء بقيت أو تحللت، # لا أدري، لا أدري. # بل لا أعلم إن كنت سأبقى # أو أمضي. # أعلم أنني أغني، والأغنية هي كل شيء. # لها دم خالد وجناح موزون. # وأعلم أنني سأخرس ذات يوم: # ولا شيء غير هذا. ~~(12) أويخينيو فلوريت (1903م-؟) # سوناتا # ستلاحظون أنني كنت حيا # من ظل سيلقيه جبيني. # على جبيني وحده (سيكون) القلق حاضرا ~~(القلق) الذي أحتفظ به الآن في نفسي، أسير أحزاني. ~~(سيكون) وجهي أبيض، بغير لهيب الشهوة، # بغير أحلام تعلق بالفكر. # فوقي الآن، # 88 # في صمتي الأبدي # وردة من ورق، وفرع زيتون أخضر. # يا لهذا النوم بلا أحلام مزعجة، # الروح متفتح للعناق المرتعش، # واليدان فوق القلب مضمومتان. # ما أبعد صوت الأحباب. # آه! في فمي طعم مباهج # المحيطات السامية الصافية. # نغمة مزدوجة، 1937م # الليل # أنا الآن، يا إلهي، أعرف ما تقول # النجوم في سمائك؛ # لأن نقاطها الماسية # تكتبها لي. # الآن، في صفحات الهواء # تسقط الحروف، وأنصت، # بعينين مرفوعتين، وفم صامت # وفكر ساكن. # الآن كم تتضح الكتابة # في أعماق الليل، # 89 # في أعماق القلب المشتاق # ليلقي هذه النار # التي تهبط من وهادك # وتنور أحلامي # وتقتل الجسد # 90 # وتترك الروح في جوهرها العاري # 91 # ما تقوله نجومك # ينبهني، يا مولاي، # لأمجاد أسمى، # لتحليق أسرع، # لحذر لا أدريه، # لفرح مرتعش أدريه ~~(كجناحي فراشة # ترفرف على الأرض) # وعلى الأرض يتلاشى # صوت السماء، وهو ينزف # حتى يصل إلى الروح # من باب الشهوة، # حمامة النجوم # 92 # جناح في الهواء، سهم، جذوة # في بياض الكور ~~(الملتهب) بحبك. # في يقظة كل هذا العدد # من الأضواء ms334 الحادة # يبتعد كل شيء، يهرب؛ # كل شيء إلاك، يا إلهي؛ # لأنني أعلم الآن كيف تكلمني # من خلال نجوم السماء. ~~(13) بابلو نيرودا (1904-1973م) # يمكنني أن أكتب # يمكنني الليلة أن أكتب أتعس الأشعار. # أن أكتب على سبيل المثال: «الليل يسطع بالنجوم، # والنجوم الزرقاء تلمع من بعيد.» # ريح الليل تدور في السماء وتغني. # يمكنني الليلة أن أكتب أتعس الأشعار. # أحببتها، وأحبتني أيضا في بعض الأحيان. # في ليالي كهذه ضممتها بين ذراعي، # قبلتها كثيرا تحت السماء اللامتناهية، # أحبتني، وفي بعض الأحيان كنت أيضا أحبها. # أكان يمكن ألا أحب عينيها الواسعتين الصافيتين؟ # أستطيع الليلة أن أكتب أتعس الأشعار. # أن أفكر في أنني لم أعد أحبها. أن أشعر أنني فقدتها. # أن أسمع الليل الهائل، الذي يزداد هولا بدونها. # ويهبط الشعر على الروح كما يهبط الندى على الأعشاب. # ماذا يهم أن حبي لم يستطع الاحتفاظ بها؟ # الليل يلمع بالنجوم وهي ليست معي . # هذا هو كل شيء. من بعيد يغني إنسان. من بعيد. # روحي غير راضية عن فقدها. # نظرتي تبحث عنها، كأنما لتقربها. # قلبي يبحث عنها، وهي ليست معي. # هو نفس الليل الذي يجعل نفس الأشجار تبدو بيضاء. # نحن، أبناء الأمس، لم نعد اليوم ما كناه. # أنا لا أحبها الآن، هذا صحيح، ولكن كم أحببتها! # صوتي راح يبحث عن الريح كي يلمس أذنيها. # لغيري. إنها الآن لغيري. كما كانت قبل قبلاتي. # صوتها، جسدها اللامع. عيناها اللامتناهيتان. # أنا لا أحبها، هذا صحيح، لكن ربما كنت أحبها. # الحب ما أقصره! ما أطول النسيان. # لأنني في مثل هذه الليلة ضممتها بين ذراعي! # روحي غير راضية عن فقدها. # مع أن هذا هو آخر حزن تسببه لي، # وهذه آخر أبيات أكتبها إليها. # عن ديوانه «عشرون قصيدة ~~حب وأغنية يائسة»، 1924م # لا نسيان (سوناتا) # إن سألتني أين كنت؟ # فلا بد أن أقول: «يحدث هذا.» # لا بد أن أتكلم عن الأرض التي تجعلها الأحجار مظلمة، # عن النهر الذي يدمر نفسه وهو يصر على البقاء: # لا أعرف غير الأشياء التي تفقدها الطيور، # البحر الذي تركته ورائي، ms335 أو أختي التي تبكي. # لم كانت هناك مناطق كثيرة، لم يتصل نهار بنهار؟ # لم يتجمع ليل أسود في الفم؟ لم يموت الأموات؟ # إن سألتني من أين أجيء، فسوف أكلم أشياء مكسورة، # أدوات شديدة المرارة، وحوشا كبيرة يغلب عليها العفن، # قلبي المحزون. # ما هي بذكريات هذه (الأشياء) التي عبرت (بذهني)، # ولا هي الحمامة الصفراء التي تنام في النسيان، # بل وجوه دامعة، أصابع على الحلق، # وتلك التي تتساقط من الأوراق: # ظلمة يوم مضى # يوم تغذى على دمنا الحزين. # هنا أزهار بنفسج، عصافير، # كل ما يسعدنا ويبدو # على البطاقات الحلوة المصورة # حيث يتنزه الزمن والعذوبة. # لكن لا تدعنا ننفذ وراء هذه الأسنان، # لا تدعنا نعض الجلد الذي يكومه الصمت، # لأنني لا أدري بماذا أجيب: # هناك أموات كثيرون، # هناك حواجز كثيرة شجتها الشمس، # ورءوس كثيرة تصدم القوارب، # وأياد كثيرة حاصرت القبل، # وأشياء كثيرة أريد أن أنساها. # عن ديوانه «إقامة في الأرض»، 1935م # | في إيطاليا # (1) أمبرتو سابا (1883-1957م) # العنزة # تكلمت مع عنزة. # كانت في الحقل وحيدة، كانت مربوطة. # شبعانة بالعشب، مستحمة بالمطر # كانت تثغو. # مثل هذا الثغاء # كان شقيق حزني. # وأجبت، أولا على سبيل المزاح # ثم لأن الحزن خالد # له صوت واحد، ولا يتغير. # هذا الصوت سمعته # يتأوه من عنزة وحيدة. # في عنزة ذات وجه سام # سمعت كل بؤس آخر، # وكل حياة أخرى # تشكو همها. # منتصف نهار في الشتاء # في تلك الساعة التي كنت لا أزال فيها سعيدا ~~(ليغفر لي الله هذه الكلمة الهائلة المخيفة) # من ذا الذي كاد يدفع فرحتي القصيرة إلى البكاء؟ # قد تقولون: «لا شك أنها كانت مخلوقة جميلة # مرت من هناك وابتسمت لك.» # لا بل كان بالونا، بالونا شاردا كالفيروز # في زرقة الهواء، وسماء بلادي # لم تكن أبدا ساطعة، كما كانت # في ظهر ذلك اليوم المشرق البارد من أيام الشتاء. # كانت سماء ذات سحب قليلة بيضاء، # ونوافذ البيوت تتوهج في ضوء الشمس، # والدخان النحيل من مدخنة أو مدخنتين، # وفوق الأشياء جميعا، الأشياء الإلهية، # أفلتت تلك الكرة من يد صبي طائشة ~~(كان ms336 وسط الجماهير يبكي همه؛ همه الكبير) # بين مبنى البورصة والمقهى الذي كنت أجلس عليه، # وأنظر في دهشة من خلال النافذة، # وأرى بعينين لامعتين؛ # كيف يرتفع كنزه ويهبط. # يوليس # في شبابي سبحت # على طول شواطئ دالماتيا # 1 # جزر صغيرة كانت تطفو على سطح البحر، # حيث كان يحط طائر على الفريسة، # كانت مغطاة بأعشاب البحر # زلقة، جميلة في الشمس كحبات الزمرد. # عندما كان المد العالي والليل يخفيانها، # كانت الأشعة تنفرد في اتجاه الريح # لكي تفلت من غدرها. # مملكتي اليوم هي أرض لا أحد. # الميناء يرسل أنواره لغيري؛ # ما زالت تدفعني إلى البحر الرحيب # الروح التي لم يغزها أحد، # والحب المفجوع للحياة. ~~(2) جو سيبي أنجارتي (1888-1970م) # شعب # فر قطيع النخيل الوحيد # 2 # والقمر # اللامتناهي فوق ليال جديية، # الليل الأسحم # 3 # سلحفاة في حداد # 4 # تتحسس # لا لون يدوم، # اللؤلؤة السكرى بالشك ~~(بدأت) تنبه الفجر، # وعند قدميه السريعتين # تثير الوهج، ~~(ها هي ذي) تدوي # صيحات ريح شابة ، # خلايا النحل تنشأ في جبال # الأبواق الضالة، # ارجعي أيتها المرايا القديمة، # يا خطوط الماء الخفية # بينما الآن # و # براعم مرتفعات الثلج المقطوفة # تحيط بالصورة التي تعود عليها آبائي، # تصطف الأشرعة # في الهدوء الصافي، # آه يا وطني، كل فصولك # 5 # صحت في دمي، # تتقدم آمنا وتغني # فوق بحر جشع. # 1919م # ميلاد الفجر # الليل العذري # في معطفه الطري وفي المجد الرائع # هاربا، ساخرا، كأنه يغازل، # يأخذ من حجره زهرة # شاحبة اللهب # ويلقي بها، # هي الساعة التي تفصل النور الأول # عن الرعشة الأخيرة. # في شحوب تفتح لجة لأطراف السماء. # بأصابع زمردية، # ينسج المطر الغامض ثوبا # وظلال من ذهب تهدئ # التنهدات المسرعة الساذجة، # وتحيل الحفر جداول عابرة. # 1925م # نزع # أن تموت كالقبر العطاش # فوق السراب، # أو كالسمان # بعد أن يعبر البحر # في أول أيكة # لأنه فقد الرغبة # في الطيران. # ولا أن تحيا على النحيب # كالبرقش # 6 # الأعمى. # سهر # ليلة كاملة # ملقى بجانب # رفيق مذبوح # بفمه العابس # المستدير # إلى البدر # بتشنج يديه # المتغلغل في صمتي # كتبت # رسائل مملوءة بالحب # أبدا لم أكن ms337 # أكثر تعلقا بالحياة. # حنين # عندما # يوشك الليل أن يمضي # قبل الربيع بقليل # ويندر أن يمر أحد # يتجمع فوق باريس # لون غامض # من البكاء # على جانب # جسر # أتأمل # في الصمت غير المحدود # لفتاة نحيلة # تمتزج # أمراضنا # ونبقى # كأننا حملنا بعيدا. # ذكرى # كان اسمه # محمد شعيب، # سليل # أمراء البدو، # انتحر # لأنه لم يعد # له وطن! # أحب فرنسا # وغير اسمه # أصبح «مارسيل»، # ولكنه لم يصبح فرنسيا، # ولم يعد يعرف # كيف يعيش # في خيمة أهله؛ # حيث ينصتون # لترتيل القرآن # ويحتسون القهوة، # ولم يدر # كيف ينشد # أغنية ابتعاده. # رافقته # مع صاحبة الفندق # الذي كنا نسكنه # في باريس # من رقم 5 شارع دي كارم # الشاحب الضيق # المنحدر على جانب التل. # يستريح # في جبانة إيفري؛ # الضاحية # التي تبدو دائما # كسوق مهدوم. # وربما لا زلت # أنا وحدي # الذي أعرف # أنه عاش. # هدوء # العناقيد ناضجة، الحقل محروث، # الجبل يخلص نفسه من السحب. # على مرايا الصيف المتربة # سقط الظل، # بين الأصابع المترددة # ضوءها واضح # وبعيد. # مع «السنونو» يطير # آخر ألم ممزق. # مساء # عند أقدام ممرات المساء # يجري ماء ناصع # بلون الزيتون، # ويبلغ النار القصيرة بغير ذاكرة # في الدخان أسمع الآن أصوات الجنادب والضفادع، # حيث يرتعش العشب # رعشة رقيقة. # لا تصرخوا بعد الآن # كفوا عن قتل الموتى، # لا تصرخوا بعد الآن، لا تصرخوا # إن كنتم ما زلتم تريدون # أن تسمعوهم، # إن كنتم ترجون # ألا تفنوا. # همسهم لا يحس # ما عادوا يحدثون ضجيجا # إلا كنمو العشب # الذي يسعده ألا يمشي عليه إنسان. # فقدت كل شيء # فقدت كل شيء من الطفولة # وما عدت أستطيع # أن أفقد ذاكرتي في صيحة. # دفنت الطفولة # في أعماق الليالي # وهي تفصلني الآن # كسيف لا يرى # عن كل شيء. # أذكر عن نفسي # إنني لقيت المجد # في حبك # وها أنا ذا ضائع # في لا نهائية الليالي! # يا يأسا يزداد بلا انقطاع # لم تعد الحياة عندي ~~- وهي حبيسة في عمق لهاتي - # غير صرخة من الصرخات. # الأنهار # استند إلى هذه الشجرة الجريحة # المهجورة في هذا الأسى # الذي يشبه فتور سيرك # قبل العرض ms338 أو بعده، # وأرقب السحب # وهي تعبر في هدوء # على (صفحة) القمر. # في هذا الصباح تمددت # في وعاء ماء # ورقدت هناك # كأنني مومياء، # نهر «الأيزونسو» الجاري # جعلني لامعا # كأحد أحجاره # وضعت على # أطرافي الأربعة # ومضيت # كما يمضي بهلوان # فوق الماء. # أقعيت # بجوار ملابسي # ملوثا بالحرب # ومثل بدوي # ملت برأسي # لأستقبل الشمس # هذا هو «الأيزونسو» # وهنا، أفضل من كل مكان، # عرفت نفسي # خيطا لينا # في (نسيج) الكون. # عذابي # حين لا أجد نفسي # في إنسجام. # لكن هذه الأيدي # الخفية # التي تصنعني # تغدق علي # السعادة النادرة # عبرت # بعصور حياتي # هذه هي أنهاري # هذا هو ال «سيركيو» # الذي أستقي منه # ربما لألفي عام # أهلي في الريف # وأبي وأمي، # هذا هو النيل # الذي رآني # أولد وأنمو # وأحترق بجهلي # في السهول الممتدة، # هذا هو السين # وفي لجته # تنبهت # وعرفت نفسي، # هذه هي أنهاري # يروي عنها الأيزونسو، # هذا هو حنيني # يتجلى لي # في كل منها # بعد أن جاء الليل # وبدت لي حياتي # زهرة من الظلال. # أغنية # من جديد أرى فمك البطيء ~~(بالليل يتقدم البحر ليلقاه) # وأرى فرس فخذيك # يسقط متهالكا # بين ذراعي اللتين كانتا تغنيان، # وأرى نوما يعيد إليك # نضارة جديدة وموتا جديدا # والوحدة الشريرة # التي يكتشفها في نفسه كل من يحب # كأنها الآن قبر لا متناه # يفصلني إلى الأبد عنك. # حبيبتي، بعيدة أنت كما في مرآة. # 1932م # بلا وزن # من أجل إله يضحك كالطفل، # صيحات كثيرة من العصافير، # رقصات كثيرة في الأغصان، # نفس تتخفف من وزنها # 7 # المروح رقيقة رقيقة، # وفي العيون يبعث الصفاء، # الأيدي كالأوراق # مسحورة في الهواء ... # من يخاف بعد الآن # من يحكم؟ ~~«عاطفة الزمن»، 1933م # ملالة # 8 # سكون، عندما ارتفع بأكمله # الجسد المر # 9 # الذي أتجه نحوه. # اليد التي مدتها إلي كانت مشعة # كلما تقدمت إليها ابتعدت # ها أنا ذا ضائع في هذا السعي العقيم. # عندما تموج الصباح تمددت # وضحكت، وسرقت شيئا من عيني # صبية الجنون، أيتها الملالة، # ما أقل ما كنت نشوانة وحلوة! # لم لم تتبعك الذاكرة؟ # أتكون هديتك سحابة؟ # هي همسة، تزحم ms339 الأغصان # بالأغنيات البعيدة. # ذكرى، صورة عابرة، # ضحكة اكتئاب، # ظلام دم. # كمثل نبع خجول في ظل # قديم لأشجار زيتون # تعودين لتهدهديني ... # في صباح لم يزل سرا، # ربما ما زلت أشتاق لشفتيك # ليتني لا أعرفهما بعد الآن! # سان مارتينو دل كارزو # 10 # من هذه البيوت # لم يبق شيء # إلا أطلال، # من الجدار # من الكثيرين # الذين كانوا قريبين مني # لم يبق شيء # حتى ولا هذا، # لكن في القلب # لا ينقص صليب # قلبي # هو أشد البلاد # عذابا. # ذكرى من أفريقيا # الشمس تقهر المدينة # العين لا ترى شيئا # ولا القبور نفسها تقاوم طويلا. # ليلة مايو # السماء تضع # على رءوس المآذن # أكاليل نور. # هذا المساء # حاجز من الريح # كي يسند حزني # في هذا المساء # سؤال # من أية كتيبة أنتم # يا إخوتي؟ # كلمة ترتعش # في الليل # ورقة لم تكد تولد # في الهواء المثير # تمرد غير مقصود # لرجل # يعرف ضعفه # إخوتي. # صباح # أستضيء # باللانهاية. # ملاك الفقراء # الآن حيث يغزو العقول المطموسة # إشفاق غليظ بالدم والطين، # الآن حيث يثقلنا مع كل نبضة قلب # صمت كل هذا العدد من الموتى والمظلومين، # الآن فليستيقظ ملاك الفقراء، # رقة الروح التي لا تزال على قيد الحياة ... # بتلك الإشارة التي لا تمحى على مر الأزمان # فليهبط على رأس شعبة العجوز # وسط الأشباح ... # جنود # يقفون # كما في الخريف # على الأشجار # ورقة ورقة. # فرحة السفن الغريقة، # وفجأة # نستأنف الرحلة # كما يفعل # دب البحر # بعد غرق السفينة. # الميناء المدفون # هناك يصل الشاعر # ثم يلتفت إلى النور بأغانيه # وينثرها # من هذا الشعر # يبقى لي # ذلك العدم # الذي لا ينفد سره. # أبدي # بين زهرة مقطوفة وأخرى مهداة # عدم لا يوصف. # غروب # احمرار السماء # يوقظ واحات # لراعي الحب. # كون # من البحر # صنعت لي # نعشا من النضارة. # لعنة # حبيسا بين أشياء فانية ~~(كذلك ستفنى السماء ذات النجوم) # ما الذي يجعلني نهما إلى الله؟ # البحر # ما عاد يرعد، ما عاد يهمس البحر، # البحر. # يثير الشفقة أيضا، يثيرها البحر، # البحر. # سحب غافلة تحرك البحر، # البحر. # الدخان الحزين يترك الآن فراشة البحر، # البحر. # هو ms340 أيضا مات، انظر، البحر، # البحر. ~~(3) سلفاتور كواز يمودو (1901م-؟) # شتاء قديم # رغبة يديك الواضحتين # في ضوء اللهب الشاحب: # تفوحان برائحة خشب السنديان والورد؛ # بالموت. شتاء قديم. # الطيور فتشت عن الحب # وفجأة صارت ثلجا؛ # كذلك الكلمات: # شمس صغيرة، مجد ملاك، # ثم الضباب؛ والأشجار، # ونحن مخلوقات من هواء. # وفجأة يقبل المساء # كل إنسان يقف وحيدا على قلب الأرض # ينفذ فيه شعاع من ضوء الشمس: # وفجأة يقبل المساء. # إنسان عصري # 11 # ما زلت رجل الحجر والمقلاع # يا إنسان عصري. كنت في مقعد قيادة الطائرة، # ذات الأجنحة الشريرة، في ظهيرة الموت، ~~- رأيتك - في عربة النار، فوق المشانق، # على عجلات التعذيب، رأيتك؛ كنت أنت، # بعلمك الدقيق الذي يبغي الخراب، # بغير حب، بغير مسيح، عدت إلى القتل، # كعهدك دائما، كما قتل الآباء، كما قتلوا # الحيوانات التي رأوها أول مرة. # وهذا الدم تفوح رائحته كما فاحت # يوم قال الأخ لأخيه الآخر: ~~«لتمض إلى الحقول.» وهذا الصدى البارد، العنيد، # قد وصل إلى جوارك، داخل يومك. # انسوا، أيها الأبناء، سحب الدم # الصاعدة من الأرض، انسوا الآباء؛ # إن قبورهم تغوص في الرماد، # الطيور السوداء، الريح، تغطي قلوبهم. # شتاء قديم # لهفة إلى يديك، الساطعتين، # في ظل اللهب الباهت: # 12 # فاحت (برائحة) تابوت من (شجر) البلوط، وبالورد، # بالموت. شتاء قديم. # الطيور بحثت عن الطعام # وفجأة صارت ثلجا؛ # كذلك الكلمات. # قليل من الشمس، هالة ملائكية، # ثم الضباب؛ والأشجار، # ونحن في الصباح من هواء. # 1942م # الآن يرتفع النهار # مضى الليل، والقمر # يخلص نفسه على مهل في السماء الصافية. # يغيب في القنوات. # سبتمبر مفعم بالحياة في هذه البلاد # ذات السهول، المراعي خضر # كما في وديان الجنوب وقت الربيع. # هجرت الرفاق، # خبأت الفؤاد داخل الجدران القديمة، # لأبقى وحيدا أفكر فيك # كم أنت أبعد من القمر، # الآن، بينما يرتفع النهار # وتدق على الرصيف حوافر الخيل! # 1942م # محاكاة الفرح # حيث الأشجار # تزيد المساء وحشة، # كم كانت واهنة # خطوتك الأخيرة وهي تتلاشى! # حين توشك الزهرة أن تتفتح # على شجرة الزيزفون # وتصر على قدرها. # تبحثين عن دافع لمشاعرك، # تجربين الصمت ms341 في حياتك. # الزمن المنعكس في المرآة # يكشف لي عن مغامرة أخرى. # الجمال الذي يتجلى الآن في وجوه أخرى # يجعلني حزينا كالموت. # فقدت كل شيء بريء، # حتى في هذا الصوت # الذي يصر على محاكاة الفرح. # رسالة إلى الأم ~~«يا أمي الحبيبة، الآن يهبط الضباب، # قناة «النافيليو» تضرب جسورها في غموض، # الأشجار تنتفخ بالماء، تحترق بالثلج؛ # لست حزينا في الشمال، # لست في سلام مع نفسي # لكني لا أنتظر المغفرة من أحد. # كثيرون يدينون لي بالدموع # كما من رجل لرجل # أعلم أنك لست على ما يرام، # أنك تعيشين كما تعيش كل أمهات الشعراء، # فقيرة وعادلة في مقياس الحب # للأبناء البعيدين. # أنا الذي أكتب اليوم إليك. # ستقولين، أخيرا تصلني كلمتان # من الولد الذي هرب في الليل # على كتفيه معطف قصير # وفي جيبه بضعة أشعار. # مسكين، حسن النية، # سيقتلونه يوما من الأيام في مكان ما. ~~«يقينا»، ما زلت أذكر، # تلك الساحة الكئيبة ذات القطارات البطيئة # التي كانت تحمل اللوز والبرتقال إلى مصب «الإيمرا» # النهر الممتلئ بطيور العقعق، # 13 # والملح، وأشجار الكافور. # غير أني الآن، # أريد أن أشكرك، على السخرية # التي وضعتها على شفتي # الوديعة كشفتك. # أنقذتني تلك الابتسامة من البكاء والأحزان. # ولا يهم الآن أنني أحمل دمعة لك، # لكل الذين ينتظرون مثلك، # ولا يدرون ماذا ينتظرون. # آه، أيها الموت الرحيم، # لا تلمس ساعة المطبخ التي تدق فوق الحائط. # طفولتي كلها قد مرت على مينائها، # على هذه الزهور المرسومة عليها. # لا تلمس أيدي العجائز، # لا تلمس قلوبهم # ربما أجاب أحدهم! # آه يا موت الرحمة، يا موت الخجل. # الوداع يا حبيبتي، # الوداع يا أمي المحبوبة.» # آه يا حيواناتي الحلوة # آه يا حيواناتي الحلوة، # الآن يتلف الخريف اخضرار التلال. # سوف نسمع من جديد، # قبل أن يهبط الليل، # الشكوى الأخيرة من (أفواه) الطيور. # نداء السهل الأغبر وهو يزحف # ليلتقي بضجة البحر العالية. # ورائحة الخشب في المطر، # رائحة الجحور، # ما أجمل الحياة هنا بين البيوت، # بين الناس، يا حيواناتي الحلوة! # هذا الوجه الذي يدير عينيه حوله في بطء، # هذه اليد ms342 التي تطبع علامة على السماء حيث يدوي صوت الرعد، # هما وجهك ويدك، يا ذئابي، # يا ثعالبي المحترقة بالدم. # كل وجه، كل يد، فهي لك. # تقولين لي، كل شيء كان عبثا، # الحياة، الأيام التي جرفتها المياه الثابتة # بينما يرتفع من الحديقة غناء الأطفال. # لعلهم الآن بعيدون عنا؟ # لكنهم يتراجعون في الهواء، # أشبه بالظلال. # هذا صوتك. # لكن ربما كنت أعرف # أن كل هذا لم يكن له وجود. # شارع في أجريجنت # هناك تبقى ريح أتذكرها # ملتهبة في أعراف الجياد المنحدرة # وهي تتسابق فوق السهول، # ريح تتلف الحجارة وتنخر # في قلب الأعمدة القاتمة، # المقلوبة على الأرض. # أيتها الروح العجوز، # يا من شيبتك الأحقاد، # عودي إلى تلك الريح، # تنفسي أريج العشب # الذي يدثر العمالقة # التي قذفت بها السماء. # يا لوحدتك في الفراغ الذي بقي لك! # ويزداد أساك كلما سمعت الصوت # الذي يبتعد تجاه البحر # حيث ترسم نجمة الغرب خيوط الصباح: # قيثارة اليهودي ترتعش محزونة # على فم الحوذي # وهو يصعد التل # الذي طهره ضوء القمر، # بطيئا بين همسات الزيتون العربي. # من قلعة برجامو العالية # 14 # سمعت صيحة الديك في الهواء، # خلف الجدران، وراء الأبراج # تقشعر بنور لم تعرفه # الصيحة المرعدة للحياة، # وهمس الأصوات في الزنزانات، # ونداء الطير الحارس قبل الفجر # ولم تقل لنفسك كلمة # كنت الآن في دائرة الشعاع القصير: # وصمت الريم ومالك الحزين # وقد ضاعا في زوبعة دخان شرير، # تمائم عالم ولد لساعته. # ومر قمر فبراير # طليقا فوق الأرض: # لكنه لم يكن بالنسبة لك # غير صورة في الذاكرة، تضيء في صمتها. # أنت أيضا بين أشجار السرو في القلعة # أذهب الآن بلا ضجيج؛ # والغضب هنا تهدئه خضرة الأموات الشبان، # والحسرة البعيدة كادت تصبح فرحة. # يوما بعد يوم، 1947م # | في فرنسا # (1) بول فيرلين (1844-1896م) # استشرف عبر الهمسات # بالإطار الرهيف للأصوات القديمة # ومن خلال اللمع المنغمة، # يا حبي الشاحب، بفجر مقبل! # نفسي وقلبي في حمياهما # ليسا سوى عين مزدوجة # يخفق فيها خلف نور عكر # لحن سرى من كل قيثار! # أواه! أن أموت الميتة الوحيدة # التي تهدهدها دائما، يا ms343 حبي الخائف الغالي # هنا وهناك الساعات الشابة والقديمة # أواه أن أموت فوق هذه الأرجوحة! # شارلروا # في العشب الأسود # تسري الأرواح # 1 # وأنين الريح # شجو ونواح # 2 # يا للإحساس! # الأذرة تصفر. # والغصن يرف # في عين العابر، # وبيوت تبدو # مثل الحانات. # والأفق شبيه # بالفرن الأحمر! # 3 # يا للإحساس! # السكة ترعد، # 4 # والأعين تسأل # عن شارلروا! # عطر نفاذ # بشع، ما الأمر؟ # ما هذا الصوت # يصفر ويئز؟ # 5 # بيد وحشية # يا للأنفاس! # وصراخ المعدن # من عرق الناس! # في العشب الأسود # تسري الأرواح # وأنين الريح # شجو ونواح. # الأيام الجميلة الكاذبة ... # الأيام الجميلة الكاذبة يا نفسي المسكينة، شعشعت طوال النهار، # وها هي ذي الآن ترف في نحاس المساء. # أغمضي عينيك، يا نفسي المسكينة، وارجعي إلى بيتك، # أسوأ الإغراء ما ترين؛ فاهربي من العار! # شعشعت طوال النهار في برد ملتهب طويل، # وراحت تجلد الكروم جميعا على التلال، # وتهلك الحصاد كله في الوادي # وتخرب السماء العميقة الزرقاء # السماء التي تناديك مشتاقة الألحان. # آه فليشحب وجهك ولتمض بطيئة مضمومة اليدين! # ماذا (تفعلين) لو التهم الأمس غدنا الجميل؟ # لو كان الجنون القديم لا يزال يسعى في الطريق؟ # هذه الذكريات، أحتم أن تقتل من جديد؟ # وثبة غاضبة، أقصى الوثبات بلا جدال! # آه! هيا اذهبي وصلي كي تزول العاصفة، هيا للصلاة! # السماء فوق السطوح # السماء من فوق السطوح، # كم هي زرقاء وديعة! # وشجرة، فوق السطوح # تهدهد الأغصان. # ناقوس، في السماء التي تراها، # رنينه عذب. # طائر على الشجرة التي تراها # يشجو بشكواه # يا رب، يا ربي، ها هي ذي الحياة # هادئة بسيطة. # وهذه الضوضاء، طيبة أليفة # تأتي من المدينة، # ماذا تراك جنيت # يا من دموعك لا تجف؟ # قل لي وماذا فعلت # بصباك أيام الشباب؟ # لست أدري لماذا؟ # لست أدري لماذا؟ # تطير روحي المرة # بجناح قلق مجنون فوق البحر. # وكل غال عليا # يطويه حبي طيا # بجناح الرعب، فوق الموج: لم ذا؟ ما السر؟ # فكري طائر نورس، # تذروه الريح بكل سماء، # ويميل يميل مع الأنواء، # فكري طائر نورس # سكران بالشمس، # نشوان بالحرية، # تدفعه الفطرة، في ms344 هذا الأفق، غير المحدود، # ونسمة الصيف # فوق المياه الشقر # تحمله في لطف، بين الكرى والصحو، # وقد يصيح بحزن # فيفزع الملاح # للريح يسلم أمره، فتارة يعلو، وتارة يهبط # ويرفع الجناح # يدمى من الجراح # ويطلق الصياح # فيجفل الملاح # لست أدري لماذا؟ # تطير روحي المرة # بجناح قلق مجنون فوق البحر # وكل غال عليا # يطويه حبي طيا # بجناح الرعب، فوق الموج، لم ذا؟ ما السر؟ # أغنية خريف # تنهد نحيب # ترسله الأوتار # في موسم الخريف، # وتجرح القلوب # بالألم الدفين، # بالألم الرتيب. # وبينما الناقوس # يدق في الفضاء # يغلبني بؤسي # تهيجني الذكرى # حزنا على أمسي، # يخنقني البكاء، # أمضي مع الريح # والريح كم تقسو # كتائه يسعى # وليس لي مأوى # كأنني أوراق # ذابلة موتى. # خضرة # هذي ثمار، وأزهار، وأوراق، وأغصان، # ثم هذا قلبي، الذي لا يخفق إلا لك. # لا تمزقيه بيديك البيضاوين، # ولتحل الهدية الصغيرة في عينيك الفاتنتين. # ها أنا ذا أقبل ولا يزال الندى يغمرني # الندى الذي جمدته ريح الصباح على جبيني # اسمحي أن يستريح تعبي عند قدميك # فيحلم باللحظات الغالية التي تسري عنه # دعي رأسي يتقلب على صدرك الريان # رأسي الذي ما يزال يرجع صدى قبلاتك الأخيرة # 6 # دعيه يسترح من العاصفة الرهيبة، # وأنام قليلا ما دمت تهجعين. # فن الشعر # الموسيقى أولا وقبل كل شيء! # وعليك من أجل هذا أن تتخير الفريد، # 7 # الذي يشتد غموضه ويتبخر بسهولة في الهواء، # ويخلو من الثقل والرغبة في التظاهر والاستعراض. # عليك أيضا أن تنظر إلى انتقاء الكلمات # بشيء غير قليل من الاحتقار: # 8 # فما من شيء أثمن من أغنية غائمة # يلتحم فيها الغموض بالوضوح # إنها أشبه بعينين جميلتين خلف نقاب، # وهي النهار الحار المرتجف في الظهيرة، # وهي الزرقة التي ترف فيها النجوم الساطعة # تحت سماء خريف شديدة الفتور! # فنحن ما زلنا في حاجة للظلال، # للظلال وحدها، لا للألوان! # آه! فالظل وحده هو الذي يستطيع # إن يجمع الحلم مع الحلم، ويوحد بين الناي والبوق! # تجنب ما استطعت الحذلقة القاتلة، # والقفشة البارعة والنكتة الفاجرة، # وكل هذه التوابل والملح الجوفاء # التي تدفع الدموع ms345 إلى عين السماء الزرقاء! # خذ الفصاحة واكسر عنقها! # ستحسن صنعا، وأنت تمارس التجربة، # أن تصقل القافية وتضفي عليها قليلا من النظام، # أما ما سيكون بعد ذلك، فشيء لا يعلمه الإنسان. # كم من حماقة تنطوي عليها القافية! # كم من طفل أصم وكم من زنجي مجنون # استطاع أن يسبك هذا العبث الرنان # الذي يتردد صداه الأجوف الزائف تحت ثوب الإحكام! # الموسيقى مرة أخرى وعلى الدوام! # ليكن شعرك كالنفس الناعم الخفاق # نحسه يرف من روح إلى روح # منطلقا نحو سماوات أخرى ونحو حب جديد! # ليكن شعرك مغامرة جسورة # منثورة في نسائم الفجر الندية # التي تحمل نفحات المسك والنعناع ... # وكل ما خلا ذلك فهو الأدب المصنوع. ~~(2) بول فاليري (1871-1945م) # آلهة القدر الشابة (مقتطفات) # الربيع # أنصت ... لا تطل الانتظار ... السنة التي تولد من جديد # تنبئ دمي كله بحركات خفية: # الثلج يسلم في أسى درره الأخيرة ... # غدا، على تنهيدة من عقود الحنان الساطعة كالنجوم، # يأتي الربيع ليكسر أختام الينابيع: # الربيع المدهش يضحك، يغتصب ... لا يدري أحد من أين يجيء؟ # لكن الصفاء يسيل من كلمات بلغت من العذوبة # أن يشد الحنان الأرض من أحشائها ... # الأشجار التي عادت فانتفخت وتغطت بالقشور # وأثقلت بأذرع كثيرة وآفاق بلا عدد، # تحرك أصواتها الراعدة تجاه الشمس # ترتفع في الهواء المر بكل أجنحتها # من أوراق بالآلاف تحس بجدتها ... # أولا تسمعين حفيف هذه الأسماء الهوائية، # أيتها الصماء! ... وفي الفضاء المثقل بالأغلال # المهتز المرتج بالغابة الحية الملتوية عند الأطراف، # تجدف الشجرة الطيعة في اتجاه الآلهة وعكس اتجاهها، # الغابة الطافية التي تحمل جذوعها الغليظة ... # في خشوع إلى جباهها المتقلبة الهوى، # عند البدايات المشقوقة لجزر الأرخبيل الفخمة # نهرا رقيقا، إيه يا موت، ومخفيا تحت الأعشاب! # 1917م # الغابة الودود # 9 # رحنا نتفكر في أشياء نقية # على طول الدروب، جنبا لجنب، # نتجول صامتين، يدا في يد # في ظل الأزهار الغامضة. # سارت خطانا مثل خطبين # وحيدين في ليل البراري الأخضر؛ # تقاسمنا هذه الفاكهة التي أطلعتها الجنيات: # القمر صديق المخبولين. # ثم متنا على الطحالب # بعيدا، وحيدين في حضن الظل الرقيق؛ # ظل ms346 هذه الغابة الحميمة الهامسة، # وهناك في الأعالي، في الضوء الباهر، # التقينا ونحن نذرف الدموع، # آه يا رفيقي الغالي، أنت يا رفيق صمتي! # دعاء لدمعة # لن أبتهل لغير ومضاتك الضعيفة، ~~(أنت يا من) طالما تمنيت أن تذوبي على وجهي، # أيتها الدمعة الوشيكة، يا من تستطيعين وحدك أن تجيبيني، # أيتها الدمعة التي ترعش أمام نظرتي البشرية # عديدا من الطرق الجنائزية؛ # أنت تأتين من الروح، فخر متاهة (الجسد) # ترفعين عن القلب هذه القطرة المكتومة، # هذا التشتيت لعصيري النفيس # الذي يضحي بظلالي على عيني، # يا قربانا رقيقا لفكري الخفي! # من مغارة خوف محفورة في أعماقي # ينضح الملح الغامض الماء في صمت. # من أين تنبعين؟ أية مشقة حزينة أبدا وجديدة # تشدك بعد الأوان، أيتها الدمعة، من الظلام المرير؟ # أنت تصعدين درجاتي، (درجات) فانية وأم، # وبينما تشقين طريقين، أيها العبء العنيد، # في الزمن الذي أحياه، يخنقني إبطاؤك ... # ألوذ بالصمت، وأنا أشرب مسيرك الأكيد ... # من يدعوك لنجدة جرحي الشاب؟ # عن آلهة القدر الشابة، 1917م # باطن # أمة ضيقة العينين، تثقل نظرتها السلاسل الناعمة، # تغير ماء أزهاري، تغوص في المرايا القريبة، # تسخو بيديها الصافيتين في الفراش الغامض؛ # تضع بين هذه الجدران امرأة، # تجوس لطيفة في حلمي، # تمر بين نظراتي بغير أن تكسر شرودها، # كما يمر كأس خلال الشمس، # وتترك مظهر الفكر الخالص لم يمس. # 1921م # الخطى # خطاك، أطفال صمتي، # قدسية وبطيئة، # نحو فراش يقظتي، # تتقدم خرساء مثلجة. # كيان نقي، ظل إلهي، # ما ألطفها، خطاك المتئدة! # أيتها الآلهة ...! كل الهبات التي أنتظر # توافيني على هذه الأقدام العارية! # إن أردت، بشفتيك الممدودتين، # أن تحملي السلام، # إلى المعتاد من أفكاري # وتهبيه طعام قبلة، # فلا تتعجلي هذا الفعل الرقيق - # حلاوة أن نكون ولا نكون - # لأنني عشت على انتظارك # وقلبي لم يكن إلا خطاك. # 1921م # المقبرة البحرية # 10 # هذا السقف الهادئ، الذي يخطو عليه الحمام # يرف بين أشجار الصنوبر، بين القبور؛ # والظهيرة العادلة تشمله بالنيران # البحر، البحر، الذي يبدأ على الدوام ويعيد! # يا لها من نعمة بعد تفكير عميق # في نظرة طويلة إلى هدوء ms347 الآلهة! # أي عناء خالص للبروق اللطيفة يستنفد # جواهر كثيرة من الزبد غير المنظور، # وأي سلام يبدو كأنه يتخلق! # 11 # عندما تستريح شمس على الهاوية، # كأعمال خالصة لقضية أبدية # يتألق الزمن ويصبح الحلم معرفة. # أيها الكنز الثابت، يا معبد منيرفا البسيط، # يا كتلة الهدوء ومدخر الرؤية، # أيتها المياه المتعالية، أيتها العين التي تختزن في ~~أعماقها # كل هذا النوم تحت نقاب من اللهب # إيه يا صمتي! ... يا بناء في روحي # وإن تكن قمته الذهبية ذات ألف سقيفة، يا أيها السقف! # يا معبد الزمن الذي تلم به تنهيدة واحدة، # إلى هذه البقعة الطاهرة أصعد وتعتاد نفسي، # محاطا من كل جانب بنظرتي المفعمة بالبحر، # وبينما أقدم للآلهة قرباني الأسمى # يبذر الألق الصافي على الذروة # احتقارا لا حدود لسطوته. # كما تذوب الفاكهة في المتعة، # وكما تحول غيابها إلى لذة # في فم يتبدد # 12 # فيه شكلها # أتنسم أنا هنا مستقبلي (الملتف) بالدخان # 13 # والسماء تغني للروح المجهدة # تغير الشواطئ المغمغمة. # أيتها السماء الجميلة، أيتها السماء الحقة، انظري إلي ترينني ~~أتحول! # بعد كل هذا الغرور، بعد كل هذا الخمول الغريب # 14 # الحافل مع ذلك بالقوة، # ها أنا ذا أسلم نفسي لهذا الفضاء اللامع، # فوق بيوت الموتى يعبر ظلي # الذي تروضني حركته الواهنة. # بروحي المتعرية لمشاعل الشمس في ميلها الأعظم، # أحتملك (بكل كياني) # 15 # يا عدالة النور الرائعة # ذات الأسلحة التي لا ترحم! # وأردك خالصة إلى موضعك الأول: # انظري ذاتك! ... لكن إعادة النور إلى منبعه # تفترض نصفا محزونا من الظلال! # 16 # آه، من أجلي أنا وحدي، لي أنا وحدي، في أنا وحدي، # بجوار قلب، عند منابع الشعر، # بين العدم والحدث الخالص، # أنتظر. (متسمعا) أصداء عظمتي الداخلية، # هذا المستودع المرير، المعتم، الجهير، # الذي يردد في النفس خواء مستقبلا أبدا # أتعلمين أيتها الأسيرة الزائفة لأوراق الشجر، # أيها الخليج الذي يلتهم هذه المشربيات النحيلة: # وأنت أيتها الأسرار المبهرة فوق عيني المغمضتين: # أي جسد يجرفني إلى غايته البليدة، # أي جبين يجتذبه إلى هذه الأرض، أرض العظام، # حيث تتفكر شرارة منه في الغائبين ms348 عني؟ # مغلق، مقدس: ممتلئ بنار خالصة من المادة: # قطعة من الأرض موهوبة للنور، # يعجبني هذا المكان الذي تحكمه المشاعل. ~~(و) يتكون من الذهب والأحجار، والأشجار المعتمة، # حيث يرتجف كل هذا المرمر فوق كل هذه الظلال، # البحر الوفي يرقد هناك فوق قبوري؛ # أيتها الكلبة الباهرة، طاردي الوثني! # إن وجدتني وحيدا وعلى فمي ابتسامة الراعي، # أقف طويلا مع الخراف الغامضة، # مع القطيع الأبيض من قبوري الساكنة، # فأبعدي عنها الحمامات الذكية ~~(و) الأحلام الباطلة، والملائكة الفضوليين! # ما دمنا قد جئنا هنا، فالمستقبل خمول، # 17 # الحشرة الحادة تخدش الجفاف، # وكل شيء احترق، تحلل، وذاب # في جوهر صارم لا أدريه ... # الحياة شاسعة؛ إذ هي مخمورة بالغياب # والمرارة عذبة، والذهن صاف. # الموتى المختبئون # 18 # في حال طيبة تحت هذه الأرض # التي تدفئهم وتجفف سرهم. # الظهيرة في الأعالي هناك، الظهيرة بلا حراك. # تتفكر في ذاتها، مكتفية بذاتها ... # أيها الرأس الكامل والتاج المكتمل # أنا في داخلك التغير الخفي. # ليس لك إلاي مثوى لمخاوفك! # ندمي، شكوكي، قهري # هي العيب (الكامن) في ماستك العظيمة ... # ولكن في ليله المثقل بكتل الرخام، # قد انحاز إلى جانبك في بطء # شعب غامض عند جذور الأشجار. # لقد ذابوا في غياب سميك، # وتشرب الطين الأحمر النوع الناصع البياض، # هبة الحياة قد انتقلت إلى الزهور! # أين من الموتى العبارات المألوفة؟ # أين الفن الذاتي، والنفوس الفريدة؟ # ها هي ذي يرقات الدود تغزل حيث انسكبت الدموع. # الصيحات الحادة من الفتيات الماجنات، # العيون، والأسنان، والجفون الندية، # النهد الساحر الذي يعبث باللهب، # والدم الذي يلمع في الشفاه المستسلمة. # العطايا الأخيرة، والأصابع التي تذودها، # كل ذلك يثوى تحت الأرض ويدخل في اللعبة. # وأنت، أيتها الروح الرائعة. هل تأملين في حلم # لا تكون له هذه الألوان الكاذبة # التي تصنعها هنا، لأعين الجسد، الموجة والذهب؟ # أتراك ستواصلين الغناء عندما تتبخرين في الهواء؟ # إليك عني! كل شيء ينقضي! إن كياني مملوء بالمسام، # وحتى نفاد الصبر المقدس يموت بدوره! # أيها الخلود النحيل أسود مذهبا، # يا واهب العزاء المثقل بحمل نحيف من أكاليل الغار، # يا من تجعل ms349 من الموت صدر أم حنون، # يا للأكذوبة الجميلة والخدعة الورعة! # هذه الجمجمة الخاوية وهذه الضحكة الأبدية # من ذا الذي لا يعرفهما ومن ذا الذي لا يرفضهما! # أيها الآباء بعيدو الغور، أيتها الرءوس التي لا يسكنها ~~أحد، # يا من تحت وطأة كل هذا التراب، # تصبحون أنتم الأرض وتربكون خطانا، # إن القارض الحقيقي، الدودة التي لا يناقضها شيء، # 19 # لم تخلق لكم يا من ترقدون تحت الرخام، # إنها تحيا على الحياة، إنها لا تفارقني! # ألعله الحب، أم الكره لي؟ # إن نابها الخفي القريب مني # بحيث تصلح له كل الأسماء! # 20 # ماذا يهم! إنها ترى، وتريد، وتحلم، وتلمس! # إن لحمي يعجبها، وحتى في فراشي # أعيش لكي أصبح ملكا لذلك الكائن الحي! # 21 # زينون! يا زينون القاسي! يا زينون الأيلي! # أنفذت في هذا السهم المجنح # الذي يرف، ويطير، ولا يطير! # إن الصوت ينجبني والسهم يقتلني! # آه! الشمس! ... يا لظل سلحفاة (يخيم) على الروح، # يا لأخيل الجامد بخطواته الشاسعة! # لا، لا! ... وقوفا في الأحقاب المتتالية! # حطم، يا جسدي، هذا الشكل المتفكر! # وعب، يا صدري، من مولد الرياح! # إن النداوة التي يجود بها البحر # تعيد إلى روحي ... يا للقوة المالحة! # لنعدو إلى الأمواج لننبثق منها أحياء! # نعم أيها البحر العظيم الموهوب بنعمة الهذيان، # يا جلد الفهد، يا عباءة تثقبها # آلاف وآلاف من أوثان الشمس، # 22 # أيتها الهيدرا # 23 # المطلقة، النشوى بجسدك الأزرق، # يا من تعضين ذلك الملتمع # في ضجيج أشبه بالصمت # ها هي الريح تعلو! ... يجب أن نحاول الحياة! # الهواء الهائل يفتح كتابي ويطويه، # والموجة المنسحقة ترابا تحاول الانبثاق من الصخور، # طيري، أيتها الصفحات البراقة! # حطمي يا أمواج! حطمي بمياه فائرة بالبهجة؛ # هذا السقف الهادئ الذي كانت تنقره الشراع. # 1922م ~~(3) ماكس جاكوب (1876-1944م) # الحرب # الشوارع الخارجية يغطيها بالليل ثلج كثير؛ # قطاع الطرق جنود؛ يهاجمونني بالضحكات والسيوف، # يعرونني: أنجو بنفسي لأقع في مربع آخر. # الثلج يسقط! يشكونني بحقنة: إنه سم # يراد به قتلي، رأس هيكل عظمي محجب # بالكريشة يعضني في إصبعي. مصابيح باهتة # تلقي ضوء موتي على ms350 الثلج. # قصيدة القمر # على صفحة الليل نبتات من عش الغراب، هي القمر. # على غير انتظار، كما يغني «كوكوك» ساعة، تغير # مكانها كل شهر عند منتصف الليل. في الحديقة # تنمو زهور نادرة، هي أقزام نائمة تصحو كل صباح. في حجرتي ~~المظلمة # سفينة صغيرة مضيئة تتجول هنا وهناك، ثم سفينتان ... سفن # هوائية من الفسفور، هي انعكاسات مرآة. # في رأسي نحلة تتكلم. # ألوان السحر # استيقظي أيتها الغربان. اخرجي من ضباب السحر، # وانفضي عنك أعلام النوم السوداء، # أبلغي شطآن الظلام الخداع # التي عاقها حلم الأغوار الثقيل؛ # أن نداءك الغاضب هو الأرض. # كانت ترجو النهار، فأعلني الآن: «بدأ النوم!» # السحب الفضية تحيي الأحجار: # والنهار مع الليل يحتفلان بعيد الفصح الأبدي. # على السواحل الطباشيرية يتفتح جفن: # تكلم يا غراب نوح: أهي بقايا الطوفان؟ # نافذة الإنسان ونظرته الغارقة في الآفاق! # والثيران التي حكم عليها من قديم الزمان # أن تحمل معابد الآلهة الموتى، وحظائر الأحياء، # اقتربت من الظلال والأمواج الوضاء، # وشربت من الماء الجاري وهي تكشف له الأسنان. # ثم صرخت الأرض كأنما انتزع من إصبع مسمار: # وذعرت أسراب الطيور خائفة من الظلال، # الأرض تهيأت لتقديم مذابحها # 24 # اليومية: # والمولد والممات خرجا من أعواد الغاب. # خالدا وصامتا أشبه بالحصن المنيع، # تخترمني الأيام عاما بعد عام. # كل صباح عندي فهو صباح شتاء # والموت انحنى على بيتي من زمن طويل. ~~(4) جيوم أبوللينير (1880-1918م) # منطقة (مقتطفات) # أخيرا تعبت من هذا العالم القديم. # أيها الراعي. يا برج إيفل، قطيع الجسور يعوي في هذا الصباح. # سئمت الحياة في العهود الإغريقية والرومانية القديمة. # حتى السيارات تبدو هنا وكأنها قديمة قدم الإزل. # الديانة وحدها بقيت جديدة كل الجدة، الديانة # بقيت بسيطة كقاعات المطار. # رأيت صباح اليوم شارعا جميلا نسيت اسمه # جديدا ونظيفا، كان دوي بوق الشمس. # المديرون، العمال، وكاتبات الاختزال الجميلات # يمرون فيه من صباح الاثنين إلى مساء السبت كل يوم أربع مرات. # كل صباح تنوح صفارة الإنذار فيه ثلاث مرات، # ناقوس غاضب يعوي في منتصف النهار، # الكتابات المنقوشة على اللوحات والجدران، # الإعلانات واللافتات تصرخ كالببغاوات. ms351 # أحب رقة هذا الشارع الصناعي. # إنه يقع في باريس، بين شارع أومو-تييفيل وميدان تيرن. # ها هو ذا الشارع الشاب، وأنت طفل لا تزال # أمك لا تلبسك إلا الأزرق والأبيض ... # الآن تسير وحدك في باريس بين الجماهير، # قطعان الحافلات تزأر بجانبك. # قلق الحب يخنق لهاتك، # كأنه ليس من حقك أبدا أن تحب من جديد # لو عشت قديما لدخلت الدير. # إنكم تخجلون من أنفسكم عندما تلاحظون فجأة أنكم تصلون، # أنت تسخر من نفسك، وضحكتك تئز كنار الجحيم، # شرارات ضحكتك تكسو بالذهب أعماق حياتك. # إنها لوحة معلقة في متحف كئيب، # وفي بعض الأحياء تذهب لتراها عن قرب ... # أنت الآن على شاطئ البحر الأبيض، # تحت أشجار البرتقال التي تزهر طوال العام، # تتنزه مع أصدقائك في قارب ... # أنت في حديقة فندق في ضواحي براغ، # تحس أنك في غاية السعادة. هناك وردة على المائدة، # وبدلا من كتابة قصتك النثرية # تراقب الجرادة الذهبية النائمة في قلب الوردة ... # تقف أمام مائدة بار حقير، # تشرب بين التعساء قهوة رخيصة. # أنت بالليل في مطعم كبير، # هؤلاء النساء لسن شريرات، ومع هذا فلديهن همومهن. # كلهن، حتى أشدهن قبحا، قد سببت لعشيقها العذاب. # إنها ابنة جاويش في مدينة جيرسي، # يداها اللتان لم أرهما، متورمتان وخشنتان، # أحس بشفقة بالغة نحو الخيوط في بطنها. # أنت وحيد، الصبح وشيك . # بائعو اللبن ترن قدورهم في الشوارع. # وأنت تشرب هذه الخمر الملتهبة كحياتك، # حياتك التي تشربها كما لو كانت نبيذا محترقا # 25 # تسير في اتجاه «أوتي»، تريد أن تمشي على قدميك إلى البيت # وتنام بين بدودك # 26 # المجلوية من الأقيانوسة وغينيا: # إنها صور للمسيح من شكل آخر وعقيدة أخرى، # إنها صور دنيا المسيح الأمل المظلم. # الوداع، الوداع. # شمس، رقبة مذبوحة. # 1913م # أغنية المهان (مقتطفات) ~~«إلى بول ليوتو» # وغنيت هذه الخيالية # في سنة 1903 دون أن أدري # أن حبي كالعنقاء، # إن مات ذات مساء # ولد من جديد في الصباح. # ذات مساء في لندن، اكتسى نصفه بالضباب # لقيني صبي فاسد، # كان يشبه حبي، # والنظرة التي ألقاها علي # جعلتني أخفض ms352 من الخجل عيني. # تبعت هذا الولد الشرير # الذي راح يصفر ويداه في جيوبه، # كنا ونحن نسير بين ألبيوت ~~- طوفان البحر الأحمر المفتوح - # هو أشبه باليهود، وأنا شبيه فرعون. # لتسقط أمواج هذه الأحجار # إن كنت لم تحب! # أنا حاكم مصر # زوجته وأخته، جيشه # إن لم تكن الحب الوحيد. # على دوران شارع مشتعل # بكل أضواء واجهاته ~~- جراح الضباب الذي ينزف # حيث كانت الواجهات تنوح - # امرأة كانت تشبهه، # كانت نظرتها البشعة، # الندبة على رقبتها العارية. # خرجت سكرانة من حانة # في اللحظة التي عرفت فيها # زيف الحب نفسه. # لما رجع أخيرا إلى وطنه # الحكيم أوديسيوس # تذكره كلبه العجوز، # أمام سجادة رفيعة الخيوط # انتظرت زوجته أن يعود. # زوج ساكونتاله # 27 # الملكي # فرحت نفسه، وقد سئم الانتصار، # عندما وجدها أكثر اصفرارا # شاحبة العينين من الحب والانتظار # تداعب يداها غزالها الذكر. # فكرت في هؤلاء الملوك السعداء # عندما وجدت الحب الكاذب # والحب الذي ما زلت متعلقا به # تتصادم ظلالهما الخائنة # وتجعلني أشد تعاسة. # أحزان يقوم عليها الجحيم. # لتنفتح لضراعتي سماء النسيان! # لأجل قبلتها كان يموت ملوك العالم. # كان العظماء المساكين # يبيعون ظلهم لأجلها. # قضت الشتاء في ماض. # لتعد شمس الفصح من جديد # لتدفئ قلبا أشد برودة # من الأربعين (شهيدا) في سيباست # 28 # الذين كان عذابهم أقل من حياتي. # سفينتي الجميلة، آه يا ذاكرتي # أسافرنا بما يكفي على أمواج # لا تصلح مياهها للشرب؟ # هل تهنأ بما فيه الكفاية # من الصباح الجميل إلى المساء الحزين؟ # وداعا أيها الحب الكاذب # يا حب المرأة التي تبتعد عني # والمرأة التي فقدتها # في العام الماضي في ألمانيا # ولن أراها بعد اليوم. # أيتها المجرة، أيتها الأخت الناصعة # للجداول البيضاء في كنعان # ولأجساد المحبين البيضاء # أنتبع - نحن السباحون الموتى - في خشوع # طريقك إلى أفلاك أخرى في الضباب؟ # ما زلت أذكر سنة أخرى. # كل صباح يوم من أيام أبريل # غنيت فرحتي الحبيبة # غنيت للحب بصوت الرجال # في زمن الحب من ذلك العام. # رأس حمراء جميلة # ها أنا ذا أمام الناس جميعا رجل حصيف # 29 # يعرف الحياة ويعرف ms353 عن الموت ما يسع الحي أن يعرفه، # جرب أحزان الحب وأفراحه، # وعرف في بعض الأحيان كيف يفرض آراءه، # ملم بلغات عديدة، # تنقل بين البلاد، # رأى الحرب في المدفعية والمشاة، # جرح في رأسه وأجريت له عملية التربنة تحت البنج، # فقد أعز أصدقائه في الصراع المخيف، # أعرف عن القديم والجديد كل ما يستطيع واحد بمفرده أن يعرف ~~عنهما، # وبغير أن أعني نفسي اليوم بهذه الحرب # فإنني أحكم - فيما بيننا ومن أجلنا يا أصدقائي - # على هذا النزاع الطويل بين التقليد والتجديد # 30 # بين النظام والمخاطرة # أنتم يا من خلق فمهم على صورة فم الله # فم هو النظام بعينه، # كونوا متسامحين عندما تقارنوننا # بأولئك الذين كانوا كمال النظام # نحن الذين نبحث عن المخاطرة في كل مكان، # نحن لا نعاديكم # نريد أن نمنحكم مناطق شاسعة وغريبة # يقدم السر المزدهر نفسه فيها لكل من يشاء أن يقطفه، # هناك نيران جديدة وألوان لم يرها أحد من قبل، # ألف خيال عديم الوزن # تحتاج لمن يضفي عليها (ثوب) الواقع # نريد أن نكتشف الحنان، تلك البلاد الشاسعة التي يصمت فيها كل ~~شيء، # هنالك أيضا الزمن الذي يمكن أن يبعد أو يستعاد # ارثوا لحالنا. نحن الذين نحارب دائما # على حدود اللامتناهي والمستقبل # ارثوا لأخطائنا، ارثوا لخطايانا. # ها هو ذا الصيف يعود، فصل العنف! # وشبابي مات كما مات الربيع # أيتها الشمس: هذا زمن العقل المتأجج # وأنا أنتظر، كي أتبعه على الدوام، الصورة النبيلة العذبة # التي يتشكل فيها لأحبه هو وحده، # إنه يقبل ويجذبني كما يجذب الحديد حبيبه المغنطيس # له المظهر العذب # لمعبودة حمراء الشعر، # شعرها من ذهب، بل قد نقول ~~(إنه) وميض جميل يمكن أن يدوم، # أو (شعلات) اللهب التي تزهو # في أزهار الشاي الذاوية. # لكن اضحكوا اضحكوا علي # أيها الناس من كل مكان، وأنتم أيها الناس من هذه البلاد # لأن هناك أشياء كثيرة لا أجرؤ أن أقولها لكم # أشياء كثيرة لن تدعوني أقولها # ارثوا لحالي. # 1918م # الحسناء ذات الشعر الأحمر # ها أنا ذا أفوق الجميع بذكائي # أعرف الحياة وأعرف عن الموت ms354 بقدر ما في طاقة إنسان # جرب أحزان الحب وأفراحه، # وفرض آراءه في بعض الأحيان؛ # إنسان يعرف لغات كثيرة # بعد أن رحل في أسفار عديدة، # ورأى الحرب في المدفعية والمشاة، # وجرح في رأسه وعملت له «التربنة» تحت البنج، # وفقد خيرة أصحابه في الصراع المخيف. # أعرف عن القديم والجديد ما يمكن أن يعرفه عنهما إنسان، # وبغير أن أكثرت اليوم كثيرا بهذه الحرب # أحكم - فيما بيننا يا أصدقائي ومن أجلنا - # على هذا النزاع الطويل حول التراث والاختراع، # وحول النظام والمغامرة. # أنتم يا من خلقت أفواهكم على صورة فم الله، # فمه الذي هو النظام نفسه، # كونوا متسامحين عندما تقارنون بيننا # وبين أولئك الذين كانوا كمال النظام، # نحن الذين نسعى وراء المغامرة في كل مكان. # لسنا أعداء لكم # نحن نريد أن نفتح ممالك شاسعة وغريبة # 31 # حيث يجود سر الأزهار بنفسه لكل من يحب أن يقطفه # هناك نيران جديدة ألوان لم يرها أحد، # ألف رؤيا لم توضع في ميزان # ولا بد من جعلها حقيقة واقعة # نريد أن نكتشف المروءة والأرض الهائلة التي تصمت فيها ~~الكائنات، # وهناك الزمن الذي لا بد من مطاردته أو إعادته من جديد. # رحمة بنا نحن الذين نناضل باستمرار # على حدود اللامتناهي والمستقبل، # رحمة بأخطائنا رحمة بخطايانا # ها هو ذا الصيف يقبل، موسم العنف الشديد # وشبابي مات كما مات الربيع # إيه يا شمس! هذا زمن العقل الوهاج، # وأنا أنتظر # كي أتبعه دائما ذلك الشكل العذب النبيل # الذي يأخذه كي أحبه دون سواه، # إنه يقبل ويجذبني إليه كما يجذب المغنطيس الحديد، # منظره الساحر الفتان، # منظر ذات الشعر الأحمر الحسناء، # خصلات شعرها من ذهب وقد تقول # إنه برق جميل يدوم، # أو هو اللقب الذي يختال # في ورود الشاي الذابلة، # لكن أيها الناس في كل مكان وأنتم يا أيها المواطنون # اضحكوا علي اضحكوا؛ # فكم من أشياء لا أجرؤ أن أقولها لكم؛ # أشياء كثيرة لن تدعوني أقولها # رحمة بي. ~~(5) جول سوبرفيي (1884-1960م) # قلب # إلى خورخه جين. # 32 # يا قلبا بطيئا تعود # ولا يدري علام؟ # يا قلبا ms355 ثقيلا يطوي # في أعماق يقينه # حقولا بلا أوراق، # شوارع بلا خيل، # سفينة بلا وجوه # وأمواجا بلا مياه. # قد كانت تكفي شمعة # لتضيء العالم # الذي تدور حياتك # حوله في صمت. # إن كنت لا ترى أحدا # فأنت تعرف أنهم ينظرون # خلال هذه الأبواب # التي تؤدي إلى ممرات باهتة. # في النوافذ أشكال # بعيون مخفية # وأياد تتحسس # طيورا ذبيحة. # لكن آلاف الأطفال # يقفزون في الميدان # ويطلقون الصيحات # من صدورهم الواهنة # حتى يظهر رجل ذو لحية سوداء ~~- من أي عالم جاء؟ - # ليطاردهم بإشارة واحدة # إلى أعماق السحابة. # المرآة # ليعطوها مرآة في منتصف الطريق # سوف ترى الحياة تنزلق فيها من يديها، # ونجما يسطع كقلب لا يعرف الاستقرار # تشتد ضرباته حينا، وحينا يخفق بغير انتظام. # وعندما يقتربون، سترى طيورها المحبوبة # لكنها لن تفهم شيئا، # ستحاول، وقد تملكها الخوف، أن ترى وجهها، # وستصمت المرآة صمتا يطول. # وحش الليل الجميل ~~«يا وحش الليل الجميل، يا من تختلج بالظلمات، # أنت تكشف عن فاه رطب من وراء السماء، # تقترب مني، تمد إلي مخلبك # ثم تسحبه كأنما انتابتك الشكوك. # ومع ذلك فأنا صديق إشاراتك المعتمة، # عيناي تلمسان أعماق فرائك الأخرس. # ألا تراني شقيق الظلمات # في هذا العالم، حيث أعيش مواطنا في عالم آخر # 33 # وأحتفظ لنفسي بأصفى أغاني؟ # تعال، أنا أعرف أيضا مخاوف الصمت # بقلبي العجلان، الذي يراه الصبر، # ويدق على أبواب الموت بغير جواب. # لكن الموت يجيبك على فترات قصار # عندما يرتطم قلبك المفزوع بالجدار، # وما أنت إلا من عالم، يخشى الناس الموت فيه.» # والعيون في العيون، في خطوات قصار، # يتراجع الوحش في الظل الجسور، # وتزدهر السماء كعادتها بالنجوم. # خيول الزمن # عندما تتوقف خيول الزمن أمام بابي، # أتردد قليلا في النظر إليها وهي تشرب، # لأنها تروي عطشها من دمي. # وتتلفت إلى وجهي بأعين ملؤها العرفان، # بينما تغمرني رشفاتها الطويلة بالضعف # وتتركني في حال من السأم، والوحدة، والاضطراب # بحيث تستولي ليلة عابرة على جفوني # وأظل أجاهد لاستعادة قواي # حتى أستطيع ذات يوم، عندما تأتي الخيول العطاش # أن أبقى على قيد الحياة لأسقيها. ms356 ~~(6) سان جون بيرس (1887م-؟) ~~... ثم هذا الذباب، هذا النوع من الذباب، والدرجة الأخيرة في الحديقة ... صوت ~~نداء، أنا قادم أتكلم في خشوع. # إن لم تكن هي الطفولة فماذا كان هناك قديما، ولم يعد له وجود؟ # سهول! منحدرات! كان هناك مزيد من النظام! ولم يكن كل شيء إلا ممالك نور ~~وحدودا منيرة. # وقديما كان الظل والضوء أقرب إلى # شيء واحد بعينه ... أتكلم عن خشوع ... على حافة الحديقة كان يمكن أن تسقط ~~الثمرة بغير أن تفسد البهجة على حافة شفاهنا # 34 # والرجال كانوا يثيرون مزيدا من الظلام بفم أكثر ~~جدا، # والنساء يثرن مزيدا من الأحلام بأذرع أشد سأما ~~... أعضائي تنمو، وتثقل، تغذيها الشيخوخة! أبدا لن أرى مكانا مقسما بين ~~الطواحين # وحقول القصب - حلما للأطفال - في مياه مسرعة صداحة ... على اليمين. كانوا ~~يحضرون القهوة، وعلى اليسار نبات التابيوكا # 35 ~~(يا للمناديل المطوية! يا للأشياء المحمودة!)، وهنا كانت ~~الجياد تقف بأفواهها الموسومة، والبغال المقصوصة الشعر، وهناك الثيران؛ هنا ~~السياط، وهناك صيحة طائر «الأناو» # 36 # وهناك أيضا جراح أعواد القصب في الطاحونة، # وسحابة بنفسجية وصفراء، بلون برقوق الإيكاكو، تكف فجأة عن تتويج البركان ~~الذهبي، وتنادي الخادمات بأسمائهن، # فيخرجن من أعماق كهوفهن! # إن لم تكن هي الطفولة، فماذا كان قديما هناك، ولم يعد له وجود؟ ... # للاحتفال بطفولة، 3 # مطلع هذه الأغنية لهم يهد للشواطئ ولم يوهب للصفحات ... أناس آخرون ~~يمسكون في المعابد قرون المذبح الملونة: # مجدي فوق الرمال ! مجدي فوق الرمال! ... # وما كان خطأ وضلالا، أيها الحاج، هذا النهم إلى الخلاء العاري، لكي ~~أجمع في خلجان المنفى قصيدة عظيمة ولدت من العدم، قصيدة # عظيمة خلقت من العدم ... اصفري، أيتها المقاليع فوق العالم، غني، أيتها ~~الأصداف فوق الماء! # بنيت فوق الهاوية والزبد وغبار الرمال: سأنام في الصهاريج وفي بطون السفن ~~الخاوية، # في كل مكان موحش وعقيم، يرقد فيه الإحساس بالعظمة وهو كسير. # قليلة الأنفاس التي رفت على جنس الجوليين، قليلون هم الأعوان الذين ~~التفوا حول طائفة الكهنة العظام. # إلى حيث تمضي الرمال بأغانيها، يمضي أمراء المنفى، # حيث ms357 كانت الأشرعة عالية، يمضي الحطام أشد نعومة من حلم صانع ~~الأوتار، # حيث كانت معارك الحروب الكبيرة، يشحب فك الحمار، # والبحر في دورته يدفع صليل الجماجم إلى الشطآن، وذات مساء، على حافة ~~العالم، # روى لنا محاربو الرياح فوق رمال المنفى # أن كل أشياء العالم عندهم وهم وسراب ... # يا حكمة الزبد، يا أوبئة الروح في أزيز الملح # والجير الذي لم يطفأ! # علم يأتيني من عذاب النفس ... # لتحك لنا الريح عن نهبها وسلبها، لتحك لنا الريح عن وهمها ~~وضلالها! # كالفارس، والحبل في قبضته، على مشارف الصحراء، # أتلصص في الدائرة الشاسعة على # ارتفاع العلامات المواتية ... # والصباح تشير لنا إصبعه المتنبئة بين # الكتابات المقدسة. # المنفى لا يعود إلى الأمس فقط! المنفى لا يعود إلى الأمس! ~~«أيتها الآثار، أيتها الرسل»، هكذا يتكلم الغريب بين الرمال، «كل # ما في الأرض جديد علي! ...» # وميلاد أغنيته ليس أقل غرابة لديه. # منفى، 2 # مدائح 2 # وخادمات أمي، فتيات طويلات مضيئات ... وأجفاننا الخرافية ... يا ~~للبهاء! يا للجميل! # دعوت كل شيء، فرويت أنه كان عظيما، دعوت كل حيوان، فذكرت كيف كان ~~جميلا وعطوفا. # يا لأزهاري الضخمة النهمة، بين أوراق الشجر الحمراء، تلتهم جميع ~~حشراتي الجميلة الخضراء! باقات الأزهار في الحديقة فاحت برائحة مقبرة ~~العائلة. وأخت صغيرة جدا ماتت: كان لدي تابوتها الذي يعبق بعبير الماهون # 37 # بين مرايا حجرات ثلاث. ولم يكن من الواجب قتل الطائر ~~الطنان بحجر ... # لكن الأرض كانت تجثم قابعة في ألعابنا # 38 # كما تفعل الخادمة، تلك التي كانت تملك الحق في كرسي عندما ~~تبقى الأسرة بين جدران البيت. # مدائح، 1911م # قصيدة للغريبة # لكن مساء العصر العظيم # 39 # هذا والصبر العظيم، في الصيف المثقل بالمنحدرات وما السمك # 40 # المعتم، لتخليص أناس مصابيحكم من أعماق الهاوية، # 41 ~~(ها أنا ذا) رجل جد وحيد، أسير في هذا الحي # المرتفع، (حي) مؤسسات العميان، والمستودعات المكفنة (في أوراق ~~الأشجار)، والديوان الحبيسة من أجل الموتى، المحيطة بالبوابات والمروج ~~وكل هذه الحدائق الجميلة على النسق الإيطالي # التي تركها أصحابها ذات مساء، وقد راعهم شذا القبر، ms358 # و(ها أنا ذا) أسير في طريقي، أيتها # الذكريات! بخطى إنسان حر، # بلا قطيع ولا ذكريات، بين غناء الساعات # الزجاجية، جبهتي عارية، يكللها النحل الفسفوري، تحت سماء ~~شاسعة # من صلب أخضر كما لو كنت في أعماق البحر، أصفر لشعبي من العرافين، ~~أصفر لشعبي من المنكرين (الكافرين)، وأنا ما زلت ألاطف في الحلم بيدي، ~~بين كائنات كثيرة غير مرئية، كلبتي التي (تعيش) في أوروبا وكانت بيضاء ~~كما كانت شاعرة أكثر مني. # إلى غريبة، 1942م # هذا الذي يجوب الدروب الحجرية في منتصف الليل، لكي يقدر قيمة ~~شهاب جميل؛ والذي يحرس، بين حربين، نقاء العدسات البللورية الكبيرة، الذي صحا ~~من نومه قبل طلوع النهار لكي يطهر الينابيع، وقد انتهت الأوبئة العظيمة؛ الذي ~~يسكر في وليمة بأعالي البحار مع بناته وزوجات أبنائه، وكان هناك ما يكفي من ~~رماد الأرض ... # الذي يتملق الجنون في المصحات الكبيرة (المطلية) بالطباشير الأزرق ويوم الأحد ~~فوق (سنابل) القمح، في ساعة العمى الشديد؛ الذي يصعد للأرغن الوحيد، # 42 # عند دخول الجيوش؛ الذي يحلم ذات يوم بمغارات حجرية كبيرة، بعد ~~الظهر بقليل، في ساعة الترمل ... الترمل الكبير؛ الذي يوقظه في البحر، تحت رياح ~~تهب من جزيرة منخفضة، عطر جاف منبعث من زهرة رملية صغيرة؛ # 43 # الذي يحرس في الموانئ ... الموانئ أذرع نساء من جنس غريب، وثمة مذاق ~~نبات نجيلي # 44 # في الرائحة المنبعثة من إبط الليل العميق، والوقت بعد منتصف الليل ~~بقليل، في الساعة التي يدلهم فيها الظلام؛ الذي ينام وتتحد أنفاسه بأنفاس ~~البحر، وعندما تثور الأنواء # 45 # يتقلب فوق فراشه كسفينة تتوقى الريح ... # الذي يسير على الأرض في اتجاه المراعي الكبيرة، الذي يقدم النصيحة في أثناء ~~الطريق لعلاج شجرة عتيقة؛ الذي يصعد بعد العاصفة فوق الأبراج الحديدية ليتشمم ~~هذا المذاق النباتي المعتم الذي يفوح في الغابة من أشجار العوسج؛ الذي يسهر في ~~الأماكن المقفرة على مصير خطوط التلغراف العظيمة ... # الذي يفتح حسابا في البنك لرعاية الأبحاث العقلية، الذي يدخل دائرة عمله ~~الجديد وهو أشد ما يكون حماسا وانفعالا، وبعد مضي ثلاثة ms359 أيام لا يكترث بصمته ~~أحد ما خلا أمه، ولا يسمح لأحد بدخول حجرته فيما عدا أكبر الخادمات سنا؛ الذي ~~يسوق دابته إلى الينابيع دون أن يشرب هو منها؛ الذي يتخيل أنه يستنشق من السروج ~~رائحة أشد نفاذا من رائحة الشمع ... # الذي يضع المهام الكبرى للغة في مراتب ودرجات؛ الذي تعرض عليه، من أعلى ~~مكان، أحجار هائلة تتألق باللهب الصامد ... # أولئك هم أمراء المنفى، وليسوا في حاجة لأغنيتي ... # منفى، 6، 1942م ~~(7) بول إلوار # مرآة لحظة # تبعثر النهار، # تبين الصور للناس خالصة من المظهر، # تسلب الناس القدرة على التشتت. # هي صلبة كالحجر. # الحجر الذي لا شكل له، # حجر الحركة والرؤية، # وبريقها من النوع الذي يجعل كل الأسلحة، # وكل الأقنعة تبدو كاذبة. # حتى ما تمسك به اليد، يزدري أن يأخذ شكل اليد # ما وعاه الفهم، ليس له وجود، # الطائر اختلط بالريح، # والسماء بحقيقتها، # والإنسان بواقعه. # العاشقة # تقف على جفوني # وشعرها في شعري، # لها شكل يدي، # لها لون عيني، # تغوص في ظلي # كحجر على السماء. # عيناها مفتوحتان أبدا # ولا تتركني أنام. # أحلامها في الضوء الساطع # تجعل الشموس تتبخر، # تجعلني أضحك، أبكي، أضحك، # أتكلم دون أن أعرف ما أقول. # 1924م # عاشقة # عاشقة تلوذين بالسر خلف ابتسامتك ~~(عندما) تكشف كلمات الحب العارية # عن نهديك وعنقك # وأردافك وجفونك # تكتشف الضمات جميعا # لكيلا تبين القبلات في عينيك # أحدا سواك، بكليتك. # الحب، الشعر، 1929م # أخفي الكنوز السوداء # أخفي الكنوز السوداء # للتراجعات المجهلة # قلب الغابات، نعاس # صاروخ ملتهب، # الأفق الليلي # الذي يتوجني، # أستبق خطاي # وأنا أحيي بسر جديد # ميلاد الصور. # الحب، الشعر، 1929م # حبي ~~(يا) حبي لأنك مثلت # 46 # رغباتي # وضعت شفتيك كالنجم في سماء كلماتك # قبلاتك في الليل الحي # وصحوة ذراعيك حولي # كأنها شعلة (ترسم) علامة انتصار # أحلامي عن العالم # واضحة ومستديمة # وعندما تغيبين # أحلم أنني أنام، أحلم أنني أحلم. # الحب، الشعر، 1929م # عنف ... # عنف رياح الفضاء، # سفن وجوه قديمة، # مأوى دائم # وأسلحة للدفاع، # شاطئ مهجور، # طلقة نار، طلقة واحدة، # فزع الأب، # الذي مات من زمن بعيد. # 1932م # بالكاد مشوه ms360 # وداعا يا حزن. # صباح الخير يا حزن. # أنت منقوش في خطوط السقف. # أنت منقوش في العيون التي أحبها. # لست التعاسة تماما # لأن أتعس الشفاه تشي بك # بابتسامة. # صباح الخير يا حزن. ~~(يا) حب الأجساد المحبوبة، ~~(يا) قوة الحب # التي تثب محبتها # 47 # كوحش بلا جسد، # رأس خائب الأمل، # حزن وجه جميل. # الحياة المباشرة، 1932م # وجود # الجبهة كراية ضائعة، # أجرك، عندما أكون وحيدا # في شوارع باردة، # حجرات سوداء، # وأصرخ في عذاب. # لا أريد أن أتركهما، # يديك الواضحتين العسيرتين، # المولودتين في مرآة يدي المقفلة. # كل ما عدا ذلك حسن، # كل ما عدا ذلك أشد عقما # من الحياة. # احفري الأرض تحت ظلك. # ماء بالقرب من النهدين # يغرق الإنسان فيه # كالحجر. # 1936م # لا أطمع إلا في حبك # لا أطمع إلا في حبك # عاصفة تملأ الوادي # سمكة (تملأ) النهر # صنعتك على قدر وحدتي # العالم كله لتختبئ فيه # الأيام الليالي لنفهم بعضنا # لئلا أرى في عينيك # إلا رأيي فيك # وفي عالم على صورتك # وأيام وليال تحكمها جفونك. # العيون الخصبة، 1936م # القبلة # دافئة لا تزالين من الغطاء المرفوع # 48 # تغمضين العينين وتتقلبين # كما تتقلب أغنية تولد # غامضة، لكن من كل مكان # عطرة وشهية، # تتجاوزين، بغير أن تنكري نفسك، # 49 # حدود جسدك. # خطوت فوق الزمان # وها أنت ذي امرأة جديدة # تكشفت على اللانهاية. # تفكير عاشق طويل، 1945م # العدالة الحقة # هذا قانون البشر الدافئ؛ # من العنب يصنعون النبيذ، # من الفحم يصنعون النار، # من القبلات يصنعون البشر. # هذا قانون البشر القاسي؛ # يحافظون على سلامتهم # رغم الحروب والشقاء # رغم مخاطر الموت. # هذا قانون البشر العذب؛ # يجعلون الماء ضياء، # الحلم حقيقة، # والأعداء إخوة. # قانون قديم وجديد # ينشد الكمال كل يوم # من أعماق قلب الطفل # إلى العقل الأسمى. # معنا سيحيا كل شيء ~~(أيتها) الحيوانات (يا) أعلامي الذهبية الحقة # أيتها السهول يا مغامراتي الناجحة # أيتها الخضرة النافعة أيتها المدن الحية، # سوف يتقدمك رجال ذات يوم؛ # رجال من تحت العرق الضربات الدموع، # لكنهم سيقطفون كل أحلامهم. # أرى رجالا صادقين حساسين طيبين نافعين # يطرحون حملا أخف ms361 من الموت # وينامون من الفرح في ضوضاء الشمس. # عيونهم الصافية أبدا # أيام الخمول، أيام المطر، # أيام المرايا المكسورة والإبر الضائعة، # أيام الأجفان المغمضة على أفق البحار، # الساعات المتشابهة أبدا، أيام الحصار، # روحي التي كانت لا تزال تسطع فوق الأوراق والأزهار، # روحي عارية كالحب، # الفجر الذي تنساه يجعلها تخفض الرأس # وتتأمل جسدها الخاضع العقيم. # مع هذا، رأيت أجمل ما في العالم من عيون، # آلهة فضية، تمسك بأحجار الياقوت في أيديها، # آلهة حقيقية، طيورا في الأرض # وفي الماء، أنا رأيتها. # أجنحتها هي أجنحتي، وليس هناك # سوى طيرانها الذي يهز شقائي، # طيران النجوم والضياء، # طيران الأرض، طيران الحجر # على أمواج أجنحتها. # فكري، يحمله الموت والحياة. # بلا عمر # نتقدم # في الغابات. # اسلكوا شارع الصباح، # اصعدوا درجات الضباب! # نتقدم # يتشنج قلب الأرض. # ما زال هناك # يوم نهديه إلى العالم. # سترحب السماء. # فقد سئمنا السكن، # في أطلال النوم، # في ظل الراحة الدنيء # في ظل التعب والملل. # الأرض ستتخذ شكل أجسامنا الحية، # الريح ستجري على هوانا، # الشمس والليل سيعبران في عيوننا، # بغير أن يغيراها أبدا. # قضاؤنا الأكيد، هواؤنا النقي قادران، # على ملء الفراغ الذي حفرته العادة. # سنرسو جميعا على شط ذاكرة جديدة، # سنتحدث معا لغة محسوسة. # آه يا أخوتي المتنازعين، يا من تحفظون في حدقاتكم # الليل المندفق ورعبه، # أين تركتكم؟ # بأيديكم الثقيلة في الزيت الكسول # زيت أفعالكم الماضية؛ # بقليل من الأمل، حتى ليصبح الموت على حق، # يا إخوتي الضائعين، # أنا أستقبل الحياة، أنا أحمل شكل الإنسان؛ # لأثبت أن العالم قد خلق على قدري. # وأنا لست وحيدا. # ألف صورة مني تضاعف نوري، # ألف نظرة مشابهة تسوي الجسد. # الطائر، الطفل، الصخر، السهل # تنضم إلى صحبتنا. # الذهب ينفجر ضاحكا إذ يرى نفسه خارج الهاوية. # الماء، والنار يتعريان لفصل واحد. # ما عاد هناك كسوف على جبهة الكون. # أيد تعرفتها أيدينا، # شفاه ذابت في شفاهنا، # أول دفء الزهور # اتحد مع انتعاش الدم. # المنشور يتنفس معنا، # فجر ناصع، # على قمة كل عود ملكي، # على رءوس الأعشاب، على أطراف الثلوج # والأمواج والرمال المقلوبة # والطفولات ms362 الصامدة # خارج كل الكهوف # خارج أنفسنا. # عن أحد أبطال المقاومة # الليلة التي سبقت موته # كانت أقصر ليالي حياته، # وفكر أنه ما زال حيا؛ # فالتهب دمه في قبضتيه، # ثقل جسده أضجره، # قوته جعلته يئن؛ # في قلب هذا الرعب # بدأ يبتسم، # لم يكن له رفيق واحد # بل ملايين وملايين، # كان يعلم أنهم سيثأرون له # ثم أشرق عليه النهار. # اغتالوا جارثيا لوركا # بيت من كلمة واحدة. # 50 # وشفاه اتحدت لتعيش، # طفل صغير بلا دموع # في حدقتيه اللتين من ماء ضائع # ضوء المستقبل # يغمر الإنسان قطرة قطرة # حتى الجفون الشفافة. # اعدموا سان-بول-رو # عذبوا ابنته # مدينة ثلجية ذات أركان متشابهة # أحلم فيها بالثمار الناضرة، # بالسماء كلها وبالأرض # وكأني أحلم بالعذارى تعرين # في لعبة لا تنتهي أبدا، # يا أحجارا ذاوية يا جدرانا بلا أصداء، # إني أتحاشاك بابتسامة ~~«ديكور» حكم عليه بالإعدام. # الفجر يبدد الوحوش # 51 # لم يعلموا # أن جمال الإنسان أسمى من الإنسان، # عاشوا ليفكروا، فكروا ليصمتوا، # عاشوا ليموتوا، كانوا فاشلين، # استعادوا براءتهم في الموت، # نظموا # تحت اسم الثورة # بؤسهم عشيقاتهم، # مضغوا الزهور والابتسامات # لم يجدوا القلب إلا في أفواه بنادقهم، # لم يفهموا إهانة الفقراء # الفقراء الذين سيتحررون غدا من همومهم. # خلدتهم الأحلام بلا شموس، # ولكنهم لكي يحولوا السحابة إلى وحل # انحدروا لم يرفعوا جباههم للسماء. # كل ليلهم موتهم ظلهم الجميل شقاء؛ # شقاء للآخرين. # سوف ننسى هؤلاء الأعداء البلداء. # 52 # وقريبا تأتي جماهير # تعيد بصوت هامس ما قاله اللهب؛ # اللهب من أجلنا معا من أجلنا وحدنا صبرا، # لكلينا قبلة الأحياء في كل مكان. # الأغبياء والأشرار # يأتون من الداخل، # يأتون من الخارج # أولئك أعداؤنا! # يأتون من أعلى، # يأتون من أسفل، # من قريب وبعيد، # من يمين وشمال، # في ملابس خضر، # في ملابس قاتمة، # السترة شديدة القصر، # المعطف شديد الطول، # والصليب معقوف، # طوال ببنادقهم، # قصار بمديهم، # فخورون بجواسيسهم، # مزهوون بجلاديهم، # ومثقلون بالأحزان، # أسلحتهم تبلغ الأرض، # أسلحتهم تنفذ في الأرض، # متصلبون عندما يؤدون التحية، # متصلبون من الرعب # أمام رعاتهم، # سكارى من الجعة، # سكارى من القمر، # ينشدون بوقار # أغنية الأحذية الضخمة، ms363 # نسوا فرحة # 53 # من يحبه الناس! # إذا قالوا نعم # أجاب كل شيء بلا! # عندما يتكلمون عن الذهب # يصبح كل شيء رصاصا، # ولكن محاربة ظلمهم # تحيل كل شيء ذهبا، # وترد كل شيء إلى الشباب. # فليذهبوا فليموتوا؛ # إن موتهم يكفينا. # نحن نحب الناس، # وسينجون بأنفسهم، # وسوف نعمل على ذلك # في صبيحة يوم النصر ~~(لبناء) عالم جديد؛ # عالم سليم. # الموت الحب الحياة # ظننتني قادرا على كسر الأعماق اللانهاية # بحزني العاري الوحيد بلا أصداء، # تمددت في سجني ذي الأبواب العذرية # مثل ميت عاقل عرف كيف يموت؛ # ميت غير متوج إلا بعدمه، # تمددت فوق الأمواج الباطلة # وقد أهلكني السم من حبي للرماد. # الوحدة بدت لي أكثر حياة من الدم، # أردت أن أمزق الحياة، # أردت أن أشارك الموت في الموت، # أن أرد قلبي إلى الفراغ والفراغ إلى الحياة، # أن أمحو الكل لكيلا يبقى شيء لا النافذة ولا الأنفاس # لا شيء أمامها ولا شيء وراءها لا شيء على الإطلاق. # تخلصت من ثلج الأيدي المضمومة، # تخلصت من هيكل العظم الشتوي # لرغبة الحياة التي تلغي نفسها. # جئت فالتهبت النار من جديد؛ # الظل تنحى برد الأعماق انتثرت فيه نجوم، # والأرض تغطت # بجسدك الناصع وشعرت أنني خفيف، # جئت فانهزمت الوحدة، # أصبح لي دليل على الأرض، # عرفت وجهتي علمت أنني بلا حدود، # تقدمت كسبت المكان والزمان، # سرت نحوك سرت بلا انقطاع نحو النور، # الحياة صار لها شكل الأمل نشر جناحه، # النوم تقطرت منه الأحلام والليل # وعد الفجر بنظرات ملؤها الثقة والاطمئنان، # أشعة ذراعيك شقت الضباب، # فمك كان مبتلا بقطرات الندى الأولى، # الراحة الباهرة حلت محل التعب، # وتبتلت للحب كما فعلت في أيام الشباب، # الحقول مخضرة بالزرع والمصانع تلمع، # والقمح يبني عشه في موجة هائلة، # الحصاد الكروم لها شهود بلا عدد، # لا شيء بسيط لا شيء عجيب، # البحر في عيون السماء أو الليل، # الغابة تمنح الأشجار الأمان، # وجدران البيوت متشابهة الجلود، # والطرق تتقاطع على الدوام، # خلق البشر ليسمعوا بعضهم، # ليفهموا ويحبوا بعضهم بعضا، # لهم أطفال سيغدون أباء للبشر، # لهم أطفال بلا بيت ولا ms364 نار # سيعيدون صنع البشر # والطبيعة ووطنهم # وطن كل الناس # كل الأزمان. # الصدفة # للصدفة ملحمة، لكن فلنعدل عنها الآن. # كل الأفعال مساجين عبيد # لهم لحى عجائز، # والكلمات التقليدية # لا قيمة لها إلا في ذاكرتهم. # للصدفة كل ما يلتهب، كل ما يؤلم، # كل ما يبلي، كل ما يعض، كل ما يقتل، # لكن ما يلمع كل يوم # هو تجانس. # 54 # الإنسان والذهب # هو نظرة اقترنت. # 55 # بالأرض. # للصدفة تحرر، # للصدفة الشهاب، # والسماء الخالدة لرأسي # تنفتح لشمسها # لخلود الصدفة. # عاصمة الألم، 1946م # شعرك البرتقالي # شعرك البرتقالي في فراغ العالم، # في فراغ الألواح الزجاجية المثقلة بالصمت والظل # حيث تبحث يداي العاريتان عن كل انعكاساتك. # صورة قلبك طيف خيال. # 56 # وحبك يشبه رغبتي المفقودة # إيه يا زفرات من عنبر، يا أحلاما، يا نظرات. # لكنك لم تكوني دائما معي. ذاكرتي # ما زالت (ملفوفة) في الظلام لأنها رأتك تأتين وتذهبين. # الزمن، كالحب، يلجأ للكلمات. # 57 # عاصمة الألم، 1946م # هي ... # هي تكون، ولكنها تكون في منتصف الليل فحسب، عندما تضم كل الطيور ~~البيضاء # أجنحتها على الظلمة الجاهلة، عندما تخفي شقيقة آلاف اللآلئ # كلتا يديها في شعرها الميت، عندما يفرح القائد الروماني ~~المنتصر # بنشيجه، بعدما سئم استسلامه للفضول، هذا الدرع الرجولي # البراق للشهوة. هي من العذوبة بحيث حولت قلبي. كنت أشفق من الظلال ~~الكبيرة التي تغزل أبسطة اللعب والزينة، كنت أخاف من التواءات الشمس ~~في المساء، من الغصون التي لا تنكسر، والتي تظهر نوافذ كل كراسي ~~الاعتراف حيث تنتظرنا هناك نساء غارقات في النوم. # آه يا تمثال الذكرى، يا خطأ الشكل، يا خطوطا غائبة، # يا لهبا خابيا في عيني المغمضتين، أنا أمام رقتك. # 58 # كطفل في الماء ، كباقة ورد في غابة كبيرة. بالليل يتقلب ~~الكون في دفئك، # وتصبح إشارات الشوارع في مدن الأمس ألطف من وردة شوكية. # 59 # وأشد امتلاكا للقلب من لحظة الزمن. # 60 # على البعد # تتكسر الأرض في ضحك جامد، السماء تلف الحياة: # كوكب حب جديد يشرق في كل مكان، وأخيرا، فما من دليل بعد على وجود ~~الليل. ms365 # لغة الألوان # أعرفك (يا) ألوان الرجال والنساء، # زهور نضرة، ثمار عطنة، هالات منتثرة # موشورات. # 61 # موسيقية، (كتل) ضباب أبناء الليل # ألوان، وكل ما يفتح عيني مضيء # ألوان، وكل ما يدفعني للبكاء كئيب # ألوان العافية، الرغبة، الخوف # وعذوبة الحب تضمن. # 62 # المستقبل # ألوان جريمة وجنون وتمرد وشجاعة # والضحك في كل مكان يعري السعادة، # وأحيانا العقل الذي يبصقنا (ك) أغبياء # ودائما العقل الذي يعيد خلقنا عظماء، # خفق الدم على كل دروب العالم، # ألوان: ليحفر اليأس الليل (كما يشاء)، # ولتسود الألغاز. # 63 # المؤرقين حتى العظام، # فالأحلام تشرق بالجمال (و) الخير. # إن يقم الشتاء في ركن من قلبي، # ففي (الركن) الآخر أرى بوضوح وأرجو و(أبتهج) بالألوان، # 64 # أعكس أخصب جسدا سوف يدوم، # 65 # أكافح، أسكر بالكفاح من أجل الحياة، # في نصاعة الآخرين أشيد انتصاري. # 1949م # نقد الشعر # النار توقظ الغابة # الجذوع القلوب الأيدي الأوراق # السعادة في باقة واحدة # مضطربة خفيفة ذائبة محلاة. # 66 # غاية كاملة من الأصدقاء # تتجمع حول النوافير الخضر # للشمس الطيبة والغابة الملتهبة. # على الشعر أن يستهدف الحقيقة العملية ~~(إلى أصدقائي الطموحين.) # إن قلت لكم إن الشمس في الغابة # تشبه جدا يهب نفسه في الفراش # صدقتموني لبيتم كل رغباتي! # إن قلت لكم إن بلور يوم يطير # يتردد (صداه) دائما في كسل الحب # صدقتموني أطلتم زمن الحب # إن قلت لكم: على أغصاني فراشي # طائر يبني عشه ولا يقول أبدا نعم # صدقتموني شاركتموني عذابي. # 67 # إن قلت لكم في أعماق نبع. # 68 # مفتاح نهر يدور ليشق الخضرة. # 69 # صدقتموني، بل فهمتوني # فإذا تغنيت مباشرة. # 70 # بشارعي كله # وبلدي كلها التي تشبه شارعا لا ينتهي # لم تصدقوا كلامي، ذهبتم للصحراء # لأنكم تسيرون بلا هدف لا تعرفون أن الناس # في حاجة إلى الاتحاد إلى الأمل إلى الكفاح # من أجل تفسير العالم ومن أجل تغييره. # بخطوة واحدة من قلبي سآخذكم معي، # إني مسلوب لقوة، عشت وما زلت أعيش، # لكني أعجب من نفسي إذ أتكلم كي أبهجكم # بينما أريد أن أحرركم لكي أوحد بينكم # وبين أعشاب البحر وأعواد ms366 الفجر # وإخوتنا الذين يشيدون نورهم. ~~(8) أندريه بريتون (1869-1967م) # فعل يكون # أعرف اليأس بملامحه الكبيرة. اليأس ليست له أجنحة، إنه لا يجلس ~~بالضرورة أمام مائدة خالية في شرفة، بالليل على شاطئ البحر. إنه ~~اليأس، لا عودة بعض الأشياء الصغيرة كالبذور، التي تترك عند هبوط الليل ~~حفرة من أجل حفرة أخرى. ليس هو الأعشاب على حجر ولا هو كأس ~~الشراب. # إنه سفينة ثقبها الثلج، إن شئت هذا، كالطيور التي تهبط وليس لديها ~~أدنى كثافة. أعرف اليأس بملامحه الكبيرة. شكل صغير جدا، تحده ~~جواهر معلقة بالشعر. # إنه اليأس. عقد لؤلؤ، لا يعرف الإنسان له قفلا بل ولا يعلق وجوده في ~~خيط، ذلك هو اليأس. نحن لا نتكلم عن شيء آخر. نحن لا نكف عن اليأس، ~~إذا ما بدأناه. أنا، أنا أيئس من غطاء المصباح حول الساعة الرابعة، ~~أيئس من المروحة حول منتصف الليل، أيئس من سيجارة المحكوم عليهم. أعرف ~~اليأس بملامحه الكبيرة. اليأس لا قلب له، اليأس المقطوع الأنفاس يفتتح ~~اللعبة دائما، اليأس الذي لا تقول لنا المرايا أبدا إن كان قد مات. ~~أنا أعيش على هذا اليأس الذي يفتنني. أحب هذه الذبابة الزرقاء، التي ~~تطير في السماء عندما تدندن النجوم. أعرف اليأس بملامحه الكبيرة، اليأس ~~باندهاشاته الطويلة النحيلة، يأس الكبرياء، بأس الغضب. أستيقظ كل صباح ~~كما يفعل كل الناس وأفرد ذراعي على بساط من الورق منقوش بالزهور، لا ~~أتذكر شيئا، وأكتشف دائما في يأس أشجار الليل الجميلة التي اقتلعت ~~من جذورها. # هواء الحجرة جميل مثل عصى الطبلة. إنه جو الجو. أعرف اليأس في ملامحه ~~الكبيرة. إنه كريح الستارة التي تساعدني في الشدائد. هل خطر مثل هذا ~~اليأس على بال أحد! نار! آه، إنهم سيعودون ... النجدة! # ها هم أولاء يسقطون في بير السلم ... وإعلانات الجرائد، واللافتات ~~المضيئة على طول القنال. كوم الرمال، اذهب يا كوم الرمال السخيف! في ~~ملامحه الكبيرة ليس لليأس أهمية. إنه سخرة أشجار، تتكون منها غابة، إنه ~~سخرة نجوم، ستصنع يوما أقل، إنه سخرة أيام أقل، ستصنع حياتي. # يقظة # برج ms367 سان جاك في باريس # الذي يتمايل كزهرة عباد الشمس # يخبط السين بجبهته في بعض الأحيان وينزلق ظله # دون أن يلحظه أحد بين السفن الجرارة # في هذه اللحظة أسير في نومي على أطراف قدمي # وأتجه إلى الحجرة التي أتمدد فيها، # وهناك أوقد النار # لكيلا يبقى شيء من هذه الموافقة التي انتزعت مني، # عندئذ تستحيل قطع الأثاث إلى حيوانات تشبهها في الحجم، # تنظر إلي نظرات أخوية، # أسود تلتهم أعرافها الكراسي الوثيرة، # أسماك قرش تزدرد الرعشة الأخيرة لملاءات السرير! # في ساعة الحب والجفون الزرقاء # أراني أحترق بدوري، أرى هذا الصندوق الحفي للعدم # الذي كأنه جسدي # تحفره المناقير الصابرة لطيور أبيس النارية، # وعندما ينتهي كل شيء أدخل السفينة. # 71 # دون أن يراني أحد # دون أن ألتفت لعابري السبيل # الذين تتردد أصداء خطاهم الثقيلة على البعد # أرى ذؤابات الشمس # عبر شجيرات المطر الشوكية، # أسمع ثياب البشر وهي تتمزق كورقة شجرة كبيرة # تحت أظفر الغياب والحضور (وهما متآمران) # كل الحرف تذبل، لا يبقى منها غير طرف نسيج معطر. # 72 # صدفة من الدنتيلا لها الشكل الكامل للصدر # ما عدت ألامس إلا قلب الأشياء، # أمسك في يدي الخبط. ~~(9) لوي أراجون (1798م-؟) # ريشارد الثاني - أربعون # وطني مثل مركب # تخلى عنه ملاحوه، # وأنا مثل حاكم # هو أشقى من الشقاء، # ظل ملكا على أحزانه! # ما الحياة الآن إلا مناورة، # الريح لا تحسن تجفيف الدموع # لا بد أن أكره كل ما أحب، # أن أجعلهم يحصلون على كل ما فقدت، # ما زلت ملكا على أحزاني، # ليكف القلب، إذا شاء، عن الخفقان، # ليسل الدم بلا حرارة، # اثنان لم يعودا يساويان أربعة، # كما يلعب اللصوص في ألعاب الأطفال # سأظل ملكا على أحزاني! # لتمت الشمس أو تولد من جديد # السماء قد فقدت ألوانها # يا باريس شبابي المحبوبة # وداعا يا ربيع «الأرصفة الوردية». # 73 # ما زلت ملكا على أحزاني # فروا بعيدا عن الغابات والينابيع # أسكتي أيتها الطيور المشاكسة # أغانيك فرض عليها الحصار # اليوم يحكم صياد الطيور # ما زلت ملكا على أحزاني # هناك زمن للعذاب # عندما جاءت جان ms368 إلى «فوكولير». # 74 # آه! مزقوا فرنسا إربا # فقد كان النهار بهذا الشحوب # ما زلت ملكا على أحزاني. # انكسار القلب، 1940م # الليالك والورود # آه يا شهر الازدهار يا شهر التحولات # مايو الذي خلا من السحب ويونيو المطعون # أبدا لن أنسى الليالك ولا الورود # ولا أولئك الذين حفظهم الربيع في ثناياه. # أبدا لن أنسى الوهم المأساوي # الطابور الصيحات الجمهور والشمس # العربات المحملة بالحب هدايا بلجيكا # الهواء المرتعش والطريق الذي يطن النحل فيه # الانتصار الطائش قبل أن تبدأ المعركة # الدم الذي تصوره القبلة بلون الياقوت # وهؤلاء الذين سيموتون وقوفا في الأبراج # تحيط بهم الليالك من شعب سكران # أبدا لن أنسى حدائق باريس # شبيهة بكتب القداس في القرون الخالية، # ولا اضطراب الأمسيات لغز السكون # الورود على طول الطريق الذي قطعناه # كذبة الزهور لرياح الرعب، # للجنود العابرين على جناح الخوف، # للدراجات الهاذية للمدافع الساخرة، # لبزة المعسكرين الباطلين الجديرة بالرثاء. # لكنني لا أدري لماذا تعيدني هذه الدوامة من الصور # دائما إلى نفس المحطة # عند سانت - مارت، أغصان سوداء # دارة نورماندية على حافة الغابة # كل شيء هادئ العدو يستريح في الظل # أخبرونا في هذا المساء أن باريس استسلمت! # أبدا لن أنسى الليالك ولا الورود # ولا الحبين الذين فقدناهما. # 75 # باقات اليوم الأول زنابق زنابق الفلندر، # نعومة الظل الذي يلون الموت به خدودنا، # وأنت يا باقات الانسحاب أيتها الورود الرقيقة # يا لون حريق الورود البعيدة في «أنجو». # انكسار القلب، 1940م # ورود عيد الميلاد # عندما كنا الكأس الزجاجي المقلوب # شجرة الكرز الجرداء تحت وابل الأمطار # الخبز المكسور، الأرض المشقوقة # أو السكارى الذين يجوبون شوارع باريس، # عندما كنا العشب الأصفر الذي تستحقه الأقدام، # القمح المنهوب وخشب النافذة الذي تلطمه الرياح، # الأغلبية المخنوقة والشهقة في الزحام، # عندما كنا الجواد الذي سقط (من الإعياء) # عندما كنا في فرنسا غرباء # شحاذين في وطننا نجوس الطرقات، # عندما كنا نتضرع لأشباح الآمال # ونمد لها عري أيدينا الخجلان # هناك، هناك كان الذين نهضوا من أجلنا ~~- وإن لم يلبثوا لحظات حتى ضربتهم الريح - # كانوا ربيعنا اليانع في ms369 قلب الشتاء # وكان لنظراتهم بريق السيوف # عيد الميلاد! عيد الميلاد! هذه الأسحار المختلسة # ردت إلينا، نحن الهيابين ضعيفي الإيمان # الحب العظيم الذي يستحق من أجله أن نموت # ليحيا المستقبل الذي يجدد القديم # أو تقدم على ما أقدموا عليه في الشتاء # يا ربيعي الجميل الذي تجاوز الأخطار: # أو تذكر هذا العطر الفاغم للورود. # 76 # عندما تلألأ النجم فوق رءوس الرعاة؟ # هل ستنسى النجم بعد أن ارتفعت الشمس في السماء، # وهل تنسى الليل وكيف انتهى الظلام؟ # وعندما تأتي الريح لتنفخ الشراع # هل تستطيع أن تنسى ميتة أفيجينية؟ # وإذا تساقطت الدموع القرمزية من جفون الأقحوان # أو تجمد عليها - كحبة لؤلؤ - عرف من دم # فهل تنسى البلطة التي كانت دائما على استعداد؟ # وهل تنظر إليها شارد الذهن والعيون؟ # لا يستطيع الدم المسفوك أن يصمت على الدوام. # أيمكنك أن تنسى من أين جاء الحصاد، # وتنسى عنب الشفاه فوق الأرض، # والمذاق المعتم الذي احتفظ به النبيذ؟ # جمال الشيطان # أيها الشباب، الزمن أمامكم مثل جواد عابر # من يقبض عليه من عرفه من يشده من ركبتيه # لا يسمع بعد ذلك إذ ضربات حوافره على الأرض، # ينتشي بهذا الكفاح الجديد فلا يفكر في عواقبه. # أيها الشباب! الزمن أمامكم كأنه شهية مبكرة للطعام، # والمرء حائر لا يدري ماذا يختار من الوليمة الفاخرة، # ويرى الخوان ناصع البيان فيخاف من الخمر، # ومن ميدان المعركة الرهيب بعد أن تنفض مأدبة العرس. # من ظن أنه يستطيع أن يقيس الزمن بالمواسم والفصول # فقد صار شيخا عجوزا لا يمكنه النظر إلا للوراء، # يتوه المرء بين هذه التحولات كما تتوه العجلة الدائرة ~~والرماد، # وتعود أوراق الشجر في كل ربيع فتخفي الأفق البعيد. # الزمن أمامكم أيها الشباب لامتناه وقصير # ولكن ماذا يعود عليكم من هذا الهراء السخيف؟ # خذوه إذن كما يجيء، كلازمة. # 77 # لم يرددها المغنون، # كسماء لا يحدها شيء كامرأة تهب نفسها على الدوام. # يا للطفولة! ذات مساء جميل دفعتم باب البستان # وها أنتم أولاء على بابه تتابعون رفيف العصافير. # 78 # وتحسون في أذرعكم فجأة باتساع العالم ms370 الكبير # وبقوتكم وبأن كل شيء ممكن وغير مستحيل. # افتحوا عيونكم لا تتركوا هذه اللحظة تضيع، # إني أسمع ضحككم في الأرض التي اكتشفتموها من جديد، # أسمع في ضحكاتكم وخطاكم خطى الزمن القديم، # ومرة أخرى أسمع ضوضاء اللعب التي ستغدو صيحة الصراع، # ومرة أخرى أسمع صوتكم وقد بدأتم تملكون، # وفرحة الأكتاف عندما تتصور أنها شبيهة بالجسور التي تجري تحتها ~~الأنهار. # وتهليل المقدرة التي اجتهدت واجتازت التجربة بنجاح # وأسمع الليل الذي ازداد عمقا مع جدة الأصوات # وذات صباح لا تكاد تعرف نفسك في المرآة # أسرع قبل أن تستيقظ الحياة واهبط في طراوة الطريق، # لم تعد هناك غير بقية من ضباب يرتعش فيها ماض اختفى وزال، # وريح خفيفة تطرد أنفاسها آخر أخبار المساء، # تلك هي الساعة التي يحييك فيها كل شيء مضيء، # الساعة التي تبدو فيها الكلمات كأنها تشغل في الحال أرجاء ~~المكان، # ولك عندها عيون صافيات، عيون كل النساء العابرات. # انظر حولك بانتباه تر النهار مقبلا عليك كالعشاق. # أيتها الإشراقة الصغيرة # توثبي توثبي في أعين الشباب، # المد والجزر دائما عاليان، # والخطر دائما في ازدياد، # الحظ موضوع الرهان، # والعجلة تدور وتدور، # لا يكسب الإنسان إلا الورود، # ويخسر الإنسان ما يملك، # السماء ماؤها عكر على الدوام، # والنرد يتنقل بين اللاعبين، # ودائما يجازف الإنسان، # وأبدا لا يقنع الإنسان، # لن يعرفوا قيمة هذه الساعة العابرة إلا بعد فوات الأوان، # ومع ذلك فإني أتذكر هذا العطر الذي يتبدد على الدوام، # وبعينين مفتوحتين أستطيع أن أحس بقلبي المفتون من جديد، # كلما رأيت شبابهم تذكرت شبابي # تذكرت شبابي. ~~(10) هنري ميشو (1899م-؟) # حصان صغير جدا # ربيت في بيتي حصانا صغيرا. إنه يركض في حجرتي. # إنه تسليتي. # في البدء راودتني الشكوك. سألت نفسي # إن كان سيقدر له أن يكبر. لكن صبري # لقي خير جزاء؛ فهو يبلغ الآن أكثر # من 53 سنتيمترا ويلتهم ويهضم طعام شخص بالغ. # المشكلة الحقيقية جاءت من جانب هيلينه. # ليست النساء بسيطات. إن كومة صغيرة من # الروث تعكر مزاجهن. شيء كهذا يفقدهن # توازنهن. إنهن يخرجن عن أطوارهن. # قلت لها: ms371 «من مقعدة ضئيلة كهذه، لا يمكن # أن يخرج إلا روث قليل.» ولكنها ... # لا يهم، فليست الآن موضوع الحديث. # إن ما يقلقني شيء آخر، وأقصد به تلك # التغيرات العجيبة التي تصيب حصاني # الصغير فجأة في بعض الأيام. ففي أقل # من ساعة ينتفض رأسه وينتفخ؛ ويتقوس # ظهره، ويتموج، وينسل خيوطا ويرفرف # في الريح التي تهب من النافذة. # آه! آه! وأسأل نفسي: ألا يخدعني # إذ يظهر أمامي بمظهر الحصان؟ لأن # الحصان، مهما صغر، لا يفرد نفسه كالعلم، # لا يرفرف في مهب الريح، ولو كان ذلك # للحظات قليلة. # لا أريد أن أصدق أنني كنت المغفل بعد # كل هذه الرعاية، بعد كل الليالي التي قضيتها # ساهرا بجواره، أحميه من الفيران، # من الأخطار القريبة منه، ومن ألوان # الحمى التي تصيب صغار السن مثله. # في بعض الأحيان يضايقه أن يرى نفسه # صغيرا كالقزم، فيضطرب، أو يشتد # هياجه فيقفز قفزات هائلة فوق الكراسي # ويبدأ يائسا في الصهيل. # وتلقي إناث الحيوانات المجاورة سهام أنتباهها، # من كلاب، ودجاجات، وديوك، وبغال، وفيران. # ولكن الأمر يقف عند هذا الحد. إنهم يقررون # كل بينه وبين نفسه، وهو مقيد بقيود غريزته: ~~«لا، ليس من شأني أن أرد عليه.» # وإلى هذه اللحظة لم ترد أنثى واحدة. # وينظر حصاني إلي وفي عينيه شيء من # الأسى والغضب. # ولكن، من المخطئ فينا؟ أنا؟ # أكتب إليك من بلد بعيد # 1 # قالت: ليس عندنا هنا إلا شمس واحدة تظهر كل شهر، ولمدة # قصيرة فحسب. يفرك الإنسان عينيه أياما قبلها. ولكن بلا ~~جدوى # زمن قاس. الشمس لا تأتي إلا في موعدها. ثم يكون # أمام الإنسان دنيا من الأشياء يقوم بها، طالما ساد # الوضوح، بحيث لا نكاد نجد فرصة لننظر قليلا إلى بعضنا. # يضايقنا في الليل أننا نضطر إلى العمل، ونحن مضطرون # إليه: الأقزام تولد باستمرار. # 2 # صارحته كذلك بقولها: عندما يتجول الإنسان في # الريف، يحدث له أن يلتقي في طريقه # بكتل عظيمة. إنها جبال، ولا بد بعد فترة تطول أو # تقصر من أن يثني المرء ركبتيه. المقاومة لا تفيد، # فالمرء يعجز ms372 عن التقدم، حتى ولو آذى نفسه. # لا أقول هذا لأجرح الشعور. يمكنني # أن أقول أشياء أخرى إن أردت # أن أجرح الشعور حقا. # 3 # قالت له أيضا: الفجر هنا داكن. لم يكن # دائما كذلك. لا ندري من الذي نتهمه # لهذا السبب. # بالليل تهدر البهائم بصوت عال، ممدود # وفي آخره نبرة صغيرة. نحس بالشفقة، # ولكن ماذا نفعل؟ # عبير الريحان. # 79 # يفوح حولنا: متعة، صفاء، # غير أنه لا يستطيع أن يحفظنا من كل شيء، أم # تظن أنه يستطيع أن يحفظنا حقا من كل شيء؟ # 4 # أضيف كلمة أخرى إليك، أو بالأحرى سؤالا: # هل تسيل المياه في بلادكم أيضا؟ (لا أذكر # إن كنت قد قلت لي شيئا عن هذا) # ويصاب الإنسان برعشة منه، إن كان # ماء حقيقيا. # أأحبه؟ لا أدري. الإنسان يحس بنفسه في # غاية الوحدة، عندما يكون باردا. وهو إحساس # مختلف تماما، عندما يكون دافئا. عندئذ؟ # كيف يمكن الحكم عليه؟ قل لي: كيف تحكمون # أنتم عليه، إذا تحدثتم عنه بغير قناع، # بقلب مفتوح؟ # 5 # أكتب إليك من آخر العالم: يجب أن تعرف # ذلك. في كثير من الأحيان ترتعش الأشجار. # يجمع الناس الأوراق. على سطحها عدد لا حصر له # من العروق. ولكن ما الفائدة؟ انقطعت # الصلة بينها وبين الشجرة، ونفترق عن بعضنا # متضايقين. # ألم يكن من الممكن أن تجري الحياة على # الأرض بلا رياح؟ أم لا بد أن يرتعش كل # شيء، دائما، دائما؟ # هناك أيضا زلزلات تحت الأرض، وفي البيت ما يشبه # انفجارات الغضب، تواجهك كأنها مخلوقات قاسية # تريد أن تنتزع منك اعترافا. # الإنسان لا يرى إلا ما لا يهمه أن يراه. لا شيء، # ومع ذلك يرتعش الإنسان. لماذا؟ # 6 # نحن جميعا نعيش هنا ضيقي الصدور. أتعلم أنني، وإن # كنت لا أزال صغيرة جدا، قد كنت فيما مضى أكثر شبابا # وكذلك رفيقاتي؟ ما معنى هذا؟ لا شك أنه شيء فظيع. # وقديما، عندما كنا - كما قلت لك - أكثر شبابا، # كنا نحس بالخوف. كان من الممكن استغلال قلقنا. # كان من الممكن أن يقولوا لنا: «انظرن، سوف ms373 توارين # التراب. لقد حانت الساعة.» # فكرنا: حقا، من الممكن أيضا أن نواري الليلة في # التراب، إذا ما تأكد أن اللحظة قد جاءت. وما كنا # لنجرؤ على الجري؛ أن نبلغ، في نهاية السباق، قبرا # واسعا وقد تقطعت منا الأنفاس. # قل لي: ما السر إذن ها هنا؟ # 7 # قالت له أيضا: هناك أسود تتنزه في القرية على الدوام، # بغير حرج على الإطلاق. وهي لا تهتم بنا، إذا فرض # أن أحدا لم يهتم بوجودها. ولكنها إذا أبصرت فتاة # تجري أمامها، لم تغفر لها هذا الاضطراب. لا! إنها # تلتهمها على الفور. لهذا تتنزه دائما في القرية، حيث لا تجد ~~شيئا # تعمله، إذ إنها تستطيع بطبيعة الحال أن تتثاءب في أي مكان ~~آخر. # 8 # صارحته بقولها: منذ زمن طويل، طويل ونحن في صراع مع البحر. في ~~أحيان نادرة جدا، حين يكون أزرق لطيفا، ربما يظن الإنسان أنه ~~راض. غير أن هذا الظن لا يدوم. فرائحته تقول هذا، وهي رائحة فاسدة ~~(إن لم تقله مرارته). # هنا يجب علي أن أشرح موضوع الأمواج. إنه موضوع شائك، والبحر ... ~~أرجوك أن تثق في. هل تعتقد أنني أريد أن أخدعك؟ إنه ليس مجرد ~~كلمة. ليس مجرد خوف. إنه موجود، أقسم لك، يراه الإنسان باستمرار. ~~من؟ نحن بالطبع، نحن الذين نراه. إنه يأتي من بعيد جدا لكي ~~يضايقنا ويفزعنا. عندما تأتي، ستراه بنفسك، ستدهش كل الدهشة. ستقول ~~«أهذا ممكن؟» لأنه يذهل. سوف نتأمله معا. أنا متأكدة أنني لن أخاف ~~بعد ذلك. قل لي: ألن يحدث هذا أبدا؟ # 9 # استمرت تقول: لا يمكنني أن أتركك في شك، لا يمكن أن أتركك مزعزع ~~الثقة. أحب أن أكلمك مرة أخرى عن البحر. ولكنني ما زلت في حرج. ~~إن الجداول تسيل، أما هو فلا. اسمعني، لا تغضب، أقسم لك إنني لا ~~أفكر في خداعك. تلك هي حاله. قد يثور ويهيج، إلا أنه يتوقف أمام ~~قليل من الرمل. إنه يتعطل تماما. إنه يريد بغير شك أن يتقدم، ~~ولكنه يبقى في مكانه. ربما يتقدم ذات يوم، في ms374 وقت متأخر. # 10 # قال خطابها: نحن محاطون بالنمل أكثر من أي وقت مضى. إنها تنفض ~~التراب بنشاط، قلقة، بطونها على الأرض. إنها لا تكترث بنا. ما من ~~واحدة ترفع رأسها. # إنها أشد المجتمعات انغلاقا، برغم أنها تنتشر نحو الخارج ~~باستمرار. لا يهم. المشروعات التي تحققها، مشاغلها ... إنها منطوية ~~على نفسها ... في كل مكان. وإلى الآن لم ترفع أحداها رأسها نحونا. ~~أحب إليها من ذلك أن تدوسها الأقدام. # 11 # كتبت إليه أيضا: «لا يمكنك أن تتصور كل ما في السماء. لا بد أن ~~يراها الإنسان بنفسه لكي يصدق. مثال ذلك ... ولكنني لن أبوح لك الآن ~~باسمها.» مع أنها تبدو كما لو كانت ثقيلة الوزن أو كأنها تشغل معظم ~~مساحة السماء، إلا أنها، على ضخامة حجمها، لا تساوي وزن طفل حديث ~~الولادة. نحن نسميها السحب. # صحيح أن الماء يأتي منها، ولكنه لا يأتي عن طريق عصرها أو ~~تفتيتها. إن هذا لن يساوي الجهد المبذول، فما تحويه شيء قليل. ~~ولكنه يأتي من أنها تشغل أطوالا وأطوالا، وعروضا وعروضا، ~~وأعماقا وأعماقا، وأنها تحاول أن تنتفخ، بحيث تنجح في آخر الأمر ~~في إسقاط بعض قطرات من الماء، أجل، من الماء. # وفي الواقع يبتل الإنسان. وتفر ساخطات لأننا قد ضحك علينا؛ إذ لا ~~يعلم أحد متى تسقط قطراتها، فكثيرا ما تمر أيام بغير أن تسقط ~~شيئا. ومن العبث أن يبقى الإنسان في بيته لينتظر. # 12 # إن تعليم الرعشات أمره سيئ في هذه البلاد. نحن نجهل القواعد ~~الصحيحة، وعندما يقع الحدث، نكون غير متهيئات له، إنه الزمن، بغير ~~شك. (هل الأمر كذلك عندكم؟) من الواجب على الإنسان أن يسبقه. أنت ~~تعلم ما أريد أن أقول، يجب أن نسبقه بقليل. أتعرف حكاية البرغوث في ~~درج المكتب؟ نعم، بغير شك. وما أصدقها، أليس كذلك؟! لا أدري ماذا ~~أقول أكثر من هذا. متى نلتقي أخيرا؟ # راحة في الشقاء # أيها الشقاء يا فلاحي الكبير، # أيها الشقاء، أجلس ، # استرح # لنسترح قليلا، أنت وأنا، # استرح، # إنك تجدني، تخبرني، تقدم لي الدليل. # أنا حطامك. ms375 # يا مسرحي الكبير، مينائي، موقدي، # يا كهفي الذهبي، # يا مستقبلي، أمي الحقة، أفقي الأزرق # في نورك، بعدك، رعبك، # أسلم نفسي. # أناجونج # 80 # في أغنية غضبي بيضة، # وفي هذه البيضة أمي وأبي وأولادي، # وفي كل هذا يمتزج فرح وحزن وحياة، # هبت لمساعدتي عواصف وأعاصير، # وقفت في طريقي شمس جميلة، # في نفسي حقد قوي وقديم، # وستكشف الأيام أن كان جميلا. # الواقع أنني لم أصبح صلبا إلا في رقائق المعدن النحيلة؛ # لو علم الناس كيف بقيت لينا في صميمي. # أنا جونج وقطن طبي وأغنية ثلجية، # أقول هذا وأنا واثق مما أقول. ~~(11) جاك بريفير (1900م-؟) # صراع مع الملاك # لا تذهب إلى هناك # كل شيء قد رتب من قبل، # اللعبة زيفت. # وعندما يظهر في الحلبة، # تحيطه هالة المغنسيوم، # عندئذ ستدوي أصواتهم «حمدا لله.» # 81 # وقبل أن تنهض من مقعدك # سيدقون لك جميع الأجراس. # سيقذفون في وجهك # بالإسفنجة المقدسة، # ولن تجد الوقت لتتشبث بريشة، # سيلقون بأنفسهم عليك # وسوف يصيبك تحت الحزام. # وعندئذ تنهار، # وذراعاك مصلوبتان في غباء، # في النشارة، # ولن تقوى أبدا على الحب. # 1946م # أبانا الذي في السموات # أبانا الذي في السموات # ابق هناك # وسنبقى نحن على الأرض # الرائعة في بعض الأحيان، # بأسرارها في نيويورك # ثم أسرارها في باريس # التي تفوق أسرار التثليث # بقناتها الصغيرة في «أورك»، # 82 # وسورها العظيم في الصين، # بشاطئها في «مورليه»، # 83 # وحماقاتها في «كامبريه». # 84 # بمحيطها الهادي # وحوضي المياه في «التويلري»، # 85 # بأطفالها الطيبين وفتيانها الأشرار، # بكل عجائب الدنيا # الموجودة هنا # ببساطة على الأرض # متاحة لكل إنسان # متناثرة # تتعجب من كونها عجيبة # ولا تجرؤ أن تعترف لنفسها بذلك # كفتاة جميلة عارية تتهيب أن تري نفسها للناس # الأرض بكل مصائبها المخيفة # بالفيلق الجبار # وجنده الجرار # وكل جلاديه # بسادة العالم # وراءهم كهنة، وخلفهم خونة، يحميهم الحراس # بفصول العام، # بالأعوام، # بالبنات الجميلات والقديسين العجائز، # بقش البؤس المتعفن في صلب المدافع. ~~(12) رينيه شار # لم تراجعتم؟ # 86 # ثلج، نزوة طفل، شمس لا تملك غير الشتاء لتصبح كوكبا. على عتبة مخبئي ~~الحجري، تعالوا وابحثوا عن مأوى! ms376 على منحدرات أولان، # 87 # سيزداد أبنائي مشعلو النيران، أبنائي الذين يقتلون بغير أن ~~تغمض عيونهم، غنى من قوتكم. # هذا الدخان، الذي حملنا # هذا الدخان، الذي حملنا، كان شقيقا للعصا، التي تزحزح الحجر، ~~وللسحابة، التي تفتح السماء. لم يكن يشعر بالاحتقار نحونا، أخذنا على ~~علاتنا، جداول ضئيلة تتعذى على الخيبة والأمل، بمزلاج على الفكين وجبل ~~في النظرة. # أعيدوا لهم ... # أعيدوا لهم، ما لم يعد حاضرا فيهم، سيرون حبات الحصاد وهي تنكمش في ~~السنبلة وتترنح فوق الأعواد. # علموهم، من السقطة إلى النهوض، الاثني عشر شهرا لوجوههم، # سيحبون فراغ قلوبهم حتى الرغبة المقبلة؛ لأنه ما من شيء يعاني الغرق ~~أو يفرح بالرماد؛ والذي يعرف كيف يرى الأرض وهي تصل إلى الثمار، فلن ~~يؤثر الفشل عليه، ولو فقد كل شيء. # الصبر # الطاحونة # أزيز ممدود ينفذ من السقف؛ # عصافير جنة دائما بيضاء؛ # الحبة التي تقفز، الماء الذي يسحق # والمأوى الذي يغامر فيه الحب، # يتوهج شرره ويترك أثره. # مساعدون # أولئك الذين ينبغي شدهم بالأرض # لإرضاء الجمال، # المألوفون بقدر ما هم مجهولون، # على صورة العاصفة، # ماذا ينتظر بعضهم من بعض؟ # ستطاردهم سحابة. # يكفي أنهم عاشوا # في نفس اللحظة كما عاش النورس. # الصفير (3 سبتمبر 1939م) # 88 # الصفير دخل في ذروة الفجر. # سيف أغنيته طوى الفراش الحزين. # كل شيء انتهى إلى الأبد. # وحدهم يبقون، 1945م # الريح في إجازة # على امتداد رابية القرية حقول ممتلئة بالست المستحية تتولى الحراسة. ~~يتفق في موسم القطاف، بعيدا عنها، أن تلتقي لقاء عطرا بفتاة كانت ~~يداها مشغولتين طوال النهار بالأغصان الهشة. كمثل مصباح هالته الساطعة ~~أريج، تسير في طريقها، ظهرها للشمس الغاربة. # أنت تدنس الحرمات (إن حاولت) مخاطبتها. بينما يدوس صندلك العشب، أفسح ~~لها الطريق. # أترى يكون من حظك أن تميز على شفتيها الخيال المخيف. # 89 # لرطوبة الليل؟ # حبي لرداء المنارة الزرقاء # حبي لرداء المنارة الزرقاء # أقبل حمى وجهك # حيث ينام النور يهنأ سرا. # أحب وأنشج. أنا أحيا # ونجمة الصباح هذه هي قلبك، ~~(نجمة) الدوام المنتصر التي توردت # قبل أن تنهي معركة الكواكب. ms377 # بعيدا عنك، يا ليت جسدي يصبح الشراع # الذي يعاف الريح. # 1947م # فتون أربعة ~~(1) الثور # أبدا لن يكون ليل، عندما تموت # يحوطك نواح الظلمات، # يا شمسا ذات برجين متشابهين # وحش الحب، حقيقة في السيف # اثنان متطاعنان، فريدان بين الجميع. ~~(2) السمكة # أيتها الشطآن، تغوصين وأنت في زينتك # لكي تملئي المرآة كلها، # أيها الحصى، يتلعثم فيك القارب # الذي يحصره التيار ويرفعه، # يا عود العشب، يا عود العشب، أبدا ممدود، # يا عود العشب، يا عود العشب، أبدا مضطرب مشدود، # ماذا سيكون مصيرك # في الأنواء الشفافة # يرميك إليها القلب؟ ~~(3) الحية # يا أميرة المغالطة، دعي حبي # الذي يعيش في منفى يشبه منفاك، # يفلت من الإله العجوز الذي أكرهه # لأنني استطعت أن أخدعه، بعدما تمكنت من إرباكه. # ويل لألوانك، أيتها الحية الوديعة، # في حمى الغابة وفي كل البيوت. # بالرباط الذي يوحد بين النور والخوف. # تتظاهرين بالهروب، يا حية الحواف والأطراف! ~~(4) القبرة # أقصى وهج في السماء وأول عنفوان النهار، # تكمن جوهرة في الفجر، تشدو للأرض المضطربة # رنة ناقوس، سيدة أنفاسها: حرة التحليق. # الفاتنة، يقتلها الناس بين الدهشة والإعجاب. # | في ألمانيا # (1) شتيفان جئورجه (1868-1933م) # سيد الجزيرة # يروي الصيادون أنه في الجنوب # على جزيرة غنية بالقرفة والزيتون # والأحجار النفيسة التي تلمع في الرمال، # كان يعيش طائر إذا حط على الأرض استطاع # أن يفتت بمنقاره تيجان الأشجار العالية، # وإذا ارتفع بجناحيه، # وكأنهما في لون عصير قوقعة صور، # ليحلق تحليقا ثقيلا منخفضا # كان يشبه سحابة سوداء. # في النهار - كما يروون - كان يختفي في الغابة # أما في المساء فكان يأتي إلى الشاطئ # مع النسيم المرطب برائحة الملح وأعشاب البحر # رافعا صوته حتى إن الدلافين ~~- أحباب الغناء - كانت تسبح مقتربة منه. # 1 # في البحر الزاخر بالريش المذهب بالشرر الذهبي. # هكذا عاش من البدء السحيق # لا يراه إلا من تتحطم سفنهم على الشاطئ، # فلما اهتدت أشرعة البشر البيضاء # إلى الشاطئ لأول مرة # صعد التل - كما يحكون - ليلقي # نظرة على المكان المحبوب كله # نشر جناحيه الهائلين ومضى. # 2 # وهو يطلق أنات الألم المكتوم. # لا تفكري كثيرا ms378 فيما لا يعرفه أحد! # 3 # لا تفكري كثيرا فيما لا يعرفه أحد! # فمعنى الصور في الحياة. # 4 # لا يستقر: # الأوزة البحرية التي أصبتها، # 5 # والتي أمسكتها # في الساحة قليلا بجناحها المكسور # ذكرتك - كما قلت - بكائن بعيد. # 6 # قريب منك، دمرته فيها. # خارت قواها بغير أن تشكر رعايتك # وبغير أن تحقد عليك ... لكن عندما جاءت نهايتها # لأمتك عينها الخابية لأنك سقتها # إلى دائرة جديدة للأشياء. # الغريبة # جاءت وحيدة، من وديان بعيدة # تجنب الشعب بيتها في فزع # كانت تغلي (الماء). # 7 # وتخبز وتتنبأ (بالأقدار) # وتغني في (ضوء) القمر بشعر منسدل. # لبست زينتها في يوم العيد # لكي تطل بها من نافذتها ... # ثم أصبحت ابتسامتها عذبة ومرة المذاق. # 8 # تهلك الأزواج وتفسد الأشقاء. # وبعد عام، عندما راحت في الظلام # تبحث عن الشقيق الأصغر ورجل الغراب. # 9 # رأى الناس كيف سقطت في المستنقع، # وأقسم البعض أنها اختفت # خارج القرية، وسط الطريق ... # لم تترك وراءها، كرهن، سوى الطفل الصغير # أسود كالليل، وباهتا كالكتان # الطفل الذي ولدته في ضوء فبراير. # 10 # عن سجادة الحياة وأغاني الحلم والموت، 1899م # ذكرى # آه يا أخت، خذي جرة الفخار. # رافقيني! فما نسيت # ما اعتدنا أن نتلوه في خشوع. # اليوم يكون الصيف قد مر سبع مرات منذ سمعناه # وتحدثنا معا ونحن نستقي من النبع: # في نفس اليوم مات منا العريس. # نريد أن نذهب إلى النبع، حيث تقف هناك # شجرتا حور في المرج مع شجرة تنوب # لنجلب الماء في جرة من فخار. # أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب # أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب # أنت أيها الرقيق المضيء كالصباح # أنت أيها الفرع النضير من جذع نبيل # أنت يا من تشبه النبع الخفي البريء # ترافقني على المروج المشمسة # تطيف بي رعشتك في دخان المساء # تخفف طريقي في الظل # أنت أيتها الريح الرطبة أيها النسيم الدافئ # أنت رغبتي وفكرتي # أتنفسك مع كل هواء # أرشفك مع كل شراب # أقبلك مع كل عطر # أنت أيها الفرع النضير من جذع نبيل # أنت يا من تشبه النبع الخفي البريء ms379 # أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب # أنت أيها الرقيق المضيء كالصباح. # 11 ~~(2) رينيه ماريا رلكه (1875-1926م) # ماذا تفعل يا ربي حين أموت؟ # ماذا تفعل، يا ربي، حين أموت؟ # أنا جرتك (ماذا لو انكسرت؟) # أنا شرابك (ماذا لو فسدت؟) # أنا ثوبك وحرفتك، # بفقدي تضيع معناك. # بعدي لن يكون لك بيت # تحييك فيه كلمات قريبة ودافئة. # سيسقط من قدميك المتعبتين # الصندل القطيفي، الذي هو أنا. # معطفك العظيم سيتركك تمضي. # نظرتك، التي أتلقاها بخدي الآن # دافئة، كأني أتلقاها بمخدة # ستأتي، ستبحث عني، طويلا، # وتلقي بنفسها عند الغروب # في حجر أحجار غريبة. # ماذا ستفعل، يا ربي؟ إنني خائف. # عن كتاب الساعات، الكتاب الأول، 1905م # الرب لا يتحدث لكل إنسان إلا قبل أن يصنعه # الرب لا يتحدث لكل إنسان، إلا قبل أن يصنعه، # ثم يمشي معه صامتا، خارج الليل. # غير أن الكلمات، قبل أن يبدأ كل إنسان، # هذه الكلمات السحابية، هي: # مع حواسك المرسلة بعيدا، # سر إلى حدود شوقك، # أعطني ثوبا (يكسوني). # ألم خلف الأشياء كاللهيب، # حتى تمتد ظلالها # فتغطيني على الدوام. # دع كل شيء يحدث لك: الجمال والفزع. # على الإنسان أن يمضي فحسب: ما من إحساس ببعيد. # لا تهجرني. # قريبة هي البلد # التي يسمونها الحياة. # سوف تعرفها # من جديتها. # أعطني يدك. # عن كتاب الساعات، الكتاب الأول، 1905م # يوم من أيام الخريف # ربي: لقد آن الأوان. الصيف كان عظيما جدا. # ألق ظلك على الساعات الشمسية # وأطلق ريحك فوق المراعي. # مر الثمار الأخيرة أن تنضج، # أعطها يومين آخرين من أيام الجنوب، # حثها على الكمال # وسق العذوبة الأخيرة في النبيذ الثقيل. # من لا يملك الآن بيتا، فلن يبني بيتا بعد الآن. # من يحيا الآن وحيدا، فسوف تطول وحدته، # سوف يصحو، ويقرأ، ويكتب رسائل طويلة # ويتجول قلقا في الشوارع التي تحف بها الأشجار # عندما ترتعش الأوراق. # عن كتاب الصور، 1906م # جسر كاروسيل # الأعمى، الذي يقف فوق الجسر، # مظلما كعلامة على طريق ممالك مجهولة، # ربما كان ذلك الشيء، المتشابه أبدا، # الذي تطوف حوله ساعة النجوم من بعيد ~~(وربما كان) ms380 المركز الهادئ للأفلاك. # لأن الأشياء كلها تضل من حوله وتنسكب وتبدو رائعة. # إنه العادل الذي لا يتزحزح، # وضع بين طرق عديدة متشابكة، # المدخل المعتم للعالم السفلي # وسط جنس تافه من البشر. # عن كتاب الصور، 1906م # الغسل # كانتا قد تعودتا عليه. # لكن عندما جاء مصباح المطبخ وأرسل شعلته القلقة # في الهواء المظلم، كان المجهول # قد أصبح مجهولا تماما. غسلا رقبته. # وإذ لم تكونا تعرفان شيئا عن قدره # 12 # فقد اختلقتا له قدرا آخرا، # وراحتا تغسلان. أخذت إحداهما تسعل # وتركت الإسفنج الذي ينضح بالخل على وجهه. # عندها توقفت الأخرى أيضا، # تساقطت القطرات من الفرشاة الخشنة، # بينما أرادت يده البشعة المتشنجة # أن تثبت للبيت كله، # إنه لم يعد يشعر بالعطش. # ولقد أثبت ذلك. واستأنفتا عملهما، # كأنما شعرتا بالضيق، وهما تسعلان سعالا قصيرا # بحيث راح ظلهما المعوج # يتقلب على ورق الحائط ويتلوى # كأنه في شبكة، # حتى انتهت المغسلتان من عملهما. # كان الليل على إطار النافذة المنزوعة الستائر # قاسيا لا يرحم. # وهناك رقد إنسان مجهول الاسم # عاريا ونظيفا وراح يشرع القوانين. # عن القصائد الجديدة، 1908م # تمثال أثري ناقص لأبولو # لم نعرف رأسه العجيب # الذي نضجت فيه الحدقتان. # لكن جذعه لا يزال يتوهج كالشمعدان، # ونظرته المنعطفة إلى أسفل # لا تزال تلمع. # وإلا ما استطاع انحناء الصدر أن يبهر عينيك # ولا جرت في التواءة الخصرين الخفيفة # ابتسامة تصل إلى ذلك الوسط # الذي يحمل أعضاء الإخصاب. # وإلا وقف هذا الحجر مشوها وقصيرا # تحت سقطة الكتفين الشفافة # ولم يومض هذا الوميض # كجلد الوحوش المفترسة. # ولا تفجر من كل أطرافه، # كما يتفجر النجم: # لأنه ما من موضع فيه لا يراك # لا بد أن تغير حياتك. # من «كتاب الساعات» # كل الذين يبحثون عنك، يغرونك. # والذين يجدونك هكذا، يقيدونك # بالصورة والإشارة. # أما أنا فأريد أن أفهمك # كما تفهمك الأرض؛ # مع نضجي # تنضج # مملكتك. # لا أريد منك غرورا، # يبرهن عليك. # أعلم، أن الزمن # له اسم آخر # غير اسمك # لا تصنع، لخاطري، معجزة. # أنفذ قوانينك # التي تزداد وضوحا # من جيل إلى جيل. # مولاي، أعط ms381 كل إنسان موته الخاص. # الموت، الذي ينبع من تلك الحياة # التي عرف فيها الحب، والمعنى، والمحنة. # عن «قصائد إلى أورفيوس» القصيدة التاسعة عشرة # كذلك يتحول العالم سريعا # كأشكال السحاب # كل ما تم يسقط # عائدا للأزلي القديم. # فوق التحول والمسير # أبعد وأكثر حرية، # يبقى نشيدك الأول # يا أيها الإله ذو القيثار. # لم تعرف الآلام # لم يعلم الحب، # وما يبعده الموت عنا # لم يكشف عنه القناع. # الأغنية وحدها على الأرض # تمنح القداسة والاحتفال. # المرثية الأولى من مراثي دوينو # إن صرخت فمن يا ترى يسمعني # بين منازل الملائكة؟ # ولو حدث أن ضمني أحدهم فجأة إلى قلبه # فسوف يفنيني وجوده الأقوى. # لأن الجمال # 13 # ليس إلا بداية الفزع # الذي ما زلنا قادرين على احتماله # ونحن نعجب به هذا الإعجاب # لأنه يزدري في هدوء، # أن يحطمنا. كل الملائكة مفزعون. # وهكذا أضبط نفسي وأزدرد # دعاء النسيج المظلم العميق. # آه! من ذا الذي يمكننا أن نلجأ إليه؟ # 14 # لا الملائكة، ولا البشر، # والحيوانات الذكية تدرك جيدا # أننا غير مطمئنين تماما في بيوتنا # في العالم الذي فسر فيه كل شيء # 15 # ربما بقيت لنا شجرة على المنحدر، # لكي نتطلع إليها كل يوم، # ويبقى طريق الأمس # والوفاء المتقلب لعادة ما # أحبت أن تقيم معنا # وهكذا بقيت ولم تمض. # آه والليل، الليل، # عندما تهب الريح مفعمة بالفضاء الكوني # وتطعم من وجوهنا، # من ذا الذي لا تبقى من أجله # هذه المشوقة، مخيبة الآمال الناعمة # التي تنتظر القلب الوحيد السأمان؟ # أهو # 16 # أرحم بالعشاق؟ # آه! إنما يحجبون قدرهم معا، # ألا تعرف ذلك بعد؟ أنفض الفراغ من بين ذراعيك # 17 # في المكان الذي نتنفسه، ربما تشعر الطيور # بالهواء الأرحب، فتتحمس للطيران. # نعم، فصول الربيع # 18 # احتاجت إليك. بعض النجوم # أوحي إليك أن تحس بوجودها. # ارتفعت موجة نحوك من الماضي، # أو عندما مررت تحت نافذة مفتوحة، # وهب كمان نفسه لك. كل هذا كان عهدا # 19 # لكن هل تمكنت من أدائه؟ ألم يشتتك الانتظار دائما # كأنما كان كل شيء يؤذن بمقدم الحبيبة؟ ~~(أين تريد أن ms382 تخفيها، بينما الأفكار الكبيرة الغربية # لا تفتأ تتردد على عقلك وفؤادك # 20 # وكثيرا ما تبقى أثناء الليل) # إن كنت مشوقا، فغن للأحباب # 21 # إن إحساسهم المشهور ما يزال بعيدا عن الخلود . ~~(غن) أولئك المهجورين - أنت تكاد تحسدهم - # الذين كنت تجدهم أصدق حبا من (السعداء) الراضين. # 22 # أبدا دائما من جديد # أنشودة الثناء التي لا تعرف الختام؛ # فكر في هذا: إن البطل يبقي على نفسه، # حتى هلاكه # 23 # لم يكن غير مبرر للوجود: # لم يكن سوى ميلاده الأخير. # غير أن العشاق تستردهم الطبيعة المجهدة، # كأنها لم تعد تملك القوة لتحقيق هذا # 24 # هل فكرت تفكيرا كافيا في جاسبارا ستامبا، # 25 # بحيث تجعل فتاة، هجرها حبيبها. # تحس إزاء المثل السامي لهذه الحبيبة: ~~«ليتني أكون مثلها!»؟ # ألا ينبغي أن تصبح هذه الأحزان القديمة # نافعة لنا؟ ألم يئن الأوان لكي نتحرر - بالحب - # من المحبوب، ونحتمل (الفراق) ونحن نرتعش: # كمثل ما يحتمل السهم الوتر # لكي يصبح - وهو يتجمع للانطلاق - أكثر من نفسه؟ # لأن البقاء في غير مكان. # أصوات، أصوات. أنصت يا قلبي، # كما أنصت القديسون وحدهم. # حتى رفعهم النداء الهائل # 26 # من على الأرض، # أما هم، هؤلاء النادرون، # 27 # فظلوا راكعين، ولم يلتفتوا إليه. # 28 # هكذا كانوا منصتين. # ليس معنى هذا أنك تستطيع أن تحتمل صوت الله، # هذا أمر بعيد. لكن أنصت إلى صوت الريح، # إلى النبأ الذي لا ينقطع، والذي يتكون من السكون. # 29 # إنه يأتيك هامسا من أولئك الأموات الشبان. # ألم يتحدث قدرهم إليك في هدوء # حيثما دخلت الكنائس في روما ونابولي؟ # أو فرض أحد النقوش نفسه عليك # في مهابة وجلال، كما فعلت أخيرا تلك اللوحة # في سانتا ماريا فورموزا. # ماذا يريدون مني الآن؟ # 30 # أن أرفع في هدوء شبهة الظلم # التي تقيد في بعض الأحيان # حركة أرواحهم الصافية. ~~(3) هرمان هسه (1877-1962م) # رافينا # 1 # أنا أيضا كنت في رافينا. # هي مدينة صغيرة ميتة، # فيها كنائس وأطلال كثيرة، # يستطيع الإنسان أن يقرأ عنها في الكتب # تسير فيها وتتلفت حولك، # الشوارع عكرة ومبتلة # وخرساء من ms383 آلاف السنين # وفي كل مكان ينمو الكلأ والعشب. # هذا شيء أشبه بالأغاني القديمة # يسمعها الناس ولا يضحك أحد، # وكل إنسان ينصت وكل إنسان # يتفكر فيها حتى يأتي الليل. # 2 # نساء رافينا يطوين # بنظرة عميقة وإشارة رقيقة # في أنفسهن معرفة بأيام # المدينة القديمة وأعيادها . # نساء رافينا يبكين # كالأطفال الوادعين: في عمق وهدوء # وحين يضحكن، يبدو ضحكهن # ترنيمة مرحة لنص حزين. # نساء رافينا يصلين # كالأطفال: صلاة ناعمة تفيض بالقناعة. # قد ينطقن بكلمات الحب # ولا يعرفن أنهن يكذبن. # نساء رافينا يقبلن # قبلات غريبة وعميقة ومتفانية. # ولا يعلمن جميعا عن الحياة # سوى أننا لا بد أن نموت. # نحن نحيا ... # نحن نحيا في الشكل والمظهر، # ونحس في أيام العذاب وحدها # بالوجود الخالد الذي لا يتغير، # تحدثنا عنه الأحلام الغامضة. # نحن نبتهج بالوهم والزبد، # نشبه عميانا بلا دليل، # نبحث جاهدين في المكان والزمان # عن شيء لا نجده إلا في الأبد. # نحن نرجو الخلاص والنجاة # في عطايا الحلم التافهة، # بينما نحن آلهة ونشارك # بنصيب في مبدأ الخليقة. # عند سماع نبأ وفاة صديق # سريعا يذبل الفاني، # سريعا تعدو السنوات الجافة. # والنجوم التي تبدو خالدة # تنظر في تهكم. # قد يستطيع العقل وحده فينا # أن يتفرج على اللعبة في جمود، # بغير سخرية، ولا ألم. # إن «الفاني» و«الخالد» عنده # شيء واحد في معناه ... # أما القلب فيصمد، # يتأجج بالحب. # ويستسلم، زهرة ذابلة # لدعاء الموت اللامتناهي، # لنداء الحب اللامحدود. # في الضباب # ما أغرب التجوال في الضباب! # كل أيك وحيد، كل حجر، # ما من شجرة ترى الأخرى، # كل شجرة تقف وحيدة. # كل العالم عندي مليئا بالأفراح، # حين كانت حياتي لا تزال مضيئة، # والآن، حيث تسقط الضباب، # لا أحد عدت أراه. # حقا لا يعد حكيما، # من لا يعرف الظلام، # الذي يفصله عن الجميع # كالقدر المحتوم في هدوء. # ما أغرب التجوال في الضباب! # الحياة وجود وحيد. # ما من إنسان يعرف الآخر، # الكل وحيد. # فناء # من شجرة الحياة # تتساقط ورقة بعد ورقة، # أيها العالم المسكر البديع، # كم تشبع! # كم تشبع وتضني! # وكم تسكر! # ما يتوهج اليوم # سرعان ms384 ما يهوي. # سرعان ما تزف الريح # فوق قبري البني، # الأم تنحني # على الطفل الصغير. # أريد أن أرى عينيها # نظرتها نجمي، # وليذهب كل ما عداها ويزول، # كل شيء يموت، يموت عن طيب خاطر. # ولا يبقى سوى الأم الخالدة، # التي أتينا منها، # إصبعها اللاهي يكتب # أسماءنا في الهواء الساري. ~~(4) هانز كاروسا (1878-1956م) # وكم من ليلة! # وكم من ليلة # صحوت من نومي # وكان القمر مضيئا على الفراش والدولاب ... # مددت بصري إلى الوادي - # كان بيتك يبدو واضحا كالحلم - # فعدت للنوم وأنا أحلم حلما أعمق. # حمل # دائما تقترب منا أرواح لم تولد # عندما نتنفس، صدرا على صدر، # تحاول أن تتسلل إلى الحياة # على موجة لذتنا. # مرح وقبل وسرف من الأعماق # ليل أعمى لا يستنفد! # الفجر يدعو لمباهج ناضرة؛ # غير أن الوجود الجديد يصحو، # وتود العين أن تنظر الآن في العين. # أتشعرين بما يبدأ فينا؟ # شمس جديدة ترغمنا أن نعترف # إن كنا نريدها حقا. # ما يكونه الانسان ... # ما يكونه الإنسان، وما كان # يتضح عند الفراق. # نحن لا نسمع ما تتمتم به آية الله، # لكننا نرتجف، عندما تصمت. # النبع القديم # أطفئ نورك! فما هو إلا الخرير اليقظ أبدا # يترنم من النبع القديم # والذي قد كان ضيفا تحت سطحي، # سرعان ما تعود على هذا الرنين. # قد يحدث، حين تكون مستغرقا في الحلم # أن يتجول القلق حول البيت، # ويئن الحصى حول النبع تحت الخطوات الثقيلة. # ويتوقف الخرير الواضح فجأة، # وتستيقظ، عندئذ لا ينبغي أن تفزع! # فالنجوم تسطع كاملة العدد فوق الأرض، # وإنما اقترب مسافر من الحوض المرمري، # وراح يغرف براحته من النبع. # إنه يبتعد على الفور، ويعود الخرير كما كان. # آه فلتفرح نفسك، فلن تبقى هنا وحيدا، # كثير من المسافرين يبتعدون في ألق النجوم، # وبعضهم لا يزال في طريقه إليك. ~~(5) جو تفريد بن (1886-1956م) # دائما أشد صمتا # أنت في الممالك الأخيرة، # أنت في النور الأخير، # إن لم يكن نورا # في الوجه الشاحب المحملق، # هناك الدموع دموعك، # هناك تتعرين من نفسك، # هناك الإله، الواحد، # الذي يخلص كل عذاب. # من بين ms385 أزمنة لا تسمى # حطمك واحد منها، # نداءات، أغاني تصحبك، # تسمع فوق الماء، # أطلال أشجار استوائية، # غابات من عمق البحر، # أماكن نشوى بالرعب # تدفعها إلى هنا. # قديما كان شوقك، # 31 # قديمة كانت الشمس (وكان) الليل، # كل شيء؛ الأحلام والأحزان # تبددت في التيه، # 32 # دائما أكثر انتهاء، دائما أكثر صفاء # تطوى في الأبعاد، # 33 # دائما أكثر صمتا، لا أحد # ينتظر ولا أحد ينادي. # 1930م # كلمة # كلمة، جملة: من الرموز تصعد # حياة معروفة، معنى فجائي، # الشمس تقف، الأفلاك تصمت # وكل شيء يتكور ويتجه إليه. # كلمة، لمعان، تحليق، نار، # قذفة لهب، شهاب، # ثم ظلام من جديد، ظلام فظيع # في الفراغ الخاوي حول العالم والذات. # أبدا لم تكن أشد وحدة # أبدا لم تكن أشد وحدة منك في أغسطس: # لحظة الامتلاء، في الأرض # الحرائق الحمراء والذهبية، # لكن أين متعة حدائقك؟ # البحيرات ناصعة، السموات ناعمة، # الحقول صافية وتلمع بهدوء؛ # لكن أين النصر ودلائل الانتصار # من المملكة التي تمثلها؟ # حيث يثبت الجميع أنفسهم بالسعادة، # ويتبادلون النظرات ويتبادلون الخواتم # في رائحة الخمر، في سكرة الأشياء؛ # تخدم أنت عدو السعادة، تخدم العقل. # الأنا الضائعة ~~«أنا» ضائعة، تفجرت من الغلاف الهوائي، # ضحية الأيون؛ أشعة جاما - لام، # جزيء ومجال؛ أوهام لا نهاية # على حجرك المعتم من نوتردام. # الأيام تمضي بك بلا ليل ولا صباح، # السنوات تقف بلا ثلج ولا ثمر، # اللانهائي مهدد وخفي، # العالم مهرب وملاذ. # أين تنتهي، أين تعسكر، أين تمتد أفلاكك، # مكسب، خسارة؛ # لعبة وحوش، أبد وأزل، # تفر إلى قضبانها. # نظرة الوحوش؛ النجوم أمعاء حيوانات # موت الأدغال أصل الوجود والخلق. # بشر، مجازر شعوب، حقول كروم # تهوي إلى حلق الوحوش. # العالم فتته الفكر والمكان والأزمان. # وما نسجت البشرية وما أبدعت، # ليس إلا دالة اللانهاية، # الأسطورة كذبت. # من أين، إلى أين، لا ليل، لا صباح، # لا تحية ولا حداد، # تود أن تقترض شعارا، # لكن ممن؟ # آه، لما توجهوا جميعا إلى مركز واحد، # والمفكرون أيضا لم يفكروا إلا في الله، # وتوزعوا بين الراعي والحمل، # ومن الكأس طهرهم الدم، # والجميع اندفقوا من الجرح الواحد. ms386 # كسروا الرغيف، الذي ذاقه كل من شاء؛ # آه أيتها اللحظة البعيدة القاهرة الممتلئة، # التي عانقت الأنا الضائعة أيضا ذات يوم. # شوبان # ما كان فياض الحديث، # الآراء لم تكن مكمن القوة فيه، # الآراء تلغو وتلغو، # وعندما كان «ديلاكروا» يبني النظريات، # كان يحس بالضيق، وهو من جانبه # لم يكن يدري كيف يفسر «الليليات». # 34 # عاشق ضعيف؛ # ظل في «نوهان» # حيث أبناء جورج صاند # لا يقبلون منه # النصائح التربوية. # مريض بالصدر، من ذلك النوع # الذي ينزف الدماء ويمتلئ بالندوب، # ويستمر إلى أجل طويل؛ # موت هادئ # على عكس من يموت # بنوبات الألم # أو بطلقات البنادق: # نقلوا البيان الكبير (إيرار) عند الباب، # وغنت له دلفينة بوتوكا # في ساعته الأخيرة # أغنية البنفسج. # سافر إلى إنجلترا ومعه ثلاثة «بيانوهات» # ماركة بلايل، وإيرار، وبرود وود، # عزف في المساء مقابل عشرين جنيها # ربع ساعة # لدى عائلتي روتشيلد، ولنجتون وبيت سترافورد # وأمام جمع لا يحصى من أصحاب النياشين، # وعندما أظلمت عيناه من التعب والإحساس بالموت # رجع إلى بيته # في ميدان أورليانز. # ثم أحرق مسوداته # ومخطوطاته، # لكيلا تكون هناك بقايا، شذرات، ملاحظات، # هذه النظرات الخائنة، # قال في النهاية: ~~«محاولاتي تمت على قدر طاقتي.» # كل إصبع ينبغي أن يعزف # بالقوة التي تلائم بنيته، # الرابع هو الأضعف ~~(سيامي فحسب بالنسبة للأوسط). # عندما كان يبدأ العزف # كانت تقف على أي، فيس، جيس، هه، سي. # من سمع مرة # بعض افتتاحياته # سواء في بيت ريفي # أو فوق مرتفع # أو من أبواب شرفة مفتوحة # أو على سبيل المثال من مصحة، # سيصعب عليه أن ينساها. # أبدا لم يؤلف أوبرا، # ولا سيمفونية، # بل هذه الخطوات التراجيدية # عن اقتناع فني # وبيد صغيرة. # 1948م # صور # إن نظرت إلى الصور في المعارض؛ # ظهور محنية، أفواه كالحة، # تجاعيد عجائز مقززين متورمين، # كالجثث ينفذون خلال الأشياء. # جلود هشة، شعرات ناتئة، ذقون كالجبن، # دهن عليه بقع دم من سكرة الخمر الرخيصة، # حاذقون في الغش والخداع من أجل الشراب # في التقاط عقب سيجارة ولفه في منديل. # مغرب حياة، ديكور غنى، # ذخيرة من القاذورات، والهلاهيل، والأوبئة، # صعود ms387 (ولكن) في أماكن الإقامة المتغيرة # في بيت الرهونات نهارا وبالليل في البالوعات. # لو نظرت إلى الصور في المعارض، # كم كلفت هؤلاء العجائز حياتهم! # لو نظرت إلى ملامح من رسموهم، # لرأيت العبقري العظيم، ستراه. # 1948م # قصائد ساكنة # غرابة التطور # 35 # هي كنه الحكيم، # الأبناء وأبناء الأبناء # لا يزعجونه، # لا ينفذون فيه. # تبني الاتجاهات ، # الفعل، # السفر والترحال # سمات عالم # لا يرى بوضوح. # أمام نافذتي ~~- كما يقول الحكيم - # يمتد واد، # تتجمع فيه الظلال. # شجرتا حور تحدان طريقا، # أنت تعلم، إلى أين. # القول بالمنظور # هو كلمة أخرى للسكون: # وضع الخطوط، # ثم مدها # بحسب قانون التسلق، # كذلك قذف الأسراب والغربان. # في الشفق الشتائي لسموات الصباح، # ثم تركها تسقط، # أنت تعلم، لمن. # 1948م ~~(6) يوهانس بشر (1891-1958م) # رفض # أنا بريء من كل الآمال. # أنتم أيها المفعمون بالأمل، # يا من بالغتم عبثا في الرجاء، # شارفتم على الموت، ومع ذلك # فما زلتم تأملون؛ ما أجبن هذا الأمل! # أما أنتم أيها اليائسون # يا من تجاهرون برفض الآمال جميعا: # من الحق والعظمة ألا نؤمل شيئا وراء العدم، # وأن نتطلع إلى المستقبل: بغير أمل # المجد لكم، أيها اليائسون الشجعان! # لقد فتحتم الباب إلى عدم الوجود! # يا للنظرة إلى مملكة العدم الخالدة! # ومع ذلك تقفون ثابتين على الأرض، # ولا تشيحون بأنظاركم بعيدا عن الزمن! ~~... وهو وحده، الذي يدفعنا على الأمل. # عشب # أنا أحني رأسي لك، يا عشب. # وعني أصلي لك، يا أيها العشب! # اغفر لي، إن دست فوقك، # وإنني، يا أيها العشب، قد نسيتك. # أنا أحني رأسي لك، أيها العشب. # أنا أحني رأسي لك، يا عشب. # مهما ارتفعنا إلى الأعالي # فسوف نرقد تحتك. # وما من شيء يعدل في قوته هذا اليقين: # العشب ينمو. العشب ينمو. # أنا أحني رأسي لك، يا عشب. # إلى المجهولين # أنكون أو لا نكون، كان هذا أيضا سؤالنا، # وكذلك سألنا: من هو؟ # أهو نفس الإنسان بالليل كما في النهار؟ # إلى أين يذهب؟ وإذا جاء على الطريق فمن أين يأتي؟ # في أية مهمة؟ وفي خدمة من؟ # كل امرئ خليق بأن يسأل ms388 وموضع للسؤال. # ربما لم يستطع الإنسان نفسه أن يقدر، # في أي لعبة يشتهي أن يؤدي دوره ... # من أنت. من؟ آه يا زمن علامات الاستفهام: # لما تصنت عليك كل جدار وكل باب، # وفي ليالي الشتاء الشاحبة، # وفي ليالي الصيف الحارة ~~- علامة استفهام ... شرطة - # وشطبت أسماء كثيرة. # الرجل ذو الخوذة الذهبية ~~(عن لوحة لرمبرانت.) # 1 # ينظر إلى أسفل كما ينظر # في أعماق العدم. # الخوذة الذهبية كانعكاس # ضوء نفيس. # يا للعبء الرفيع # المزين بالذهب، # الذي ناله # ويحمله في حزن! # هو، الذي كان جسورا # حارب في المعركة، # بعد نضال دام # تتوجه القوة، # روعة الخوذة # كلهيب المساء. # 2 # كم يحمل الخوذة الذهبية في هدوء، # كان عليه أن يتحمل روعة المجد! # غير أنه يبدو أن نظرته المتجهة إلى أسفل # تسأل ذلك الذي هزمه فهوى به إلى الظلام ... # أيكون عليه أن يحجم عن السؤال، # ويذكر نفسه في تردد: # ماذا كانت قيمة الانتصارات والهزائم؟! # ولماذا لا يحملنا المجد ولا يرتفع بنا؟! # هنالك تستقر الخوذة كأنها تسحقه # وتحمله على أن يوجه بصره # إلى حيث تنتهي أعماله إلى النسيان. # إن عبء الخوذة ثقيل وثقيل، # والذي يزينه ضوء الخوذة الذهبي # ميت يرقد في أعماق النسيان، # والميت لا أحد سواه. ~~(7) أرنست بنسولت (1892-1955م) # إلى كرستيانة (عندما ترفض أن تنام) # يا طفلتي المحبوبة، لا تبكي # مهما طال الليل وأظلم. # فوق السطح يلمع القمر والنجوم، # ومن السماء يطل السيد المسيح. # قد يحدث حقا في بعض الأحيان # أن يهمس صوت في الممر # ويتحدث أحد في المدفأة، # فتخافين من الشر. # خطى غريبة تتخبط هنا وهناك. # أحيانا تطل أرواح من النافذة، # لكن عليك ألا تنتبهي لها. # عزي نفسك، فالذين يتأملون نومك # يسعدهم وجهك المحبوب: # ملائكة هم، أشباح صديقة، # لن تنالك بشيء. # الملاك # ها أنت تقترب بجناحين يغطيهما الثلج # أيكون حزني هو الذي صاح بك فهبطت إلى الأرض، # يا أيها الملاك، ما الذي يجعلك تغريني؟ # أتعتقد أننا سنكون أسعد حالا هناك؟ # آه لقد رأيتك من زمن بعيد # خلف شجرة في الحديقة # تقف جامدا في الظلام # وتنتظر روحي. # أتريد ms389 مني أن أختصر عذابي؟ # أيها الرفيق الصامت، أتنتظر # أن ألقي بنفسي بين ذراعيك؟ # وتبتسم، وتؤمن على كلامي. ~~(8) برتولت برشت (1898-1956م) # برتولت برشت المسكين # 1 # أنا، برتولت برشت، ولدت في الغابات السوداء. # حملتني أمي إلى المدينة # وأنا بعد جنين في أحشائها. # وسوف تلازمني برودة الغابات. # إلى يوم أموت. # 2 # في مدينة الأسفلت أحس أنني في بيتي. # منذ مولدي وأنا مزود بما ينعم به الموتى؛ # بالصحف، والتبغ، والنبيذ. # مرتاب، وكسول، وقنوع بعد كل شيء. # 3 # وأنا ودود مع الناس. # أضع على رأسي قبعة خشنة كما يفعلون. # أقول، إنهم حيوانات ذات رائحة خاصة. # وأقول، لا بأس، فأنا واحد منهم. # 4 # وفي الضحى أتمدد فوق كرسي مريح # وتجلس أمامي جماعة من النساء. # أتأملهن في غير اكتراث وأقول: # لا جدوى من الاعتماد علي. # 5 # وفي المساء أجمع حولي بعض الرجال # ويخاطب بعضنا بعضا: «يا أيها السيد!» # يضعون أقدامهم على مائدتي # ويقولون: سوف تتحسن أحوالنا. # ولكنني لا أسأل: متى؟ # 6 # وفي غبش الفجر تبول أشجار الزان. # وتشرع الطفيليات التي تزدحم عليها - الطيور - في الصباح # عندها أجرع كأسي في المدينة # وأقذف تفل التبغ بعيدا # وآوي إلى فراشي غير مرتاح. # 7 # عشنا، ونحن جنس طائش، في بيوت # كنا نحسب أن يد الخراب لن تمتد إليها. ~~(هكذا بنينا الميادين الواسعة في جزيرة مانهاتن # وأسلاك الهواء الدقيقة عبر الأطلنطي.) # 8 # لن يبقى من هذه المدن إلا ما يجوس خلالها؛ الريح! # البيت يسعد الأكلين، لأنهم يفرغونه مما فيه. # نحن نعرف أننا غير مخلدين، # وأن ما سيأتي بعدنا # لا يستحق الذكر. # 9 # في الزلزلة القادمة، لن أدع سيجاري ينطفئ # لأن طعمه مر. # أنا برتولت برشت # حملتني أمي من الغابات السود # وألقتني في مدن الأسفلت # من زمن بعيد. # إلى الأجيال المقبلة # 1 # حقا إنني أعيش في زمن أسود! # الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها، # الجبهة الصافية تفضح الخيانة، # والذي لا يزال يضحك # لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب. # أي زمن هذا؟ # الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة؛ # لأنه يعني الصمت على جرائم أشد ms390 هولا، # ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال # ألا يستطيع أصحابه # الذي يعانون الضيق # أن يتحدثوا إليه؟ # صحيح أنني ما زلت أكسب راتبي، # ولكن صدقوني، ليس هذا إلا محض مصادفة؛ # إذ لا شيء مما أعمله # يبرر أن آكل حتى أشبع. # صدفة أنني ما زلت حيا ~~(إن ساء حظي فسوف أضيع!) # يقولون لي: كل واشرب! # افرح بما لديك! # ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب، # على حين أنتزع لقمتي # من أفواه الجائعين، # والكأس التي أشربها # ممن يعانون الظمأ؟ # ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب! # نفسي تشتاق أن أكون حكيما، # الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم. # هو الذي يعيش بعيدا # عن منازعات هذه الدنيا، # يقضي عمره القصير # بلا خوف أو قلق. # العنف يتجنبه، # والشر يقابله بالخير. # الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه # بدل أن يعمل على تحقيقها. # غير أنني لا أقدر على شيء من هذا؛ # حقا، إنني أعيش في زمن أسود. # 2 # أتيت هذه المدن في زمن الفوضى # وكان الجوع في كل مكان، # أتيت بين الناس في زمن الثورة # فثرت معهم، # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # طعامي أكلته بين المعارك، # نمت بين القتلة والسفاحين، # أحببت في غير اهتمام، # تأملت الطبيعة ضيق الصدر، # وهكذا انقضي عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # الطرقات على أيامي كانت تؤدي للمستنقعات، # كلماتي كادت تسلمني للمشنقة. # كنت عاجز الحيلة. # غير أني كنت أقض مضاجع الحكام ~~(أو هذا على الأقل ما كنت أطمع فيه) # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # القدرة كانت محدودة، # الهدف بدا بعيدا، # كان واضحا على كل حال، # غير أني ما استطعت أن أدركه. # وهكذا انقضى عمري # الذي قدر لي على هذه الأرض. # أنتم يا من ستظهرون # بعد الطوفان الذي غرقنا فيه، # فكروا # عندما تتحدثون عن ضعفنا # في الزمن الأسود # الذي نجوتم منه. # كنا نخوض حرب الطبقات # ونهيم بين البلاد # نغير بلدا ببلد # أكثر مما نغير حذاء بحذاء، # يكاد اليأس يقتلنا # حين نرى الظلم أمامنا # ولا نرى أحدا يثور ms391 عليه. # نحن نعلم، # أن كرهنا للانحطاط # يشوه ملامح الوجه # وأن سخطنا على الظلم # يبح الصوت. # آه: نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للمحبة # لم نستطع أن نحب بعضنا بعضا، # أما أنتم # فعندما يأتي اليوم # الذي يصبح فيه الإنسان صديقا للإنسان # فاذكرونا # وسامحونا. # الفتاة الغريقة # 36 # 1 # لما غرقت وسبح جسدها # من الجداول إلى الأنهار الكبيرة # بدت قبة السماء رائعة الجمال # كأنها تعانق جثتها. # 2 # تشبثت بها طحالب الماء # فزادت ثقلها شيئا فشيئا ، # الأسماك الباردة سبحت حول ركبتها، # والنباتات والحيوانات أبطأت رحلتها الأخيرة. # 3 # وبالليل كانت السماء كالحة كالدخان، # والنور يتراقص بين النجوم، # ولكن عندما طلع النهار أشرقت صفحتها # لكي يكون لها صباح ومساء. # 4 # وعندما فسد جثمانها الشاحب في الماء # حدث (ولكن على مهل) أن نسيها الله. # نسي وجهها أولا، ثم يديها، وأخيرا شعرها؛ # هناك أصبحت جثة في النهر # بين جثث كثيرة. # عن مودة العالم # 1 # إلى الأرض المقرورة بالريح الباردة # جئتم جميعا أطفالا عراة. # كنتم ترتعشون من البرد، وليس لديكم متاع # عندما طوقتكم امرأة في اللفافات. # 2 # لا أحد هتف مرحبا بكم، لا أحد اشتهى مقدمكم، # ولم يحضركم أحد في عربة مطهمة. # هنا على الأرض كنتم مجهولين # عندما امتدت يد إنسان فأخذتكم من أيديكم. # 3 # عن الأرض المقرورة بالريح الباردة # تذهبون جميعا يغطيكم الجرب والجروح، # ويشبه كل إنسان أن يكون قد أحب العالم # عندما تلقى عليه حفنتا تراب. # قناع الشر # على حائط غرفتي # لوحة يابانية من الخشب، # قناع شيطان شرير # مموه بالذهب. # أنظر في إشفاق # إلى العروق النافرة على جبهته، # وأرى كم يرهق الإنسان # أن يكون شريرا! # أغنية عن قصور سعي الانسان # الإنسان يعيش برأسه # والرأس لا تغنيه. # حاول فحسب، فعلى رأسك # تعيش قملة، على أقصى تقدير. # لأن الإنسان في هذه الحياة # ليس خبيثا بما فيه الكفاية. # إنه لا يفطن أبدا # للكذب كله والخداع. # نعم، ضع خطة واحدة، # كن نورا عظيما! # ثم ضع خطة ثانية # فالخطتان قد لا تنجحان. # لأن الإنسان في هذه الحياة # ليس خبيثا بما فيه الكفاية، ms392 # غير أن طموحه ومسعاه # خصلة جميلة فيه. # أجل، اجر وراء السعادة # لكن لا تلهث في جريك! # لأن الجميع يجرون وراء السعادة # والسعادة تجري وراءهم. # لأن الإنسان في هذه الحياة # ليس قنوعا بما فيه الكفاية؛ # لذلك كان كل هم مسعاه # مجرد خداع للذات. # حديقة الزهور # على البحيرة، بين أشجار الصنوبر والحور الفضية # حديقة يحميها سور وأغصان متشابكة # نسقت تنسيقا حكيما بأزهار تنبت كل شهر # بحيث تزدهر من الربيع إلى الخريف. # هنا، في الفجر، أجلس في بعض الأحيان # وأتمنى لو أمكنني في كل الأوقات # في الجو السيئ والجميل # أن أؤدي هذا الفعل الطيب أو ذاك. # أغنية المهد # يا ولدي، أيا كان مصيرك # فهم، بعصي في أيديهم، يقفون على استعداد؛ # إذ لا موضح لك يا ولدي فوق الأرض # إلا في ميدان القاذورات، وهو الآن زحام. # يا ولدي، اسمع من أمك كلمة: # إن حياة تنتظرك، أسوأ من الوباء. # لكنني لم أحملك إليها # كي ترضى بها في هدوء. # ما لا تملكه، لا تظن أنه ضاع منك # وما لا يعطونك إياه، فاعمل على أن تأخذه منهم. # أنا، أمك، لم ألدك # لكي ترقد ليلا تحت جسور الأنهار. # قد لا تكون خلقت من طينة متميزة # ليس لدي مال من أجلك ولا صلاة # وأنا أعتمد عليك وحدك، حين أرجو لك # ألا تتسكع بين المكاتب، والأختام وتبدد وقتك. # حين أرقد في الليل بجانبك بلا نعاس # أتحسس كثيرا كفك الصغيرة. # هم يخططون لك الآن بالتأكيد حربا جديدة! # ماذا أفعل، حتى لا تصدق أكاذيبهم القذرة؟ # أمك، يا ولدي، لم تكذب عليك # ولم تقل إنك شيء فريد، # لكنها لم تقاس الهموم في تربيتك # لكي تعلق يوما في الأسلاك الشائكة # وتصرخ في طلب الماء. # فلتضع، يا ولدي، يدك في أيدي أصحابك # كي تتبدد قوتهم كذرات التراب. # أنت، يا ولدي، وأنا وكل من يشبهوننا # لا بد أن نتحد ولا بد أن نصل يوما # ألا يكون في هذا العالم نوعان من الإنسان. # عودة # مدينة الآباء، كيف أعثر عليها؟ # أعود إلى بيتي # في أثر قاذفات القنابل. # أين ms393 تقع إذن؟ # حيث تقف جبال الدخان الهائلة # تلك التي تشتعل فيها النيران # هي مدينتي. # مدينة الآباء والأجداد، كيف تراها ستلقاني؟ # القاذفات تسبقني إليها، # أسراب الموت تعلن لكم عودتي. # الحرائق تسبق الابن. # عن أسد صيني مرسوم على علبة شاي # الأشرار يخيفهم مخلبك. # الأخبار تسعدهم رقتك. # مثل هذا سمعته # عن أشعاري # فسرني. # الدخان # البيت الصغير، تحت الشجر، على البحيرة # من سقفه يصعد الدخان، # إن غاب يوما # فما أتعس البيت، والشجر، والبحيرة! # 37 ~~(9) اريش كستز (1899م-؟) # ضحك لا جدوى منه أبدا ... # فجأة خطر له ذات يوم، # أنه لم يضحك من ثلاث سنين؛ # فراح يفحص تاريخ حياته # ليرى ماذا صنع فيه ... # في بعض الأحيان، على ما يذكر، كان كل شيء ذنبا. # في بعض الأحيان كان يطلق اللعنات كالبهيم. # في بعض الأحيان كان يبحث لكل شيء عن سبب # مثلما يبحث الإنسان عن أزرار ياقته. # غير أنه يريد الآن أن يبتهج ويضحك! # لقد استطاع ذلك في الأيام الخالية. # وسوف يفعل الآن كما فعل من قبل، # وها هو ذا يجلس، ويضحك. # آه، إنه لضحك مفزع! # وينزعج وسرعان ما يصمت. # ويسأل لماذا لا ترن ضحكته رنينها القديم؟ # ولكنه لا يستطيع أن يعرف لماذا؟ # ويذهب إلى حيث يجلس الكثيرون، # لأنه يطمع أن يكون مثلهم. # إنهم يستمتعون بآلاف الدعابات. # غير أنه لا يبتسم أبدا. # ويقرر ذات يوم أن ينفق كل ما لديه. # غير أنه يحس، تجاه المدنية، # بشيء يشبه الرثاء # للبهجة والمبتهجين. # ويحزنه هذا الغرور الزائف. # ويقول لنفسه: «في صحتك». # لا لن يفرح ولن يعود إلى الفرح، # وهو لا يملك عن ذلك عزاء. # وأخيرا يقفز في الأتوبيس # وينطلق كالأعمى في آخر الليل. # ويشعر أن عليه أن ينتظر، # حتى يضحك مرة أخرى من قلبه. # تطور الإنسانية # في يوم من الأيام كانوا يتسلقون الأشجار، # بشعور كثة ووجوه قبيحة. # ثم جذبوهم من الغابة الأولى # وسفلتوا العالم ورفعوه # إلى الطابق الثلاثين. # أخذوا يجلسون، وقد هربوا من البراغيث، # في غرف مدفئة. # وهم يجلسون الآن بجانب التليفون. # ولم تزل اللهجة نفسها سائدة # كما كانوا وهم يتسلقون ms394 الأشجار. # إنهم يسمعون عن بعد، ويرون من بعيد # 38 # ويتصلون بالكون الكبير. # إنهم ينظفون أسنانهم، ويتنفسون على أحدث نظام. # الأرض كوكب مهذب # تغسله مياه كثيرة. # إنهم يقذفون الخطابات في الأنابيب # ويطاردون الجراثيم ويربونها. # إنهم يزودون الطبيعة بكل وسائل الراحة # ويرتفعون طائرين في السماء # ويبقون فيها أسبوعين. # فضلات هضمهم # يصنعون منها القطن الطبي. # إنهم يشطرون الذرة، ويعالجون الفجور، # ويثبتون بأبحاثهم في الأسلوب # أن قيصر كانت قدماه مفلطحتين. # هكذا خلقوا برءوسهم وأفواههم # تقدم الإنسانية. # ولكن بصرف النظر عن هذا # إذا تأملنا المسألة في النور # وجدناهم في الحقيقة لا يزالون # هم القرود القديمة. # قصة حب موضوعية # بعد أن عرفا بعضهما ثماني سنوات ~~(ونستطيع أن نقول إنهما عرفا بعضهما جيدا) # ضاع حبهما فجأة # كما يضيع غيرهم قبعة أو عصا. # كانا حزينين، وراحا يخدعان نفسيهما، # حاول القبل، كأن لم يحدث شيء، # وتطلعا إلى بعضهما، ولم يعرفا ماذا يفعلان. # وأخيرا بكت. وكان يقف إلى جوارها. # كان في إمكانهما أن يشيرا إلى البواخر من النافذة # قال: لا بد أن الساعة جاوزت الرابعة والربع # وحان الوقت ليشرب القهوة في أي مكان. # بالقرب منهما كان أحد الناس يجرب أصابعه على البيان. # دخلا أصغر قهوة في المنطقة # وقلبا الملاعق في الأكواب. # وعندما جاء المساء كانا لا يزالان جالسين هناك. # جالسين وحدهما، لا يقولان كلمة واحدة # ولا يستطيعان تصور ما حدث. ~~(10) جنترأيش (1907-1972م) # تأملوا أطراف الأصابع # تأملوا أطراف الأصابع، إن كان قد حال لونها! # يوما يعود الوباء الذي قضي عليه. # يلقي به ساعي البريد كخطاب في الصندوق المشروخ، # تجده في طبقك كوجبة من الرنجة تعطيه الأم لطفلها كثدي يرضع ~~منه. # ماذا تفعل، ولم يعد يعيش أحد # ممن كانوا يتصرفون معه؟ # من يصادق الرعب # يستطيع أن ينتظر زيارته في هدوء. # نحن على الدوام نهيئ أنفسنا للسعادة # لكنها لا تحب أن تجلس على مقاعدنا. # تأملوا أطراف الأصابع! عندما تسود # يكون الوقت قد فات. # المعسكر يصحو # في الطابور # 39 # الأول # صبحا في غبش الفجر # يبدون في المعسكر # كأنهم في يوم الحشر. # في الحفر تتطلع ms395 العيون # نحو السماء، # أيقظتها ضجة الملائكة # التي ترعد في الهواء. # جار الدودة والصرصار # أحس بقوة بالصباح. # حفرة في الأرض تفرغ النائمين فيها، # وندي الليل رطب العظام. # في الرءوس المضطربة # يوقظ الجوع التقليد القديم: # النار تحت الأواني # تئز كدخان القرابين. # عندما تصعد الشمس دافئة # فوق مرتفعات «هوننج» # تحيي نشوة البعث # بالفزع النائمين. # الشعور التي لم تحلق # يهزونها على الأذن، # عندما تسبح جوقة القبر # مع أجراس الصباح. # جرد # هذه هي قبعتي # هذا معطفي، # هنا أدوات حلاقتي # في كيس من القماش # علب محفوظة: # طبقي، كوبي ، # في الصفيح الأبيض # حفرت اسمي. # حفرته ها هنا # بهذا المسمار الثمين، # الذي أخفيه، # عن الأعين النهمة. # في كيس الخبز # جورب من الصوف # وأشياء أخرى # لا أبوح بسرها لأحد، # أجعل منه مخدة # بالليل تحت رأسي، # لوح الورق هنا # بيني وبين الأرض. # أنبوبة القلم الرصاص # أحب الأشياء إلي: # بالنهار تكتب لي أبياتا # فكرت فيها بالليل. # هذه مفكرتي # هذه خيمتي، # هذا منديلي # هذا خيطي. # الرجل ذو السترة الزرقاء # الرجل ذو السترة الزرقاء، # العائد إلى بيته، والفأس على كتفه، # أراه خلف سور الحديقة. # هكذا كانوا يمشون مساء في كنعان. # هكذا يعودون إلى بيوتهم من مزارع الأرز في بورما، # من حقول البطاطس في مكلنبرج، # 40 # يعودون إلى بيوتهم من جبال الكرم في بور جند # 41 # ومن بساتين كاليفورنيا. # عندما يضيء المصباح خلف ستار النوافذ، # أحسدهم على حظهم، الذي لا أستطيع أن أشارك فيه، # على المساء العائلي # بدخان المدفأة، وغسيل الأطفال، والقناعة. # الرجل ذو السترة الزرقاء يعود إلى بيته، # فأسه التي وضعها على كتفه، # تشبه في الشفق الهابط بندقية. # نهاية صيف # من الذي يحب أن يعيش بغير عزاء الأشجار! # ما أجمل أن تشارك في الموت! # الخوخ حصد، والبرقوق يكتسي لونا، # بينما يسمع خرير الزمن تحت أقواس الجسور. # أسر يأسى إلى سرب الطيور. # إنه يقيس نصيبه من الأبد في هدوء. # المسافات التي يقطعها # ترى على أوراق الشجر كأنها القمر المعتم، # حركة الأجنحة تلون الثمار. # معناه أن نتعلم الصبر. # قريبا تنزع الأختام عن كتابة الطيور، # تحت ms396 اللسان يستلذ طعم المليم. # 42 # قبل المطر بقليل # ستمطر بعد قليل، فأدخل الغسيل! # على الحبل تهتز المشابك. # ظل سحابة يجعل الحجر مظلما # السقوف ملأى بالأفكار. # فكرت في الطوب والحجارة، # في الأفران الجيرية والدخان القارص. # عيني تتصنت الكلمات المذهلة، # آه أيتها الحكمة الخافتة من الغصن الملتهب! # نشيج بدا يرتفع في حلقي. # الظلال المسافرة تغير الحجر. # لفحة ريح تتجاذب القمصان المرفرفة. # ستمطر بعد قليل. أدخل الغسيل! ~~(11) كارل كرولوف (1915م-؟) # قصيدة حب # بصوت خافت أتحدث إليك: # هل ستسمعينني # خلف وجه القمر المعشوشب المرير # الذي يتفتت؟ # تحت الجمال السماوي للهواء ، # عندما يطلع النهار، # ويكون الفجر سمكة محمرة بزعانف مرتعشة؟ # أنت جميلة. # رطب وجاف هو جلدك. # نظرتك، ناعمة وواثقة كنظرة طائر. # أقولها للريح # عنقك - أتسمعين - من هواء # يشبه حمامة تندس بين شباك الشجر الأزرق. # ترفعين وجهك. # يبدو على الحائط مرة أخرى كالظل. # جميلة أنت. أنت جميلة. # رطبا كالماء كان نومك بجانبي. # بصوت خافت أتكلم إليك. # والليل يتحطم كالصودا، أسود وأزرق. # 1955م # لحظة النافذة # واحد يدفق النور # من النافذة. # وردات الهواء # تزدهر، # وفي الشارع # يرفع الأطفال عيونهم # عن اللعب. # الحمامات تنقر # من حلاوته. # البنات يصبحن جميلات # والرجال وديعين # من هذا النور. # ولكن قبل أن يقول لهم الآخرون ذلك # يعود واحد # فيغلق النافذة. # 1955م # أفكار المساء # وجوه في الظلام تضيء، # مصابيح خلف الأشجار. # خدود الخوخ تتندى # سعيدة في ظل الليل. # غليان النهار: زال. # هدأت صورته على شبكة العين، # لم تبق إلا همهمات، # عالقة بزرقة البرقوق # التي سرعان ما تصبح سوداء. # من النوافذ تطل الأصوات # من بعيد وتهمس في الريح. # في أخاديد الهواء تسبح # كالأسماك أفكار المساء. # اختطاف # الريح، التي تغمض # أعين التماثيل السوداء، # تفتح بلوزتك عند الرقبة. ~~••• # الريح التي لا تقول نعم # ولا تقول لا، # تضع يدها عليك. ~~••• # الريح، التي تلقي علامات # فيثاغورس في الهواء، # تمر عليك. ~~••• # الحمامة التي في قلبك # في كامل قوتها. # بغير مقاومة # تستسلم للموت. ~~••• # لكن فوق قلبك # نصبت القوارب أشرعتها. # منديلها يتمسح بخد النسيم. ~~••• # ريح الغربة # بذقون القرود # 43 # التي ترف فوق المرساة ms397 الزرقاء # التي اختطفتك! # كل صباح # كل صباح يؤمن بالله. # أسماك زرقاء ترف أمام عينيه، # وظلال الأذرع والسيقان. # قوية. # السكون يباغت حمامة وحشية، # تبدأ في الغناء. # النساء ينشرن الفراش # الذي نمن تحته بالليل وحدهن. # أعواد الكبريت التي أحرقت في الظلام # تلقى بعيدا. # عنق الهواء يضيء. # لحظة بطولها # يود كل إنسان # أن يريح يده عليه. # في الشوارع يروي الناس # أن الأجسام تسلب منها أعمارها. # الزمن يتغير # لم تبق أحد، # يدهن تماثيل الحنان # باللون الأزرق. # قبلات الشعور الشقراء # وقبعات القش نسيت. # الأطفال الذين كانوا في الحديقة # يمدون أكتافهم لطيور الغناء المتعبة # قد شبوا. # الزمن تغير. # لم تعد الأيدي الشابة # تمسح عليه. # المصابيح تحمل الآن لمبات جديدة. # كرات التنس لم ترجع من السماء. # رداء الحمام الأصفر # مات ميتة الفراش، # وكل ظروف الخطابات # تناثرت رمادا ناعما. # غير أن الشوارع تعج بالأجانب # وفي جيوبهم تذاكر الترام! # قصيدة حب # سواء الرقاد على الجانب الأيسر أو الأيمن، # تقطيع بطيخة أو جعل الماء يلمع في الكأس. # سحر الشمعة في الخلف: # لا أهمية له كالهواء العابر # في الليل من غيرك. ~~••• # عندما جاء العصر، هبط الطاووس أمام النافذة # كأنه باقة أزهار ظليلة. # في الساعة السادسة أمسكت ملعقتك # في طبق توت شفاف. # أنا الآن أحتمل الظلام، # هذا الليل. الذي لم تصنعيه، # وكتبته بالحبر الأسود العنيد، # بطعم الدموع في الفم # والريح الحادة في الأزهار. ~~••• # خلف الجدار المشقوق بالسواد # تسكت الجنادب، # وأذوق نكهة الوحدة على المائدة # بين الصمت والصمت # في الليل من غيرك. ~~••• # سواء الرقاد على الجانب الأيسر أو الأيمن # في عناق السكون، عندما تحصي ساعة اليد # الزمن في خفة، # وتتحول بقية السيجارة إلى رماد ... # بإصبعي أقيس الآخرة، # التي عشت فيها منذ قليل، # من غير شال أحمر ولا حذاء بني، # في الليل من غيرك. ~~••• # أسمعك تحت النجوم تتنفسين! ~~(12) يوهانس ببروفسكي (1917-1965م) # أيقونة # أبراج، مقوسة، # مسورة بالصلبان، حمراء. # معتمة تتنفس السماء. # يوحنا يقف على التل، # المدينة أمام النهر. # يرى البحر آتيا بألواح الخشب، # بالمجاديف والأسماك المجعدة، # الغابة تلقي بنفسها في الرمل. # أمام الريح # يمشي الأمير، ms398 # يهز أعلاما في يديه، # ينثر نيرانا خرساء # فوق السهول. # الدون # القرى، # عالية، من نيران. # على الصخر تسقط الشطآن # لكن النهر المغلول # أطلق انفاسا ثلجية # تبعها سكون معتم. # كان النهر أبيض. # الشط الأعلى مظلم. # الخيول صعدت المنحدر. # مرة. # فزعت منها الشطآن هناك، # رأينا وراء الحقول، # بعيدا، تحت الهلال، # أسوارا تجاه السماء. # هناك # يغني الديف # 44 # في البرج، # يصيح بالسحابة، # الطائر، من بؤسه، # ينادي فوق الشواطئ الصخرية، # يأمر السهول أن تنصت. # يقول: أيتها التلال، # افتحي صدرك، # أيها الموتى، # اظهروا بأسلحتكم، # ضعوا الخوذات. # النسر # بجناحين منشورين # على النهر، # فوق غابة المراعي # يقف النسر، # في قوس قزح # علامة ذات أطراف لم تزل محترقة # مسمرة في خشب بابي، مخالب، # سوف أصحو، نشوان أترنح، # عند الجبل الذي تنمو فيه الغابات # أصحو بعينين خفيفتين # من بين الأغصان. # بجناحين منشورين، # سمرت النسر # على سطح بيتي! # سأنام، # وأسير في نومي # علامة من رماد # فوق الغابات. # المسافر # بالليل، # للنهر خرير مسموع، # أنفاس الغابات ثقيلة، # السماء، # تصيح فيها الطيور، # شواطئ الظلمة، # عجوز، # فوقها نيران النجوم. # عشت حياة الإنسان، # نسيت أعد الأبواب، # الأبواب المفتوحة. # طرقت الأبواب الموصدة. # كل الأبواب مفتوحة. # المنادي يقف بذراعين ممدودين. # تقدم إذن إلى المائدة. # خطبة: الغابات ترن، # الأسماك تمخر في النهر # الثقيل الأنفاس، # السماء ترتعش بالنيران. # رفض # نار، # الإغراء من دم: # الإنسان الجميل. # والماضي كالنوم، # أحلام تهبط في الأنهار، # فوق الماء، # بغير شراع، في التيار. # سهول، # القرى الضائعة # حافة الغابات. # ودخان نحيل # في الهواء، # شديد الانحدار. # ذات يوم، # جاء بيركون، # بفم غليظ، # في ذقنه ريشة، # جاء في أثر الغزال، # المتلعثم جاء، # ركب الأنهار، # شد الظلام، # شبكة سمك، وراءه. # كنت هناك. # في زمن قديم. # ما من جديد قد بدأ. # أنا رجل، # جسد واحد مع امرأته، # يربي أطفاله # لزمن بلا خوف. ~~(13) باول تسيلان (1920-1970) # حريق # أنت، أيتها الساعة، ترفرفين في الكثبان. # الزمن، من رمل لطيف، يغني بين ذراعي: # أرقد معه، في يميني سكين. # ازبدي إذن، أيتها الموجة! # أيتها السمكة تشجعي! # حيث يكون الماء، يكون في استطاعة الإنسان # أن يعيش مرة ms399 أخرى، # أن يرسل الغناء للعالم مرة أخرى، # في صوت واحد مع الموت، # أن ينادي مرة أخرى من السرداب: انظروا، # نحن في أمان، # انظروا، كانت البلد بلدنا، # انظروا، # كيف سددنا على النجم الطريق! # بالليل عندما يهتز البندول ... # بالليل، عندما يهتز بندول الحب # بين «دائما» «وأبدا»، # تصيب كلمتك أقمار القلب # وعينك المكفهرة الزرقاء # تعطي السماء للأرض. # من المرج البعيد، الأسود بلون الحلم # يهب علينا ما تنفسناه، # والذي ضيعناه يسير هنا وهناك، كبيرا كأوهام المستقبل. # ما ينخفض الآن ويرتفع. # يصدق على ما دفن في الأعماق: # أعمى كالنظرة التي نتبادلها # يقبل الزمن على فمه. # لحن # 45 # الموت # لبن الفجر الأسود نشربه في المساء # نشربه في الظهر والصباح نشربه بالليل، # نشرب ونشرب، # نهيل قبرا في الهواء لا يضيق بالإنسان. # رجل يسكن في البيت يلعب مع الثعابين، # يكتب، # يكتب عندما يظلم الليل إلى ألمانيا، # شعرك الذهبي يا مرجريت # يصفر شتائمه الفظة، # يأمر بحفر قبر في الأرض، # يأمرنا بعزف الآن للرقص. # يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل، # نشربك في الصباح والظهر، نشربك في المساء، # نشرب ونشرب، # رجل يسكن البيت يلعب مع الثعابين، # يكتب، # يكتب عندما يظلم الليل إلى المانيا، # شعرك الذهبي يا مرجريت، # شعرك الترابي يا سولاميت نحن نهيل قبرا في الهواء # لا يضيق بالإنسان، # ينادي يغرز رشفه في مملكة الأرض أنتم أيها الناس # وأنتم أيها الناس يغني ويلعب، # يتحسس الحديد في حزامه، يهزه، عيناه زرقاوان، # يغرز رشفه في الأعماق، # أنتم أيها الناس وأنتم أيها الناس يواصل # عزفه للرقص # يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل # نشربك ظهرا وصباحا نشربك مساء، # نشرب ونشرب، # رجل يسكن في البيت شعرك الذهبي يا مرجريت، # شعرك المترب يا سولاميت يلعب مع الثعابين، # ينادي يعزف الموت بلحن أعذب، # الموت معلم من ألمانيا، # ينادي يعزف كئيبا على الكمنجات، فترتفعون كالدخان في الهواء، # ويكون لكم قبر في السحاب يتسع للإنسان. # يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل، # نشربك ظهرا، الموت معلم من ألمانيا، # نشربك مساء وصباحا نشرب ونشرب، # الموت معلم من المانيا عينه ms400 زرقاء، # يصيب بطلقة من رصاص، يصيبك في الصميم، # رجل يسكن في البيت شعرك الذهبي يا مرجريت، # يصب شتائمه علينا، يهدينا قبرا في الهواء، # يلعب مع الثعابين ويحلم الموت معلم من ألمانيا، # شعرك الذهبي يا مرجريت، # شعر المترب يا سولاميت. # نوم وطعام # نفس الليل ملاءتك، الظلام ينام معك. # يلامس عظامك وأسلافك، يوقظك للحياة والنوم، # يراقبك في الكلمة، في الرغبة، في الفكرة، # يرقد مع كل منهم، يستدرجك. # يمشط الملح من رموشك وتضعه على مائدتك، # يتنصت للرمل في ساعاتك ويقدمه لك، # والذي كانته كوردة وظل وماء # تصبه في كأسك. ~~(14) إنجبورج باخمان (1926م-؟) # نداء الدب الأكبر # أيها الدب الأكبر، تعال، أيها الليل الأشعث. # أيها الحيوان المتدثر بفراء السحب، يا ذا العيون القديمة، # عيون النجوم، # خلال الدغل تنفذ مبرقة # كفاك المزودتان بالمخالب، # مخالب النجوم، # يقظون نحن ونرعى القطعان، # لكننا مغلولون إليك، ونسيء الظن # بجنبيك المتعبتين # وبالأنياب الحادة نصف العارية، # يا أيها الدب العجوز. ~~••• # عالمكم: سدادة. # أنتم: القشور فيه. # أنا أدفعه، أدحرجه، # من أشجار الصنوبر في البداية # إلى أشجار الصنوبر في النهاية، # أتشممه، أمتحن طعمه في فمي، # ثم أطبق بالمخالب. ~~••• # خافوا أو لا تخافوا! # عدوا في الكيس الرنان وأعطوا # للرجل الأعمى كلمة طيبة. # حتى يمسك بالدب على جانب الطريق. # وأحسنوا تتبيل الخراف. ~~••• # قد يحدث أن ينطلق هذا الدب # من قيده ولا يعود يهدد، # ويطارد كل السدادات التي تساقطت # من أشجار الصنوبر، # أشجار الصنوبر العظيمة المجنحة # التي هوت من الفردوس. # المهلة # ستأتي أيام أشد. # المهلة التي يمكن استردادها # سترى على الأفق. # بعد قليل سيكون عليك أن تربط الحذاء، # وتطارد الكلاب إلى الساحات. # لأن أحشاء الأسماك # أصبحت باردة في الريح. # أزهار الزينة نورها خافت. # نظرتك تتلمس موقعها في الضباب: # المهلة التي يمكن استردادها # سترى على الأفق. ~~••• # هناك تسقط الحبيبة منك في الرمال، # تصعد حول شعرها الرفيف، # تقطع عليها الكلام، # تأمرها بالصمت، # تجدها قانية # مطيعة في لحظة الوداع # بعد كل عناق. ~~••• # لا تتلفت حولك، # اربط حذاءك. # طارد الكلاب. # ألق بالأسماك في البحر # أطفئ أزهار الزينة! # ستأتي أيام أشد. # الحملة ms401 العظيمة # حمولة الصيف العظيمة قد شحنت، # سفينة الشمس على استعداد في الميناء، # عندما يهوي النورس خلفك ويصيح. # حمولة الصيف العظيمة قد شحنت. ~~••• # سفينة الشمس على استعداد في الميناء، # وعلى شفاه الوجوه التي تزين الغليون # تتجلى ابتسامة أرواح الموتى. # سفينة الشمس على استعداد في الميناء. ~~••• # عندما يهوي النورس خلفك ويصيح، # يأتي الأمر من الغرب بالسقوط. # غير أنك ستغرق في النور مفتوح العينين، # عندما يهوي النورس خلفك ويصيح. # رسالة # من ردهة السماء الدافئة بالجثث تبزغ الشمس # ليس الذين هناك هم الخالدون # بل صرعى الحرب، هذا ما سمعناهم يقولون. ~~••• # والمجد لا يعبأ بالعفن # الهنا، التاريخ، # قد أعد لنا قبرا # ليس منه نشور. # خشب ونشارة # لن أقول شيئا عن الزنابير # لأن من السهل معرفتها. # كذلك الثورات الجارية # ليست خطيرة. # الموت في أعقاب الضجيج # قد قرر من زمن سحيق. # لكن خذ حذرك # من ذباب يعيش يوما واحدا ومن النساء، # من الصيادين في يوم الأحد وصناع الجمال، # من المترددين وذوي النية الحسنة # الذين لا يؤثر عليهم الاحتقار. # من الغابات حملنا الحطب والجذوع، # والشمس ظلت طويلا لا تطلع علينا. # أسكرني ورق المطابع وهو يدور بانتظام # فلم أعد أعرف الأغصان، # ولا الكلأ المتخمر في حبر أشد سوادا، # ولا الكلمة المحفورة على قشر الشجر، # صادقة وجريئة. # منشورات مستهلكة، شعارات مرفوعة، # لافتات سود ... بالليل والنهار # ترتج آلة العقيدة، # تحت هذه النجوم أو تلك. # لكن في الخشب، ما دام أخضر، # وبالمرارة، ما بقيت مرة # أحب أن أكتب # ما كان في البدء! # اجتهدوا أن تظلوا يقظين! # على أثر النشارة، التي طارت # يسير سرب الزنابير، # وعند النبع يقف الشعر # في وجه الإغراء # الذي أضعفنا ذات يوم. # في كل يوم # لن تعلن الحرب بعد، # بل ستستمر. الفظائع # أصبحت تجري كل يوم. البطل # يبقى بعيدا عن المعارك. الضعيف # يزج به في مناطق النار. # الصبر هو الحلة الرسمية، # النيشان هو نجمة الأمل البائسة # على القلب. # سيمنحونه # عندما يتوقف كل شيء، # عندما تخرس طبول النار. # 46 # عندما يختفي العدو عن الأنظار # ويغطي السماء # ظل التسلح الأبدي. # سيمنحونه ms402 # على الهروب من الأعلام. # 47 # والاستبسال، على الصديق، # 48 # وخيانة الأسرار الوضيعة، # وازدراء # كل الأوامر. # طيران ليلي # السماء حقلنا، # حرثناه بعرق المحركات، # في وجه الليل، # مجهزين بالحلم - # الذي حلمناه فوق الجماجم والمحارق # 49 # تحت سقف العالم، # الذي حملت الريح أحجاره - # والآن مطر مطر، مطر # في بيتنا، وفي الطواحين # تطير الوطاويط العمياء. # من كان يسكن هناك؟ # من كانت يداه طاهرتين؟ # من أنار في الليل، # شبح للأشباح؟ # مطمئنة في ريش من الصلب # تستجوب الآلات المكان. # والساعات الضابطة وأجهزة القياس # أيك السحاب، # والحب في قلوبنا # يحاول لغة منسية: # قصير وطويل طويل، لمدة ساعة # يلمس البرد طبلة الأذن، # التي تتنصت، نافرة منا ، وتتأسى. # لا السماء هوت ولا الأرض، # وإنما ذهبا كما تذهب الأفلاك # ولم يعد يعرفهما أحد. # صعدنا من ميناء، # لا يهتم فيه أحد بالعودة # ولا بالمركب أو الصيد. # توابل الهند وحرير اليابان # ملك للتجار # كالشبكة تمتلك الأسماك. # لكن رائحة تشم، # تسبق الشهب، # ونسيج الهواء. # تمزقه الشهب الهاوية. # سمها حالة الوحيدين # التي تتحقق فيها الدهشة. # لا شيء غير هذا. # تدرجنا، والأديرة خاوية، # منذ أن صبرنا، في نظام لا يشفي ولا يعلم # الفعل ليس من شأن الطيارين. # القواعد الحربية نصب أعينهم، وعلى ركبهم # خريطة منشورة لعالم، # لا جديد يضاف إليه. # من يحيا تحت؟ من يبكي ... # من ضيع مفتاح البيت؟ # من ذا لا يجد فراشه، # من يرقد فوق العتبات؟ # من يجسر، حين يجيء الصبح # أن يشرح هذا الخط الفضي: # أنظر ... فوقي ... # حين يعود الماء فيجرف عجل الطاحونة؟ # من يجد الجرأة في نفسه # أن يتذكر هذا الليل؟ ~~(15) هانز ماجنوس إنسنز برجر (1929م-؟) # نعاس # دعني الليلة أنم في القيثارة؛ # قيثارة الليل المدهوشة، # دعني أسترح # في الخشب المكسور، # دع يدي تنامان # فوق أوتارها؛ # يدي المدهوشتين، # دع الخشب العذب # ينام، # دع أوتاري، # دع الليل # يسترح على المفاتيح المنسية، # دع يدي المكسورتين # تنامان # فوق الأوتار العذبة # في الخشب المدهوش. # في كتاب المطالعة لفصول المرحلة الثانوية # لا تقرأ القصائد # 50 # يا ولدي، اقرأ دليل السفر: # فهو أدق. انشر خرائط البحار (أمامك)، # قبل ms403 أن يفوت الأوان، كن يقظا، لا تغني. # 51 # سيعود اليوم الذي يمكرون فيه على الباب، # ويضربون ويضعون علامة على صدر من يقول لا. # تعلم أن تسير مجهولا (بين الناس)، تعلم أكثر مني: # أن تغير الحي، جواز السفر، الوجه # توقع الخيانة الصغيرة، # النجاة القذرة كل يوم. # الرسائل البابوية تصلح لإشعال النار، # البيانات: للف الزبد والملح # لأجل العجزة. الغضب والصبر لازمان # لنفخ الرماد في رئة السلطة # الرماد الدقيق المميت # الذي سحقه أولئك الذين تعلموا الكثير # الذين يدققون (في كل شيء)، # 52 # الذي سحقته أنت. # بلدي # التي أسستها بعيني، # التي أسندها اليوم بيدي، # بلدي، بلدي الفاني، # التي تضيء بفرحتي # التي لعنتك لدي # للزمن الغريب والزمن القريب. # 53 # لكل الأزمنة، التي بقيت لنا. # أقول لك اسمك، تكلمي # وأعيدي لي اللغة # من فمك الذي لا يتكلم. # 54 # بلدي، أنا لا أذود عنك، # إني أضعك، وأنت الفانية. # 55 # في هذا النور الفاني. # 56 # نحن قريبان، يعكس كل منا # من صيف صاحبه الجميل، # يا بلدي، خفيفا كظل شجرة الزيتون # أبلل حدودك الدافئة، # التي تتنفس في بهائها. # وكظل شجرة الزيتون، الصامدة للفساد # أريد أن أستريح فوقك، # يا بلدي الشاسعة الأطراف، # يا من أستطيع أن أحتويها بذراعي # يا جزءا من العالم حبيبا إلي، # في حجم ظل شجرة الزيتون، # أشبه بقبر، مزدهرة في وجه الرماد الملطخ بالدم، # رماد الأزمنة التي بقيت لنا. ~~(16) هورست بينيك (1930م-؟) # علامات وعبارات # دخان في الهواء # أو نار في البحر # أو صواعق في الغابة؛ # علامات الأمس # نسيناها، # لا أحد يراها، # نتحدث إلى بعضنا # بكلمات # أو عبارات # أو دخان # أو نار # مجموع الكلمات هو العبارة، # جملة العبارات هي اللغة. # نتحدث # مسجونين # في اللغة، # نتحدث، # نقيم بجوار بعضنا # في الظلام # والطحلب ينمو على أفواهنا. # رمادنا # السلك الشائك، # معطف القديسين # من يغطيه الريس أو الظلام # يعيش في الخطيئة # في ضوء الكشافات # تستطيع أن تنكر ذنبك # في التحقيق # تكتم فعلتك # ما من أحد يتكلم # عن الأربعين يوما في حبس الجوع ~~(من رسم لك لوحات تنتوريتو # 57 # على جدار الزنزانة؟) # ولا ms404 أحد يتكلم عن طريقك # إلى حفرة المرحاض # لا أحد يعينك # على حمل جرادل القاذورات # وبينهم سقطت # أكثر من ثلاث مرات. # 58 # لم يأت أحد # غير طائر أسود من دخان، # ثم جاء القتلة # في الموعد المحدد، # حملوا الشمس # جريحة، مذبوحة، نازفة دما # على بنادقهم. # إلى الجدار الأسود # 59 # تقدم! # هكذا قال صوت. # خمس خطوات نحو الجدار # ولا تتلفت حولك # عندما ينطلق الرصاص! # ماذا يحدث # عندما تصلب الصرخة السماء؟ # ماذا يحدث # عندما تدمر الريح الذكرى؟ # ماذا يحدث # عندما تثب سمكة الشمس في العروق # ويمحو الجير وجوهنا؟ # 60 # الجواب # قد قدم # لكن من منا؟ # من منا سمعه؟ # من من الأحياء بيننا # يمكنه أن يقول # إنه سمعه # ورآه؟ # من منا؟ # الملح في عيوننا # والرمل في آذاننا # والأبد # ينمو بلا ضوضاء في أجسادنا. # متى يتكلم رمادنا؟ # | قصائد من إليوت # (1) توماس ستيرنز إليوت (1888-1965م) # أغنية حب ج. الفريد بروفروك ~~(إلى جان فيردينال، 1889-1915م الذي مات في الدردنيل.) # 1 # لو أني اعتقدت أن إجابتي # كانت لشخص سيعود أبدا إلى الدنيا، # لبقيت هذه الشعلة دون أن تحرك ساكنا. # ولكن لما لم يكن قد رجع أبدا من هذا العمق # إنسان حي، إذا صح ما أسمع، # فإني أجيبك دون أن أخشى سوء السمعة. # لتمض إذن، أنت وأنا، # عندما ينتشر المساء على صفحة السماء # كمريض مخدر على منضدة؛ # لنمض خلال شوارع نصف مهجورة، # التراجعات المغمغمة # لليالي القلقة في فنادق رخيصة لليلة واحدة، # ومطاعم تقدم المحار وتنتشر على أرضها النشارة: # شوارع تتتابع كأنها جدال ممل # ينطوي على غرض خداع، # وينتهي بك إلى سؤال آخذ بالخناق ... # آه، لا تسل «ما هو»؟ # دعنا نمض ونقم بزيارتنا. # في الحجرة تروح النساء وتغدو # وهي تلغو بالحديث عن ميكائيل أنجلو. # الضباب الأصفر الذي يحك ظهره على زجاج النوافذ، # الدخان الأصفر الذي يحك خطمه على زجاج النوافذ # لعق لسانه في أركان المساء، # تسكع فوق البرك الآسنة في البالوعات، # ترك السناج المتساقط من المداخن يسقط فوق ظهره، # 2 # انزلق من على سطح البيت، # 3 # وثب وثبة مفاجئة، # فلما رأى ms405 أنها كانت ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة، # التف مرة واحدة حول البيت، ثم راح في النوم. # وسيتسع الوقت بلا مراء # للدخان الأصفر الذي ينزلق على طول الشارع # ويحك ظهره على زجاج النوافذ؛ # سيتسع الوقت، سيتسع الوقت # لتعد وجها تلقى به الوجوه التي تلقاها؛ # سيتسع الوقت لتغتال وتخلق، # ويتسع لكل أعمال وأيام الأيدي # التي ترفع وتخفض سؤالا على طبقك؛ # وقت لك ووقت لي، # ووقت آخر لمائة تردد، # ولمائة نظرة وإعادة نظر، # قبل تناول الخبز المقدد والشاي. # في الحجرة تروح النساء وتغدو # وهي تلغو بالحديث عن ميكائيل أنجلو # وسيكون هناك وقت بلا مراء # كيما أتعجب: «أتواتيني الجرأة؟» و«أتواتيني الجرأة؟» # وقت لأستدير راجعا وأهبط السلم، # بصلعة وسط شعري؛ # سيقولون: «ما أسرع ما يتساقط شعره!» # معطفي الذي أرتديه في الصباح، ياقتي التي ترتفع ثابتة إلى ~~ذقني، # رباط عنقي الأنيق المتواضع، المثبت مع ذلك بدبوس بسيط. # سيقولون: «لكن ما أنحف ذراعيه وقدميه!» # أتواتينى الجرأة # على إزعاج الكون؟ # إن لحظة واحدة لتتسع # لقرارات ومراجعات تبطلها لحظة أخرى. # لأني قد عرفتها جميعا، عرفتها جميعا؛ # عرفت المساء والصباح والأصيل، # 4 # قست حياتي بملاعق القهوة؛ # أعرف الأصوات التي تسقط ميتة # تحت الموسيقى الآتية من غرفة نائية. # فكيف إذن تواتيني الجرأة؟ # ولقد عرفت العيون، عرفتها جميعا؛ # العيون التي تثبتك في صيغة جاهزة، # 5 # وعندما تتم صياغتي وأتمدد على مسمار، # عندما أسمر وأتلوى على الحائط، # فكيف أبدأ # في بصق كل نفايات أيامي وعاداتي؟ # 6 # وكيف تواتيني الجرأة؟ # ولقد عرفت الأذرع، عرفتها جميعا؛ # الأذرع التي تحيط بها الأساور وتبدو بيضاء وعارية، ~~(لكنها في ضوء المصباح تبدو مكسوة بالزغب البني الفاتح!) # أهو العطر الذي يفوح من رداء # ما يجعلني أستطرد في هذا الهراء؟ # 7 # الأذرع التي ترقد على مائدة أو تلتف في شال. # وهل تواتيني الجرأة حينذاك؟ # وكيف يتسنى لي أن أبدأ؟ ~~••• # أأقول إني رحت عند الغسق أجوس في الشوارع الضيقة، # وأراقب الدخان المتصاعد من غلايين رجال وحيدين # يطلون من النوافذ وقد شمروا أكمام قمصانهم؟ ... # كان الأولى بي أن أخلق زوجا من المخالب ms406 المهترئة # يهرول في قاع البحار الصامتة. # 8 ~~••• # والأصيل، المساء، ينام في سلام! # وقد كسته الأصابع الطويلة نعومة، # مستسلم هو للنوم، متعب، أو متمارض، # ممدد على الأرض هنا بجوارك وجواري. # أتكون لدي القدرة، بعد الشاي والكعك والمثلجات، # على أن أدفع اللحظة إلى قمتها؟ # لكن مع أني بكيت وصمت، بكيت وصليت، # كع أني رأيت رأسي «التي دب إليها الصلع الخفيف» # وقد جيء بها على طبق؛ # فلست نبيا، وما هذا بأمر ذي بال؛ # لقد رأيت لحظة عظمتي وهي تومض وتخبو، # ورأيت الخادم الأبدي يحمل معطفي، ويكتم ضحكته، # وباختصار، كنت خائفا. # وهل كان الأمر يستحق، بعد كل شيء، # بعد الأكواب، والمربى، والشاي، # وسط أطباق الصيني وحديث متبادل بينك وبيني؛ # هل كان الأمر عندئذ يستحق # أن أقطع الموضوع كله بابتسامة، # وأضغط الكون في كرة # وأدحرجها نحو سؤال رهيب، # وأقول: «أنا لعازر القادم من عند الأموات، # عدت لأخبركم بكل شيء، وسوف أخبركم بكل شيء.» # لو أن واحدة قالت وهي تسوي مخدة تحت رأسها: ~~«ليس هذا ما كنت أقصده على الإطلاق.» ~~«لا لم أقصد هذا على الإطلاق.» # وهل كان الأمر يستحق، بعد هذا كله، # هل كان عندئذ يستحق، # بعد غروب الشمس # 9 # وأفنية الدور والشوارع المرشوشة، # بعد الروايات، بعد أكواب الشاي، بعد التنورات # 10 # التي تجرجر أذيالها على الأرض، # وبعد هذا، وما هو أكثر منه؟ # مستحيل أن أقول بالضبط ما أريد! # لكن كأنما ألقي مصباح سحري بالأعصاب في هيئة نماذج على ~~الشاشة: # أكان الأمر يستحق عند ذاك # لو أن واحدة قالت، وهي تسوي مخدة أو تطرح شالا # وتستدير نحو النافذة: ~~«ليس هذا على الإطلاق، # أنا لم أقصد هذا على الإطلاق.» # لا! لست الأمير هاملت، ولا أريد لي أن أكونه؛ # إنما أنا تابع أمين، # 11 # شخص قد يصلح # ليزين موكبا، يفتتح مشهدا أو مشهدين، # يسدي النصح للأمير؛ وأنا بلا ريب أداة طيعة، # أظهر الاحترام، ويسعدني أن أكون نافعا، # سياسي، حذر، وكثير الوسواس، # موفور الحكمة والفصاحة، وإن كانت تشوبني بلادة الإحساس؛ # إني لأكون هزأة في بعض الأحيان، # بل إنني ms407 في معظم الأحوال أشبه مضحك البلاط. # إني أهرم وأشيخ، إني أهرم وأشيخ، # وسيأتي يوم أقلب فيه سراويلي. # هل أرسل شعري إلى الوراء؟ أتواتيني الجرأة أن آكل خوخة؟ # سوف أرتدي سروالا من الفانلة البيضاء، وأتمشى على الشاطئ، # لقد سمعت عرائس البحر يتناشدن بالغناء. # ما أحسبهن يغنين لي. # لقد رأيتهن مبحرات على متن الأمواج # يمشطن شعر الأمواج الأبيض المتطاير للوراء # عندما تلفح الريح الماء فيكسوه البياض والسواد. # أنا نحن تريثنا في غرفات البحر # عند بنات البحر المضفرات بالأعشاب البنية والحمراء # حتى توقظنا أصوات البشر فنغرق. # 1917م # سويني بين البلابل ~~«ويلي، أصابني القدر في الصميم.» # 12 # أبينيك سويني يمدد ركبتيه، # تاركا ذراعيه تتدليان ليضحك، # ينفح خطوط الفنان على فكيه # 13 # فتصبح زرافة منقطة # دوائر القمر العاصف # تنزلق غربا تجاه نهر «بلاتا» # 14 # الموت والغراب يحلقان فوقها # وسويني يحرس البوابة ذات القرون. # الجوزاء المظلمة والكلب الأكبر محجبان، # والبحار المنكمشة ساكنة، # الإنسانة # 15 ~~«التي تعيش» في الكاب الإسباني. # تحاول أن تجلس على ركبتي سويني. # فتنزلق وتجذب (معها) المفرش، # وتقلب فنجان القهوة، # وعندما تعتدل على الأرض # تتثاءب وتشد الجورب؛ # الرجل الصامت في لون البن # يتسلق حافة النافذة ويبحلق؛ # الخادم يحضر البرتقال، # الموز والتين والعنب المستنبت، # 16 # الحيوان الفقري الصامت في لون بني # يتقلص، يتأهب، يتراجع؛ # راخيل ابنة رابينوفيتش # 17 # تسحب العنب بمخالب ضارية. # هي والسيدة في الكاب # مشبوهتان، من عصابة مريبة؛ # ولذلك فالرجل ذو الجفون الثقيلة # يزهد في اللعبة ويتظاهر بالإعياء، # يغادر الحجرة ويظهر من جديد # وهو يميل برأسه من النافذة، # غصون الوستارية. # 18 # تحيط ابتسامة ذهبية شامتة، # المضيف وشخص مجهول # يتحدثان وحدهما عند الباب، # البلابل تغني بالقرب # من دير القلب المقدس، ~~(وقديما) غنت في الغابة الدموية # لما صاح أجاممنون صيحة عالية، # وتساقطت بقاياها السائلة # لتلطخ الكفن المتصلب المهان. # 1920م # شيخوخة ~~«ليس لك شباب ولا عمر، بل لعله نعاس العصر الذي يحلم بهما.» # 19 # ها أنا ذا، رجل عجوز في شهر محدب، # يقرأ علي غلام ينتظر المطر. # لا وقفت عند البوابات الحارة # 20 # ولا حاربت تحت ms408 المطر الدافئ، # ولا غصت حتى ركبتي في المستنقع المالح، # بينا أهز نصلي في القتال # ويلسعني الذباب. # بيتي بيت منهار، # واليهودي، صاحب الملك، قابع على حافة النافذة، # أفرخ في إحدى حانات أنتفيرب، # 21 # تقرح جلده في بروكسل، رقع وقشر في لندن. # العنزة تسعل بالليل هناك بعيدا في الحقل، # صخر، طحلب، سيدوم. # 22 # حديد، أقذار # 23 # المرأة تعنى بالمطبخ، تصنع الشاي، # تعطس مساء عندما تسلك البالوعة. # أنا رجل عجوز، # رأس غبية وسط فضاء تذروه الرياح. # العلامات تؤخذ مأخذ المعجزات: «نريد أن نرى علامة!» # الكلمة داخل كلمة، عاجزة عن نطق كلمة، # ملفوفة في الظلام. في ريعان شباب العام، # 24 # جاء المسيح النمر # في النوار المعيب. # 25 # أشجار الفرانيا والكستناء، وشجرة يهوذا المزهرة # كيما يؤكل، يقسم، يشرب. # بين الهمسات؛ بيدين محبتين من السيد سيلفيرو، ~~(الذي يعيش) في ليموج، # 26 # والذي ظل يذهب ويجيء طوال الليل في الحجرة المجاورة، # من هاكاجاوا، الذي انحني وسط التيتيانيين ، # من مدام دي تورنكويست، التي تنقل الشموع # في الغرفة المظلمة الآنسة فون كولب # التي استدارت في القاعة، بينما كانت يدها لا تزال على الباب، # الوشائع # 27 # الفارغة تغزل الريح. أنا لا أملك أشباحا، # رجل عجوز في بيت يلفحه الهواء # تحت هضبة تضربها الرياح. # بعد معرفة كهذه، أي غفران؟ # فكر في هذا الآن، للتاريخ مسالك ماكرة، دهاليز # ومنافذ بارعة الحيلة، يخدع بوسوسة الطموح، # يقودنا للغرور: فكر في هذا الآن، # إنه يعطي عندما نكون مشتتي البال، # ويقرن عطاياه بأساليب ناعمة من التشويش، # حتى إن العطاء ليميت التلهف جوعا. يعطي بعد الأوان، # ما لا نؤمن به أو إن كنا لا نزال به مؤمنين، # فما ذلك إلا في الذاكرة وحدها، كعاطفة نستعيدها فيما بعد. # يعطي قبل الأوان لأيد ضعيفة ما نحسب أننا في غنى عنه، # حتى يولد الرفض خوفا. فكر (في هذا). # لا الخوف ينجينا ولا الشجاعة. بطولتنا # تنجب الرذائل الشاذة. الفضائل # تفرضها علينا جرائمنا الوقحة. # هذه الدموع تتساقط من الشجرة التي تحمل ثمار الغضب. # النمر يقفز في العام الجديد. يلتهمنا. # وأخيرا فكر في ms409 هذا، لم نتوصل بعد لأي نتيجة # ما دامت عظامي متصلبة في بيت مؤجر. وأخيرا فكر في هذا، # أنا ما أقمت هذا العرض بلا هدف # ولا كان السبب فيه # هو إقلاق شياطين الماضي. # ولا حاولت أن أخدعك # 28 # أنا الذي كنت قريبا من قلبك قد أبعدت عنه # كي أفقد الجمال في الرعب، والرعب في التفتيش. # 29 # لقد أضعت عاطفتي: وما حاجتي للحفاظ عليها # ومصير كل شيء نحتفظ به هو التزييف المحتوم؟ # لقد أضعت بصري وشمي وسمعي وذوقي ولمسي: # فكيف السبيل إلى استخدامها لأزداد قربا منك؟ # إن هذه الحواس لتتعلل بآلاف الاعتبارات الصغيرة # كيما تؤجل الحصيلة الناتجة من رعشة حمياها، # وتستثير الأغشية بالتوابل الحريفة # بعد أن يبرد الإحساس، وتكثر من الألوان المتنوعة # في متاهة المرايا. ماذا سيفعل العنكبوت؟ # هل يوقف نشاطه؟ هل تعلق السوسة أنفاسها؟ # دي بيلهاش، فريسكا، ومسز كاميل، # المندفعين بعيدا عن دائرة الدب المرعب # في ذرات متكسرة. نورس يقاوم الريح، في مضايق «بيل إيل» # 30 # التي تعصف فيها الرياح، أو ينطلق فوق «الكاب هورن»، # 31 # ريش أبيض في الثلج، يطالب به الخليج الكبير، # ورجل عجوز تدفعه الرياح التجارية # 32 # إلى ركن وسنان. # مؤجرو البيت، # أفكار دماغ مجدب في فصل جدب. # 1920م # الأرض الخراب (مقتطفات) # رأيت بعيني العرافة سيبيلا في مدينة كوماي # 33 # معلقة في قفص، ولما سألها الصبية: سبيلا، ماذا تريدين؟ ~~أجابتهم قائلة: أريد أن أموت. # 34 ~~(عن الكاتب الروماني بترونيوس على لسان بطل روايته «ساتريكون» الذي ~~راح في نشوة السكر يفاخر أصحابه بأغرب أعجوبة رآها في حياته ...) ~~(1) دفن الموتى # أبريل أقسى الشهور، ينبت # الليالك من الأرض الميتة، يمزج # التذكر بالرغبة، يحيي # الجذور المعتمة بأمطار الربيع. # الشتاء أدفأنا، كسا # الأرض بثلوج النسيان، غذى # حياة قليلة الشأن بدرنات يابسة. # الصيف باغتنا، حط على بحيرة شتار نبرجر # بوابل من المطر؛ توقفنا في بهو الأعمدة # ثم واصلنا السير في ضوء الشمس إلى حديقة الفناء، # وشربنا القهوة وتجاذبنا أطراف الحديث ساعة من الزمان. ~~- لست روسية على الإطلاق، إنني من لتوانيا، ألمانية أصيلة # 35 # وعندما ms410 كنا أطفالا، نقيم في بيت الدوق الكبير، ~~- وهو ابن عمي - أخذني معه للتزحلق على الجليد # وشعرت بالخوف، قال: ماري، ماري، # أمسكي بإحكام. ثم انزلقنا. # هناك في الجبال تحس بنفسك حرا. # أنا أقضي شطرا من الليل في القراءة، وأذهب في الشتاء إلى ~~الجنوب. ~~(2) موعظة النار # انهارت خيمة النهر: أصابع أوراق الشجر الأخيرة # تتقلص ثم تسقط على الضفة الرطبة. # الريح تجوس خلال الأرض البنية بلا صوت. الحوريات هربن. ~~«يا نهر التيمز العذب تهادى حتى أنهي أغنيتي.» # ما عاد النهر يحمل الزجاجات الفارغة، ولا أوراق السندوتشات، # 36 # ولا المناديل الحريرية، ولا علب الورق المقوى، ولا أعقاب ~~السجائر، # ولا أرى شاهدا آخر على ليالي الصيف. الحوريات هربن. # وأصدقاؤهن الورثة المتسكعون لمديري البنوك؛ # 37 # هربوا، لم يتركوا عناوينهم. # جلست بالقرب من مياه بحيرة ليمان # 38 # ورحت أبكي ... ~~(3) الموت بالماء # فليباس الفينيقي، الذي مات من أسبوعين، # نسي صيحة النورس واصطخاب الموج العميق، # والربح والخسارة. # تيار يجري في قاع البحر، # أخذ يعرق عظامه وهو يهمس. لما ارتفع وسقط # اجتاز أطوار عمره وشبابه # وهو يغوص في الدوامة، # أنت يا من تدير العجلة وتنظر في اتجاه الريح، # وثنيا كنت أم يهوديا # تذكر فليباس الذي كان يوما في مثل جمالك وطولك. # 1922م # الرجال الجوف # 1 # نحن الرجال الجوف، # عظامنا هشة، # يسند بعضنا بعضا # برءوس محشوة بالقش. يا للضياع! # أصواتنا الأجشة حين نتهامس معا # خافتة، وبلا معنى # كالريح بين الأعشاب الجافة، # أو أرجل الفيران فوق الزجاج المتكسر # في قبونا الكئيب. # خطوط بلا صورة ظل بلا لون # طاقة مشلولة، إيماءة بغير حركة؛ # يا من عبرتمونا، بعيون نافذة # إلى مملكة الموت الأخرى # اذكرونا، إن فعلتم، # لا كذكركم الأرواح العارمة الضالة # ولكن اذكرونا كرجال جوف # ذوي عظام هشة. # 2 # عيون لا أجسر على لقائها في الأحلام # في مملكة الموت الحالم # إنها لا تبدو: # هنالك هذه العيون # ضوء الشمس فوق عمود محطوم، # شجرة تتمايل # والأصوات # في أغاني الرياح # أبعد وأهدأ # من نجم خاب. # لا تزدد بي قربا # من مملكة الموت الحالم، # ودعني أرتدي هذه الأقنعة ms411 الرزينة؛ # جلد فأرة، # إهاب غراب، # عصيا معقوفة. # لا تزدد بي قربا ... # يا بعدا لذلك اللقاء الأخير # في مملكة الكآبة! # 3 # هذه هي الأرض الميتة، # هذه من أرض الصبار، # هنا ترتفع الصور المنحوتة في الحجر، # وهنا تتلقى ضراعة يد رجل ميت # في ظل اختلاجة نجم خاب. # أشبيه بهذا ما يحدث # في مملكة الموت الأخرى، نستيقظ وحدنا # حينما # ننتفض بالرقة، # الشفاه التي في مقدورها أن تمنح القبل # تنسج الصلوات للحجر المحطم. # 4 # العيون ليست هنا. لا عيون هنا. # في هذا الوادي؛ وادي النجوم المحتضرة، # في هذا الوادي الأجوف، # هذا الفك المكسور من ممالكنا الضائعة. # في هذا المكان. # حيث اللقاء الأخير # ونحن محشودون على هذه الضفة من النهر الطافح، # نتحسس معا الطريق، ونتحاشى الحديث. # لا نبصر # ما لم تبزغ العيون من جديد. # كالنجمة السرمدية، والزهرة المورقة # في مملكة الموت القاتم، # الأمل الوحيد # للرجال الجوف. # ها نحن ندور حول شجرة الصبار؛ # شجرة الصبار، شجرة الصبار، # نحن ندور حول شجرة الصبار # في الساعة الخامسة صباحا # بين الفكرة والواقع # بين الحركة والفعل، # يسقط الظل : الملك لك، # بين التصور والخلق # بين الانفعال والاستجابة # يسقط الظل: الحياة الطويلة جدا # بين الرغبة والنفضة. # بين الإمكان والتحقق، # بين الماهية والوجود الحي # يسقط الظل: الملك لك، # إنك الوجود، # الحياة، # الكل بك. # هكذا ينتهي العالم، # هكذا ينتهي العالم، # هكذا ينتهي العالم # نهاية هادئة، لا ضجيج فيها. # 39 # 1925م # مارينا # 40 ~~«أي مكان هذا، أية منطقة، أي جزء من أجزاء العالم؟!» # 41 # أي بحار، أي شواطئ، أي صخور كابية، أية جزر، # أي مياه تلطم مقدم السفينة؟ # وشذا الصنوبر وطائر الدج يغني في الغابة وسط الضباب، # أية صور ترجع وتعود؟ # آه يا ابنتي! # أولئك الذين يحدون ناب الكلب، قاصدين # الموت، # أولئك الذين يتألقون ببهاء الطائر الطنان، قاصدين # الموت، # أولئك الذين يجلسون في حظيرة الرضا، قاصدين الموت، # أولئك الذين يحتملون نشوة الحيوانات، قاصدين # الموت، # قد تجردوا من الجوهر، # 42 # صغرتهم ريح، # أنفاس صنوبرة، والضباب الذي تتردد فيه أغنية الغابة # وهذه النعمة المذابة # 43 # في المكان. ms412 # ما هذا الوجه الأبهت والأوضح في آن # هذا النبض في الذراع، (هذا النبض) الأضعف والأقوى؛ # أموهوب هو أم معار؟ أبعد من النجوم وأقرب من العين # همسات وضحك خافت بين أوراق الشجر وخطى مهرولة # تحت (ستر) النوم، حيث تلتقي كل المياه. # عود شراع شققه الثلج ولون شققته الحرارة. # أنا الذي فعلت هذا، أنا الذي نسيت # وها أنا ذا أتذكر. # الحبال رخوة، والشراع بال ~~(على مدار السنة) بين يونيو وسبتمبر. # فعلت هذا جاهلا، في شبه وعيي، مجهولا، جعلته فعلي. # الألواح ترشح في قاع السفينة، الشقوق في حاجة لمن يسدها. # هذا الشكل، هذا الوجه، هذه الحياة، # أعيش لأحيا في عالم زمني وراء عالمي؛ # دعني أزهد حياتي لأجل هذه الحياة، وأزهد كلامي لأجل كلام لم ~~يقل، # لأجل الموقظين، ذوي الشفاه المفتوحة، للأمل للسفن الجديدة. # أي بحار، أي شطآن، أية جزر جرانيتية تلاقي أخشاب سفينتي # ونداء الدج في الغابة من خلال الضباب. # بعد 1930م # مناظر ريفية ~~(1) نيوهامبشير # أصوات أطفال في البستان # بين زمن الأزهار وزمن الأثمار: # رأس ذهبية، رأس قرمزية، # بين الذؤابة الخضراء والجذر. # أيها الجناح الأسود، أيها الجناح البني ، رفرفا من أعلى؛ # عشرون عاما ثم ينقضي الربيع؛ # اليوم هم وغدا هم، # دثرني أيها النور بين أوراق الشجر؛ # أيتها الرأس الذهبية، أيها الجناح الأسود، # تماسكا ورفرفا، # تواثبا وغنيا، # رفرفا في شجرة التفاح. # 1934م # الرباعيات الأربع «بيرنت نورتون» (مقتطفات) # في الزمن وحده تتحرك الكلمات، تتحرك الموسيقى؛ # لكن الشيء الذي لا يقدر إلا على الحياة، # لا يبقى له غير الموت. الكلمة، بعد الكلام، # تبلغ الصمت. بالشكل وحده، بالنظام، # تستطيع الكلمات أو الموسيقى # أن تصل إلى السكون، مثل زهرية صينية # ساكنة في مكانها ومع ذلك تتحرك حركة أبدية. # ليس صمت الكمان، بينما النغم لا يزال يرف، # ليس هذا فحسب، بل هو الوجود في نفس الوقت، # 44 # أو أن النهاية تسبق البداية، # لأن النهاية والبداية كانتا على الدوام هناك # قبل البداية وبعد النهاية. # وكل شيء يكون دائما الآن. الكلمات تعذب، # وتنوء بالعبء فتنشق وأحيانا تتحطم، # وتشد أوتارها فتزل وتنزلق ms413 وتموت، # وعندما يفسدها عدم الدقة، لا تبقى في موضعها # ولا تقبل أن تظل ساكنة. الأصوات الزاعقة، # المؤنبة، المستهزئة أو المقصورة على الثرثرة # تهاجمها على الدوام. الكلمة في الصحراء # تتعرض أكثر ما تتعرض لهجمات تشنها أصوات الغواية، # والظل الذي ينوح في رقصة الجنازة، # وشكوى الخرافة # 45 # اليائسة بصوت عال. # 1944م # | الشعراء # نبذة عن حياة كل شاعر وأعماله ~~(1) أونامونو، ميجيل دي أونامونو أي خوجو (1864-1936م) # فيلسوف وشاعر وروائي إسباني معروف. ولد سنة 1864م في بيلبانو. درس الفلسفة ~~والأدب في مدريد، وعين في سنة 1891م أستاذا للغة اليونانية القديمة بجامعة ~~سلامانكا، جرد سنة 1904م من منصبه الجامعي بسبب النقد الذي وجهه إلى النظام الملكي ~~السائد في ذلك الحين. نشر عدة مقالات نادى فيها بتجديد التراث الحضاري الإسباني. ~~تعاطف فترة من حياته مع النزعة الفوضوية ووقف بجانب الحركة الاشتراكية وأسهم في ~~تحرير مجلة «صراع الطبقات» التي كانت تصدرها في مدينة بيلباو، ومجلة «الجامعي ~~الاشتراكي» التي كانت تصدر في برلين. عين مديرا لجامعة سلامانكا. عاود هجومه على ~~النظام الملكي والدكتاتور يريمو دي ريفيرا (1924م) فنفي إلى جزيرة «فوير تيفنتورا» ~~إحدى الجزر الكنارية، ثم هاجر إلى فرنسا وأقام فيها حتى سنة 1929م. أكبرت الحركة ~~الجمهورية التي تألفت في ذلك الحين لمقاومة النظام السائد هذا الموقف الشجاع من ~~أونامونو، فلم يكد يعود من منفاه في ربيع سنة 1929م حتى استقبلته مواكب الطلبة ~~الجمهوريين استقبال الأبطال. رجع في نفس العام إلى منصب مدير جامعة سلامانكا، ورشح ~~نفسه في سنة 1931 عن الجمهوريين الاشتراكيين ففاز بعضوية المجلس الوطني النيابي ~~للجمهورية الثانية. ولكنه لم يلبث أن زهد في السياسة ووهب كل وقته وجهده للتعليم. ~~نودي به في سنة 1935م مواطن شرف للجمهورية الإسبانية. ولما بدأ الصراع الفكري ~~والطبقي قبل نشوب الحرب الأهلية ارتد عن تأييده السابق للنظام الجمهوري وراح يهاجمه ~~من مكانه في سلامانكا التي احتلها الفاشيون. وكانت نتيجة ذلك أن جردته حكومة ~~الجمهوريين من جميع مناصبه، بينما هلل له الفاشيون واعتبروه واحدا منهم! ولكنه ~~اكتشف خطأه سريعا، فألقى خطبته ms414 المشهورة التي ندد فيها بالفاشية الإسبانية، وذلك ~~في الاحتفال الذي أقامه الفاشيون بيوم العنصر (12 أكتوبر سنة 1936م). وسرعان ما وضع ~~تحت رقابة البوليس وطرد من منصبه! # ولم يطل به الأجل، فقد ودعه الناس وهم يودعون ذلك العام (1936م)، إذ مات وحيدا ~~في آخر يوم من أيامه. # من أشهر أعماله التي كان لها أثرها على الفكر الوجودي المعاصر كتابه عن العاطفة ~~التراجيدية للحياة (مدريد 1913م)، ومن أظهرها دلالة على إيمانه المطلق بمكانة ~~إسبانيا في العالم واقتناعه بدورها المتميز في الحضارة الإنسانية كتابه المشهور عن ~~حياة دون كيشوت وسانخو بانزا (مدريد 1905م). # من أعماله الشعرية ~~«أشعار» (مدريد 1907م)، «باقة أغنيات» (مدريد 1920م)، «تجولات ورؤى إسبانية» ~~(1922م)، «ألحان من الأعماق» (فاللا دوليد 1923م)، «كتاب الأغاني، أو يوميات شعرية» ~~(من 1928 إلى 1936م) وقد نشره في سنة 1953 في بونيس أيرس وعلق عليه فيديريكو دي ~~أونيس، من فوير تفنتورا إلى باريس. # و«يوميات السجن والمنفى» وقد نشر في باريس سنة 1925م. هذا وقد ظهرت أعماله ~~الكاملة سنة 1951م في أربعة عشر جزءا في مدريد. ~~(2) أنطونيو ماتشادو أي رويز # شاعر إسباني. ولد سنة 1875م في إشبيلية ومات سنة 1939م في كولليور بفرنسا. كان ~~أبوه عالما مشهورا في علم المأثورات الشعبية (الفولكلور). انتقل في سنة 1883م إلى ~~مدريد وقضى في سنتي 1899 و1902م فترات متقطعة في باريس حيث درس على يد برجسون، ~~وعمل بعد حصوله على شهادة الدولة في تدريس اللغة الفرنسية في مدينة «زوريا». تزوج ~~في سنة 1909م من ليونورا أزكو يردو كويفاس التي ماتت بعد زواجه منها ثلاث سنوات ~~فأثر موتها عليه تأثيرا عميقا تردد صداه في شعره. اشتغل من سنة 1912 إلى 1919م في ~~مدن مختلفة وانتخب في سنة 1927م عضوا في الأكاديمية الإسبانية. # لم تكد الحرب الأهلية تشتعل في بلاده (1936م) حتى ذهب إلى فالنسيا ليحارب في صفوف ~~الجمهوريين، ثم سار في سنة 1939م على قدمية حتى وصل إلى فرنسا عبر جبال البرانس ~~ولكنه لم يلبث أن مات من الإجهاد بعد وصوله ms415 إلى الحدود بقليل. # من أهم الشعراء الإسبان في القرن العشرين، ويمثل جماعة الأدباء التي سمت نفسها ~~«جيل 1898». يتميز شعره بالبساطة والنبرة العميقة المهموسة، والمضمون الفكري ~~الرفيع، والخلو من النزعة البلاغية والخطابية. من أهم الموضوعات التي يعالجها في ~~شعره: دورة الزمن، عالم الحلم الذي يلجأ إليه فرارا من مرارة الحياة، ذكرى حبه ~~وزواجه الحزين. تأثر بالطبيعة الخشنة في منطقة كاستيلان (قشتالة)، وأصبح شاعرها ~~الأول، كما عبر في شعره عن قلقه على مصير بلاده وألمه لمحنتها. أعجب في أواخر حياته ~~بالشعر الشعبي الأندلسي، وألف بالاشتراك مع شقيقه مانويل بعض المسرحيات التي لا ~~تصل في قيمتها إلى مستوى شعره. من أعماله الشعرية: «ألحان وحيدة» (1903م)، «ألحان وحيدة ~~وصور وقصائد أخرى» (1907م)، «حقول قشتالة» (1912م)، «أغنيات جديدة» (1924م). ~~(3) خوان رامون خيمينيث (1881-1958م) # ولد في مدينة موجير بالأندلس، ومات في سان خوان في بورتوريكو. عاش منذ الحرب ~~الأهلية الإسبانية حتى وفاته في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية وحصل ~~على جائزة نوبل للأدب في سنة 1956م. # يعد من أكبر الشعراء المعاصرين في اللغة الإسبانية الذين حرروا الشعر من ~~النغمة الخطابية والإسراف في الزخرف والوصف اللذين غلبا على أتباع النزعة ~~الرومانتيكية والمذهب الحديث. وصف شعره ابتداء من سنة 1917م «بالشعر الخالص» وجعله ~~تعبيرا عن عواطفه وحدها وبالأخص عاطفة الألم النابع عن إحساس «بتناقضات الحياة ~~التي لا حل لها». وإلى جانب النغمة الشخصية التي تغلب عليه ارتبط جزء كبير من شعره ~~من الناحية الشكلية بالتراث الشعبي وتميز بالتركيز الشديد واستخدام كلمات تحدث ~~بإيقاعاتها وأصواتها تأثيرا موسيقيا، بحيث يرتبط جو القصيدة ولونها ونغمها ~~بفنون أخرى كالموسيقى والرسم الذي مارسه في شبابه، وكلها خصائص أثرت على شعر لوركا ~~الذي يعد تطورا له. # من مؤلفاته العديدة ~~«قصائد الربيع» (1910م)، «مذكرات شاعر تزوج حديثا» (1917م)، «أغنية» (1936م)، ~~ومرثيته النثرية «أنا وبلاتيرو» (1953م) (هي المقطوعات القصصية الغنائية التي ~~نقلها الدكتور لطفي عبد البديع إلى العربية في ترجمة رائعة ظهر في دار المعارف ~~بالقاهرة تحت عنوان «أنا وحماري»). ~~(4) خورخه جين (1893م-؟) # شاعر إسباني. ولد ms416 سنة 1893م في فالادوليد، درس الأدب والفلسفة في مدريد وغرناطة، ~~عاش من سنة 1909 إلى سنة 1911م في سويسرا، وقام بالتدريس في جامعة السوربون من سنة ~~1917 إلى سنة 1923م. حصل على الدكتوراه في سنة 1924م وعين أستاذا للأدب في مورسيا ~~ثم في جامعتي أكسفورد وإشبيلية. عاش منذ سنة 1938م في الولايات المتحدة الأمريكية، ~~وقام منذ سنة 1939م بتدريس اللغة والأدب الإسباني في كلية وليسلي في ماساشوتس. يعيش ~~منذ سنوات في مدينة فلورنسة بإيطاليا. # يعد من رواد الشعر الإسباني المعاصر وأكبرهم أثرا على الجيل الجديد من الشعراء، ~~كما يعد من أكبر الممثلين للشعر الخالص أو الشعر المحض. ظهرت مجموعته الشعرية ~~«أنشودة» التي ضم فيها كل ما كتب من قصائد في حياته في أكثر من طبعة وعلى أكثر من ~~صورة، وأضاف إليها ونقح فيها عدة مرات بحيث احتوت طبعتها الأخيرة على 260 قصيدة ~~قسمها إلى خمسة أقسام. تأثر تأثرا مباشرا بشعر خمينيث ومالارميه وفاليري ويكاد ~~يكون من أشد الشعراء المعاصرين التزاما بالأوزان والبحور التقليدية في الشعر. تعد ~~مجموعة قصائده السابقة الذكر أنشودة كبيرة يمجد فيها الحياة والإنسان. ويلاحظ ~~القارئ لشعره أنه يبدأ دائما من أشياء واقعية محسوسة لا يلبث أن ينقيها ويرتفع ~~بها إلى عالم شاعري غير واقعي. وتذكر له ترجماته عن الشعر الفرنسي وبخاصة عن ~~فاليري وكلوديل وسوبر فييي. # من أعماله الشعرية ~~«أنشودة» (وقد ظهرت في طبعات مختلفة من سنة 1928 حتى 1950م)، «لهب» (1931م)، «متنوعات ~~على موضوعات لجان كاسو» (1951م). ~~(5) فيديريكو جارثيا لوركا (1899-1936م) # ولد في فوينته فاكويروس وقتل على أيدي الفاشيين بالقرب من غرناطة، في أثناء الحرب ~~الأهلية الإسبانية. من أنبل وجوه الأدب الإسباني الحديث الذين ساهموا في تطويره ~~وأثروا على الشعر المعاصر أبلغ تأثير. أسس في سنة 1936م بالاشتراك مع الشاعر ألبرتي ~~وخوزيه برجامين اتحاد المثقفين المناهضين للفاشية، وفي أغسطس من نفس السنة قتله ~~أتباع فرانكو. بدأ لوركا، متأثرا بشعر خيمينيث، في «كتاب الأغاني» (1921م) بقصائد ~~رقيقة حساسة تشكو عذاب الفرد وأشواقه إلى الحب، ثم ما لبث ms417 أن ظهر تأثره العميق ~~بالتراث الشعبي الإسباني وأغاني الغجر وشخصيتهم المعذبة المضطهدة التي تلتهب ~~بالعواطف والأسرار (أغاني الغجر 1928م، أغنية النشيد العميق 1931م) وقد أتاحت له ~~كذلك أن يعبر عن احتجاجه على ظلم القانون والمتجمع لهم. سافر في سنة 1929-1930م في ~~رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتعرف على المجتمع الرأسمالي بكل ما فيه من ~~فساد وآلية وتجرد عن الإنسانية، وعبر عن احتجاجه عليه في ديوانه «شاعر في نيويورك» ~~(1940م). أسندت إليه بعد تأسيس الجمهورية الإسبانية إدارة فرقة مسرحية كتب لها بعض ~~مسرحياته التي أحدثت ثورة في المسرح الإسباني (عرس الدم، يرما، بيت برنارد ألبا) ~~وكلها تصور في نغمة حادة ملتهبة كيف تقف التقاليد البالية عقبة في طريق المحبين، ~~وكيف تخنق شخصية الإنسان وتوقف نموها. واهتمام لوركا في هذه المسرحيات بمشكلات الحب ~~وأقدار النساء بوجه خاص وتصويره لها من الناحية الأخلاقية المثالية دون النواحي ~~السياسية أو الاقتصادية لا يقلل من شأنه كشاعر ثوري كبير أضاف إلى الأدب ~~الإسباني والعالمي كنزا من أغلى الكنوز التي يعتز بها القرن العشرون، ويستنكر من ~~أجله الجريمة البشعة التي أودت بشبابه. ~~(6) بيدرو ساليناس (1892-1951م) # كاتب ودارس وشاعر إسباني. ولد في مدريد ومات في بوسطون بالولايات المتحدة ~~الأمريكية. درس الحقوق والأدب والفلسفة في مدريد، وقام بتدريس اللغة والأدب ~~الإسباني في السوربون من سنة 1914 إلى سنة 1917م. أصبح أستاذا للأدب الإسباني في ~~جامعة إشبيلية، ثم في مورسيا وكامبريدج. قام برحلات في أوروبا وأمريكا وشمال ~~أفريقيا وعاش من سنة 1936م في الولايات المتحدة الأمريكية، كما قام بالتدريس في ~~بويرتو ريكو وبالتيمور. # من أكبر الشعراء والنقاد وكتاب المسرح في الأدب الإسباني المعاصر، تتميز أعماله ~~المختلفة بوحدة موضوعاتها وأساليب التعبير الفني فيها. بدأ يكتب قصائده ذات الخبرة ~~الباطنة العميقة (نبوءات)، ثم مر بمرحلة من الشعر المجرد من النزعة البشرية، فكتب ~~قصائد عن منجزات التكنيك الحديث (كالتليفون والآلة الكاتبة وأجهزة التسخين ... إلخ). ~~كما كتب قصائد عاطفية يصور فيها الأحباب وقد ارتفعوا من عالم الواقع إلى عالم ~~شاعري ومثالي رفيع. كتب قصائد ms418 كثيرة تحت تأثير الهجرة والحرب العالمية الثانية، ~~عاد بعدها إلى أسلوبه الأول. # من أعماله الشعرية ~~«نبوات» (1923م)، «صدفة مؤكدة» (1929م)، «حكاية وعلامة» (1931م)، «حب هباء» (1931م)، «صوتك» ~~(1934م)، «سبب الحب» (1936م)، «خطأ في الحساب» (1938م)، مجموعة أشعاره (1942م). ~~(7) ثيثيليا ميريليس # من أبرز الشعراء المعاصرين في البرتغال. ولدت في ريو دي جانيرو سنة 1901م، بدأت ~~حياتها الأدبية متأثرة بالمدرسة الرمزية ولكنها سرعان ما تخلصت من تأثيرها ~~وارتبطت بالتراث الأدبي في بلادها، وبرزت ملامحها الفردية الواضحة. ألفت عددا لا ~~بأس به من المجموعات الشعرية، وكتبت في فنون أدبية أخرى غير الشعر. وتذكر لها ~~دراساتها في الفلكلور ومشكلات التربية، كما تعد من الثقات في أدب الأطفال. قامت ~~برحلات عديدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا حيث حاضرت عن الأدب ~~البرازيلي المعاصر. ~~(8) رافائيل ألبرتي (1902م-؟) # ولد في بويرتو دي سانتا ماريا بإسبانيا. بدأ حياته الأدبية في سنة 1925م بمجموعة ~~قصائد بعنوان (ملاح على اليابسة) يعبر فيها عن وحدة الفرد وعذابه بمتناقضات الحياة ~~والمجتمع، ويجمع بين مهارة الرواد (من أمثال خيمينيث) وبساطة الألحان والموضوعات ~~التقليدية، وأصالة العاطفة الذاتية التي لا شك فيها. وقد فاز عن هذا الديوان ~~بالجائزة الأهلية للأدب، وأصبح شاعرا مرموقا وهو في سن الثالثة والعشرين. ورحب ~~خيمينيث بالديوان ووجد فيه تعبيرا عن «صوت ~~جديد وأندلسي جدا»، كما حيا النقاد هذا الشعر الجديد الذي يتميز بتفرده وتجديده ~~ودقة أسلوبه وبهجة موضوعاته وتمكن صاحبه من الشكل وتحرره في استخدام الصور والكلمات ~~وقدرته على استغلال الأوزان الشعبية. وبعد مجموعتين أخريين (عن الملائكة، جير ~~وأغنية)، اتجه ألبرتي إلى الموضوعات الاجتماعية، تحت وطأة الشعور بالصراع الطبقي ~~وكفاح العمال في بلاده، (كما في قصيدته عن حياة وموت الثائر فيرمين جالان في سنة ~~1931م) حارب في صفوف الجمهوريين، وشارك مشاركة فعالة في مقاومة الفاشية في بلاده، ~~وكتب في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939م) مجموعة من القصائد الثورية ~~التي ذاع بعضها على لسان الشعب. اشترك مع لوركا وخوزيه برجامين في تأسيس اتحاد ~~المثقفين المناهضين للفاشية (1936م). قضى معظم سنوات حياته ms419 في المنفى بالأرجنتين، ~~وقام برحلات إلى الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية، وكان من أول الشعراء الذين رحبوا ~~بثورة كوبا. # يعيش الآن في روما ويشارك في حركة السلام العالمية. # من أهم أعماله الشعرية ~~«ملاح على اليابسة» (مدريد، 1924م)، «الحبيبية، أغنيات» (ملقه، 1926م)، «عن ~~الملائكة» (1927-1928م، مدريد)، «الشاعر على الطريق» (1931-1936م)، قصيدة «البحر ~~الكاريبي» (مدريد، 1936م)، «عاصمة المجد» (1936-1938م، مدريد)، «آه! الثيران» ~~(بونيس أيرس، 1941م)، «الأشعار الكاملة» (بونيس أيرس، 1961م)، «من قال إننا كنا ~~أمواتا؟ قصائد الحرب والمنفى» (باريس، 1964م). ~~(9) أويخنيو فلوريت # ولد في مدريد سنة 1903م من أم كوبية وأب إسباني. انتقل في سن الخامسة عشرة مع ~~عائلته إلى كوبا حيث بقي هناك حتى سنة 1940م. اشتغل بعد تخرجه في جامعة هافانا في ~~وزارة الخارجية ثم عمل في القنصلية الكوبية في الولايات المتحدة الأمريكية، انضم ~~بعد ذلك بخمس سنوات إلى كلية برنارد التابعة لجامعة كولومبيا لتدريس الأدب الإسباني ~~فيها. # من أعماله الشعرية # 22 قصيدة قصيرة (1927م)، «مناطق حارة» (1930م)، «نبرة مزدوجة» (1937م)، «مملكة» (1938م)، ~~بالإضافة إلى مجموعتين من قصائده ظهرتا في سنة 1956م بعنوان «قصائدي ومنتخبات ~~شعرية». ~~(10) دييجو ثندويا (خيراردو) # شاعر إسباني. ولد في سنة 1896م في سامنتاندر، درس الأدب والفلسفة في سالامانكا ~~ومدريد، ثم اشتغل بالتدريس في عدة مدن إسبانية، قام برحلات عديدة إلى فرنسا ~~والبرتغال وأمريكا الجنوبية، وحصل في سنة 1925م على جائزة الدولة في الأدب ~~(بالاشتراك مع رافائيل ألبرتي) عن ديوانه «أشعار إنسانية». عضو في الأكاديمية ~~الإسبانية منذ سنة 1947م، وموسيقي مرموق. يعيش الآن في مدريد. # يعد من أهم ممثلي الشعر الإسباني المعاصر. تأثر في بداية حياته الأدبية بتيارات ~~عديدة وبالشاعرين ماتشادو وخيمينيث ومر بمرحلة جرب فيها ما يسمى بالشعر الخالص من ~~النزعات البشرية (راجع الدراسة) حتى وجد طريقه ونفسه أخيرا في شعر رفاف منغم ~~صادق النبرة، نابض بالحرارة والإنسانية. وتذكر له سوناتة ألفها بعنوان «طائر ~~الحقيقة» ويعدها النقاد من معالم الشعر المعاصر في إسبانيا، كما تذكر له مجموعة ~~منتخبة من الشعر الإسباني الحديث تعد من أهم المجموعات المعبرة ms420 عن تطور هذا ~~الشعر في القرن العشرين. # من أعماله الشعرية ~~«صور» (1922م)، «زوريا» (1923م)، «قصائد إنسانية» (1925م)، «حكاية أكويس وزيدا» (1932م)، ~~«قصائد مختارة» (1932م)، «طائر الحقيقة» (سوناتة) (1941م)، «خياليات» (1941م)، «المفاجأة» ~~(1944م)، «القمر في الصحراء وقصائد أخرى» (1949م)، «حب وحيد» (1958م). ~~(11) لويس ثرنودا (1902-1963م) # ولد سنة 1902م في إشبيلية، ودرس الحقوق في جامعتها واستمع فيها إلى محاضرات ~~الشاعر بيدرو ساليناس في تاريخ الأدب الإسباني. أنهى دراسته سنة 1928، ولكنه رفض ~~الاشتغال بالمحاماة وسافر إلى فرنسا حيث قام بالتدريس في جامعة تولوز، وزار باريس. ~~رجع إلى وطنه بعد عام واحد وأقام في مدريد واشتغل بالتدريس والنقد الأدبي حتى سنة ~~1938م. ساهم في أثناء الحرب الأهلية بالكتابة في مجلة «لحظة إسبانيا» الناطقة بلسان ~~الشعراء والمثقفين أعداء الفاشية. وسافر إلى إنجلترا حيث عمل في جامعة جلاسجو ~~(1939-1943م) ثم في جامعة كامبريدج (1943-1945م) أستاذا للأدب الإسباني، وتولى بعد ~~ذلك الإشراف على المعهد الإسباني في لندن. غادر إنجلترا سنة 1947م واشتغل بالتدريس ~~في كلية مونت هوليواك بولاية ماساشوسيتس بالولايات المتحدة الأمريكية. هاجر في سنة ~~1953م إلى المكسيك وظل يعيش هناك إلى أن مات في سنة 1963م. # ولم يكن ثرنودا شاعرا بارزا فحسب، بل كان كذلك من أكبر المترجمين، وتذكر له ~~ترجماته العديدة لأشعار هولدرلين ومسرحيات شيكسبير. # من أعماله الشعرية ~~«أشعار أولى» (1924-1927م)، شعر، «حب» (1929م)، «اللذات المحرمة» (1931م)، «توسلات» ~~(1934-1935م)، «الدعوة للشعر» (مدريد 1933م)، «حيث يعيش النسيان» (1932-1933م)، ~~«الواقع والرغبة» (1936م مدريد، وصدرت منه بعد ذلك طبعة مزيدة في المكسيك سنة ~~1940م، وطبعة ثالثة في مدريد سنة 1958م)، «كمن ينتظر الفجر» (1941-1944م، وصدر في ~~بونيس أيرس سنة 1949م). # هذا إلى جانب دراساته عن الشعر الإسباني المعاصر وتأملاته في الشعر ~~الإنجليزي، وقصصه وأبحاثه الأدبية. ~~(12) أليخاندره، فيثنته أي ميرلو (1900م-؟) # ولد سنة 1900م بمدينة إشبيلية، وقضى سنوات طفولته وصباه في مالاجا (ملقا)، درس ~~القانون والحقوق في مدريد والتحق بالمدرسة التجارية العليا. اضطر فترة طويلة من ~~حياته إلى كسب قوته من العمل في إحدى الشركات الصناعية، كما اضطره المرض ms421 إلى حياة ~~الوحدة والانعزال. رفض كغيره من الشعراء الإسبان أن يشتغل بمهنة المحاماة التقليدية ~~التي كانت قد ابتذلت في الأعوام السابقة للحرب الأهلية؛ ولذلك تخلى عنها ووهب ~~حياته للشعر. ظهرت أولى قصائده في «مجلة الغرب» التي كان يصدرها الفيلسوف الإسباني ~~المشهور أورتيجا أي جاسيت سنة 1926م، ونال جائزة الأدب الأهلية في سنة 1933م. بقي ~~على إخلاصه للجمهوريين على الرغم من أنه لم يغادر وطنه في أعقاب الحرب الأهلية كما ~~فعل معظم زملائه. جمعت الصداقة الحميمة بينه وبين ثرنودا ولوركا، الذي كرم ذكراه ~~بعد مصرعه على يد الفاشيين. انتخب في سنة 1950م عضوا بالأكاديمية الإسبانية، ويعيش ~~الآن في مدريد. # من أعماله الشعرية ~~«طموح» (مدريد 1928م)، «سيوف كالشفاه» (مدريد 1932م)، «عاطفة الأرض» (المكسيك ~~1935م)، «الدمار أو الحب» (1932-1933م، مدريد)، «ظلال الفردوس» (1929-1942م)، ~~«الميلاد الأخير» (1927-1952م، مدريد)، «تاريخ القلب» (1945-1953م، مدريد)، «الأشعار ~~الكاملة» (مدريد، 1960م)، «في منطقة شاسعة» (مدريد، 1962م). ~~(13) بابلو نيرودا (1904-1973م) # اسمه الحقيقي هو نيفتالي ريكاردو ريس. ولد في تيمو كو في شيلي، وكان أبوه عاملا ~~بالسكك الحديدية. بدأ كتابة الشعر في سنة 1920 تحت تأثير النزعة الحديثة ~~(المودرنيزم) ثم السيريالية، وتميز إنتاجه في هذه المرحلة بالغموض والتشاؤم ~~والاهتمام بإبراز أوجه القبح والتناقض في رؤيته للعالم. # التحق في سنة 1927م بالسلك القنصلي وعمل من سنة 1934م إلى سنة 1938م في مدريد، ~~وعاصر كفاح الشعب الإسباني ومقاومته لحكم فرانكو الفاشي، وكانت هذه التجربة نقطة ~~تحول في حياته وشعره (إسبانيا في القلب، 1938م). تضامن مع الشعب الإسباني في كفاحه ~~في سبيل الديمقراطية والحرية، وانضم إلى الحزب الشيوعي في بلاده وأصبح في سنة 1945م ~~عضوا في برلمان شيلي. غلبت النغمة السياسية والاجتماعية على شعره حتى أصبح أكبر ~~الشعراء المعبرين عن حركة التحرر الوطني في أمريكا اللاتينية وبخاصة في قصيدته ~~الكبرى «النشيد العظيم، 1950م» التي خرج فيها عن أسلوبه القديم وارتبط بتراث ~~الأغاني والأناشيد الوطنية في أدب أمريكا اللاتينية التي أصبح من أهم ممثليها ~~والناطقين بثورتها الوطنية والاجتماعية في العالم كله. # مات سنة 1973م على ms422 أثر الانقلاب الرجعي الذي أطاح بحكومة سلفاتور اللندي ~~الاشتراكية. # من أعماله ~~«عشرون قصيدة حب وأغنية يأس» (1924م)، «إقامة على الأرض» (1931-1947م)، «أناشيد أولية» ~~(1954-1957م)، «العنب والريح» (1955م). ~~(14) أمبرتو سابا (1883-1957م) # شاعر إيطالي ينحدر من أصل يهودي. تعلم مهنة التجارة وفتح في مدينة تريستا ~~محلا صغيرا لبيع العاديات والآثار القديمة، كان ملتقى الكتاب والفنانين. ساهم في ~~شبابه في تحرير عدد كبير من الصحف والمجلات الأدبية. أقام في أثناء الحرب العالمية ~~الثانية في باريس وروما، ثم رجع بعد انتهاء الحرب إلى تريستا، وحصل على درجة ~~الدكتوراة الشرفية من جامعة روما. # يعد شاعر الوحدة المريرة في الأدب الإيطالي المعاصر، ويتميز شعره بالكآبة ~~والتشاؤم العميق، كما يتميز بالتفتح لمؤثرات عديدة، والمحافظة على التراث ~~والتقاليد الشعرية في لغته. لا يكاد يشبهه أحد في رقته وحساسيته التي تقربه من ~~شعر باسكولي. كان أيضا من كتاب القصة. # من أعماله الشعرية ~~«بعيني» (1912م)، «أشياء خفيفة وهائمة» (1920م)، «الأغنيات» (1921م)، «صور وأغان» (1928م)، ~~«تأليفات ثلاث» (1933م)، «كلمات» (1935م)، «أشياء أخيرة» (1944م)، «البحر الأبيض» ~~(1946م). ~~(15) جوسيبي أنجارتي (1888-1970م) # ولد بالإسكندرية، ومات في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من سنة ~~1970م. درس في باريس، ثم عاد إلى إيطاليا في سنة 1914م حيث اشترك في الحرب العالمية ~~الأولى واشتغل بعدها بالصحافة. عمل أستاذا للأدب الإيطالي في مدينة ساو باولو ~~بالبرازيل، ثم في روما. نشأ شعر أنجارتي في أثناء الحرب وبتأثير كوارثها على نفوس ~~الأفراد والشعوب. ويعد نقطة تحول في الشعر الإيطالي بوجه عام، وإيذانا ببدء ~~مرحلة جديدة تتخلى عن الخطابية الزاعقة عند شاعر مثل «دانو ننزيو» الذي راح يمجد ~~البطولة والقوة ويملأ شعره بالصور الصارخة ويتغنى بالأساطير الغابرة. جاء شعر ~~أنجارتي بنغمة جديدة هامسة لا تكاد تجد أذنا تسمعها في بلاده، فهو بجمله القصيرة ~~المتقطعة، وتخليه عن الأشكال والأوزان القديمة، وعكوفه في معبد الروح المتأملة في ~~أسرار الكون بعيدا عن الأساطير والبطولات الأساليب البلاغية التي تبهر الشعب؛ يشبه ~~راهبا فرانسيسكانيا كرس حياته للتعبير عن معجزة الوجود وعذابه. # وقد أثار شعر أنجارتي ms423 في البداية موجة من الغضب والسخط، وأسست مجلات أدبية ~~لمهاجمته، واتهمه النقاد بالغموض بل ونصبوه زعيما لمدرسة الغموض والإلغاز # ermetismo # التي كانت رد فعل لرومانتيكية القرن ~~التاسع عشر وكل مساوئه في السياسة والفلسفة والإغراق في النغمة الخطابية والبلاغية! ~~فشعراء الغموض، وعلى رأسهم أتجارتي، يبحثون عن جوهر الشعر نفسه، بالنغمة الهامسة ~~الهادئة، واللغة المركزة الكثيفة، والصور والإشارات والاستعارات الغريبة ~~المتنافرة، والنبرة المحايدة الأمينة التي تبرز ألم الفرد بعيدا عن النغمة الذاتية ~~والعاطفية، وسحر اللغة الصافية التي تذيب كل مضمون وتخفي كل موضوع، وتترك القارئ في ~~ذهول وحيرة قد تصل إلى حد اليأس! # هذا وقد تأثر أنجارتي بشعر مالارميه، وأبوللينير، وفاليري، وسان-جون بيرس (الذي ~~ترجمة إلى الإيطالية) وبالشاعر الإسباني القديم جونجورا. ومن أهم المجموعات التي ~~أصدرها أنجارتي: «البهجة» (1931م)، و«عاطفة الزمن» (1933م)، و«الألم» (1947م)، و«الأرض ~~الموعودة» (1950م)، وقد نقلت الشاعرة إنجبورج باخمان معظم أشعاره إلى الألمانية ~~(راجع مقالا عنه لكاتب السطور في مجلة الفكر المعاصر، ديسمبر 1968م). ~~(16) سلفاتور كوازيمودو (1901م-؟) # ولد في سيراقوزة، وهي ميناء يقع شرقي جزيرة صقلية، ويعد الشاعر الإيطالي تاسو ~~(1544-1595م) مثله الأعلى، والمعروف أنه كان شاعرا غريب الأطوار، هام على وجهه في ~~أواخر حياته وانتهى إلى الجنون. ولد كوازيمودو لأب كان يعمل موظفا في السكك ~~الحديدية. وقضى طفولته بين مدينتي باليرمو ومسينا في صقلية، ودرس الهندسة وفقه ~~اللغة في روما، وتقلب في وظائف عديدة، واشتغل فترة من حياته بالنقد المسرحي، ~~وعمل ابتداء من سنة 1939م رئيسا لتحرير مجلة «الزمن» ويعيش الآن في مدينة ميلانو، ~~حصل على جائزة نوبل في الآداب سنة 1959م. # سجل كوازيمودو في شعره ذكريات طفولته في صقلية، وعبر عن جمالها الطبيعي وتراثها ~~التاريخي، وتأثر بألحان الجنوب بكل ما فيها من غرابة وانسجام. وهو ينتمي إلى مدرسة ~~الغموض في الشعر الإيطالي (الهيرميتزم) التي تهتم بسحر الكلمة والنغم وإيراد الصور ~~والاستعارات غير المألوفة، دون اعتبار للمضمون أو حرص على المعنى الذي يستعصي على ~~الفهم في أغلب الأحيان. ومن مجموعاته الشعرية في هذه المرحلة: «مياه وأراض» (1930م)، ~~و«روائح ms424 الأويكاليبتوس» (1933م)، و«قصائد» (1938م)، و«سرعان ما جاء المساء» (1942م). وقد ~~اتجه كوازيمودو بعد الحرب اتجاها جديدا في شعره يمكن أن نسميه بالشعر الاجتماعي، ~~حاول فيه أن يخرج عن عزلته الذاتية ويتحدث إلى الناس في شكل أكثر بساطة، وقد تعرض ~~لهذا في مقاله الذي كتبه عن الشعر في سنة 1950م. وهكذا خرجت مجموعاته الجديدة: ~~«يوما بعد يوم» (1947م)، و«الحياة ليست حلما» (1949م)، و«الأخضر الكاذب والأخضر الصحيح» ~~(1956م)، و«البلد الذي لا نظير له» (1958م). # وقد ترجم كوازيمودو بعض أعمال شيكسبير وبابلو نيرودا إلى الإيطالية، كما ترجم ~~كثيرا عن الأدب اليوناني والقديم. ~~(17) بول فاليري (1871-1945م) # يعد قمة من أعلى وأعقد القمم في الشعر «العقلي» أو الشعر «المحض» في القرن ~~العشرين. ولد في سيت، وكانت أمه إيطالية. أقامت أسرته في سنه 1884م في مدينة ~~مونبلييه، درس الحقوق وقرأ مالارميه وتحمس للكاتب الروائي الرمزي «هيزمان» عرض عليه ~~بيير لويس، وكان إذ ذاك أديبا شابا، في سنة 1890م أبياتا مكتوبة بخط اليد من ~~قصيدة مالارميه المشهورة «هيرودياد» فأرسل إلى مالارميه في العشرين من أكتوبر من ~~تلك السنة خطابا يفيض بالإعجاب والحب، ثم التقى بأندريه جيد، واتجه إلى باريس في ~~سنة 1891م حيث تتلمذ على مالارميه وظل وفيا له إلى يوم مماته (1898م). أصابته في ~~إحدى الليالي الممطرة العاصفة في مدينة جنوا أزمة نفسية شديدة، كان لها أثرها ~~الحاسم على حياته. عمل موظفا في وزارة العدل تم سكرتيرا لمدير وكالة أنباء ~~«هافا». انقطع عن النشر في سنة 1896م وظل ملازما للصمت - على الأقل من الناحية ~~العامة - حتى سنة 1917م حين نشر قصيدته الطويلة «آلهة القدر الشابة» التي كتبت له ~~المجد بين يوم وليلة. # اتصل بعد الحرب الأولى بشعراء الحركة السيريالية، وانهالت عليه ألوان التكريم ~~الشعبي والرسمي ابتداء من سنة 1927م، فانتخب عضوا بالأكاديمية الفرنسية وشغل منصب ~~الأستاذية لكرسي فن الشعر في المعهد العريق «الكولليج دي فرانس»، من سنة 1938 إلى ~~1945م أي السنة التي مات فيها وشيعت جنازته باحتفال رسمي وشعبي مهيب. # من أعماله الشعرية ~~«آلهة القدر ms425 الشابة» (1917م)، «المقبرة البحرية» (1920م)، «فتون» (1922م). إلى جانب ~~أعماله النثرية العديدة مثل: «المدخل إلى منهج ليوناردو دافنشي» (1895م)، «أمسية مع ~~المسيو تست» (1896م) (وقد زاده ونقحه في كتابه المسيو تست 1927م)، «ألوان» (في ~~خمسة أجزاء ظهرت من 1924 إلى 1944م)، «فاوست كما أراه» (1946م)، ورسائل عديدة نشرت ~~بعد موته. ~~(18) ماكس جاكوب (1876-1944م) # ولد في كويمبير في مقاطعة بريتاني، وذهب إلى باريس حيث راح يرسم ويكتب. اتصل ~~ببيكاسو وأبوللينير وكوكتو، كما انضم بعد الحرب إلى جماعة السرياليين وعلى رأسهم ~~بريتون. # أعلن إيمانه بالمسيحية ودخوله فيها في اليوم السابع من أكتوبر سنة 1905م (ويروي ~~عن نفسه أن السيد المسيح تجلى له في ثوب أصفر على جدار غرفته). انتقل في سنة ~~1921 إلى سان-بنوا-سير-لوار المشهورة بدير البندكتيين. غير أنه لم يطل الإقامة بها، ~~فسافر عدة سنوات في رحلات مختلفة حتى رجع أخيرا إلى باريس. # عاد للإقامة في سان-بنوا-سير-لوار حيث عكف على تأملاته وكتابة قصائده ~~الصوفية. # ألقى الألمان القبض عليه في سنة 1944م ومات في نفس السنة في معسكر الاعتقال في ~~درانسي. # من مجموعاته الشعرية ~~«المعمل الرئيسي» (1920م)، «التائبون في الرداء الوردي» (1925م)، و«قصائد مورفان ~~لي جايليك» (1953م). ~~(19) جيوم أبوللينير (1880-1918م) # اسمه الحقيقي هوجيوم أبوللينير كوستروفتسكي، ولد في روما كابن غير شرعي من أم ~~بولندية وأب إيطالي، واعترفت الأم وحدها به. # دخل المدرسة الثانوية في موناكو وكان، ثم جاء إلى باريس وعمره ثمانية عشر عاما ~~حيث عاش حياة مضطربة. عمل في سنة 1901 مدرسا في منطقة الراين. واتصل بمجموعة من ~~الرسامين والشعراء من أمثال بيكاسو وبراك وروسو وماكس جاكوب، وشارك بدور فعال في ~~تجارب أقطاب الفن الحديث، كالتكعيبيين (الذين ألف عنهم كتابا بعنوان رسامو ~~التكعيبية 1913م) والمستقبليين، كما نشر مجموعة من قصائده ومقالاته النقدية في عدد ~~من مجلات الطليعة. تطوع في الحرب العالمية الأولى، وكتب من الميدان رسائل حب إلى ~~«لو» ثم إلى «مادلين» تؤلف جانبا هاما من إنتاجه الشعري، جرح في اليوم السابع ~~عشر من شهر مارس 1916م جرحا خطيرا في رأسه ms426 وأجريت له عملية «تربنة»، مات قبل ~~إعلان الهدنة بيومين، وبعد زواجه من جاكلين كولب بزمن قصير، متأثرا بجرحه القديم ~~وبالأنفلونزا الإسبانية. ظهر مقاله المشهور «الروح الجديدة والشعراء» في سنة 1918م ~~في مجلة «مر كير دي فرانس» وكان له أثر كبير على الشعر الحديث. من أهم مجموعاته ~~الشعرية: ~~«الكحولات» (خمريات، 1913م)، «كالليجرام» (خطوط) (1918م)، و«يوجد» (1925م)، و«قصائد إلى ~~لو» (1955م)، ويحتوي بعضها على قصائد تدين الحرب والتقاليد الروحية والأخلاقية ~~السائدة في المجتمع. # يعد رائدا للشعر الحديث في فرنسا، كما يعتبره السيرياليون ممهدا لمدرستهم ~~الأدبية. ~~(20) جول سوبرفييي (1884-1960م) # ولد في مونتيفيد عاصمة أوروجواي. عرف اليتم في سن مبكرة، وراح يتنقل من قارة إلى ~~قارة. دخل المدرسة الثانوية في باريس، وحصل في سنة 1906م على درجة الليسانس في ~~الأدب الإسباني. اتصل في سنة 1919م بأندريه جيد وبول فاليري وجماعة الأدباء في ~~«المجلة الفرنسية الجديدة» والتقى بالشاعر الألماني رلكه الذي كتب إليه آخر رسائله. ~~سافر في سنة 1936م في صحبة هنري ميشو إلى أوروجواي، وعندما نشبت الحرب في سنة 1939م ~~رجع مرة أخرى إلى هناك، ولم يعد إلى فرنسا إلا بعد انتهاء الحرب. # شارك في تحرير مجلة «فرنسا الحرة» ونشر مجموعة قصائده «قصائد فرنسا التعيسة» في ~~سويسرا والأرجنتين. # عمل بعد الحرب ملحقا ثقافيا في سفارة أوروجواي في باريس، وتلقى منذ سنة 1946م ~~حتى وفاته عددا كبيرا من الجوائز الأدبية من فرنسا وغيرها من البلاد. # دفن في أولورون-سانت-ماري. من أعماله: «جاذبيات» (1925م)، «الأصدقاء المجهولون» ~~(1934م)، «خرافة العالم» (1938م)، إلى جانب عدد كبير من القصص والمسرحيات. ~~(21) سان-جون بيرس (1887م-؟) # من أعظم الشعراء المثقفين الذين تغنوا بالطبيعة الخالدة وقدموا إلى معبدها أغلى ~~وأطهر قرابين الحب والإجلال والوفاء، وأشادوا بعظمة الإنسان وتاريخه المجيد في كل ~~الأزمان وعند كل الشعوب، وراحوا - بصوت الأنبياء والملهمين القدماء - ينشدون جمال ~~الأشياء الخالدة أمام عالم محطم خال من النعمة والقداسة، في أسلوب شديد ~~الإحكام والكثافة والتعقيد. # اسمه الحقيقي هو ألكسيس ليجير. ولد في «جواد يلوب» إحدى جزر الأرخبيل الفرنسية ~~(وهي الجزر الواقعة بين ms427 أمريكا الشمالية والجنوبية) وقضى طفولته وصباه الباكر بين ~~الغابات والنباتات الاستوائية، وتوثقت صلته بالبحر حيث عاش على جزيرة صغيرة كان ~~يملكها أبواه (وهي جزيرة سان ليجير لوفيي). # اضطرت أسرته تحت وطأة أزمة اقتصادية مدمرة إلى التخلي عن الجزيرة والعودة إلى ~~فرنسا، وكان عمره إذ ذاك أحد عشر عاما. دخل المدرسة الثانوية في «باو» ثم التحق ~~بجامعة «بوردو» لدراسة الحقوق، وأتاحت له الجامعة كذلك أن يشبع رغبته في الإلمام ~~بالفلسفة اليونانية وعلم النفس المرضي. التحق قبل اشتعال الحرب العالمية الأولى ~~بقليل بالسلك الدبلوماسي الفرنسي، وظل يعمل فيه من سنة 1914م حتى سنة 1940م. # أرسل في سنة 1916م إلى بكين، كما اشترك بصفته خبيرا سياسيا في المؤتمر الدولي ~~الذي عقد سنة 1921م في واشنطون. وربما كانت خدمته الطويلة في السلك الدبلوماسي ~~الفرنسي سببا في امتناعه أو تحرجه من نشر إنتاجه، حتى إن القصيدة الوحيدة التي ~~نشرت له في تلك الفترة، وهي قصيدة «أنا باز»، نشرها أصدقاؤه سنة 1924م تحت اسمه ~~المستعار الذي عرف به وبغير رغبته، ثم احتجب بعد ذلك عن الناس حوالي عشرين عاما. ~~أعفي في سنة 1940م من منصبه بوزارة الخارجية بناء على طلبه، وغادر فرنسا في ~~16 يونيو إلى إنجلترا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فلم يعد إلى بلاده إلا ~~في سنة 1959م. جردته حكومة فيشي - وهي الحكومة التي قامت في ظل الاحتلال الألماني - ~~من الجنسية، وصادر الجستابو أملاكه في فرنسا، وكان من بينها أعمال كثيرة لم يسبق ~~نشرها. سعى له أصدقاؤه للحصول على وظيفة مستشار بمكتبة الكونجرس في واشنطون. أعيدت ~~له حقوقه بعد تحرير بلاده، وحصل على جائزة نوبل للآداب في سنة 1960م، وهو يقضي ~~حياته منذ بضع سنوات ما بين أمريكا وجنوب فرنسا. # من أعماله الشعرية ~~«مدائح» (1911م)، «أنا باز» (1924م)، «منفى، تتلوها قصيدة للغريب، أمطار، سحب» (1945م)، ~~«رياح» (1946م)، «كرونيك» (1960م). ومما يجدر بالذكر أن الشاعر الإنجليزي الأشهر توماس ~~إليوت قد ترجم ديوانه «أنا باز» إلى الإنجليزية، وفي هذا شهادة أخرى على وحدة ~~الشعر والشعراء المحدثين. ms428 # لا أعلم إن كان قد ترجم شيء من إنتاجه إلى العربية، ولكني أحب أن أنبه ~~القارئ إلى المقال القيم الذي كتبه عنه الدكتور أنور لوقا بعنوان «دنيا سان ~~جون بيرس» وظهر في مجلة «المجلة»، العدد 65، يونيو (حزيران) 1962م. ~~(22) بول إلوار (1895-1952م) # ولد في سان-دنيس؛ إحدى ضواحي باريس. كان أبوه موظفا في مكتبة، وكانت أمه خياطة. ~~اشترك في الحرب العالمية الأولى من سنة 1915م إلى سنة 1918م وأصيب بتسمم خطير من ~~الغازات السامة. صدر له كتاب «الواجب والقلق» في سنة 1917م وعبر عن كراهيته للحرب ~~وجمود المجتمع البرجوازي في «قصائد للسلام» (1918م)، وانضم بعد نهاية الحرب إلى ~~جماعة الداديين والسيرياليين وشارك في حركتهما الأدبية مشاركة فعالة. كتب في هذه ~~المرحلة مجموعة من القصائد (الموت من عدم الموت 1924م) التي تحمل سخطه على الظلم ~~الاجتماعي وعدم الاكتراث بالشقاء الإنساني. سافر في سنة 1924م في رحلة إلى شرق ~~آسيا. أصدر مجموعة من الأشعار تتضمن أجمل قصائد الحب التي كتبها: «عاصمة الألم» ~~(1926م) و«الحب، الشعر» (1929م)، واشترك في المؤتمر الدولي الثاني للكتاب الثوريين ~~(1930م) في خاركوف، ووصل إلى ذروة إنتاجه في كتاب «الحياة المباشرة» (1932م) الذي ~~يحتوي على بحثه الهام «نقد الشعر». # انتقل تحت تأثير الحرب الأهلية الإسبانية من التمرد الفردي إلى الإيمان بضرورة ~~الكفاح المشترك (نوفمبر 1936م، انتصار جويرنيكا، درس طبيعي) وقطع صلته نهائيا ~~بالسيرياليين في سنة 1938م. اشترك في الحرب العالمية الثانية (من سنة 1939م إلى سنة ~~1940م) التي عبر عن احتجاجه عليها في «الكتاب المفتوح 1940م، 1942م» كما اشترك في ~~حركة المقاومة السرية للاحتلال الألماني لبلاده. انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في ~~سنة 1942 وظل عضوا فيه حتى وفاته في سنة 1952م. أثرت قصائده التي كتبها في ظل ~~الاحتلال على الشعب الفرنسي وأثبتت أن الشعر يستطيع أن يكون من أهم أسلحة التحرير، ~~وبخاصة قصيدته المشهورة «الحرية» (وقد نشرت في مجموعته الشعر والحقيقة 1942م) وسبع ~~قصائد حب في الحرب (1943م) وموعد مع الألمان (1947م). اشترك بعد الحرب في حركة ~~السلام العالمية (وجه ms429 السلام، 1951م). وعلى الرغم من صعوبة شعر إلوار وشدة تركيزه ~~إلا أنه يعبر عن تعاطف وحب غير محدود للبشر، وحرص على سلامهم وسعادتهم التي كافح ~~طوال حياته في سبيلها. ~~(23) أندريه بريتون (1896-1967م) # ولد في سنة 1896م في قرية تينشبري «بمقاطعة أورن». ظل من سنة 1921 إلى سنة 1926م ~~على صلة وثيقة ببول فاليري. # بدأ دراسة الطب ولكنه قطعها بسبب الحرب. اكتشف فرويد، والتقى بجاك فاشيه الذي ~~سماه «السخرية في شخص إنسان» في نانت سنة 1916م. # اتصل بالشاعر أبوللينير، وشارك مع زميليه أراجون وسوبو بدور فعال في الحركة ~~الأدبية المعروفة «بالدادية». # أسس سنة 1924م في باريس «مكتبا للأبحاث السيريالية»، كان يصدر دورية باسم ~~«الثورة السيريالية». قام برحلات عديدة إلى جزر كاناريا والمكسيك (حيث التقى ~~بالزعيم الشيوعي تروتسكي)، ولندن وبراغ... إلخ مرافقا لمعارض الفن ~~السيريالية. # هاجر في سنة 1941م إلى أمريكا وبقي هناك حتى سنة 1946م. من أعماله: «المجالات ~~المغنطيسية» (1920م)، «بيان السيريالية» (المانيفستو المشهور) (1924م)، «نادية» (1928م)، ~~«البيان الثاني للسيريالية» (1930م)، «الحب المجنون» (1937م)، «أركان 17» (1945م)، «قصائد» ~~(1948م)، «أحاديث» (1952م). ~~(24) لوي أراجون (1897م-؟) # ولد في باريس، ودرس الطب واشترك في الحرب العالمية الأولى من سنة 1916 إلى 1918م. ~~انضم بعد انتهاء الحرب إلى جماعة «الدادا» التي أسسها تريستان تزارا في سويسرا سنة ~~1916م وكان من أعضائها أندريه بريتون وبول إلوار، ثم شارك بعد ذلك بدور فعال في ~~حركة السيريالية. أصدر من مجموعاته الشعرية في هذه الفترة «الحركة الدائمة» (1925م) ~~ورواية «فلاح باريس» (1926م) وبحثه عن الأسلوب (1928م). انضم إلى الحزب الشيوعي ~~الفرنسي في سنة 1927م، وهو الآن عضو لجنته المركزية. # قطع صلته بالسيرياليين في سنة 1931م، وبخاصة بعد التقائه بزوجته إلزاتريوليه ابنة ~~الشاعر الروسي الكبير ماياكوفسكي التي وجه إليها كل أشعار الحب التي كتبها، وتحت ~~تأثير رحلاته المتكررة إلى الاتحاد السوفيتي. بدأ نشاطه السياسي في سنة 1930م ضد ~~الحرب والفاشية فاشترك في تحرير جريدة الشيوعيين المشهورة «الأومانيتية» ~~(1933-1934م) وأصبح عضوا في اتحاد الكتاب الثوريين، وانضم إلى هيئة تحرير جريدة ~~«سي سوار» ms430 المسائية (1937م). سجل إيمانه بالواقعية في رباعيته الروائية «العالم ~~الواقعي» التي ظهرت أجزاؤها: «أجراس بازل» (1933م)، و«أحياء الأغنياء» (1936م)، و«مسافرو ~~الطبقة العالية» (1942م)، و«أرليان» (1945م). # جند في سنة 1939م، وحاز على جوائز عديدة عن خدماته في القسم الطبي للجيش الفرنسي. ~~شارك من سنة 1940م إلى سنة 1944م في حركة المقاومة السرية للاحتلال الألماني ~~لبلاده، وتنظيم جبهة الكتاب المكافحين للفاشية ورئاسة تحرير جريدته الأسبوعية ~~«الآداب الفرنسية» التي ظل يرأس تحريرها حتى توقفت عن الصدور في العام الماضي، ~~وبكتاباته الغزيرة وأشعاره التي ذاع معظمها على لسان الشعب وبخاصة في مجموعته ~~«القلب الكسير» (1941م). واصل أراجون نشاطه السياسي بعد انتهاء الحرب وبخاصة في حركة ~~السلام العالمية وحصل على جائزة لينين للسلام في سنة 1957م. نشر بين سنتي 1949 ~~و1951م روايته الطويلة «الشيوعيون» في ستة أجزاء وهي تقدم صورة تاريخية للأحداث ~~التي جرت في فرنسا من فبراير 1939م إلى يونيو 1940م وأكملها «بالإنسان الشيوعي» في ~~سنة 1946م، كما أعلن سخطه على الحرب في الهند الصينية في كتابه «ابن شقيق المسيو دو ~~فال» (1955م). كتب قصة حياته في «الرواية التي لم تتم» (1956م)، وأصدر مجموعة كبيرة ~~من الروايات والأبحاث والمجموعات الشعرية التي جعلت له مكانة رفيعة في الأدب ~~الفرنسي المعاصر. ~~(25) هنري ميشو (1899م-؟) # ولد في نامور من أبوين بلجيكيين. بدأ في دراسة الطب ثم قطع دراسته. عمل بحارا ~~من سنة 1920م وتعرف بعد عودته إلى بروكسل على شعر لوتريمو (1846-1870م) وبدأ يكتب ~~أولى محاولاته الأدبية. # ذهب إلى باريس في سنة 1924م ولم يعد إلى بلجيكا منذ ذلك الحين. # سافر إلى الأكوادور في سنة 1929م وتجول في أمريكا الجنوبية ثم سافر في رحلة ~~طويلة زار فيها آسيا كلها وأثرت على إنتاجه الأدبي تأثيرا كبيرا. (بربري في آسيا ~~1933م). # بدأ يرسم من سنة 1937م (وقد بدأ يكتشف موهبته في الرسم وحبه للرسامين من أمثال ~~كليه، وماكس أرنست، وكيريكو ابتداء من سنة 1925م). # يشغل نفسه منذ سنوات بوصف أحواله وتجاربه الغريبة مع المخدرات. # من أهم أعماله ~~«الشخص الذي ms431 كنته» (1927م)، «ريشة ما» (1930م)، «رحلة في جارا بانيا الكبرى» ~~(1936م)، «تجارب وتعاويذ» (1945م)، «في مكان آخر» (1948م)، «معرفة عن طريق الهاوية» ~~(1961م). ~~(26) جاك بريفير (1900م-؟) # ولد في نوبي-سين-سين. شاعر ومؤلف كتب أطفال وكاتب سينمائي. اشتهرت قصائده ~~وأغانيه التي جمعها في ديوانه «كلمات» (1946م) في الأوساط الشعبية، وقد عبر في كثير ~~منها عن وقوفه في صف الفقراء والمضطهدين، وتغنى بجمال الحياة وبهجتها. اشتهر شهرة ~~عالمية بتأليفه السيناريو فيلم «أطفال الفردوس» (1944م) الذي اشترك في تمثيله ~~الفنان الكبير جان لوي بارو، وفيلم «ميناء الضباب» (1938م)، و«عشاق فيرونا» (1948م). ومن ~~أعماله الأخرى: «الأسد الصغير» (1947م)، و«رقصة الربيع الكبرى» (1951م). # رينيه شار (1907م-؟) # ولد في إيل-سير-لا-سورج (مقاطعة أفينيون بفرنسا). كان لفترة طويلة من حياته ~~عضوا في جماعة السيرياليين. اشترك في حركة المقاومة السرية للاحتلال ~~الألماني. # قال عنه الكاتب المفكر الكبير ألبير كامي - وكان صديقه الحميم - إنه أعظم عبقرية ~~ظهرت في الشعر المعاصر في فرنسا. يعيش في موطنه الأصلي. # من مجموعاته الشعرية ~~«مطرقة بلا سيد» (1934م)، «غضب وسر» (1948م). ~~(27) شتيفان جئورجه (1868-1933م) # ولد في بودسهايم في مقاطعة هسن، ومات في مينوزيو بالقرب من لوكارنو. كان أبوه ~~تاجر نبيذ وصاحب فندق. دخل المدرسة الثانوية في مدينة دار مشتات من سنة 1881م إلى ~~سنة 1888م. لم تضطره الحياة إلى اختيار مهنة معينة؛ فأتاح له هذا أن يقوم برحلات ~~عديدة في أنحاء أوروبا (سويسرا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وإنجلترا ~~والدنمارك) وألا يرتبط بموطن ثابت. درس الفلسفة وتاريخ الفن وعلم اللغة في باريس ~~وميونيخ وبرلين وفيينا. اتصل في ربيع سنة 1888م بحلقة الأدباء والفنانين الذين ~~التفوا حول الشاعر الفرنسي الكبير مالارميه. كما تعرف على الشاعر فيرلين والمثال ~~رودان، وانضم إلى جماعة الرمزيين. # سافر من أغسطس إلى سبتمبر سنة 1889م إلى إسبانيا، وعقد صداقة قصيرة في ديسمبر ~~1891م مع الشاعر النمسوي الكبير هوفمنستال. تعرف في بلجيكا على مجموعة من الأدباء ~~والشعراء منهم فيرفي وإميل فيرهيرن وفان ليبرج والتقى في إنجلترا بمجموعة الأدباء ~~والرسامين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم ms432 السابقين على رافائيل ومن بينهم سوينبيرن ~~ودوسون. # بدأ يعيش منذ سنة 1900م حياة منظمة صارمة، قضى معظمها في ألمانيا، وبالأخص في ~~ميونيخ وبحر الشمال وجبال الألب، وبرلين وهيدلبرج. التقى في سنة 1903م في مدينة ~~ميونيخ بماكسميليان كرونبرجر، وهو صبي كان يبلغ من العمر خمسة عشر عاما (مات سنة ~~1904م) فكان ذلك بداية تجربة دينية وعاطفية شاذة أثرت على شخصية وإنتاج الشاعر ~~الذي رأى في هذا الشاب الرائع تجسيدا للجمال الإلهي. # أسس في سنة 1892م مجلة «صحائف الفن» بالاشتراك مع س. أ. كلاين وجمع حوله طائفة ~~من صفوة العلماء والشعراء والفنانين يربط بينهم نوع من التقدير لشخص الشاعر بلغ حد ~~التقديس والعبادة، كما يجمع بينهم الشذوذ الجنسي والنرجسية المفرطة، ومن بين هؤلاء ~~الأدباء والعلماء أسماء اشتهرت بعد ذلك شهرة كبيرة (مثل الفيلسوفين زيمل وكلاجيس، ~~والنقاد كوميريل وجوندولف وسالين). # وفي سنة 1933م هاجر جئورجه إلى سويسرا احتجاجا على النازيين الذين أساءوا تفسير ~~شعره وحاولوا أن يستغلوه لصالحهم. # يعد جئورجه رأس الحركة الرومانتيكية الجديدة في ألمانيا. وقد جمع بين الشعور ~~الأرستقراطي بالحياة وإرادة البطولة والعظمة وبين لون من عبادة الجمال متأثرا ~~بالأدب الكلاسيكي القديم وأدب عصر النهضة، ورأي في الفن من أجل الفن يؤمن برسالة ~~الشاعر الإلهية ويبعده عن العالم كما يبعده عن شتى العواطف والانفعالات المتطرفة. ~~وقد تميز جئورجه بطريقة جديدة في الكتابة تستغني عن التنقيط كما تسقط رسم الحروف ~~الكبيرة التي اعتاد الألمان أن يبدءوا بها الأسماء وأوائل الجمل. # تمثل السنوات الخمس من 1890م إلى 1895م «مرحلة الشكل» في حياة الشاعر، فقد اهتم ~~باختيار الكلمة النبيلة وإحكام الشكل ودقة الوزن ومعاداة كل ما هو تقليدي أو صارخ ~~أو وضيع أو حوشي مما جاءت به النزعة الطبيعية في الأدب. ولذلك فقد كان من البديهي ~~أن تتوثق صلته بالمدرسة الرمزية الفرنسية، وأن يصبح من أكبر المنادين «بالفن للفن» ~~المجرد عن كل هدف أخلاقي أو اجتماعي. # ولغة جئورجه لغة محسوبة مختارة تغلب عليها نغمة الاحتفال إلى حد التصلب ~~والجمود، وصوره نبيلة غنية بالمؤثرات الموسيقية ms433 والتعبيرات الشعورية، وإن كانت ~~تجربة الشكل عنده تطغى على التجربة النفسية الأصيلة التي يفرغها في أبيات منسقة ~~منحوتة باردة كالبللور. # مر بفترة من الاكتئاب والوحدة (من سنة 1897-1899م) انتقل بعدها إلى مرحلة ~~كلاسيكية (1903م وما بعدها). وكان لتجربته الغريبة مع ذلك الفتى ماكس دور كبير ~~فيها، فقد غادر الشاعر برجه العاجي واستغرق في تأملات ميتافيزيقية وصوفية وراح ~~يدعو إلى عقيدة تربوية جديدة وأخلاق قائمة على المثل الأعلى في الجمال وينصب نفسه ~~قاضيا يدين فوضى العصر ووحشيته. وأثر هذا على الأسلوب والشكل في شعره فصار أكثر ~~تحررا وبساطة وصدقا. وحاول الشاعر في أواخر حياته أن يوثق صلته بالرأي العام ~~ويحقق في نفسه ذلك المثل الأعلى للشاعر القديم الذي كان يعد نفسه رسولا وقائدا ~~وعرافا يتنبأ بالغيب ويبشر بمستقبل جديد ومملكة روحية جديدة؛ الأمر الذي أغرى ~~النازيين بمحاولة استغلاله والزعم بأن رؤيا الشاعر قد تحققت في دولة الرايخ الثالث. ~~هذا ويذكر لجئورجه تأثيره الكبير على الحياة العقلية في ألمانيا في الفترة من 1914م ~~إلى 1933م وتأسيسه لمدرسة شعرية كانت في حقيقتها دعوة إلى عبادة الفن والتضحية ~~بكل شيء من أجله، كما تذكر له ترجماته القيمة عن الرمزيين الفرنسيين وجماعة الأدباء ~~الإنجليز السابقين على رافائيل وشيكسبير ودانتي. # من أعماله ~~«أناشيد» (1890م)، «حج» (1891م)، «الجابال» (1892م)، «كتب قصائد الرعاة ومدائح ~~الخرافات والأغاني والحدائق المعلقة» (1895م)، «بساط الحياة» (1900م)، «أعمال وأيام» ~~(1903م)، «ماكسيميليان، كتاب تذكاري» (1907م)، «الخاتم السابع» (1907م)، «نجم الاتحاد» ~~(1914م)، «المملكة الجديدة» (1928م). ~~(28) رينيه ماريا رلكه (1875-1926م) # ولد في مدينة براغ ومات في فال مونت (بالقرب من مدينة مونتريه في سويسرا) ينحدر ~~من ناحية أبيه (الذي كان موظفا بالجيش ثم بالسكك الحديدية) من عائلة من المزارعين ~~في شمال بوهيميا، ومن ناحية أمه من عائلة برجوازية في مدينة براغ. عرف في صباه ~~بالحساسية المفرطة التي صاحبته في إنتاجه الأدبي ووصلت في معظم الأحيان إلى حد ~~المرض. دخل معهد التربية العسكرية في سان بولتن من سنة 1891م إلى سنة 1892م ليتخرج ~~ضابطا ولكنه أخرج منه ms434 بعد أن عرف عنه انطواؤه الشديد وعدم صلاحيته للحياة ~~العامة. # دخل بعد ذلك الأكاديمية التجارية في «لنز» ثم درس الفن وتاريخ الأدب في براغ من ~~سنة 1897م إلى سنة 1899م. وقرر - بعد رحلة إلى ميونيخ وبرلين - أن يتفرغ للشعر. قام ~~برحلات إلى إيطاليا وروسيا (التي سجل انطباعاته عنها في مجموعته الشعرية كتاب ~~الساعات 1905م) وهناك التقى بتولوستوي وتأثر بالطبيعة وبالروح الصوفية المتدينة ~~عند الشعب الروسي. # أقام في سنة 1900م في فوربسفيده وتزوج من المثالة كلارا فستهوف ولكنه لم يلبث ~~أن افترق عنها ورحل إلى باريس وإيطاليا والدنمارك والسويد. # عاش منذ سنة 1905م في باريس وهناك تعرف على المثال الفرنسي الشهير «رودان» وعمل ~~سكرتيرا خاصا له لمدة ثمانية شهور كان لها تأثيرها الكبير عليه. كتب في باريس ~~روايته الشهيرة «مذكرات مالت لوريد زبرجه» التي يسجل فيها بأسلوب شاعري رائع ~~خواطره النفسية البالغة الحساسية على لسان شاعر دنماركي. # عاد إلى حياة التجوال بعد أزمة نفسية حادة فسافر في سنة 1910 / 1911م إلى شمال ~~أفريقيا ومصر وإسبانيا. أقام في سنة 1911 / 1912م في قصر دوينو (بالقرب من مدينة ~~تريستا) ضيفا على الأميرة ماري تورن وتاكسيس، وهناك كتب مراثيه المشهورة التي تجد ~~أولاها في هذا الكتاب، وتعبر عن تجاربه الفلسفية والصوفية في لغة عسيرة غامضة. ~~أقام في أثناء الحرب العالمية الأولى في ميونيخ وعمل فترة في أرشيف الحرب في فيينا ~~ثم أعفي من الخدمة لسوء صحته. أخذ يتنقل بعد انتهاء الحرب من قصر إلى قصر بدعوة من ~~الأمراء والنبلاء في سويسرا حتى مات متأثرا بمرض اللويكامية (تزايد كريات الدم ~~البيضاء) ودفن في رارون بسويسرا. # يعد رلكه من أكبر الشعراء الأوروبيين في النصف الأول من القرن العشرين وأعظمهم ~~أثرا على حركة الشعر الجديد. وهو من القليلين الذين استطاعوا أن يفتحوا آفاقا ~~جديدة للتعبير الشعري ويقربوه من تلك الحدود التي تعجز فيها اللغة عن كل تعبير. ~~تأثر شعره بالجو الضبابي الغامض الذي أحاط بشبابه الباكر في براغ وبتجربته في روسيا ~~وانطباعه بأخلاق الشعب الروسي وطبيعة أرضه ms435 الشاسعة غير المحدودة، كما تأثر بالمدرسة ~~الرمزية الفرنسية التي اتصل بروادها صلة وثيقة، كما أخذ عن الفنون التشكيلية دقة ~~الشكل وإحكام الصياغة وبخاصة بعد تعرفه على المثال الكبير رودان. # بدأ كتابته للشعر في صياغة دقيقة على أسلوب مدرسة الانحلال في نهاية القرن ~~التاسع عشر في أوروبا (فان-دو-سييكل) بكل ما فيها من تشاؤم وعذاب وشغف بتصوير ~~الأحوال النفسية المعقدة الشاذة، وبلغ ذروة هذه المرحلة في قصته الشعرية «حب وموت ~~كورنيه كرستوف رلكه». ثم وصل في «كتاب الساعات» إلى قمة شعرية أخرى تميزت بجوها ~~الرومانتيكي الجديد الغني بالصور والألحان الحالمة. # ولكنه استطاع - تحت تأثير رودان - أن يتخلص في كتاب «الساعات» (1905م) من العاطفية ~~المائعة الفضفاضة ويتجه إلى تصوير عالم الأشياء في صيغ موضوعية دقيقة، ويبتعد ~~عن الأحزان الدائرة حول «الأنا» المعذبة ليترك الأشياء نفسها تعبر عن ~~ماهيتها. # وأصابته أزمة نفسية شديدة جعلته يتجه إلى قراءة أب الوجودية (كيركجارد) ويتخلى ~~عن نظرته الكونية التي كانت تفيض حتى ذلك الحين بالاطمئنان إلى وجود الله والثقة ~~فيه (وقد عبر عن ذلك في روايته السابقة مالته برجه) فاتجه إلى كتابة شعر فكري ~~يتميز بالجسارة والقوة والتحرر في الشكل والوزن، ويحلق إلى آفاق أسطورية نائية، ~~ويتسم في معظمه بالغموض والوحشة، وقد تمثل ذلك في «مراثي دوينو» التي سبق ذكرها، ~~وفي أناشيد أورفيوس أو بالأحرى «سوناتات إلى أورفيوس» التي تعد قمة إنتاجه الشعري ~~كله. # هذا وقد فشلت كل محاولات رلكه المسرحية في أثناء حياته وإن كان قد قام بعدة ~~ترجمات قيمة عن اللغات الفرنسية والإيطالية والإنجليزية تؤكد كلها وحدة الشعر ~~والشعراء في مطالع هذا القرن (عن مالارميه، وفاليري، وأندريه جيد، وإليزابيث ~~براوننج وميكيل أنجلو) كما ألف هو نفسه بعض القصائد باللغة الفرنسية. ~~(29) هرمان هسه (1877-1962م) # اسمه الحقيقي هو إميل سينكلير. ولد في كالف (مقاطعة فيرتمبورج) ومات في ~~مونتانيولا (بالقرب من لوجانو بسويسرا). كان أبوه واعظا من المبشرين المسيحيين ~~وكانت أمه ابنة أحد المبشرين في الهند. دخل في خريف سنة 1891 معهد مارلبرون ~~البروتستنتي ليدرس اللاهوت تحقيقا لرغبة والديه، ms436 ولكنه هرب منه في ربيع سنة ~~1892م، ثم تقلب بعد ذلك في مهن عديدة كبيع الكتب وصناعة الساعات والحرف اليدوية، ~~وراح يبحث عن نفسه سنوات طويلة سجل ذكرياتها في قصته «تحت العجلة (1906م)» التي ~~قرر بعد نجاحها أن يتفرغ للأدب وأقام في منطقة «البودن زيه» في جنوب ألمانيا. ضاق ~~صدره بالمدنية الغربية فقام برحلة إلى الهند سنة 1911م ليكتشف عالم الشرق الأقصى ~~وكان لهذه الرحلة أثر كبير على إنتاجه. # ساعد في أثناء الحرب العالمية في أعمال التمريض بالصليب الأحمر والعناية بأسرى ~~الحرب في «برن» بسويسرا. أقام في مونتانيولا بالقرب من بحيرة لوجانو وحصل على ~~الجنسية السويسرية في سنة 1923م، كما حصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1946م عن ~~روايته الكبرى «لعبة الكريات الزجاجية» (1943م). # يعد من أهم ممثلي الأدب التقليدي في ألمانيا سواء في الشعر أو في القصة الذين ~~تمتعوا بشهرة كبيرة في النصف الأول من هذا القرن. تأثر بالرومانتيكية الألمانية ~~تأثرا كبيرا ظهر في كتاباته الروائية التي تفيض بروح شاعرية وإنسانية تؤمن ~~بالسلام والإخوة بين البشر. ومعظم رواياته تسجل ذكريات شبابه والأزمات العديدة التي ~~عاناها كشاعر حساس يعيش في مجتمع قاس غبي لا يفهمه، كما تدور حول الصراع بين ~~الروح والحس أو بين العقل والعاطفة وتحاول عن طريق الشخصيات العديدة التي تجسدها أن ~~تصل إلى التجانس والوحدة. وهي شخصيات تجمع بين الفنانين والمتشردين الهائمين على ~~وجوههم الذين يتغنون بحب الطبيعة ويعبرون عن حنينهم إلى الاطمئنان الروحي في نسيج ~~صاف يجمع بين الأحلام والخرافات وحكمة الهند. # اتسع أفقه على أثر المحن التي هزت كيانه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكشفت ~~له عن أزمة الروح الغربية بوجه عام، فاتجه أسلوبه إلى مزيد من الموضوعية، وراح ~~يقابل بين شخصية الإنسان «الأخلاقي» والإنسان «الجمالي» وبين المفكر والفنان وبخاصة ~~في روايته «نارسيس وجولدموند» التي تعد آية في جمال الأسلوب، وإن كان يعيبها ~~الإفراط في العاطفية. وتعد روايته التي سبق ذكرها «لعبة الكريات الزجاجية» قمة ~~أعماله؛ فقد حاول فيها تحقيق المثل الأعلى الذي يؤلف ms437 بين الفن والعلوم الطبيعية ~~والإنسانية في وحدة روحية شاملة تجمع بين حكمة الشرق وتقدم الغرب، ومن حسن الحظ ~~أن القارئ العربي يستطيع أن يطلع عليها في ترجمة الدكتور مصطفى ماهر (صدرت عن دار ~~الكاتب العربي بالقاهرة). # يتميز شعره بلغته البسيطة النقية وموسيقاه الهادئة وقربه من الأغنية الشعبية ~~الصادقة العميقة، وإن لم يكن من ممثلي الشعر الجديد بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة؛ إذ ~~يعده النقاد من الرومانتيكيين الجدد ذوي النزعة الإنسانية التي كان لها بالطبع ~~أثرها الكبير على الجيل الجديد. # من أعماله الشعرية ~~«أغنيات رومانتيكية» (1899م)، «قصائد» (1902م)، «في الطريق» (1911م)، «موسيقى الوحيد» ~~(1915م)، «قصائد رسام» (1920م) (كان الشاعر يقوم بالرسم ويصور أعماله بنفسه)، ~~«إيطاليا» (1923م)، «عزاء الليل» (1929م)، «قصائد جديدة» (1937م). ~~(30) هانز كاروسا (1878-1956م) # ولد في باد تولز (في بافاريا العليا) ومات في ريتشتايج (بالقرب من مدينة باساو). ~~كان أبوه طبيبا بالأرياف درس الطب في ميونيخ وفيزتز بورج وليبزج، واشتغل به في ~~مدينتي باساو ونورمبرج إلى أن استقر منذ سنة 1914م في ميونيخ. # التحق بإحدى الفرق الحربية كطبيب عسكري في خلال الحرب العالمية الأولى. ويعد ~~كاروسا - الذي تختلف الآراء حول شخصيته ومواقفه الفكرية والسياسية من النازية أشد ~~الاختلاف - ممثلا عظيما لأفضل ما في التراث الغربي من قيم فنية وإنسانية. فهو في ~~أشعاره وكتاباته الروائية - ومعظمها يدور حول ذكريات طفولته وشبابه - يحافظ على ~~الاعتدال والشكل الكلاسيكي ويبتعد عن كل البدع و«المودات الأدبية». أما من ناحية ~~المضمون فقد تأثر في بداية حياته بالشاعرين الكبيرين جئورجه ورلكه ثم بالشاعر ~~الأكبر جوته والروائي اشتيفتر. يتميز أسلوبه بالبساطة والاتزان والوضوح الشديد الذي ~~يعبر عن فكر نقي ناضج منظم. إن الأدب في رأيه والشعر بوجه خاص هو نوع من الكشف ~~عن الحكمة والنظام الإلهي وسط الفوضى الظاهرة في الحياة. وكثيرا ما يعبر كاروسا في ~~كتاباته عن إجلاله لأسرار الحياة واحترامه لشقيقه الإنسان وشعوره التقي بآثار ~~العناية الإلهية في كل مظاهر الكون. تتميز شاعريته بالعمق والتمكن من الشكل ~~والإنسانية الحقة، وهو من الكتاب القليلين الذين يملكون القدرة على ms438 تحويل التجربة ~~الذاتية إلى رمز شاعري صاف يفيض بالتأمل العميق الذي ينبع من نفس أنضجها الزمن، ~~ويتجاوز حياة الفرد ليصبح تجربة كونية عامة. # وتعبر ذكريات حياته عن المتاعب النفسية التي عاناها في ظل النظام النازي، وكيف ~~استطاع أن يخلق لنفسه ولغيره جزيرة آمنة هادئة من التأمل والصفاء النفسي وسط عواصف ~~العصر الوحشي المضطرب؛ الأمر الذي جعل البعض يمتدحه من أجله كمظهر لصدقه وأمانته ~~على التراث الروحي لبلاده، كما جعل البعض الآخر يلومه على انعزاله وإيثاره الصمت في ~~وقت كان يتطلب منه الشجاعة الكافية لإدانة الوحش الفاشي. # من أعماله الشعرية ~~«قصائد» (1910م)، «الهروب» (1916م)، «عيد الفصح» (1920م)، «قصائد» (1932م). ومن أهم أعماله ~~الروائية: ~~«طفولة (ذكريات)» (1922م)، «الطبيب جيون» (1931م)، «أسرار الحياة الناضجة» (1936م)، «سنة ~~الأوهام الجميلة (ذكريات)» (1941م). ~~(31) جوتفريد بن (1886-1956م) # ولد في مانسفلد (منطقة فستبريجنتس) ومات في برلين. كان أبوه قسيسا. درس الأدب ~~واللاهوت في جامعة ماربورج ثم تحول إلى دراسة الطب في برلين، وعمل طبيبا عسكريا ~~في الحربين العالميتين، ثم مارس علاج الأمراض الجلدية والتناسلية منذ سنة 1918م ~~في برلين. # رحب بالنظام النازي في بدايته، واعتقد أنه سيخلص العالم الغربي من العدمية ~~والانحلال والركود الروحي، فلما اكتشف خطأه الرهيب لزم الصمت ابتداء من سنة 1936م، ~~وطرده النظام أيضا من اتحاد كتابه وشهر بأعماله «المنحلة». # عاد إلى النشر منذ سنة 1948م فكتب القصيدة والمقالة والمسرحية والقصة، وتميز ~~بأسلوبه الغريب الذي يزخر بالمصطلحات العلمية والطبية والفلسفية، ونظرته العدمية ~~الصريحة، واهتمامه البالغ بالشكل، وتأثيره الحاسم على الجيل الجديد من الشعراء ~~والمثقفين. # بدا متأثرا بالمدرسة التعبيرية، وراح يسجل بأسلوب تهكمي بارد ولغة قوية ~~متفجرة مشاهد المرض والفساد في الحضارة الغربية الحديثة، ويكشف بمبضع الجراح ~~وموضوعية العالم الطبيعي مظاهر الانهيار المختفية وراء قناع المجتمع. ومع ذلك فإن ~~شغفه بهذه الصور الوحشية المفزعة ينطوي على حنين رومانتيكي إلى البراءة والنقاء، ~~ولغته مليئة بالصور القوية الموحية التي يرصها إلى جانب بعضها البعض على طريقة ~~المونتاج في الأفلام السينمائية. # استطاع في أواخر حياته أن يتغلب على نزعته ms439 العدمية الصارخة وأسلوبه المتهكم ~~المرير عن طريق الكلمة الساحرة والشكل الكامل. # يتميز إنتاجه القصصي الشحيح بالتركيز التام، وكراهية الأيديولوجيات، والنزعة ~~الفلسفية الذاتية. يمكن أن يوصف شعره بأنه «شعر ذهني» يميل إلى التشاؤم ويتنبأ ~~بانهيار الجنس الأبيض، وإنتاجه الذي يجمع بين العلم والفن يدعو إلى ما يسميه النقاد ~~«بالعدمية الخلاقة»، التي تحاول عن طريق الشكل الفني أن تجد معنى لعالم خال في ~~رأيه من المعنى ومن العناية الإلهية. # من أعماله الأدبية ~~«مشرحة» (قصائد) (1912م)، «أبناء» (قصائد) (1913م)، «أمخاخ» (قصص) (1916م)، «لحم» (قصائد) ~~(1917م)، «مرحلة، إيتاكا» (مسرحيتان) (1919م)، «الأنا الحديثة» (مقال) (1919م)، «أنقاض» ~~(قصائد) (1924م)، «صدع» (قصائد) (1925م)، «الذي لا يتوقف» (أورتاريوم لحنه الموسيقي ~~هندميت) (1931م)، «بعد العدمية» (مقال) (1932م)، «الدولة الحديثة والمثقفون، الفن ~~والقوة» (مقالان) (1933، 1934م)، «قصائد استاتيكية (ساكنة)» (1948م)، «طوفان السكر» ~~(قصائد) (1949م)، «مشكلات الشعر» (مقال) (1951م)، «الصوت خلف الستار» (تمثيلية إذاعية) ~~(1952م)، «خاتمة موسيقية» (قصائد) (1953م). ~~(32) يوهانس بشر (1891-1958م) # ولد في مدينة ميونيخ ومات في برلين الشرقية. كان أبوه قاضيا. درس الطب والفلسفة ~~في ميونيخ ويينا وبرلين. انضم في سنة 1917م إلى حزب الديمقراطيين الاشتراكيين ~~المستقل، ثم دخل الحزب الشيوعي الألماني في سنة 1918م. زار الاتحاد السوفيتي في سنة ~~1927م، وهاجر إليه في سنة 1933م على أثر استيلاء النازيين على السلطة، وهناك رأس ~~تحرير مجلتين ألمانيتين كانتا تظهران في الاتحاد السوفيتي وهما «الأدب العالمي» ~~و«صحائف ألمانية». # رجع إلى بلاده في سنة 1945م حيث رأس اتحاد المثقفين للتجديد الديمقراطي لألمانيا، ~~كما انتخب في سنة 1953م رئيسا لأكاديمية الفنون، وعين في سنة 1954م حتى وفاته ~~وزيرا للثقافة في حكومة ألمانيا الشرقية. # يعد بشر الممثل الصريح للواقعية الاشتراكية في الأدب الألماني الحديث. وهو شاعر ~~وروائي وكاتب مسرحي وكاتب مقال. بدأ حياته الأدبية كواحد من أكبر ممثلي النزعة ~~التعبيرية ، وراح بلغته القوية المؤثرة يوجه الاتهام إلى عصره ويبشر بالأخوة ~~العالمية والخلاص على أيدي الطبقة العاملة. أسهم في تحطيم التركيب اللغوي التقليدي، ~~كرمز لانهيار العالم البرجوازي، وتميز بلغته المتدفقة وصيغه المتقنة، وشغفه بالصور ~~الصارخة ms440 عند تصويره لحياة المدينة الكبيرة. # اشتهر عدد كبير من أناشيده التي يتغنى فيها بالثورة الاشتراكية وزعمائها، وذاعت ~~على ألسنة الجماهير. اتجه في أثناء إقامته في المهجر الى البساطة الشعبية ~~التقليدية، وإن كان حرصه على النزعة التعليمية وإثارة الجماهير وإكثاره من قصائد ~~المناسبات الهادفة قد أوقعه في سخف خطابي كثير، ونزل به في بعض الأحيان عن ~~المستوى الفني اللائق. ومع ذلك فقد يغفر له سقطاته الفنية العديدة أنه ظل يتغنى ~~في شعره بالأخوة البشرية ويكافح من أجل مستقبل عادل لا ظلم فيه ولا ~~استغلال. # من أعماله الشعرية ~~«المكافح» (1911م)، «إلى أوروبا» (1916م)، «أخوة» (1916م)، «نشيد ضد العصر» (1918م)، ~~«الموكب المقدس» (1918م)، «قصائد الشعب» (1919م)، «إلى الجميع» (1919م)، «تمرد إلى الأبد» ~~(1920م)، «أنغام الآلات» (1926م)، «رقص الموتى الألماني» (1933م)، «ألمانيا» (1934م) ~~(ملحمة) «الباحث عن السعادة والأعباء السبعة» (1938م)، «العودة للوطن» (1946م)، «شعب ~~يتعثر في الظلام» (1948م)، «النشيد الوطني» (1949م)، «نجوم بريق لا محدود» (1951م)، ~~«الوطن الألماني الجميل» (1952م)، «سوناتا ألمانية» (1952م)، «حب بلا راحة» ~~(1957م). ~~(33) أرنست بنسولت (1892-1955م) # ولد في مدينة أرلانجن، ومات في ميونيخ. # كان أبوه أستاذا جامعيا. درس في أكاديمية الفنون في مدينتي فيمار وكاسيل، ~~وتفرغ للنحت والكتابة في حي الفنانين بميونيخ (شفابنج). # اشتغل بالتمريض في خلال الحربين العالميتين. عين في سنة 1953م مستشارا لمسرح ~~«الرزيدنس» في ميونيخ. كتب، الشعر والمسرحية والقصة والرواية وتميز بأسلوبه الرقيق ~~الشفاف الذي يفيض باللطف والرشاقة والدعابة ويدل على تمكن من الشكل وخصوبة في ~~الخيال وروح عامرة بالطيبة والحكمة والذكاء. # تأثر بالأديب الألماني جان باول كما تأثر بديكنز ومونتني ولشتنبرج وبلاتن. # من مجموعاته الشعرية ~~«الرفيق» (1922م)، «اثنتا عشرة قصيدة» (1937م)، أما رواياته فمن أشهرها: «أدولينو»، ~~«سكويرل»، رواية «البطاطس»، «دودة الأرض الصغيرة»، «القزم»، «شاتر تون المسكين». ~~(34) برتولت برخت (برشت) (1898-1956م) # ولد في مدينة أوجسبورج بالغابة السوداء في جنوب ألمانيا، ومات في برلين الشرقية. ~~نشأ في أسرة غنية وكان أبوه صاحب مصنع للورق. درس الطب والعلوم الطبيعية في ميونيخ ~~في سنة 1917م وعمل في سنة 1918م في ms441 أحد المستشفيات العسكرية المتنقلة، فأثرت تجارب ~~الحرب المفزعة على إنتاجه. ترك دراسة الطب وعمل في أحد مسارح ميونيخ. # انتقل في سنة 1924م إلى برلين وعمل فترة مع المخرج المسرحي الشهير ماكس رينهارت ~~في المسرح الألماني. بدأ في دراسة الماركسية في سنة 1928م في مدرسة العمال ببرلين. ~~فر من بلاده بعد استيلاء النازيين على السلطة إلى براغ ومنها إلى فيينا ثم إلى ~~الدنمارك عن طريق سويسرا وفرنسا. # اشترك من سنة 1936م إلى سنة 1939م في تحرير مجلة «الكلمة» التي كانت تصدر ~~بالألمانية في الاتحاد السوفيتي بالاشتراك مع الكاتبين ليون فويشتفنجر وفيلي ~~بريدل، كما كتب قصائد لراديو ألمانيا الحرة يسخر فيها من الفاشية. هاجر في سنة ~~1940م إلى فنلندا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق موسكو. وصل في سنة ~~1947م إلى زيورخ ومنها إلى برلين الشرقية حيث أسس فرقته المسرحية الشهيرة، ~~«برلينر انسمبل» التي تخصصت في عرض إنتاجه المسرحي. # يعد من أكبر الشعراء وكتاب المسرح في القرن العشرين الذين التزموا بالواقعية ~~ودعوا إلى تغيير المجتمع البرجوازي عن طريق الثورة الاشتراكية. وترجع أهميته في ~~الشعر الحديث إلى سخريته المرة من الصيغ والأشكال التقليدية السائدة في الشعر ~~والمجتمع على السواء. # عرف بنظرياته في المسرح الملحمي - الذي لم يكن أول المنادين به، وإن كان من أكبر ~~مؤسسيه والداعين إليه كبديل للمسرح التقليدي أو الأرسطي - وهو مسرح لا يهتم ~~بتسلية المتفرج بل بإشراكه في الأحداث التي تروى أمامه على خشبة المسرح وحثه على ~~اتخاذ موقف إيجابي يدفعه إلى تغييرها والثورة عليها؛ فهو مسرح الحجة لا الإيحاء، ~~والموقف لا العاطفة؛ ولذلك فهو يستعين بما يسميه «أثر الإغراب» عن طريق استخدام ~~الكورس والأغاني والأقنعة والحديث المباشر إلى الجمهور ومطالبته باستمرار أن يفتح ~~عينيه ويفكر ولا يستسلم للأوهام أو يندمج في الأحداث المعروضة عليه. وقد بدأ برخت ~~حياته الأدبية متأثرا بالمدرسة التعبيرية التي سادت في العشرينيات من هذا القرن ~~وغلبت النزعة العدمية والفوضوية على إنتاجه في هذه الفترة. ثم لم يلبث أن انتقل إلى ~~أسلوب موضوعي متطرف يجمع ms442 بين السخرية اللاذعة والنقد الاجتماعي المؤلم وبين ~~العاطفة والكآبة والتهكم. كتب المسرحيات التعليمية التي تدعو صراحة إلى الثورة ~~الماركسية ثم مال في إنتاجه المتأخر إلى نوع من المسرحيات «التأليفية» التي تحاول ~~البحث عن الطريق الصحيح بعيدا عن المذاهب والنزعات المتزمتة، وفي سبيل ذلك اختار ~~مادته من مختلف الآداب العالمية واقتبس كثيرا ولم يتورع عن السرقة الأدبية في بعض ~~الأحيان! # يتميز شعره بالتركيز والإيجاز واللهجة التعليمية التي تستخدم لغة حادة جارحة ~~وتجمع بين المفارقات الغريبة والشفقة الغامرة على الإنسان المعذب في المجتمع وفي ~~الكون على السواء، وهو يؤثر الأغاني والقصص الغنائية الشعبية (البالاد) والحكم ~~الموجزة (الأبيجرام) (راجع أيضا لكاتب السطور: قصائد من برخت، مع دراسة لشعره ~~وحياته، دار الكاتب العربي 1967م بالقاهرة). # من أعماله الشعرية ~~«تبتلات البيت» (1927م)، «مائة قصيدة» (1951م)، «قصائد وأغان» (1956م)، «أغنيات ~~وأناشيد» (1957م) (وقد بدأ الناشر زور كامب في مدينة فرانكفورت في نشر مجموعة ~~أشعاره مع منتخبات من القصائد والأغاني المتناثرة في مسرحياته وأوبراته، وقد ظهر ~~منها خمسة مجلدات حتى الآن). ~~(35) أريش كستنر (1899م-؟) # اسمه الحقيقي هو روبرت نوينر. ولد في مدينة درسدن. اشترك في الحرب العالمية ~~الأولى ورجع منها وقد اشتد عليه مرض القلب. عمل موظفا ببنك وصحفيا ثم درس الأدب ~~الألماني في برلين وليبزج وروستوك حتى حصل على الدكتوراة في سنة 1925م. تفرغ ~~للكتابة الحرة منذ 1927م، ولما جاء النظام النازي منعه من النشر وأحرق كتبه فيما ~~أحرق من إنتاج ما يزيد على مائتي أديب ومفكر (ويروي كستنر أنه كان حاضرا بنفسه ~~عندما أحرقت كتبه وسمع الجماهير تهلل وتهتف بسقوطه ...) عمل من سنة 1945م إلى سنة ~~1948م محررا أدبيا بالجريدة الجديدة في ميونيخ. أسس مجلة للأطفال والشباب «طائر ~~البنجوين» (البطريك) وهو رئيس فرع نادي القلم الدولي (البن) بألمانيا ويعيش الآن في ~~مدينة ميونيخ. # شاعر وقصاص وكاتب أطفال يتميز بأسلوبه الموضوعي المعقول. بدأ يكتب قصائد خفيفة ~~ساخرة ينقد فيها النفاق الاجتماعي والحماسة العاطفية الكاذبة والروح العسكرية ~~الغبية التي انتشرت على عهد النازيين في لغة بسيطة خالية ms443 من التنمية والانفعال، ~~بل تكاد تخلو من كل طموح أدبي. ويعتمد أسلوبه على الشكل التقليدي ويمتلئ بالعبارات ~~والشعارات المأخوذة من أفواه الناس؛ ولذلك شاعت سخرياته اللاذعة في «الكباريهات ~~الأدبية» وبين الجماهير وقدر الجميع روحه الإنسانية ودعوته الأخلاقية والتربوية ~~الأصيلة، وحرصه على تخليص الألمان من عيوبهم التقليدية، وتعليمهم التواضع والبساطة ~~والبعد عن الطموح والتعالي الفكري والضجيج بالكلمات الطنانة التي طالما سببت لهم ~~ولغيرهم الكوارث والحروب! ... اشتهر كستنر برواياته، كما عرف في العالم كله بقصص ~~الأطفال الذي يعد من أعظم كتابها في العصر الحديث. # من أعماله الشعرية ~~«قلب على المقاس» (1927م)، «ضجة في المرآة» (1929م)، «رجل يعطي معلومات» (1930م)، «غناء ~~بين الكراسي» (1932م)، «صيدلية البيت الشعرية» (1935م)، «هموم كل يوم» (1949م)، «الحرية ~~الصغيرة» (1952م)، «الشهور الثلاثة عشر» (1955م). ومن أشهر روايات الأطفال التي كتبها: ~~«إميل والمخبرون» (1929م)، «الفصل الطائر» (1933م)، «مؤتمر الحيوانات» (1949م). ~~(36) جنتر أيش (1907-1972م) # ولد في ليبوس على نهر الأودر، وقضى شبابه في منطقة براندنبورج البروسية. درس ~~الحقوق واللغة الصينية في برلين وليبزج وباريس. عاش منذ سنة 1932م في برلين حياة ~~كاتب متفرغ ثم اشترك في الحرب العالمية الثانية من سنة 1939م إلى 1945م وأسر في ~~معتقل أمريكي. تزوج في سنة 1953م من الكاتبة القصصية إلزه أيشنجر. شاعر يتميز ~~بتفرغه وتشاؤمه واهتمامه بوصف أمور الحياة اليومية البسيطة، مع نغمة غنائية ~~فطرية. يختار صورا جديدة غريبة ولغة قوية مقتصدة، ويكثر من الرموز والإشارات ~~إلى معان غير محددة أو يصعب التعبير عنها. # اشتهر بكتابة التمثيلية الإذاعية حتى لتعد تمثيليته «أحلام» (1953م) بداية عصر ~~مزدهر للأدب الإذاعي في ألمانيا، أضاف إليه إمكانيات صوتية جديدة وخلع عليه روحا ~~شاعرية مؤثرة وعالج مشكلات العصر ومآسيه بطريقة التزاوج بين الحلم والواقع، بحيث ~~يبدو الواقع المؤلم كأنه عالم خداع لا وجود له إلا في الكوابيس والأحلام. # من أعماله ~~«قصائد» (1930م)، «فرسان الحظ» (كوميديا) (1933م)، «سنة الاحتفال» (تمثيلية إذاعية) ~~(1936م)، «أحواش بعيدة» (1948م)، «أحلام» (1953م) (تمثيلية إذاعية)، «رسائل المطر» (قصائد) ~~(1955م)، «حريق سيتوبال» (تمثيلية إذاعية) (1957م)، «لله مائة ms444 اسم» (تمثيلية) (1958م)، ~~«أصوات» (1958م). ~~(37) كارل كرولوف (1915م-؟) # ولد في مدينة هانوفر، وكان أبوه يعمل موظفا إداريا. درس الأدب الألماني ~~واللغات الرومانية والفلسفة وتاريخ الفن في جامعتي جوتنجن وبرسلاو، ويعيش متفرغا ~~للأدب منذ سنة 1942م (في جوتنجن وهانوفر إلى أن استقر الآن في مدينة دارمشتات). كما ~~يعمل أيضا بالصحافة والنقد الأدبي والترجمة عن الفرنسية والإسبانية. شغل في الفصل ~~الدراسي من سنة 1960م / 1961م كرسي الشعر الذي تعودت جامعة فرانكفورت أن تدعو إليه ~~كبار الشعراء ليحاضروا الطلبة عن تجاربهم الذاتية في الفن. شاعر خصب الإنتاج، تأثر ~~بشاعرين من الجيل السابق عليه هما أوسكار لوركه وفيلهم ليمان، كما تأثر ~~بالسيرياليين الفرنسيين، ولا يخطئ الإنسان في ألحانه نغمة بكائية أخذها عن الشاعر ~~«تراكل». يتصل شعره من الناحية الشكلية بالثورة الجديدة، وبالأخص عند لوركا وإلوار، ~~وإن كان ذلك لا يقلل من قدرته على التعبير الذاتي الأصيل. يتميز شعره بالخفة وسهولة ~~الشكل والإيقاع الراقص واللغة الموسيقية والصور التي تكون في بعض الأحيان شديدة ~~الشفافية أو شديدة الخشونة. # بدأ بشعر الطبيعة الخالصة وقصائد الحب والمناسبات التي تفيض حزنا وسخرية ثم زاد ~~اتجاهه إلى القصائد التجريبية الخالية من القافية مع الإكثار من الاستعارات ~~المجردة. # من أعماله ~~«البلد المحمود الطيب» (1943م)، «قصائد» (1948م)، «مطاردة» (1948م)، «على الأرض» (1949م)، ~~«علامات الكون» (1952م)، «الريح والزمان» (1954م)، «الأيام والليالي» (1956م)، «أجسام غريبة» ~~(1959م)، «ملامح من الشعر الألماني المعاصر» (1961م)، «الأيدي الخفية» (1962م). ~~(38) يوهانس بوبروفسكي (1917-1964م) # ولد في مدينة تيلسيت وقضى طفولته في منطقة ميميل (ليتوانيا) وشارك في الحرب في ~~الجبهة الروسية، ثم اشتغل بالفحص الأدبي في إحدى دور النشر ببرلين الشرقية. # يمتاز بشعره الذي تتردد فيه أنغام الكآبة والشوق، وذكريات حياته وتجاربه في ~~أوروبا الشرقية. # ترك وراءه مجموعة من القصائد والقصص القليلة ذات قيمة فنية عالية. ولم تزل ~~المعلومات قليلة عنه حتى الآن. # من أعماله الشعرية ~~«زمن سارمائي» (1961م)، و«أنهار بلاد الظل» (1962م)، ومجموعته القصصية التي ظهرت ~~بعد موته «عيد الفيران»، وروايته «طاحونة لفين». ~~(39) باول تسيلان (1920-1970م) # ولد في شيرنوفيتس في ms445 منطقة بوكو فينا (على ~~الحدود الرومانية السوفيتية) من أبوين ألمانيين. درس الطب في باريس وبوخارست ثم ~~لجأ إلى فيينا في سنة 1947م وبعدها إلى باريس (1948م) حيث درس الأدب الألماني وعلم ~~اللغة واشتغل بالتدريس والترجمة (ترجم إلى الألمانية أشعارا من إلسكندر بلوك ~~وازينين ورامبو وبازان وكوكتو ورينيه شار). # حصل على جائزة «بوشنر» الأدبية سنة 1960. يعد من أهم الشعراء الذين كتبوا ~~بالألمانية بعد الحرب. تأثر بالرمزية والسيريالية، ويتميز شعره بالبناء المحكم ~~والصور الفنية والنغم الموحي واللحن الأسيان. يكثر من استخدام الاستعارات الجريئة ~~التي لا تربط بينها رابطة منطقية، ويصل في ذلك إلى نوع من «الشعر المحض» الذي ~~يمتاز بموسيقى الكلمة المجردة، وغموض المعنى. # قوبل ديواناه «الرمل (المنساب) من أوعية الفخار» (1948م) و«خشخاش وذاكرة» (1952م) ~~بالترحيب الشديد، وكشفا عن شاعر «جرحه الواقع وراح يبحث عن الواقع.» وعرف زيف ~~المجتمع وأرقه الشوق إلى الإنسانية الحقة. ومهما اختلف النقاد في تفسير أشعاره ~~التي تحتمل تفسيرات عديدة فلا يكاد أحد ينازع في موهبته وأصالته، ولا في روعة ~~ترجماته الشعرية عن الفرنسية والروسية. وقد جاءني نبأ موته أثناء العمل في هذا ~~الكتاب، إذ أغرق نفسه في نهر السين يأسا من الحياة أو من الحب! # من أعماله ~~«رمل من أوعية الفخار» (1948م)، «خشخاش وذاكرة» (1952م)، «من عتبة إلى عتبة» ~~(1955م)، «قصائد مختارة» (1962م). ~~(40) أنجيورج باخمان (1926م-؟) # ولدت في مدينة كلاجنفورت بالنمسا، بدأت بدراسة الموسيقى ثم تحولت عنها إلى دراسة ~~الفلسفة في فيينا وانزبروك وجراتس (من سنة 1945 إلى 1950م) حيث حصلت على الدكتوراه ~~في فلسفة هيدجر من جامعة فيينا. اشتغلت في إحدى محطات الإذاعة في فيينا ~~(1951-1953م) ثم تفرغت للتأليف منذ سنة 1953م حيث أقامت ما بين روما وميونيخ لتستقر ~~أخيرا في مدينة زيورخ. من أبرز أعضاء جماعة ال 47 الأدبية (نسبة إلى سنة 1947م ~~التي تألفت فيها لإحياء الأدب الألماني بعد الحرب وبعث القيم الحقة في التراث ~~العقلي والخلقي الذي جنى عليه النازيون، وشق طريق مستقل لا يزج بالألمان في صراع ~~الشرق والغرب، والوقوف في وجه ms446 إعادة التسليح، وتكاد الآن أن تكون هي الجماعة ~~الرسمية المعبرة عن الحياة الأدبية). كرمت عدة مرات ومنحت جوائز أدبية ~~عديدة. # من أكثر شعراء هذا الجيل أصالة وتفردا في الأسلوب واختيار الكلمات الموحية ~~المنغمة التي تتصف بشيء من البرود والتحفظ والخشونة والعاطفة التي تذكرنا بعاطفة ~~«هولدرلين». شعرها شعر فكري مجرد يميل إلى الموضوعات الميتافيزيقية، وينتخب ~~صورا غريبة ورموزا لا تقنع القارئ دائما. كتبت تمثيليات إذاعية تمتاز بالروح ~~الشاعرية والشكل المبتكر، كما ترجمت شعر «أنجارتي» عن الإيطالية. # من أعمالها ~~«المهلة» (1953م)، «دعاء الدب الأكبر» (1956م)، «إله مانهاتن الطيب، والجنادب» ~~(وهما تمثيليتان إذاعيتان)، «العام الثلاثون» (قصص قصيرة) (1961م) (راجع المقال ~~الذي نشره عنها كاتب السطور في مجلة الفكر المعاصر، عدد يونيو 1965م، وظهر في ~~كتاب «البلد البعيد»، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1967م). ~~(41) هانز ماجنوس انسنزبرجر (1929م-؟) # ولد في كاوفبويرن في مقاطعة الألجوي، ألحق في سنة 1944، 1945م بفرق العاصفة، ثم ~~أتم دراسته الثانوية بعد الحرب. درس الأدب والفلسفة في جامعات هامبورج وفرايبورج ~~وأرلانجن وباريس، وحصل على الدكتوراه في سنة 1955م برسالة عن فن الشعر عند الكاتب ~~الشاعر الرومانتيكي برنتانو، ثم اشتغل فترة بالعمل المسرحي والعمل الإذاعي وكتابة ~~المقالات النقدية في الصحف والمجلات وقام برحلات وأسفار عديدة (وقد زار القاهرة ~~على ما أذكر في سنة 1966م وقرأ بعض أشعاره في معهد جوته) يعيش متنقلا بين إيطاليا ~~وألمانيا والنرويج التي يقيم فيها. # شاعر يتميز بنزعته السياسية الحادة ونقده المرير للمجتمع الحديث والحياة المعاصرة ~~وبخاصة حياة الطبقة الوسطى الخاملة المتبلدة، وتوحي أشعاره بالتأثر ببرشت في شعره ~~الساخر العدمي في وقت واحد. فهو يهاجم التقاليد والأفكار الشائعة والعواطف ~~الحماسية السخيفة هجوما مؤلما يهدف إلى إقلاق من نسميهم بأوساط الناس، وإثارة ~~التقزز في نفوسهم من الحياة الغبية التي يحيونها أو قل يقضونها في النوم والجبن ~~والنفاق. يتميز بأسلوبه الفني الذي يلجأ إلى التضمين والمونتاج واستخدام الشعارات ~~والعبارات الثقافية المتحذلقة وصيغ الإعلانات التجارية والاستعارات والصور ~~المركبة. ومع ذلك فلا تخلو قصائده من الإحساس الرهيف الرقيق، وإن كان جمالها هو ~~الجمال ms447 العقلي البارد. من أعماله الشعرية: «دفاع الذئاب» (1957م)، «لغة الريف» (1960م)، ~~«قصائد وكيف تنشأ القصيدة» (1962م)، كما نشر مجموعة رائعة من الشعر الأوروبي تحت ~~عنوان «متحف الشعر الحديث». ~~(42) هورست بينيك (1930م-؟) # ولد في مدينة جليفتس في منطقة شيلزين أوسيلزيا (على جانبي نهر الأودر) اشتغل ~~فترة قصيرة مساعدا للشاعر والكاتب المسرحي برتولت برشت في مسرحه المعروف ببرلين ~~الشرقية، ثم ألقي القبض عليه في سنة 1951م واعتقل في معسكرات العمل في سيبيريا حتى ~~أواخر سنة 1955م. # هرب إلى ألمانيا الاتحادية وعمل منذ سنة 1957م في دار الإذاعة بمدينة فرانكفورت ~~(على نهر الماين)، ثم التحق في سنة 1961م بدار نشر الجيب في مدينة ميونيخ حيث ~~لا يزال يعمل في فحص الكتب. شاعر وكاتب يتميز بلغته البسيطة الموجزة الخالية من كل ~~انفعال. وتدور كتاباته حول الدعوة إلى المحافظة على جوهر الإنسان وصونه من التمزق ~~والدمار، والإبقاء على حريته الباطنة وسط الأخطار البشعة التي تهدده في هذا ~~العصر. # نذكر من كتبه «كتاب أحلام سجين» وهو مجموعة من القصائد والخواطر النثرية (1957م)، ~~«قطع ليلية» (قصص) (1959م)، «أحاديث مع أدباء» (1962م). ~~(43) إليوت، توماس ستيرنز (1888-1965م) # ولد في مدينة سانت لويس بولاية مسوري (الولايات المتحدة الأمريكية). درس في جامعة ~~هارفارد والسوربون وأكسفورد. عاش في إنجلترا منذ سنة 1915م وتجنس بالجنسية ~~الإنجليزية سنة 1927م، وتحول بعد ذلك بعام واحد إلى الكاثوليكية. # اشتغل في لندن بالتدريس وعمل في مجلات أدبية عديدة، ثم تولى الإشراف على دار ~~النشر المعروفة «فابر وفابر» التي أصدرت جميع أعماله، وبقي حتى وفاته في هذا ~~المنصب. وجهت إليه دعوات عديدة لإلقاء المحاضرات كأستاذ زائر في جامعات مختلفة ~~داخل الجزر البريطانية وخارجها، ومنحته عدة جامعات درجة الدكتوراه الفخرية، وحصل ~~على جائزة نوبل سنة 1948، وجائزة جوته من مدينة هامبورج. يعد من أعظم الشعراء على ~~الإطلاق، وأحد مؤسسي الحركة الشعرية الجديدة في القرن العشرين، وتأثيره على شعرائنا ~~الجدد أشهر من أن يذكر. ظهر ديوانه الأول (بروفروك) في سنة 1917م، كما ظهرت قصيدته ~~الشهيرة «الأرض الخراب» سنة 1922م. # أما مجموعة ms448 قصائده التي اعتمدت عليها في القصائد التي اخترتها له، فقد صدرت سنة ~~1936م، كما صدرت «الرباعيات الأربع» سنة 1944م. وإليوت كاتب مسرحي قدير وناقد ~~أدبي واسع الثقافة، وقد ترجم عدد كبير من أعماله الشعرية والمسرحية والنقدية ~~إلى العربية، كما ترجم الأستاذ ماهر شفيق فريد معظم إنتاجه. # | بعض المصادر # (1) # Friedrich, Hugo, Die Struktur der Modernen Lyrik von ~~Baudelaire bis zur Gegenwart. Hamburg. Rowohlt, 1958. 216 S. 2te Auflage ~~1968. ~~(1) هوجو فريدريش، بناء الشعر الحديث، من بودلير إلى العصر الحاضر. هامبورج، روفولت، ~~1958م، 216ص، الطبعة الثانية، سنة 1968م. ~~(2) # Burnshaw, Stanley (Ed.), The Poem ~~itself. 150 European Poems, translated and analysed. Edited and with an ~~introduction by S.B.A., Penguin Book, 1960. ~~(2) القصيدة نفسها، 150 قصيدة أوروبية (من الشعر الفرنسي والإيطالي والألماني ~~والإسباني والبرتغالي) النصوص الأصلية مع ترجمتها وتحليلها باللغة الإنجليزية، ومقدمة ~~بقلم الناشر ستانلي برنشو. ~~(3) # Von Baudelaire bis Saint-John Perse. Französische ~~Gedichte und Deutsche Prosaübertragungen. Ausgewählt von Mayotte Bollack, ~~übersetzt von Bernhard Böschenstein und Jean Bollack. Frankfurt am Main, Fischer ~~Bücherei, 1962, 211 S. ~~(3) من بودلير إلى سان-جون بيرس . قصائد فرنسية وترجمتها النثرية إلى الألمانية، من ~~اختيار مايوت بولاك، وترجمة برنهارد بوشنشتين وجاو بولاك. ~~(4) # Französische Lyrik von Baudelaire bis zur Gegenwart. ~~Französisch und Deutsch. Hrsg. von Kurt Schnelle. Leip zig, Reclam, Band 266, ~~1967, 396 S. ~~(4) الشعر الفرنسي من بودلير إلى العصر الحاضر ويضم النصوص باللغة الفرنسية مع ~~ترجمتها الألمانية، نشره كورت شنيله. ليبزج دار نشر ركلام، المجلد 266 من السلسلة، ~~1967م، 396ص. ~~(5) # Metamorphose der Nelke. Moderne Spanische Lyrik, ~~Spanisch und Deutsch. Hrsg. von Carlos Rincon unter Mitarbeit von Karlheinz ~~Barck und F. R. Fries. Leipzig, Reclam, Band 388, 1968, 319 ~~S. ~~(5) تحولات القرنفلة (والعنوان مأخوذ من إحدى قصائد ألبرتي) الشعر الإسباني الحديث، ~~باللغة الإسبانية وترجمتها الألمانية. نشره كارلوس رينكون بالتعاون مع كارل هاينز بارك ~~وف. س فريس. # ليبزج، المجلد 388 من سلسلة ركلام، 1968م، 319ص. ~~(6) # T. S. Eliot, collected Poems 1909-1935. London, Faber ~~and Faber Limited, 1946, p. 191. ~~(6) إليوت، توماس ستيرنز، ms449 مجموعة قصائده بين سنتي 1909 و1935م، لندن، فابر وفابر، ~~1946. ~~(7) # The Penguin Book of Italian Verse, introduced and ~~edited by George R. Kay, with plain prose translations of each poem. Penguin ~~Books, 1960, p. XXX, 424. ~~(7) كتاب بنجوين للشعر الإيطالي، قدم له ونشره جورج. ر. كاي، مع ترجمة إنجليزية ~~منثورة. مجموعة كتب بنجوين، 1960، 424 صفحة. ~~(8) # Ergriffenes Dasein Deutsche Lyrik des Zwanzigsten ~~Jahrhunderts. Ausgewählt von Hans Egon Holthusen und Friedhelm Kemp. Ebenhausen ~~bei München, Langewiesche Brandt, 1957, 405 S., 5. ~~Auflage. ~~(8) الوجود المأخوذ، الشعر الألماني في القرن العشرين، منتخبات اختارها هانز إيجون ~~هولتهوزن وفريد هيلم كيمب. إيبنهاوزن (بالقرب من ميونيخ)، لانجفيشة برانت، 1957م، ~~405ص، الطبعة الخامسة. ~~(9) # Deutsche Lyrik der Gegenwart. Eine Anthologie. 2. ~~Auflage. Herausgegeben und eingeleitet von Willi Fehse. Stuttgart, Reclam ~~Verlag, 1957, 261 S. ~~(9) الشعر الألماني المعاصر (منتخبات)، الطبعة الثانية. نشرها وقدم لها فيللي ~~فيزه. سلسلة كتب ركلام: شتوتجارت، ركلام، 1957م، 261ص. ~~(10) # In diesem besseren Land. Gedichte der Deutschen ~~Demokratischen Republik seit 1945. Ausgewählt, zusammenges tellt und mit einem ~~Verwort versehen von Adolf Endler und Karl Michel. Halle (Saale), ~~Mitteldeutscher Verlag, 1966, 398 S. ~~(10) في هذا البلد الأفضل قصائد من جمهورية ألمانيا الديمقراطية منذ سنة 1945م، ~~اختارها وجمع بينها وقدم لها أدولف أندلر وكارل ميكل. هاله (على نهر الزاله)، 1966م، ~~398ص. ~~(11) # Englische Gedichte von Hopkins bis Dylan Thomas. ~~Herausgegeben und übertragen von Ursula Clemen und Christian Enzensberger. ~~Frankfurt am Main, Fischer Bücherei, 1961, 200 S. ~~(11) قصائد إنجليزية (مع ترجمة نثرية بالألمانية) من هوبكنز إلى ديلان توماس. نشرها ~~وترجمها أرزولا كليمن وكرستيان انسنز برجر. # مطبعة ودار نشر فيشر، فرانكفورت على نهر الماين، 1961م، 200ص. ~~(12) # Ungaretti, Giuseppe, Gedichte. Italienisch und ~~Deutsch. Uebertragung und Nachwort von Ingeborg Bachmann.Frankfurt/Main, ~~Suhrkamp Verlag, 1966, 157 S. ~~(12) جوسيبي أنجارتي، قصائد. النص الإيطالي والترجمة الألمانية التي قامت بها الشاعرة ~~أنجبورج باخمان. فرانكفورت، مكتبة ومطبعة زور كامب، 1966م، 157ص. ~~(13) شفيق مقار، شيء من الشعر، مختارات من الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر والقرن ~~العشرين مع دراسة لكل شاعر. مراجعة ms450 محمود تيمور. القاهرة، الدار القومية للطباعة ~~والنشر، 1966م. ~~(13) # Gero von Wilpert, Deutsches Dichterlexikon. ~~Stuttgart, Kröner Band 288 der Taschenausgabe, 1963. ~~(14) جيرو فون فيلبرت، معجم الأدباء الألمان، شتوتجارت، كرونر، العدد 288 من طبعة ~~كرونر للجيب، 1963م. ~~(14) # Deutsches Schriftstellerlexikon, von den Aufängen ~~bis zur Gegenwart Volksverlag, Weinar, 1960. ~~(15) معجم الكتاب الألمان، من البداية إلى العصر الحاضر. فيمار، مطبعة الشعب، ~~1960م. ~~(15) # André Bourin, Jean Rousselot, Dictionnaire de la ~~littérature française contemporaine. Larousse, 1968. ~~(16) أندريه بوران وجان رو سيلو؛ قاموس الأدب الفرنسي المعاصر، لاروس، 1968م. ~~(16) # Jean Rousselot, Dictionnaire de la poésie française ~~contemporaine, Paris, Librairie Larousse, 1968. ~~(17) جان روسيلو، قاموس الشعر الفرنسي المعاصر، لاروس، 1968م. ~~(18) عبد الغفار مكاوي، لحن الحرية والصمت، الشعر الألماني في القرن العشرين، مجلة ~~عالم الفكر، المجلد الرابع، سبتمبر 1973م. ms451