######OpenITI# #META# URI: 1440ImamCabdFattahImam.JabrDhati.Hindawi25131493 #META# Tags: philosophy #META# ID: 25131493 #META# Title: الجبر الذاتي #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 59792847 #META# Translator: إمام عبد الفتاح إمام #META# Related_books: 1414ZakiNajibMahmud.SelfDetermination (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة تقديم‏ # مقدمة: بقلم المترجم‏ # مقدمة‏ # 1 - النفس‏ # 2 - النشاط الذاتي1‏ # 3 - الإرادة‏ # 4 - المذهب الجبري: التحدد‏ # 5 - المذهب الجبري: السببية‏ # 6 - المذهب الجبري: إمكان التنبؤ‏ # 7 - الجبر الذاتي‏ # مراجع البحث‏ # كلمة تقديم‏ # مقدمة: بقلم المترجم‏ # مقدمة‏ # 1 - النفس‏ # 2 - النشاط الذاتي1‏ # 3 - الإرادة‏ # 4 - المذهب الجبري: التحدد‏ # 5 - المذهب الجبري: السببية‏ # 6 - المذهب الجبري: إمكان التنبؤ‏ # 7 - الجبر الذاتي‏ # مراجع البحث‏ # | الجبر الذاتي # | الجبر الذاتي # تأليف # زكي نجيب محمود # ترجمة # إمام عبد الفتاح إمام # | كلمة تقديم # هي كلمة أردت بها أن أقدم إلى القراء مترجم هذا الكتاب قبل ~~الكتاب نفسه؛ لأنه إذا كان الكتاب مشتملا على معرفة علمية قد ~~يحسن تحصيلها، فعمل الأستاذ المترجم هنا منطو على قيمة خلقية ~~سامية تستحق الذكر والإشادة، هي قيمة الوفاء - وفاء تلميذ ~~لأستاذه. # أما الكتاب في أصله الإنجليزي فهو الرسالة التي حصلت بها - منذ ~~ربع قرن - على جائزة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن؛ وأذكر أني ~~عند عودتي عندئذ إلى مصر، تفضل أستاذي المرحوم محمد شفيق غربال - ~~وكان يومئذ وكيلا لوزارة التربية والتعليم - فأشار على الوزراء ~~بطبعها على نفقتها، وطبعت على نطاق غاية في الضيق، كاد أن يقتصر ~~على بضع هدايا ترسل إلى الجامعات. # ومضت السنون، وغابت الرسالة عندي في أخفى حنايا الإهمال والنسيان، ~~حتى انتبهت على تلميذي وصديقي الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح وهو ~~يحمل إلي مخطوطا به ترجمتها إلى العربية، راجيا أن أراجع الترجمة ~~قبل نشرها. # لقد أحسست خلال المراجعة بشعور عجيب، كان بغير شك خبرة فريدة ~~بالنسبة إلي؛ إذ أحسست بمزيج يختلط فيه الشعور بأني أقرأ نفسي ~~وأقرأ سواي في آن واحد؛ لأنني لم أنفك أثناء القراءة موافقا ~~ومخالفا، ترى هل يكون الإنسان إنسانا أكمل لو ظل عشرات الأعوام ~~ثابتا على فكرة بعينها؟ أم أن الكمال مرهون بالصدق وحده، سواء ~~اقتضى هذا الصدق ثباتا على الفكرة أو انقلابا عليها؟ والحمد لله الذي ~~أنعم علي بصفة الإخلاص لنفسي، أقف عند الفكرة التي أومن بصدقها، غير ~~عابئ بهجمة الناقدين. # قرأت كتابي من ms001 جديد، ولكن في صورة عربية، بعد خمسة وعشرين عاما من ~~تأليفه، فوجدتني ثابتا على مضمون الدعوة ، وما مضمونها إلا حرية ~~الإنسان وقدرته على الخلق والإبداع، فما زلت حتى هذه اللحظة أومن ~~إيمانا راسخا بأن الإنسان كائن مريد حر في اختيار ما يريده؛ ~~وأنه - دون سائر الكائنات - ليس حصيلة سلبية للعناصر الخارجية ~~المحيطة به، بل هو مبدع خلاق، يأتي بالجديد الذي يضاف إلى الوجود ~~خلقا جديدا، يكون له فضله، وعليه تبعته. # غير أني - مع بقاء هذا الأساس مكينا ثابتا - قد اتخذت بإزائه ~~وسائل ليست هي الوسائل التي اتخذتها منذ ربع قرن، حين أنشأت هذه ~~الرسالة العلمية؛ فقد رأيت عندئذ أن أعارض اتجاهين فكريين في ~~تحليلهما للنفس البشرية، هما مذهب هيوم في المعرفة، ومذهب السلوكيين في ~~ميدان علم النفس، على حين أني اليوم أبدأ من هذين الأساسين ~~لأقيم فكري، ذاهبا معهما إلى آخر ما يستطيعان أن يبلغا بي في ~~تحليل الإنسان، فأنا مع هيوم في وجوب أن ترد الأفكار العقلية إلى ~~مصادرها الحسية، وإلا كانت أوهاما لا تفيد، وأنا كذلك مع ~~السلوكيين في رد السلوك كله إلى أفعال منعكسة تظل تتعقد ~~وتتركب بالارتباطات الشرطية على طريق النشأة والتربية طوال السنين، ~~على أني مع الأخذ بهذين المذهبين في تحليل المعرفة والسلوك، أعتقد ~~أنهما لا يستنفدان الإنسان كله، بل تبقى من الإنسان بقية ملغزة ~~تستعصي على التحليل، هي على وجه التحديد البقية التي يكون منها ~~الإنسان، الفرد، المتميز، المريد، الحر فيما يريد، المبدع ~~الخلاق. # فالنتيجة التي أصل إليها اليوم هي نفسها النتيجة التي وصلت إليها ~~فيما مضى، وإن اختلفت خطوات البرهنة والتدليل. # وأحسب أن ما سوف يلفت نظر القارئ المتفحص هو هذا التباين الذي ~~قد يبدو شديدا بين وجهين لرجل واحد: فها هو ذا قد عرف عند طلبته ~~وقرائه بشيء نظري شكلي خال من كل مضمون فكري، يسمى بالوضعية ~~المنطقية، تنادي بطرائق للتحليل دون أن تضيف للناس فكرة إيجابية ~~تحل لهم إشكالا، لكننا نراه في هذا الكتاب يتكلم عن الإنسان، ~~وكأنه قد جمع في ms002 بوتقة واحدة عدة فلسفات معاصرة: الظاهراتية، ~~والوجودية، والتطورية البرجسونية، فكيف يريدنا أن ندمج هذين الوجهين ~~في رجل واحد؟ # ولست أرى هذا التباين كله بين الموقفين، وكل الفرق - كما أراه - ~~هو فرق بين منطق التحليل حين يكون مجردا، وهذا المنطق التحليلي نفسه ~~حين يدخل ميدان التطبيق، فهذه الرسالة في حقيقة أمرها إن هي إلا ~~موضوع استخدمت في بحثه أدوات التحليل، التي من شأنها أن تفتت الفكرة ~~المجملة إلى عناصرها البسيطة، فتلقي ضوءا على محتواها، حتى إذا ما ~~عهدنا إلى وضعها في السياق، كانت أقدر على توصيلنا إلى نتيجة أو ~~نتائج. # وأترك الكتاب وما فيه لنقد الناقدين، لأعود إلى صديقي صاحب ~~الترجمة، فأشكر له هذا الجهد الذي عاناه، وإني لأعلم الناس به؛ ~~لأنني أعلم كم كان الأصل الإنجليزي مركزا مكثفا، وكم يصعب عند ~~الترجمة أن تجمع بين أمانة النقل والمحافظة على الصورة الأصلية في ~~تركيزها وتكثيفها. فللأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام شكر مني ~~على وفائه، وشكر على جهد مجهد بذله، وشكر ثالث على أن طلب إلي ~~مراجعة ترجمته، ولم تكن في الحق، بحاجة إلى مراجعة، لكنها فرصة ~~سعيدة التقيت به فيها مرة أخرى في عالم الفكر، كما التقينا كثيرا عدة ~~مرات سبقت، التقاء زميلين، برغم ما قد يظنه الظانون، بل ما قد يظنه ~~هو نفسه، من أن لقاءنا كان لقاء طالب بأستاذ؛ وله مني الدعاء ~~المخلص بالتوفيق والسداد. # زكي نجيب محمود # | مقدمة: بقلم المترجم # يكاد يجمع الباحثون على أن «حرية الإرادة» من أعقد الموضوعات التي ~~درستها الفلسفة على الإطلاق، وأكثرها إثارة للضجيج والجدل، منذ أقدم ~~العصور حتى عصرنا الحاضر: من أفلاطون حتى سارتر. # فهو من بين الموضوعات القليلة التي اشتركت في دراستها علوم متعددة؛ ~~إذ يضرب بجذور عميقة في: الفلسفة، واللاهوت، والاجتماع والأخلاق، وعلم ~~النفس والأنثروبولوجيا، والقانون والبيولوجيا ... إلخ. بل إن علماء ~~الطبيعة أنفسهم دخلوا أطراف نزاع في هذه المشكلة. وربما لا يكون ذلك ~~غريبا في حد ذاته طالما أن الموضوع يتعلق بوجود الإنسان ذاته، ~~وهو لغز محير، لكن الغريب حقا، ms003 أنه رغم تكاتف هذه العلوم ~~جميعا في دراسة هذه المشكلة، فإن الفشل في حلها كان عاما ؛ إذ لا ~~يزال يحتدم الجدل حولها حتى الآن، ولا يزال لها مكانها المرموق في ~~الفلسفة المعاصرة. # فهي من الناحية الفلسفية إحدى المشكلات الرئيسية في علم الأخلاق ~~المعاصر؛ ذلك لأن الأخلاق إنما تقوم على مبدأين أساسيين؛ هما: ~~الاستحسان والاستهجان، «أو اللوم والثناء»، وهما ينهاران مع غياب ~~الحرية؛ فلو لم يكن في استطاعتك أن تقول لشخص ما إنه ينبغي عليك أن ~~تفعل الفعل «س» وأن تمتدحه إذا فعله، وتلومه إذا لم يفعله، فلن يكون ~~ثمة حكم أخلاقي. وإذا لم يكن في استطاعة هذا الشخص إلا أن يفعل الفعل ~~«ص»؛ فسوف يكون من اللغو - يقينا - أن نقول إنه كان ينبغي عليه أن ~~يفعل الفعل «س»، مثلما يكون من اللغو أن نقول عن الحجر الذي يسقط من ~~حالق إنه كان ينبغي عليه أن يسقط إلى أعلى لا إلى أسفل؛ وباختصار ما ~~لم تكن لدى الإنسان قدرة على الاختيار، فسوف تغدو الأخلاق بلا معنى. # 1 # ومن هنا فإننا نجد الفيلسوف الألماني المعاصر «نيكولاي هارتمان # Nicolai Hartman ~~» على سبيل المثال ~~يقيم مذهبه في «الأخلاق على مبدأ أساسي يقول: إن الفعل الخلقي ~~القائم على الإرادة الحرة هو وحده الذي له قيمة، ويخصص «هارتمان» ~~ثلث مؤلفه الضخم الموسوم باسم «علم الأخلاق # Ethics ~~» لدراسة مشكلة حرية الإرادة». # 2 # كما أن هذه المشكلة لا تزال، حتى يومنا هذا، تلعب دورا بارزا في ~~فلسفة الدين، بل إن بعض المذاهب اللاهوتية ينظر إلى حرية الإرادة على ~~أنها دليل قوي على وجود الله. فها هو ذا جانب «روحي» خالص لا يخضع ~~للطبيعة ولا للتفسير العلمي، أفلا يدل ذلك على أن الطبيعة ليست ~~كلها «مادية»؟ ومعنى ذلك أنهم يتخذون من هذه المشكلة «الملغزة» التي ~~«استعصى حلها» برهانا «على وجود قوة روحية عليا هي الله». وهم من ~~ناحية أخرى يهتمون بدراسة هذه المشكلة؛ لأن تعاليم الدين لا تقوم لها ~~قائمة إلا إذا كان الإنسان حرا، (رغم ما في ذلك ms004 من مفارقة)، أعني ~~إلا إذا كان الإنسان قادرا على عصيان هذه التعاليم وعلى أن يسلك ~~ضدها، بل ضد الله نفسه وضد رغباته؛ بحيث يمكن بالتالي أن يكون ~~مسئولا عن أفعاله. ومع أن علماء اللاهوت يعترفون صراحة أنها مشكلة ~~عسيرة الحل حتى بالنسبة للدين نفسه، فإنهم يصرون - مع ذلك - على ~~حذفها من نطاق العلم، بحجة أنه ليس في مقدوره حلها. # والمذاهب الوجودية من كيركجور حتى سارتر تتخذ من هذه المشكلة محورا ~~لها. فالقول بأن الوجود يسبق الماهية، يعني أن الوجود هو القدرة ~~على خلق هذه الماهية. ويهتم بالتيار الذي يمثله سارتر اهتماما ~~خاصا بهذه المشكلة؛ إذ يرى سارتر أن الإنسان ليس حرا فحسب، ~~لكنه الحرية ذاتها؛ فوجوده هو نفسه حرية، وهو يقاس بمقدار ما ~~يتمتع به من حرية: «لست السيد، ولست العبد، لكني أنا الحرية التي ~~أتمتع بها» ... هكذا يقول «أورست» بطل مسرحية «الذباب»، فحياة الفرد ~~وشخصيته تتوقف على القرارات التي يتخذها بمحض اختياره وكامل ~~حريته. # كما أن هذه المشكلة لا تزال لها أهمية خاصة في فلسفة التاريخ؛ إذ ~~تقوم بعض المدارس في فلسفة التاريخ على أساس أن حرية الإرادة الفريدة ~~التي لا يمكن تكرارها عند الفرد هي القوة المحركة للأحداث ~~التاريخية، ومن ثم فإن جميع ظواهر التاريخ تمثل خلقا جديدا، ~~وليس التكرار إلا عاملا ثانويا فحسب. # 3 # من ذلك تتضح أهمية هذه المشكلة في الفكر المعاصر، كما يتضح ~~أيضا أن حلها لن يفيد الفلسفة وحدها، لكنه سوف يعطي دفعة قوية ~~لكثير من العلوم. فلا شك أن حل مشكلة حرية الإرادة سوف ينعكس ~~أثره على فهم الحرية البشرية بصفة عامة، طالما أنها تشمل - بالإضافة ~~إلى الإرادة الفردية - مجموع العقل البشري مأخوذا بمعناه الفردي ~~والاجتماعي في آن معا. وإذا كانت مشكلة الحرية أكثر عمومية وشمولا ~~من مشكلة حرية الإرادة، فإن الأخيرة تمثل المركز والنواة للأولى، ~~وإذا لم تقدم - من ناحية أخرى - إجابة شافية لمشكلة حرية الإرادة، ~~فإن التصور العام للحرية سوف يظل ناقصا مبتورا. ~~••• # ولعل هذا هو السبب في النزاع المحتدم بين ms005 أنصار حرية الإرادة وخصومها ~~منذ ظهور العلم في القرن السابع عشر. # 4 # ذلك لأن اكتشاف القوانين العلمية قد أدى أولا إلى ~~التحكم في سلوك الأشياء المادية، ثم إلى التحكم بعد ذلك في سلوك ~~أشياء تعلو على هذه الأرض، كالنجوم والكواكب، ونظر إلى الكون في عصر ~~«نيوتن» على أنه آلة ضخمة أو ساعة دقيقة، يسير كل شيء فيها وفقا ~~لقانون صارم، لكن الإنسان مع ذلك ظل خارج نطاق السببية، أو كانت ~~الطبيعة البشرية لا تزال منعزلة عن الطبيعة بمعناها العام، أعني ~~أنها كانت مستقلة عن الجبرية السائدة في الطبيعة. (وهو ما عبرت عنه ~~النظرية الثنائية عند ديكارت، حين وضعت حاجزا أساسيا بين الطبيعة ~~الفيزيائية والطبيعة البشرية). ثم جاء داروين وكشف عن العملية المنتظمة ~~الهائلة التي تتحكم في أشكال الحياة ذاتها، وهنا بدا كأن الزحف ~~المستمر للحتمية ولسيادة مبدأ السببية قد بلغ أقصى مداه، وبدأ التساؤل ~~عن إمكان خضوع الأفعال البشرية نفسها للقوانين الطبيعية. وتولى علم ~~البيولوجيا تدعيم المذهب الجبري حين درس مشكلة الوراثة والبيئة ~~وأثرهما على شخصية الإنسان، ولم يكن ثمة خلاف بين العلماء على أثر ~~هذين العاملين، لكن الخلاف تركز حول القدر الدقيق الذي ينبغي أن ~~ينسب إلى كل منهما، ولا يزال هذا الخلاف قائما حتى اليوم. # غير أن الدراسة البيولوجية للإنسان - شأنها شأن الدراسات العلمية ~~الأخرى - كانت، ولا تزال، تؤيد المذهب الجبري، وتدعم التفسير الحتمي ~~للسلوك البشري، ولا يعني ذلك أن سلوك الإنسان محدود سلفا بما ~~ستزوده به «الجينات» «المورثات» من خصائص، لكنه حتمي، بمعنى أن ~~ما سوف يكون عليه هو نتيجة مركب كونته هذه الوراثة الأولى مع البيئة ~~التي يتطور فيها. # وإذا كان علم البيولوجيا قد ~~انحاز إلى المذهب الجبري، فإن من الباحثين من اتجه إلى علم النفس، ~~آملا أن يؤدي إلى تسوية نهائية لهذه المشكلة، بحيث تقنع أطراف ~~النزاع جميعا. يقول «هنتر ميد» في هذا المعنى: «إن أيا من جانبي ~~النزاع الخاص بحرية الإرادة لم يفلح في قهر الجانب الآخر، وما زالت هذه ~~المشكلة أكثر أبناء الفلسفة ms006 إثارة للضجيج والمتاعب. ولكن هناك على ~~الأقل احتمالا في أن يؤدي تطور علم النفس إلى تسوية نهائية لهذه ~~المسألة القديمة العهد. ولو حدث ذلك لكان هذا يوما سعيدا لأمها ~~الفلسفة؛ إذ إن هذا سيثبت مرة أخرى رأيها القائل إنه ليس كل أفراد ~~ذريتها حالات مستعصية مستحيل تقويمها. ولا جدال في أن الفلسفة سوف ~~يسعدها التخلص من هذه المشكلة؛ إذ لا توجد من المشكلات ما أثارت من ~~المتاعب قدر ما أثارت هذه.» # 5 # لكن يبدو أن «ميد» كان متفائلا أكثر من اللازم، فهذا ~~واحد من علماء النفس في بلادنا، يصف موضوع الإرادة وحده بأنه «من ~~الموضوعات الحائرة التي فقدت أوراق اعتمادها في نظر كثير من المدارس ~~السيكولوجية؛ فهو كالمنبوذ السياسي الذي جرد من جنسيته، فأخذ يجتاز ~~البحار جيئة وذهابا بدون أن يوفق إلى الدخول في ميناء يستقر فيها. ~~فقوم يرون أن موضوع الإرادة من الموضوعات الميتافيزيقية العامة التي ~~يجب أن تعالج بطريقة مذهبية على غرار مسألة الوجود والعدم والخير ~~والشر ... إلخ، ويرى قوم آخرون أن موضوع الإرادة لا يتعدى النظر في ~~الحركات الإرادية كما يفهمها العالم البيولوجي ... ويذهب بعضهم إلى أن ~~موضوع الإرادة من اختصاص علم الاجتماع.» # 6 # غير أن علم النفس في دراسته لمشكلات السلوك البشري بصفة عامة لم ~~ينته إلا إلى تدعيم المذهب الجبري! فهو قد كشف في تحليله لهذا ~~السلوك عن أن الاختيار أو القرار يحدث دائما نتيجة لشروط معينة. ~~فعندما تتوافر هذه الشروط يحدث اختيار، وعندما تغيب لا يكون هناك ~~اختيار، كما أن مدرسة التحليل النفسي بصفة خاصة قد دعمت موقف أنصار ~~الحتمية الذاتية # Self-determinism # حين فسرت قوانا الواعية: كالإرادة والعقل والضمير ... إلخ، بأنها ~~محكومة تماما بقوى لا عقلية يرقد معظمها تحت عتبة الشعور، ولا نعرف ~~شيئا عن تكوينها ولا نستطيع أن نحسب مقدار أثرها على الشعور. وهم ~~يصورون المنابع الرئيسية لطبيعتنا ببحر من الغرائز والدوافع ليس له ~~قرار يضطرب بعواصف اللبيدو # Libido # وأمواج الرغبة، وعلى هذه الأمواج يتأرجح الشعور والوعي كما تتأرجح قطعة ~~الفلين على سطح ms007 الماء! # وليست مدرسة التحليل النفسي هي وحدها التي تؤدي إلى هذه النتيجة، ~~بل إن معظم مدارس علم النفس المعاصر تدعمها بطريقة أو بأخرى، ~~فالمدرسة السلوكية - مثلا - تحاول أن تدرس الإنسان على أنه آلة ~~تعتمد في سلوكها على المثير والاستجابة. والذهن إما أن يدرس دراسة ~~موضوعية كما يدرس النبات وحركات الكواكب، وإما أن يحذف من مجال ~~الدراسة. يقول «واطسن»: «إن عالم النفس السلوكي يضع الموجود البشري ~~أمامه ثم يقول: ما الذي يستطيع هذا الكائن أن يفعله؟ متى يبدأ في عمل ~~هذه الأشياء؟ وإذا لم يكن في استطاعته أن يعمل هذه الأشياء بسبب ~~طبيعته الأصلية فما الذي يمكن أن يتعلم أن يفعله؟» # 7 # وهكذا يعالج الموجود البشري كما تعالج «العينة» في ~~المعمل، ويتساءل عالم النفس السلوكي كيف تسلك هذه «العينة» في الموقف ~~الفلاني؟ ومتى تسلك بطريقة معينة، وما الموقف الذي يجعلها تسلك على هذا ~~النحو؟ # صفوة القول إن الدراسات العلمية - منذ ظهور العلم في القرن السابع ~~عشر حتى الآن - كانت تتجه إلى تدعيم المذهب الجبري، لكن الغريب حقا ~~أن هذه الجهود المضنية التي بذلها العلماء لم تفلح لا في حل هذه ~~المشكلة ولا في إقناع الإنسان بأن سلوكه حتمي بالضرورة: «ومهما ~~حاولنا أن نقنع الإنسان بأنه أسير الظواهر الطبيعية فإننا لا ~~يمكن أن ننجح تماما في أن نقضي على ما لديه من شعور بالحرية.» # 8 # فحرية الإرادة يدل عليها شهادة الوجدان ويقنع بها الإنسان ~~أتم الاقتناع: «كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود ولا ~~يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، فكذلك يشهد أنه ~~مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها ويقدرها بإرادته. ثم ~~يصدرها بقوة ما فيه.» # 9 ~~... «ولو لم يكن الأمر كذلك، أفكان إجماع الناس ينعقد على ~~نسبة الأفعال إلى أصحابها؟» الوجدان يشهد والحس يشاهد أن الفرد يرفع ~~يده بالسيف ويضرب آخر فيقتله، هو الذي ضربه. ويقول الرائي والمخبر إن ~~فلانا قتل فلانا أو ضربه، أو اعتدى عليه؛ فنسبة الأفعال إلى من صدرت ~~عنه من العباد مما لا ms008 يحتاج إلى بحث ولا نظر. # 10 ~~••• # وإذا كانت الدراسات العلمية قد أدت إلى تدعيم المذهب الجبري بهذا ~~الشكل القوي الذي وصل إلى حد الشطط في بعض الأحيان، فإن حرية ~~الإرادة لم تعدم أنصارا يقفون بجانبها ويدافعون عنها ويصلون في هذا ~~الدفاع إلى حد الشطط أيضا! # فمذهب اللاجبرية الخالصة على الطرف المقابل يذهب إلى أن الفعل ~~البشري حر حرية مطلقة، فهو بغير سبب وبلا مقدمات على الإطلاق! وبناء ~~على رأي هذا المذهب فإن الإنسان يمكن أن يفعل الفعل «أ» في أية ~~لحظة دون أن يكون هناك ارتباط على الإطلاق بين الحاضر من ناحية أو بين ~~الماضي والمستقبل من ناحية أخرى. والواقع أن هذا المذهب ينتهي إلى ~~نتائج غريبة، فهو يرى أن الفاعل حين يسلك سلوكا معينا فإنه لا ~~يكون مقيدا في فعله هذا بأي شيء، داخليا أو خارجيا؛ فهو لا ~~يسلك سلوكه هذا لأنه يحقق أعلى رغبة من رغباته، ولا لأنه يجلب ~~أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، ولا لأنه صادر عن سلطة ~~الواجب الداخلية، وهو ليس مقيدا في فعله بتركيبه الجسمي أو العقلي، ~~أو الوراثة أو البيئة التي نشأ فيها، إنه باختصار شديد يفعل بلا سبب. ~~فليست هناك مقدمات من أي نوع تضطره أن يفعل ويستبعد البدائل الأخرى، ~~فهو لا يرتبط بغاية تغريه بهذا السلوك، ولا بمقدمات تضطره إليه، إن ~~فعله هو ببساطة مجرد صدفة. ومثل هذه اللاجبرية الخالصة أو حرية ~~اللامبالاة تعني العشوائية التي هي سلب للعقل والقانون، فكل شيء ممكن ~~ولا شيء مستحيلا، ولا شيء مؤكدا من حياة الإنسان. فالرجل الفاضل قد ~~ينقلب فجأة إلى رجل سيئ السلوك، ومن ثم فكل محاولات المربي ~~تصبح بغير جدوى! # ولا شيء يهدم المسئولية الخلقية كما تهدمها حرية اللامبالاة هذه؛ ~~لأن الفاعل حين يسلك سلوكا معينا فإنه يفعله كما قلنا بلا سبب ~~وبلا هدف، ومن ثم فهو غير مسئول عنه. والسلوك الذي أسلكه في لحظة ~~معينة لا يرتبط على الإطلاق بما حدث لي في الماضي؛ إذ لو كانت هناك ~~رابطة ms009 بين الماضي والحاضر لكان معنى ذلك أن الفعل - جزئيا أو ~~كليا - يرتبط بمقدمات معينة. لكن القول بأنني في كل لحظة شخص جديد ~~تصدر عني أفعالي في استقلال كامل عن ماضي، فهو يؤدي إلى هدم الهوية، ~~ويعفيني بالتالي من المسئولية، والهوية لا تعني شيئا سوى التشابه ~~الذاتي. والشرط الأول لإمكان أن أكون مذنبا أو غير مذنب، أعني أن ~~أصبح موضوعا لحكم أخلاقي هو هذا التشابه الذاتي، أن أكون أنا نفسي ~~باستمرار شخصا واحدا في هوية ذاتية مع نفسي. وهذا الشرط هو ما ~~ينكره مذهب اللاجبرية الخالصة. ~~••• # لكن ألسنا بذلك نصل إلى طريق مسدود؟ إذا كان المذهب الذي ينادي ~~بالحرية المطلقة يرى أن الفعل البشري حر حرية كاملة، متهافت إلى ~~هذا الحد، ألا يعني ذلك أننا نفسح المجال من جديد للمذهب الجبري؟ ~~لكن المذهب الجبري مرفوض هو الآخر: فكيف يمكن أن نخرج من هذا المأزق؟ ~~وهل يوجد مذهب ثالث؟ # يبدو أن هذا الإشكال إنما ينشأ عن مفارقة غريبة نؤمن بها جميعا، ~~وهي أن هناك مجموعتين من المعتقدات المتنافرة - سواء أكان هذا ~~التنافر حقيقيا، أم ظاهريا - نؤمن بهما معا ولا نرضى التخلي ~~عن أي منهما. # فنحن نعتقد من ناحية أننا نستطيع أحيانا أن نختار بين أن نسلك ~~على نحو معين أو أن نسلك ضد هذا السلوك، وأننا مسئولون في ~~الحالتين، وكذلك نعتقد أن تبعة تلك الجوانب من تاريخنا التي لم تكن ~~في حدود اختيارنا يستحيل أن تقع على عاتقنا. # لكننا نؤمن من ناحية أخرى أن الطبيعة مطردة، وأن كل ما يحدث ~~ناتج عن مجموعة من العلل والظروف ويمكن تفسيره بها. ونؤمن على الأخص ~~بأن أفعالنا إنما تصدر عن طبيعتنا الموروثة بعد أن تقوم البيئة ~~بتعديلها، لكن إذا كان كل ما يحدث يحدده سياقه الخاص، فقد يبدو إذن ~~أن أفعالنا تتحدد بواسطة سياقها، وأن اختياراتنا يحددها ~~سياقها أيضا، وقد يبدو - على الأخص - أنه إذا كانت أفعالنا تنشأ عن ~~طبيعتنا الموروثة مع تعديل البيئة لها، فلسنا بمسئولين عن أفعالنا، كما ~~أننا لسنا مسئولين عن طبيعتنا ms010 الموروثة وبيئتنا. وباختصار شديد نحن ~~نميل إلى الاعتقاد بأن أفعالنا لا بد أن يكون لها سبب، أو لا بد ~~أن تكون بغير سبب في وقت واحد! # لكن هل يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير للفعل الحر؟ هل يجوز لنا ~~أن نقول إنه من الممكن أن تكون للإرادة سبب وأن يكون هذا السبب نفسه ~~مع ذلك حرا؟ انظر أولا إلى المثال الآتي: # افرض أن هناك ساعة تدق آليا حين تكتمل دورتها ساعة كاملة ~~فتخبرنا بالوقت. إننا إذا ما افترضنا في هذه الحالة أن حركات ~~الساعة ليست محددة تحديدا سببيا، لكنها تسير بشكل عشوائي، بحيث ~~تكون دقاتها مجرد صدفة، فسوف يكون من اللغو - يقينا - أن نقول عنها ~~إنها تخبرنا بالوقت. إن الشرط الأساسي الذي يمكننا من القول ~~بأنها تخبرنا بالوقت، بحيث نطمئن إلى ذلك، هو أن تكون محددة ~~تحديدا سببيا. وإذا كنا من ناحية أخرى سوف نقول إن الساعة هي ~~نفسها التي تخبرنا بالوقت فلا بد أن يكون التحديد السببي لحركات ~~الساعة آتيا من عوامل بداخلها ذاتها. أما إذا كانت هذه الحركات ~~محددة بقوى خارجية، وتتحكم فيها عوامل أخرى، فإننا لن نستطيع أن ~~نقول عنها إنها «حرة» في أداء وظيفتها. # 11 # وإذا عدنا الآن إلى السؤال الذي سبق أن طرحناه: هل يمكن للفعل الحر ~~أن يحدد تحديدا سببيا وأن يظل مع ذلك حرا؟ قلنا إن هذا ~~الموقف هو موقف «الجبر الذاتي»، أو المذهب الثالث بين الجبرية الخالصة ~~أو اللاجبرية الخالصة، فسلوك الإنسان كما يفسره هذا المذهب؛ محدد ~~تحديدا سببيا بقوى نابعة من طبيعته الخاصة، قوى داخل الإنسان نفسه ~~أو هي الإنسان نفسه، وهنا لا تكون «الحرية» و«الجبرية» ضدين، وإنما ~~تكون الحرية البشرية نوعا من التحديد الذاتي، أو الجبر الداخلي، وهذا ~~ما يسمى بالجبر الذاتي. # وبهذا المعنى وحده نستطيع أن نقول إن الإنسان مسئول عن أفعاله ~~الإرادية. لأن الأفعال الإرادية ترتبط ارتباطا سببيا بمقدمات ~~معينة تقوم في طبيعة تكوين الفاعل نفسه، ما دامت هذه الأفعال تعبر ~~عن طبيعة الفاعل، وتحقق ذاته. وهي ms011 في نفس الوقت حرة، لأنها ليست ~~نتاجا ضروريا لشيء آخر خارج طبيعة الفاعل نفسه؛ فبمقدار ما يكون ~~الفاعل مكتفيا بذاته في تفسير الفاعل الإرادي فهو حر إلى هذا الحد ~~في هذا الفعل، وهو بإنجازه له على هذا النحو إنما يكون محددا ~~بذاته أو مجبرا ذاتيا. ~~••• # تلك هي - بإيجاز شديد - النظرية التي يعرضها علينا هذا البحث ~~محاولا أن يثبت أن كلا من المذهب الجبري، والمذهب اللاجبري، ~~محق فيما يؤكده، مخطئ فيما ينكره، على نحو ما سنرى في ثنايا الكتاب ~~بالتفصيل. # غير أن أهمية هذا البحث لا ~~تقف عند هذا الحد؛ ذلك لأنه يكشف لنا جانبا هاما كان مجهولا، من ~~جوانب التطور الروحي عند واحد من المفكرين الممتازين في بلادنا، ~~وكما قلت في مكان آخر: # 12 # إن الذين يقرءون للدكتور زكي نجيب محمود ويتابعون ~~إنتاجه، وهم كثيرون، لا يعرفون منه إلا جانبا واحدا من جوانب تطوره ~~الفلسفي، وهو الجانب الذي كرس فيه جهده لنشر الوضعية المنطقية ~~والدفاع عنها بكل السبل: تشهد على ذلك محاضراته، ومقالاته، ~~ومؤلفاته المتعددة، فهو الداعية إلى الوضعية المنطقية في بلادنا، ~~والعدو الأول للميتافيزيقا ... غير أن هناك جانبا آخر من جوانب تطوره ~~الروحي قد لا يعرفه الكثيرون وهو تفكير زكي نجيب محمود الشاب أو «مذهبه ~~الأول» - إذا شئنا استخدام الاصطلاح الهجلي المشهور - كما تعبر عنه ~~«مؤلفات الشباب»: على الصعيد الفلسفي ذلك البحث الذي تقدم به لنيل ~~درجة الدكتوراه من جامعة لندن وعنوانه «الجبر الذاتي»، وعلى الصعيد ~~الأدبي ذلك التحليل الرائع الذي كتبه أستاذنا في صدر الشباب ل «عينية» ~~ابن سينا، وشرح فيه كيف هبطت «الورقاء» متدللة متمنعة من «المحل ~~الأرفع» لتحل في جسد الإنسان. # 13 # وتلك هي المرحلة الأولى التي مر بها أستاذنا قبل أن يصل ~~إلى «مذهبه النهائي»؛ مرحلة الشباب، بكل ما في هذه الكلمة من قوة ~~وطموح وحيوية، مرحلة الدفاع عن الميتافيزيقا، # 14 # ونقد هيوم، وتفنيد المدرسة السلوكية، ومحاولة تعريف ~~«الورقاء» تعريفا ميتافيزيقيا خالصا بأنها «الانتباه» بشقيه ~~الذاتي والموضوعي. # ولو تأملنا قليلا هذه المرحلة لاتضح لنا أن ms012 كراهية الدكتور ~~زكي نجيب محمود للميتافيزيقا - وهي التي تطبع بطابعها مذهبه النهائي ~~- ليست إلا كراهية العاشق لمعبودته بعد أن يئس من طول الصد والهجران! ~~فلقد حاول هذا المفكر الممتاز أن يصل إلى أغوار الميتافيزيقا فقام ~~برحلة شاقة مضنية، رأى بعدها أن البئر لا تزال عميقة مظلمة، وأن ~~القرار لا يزال جد بعيد، فارتد عنها وهو يقول: ليس الكلام عنها إلا ~~همهمة بغير معنى! # ترى كيف وقع هذا الانقلاب؟ وكيف عبرت السفينة بحر الظلمات ~~الميتافيزيقي إلى بر الأمان في الوضعية المنطقية؟ أغلب الظن أنه ~~تم بتحول روحي عنيف، والتحول الروحي - بصفة عامة - يعرفه كل ~~مفكر أصيل، وهو على درجات متفاوتة؛ فقد يكون بطيئا متدرجا كما ~~هي الحال عند فيلسوف مثل هيجل، وقد يكون عنيفا كما هي الحال عند ~~أغسطين، بل قد يعجب منه المفكر ويدهش له وكأنه تم رغما عنه! كما ~~هي الحال - مثلا - عند أحد علماء الطبيعة «متشنيكوف» الذي تحول إلى ~~عالم أمراض، وكتب في مذكراته يصف هذا التحول بقوله: «انقلبت إلى ~~عالم أمراض، وهو انقلاب لا يعدله إلا انقلاب زمار إلى عالم فلك!» ~~التحولات الروحية معروفة إذن في تاريخ الفكر، وليس ثمة تناقض بين ~~أن يكون للمفكر آراء معينة في صدر شبابه، وبين أن يعدل عنها حين ~~يكتمل تفكيره وينضج، لكن المرحلة الأولى تبقى مع ذلك أساسية في ~~فهمنا لتطوره الفكري، وتلك هي الحال نفسها مع أستاذنا الدكتور زكي ~~نجيب محمود، الذي بدأ حياته الفكرية ميتافيزيقيا بكل ما تحمله هذه ~~الكلمة من معنى، ثم انتهى إلى عداء كامل لكل المشكلات الميتافيزيقية. ~~والغريب أنه يشبه في ذلك، الغالبية العظمى من فلاسفة هذا القرن، ~~الذين بدءوا هيجليين، ثم انتهوا إلى عداء عنيف للفلسفة ~~الهيجلية. # على أنك واجد بين المرحلتين خصائص مشتركة؛ ففيهما معا ستجد ~~الدكتور زكي نجيب محمود الذي يميل إلى الدقة وتحديد معاني الألفاظ، ~~ويهتم اهتماما رئيسا بالدور الذي تلعبه اللغة والمشكلات التي تنتج عن ~~غموضها، كما أنك ستجد الاتجاه نحو المنطق، والميل إلى وضع الفكرة في ~~رموز وصيغ منطقية ms013 خالصة، كما ستجد حاسة الكشف عن المغالطات المنطقية، ~~وستجد أخيرا العرض الواضح للأفكار وتسلسلها. # أود أخيرا أن أتوجه بخالص شكري إلى أستاذي الدكتور فؤاد زكريا، ~~الذي تقبل بصدر رحب، أن ألجأ إليه بين الحين والآخر - أثناء ترجمة ~~هذا الكتاب - كلما غمض علي نص، أو غابت عني فكرة. ولا يفوتني ~~كذلك أن أشكر للدكتور عزمي إسلام ملاحظاته القيمة التي أبداها حول ~~ترجمة المصطلحات المنطقية بصفة خاصة. # وإني لأرجو أن أكون بنقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية قد أديت ~~واجبا نحو المكتبة الفلسفية العربية، حين ضممت إليها فكرا عربيا ~~أصيلا، ظل أكثر من خمسة وعشرين عاما، بعيدا عنها، حبيس لغة ~~أجنبية. # والله نسأل أن يهدينا جميعا سبيل الرشاد. # إمام عبد الفتاح إمام # | مقدمة # شغلتني مشكلة البحث فيما إذا كان الإنسان حرا أو مجبرا منذ مطلع ~~شبابي، وقد تكون هذه هي الحال نفسها مع غيري من الناس؛ إذ يبدو أن ~~المشكلة تفرض نفسها على الإنسان حين يدرك أنه مسئول أخلاقيا، ولم ~~يتوقف عامة الناس - تماما كالفلاسفة - عن إثارة هذه المشكلة ~~ومحاولة الوصول إلى حل مقنع لها. ولهذا ظهرت آراء كثيرة حول هذا ~~الموضوع، حتى لقد أصبح اختياره موضوعا لدراسة جديدة يبدو عملا غير ~~حكيم. فقد يعتبر مثل هذا الميدان الآن عقيما مجدبا، قد يقال إن ~~ثماره نفدت في عصره. ولكن ما دامت الكلمة الأخيرة فيه لم يقلها أحد ~~بعد، وطالما أن هذه المشكلة ما زالت تلح على العقل البشري، فإن ~~فشلنا في الماضي في الوصول إلى حل لها، يعتبر حافزا للقيام ~~بمحاولة جديدة، أكثر منه مبررا للإقلاع عن دراستها، يائسين من ~~حلها. # لقد ظهرت هذه المشكلة في عدة صور متباينة، خلال المراحل المختلفة ~~التي مر بها التطور العقلي للإنسان، فكانت في صورتها البدائية ~~البسيطة مشكلة لاهوتية، هي: كيف نوفق بين وجود إله قادر على كل شيء، ~~عالم بكل شيء، من ناحية. وبين حرية الإنسان المسئول أخلاقيا من ناحية ~~أخرى؟ ... وكانت في المرحلة الثانية من النمو العقلي للإنسان مشكلة ~~ميتافيزيقية بصفة خاصة، هي: كيف ms014 نوفق بين الحرية الأخلاقية، وبين ~~فكرة السببية وعمومية القانون وشموله؟ ... وأصبحت في العصور الحديثة - ~~بعد أن سلم العلم بنظرية التطور - أكثر دقة وأكثر عمقا، أصبحت ~~مشكلة الحياة نفسها: فهل الحياة حصيلة لعدة عوامل من الممكن حسابها ~~رياضيا، والتنبؤ بها بدقة، أم أنها حدث جديد في مجرى التطور؟ ~~وبمعنى آخر: إذا ما حصرنا المشكلة في نطاق أضيق - وهو نطاق الإنسان ~~الفرد الذي يهمنا الآن - فإن المشكلة تصبح على النحو التالي: هل ~~سلوك الإنسان في لحظة ما مثل «ل» ليس إلا نتيجة ضرورية للظروف ~~الموجودة في لحظة «ل1»، أم أن هناك احتمالا آخر هو أن يكون السلوك ~~الحاضر - رغم اعتماده على الماضي - حدثا جديدا لا يمكن ~~حسابه؟ # إن المراحل العقلية التي مر ~~بها ذهني أثناء كتابة هذا البحث لا تخلو من مغزى؛ فقد حاولت بادئ ذي ~~بدء أن أدرس هذه المشكلة متجنبا الأحكام المبتسرة قدر استطاعتي: ~~وغمرني شعور قوي بتأييد وجهة النظر التي تقول إن أفعال الإنسان، ~~كغيره من الكائنات في هذا الكون، ليست إلا حصيلة لعوامل معينة، ~~لو عرفها أحد الرياضيين من أتباع «لابلاس # Laplace ~~» ... لأمكن له أن يتنبأ بسلوكه في دقة ~~تامة. لكني كلما أمعنت التفكير في هذا الموضوع ازداد ميلي إلى ~~الأخذ بوجهة النظر المضادة. وأخيرا انتهيت إلى نتيجة اقتنعت بها ~~جدا، وهي: أن الإنسان حر، لا بمعنى حرية انعدام القانون أو الخضوع ~~للعشوائية، لكنه حر بحرية منظمة تنظيما سببيا، فالفعل ~~الإرادي معلول وهو حر في آن معا، وهذا ما أسميه «بالجبر الذاتي»؛ ~~فالفعل الحاضر لأي فرد معلول لماضي هذا الفرد، لكن الماضي نفسه من ~~صنعه، ولهذا فإن الماضي هو العامل الضروري باستمرار، لكنه ليس ~~علة كافية للفعل الإرادي الذي يحدث في الحاضر. وبمعنى آخر: الفعل في ~~اللحظة الحاضرة عبارة عن ناتج محتمل - لا ضروري - للماضي؛ فالحاضر لا ~~يمكن التفكير فيه بدون الماضي، لكن الماضي يمكن تصوره دون أن ~~يستتبع ذلك بالضرورة تصور الفعل الحاضر. # والواقع أننا لو عرفنا بعض المصطلحات تعريفا دقيقا لقضينا ~~على كثير من المجادلات التي ms015 لا لزوم لها. وأنا حين أذهب إلى أن ~~الإنسان حر في أفعاله الإرادية، يجب علي أولا وقبل كل شيء أن ~~أحدد تحديدا دقيقا - بقدر المستطاع - ما أعنيه بكلمتي «حر»، ~~و«إرادة». ومثل هذا التحديد ضروري كذلك لمعنى كلمة «النفس» أو «الذات» ~~إذا ما زعمنا أن الإنسان مجبر ذاتيا، أعني مجبر عن طريق «نفسه». ~~ولقد ذكرت في هذا البحث تفسيري الخاص لكلمة «النفس» أو «الذات»، وهو ~~تفسير إذا ما قبله القارئ فإن بقية البحث ستكون نتيجة مترتبة عليه. ~~إذ لو صح وكان معنى «النفس» هو: الفرد في حالة انتباه إلى شيء ما، ~~فإن الوقائع السيكولوجية سوف ترد في هذه الحالة إلى اختلافات في ~~موضوع الانتباه وإلى تنوع مثل هذا الموضوع. وسوف تكون الإرادة، بناء ~~على ذلك، حالة خاصة من الانتباه، أو مثلا جزئيا للانتباه، يتميز ~~موضوعه بسمات خاصة. ثم يبقى علينا بعد ذلك أن نوضح كيف أن ~~الإنسان في حالة الانتباه يكون إيجابيا فعالا، أعني أنه يكون ~~مبتدئا لا منتهيا. وبهذا تكون وجهة النظر كلها قد اكتملت. # إنني كلما تذكرت التغير الهائل الذي طرأ على ذهني أثناء كتابة ~~هذا البحث، لا يسعني إلا أن أشعر بعميق الأثر للأستاذ «ه. ف. هاليت # H. F. Hallett ~~» بكلية الملك، ~~بجامعة لندن، فأنا مدين له بدين لا يقدر، أشعر به كلما حاولت ~~تقدير مساعداته القيمة وإرشاداته السديدة. وإني لأعلم علم اليقين ~~مقدار التحول الذي طرأ على اتجاهي العقلي؛ ذلك لأن أثره علي قد ~~جاوز النطاق الضيق لهذا البحث، فأدى إلى تحول في طريقة تفكيري ~~أيا ما كان موضوع هذا التفكير. # ولو أن القارئ وجد في هذا الكتاب قدرا من الدقة في استخدام ~~الكلمات، أو درجة من التحليل الذي يجعل الأفكار التي نحللها تبدو ~~واضحة - فإن ذلك كله يرجع إلى شروحه الهادية، وهي شروح لو كان في ~~استطاعتي أن أسير على هديها بدقة أكثر مما فعلت لجاء بحثي من هذه ~~الزاوية - يقينا - خيرا مما هو الآن. # ز.ن.م # الفصل الأول # | النفس # (1) تعريف النفس ضروري للنظرية التي تقول إن ms016 الإنسان مجبر ~~ذاتيا أو مجبر عن طريق نفسه. (2) يمكن أن تنقسم النظريات ~~الممكنة عن النفس إلى مجموعتين رئيسيتين: نظريات «مركزية» ونظريات ~~«لا مركزية» - «هيوم» و«واطسن» كممثلين للنظريات الأخيرة. (3) نظرية ~~هيوم التي تقول إن النفس حزمة من الإدراكات الحسية. (4-13) نقد نظرية ~~هيوم. (4) هيوم يستخدم فكرة العقل ومع ذلك ينكر وجوده. (5) نظرية هيوم ~~لا تفسر إدراك الأشياء التي رتبت في نظام معين. (6) وهي أيضا لا ~~تفسر الحكم. (7) وهي تفشل في تفسير كيفية إدراك إحساسين يوجدان معا ~~حين يعرف الشخص المدرك أنهما اثنان. (8) نحن لا ننتبه إلى جميع ~~الانطباعات التي تطبع حواسنا. (9) الانطباع وحده لا يستطيع أن يشير ~~إلى واقع يجاوزه. (10) نظرية هيوم ليست مقنعة حين تقول إن الفكرة ~~الكلية هي فكرة جزئية تمثل أفكارا أخرى. (11) هذه النظرية تجعل ~~الاستدلال مستحيلا. (12) لن يكون هناك هوية. (13) منهج الاستبطان ليس ~~هو المنهج الصحيح لاكتشاف وجود النفس، المنهج الصحيح لهذا الغرض هو ~~المنهج الجدلي. (14) النظرية السلوكية. (15-17) نقد السلوكيين. (15) ~~التفرقة بين السبب الداخلي والسبب الخارجي. (16) صيغة (م - س) لا ~~تكفي، الصيغة تتحول إلى (م - ك - س). ولكنها لا تزال غير مقنعة. ~~يجب أن تتحول إلى (ك.م.س). (17) منهج الملاحظة الخارجية لا يصلح ~~لاكتشاف النفس. (18) النظريات المركزية تنقسم قسمين: (أ) النظريات ~~التي ترى أن المركز عبارة عن نفس تقوم بعملية التوحيد. (ب) والنظريات ~~التي ترى أن المركز جانب معين من محتويات خبرة الفرد نفسها. (19) ~~وجهة النظر الأخيرة. (20-21) نقد هذه الوجهة من النظر: (20) لا يمكن ~~أن نرسم خطا فاصلا بين ذلك الجانب من الخبرة الذي تعتبره هذه ~~النظرية مركزا أو محورا، وبين الجوانب الأخرى التي نعتبرها هامشا ~~لهذا المحور. (21) هذه الوجهة من النظر لا تستطيع أن تفسر تكوين ~~التصورات أو إصدار الأحكام، أو القيام بالاستدلال. (22) النظرية التي ~~ترى أن المركز نفس موحدة تعود بدورها فتنقسم قسمين: (أ) النظرية ~~التي تقول إن النفس موجود بسيط مستقل عن الجسم. (ب) النظرية ~~التي تقول إن النفس هي مبدأ الوحدة. (23) عرض النظرية القائلة بأن ~~النفس كائن بسيط ونقدها. (24) النفس هي مبدأ ms017 موحد، إنها الفعل ~~المتضمن في الانتباه. لا يمكن تصور الانتباه بغير موضوع، النفس هي ~~ثنائية الانتباه والموضوع الذي ننتبه إليه. (25) الوضع الصحيح للجسم في ~~حالة الانتباه هو جزء من عملية الانتباه، لكن لا هو سبب الانتباه ولا ~~نتيجته. (26) ليس الانتباه ملكة يمكن أحيانا أن تتعطل، الانتباه ~~مستمر حتى أثناء النوم. (27) الانتباه بوصفه فعلا فهو واحد ~~باستمرار، أما التغير فهو يطرأ على موضوع الانتباه وحده. (28) جميع ~~الوقائع السيكولوجية يمكن ردها إلى مقولة واحدة بعينها هي مقولة ~~الفعل مع تنوع في موضوعات هذا الفعل. (29) لا يوجد شيء اسمه ~~«اللاانتباه». (30) تصنيف الانتباه إلى انتباه إرادي وانتباه لا إرادي ~~تصنيف خاطئ، فهو يفترض أسبقية الإرادة على الانتباه، لكن العكس هو ~~الصحيح. (31) نفع الكائن الحي هو الذي يحدد اتجاه الانتباه. يجب ~~أن يفهم هذا النفع بمعناه الضيق والواسع معا. (32) نحن الذين نصنع ~~اطراد الطبيعة نتيجة لما ينتقيه الانتباه. (33) النشاط المتضمن في ~~عملية الانتباه هو الذي يوحد بين الإحساسات المتعددة في إدراك ~~واحد، ومن هنا تأتي وحدة الذات، ووحدة الموضوع على السواء. (34) لحظة ~~الانتباه هي الحاضر، وهي: تتألف من «ما قبل وما بعد»، لكنها لا ~~تتألف من الماضي والمستقبل. (35) التفرقة بين الانتباه المستمر ~~المتصل وأفعال الانتباه. (36) الفرد ككل هو الذي ينتبه. (37) لا يمكن ~~أن نرسم خطا فاصلا بين الانتباه وموضوعه. العلاقة بينهما تشبه ~~العلاقة بين العمل في حالة ~~الأداء # The doing ~~، والعمل وقد انتهى # The ~~dead ~~. (38) تصور الجسم المنتبه يحل مشكلة ~~العلاقة بين العقل والجسم. (39) الانتقاء شرط ضروري للغرضية، والغرضية ~~هي الخاصية المميزة للنفس أو الذاتية ... # Selfhood ~~(40) الخصائص العامة التي ~~تميز الإنسان بوصفه موجودا عاقلا يفسرها الانتباه كلها. (41) ~~العمليات النوعية الخاصة مثل التجريد، والحكم، والاستدلال، تعتمد ~~أساسا على الانتباه. (42) الانتباه يفسر وحدة الذات ~~واستمرارها. ~~(1) يبدو أنه من الضروري في بحث يذهب فيه صاحبه إلى أن الإنسان ~~مجبر ذاتيا، أعني مجبر عن طريق «نفسه»، أن يفسر لنا طبيعة ~~«النفس» بأوضح طريقة ممكنة. ويبدو أن صعوبة مثل هذه المحاولة سوف ~~تظل قائمة طالما أن «الإجابة النهائية أو الكاملة» ms018 لتساؤلنا عن ~~المعنى الدقيق الذي ينبغي أن تفهم به النفس: «لن نستطيع بلوغها إلى أن ~~يأتي ذلك اليوم الذي تحل فيه جميع المشكلات النظرية.» # 1 # غير أن القول بأني مجبر ذاتيا أو مجبر عن طريق ~~«نفسي» لن يكون له قيمة كبيرة ما لم يكن لدي فكرة واضحة - كبرت أو ~~صغرت - عن حقيقة هذه النفس. وإذا كانت الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع ~~لم يقلها أحد بعد، فلا بد لي مع ذلك أن أقول ما أفهمه من لفظ جعلت منه ~~أساسا للبحث كله. وسوف يلاحظ القارئ أنني أستخدم خلال الصفحات ~~القادمة كلمات: «النفس» أو «الذات»، و«العقل»، و«الخبرة» بمعنى ~~واحد. ~~(2) يمكن أن نقسم النظريات الممكنة عن النفس إلى مجموعتين ~~رئيسيتين، نطلق عليهما على التوالي - فيما يرى برود # Broad ~~- اسم «النظريات المركزية» ~~و«النظريات اللامركزية». يقول برود: «أعني بالنظرية المركزية تلك ~~النظرية التي تنسب وحدة الذهن # Mind # إلى موجود جزئي معين - هو المركز - يرتبط بعلاقة لا تماثلية مشتركة ~~مع جميع الحوادث ~~الذهنية # mentals events # 2 # التي يمكن أن يقال عنها إنها حالات لذهن معين، ولا ~~يرتبط بمثل هذه العلاقة مع أية حوادث ذهنية لا يمكن أن يقال عنها ~~إنها حالات لهذا الذهن.» وأعني بالنظرية اللامركزية تلك النظرية التي ~~تنكر وجود أي مركز معين من هذا القبيل، وتنسب وحدة الذهن إلى أن ~~أحداثا ذهنية معينة ترتبط فيما بينها ارتباطا مباشرة بطرق خاصة ~~ومتميزة، وأن هناك أحداثا ذهنية أخرى لا ترتبط بالأحداث السابقة ~~بتلك الطرق الخاصة التي ارتبطت بها الأحداث السابقة بعضها ببعض. # 3 # ويبدو أنه من المناسب أن ننتهي أولا من مناقشة النظرية التي ~~ترى أن من الممكن تفسير وحدة النفس أو الذات دون افتراض مركز ~~موحد، ويمكن أن نأخذ «هيوم» و«واطسن» كمثلين نموذجين لصورتين ~~مختلفتين للنظرية «اللامركزية»؛ استخدم الأول الاستبطان «أو التأمل ~~الباطني» منهجا للبحث، بينما استخدم الثاني منهج الملاحظة الخارجية ~~للسلوك. ~~(3) يرى هيوم أن: «إدراكات العقل البشري بأسرها تنحل من تلقاء ~~نفسها إلى نوعين متميز أحدهما عن الآخر؛ وهما: «الانطباعات» ~~و«الأفكار». وينحصر الفرق بين ms019 هذين النوعين في درجات القوة والحيوية ~~اللتين تطبعان بهما العقل ويلتمسان بهما الطرق إلى فكرنا وشعورنا: ~~فأما الإدراكات التي ترد إلينا بأبلغ القوة والعنف فلنا أن ~~نسميها «بالانطباعات»: وإني لأجمع تحت هذا الاسم كل إحساساتنا ~~وعواطفنا، وانفعالاتنا عندما تظهر للمرة الأولى في النفس . وأما لفظة ~~«الأفكار» فأعني بها ما يكون في التفكير والتدليل العقلي من صور خافتة ~~لتلك الإحساسات والعواطف والانفعالات.» # 4 # والانطباعات والأفكار «تتشابهان» في كل شيء آخر، ما عدا ~~درجة القوة «والحيوية» # 5 # فالأفكار هي انعكاس للانطباعات، والقاعدة التي تنطبق ~~بغير استثناء هي أن «كل فكرة بسيطة لها انطباع بسيط يشبهها: وكل ~~انطباع بسيط له فكرة تقابله.» # 6 # وينتهي هيوم من هذا الربط المستمر بين الإدراكات المتشابهة ~~إلى القول بأن هناك صلة قوية جدا بين الانطباعات والأفكار، وأن ~~وجود أحدهما له أثر قوي على وجود الآخر. ومثل هذا الترابط المستمر. ~~لا يمكن أبدا أن ينشأ بمحض الصدفة، لكنه يبرهن بوضوح على اعتماد ~~الانطباعات على الأفكار، وعلى اعتماد الأفكار على الانطباعات. وإذا ~~أردت أن أعرف في أي جانب يقع هذا الانطباع، فما علي إلا أن ~~أتدبر النظام الذي تظهر فيه الانطباعات لأول مرة: وسوف أجد، بالخبرة ~~المستمرة، أن الانطباعات البسيطة يكون لها - باستمرار - الأسبقية ~~على أفكارنا المقابلة لها، لكنها لا تظهر مطلقا في نظام مضاد ... ~~والاتصال الدائم بين إدراكاتنا المتشابهة برهان مقنع على أن الواحد ~~منهما علة للآخر، وأسبقية الانطباعات دليل مقنع أيضا على أن ~~انطباعاتنا علة لأفكارنا لا على أن أفكارنا هي سبب انطباعاتنا. # 7 # ومعيار صواب فكرة من الأفكار هو - تبعا لنظرية هيوم - إمكان تعقبها ~~إلى الانطباع أو الانطباعات التي نشأت. ويقول هيوم، تطبيقا لهذا ~~المقياس على فكرة النفس الموحدة، إنه لا وجود لمثل هذه الفكرة: ~~«وإلا فمن أي انطباع حسي أمكن لهذه الفكرة أن تجيء؟ ... ذلك لأنه لو ~~كانت فكرة النفس قد نشأت عن انطباع واحد معين للزم أن يظل ذلك الانطباع ~~على حاله دائما لا يتغير إبان فترة حياتنا كلها؛ لأن المفروض في ~~النفس أن ms020 يكون وجودها قائما على هذا النحو، ولكن ليس هناك انطباع واحد ~~متصف بالدوام وعدم التغير، فالألم واللذة، الحزن والسرور، والعواطف ~~والإحساسات، كلها يتبع بعضها بعضا، ويستحيل عليها أبدا أن يتحقق لها ~~الوجود كلها دفعة واحدة، وإذن فلا يمكن لفكرة النفس أن تستمد من ~~أحد هذه الانطباعات أو من غيرها، وبالتالي فليس هناك فكرة كهذه.» # 8 # وهكذا نجد أن منهج الاستبطان، الذي استخدمه هيوم، لم يساعده في ~~الكشف عن النفس الموحدة التي ترد إليها الإدراكات الجزئية المختلفة: ~~«... إنني إذا ما أوغلت داخلا إلى صميم ما أسميه «نفسي» وجدتني ~~دائما أعثر على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك، ... لكنني لا أستطيع أبدا ~~أن أمسك ب «نفسي» في أي وقت بغير إدراك ما، كما أني لا أستطيع أبدا ~~أن أرى شيئا على الإطلاق فيما عدا ذلك الإدراك ...» # 9 # وهكذا انحلت النفس التي استبطنها هيوم إلى مجموعة من الانطباعات ~~والأفكار التي يرتبط بعضها ببعض بطريقة خاصة، ويستدعي بعضها بعضا ~~وفقا لقوانين معينة. وما العقل «إلا حزمة أو مجموعة من الإدراكات ~~يعقب بعضها بعضا في سرعة هائلة لا يمكن تصورها، وهي في حركة ~~وتدفق لا ينقطعان ... فالعقل أشبه ما يكون بالمسرح، تتعاقب عليه ~~الإدراكات المختلفة الكثيرة تعاقبا سريعا، واحدا في إثر واحد، وهي ~~لا تفتأ في مرورها هذا السريع يختلط بعضها ببعض لتتكون منها تركيبات، ~~لا نهاية لاختلافها، ولا حد لصنوفها وأوضاعها، حتى لنستطيع أن نجزم ~~بأن «النفس» لا تكون نفسا واحدة بسيطة مدى لحظة واحدة من زمن، كلا ~~ولا هي تؤلف «هوية» واحدة تجمع العناصر المختلفة ... على أن تشبيهنا ~~العقل بالمسرح لا ينبغي أن يضللنا، إذ ليس العقل إلا الإدراكات ~~المتوالية، دون أن يكون لهذه الإدراكات مكان معين لظهورها.» # 10 ~~(4) يمكن أن تثار ضد هذه النظرية اعتراضات كثيرة؛ فهي لا يمكن أن ~~تكون مقنعة؛ فلقد أباح هيوم لنفسه أن يستخدم فكرة العقل بوصفه كائنا ~~له وجود مستقل، رغم أنه ينكر عليه هذه الصفة. فهو يقول إن ~~الانطباعات والأفكار: «يطبعان العقل» ويلتمسان الطريق إلى فكرنا أو ms021 ~~شعورنا. وهو كذلك يتحدث عن الانطباعات كما تظهر «في النفس». حقا ~~إن فكرة العقل بوصفه صفحة ~~بيضاء # Tabula Rasa # قد تكون مسئولة عن الفصل بين الذات ومحتواها ~~النفسي، وهو انفصال قد يؤدي إلى تجاهل الذات تماما وإدراك الحالات ~~الذهنية بوصفها الجانب الوحيد المقبول. لكن الصفحة البيضاء نفسها لا ~~يمكن أن تكون أكثر من تجريد، إذ في اللحظة التي تبدأ فيها الحياة ~~الشعورية الواعية فإن هذه الصفحة لا يمكن أن تظل بعد ذلك بيضاء، ومن ~~هنا كان الإحساس مستحيلا بدون الذات الواعية، لكن العكس صحيح أيضا، ~~أعني أن الذات الواعية بدون الخبرة لا وجود لها، والحق أن استخدام ~~كلمة «الصفحة» ذاتها لوصف العقل هو استخدام مضلل، حتى ولو سلمنا ~~بأن هذه «الصفحة» لا يمكن أن تكون «بيضاء» على الإطلاق. وسوف نفهم ~~العقل في هذا البحث - كما سنوضح بعد قليل - على أنه الفرد منتبها ~~إلى شيء ما، أعني أنه الكائن الحي كما يعمل بطريقة معينة. ~~(5) لا يمكن أن تكون الانطباعات والأفكار هي كل ما هنالك. فافرض ~~مثلا أنني تلقيت انطباعا عن عدد من الحصى مرتبة بنظام معين، فكيف ~~يكون في استطاعتي أن أدرك ترتيبها في هذا النظام لو كان الانطباع ~~(مضافا إليه انعكاسه الفكري) هما كل ما عندي؟ إن فكرة الترتيب في ~~نظام معين ليست - يقينا - جزءا من الإحساس بما هو كذلك. وقد يعترض ~~معترض فيقول: إن المعطى الحسي نفسه له شيء من النظام الداخلي، ~~وهذا صحيح، لكن القول بأن هذا المعطى الحسي المعين له لون من ~~النظام الداخلي شيء، وإدراك هذا النظام بما هو كذلك شيء آخر مختلف عنه ~~أتم الاختلاف. ويكفي للبرهنة على ذلك أن نقول: إنه ليس من الضروري ~~لكل شخص خبر هذا المعطى الحسي أن يدرك مثل هذا النظام؛ لأن ~~إدراك ترتيب حبات الحصى في نظام معين يحتاج إلى مقارنة أماكن هذه ~~الحبات بعضها ببعض، وعملية المقارنة هذه تحتاج إلى شيء آخر فوق الأشياء ~~التي نقارن بينها أو أعلى منها. والواقع أننا حين نقول إن حبات ~~الحصى مرتبة ms022 على شكل مثلث، فإننا في هذه الحالة لا نكون ~~«تصورا»، وإنما نصدر حكما، وإصدار الحكم فعل يحتاج بالضرورة إلى ~~فاعل. ~~(6) في استطاعتنا أن نتصور الانطباعات والأفكار وهي تتشكل في ~~قضايا، لكن من الصعب أن نتصور كيف يمكن إصدار حكم على هذه القضايا ~~بدون فعلي الإثبات والنفي. ومثل هذه الأفعال - كما أشرنا الآن توا - ~~تفترض بالضرورة وجود فاعل. وبأي معنى شئت أن تفهم به الحكم؛ فأنت ~~مضطر لافتراض وجود شخص هو الذي أصدر مثل هذا الحكم، بحيث يقبل - أو ~~يرفض، أو يعلق - الحكم على القضية المطروحة أمامه. صحيح أن هيوم كان ~~حذرا؛ فاحتاط لنفسه من مثل هذا النقد، فذهب إلى أن الحكم نوع من الإدراك. # 11 # فالحكم الإيجابي عنده: «ليس إلا تصورا قويا سريعا ~~لفكرة ما، كما لو كنت تقترب إلى حد ما من انطباع مباشر.» # 12 # لكن الحكم لا يمكن أن يكون مجرد القوة والحيوية لفكرة ~~ما أو لعدة أفكار. لأن مثل هذه الأفكار ليست إلا أحداثا نفسية، ~~أعني مجرد مضمون فكري، في حين أن الحكم: «فعل يشير مضمونه الفكري ~~إلى واقع يقع وراء هذا الفعل.» # 13 # ولو كان كل انطباع عبارة عن فكرة - وكل ما عندنا عبارة عن ~~فكرة - بالغا ما بلغت حيويتها - فإننا لن نستطيع أن ننفي أو أن ~~نثبت شيئا. # 14 # وإذا كان الحكم مستحيلا بغير فاعل يجاوز المضمون ~~الفكري، فسوف تصبح المعرفة بدورها مستحيلة؛ ذلك لأن القضايا وحدها ~~لا تكون معرفة، لكنها تصبح معرفة حين نثبتها أو ننفيها، أو بمعنى ~~آخر حين نصدر عليها أحكاما. # 15 ~~(7) وفضلا عن ذلك فلو كنا لا نملك سوى الانطباعات والأفكار وحدها، ~~فمن أين نعرف أن هناك إحساسين مختلفين يوجدان معا إذا ما صادفتنا ~~مثل هذه الحالة؟ افرض مثلا أنني أنظر إلى إحدى الصور، وأستمع إلى ~~أنغام الموسيقى في آن معا، فلو أنني كنت على وعي بأنهما إحساسان ~~مختلفان، فإن هذا الوعي نفسه دليل على وجود شيء آخر غير الإحساسين هو ~~الذي مكنني من أن أعرف أنهما إحساسان اثنان وليسا إحساسا ms023 ~~واحدا. ~~(8) من الواضح أننا لا ننتبه إلى جميع الانطباعات التي تطبع ~~الحواس في لحظة معينة، لأن انتباهنا ينتقي منها انطباعا معينا. ~~فأنا - مثلا - لم أكن أدرك الانطباع الحسي لما أرتديه من ثياب إلى أن ~~وجهت انتباهي إليه الآن فقط، مع أن هذا الانطباع كان موجودا طوال ~~الوقت، لكني لكي أعيه؛ كنت في حاجة إلى توجيه انتباهي إليه . ومنذ دخلت ~~قاعة المكتبة، واتخذت فيها مجلسي، وساعتها لا تنقطع عن الدق الرتيب ~~الخافت المتتالي بشكل منتظم ومطرد. لكني لم أكن أسمع هذه الدقات ~~الخافتة لأني لم أكن قد انتبهت إليها، على الرغم من أن الموجات ~~الصوتية التي تحدثها هذه الدقات لم تنفك عن طرق طبلة أذني. والسؤال ~~الذي يطرح نفسه الآن هو: من ذا الذي يختار هذا المعطى الحسي أو ~~ذاك - دون بقية المعطيات - ليكون موضوعا للانتباه؟ لا يمكن أن تكون ~~الإحساسات، بما هي كذلك، هي التي اختارت نفسها بنفسها، بل لا بد أن ~~يكون هناك شيء غيرها هو الذي قام بهذا الاختيار. ~~(9) إذا كانت الانطباعات والأفكار هي وحدها ما تتضمنه عقولنا فسوف ~~يكون مستحيلا عليها أن تعني شيئا، أي إنها ستفقد قيمتها بوصفها ~~رمزا يشير إلى شيء آخر غير وجودها ومضمونها، فنحن حين يكون لدينا ~~انطباع أو فكرة، ندرك ما ~~هي # that it is # وماذا ~~تعني # what it is # 16 # لكن الانطباع بذاته أو الفكرة وحدها لا يمكن أن تدلنا ~~على ما تمثله في العالم الواقعي، وبعبارة أخرى، الانطباع بذاته أو ~~الفكرة وحدها لا تعني شيئا، فهي ليست سوى إشارة أو رمز، ولا بد أن ~~يكون هناك فاعل يجاوز هذه الإشارة ويعلو عليها، هو الذي يفسر لنا ~~ما ترمز إليه. وفضلا عن ذلك فقد يكون لدينا انطباعان متشابهان أتم ما ~~يكون التشابه، ويكون لهما - مع ذلك - معنيان أو أكثر مختلفان أتم ~~الاختلاف. انظر مثلا إلى الرمز الرقمي 23، إنه قد يعني «ثلاثة ~~وعشرين»، أو قد يعني «خمسة» إذا كنت أقصد جمع العددين، وقد يعني «ستة» ~~إذا كنت أقصد ضربهما. ومع ذلك فالانطباع ms024 واحد في جميع هذه الحالات. ~~ألا يدل ذلك على وجود شيء فيما وراء الإحساس هو الذي يضفي عليه ~~المعنى في كل حالة من الحالات؟ ~~(10) يرى هيوم في تفسيره لفكرة «الكلية» - مسايرا باركلي - أن ~~«جميع الأفكار الكلية إن هي إلا أفكار جزئية ربطت باسم معين يخلع ~~عليها دلالة أوسع مدى، ويجعلها تستثير - إذا ما لزم الأمر - أفرادا ~~أخرى شبيهة بها.» # 17 # وهو كذلك: إن كل شيء في الطبيعة فرد متميز بفرديته، ~~فمن السخف أن نفترض وجود مثلث في الطبيعة دون أن تكون لأضلاعه ~~وزواياه مقادير معلومة معينة بالنسبة بعضها إلى بعض، وإذا كان مثل هذا ~~الافتراض سخفا في دنيا الأشياء والواقع، فسخف بالتالي أن تقول ذلك عن ~~«فكرة» المثلث. # 18 # وأقل ما يمكن أن يقال ضد هذه النظرية، التي ترى أن ~~الفكرة الكلية لا بد أن تكون في ذاتها فكرة جزئية اختيرت لتكون ~~ممثلة لسائر الأفراد، أن نسأل السؤال الآتي: ترى من أين جاءت فكرة ~~«التمثيل» هذه؟ إننا إذا ما استخدمنا مقياس هيوم نفسه للزم أن نقول ~~إن هذه الفكرة لم تستمد من انطباع حسي يقابلها؛ ومن ثم فلا ~~وجود لها. ومن ناحية أخرى - مكررين ما سبق أن ذكرناه - إننا لا ~~نستطيع أن نعرف أن موضوعات معينة متشابهة، أو أنه يمكن أن ~~يمثلها فرد جزئي من بينها - اللهم إلا إذا ما قارنا بعضها ببعض، ~~لكن المقارنة - كما سبق أن رأينا - تحتاج إلى شيء آخر - يجاوز ~~الأشياء التي نقارن بينها. ~~(11) لو صحت نظرية هيوم فسوف يصبح الاستدلال مستحيلا: «كل ~~استدلال يتألف من عنصرين. فهو أولا عملية Process ~~، وهو ثانيا نتيجة # Result ~~. والعملية هي إجراء نقيم به تركيبا ~~معينا، وهي تتناول معطياتها، وبعملية بناء فكري تؤلف بينهما في كل ~~واحد. وأما النتيجة فهي إدراك علاقة جديدة داخل هذه الوحدة # unity ~~.» # 19 # ولكي نركب مقدمتين أو أكثر في كل واحد فلا بد أن تكون هناك ~~نقاط اتصال والتقاء أو علاقة بين هذه المقدمات، أعني أن أطراف هذه ~~المقدمات # Terminal # التي علينا أن ~~نركب بينها ms025 في كل واحد لا بد أن تكون نقاطا واحدة. وهكذا نجد أنه في ~~حالة «أ - ب» و«ب - ج» يتحد فيهما حد واحد هو «ب» بحيث يكون مشتركا ~~بينهما، ولهذا ترانا نربط بينهما على النحو التالي «أ - ب - ج»: «وإذا ~~ما حولنا مقدماتنا إلى كل واحد بهذا الشكل أمكن لنا أن ننتهي إلى ~~النتيجة بمجرد اختبار المقدمات وحدها. فلو كانت «أ - ب - ج - د» صادقة ~~من حيث مطابقتها للواقع، فإننا في هذه الحالة نستطيع أن نجد في «أ - ~~ج» أو «أ - د» أو أيضا «ب - د» علاقات لم نكن نعرفها من قبل ... إننا ~~في البداية نقوم بعمل معين في معطياتنا، وهذا العمل هو البناء أو ~~التركيب، ثم بعد ذلك عن طريق الاختبار نكتشف وننتقي علاقة جديدة، ~~وهذا الحدس هو النتيجة.» # 20 # وإذا أردنا أن نضرب مثلا على ذلك قلنا: «لو أن هناك ~~ثلاثة أوتار هي أ، ب، ج، ضربت في وقت واحد، واستمعنا إليها فوجدنا ~~أنها جميعا تحدث نغمة واحدة، فإن من الصعب أن نستدل من ذلك أن ~~كلا منها كانت تساير الأخرى في نغمتها. لكن اضرب أولا الوتر أ، ب، ~~ثم اضرب ثانيا ب، ج، فإنه في استطاعتي - في هذه الحالة، إذا لم يكن ~~هناك اختلاف في النغمة بين أ، ب، وإذا لم يكن ثمة اختلاف بين ب، ج - ~~أقول في استطاعتي في هذه الحالة أن أنتهي إلى تكوين مجموعة مثالية في ~~تناسقها هي أ، ب، ج مؤتلفة ومتحدة تماما عن طريق التشابه في نغمة ~~واحدة. وهذه المجموعة عبارة عن مركب ذهني. وإذا كان ثمة إدراك تحليلي ~~أكثر من ذلك فإنه يضيف في هذه الحالة أن أ، ج مؤتلفتان في نغمة واحدة.» # 21 # وتبدو وجهة نظر «برادلي» هذه متفقة مع وجهة نظر هيوم، ~~فلقد ذهب هيوم إلى أن «جميع أنواع الاستدلال العقلي لا تعتمد إلا ~~على شيء واحد هو المقارنة، واكتشاف تلك العلاقات ... التي قد تكون قائمة ~~بين شيئين أو أكثر. ويمكن أن نقوم بمثل هذه المقارنة: إما حين تكون ms026 ~~هذه الأشياء كلها ماثلة للحواس في وقت واحد، وإما حين لا يكون شيء ~~منها ماثلا أمام الحواس، أو حين يكون شيء واحد فقط هو الذي يمثل ~~أمامها، وحين تكون الأشياء ماثلة بعلاقاتها أمام الحواس نسمي ذلك ~~إدراكا أكثر مما نسميه استدلالا عقليا.» # 22 # وإذا كان كل استدلال يعتمد على حدس لعلاقات جديدة بين الأشياء، ~~علاقات لم نكن نعرفها من قبل، علاقات لم تكن ماثلة لحواسنا أبدا، ~~وبالتالي لم تكن قط جزءا من أي انطباع - إذا كان الاستدلال على ~~هذا النحو، فسوف يصبح مستحيلا إذا ما حصرنا أنفسنا في نطاق ~~الانطباعات وانعكاساتها الفكرية وحدها. ~~(12) إن أية نظرية عن العقل لن تكون كافية - يقينا - ما لم ~~تفسر تفسيرا مقنعا وحدة هذا العقل واتصاله، حتى ولو لم نستطع ~~البلوغ بهذه الوحدة أو هذا الاتصال إلى درجة الكمال. ومعنى ذلك أن ~~ترابط العقل الأفقي والرأسي، # 23 # لا بد أن يوضع موضع الاعتبار، وأن يدرس دراسة ~~جادة. # لقد كان هيوم واضحا كل الوضوح في نظرته إلى الهوية الشخصية، فليس ~~ثمة انطباع عن «النفس» يمكن أن تنشأ عنه فكرة الهوية البسيطة المتحدة ~~مع نفسها، ونحن لا نكون على وعي تام إلا بالإدراك الجزئي فحسب. ومن ~~ثم كان الإنسان حزمة أو مجموعة من الإدراكات الحسية المختلفة التي تعقب ~~الواحدة منها الأخرى في تدفق مستمر وحركة دائبة. وخيالنا هو الذي ~~يجعلنا نخطئ فنظن أن تعاقب الموضوعات المترابطة هو ذات في هوية مع ~~نفسها. # ونظرية هيوم - كغيرها من النظريات اللامركزية - تفهم وحدة العقل على ~~أنها وحدة نسق أو نظام، لا وحدة نواة. فهناك مجموعة من العلاقات ذات ~~خصائص معينة تقع بين الحوادث الذهنية من جهة، وبين الشرائح ~~المتتابعة لتاريخ الفرد من جهة أخرى، وهذا هو ما يشكل الوحدة ~~المستعرضة والوحدة الطولية للنفس أو الذات - على التوالي. فإذا ما ~~أخذنا قطاعا عرضيا في مجرى الشعور عند الفرد، وجدنا أن الحوادث ~~الذهنية المختلفة التي توجد معا في لحظة معينة من لحظات الخبرة، ترتبط ~~فيما بينها ارتباطا خاصا، حتى إنها تكون لنفسها ms027 وحدة ذات خصائص ~~معينة متميزة. ولو أنني من ناحية أخرى فحصت كل تسلسل للقطاعات ~~العرضية التي تشكل تاريخي الماضي، لوجدت أنها يرتبط بعضها ببعض ~~بطريقة متشابهة، لدرجة أن نسق العلاقات الفريد لا بد أن يطبع الفرد ~~بطابعه. # وإذا كان هذا التفسير لوجهة نظر هيوم سليما، فلا بد أن ننظر إلى ~~الضمائر الشخصية على أنها تشير إلى مجموعة خاصة من العلاقات، لا إلى ~~مراكز لهوية ذاتية، لكن الضمائر الشخصية في هذه الحالة مثل: أنا، وأنت ، ~~وملكي ... إلخ، إلخ، سوف تفقد كل معنى لها. صحيح أن البرهان الذي يعتمد ~~على الضمائر الشخصية ليس برهانا حاسما في إثبات وجود مراكز لهوية ~~ذاتية، وهي المراكز التي نفترض أن هذه الضمائر تشير إليها. وأنا ~~أسلم بذلك. إذ قد يعترض معترض - وله الحق في ذلك - فيقول إننا حين ~~استخدمنا هذه الضمائر لم نكتشف في البداية وجود مركز يوحد بين ~~الحالات الذهنية المختلفة، ثم أطلقنا عليه اسما معينا، لكننا فعلنا ~~العكس، أعني استخدمنا أولا الاسم لتسهيل عملية الاتصال بين الناس، ثم ~~بدأنا بعد ذلك في البحث عن موجود يفترض أن الاسم يشير إليه. وقد ~~يقال من ثم إن الضمائر الشخصية ليست إلا تسمية على غير مسميات # misnomers # استخدمت على سبيل ~~التيسير، لا لأنها ضرورية. ومع ذلك فأنا أشعر أنه من المرجح جدا ~~أن يكون الاستخدام الذي لا مفر منه للضمائر دليلا على وجود ذات لها ~~هوية أيا كان معني هذه الذات. ولقد قام «ريموند هويلر # R. whecler ~~» بدراسة تجريبية كان ~~هدفها البحث عما إذا كان من الممكن استبطان مثل هذه الذات. وانتهى ~~إلى أن الأشخاص الذين أجرى عليهم التجربة قد فشلوا - عن طريق استخدام ~~الاستبطان - في اكتشاف أي لون من هذه الذات التي لا تقبل التحليل. # 24 # غير أن تقارير الأشخاص المفحوصين الذين قاموا بعملية ~~الاستبطان في تجارب «هويلر» صيغت في عبارات مثل: «سألت نفسي» و«حالتي ~~الخاصة» ... إلخ، إلخ، واستخدام الضمائر الشخصية بصورها المختلفة قد لا ~~يكون بالطبع - كما سبق أن ذكرنا - أكثر من لغة مناسبة أو ms028 وسيلة سهلة لا ~~ينبغي أن نستنتج منها أية نتائج فيما يتعلق بوجود ذات أو نفس. لكن ~~يبدو لي أننا ينبغي أن نقول على الأقل إنه طالما أن أولئك الذين ~~ينكرون أنهم خبروا الذات قد مارسوا ميزة استخدام كلمات تعني بوضوح ~~الاعتراف بوجود الذات، فلا شك أن هناك احتمالا سيظل قائما، وهو ~~أنه يمكن أن يكونوا قد خبروا فعلا - بطريقة ما - ذلك الذي ~~ينكرونه من الناحية الشكلية. وبعبارة أوضح: إننا لا نستطيع أن نرفض ~~وجود الذات رفضا قاطعا اللهم إلا إذا كان من الممكن أن نعبر عن ~~أنفسنا تعبيرا تاما لا نستخدم فيه إلا الحوادث الذهنية دون أن ~~نلجأ بعد ذلك إلى استخدام الأشكال المختلفة للضمائر الشخصية. ومن ناحية ~~أخرى فسوف نبين بعد قليل أن الاستبطان ليس هو المنهج السليم، الذي ~~يصلح لاكتشاف الذات، ذلك لأن ما نتوقع أن نكشف عنه باستمرار من خلال ~~الاستبطان هو هذه الحالة أو تلك من الحالات الذهنية، أما الكشف عن ~~الذهن نفسه فينبغي ألا نتوقع أبدا أن نصل إليه بهذا ~~المنهج. ~~(13) لقد أعلن هيوم أنه كلما حاول أن يستبطن «نفسه» فإنه «يعثر» ~~باستمرار على حادثة ذهنية معينة بدلا من هذه «النفس»، ومن هنا استنتج ~~أنه ليس لدينا معرفة بشيء اسمه «النفس». لكن القول بأن «النفس» - ~~أو الذهن - لا يمكن أن تخضع للاختبار عن طريق الاستبطان قد يظهرنا - ~~لا على أنه ليس هناك ذهن أو نفس - بل على أن هيوم استخدم منهجا ~~خاطئا حين اختار الاستبطان منهجا لاكتشاف النفس أو الذهن. ولو أننا ~~فشلنا في استبطان الذهن بما هو كذلك، ألا يمكن أن يكون في استطاعتنا ~~مع ذلك أن ندركه باستخدام المنهج الجدلي؟ والمنهج الجدلي يعتمد على ~~فحص ما يتضمنه موقف من المواقف، بحيث ننتهي إلى القول بأننا لا ~~نستطيع أن ننكر هذا المضمون بغير الوقوع في التناقض. وذلك يعني أن ~~نتناول بالدراسة والفحص بعض المواقف السيكولوجية لنرى أننا نناقض ~~أنفسنا إذا ما أنكرنا وجود الذهن كشيء تتضمنه هذه المواقف، وفي هذه ~~الحالة نضطر إلى إثبات ms029 وجود الذهن. # وإذا ما أخذنا الآن عبارة هيوم وطبقنا عليها هذا المنهج فسوف نجد ما ~~يلي: يقول هيوم «إنني إذا ما توغلت داخلا إلى صميم ما أسميه ~~«نفسي» وجدتني أعثر دائما على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك ... إنني لا ~~أستطيع أبدا أن أمسك ب «نفسي» في أي وقت بغير إدراك ما، كما أني لا ~~أستطيع أبدا أن أرى شيئا على الإطلاق فيما عدا هذا الإدراك.» # 25 # لكن قوله بأنه يتوغل داخلا إلى صميم نفسه، معناه ~~أنه ينتبه إلى نفسه، أعني أنه ينتبه إلى الحالة النفسية التي ~~يتصادف وجودها لحظة الفحص، فما الذي يشير إليه هذا الانتباه إن لم يكن ~~يشير إلى الذهن أو العقل؟ إن وجهة النظر التي يعرضها هذا البحث على ~~نحو ما سنعرف فيما بعد هي أن الذهن # Mind # عبارة عن ثنائية لا تنفصم بين الانتباه ~~وموضوعه. ومهما قيل في معارضة هذه النظرية، وبأي معنى شئت أن تفهم به ~~«الذهن»، فلا بد من النظر إلى الانتباه على أنه وظيفة هذا الذهن. ~~وعلى ذلك فكلما «توغل» هيوم داخل نفسه فإنه ينتبه، ومن ثم فهو ~~يفترض مقدما وجود الذهن. # وسوف نلاحظ أن المنهج الجدلي الذي نقترحه هنا لإدراك الذهن هو ~~نفسه المنهج الذي استخدمه «ديكارت» حين أثبت وجود نفسه بوصفها عملية ~~تفكير. فديكارت لم يزعم أن الذهن موجود لأنه اكتشفه عن طريق ~~الاستبطان، لكنه زعم وجوده لأنه اكتشف أنه متضمن في موقف معين ~~كان يقوم بفحصه، ووجد أن إنكار الذهن لا يعني سوى إعادة إثباته من ~~جديد؛ فنحن أثناء عملية الاستبطان نكون على وعي مباشر بالحالة النفسية ~~التي نقوم بفحصها، لكننا بالإدراك الجدلي الذي نقترحه هنا لاكتشاف ~~الذهن، نستنتج وجوده لأننا نجد أنه من الضروري أن يكون متضمنا ~~في المواقف السيكولوجية. # ولهذا فنحن لا نستطيع أن نوافق هيوم فيما ذهب إليه؛ من أن الذات ~~لا وجود لها؛ لأن الاستبطان لم يظهر له هذه الذات أو النفس عارية؛ ~~ذلك لأن الذات، تدرك من خلال الحالات التي تخضع للاستبطان، لا من ~~حيث ms030 هي حالة بين هذه الحالات. إنك لا تستطيع أن تعزل الانتباه لكي ~~تدركه بالاستبطان؛ إذ لو فعلت ذلك لكنت تعزل الانتباه عن طريق ~~الانتباه - وهو دور. ~~(14) والمدرسة السلوكية لون آخر من ألوان النظريات اللامركزية عن ~~النفس؛ فقد حصرت هذه المدرسة نفسها في دراسة أنماط السلوك التي يمكن ~~أن يشاهدها الملاحظ الخارجي، ورفضت الاستبطان منهجا للبحث، معتمدة ~~في ذلك على التجارب المحكمة التي أجراها «بافلوف Pavlov ~~» على الفعل المنعكس الشرطي، ~~دون أية إشارة إلى ما يسمى بالشعور. وزعم السلوكيون أن العلوم ~~الطبيعية قادرة على تفسير جميع وقائع السلوك التي نلاحظها، وأنه ليس ~~ثمة ما يبرر أن نفترض وقائع السلوك التي نلاحظها، وأنه ليس ثمة ما ~~يبرر أن نفترض وقائع للسلوك البشري لا يمكن أن نعرفها إلا بطريقة ~~أخرى غير المشاهدة الخارجية، وما دام الذهن، من حيث هو ذهن، لا يمكن ~~ملاحظته فقد استبعدوه. # وكل سلوك، بالغا ما بلغ تعقده - كالعمليات التي نطلق عليها اسم ~~التفكير مثلا - يمكن عند هذه المدرسة أن يرتد في نهاية تحليله إلى ~~وحدات من «مثير - استجابة» أو في صيغتها الرمزية «م - س». وهم يستخدمون ~~هذه الصيغة الرمزية لإظهار اعتماد الحركة على المثير. و«م» ترمز إلى ~~«المثير»، و«س» ترمز إلى الاستجابة. وواضح تماما أن هذه الصيغة ~~ناقصة أشد النقصان، فهي تفترض أن «م» مثير معين، يعقبه باستمرار ~~«س» أي استجابة معينة، بغض النظر عن الكائن الحي الذي يثيره هذا ~~المثير. مع أننا نجد الناس في حياتهم اليومية يستجيبون استجابات ~~مختلفة لنفس المثير، ويستجيب الفرد الواحد استجابات مختلفة للمثير ~~الواحد في أوقات مختلفة. خذ مثلا جماعة المسافرين في عربة، يسيرون وسط ~~واد صغير: «هذا الوادي بمعنى ما من المعاني واحد بالنسبة لهم جميعا، ~~فهو جزء من بيئتهم المشتركة. لكنك ستجدهم يختلفون في استجاباتهم له، ~~فهذا واحد منهم، وهو فنان، يبدأ في عزل الموضوعات الموجودة أمامه بعضها ~~عن بعض ليرسمها، في الوقت الذي يرقب فيه شخص آخر - سماك - بسرور ~~كبير برك الصيد التي يكثر فيها السمك، بينما يهتم شخص ثالث ms031 - عالم ~~جيولوجيا - بمراقبة منظر الشاطئ الرملي والأماكن المتحجرة، أو يقف ~~متأملا بعض الكتل الصخرية.» # 26 ~~(15) ويجمل بنا هنا أن نفرق بين نوعين من الأسباب؛ فهناك أسباب ~~داخلية وأسباب خارجية. فإذا كان سبب التغيرات التي تحدث في موضوع معين ~~يكمن داخل هذا الموضوع نفسه، قلنا إن السبب في هذه الحالة داخلي. ~~أما إذا كانت التغيرات ترجع إلى ظروف خارجية، قلنا إن السبب في ~~هذه الحالة خارجي. فإذا ما وضعت شرارة فوق «بارود» فأحدثت انفجارا، ~~قلنا إن الشرارة، في هذه الحالة ، هي السبب الخارجي للتغير الذي حدث، ~~وهو الانفجار. لكن الشرارة لا يمكن أن تكون هي السبب «كله»؛ لأننا ~~لا نحصل على هذه النتيجة «أي الانفجار» إذا ما وضعنا الشرارة على الفحم ~~مثلا. ومعنى ذلك أن تركيب البارود نفسه هو الجانب الآخر من السبب، ~~وهو ما نسميه بالسبب الداخلي. وقل مثل ذلك حين يسلك الكائن الحي ~~بطريقة معينة، فقد ننظر إلى بعض العوامل الخارجية على أنها السبب ~~الخارجي لهذا السلوك، لكن تكوين الكائن الحي نفسه لا بد أن يوضع موضع ~~الاعتبار بوصفه السبب الداخلي لهذا السلوك؛ لأنه قد لا يسلك كائن حي ~~آخر نفس هذا المسلك مع وجود هذه العوامل الخارجية نفسها. يقول جيمس وورد # 27 # في هذا المعنى: «إن ضوء الغروب الذي يرسل الدجاجة لتبيت ~~في حظيرتها، يجعل الثعلب يشرع في التجوال في الغابة بحثا عن فريسته، ~~وزئير الأسد الذي يجمع بنات آوى، يشتت الأغنام ويفرقها.» # 28 # بل إنك لتجد أن الكائن الحي الواحد نفسه يستجيب ~~استجابات مختلفة للمثير الواحد في بعض الظروف المقبلة؛ لأن أساس ~~السلوك، وأعني به التكوين الداخلي للكائن الحي، قد تغير ولم يعد كما ~~كان من قبل. ~~(16) ومن هنا فإن صيغة «م - س» تصبح غير كافية لتفسير وقائع ~~السلوك؛ لأن التكوين العضوي للفاعل لا بد أن يدخل جزءا من السبب. ~~ومن ثم فحرف «ك»، الذي يمثل الكائن الحي، لا بد أن يدخل في الصيغة ~~التي تتحول بناء على ذلك إلى «م - ك - س» أي «مثير - كائن حي ms032 - ~~استجابة»، وهي تعني أن الاستجابة يحددها المثير والكائن ~~الحي. # غير أن ترتيب العناصر في هذه الصيغة لا يزال غير مقنع. ذلك لأن ~~الفرد لا يبقى ساكنا في انتظار سلبي حتى يأتي المثير ليثيره. لكنه ~~على العكس، ينتقي من البيئة المحيطة المثير الذي يلائم طبيعته. وهو ~~يجعل من المثيرات التي تحافظ على وجوده موضوعا للاشتهاء والرغبة. ومن ~~المثيرات التي تؤدي هذا الوجود موضوعا للكراهية ~~والنفور، أما الموضوعات التي تبقى ~~بعد ذلك، أي الموضوعات المحايدة، التي لا تضر ولا تنفع، فهو يقف ~~منها موقف اللامبالاة. والفرد بهذا الانتقاء والاختيار يحدد البيئة ~~الخاصة التي تناسبه. وعلى ذلك فبدلا من ترتيب الصيغة السابقة «مثير - ~~كائن حي - استجابة»، هناك الآن تعديل مقترح، بحيث تصبح هذه الصيغة على ~~النحو التالي: «كائن حي - مثير - استجابة». # 29 # فالكائن الحي يعبر عن نفسه من خلال الأشياء الموجودة في ~~بيئته، وهو يتحرك حركة تلقائية، يستخدم البيئة في تحقيق ذاته؛ فالشيء ~~الذي يقع خارجنا لا يكون في البداية مصدر سلوكنا، لكنه يستدعى ~~ويحدد فحسب الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا بالتفصيل في أية ~~مناسبة معينة؛ أي إنه يزودنا بالقنوات التي يجري خلالها سلوكنا ~~التلقائي. ~~(17) لقد أخذ السلوكيون بمنهج البحث المستخدم في العلوم الوضعية - ~~بدعوى أنهم علماء وضعيون - وحصروا أنفسهم بدقة فيما يمكن أن ~~نلاحظه. وبالتالي فإذا زعمت أن هناك «نفسا» هي التي تضفي على أنماط ~~السلوك وحدتها وتجعلها تنتمي إلى شخص له هوية ذاتية، فإنهم سوف ~~يعارضون هذا الزعم على أساس أنه لا يمكن أن يخضع شيء كهذا الذي ~~تزعمه للملاحظة الخارجية. غير أن ما سبق أن قلناه حين تعرضنا بالنقد ~~للمنهج الاستبطاني بوصفه منهجا يستخدم في الكشف عن الذهن، يمكن أن ~~نعيده هنا على منهج الملاحظة الخارجية الذي استخدمه السلوكيون. ~~فالقول بأن النفس «أو الذهن. والمعنى واحد» لا تخضع للدراسة ~~الموضوعية يظهرنا على أن المنهج الذي نأخذ به في الكشف عن هذه النفس ~~منهج خاطئ أكثر مما يبرهن على عدم وجود النفس. وسوف تكون هناك تساؤلات ~~لا حد لها إذا ms033 ما قلنا إن منهجا واحدا بعينه هو الذي ينبغي أن ~~يطبق في جميع أفرع المعرفة، بغض النظر عن طبيعة الموضوع الذي ندرسه. ~~ومن المسلم به أننا لا نستطيع أن نجعل العقل أو الذهن بارزا أمام ~~أعيننا للملاحظة الخارجية. لكن لا يزال في استطاعتنا مع ذلك أن ندركه ~~على أنه متضمن بالضرورة في المواقف المختلفة التي ندرسها في سياق ~~البحث العلمي نفسه. ولنضرب لذلك مثلا نوضح به ما تعنيه حالة علم ~~النفس السلوكي نفسه حين يدرس موقفا من المواقف النفسية: # إن عالم النفس السلوكي الذي يريد أن يحصر نفسه في أنماط السلوك، ~~لا يستطيع أن يفعل ذلك. ما لم يكن قادرا على عزل نمط السلوك الذي يريد ~~دراسته من السياق المحكم للكائن الحي والبيئة. وعزل موضوع الدراسة هذا ~~لا يكون ممكنا إلا إذا وجه انتباهه نحو الجانب المطلوب دراسته. ~~وهو جانب لا يمكن أن ينفصل بالفعل عن الكائن الحي الذي يشمله، والباحث ~~بتعديل انتباهه يستطيع التركيز على شيء واحد في لحظة معينة. إن ~~معطيات البيئة معقدة إلى أقصى درجة، ولهذا فإن العالم لكي يدرس ~~جانبا واحدا أو عنصرا واحدا من هذا التعقيد العيني، لا بد له ~~بالضرورة من أن يعزله عن بقية الجوانب أو العناصر. وهذا العزل قد لا ~~يكون ممكنا فعلا إلا في الفكر وحده. وتلك هي الحال نفسها إذا ما ~~أردنا أن نعزل نمطا من أنماط السلوك عن بقية التفصيلات. ولكي نخلق ~~نوعا من أنواع الخلاء حول نمط من أنماط السلوك بحيث يبدو عاريا ~~تماما من التفصيلات التي تغلفه، فإنك لا بد أن تجرد هذا النمط ~~بفضل انتباهك الانتقائي. ومن هنا كان الانتباه موجودا في كل خطوة من ~~الخطوات التي يقوم بها الباحث في بحثه، وهذا يعني - بعبارة أخرى - ~~أننا نفترض مقدما وجود ذهن الباحث، وإنكار وجوده يعني أننا نناقض ~~أنفسنا. ~~(18) اتضح لنا حتى الآن قصور النظريات اللامركزية، وبقي علينا أن ~~نناقش النظريات المركزية، وهي تنقسم بدورها قسمين «أ» النظرية التي ~~ترى أن النفس موجود جزئي، أو نوع من ms034 الموناد # monad ~~، أو «أنا» خالصة، أو موجودة بسيط، وتجعل منه ~~مركزا. «ب» النظرية التي لا تفترض وجود شيء آخر غير محتويات الخبرة، ~~ثم تقتطع من هذا المحتوى شريحة تفترض فيها الدوام وتعتبرها ~~المركز. ~~(19) وترى النظرية الأخيرة - في أكثر صورها اتساقا - أن النفس ~~تتكون من محور داخلي للشعور يعتمد أساسا على ما يسمى ب «الحساسية ~~الحشوية»، أي مجموعة الإحساسات الغامضة للتركيب الجسمي كله. ويقال لنا ~~إن هذه الكتلة من الشعور البدني تبقى على الدوام إما بلا تغير ~~على الإطلاق، أو مع تغير طفيف جدا . وتعتمد مثل هذه النظرية في ~~تفسيرها للوحدة الطولية للفرد على القول بأن قدرا معينا من تلك ~~النواة الداخلية للشعور، تبقى كما هي بلا تغيير أو قريبا من ذلك. أي ~~إن محور شعوري البدني في لحظة ماضية هو نفسه محور شعوري البدني في ~~لحظة حاضرة أو لحظة مقبلة. وإذا ما أخذنا قطاعا عرضيا في هذا الحبل ~~المطرد للشعور البدني، وجدنا أنه على علاقة محددة بالحوادث الذهنية ~~المنوعة. وهذا ما يكون الوحدة العرضية للفرد. والواقع أن هذه ~~النظرية تقع في منتصف الطريق بين النظريات التي ترى أن النفس موجود ~~أعلى من الخبرة، وبين النظريات التي تنكر وجود النفس باعتبارها ~~مركزا، فهي من ناحية تسلم بضرورة وجود مركز، لكنها من ناحية أخرى ~~تعتبر هذا المركز جانبا من محتويات الشعور، وهو بالتالي لا يجاوز هذه ~~المحتويات ولا يعلو عليها. ~~(20) والآن: هب أننا أردنا أن نحلل خبرة الفرد في لحظة من ~~اللحظات، بحيث نقسمها إلى محور دائم للإحساسات، وهامش قابل للتغير، ~~كما تقول هذه النظرية: فأين يمكن يا ترى أن نرسم هذا الخط الفاصل ~~بين المحور والهامش؟ ما هي هذه النواة التي يقال عنها إن البيئة لا ~~تؤثر فيها قط تأثرا ملحوظا؟ «ما هي ماهية الذات التي لا يمكن أن ~~تتغير على الإطلاق ...! الطفولة، والشيخوخة، والمرض والجنون، انبثاق ~~خصائص جديدة، واندثار خصائص قديمة، إنه لمن العسير حقا أن نضع ~~حدا لتغير الذات وتبدلها ... ويضيع هذا المخلوق في أوهام: فقدان ~~الذاكرة، تحول المزاج: ms035 مشاعر مريضة في قلب وجوده ذاته - ألا يزال بعد ~~ذلك كله هو الشخص الذي له تلك الذات التي نعرفها.» # 30 # إن الاعتراض الذي وجهه هيوم لفكرة النفس بصفة عامة، يبدو أنه ~~يصبح اعتراضا حاسما وقاطعا إذا ما وجهه إلى هذه النظرية، أعني ~~نظرية: الكتلة المركزية للشعور بصفة خاصة: «وإلا فمن أي انطباع حسي ~~أمكن لهذه الفكرة أن تجيء؟ ذلك لأنه لو كانت فكرة النفس قد نشأت عن ~~انطباع واحد معين، للزم أن يظل ذلك الانطباع على حاله دائما لا يتغير ~~إبان فترة حياتنا كلها ، لأن المفروض في النفس أن يكون وجودها قائما ~~على هذا النحو، ولكن ليس هناك انطباع واحد متصف بالدوام وعدم التغير، ~~فالألم واللذة، والحزن والسرور، والعواطف والإحساسات، كلها يتبع بعضها ~~بعضا، ويستحيل عليها أبدا أن يتحقق لها الوجود كلها دفعة واحدة. ~~وإذن فلا يمكن لفكرة النفس أن تستمد من أحد هذه الانطباعات أو من ~~غيرها، وبالتالي فليس هنالك فكرة كهذه.» # 31 ~~(21) وفضلا عن ذلك فإن هذه النظرية - فيما يبدو - لا تستطيع تفسير ~~التصورات والأحكام والاستدلالات؛ لأنه إذا كان التصور عبارة عن ~~فكرة كلية جردت من الأفراد الجزئية، فمن ذا الذي يقوم بمقارنة هذه ~~الأفراد بعضها مع بعض لكي يجرد الكيفيات والخصائص التي يتألف منها ~~التصور؟ قد يقال إن الكلي هو جزئي ممثل لبقية الجزئيات، لكنا ~~سبق أن رفضنا هذا الزعم في مناسبة سابقة. # 32 # ومن ناحية أخرى: من الذي يصدر الحكم؟ هل محور الشعور هو ~~الذي يثبت، وينفي، ويعلق قضية من القضايا؟ أضف إلى ذلك أننا لا ~~نستطيع أن نتصور كيف تستطيع هذه الكتلة من الإحساسات أن تدرك ~~العلاقات الجديدة بين عناصر الخبرة، أو كيف يمكن أن تقوم بعملية ~~استدلال. وإذا ما عجزت نظرية من النظريات عن تفسير هذه الجوانب ~~الأساسية عند الإنسان، فإنها لا يمكن أن تكون نظرية مقنعة. ~~(22) سبق أن استبعدنا النظريات اللامركزية لأنها غير كافية، وهي ~~تلك النظريات التي ترد النفس إلى مجموعة من الحالات، دون أي مركز ~~موحد يوجد بغض النظر عن مجموعة ms036 العلاقات الخاصة بين هذه ~~الحالات. # ورفضنا أيضا إحدى صور النظرية المركزية، وهي تلك النظرية التي تقبل ~~وجود مركز موحد، لكنها تعتبره الكتلة الشعورية البدنية المتصلة ~~والمطردة. ونحن من ثم مضطرون إلى الأخذ بنظرية تسلم بوجود ~~مركز، لكنها ترفض أن يكون هو نفسه جانبا من جوانب الخبرة. # ومثل هذا المركز يمكن تصوره بإحدى طريقتين؛ الأولى أن نتصوره ~~على أنه موجود بسيط، أو كائن لا زماني، أو روح قائمة في البدن، ~~ومرتبط به ارتباط الجواد بالعربة! (إذا ما استخدمنا التشبيه ~~الأفلاطوني الجميل). والثانية أن نتصوره على أنه مبدأ للوحدة، يكمن ~~وراء خبرة الفرد دون أن ينفصل عن هذه الخبرة، بحيث يصبح قانون الكائن ~~الحي نفسه، ينظم طرقه في الإدراك والتفكير والفعل، لكنه ليس له ~~وجود بمعزل عن الكائن الحي. ~~(23) أما التصور الأول للنفس، أعني تصورها على أنها موجود ~~بسيط. فلا شك أنه يمتاز بقدرته على حل مشكلة الهوية الذاتية للفرد، ~~لكنه من ناحية أخرى يورطنا في مشكلات لا حل لها. # أولا: # سوف نعجز عن تفسير العلاقة بين النفس والجسم ~~تفسيرا مقنعا؛ لأنهما يصبحان كائنين من طبيعتين ~~مختلفتين أتم الاختلاف. # ثانيا: # سوف تبدو النفس في هذه الحالة لا ضرورة لها، أو على ~~الأقل بغير نفع واضح: «إذا ما جعلنا هذه الوحدة # Unit # 33 # شيئا متحركا في حركة موازية لحياة ~~الإنسان، أو بالأحرى شيئا لا يتحرك، وإنما يقف ~~حرفيا في علاقة مع التنوعات التي تتعاقب على حياة ~~الإنسان، فإن ذلك لن يساعدنا كثيرا، وسوف تكون نفس ~~الإنسان - في هذه الحالة - زائدة تقريبا كنجمه في ~~السماء (إن كان له نجم) الذي ينظر إليه من عل دون أن ~~يكترث كثيرا، إذا ما فني هذا الإنسان.» # 34 # ثالثا: # إذا ما افترضنا أن هناك تيارا مستمرا لمجرى ~~خبرة الفرد، وعلى طول هذا المجرى توجد وحدة هي التي ~~نسميها بالنفس، فإننا إذا ما أخذنا بهذه النظرية ~~ننجرف يقينا إلى إحراج منطقي: «فإذا كان الموناد يملك ~~التنوع كله الذي نجده عند الفرد أو جانبا معينا ~~منه، فإن علينا في هذه ms037 الحالة، حتى إذا ما وجدنا في ~~ذلك هوية الذات، أن نوفق بين هذا التنوع وبساطة ~~الموناد. وإذا كان الموناد من ناحية أخرى يقف معزولا ~~إما بغير خصائص على الإطلاق، أو بخاصية واحدة ~~منعزلة، فإنه قد يكون شيئا جميلا في حد ذاته، لكن ~~من السخف أن نسميه نفسا.» # 35 ~~(24) تبقى نظرية واحدة هي القول بأن النفس الموحدة ليست موجودا ~~بسيطا مستقلا، لكنها فعل بواسطته يجمع الفرد ما يبدو أنه يساعده ~~في حفظ وجوده. هذا الفعل هو المبدأ الموحد لمحتويات خبرة الفرد، بحيث ~~تكون واحدة في أية لحظة، رغم تعدد المحتويات وتنوعها ، إنه الشرط ~~الذي بدونه تصبح الرغبة والنفور، والانتقاء والرفض، أمورا مستحيلة. ~~وبدون افتراض من ناحية أخرى لا يستطيع الفرد أن يشعر ويدرك ويفكر. ~~إنه الصورة، أعني الخاصية الأساسية للفاعل السيكوفيزيقي، التي تجعله ~~ينتقي العناصر - مادية كانت أو روحية - التي لا غنى عنها لوجوده. وفي ~~كلمة واحدة: المركز الموحد: هو الفعل المتضمن في عملية الانتباه. # 36 # غير أن الانتباه لا يمكن ~~تصوره دون موضوع، سواء أكان هذا الموضوع داخليا أم خارجيا. ومن ~~هذه الثنائية: الانتباه إلى شيء ما تتألف نظرتنا إلى النفس، ~~فالانتباه هو الجانب الذاتي، وما ننبه إليه هو الجانب الموضوعي. ~~والنفس هي وحدة «الذات والموضوع» أو هي ثنائية «الصورة والمادة»، ~~والصورة هي فعل الانتباه. والمادة هي الموضوع الذي يقع عليه الانتباه. ~~ومن الواضح أن الجانبين لا يمكن أن ينفصلا، على الرغم من أنهما ~~يمكن أن يتمايزا. فالفرد المنتبه وموضوع انتباهه يتضمن كل منهما ~~الآخر، والواحد منهما مستحيل بدون الآخر. وهذان الجانبان - الجانب ~~الذاتي والجانب الموضوعي - لازمان لتكوين الخبرة أيا كان نوعها: ~~منهما تبدأ الخبرة، وبهما معا تستمر، وليس في استطاعتنا مطلقا أن ~~نحللهما ونردهما إلى فرد منتبه بدون موضوع، أو إلى موضوع بدون الفرد ~~المنتبه. فالجانبان متضامنان، وكل منهما يتضمن الآخر، والصفحة البيضاء # Tabula Rosa # التي تحدث عنها ~~«لوك # Locke ~~» لم تكن أبدا بيضاء ~~في يوم من الأيام، كلا، ولا كانت صفحة بالمعنى السلبي المتقبل Passive # لهذه الكلمة، لكنها ms038 ~~كانت باستمرار: يفعل - ينتبه (أي فعل الانتباه). ~~(25) ويتخذ الجسم في حالة الانتباه وضعا خاصا، أو موقفا معينا ~~إزاء الموضوع الذي ننتبه إليه، وهذا هو السبب في أن الانتباه يكون في ~~الغالب مصحوبا بحركات معينة للجسم. لكن هذه الحركات لا هي سبب ~~الانتباه ولا هي نتيجته، وإنما هي جزء منه، فهي تعبر عنه تعبيرا ~~مكانيا. فمن المألوف في حالة الانتباه أن يميل المرء إلى الأمام، أو ~~أن يدير أذنه تجاه مصدر الصوت، أو أن يرفع حاجبيه أو يخفضهما ... ~~إلخ. وهذه الحركات الجسمية تجعل عملية الاختيار أو الانتقاء ممكنة، ~~وهي العملية التي تعتبر الخاصية الجوهرية للانتباه. إذ عن طريق الوضع ~~المناسب للجسم يحدد الفاعل المجال الذي ينتبه إليه وسط البيئة ~~المحيطة به. والانتباه الإيجابي لموضوع معين يصحبه بالضرورة قمع ~~لجميع الجوانب الأخرى. والجانبان الإيجابي والسلبي للانتباه يسهلهما ~~الوضع الصحيح الذي يتخذه الجسم أثناء عملية الانتباه. ومثل هذا الوضع ~~المناسب يعمل كعامل انتقاء، فيفضل التقاط أشياء معينة، ويمحو في نفس ~~الوقت موضوعات أخرى: «إن البحث عن شيء معين يتخذ وضعا يسهل ~~الاستجابة لرؤية هذا الشيء والتعرف عليه. والإصغاء يتخذ وضعا ~~يسهل الاستماع لأصوات معينة. ومن ثم فإن الإصغاء بإمعان قد يسد ~~عليك الطريق إلى ملاحظة شيء مفقود، يجعلك لا تلاحظ الأصوات التي لا ~~بد أن تجذب انتباهك في وقت آخر. وباختصار فإن الاستعداد والتهيؤ لعمل ~~ما، هو في نفس الوقت عدم استعداد وعدم تهيؤ بالنسبة لأعمال أخرى.» # 37 ~~(26) الانتباه ليس ملكة بالمعنى الذي ينظر فيه إلى الفرد على ~~أن لديه «قدرة» أو «قوة» أو ملكة الانتباه هي التي تجعله قادرا على ~~الانتباه، بمعنى أنه إذا ما انتبه بالفعل - فإن ذلك يحدث بمساعدة ~~تلك الملكة الموجودة بالقوة، بل إن الذات لا تكون ذاتا إلا ~~لأنها تنتبه فعلا وباستمرار. انظر إلى نفسك في أية لحظة وسوف تجد ~~أن هناك شيئا يشغل انتباهك، سواء أكان هذا الشيء إحساسا أم فكرة أم ~~شعورا ... إلخ. وليست هناك لحظة واحدة في حياة الفرد يمكن أن تخلو من ~~الانتباه خلوا ms039 تاما. فالجسم الذي لا ينتبه - ولو أدنى انتباه - هو ~~جسم لا نفس له. وحتى في حالة النوم وغيرها من الحالات اللاشعورية؛ يكون ~~الفرد منتبها إلى مضمون موضوعي، ولا يهم مدى الضآلة التي يكون ~~عليها هذا المضمون. ولو أن حواس النائم كانت موصدة تماما، عن ~~العالم الخارجي لكان معنى ذلك أن أكثر الأصوات ضجيجا لن يوقظه. ~~ويجمل بنا هنا أن نلاحظ أن الأم النائمة قد لا توقظها حركة المرور ~~الكثيفة التي يعلو ضجيجها خارج نافذة غرفتها، في حين أنه من المرجح ~~جدا أن توقظها أقل حركة يحدثها طفلها، وهذا لا يعني فقط أن ~~الانتباه مستمر أثناء النوم ، لكنه يعني أيضا أن الانتقاء ~~والاختيار لما هو هام وضروري موجود في مثل هذه الفترة التي يغيب فيها ~~الوعي الكامل. # والواقع أن الإدراك قد يكون من الضآلة بدرجة تجعلنا لا نلاحظه، ~~وهذه الإدراكات التي غالبا ما لا نشعر بها هي التي يسميها «ليبنتز» ~~بالإدراكات الضئيلة ... # petites ~~perceptions # ويوضح لنا ليبنتز هذه الإدراكات ~~الضئيلة بصوت البحر الذي نسمعه حين نكون بجوار الشاطئ: «إننا لكي ~~نسمع هذا الصوت كما يحدث لنا عادة، فلا بد لنا من أن نسمع الأجزاء ~~التي يتألف منها الصوت كلها، أعني أن نسمع الأصوات التي تحدثها كل ~~موجة على حدة، على الرغم من أن كل صوت من هذه الأصوات يبلغ حدا من ~~الضآلة، بحيث لا يمكن أن يسمع إلا من خلال التركيبة الجمعية التي ~~تأتلف فيها هذه الأصوات بعضها مع بعض، ومعنى ذلك أننا لا نستطيع في ~~حالة زمجرة البحر أن نسمع الأصوات لو أننا عزلنا الموجة التي أحدثتها ~~عن غيرها ولاحظناها بمفردها. ذلك لأن حركة هذه الموجة وحدها لا بد أن ~~تحدث فينا أثرا غاية في الضآلة، ولا بد أن يكون لدينا إدراك لكل صوت ~~من هذه الأصوات بالغا ما بلغت ضآلته، وإلا لما كان لدينا إدراك ~~لمائة ألف من الأمواج، ذلك لأن اللاشيء لو تكرر مائة ألف مرة لما ~~أصبح شيئا.» # 38 ~~(27) عملية انتباه إذن عملية مستمرة ومتصلة. والقطاع العرضي ms040 ~~للذات في أية لحظة من اللحظات يتألف من الجانب الذاتي للانتباه ~~والجانب الموضوعي لمجال الانتباه. ومن الواضح أن عملية الانتباه ~~بوصفها فعلا لفاعل سيكوفيزيقي هي دائما شيء واحد. وهي هي نفسها؛ إذ ~~لا توجد اختلافات كمية أو كيفية بين الحالات المختلفة للانتباه. وقل ~~مثل ذلك في أي فعل بما هو كذلك؛ فالرؤية واحدة باستمرار وهي هي، ~~والمرئيات هي التي تختلف وتتنوع. والسمع واحد دائما، والأصوات هي التي ~~تختلف وتتنوع. وتلك هي الحال نفسها مع الانتباه وموضوعه: فالانتباه ~~واحد، لكن مجال الانتباه يمكن أن يضيق أو يتسع تبعا لما يختاره الفرد ~~المنتبه. والانتباه في اتساع مجاله أو ضيقه لا يغير من طبيعته. فمن ~~الخطأ أن ننسب هذا الاتساع أو الضيق إلى الانتباه ذاته، كما نفعل عادة ~~في حياتنا اليومية. والواقع أنه بسبب اتساع مجال الانتباه أو ضيقه - ~~زيادة امتداده أو زيادة كثافته - لا تكون الذوات المختلفة كلها واحدة ~~في ثرائها وغناها. كلا، ولا يمكن للفرد الواحد أن يكون دائما ~~واحدا، وهو نفسه باسمرار فيما يتعلق بموضوع الانتباه. وقد يعترض ~~معترض على ذلك فيقول: إن الاختلافات في هذه الحالة سوف ترد كلها ~~إلى الظروف الخارجية، وإن الفرق بين «نفس» و«نفس» أو ذات وذات، سوف ~~تستمد من الخارج لا من الداخل، ومن ثم فالظروف الخارجية المحيطة ~~بالفرد هي التي تجعله على ما هو عليه. غير أن هذا الاعتراض يحرم ~~الانتباه من أخص خصائصه، وهو الاختيار والانتقاء. إن النفس أو الذات ~~تتألف مما يختاره الفرد المنتبه من الظروف المحيطة، لا من مجموعة ~~العناصر المحيطة التي تشكل نفسها في نمط معين. إن هذه العناصر ~~ليست إلا المادة الخام التي يختار منها كل فرد ويشكل منها ذاته ~~بطريقة مميزة فريدة، تجعله في النهاية فردا عينيا حقيقيا: «إن ~~الذات الحقيقية هي شيء يصنع ويكتسب ويتجمع ببذل الجهد والتعب، وليست ~~شيئا يعطى لنا لكي نستمتع به.» # 39 ~~(28) إن فعل الانتباه يقبع خلف حياة الفرد النفسية بأسرها، وما ~~يبدو لنا أنه تنوع في الأفعال السيكولوجية ليس في حقيقة الأمر ms041 سوى ~~تنوع للجانب الموضوعي، فليس هناك سوى فعل أساسي واحد هو الانتباه، ثم ~~موضوعات متعددة ننتبه إليها، في أوقات مختلفة: ففي الإدراك الحسي ~~أنتبه إلى موضوعات حسية، وفي الإدراك العقلي أنتبه إلى محتويات عقلية، ~~وحتى الأفعال التي تبدو في ظاهرها مختلفة عن تلك الأفعال اختلافا ~~واسعا، مثل أفعال: الإدراك ~~«المعرفة» والنزوع # Cognition and Conation # يمكن كذلك ردها إلى هذا الفعل ~~الأساسي نفسه، أعني الانتباه، مع رد الاختلافات إلى الموضوعات التي ~~ننتبه إليها نفسها. ويكفي أن نلاحظ أن للمعرفة والنزوع نفس خصائص ~~الفعل الأساسي «الانتباه» مما يبرر لنا القول بأنهما معا يمكن ~~ردهما إلى فعل الانتباه نفسه. «يمكن أن يستغرقنا الفعل تماما، كما ~~يمكن أن يستغرقنا الإدراك أو التفكير. وكذلك الحركات - ما لم تكن ~~آلية - تعوق الأفكار، والعكس بالعكس، فالأفكار بدورها - ما لم تكن ~~سلسلة من التداعي - تعوق الحركات وتوقفها. إنه من المستحيل عليك أن ~~ترفع حملا ثقيلا وتستمر في عملية التفكير، استحالة أن تمعن النظر ~~في النقطة الموجودة على حرف «ف» وتواصل الحركة. إن حالة السكر، ~~والتنويم المغناطيسي، والجنون، وكذلك حالة الراحة أو الإنهاك، تؤثر ~~في الإدراك العقلي، كما تؤثر في هزة الأعصاب، سواء بسواء. والسيطرة ~~على الأفكار، مع السيطرة على الحركات في وقت واحد، تحتاج إلى «جهد». ~~وكما أن هناك جهدا # Strain # ذا خصائص ~~معينة في عملية الإصغاء أو التحديق بإمعان، يقترن به مصاحب عضلي، ~~فهناك بالمثل، جهد متميز بخصائص معينة في عملية التذكر أو إعنات ~~الذهن # recollection and intellection ~~. ومن المرجح أن يكون لذلك الجهد قرين بدني ~~مساو أساسا للواحد منهما ... وحين تترابط الحركات؛ فإن فعل الانتباه ~~يكون مطلوبا تماما كما هو مطلوب للربط بين الانطباعات الحسية. وحين ~~تترابط هذه التداعيات ترابطا وثيقا فإن عملية فكها تصبح صعبة، ~~وتتساوى صعوبتها في الحالتين معا.» # 40 ~~(29) ولكن قد يسأل سائل: ألا يقال إننا في بعض الأحيان نكون في ~~حالة «لا انتباه»؟ لو أن السائل كان يعني بكلمة «لا انتباه» هذه ~~الغياب الكامل للانتباه، فسوف أجيبه في حسم قاطع كلا؛ ذلك ms042 لأن ~~الانتباه موجود باستمرار، وعدم الانتباه إلى شيء بعينه إنما يعني ~~الانتباه إلى شيء آخر، وفضلا عن ذلك، فإن موضوع الانتباه يجب أن ~~يفهم على أنه يشمل مدى واسعا من الدرجات. ونحن في استخدامنا لكلمة ~~«الانتباه»، وتطبيقها على هذه الدرجات جميعا، نستطيع أن نقول إنها ~~تشبه «درجة الحرارة». فكما أن درجة حرارة شيء من الأشياء قد تكون أقل ~~بكثير من نقطة التجمد (أعني تحت الصفر بكثير)، فكذلك قد تكون درجة ~~الانتباه في بعض الحالات غاية في الضآلة، لكن الانتباه مع ذلك موجود، ~~ولو أننا فهمنا الانتباه بهذا المعنى الذي يجعله يشمل مدى واسعا ~~جدا من الدرجات الخاصة بالموضوع الذي ننتبه إليه، فلا يمكن أن تقوم ~~لهذا الاعتراض قائمة بعد ذلك. وقد تفيد الفقرة الآتية التي اقتبسناها ~~من «جون لوك» في توضيح هذا المعنى: «أما القول بأن هناك أفكارا ~~تبقى منها هذه المجموعة أو تلك بشكل دائم في ذهن الإنسان وهو في حالة اليقظة، # 41 # فهذا ما يقتنع به كل إنسان من خبرته الخاصة، على الرغم من ~~أن الذهن يعمل فيها بدرجات من الانتباه متفاوتة، # 42 # فهو أحيانا يحصر نفسه بحماس زائد في تأمل بعض ~~الموضوعات، ويقلب أفكار هذه الموضوعات من جميع جوانبها ملاحظا ~~علاقاتها وظروفها، ومهتما برؤية كل جانب على حدة بسرور زائد وانتباه ~~كبير، حتى إنه ليوصد الباب أمام جميع الأفكار الأخرى، دون أن يلاحظ ~~الانطباعات العادية التي تطبع الحواس عندئذ، وهي الانطباعات التي كان ~~لا بد أن تحدث - في وقت آخر - إدراكات نحس بها إحساسا واضحا. وفي ~~أوقات أخرى، يكاد الذهن لا يلاحظ سلسلة الأفكار التي تتوالى على الفهم ~~دون أن يوجهها أو يتعقب أيا منها. وفي أحوال أخرى نراه يتركها ~~تمر - تقريبا - دون أن يلحظها تماما، كما لو كانت ظلالا باهتة لا ~~تحدث أي انطباع.» # 43 # ومن هنا فلا يوجد بين الانتباه واللاانتباه ذلك الاختلاف الذي يوجد ~~بين الوجود واللاوجود، فليس ثمة سوى اختلاف درجة الانتباه، فكلما ~~ازداد تركيز الانتباه على موضوع معين، ازداد انحسار الانتباه عن ms043 ~~موضوعات أخرى، وكلما ركزت انتباهي بإمعان على «أ» انحسر انتباهي ~~بالضرورة عن «ب». غير أن «برادلي» يرى رأيا آخر، فهو يقول: «إن ~~مجرد مثول موضوع معين أمامي، أو عدة موضوعات، لا يعد هو نفسه ~~انتباها ... فأنا لا أنتبه بمجرد إدراكي لموضوع ما أو تفكيري فيه، ~~لكنني أبدأ في الانتباه حين أجاوز ذلك، بحيث أجعله موضوعي أنا.» # my object ~~. # 44 # لكن هل يمكن أن يكون هناك ظل من شك في أن الإدراك أو ~~التفكير هما دائما إدراكي أنا، وتفكيري أنا، أعني أنه دائما ملكي ~~ودائما خاص بي؟ وفضلا عن ذلك فإن الإدراك أو التفكير الذي لا أنتبه ~~إليه، لا يكون موجودا من أجلي على الإطلاق. والواقع أنه لا يوجد ~~أمامي من الموضوعات إلا ما أنتبه إليه بوصفه إدراكا حسيا أو فكرة ~~أو شعورا أو حركة، أو أيا ما كان نوعه. ويعرف جون ستيوارت ~~مل # Mill # الشيء بأنه الإمكان ~~الدائم للإدراك. وهذا حق. والإدراك يصبح مستحيلا بدون الانتباه، ومن ~~هنا كان من الصواب أيضا أن نعرف الشيء بأنه الإمكان الدائم ليكون ~~موضوعا للانتباه. ومن ناحية أخرى فإننا نستطيع هنا أن نستفيد من ~~تعريف «ليبنتز» للذهن بأنه الإمكان الدائم لعملية الإدراك. وإذا ما ~~استبدلنا الواقع الفعلي بمجرد الإمكان، والانتباه بدلا من الإدراك، ~~لزم أن نقول إن الذهن هو الواقع الفعلي الدائم لعملية ~~الانتباه. # صحيح أنني كلما ركزت انتباهي في إدراك معين أو فكرة بعينها. ~~امتلكته واستحوذت عليه بشكل عميق وأقوى، لكن ذلك لا يتعارض مع القول ~~بأن الإدراك الشاحب أو الفكرة الباهتة هما أيضا إدراكي وفكرتي، على ~~الرغم من أن درجة استحواذي عليهما تكون أقل. # ويري «برادلي» من ناحية أخرى، أن الانتباه ينبغي - لا أن يكون له ~~موضوع فحسب - بل أيضا: «أن يتضمن استبقاء والمحافظة على هذا ~~الموضوع، ولهذا فهو يتضمن بعض التمهل والتأني # Some ~~delay ~~. # 45 # والواقع أن هذا الاستبقاء أو هذه المحافظة التي يتحدث ~~عنها برادلي هي علامة تتميز بها بعض حالات الانتباه، لكنها ليست ~~سمة ضرورية للانتباه الخالص والبسيط، وإلا ms044 فلن يكون في استطاعتنا أن ~~نرسم خطا فاصلا يحدد مدة الزمن التي نستبقي فيها الموضوع الذي ~~ننتبه إليه، أعني أن نرسم خطا، ونقول: تحت هذا الخط لا يكون الفعل ~~انتباها، وفوقه يمكن أن يعد انتباها، فمن الواضح أن مثل هذا ~~الخط الذي يعين الحدود بين المنطقتين لا يمكن رسمه. ~~(30) ويجمل بنا هنا أن ننتهي من مناقشة ذلك التقسيم الشائع للانتباه، ~~ذلك التقسيم الذي قد يضللنا ويجعلنا نقع في خطأ الظن بأن الانتباه ~~على أنواع مختلفة؛ إذ كثيرا ما يقال إن الانتباه ينقسم إلى: ~~انتباه إرادي، وانتباه لا إرادي. وهم يقصدون بالانتباه الإرادي ذلك ~~الانتباه إلى بعض الأشياء أو بعض الأفكار بجهد من الإرادة. أما ~~الانتباه اللاإرادي فهم يقصدون به ذلك الانتباه الذي تجذبه طبيعة ~~الموضوعات ذاتها التي تسترعي الانتباه، مثال ذلك: الصوت المدوي، وومضة ~~الضوء القوية. وبعبارة أخرى يقال عن الانتباه إنه إرادي حين يتم ~~رغما عن إرادة الشخص المنتبه. غير أن هذا التقسيم يقع في مغالطة ~~منطقية هي «مغالطة التسليم بالشيء قبل البرهنة عليه»، فهو يقوم على ~~افتراض أسبقية الإرادة على الانتباه، أو أنها - على الأقل - مقترنة ~~ومصاحبة للانتباه. فإذا ما وجدت الإرادة قبل الانتباه أو معه، ~~سمي انتباها إراديا، وإذا غابت الإرادة، أو إذا ما سبقت إرادة ~~الانتباه إلى شيء آخر الاتجاه الجديد الذي يتجه إليه الانتباه، سمي ~~الانتباه في هذه الحالة انتباها لا إراديا. لكن أسبقية الإرادة على ~~الانتباه أو ملازمتها له، أمر مشكوك فيه، لأن الإرادة هي نفسها نوع ~~خاص من الانتباه، يتميز فيه الموضوع الذي ننتبه إليه بخصائص معينة. ~~وهذه الخصائص التي تجعل الموقف السيكولوجي موقفا إراديا سوف تكون ~~موضوعا لفصل خاص. # 46 # لا شك أن الظروف التي تؤثر في توجيه الانتباه نحو موضوعات معينة ~~دون موضوعات أخرى، تكمن إلى حد ما - إن لم يكن إلى حد كبير - في ~~طبيعة الموضوعات التي تسترعي الانتباه: فالضوء اللامع، والصوت المدوي، ~~أكثر ترجيحا لجذب الانتباه من الصوت الخافت والصوت الضعيف. وقل مثل ~~ذلك في الموضوع الضخم، فهو أكثر ms045 احتمالا لجذب الانتباه من الموضوع ~~الصغير. وأكثر الشروط الموضوعية كلها أهمية في جذب الانتباه هو التغير ~~الفجائي، فتوقف الجلبة والضجيج فجأة، أو بدايتهما فجأة، من ~~المحتمل جدا أن تجذب الانتباه، وتلك هي الحالات التي يقال فيها ~~إن الانتباه لا إرادي. # لكن ما السبب الذي يجعل الضوء اللامع أو الصوت المدوي يجذب الانتباه ~~أكثر من الضوء الخافت أو الصوت الضعيف؟ لماذا كان الموضوع الجديد الذي ~~يظهر فجأة في مجال الانتباه يسترعي الانتباه بشكل قوي؟ السبب دائما هو ~~نفع الفرد ومصلحته. أو بعبارة أوضح: المحافظة على وجود الفرد وبقائه هي ~~التي تحدد ما ينتبه إليه وما لا ينتبه إليه. ومن هنا فإن الضوء ~~اللامع أو الصوت المدوي، أو الظهور المفاجئ لموضوع ما، قد تكون كلها ~~مصادر خطر تهدد هذا الوجود . ولهذا فإننا - بطبيعة تكويننا العضوي ~~نفسه - ننتبه بسرعة إلى مثل هذه الأشياء، لنتجنبها أو لنحترس منها. ~~وسواء أكانت الظروف في ظاهرها ذاتية أم موضوعية، فإن النفع الحقيقي ~~للفرد هو الذي يحدد باستمرار اتجاه الانتباه. ولو افترضنا أن ~~طبيعة تكويننا العضوي كانت على نحو آخر، فربما جذب انتباهنا الضوء ~~الشاحب لا اللامع، والصوت الخافت لا المدوي. # وما أشرنا إليه على أنه «نفع الفرد ومصلحته» ليس شيئا آخر سوي ~~«لذة الحياة»، التي هي نفسها جزء وجانب من الحياة ... ولذة الكائن الحي ~~هي أن يستمر في الحياة، وأن يجدد نفسه باستمرار كحياة جديدة ... ولا ~~يخلو منها لون من ألوان الحياة، فلذة الحياة هي العامل المشترك بين ~~الكائنات جميعا: الأنواع الفطرية، الأنواع التي لا تتحول إلى نوع ~~آخر، من أضأل الحيوانات إلى الإنسان. وإنك لتجد هذا الطابع المشترك ~~في عدة ملايين مختلفة من الأنواع، بحيث لن تفشل ولن تخطئ - ولو مرة ~~واحدة - في ملاحظتها، فعقول الأفراد المتنوعة تنوعا لا حد له، ~~والزواحف، والأسماك، والنحلة، والنملة، والأخطبوط - هي أنواع من ~~الحياة، قد يبدو بعضها غريبا من حيث الذهن أو شكل الجسم - إلا ~~أنها تشترك جميعا - مهما اختلفت - في تلك السمة الدائمة وهي: ~~الاندفاع نحو الحياة، والاستزادة منها، ms046 وهي سمة يمكن أن نسميها ~~لذة، وهي لذة موجودة، ويمكن لمن يتساءل عنها أن يتعقبها طوال ~~الأشكال التي مرت بها الحياة، عائدا القهقرى من حياة الإنسان نفسها، ~~ليجد أن اللذة أصبحت دافعا أعمى، ثم ليجد أن الدافع قد تنحى ~~ليصبح باعثا لا عقليا، وقد يكون هو الذهن أيضا.» # 47 # وهذا الميل الداخلي عند الإنسان، كما هي الحال في كل موجود طبيعي ~~آخر، سواء بسواء، يجعله يرد جميع التغيرات بتلك الطريقة التي تعود عليه ~~بحفظ توازنه ووحدته الخاصة، هذا الميل الداخلي عند الإنسان هو ما ~~يسميه «اسبينوزا» بالنزوع ~~الأساسي # Conatus # للكائن إلى حفظ ذاته، ونزوع الإنسان هو ~~ماهيته: فهذه الطريقة الخاصة من السلوك في أي موقف جزئي هي التعبير عن ~~«نزوعه» تحت ظروف اللحظة الحاضرة. وباختصار: نزوع الإنسان هو إرادة ~~الحياة عنده، وهو ببساطة ماهيته: «التي يخرج منها بالضرورة جميع تلك ~~الأفعال التي تتجه إلى «المحافظة على ذاته» ... وطالما أن ماهية ~~الإنسان ذهنية كما هي جسمية، سواء بسواء، فإن الإنسان يشعر بهذا ~~الجهد الذي يبذله، أعني أن الإنسان لا يتجه إلى تدعيم وجوده الجسمي ~~والذهني فحسب، لكنه يعرف هذا الميل ويشعر به. # 48 ~~(31) ولا بد أن يفهم «نفع الفرد ومصلحته» بالمعنى الضيق والواسع على ~~السواء، فهو يشمل المنافع الدائمة والعابرة في آن معا، وانشغالات ~~الفرد الوقتية توجه انتباهه لصالح ما يتصادف أن ينشغل به في ~~لحظة حاضرة أو منذ لحظة قصيرة مضت. وكذلك فإن موقفه العقلي في لحظة ~~ما يفيده في تنظيم انتباهه وتوجيهه. والنفع العابر - في أبسط صوره - ~~يمثله موقف الفرد حين يلقي عليه شخص ما سؤالا في الوقت الذي يكون ~~فيه منتبها إلى شيء ما: «إذا سألت سائلا - أو إذا سألت نفسك - عن ~~الطابع المعماري لساعة البرج القائمة أمامك، فإنك سوف تنتبه إلى ~~طابعها المعماري. لكن من المرجح جدا ألا تلاحظ الوقت الذي تشير ~~إليه الساعة. أما لو سألك عن الوقت فسوف تلاحظه، لكن من المرجح جدا ~~ألا تلحظ الطابع المعماري للبرج، أو حتى الطريقة التي كتبت بها ~~الأرقام ms047 على واجهة الساعة، اللهم إلا لو سألك هل هي أرقام عربية أم ~~رومانية ... إلخ.» # 49 # تلك هي المنافع العابرة أو المؤقتة، لكن هناك أيضا المنافع ~~الدائمة، التي تصلح للمحافظة على وجود الذات بما هي كذلك. وبين هذه ~~وتلك سوف تجد باستمرار أثرا دائما لتجربة الفرد المباشرة، أعني أثرا ~~- كبر أو صغر - لمزاجه ونظرته المستمدة من تربيته السابقة: ~~«فالناس يوجهون انتباههم إلى موضوعات تختلف باختلاف منافعهم، ~~وباختلاف المجالات التي تنتمي إليها هذه الموضوعات. وإنك لتجد من ~~الناس أفرادا يجذب انتباههم في محتويات صحيفة من الصحف موضوعات تختلف ~~باختلاف تجاربهم السابقة.» # 50 ~~(32) معنى ذلك أن الانتباه عملية انتقاء ورفض: انتقاء لما يبدو ~~أنه يلبي منافع الفرد، ورفض لما يبدو عكس ذلك. والفرد في هذا ~~النشاط الانتقائي يأخذ ما يساعده على حفظ بقائه، ويتجنب ما يضر ~~هذا البقاء، ثم لا يكترث بما هو محايد. وتميل بيئة الفرد في هذا ~~النشاط إلى الاطراد، ومن هنا فإننا نقول إن هناك اطرادا في ~~الطبيعة، والسبب أننا نصنف محتوياتها تبعا لنفعها لنا. ومعنى ذلك ~~أن الاطراد في الطبيعة ليس إلا اطرادا في خبرة الفرد؛ لأن ~~الطبيعة لا تحتوي - في الواقع - على شيئين متحدين تماما، وإنما ~~تتألف من أفراد فريدة في ~~نوعها # Unique ~~، خصوصا فيما يتعلق بموضوع الحياة: «فالحياة ~~فردية تماما كما هي الآن، وكما كانت باستمرار. فليس هناك شيء اسمه ~~«الكلي» فيما يتعلق بموضوع الحياة؛ لأن أية محاولة لتعريف الحياة ~~لا بد أن تنطلق من تصور «الفرد» وإلا فلن تكون حياة.» # 51 # معنى ذلك أن الطبيعة لا تحتوي على شيئين متحدين ~~اتحادا تاما في هوية واحدة. ونحن حين نوحد بين شيئين في هوية ~~واحدة، فإننا نفعل ذلك لعجزنا عن التعرف على ما بينهما من ~~اختلافات، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بمنفعتنا. فالأبقار أمامنا ~~دائما واحدة وهي هي؛ لا لأنها في الحقيقة يتحد بعضها مع بعض في ~~هوية واحدة، ولكن لأنه يبدو أنها جميعا تلبي نفعنا بطريقة واحدة. ~~وتبدأ فردية البقرة في الظهور حين يكون نفع الفرد مرهونا ms048 بالعثور على ~~السمات المميزة لتلك البقرة، كما هي الحال في الفنان الذي يريد أن ~~يرسم أو يبرز هذه الفردية. وحين نعرف فئة ما بأن أعضاءها تجمعهم ~~هوية واحدة معتمدين على اطرادهم، فإننا نغض الطرف بالفعل عن نقاط ~~الاختلاف الموجودة بين هؤلاء الأعضاء؛ لأنها لا نفع فيها بالنسبة ~~لأغراض التعريف، وإغفال نقاط الاختلاف الموجودة بين الموضوعات يبدو ~~أنه واحد، وهو لهذا يشكل فئة واحدة، هي التي أطلق عليها «ليبنتز» ~~اسم «هوية ~~اللامتميزات # identity of indiscernibles ~~». ويقول ليبنتز في كتابه «علم الموناد # Monadology ~~» لا بد أن يختلف كل ~~موناد عن غيره من المونادات الأخرى؛ إذ لا يوجد في الطبيعة شيئان ~~متشابهان أتم ما يكون التشابه، بحيث يكون من المستحيل أن نجد بينهما ~~فرقا داخليا، أو على الأقل فرقا يعتمد على كيف داخلي أو صفة ذاتية ~~... # intrinsic ~~. # 52 # ويواصل كل فرد في هذا العالم المتعدد الأشكال البحث عما ينفعه ~~ويجعله يتكرر في مجال الانتباه، ويواصل - في الوقت ذاته - النفور ~~مما يضره ويؤذيه ولا يجعله يتكرر إلا نادرا، وهو من ناحية ~~ثالثة يواصل الحياد مع الموضوعات التي لا تضر ولا تنفع. وعن طريق ~~الانتقاء بهذا الشكل تطرد خبرة الفرد وتتشكل بحيث منفعته دائما هي ~~المركز: «قد يراقب جمع غفير من الناس أشعة القمر وهي تسقط على أمواج ~~الشاطئ في ليلة مقمرة من ليالي الصيف، لكن كلا منهم لن يرى إلا ~~الطريق الفضي الذي ينساب تحت قدميه في خط مستقيم.» # 53 # وكل فرد في خبرته له بالمثل طريقه الخاص ومركزه ومداه ~~المعلوم. ~~(33) الانتباه بوصفه عملية ~~انتقاء ورفض، يجعل من التنوع المطلق للعالم الموضوعي «كونا # universe ~~». # 54 # وهو كذلك يوحد بين الإحساسات المتعددة في إدراك ~~واحد، فهو في عملية الإدراك يحول تنوع معطيات الحس وتعددها إلى ~~موضوع متحد. ونحن بفضل انتباهنا الإيجابي النشط ندرك الموضوع ككل ولا ~~ندركه بوصفه شيئا يظهر من تركيب عناصره. والفاعل المنتبه لا ينتقي ~~من التنوع غير المتعين العناصر الجزئية التي يمكن أن تتشكل في ~~وحدة # unity ~~، بل إنه على العكس ~~قد ms049 لا يشعر بوجود بعض هذه العناصر على الرغم من أن الوحدة التي ~~يدركها قد يكون من الممكن بعد ذلك تحليلها إلى عناصرها التي تتألف ~~منها. وأنا حين أدرك الكل بوصفه كلا فإنني أضفي على العناصر ~~كيفيات معينة لم تكن هذه العناصر على الرغم من أن الوحدة التي ~~يدركها قد يكون من الممكن بعد ذلك تحليلها إلى عناصرها التي تتألف ~~منها. وأنا حين أدرك الكل بوصفه كلا فإنني أضفي على العناصر ~~كيفيات معينة لم تكن هذه العناصر لتملكها بطريقة أخرى. ومعنى ذلك أن ~~نتيجة نشاط الانتباه هي تكامل العناصر في وحدة واحدة. غير أننا يجب ~~ألا نوحد بين النشاط التكاملي وبين الخيال البنائي، لأننا في ~~حالة الخيال البنائي نكون على وعي بالأجزاء التي نبني منها هذا الكل، ~~بينما في حالة الانتباه تتكامل العناصر التي تشكل موضوع الانتباه ~~دون أن نشعر بهذه العناصر ولا بعملية التكامل. وبدون نشاط التكامل ~~المتضمن في عملية الانتباه، فإن هذه المنضدة الموجودة أمامي لا بد ~~أن تكون عددا هائلا من المعطيات الحسية التي لا يمكن التمييز ~~بينها وبين الكثرة غير المتعينة التي تحيط بي. إن الشرط السابق ~~لإدراك المنضدة ككل بوصفها شيئا متميزا عن الموضوعات الأخرى لا ~~يكمن في المنضدة ذاتها، بل في طريقة إدراكي لها، أعني أنه يكمن في ~~طبيعة الانتباه. أما الأسباب التي تجعل المنضدة تظهر كشكل وسط خلفية، ~~بحيث تتميز عن الأشياء الأخرى الموجودة في مجال الرؤية، فهي عبارة عن ~~مجموعة من القواعد شرحها بالتفصيل أصحاب «نظرية الجشطالت». # ويذكرنا ذلك بما يقوله كانط # Kant # عن «الوحدة الترنسندنتالية للإدراك الذاتي». فهذا العنصر الموحد لا ~~غنى عنه؛ إذ بفضله تتجمع جميع معطيات الحس في كل متكامل، وهذه ~~الوحدة للإدراك الذاتي عند كانط ذات فاعلية نشطة في عملية الربط بين ~~المعطيات الحسية في صلتها بذاتها. ومن ثم فإن وحدة الكثرة لا بد ~~أن يضفيها هذا العنصر الموحد على الكثرة بنشاطه الخاص. # وكلما استطاع الفرد، ~~بانتباهه النشط، أن يدرك المظاهر المنوعة لموضوع من الموضوعات في شيء ~~واحد بعينه، ms050 أمكن أن يقال عن هذا الفرد إنه على وعي بوحدته الخاصة. ~~والعكس صحيح أيضا، أعني أنه كلما كان الفرد وحدة تظهر في انتباهه ~~النشط، كان الفرد قادرا على إدراك موضوع ما بوصفه شيئا واحدا. ومعنى ~~ذلك أنه إذا قيل إن هناك شيئا من الأشياء، فالسبب أن هناك شيئا ~~ينتبه إليه، وهو ينتبه إليه كشيء واحد رغم تعدده. # معنى ذلك أن وحدة الذات لا يمكن تصورها بدون وحدة الموضوع، ~~فوحدة الذات ووحدة الموضوع يتضمن كل منهما الآخر، ولا يمكن أن ~~يوجد أحدهما بدون الآخر. وهاتان الوحدتان معا هما تعبير عن النشاط ~~المتضمن في عملية الانتباه. وطالما أن عملية الانتباه لا يمكن أن ~~توجه إلا إلى موضوع رئيسي واحد في لحظة ما، فإنه لهذا السبب ~~يقال إن الفرد لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل رئيسي واحد في لحظة ~~بعينها. # ويجمل بنا هنا أن نسوق للقارئ تعريفا دقيقا - كبر أو صغر - لما ~~نعنيه بكلمة «الفرد». يقصد بلفظ «الفرد» الكل العضوي «الذي تتصف ~~أجزاؤه بصفات خاصة من حيث علاقتها بالكل. ومثل هذا الكل ليس مجرد ~~تجميع لأجزاء مستقلة، بل هو مركب من أجزاء تتحدد من حيث علاقاتها ~~بهذا الكل. والكل الذي تتحد أجزاؤه بهذه الطريقة لا يكون سوى شيء ~~رئيسي واحد في لحظة معينة. لكن ما المقصود بالشيء الرئيس الواحد؟ هذا ~~ما عبر عنه السير تشارلز ~~شرنجتون # Sir Charles Sherrington # بقوله: # 55 ~~«إنه فعل حركي من هذا النوع الذي لا يكون لأي حادث آخر ~~يقع معه إلا اقتران ضئيل للغاية في الذهن، في حين أنه هو نفسه يكون ~~له اقتران تام وكامل، إنه ليستطيع أن يفرغ ما بالذهن تماما في «ذاته» ~~...» وإذا ما ترجمنا هذه العبارة إلى اللغة التي نستخدمها، أمكن لنا أن ~~نقول: إن الشيء الرئيسي الواحد الذي يكون عليه الفرد بما هو كذلك في ~~لحظة ما، هو فعل الانتباه الموجه أساسا إلى موضوع واحد ~~بعينه. # وهذا الموضوع قد «يمتص» أو يستغرق انتباهنا كله، بحيث نجد أن ~~الموضوعات الأخرى التي تقع في مجال ms051 الانتباه تنزاح إلى خلفية هذا ~~المجال. ويستمر «سير تشارلز شرنجتون» فيقول: # 56 ~~«هناك مراتب من الفعل. فنحن نعتقد في أنفسنا، وفي غيرنا ~~من الناس، أننا مشغولون في هذه اللحظة أو تلك بهذا العمل أو ذاك. ~~وهذا حق. فكل منا في أية لحظة، من لحظات اليقظة عبارة عن حزمة ~~كاملة من الأفعال المتآنية، ووسط هذه الحزمة هناك فعل رئيسي واحد، أو ~~فعل مركزي بعينه، تتركز عليه نظرتنا الخاصة بوصفه الفعل الذي نقوم به ~~أساسا في هذه اللحظة الراهنة. وأيا ما كان هذا الفعل الرئيسي فإن ~~هناك أفعالا أخرى تشترك معه وتتحد به وتساهم فيه، بعضها بنصيب كبير ~~وبعضها الآخر بنصيب أقل. وهناك أفعال أخرى بعضها لا يكون له علاقة على ~~الإطلاق بهذا الفعل الرئيسي، وبعضها الآخر تكون علاقته ضئيلة للغاية، ~~لكن لا توجد حالة من الحالات تكون فيها هذه الأفعال الجانبية مزعجة ~~للفعل الرئيسي المركزي. وعلى ذلك فكل منا في أية لحظة عبارة عن ~~نموذج للفعل الإيجابي النشط، نموذج بسيط من شرائح كلها ثانوية بالنسبة ~~للفعل الأساسي. ولا يسمح لأي جزء من أجزاء هذا النموذج بإزعاج الفعل ~~المركزي الأساسي. إنه لو حدث ذلك لتغير النموذج كله، ولأصبحت ~~الشريحة المزعجة هي الفعل المركزي في نموذج جديد يزيح النموذج السابق ~~ويحل محله. وتصبح هذه الشريحة الرئيسية تاجا للفعل الموحد في ~~اللحظة الراهنة». # ومن ثم فإن القول بأن الجوانب المختلفة من الفرد تتقارب وتتحد ~~في نشاطها هو - فيما يبدو - العلامة المميزة لما نسميه بالفردية. ~~وبعبارة أخرى، فإن اتصال الزمان في نشاط أجزاء نسق ما، يجعل من هذا ~~النسق كلا متكاملا. ومعنى ذلك أن الإنسان في حالة الفعل يكون فردا، # 57 # أي كلا تلتحم أجزاؤه تماما. فإذا كانت الأجزاء ~~المتعددة التي يتكون منها تركيبه العضوي قادرة على القيام بأفعال ~~منفصلة، فإن هذه الأجزاء كلها تتحد وتتآزر - حين يعمل ككل عضوي - ~~لتقوم بعمل واحد؛ لأن الفرد لكي يتحد فإنه لا يحتاج إلى مركز ~~مكاني موحد، وإنما اتحاده يكفله تماما تعاون الأجزاء واتجاهها نحو ~~فعل واحد: «فالاتصال ms052 الزماني في النشاط يعفي من الحاجة إلى التركيز في المكان». # 58 # والقول بأن وحدة الذات ووحدة الموضوع يتضمن كل منهما الآخر ~~يتضح تماما حين نقول إن خبرة الشخص المنتبه في أية لحظة من ~~اللحظات هي نفسها عبارة عن وحدة، فأيا ما كانت عناصر هذه الخبرة ~~فإنها تتحد وتلتحم في نمط واحد، أو أنموذج واحد، له مغزاه: «إن ~~الجانب الوحدوي للخبرة في لحظة ما هو نفسه جانب من وحدة «الأنا». وهناك ~~أشكال سيكولوجية تسمى بالأشكال المزدوجة المنظور؛ لأنها تبدو في ~~لحظة شكلا معينا وفي لحظة أخرى شكلا آخر ... ولكنها باستمرار هذا ~~الشكل أو ذاك. أليس من التبسيط المفرط أن نشبه ذلك بتفسير الذهن ~~«للآن» على أنها باستمرار موقف له معنى واحد؟ إن الخبرة المتكاملة ~~هي التي تعتبر موقفا واحدا في لحظة معينة تماما، كما أن الفرد ~~المتكامل حتى بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى الفرد على أنه آلة - ~~آلة تستطيع القيام بأعمال كثيرة، ومع ذلك فهذه الآلة لا تستطيع أن ~~تقوم، في اللحظة الواحدة، إلا بعمل رئيسي واحد.» # 59 ~~(34) إن ما يمكن أن نسميه بلحظة الانتباه، هو على وجه الدقة ما ~~يتألف منه حاضرنا - غير أن لحظة الانتباه ليست لحظة من لحظات ~~الزمان الرياضي، # 60 # فهي تستغرق وقتا من الزمن كما أن لها مدة معينة. وينبغي ~~أن نفعل ذلك بمعنى «سابق» «ولاحق» كما تطبق على لحظات العالم ~~الفزيائي. أعني أن لحظة الانتباه تستغرق وقتا من جانب المنتبه، ~~وهي لها مدة، أي فترة من التتابع الموضوعي من جانب العالم الطبيعي ~~«الفيزيائي». فكيف يمكن إذن أن نسميها حاضرا ونحن نعرف أنه ~~يمكن تحليلها إلى ما قبل وما بعد؟ يبدو أننا نقع في مفارقة حين نقول ~~إن لحظة الانتباه هي برهة تتضمن «قبل» و«بعد»، لكن ليس لها ماض ~~ولا مستقبل، وإنما ينظر إليها ككل، هو الذي يشكل ما نسميه ~~بالحاضر الرواغ # Specious Present ~~، ~~غير أن هذه المفارقة الظاهرية يمكن حلها إذا ما فحصنا الطريقة التي ~~ندرك بها الحركة. # بفضل التجارب المشهورة التي أجراها «فرتهيمر»، # 61 ms053 # أحد مؤسسي مدرسة الجشطالت - على إدراك الحركة، أصبحنا نعرف ~~أن الحركة يدركها الإحساس نفسه المتأني مع الجسم المتحرك، وأن ~~الحركة ليست منتجة تركيبية لعدد غير معين من النقاط المتتابعة، التي ~~ندرك كل منها إدراكا سكونيا، بل إن سلسلة الحركة كلها تدرك ~~مرة واحدة داخل لحظة الانتباه، وهي كلها تدرك على أنها حاضر، ومن ~~المسلم به أن أية عملية لا بد أن يكون لها بداية ونهاية، ولا بد ~~بالتالي أن يكون فيها شيء يسبق شيئا آخر. ومع ذلك فليس في سلسلة ~~الحركة هذه نقطة يمكن أن ينظر إليها على أنها ماضية إذا ما قورنت ~~بغيرها من النقاط، والسبب ببساطة أننا لا نجد نقطة أدركناها قبل ~~غيرها، لأن إدراك السلسلة يتم ككل، فإدراك الحركة هو إدراك متآن. ~~والنتيجة التي وصل إليها «فرتهيمر» تدل على أن المخ في حالة الإدراك ~~لا يتخذ وضعا معينا ثم وضعا آخر بعد ذلك، بحيث يكون كل منهما ~~مستقلا عن الآخر، ثم يقوم بالتأليف بينهما لإدراك الحركة. وبعبارة ~~أخرى، فإن الحركة ليست تأليفا من إحساسات متعددة، كلا، ولا هي ~~نتيجة استدلال عقلي، وإنما تدرك الحركة إدراكا مباشرا، فهي معطى ~~حسي وليست تركيبة ذهنية. وعمليات المخ في حالة إدراك الحركة، هي عملية ~~ديناميكية، أعني عمليات تتفاعل بعضها مع بعض وتتحرك، وربما ساعد ذلك ~~في حل مشكلة زينون الإيلي القديمة؛ فالخطوة التي يخطوها «أخيل # Achilles ~~» # 62 # ليست مركبة من نقاط منفصلة، لكنها عملية واحدة، أو ~~خطوة واحدة، أو واقعة واحدة، ونحن ندركها على أنها كل واحدة يقبل ~~القسمة لكنه لا ينقسم بالفعل. # وينبغي أن نفرق بين لحظة الانتباه وبين لحظة الزمان الرياضي، على ~~نحو ما يطبق على الحوادث الطبيعية؛ فالأولى لها ديمومة، بينما ~~الثانية ليس لها هذه الديمومة. ومعنى ذلك أنه لو كان من الممكن ~~توضيح لحظة الانتباه بخط له بعد واحد، فإننا يمكن أن نتخيل اللحظة ~~الفيزيائية كنقطة ليس لها بعد على الإطلاق، و«الآن» الموجودة في ~~الخبرة ليست نقطة بين سلسلة ماضية من النقاط وسلسلة مقبلة كما هي ~~الحال ms054 في النقطة الرياضية. إذ الواقع أن مثل هذه النقطة الرياضية سلب ~~للزمان. إن لحظة الخبرة التي يتألف منها حاضرنا هي برهة تحوي في ~~جوفها لحظات العالم الفيزيائي الماضية والمقبلة في آن معا. ومجال ~~الانتباه هو دائما موضوع واحد، بمعنى أن تنوع الديمومة بداخله - وهو ~~التنوع الذي يمكن أن نعرفه من الناحية العقلية بتحليل لاحق - يشكل ~~مركبا واحدا لا يقبل القسمة.» الحاضر «رواغ» وهو بهذا الشكل جزء ~~حقيقي من الديمومة، وليس مجرد قطاع عرضي ينقسم إلى ماض ومستقبل كما ~~تتطلب مقتضيات التحليل. وتأثر الفرد بالزمان لا يتخذ شكل الفجائية، ~~لكنه يتخذ شكل الديمومة. والواقع أنه طالما أن كل جزء من أجزاء ~~الديمومة لا بد أن يكون - كما يقول اسبينوزا - هو نفسه ديمومة، فإن ~~الحاضر الذي نخبره من الزمان لا بد أن يكون «رواغا»؛ لأنه ما لم يكن ~~كذلك؛ فإن الزمان الخالص لا يمكن أن يحوي حاضرا، ولا بد أن يختفي ~~كل إدراك. ولن يبقى ماض نتذكره، ولا مستقبل نتوقعه ؛ إذ لا بد أن ~~يختفي مع الحاضر كل إمكان للذاكرة أو التوقع.» # 63 # إن انتباهنا الإيجابي النشط إلى الواقع هو الذي يكون كلا من ~~عناصر سابقة ولاحقة، أو «ما قبل وما بعد» - يتضمنها حاضر الديمومة. ~~ولأن عملية الانتباه هي نفسها عبارة عن فعل، وليست مجرد حالة ~~سلبية متقبلة Passive # من حالات ~~الوعي فإن الحاضر الرواغ في خبرتنا لا يبقى ساكنا، لكنه يتحرك ~~باستمرار حركة أمامية نحو المستقبل: «إننا نتعرف على العناصر ~~الماضية في الحاضر الرواغ بوصفها ماضيا، لانزلاقها المستمر نحو ~~الماضي الذي لا ندركه، لكنا نتذكره فحسب. أما عناصر هذا الحاضر ~~المقبلة بوصفه مستقبلا، فنحن نتعرف عليها حين تلقي ظلالها على ~~المستقبل، أعني على ذلك الذي يمكن أن نتوقعه أو نتخيله، لكنا لا ~~نستطيع أن ندركه.» # 64 # وإنه لمن الأهمية بمكان أن نلاحظ الاستخدام المألوف لكلمة «حاضر» ~~حين نطبقها على فترات طويلة من الزمان، فنحن نستطيع أن نتحدث ~~حديثا مفهوما تماما عن الحرب الحاضرة، وعن حركة الإصلاح الاجتماعي ~~الحاضر، بل إننا نستطيع ms055 أن نقول ذلك على فترات تستغرق سنوات طويلة. ~~ومثل هذا الاستخدام لكلمة «الحاضر» استخدام مشروع، طالما أنه يشير ~~إلى عملية واحدة من عمليات النشاط. وهذا هو المبدأ نفسه الذي نطبقه ~~على لحظة الانتباه، حين ينظر إليها على أنها لحظة حاضرة رغم مدتها ~~الزمنية. # وواضح أنه من الطبيعي جدا أن نوسع لحظة الانتباه، أو أن ~~نضيقها عن طريق الخيال، ففي استطاعتنا أن نتصور فترة طويلة من ~~الزمان على أنها حاضر رواغ واحد، بالقياس إلى انتباه آخر قد يكون ~~أكثر شمولا من انتباهنا. وفي استطاعتنا من ناحية أخرى أن نتخيل أن ~~مجال الانتباه أخذ يتضاءل حتى أصبح يتضمن نقطة لا متناهية في الصغر. ~~ونستطيع في الحالة الأولى أن نواصل الصعود في السلم حتى نصل إلى ~~اللاتناهي ونبلغ فكرة الأبدية التي يمكن إدراكها بلمحة واحدة وبقوة قد ~~لا تقل عن قوة الله. بينما نستطيع في الحالة الثانية أن نواصل الهبوط ~~حتى نصل إلى ما يسمى بالنقطة الرياضية، وهي النقطة التي لا بعد ~~لها. لكن ينبغي علينا ألا ننسى أن الفكرة التي نصل إليها في أي من ~~الحالتين ليست إلا خيالا يقوم على أساس واقعة معينة، هي المدة ~~التي تستغرقها لحظة الانتباه. ~~(35) والتفرقة بين عناصر معينة يتكون منها المجال الذي يشكل ~~موضوع الانتباه في لحظة معينة، تصل بنا إلى نقطة هامة، هي: التفرقة بين ~~الانتباه المتصل وأفعال الانتباه، فهناك عملية انتباه مستمر إلى ~~«الحاضر المتصل» بوصفه كلا يشكل أرضية معينة. ونستطيع أن نميز ~~داخل هذه الأرضية بين أجزاء معينة، وكل لحظة من لحظات هذه التفرقة ~~تشكل فعلا من أفعال الانتباه، لكن الموضوع الحاضر أمام الانتباه لا ~~يمكن أن ينحل - بواسطة هذه الأفعال - إلى كثرة منفصلة. كلا، ولا ~~يمكن أن ينحل الانتباه المتصل إلى أفعال منفصلة، فالكل الموضوعي لا ~~يزال كلا متصلا يتحرك إلى الأمام، ولا يزال فعل الانتباه متصلا، ~~وهو يظل كذلك رغم توزيعه المختلف وسط أجزاء المجال التي يمكن أن ~~تتميز. ~~(36) سبق أن قلنا إن الجانبين اللازمين للنفس هما الانتباه ~~وموضوعه. كما قلنا ms056 إنه لا يمكن أن يكون هناك انتباه بغير موضوع ~~ينصب عليه هذا الانتباه، كما أنه لا يمكن أن يكون هناك موضوع ~~ينصب عليه الانتباه بغير ذات تنتبه. وقد يظهر هنا سؤالان: الأول هو: ~~من الذي ينتبه؟ والثاني: هل يمكن أن نضع خطا فاصلا بين الانتباه ~~وموضوعه؟ # أما الإجابة عن السؤال الأول فهي: أن الذي ينتبه هو ~~الفاعل ~~السيكوفيزيقي Psycho-physical agent # 65 ~~... ككل متكامل، فهناك أولا حواسه التي تعتبر أمثلة نوعية ~~للانتباه، فهو حين يرى: ينتبه أو يقوم بوظيفة نوعية هي الرؤية. وهو حين ~~يسمع ينتبه أو يقوم بوظيفة نوعية هي السمع ... وهكذا، لكن الحواس ليست ~~هي كل شيء، فهناك أيضا الانتباه إلى الأفكار. والواقع أن الانتباه ~~كله إنما يكون لمضمون فكري، طالما أننا لا ننتبه إلى الإدراكات ~~إلا كمضمون فكري فحسب، ومن هنا فإننا قد نقبل نظرية هيوم في ~~«الانطباعات والأفكار» بشرط أن نضيف إليها حقيقة هامة، هي أن هذه ~~الانطباعات، وهذه الأفكار، تكون موضوعا للانتباه. # الفرد في تكامله هو الذي ينتبه، ومن هنا كان الانتباه هو الخاصية ~~الجوهرية للكائن الحي. والنفس هي الكائن الحي بقدر ما ينتبه. وليس هناك ~~فرق في ذلك بين الصور الدنيا من الكائنات الحية والصور العليا منها، ~~بين النبات والموجودات البشرية، اللهم إلا في درجة تعقد موضوع ~~الانتباه. ولقد وجد أرسطو في دراسته لطبيعة النفس أن الأنواع ~~المختلفة من الأنفس ليست متشابهة أتم التشابه، بحيث يمكن أن يكون ~~لها كلها تعريف واحد من مظهرها المتواضع في النبات، إلى القمة التي ~~تصل إليها في الإنسان. كما أن هذه الأنواع من الأنفس ليست مختلفة ~~اختلافا تاما، بحيث لا نستطيع أن نجد لها طبيعة مشتركة بين كل ~~تنوعاتها. وأشكال النفس تمثل سلسلة لا تناسب فيها، بحيث نجد أن كل ~~شكل منها يفترض الأشكال السابقة دون أن تتضمنه هذه الأشكال. والنفس ~~الدنيا هي النفس الغاذية، وهي لهذا توجد في جميع الكائنات الحية، ثم ~~تأتي بعد ذلك النفس الحاسة، التي توجد في الحيوانات وحدها ولا توجد ~~في النبات، ثم نجد ms057 أخيرا قوة خاصة بالإنسان هي النفس العاقلة. # ولو تأملنا قليلا هذا التصنيف الأرسطي للنفس - من وجهة النظر التي ~~نأخذ بها - لوجدنا أن العامل المشترك والأساس في جميع هذه الأشكال ~~هو الانتباه، مع اختلاف موضوعه، واختلاف درجة تعقيده. فالوظيفة الغاذية ~~الموجودة في النبات والحيوان على السواء، والتي لا بد أن تعمل على حفظ ~~وجود الكائن الحي، تفترض سلفا انتقاء العناصر المناسبة للتغذية، ~~والانتقاء مستحيل بدون الانتباه، لأننا لا نعني بالانتقاء مجرد ~~تقبل الكائن الحي لمجموعة من العناصر وسط عناصر أخرى، كما هي الحال ~~مثلا في «الغربال»، الذي يستبقي الجوامد من حجم معين ويترك الباقي، ~~أو قطعة الكربون التي تقوم بدور المرشح، لكننا نقصد ذلك الانتقاء ~~النشط الفعال، الذي يأخذ العناصر التي يحتاج إليها ويستبعد العناصر ~~الأخرى. والانتقاء المتضمن في الكائنات نشاط النفس الغاذية واضح. ~~أما النفس الحاسة فليس لها وظيفة الإدراك فحسب، لكن لها أيضا وظيفة ~~الشعور باللذة والألم، وهي تنشأ كنتيجة للوظيفة السابقة، لكي تستطيع ~~التمييز بين الأشياء المختلفة، فتأخذ منها ما هو سار ، وتترك ما هو ~~مؤلم، أعني أن تقوم بالانتقاء والاختيار إيجابا وسلبا. والوظيفة ~~الخاصة بالنفس العاقلة عند الإنسان هي تشكيل التصورات المجردة: الحكم ~~والاستدلال. حلل كل عملية من هاتين العمليتين، وسوف تجد أنها ~~تعتمد على الانتباه إلى جوانب معينة في أفكار معينة دون غيرها، ففي ~~حالة تكوين فكرة مجردة ينتبه المرء إلى خاصية أو أكثر من خصائص الواقعة ~~الفردية العينية، كاستدارة القرش مثلا، أو الجانب العقلي في الإنسان. ~~وحين يصدر المرء حكما فهو بهذا الحكم يحيل مضمونا فكريا إلى ~~واقع متجاوز لهذا الفعل، سواء إذا كان الحكم سلبا أو إيجابا. وتلك ~~صورة من صور التجريد: تجريد لخصائص فكرية، وتجريد لجانب من الواقع، ~~وبينهما تتم المقارنة وتحدد العلاقة بأنها موجبة أو سالبة. ~~والاستدلال يعني اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء، وهذا الاكتشاف من ~~ناحية أخرى يتضمن الانتباه إلى جوانب معينة في هذه الأشياء ويستبعد ~~جوانب. # ومن ثم فإن النفس في جميع صورها تعتمد على وظيفة الجسم الحي، ~~وأكثر وظائف ms058 الجسم الحي، ماهوية هو أن ينتبه، ومن هنا ترانا ننكر ~~وجود الحياة في الجسم الذي لا يكون إلا موضوعا للانتباه دون أن ~~ينتبه هو نفسه لاختيار شيء ورفض شيء آخر. لكن قد يقال إنه من ~~المستحيل أن يكون الذهن صفة تلحق بالجسم لأن: «... الجسم، وكل جزء منه، ~~يمكن للذهن أن يدركه تماما، كما يدرك أي موضوع محايد.» # 66 # وهذا الكاتب نفسه الذي أثار هذا الاعتراض يطلب الالتجاء ~~إلى الوقائع المباشرة لإقامة الدليل، ومثل هذا الالتجاء إلى الوقائع ~~المباشرة هو كل ما نطلب: فمن ذا الذي يستطيع أن يدرك جسمه ككل؟ إن ~~مصدر الخطأ - فيما يبدو - هو الظن بأنه طالما أن من الممكن لشخص ~~آخر، كعالم الفسيولوجيا - مثلا - أن يدرك جهازي العصبي كما يدرك أي ~~جزء آخر من أجزاء جسمي سواء بسواء. فإنه من الممكن بالنسبة لي ~~أيضا أن أدرك هذه الأجزاء. أو ربما كان مصدر الخطأ الظن بأنه طالما ~~أنني أستطيع أن أدرك بعض أجزاء جسمي إدراكا مباشرا أحيانا، وفي ~~المرآة أحيانا أخرى، فلماذا لا أعتقد في نفسي القدرة على إدراك ~~التكوين العضوي ككل؟ غير أن إدراكك لبعض الأجزاء من جسمك شيء، ~~وإدراكك للتكوين العضوي ككل شيء آخر مختلف عنه أتم الاختلاف، ناهيك ~~بإدراك التكوين العضوي وهو يقوم بوظيفة ما. ~~(37) أما الإجابة عن السؤال الثاني، الخاص بالخط الفاصل بين ~~الانتباه وموضوعه، فلا بد أن نقول أولا إن مثل هذا السؤال تناسى ~~أن الانتباه فعل، وبالتالي فهو لا يمكن تصوره كشيء قائم بذاته، ~~مستقل عن الموضوع الذي ينصب عليه هذا الفعل، فكل منهما يعبر عن ~~نفسه من خلال الآخر: وإلا فأين يمكن يا ترى أن نجد الخط الفاصل بين ~~التقطيع # Cutting # والقطع # Cut ~~، وبين فعل الرؤية # Secing # والرؤية وقد انتهت # Seen ~~، وبين الاستماع # hearing # والسمع # heared # وبين فعل الكتابة # Writing # والكتابة # Written ~~؟ «لا يمكن أن يكون هناك خط فاصل بينهما؛ ~~لأن الفعل هو العمل في حالة ~~الأداء # doing ~~، ونتيجة الفعل هي العمل وقد انتهى.» ومن هنا ~~يظهر الانتباه في الموضوع الذي ms059 ننتبه إليه، كما يظهر أي فعل آخر في ~~موضوعه. ونتيجة فعل الانتباه ومحصلته هي تكامل العناصر التي يتألف ~~منها موضوع الانتباه، فإدراك المنضدة الموجودة أمامي، هو محصلة لفعل ~~الانتباه والعناصر بما هي كذلك ليست من خلقي وإنما هي محسوسات # Sensa # 67 # بالقوة، تتحول إلى شيء بالفعل حين أجعلها موضوعا ~~للانتباه، وهكذا نضفي عليها صفة ~~الكلية # Wholeness ~~، وهي صفة لم تكن لها من قبل، لأنها - في ~~ذاتها - لا تملكها. ومن خلال نشاط الانتباه الذي أقوم به أميز بين ~~حدود «المحسوسات # Sensa ~~» واتصالها ~~بالقوة، وفي هذا الاتصال الموضوعي لا يوجد ثمة خط فاصل بين «الأشياء»، ~~لكن انتباهي الانتقائي هو الذي يفرض مثل هذه الخطوط الفاصلة؛ وبالتالي ~~هو الذي يشكل «الأشياء»، فمجموعات «المحسوسات # Sensa ~~» التي تتكامل في موضوع معين هي محصلة ~~لفعل الانتباه، فالفعل هو الذي يحدث التغير، والمحصلة هي التغير الذي ~~حدث، وكلما كانت «الذات» هي الفاعل، كان هناك باستمرار فعل ما، وهذا ~~الفعل يعتمد على نشاط الفاعل وإيجابيته، ولا يعتمد على مجرد الربط بين ~~الحوادث الذهنية والحوادث الطبيعية: «إن التحليل ... الذي يرى أن ~~الفعل يتألف من حادثتين؛ إحداهما ذهنية والأخرى مادية، مع ~~علاقة فعلية # de facto # بينهما، ليس ~~مجرد تحليل ناقص، لكنه يعني إلغاء الفعل تماما، لأنه يعني إمكان ~~التفكير في الاستقلال الجوهري لما عمل منفصلا عن الفعل الذي تم ~~به، وإمكان تصور الفعل الذي انتهى على أنه فعل تام، بل على حادث ~~وقع مصادفة.» # 68 ~~(38) الجسم الحي بمقدار ما ينتبه إلى شيء ما، وبمقدار ما يختار ويرفض ~~هو النفس أو الذات # The Self ~~. وتصور ~~الجسم المنتبه أو الجسم الذي له خاصية الانتقاء والرفض، يعطينا - ~~فيما يبدو - أملا في حل مقنع لكثير من المشكلات. فالمشكلة القديمة عن ~~العلاقة بين النفس والجسم لن تظهر بعد ذلك مع مثل هذا التصور، ذلك ~~لأن الجسم الحي في حالة الفعل يصبح وحدة حقيقية للجانب الفيزيائي ~~والجانب السيكولوجي في آن معا، بحيث لا يكون لأحدهما معنى بدون ~~الآخر، فبدون الجسم الحي يصبح الانتباه مجرد كلمة جوفاء؛ ms060 لأن هذا ~~الجسم نفسه هو الذي ينتبه. والظن بأن الانتباه موجود مستقل عن الجسم ~~يشبه الظن بأن «الفأسية # axity ~~» ~~مستقلة عن الفأس # axe ~~، والجسم بدون ~~الانتباه يصبح من ناحية أخرى مجرد كتلة هامدة من المادة: احذف خاصية ~~الانتباه من أي كائن حي، أو جرد هذا الكائن الحي من القدرة على ~~الاختيار والانتقاء، ولن يبقى بعد ذلك أي فرق حقيقي يجعله مختلفا عن ~~المادة الجامدة. فعلاقة النفس بالجسم - أعني الجسم الذي ننسب له خاصية ~~الانتباه والقدرة على الانتقاء - هي إذا ما استخدمنا تشبيه ~~«برجسون # Bergson ~~» المشهور: علاقة ~~حد السكين بالسكين، فعن طريق الحد تعمل السكين، دون أن يكون هذا أو ذاك ~~كائنات يمكن الفصل بينها. ~~(39) الانتقاء شرط ضروري للغرضية Purposiveness # التي هي الخاصية الأساسية للجانب ~~السيكولوجي، بوصفه جانبا متميزا عن الجانب الجسمي ... بل إن ~~الغرضية تؤخذ أحيانا كمقياس لوجود الذهن. ولا يمكن أن يكون هناك ~~نشاط غرضي دون اختيار وانتقاء لما يساعد الكائن الحي، ورفض لما يبدو ~~أنه يضره ويؤذيه. ومن ثم فإن الانتقاء والرفض هما الخاصيتان ~~الأساسيتان للانتباه. وقد تم الانتقاء بطريقة مباشرة، كما هي الحال ~~في النبات الذي يأخذ من التربة مباشرة العناصر التي تساعد على النمو . ~~وقد يتم أيضا بطريقة غير مباشرة، حين يتجه إلى الوسائل التي تؤدي ~~إلى غاية بعيدة، كما هي الحال في الغرائز الحيوانية. وقد يتضمن ~~الروية والاختيار، كما هي الحال في الإرادة البشرية، لكن الصفة ~~الأساسية واحدة، سواء في النبات أم الحيوان أم الإنسان، وهي أن ~~الكائن الحي يقوم بعملية الانتقاء. ~~(40) وعلينا أن نناقش الآن بشيء من التفصيل الخصائص التي يتميز ~~بها الإنسان بوصفه موجودا عاقلا حتى نتأكد من أن الانتباه هو ~~العامل المشترك الضروري بينها جميعا. # ولنبدأ بالصفات الأولية ~~للعقل # intellect # وهذه الصفات - على نحو ما ذكر «بين # Bain ~~» ثلاث صفات رئيسية، هي: # 69 ~~(1) # الفرز أو إدراك ~~الفروق بين الأشياء # Discrimination ~~. ~~(2) # الاستيعاب أو ~~التمثل # Assimilation ~~. ~~(3) # الحفظ أو ~~الاستبقاء # Retentiveness ~~. # فبداية المعرفة هي فرز شيء عن شيء آخر، أو إدراك الفروق بين الأشياء. ~~ونحن ms061 ما لم نتأثر تأثيرا متميزا بأشياء مختلفة على نحو ما ~~نتأثر مثلا بالحرارة، واللون الأحمر، واللون الأزرق - فإننا لن ~~نتأثر على الإطلاق. وكلما كنا أكثر إدراكا للفروق بين الأشياء، ~~كنا أكثر تعقلا، أو ارتفع إدراكنا من الناحية العقلية. لكن كيف يمكن ~~لنا أن نفرز الأشياء أو أن ندرك الفروق بينها؟ لا يمكن أن يتيسر لنا ~~ذلك إلا بالانتباه إلى جانب واحد من جوانب الخبرة والعزوف عن بقية ~~الجوانب في اللحظة التي أقوم فيها بعملية الفرز، ولو أن ذهني تلقى ~~إحساسين، لكنه لم ينتبه إلى أحدهما أولا ثم إلى الآخر بعد ذلك، ~~فإن هذين الإحساسين لن يكونا اثنين بالنسبة له. # إن الشعور بأن هناك اتفاقا بين الأشياء، أو بعبارة أخرى، الوعي ~~بالهوية بين الاختلاف، هو أعظم الجوانب ماهوية في الأنشطة العقلية. ~~وتلك «... خاصية نادرة للذهن، تعتمد على اختراق قناع التنوع والإمساك ~~بعناصر التشابه المشتركة (وتلك هي الخاصية) التي تزودنا بالمعيار للعقل.» # 70 # ولقد قال أفلاطون عن قوة التوحيد هذه إنه لو صادف رجلا ~~يستطيع أن يكشف عن الواحد بين الكثير فإنه سوف يسير وراءه كما يسير ~~وراء إله. # 71 # ومن الواضح أنه يستحيل علي أن أعرف أن شيئين ~~يتفقان معا في جوانب معينة رغم اختلافهما، ما لم أكن قادرا على ~~الانتباه إلى جانب معين من الشيء، وعزله عن بقية الجوانب. ومثل هذا ~~الانتقاء للجانب الذي أنتبه إليه هو الخاصية الأساسية للانتباه، وهو ~~الشرط الذي تفترضه مقدما عملية التجريد، أعني تجريد هذا الجانب أو ~~ذاك في الشيء الموجود أمامنا. # ويعتمد الحفظ على دوام الاستثارة الذهنية ومواصلتها بعد اختفاء ~~المثير الأصلي، غير أنه إذا كانت هناك استثارة للكائن الحي تبقى ~~كذاكرة، فلا بد أن تكون قد وجدت من قبل، كالإدراك. ولا يمكن إدراك ~~شيء، اللهم إلا إذا انتبهنا إليه، وعملية الانتباه تدل على تلك ~~العملية، التي يمكن للشيء بفضلها أن يصبح موضوعا للوعي، إذا ما ~~قورن بغيره من الأشياء الكثيرة، التي رغم وجودها في متناول الملاحظ ~~فإنه لا يلاحظها على الإطلاق. # إن العملية ms062 الأساسية - بصفة عامة - في جميع ضروب المعرفة هي الكشف ~~عن العلاقات بين الأشياء من خلال الانتباه. وأكثر العلاقات عمومية بين ~~الأشياء هي الاتفاق والاختلاف، وكل معرفة إنما تعني إدراك الفرق بين ~~فكرة وفكرة، أو بين موضوع وموضوع آخر، غير أن العلاقات لا توجد في ~~الأشياء نفسها، وإنما تخلقها الطريقة التي أنتبه بها إلى هذه ~~الأشياء، فبما أنني أنتبه إلى الكتاب الموجود أمامي الآن، فإنني ~~أجده فوق المنضدة، وتحت السقف، وعلى يمين القلم، أو على يسار ~~المحبرة. ~~(41) وسوف نناقش الآن العمليات النوعية الخاصة بالإنسان: ~~كالتجريد وتكوين التصورات، وإصدار الأحكام، والقيام بالاستدلالات - ~~وسوف نرى أنها كلها تفترض سلفا الانتباه كشرط أساسي لها. ولقد سبق ~~أن أشرنا إلى هذه العمليات في الصفحات السابقة بإيجاز شديد، لكنها ~~تستحق منا وقفة لنعرض لها بشيء من التفصيل. # إن تعريف التجريد نفسه يظهرنا في الحال على أنه لا يمكن تصوره ~~بدون الانتباه؛ فالتجريد هو الانتباه إلى خصائص معينة في الشيء ~~واستبعاد خصائص أخرى. «التجريد يعني وفقا للاشتقاق اللغوي سحب ~~«الانتباه» من شيء من الأشياء لكي نركزه على شيء آخر ... وعلى الرغم من ~~أننا نتحدث عن التجريد عادة على أنه تحول من المختلفات إلى ~~المتشابهات، فإن هذه العملية نفسها تظهر في صور أخرى ... فإذا افترضنا ~~أن هناك موضوعين يتشابهان تشابها تاما (كما هي الحال في التشابه ~~الشديد بين خروفين مثلا) فإننا نجد أنفسنا في حاجة إلى بذل جهد في ~~عملية التجريد، حتى تتغاضى عن جوانب التشابه، وتتنبه إلى جوانب الاختلاف.» # 72 # ومن ثم كان التجريد نتيجة للانتباه إلى نقاط الاتفاق في ~~الأشياء واستبعاد نقاط الاختلاف، أو العكس. أعني الانتباه إلى نقاط ~~الاختلاف واستبعاد نقاط الاتفاق، وفي كلمة واحدة التجريد هو انتباه ~~طارد. # والتجريد هو الخطوة الضرورية في تكوين التصورات؛ فالتصور هو ~~الفكرة المجردة للطابع الذي يتفق فيه عدد من الموضوعات الجزئية، وهو ~~ينشأ من الانتباه إلى بعض خصائص الموضوع، أو لعدد الموضوع، أو لعدد من ~~الموضوعات المتشابهة، واستبعاد الخصائص الأخرى، ففي تكويننا لتصور ~~عام أو فكرة مجردة عن ms063 المربع مثلا ترانا ننتبه إلى موضوعات مربعة ~~متعددة، ثم نسقط منها المواد التي تتركب منها هذه الموضوعات، ~~وكذلك الأماكن التي تشغلها وحجمها ... إلخ، وننتبه فقط إلى شكلها، وبذلك ~~نكون فكرة عن الطابع الذي تتفق فيه هذه الموضوعات، أعني أننا ~~نكون تصورا للمربع. # وحتى لو قيل (كما قال - مثلا - باركلي وهيوم) إنه من المستحيل أن ~~نجرد شيئا من شيء آخر، أو أن نتصور الخصائص منفصلة؛ لأنها لا ~~توجد منفصلة على الإطلاق، وأن الكلي يعتمد على جزئي يكون ممثلا ~~لغيره - فسوف يبقى صحيحا مع ذلك كله. إننا نستطيع، بفضل الانتباه ~~وحده إلى نقاط التشابه بين أعضاء الفئة الواحدة، واستبعاد نقاط ~~الاختلاف، أن نعرف الجزئي الواحد على أنه ممثل للفئة بأسرها. # ومن هنا فإن عملية التجريد وتكوين التصورات مشروطة مقدما ~~بالانتباه وما يقوم به من انتقاء واختيار. وقل مثل ذلك في الحكم، ~~فالحكم هو الفعل الذي يحتل مضمونا فكريا إلى واقع متجاوز لذلك ~~الفعل، ونحن في مثل هذه الإحالة للمضمون الفكري إلى الواقع المقابل ~~ترانا نقارن بين تصورين من حيث علاقتهما بموضوع مشترك. وطالما أن ~~الحكم يتألف من مجموعة من التصورات، وطالما أن التصورات جاءت ~~نتيجة انتقاء صفات معينة واستبعاد صفات أخرى، فإن الحكم - بالتالي ~~- يفترض مقدما الانتباه الذي يختار ويرفض. # ويمكن أن يقال نفس الشيء في عملية الاستدلال، فمهما يقال عن ~~الاستدلال من آراء فسوف يبقى في النهاية أنه إدراك لعلاقات جديدة: ~~«الفعل الأساسي لقوة الاستدلال عندنا يعتمد على إظهار مثل جديد ~~لظاهرة من الظواهر مهما تكن معرفتنا السابقة بشبيه هذه الظاهرة أو ~~مماثلها أو نظيرها أو مساويها.» # فالتشابه أو الهوية تظهر في جميع الدرجات، وتعرف بأسماء مختلفة، لكن ~~القاعدة الكبرى للاستدلال تشمل جميع الدرجات، وتؤكد أنه طالما ~~وجد تشابه أو هوية أو مشابهة «بين شيئين» فإن ما يصدق على أحدهما ~~يصدق على الآخر. # 73 # وإدراك علاقات جديدة بين تصويرين تستلزم بالضرورة درجة من ~~التجريد - تجريد للخصائص الجزئية التي نجد أنها ترتبط معا بهذه ~~الطريقة أو تلك، والتجريد كما قلنا هو انتباه ms064 طارد. ~~(42) إن فهم الذات على أنها الفاعل السيكوفيزيقي بمقدار ما ~~ينتبه إلى موضوع ما، يمكن أن يفسر وحدة هذه الذات واستمرارها على ~~النحو التالي: إن وحدة التنوع الحالي للذات يفسره أولا قولنا إن ~~الفاعل في حالة الانتباه يعمل كفرد، أعني ككل وليس كمجموعة من الأجزاء. ~~ويفسر ثانيا أن الموضوع الذي ينتبه إليه يؤخذ ككل، أعني كعرض ~~واحد، أيا ما كانت العناصر التي يمكن أن نحلله إليها من الناحية ~~العقلية. وبعبارة أخرى: الفرد المنتبه واحد، والموضوع الذي ننتبه ~~إليه واحد باستمرار، رغم كثرته. والواقع أن «واحدية # Oneness ~~» الموضوع إنما ترجع إلى وحدة ~~الفرد المنتبه. الشعور بوحدة نشاط الانتباه ترجع «الواحدية» التي ~~يضفيها هذا النشاط على عناصر الموضوع. # ويمكن أن نفسر استمرار الذات من ناحية أخرى بطبيعة ما نسميه باسم ~~«لحظة الانتباه» أو لحظة الشعور. ولقد رأينا أن لحظة الانتباه ~~تتألف من «قبل» و«بعد»، دون أن ننظر إلى عنصر «القبل» على أنه ~~تعبير عن الماضي، أو إلى عنصر «البعد» على أنه تعبير عن المستقبل. ~~ذلك لأن «قبل وبعد» هما في آن معا، جزآن من كل واحد، هو الحاضر ~~الرواغ. وهذا الحاضر الرواغ يتحرك إلى الأمام، بحيث «تنخر» رأسه في ~~المستقبل، ويتوارى ذيله في الماضي، ويبقى في الذاكرة. وفي هذه الحركة ~~الأمامية المستمرة يصبح ما كان «بعدا» «قبلا». خذ مثلا لحظتين ~~متتاليتين من لحظات الانتباه. # 74 # ولنرمز لما هو «قبل» وما هو «بعد» بحرفي أ ب، وب ج على ~~التوالي؛ إن (أ) تمثل عنصر «القبل» في اللحظة الأولى، كما ~~تمثل (ب) عنصر «البعد». أما في اللحظة الثانية ف «ب» تمثل عنصر ~~القبل و«ج» تمثل عنصر البعد. وطالما أن «البعد» في اللحظة الأولى ~~هو نفسه العنصر الذي يمثل القبل في اللحظة الثانية، فسوف تكون «ب» ~~متحدة، وهي هي في الحالتين. وبدلا من أن تكون اللحظتان المتتاليتان ~~منفصلتين ومتميزتين، بحيث تكتب على هذا النحو «أ ب» و«ب ج» فسوف ~~تنساب الواحدة منهما في الأخرى وتشكل تيارا متصلا يكتب على النحو ~~التالي «أ ب ج ...» وفي ms065 مثل هذا التيار المتصل فإنني أظل دائما في ~~أية لحظة جزئية نفس الشخص الذي كنته منذ لحظة مضت؛ لأن أية لحظة ~~جزئية هي في الواقع حلقة اتصال بين الماضي والحاضر، وهي نفسها جزء من ~~الماضي وجزء من الحاضر في آن معا. # وعلى ذلك فإننا نحدس «الأنا» في لحظة واحدة من لحظات الانتباه، لكن ~~عبارة «أنا هو أنا» تحتاج لحدسها إلى لحظتين متتاليتين من الانتباه، ~~غير أننا لا ينبغي أن نفهم التالي على أنه حالات منفصلة، بل نفهمه ~~على أنه سلسلة متصلة. # الفصل الثاني # | النشاط الذاتي1 # (1) حين ينتبه الكائن الحي فإنه يفعل. ~~(2) التفكير صورة من صور الفعل. ~~(3) طبيعة الفعل يجب أن تدرس بوساطة الفلسفة. ~~(4) كلمة «الفعل» كلمة مزدوجة الدلالة فهي قد تعني: ~~(أ) الفعل في حالة الأداء. # أو (ب) الفعل وقد انتهى. ~~(5) الفعل في حالة الأداء هو وحده الذي نستطيع أن نخبره. ~~(6) رأي «يوونج» في أن الفعل - كغيره من عمليات الطبيعة - هو تتابع ~~أحداث. ~~(6، 7) نقد هذا الرأي. ~~(8) الصلة في الفعل بين الحدث السيكولوجي والتغير الطبيعي لا يمكن أن ~~يكون مجرد تتابع. ~~(9) يسلم الكاتب بأن الحدث السيكولوجي يستلزم فاعلا، لكن فكرة ~~الفاعل تتضمن فكرة الفعل المطلوب تفسيرها. ~~(10) يرى الكاتب أن العملية لكي تكون فعلا، فإن التغير لا بد أن ~~يرغبه الفاعل، غير أن رغبة الفاعل تجعل الموقف مختلفا أتم الاختلاف ~~عن العمليات الطبيعية. ~~(11) لو كان الفعل عبارة عن سلسلة من الحوادث ترتبط ارتباطا ~~سببيا فلا يمكن أن نعين حدا ينتهي عنده الفعل. ~~(12) الفعل في حالة الأداء # acting ~~، ~~لا يمكن لنا ملاحظته، وهو لا يمكن أن يعتمد على علاقة التتابع ~~فحسب. ~~(13) الأفعال تختلف عن الحوادث. ~~(14) لا يمكن التفرقة بين الأفعال والحوادث عن طريق الملاحظة ~~الخارجية وحدها. بل إن التفرقة لا تتم إلا عن طريق خبرتنا بالفعل ~~في حالة الأداء. ~~(15) لو أننا تعرفنا على التغير على أنه فعل كان في ذلك تفسير ~~له، أما لو أدركناه على أنه حادثة فإنه يحتاج إلى شيء آخر ~~يفسر حدوثه. ~~(16) تقديم السببية لتفسير وقوع الحوادث. ~~(17) غير أن فكرة ms066 السبب بوصفه «مصدرا» للتغير لا يكون هو نفسه ~~فاعلا. «هذه الفكرة» تناقض ذاتي. ~~(18) لا يمكن تفنيد الجبرية طالما أن التغيرات التي نبحثها لا ~~تشملني بوصفي فاعلا. ~~(19) الفاعل السيكوفيزيقي هو نفسه سبب كاف للتغير. ~~(20) رأي برادلي القائل بأن فكرة النشاط تناقض ذاتي. ~~(21) نقد رأي برادلي. ~~(22) وضع مشكلتنا: هل الفاعل بوصفه انتباها يكون منتهيا أم ~~مبتدئا؟ ~~(23) بخصوص الدليل الإيجابي القائل بأنه يشارك في التغير، فإننا ~~نلجأ إلى التجربة، أما فيما يتعلق بالدليل السلبي، فإننا نبرهن ~~على تهافت نظرية الخصوم. ~~(24) الخبرة هي المرجع الأخير. خبرة الانتباه يمكن تحليلها إلى ~~حدين بالإضافة إلى علاقة التكيف. ~~(25) فكرة الحرية فكرة أصيلة، أما فكرة الجبرية فهي مشتقة. ~~(26) ليس في استطاعتنا أن نجاوز خبرتنا. ~~(27) هل يتناقض قانون بقاء الطاقة مع وجهة النظر التي نأخذ ~~بها؟ ~~(28) عرض القانون بصفة عامة في إيجاز شديد. ~~(29-33) عرض القانون مع إشارة خاصة لأفعال الإنسان. ~~(34، 35) ليس القانون فوق مستوى الشك. ~~(36) خلق الإنسان للفعل لا يتعارض بالضرورة مع القانون. ~~(1) الذات «أو النفس» هي ثنائية الانتباه إلى موضوع ما، أو هي ~~الفاعل السيكوفزيقي بمقدار ما ينتبه إلى شيء ما. غير أن انتباه ~~الفاعل ليس مجرد حالة من حالات التقبل فحسب، بل هو فعل، والذات هي ~~أساسا نزاعة وليست متأملة. فالفرد في حالة الانتباه يفعل، أعني أنه ~~يقوم بعمليتي انتقاء ورفض دون أن ينطبع انطباعا سلبيا بالموضوع ~~الذي يوجد أمامه. ~~(2) من المألوف عند الفلاسفة التفرقة بين الفعل والتفكير، وهم عادة ~~يقيمون بينها تعارضا بقولهم إنك إما أن تفكر أو تفعل، أعني ~~إننا حين نفكر لا نفعل، وحين نفعل لا نفكر. ومعنى ذلك أنهم ~~يقصرون الفعل على الحالات التي نتعامل فيها مع الأشياء المادية وحدها، ~~أعني الحالات التي تحدث فيها تغيرا في العالم المادي، أما حين ~~نفكر فهم ينظرون إلى هذه الحالة على أن المرء يتعامل فيها مع ~~أفكاره الخاصة وحدها. «الفعل # actio # هو ~~... واحد من لونين من نشاط الذات، وهو يتعارض مع التفكير # Cogitatio # في اتجاه مقصده. فالذات ~~تظهر في حالة الفعل بوصفها فاعلا يسعى إلى ms067 إحداث تغيرات في العالم. ~~أما في حالة التفكير فهي تظهر بوصفها عارفة # Knower # تسعى إلى إحداث تغيرات في ~~وعينا بالعالم.» # 2 # غير أننا نريد أن نفهم الفعل على أنه فعل باستمرار، سواء أكان ~~يسعى إلى إحداث تغيرات في العالم المادي، أم إلى إحداث تغيرات في وعينا ~~بهذا العالم، فالفرد يفعل كلما انتبه، وهو يفعل ذلك باستمرار، كائنا ~~ما كان موضوع انتباهه. أما القول بأنه من الصعب - إن لم يكن من ~~المستحيل - أن نفكر ونتحرك في وقت واحد ما لم يكن آليا # automatic # فإنه يكشف لنا - لا ~~أن التفكير والحركة يحتاجان لإتمامهما إلى صورتين مختلفتين من الفعل ~~- بل إن فعل الفاعل واحد، وهو نفسه باستمرار يوجهه أحيانا نحو ~~الأفكار، ويوجهه أحيانا أخرى نحو الحركة. فلو أنني انتبهت إلى ~~الأفكار؛ فإن الحركة تتوقف ما لم تكن آلية، وإذا ما انتبهت إلى ~~الحركة؛ فإن التفكير يتوقف ما لم يكن سلسلة من تداعي ~~الأفكار. # وعلى ذلك فالتفكير لون من ألوان الفعل، وهو ليس شيئا يتعارض مع ~~الفعل، إن ما يمكن أن نقابل بينه وبين التفكير هو الحركة الجسمية؛ ~~لأن كليهما يحتاج لإتمامه إلى فاعل قادر على الانتباه والانتقاء، ومن ~~ثم فمن الخطأ أن نقصر الفعل على إحداث تغييرات في العالم الخارجي؛ ~~لأن الفعل فعل، سواء أكانت التغيرات الناتجة عنه تغيرات تحدث في ~~العالم الخارجي أم في عالم الأفكار. وليس ثمة ما يبرر إطلاق اسم ~~الفعل على التغيرات التي أحدثها حين أصفع شخصا ما، بينما ننكر ~~إطلاق مثل هذا الاسم على التغيرات التي تحدث حين أراجع أفكاري وأنا ~~غاضب. والحق أن الأفكار والحركات تتداخل تداخلا شديدا في بعض ~~الأحيان، حتى إنه يكاد يكون من غير الممكن أن ننسب كلا منهما إلى ~~مقولة مختلفة من مقولات النشاط. خذ مثلا موقف أحد العلماء وهو يقوم ~~بإجراء بعض التجارب العلمية في معمله، أو انظر إلى نفسك حين تحاول أن ~~تربط عقدة: سوف نجد هنا أن الموضوع الذي ننتبه إليه عبارة عن أفكار ~~تعقبها حركة الجسم، لكنهما يرتبطان ارتباطا ms068 وثيقا، حتى إنك لتجد ~~أنه من الممكن أن نقول إن مثل هذا الشخص يفكر ويتحرك في وقت ~~واحد. إنه لافتعال كاذب أن نفصل بين الفعل والتفكير: «فالفصل بينهما ~~على أساس أن أحدهما «فعل» والآخر «فكر»، أو أن أحدهما «مادي» ~~والآخر «ذهني» هو فصل مفتعل كاذب؛ لأنهما يخصان فردا واحدا ~~متكاملا، هو الفرد السيكوفيزيقي بأكمله.» # 3 ~~(3) الإدراك الحسي إذن فعل ينتج عنه مدرك حسي، والتفكير فعل ينتج عنه ~~فكرة، والتذكرة فعل ينتج عنه فكرة نتذكرها، والإرادة فعل ينتج عنها ~~التغير المراد ... إلخ ... إلخ، والفرد في جميع هذه الحالات يعمل شيئا، ~~فهو ينتبه وينتقي، ونتيجة ذلك إنما تكون عملا من الأعمال التامة # a deed ~~. ولن نمل مما سبق أن ~~ذكرناه، وهو أن الإدراك الحسي والتفكير، والتذكر، والإرادة - هل كلها ~~حالات أو أمثلة للانتباه إلى موضوع معين، هذا الموضوع في كل حالة من ~~هذه الحالات يتسم بمجموعة من الخصائص المعينة: والفكرة هي نتيجة ~~التفكير، والفعل المراد هو نتيجة الإرادة - وهذه كلها هي - في نفس ~~الوقت - نتائج للعقل الأساسي للذات، أعني لفعل الانتباه. ومن هنا فإذا ~~ما تساءلنا عن طبيعة فعل الانتباه، كان معنى ذلك أننا نتساءل عن ~~طبيعة: فعل الإدراك الحسي، والتفكير والإرادة ... إلخ. والحق أن ~~الفلسفة النظرية والفلسفة العملية لن تقفا على أرض صلبة، اللهم إلا ~~إذا ناقشت وفحصت وحللت تحليلا تاما وكاملا: طبيعة الفعل. «إن ~~إحدى المنجزات العظيمة التي قام بها «كانط»، والتي رفعته درجة عالية في ~~تاريخ الفلسفة، هي أنه قد تحقق بشكل تام، أكثر مما فعل أي فيلسوف ~~آخر ... من أن «المنطق وهو يبحث في الفكر محدود بنتائج التفكير»، ~~وأننا في حاجة ماسة لإثارة التساؤل حول صور نشاط التفكير. ولقد طبعته ~~تلقائية الذهن في بحثه عن المعرفة - منذ ذلك الوقت - المشكلة الرئيسية ~~في الفلسفة الحديثة، حتى إن الفيلسوف الذي يسعى إلى العودة إلى ~~الافتراضات الدجماطيقية القديمة، متغاضيا عن المشكلة التي أثارتها ~~معرفتنا للذهن من أنه يقوم بدور ما في تكوين المعرفة، وأنه ليس ~~مجرد مستقبل فحسب - مثل هذا الفيلسوف ms069 لا بد أن نعتبره ساذجا ...» ~~(4) في دراستنا لطبيعة الفعل، علينا أن نلاحظ، أولا وقبل كل شيء، ~~أن هذه الكلمة - أعني كلمة الفعل - مزدوجة الدلالة، ونحن نستخدمها ~~بهذا الازدواج نفسه. إذ ترانا أحيانا نستخدمها لنعني العمل في حالة ~~الأداء # the doing ~~، بينما نستخدمها - ~~أحيانا أخرى - لنعني بها العمل وقد انتهى، أو محصلة هذا العمل ونتيجته # the deed ~~، ومن ثم كان من الأفضل ~~إذا ما تحدثنا عن الحالة الأولى أن نسميها الفعل في حالة الأداء # acting ~~«بدلا من العمل»، وإذا ~~تحدثنا عن الحالة الثانية أن نسميها «الفعل وقد تم # act ~~» فما المقصود بالفعل في حالة ~~الأداء، والفعل وقد تم ... ~~(5) الفعل في حالة الأداء # acting ~~«وهو العمل في حالة الأداء أيضا # doing ~~» هو إحداث تغير في الوجود ~~الداخلي، أعني داخل الإنسان، أو الوجود الخارجي، أعني في العالم. إنه ~~إحداث مظاهر مختلفة، هي التي نطلق عليها اسم الأفعال التامة # acts ~~، أو الأعمال المنتهية # deeds ~~«إنه الجانب الذاتي الذي ~~لا نستطيع ملاحظته في العملية التي تكون فيها الأفعال التي نلاحظها هي ~~التعبير الموضوعي عنه ...» # 4 # وبعبارة أوضح: العمل له طرفان: طرف داخل الفاعل نفسه، وهو ~~ما نسميه بالعمل في حالة الأداء، وطرف خارج هذا الفاعل، هو ما ~~نسميه نتيجة العمل أو محصلته. ونحن نسلم بأن هذه الإجابة ليست ~~إجابة شافية مقنعة لسؤالنا: ما المقصود بالعمل في حالة الأداء # doing ~~؟ وقد يقول قائل: إن السؤال ~~نفسه مستحيل، طالما أن العمل في حالة الأداء، أو الفعل في حالة ~~الأداء، ليس إلا شيئا داخل الفاعل نفسه؛ ومن ثم لا يستطيع أحد أن ~~يخبره سوى الفاعل ذاته. فإذا أنت قطعت برتقالة نصفين، فلن يستطيع أحد ~~أن يرى بداية هذا الفعل أو الطرف الداخلي منه الذي يقع داخل الفعل ~~نفسه. إن كل ما يستطيع المشاهد الخارجي ملاحظته هو البرتقالة وقد ~~شطرت شطرين، أعني نتيجة الفعل، أو محصلته، أو الفعل وقد تم. وقد ~~يقال إنه لو صح ذلك، فلن يكون في قدرتنا أن نقدم تحليلا كاملا ~~لما نقوم به فعلا حين ms070 ننتبه أثناء الإدراك الحسي، أو أثناء التفكير، ~~أو الإرادة، طالما أن ذلك جانب داخلي، ولن نستطيع أن نفعل شيئا سوى ~~أن نحيل كل فرد إلى خبرته الخاصة، لكي «يخبر» ما يحدث بالفعل أثناء ~~عملية الانتباه. # الفعل - كما سبق أن ذكرنا - يتكون من عنصرين أو طرفين، هما العمل ~~في حالة الأداء من ناحية، ونتيجة هذا العمل أو محصلته من ناحية أخرى، ~~والواقع أننا لا نستطيع أن نكون على وعي مباشرة إلا بالعنصر الأول ~~فقط، أما العنصر الثاني فيمكن أن نعيه من الناحية الحسية، إذا كان ~~ما نقوم به عملا جسميا: «على أن العنصر الثاني قد ينسلخ أحيانا - ~~كما يحدث في حالات المرض والإصابة - وذلك هو غاية ما نصل إليه في ~~تحليلنا للمركز الثاني، الذي هو فعل نؤديه عن وعي بما نفعل، فانظر إلى ~~ما يحدث حين يفقد عضو في جسدنا قدرته على الإحساس، مع احتفاظه بقدرته ~~على الحركة، فعندئذ لا يحس الإنسان المصاب بمثل هذا العضو، ولا يدري ~~أين يكون من جسده إلا إذا رآه، فقد يصاب الإنسان أثناء نومه بخدر في ~~ذراعه، فتراه حينئذ لا يدرك وجود الذراع إدراكا حسيا، وإن يكن ~~يستطيع تحريكه عن وعي بحركته، وفي أمثال هذه الحالات، تظل الأنا ~~واعية بنفسها عن طريق أدائها لفعل ما، ومعنى ذلك أن البقية الباقية ~~من الوعي في مثل هذه الظروف التي نفقد فيها إدراكنا الحسي بعضو من ~~أعضاء الجسد ، لا يكون الحس هو طريقنا إليها، بل الطريق هو وعي الأنا ~~بنفسها وعيا مباشرا بما تنشط به من فعل.» # 5 # وهذا الوعي المباشر بأنفسنا في حالة الفعل هو - فيما يبدو ~~- الطريق الوحيد الممكن للتعرف على الفعل من ناحيته الذاتية، أعني ~~التعرف على الفعل في جانبه الداخلي من حيث هو فعل في حالة الأداء ~~يتميز عن الفعل التام، أو عن نتيجة هذا الفعل ومحصلته. ~~(6) غير أن أ. س. يوونج # A. C. ~~Ewing ~~، يرى رأيا مخالفا # 6 # فهو يريد منا أن ننظر إلى عملية الفعل في حالة الأداء ~~«أي الجانب الداخلي من ms071 الفعل» بنفس الطريقة التي ننظر بها إلى العمليات ~~التي نشاهدها في العالم الطبيعي الخارجي. وهو يرى أن الفعل في أي من ~~الحالتين «الداخلية أو الخارجية» هو مجموعة من الحوادث التي ترتبط ~~ارتباطا سببيا. والصلة الضرورية بين الحوادث في عملية «الفعل في ~~حالة الأداء هي نفسها الصلة الضرورية الموجودة في تدفق الفيضان، وإن ~~كانت عملية الفعل في حالة الأداء، التي ننسبها إلى فاعل، تختلف عن هذه ~~العملية الطبيعية، فهي لا تختلف عنها إلا في أن طبيعة حوادثها ~~مختلفة. وهو ينتهي من تحليله للفعل إلى أن للفعل خمس خصائص: ~~(1) # لا بد أن يتضمن حادثا سيكولوجيا وحادثا ~~فسيولوجيا. ~~(2) # الحادث السيكولوجي لا بد أن يكون جانبا من السبب للحادث ~~الآخر. ~~(3) # يجب ألا تعتبر الحادث السيكولوجي حادثا منفصلا، بل لا بد أن ~~يعزى إلى الفاعل نفسه. ~~(4) # لا بد أن يكون الفاعل على وعي بما يعمل. ~~(5) # لا بد أن يكون الحادث الطبيعي «أو الفيزيائي» تغيرا في جسم ~~الفاعل، شريطة ألا ينظر إليه في ذاته # per ~~se # ما لم يكن الفاعل في حالة الفعل لا يفكر ~~إلا في راحة جسمه هو، بل ينظر إليه من حيث علاقته ببيئته، أو بجانب ~~من بيئته الخاصة، التي كان الفاعل يفكر فيها، والتي يريد أن ~~يغيرها بفعله. ~~(7) ويمكن أن تظهر عدة اعتراضات على هذا الرأي الذي يأخذ به «يوونج» ~~على النحو التالي: # أولا: أن الرابطة السببية التي يقال إنها موجودة بين الحوادث ~~التي تتكون منها عملية من العمليات يمكن أن تفهم بمعان شتى، فإذا ~~ما كنا نتحدث عن العمليات التي تحدث في العالم الطبيعي، فإن هذه ~~الرابطة قد تفهم على أنها تعني سياقا أو تتابعا منظما للحوادث ~~التي تقع في هذا العالم. غير أن «يوونج» قد أوضح لنا أن هذا اللون ~~من الرابطة السببية ليس هو ما يعنيه بقوله إن هناك رابطة بين الحوادث ~~التي يتكون منها الفعل. وهو يقول في هذا المعنى: «يبدو لي أن ~~السببية ليست حالة يتكرر فيها فحسب التتابع أو التلازم في الوقوع، ~~لكنها تتضمن رابطة أعمق ms072 بين السبب والنتيجة - وأعتقد أنه من الواضح ~~بصفة خاصة أن تحليل النظام في العلاقة لا يصلح في حالة الفعل ... ~~فالتغير الموضوعي «أي الذي يحدثه الفعل في العالم الخارجي» لا يعقب ~~الجانب الذهني فحسب، لكنه يتحد معه أيضا، بالمعنى الذي لا يمكن ~~فيه رد هذا التغير إلى سياق أو تتابع منظم.» # 7 # لكن إذا كانت الرابطة السببية ~~التي يقال إنها موجودة بين الحدث الذي يمثل الجانب الذهني والحدث ~~الذي يمثل التغير الموضوعي، ليست مجرد تتابع منظم، فإن ~~البديل الباقي في هذه الحالة هو أن يكون الحدث الأخير معتمدا في ~~وجوده على الحدث الأول. وهذا الاعتماد قد يعني أن تعاقب الحدث ~~الأخير للحدث الأول إما أن يكون تحليليا أو تركيبيا. ولو أننا ~~برهنا على أنه ضرورة تحليلية فلن يكون هناك فاعل في هذه الحالة. إذ ~~لن يكون الحدث الثاني إلا نتيجة منطقية مترتبة على طبيعة الحدث ~~الأول. لكن من المستحيل منطقيا أن نفترض أن التغير الموضوعي ~~المعين الذي يحدث في العالم الخارجي ليس إلا جزءا من الجانب ~~الذهني الذي هو بدوره فكرة من الأفكار. وقد يقال: إن الحركة ~~الجسمية التي نشاهدها متلازمة الوقوع مع فكرة من الأفكار، أو إنها ~~تابعها المنظم، لكن لا نستطيع أن نتصورها جزءا من الفكرة. وبالتالي ~~فإن التغير الموضوعي لا بد أن يعقب الحدث الذهني من الناحية ~~التركيبية، وهذا هو الاحتمال الثاني، وهو يعني أن الرابطة بين ~~الحادثتين ليست رابطة مطلقة، لكنا نستطيع عن طريق الخبرة وحدها أن ~~نعرف أن إحداهما تعقب الأخرى: وهنا يمكن أن نتساءل؟ خبرة من؟ ~~ونجيب: خبرة الفاعل بالطبع، ومن ثم يكون الموقف على النحو ~~التالي: ~~(1) لدينا جانب ذهني من ناحية، وتغير موضوعي من ناحية أخرى. ~~(2) التغير الموضوعي يعتمد في وجوده على الجانب الذهني. ~~(3) الجانب الذهني قد يعقبه - وقد لا يعقبه - تغير موضوعي. ~~(4) الفاعل هو وحده الذي يستطيع أن يخبر النتيجة. # لكن إذا كان وضع المشكلة هو على هذا النحو: فأين هي أوجه التشابه ~~التي تبقى بعد ذلك، بين الفعل الذي يحدثه فاعل، وبين ms073 العملية التي ~~تحدث في الطبيعة؟ ما هي أوجه الشبه بين الفعل الذي أقوم به بوصفي ~~موجودا بشريا وبين العملية الطبيعية التي تقع في العالم الخارجي؟ ~~الحق أن الفعل الذي يقوم به الفاعل السيكوفيزيقي يتميز بخصائص ~~معينة تجعله فريدا في نوعه من ناحية، وتباعد بينه وبين العمليات ~~التي تحدث في الطبيعة تباعدا تاما ... من ناحية أخرى. ~~(8) ثانيا: يذهب «يوونج» إلى أن الحدث السيكولوجي الذي يسبق ~~التغير الموضوعي ينبغي ألا ينظر إليه على أنه مستقل، بل لا بد ~~أن يصف فاعلا أو أن يعزى إلى فاعل ما، غير أن فكرة الفاعل هذه ~~تتضمن كل ما يحاول «يوونج» إنكاره. فهو يتساءل: «لماذا لا يكون كل ~~فعل مؤلفا من حادثتين؛ واحدة في ذهن الفاعل، والثانية في العالم ~~الخارجي - بحيث تكون الأولى سببا للثانية؟» # 8 # وهذا حق، لكن إذا كان ذهن الفاعل - في حالة الفعل - يحدث ~~تغيرا موضوعيا، فما الذي تبقى «ليوونج» بعد ذلك لينكره؟ الواقع ~~أن الكاتب إذا ما انتهى إلى مثل هذا القول فإنه يسير - فيما أعتقد ~~- في دائرة مغلقة؛ ذلك لأن النتيجة التي انتهى إليها هي بالضبط ~~المشكلة التي بدأ منها، أعني أن تحديد المعنى الدقيق للعلاقة بين ذهن ~~الفاعل وبين التغير الذي يحدث هو نفسه المشكلة. ~~(9) ثالثا: يعتقد «يوونج» أنه في حالة سلسلة الحوادث التي يتألف ~~منها الفعل - في مقابل عمليات العالم الطبيعي - «لا بد للفاعل أن ~~يكون على وعي بما يعمل، وأن يعمل هذا الفعل لأنه يريد أن يعمله .» # 9 # وإذا تغاضينا عما تشتمل عليه عبارته هذه من ألفاظ، مثل ~~«الفاعل» و«الوعي»، وهي ألفاظ تجعل الفعل يختلف أتم الاختلاف عن ~~العمليات الطبيعية، فإننا نجده يسلم بأن الفاعل في حالة الفعل، ~~يفعل ما يفعل لأنه يريد أن يفعله. وهذا يعني بعبارة أخرى، أن الفعل ~~لا يكون فعلا ما لم يكن غرضيا، فالغرضية هي سمة السلوك البشري، وهي ~~نفسها الخاصية التي تميز الفاعل عن الأجسام المادية، كما أنها ~~الخاصية التي تميز الأفعال عن أحداث الطبيعة وعملياتها. ومن ثم ~~فإن الاعتراف بوجود مثل ms074 هذا الاختلاف الواضح بين الفعل وأحداث ~~الطبيعة، ثم الزعم - بعد ذلك - بأن الفعل يمكن تحليله إلى حوادث ~~ترتبط فيما بينها ارتباطا سببيا - هو تناقض ذاتي صريح ~~وواضح. ~~(10) رابعا: إذا كان الفعل سلسلة من الحوادث التي ترتبط فيما بينها ~~ارتباطا سببيا: فعلى أي أساس يمكن أن نحدد نقطة النهاية في فعل ~~ما؟ إن «يوونج» يرى أن الفعل تحدده أحداث في جسم الفاعل، لكنه ~~يضيف في الحال أن حركة الجسم لا بد أن ينظر إليها على أنها حركة ~~مستقلة عن البيئة أو: الجانب الجزئي من البيئة، التي كان الفاعل ~~يفكر فيه والذي يرغب في تغييره عن طريق الفعل.» # 10 # غير أن ذلك يظهرنا على أنه ليس ثمة طريقة نرسم بها ~~حدا للفعل كشيء متميز عن سلسلة الأحداث، التي لا حصر لها، والتي سوف ~~تتوالى يقينا، اللهم إلا بالإشارة إلى غرض الفاعل. وفكرة الغرض - ~~مرة أخرى - تتضمن الفرق كله والاختلاف بأسره بين الفعل البشري على ~~نحو ما يقوم به الفاعل السيكوفيزيقي، وبين سلسلة الحوادث المتتالية ~~التي يعقب بعضها بعضا كما هي الحال في حوادث الطبيعة، التي يحاول ~~الكاتب أن يتمثلها. ~~(11) الفرد في حالة الفعل يكون فاعلا، أعني نشاطا إيجابيا ~~فعالا؛ ذلك لأن الفعل إنما يعني إحداث تغير في الوجود. والفعل ~~وقد انتهى، أعني الفعل وقد تم # act ~~«العنصر الثاني من عناصر الفعل» هو التغير الذي يحدث. وهو نتيجة هذا ~~الفعل التي يستطيع الملاحظ مشاهدتها، سواء عن طريق الملاحظة الخارجية، ~~إن كان هذا التغير هو حركة جسمية، أو عن طريق الاستبطان، إذا كان فكرة. ~~غير أن الفعل في حالة الأداء # acting ~~«الطرف الأول، أو العنصر الأول من الفعل»، فهو جانب داخلي، لا يستطيع ~~أحد على الإطلاق ملاحظته، وإنما يمكن للفاعل نفسه أن يخبره حين ~~يكون في عملية الفعل، وأن يستنتجه حين يفحص الموقف فحصا استرجاعيا، ~~أعني حين يسترجع ما حدث. وفكرة العمل في حالة الأداء نفسها تعني أن ~~ما يتم عمله يعتمد في وجوده على حالة العمل: «وينتج من ذلك أن كل ~~تحليل لفعل ms075 يجعل من نشاط الذات - في حالة الفعل - ومن التغير في العالم ~~الخارجي حدثين يرتبط كل منهما بالآخر ارتباطا «خارجيا» - سوف يسيء ~~فهم طابع الفعل وخاصيته. وعلى سبيل المثال فإن التحليل الذي يرى أن ~~الفعل مركب من حادثتين إحداهما؛ حادثة ذهنية، والأخرى حادثة مادية، مع ~~علاقة قائمة بالفعل تربط بينهما - مثل هذا التحليل ليس تحليلا ناقصا ~~فحسب، لكنه يلغي الفعل إلغاء تاما؛ لأنه يعني أن في استطاعتنا ~~أن ننظر إلى نتيجة الفعل في استقلال كامل عن الفعل الذي تمت به هذه ~~النتيجة. وهو يعني أيضا إمكان النظر إلى نتيجة الفعل، لا على أنها ~~فعل تم، بل على أنها حادث وقع مصادفة.» # 11 # صحيح أننا لا بد أن نحلل الفعل إلى جانبين؛ أحدهما ~~داخل الفاعل نفسه، والثاني هو الحادثة الخارجية - أو الحادثة ~~الفيزيائية - التي أحدثها الفعل. لكن المشكلة كلها، إنما تكمن في ~~الانتقال من أحد هذين الجانبين إلى الجانب الآخر، المشكلة هي ~~الانتقال بين هذين الجانبين؛ ذلك لأن الفعل في حالة الأداء «أو ~~الجانب الداخلي من الفعل» يعتمد على هذا الانتقال نفسه. # الفرد في حالة الانتباه يقوم بفعل ما، أعني أنه يعمل شيئا ما، ~~وهذه الفكرة تؤدي بنا إلى النتيجة الآتية: # إن الفرد يرتبط - على نحو ما - بموضوع أو بفكرة، وتعتمد طبيعة ~~الانتباه على طبيعة هذه العلاقة نفسها. ونحن نعترف بعجزنا عن السير في ~~هذا التحليل أبعد من ذلك. وكل ما نستطيع أن نقول ونؤكده بصدد هذه ~~العلاقة وهو أنها ليست مجرد سياق متتابع: «حين تكون فاعلا ... فإن ~~ذلك يعني أنك «سبب حر ولست سببا طبيعيا»، أعني أنك لست ~~مجرد حد في سلسلة متتابعة لا يدركها إلا الملاحظ وحده. لكنك ~~تكون عالما يعيد تشكيل نفسه بفضل طبيعته وبفضل مضمونه، وأنت حين تفعل ~~ذلك فإنك توسع من نطاق حدودك، وتمتص وتطبع بطابعك شيئا كان من ~~قبل غريبا عنك.» # 12 ~~(12) ونعود الآن إلى الفعل وقد انتهى # act ~~«الطرف الثاني الخارجي من ~~الفعل»، الذي هو نتيجة الفعل ومحصلة العمل أو موضوع الانتباه؛ لأن ~~موضوع الانتباه ms076 هو عمل انتهى، أو فعل تم في صورة فكرة أو حركة ~~متكاملة. وبين أن نقابل في تمايز واضح بين الفعل وقد انتهى «أو نتيجة ~~الفعل» وبين الحادثة. فكلاهما معا تغيرات تحدث في الوجود، ويمكن ~~للمشاهدة ملاحظتها، لكن الفعل شيء عمل، في حين أن الحادثة من حوادث ~~الطبيعة لا يمكن تصورها على هذا النحو، بل نتصورها فحسب على ~~أنها شيء حدث. والتفرقة بين الفعل والحادثة التي تقع في العالم ~~الخارجي لا تكمن في أي اختلافات فيما نلاحظه من تغيرات، وإنما تعتمد ~~على نوع الحدوث. وبعبارة أوضح: إن التغير الذي نلاحظه لا يمكن أن ~~نطلق عليه اسم الفعل إلا إذا قصد إليه فاعل وأحدثه، أما إذا ~~افترضنا أن حدوثه لم يكن نتيجة قصد فاعل، أعني أنه يخلو من ~~الغرضية، فهو في هذه الحالة يصبح حادثة وليس فعلا، ويمكن أن ننظر إلى ~~وفاة شخص ما بطريقتين؛ أن ننظر إليها على أنها فعل، وأن ننظر إليها ~~على أنها حادثة. فهي فعل، إن كان الفعل قصد إليها، كما هي الحال ~~مثلا في عملية الانتحار، وهي حادثة، إن وقعت من غير قصد، كما هي الحال ~~حين تدهمه سيارة في الطريق. ونحن نعرف أن الإنسان في مرحلته الأولى ~~من التفكير - مرحلة التفكير البدائي - يميل إلى رد جميع أنواع التغيرات ~~التي يشاهدها إلى فاعل ما، فما يشاهده من تغير في العالم الخارجي هو ~~أيضا فعل قام به فاعل، سواء أكان هذا الفاعل بشرا مثله، أم كان ~~إلها، أو ما شئت من قوى يتصور أنها فوق البشر وفوق الطبيعة، وهكذا ~~يعتقد أن كل تغير في الوجود عبارة عن فعل، ويستبعد إمكان وقوع حادثة ~~بغير فاعل قصد إخراجها إلى حيز الوجود. ~~(13) إننا لا نستطيع - إذا فحصنا التغيرات التي يمكن أن نلاحظها ~~- أن نجد فرقا بين الفعل والحادثة ما لم يظهر هذا الفارق عن طريق ~~الفاعل نفسه، الذي يخبر الفعل في الحالة التي يكون فيها التغير نتيجة ~~لفعل قام به. وإذا لم يكن ثمة فاعل يخبرنا أن التغير الثلاثي كان ~~نتيجة ms077 لفعله هو، فإنه من المستحيل أن نقدم دليلا حاسما يقطع ~~بأن التغير المشار إليه هو فعل وليس حادثة. غير أننا غالبا ما ~~نعتمد على خبرتنا الخاصة في الحكم بأن التغيرات الفلانية التي حدثت ~~في العالم الطبيعي قد تضمنت فعلا مشابها لفعلنا، هو الذي أخرجها ~~إلى حيز الوجود، فأنا أستطيع أن أقول - وأنا على يقين تقريبا من ~~صدق قولي - إن الكتابة الموجودة أمامي الآن على الورق هي فعل لفاعل ~~ما؛ لأنني قد خبرت بالفعل مثل هذا العمل. لكنني لا أستطيع مطلقا ~~أن أكون على مثل هذا اليقين، حين أحكم بأن التغير الفلاني هو حادثة ~~وليس فعلا أحدثه فاعل؛ لأن اعتمادي على خبرتي في مثل هذه الحالات لن ~~يكون سوى اعتماد سلبي، بحيث تكون حجتي على النحو التالي: إن ذلك ~~التغير لا يمكن أن يكون فعلا أحدثه فاعل، لأنني في خبرتي الشخصية لم ~~يحدث لي قط أن قمت به، كلا، ولم أر شخصا آخر يحدث مثل هذا التغير، ~~صحيح أن في استطاعتي أن أقطع في يقين بأن التغيرات ليست أفعالا ~~أحدثتها موجودات بشرية، مثل الكسوف الذي يحدث للشمس أو الشهب التي ~~تنقض من السماء، غير أن ذلك لا يجعلنا ننتهي إلى القول - في حسم ~~قاطع - إنها ليست فعلا لفاعل أعلى من الإنسان. ومهما يكن من شيء ~~فإن مرجعنا باستمرار هو خبرتنا الخاصة بالفعل - سواء أكانت خبرة ~~مباشرة أم غير مباشرة - حين نحكم على بعض التغيرات في العالم الطبيعي ~~بأنها فعل وليست حادثة. ~~(14) ومن المهم أن نلاحظ أننا حين نقول عن بعض التغيرات التي ~~نلاحظها إنها فعل، فإن ذلك يعني بالتالي تفسيرا لها، لكن إذا قلنا ~~إنها حادثة، فإن ذلك يعني إما أنها لا يمكن تفسيرها، أو ~~أنها تحتاج إلى تفسير أبعد «إن ميل الجنس البشري، بصفة عامة، هو ~~ألا يقنع ولا يكتفي بأن يعرف أن واقعة من الوقائع هي بشكل دائم ~~مقدمة يعقبها واقعة أخرى تكون نتيجة لها، لكنه يسعى إلى البحث عن ~~شيء آخر، عساه أن يفسر له وضعهما هذا.» # 13 ms078 # ويقول «مل» معلقا على أحد النقاد الذين يذهبون إلى ~~أن الإغريق أرادوا أن يعرفوا السبب في أن مقدمة فيزيائية معينة ~~لا بد أن ينتج عنها نتيجة خاصة - فيقول: «لم يكن الإغريق وحدهم هم ~~الذين بحثوا عن مثل هذه المبررات، فمن بين الفلاسفة المحدثين نجد ~~ليبنتز يضع مبدأ اعتبره بديهية يقول: إن جميع الأسباب الفيزيائية، ~~بغير استثناء، لا بد أن تحوي في طبيعتها الخاصة شيئا يجعل من الواضح ~~جدا أنها لا بد أن تكون قادرة على إحداث النتائج التي تحدثها.» # 14 ~~(15) والقول بأن وقوع حادثة من الحوادث لا يفسر نفسه بنفسه، ~~وإنما يحتاج إلى شيء آخر يفسره، هو الذي أدى إلى ظهور فكرة ~~السببية، ويمكن أن نصور الطريقة التي ظهرت بها هذه الفكرة على النحو ~~التالي: إذا لم يكن هذا التغير الذي حدث فعلا لفاعل، فإننا لا بد في ~~هذه الحالة أن نبحث عن مصدر آخر له: «والاسم الذي أطلق في الفكر الحديث ~~على هذا المصدر البديل للتغير هو كلمة «السبب»، وفكرة السبب هي فكرة ~~مصدر آخر للتغير غير الفاعل، وهو مصدر لا يتضمن قصدا. ومعرفة الفرق ~~بين الفاعل والحادثة - يظهرنا على أن القضية القائلة بأن: «لكل ~~حادث سببا» تتناقض تناقضا صارخا مع القضية التي تقول: «ليس ثمة ~~سبب للفعل». والواقع أنه إذا كان «كل فعل ليس حادثة»، و«كل حادثة ~~ليست فعلا» قضايا صادقة، وإذا كانت كلمة السبب تعني مصدرا للتغير ~~غير الفاعل، فإن هاتين القضيتين في هذه الحالة تتضمن كل منهما ~~الأخرى، وينتج من ذلك أنه ليس ثمة تناقض قاطع حين نتحدث عن سبب ~~للفعل؛ لأننا حين نفعل ذلك، فإننا نعني أن ما نتحدث عنه ليس ~~فعلا # action ~~. # 15 ~~(16) ومن الجدير بالذكر أن فكرة السببية - كما شرحناها فيما سبق - ~~فكرة تناقض نفسها بنفسها، ويبدو أن هذا هو السبب في أن العالم ~~يحاول الآن أن يتخلص منها تماما، وأن يحل محلها فكرة القانون، ~~على اعتبار أن القانون ليس إلا وصفا لتتابع منظم للحوادث كما ~~نلاحظها. وذلك لأن الفكرة التي تقول إن ms079 للحادثة سببا هو الذي ~~أحدثها هي: «محاولة للتفكير في الحادثة بطريقة مماثلة للتفكير في ~~الفعل، بينما نحاول في نفس الوقت أن ننكر أنه يمكن ردها إلى ~~فاعل، فالسبب هو المسئول عن وقوع الحادثة، وهو في نفس الوقت شيء غير ~~الفاعل، وبالتالي لا يمكن أن يكون مسئولا عن شيء، ولا يمكن أن ~~يحدث شيئا. وهكذا نجد أن السبب هو - في آن معا - فاعل وغير فاعل.» # 16 ~~(17) والتفرقة بين الأفعال والحوادث لها أهميتها البالغة بالنسبة ~~للمذهب الجبري؛ إذ من المستحيل - كما لاحظنا من قبل - أن نفرق عن ~~طريق الملاحظة الخارجية، بما هي كذلك، بين التغير الذي نعتبره ~~فعلا، والتغير الذي نعتبره حادثة. فليس ثمة شيء يمكن ملاحظته في ~~التغير، بحيث يجعلنا ننسبه تماما إلى فعل فاعل. وهذه الحقيقة تجعل من ~~الممكن للفيلسوف الجبري أن يزعم أن جميع التغيرات ليست إلا سلسلة ~~من الحوادث التي تتشكل منها قوانين الطبيعة عن طريق الملاحظة ~~التجريبية لانتظام تتابعها. ومثل هذا الزعم لا يمكن تفنيده من الناحية ~~المنطقية، طالما أن التغيرات التي نبحثها لا تشملني بوصفي فاعلا، ~~فأنا بوصفي فاعلا أكون على يقين تام من أن نتائج نشاطي الخاص ليست ~~مجرد حوادث. «وهذا لا يعني سوى القول بأنه من الممكن قبول موقف ~~الفيلسوف الجبري دون أن يكون من الممكن تفنيده من الناحية المنطقية، ~~اللهم إلا في نقطة واحدة - وهي النقطة التي يشملني فيها تقرير ~~المذهب الجبري بوصفي فاعلا لفعل. فعند هذه النقطة يكون تقرير المذهب ~~الجبري ليس تقريرا على الإطلاق، طالما أن الجبرية هي إلغاء ~~للقصدية ، والتقرير غير القصدي ليس إلا لغوا.» # 17 ~~(18) الذات هي الفاعل السيكوفيزيقي بمقدار ما ينتبه إلى شيء ما، فهو ~~حين ينتبه يفعل، ونشاطه نفسه يعني أنه سبب كاف لما ينتج عن فعله: ~~«يقال عن السبب أنه «كاف» للنتيجة، إذا كان من الممكن إدراكه ~~بوضوح وتميز بوصفه سببا لهذه النتيجة وحدها: ويقال عن السبب إنه ~~«غير كاف» أو «ناقص» بالنسبة للنتيجة التي لا يمكن أن تفهم من ~~خلاله هو وحده فحسب. وبالتالي فإذا ms080 ما وقع حادث لذهننا أو جسمنا ~~واستطعنا أن نفهم في وضوح وتميز أنه نتيجة لطبيعتنا الجوهرية ~~وحدها، فإننا نكون في هذه الحالة سببه «الكافي». # ومن ثم فإننا نقول إننا «نفعل» حين يكون الحادث نتيجة ضرورية ~~لنشاطنا وطاقتنا ... أعني حين نكون نحن الذين خلقنا هذا الحدث.» # 18 ~~(19) ويعتقد «برادلي» أن هذا النشاط هو ظاهر فحسب، وليس حقيقيا؛ ~~لأن فكرته تؤدي إلى نتائج متناقضة. ويذهب إلى أن النشاط يعني ~~أن التغير الذي يظهر فيه هو - في آن معا - له سبب وليس له سبب. ~~وهو لكي يبين لنا أن التغير الذي يتضمنه النشاط لا بد أن يكون قد ~~سببه شيء آخر غير الشيء النشط نفسه. يقول: «النشاط يعني تغير شيء ~~ما إلى شيء آخر مختلف عنه. وهذا واضح فيما أعتقد، لكن النشاط ليس ~~مجرد تغير أو تبدل بلا سبب. والواقع ... أن ذلك لا يمكن لنا أن ~~نتصوره؛ لأن «أ ب» لكي تصبح «أ ج»، فلا بد أن يكون هناك شيء آخر إلى ~~جانب «أ ب»، وإلا فسوف نكون أمام تناقض ذاتي صريح. وهكذا فإن ~~انتقال النشاط يتضمن باستمرار سببا ما.» # 19 # لكنه يستمر في حديثه ليبين لنا أن التغير الذي يتضمنه ~~النشاط لا بد من ناحية أخرى، ألا يكون قد سببه شيء آخر غير طبيعة ~~الشيء النشط نفسه. وهو يقول في هذا المعنى: «النشاط هو تغير له سبب، ~~لكنه لا بد أن يكون أيضا أكثر من ذلك؛ لأن الشيء المعين إذا ما ~~غيره شيء آخر، فإنه لا يقال عنه عادة إنه نشط فعال # active ~~، بل يقال على العكس إنه ~~سلبي أو متقلب # passive ~~، أما النشاط ~~فهو يبدو بالأحرى تغيرا يشتمل في ذاته على السبب # self-Caused ~~، فالانتقال الذي يبدأ ~~بالشيء نفسه ويظهر من الشيء نفسه، هو العملية التي نشعر فيها أن هذا ~~الشيء نشط فعال، والنتيجة لا بد بالطبع أن تعزى إلى الشيء على ~~أنها صفة له؛ إذ ينبغي أن ينظر إليها، لا على أنها تنتمي إلى ~~الشيء فحسب، بل على أنها بدأت وخرجت ms081 منه، والشيء حين يحقق طبيعته ~~الخاصة يسمى شيئا نشطا فعالا.» # 20 ~~(20) وعبارة «برادلي» الأولى هي ما يهمنا هنا؛ ذلك لأن الزعم ~~بأن التغير الذي يتضمنه النشاط يحتاج إلى شيء آخر غير الشيء النشط، ~~يعني إنكار كل معنى لكلمة النشاط. فلماذا تصف «الشيء» بصفة «النشاط» ~~إذا لم يكن في نيتك أن تنسب لهذه الصفة أي معنى؟ إنه لو صحت ~~التفرقة - التي سبق أن ذكرناها - بين الفعل والحادثة، ولو أننا وضعنا ~~في ذهننا هذه التفرقة، فإننا لن تضللنا بعد ذلك عبارة «برادلي» ~~التي تقول: «إن «أ ب» لكي تصبح «ب ج»، فإنه لا بد أن يكون هناك ~~شيء آخر إلى جانب «أ ب».» فهذه العبارة صحيحة إذا ما طبقت على ~~الحوادث، لكنها كاذبة إذا ما طبقت على الأفعال. فهذا الكرسي ~~الموجود في الجانب الأيسر من الغرفة لكي يصبح في الجانب الأيمن منها، ~~فلا بد أن يكون هناك شيء آخر إلى جانب الكرسي هو الذي ينقله من هنا إلى ~~هناك، لكن الإنسان الذي يوجد في الجانب الأيسر من الغرفة ويريد أن ~~ينتقل إلى الجانب الأيمن منها لا يحتاج إلى شيء آخر بجانبه. فحركة ~~الكرسي حادثة تتطلب شيئا آخر يفسرها، فيما حركة الإنسان - لو ~~أنه كان فاعلا لهذه الحركة - تفسر نفسها بنفسها، ولا تحتاج إلى ~~شيء آخر يفسرها، بمجرد ما نعرف أنها نتيجة لعمل الإنسان أو فعله ~~أو أنها الموضوع الذي اختاره لحظة انتباهه. ~~(21) مشكلتنا الرئيسية هي ذي: افرض أننا كتبنا مجملا مختصرا ~~للذات على النحو التالي «أ - ب» بحيث تكون «أ» هي الفاعل المنتبه ~~و«ب» هي الموضوع الذي ينتبه إليه. فالسؤال الآن هو: ما الذي يجعل ~~الفاعل يلتقط «ب» لتكون موضوعا لانتباهه في لحظة معينة ويستثني ~~موضوعات أخرى ممكنة، مثل «ج، س، د» ... إلخ؟ هل الفرد حين ينتبه يكون ~~مبتدئا أم منتهيا؟ أعني هل يكون محصلا أم مبدعا؟ أهو نتيجة لظروف ~~سابقة أم أنه سبب فحسب؟ هل لا بد للخلية أو الخلايا العصبية التي ~~تمد حركات العين بالطاقة العصبية لكي تنظر مثلا إلى ms082 موضوع معين - هل ~~لا بد أن يثيرها بالضرورة مقدم فيزيائي، وهذا المقدم يثيره شيء آخر ... ~~وهكذا حتى نصل - نصل إلى أين؟ أم هل يمكن لهذه الإثارة أن تبدأ دون أن ~~يسبقها بالضرورة مقدم فيزيائي، أعني أن تبدأ مع شروع التكوين الطبيعي ~~للفاعل السيكوفيزيقي في الانتباه؟ وبعبارة أخرى، لو أننا أخذنا حاسة ~~الإبصار مرة ثانية: فهل نحن ننتبه إلى هذا الموضوع أو ذاك لأن ~~عيوننا قد تحولت، أردنا أو لم نرد، نحوه، أم أن عيوننا تتحول ~~نحو الموضوع المعين لأننا نقرر أن ننتبه إليه؟ # الرأي الذي ندافع عنه هو أن الفرد في حالة الانتباه مجبر ذاتيا، ~~أعني أنه محدد بذاته، فالفاعل في حالة الانتباه يكون نشطا، أعني ~~أنه يكون سبب نفسه # self-caused ~~؛ أي ~~إنه يحمل سببه في ذاته، فهو ينتقي بطريقة نشطة ما يبدو أنه يساعد ~~على البقاء، أو ما يحفظ وجوده: «إنه في اللحظة التي يفكر فيها ~~المرء في هذا الموضوع سرعان ما يتكشف له زيف الفكرة التي تجعل الخبرة ~~مساوية لمجرد ظهور نظام خارجي أمام الحواس، إن هناك ملايين الأجزاء ~~من النظام الخارجي تظهر أمام حواسي، لكنها لم تدخل قط في خبرتي: ~~لماذا؟ لأنها لا نفع فيها ولا غناء بالنسبة لي. إن خبرتي هي ما ~~أوافق على الانتباه إليه. والأجزاء التي ألاحظها أو ألتفت إليها هي ~~وحدها التي تشكل ذهني، ومن ثم فالخبرة تصبح عماء مطبقا دون النفع ~~الانتقائي. إن النفع وحده هو الذي يضفي خبرة وتأكيدا وضوءا ~~وظلا، ومقدمة ومؤخرة - هو الذي يعطي للكلمة منظورا واضحا.» # 21 # ولقد لاحظ «سير تشارلز شرنجتون» كيف يشرع الفرد في القيام ببعض ~~الأعمال وكتب يقول: # 22 ~~«تستمد حركة الفرد من مصدرين: العالم الخارجي من حوله، ~~والعالم الداخلي الخاص به، وهو في كلتا الحالتين يستخدم نشاطه ~~الانتقائي، وهو نشاط يحكمه إلى حد ما الفعل العصبي، الذي ينشأ ~~تلقائيا داخل المراكز العصبية نفسها، ويمكن أن ينظر إليه على أنه ~~جهاز، يحدث بفضل تنظيمه، عددا من الأشياء، وهو يتركب على هذا النحو ~~الذي يجعل العالم ms083 الخارجي يستطيع أن يشد زناد الحركة فيه. غير أن ~~شروطه الداخلية تلعب دورا في تلك الأشياء التي يستغلها في حدود ~~معينة وفي كيفية عملها، وهذه الشروط الداخلية قد تبدع بدورها بعض ~~الأفعال.» ~~(22) وكدليل على صحة هذا الرأي، نستطيع أن نلجأ من الناحية الإيجابية ~~إلى الخبرة، أما من الناحية السلبية فسوف نحاول في الفصول القادمة ~~أن نبين أن وجهة النظر البديلة، أعني المذهب الجبري هي وجهة نظر ~~بغير أساس. ~~(23) الخبرة هي مرجعي النهائي للبرهنة الإيجابية، على أنني في حالة ~~الانتباه لا أسلك في فعلي بسبب عوامل خارجية؛ ذلك لأنني حين أنتبه ~~أكون شيئا، ولا أكون ممتلكا لشيء ما، أعني أنني أنتقي، وأقبل ~~بديلا من البدائل الموجودة أمامي، فأختاره وأجعله ملكا لي، وأوحد ~~بينه وبين ذاتي، وذلك هو الجبر الذاتي، أو التحديد الذاتي، الذي يصنع ~~فيه المرء ذاته ويجعلها على ما هي عليه. # ونحن لدينا في خبرتنا هذه بالفعل، في حالة الأداء، المثل العيني ~~الوحيد للفاعلية الحرة، لكنا حين نحلل هذا الموقف بعد ذلك، ترانا ~~نقسمه إلى عاملين ثم علاقة بينهما. أما العلاقة فهي علاقة الاختيار، ~~وبالتالي فنحن نجرد من الخبرة العينية علاقة الاختيار، وبمجرد ما ~~يتم تجريد مثل هذه العلاقة يكون في استطاعتنا أن نطبقها على أي ~~عاملين آخرين. وهكذا نستطيع أن نفسر بعض مظاهر التغير في العالم ~~الخارجي بأنها أفعال قام بها أشخاص آخرون. وبهذه الطريقة نفسها أيضا ~~نستطيع أن نرى الغرضية في العمليات البيولوجية في النبات، وفي السلوك ~~الغريزي عند الحيوانات، ولا شك أننا في جميع هذه الحالات عرضة لتفسير ~~الوقائع تفسيرا خاطئا، بحيث نطلق اسم الأفعال الغرضية على أمور هي ~~في الحقيقة مجرد حوادث، لكن حتى لو كان ذلك صحيحا فإنه لا ينفي ~~القول بأننا نجرد علاقة معينة - هي علاقة الاختيار أو الانتقاء - ~~من خبرتنا الخاصة ونطبقها - إن صوابا أو خطأ - على موضوعات أخرى. ~~والواقع أنك كلما أكدت بإصرار أن كل ما يقع في الوجود ليس ~~إلا مجموعة من الحوادث، وأن إطلاق كلمة الفعل على أي منها ليس ms084 ~~إلا عملية يقوم بها خيالنا - فإنك تبرهن - في الوقت ذاته، وعلى نحو ~~قاطع - أنني أدرك الفعل في خبرتي الخاصة، وإلا فمن أين جاءت علاقة ~~الاختيار المجردة هذه؟ إن هذه الفكرة لا توجد في العالم الخارجي ~~بناء على افتراضك نفسه، لكنها موجودة عندي فمن أين جاءت؟ لا بد - ~~بالتالي - أن أكون قد جردتها من خبرتي الخاصة حين اخترت شيئا معينا ~~ليكون موضوعا لانتباهي. ~~(24) بالتالي فإن فكرة الحرية بالمعنى الذي تفهم به في نظرية ~~الجبر الذاتي على أنها تظهر في فعل الفاعل حين ينتبه ويختار موضوعه - ~~هذه الفكرة مستمدة مباشرة من خبرتي العينية، كما أن فكرة الضرورة ~~- من ناحية أخرى - مستمدة من الفكرة الأصلية عن الحرية. وفكرة ~~القانون التي هي أساس العلم - وبالتالي أساس المذهب الجبري - ليست ~~إلا تصفية وتنقية للوقائع العينية الموجودة في خبرتي الخاصة. ~~فالقانون العلمي، هو شيء لا نستطيع بالفعل أن نخبر المثل الدقيق الذي ~~يقدمه؛ لأن ما نخبره باستمرار، وهو واقعة فردية عينية، وليست ~~القوانين إلا تجريدات من أمثال هذه الوقائع الفردية العينية، والواقع ~~أنه في الاختلاف بين وجهات النظر حول العلاقة بين الوقائع العينية ~~والقوانين المجردة يكمن الفرق بين المذهب الآلي والمذهب الديناميكي، ~~«كلما نظر صاحب النزعة الديناميكية إلى أعلى، اعتقد أنه يدرك ~~وقائع تفلت من قبضة القانون، وهكذا يضع الواقع على أنها الحقيقة ~~المطلقة، ويعتبر القانون مجرد تعبير رمزي - كبر أو صغر - عن هذه ~~الحقيقة. أما النزعة الآلية فهي على العكس، تكتشف داخل الواقعة ~~الجزئية عددا معينا من القوانين التي تكون هذه الواقعة بالنسبة لها ~~مجرد نقطة التقاء ولا شيء غير ذلك، وعلى أساس هذا الفرض يصبح ~~القانون هو الحقيقة الأصلية الأساسية.» # 23 # إن وقائع الخبرة الفردية ~~والعينية هي الحقيقة، أما القوانين فهي تجريدات. ولا يمكن مطلقا أن ~~تكون التجريدات في اتفاق كامل مع وقائع الخبرة الجزئية، فهي يمكن ~~فحسب أن تتفق معها اتفاقا كبيرا أو صغيرا، لا اتفاقا كاملا، ~~والقوانين من هذه الزاوية تشبه الأشكال الهندسية، التي يزيل الفكر ما ~~فيها من نقائص كانت موجودة ms085 في الجزئيات العينية للخبرة، فنحن لا نستطيع ~~على الإطلاق أن نخبر الخط المستقيم استقامة مطلقة، أو الدائرة الكاملة ~~الاستدارة، ومع ذلك فنحن نكون هذه الأشكال تكوينا فكريا مثاليا ~~على أساس الوقائع العينية. وتلك هي الحال نفسها مع قوانين الطبيعة، ~~فنحن لم نلاحظها أبدا تتحقق في كمال مطلق، لكنا نستطيع فحسب أن ~~نزيل بالفكر النقائص الموجودة في ملاحظاتنا الجزئية، ومن ثم فقوانين ~~الطبيعة التي هي حجر الزاوية في بناء المذهب الجبري ليست إلا تجريدات ~~من خبرتنا، التي هي وحدها الحقيقية. وفي استطاعتك أن تنظر إلى الطبيعة ~~على أنها جهاز ينظمه قوانين لا ترحم. لكنك قبل أن تفعل ذلك عليك ~~أن تسلم أولا بأن مثل هذا التصور مستمد من شيء آخر، وأن ~~خبرتك بالوقائع العينية هي الأصل الذي اشتق منه، وطالما أن خبرتك ~~هي في النهاية خبرة بفعل ما، أعني خبرة بالانتباه والانتقاء، فإنها ~~بالتالي خبرة بالجبر الذاتي أو التحديد الذاتي. ولا شك أن تصور ~~الحرية، بالمعنى الذي نفهم به هذه الكلمة في نظرية الجبر الذاتي، هو ~~تصور مسبق قطعا، تصور الضرورة، فالأول يدرك مباشرة عن طريق ~~الخبرة، بينما الثاني جاء نتيجة تصفية بعدية. «لو أننا تساءلنا لماذا ~~يضفي أحد الفريقين «أصحاب النزعة الديناميكية»، حقيقة عليا على ~~الواقعة، بينما يضفي الفريق الآخر «دعاة النزعة الآلية» مثل هذه ~~الحقيقة على القانون، لوجدنا أن النزعة الآلية والنزعة الديناميكية ~~تأخذ كل منهما كلمة البساطة بمعنيين مختلفين أتم الاختلاف. أما ~~الفريق الأول فيرى أن المبدأ يكون بسيطا لو أمكن لنا أن نرى نتائجه ~~وأن نحسب آثاره، وهكذا - حسب هذا التعريف نفسه - تكون فكرة المقصود ~~الذاتي أكثر بساطة من فكرة الحرية، ويكون التجانس أكثر بساطة من ~~اللاتجانس، ويكون المجرد أكثر بساطة من العيني. غير أن النزعة ~~الديناميكية لا تسعى إلى وضع الأفكار في أنسب النظم وأكثرها ملاءمة ~~للعثور على الخيط الحقيقي الذي يربط بينها ... ومن هذه الوجهة من النظر ~~تصبح فكرة التلقائية بلا نزاع أبسط من فكرة القصور الذاتي، طالما ~~أن الثانية لا يمكن أن تفهم وأن ms086 تحدد إلا عن طريق الأولى، في ~~حين أن الفكرة الأولى تكتفي بذاتها.» # 24 ~~(25) لا نستطيع أن نجاوز القول ~~بأن خبرتنا، كما ندركها إدراكا مباشرا، وكما نحللها عن طريق ~~الاسترجاع، تظهرنا على أننا في حالة الانتباه نكون مجبرين ذاتيا ~~في اختيار موضوع الانتباه، كلا، وليس ثمة إمكان لوجود معرفة - أية ~~معرفة - بمعزل عن خبرتنا الخاصة؛ لأن الخبرة هي مرجعنا النهائي، ~~والعالم هو عالم بالنسبة لنا، ومهما حاولنا أن نقول عكس ذلك فإننا ~~مقيدون في النهاية بما صادفناه في خبرتنا. يقول وايتهد: «معطياتنا ~~هي العالم بالفعل، بما في ذلك أنفسنا نحن، وهذا العالم الفعلي ينتشر ~~أمامنا للملاحظة في شكل موضوعات لخبرتنا المباشرة، وتوضيح هذه الخبرة ~~المباشرة هو المبرر الوحيد لأي تفكير، ونقطة البداية أمام الفكر هي ~~الملاحظة التحليلية لمكونات الخبرة.» # 25 # وكتب «أفلنج # Aveling ~~» # 26 # في هذا المعنى يقول: يمكن أن نضع مبدأ عاما لا يسمح ~~بأي استثناء مهما كان نوعه، هذا المبدأ هو: جميع معطيات الاعتقاد - حتى ~~تلك المعطيات التي بلغت حدا كبيرا من الإتقان والإحكام في طابعها ~~العلمي أو الفلسفي - تستمدها مباشرة من خبرتنا التجريبية المباشرة، ~~أو هي على الأقل ترتبط بهذه الخبرة بطريقة محددة تماما بحيث يمكن ~~التأكد منها.» # 27 ~~(26) غير أننا حين نقول إن الفرد في حالة الانتباه يكون نشطا ~~فعالا دون أن يكون لنشاطه سبب خارجي، لكنه محدد بذاته في إحداث ~~حركات جسمه هو - ألا نكون بذلك قد اعتدينا على الأرض المقدسة لقانون ~~بقاء الطاقة؟ إن في استطاعة أحد علماء الطبيعة أن يثير الاعتراض ~~الآتي: إن إحداث حركة في الجزئيات المادية للجسم يعني أن النشاط ~~الذاتي المزعوم قد أضاف قدرا جديدا من الطاقة الحركية # Kinetic energy # دون أن يختفي قدر ~~مساو لهذه الإضافة من صورة أخرى من صور الطاقة، وهذا تحطيم واضح لواحد ~~من أعظم القوانين المعترف بها في علم الطبيعة، وهو قانون بقاء الطاقة، ~~الذي يذهب إلى أن الطاقة لا تزيد ولا تنقص، بل تتحول فقط إلى صور ~~مختلفة. ~~(27) ويمكن أن نشرح قانون بقاء الطاقة في ms087 إيجاز شديد على النحو ~~التالي: # إذا ما درسنا الطرق التي تؤثر بها المادة في حواسنا لوجدنا أن ~~هناك حالات متعددة للمادة يمكن قياسها، هي التي نسميها بصورة ~~الطاقة. وهكذا نجد لدينا: طاقة الحركة، وطاقة الوضع، والحرارة، والضوء ~~... إلخ، ونحن نلاحظ أنه في حالة اختفاء إحدى هذه الصور تظهر بدلا ~~منها صورة أخرى، وفي كل حالة من هذه الحالات هناك معدل ثابت لتحول ~~صورة من الصور إلى صورة أخرى. فلو أننا استخدمنا الطاقة الكيميائية ~~لتوليد الحرارة، فإن عدد الوحدات الحرارية التي نحصل عليها من كل ~~وحدة من وحدات الطاقة الكيميائية الضائعة يظل ثابتا. ولو أننا ~~لاحظنا كل التحولات التي تطرأ على أي مجموعة من مجموعات الطاقة، ~~لوجدنا أن المجموع الكلي للوحدات الذي نحسبه بمصطلحات إحدى هذه الصور ~~- يظل ثابتا باستمرار. ويمكن أن نوضح ذلك بهذا المثال الآتي: ~~افرض أن شخصا يملك مبلغا معينا من المال، وأنه أحيانا يستبدل ~~القروش بالشلنات، وأحيانا أخرى يستبدل العملة الفضية بعملة ورقية ... ~~إلخ، لكن المبلغ يظل مع ذلك ثابتا، فالمجموع الكلي يبقى كما هو، ~~سواء أكان محسوبا بالشلنات أم بغيرها، وعلى الرغم من أن المبلغ كله ~~كان في لحظة من اللحظات مجموعة من القروش، وفي لحظة أخرى كان كله فضة، ~~وفي لحظة ثالثة كان كله أوراقا مالية، أو كان في لحظة رابعة خليطا من ~~ذلك كله - فإن المجموع الكلي للمبلغ يظل واحدا في جميع هذه ~~الحالات. ~~(28) وعلى ذلك في استطاعة عالم الطبيعة أن يقول إن الأعصاب أجسام ~~مادية، مثلها مثل الحجارة سواء بسواء، وانتقال التيارات العصبية هي ~~نفسها عملية فسيو-كيمائية، تشبه تماما عملية احتراق الشمعة، ولا بد ~~من تفسيرها تفسيرا ماديا . ولو أننا افترضنا أن شيئا ما يحدث في ~~حالة الانتباه داخل لحاء المخ؛ حيث لا يمكن أن يحدث بنفس الطريقة في ~~حالة أخرى، بوصفه محصلة لظروف مادية خالصة، فإننا بذلك نحطم ~~الاتصال، الذي لا يتحطم، للتفسير الفيزيائي، فالطاقة الموجودة في ~~العالم المادي لا تفنى ولا تخلق، بل يعاد توزيعها فحسب، وبالتالي فلا ~~يمكن أن يكون ms088 صحيحا ما نقول من أن النشاط الذاتي يحدث حركة - ~~لأنه بذلك لا بد أن يزيد أو ينقص من كمية الطاقة الموجودة في ~~العالم المادي - وبالتالي يحطم قانون بقاء الطاقة. ~~(29) وردا على هذا الاعتراض، سوف أجيب بادئ ذي بدء، بالشك في ~~الشمول المزعوم لهذا القانون، وسوف أحاول - ثانيا - أن أبين أن ~~نشاط الانتباه لا يتعارض بالضرورة مع هذا القانون. ~~(30) هناك واقعة تعارض الزعم القائل بأن الطاقة لا بد أن يقابلها ~~قدر من العمل مساو لها تماما، وهي أن بعض الطاقة الحرارية يتبدد ~~دون أن يحدث أي قدر من العمل مساو له، وطالما أننا لا نعرف شيئا ~~عن الطريقة التي تعود بها هذه الطاقة المبددة إلى مصدرها الأصلي، ~~ألا يمكن أن تكون الطاقة المتاحة لنا مستمدة من مصدر خفي، لا يمكن ~~فيزيقيا أن ترد إليه؟ ~~(31) وهذا السؤال يبرز أمامنا فكرة إمكان الرد # reversibility ~~، أو إمكان التحول، ~~وهي الفكرة التي تزعمها النظرة الآلية، ويدعمها قانون بقاء الطاقة. فهم ~~يزعمون أن أيا ما كان التغير الذي يحدث في العالم فإن من ~~الممكن أن يعود كل شيء من جديد إلى وضعه السابق، لكن الوقائع تظهرنا ~~على أن هذه النظرية المزعومة لا تستطيع - على الأقل - أن تجد لها ~~تطبيقات في مجالات معينة. «إن لا معقولية الرد «أو التحول إلى ~~الوضع السابق» واضحة في العمليات العضوية، فليس من المعقول أن تتقلص ~~الشجرة وتعود القهقرى إلى البذور، ولا أن تبدأ الحياة مع جثة الإنسان ~~وتنتهي بالميلاد، ولا تعود سلسلة الأنساب إلى الوراء.» # 28 # والواقع أن إمكانية الرد هذه لا يمكن - فيما يبدو - أن ~~تنطبق إلا على نظام يمكن لأجزائه بعد أن تتحرك أن تعود إلى ~~أوضاعها السابقة، أعني نظاما يمكن لأجزائه بعد أن تتحرك أن تعود ~~إلى أوضاعها السابقة، أعني نظاما لا يلعب الزمان أي دور في ماهيته. ~~«لكن الأمر على خلاف ذلك تماما في مجال الحياة، فها هنا تبدو الديمومة ~~- يقينا - وكأنما تقوم بدور السبب، ومن ثم فإن الفكرة القائلة ~~بالعودة بالأشياء إلى الوراء بعد انقضاء زمان ms089 معين هي ضرب من ~~المستحيل، طالما أن مثل هذه العودة إلى الوراء لا تحدث قط في حالة ~~الكائن الحي.» # 29 ~~«وفي حين أن النقطة المادية - كما يفهمها دعاة النزعة ~~الآلية - تظل في حاضر أبدي. فإن الماضي قد يكون حقيقة بالنسبة ~~للأجسام المادية، وهو يقينا حقيقة أكيدة بالنسبة للموجودات الواعية. ~~وإذا كان الماضي لا يمثل أدنى كسب ولا أدنى خسارة، بالنسبة إلى أي ~~نظام نزعم له البقاء، فإنه قد يمثل كسبا بالنسبة إلى الكائن ~~الحي، وهو بدون شك كسب محقق للوجود الواعي. وإذا كان الأمر على هذا ~~النحو: أليس هناك الشيء الكثير مما يمكن أن يقال حول افتراض القوة ~~الواعية أو الإرادة الحرة، التي تخضع لفعل الزمان وتستغرق ديمومة، حتى ~~إنه ليمكن أن تفلت من قانون بقاء الطاقة؟» # 30 ~~(32) إن كل ما في استطاعة عالم الطبيعة أن يؤكده بواسطة قانون ~~بقاء الطاقة هو أن القدر المعين الموجود من الطاقة في الصورة «أ»، ~~يساوي القدر المعين الموجود من الطاقة في الصورة «ب». «غير أن ~~التأكد من المتساويات الآلية للصور المختلفة من الطاقة، وتقرير ~~الثبات المطلق لهذه المتساويات كجزء من المسلمة العامة التي تقول ~~إن الطبيعة مطردة شيء، والزعم بأن كمية الطاقة الموجودة في الكون ~~محدودة، ولأنها محدودة فهي لا تزيد ولا تنقص تبعا لقانون ما أو ~~لمبرر كاف شيء مختلف عنه أتم الاختلاف ... «إن عالم الطبيعة لا ~~يعرف إلا أن معدلات التحول والتبدل ثابتة ومنتظمة داخل نطاق ~~الحدود الضيقة جدا لملاحظته، وهو حتى داخل هذه الحدود مقيد تماما ~~بمعدل النتائج لعدد لا حصر له من العمليات الفردية».» # 31 ~~(33) وفضلا على ذلك كله، وبغض النظر عن مشكلة الصعوبة الكمية: فكيف ~~يستطيع العلم أن يتأكد من أن صور الطاقة المعروفة هي وحدها الصور ~~الممكنة فحسب؟ إننا حين نقول: إن «أ» يمكن أن تتحول تماما إلى ~~«ب»، فإننا لا نستبعد بذلك إمكان وجود صور أخرى من الطاقة تتوسط هذه ~~الدورة. وسواء أكانت كمية الطاقة الموجودة في الكون ثابتة كلها أم لا، ~~فسوف يبقى علينا أن ms090 نتأكد من أن قائمة صور الطاقة التي نعرفها ~~قائمة شاملة تماما، قبل أن يحق لنا أن نرفض نظرية جديدة. ~~(34) وإلى جانب ذلك كله: افرض أننا سلمنا بأن قانون بقاء ~~الطاقة صحيح وشامل، فهل لا بد أن يكون هناك تعارض بين مثل هذا ~~القانون وبين النشاط الذاتي؟ يمكن أن يقال بادئ ذي بدء إن قانون ~~بقاء الطاقة يختص فحسب بإعادة توزيع الطاقة داخل إطار النظام المادي، ~~لكنه يظل صامتا أمام الأحداث الأخرى التي يقال إنها ليست ~~مادية. إن ما يؤكده هذا القانون هو أن الطاقة لا يمكن أن تزيد ~~أو تنقص في أية ظروف مادية، لكنه لا يخبرنا ما الذي عساه أن يحدث ~~لو تدخل عامل غير مادي ليلعب دورا في هذه الأحداث. ~~(35) ثانيا - وربما كانت تلك نقطة أكثر أهمية - إن من الممكن ~~تماما أن تكون فاعلية الذهن مجرد فاعلية موجهة، بحيث تقود إلى إعادة ~~توزيع الطاقة دون أن يكون لها أدنى أثر على كمية هذه الطاقة زيادة أو ~~نقصانا. والحق أن المرء ليغريه تماما أن يسوق اقتراحا جريئا ~~مؤداه أن الحياة تعتمد على توجيه وضبط الطاقة دون أن تكون هي نفسها ~~إحدى صورها، ويمكن أن تكون لمجرد إعادة التنظيم نتائج مذهلة، فنحن ~~نجد فيما يسمى بفعل الإنسان في الطبيعة أن «خواص المادة هي التي ~~تعمل كل شيء بمجرد ما توضع الأشياء في وضعها الصحيح. وكل ما يفعله ~~الإنسان في المادة، بل كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يقوم بهذا العمل، ~~أعني أن يضع الأشياء في وضعها الصحيح، بحيث يمكن أن تؤثر فيها ~~قواها الداخلية الخاصة، كما تؤثر فيها تلك الأشياء الطبيعية الأخرى ~~الباقية. فالإنسان لا يفعل شيئا سوى أن يحرك شيئا من شيء آخر أو ~~إلى شيء آخر. وأوامره كلها على قوى الطبيعة لا يمكن أن تقاس قوتها ~~بتلك القوة التي يحصل عليها هو نفسه حين ينظم الأشياء في تلك ~~التركيبات والتفاعلات التي نشأت عنها القوى الطبيعية ذاتها، كما هي ~~الحال - مثلا - حين يضع عود ثقاب مشتعلا على وقود، ms091 أو حين يضع الماء ~~فوق مرجل من نار، بحيث يتولد عنها قوة البخار التمددية التي أدت بشكل ~~واسع إلى تحقيق الأغراض البشرية.» # 32 # يقول: «ماكسويل # Maxwell ~~» لو أننا ~~افترضنا وجود عفريت من نوع خاص، بلغت ملكاته من الدقة حدا يمكنه من ~~تتبع الجزئيات في مسارها، بحيث يكون قادرا على أن يعمل ما يستحيل ~~علينا الآن عمله، فسوف نظل مع ذلك نتخيله محدودا في صفاته مثلنا ~~تماما؛ لأن «الجزئيات في إناء مملوء بالهواء وفى درجة حرارة مطردة ~~تتحرك بسرعات ليست مطردة على الإطلاق، رغم أن أدنى سرعة لأي عدد ~~كبير منهم نختاره اختيارا تعسفيا هي سرعة مطردة في الغالب تماما. ~~ودعنا الآن نفترض أن مثل هذا الإناء يقسم قسمين هما: «أ، ب»، وأن ~~أحد القسمين به ثقب صغير، وأن هناك كائنا يستطيع أن يرى الجزئيات ~~الفردية، يفتح هذا الثقب الصغير ويغلقه بحيث يسمح فقط للجزئيات ~~السريعة بالعبور من «أ» إلى «ب»، والجزئيات البطيئة بالعبور من «ب» إلى ~~«أ». إن مثل هذا الكائن سوف يستطيع على هذا النحو - دون أن يبذل أدنى ~~جهد - أن يرفع درجة حرارة «ب»، وأن يخفض درجة حرارة «أ».» # 33 # غير أن ذلك ليس إلا تشبيها مجازيا يمكن أن يساء فهمه، فأنا ~~لا أفترض وجود أي كائن متوسط يقوم بعمل التوزيع من أجل الفاعل ~~السيكوفيزيقي على النحو الذي اقترح فيه «ديكارت» وجود غدة صنوبرية تقوم ~~بوظيفة مماثلة. # 34 # كلا، ولست أفترض وجود ذهن مستقل يعمل في البدن ويتفاعل ~~معه. فأنا أعتقد أن هناك كائنا واحدا فحسب هو: الفاعل ~~السيكوفيزيقي، وواحديته هي اتحاده العضوي، أو هي وحدته العضوية، ومثل ~~هذا الفاعل له وظيفة تختص بطريقة عجيبة بالجسم الحي، وهذه الخاصية ~~العجيبة تعتمد أساسا - كما قلنا - على انتباه الفرد إلى الوجود، ~~وانتقاء عناصر معينة ورفض عناصر أخرى، والفرد في إحداثه لحركته يكون ~~نشطا فعالا محددا بذاته فحسب، وكل أنشطة الفرد - أيا كان نوعها - ~~تفترض مقدما وظائف الانتقاء والاختيار المتضمنة في الانتباه. # بقي أن نعرف: متى يعتبر فعلا من أفعال الانتباه ms092 إرادة، ومتى لا ~~يعتبر كذلك. # الفصل الثالث # | الإرادة # (1) الإرادة هي الانتباه إلى موضوع يتصف بخصائص معينة. ~~(2) ليس هناك ملكة تسمى ب «الإرادة»، ولكن هناك أمثلة للإرادة ~~فحسب. ~~(3) الانتباه سابق على الإرادة. وجهة نظر «برادلي» التي تقول العكس. ~~(4-6) نقد وجهة نظر «برادلي». ~~(4) من أين يأتي الانتباه حين يصاحب الإرادة دون أن يكون هو نفسه ~~مرادا مباشرا؟ ~~(5) لا يتضح ما إذا كان «برادلي» يعتقد أن الانتباه مصاحب ضروري ~~للإرادة أم أن الإرادة يمكن أن توجد بدونه. ~~(6) التناقض في قوله إن الانتباه يصبح الموضوع المباشر للإرادة ~~حين تكون العقبة في تحقيق فكرتي هي شرود الذهن. ~~(7) كيف نفسر الحالات التي ~~أشعر فيها أن الانتباه هو الموضوع المباشرة لإرادتي. ~~(8) جميع الأمثلة الممكنة للأفعال الإرادية تعتمد على الانتباه إلى ~~فكرة لها خصائص معينة. ~~(9) يكون الموقف حالة من حالات الإرادة: ~~(أ) # إذا كانت الفكرة التي أنتبه إليها هي فكرة تغيير ~~الوجود. ~~(ب) # وإذا كان التغير لا بد أن يحدث بناء على ~~الفكرة. ~~(ج) # وبوساطة هذه الفكرة. ~~(د) # ويشترط أن يحقق ~~الفاعل نفسه حين يحقق الفكرة (10-14) مناقشة هذه ~~النقاط: ~~(10) لا بد أن يكون هناك وجود ذو طبيعة معينة داخلية أم خارجية. ~~تغير هذا الوجود لا بد أن يبدأ الآن. ~~(11) لا بد أن يكون هناك صراع بين فكرتي عن التغير وبين طبيعة ~~الوجود. لا بد أن يكون التغير في نطاق قدرة الفاعل. ~~(12) لا بد أن يحدث التغير طبقا لمضمون الفكرة - السماح بالزيادة ~~الضرورية في التغير. ~~(13) لا بد أن يكون التغير نهاية عملية، كانت بدايتها الفكرة التي ~~انتبهت إليها، العلاقة بين البداية والنهاية يجب ألا تكون مجرد ~~تتابع، بل أن تكون نفسها العلاقة بين الفعل في حالة الأداء # acting # والفعل وقد انتهى # Act ~~. ~~(14) الفاعل يحقق نفسه في حالة الإرادة، لأنه يتحد مع فكرة ~~التغير، ما المقصود بهذا الاتحاد؟ ~~(15) أنا أختار فكرة التغير لأنها تناسب حياتي ككل. هل هناك نظام ~~مثالي؟ ~~(16) الأخلاق هي العمل تحت سلطان العقل. ~~(17) الهوة بين فكرتي عن التغير وبين الوجود الواقعي يختلف مداها؛ ~~فكلما اتسعت ms093 ازداد الجهد الذي يبذل في الفعل الإرادي. ~~(18) الفرق بين الإرادة والتفكير. ~~(1) حاولت في الفصول السابقة أن أبين أن كل واقعة سيكولوجية ~~تعتمد على الانتباه إلى شيء ما، والانتباه هو الجانب الذاتي، وما ننتبه ~~إليه هو الجانب الموضوعي، ومن الجانبين معا - الذاتي والموضوعي - ~~تتألف الذات. والأفعال السيكولوجية كلها ليست إلا تنوعا للجانب ~~الموضوعي من الانتباه، فليس هناك سوى فعل أساسي واحد هو الانتباه ثم ~~موضوعات متعددة ننتبه إليها في أوقات مختلفة: ففي الإدراك الحسي ننتبه ~~إلى موضوع يتسم بخصائص معينة وهكذا ... وسوف أحاول في هذا الفصل أن أعرض ~~للخصائص النوعية التي تميز الموضوع الذي ننتبه إليه في حالة ~~الإرادة. ~~(2) غير أن القول بأن الجانب الذاتي هو الانتباه دائما، وأنه ~~ليس ثمة سوى مجموعة من الخصائص هي التي تطبع بطابعها موضوع الانتباه ~~في حالة الفعل الإرادي، يعني في الحال أنه ليس ثمة «ملكة» تسمى ~~بالإرادة؛ لأن تصور مثل هذه «القوة» لن يعني - في هذه الحالة - ~~إلا أننا نقوم بتعميم مجرد من الأمثلة للمواقف الإرادية، كما هي ~~الحال بالضبط في تصور «الإنسان» الذي لا يدل إلا على تعميم ~~مجرد من الأفراد الجزئية التي تشترك جميعا في خصائص معينة. وبمعنى ~~آخر، ليست هناك «إرادة» تريد في مناسبات معينة أشياء محددة، ولا تريد ~~هذه الأشياء في مناسبات أخرى. بل هناك فقط أمثلة منوعة للمواقف ~~الإرادية. وافتراض وجود ملكة للإرادة هو الذي يجعلنا نريد في مواقف ~~معينة ولا نريد في مواقف أخرى، سوف يبدو أشبه ما يكون «بافتراض «ملكة ~~للغناء» هي التي تجعلنا نغني، و«ملكة للرقص» هي التي تجعلنا نرقص ...» # 1 ~~(3) ولو أن الانتباه من ناحية أخرى كان موجودا في كل واقعة ~~سيكولوجية - بما في ذلك حالات الإرادة - فسوف يتضح في هذه الحالة ~~أن الانتباه لا بد أن يكون سابقا على الإرادة. غير أن «برادلي» ~~يأخذ بوجهة النظر المعارضة، فهو يعتقد أن الانتباه النشط يتضمن ~~الإرادة، أعني أنني في كل مرة أنتبه فيها انتباها نشطا إيجابيا ~~إلى شيء ما، فلا بد أن يكون هناك فعل للإرادة ms094 يسبق فعل الانتباه. ~~لكنه يضيف «أن الانتباه - يقينا - لا يعني الإرادة بالمعنى الذي ~~يكون فيه كل انتباه مرادا بشكل مباشر. ذلك لأن الانتباه نفسه ليس ~~هو باستمرار هدف إرادتي، فقد يكون في بعض الحالات هدفي وقد لا يكون ... ~~فإذا ما حققت غرضا ما، خارجيا أو داخليا، فإنني قد أكون ~~منتبها بغير شك، ومع ذلك فما دمت لا أشعر بأي ميل على الإطلاق إلى ~~الشرود ذهنيا عن هدفي، فإنني لا أنتبه مطلقا انتباها مرادا ~~مباشرة ... ومن ثم فإن الانتباه باختصار حالة قد تكون هي نفسها مرادة ~~مباشرة، لكنها يقينا ليست بحاجة إلى أن تكون كذلك. # 2 # وعلى ذلك فإن «برادلي» يرى أن هناك نوعين من الحالات: ~~(أ) إما أن يكون الانتباه نفسه هو موضوع الإرادة. (ب) أو أن يصاحب ~~ممارسة الإرادة فحسب، دون أن يكون هو نفسه مرادا. وهو يكون موضوعا ~~للإرادة: «حين ندرك أن التمهل أو التأني أو الصعوبة أمام تحقيق ~~فكرتي، تعتمد بطريقة ما على فشلي وشرود ذهني، أما الانتباه نفسه ~~فهو موجود وتشتمل عليه صراحة فكرتي عن الغاية أو الهدف، وفي هذه الحالة ~~يكون الانتباه نفسه مرادا بطريقة مباشرة، وليس كما كان من قبل ~~موجودا وجودا عرضيا.» # 3 # وسوف أثير ضد وجهة نظر برادلي هذه الاعتراضات ~~الآتية: ~~(4) (أ) فهو لم يفسر لنا كيف ينشأ الانتباه في الحالات التي يوجد ~~فيها وجودا عرضيا، أعني الحالات التي لا يكون فيها هو نفسه مرادا ~~بطريقة مباشرة، الحالات التي «قد أكون فيها - بغير شك - منتبها، ومع ~~ذلك لا أشعر على الإطلاق بأي ميل إلى الشروط ذهنيا عن هدفي، وقد لا ~~أنتبه انتباها مرادا بطريقة مباشرة.» وحتى أوضح اعتراضي هذا سوف ~~أستخدم الرموز الآتية: افرض أن (أ) تمثل الإرادة، و(ب) تمثل ~~الانتباه و(ج) تمثل الموضوع المراد، عندئذ في الحالات التي يكون ~~فيها الانتباه مصاحبا فحسب لممارسة الإرادة، دون أن يكون هو نفسه ~~مرادا، فسوف تكون الصيغة على النحو التالي: # أ - ج (ب). وهي تقرأ هكذا: الإرادة (أ) موجهة إلى غرض معين (ج)، ~~والانتباه ms095 (ب) متضمن بطريقة ما في الموقف. أما في الحالة التي يكون ~~فيها الانتباه نفسه مرادا فسوف تكون الصيغة على النحو التالي: أ - ب ج ~~فنقول عندئذ إن الانتباه تشتمل عليه صراحة فكرة الغاية أو ~~الهدف. # والسؤال الآن هو: في الحالة السابقة التي يوصف فيها الموقف بأنه أ ~~- ج «ب»، من أين يأتي الانتباه؟ لا يمكن أن يقال: إنه جزء ضروري ~~من الإرادة، إذ يمكن أن يكون هو نفسه مرادا، ولا يمكن أن يقال: ~~إنه شرط ضروري للموضوع المراد، لأنه - بناء على رأي «برادلي» نفسه ~~- يمكن تصور الانتباه شاردا عن الموضوع، بحيث يمكن أن يعود إليه ~~بواسطة الإرادة. وعلى ذلك ففي الحالة التي يكون فيها الانتباه نفسه ليس ~~هو الموضوع المباشر للإرادة، أعني حين يوجد وجودا عرضيا، فإنه لا ~~يمكن أن يكون جزءا ضروريا من أ (أعني من الإرادة)، ولا جزءا ~~ضروريا من ج (أعني من الموضوع المراد). ومع ذلك كله فلا يزال برادلي ~~يرى أنه من الضروري أن يكون الانتباه موجودا ليساهم في عملية ~~الإرادة! والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما السبب الذي يجعل الانتباه ~~موجودا في هذه الحالة؟ إنه إما أن يكون موجودا بسبب الإرادة على ~~الإطلاق. فلو أنه كان موجودا بسبب الإرادة بطريقة غير مباشرة، فلا ~~بد أن يكون ناتجا من الإرادة وموضوعها، غير أننا لا يمكن أن ~~نتصور كيف يمكن أن يحدث ذلك. افرض مثلا أن موضوع إرادتي هو قراءة ~~قصيدة من القصائد وفهمها، إن الإرادة والقصيدة قد استدعيا معا ~~الانتباه إلى القصيدة. وإذا لم يكن ذلك هو المعنى المقصود، فإنني لن ~~أستطيع أن أفهم كيف يمكن للانتباه أن يكون موجودا بطريقة أخرى بسبب ~~الإرادة وبشكل غير مباشر. لكن إذا لم يكن للانتباه صلة بالإرادة على ~~الإطلاق، فلا يمكن أن يقال عنه إنه بعد الإرادة، ولا يمكن على ~~الإطلاق أن نتصور أنه يطيع اتجاهات الإرادة. ~~(5) (ب) لا يتضح ما إذا كان «برادلي» يعتقد أن الانتباه مصاحب ~~ضروري للإرادة، أم إن الإرادة يمكن أن توجد بدون الانتباه. فكلامه ms096 ~~يدل - من ناحية - على أن الانتباه لا بد أن يتبع كل حالة من حالات ~~الإرادة، لكنه يكون أحيانا مرادا بطريقة مباشرة، وأحيانا أخرى ~~يكون مرادا بطريقة غير مباشرة. وكلامه يدل من ناحية أخرى على أنه ~~يتصور حالات تكون فيها الإرادة موجودة مع غايتها لكن بدون انتباه، ~~وذلك حين يقول: إن شرود الذهن، أعني عدم الانتباه إلى الموضوع ~~المراد، قد يعوق أو يعرقل تحقيق فكرتي. وذلك يعني بعبارة أخرى أنه قد ~~يكون لدي إرادة الوصول إلى غاية معينة، فكرتها موجودة في ذهني، غير ~~أن عدم الانتباه إلى هذه الغاية يعوق أو يعرقل عملية الوصول ~~إليها. ~~(6) ومن ناحية أخرى فإن قول «برادلي»: إن الانتباه قد يكون هو ~~الموضوع المباشر للإرادة «حين ندرك أن الإعاقة أو العقبة أمام تحقيق ~~فكرتي تعتمد بطريقة ما على فشلي وشرود ذهني» - هذا القول يبدو أنه ~~يحتوي على تناقض ذاتي؛ لأنه يعني ببساطة أنني أدرك أن هدفي لم ~~يتحقق لأنني كنت شارد الذهن، وهكذا أعود فأجعل انتباهي موضوعا ~~مباشرا للإرادة، غير أن «الإدراك» لا يكون ممكنا بدون الانتباه إلى ~~الموقف المدرك، وعلى ذلك فيمكن أن تصاغ وجهة نظر «برادلي» على النحو ~~التالي: حين أجد، من خلال الانتباه، أن انتباهي ليس موجها الوجهة ~~الصحيحة، فإنني أقوم بتصحيحه بإرادتي. والقول بأن الانتباه يكتشف ~~أنه هو نفسه قد ضل، ليس إلا خلفا واضحا. ~~(7) ومن هنا فإن القول بأسبقية الإرادة على الانتباه قول لا يمكن ~~الدفاع عنه، ولهذا فأنا أعتقد أن الصيغة لا بد أن تكون باستمرار ~~على النحو التالي: ب - ج، بحيث تمثل «ب» - كما سبق أن قلنا - ~~الانتباه، كما تمثل «ج» موضوع الانتباه. ويقال عن «أ» التي تمثل ~~الإرادة: إنها توجد حين تكون هناك خصائص معينة تتصف بها «ب»، أعني ~~موضوع الانتباه، وهي خصائص سوف نبحثها بعد قليل. # والقول بأن الانتباه يسبق الإرادة يعفينا من الربط غير الضروري ~~بين الانتباه والوعي؛ فقد يكون الانتباه شعوريا في حالتي الإرادة ~~والتفكير، وقد يكون لا شعوريا في حالة النزوع البسيط. وحتى في حالتي ms097 ~~الإرادة والتفكير اللتين يكون فيهما الانتباه شعوريا، فإنني قد ~~أشعر بالعمل الرئيسي الذي أقوم به، في الوقت الذي تحدث فيه أشياء أخرى ~~كثيرة بطريقة لا شعورية. فأنا الآن مثلا أشعر بأنني أكتب، لكني ~~لا أستطيع أن أشعر بمئات الآلاف من الألياف العصبية والعضلية التي ~~تتكامل معا وتركز نفسها في فعل الكتابة. ومن ناحية أخرى، فليس كل ~~فرد عضوي يستطيع أن يشعر تماما بالعمل الرئيسي الذي يقوم به في وقت ~~معين: ويبدو أن تقسيم «ليبنتز» للجواهر العضوية إلى جواهر لا واعية ~~وجواهر واعية، وجواهر واعية بذاتها - تقسيم صحيح؛ فالنبات - مثلا - ~~يعمل ككل عضوي، لكنه يعمل بطريقة لا شعورية، أما الكائنات ~~الحية، فيمكن أن يقسم نشاطها إلى ثلاثة مجالات: مجال النشاط ~~اللاشعوري، كنشاط العقل الفسيولوجي، ومجال الوعي الغامض، كوعينا ~~بضوضاء الطريق، أو أثر الضغط على جلدنا في الوقت الذي ننظر فيه بانتباه ~~إلى موضوع معين. وأخيرا مجال الوعي الواضح، وهذا المجال الأخير هو ما ~~يسمى عادة بالانتباه. لكن تبعا للنظرية التي نأخذ بها، فإن هذه ~~التقسيمات الثلاثة تحتاج كلها إلى الانتباه من جانب الفرد، أعني ~~الانتباه إلى الموقف الحاضر، حتى يستطيع أن يعمل وفقا لما يبدو له ~~أنه نافع لحياته وسعادته. # ويتكامل المجموع الكلي لنشاط الفاعل - في حالة الفعل المراد - في كل ~~واحد. سواء أكان هذا الفعل فعلا خاصا بالتفكير أو بحركة الجسم. ~~والفعل المراد ليس إلا قمة للانتباه. وأين عسانا نجد مثالا للصلابة ~~والتماسك في كائن حي معقد، أكثر مما نجده عند إنسان عاكف ومنصب ~~على فعل عنيف من أفعال الإرادة؟ غير أن الفعل المراد عند الإنسان ~~يظهر في صورتين واضحتين: فهو قد يكمن تحت صورة مساهمة الجهاز العضلي ~~للجسم كله وكل قناة من قنوات الإحساس، أو قد يستبعد تقريبا الفعل ~~العضلي، كما يستبعد الجهاز الحسي. # 4 # وهذه الصورة الثانية هي من الناحية العملية، صورة خاصة ~~بالإنسان وحده، حين يمعن الفكر مثلا في حل مشكلة من المشكلات.» # 5 # غير أننا يجب علينا أولا أن نفسر تلك الحالات التي نشعر فيها ~~أن ms098 الانتباه نفسه مراد، وأنا أعتقد أن ما يضللنا في مثل هذا ~~الشعور، هو أننا بدلا من أن ننتبه إلى «ج» ننتبه إلى موضوع آخر «ء» ~~مثلا حين نشعر أن هذا الموضوع الأخير أكثر نفعا لنا في هذه اللحظة ~~نفسها من الموضوع السابق. عندئذ تشكل الرغبة في العودة إلى الموضوع ~~السابق «ج» جانبا من المركب الموضوعي، أعني أن محتوى انتباهي سيكون ~~عندئذ مركبا يشمل «ء + رغبة في العودة إلى ج». وهذه الحالة قد يعقبها ~~عودة فعلية إلى «ج» فينشأ موقف أتوهم فيه أن رغبتي قد أدت إلى ~~تغيير اتجاه انتباهي، في حين أن رغبتي نفسها ليست إلا جانبا من ~~موضوع الانتباه، ومن هنا فإن كل ما حدث هو تغير لاتجاه الانتباه ~~لخدمة نفعي الخاص أو مصلحتي الخاصة. ~~(8) لا توجد حالة واحدة من حالات الإرادة لا تتوقف عند نهاية ~~تحليلها على الانتباه إلى فكرة لها خصائص معينة: «حين نعقد العزم على ~~أن نتبع لونا معينا من ألوان السلوك، فإننا نكون فكرة واضحة - ~~بقدر الإمكان - عن هذا اللون من السلوك، ثم نضع هذه الفكرة بجهد من ~~الانتباه أمام الذهن ... وقل مثل ذلك في حالة الاسترجاع الإرادي لواقعة ~~ما كنا قد نسيناها، كاسم شخص نفكر فيه مثلا فإن إرادتنا في هذه ~~الحالة تضع فكرة هذا الشخص أمام الوعي، حتى يكون لديه الفرصة لتطوير ~~جوانبها المختلفة، والأوضاع المرتبطة بها؛ الزمان، والمكان، والبلد ~~الذي سبق أن رأينا فيه هذا الشخص ... إلخ، وهذه الأمور كلها - بالطبع - ~~تزيد من فرصة استرجاع اسمه ...» # 6 # وفي استطاعتنا أن نسوق أمثلة لا حصر لها من المواقف ~~الإرادية، وسوف نجد أنها كلها تعتمد باستمرار على الانتباه إلى شيء ~~ما. والانتباه كما سبق أن ذكرنا له جانبان: جانب إيجابي وجانب سلبي، ~~فهو إيجابي حين يأخذ فكرة التغير المطلوب، وهو سلبي حين يستبعد الأفكار ~~الأخرى، التي تعرقل تحقيق الفعل المراد؛ إذ لا بد أن يكون هناك ~~دائما أكثر من خط واحد ممكن للفعل المراد، على الأقل: الإقدام على هذا ~~الفعل والإحجام عنه، يختار الفاعل ms099 من بين البدائل الممكنة بديلا ~~واحدا ويحتفظ بفكرته في الانتباه حتى يتحقق. وسوف نعود إلى هذه ~~النقطة بعد قليل. ~~(9) لكن ذلك كله ليس إلا تعميما يحتاج إلى تخفيض وتحديد؛ فإذا كان ~~الموقف الإرادي عبارة عن فعل من أفعال الانتباه إلى موضوع يتسم بخصائص ~~معينة، فما هي تلك الخصائص التي تطبع بطابعها موضوع الانتباه حين يكون ~~الموقف السيكولوجي إراديا؟ لا بد أن نقول بادئ ذي بدء: إن الفكرة ~~التي تكون موضوع الانتباه في حالة الإرادة هي بصفة عامة فكرة التغير، ~~أعني فكرة شيء يختلف عما هو موجود بالفعل. وإذا ما حللنا هذه ~~الفكرة لوجدنا أنها تتألف من العناصر الآتية: ~~(1) أن يكون هناك وجود له طبيعة معينة. ~~(2) أن تكون هناك فكرة عن تغير يراد إحداثه في هذا الوجود. ~~(3) أن يتم إحداث التغير بالفعل طبقا لمضمون الفكرة. ~~(4) أن يتم التغير بفضل نشاط الفرد المنتبه إلى الفكرة التي ~~تتحدث عنها دون مساعدة العوامل الخارجية. ~~(5) أن تتحقق ذات الفاعل من خلال تعبيره عن طبيعته في الفكرة. # 7 ~~(10) (1) الخاصية الأولى للموقف الإرادي هي أن يكون هناك وجود له ~~طبيعة معينة، وجود «أريد» له أن يتغير طبقا لمضمون الفكرة التي ~~أنتبه إليها. وقد يكون هذا الوجود المطلوب تغييره وجودا داخليا أو ~~خارجيا: وهو حين يكون خارجيا فإنه يعني جانبا من الواقع موجودا ~~في زمان معين ومكان محدد، وهو إما أن يكون «هنا» و«الآن» أو ~~امتدادا لهما. وهو حين يكون داخليا فإنه يعني واقعة سيكولوجية ~~معينة موجودة الآن أو امتدادا لها. # وفي كلتا الحالتين لا بد من توافر شرطين؛ الأول: أن تكون فكرتي ~~عن التغير مخالفة لهذا الوجود، بمعنى أنني أريد لهذا الوجود أن ~~يكون خلاف ما هو عليه. والثاني: أن تبدأ عملية التغير الآن. وإذا لم ~~يتحقق هذان الشرطان - أحدهما أو كلاهما - فلن تكون هناك إرادة. أعني ~~أنه لم يظهر الوجود على أنه التغير المطلوب تماما، فلن يكون ثمة ~~إرادة، وكذلك لا تكون هناك إرادة لو كان عندي فكرة التغيير لكني أنوي ~~أن أبدأها في لحظة ما ms100 في المستقبل. صحيح أنه في الحالة الأخيرة سوف ~~يكون هناك عزم أو تصميم، لكن العزم والتصميم شيء والإرادة شيء آخر، ولا ~~أستطيع في هذا الصدد أن أوافق على ما يقوله «جيمس» من أن مجرد وضع ~~الفكرة في الانتباه هو كل شيء في الإرادة، وأن الأمر بعد ذلك «مجرد ~~حادثة فسيولوجية، فما أن يوضع الموضوع المنتبه إليه بهذا الشكل حتى ~~تنشأ عنه في الحال نتائج حركية.» # 8 # ويتفق أفلنج # Aveling # مع ~~«جيمس» في هذه الفكرة، فهو يقول: «إننا نستطيع أن نريد تماما حتى ~~ولو لم نستطع تحقيق إرادتنا بالفعل.» # 9 # لكن الرأي الذي آخذ به هو أنه ما لم يحدث تغيير الوجود ~~المنتبه إليه كاملا فلن تكون هناك إرادة؛ فالوضع المطلوب للوجود لا ~~يمكن أن يظل فكرة غامضة في الذهن أن أريد تحقيقه بفعل من أفعال ~~الإرادة، بل يتجه التغير الذي تتضمنه الفكرة إلى أن يكون أكثر ~~تخصيصا شيئا فشيئا، كلما تطورت الفكرة، حتى إذا ما وصلت إلى ~~أكثر حالات التخصيص عينية وجدتها ترتبط ارتباطا مباشرا مع «الآن» ~~الموجودة حاليا، يقول أرسطو: «لو كان عندي هدف معين أريد تحقيقه ~~فإنني أبحث عن الوسائل التي تمكنني من بلوغ هذا الهدف، ولو ظهر ~~أن هناك عدة وسائل، فإنني أبحث عن أسهلها وأفضلها. أما إذا ظهر ~~أنه ليس ثمة سوى وسيلة واحدة فإنني أبحث عن كيفية بلوغ غايتي بهذه ~~الوسيلة، وكيف يمكن لي أن أطمئن إلى هذه الوسيلة ذاتها ... وهكذا حتى ~~أصل إلى أول حلقة في سلسلة الأسباب التي هي في نفس الوقت آخر حلقة وصلت ~~إليها في اكتشافي لهذه السلسلة.» # 10 # ويقول: «روس # Ross ~~» في شرحه لهذه ~~الفقرة: إن ذلك يعني «أننا في هذه الحالة نرتد من الغاية إلى ~~الوسيلة، ومن وسيلة إلى أخرى، حتى نصل في نهاية الأمر إلى وسيلة يمكن ~~أن نتبناها هنا والآن.» # 11 ~~(11) (2) الخاصية الثانية للموقف الإرادي أن تكون لدي فكرة عن ~~التغير ضد الوجود الفعلي، أعني أنه لا بد أن يكون هناك صراع بين ~~فكرتي من ناحية، وبين ms101 ذلك الجانب من الواقع الموجود، إما هنا والآن، ~~وإما أن يكون امتدادا لهما. وبديهي أن التغير المراد لا بد أن ~~يكون شيئا ممكنا. فلو أنني تصورت تغيرا لا يكون من الممكن ~~تحقيقه فإن مثل هذا التغير لا يسمى إرادة لكنه رغبة. ولقد ذكر ~~أرسطو بعض التحديدات في هذا الصدد، يجمل بنا أن نقتبسها فهو يقول: ~~«إننا لا نستطيع أن نختار المستحيل أو أن نريده عملا، ومن يفعل ذلك ~~لا بد أن يكون أحمق، لكننا نرغب فقط فيما هو مستحيل؛ كالفرار من ~~الموت مثلا ... وقد نرغب كذلك فيما لا تستطيع فاعليتنا أن تحققه ~~«كنجاح ممثل أو فوز رياضي معين» لكنا لا نختار عن عمد أبدا أمثال ~~هذه الأشياء، وإنما نختار فحسب تلك الأشياء التي نعتقد أن في ~~استطاعتنا تحقيقها.» # 12 # وهو يقول كذلك: «أعتقد أننا لا بد أن نفهم من تغيير ~~«العمد أو الروية» ما يستطيع الموجود العاقل - لا الأحمق أو المجنون - ~~أن يعقد العزم عليه، ومن هنا فإنك لن تجد أحدا يعقد العزم على تغيير ~~أشياء أبدية، أو أشياء لا يمكن أن تتغير: كنظام الأجرام السماوية. ~~أو امتناع القياس بين شيئين لعدم وجود خاصية مشتركة بينهما، كما هي ~~الحال في ضلع المثلث وقطر المربع. # ومن ناحية أخرى، فإنك لن تجد أحدا يعقد العزم حول أشياء تتغير، ~~لكنها تتغير باستمرار بطريقة واحدة ... مثل الانقلاب الشمسي، وشروق ~~الشمس، كلا، ولا يعقد العزم حول أمور غير منتظمة على الإطلاق؛ ~~كالجفاف والمطر، ولا على أمور تخضع للصدفة كالعثور على كنز.» # 13 # وعلى ذلك فالتغير المطلوب لا بد أن يكون أولا: شيئا ممكنا، ~~ولا بد ثانيا: أن يكون مما نستطيع بقدرتنا الخاصة تحقيقه. لكن قد ~~يعترض على ذلك بأننا قد لا نحتاج في بعض المواقف الإرادية إلى ~~تغيير الوجود؛ لأن الوجود الحاضر المستمر قد يكون هو نفسه أن يستمر ~~على هذا النحو، وبالتالي فلن يكون هناك تغيير مع أن هناك إرادة. لكن ~~ذلك خطأ، لأن الحاضر لو كان سيستمر من تلقاء نفسه فلن يكون للإرادة ms102 ~~معنى - وبالتالي فلو أنني قلت: «إني أريد» هذا الحاضر المستمر نفسه، ~~فلن يكون لهذا القول معنى، ما لم يكن يعني أنه بدون فعل الإرادة فإن ~~هذا الوجود الحاضر سوف ينتقل إلى وجه آخر مخالف لما هو عليه، وإذا كان ~~ذلك كذلك فإنني في منعي تغيير الحاضر أكون قد تسببت في تغيير ~~ما. ~~(12) (3) لا يكفي للموقف الإرادي أن تكون عندي فكرة عن تغيير ما، ولا ~~يكفي أن يحدث هذا التغير في الموجود، وإنما لا بد أن يحدث التغير ~~كما هو موصوف في مضمون الفكرة. ويجمل بنا هنا أن نلفت النظر إلى أن ~~فكرة التغير أو التغير ذاته، نادرا ما يتحدان، هذا إذا اتحدا على ~~الإطلاق؛ فالتغير عادة يتضمن شيئا أكثر بكثير من فكرته. والواقع ~~أن التغير معقد للغاية لدرجة يصعب معها تحديد ما يشمله تحديدا ~~دقيقا. فلو أنني أردت أن أذهب إلى المكتبة لكي أقرأ فيها كتابا، ~~فمن الواضح أن الفعل الذي سأقوم به سوف يشتمل على عدد غير معين من ~~الحركات التي لم أكن أقصدها بطريقة مباشرة. وعلى ذلك فنحن حين نقول ~~إن التغير لا بد أن يحدث كما هو موصوف في مضمون الفكرة، فإننا ~~مع ذلك نسمح بزيادة كبيرة تعرف بالتداعي اللازم لمضمون الفكرة، ومثل ~~هذه الزيادة لا بد أن ينظر إليها على أنها مرادة هي الأخرى، إذ ~~على الرغم من أنها ليست جزءا جوهريا من الفكرة، فإنها لا تكون ~~مرادة: افرض - مثلا - أن صيادا أراد أن يصطاد بعض الطيور، لكنه ~~حين أطلق الرصاص قتل شخصا تصادف مروره لحظة إطلاق النار، إن هذه ~~الواقعة الأخيرة، لا هي التغير المقصود، ولا هي تداعيه اللازم؛ ومن ~~ثم فهي لا يمكن أن تكون مرادة. ~~(13) (14) وفضلا عن ذلك فإن التغير الذي يحدث طبقا لمضمون ~~الفكرة لا بد أن يكون نهاية لعملية كانت بذاتها فكرة التغير الموجودة ~~في الانتباه. وهذا التغير لا يكون إرادة إلا حين يتحقق بنشاط ~~الفرد المنتبه، بحيث يكون الفرد إيجابيا، أعني سببا كافيا لإحداث ~~العملية، وعلى ذلك فإننا في حالة ms103 إحداث تغير معين يكون لدينا ~~من ناحية: فرد منتبه إلى فكرة تغير، ويكون لدينا من ناحية أخرى: ~~تحقق هذا التغير نفسه، والانتقال بين هذين الجانبين هو الذي يكون ~~الفعل، وهذا الانتقال نفسه هو الذي سبق أن اعترفنا بفشلنا في تحليله، ~~لكن من الواضح تماما أنه ليس مجرد تلاحق سببي. # افرض أن لدي فكرة عن شخص، نسيت اسمه، لكني أريد أن أتذكره، ~~إنني في هذه الحالة لدي فكرة الشيء المطلوب، لكن ليس لدي وجوده، ~~فحالتي الجسمية الراهنة تخالف المضمون المطلوب، ولإحداث النتيجة التي ~~أريدها فإنني أقلب هذه الفكرة الموجودة في ذهني، بحيث تستدعي الأوضاع ~~التي ترتبط بها شيئا فشيئا، حتى يحضر الاسم الذي كنت أبحث عنه، وهذه ~~النتيجة وصلت إليها عن طريق الفكرة الأولى الأصلية التي كانت بداية ~~لعملية نهايتها النتيجة المطلوبة. وهذه العملية أحداثها الفرد ~~المنتبه إلى فكرة أصلية، لكن لو أن الاسم عرض لذهني دون أن يكون ~~مطلوبا، فلن يكون هناك إرادة في هذه الحالة لأنه ليست هناك فكرة ~~تحققت عند وقوع الاسم؛ ومن ثم فإن ورود الاسم إلى ذهني سوف يكون ~~حادثة وليس فعلا إراديا، سيكون حادثة دون فاعل أحدثها. ولنكرر ~~ما سبق أن قلناه من أنه في حالة الإرادة لا بد أن يكون هناك شيء ~~مطلوب، بحيث يكون الحصول عليه مؤديا إلى تغير في تسلسل الظواهر، وبحيث ~~يكون ظهوره إلى الواقع نتيجة للفكرة نفسها التي كانت موضوعا لانتباه ~~الفرد، الذي كان لهذا السبب فردا نشطا وفعالا. ومن ثم فإن تداعي ~~الأفكار لا يكون إرادة، ما لم تكن نهاية السلسلة تعتمد على وجود فعلي ~~كان مقصودا في بدايتها، وما لم تبدأ العملية من الفكرة ~~الأصلية. # وحين ينصب التغير المراد على العالم الخارجي، كإحداث حركة معينة ~~في الأجسام المادية - سواء اقتصرت على جسم الفاعل نفسه، أو امتدت إلى ~~أجسام أخرى - فإن هذا التغير لا بد أن يحدث نتيجة لفكرة عن التغير ~~انتبه إليها الفرد. إذ إن حدوث الحركة التي تفكر فيها ليس تسلسلا ~~طبيعيا للظواهر الموجودة أمامي وإلا لكانت ms104 الظواهر عبارة عن ~~«أحداث» ولا يقدم وجود الفعل. والفرد حين ينتبه إلى التغير المطلوب، ~~وهو إحداث الحركة لا يكون فقط سابقا على هذه الحركة لكنه يكون ~~فاعلها وسببها الكافي ومحدثها. يقول وليم جيمس: «إن أي تمثل للحركة ~~يوقظ إلى حد ما الحركة الفعلية التي هي موضوع هذا التمثل، وهو ~~يوقظها إلى أقصى درجة إذا لم يعقبه عن مثل هذا العمل تمثل مضاد يوجد في ~~الذهن مع التمثل السابق في آن واحد.» # 14 # وهذا حق بشرط أن نفهم قوله عن استيقاظ الحركة بتمثلها على ~~أنه فعل يقوم به فاعل يحدث الحركة التي نتحدث عنها، وليس المقصود ~~مجرد التداعي بين الجانب السيكولوجي والجانب الفيزيقي. # وعلى ذلك فإذا افترضنا أن الإرادة تعتمد على تتابع الحركة ~~وتسلسلها دون وجود فاعل يمارس الفعل، لكان معنى ذلك أن أي سلوك حركي ~~سيكون حالة من حالات الإرادة، خذ مثلا التنويم المغناطيسي، نجد أن ~~الفكرة المفروضة على الشخص النائم يعقبها حركات معينة لكن ذلك ليس ~~إرادة، لأن تحقق الفكرة لا يتضمن للتغير عن طبيعة الفاعل، ولكي ~~يعبر الفاعل عن طبيعته لا بد أن يكون خالقا نشطا المتغير. ومن هنا ~~فإنه ليس من الضروري في حالة الإرادة أن تعقب الحركة الفكرة فحسب، ~~لكن من الضروري أن تعقبها لأنني أقرر أنه يجب أن يحدث ذلك، أي ~~إن معيار الإرادة هو مدى سيطرة الفاعل على الفكرة، فإذا لم يسيطر ~~عليها، أو إذا لم يكن في قدرته أن يخلق - أو يوقف - الحركة المناسبة ~~التي تحقق الفكرة، فإن معنى ذلك أن مؤثرات خارجية قد تدخلت، ~~وأن الفاعل - بالتالي - ليس هو السبب الكافي للفعل. ولقد عبر ~~«برادلي» عن ذلك تعبيرا جميلا بقوله: «إذا لم يكن لي حيلة في هذا ~~الأمر، فلا يمكن أن أريد.» # 15 # فالفعل لا يمكن أن يكون فعلا من أفعال الإرادة، ما لم ~~يكن في قدرة الفاعل ألا يفعله. وبعبارة أخرى: في حالة الإرادة لا ~~بد أن يكون هناك أكثر من خط واحد ممكن للفعل، لا بد أن يكون هناك ~~على ms105 الأقل بديلان؛ أن أفعل الفعل، أو ألا أفعله، فالخط الواحد للفعل ~~لا يمكن أن يكون مرادا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ومن ثم فالفعل ~~المنعكس - سواء أكان بسيطا أم مركبا - ليس فعلا مرادا، وكذلك أفعال ~~العادة التي تتبع مجرى مألوفا لا روية فيه ولا اختيار، لكن ذلك لا ~~يعني إنكار الإرادة على سلسلة الأفعال الأولى التي كونت هذه ~~العادة. # وفي عملية الروية التي تسبق الفعل، تراني أتأمل نفسي في الوضع ~~الذي سأكونه لو أنني نفذت هذا الفعل وجعلته جزءا من تاريخ حياتي ~~الواقعية، ثم أتأمل نفسي - من ناحية أخرى - في حالة تركي إياه بلا ~~تنفيذ. وبعبارة أخرى: إنني أربط نفسي - فكريا - بخط معين من الفعل، ~~ثم أرى ما إذا كان يتناسب مع شخصيتي ككل متكامل. يقول أفلنج: «فيما ~~يمكن أن نسميه بالإرادة الحق ... هناك وعي الذات بنزوعها للارتباط ~~بممكنين عينيين وهما: النزوع للارتباط بالحادثة «أ» أو الحادثة «ب».» # 16 # وقد يقال - خطأ - إنه إذا كانت الإرادة تعتمد على ~~تحقيق فكرة معينة، فإن التمني إذا تحقق كان فعلا من أفعال ~~الإرادة، طالما أنه هو نفسه كان فكرة ثم تحقق، وبالتالي فلو كان ~~لدي فكرة كسب مائة جنيه في وقت معين، ثم حصلت على المال ملقى في ~~الطريق ووضعته في جيبي، فإنني أكون قد حققت فكرتي، غير أن ذلك ~~واضح البطلان، لأنني في هذه الحالة لا أكون قد حققت فعلا ~~إراديا؛ لأن نتيجة الفكرة «وهي الحصول على المال»، أحدثتها عوامل ~~أخرى، غير فاعليتي ونشاطي «حين وجدت المال ملقى في الطريق». إن ~~الفعل الإرادي - كما سبق أن لاحظنا - لا بد أن يكون نهاية لعملية كانت ~~بدايتها الفاعل نفسه، متخذا خطا معينا من السلوك للوصول إلى تلك ~~النتيجة. # لكن قد يقال: افرض أن فكرة التثاؤب جعلتني أتثاءب؛ ألا تكون تلك ~~حالة من حالات الإرادة؟ والإجابة هي أن هذا الفعل يكون إراديا - ~~يقينا - إذا ما انتبهت إلى فكرة التثاؤب لكي أتثاءب فعلا، ففي هذه ~~الحالة سيكون تثاؤبي مرارا، لكن لو تصادف أن وردت الفكرة على خاطري، ms106 ~~ثم أعقبتها حركات معينة بلا هدف مقصود مني، فلا تكون في هذه الحالة ~~إرادة. ~~(14) (5) وتحقق فكرة التغير عن طريق نشاط الفاعل المنتبه إليها - وهي ~~سمة الموقف الإرادي - لا بد في نفس الوقت أن يكون تحققها للفاعل: فهو ~~يحقق نفسه، لأن الفكرة التي ينتبه إليها تعبر عن شخصيته. فأنا ~~أستطيع - مثلا - أن أنتبه على التوالي إلى الفكرة التي تحكم بها ~~بلادي الآن. # 17 # وإلى فكرة الطريقة التي ينبغي أن تحكم بها، وكلما ~~انتبهت إلى الوجود الفعلي «أو الحكم القائم الآن» شعرت بصراع بينه وبين ~~شخصيتي، بينما أشعر بارتياح إلى فكرة الدولة التي أتخيلها! أو طريقة ~~الحكم التي أفضلها، وأجد أن هذه الدولة تلائم طبيعتي وشخصيتي، ~~وأنها أفضل لتحسين وجودي. ومعنى أنني أشعر براحة لفكرة التغير، ~~أنني لا أجد مثل هذا الشعور مع فكرة الوجود الواقعي القائم، بل على ~~العكس أجد أن هذا الوجود القائم غريب عن شخصيتي. # لكن قد يحدث أن تكون فكرة الوجود القائم، وفكرة الوجود المتغير، ~~كلتاهما معا موضوعا لاانتباهي في آن واحد. فقد يكون الموضوع المثالي ~~الذي أنتبه إليه مركبا من أفكار منوعة - أو حتى متضادة - تتحد ~~كلها في لحظة من لحظات الانتباه؛ لأنها كلها أجزاء يتألف منها ~~الموضوع الذي أنتبه إليه في هذه اللحظة، إذ يمكن أن يكون الجانب ~~الموضوعي عندي في لحظة معينة هو فكرة الأوضاع القائمة مع فكرة تغيرها ~~في آن معا. ومع أن الفكرتين تمثلان معا الموضوع، لا الذات. ~~إلا أن فكرة الوجود - مع ذلك - تبدو موضوعية من مسافة أبعد، لو ~~أن فكرة التغير كانت تتلاءم أفضل مع شخصيتي. ولو صح ذلك فإن ~~الراحة التي أشعر بها مع فكرة التغير ومعارضة هذه الفكرة للوجود ~~القائم لن تكون وقائع سيكولوجية يمكن الفصل بينها، لكنهما سيكونان ~~وجهين لا ينفصلان لواقعة واحدة بعينها، وحين أختار أحدهما أدخل - في ~~الحال - في صراع مع الوجه الآخر. # ويمكن أن نفهم فهما سليما - بهذا المعنى الأخير - الصراع بين ~~الدوافع المختلفة؛ فلو أن الفرد أخذ بفكرة التغير كهدف له، معارضا ~~بذلك فكرة ms107 الوجود القائم، فمن الواضح - في هذه الحالة - أن الذات ككل ~~- أعني الفاعل المنتبه، والمركب الفكري الذي ينتبه إليه - سوف تكون ~~ذاتا نشطة إيجابية، بطريقة أو بأخرى. فليست هناك تلك الحالة التي ~~فيها أخذ ورد «أشبه ما يكون بحالة شد الحبل.» بحيث تتجاذب الذات في ~~اتجاهات متعارضة بواسطة قوتين متضادتين، كما لو كانت أشبه بالمسرح الذي ~~تمارس عليه هذه الدوافع المختلفة نشاطها. «إن محاولة تصور ~~«الدوافع» على أنها تعمل في الذهن بقوة باطنية من ذاتها - مثلها مثل ~~الجزئيات المادية بالنسبة للكتلة التي تتألف منها - هو تصور ظاهر البطلان.» # 18 # إنه إذا ما تذكرنا أن الفكرتين معا - فكرة الخير ~~التي أعتنقها، وفكرة الوجود القائم التي أرفضها - يمثلان الجانب ~~الموضوعي من الذات، أعني أنهما المكونات الضرورية للذات، أو أنهما ~~الذات بمعنى ما - أقول إننا إذا ما تذكرنا ذلك فإننا لن نستطيع ~~بعد هذا أن نعتبر الموقف صراعا بين دافعين، بينما يظل الفاعل نفسه ~~متفرجا سلبيا ينتظر النتيجة، فهو ليس صراعا بين الإنسان في صراع مع ~~نفسه؛ إنه الخصوم المتنازعة وأرض القتال في آن معا. # 19 ~~(15) وإذا تساءلنا لماذا يأخذ الفرد بفكرة التغير، معارضا بذلك ~~الوجود الفعلي القائم؟ كانت الإجابة: أن الفكرة تلائم حياته بطريقة ~~أفضل إذا ما أخذت في كل منظم. لكن ذلك يثير مشكلة؛ فالذات يمكن أن ~~تنظم بأكثر من صورة، والنسق المتكامل للحياة يمكن أن يختلف باختلاف ~~الناس، بل إنه قد يختلف مع الشخص الواحد باختلاف أحواله، فقد أجد ~~أن فعلا معينا يلائم البيئة التي أعيش فيها، ثم فجأة تتغير هذه ~~البيئة فيصبح نفس هذا الفعل غير قادر على تحقيق شخصيتي، وهذه الأحوال ~~المختلفة، أو هذه الأنظمة المختلفة للذات، هي ما أطلق عليه «ماكنزي» ~~اسم «عوالم الرغبة # universes of ~~desire ~~»، وهو يقول عنها: «كل رغبة تنتمي إلى عالم خاص، ~~وتفقد معناها لو انتقلنا من هذا العالم إلى عالم آخر . وهذا العالم الذي ~~تنتمي إليه الرغبة هو العالم الذي يتكون من مجموع ما نسميه بخلق ~~الإنسان أو شخصيته # Man’s character ~~، ~~وهذا الخلق ms108 يعبر عن نفسه في نفس اللحظة التي نشعر فيها بالرغبة، ~~إنه باختصار: عالم النظرة الأخلاقية للإنسان، في اللحظة التي نبحثها ~~... وينبغي علينا جميعا أن نكون على وعي بالرغبات المختلفة التي تسيطر ~~على أذهاننا في الأمزجة المختلفة، وفي الظروف المختلفة، وفي حالات ~~الصحة المختلفة ... فهذا العالم يمكن جدا أن يتغير فجأة عند الشخص ~~الواحد بسبب تحول فجائي للظروف التي يعيش فيها. فأي تغير فجائي؛ ~~كنبأ وفاة صديق، أو تذكر موعد، أو الإيحاء بمبدأ أخلاقي ... إلخ، يمكن ~~أن تنقلنا - في الحال - من عالم إلى عالم آخر ... ولهذا فإن هذا ~~التعبير يمكن ببساطة أن يعتبر انتقالا من أحد عوالم الرغبة إلى ~~عالم آخر.» # 20 # ومن هنا كانت الأفعال التي تساعد البخيل مثلا في زيادة ~~ثروته، يمكن أن تناسب نظام حياته ككل، أكثر من تلك الأفعال التي ~~تساعده في تنمية المعرفة أو الفضيلة. وقد تكون الحال مختلفة مع شخص ~~آخر. # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن أن يكون هناك نظام مثالي ~~من بين هذه الأنظمة المختلفة للحياة، تتحقق عن طريقه الذات المثالية؟ ~~قد يكون واضحا أن هذه الطرق المختلفة للحياة ليست كلها على مستوى ~~واحد، مهما يكن المعيار الخلقي الذي نستخدمه: فإذا كنا نعتقد أن ~~النظام «أ» أعلى من النظام «ب»، وأن «ب» أعلى من «ج»؛ فلا بد أن يكون ~~هناك معيار من الكمال هو الذي نقارن على أساسه بين هذه النظم، ~~ونقيمها به ... ولست أريد أن أدخل في تفصيلات فرعية حول وجهات النظر ~~المختلفة عن المعيار الأخلاقي، لكني سأقول إن المعيار الخلقي ~~الذي آخذ به واعتبره صادقا، هو الآتي: «إن الذات الحق هي التي ~~يمكن أن توصف حقا بأنها ذات عاقلة، إنها ذلك العالم الذي نشغله ~~في أعمق لحظات حياتنا حكمة وروية وبصيرة.» # 21 # ومعقولية النسق «أو النظام» الذي يسير عليه السلوك لا بد أن تدوم ~~دوام قوانين المنطق، وإذا ما سار الفاعل وفقا لنسق آخر غير النسق ~~العقلي، فإن هذا النسق الجديد لا بد أن يكون وجها مؤقتا للذات، إذ ms109 ~~يمكن أن تستبدل بالنظام العقلي أي نظام آخر في اللحظة التي يغير ~~فيها الفاعل وجهة نظره. وحين نقول إن فعلا من الأفعال، أو إن ~~النسق كله ليس إلا نسقا مؤقتا، فإن ذلك يدل على أن هذا النسق ~~ليس هو الكل المتكامل المثالي الذي ينبغي أن تتفق معه الأفعال ~~الإرادية، وقد لا يكون في وسع المرء أن يسلك باستمرار سلوكا عقليا ~~طوال حياته، ومع ذلك يظل الاتساق العقلي هو المقياس. وكلما اقترب ~~هذا السلوك من هذا المقياس ارتفع من وجهة النظر الأخلاقية؛ لأن ~~الفاعل حين يسلك سلوكا عقليا يعبر عن طبيعته الحقيقية، لأن ~~احترام المرء لطبيعته هو السبب أو المبرر، وإذا كان من المشروع أن ~~نسأل: لماذا ينبغي علينا أن نطيع الله أو الدولة، فإنه لا معنى ~~لسؤالنا عن السبب الذي من أجله يجب أن نحقق طبيعتنا. ~~(16) على الرغم - إذن - من تعدد الأنظمة المختلفة للحياة، فإن هناك ~~نظاما مثاليا يمكن أن يتحقق عن طريق الذات المثالية «وهي الذات ~~العاقلة»، فالأخلاق تعني السلوك تحت سيطرة العقل، والفاعل بهذا السلوك ~~يحقق ذاته الحق. وليس معنى ذلك أن كل فعل إرادي لا بد أن يكون ~~فعلا أخلاقيا؛ لأن الفعل الإرادي ليس إلا تحققا لذات الفاعل ~~فحسب. لكن هناك بالطبع فارقا كبيرا بين الفاعل الذي يحقق ذاته ~~فقط، وبين الفاعل الذي يحقق ذاته المثالية. والمقصود بالذات التالية ~~هنا هو الذات العاملة، فكلما سار المرء في أفعاله وفقا للعقل، سما ~~من الناحية الأخلاقية. لكن المرء يستطيع أن يسلك سلوكا إراديا، حتى ~~ولو كان هذا السلوك منافيا لمطالب العقل «وبالتالي منافيا لمبادئ ~~الأخلاق»، وهو في هذه الحالة إنما يعبر عن نفسه لحظة حدوث الفعل، ~~لكنه لا يعبر عن ذاته العليا. والتغير الذي يحدثه سلوك ذلك ~~الشخص قد يكون تغيرا إلى أسوأ لا إلى أحسن، ولكنه يظل - مع ذلك - ~~فعلا من أفعال الإرادة. ~~(17) والتباين بين الحالة الراهنة، وبين فكرتي عن التغير، قد تختلف ~~في درجتها اختلافا عظيما؛ فقد تتسع الهوة بينهما وقد تضيق، لكنه ~~كلما اتسعت قوى الصراع ms110 واشتد، وصعب المجهود الذي نحتفظ به بفكرة ~~التغير في الانتباه حتى يتحقق التغير المطلوب. والصعوبة هنا ~~سيكولوجية لا فيزيقية: «من السهل - فيزيقيا - أن تتحاشى معركة، أو أن ~~تبدأها، على حد سواء، كما أنه من السهل أن تحتفظ بالمال أو ~~تبعثره على ملذاتك الخاصة، ومن السهل أيضا أن تطرق باب امرأة أو أن ~~تبتعد عنها، جميع هذه الأمور يسهل القيام بها على حد سواء، لكن ~~الصعوبة عقلية، فهي تكمن في الاحتفاظ بفكرة السلوك الأكثر حكمة لتظل ~~في ذهننا باستمرار.» ويبدو أن اتساع الهوة بين فكرة التغير - لو ~~جاءت مطابقة للعقل - وبين الموجود الفعلي القائم لو كان هذا الوجود ~~يشبع ميلنا الطبيعي، هذا الاتساع - فيما أعتقد - يزيد السلوك من ~~الناحية الأخلاقية سموا، ولهذا فقد تظهر هنا مشكلة أخلاقية هي: «إذا ~~كان صحيحا أنه كلما قوي الجهد الذي نحتفظ به بفكرة الواجب العقلي ~~في الانتباه ضد ميلنا الطبيعي، ارتفع السلوك من الناحية الأخلاقية: ألا ~~ينتج من ذلك أن الشخص الذي تحول الواجب عنده إلى مجرد عادة - وهو ~~بذلك يلغي مقاومة الرغبة - لا يسلك في هذه الحالة سلوكا أخلاقيا ~~لأن الصراع بين الواجب والهوى قد اختفى أو قلت حدته؟» حين يقال ~~إن فعل الواجب لا بد أن يتضمن بالضرورة مقاومة للرغبة فإننا نصل ~~بذلك إلى هذه المفارقة وهي: «أن تكون عادة خيرة، طالما أنه ~~سيؤدي إلى تقليل من مقاومة الرغبة شيئا فشيئا، سوف يعني أنه ~~كلما ازداد نمو هذه العادة، قل إحساسنا بالواجب، وبالتالي فإن ~~تكوين عادة خيرة يؤدي بالشخص إلى سلوك أقل خيرية، ويجعل هذا الشخص - ~~من ثم - أقل خيرية.» # 22 # ولهذا - فقد يقال كما قال «روس» - إن الفعل لا يقل في ~~خيريته كلما أصبح سهلا عن طريق العادة؛ لأن «الخيرية لا تقاس ~~بشدة الصراع، وإنما بقوة التكريس للواجب، فكلما كانت الدوافع التي ~~تعارض فعل الخير قوية، كنا على يقين من أن الإحساس بالواجب لا بد ~~أن يكون قويا، لكنه قد يكون قويا أيضا حتى حين تكون الدوافع ~~المعارضة ضيقة أو غير موجودة.» ms111 # 23 # ويمكن أن نوضح ما يعنيه «روس» بقولنا: إن الجيش القوي يظل ~~قويا، صادفته مقاومة أم لم تصادفه؛ فالمقاومة - إن وجدت - لا تخدم ~~إلا في إظهار مدى قوته، لكنا إذا تساءلنا هل يستحق الجيش الثناء ~~سواء برهن على قوته في لهيب المعركة أم لا؟ فأنا أميل إلى رأي مخالف، ~~إذ يصعب علي جدا أن أفهم كيف يمكن أن تظل القيمة الأخلاقية ~~باقية كما هي سواء كانت المقاومة ضعيفة أم قوية. وإذا سلمنا بأن ~~السلوك الخير يظل خيرا، فهل تظل القيمة الأخلاقية التي تعزى إلى ~~هذا السلوك في الظروف المختلفة هي هي؟ هل نبدي نفس الإعجاب للرجل ~~الفاضل الذي يعيش وسط إغراءات الغواية، ولكنه مع ذلك يسلك سلوكا ~~فاضلا، والرجل الذي يسلك سلوكا فاضلا دون أن تكون حوله غواية ولا ~~إغراء يشدانه إلى الاتجاه الخاطئ؟ # في اعتقادي أنه كلما أصبح الفعل الأخلاقي سهلا عن طريق العادة، ~~ظلت سلامته الأخلاقية تامة غير منقوصة، لكن قيمته الأخلاقية تتناقص ~~بالتدريج مع تناقص الجهد المطلوب، أعني في الحالات التي نحكم فيها على ~~هذا الفعل بأنه أصبح سلوكا معتادا. لكن لماذا ينبغي علينا أن نفعل ~~ذلك؟ لأننا نعتبر سلوكا خيرا بناء على الجهد الأخلاقي الذي ~~يبذل في هذا السلوك قبل أن يتحول إلى عادة سهلة ميسورة، فإذا ما ~~تكرر نفس هذا السلوك الخير في نفس الظروف، فليس ثمة ما يدعونا إلى ~~أن نعكس حكمنا الأخلاقي. # ومن هنا كان الفعل الأخلاقي - فيما أعتقد - أشبه ما يكون بالإنتاج ~~الفني، أعني أنه لون من الخلق الحقيقي الأصيل، يعزى في هذه الحالة ~~إلى الأفعال الأولى في السلسلة، بينما لا تكون الأفعال التالية سوى ~~«تقليد» أو محاكاة. وإنه لمن الخطأ أن نعزو خصائص واحدة لجميع أفعال ~~الفرد المتشابهة، على اعتبار أنها جميعا لها بالضرورة هوية واحدة، ~~في حين أنها في الواقع لا تتشابه إلا من حيث نتائجها فحسب، أما ~~النشاط الذي يبذل فيها فهو مختلف أتم الاختلاف، صحيح أن الأفعال ~~التالية لها نفس شكل الفعل الأول، لكنها تنقصها الماهية التي تجعلها ms112 ~~فعلا أخلاقيا حقيقيا، أعني ينقصها؛ ذلك الجهد الذي يبقي المثل ~~الأعلى في الانتباه ويطرد الرغبة. ومقارنة الرجل الفاضل الذي تقل ~~خيرية سلوكه شيئا فشيئا كلما أصبح هذا السلوك سلوكا معتادا - لا ~~تصبح بعد ذلك مفارقة. ولقد ظهرت هذه المفارقة أمام «روس»؛ لأنه عالج ~~جميع الأفعال في سلسلة الفعل الذي يتكرر معالجة واحدة، في حين ~~أننا ينبغي أن ننظر إلى كل فعل كشيء عيني يدرس ويحكم عليه ~~بذاته. وخيرية الرجل الفاضل لا تقل ولا تنقص إذا حكمنا عليه بأنه ~~خير وفاضل بناء على أفعاله الأولى، أعني تلك الأفعال التي كان فيها ~~جهد وصراع. ~~(18) إذا نظرنا إلى الإرادة على أنها تحقق لفكرة الوجود المتغير - ~~داخليا أو خارجيا - وهي الفكرة التي يحقق الفاعل من خلالها ذاته ~~المثالية، يعبر بالتالي عن هذه الذات - أقول إننا إذا نظرنا إلى ~~الإرادة على هذا النحو لاتضح لنا - في الحال - الفرق بين الإرادة ~~والفكر. ففي الإرادة لا بد أن تخرج الفكرة من حدودها العقلية، بحيث ~~تتحقق في الوجود، بينما نجد أن الفكرة من حدودها العقلية بحيث ~~تتحقق في الوجود، بينما نجد أن الفكر، على الرغم من أنه يطور ~~نفسه في سلسلة، فإنه مع ذلك قد لا يتحقق. ومن ناحية أخرى نجد أن ~~الفكرة في حالة الإرادة لا بد أن تحتوي على توقع للنتيجة، بينما نجد ~~في حالة الفكر أن النتيجة ليست متوقعة، وإذا أردنا أن نضرب مثلا ~~على ذلك، فلنأخذ «جمهورية أفلاطون»، لنجد أنها فكرة وليست إرادة. ~~صحيح أن الفكرة فيها تتطور، لكنها لا تتحقق، وحتى لو أنها ~~تحققت عن طريق شخص ما، أو عن طريق «أفلاطون» نفسه، لما كانت إرادة ~~أيضا؛ لأنها لا تكون إرادة إلا إذا تحققت الفكرة وجاء تحققها ~~هذا من داخل مضمونها نفسه، بحيث تحقق وجودها الخاص. # وفضلا عن ذلك فإن الفكرة المنتبه إليها في حالة الإرادة، لا بد ~~أن تكون فكرة تغير ينصب على الوجود، بينما الفكرة في حالة التفكير قد ~~تكون انعكاسا للوجود، كما هو بالفعل، أو كما ينبغي أن يكون. ~~و«الحقيقة» ms113 هي الفهم العقلي لنظام الكون، بينما الفضيلة هي وضع الكون ~~في نظام عقلي، والإرادة - بهذا المعنى - تعتمد على الفكر، فالفكر يكون ~~المثل الأعلى، والإرادة تحققه ... فلا يمكن أن يكون ثمة فعل من ~~أفعال الإرادة بغير فكرة تسبقه؛ والأفكار بالطبع لها طبيعة الفكر. ~~والنظرية التي تقول إن المعرفة والإرادة شيء واحد، لا يمكن أن ~~تفهم إلا مع بعض التحفظات؛ فأولا: الإرادة تتضمن المعرفة، لكن ~~المعرفة لا تتضمن الإرادة، بالمعنى الذي شرحنا فيه كلمة الإرادة في ~~هذا الفصل. صحيح أن المعرفة تتضمن إثباتات، وكل إثبات فعل، لكن ليس ~~كل فعل مثلا للإرادة. لقد قلنا إن الفعل هو الأساس في كل واقعة ~~سيكولوجية، لأن الانتباه صورة من صور الفعل، لكن الفعل لا يصبح ~~فعلا إراديا إلا إذا اتسم الموقف بالخصائص التي سبق أن ذكرناها. ~~وأي موقف يمكن معرفته معرفة جيدة إذا ما وجد الفكر لا الإرادة. ~~والعبقرية العقلية لا تتناقض مع انحطاط الحياة الأخلاقية، لكن العكس ~~غير صحيح، أعني أن الامتياز الأخلاقي العظيم يتضمن بالضرورة بصيرة ~~عقلية عليا. وكثيرا ما يقال - في معرض الاعتراض على ذلك - إن ~~القديس قد لا يكون ممتازا من الناحية العقلية، فهو لا يحتاج إلى ~~عبقرية عالم الرياضة أو الفيلسوف، لكن ذلك لا يبرهن إلا على أن ~~الامتياز العملي في مجال معين، لا يتضمن بالضرورة القدرة العقلية ~~اللازمة لمجال آخر. ولسنا نزعم أن الخير العملي، أو السمو الخلقي، ~~يتضمن القدرة الرياضية، وإنما نقول فحسب إن الفضيلة تتضمن، في كل ~~حالة من الحالات، درجة معينة من البصيرة لها طابع المعرفة، على الرغم ~~من أنها؛ لا هي نظرية، ولا هي علمية، وما لم تكن الفضيلة محصلة هذه ~~البصيرة، فسوف تكون أمرا من أمور المصادفة والاتفاق، وسوف يكون من ~~الممكن أن يرتكب الفاعل الشر بدلا من أن يفعل الخير، دون أدنى فارق في ~~موقفه الأخلاقي. # وهناك ثانيا: قصور آخر في النظرية العقلية للإرادة؛ هو أنه حتى ~~إذا كان الارتباط ضروريا بين المعرفة والإرادة، فإن ذلك لا يعني ~~أنهما متحدان في هوية واحدة: ms114 فالنزوع ليس هو المعرفة، على الرغم من ~~أنهما قد يرتبطان برباط لا يتغير، والعلاقة بين المعرفة والإرادة ~~هي علاقة التواجد معا، لكنها ليست علاقة الهوية. # وهناك ثالثا: فارق آخر بين المعرفة والإرادة؛ فالفاعل - في حالة ~~الإرادة - يوجد نفسه مع البديل الذي يختاره، بينما نجده لا يفعل ذلك في ~~حالة المعرفة؛ ذلك لأن هناك في حالة الإرادة والمعرفة معا قرارا ~~للاختيار بين بدائل. وأنا أختار في حالة الإرادة خطا معينا للفعل ~~وأستبعد الآخر، وأنا في حالة المعرفة. ذلك لأن هناك في حالة الإرادة ~~والمعرفة معا قرارا للاختيار بين بدائل. أنا أختار في حالة الإرادة ~~خطا معينا للفعل وأستبعد الآخر، وأنا في حالة المعرفة إما أن أثبت ~~أو أنفي اتصافا موضوعيا ما بصفات معينة، لكني في حالة الإرادة أختار ~~«أ» وأستبعد «ب» لأني أوجد نفسي مع أحدهما وأستبعد الآخر؛ ذلك لأنني ~~أجد أن «أ» تعبر عن شخصيتي في لحظة السلوك أفضل من «ب». يقول ريبو # Ribot ~~: «إننا إذن نتفق تماما مع ~~أولئك الذين ينكرون تفسير الإرادة بسيطرة دافع من الدوافع فحسب ... فهذا ~~الدافع لا تكون له فاعلية إلا حين نختاره، أعني حين يصبح جزءا ~~متكاملا مع المجموع الكلي للحالات التي تتألف منها الذات في لحظة في ~~اللحظات ... بحيث يكون معها شيئا واحدا.» # 24 # ومن ناحية أخرى، فإنني حين أصدر حكما على قضية من القضايا، أظل ~~محايدا لكل من البديلين، ولأن أحدهما لا يعبر عن شخصيتي الفردية ~~أكثر من الآخر، فالحقيقة هي وحدها التي تفرض نفسها علي في هذه ~~الحالة، بحيث لا يكون لي دخل حقيقي في الموضوع. قل لي ما هي الأفعال ~~الإرادية التي حققتها طوال حياتك، وأنا أستطيع - يقينا - أن أقول لك ~~أي نمط من الناس أنت. لكنك لو ذكرت لي ما أصدرته من أحكام طوال حياتك ~~لكان من الصعب علي أن أغوص في شخصيتك لكي أكشف عن الجوانب الخبيئة ~~منها. ومن هنا فإن حياة القديس تكشف عن الفرد أكثر مما تكشف عنه ~~نظريات عالم الرياضة. ففي استطاعتك أن تعرف من ms115 خلال دراستك لنسق رياضي ~~إلى أي حد أصاب عالم الرياضة أو أخطأ في هذا النسق، لكنك لن تستطيع ~~أبدا أن تعرف هل كان خيرا أم شرا. # الإرادة هي إذن الانتباه إلى فكرة التغير حتى يظهر التغير المطلوب ~~فعلا إلى الوجود بنشاط الفاعل المنتبه إلى الفكرة، وبشرط أن يشعر ~~الفاعل أن ذاته قد تحققت في هذا الفعل: لكن ما الذي يجعل الفرد ~~ينتبه إلى هذه الفكرة؟ لقد بينا في الفصل السابق أن الفاعل ~~السيكوفيزيقي يكون نشطا إيجابيا في حالة الانتباه، وهو حين يأخذ ~~بهذه الفكرة أو تلك، إنما ينتقي ويختار، وهذا الاختيار تحدده ~~طبيعته الخاصة. والتمسنا في الخبرة تأييدا لهذه النظرية، وسوف ~~نقدم في الفصول الثلاثة القادمة مزيدا من الدعم والتأييد، ونحاول ~~أن نبين أن النظرية المعارضة - وأعني بها المذهب الجبري - لا تقوم ~~على أساس متين. # الفصل الرابع # | المذهب الجبري: التحدد # (1) ثلاثة معان للجبرية: (أ) من المستحيل على أي شيء أن يكون خلاف ~~ما هو عليه. (ب) مبدأ السببية هو المبدأ السائد. (ج) كل شيء يمكن ~~التنبؤ به إذا ما توافرت معطيات معينة ... (2) النظرية التي تقول إنه ~~من المستحيل على الشيء أن يكون خلاف ما هو عليه. (3) تفسيران لهذه ~~النظرية: (أ) رأي ليبنتز. (ب) رأي اسبنوزا. (4) مناقشة التفسير الأول. ~~(5) مناقشة التفسير الثاني: هذا التفسير يتضمن مغالطة منطقية. ~~••• ~~(1) يذهب دعاة الجبرية إلى أنها تعني ثلاثة معان مختلفة، وإن ~~كان كل منها يعتمد على الآخر اعتمادا كبيرا. فهي تعني (أ) أنه من ~~المستحيل على الشيء أن يكون خلاف ما هو عليه. (ب) أن مبدأ السببية هو ~~المبدأ السائد في الطبيعة. (ج) أن كل شيء يمكن التنبؤ به إذا ~~توافرت معطيات معينة. وسوف أحاول في هذا الفصل، وفي الفصلين ~~القادمين، أن أقدم عرضا نقديا لهذه المزاعم الثلاثة، وهو عرض سوف ~~ينتهي بنا إلى القول بأن المذهب الجبري - فيما يتعلق بهذه المزاعم ~~الثلاثة - يقوم على غير أساس. ~~(2) ولكي نشرح المعنى الأول للمذهب الجبري، وهو المعنى الذي يقول ~~إنه من المستحيل على الشيء أن يكون خلاف ms116 ما هو عليه، يجمل بنا أن ~~نقدم تعريفا للجبرية، أعتقد أن دعاتها يقولون به: # أفرض أن «ج» ترمز إلى الجوهر، و«ص» ترمز إلى «الصفة»، و«ل» ترمز ~~إلى أية لحظة من اللحظات. هناك في هذه الحالة ثلاثة بدائل ممكنة تطرد ~~بعضها بعضا بالنسبة لوضع الجوهر «ج» والصفة «ص» واللحظة «ل» بعضها مع ~~بعض. وهذه البدائل هي: «أ» أن «ج» ليس لها «ص» في «ل» «معناها أن ~~هذا الجوهر ليس له هذه الصفة المعينة في تلك اللحظة المحددة». (ب) أن ~~«ج» لها «ص» في «ل». «أي إن الجوهر له هذه الصفة في هذه اللحظة». (ج) ~~أن «ج» فيما يتعلق بعلاقته ب «ص» يتغير في «ل». تلك هي الحالات ~~المنطقية الثلاث الوحيدة الممكنة بالنسبة للجوهر «ج» من حيث علاقته ~~بالصفة «ص» في اللحظة المعينة «ل». ومن الضروري - منطقيا - أن يوجد ~~واحد فحسب من هذه البدائل الثلاث؛ لأنه من المستحيل منطقيا أن يوجد ~~أكثر من بديل واحد في وقت واحد. وسوف أشير إلى هذه البدائل الثلاثة ~~بالرموز الآتية على التوالي: أ، ب، ج. # وعلى ذلك فإنه يمكن تعريف الجبرية على النحو التالي: الجبرية اسم ~~يطلق على النظرية التي تقول إنه لو كان الجوهر «ج» هو من حيث الواقع ~~في الحالة «ل» فيما يتعلق بالصفة «ص» في اللحظة «ل»، فإن الافتراض ~~المركب الذي يقول إن كل شيء آخر في العالم لا بد أن يكون بالضبط كما ~~كان في الواقع، على حين أن الجوهر «ج» لا بد - بدلا من أن يقع كما ~~وقع - أن يكون في إحدى الحالتين البديلتين الأخريين «أ» أو «ج» فيها ~~يتعلق بالصفة «ص» - أقول: إن هذا الافتراض المركب افتراض مستحيل. # 1 ~~(3) هناك موقفان يمكن للفيلسوف الجبري أن يأخذ بأحدهما فيما يتعلق ~~بالتعريف السابق: (أ) كما لاحظ دكتور «برود # C. D. ~~Broad ~~»: «أن الفيلسوف الجبري ليس بحاجة إلى أن ~~يقرر - وهو بصفة عامة لا يفعل ذلك - لا ضرورة ولا استحالة كل من ~~الفقرتين المنفصلتين اللتين يتألف منهما هذا الافتراض المركب، فهو لا ~~يقول: ms117 لا بد لكل شيء آخر في العالم حتى اللحظة «ل» أن يكون بالضبط كما ~~كان عليه في الواقع. وهو لا يقول: إنه من المستحيل للجوهر «ج» أن ~~يكون في حالة مختلفة بالنظر إلى الصفة «ص» في اللحظة «ل»، أعني حالة ~~مختلفة عن الحالة التي كان عليها بالفعل في تلك اللحظة. لكن ما يقوله ~~هو أن التركيبة المؤلفة من كون بقية أجزاء العالم لا بد أن تظل كما ~~هي في الواقع حتى هذه اللحظة مع إمكان أن تختلف حالة الجوهر «ج» بالنظر ~~إلى الصفة «ص» في اللحظة - تركيبة مستحيلة. فكل فقرة على حدة في هذا ~~المركب لا يقول الجبري عنها أنها ضرورية أو مستحيلة، لكنه يعلن ~~أن الجمع بينهما مستحيل.» # 2 # وهذا الموقف يذكرنا برأي «ليبنتز» فيما يتعلق بالإمكان المطلق ~~والتوافق في الإمكان # Compossible # 3 ~~... عند حديثه عن الحقائق الحادثة أو العارضة في مقابل ~~الحقائق الضرورية. فالحادث أو الحقيقة العارضة - وضدها كلاهما ممكن؛ ~~فالقضية التي تعارض الحقيقة التي تقول «إني جالس ها هنا في هذه ~~اللحظة» - قضية ممكنة لأنها لا تناقض نفسها تناقضا مباشرا. ~~وبالتالي فإن حقيقة الأشياء العارضة لا تقوم على مجرد إمكانها؛ ذلك ~~لأنها ليست - دون أضدادها - حقيقة أو واقعة بفضل ماهيتها ذاتها أو ~~فكرتها، بل إن سببها الكافي يكمن فيما يجاوز ذاتها، إذ يكمن في ~~علاقتها بغيرها من الأشياء. فالحقائق العارضة في ذاتها - وكذلك أضدادها ~~- كلاهما ممكن على حد سواء، لكننا إذا نظرنا إليها في علاقتها بغيرها ~~من الأشياء، وجدنا أن الحقيقة المعينة قد تكون ممكنة وهي قائمة ~~وحدها. حتى إذا ما نظرنا إلى الأشياء المتعلقة بها وجدناها قد أصبحت ~~مستحيلة الحدوث في تلك المجموعة المرتبطة بها، فمثلا لو نظرنا إلى ~~الحقيقة القائلة «بأني جالس هنا في هذه اللحظة» لا في حد ذاتها، بل ~~في علاقتها بعدد غير معين من الحقائق الأخرى مثل: عاداتي، خلقي، ~~عملي، هذه الساعة من النهار ... إلخ، فسوف نجد أن الحقيقة وحدها هي ~~الممكنة ، وأن ضدها في هذا السياق مستحيل. فعلى الرغم من أن ms118 أضداد ~~الحقائق العارضة ليست متناقضة ذاتيا، فإنها تناقض النسق بصفة عامة ~~... أعني أنها تناقض المجموعة المرتبطة بها، فكل منها ممكن الحدوث، ~~لكنها ليست ممكنة في اتصالها، فهي إذا ما ارتبطت ناقض بعضها بعضا. ~~أو بعبارة ليبنتز: «إن الحادثة العارضة المعينة قد تكون ممكنة في ~~حد ذاتها، لكنها لا تكون ممكنة إذا وضعت في سياق معلوم من حادثات ~~أخرى تكون لها سياق حدوثها، وبالتالي فإن معية الإمكان # Compossibility # أو الاطراد مع نسق ~~الأشياء الفعلي، هو المقياس الصحيح للحقيقة، هو السبب الكافي. فكل شيء ~~ممكن له ماهية أو معنى، لكن نحفظ ما هو ممكن بالتوافق مع غيره # Compossible # هو الذي يتحقق بالوجود.» # 4 ~~(ب) لكن ليس كل الجبريين من هذا الطراز؛ إذ يعتقد فريق منهم أن ~~الافتراض نفسه القائل بأن الجوهر يمكن أن يكون في حالة مختلفة عن ~~تلك الحالة التي كان عليها من قبل - لا بد أن يكون هو نفسه افتراضا ~~مستحيلا، وبناء على رأي هذا الفريق، فإن الجوهر الذي يكون في حالة ~~مختلفة في لحظة معينة عن الحالة التي كان عليها «ج» في «ل» فإن هذا ~~الجوهر لا بد بالضرورة أن يكون جوهرا مختلفا عن «ج». # ولا بد أن يذهب دعاة هذا الرأي أيضا إلى القول بأن جميع العلاقات ~~بين الأشياء علاقات داخلية، أعني أن العلاقة بين جوهر ما وجوهر آخر، ~~إنما تقوم في طبيعة الجوهر نفسه، # 5 # وبالتالي فإذا ما عرفت جوهرا من الجواهر معرفة دقيقة ~~وشاملة، فإنك سوف تعرف - قطعا - الكون كله، طالما أن معرفة الجوهر ~~الأول تتضمن معرفة العلاقات، كذلك معرفة الحدود التي تربط بينها هذه ~~العلاقات على حد سواء. وماذا عساها أن تعني تلك المعرفة، إن لم تكن ~~تعني معرفة الكون كله؟ ولما كان من المستحيل - في رأى هذا الفريق - ~~أن توجد حدود تقوم بذاتها مستقلة عن العلاقات التي ترتبط بها، وطالما ~~أن «... كل علاقة ... تكيف حدودها بكيف ما ... وهذه العلاقة صفة لهذه ~~الحدود ...» # 6 # أقول لما كان ذلك كذلك، فإنه لا يمكن أن نتصور ~~حدا ms119 من الحدود متصفا بصفات مختلفة في لحظة بعينها - أي في نفس ~~اللحظة - لأن ذلك لا بد أن يعني كونا مختلفا أتم الاختلاف ... ~~«إن أولئك الذين يقولون إن جميع العلاقات داخلية. يقولون في بعض ~~الأحيان. لو أن «ص» كانت تمثل خاصية علائقية وأن «أ» يمثل ~~حدا له تلك الخاصية، فسوف يكون صحيحا باستمرار أن «أ» لا يمكن ~~أن تكون «أ» لو أنها فقدت «ص». وفي ظني أن تلك طريقة مصطنعة ~~للقول إن كل شيء يمكن أن يكون حقيقيا إذا ما تضمن القضية ~~المتناقضة ذاتيا، وهي أنه إذا كان «أ» الخاصية «ص» فإنه لا ~~يمكن أن يكون صحيحا أن «أ» ليست لها الخاصية «ص»، لكنها رغم ذلك ~~طريقة طبيعية - قليلا أو كثيرا - للتعبير عن قضية يمكن أن تكون صادقة ~~تماما: افرض أن «أ» لها الخاصية «ص»، عندئذ فإن أي شيء ليس له ~~الخاصية «ص» لا بد بالضرورة أن يكون شيئا مختلفا عن «أ».» # 7 ~~(4) هذان هما التفسيران لرأي الفيلسوف الجبري الذي يزعم استحالة أن ~~يكون أي شيء خلاف ما هو عليه، بينما يظل بقية العالم على ما هو عليه. ~~وسوف أناقش الآن الحجج الممكنة التي يمكن أن تقوم لتأييد هذا الرأي ~~في صورتيه السابقتين: ~~(أ) ما الدليل الذي يقدمه الفيلسوف الجبري الذي يعتقد أن الجمع ~~بين الفقرتين الآتيتين مستحيل، برغم أن كلا منهما ممكنة على حدة ~~وهما: (1) أن الجوهر «ج» لا بد أن يكون في حالة مختلفة عما كان ~~عليه بالفعل. (2) وأن كل شيء آخر في العالم لا بد أن يظل كما كان ~~عليه بالفعل؟ يمكن أن يكون دليله إما قبليا أو تجريبيا. غير ~~أن الدليل التجريبي مستبعد تماما، إذ ليس ثمة دليل من هذا النوع ~~يمكن أن يقوم في هذه الحالة، وإلا فأين يمكن أن نجد الدليل ~~التجريبي عما إذا كان الافتراض القائل بأن «ج» لا بد أن يكون في ~~حالة مختلفة عن الحالة التي كان عليها بالفعل يتناقض مع افتراضات ~~أخرى؟ واضح أنه لا شيء يمكن أن يوجد داخل نطاق ms120 التجربة يؤيد هذه ~~الدعوى. # والدليل القبلي لا بد أن يعني أن القضية التي يقول بها الفيلسوف ~~الجبري - كما عرضناها من قبل - صدقها واضح بذاته، وأن القضية ~~المعارضة كذبها واضح بذاته. وأود - قبل كل شيء - أن أذكر القارئ ~~بالمغالطة المشهورة والشائعة، وهي مغالطة اعتبار شيء ما واضحا بذاته، ~~في الوقت الذي يكون فيه هذا الشيء مجرد زعم يفتقر إلى البرهنة، وهناك ~~مصدر آخر للخطأ شبيه بهذا الخطأ، وأعني به ذلك الموقف الذي تعتبر فيه ~~قضية نتيجة ضرورية لقضية أخرى مفترضة ضمنا، مع أن هذه القضية ~~المضمرة حين تظهر إلى العلن يمكن جدا أن نكتشف أنها نفسها ليست ~~ضرورية. وسوف نناقش الآن رأي الفيلسوف الجبري لنرى ما إذا كان رأيه ~~قضية واضحة بذاتها أم أنها نتيجة ضرورية لقضية أخرى يقال إنها ~~واضحة بذاتها. وإذا ما اتضح أن رأيه يعتمد على قضية أخرى، فسوف نرى ~~هل هذه القضية الجديدة واضحة بذاتها، أعني هل هي بديهية لا تحتاج إلى ~~برهان أم أنها ليست كذلك. # ويمكن أن نوضح رأي الفيلسوف الجبري على النحو التالي: # إذا كانت الوقائع هي «ج» أ ب ج، فإنه من المستحيل أن تكون هذه ~~الوقائع «ج» # 1 # أ ب ج. و«ج» هنا تمثل ~~شيئا ما في وقت ما له صفة ما. أما أ ب ج فهي تمثل بقية العالم في ~~نفس هذه اللحظة. و«ج» # 1 # تمثل الشيء نفسه ~~مع صفة مختلفة. وإذا نظرنا إلى «ج» وحدها وجدنا أنها يمكن أن توجد ~~على النحو الذي تقول هذا الوجهة من النظر. إذ يمكن أن تكون ممكنة، ~~لكنها لا يمكن أن تكون ممكنة بالمشاركة # Compossible # مع بقية أجزاء العالم ~~ولم؟ لا بد أن تكون الإجابة - كما هو واضح - أن هناك مجموعة معينة ~~من العلاقات تربط بين «ج» وبين أب ج بطريقة تجعلها كلها تؤلف كلا ~~واحدا. وهكذا يتضح في الحال أن وجهة نظر الفيلسوف الجبري التي ~~نناقشها تفترض الواحدية كأساس تقوم عليه، وبالتالي فهذه الوجهة من ~~النظر ليست ضرورية ضرورة ذاتية ، لكنها نتيجة ضرورية ms121 لافتراض آخر أو ~~لمجموعة من الافتراضات. # وفكرة الواحدية التي تمثل أحد الافتراضات الكامنة خلف قضية ~~الفيلسوف الجبري تحتاج إلى برهان؛ فهي ليست فكرة واضحة بذاتها. فليس ~~هناك اتفاق في الرأي بين الفلاسفة عما إذا كان الكون واحديا أم ~~ثنائيا أم متعددا، وهذا الاختلاف - في حد ذاته - يشير إلي أن كل ~~فريق يؤيد وجهة نظره بمجموعة من الأدلة، في حين أن الحقيقة البديهية ~~تفرض نفسها على ذهن الإنسان ولا تحتاج إلى دليل يؤيدها؛ إذ لا بد أن ~~تكون واضحة بذاتها. # وبغض النظر عن قبول هذه القضية على أنها واضحة بذاتها - أعني ~~القضية التي تقول إنه إذا كانت الوقائع هي «ج» أ ب ج، لكان من ~~المستحيل أن يوجد بدلا منها «ج» # 1 # أ ب ج - ~~أقول بغض النظر عن ذلك كله فإن «وليم جيمس» يقول في دفاعه عن الصدفة: ~~«ما الذي أعنيه حين أقول إن اختياري للطريق الذي سأسلكه في عودتي إلى ~~منزلي بعد الانتهاء من هذه المحاضرة أمر مهم وهو يرجع إلى الصدفة فيما ~~يتعلق باللحظة الراهنة؟ إنه يعني أنني تذكرت طريق دفينتي # Divinity Avenue # وشارع أكسفورد # Oxford Street # لكني سأختار أحدهما ~~فحسب، سأختار أيا منهما وأترك الآخر، وإني لأطلب منكم الآن جادا ~~أن تفترضوا أن هذا الغموض في اختياري للطريق الذي سأسلكه غموض حقيقي، ~~ثم أن تفترضوا بعد ذلك الافتراض المستحيل، وهو أنني قمت بعملية ~~الاختيار مرتين، وأن الاختيار قد وقع في كل مرة على شارع مختلف ... ~~وبعبارة أخرى افترضوا أنني سرت أولا في طريق دفينتي، ثم افترضوا ~~أن القوى المتحكمة في الكون قد أزالت عشر دقائق من الزمان وأزالت ~~معها كل ما وقع فيها، وأعادتني إلى باب هذه القاعة، كما كنت قبل أن ~~أقوم بعملية الاختيار، ثم افترضوا بعد ذلك أنني الآن قد اخترت ~~طريقا آخر - وكل شيء آخر ظل على ما هو عليه - فسلكت شارع أكسفورد. ~~إنكم - بوصفكم مشاهدين سلبيين - في استطاعتكم أن تنظروا وتروا ~~عالمين بديلين؛ أحدهما أسلك فيه طريق دفينتي، والآخر أسير فيه أنا ~~أيضا ms122 خلال شارع أكسفورد. والآن، لو أنكم من دعاة الجبرية فسوف ~~تعتقدون أن أحد هذين العالمين مستحيل منذ الأزل، وتعتقدون أنه ~~مستحيل لما يتضمنه ذاتيا من لا معقولية أو لما فيه من مصادفة أو ~~اتفاق. ولكن إذا نظرتم إلى هذين العالمين من الخارج، فهل في استطاعتكم ~~القول أيهما هو العالم المستحيل، عالم المصادفة والاتفاق، وأيهما ~~العالم المعقول والضروري؟» # 8 # وفضلا عن ذلك، فحين يزعم الفيلسوف الجبري أنه إذا كان الواقع هو: ~~«ج» أ ب ج، فإن وجود «ج» # 1 # أ ب ج مستحيل، ~~بمعنى أن «ج» بذاتها ممكنة لكنها ليست ممكنة بالمشاركة # Compossible # مع أ ب ج، فيبدو أنه ~~يأخذ تعريف الممكن على أنه «ما لا يخالف قوانين الطبيعة رغم مخالفته ~~لوقائع الطبيعة.» غير أن هذا التعريف أضيق جدا من أن يستبعد قضايا ~~هي في آن معا لا تخالف قوانين الطبيعة، وهي أيضا لا تخالف وقائع ~~الطبيعة، وطالما أن كل قضية صادقة تتفق مع قوانين الطبيعة كما تتفق ~~مع وقائع الطبيعة سواء بسواء، فإن كل قضية صادقة - فيما يبدو - ~~يستبعدها هذا التعريف بوصفها غير ممكنة. ولو أننا عدلنا التعريف ~~بحيث نجعله على النحو التالي: «تكون «ق» ممكنة حين لا يوجد قانون من ~~قوانين الطبيعة ينتج عنه منطقيا «لا - ق».» وتكون «ق» مستحيلة حين ~~نجد أن قانونا من قوانين الطبيعة ينتج عنه: منطقيا «لا - ق» ... ~~لأصبح واضحا أن القضية التي يقول بها الجبريون وهي أن ~~«ج» # 1 # أ ب ج مستحيلة، لا تكون صادقة ~~إلا إذا وجدنا قانونا من قوانين الطبيعة ينتج عنه منطقيا لا ~~«ج» # 1 # أ ب ج، وكل قانون من قوانين ~~الطبيعة هو تعميم «سواء أكان تعميما دقيقا أم ترجيحيا.» ومن ثم فلا ~~يمكن أن نعتبر «ج» # 1 # أ ب ج مستحيلة بسبب ~~أن الوقائع التي كانت موجودة هي «ج» أ ب ج؛ وذلك لأكثر من سبب: ~~أولا: لأن «ج» أ ب ج هي مجموعة متعاصرة من الحوادث وليست قانونا ~~من قوانين الطبيعة. وثانيا: لأن كلا من «ج» أ ms123 ب ج ~~و«ج» # 1 # أ ب ج يمكن أن يكونا في آن ~~معا مظهرين ممكنين مختلفين لقانون واحد. وثالثا: قد يصح أن تكون ~~«ج» أ ب ج، و«ج» # 1 # أ ب ج - على حد سواء - ~~تطبيقات لقانونين مختلفين يعملان معا في الطبيعة، رغم أنهما لا ~~يعملان معا في وقت واحد ولا على شيء واحد، وهذا لا يعني بالضرورة ~~استحالة أحدهما إذا حدث الآخر بالفعل؛ ذلك لأن ما لم يحدث يظل مع ذلك ~~ممكنا؛ لأنه لا يتناقض مع قوانين الطبيعة: افرض مثلا أنني وضعت ~~إناء به ماء على النار، إن الماء في هذه الحالة سوف يغلي، وفقا ~~لقانون معين من قوانين الطبيعة. لكنني إذا لم أضع هذا الإناء على ~~النار، فإن الماء لن يغلي، وفقا لقانون آخر من قوانين الطبيعة. ~~والآن: إن القول بأنني وضعت الإناء على النار لا يلغي، أن ~~الاحتفاظ بالإناء بعيدا عن النار ليس ممكنا، إن ذلك يظل ممكنا، ~~رغم أنه لم يحدث، والإمكان هنا يعني أنه - تبعا للتعريف السابق - ~~ليس ثمة قانون من قوانين الطبيعة ينتج عنه - منطقيا - «لا - ~~ق». # وحين يقال إن المذهب الجبري يعني أن كل شيء هو على ما هو عليه، ~~فيبدو أن ثمة خلطا في استخدام الكلمات، وهو خلط بين كلمتي «محتم # determined ~~» و«معين # determinate ~~». فمن المسلم به ~~أن كل شيء يحدث هو شيء معين # determinate ~~، لكن هل هذا دليل ~~أيضا على أنه محتم # determined ~~؟ ~~إن القول بأن المستقبل سوف يكون على نحو ما سيكون، لا يتفق إطلاقا ~~مع التساؤل عما إذا كان المستقبل محتما منذ الآن، فهو قد يكون ~~كذلك وقد لا يكون، فكل ما يؤكده هذا القول هو أن حوادث المستقبل ~~حين تقع فسوف يكون لها شكل معين، سوف تكون معينة # determinate ~~، وهذا يختلف عن القول ~~بأنها محتومة # determined # منذ اللحظة ~~الراهنة ... ~~(5) (ب) وسوف نناقش الآن التفسير الثاني للمذهب الجبري، وهو التفسير ~~القائل بأن الجبرية تعني استحالة أن يكون الشيء خلاف ما هو عليه. ترى ~~الجبرية - في هذه الحالة - أنه إذا ms124 كان الجوهر «ج» موجودا في لحظة ~~معينة، فإنه لا يمكن في نفس هذه اللحظة أن يكون ~~«ج» # 1 # بدلا من «ج»؛ والسبب في ذلك هو ~~أنه لا يوجد شيء يقوم بذاته مستقلا عن العلاقات التي تربطه بغيره ~~من الأشياء، وإذا كان الشيء يرتبط على هذا النحو بغيره من الأشياء، ~~فإن أية لحظة من اللحظات يقابلها حالة معينة للأشياء، وبالتالي ~~فلو تغير «ج» وأصبح «ج» # 1 # فلا بد أن ~~يؤدي ذلك إلى وضع مخالف تماما للعلاقات بالأشياء الأخرى. ومن ثم فلا ~~بد أن يكون العالم على نحو مخالف لما هو عليه. ويقال إن «العلاقة ~~الخارجية الخالصة هي في نهاية الأمر علاقة مستحيلة ولا معني لها.» # 9 # لأنه «... لو كان كل من أ وب حقا موجودا بسيطا تماما ~~ومستقلا عن الآخر، فمن اللغو عندئذ أن تقول إنهما يرتبطان كذلك ~~ارتباطا حقيقيا.» # 10 # وإذا كانت العلاقات داخلية في طبيعة الحدود التي يرتبط ~~بعضها ببعض، وإن كل حد من هذه الحدود لا يمكن أن يكون بذاته خاليا ~~من علاقات معينة تربطه بغيره من الأشياء، فإن ذلك يعني - إذا ما ~~افترضنا أن الحد «أ» له خاصية علائقية هي «ب» في لحظة معينة - أقول ~~إن ذلك يعني أن كل شيء ليس له الخاصية «ب» لا بد بالضرورة أن يكون ~~مختلفا عن «أ». ذلك أن الحدين المرتبطين بعلاقة نوعية خاصة لا يمكن ~~لهما أن يكونا على نحو ما هما عليه بدون هذه العلاقة الفرعية الخاصة. ~~وعلى كل حال فإن ذلك لا يصدق - فيما يبدو - إلا على العلاقات ~~الكمية، وعلاقات التشابه والاختلاف والتساوي، وما إلى ذلك. فلو أن ~~«س» كانت مساوية ل «ص» لنتج عن ذلك أنه إذا ما غابت علاقة التساوي، ~~فإن «س» و«ص» لا يمكن لهما معا أن يكونا على نحو ما هما عليه في ~~الواقع. وقل مثل ذلك عن علاقة التشابه والاختلاف، فلو أن «س» كانت ~~مشابهة ل «ص» لنتج عن ذلك أنه إذا غابت هذه العلاقة فإن «س» و«ص» ~~لا يمكن لهما معا أن ms125 يكونا على نحو ما هما عليه الآن. # لكن يمكن لكل حد منهما - وحده وبدون الآخر - أن يوجد كما هو في ~~غياب العلاقة التي تربطه بالحد الآخر، فلو كانت «س» مساوية ل «ص»، ~~فإننا نقول - في هذه الحالة - أن «س» ترتبط مع «ص» بعلاقة التساوي، ~~لكن لا ينتج من ذلك أن «س» لا بد أن تظل على نفس هذه العلاقة إذا ~~ما تغيرت «ص» عن وضعها الحالي. # وعلى ذلك فإننا يمكن أن نتفق على ما يأتي: # إذا افترضنا أن الحد «أ» له خاصية علائقية محددة مع الحد «ب» في ~~لحظة معينة، فإن معنى ذلك أن أي شيء ليس له هذه الخاصية المعينة ~~لا بد بالضرورة أن يكون شيئا مختلفا عن «أ»، ولكي يتضح معنى هذه ~~القضية فإننا سوف نصوغها في صورة القياس الآتي: ~~«أ» لها خاصية علائقية ب في ل. ~~«ج» ليس لها الخاصية العلائقية ب في ل. # 11 ~~∴ # ج ليست أ. # لكن لا بد أن نحتاط لمغالطة من المحتمل جدا أن تقع في هذا السياق؛ ~~فالقول بأن «ح» ليست في هوية واحدة مع «أ»، أو ليست هي «أ»، إنما ~~ينتج بالضرورة من المقدمتين معا؛ المقدمة «1» التي تقول إن «أ» لها ~~خاصية علائقية ب في ل، والمقدمة «2» التي تقول إن ح ليس لها هذه ~~الخاصية العلائقية نفسها في ل. وعلى ذلك فمن الخطأ تماما أن نستنتج ~~مثل هذه النتيجة من المقدمة الثانية وحدها؛ ذلك لأن النتيجة هي أن ~~ح التي ليست لها الخاصية العلائقية «ب» في «ل» «وهي الحالة التي ~~تتميز بها أ» لا بد بالضرورة أن تكون مختلفة عن «أ»، التي لها مثل ~~هذه الخاصية. والسبب ببساطة أن «أ» لها بالفعل هذه الخاصية و«ح» ليس ~~لها هذه الخاصية. كنا لا نستطيع أن نستنتج من مجرد القول بأن ~~شيئا ما ليس له علاقة نوعية في لحظة ما - لا نستطيع أن تستنتج أن ~~هذا الشيء لا بد أن يكون مختلفا عن «أ». وعلى كل حال فإنه يمكن ~~تطبيق مثل هذه الحجة على ms126 الكائنات التي لها ديمومة والتي يمكن أن تتصور ~~معها إن شيئا ما أو آخر يمكن أن يحدث في وقت معين، لكن لا يمكن ~~تطبيقها على الماهيات الخالدة أو الحقائق اللازمانية، ونحن هنا معنيون ~~بصفة خاصة بالفاعل الذي له ديمومة. إن ما نناضل من أجله هو أنه ~~ليس صحيحا أنه إذا كان هناك فاعل معين ليس له خاصية علائقية نوعية ~~معينة كانت له بالفعل، فإنه لا بد بالضرورة أن يختلف عن ذلك الفاعل ~~الذي كانه من قبل، فنحن نذهب إلى أن الفاعل يمكن أن يرتبط بعلاقة ~~مختلفة أتم الاختلاف عن العلاقة التي يرتبط بها بالفعل مع شيء آخر، ~~ويظل هو نفسه. # ولقد ناقش جورج مور # G. E. Moore # 12 # بإفاضة تامة المغالطة المنطقية في الزعم بأنه إذا ما ~~افترضنا أن الحد «أ» له خاصية علائقية «ب» في لحظة معينة، عندئذ ~~فإن أي شيء ليس له الخاصية «ب» لا بد بالضرورة أن يكون مختلفا عن ~~«أ». وسوف يكون من المفيد جدا أن نلخص وجهة نظره في هذا ~~السياق. # يجمل بنا قبل أن نناقش هذا الزعم أن نحدد معنى عبارتين هامتين ~~جدا، وهما «أ» «لا بد بالضرورة أن يكون» و«ب» «مختلف عن أ». ومعنى ~~عبارة «لا بد بالضرورة أن يكون» يمكن أن نشرحه على النحو ~~التالي: ~~«حين نقول عن زواج من الخواص مثل «ب» و«ك» أن أي حد له الخاصية «ب» ~~فإنه لا بد بالضرورة أن يكون له الخاصية «ك»، فإن هذا القول يساوي ~~قولنا إنه في كل حالة - من القضية القائلة بأن أي حد معين له ~~الخاصية «ب» - ينتج أن هذا الحد له الخاصية «ك». وكلمة ينتج تفهم ~~بمعنى يكون فيه من القضية الخاصة بأي حد معين - مثل أنه زاوية قائمة ~~- ينتج أنها زاوية. ومن القضية القائلة بأن الحد أحمر ينتج أن له ~~لونا ما. حين نقول عن الخاصية العلائقية «ب» إنها شكل أو إنها ~~داخلية مع الحد المعين «أ» الذي يملكها، فإن ذلك يعني أنه من ~~القضية القائلة بأن شيئا ليس ms127 له «ب» ينتج أن هذا الشيء مختلف عن ~~أ. وبعبارة أخرى، إنه يعني أن نقول إن خاصية عدم ملكية «ب»، وخاصية ~~الاختلاف عن «أ»، يرتبط كل منهما بالآخر بطريقة خاصة يكون فيها خاصية ~~كون المثلث القائم الزاوية مرتبطا بكونه مثلثا، أو أن كون الشيء ~~أحمر مرتبط يكون له لون.» # 13 # والقول بأن ب «تختلف عن أ» يمكن أن يكون له معنيان ~~مختلفان: «فقد يعني فحسب أن «أ» تختلف عدديا عن «ب»، فهي غير «ب»، ~~أو لا تتحد مع «ب» في هوية واحدة. أو قد يعني أن تلك ليست هي القضية ~~فحسب، لكن أيضا أن «أ» ترتبط ب «ب» بطريقة يمكن أن نعبر عنها ~~بقولنا: إن «أ» يختلف اختلافا كيفيا عن «ب». وأولئك الذين يقولون ~~«إن جميع العلاقات تجعل اختلافا لحدودها» يعنون دائما - فيما أعتقد ~~- الاختلافات بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول فحسب. أي إنهم يقصدون ~~القول بأنه إذا كانت «ب» خاصية علائقية ل «أ» عندئذ فإن غياب «ب» ~~يستلزم لا فقط اختلافا عدديا عن «أ»، بل اختلافا كيفيا كذلك.» # 14 # لكن علينا أن نلاحظ أنه إذا كان شيء ما يختلف اختلافا ~~كيفيا عن شيء آخر، فإنه ينتج من ذلك أنه يختلف عنه اختلافا ~~عدديا. # وسوف نرى الآن ما إذا كان صحيحا أنه إذا كانت «ب» خاصية علائقية ~~و«أ» حدا له مثل هذه الخاصية، فإذن (1) أي حد ليس له الخاصية «ب» ~~لا بد بالضرورة أن يكون شيئا آخر يختلف - عدديا عن «أ» - و(2) أي حد ~~ليس له الخاصية «ب» لا بد بالضرورة أن يكون شيئا آخر غير ~~«أ». ~~(1) ولكي نعرف ما إذا كان صحيحا - لو أن «أ» لها الخاصية «ب» - ~~فإن أي حد عندئذ - ليس له الخاصية «ب» - لا بد أن يكون شيئا آخر غير ~~«أ»: «فلنأخذ مثلا الخاصية العلائقية التي نقرر انتماءها إلى معطى ~~حسي مرئي، حين نقول عنه إن معطى حسيا مرئيا آخر بوصفه جانبا ~~مكانيا: التقرير - مثلا - الذي يتعلق بقطعة ملونة؛ نصفها أحمر ~~ونصفها أصفر: هذه القطعة كلها تحتوي ms128 هذه القطعة (حيث تكون عبارة «هذه ~~القطعة» اسما خاصا بالنصف الأحمر). إنه لمن الواضح هنا تماما - ~~فيما أعتقد - أننا نستطيع أن نقول، بمعنى واضح وصريح تماما، إن ~~أي كل # Whole # لا يحتوي على تلك القطعة ~~الحمراء لا يمكن أن يتحد في هوية واحدة مع الكل الذي نتحدث عنه، ~~وأنه من القضية الجزئية، ينتج أن هذا الحد شيء آخر غير الكل الذي ~~نتحدث عنه، رغم أنه ليس من الضروري أن يكون مختلفا عنه اختلافا ~~كيفيا. فهذا الكل المعين لم يكن من الممكن أن يوجد دون أن تكون ~~هذه القطعة الجزئية جزءا منه، لكن يبدو أنه لا يقل عن ذلك وضوحا ~~- لأول وهلة - أن هناك خواص علائقية كثيرة لا يصدق عليها ذلك. ولكي ~~نأخذ مثلا فما علينا إلا أن نتدبر علاقة القطعة الحمراء بالقطعة ~~كلها، بدلا من أن نتأمل - كما حدث من قبل - علاقة الكل بها، ويبدو ~~من الواضح تماما أن القطعة الحمراء - رغم أن الكل ما كان له أن ~~يوجد دون أن تكون القطعة الحمراء جزءا منه - يمكن أن توجد تماما دون ~~أن تكون جزءا من هذا الكل المعين.» # 15 ~~(2) نصل الآن إلى التساؤل عما إذا كان صحيحا أنه إذا كان الحد ~~«أ» له الخاصية «ب» فإن أي حد عندئذ ليس له تلك الخاصية لا بد ~~بالضرورة أن يكون مختلفا عن «أ»، أعني أن «خاصية عدم امتلاك «ب» ~~وخاصية كونه مختلفا عن «أ» ترتبط كل منهما بالأخرى بطريقة خاصة، تكون ~~فيها خاصية كون المثلث قائم الزاوية مرتبطة بخاصية كونه مثلثا. أو ~~خاصية كونه أحمر مرتبطة بخاصية كونه ذا لون» ولا يمكن أن يكون هناك ~~شك في أنه إذا كانت «أ» لها «ب» فإن أي حد عندئذ ليس له «ب» لا بد ~~أن يكون شيئا آخر غير «أ»، لكن هل ينتج من ذلك أنه إذا كانت «أ» لها ~~«ب» فإن أي حد لم يكن له الخاصية «ب» لا بد بالضرورة أن يكون ~~مختلفا عن «أ»؟ يبدو أنه بينما القضية الأولى صادقة، فإن ms129 القضية ~~الثانية كاذبة، وأن مصدر الخلط بين النصين هو النظر إلى العبارتين: ~~«لا بد أن» «ولا بد بالضرورة أن يكون » على أن معناهما واحد، في ~~حين أن ما تعبر عنه كلمة «لا بد» هنا هو فحسب أن القضية التي ~~تتضمنها تنتج من القضية القائلة بأن «أ» لها «ب»، ليست هي بذاتها ~~قضية ضرورية. وسوف أشرح لماذا كان من الخطأ أن نعتقد أنه من القضية: ~~«إذا كانت «أ» لها «ب» فأي حد ليس له «ب»، لا بد أن يكون شيئا آخر ~~غير «أ».» تنتج القضية الأخرى «إذا كانت «أ» لها «ب» فإن أي حد ليس ~~له الخاصية «ب» لا بد بالضرورة أن يكون مختلفا عن «أ».» # 16 # ولنبدأ أولا وقبل كل شيء بتحديد بعض الرموز التي سوف نستخدمها. سوف ~~نعبر فيما يتعلق بالخاصتين «ب» و«ق»: عن القضية القائلة بأن أية ~~قضية تقرر عن شيء معين أن له الخاصية «ب» تستلزم القضية القائلة ~~بأن الشيء الذي نبحثه له أيضا الخاصية «ق» على النحو التالي: # س ب تستلزم س ق. # وسوف نعبر في حالة أية قضية عن نقيض «ب» بالرمز «ب»، وبالتالي ~~فإن صيغة كهذه «س ب» تستلزم «س ق» سوف تعني أن أية قضية تتكرر ~~على شيء ما أن له الخاصية «ب» تستلزم القضية فيما يتعلق بالشيء الذي ~~تتحدث عنه، أن له «ق». # ومن ناحية أخرى فيما يتعلق بشيئين «ب» و«أ»، فإننا سوف نعبر عن ~~القول بأن ««ب» تتحد في هوية واحدة مع «أ»» بالرموز «ب = أ». وعن ~~القول بأن «ب» لا تتحد في هوية واحدة مع «أ»، بالرموز «ب = أ». # وبناء على الرموز السابقة، فإن الصيغة الآتية: # س ب تستلزم «س = أ». # سوف تعني: «كل قضية تقول عن شيء ما إنه ليس له الخاصية «ب» تستلزم ~~- فيما يتعلق بهذا الشيء - القول بأنه شيء آخر غير «أ».» # وهذه القضية تساوي منطقيا: ~~«س = أ» تستلزم «س ب». # وهي تقرأ على النحو التالي: «أي شيء يتحد في هوية واحدة مع «أ» لا ~~بد - في ms130 أي عالم يمكن تصوره - أن يكون له بالضرورة «ب».» أو بعبارة ~~أخرى: ««أ» لا يمكن لها أن توجد في أي عالم ممكن دون أن يكون لها ~~«ب».» # وسوف نستخدم كذلك الصيغة ك ~~⋆ # ق، لتعني أنه «من الخطأ أن تقول ك صادقة وق كاذبة.» وبالتالي فإن ~~التعبير الآتي: # أ ق ~~⋆ # أ ر. # سوف يعني أن «من الخطأ أن نقول «أ ق» صادقة و«أ ر» كاذبة في آن ~~معا.» من ناحية أخرى، فإن التعبير الآتي: # س ق ~~⋆ # س ر. # سوف يعني أنه «إذا كان أي شيء له ق، فإن هذا الشيء بالتالي له ~~«ر»» دون أن نقرر أن الشيء له ق. # والآن دعنا نستعد من جديد النقطة موضع الخلاف؛ فنحن نذهب إلى أنه ~~بينما تكون القضية «إذا كانت «أ» لها «ب» «في الواقع» فإن أي حد ~~عندئذ ليس له «ب»، لا بد أن يكون شيئا آخر غير «أ»» قضية صادقة بغير ~~شك. والقضية الأخرى «إذا كانت «أ» لها «ب»، فإن أي حد عندئذ ليس له ~~«ب» لا بد بالضرورة أن يكون شيئا آخر غير «أ»» قضية كاذبة. غير أن ~~أولئك الذين يقولون إن جميع العلاقات داخلية بالنسبة للحدود، يفترضون ~~أن القضية الثانية تنتج من القضية الأولى. وإذا ما استخدمنا الرموز ~~السابقة، فإن القضية الأولى تكتب على هذا النحو: ~~(1) س ب تستلزم « ~~⋆ ~~». # وتقرأ على النحو التالي: «لو أن شيئا ما «س» له «ب»، فإن ذلك ~~وحده يستلزم في هذه الحالة القضية: «إنه من الخطأ في آن معا القول ~~بأن شيئا آخر «و» وليس له «ب» هي قضية صادقة، وأن «و» ليست متحدة ~~في هوية واحدة مع «س»» قضية كاذبة.» # وإذا ما استخدمنا الرموز مرة أخرى، فإن القضية الثانية تكتب على ~~هذا النحو: ~~(2) س ب ~~⋆ ~~« ~~» يستلزم « ~~». # وتقرأ على النحو التالي: «إنه لمن الخطأ في آن معا القول بأن ~~شيئا ما ليس له «ب» «قضية صادقة، وإن غياب «ب» عن «و» يستلزم أن ~~تكون «و» شيئا آخر غير س» قضية كاذبة.» # ونحن نذهب إلى القول ms131 بأنه في حين أن القضية رقم «1» صادقة، فإن ~~القضية رقم «2» كاذبة، بينما تعني نظرية العلاقات الداخلية - من ناحية ~~أخرى - أن القضية رقم «2» هي أيضا قضية صادقة، وأنها تنتج من ~~القضية رقم «1»، غير أن القضية رقم «2» لا يمكن أن تنتج من القضية ~~رقم «1»، اللهم إلا من قضية لها صورة: # ق تستلزم «ك ~~⋆ # ر». # فهنا تنتج القضية المقابلة لها في صورة: # ق ~~⋆ ~~«ك تستلزم ر». ~~«أما القول بأن ذلك خطأ، فمن السهل - فيما أعتقد - أن تتبينه ~~إذا ما تأملنا القضايا الثلاث الآتية: افرض أن ق = «جميع الكتب ~~الموجودة على هذا الرف، زرقاء اللون» و«ك» = «نسختي من «مبادئ الرياضة» ~~هي كتاب موجود على هذا الرف» و«ر» ~~⋆ ~~«نسختي من كتاب مبادئ ~~الرياضة زرقاء اللون». والآن فإن «ق» لا تستلزم مطلقا «ك ~~⋆ # ر». أعني أنه ينتج ~~تماما من «ب» أن القضية «نسختي من كتاب مبادئ الرياضة ليست زرقاء ~~اللون» لا تصدقان معا من حيث الواقع. لكنه لا ينتج من ذلك - على ~~الإطلاق - أن ق ~~⋆ ~~«ك تستلزم ~~ر»، ذلك لأن هذه القضية الأخيرة تعني أنه «من الخطأ أن القول في ~~آن معا أن «ق» صادقة، وأن «ك تستلزم ر» كاذبة» لأن «ك تستلزم ~~ر» قضية كاذبة تماما من حيث الواقع؛ ذلك لأنه لا ينتج من القضية ~~القائلة بأن «نسختي من كتاب مبادئ الرياضة موجودة على الرف» القضية ~~القائلة إن «نسختي من كتاب مبادئ الرياضة زرقاء اللون». وببساطة فمن ~~الخطأ القول بأن القضية الثانية من هاتين القضيتين يمكن أن تستنبط ~~من القضية الأولى وحدها، ومن الخطأ القول بأنها على نفس العلاقة التي ~~عليها القضية الشرطية المتصلة: «كل الكتب الموجودة على هذا الرف زرقاء ~~اللون، ونسختي من كتاب مبادئ الرياضة موجودة على هذا الرف»، هذه القضية ~~الشرطية المتصلة تستلزم في الواقع القضية التالية: «نسختي من كتاب ~~مبادئ الرياضة زرقاء اللون»، لكن القضية القائلة بأن «نسختي من كتاب ~~مبادئ الرياضة موجودة على هذا الرف» وحدها لا تستلزم يقينا القضية ~~القائلة بأن «نسختي من كتاب مبادئ الرياضة زرقاء اللون». وإنه ms132 من ~~الخطأ القول بأن نسختي من كتاب مبادئ الرياضة يمكن ألا تكون موجودة ~~على هذا الرف دون أن تكون زرقاء اللون. وبالتالي فإن القول بأن «ك ~~تستلزم ر» قول كاذب، ومن ثم فإن «ق ~~⋆ ~~«ك تستلزم ر»» يمكن أن ~~تنتج فحسب من «ق تستلزم «ك ~~⋆ # ر»» إذا كانت ق تنتج من هذه القضية الأخيرة. لكن «ق» يقينا لا تنتج من ~~هذه القضية: من واقعة أن ~~«ك ~~⋆ # ر» يمكن استنباطها من «ق» ~~ولا ينتج من ذلك على الأقل أن «ق» صادقة. ومن الواضح إذن أنه من ~~الخطأ القول بأن أية قضية لها الصورة الآتية: # ق تستلزم «ك ~~⋆ # ر». # تستلزم القضية المقابلة في صورة: # ق ~~⋆ ~~«ك تستلزم ر». # طالما أننا وجدنا قضية جزئية واحدة من الصورة الأولى لا تستلزم ~~القضية المقابلة من الصورة الثانية.» # 17 # ويبدو الآن واضحا أن زعم الفيلسوف الجبري بأنه من المستحيل على ~~الشيء أن يكون خلاف ما هو عليه بالفعل، زعم لا يمكن تبريره بأي معنى ~~من المعنيين المعروضين فيما سبق في رقم «أ» و«ب». # الفصل الخامس # | المذهب الجبري: السببية # (1) رأي الفيلسوف الجبري في فكرة السببية (2-10) حجج الفيلسوف ~~الجبري: ~~(2) قوانين الطبيعة لا تلين، والسلوك البشري - في الغالب - يماثل ~~الطبيعة. ~~(3) لو كان هناك لون من اللاحتمية فهو يرجع إلى الجهل. ~~(4) الأفعال الإرادية كما نراها عند الآخرين يمكن تفسيرها. ~~(5) التاريخ ليس حركة عشوائية. ~~(6) نحن نفترض في حياتنا اليومية اطراد السلوك البشري. ~~(7) البناء الاجتماعي يفترض مقدما درجة من الاطراد: «الشخصيات» في ~~الحياة وفي النقد الأدبي يفترض فيها باستمرار الاطراد أو الانتظام ~~قليلا أو كثيرا. ~~(8) إذا كنت أشعر بقدرتي على أن أفعل كما أرغب، فهل أرغب كما ~~أرغب؟ ~~(9) إننا لا نرغب في الشيء لأنه يسرنا، لكنه يسرنا لأننا ~~نرغب فيه. ~~(10) حجة مستمدة من المسئولية الأخلاقية، ويقال إنها في صالح ~~المذهب الجبري. ~~(11) حجج الفيلسوف الجبري تتلخص في أربع نقاط: ~~(أ) السببية تسود الطبيعة وتتحكم فيها. ~~(ب) الأحداث الذهنية لا تتدخل في السلسلة السببية. ~~(ج) السلوك البشري مطرد. ~~(د) حجة مستمدة من المسئولية ms133 الخلقية. ~~(12، 13) مناقشة «أ» لمبدأ السببية. ~~(14) مبدأ السببية ليس إلا مسلمة. ~~(15) العلماء يرغبون في التخلص منه. ~~(16) التتابع المنظم الذي نلاحظه تجريبيا يحل محل السببية. ~~(17) تقديم مثل للإرادة لكي نرى ما إذا كان يمكن أن تنطبق عليه فكرة ~~التتابع أو فكرة «العلاقات ذاتها». ~~(18) التتابع ليس واضحا ولا مفهوما في حالة الإرادة. ~~(19) لا بد لنا من التعرف على الترابط الغائي - تقسيم «كانط» ~~للسببية إلى سببية ظاهرة وسببية نيومائية. ~~(20) مناقشة لإمكان تطبيق المعادلات الدالية على الموجودات البشرية. ~~مثل هذه المعادلات لا تعمل إلا إذا أمكن رد جميع الحوادث في حياة ~~الإنسان إلى كميات أو إذا ارتبطت هذه الحوادث بكميات. ~~(21) أربعة أنواع من المقدار؛ المقدار التعدادي والمقدار الامتدادي ~~يدرسان كميات، أما المقدار الاختلافي، والمقدار الكثافي، فيدرسان ~~الكيفيات. الكيفيات التي يمكن قياسها في المقدار الاختلافي يمكن أن ~~ترتبط بكميات، لكن المقادير الكثافية لا يمكن أن ترتبط ارتباطا ذا ~~معنى بالأعداد أو الأرقام. وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون مكونات ~~لمعادلة. ~~(22) مناقشة المشكلة من حيث ارتباطها بالإحساسات. ~~(23) مناقشة المشكلة من حيث ارتباطها بالوجدانات. ~~(24) مناقشة المشكلة من حيث ارتباطها بالانتباه النشط. ~~(25) النتيجة هي أن المعادلة الدالية كالمعادلة الآتية: # م ل = د «م # 1 ~~، ~~ل # 1 ~~، م # 2 ~~... ~~م، ل ن، ل» لا يمكن أن تنطبق على الموجودات البشرية. ~~(26) مناقشة «ب» القول بأن الحوادث الذهنية لا تتدخل في السلسلة ~~السببية. ~~(27) مناقشة «ج» القول بأن السلوك البشري مطرد. الفعل الإرادي ~~فعل فريد في نوعه # unique ~~. ~~(28) الشخصية لا يمكن أبدا تحديدها تحديدا مطلقا. وتحديدها ~~النسبي هو - على أية حال - من صنع الفاعل. ~~(29) مناقشة «د» القول بأن الحرية - لا الجبرية - هي التي تتناقض ~~مع المسئولية الخلقية. ~~(30) الأخلاق ليست علاقة اجتماعية فحسب - الفرد الحي بمعزل عن ~~المجتمع مسئول أمام نفسه. ~~(31) الواجب يعمل من أجل ذاته. ~~(32) رأي الفيلسوف الجبري في كلمتي «ينبغي» و«يستطيع». ~~(1) وصلنا الآن إلى الزعم الثاني للفيلسوف الجبري، وهو القول بسيادة ~~مبدأ السببية في الطبيعة. والواقع أن المذهب الجبري يأخذ القول بأن ~~الشيء لا يمكن أن يبدأ في الوجود إلا لسبب أحدثه ms134 - على أنه بديهية ~~مسلم بها. ولقد أخذ لابلاس # Laplace # بمثل هذا الموقف وانتهى إلى القول: «بأننا ينبغي علينا أن ننظر إلى ~~حالة الكون الحاضرة على أنها نتيجة لحالة متقدمة سبقتها، وعلى أنها ~~سبب لحالة قادمة ستتلوها. ولو أنه أتيح لعقل ما في لحظة من اللحظات ~~أن يتعرف على سائر القوى المنتشرة في الطبيعة، وموقف كل موجود من ~~الموجودات التي تتركب منها، وإذا كان هذا الفعل فضلا عن ذلك من ~~السعة، بحيث يستطيع أن يخضع هذه الوقائع للتحليل، فإنه لا بد أن ~~يكون قادرا على التعبير في صيغة واحدة عن حركات أضخم الأجسام في ~~الكون، وأضأل ذرة فيه. وعندئذ لن يكون ثمة شيء مجهول لديه، بل سيكون ~~المستقبل - كالماضي سواء بسواء - حاضرا أمام عينيه.» # 1 # يقول «جيفونز # Jevons ~~» مدعما هذه ~~الوجهة من النظر: «إننا يمكن أن نقبل بأمان تام - كافتراض علمي ~~مقنع - النظرية التي قدمها لابلاس ببراعة، والتي تقول إن المعرفة ~~الكاملة للكون - كما هو موجود في أية لحظة معينة - لا بد أن ~~تعطينا معرفة كاملة عما سوف يحدث من الآن فصاعدا، وإلى الأبد. إن ~~الاستدلال العلمي يعد مستحيلا ما لم ننظر إلى الحاضر على أنه ~~حصيلة الماضي، وسبب لما سيأتي. فليس ثمة شيء مجهول لدى العقل الكامل.» # 2 # ودعاة هذه النظرية قد يعتدلون في بعض الأحيان فيقنعون بأن يقصروا ~~مجال نظريتهم على العالم المادي فحسب، لكنهم في أحيان أخرى يبلغ بهم ~~الحماس حدا لا يجعلهم يقنعون بحصر أنفسهم في جانب واحد من جوانب ~~الكون، يقول «هكسلي»: «إن من له أدنى دراية بتاريخ العلم سوف ~~يسلم بأن تقدم العلم في جميع العصور، كان يعني - وهو الآن يعني ~~أكثر من أي وقت مضى - توسيع نطاق ما نسميه بالمادة والسببية # Causation # وما صاحبهما من استبعاد ~~تدريجي لما نسميه بالروح والتلقائية من جميع مجالات الفكر البشري ... ~~وكما أن من المؤكد أن كل مستقبل يخرج من جوف الحاضر والماضي، فكذلك ~~سوف يمد الفسيولوجيا في المستقبل نطاق المادة والقانون تدريجيا حتى ~~يصبح متساويا في الامتداد مع ms135 المعرفة والوجدان والفعل.» # 3 # ويقول المؤلف نفسه أيضا: «إننا ... لسنا سوى حلقات في ~~سلسلة عظيمة من الأسباب والنتائج تؤلف - في اتصال لا ينقطع - ما هو ~~كائن ، وما قد كان، وما سيكون - أعني جملة الوجود ومجموعه.» # 4 # وليس معنى ذلك أن الجبريين لا ينكرون بالضرورة وجود الذهن ولا ~~يعترفون بشيء خلاف المادة، فهم في حقيقة الأمر قد يقرون وجود الذهن ~~وجودا حقيقيا، لكنهم في هذه الحالة يصرون على القول بأن ~~الحالات النفسية لا بد أن تكون دائما، وبصفة شاملة محتومة وفق ~~الحالات العصبية، لا بل محتومة بتلك الحالات العصبية، والعكس هنا غير ~~صحيح؛ إذ تستحيل في أية حالة من الحالات أن تكون الحالة النفسية هي ~~الحاتمة، والحالة العصبية هي المحتومة لها. ~~«قد يفترض ... أن التغيرات الدقيقة جدا في المخ هي سبب جميع حالات ~~الشعور عند الحيوان، فهل هناك أدنى دليل على أن حالات الشعور هذه ~~يمكن على العكس أن تسبب التغيرات الدقيقة جدا التي تؤدي إلى ~~الحركة العضلية؟ إنني لا أرى مثل هذا الدليل، ومن المؤكد تماما ~~أن الحجة التي تنطبق - على قدر حكمي - على الحيوان، يصبح انطباقها ~~كذلك على الناس. ومن ثم فإن جميع حالات الشعور عندنا - كما هي عند ~~الحيوان - قد سببتها مباشرة التغيرات الدقيقة جدا في المخ ... ويبدو ~~لي أنه لا يوجد برهان عند الإنسان - ولا عند الحيوان - على أن ~~الحيوان - على أن أية حالة من حالات الشعور هي سبب التغير في حركة ~~مادة الكائن الحي.» # 5 # وبالتالي فإن أية حالة معينة في المخ - تبعا لافتراض «مذهب ~~الظاهرة المصاحبة» هذا - يقابلها باستمرار كمصاحب لها، حالة معينة من ~~حالات الذهن. ويمكن أن نلخص النقاط الأساسية في هذه النظرية في ~~ثلاثة: هناك أولا سلسلة من التغيرات الفيزيائية أو عمليات المخ. ثم ~~هناك ثانيا سلسلة مصاحبة لها من التغيرات أو العمليات النفسية، تحدث ~~معها في آن واحد، وهنالك بعد ذلك العلاقة بين السلسلتين، وهي علاقة ~~يزعم لها أنها علاقة المصاحبة في الحدوث، مع انفراد كل من الفعلين ~~بخط مستقل في مساره ms136 «علينا أن نتأمل موسيقارا غير مرئي، يعزف قطعة ~~موسيقية من وراء الستار «أو خلف الكواليس»، بينما الممثل يلمس أصابع ~~البيانو دون أن يحدث صوتا: إننا ينبغي علينا أن نفترض أن ~~الشعور إنما يأتي من منطقة مجهولة، وإنه يفرض على تذبذبات الجزئيات ~~تماما كما يفرض اللحن على حركات الممثل الإيقاعية.» # 6 # وعلى ذلك فلو صح وكانت كل حالة معينة من حالات المخ يقابلها حالة ~~معينة من حالات الذهن، فإنه من الصحيح أيضا أن كل حالة معينة من ~~حالات مخ معين يقابلها حالة معينة للكون المادي كله. ومن هنا فإن ~~العوامل المتحكمة بالمثل في المخ، بوصفه جزءا من الكون يتبع ذلك أن ~~تتحكم فيما يسمى بالحالات الذهنية التي هي مصاحبات ضرورية لحالات ~~المخ. ~~«إنه لمن الصحيح - كما لاحظ مستر رسل # Russell ~~- أن التقابل بين الذهن والمخ قد لا يكون ~~علاقة واحد بواحد، لكنه قد يكون علاقة كثير بواحد، أو واحد بكثير، ~~إلا أن الكون لا بد أن يظل في هذه الحالة حتميا «رغم أن ~~محتماته قد تكون أكثر تعقيدا من ذلك» بشرط أن يكون نطاق التقابل في ~~الجانب المتعدد حتميا.» # 7 # وأنا هنا معني أساسا بالسلوك البشري بصفة عامة، والإرادة البشرية ~~على وجه الخصوص، وقد لا يستثنى السلوك البشري - في بعض الأحيان - من ~~التحديد السببي. يقول هكسلي: «إنني أعتقد أنه يمكن البرهنة على ~~استحالة إثبات التلقائية الحقيقية لأي فعل، ذلك لأن الفعل التلقائي ~~في الحقيقة هو فعل - حسب الافتراض نفسه - ليس له سبب. ومحاولة البرهنة ~~على مثل هذا الجانب السلبي في مواجهة المادة هي محاولة عابثة ممتنعة # Absurd ~~» # 8 # ويؤكد لنا هكسلي أن أفعالنا الإرادية محددة تحديدا ~~سببيا في أي شيء آخر، وإن «الإرادات» تصاحب ببساطة سلسلة الأسباب، ~~لكنها لا تتدخل فيها على الإطلاق. ~~(2) ويدعم الجبريون وجهة نظرهم بأدلة تجريبية لا بد أن نسلم أن ~~بعضها لا يمكن رفضه بسهولة، وما يعطي لحججهم وزنا هو أنك تجد ~~من بينهم مفكرين ممتازين وعلماء لامعين. والحتمية الصارمة هي دائما ~~عندهم فوق كل مظنة للشك، ms137 خصوصا فيما يتعلق بالطبيعة، وهم غالبا ما ~~يعقدون مماثلة بين السلوك البشري والطبيعة. ~~(3) وإذا كان يبدو في بعض الأحيان أن هناك لونا من اللاحتمية ~~بالنسبة لحوادث معينه تقع للأذهان البشرية، لا سيما في بعض قراراتها ~~الإرادية، فليس ذلك في رأيهم إلا مظهرا من مظاهر جهلنا بالعوامل ~~الدقيقة المتحكمة في هذه القرارات، لكنه لا يعني قط انعدام هذه ~~العوامل، وهناك مبرر قوي للاعتقاد بأنه ليست كل الحوادث الذهنية ~~يمكن أن تخضع للاستبطان أو التأمل الباطني، وبالتالي فلو كانت بعض ~~هذه الحوادث الذهنية هي السبب - كليا أو جزئيا - لظاهرة ذهنية ~~معينة، فإن هذه الحوادث لا بد أن تكون مجهولة لنا، كما أنه لا ~~يمكن اكتشافها عن طريق الاستبطان. # وغالبا ما يقال إن بواعثنا هي التي تتحكم في اختياراتنا، وعلى ~~ذلك فلو أنك عرفت البواعث الموجودة في اختيار أحد الناس و«القوة» ~~النسبية لكل باعث من البواعث، فإن الفيلسوف الجبري يعتقد أن اختيار ~~الإنسان يرد إلى مسألة رياضية بحتة، هي حل معادلة أو مجموعة من ~~المعادلات، فهو لا يعني سوى نقص عارض، يرجع إلى الرحلة الراهنة التي ~~وصلت إليها معرفتنا حتى الآن. ~~(4) والأفعال الإرادية التي نراها عند غيرنا من الناس يمكن تفسيرها، ~~فنحن نميل عادة إلى البحث عن هذا السبب أو ذاك لتفسير سلوك الآخرين. ~~ونحن نعتقد في إمكان التنبؤ بنوع الفعل، فإذا فشلنا فإننا نعزو مثل ~~هذا الفشل إلى التحليل الناقص، لا إلى القول بأن السلوك البشري لا ~~علاقة له بالتحديد السببي. وحتى أفعالنا الإرادية التي نشعر لحظة ~~إنجازها بأننا أحرار في تحديدها، تبدو لنا - إذا فحصناها فحصا ~~تراجعيا - حلقات ضرورية في سلسلة منطقية من الحوادث. ~~(5) لا يعتقد أحد على الإطلاق - في تفسير عملية التاريخ، أو في ~~محاولة تنسيق فئة معينة من الظواهر الاجتماعية - أن الظواهر ~~الاجتماعية عبارة عن «عماء مطلق» ~~“Absolute ~~Chaos” # إننا قد نفسر هذه الظواهر عن طريق ~~نظرية خاطئة، فقد نعتقد - مثلا - أن الجنس البشري محكوم - آليا - ~~بالظروف الاقتصادية، أو محكوم - غائيا - ببلوغ مثل أعلى. وقد نكتشف ~~غلطة في النظرية ms138 التي نأخذ بها، لكننا نعلم علم اليقين في هذه الحالة ~~أن علينا أن نبحث عن نظرية أخرى لكي نفسر بها الوقائع، وبهذا ~~ترانا نستبعد تماما احتمال أن تكون مثل هذه الظواهر غير قابلة ~~للتفسير ، أو أنها لا تخضع لنسق منتظم. ~~(6) ونحن نفترض اطراد السلوك البشري في حياتنا اليومية: «وهكذا ترانا ~~نعتمد على الآثار الرادعة للعقوبة، أو الأثر المقنع للإعلان ... إلخ ... من ~~ناحية أخرى فنحن على قدر معرفتنا الحقيقية بأعدائنا نظن في أنفسنا ~~القدرة على مواجهة سلوكهم في المواقف التي لم تظهر بعد.» # 9 # ويقول بيلي # Bailey # بحماس موجها ~~حديثه إلى أولئك الذين يشكون في اطراد السلوك البشري: «إنه لمن ~~الغريب حقا أن الصلة بين البواعث والأفعال لم يناقشها أحد قط من ~~الناحية النظرية، في حين أن كل موجود بشري يعتمد في كل يوم من أيام ~~وجوده - عمليا - على هذه الحقيقة. في حين أن الناس يجازفون على ~~الدوام باللذة أو الثروة أو السمعة أو الصيت، أو حتى بحياتهم نفسها من ~~أجل المبدأ الذي يرفضونه من الناحية النظرية ... وهو يعتمد على المبدأ ~~الذي يرفضونه من الناحية النظرية ... إن الاقتصاد السياسي هو إلى حد ~~كبير بحث في عمل البواعث، وهو يعتمد على المبدأ القائل بأن الإرادات ~~البشرية تخضع لتأثير أسباب محددة دقيقة يمكن التحقق منها.» # 10 ~~(7) والواقع أن أساس البناء الاجتماعي نفسه يفترض مقدما على الأقل ~~درجة من اطراد السلوك البشري، وإمكان محاسبة الناس عليه: منذ أن عاش ~~الناس في مجتمع وهم يعتادون التنبؤ بسلوك بعضهم البعض، معتمدين في ذلك ~~على الماضي. والطابع أو الخلق الذي يثبت لفرد من الناس، بحيث يشمل ~~حياته الناضجة بأسرها، لا يمكن أن تقوم له قائمة، اللهم إلا على ~~أساس مبدأ الاطراد. فنحن حين نتحدث عن أرسيتديز # Aristides # 11 # ونقول عنه إنه عادل، وعن سقراط ونقول عنه إنه بطل ~~أخلاقي، وعن نيرون # Nero # 12 # ونقول عنه إنه كان وحشا كاسرا في قسوته، وعن ~~قيصر نيقولا # Czar Nicolas ~~... ونقول ~~عنه إنه كانت لديه شهوة للاستيلاء على مزيد من الأرض ms139 # grasping of territory # فإننا في ~~هذه الحالة نعتقد أنه من المسلم به أن هناك بواعث معينة تعمل ~~بشكل دائم وبانتظام، وتلك هي الحال نفسها حين نعزو صفات معينة إلى ~~أجسام مادية، فنقول: إن الخبز مادة غذائية، وإن الدخان يصعد إلى أعلى # 13 ~~... ونحن في ميدان النقد الأدبي لا نفترض مطلقا أن الكاتب ~~حر تماما في تحريك شخصياته كيفما يشاء، لكنه مضطر أن يجعل شخصياته ~~تسلك في المواقف المختلفة بتلك الطريقة التي تلائم نماذج متعددة بحيث ~~تكون لها طبيعة حقيقية. ولأننا نسلم بأن الناس في حياتهم ~~العملية يظهرون في سلوكهم درجة معينة من الانتظام. ولو أن كاتبا سمح ~~لشخصية من شخصياته أن تتحرك بحرية لا اكتراث فيها، لاعتبرنا ذلك في ~~الحال علامة على النقص؛ لأن الشخصية التي لا شكل لها ليست شخصية على ~~الإطلاق. ~~(8) صحيح أنني حين أقرر السير في خط معين من السلوك، أشعر أن ~~في استطاعتي أن أعمل بطريقة مخالفة لو حلا لي ذلك. # لكن هذه الجملة الشرطية المبدوءة بكلمة «لو» هي التي تغير الموقف ~~تغييرا كاملا، فهل «يحلو» لي ما يحلو، وفق مشيئتي وحدها، أم أنني ~~مجبر على أن تحلو لي الأشياء على نحو محدد من السلوك؟ ~~«ليس ... واقعة أصيلة من وقائع الخبرة أنني أشعر أن في استطاعتي ~~خرق جميع العادات التي سرت عليها في حياتي، وأن أرتكب جميع ألوان ~~الجرائم، وأن في استطاعتي أن أكره وأهمل تماما الاهتمامات التي ~~ينبغي علي أن أكرس نفسي لها. أستطيع أن أفعل ذلك كله لو شئت # If I please ~~، لكن قبل استطاعتي أن ~~أشأ # please ~~، فإنني ينبغي علي أن ~~أصبح إنسانا آخر؛ إذ من الخلف الواضح أن أقول - وأنا على نحو ما أنا ~~عليه الآن - إن في استطاعتي أن أعبر في سلوكي عن الأغراض التي ~~تكون فرديتي أو أن أعبر عن أضدادها على حد سواء.» # 14 # والواقع «أننا حين نتأمل أنفسنا مفترضين أننا قد ~~سلكنا على نحو آخر غير السلوك الذي سرنا عليه، فإننا نفترض دائما ~~اختلاف المقدمات. فنتصور مثلا أننا ms140 عرفنا شيئا لم نكن نعرفه، أو ~~أننا لا نعرف شيئا كنا نعرفه.» # 15 ~~(9) إننا لا نرغب في الشيء لأنه يسرنا. بل على العكس، إنه ~~يسرنا لأننا نرغب فيه، والرغبات تتحكم فيها عوامل معينة، والناس ~~يعتقدون عادة أن أفعالهم الإرادية حرة لأنهم يشعرون برغباتهم، لكنهم ~~لا يشعرون بجميع العوامل التي تتحكم في هذه الرغبات : «تخيل - إن ~~استطعت - أن حجرا في حركته المتصلة كان يعي - في حدود قدرته - ~~بمحاولته البقاء في حالة الحركة. إن هذا الحجر طالما أنه يشعر ~~بحركته الخاصة، ويهتم بها اهتماما عميقا سوف يعتقد أنه حر حرية ~~كاملة، وسوف يواصل حركته لا لشيء إلا لأنه يريد ذلك. وتلك هي ~~الحال نفسها مع حرية الإرادة البشرية التي يباهي كل فرد بامتلاكها، ~~والتي لا تتألف إلا مما يأتي: إن الناس يشعرون برغباتهم ~~ويجهلون الأسباب التي تتحكم في هذه الرغبات.» # 16 ~~(10) وهناك جانب نقد آخر مستمد من الأخلاق، كثيرا ما يوجه إلى ~~المذهب الجبري وهو: أن إنكاره حرية الإرادة يجعل المسئولية الأخلاقية ~~بلا معنى، ويحرم فكرة الثواب والعقاب من كل مبرر منطقي. فإذا لم يكن لي ~~حيلة فيما فعلت فسوف يتنافى مع العقل أن أكون مسئولا عنه، ومن ثم فلن ~~يكون هناك مجال للوم أو ثناء. # إنني أدعوك يا من نكرا # بشباك الغي منهاج الورى # عتبا، تغري بنا ما قدرا # من شرور بقضاء حتما # ثم تعزو الإثم جورا للأنام # 17 # لكن «لو ذهب دعاة الحرية إلى القول بأن مشاعرنا وأحكامنا الخلقية ~~تتضمن تصور الفاعل «الحر» طالما أنه من غير المعقول أن نستهجن ~~الأذى الإرادي بعد ذلك أكثر مما نستهجن الأذى اللاإرادي لو كان ~~الاثنان معا على حد سواء آثارا ناتجة عن قوى الطبيعة المعقدة، فإن ~~الفيلسوف الجبري يرد بقوله: إن المعقولية تعتمد على نتيجة الاستهجان ~~التي تميل - كما هو واضح - إلى منع لون معين من الفعل دون غيره، وهو ~~يرد الحجة قائلا: كلا، إن السخط لا يكون معقولا إلا على افتراض ~~أن أفعال الإنسان تحكمها البواعث التي من بينها الخوف من سخط ms141 الآخرين.» # 18 # إن فكرة الثواب والعقاب الأخلاقي لا يكون لها مبرر ~~أخلاقي إلا إذا ساهمت في تعديل خلق الفرد بتلك الطريقة التي تجعله ~~يستجيب بطريقة مناسبة للظروف المقبلة، لكن إذا كان خلق الفرد لا يمكن ~~تعديله بهذا الشكل، لو أنه كان كما يفترض دعاة الحرية لا يمكن ~~مطلقا حسابه أو التنبؤ به أو بعبارة أخرى: «لو كانت أفعال الإنسان ~~الإرادية لا تحكمها أساسا الظروف التي يشملها نظام تكوينه الذهني، ~~فإن أساس عقابه لن يكون في هذه الحالة إلا انفعال استياء أو ~~انتقام. لأنه لو كانت مسائل الصراع الأخلاقي تتحكم فيها - لا ظروف ~~طبيعتنا الخاصة - بل بعض البدايات الجديدة ... فإنه من الواضح - في هذه ~~الحالة - أننا لا نستحق لا لوما ولا ثناء، ولا عقابا ولا ثوابا، ~~ومن العبث أن نحاول تعديل منشأة هذه الصراعات بأن نعدل من طبيعتنا ~~عن طريق هذه المؤثرات.» # 19 # والحجة المستمدة من المسئولية الخلقية تبدو من ثم حجة ~~في صف الفيلسوف الجبري. ~~(11) حاولت في الصفحات السابقة أن أسوق ما اعتقدت أنه شرح سليم ~~لوجهة نظر الفيلسوف الجبري فيما يتعلق بالحجة التي تعتمد على سيادة ~~السببية. # وهذه الحجة يمكن تلخيصها في أربع نقاط أساسية: ~~(أ) # ينظر إلى مبدأ السببية على أنه القاعدة العامة السائدة ~~في الطبقة، وهو أحيانا يشمل السلوك البشري. ~~(ب) # الحوادث الذهنية كالإرادة - مثلا - لا تتدخل في ~~السلسلة الآلية، فهي ليست إلا ملازمات تصاحب الحوادث ~~المادية. ~~(ج) # السلوك البشري مطرد، وهذه واقعة يمكن ~~ملاحظتها. ~~(د) # ينظر إلى الحجة المستمدة من المسئولية الخلقية على ~~أنها حجة في صالح المذهب الجبري. # فلنناقش الآن هذه النقاط الأربع في شيء من التفصيل: ~~(12) (أ) يمكن تعريف مبدأ السببية بأنه الافتراض السابق القائل ~~بأن هناك تطابقا للقانون في جميع الظواهر الطبيعية بحيث يعني ~~«القانون» أي تعميم «دقيق أو ترجيحي». # 20 # ومن الواضح أن مثل هذا التعميم هو نتيجة لشهادة التجربة. ~~ومن هنا فإن الانتظام والاطراد في الطبيعة ليس رابطة ضرورية: «ليس ~~ثمة ضرورة منطقية في قانون الطبيعة، فهو بذاته ليس يقينا من ms142 الناحية ~~الحدسية، كلا، ولا هو يمكن استنباطه من مقدمات منطقية يمكن هي نفسها ~~أن تكون يقينية حدسا؛ فالشك في هذا القانون أو إنكاره لا يستلزم ~~الوقوع في التناقض.» # 21 # والواقع أن مبدأ السببية ليس إلا مسلمة، وهو ~~مسلمة مقيدة وضرورية لتقدم العلم، لكنك لا تستطيع أن تصفه وصفا ~~مشروعا أكثر من ذلك. فنحن نعبر عن معرفتنا بعالم الواقع في قضايا ~~عامة هي التي نسميها بالقوانين العلية، وهي لا يمكن أن تكون ~~ممكنة إلا على افتراض أن الحوادث تقع في اطراد دقيق. لكن علينا أن ~~نضع في أذهاننا أن مبدأ السببية - وإن كان قد برهن على أنه مفيد ~~من الناحية المنهجية - فإنه لا يبرهن على أنه صحيح من الناحية ~~الانطولوجية. كلا، ولا ينبغي أن نزعم أنه كلما زاد تطبيقنا لمبدأ ~~السببية في النظريات التي تقال حول الكون، اقتربت هذه النظريات من ~~الحقيقة. ونحن نذكر ذلك هنا لكي نلفت النظر إلى واقعة أن أولئك الذين ~~يأخذون بالنظرية الآلية، يعتمدون في الغالب على إمكان التطبيق الدقيق ~~لمبدأ السببية على العالم المادي. # إن السببية هي اسم يطلق على الاطراد الذي نلاحظه في تسلسل ~~الأحداث وتتابعها، ولو أننا فهمنا من هذا اللفظ شيئا أعمق من ذلك، ~~فإننا في هذه الحالة نستخدمه ليعبر عن مثلنا الأعلى أكثر مما ~~نستخدمه كتسجيل للواقع. إنه سوف يكون «اسما فارغا يخفي فحسب ~~مطلبا لنا هو أن تسلسل الحوادث وتتابعها سوف يظهر يوما ما نوعا ~~أعمق من الارتباط بين شيء وشيء آخر أكثر من مجرد التجاور الاعتباطي ~~الذي تبدو عليه الظواهر الآن.» # 22 ~~(13) والواقع أن لفظ السببية أسيء استخدامه بكثرة، حتى إن ~~العلماء قد قاموا أخيرا بمحاولة جادة لحذفه تماما من مصطلحاتهم. يقول ~~أحد هؤلاء العلماء: «إني لآمل أن يستغني العلم في المستقبل عن فكرة ~~السبب والنتيجة؛ لأنها فكرة غامضة.» # 23 # يقول رسل في نفس المعنى: «أود ... أن أؤكد أن كلمة «السبب» ~~قد ارتبطت بشكل معقد بارتباطات سيئة الفهم مما جعل حذفها التام من ~~مصطلحات الفلسفة أمرا مرغوبا فيه.» # 24 # ويقول ms143 الكاتب نفسه: «إن ما جعل علم الطبيعة يقلع عن ~~البحث وراء الأسباب هو أنه لا وجود لمثل هذه الأمور في الواقع.» # 25 ~~(14) لكن ما القانون أو القوانين، التي يمكن أن توجد لتحل محل قانون ~~السببية المزعوم؟ طرح «برتراند رسل» هذا السؤال وحاول أن يجيب عليه. # 26 # ويمكن أن نلخص إجابته على النحو التالي: # إننا قد نسلم بأنه من المرجح استقرائيا - إذا ما لاحظنا ~~تتابعا في عدد كبير جدا من الحالات دون أن نفشل مرة واحدة في ملاحظة ~~هذا التتابع - أن يتكرر هذا التتابع نفسه في حالات مقبلة. وقد نقول ~~عندئذ - في مثل هذا التتابع الذي نلاحظه بكثرة - إن الحادثة السابقة ~~هي السبب، وإن الحادثة التالية هي النتيجة. ومهما يكن من شيء فإن ~~هناك اعتبارات متعددة تجعل هذا التتابع الخاص مختلفا أتم ~~الاختلاف عن العلاقة التقليدية بين السبب والنتيجة: ~~(1) فالتتابع في الحالات التي لم نلاحظها حتى الآن ليس أكثر من ~~ترجيح، بينما ترانا نفترض أن العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة ~~ضرورية. ~~(2) لن يزعم أحد أن كل مقدم يسبق الحادثة هو سببها بهذا المعنى. ~~لكننا سوف نؤمن فحسب بالتتابع السببي حيثما وجدناه، دون أن نفترض ~~أنهما معا «أي الحادثتين المتتابعتين» توجدان باستمرار على هذا ~~النحو. ~~(3) أي حالة من حالات التتابع الذي يتكرر بشكل كاف سوف تكون حالة ~~سببية بالمعنى الذي ذكرناه، أعني أننا لن نرفض القول بأن الليل هو ~~سبب النهار. ~~(4) مثل هذه القوانين الخاصة بالتتابع المرجح رغم أنها مفيدة في ~~الحياة اليومية وفي طفرة العلم، تتجه إلى أن يحل محلها قوانين مختلفة ~~أتم الاختلاف بمجرد ما يصبح العلم ناجحا. فقانون الجاذبية سوف يوضح ما ~~يحدث في أي علم متقدم ففي حركات الأجسام التي يجذب بعضها بعضا لا ~~يوجد شيء اسمه سبب ولا شيء اسمه نتيجة، لكن هناك مجرد صيغة ~~فحسب. # ليس ثمة تساؤل حول تكرار القول بأن «نفس» السبب يحدث نفس ~~«النتيجة»؛ فالقوانين العلمية لا تعتمد في دوامها على أي تشابه للأسباب ~~والنتائج لكنها تعتمد على تشابه العلاقات، وحتى عبارة ms144 «تشابه ~~العلاقات» عبارة مبسطة للغاية، والقول ب «تشابه المعادلات ~~التفاضلية» هي وحدها العبارة الصحيحة. ~~(15) والآن إذا ما كانت هناك مجموعة من الحوادث لا نلاحظ فيها نفس ~~التتابع يتكرر، أو لا يمكن أن تصالح حولها معادلات تفاضلية، فإننا ~~في هذه الحالة لا يكون لنا الحق في إدراج مثل هذه المجموعة تحت قانون ~~السببية بالمعنى الذي شرحناه آنفا. # ولننظر الآن في الإرادة كما عرفناها في فصل سابق: الإرادة هي فعل ~~من أفعال الانتباه إلى فكرة تغيير الوجود حتى تتحقق هذه الفكرة ~~نفسها، بهذه الطريقة يعبر الفاعل عن ذات نفسه، فافرض مثلا أنني ~~أردت أن تكون الاشتراكية نظاما للحكم في بلادي، # 27 # إنني في هذه الحالة أحتفظ في الانتباه بفكرة تغيير ~~الأوضاع القائمة، بحيث تبدأ الفكرة في تطوير نفسها من الغاية إلى ~~الوسيلة حتى أصل إلى أقرب وسيلة آخذ بها هنا والآن. ولتكن هذه الوسيلة ~~القريبة هي - مثلا - كتابة وطبع نشرات وكتيبات صغيرة تحوي مبادئ ~~الاشتراكية وأسسها وفوائد تطبيقها ... إلخ، ثم تتلو هذه الخطوة خطوة ~~ثانية وثالثة ... إلخ. وهكذا أظل أسير في خطوات مرسومة إن أردت لفعلي ~~الإرادي أن يتحقق حتى يتولى أحد الاشتراكيين السلطة ... وهذه ~~السلسلة من الأحداث تشكل فعلا إراديا واحدا، والحلقة الأولى ~~فيها هي الانتباه إلى فكرة تغيير الوضع القائم: فهل نستطيع أن نجد في ~~هذه السلسلة «أ» تتابعا يمكن ملاحظته «ب» أو نفس العلاقات التي يمكن ~~أن نعبر عنها في شكل معادلة؟ ~~(16) وخذ الآن فعل الانتباه الذي اعتبره الخطوة الأساسية في العملية ~~بأسرها، فما الذي يعنيه التتابع هنا؟ هل يعني أنه قد حدث لي مرات ~~عديدة طوال حياتي أن فعلت فعلا معينا كتناول طعام معين، أو ~~قراءة كتاب معين، أو حركت جسمي بطريقة معينة، وأنه في كل حالة من ~~هذه الحالات كان هذا الفعل يعقبه الانتباه إلى فكرة إدخال النظام ~~الاشتراكي في بلادي؟ هل يعني أن شيئا معينا حدث في العالم ~~الخارجي و«جذب» انتباهي إلى الفكرة، وأنه قد لوحظ دائما أن مثل ~~هذا الحدث يعقبه باستمرار الانتباه إلى فكرة ms145 تغيير الأوضاع الاجتماعية ~~في بلادي بهذه الطريقة المحددة؟ أم إن هناك شيئا في تركيب جسمي - ~~كعملية الهضم مثلا أو دقات القلب - ظهر من الخبرات الماضية أنه ~~يعقبها باستمرار انتباهي إلى هذه الفكرة؟ لا بد لي من الاعتراف أنني ~~لا أستطيع على الإطلاق أن أرى نوعا من أنواع التعاقب السببي بين حدث ~~معين - عقلي أو فيزيقي - كمقدم، وبين انتباهي إلى فكرة التغيير ~~الإرادي كنتيجة لهذا المقدم. # ومع ذلك كله دعنا نسلم بهذا ~~الفرض المحال، وهو أنه قد حدث لي مرات عديدة طوال حياتي أن انتهيت ~~إلى فكرة جعل بلادي دولة اشتراكية، وأن الفكرة قد تحققت في كل مرة ~~... دعنا نفترض هذا الفرض المحال، فهل نستطيع أن نسلم بالإضافة إلى ~~ذلك أن المقدم - وهو الأوضاع القائمة التي لا بد أن تكون في جانب ~~منها على الأقل ذهنية - كانت دائما واحدة؟ وإذا كان يمكن أن يقال عن ~~العالم المادي أن مبدأ «نفس السبب يؤدي إلى نفس النتيجة» لا لزوم له ~~على الإطلاق، لأنه ما إن تعطى المقدمات التي تمكن النتيجة من أن ~~تحسب، حتى تصبح هذه المقدمات معقدة أو متشابكة، بحيث لا يكون من ~~المحتمل أن تتكرر. # 28 # أقول إذا كان يمكن أن يقال ذلك عن العالم المادي الخالص، ~~أليس من الأجدى أن يقال عن تلك الحالة التي يكون فيها الفاعل ~~السيكوفيزيقي النشط جزءا من المقدم، وتكون فيها النتيجة حالة ~~سيكولوجية معينة؟ ليس هناك شيء أفضل لتوضيح هذه النقطة من أن نقتبس ~~النص الآتي من «برجسون»: «إن القول بأن نفس الأسباب الداخلية سوف ~~تحدث نفس النتائج، يعني أنك تفترض أن نفس السبب يمكن أن ~~يتكرر حدوثه على مسرح الشعور، وإذا كانت الديمومة هي على نحو ما ~~ذكرنا، فإن الحالات النفسية العميقة الجذور ليس بينها وبين بعضها ~~الآخر إلا تنافر جذري، ومن المستحيل أن يتشابه اثنان منهما تشابها ~~تاما طالما أنهما لحظتان مختلفتان من لحظات تاريخ حياتي. وفي حين ~~أن الموضوع الخارجي لا يحمل طابع الزمان المنصرم، وهذا هو ما يتيح ~~للرجل الفيزيقي، رغم ms146 اختلاف الزمان، أن يجد نفسه إزاء حالات أولية ~~تتشابه ذاتها، فإننا نجد الديمومة شيئا واقعيا بالنسبة للشعور ~~الذي يحتفظ بأثرها، ولا يحق لنا من ثم أن نتحدث هنا عن حالات ~~تتشابه، ذاتيا؛ لأن اللحظة الواحدة لا يتكرر حدوثها مرتين.» # 29 # وإذا ما اتفقنا على تعريف مبدأ السببية بأنه تلخيص لحالات التتابع ~~المطردة وغير المشروطة التي لاحظناها في الماضي، فبأي حق إذن نطبقه ~~على الحالات الذهنية، أعني على الإرادة مثلا التي لم يكتشف فيها بعد ~~تتابع منظم؟ كيف يقيم الفيلسوف الجبري حجته على هذا المبدأ ليبرهن على ~~حتمية بعض الحالات السيكولوجية، حين تكون - في رأيه - حتمية الوقائع ~~التي لاحظناها هي المصدر الوحيد لهذا المبدأ نفسه؟ ~~(17) إننا يقينا لدينا دافع لا يقاوم للبحث عن «السبب» في كل ~~مكان، إن شئنا استخدام تعبير برادلي. # 30 # غير أن لونا معينا من «السبب» هو الذي يثير جميع ~~المتاعب: «إننا قد نقول إن هناك لونا واحدا من «السبب»، واحدا ~~فحسب، وعندئذ يوضع الإنسان والطبيعة على صعيد واحد. سواء أخذت فكرتك عن ~~«السبب» من المذهب الآلي، أو بدأت من الإرادة، ووضعت الإنسان والطبيعة ~~على صعيد واحد، فليس ثمة فارق عملي بين الاثنين، طالما أنك لا ~~تميز بين الحالتين ... إننا قد نسلم بوجود «السبب»، لكنا قد ~~نقول إن هناك أكثر من نوع واحد من «السبب» فهناك «سبب» آلي، لكنه ~~لا يكفي لتفسير أدنى أنواع الحياة، دع عنك تفسير الذهن». # 31 # يقول تيلور # Taylor ~~: «من المؤكد ~~أنه ليس صحيحا أن التحديد السببي عن طريق المقدمات هو الصورة ~~الوحيدة للرابطة العقلية. إذ يبدو واضحا أن هناك نمطا آخر من ~~العلاقة ... وأعني به الترابط الغائي.» # 32 # ويؤدي بنا ذلك إلى تقسيم «كانط» للسببية: إلى سببية ~~ظاهرية، وسببية نيومائية # noumenal ~~. ~~والسببية الظاهرية هي التي تختص بالتتابع المنظم للحوادث وتنطق على ~~عالم الطبيعة. أما السببية النيومائية - وهي تتميز تماما عن هذه ~~السببية التجريبية - فيسميها كانط بسببية الحرية أو العقل # intelligence ~~، والسببية النيومائية ~~هي التي تنتمي إلى الإنسان. والسلوك الذي يقوم على أساس من ms147 العقل ~~يقدم مثلا كافيا لمثل هذه السببية، لأن العقل كما يقول كانط: ~~«لا يستسلم للدافع المعطى تجريبيا، ولا يتبع نظام الأشياء كما تبدو ~~بوصفها ظواهر، لكنه يشكل لنفسه بتلقائية تامة، نظاما جديدا ~~طبقا لأفكار يطوع لها الظروف التجريبية.» # 33 ~~«لو أنني - في هذه اللحظة - قمت من على الكرسي بحرية ~~كاملة، وبغير أثر ضروري محدد للأسباب الطبيعية، فإن معنى ذلك أن ~~سلسلة جديدة قد وجدت بدايتها المطلقة في هذا الحدث.» # 34 # وعلى ذلك فالخاصية الجوهرية للسببية الظاهرية «أو سببية الظواهر» هي ~~النظام الزمني الموضوعي طبقا لقانون عام. لكن الخاصية الأساسية ~~للسببية النيومائية «أو السببية الخاصة بالأفعال البشرية» هي المبادرة ~~الذاتية «طالما أنها «أي السببية النيومائية» تدخل بحرية تلك ~~«الحلقات في سلسلة الطبيعة» فإنها لا يمكن أن تكون ... جزءا من ~~النظام الزمني ... إن أفعال (مثل هذه الأسباب النيومائية) ليست «حوادث» ~~تبدو ناتجة من الأحداث التي سبقتها في العملية الزمنية # Time-process ~~: إنها بالأحرى ~~«متوسطات» # interventions ~~، تظهر في ~~عملية السير هذه وتكون تطورها التالي. ومن هنا فإن كلمة «ينبغي» يكون ~~لها معنى بالإشارة إليها - وإليها وحدها. لأننا كما يقول كانط بحق: ~~«لو نظرنا إلى مجرى الطبيعة وحده، لوجدنا أن كلمة «ينبغي» ليس لا ~~معنى أيا كان ... فهي تعبر عن فعل ممكن، لا يمكن أن يكون أساسه ~~شيئا آخر غير تصور فحسب». أي إنها لا يمكن أن تكون ظاهرة، وهذا ~~التصور ... هو تصور غائي لما هو قيم # worth # ولما هو خير، وبذلك فإن ~~عالم الغايات الذي تحصل فيه، لا يزال يتميز عن عالم الطبيعة الذي ~~تكون فيه بغير معنى. ففي أحد هذين العالمين تظهر الحوادث متحدة مع ~~الحوادث التي سبقتها، وفي العالم الآخر تبدأ الأفعال في تحقيق غايات ~~مقبلة ...» # 35 # والغاية التي علينا أن نصل إليها هي أساس المشاركة الفكرة في فعل ~~الإرادة. لكن هذه الغاية هي جزء من الفكرة نفسها. ولا بد لي من أن ~~أركز على هذه الحقيقة حتى لا تفهم الغاية كأمر مفروض على الفاعل، ~~وإلا فسوف تكون الغائية الخارجية # Teleology # نفسها، ms148 في هذه الحالة صورة جديدة من صور الحتميات وكل ~~الفرق هو أن الفاعل بدلا من أن يدفع «من الخلف فإنه سوف «يشد» من ~~الأمام. لكن الفاعل - في الحالتين - ليس هو الذي يبدأ الفعل.» إن ~~التطبيق الدقيق لمبدأ الغائية # finality ~~- مثله مثل مبدأ السببية الآلية - يؤدي في النهاية إلى القول بأن: ~~«كل شيء معطى.» # 36 # ولست أعني بالسبب الغائي # Final ~~cause # العنصر الغائي الخارجي # Teleological element ~~، الذي نفترض ~~أنه جزء مكون لفكرة التغير التي تحقق نفسها في حالة الإرادة؛ إذ ~~ليس ثمة شيء وراء الفكرة التي تطور نفسها وتظهر، فلو أنني أنجزت ~~الفعل «س» من أجل الغاية «ص» فإن «س» و«ص» نفسهما قد كانا عنصرين ~~مثاليين في الفكرة. وليس صحيحا أن «ص» هي سبب «س»، والتتابع الزمني ~~في هذه العلية ليس هو «ص - س». أما من حيث الواقع، فإن التتابع هو ~~فكرة «ص» ثم فكرة «س» بوصفها وسائل ممكنة، ثم إنجاز الفعل «س» وبلوغ ~~الغاية «ص» ... ففكرة «ص» تأتي أولا، لكن «ص» نفسها تأتى فيما بعد، أي ~~تتحقق أخيرا. وفكرة «ص» ليست بالطبع هي نفسها «ص». ولا يمكن في ~~عملية السير هذه أن تكون «ص» نفسها سببا ل «س»، والواقع أنها ليست ~~سببا قط لأي شيء في مثل هذه العملية. ~~(18) (ب) رأينا أنه لا يمكن تطبيق السببية على الأفعال الإرادية ~~إذا ما كنا نعني بهذه السببية تتابعا مرجحا للحوادث يقوم على أساس ~~الملاحظة. وسوف نرى الآن ما إذا كان يمكن تطبيق السببية على هذه ~~الأفعال، لو كنا نعني بها ما يعنيه العلم الأكثر تطورا، أعني: ~~علاقات دالية بين الحوادث. ~~«المذهب الجبري فيما يتعلق بحرية الإرادة - هو النظرية التي تقول ~~إن الإرادة تنتمي إلى لون من النسق الحتمي ...» # 37 # و«يوصف النسق بأنه «حتمي» حين تكون معطياته معنية مثل: ~~م # 1 ~~، م # 2 ~~، ... ~~م ن في لحظات: ل # 1 ~~، ~~ل # 2 ~~... ل ن - على التوالي، تتعلق بهذا ~~النسق، إذا ما كانت م ل هي حالة النسق في أية لحظة ل، فهناك علاقة ~~دالية ms149 على الصورة الآتية: م ل = ل (م أ، ل أ، ~~م # 2 ~~، ل # 2 ~~... م ~~ن، ل ن، ل).» # فإن النسق سوف يكون «حتميا» خلال فترة معينة «لو كانت ل في ~~الصيغة السابقة يمكن أن تكون في أية لحظة داخل تلك الفترة، رغم أن ~~وجودها خارج تلك الفترة يجعل الصيغة غير صحيحة.» # 38 # من الواضح - الآن - أنه لكي ~~يمكن للعلاقة الموالية أن تتركب على الإطلاق في الصيغة السابقة فإن ~~المعطيات: م1، م2 ... م ن لا بد بالضرورة أن تكون كميات، أو كيفيات يمكن ~~أن يكون لكمياتها معنى ... لأن الكيفيات بما هي كذلك لا يمكن أن تدخل ~~كمحددات # determinants # في الصيغة ~~السابقة ومن الممكن - على أية حال - استخدام الكيفيات بطريقة غير ~~مباشرة كعناصر مكونة في مثل هذه الصيغة أعني بأن نشير إليها بأرقام ~~معينة كما هي الحال مثلا حين نفترض أن «اللون الأزرق» كان واحدا من ~~المحددات في النسق الذي ندرسه؛ إذ نستطيع في مثل هذه الحالة أن نربط ~~بين «اللون الأزرق» وطول موجة معينة، أو أن نرتب أطوال الموجات. ومثل ~~هذا الكم يمكن أن يدخل في علاقة دالية بوصفه ممثلا للكيف وهو «اللون ~~الأزرق» وحين نصل إلى مثل هذه النتيجة النهائية للعلاقة، نستطيع بالطبع ~~أن نعيد تفسير الكم إلى كيفه المساوي ل. # دعنا الآن نفترض أن النسق الذي نبحثه هو الموجود البشري. # يقال إنه لو كانت م ل هي حالة ذلك الموجود البشري في أية لحظة ~~فإن: م # 1 ~~، م # 2 ~~... م ن في لحظات: ل # 1 ~~، ~~ل # 2 ~~... ل ن تعني على التوالي معطيات ~~معينة من تاريخ حياة ذلك الشخص الذي نتحدث عنه؛ ومن ثم فهناك علاقة ~~دالية بالصورة السابقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل صحيح أن جميع ~~الحوادث - الذهنية والفيزيائية - التي يتألف منها تاريخ حياة شخص ما ~~يمكن ردها إلى كميات؟ لو وجدنا أن هناك كيفيات معينة لا يمكن ردها ~~بهذا الشكل، أو يمكن أن نشير إليها إشارة ذات معنى عن طريق الكميات - ~~فإن مثل هذا النسق ms150 لا بد أن ينظر إليه على أنه نسق لا حتمي. ~~(19) وإذا ما سألنا نفس السؤال بطريقة أخرى قلنا: هل يمكن أن نطبق ~~على المقدار الكثافي # intensive ~~magnitude # نفس منهج القياس المستخدم في أنواع أخرى ~~من المقادير؟ ذلك لأن هناك أربعة ألوان من المقادير هي: ~~(1) # المقدار التعدادي # extensional ~~mag # الذي يعالج الكميات التي يكون ~~أعضاؤها بنودا منفصلة يمكن قياسها بالعد كما هي الحال في ~~أعضاء فئة ما. ~~(2) # المقدار الامتدادي # extensive ~~mag # الذي يعالج كميات تقاس عادة ~~بانطباق مقياس يؤخذ كوحدة قياس # a ~~unit # كما هي الحال في قياس الخطوط ~~بالمسطرة. ~~(3) # المقدار الاختلافي # distensive ~~mag # الذي يعالج درجة الاختلاف بين ~~كيفيات يمكن التمييز بينها وهي مرتبة بتحديد واحد # same determinable # كما ~~هي الحال - مثلا في الاختلاف بين اللونين: الأحمر والأصفر ~~بمقارنتها مع الاختلاف بين اللونين: الأخضر ~~والأزرق. ~~(4) # وأخيرا المقدار الكثافي # intensive ~~mag # الذي يعتبره كانط مساويا للوجود ~~أو الواقع # reality # حتى ~~إن الشيء كلما عظم دمجه عظم وجوده كما هي الحال مثلا في ~~ارتفاع الصوت أو انخفاضه، أو في الإحساس حين يكون ضعيفا ~~أو قويا. # وعلينا أن نلاحظ أن المقدار التعدادي والمقدار الامتدادي يعالجان ~~كميات، في حين أن المقدار والكثافي يعالجان كيفيات، والكل التعدادي ~~يقاس مباشرة بالأعداد، أعني عن طريق عد الأعضاء كما هي الحال مثلا ~~حين نقول: إن الجيش الفلاني يتألف من كذا من الجنود، والكل ~~الامتدادي يقاس بعدد وحدات القياس التي يشملها كما هي الحال مثلا حين ~~نقول إن المسافة الفلانية طولها كذا من الياردات. والمقدار الاختلافي ~~بنفس الطريقة يقدر بكميات ترتبط بالأعداد، فنحن نعني بأعداد معينة ~~ألوانا معينة، وهكذا نصل إلى معرفة أن الفرق بين اللونين: الأحمر ~~والأصفر أكبر أو أقل من الفرق بين اللونين؛ الأخضر والأزرق. ومن ثم ~~ترانا نستخدم الأعداد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لنقدم قياسا ~~دقيقا لهذه المقادير الثلاثة، والسؤال الآن هو: هل يمكن للمقدار ~~الكثافي أن يقاس بمثل هذه الدقة؟ سوف أقسم الإجابة عن هذا السؤال ~~إلى ثلاثة أقسام: أناقش في القسم الأول المشكلة ms151 من حيث علاقتها ~~بالإحساسات، وأناقش في القسم الثاني المشكلة من حيث علاقتها ~~بالوجدانات، وأناقش في القسم الثالث المشكلة من حيث علاقتها بالانتباه ~~النشط، وهذه الأقسام الثلاثة تغطي - على وجه التقريب - ما يعرف ~~تقليديا بجوانب الشعور الثلاثة: الإدراك، والوجدان، والنزوع. ~~(20) (ب-أ) لا شك أنه من الصواب أن نقول إن الإحساس قابل ~~للزيادة والنقصان، ففي استطاعتي - يقينا - أن أقول إنني أشعر بالدفء ~~قليلا أو كثيرا. لكن ألا يمكن أن يكون ثمة إحساسان أو أكثر من نوع ~~واحد يمكن قياسهما بدقة تامة، حتى إننا نستطيع أن نقول إن شدة ~~أحدهما تعادل ضعف أو ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف؟ «لو كان للامتداد ~~الكيفي مقدار فإن ذلك يعني افتراض أن الامتدادات من نوع واحد يمكن ~~مقارنتها بعضها ببعض من حيث الكبر والصغر ... ويبدو أن علماء الرياضة ~~الذين كتبوا في هذا الموضوع متفقون في الرأي على أن المقدارين، وإن ~~كان يمكن مقارنتهما من حيث الكبر والصغر، فإنه لا يمكن قياسهما ~~بلغة الأعداد أو الأرقام. لكن لو كان هناك امتدادان يطرد الواحد منهما ~~الآخر فإنني لا أدري بأي معنى يمكن مقارنتهما من حيث الكبر والصغر ما ~~لم يكن لدينا مقياس كيفي، وحين يظهر مثل هذا المقياس الكيفي فسوف يتلوه ~~مباشرة - فيما أعتقد - ظهور القياس العددي.» # 39 # ويبدو لي أنه بمثل هذا الاعتقاد بدأ «فيبر وفخنر # weber and Fechner ~~» عملهما ~~التجريبي للكشف عن منهج أو طريقة القياس العددي الذي يمكن أن نقدر ~~على أساسه المقادير المدمجة. ولقد بدأ فخنر # Fechner # عمله بقانون اكتشفه فيبر # Weber # يقول: «توجد لكل نوع من ~~الإحساسات نسبة ثابتة بين المنبه الحسي والزيادة الصغرى التي يجب أن ~~تضاف إليه لكي يصبح الفرق محسوسا به.» # وبالتالي فلو كانت # 40 # تمثل المثير الأصلي الذي يقابل الإحساس س، وب تمثل ~~النسبة التي لا بد أن تضاف إلى المثير الأصلي حتى تستطيع الذات إدراك ~~الفرق في الإحساس فسوف يكون لدينا المعادلة الآتية: ب / أ = ثابت ~~(1). # ولقد أخذ فخنر # Fechner # بوجهة النظر القائلة بأن ~~مقدار الإحساس نحصل عليه عن ms152 طريق الإضافة، التي تكون فيها الوحدات ~~المتساوية هي التي يمكن أن ندركها في الحال. وإذا ما قارنا بين ~~مقدار الإحساس الناتج وبين مقدار الإحساس كما يقاس فيزيائيا وصلنا ~~إلى النتيجة التي تقول إنه في حين أن الإحساسات تزداد أو تنقص على ~~شكل متوالية حسابية فإن المثيرات المقابلة تتغير على شكل متوالية ~~هندسية، ويمكن أن نعبر عن هذه الصيغة بسهولة أكثر بقولنا: إن ~~مقدار الإحساس يختلف بوصفه لوغارتم المثير. # وقد يؤدي بنا هذا الخط من البحث في يوم من الأيام إلى أرض صلبة وأساس ~~متين نستطيع منه أن نحسب - إذا ما أخذنا المثيرات الحسية الدقيقة - في ~~يقين الإحساسات المقابلة. لكني مع ذلك سوف أثير النقاط الآتية لكي ~~أبين أن هذه النظرية على ما هي عليه الآن هي على أحسن الفروض ~~مشكوك في صحتها. ~~(1) إننا إذا ما عرفنا النسبة بين المثير الأصلي والزيادة التي نحس ~~بها، فإن هذه المعرفة تخدمنا - على ما أعتقد - في تحديد الإحساس ~~المقابل، ما لم نعرف أن مقدار المثير الذي يقابل صغر الإحساس واحد ~~عند جميع الناس أو حتى عند الفرد الواحد. لكن من المسلم به كحقيقة ~~واقعة أنه يختلف باختلاف الأفراد كما يختلف عند الشخص الواحد في ~~أحوال مختلفة. فلو كنا لا نستطيع أن نعرف درجة الإحساس عند فرد معين ~~في لحظة معينة إلا إذا فحصنا هذا الفرد نفسه في هذه اللحظة الجزئية ~~المعينة، فإن ذلك يعني أن كل لحظة من تاريخ حياة الفرد عبارة عن ~~حالة عينية قائمة بذاتها قد تشبه - أو لا تشبه - حالته في لحظة ~~أخرى. ~~(2) افرض أنني خبرت الإحساس «س»، وأنه بزيادة هذا الإحساس ~~باستمرار شعرت بهذه الزيادة بعد مدة معينة بحيث أصبح الإحساس ~~«س # 1 ~~» من الطبيعي في هذه الحالة أن نقول ~~إن الإحساس الأول وهو «س» قد تغير إلى إحساس آخر هو الإحساس، بهذا ~~الكل فإن إحساسك يكون «س»، وحين يزداد الإحساس بهذا الشكل يصبح ~~إحساسك «س # 1 ~~»، لكن هناك حالة انتقال بين «س» ~~و«س # 1 ~~» يكون فيها الإحساس أقوى من ms153 «س» ~~وأضعف من «س # 1 ~~»، ولا شك أن شدة الإحساس ~~في هذه الحالة تختلف عن شدة الإحساس في حالة «س» ~~و«س # 1 ~~» ويبدو أن القانون الذي نناقشه ~~يعجز عن حساب هذا الفرق. وبعبارة أخرى فإنه يقال إن مقدار الإحساس ~~يمكن حسابه في بعض الأوقات ولا يمكن حسابه في أوقات أخرى. ~~(3) إن الإشارة إلى الشدة بالأرقام تعني أن المقدار المدمج يمكن ~~تقسيمه إلى حدات بنفس الطريقة التي نقسم بها الأعداد. غير أن ~~الوحدات التي سيتكون منها العدد تتحد مع بعضها في هوية واحدة، في ~~حين أن القول بأن الشدة تتألف من وحدات تتحد في هوية واحدة هو ~~تناقض ذاتي لأن الشدة تعني أن الوحدة الأولى من السلسلة هي أقل ~~«كثافة # dense ~~» أو أكبر «كثافة» من ~~الوحدة الثانية. أعني أن الوحدات في المقدار المدمج ليس بينها تغير ~~متبادل لأنها لا تتحد في هوية واحدة. وفضلا عن ذلك فإن ~~الإحساسين من نوع واحد لا يمكن أن يقال إنه يمكن قياسهما على ~~الإطلاق ما لم يكن من الممكن أن يقال بطريقة لها معنى إنهما ~~متساويان أو إن أحدهما يتضمن من الوحدات أكثر أو أقل مما يتضمنه ~~الآخر ... لكنه من الصعب أن نرى كيف يمكن لهذين الإحساسين أن يكونا ~~متساويين ما لم يكونا متحدين: «لا شك أن المساواة في العالم ~~الطبيعي لا ترادف الهوية. غير أن السبب هو أن كل ظاهر، وكل موضوع ~~يمثل هنا بوجهين؛ أحدهما كيفي، والآخر امتدادي. وليس ثمة ما يمنع ~~من أن نضع جانبا الوجه الأول، ولن يبقى في هذه الحالة سوى حدود يمكن ~~انطباقها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الواحد على الآخر، وبالتالي تبدو ~~وكأنها متحدة في هوية واحدة ... وهذا العنصر الكيفي الذي بدأنا بحذفه ~~من الموضوعات الخارجية لكي نقيسها هو نفس العنصر الذي يحتفظ به ~~السيكوفيزيقيون، ويزعمون أنهم يقيسونه ... وباختصار: يبدو من ناحية ~~أن الإحساسين المختلفين لا يمكن أن يقال إنهما متساويان ما لم تبق ~~البقية المتحدة في هوية واحدة بعد استبعاد اختلافهما الكيفي. لكن هذا ~~الاختلاف الكيفي من ms154 ناحية أخرى هو كل ما ندركه، ولا نعرف ما الذي يمكن ~~أن يبقى إذا ما حذفناه.» # 41 ~~(4) القول بأن عملية نمو الإحساس إذا كانت تتألف من وحدات ~~متساوية أضيف بعضها إلى بعض، وكل وحدة من هذه الوحدات مساوية للفرق ~~المدرك، هذا القول يعني أننا نتحدث عن مثل هذه العملية السيكولوجية ~~بألفاظ تناسب الظواهر المكانية. ولا ينبغي التفكير في الإحساس في صورة ~~خط يمكن قسمته إلى أجزاء متساوية؛ ذلك لأن الأول يتضمن ديمومة، ~~بينما الثاني لا يتضمن ديمومة. فالإحساس تتال، يزداد شدته بالتدريج، ~~أما الخط فهو مجرد إضافة للأجزاء، يمكن أن ينظر إلى أولها كما ~~ينظر إلى آخرها «نحن نضع حالات شعورنا جنبا إلى جنب بتلك الطريقة ~~التي ندركها بها في تأن، لكنا لا نضع الواحدة في الأخرى، بل ~~الواحدة بجانب الأخرى. ونحن باختصار نسقط الزمان على المكان، ~~ونعبر عن الديمومة بألفاظ الامتداد. والتتالي «أو التعاقب» يتخذ ~~في هذه الحالة شكل الخط المتصل أو السلسلة التي تتلامس حلقاتها دون أن ~~تتداخل ...» # 42 ~~(21) (ب-2). # لكن إذا كان من الصعب أن نرى ~~كيف يمكن للإحساسات أن تقاس أو أن تحسب بدقة، فإن الموقف بالنسبة ~~للوجدانات أشد سوءا. ولنأخذ اللذة على سبيل المثال. إن «روس # Ross ~~» يمثل جيدا وجهة النظر ~~التي تزعم إمكان قياس اللذة قياسا دقيقا فهو يقول: «إننا قد نتساءل ~~عما إذا كانت اللذات يمكن مقارنتها بعضها ببعض، وعما إذا كان من ~~الممكن لنا أن نقول إن إحدى اللذات أعظم أو أكثر لذة من الأخرى. وإني ~~لأعتقد أن ذلك أمر لا شك فيه. ومن ينكر ذلك يبدأ عادة بأن يسألنا أن ~~نخبره أي اللذتين المنفصلتين تماما أعظم من الأخرى. صحيح أننا لا ~~نستطيع - في الأعم الأغلب - أن نخبره بذلك. غير أن الباحث الذي ~~يؤكد إمكان المقارنة بين اللذات ليس مضطرا لبيان أنه يستطيع أن ~~يقول أي اللذتين أعظم من الأخرى. فقد لا نكون مثلا قد استمتعنا بهما ~~حديثا، ولا شك أن تذر شدة اللذة عمل غدار خصوصا إذا كان قد انقضت ~~على ms155 ذلك فترة زمنية. ومن ناحية أخرى فقد تكون إحدى اللذتين - أو هما ~~معا - معقدة غاية التعقيد. وقد يكون الاستبطان الضروري لتقدير حلاوتها ~~صعبا. غير أن ذلك يتضح بصورة أكبر أنه إذا ما قارنا بين لذتين ~~بسيطتين نسبيا، وبين لذتين متشابهتين نسبيا كنا قد خبرناهما ~~حديثا، هنا قد لا تكون لدينا أية مشكلة في أن نبين أن إحداهما ~~أعظم لذة من الأخرى. ويكفي ذلك دليلا على تفاوت اللذائذ في شدتها ... ~~وإذا ما اتضح ذلك، فقد تعود إلى المجادلة في إمكان قياس اللذات، قد ~~تكون بالضبط ضعفها في الشدة ... لأنه إذا ما كانت إحدى اللذات أعظم شدة ~~من الأخرى، فإنه لا بد أن يكون لها قدر معين من زيادة الشدة ...» # 43 # وسوف أثير الاعتراضات الآتية ضد هذه الوجهة من النظر: ~~(1) إن قياس درجة معينة من اللذة بمعامل ارتباط امتدادي # extensive correlate # يعني الاعتقاد ~~بأننا نحصل على اللذة بإضافة عدد من اللذائذ الصغيرة، غير أن اللذة ~~ليست إلا واقعة قائمة بذاتها لا يمكن قياسها، وليست مكونة من مجموعة ~~من الأجزاء كل منها حالة من اللذة. ~~(2) إذا سلمنا بأنه يمكن ~~قياس حالة لذة ما بمعامل ارتباط امتدادي # ex ~~correlate # فما هي معاملات الارتباطات # Correlates # هذه التي يمكن أن يقال ~~إنها ممكنة؟ أعتقد أن هناك بديلين، وبديلين فحسب؛ فهذه الحالة ~~يمكن أن تقاس إما بمقدار السبب الموضوعي - وبالتالي يمكن قياسه - ~~الذي أظهرها إلى الوجود، وإما بقياس الحركات الدقيقة جدا للجسم # molecular movements ~~، وهي الحركات ~~التي يفترض مصاحبتها لكل حالة نفسية. وسوف نناقش الافتراض الأخير ~~فيما بعد حين نعرض لمذهب الظاهرة الثانوية # epiphenomenalism ~~، أما بالنسبة ~~للافتراض الأول فأنا أريد أن أسوق عدة ملاحظات: ~~(أ) # إننا لا نعرف أن حالة نفسية معينة قد ازدادت شدتها ~~من خلال زيادة السبب الموضوعي، بل على العكس، فشدة الحالة ~~النفسية هذه ذاتها هي التي تقودنا إلى افتراض خاص بعدد ~~الأسباب وطبيعتها. ~~(ب) # غالبا ما يحدث أن يرجع الفرق في الشدة إلى حالة نفسية ~~أخرى لا تخضع للقياس. ~~(ج) # حالة اللذة يمكن ms156 ردها في بعض الأحيان إلى سبب خارجي ~~لا يبدو أنه يخضع للقياس، كما هي الحال مثلا في إحدى ~~الصور التي يمكن أن تقدم لنا لذة أعظم في شدتها من ~~إحدى الصور الأخرى. ~~(3) إن أي قياس دقيق للذة لا بد أن يستعمل الأرقام أو الأعداد، ~~وهذه لا يمكن تصورها بدون فكرة عن المكانية # Spatiality ~~... في حين أن الشدة ~~مستقلة عن مثل هذه الفكرة. والأعداد لا بد أن تشير في نهاية تحليلها ~~إلى مقدار امتدادي، في حين أن شدة الوجدان لها طبيعة الديمومة. وأنت ~~حين تقول إن شدة الوجدان يمكن الإشارة إليها بالأرقام، فإنك تزعم ~~في هذه الحالة أن الديمومة يمكن قياسها بالمكان: «ما إن نرغب في ~~تصور العدد لأنفسنا ... حتى نضطر إلى الاستعانة بتصوير ذهني امتدادي ... ~~ومن المؤكد تماما أنه يمكن أن ندرك في الزمان - وفي الزمان وحده ~~- تعاقبا لا يكون شيئا آخر سوى تعاقب، لا إضافة، أعني تعاقبا يصل ~~إلى قمته في جملة أو مجموع؛ لأنه على الرغم من أننا نصل إلى الجملة ~~أو المجموع بأن نضع في اعتبارنا تعاقبا لحدود مختلفة، فإنه لمن ~~الضروري مع ذلك أن يبقى كل حد من هذه الحدود حين نصل إلى التالي، وأن ~~ينتظر إذا لم يكن سوى لحظة من لحظات الديمومة؟ وأين يمكن له أن ينتظر ~~ما لم نضعه في مكان؟» # 44 # وبالتالي فالأعداد يمكن أن تستخدم فقط لعد الوحدات المكانية، ولا ~~فائدة من المجادلة والقول بأننا نستطيع أن نعد لحظات الزمان ~~المتتالية منفصلة عن المكان؛ لأن معنى العد هو إضافة وحدات، والقول ~~بأنك تضيف إلى اللحظات الحاضرة تلك اللحظات التي سبقتها يتطلب ~~بالضرورة ربط اللحظات الماضية بالآثار المكانية # patial ~~traces ~~، طالما أن اللحظات نفسها قد اختفت إلى ~~الأبد، والنتيجة التي تقودني إليها هذه المناقشة هي شدة الوجدان لا ~~يمكن تقديرها برموز عددية طالما أننا نقول إن لها طبيعة الديمومة. ~~وفضلا على ذلك فإننا لا نستطيع أن نتصور إمكان قسمة المقدار ~~المدمج، لأن «الجزء» من لذة معينة لا بد أن يكون واقعة سيكولوجية ms157 ~~تختلف أتم الاختلاف عما كان على «الكل»، لا لأنه لا بد أن يكون ~~أقل من الكل من حيث الكمية، بل لأن الكيف لا بد أن يكون مختلفا. ~~فالإفراط في اللذة قد يحولها إلى ألم. ومن هنا جاءت وجهة نظر «روس # Ross ~~» الخاطئة حين ظن أن هناك ~~لذات معينة يمكن شطرها نصفين؛ فهو يقول: «صحيح ... إن الفرق بين لذتين ~~ليس هو نفسه لذة، كما هي الحال في الفرق بين طولين، فهذا الفرق هو نفسه ~~طول، لكن الفرق بين شدة لذتين هو قدر من الشدة، وهو بالطبع قدر معين. ~~وقد يساوي ذلك شدة اللذة الأقل، ولو كان ذلك كذلك، فإن اللذة الأعظم ~~تساوي في عظمها ضعف اللذة الأقل.» # 45 # وإذا لم يكن في استطاعتي أن أتصور كيف يمكن لأية لذة ~~أن تنقسم، فإنني لا أستطيع أن أتصور أي جزء من لذة أعظم يكون ~~مساويا للذة الأقل. # غير أن السؤال يظل قائما وهو: كيف يمكن أن نفكر في لذتين ~~بألفاظ «الأعظم شدة»، و«الأقل شدة»، ما لم يكن لدينا فكرة محددة عن ~~معنى «الشدة المتساوية»؟ ما الذي يجعلنا بالضبط نحكم على إحدى اللذات ~~بأنها أعظم من الأخرى؟ الجواب هو أنه كلما كثرت الحالات النفسية ~~التي يحدثها وجدان معين، عظم ظهوره، فاللذة الأعظم تخترق عددا ~~واسعا من العناصر النفسية. وحين نكون في حالة لذة فإن نظرتنا للكل ~~المحيط بنا تتغير - فيما يبدو - تغيرا جذريا. والموضوعات الواحدة ~~لا تؤثر فينا بطريقة واحدة، فالذكريات الواحدة قد تنقل إلينا وجدانات ~~مختلفة، ولا تتطلب حركاتنا بذل جهد واحد بعينه، وهكذا تتغير ~~حالاتنا النفسية من حيث الكيف. لكن عدد الحالات النفسية التي تتأثر ~~يمكن أن يزداد أو ينقص في حالات اللذة المختلفة؛ ففي مناسبة من ~~المناسبات يمكن لحالة من حالات اللذة أن تصبغ بلونها جميع الحوادث ~~النفسية طوال اليوم، وفي مناسبة أخرى يمكن أن تستغرق فحسب بضع ساعات ~~قليلة، وعلى الرغم من أن الفرق بين الحالتين هو أساسا فرق في عدد ~~الأحداث النفسية، فإنه مع ذلك فرق في الكيف لا ms158 يمكن أن نشير إليه ~~عدديا وهذا هو السبب في أننا نعرف تماما أن لذة معينة أعظم من ~~لذة أخرى، دون أن نحسب بدقة مقدار الزيادة بألفاظ من وحدات ~~معينة. ~~(22) (ح-2) يبدو أن الإحساسات والوجدانات لا يمكن حسابها بلغة ~~الأرقام والأعداد. وقل مثل ذلك في نشاطنا، فنحن قد نعزو في غموض بعض ~~الحدود الكمية إلى الانتباه، كما هي الحال مثلا في «التركيز # concentration ~~» أو «الاسترخاء # relaxaton ~~»، ولكن من الواضح أن ~~الإشارة الكمية ترجع إلى الموضوعات التي ننتبه إليها، فموضوع الانتباه ~~هو أحيانا بالغ التعقيد، وأحيانا أخرى أقل تعقيدا، لكن الإحساس هو ~~واحد باستمرار. # وحتى موضوعات الانتباه يمكن الإشارة إليها كميا بمعنى غامض فحسب ~~لهذه الكلمة، لأن الدقة العددية لا يمكن تصورها هنا، خذ مثلا ~~لذلك حالة الإرادة: إن موضوع الانتباه في حالة الإرادة هو فكرة ~~التغيير، وقد تكون لهذه الفكرة تفصيلات كثيرة أو قليلة، كما أن ~~التباين بين الفكرة والوجد قد يكون كبيرا أو صغيرا. لكن ما زلنا ~~نفتقر مع ذلك للقياس الدقيق للهوة بينهما بل إن مثل هذا القياس ~~الدقيق لا يمكن التفكير فيه، ما لم نعتقد أن الفرق بين الاستبداد ~~والديمقراطية - مثلا - هو فرق يمكن قياسه بالأرقام. ودعنا نفترض ذلك ~~الفرض المحال، وهو أن مضمون الانتباه في لحظة معينة يمكن قياسه؛ ~~واضح أن ذلك لا يكون ممكنا إلا في حالة واحدة، هي إذا ما كان ~~الانتباه يوجد على الإطلاق لهذا الموضوع المعين في تلك اللحظة ~~المعينة، لكنا سبق أن رأينا في الفصل الثاني أن الانتباه نشط، ~~أعني أنه يحمل سببه في جوفه # self-caused ~~، ولو صح ذلك فلن ~~نستطيع التنبؤ بأنه في هذا الوقت أو ذاك سوف ينتبه هذا الفرد ~~المعين إلى ذلك الموضوع المحدد. ~~(23) دعنا الآن نعد إلى الزعم الأصلي: «المذهب الجبري - فيما ~~يتعلق بالإرادة - هو النظرية التي تقول إن إرادتنا تنتمي إلى نسق ~~حتمي معين» و«يكون النسق حتميا حين تتعلق معطيات معينة مثل: ~~م # 1 ~~، م # 2 ~~... م ~~ن في لحظات ل # 1 ~~، ~~ل # 2 ~~... ل ن، على ms159 التوالي بهذا النسق. ~~فإذا كانت م ل تمثل حالة النسق في أية لحظة ل، فهناك علاقة دالية ~~بالصورة الآتية: # م ل = (م # 1 ~~، ل # 1 ~~، ~~م # 2 ~~، ل # 2 ~~... ~~م # ن ~~، ل # ن ~~، ~~ل).» # ورأيي هو أن مثل هذه المعادلة يمكن أن يكون لها معنى على الإطلاق، ~~في حالة واحدة فقط هي: إذا كانت م1، م2 ... م ن يمكن قياسها كميا. ولو ~~وجدنا أن فقرة معينة - أو مجموعة - من هذه الفقرات لا يمكن ~~التعبير عنها بألفاظ الكم الامتدادي فإن المعادلة تصبح بغير معنى. ~~لكنا سبق أن أظهرنا، في الصفحات السابقة، أن الإحساسات والوجدانات، ~~ونشاط الانتباه، هي كلها أمور تجاوز مثل هذا التقدير الكمي؛ ومن ثم ~~فإن المعادلة تتحطم وتنهار من حيث انطباقها على الموجودات ~~البشرية. ~~(24) (ب) نصل الآن إلى الدعوى ~~الثانية للفيلسوف الجبري وهي القائلة بأن الأحداث الذهنية لا تتدخل ~~في السلسلة السببية الآلية، وأنها ليست إلا مصاحبات فحسب للأحداث ~~المادية ... وهذا يعني بعبارة أخرى أن الذهن ليس إلا ظاهرة ثانوية ~~للمادة. وفي اعتقادي أن هذه النظرية لا يمكن الدفاع عنها. ولقد سبق ~~أن أثبت إيجابيا، في الفصل الثاني، أن الانتباه نشط # active ~~، وهذا يعني أنه يتسبب ~~في تغير ما، دون أن يكون له نفسه مسبب، فهو يحول السلسلة الآلية ~~ويوقفها ثم يبدأ سلسلة جديدة. ولقد بينا أن ذلك لا يعني خروجا على ~~قانون بقاء الطاقة، إذا ما اعتبرنا هذا القانون ممثلا لحقيقة ~~نهائية. أما من الناحية السلبية فإن مذهب الظاهرة الثانوية التي ~~تفسر الذهن على أنه نتاج ثانوي للمادة يتضمن نقاط ضعف كثيرة. ~~وسوف أشير الآن إلى بعض هذه النقاط. ~~(1) يذهب الفيلسوف الجبري إلى أن كل عصاب # neurosis ~~، ولنرمز له بالرمز «أ» ~~يقابله ذهان # psychosis ~~«مرض عقلي» ~~«أ # 1 ~~» كمصاحب كامن أو كمجرد ظاهر ~~ثانوية. فافرض مثلا أن «أ # 1 ~~» هي حالة من ~~حالات الشعور: فما الذي نشعر به في هذه الحالة؟ يقينا ليس هو العصاب ~~نفسه؛ لأننا قد نشعر بالعالم الخارجي، أعني العالم الذي يقع خارج ~~التيار العصبي ms160 تماما. ونحن هنا نواجه هذا الإحراج المنطقي # Dilemma ~~. إن الواقعة الفعلية ~~الوحيدة هي عملية المخ مع ظاهرتها الثانوية، ومن ثم العالم الذي ندركه ~~قد يكون مجرد وهم. ومع ذلك فإن معرفتنا الوحيدة بأن هناك عمليات ~~للمخ مع مصاحب لها - هذه المعرفة ليست إلا استدلالا من ذلك الذي ~~افترض الآن أنه مجرد وهم كاذب. وبعبارة أخرى فإن الدليل الذي ~~يقدمه الفيلسوف الجبري في هذه النقطة دليل دائري، أعني أنه ~~يتضمن دورا منطقيا، فنحن نعلم أن هناك عالما خارجيا يقع خارج ~~جسمنا لأن عمليات معينة تحدث في المخ، لكنا في الوقت نفسه نعلم ~~أن هذه العمليات تحدث لأننا نعرف أن هناك عالما خارجيا يقع ~~خارج المخ. ~~(2) إن حجة الفيلسوف الجبري تشبه قولنا بأن الجزء يطابق الكل. ~~ويمكن أن نرى ذلك على النحو التالي: لا شيء يدخل الجهاز العصبي أو يخرج ~~منه إلا إذا كان في صورة حركة، وطالما أن جسمنا ليس إلا جزءا من ~~الكون المادي كله، وحركة المادة في هذا الكل تشكل سلسلة مترابطة. ~~فإن الحركات في جهازنا العصبي لا يمكن أن تخلق أو تنشأ بداخله، ~~لأنها أجزاء من كل أكبر. والآن. يطلب منا أن نعتقد بأن الحركة في ~~الجهاز العصبي، التي هي ليست إلا جزءا من الحركة كلها، تطابق هذا ~~الكل، لأنها تعكسه. ~~(3) وتطالبنا هذه النظرية بأن نفترض أن جميع الإدركات الحسية، ~~والوجدانات والإرادة هي رموز لحركات الجزئيات في المخ، غير أن الحركة ~~بمعنى النقلة في المكان # Locomation # هي ~~من نوع واحد، فالحركة الواحدة يمكن تمييزها عن غيرها تمييزا كميا ~~فحسب، وبالتالي فإن تأليف مسرحية هاملت أو التألم من وجع الضرس، ~~وكونك في حالة فرح، ومشاركتك في سباق الخيل، هي كلها فقرات من نوع ~~واحد. والفرق الوحيد بينها هو فرق في كمية الحركة الموجودة. ~~(4) لو أن جميع حالات ذهني يمكن أن ترتبط بحركات معينة في المخ: ~~فكيف يمكن لي أن أبرهن أن هناك مقابلا فيزيقيا في العالم ~~الخارجي؟ إن من يلاحظ حركة الجزئيات في المخ مع ظواهرها الذهنية ~~الثانوية، لن ms161 يجد أدنى فارق بين حالة الحلم وحالة اليقظة، ففي كلتا ~~الحالتين سوف يرى حركات الأعصاب # Neurons # مصحوبة بمصاحبات ذهنية، ~~وسوف يكون من التعسف أن نفترض أنه في إحدى هذه الحركات يوجد عالم ~~خارجي مقابل، وفي بعض الحركات الأخرى لا يكون لهذا العالم وجود. ~~(5) إذا سلمنا بأن كل حادثة فيزيقية ولتكن «أ» يصاحبها حدث ~~سيكولوجي هو «أ» فما الذي يبرهن على أن أحدهما ظاهرة، بينما الثاني ~~ظاهرة مصاحبة، وليس العكس ... يتساءل جميس وورد # J. ~~Ward # بصدد هذه النقطة قائلا: # 46 ~~«أيهما الحقيقي وأيهما الرمزي؟» ثم يضيف مقدما إجابة مخالفة ~~لإجابة الفيلسوف الرمزي: «إذا ما وجهنا هذا السؤال بصراحة، فإن ~~الجواب - فيما أعتقد - يسير إلى أقصى حد. فمن المسلم به تماما أن ~~الواقعي عيني باستمرار، في حين أن الرمزي مجرد دائما. فكلمة الواقعي ~~تعني الفردية بدرجة كبيرة أو صغيرة، في حين أن الرمزي يعني دائما ~~الكلي المنطقي، والواقعي يتضمن باستمرار تاريخا في نطاق خبرتنا، ~~أعني أماكن، وتواريخ، وتجاوبا مع البيئة العينية. أما الرمز فهو خلق ~~منطقي ... وإنه لمن الخلف الواضح أن نقول - مطبقين هذا المقياس - عن ~~عزم قيصر لعبور نهر روبيكون # Rubicon ~~، # 47 # أو عزم «لوثر» على الذهاب إلى «ورمز # Worms ~~» # 48 ~~- إنه رمز لتراقص الجزئيات في مخ كليهما.» ~~(6) ولست أدري من الذي يتوقع أن يلاحظ حركات جزئيات مخي لكي يتحقق ~~من تواريخها مع حالات ذهني؟ لا بد من استبعادي - كملاحظ - عن هذا ~~الموضوع، طالما أنني لا أستطيع إدراك مخي الخاص. ومن ناحية أخرى ~~فإن كل ما يستطيع عالم الفسيولوجيا أن يراه هو التغيرات التي تحدث في ~~مخي، أعني الحوادث المادية، وهي بوصفها حوادث مادية، لا تقدم فرضا # ex hypothesi ~~، أي دليل على ~~مصاحباتها الذهنية. وإن كان عالم الفسيولوجيا يشير إلى خبرته الخاصة ~~حين يلاحظ مخي، فإن التوازي عندئذ لا بد أن المستحيل - عمليا ~~ونظريا - للملاحظ الواحد أن يفحص ألوان العصاب # neuroses # أو ألوان الذهان # psychoses # عند شخص واحد مرة واحدة، ~~ومن ثم فالافتراض لا يمكن أن يكون أكثر من افتراض قيم ms162 «لا يمكن ~~التحقق منه بأية وسيلة من الوسائل». ~~(7) تطلب منا هذه النظرية أن نعتقد أن جميع حركات الأجسام البشرية ~~- بما فيها تلك الحركات التي تعزى عادة للإرادة - يمكن تفسيرها ~~تفسيرا تاما بالأسباب الفيزيقية. فإذا ما وجدنا أن الإرادة يعقبها ~~بصفة عامة الحركة الرادة، فينبغي ألا نفهم من ذلك أن الإرادة هي ~~سبب الحركة، أما تفسير مثل هذه الواقعة فهو أن عوامل فيزيقية معينة ~~يشملها السبب الإجمالي للحركة الجسمية - لها آثار ذهنية، كما أن لها ~~آثارا فيزيقية سواء بسواء. والحركة الجسمية المشار إليها هنا ما كان ~~لها أن تحدث ما لم تسبقها حالة معينة من الحالات الفيزيائية، وهذه ~~الحالة الفيزيائية لا يمكن أن تحدث دون أن يصاحبها رغبة في هذه ~~الحركة الجسمية، وتبعا لهذه النظرية فإن جميع ألوان الإرادة هي ~~مصاحبات ضرورية لحالات فيزيائية معينة، ومن ثم فإنها لا بد أن ~~تكون محددة تحديدا تاما مثل الحالات الفيزيائية ذاتها. # والمغالطة هنا - كما كشف عنها دكتور برود # C. D. ~~Broad ~~- هي على النحو التالي: «إذا ما وجدنا أن ~~هناك أنواعا معينة من الحركات الجسمية لم يحدث لها قط أن ظهرت دون ~~أن يسبقها إرادات مقابلة مثلما يسبقها حالات فيزيائية معينة، فإننا ~~لا نستطيع أن نعرف أن الإرادات ليست أسبابا مناسبة، أعني أن نفس ~~الحركات الجسمية كان يمكن أن تحدث لو أن ظروفا فيزيائية سابقة كانت ~~هي نفسها، في حين كانت الإرادة غير موجودة. إنه من الممكن أن تكون ~~الإرادة ليست سببا مناسبا للحركات الإرادية، لكن اعتقادنا بأنها ~~كذلك في حالة الأمثلة السلبية هو عمل من أعمال الإيمان الخالص ... وحسب ~~الافتراض ليس ثمة أمثلة سلبية.» # 49 ~~(25) (ج) والزعم الثالث للفيلسوف الجبري فيما يتعلق بسيادة السببية ~~هو الاطراد الذي نلاحظه في السلوك البشري. وإنه لمن التهور - ~~حقا - إنكار وجود درجة معينة من الاطراد في السلوك البشري. فالأفعال ~~المنعكسة، والسلوك الغريزي الذي يبرز الجانب النزوعي البدائي للغريزة ~~غير المعدلة، والأفعال المعتادة التي تسير في طريق ممهد مطرق، ~~والتجليات الظاهرة للاشعور - هذه كلها تظهرنا على الاطراد ms163 إلى حد معين ~~على أقل تقدير. لكن يكفي جدا أن يكون للإنسان دور معين في سلوكه - ~~مهما يكن صغيرا - دور يجاوز دائرة هذا التحديد، لكي يفسد الحتمية ~~ويبطلها: «99 بالمائة - إن صح التعبير - من حياة الإنسان يمكن أن ~~ترجع إلى الوراثة، والتربية، والبيئة، والتكوين الأصلي، لكن إذا كان ~~هناك واحد في المائة فقط هو الذي يمكن أن يعود إلى أفعال الاختيار ~~اللاحتمية، فإن ذلك يكفي لتبرير مسلمة الحرية # postulate ~~.» # 50 # إن ما أدافع عنه هو أن الفعل الإرادي الأصيل فعل فريد في نوعه # Unique ~~، أي إنه لا يعقب مقدمات. ~~وفكرة التغيير التي تتضمنها الإرادة الحقة لا بد أن تطور نفسها ~~لأول مرة، فلأول مرة أفكر في سلسلة الوسائل التي يمكن أن تظهر إلى ~~الوجود التغير المطلوب. ومثل هذا الفعل الإرادي يمكن أن يتكرر وهكذا ~~يصبح فعلا معتادا بالتدريج، وكلما ازدادت عادة الفعل قل كونه ~~إراديا. والاطراد الذي نلاحظه في سلوك الإنسان - بما في ذلك ما ~~يسمى بالأفعال الإرادية - يدل على أن مثل هذا السلوك ليس أصيلا، ~~وهذا في حد ذاته دليل كاف على أنه يفتقر إلى العنصر الأساسي في ~~الإرادة الحقة. ~~(26) ومهما يكن من شيء فإن الاطراد في سلوك الإنسان لا يبرهن على ~~أن السلوك تتحكم فيه تماما العوامل الخارجية على نحو ما يعتقد ~~الجبريون ويريدون منا أن نعتقد في ذلك، وإنما سلوك الإنسان من صنع ~~الإنسان نفسه # self-made ~~، وهو منسوج في ~~الداخل # home-spun ~~، إن صح التعبير. ~~والخلق إذا ما فهناه على أنه يعني ألوان السلوك المطردة، هو من صنع ~~الفاعل نفسه ... إننا إذا ما افترضنا أن «أ - ص» تشمل جميع الأفعال ~~التي أنجزتها بالفعل «من هذه الأفعال الممكنة» وحولتها إلى عادات ~~كلما أصبح خلقه أكثر صلابة، وهذه الصلابة النسبية للخلق ترجع إلى القول ~~بأن ظروف الحياة التي يمكن أن تظهر هذه الأفعال الإرادية قد ~~استغلت بنسبة درجة صلابة الخلق، وتصبح الذات شيئا فشيئا أكثر ~~تحديدا لأنها قد تحققت أكثر فأكثر، وهكذا تطرد التحققات الفعلية ~~الممكنات، ويحل الاطراد محل التفرد ms164 # originality ~~، والأصالة # uniqueness ~~. # ورغم ذلك فالاطراد نسبي فحسب، فهناك من ناحية إمكان مستمر لتغيير ما ~~هو ثابت بالفعل، وهناك من ناحية أخرى ظروف الحياة التي لا يمكن أن ~~نستنفدها تماما، بحيث نستطيع أن نقول في يقين إن الأشياء سوف تمثل ~~أمام فرد معين بطريقة معينة، وأن الفرد سوف يرد بهذه الطريقة أو تلك ~~على هذا المثير الجزئي المعين. # وحتى إذا ما سلمنا بأن خلقي المشكل على النحو الحالي يتحكم ~~في إلى حد ما، أو جزئيا، فيجب علينا ألا ننسى أنه خلقي أنا، ~~فهو لا يمكن تحليله إلى عوامل تستبعد الذات الفاعلة النشطة التي ~~شكلت هذه العوامل في فرد واحد متحدة في هوية مع نفسه. واستخدام ~~كلمة «الاطراد» في مجال السلوك البشري بنفس المعنى الذي تستخدم فيه في ~~ميدان العالم المادي، استخدام محال لا يقبله عاقل. ونحن إن فعلنا ذلك ~~فإننا نهمل فردية العقول البشرية، غير أن ذلك لا يعني أن العقول ~~المختلفة يمكن أن ينظر إليها على أنها مؤلفة من عناصر مشتركة، ~~تتجمع بنسب متفاوتة وبترتيبات مختلفة: «إننا لكي نكشف عن ~~القوانين السببية التفصيلية التي تتحكم في ذهن شخص معين فريد مثلا، ~~فإننا لا بد أن نبحث في زيد نفسه. وليس ثمة قدر من المعرفة للكيفية ~~التي يعمل بها ذهن خالد أو عمر يمكن أن تساعدنا في معرفة - إما ~~بالتعميم الاستقرائي المباشر أو بالاستدلال الاستنباطي غير المباشر - ~~القوانين التفصيلية التي يعمل بها ذهن زيد.» # 51 # وإذا ما حاولت أن تقطع خلق شخص ما إلى عناصر تتجمع بطريقة ~~معينة، فإنك في هذه الحالة تستبعد ذاته الفاعلة النشطة التي التقطت ~~هذه العناصر ونسجتها في خلقه الخاص، إنك ترد الإنسان تقريبا إلى لا ~~شيء أو إلى لا كائن # nonentity ~~، أنت ~~بعملك هذا إنما تحلل «ذاته» إلى عناصر بغير ذات # selfless elements ~~«إنك قد تخبر ~~أن خلقه ... قد تطور ... لكن عليك عندئذ أن تضيف ... أنه هو الذي طوره ... ~~ولو كان في استطاعة شخص آخر أن يفسر - من معطيات معينة ومن قواعد ~~كلية - تكوينه كما ms165 يفسر مسألة حسابية فأين ذهبت ذاته هو؟ اعتدى ~~عليها شخص آخر، وحطمها إلى عناصر بغير ذات، ثم جمعها من جديد، وسيطر ~~عليها تماما، كما يسيطر الإنسان على الشيء الميت للسكين. وإذا صح ~~ذلك فإن هذا الشخص يشعر شعورا غير واضح أنه لو أن شخصا آخر ~~يستطيع على هذا النحو أن يفكه وأن يعيد تركيبه # unmake ~~and remake ~~، فإنه هو نفسه يمكن بالمثل أن يكون ~~أي فرد أو أي شخص منذ البداية طالما ألا شيء قد تبقى ليكون خاصا ~~به هو.» # 52 # إن خلق الإنسان لا يمكن مطلقا أن يكون نتاجا منتهيا، لا يمكن ~~مطلقا أن يكون كائنا محددا يخضع للحساب الرياضي فهو ليس «وجودا» ~~على الإطلاق، لكنه «صيرورة باستمرار»، فهو على الدوام في عملية ~~تطور، وهو لا يتوقف قط من مجموع معين أو مضمون محدد. ونشاط ~~الانتباه هو الفعل الواحد المستمر، هو الفعل الذي يوحد كثرة المادة ~~وتعددها في فرد واحد في هوية مع نفسه ... لكن موضوع هذا الفعل الموحد، # unitary # ليس ساكنا أبدا، وإنما ~~في تدفق مستمر لا ينقطع، وهذا هو السبب في أنه من المستحيل لخلق ما ~~أن يصنع من مادة # stuff # معينة لا تزيد ~~ولا تنقص. فهناك باستمرار إمكانية الخلق التي تفترض نمطا جديدا، ~~ويستجيب بطريقة جديدة تماما: «ليس في استطاعة أحد أن يعبر عن خلقه ~~تعبيرا تاما بواسطة سلوكه الفعلي في الماضي؛ لأن الخلق لا بد أن ~~يشمل باستمرار الإمكانيات التي لم تتطور بعد. كما أن الاستجابة ~~التي سوف يرد بها الخلق على مثير جديد، أو حتى على تكرار مثير قديم لا ~~يمكن مطلقا استنتاجها بيقين كامل من الاستجابة التي رد بها على ~~مثير سابق. ولا يعني التبدل الفجائي لسلوك الإنسان المعتاد بالضرورة ~~أن مؤثرا خارجيا جديدا غير معتاد قد بدأ يؤثر فيه. لأن خلق ~~الإنسان يمكن أن يكون على هذا النحو الذي يجعله يرد بطريقة واحدة على ~~مثير 99٪ من المرات، وبطريقة مخالفة 1٪، ذلك لأن الخلق هو بالضبط هذه ~~النسبة الضئيلة 1٪. ويمكن أن يكون الإنسان قد ms166 ركب على هذا النحو: يصيخ ~~السمع بلا حراك لألف موعظة، ومع ذلك تتغير حياته كلها من الموعظة ~~السابقة. في حين أنك قد تجد شخصا آخر تتشابه حياته الخارجية وحتى ~~الداخلية في جميع مظاهرها السابقة، يمكن كذلك ألا يتأثر بأي عدد من ~~هذه النداءات # apeals ~~.» # 53 ~~(27) ج. والحجة الرابعة للفيلسوف الجبري فيما يتعلق بالضرورة ~~السببية مستمدة من المسئولية الخلقية؛ فهو يعترف بأن حرية الإرادة ~~وليس الجبر # determination # كما يفترض ~~عادة، هي التي تتناقض مع المسئولية، فإذا كان من الممكن أن يعاقب ~~الإنسان أخلاقيا، أعني إذا ما كان مسئولا بحسب ذلك يرجع إلى أن ~~فعله الخاطئ هو محصلة طبيعته؛ أي تتحكم فيه الظروف، وأعظم هذه الظروف ~~أهمية يكمن في تكوينه الذهني، ولأننا يمكن أن نأمل بطريقة معقولة أن ~~يغير هذا العقاب من طبيعته إلى أحسن. «ولو صحت وجهة النظر ~~العارضة، أعني لو كانت أفعال الإنسان الإرادية لا تتحكم في أساسها ~~ظروف يتضمنها نسق تكوينه الذهني، فإن الأساس الوحيد لعقابه لا بد أن ~~يكون في هذه الحالة انفعالا من انفعالات الغل # resentement # أو الانتقام # revenge ~~». # 54 ~~(28) ومن المؤكد أن ذلك لا بد أن يكون صحيحا لو كانت الأخلاق ~~علاقة اجتماعية فحسب بحيث تفسر المسئولية بألفاظ العقوبة التي ~~يوقعها الناس في مجتمع ما على المخطئ، أو المكافأة التي يقدمونها إلى ~~المصيب. فالمسئولية هنا تعني المسئولية أمام الآخرين الذين يبدون ~~استحسانا أو استهجانا لسلوك شخص ما حتى يغيره إلى الصورة المقبولة ~~اجتماعيا. و«ربنسن كروزو» الذي لم يكن يعيش معه أحد ليعاقبه أو ~~يكافئه عما يفعل ليس مسئولا - عند هذه النظرة - عن أعماله مسئولية ~~أخلاقية. وهو حر تماما أن يفعل وأن يسلك كما يشاء وبأية طريقة يشعر ~~- عن طريقة الرغبة - بميل نحوها. غير أن هذه النظرة تستبعد ما أعتقد ~~أنه أعظم النقاط جوهرية في الأخلاق - وهو ما يمكن أن أسميه ~~بالمسئولية الذاتية # self-responsibility ~~، أعني مسئولية ~~الفاعل عن نفسه. # إن الفرد المنعزل يمكن أن يظل مع ذلك - ولا بد أن يظل - موجودا ~~أخلاقيا، وإذا ما كان فاعلنا ms167 المنعزل مجبرا على السلوك بطريقة ~~معينة، فهو ليس بحاجة إلى أن يعتبر نفسه مسئولا أمام نفسه، وما كان ~~يمكن أن يكون له الحق في الاستمتاع بالفعل في طريق معين، أو التألم من ~~وخز الضمير بسبب فعل آخر، إن فاعلنا المنعزل لو أنه مجبر لا ~~يحتاج إلى ممارسة أي جهد أخلاقي حتى يتبع طريقا معينا من الفعل ~~ويتجنب طريقا آخر. ~~(29) ويمكن أن يسألنا سائل: «لكن لماذا ينبغي على الفاعل المنعزل أن ~~يفعل الفعل الصواب # right act ~~؟» والجواب ~~هو: «لأن واجبنا أن نفعل الفعل الصواب.» والسؤال لماذا ينبغي علينا ~~أن نفعل واجبنا هو سؤال لا معنى له؛ لأن الفعل الذي يكون واجبي يعني ~~أنني ينبغي على أن أفعله، وسلطة الفعل الواجب لا يمكن أن ترد الغرض، ~~ما لم يفهم الغرض ليعني التعبير عن ذاتنا المثالية. إننا نبذل جهدا ~~أخلاقيا في أفعالنا الإرادية لا لأننا نريد أن نصل إلى غاية ~~موضوعية، لكن لأننا نشعر أنه من المحتم علينا أن نحقق ~~طبيعتنا الحقة، بأن نسلك سلوكا عقليا. صحيح أن أفعالنا الإرادية ~~يمكن أن يتصادف أن تشبع ميلنا، لكن حتى في هذه الحالة فنحن لا ننجزها ~~لأنها تخدم ميلنا، بل ننجزها لأن من واجبنا - فحسب - أن ننجزها، ~~ولا نستطيع أن نذهب أبعد من سلطة الواجب. فالجهد الأخلاقي لا يبذل ~~لأنه مفيد أو نافع. لكنه يبذل لأن سلطة الواجب تتطلبه، كما أنه ~~لا يبذل بروح الخضوع للسلطة، لكنه يبذل طواعية واختيارا، وبطاعة ~~حقيقية لما يمليه عليه العقل: إن عبارة «ينبغي عليك # Thou shalt ~~» لا تعني من المفيد لك ~~أو من صالحك كذا، إنها لا تعني شيئا سوى القول بأن فعلا ~~معينا لا بد من تحقيقه طاعة لباعث الواجب. # إننا نفعل الأفعال التي يحتمها واجبنا لا لنتجنب العقاب أو ~~نستمتع بالمكافأة، بل لكي نعبر عن طبيعتنا الحقة فحسب. إن مكافأة ~~العمل الفاضل أو الخير تكمن في هذا العمل نفسه، وقل مثل ذلك في عقاب ~~الشر، فهو يكمن في الشر المرتكب نفسه. إن الفاعل حين يسلك سلوكا ~~فاضلا ms168 يستمتع بالإشباع الذاتي «أو الاكتفاء الذاتي» الذي هو مكافأة ~~كافية. ومكافأة العمل الخير تنبع من هذا العمل نفسه بالضرورة، كما ~~تنبع من طبيعة المثلث أن زواياه الثلاث يساوي مجموعها قائمتين. ولقد ~~كتب اسبينوزا في رده على بلينبرج # Blyenbergh # يقول: «لا أستطيع أن أمسك عن القول بأنني دهشت ~~غاية الدهشة من قولك: إنه ما لم يعاقب الله على الجريمة ... فأي ~~اعتبار يمكن أن يمنعني من أن أرتكب بشغف جميع ألوان الجرائم؟ يقينا ~~أن من يمتنع عن ارتكاب الجرائم خوفا من العقاب فحسب ... لا يكون سلوكه ~~صادرا عن المحبة على أي نحو، وسلوكه هذا يتضمن أدنى فضيلة ممكنة. ~~أما بالنسبة لي فأنا أتجنب ارتكاب الجرائم - أو أحاول أن أتجنبها ~~- لأن طبيعتي الخاصة تعافها صراحة، ولأنها لا بد أن تؤدي بي إلى ~~الضلال بعيدا عن محبة الله وعن معرفته.» # 55 # لكن لو أن إنسانا ذا طبيعة خيرة حقق تلك الطبيعة في أعماله ~~الخيرة، واستمتع بالسعادة الناجمة عنها، فلماذا لا بد للإنسان ذي ~~الطبيعة الشريرة أن يعاني من أعماله، لو أن هذه الأعمال كانت لا ~~تعبر إلا عن ماهية طبيعية فحسب؟ ولا نستطيع أن نفعل شيئا بصدد ~~الإجابة عن هذا السؤال خيرا من اقتباس نص من المراسلات التي دارت بين «أولدنبرج» # 56 # واسبينوزا، الأول يسأل، والثاني يجيب إجابة مقنعة. # وهذا ما كتبه «أولدنبرج»: «لو كان مثلنا نحن الموجودات البشرية في ~~جميع أفعالنا الأخلاقية والطبيعية - على حد سواء - بين يدي الله، مثل ~~قطعة الصلصال بين يدي صانع الفخار، فبأي حق يمكن لأي واحد منا أن ~~يلام لأنه سلك بهذه الطريقة أو تلك، حين يكون من المستحيل عليه ~~استحالة مطلقة أن يسلك بطريقة أخرى؟ أليس في مقدورنا جميعا أن نرد على ~~الله قائلين: إن قدرك المحتوم، وقوتك التي لا تقاوم قد اضطرتنا أن ~~نسلك على هذا النحو، وجعلت من المستحيل علينا أن نفعل على نحو آخر، ~~فلماذا إذن، وبأي حق تسلمنا إلى مثل هذه العقوبات المرعبة، التي لا ~~نستطيع اجتنابها بأية طريقة من الطرق، إننا نرى ms169 أنك تفعل كل شيء ~~وتوجه كل شيء وفقا لضرورة عليا تتفق مع إرادتك ومشيئتك؟ لو أنك ~~أجبت بأن الناس لا عذر لهم أمام الله، لا لسبب آخر سوى أنهم بين ~~يدي الله. فإني سوف أرد هذه الحجة - يقينا - وأقول: إن الناس لهم ~~عذرهم الواضح بالضبط بسبب أنهم بين يدي الله. لأنه من اليسير على ~~كل إنسان أن يحتج قائلا: آه! يا إلهي. إنها قوتك التي لا راد لها! ~~ومن ثم يبدو أنني لا بد لي من أن أعذر إن لم أفعل على نحو آخر.» # 57 # ولقد كتب «اسبينوزا» يقول في رده على هذه الرسالة: «ما قلته من ~~أننا ... لا عذر لنا لأن مثلنا بين يدي الله مثل قطعة الصلصال بين ~~يدي صانع الفخار أردت أن يفهم منه أن أحدا لا يستطيع أن يلوم الله ~~لأنه منحه بنية هشة أو عقلا ضعيفا؛ لأن مثل هذا اللوم سوف يكون ~~عبثا # absurd ~~، أشبه بعبث شكوى الدائرة ~~من أن الله لم يمنحها خصائص الكرة # sphere ~~، أو شكوى الطفل الذي آلمه ~~حجر من أن الله لم يمنحه جسدا سليما من الناحية الصحية، ومن ~~المعرفة الحقة ومن محبة الله، وأنه أعطاه طبيعة بلغت من الوهن حدا ~~جعله لا يستطيع أن يكبح جماح رغباته أو أن يجعلها معتدلة. إذن لا شيء ~~ينتمي لطبيعة كل موجود غير ما ينتج بالضرورة من سببه المعطى. لكنك ~~تصر على القول بأنه لو كان الناس يخطئون بضرورة طبيعتهم، فإنهم ~~في هذه الحالة لهم عذرهم؛ لكنك لم تفسر لي ما الذي تريد أن ~~تستنتجه من ذلك؟ لم تفسر لي ما إذا كنت تريد أن تستنتج من ذلك أن ~~الله لا يكون على حق في غضبه عليهم، أو ما إذا كانوا هم يستحقون ~~الغبطة، أعني يستحقون معرفة الله ومحبته. لو كنت تقصد الأولى فسوف ~~أسلم تماما بأن الله ليس غاضبا، وأن جميع الأشياء تسير وفقا ~~لقراره. لكني أنكر أنه ينبغي لهم من ثم أن يكونوا سعداء؛ لأن ~~الناس يمكن أن يكون لهم عذرهم، ويفتقرون ms170 مع ذلك إلى السعادة، بل ~~عليهم أن يكونوا معذورين بطرق شتى. فالحصان له عذره في كونه حصانا ~~وليس إنسانا، ومع ذلك فهو لا بد أن يكون حصانا لا إنسانا. من يصيبه ~~مس من جنون بسبب عضة كلب هو في الواقع معذور، لكن غيره من الناس لهم ~~الحق - مع ذلك - في خنقه. # 58 # وأخيرا فإن من يعجز عن ضبط رغباته وكبح جماحها خشية ~~القانون، فإنه يعجز - مع أنه لا بد من أن يعذر لضعفه - عن ~~الاستمتاع بصفاء الذهن، ومعرفته الله ومحبته، لكنه لا بد بالضرورة أن يهلك.» # 59 # وأنا أتفق مع وجهة نظر اسبينوزا بقدر ما تذهب إلى أن ~~العقاب والمكافأة بالمعنى الحقيقي لهاتين الكلمتين، هما نتيجتان ~~ضروريتان لأعمال الفاعل، التي هي بدورها المحصلة الضرورية لطبيعته؛ ~~فالعقاب والمكافأة لا يحددان - كما يزعم الفيلسوف الجبري - السلوك ~~المقبل للفاعل. لكنهما يحددان نتيجة سلوكه في الماضي. والعقاب ~~والمكافأة من ناحية أخرى لا يحتاجان إلى فرضهما على الفاعل من سلطة ~~خارجية، بل على العكس، لا بد أن يفرضهما الفاعل على نفسه # Self-Imposed ~~. # ولكن وجهة النظر التي يأخذ بها هذا البحث تختلف عن وجهة النظر التي ~~تنسب عادة لاسبينوزا، وهذا الاختلاف يكمن في أن البحث الحالي لا ~~ينظر إلى طبيعة الفاعل على أنها معطاة ومقدرة سلفا، لأن طبيعة ~~الفاعل - إلى حد معين - من صنعه. ~~(30) حين نقول للفيلسوف الجبري: إنه بناء على وجهة نظرك، فإنه ~~لا يمكن أن يكون هناك وجود لكلمة «ينبغي»؛ لأن هذه الكلمة تتضمن ~~كلمة «أستطيع»، وكلمة «أستطيع» تعني الاختيار، فإنه قد يسمح بمعنى ~~واحد فقط تتضمن فيه كلمة «ينبغي» كلمة «أستطيع»، فهو قد يقول إن ~~الإنسان مقيد أخلاقيا فحسب بأن يفعل «ما في قدرته»، وما «يستطيع ~~الإنسان أن يمسك عنه» هي تلك الموضوعات التي تخضع للعقاب أو الإدانة ~~الأخلاقية. لكنه يفسر كلمة «يستطيع» وعبارة «ما في قدرته» ~~بأنها تعني فحسب غياب جميع العقبات التي لا يمكن التغلب عليها، ~~ما عدا الحاجة إلى باعث كاف # 60 # لكن إذا كان الفيلسوف الجبري يوافق على أنه ms171 يمكن أن ~~تكون هناك حالة يستطيع فيها الفاعل أن يمتنع عن فعل شيء ما، أفلا يعني ~~ذلك أن نظريته ليست مقنعه بما فيه الكفاية بحيث تشمل جميع الحالات ~~الممكنة؟ # الفصل السادس # | المذهب الجبري: إمكان التنبؤ # (1) ما المقصود بإمكان التنبؤ؟ (2) مغالطة إمكان التنبؤ التراجعي. ~~(3) مبدأ اللاحتمية في العلم. (4) أيا ما كان تفسير هذا المبدأ فهو ~~يعارض الحتمية المطلقة. (5) لا نهدف إلى البرهنة على عدم إمكان التنبؤ ~~بالسلوك البشري من عدم إمكان التنبؤ في العالم الطبيعي. لكنا نقدم ~~هذا المبدأ ضد أولئك الذين يرغبون في البرهنة على التنبؤ بالسلوك ~~البشري من التنبؤ في العالم الطبيعي. ~~••• ~~(1) أما وقد ناقشنا المذهب الجبري في معنيين له هما (1) القول ~~بأنه من المستحيل على الشيء أن يكون خلاف ما هو عليه. ~~(2) القول بأن مبدأ السببية هو المبدأ السائد في الطبيعة، فإن ~~علينا الآن أن نناقش المعنى الثالث لهذا المذهب، وهو الزعم القائل ~~بأن كل شيء يمكن التنبؤ به لو توافرت لدينا معطيات معينة ~~كافية: # يرى المذهب الجبري - فيما يتعلق ~~بإمكان التنبؤ - بأن حالة الكون الحاضرة تعتمد تماما على ما حدث في ~~لحظة ماضية، فكل شيء موجود، وكل حدث يحدث بالضرورة وليس ثمة بدائل ~~ممكنة تتعلق بمستقبل سير الحوادث، بل هناك طريق واحد مفتوح: وهو ~~التتابع الضروري لما قد كان موجودا بالفعل، وخطة الكون كله من أضأل ~~التفصيلات موضوعة مقدما وضعا تاما، فلا شيء جديد، ولا يمكن أن ~~تتوقع شيئا جديدا. # يوم بدء الخلق أنشا الصانع # آخر الناس، وألقى الزارع # بذرة يبدو جناها اليانع # آخر الدهر، وما قد رقما # مبدأ يتلى حسابا في الختام # 1 # والواقع أن المذهب الجبري كان يعني تماما إمكان التنبؤ عند عالم ~~الطبيعة الذي عاش منذ نصف قرن. يقول بروفيسور «إدنجتون»: «إن المذهب ~~الجبري الذي كان يأخذ به عالم الطبيعة في الماضي كان نوعا خاصا هو ~~ما أسميه بإمكان التنبؤ، وهو يفترض أن هناك نسقا منظما من ~~القوانين، بحيث لو أعطيت لنا وقائع كاملة عن حالة العالم خلال اللحظة ~~الأولى من عام 1600 - مثلا ms172 - فإننا نستطيع أن نتنبأ بالمعطيات ~~الكاملة عن حالة العالم لأي تاريخ لاحق «وكذلك طبعا لأي تاريخ ماض» ...» # 2 ~~(2) وسؤالنا الآن هو: هل يلاحظ المتنبئ بالفعل الخاصية «ص» في ~~اللحظة «ل»، وبالتالي يخبرنا مقدما أن خاصية أخرى «س» سوف تظهر إلى ~~الوجود في اللحظة «ل2»، أم أنه غالبا ما يلاحظ «س» في لحظة «ل2»، ~~ثم يستدل منها تراجعيا أنه لا بد أن يكون قد كان هناك «ص» في لحظة ~~«ل1»؟ إننا إذا ما وجدنا أن ما يحدث أحيانا هو الحالة الأخيرة، ~~فإن رأي المتنبئ يمكن أن يكون له ما يبرره، إذا - وإذا فقط - كان ~~من الممكن اكتشاف وجود «ص» في اللحظة «ل1» اكتشافا مستقلا، أعني من ~~خلال وسائل أخرى غير «س». لكن إذا لم يكن هناك وسائل أخرى نعرف بها ~~أن «ص» لا بد أن تكون قد وجدت في الماضي، اللهم إلا بواسطة ~~الملاحظة الأخيرة «س»، فلا يمكن أن يكون هناك في هذه الحالة ~~تنبؤ. # والواقع أن المغالطة التي تكمن خلف وجهة نظر الفيلسوف الجبري فيما ~~يتعلق بإمكان التنبؤ هي - فيما يبدو - على النحو التالي: أنه ~~يلاحظ «س» في لحظة «ل»، ثم يستدل منها أنه لا بد أن يكون قد كانت ~~هناك «ص» في لحظة «ل1»، ثم يسير أبعد من ذلك ليقرر أننا إذا ما عرفنا ~~«ص» في لحظة «ل1»، فإننا نستطيع أن نتنبأ ب «س» في «ل2»، دون أن ~~نبحث فيما إذا كانت «ص» في لحظة «ل1» كانت موجودة كعامل حقيقي أو كعنصر ~~خرافي، والفيلسوف الجبري يتلاعب «بالتسليم بخاصية أنها كانت «ص». ~~افرض أن لدينا نسقين هما «س1»، «س2» كانا يتشابهان تشابها تاما ~~حتى لحظة «ل»، ثم في لحظة «ل1» اختلف النسقان، إما تلقائيا أو ~~استجابة لاختبار مماثل طبق عليهما معا بحيث عبر أحدهما عن خاصية ~~«س1» بينما عبر الآخر عن خاصية «س2». إن في استطاعتنا في هذه ~~الحالة أن نأخذ عن الخاصية «س1» في لحظة «ل» لنحدد أنها كانت ~~«ص1»، والتعبير عن خاصية «س2»، في لحظة «ل» لنحدد أنها ms173 كانت «ص2». ~~ونحن نكون بهذا الشكل قد أظهرنا أن النظامين ليسا بالضبط متشابهين ~~أتم التشابه قبل لحظة «ل»، طالما أن «س1» كانت لها الخاصية «ص1» ~~و«س2» كانت لها الخاصية «ص2» وأن اختلاف سلوكهما ليس مثلا على مبدأ اللاحتمية.» # 3 # تلك هي حجة الفيلسوف الجبري. غير أننا لا بد أن نميز الحالات ~~التي تستنتج فيها «ص» من «س» بحيث يمكن اكتشافها بطرق أخرى قبل أن ~~تظهر «س»، أقول إننا يجب أن نفرق بين هذه الحالات الأخيرة وبين تلك ~~الحالات التي نعرف فيها «ص» فقط من خلال «س»، وبالتالي يمكن تحديدها ~~بواسطتها. وفي الحالة الأخيرة لا يكون هناك تنبؤ: لكن هل هناك مثل هذه ~~الحالة؟ # ولكي نبين كيف يمكن تفسير ذلك عمليا، يقول بروفيسور إدنجتون: ~~«دعنا نفترض أن نترات الفضة هو اسم مشترك لنوعين مختلفين من الملح ~~(فرضا) هما: ف ن أ 3، وف ن- أ 3، وأن العلامة الوحيدة على اختلافهما ~~هي سلوك مختلف بواسطة اختبار يحطم الملح بحيث لا يمكن أن يتكرر ~~على الإطلاق. ولا بد لي من أن أقول إن النتيجة المستخلصة من ~~الاختبار في هذه الحالة بأن الملح كان نترات فضة هي استدلال أصيل ~~طالما أنه يحدد خاصية كان يمكن التحقق منها بطريقة أخرى في ~~اللحظة التي نفترض فيها وجود هذه الخاصية، في حين أن النتيجة القائلة ~~بأن الملح كان ف ن - أ 3 وليس ف ن أ 3 ليست استدلالها لكنها إعادة ~~تقرير ما قد حدث تحت شكل أو على هيئة التحديد التراجعي للخاصية. ~~والحقيقة هي - على ما نعرف - أن سلوك نترات الفضة فيما يتعلق بهذا ~~الاختبار الجزئي المعين هو سلوك غير محدد، والرموز ف ن، وف ن ليست ~~إلا مجرد إشارة إلى سلوكين محتملين لها.» # 4 # علينا إذن أن نفرق تفرقة واضحة تماما بين هذين الشرطين ~~الممكنين: (1) حين نستدل تراجعيا من ظهور «س» في «ل2» أن ~~الخاصية «ص» لا بد أنها كانت توجد في «ل1» فها هنا تسليم ضمني ~~بأن الخاصية «ص» في اللحظة «ل» يمكن التحقق من وجودها ms174 تحققا ~~مستقلا قبل حدوث «س» في «ل2». وبالتالي يمكن التنبؤ بدقة و«س» من ~~«ص». (2) لكن حين نفترض وجود خاصية «ص» في «ل1» لا يمكن معرفتها إلا ~~بعد أن تظهر «س1» في «ل2» وأكثر من ذلك لا يمكن تحديدها بأية طريقة ~~من الطرق إلا بالإشارة إلى حدوث «س» في لحظة ما فيما بعد، فلا معنى ~~إذن للقول بأن «ص» هي التي كانت تحدد «س»، ومن هنا كان من المشروع ~~تماما أن نقول إن ظهور «س» لا يمكن التنبؤ به. # وسوف نقتبس النص الآتي من بروفيسور إدنجتون لكي نقدم أمثلة عينية ~~لهاتين الحالتين: «دعنا الآن نقارن بين ظاهرتين؛ إحداهما نفترض فيها ~~أنها غير محددة. والأخرى - لأغراض عملية، رغم أن ذلك ليس مطلقا ~~- نفترض فيها أنها محددة، وسوف آخذ كمثل على الظاهرة غير المحددة ~~تحطيم ذرة الراديوم. هذه الذرة في اللحظة الحاضرة ل صفر، لا نعرف ما ~~إذا كانت سوف تتحطم في اللحظة «ل1» أو في لحظة أخرى «ل2» فذلك غير ~~محدد ... قارن بين هذا المثل وبين ظاهرة محددة «على وجه التقريب» ~~كالقول بأن الكوكب «بلوتو Pluto ~~» سوف ~~يصل إلى مركز معين في السماء في اللحظة «ل1» وليس في اللحظة «ل2». ~~إننا حين نلاحظ ذرة الراديوم تتحطم في اللحظة «ل1» فإن في ~~استطاعتنا لو شئنا أن «نستدل» خاصية «ص1» استدلالا تراجعيا من لحظة ~~«ل صفر». غير أننا إذا ما وجدنا أنه ليس ثمة طريقة أخرى لوصف «ص1»، ~~إلا بربطها بتحطيم الذرة في لحظة «ل1» فإننا لا نفعل شيئا سوى ~~تقرير الظاهرة التي لاحظناها في كلمات مختلفة. فمن ملاحظة الكوكب ~~«بلوتو». # نستطيع بالمثل أن نستنتج الخاصية ص1 في لحظة ل صفر غير أن «ص1» في ~~هذه الحالة هي استدلال أصيل ؛ لأنها لا تحدد بالإشارة لما ~~استنتجناه منها. وعلى ذلك فالخاصية «ص1» يمكن أن تكون أن الكوكب ~~«بلوتو» كان في وضع معين في المساء في لحظة ل صفر، أو أنه عندئذ ~~مارس بعض الآثار المشوشة على الكوكب نبتون # Neptune ~~، وهذه الخصائص يمكن ~~تحديدها بالإشارة إلى ms175 بعض الظواهر التي حدثت في وقت سابق على «ل1» ... ~~لقد قابلت بين لا حتمية تحطيم ذرة الراديوم، وبين حتمية وضع الكوكب ~~بلوتو Pluto ~~، لكني لا بد أن أوضح ~~أن ذلك اختلاف في الدرجة لا في النوع ... وإني لأعتقد أن أولئك ~~الذين يفترضون خاصية «ص» المجددة في ذرة الراديوم، ويتوقعون أن ~~ينظر إلى افتراضهم هذا على أنه شيء أكثر إلهاما من التخمين الطائش، ~~يتأثرون بوجهة النظر التقليدية التي تقول إنك لو سلمت بأن هناك ~~ظاهرة ما غير محددة «أو لا حتمية» فلا بد أن تسلم بوجود استثناء ~~في سير الطبيعة المنتظم. وليس ذلك صحيحا. فكل ظاهرة - في التخطيط ~~الحالي لعلم الطبيعة - لها درجة معينة من اللاحتمية. والحسابات التي ~~تجري من الصيغ تعطينا في آن واحد نتيجة مرجحة وقياسا لا يقينيا. ~~والترجيحات ترتب من الشواذ الظاهرة حتى المصادفات لكنها لا تصل قط ~~إلى يقين كامل.» # 5 ~~(3) ويؤدي بنا ذلك إلى مبدأ اللاحتمية، وهو المبدأ السائد الآن في ~~العلم؛ لأن العلم «لم يعد يبحث عن اليقين، لكنه يبحث فقط عن ~~الاحتمال المرجح في وقوع حادثة ما، أو أن قانونا من قوانين ~~الطبيعة قانون صحيح ... وهذا يعني أن جميع قضاياه لها طابع إحصائي؛ ~~فسلوك الوحدات التي يعزى إلى الإحصائيات هو سلوك غير حتمي، والنتائج ~~الإحصائية لا تعطينا سوى احتمالات ترجيحية فحسب.» ويصاغ مبدأ ~~اللاحتمية في صورتين: ولقد انتشرت الصورة القديمة منهما حين افترض ~~العلماء أن الذرة تتألف من نواة شمسية مع إلكترونات كوكبية تدور ~~حولها في عدد من المحاور، وتبعا لمثل هذا الافتراض، فإن إشباع ~~الذرة يحدث حين يقفز الإلكترون من محور آخر في لحظة معينة يفترض ~~فيها أنها غير محددة. # لكن هناك صورة حديثة أكثر من ذلك لمبدأ اللاحتمية لخصها «دكتور ~~برود» على النحو التالي: «هناك مقادير يمكن قياسها «ك وق» ذات أهمية ~~أساسية في علم الطبيعة الأولى لها طبيعة الوضع، أما الثانية فلها ~~طبيعة اللحظة. وقيمة «ق» في لحظة معينة وفي مكان محدد - بالنسبة ~~لوقائع معينة، هي التي سوف أشير إليها ب ms176 «ط ق» - يمكن أن تقع داخل أو ~~خارج نطاق صغير معين و # Δ # ق # على حد سواء، وبالنسبة لنفس هذه ~~الوقائع نفس الزمان والمكان فإن قيمة ق يمكن كذلك أن تقع خارج أو ~~داخل نطاق صغير هو # Δ # ق ~~، ~~وبما أن المعطى ط ق ك يتغير في جوانب أخرى معينة تغيرا متصلا ~~فإن النطاق # Δ # ك # ينكمش بغير حدود. لكن هذين النمطين من التغير في المعطيات يرتبطان ~~ارتباطا وثيقا لدرجة أن أي تغيير ينقص من نطاق # Δ # ك # يزيد من نطاق # Δ # ق ~~، ~~وأي تغير ينقص من نطاق # Δ # ك # يزيد من نطاق # Δ # ق ~~، والعلاقة المتبادلة بينها هي أن ~~الناتج صفر # Δ # ق # الذي يحدثه # Δ # ك # له ~~قيمة متميزة معينة مستقلة عن التغيرات التي تحدث للمعطى ط ق ك.» # 6 # والمبدأ الذي تقرره هذه الصورة يمكن شرحه بإحدى طريقتين؛ الطريقة ~~الأولى أبستمولوجية «معرفية»، والطريقة الثانية أنطولوجية ~~«وجودية». ~~(أ) والشرح الأول يتعلق بعدم يقين القياس، فحين تقاس مقادير معينة ~~مجاوزة درجة معينة من الدقة، فإن أثر آلة القياس على العملية المراد ~~قياسها يصبح ملحوظا. فالآلات نفسها بما أنها مصنوعة من المادة ~~النهائية # ultimate stuff # للشيء المراد ~~قياسه ذاته، فمن المحتمل أن تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها هذه ~~المادة، وعلى ذلك فمن المحتمل جدا أن أية محاولة لرد الأثر ~~المزعج للآلة من حيث أنها تقيس «ق» لا بد بالضرورة - بعد حد معين - ~~أن تزيد من أثرها المزعج، من حيث أنها تقيس ك، والعكس صحيح أيضا. ~~ولو صح ذلك فإن الناتج # Δ # ق # Δ # ك # لا بد أن تكون له قيمة حق معينة لا ~~تتعلق بالمنهج المستخدم في قياس ق د ك. ~~(ب) إن القول بوجود قيمة معينة يمكن تحديدها في نقطة معينة ~~أو لحظة محدودة هو قول مصطنع إلى حد كبير. خذ مثلا انحناء القوس ~~في نقطة معينة، قد تقول إن القوس ليس فيه انحناء عند هذه النقطة، ~~أو فيه انحناء لا متناه، أو فيه انحناءان مختلفان. وقد يكون ms177 ذلك ~~صحيحا بالنسبة لجميع المحددات # determinable # ذات الأهمية في علم ~~الطبيعة. ~~(4) ولو أننا فهمنا مبدأ اللاحتمية بالمعنى الذي يمكن فيه ~~للإلكترون في إحدى الذرات أن يقفز - بغير تنبؤ - من محور إلى محور ~~آخر، فإن ذلك يضعف - في الحال - حجة الفيلسوف الجبري الذي يقيم ~~إمكان التنبؤ بالسلوك على أساس إمكان التنبؤ في العالم الطبيعي. وإذا ~~كان الأخير لا يمكن التنبؤ به، نتج عن ذلك أنه لا يمكن التنبؤ ~~بالأول أيضا. # وإذا ما أخذنا مبدأ اللاحتمية من ناحية أخرى، على أنه يعني عدم ~~الدقة في القياس، مهما تكن الأدوات المستخدمة في عملية القياس، فإن ~~ذلك أيضا سوف يكون حجة ضد أولئك الذين يعتقدون أن السلوك البشري ~~يمكن حسابه لو أننا توقفنا فحسب عن الاستبطان، وقسنا الظواهر ~~البشرية قياسا كميا كما نفعل في بقية العالم الطبيعي. # وإذا ما أخذ هذا المبدأ على أنه يعني إمكان معرفة قيمة محدد ~~معين # certain determinable # في نقطة ~~معينة أو في لحظة محددة، فسوف يكون من اللغو أن نقول: «إننا إذا ما ~~قدمت لنا المعطيات الدقيقة في لحظة معينة» فسوف يكون من الممكن ~~التنبؤ بالظروف في لحظة «لاحقة». لأن «المعطيات في لحظة معينة» لا ~~يمكن أن تعطى بدقة. ~~(5) لكنا لم نقدم الحجة السابقة لكي نبرهن على أن السلوك ~~البشري لا يمكن التنبؤ به لأن حوادث العالم الطبيعي قد وجدنا ~~أنها تجاوز عملية التنبؤ. فذلك لا بد أن يعني أن الأحداث الذهنية ~~معتمدة على الأحداث المادية، وأن مبدأ اللاحتمية المفترض في المادة ~~دليل في صالح لا حتمية الذهن، أعني أن خصائص الذهن يمكن استنباطها ~~من خصائص المادة. والواقع أن الحجة السابقة تهدف إلى تفنيد النظرية ~~التي تعزو - بيقين مطلق - حتمية للعالم غير العضوي، ثم تفترض بعد ~~ذلك عن طريق المماثلة والتشابه، أن الحتمية تصدق كذلك على الحوادث ~~الذهنية رغم مظهرها الذي يوحي بعكس ذلك. # سوف أقتبس النصوص الآتية من برفيسور إدنجتون وأوجهها إلى أولئك ~~الذين لا يزالون يعتقدون أنه من الصعب التخلص من الحتمية بوصفها ~~تصورا صادقا للعالم المادي ms178 - يقول إدنجتون: «لا بد لي أن أوضح أن ~~النظرة العلمية للمذهب اللاحتمي لا تعني أن هناك أحيانا استثناءات ~~للقانون الحتمي، لكنها تعني أن كل ظاهرة هي لا حتمية بدرجة كبيرة ~~أو صغيرة.» # 7 # وهو يقول كذلك: «إني أعتقد أننا ننظر إلى المذهب الحتمي الآن على ~~أنه زعم بغير أساس.» # 8 # وهو يقول أيضا: «طالما أن الحتمية قد أزيحت من وضعها ~~الذي يبدو منيعا في علم الطبيعة، فإن - من الطبيعي - أن نشك في ~~قولها حين تزعم أنها اتخذت لنفسها وضعا مؤكدا في مناطق أخرى من الخبرة.» # 9 # ويلاحظ الكاتب نفسه، وهو يلخص حججه في صالح المذهب ~~اللاحتمى: «(1) يبدو أننا نقوم بتعقيد لا مسوغ له حين نفترض وجود ~~الحتمية في العمليات الذهنية واللاحتمية في العمليات الطبيعية. (2) من ~~الصعب أن نرى كيف يمكن أن تنطبق الحتمية على حالة ذهنية معينة وحالة ~~ذهنية أخرى، لا سيما إذا كانت حالة ذهنية لفرد معين - أعني وحدة # unit ~~، قد لا يكون لها نظير في ~~الكون على الإطلاق - فهي تلغي مشكلة المماثلة الوثيقة مع إمكان التنبؤ ~~في النظم الفيزيائية. (3) الحالات الذهنية بطبيعتها ذاتها ومن خصائصها ~~نفسها ليست معطيات للتنبؤ الدقيق». # 10 # لكني أكرر القول بأنني لا أريد أن أستنبط حريتنا من اللاحتمية في ~~العالم الطبيعي. فحتى إذا ما كان العالم المادي تحكمه حتمية مطلقة ~~من أضأل التفصيلات، فسوف أظل على اقتناع تام بأن الإرادة البشرية ~~تحدد نفسها بنفسها ولا يمكن التنبؤ بها. وفضلا على ذلك فإن تطوير ~~هذه النقطة سوف يكون موضوع الفصل القادم. # الفصل السابع # | الجبر الذاتي # (1) المذهب اللاحتمي مرفوض - عرض هذا المذهب. (2) الحرية تعني انعدام ~~القيود - أن تكون حرا من كل شيء معناه أن تكون لا شيء. (3) مذهب ~~اللاحتمية يهدم المسئولية الخلقية لأنه هدم الهوية الذاتية. (4) ~~الثواب والعقاب لا بد أن يكون ظالما وعقيما. (5) كل من الفيلسوف ~~الجبري والفيلسوف اللاحتمي قد يكون محقا فيما يؤكده، مخطئا فيما ~~ينكره. فمن الممكن أن يكون للإرادة سبب، وأن يكون هذا السبب نفسه، ذلك ~~حرا. (6) التفرقة بين الشرط الذي يكون ms179 ضروريا للمشروط # conditionate ~~، وبين الشرط الذي ~~يكون في آن معا ضروريا وكافيا. (7) عرض السببية الميتافيزيقية. ~~(8) عرض السببية التجريبية - مقارنة بين التصورات الميتافيزيقية ~~والتصورات التجريبية للسببية. (9) التصور الثالث الذي يقع بين ~~الطرفين الأقصيين. الشرط قد يكون ضروريا للمشروط دون أن يتبعه ~~المشروط بالضرورة. (10) هذه الوجهة من النظر تختلف عن وجهة نظر كل من ~~اسبينوزا وليبتنز - وجهة نظر اسبينوزا. (11- 12) نقد وجهة نظر ~~اسبينوزا: (11) كيف يمكن للأحوال # modes # الزمانية المتناهية أن تنتج ~~من جوهر خال لا متناه. (12) وبناء على ذلك فإن رأي اسبينوزا في ~~أن الإرادة ضرورية رأي مرفوض. (13) وجهة نظر ليبنتز في أن الإرادة ~~حادثة لكنها يقينية؟ (14-16) نقد وجهة نظر ليبنتز. (14) المشكلات التي ~~أثارها «أرنولد» مشكلات حقيقية. (15) التنبؤ بالمستقبل تناقض في ~~الألفاظ. المستقبل المتنبأ به عبارة عن ماض. المعرفة الإلهية ~~المسبقة تهدم حرية الله كما تهدم حرية الإنسان. (16) اقتباس قصة ~~سكستوس تاركونيس لتوضيح نظرية ليبنتز. (17) كلتا النظريتين تجعل الشعور ~~لا معنى له. (18) المذهب الآلي مرفوض هو الآخر؛ لأن التطور عنده ~~تطوير غير خالق. (19) نقد تصور دارون للتطور. (20) الأخذ بنظرية ~~لامارك. (21) التطور الحقيقي لا بد أن يتضمن خلق شيء جديد. (22) ~~الحياة تنبثق في جدة مطلقة. (23) مقارنة الحياة بعملية الخلق عند ~~الفنان. (24) خلق الإنسان ليس شيئا ثابتا ومحددا. (25) يمكن ~~التنبؤ بالواقعة دون الفعل. (26) فشل كل محاولة للتوفيق بين العلم ~~الإلهي بكل شيء، والحرية الإنسانية. (27-31) مناقشة حجج مختلفة بهذا ~~الصدد: (27) القول بأن المعرفة المسبقة لا تعني حدوث الحادثة المتنبأ ~~بها. (28) القول بأن الله يوجد في «آن» أبدي. (29) تصور المعرفة ~~الإلهية المسبقة بمماثلتها بالفن. (30) مشكلة الشر على نحو ما نوقشت في ~~المراسلات بين بلينبرج واسبينوزا. (31) محاولة جيمس للتوفيق بين ~~المعرفة الإلهية المسبقة وبين الحرية الإنسانية - عرض هذه المحاولة ~~ونقدها. (32) أي تصور لواقع ثابت هو تجريد يقوم به العقل البشري. ~~الواقعة دائما في صيرورة، وهي تخلق باستمرار شيئا جديدا. (33) ~~مفارقة العلم الإلهي السابق وحرية الإنسان لا بزوال العنصر غير ~~الحقيقي، أعني المطلق والاحتفاظ بالعنصر الحقيقي، أعني العنصر النسبي ~~الناقص. (34) إذا ما أراد شخص ما على ms180 الإطلاق فإن إرادته لا بد أن ~~تكون حرة. ~~••• ~~(1) إذا كنا قد رفضنا المذهب الجبري باعتباره مذهبا يقوم على غير ~~أساس، فإننا نرفض - لنفس السبب - مذهب اللاجبرية الخالص، فهو مذهب لا ~~يمكن الدفاع عنه: وأنا أعني بمذهب اللاجبرية الخالص، تلك النظرية التي ~~ترى أنه ليس ثمة شيء ترى أنه ليس ثمة شيء في طبيعة «س» - أو في ~~طبائع الأشياء التي ترتبط بها - يلزم «س» أن تكون لها الخاصية «ص» في ~~اللحظة «ل». وبناء على هذه النظرية فإن «س» يمكن أن تكون أي شيء في ~~أية لحظة دون أن يكون هناك ارتباط على الإطلاق بين الحاضر من ناحية، ~~وبين الماضي والمستقبل من ناحية أخرى. # ويقول «جيمس» عن تطبيق هذا المذهب على الكون بصفة عامة: «يرى المذهب ~~اللاجبري أن لأجزاء الكون مقدارا معينا من تأثير بعضها في بعض ~~تأثيرا لا تحديد فيه ولا تعيين، بحيث إن وجود أحدها لا يحدد ~~بالضرورة الكيفية التي ستوجد عليها الأجزاء الأخرى. وهذا المذهب ~~يسلم بأن الممكنات قد تزيد على الوقائع، والأشياء التي لم تنكشف ~~لمعرفتنا بعد قد تكون في ذاتها مبهمة أو مزدوجة الدلالة. وقد نتصور ~~بديلين للمستقبل كلاهما الآن ممكن الحدوث، ولكن لا يصبح أحدهما ~~مستحيلا إلا في لحظة يستبعده فيها الآخر حين يتحقق ويصبح واقعيا». # 1 # أما فيما يتعلق بالسلوك البشري فإن هذا المذهب يرى أن الفاعل ~~حين يسلك سلوكا معينا مثل «أ»، فإنه لا يكون مقيدا في فعله هذا ~~بأي شيء داخليا كان أم خارجيا، فهو لا يسلك سلوكه هذا ويفعل الفعل ~~«أ» لأنه يحقق أعلى رغبة من رغباته، ولا لأنه يجلب أعظم قدر من ~~السعادة لأكبر عدد من الناس، ولا لأنه صادر عن سلطة الواجب الداخلية، ~~ولهذا فهو يختاره ويفضله على جميع الأفعال الأخرى، وهو ليس مقيدا ~~في فعله هذا بتركيبه الجسمي أو العقلي، أو الوراثة، أو البيئة التي نشأ ~~فيها. إنه باختصار شديد يفعل الفعل «أ» بلا سبب، فليست هناك مقدمات ~~من أي نوع تضطره أن يفعل «أ» ويستبعد البدائل الأخرى، فهو ms181 لا يرتبط ~~بغاية تغريه بهذا السلوك، ولا بمقدمات تضطره إليه. إن فعله هو ببساطة ~~وبوضوح: مجرد صدفة. # ونحن نرفض مثل هذه اللاجبرية الخالصة، أو حرية اللامبالاة وعدم ~~الاكتراث؛ لأنها تعني ببساطة العشوائية، التي هي سلب للعقل والقانون، ~~فكل شيء عند هذا المذهب ممكن ولا شيء مستحيلا. ولن يكون هناك شيء ~~مؤكد في حياة الإنسان لأن الرجل الفاضل قد ينقلب فجأة إلى رجل ~~سيئ السلوك، ومن ثم فكل محاولات المربي تصبح بغير جدوى. ~~(2) إذا كانت الحرية لفظا خاصا يعني - بمعنى من معانيه - انعدام ~~القيود، فإن الحرية المطلقة لا بد أن تعني أن تكون حرا من جميع ~~القيود؛ أن تتحرر من الأشياء الخارجية ومن الطبيعة، ومن الناس من ~~حولك، ومن القانون، ومن العقل، ومن الوراثة. لكنك من ناحية أخرى: «لو ~~تحررت من كل شيء لكان معنى ذلك أنك لا شيء؛ فاللاشيء أو العدم هو ~~وحده الحر حرية مطلقة: الحرية المطلقة هي العدم المجرد، ومن هنا فإذا ~~كان الإنسان بالموت يتوقف عن أن يكون شيئا، فإنه - بالموت أيضا - ~~يكون لأول مرة حرا حرية مطلقة لأنه سيصبح لا شيء.» # 2 ~~(3) إنه لمن الخطأ أن نظن أن المذهب اللاجبري يجعل المسئولية ~~الخلقية واضحة بنتائجها في الثواب والعقاب؛ إذ الواقع أنه لا شيء ~~يهدم المسئولية الخلقية كما تهدمها حرية اللامبالاة. ~~«إن ما يطلبه دعاة الحرية عادة من حيث الأساس هو «القدرة على الفعل ~~بطريقة أخرى» وهو في نفس الوقت أن يفعل أو يقوم بالفعل وأيضا ألا ~~يفعل، وذلك إنكار - لا قبول - للمسئولية، أعني تكيف الذات بكيف عن طريق ~~سلوكها. إنه يقدم ما يتظاهر بالسؤال عنه، وهو أن الفعل الذي ~~سيقدم عليه سيكون فعله هو وسيكون ذاته نفسها. وهو يهرب من مطلبه في ~~اللحظة التي يواجه فيها معناه، في كل فعل بل حتى في لحظة أداء الفعل ~~فإن عليه أن يكون كما لو لم يفعل شيئا ولا قام بفعل شيء، فهو غير ~~ملتزم وغير متطور. قد يقال لكنه «غير ملتزم قبل الفعل لا بعده» ~~لكن ذلك ليس ms182 إلا مراوغة وتملصات. فلو أنه كان غير ملتزم بعدة آلاف ~~من الأفعال، وقبل الفعل الواحد بعد الألف فهو غير ملتزم على الأقل بعد ~~الفعل الواحد بعد الألف. إن وجهة نظر هذا المذهب ليست هي أن الفعل ~~يصف الذات بسمة معينة، بل هي بالأحرى أن الفعل لا يصف الذات بأية صفة.» # 3 # إن اللاجبرية المطلقة تعني أن فعلي في لحظة معينة لا يرتبط على ~~الإطلاق بما حدث أو بما وجد في اللحظة الماضية أو لحظات الزمان؛ ~~لأنه لو كانت هناك مثل هذه الرابطة بين الماضي والحاضر لكان معنى ذلك ~~أن الفعل - كليا أو جزئيا - محدد بالمقدم. لكن القول بأني ~~في كل لحظة شخص جديد تماما تصدر عني أفعال في استقلال عن ماض يؤدي ~~إلى هدم الهوية الذاتية، ويعفيني بالتالي من المسئولية. # إن الهوية لا تعني شيئا ما لم تعن التشابه الذاتي مع الاختلاف في ~~آن معا، وما لم نتصور الفاعل على أنه تشابه ذاتي «أو نفس الشخص» ~~مع اختلافات في عرض هذه الشخصية فإننا لن نستطيع أن نحمل عليه أية ~~صفة. يقول برادلي في هذا المعنى: «إن اسم شخص ما هو اسم لفرد معين ~~يبقى موجودا وسط التغيرات الجزئية». # 4 # فوجود الفاعل لا يعني مجرد تتابع لحظات جزئية، لكنه يعني ~~هوية تجاوز هذه اللحظات الجزئية. «لأنه ما لم يكن الشخص متميزا فسوف ~~يصعب أن يكون له اسم خاص يعتمد على بقائه هو نفسه وسط التغيرات، ونحن ~~لا نستطيع أن ندرك شيئا ما لم تكن له خاصية معينة أو مجموعة من ~~الخصائص نستطيع من وقت لآخر أن نوحد بينها، فالفرد يبقى هو نفسه وسط ~~تغير الظاهر، وهذا يعني أن له هوية حقيقية.» # 5 # والفيلسوف اللاجبري حين ينكر وجود أي ارتباط بين الماضي والحاضر ~~فإنه بذلك ينكر دوام التشابه الذاتي للفاعل، وهو بالتالي يلغي ~~الهوية ومعها - بالطبع - المسئولية؛ ذلك لأن وجود الهوية مرتبط ~~بالمسئولية، لأنك حين تقول عن شخص ما إنه مسئول عن أفعاله، فإنك ~~تعني أنه يظل في هوية مع نفسه في ms183 الماضي والحاضر، وإذا ما بقي الفرد ~~في هوية مع نفسه في لحظتين مختلفتين - إذا كان غدا هو نفسه بهويته ~~الحاضرة - فلا شك أن هناك ارتباطا بين الماضي والمستقبل، أي إنه ~~سيكون مقيدا في سلوكه غدا بما هو عليه الآن. ومن هنا فإن مذهب ~~اللاجبرية الخالصة يتناقض مع المسئولية الخلقية، لأنه ما لم يكن هناك ~~ارتباط بين اللحظات المتتالية في حياة الإنسان، فسيكون من الخلف أن ~~تنسب إليه مسئولية خلقية في لحظة ما عما فعله في لحظة سابقة: «إن ~~الشرط الأول لإمكان أن أكون مذنبا أو غير مذنب، أعني أن أصبح موضوعا ~~لحكم أخلاقي، هو التشابه الذاتي: أن أكون أنا نفسي باستمرار شخصا ~~واحدا في هوية ذاتية مع نفسي.» # 6 # وفضلا عن ذلك «فإنه من المستحيل أن ننظر إلى الوجود على ~~أنه يتكون من وحدة مع اختلاف المضمون، ونفترض مع ذلك أن طبيعة ~~المضمون هي أن يكون غير مكترث، وأنه ليست له طريقته المعينة في ~~الاستجابات وتحول الكل.» # 7 ~~(4) كلا، ولا يمكن أن نجد في مثل هذه النظرية أساسا معقولا ~~لفكرتي الثواب والعقاب، أو استحسان واستهجان ما يفعله شخص ما. فلو كان ~~الفعل الخاطئ الذي ارتكبه الآن ينفصل تماما عن ماضي ومستقبلي فلا ~~بد أن يكون عقابي ظالما بقدر ما هو عقيم مجدب، فهو ظالم لأنني في ~~لحظة العقاب - وهي لحظة لا بد بالضرورة أن تكون مختلفة عن اللحظة ~~التي ارتكبت فيها الفعل الخاطئ - لا أكون الشخص الذي كنته عند اقتراف ~~الخطأ، وهو عقيم مجدب لأنه لن يكون له أدنى أثر على سلوكي في ~~المستقبل. والواقع أنه «لو كانت أفعال الإنسان الإرادية غير مقيدة ~~بالظروف التي يتضمنها نسق تكوينه الذهني، فإن الأساس الوحيد لعقابه ~~في هذه الحالة لا بد أن يكون انفعالا من انفعالات الحنق أو الانتقام.» # 8 # وهذا الانفعال نفسه موجه توجيها خاطئا. # وهكذا يتضح أن مذهب اللاجبرية الخالصة لا ينقذ المسئولية ~~الخلقية كما يزعم عادة، فقد ذهب دعاته إلى القول بأن الإنسان مسئول ~~فحسب لأنه ليس ثمة مبرر يدعوه ms184 إلى أن يفعل هذا الفعل وأن يمتنع عن ~~ذاك. وهم يقولون إن كون الإنسان مسئولا يعني أنه يستحيل عليه هو ~~نفسه، كما يستحيل على أي شخص آخر أن يعرف ما الذي سيفعله في اللحظة ~~القادمة. إننا لا يمكن أن نعرف ما هي أفعاله إلا بعد أن يفعلها ~~بالفعل، وعندئذ نعرف أن هذه الأفعال كان يمكن أن تكون الضد على خط ~~مستقيم: «إنه بمقدار ما تهتم بإنقاذ المسئولية ... فإنها تحطم ~~شروطها ذاتها ... إنها تصف ذلك الشخص الذي ليس مسئولا، إنه الشخص المعتوه.» # 9 ~~(5) ومن ذلك يتضح أن الجبرية التامة، واللاجبرية الخالصة مذهبان ~~خاطئان. «فأحدهما «المذهب الجبري» يزعم أن لكل شيء سببا، وينتهي إلى ~~إنكار حرية الإرادة، بينما يفترض الآخر الحرية كحقيقة مقررة وينكر ~~أن يكون للإرادة سبب. وقد يجوز أن يكون كل مذهب منهما محقا فيما ~~يؤكده مخطئا فيما ينكره، أعني أنه من الممكن أن يكون ~~للإرادة سبب، وأن يكون هذا السبب نفسه مع ذلك حرا.» # 10 # والقول بأن الإرادة مشروطة وحرة في آن معا هو ما نعنيه «بالجبر ~~الذاتي»؛ فالأفعال الإرادية ترتبط ارتباطا سببيا بمقدمات معينة تقوم ~~في طبيعة تكوين الفاعل نفسه، ما دامت هذه الأفعال تعبر عن طبيعة ~~الفاعل وتحقق ذاته، وهي في نفس الوقت حرة، لأنها ليست نتاجا ~~ضروريا لشيء آخر خارج طبيعة الفاعل نفسه، فبمقدار ما يكون الفاعل ~~مكتفيا بذاته في تفسير الفعل الإرادي فهو حر إلى هذا الحد في هذا ~~الفعل، وهو بإنجازه له على هذا النحو يكون محددا بذاته أو مجبرا ~~ذاتيا. غير أن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح أكبر. ~~(6) كلمة «الشرط» إما أنها تعني مقدما ضروريا، أو مقدما ~~ضروريا وكافيا في آن معا. والشرط الضروري هو شيء إذا تحقق جعل ~~تحقق النتيجة ممكنا. أعني أن «النتيجة» لا يمكن أن تتحقق دون ~~أن يسبقها الشرط الذي هو سببها، في حين يمكن التفكير في الشرط ~~مستقلا عنها. لكن الشرط الضروري والكافي هو شيء، إذا تحقق جعل ~~تحقق النتيجة المشروطة ضروريا ولازما. وفي هذه الحالة لا يمكن ms185 ~~التفكير في أي من الحدين بمعزل عن الآخر، لأن العلاقة بين الاثنين ~~مطلقة. ~~(7) وهذا الطابع المطلق للعلاقة بين الحدين في الحالة الثانية ~~والضرورة التي بها يتبع «المشروط» الشرط تؤلف ما يمكن أن نسميه ~~بالسببية الميتافيزيقية وهي التي نجد فيها أن الترابط الضروري بين ~~السبب والنتيجة يمكن معرفته معرفة أولية عن طريق تحليل التصورات؛ أي ~~إن معرفته لا تتوقف على التجربة التي لا تكشف إلا عن العلاقات ~~العرضية وحدها. وهذه السببية الميتافيزيقية - فضلا على أنها تعني ~~ضرورة العلاقة بين السبب والنتيجة - تتضمن وحدة كامنة وراء ثنائيتهما: ~~«إذ كيف يمكن للضرورة المتبادلة بين تصور حد مع حد آخر، وهي الضرورة ~~التي بواسطتها لا يكون تحقق النتيجة إلا تحققا ضروريا للسبب - ~~كيف يمكن لنا أن نتصورها، ما لم تتحد ثنائية الحدين في وحدة ~~أساسية واحدة؟ حين لا نستطيع تصور السبب بدون النتيجة، أو حين ~~تتضمن ماهية السبب ماهية النتيجة. عندئذ لا يصبح التصوران بعد ذلك ~~اثنين، لكنهما يمتزجان في تصور واحد. وفي هذه الحالة يصبح السبب ~~ضروريا للنتيجة والنتيجة ضرورية للسبب؛ ومن ثم تصبح النتيجة في ~~هوية واحدة مع السبب، والعكس صحيح أيضا.» # 11 ~~(8) أما التصور التجريبي للسببية فهو عكس هذا التصور ~~الميتافيزيقي: فبدلا من الرابطة الضرورية بين السبب والنتيجة نجد أن ~~العلاقة بينهما حادثة أو عرضية تماما. وإذا كان التصور الميتافيزيقي ~~يميل نحو الوحدة وراء الكثرة، فإن التصور التجريبي يتجه نحو ~~الكثرة، فالأول يهتم بهوية السبب والنتيجة، والثاني يهتم بالتتابع ~~البسيط. والقضايا التي يصدرها الأول عن الواقع قضايا تحليلية لا يضيف ~~فيها المحمول إلى الموضوع شيئا جديدا، حتى إنه ليمكن منطقيا ~~استنباط الموضوع من المحمول. بينما القضايا التي يذكرها الثاني قضايا ~~تركيبية، حتى إننا نجد أن التحليل الكامل للموضوع لا يؤدي إلى ~~استخراج المحمول منه: القضايا الأولى أولية يمكن معرفتها بمعزل عن ~~التجربة، أما الثانية فهي بعدية لا يمكن معرفتها إلا عن طريق ~~التجربة وحدها. وبناء على التصور الأول للسببية نجد أن الشرط «أو ~~السبب» لا يمكن تصوره بدون المشروط أو النتيجة ms186 التي تعقبه، أما في ~~حالة التصور الثاني فإن تتابع الحدين لا يمكن ملاحظته إلا في ~~الماضي فحسب، وقد يتكرر - أو لا يتكرر - في المستقبل، فهو تتابع ~~بغير علة # Reason # تبرره، والأساس ~~الوحيد الذي يقوم عليه هو تعودنا على ملاحظته. وإذا كان ثمة وحدة تضم ~~التعدد المطلق للواقع، فهي وحدة - بناء على المبدأ التجريبي - تفرضها ~~الذات على الواقع، لكنها هي نفسها ليست وحدة داخلية تقوم في قلب هذا ~~الواقع. ~~(9) لكن ألا توجد حلقة وسطى بين هذين الطرفين الأقصيين، أعني بين ~~التصور الميتافيزيقي والتصور التجريبي للسببية، بحيث تشكل ~~تصورا ثالثا للعلاقة السببية؟ هناك بالفعل خطوة وسط؛ ففي حين أن ~~المقدم في السببية الميتافيزيقية ضروري وكاف، وفي السببية التجريبية ~~لا هو ضروري ولا كاف، فهو في هذا التصور الثالث: تصور ضروري لكنه ~~ليس كافيا. # سبق أن ذكرنا - في الفصل الثالث - أن الإرادة يمكن أن تحلل إلى ~~الانتباه وإلى فكرة التغير، بشرط أن يتحقق وفقا لمضمون الفكرة ~~وبنشاط الفاعل نفسه على نحو يشعر معه أنه يتحقق ذاته في هذا الفعل. ~~ورأينا أن الفرد المنتبه لمثل هذه الفكرة يكون نشطا، أعني أنه ~~يوجه نفسه، ويتميز عن ذلك الذي يوجهه غيره. ولكي ندعم هذه الفكرة ~~لجأنا إلى التجربة من ناحية، وحاولنا أن نبين - من ناحية أخرى - ~~أن النظرية المعارضة، وهي نظرية المذهب الجبري، نظرية لا تقوم على ~~أساس سليم. إن الفاعل حين ينتبه إلى فكرة التغير يحدد نفسه لأنه ~~قبل فعل الانتباه لم يكن ثمة شيء يؤثر فيه، بحيث يجعله ينتبه إلى هذه ~~الفكرة الجزئية، فتلك هي الوظيفة الأساسية لفرديته العينية. ومعنى ذلك ~~أن العملية التي تبدأ من الانتباه إلى فكرة معينة وتنتهي بتحقيق ~~هذه الفكرة مشروطة بشخصية الفاعل. لكن العلاقة هنا بين الشرط والمشروط ~~تجعل من الممكن تصور الأول بدون الثاني، على الرغم من أن الثاني ~~لا يمكن تصوره بدون الأول؛ فالعلاقة بين شخصية الفاعل وفعله الإرادي ~~ليست هي نفسها العلاقة بين المثلث وخواصه. كلا، ولا هي كالعلاقة ~~السببية بين الجدار وبياضه، لكنها علاقة من ms187 نوع خاص؛ فهي تعني أنه ~~بدون هذه الشخصية العينية للفرد لا يمكن أن يصدر على الإطلاق مثل هذا ~~الفعل الإرادي. لكن هذه الشخصية العينية نفسها يمكن أن توجد دون أن ~~يكون هذا الفعل الإرادي نتيجة ضرورية لها. ~~(10) وهذه النظرية تختلف عن النظرية التي تنسب - عادة - إلى ~~اسبينوزا، كما تختلف عن نظرية ليبنتز. فاسبينوزا يقول في القضية الأولى ~~من كتاب الأخلاق: «الجوهر بطبيعته سابق على أحواله # its ~~affections ~~» # 12 # وهو بذلك يسعى إلى البرهنة على أن ذلك الجوهر الذي ~~يتألف من صفات لا متناهية يوجد وجودا «ضروريا». ومن ضرورة الطبيعة ~~الإلهية لا بد أن تنتج أعدادا لا متناهية من الأشياء بطرق لا ~~متناهية «أعني جميع الأشياء التي يمكن أن يتصورها عقل متناه». # 13 # إذ من الواضح أنه يمكن أن ينتج عدد من الخصائص بطريقة ~~ضرورية من التعريف الذي نقدمه لأي شيء. وكلما كان تعريف الشيء ~~يعبر نسبيا عن واقع أعظم، استنتجنا منه خصائص أكثر. لكن الطبيعة ~~الإلهية تمتلك صفات لا متناهية بطريقة مطلقة؛ ومن ثم لا بد أن تنتج ~~جميع الأشياء التي يمكن أن نتصورها من ضرورة الطبيعة الإلهية. ~~وبعبارة أخرى «أعني الجوهر» هو السبب الكامن في جميع الأشياء: # 14 ~~«وأي شيء يضطر إلى فعل ما فهو مضطر إلى ذلك عن طريق الله ~~بالضرورة، والشيء الذي لا يضطر عن طريق الله على هذا النحو لا يمكن أن ~~يحدد نفسه لأي فعل.» # 15 # ومن ثم «فليست هناك إرادة يمكن أن توجد أو أن تتحدد ~~للفعل، ما لم يتحكم فيها سبب آخر، ويتحكم في هذا السبب الجديد سبب ~~آخر، وهكذا، إلى ما لا نهاية.» # 16 ~~(11) دعنا الآن نسلم بالوجود الضروري للجوهر لنرى ما إذا كانت ~~حالات الفرد يمكن استنباطها استنباطا ضروريا من هذا الجوهر دون ~~الوقوع في التناقض. إن الجوهر هو بالضرورة أزلي ولا متناه، في حين ~~أنه من المفروض أن حالات الفرد متناهية وعابرة. والسؤال الذي يطرح ~~نفسه الآن هو: طالما أن كل ما ينتج بالضرورة عن المتناهي والأزلي لا ~~بد أن ms188 يكون مثله متناهيا وأزليا، فكيف يمكن أن تكون هناك أحوال # Modes # متناهية وعابرة؟ إنه وفقا ~~لما يقول اسبينوزا نفسه «فإن الفرد أو الشيء المتناهي أو ما له وجود ~~متعين، لا يمكن أن يوجد أو أن يتجدد للفعل ما لم يتحدد للوجود، ~~والفعل عن طريق سبب آخر يكون هو بدوره متناهيا وله وجود متعين. وهذا ~~السبب بدوره لا يمكن أن يوجد ولا أن يتحدد للفعل إلا عن طريق شيء ~~آخر، وهكذا، إلى ما لا نهاية.» # 17 # ولو أننا الآن بدأنا بشيء معين متناه وتعقبناه عائدين القهقرى ~~إلى سببه المتناهي، أو من هذا الأخير إلى سببه المتناهي، وهكذا إلى ما ~~لا نهاية، لبدا مستحيلا أن تصل هذه العملية إلى اللامتناهي، ولست ~~أجد أية عملية أخرى يمكن أن تصل بنا إلى اللامتناهي من خلال المتناهي. # 18 # وإذا لم يكن ثمة حل لإزالة مفارقة خروج المتناهي من اللامتناهي، ~~فإن مذهب اسبينوزا كله سوف يحكم عليه بالفشل. ولا شيء يمكن أن ينقذ ~~مذهب اسبينوزا كله من إنكاره الكامل للحقيقة التي تنسب للأشياء ~~المتناهية. ولا بد أن تبدو الأحوال # Modes # بغير وجود متميز عن وجود الجوهر، كما أن الوجود ~~الزماني الذي ينسب إلى هذه الأحوال لن يكون إلا مظهرا وهميا ~~مصطنعا للوجود الآلي. بل إنه لن يكفي الزعم بأن الجوهر يخفف ~~الفوارق بين الأحوال، لكنه لا يلغيها. أقول لا يكفي ذلك لأن هذه ~~الأحوال المتناهية سوف تظل وقائع متميزة ومنفصلة. وباختصار فإن مذهب ~~اسبينوزا لكي يتسق مع نفسه فلا بد ألا يكون هناك جوهر له أحوال على ~~الإطلاق، بل لا بد أن يتركنا مع الوجود البارميندي فحسب. ~~(12) إننا بإظهار ضعف نظرية اسبينوزا القائلة بأن جميع التحولات ~~تنبع بالضرورة من ماهية الجوهر، فإننا نهدف إلى أن نرفض بصفة خاصة ~~قضيته القائلة بأنه «لا يمكن أن تسمى الإرادة سببا حرا، ~~لكنها يمكن أن تسمى فحسب سببا ضروريا.» # 19 # وسوف نلاحظ أولا أن «الإرادة تستخدم في هذا الكتاب بمعنى يختلف عن ~~المعنى الذي استخدم فيه اسبينوزا هذه الكلمة؛ فهي ms189 عنده تعني «حال من ~~أحوال الفكر فحسب»، # 20 # في حين أننا نستخدمها في هذا البحث لنعني العملية كلها ~~التي تبدأ من «حال معينة من حالات الفكر» وتنتهي بالتحقق الكامل ~~لمضمون هذه الحال من أحوال الفكر.» # وواضح ثانيا أن اهتمامنا ينصب على الإرادة بوصفها نتيجة أكثر ~~منها سببا، فهي بوصفها نتيجة سببها شخصية الفاعل - حرة، بمعنى أن ~~شخصية الفاعل التي هي سبب الإرادة ضرورية، لكنها ليست كافية. أعني إذا ~~كان الفعل المراد لا يمكن تصوره بدون سببه، فإن هذا السبب نفسه ~~يمكن تصوره دون أن يستتبع ذلك بالضرورة الفعل المراد. ومعنى ذلك ~~أن السلوك الإرادي هو النتيجة الممكنة - لا الضرورية - لسبب ضروري، ~~وهذا السبب الضروري نفسه ليس كافيا، أعني أنه يمكن تصوره دون ~~تصور النتيجة، لكن العكس غير صحيح. ~~(13) كلا، ولا تتفق وجهة نظرنا مع نظرية ليبنتز التي ترى أن ~~الإرادة حادثة، لكنها يقينية. إذ يرى ليبنتز أن تصور الجوهر الفردي ~~يشمل مرة واحدة وإلى الأبد كل شيء يمكن أن يحدث له. وحين ينظر المرء ~~إلى هذا التصور سيكون قادرا - فيما يعتقد ليبنتز - على أن يرى كل ما ~~يمكن أن يقال عن الفرد، تماما كما يستطيع المرء أن يرى في طبيعة ~~الدائرة جميع الخواص التي يمكن أن تستخرج منها. ثم تساءل ليبنتز: ~~«لكن ألا يبدو أن الفرق بين الحقائق الحادثة والحقائق الضرورية سوف ~~يتحطم بهذه الطريقة، وأنه لن يكون مكان للحرية البشرية، وأن ~~قدرية مطلقة # absolute fatality # سوف ~~تسود جميع أفعالنا كما تسود جميع الحوادث في العالم؟» # 21 # ولقد أجاب هو نفسه على سؤاله يقول: «لا بد أن يكون هناك ~~تمييز بين ما هو يقيني وما هو ضروري ... إن الرابطة أو التتابع نوعان؛ ~~الأول ضروري ضرورة مطلقة، وهو الذي ضده يتضمن تناقضا، يحدث في ~~الحقائق الأزلية # eternal veritites ~~، ~~مثلما يحدث في حقائق الهندسة # Truths of ~~Geometry ~~، أما الثاني فهو ضروري فرضا # exhypothesi ~~، أو هو كذلك بالصدفة # by accident ~~، إن صح التعبير، وهو ~~في ذاته عرضي، طالما أن ضده ليس متضمنا.» # 22 ms190 ~~(14) وواضح أن ليبنتز بهذه النظرية يحاول أن يضمن علم الله ~~السابق وحريته وكذلك حرية الموجودات البشرية. لكني أعتقد أن ~~المشكلات والصعوبات التي أثارها «أرنولد » في مراسلاته مع «ليبنتز» حول ~~هذا الموضوع هي مشكلات وصعوبات حقيقية. فلو كان التصور الفردي لكل ~~شخص يتضمن مرة واحدة، وإلى الأبد، كل ما يمكن أن يحدث له، «كان ~~الله حرا في أن يخلق آدم أو لا يخلقه. لكن افرض أنه قرر أن ~~يخلقه، إن كل ما قد حدث للجنس البشري، وكل ما سوف يحدث له، قد حدث ~~وسوف يحدث بضرورة أكثر منه بقدر. لأن التصور الفردي لآدم يتضمن ~~أنه لا بد أن يكون له مثل هذا العدد الكبير من الأطفال، والتصورات ~~الفردية لهؤلاء الأطفال تتضمن كل ما سيفعلونه، كما تتضمن جميع ~~الأطفال الذين سيولدون لهم ... وهكذا. ومن ثم فإن الله ليست لديه ~~حرية بالنسبة لهذا كله - بشرط أنه أراد أن يخلق آدم - أكثر من حريته ~~في أن يخلق طبيعة عاجزة عن التفكير على افتراض أنه أراد أن يخلقني.» # 23 # ويقول أرنولد # Arnauld # في رده على شرح ~~«ليبنتز» الذي يقول فيه إنه من بين العدد اللامتناهي من «فئة آدم # Adams ~~» الممكنة اختار الله آدم، ~~هذا الجزئي الذي كانت له خصائص فردية معينة؛ لأن مثل هذا الاختيار ~~سيجعل من العالم أفضل العوالم الممكنة، يقول «أرنولد» في رده على ~~ذلك: «وسط موجودات ممكنة، وجد الله في أفكاره عدة شخصيات يمثلونني # several me’s ~~، واحدة من هذه ~~الشخصيات لها عدة محمولات: أن يكون لها مجموعة من الأطفال، وأن تكون ~~طبيبا، وشخصية أخرى لها محمولات أن يحيا حياة أعزب وأن يكون ~~لاهوتيا. ولقد قرر الله أن يخلق الشخصية الأخيرة، وهي أنا بوضعي ~~الراهن، مشتملا في تصوره الفردي أن أعيش أعزب وأن أكون لاهوتيا، ~~في حين أن الشخصية الأولى لا بد أنها كانت تشتمل في تصورها ~~الفردي أن أكون متزوجا وأن أكون طبيبا. أليس واضحا أن أمثال هذه ~~العبارات لا تحمل معنى؛ لأنه طالما أن شخصيتي الراهنة لها بالضرورة ~~طبيعة فردية معنية ms191 ... فإنه سيكون مستحيلا أن نتصور محمولات ~~متناقضة في التصور الفردي الحالي لشخصيتي، استحالة أن نتصور ~~شخصيتي مختلفة عني؟ ومن ثم فعلينا أن ننتهي إلى أنه ... طالما كان من ~~المستحيل علي ألا تظل شخصيتي هي نفسها، سواء تزوجت أم عشت أعزب، ~~فإن التصور الفردي لشخصيتي لم يكن يتضمن أيا من هاتين الحالتين.» # 24 ~~(15) إن الله حين يختار أفضل العوالم الممكنة فإنه ليس فقط لم ~~يتركني حرا لأختار نصيبي الخاص، لكنه هو نفسه ليس حرا في أن ~~يختار لي ذلك. إن أفضل العوالم الممكنة قد وجد وجودا مثاليا - وإن ~~لم يكن فعليا - قبل أن يريده الله. وإرادة الله له لم تضف شيئا ~~لألوهيته، فهو في واقعيته الكاملة ليس أقل من المثل الأفلاطونية، ~~وبالضبط لأن كل شيء كان موجودا فإن الله يستطيع أن يرى مقدما ما ~~سوف يحدث فيما نسميه بالمستقبل. والواقع أن مثل هذا المستقبل ليس ~~مستقبلا على الإطلاق، لكنه ماض، لأنه قد انتهى. وعبارة «الرؤية ~~السابقة» هي تناقض في الألفاظ، فنحن ننتبه بمقدار ما نعرف، وحين نعرف ~~كل شيء عن واقعة أمامنا منتهية، فليس ثمة فارق في هذه الحالة بين ~~الماضي والحاضر والمستقبل. ذلك لأن الماضي والمستقبل. يمكن إدراكهما ~~في الحاضر. إن المستقبل يوجد حقا ويمكن التنبؤ به، لكن لا على ~~أساس أنه لم يحدث بعد، وسوف يحدث، بل على أساس ما هو موجود بالفعل، ~~أعني إذا ما كانت الواقعة التي نتحدث عنها واقعة تامة وكاملة. # وعلم الفلك يزودنا بمثل جيد للتنبؤ بالمستقبل، حين لا يكون هذا ~~التنبؤ أكثر من مجرد معرفة للماضي. فالتنبؤ في علم الفلك ليس إلا ~~نتيجة للحساب الرياضي للوقائع التي حدثت بالفعل. إنه معرفة موضوعية ~~لأماكن موجودة فعلا ومسافات وسرعات ... إلخ إلخ، حتى إن ما يبدو ~~وكأنه تنبؤ ليس في الحقيقة إلا إسقاطا في المستقبل لما هو موجود ~~بالفعل قبل عملية التنبؤ: «بقاعدة معنية من الاستدلال - مثل قانون ~~الجاذبية - أستطيع أن أستدل على الوجود الحاضر أو الماضي تابع معتم # Dark Companion # لنجم معين، وبتطبيق ~~أكثر بساطة لنفس ms192 قاعدة الاستدلال هذه أستطيع أن أستدل على الوجود عام ~~1999م وترتيب شكل الشمس والأرض والقمر الذي يقابل الكسوف الكلي، وظل ~~القمر على مدينة «كورنوول # Cornwall ~~» في ~~عام 1999م موجود بالفعل في عالم الاستدلال. وليس من اليسير أن نعرف ~~بأية طريقة سوف يبلغ الظل هذا الموضع حين تأتي عام 1999م ويلاحظ ~~الكسوف أن كل ما سنفعله هو أن نستبدل حالة من حالات استدلال الظل ~~بحالة أخرى.» # 25 # وباختصار: إن تأكيد العلم السابق بشيء ما، هو في نفس الوقت تأكيد ~~بأن هذا الشيء واقعة تمت بالفعل، ومحاولة التنبؤ بالمستقبل تلغي ~~مستقبله بنفس الفعل الذي تؤكده به. # وإذا ما استبدلنا «الضرورة المفترضة» ب «الضرورة المطلقة» عند ~~اسبينوزا، فإن «ليبنتز» لن يجد ضمانا لا لحرية الله ولا لحرية ~~الإنسان، لأنه لا يمكن أن تكون هناك حرية حين يكون كل شيء مؤكدا، ~~كل شيء يسير في مجراه المعلوم مقدما. إنه لمن الممتع أن نقرأ القصة الآتية # 26 # التي بدأها «فالا # Valla ~~» # 27 # وأكملها «ليبنتز» لكي نكون فكرة دقيقة عن نظرية الأخير ~~فيما يتعلق بأفعال الإنسان. ~~(16) تخيل أن سكستوس تاركونيوس # Sextus ~~Tarquinius # قد أتى لزيارة معبد دلفي # Delphi # ليستشير كاهنة أبولو # Apollo ~~، وأنها أجابته على النحو ~~التالي: سوف تموت منفيا يائسا ويلقى بك خارج المدينة في سخط. ~~واستجابة لضيقه وشكواه قالت له كاهنة أبولو إنها مع علمها بمستقبله ~~فإنها لم تصنعه. لكن افرض أن «سكستوس» لجأ بعد «أبولو» إلى الإله «جوبتر» # 28 # فكيف يمكن لجوبتر أن يبرر له نصيبه القاسي، وما ينتظره ~~من بؤس وشقاء؟ بالكبرياء المتغطرس ل «تاركونيس» وما يلزم عنها من سيئات ~~مقبلة؟ قد تقول كاهنة أبولو: «كما أن جوبتر خلق الذئب المفترس، ~~والأرنب الجبان، والأسد الجسور، والحمار الحرون، والكلب البري، أو ~~الغنم الوديع، فإنه كذلك خلق بعض الناس غليظي القلب، وبعضهم الآخر ~~رقيقي القلب، كما أنه خلق بعض الناس ولديهم استعداد للجريمة، وبعضهم ~~الآخر ولديهم استعداد للفضيلة، وهو بينما خلق بعض الناس بعقول متفتحة ~~متقبلة للحق، منح بعضهم الآخر روحا شريرة لا يمكن ms193 لأي عون خارجي أن ~~يجعلها طيبة.» ومن الواضح أن ذلك يعفي سكستوس من كل المسئولية وكل ~~القيمة وينسب سلوكه إلى جوبتر. # غير أن «ليبنتز» لم يقتنع بهذا الحد من القصة، فأكملها مفترضا ~~أن سكستوس جاء إلى «بودونا # Bodona ~~» ~~في حضرة جوبتر # Jupiter ~~، باحثا عما ~~عساه أن يغير من نصيبه وأن يغير من قلبه. ورد عليه «جوبتر» ~~قائلا: «لو أنك وافقت على التخلي عن عرش روما، فإن آلهة الأقدار # Fates # سوف تعزل سكستوس: «لماذا ~~ينبغي علي أن أتخلي عن الأمل في التاج؟ أليس في استطاعتي أن أكون ~~ملكا طيبا؟» ويجيب الإله «كلا، يا سكستوس، وأنا أعلم منك بما يمكن ~~أن تصلح له، ولو أنك ذهبت إلى روما فسوف تفقد كل شيء.» # وعندما لم يستطع «سكستوس» أن يقتنع بمثل هذه التضحية العظيمة غادر ~~المعبد واستسلم لمصيره المرسوم. لكنه حين ذهب، كان تيودورس # Theodorus ~~، رئيس الكهنة يعرف لماذا ~~لم يستطع «جوبتر» أن يمنح «سكستوس» إرادة تختلف عن تلك الإرادة ~~المخصصة له بوصفه ملكا على روما، ويستشهد «جوبتر» بحالة «بلاس Pallas ~~»، الذي كان نائما في معبده ~~بأثينا، وحلم أنه موجود في بلاد مجهولة، حيث رأى قصر آلهة الأقدار # Fates ~~، الذي سمحت له الآلهة ~~بزيارته: وعلى جدران هذا القصر نقشت جميع الأحداث؛ لا التي وقعت ~~فحسب، بل أيضا كل ما هو ممكن الحدوث، واستطاع أن يرى في هذه النقوش كل ~~جزئية يمكن أن تتحقق متفقة في نسق مع جميع الجزئيات الأخرى في عالمها ~~الخاص الممكن. ويقول «بلاس Pallas» # ل ~~«تيودورس # Theodorus ~~»: «أنت تعرف أنه ~~حين لا تتحدد شروط ما تحديدا كافيا، وحين يكون هناك عدد لا متناه ~~من هذه الشروط، فإنها كلها تقع في دائرة ما يسميه علماء الهندسة ~~بالمكان أو الموضع # Locus ~~، وهذا الموضع ~~- غالبا ما يكون خطا - هو على الأقل محدد، وعلى ذلك ففي استطاعتنا ~~أن نمثل سلسلة منتظمة من العوالم، وهي كلها سوف تتضمن الحالة التي ~~نتحدث عنها، وسوف تتنوع ظروفها ونتائجها.» وجميع هذه العوالم ~~موجودة في فكرة مصورة بدقة في قصر ms194 الأقدار. وفي كل غرفة من غرف هذا ~~القصر ينكشف عالم أمام عيني تيودورس، وفي كل عالم من هذه العوالم كان ~~يرى دائما سكستوس، دائما نفس سكستوس، لكن مع ذلك يختلف من حيث علاقته ~~بالعالم الذي ينتمي إليه. ومن ثم فقد كان سكستوس في جميع هذه ~~العوالم حاضرا بحالات لا متناهية، ومن عالم إلى عالم ، أعني من غرفة ~~إلى غرفة كان «ثيودرس» يرتفع قمة هرم عظيم، والعوالم تصبح أكثر جمالا، ~~«وأخيرا وصل إلى أعلى العوالم، وصل إلى قمة الهرم، أكثر العوالم ~~جمالا ذلك لأن ... الهرم كانت له قمة، لكن لم يكن له سفح مرئي، إنه ~~يضرب بجذوره في اللانهائية»؛ وذلك بسبب أنه - كما أوضحت الآلهة - ~~«وسط عوالم ممكنة لا نهاية لها، يوجد أفضل العوالم، وإلا لما كان في ~~استطاعة الله أن يحدد أي العوالم هو الذي سيخلفه، لكن لم يكن هناك ~~عند السفح عالم يعتبر أدنى العوالم كمالا، وهذا هو السبب في أن ~~الهرم يغوص في اللانهائية»، ودخلا - وثيودور مشدوه - إلى الغرفة ~~العليا، وهي غرفة العالم ~~الحقيقي # real world ~~، وقال بلاس Pallas ~~«انظر ها هو سكستوس كما هو الآن وكما سيكون في ~~المستقبل. انظر إليه كيف يخرج من المعبد وقد تملكه الغيظ. وكيف احتقر ~~نصيحة الآلهة. انظر إليه وهو يذهب إلى روما يثير الاضطراب في كل شيء، ~~ويغتصب زوجة صديقه، انظر إليه بعد ذلك وهو يطرد مع والده، محطما ~~يائسا. لو أن جوبتر كان قد وضع شخصا مثل سكستوس سعيدا في ~~كورنثة # Corinth ~~، أو ملكا على ~~تراقية # Therace ~~، لما كان هذا ~~العالم على هذا النحو. لكنه مع ذلك لم يكن في استطاعته إلا أن ~~يختار هذا العالم الذي يفوق في كماله جميع العوالم الأخرى، والذي هو ~~قمة الهرم، وإلا لكان جوبتر فقد حكمته، ولكان قد طردني أنا طفلة. أنت ~~تدري إذن أن والدي ليس هو الذي جعل سكستوس شقيا، فقد كان سكستوس ~~شقيا منذ الأزل، ولسوف يكون كذلك باستمرار. ومن هنا فإن جوبتر لم ~~يفعل شيئا سوى أن كفل له الوجود، ms195 الذي لا يمكن أن تتنكر حكمته ~~للعالم الذي يشمله. وهو الذي جعله ينتقل من عالم الممكنات إلى الوجود ~~الفعلي.» # من هذه القصة التي توضح توضيحا رائعا وجهة نظر ليبنتز - يتضح ~~لا أنه قد تحدد لسكستوس - بناء على رأى ليبنتز - خلقه الخاص ومصيره ~~الذي لا مفر منه في أفضل العوالم الممكنة التي منحها «جوبتر» وجودها ~~الواقعي. ولو أننا أضفنا إلى ذلك القول بأن جوبتر لم يكن في ~~استطاعته إلا أن يختار هذا العالم لاتضح لنا كيف حرم الله ~~والرإسان من حريتهما على يد ليبنتز، فعلم الله السابق - بدرجة لا تقل ~~عن مذهب اسبينوزا - ليس إلا علما بواقعة قائمة، وحرية الإنسان لا ~~وجود لها. ~~(17) ومن هنا فإن كلا من مذهب ليبنتز واسبينوزا مرفوض، لأنهما ~~يصوران الكون، والوجود الإنساني كوقائع مكتملة أكثر منهما أفعالا ~~في طريق الإنجاز. وكل من النظرتين تبدو وكأنها تبدأ من مسلمة هي ~~ألا شيء من الواقع # really # يمكن أن ~~يضيع وألا شيء جديد يمكن أن يضاف إلى هذا الواقع. وأمثال هذه الآراء ~~تجعل التطور بلا معنى. إن كل فلسفة تبدأ من شيء محدد ومتعين ~~تماما من جميع الوجوه، شيء تحددت سماته وشكله نفسه، هي: فلسفة تبدأ ~~بواقعة ميتة لا يطرأ عليها أي تطور حقيقي. وبناء على هذه الفلسفات فلن ~~ينبثق شيء جديد، لكن عملية السير سوف تكون مجرد فض لما هو متضمن ~~بالفعل. وسوف يتصور المستقبل كل - على حد تعبير وليم جيمس - بأنه ~~«قعقعة قائمة لسلسلة انصهر فيها عدد لا حصر له من العصور الماضية.» # 29 ~~(18) وعلى الأساس نفسه فإننا نرفض كذلك المذهب الآلي المطلق # ultimate # الذي يخلو من ~~التطور الخالق، فكل تغير عند وجهة النظر الآلية ليس إلا تعديلا في ~~توزيع عناصر الكل. وما نسميه «جديدا» ليس جديدا حقيقة، لكن معادلة ~~رياضية لهذا «الجديد» مع مقدماته، فمجموع العناصر في اللحظة «ل» يساوي ~~مجموع العناصر في اللحظة «ل − 1» ويساوي أيضا مجموع العناصر في اللحظة ~~«ل + 1» والعناصر في النظرية الآلية - أيا كانت هذه العناصر - يمكن ~~أن ترتب في عدد غير ms196 معين من الأنظمة، لكن النتيجة واحدة وهي هي ~~دائما، حتى إن إمكان الجدة، وهو الخلق الحقيقي - وليس مجرد ظاهر - ~~إمكان الجدة الذي هو وجود جديد حقيقي لا أثر له على الإطلاق. # والواقع أن الزمان لا يدخل - فيما يبدو - عاملا في حساب المذهب ~~الآلي، فليس هناك فرق حقيقي بين اللحظات: ل، ل + 1 أو ل − 1، فهي ~~جميعا واحدة: «ما الذي نعنيه حين نقول إن حالة نظام مصطنع ما ~~يعتمد على ما كان موجودا في اللحظة الماضية مباشرة؟ ليس هناك لحظة ~~مباشرة سابقة على لحظة أخرى ... فأنت لا تتحدث حديثا حقيقيا إلا ~~عن الحاضر فقط. إن أنظمة العلم المعمول بها - هي في الواقع - في حاضر ~~من اللحظات يجعلها تتجدد باستمرار. ومثل هذه الأنظمة ليست على ~~الإطلاق في تلك الديمومة الواقعية العينية التي يظل فيها الماضي ~~مرتبطا بالحاضر، وحين يحسب عالم الرياضة الحالة المقبلة لنظام من ~~النظم في نهاية الوقت «ل»، فليس ثمة ما يمنعه من افتراض أن الكون ~~يتلاشى من هذه اللحظة حتى تلك ثم يعاود الظهور فجأة. إن لحظة «ل» هي ~~فقط التي تحسب ... وما يتدفق في الوسط - أعني الزمان الحقيقي - لا ~~يحسب ولا يدخل في الحساب ... ويتحدث «عالم الرياضة» باستمرار عن لحظة ~~معينة، لحظة ساكنة، لحظة موجودة، لكنه لا يتحدث عن الزمان ~~المتدفق. وباختصار العالم الذي يتعامل معه عالم الرياضة هو عالم ~~يموت ويولد من جديد في كل لحظة، هو العالم الذي كان يقصده ديكارت حين ~~تحدث عن الخلق المتصل، لكن كيف يمكن للتطور الذي هو ماهية الحياة ~~عينها أن يجد له مكانا في زمان نتصوره على هذا النحو؟» # 30 ~~(19) والتطور الذي يأخذ به هذا البحث، ويعتبره مبدأ أساسيا، ~~ليس هو تطور «دارون»، وإنما هو تصور «لامارك» للتطور. ذلك ~~لأن نظرية «دارون» يصعب أن تترك مجالا للغرض أو الغاية؛ فالانتخاب ~~الطبيعي يعمل بلا غاية، مبقيا على الأصلح، الذي قد لا يكون الأفضل. ~~وهذا الانتخاب الطبيعي لا يمكن أن يبني أشكالا جديدة للحياة، لكنه ~~فقط يستأصل مثل هذه الأشكال الجديدة بوصفها ms197 غير صالحة، إنه يفسر ~~فحسب منعطفات الطريق، لكنه لا يخلق اتجاهها: «كيف نستطيع أن نفسر، ~~إذا ما التجأنا إلى التجمع العفوي للخصائص ... كيف نفسر ظهور أنواع ~~متشابهة من الأعضاء والوظائف وسط منحنيات مختلفة من التطور، وبين ~~أشكال الحياة التي انحدرت من أسلاف مشتركة بعيدة كل البعد؟ والتوزيع ~~الواسع للإنتاج الجنسي بين كل من النبات والحيوان هو مثل على هذا ~~التشابه، ووجود حاسة الإبصار هو مثل آخر، إنه أشبه ما يكون ~~بفنان واحد يعبر عن نفسه بطرق متشابهة، أعني أنه يتبع نفس دافع ~~الخلق، على الأقسام البعيدة من لوحته الواسعة.» # 31 ~~(20) وتذهب نظرية «لامارك»، # 32 # في التطور إلى القول بأن ظهور عضو جديد في جسم الحيوان ~~هو نتيجة لحاجة جديدة يشعر بها شعورا متصلا، وهو نتيجة لحركة جديدة ~~تخلقها هذه الحاجة وتدعمها. والصلاحية # Ftrness # لا تعني - كما هي الحال ~~عند دارون - التوافق مع ما تتطلبه البيئة المادية؛ ذلك لأن ~~الصلاحية عند «لامارك» لا بد أن ترتبط أساسا بالفرد، فالفاعل - وليس ~~البيئة - هو الذي يختار ما يصلح للغاية التي يهدف إليها. ولا يمكن أن ~~يعترض معترض على ذلك فيقول: إن العلاقة بين الفاعل من ناحية ~~والبيئة من ناحية أخرى هي التي تؤدي إلى خلق العضو الصالح أو ~~المناسب، ومن هنا فإن أحدهما ضروري كالآخر سواء بسواء. أقول لا ~~يمكن أن يعترض معترض على هذا النحو؛ لأن المهم هنا هو: أي ~~الطرفين هو الذي يستحدث # initiates # التغير، وأنا أعتقد أن الفاعل هو الذي يشعر بالحاجة ويسعى لاستخدام ~~البيئة بالطريقة التي تساعده في إشباع حاجته. والفرق بين النظرتين ~~يكمن في القول بأن النظرية الأولى «أي نظرية دارون» لا تهدف إلى ~~تحقيق غرض ما عن وعي أو بلا وعي، أما النظرية الثانية «أي نظرية ~~لامارك» فتهتدي بهدى غرض يسعى التطور إلى تحقيقه. ووفقا لما تقول ~~به النظرية الأولى، «فإن مجرى الأشياء بأسره محدد مرة واحدة وإلى ~~الأبد تحديدا فرديا ومنعزلا عن طريق التوزيع الأصلي. وها هنا ~~يأتي عالم الحساب من أتباع «لابلاس» وهو مزود بالمعطيات ms198 الآلية ~~لأية لحظة ليكشف عن حالة العالم كله في أية لحظة أخرى؛ ذلك لأن ~~هناك مجرى واحدا - واحدا فحسب - يسير فيه نظام المادة الجامدة بلا ~~مرشد - وهو خط لا أثر فيه للمقاومة ... لكن الاتجاهات التي قد ينقاد ~~هذا النظام إلى السير فيها تحت هداية مرشد، وإن كانت لا تزال مطابقة ~~لقانون البقاء - ربما كانت لا حصر لها، ولكي تتنبأ بالتقدم الفعلي ~~عند هذه النظرية فلا غناء في أن تعرف فحسب ما الذي سوف يحدث طبقا ~~للقوانين الآلية لو ترك النظام لنفسه؛ لأنه من الضروري لأي تنبؤ ~~في هذه الحالة أن يعرف غاية أو معنى مثل هذا التقدم ... تخيل مركبا ~~مهجورا وباخرة مجهزة تجهيزا تاما بالعتاد: إنك لو كانت لديك ~~معلومات كافية عن الرياح والمد والجزر والتيارات، ففي استطاعتك أن ~~تقول أين يمكن أن يوجد هذا المركب المهجور بعد أسبوع واحد. غير أن ~~هذه المعلومات سوف تكون أهميتها في المرتبة الثانية لو أنك حاولت أن ~~تتنبأ بمكان الباخرة المجهزة بعد أسبوع من صدور الأوامر إليها بالإبحار.» # 33 ~~(21) إنه لكي يكون الكون متطورا تطورا حقيقيا فلا بد له أن ~~يظهر باستمرار شيئا جديدا كل الجدة، أعني أن التطور لا بد أن ~~يكون خلاقا: «إننا ننظر إلى عالمنا اليوم على أنه عالم في دور ~~التكوين، وإلى أنفسنا على أننا جزء منه في دور التكوين أيضا. إن ~~حاضرنا ليس غير ساكن فحسب، بل ومتحرك حركة لا يمكن لها هي ذاتها أن ~~تتكرر غدا. وجزيرتنا الكوكبية نفسها ليست تامة مثل تلك الجزر ~~الكونية التي يحدثنا علماء الفلك أنها في مراحل مختلفة من ~~الصيرورة، ويبدو أن «كانط» يزعم أن العقل البشري منته تام الصنع، ~~أو هو جزء من الوجود مكتمل. غير أن العقل البشري ليس إلا جزءا ~~من تيار التغير ... والكائنات الحية منهمكة طوال الوقت في أن تصبح ~~شيئا خلاف ما هي عليه الآن، وكذلك العقل البشري ومعه بقية الكون.» # 34 # والخواص الجديدة التي تظهر في مجرى التطور ينبغي ألا ~~تكون مجرد خواص «ناتجة # Rresultant ~~» ~~يمكن ms199 أن تضاف أو تطرح أو يتنبأ بها، وإنما يجب أن تكون خواص ~~طارئة # Emergent ~~، خواص جديدة جدة حقيقية ~~ولا يمكن التنبؤ بها. «إن النواتج # Resultants # تعطينا اتصالا كميا ~~يكمن خلف خطوات بنائية جديدة في المفاجآت الطارئة. والخطوة الطارئة ~~ينظر إليها نظرة أفضل، بوصفها تغيرا كيفيا للاتجاه، أو نقطة ~~تحول دقيقة في مجرى الحوادث. ولا يكون هناك بهذا المعنى الكسر ~~المتقطع الموجود في حالة الهوة # gap # أو الفجوة # hiatus # وقد يقال عندئذ: ~~إنه من خلال النواتج يكون هناك اتصال في التقدم، ومن خلال المفاجآت ~~الطارئة يكون هناك تقدم في الاتصال.» # 35 # وتلك هي الحال مع كل فرد من الموجودات البشرية، فالفرد طوال حياته لا ~~يحمل برنامجا جاهزا معدا من قبل في الماضي؛ إذ لو صح ذلك لكان ~~الجهد الأخلاقي كله عقيما مجدبا. وليس مقنعا أن تقول إن الإنسان ~~- من وجهة نظر مطلقة # ultimate ~~- ~~ينبغي أن ينظر إليه في هوية مع الواقع الأزلي لأنه لحظة من لحظات ~~هذا الواقع الأزلي، حتى إن الإنجاز اللامتناهي للواقع هو نفسه إنجازه ~~الخاص اللامتناهي، وإنه يمكن أن ينظر إليه، لا على أنه طبيعة ~~مطبوعة # natura naturata ~~، بل على أنه ~~طبيعة طابعة # natura naturans ~~، أعني لا ~~على أنه عالم معبر عنه، بل على أنه عالم يعبر عن نفسه. أقول ~~ليس مقنعا أن نقول ذلك لكي تنفذ القدرة على الخلق عند الإنسان لأنه ~~حتى ولو سلمنا بذلك كله فسوف يبقى مع ذلك أن «الطبيعة الطابعة» ~~نفسها يمكن أن تظهر ما هو كامن بالعقل فحسب، لكنها لا يمكن أن تخلق ~~شيئا جديدا. ~~(22) إذا كانت ماهية كل شيء محددة تحديدا قاطعا، فكيف يمكن أن ~~يكون هناك تطور على الإطلاق؟ إن كل ما يمكن أن نتوقعه في هذه ~~الحالة هو عالم اسبينوزا الموجود منذ الأزل وينفي نفسه في سلسلة من ~~التحولات لكن بلا جدة حقيقية. لكن الحياة ليست على هذا النحو، بل هي ~~عملية ينبثق فيها الجديد باستمرار، ولأنها جديدة، فهي لا يمكن ~~التنبؤ بها. وتطور الفرد من مرحلة الطفولة إلى ms200 مرحلة الرجولة لا ~~يعتمد على مجرد إعادة ترتيب نفس العناصر، إنه لا يعتمد على التساوي ~~الرياضي بين شطري العلية؛ فالطفل من ناحية والرجل من ناحية أخرى لا ~~يمكن أن يتساويا رياضيا، لكن ذلك لا يعني أن المرحلة الأخيرة ~~(الرجولة) هي محصلة المرحلة الأولى (الطفولة). ومن هنا كان من الصواب ~~تماما أن تقول إن الطفل هو أب الرجل، كما يقول المثل. فمرحلة ~~الطفولة شرط ضروري لمرحلة الرجولة، والمشروط # conditionate # لا يمكن تصور ~~وجوده بدون الشرط # condition ~~، لكن العكس ~~غير صحيح. إننا لا نستطيع في حالة نشاط الكائن الحي - ولا نحتاج إلى ~~ذلك - أن نستغني عن فكرة السببية؛ لأن الحاضر مشروط بالضرورة ~~بالماضي وهو شرط للمستقبل. ولقد سبق أن بينا أن الرابطة السببية ~~التي يكون فيها الماضي ضروريا لكنه ليس سببا كافيا، والمستقبل ~~نتيجة محتملة، لكنه ليس نتيجة ضرورية - هذه الرابطة السببية لا ~~تتناقض مع حرية الشخص؛ إذ يجب أن تفهم الحرية لا بالمعنى السلبي فقط ~~- أعني انعدام العائق - بل أيضا بالمعنى الإيجابي، بمعنى خلق شيء ~~جديد. # ويفسر «برجسون # Bergson ~~» الحياة ~~بأنها عملية خلاقة، سواء أكانت حياة الفرد أم تطور الأشكال ~~البيولوجية. والنشاط الخلاق للكائن الحي يتضمن الفرضية؛ فحينما ~~وجدت الحياة وجدت معها الفرضية، والفرضية لا بد أن تتضمن ~~الحرية. وحين رفض برجسون المذهب الغائي # Finalism ~~، كما رفض المذهب الآلي # Mechanism ~~، سواء بسواء، على ~~اعتبار أن المذهبين صورتان للحتمية، فإنه لم ينكر بذلك الفرضية ~~في الحياة، فالفرض لا يتناقض مع الحرية، بشرط ألا يفرض من الخارج: ~~«انظر إلى الفعل الحي الذي تقوم به شجرة تغير أوراقها ... تجد أنها ~~تكيف نفسها مع ظروف بيئتها، لا بالاستجابة للمؤثرات المباشرة ~~التي تؤثر فيها، لكن بالاستعداد مقدما لتغير الفصول، فهي لا ~~تنتظر إلى أن يجيء الشتاء ويؤثر فيها، فتستجيب عندئذ لانخفاض درجة ~~الحرارة فتخترع حماية لبراعمها الرقيقة ضد الصقيع، كلا، لكنها ~~تبدل أوراقها، وتشكل براعمها مقدما وعلى سبيل التوقع # in anticipation ~~. فالمستقبل - في ~~رأينا - أو الشتاء الذي لم يوجد بعد؛ يؤثر فيها في الوقت الحاضر.» # 36 ms201 # أو بالأحرى: الفرض الحالي يحدد الفعل الذي يبدو ~~مناسبا. ~~(23) هناك تشابه ملحوظ بين الحياة والخلق الفني في المحافظة - خلال ~~مجرى التطور - على نمط معين من الوظيفة؛ فالكائن الحي في محافظته على ~~بقاء حياته لا بد أن يعمل بطريقة تدعم حياته، وقل مثل ذلك في حالة ~~الفنان؛ فهو لا بد أن يحتفظ بموضوعه في ذهنه ويواجه المواقف المختلفة ~~التي تظهر في تطور هذا الموضوع بطريقة تخدم غرضه. ومن هنا فإن نمو ~~الحياة «ليس لونا من ألوان الصناعة التي لا يوظف إنتاجها إلا بعد ~~نهاية فترة الصنع. إن الجنين الحي، أو الطفل الحي، حين يخرج من ~~البذرة الحية في مجرى التطور، فإن الكائن يبقى واحدا لا قطعة آلية ~~في دور التكوين، بل بالأحرى إنتاج جمالي يحتفظ بخصائص معينة، يشبه ~~البناء المادي والنحوي للقصيدة خلال فترة تكوينها. والتواجد العيني، ~~أو التعبير في حالة التأليف الجمالي، لا بد أن يحتفظ باستمرار بشكل ~~معين. وهذا الشكل يتدعم خلال ظروف لا نعرفها مقدما، وخلال مشكلات ~~التعبير، التي توجد أمام الفنان في كل خطوة من خطوات التأليف ... وهكذا، ~~فإن التطور الحيوي لا يمكن مقارنته - فيما يبدو - بالإنتاج طبقا ~~لخطة موضوعة، وإنما يمكن مقارنته بالإنتاج الجمالي، الذي لا يبدأ ~~من شيء آخر سوى موضوع مختار ووسيلة للتعبير تنتج إجابات لمشكلاتها كلما ظهرت.» # 37 # الحرية التي ندافع عنها هي حرية الخلق، حرية الانبثاق من ~~الماضي المتراكم إلى الجدة التي لا يمكن التنبؤ بها، ونحن - خلافا ~~لما يقول اسبينوزا - لا نعتقد أن الحرية التي يشعر بها الإنسان هي ~~وهمه الخاص. إن الوهم يكمن في الحالات التي نظن فيها خطأ أن ~~أفعالنا محددة تحديدا داخليا معتمدين على النظر إلى أفعالنا ~~الماضية ورؤيتها كحلقات في سلسلة ترتبط فيما بينها ارتباطا سببيا. ~~إننا - شأننا شأن جميع الكائنات الحية - ننتبه باستمرار، وبين الحين ~~والآخر نختار فعلا معينا نعبر به عن أنفسنا، وكما يقول «برجسون» ~~في عبارة مشهورة إننا ننتفخ بماضينا مثل كرة الثلج التي تتضخم حين ~~تتدجرح ويلتف الجليد حولها، ففي كل لحظة من ms202 لحظات حياتنا ننتقي شيئا ~~معينا من الموضوعات الممكنة التي نجدها أمامنا، ونحن بانتقائنا ~~لهذا الموضوع نحقق أنفسنا. # وحين ننظر إلى الوراء، إلى أفعالنا التي حققناها، يبدو كل منها ~~على أنه مقيد بالفعل الذي سبقه. لهذا ترانا ننظر إلى سلسلة ~~المقدمات والنتائج كما لو كانت شيئا غريبا عنا، وهكذا نظن أن كل ~~مقدم قد فرض علينا فرضا ضروريا من الخارج، لكن الواقع أننا ~~نحن أنفسنا هذا الماضي، ونحن نحقق كل فعل من أفعالنا بدرجة من ~~الحرية، كل في لحظته بوصفه حاضرنا في لحظة هذا الفعل. أما حين ننظر ~~إلى أفعالنا الماضية على أنها «أحداث مضت» فإننا في هذه الحالة ~~ننظر إليها من الخارج لا من الداخل، أعني كمتفرجين لا كفاعلين. وذلك ~~يشبه بالضبط النظر إلى قصيدة من القصائد بمعزل عن النشاط الخالق الذي ~~تتضمنه هذه القصيدة، أعني النظر إليها كبناء لغوي مكون من مجموعة ~~من الكلمات. ~~(24) إن كل لحظة في تاريخ شخصية الإنسان هي شيء جديد يضاف إلى ما ~~هو موجود بالفعل، كل لحظة في حياة الإنسان - لا سيما أفعاله الإرادية - ~~تشبه إنتاج الفنان، الذي لا يستطيع أي فرد حتى ولا الفنان نفسه - فيما ~~يتعلق بتفصيلات الإنتاج - أن يتنبأ بشكلها الدقيق «لأن التنبؤ بها ~~يعني إنتاجها قبل أن تنتج، وهو فرض محال؛ لأنه يهدم نفسه بنفسه.» # 38 # وسلوك الإنسان لا يمكن التنبؤ به؛ لأن شخصيته ليست شيئا ثابتا ~~محددا مرة واحدة وإلى الأبد، وإلا فأين يمكن يا ترى أن نجد تلك ~~اللحظة التي نستطيع أن نقول إن شخصية الفرد سوف تتوقف عندها من الآن ~~فصاعدا؟ # لا وجود لمثل هذه اللحظة؛ لأن شخصية الفرد تظل في حالة تكوين ~~مستمر طوال حياته، وهذا هو السبب في أن فرديته لا تكتمل أبدا، ~~ومعرفة شخصية إنسان ما تعني معرفة حياته كلها. ومن هنا فإنك لن ~~تستطيع أن تستخدم معلوماتك عن شخصيته كمعطيات تستدل منها على مستقبله؛ ~~لأنه في اللحظة التي تعرف فيها كل شيء عن شخصية الفرد، بحيث لا يمكن ~~أن ينضاف إليها جديد، فإن ms203 هذا الفرد لن يستمر بعد ذلك في الوجود: ~~«هل يستطيع أحد أن يؤكد - حتى من الناحية العقلية - أنه من الممكن ~~أن يتنبأ بأنه هو نفسه - دع عنك أن يتنبأ لغيره - سوف يفكر في كذا ~~وكذا، وسوف يفعل كيت وكيت في الأسبوع القادم. إن القيام بمثل هذا ~~التنبؤ لا بد أن يستغرق أسبوعا كاملا؛ لأنك لن تستطيع أن تحذف ~~أية فكرة أو أي سلوك يتم خلال هذا الأسبوع، ولا يمكن لمعدل السير أن ~~يزيد ما لم تكن هناك زيادة مماثلة في سرعة العالم كله. ولهذا فسوف نجد ~~أنفسنا بالضبط حيث كنا من قبل، ومن هنا فإن ما يسمى بالتنبؤ لا بد ~~أن يكون بعد وقوع الحدث.» # 39 # ولهذا كان التنبؤ الذي لا يخطئ بالسلوك المقبل مستحيلا؛ ~~لأن المعطيات المزعومة للتنبؤ هي مما لا يمكن الحصول عليه إلا ~~بعد وقوع الحدث، «إذا ما شاء لنا عما إذا كان في استطاعة المرء أن ~~يتنبأ بالفعل الأخير طالما أنه عرف المقدمات وعرف قيمتها على حد ~~سواء - هو تسليم بالأمر قبل البرهنة عليه. لأننا ننسى أننا ليس في ~~استطاعتنا أن نعرف قيمة المقدمات دون أن نعرف الفعل الأخير، وهو الأمر ~~الوحيد الذي ليس معروفا بعد.» # 40 # والواقع أن «القول بأن صديقا ما - في ظروف معينة - من ~~المرجح جدا أن يسلك على هذا النحو المعين، لا يعني التنبؤ ~~بسلوك هذا الصديق في المستقبل، بقدر ما يعني إصدار حكم معين على ~~شخصيته الحاضرة، أو بعبارة أخرى إصدار حكم على ماضيه.» # 41 ~~(25) في استطاعتنا أن نتنبأ فحسب بواقعة من الوقائع، وحتى الواقعة ~~يمكن التنبؤ بها لا طريقة لا تخطئ، بل بسبب تعقد شروطها # Condition ~~، في حدود الترجيح. أما ~~الفعل فهو بطبيعته الخاصة ذاتها لا يمكن التنبؤ به؛ فالوقائع توجد في ~~الزمان، والزمان هنا لا فرق فيه بين اللحظة الأولى واللحظة الأخيرة. ~~بينما الفعل يحتاج إلى ديمومة، ولا يمكن أن نقتطع منه لحظة واحدة دون ~~أن تغير من طبيعته. ومن هنا فإننا نستطيع أن ننظر إلى ماضينا على ~~أنه ms204 واقعة من الوقائع الموجودة في الزمان. لهذا يمكن استرجاعه كله ~~في لحظة واحدة. أما مستقبلنا فهو فعل لا يمكن أن يعيش في الخيال أقل ~~من ديمومته الضرورية. «حين نستعيد في ذهننا الماضي، أعني سلسلة الأفعال ~~التي تمت، فإننا دائما نختصرها دون أن نهدم طبيعة الحدث الذي ~~يهمنا، والسبب هو أننا نعرفه بالفعل؛ ذلك لأن الحالة النفسية - حين ~~تصل إلى نهاية التقدم Progrès ~~، الذي ~~يكون وجودها نفسه - تصبح شيئا في استطاعة المرء أن يصوره لنفسه ~~كله في لحظة واحدة. هنا نجد أنفسنا في موقف شبيه بموقف عالم الفلك حين ~~يدرك بلمحة خاطفة المحور الذي سيحتاج الكوكب إلى عدة سنين لكي يعبره. ~~والواقع أن التنبؤ الفلكي يجب أن يقارن باسترجاع الحالة الشعورية ~~الماضية، لا أن يقارن بتوقع حالة المستقبل. لكنا حين نحدد ~~الحالة الشعورية المقبلة، فإننا لا نستطيع النظر إلى المقدمات ~~كأشياء في حالة ساكنة، بل إننا لا بد أن ننظر إليها كعمليات في وضع ~~ديناميكي ... ومن ثم فإننا لن نستطيع بعد ذلك أن نختصر الديمومة ~~المقبلة لكي نصور أجزاءها أمامنا؛ فالشخص مضطر أن يعيش أو أن ~~يحيا هذه الديمومة بينما هي تتكشف.» # 42 # والمثل الذي يقول: «لا تحكم على شخص ما حتى يفعل شيئا» مثل صحيح؛ ~~فالشخص هنا فاعل يسلك سلوكا معينا فيحقق ذاته في هذا السلوك. ~~أما إذا نظرنا إلى هذا الشخص على أنه واقعة فلن نجد ما يدعونا إلى ~~الانتظار حتى يسلك سلوكا معينا: لسنا في حاجة - مثلا - إلى أن ننتظر ~~حتى يفعل شيئا ما، لكي نقول إنه ولد من أبوين معينين، أو ~~إنه ولد في التاريخ الفلاني، أو البلد الفلاني ... إلخ، فهذه كلها ~~وقائع يمكن أن تستخدم في الإحصاء والحساب، مثلها مثل جميع تلك ~~الوقائع الموجودة في الطبيعة، لكن الفعل، أعني فعل الإرادة، فهو شيء ~~مختلف عن ذلك أتم الاختلاف. ~~(26) المستقبل - كمستقبل - هو عالم الإمكانيات غير المحددة، ويتضح من ~~ذلك أن المستقبل المتنبأ به ليس مستقبلا بالمعنى الحقيقي لهذه ~~الكلمة، لأن التنبؤ يعني النظر إليه على أنه شيء ms205 قد تم وانتهى، ~~وهو بذلك ينتمي إلى الماضي الذي استخرج منه بطريقة تحليلية، وهو ~~لأنه ينتمي إلى الماضي، فهو لا يمكن أن يكون حرا. والمحاولات ~~التي بذلت للتوفيق بين العلم الإلهي الشامل وبين الحرية الإنسانية لم ~~تتوقف على الإطلاق، ولم تنجح على الإطلاق أيضا. وهذه المحاولات ~~محكوم عليها بالفشل؛ لأن الأطراف التي تحاول التوفيق بينها هي - ~~أولا - لا يمكن التوفيق بينها، ومهما يكن من شيء فإن علينا الآن ~~أن نعرض لمناقشة بعض هذه المحاولات: ~~(27) يقال أحيانا إن العلم الإلهي الشامل لا يعني بالضرورة حتمية ~~إرادتنا؛ لأنه إذا ما كان العلم السابق بأن شيئا ما سيحدث يجعله ~~يحدث ، لكان معنى هذا أن المعرفة بوجود شيء ما تجعله يوجد. فأنا ~~مثلا أعلم أن السماء تمطر في اللحظة الحاضرة، لكن من الواضح أن ~~علمي ليس هو الذي جعل السماء تمطر، بل إن العكس هو الصحيح؛ فأنا أعلم ~~أنها تمطر لأنها تمطر في الواقع. وبالمثل، فلو أنني عرفت مقدما ~~أن حلول الليل سوف يكون بعد خمس ساعات، فهل يكون علمي السابق هو ~~الذي أحدث حلول المساء؟ العكس هو الصحيح؛ فلأن الدنيا سوف تكون ~~ظلاما بعد خمس ساعات، فإنني أعرف ذلك مقدما، فلا المعرفة الإنسانية ~~السابقة، ولا العلم الإلهي السابق هو الذي يسبب ما يحدث في ~~المستقبل. # لكن هذا القول يعني أننا نرفض أمرين هامين؛ فهو يعنى أولا ~~أننا نتجاهل الواقعة التي سبق أن أشرنا إليها، وهي أن النوع ~~الفلكي من العلم السابق ليس معرفة سابقة بالمعنى الحقيقي. وهو يعني ~~ثانيا أننا نغض الطرف عن التفرقة الحيوية؛ بين الماضي من ناحية، ~~والمستقبل من ناحية أخرى؛ فالماضي هو واقعة تمت وانتهت، ولا يتأثر ~~وجودها بمعرفتي لها، لكن المستقبل - بمعناه الحقيقي - شيء مختلف عن ذلك ~~تماما؛ لأنه انتقائي، ولو أنني عرفته مقدما فإنني بذلك أنكر ~~انتقاءه وأحرمه من ماهية ~~المستقبل # futurity ~~، وفي اللحظة التي نسلم فيها بالتشعب ~~الممكن لحوادث المستقبل إلى شعبتين، فإننا لا بد أن ننتهي إلى ~~النتيجة القائلة بأنه لا يمكن أن نستدل - بيقين - من ms206 الحاضر ~~والماضي، وهما وحدهما المعروفان؛ فالاستدلال يظل غير يقيني، ومن هنا ~~فإننا إذا لم ننكر العلم الإلهي الشامل، فإننا سنضطر إلى ~~التسليم بأن مجرى الحوادث في المستقبل ضروري وغير حر. ~~(28) ولا يفيد في شيء أن نفترض أن الله يوجد في «آن» أبدي، وأن ~~الماضي والمستقبل عنده حاضر. ولهذه النتيجة «يؤكد بؤثيوس # Boethius ~~» أنه على الرغم من أن ~~الماضي ليس ماضيا أمام الله، ولا المستقبل مستقبلا عنده، بل الزمان ~~كله حاضر، فإن معرفة الله تتضمن مع ذلك «الأماكن اللامتناهية ~~للزمان الحاضر والماضي، إذا ما نظرنا إلى الأشياء كما لو كانت كلها ~~الآن تامة ومنتهية.» وهو تصور ربما أمكن تفسيره بأنه يعني أن ~~الماضي لا يتذكره الله، كلا، ولا هو يتوقع المستقبل، وإنما ~~الماضي والمستقبل مدركان لديه في آن واحد، بينما يظل كل منهما ~~يعقب الآخر، وهو تصور يشبه تماما فكرة الحاضر الرواغ اللامتناهي.» # 43 # لكن هل يمكن للكل أن يدرك معا ما لم يكن جاهزا بأسره ~~أو وجودا كله؟ وإذا كان هذا الكل نتاجا تاما منتهيا فأين يمكن أن ~~يقع خلق الموجودات البشرية الفاعلة؟ إننا بدون أن نفترض أن هذه ~~الموجودات الفاعلة هي نفسها خلاقة؛ فإن هذه الموجودات لا يمكن ~~أبدا أن تصل إلى فكرة أنها مخلوقات، «يمكن أن يكون الله قد عمل ~~الإنسان على صورته، لكن هذه الصورة ذاتها هي التي تبرر للناس العودة ~~إلى الله بوصفه صانعهم.» # 44 # وفضلا عن ذلك فإن فكرة «الحاضر الرواغ # Specious present ~~» يبدو أنها ~~لا تتفق مع فكرة الأبدية # eternity ~~؛ ~~لأن العناصر التي يتكون منها «ما قبل» و«ما بعد» في «الحاضر ~~الرواغ» لا بد أن تكون في تدفق متصل وتيار مستمر، وإلا فلن ~~يتحقق التتالي، فالحاضر الرواغ لا بد له أن يتقدم نحو المستقبل ~~باستمرار، فأين يمكن أن يوجد مثل هذا المستقبل بالنسبة لحاضر رواغ لا ~~متناه؟ ~~(29) وبرنجل ~~باتيسون Pringle Pattison # يقترح فكرة ~~زئبقية # subtler # أكثر من فكرة «الآن الأبدي # eternal now ~~» وهي فكرة أقامها على غرار الفن «ها هنا ~~لا يوجد شيء اسمه ms207 حادث منفصل، بل هنا حاضر فحسب. إن كل شيء يحدث في ~~المأساة العظيمة هو جزء عضوي من الكل. والمنظر الذي يحدث على المسرح في ~~أية لحظة يعتمد في معناه على كل ما حدث من قبل، ونحن نستشعر فيه ~~الأحداث التي سوف تقع في المستقبل. ونحن حين نقرأ - أو نشاهد - مسرحية ~~ما لأول مرة، وسير الأحداث مجهول لنا، هذا المعنى لتماسك الكل، العلم ~~السابق لمصير أزلي يظهر نفسه في مشاهد فردية - في كلة أو لمحة - ينمو ~~طبيعيا كلما تقدمنا، ويصل إلى أقصى مداه في الشدة حين نقترب من ~~الخاتمة. أما في حالة المأساة الإغريقية، حيث كان الأساس الأسطوري ~~مألوفا لدى النظارة ... فإننا نجد هذا الإدراك لمعنى الكل كشيء متسق ~~مع الحوادث الجزئية، موجودا أمام القارئ أو المشاهد للمسرحية منذ ~~البداية ... الحالة الأولى - حيث تتكشف النهاية أمامنا تدريجيا ~~كلما تقدمنا - تعرض علينا موقفنا البشري المتناهي أمام المستقبل، ~~أما الحالة الثانية التي ربما افترضنا أنها تنتج حالة الشاعر أو ~~الموسيقي الأصيل، ربما كانت أقرب شبيه لدينا للإدراك الإلهي، لما هو زماني.» # 45 # وفكرة الإدراك الإلهي هذه للكل بطريقة الفنان الذي يكون موضوع إنتاجه ~~ماثلا أمام ذهنه، هي فكرة يمكن قبولها، بشرط أن نسلم بأن ~~الخالق لا يرى تفاصيل خلقه بلمحة واحدة. فالمشكلات تتولد في مجرى ~~التعبير عن الفكرة الرئيسية، وفي كل مشكلة منبثقة يتم الاختيار ~~والتقرير. فالخلق الفني هو نمو لا يري فيه الفنان نفسه تفصيلات ~~المستقبل؛ فالشاعر مثلا لا يكون لديه شيء في البداية إلا ~~الفكرة المنتجة ~~لقصيدة # generative ~~. والجهد الذي يساعده في خلق القصيدة هو لون من ~~جهد الانتباه، فهو يضع الفكرة التي يريد التعبير عنها أمام ذهنه، ~~وهكذا يسمح للأقطار أن تأتي وتتلامس بعضها مع بعض حتى تجد الفكرة ~~المنتجة تعبيرا مقنعا ترضى عنه. # وفكرة الخلق هذه، أعني فكرة أن الله بوصفه فنانا يعبر عن نفسه ~~تدريجيا في نهاية أو غاية # End # موجودة ~~في ذهنه - أقول إن هذه الفكرة - يقينا - تكفل حرية الله، كما تكفل ~~حرية الموجودات البشرية الفاعلة؛ فالموجودات ms208 البشرية الفاعلة في فعلها ~~الحر لا تسير على أية خطة موضوعة، لكنها كلها مجموعة من الفنانين ~~الخالصين الذين ينظرون في نفس الاتجاه، ويتبعون مدرسة واحدة، لكن ~~كلا منهم يعبر عن نفسه بحرية. «مخلوقات الله ليست مواد صناعية، ~~وإذا كان لا بد أن يكون لدينا شخصية # figure # لتمثل ما هو متعال ~~بالنسبة لنا تماما، فإن شخصية الخالق الحي أكثر صلاحية بكثير من ~~الصلصال المعجون ... ويمكن إذن أن يوافق فيلسوف الكثرة على أن الله ~~والأساس الوحيد الذي يجعل العالم يتطور، لكنه لا يمكن أن يوافق ~~على أن الله ... قد حدد «قبل أساس العالم» كل ما سوف يحدث فيه في ~~المستقبل؛ لأن معنى ذلك ألا يحدث فيه شيء حقيقي على الإطلاق.» # 46 ~~(30) والواقع أننا إذا ما أخذنا بافتراض العلم بكل شيء # omniscient ~~، فإننا سوف نعجز ~~عن معرفة كيف يمكن أن يوجد حل على الإطلاق لمشكلة الشر. وإذا ما ~~أخذنا بهذا الافتراض فسوف يكون من المستحيل أن نفسر الجهد الأخلاقي ~~تفسيرا مقنعا. ولقد أثار «بلينبرج # Blyenbergh ~~» هذه المشكلة وناقشها في مراسلاته مع «اسبينوزا» # 47 # وذهب إلى أن الله هو الذي يحدد الخير والشر على ~~السواء، وبالتالي فهو إما أنه يعرف ما سيحدث، وإما أن يكون غير ~~كامل. ولقد أجاب اسبينوزا في رده على «بلينبرج» محاولا أن يفسر ~~الشر بأنه ليس شيئا إيجابيا، فما نسميه شرا هو عدم # privation ~~، لحالة أكثر كمالا، ~~بالنسبة لفهمنا، لا بالنسبة لفهم الله. فالشر لا يوجد إلا للإنسان ~~الذي لا يكون العدم عنده هو نفسه السلب، لكنه لا يوجد بالنسبة لله ~~الذي عنده العدم ~~البشري # human privaton # هو السلب. العدم بالنسبة لله ليس فعل ~~الحرمان # depriving # لكنه نقص ~~بسيط، أو سلب. ونحن نستنبط من تعريفات عامة؛ فنحن مثلا نقدم ~~للإنسان تعريفا عاما، ثم نحكم على كل فرد وفقا لهذا التعريف، لكن ~~الله لا يتصور الأشياء تصويرا تجريديا، ولا يضع تعريفات عامة يحكم ~~على أساسها بأن هذا الفرد خير وذاك شرير. وما هو غير إلهي ~~يعبر عن طبيعة الله مثل ما ms209 هو إلهي، لكنهما لا يتساويان بذلك، ~~لأن الخير سوف يستمتع بغبطة الخير فيما لن يستمتع بها الأول. والشخص ~~الأعمى ينظر إليه على أنه محروم من البصر، إذا ما قورن بغيره من ~~الناس، أما من وجهة النظر الإلهية فهو ليس محروما من البصر أكثر مما ~~يحرم منها الحجر. وحين أمر الله آدم ألا يلمس الثمرة المحرمة، كشف عن ~~نتائج العمل ليجعل معرفته - لا إرادته - أكثر كمالا، فهو لكي يجعل ~~إرادته أكثر كمالا فقد كان عليه بالمثل أن يمنح الدائرة خصائص الكرة # sphere ~~. # ومع ذلك فإن المشكلات التي أثارها «بلينبرج» لم تجد لها حلا، ~~ونحن هنا معنيون بالجهد الأخلاقي، فإذا كان من المستحيل أن أجعل إرادتي ~~أكثر كمالا، فسوف يصبح الجهد الأخلاقي عقيما مجدبا. ومن التناقض ~~أن نقول إن الله أمرنا أن نفعل كذا وكذا لكنه مع ذلك لم يمنحنا ~~ماهية تناسب هذه الأفعال التي يأمرنا بفعلها. # والواقع أن مثل هذا التصور للعالم الذي يقول به اسبينوزا، سوف ~~يؤدي بنا إلى الإحراج ~~المنطقي # dilemma ~~، الذي أشار إليه «وليم جيمس» بصدد حكم الندم # judgement of regret ~~، أو الأسف ~~الذي يصدره الفاعل بعد اقترافه لما قد نعتبره شرا: «فحكم الأسف أو ~~الندم يحكم على القتل بأنه شيء قبيح، وحين نقول عن شيء ما إنه قبيح ~~فإن ذلك يعني أن هذا الشيء ينبغي ألا يكون، وأن شيئا آخر ~~ينبغي أن يحل محله. والمذهب الجبري بإنكاره أن شيئا آخر كان يمكن ~~أن يقع بدلا من الفعل الذي حدث، فإنه يحدد العالم بأنه المكان ~~الذي يستحيل أن يوجد فيه ما ينبغي أن يكون، وبعبارة أخرى، يعتبر العالم ~~أشبه ما يكون بكائن عضوي أصيب تركيبه بفساد لا يمكن علاجه، أو بخلل ~~لا يمكن إصلاحه ... والمذهب الجبري يؤدي بنا إلى القول بأن أحكامنا من ~~الأسف أو الندم خاطئة؛ لأنها متشائمة، حيث إنها تتضمن أن ما هو ~~مستحيل ينبغي مع ذلك أن يوجد. لكن ما الذي نقوله حول أحكام الأسف ~~ذاتها؟ إذا كانت خاطئة، فكان ينبغي أن تحل محلها أحكام ms210 أخرى، لكن لا ~~شيء يمكن أن يحل محلها؛ لأن الضرورة اقتضت وجودها. وهكذا يبقى ~~العالم كما كان من قبل، أعني مكانا يستحيل فيه وجود ما ينبغي أن يكون.» # 48 ~~(31) ولقد وجد «وليم جيمس» # 49 # في دفاعه عن الحرية البشرية أنه ليس ثمة تناقض بين علم ~~الله السابق وبين الحرية البشرية طالما سلمنا معه بأن الممكنات ~~هي زيادة للموجودات الفعلية. فالله يعلم منذ الأزل جميع البدائل ~~الممكنة في كل موقف وهو مستعد لمواجهة البديل الذي على وشك أن يوجد ~~نتيجة للحرية البشرية بتلك الطريقة التي لا بد أن تؤدي بالكل إلى ~~الغاية المرسومة أو النهاية السليمة. وهو يوضح لنا ما يقصده بمثال ~~لرجلين يلعبان أمام رقعة شطرنج؛ أحدهما لاعب مبتدئ والآخر خبير تماما ~~في هذه اللعبة. واللاعب الماهر يريد أن يغلب، وعلى الرغم من أنه لا ~~يستطيع أن يتنبأ بدقة بما سيقدم عليه اللاعب المبتدئ في كل حركة، ~~فإنه مع ذلك يعرف جميع الحركات الممكنة في كل موقف فعلي في مجرى سير ~~اللعبة، ويعرف مقدما كيف يواجه كل حركة من هذه الحركات ويقابلها بحركة ~~منه تقوده إلى الاتجاه الذي يجعله في النهاية ينتصر على خصمه. والآن ~~دعنا نفترض أن اللاعب المبتدئ هو الفاعل البشري المتناهي، واللاعب ~~الخبير الماهر هو الله اللامتناهي. ولقد كان الله ينوي منذ الأزل أن ~~يخلق العالم ويقوده نحو غاية معينة. لكنه لم يقرر منذ البداية ~~كل الخطوات المؤدية إلى هذه الغاية. ولا بد أن تكون هناك في نقاط ~~متنوعة من مجرى التطور إمكانيات كثيرة، أي أكثر من إمكان واحد، ~~وأيا ما كان الإمكان الذي يتحول إلى حقيقة واقعة، فإن الله يعرف ~~ما الذي ينبغي عليه أن يفعله عند التشعب التالي حتى يحفظ الأشياء من أن ~~تحيد عن النتيجة النهائية التي رسمها للعالم. وهذه الفكرة لا بد أن ~~تترك الموجودات البشرية الفاعلة حرة في أن تسلك عند كل نقطة خطا ~~ممكنا من الفعل الذي تختاره، كما أنها لا بد أن تسمح في نفس الوقت ~~بالعلم الإلهي السابق للممكنات ms211 اللامتناهية وبالطريقة التي يواجه بها ~~المواقف الفعلية. وهكذا فإن الخالق ليس من الضروري أن يعرف تفاصيل ~~جميع الوقائع الفعلية حتى تقع بالفعل، ومعرفة الله بالعالم لا بد أن ~~تكون في أي وقت معرفة بالوقائع من ناحية وبالممكنات من ناحية أخرى، ~~تماما كما هو الشأن في معرفة الإنسان في أية لحظة. # ويمكن الاعتراض على هذه الوجهة من النظر بالقول بأن الله حين ~~يواجه موقفا فعليا بحركة مناسبة تجعل تحقيق الغاية مؤكدا، فإنه ~~لا بد له أن يقود العالم كله إلى مجرى معين يتطلبه هذا الموقف. ~~لكن بقية العالم - أعني بقية العالم بغض النظر عن الفاعل الذي قوبل ~~فعله على هذا النحو بالحركة الإلهية - يشمل موجودات بشرية فاعلة أخرى ~~لها إرادة. يمكن أن يحدث أنه في نفس الوقت الذي يرتب فيه الله ~~لمقابلة الموقف المنبثق بحركة مناسبة - في نفس هذا الوقت يختار إنسانا ~~آخر لفعله بديلا لا يتفق مع الترتيب الإلهي، في هذه الحالة: إما أن ~~يستمر الله في ترتيبه وبذلك يحرم هذا الشخص الأخير من حريته، وإما أن ~~يترك حرية هذا الشخص كما هي ويظل هو نفسه عاجزا عن مواجهة وإحباط ~~فعل الفاعل الأول. ~~(32) خذ ما شئت من محاولات لحل مشكلة العلاقة بين العمل الإلهي ~~الكلي والحرية البشرية، وسوف تجد - يقينا - أنها محاولات فاشلة ~~والسبب ببساطة أنها تحاول ما هو مستحيل استحالة أولية # apriori # ومصدر المغالطة يكمن في ~~الافتراض الذي يناقض نفسه، والذي يقول إن العالم هو في آن واحد؛ ~~واقعة تامة وفعل متطور، في حين أن افتراض أحدهما لا بد أن يعني - ~~بالضرورة - إنكار الآخر، فإذا كان المطلق حقيقة واقعة فلا بد أن يكون ~~النسبي وهما، والعكس صحيح أيضا، فلو كان «وجود # Becoming ~~» فلا بد ألا يكون ~~«صيرورة # Being ~~» وإذا كان «صيرورة» فلا ~~يمكن أن يكون «وجود». # حقا إن كثيرا من عظماء الفلاسفة قد أخذوا بالاعتقاد القائل ~~بأن الوجود أسمى من الصيرورة، وأن الثبات أعلى من التغير. ولا بد ~~أن يكون الواقع # Reality # عند هؤلاء ~~الفلاسفة: الواحد الذي لا يتغير، ms212 ولهذا أعلنوا أن الصيرورة غير ~~حقيقية، وهي وهم؛ فالعقل لا بد له أن يبحث وراء الصيرورة عن الواقع ~~الحقيقي الثابت الذي يتحدى التغير، فتلك هي الحقيقة، وهذه الحقيقية ~~هي الصورة أو الماهية أو التصور أو الفكرة. # غير أن وجهة النظر التي يأخذ بها هذا البحث هي أن أي تصور ~~للحقيقة الثابتة ليس إلا تجريدا يقوم به العقل البشري؛ فالواقعية # Fact # هي دائما في صيرورة، ودائما ~~في تغير، بمعنى الخلق المتصل لشيء جديد، وهذا يصدق في آن واحد على ~~العالم وعلى أفراد الموجودات الحية. والفكرة الرياضية عن اللامتناهي في ~~الصغر # infinitesimal # تزيل مفارقة أن ~~يكون الشيء هو نفسه ومع ذلك فهو آخذ في النمو والتحول إلى شيء آخر، ~~مفارقة الهوية التي لا يمكن أن تبقى إلا من حيث محافظتها على ~~التغير. وأي تصور لواقع ثابت هو تصوير سيئ للمجرى المتغير الحقيقي ~~للطبيعة والحياة. فالوجود الحي هو في حركة متصلة، ومحاولة فهم الحياة ~~عن طريق التصورات يعني إيقاف هذه الحركة، وهناك حقيقة في الملاحظة ~~التي تقول إننا نعيش المستقبل ونفهم الماضي، والتصورات الثابتة ~~بوصفها آراء قيلت بعد أن تمت الواقعة هي تصورات تراجعية ~~وارتدادية. # retrospective and post ~~mortem. # والمفارقة التي يتضمنها الافتراض القائل بأن هناك علما سابقا ~~بالمستقبل. وأن هناك - في نفس الوقت - جدة حقيقية تخلق في المستقبل، ~~يمكن فقط أن تزول لو أننا قطعنا الأطراف غير الحقيقية لكليهما، بحيث ~~نبقي فقط على الأطراف الحقيقية فيهما. والأطراف غير الحقيقية فيهما هي ~~الكمال الذي لا يمكن أن يتغير، الوجود المطلق الأبدي الذي يشمل ~~الماضي والحاضر والمستقبل جميعا. فإذا كان المطلق واقعة حقيقية، فلا ~~بد أن يكتفي بذاته # self-sufficient ~~؛ أي ~~إنه إذا كان واقعة فهو لا يمكن أن يتطور ولا أن يعمل. # والكون الذي نعيش فيه ليس كاملا، وبسبب عناصر النقص ذاتها يستمر في ~~عملية خلق صور جديدة لكي يتحرك نحو الكمال. فالوجود الكامل هو في ~~حالة تكوين ولا يمكن أن يكون مصنوعا أو معدا أبدا، وعملية تكوينه ~~تتجلى في الابتكار الخلاق لأفراد الموجودات ms213 الحية. # إننا نعيش في عالم الأفعال والمعاناة، في عالم النجاح والفشل، في ~~عالم الحب والكراهية، عالم الحاجات والرغبات والآمال. أما إذا نظرنا ~~إلى العالم على أنه مطلق، فلن يوجد فيه شيء من هذا القبيل، لأن هذه ~~الأمور جميعا تنتمي إلى العالم النسبي، حيث توجد خبراتنا وتجاربنا ~~المتناهية. نحن نعيش في عالم لا يوجد فيه شيء ساكن، بحيث لا يكون له ~~تاريخ، في حين أن العالم لو كان مطلقا؛ فلا بد أن يكون بلا زمان ~~وبلا أي تاريخ: «حيث يأخذني المطلق ... أظهر مع كل شيء آخر في مجال ~~معرفته الكاملة، وكلما أخذت نفسي، أظهر بدون معظم معرفته «أي معرفة ~~المطلق». ومن جهلي، فالجهل يفرخ لي: الخطأ، والتعجب، وسوء الطالع، ~~والألم، فأعاني من هذه النتائج، والمطلق يعرف بالطبع هذه الأشياء؛ ~~لأنه يعرفني ويعرف آلامي، لكنه هو نفسه لا يتألم. وهو لا يمكن أن ~~يكون جاهلا؛ لأن معرفته بكل سؤال تسير متأنية مع معرفته بكل جواب. ~~وهو لا يمكن أن يكون صبورا؛ لأنه لا ينتظر شيئا، فكل شيء موجود ~~لديه دفعة واحدة. وهو لا يمكن أن يندهش، كما أنه لا يمكن أن يكون ~~مذنبا. ولا يمكن أن تقال عليه صفة ترتبط بالتتالي، لأنه كلي الحضور ~~وهو ما هو عليه على الدوام.» # 50 # حين نتحقق من أن المفارقة في مشكلة العلاقة بين العلم الإلهي ~~الشامل والحرية البشرية تنشأ من القول بأن مثل هذا الافتراض المركب ~~فرض مستحيل، وحين نتحقق من أن هذه المفارقة لا يمكن أن تزول إلا ~~بأن ننكر واحدا من اثنين: إما المطلق الذي يشمل كل شيء، وإما ~~العالم النسبي المتغير الذي نعيش فيه - إذا تحققنا من هذا كله، بدا ~~الاختيار واضحا: «المادة أم الذهن، لقد ظهر الواقع أمامنا كصيرورة ~~دائمة. هو يصنع نفسه أو لا يصنع نفسه، لكنه ليس شيئا معدا على الإطلاق.» # 51 ~~(33) يتضح من ذلك أن حرية الجبر الذاتي ننسبها للإنسان لا تشمل كل ~~ما يتعلق بوجوده وسلوكه، فمن الطبيعي ألا نتحدث عن وجوده الذي ~~بدونه لا يمكن أن ms214 يكون لا حرا ولا مجبرا؛ لأنه أية صفة تنسب ~~إليه لا بد أن يسبقها التسليم بأن الإنسان موجود؛ فوجوده شرط سابق ~~لحريته، وعلى ذلك فالقول بأن وجوده واقعة معطاة لا يمكن أن يتخذ ~~كدليل ضد حريته. # يجمل بنا هنا أن نلاحظ أن حركات الجسم البشري يمكن أن تنقسم إلى ~~فئتين، نطلق عليهما على التوالي: «الحركات الآلية» و«الحركات ~~الحيوية». والأولى يمثلها حركة رجل يسقط من صخرة ناتئة على شاطئ ~~البحر فيهوي في الماء، فلتفسير سقوطه هذا لا يلزمنا أن نفترض أن ~~الرجل كائن حي، لأنه يسقط بفعل الجاذبية كما يسقط الحجر، أما حين ~~يصعد الرجل قمة الجبل، فإنه عندئذ يفعل ما لا يستطيع أن تفعله مادة ~~ميتة تشبهه شكلا وحجما، فهذه إذن حركة حيوية. # 52 # ومن المسلم به أن جميع حركات الجسم البشري لا ترتبط ~~بهذا الجسم إلا من حيث ما تلعبه طبيعة أي جسم مادي آخر في تحديد ~~سلسلة الحوادث التي يتعرض لها. ومن ناحية أخرى فإن جميع الظواهر ~~«الحيوية» للجسم البشري التي يهتم بها عالم الكيمياء أو الحياة أو ~~وظائف الأعضاء تحددها طبيعة الكائن الحي بأوسع معنى لهذه الكلمة، ~~بمعنى أن أي كائن حي مكون على نحو يجعله يعمل بطريقة مناسبة في ~~جميع الظروف المختلفة، خذ مثلا فعل الوقوف «تجد أننا حين نقف تكون ~~هناك بشائر خفيفة متصلة للسقوط نحو هذا الجانب أو ذاك، وهذه الترنحات ~~تكون باستمرار خاطفة ومصححة، لكن ذلك كله يحدث دون أن ندركه أو أن تكون ~~لدينا فكرة عنه، فجسمنا يوازن نفسه دون أن يشعر وجودنا بذلك، ودون أن ~~يكون لعقلنا دور ما.» # 53 # غير أن هذه الأفعال تشير - فيما يبدو - إلى حرية الحياة ~~بصفة عامة، لا إلى حرية الفرد، اللهم إلا من حيث اعتبار هذا الفرد ~~ممثلا للحياة. ولقد كان للحياة خلال مجرى التطور تركيبات عضوية ~~لصور جزئية خاصة خلقتها لتعمل على نحو معين. ولقد كانت الحياة حرة ~~في تطورها الخالق. # يبقى أمامنا بعد ذلك الجانب السيكولوجي، وفي هذا الجانب نجد أن ~~الأفعال الإرادية ms215 هي وحدها الأفعال الحرة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ~~وإنك لتجد من الجبريين أنفسهم من يسلم بأن الموجودات البشرية هي ~~الاستثناء الوحيد للمبدأ الجبري الذي يسود جميع المجالات، وأن خصائص ~~الإرادة هي وحدها المستثناة. # وعملية الإرادة تبدأ من الانتباه إلى فكرة معينة عن تغير ما، وتنتهي ~~بالتحقق الكامل لهذه الفكرة، وإذا نقص شيء ما في هذه العملية المتكاملة ~~فإنها لا تسمى إرادة، لكن إذا ما تمت العملية وتحقق التغير، فلا ~~بد أن تكون حرة على الأقل بالمعنى السلبي للحرية، الذي يعني انعدام ~~القهر الخارجي. والواقع أن عبارة «الإرادة المجبرة # an ~~impededwill ~~» عبارة متناقضة؛ لأن الإرادة لا ~~تكون كذلك إلا إذا تمت العملية حتى نهايتها. وكما لاحظ «تيلور # A. E. Taylor» # بحق، فإن كلمتي ~~«الحرية» و«الإرادة» ليستا إلا الاسم السلبي والاسم الإيجابي ~~لخاصية واحدة هي خاصية الفعل الذي نحقق به أغراضنا الخارجية في عالم ~~الواقع. فأنا «أريد» حين يكون سلوكي الخارجي معبرا عن ذاتي وفي هذه ~~الحالة نفسها أكون حرا. ومن هنا كانت الإرادة والحرية شيئا واحدا؛ ~~لأن الإرادة التي نقول عنها إنها «ليست حرة» لا بد أن تكون إرادة ~~لا تترجم هدفي الخاص إلى عالم الواقع، وبالتالي فهي ليست إرادة على ~~الإطلاق؛ ومن ثم فالسؤال: هل نحن أحرار؟ يمكن أن يكون أكثر وضوحا لو ~~وضع في صيغة مساوية فقلنا: هل أردنا شيئا فقط؟ وإذا ما وضع السؤال ~~على هذا النحو فسوف تتولى التجربة والخبرة الإجابة عنه إجابة ~~مباشرة؛ إذ لا شك أنه كانت لدينا أغراض معينة في حياتنا، ولا ~~شك أيضا أننا ترجمنا هذه الأغراض إلى سلوك، ومن هنا فإن الحرية - ~~يقينا - ... واقعة من وقائع الخبرة المباشرة. # 54 # إذا ما أراد شخص ما على الإطلاق فإن إرادته لا بد أن تكون حرة؛ ~~لأن الإرادة هي التحقق الفعلي لفكرة تغير يراد إظهاره إلى ~~الوجود، وحين تتحقق الفكرة بالفعل فلا معنى لقولنا إنها كانت معاقة ~~أو ليست حرة، لكن الحرية - من ناحية أخرى - التي ننسبها هنا للفاعل؛ ~~ليست هي الحرية التي تعني انعدام ms216 القانون أو الخضوع للعشوائية، بل هي ~~حرية الجبر الذاتي التي تربط الفعل المراد بسببه. وشخصية الفاعل، السبب ~~الضروري - وإن لم تكن السبب الكافي - للفعل المراد. وبعبارة أخرى: ~~الفعل المراد هو كما سبق أن ذكرنا النتيجة الممكنة - لا الضرورية - ~~لشخصية الفاعل؛ ومن ثم لحرية الفاعل. والشخصية ليست نتاجا تاما ~~وكاملا، وليست تصورا مجردا، يمكن أن تكون طبيعته محددة مرة واحدة ~~وإلى الأبد، لكنها شيء حي متزايد، وخبرة اللحظة الحاضرة تضيف شيئا ~~جديدا للخبرة الماضية، وبإضافتها يصبح الكل مختلفا عما كان وعما ~~اعتاد أن يكون: «نحن أحرار حين تنبع أفعالنا من شخصيتنا بأسرها. حين ~~تعبر هذه الأفعال عن تلك الشخصية بحيث يكون بينهما تشابه لا حد له، ~~وهو التشابه الذي نجده أحيانا بين الفنان وإنتاجه. ولا يهم أن يقال ~~بعد ذلك إننا عندئذ نستسلم للأثر القوي الشامل لشخصيتنا؛ لأن ~~شخصيتنا في النهاية هي نحن.» # 55 # | مراجع البحث # (1) الكتب ~~(1) Aristotle - The Nicomachean Ethics, ~~English Translation by F. H. Peters, 15th. ed., ~~(Kegan Paul). ~~(2) # ______ # The metaphysics, English ~~Translation by Hugh Tredennick, Wiliams Heinemann, ~~The Loeb Classical Library. ~~(3) # ______ # On The Soul, English ~~Translation by W. S. Hett. (Wiliam Heineman, The ~~Loeb Classical Library). ~~(4) Aveling, F. # ______ # personality and Will, Camb. Univ. Press, The ~~Contemporary Library of psychology, ~~1931. ~~(5) Bain, A. Emotions and the Will, 2 ~~vols., 2nd. ed., 9 Congmans, Green and Co., ~~1865. ~~(6) # ______ ~~: Mental and Mora ~~LSciences, (Congmans, green, Co.,) ~~1868. ~~(7) Bradley, F. H. # ______ # The ~~principles of logic, 2 Vols. 2nd ed., (Oxford ~~University Press), 1928. ~~(8) # ______ # Appearance and Reality, ~~2nd ed., (The Clarendon Press), ~~1928. ~~(9) # ______ # Ethical Studies, 2nd ed., ~~(The Clarendon press), 1927. ~~(10) # ______ # Collected Essays, 2 Vols., ~~(The Clarendon Press), 1935. ~~(11) Bergson, H. # ______ # Time and ~~Free Will, English Translations by F. L. Posgson, ~~(Swan Sonnenschein and Co.), ~~1910. ~~(12) # ______ # Creative Evolution, ~~English Translation by Arthur Mitchell, (Macmillan ~~and Co.), 1911. ~~(13) # ______ # Mind-Energy’ English ~~Translation by H. W. Carr. ~~(14) Bosanquet, B. # ______ # The Principle of Individuality ms217 and Value (Macmillan and ~~Co.), 1919 (The Gifford lectures for ~~1911). ~~(15) Broad, C. D. the Mind and its place in ~~Nature, Kegan Paul, International Library of Psych., ~~philos., and Scientific method, ~~1925. ~~(16) # ______ # Five types of Ethical ~~Theory, (Int. lib. of Psych. philos., and Scientific ~~Method), 1930. ~~(17) Caird, E. # ______ # The ~~Crtical philosophy of Kant, Vol. 2., 2nd. ed., 9 ~~James maclehose and Sons), ~~1909. ~~(18) Caird, J. # ______ # Spinoza, ~~(Blackwood, Philosophical Classics for English ~~Readers), 1888. ~~(19) Carr, H. W. # ______ # Cogitans ~~Cogitata, (Favil Press), ~~1930. ~~(20) # ______ # The Philosophy of Change, ~~(Macmillan and Co.), 1914. ~~(21) # ______ # The Free will problem, ~~(Bennis Sixpenny Library, No. 29). ~~1928. ~~(22) Dewey, J. # ______ # psychology, 3rd. ed. 1894. ~~(23) Dingle, H. # ______ # Through ~~Science to Philosopy, (The Clarendon Press). ~~1937. ~~(24) Ewing, A. C. # ______ # Idealism, A Critcal Servey, (methuen and Co.), ~~1937. ~~(25) Gentile, G. # ______ # The ~~theory of mind as Pure Act, English Translation by ~~H. W. Carr, (Macmillan and Co.), ~~1922. ~~(26) Hallett. H. F # ______ # Aeternitas, (The Clarenon Press), ~~1930. ~~(27) Hamiltion, W. # ______ # lectures ~~on metaphysics and logic., edited by H. L. ~~Mansel. ~~(28) Hume, David # ______ # A ~~Treatise of Humannature, deited by Selby - Bigg, ~~(The Claredon press), 1896. ~~(29) Huley, T. H. # ______ # Collected Essays, (Macmillan, The Eversley Series), ~~Vol. I, 1912. ~~(30) James, W. The Will to Believe ~~(Congmans, Green and Co.), ~~1931. ~~(31) # ______ Principles of psychology. ~~2 Vols., 1st. ed. ~~(Macmllan), ~~1890. ~~(32) # ______ # A Pluralistic universe, ~~(Longmans, Hibbert Lectures at Manchester College), ~~1909. ~~(33) # ______ # Essays Radical Empricism, ~~edited by R. B. Penny, ~~(Longmans),. ~~(34) Jevons, W. S. # ______ # The ~~princples of Science, (Macmillan and Co.), 1924 ~~ed. ~~(35) Joachm, H. H: the Nature of Truth ~~(Frowde), 1906. ~~(36) # ______ # A Study of The Ethiecs of ~~Spnoza (The Claredon press), ~~1901. ~~(37) Johnson W. E. Logic, 3 Vols. (Camb. at ~~the Univ. Press) 1940. ~~(38) Kant: Critique of Pure Reason, Eng. ~~Translation by F. max muller, 2nd ed. (Macmillan and ~~Co.) 1922. ~~(39) Laird, J. # ______ Problems ~~of the Self, (Macmillans and Co.), ~~1917. ~~(40) Leibniz: The Monadology etc. ms218 Eng. ~~Traslation With introduction and notes by Robert ~~Latta, (The Clarendom Press) ~~1898. ~~(41) # ______ # Discourse on metaphysics, ~~Correspondence with Arnould and Monadology Eng., ~~Translation by G. Montgomery, (Phlosophical Classics ~~Lib). 1937. ~~(42) Locke, John # ______ # Essay ~~Concerning Human Understanding edited by A. C. ~~Fraser (Black wood, Philos. Clamics), 1894 Another ~~edition by Lock Ward and Co. ~~(43) Mackenzie, J. S.: A Manual of Ethics, ~~3rd. ed. (Univ. Correspondence College press), ~~1897. ~~(44) Maxwell, J. C. Theory of heat, ~~(Congmans), 1894. ~~(45) Mc Dougall, W. An introducton to Social Psychology 25th. ed., (Methuen ad Co.), ~~1943. ~~(46) Mill, J. S. # ______ # A System ~~of Logic 2 vols, 6 the ed., (Congmans), ~~1865. ~~(47) # ______ ~~: Examination of Sir ~~Hamilton’s philosophy. (Longmans), ~~1865. ~~(48) Moore, G. E. philosophical Studies, ~~(kegan Paul int. lib. of psych., Philos. and ~~Scientific Method) 1922. ~~(49) morgan, C. L. Emergent Evolution, ~~(Williams and ~~Norgate), ~~1927. ~~(50) # ______ ~~: Life, Mind and spirit ~~(Williams and norgate) the Gifford leetmes for ~~1923), 1926. ~~(51) Plato: Phaedo, Engl. translation by ~~Harold North Fowler (William Heinemann, the loeb. ~~Classical Library). ~~(52) Pollock, F.: Spinoza, his life and Philosophy, (keganpaul) 1880. ~~(53) Pringle-Pattison, S. # ______ # The Idea ~~of God, (The Clarenidom press te Gfford leetures for ~~1912-13). 1917. ~~(54) Rashdall, H.: The theory of Good and ~~Evil, 2 vols (The Clarendon Press) ~~1907. ~~(55) Richardson, C. A.: Spiritual pluralism ~~and Modern philosophy, (Camb, at tfe univ. press). ~~1919. ~~(56) Ross, W. D. # ______ # The ~~Right and the Good, (The Clarendon Press) ~~1930. ~~(57) # ______ ~~: Aristotle, 3rd. ed. ~~(Methven and Co.) 1937. ~~(58) Russell, B.: Mysticism and Logic 2nd. ~~impression (longmans) 1918. ~~(59) # ______ # An Outline of Philosophy, ~~(Allen and univin) 1917. ~~(60) # ______ Philosophcal Essays, ~~1910. ~~(61) # ______ # The Analysis of Mind ~~(Allen and Univin lib. of Philosophy). ~~1921. ~~(62) # ______ # A Critical Exposition of ~~the Phlosophy of Leibniz (Camb. at the Univ. Press) ~~1900. ~~(63) Sherrington, C. # ______ # Man On ~~his Nature (Camb, at the Univ press), 1946. (The ~~Gifford lectures for ~~1937-38). ~~(64) Sidgwick, h.: The Methods of Ethics, ~~3re ed., (Macmillan and Co.), ~~1884. ~~(65) Spinoza; Ethics, Eng. Translation ms219 by W. ~~Hale white, 1930. ~~(66) # ______ # Correspondence, Eng. Trans ~~by A Wolf (Allen and Union) ~~1927. ~~(67) Stallknecht, N. P. # ______ # Bergson’s idea of Creation (A. Ph. D. dissertation ~~presented to Princeton Unive), ~~1930. ~~(68) Stout, G. F.: Manual of psyehology, ~~3rd. ed (The unv. Tutorial series), ~~1913. ~~(69) Sully, J. # ______ # Outlines ~~of psychology (Longmans, Green and Co.) ~~1884. ~~(70) Taylor, A. E: Elemets of Metaphysics ~~8th. ed., (Methuen and Co.), ~~1927. ~~(71) # ______ Plato, the Man and his ~~work, 4th. ed (Methuem and Co.), ~~1937. ~~(72) Ward, J. # ______ # Naturalism and Agnosticism 2 vols 2nd. ed. (Adam and ~~Charles Black), 1899. ~~(73) # ______ # The Realm of Ends, 3rd. ~~ed., (Comb. at the unive. press, the Gifford ~~lectures for 1907-10) 1920. ~~(74) # ______ Psycholgical Principles ~~(Cam. Univ. press). 1918. ~~(75) Whitehead, A. N. Process and Reality, ~~(Macmillan, The Gifford Lectures for ~~1927-1929.) ~~(76) Woodworth, R. S.: Psychology, 15th. ed. ~~(Methuem and Co.) 1944. ~~(77) # ______ # Contemporary Schools of ~~psychology, (Methuen) 1913. ~~(2) الدوريات ~~(1) # MIND. # Bradley, F. H. # ______ # Is there any ~~special Activity of Attention? “O.S., xi ~~No. 43, 1886. # ______ ~~“on pleasre, pain, Desire, and volition” ~~O.S. xiii, No. 49, ~~1888. # ______ ~~“On Active Attention” n.S., xi, No. 41, ~~1902. # ______ ~~“the Definition of the Will (I)” N.S., ~~XI, No. 44, 1902. # ______ ~~“The Definition of the Will (II)” N.S. ~~xii No.46, 1903. # ______ ~~“The Definition of the Will (III)” N.S. ~~xiii No. 49. ~~1904. # Shand, A. F. “A Study ~~of Involuntary Action”, N. S. iv. no. ~~16, 1895. Ward, J”. mr. F. h. Bradley’s ~~Analysis of Mind” O.S. xii No. 48, ~~1887. # ______ ~~: ~~“Attention and the Field of ~~Consciousness”. O.S xii No, ~~1887. ~~(2) Hibbert Journal. Poynting, J. H. ~~“Psychical Law and Life” Vol. i, ~~1903. ~~(3) Journal of Philosophical ~~Studies. # Michael kaye # ______ ~~“The Possibility ~~of Man’s Freedom” ~~1927. ~~(4) Philosophical ~~Review. # Cunniham, G. Watts. ~~“Bergson’s Conception of Duration” Vol. ~~xxiii,1914. ~~(5) Proceedings of the Aristotelian ~~Society. # Carr, H. Wildon, “The Moment of ~~Experience” 1915-16. ~~(6) The Aristotelian Socviety ~~Supplementary Volumes. ~~- # Symposium: “Indeterminary and ~~Indeterminism” Vol. x, ~~1913. # By: C. D. ~~Broad. # A. S. ms220 ~~Eddington. # R. B. ~~Braithwaite. # Symposium: “What is Action?” Vol. ~~xvii, 1938. # By; Prof. John ~~Macmurray. # Dr. A. C. ~~Ewing. Prof. O. S. ~~Franks. ~~(7) University of California Publications in ~~philosophy. Paul Marhenke, The Constituents of ~~the Mind” Vol. 19. # loeuvenberg, J. “The Discernment of ~~Mind Vol. 19. # Lenzen, V. F. “Mind in ~~observation,” Vol. 19. ~~(8) Psychologica ~~Review. # Calkins, M. W, # ______ ~~“Fact and Ingerence” in ~~Raymond. # wheeler’s Doctrine of Will and ~~Self-Activity,) 1921. # Thurstone, L. L. “The Stimulus ~~Response Fallacy in psychology”. ~~1923. ~~(9) The British Journal of Psychology. # Aveling, F. “The psychology of ~~Conation and Volition”, ~~1926. ~~(10) Encyclopoedia Britannica. ~~(1945). # Wolf, A. # ______ # Art. ~~“Attention”. ms221