######OpenITI# #META# URI: 1440ImamCabdFattahImam.RihlaFiFikrZakiNajibMahmud.Hindawi75153030 #META# Tags: philosophy #META# ID: 75153030 #META# Title: رحلة في فكر زكي نجيب محمود #META# AuthorID: 59792847 #META# Author: إمام عبد الفتاح إمام #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: رحلة في فكر زكي نجيب محمود‏ # تمهيد‏ # 1 - المرحلة الأولى: التدين الخالص‏ # 2 - المرحلة الثانية: العقل الخالص‏ # 3 - المرحلة الثالثة: التدين المستنير بنور العقل‏ # الباب الثاني: الفلسفة الثنائية عند زكي نجيب محمود‏ # 1 - زكي نجيب محمود في تيار النهضة العربية‏ # 2 - الفلسفة الثنائية‏ # 3 - تحت مبضع التحليل‏ # مراجع البحث‏ # الباب الثالث: متفرقات‏ # 1 - الدكتور زكي نجيب محمود كما عرفته معلما ... وإنسانا‏ # 2 - زكي نجيب محمود مفكرا تنويريا‏ # 3 - نهاية الرحلة‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: رحلة في فكر زكي نجيب محمود‏ # تمهيد‏ # 1 - المرحلة الأولى: التدين الخالص‏ # 2 - المرحلة الثانية: العقل الخالص‏ # 3 - المرحلة الثالثة: التدين المستنير بنور العقل‏ # الباب الثاني: الفلسفة الثنائية عند زكي نجيب محمود‏ # 1 - زكي نجيب محمود في تيار النهضة العربية‏ # 2 - الفلسفة الثنائية‏ # 3 - تحت مبضع التحليل‏ # مراجع البحث‏ # الباب الثالث: متفرقات‏ # 1 - الدكتور زكي نجيب محمود كما عرفته معلما ... وإنسانا‏ # 2 - زكي نجيب محمود مفكرا تنويريا‏ # 3 - نهاية الرحلة‏ # | رحلة في فكر زكي نجيب محمود # | رحلة في فكر زكي نجيب محمود # تأليف # إمام عبد الفتاح إمام # | إهداء # إلى الأستاذة الدكتورة منيرة حلمي ... # التي كانت مثالا نادرا للزوجة الوفية حتى بعد رحيل الفيلسوف ~~... # إ. ع. إ # | مقدمة # في هذا الكتاب محاولة لدراسة فكر زكي نجيب محمود (1905-1993م) في ~~ثلاثة أبواب، يلحق بها نص رسالته للدكتوراه عن «الجبر الذاتي»، التي ~~قدمها إلى جامعة لندن عام 1947م. # ويقع الباب الأول، رحلة في فكر زكي نجيب محمود، في ثلاثة فصول، وهو ~~يحاول إثبات فكرة أساسية هي أن فيلسوفنا بدأ متدينا وانتهى ~~متدينا، وأنه مر خلال تطوره الروحي بثلاث مراحل، كانت الأولى هي ~~«مرحلة التدين الخالص»، أو البسيط، الذي بدأ في كتاب القرية، ومال ~~به في شبابه نحو التصوف، حتى إنه دافع بحرارة عن المعجزة، محاولا ~~أن يثبت أنها لا تتعارض مع العلم، وسيادة القوانين العلمية على ظواهر ~~الطبيعة، وتنتهي هذه المرحلة برسالته عن «الجبر الذاتي». # أما المرحلة الثانية فهي مرحلة العقل الخالص التي دارت حول ms001 مجالين ~~أساسيين: ~~(أ) # نقد الحياة الاجتماعية على أسس عقلية ترفض الظلم ~~والقهر والاستبداد. ~~(ب) # النظرة العلمية التي تنظر إلى الظواهر فترد النتائج ~~إلى أسبابها. # أما المرحلة الثالثة فهي مركب المرحلتين السابقتين، أعني «التدين ~~المستنير بنور العقل»، وقد ظهرت بواكيرها «في الشرق الفنان» عام 1960م، ~~ثم اكتمل نضجها أثناء وجود الفيلسوف معارا لجامعة الكويت، ثم ~~استمرت معه حتى وفاته في 9 سبتمبر عام 1993م. # أما الباب الثاني من هذا الكتاب؛ فهو دراسة للفلسفة الثنائية عند ~~فيلسوفنا في ثلاثة فصول أيضا، يحاول الفصل الأول أن يضع زكي نجيب ~~محمود في مكانه في مسار النهضة العربية، ثم يحدد الفصل الثاني معنى ~~الفلسفة الثنائية سواء أكانت إبستمولوجية أو ثنائية أنطولوجية أو ~~ثنائية ثقافية ... إلخ. # أما الفصل الثالث فهو يتحدث عن الإسهامات الخاصة لزكي نجيب محمود، ~~عندما وضع تحت مبضع التحليل الأفكار الرئيسية التي ظهرت في مسار ~~نهضتنا وأهمها «الحرية» و«العقل» ... إلخ، ويقسم هذا التحليل إلى ~~مجالين: مجال التحليل العقلي، ويختار مجموعة من الأفكار السياسية ~~والمفاهيم الدينية والقومية والاجتماعية، التي قام فيلسوفنا بتحليلها. ~~أما القسم الثاني فهو مجال الوجدان وإسهاماته في مجال الأدب والنقد ~~الأدبي، والدور الذي قام به في أدب المقال، كما يقدم نماذج من هذا ~~الأدب. # أما الباب الثالث والأخير فهو دراسات ومقالات كتبت في أوقات ~~متفرقة منها: «زكي نجيب محمود كما عرفته»، تحدثت فيه عن شخصية ~~الفيلسوف كما لمستها بنفسي لقربي منه أكثر من ثلاثين عاما، ثم زكي ~~نجيب محمود مفكرا تنويريا، وهو مقال يحدد أولا معنى التنوير، ثم ~~يتساءل ثانيا كيف نعتبر زكي نجيب مفكرا تنويريا بهذا المعنى؟! ~~وأخيرا المقال الذي كتبته يوم رحيله «سقراط مصر، أو مشعل الفكر الذي ~~انطفأ!» # أما الملحق فهو نص رسالة الفيلسوف لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ~~لندن عام 1947م، وكانت بعنوان «الجبر الذاتي»، وهو كما وصفته في مقالين ~~في مجلة «الفكر المعاصر» # 1 ~~«الوجه الميتافيزيقي للدكتور زكي نجيب محمود، حيث نلتقي ~~بنقد عنيف لديفيد هيوم»، وللمدرسة السلوكية، ثم محاولة لتعريف النفس ~~بأنها «فعل الانتباه» وتحديد ms002 الحرية البشرية بأن الإنسان مجبر عن ~~طريق نفسه، فماضيه الذي يحمله فوق ظهره، هو الذي يحدد له اختيار الفعل ~~الحاضر، لكن هذا الماضي نفسه من صنعه هو. # وأخيرا فإنني أرجو أن أكون بهذا الكتاب قد أديت خدمة متواضعة ~~لدراسة هذا المفكر العملاق. # والله نسأل أن يهدينا جميعا سبيل الرشاد. # إ. ع. إ # الباب الأول # | رحلة في فكر زكي نجيب محمود # | تمهيد # هذا بحث يزعم فيه صاحبه أن زكي نجيب محمود بدأ متدينا وانتهى ~~متدينا! وأنه مر خلال تطوره الفكري بثلاث مراحل أشبه ما تكون ~~بالمثلث الجدلي! ~~(1) # كانت المرحلة الأولى هي مرحلة التدين الخالص أو ~~المبكر، وهو تدين يكاد يقترب أحيانا من ~~التصوف. ~~(2) # أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة العقل الخالص، وهي ~~تبدو نقيضا للمرحلة الأولى، أراد فيها أن يشيع ~~استخدام العقل والاسترشاد بنوره من ناحية، والثورة ~~العقلية على الواقع الاجتماعي السيئ في بلاده من ~~ناحية أخرى. ~~(3) # المرحلة الثالثة وهي مرحلة التدين المستنير بضوء ~~العقل، وهي مركب المرحلتين السابقتين. # كما يزعم البحث أيضا أن الانتقال إلى المرحلة الثالثة قد تم ~~في الكويت، وأن قسمات هذه المرحلة التي استمرت حتى وفاته في 9 ~~سبتمبر 1993م، قد تشكلت بوضوح عندما كان يعمل أستاذا بجامعة ~~الكويت، حيث قضى خمس سنوات من حياته، كانت خصبة ومباركة ~~(1986-1973م)، تجلت في إنتاجه الهام «تجديد الفكر العربي» عام ~~1971م، و«المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري» عام 1972م، ثم ~~«ثقافتنا في مواجهة العصر» عام 1976م، و«مجتمع جديد أو الكارثة» ~~عام 1978م وغيرها، وإن كانت تباشير هذه المرحلة قد بدأت في أوائل ~~الستينيات مع كتابه «الشرق الفنان» عام 1960م. # 1 # الفصل الأول # | المرحلة الأولى: التدين الخالص # كنت غلاما تسري في أوصاله المشاعر الدينية إلى حد ~~الخشوع الذي يتصدع له الجبل ... # زكي نجيب محمود، «قصة عقل»، ص12 ~~(1) بداية الطريق # نشأ زكي نجيب محمود في قرية «ميت الخولي عبد الله»، في أسرة ~~متدينة، وتلقى أولى مراحل تعليمه، شأنه شأن أطفال قريته، في ~~«كتاب الشيخ ربيع»، فلم تكن أسرته قد غادرت بعد الريف إلى ~~المدينة. ms003 # في هذا الكتاب تعلم مبادئ اللغة العربية (أحرف الهجاء)، ~~ومبادئ الحساب، و«قبل ذلك، وفوق ذلك، وبعد ذلك»، على حد تعبيره، # 1 # كان يحفظ بعض قصار السور من القرآن الكريم. وظلت ~~هذه الخبرة الدينية المبكرة لطفل في الرابعة من عمره، أو بعد ~~الرابعة بقليل، تعتمل في نفسه، وتتردد بين جوانحه طوال ~~حياته لدرجة أنه يذكرها بتفصيل واضح حتى «بعد أن جاوز الشيخ ~~الثمانين من عمره». # 2 # يقول عن هذه الخبرة الدينية المبكرة «كان ما يحفظه ~~من القرآن هو أوضح معالم الساعات التي كان الطفل يقضيها في ~~الكتاب كل يوم. ولا عجب أن أرى شيخ الثمانين، إذا ما ~~استعادت له الذاكرة حياته طفلا، لا يكاد يذكر من خبرة الكتاب ~~شيئا مما كان يقرؤه أو يكتبه من أحرف الهجاء أو أعداد الحساب، ~~أما ما كان يحفظه ويعيده أمام الشيخ ربيع من آيات القرآن ~~الكريم؛ فهو باق في ذاكرته في وضوح ناصع ...» # 3 # صحيح أنه يذكر لنا أن ما استقر في أعماقه، ولم ~~ينسه أبدا هو وقع النغم القرآني في مسمعيه، لكنا لا يمكن أن ~~نتوقع شيئا أكثر من ذلك من طفل في هذه السن الصغيرة، وإن ~~كنا نود أن نلفت النظر إلى أن «وقع النغم القرآني» لم يكن ~~بالأمر الهين، فقد كان مأخوذا به على نحو ملك عليه نفسه، ~~حتى إنه كان «يردد الآيات القرآنية ما بقي له من صحو النهار» ~~... «ومن يدري هل كانت تلك الفتنة بإيقاع النغم القرآني تختفي ~~عنده في نعاسه، أو كانت تواصل ظهورها في أحلامه.» # 4 # وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن هذه الخبرة الدينية ~~المبكرة قد تغلغلت في كيانه كله، ولم تفارقه بعد ذلك قط، حتى ~~وإن بدا أنها قد توارت في سنوات معينة، إلا أنها كانت في ~~الواقع في مرحلة «كمون»، ثم ظهرت واضحة بعد ذلك، فخبرات الطفل ~~في السنوات الأولى من حياته، لا سيما إذا كانت عميقة، لا ~~تمحى من نفسه على الإطلاق. # ومن الطبيعي أن يكون «النغم القرآني» هو وحده ما سحره دون أن ms004 ~~يفهم شيئا من معاني الألفاظ التي يكثر من ترديدها ... «بل لا ~~أظنه كان يدرك أن للآيات الكريمة التي كان لها في أذنيه ذلك ~~الإيقاع معان يعرفها أو لا يعرفها.» # 5 # والآيات الكريمة التي أثرت في نفس الطفل الصغير ~~تأثيرا قويا يومئذ، وكان يكثر من ترديدها ترديدا منغما ~~هي بصفة خاصة آيات من سورة العاديات: # والعاديات ضبحا * فالموريات ~~قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * ~~فوسطن به جمعا ~~[العاديات: 1: 4]. حتى ~~إنه كان يصعد درج الدار، ثم يهبط الدرج، ثم يصعد، وعند كل ~~درجة منها، صاعدا أو هابطا، يضغط على مقطع من تلك الآيات ~~الكريمة، ويدب بقدمه دبة قوية: «وكأن تلك الضربات عنده ~~تفعل فعل الطبلة في المعزوفة الموسيقية، فكان التنغيم يجري معه ~~أثناء صعوده الدرج واحدة واحدة هكذا، والعاديات ضب ... حا، ~~فالموريات قد ... حا؛ فالمغيرات صب ... حا ... إلخ.» # 6 # واستمرت هذه الخبرة الدينية المبكرة والبسيطة مع ~~مفكرنا الكبير؛ فهو لم ينظر إليها قط على أنها خبرة طفولة ~~مرت وانقضت وينبغي أن يسدل عليها الستار، فعندما بلغ عامه ~~العشرين وما بعده؛ أي عندما تجاوز مرحلة الطفولة إلى الشباب، ~~كان معنى الآيات الكريمة لا يزال يشغل تفكيره، فقد انتبه إلى ~~أن إيقاع اللفظ وحده لم يكن يكفي (وهي فكرة سوف يعرض لها بعد ~~ذلك في شيء من التفصيل في «تجديد الفكر العربي») # 7 # بل لا بد للفظ أن يحمل مضمونا يتناسب وزنا مع ~~حلاوة الإيقاع، حتى لقد أخذ يراجع محفوظه من القرآن الكريم ~~بحثا عن المعنى ليكتمل الكمال: «ولقد اندهش دهشة ارتج لها ~~فؤاده ارتجاجا، عندما علم أن الآيات الكريمة تصوير معجز ~~لهجمة الفرسان على العدو، آخذا له على غرة ساعة الفجر، ~~فالجياد تضبح بأنفاسها الحرى بعد طول الطريق، وحوافرها من ~~شدة وقعها على حصباء الطريق تقدح منه الشرر، حتى إذا ما أغارت ~~عند فلق الصبح على مكمن الأعداء، وأثارت نقع الغبار الذي غامت ~~به السماء، كان فرسانها قد توسطوا جماعة الأعداء ...» # 8 # فالآيات التي حفظها عن ظهر قلب وهو طفل، ظل يبحث لها ms005 عن ~~تفسير يطمئن إليه وهو شاب، فهل يدهشنا بعد ذلك أن يصف نفسه ~~بأنه كان «غلاما تسري في أوصاله المشاعر الدينية إلى حد ~~الخشوع الذي يتصدع له الجبل؟» # 9 # وهل نخطئ إذا وصفنا أولى مراحله الروحية بأنها ~~مرحلة التدين الخالص ...؟ كلا! وإن كان هذا الوصف يحتاج إلى ~~مزيد من الدعم والإيضاح. ~~(2) الاتجاه نحو التصوف # ظلت هذه المشاعر الدينية المبكرة تنمو في أعماقه حتى مالت به ~~إلى التصوف، والبعد عن دنيا الناس ليحيا في «عالم الأفكار»، ~~وكانت تلك الخاصية من أخص خصائص شخصيته، حتى قال عنها إنها ~~«جانب لا يجوز إغفاله إذا أردنا للصورة أن تكتمل ...» # 10 # ولقد صور العزلة، بعد ذلك، تصويرا رائعا في ~~مقاله «يونس في جوف الحوت»؛ # 11 # لأنها في رأيه عزلة عجيبة، فمن اليسير على ~~الخيال أن يتصور الراهب، وقد اعتزل الدنيا في صومعته يحفرها ~~في صخر الجبل النائي، أو يقيمها بين كثبان القفر البعيد، ويسير ~~على الخيال أن يتصور رجل العلم وقد ألهاه علمه عن شئون ~~دنياه، ويسير على الخيال أن يتصور الشاعر أو الفنان وقد ~~ارتضى لنفسه مقاما على ربوة معزولة أو في جوف واد عميق، ~~أما هذه الصومعة الفريدة التي آوى إليها يونس فأمرها عجيب ... إلخ. # 12 # غير أن المشاعر الدينية لم تنحصر في العزلة عن دنيا الناس أو ~~الحياة في عالم الأفكار، وإنما تجاوزت ذلك إلى ميل عارم نحو ~~التصوف، حتى إنه يصف نفسه في الثلاثينيات بأنه كان «صوفيا ~~على الطريقة الهندية ...» # 13 # فما الذي كان يقصده بهذه «الصوفية الهندية» ...؟! ~~يبدو أنه يعني بها ضربا من التصوف يكاد يقترب من «وحدة ~~الوجود»، وهو يضرب لذلك مثلا واضحا، فذات يوم من ربيع عام ~~1931م (أي في السادسة والعشرين من عمره)، كان يسير وحده بين ~~الحقول في الريف، ووقف طويلا أمام ماشية ألقيت أمامها أعواد ~~الذرة لتطعم، فدارت في ذهنه صور متلاحقة: نبات يتغذى من ~~عناصر الأرض، وحيوان يتغذى من النبات، وإنسان يتغذى من ~~لحم الحيوان، تغذية تسري في دمائه وفي أعصابه، فإذا هو يخرج ms006 ~~غذاءه ذاك علما وفلسفة وشعرا ... ملأته هذه الفكرة فكر ~~راجعا إلى داره ليكتب مقالا مستفيضا بعنوان «وحدة ~~الوجود»، ويرسله فينشر في مجلة كان يصدرها سلامة موسى باسم ~~«المجلة الجديدة». # 14 # ولم تكن هذه الفكرة التي ملأت وجدانه، ولا المقالة التي ~~كتبها، أحداثا عابرة في حياته؛ فهو يروي لنا في آخر كتبه، ~~بعد أن تجاوز الثمانين، أن فكرة «وحدة الوجود» ظلت تعاوده بين ~~الحين والحين، كما ظلت عزلة التصوف والحياة مع «الأفكار» من ~~أخص خصائص شخصيته. # 15 # ويعتقد مفكرنا، وهو يروي سيرة حياته العقلية، أن أجمل ما ~~كتب عن فكرة وحدة الوجود التي كانت تعاوده، مقال بعنوان ~~«درس في التصوف»، نشر في عدد خاص من مجلة الرسالة في 3 مارس ~~عام 1941م. # 16 # والمقال عبارة عن حوار بين أستاذ متصوف مؤمن ~~بوحدة الوجود، وتلميذه الشاب الذي كان في البداية عابسا ~~نافرا مما يقوله الأستاذ من أنه لا فرق في الأعماق بين إنسان ~~ونبات وحيوان، بل لا فرق بينه وبين الجماد نفسه ... إلخ. ثم ~~يعلق مفكرنا على هذا المقال بقوله: «تلك كانت صوفية نزع ~~إليها صاحبنا منذ فرغ من دراسته، وأخذت تعاوده حينا بعد حين، ~~وامتدت معه أعواما جاوزت في عددها عشرة ...» # 17 # وفي هذه الفترة المبكرة كتب دراسة مطولة عن «أبي بكر ~~الصديق» في مجلة المعلمين العليا، أبريل عام 1928م، وقد ~~استوقفه أبو بكر كرجل نهض بالإسلام نهوضا عظيما، «ثم ~~استوقفني أبو بكر كرجل مفكر ذي عقل كبير أوجدته الطبيعة ~~ليكون منارا للإنسانية بأسرها ...» # 18 # كان أبو بكر قد نشأ في بيئة بدوية قاحلة. # 19 # ومع ذلك فقد درج حتى كونته الطبيعة إلى أن وصل إلى ~~مراتب العظمة والخلود ... # 20 # وعلى الرغم من أن المقال ينطوي بصفة عامة على ~~الإشادة بمناقب أبي بكر، فإنه لا يخلو من نقد لجوانب الضعف ~~التي ارتآها في «خليفة عرف بالصلابة والحكمة في جميع مواقفه». # 21 # و«لعل هذا التناقض راجع إلى صفتين بارزتين في أبي ~~بكر وهما: مضاء العزيمة والرقة، فبينما كان يصول صولة الأسد في ms007 ~~وجه المرتدين الكفار؛ إذ نراه يداعب الفقراء واليتامى في ~~حنان وعطف.» # 22 # واهتمام مفكرنا بتحليل الشخصيات الإسلامية ~~الكبيرة، وهو في الثالثة والعشرين، يدعم الفكرة التي نحاول ~~عرضها في هذا البحث، والتي تقول: إن زكي نجيب محمود قد بدأ ~~متدينا وانتهى متدينا، فقد لازمته المشاعر الدينية طوال ~~حياته، ولم يتخل عنها قط، وإن كانت قد توارت في فترة ~~معينة؛ فالسبب أنه رأى عندئذ أن ما يحتاجه مجتمعه هو ضرورة ~~الاهتمام «بمنطق العقل» الذي هو صانع الحضارة، والذي اختفى من ~~ثقافتنا نظرا لسيادة الوجدان والمشاعر الدينية، وإن لم يتخل ~~عن هذه الجوانب أبدا، ولكنها كانت في «مرحلة كمون» تنتظر ~~الفرصة السانحة للظهور، وقد واتته هذه الفرصة في السنوات الخمس ~~التي قضاها أستاذا بجامعة الكويت. # وينتمي إلى هذه المرحلة أيضا مقاله الجميل عن «هجرة الروح»، ~~وقد كتبه في ذكرى «الهجرة النبوية» وبوحي «هذا اليوم الخالد»، ~~وقد أراد أن يقدم معنى جديدا للهجرة، فلئن هاجر النبي من ~~مكة إلى المدينة «فجاءه نصر الله والفتح ... فهاجر أنت من خلال ~~العقل إلى إيمان القلب والسكينة والقرار. ولقد كانت هجرة النبي ~~مولدا جديدا لرسالته، فأرجو أن تكون هجرتك من كتب إلى كتب ~~بحثا جديدا لروحك المعذب الظمآن.» # 23 # وهو يحاول، في هذا المقال أن يبرهن على «خلود ~~الروح» ببرهان في غاية البساطة يعتمد أساسا على رغبة الإنسان ~~في الخلود، وأمله في أن يتحقق له الخلود بعد الموت، «فرغبة ~~الإنسان في الطعام ما كانت لتوجد لو لم يكن الطعام موجودا، ~~ورغبة الإنسان في زمالة الأصدقاء يستحيل أن تنشأ إن لم يكن ~~للإنسان الواحد ناس يزاملونه ويصادقونه ... ويستحيل أن يكون لدى ~~الإنسان رغبة في الخلود ما لم يجد في فطرته وجبلته ما يوحي ~~إليه أنه خالد ...» # 24 # والغريب أنه في نهاية المقال يضرب المثال بالأديب الروسي ~~«ليون تولستوي» ... (1828-1910م)، الذي «غاص في أغوار الفكر ~~وغاص، ثم انتهى به الزمن أن يفرغ مكتبته من كل ما فيها على ~~أنه باطل وهراء، ولم يبق على رفوفها سوى الكتاب المقدس، وبعض ~~الكتب ms008 الدينية!» # 25 # فتولستوي بعد أن قرأ الكتب الفلسفية ذات المذاهب ~~المختلفة، واستطلع آراء أفلاطون، وكانط، وشوبنهور، وبسكال، لم ~~يجد السكينة والطمأنينة إلا في الدين! فلئن كان العقل قد عجز ~~عن الوصول به إلى بر الأمان، فيلجأ إلى القلب ويدعو ربه ~~قائلا: «اللهم هبني إيمانا قويا، املأ به قلبي، واهد إليه ~~غيري ...» # 26 # ألسنا نجد هنا «تدينا خالصا» يصل إلى حد الخشوع الذي ~~يتصدع له الجبل ...؟! # ومن «هجرة الروح» سننتقل إلى «هبوط الروح» من عليائها ~~لتستقر في البدن، على نحو ما يحللها مفكرنا في شرحه لعينية ~~ابن سيناء الشهيرة، ثم إلى «دفاعه عن المعجزة» لنصل في خاتمة ~~المطاف إلى قمة هذه المرحلة في نقده لديفيد هيوم، و«المدرسة ~~السلوكية» في محاولة لتعريف «النفس»، وذلك في رسالته ~~للدكتوراة عن «الجبر الذاتي». ~~(3) عينية ابن سينا # كانت أولى لفتاته الفكرية، إذن، في أول أعوام الثلاثينيات ~~متجهة نحو صوفية ترى أن الوجود كل وحدة لا تعدد فيها، ولا ~~تمايز بين أجزائها، اللهم إلا في المظهر الخارجي ~~الخادع. # وفي نهاية الثلاثينيات (حوالي 1937م) كتب شرحا جميلا ~~لعينية ابن سينا التي يشرح فيها هبوط الروح إلى البدن، والتي ~~مطلعها: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # وقد قال عنها عندما نشرها عام 1957: «كتبت هذه المقالة منذ ~~أكثر من عشرين عاما، كتبها الكاتب وهو في صدر الشباب ...» # 27 # والقصيدة تدور كما قلنا، حول هبوط الروح: «وما أدراك ما ~~الروح؟ هذا السر العجيب الذي سرى واستكن بين أحنائك، فلا تكاد ~~تدري من أمره شيئا! وهل يداخلك شيء من الريب في أنك مزيج ~~من مادة وروح ...؟» # 28 # ثم يعرض لهذا المركب الذي يتألف منه الإنسان ~~فيقول: # أما المادة فهي هذا اللحم والعظم، وأما الروح فهي ~~تلك الفكر الرائع، الخيال البارع، وتلك الحركة ~~المتوثبة الدافعة، حتى إذا جاءك يوما قضاؤك المحتوم، ~~انطلق كل من العنصرين إلى سبيله! فأنى لك هذا السر ~~المكنون وأيان يذهب بعد الموت ...؟ # 29 # ويتخيل مفكرنا كيف كانت الروح تعيش في علياء سمائها، في ~~المحل الأرفع، سابحة ms009 مع العقول المجردة روحانية خالصة لا ~~تشوبها شائبة من المادة، ثم هبطت من عليائها بحركات رشيقة ~~أشبه بحركات الطير سابحة في أجواز الفضاء، بعد أن طال ترددها، ~~واشتد تعززها وتمنعها، حنينا إلى عالمها القدسي الرفيع، ~~لتستقر في الجسد لتعيش فيه فترة من الزمان. # 30 # ولا يفوته أن ينبهنا إلى أن الروح لا تدرك ~~بالحواس فهي «تتعالى عن إدراك العيون! وكيف تريدها على الظهور ~~أمام مقلتيك ، وهما لم تخلقا إلا لرؤية الأجساد المادية وحدها؟ ~~... أما هذه الماهية المجردة فهيهات أن تدركها بالنظر!» # 31 # وهي إذا كانت تأبى أن تبدو للحواس فذلك لأنها تعلو ~~بنفسها عن هذا الدرك الخسيس، وهي تتضح وتجلو لكل عاقل من ~~الناس يبحث عنها بعقله في آثارها ودلائلها؛ فالروح، إذن، مع ~~كمال خفائها، وشدة غموضها عن العين يمكن إدراكها بالعقل لمن ~~يريد معرفتها بالدليل والبرهان ... # 32 # ومعنى ذلك أنه إذا كانت الروح لا تدرك بالحواس؛ فإن هناك ~~طريقا آخر للوصول إليها، ولا ينبغي إنكار وجودها بحجة أننا لا ~~نراها، ولا نلمسها ... إلخ، وتلك هي الفكرة التي سوف يطورها ~~بعد ذلك في نقده لديفيد هيوم في رسالته للدكتوراه التي سنعرض ~~لها بعد قليل. أما الآن فإن علينا أن نتوقف قليلا عند مقال ~~هام كتب في هذه المرحلة ودافع فيه عن المعجزة. ~~(4) دفاع عن المعجزة # كتب مفكرنا خلال الثلاثينيات مقالا بعنوان «بين المعجزة ~~والعلم» على هيئة حوار أجراه مع نفسه، يرد فيه على ما يزعمه ~~بعض المفكرين من وجود تعارض بين المعجزة وقوانين الطبيعة، ومن ~~ثم ينكرون المعجزات التي وردت في الكتب المنزلة، مثل أن ~~الشمس وقفت ليوشع، أو أن البحر قد انشق بعصى موسى، أو أن ~~السيد المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص بلمسة منه ... إلخ، فذلك ~~كله، في رأيهم، يتعارض مع العلم وقوانينه. ولقد قام مفكرنا في ~~هذا المقال بتحليل القوانين العلمية منتهيا إلى أن المعجزة لا ~~تبطل القانون العلمي، ويمكن أن نلخص مضمون المقال في النقاط ~~الآتية: # أولا: # انتهى العلم إلى أن الطبيعة المادية لا تسير ~~وفق قانون ms010 صارم، بل إنها قد تغير سلوكها ~~بما لا يمكن التنبؤ به، شأنها شأن الكائنات ~~الحية سواء بسواء، بل أن هناك من بين أساطين ~~العلم من يزعم أنه ليس في الطبيعة كلها ~~موجودات تخلو من الحياة أو ما يشبه الحياة، ~~وكل الفرق بين حياتها وحياة الإنسان هو في ~~الدرجة لا في النوع، لكن إذا كانت الذرة ~~الفردية على شيء من الحياة، وأنها قد تغير ~~في سلوكها، فإنها في مجموعها أقرب ما تكون إلى ~~النظام الدقيق في سيرها. كما أن الإنسان الفرد ~~حر في تصرفه، إلى حد بعيد، ولكنه في ~~المجموع يسير وفق أسس وقواعد لا تكاد تعرف ~~الشذوذ، وهي فكرة سوف يطورها مفكرنا بعد ذلك ~~في رسالته عن «الجبر الذاتي». # ثانيا: # إذا افترضنا أن القوانين الطبيعية يستحيل ~~عليها الخطأ، وأن المادة لا تملك لنفسها ~~تغييرا ولا تبديلا عما رسمه لها قانونها ~~الأعلى: فمن ذا الذي يزعم أن المعجزة كسر ~~للقانون الطبيعي، وأنه لذلك يجب اطراحها ~~ونبذها؟ افرض أن قانون الجاذبية صارم لا يقبل ~~الشذوذ، وأن التفاحة إذا انفصلت عن فرعها، ~~سقطت من فروعها إلى الأرض، بفعل قانون ~~الجاذبية هذا، لكن هب أن يدا امتدت إلى ~~التفاحة أثناء طريقها إلى الأرض، فلقفتها ~~فحالت بذلك بينها وبين الأرض: أيكون ذلك كسرا ~~للقانون؟ كلا! القانون لا يزال قويا سليما، ~~غير أن إرادة بشرية حالت دون تطبيقه لا أكثر ~~ولا أقل. # إذا تركت أقلامك وكتبك مبعثرة في أرض ~~غرفتك، ثم عدت بعد حين فوجدتها صعدت إلى ظهر ~~المكتب منظمة، أتقول إن قانون الجاذبية قد ~~انقلب رأسا على عقب؛ لأن الكتب والأقلام قد ~~صعدت إلى أعلى بدل أن تستقر على الأرض ~~منجذبة إليها ... «أم أن نجزم في هذه الحالة أن ~~شخصا بشريا قد تدخل في الأمر بإرادته، ~~وحال بين قانون الجاذبية وبين تنفيذه حينا، ~~فأمكن للكتب بذلك أن تفلت من يده، ولكن ~~القانون لا يزال قائما لم يخدش ذلك من قوته ~~وشموله؟! ... فلا شك أن الإرادة البشرية تستطيع ~~أن تتوسط بين القانون وبين تطبيقه فتعطله ~~دون ms011 أن تبطله، أفلا نقول إن لله إرادة حرة ~~كهذه التي للإنسان، يستطيع بها أن يعطل قانون ~~الطبيعة حينا قد يقصر أو يطول، لكنه يظل ~~قائما معمولا به لا يصيبه عطب ولا ~~خسارة؟!» # ثالثا: # لقد وضعت كتابا بالأمس على مقعد إلى ~~جانبي، فجاء الكلب يتحسس ويتجسس ويشم ~~الكتاب، وأظنه قد حسبه قطعة من الجماد لا خير ~~فيها، فترك الكلب الكتاب وانصرف، فإذا افترضنا ~~أن التفاهم مع الكلب ممكن ، ثم جئت تقسم له أن ~~في الكتاب ما ليس يدرك بالشم واللمس، وأن فيه ~~معنى إذا كان لا يدركه هو فليس عجزه دليلا ~~على عدم وجوده نفر وسخر، وأكد لك أن حواسه ~~مقياس للحقيقة لا تخطئ، وإني لأحسب الكون ~~كتابا مفتوحا فيه من المعاني السامية، ما ~~يمكن فهمه وإدراكه لذوي البصيرة السليمة، ~~فهناك طائفة من الناس تمد أيديها وأنوفها ~~إلى جانب الطبيعة، تتحسسها ثم تجزم في يقين ~~لا يعرف الشك ولا التردد، أن هذه الطبيعة ~~جماد في جماد، يسيره هذا وهذا من القوانين ~~في طريق مرسومة معلومة لن تشذ فيها خارقة ~~ولا معجزة ... وأعجب العجب أن تكون هذه الطريقة ~~الكلبية علما، وأن يكون كل ما عداها تخريفا ~~وجهلا ...! # رابعا: # كيف جاز لنا أن نقطع أن ليس في الكون من ~~الحقائق ما تعجز عقولنا وحواسنا عن إدراكه؟ ~~ولم لا يكون في هذا الكون الفسيح من هو ~~أكبر منا عقلا، وأحد ذكاء، فيستطيع أن ~~يقرأ في كتاب الكون ما لا نستطيعه؟ ترى لو ~~أتانا الله حاسة سادسة وسابعة وثامنة، فماذا ~~عسانا نعرف بهذه الحواس الزائدة، أم تظل ~~أبوابا مغلقة لأن العلم قد نفذ؟! # خامسا: # وهو يهاجم في هذا المقال الماديين من أصحاب ~~النظرة الضيقة العتيقة، الذين يرفضون التسليم ~~بأن الكون ألوفا وألوفا من الظواهر التي يقف ~~أمامها العلم مكتوف الأيدي، ولا يمكن فهمها ~~إلا أن تكون «خوارق» فوق العلم ~~وقوانينه. # والواقع أن الماديين، في رأي مفكرنا، ~~يشهرون سلاح التسويف والوعد بأن العلم سيتمكن ~~في المستقبل مما لم يتمكن منه اليوم، ويمكن ~~استخدامه في كل حي، ms012 وليس بيننا وبينهم موعد ~~يبطل بعده التسويف، ولكنها مماطلة متجددة، ~~لا تنقطع ولا تفرغ، فماذا يمنع أن نفترض أن ~~هناك قوى غير مادية تفعل فعلها، وتؤثر في ~~مجرى الطبيعة فتنتج كل هذه الخوارق ~~والمعجزات؟! # سادسا: # الماديون يركبون رءوسهم، ويحاولون أن يحللوا ~~بقوانين العلم كل شيء، فإن عجزت أمهلونا إلى ~~المستقبل القريب، أو البعيد، والعجيب أن ~~لهؤلاء الماديين «شطحات» في التفكير تدعو إلى ~~التأمل، فأنت إذا سألتهم مثلا : كيف نشأت هذه ~~الخلائق؟ أجابوك: تسلسلت نوعا عن نوع وجنسا ~~عن جنس، وأصلها كلها خلية واحدة ... حسن، وكيف ~~نشأت هذه الخلية الواحدة؟! أجابوا: أنها ولدت ~~بطريقة تلقائية آلية من الجماد! فانظر إليهم ~~كيف تجيز لهم عقولهم صدق هذا النبأ؛ مع أنه، ~~على فرض أنه صحيح، فقد حدث في ماض بعيد ~~سحيق ولم يشهده شاهد ولا سجله مسجل، ~~ولكنهم مع ذلك يقبلونه راضين مختارين! ثم إذا ~~عرضنا عليهم خارقة من خوارق الطبيعة؛ مما يقع ~~في مرأى منا ومسمع، أنكروها في حمق مع أنها ~~حاضرة بين أيديهم، وليست بالماضي البعيد، وهي ~~مشاهدة مسجلة فكانت أجدر بالتسليم والقبول من ~~تلك «الخارقة» البعيدة، ونسميها خارقة لأنه ~~ليس من قوانين الطبيعة، فيما نظن، انبعاث ~~الحياة من الجماد، ولكن القوم يختارون من ~~الآراء والعقائد ما يتفق مع مذهبهم. # سابعا: # هب أن جماعة قد ارتطمت سفينتهم على جزيرة ~~مهجورة لا أثر فيها للحياة، ولكنهم وجدوا على ~~أرضها آثار أقدام ليست من آثارهم هم، فبماذا ~~يعللون هذه الظاهرة إلا أن أناسا غيرهم كانوا ~~بالجزيرة منذ حين؟ أظن هذا منطقا لا صعوبة ~~فيه ولا التواء: لكل أثر مؤثر، فإن رأينا ~~أثرا ولم نجد بيننا مؤثره، أيقنا أن هذا ~~المؤثر لا بد أن يكون موجودا في غير مكاننا، ~~وها نحن أولا: ننظر فنرى فوق هذه الجزيرة ~~المهجورة التي تسبح بنا في الفضاء، ثم ننظر ~~فإذا بآثار لا يحصيها العد، تفرض علينا ~~فرضا أن أحدا غيرنا قد اتصل بهذه الجزيرة، ~~وهو يتصل بها في كل حين ليحدث هذه ~~الآثار. # ثامنا: # يختتم مفكرنا مقاله بتحديد ms013 مجال للعلم وآخر ~~للدين، ويتساءل: ماذا يضيرك إذا ما عللت ~~بالعلم ما يمكن أن يعلله، وأن ترجع إلى القوة ~~التي فوق الطبيعة كل ما يصادفك من خوارق ~~ومعجزات؟! يقول الماديون أن إدخال «الله» ~~في مجرى الطبيعة عجز وقصور عن التعليل ~~الصحيح، ويزعمون أن الإنسان الأول كان يفسر ~~كل شيء بقوة الآلهة لقلة محصوله من العلم، ~~فكان إذا اكتسب شيئا من العلم يعلل به ~~ظاهرة ما، أسقط هذه الظاهرة من دائرة نفوذ ~~الله وأدخلها تحت سيطرة العلم. وهكذا أخذ ~~العلم ينمو ويتسع، كما أخذت العقيدة في تأثير ~~الله في سير الطبيعة تضؤل وتضيق، وهم يرجون أن ~~يطرد نمو العلم حتى يشمل الكون جميعا، ~~ويفسر «الظواهر» كلها بغير استثناء، وهم ~~بناء على ذلك يرفضون رفضا قاطعا أن يعللوا ~~شيئا إلا على أساس واحد: هو قانون ~~الطبيعة، ويلفظون من حظيرتهم كل من يحاول أن ~~ينسب شيئا إلى قوة أخرى غير قوة الطبيعة ~~وقوانينها، وقديما كان العالم، أو إن شئت ~~الكاهن، يفسر كل شيء بقوة الآلهة وحدها، ~~وينبذ كل من يحاول أن يفسر شيئا على غير ~~هذا الأساس: فهل نرى فرقا بين الكاهن القديم ~~والعالم الحديث؟ كلا! فكلاهما متعصب محدود ~~الفكر، ضيق النظر! # لعل أقرب إلى روح العلم الصحيح، أن نتناول الأبحاث أحرارا ~~من كل قيد، فلا نفترض لأنفسنا أساسا معينا للبحث لا نعدوه، ~~أعني أنه لا ينبغي أن نحكم على أنفسنا أن نفسر كل شيء بكذا، ~~وكذا، وإلا كنا كعلماء الفلك الأقدمين، الذين كانوا ينظرون في ~~السماء ويبحثون في النجوم، على شرط أن يكون بحثهم مقصورا على ~~ما هو معروف من النجوم، فإن ظهر كوكب أو نجم جديد أنكروه ~~ورفضوه! # ذلك تلخيص واف للمقال الهام الذي نشره مفكرنا في مجلة ~~«الرسالة»، ولم ينشر بعد ذلك قط، رغم قيمته الكبيرة في إبراز ~~جانب «التدين الخالص»، الذي سيطر على تفكيره في أولى مراحله ~~الروحية، التي أغفلها كثير من الباحثين، مركزين على المرحلة ~~الثانية، التي بدأت بالمنطق الوضعي بجزأيه، وخرافة ~~الميتافيزيقا ... إلخ، حتى أصبح اسم زكي ms014 نجيب محمود و«الوضعية ~~المنطقية» مترادفين، أو كالمترادفين؛ مع أنها ليست سوى مرحلة ~~سبقتها مرحلة، ولحقت بها مرحلة ثالثة تجمع الاثنين في مركب ~~واحد! ~~(5) الجبر الذاتي # تصل هذه المرحلة الأولى إلى قمتها مع رسالته للدكتوراه ~~بعنوان: «الجبر الذاتي» عام 1947م، وهي التي وصفناها في مكان ~~آخر بأنها «الوجه الميتافيزيقي للدكتور زكي نجيب محمود»؛ # 33 # ذلك لأن نظرية «الجبر الذاتي» نظرية ميتافيزيقية ~~في صميمها. # 34 # فضلا عن أنها تكشف لنا عن اهتمام مفكرنا بمشكلة ~~الحرية، وإيمانه بحرية الإنسان وهو إيمان «لا مكان فيه لذرة ~~من التردد أو الشك» على حد تعبيره. # 35 # وإن كانت هذه الحرية لا تعني الفوضى أو التحرر من ~~القيود، فتلك حرية «سلبية»، وإنما هي حرية «إيجابية» تظهر في ~~أفعال الإنسان المنتجة، وفي أقوال يقام البرهان العقلي على ~~صوابها؛ فهي حرية محكومة بالروابط السببية، الإنسان فيها ~~حر الإرادة، لكنه مقيد بماضيه، أو قل إن «الجبر الذاتي» ~~يعني أن الإنسان مجبر عن طريق نفسه، فماضيه هو الذي يحدد له ~~اختيار الفعل في الحاضر، لكن هذا الماضي من صنعه هو. # على أن ما يعنينا، الآن، من نظرية «الجبر الذاتي» التي نال ~~بها درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1947م، أنها تبدأ بتعريف ~~«النفس»: «إذ يبدو أنه من الضروري في بحث يذهب فيه صاحبه إلى ~~أن الإنسان مجبر ذاتيا أعني مجبرا عن طريق «نفسه» أن ~~يفسر لنا طبيعة «النفس» بأوضح طريقة ممكنة ...» # 36 # ويلزم لذلك مناقشة فلسفتين تنكران وجود النفس، ~~وهما نظرية «ديفيد هيوم» ثم المدرسة السلوكية. ~~(5-1) نظرية هيوم # يذهب ديفيد هيوم إلى أن كل فكرة صحيحة يمكن ردها إلى ~~انطباعاتنا الحسية المباشرة، وإلا لأصبحت فكرة زائفة ~~ينبغي حذفها من قائمة الأفكار الصحيحة. وقد ترتب على ذلك ~~نتيجة بالغة الأهمية وهي إنكار هيوم لما يسميه العقليون ~~«بالعقل»، وما يسميه المثاليون «بالنفس» أو «الروح» ... ~~وإلا فمن أي انطباع حسي أمكن لهذه الأفكار أن تجيء ...؟ ~~إنه لو كانت النفس (أو العقل) كائنا دائم التأثير على هذه ~~الحاسة أو تلك، لجاز أن يكون لفظ ms015 «النفس» اسما نطلقه على ~~ذلك الأثر الحسي. ولكنا لا نجد بين انطباعاتنا الحسية ~~انطباعا يدوم على حالة لا يختلف ولا يصيبه زيادة أو ~~نقصان، فنجعله أصلا لهذه «النفس» المزعومة التي نزعم لها ~~الدوام وعدم التغير؛ إذ حياتنا الإدراكية سلسلة من حالات ~~لا تتجمع كلها معا في لحظة واحدة: فالألم، واللذة، ~~والحزن والسرور، وشتى العواطف والإحساسات تتعاقب في ~~واحدة في أثر الأخرى، ولا يمكن أن تكون فكرة «النفس» ~~مستمدة من واحدة من هذه الحالات ، وإذن فالفكرة نفسها من ~~خلق الوهم وليس لها وجود ... # 37 # ويتولى مفكرنا نقد هذه النظرية ليمهد بذلك لتعريف ~~«النفس»، الذي هو ضروري لنظرية الجبر الذاتي، وهو يوجه ~~إليها مجموعة من الانتقادات أهمها: ~~(1) # أن ديفيد هيوم وقع في تناقض عندما أباح ~~لنفسه أن يستخدم فكرة العقل أو (النفس)، بوصفه ~~كائنا له وجود مستقل، رغم أنه ينكر عليه ~~هذه الصفة، فهو يقول عن الانطباعات الحسية ~~أنها «تطبع العقل»، وتشق طريقها إلى «فكرنا ~~وشعورنا»، فضلا عن أنه يتحدث عن الانطباعات ~~كما تظهر في «النفس». ~~(2) # لا يمكن أن تكون الانطباعات الحسية هي كل ما ~~هنالك، وإلا فمن أين جاءت فكرة «الترتيب»، ~~عندما نقول عن عدد من الحصى أنها مرتبة ~~بنظام معين؟! ~~(3) # إصدار الحكم فعل يفترض بالضرورة وجود فاعل، ~~فهو لا يمكن أن يكون مجرد «القوة الحيوية»، ~~التي يصف بهما هيوم الانطباع الحسي، ولو كان ~~كل ما لدينا انطباعات لاستحال أن نثبت أو أن ~~ننفي شيئا. ~~(4) # لو كان كل ما لدينا هو الانطباعات الحسية، ~~فمن أين يمكن أن أعرف أن هناك إحساسين مختلفين ~~يوجدان معا؟! ~~(5) # أننا لا ننتبه مطلقا إلى جميع الانطباعات ~~التي ترد إلى الحواس في لحظة معينة؛ لأن ~~انتباهنا ينتقي منها ويختار، فمن الذي يختار ~~هذا المعطى الحسي أو ذاك، دون بقية المعطيات، ~~ليكون موضوعا للانتباه؟! ~~(6) # لا نريد أن نواصل جميع الانتقادات التي ~~وجهها مفكرنا إلى فلسفة هيوم؛ فهي كثيرة، ~~وإنما يهمنا أن نذكر نقدا أخيرا هو أن خطأ ~~هيوم في المنهج الذي استخدمه وهو منهج ~~«الاستيطان الذاتي»، عندما يقول: ms016 «إنني إذا ما ~~توغلت داخلا إلى صميم ما أسميه «نفس»، ~~وجدتني دائما أعثر على هذا الإدراك الجزئي أو ~~ذاك ... إنني لا أستطيع أبدا أن أمسك ب «نفسي» ~~في أي وقت بغير إدراك ما، كما أنني لا ~~أستطيع أبدا أن أرى شيئا فيما عدا هذا ~~الإدراك ...» # 38 # غير أن قوله أنه يتوغل داخلا ~~إلى صميم «نفسه» معناه أنه ينتبه إلى نفسه؛ ~~أعني أنه ينتبه إلى الحالة النفسية التي ~~يتصادف وجودها لحظة الفحص، فما الذي يشير ~~إليه هذا الانتباه إن لم يكن يشير إلى النفس ~~أو الذهن أو الروح؟ # 39 # إن القول باستحالة إدراك النفس عن طريق المنهج ~~الاستبطاني (أي منهج التأمل الذاتي) يظهرنا، لا على أنه ~~ليس هناك ما يسمى بالنفس، بل على أن هيوم استخدم منهجا ~~خاطئا في اكتشاف النفس، لكن في استطاعتنا مع ذلك أن ندرك ~~النفس عن طريق «المنهج الجدلي»، وهو منهج يعتمد على فحص ~~ما يتضمنه موقف من المواقف، بحيث ننتهي إلى القول بأننا لا ~~نستطيع أن ننكر هذا المضمون بغير الوقوع في التناقض، وهو ~~نفس المنهج الذي استخدمه ديكارت، حين أثبت وجود نفسه بوصفه ~~عملية تفكير. # 40 ~~(5-2) المدرسة السلوكية # المدرسة السلوكية في علم النفس لون آخر من ألوان ~~النظريات التي تنكر وجود النفس، فقد حصرت نفسها في أنماط ~~السلوك التي يمكن أن يلاحظها المشاهد الخارجي، معتمدة في ~~ذلك على التجارب التي أجراها عالم الفسيولوجيا الروسي ~~«إيفان بافلوف # I. Pavlov ~~» ~~(1849-1936م)، على الفعل المنعكس الشرطي دون أية إشارة ~~إلى ما يسمى «بالشعور». ويزعم السلوكيون أن العلوم ~~الطبيعية قادرة على تفسير وقائع السلوك البشري، وأنه ليس ~~ثمة ما يبرر افتراض وجود شيء آخر غير السلوك الذي نشهده، ~~وما دامت «النفس» من حيث هي كذلك لا يمكن أن نشاهدها ~~بالملاحظة الخارجية فقد أنكروا وجودها. # لقد افترضت المدرسة السلوكية أن السلوك البشري، بالغا ~~ما بلغ تعقده، يمكن رده إلى صيغة «مثير-استجابة»، أو في ~~صورتها الرمزية «م، س»، فهناك «مثير» معين «م» تعقبه ~~باستمرار استجابة معينة «س»، بغض النظر عن ms017 الكائن الحي ~~الذي يثيره هذا المثير. # غير أن هذه الصيغة، في نظر مفكرنا، ناقصة أشد النقصان: # فالناس تستجيب استجابات مختلفة لنفس ~~المثير. # البيئة مليئة بالمثيرات ينتقي منها الكائن ~~الحي ما يثيره. # وهكذا تصبح صيغة «م، س» غير كافية لتفسير وقائع السلوك ~~البشري؛ لأنها تسقط دور الكائن الحي الذي لا بد أن يدخل ~~جزءا من السبب؛ ومن ثم فلا بد من إدخال الرمز «ك»، أي ~~الكائن الحي، في الصيغة لتصبح «م، ك، س» أي مثير، كائن ~~حي، استجابة. لكنها لا تزال غير كافية؛ ولهذا يقترح مفكرنا ~~تعديلها لتكون «ك، م، س»؛ أي إن الكائن الحي يختار من ~~البيئة ما يثيره، ويقوم بالاستجابة له. # ومعنى ذلك أن إنكار المدرسة السلوكية لوجود «النفس»، ~~بحجة أنها لا تخضع لمنهج الملاحظة الخارجية (وهو منهج ~~العلوم الوضعية)، لا يدل إلا على أن المنهج المستخدم في ~~الكشف عن هذه «النفس» منهج خاطئ، تماما كما هي الحال في ~~فلسفة هيوم، لكن لا يزال في استطاعتنا أن نقول إن النفس ~~متضمنة بالضرورة في المواقف المختلفة، التي ندرسها في ~~سياق البحث العلمي، وهو يضرب لنا مثالا واضحا على ~~ذلك: # عالم النفس السلوكي الذي يريد أن يحصر نفسه في ~~أنماط السلوك لا يستطيع أن يفعل ذلك، ما لم يكن ~~قادرا على عزل نمط السلوك الذي يريد دراسته من ~~السياق المحكم للكائن الحي والبيئة، وعزل موضوع ~~الدراسة هذا لا يكون ممكنا إلا إذا وجه انتباهه ~~نحو الجانب المطلوب دراسته. وهو جانب لا يمكن أن ~~ينفصل بالفعل عن الكائن الحي الذي يشمله، ويستطيع ~~الباحث عن طريق تعديل انتباهه التركيز على شيء ~~واحد في لحظة معينة ... وعزل هذا الجانب قد لا ~~يكون ممكنا إلا في الفكر وحده ... أي إنك لا بد أن ~~تجرد هذا الجانب بفضل انتباهك الانتقائي، ومن ~~هنا كان الانتباه موجودا في كل خطوة من الخطوات ~~التي يقوم بها الباحث في بحثه. وهذا يعني أننا ~~نفترض مقدما وجود «ذهن» الباحث (أو نفسه أو ~~عقله)، وإنكار وجوده يعني أننا نناقض أنفسنا ... # 41 # وينتهي ms018 مفكرنا من هذه الانتقادات التي يوجهها إلى ~~الفلسفات والنظريات التي أنكرت وجود النفس، إلى نظرية ~~جديدة يرى فيها أن النفس هي «فعل بواسطته يجمع الفرد ما ~~يبدو أنه يساعده في حفظ وجوده ...» # 42 # وهي شرط أساسي بدونه تصبح الرغبة، والنفور، ~~والانتقاء، والإثبات والنفي ... إلخ أمورا مستحيلة، وبدون ~~افتراضه، من ناحية أخرى، لا يستطيع الفرد أن يشعر ويدرك ~~ويفكر، أنه الصورة؛ أعني الخاصية الأساسية للفاعل ~~السيكوفزيقي التي تجعله ينتقي العناصر التي لا غنى عنها ~~لوجوده، وباختصار هو المركز الموحد أو الفعل المتضمن في ~~عملية الانتباه. # 43 # ومهما يكن من شيء في أمر تعريفه للنفس بأنها «الفعل ~~المتضمن في عملية الانتباه»، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه ~~بشأن هذا التعريف، فإن الأمر الجدير بالملاحظة حقا هو ~~أنه كان في قمة هذه المرحلة يدافع عن «وجود النفس» ضد ~~منكري هذا الوجود. # وعلينا قبل أن نغادر هذه المرحلة أن نشير إلى ملاحظتين ~~هامتين: # الأولى: # أن هذه المرحلة الأولى، مرحلة التدين ~~الخالص، لم تستبعد تماما النظرة العلمية، ~~بل كانت، على العكس، تحمل بذور المرحلة ~~الثانية، مرحلة العقل الخالص، التي ستظل ~~تعمل بداخله حتى تظهر واضحة بعد عودته من ~~إنجلترا، فقد كان «خلال تلك الأعوام نفسها ~~تغلب عليه النظرة العلمية الصارمة، التي ~~لم تكن تريد له ألا يأذن لشيء في الوجود ~~كله أن يفلت من قبضة العلم، لا يستثنى من ~~ذلك القيم الخلقية نفسها وما نسميه ~~بالمثل العليا ...» # 44 # حتى إنه حاول، في أواسط ~~الثلاثينيات، أن يعلل تعليلا علميا ~~الظاهرة التي لاحظها وهي أن الأوروبي أكثر ~~تمسكا بحريته وفرديته من الشرقي، فكتب ~~بحثا رد فيه هذه الظاهرة إلى طبيعة ~~التنفس في الهواء البارد والتنفس في ~~الهواء الدافئ أو الحار، ونوع الطعام ~~الضروري في كلتا الحالتين! «مثل هذا ~~التصور للتفكير العلمي، نراه قد استبد ~~بصاحبنا في كثير جدا من محاولاته خلال ~~الثلاثينيات ...» # 45 # الثانية: # أن هذه المرحلة الأولى لم تتضمن فحسب ~~بذور المرحلة الثانية، بل تضمنت أيضا ~~بذور المرحلة الثالثة! فهو يروي عن نفسه ~~أنه كان في هذه ms019 المرحلة المبكرة من حياته: ~~«عقلا يبحث لنفسه عن طريق، وظل يبحث خلال ~~أعوام الثلاثينيات ... وينتظر الجواب: أليس ~~من سبيل يجمع عدة أطراف في رقعة واحدة؟ ~~يجمع العلم والدين والتصوف والحرية؟ أليس ~~ثمة سبيل يجمع مادة إلى روح، ويجمع عقلا ~~إلى غريزة ...؟» # 46 # ومن ثم فسوف يكون من الضلال ~~أن نتصور أن المراحل التي مر بها مفكرنا ~~الكبير، كانت مراحل منفصلة لا يسري فيها ~~جميعا خيط واحد، ولا تضمها شخصية ~~واحدة، وإنما العكس هو الصحيح، فقد تجمعت ~~في هذه العبقرية الفذة الكثير من البذور ~~الخصبة في فترة مبكرة، وظلت تعتمل في ~~نفسه، يظهر بعضها واضحا في مرحلة ~~ويتوارى بعضها الآخر، وإن ظل في حالة ~~كمون، حتى اكتملت ونضجت في المرحلة ~~الأخيرة التي ظهرت بوضوح في السنوات ~~الخمس التي قضاها في جامعة الكويت: «وهناك ~~في جامعة الكويت وجد الفرصة سانحة لأداء ~~ما كان شديد الرغبة في أدائه؛ وهو أن ~~يتعقب طريق «العقل» في تراث العرب ~~الأوائل؛ لأنه كان على يقين من رجحان ~~العقل في كثير مما شغل به السلف، من ~~مشكلات تتصل بالحياة الثقافية، وإذا كان ~~ذلك كذلك فلا يبقى علينا إلا أن ندعو ~~المعاصرين، من أبناء الأمة العربية إلى ~~مواصلة السير في طريق الأجداد ...» # 47 # وكانت تلك هي المرحلة ~~الثالثة. # ولهذا فإننا نراه يشبه تطوره الروحي بنمو الشجرة التي ~~تكون بذرة تضرب بجذورها في الأرض فيخرج منها الساق، وتنمو ~~الأوراق إلى أن تزهر، فإذا كان قد تأثر بالحضارة ~~الغربية، في المرحلة الثانية من تطوره؛ فالسبب «أن الشجرة ~~نقلت إلى الأرض الغربية، وإرهاصات الأزهار كامنة في ~~أصلابها، فإذا كان للتربة الغربية فضل عليها؛ فهو فضل ~~الإسراع نحو النضج لما كان، قبل ذلك، قد اختمرت خمائره، ~~وما أكثر ما يستهين الإنسان بالبذرة الضئيلة، متناسيا ~~أنها تحمل في جوفها شجرة قوية الجذع، متشابكة الفروع، ~~غزيرة غنية الثمر، لم يكن ينقصها إلا أرض تمدها بالغذاء، ~~وسماء تسقيها الماء، ومناخ يجود عليها بالهواء الطلق ~~والضياء الهادئ ...» # 48 # الفصل الثاني # | المرحلة الثانية: العقل الخالص # العبقري هو من ms020 يعرف متطلبات العصر ويلبيها! # هيجل # تمهيد # قلنا إن بذور المرحلة الثانية التي سنعرض لها الآن كانت ~~كامنة في فترة مبكرة من حياته؛ ومن ثم فهذه المرحلة التي ~~بدأت في أواسط الأربعينيات لم تظهر بغتة، عندما كان يدرس في ~~إنجلترا، فعلى الرغم من أن «التدين الخالص» تحديدا يتوارى ~~ليحل محله «العقل الخالص»، العقل الجاف الذي يحلل الواقع ~~الاجتماعي الذي نعيشه، مستبعدا العواطف والمشاعر أيا كان ~~نوعها، رافضا «التملق» أو المجاملات، مستهديا بنور العقل ~~وحده، حتى بدا قاسيا في نقده وتحليله ... «لكنها قسوة المواطن ~~يحب وطنه، ويثيره أن يراه قد تنكب جادة الطريق ...» # 1 # أقول على الرغم من أن هذه المرحلة الثانية بدت ~~وكأنها تحمل «عناصر جديدة» تماما، تكاد تناقض مضمون المرحلة ~~الأولى، فإن علينا أن لا ننسى باستمرار أنها خرجت من جوفها، ~~وهو نفسه يصفها بأنها «مرحلة استيقظ فيها الوعي عندي حادا ~~قويا في عدة اتجاهات ... وهي لم تنشأ عن عدم، بل هي اتجاهات ~~أحسست بها قبل ذلك بأعوام، ولكنها كانت على شيء من الفتور ~~والتردد ...» # 2 # ويمكن أن نقول إن هذه الاتجاهات تنحصر في مجالين ~~أساسيين أعمل فيهما مبضع التشريح العقلي بقدر غير قليل من ~~الحدة والصرامة، وهو مجال «الحياة الاجتماعية»، ومجال ~~«النظرة العلمية»، وسوف نعرض لهما فيما يلي: # المجال الأول: نقد الحياة الاجتماعية # انشغل مفكرنا في المرحلة الأولى من تطوره الفكري، من بين ~~الموضوعات التي انشغل بها، بتخلف مجتمعه، وكانت فكرة «التقدم» ~~من بين الأفكار التي مال إليها بكل عقله وقلبه، على حد تعبيره. # 3 # وراح يفسرها على أنها تعني: «... أن الحاضر قد هضم ~~الماضي ثم أضاف جديدا تلو جديد مما أنتجته السنون، ومعنى ذلك ~~ألا يكون «العصر الذهبي» وراء ظهورنا، بل أن يكون موضعه الصحيح ~~هو المستقبل الذي يعمل الناس على بلوغه ...» # 4 # فالتقدم الحضاري يقتضي حتما ألا نجعل الماضي ~~مقياسا للحضارة، وكيف نجعله المقياس، إذا كان هذا الحاضر أفضل ~~منه بحكم فكرة التقدم نفسها؟! النظر إلى الماضي هو نظر إلى ~~الوراء، على حين أن التقدم يقتضي أن ms021 نوجه النظر إلى الأمام، ~~والانحصار في الماضي هو انحصار في نمط واحد من أنماط ~~الحضارة؛ مع أن التقدم يحتم علينا الخروج من نمط أضيق ~~نطاقا إلى نمط أوضح أفقا وأرحب إطارا. # 5 # وسافر في بعثة دراسية إلى إنجلترا والأفكار ~~تتزاحم في ذهنه وتلح عليه في وطأة ضاغطة، وانثيال متدارك ~~عنيد، فقد كان يشعر أن هناك قيما كبرى بغيرها لا تتقدم حياة ~~الإنسان خطوة واحدة: كالحرية، والعدالة، والمساواة والمسئولية ~~الخلقية للفرد ... إلخ إلخ؛ ولهذا فقد كان أول ما انتبه إليه في ~~«يقظة واعية» هو طريقة التعامل بين الناس؛ ففي إنجلترا تصان ~~لكل فرد كرامته ، دون أن يكون لاختلاف أنواع العمل أي أثر في ~~أن يتعالى أحد على أحد، أمام مجتمعنا، فمهما أطلقنا اللسان ~~بكلمات الحرية والمساواة وما إليها، فنحن إنما ندس في طوايا ~~نفوسنا أخلاق النظم، التي تقسم الناس إلى سادة وعبيد؛ ~~ولهذا «فلم يكن أعنف من ثورتي على «القيم» كما هي قائمة في ~~حياتنا، بحيث تسمح للمستبد أن يستبد، وتجيز لذليل النفس أن ~~يذل ...» # 6 # وهكذا أدرك بوضوح ناصع، أننا نكتفي بالكلام عن ~~حرية الإنسان وحقوقه وكرامته ... «... أما أن ننتقل من دنيا الكلام ~~إلى التنفيذ، فذلك من أصعب الصعاب على من لم يتشرب روح ~~الحضارة، التي تعلي من قيمة الإنسان، فلما رأيت القيمة ~~مجسدة (في إنجلترا)، في كل موقف بشري مما صادفته في تعامل ~~الناس بعضهم مع بعض، تنبهت بقوة إلى ركن ناقص في بنائنا ~~الاجتماعي في مصر ...» # 7 # فهو بناء مليء بالثقوب المتمثلة في الظلم، ~~والقهر، والاستبداد، والتسلط، والتنافر، والكراهية؛ مما أدى في ~~نهاية الأمر إلى فقدان الفرد لكرامته، وحريته، واستقلاله. ولما ~~كان العبقري، كما يقول هيجل بحق، هو الذي يدرك «هذه النواقص ~~والثقوب»، ويعمل على إصلاحها عندما يلبي حاجة مجتمعه، فقد ~~أخذ مفكرنا على عاتقه تشريح الحياة الاجتماعية تشريحا ~~عقليا، بحيث يكشف عما انطوت عليه هذه الحياة من «قيم» ~~فاسدة، وأوضاع «لا معقولة»، علينا أن نعمل على إزالتها بكل ~~ما نملك من قوة النقد البناء، فكتب سلسلة من ms022 المقالات بعث ~~بها من لندن لتنشر في «مجلة الثقافة» في مصر، وهي مقالات من ~~نوع فريد: فيها الكثير من الرمز والسخرية اللاذعة، صاغها في ~~ثوب أدبي لم يألفه كثيرون من كتابنا فضلا عن القراء، ~~وهي المقالات التي جمعها بعد ذلك وأصدرها عام 1947م في كتاب ~~بعنوان «جنة العبيط»، وهذا العنوان هو المقالة الأولى في ~~الكتاب، وهو يسخر فيها من سذاجة المواطن الذي يعتقد، أحيانا، ~~أنه يعيش في «جنة»؛ مع أن حياته في حقيقتها لا تكون جنة إلا في ~~رأي «العبيط»، لا سيما إذا ما قورنت بالحياة التي رآها في ~~إنجلترا ... «ولم أكن أريد بتلك المقارنة درجات الفقر والغنى، أو ~~حتى درجات المعرفة والجهل، بقدر ما أردت القيم الخلقية، وحقوق ~~الإنسان في التعامل مع سائر مواطنيه ...» # 8 # ومن بين هذه المقالات أيضا «تجويع النمر» يصور ~~فيها كلا منا وكأن في جوفه نمرا رابضا ينتظر فرصة الظهور. # 9 # فإذا ما صعد إلى مقاعد الرئاسة لم يلبث ذلك النمر ~~أن يظهر بكل أنيابه ومخالبه، وما طعامه الذي يتغذى به إلا ذلة ~~الآخرين! كما كتب أيضا عن «الكبش الجريح» يصور فيه الإنسان ~~الذليل بطبعه، الذي يستمتع بإذلال الآخرين له؛ فهو «الكبش» ~~تحز في رقبته سكين الجزار، فترتسم على شفتيه ما يشبه ابتسامة ~~الرضا والقبول! # ومن أمتع المقالات الأدبية التي كتبها أستاذنا الكبير، في ~~هذه الفترة، مقالة بعنوان «بيضة الفيل»، يسخر فيها من ~~المناقشات ««البيزنطية» التي تحتد بين بعض الناس في موضوعات ~~في غاية التفاهة من ناحية، ثم هي تخلق مشكلات «هوائية» تخلقها ~~من عدم من ناحية أخرى، يبدأ المقال على النحو التالي: «قال ~~الشيخ: الفيلة تلد ولا تبيض، والمشكلة المراد حلها هي هذه: ~~لو كانت الفيلة تبيض، فماذا يكون لون بيضها؟» # 10 # لاحظ أن أول سطر في المقال يقرر حقيقة علمية ~~بسيطة هي «أن الفيلة تلد ولا تبيض»، لكنا اعتدنا أن نخلق ~~مشكلات من عدم: فافرض أنها تبيض فماذا يكون لون بيضتها؟» في ~~الجواب عن هذا السؤال اختلف العلماء: يقول عمارة بن الحارث بن ms023 ~~عمارة تكون بيضاء، واستدل على صحة قوله بدليل من القياس ~~ودليل من اللغة ...» # 11 # وتصدى معسرة بن المنذر لتفنيد ما قاله عمارة بن ~~الحارث في بيضة الفيل، ... لكن نهض تلميذ نجيب من تلامذة ابن ~~الحارث وتصدى للرد على نقد معسرة! ... وهكذا تدور المناقشات ~~وتبذل الجهود في حل مشكلات لا أساس لها! فكيف يمكن، في حكم ~~العقل، أن ينهض مجتمع ويتقدم تضيع جهوده هباء على هذا ~~النحو؟! # واستمر مفكرنا في هذا التشريع العقلي لحياتنا الاجتماعية، ~~حتى بعد عودته إلى مصر في خريف عام 1947م، فأخذ يدعو قومه إلى ~~الأخذ بثقافة العصر، التي تقضي بتعديل سلم القيم من ناحية، ~~والأخذ بالمنهج العلمي من ناحية أخرى؛ ومن هنا فقد واصل ~~مقالاته الأدبية «لعلها تنسف جزءا من ألف جزء من الإطار ~~الثقافي العتيق الذي كنا وما نزال نعيش فيه «فكتب مجموعة ~~جديدة من المقالات على مدى ثلاث سنوات، جمعت، بعد ذلك، في ~~كتابين الأول هو «شروق من الغرب» (صدر عام 1951م)، والثاني هو: ~~«... والثورة على الأبواب» الذي صدر عام 1955م (وقد أطلق عليه في ~~الطبعة الثانية عام 1983، اسم «الكوميديا الأرضية») في الكتاب ~~الأول دعوة إلى الأخذ بثقافة الغرب؛ فالغرب هو «العصر» لأنه ~~صنع حضارة عصرنا، وقد وصف هذه الدعوة، فيا بعد، بأنها كانت ~~«أحادية الجانب»؛ لأنها أثبتت جانبا وأهملت جانبا آخر، ~~اهتمت «بالمعاصرة» وأغفلت «الأصالة»، وهو نقص سوف يصححه في ~~أوائل السبعينيات، ومع ذلك فإن علينا أن نحذر المغالاة في ~~تصوير هذا النقص كما يفعل بعض الباحثين أحيانا، وعلينا أن ~~نتذكر دائما ما يقوله مفكرنا نفسه: «لم تكن دعوتي إلى ثقافة ~~الغرب صيحة مجنونة مفتونة بمظاهر كاذبة، بل هي دعوة دفعني ~~إليها ما رأيته من مكانة رفيعة للإنسان، كل إنسان، وأي ~~إنسان، من حيث هو إنسان وكفى، فعندئذ قارنت، رغم أنفي، بين ما ~~رأيته هناك، وما كنت أعلمه عن قيمة الإنسان في ثقافتنا المصرية ~~كيف تعلو وتهبط مع درجات السلطة، والنفوذ، والثراء، ونوع العمل ~~... فهل كان يمكن أن أرى ذلك الفارق الشاسع بين الثقافتين ms024 ... دون ~~أن أدعو إلى الأخذ بكل ما من شأنه أن يكسب الإنسان كرامته ...؟!» # 12 # لا سيما بعد أن ديست حقوق الإنسان تحت أقدام الأقوياء. # 13 # أما الكتاب الثاني فهو استمرار للحملة العنيفة التي شنها ~~مفكرنا على القيم الاجتماعية في بلادنا؛ إذ تدور أولى مقالاته ~~على قسمة المجتمع إلى «سادة» يعيشون فوق قمة الجبل «الذي يعلو ~~بقمته على مستوى السحاب، وبقية الشعب الذي يعيش عند سفح الجبل ~~...» ويصور بسخرية لاذعة كيف يدخل «السادة» في مناقشات لا ~~تنقطع حول مشكلات «الشعب» ورفع مستواه ... ويقدم في نهاية ~~المقال نموذجا من أبناء هذا الشعب بائعة الحلوى المسكينة التي ~~تبيع القطعة بمليم، فيشتري ما عندها ثم يطلب منها في تهكم ~~واضح «... لا تنسي يا أمي أن تطلبي من رب السماء الرحمة بأولئك ~~الذين يرعون مصالحك فوق الجبل.» # 14 # كما كتب مفكرنا أيضا مقالات ممتعة، غاص فيها في أعماق ~~النفس البشرية ببصيرة نافذة، فصورها عارية تارة (قارن ~~مقالة «نفس عارية»). # 15 # ورد الطغيان تارة أخرى إلى النفس الفقيرة التي ~~تنظر إلى باطنها فتجد خواء، فتمتد إلى خارجها لتستبد بالآخرين ~~حتى تسد ذلك الخواء! ... (قارن مقالة «نفوس فقيرة»). # 16 # كما كتب أيضا عن نظام الحكم بعنوان «إلى سادتي الحكام». # 17 # وهي رسالة موجهة إلى أصحاب السلطان، يسخر فيها من ~~الحكام وما يعيشون فيه من ترف ونعيم، واستمتاع «بالجمال»، ~~ويقول لهم إن أفلاطون ذهب إلى أن «الخير هو نفسه الجمال»، ثم ~~يرتب مفكرنا على فكرة أفلاطون هذه نتيجة هامة هي: «العدل ~~خير؛ ولذلك فهو جميل، وأنتم من عشاق الجمال ... فكيف ترضون أن ~~يملأ الظلم حولكم أركان البلاد؟» # 18 # ذلك تناقض لا يقبله عاقل: أن تعشق الجمال في ~~بيتك ومن حولك وفي جميلات النساء، وفي الطعام الجيد، ومناظر ~~الطبيعة الخلابة ... إلخ، ثم تترك «الظلم» يطحن الناس في مجتمعك؛ ~~ولهذا «فهو كثير جدا ما أخذه العجب مما يسمونه «سياسة»، ~~لكثرة ما نراه فيها من مجافاة لمنطق العقل ...» # 19 # المجال الثاني: النظرة العلمية: # كان جوهر «اليقظة الواعية» التي حدثنا عنها مفكرنا، ms025 والتي ~~بدأت في أواسط الأربعينيات، «الإيمان بالعقل» والدعوة إلى ~~استخدامه في شتى مجالات الحياة: «مجال الحياة الاجتماعية»، ~~كما سبق أن رأينا لنزيح عن كاهلنا تلك الأفكار المبتسرة، ~~والقيم «الفاسدة» التي تفرق بين البشر، وتقسم الناس إلى ~~سادة وعبيد، وتنشر الظلم، والقهر والاستبداد ...إلخ، وهي كلها ~~«قيم» يلفظها «العقل السليم»، والمجال الثاني هو «النظرة ~~العلمية» التي يفتقر إليها مجتمعنا. # 20 # وهو يقول عن هذه المرحلة التي استقر عليها فكره ~~عشرين عاما (1950-1970م) «... لقد سرت في خلالها على خطين ~~متوازيين: أحدهما الدعوة إلى ثقافة العصر، والآخر الدعوة إلى ~~منهج التجريبية العلمية في صياغة الأفكار ...» # 21 # ومن هنا كانت المشكلة الرئيسية التي شغلت فكره خلال ~~الخمسينيات هي إشاعة «نور العقل»، والدعوة إلى التمسك به؛ فهو ~~الجانب الغائب في ثقافتنا التي أظلمت سماؤها، بعد أن شالت كفة ~~الوجدان ورجحت بل وطغت، فنحن أمة تفضل القلب على الرأس، ~~وترفع من شأن المشاعر والوجدان، وهل هي مصادفة أن تجد منا ~~ألف شاعر كلما وجدت عالما واحدا؟! # 22 # ومن هنا فقد توارت عنده، في هذه المرحلة، مشاعر الوجدان ~~ومنها المشاعر الدينية الفياضة (وإن ظهر الوجدان في المقالات ~~الأدبية)؛ ذلك لأنه وجد أن القاسم المشترك في جميع الحضارات هو ~~الاحتكام إلى العقل، في قبول ما يقبله الناس، وفي رفض ما ~~يرفضونه. وهذا الاحتكام إلى مقاييس العقل وحده، قد يتبدى في ~~صور تختلف باختلاف العصور، فربما ظهر في مجال السياسة، أو ~~الحياة الاجتماعية، أو مجال الحرب، أو في مجال التشريع، أو في ~~مجال العلوم الطبيعية. # 23 # وهذه العقلانية في وجهة النظر التي نراها ماثلة ~~في كل حضارة مهما اختلف لونها، ولا نراها في أي جماعة ~~بدائية مهما تعددت بعد ذلك صفاتها، وليس ما نسميه «علما» سوى ~~العقلانية، التي اتخذت لها منحى معينا من مناحيها ~~الكثيرة. # فقد تتجه العقلانية نحو الأفكار المجردة تنظمها وتنسقها في ~~ترتيب هرمي ليضع الأعم منها فوق الأخص، كما حدث عند ~~اليونان الأقدمين، أو ربما اتجهت نحو ظواهر الطبيعة تستخرج ~~قوانينها النظرية، كما حدث لأوروبا في ms026 عصورها الحديثة، أو ~~اتجهت نحو تجسيد تلك القوانين العلمية النظرية في أجهزة يديرها ~~الإنسان، أو تدير نفسها كما يحدث في عصرنا الحاضر. # 24 # وقد تجلى هذا المنحى العقلي الخالص، عند مفكرنا، في جانبين ~~مرتبطين أتم الارتباط: المنهج العلمي من ناحية، والتجريبية ~~العلمية من ناحية أخرى، وتكشف عنهما معا أول عبارة ذكرها ~~في كتابه «المنطق الوضعي» في مارس 1951م، وهي عبارة عنيفة ~~وإن كانت معبرة ودقيقة: «أنا مؤمن بالعلم كافر بهذا اللغو ~~الذي لا يجدي على أصحابه، ولا على الناس شيئا، وعندي أن ~~الأمة تأخذ بنصيب من المدنية يكثر أو يقل، بمقدار ما تأخذ ~~بنصيب من العلم ومنهجه ...» # 25 # وهو يواصل عرض الفكرة ذاتها بقوله: «لما كان ~~المذهب الوضعي بصفة عامة، والوضعي المنطقي بصفة خاصة، هو ~~أقرب المذاهب الفكرية مسايرة للروح العلمي، كما يفهمه العلماء ~~الذين يخلقون لنا أسباب الحضارة في معاملهم، فقد أخذت به، أخذ ~~الواثق بصدق دعواه ...» # 26 # ودخل في معارك فكرية هامة دفاعا عن العقل في ~~دوره الحضاري. ~~«كانت الخمسينيات في حياتي الثقافية، معركة متصلة حامية ~~اللهب، أدافع فيها عن ضرورة التزام الإنسان في حياته العلمية ~~بمنطق العقل، في صرامة لا تجد العاطفة ثغرة لها، تتسلل منها، ~~فتضعف ذلك المنطق العقلي بميولها وأهوائها ...» # 27 # النظرة العلمية، والوضعية المنطقية، أو التجريبية العلمية ~~كما يفضل مفكرنا تسميتها، يلتقيان مع «العقل» على صعيد ~~واحد؛ ومن هنا كان دفاعه عن العقل. # أما النظرة العلمية فهي في أساسها وقفة عقلية تتميز ~~بالخصائص الآتية: ~~(1) # أولى هذه الخصائص نتيجة مترتبة على الوقفة ~~العقلية، وهي أن تتحدد الأشياء بنسبها الصحيحة ~~بعضها من بعض، بحيث يبدو الكبير كبيرا كما هو، ~~والتافه تافها كما هو، فقد تهتم الدولة المتحضرة ~~بمسألة علمية تريد لها أن تستقر في أذهان ~~الناس، ولكنها تتغاضى عن توافه السلوك التي ربما ~~اختارها هذا الرجل أو ذاك. ~~(2) # ومن أبرز جوانب النظرة العلمية، وأكثرها أهمية ~~بالنسبة لنا، أن ترد الظواهر إلى أسبابها ~~الطبيعية، فلا يفسر المرض مثلا إلا بالجراثيم ~~التي أحدثته، ولا يعلل سقوط المطر إلا ms027 بظروف ~~المناخ ... وهكذا، ويترتب على هذا الربط السببي ~~الصحيح أن نلتمس للأشياء أسبابها الطبيعية كذلك، ~~فإذا أردنا غلالا زرعنا الأرض لنحصدها، وإذا ~~أردنا قتالا حملنا له السلاح بمران واقتدار. # 28 # ومن هنا كان السحر، مثلا، هو الضد المباشر ~~للنظرة العلمية، وللوقفة العلمية التي ندعو إليها؛ ~~ذلك لأن السحر يعلل الأحداث بغير أسبابها ~~الطبيعية، فإذا كانت علة المطر، مثلا، هي مقدار ~~ما يتكثف من بخار الماء في الهواء، جعلها الساحر ~~ورقة يكتب عليها أحرفا يختارها، أو عبارة يزعم ~~لها القدرة على إنزال المطر. وإذا كانت علة ~~الشفاء من مرض معين هو أن تزال الجراثيم التي ~~تحدثه، كانت هذه العلة عند الساحر «عفريتا» يسكن ~~الجسد العليل، والشفاء من المرض إنما يكون بطرد ~~هذا العفريت بأقوال تقال، وبخور يعطر جو ~~المكان، ويطهره من الكائنات الشيطانية العابثة ~~بأجساد الناس ... وهكذا. # 29 ~~(3) # والنظرة العلمية تنظر إلى الواقع كما هو لتحوره ~~إلى واقع جديد إذا أرادت، دون أن تقيم بينها ~~وبين الواقع حائلا تنسجه الأوهام، ثم سرعان ما ~~ننسى أنها أوهام، فإذا كان البدائي يخلق لنفسه ~~الخرافة، لينظر بمنظارها إلى واقع الدنيا، فإن ~~صاحب النظرة العلمية هو الذي يواجه تلك الوقائع ~~كما تبدو لبصره وسمعه. ~~(4) # على أن النظرة العلمية لا تعني أن نجمع في ~~خزائننا مجموعة من حقائق العلم، وإنما هي في ~~أساسها أن نكتسب المنهج العلمي في طريقة النظر. ~~والمشكلة عندنا حتى بالنسبة لدارسي العلوم في ~~جامعاتنا، أن الدارس يحفظ عن ظهر قلب مجموعة من ~~الحقائق العلمية، دون أن يصبح المنهج العلمي ~~طريقا ينتهجه في حياته العلمية؛ ولهذا جاز للرجل ~~أن يكون نابغا في العلم ثم تراه في الوقت نفسه، ~~خارج حدود علمه، مؤمنا بالخرافة كأي إنسان آخر ~~ممن لم يهبهم الله حظا من العلم. # 30 # أنه إذا كانت مجموعة الحقائق العلمية التي يحفظها أبناؤنا في ~~المدارس والجامعات، بمثابة قطع من نفائس المعادن، فإن «المنهج» ~~الذي أوصلنا إلى تلك النفائس هو بمثابة المنجم الذي نظل نستخرج ~~منه النفائس بعد النفائس، وبغيره نجمد عند ما حصلناه، ms028 لا ~~نزيد عليه كبيرة ولا صغيرة. # 31 # ولهذا فقد كان مفكرنا يركز تركيزا أساسيا على «منهج ~~التفكير»، وهو يروي في سياق اهتمامه بهذا المنهج، تلك الحكمة ~~الصينية التي تروي أن فقيرا جائعا، مر بصائد سمك راح ~~يستجديه، فأعطاه سمكة يسد بها رمقه، غير أن الحكيم الصيني ~~الذي شاهد الموقف قال له: خير لك أن تعلمه صيد السمك، من ~~أن تتصدق إليه بسمكة؛ فالسمكة المعطاة هي وجبة واحدة، تأتي ~~بعد زوالها حاجة متكررة إلى وجبات، أما إذا تعلم الصيد ~~فسوف يجد ما يشبعه كلما جاع! «... وعلى منوال هذه الحكمة ~~النافذة أدرك صاحبنا منذ كان في غربته الدراسية، أن تدريب ~~المتعلم على منهج التفكير المنتج، خير الف مرة من مضاعفة ~~المادة العلمية المحصلة؛ لأن مقدار ما يحصله الدارس من ~~مادته العلمية مهما كثر فهو قليل، وأما من زود عقله بمنهج ~~التفكير العلمي؛ فهو قادر أبدا أن يلتمس الطريق الصحيح ...» # 32 # أما الشق الثاني من «النظرة العلمية» التي اهتم بها مفكرنا ~~في هذه الفترة اهتماما شديدا توارت معه، إلى حين، المشاعر ~~الدينية التي كانت تعتصره في المرحلة الأولى؛ فيتمثل في ~~اتجاهه إلى الانتماء إلى «المذهب الوضعي المنطقي»، وهو انتماء ~~أساء إليه كثيرا عندما لم يفهم فهما صحيحا أو يوضع في ~~إطاره ودوره الحقيقي، فقد ظن بعض الباحثين أن زكي نجيب محمود ~~«اعتنق» المذهب الوضعي «وتعصب له بوصفه مذهبا فلسفيا»، ~~وأنه أخذ على عاتقه الدعوة إليه في حياتنا الثقافية، بكل ما ~~يملك من قوة ذهنية وبلاغة لغوية، في كتبه أو محاضراته، ~~ومقالاته، وندواته ... إلخ، حتى استطاع أن ينمي حوله تيارا ~~فكريا مستمدا من أصول هذه الفلسفة. # 33 # وباختصار أصبح زكي نجيب محمود «موظفا» في مدرسة الوضعية ~~المنطقية، تنحصر مهمته في نشر فكر المدرسة والدفاع عنها؛ مع أن ~~العكس هو الصحيح تماما؛ أعني أنه «وظف» هذا المذهب لصالح ~~الفكر التنويري. # 34 # فلم تكن الوضعية المنطقية عنده «مذهبا» يعتنق ~~ويتجمد في إطاره، بقدر ما كانت «منهجا» يأخذ بالنظرة ~~العلمية ويدعو إليها؛ ومن ثم فهو يرسم للباحث ms029 خطواته التي تضمن ~~له السير على أرض صلبة لا تميد تحت قدميه. # 35 # ولم تدرك سوى قلة ضئيلة من الباحثين الفارق الهام بين الدور ~~الذي لعبته الوضعية المنطقية في إنجلترا وأمريكا، والدور ~~التنويري الخطير الذي قامت به هذه الفلسفة في بلادنا عندما ~~هاجمت الخرافة، والتفكير اللامسئول، ودعت إلى التمييز بين ~~العبارات اللغوية، ومجالات النشاط الذهني للإنسان ... إلخ إلخ، ~~وهو دور لم يكن من الممكن أن تقوم به هذه المدرسة في الدول ~~المتقدمة التي نشأت فيها. # كان هذا الهدف التنويري هو الذي جذب زكي نجيب محمود إلى ~~الوضعية المنطقية، أو التجريبية العلمية، كما يحلو له أن ~~يسميها، فقد رأى فيها الفلسفة التي «وصلت إلى أعظم كشف ~~فلسفي في هذا العصر»، والذي تمثل في التمييز بين مجالات ~~التفكير عندما ميزت بين أنواع العبارات اللغوية، وهو كشف ~~اعتبره ملبيا لحاجة ماسة عندنا ، بعد أن ساد حياتنا الثقافية ~~استهتار عجيب لا سيما في مجال الفكر «... فقد اعتادت الألسنة ~~والأقلام أن ترسل القول إرسالا غير مسئول دون أن يطوف ببال ~~المتكلم أو الكاتب أي شعور بأنه مطالب أمام نفسه، وأمام ~~الناس، أن يجعل لقوله سندا من الواقع الذي تراه الأبصار ~~وتمسه الأيدي!» # 36 # فلم يكن توجهه إلى الوضعية المنطقية يهدف إلى ~~«اعتناق» مذهب فلسفي يعارض به المذاهب الفلسفية الأخرى بقدر ~~ما كان عثورا على «طريقة التفكير»، و«منهجا» للنظر، رأى أنه ~~يفيد في إصلاح التسيب والاعوجاج الذي شاهده في حياتنا ~~الثقافية؛ ذلك لأن الوضعية المنطقية إذا كانت قد صبت كل ~~اهتمامها في مجال التفكير العلمي، فقد اعترفت في الوقت نفسه، ~~أن هذا التفكير ليس هو كل النشاط الذهني للإنسان، وإنما هو ~~جزء واحد من النشاط، فهناك إلى جانب التفكير العلمي ضروب ~~الوجدان بشتى صنوفها، ومن أهمها الجانب الديني من الإنسان، ~~والفن، والشعر، وسائر ألوان الإبداع الأدبي، ومنها الحياة ~~العاطفية الانفعالية التي يحياها الإنسان كل يوم، ويعبر عنها ~~قولا وسلوكا؛ ومن هنا جاءت أهمية فصل الوضعية المنطقية بين ~~هذين المجالين والتميز بين العبارات اللغوية التي تعبر عن ms030 ~~«تفكير علمي» من ناحية، والعبارات التي تعبر عن الوجدان ~~والمشاعر من ناحية أخرى. # غير أن الوضعية المنطقية عادت إلى التمييز، داخل مجال ~~التفكير العلمي نفسه، بين العبارات العلمية ذاتها، ففرقت بين ~~العبارات التي تندرج تحت مجموعة العلوم الرياضية، والعبارات ~~التي تندرج تحت مجموعة العلوم الطبيعية، فلكل من المجموعتين ~~أسس خاصة بتكوينها، وبالطريقة التي يحكم بها على صدقها ~~وكذبها. وكانت الفلسفات السابقة تحسب أن الوقفة العلمية واحدة ~~في جوهرها، فلا فرق بين أن يكون الموضوع المطروح للتفكير ذا ~~خصائص تجعله رياضي الطابع، أو ذا خصائص تجعله من قبيل العلوم ~~الطبيعية. لدرجة أن بعض الفلاسفة بذلوا جهودا مضنية، للوصول ~~إلى نظرية عن الكون تبلغ مبلغ «اليقين» الرياضي الذي لا يحتمل ~~أدنى ظل من الشك. ومنهم، على العكس، من كان ينشد، مثل جون ~~ستيوارت مل (1806-1873م) إخضاع الفكر الرياضي لمنهج التجربة في ~~العلوم الطبيعية. فجاءت الوضعية المنطقية لتكشف عن الفرق ~~الشاسع في بنية التكوين ذاتها بين العلوم الطبيعية والعلوم ~~الرياضية، وتحذرنا من الخلط بينهما؛ فالفكر الرياضي تحليلي ~~ومنهجه استنباطي، والفكر الطبيعي تركيبي ومنهج استقرائي. الأول ~~تحصيل حاصل لا يضيف جديدا ولهذا هو «يقيني»، أما عبارات العلم ~~الطبيعي المستمدة من التجربة فهي تحمل إضافة جديدة إلى ~~الموضوع الذي نتحدث عنه؛ ومن هنا يجيء احتمال الخطأ. # 37 # وقد ترتب على هذه التفرقة البسيطة بين عبارات اللغة، والتي ~~أشارت إليها الوضعية المنطقية، ثلاث نتائج هامة على النحو ~~التالي: # الأولى: # أن مجال التعبير الوجداني بكل أشكاله يخرج ~~من دائرة العلوم بنوعيها، فلا هو من قبيل ~~الفكر الرياضي موضوعا ومنهجا، ولا هو كذلك ~~من قبيل الفكر الطبيعي موضوعا ومنهجا؛ ولذلك ~~نخطئ كثيرا إذا نحن عاملناه بمقياس أي من ~~المجموعتين، فلو قال قائل «ما أجمل أشعة ~~القمر!» وقال آخر «إن أشعة القمر تشبه خيوط ~~العنكبوت»، أو قال ثالث: «ما أروع الغروب!» ~~ورد رابع «إنني أنقبض لرؤية الغرب»، فهل في ~~استطاعتك أن تحسم الأمر بينهم فتقول: أصاب ~~الأول وأخطأ الثاني، أو أصاب الرابع وأخطأ ~~الثالث؟! كلا! # فليس ثمة مجال للصواب ms031 أو الخطأ؛ لأن كلا ~~منهم يعبر عن شعوره الباطني الخاص، والشعور ~~الباطني الخاص لا يخضع لمقاييس الصواب أو ~~الخطأ التي هي مقاييس العلوم ~~بمجموعتيها. # والنتيجة الثانية: # أننا سنجد شرائح عريضة من البناء الثقافي ~~تنصب في قالب الفكر الرياضي، وإن لم تكن ~~فكرا رياضيا بالمعنى المحدود لهذه العبارة، ~~بمعنى أنها تبدأ من «فروق» تجعلها مسلمة ~~بغير حاجة إلى برهان، لتكون هي نفسها السند ~~الذي يعتمد عليه في البرهنة على صحة النتائج ~~التي تتولد عنها، ومن أهم هذه الشرائح ~~الثقافية «علوم الدين»، في أي دين، لأن لكل ~~دين كتابه الخاص الذي يبدأ منه، ويجعله أمرا ~~مسلما به لا يقام عليه برهان، إذ يكفيه عند ~~المؤمنين بهذا الكتاب أنه يقع من قلوبهم موقع ~~«الإيمان». ومن هذا الكتاب يستخرج أنصاره، أو ~~الفقهاء منهم، أحكام ذلك الدين المعين، ~~فإذا سئل أحدهم عن حكم من تلك الأحكام : ما ~~برهانك على صوابه؟ كان جوابه أن يرد الحكم ~~إلى الأصل الكتابي الذي استخرجه منه، وفي هذا ~~ما يحسم الرأي، لكنه يحسمه عند أصحاب ذلك ~~الدين، أما غير أصحابه، فهم غير ملزمين بقبول ~~السند نفسه الذي يرجع إليه عند الأحكام. # 38 # والنتيجة الثالثة: # أن من يسوق حديثا عن الواقع الخارجي، عليه ~~أن يقبل إخضاع حديثه لمقاييس التجربة الحسية ~~عند الآخرين. أما أن يزعم لأقوال أنها تصف ~~الواقع الفعلي، ويعجز عن بيان المطابقة الحسية ~~بين ما يقوله وبين ما هو محسوس لنا، بل يثور ~~ويغضب من إخضاع حديثه للتجربة الحسية، فذلك ما ~~ينبغي أن نرفضه رفضا قاطعا، فما دام يتحدث ~~عن أمور «محسوسة» أعني وقائع حسية، فلا بد أن ~~تكون ثمة طريقة «حسية» أيضا نتأكد بها من صدق ~~حديث أو كذبه، ولا مندوحة له عن ذلك. # تلك كانت الأفكار الرئيسية التي أخذ بها مفكرنا في المرحلة ~~الثانية، التي كان فيها «العقل» هاديه ومرشده، لكنه لم يغيرها ~~قط، بل وظفها في المرحلة الثالثة في خدمة نظرته إلى التراث، ~~يقول ملخصا الخيط الذي سرى في تفكيره طوال تطوره الروحي: ~~«الخط الفكري الذي ms032 تنطوي عليه كتاباتي على اختلاف موضوعاتها، ~~هو أن الفرد الإنساني مسئول عما يفعل، وأن هذه المسئولية لا ~~تعني شيئا إذا لم يكن العقل وحده هو مدار الحكم في كل المسائل ~~التي نطلب فيها التفرقة بين الصواب والخطأ ...» # 39 # ولما رأى الناس في بلاده على عداوة مع العقل، فقد أدرك أنهم ~~بالتالي على عداوة مع التقدم، ومع الحضارة: «ومع كل ما يترتب ~~على العقل من علوم ومنهجية النظر، ودقة التخطيط والتدبير ...» # 40 # ومن هنا كانت صرخته ليستيقظ النوم من سباتهم، ~~ويلحقوا بالركب ... ولعل هذا هو السبب في أن هذه المرحلة هي التي ~~التصقت بأذهان المثقفين الذين هزتهم الدعوة من الأعماق، ~~فانتبهوا إلى هذا الفكر الجديد، وانهالوا عليه لوما وتقريعا، ~~وعمدوا إلى تقليص دوره ليصبح «من المؤكد أن زكي نجيب محمود هو ~~أبرز ممثل لتيار الوضعية المنطقية في الوطن العربي». # 41 # على الرغم من أنه لم يعتنق الوضعية المنطقية ~~مذهبا، وإنما وظفها لصالح الفكر التنويري كما سبق أن رأينا. ~~فالأفكار الرئيسية التي عرضناها في هذه المرحلة كانت خيوطا ~~تلاقت في نسيج المرحلة الثالثة. وما وصفه بأنه «أعظم كشف ~~فلسفي في هذا العصر» هو الذي كان هاديه ومرشده في تحليله ~~للتراث العربي. ولو أمعنا النظر قليلا في تقسيمه لمجال النشاط ~~الذهني للإنسان إلى مجالي «التفكير العلمي» و«الوجدان»، ~~لوجدنا أنها هي نفسها القسمة التي وجهت تفكيره في «المعقول ~~واللامعقول في تراثنا الفكري»؛ فالمعقول هو «وقفة العلم»؛ لأن ~~العلم بكل ضروبه نشاط عقلي خالص، وخصائص التفكير العلمي هي ~~طائفة هامة من خصائص العقل. # 42 # لكن ذلك لا يعني أن الإنسان عقل كله، بل هناك ~~حالات يكابدها ويعانيها، منها الانفعالات والعواطف والرغبات ~~وما إليها: «فإذا ضممنا جميع الأقوال التي قالها قائلوها من ~~«حالات» اعتملت بها أنفسهم. كان لنا مجموعة مجال «اللامعقول» ~~في الثقافة التي تقصيناها بالنظر والدرس ...» # 43 # ولو أمعنا النظر، من ناحية أخرى، في «تجديد الفكر العربي» ~~لوجدنا أن القسم الذي كتبه تحت عنوان «المبادئ: حقائق هي أم ~~فروض؟» (ص190-204) يعتمد اعتمادا تاما على القسمة ms033 الثانية ~~التي أدخلتها الوضعية المنطقية في قلب التفكير العلمي نفسه، ~~حين ميزت بين الفكر الرياضي والاستبناطي، والفكر التجريبي ~~الاستقرائي، وجعلت النوع الأول يبدأ من فروض يسلم بها بغير ~~حاجة إلى برهان. ونحن نراه في هذا القسم من «تجديد الفكر ~~العربي» يمد فكرة «الفروض»، التي يبدأ منها الفكر الرياضي، ~~ليجعل من «المبادئ» فروضا أيضا. وإذا كان قد ضرب المثل ~~بالفكر الديني، أو علوم الدين، الذي يبدأ من كتابه المقدس، ~~ويجعله أمرا مسلما به لا يقام عليه برهان؛ فهو أيضا يجعل ~~«المبادئ، أيا كان نوعها، فروضا، ويقول إن الديانات ~~المختلفة تبنى على «مبادئ» كل منها يضع كتابه أمامه «مبدأ» ~~يسير منه، ويستنبط، وأن تكون الأحكام الفقهية في كل دين ~~صوابا بالنسبة إلى نص كتابها. # 44 # ولكن الفكر التجريبي لا يبنى على مثل هذه ~~«المبادئ»: فاللغة لا تسيغ للعالم أن يقول إن «مبدئي» هو أن ~~سرعة الضوء هي كذا؛ فتلك حقيقة من حقائق الطبيعة، وليست مبدأ مفترضا. # 45 # ثم نراه في هذا القسم يمد الفروض الرياضية إلى ~~مجال آخر هو «الفكر السياسي»، فها هنا كذلك تبدأ النظرية ~~السياسية من مبدأ معين يقيم عليه بناءها كله، كما هي الحال في ~~الفلسفة السياسية عند كل من «توماس هوبز» 1586-1679م، وجون لوك ~~1632-1704م، الأول يجعل أساس بناءه السياسي «حق الحكم للأقوى»، ~~في حين أن الثاني يقيم نظريته السياسية على أساس أن حق الحكم ~~لمن يختاره الشعب. # 46 # ثم يوسع الفكرة نفسها لتشمل المذاهب الفلسفية: ~~«فلكل فيلسوف شيء يسميه في فلسفته «بالمبدأ الأول»، قاصدا ~~بذلك الفكرة الأم في نسقه الذي يبنيه، وهي الفكرة التي يعتصر ~~منها كل أجزاء بنائه الفلسفي، فيها يقيم البرهان على كل ما ~~يزعمه بعدها، وأما هي فلا برهان عليها؛ إذ لو كان عليها برهان ~~لكانت فكرة البرهان هي الأسبق في أولويات العقل، ولم يعد ~~«المبدأ الأول» لا «مبدأ» ولا «أول» ...» # 47 # وينتهي من ذلك إلى أن المبادئ في شتى البناءات ~~الفكرية، ليست «حقائق» تفرض نفسها على الإنسان، بل هي بحكم ~~طبيعتها «فروض يفرضها ms034 الإنسان لنفسه حرا مختارا لتخدم ~~غرضه، فإن أفلحت في خدمة تلك الأغراض، كان بها، وإلا فهو ~~يبدلها بسواها حتى يقع على أنفع المبادئ لحيادته العملية. # 48 # غير أنه لا يعرض لهذه الأفكار بالشرح والتحليل، ويقف عند هذا ~~الحد، وإما «يوطنها» في خدمة مشروعه الثقافي في تجديد الفكر ~~العربي، وفي خدمة منظوره الذي ينظر منه إلى التراث العربي: ~~«فقد كانت لأسلافنا مبادئ معينة فيما يعد شعرا، وما لا يعد ~~شعرا، وفيما يكون أدبا من النثر وما لا يكون أدبا، وقياسا ~~على هذه المبادئ يعمل النقاد.» # 49 # ومثل آخر، لعله أفدح خطرا، فقد كان المبدأ في ~~نظام المجتمع أن يكون الحاكم هو صاحب السلطان، وهو في الوقت ~~نفسه صاحب الرأي، ولم يكن ثمة من غضاضة على النفوس أن يملي ~~عليها ولي الأمر في حكومة الناس ما يتفق ومذهبه هو، ليكون هو ~~المذهب الذي لا مذهب سواه عند المحكومين. # 50 # والأمثلة كثيرة على مدى استفادته من «منهج» الوضعية المنطقية ~~في المرحلة الثالثة، التي حاول فيها إقامة مشروع فكري لتجديد ~~الفكر العربي، وذلك يعني، من ناحية أخرى، أنه لم ينسف جسوره ~~تماما مع المرحلة الثانية، بل كان مشروعه الفكري مركبا من ~~المرحلتين السابقتين: التدين الخالص الذي توارى إلى حين، ~~والعقل الخالص الذي ظهر واضحا في المرحلة الثانية: «فهو بناء ~~فكري جاء ليكمل، لا لينقض، ما أنجزه خلال الخمسينيات من ~~تجديد لمنهج التفكير العلمي ...» # 51 # الفصل الثالث # | المرحلة الثالثة: التدين المستنير بنور العقل # إننا نريد لأمتنا أن تسير مع العلم بقوة الإيمان ~~... # زكي نجيب محمود، «رؤية إسلامية» ~~(1) الشرق الفنان # لم يكن «الشرق الفنان» الذي صدر عام 1960م، بحثا علميا ~~بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما هو رسالة صغيرة أراد بها ~~صاحبها أن يسمر مع القارئ، غير أن هذه الرسالة الصغيرة تتضمن ~~الإرهاصات الأولى لمشروعه الفكري القادم، ففيها يطرح فكرة ~~مفادها أن في العالم نظرتين إلى الوجود: نظرة الشرق الأقصى: ~~الهند، والصين، واليابان ... إلخ التي تنظر إلى الوجود الخارجي ~~ببصيرة تنفذ إلى الجوهر الباطن، وهذه نظرة الفنان ms035 الخالص، ~~بالمعنى الواسع لكلمة «فن» بحيث تشمل المتصوف والمتدين، وهي ~~نظرة يدرك بها صاحبها الوجود الكوني بروحه لا بعقله. ثم ~~هناك، من ناحية أخرى، نظرة الغرب التي تنظر إلى العالم الخارجي ~~بعقل المنطقي التحليلي الذي يقارن ويستدل، وهذه نظرة العالم ~~الخالص، وبين الطرفين وسط يجمع بين الطابعين، ويتمثل في ~~ثقافة الشرق الأوسط التي تجمع بين إيمان البصيرة ومشاهدة ~~البصر، بين خفقة القلب، وتحليل العقل، بين الدين والعلم، بين ~~الفن والعمل. # 1 # على أن ذلك لا ينفي، بالطبع، أن يكون في الشرق علماء، ولا أن ~~يكون في الغرب رجال فن ودين، لكن مفكرنا يبرز الخصائص العامة ~~التي تطبع بطابعها ثقافة العالمين، فضلا عن ثقافتنا نحن. ~~وربما كان يستهدف تفسير الأقوال التي شاعت أحيانا عن «روحانية ~~الشرق»، «ومادية الغرب»، ثم أراد أن يمزج الطرفين القصيين في ~~بوتقة الشرق الأوسط. # على أن ما يهمنا الآن، على الأقل، أن نبرز أهمية الكتاب في ~~تطوره الروحي؛ فهو نفسه يصفه بأنه «جاء بمثابة حجر الزاوية في ~~بناء فكري جديد، ظهرت معالمه الكبرى خلال السبعينيات في ~~سلسلة كتب كان أهمها «تجديد الفكر العربي»، و«المعقول ~~واللامعقول في تراثنا الفكري»، و«ثقافتنا في مواجهة العصر». # 2 # وهي المؤلفات التي بلورت مشروعه الثقافي الذي نضج ~~في الكويت كما يقول. # 3 # ويكشف لنا ذلك عن خطأ بعض التفسيرات التي حاولت أن ~~تبحث عن مبررات «لتحول» زكي نجيب محمود في المرحلة الثالثة؛ ~~فالدكتور فؤاد زكريا يرد هذا التحول إلى الأزمة التي ~~استشعرها العقل العربي بعد هزيمة 1967م، فراح يبحث عن طريق ~~يسلكه بين تراث الأجداد العريق وحضارة الغرب الفتية، فقد ~~انكب مفكرنا على الفكر الغربي حتى ظن ألا فكر سواه. وظل ~~على هذه الحال طوال الجزء الأكبر من حياته، إلى أن أتيح له ~~آخر الأمر من الفراغ النسبي، ومن الإمكانات، أثناء علمه في ~~جامعة الكويت، ما حفزه إلى أن يكرس من حياته خمسة أعوام ~~عكف فيها على هذا التراث الذي ظل مجهولا لديه. واستطاع من ~~خلال دراساته وقراءاته أن يخرج برأي أعلنه علينا ms036 في كتابه ~~«تجديد الفكر العربي». # 4 # وذلك يعني أن الأزمة التي كانت تعاني منها الأمة ~~العربية، بعد الهزيمة، كانت عاملا أساسيا من عوامل تلك ~~الوقفة، التي وضع فيها مفكرنا تراثنا العربي في موضع الاختبار ~~«ولو أمعنا الفكر قليلا لما وجدنا أدنى تعارض بين الوجه ~~الشخصي والوجه العام لتلك الأزمة، التي تشغل عقل كل مثقف ~~عربي واع في هذه الأيام ...» # 5 # وقل مثل ذلك في التفسيرات التي يقدمها الدكتور ~~حسن حنفي، الذي يقول إن هناك ثلاثة افتراضات تفسر هذا التحول ~~في أوائل السبعينيات: # الأول: # الانتقال من جامعة القاهرة إلى جامعة الكويت ~~في سبتمبر 1968م، وبعده عن مكتبته العلمية ~~الخاصة، ووجود مكتبة جامعة الكويت التي تزخر ~~بعيون التراث؛ مما جعله يعيش وسط تراث جديد ~~بالنسبة له، لم يتعود التعامل معه من قبل ~~فقرأه بشغف. # الثاني: # أن هذا الانتقال إلى المرحلة الثالثة قد ~~حدث، مثلما حدث لكثير من المفكرين بعد هزيمة ~~يونيو 1967م. # الثالث: # هو أن زكي نجيب محمود بعد أن تشبع بالفكر ~~الغربي عامة، والفكر العلمي خاصة، شعر وكأنه ~~معلق في الهواء، معزول عن الثقافة ~~الشعبية والتراث الوطني، خاصة وأنه لم يكن ~~مطلعا عليه. # 6 # والواقع أن هذه التفسيرات تسقط تماما تطوره الروحي من ~~حسابها، ويدل على ذلك تسميتها المرحلة الثالثة باسم «التحول في ~~فكر زكي نجيب»، بدلا من أن يكون نموا لبذور ظلت تعمل ~~سنوات طويلة ببطء شديد، فلم تكن هزيمة 1967م هي العالم الحاسم. # 7 # بدليل أنه في «الشرق الفنان» عام 1960م؛ أي قبل ~~النكسة بسبع سنوات، يعرض لفكرة التقاء الشرق والغرب، القلب ~~والعقل، وهي الفكرة التي اعتبرها «حجر الزاوية في بنائه الفكري ~~الجديد» ... ولم تكن المسألة بعده عن مكتبته العلمية، وعثوره على ~~مكتبة عامرة في الكويت، فليس كل من وصل الكويت، وعثر على ~~مكتبة زاخرة بعيون التراث، أقام بناء فكريا كالذي أقامه ~~زكي نجيب محمود، لكن الصحيح أن فترة الكويت ساعدت على نضج ~~الأفكار التي كان يحملها في رأسه، وتلح عليه في وطأة ~~ضاغطة. أما القول بأنه تشبع «بالفكر ms037 الغربي»؛ فهو يسقط ~~المرحلة الأولى «مرحلة التدين الخالص» من ناحية، ثم هو يفترض ~~أنه تخلى عن هذا الفكر الغربي في المرحلة الثالثة، وهو أمر ~~لم يحدث قط! فلا شك أنه كان على علم بالتراث العربي والغربي ~~معا، وهو يقول عن نفسه في هذه الفترة: تستطيع أن تقول إنني ~~كنت إلى ذلك الحين (أواخر الستينيات) قد خزنت لنفسي أكداسا ~~من الحقائق عن الثقافة العربية إبان تلك القرون الخمسة التي ~~أردت دراستها. لكن تلك الحقائق كانت عندي بغير «تاريخ» يربطها ~~في سيرة متصلة المراحل لتصبح «حياة» لها دوافعها وأهدافها، ~~فاستبدت بي الرغبة في أن أنصرف بمعظم جهدي، بضع سنوات، نحو ~~الدراسة المنشودة ...» # 8 # فالفكرة الرئيسية التي سيعرضها فيما بعد فكرة الجمع بين ~~العقل والقلب، بين التدين والعلم ... إلخ، كانت تعتمل في نفسه ~~قبل سفره إلى الكويت، لكنها كانت معروضة بطريقة مختلفة، ففي ~~«الشرق الفنان» كانت مدينة الإسكندرية، في قرونها الأولى، هي ~~المدينة التي اتخذها مفكرنا نموذجا لثقافة الشرق، التي تجمع ~~بين الطرفين القصيين «خفقة القلب، وتحليل العقل»؛ فهي بعد أن ~~توارت أثينا أصبحت الإسكندرية عاصمة الثقافة في العالم القديم، ~~ولم تكن النقلة تغييرا في المكان وكفى، بل كانت تغييرا في ~~منهج التفكير كذلك، ففيها بدأ اللاهوت المسيحي، لأول مرة، ينسق ~~بين العقيدة من جهة والعقل الفلسفي من جهة أخرى؛ مما رسم ~~الطريق أمام أوروبا المسيحية طوال العصور الوسطى، ذلك دليل ~~على اجتماع أمرين لأهل هذه البلاد: القلب والعقل معا، الإيمان ~~والعلم، اللمسة المباشرة ومعها عملية التحليل العقلي، وهو يسوق ~~من أوريجين # Origen ~~(185-254) ~~اللاهوتي السكندري الشهير، قوله: «إن الفلسفة اليونانية ~~القائمة على العقل المنطقي الصرف، والأناجيل القائمة على ~~الإلهام، والوحي الصرف، إنما يتطابقان ولا يتعارضان ...» # 9 # كانت الفكرة البسيطة التي عرضها في «الشرق الفنان» تمثل ~~البذور الأولى لمشروعه الفكري الذي كان يتحين الفرصة للظهور، ~~وشيئا فشيئا مع مر الأيام انتقلت هذه الازدواجية المتآلفة ~~إلى الثقافة العربية التي كانت تبدو أمام عيني، وكأنها قابلية ~~فريدة، وسمة بارزة، يمكن أن تكون أساسا متينا لإقامة ms038 ~~ثقافة عربية جديدة، صون أصالتها وتساير عصرها في آن واحد.» # 10 # وقد واتته هذه الفرصة خلال السنوات الخمس التي ~~قضاها في جامعة الكويت، فكانت سنوات خصبة ومباركة. أما أنها ~~خصبة فهذا ما تكشف عنه ثلاثيته الشهيرة «تجديد الفكر العربي»، ~~و«المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري»، و«ثقافتنا في مواجهة ~~العصر ...» # 11 # أما أنها مباركة فهذا ما عبر عنه مفكرنا بقوله ~~«عندما تلاقت رأس السنة الهجرية مع رأس السنة الميلادية في ~~يوم واحد، كان اجتماعهما مصدر نشوة متفائلة عند صاحبنا دون ~~أن يقع على سبب واحد يبرر نشوته وتفاؤله ...» # 12 # لكنه مع ذلك «استبشر خيرا، وإذا بذلك اليوم نفسه ~~يحمل إليه برقية من جامعة الكويت تطلب استعارته لفترة ... وهداه ~~الله سبحانه إلى المسارعة بالقبول، وهناك في جامعة الكويت وجد ~~الفرصة سانحة لأداء ما كان شديد الرغبة في أدائه؛ وهو أن ~~يتعقب طريق «العقل» في تراث العرب الأوائل؛ وذلك لأنه كان ~~على يقين من رجحان العقل في كثير جدا مما يشغل به السلف من ~~مشكلات تتصل بالحياة الثقافية. وإذا كان كذلك، فلا ينبغي ~~علينا إلا أن ندعو المعاصرين من أبناء الأمة العربية إلى ~~مواصلة السير في طريق الآباء ...» # 13 ~~(2) زكي نجيب محمود في الكويت # 14 # وصل مفكرنا إلى الكويت في سبتمبر 1968م، ولم ينفك منذ اللحظة ~~التي هبط فيها أرض الكويت، ليعمل أستاذا بكلية الآداب، عن ~~العمل الدائب، والنشاط المتصل، فقد كان شعلة متوقدة، رغم ~~أنه تجاوز الستين من عمره، قراءة وكتابة، فقد راح يلتهم تراث ~~آبائه ويعب صحائفه عبا سريعا: «والسؤال ملء سمعه وبصره: كيف ~~السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف عربي يحيا في ~~عصرنا هذا، بحيث يندمج فيه المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟ # 15 # فقد وجد آخر الأمر، في جامعة الكويت من الفراغ ~~والإمكانات، ما جعله يكرس حياته خمسة أعوام، يعكف فيها على ~~هذا التراث ليخرج بمشروعه الثقافي، الذي عرضه في الثلاثية، ~~فماذا كانت الإمكانات، المتاحة إلى جانب الفراغ النسبي؟ مكتبة ~~كلية الآداب عامرة بكتب التراث بكل فروعه يعب منها كما ms039 ~~يشاء، فإذا فرغ اصطحب زوجته إلى «كيفان» لإلقاء محاضراتها هناك. # 16 # وينتظرها في مكتبة زاخرة هي الأخرى بعيون ~~التراث، وهو يصف هاتين المكتبتين بقوله: # 17 ~~«وجدت حولي مكتبة جامعية على درجة كبيرة من ~~الغنى، بما احتوت عليه من أصول ومراجع، حتى رأيتني كمن وقف ~~على شاطئ محيط متسع الآفاق عميق الأغوار، قائلا لنفسي دونك ~~المحيط فاسبح إلى حيث شئت من شطآنه النائية!» ... # 18 # ومن هنا كانت المشكلة التي وقف أمامها متحيرا ~~بين أرفف هاتين المكتبتين العامرتين بعيون التراث هي: «ماذا ~~أختار من هذه المراجع التي تعد بالآلاف، وماذا أدع مطمئنا ~~لما اخترت وما تركت؟» # 19 # كانت خطته أن يستغل الفراغ النسبي الذي أتاحته له جامعة ~~الكويت، في مراجعة متأنية لعيون التراث العربي، لما يمكن أن ~~يندرج تحت عنوان «الثقافة»، وهناك أخذ يجمع النصوص التي يراها ~~دالة على روح الثقافة العربية إبان ازدهار العقل العربي، ~~وأصالة مبدعاته بعد نزول الإسلام، وبهذا النشاط الذي لم يفتر ~~حقق مفكرنا ما أراد أن يحققه لنفسه؛ وهو أن ترتسم له لوحة ~~متماسكة لمسيرة الثقافة العربية. # 20 # وكان في الطبيعي أن يكون نشاطه في الكتابة موازيا ~~لهذه القراءة النهمة لعيون التراث، فألقى عدة محاضرات في ~~المواسم الثقافية لجامعة الكويت، كما شارك في المواسم الثقافية ~~لرابطة الاجتماعيين، وغيرها من الروابط والمؤسسات ~~الاجتماعية. # كذلك كانت إسهاماته بارزة على صعيد الإعلام سواء في ميدان ~~الصحافة أو الإذاعة أو ندوات التليفزيون في بداية السبعينيات، ~~أما برنامج الإذاعة الكويتية الذي كانت تقدمه تحت عنوان «حول ~~الفكر العربي المعاصر» فقد شهد لقاءات فكرية كثيرة مع ~~مفكرنا، لا سيما عام 1973م على وجه التحديد. # 21 # ويمكن أن نسوق فيما يلي بعض النماذج من هذا النشاط: # 22 ~~(1) # محاضرة بعنوان: «طريقنا إلى فلسفة عربية» ~~ألقاها في الموسم الثقافي لجامعة الكويت في العام ~~الجامعي 68 / 1969م. ~~(2) # محاضرة بعنوان: «التحول العلمي وأثره في حركات ~~الشباب وحياة القلق»، ألقاها في رابطة الاجتماعيين ~~عام 1969م. ~~(3) # محاضرة بعنوان: «التكنولوجيا والحريات ~~الأساسية»، ألقاها في الموسم الثقافي لرابطة ~~الاجتماعيين عام 1970م. ~~(4) ~~«التكنولوجيا ms040 كإحدى تحديات العصر»، محاضرة ~~ألقاها في الموسم الثقافي الثالث لرابطة ~~الاجتماعيين عام 1970م. ~~(5) ~~«دور بعض الشخصيات العربية في زيادة الفكر ~~الإسلامي»، ألقاها في الموسم الثقافي لعام ~~1971م. ~~(6) ~~«الخصائص الحضارية للمجتمع المصري»، ألقاها في ~~الموسم الثقافي الخامس لعام 1972م. ~~(7) ~~«دور المفكر المعاصر في التنمية والتطور ~~الحضاري»، ألقاها في الموسم الثقافي لعام ~~1973م. ~~(8) # مجموعة لقاءات فكرية مع الأستاذ «رمضان لاوند» ~~في برنامجه الإذاعي «حول الفكر العربي المعاصر» ~~عام 1973م. # 23 # وإذا نظرنا نظرة فاحصة إلى هذه المحاضرات لوجدنا أنها عرضت ~~الكثير من أفكاره، التي ظهرت بعد ذلك في مشروعه الثقافي الذي ~~عرضه في الثلاثية؛ فالمحاضرة الأولى «طريقنا إلى فلسفة ~~عربية» موجودة بنصها في ثلاثين صفحة (257-287)، في كتابه ~~«تجديد الفكر العربي» تحت عنوان «ثنائية الأرض ~~والسماء». # وقد بدأ في هذه المحاضرات بالحديث عن شيوع كلمة «الفلسفة» ~~على ألسنة المثقفين، وطالب بتحديدها لكي نفهم بوضوح ما الذي ~~نعنيه بقولنا «فلسفة عربية»، وأوضح وسيلة، في رأيه، لتحديد ~~معنى الفلسفة أن نفرق بين مستويات ثلاثة للإدراك؛ ففي ~~المستوى الأول نعيش مع الأشياء من حولنا على نحو مباشر، بحيث ~~ندركها بحواسنا: نراها ونلمسها ... إلخ، أما في المستوى الثاني ~~فنحن نحاول الوصول إلى قوانين عامة، تضبط تلك الجزئيات التي ~~خبرناها خبرة مباشرة في المستوى الأول، وتلك مرحلة العلوم ~~المختلفة، أما في المستوى الثالث فنحن نبحث عن مبادئ مشتركة ~~بين هذه القوانين، وربما وجدنا أنها ترتد كلها في آخر الأمر ~~إلى مبدأ واحد عام وشامل، وهذه العملية الفكرية هي «الفلسفة»، ~~لكن الفلسفة لا تقتصر في عملها على استخلاص المبادئ المتضمنة ~~في الفكر العلمي، بل يمتد هذا النشاط إلى الثقافة السائدة، ~~فتكون مهمة الفلسفة في هذه الحالة «استخراج ما هو مضمر في ~~أحكامنا وأفكارنا واعتقاداتنا، لتنقلها من حالة الكمون إلى ~~حالة الإيضاح والإفصاح والعلانية، لتسهل رؤيتها ومناقشتها»، ~~ثم راح مفكرنا يضرب بأدواته التحليلية في ثقافتنا؛ ليستخرج لنا ~~الأسس الكامنة في أفكارنا وسلوكنا، ثم صاغ هذه الأسس في ~~«فلسفة عربية مقترحة» سوف نعرض لها بعد قليل. # وفي المحاضرة الثانية عن ms041 «التحول العلمي وأثره في حركات ~~الشباب»، يبدأ كعادته، بتحليل مصطلح «الشباب»، فيعرفه بأنه ~~يعني «الجماعة الذين بلغوا وعيهم في الخمسينيات والستينيات، ~~وهؤلاء هم الذين نتحدث عنهم». # 24 # لكنه يعود فيطرح مشكلة جديدة وهي أن الذين نشئوا في هذه ~~الفترة فئات كثيرة جدا، منهم العمال، ومنهم الموظفون، ومنهم ~~الطلاب ... إلخ؛ ومن ثم فلا بد من تحديد أكثر لهذا المصطلح، وفي ~~النهاية يختار فئة واحدة هم الطلبة. أما الحكمة في هذا ~~الاختيار؛ فهي أن الطلبة يمثلون نقطة تقاطع لجميع فئات ~~المجتمع: فهناك الطالب ابن العامل، وهناك الطالب ابن الوزير، ~~وهناك الطالب ابن التاجر، وابن الطبيب ... إلخ، وهم يجلسون ~~جميعا جنبا إلى جنب، يجمع بينهم عنصر مشترك هو أنهم ~~«طلبة»، وفضلا عن ذلك فالطلبة فئة تستهلك ولا تنتج، وهي ~~تقريبا، الفئة الوحيدة في المجتمع التي تستهلك فقط، ومن ~~ثم فالطالب يعيش حياته بغير مشكلات، كما يتعرض له رجل ~~العمل من ضغوط؛ ولهذا فهو يستطيع أن يعطيك الفكرة الواضحة. # 25 # ثم يقوم بعد ذلك بتحليل مصطلح «التحول العلمي»، ويرى أن حياة ~~الإنسان تحولت في خمسين عاما بالعلم، بما لم تتحوله منذ إنشاء ~~الهرم الأكبر منذ ستة آلاف سنة، فأثار هذا التحول السريع قلق ~~الشباب في العالم كله، فظهرت: «حركات الشباب» المتمردة في ~~العالم، كما ظهر ما يسمى «بالشباب الغاضب» في بريطانيا، ~~وفرنسا، وأمريكا ... إلخ، وكان سبب ثورتهم أن تقدم الأجهزة ~~والأدوات وتزايدها أدى إلى ازدياد التشابه بين الناس، وجعل ~~التمايز بينهم يضيق لدرجة أنه كاد ينعدم: «وهذا هو لب ثورة ~~الشباب الآن لا يريد أن يتجانس كل المجانسة، يريد أن ينتشل ~~ذاته بمفرده من هذا التجانس، وهذه هي الدعوة في صميمها ...» # 26 # أما شبابنا نحن فالأمل ألا يقع في كثير مما وقع ~~فيه الشباب الغربي؛ لأننا من حسن الحظ متحررون حديثا، ونأمل ~~في المستقبل، هم في السفح المنحدر ونحن ربما يريد لنا الله أن ~~نكون في السفح الصاعد، لأجل ذلك نحن عندنا حياة تشجعنا على ~~أن نتفاءل أكثر مما نتشاءم، لكن ينبغي ألا ننسى ms042 أن واجب شبابنا ~~وواجبنا جميعا هو أن ندخل في حياة العصر، لا أن نكتب عنه في ~~الصحف، ونتكلم عنه في الندوات فحسب، يجب أن نعيش هذا العصر: ~~نعيشه بالعلم لا بالكلام؛ أعني أن نتخلص من ثقافة اللفظ لننتقل ~~إلى ثقافة الأداء. # 27 # وهو موضوع سوف يقف عنده في كتابه تجديد الفكر ~~العربي، لا سيما في القسم الذي جعل عنوانه «من حضارة اللفظ إلى ~~حضارة الأداء» (ص224-242). # وفي محاضرته عن «التكنولوجيا والحريات الأساسية» نراه يبدأ ~~كعادته، بتعريف هذين المصطلحين، وهو يعرف التكنولوجيا بأنها ~~امتداد للجسم البشري وما فيه من أجهزة: فيه بصر، لكن البصر ~~الإنساني محدود، فأمده بأي أداة أستطيع أن أصل إليها بالعلم ~~من ميكروسكوب إلى تلسكوب ... إلخ، فيه سمع، لكن السمع محدود، ~~فأمط هذا الجانب من جسم الإنسان بحيث أستطيع أن أسمع من بعد ~~آلاف الكيلومترات عن طريق الراديو، والتليفون، والتليفزيون ... ~~إلخ، وهي كلها ضروب من التطبيقات الفنية للعلم، وهي تطبيقات ~~لم تبدأ بشكل موسع، تقريبا، إلا بعد الثورة الصناعية في ~~أواخر القرن الثامن عشر، ومن ذلك الوقت أخذت صورة العلم تتغير ~~من حيث أنه لم يعد علما نظريا، وإنما أصبح العلم ~~تطبيقا. # أما الحريات الأساسية فإنه يقول لنا أن تصبح الحرية أساسية ~~عندما تتصل بطبيعة الإنسان اتصالا مباشرا. وطبيعة الإنسان في ~~التراث الغربي منذ اليونان هي «العقل» أو «الفكر النظري» أي ~~الفكر التأملي، ولو صح ذلك لكانت الحرية الأساسية هي حرية ~~التفكير ثم يتفرع عنها بقية الحريات. لكن مفكرنا يرفض أن تقتصر ~~طبيعة الإنسان على «العقل» وحده: بل مدها لتشمل «العقل، ~~والوجدان، والإرادة»، وبذلك تكون الحريات الأساسية هي حرية ~~التفكير، وحرية التعبير، وحرية الفعل، ثم يضيف إليها حرية ~~العقيدة لتصبح هناك أربع حريات أساسية. أما تأثير التكنولوجيا ~~تقوي القوي وتضعف الضعيف؛ فالإذاعة والتليفزيون ... إلخ ليست ~~دائما حدا من الحريات، وإنما هي تزيد من حرية من يمتلكها، ~~ومن يملك التصرف فيها، وتحد من حرية من يتقبل تأثيرها، وقل ~~مثل ذلك في أدوات الحرب، وأدوات الصناعة، وأدوات السفر، وأدوات ~~السرعة ms043 وفي أي أداة تكنولوجية أخرى. # وفي محاضرته عن «الخصائص الحضارية للمجتمع العصري» يبدأ ~~بتحديد معنى «المجتمع العصري»، ويرى أن الأساس الأول المشترك ~~في المجتمع العصري هو الحياة العلمية التكنولوجية؛ فالحياة ~~العلمية بهذا المعنى الجديد لا فرق بين بلاد اشتراكية، ~~وبلاد رأسمالية أو كائنة ما كانت، ولا بد لنا أن نكون نحن ~~أبناء الأمة العربية على وعي بأنفسنا، وأين نحن من عصرنا، ~~فالعلم أصبح لغته هي الأجهزة لا الكلمات والألفاظ، وهذا يعني ~~أن علينا أن ننتقل من حضارة اللفظ إلى حضارة الأجهزة (وهي فكرة ~~يؤكدها مرارا كما سبق أن رأينا، وسوف يعرض لها في «تجديد ~~الفكر الروحي»، ص224 وما بعدها). وينبغي علينا ألا نظن أننا ~~دخلنا عصرنا مهما وضعنا في منازلنا أو معاملنا من أجهزة؛ لأن ~~الأجهزة ليست أجهزتنا، كل ما في الأمر أننا دفعنا فاتورة ~~الحساب عندما اشتريناها، وهذه الفكرة ينبغي ألا تزول من ~~أذهاننا حتى لا ننخدع في أنفسنا، فلكي نعيش الحياة المصرية لا ~~بد أن نشارك في صنع العلم، وأن نشارك في صنع الأجهزة التي ~~تعمل على تقدم العلم، ولكن لا تعب ولا عناء في أن نذهب إلى ~~مصانع أوروبا وأمريكا ونشتري، في جيوبنا المال وعندهم الأجهزة ~~فنشتري. ومن سمات المجتمع العصري أيضا أن تسير أموره على ~~التخطيط المبني على العلم، ومن سماته أيضا الحرية الإيجابية ~~القادرة على الخلق والإبداع. # لا نريد أن نتتبع بالتحليل جميع محاضراته وندواته وأنشطته ~~الثقافية في الكويت، بل يكفي أن نقدم النماذج التي أسلفناها، ~~وإن كنا نريد أن نختتم هذا القسم بتلخيص الأفكار الأساسية في ~~أحاديثه في إذاعة الكويت، لا سيما في برنامج «مع الفكر العربي ~~المعاصر»، الذي شارك مفكرنا في حلقات عديدة منه، حتى أطلق ~~عليه المذيع لقب «الضيف الدائم للبرنامج»، ويكفي أن نعرض ~~لمجموعة من الأفكار الهامة على النحو التالي: # أولا: # راح مفكرنا في هذه الحلقات يشدد على ~~تخلف المجتمع العربي، وربما كان حديثه ~~قاسيا بعض الشيء، لكنها «قسوة المواطن بحب ~~وطنه، ويثيره أن يراه قد تنكب عن جادة ~~الطريق»، كما ms044 سبق أن رأينا، # 28 # فهو في هذه الأحاديث يذهب إلى ~~أننا نفاخر، كذبا، بأننا في الطليعة؛ مع أننا ~~ينبغي ألا تخدعنا المظاهر، فلو أنني رأيت «دون ~~كشوت» يلبس الدروع لا أقول عنه أنه شجاع ~~لمجرد أنه قد كسا جلده بهذه الدروع، أو أمسك ~~بالسيف في يده، لأنني أعلم أن وراء هذه الدروع ~~شخصا هزيلا جبانا مترددا، ينبغي علي أن ~~أحكم بما هو داخل هذه الدروع، ولا أنخدع ~~بالمظاهر. # نحن متخلفون ويكفيك أن تنبش أي ظاهر في أي ~~قطاع من قطاعات الحياة عندنا لترى ما وراءه ~~من تخلف، خذ مثلا الجامعات العربية من أولها ~~إلى آخرها تجد أنه لا شيء ينقصها من الظاهر؛ ~~فهناك الطلاب، وقاعات الدرس، ومكتبا وأساتذة ~~... هناك ما تريد العين أن تراه، ومع ذلك انظر ~~إلى الطالب بعد تخريجه، وقبل تخريجه، تجده ~~يختلف عن الطالب في أوروبا وأمريكا؛ لأن ~~المادة العلمية عندنا «تحفظ» فقط، حتى ولو ~~كانت من الفزياء أو الكيمياء ... إلخ، فأنا أكسو ~~الظاهر بلغو كيميائي، وأظن أنني أصبحت من ~~الكيميائيين، على حين أنني من الداخل لا ~~أستطيع أن أحرك ساكنا بكل الكيمياء التي ~~أعرفها، وعندما يجد الجد نستحضر الخبراء من ~~الخارج لوضع المشروعات الكبرى، أو للتخطيط ~~العلمي وما إلى ذلك، ومعنى ذلك أنني تعلمت في ~~الظاهر ولم أتعلم في الباطن. # ثانيا: # لكل عصر مشكلاته التي تختلف قليلا أو ~~كثيرا عن العصور الأخرى، وبهذا المنظور ~~أستطيع أن أقول إن مشكلاتنا اليوم تختلف عن ~~مشكلات السلف. قد يكون هناك خيوط مشتركة ~~بيننا وبينهم، لا سيما فيما يتعلق بموضوعات ~~التعقيد، لكن المشكلات الثقافية التي شغلتهم ~~ليست هي نفسها مشكلاتنا الآن، خذ مثلا مشكلة ~~«خلق القرآن» التي أتى بها علماء الكلام في ~~القرن الثاني أو الثالث، نجد أنها نشأت لظروف ~~سياسية أو اجتماعية لا علاقة لنا بها الآن؛ ~~ومن ثم فليس للمسلم الآن أن يفكر في هذا ~~الموضوع، وإنما عليه أن يسقطه من حسابه، أضف ~~أن هناك مشكلات كثيرة جدت في ميدان ~~الاقتصاد، وفي ميدان العلم الطبيعي وغير ~~الطبيعي، وفي ms045 ميدان السياسة وفي ميدان الحروب ~~... إلخ، بل حتى في ميدان الأدب نفسه، هناك ~~أسئلة جديدة مطروحة، فليس في استطاعتك أن ~~تسأل المتنبي، مثلا، كيف تكون المسرحة؛ أتكون ~~تصويرا للواقع، أو من أدب اللامعقول؟ وهل ~~تكون المسرحية رمزية أم تكون واقعية؟! هل ~~تكون المسرحية شعرا أم نثرا؟ ... إلخ. # ثالثا: # في حلقة أذيعت يوم الاثنين 5 / 3 / 1973 ~~دار الحوار حول «مشكلة الحرية»، وذهب مفكرنا ~~إلى أن فكرة الحرية في العالم العربي، لا سيما ~~الحرية الاجتماعية، هي فكرة حديثة، ظهرت ~~وتبلورت من خلال اتصال العالم العربي ~~بالثقافات الغربية، ثم جاء المستعمر فتحولت ~~فكرة الحرية إلى التحرر من الاستعمار؛ إذ كان ~~من الطبيعي أن توجه طاقتنا أولا نحو هؤلاء ~~المستعمرين لنتخلص من قيودهم، ثم ننصرف بعد ~~ذلك إلى تنظيم مجتمعنا؛ ولهذا كانت المشكلة ~~الرئيسية بعد ذلك هي مشكلة الحرية السياسية. ~~ولن أجد في تراث الآباء والأجداد حلولا لها؛ ~~لأن فكرة «الحرية» عندهم كانت مختلفة تماما، ~~إذ كانت تقال في مقابل «الرق»؛ فالفرد من ~~الناس إما أن يكون «حرا» أو عبدا مملوكا ~~لغيره، وقد تنصب على حرية الإرادة أو ~~العلاقة بين الفعل الإلهي والفعل البشري. أما ~~في ثقافتنا الآن فقد اكتسبت الحرية أبعادا ~~جديدة لم تكن لها من قبل. # رابعا: # ويتفرع عن مشكلة الحرية الاجتماعية مشكلة ~~أخرى مدنية هي «حرية المرأة»، فحرية المرأة في ~~المفهوم الحديث تختلف عن مفهوم حرية المرأة في ~~القديم الذي كان يضعها وضعا لم يعد يصلح لها، ~~فالمرأة العربية الجديدة إنسانة أخرى غير ~~امرأة الأمس؛ فهي اليوم طبيبة ومهندسة، ~~ومدرسة، ومحاسبة ... إلخ. # وهذه الأفكار التي نثرها مفكرنا في محاضراته وندواته ~~وأحاديثه الإذاعية، تمثل خيوطا سوف تتجمع؛ لتنسج لنا مشروعه ~~الثقافي في «تجديد الفكر العربي». ~~(3) البحث عن صيغة جديدة # بدأت البذور التي تضمنتها المرحلة الأولى، وكانت في حالة ~~كمون في المرحلة الثانية، تظهر، وتنمو، وتنضج عندما وجدت ~~التربة الصالحة، والمناخ المناسب خلال السنوات الخمس التي ~~قضاها في جامعة الكويت، فراح مفكرنا يبحث عن صيغة جديدة تجمع ~~«التدين الخالص» مع «العقل الخالص»، ms046 في إطار مشروع ثقافي ~~يستهدف «تجديد الفكر العربي». # على أننا ينبغي أن نحذر المبالغات التي يقع فيها بعض ~~الباحثين وهم يبحثون عن تفسير، يبرزون به اتجاه مفكرنا إلى ~~هذه الصيغة الجديدة في المرحلة الثالثة من تطوره الروحي، فعلى ~~سبيل المثال لم يحدث قط أن «تحول» زكي نجيب محمود: من العقل ~~إلى الإيمان، ومن العلم إلى الدين، ومن الغرب إلى الإسلام، ومن ~~الآخر إلى الأنا ...» # 29 # وإنما كان بحثه عن هذه الصيغة الجديدة محاولة ~~للجمع بين أفكار المرحلتين السابقتين، اللتين تمثل فيهما ~~«التدين الخالص» الذي مال به نحو التصوف من ناحية، و«العقل ~~الخالص» الذي سيطر على ذهنه في المرحلة الثانية. وهي محاولة ~~ظهرت من قبل، على استحياء، في كتابه «الشرق الفنان»، الذي ظهر ~~عام 1960م، قبل النكسة بسبعة أعوام، عندما جمع بين طرفين قصيين ~~«خفقة القلب» و«تحليل العقل». وعلينا أن نتذكر دائما، أن ~~بذور هذه المرحلة كانت موجودة في بداية تطوره الروحي، حيث ~~يقول عن نفسه أنه كان «عقلا» يبحث لنفسه عن طريق، ويلح في ~~صدره سؤال هو: هل من سبيل يجمع عدة أطراف في رقعة واحدة: ~~يجمع العلم والدين، والتصوف والحرية؟ أليس من سبيل يجمع مادة ~~روحية ويجمع عقلا إلى غريزة؟!» # 30 # ولم تكن تلك أسئلة عابرة خطرت له في مرحلة الشباب ~~ثم اختفت، وإنما هي تعبر عن مشكلات حادة ظلت تلح عليه في ~~وطأة ضاغطة وانثيال متدارك عنيد؛ فهو يروي عن نفسه في بداية ~~تجديد «الفكر العربي» نفس المشكلة التي أحسها بإلحاح: السؤال ~~الذي أحسست بضغطه وإصراره خلال أعوامي الخمسة الأخيرة، فهو ~~الذي يسأل عن طريق للفكر العربي المعاصر يضمن له أن يكون ~~عربيا حقا ومعاصرا حقا ... فقد يبدو للوهلة الأولى أن بين ~~العربية والمعاصرة تناقضا أو ما يشبه التناقض؛ ولذلك يجيء ~~السؤال الذي يلتمس طريقا يجمع الطرفين في مركب واحد ...» # 31 # إذ المسافة الزمنية بين السؤالين تكاد تقترب من ~~نصف قرن، جاز لنا أن نقول، في اطمئنان، إن هذه الأسئلة تضرب ~~بجذور عميقة في شخصية زكي نجيب محمود ms047 نفسها، التي تجمع في ~~آن واحد بين «العقل والوجدان» بين «عالم المنطق والأديب» بين ~~«جفاف التحليل العقلي وشفافية الفنان»، وهي شخصية تتضح ~~معالمها في كل ما كتب، ابتداء من المقالات الدينية المبكرة، ~~مرورا «بالمنطق الوضعي» و«خرافة الميتافيزيقا»، حتى ثلاثيته ~~الشهيرة التي تشكلت فيها الصيغة الجديدة التي كان يبحث عنها، ~~وإني لأزعم أنه استشعر المشكلة في أعماقه قبل أن يدركها في ~~مجتمعه، ولعل ما كان يحيره ويقلقه هو كيف استطاع أن يجمع ~~بين هذين الطرفين القصيين في شخص واحد بغير تناقض؟! # ومن المبالغات التي ينبغي علينا أن نحذرها أيضا، وهو يسعى ~~سعيه الدءوب بحثا عن صيغة جديدة؛ التأويل المسرف للعبارات ~~التي يقولها أحيانا عن نفسه من أنه كان يجهل التراث العربي، ~~فنقول مثلا: «إنه اتجه، في المرحلة الثانية من حياته الفكرية ~~إلى الغرب، جهلا منه بالتراث، والناس أعداء ما جهلوا، ثم ~~اكتشف الثقافة العربية مع تطور الحركة القومية، فوجد أن العدو ~~هو نفسه، صاحب الحضارة، وتعاطف مع أنصار هذه الثقافة العربية ~~التي لم يعرفها إلا لماما، ثم جاءت مرحلة الكويت للاطلاع على ~~المكتبة العربية». # 32 # فأمثال هذه العبارات تبالغ كثيرا في تأويل ما ~~ذكره مفكرنا في مقدمة «تجديد الفكر العربي»، من أنه «لم تتح له ~~الفرصة التي تمكنه من مطالعة صحائف تراثنا العربي على مهل ...» # 33 # فهو أولا: لم يتجه إلى الغرب جهلا منه بالتراث، ~~بل إدراكا منه لما في نسيج مجتمعه من ثقوب وثغرات، أشعر ~~معها أننا بحاجة إلى عقلانية الغرب، وقيمه الاجتماعية: ~~كالعدالة، والمساواة، والحرية، وغيرها مما يصون كرامة الفرد ~~وإنسانيته. وهو ثانيا: كان على علم جيد بالتراث، قبل هذه ~~المرحلة، ونحن كثيرا ما نتغاضى عن عبارات هامة تكشف عن ~~إلمامه الجيد بالتراث؛ فهو يقول مثلا: «كانت حصيلته الغزيرة ~~عن الثقافة العربية مفرقة أشتاتا، لا يرتبط بعضها ببعض ~~ارتباط مكان وزمان وعلاقات تضم جانبا منه أي جانب، وأنه ~~ليتعذر على حامل الأشتات المفرقة، مهما كثرت تفصيلاتها، أن ~~يكون لنفسه «وجهة نظر» يتوحد فيها المشهد، ويصبح في مقدور ~~المشاهد أن ms048 يكون له رأي فيما يرى ...» # 34 # فالمسألة، إذن، ليست جهلا بالتراث بقدر ما هي ~~محاولة لسلك هذه «الحصيلة الغزيرة» في عقد واحد يعبر عن «وجهة ~~نظر». # وفضلا عن ذلك كله فإن الباحث المنصف لا يمكن أن يسقط من ~~حسابه دراساته السابقة للتراث: تحليله الرائع لعينية ابن سينا ~~(وقد سبق أن عرضنا لها)، ودراسته لديوان ابن عربي «ترجمان الأشواق». # 35 # قبل أن يكتب عن «ابن رشد في تيار الفكر العربي»، ~~كما أنه أصدر كتابا ممتعا عن «جابر بن حيان» عام 1961م قبل ~~رحلته إلى الكويت، أضف إلى ذلك أنه أعير إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية؛ ليعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية في العام الجامعي ~~53 / 1954م في جامعتي «كارولينا» و«بولمان» (بولاية واشنطن)، ~~حيث قضى فصلا دراسيا في كل منهما. فمن الضلال إذن أن ~~نتصيد عبارات قالها الرجل، بتواضع العلماء، يعبر بها عن ~~نهمه للمزيد من قراءة التراث: فنقول إنه لم يكن يعرف شيئا عن ~~هذا التراث قبل وصوله إلى الكويت. # عبرت المرحلة الأولى عن سيطرة المشاعر الدينية، في حين ~~كانت المرحلة الثانية يسودها «العقل الخالص» الجاف، غير أن ~~مفكرنا لم يتخل قط عن أي منهما: لم يتخل عن «إيمانه» ~~وتمسكه بالعقل والعلم؛ ومن ثم راح يبحث عن صيغة جديدة على ~~هيئة مشروع ثقافي؛ يجمع فيها بين هذين الجانبين؛ فهو يردد ~~في كثير من كتبه، بصورة قاطعة وحاسمة ، أن العالم الإسلامي، ~~لن تقوم له قائمة ما لم يسهم في الكشف العلمي عن أسرار الكون ~~على نحو لا يقتصر على مجرد العلم في ذاته بتلك الأسرار، بل ~~يجاوز ذلك إلى تحويل العلم إلى عمل في مجالات التطبيق، «وإلا ~~فماذا تكون الدلالة الحقيقية لكون الأمر بكلمة «اقرأ»، أول ما ~~نزل به الوحي من القرآن الكريم؟» # 36 # فهو يريد من «المسلم» ألا يكتفي بتأدية أركان ~~الإسلام الخمسة، بل أن يعلم أن هناك إلى جانب الأركان غرفا ~~وجدرانا، ومن تلك الغرف أن يكون المسلم عابدا بعلمه، ~~واستخدامه لذلك العلم في السلم والحرب معا. # 37 # وبذلك ينفتح الطريق أمامنا نحو ms049 الوسيلة التي تنهي ~~بها مأساتنا. # 38 # فالصيغة المقترحة «أن تكون مع العلم بقوة ~~الإيمان»؛ فالتدين الذي أراده فكرنا لم يعد نزعة إلى العزلة ~~والتصوف، بل هو التدين الذي يجمع معه العقل في صعيد واحد، أو ~~هو التدين المستنير بنور العقل؛ فهو لم يتخل في أي مرحلة من ~~مراحل حياته عن محاربة النظرة اللاعقلية، أو اللاعلمية، إذا ~~تجاوزت مجالها إلى ظواهر الطبيعة وسلوك الإنسان، وهي النظرة ~~التي ظلت تتحكم في حياتنا العامة حتى أمسكت برقابنا. # وعلى ضوء هذه الصيغة الجديدة التي كونها مفكرنا خلال خمس ~~سنوات، قضاها مجتهدا في تهيئة الأسباب التي تمكنه من أن ~~يكون له الحق في إبداء رأي في التراث العربي الذي يعرضه على ~~الناس؛ أقول على ضوء هذه الصيغة التي بلغت تمام نضجها في ~~الأعوام الأولى من السبعينيات، أخذ يكتب فيما تصوره من وجوب ~~ملء هذه الصيغة بمشروع ثقافي للمواطن العربي بصفة عامة، ~~والمواطن المثقف بصفة خاصة، وهو مشروع لا بد أن يدمج جانبين ~~في كيان واحد، فمن التراث ما لا بد أن يبقى ليضمن للعربي ~~استمرارية تاريخية في حياته الثقافية، وهي استمرارية ضرورية ~~لتظل للعربي هويته في جوهرها. # 39 # ومنذ عامه السبعين أخذ مفكرنا يصدر كتابا إثر كتاب، ~~ومقالا بعد مقال ليشرح ما يراه من الصيغة الثقافية المطلوبة، ~~التي تضفر فيها خيطين معا، أولهما الجانب الذي استقاه من ~~ثقافة أصيلة زرعت في أرض عربية وأثمرت، وثانيهما جانب ~~متصل بالعلوم في صورتها الجديدة، والمنهج التقني المميز لهذا ~~العصر. فهذا كله يجب استزراعه في أرضنا من شتلات نستوردها من ~~مراكز الحضارة الجديدة في الغرب. # 40 ~~(4) تطهير الأرض قبل إقامة البناء # بدأ زكي نجيب محمود تطوره الروحي بمرحلة يغلب عليها الوجدان ~~والمشاعر الدينية، ويتوارى العقل، ثم انقلبت الصورة فسيطر ~~العقل في المرحلة الثانية، وتوارت المشاعر الدينية إلى حين ~~(وإن ظل الوجدان بارزا في المقالة الأدبية)، ثم عانى في ~~مرحلة ثالثة من صراع اتخذ صورا شتى؛ فهو أحيانا صراع ~~الجمع بين العقل والوجدان، وأحيانا أخرى صراع بين ثقافتين: ~~ثقافة وافدة ms050 لا يملك إلا أن يعجب بما فيها من عمق، ومن قدرة ~~على التطور والنمو، وثقافة تمتد جذورها في أعماق ماضينا، ولكن ~~علاقتها بالحاضر تزداد ضعفا مع الأيام. ويشعر القارئ أن كل ~~كلمة يصور بها هذا الصراع، في الثلاثية، إنما تعبر بأمانة ~~عن معاناة حقيقية وتجربة شخصية صادقة. # 41 # كانت مشكلة التوفيق، إذن، بين «العقل والوجدان» بين «العلم ~~والدين»، بين الثقافة الوافدة التي يلعب فيها العقل دورا ~~رئيسيا، وثقافتنا العربية التي يغلب فيها سيطرة الوجدان، هي ~~شغله الشاغل طوال حياته، وهي ربما نبعت في الأصل من شخصية زكي ~~نجيب محمود نفسه؛ فهو رجل يحمل في صدره حسا فنيا مرهفا ~~من ناحية، ثم هو يحمل، من ناحية أخرى، رأسا ينطوي على عقل ~~تحليلي صارم. ومن هنا فقد كان في الأعم الأغلب يعاني هذا ~~الصراع في أعماقه، قبل أن يستشعره في ثقافة مجتمعه. ولقد أراد ~~في الثلاثية (ابتداء من «تجديد الفكر العربي») أن يحل هذا ~~الصراع في مركب يجمع الطرفين معا، بحيث يدمج التراث العربي ~~القديم في حياتنا المعاصرة، لتكون لنا حياة عربية ومعاصرة في ~~آن معا. # 42 # فراح يبحث عن طرائق السلوك التي يمكن نقلها من ~~الأسلاف العرب، بحيث لا تتعارض مع طرائق السلوك التي استلزمها ~~العلم المعاصر والمشكلات المعاصرة. # 43 # ومفكرنا مثل كثير من الفلاسفة؛ ديكارت وبيكون والغزالي ... ~~إلخ، يعمد إلى تطهير الأرض مما فيها من ألغام قد تنسف البناء ~~من أساسه لو أقمناه عليها؛ ومن هنا انقسم مشروعه إلى جانب ~~سلبي، وجانب إيجابي، ويتمثل الجانب السلبي في ثلاثة عوامل ~~معوقة، تشدنا إلى الوراء وتمنعنا من الانطلاق، وهي «أغلال» ~~تغل أقدامنا وتعوقها عن السير «بل تعمل فينا كأبشع ما يستطيع ~~فعله كل ما في الدنيا من أغلال وأصفاد ...»؛ # 44 # ولهذا فمن العبث أن نرجو نهوضا قبل أن نحرر ~~أنفسنا من تلك القيود والأصفاد؛ لتنطلق عقولنا نشطة حرة، وهو ~~يكتفي بالإشارة إلى ثلاثة عوائق هي: # أولا: احتكار الحاكم لحرية الرأي # يشير مفكرنا إلى قبة أساسية ويسميها «أس البلاء»، ~~وهي أن يجتمع السيف ms051 والرأي الذي لا رأي غيره في يد واحدة، ~~ولقد كانت تلك هي الحال في جزء من تراثنا هو الجزء الذي ~~ندعو إلى طمسه ليموت ... فتاريخنا الطويل يعبر، في الواقع ~~عن مأساة لحرية الفكر، وذلك بسبب اجتماع السيف والرأي في ~~يد الحاكم، فنراه يقتل المفكر لرأي أعلنه، أو يكتفي ~~أحيانا بأن تكون الفكرة قد دارت في سريرة الخصم دون أن ~~يعلنها أو ينطق بها، على نحو ما كان موقف الخليفة المهدي ~~من بشار الشاعر. # 45 # وهناك الكثير من الأمثلة على إعاقة حرية ~~التفكير، وإعلان الرأي بسبب جبروت الحاكم وسطوته، فهناك ~~المحاكمة التي أجراها إسحاق بن إبرايم ليمتحن القضاة ~~والمفكرين في مسألة «خلق القرآن»، حيث جمع إسحاق الفقهاء ~~والقضاة، ومنهم أحمد بن حنبل وقرأ عليهم كتاب المأمون ~~مرتين، ثم توجه إليهم بالأسئلة واحدا واحدا: فمن ~~تمسك برأيه قتل، ومن استسلم وجعل شعاره «أننا نأخذ بما ~~يأمرنا أمير المؤمنين» فقد نجا، والمعارضون ليسوا مجرد ~~مخالفين للحاكم في الرأي فحسب، بل هم من حشو الرعية، وسفلة ~~العامة ... # 46 # ويسوق مفكرنا الكثير من الأمثلة: الحلاج المتصوف، بعد ~~بشار الشاعر، ومن الفقهاء أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد، ~~ومن المفكرين الجعد بن درهم، وابن المقفع وغيرهم ~~وغيرهم. # وينتهي مفكرنا إلى أنه لم يكن في ساحة الفكر عند الأسلاف ~~«حوار» حر إلا في القليل النادر، وفي مواقف لم تكن بذي ~~خطر كبير على سلطة الحاكم، فهذه الساحة «... لم تكن تعلو ~~فيها نخلة واحدة، أو قلة من النخيل، ليحيط بها كلأ قصير، ~~فإذا ما دفعت حرارة التربة ذلك الكلأ أن يرتفع برءوسه، ~~جذت رءوسه لتظل قريبة من مواضع الأقدام ...» # 47 # ثانيا: سلطان الماضي على الحاضر # سلطان الماضي على الحاضر هو بمثابة سيطرة الأموات على ~~الأحياء، ومهما كان إجماع السلف على صدق فكرة، فإن ذلك لا ~~يجعلها صادقة، أو كما قال ديكارت: «إن إجماع الكثرة ~~الغالبة من الناس لا ينهض دليلا يعتد به لإثبات ~~الحقائق التي يكون اكتشافها عسيرا»، فنحن لا نصل إلى ~~الحقيقة بعد الأصوات المؤيدة، فإن كانت ms052 كثيرة فهي حقيقة ~~وإلا فهي باطل! # وفضلا عن ذلك فإن سيطرة الماضي على الحاضر قريبة الشبه، ~~مما أطلق عليه فرانسيس بيكون «أوهام المسرح»، وصور فيها ~~ما للموتى من تأثير قوي في نفوس الأحياء، بما لهم من ~~شهرة واسعة تملأ النفوس بالرهبة؛ مما يحول دون تقدم الفكر ~~أو تبديل أوضاع الحياة، لا سيما إذا توهمنا أن كل ما هو ~~قديم «معصوم من الخطأ»، فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين ~~الإنسان وبين ما قد جاءت به الأيام من تطورات العلم ~~والمعرفة، وماذا يضيف الأحياء إلى كتب التراث التي علتها ~~مسحة من قداسة سوى شروح واجترار؟ ... وهكذا نكسو هذه الكتب ~~بالجلال والرهبة، بحكم أنها تراث هبط على الناس من ~~أسلافهم الميامين: «ولم يكن على المفكر، عندئذ، إلا أن ~~ينكب على تلك الصحف انكبابا حتى يحللها لفظا لفظا ...» # 48 # وهي في معظمها لا تضيف في النهاية حرفا ~~واحدا جديدا، بل تكتفي بالشرح، فهي، كما قلنا، شروح ثم ~~شروح على الشروح، وتعليق، وتعليق على التعليق: «ولقد عني ~~القوم، وما نزال في أثرهم نعنى، بعمليتي التلقن ~~و«التلقين»؛ لأنها هي عندنا سلف وخلف على حد سواء، ~~التعلم والتعليم ...» # 49 # فالعلم كله عندنا «يلقن» للمتعلم، فإذا نبغ ~~هذا المتعلم ليصبح، مثلا، أستاذا بإحدى الجامعات «أذنوا ~~له بالتلقين»، على نحو ما كانوا يفعلون مع مشايخ المساجد ~~في العصور الوسطى؛ فالحفظ والتلقين الذي لا يزال يسيطر على ~~مناهج التعليم عندنا حتى الآن، أثر من سيطرة مناهج الماضي ~~وطرقه على الحاضر. # ثالثا: تعطيل القوانين الطبيعية بالكرامات # ثالث العوامل المعطلة لتقدمنا، والمقيدة لعقولنا، ~~والمكبلة لأرجلنا، هو الميل الشديد الذي نحسه نحو أن ~~تكون قوانين الطبيعة في أيدي نفر من «الصالحين»، الذين ~~ينصرف «صلاحهم» إلى تعطيل أي قانون من قوانين الطبيعة حسب ~~مشيئتهم. والخطير في الأمر أن هذا الاعتقاد لا يقتصر على ~~سواد العامة، بل ينصرف إلى العلماء أنفسهم، علماء ~~الكيمياء، والفزياء، والنبات، وطبقات الأرض ... إلخ في قلب ~~جامعاتنا «فأسلافنا السذاج إبان عصور الضعف، وأقراننا ~~المعاصرون في عصر العلوم، كلاهما سواء في قبول ما ms053 يحكى ~~لهم من أن من ذوي النوايا الطيبة، والقلوب المؤمنة، من ~~يطير في الهواء بلا أجنحة، ومن يسير على الماء بلا حوامل. ~~كلاهما سواء في قبول تصديق ما يحكى لهم من قدرة أصحاب ~~الكرامات، على أن يغرفوا من وعاء صغيرة على النار ~~طعاما، يكفي ألفا من عباد الله الجائعين، وأن تخرج لهم ~~الطيور الخضر من العدم؛ لتظلل رءوسهم إذا اشتد بهم ~~الهجير ... كلاهما سواء في تصديق ما يحكى لهم من القوة ~~السحرية، لكلمات تكتب أو تقال فإذا العليل صحيحا ~~معافى، وإذا المهزوم غالبا منتصرا ... وإذا الرزق كثير ~~والخير وفير بغير عناء العمل ...» # 50 # ولا بأس هنا أن نورد اعتراضا للزميل د. حسن حنفي، على ~~النظر إلى هذا العمل على أنه معوق للانطلاق، يقول: «إن ~~تعطيل القوانين عن طريق الكرامات صحيح عند فريق خاصة ~~الأشاعرة، لكنه غير صحيح عند فريق آخر وهم المعتزلة خاصة ~~أصحاب الطبائع، وعند ابن رشد ... إلخ، فلماذا الانتقاء حتى ~~نبدو غير علميين، لصالح التراث الغربي العلمي الذي يربط ~~بين الأسباب والمسببات ...؟» # 51 # غير أن الدكتور حسن حنفي هنا يخرج عن الموضوع تماما، ~~فهو يصور «هذا العائق» على أنه كان رأيا في الماضي، قالت ~~به فرقة من المتكلمين ورفضته أخرى ...! ونسي، أو أهمل، ما ~~بدأ به مفكرنا من أن هذا العامل المعوق ما زال قائما ~~بيننا حتى اليوم، وربما يجهل أصحابه الفرق التي أيدت ~~والتي عارضت في آن معا، ولو أن الأمر قد اقتصر على تراث ~~الماضي، لما أخذنا عجب ولا كانت هناك مشكلة، لكن الخطر ~~الحقيقي في الأمر أن هذه الفكرة ما زالت متغلغلة في ~~ثقافتنا الحاضرة، لا فقط بين العامة، بل الأمر يجاوز هؤلاء ~~إلى العلماء أنفسهم، وبين الأساتذة، الذين يعملون في ~~الجامعات، ويقومون بتدريس العلوم الحديثة: الكيمياء، ~~والفزياء، والنبات، وطبقات الأرض! فليست المشكلة «تاريخا ~~مضى»، ولا يجوز أن نستشهد بما قالته الأشاعرة، ونتغاضى عن ~~اعتراضات المعتزلة، بل أن العائق قائم بيننا حتى ~~اليوم. ~~(5) مشكلات متجددة # تلك كانت «عقبات» على الطريق اختصرها مفكرنا في ثلاث، تعوق ms054 ~~نهضتنا وتشل حركتنا، وتمنعنا من الانطلاق، وإن كانت العقبة ~~الأولى هي، في تصوري أخطر العقبات جميعا ...! # طهرنا الأرض من الألغام ونريد إقامة البناء، فما هو ~~المطلوب الآن؟ علينا بادئ ذي بدء أن نسأل أنفسنا سؤالا طرحه ~~مفكرنا مرارا، في أحاديثه الإذاعية في الكويت، ثم «في تجديد ~~الفكر العربي»، وبعدها في مقدمة كتاب «المعقول واللامعقول في ~~تراثنا الفكري»، وهذا السؤال هو: أتكون مشكلات حياتنا اليوم هي ~~نفسها المشكلات التي عالجها الأجداد في الماضي، وأجهدوا أنفسهم ~~في البحث عن حلول لها ...؟! وهل نستطيع أن نفيد اليوم من هذه ~~الحلول، أم أن هناك مشكلات انتهت وثقافة في تراثنا لا نعيشها ~~اليوم؟ «ويجيء الجواب بالنفي القاطع لوحدة المشكلات»، فنحن ~~نواجه مشكلات أساسية لم يعد يصلح لها ما ورثناه من قيم ~~مبثوثة في تراثنا، لسبب بسيط هو أنها لم تكن هي نفسها ~~المشكلات التي صادفت أسلافنا، حتى نتوقع منهم أن يضعوا لها ~~الحلول ...» # 52 # فالمشكلات القديمة في أية ثقافة هي مشكلات ميتة، ومحاولة ~~إحيائها ضرب من التغاضي عن «العقل المتطور وعود إلى البساطة ~~الذهنية الأولى، وسعي للبحث عن ملاذ نبتعد بواسطته عن ~~المشكلات والصعوبات القائمة، وهروب إلى الجدب والعقم»، على ~~حد تعبير هيجل. # 53 # فما هي المشكلات التي نواجهها اليوم، ولم يكن يعلم أسلافنا ~~عنها شيئا؛ أعني أنها اختلفت قليلا أو كثيرا عن مشكلاتهم؟ ~~يعتقد مفكرنا أن على رأس هذه المشكلات «مشكلة الحرية» بمعناها ~~السياسي، ومعناها الاجتماعي وهما المعنيان اللذان تدور حولهما ~~أرجاء الحياة المعاصرة . # 54 # وسوف نتحدث فيما يلي بإيجاز عن هذه المشكلات، ~~وعلى رأسها «مشكلة الحرية» التي كانت موضع اهتمامه في أحاديثه ~~ومقالاته ومحاضراته وندواته. ~~(5-1) مشكلة الحرية # الحرية التي نقصدها هنا هي الحرية السياسية، التي لم يكن ~~أسلافنا يعرفون عنها شيئا؛ ذلك لأن فكرة الحرية في تراثنا ~~القديم كانت تقابل «الرق»؛ فالفرد من الناس إما أن يكون ~~حرا ذا حقوق وواجبات، وإما أن يكون عبدا لغيره، فلا ~~حقوق له إلا ما يأذن به مولاه. أما الحرية السياسية اليوم ~~فهي تنصرف إلى اختيار ms055 الحكومة، بانتخاب المواطنين بطريق ~~مباشر أو غير مباشر (وكان ذلك بتأثير أوروبا وأمريكا). وما ~~ظهر حديثا من أنظمة للحكم تكفل للمواطنين أن ينتخبوا من ~~يمثلهم أمام من تسند إليهم مناصب الحكم، بحيث تكون ~~السلطة في نهاية الأمر للشعب، فإذا رضي عن الحكومة أبقى ~~عليها، وإذا سخط عمل على إزالتها في غير حاجة إلى معارك ~~ومذابح وتعذيب وسجن وتشريد. # 55 # ومرة أخرى يعترض الزميل حسن حنفي على القول بأن تراثنا ~~القديم، لم يعرف شيئا عن «الحرية بمعنييها السياسي ~~والاجتماعي، ويذهب إلى أن: «معنى الحرية موجود في التوحيد ~~... في شعار «لا إله» ثم تأكيد شمولية القيم في فعل الإيجاب ~~«إلا الله»، وهو موجود أيضا في العدل.» # 56 # أما ممارسة الحرية والوقوف أمام الحاكم ~~الظالم؛ فهو موجود أيضا في رأي الزميل، في تراثنا ~~القديم»: فقد كانت ثورة القرامطة # 57 # والزنج # 58 # والعبيد لممارسة الحرية السياسية والاجتماعية، ~~وإن لم يستعمل اللفظ. # 59 # فذلك في رأيه «خير في البحث عن اللفظ، وتحليل ~~الألفاظ كما هو الحال في الوضعية المنطقية والمنهج ~~التحليلي ...» # 60 # والواقع أن اعتراض حسن حنفي يبعد كثيرا، مرة أخرى، عن ~~الموضوع المطروح للنقاش؛ فهو مثلا «يستخرج» فكرة الحرية ~~من مفهومي «التوحيد والعدل»؛ أي إنه يقوم بتحليل الألفاظ، ~~وسواء نجح فيها أم لا؛ فالحرية «المستخرجة» على هذا النحو ~~لا علاقة لها بالحرية السياسية! # أما ثورة القرامطة فهي حركة دينية لم تكن تستهدف ~~«تحرير المواطن» بقدر ما تستهدف الاستيلاء على السلطة، ~~ونحن عادة لا نفرق كثيرا بين الصراع على السلطة، التي ~~ربما لو انتصرت لكانت أسوأ من السلطة القديمة، وبين الصراع ~~من أجل تحرير المواطن؛ فالمعروف عن جماعة القرامطة أن ~~أفرادها أخذوا بالطاعة العمياء للجماعة ولزعيمها، وعندما ~~أسسوا دولة في الأحساء، في شبه الجزيرة العربية، عاثوا في ~~الأرض فسادا، وأغاروا على قوافل الحج! أما ثورة الزنج ~~التي قامت بمعاونة القرامطة، فهي أقرب إلى ثورة العبيد في ~~روما، ولم يقل أحد أنها قامت لتحرير المواطن، ورد حقوقه ~~المسلوبة، بل إن بعض المؤرخين يطلق عليها اسم «فتنة ms056 ~~الزنج»، فقد أثاروا الرعب في الجزء الجنوبي من العراق خمسة ~~عشر عاما! # أما القول بأنه من الظلم البين القول بأن تراثنا لم ~~يعرف السلطة المنتخبة من الشعب لأنه عرف نظام الخلافة، ~~والإمامة، والخلافة في تراثنا بنص الأصوليين عقد، وبيعة ~~واختيار ...» # 61 # فذلك كله حديث عن «المثال» أو عن «النصوص»، ~~لكن الواقع يدحضه، فنحن نعرف أن موضوع البيعة كان مسألة ~~صورية تماما (كالاستفتاءات الآن)، وظلت صوريتها تزداد إلى ~~أن تمت أحيانا لطفل صغير في الخامسة من عمره، أو على ~~مظروف مغلق لا يعرف الناس ما بداخله. # 62 # ومن ثم يظل مفكرنا الكبير على صواب في قوله: ~~أنه يندر، أن لم يكن يستحيل، أن تجد طوال التاريخ العربي، ~~أن حكومة زالت لأن الشعب المحكوم بها لم يعد يريدها، فهناك ~~فوق أريكة الحكم خليفة أو أمير: أخذ الحكم وراثة، أو أخذه ~~عنوة، وفي كلتا الحالين لا يزحزحه عن أريكته إلا غدر أو ~~قتل أو سجن: فلا الشعب اختار، ولا الشعب يملك حق العزل! # 63 ~~(5-2) حرية المرأة # ويتفرع عن مشكلة الحرية مشكلات لها خطرها (وقد سبق أن ~~عرض لها مفكرنا بإيجاز في أحاديثه الإذاعية كما ذكرنا من ~~قبل)؛ منها حرية المرأة؛ فالمرأة العربية الجديدة إنسانة ~~أخرى غير امراة الأمس، فقد كانت سالفاتها من بنات «الحريم» ~~و«الجواري» و«الغانيات»، في حين أن المرأة اليوم أصبحت ~~طبيبة ومهندسة ومحاسبة ومدرسة، في مختلف مدارج التعليم ~~إلى درجة الأستاذية في الجامعة، كما أصبحت المرأة العربية ~~اليوم قانونية، وممثلة للشعب في مجالس النواب، ووزيرة مع ~~الوزراء في قيادة أمتها ، فهل يجوز أن يعاملها الرجل ~~اليوم، كما كان يعامل سالفاتها بالأمس؟ ومن هنا فإن المرأة ~~العربية تجد نفسها في أزمة حادة. # 64 ~~(5-3) الدخول في عصر العلم # ومن مشكلاتنا الكبرى كذلك، مشكلة الدخول في عصر العلم ~~والصناعة، وهو العصر الذي أصبحت فيه المعرفة من جنس يختلف ~~عما كان يسميه آباؤنا «معرفة» اختلاف الأبيض عن الأسود، ~~فقد كانت المعرفة، لعهود طويلة «كلاما في كلام»، ثم ~~أصبحت أجهزة بالغة الدقة لقياس الانتقال ms057 والسرعة وضبط ~~الاتجاهات، ونقل الصوت والضوء، وتحريك الطائرات والغواصات ~~والصواريخ ... إلخ، وباختصار انتقل الإنسان من معرفة «اللفظ» ~~إلى معرفة «الأداء». # 65 ~~(5-4) مشكلة الوحدة # من المشكلات التي نصبح معها ونمسي: مشكلة الوحدة ~~العربية، والقومية العربية وما يتهددها من عوام التسلط ~~والعنصرية متمثلة في الغزو الصهيوني، الذي هو أخطر من أي ~~غزو مضى؛ لأنه غزو جاء ليقيم ويكتسح وليضرب بجذوره في ~~الأرض؛ ولأنه غزو تناصره دول كبرى. # 66 # كان ذلك، بصفة عامة، الجانب السلبي في مشروع زكي نجيب ~~محمود ل «تجديد الفكر العربي»، وهو جانب يتمثل من ~~ناحية في تطهير الأرض وإزالة العقبات التي تعرقل مسيرتنا، ~~كما يتمثل من ناحية أخرى في رفض مشكلات الماضي وعدم العمل ~~على إحيائها، والالتفات جيدا إلى مشكلاتنا ~~الجديدة. # طهرنا الأرض وأزحنا الألغام، وتبينا المشكلات فماذا ~~يبقى بعد ذلك؟ يبقى الجانب الإيجابي من المشروع، وهو يتمثل ~~فيما يسميه مفكرنا بالفلسفة العربية المقترحة. # وفي هذه الفلسفة المقترحة يحاول مفكرنا إحداث ثورة في ~~«اللغة»؛ فهو يرى أن نقطة البدء في ثورة التجديد هي ~~«اللغة»؛ ذلك لأن اللغة ليست مجرد تعبير عن أفكار، بل هي ~~جزء لا يتجزأ من عملية التفكير نفسها، بحيث يصبح محالا ~~أن يتغير للناس فكر، دون أن تغير اللغة في طريقة ~~استخدامها، وهو هنا يسوق ملاحظتين: # الملاحظة الأولى: # أننا حين نربط الفكر باللغة فإن ذلك لا ~~يعني أن كل ما ننطق به من ألفاظ يشكل ~~فكرا، فمن النطق ما هو «هراء» وتخليط ~~كتخليط المجانين؛ ولذلك فرق ابن جنى بين ~~«القول» و«الكلام»، بحيث جعل القول ما ~~تتحرك به الشفتان. أما الكلام فلا بد أن ~~يحمل فكرا ومعنى. # الملاحظة الثانية: # يعود الكلام المعبر عن فكر فينقسم ~~نوعين: الأول الكلام الذي يرتبط بالواقع ~~المحسوس، كقولي مثلا: «الكويت تقع على ~~الخليج العربي»، فهو كلام ذو علاقة ~~بأمر واقع، يمكن رؤيته ورسمه على الورق، ~~والنوع الثاني هو الكلام الذي يرتبط ~~بكلام آخر، كقولي: «إن ركوب البحر أمتع ~~من ركوب الطائرة، ولما كانت الطائرة أسرع ~~من السفينة، كانت المتعة غير متوقفة ms058 على ~~السرعة.» فهذا الكلام لا يشير إلى شيء في ~~دنيا الواقع، وإنما هو يعبر عن نفسية ~~المتحدث، وهذه التفرقة هي التي جاءت بها ~~الوضعية المنطقية، وأخذ بها مفكرنا في ~~المرحلة الثانية من تطوره الروحي، ~~واعتبرها كشفا هاما في الفلسفة ~~المعاصرة. # ومفكرنا يعيب على اللغة العربية أنها كانت في تراثنا ~~القديم، وما زالت حتى يومنا الراهن، من النوع الثاني الذي ~~لا يصور الواقع «فهي توشك ألا تنتمي إلى دنيا الناس، فلا ~~تكاد ترى علاقة بينها وبين مجرى الحياة العملية؛ ولهذا ~~السبب خلق الناطقون باللغة العربية لغات عامية، يباشرون ~~بها شئون حياتهم اليومية ...» # 67 # وهكذا ينتهي فكرنا إلى أن الفصحى في تراثنا الأدبي لم ~~تكن أداة للاتصال بمشكلات العالم الأرضي، ولا وسيلة ~~للثقافة المتصلة بحياة الناس، بل كانت مجالا للفن الذي ~~يهوم في السماء أو ما يشبه السماء، فقد كان الكاتب يعنى ~~بالقول في ذاته كيف يجيء مسبوكا. # 68 # فاللغة عندنا نغم يطير بنا فوق أرض الواقع، ويصعد إلى ~~اللانهائي والمطلق، والأمل المنشود هو أن تتطور اللغة بحيث ~~تحقق شرطين؛ الأول: أن تحافظ على عبقريتها الأدبية، وأن ~~تكون أداة للتوصيل لا مجرد وسيلة لترنيم المترنمين. ~~والثاني: أن تكون الوسيلة الأولى التي ندخل بها مع سائر ~~الناس عصر التفكير العلمي الذي يحل المشكلات. # 69 # ويشدد مفكرنا على الدور الهام والخطير الذي لعبته ~~الكلمة في تراثنا، حيث كانت هي الفكرة، وهي الثقافة، وهي ~~المهارة، «فاللغة هي عزهم، وهي مجدهم، وهي فنهم، وهي ~~علامة إعجازهم، وخصوصا إذا ارتفعت إلى مستوى الشعر.» # 70 # وقد تكون الكلمة الجميلة مفتاحا يفتح الأبواب ~~المغلقة، ويفتح الطريق إلى مناصب الدولة، ويفتح الخزائن ~~بالرزق، وقد يكفي لصد الرجل عن قضاء حاجته ألا يكون ~~موهوبا بالنطق الجميل، يقول عمر بن عبد العزيز: «إن الرجل ~~ليكلمني في الحاجة يستوجبها، فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم ~~حب الرمان الحامض، لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في ~~الحاجة لا يستوجبها فيعرب، فأجيبه إليها التذاذا لما ~~أسمع من كلامه» ... وهكذا كان موقف العربي على إطلاقه. # 71 # والواقع أن ms059 تحليل مفكرنا لظاهرة اللغة في ثقافتنا رائع ~~عميق، لا سيما عندما ينبهنا إلى أن المشكلة الكبرى في ~~اللغة، لا تنحصر في كونها قطعت صلتها بالواقع، وكونت ~~عالما قائما بذاته، بل إنها أصبحت في نظر العرب بديلا ~~عن الواقع، بحيث يكفي أن نتحدث عن الشيء، ولكن نعتقد أنه ~~قد تحقق وهنا يكون الاهتمام منصبا على الصياغة اللفظية ~~وجمال وقعها، لا على ما تؤديه من دور في العالم الفعلي، ~~فالصيغ اللغوية أنما تفعل فعلها كله، ما دامت حسنة التركيب ~~جميلة الجرس، ولا على صاحبها، ولا على قارئها بعد ذلك أن ~~يهتدي بها في تجارة أو صناعة أو سفر أو قتال! # 72 # فإذا أراد العربي تحولا إلى عصرنا فإن عليه أن ينتقل من ~~حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء. وإذا كان قابيل قتل أخاه ~~هابيل، ففسر ذلك بأنه يرمز إلى أن الزارع قتل الراعي، وأن ~~مرحلة من مراحل الحضارة، وهي مرحلة الزراعة، قد أعقبت ~~مرحلة أكثر منها بدائية هي مرحلة الرعي، فإننا في حاجة ~~اليوم إلى من يقتل قابيل؛ أي المرحلة الزراعية حتى يخلي ~~المكان لمرحلة ثالثة هي مرحلة الصناعة الآلية، الصناعة ~~التي لا تحتاج من الإنسان إلى عضلات، بل إلى آلات، ولو ~~تحقق ذلك انتقل الإنسان من فكر إلى فكر، ومن حياة إلى ~~حياة، أعني، مرة أخرى، أن ننتقل من ثقافة الكلمة إلى ~~ثقافة التشكيل التي تغير بها درجة الأرض. # 73 # ويلح مفكرنا على أن التحول المطلوب هو الانتقال إلى ~~«المعاصرة»، التي هي «العلم والصناعة»، وهو لا يتشكك لحظة ~~واحدة في أن هذا هو طريق التحول من تخلف إلى عصرية، وهو ~~أن ننتقل من «معرفة» قوامها الكلام إلى «معرفة» قوامها ~~«الآلة التي تصنع»؛ # 74 # ولهذا فلا بد أن تضيف ثقافتنا العربية ~~المعاصرة إلى الجانب الجميل من اللغة العربية، لغة أخرى ~~شائهة قبيحة ينفر منها النظر والسمع، فيسير الإنسان إلى ~~مجاوزتها إلى دنيا الواقع الكائنة على أرض الحوادث. # 75 # واللغة المقصودة هنا هي لغة العلم والتقنية ~~والصناعة ... إلخ؛ أي لا بد أن نجعل من ms060 اللغة أداة غاية في ~~ذاتها، فنضيف بذلك فكرا «إلى أدب»، وننتقل من اللفظ ~~«الجميل» إلى اللفظ «الدال»، ومن جرس اللفظ إلى مدلوله، من ~~تركيب الجملة إلى بنية الواقع، وبذلك نخرج إلى عالم ~~الوقائع والأحداث، فننظر إلى العالم الخارجي تلك النظرة ~~التي تلتمس فيها القوانين المطردة التي تنظمه، والتي على ~~أساسها يمكن التخطيط لمسارات المستقبل تخطيطا يحقق ~~الأهداف المأمولة. # 76 ~~(6) إقامة البناء: فلسفة عربية مقترحة # طهرنا الأرض قبل البناء، وفرقنا بين المشكلات التي ~~عالجها الأجداد، ومشكلاتنا المعاصرة التي لا نستطيع أن نجد لها ~~حلولا في تراث القدماء، لكن ذلك كله يمثل الجانب السلبي من ~~المشروع الثقافي الجديد، فما هو الجانب الإيجابي؟ بقي علينا ~~الآن أن نعرض لهذا الجانب الإيجابي، الذي يتمثل في فلسفة ~~عربية جديدة تجمع بين «الأصالة والمعاصرة»، بين «العقل ~~والوجدان»، فلسفة تخرج الأسس الكامنة في أفكارنا، ومعتقداتنا ~~وسلوكنا، وثقافتنا بصفة عامة، تخرجها من حالة الكمون إلى ~~حالة العلن والإيضاح، لتسهل رؤيتها ومناقشتها. # ومفكرنا يضرب بأدواته التحليلية؛ ليصوغ لنا فلسفة تعبر عن ~~جذورنا الثقافية: نقرؤها فنجد أنفسنا منعكسة فيها، وهذا ما ~~حاوله الإمام محمد عبده من قبل، وما حاوله طه حسين، والعقاد، ~~والحكيم ... إلخ، وإن كانت هذه الأمثلة أقرب إلى عالم الأدب ~~والأدباء منها إلى عالم الفلسفة بمعناها الاحترافي. # فما هي هذه الفلسفة الجديدة التي يقترحها مفكرنا، لتكون ~~عربية ومعاصرة في آن معا؟ هي ضرب من الفلسفة الثنائية ~~تعتمد على ركنين أساسيين هما: ~~(أ) # ثنائية الأرض والسماء. ~~(ب) # ثنائية الطبيعة والفن. # وسوف نتحدث عن كل ركن منهما بإيجاز. ~~(6-1) ثنائية الأرض والسماء # يذهب مفكرنا إلى أننا لو تعمقنا ضمائرنا، لوجدنا أن ~~هناك مبدأ واضحا عنه انبعث، وما تزال تنبعث، سائر أحكامنا ~~في مختلف الميادين، وهو مبدأ لو عرضناه على الناس في لغة ~~واضحة بسيطة وصريحة، لما وجدت منهم أحدا يحتج أو ~~يعارض، وأعني به مبدأ الثنائية التي تشطر الوجود شطرين: لا ~~يكونان من رتبة واحدة، ولا وجه للمساواة بينهما، وهما: ~~الخالق والمخلوق، الروح والمادة، العقل والجسم، المطلق ~~والمتغير، الأزلي والحادث، ms061 أو قل إنهما، بصفة عامة، الأرض والسماء. # 77 # وهو ينبهنا إلى أن الثنائية التي يقترحها عن ثنائية ~~أفلاطون التي بلغت حدا من التجريد ألغت معه وجود الأفراد ~~الجزئية، أو على حد تعبير هيجل أن أفلاطون سدد طعنة ~~قاتلة للشخصية الحرة اللامتناهية. # 78 # بصفة خاصة أفراد البشر، فليس للفرد الإنساني ~~الواحد من حقيقة عنده إلا بمقدار ما يشارك في الإنسانية ~~بمعناها المجرد. وهذا الإلغاء لحقيقة الأفراد لا يتفق مع ~~عقيدتنا التي تلقي على أفراد الناس تبعات خلقية عما ~~يعملون أفرادا، لا أنواعا ولا أجناسا ولا جماعات، وهناك ~~كثير من الآيات القرآنية التي تجعل الإنسان الفرد مسئولا ~~عن معتقداته: فالإيمان فردي، والمسئولية فردية # ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ~~[النجم: 38، الزمر: 7، فاطر: 18، ~~الإسراء: 15 ... إلخ]، ويستخف بالذين يقولون # إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون ~~[الزخرف: 23]. # 79 # وذلك يعني اعترافنا الصريح بالوجود الحقيقي ~~لهؤلاء الأفراد، في حياتهم الدنيا، وفي حياتهم الأخرى على ~~حد سواء. # النظرة الثنائية التي تناسبنا هي، إذن، نظرة متميزة ~~وفريدة، تجعل الكائن الحي الواحد المطلق في جهة، وتجعل ~~الأفراد الجزئية في جهة أخرى، ثم تقسم عالم الأفراد هذا ~~إلى كثرة من عناصر، بالنسبة لأفراد الناس، على الأقل، ~~لأنها نظرة تأبى أن ينطمس الفرد الإنساني الحي المسئول في ~~عجينة واحدة مع سائر مفردات العالم الطبيعي. فكأنما هي ~~نظرة تجمع بين الثنائية والكثرة: ثنائية بالنسبة إلى الله ~~الخالق والكون المخلوق، والكثرة بالنسبة إلى أفراد الناس ~~الداخلين في هذا الكون المخلوق، تتضمن نوعين من التفرقة ~~والتمييز، أحدهما تفرقة تميز الخالق، عن مخلوقاته بشرا، ~~كانت تلك المخلوقات أم غير بشر: ثم تفرقة أخرى تميز، في ~~عالم المخلوقات، بين البشر وسائر الكائنات ؛ وذلك لتجعل ~~الإنسان، دون سائر الكائنات، ضربا من الإرادة الحرة ~~المسئولة التي لا تخضع لقوانين الطبيعة كل الخضوع، لكنها ~~في مقابل هذه الحرية، كان عليها أن تحمل عبء الأمانة، ~~أمانة الحرية في شجاعة وإقدام، ويترتب على هذه النظرة ~~الثنائية أربع نتائج على النحو التالي: ~~(1) # أننا لا نطمئن بالا حين يقال عن ms062 الإنسان ~~إنه ظاهرة تخضع كلها للقوانين العلمية، ونحرص ~~على أن نبقي جانبا منه يستعصي على ذلك ~~التقنين لأنه جانب فريد خلاق، مسئول عن ~~خلقه وإرادته. # 80 ~~(2) # كما أننا نرفض في مجال الأخلاق أن يكون مدار ~~الفعل الأخلاقي السليم منفعة تعود على الناس؛ ~~لأننا نرى أن الفضيلة هي جزاء نفسها؛ ومن ثم ~~نقيم الأخلاق على أساس الواجب لا على أساس ~~الفائدة، ولا ينفي ذلك أن يجيء الواجب مصحوبا ~~بنتائج نافعة، فوق كونه واجبا، لكنه واجب ~~يؤدى من قبل نفكر فيما يترتب عليه من نفع، ~~وهذه الوقفة الخلقية نتيجة مباشرة للصورة ~~الكونية التي تصورناها، إله خالق وعالم ~~مخلوق، وفي هذا العالم إنسان متميز دون سائر ~~المخلوقات بالإرادة الحرة المسئولة، التي ~~تتصرف في إطار التشريع الإلهي، لكنه مع ذلك ~~تصرف فيه حرية الاختيار، التي من شأنها أن ~~تجعل تبعة الفعل واقعة على فاعله. ~~(3) # ويترتب على هذه الصورة الكونية أيضا موقف ~~خاص بمعايير الجمال في الفنون والآداب، ~~فالفن عندنا هو في هندسة تشكيلاته، هندسة يطرب ~~لها الذهن من وراء الحاسة المدركة؛ فالفن ~~العربي في زخارفه ورسوماته تتماثل فيه ~~المربعات والدوائر والمثلثات وغيرها من أشكال ~~الهندسة، بحيث يراعى أنه إذا امتدت عينا ~~الرائي في أحد أطرافه، أحس أنه يستطيع أن ~~يمد تلك التشكيلات الهندسية إلى غير نهاية، ~~وفي هذه الانطلاقة من المحسوس إلى المعقول، من ~~عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن الطبيعة إلى ~~ما وراءها، يكمن جوهر الروح العربية. # 81 ~~(4) # ويترتب على هذه الصورة الكونية أيضا نظرية ~~خاصة في تحليل المعرفة الإنسانية؛ فالفلسفة ~~الثنائية المقترحة تجعل للمعرفة نطاقين: لكل ~~منهما وسيلة خاصة به، فإذا كان الأمر أمر ~~الطبيعة وكائناتها، جاءتنا المعرفة عن طريق ~~آخر، ولا يجوز لأي من النطاقين أن يزاحم ~~الآخر في وسائله، وبعبارة أخرى علينا أن نجعل ~~للعلوم الطبيعية منهجا، ولما يتصل بالحقيقة ~~المطلقة منهج آخر. أما منهج العلوم الطبيعية ~~فقائم على مشاهدة الحواس وإجراء التجارب، ~~وعلى سلامة التطبيق. أما منهج ما وراء الوقائع ~~الصماء من حقائق كالقيم الخلقية، مثلا، فقد ~~نلجأ إلى ms063 شهادة الحواس والتجارب العابرة، بقدر ~~ما نلجأ فيه إلى إدراك البصيرة، أو إلى إملاء ~~الوحي أو إلى ما يسري بين الناس من عرف تقليد. # 82 # ومن الواضح أن قسمة الوضعية ~~المنطقية تعود فتطل برأسها من جديد مع قدر ~~طفيف جدا من التعديل. ~~(6-2) ثنائية الطبيعة والفن # الثنائية الإبستمولوجية التي عانى منها مفكرنا في صدر ~~شبابه، ولخصها في «الشرق الفنان»، والتي تجمع بين نظرة ~~الصوفي ونظرة العالم، أدت الآن إلى ثنائية أنطولوجية، ~~وهو يرى أنها غالبة على الذهن العربي، تشطر الوجود شطرين، ~~فتظهر ثنائية بين الأرض والسماء، وبين الخالق والمخلوق، ~~بين الواقع والمثال، بين الدنيا والآخرة، بين المعقول ~~والمنقول ... إلخ، لكن لا بد أن نكون على وعي بأن هذين ~~الشطرين ليسا من مرتبة واحدة ولا وجه للمساواة بينهما؛ ~~ذلك لأن نظرة العربي، في صميمها، هي أن السماء قد أمرت ~~وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط وعلى ~~المخلوق أن يقنع بالقسمة والنصيب، وأن المثال سرمدي ~~ثابت، وعلى الواقع أن يفسر نفسه على بلوغه، وأنه إذا ~~تعارضت الآخرة والدنيا، كانت الآخرة أحق بالاختيار، وأن ~~المنقول إذا ما تناقض مع المعقول، ضحينا بالمعقول ليسلم المنقول. # 83 # وعلينا أن نلاحظ هنا عدة أمور هامة: # أولا: # الأمر الأول الذي ينبغي علينا أن نلاحظه ~~أننا أمام ثنائية حادة بين الغيب ~~والشهادة، بين الروح والجسد، بين الإنسان ~~والله. # ثانيا: # أن العربي لم يتصور العلاقة بين الطرفين ~~على أنها علاقة تبادل أو أخذ وعطاء، بل هي ~~علاقة الحاكم والمحكوم، والحاكم هنا مطلق ~~السلطان، والمحكوم معدوم الحول ~~والحيلة. # ولا يغير من الصورة أن يكون الحاكم ~~المطلق عادلا، وأن يكون المحكوم ملاقيا ~~جزاء وفاقا؛ إذ ما يزال طريق السير في ~~اتجاه واحد : يهبط الأمر من أعلى فيصدع به ~~الأسفل. # ثالثا: # أن الصورة الموجودة في السماء انعكست ~~على الأرض، وأصبح النظام السياسي نسخة من ~~النظام السماوي، فإذا كانت قوانين الطبيعة ~~يمكن أن تتعطل أو تطرد بحسب ما يشاء ~~الحاكم السماوي المطلق، فإن حاكم الدولة ~~الأرضية يمكن أن يعبث بقوانين ms064 المجتمع ~~فيطبقها أو لا يطبقها حسب مشيئته، فها هنا ~~أيضا في صورة حياة الإنسان في مجتمعه، ~~نجد أن لصاحب السلطان أن يريد، وعلى الناس ~~أن يطيعوا؛ ولهذا تجد أن الكلمة في ~~مجتمعاتنا لصاحب القوة النافذة، ولصاحب ~~الجاه، والحق مع صاحب النفوذ. # رابعا: # سوف يترتب على ذلك أيضا أن تكون ~~الأخلاق هي أخلاق الواجب، والأهم من ذلك ~~أن الواجب مفروض علينا من صاحب السلطان، ~~والأصل أن يكون صاحب السلطان في عليائه من ~~السماء، ثم جاز أن يتمثل، كما رأينا، في ~~المتربع على كرسي الحكم من أفراد البشر؛ ~~ولهذا فإننا لا نتصور أن تكون الأخلاق ~~«أخلاق سعادة»، تعود علينا قيمتها بحياة ~~نافعة سعيدة طيبة، بل الواجب هو الواجب ~~لأن سلطة عليا أوجبته علينا. مهما تغيرت ~~ظروف العيش وتطور المجتمع تبدلت أوضاعه، ~~ونحن لا نتصور أن تتطور معايير الحكم ~~الأخلاقي، فإذا تطور المجتمع انسلخت دنيا ~~الحياة الواقعية عن دنيا القيم الأخلاقية، ~~وأصبح الفعل في ناحية والعقول في ناحية أخرى. # 84 # ولقد ألفنا هذا الازدواج إلفا توهمنا معه أنه طبيعة ~~الأمور؛ ومن ثم كان النفاق الذي يقع في كل لحظة، لا تكاد ~~نمسه أو نعيه، فلا تثير فينا دهشة أن تنفرج الزاوية بين ~~المدرسة بقيمها والبيت بفعله، أو أن تكون هذه الزاوية ~~أشد انفراجا بين المسجد والسوق. # 85 # واستكمالا لهذه الصورة جاءت حياتنا الفنية انعكاسا ~~لهذه النظرة الشمولية التي تعلي من شأن الخارج على حساب ~~الداخل؛ فالمعيار يهبط عليك من أعلى، ولا ينبثق من طويتك؛ ~~ولهذا كانت الأولوية في حياتنا الفنية لسلامة الشكل لا ~~لحيوية المضمون: فالرسوم أشكال هندسية، والقصائد تفعيلات ~~موزونة، وتسربت هذه الشكلية إلى مناشط الحياة جميعا، فما ~~دمت قد حافظت على الشكل المقبول، عند القانون أو عند الشرع ~~أو العرف، فقد أديت واجبك بغض النظر عما ينطوي عليه ~~هذا الشكل من لباب الفعل، فنحن نهتم «بالمظهر» لا ~~بالحقيقة: فأظهر للناس في أوضاع الغنى تكن غنيا، وفي ~~أوضاع الحرية تكن حرا، وفي أوضاع العالم تكن عالما، ~~فالمهم هو أن يسلم الشكل من ms065 الشوائب. # 86 # وهكذا ينتهي مفكرنا إلى أن من تصورنا لهذه الثنائية التي ~~تفصل بين السماء والأرض، نشأ طغيان الحاكم بالمحكوم، ~~وانهدمت ضرورة القوانين في الطبيعة والمجتمع على السواء، ~~وعلت الإرادة على الفكر، وسبقت قوة الجاه رجحان الحق، ~~وأصبحت الفضيلة واجبات مفروضة، وبات الفن شكلا بغير مضمون. # 87 # ولا يرى مفكرنا مانعا أن تبقى هذه الثنائية فيما يختص ~~بعلاقة الإنسان بربه، لكنه يوجب أن تضاف إليها ثنائية ~~جديدة تكفل لنا النتائج المسايرة للعصر الجديد، وهي ~~ثنائية العلم والحرية ... أما «العلم فهو يعني معرفة ظواهر ~~الطبيعة؛ أي العلم بالطبيعة وما فيها من صنوف الكائنات، ~~غير أن ذلك يستوجب أن يكون الإنسان نفسه «ذاتا، عارفة، ~~عالمة، باحثة، منقبة»، فيصبح هناك ذات تعلم وموضوع يعلم: ~~الذات العارفة، والموضوع المعروف، الإنسان ~~والعالم.» # والنتيجة التي تلزم عن هذه القسمة هي ضرورة أن يخضع ~~الإنسان لواقع العالم كما يثبته العلم، مع ضرورة أن تظل ~~للذات حريتها، فترغب وترهب، وتحب وتكره وتختار وتدع، وتقبل ~~وتدبر، وتجرؤ وتجبن ... إلخ. # فالعلم بالطبيعة الخارجية قيد، وانطلاق الطبيعة الداخلية ~~على سجيتها حرية، والجمع بين ذلك القيد وهذه الحرية هي ما ~~تريده للمواطن العربي، وإذا تقيد الناس بحقائق العلم ~~تشابهوا على اختلاف قومياتهم وتباين أجناسهم. أما الحرية ~~نفسها انطلاق الذات وراء طبيعتها، وها هنا يختلف الناس، ~~فردا عن فرد أولا، وأمة عن أمة ثانيا. إنني حين أثبت ~~حقائق الطبيعة الخارجية، فذلك «علم» والعلم واحد للجميع، ~~أما حين اتعقب حقائق الطبيعة الداخلية، فذلك «فن» و«الفن ~~منوع بتنوع الأفراد والأمم»، العلم موضوعي والفن ~~ذاتي، وينبغي أن أحذر خلط العلم بأهواء الذات، أو أن ~~أزيف الفن بموضوع يملى عليه من الخارج، وبالعلم المقيد ~~والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر، وعند مفكرنا أن العربي ~~متخلف عن عصره؛ لأنه لم يكتسب العلم بالطبيعة. كما أنه لم ~~ينشئ فنا يعبر عن ذاته؛ فهو إن عرف شيئا عن «العلم» ~~فقد استمده من غيره ثم حفظه حفظ التلميذ لدرسه، والفن ~~كذلك سلعة منقولة عن سوانا (عن أسلافنا أو معاصرينا)، ~~فإذا كان في ms066 المنقول فن؛ فالفن لغيرنا عبر به عن ذاته ~~هو، أما نحن فذواتنا مطمورة تنتظر الفنان الأصيل. # فإذا انطلقنا من هذه النقطة: الحقيقة العلمية عن الواقع ~~التي يتشابه الناس في الخضوع لها، والعبارة الفنية التي ~~تصور الذات، فتتشابه جميعا في الحرية عند صوغها، أسلمتنا ~~هذه النقطة إلى نتيجة لازمة؛ وهي أننا سواسية أمام ~~العلم والفن معا، فلا يكون التفاوت بيننا بسبب المنصب أو ~~الجاه أو النفوذ أو الثراء، بل فلانا أصاب الحق في العلم ~~والصدق في الفن، بالعلم المشترك نعرف العالم ونغيره، ~~وبالحق الذاتي نعرف الإنسان ونقومه، بالعلم المشترك تنشأ ~~الحضارة بنظمها ومصانعها وتجارتها ... إلخ، وبالتعبير الفني ~~عن الذات تنشأ الثقافة بقيمها التي تفرق بين الحسن ~~والقبيح، والمقبول والمرذول. # 88 ~~(6-3) قيمة العقل في تراثنا # ويضيف مفكرنا إلى هذه الثنائية التي تتميز بها الفلسفة ~~العربية خاصية أخرى، يجعلها تقوم بدور الحلقة الرابطة ~~بيننا وبين الأسلاف في مجال الفكر والثقافة، بحيث تجيء هذه ~~الصلة طبيعية لا متكلفة ولا مصطنعة، وهي خاصية «المحاكاة» ~~بالمعنى الذي فهم به أرسطو الفن، عندما ذهب إلى أن الفن ~~محاكاة للطبيعة، أو بالمعنى الذي وصف فيه «جون ديوي» ~~(1859-1952م) عمله في تجديد الفلسفة، والمنطق بصفة خاصة، ~~«بأنه يريد أن يصنع لهذا العصر، مثل ما صنع أرسطو لعصره ...» # 89 # ومن ثم فإن علينا أن نتعقب أسلافنا لنرى ماذا صنعوا ~~تجاه دنياهم لنصنع نحن تجاه دنيانا، ويرى مفكرنا أن أهم ما ~~كان يميزه العربي القديم في وقفته تجاه العالم من حوله هو ~~أنه نظر إليه نظرة «عقلية»؛ ومن هنا فإذا أردنا مواصلة ~~السير على هدي تراثنا لنربط الحاضر بالماضي، فإن علينا أن ~~نلتزم بهذه الوظيفة العقلية التي اصطنعوها، وإن اختلفت ~~مشكلاتنا عن مشكلاتهم، وهو يريد أن يفهم «العقل» هنا بأنه ~~الانتقال من مقدمة إلى نتيجة تترتب عليها، ومن وسيلة ~~إلى غاية، ومن شاهد إلى مشهود عليه ... إلخ فالعقل في مجال ~~الاستنباط انتقال من عبارة لفظية إلى عبارة تلزم عنها، ~~وهو في مجال التجربة انتقال من معلوم إلى مجهول، ومن ~~شاهد ms067 إلى غائب، ومن ظاهر إلى خفي ... إلخ؛ ومن ثم كان ~~العقل هو الذي يتعقب الحدث إلى أسبابه أو إلى نتائجه، ~~وبهذا التعريف للعقل تستطيع أن نقول إن العربي القديم قد ~~يتميز به كلما تأمل أو نظر، ومن شأن هذه الوقفة العقلية ~~أن ترد الأشتات إلى وحدة تضمها ضمة المبدأ الواحد ~~لنتائجه المتفرعة، أو العلة الواحدة لسلسلة معلولاتها، فقد ~~رأى العالم مؤلف من كثرة من الكائنات؛ فالتمس لها الرباط ~~الموحد، وقل ذلك في قواعد اللغة، وأحكام الشرع. وهكذا طفق ~~العربي يرد الكثرة إلى وحدة تبرز ما فيها من تجانس. # 90 # ويعتقد مفكرنا أن أرسطو كان في تحليلاته المنطقية يتجه ~~بحديثه إلى المفكر العربي من بعده، ليجعلها هذا المفكر من ~~أهم علامات المثقف في عصره، وهنا يتساءل: «لماذا لم تستجب ~~الهند مثلا، للمنطق الأرسطي استجابة العرب ...؟» ويجيب ~~«جزء من الجواب عندي أن وقفة العربي من الأمور طابعها ~~العقل ...» # 91 # وهو يعتقد أن الشعب الذي يتميز بالنظرة ~~العقلية إذا ما رأيناه في بعض حالاته يلوذ بطراوة الوجدان ~~ورخاوته، من ضغط العقل وقسوته، فإنما نرجح عندئذ أن قد ~~أصابه شيء من الوهن أو الضعف. # غير أن الاعتراض الرئيسي على الزعم بأن الروح العربي ~~الأصيل روح «عاقل» هو: كيف يتفق هذا الزعم مع سيادة الشعر ~~في الثقافة العربية القديمة، والشعر وجدان أساسا ...؟ ألم ~~يكن للشعر مكانة عليا في الثقافة العربية؟ فكيف نوفق ~~بين صفة الشعر الغالبة، وبين الزعم بأن العرب قد تميزوا ~~بنظرة عقلية. # 92 # وإجابة مفكرنا على هذا الاعتراض تنبع من ~~خبرته الشخصية؛ فهو هنا كأنما يتحدث عن نفسه، يقول ليس بين ~~الأمرين تناقض يحول دون أن يجتمعا معا «فكم وقع لنا في ~~خبرتنا الشخصية المحدودة من أمثلة لرجال جمعوا بين العقل ~~العلمي، إذا ما كان المجال مجال عقل وعلم، ووجدان الأديب ~~كلما استثارت وجدانهم أحداث الحياة! وإذا صدق هذا على ~~أفراد من الناس، فماذا تكون الأمم إلا مجموعات من أفراد؟ ~~وهو أصدق في الأمة العربية منه في أي أمة أخرى مما نعرف ...» # 93 ms068 # وهكذا يعود مفكرنا إلى فكرة الجمع بين «العقل والوجدان»، ~~وإلى تكرار فكرة «الشرق الفنان»، فلئن غلبت ثقافة الوجدان ~~على تراث الشرق الأقصى من هند وصين، وغلبت ثقافة العقل، ~~فلسفة وعلما، في تراث أوروبا، فقد كان في شرقنا العربي ~~ذلك الجمع المتزن بين عقل ووجدان؛ فالثقافة العربية ~~تمثلت منطق أرسطو بكل ما فيه من ركون إلى الحدس ~~والوجدان. وهذه المزاوجة الثقافية بين العقل والوجدان، ~~تلائم المزاج العربي، واللغة العربية، ملائمة كاملة، ~~فبحكم ذلك المزاج يفصل العربي بين السماء والأرض، بين ~~المطلق والنسبي، بين اللانهائي والمحدود، بين خلود الآخرة ~~وفناء الدنيا. يفصل بينهما ذلك الفصل الذي لا يجعل لكل ~~عالم من العالمين أهلا غير أهل العالم الآخر، بل عنده أن ~~أهل هذا هم أنفسهم أهل ذاك، غير أن الواحد تمهيد ~~للثاني. # وإذا تساءلنا الآن كيف يتاح للولي المعاصر أن يتابع ~~السير على طريق العربي القديم، كانت الإجابة: أن يكون ذلك ~~باتخاذ الوقفة نفسها التي وقفها سلفه لينظر إلى الأمور ~~بالعين نفسها، ألا وهي عين «العقل» ومنطقه دون الحاجة إلى ~~إعادة المشكلات القديمة ذاتها؛ أعني أن يأخذ العربي ~~المعاصر موقفا من العربي القديم صورته لا مادته، فيأخذ ~~الوقفة العاقلة المتزنة ليطبقها لا على مسألة «الكبائر ~~ومرتكبيها»، بل فيما يعرض له هو من مشكلات عصره: كمشكلة ~~الفرد والجماعة، ومشكلات الاقتصاد ... وغيرها. # تلك كانت خلاصة سريعة للفلسفة العربية التي يقترحها ~~مفكرنا الكبير، وعلينا قبل أن ننهي هذا البحث أن نقف ~~قليلا لتقييم هذه المحاولة. # خاتمة: نقد وتقدير ~~(1) # إذا أردنا تقييم المشروع الثقافي، والفلسفة ~~المقترحة لزكي نجيب محمود، فلا بد أن نضع ذلك كله ~~في سياقه التاريخي لنحكم عليه حكما سليما. لو ~~أننا تأملنا مسار نهضتنا لوجدنا أنها بدأت قبل ~~خاتمة القرن الماضي بسنتين، وعلى وجه التحديد مع ~~الحملة الفرنسية على مصر وسقوط الإسكندرية عام ~~1798م، وما زلنا حتى يومنا الراهن نعيش هذه ~~النهضة. # منذ ذلك التاريخ والأفكار تنهمر على تربتنا ~~الثقافية، فقد بذر رفاعة الطهطاوي (1800-1783م) ~~الكثير من البذور في المرحلة الأولى حول الحرية ~~والمساواة، ms069 فاهتم في كتابه «المرشد الأمين للبنات ~~والبنين» بما أسماه «بالحرية العمومية والتسوية ~~بين أهل الجمعية»، وهو يقصد الحرية العامة ~~والمساواة بين أبناء المجتمع. # ولقد عمل مفكرونا بعد ذلك، على نمو هذه البذور ~~وإنضاجها، فعند قاسم أمين (1865-1908م) وصلت ~~الدعوة إلى حرية المرأة إلى ذروتها، وكان أحمد ~~لطفي السيد (1872-1963م) أول من بشر ~~بالديمقراطية السياسية، وظهر جمال الدين الأفغاني ~~(1839-1889م) بدعوته إلى الاحتكام إلى العقل. ~~وواصل الإمام محمد عبده (1845-1905م) النضال ليحرر ~~حياتنا الدينية مما علق بها من خرافة، ولينجو ~~بعقول الناس من ظلمة الجهل. # ثم ظهرت أبعاد جديدة للحرية وللمساواة وللعقل، ~~فدعا عباس العقاد (1889-1964م) إلى تحرير الشعر ~~والفن بصفة عامة، ودعا طلعت حرب (1867-1942م) إلى ~~تحرير الاقتصاد، وكتب طه حسين (1889-1973م) يدعو ~~إلى الحرية الفكرية والالتزام بالمنهج العقلي ~~الصرف ... إلخ إلخ. # هذه كلها أفكار تناثرت في طريق نهضتنا التي بدأت ~~منذ نحو قرنين، لكنها ظلت أفكارا مبعثرة لا تسلك ~~في خيط واحد ولا يجمعها عقد، ولا تحتويها ~~فلسفة؛ ومن هنا فقد كان مشروع زكي نجيب الثقافي، ~~والفلسفة الثنائية المقترحة، عملا غير مسبوق، ~~فليس ثمة، فيما أعلم، محاولة لوضع فلسفة عربية ~~قبله سوى «جوانية» عثمان أمين، وتعادلية ~~الحكيم. ~~(2) # أما جوانية عثمان أمين فهي ليست مذهبا بالمعنى ~~الدقيق ولا محاولة لإقامة مذهب، وهو نفسه يقول: ~~«الفلسفة عندي شيء آخر غير «النسق» المحكم المغلق ~~المحيط ...» # 94 # وإنما هي مجموعة من الانطباعات ~~الشخصية عن الحياة والمجتمع والثقافة، والإنسان ~~...إلخ، كونها من مطالعاته الكثيرة متأثرا بمجموعة ~~من الفلاسفة والمفكرين منهم ديكارت، وكانط، وفشته، ~~وبرجسون، ومحمد عبده ...إلخ، وهي ضرب من «التعاطف» ~~مع الأشياء والناس لالتماس «المخبر» لا المظهر، ~~«الباطن» لا «الظاهر»، وتفحص «الداخل» بعد ملاحظة ~~«الخارج»، وتلتفت إلى المعنى «وإلى» القيمة وإلى ~~«الروح» ... إلخ، لكن ذلك كله مجرد انطباعات، كما ~~قلنا، وتجارب شخصية وهذا واضح من «اليوميات ~~الجوانية»، التي يسجل فيها أستاذنا مجموعة من ~~الخواطر والتجارب الشخصية المتصلة بقضايا وأحداث ~~عامة فكرية وأخلاقية. # 95 ~~(3) # أما تعادلية توفيق الحكيم التي عرضها في كتيب ~~لا تكاد ms070 صفحاته تزيد عن مائة وثلاثين صفحة من ~~القطع الصغير؛ فهي سياحة تطوف على ميادين الفكر؛ ~~لتقف عند كل ميدان منها لحظة تعطيك جرعة تفجر ~~في نفسك بعدئذ تساؤلات وتأملات. إنها سياحة تطوف ~~بك إلى ميادين: الميتافيزيقا، والأخلاق، ~~والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والجيولوجيا، ~~وغيرها من فروع العلم والمعرفة. لكن هذه السياحة ~~لا يمكن اعتبارها «فلسفة مقترحة» ولا هي «مذهب» ~~يجمع شتات الأفكار التي تبعثرت على طريق نهضتنا ~~منذ نحو قرنين من الزمان. # غير أن الملاحظة التي تستوقف النظر حقا هي أن ~~الحكيم أراد من هذه المحاولة إقامة التعادل بين ~~«العقل والقلب»، حتى إنه ذهب إلى أن اختلال ~~التعادل بينها «كانت له نتجته الطبيعية التي لا بد ~~أن تلازم كل اختلال في الميزان، وهي القلق»، ~~وفضلا عن ذلك فهو يريد إقامة قاعدة أساسية ~~للتعادل بين «الإيمان والعقل»، بين «العمل والفكر» ~~بين «الإرادة البشرية والإرادة الإلهية»، كما يرى ~~أن الخير والشر كليهما ضروري ليعادل الآخر ... ~~إلخ، وكأن الأفكار التي يعرضها إرهاصات بفلسفة ~~ثنائية أو شعور منه بحاجتنا إلى مثل هذه ~~الفلسفة. ~~(4) # المشروع الثقافي عند زكي نجيب محمود غير مسبوق ~~والفلسفة العربية الثنائية المقترحة هي ضرب جديد ~~من التفلسف، يحاول لأول مرة أن يجمع شتات الأفكار ~~التي تناثرت على طريق نهضتنا، دون أن يضمها نسق ~~أو تسلك في عقد واحد، وليكون لنا، بذلك «فلسفة ~~عربية» لا تتجاهل العصر ولا تنفصل عن ~~الماضي. ~~(5) # لا شك أن زكي نجيب محمود كشف لنا في مشروعه، بل ~~في كل ما كتب، عن سمة أساسية من سمات تخلفنا هي ~~الخلط بين مجالات كان ينبغي التمييز بينها بوضوح، ~~فنحن في كثير من الأحيان لا نفرق بين مجال ~~الدين ومجال العلم، وبين مجال الوجدان (والدين ~~وجدان) وبين مجال العقل، وتلك محمدة نحمدها له لأن ~~إدراك الفروق والتمييزات بين المجالات المختلفة هي ~~البداية الحقيقية للانطلاق والتقدم، فكل من أراد ~~أن ينجز عملا عظيما عليه أن يحدد نفسه كما قال ~~هيجل بحق، في حين أن الخلط وعدم التمييز أو ~~التحديد الواضح يؤكد التخلف ويثبت ms071 التفكير البدائي ~~الفج. ~~(6) # وضع مفكرنا يده على مشكلة رئيسية عندنا، وهي ~~اللحاق بركب الحضارة مع الإبقاء على هويتنا ~~العربية، وأطلق على هذه المشكلة مرة اسم «الأصالة ~~والمعاصرة»، ومرة أخرى الجمع بين «العقل ~~والوجدان» أو العلم والدين، ومن أجل الوصول إلى ~~حل لهذه المشكلة كتب «تجديد الفكر العربي» ~~و«المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري» و«ثقافتنا ~~في مواجهة العصر» و«ثقافتنا في مواجهة العصر» ~~و«مجتمع جديد أو الكارثة» ... إلخ وهو جهد لم يبذله ~~مفكر آخر في أية مشكلة. ~~(7) # ضغط على «الدمل» عندنا عندما أدرك بوضوح أن ~~«أس البلاء في مجال الفكر هو أن يجتمع السيف ~~والرأي الذي لا رأي غيره في يد واحدة، وتلك كانت ~~الحال في جزء من تراثنا، هو الجزء الذي ندعو إلى ~~طمسه ليموت ...!» ~~(8) # لكن هل الصورة الكونية للعلاقة بين السماء ~~والأرض هي التي نقلناها إلى المجتمع، فانعكست على ~~تصورنا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، كما يقول ~~مفكرنا الكبير، أم أن العكس هو الصحيح، بمعنى أن ~~الواقع الماثل أمامنا هو التصور الأقوى، والصورة ~~الحية التي ننقلها إلى السماء، وليس العلاقة ~~«المتخيلة» بين صاحب السلطان في علياء سمائه هي ~~التي ننقلها إلى المتربع على كرسي الحكم من ~~أفراد البشر، أيهما أقوى وأشد أثرا: دنيا ~~الواقع التي نعيش فيها أم دنيا المثال التي ~~نتخيلها؟ # ومن هنا فلا يجوز أن نقول إن العلاقة بين الله ~~والإنسان التي تصورها العربي في تراثه، هي الشكل ~~المستتر للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ذلك لأن ~~العكس، في رأينا، هو الصحيح؛ فالإنسان يرتفع من ~~الأرض إلى السماء فيتصور السماء على غرار ما هو ~~على الأرض؛ ولهذا كان المصري القديم يصور ~~السماء على هيئة نهر عظيم أشبه بنهر النيل، ولم ~~يجد غضاضة في تصوير السفن التي تسير في السماء ~~بين الكواكب، وكما كان اليوناني في ديانته القديمة ~~يصور كبير الآلهة «زيوس» على غرار الرجل ~~اليوناني الذي يستمتع بحياته ويجري وراء النساء، ~~ويخون زوجته المخلصة الوفية، وأما زوجته «هيرا» ~~فقد كانت راعية الزواج والأسرة تمثل المرأة ~~اليونانية المتهورة المغلوبة على أمرها. ~~(9) # فليس صورة ms072 السماء (أو العلاقة بين العبد وربه) ~~هي التي انعكست في النظام السياسي، وإلا فماذا ~~نقول في أمر الآيات القرآنية الكريمة، التي تذهب ~~إلى أن هذه العلاقة تقوم على الحب: # يا أيها الذين آمنوا ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم ~~[المائدة: 54]، وفي الحديث ~~القدسي: «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به»، وغير ~~ذلك كثير مما بنى عليه صوفية الإسلام مذهبهم في ~~الحب الإلهي بنوعيه: حب الله للإنسان وحب الإنسان ~~لله. ~~(10) # أما الفلسفة الثنائية المقترحة فهي ليست مستقرة ~~عند مفكرنا الكبير؛ فهو يعتقد أنها ثنائية لا ~~تسوي بين الشطرين، بل تجعل للشطر الروحاني ~~(الله، الخالق، الروح ... إلخ) الأولوية على الشطر ~~المادي (الكون، المادة، الجسد ... إلخ)؛ فهو الذي ~~أوجده، وهو الذي يسير ويحدد له الأهداف «وواضح ~~أننا هنا أمام واحدية؛ إذ يمكن أن يرد الشطر ~~المادي إلى الشطر الروحاني! ثم يقول أحيانا أخرى ~~أنها نظرة تجمع بين الثنائية والكثرة، ثنائية ~~بالنسبة إلى الله الخالق والكون المخلوق، وكثرة ~~بالنسبة لأفراد الناس الداخلين في حدود هذا الكون ~~المخلوق، ثم نراه يميل، بصراحة ووضوح، إلى ~~الواحدية لا سيما في المقالات التي كتبها تحت ~~عنوان «من إشعاعات التوحيد». ~~(11) # الفلسفة الثنائية، بصفة عامة، تعتمد على ~~عنصرين لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر، وها هنا تكمن ~~صعوبتها الرئيسية، التي تجلت في ثنائية ديكارت ~~في العلاقة بين النفس والبدن، والغدة الصنوبرية ~~الشهرية التي اتضح أنها خاطئة بعد ذلك. ولقد بذلت ~~المدرسة الديكارتية بعد ذلك جهودا مضنية لحل ~~المشكلة باءت كلها بالفشل، والصعوبات التي واجهت ~~ثنائية القرن السابع عشر ، سوف تطل برأسها من ~~جديد، مع أي ثنائية تتحدث عن «المادة والروح» أو ~~النفس والبدن ...إلخ. ~~(12) # في ظني أن هذه الفلسفة الثنائية المتقرحة ليست ~~فلسفة تضرب بجذورها في ms073 تراثنا، بقدر ما هي مشكلة ~~كان يعانيها زكي نجيب محمود نفسه طوال حياته: فهو ~~يحمل في شخصه حس الفنان وصرامة العالم، وهو يجمع ~~في أعماقه بين شفافية الوجدان، وجفاف العقل الخالص ~~... إلخ؛ ولهذا كانت المشكلة أساسا هي مشكلة، وزكي ~~نجيب محمود الأديب الفنان صاحب المقال الأدبي ~~الشهير، وعالم المنطق العقلاني الجاف، فكيف يدخل ~~الاثنان في إرهاب واحد؟ ~~(13) # صيغة «الأصالة والمعاصرة» أو «العقل والوجدان» ~~وهي الصيغة المقترحة لحل مشكلاتنا تصطدم بعقبات ~~كثيرة: فهل المعاصرة «هي العقل» والأصالة هي ~~«الوجدان»؟ في هذه الحالة نكون قد حكمنا على ~~التراث كله، بأن أشبه ما يكون بالعمل الفني الذي ~~لا تستطيع أن نتعامل معه إلا بوجداناتنا؛ مع أننا ~~كثيرا ما نعود إليه بوصفه يشتمل على نماذج كثيرة ~~من ثنائية العقل والوجدان معا! ~~(14) # كيف يستقيم القول بأن وقفة العربي من الأمور ~~«وقفة عقلية»، وأن الشعب العربي يتميز بالنظرة ~~العقلية، مع تأكيدنا في الجانب السلبي من المشروع ~~أن هناك عاملا مكبلا لأرجلنا من السير «وهو ~~ذلك الميل الشديد الذي نحسه في نفوسنا نحو أن ~~تكون قوانين الطبيعة لعبة في أيدي أصحاب القلوب ~~الورعة الطيبة» ...؟ # 96 ~~«ألم نقل أن تعطيل القوانين الطبيعية ~~بالكرامات عقبة بالغة الخطورة في طريقة تقدمنا، ~~وأننا نحس بميل دفين إلى الإيمان بها؟ وأن ~~اللاعقلانية في جماهيرنا مغروزة في طبائعها كألوان ~~جلودها، فجماهيرنا دراويش بالوراثة، ولا عجب أن ~~تروج فيهم الخرافات والكرامات والخوارق.» # 97 ~~(15) # وأخيرا مهما يكن من أمر الانتقادات التي يمكن ~~أن توجه إلى هذه الفلسفة العربية الثنائية ~~المقترحة، فسوف يبقى لمفكرنا الكبير أنها أول ~~محاولة لإقامة «فلسفة»، ووضع نسق للأفكار المبعثرة ~~التي اقتصرت عليها نهضتنا حتى الآن. # ولقد كان من الضروري أن تظهر فلسفة تضم شتات ~~الأفكار الكثيرة التي ظهرت عن الحرية، والعدالة، ~~والمساواة، والتقدم، والتراث، والمعاصرة، والعلم، ~~والدين، والوجدان، والعقل ... وعشرات غيرها امتلأت ~~بها الساحة الثقافية منذ نحو قرنين، دون أن تسلك ~~في عقد واحد، ولن يكون في استطاعتنا أن نقول إن ~~عندنا «فلسفة عربية» ما لم تجمع هذه الأفكار في ~~نسق ms074 واحد، وتفسرها فكرة واحدة. ولقد أخذ مفكرنا ~~بيدنا ليخطو بنا أول خطوة على طريق التفلسف، ~~ونأمل أن يتلوها خطوات. # الباب الثاني # | الفلسفة الثنائية عند زكي نجيب محمود # الفصل الأول # | زكي نجيب محمود في تيار النهضة العربية # تمهيد # في ظني أن معظم الأخطاء التي وقع فيها كل من أراد أن ~~يقيم فكر زكي نجيب محمود، إنما ترجع إلى سبب رئيسي واحد ~~هو عدم متابعة تطوره الفكري، والاكتفاء بالنظر إليه من خلال ~~الوضعية المنطقية وحدها؛ ومن ثم اعتباره: «صاحب مدرسة فلسفية ~~يثابر على إثرائها وتدعيمها منذ سنوات في إخلاص ودأب وأناة ...» # 1 # وما دمنا قد حكمنا عليه بأنه صاحب مدرسة، فمن الطبيعي أن ~~تعارضه «المدارس الأخرى»، سواء أكانت يسارية كالماركسية أو ~~يمينية كالسلفية المتزمتة، وأن ينظر إليه أصحاب اليمين وأصحاب ~~اليسار جميعا، وكأنه لم يفعل شيئا سوى نشر الدعوة التي يقوم ~~عليها مذهبه، وتثبيت دعائمها، على نحو ما يفعلون هم أنفسهم: ~~«حتى استطاع أن ينمي حوله تيارا فكريا مستمدا من أصول ~~هذه الفلسفة، وأن يدعمه بالمقالات والمحاضرات والكتب.» # 2 # ومن هنا كان نقد الوضعية المنطقية يعني، في الحال، ~~نقدا لزكي نجيب محمود، حتى وإن اعترف فريق من أصحاب هذا ~~النقد أنه «أنشأ مدرسة خاصة في داخل المدرسة الوضعية المنطقية». # 3 # أو اعترف غيرهم أن الدور الذي لعبه زكي نجيب محمود ~~في ثقافتنا يختلف عما تقوم به الوضعية المنطقية في بلاد ~~أخرى كإنجلترا أو أمريكا، وغيرهما من الدول المتقدمة، التي لا ~~يمكن أن نقول إن هذه الفلسفة تقوم فيها بعملية تنويرية. أما ~~عندنا «فقد كان التصدي للخرافات الغيبية بالنقد شرطا لكل نقد ~~في بلادنا، فيما بدأت علاقات العالم القديم تسير في الاضمحلال ~~(وقام فيها زكي نجيب محمود بدور بارز)، فألحقت سهام نقده ~~ضررا فادحا بالقيم الرجعية ... فضلا عن أنه لم يتهاون طوال ~~فترة ليست بالقصيرة مع الكهانة الجاهلة في الكثير من المسائل ~~العلمية، ووجهت إليه أحجار الاتهامات الطائشة، بخلاف الحال مع ~~ممثلي الوضعية المنطقية في شروط اجتماعية مختلفة ...» # 4 # ومع ذلك كله فقد ms075 أصبح من المألوف أن تصادفك في مجال ~~الدراسات، التي تتصدى لبحث الفلسفة في العالم العربي، ~~«كليشيات» أقرب إلى المسلمات بأن الرجل يحمل لواء الوضعية ~~المنطقية فحسب، وأنه أكبر داعية لها، وهذا هو كل دوره في ~~حياتنا الثقافية ... «من المؤكد أن زكي نجيب محمود هو أبرز ممثل ~~لهذا التيار في الوطن العربي ...» # 5 # وكأن المسألة أصبحت بديهية لا تحتاج إلى شرح أو ~~تفسير، فقد صدر الحكم وانتهى الأمر بأنه ممثل الوضعية ~~المنطقية، وحامل أختامها ووكيل أعمالها لا أكثر ولا أقل! فإذا ~~ما كتبت عنه أطروحة أكاديمية، فإنها تستهدف دراسة «الوضعية ~~المحدثة وفلسفة زكي نجيب محمود». # 6 # إذ إنه: «إلى هذا الاتجاه الفكري تقدم الدكتور ~~زكي نجيب محمود بطلب انتساب، وأصبح ممثله في الفكر العربي ...» # 7 # وعلى هذا النحو يسير معظم الكتاب على اختلاف ~~مذاهبهم، واتجاهاتهم الفكرية، لا نستثني من ذلك أولئك الذين لم ~~يدركوا الفرق بين الوضعية المنطقية، والمذهب الوضعي الفرنسي ~~الذي وضعه أوجست كونت (1798-1857م) في منتصف القرن الماضي، ~~فخلطوا بينهما على نحو ينم عن جهل فاضح، ثم اتهموا مفكرنا ~~بأنه على صلة «بالاستعمار الغربي»، مثله مثل طه حسين وعلي عبد ~~الرازق ومن لف لفهما. # 8 # والخلاصة أن كل ما يعلمه نقادنا - للأسف الشديد - عن زكي ~~نجيب محمود عندما يرد ذكر اسمه، أنه صاحب «خرافة الميتافيزيقا» ~~التي صدرت عام 1953م؛ أي منذ ما يقرب من نصف قرن. أما زكي نجيب ~~محمود الميتافيزيقي الذي كتب في بداية الأربعينيات بحثا عن ~~حرية الإرادة أخذ فيه بنظرية الجبر الذاتي # Self-Determinaton # وهي ~~نظرية ميتافيزيقية في صميمها، # 9 # فهم لا يعلمون عنه شيئا؛ لأنهم لم يشغلوا أنفسهم ~~بدراسة الجوانب المختلفة لتطوره الروحي. إنهم يعرفون جيدا زكي ~~نجيب محمود، «صاحب النطق الوضعي» الذي صدر عام 1951م، أما زكي ~~نجيب محمود المفكر التنويري الذي كتب منذ «الشرق الفنان» عام ~~1960م ما يقرب من عشرين كتابا، تدور كلها حول بعث الفكر ~~العربي وتجديده، فإنهم لا يعلمون عنه شيئا، وما حاجاتهم إلى ~~مثل هذه المعرفة، وقد حبسوا فكره في ms076 قوالب محددة واضحة سهلة ~~هي قوالب الوضعية المنطقية، على نحو ما يفهمها أصحابها في ~~إنجلترا والولايات المتحدة؟! في استطاعتهم بعد ذلك أن ينهالوا ~~عليها نقدا وتجريحا مستخدمين انتقاد الماركسيين الإنجليز على ~~وجه الخصوص! وكأنه لا فارق بين ما فعله مفكرنا وما فعله كارنب ~~وآير وغيرهما! # ولو أن الرجل أراد أن يكون مدرسة، كما يزعم هؤلاء النقاد، ~~تنشر مبادئ الوضعية المنطقية، وتترجم نصوصها وتروج أفكارها ~~لوجد عشرات من تلاميذه على استعداد تام للقيام بمثل هذا ~~الدور منذ زمن بعيد. # 10 # ولا سيما وأن كل من تتلمذ على يديه لم يستطع أن ~~يفلت من سيطرته القوية على عقول الشباب منذ اللحظة التي بدأ ~~فيها التدريس بالجامعة، فهذا واحد من ألمع مفكرينا يصف تأثيره ~~عليه عندما كان تلميذا له في أواخر الأربعينيات فيقول: «الحق ~~أن أصدق وصف ينطبق على التأثير العميق الذي تركه أستاذنا في ~~تلاميذه، هو ذلك الذي أطلقه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ~~على التغيير، الذي أحدثته في عقله كتابات فيلسوف إنجلترا ~~الأكبر: ديفيد هيوم، وذلك حين قال: لقد أيقظني هيوم من سبات ~~اليقين الجازم الذي لا يتشكك في شيء. ولقد كان هذا بعينه هو ~~ما أحدثته محاضرات الدكتور زكي في عقولنا، ونحن في منتصف ~~تعليمنا الجامعي ...» # 11 # معنى ذلك أن أثره في تلاميذه كان قويا وعارما: «فمن وراء ~~مظهره الهادئ وصوته الخفيض إعصار مدمر ...!» # 12 # وتلك شهادة يعلنها تلاميذه في كل مكان، فلو أنه ~~أراد أن يكون مدرسة، كما يقول أصحاب النقد المتسرع، لوجد ~~من تلاميذه من يؤلف ومن يترجم، ومن ينقل الوضعية المنطقية ~~بشتى زواياها وأبعادها إلى الثقافة العربية، لكنه لم يفعل بل ~~كانت معظم الرسائل الأكاديمية التي أشرف عليها إبان أستاذيته ~~بالجامعة، تدور حول موضوعات فكرية لا علاقة لها بالوضعية ~~المنطقية! ... # 13 # وهذا يدل على أن اهتمامه بهذا المذهب كان لأسباب ~~تنويرية في المقام الأول؛ فهو من المذاهب التي شنت حربا لا ~~هوادة فيها على الخرافة، وهو من أقرب المذاهب إلى العلم ~~والتفكير العلمي، هو في النهاية منهج، لا ms077 يتقيد، بمضمون ~~معين. # ولعل سوء الفهم الواسع لفكر هذا الرجل، وما ترتب عليه من ~~نظرات ضيقة تعدت تماما عن تقديره تقديرا سليما، هو الذي ~~اضطره إلى أن يعلن أكثر من مرة توضيحا لموقفه، للذين لم ~~يفهموا الدور الذي يريد للوضعية المنطقية أن تقوم به فيقول: ~~«لقد كنت لسنوات طوال مخطئا بين مخطئين؛ لأنني كنت بدوري ~~أتعصب لتيار فلسفي معين، على ظن مني بأن الأخذ به ~~يقتضي رفض التيارات الأخرى، لكني اليوم، مع إيماني السابق ~~بأولوية فلسفة التحليل على ما عداها من فلسفات عصرنا، أومن ~~كذلك بأن الأمر بين هذه الاتجاهات الفلسفية إنما هو أمر تكامل ~~في نهاية الشوط.» # 14 # لم يقرأ أصحاب الأحكام المبتسرة السابقة عبارة ~~كهذه، وهي ليست بالقطع تبرؤا من المذهب الوضعي المنطقي، أو ~~التجريبية العمية كما يحلو له أن يسميها، أو تنصلا منه، ~~وإنما هو إعلان بأن المسألة ليست تعصبا لمذهب. إنه تصريح ~~ضمني بأنه استفاد من هذا المذهب، وأنه وظفه «لصالح الفكر التنويري». # 15 # وأنه تجاوزه بعد أن تطور فكره وصقلته التجارب: «علمتني خبرة ~~السنين، بين ما علمتني، أن من أخطر مزالق الفكر أن أقيد ~~نفسي في حدود إطار مذهبي، تقييدا يجعلني أرجع في كل أموري ~~إلى مبادئ قبلته، وما لم يتفق معها رفضته؛ وذلك لأن الخبرة ~~علمتني أن تيار الحياة أغزر جدا من أن يلم به مذهب واحد ~~بعدد قليل من المبادئ والقواعد؛ ولذلك كان من التطور الطبيعي ~~في حياتي الفكرية، دون أن تعمد شيئا عن تخطيط وتدبير، أن ~~أجدني قد اتخذت لنفسي في اتجاهات الفلسفة المعاصرة اتجاها ~~هو في حقيقته «منهج للتفكير»، لا «مذهب» يورط نفسه في مضمون ~~فكري بذاته، فكنت كمن وضع في يده ميزانا يزن به ما يشاء، ~~دون أن يملأ يديه بمادة معينة لا بد أن تكون هي وحدها موضع ~~الوزن والتقدير ...» # 16 # لم تكن الوضعية المنطقية، إذن، سوى مرحلة في فكر زكي نجيب ~~محمود، توقف عندها قليلا، وتأملها طويلا، ودرسها بعمق ~~كيما يستفيد منها في هدف أعلى هو المهمة التنويرية ms078 التي يقوم بها. # 17 # ومن ثم فإننا نسيء فهمه أولا، ونظلمه ثانيا، ~~ونغفل الدور الذي قام به ثالثا، إذا ما توقفنا عند هذه ~~المرحلة، أو حكمنا على دوره من خلالها فحسب، بل إن على الباحث ~~الجاد، إذا أراد أن يكون منصفا لهذا المفكر، أن يتتبع تطوره ~~الروحي محاولا أن يضعه في مكانه الصحيح من خارطة النهضة ~~الثقافية العربية، وبين كبار مفكرينا التنويريين الذين قاموا ~~بهذه النهضة منذ أوائل القرن الماضي وحتى يومنا الراهن ...! ومن ~~ثم فلا مندوحة لنا عن القيام بعرض سريع لمسار نهضتنا التي ~~بدأت مع الحملة الفرنسية، إلى أن نصل إلى زكي نجيب محمود ~~المفكر والأديب؛ لنتعرف على إسهاماته في هذه النهضة. # مسار النهضة # إذا كان المؤرخون الغربيون يحددون النهضة الأوروبية بسقوط ~~القسطنطينية عام 1453م على يد الأتراك العثمانيين، بعد أن ~~فتحها محمد الثاني الملقب بمحمد الفاتح، فإننا نستطيع أن ~~نحدد «نهضتنا العربية» بغزو الغرب، هذه المرة للشرق على يد ~~نابليون وسقوط الإسكندرية عام 1798م؛ أي قبيل فاتحة القرن ~~التاسع عشر بسنتين. # 18 # منذ ذلك التاريخ بدأ عصر نهضتنا الذي ما زلنا ~~نعيشه حتى يومنا الراهن، دون أن نتجاوزه إلى ما يمكن أن ~~نسميه في تاريخنا «بالعصر الحديث»، غير أن هذه الفترة ~~الطويلة، التي طالت أكثر مما كان ينبغي لها، لم تكن كلها ~~مسطحا واحدا متصلا، بل كانت متدرجة في مستويات ثلاثة كل ~~منها يرتفع على سابقه بدرجة؛ كالعمارة الإسلامية حين كانت تجعل ~~الطابق الثاني من البناء أوسع رقعة بدوره من الطابق الثاني، ~~فبرغم ما بين الطوابق الثلاثة المتعاقبة من استمرارية تجعلها ~~عمارة واحدة، كانت بينها فروق في السعة كل منها أوسع من سابقه. # 19 # وكان كل مستوى من تلك المستويات الثلاثة في مسار نهضتنا ~~ينتهي بثورة تنقلنا إلى المستوى الأعلى، لكن تلك الثورة كانت ~~تجيء نتيجة لازمة للمخاض الفكري السابق عليها، فثورة عرابي هي ~~نهاية المرحلة الأولى، وثورة 1919م هي نهاية المرحلة الثانية، ~~وثورة 1952م هي نهاية المرحلة الثالثة. # فما هي هذه المستويات الثلاثة؟ وكيف كان مسار ms079 نهضتنا منذ ~~بدأت حتى الآن؟! وأين يوضع فكر زكي نجيب محمود في هذا ~~المسار؟! # المستوى الأول # عندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر كان العالم الإسلامي ~~عامة، والوطن العربي خاصة يعيش في: «ظلمة حالكة، ومحنة ~~شاملة، وجهل مطبق، وظلم فادح، وفقر مدقع» على حد تعبير ~~أحمد أمين. # 20 # ولقد وصف مسيو فولني # Volney # السائح الفرنسي ~~الذي زار مصر والشام، هذه البلاد في آخر القرن الثامن عشر ~~بقوله: «إن الجهل في هذه البلاد عام وشامل مثلها مثل ~~سائر البلاد التركية يشمل الجهل كل طبقاتها، ويتجلى في ~~كل جوانبها الثقافية من أدب وعلم وفن، والصناعات فيها في ~~أبسط حالاتها، حتى إذا فسدت ساعتك لم تجد من يصلحها إلا ~~أن يكون أجنبيا» ... # 21 # ويتحدث غيره عن الذين بلغوا من العلم مرتبة ~~القراءة والكتابة فيقول: «إن مصر حين وليها محمد علي لم ~~يكن بها أكثر من مائتين يعرفون القراءة والكتابة، ~~باستثناء من القبط ...»! # 22 # وقل مثل ذلك بالنسبة لبلاد الشام؛ إذ يذكر ~~«بورج» أنه لم يكن في دمشق أو حلب بائع كتب واحد! # 23 # حتى إن الحكومة المصرية تخشى تعليم الرياضة ~~والطبيعة، وتستفتي شيخ الأزهر «هل يجوز تعليم المسلمين ~~العلوم الرياضية كالحساب والهندسة؟!» فيجيب الشيخ في ~~حذر: «يجوز مع بيان النفع من تعلمها»، كأن هذه العلوم لم ~~يكن للمسلمين عهد بها، ولم يكونوا من مخترعيها وذوي ~~التفوق فيها». # 24 # على هذا النحو كان الوطن العربي منعزلا ~~منغلقا على علوم العصور الوسطى، يحفظ بعض الكتب ويجبرها، ~~ويكتفي بتقديم شرح على متن أو حاشية على شرح! ولم يكن بينه ~~وبين الشعوب الأوروبية اتصال في جوانب الثقافة أو الصناعة ~~أو نظم الحكم، إلخ حتى جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، تحمل ~~معها صورا جديدة وأفكارا وقيما جديدة، فأسهمت في كسر ~~الحاجز الذي بناه العثمانيون من الخرافات والشعوذة حول ~~عقول الشرقيين. # 25 # ومن المصادفات الغريبة أن ينسحب الجيش الفرنسي ~~في 15 أكتوبر عام 1801م، وهو نفس اليوم الذي ولد فيه ~~رفاعة الطهطاوي رائد النهضة الحديثة! # كان رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) هو ms080 باذر البذور في ~~المرحلة الأولى، وهي البذور التي أخذت تنبت نباتها حتى ~~استنفدت طاقاتها، فجاءت في خاتمتها ثورة عرابية، والبذور ~~التي بذرها إنما هي فكرة الحرية في صورة الجنينية الأولى، ~~وهذه الفكرة هي المعيار الدقيق لقياس درجات صعودنا، فكلما ~~ازدادت الحرية عمقا، ازداد ارتفاعنا على طريق النهضة ~~درجة بعد درجة. # 26 # ويكتب الطهطاوي في كتابه «المرشد الأمين ~~للبنات والبنين» فصلا بعنوان: «في الحرية العمومية ~~والتسوية بين أهالي الجمعية»؛ أي في الحرية العامة ~~والمساواة بين أبناء المجتمع. وهو يقسم هذه الحرية خمسة ~~أقسام: طبيعية في المأكل والمشرب، وسلوكية في إطار ~~الأخلاق، ودينية تكفل حرية العقيدة، ومدنية تنظم ~~التعامل بين الناس، وسياسية وهو أن تكفل الدولة للمواطن ~~الحريات السابقة. # فالحرية السياسية لم تكن تعني عنده مشاركة الشعب في ~~الحكم، فذاك أمل بعيد المنال! على أن هذه الحريات تتضمن ~~«المساواة»، فهي تنصرف إلى جميع المواطنين على حد سواء، ~~لم يفرق بين رجل وامرأة؛ ومن ثم يمكن اعتباره أول من دعا ~~إلى حرية المرأة دعوة انتهت إلى ذروتها عند قاسم أمين. ~~كما أنه كان أول من بشر بالديمقراطية السياسية التي ~~صاغها فيما بعد أحمد لطفي السيد (1872-1963م)، بل كان ~~الطهطاوي بمثابة الصيحة الأولى «نحو الإصلاح الزراعي» ~~بالمعنى الاشتراكي الذي نفهمه اليوم، عندما كتب فصلا ~~عنوانه «مطلب في تقسيم الأرض بين مالكها وزراعها»: «ينحو ~~فيه باللائمة على ملاك الأرض الذين لا يعطون الأهالي ~~إلا بقدر الخدمة والعمل، وعلى مقدار ما تسمح به نفوسهم في ~~مقابل المشقة!» # 27 # وفي نفس هذه المرحلة ظهر جمال الدين الأفغاني ~~(1839-1897م)؛ ليجد التربة المصرية قد أصبحت صالحة للثورة، ~~بفضل التنوير الذي أحدثه الطهطاوي بتعاليمه: «لقد جرب ~~الأفغاني أن يبذر بذورا في فارس والأستانة فلم تنبت، ثم ~~جربها في مصر فأنبتت ...» # 28 # ثماني سنوات قضاها الأفغاني في مصر (من مارس ~~1871 حتى أغسطس 1879م)، كانت من خير السنين بركة على مصر ~~وعلى العالم الشرقي؛ لأنه كان يدفن في الأرض بذورا تتهيأ ~~في الخفاء للنماء، وتستعد للظهور ثم الإزهار، فما أتى ~~بعدها ms081 من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها. # 29 # والأفغاني، إلى جانب اهتمامه بفكرة «الحرية»، يهتم ~~أيضا بفكرة صاحبتها منذ بداية النهضة حتى الآن، وأعني بها ~~«الأحكام إلى العقل»، فيؤلف رسالة في الرد على الدهريين ~~(أو الماديين)، يحتكم في كل خطوة من خطوات السير إلى ما ~~ظن أنه حجة عقلية، فهو مثلا يحاول البرهنة على أن ~~نظرية التطور تقوم على الصدفة، على حين أن نظام الكون ~~نظام مدبر، ولا يجوز عند العقل أن تلد المصادفات ~~العمياء مثل هذا النظام المحكم. كما أن نظرية التطور تجعل ~~اللامتناهي ينتج عن المتناهي، وهو ما لا يجوز عند العقل ... إلخ. # 30 # لكن الأفغاني، وإن يكن قد اضطلع بدوره على الضوء الذي ~~ألقاه رفاعة الطهطاوي من قبله، فقد ارتفع بفكرة الحرية على ~~المستوى الأول نفسه، عندما نقل الولاء للحاكم الذي افترضه ~~الطهطاوي ليجعله ولاء للشعب. # 31 # وهكذا اشتدت الإرهاصات الفكرية في المرحلة الأولى، حتى ~~تمخضت آخر الأمر عن ثورة عرابي، التي كانت أول ثورة رفعت ~~شعار مصر للمصريين، وإن كانت قد اكتفت بإزالة الحرمان عن ~~المصري، دون أن تشكك في حقوق الفئات الأخرى الدخيلة من ~~أتراك وجراكسة! # 32 # المستوى الثاني # انتهت ثورة عرابي بدخول المستعمر البريطاني مصر عام 1882 ~~لتبدأ المرحلة الثانية في مسار نهضتنا الحديثة، وهنا يظهر ~~على المسرح عمالقة يشدون الأبصار والأسماع: الإمام محمد ~~عبده (1849-1905م). # 33 # يناضل ليحرر حياتنا الدينية مما علق بها من ~~خرافة؛ ولينجو بعقول الناس من ظلمة الجهل، غير أن أهم ما ~~عني به هو توضيح العقائد الأساسية في الإسلام توضيحا ~~يبين استنادها إلى منطق العقل، فتراه في كتابه «الإسلام ~~والنصرانية» يفصل القول في الأصول التي يقوم عليها ~~الإسلام، ويجعل الأصل الأول لهذا الدين هو «النظر العقلي» ~~يقول «أول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر ~~عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل ~~الحجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن ~~إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يثور عليه؟!» # 34 # أما الأصل ms082 الثاني للإسلام فهو «تقديم العقل ~~على ظاهر الشرع عند التعارض؛ فقد اتفق أهل الملة ~~الإسلامية على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل ~~عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة ~~المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله ~~في علمه. والطريق الثاني تأويل النقل مع المحافظة على ~~قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل ...» # 35 # وعلى المسرح ظهر من العمالقة قاسم أمين (1865-1908م)، ~~بدعوته إلى تحرير النصف المستعبد من الأمة؛ أعني المستعبد ~~مرتين: فهو أولا مستعبد من الرجل ثم هو والرجل مستعبدان ~~للمستعمر! كما ظهر مصطفى كامل (1874-1908م) بزعامته ~~السياسية التي اتجهت نحو تحرير البلاد من المستعمر، وأحمد ~~لطفي السيد (1872-1963م) وإصراره على أن تقيد الحكومة ~~سلطانها، بحيث لا تسيطر إلا على ما تدعو الضرورة إلى ~~سيطرتها عليه، وهي ثلاثة: الجيش، والشرطة، والقضاء، وفيما ~~عدا ذلك من المرافق والمنافع، فالولاية للأفراد والمجاميع ~~الحرة! وكان من أبرز مبادئ الحركة اللبرالية التي قادها ~~لطفي السيد مبدأ: أن تكون السيادة للقانون لا للأشخاص، وأن ~~يحكم الحاكم بإرادة الشعب لصالح الجمهور كله، لا لصالح ~~طبقة معينة أو فرد بذاته، ثم مبدأ أن تكون مصر للمصريين، ~~ولكنه هذه المرة أوسع معنى مما كان عليه في شعار الثورة ~~العرابية: لأن معناه هذه المرة أن تستقل مصر عن الأتراك ~~مع استقلالها عن الإنجليز، وكان من مبادئه أيضا أن حرية ~~الوطن لا تتحقق إلا إذا تحققت حرية المواطن، على أن حرية ~~المواطن لا تتحقق إلا في ظل حرية سياسية، يكون معناها أن ~~يشترك كل فرد في حكومة بلاده إشراكا تاما كاملا، وهذا ~~هو معنى نسميه سلطة الأمة! وهنا نلحظ الوثبة الهائلة ~~التي انتقلنا بها من المعنى الضيق للحرية السياسية كما ~~فهمها الطهطاوي، إلى معناها كما حدده لطفي السيد، هذا ~~كله فضلا عما سعى إليه لطفي السيد من تطوير التعليم، ~~الذي أراد له أن يكون تنمية للحرية الفكرية بعد أن كان ~~منحصرا في إعداد الموظفين للحكومة، وكذلك أيد لطفي ~~السيد دعوة قاسم ms083 أمين في حرية المرأة، لكنه هنا أيضا قفز ~~بالمعنى المقصود عاليا، فبعد أن كانت حرية المرأة عند ~~قاسم أمين تعني أن تكشف المرأة عن وجهها برفع الحجاب، ~~أصبحت عند لطفي السيد تعني حق المرأة في التعليم حقا ~~مساويا لحق الرجل فيه، وتمخضت هذه الإرهاصات الفكرية عن ~~ثورة 1919م التي انتقلنا بها درجة أعلى! # 36 # المستوى الثالث # على الرغم من أن زكي نجيب محمود ولد في المرحلة السابقة ~~1905م، فإن تكوينه العقلي أولا، ثم إنتاجه الفكري بعد ~~ذلك، كان ولا يزال، داخل هذا المستوى الثالث؛ فهو في مرحلة ~~التكوين في عشرينيات القرن وثلاثينياته، يقبل إقبالا ~~شديدا على متابعة الحياة الثقافية، متابعة كادت ألا ~~تترك كتابا أو مقالا مما كان يكتبه أعلام الحرية الفكرية ~~والأدبية في مصر لا سيما في الفكرتين الرئيسيتين «فكرة ~~الحرية» من ناحية، و«فكرة العقل» من ناحية أخرى. # 37 # ولقد كانت حياتنا الثقافية في هذين العقدين نشطة، فيذكر ~~أحمد أمين مثلا في كتابه «حياتي»، أنه كانت هناك مدارس ~~الأصدقاء من ذوي الثقافة الإنجليزية، يكثر فيها الحديث عن ~~شكسبير وديكز، وماكولي، وشو، وه. ج. يلز ... إلخ، وجمعية ~~أخرى من أصدقاء من ذوي الثقافة الفرنسية، يكثر فيها ذكر ~~جان جاك روسو، فولتير راسين، وموليير، ودوركايم ... إلخ، ثم ~~التقت الجمعيتان في تحرير جريدة أسبوعية اسمها «السفور»، ~~تدافع عن آراء قاسم أمين في تحرير المرأة وتدعو إليها. # 38 # غير أن هذه المرحلة تشهد أبعادا جديدة لفكرتي «الحرية» ~~و«العقل»، لم تطرأ للسابقين على خاطر، فها هو عباس العقاد ~~(1889-1964م)، يدعو إلى تحرير الشعر والفن بصفة عامة، ~~وينتهي إلى نظريته الشهيرة التي تذهب إلى «أن الجمال ~~والحرية وجهان لحقيقة واحدة»، في الوقت نفسه فكرة التحرير ~~تشمل الموسيقى، فها هو سيد درويش (1893-1923م) يعمل على ~~تحرير الموسيقى من صيغتها القديمة التي كانت تستهدف الطرب، ~~لتصبح تصويرا أو تعبيرا لما يتردد في صدور الناس بكل ~~فئاتهم. وهذا طلعت حرب (1867-1942م) يدعو للتحرير ~~الاقتصادي بإنشائه لبنك مصر وشركاته، وهنا علي عبد الرزاق ~~يحرر مفهوم الحكومة الإسلامي من تقليد ms084 الخلافة، ويصدر ~~كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» عام 1952م، يعلن في ~~آخر فقراته أن «الدين الإسلامي بريء من كل ما هيئوا حولها ~~من رغبة ورهبة ومن عزة وقوة، إن هذه الخطط السياسية لا ~~شأن للدين بها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام ~~العقل، وتجارب الأمم وقواعد السياسة.» # 39 # كذلك كان طه حسين فيما كتب داعيا إلى الفكرتين معا ~~«الحرية» و«العقل»، أو قل إنه كان يدعو إلى الحرية الفكرية ~~بالتزام المنهج العقلي الصرف، حتى في البحوث التي قد تبدو ~~غير خاضعة لذلك المنهج، فها هو يقول: «أريد أن أصطنع في ~~الأدب، هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن ~~حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا ~~يعلمون أن القاعدة الأساسية في هذا المنهج، هي أن يتجرد ~~الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحث ~~خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما.» # 40 # وهنا أحمد أمين (1887-1954م) ولجنة التأليف ~~والترجمة والنشر بما رفعته من مصابيح، يرى الناس على ~~أضوائها ثقافة الأقدمين والمحدثين. # 41 # وأخيرا نصل إلى زكي نجيب محمود الذي يكمل بإنتاجه ~~الغزير وفكره القوي الواضح، وتحليلاته العقلية لكثير من ~~المفاهيم والأفكار السائدة، هذه الحركة التنويرية الكبرى ~~التي بدأت في القرن الماضي وامتدت حتى يومنا الراهن، وهو ~~نفسه يلخص دعوته في عناصر رئيسية تجمع الأفكار ~~التنويرية السابقة وتزيد عليها، يقول: «أنا أدعو بكل قوتي ~~إلى أن نزيد من اهتمامنا «بالعلم»، حتى ولو جاء ذلك على ~~حساب الجانب الوجداني، وأدعو إلى الأخذ بأسس الحضارة ~~العصرية وما يتبعها من ثقافة، ثم أدعو إلى البحث عن صيغة ~~تصون لنا هويتنا، دون أن يضيع منا العيش في عصرنا ... تلك ~~خطوط واضحة أدرت عليها كل ما بذلته من جهود ...» # 42 # وسوف نرى بعد قليل كيف أنه يلخص في أعماقه ~~مسار النهضة السابقة كلها، وكيف أنه يقدم مشروعا حضاريا ~~يضم كثرة من الثنائيات، هي التي ظهرت في نهضتنا الثقافية ~~طوال قرن ونصف: ثنائية بين «العقل والوجدان»، ثنائية بين ~~«المادة والروح»، «بين ms085 السماء والأرض» ... إلخ ... والحق أنه ~~هو نفسه يجسد، بما له من إمكانات في مجالات شتى هذه ~~الثنائية، يقول: «إنني بمثابة عدة أشخاص في جلد واحد، ~~فهناك من تجرفه العاطفة ولا يقوى على إلجامها، ولكن هناك ~~إلى جانبه من يوجه إليه اللوم، ويحاول أن يشكمه حتى ~~يقيد فيه الحركة التي تقذف به إلى الهاوية، على أن هذا ~~الشد والجذب في داخل النفس بين عاطفة تشتعل وعقل يزيد ~~اشتعالها، لا يمنع أن ينعم الإنسان بلحظات هادئة تتصالح ~~فيها العاطفة والعقل، فيسيران معا في اتجاه واحد ...» # 43 # علينا الآن أن نبدأ من البداية لنعرف قصة هذه الثنائيات، ~~ومحاولة التصالح التي حاول أن يقوم بها مفكرنا الكبير، ~~ناظرا إليها على أنها «قطب الرحى» في نهضتنا الثقافية ~~الحديثة. # الفصل الثاني # | الفلسفة الثنائية # (1) ثنائيات كثيرة وجذورها واحدة # للثنائية الفلسفية صور شتى: منها النظرة الثنائية إلى ~~العالم التي تستهدف تفسيره بمنظورين مختلفين: وتلك هي الثنائية ~~الإبستمولوجية، ومنها القول بوجود جوهرين متمايزين في عالم ~~الواقع، وتلك هي الثنائية الميتافيزيقية: ثنائية الله والعالم، ~~المادة والروح، وما يتفرع عنها من ثنائية بين الجسم والذهن ~~... إلخ. كما أننا نستطيع كذلك أن نقول إن هناك ثنائية ثقافية أو ~~حضارية تتمثل في القول بوجود ثقافتين مختلفتين، لكل منهما ~~خصائص معينة تتميز بها عن الثقافة الأخرى. # غير أن هذه الصور المختلفة من «الثنائية» ليست منفصلة أو ~~متباعدة على نحو ما تبدو لأول وهلة؛ إذ إننا مثلا نستطيع أن ~~نستخلص من النظرة الثنائية إلى الكون، وهي الثنائية ~~الميتافيزيقية أو الأنطولوجية نظرية خاصة في تحليل المعرفة. # 1 # كما أننا قد نجد أن خصائص الثنائية الثقافية ~~مرتبطة في كل حضارة بنظرة خاصة إلى الواقع وبتحليل معين للمعرفة. # 2 # وفي استطاعتنا أن نقول إن زكي نجيب محمود المفكر والأديب ~~يجسد في شخصه، وفي إنتاجه الفكري، هذه الثنائيات جميعا ~~التي تعبر أدق تعبير عن مشكلاتنا الفكرية والثقافية منذ بداية ~~عصر النهضة العربية في القرن الماضي، كما سبق أن ذكرنا وحتى ~~يومنا الراهن. ولم تكن الفلسفة العربية التي اقترحها في ms086 «تجديد ~~الفكر العربي» بما فيها من ثنائيات بين السماء والأرض، أو بين ~~الله والإنسان، أو بين العقل والوجدان ... إلخ إلخ، إلا تلخيصا ~~للثنائية التي يعيشها مجتمعنا العربي، وخبرها مفكرنا الكبير ~~منذ بداية نضجه العقلي، ولعل المشكلات التي تثيرها هذه ~~الثنائية وما تسببه من حيرة وقلق ، كانت من بين الدوافع التي ~~دفعته إلى «الوضعية المنطقية»، فلم تكن اللحظة النادرة التي ~~تحدث عنها في ربيع عام 1946م، أو أحس فيها بما يشبه اللمحة ~~الذهنية، تتوقد لتضيء له الطريق، سوى عثور على حل لمشكلة ~~الثنائيات التي وجدها في ثقافة مجتمعه، بل أحس بها في ~~أعماقه؛ ومن ثم فليس غريبا أن يصف هذا الموقف الفلسفي ~~الجديد الذي فرق له بين مجال الوجدان، ومجال العقل، بهذه ~~العبارات ذات الدلالة الواضحة: «لقد أراد لي توفيق الله، منذ ~~بدأت حياتي العقلية المنتجة، أن أقع على طريق من طرق التفكير ~~الفلسفي، رأيته كأنما خلقت له وخلق لي، ثم رأيته وكأنه أنسب ~~ما أقدمه في عالم الفكر لأمتي؛ لأنه إذا كان الغموض والخلط ~~بين المعاني أحد الأمراض العقلية التي أصابت أمتي، فتلك ~~الطريقة من طرق التفكير هي من أنجح وسائل العلاج، وأما تلك ~~الطريقة فهي أننا إذا كنا في مجال العلم: فلا بد أن يجيء القول ~~الذي نقوله مما يطابق الواقع عند التطبيق. أما مجالات القول ~~الأخرى فلكل مجال منها معياره الخاص ...» # 3 # وعلينا أن ننتبه جيدا إلى أمثال هذه العبارات ~~الهامة، التي تدل أولا على أنه كان يعاني من مشكلة الثنائية ~~بين مجالي العلم والوجدان، وأنه كان يعتقد أن الخلط بينهما، ~~بله الخلط بين المعاني والأفكار والمفاهيم مرض يسود ثقافتنا، ~~وأنه وصل إلى الوضعية المنطقية بوصفها حلا منطقيا لما ~~تعانيه هذه الثقافة من اضطراب ومشكلات، لا سيما في تفرقة هذه ~~الفلسفة الأساسية بين هذين المجالين الرئيسين من مجالات القول؛ ~~ولهذا فإننا كثيرا ما نجده يعبر عنها كما لو كان يعرفها من ~~قبل! فهذا الموقف الفلسفي الجديد الذي عثر عليه في لحظة ~~نادرة من ربيع 1946م، كان على حد ms087 تعبيره: «كأنما هو ثوب ~~فصل على طبيعة تفكيري، تفصيلا جعل الرداء على قد المرتدي، ~~بل إني شعرت في اللحظة نفسها بأنه إذا كانت الثقافة العربية ~~بحاجة إلى ضوابط تصلح لها طريق السير، فتلك الضوابط تكمن ها ~~هنا ...» # 4 # ونحن نستشف من هذه العبارات أنه كان يعاني بالفعل ~~مشكلات ثقافية ، هي تلك الثنائيات التي سوف نتحدث عنها بعد ~~قليل، وأن فكره كان يتجه في مجرى معين قبل أن يتعرف على ~~الوضعية المنطقية، فلما عرفها شعر أنها جاءت ملائمة تماما ~~لمجرى هذا التفكير! # ثنائية العقل والوجدان سمة أساسية في حضارة الشرق، وهي ~~كذلك عند مفكرنا؛ ولهذا كان زكي نجيب محمود في أعماقه، وفي ~~حياته، وفكره، كأنما هو التجسيد الحي «للشرق الفنان» الذي يجمع ~~بين النظرة الذاتية المباشرة إلى الوجود، التي تجعله خطرة من ~~خطرات النفس أو نبضة من نبضات القلب ... وهي نظرة الروحاني ~~المتصوف والشاعر والفنان ... وبين نظرة العالم الذي يقيم بينه ~~وبين الكائنات حاجزا من قوانينه ونظرياته. # 5 # لكن هذا الشق الثاني غير موجود الآن، وتلك هي ~~مشكلة الشرق «الأوسط»، وتلك هي مشكلة الثنائية في الثقافة ~~العربية التي عاناها مفكرنا منذ مطلع نضجه العقلي، ولم يستطع ~~أن يوفق بينها فكيف يجتمع العقل والوجدان في تصور نظري ~~عام ...؟! ثم جاءت الوضعية المنطقية لتعطيه تفرقة بين مجالين ~~كان يستشعرهما بداخله، فكأنما أعطته الإطار النظري الذي كان ~~يبحث عنه، وإن كانت استفادته من هذا المذهب لم تتعد الخطوط ~~العريضة التي تعينه على حل مشكلاته، ومشكلات أمته الفكرية، من ~~حيث هو «منهج»، دون أن يتقيد بحرفيته كمذهب أو يورط نفسه ~~في مضمون فكري بعينه: «فكنت كمن يضع في يده ميزانا يزن به ~~الأشياء، دون أن يملأ يديه بمادة معينة، لا بد أن تكون هي ~~وحدها موضع الوزن والتقدير ...» # 6 # وعلى ذلك فإن النظرة الثنائية التي لخصها في كتابه «الشرق ~~الفنان» عام 1960م، ووصفها بأنها بمثابة حجر الزاوية في بناء ~~فكري جديد، ظهرت معالمها الكبرى خلال السبعينيات في تجديد ~~الفكر العربي و«المعقول واللامعقول في تراثا الفكري» ms088 وثقافتنا ~~في مواجهة العصر. # 7 # أقول لم تكن هذه النظرة «جديدة» إلا في وضوح ~~معالمها، وتحديد خطوطها الرئيسية، على نحو محدود متميز، ~~ولهذا فقد كان على حق تماما في قوله: إن هذا البناء الفكري ~~الجديد جاء ليكمل، لا لينقض، ما أنجزه خلال الخمسينيات من ~~تحديد لمنهج التفكير العلمي.» # 8 # ذلك لأن بذور هذه الثنائية كانت قائمة في أعماق وجوده ~~متغلغلة في تفكيره طوال حياته على نحو متوازن بين العقل ~~والوجدان، وهو يرجو أن يحدث هذا التوازن في ثقافتنا العربية، ~~ونحن عندما نقول إنه يجسد في شخصه هذه الثنائية المتوازنة ~~والمرجوة لمجتمعنا، فإننا نقصد المعنى الحرفي لهذه العبارة، ~~فهو عندما أراد مثلا، أن يكتب سيرته الذاتية لم يجد أمامه ~~مفرا من تصويرها في قالب «ثنائي واضح»، فيكتب كتابين ~~منفصلين: «قصة نفس» يحكي أعماق الجانب الذاتي الباطني غير ~~المرئي، ثم «قصة عقل» الذي يروي تطوره العقلي في فترة تزيد ~~على ستين عاما! وإنك لتلمس هنا وهناك، داخل كل كتاب من هذين ~~الكتابين ضربا واضحا من الثنائية لا سيما ثنائية «العقل ~~والوجدان» «ثنائية العالم والفنان» ... وهو عندما يريد، مثلا ~~آخر، أن يصور نفسه من الداخل، في «قصة نفس» يختار لها ~~شخصيتين رئيسيتين تمثلان هذه الثنائية بوضوح كامل: شخصية ~~الأحدب «رياض عطا»، صاحب الوجدان الملتهب، وشخصية «إبراهيم ~~الخولي»، صاحب العقل الواضح والأسلوب العلمي. # 9 # ويدور حول أحيانا - ينقلب إلى صراع أحيانا أخرى ~~- بين هاتين الشخصيتين بحثا عن الكيفية التي يمكن بواسطتها ~~التوفيق بين «العقل والوجدان»، بحيث يكون هناك انسجام أو ~~توازن بين هذين الجانبين، فلا يطغى جانب على جانب، يقول ~~الثاني للأول توضيحا لموقفه: «لست أقل منك حرصا على مشاعر ~~الإنسان وآماله ومثله العليا، هذه المشاعر والآمال والمثل ~~التي زعمت لي في خطابك الأخير، أنني سائر بمذهبي نحو هدمها، ~~كل ما هنالك من أمر في هذا الصدد، هو أنني أفرق بين لغة ~~العقل ولغة الشعور، فمن لا يريد أن يتحدث عما يقع في حسه ~~مما يتاح للآخرين أن يراجعوه فيه بحواسهم؛ فهو لا يريد ms089 أن ~~يتحدث بلغة العقل، وليس في ذلك رفع ولا خفض للغة المشاعر، بل ~~الأمر أمر تفرقة بين نوعين مختلفين من الكلام، فإذا كان ~~المجال مجال علم فلا يجوز للشعور أن يتسلل إلى سياق الحديث ~~بألفاظه الدالة على وجدان، أما إذا كان مجال أدب وفن فليختر ما ~~يشاء من لفظ ليثير في سامعه المشاعر التي يقصد إلى إثارتها ~~فيه ... فلنعط ما للعقل للعقل وما للشعور للشعور ...» # 10 # ولعلك تلمح في هذه الوقفة الفلسفية الأثر الواضح الذي تركته ~~الوضعية المنطقية في طريقة تفكيره: فهناك شروط ينبغي مراعاتها ~~في أية جملة يريد لها صاحبها أن تكون ذات معنى مفهوم عن ~~الطبيعة الخارجية، أو أي جزء محدد من تلك الطبيعة؛ ذلك مجال ~~واحد من مجالات الكلام ألا وهو المجال العلمي، أما ما عداه من ~~ميادين القول؛ كالشعر وغيره من ضروب التعبير الفني، فلها شروط ~~أخرى خاصة بها يعرفها المشتغلون بتلك الميادين. # 11 # ومن ثم فلا يجوز أن يكون هناك خلط بين فلسفة ~~ودين، وبين عقل وإيمان، بين منطق وفن ... إلخ، وهذا هو الموقف ~~الذي أراده لأبناء أمته أن يستخلصوه من تراثهم، شكلا لا ~~مضمونا، وهو ألا يجعلوا بين العقل والإيمان تعارضا، بل أن ~~يجعلوا بينهما تعاونا للوصول إلى هدف واحد، فلكل من ~~الأداتين قسطها من الفهم وتنظيم السلوك. # 12 # فيكون موقفنا كمن استكثر أن يترك العقل وحده حكما ~~في الميدان فقالوا: نجعل للإيمان قسطا وللعقل قسطا ... # 13 # فهو إذا كان متحمسا للعقل على نحو ظاهر، فذلك ~~لأن هذا الجانب ناقص في ثقافتنا، لكن ذلك لا يعني أنه يهمل ~~ذلك الجانب الأخر؛ أعني جانب الخيال والوجدان، يقول: «من يقرأ ~~لي فيراني متلفعا بمنطق العقل رائحا وغاديا، وقد لا يعلم أن ~~لي خيالا يشتعل لأتفه المؤثرات اشتعالا يكتسح أمامه كل ما ~~يعترض طريقه من قوى النفس الأخرى ...» # 14 ~~(2) البدايات الأولى للثنائية الإبستمولوجية # يحدثنا في «قصة عقل» أنه كان في العشرينيات من عمره، وبعد ~~تخرجه مباشرة، صاحب ملحمة صوفية: «نزع إليها صاحبنا منذ ~~فراغه من دراسته، وأخذت ms090 تعاوده حينا بعد حين وامتدت معه ~~أعواما جاوزت أعدادها عشرة.» # 15 # لكنها لم تنته بعد هذه الأعوام العشرة، كما قد ~~توحي هذه العبارة، وإنما أعيد تشكيلها لتتحول إلى نظرة الفنان ~~التي تحدث عنها فيما بعد، ووصفها بأنها سمة الشرق الصوفي. # 16 # في هذه الأعوام الأولى نجد أمامنا شابا يؤمن ~~«بوحدة الوجود»، ويكتب عنها مقالا لينشره سلامة موسى في ~~«المجلة الجديدة»، ويكون الدافع إلى كتابة المقال «رؤية ذاتية ~~إلى الوجود»، سوف يتحدث عنها بعد ذلك «في الشرق الصوفي»، فهو ~~يسير وحده بين الحقول في الريف، ويقف طويلا أمام ماشية ألقيت ~~أمامها أعواد الذرة لتطعم، فتدور في ذهنه صور متلاحقة لألوان ~~من الوجود، يعتمد بعضها على بعض ويتحول بعضها إلى بعض، ~~نبات يتغذى من عناصر الأرض، وحيوان يتغذى من النبات، ~~وإنسان يتغذى من لحم الحيوان تغذية تسري في دمائه وفي أعصابه، ~~فإذا هو يخرج غذاءه ذاك علما وفلسفة وشعرا، وتملؤه هذه ~~الفكرة فيعود ليكتب مقالة عن «وحدة الوجود». # 17 # وعندما تدور الأيام متقلبة به بين سبل الفكر، فإنه ~~يظل مبقيا في أعماقه على فكرة «وحدة الوجود»، التي تعاوده ~~بين الحين والحين، ولعل أجمل ما كتبه فيها بعد ذلك مقال بعنوان ~~«درس في التصوف»، نشر في عدد خاص من الرسالة في 3 مارس 1941، ~~وهو عبارة عن حوار بين أستاذ متصوف مؤمن بوحدة الوجود، ~~وتلميذه الشاب الذي يظهر في أول الدرس عابسا نافرا مما يقوله ~~الأستاذ. ولقد لخص هذا المقال في كتابه «قصة عقل». # 18 # غير أن هذه النظرة الصوفية التي تجلت في كثير من ~~المقالات، والتي كانت تعاوده حينا بعد حين، وامتدت معه ~~أعواما طويلة (والواقع أنها ما زالت موجودة حتى اللحظة التي ~~كتب فيها «قصة عقل»)، لم تكن قائمة بذاتها، بل صاحبتها نظرة ~~علمية صارمة، يقول عن نفسه إنه: «خلال تلك الأعوام نفسها ~~(الأعوام التي سيطرت فيها النظرة الصوفية)، كانت تغلب عليه ~~النظرة العلمية الصارمة، التي لم تكن تريد له أن يأذن لشيء في ~~الوجود كله أن يفلت من قبضة العلم، لا ms091 يستثني من ذلك القيم ~~الخلقية نفسها وما نسميه بالمثل العليا ...» # 19 # وهذه الثنائية الإبستمولوجية التي عانى منها في صدر الشباب، ~~هي التي لخصها بوضوح شديد في «الشرق الفنان» فيما بعد، ~~ورأى أن جانبا منها وهو «النظرة الصوفية»، يمثل خاصية أساسية ~~في نظرة الشرق الأقصى إلى العالم، في حين أن الجانب الآخر وهو ~~«النظرة العلمية»، يمثل الخاصية الأساسية للفكر الغربي ... أما ~~ثقافتنا العربية فهي تحاول - أو ينبغي لها أن تحاول - الجمع ~~بينهما يقول: «هما إذن، نظرتان ينظر الإنسان بأي منهما إلى ~~نفسه وإلى العالم، أو ينظر بكلتيهما: بهذه مرة وبتلك مرة أخرى؛ ~~ذلك أن الإنسان إذ يقف إزاء الحقيقة الخارجية، فإما أن ينظر ~~إليها خلال ذاته فيشبهها بنفسه تشبيها يدمج الطرفين في كائن ~~واحد، وتلك هي وقفة الفنان أو المتصوف ومن لف لفهما، وإما أن ~~ينظر إليها، وكأنه متفرج يتابع ما يجري أمامه على مسرح ~~الحوادث، فيصفه وصفا يصلح لنفسه ولغيره من الناس على حد ~~سواء، وتلك هي نظرة العالم ومن يجري مجراه في التفكير، وثالث ~~الفروض أن يجمع بين النظرتين ليفرق بين أمرين، فإن كان موضوع ~~النظر وجدانا ينبض به قلبه إزاء الكون نظر إليه بالنظرة ~~الأولى، فكان فنانا أو متصوفا، وإن كان موضوع النظر ظواهر ~~الأشياء الخارجية نظر إليه بالنظرة الثانية، فكان عالما أو ذا ~~نزعة علمية ... والنظرة الأولى هي طابع الشرق الأقصى والثانية ~~هي طابع الغرب.» # 20 # وأما تآلف النظرتين فهو مميز تميزت به ثقافة ~~الشرق الأوسط في عصور ازدهارها، عندما بلغت حضارتها أوجها. # 21 # انظر إلى العالم من داخله تكن فنانا، أو انظر ~~إليه من ظاهره تكن من رجال التجربة والعلم، انظر إليه وجودا ~~واحدا حيا تكن من أصحاب الخيال البديع المنشئ والخلاق، أو ~~انظر إليه كثرة من ظواهر يصحب بعضها بعضا، أو يعقب بعضها ~~بعضا، تكن من أصحاب النظر العقلي الذي يستدل النتائج ويقيم ~~الحجج والبراهين، ذلك بطبيعة الحال، بل ينبغي لك إن أردت لنفسك ~~تكامل الجانبين، أن تجمع بين النظرتين، فتصبح الفنان حينا، ~~والعالم حينا. ms092 ولقد اجتمع الطرفان: العقل والوجدان، في ثقافة ~~الشرق الأوسط، وهو في قمة مجده، على نحو من التوازن الذي ربما ~~لم يتحقق بالدرجة نفسها في أية ثقافة أخرى. والمشكلة في هذه ~~الثقافة الآن أن كفة الوجدان طاغية، فليس ثمة توازن. وإذا ~~قلنا ثقافة الشرق الأوسط فإنما يعنينا منها الثقافة العربية ~~بصفة خاصة. # 22 # وهي ثقافة يجسدها مفكرنا الكبير على نحو ~~صارخ؛ ولهذا لم تكن مصادفة، كما يقول هو نفسه : «حين أنشئ ~~المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب أن وجد نفسه عضوا في ~~لجنتين من لجانه: لجنة الفلسفة ولجنة الشعر، كما وقع علي ~~اختيار وزارة الثقافة، في الوقت نفسه تقريبا، عضوا في لجنة ~~تفرغ الفنانين والأدباء، وعضوا في لجنة المقتنيات الفنية، ~~ولبثت عضوا في تلك اللجان التي جمعت بين الفلسفة والأدب والفن ~~ما يقرب من عشرة أعوام أو زيد عليها ...» # 23 # كما أنه ينال التقدير مرتين: مرة جائزة الدولة ~~للفلسفة، وأخرى جائزة الدولة للأدب ... # 24 # وفي مقالات الأهرام امتزجت الشخصيتان على حد ~~تعبيره، في هوية واحدة: فالفكر ذو أعماق وأبعاد، والانفعال ~~الوجداني ذو حرارة ونبض. # 25 # لكن ذلك كله لا يعني أن تشخيصه للثنائية المميزة ~~للثقافة العربية، إنما هو «إسقاط» لا أكثر ولا أقل! فسوف ~~نتبين فيما بعد كيف برزت هذه الثنائية واضحة في الحضارة ~~الإسلامية، وسوف نلتقي بكثير من الأمثلة التي تؤيد هذه ~~القضية، فثنائية «العقل والوجدان»، سمة تميزت بها ثقافتنا في ~~عصور ازدهارها، فلما مالت هذه الحضارة إلى الانحدار، حدث الخلل ~~بين الكفتين فرجحت كفة العاطفة والوجدان على نحو صارخ، ~~ومهمتنا أن نعيد التوازن إلى ما كان عليه أيام الازدهار بأن ~~نعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. # 26 ~~(3) ثنائية أنطولوجية # إذا كانت الفاعلية الفلسفية هي في صميمها حفر تحت أرض ~~الواقع الفكري، لعلنا نصل إلى الجذور الدفينة التي انبثق عنها ~~هذا الواقع، فقد قام فيلسوفنا. # 27 # بهذا الحفر في الحياة الثقافية المعاصرة، ليرتد ~~بها إلى منابتها، فتكون هذه المنابت هي ما يمكن أن نسميه ~~بالفلسفة العربية المعاصرة، «وتدور عجلة الزمن ms093 مع صاحبنا، وإذا ~~هو أمام قضية عقلية خاصة بالرؤية العامة التي ينظر بها ~~الإنسان وينظر إلى العالم على أساسها، تتوقف نتائج فرعية لا ~~حصر لعددها، فماذا تكون تلك الرؤية التي يختارها ...؟! رأى ~~صاحبنا أن أقرب ما يمدنا بالرؤية الملائمة لنا، هو الافتراض ~~الذي يرى أن الروح والعقل ليسا أمورا من مادة، وأن المادة ~~الخالصة لا هي من روح ولا هي من عقل، وأن الإنسان قد اجتمع ~~فيه الجانبان: الروح والعقل من جهة، والجسم من جهة أخرى ...» # 28 # تلك هي الثنائية الإبستمولوجية الأساسية عند زكي ~~نجيب محمود، لكنها سوف تؤدي في الحال إلى ثنائية أنطولوجية ~~يرى أنها كامنة في أعماق ضمائرنا جميعا، «أحسب أن لو تعمقنا ~~ضمائرنا لوجدنا هناك مبدأ راسخا عنه انبعث - وما تزال تنبعث - ~~سائر أحكامنا في مختلف الميادين، وهو مبدأ لو عرضته على الناس ~~في لغة واضحة صريحة، لما وجدت منهم أحدا يحتج أو يعارض؛ ~~وأعني به مبدأ الثنائية التي تشطر الوجود شطرين، لا يكونان من ~~رتبة واحدة، ولا وجه للمساواة بينهما؛ هما الخالق والمخلوق، ~~الروح والمادة، العقل والجسم، المطلق والمتغير، الأزلي ~~والحادث، أو قل هما السماء والأرض إن جاز هذا التعبير. # 29 # ومعنى ذلك أن ثنائيتنا الأنطولوجية من نوع فريد، صحيح ~~أنها تشطر الوجود شطرين، كما فعلت الثنائية الميتافيزيقية على ~~مر التاريخ، لكنها تختلف عن المذاهب الثنائية في: «أنها لا ~~تسوي بين الشطرين: بل تجعل للشطر الروحاني الأولوية على الشطر ~~المادي؛ فهو الذي أوجده وهو الذي يسيره، وهو الذي يحدد له ~~الأهداف ...» # 30 # قد يقال: وماذا كانت ثنائية أفلاطون إن لم تكن هي بعينها ما ~~نسميه «بالثنائية الفريدة» الخاصة بنا ... ألم يشطر أفلاطون ~~الوجود إلى وجود معقول ووجود محسوس، وجعل الثاني معتمدا على ~~الأول، إن لم تكن مجرد «ظل» له يتصف بالتغير والحدوث والعرضية ~~... إلخ، في حين يتسم الأول بالأزلية والروحية؟ ألم تجعل ~~الأولوية للمطلق المجرد على الأفراد والجزئيات؟ ويجيب الدكتور ~~زكي نجيب بقوله: «إذا قيل إن الفلسفة الأفلاطونية وما جرى ~~مجراها، كانت ضربا من الثنائية التي ms094 تجعل الأولوية للمطلق ~~المجرد على الأفراد الجزئيات، قلنا: نعم! ولكن أفلاطون قد بلغ ~~في ذلك حدا ألغى معه وجود الأفراد الجزئية وجودا حقيقيا، ~~بما في ذلك أفراد الإنسان أنفسهم، فليس للفرد الإنساني الواحد ~~من حقيقة عنده إلا بمقدار ما يشارك في الإنسانية بمعناها ~~المجرد ... ولا أظن أن مثل هذا الإلغاء لحقائق الأفراد، متفق مع ~~عقيدتنا التي تلقي على أفراد الناس تبعات خلقية عما يعملون ~~أفرادا، لا أنواعا وجماعات، فهذا معناه اعترافنا الصريح ~~بالوجود الحقيقي لهؤلاء الأفراد في حياتهم الدنيا، وفي حياتهم ~~الآخرة على حد سواء ... وإذن فالنظرة الثنائية التي تناسبنا هي ~~نظرة متميزة فريدة تجعل الكائن الإلهي الواحد المطلق في جهة، ~~وتجعل الأفراد الجزئية في جهة أخرى ...» # 31 # ومعنى ذلك أننا سنجد أنفسنا أمام ثنائية أنطولوجية تتفق مع ~~الثنائية الإبستمولوجية السابقة؛ لأنه لو كان هناك ضربان من ~~الوجود: وجود «مطلق» ووجود «حادث»، لكان لا بد من وجود ~~طريقين للمعرفة: وإني لأتساءل، على أساس نظرتنا الثنائية ~~المقترحة، لماذا لا يكون للمعرفة نطاقان لكل منهما وسيلة ~~خاصة به؟! فإذا كان الأمر أمر الحقيقية المطلقة جاءتنا المعرفة ~~عن طريق، وإذا كان الأمر أمر الطبيعة وكائناتها جاءت المعرفة ~~عن طريق آخر. ولا يجوز لأي من النطاقين أن يزاحم في وسائله، ~~ولكم نشبت معارك بين أناس أرادوا تطبيق وسيلة العالم الأول ~~على العالم الثاني، أو وسيلة العالم الثاني على العالم الأول، ~~فكانوا يعانون من هذا الخلط شر ما يعاني من تشتت وبلبلة ~~ولبس وغموض ...» # 32 # وسوف يتفرع عن ذلك بطبيعة الحال ثنائية «المنهج»، بحيث ~~نجعل لدراسة ظواهر الطبيعة - أعني العلوم الطبيعية - منهجا ~~خاصا ذا شروط معينة، ولما يتصل بالحقيقة المطلقة منهجا ~~آخر. أما منهج العلوم الطبيعية فيقوم على مشاهدة الحواس وإجراء ~~التجارب، وعلى سلامة التطبيق، فلا يعنينا من الدنيا إلا ~~ظواهرها، بحيث لا يجوز لأنظارنا عندئذ أن تنفذ إلى ما وراء ~~تلك الظواهر؛ لأنها بالنسبة للعلوم ليس لها وراء؛ فهي الظواهر ~~وحدها ... أما منهج ما وراء الوقائع الصماء من حقائق؛ كالقيم ~~الخلقية مثلا فذلك شيء ms095 آخر، قد لا نلجأ فيه إلى مشاهدة ~~الحواس، وإلى التجارب العابرة بقدر ما نلجأ فيه إلى إدراك ~~البصيرة أو إلى إملاء الوحي، أو إلى ما يسري بين الناس من ~~عرف وتقاليد ... # 33 ~~(4) ثنائية ثقافية أو حضارية # إذا كانت الثنائيات السابقة، إبستمولوجية أو أنطولوجية، ~~تمثل نظرة معرفية إلى العالم، وفهما خاصا لطبيعة الوجود ~~الذي نعيش فيه، وكانت، من ثم، ترتبط بنظرة الإنسان الفرد إلى ~~هذا الوجود، فإن الثنائية الثقافية أو الحضارية تعكس مشكلة ~~المجتمع العربي الحضارية منذ خروجه من العصور الوسطى وحتى ~~اللحظة الراهنة؛ ومن هنا تحولت هذه الثنائية إلى مشكلة تؤرق ~~مفكرنا الكبير، كما تؤرق كل مفكر تنويري، على مستوى الوطن ~~العربي كله، وهي تتلخص في محاولة الإجابة عن هذا السؤال: «كيف ~~السبيل إلى ثقافة نعيشها اليوم، بحيث تجتمع فيها ثقافتنا ~~الموروثة مع ثقافة العصر الذي نحياه، شريطة ألا يأتي هذا ~~الاجتماع بين الثقافتين تجاورا بين متنافرين، بل يأتي تضافرا ~~تنسج فيه خيوط الموروث مع خيوط العصر نسج اللحمة والسدى؟» # 34 # تلك هي المعضلة التي تتحدى المثقف العربي في زماننا ولا ~~يدري حتى هذه الساعة كيف يحلها؛ # 35 # ولهذا يسعى مفكرنا إلى الوصول إلى حل يؤدي بمصر ~~خاصة، وبالوطن العربي عامة، إلى بعث جديد نواكب به العصر ~~وفكره وحضارته، دون أن نفقد هويتنا التاريخية. # 36 # ولهذا تراه يصف هذه المشكلة بأنها أم المشكلات في حياتنا ~~الثقافية: «لست أتردد لحظة حين أقرر بأن أم المشكلات ~~الثقافية الراهنة، هي محاولة الكشف عن صيغة لحياتنا الفكرية ~~والعملية، تجمع لنا في طيها طرفين؛ إذ تحافظ لنا على خصائصنا ~~العربية الأصيلة، وفي الوقت نفسه تفتح لنا الأبواب على ~~مصاريعها، لنستقبل في رحابة صدر أسس الحضارة العصرية كما ~~يحياها اليوم روادها ...» # 37 # وهو يطلق عليها أحيانا اسم «مشكلة الأصالة ~~والمعاصرة»، وربما كان هو أول من استخدم هذين المصطلحين، ويصف ~~قضية الجمع بين أصالتنا وضرورة معايشتنا لعصرنا، بأنها كانت ~~أهم ما تعرض له من اهتمامات بالتفكير والكتابة، إذا ما ~~استعرض حياته الفكرية من أولها إلى آخرها ... # 38 ms096 # فهذه القضية التي تشغله، قضية الدمج بين الأصالة ~~والمعاصرة، هي التي سوف تشكل لنا «المسلم الجديد»، الذي ~~يكون مسلما يؤدي فرائض الدين ويقوم بأركانه، ثم «يسعى إلى قوة ~~العلم في أحدث صوره، يسعى إليه من أبوابه ومن نوافذه، ومن كل ~~ثقب إبرة يوصله إلى تلك القوة ...» # 39 # وكانت هذه المشكلة هي السؤال الكبير الذي طرحه ~~أستاذنا في مقدمة كتابه «تجديد الفكر العربي»، كيف نوائم بين ~~ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا أو نفلت منه، ~~وبين تراثنا الذي بغيره تفلت منا عروبتنا أو نفلت منها ...؟! إنه ~~لمحال أن يكون الطريق إلى هذه المواءمة هو أن نضع المنقول ~~والأصيل في تجاور، بحيث نشير بأصابعنا إلى رفوفنا فنقول: هذا ~~شكسبير قائم إلى جوار أبي العلاء، فكيف إذن يكون الطريق؟ كيف ~~السبيل إلى ثقافة موحدة متسعة يعيشها مثقف حي في عصرنا ~~هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟! # 40 # وفي استطاعتنا أن نقول إن جهوده لا في «تجديد ~~الفكر العربي»، ولا في «المعقول واللامعقول»، وحدهما، بل في كل ~~ما كتبه قبل ذلك وما كتبه بعد ذلك ... إنما استهدفت الإجابة عن ~~هذا السؤال الكبير، الذي فرض نفسه علينا طوال أمد ليس بقريب. # 41 # فقد فرضت هذه المشكلة نفسها على مثقفي العالم ~~العربي، منذ اللحظة التي شعر فيها هؤلاء بوجود ثقافة ذات ~~طابع عالمي، تجتاح الجو الفكري للبلاد العربية، ويتعين تحدي ~~علاقاتها بالثقافة الموروثة عن الأسلاف. # 42 # وإن شئنا تحديدا أكثر قلنا إنها المشكلة التي ~~أصبحت تمثل قطب الرحى في نهضتنا الحديثة، منذ جاءت الحملة ~~الفرنسية على مصر ووصلت شواطئ الإسكندرية عام 1798م؛ أي قبيل ~~فاتحة القرن التاسع عشر بسنين، وكان مع الحملة جماعة من ~~العلماء الفرنسيين المتخصصين في ميادين علمية مختلفة، فكان ما ~~صنعه أولئك العلماء أن استدعوا علماء الأزهر الشريف، جماعة بعد ~~جماعة، ليطلعوهم على عجائب العلوم الجديدة؛ من ذلك مثلا، أن ~~يوقفوهم صفا مشتبكي الأيدي جارا مع جاره، ثم يمسون الواقف ~~في أول الصف بسلك مكهرب، فتسري رعدة الكهرباء ms097 في جميعهم، فأما ~~هم فيأخذهم العجب، وأما العلماء الفرنسيون فيأخذهم الضحك! ولقد ~~حدث يوما أن اغتاظ من تلك الألاعيب الصبيانية أحد الشيوخ، ~~فقال لهم ما معناه: هل في علمكم الجديد ما يجعل إنسانا ~~موجودا هنا وموجودا في بلاد الغرب في وقت واحد؟! فأجابوا ~~بقولهم أن ليس في علومهم ذلك لأنه محال، فرد هو قائلا: لكن ~~ذلك ممكن في علومنا الروحانية. # 43 # وكأن هذه الحادثة التاريخية قد رسمت بوضوح ناصع حجم ~~المشكلة الثقافية التي نعانيها: حدودها وأبعادها، كما كشفت عن ~~ثلاثة حلول ما زال لها أنصارها حتى هذه الساعة: فريق استمر - ~~كالشيخ الذي أسلفنا ذكره - يرفض ثقافة الغرب، مكتفيا بأن ~~يملأ أوعيته من كتب التراث، فكان أصيلا لكنه غير معاصر، إذ ~~إنه غض النظر عن العصر بكل ما يضطرب به من قضايا ومشكلات ~~فكرية، ومع هذه الجماعة تذهب عامة الناس من غير المثقفين؛ ~~وفريق آخر - وإن كان قلة قليلة - لم يجد بأسا في أن نمحو ~~صفحتنا محوا لنملأها بثقافة العصر وحده، كما هي معروفة في ~~مصادرها، بغير تحريف ولا تعديل. وهكذا كان هذا الفريق معاصرا ~~يعيش قضايا العصر، لكنه غير أصيل لا يرتبط بجذوره الثقافية ~~الأولى. بقي فريق ثالث اهتم بتراثه اهتماما واضحا، ثم راح ~~يطوع فكر العصر بعض التطويع، فاستكان له ولو إلى حين، وفي ~~رحاب هذا الفريق تقع الكثرة الغالبة من أعلام الأدب والفكر في ~~تاريخنا الحديث: محمد عبده، ولطفي السيد، والعقاد، وطه حسين، ~~وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود ... إلخ، وغيرهم مما يزدان بهم ~~مسار نهضتنا، كما سبق أن ذكرنا بالتفصيل، على اختلاف نزعاتهم ~~وأذواقهم، لم يرفضوا العصر، لكنهم حاولوا أن يصوغوه في قوالب ~~الثقافة العربية الأصيلة، مع تفاوت بينهم في درجة النجاح، ومع ~~هؤلاء القادة يذهب معظم المثقفين. # 44 # ولقد ركز هذا الفريق الثالث في حركته الشاملة، التي ~~استهدفت النهوض بالحياة الثقافية العربية، لكي تواكب العصر من ~~ناحية وترتبط بهويتنا التاريخية من ناحية أخرى؛ ركز خلاصة ~~دعوته في فكرتين أساسيتين هما «الحرية» و«التعقيل»، وهما في ~~الواقع وجهان لحقيقة ms098 واحدة. أما الحرية فلا تكون إلا من قيد، ~~والقيد الذي كان قائما عندئذ، بل القيد الذي أخذ يزداد ~~صلابة على مر القرون التي سادها الحكم التركي، هو قيد الجهل ~~والخرافة في فهم الناس للظواهر والأحداث، وهو أيضا قيد النص ~~المنقول الذي يفرض نفسه على الدارسين فرضا، بحيث لا يكون أمام ~~هؤلاء الدارسين من منافذ الفكر المستقل، إلا أن يعلقوا على ~~النص بشروح، ثم على الشروح بشروح ... وهلم جرا. وهي نفسها ~~الحالة التي جاءت النهضة الأوروبية لتجدها جاثمة على عقول ~~الدارسين، فكان التخلص منها والخروج عليها هو نفسه معنى النهضة ~~ولبها . # وأما «التعقيل» فهو أن نجعل احتكامنا إلى العقل دون النزوة ~~والهوى، وإلا وقعنا مرة أخرى عبيدا لسطوة العاطفة ~~والانفعالات، وإذا قلنا «العقل» فقد قلنا أحد أمرين، أو ~~الأمرين معا، فإما أن يستند الإنسان في أحكامه إلى شواهد ~~الحس والتجربة، وذلك إذا كان موضوع البحث ظاهرة خارجية من ~~ظواهر الطبيعة والمجتمع، أو أن يستند الإنسان في أحكامه إلى ~~سلامة الاستدلال في استخراج تلك الأحكام من مقدماتها، وذلك حين ~~يكون موضوع البحث فكرة نظرية، وقد يجتمع الطريقان معا في ~~بحث واحد بعينه، فنجمع شواهد من تجاربنا أولا، ثم نكون ~~فكرة نظرية نستدل منها إلى ما يسعنا من نتائج، وذلك هو سبيل العقل. # 45 # على أن الفكرتين - فكرة الحرية وفكرة التعقيل - مكملتان ~~إحداهما للأخرى؛ لأنك إذا تحررت من قيود الجهل والوهم ~~والخرافة، كنت بمثابة من قطع من الطريق نصفه السلبي، وبقي عليه ~~أن يقطع النصف الآخر بعمل إيجابي يؤديه؛ كالسجين تخرجه من ~~محبسه، فلا يكون هذا وحده كافيا لرسم الطريق الذي يسلكه بعد ~~ذلك، وكذلك التحرر من خرافة قد يقع في خرافة أخرى؛ ولهذا كان ~~لا بد لتكملة الطريق على الوجه الصحيح، أن تكون أمام المتحرر ~~بعد تحرره خطة مرسومة يهتدي بها، وما تلك الخطة الهادية إلا ~~خطة «العقل» في طريق سيره، ومعنى ذلك أن النهضة الثقافية التي ~~جاءت بالدعوة إلى الحرية والتعقيل، قد كفلت أمامنا سواء السبيل ~~بنصفها السلبي والإيجابي معا ...! # ولا ms099 شك أن العلوم المختلفة من طبيعة وكيمياء وطب وهندسة ~~وغيرها، من شأنها أن تكفل «التحرر» من الخرافة، كما تكفل ~~«تعقيل» السير إلى الهدف الذي تريده؛ ومن هنا جاء اهتمام ~~مفكرنا الكبير بالعلم ومناهجه، والتصدي بكل جهد ممكن لإشاعة ~~التفكير العلمي في كل ما يتعلق بالطبيعة وظواهرها، ولعل كتبه ~~الأكاديمية كلها ليست سوى لبنات في هذا الصرح، هكذا كانت ~~أهداف «خرافة الميتافيزيقا»، و«نحو فلسفة علمية»، و«المنطق ~~الوضعي»، بجزئيه، الذي أعلن خطته في مقدمته بكل وضوح «أنا ~~مؤمن بالعلم، كافر بهذا اللغو الذي لا يجدي على أصحابه، ولا ~~على الناس شيئا ، وعندي أن الأمة تأخذ بنصيب من المدنية يكثر ~~أو يقل بمقدار ما تأخذ بنصيب من العلم ومنهجه ...» # 46 # كان اهتمامه بالعلوم المختلفة نتيجة منطقية لاهتمامه ~~«بالحرية والعقل» معا، وهما الدعامتان الأساسيتان لنهضتنا ~~الحديثة، وهو بذلك إنما يكمل الشوط الطويل الذي قطعه المفكرون ~~التنويريون منذ عصر رفاعة الطهطاوي حتى الآن. # الفصل الثالث # | تحت مبضع التحليل # (1) «الحرية» و«العقل» # إذا ما تساءلنا عن الإسهامات الخاصة التي قدمها زكي نجيب ~~محمود في سبيل نهضتنا الثقافية، كان الجواب: إنها كثيرة، لقد ~~أكمل في بعضها الدعوة إلى المفاهيم التي كانت تتبلور في مسار ~~النهضة السابق، ولا سيما فكرتي «الحرية»، و«العقل». لكنه ها ~~هنا كان أكثر تحديدا؛ ولهذا فإننا نراه ولا يكتفي باستخدام ~~هاتين الفكرتين أو الدعوة إليهما، وإنما يأخذ نفسه بتحديد كل ~~لفظ يريد أن يستخدمه، ويطلب من الآخرين أن يفعلوا ذلك «فهو ~~يتشدد في الشروط المفروضة على المتكلم الجاد، إذا نطق ~~بعبارة أراد بها انتقال فكرة من رأسه إلى رءوس الآخرين.» # 1 # وإذا كانت الدعوة إلى الدقة في تحديد المعاني هي أهم الهموم، ~~التي حملها هذا المفكر طوال ما يزيد على نصف قرن، فقد كان يشعر ~~أن من أوجب واجباته على نفسه أن يتوخى هو مثل هذه الدقة التي ~~يدعو إليها الناس. # 2 # ولهذا ليس ثمة ما يدهشنا عندما نجده في بداية حديثه عن ~~الحرية، يتساءل «ما المقصود بالحرية»؟ تلك الكلمة التي ترددت ~~على أقلام الكتاب ms100 وألسنة الخطباء والمتحدثين منذ أواخر القرن ~~الماضي ... ثم يروح يضرب بمبضع التشريح في هذه الفكرة؛ ليستخرج ~~معانيها المختلفة التي أخذت تزداد مع الأيام اتساعا وعمقا، ~~فقد بدأت وهي تتضمن المساواة بين المواطنين «بحيث يكون ~~للمواطنين حق الشورى في أمور بلادهم، ثم إذا جاء المستعمر ~~البريطاني تحول معنى «الحرية السياسية»، ليصبح تحررا من ~~المستعمر، وظلت هذه القضية هي الشغل الشاغل، إلى أن عبت بها ~~النفوس فتفجرت ثورة 1919م، فأخذ معنى الحرية يتعمق؛ فلم يعد ~~فقط التحرر من المستعمر، بل أصبحنا نتحدث عن «حرية الاقتصاد ~~الوطني»، و«حرية المرأة»، وحرية الفنان والأديب ... إلخ . وهكذا ~~أخذ تيار الحريات يتصاعد قوة وتنوعا، إلى أن جاءت ثورة ~~1952م، ففتحت أبوابا واسعة لحريات اجتماعية: تحرر الفلاح من ~~تسلط صاحب الأرض، وتحرر العامل من تحكم صاحب العمل ... إلخ. # 3 # لكن أحدا، طوال هذا التاريخ، لم يضع «هذه الحريات» على ~~مائدة التشريح، وإنما ترك التحليل العقلي لزكي نجيب محمود ~~المنطقي؛ لينظر نظرة فاحصة مدققة في تلك الحريات بكل فروعها؛ ~~ليكشف لنا عن حقيقة لها خطرها؛ وهي أن أهدافنا السابقة من تلك ~~الحريات كانت تنحصر في الجانب السلبي وحده، بمعنى أن تكون ~~المطالبة القومية مقصورة على «التحرر» من قيود تكبلها في ~~هذا الميدان أو ذاك؛ كالتحرر من الاحتلال البريطاني، وتحرر ~~المرأة من طغيان الرجل، وتحرر العامل الزراعي من استبداد مالك ~~الأرض، وتحرر العالم الصناعي من تحكم صاحب رأس المال، وتحكم ~~كذا في كيت ... وبعبارة أخرى أوشكت كل جهودنا المبذولة طلبا ~~للحرية أن تنحصر في تحطيم الأغلال والقيود، وهو أمر واجب ~~ومطلوب، غير أن التحرر ليس سوى جانب واحد فقط من الحرية هو ~~«الجانب السلبي»؛ إنه في حقيقته لا يزيد على أن يفتح باب السجن ~~لينطلق السجين حرا»؛ أي إنه لم يعد مغلول الحركة مقيد ~~الخطى، ولكن ماذا بعد ذلك؟ ماذا «يصنع» ليحيا؟ # ها هنا تبدأ الحرية بمعناها الإيجابي الذي لا بد فيه من ~~«قدرة» الإنسان على أداء عمل، ولا قدرة في أي ميدان إلا لمن ~~عرف حقيقة ذلك الميدان وما ms101 يتعلق به، إننا نريد «حرية الذين يعلمون». # 4 # وهكذا ربط مفكرنا ربطا وثيقا بين الحرية بمعناها الإيجابي، ~~وقدرة الإنسان على أداء عمل معين «يعرف» كيف يقوم به؛ فالجانب ~~الإيجابي من الحرية والمعرفة وجهان لعملة واحدة، أن الطفل ~~الذي يظفر بقلم وورقة بعد بكاء عنيد، «حر» في أن يخط ~~بالقلم ما يشاء، والفنان «حر» في إقامة بنائه اللوني على ~~اللوحة، لكن ما أبعد الفرق بين حرية وحرية! لقد أزيلت الموانع ~~التي كانت تحول دون حصول الطفل على ورقة وقلم، فلما بلغ مراده ~~كان حرا، وانطلقت تلك الحرية المجنونة «تشخبط» الخطوط على ~~الورق بلا هدف ، وأما الفنان العارف بأسرار فنه، فقد استطاع ~~بحريته «المقيدة» بقواعد الفن وأصوله، أن يبدع ما قد يضاف إلى ~~كنوز الجمال، وإذن فالتحرر هو الجانب السلبي من الحرية، أما ~~الجانب الإيجابي فهو يرتبط بالعلم والمعرفة؛ ومن هنا كان حق ~~الحرية بمعناها الإيجابي المنتج، مقصورا على أولئك الذين ~~يعلمون! # أما الفكرة الثانية، «فكرة العقل»، فقد وقف مفكرنا عندها ~~طويلا، لما لها من أهمية في بناء حياتنا الثقافية: «فإذا ~~كانت الحرية في جانبها السلبي تعني «التحرر» من القيود، فإنها ~~في جانبها الإيجابي تعني البناء، وذلك يحتاج إلى خطة مرسومة ~~يهتدي بها من تحرر من القيود، وهذه الخطة الهادفة هي التي ~~يرسمها «العقل».» # 5 # فما هو هذا العقل؟ مهما اختلفت تعريفات الناس ~~للفظة «عقل»، فإنهم في عصرنا الراهن على الأقل متفقون على ~~أبعاد معنى، لا يجوز أبدا أن ينصرف إليه مفكر واحد، وهو ~~المعنى الذي يتصور أن ثمة في عالم الكائنات كائنا مستقلا ~~بذاته قائما برأسه اسمه «عقل»، كما يشير اسم «هملايا» ~~«مثلا» إلى جبل معلوم. بل إن العقل اسم يطلق على فعل من ~~نمط ذي خصائص يمكن تحديدها وتمييزها، والفعل ضرب من النشاط ~~يعالج به الإنسان الأشياء على وجه معين. # 6 # وإذا كان العقل فعلا فإننا نستطيع تحديده على ~~النحو التالي: «العقل حركة انتقالية تبدأ سيرا من شواهد ~~وبينات ومقدمات، وينتهي عند نتيجة تتولد مما بدأ منه. فليس ~~عقلا ذلك ms102 الذي يدرك ما يدركه بلمحة مباشرة أو بلمعة (كما ~~يقولون)؛ لأن أمثال هذه الإدراكات المباشرة لها أسماء أخرى، ~~وطبائع أخرى. أما العقل فإدراكه غير مباشر لأنه قدرة ~~استدلالية، ومعنى ذلك أنه يتضمن قيام طرفين: طرف نبدأ منه، ~~طرف آخر هو النتيجة التي تنتهي إلينا ...» # 7 # والعقل حر في اختيار الطرف الأول الذي يبدأ منه، ~~ولكنه إذا ما حدد لنفسه نقطة البدء لم تعد له بعد ذلك حرية ~~النتائج؛ لأن هذه النتائج تلزم بالضرورة عن نقطة الابتداء. # 8 ~~«على أن للعقل طريقين اثنين، لا ثالث لهما، يلتزم منهما هذا ~~الطريق أو ذاك، بحسب الموضوع الذي يفكر فيه، أما أحدهما فهو ~~الطريق الذي يجعل نقطة ابتدائه معطيات تعطاها حواسنا الظاهرة ...» # 9 # في الحالة الأولى يجد العقل أمامه عبارة مركبة من ~~كلمات أو رموز الرياضة، فيصب عليها عمله الفكري ... وليس ~~أمامه إلا أن يستخرج من تلك العبارة ... التي تكمن في مفهومات ~~رموزها، إن العقل في هذه الحالة لا يتبرع بفكرة من عنده، بل ~~مهمته أن يفض الأغلفة التي تستر المعاني داخل رموزها، فكما ~~أنك إذا وضعت في طاحونة الغلال قمحا، لم يخرج لك إلا دقيق ~~القمح، وإذا وضعت في عصارة الخضر والفاكهة عنبا، لم يخرج لك ~~منه إلا عصير العنب، كذلك الحال في تركيبات اللفظ أو الرمز ~~تكمن فيها معان، ثم يأتي التفكير العقلي ليستخرج تلك الكوامن، ~~فيأخذ ما يريد ويرفض ما لا حاجة لنا به، والتفكير الرياضي كله ~~هو من هذا القبيل. # 10 # وذلك أول الطريقين. أما الطريق الثاني فهو حين لا ~~يكون ما بين أيدينا إلا مركبات من ألفاظ ورموز، بل «معطيات» ~~تلقتها حواسنا من مصادرها. وفي هذه الحالة يكون طريق العقل ~~مختلفا عن طريقه في الحالة الأولى؛ ذلك لأن عمله هنا هو ~~محاولة الكشف عن الروابط القائمة بين مجموعة الأشياء، التي ~~رأيناها أو سمعناها أو أدركناها بأية حاسة أخرى من حواسنا، ~~فافرض مثلا أن السماء تمطر، فكل الذي نراه قطرات ماء، ثم نبدأ ~~في الكشف عن الصلة بين هذه القطرات ms103 وبقية المحسوسات، كأن نرى ~~العلاقة بينهما وبين درجة الحرارة، وبينها وبين درجة الرطوبة، ~~وبينها وبين درجة ضغط الهواء، وبينها وبين اتجاه الريح ...إلخ ~~فإذا كشفنا عن تلك الروابط كنا أمام ما يفسر المطر تفسيرا عقليا. # 11 # العقل إذن فاعلية تبدأ من بداية معينة: تعتضد الرموز إذا ~~كانت البداية فكرة رياضية؛ لتقول إنها تنتج كذا وكذا، أو تبدأ ~~من وقائع حسية فتربط بينها وبين وقائع أخرى، لتستخرج لنا ما ~~نسميه بالقوانين. # ويستحيل على العملية العقلية، كائنة ما كانت مادتها، أن ~~تتحرك قيد شعرة إلا إذا كانت بين أيدينا «نقطة الابتداء» التي ~~منها تسير، وقد تكون نقطة الابتداء هذه «وقائع»، وقد تكون ~~«فروضا»، فإن كانت الأولى كانت العملية العقلية من الضرب ~~السائد في علوم الطبيعة. وإذا كانت الثانية كانت من الضرب ~~السائد في علوم الرياضة، ولا ثالث لهذين الضربين في عمليات ~~الفكر، فمهما تنوعت موضوعات البحث، ألفيتها بعد شيء من ~~التحليل، إما منتمية إلى النوع الذي يبنى على الحقائق ~~الواقعة، وإما منتمية إلى النوع الذي يبنى على الفروض. # 12 # وهكذا نصل إلى ثنائية «المبدأ» أو ثنائية نقطة البداية: # 13 # التي قد نبدأ فيها من وقائع الطبيعة، وهو ما تفعله ~~مجموعة العلوم الطبيعية، كما ذكرنا، وقد نبدأ من «فروض» ~~كالرياضة: فتكون مبادئ مختارة ليس فيها إلزام لأحد من غير ~~أصحابها، فقد يفرض الرياضي أن المكان مستو ثم يبني النتائج ~~على فرضه هذا، أو قد يفرض أن المكان كري ثم يستنبط، أو أن ~~المكان أسطواني. وهكذا. # 14 # غير أنه إذا كانت الرياضة هي المثل الكلاسيكي للبداية التي ~~تبدأ من فروض، أو مبادئ مختارة، فإن الديانات المختلفة مثل ~~آخر للنسقات الفكرية التي تبنى على «مبادئ»، فكل منها يضع ~~كتابه أمامه «مبدأ» يسير منه ويستنبط، بحيث تكون الأحكام ~~الفقهية في كل دين صوابا بالنسبة إلى نص كتابها. # 15 # وهنا نلفت النظر إلى نقطة هامة وخطيرة: وهي أن ~~المنظومات الفكرية المختلفة، وإن تكن كل منها مستقلة عن ~~الآخرين في صواب أحكامها أو خطأ تلك الأحكام؛ أعني أن ms104 كلا ~~منها إذا استشهد بصواب حكم معين فمرجعه هو مبدؤه، لا مبدأ ~~المنظومة الأخرى، إلا أننا نستطيع المفاضلة بين هذه المنظومات ~~الكثيرة المتجاورة، على أساس ما تؤديه كل منها للحياة ~~الإنسانية من سعادة أو من تسام أو غير ذلك؛ فالأمر هنا شبيه ~~بأن ترى بيوتا متجاورة، لكل منها أساسه الذي أقيم عليه، ~~ولكل منها أجزاؤه الداخلية التي بنيت على ذلك الأساس، فلا ~~يكون بيت منها حجة على بيت آخر، فقد يهدم أحدهما لضعف ~~أساسه، بينما يبقى الآخر بقوة أساسه، لكن استغلال هذه البيوت ~~المتجاورة بعضا عن بعض، لا يمنع من المفاضلة بينها من ناحية ~~ما تؤديه في حياة ساكنيها. # 16 # ضربنا مثلين للمبادئ المفروضة نختارها ليبدأ منها العقل ~~سيره، هما «العلوم الرياضية»، و«البناءات الدينية»، ونستطيع أن ~~نسوق مثلا ثالثا من الفكر السياسي، فها هنا كذلك تجد النظرية ~~السياسية تبدأ من «مبدأ» معين تقيم عليها بناءها كله: خذ ~~مثلا فيلسوفين إنجليزيين هما «هوبز» و«لوك»، الأول يقيم ~~نظريته السياسية على أساس أن حق الحكم للأقوى. وهذا، الأقوى ~~إذا ظفر بالسلطان لم يعد من حق الشعب المحكوم أن يقيله أو أن ~~يعترض عليه. أما الثاني فيقيم نظريته السياسية على أساس أن حق ~~الحكم لمن يختاره الشعب، وبذلك يكون للشعب حق إقالة الحاكم إذا ~~انحرف عما أرادوه من أجله، من المبدأ الأول ننتهي إلى حكم ~~الفرد المستبد، ومن المبدأ الثاني ننتهي إلى حكم الشعب لنفسه، ~~هكذا نجد أنفسنا أمام منظومتين فكريتين، كل منهما ترتكز على ~~ركيزة، وكل منهما يحكم على نتائجها بالصواب أو الخطأ بحسب ~~طريقة استنباطها من مبادئها، فكيف تفاضل بينهما إذا أردنا أن ~~نختار لأنفسنا إحداهما دون الأخرى؟ لأننا لا نفاضل بينهما على ~~أساس صواب إحداهما وخطأ الأخرى؛ لأن كلا منهما قد تكون صحيحة ~~الأجزاء، ما دامت هذه الأجزاء مستنبطة استنباطا سليما من ~~المنبع. بعبارة أخرى قد تكون كلتا المنظومتين صوابا على ما ~~بين تفصيلاتهما من اختلاف بعيد، لسنا نفاصل بينهما على أساس ~~الصواب والخطأ لأن كلا منهما مبنية على «مبدأ»، والمبدأ ms105 ~~«فرض»، والفرض لا يوصف بصواب أو خطأ، وإنما تكون المفاضلة على ~~أساس النفع للإنسان في حياته ... وقل مثل ذلك في جميع المذاهب ~~الفلسفية الأخرى. # 17 # العقل، إذن، فاعلية أو نشاط نسير به من «أ» إلى «ب»، وقد ~~تكون «أ» معطيات الحس، و«ب» هي القوانين أو أدوات الربط بين ~~الظواهر الطبيعية، وذلك هو طريق العلم الطبيعي، وقد تكون «أ» ~~بداية مفترضة هي الرموز الرياضية أو هي «النصوص الأدبية» أو ~~«النظريات السياسية»، أو المبادئ النظرية في المذاهب الفلسفية ~~المختلفة ... إلخ، ويكون أساس المفاضلة بينها هو مدى نفعها لحياة ~~الإنسان. # غير أننا إذا نظرنا بهذه الفاعلية «العقلية» إلى أمور الحياة ~~والثقافية معا، كنا كمن يسأل عند كل موضوع مطروح: هل ~~الخطوة الفلانية إذا خطوناها بلغنا الأهداف؟! # وهذه النظرة تستتبع صفات فرعية كثيرة تنتج عنها، كما تنتج ~~الثمرات من شجراتها، وهذه الصفات تشكل ما نسميه «بالنظرة ~~العقلية» أو الوقفة العاقلة، ويمكن تلخيصها فيما يلي: ~~(1) # أولى هذه الصفات، وهي نفسها نتائج نابعة من ذلك ~~المبدأ العقلاني، أن تتحدد الأشياء بنسبها ~~الصحيحة بعضها من بعض، فيبدو الكبير كبيرا كما هو ~~والتافه تافها كما هو، فقد تهتم الدولة المتحضرة ~~بمسألة عملية تريد لها أن تستقر في أذهان ~~الناس، ولكنها تتغاضى عن توافه السلوك التي ربما ~~اختارها هذا الرجل أو ذاك. ~~(2) # ومن النتائج التي تترتب على الوقفة العاقلة ~~أيضا إيثار الآجل على العاجل؛ إذ كان في العاجل ~~خير قليل قد يعقبه شر كثير، أو كان في الآجل ~~خير كثير قد يسبقه شيء من ألم التضحية. ~~(3) # ومن أبرز جوانب النظرة العقلية، وأكثرها أهمية ~~بالنسبة لنا، أن ترد الظواهر إلى أسبابها ~~الطبيعية، فلا يفسر المرض، مثلا، إلا بالجراثيم ~~التي أحدثته، ولا يعلل سقوط المطر إلا بظروف ~~المناخ، وهكذا. ويترتب على هذا الربط السببي ~~الصحيح أن نلتمس للأشياء أسبابها الطبيعية كذلك، ~~فإذا أردنا غلالا زرعنا لنحصدها، وإذا أردنا ~~قتالا حملنا له السلاح بمران واقتدار. # 18 # ومن هنا كان السحر هو الضد المباشر ~~للنظرة العقلية؛ إذ إنه «اللامعقول»؛ ذلك لأن ~~السحر يعلل ms106 الأحداث بغير أسبابها الطبيعية، فإذا ~~كانت علة المطر مثلا، هي مقدار ما يتكثف في ~~الهواء من بخار الماء، جعلها الساحر ورقة يكتب ~~عليها أحرفا يختارها، أو عبارات يزعم لها القدرة ~~على إنزال المطر. وإذا كانت علة الشفاء من مرض ~~معين هو أن تزال الجراثيم التي تحدث، كانت هذه ~~العلة عند الساحر «عفريتا» سكن الجسد العليل، ~~والشفاء من المرض إنما يكون بطرد هذا العفريت ~~بأقوال تقال، وبخور يعطر جو المكان، ~~ويطهره من الكائنات الشيطانية العابثة بأجساد ~~الناس ... وهكذا. # 19 ~~(4) # والنظرة العقلية تنظر إلى الواقع كما هو لتحوره ~~إلى واقع جديد إذا أرادت، دون أن تقيم بينها ~~وبين الواقع حائلا تنسجه الأوهام، ثم سرعان ما ~~تنسى أنه أوهام، فإذا كان البدائي يخلق لنفسه ~~الخرافة لينظر بمنظارها إلى واقع الدنيا، فإن ~~المتحضر هو الذي يواجه تلك الوقائع كما تبدو لبصره ~~وسمعه. ~~(5) # على أن أبرز ما تتميز به النظرة العقلية إلى ~~الكون هو حب الإنسان للمعرفة، حيث يلم بأسرار ~~البيت الذي هو ساكنه؛ فالعقلاني في نظرته ذو نهم ~~نحو معرفة الحقائق والطبائع والعلل، ولا يصده عن ~~ذلك شيء من التحريم الذي يفرضه البدائيون على ~~أنفسهم. # أيكون غريبا بعد ذلك أن نقول إن «سلطان العقل» هو مدار ~~القياس لدرجة الحضارة؟ فقل لي كم عقلت أمة في تدبير أمورها، ~~أقل لك كم صعدت في مدارج التحضر ... # 20 # فالعقلانية في وجهة النظر هي التي تراها ماثلة في ~~كل حضارة مهما اختلف لونها، ولا تراها في أي جماعة بدائية ~~مهما تعددت بعد ذلك صفاتها، فلربما اتجهت النظرة العقلية نحو ~~الأفكار المجردة تنظمها وتنسقها في ترتيب هرمي يضع الأهم ~~منها فوق الأخص، كما حدث عند اليونان الأقدمين أو ربما اتجهت ~~نحو تحليل ما نزل به الوحي من تشريع، كما حدث للعرب الأولين، ~~أو اتجهت نحو ظواهر الطبيعة تستخرج قوانينها النظرية، كما حدث ~~لأوروبا في عصورها الحديثة، أو اتجهت نحو تجسيد تلك القوانين ~~العلمية النظرية في أجهزة يديرها الإنسان، أو تدير نفسها ~~بنفسها كما يحدث لعصرنا القائم. # 21 # على ضوء ms107 هذا الذي أسلفناه نستدير إلى عصرنا وحضارته. إنه ليس ~~بدعا يشذ من القاعدة التي سارت عليها العصور؛ فالحضارة فيه ~~ما زالت قائمة على نفس الأساس، الذي قامت عليه حضارات ~~السالفين، والأساس هو «العقل» ... ونسأل بعد ذلك أين تقف الأمة ~~العربية اليوم من مسيرة الحضارة؟ ... «وأجيب بجواب يختلط فيه ~~قليل من الأسى وكثير من الأمل؛ الأسى للهوة اللاعقلية ~~العميقة التي لا تزال تتخبط في ظلالها، والأمل في جيل جديد ~~أراه على الطريق إلى العقلية العلمية وضيائها ...» # 22 # على أننا لا نستطيع أن نغادر هذا الجزء الهام، مع ما فيه من ~~جوانب عقلية قيمة، قبل أن نشير إلى مسألة قد نختلف فيها مع ~~أستاذنا الكبير وهي «المفاضلة» بين المذاهب الفلسفية على أساس ~~نفعها؛ ذلك لأن كلمة «النفع» منذ البداية كلمة غامضة، وتثير ~~أسئلة كثيرة: ما هو المذهب «النافع» وبأي معنى؟ ومتى يكون ~~كذلك؟ ألا يمكن أن يكون المذهب «غير نافع» الآن، ثم يتضح أنه ~~«نافع» بعد عشرات السنين؟! ألم يجد فلاسفة النهضة، مثلا، ~~أفكارا نافعة عند فلاسفة اليونان؟! # ثم ألا يجوز لنا أن ننقد المذاهب الفلسفية من منظور غير ~~المنظور النفعي؟ ألم يستعرض أرسطو، مثلا، في كتابه ~~«الميتافيزيقا» الفلاسفة السابقين عليه من طاليس حتى أفلاطون، ~~ناقدا كل فيلسوف على حدة من منظور عقلي لا علاقة له ~~بالمنفعة؟! # ثم ألا يمكن أن يكون «نقد» فلسفة ما، أو دحض مذهب معين لا ~~يعني سوى أن المبدأ الذي يرتكز عليه قد أصبح عاملا مساعدا أو ~~عنصرا مسلسلا في الفلسفة التي تليها. وهكذا تسير المذاهب ~~الفلسفية يعقب بعضها بعضا في تطور جدلي تندثر قشرتها ~~الخارجية، ويبقى مبدؤها ليصبح عنصرا مكونا في مذهب أعلى؟ # 23 # ألم يقل هيجل إن «الفلسفة» كل متصل تدفعه ضرورة داخلية، فكل ~~فلسفة كانت ولا تزال ضرورية؛ وبالتالي فليس منها ما اختفى ~~وزال، وإنما تجدها عناصر إيجابية في كل واحد ... وآخر فلسفة هي ~~نتيجة لجميع الفلسفات السابقة ... # 24 # فلا يكون، في هذه الحالة، ثمة «مفاضلة بين ~~المذاهب الفلسفية» التي تشبه الشجرة مع نموها، ms108 ولم يكن في ~~استطاعة أي مذهب أن يرى النور ما لم تتقدمه المذاهب السابقة ~~كلها! ~~(2) مشكلة الأصالة والمعاصرة # كانت قضية الجمع بين الأصالة الثقافية التي تضرب بجذورها إلى ~~المقومات الأولية التي جعلت من العربي عربيا، وبين المعاصرة ~~التي تجعله جزءا من زماننا بنشاطه الفكري، لا بمجرد وجوده ~~الجسدي، هي قطب الرحى و«أم المشكلات»، كما سبق أن ذكرنا، في ~~حياة مفكرنا الكبير، حتى إنه يقول عنها إنها أصبحت القضية التي ~~يصح أن نقول حيالها قولة هاملت في أزمته النفسية: أن أكون أو ~~لا أكون: ذلك هو السؤال. # 25 # فإذا كان موضع الإشكال عند أسلافنا هو طريقة ~~اللقاء بين أحكام الشريعة ومنطق العقل، فقد أصبح موضع الإشكال ~~عندنا اليوم هو طريقة اللقاء بين العلم والإنسان. # 26 # اللقاء بين «العقل والوجدان». # 27 # والصيغة التي يقترحها مفكرنا الكبير كحل لمشكلة ~~«الأصالة والمعاصرة» هي الصيغة التي تجمع بين «العقل ~~والوجدان»، بحيث يكون واضحا لدينا أن مجال العقل يشمل جميع ~~الظواهر الطبيعية والاجتماعية ... إلخ التي تحتاج إلى تفسير ~~«علمي» بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، وهو المعنى الذي يسوي ~~بين البشر أجمعين، ويكون هناك إمكان لعرض خطوات السير عليهم ~~خطوة خطوة، حتى نصل من نقطة الابتداء إلى النتيجة التي ننتهي ~~إليها، أما مجال الوجدان فهو مجال الفن والشعور بصفة عامة، ~~وهو مجال يتميز بأنه «ذاتي» خاص بالفرد، وليس عاما مشتركا ~~بين الناس؛ ففي بدائع الفن نجد أن لكل فنان طابعه الفردي ~~الخاص، الذي يستمده من حياته الباطنية التي لا يشاركه فيها ~~إنسان آخر، وعلى ذلك فإن علينا أن ندرك أنه في مقدمة الإصلاح، ~~إذا أردنا إصلاحا، أن نربي الأجيال الجديدة على وقفة ~~أخرى، يفرق المرء لنفسه فيها تفرقة واضحة بين ما هو عام، ~~فيحيله إلى العقل وأدواته، وما هو خاص فلا بأس عندئذ في ~~الركون إلى لغة الشعور. # 28 # فإذا ما تساءلنا: لماذا انقضت على مصر منذ بدأت ~~نهضتها الحديثة حتى الآن مائة وخمسون سنة على الأقل، ومع ذلك ~~لا نستطيع أن ندعي أنها تشربت من ثقافة العصر ms109 الجديد ما ~~كنا نتمنى لها أن تتشربه؟! لماذا أصبح المتعلمون في مصر ~~يعدون بعشرات الملايين، ومع ذلك فإن نفورهم من رؤية الحياة ~~بنظرة علمية تلتزم منطق العقل، لا يقل عن نفور أجدادهم الذين ~~غمرتهم موجة الظلام إبان القرون الثلاثة السابقة على بدء ~~النهضة الحديثة ...؟! إذا طرحنا أسئلة كهذه، وجدنا لها جوابا ~~واحدا هو: نقص في تربية العقل وإسراف في إشعال الوجدان. # 29 # كما لو أن شيئا في تركيبنا الثقافي يوسوس لنا ~~دائما بأن العقل وحده لا يكفي سندا للإنسان في حياته، وأن ~~ظواهر كثيرة تحدث متحدية العقل أن يفسر حدوثها بمنطق العلم، ~~فلا يسع العقل إزاءها إلا أن يقف عاجزا، ومثل هذا الشعور ~~بعجز العقل وقصور العلم، يتملكنا بدرجة قل أن تجد لها ~~نظيرا في شعوب أخرى، وعلى الرغم من يقيني بأهمية الجانب ~~الوجداني في حياتنا فطالما أحسست بواجبي في الإعلاء من شأن ~~العقل، والعقل يتبعه قيام العلم ومناهجه، حتى لو ذهبت في ذلك ~~الإعلاء إلى حد المبالغة، لأحدث نوعا من التوازن في حياتنا ~~بين عقل ووجدان؛ إذ التوازن بينهما مفقود. # 30 # إن المشكلة الحقيقية التي نصادفها في حياتنا العملية ليست في ~~قبول صيغة «العقل والوجدان»، وإنما في بيان مجاليهما من ~~ناحية، وما يستتبعه الأخذ بهما في دنيانا الواقعية من ناحية ~~أخرى: سل من شئت: هل تحب أن تتابع العصر في عقلانيته ~~وتقنياته؟ يجبك في استعلاء بأن العقلانية وما يترتب عليها هي ~~جزء من ميراثنا الأصيل. لكن قل له: إنها في عصرنا تستتبع عدة ~~أمور؛ منها ألا تلقي بزمامك إلى العاطفة أيا كان نوعها، ~~ومنها أن يتولى العمل من يحسن أداءه، لا من ينتمي إلى أصحاب ~~الجاه بأواصر القربى، ومنها أن يكون الارتكاز كله على الواقع ~~المادي الصارم، ومنها أن نصطنع في حياتنا نظرة علمانية تجعل ~~محورها هنا على هذه الأرض، قبل أن يكون هناك في عام آخر ... قل ~~له هذا، يأخذه الفزع؛ لأنه عندما أعلن أنه من أنصار النظرة ~~العقلية، لم يكن قد تخيل لنفسه أنها نظرة تلد كل ms110 هذا النسل ~~العجيب، فهو عقلاني بالاسم، لا بالمضمون والنتائج، أنه يقبل ~~من العصر تقنياته؛ لأنه يريد كسائر عباد الله، أن ينعم ~~بالسيارة والطيارة وأجهزة التدفئة والتبريد، لكن إذا علم أن ~~إدخال هذه الآلات في حياتنا معناه إدخال عادات جديدة، في تلك ~~الحياة، ومعناه إحلال قيم جديدة محل قيم قديمة، أخذه الهلع؛ ~~لأنه في عمق نفسه لا يريد عن قيمه الموروثة بديلا. وهكذا نقع ~~في أزمة حضارية من طراز نادر لأننا في الحقيقة بمثابة من ~~يحيا ثقافتين متعارضتين في وقت واحد: إحداهما خارج النفس ~~والأخرى مدسوسة في حناياها لا تريم، فترى حضارة العصر في ~~البيوت والشوارع والأسواق، بينما تحس حضارة الماضي رابضة خلف الضلوع. # 31 # والواقع أن علينا أن نسلم بضرورة اللجوء إلى ~~العقل، وإلى العلم الذي هو في حقيقته تجسيد للعقل في رسم السبل ~~الناجحة، ولا يكفي أن نفاخر سائر الدنيا بأننا أصحاب قلوب ~~عامرة بوجدانها، لا فرق في ذلك بين أن يكون الموضوع المعروض ~~للمعالجة مما تنفع أو لا تنفع فيه القلوب ووجدانها: «ومن ثم ~~كانت دعوتي التي ما فتئت أكررها بوجود التفرقة الواضحة بين ~~مجالين: مجال لا يصلح له إلا العقل بكل رصانته وبروده، ومجال ~~آخر من حق المشاعر أن تشتعل فيه ما شاءت لها حرارتها.» # 32 # علينا أن نبدل ذلك الرأي الشائع فينا الآن، ~~والذي يقول إن العقل وعلوه - وهو لب العصر الذي نعيش فيه - ~~عدو للوجدان ومشاعره، ولما كانت الكثرة الكاثرة منا نصيرة ~~للوجدان فسحقا للعقل ومناهجه. # 33 # كلا، ليس العقل نقيضا للوجدان وإنما لكل مجاله ~~الخاص، والمشكلة الأساسية عندنا تكمن في خلطنا بين المجالين أو ~~عدم وعينا بالحدود الدقيقة لكل منهما. # وإذا كان من الباحثين من يرى أن «زواج» الأصالة والمعاصرة، ~~أو الصيغة المقترحة للجمع بين العقل والوجدان، أمنية مستحيلة ~~التحقيق، أو هي فكر بالتمني فحسب، فإن مفكرنا الكبير يعتقد ~~أنها قد تحققت بالفعل في تراثنا القديم، وأن لها أمثلة كثيرة ~~في فكرنا الحديث أيضا؛ وبالتالي فهي ممكنة التحقق، بل لا بد ~~من تحققها في ms111 فكرنا المعاصر. # لقد ألف الناس قبل ظهور الإسلام ضربين من الحضارة ومن ~~الثقافة، اختلفا فيما بينهما إلى حد التنافر، بل إلى حد ~~الدخول في حروب مستعرة، وهاتان الحضارتان هما حضارة الفرس ~~وثقافتهم من جهة، وحضارة اليونان وثقافتهم من جهة أخرى، ~~المحور في الحالة الأولى هو «الوجدان»، أو هو «الإملاء» إملاء ~~القلب أو الوحي أو الحدس، يفرض على الإنسان طريقة فكره ونمط ~~سلوكه ... والمحور في الحالة الثانية هو عقل الإنسان يقيم له ~~الحجة على الباطل فيرفضه، ويسوق له البرهان على الحق فيرتضيه ... ~~وكان الظن هو ألا سبيل إلى لقاء بين «شرق» متمثلا في فارس، ~~و«غرب» متمثلا في اليونان، ثم جاء الإسلام في أوائل القرن ~~السابع الميلادي، ومع فتوحاته انهدمت الفواصل بين الثقافتين، ~~أو قل أنها اندمجت في خطوة أولى على طريق المواطن العالمي، ~~وكان ذلك الدمج الباهر هو الذي أخرج إلى العالم، تلك الصيغة ~~الحضارية الثقافية الإسلامية الجديدة التي ألقت في مركب واحد: ~~صوفية الفرس وعقلانية اليونان. وهذه الطبيعة الثالثة الجديدة ~~قد جمعت بين إدراك الحدس الصوفي وإدراك العقل الاستدلالي، بحيث ~~احتملت الحياة الثقافية الإسلامية أن يظهر فيها أعظم المتصوفة ~~وأعظم مناطقة العقل في آن معا. # 34 # ويتساءل مفكرنا الكبير: «لماذا استطاعت ثقافة المسلمين أن ~~تنقل في عصر المأمون، بصفة خاصة، ما نقلته من فلسفة اليونان ~~وعلومهم إلى اللغة العربية، ولم ينقلها أهل الهند أو أهل الصين ~~إلى لغتهم؟!» ويجيب: «إن العلة لم تكن في لغة تستطيع ولغة أخرى ~~لا تستطيع، بل العلة هي أن ثقافة تتقبل منطق العقل (إلى جانب ~~الوجدان) وتهضمه، وثقافة أخرى لا تتقبله ولا تهضمه.» # 35 # كان القرآن الكريم هو كتاب المسلمين (والدين لا ~~يلجأ في أية جهة يظهر فيها إلى الاستدلال العقلي، وإنما هو ~~يأتي برسالة موحاة من الله أو غير موحاة مثل أنبياء الشرق ~~الأقصى، فيتقبل الناس فحوى هذه الرسالة فإذا بها دين وعقيدة)، ~~فهو إذن لمحة قلب، أو نبضة وجدان أو «حدس» بالمصطلح الفلسفي أو ~~هو إدراك مباشر. # 36 # إنه إيمان لا يستند إلى ms112 برهان ولا يراد له أن يستند إلى ~~برهان؛ لأن الإنسان لا يريد برهانا على صدق وجدانه، أو صحة ~~شعور يشعر به مباشرة في طوية نفسه: إذا كنت جائعا وأشعر ~~بالجوع فلست أريد البرهان من أحد على أني جائع أو على ~~أني أحب؛ تلك حالات وجدانية داخلية يقبلها صاحبها قبولا ~~مباشرا، لا هو يريد لنفسه أن يبرهن على صدقها، ولا هو متوقع ~~من سواه أن يبرهن له عليها. وهذه الرؤية المباشرة التي لا وسيط ~~فيها لا تقتصر على الدين فحسب، وإنما هي مجال كل ما ينتجه ~~الوجدان من فن وأدب وتصوف ... إلخ. # لكن على أساس هذا الدين الجديد قامت علوم عقلية، فإذا كان ~~الدين ليس علما ولا هو يحتوي على علم لأنه في صميمه رسالة ~~أخلاقية؛ فإن من أعظم ما يفخر به الدين الإسلامي، هو أنه حث ~~الناس على أن يعملوا عقولهم ليكتشفوا قوانين الكون، وبمجرد ~~نزول القرآن لم يكد يمضي ثلاثة أرباع القرن بعد الرسالة، حتى ~~ظهرت حركة عقلية جديدة؛ ففي المناخ الذي نزلت فيه الرسالة ~~المحمدية كان الإيمان مشتعلا في القلوب، وتلك هي الخطوة ~~الأولى، عندما تؤخذ الرسالة الجديدة مأخذ التصديق الذي يؤمن ~~فحسب، ثم تاتي الخطوة الثانية؛ وهو أن يصب أصحاب التحليلات ~~العقلية تحليلاتهم على ذلك الذي كان موضع إيمان في الخطوة ~~السابقة. # في القرن الثاني الهجري ظهرت مجموعة من المفكرين صممت على ~~أن تفهم القرآن الكريم حق فهمه، كيف؟! كان من المنطقي أن ~~يبدءوا بدراسة اللغة العربية نفسها لتجتمع لهم أدوات الفهم ~~الصحيح. فلم يريدوا الوقوف من اللغة موقف المتذوق وكفى، بل ~~أرادوا أن يجعلوا دراسة علمية بأدق ما يكون المنهج العلمي. ~~ولم تكن قواعد اللغة قد استخلصت وجمعت حتى ذلك الحين، ~~فانصرفوا إلى استخلاصها وجمعها. وهنا تشعب الباحثون إلى ~~شعبتين: الأولى مقرها البصرة، والثانية مقرها الكوفة؛ ومن ثم ~~فأول ما نجده من أنشطة عقلية هي هذه الدراسات اللغوية التي ~~رأيناها في مدرسة «الخليل بن أحمد» وتلميذه سيبويه في البصرة، ~~والكسائي في مدينة الكوفة، وكذلك ما بذلته ms113 المدرستان في ~~استخراج الأسس التي لا بد من الكشف عنها لكي تفهم اللغة ~~العربية على أساس علمي صحيح. ولنلاحظ جيدا أن هذا الجهد ~~يبذل لأول مرة في التاريخ، فلم يحدث أن تصدى عالم قبل ذلك ~~لاستخراج قواعد اللغة أو عروض الشعر أو الاشتقاق. فوضع الخليل ~~بن أحمد المعجم الأول عندما جمع المفردات من أفواه الناس لأول ~~مرة. فما الذي كان يستهدفه بهذا الجهد؟! فهم القرآن فهما ~~سليما. ولنلحظ هذه الوقفة نفسها، رجل يبحث في اللغة بحثا ~~علميا ليفهم دينه، ولننظر في هذه الوقفة فقط، ونتخيلها فماذا ~~نجد؟ نجد أمامنا رجلا عالما إذا شئت، متدينا إذا شئت؛ لأن ~~كليهما في «دمج واحد»، بل إنه حين أراد العلم إنما أراده من ~~أجل الدين، وهذا الوجود ذو الوجهين المتكاملين هو جمع للنمطين ~~السابقين في نمط واحد. # 37 # تلك هي الصيغة المقترحة لحل ثنائية الثقافة التي نعيشها ~~الآن. وفي استطاعتنا أن نضرب أمثلة أخرى كثيرة على وجود هذه ~~الصيغة في ثقافتنا القديمة؛ أعني الجمع بين «العقل» و«الوجدان» ~~بين ثقافة اليونان وثقافة الفرس في ثقافة جديدة، خذ مثلا ~~«علوم الدين»، وهي بناء علمي أقيم لخدمة الدين: الفقه، ~~مثلا، نحن أمام نص قرآني، مجموعة أحاديث نبوية وتزيد أن ~~تستخرج الأحكام الشرعية، وهي ليست ظاهرة كلها لكل إنسان، وإنما ~~الظاهر منها قليل، والباقي يحتاج إلى عقل وعلم يستخلص من ~~الآيات الكريمة ما قد كمن فيها من أحكام شرعية؛ فهي إذن ~~عملية عقلية، وعلينا مرة أخرى أن نمعن النظر في «فقيه» يقوم ~~بهذا الدور، لنجد أنه إنسان متدين عالم في آن معا. وليست ~~المسألة هنا مجرد تجاوز العنصرين، وإنما العنصران متشابكان؛ ~~لأن أحدهما جاء ليخدم الآخر، فإذن هما كيان واحد، فكأنما تجد ~~النمطين السابقين في نمط واحد. # 38 # خذ مثلا ثالثا «علم الكلام» الذي سمي كذلك؛ لأنه نشاط ~~عقلي ينصب على تحليل «كلام» الله الذي هو القرآن الكريم، ~~فالله «واحد»، لكن هذه الذات الواحدة لها صفات كثيرة من علم ~~وإرادة وقدرة ورحمة، فهل تعدد الصفات في الذات الواحدة ms114 لا ~~يعطيها شيئا من التعدد؟! نحن نؤمن «بالواحد» لكنا نحتاج إلى ~~عملية عقلية تبين لنا كيف أن تعدد الصفات لا يتناقض مع ~~الواحدية المطلقة ... إلخ، لكن انظر مرة ثالثة إلى القائمين ~~بهذه العملية العقلية، وحاول أن ترى جوهر الرجل منهم ما هو؟ ~~إنه دمج للنمطين في نمط واحد؛ فهو دين وعقل معا. وقل مثل ~~ذلك في الفلاسفة المسلمين؛ فمن هو الفيلسوف المسلم؟ هو رجل ~~أراد أن يقرأ نتاج العقل اليوناني بلغة الشريعة، أو أن يقرأ ~~الشريعة بلغة العقل، وعنوان كتاب ابن رشد فيه الكفاية: «فصل ~~المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، حلل رجلا ~~كهذا تجد أنه أراد أن يدمج العقل اليوناني مع الشريعة ~~الإسلامية في كيان واحد. # 39 # إذا كانت هذه الأمثلة، وغيرها كثير، تتصدر التاريخ الذي ~~ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ، أيكون من الصعب أن نوفق من ~~جديد إلى الدمج بين «العقل والوجدان»؟! أيصعب علينا أن نرتبط ~~بماضينا عن طريق الوجدان الذي هو بطبيعته لا يتقدم؟! «فالنص ~~الديني» يبقى كما هو، في حين تتقدم علوم الدين أو علوم اللغة ~~لأنها نشاط عقلي. كما أن كلمة «التقدم» قد تكون بغير معنى ~~في الآداب والفنون، «فقد لا يستطيع شاعر من شعرائنا اليوم أن ~~يجاري امرئ القيس، وقد لا يستطيع أحد من رواة الحكايات في ~~يومنا أن يقترب من الذروة الأدبية التي بلغتها ألف ليلة وليلة، ~~لا، إن التقدم لا يكون إلا في معرفتنا العلمية أو العقلية، أما ~~ما هو خاص بالوجدان، فلا تقدم فيه، فلا أظن أن الأم العصرية ~~الثكلى تبكي فقيدها على نحو أكمل من بكاء الأمهات بالأمس، ~~ولا أن يغني عاشق في عشق حبيبته بأكثر مما غنى قيس في عشق ليلاه. # 40 # وفي ظني أن هذه الفكرة تحل مشكلة الجماعات الدينية التي ~~تدعونا إلى أن نعود إلى الماضي بوصفه أزهى عصور الإسلام، وذلك ~~يكون ممكنا بالنسبة للمسائل الوجدانية التي لا تتقدم: نقاء ~~القلب، وإخلاص السريرة وحلاوة الإيمان ... كذلك ما في الماضي من ~~فن أو أدب، أما العلوم والمعارف بجميع ms115 أنواعها فلا بد أن ~~تكون هي علوم العصر؛ لأنها مجال «العقل» وهو وحده الذي ~~يتقدم. # فإذا تساءلنا: «من الذي أراه يا ترى يجسد لنا بشخصه ~~المتعين ذلك الضرب من اللقاء بين تراثنا ومنتجات عصرنا في دنيا ~~الفكر؟! إن أول من يرد إلى خاطري كلما ألقيت على نفسي هذا ~~السؤال هو: طه حسين، فإلى جانب مؤلفاته ذات القيمة الكبرى، أرى ~~في شخصه ما هو أهم منها فيما نحن الآن بصدد الحديث فيه، وأعني ~~بذلك طريقته في الجمع بين موروثنا وروح عصرنا، أما موروثنا فلا ~~أظن أحدا يجادل في سعة إلمامه بذلك الموروث إلماما فيه الدقة ~~وفيه الفهم، وأما روح العصر فظاهر في منهجه وفي رؤيته وفي ~~تصوره ... # 41 # وأسوق مثالا آخر لرجل جمع في شخصه الحسنيين وهو ~~الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ فهو الآخر يلم بالموروث إلماما يجعل ~~ذلك الموروث على أطراف أصابعه، وهو في الوقت نفسه يحيط بأهم ~~ما دار في عقول علماء الغرب في ميدان تخصصه. # 42 # والحق أننا نستطيع أن نطبق الفكرة نفسها على جميع أعلام ~~نهضتنا الثقافية الحديثة، ابتداء من رفاعة الطهطاوي حتى زكي ~~نجيب محمود نفسه، فكل واحد من هؤلاء المفكرين الأعلام كان ~~أصيلا من حيث إلمامه بالتراث، لكن كان أيضا معاصرا عندما ~~وقف على ثقافة العصر؛ ولهذا جاء فكره مركبا بين الاثنين معا. ~~إننا لا نريد لثقافتنا أن تفنى في ثقافة غيرنا، بحيث نجعل منهم ~~نموذجا لنا نحتذي به، وإنما نريد أن ينحصر تفردنا الثقافي في ~~تلك الجوانب التي تميز الشعوب، والتي هي في الوقت نفسه ليست ~~مقياس التقدم الحضاري، هو جانب العقل، وأعني بها جوانب القصيدة والفن. # 43 # والخلاصة أنه ليس من المحتم أن يكون إما الحياة كلها للعلم ~~ومنهجه الاستقرائي، وإما الحياة كلها للانضواء تحت مبادئ ~~مقبولة سلفا، فليس من المستحيل أن نحيا في ساحة من قسمين، ~~لكل منهما المنهج الذي يلائمه: فقسم للعلوم وما يتفرع عنها ~~من صناعات، ويكون له منهجه القائم على تقصي الوقائع قبل ~~صياغة القوانين، وقسم آخر لحياة الوجدان والقيم ms116 الخلقية ~~والجمالية، وفيها يكون السير مهتديا بمبادئ مسبقة. # 44 # وفي استطاعتنا أن نقول إن زكي نجيب محمود نفسه، مثل حي ~~متعين لهذه الصيغة التي يقترحها لحل مشكلتنا الثقافية؛ صيغة ~~الدمج بين «العقل» و«الوجدان»؛ ولهذا فإن من الطبيعي أن نسأل ~~الآن: ما هي الإسهامات التي قدمها هذا المفكر في كل مجال من ~~هذين المجالين؟ # القسم الأول: مجال التحليل العقلي # يمكن أن نقول إن زكي نجيب محمود قدم الكثير لمجال ~~العقل، ابتداء من محاولاته لتحديد «مفهوم العقل» نفسه - ~~كما سبق أن أشرنا - مبينا مجالات استخدامه، إلى محاولته ~~إشاعة النظرة العقلية على نحو ما حددها في النقاط الخمس ~~السابقة. لكن هناك جانبا بالغ الأهمية هو استخدامه ~~للفاعلية العقلية أو النشاط العقلي، تحديد وتحليل كثير من ~~المفاهيم الشائعة وإلقاء الضوء عليها، وهي مهمة شاقة في ~~مجتمع اعتاد أن يرسل القول على عواهنه، ويستخدم الفكرة ~~الغامضة لمجرد أنها موجودة، أو لأنها تثير وجدانه؛ مع أن ~~الحياة الفكرية بمعنى من أدق معانيها هي تحديد الفواصل ~~بين المعاني المتداخلة، أو المتشابهة: ولك أن تحكم على ~~أمة بدرجتها في مدارج الحياة الفكرية بمقدار ما استطاع ~~أبناؤها تحديد المعاني التي يتداولونها ... # 45 # وهذا هو الدور الذي تقوم به: «الفاعلية ~~الفلسفية» فمما توصف به الفاعلية الفلسفية، أحيانا أنها ~~محاولة لتوضيح المفاهيم التي تقع عند الناس بين الجهل ~~التام والعلم التام، يعني أنها مفاهيم يتداولها الناس وهم ~~على بعض العلم بها، فلا هم يجهلونها كل الجهل، ولا هم ~~يعلمونها كل العلم، فتتناولها الفلسفة بالتحليل والتوضيح ~~لعلها تبلغ من معانيها مبلغ التحديد الدقيق الحاسم، فهذه ~~المفاهيم التي تقع عند الناس وسطا بين الغموض والوضوح، هي ~~أشبه بمدينة تراها على مبعدة فترى بروزا ممتدا في الأفق. # 46 # وهكذا قل في كثير جدا من المفاهيم والأفكار التي ~~نتداولها في مجرى حياتنا الفكرية، بل في مجرى حياتنا ~~العملية، والتي نشعر أن الحياة، فكرية أو عملية متعذرة ~~بدونها، ومع ذلك فعلمنا بها لا يكاد يتعدد علمنا بأن الأفق ~~البعيد مدينة كبيرة، وها هنا يكون عمل الفلسفة ms117 أن تدنو بنا ~~من تلك المفاهيم لنراها في تفصيلاتها ودقائقها. والعجيب أن ~~يتهمك الناس نتيجة لهذا التحليل بأنك تعقد البسيط ~~وتصعب السهل، حين جاءهم الفيلسوف بتحليل يفكك لهم ~~أوصال المفاهيم التي يتداولونها، فثاروا في وجهه كأنهم ~~كانوا يجدون النعمة في الفهم المبهم، ويخشون أن يفسد تحليل ~~الفلاسفة عليهم ما كانوا به ينعمون! # 47 # كانت طريقته أن يمسك بعدسة مكبرة تكشف للقارئ عناصر ~~الفكرة التي هي مدار الحديث، فذلك وحده كفيل أن يزيل ~~ضباب الغموض الذي يكتنف المفاهيم المحورية التي عليها تدور ثقافتنا. # 48 # فالتوضيح معناه تحليل المفهوم الغامض لاستخراج ~~العناصر الداخلة في تكوينه لكي نفهمه، تماما مثل أي ~~عملية كيميائية، فلكي تفهم الماء أو الهواء، أو قطعة ~~الفحم، أو ما شئت، فهما علميا عليك بتحليلها في ~~المعامل، وكذلك التحليل العقلي للأفكار الغامضة، عليك أن ~~تحللها تحليلا عقليا، لكي تكشف عناصرها ومكوناتها التي ~~دخلت في تكوينها. # 49 # وإذا أردنا أن نقدم نماذج لهذه الأفكار التي قام أستاذنا ~~الكبير بتحليلها لوجدنا أنها كثيرة كثرة لافتة للنظر؛ ~~ولهذا فلا مندوحة لنا عن تقسيمها إلى مجموعات ثم نقدم ~~من كل مجموعة أمثلة قليلة. # المجموعة الأولى: أفكار سياسية ~~(أ) المثقف الثوري # في الستينيات ظهر تعبير «المثقف الثوري»، وشاع على ~~أقلام الكتاب، وكان على مفكرنا الكبير أن يطرح على ~~نفسه هذا السؤال: «متى يكون المثقف مثقفا وكفى، ومتى ~~يكون مثقفا وثوريا معا؟!» ويجيب من خلال منظورين ~~«للإسراء والمعراج». أما الأول فهو حديث للرسول ~~الكريم أورده ابن عربي، يقول فيه: «ما ابتلي أحد من ~~الأنبياء بمثل ما ابتليت به»، مشيرا بذلك إلى رجوعه ~~من حالة الرؤية (رؤية الحق)، إلى دنيا الناس؛ ليخاطب ~~فيهم من ضل ليهديه سواء السبيل، والمنظور الثاني: ~~حديث لواحد من الصوفية يقل: «صعد محمد النبي العربي ~~إلى السموات العلا، ثم رجع إلى الأرض، قسما بربي لو ~~بلغت هذا المقام لما عدت أبدا ...» ونحن هنا أمام ~~نمطين مختلفين من الوعي: الأول تتميز به حالة النبوة، ~~والآخر حالة المتصوف الذي يشاهد «الحق»، ويتمنى ألا ~~يعود إلى ms118 الناس، فإذا عاد كانت عودته غير ذات نفع ~~كبير؛ لأنه سيحصر نفسه في ذاته منتشيا بما قد شاهد. # 50 # وها نحن أمام رجلين: رجل يرى الحق فتكفيه ~~الرؤية، ورجل يرى الحق فلا يستريح له جنب حتى يغير ~~الحياة وفق ما رأى، ولست أرى ما يمنع من التوسع في ~~التطبيق، بحيث نجعلها تفرقة بين المثقف الذي ينعم ~~بثقافته، ثم لا يغير من مجرى الحياة شيئا. والمثقف ~~الذي لا ينعم بثقافته إلا إذا استخدمها أداة لتغيير ~~الحياة من حوله، وفي هذه الحالة الثانية يكون المثقف ~~مثقفا وثائرا معا ...» # 51 # لكن ذلك يحتاج إلى تحديد أكثر: فصفة «الثورية» حين ~~تضاف إلى المثقف، أكثر انطباقا على ميدان العلوم ~~الإنسانية منها على ميدان العلوم الطبيعية، فلا يجوز ~~أن يقال عن عالم الرياضة الذي درسها وطبقها في بناء ~~الجسور أنه مثقف ثوري؛ لأنه طبق ما تعلم ... كلا! ~~فالتفرقة مقصورة على أصحاب الثقافة الإنسانية؛ لأنها ~~هي التي تشمل القيم، والقيم هي التي يصيبها التغير، ~~حين يقال إن ثورة قامت فغيرت وجه الحياة. # 52 # لكن هذا التحديد لا يزال غير كاف؛ لأن الذي يغير ~~وجه الحياة قد يغيرها إلى الوراء، لا دافعا بها إلى ~~الأمام، في حين أن الثورية تضاف إلى المثقف الذي يدفع ~~بالحياة إلى الأمام، في مقابل «الرجعية» لمن يريد أن ~~يرد الحياة إلى الوراء. غير أن الدقة تحتم علينا ~~أن نفهم معنى «الأمام» و«الوراء»؛ لأنها لا تكون ~~مفهومة إلا بالنسبة لهدف معلوم. وهكذا نستطيع أن ~~نحدد «المثقف الثوري» تحديدا أكثر دقة، بقولنا أنه ~~من أدرك مثلا جديدة للحياة الإنسانية، وحاول تغيير ~~الحياة وفقا لها، شريطة أن يجيء هذا التغيير في ~~الاتجاه الذي يسير فيه التاريخ، بحيث تتسع الرقعة ~~البشرية التي تتمتع بما كان مقصورا على القلة، من ~~جوانب القوة والحرية والعلم وسائر أوجه الكمال. # 53 # والطريف أنه يجعل من سقراط النموذج الأول «للمثقف ~~الثوري»؛ لأنه لا يستريح ولا يطمئن، حتى يحمل الناس ~~على قبول ما ارتسم في ذهنه من وجوب أن يكون زمام ~~الأمور كلها ms119 لمبادئ العقل: فلا نزوة ولا رغبة ولا ~~عاطفة أجدى على الإنسان من عقله. # 54 ~~«ومثلنا الثاني للمثقف الثوري هو ~~أفلاطون: ارتسمت في ذهنه صورة عقلية للدولة المثلى ~~كيف تكون، بحيث تجيء دولة قائمة على دعامة العدل»، ~~وأخذ في محاورة «الجمهورية» يفصل القول في صورة هذه ~~الدولة العادلة ... ولو اكتفى أفلاطون بهذه الصورة ~~لعددناه «مثقفا»، يرى الفكرة ويحللها فيسترخي ~~ويستريح، لكنه كان مثقفا ثوريا وهو يلتمس طريق ~~التنفيذ لفكرته التي ارتآها عند تلميذه ديونيسيوس، ~~الشاب الذي آل إليه الحكم في سراقوصة بجزيرة صقلية ...» # 55 # كذلك كان الغزالي في تاريخ الفكر الإسلامي ~~هو خير الأمثلة التي تضرب للمفكر الثوري؛ لأنه غير ~~بفكره حياته وحياة الناس من بعده لعدة قرون ... وفي ~~حياتنا الفكرية الحديثة يقوم «جمال الدين الأفغاني» ~~بدور سقراط: يجادل ويناقش ويخلق التلاميذ والأتباع، ~~ويشعل الروح ويوقظ النفوس ... كذلك كان تلميذه «محمد ~~عبده» يدرس ليصلح ويبني وينشئ ويعلم ويربي، ولم ~~يكن «مثقفا» وكفى، بل كان «مثقفا ثوريا». وقل مثل ~~هذا في قاسم أمين ولطفي السيد، الأول يكتب ليغير نصف ~~الشعب «المرأة»، والثاني ليؤصل حياة سياسية على ~~أصول ديمقراطية. # وهكذا يسير بك في تحليله العقلي لمفهوم ظهر في ~~حياتنا الثقافية إلى آفاق لم تكن في الحسبان. بل لم ~~يتصور من استخدموا هذا المفهوم أنه يمكن أن ينسل هذا ~~النسل كله! ~~(ب) إرادة التغيير # لم يكن زكي نجيب محمود في يوم من الأيام منتميا ~~إلى حزب سياسي معين، ولكن كان يتخذ على حد تعبيره ~~«موقفا سقراطيا»، هو أن يكون صاحب رأي مستقل، من ~~حقه إبداء الرأي وتوجيه النقد لكثير من أوضاع ~~مجتمعه، دون أن يلتزم بأفكار حزب معين أو بموقف ~~«أيديولوجي خاص». ولقد أمده هذا «الموقف المستقل» ~~بحرية الحركة، في نقد وتحليل أي مفهوم يظهر على مسرح ~~حياتنا الثقافية أو السياسية، دون أن يجد في هذا ~~التحليل حرجا ولا غضاضة؛ ولهذا تراه قابعا مع قلمه ~~ممسكا بمبضع التحليل يتلقف كل ما يظهر من أفكار ~~ومفاهيم ليبدأ عمله! لا يهمه بعد ذلك المصدر الذي ~~أطلق ms120 الفكرة - رئيس الجمهورية أو جمهور الناس في ~~الشارع - فبعد حرب السويس تحدث الرئيس جمال عبد ~~الناصر في إحدى خطبه داعيا إلى «إرادة التغيير» التي ~~نحن أحوج ما نكون إليها، ويتلقفها مفكرنا الكبير ~~ويضعها تحت عدسته المكبرة، فإذا بهذا التعبير ~~يتحول إلى تحصيل حاصل! فهما مترادفان! «إرادة ~~التغيير» كلمتان صيغتا على صورة المضاف والمضاف إليه ~~كما نقول: قراءة الكتب أو «رؤية الشمس» ... وهما معا ~~تكونان أحد المبادئ التي نستهدفها في بناء حياتنا ~~الجديدة، وهما من ذلك الضرب من المفاهيم التي يكون ~~الناس منها على درجة وسطى بين «الجهل والعلم»، ومن ~~ذا لا يستخدم كلمة «إرادة» وكلمة «تغيير» في حديثه ~~الجاري، وهو على بعض العلم بما تعني هذه الكلمة أو تلك؟! # 56 # وينتهي من تحليله إلى أنه لا انفصال بين الإرادة ~~والعمل، حتى ليصبح من اللغو أن نقول عن إنسان أن له ~~«إرادة»، لكنها لا تجد العمل الذي تؤديه ، وإلا كنت ~~كمن يقول إنه يأكل ولا طعام أو يشرب ولا ماء! # الإرادة هي نفسها العمل الذي يحقق الهدف، ويزيل ما ~~قد يحول دون تحقيقه، شريطة أن يكون الهدف هو هدفك أنت، ~~وإلا كنت آلة مسخرة في يد صاحب الهدف. إنك في ~~الفعل الإرادي أنت الآمر والمأمور، إنك أنت تعمل العمل ~~الذي تسعى به إلى تحقيق أهدافك، فأنت عندئذ بجميع ~~سلوكك تجسيد للإرادة وتنفيذها. # 57 # وهكذا نجد أن قولك «إرادة التغيير» لا يزيد شيئا عن ~~قولك «الإرادة» ... لأن هذه لا تكون بغير فعل، ولا فعل ~~بدون تغيير، فسواء أكان التغيير الحادث ضئيلا، أم ~~جسيما فهو تغيير؛ لأنك لا تفعل الفعل في خلاء، بل ~~لتحرك به شيئا فيتغير مكانه، وباختصار كل إرادة فعل، ~~وكل فعل حركة وتغيير! ومن ثم فلا ينبغي أن نتحدث عن ~~«إرادة التغيير»، بل عما نريد تغييره، أو الهدف الذي ~~من أجل تحقيقه تغير ما تغير، وهو يقترح أن يتجه ~~التغيير إلى المعايير والقيم التي تسود حياتنا، ويضرب ~~لها مثلا بالتوحيد بين العام والخاص «فنحن بما ورثناه ~~من تقليد اجتماعي أحرص ms121 ما نكون على «الملك الخاص»، ~~وأشد ما نكون إهمالا «للملك العام»، كما هي الحال في ~~العناية الواجبة بالابن والعناية الواجبة بالمواطن ~~البعيد، والعناية بتنظيف الدار من الداخل والعناية ~~بتنظيف الطريق العام، بين المال الذي نملكه والمال ~~الذي تملكه الدولة، بين العيادة الخاصة يديرها الطبيب ~~الذي يستغلها، والمستشفى العام يديره الطبيب نفسه، ~~ولكنه يديره باسم الدولة.» # 58 # وقل مثل ذلك في معاني «الجاه» و«الصدارة ~~في المجتمع» والزهو بعدم الخضوع للقانون ... إلخ. # 59 ~~(ج) أخلاق القرية # وعندما تحدث الرئيس السادات عن أخلاق القرية. # 60 # زاعما أنها الأخلاق المثلى، وأنه يريد ~~أن يعود بالمجتمع إلى مثل هذه «الأخلاق الرفيعة»؛ ~~تصدى مفكرنا الكبير لتحليل الفهم الغريب لأخلاق ~~القرية، وكان مما قاله: «إن أخلاق القرية هي الأخلاق ~~التي أفرزتها الحضارة الزراعية الريفية، وبمقدار ما ~~نريد المحافظة على شيء من هذه الحضارة، تكون الحكمة ~~في المحافظة على أخلاقها. غير أن الاتجاه العام الذي ~~يسود عصرنا هو تحويل القرية إلى مدينة لا تحويل ~~المدينة إلى قرية؛ فالأقرب إلى التصور أن يتحول الفلاح ~~إلى عامل زراعي، بكل ما تحمله كلمة عامل الآن من ~~حقوق الأجور والتأمينات والانتماء النقابي وغير ذلك. ~~لقد جاءت قيم الحضارة الصناعية، لتبقى وتسود وليس لنا ~~عن ذلك محيص.» # 61 # ثم يستطرد أستاذنا الكبير فيعدد «مساوئ» أخلاق ~~القرية، التي يشيد بها رئيس الجمهورية: ~~(1) # أبناء القرية في تمسكهم بأخلاق الريف ~~الزراعي يعدون أنفسهم أسرة واحدة أو ~~كالأسرة الواحدة؛ ومن هنا كان مصدر ~~صلابتهم، لكن من هنا أيضا كان مصدر ~~التخلف الحضاري عندهم؛ ذلك لأن الشعور ~~الأسري هو في الأساس مصدر «المحسوبية». ~~فيكفي صاحب الحكم أن يعلم أن بينه وبين ~~فلان تلك العلاقة الوثيقة، ليجعله ~~«محسوبا» عليه؛ مما يلزمه إلزاما ~~خلقيا أن يسانده ولو بغير حق، وهي ~~مساندة غالبا ما يجيء ثمنها أن يدين ~~المحسوب لولي نعمته بالولاء ... وهكذا تظهر ~~النتائج الضارة! ~~(2) # العلاقة بين أفراد القرية قائمة على ما ~~تقضيه روابط الدم؛ أعني روابط القربى، ~~وكثيرا ما يكون ذلك على حساب المصلحة ~~القومية التي تجاوز القرية وأبناءها، ms122 ~~فالحضارة الصناعية أدت إلى تجمع ألوف ~~العمال في مصنع واحد، بل ويسكنون عادة ~~في حي واحد؛ مما أدى إلى علاقات ~~اجتماعية من نوع جديد هي العلاقات التي ~~تتمثل في النقابات، وسرعان ما يصبح الهدف ~~المشترك لا خدمة أسرة واحدة، بل خدمة ~~حرفة صناعية معينة، وخدمة القائمين بها. ~~وهنا تتغير معاني طائفة كبيرة من الألفاظ ~~الخلقية كالعدل والكرامة والتعاون. # 62 ~~(3) # إذا كان في الدعوة إلى أخلاق القرية ~~رومانسية تشبع الخيال، فإن فيها الكثير ~~من جوانب القصور: ليس فيها مثلا مكان ~~لدقة الزمن باعتبارها فضيلة؛ فأدق ما ~~تعرفه أن يقال صبح، ضحى، وعصر، ومغرب؛ ~~ولذلك يضيق ابن القرية عندما تطالبه ~~بتوقيت يلتزم الساعة والدقيقة ... فإذا ~~عرفنا أن دقة الزمن من الركائز الأساسية ~~في الحضارة الصناعية القائمة، علمنا أن ~~أخلاق القرية لم تعد تسعف من أراد ~~المشاركة في حضارة هذا العصر. # 63 ~~(د) يمين الفكر ويساره # ومن المفاهيم الغامضة التي استخدمت بدلالات سياسية ~~أيضا «اليمين واليسار »، فهما كلمتان تستعملان على ~~نطاق واسع للتفرقة بين الأفكار والمواقف والأشخاص: ~~فهذه الفكرة من اليمين وتلك من اليسار، وكذلك هذا ~~الموقف وذلك. وهذا الرجل وذاك، وكثيرا ما يوصف من ~~وضع في زمرة اليمين بالرجعية واللاعلمية؛ لأن اليسار ~~وحده هو التقدمي والعلمي، وليس الأمر من قلة الشأن ~~بحيث نتركه يمضي بغير تحديد ... # 64 # وينتهي من تحليله لهذين المفهومين إلى نتيجة: «أراها ~~محتومة حتما؛ وهي أن ليس هناك فواصل فارقة في ميدان ~~الفلسفة بين يمين ويسار، وكذلك لست أعتقد أنه يطوف ~~لأحد ببال أن يكون في «العلم» يمين ويسار ...» # 65 # لكن هذه التفرقة تكون واضحة في مجال الاقتصاد ~~والاجتماع والسياسة ... فضلا عن مضمون الأدب دون الشكل، ~~ومضمون الفن التشكيلي، وشكله معا عند من يطالبون ~~الفنان بأن يحمل فنه رسالة في الاقتصاد والاجتماع. # 66 ~~(ه) الطاغية # لست أرى أن أنهي هذا القسم بأفكاره ومفاهيمه ~~السياسية قبل أن أتحدث بسرعة عن تحليل مفكرنا ~~الكبير لمولد الطاغية كيف يكون؟! فهو يراقب عصفورا ~~جاء يلتهم حبات أرز، وضعت في وعاء في الشرفة ~~الخارجية ms123 للمنزل، فما إن حط العصفور على مقربة ~~قريبة من الأرز، حتى أخذ يتلفت بحركة سريعة هنا ~~وهنا، قبل أن يقدم على التقاط الحب، كأنما أراد أن ~~يستوثق من غيبة الرقيب، حتى إذا اطمئن بعض الشيء خطا ~~خطوتين بحذر شديد، وأصبحت حبات الأرز على ملقط منه، ~~لكنه مع ذلك تريث لحظة وراح من جديد يلتفت يمنة ~~ويسرة، فلما لم يجد ما ينذر بالخطر، التقط حبة واحدة ~~بلقطة سريعة، ثم سكن لحظة وعاد يلتفت، فلما لم يجد ~~إلا الهدوء والأمان، انكب على الأرز يلتهم منه ما ~~يملأ حويصلته وطار. # 67 # وهو هنا يصور لنا كيف يبدأ المعتدي بالحذر والخوف، ~~حتى إذا ما أمن مغبة الاعتداء ملأته الشجاعة، فأقبل ~~على العدوان بكل قدرته وهو مطمئن آمن، أو قل إنه ~~كالمطمئن الآمن، لا يحول شيء بينه وبين السير في ~~الشاطئ إلى آخر المدى. إن سكوت صاحب الحق المنهوب ~~سرعان ما يجعل الناهب صاحب حق في الاعتداء: ~~«والقاعدة التي أريد أن أضعها بين يديك هي أنه حيثما ~~فرط إنسان في حقه، ظهر لذلك الحق طاغية يستبد به.» # 68 # المجموعة الثانية: مفاهيم دينية ~~(أ) التطرف الديني # في تحليله لهذا المفهوم مثال واضح لارتباط التحليل ~~عنده، بما يظهر في حياتنا الثقافية أولا بأول من ~~مفاهيم وأفكار؛ فهو يستخدم الفاعلية الفلسفية فيما ~~يظهر على سطح هذه الحياة، من أفكار أيا كان نوعها، ~~فعندما بدأ الناس يتحدثون عن «التطرف الديني»، كتب في ~~الحال «متطرف تحت المجهر»، يحاول أن يسأل مع الناس عن ~~معنى هذا التعبير، وتكون الإجابة عنده على النحو ~~التالي: # إن علينا بادئ ذي بدء أن نفرق بين طرفين: ~~«الدين» كما هو قائم في الكتب السماوية من ناحية، ~~و«المتدين» بذلك الدين من جهة أخرى. فبينما الكتاب ~~واحد فإن المتدينين به كثيرون، وليس هو من الأمور ~~الشاذة في طبيعة الناس، أن يختلفوا في طريقة فهمهم ~~لنص واحد قرءوه. وهذا ما حدث للمسلمين؛ فهم متفقون ~~على الكتاب الكريم لكنهم مختلفون في فهمهم لبعض آياته، ~~ومن هنا نشأت المذاهب المتعددة؛ ومن ms124 ثم يكون معنى ~~التطرف أن يأخذ المسلم بطريقة معينة في الفهم، أو ~~بمذهب معين، ثم يعلن أنه هو وحده الصحيح، وقد أخطأ ~~الآخرون، ولو وقفت المسألة عند هذا الحد لهان الأمر، ~~لكنه ينقلب «متطرفا» إذا هو أراد أن يحمل الآخرين ~~بالقوة - كائنة ما كانت صور القوة - على مشاركته فيما يعتقد. # 69 # وينتهي مفكرنا الكبير من تحليله لمفهوم التطرف إلى ~~أن هناك أربع خصائص للمتطرف في مجال الدين أو في أي ~~مجال غير الدين، وهي: # أولا: # سمة أساسية للمتطرف وهي سمة تؤخذ ~~عليه أن يقوم بإرهاب الآخرين، لإرغامهم ~~على قبول ما يدعو إليه هو وزمرته، وفي ذلك ~~الإرهاب يسكن جوهر التطرف، فليست المسألة ~~أنه يختار لنفسه وجهة نظر، يرى الأفكار ~~والمواقف من خلالها، وإنما المسألة أنه ~~يريد أن يرغم الآخرين بالقوة للأخذ بها، ~~فقد كانت وجهة نظر «الخوارج» مثلا خالية ~~مما يؤخذ عليهم، ومع ذلك فقد نفرت منهم ~~الأمة الإسلامية، لماذا؟! كانت العلة في ~~تطرفهم هي اللجوء إلى القسوة العنيفة ~~إرهابا لكل من وقعت عليه أيديهم حتى ~~يوافق على وجهة نظرهم، وإذا لم يفعل قتلوه ~~بأفظع صور القتل وأبشعها؛ مع أنهم كانوا ~~لا ينقطعون عن عبادة الله لحظة واحدة، ~~ويديمون الصلاة حتى لقد كانوا يعرفون بما ~~كانت تتقرح به جباههم من السجود على ~~حصباء الأرض العارية. # 70 # ثانيا: # إذا كان اتخاذ الإرهاب وسيلة ~~لإرغام الخصوم هو العلامة الحاسمة التي ~~تميز المتطرف عمن سواه، كان محالا أن ~~يلجأ إليه إنسان قوي واثق بنفسه ~~وعقيدته، وإنما يلجأ إليه من به ضعف في أي ~~صورة من صوره؛ لماذا؟! لأن الإنسان إذا ~~أحس في نفسه ضعفا تملكه الخوف من أن ~~يطغى عليه أصحاب المواقف الأخرى، وكأي ~~خائف آخر ترى المتطرف هلعا جزوعا، ~~يسرع إلى أقرب أداة للفتك بخصمه إذا ~~استطاع قبل أن تسنح الفرصة أمام ذلك الخصم. # 71 # ثالثا: # لا يتطرف بالمعنى السابق إلا من ~~حمل على كتفيه رأسا فارغا وخاويا، ~~اللهم إلا أضغاثا دفع بها إلى ذلك الرأس ~~عن فهم أو غير فهم، وذلك ms125 لسببين: # الأول: # أن تكون الأفكار التي شحن بها رأسه ~~غير علمية لأن الفكرة العلمية مقطوع ~~بصوابها. # الثاني: # أن ما يمتلئ به رأس المتطرف، ما دام ~~لا يمت إلى العلم بصلة، لا بد أن يكون ~~فيه الخصائص المضادة للعلم، ومنها «حرارة ~~الانفعال»، وغموض المعنى واحتمال أن تتعدد ~~فيه وجهات النظر. # 72 # رابعا: # السمة الأخيرة أن التطرف في الواقع، ~~حالة من حالات التكوين النفسي، ولا نقول ~~إنه وجهة نظر إلا من باب التساهل، وإنما ~~هو في حقيقته الدفينة «حالة نفسية»، تجعل ~~صاحبها على استعداد لأن يتطرف وكفى! ~~فليس المهم هو الموضوع الذي يتطرف فيه، بل ~~المهم في تكوينه هو أن يتطرف للتطرف في ~~حد ذاته؛ ومن هنا رأينا أمثلة كثيرة ~~لمتطرفين يقفزون بين يوم وليلة، من تطرف ~~في فكرة إلى تطرف في الفكرة التي ~~تناقضها؛ فتراه اليوم متطرفا في رؤية ~~إسلامية معينة، ثم نراه غدا متطرفا في ~~رؤية شيوعية، أو العكس؛ مع أن الإسلام ~~والشيوعية ضدان لا يلتقيان. # 73 ~~(ب) فلسفة الشهادة # ماذا تعني شهادة «لا إله إلا الله» التي هي أصل ~~ثابت في حياتنا الدينية والثقافية؟! هي من الشجرة ~~العقلية بمثابة الجذع وجذوره، ثم تنبت الغصون وتنمو ~~وتورق؛ فهي شهادة تدل - من بين ما تدل عليه - على ~~ثلاثة أركان دفعة واحدة لإقامة هيكل ثقافي كامل، ~~لو كسوناه لحما لأصبح حياة فكرية، تحمل طابعا ~~يميزها عن كثير مما عداها؛ فهي تدل على ذات إلهية ~~مشهودة، وذات إنسانية شاهدة، ومجموعة من أفراد الناس ~~تتم الشهادة في حضورهم: ~~(1) # أول ركن تدل عليه الشهادة، وجود الذات ~~الإلهية، التي تشهد أن ليس ثمة من آلهة ~~سواها، ثم نجد لهذه الذات صفات كثيرة، ~~تتوحد في نسق معين، هي ما نطلق عليه ~~أسماء الله الحسنى، وهذه المجموعة من ~~الصفات هي لله على نحو مطلق، وهي كذلك ~~للإنسان على نحو نسبي؛ أي إن المسلم لا ~~بد أن يعمل على أن يكون في حياته عالما ~~فريدا قديرا مهيمنا عزيزا جبارا ... ~~إلخ، وإلا كانت شهادته باللفظ دون ~~المعنى. ~~(2) # أما الركن الثاني ms126 الذي تتضمنه الشهادة ~~فهو وجود الذات الإنسانية الشاهدة، ولا بد ~~من الوقوف المتأمل عند «الذات الإنسانية» ~~هذه، لنرى متى يتحقق وجودها وكيف؟! إنه ~~مهما يكن من أمر التشابه والتجانس بين ~~أفراد البشر، فلن يكون الفرد الإنسان ~~«ذاتا»، إلا إذا بقيت له بقية يختلف بها ~~عن جميع من عداه، وهي بقية لها كل ~~الأهمية والخطورة؛ لأنها هي التي تحدد ~~هويته، وهي التي نعدها مسئولة أمام الله ~~والناس. وهذا الجانب الفريد من كيان ~~الإنسان، هو الذي «يشهد ألا إله إلا الله». # 74 ~~(3) # يبقى الركن الثالث المتضمن في ~~«الشهادة»؛ أعني به وجود الآخرين الذي هو ~~ركن أساسي في حياة هذا الإنسان، ولك أن ~~تقدر الفرق الشاسع بين إنسان يتصرف ~~كما لو لم يكن في الدنيا إنسان سواه، وآخر ~~يضع في اعتباره عند كل خطوة يخطوها وكل ~~فعل يؤديه، أن هناك آخرين اعترف بهم ~~ضمنا حين شهد ألا إله إلا الله. وهكذا ~~تنشأ لنا عن أصل واحد ضروب ثلاثة: ~~الحقيقة الدينية، والفردية الإنسانية، ~~وروابط المجتمع. # 75 ~~(ج) الضمير الديني # الغاية التي يجب أن نستهدفها من التربية الدينية هي ~~إيجاد ذلك الضرب من الوجدان الديني الذي من شأنه أن ~~يهدي صاحبه كلما جد موقف في الطريق، إلى اختيار ~~السلوك الذي يعينه على تكامل شخصيته، تكاملا ينم عن ~~«وحدانية تلك الشخصية»؛ لأن ما يحقق إسلام المسلم هو ~~في المقام الأول، أن يجسد في شخصه رسالة الإسلام، ~~و«التوحيد» من تلك الرسالة هو في صميم الصميم. # لكن ماذا نعني بكلمة «الضمير»؟! نعني بها ما ~~استخلصناه لأنفسنا مما وعيناه وعشناه: إما من خبراتنا ~~المباشرة أو مما علمنا إياه آباؤنا ومعلمونا، ~~«فأضمرناه» في نفوسنا لنحمله معنا أينما توجهنا، ~~فنكون بمثابة من يحمل معه دليلا هاديا، يرشده إلى ~~سواء السبيل إذا ما أشكل عليه الأمر. # 76 # فما هو المبدأ الذي يستخلصه المسلم من أحدية الله ~~ويضمره في صدره ليكون مرجعه في مسلك حياته؟ كيف نحول ~~عقيدة «التوحيد» بالتربية إلى «ضمير»، يكون به المسلم ~~مسلما فيما يدع وفيما يختار؟! هذا المبدأ هو ms127 أن يختار ~~الفعل الذي يتسق مع غيره في بناء شخصية موحدة. ~~فالتوحيد الإسلامي هو في أعماقه تناسق في حياة الإنسان ~~الأخلاقية، بمعنى أن تنظم مجموعة القيم الروحية في ~~ترتيب معين، يبين أيها أولى من أيها إذا ما تعارضت ~~في موقف معين؛ ومن ثم فعقيدة المسلم إذا ما رسخت في ~~صدره ضميرا يهديه إلى جادة الطريق، ضمنت له ألا تتعدد ~~معاييره الأخلاقية، فمعيار أمام ولي الأمر ومعيار آخر ~~أمام الناس، ومعيار ثالث يقيمه حين يخلو لنفسه! إننا ~~إذا استطعنا تربية هذا «الضمير الديني» عند أبنائنا ~~وبناتنا، كان ذلك درعا تحميهم من أن يذل صغيرهم ~~لكبيرهم، أو أن يذل فقيرهم لغنيهم، أو أن يذل محكوم لحاكم. # 77 # مفاهيم متفرقة # هناك مفاهيم دينية كثيرة تعرض لها مفكرنا بالتحليل ~~والتشريح؛ من ذلك مثلا التفرقة بين «الفكر الإسلامي» ~~من ناحية، «وفكر المسلمين» من ناحية أخرى، فلكي يكون ~~الفكر إسلاميا لا بد أن يكون منصبا على مسائل ~~متصلة بعقيدة الإسلام وشريعته، منها مثل وجود «الله» ~~وصفاته كالوحدانية، والعدل، والقدرة، والعلم ... إلخ ، # 78 # كذلك فكرة الإمامة، خلق القرآن ... إلخ إلخ. ~~هذا هو الفكر الإسلامي الذي ينصب على موضوعات ~~متعلقة بالعقيدة، إلا أن المسلمين كان منهم علماء ذوو ~~فكر إنساني عام لا يتقيد بصفة، تقصره على ديانة ~~دون ديانة أخرى، وها هنا نرى للمسلمين فكرا في شتى ~~نواحي العلم والمعرفة؛ مما لا يختص بالعقيدة والشريعة، ~~وليس فيه من الإسلامية إلا إسلام صاحبه مثل عالم ~~الرياضة، وعالم الفلك، وعالم الكيمياء والبصريات، ~~والطبيب، والمهندس، بل ونستطيع أن نضيف أنواعا أخرى ~~مثل كتاب الرحلات، ونقد الأدب، وعلم الحيوان ~~والنبات ...إلخ كل ذلك ضروب من العلم والمعرفة قام بها ~~مسلمون، حتى أصبحت جزءا هاما فيما نسميه بالتراث ~~العربي، إلا أنه لا يندرج فيما نسميه بالفكر الإسلامي ... # 79 # ومن المفاهيم الدينية التي عالجها أيضا «الدين» ~~و«التدين» و«علوم الدين»، عندما رأى خلطا في رؤية ~~الناس لها حتى أهل التخصص منهم «فالدين قائم في نصوصه ~~المحددة ... ثم يأتي الطرفان الآخران: من يؤمنون بذلك ~~الدين وهم ms128 من يصفونهم «بالتدين»، ثم علوم الدين التي ~~تقام على النصوص كما سبق أن رأينا. فعلم الدين لا هو ~~«الدين» ولا هو «التدين»، إنما هو فاعلية عقلية تقوم ~~على الدين. ولقد لبث الإسلام «دينا» للمؤمنين ~~«يتدينون» بمبادئه وتعاليمه، قبل أن يظهر الفقهاء ~~ليقيموا عليه العلم بمنهج التفكير العلمي، وعندما نزلت ~~الآية الكريمة: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم ~~، «كان قد كمل ~~دين الإسلام ودخل الناس أفواجا، ولم يكن قد كتب ~~بعد سطر واحد في أي علم من علوم الدين؛ مما يقطع ~~بأن الدين نفسه شيء، والمتدينون به شيء ثان، والعلوم ~~التي تقوم عليه شيء ثالث.» # 80 # ولك أن تقرأ مقال «الشيطان الأخرس» لترى كيف كان ~~يتصدى مفكرنا للمفاهيم الدينية الخاطئة بالتحليل ~~والتفنيد فور ظهورها في الصحف اليومية؛ فلو نشر واحد ~~من أئمة الدين في جريدة الأهرام «أن رجال الشريعة ~~قادرون على أن يقولوا كلمتهم في كل شيء»، يكون تحليل ~~مفكرنا «لو كان الأمر كما قال القائل لوجب منذ الغد أن ~~تغلق الجامعات جميعا، ومراكز البحث وغيرها مما يريد ~~أن يبلغ شيئا من الحق، لا نبقي إلا على كلية الشريعة ~~لأنها تعلمنا «كل شيء» ...!» # 81 # المجموعة الثالثة: مفاهيم قومية وأفكار ~~وطنية ~~(أ) العروبة # في اعتقادي أن مفكرنا الكبير كان متحمسا لجعل ~~«العروبة» مفهوما ثقافيا، وليس فكرة سياسية، فقد ~~كتب يقول: «ليست عروبة العربي قرارا سياسيا تصدره ~~مؤتمرات القمم أو مؤتمرات السفوح والوديان ... بل هي ~~مركب ثقافي يعيشه في حياته اليومية، ولا يستطيع ~~العربي نفسه أن ينسلخ عنه إذا أراد ... وأن يعيده إليه ~~إذا أراد ... لا ... ليست عروبة العربي قميصا يلبسه إذا ~~شاء ويخلعه إذا شاء، بل هي خصائص توشك أن تبلغ منه ما ~~يبلغه لون الجلد والعينين ...» # 82 # فما هي هذه الخصائص: # أولا: # أولى خصائص العروبة لغتها على أنه ~~لا يكفي في هذا الجانب بأن تكون لغة ~~الكلام والكتابة عربية؛ فالأوروبي الدارس ~~للغة العربية قد يتكلمها ويكتبها، ومع ذلك ~~لا تدرجه في العروبة ابنا من أبنائها ... ~~إذ المهم هنا هو اللفتات العقلية أو ~~الإدراكية ms129 العميقة التي تكمن في كيان ~~العربي، فتميل به إلى اكتساب الصفات ~~المتمثلة في اللغة العربية. فمن خصائص ~~اللغة العربية مثلا أنك إذا عرفت الأصل ~~الثلاثي، عرفت كيف تفجر منه شجرة ~~المشتقات على كثرة فروعها، فإذا عرفت كلمة ~~«كتب» فجرت منها كاتب وكتاب وكتابة ~~ومكتوب ... إلخ، فكأنها القبيلة أو العشيرة ~~بتعدد أفرادها، لكن هؤلاء الأفراد ينتمون ~~إلى رأس واحد ... # ثانيا: # ثانية الخصائص ميل العربي إلى القفز ~~السريع من الأفراد الجزئية إلى تجريدها ~~وتعميمها في أنواع وأجناس؛ فهو لا يهمه ~~هذا الطائر المعين بل يكفيه أن يعرف ~~الطائر في عمومه من حيث هو نوع ... إن ~~العربي في تكوينه العقلي لا يعبأ كثيرا ~~بالأفراد أو المفردات، وإنما يريد ~~«الخلاصة» العامة المجردة ليسهل حملها ~~معه، وهو مسافر في الفلاة على ظهور ~~الإبل! ولقد بلغ ميل الشاعر العربي إلى ~~التجريد حدا جعله إذا تغزل في امرأة ~~لا يقصد امرأة بعينها، بل إن غزله منصب ~~على «نوع» المرأة بأسره، وكذلك إذا وصف ~~جوادا أو بعيرا أو ما شئت. # 83 # ثالثا: # وثالثة الخصائص إيمان العربي أن ~~الحضارة الصحيحة إنما تدار على محور ~~الأخلاق، فليس المهم فيمن هذبته الحضارة ~~أن يكون قويا بسلاحه ولا قادرا بماله، ~~بل المهم هو أن يقوم بالتعامل بين الإنسان ~~وربه، والإنسان والإنسان على أنماط ~~رسمتها السماء لأهل الأرض؛ ومن هنا كان ~~جوهر العروبة الاعتقاد بأن الخالق يشاء ~~ويأمر، والمخلوق يطيع بغير سؤال! # رابعا: # ليس عند العربي مقابلة بين واقع ~~ومثال، بل بين «واقع» و«واقع»؛ فكلمة مثال ~~العربية تعني كائنا ماثلا أمامنا نراه ~~ونلمسه. وأما كلمة «واقع» فهي تعني ~~«الوقوع» الذي هو الهبوط والسقوط؛ ومن هنا ~~كان العربي يقصر نظرته على دنيا الكائنات ~~الفعلية، يوازن بين بعضها وبعضها الآخر، ~~وهي بأجمعها «واقع» سواء في ذلك ما هو ~~أدنى وما هو أعلى! # لكن علينا أن نلاحظ أن تحديد تلك ~~الخصائص لا ينفي أن نحاول تغيير ما نريد ~~تغييره منها، لقد أردنا فقط أن نقول: «إن ~~عروبة العربي هو وجوده الثقافي المميز؛ ~~فهي لا تمنح بقرار ms130 كما قد يتوهم الواهمون!» # 84 ~~(ب) الشخصية المصرية # لا تناقض بين عروبة العربي من جهة ومميزاته ~~الإقليمية من جهة أخرى؛ فالمصري مصري وعربي معا، ~~كما يكون السوداني سودانيا وعربيا، والعراقي ~~عراقيا وعربيا في آن ... فليس على هذه الأرض إنسان ~~واحد وحداني الانتماء، وإنما الأمر في هذا يشبه ~~الدوائر التي تتدرج اتساعا. # 85 # وإذا صح ذلك فما هي أهم الخصائص ~~الممميزة للذات المصرية ...؟! أهمها عمق الشعور الديني، ~~ويتبعه عند المصري اتساع النطاق الذي يتعامل فيه مع ~~«الغيب»، إما بالإيمان الرشيد أحيانا، وإما بتهاويم ~~الخرافة أحيانا أخرى. # 86 # ثم تجيء بعد ذلك خاصة انتمائه الأسري، وهو انتماء ~~لا يقف معه عند حدود «الأسرة النواة»، كما يصفها كثير ~~من كتاب الغرب اليوم بمعنى الوالدين والأخوة، بل ~~يوسع المصري من حدود الأسرة التي يشتد بها الانتماء ~~إليها، لتشمل كذلك أبناء العمومة والخئولة ومن يتصل بهم. # 87 # ثم يتميز المصري كذلك بحبه لأرضه ليس فقط من حيث هي ~~أرض يزرعها، بل من حيث هي كذلك أرض يتصل بها ولادة ~~ونشأة وذوي قربى ... ولقد تفرع عند المصري من عمق ~~إيمانه الديني وقوة انتمائه لأرضه وأصله، حب يشبه الحب ~~الصوفي للعمل الذي يؤديه، زراعة كانت أو صناعة، وأعني ~~بالحب الصوفي هنا حبا للشيء في ذاته ولذاته، لا ~~للأجر الذي ترتب عليه. # 88 # ثم يلخص مفكرنا مفتاح الشخصية المصرية في عبارة ~~موجزة هي «المصري صانع عابد»، يتعامل مع هذه الدنيا ~~وكائناتها بحواسه وجوارحه، ويتعامل مع الغيب بقلبه ~~وإيمانه، هو واقعي في الحالة الأولى صوفي في ~~الحالة الثانية، هو مادي في أحد جوانبه روحاني في ~~الجانب الآخر. وكأن مفكرنا يريد أن يقول إن شخصية ~~المصري مثال حديث للصيغة التي اقترحها حلا لمشكلتنا ~~الثقافية المعاصرة؛ وأعني بها صيغة الجمع بين «العقل ~~والوجدان». ولقد ساعده على هذا الجمع بين الجانبين في ~~شخصية واحدة متكاملة، أنه نموذج فريد يجمع في صيغة ~~حضارية واحدة خصائص فلاحة الأرض وبداوة الصحراء ~~ومجتمع المدينة. # 89 # لكن أين يا ترى نجد ذلك المصري الذي هو «صانع ~~وعابد» ms131 في آن معا؟! يجيب: «إنك تراه فيما صنعت يداه، ~~تراه في كل مسلة قدت من الصخر العتي بإزميل ~~عبقري جبار، وارتفعت برأسها نحو السماء، وكأنها كلمة ~~دعاء في صلاة! إنك تراه في أخناتون يشهد أن الله واحد ~~وراء كثرة الظواهر على الأرض في السماء. إنك تراه في ~~راهب الدير الذي يزرع ويعبد الله في حياة واحدة. إنك ~~تراه في المساجد ومآذنها، التي لا تدري وأنت شاخص ~~ببصرك إليها في روعة بنائها، أهي صلاة تجسدت في ~~عمارة أم هي عمارة ذابت في صلاة. # 90 ~~(ج) الولاء للوطن # عندما شاهد في التليفزيون جماعة من الشباب تهتف ~~بالفداء بأرواحها ودمائها «ولاء» لهذا أو ذاك، شعر أن ~~في هذه الصورة شيئا يثير القلب ويتطلب التصحيح. # 91 # فيكتب على لسان سقراط: «إن الولاء لا يكون ~~لشخص، وإلا فماذا لو غاب هذا الذي أعلنت له إخلاصك؟ ~~أتصبح بغير إخلاص لأحد؟! إن الولاء الصحيح يا ~~أصدقائي لا يكون لشخص بقدر ما يكون لقضية معينة أو ~~لفكرة أو لعقيدة دينية، أو غير ذلك مما يحيا من أجله ~~الإنسان ويشعر ألا حياة له بغيره ...» # 92 # ثم يحلل معنى الولاء ليجد أنه في حقيقته ~~يتضمن أساس الأخلاق كلها ... أما سر الولاء فهو أن ~~الفرد يشعر عن عمق وجدانه، أنه لا يستطيع العيش وحده ~~فريدا في هذا الكون الفسيح، ويريد أن يجد «آخر» يتحد ~~معه ليوسع من وجوده، فإذا وجد هذا «الآخر»، تمسك به ~~وأخلص له؛ ومن هنا كان الولاء ضرورة حيوية لكل ما من ~~شأنه أن يجعل وجودنا أغزر معنى وأوسع نطاقا. # 93 ~~«فالولاء يكون لله لأنه مالك يوم الدين، ~~والولاء يكون للوطن الذي بغيره ينعدم أهم أركان الهوية ~~في هذه الدنيا، والولاء يكون لأي مجموعة تمثل فكرة ~~لها دوام، وأنتمي إليها عضوا فيها عاملا مع غيري على ~~تحقيق هذه الفكرة ...» # 94 # وهكذا تندمج الذات الفردية في ذات أوسع ~~منها وأشمل؛ ليصبح الفرد بهذا الدمج جزءا من أسرة أو ~~جماعة أو من أمة أو من الإنسانية كلها ... إلخ. # لكن ماذا ms132 نحن صانعون إذا تعارض ولاء وولاء، كأن ~~يتعارض في موقف معين ولاء فرد لأسرته وولاؤه لأمته؟! ~~الجواب: أن نختار الطريق الذي يتيح للفرد تكاملا في ~~شخصيته بدرجة أعلى، فهل يكون إنسانا أكمل إذا هو ~~انتمى إلى أسرة قوية وأمة ضعيفة، أو إذا انتمى إلى ~~أسرة ضعيفة وأمة قوية؟! الإجابة تكاد تدل على ~~نفسها؛ وهي أن البديل الثاني أفضل وأكمل وأسمى؛ ومن ~~هنا لك أن تسأل نفسك: أيكون الولاء والتضحية بدمائنا ~~وأروحنا لمصري أم لمصر؟! # 95 # المجموعة الرابعة ~~(أ) وضع المرأة # لا نريد أن نسهب طويلا في أمر المفاهيم ~~الاجتماعية، بل يكفي أن نقول إنه كان يتلقف ما يظهر في ~~حياتنا الاجتماعية من أفكار وقيم، ليقوم بتشريحه بنفس ~~الفاعلية العقلية التي قدمنا لها فيما سبق مجموعة من ~~الأمثلة. ولقد كتب عما أسماه «بالردة في عالم ~~المرأة»، ورسم لها صورة في غاية الأهمية، ذهب فيها ~~إلى أن «أبشع جوانب الردة في حياة المرأة اليوم ليس ~~هو أنها تريد أن تتعلم إلى آخر المدى فيمنعها أحد، ~~وليس أنها تريد أن تعمل بما تعلمته فيمنعها أحد ... ~~وإنما الجانب البشع من تلك الردة هو أن المرأة اليوم ~~تريد أن تجعل من نفسها وبمحض اختيارها، حريما يتحجب ~~وراء الجدران أو يتستر وراء حجب وبراقع، وكأنها ~~الفريسة السهلة تخشى أن تتخطفها الصقور. أما أن تحصن ~~نفسها بقوة الروح، وبالشعور بكرامتها إنسانة واعية ~~مستنيرة، فذلك زمن أوشك على الذهاب مع ذهاب رائدات ~~الجيل الماضي. ألا ما أبعد الفرق في حياة المرأة ~~المصرية بين الليلة والبارحة؛ ففي بارحتها ألقت ~~بحجابها في مياه البحر عند شواطئ الإسكندرية. # 96 # إيذانا بدخولها عصر النور، وأما في ~~ليلتها هذه فباختيارها تطلب من شياطين الظلام، أن ~~ينسجوا لها حجابا يرد عنها ضوء النهار ...» # 97 ~~(ب) الرأي العام # ولعل من أجمل التحليلات التي قام بها في الميدان ~~الاجتماعي تحليله لفكرة «الرأي العام»، الذي وصفه بأنه ~~«الإله الزائف الجديد»، وقال عنه إنه «ذو وجهين» وهو ~~بوجه منهما لا عيب فيه إذا نزعت عنه شوكة التأليه، ~~ولكنه ms133 بوجهه الآخر الذي يتسلح فيه بتلك الشوكة ~~الرهيبة، ينقلب إلى طاغية يسحق فردية الأفراد سحقا ~~ليحيلهم إلى أشباح وظلال: «فقد يحدث أن نرى العالم من ~~علمائنا قديرا في علمه وهو في ميدانه، لكنه ما إن ~~يفرغ واجبه إزاء تخصصه العلمي، حتى يسرع الخطى لينخرط ~~مع الرأي العام فيما هو غارق فيه، من تهاويم قد تبلغ ~~أحيانا كثيرة حد الخرافة.» # 98 # ويفند مفكرنا «عمومية» الرأي العام بقوله: «إن وجود ~~فرد واحد لا يرى الرأي الذي هو عام، ينفي عن الرأي ~~العام عموميته، وحتى لو كان من حق الرأي العام أن يضغط ~~بقوته العددية في اتخاذ القرارات، وفي انسحاب النواب ~~الذين ينوبون عنه، وهو حق للناس لا شك فيه، فليس له ~~الحق نفسه في منع الآراء والأفكار التي لا تعجب جمهوره.» # 99 # إن الذي يربط أفراد الجمهور بعضهم ببعض في ~~تكوين رأي عام، يغلب أن يكون هو «الانفعال» لا ~~«العقل»؛ فالانفعال ينتقل من فرد إلى فرد بالعدوى، ~~أما الفكرة العقلية فينقلها صاحبها إلى متلقيها ~~بالإقناع، والإقناع بحكم طبيعته عملية فردية وليست ~~عملية جماعية. # 100 ~~(ج) العلمانية # من المفاهيم التي شاعت في مجتمعنا أيضا، وتعرض ~~لها مفكرنا بالتحليل العقلي، مفهوم «العلمانية». وهو ~~يرى أنه ينطق بفتح العين لا كسرها، وأنه في هذا ~~التحريف في النطق يكمن معظم الخلط؛ ولهذا يكتب مقالا ~~عنوانه، «عين، فتحة، عا»، ليشد انتباه القارئ إلى أن ~~الكلمة لا تنسب إلى «العلم» بل إلى «العالم»، وأنها ~~جاءت بهذا المعنى من اللغات الأوروبية، بعد أن خرجت من ~~العصور الوسطى، حيث أقام رجال الدين من حياة الرهبان ~~مثلا أعلى؛ فالزهد في الدنيا، لا الإقبال عليها، هو ~~ما ينبغي للإنسان الكامل أن يهتدي به؛ وذلك لأن ~~عقيدتهم تسمح لهم بأن يفصلوا بين الأرض والسماء، بين ~~الدنيا والآخرة، في الأولى تكون السيادة لقيصر وفي ~~الثانية يكون الأمر لله، فما لنا نحن بهذا كله وليس في ~~عقيدتنا ما يدعونا إلى إهمال هذا العالم ...؟! بل العكس ~~هو الصحيح، فقد أمرنا بأن نحتفل بالدنيا وكأننا نعيش ~~فيها ms134 أبدا، وأن نعمل للآخرة كأننا منتقلون إليها ~~غدا!» تلك هي العلمانية التي لم تكن تحتاج منا إلا ~~أن نفتح لها العين، فإذا هي جزء من حياتنا، ومقوم ~~جوهري من مقومات تاريخنا في فترات عزه ومجده، فمن ~~الذي يحاربه أولئك الذين ركبوا جيادهم، وحملوا قسيهم ~~ورماحهم ليقاتلوا «العلمانية» حتى يقتلوها ...؟!» # 101 # لكن إذا كانت مقاومة من يقاوم العلمانية ~~بفتح عينها مصيبة أعظم فيمن يقاومونها بكسر العين؛ لأن ~~عينها إذا كسرت كانت الإشارة عندئذ إلى العلم وإلى ~~الحياة التي تقيمها العلوم: «فهل يرضيكم، أيها السادة، ~~أن نزرع أرضنا بغير علم، وأن ندير مصانعنا بغير علم، ~~وأن ننشئ مدارسنا وجامعاتنا بغير العلم، وأن نعد ~~عدتنا العسكرية بغير العلم؟! هل يرضيكم أيها السادة أن ~~نمحو أسماء العلماء من تاريخنا، فلا يكون فيهم بعد ~~اليوم جابر بن حيان ولا الخوارزمي ولا ابن الهيثم ولا ~~ابن النفيس؟! وإذا رأيتم في هؤلاء موضع فخر لنا، ~~فلماذا لا تريدون لأحفادهم المعاصرين أن يعيدون سيرتهم الأولى؟!» # 102 # ويمكن أن نسوق، فضلا عن هذه المجموعات التي ~~ذكرناها، أمثلة تفوق الحصر لأفكار ومفاهيم قام ~~مفكرنا الكبير بوضعها على مائدة التشريح العقلي، منها ~~فكرة «التراث» # 103 # و«الثقافة». # 104 # والفرق بين «الفرد والمواطن والإنسان». # 105 # ومعنى التكنولوجيا. # 106 # و«القيم الثلاث: الحق والخير الجمال». # 107 # وارتباطها بأوجه الحياة الواعية للإنسان، ~~وهي «الإدراك والسلوك والوجدان»، وعن معنى «الهوية» في ~~مقاله: «نافخ النار». # 108 # وعن معنى «الفكر وحريته»، و«وحدة ~~التفكير»، و«رجل الفكر ومشكلاته». # 109 # و«العقل الحر»، و«أزمة العقل»، و«سلطان ~~العقل»، ومعنى «الروحانية». # 110 # وعن معنى «الديمقراطية» ... # 111 # إلخ، لكن تكفينا هذه القطرات من هذا البحر ~~الزاخر؛ لننتقل إلى جانب آخر هو «الوجدان»، لنسوق ~~كلمة سريعة عما قدمه لدينا زكي نجيب محمود ~~الأديب. # القسم الثاني: مجال الوجدان # يتمثل الجانب الوجداني عند مفكرنا في الفن بصفة عامة، ~~والأدب بوجه خاص، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن زكي نجيب ~~محمود هو واحد من أبرع كتاب المقالة الأدبية في أدبنا ~~المعاصر، وهو صاحب رأي خاص في نقد الأدب وكتابة المقال ms135 ~~الأدبي، وسوف نعرض لرأيه هذا بعد قليل مع نماذج من ~~المقالات الأدبية عنده، لكنا نريد الآن أن نفرق بين الأدب ~~بوصفه ممثلا لجانب «الوجدان»، والعلم بوصفه معبرا «عن ~~العقل» ... فأين يختلفان وكيف يلتقيان؟! # أولا: الأدب والعلم # كثيرا ما عقد مفكرنا مقارنات مطولة بين الأدب ~~والعلم لكي يفرق بينهما من ناحية، ولكي يهاجم من ~~ناحية أخرى أصحاب «الأدب العلمي»، مبينا أنهم يخلطون ~~بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما؛ ذلك لأننا نجد ~~أنفسنا، في حالة الأدب والعلم، أمام ضربين من الكلام ~~يختلف أحدهما عن الآخر أتم الاختلاف، ويستحيل أن ~~يتحول إليه «كما يستحيل أن تتطور الأغنام وتصبح ~~أبقارا»؛ لا لأن الأدب متميز عن العلم بجمال أسلوبه، ~~مع جواز اتحادهما في مادة القول؛ بل لأن الاختلاف ~~أعم من ذلك بكثير؛ فالعبارة العلمية من طراز ~~والعبارة الأدبية من طراز آخر، ولن يستطيع جمال ~~الأسلوب أن يعبر ما بينهما من فجوة واسعة سحيقة. # 112 # ونحن هنا إنما نعود بطريقة أخرى إلى ثنائية «العقل ~~والوجدان»، وإلى ثنائية المجالين المختلفين من مجالات ~~القول، ينبغي علينا أن نفرق بينهما بدقة وعناية، ~~فالعلم تعميم والفن تخصيص، العلم تجميع والأدب ~~تفريد، العلم يلاحظ الأشياء والنظائر ليستخلص منها ~~أوجه الشبه فيصوغها في قانون واحد ينظمها، والفن ~~يلاحظها جزئية واحدة يقف عندها، العلم يستبعد نفس ~~الخصائص التي يستبقيها الفن؛ فالخصائص الفريدة التي ~~تميز فلانا من الناس دون سائر الأفراد، هي التي ~~يستبقيها الفنان ليحللها ويصورها، وهي نفسها التي ~~يستبعدها العالم؛ لأنها ليست مشتركة بين سائر أفراد ~~النوع الإنساني، يقول عالم النبات عن الزهر ما ينطبق ~~على الزهر كله ما دام منتميا إلى فضيلة واحدة، أما ~~الفنان فيقف عند زهرة واحدة في لحظة زمنية واحدة، ~~يلقفها من تيار حوادثها الدافق، قبل أن تمضي إلى غير ~~عودة، فيصورها رسما أو أدبا أو مشاءت له مادته ~~التي يستخدمها وسيلة لإثبات ما يريد أن يثبته. # 113 # وفي استطاعتنا أن نقول ذلك بصدد كل ما يعالجه الفن ~~بشتى صنوفه، وعلى أساس هذا المعيار تستطيع أن تقيم ~~«النقد ms136 الأدبي»، هب أنك بصدد قصيدة نظمها شاعر عن ~~الحب، فانظر إلى أي حد قد تفردت العاطفة التي يعبر ~~عنها، بحيث أصبحت كائنا وحدها قائما بذاته، لا ~~تشاركها لحظة أخرى من لحظات الحب، لا أقول عند سائر ~~المحبين، بل عند هذا المحب نفسه، فلا يكفي أن يتحدث ~~عن «الحب» بصفة عامة تقول أنه أجاد؛ لأن الحب بصفة ~~عامة من حيث هو عاطفة يشترك فيها أفراد البشر أجمعون ~~بدرجات متفاوتة، هو من شأن علم النفس لا من شأن ~~الفنان، فعالم النفس هو الذي يتحدث عن هذه العاطفة ~~«بصفة عامة»، أو أنه يتكلم عنها كما تبدو آثارها ~~عند هذا الفرد من الناس، وهذا وذاك، في كل زمان ~~ومكان، هذا التعميم في الأحكام يكون علما ولا يكون ~~فنا ولا أدبا. أما الفنان أو الأديب فهو ينظر إلى ~~حالاته النفسية في حبه ليلقف منها حالة واحدة، ثم ~~يبرز هذه الحالة الواحدة العابرة، وهو بذلك يصور لنا ~~ما لا يتكرر في سائر الحالات، ولا حالاته هو الشخصية ~~دع عنك حالات الآخرين! إن المحب لا يشعر بعاطفة الحب ~~على لون واحد وبنغمة واحدة، وأصداء واحدة، وأثرا ~~واحد، بل نراه إزاء حبيبه الآن بما لم يكنه بالأمس ~~وما لن يكونه غدا، ومع ذلك فهي كلها مواقف من حبه، ~~فلا يكفي أن يقول: «إني أحب، أو إني في جحيم أو نعيم ~~من الحب» ليكون أديبا، بل يتحتم أن يخصص لنا خيوط ~~العناصر النفسية، التي جعلت حبه جحيما أو نعيما، ولو ~~أجاد الملاحظة، وأجاد الوصف، لعلم أن شبكة هذه الخيوط ~~محال أن تلتقي على صورة واحدة في لحظتين متباعدتين. # 114 # الواقع أن مجرى العواطف والمشاعر عند الإنسان قريبة ~~مما كان يصف به الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الكون ~~كله، تيار متدفق، كل شيء فيه تتغير حالاته تغيرا ~~دائما دائبا، ويحاول «العالم» أن يتلمس وسط هذه ~~التيارات الدافقة من الحوادث اطرادات تتكرر على غرار ~~واحد، فإن وجد جعله قانونا ثم راح يقيس الأبعاد ~~المكانية والزمانية في ذلك الاطراد، لينتهي إلى صيغة ~~قانون فيه ms137 دقة كمية ... أما الأديب أو الفنان، فشأن ~~آخر: إنه لا يلتمس اطرادا في الحوادث، بل تستوقفه ~~حادثة واحدة، أو حالة واحدة فيثبتها على اللوحة رسما، ~~أو يثبتها باللفظ أدبا، أو في أنغام الألحان ~~موسيقى. # وليست كل حالة جزئية في صلاحيتها للفن على حد ~~سواء مع سائر الحالات، بل إن الفنان ليقع على الجزئيات ~~ذات الدلالة؛ أي الجزئيات التي تكون أكثر إيماء عند ~~القارئ أو الرائي، فكاتب القصة أو المسرحية، مثلا، لا ~~يجيد فنا إذا راح يسرد التفصيلات عن شخصياته سردا ~~بغير تمييز، بل صحيح الفن هو الاختيار الموفق، فأي ~~التفصيلات في حياة هذا الشخص الذي أصوره أهدى إلى ~~حقيقة شخصه وسر نفسه وكنه وجوده؟ سل نفسك ما سر الجودة ~~الفنية في هذه الشخصيات الأدبية: هاملت، الملك لير، ~~دون كيشوت، وغيرهم؟ تجد أنه اختيار التفصيلات التي ~~يجريها الأديب كلاما وسلوكا، بحيث يتكون له في ~~النهاية شخص متكامل فريد؛ فهو لا يرسم الإنسان بصفة ~~عامة وإلا كان عالما، بل يرسم «هاملت» أو «لير» فردا ~~واحدا ذا طابع متميز، يستحيل أن يتكرر له في الوجود ~~مثال يطابقه كل المطابقة. # 115 # سبيل العلم، إذن، وسبيل الأدب مختلفان ولن يتطور هذا ~~إلى ذاك أبدا، ولسنا نريد أن نتتبع شتى الفروق التي ~~تباعد بينهما وتباين، لكنا نريد أن نضيف خاصية هامة ~~أخيرة، وهي أن الأدب بمقدار ما يكون الكلام فيه وصفا ~~للواقع والحقائق الخارجية بمقدار ما يبعد عن الكمال ~~الفني، أن الصور الفوتوغرافية تصور الحقيقة الواقعية ~~تصويرا أمينا؛ ولذلك لم تكن فنا بالمعنى الذي ~~نقصده، إنك كثيرا ما تقف أمام صورة رسمها «بيكاسو» ~~أو «ماتييس»، فلا تدري ماذا أراد المصور أن يصوره؛ ~~لأنه لم يرد قط أن يصور شيئا خارجيا عن ذاته، فهذا ~~الخليط اللوني قد تردد في خياله كما تردد الأنغام في ~~أذن الموسيقى، فرسمها على لوحته لتجيء موسيقى للعين في ~~أنغام من ضوء. # إن الآلام والأفراح لا تكون إلا داخل نفوس ~~أصحابها، وكذلك يكون الحب وتكون الكراهية، وكل عاطفة ~~إنسانية أخرى، فماذا يريد أصحاب ms138 الأدب العلمي أن نصنع ~~بالعواطف إذا هممنا بكتابة الأدب؟ # ثانيا: النقد الأدبي # هناك مدارس كثيرة في النقد الأدبي يحسن أن نسوق عنها ~~كلمة لتعرف أين يقف مفكرنا من هذه المدارس. # 116 # فافرض أن أمامنا ديوان شعر أخرجته المطابع ~~وراح النقاد يعالجونه كل على طريقته الخاصة، فكم ~~زاوية للنظر يمكن أن ننظر منها إلى هذا ~~الديوان؟ ~~(1) # هناك الزاوية التي ينظر منها الناقد إلى ~~الديوان المنقود، نظرة يحاول بها أن ينفذ ~~ببصره خلال الشعر الذي يقرؤه إلى «نفس» ~~الشاعر الذي أنشأ الديوان ما طبيعتها؟ أهي ~~نفس مرحة متفائلة؟ أم هي مكتئبة متشائمة؟ ~~أم هي كيت؟ فالناقد في هذه الوقفة يتخذ ~~الشعر «وسيلة» لغاية يهتم بها، وليس ~~الشعر هنا غاية في ذاته بل هو عند ناقد ~~من هذا الطراز وسيلة للكشف عن نفسية ~~صاحبه، وبعبارة أجلى وأوضح، المهم عند ~~الناقد هنا هو «علم النفس» لا «الشعر»، ~~ومن أمثلة ذلك وقفة العقاد في كتابه «ابن الرومي من شعره» ... وقد تسمى هذا الاتجاه ~~في نقد الأدب والفن بالاتجاه «النفسي»، ~~ويمكن أن نقول إن «فرويد» وهو يقرأ مسرحية ~~«أوديب» لسوفكليس كان ناقدا أدبيا من ~~هذا الطراز. ~~(2) # وهناك زاوية أخرى للنظر إلى الديوان ~~المفقود، وهي شبيهة بالزاوية الأولى في ~~كون الناقد يتخذ من الشعر الذي بين يديه ~~«وسيلة» لغاية تثير اهتمامه في المقام ~~الأول، وكل الفرق بين الرؤيتين أنه بينما ~~الناقد في الحالة الأولى يبحث من خلال ~~الشعر عن «نفسية» الشاعر، نرى النقد في ~~الحالة الثانية يبحث خلال الشعر عن ~~«الحالة الاجتماعية»، التي كانت تحيط بذلك ~~الشاعر، فكأنما شعر الشاعر هنا هو بمثابة ~~وثيقة تاريخية لصورة من صور الحياة ~~الاجتماعية، ويمكن اعتبار كتاب طه حسين عن ~~المتنبي مثلا لهذا الاتجاه الاجتماعي في ~~النقد. ~~(3) # وهناك، ثالثا، زاوية أخرى للنظر يبحث ~~الناقد منها لا عن «نفسية» الشاعر ولا عن ~~«الحالة الاجتماعية» التي أحاطت به، بل ~~يبحث في نفسه هو - نفس الناقد - عن وقع ~~هذا الشعر فيها، فماذا ترك في جوانحه من ~~أثر؟ هل خرج من قراءة الديوان وهو على ms139 ~~وعي بالغايات العليا التي استهدفها ~~الكون؟ هل خرج من قراءته راضيا عن نفسه ~~أو ساخطا عليها، ثم يسطر الناقد وصفا ~~لطوية نفسه، والأغلب أن يجيء هذا الوصف ~~وكأنه في ذاته «أدب» بني على أدب، ويمكن ~~تسمية هذا الاتجاه في النقد «بالاتجاه ~~التأثري» ... # 117 ~~(4) # هناك وقفة أخيرة، وربما تسبق منطقيا، ~~جميع المواقف السابقة، فقبل أن يقف الناقد ~~من الشعر المنقود وقفة نفسية أو اجتماعية ~~أو تأثرية، كان عليه أولا أن يتأكد أن ~~الذي بين يديه «شعر» يستحق المعالجة بهذا ~~الطريقة أو تلك؛ ومن هنا فإن الناقد عليه ~~- في رأي مفكرنا، وتلك هي وجهة نظره في ~~النقد - أن يفحص الشعر نفسه؛ أي إن ينصب ~~النقد الأدبي على الأثر الأدبي ذاته أو ~~منحصرا في النص ذاته؛ فأمام الناقد ترقيم ~~على صفحات من كتاب ومهمته أن يحلل هذه ~~التشكيلات اللفظية التي انتشرت أمامه على ~~صفحات الكتاب؛ أي النص ولا شيء غير النص، ~~فالكلمات المرقومة على الصفحات هي موضوع ~~النقد، وتحليلها وتشريحها وفحصها من جميع ~~وجوهها هو مهمة الناقد بالأثر الأدبي، لا ~~ينبغي أن يعتمد في فهمه على شيء وسواه ~~«إنني لا أكون ناقدا أدبيا بالمعنى ~~الدقيق لهذه الكلمة، إذا ما اتخذت الأثر ~~الأدبي نافذة أنظر من خلالها إلى شيء ~~سواها؛ كأن أنظر إلى البيئة والظروف ~~الاجتماعية والسياسية التي هي قائمة وراء ~~الأثر المدروس؛ إذ لو فعلت لكانت القطعة ~~الأدبية التي أمامي بمثابة الوثيقة ~~التاريخية لا أكثر ولا أقل، ولا أجعل من ~~الأثر الأولي نافذة أنظر منها إلى دخيلة ~~نفسه، أو دخيلة نفس الناقد؛ إذ لو فعلت ~~لكنت أشبه بعالم النفس يحلل لمريضه ~~أحلامه وردود أفعاله وخواطره ومشاعره ... ~~الناقد لا هو عالم اجتماع ولا سياسة ولا ~~عالم نفس ولا طبيعة؛ وإنما هو ناقد ~~أدبي غايته دراسة قطعة أدبية يختارها للدراسة.» # 118 # وتلك وجهة نظر في النقد يدافع ~~عنها كثيرون، عندما يذهبون إلى أنه «لا بد ~~من اتخاذ العمل الفني ذاته محورا لكل ما ~~يقال في ميدان النقد وأساسا لكل تذوق؛ ~~فالاستطراد في الكلام عن شخصية ms140 الفنان أو ~~وقائع حياته أو ظروف مجتمعه، دون أن تربط ~~بين ما تقوله وبين العمل الفني ذاته، لا ~~تعدو أن تكون استطرادات ذات قيمة ~~تاريخية أو نفسية أو اجتماعية، ولكنها ~~ليست نقدا بالمعنى الصحيح ...» # 119 # على أن النقد الأدبي يدخل في ~~مجالات أشد تعقيدا كما تفعل «البنيوية» ~~مثلا؛ مما يجاوز هذه التحديدات العامة ~~التي وضعها أستاذنا؛ ولذا سنكتفي بهذه ~~الفكرة لننتقل إلى أدب المقال. # ثالثا: أدب المقال # قلنا إن زكي نجيب محمود يكاد يكون من أبرع كتاب ~~«المقالة الأدبية»، في أدبنا المعاصر. ولقد كان له ~~تصور خاص لهذا اللون من الأدب، تأثر فيه بأدباء ~~المقال الإنجليز بصفة خاصة، لكن اهتمامه بهذا الطراز ~~من الفنون الأدبية جاء مسايرا لاهتمام أدباء عصره ~~بالمقال «فأديبنا قصير النفس، تكفيه المقالة الواحدة ~~يفرغ في أنهرها القليلة كل ما يتأجج به صدره من ~~عاطفة وما يخلج به رأسه من فكر: فإن غضب أدبينا من ~~نقص يلمحه في بناء الجماعة أو أخلاق الفرد، فزع إلى ~~المقالة يصب فيها ثورة غضبه، وإن افتتن أديبنا بمجال ~~الطبيعة الخلاب، لجأ إلى المقالة يبث فيها ما أحس ~~من عجب وإعجاب ...» # 120 # فالمقال عندنا ملاذ الأديب، بصفة عامة، ~~باستثناء قلة قليلة عمدت إلى القصة أو المسرحية ... ~~إلخ، ولا بأس أن يلجأ الأديب إلى المقال إذا سار على ~~قواعد الأدب الصحيح ... فما هي؟ # هناك ثلاثة شروط للمقال الأدبي من حيث الشكل: ~~(1) # أول شرط للمقال الأدبي أن يكون له «فورم # Form ~~»؛ أي ~~شكل أو صورة معينة، يضع فيها الأديب ~~فكرته؛ فهو لا يسرد تحليلاته كما يفعل رجل ~~المنطق؛ أعني أن الانتقال لا يكون بحيث ~~تأتي الفكرة الثانية عن طريق الاستدلال من ~~الفكرة الأولى حتى نصل إلى النتائج، بل ~~الأديب محكوم بتداعي المعاني بحيث لا ~~يكون لها ضابط من نظام، هي قطعة لا تجري ~~على نسق معلوم، فقد تجيء على شكل «حلم»، ~~يرى فيه الأديب نفسه مرة في القاهرة ~~وأخرى في أوروبا، بل وفي أماكن لا رابط ~~بينها سوى ما يريد أن يثيره في نفس ms141 ~~قارئه من وجدان. ~~(2) # الشرط الثاني أن يصدر المقال عن قلق ~~يحسه الأديب مما يحيط به من صور الحياة ~~وأوضاع المجتمع، على شرط أن يجيء السخط في ~~نغمة هادئة خفيفة هي أقرب إلى الأنين ~~الخافت منها إلى العويل والصراخ «فإن ~~التمست في مقالة الأديب نقمة على وضع من ~~أوضاع الناس فلم تجدها، وإن افتقدت في ~~مقال الأديب هذا اللون من الفكاهة الحلوة ~~المستساغة فلم تصبه، فاعلم أن المقالة ~~ليست من الأدب الرفيع، في كثير ولا قليل، ~~مهما تكن بارعة الأسلوب رائعة الفكرة.» # 121 ~~(3) # الشرط الثالث أن تعبر المقالة الأدبية ~~عن ضرب من السمر بين الكاتب والقارئ؛ فهو ~~صديق يحادث صديقه عن حادثة شهدها في ~~الترام؛ ملاحظة هنا أو هناك مما يقع عليه ~~البصر، بحيث لا يكون القارئ أمام «معلم» ~~يعنفه، ولا أمام واعظ يخطب فوق منبره، ~~يميل صلفا وتيها بورعه وتقواه، ولا مؤدب ~~يصطنع الوقار حين يصب في أذن سامعه ~~الحكمة صبا ثقيلا؛ ومن هنا فلا بد أن ~~يشعر القارئ، وهو يقرأ المقالة الأدبية ~~أنه ضيف استقبله الكاتب في حديقته ليمتعه ~~بحلو الحديث؛ ولهذا لا بد أن يكون أسلوبها ~~عذبا سلسا دفاقا بلا زخرفة! # أما من حيث المضمون فإن كاتب المقالة الأدبية على ~~أصح صورها، هو الذي تكفيه ظاهرة ضئيلة مما يعج به ~~العالم من حوله، فيأخذها نقطة ابتداء، ثم يسلم نفسه ~~إلى أحلام يأخذ بعضها برقاب بعض، دون أن يكون له أثر ~~فوري في استدعائها عن عمد وقصد وتدبير؛ ومن هنا ~~فلا يجوز أن تبحث المقالة الأدبية في موضوع مجرد، كأن ~~تبحث فضل النظام الديمقراطي أو معنى الجمال أو قاعدة ~~في علم النفس أو أصول التربية. بل لا بد أن تعبر عن ~~تجربة معينة مست نفس الأديب، فأراد أن ينقل الأثر ~~إلى نفوس قرائه؛ أما الموضوعات الاقتصادية أو ~~السياسية أو العقلية، فلها أنواع أخرى من المقالات ~~الخاصة بالدراسات الأكاديمية، تقربها من البحوث بقدر ~~ما تبعدها عن «المقال الأدبي»، الذي يميل فيه الأديب ~~الحق إلى أن يخدع القارئ كي يمعن في ms142 القراءة، وكأنه ~~هو يسري عن نفسه المكروبة عناء اليوم، وهو كلما قرأ ~~تسلل إلى نفسه ما شاع في سطور المقالة من نكتة ~~خفيفة وسخرية هادئة، وقد يعجب القارئ: كيف يمكن أن ~~يكون في النفوس البشرية مثل هذه اللفتات واللمحات؟ ~~ولكنه لن يلبث حتى يتبين أن هذا الذي عجب منه إنما ~~هو جزء من نفسه أو نفوس أصدقائه، فيضجره أن يكون على ~~هذا النحو السخيف، فيكون هذا الضجر منه أول خطوات ~~الإصلاح المنشود. # 122 # رابعا: نماذج من أدب المقال # علينا الآن أن نستعرض بعضا من المقالات الأدبية؛ ~~لنرى كيف كان يطبق الشروط السابقة، ويتقيد بها فيما ~~كتب من مقالات أدبية، كان يطلق عليها هو نفسه اسم ~~القنابل المتفجرة؛ لأنه أراد لها أن تنسف جزءا من ~~ألف جزء من الإطار الثقافي العتيق الذي كنا وما نزال ~~نعيش فيه يقول: «صورت في إطار أدبي، في أوائل ~~الخمسينيات ما انطبعت به نفسي حينئذ من فوضى القيم في ~~حياتنا، بحيث انقلبت أعلاها على أسفلها، فيعاقب المحسن ~~ويكافأ المسيء، وربما أكون قد أسرفت في القسوة، لكنها ~~قسوة المواطن يحب وطنه، ويثيره أن يراه قد تنكب عن ~~جادة الطريق ...» # 123 # سوف أسوق أمثلة قليلة «للمقالة الأدبية»، وإن كان ~~علينا أن نضع في ذهننا ملاحظتين: الأولى أن المقالات ~~التي كتبها زكي نجيب محمود، وهي تبلغ المئات ليست كلها ~~مقالات أدبية، تنطبق عليها الشروط السابقة، بل فيها ~~المقالات التي تعالج «أفكارا» أو «مفاهيم اجتماعية»، ~~وتقوم بتحليلها تحليلا عقليا مستخدما الفاعلية ~~الفلسفية، على نحو ما أشرنا من قبل. والملاحظة الثانية ~~أن المقالة الأدبية يصعب تلخيصها؛ لأن المهم في القطعة ~~الأدبية إنما هو الأثر الذي يخرج به القارئ؛ ولهذا لا ~~بد أن يقرأها في مكانها وكما عرضها صاحبها، لكننا سوف ~~نسوق نماذج قليلة على النحو التالي: ~~(أ) بيضة الفيل # من أمتع المقالات الأدبية التي كتبها أستاذنا الكبير ~~مقالة بعنوان «بيضة الفيل»، يسخر فيها من المناقشات ~~«البيزنطية»، التي تحتد بين بعض الناس في موضوعات ~~في غاية التفاهة من ناحية، ثم هي تخلق ms143 مشكلات من عدم ~~من ناحية أخرى، يبدأ المقال على النحو التالي: «قال ~~الشيخ: الفيلة تلد ولا تبيض، والمشكلة المراد حلها ~~هي هذه: لو كانت الفيلة تبيض فماذا يكون لون بيضها؟ # 124 # لاحظ أن أول سطر في المقال يقرر حقيقة ~~علمية واقعة هي «أن الفيلة تلد ولا تبيض»، لكنا ~~اعتدنا أن نخلق مشكلات من عدم: فافرض أنها تبيض فماذا ~~يكون لون بيضتها؟ يستمر المقال فيقول: «في الجواب عن ~~هذا السؤال اختلف العلماء: يقول عمارة بن الحارث بن ~~عمارة: تكون بيضاء، واستدل على صحة قوله بدليل من ~~القياس ودليل من اللغة. # 125 # أما دليل القياس فهو أن كافة مخلوقات الله ~~التي تبيض بيضها أبيض، وليس في طبيعة الفيل ما يدل على ~~أنه لو باض أخذت بيضته لونا آخر غير البياض ... أما ~~دليل اللغة فهو أن البيضة مشتقة من البياض، وإذن ~~فالبياض أصل والبيضة فرع منه ... وأخيرا تساءل عمارة: ~~ما حكم الشرع في بيضة الفيل، أيحل أكلها للمسلمين أم ~~يحرم عليهم؟ وهنا أجاب بدقته المعهودة أن بيضة الفيل ~~حلال أكلها بشرط، حرام بشرط ...» على هذا النحو الجميل ~~يصور الأديب مشكلاتنا التافهة التي نخلقها من لا شيء، ~~وهو يخدع القارئ بأن يذكر أسماء العلماء كما لو كانوا ~~من التراث فعلا؛ ليشعر القارئ أن مناقشاتنا لا تزال ~~هي نفسها مناقشات العصور الوسطى، انظر مثلا إلى ~~المقال يستمر جادا مع أنه يسخر سخرة مريرة، «وتصدى ~~معسرة بن المنذر لتفنيد ما قال عمارة بن الحارث في ~~بيضة الفيل من حيث لونها، فقال عن دليل القياس الذي ~~ساقه عمارة ... إنه ليس صحيحا أن كافة الحيوان الذي ~~يبيض لونه أبيض؛ فبيض البط فيه خضرة خفيفة، وبيض ~~الدجاج في بعضه حمرة خفيفة، ومن الطير ما بيضه أرقط، ~~ومنه ما بيضه أزرق ... أما دليل اللغة فهو استنتاج ~~معكوس ومغلوط في آن معا ... إلخ»، وكان من بين تلاميذ ~~ابن الحارث تلميذ نجيب، فتصدى للرد على نقد معسرة، ~~فقال إنه زل زلة ما كان ينبغي أن يقع في مثلها رجل ~~مثله، وهو شيخ ms144 المناطقة في زمانه ...» وتستمر المحاورة، ~~وهذا هو «الفورم» أي الشكل الذي اتخذه المقال، ~~بأسلوب ساخر لاذع عن إهدار القدرات العقلية في ~~مناقشات لا معنى لها؛ لأنها تتناول موضوعات نخترعها ~~من ناحية، وهي أتفه من أن تكون موضوعا لحوار من ~~ناحية أخرى. ويختتم المقال بما يريد الكاتب أن يفتح ~~عين القارئ عليه، وهو بعدنا من مشكلات العصر، فيقول ~~إنه حدثت رجفة عنيفة «وزلزلت الأرض زلزالها، وقال ~~الشيخ ما لها؟ فقيل: يا مولانا قنبلة ذرية، في لمحة ~~تقضي على الأصل والذرية، فعجب الشيخ أن كان في الدنيا ~~علم غير علمه!» # 126 ~~(ب) جنة العبيط # وفي استطاعتك أن تقول الشيء نفسه عن مقالة «جنة ~~العبيط»، التي تعالج فكر العصر الوسط الفج، الذي ما ~~زلنا نعيش فيه فضلا عن عادته الاجتماعية البالية، ~~ويبدأ المقال: «أما العبيط فهو أنا، وأما جنتي فهي ~~أحلام نسجتها على مر الأعوام عريشة ظليلة، تهب ~~فيها النسائم عليلة بليلة، فإذا ما خطوت عنها خطوة ~~إلى يمين أو شمال أو أمام أو وراء، ولفحتني الشمس ~~بوقدتها الكاوية، عدت إلى جنتي أنعم فيها بعزلتي، ~~كأنما أنا الصقر الهرم تغفو عيناه، فيتوهم أن بغاث ~~الطير تخشاه، ويفتح عينيه، فإذا بغاث الطير تفري ~~جناحيه، ويعود فيغفو لينعم في غفوته بحلاوة غفلته ... ~~إلخ.» لاحظ السجع الواضح ذا الدلالة. ~~(ج) نفوس فقيرة # من أمتع المقالات التي تهزك هزا عنيفا مقاله عن ~~«النفوس الفقيرة»، الذي يبدأ تصوير الأنواع المختلفة ~~للفقر: # الفقر صوره شتى ... منها اليباب القفر الذي ~~تلتهب رماله بوقدة الشمس، حتى لتنقلب حبات ~~الرمل على سطحه جمرات من نار ... # ومنها الصخر الأجرد الذي صلد عوده وتصلبت ~~أطرافه، فلا يتفجر جوفه عن قطرة أو نبته ~~... # ومنها السماء لا تجود بالغيث، تيبس الأرض من ~~تحتها وتتشقق، ويجف الزرع ويموت، وتشخص ~~الأبصار إليها ضارعة، وتصعد الدعوات إليها ~~مسترحمة، لكنها كالحة مصفرة الوجه لا تجود ~~... # ومنها الوردة تذبل وتذوي، طار عنها الشذى ~~وجف من عرقها الماء ... ومنها الجدول غيض ~~ماؤه، تعبره ماشيا على قدميك فترن أصداء خطاك ~~بين صخور لخلائه ms145 وفراغه ... ومنها الجيوب تخلو ~~من المال ... # لكن لا اليباب القفر الذي تلتهب رماله بوقدة ~~الشمس، ولا الصخر الأجرد الذي صلد صدره، ولا ~~السماء اليابسة ولا الوردة الذابلة، ولا ~~الجدول غيض ماؤه ولا الجيوب الخالية من المال، ~~بمستطيعة أن تعبر عن الفقر بأبلغ مما تعبر عنه ~~النفوس الفقيرة. # فقيرة هي تلك النفوس التي يعيش أصحابها ~~فيما نعيش فيه ولا تتأثر، كأنما تنظر العين ~~ولا ترى، وتسمع الأذن ولا تعي، وكأنما قد ~~القلب من صوان ... صاحب النفس الفقيرة ~~كالمذياع التالف، فيه المفاتيح والصمامات ~~والأسلاك، لكن الهواء من حوله يعج بموجات ~~الصوت، وهو أبكم لا يلتقط ولا يذيع ... فقيرة ~~هي النفس التي تنظر إلى باطنها فتجد خواء، ~~فتمتد إلى خارجها لتقتني ما يسد لها هذا ~~الخواء، فتتصيد أناسا آخرين لتخضعهم ~~لسلطانها. إنها علامة لا تخطئ في تمييز أصحاب ~~النفوس الفقيرة من سواهم، فحيثما وجدت طاغية - ~~صغيرا كان أو كبيرا - فاعلم أن مصدر طغيانه ~~هو فقر نفسه، أن المكتفي بنفسه لا يطغى ... ~~فقيرة هي النفس التي لا تستطيع أن تقف موقف ~~سواها، لترى ما ترى وتحس ما تحس ... فقيرة هي ~~تلك النفوس التي لا يستطيع أصحابها أن ينظروا ~~من وراء الأشخاص إلى حيث ظروفهم، ولو قد فعلوا ~~لاشتد بهم التسامح واتسع فيهم العفو ~~والمغفرة. # فقيرة هي تلك النفوس التي تبطش بالأشياء ~~والأحياء بطش الصبيان؛ فقيرة، يا أبا العلاء، ~~هي تلك النفوس التي لا تخفف الوطء؛ لأنها لا ~~تدري أن أديم الأرض هو من هذه الأجسام ... # 127 ~~(د) الكوميديا الأرضية # وهو في مقال عنوانه «الكوميديا الأرضية» يتخيل أن ~~دانتي «قد بعث حيا، وأنه كتب هذه القصيدة الجيدة، ~~التي اتخذ فيها أيضا من أستاذه القديم «فرجيل» دليلا ~~وهاديا، ويصور أستاذنا بسخرية مريرة كيف وجد دانتي ~~في الجحيم كل من فعل خيرا أو قال صدقا، لأنه أراد ~~أن يصور القيم المقلوبة في مجتمعنا، فماذا وجد ~~الشاعر في أول حلقة من حلقات الجحيم: «ها هنا وجد عبدة ~~المبادئ الذين أنهكوا قواهم وأضاعوا حيواتهم في سبيل ~~مبادئهم ... ولهذا فقد ms146 حق عليهم الحرمان من نعيم ~~الفردوس!» وماذا وجد في الحلقة الثانية من الجحيم ~~«أولئك الذين شغلتهم في الدنيا عقولهم عن إشباع شهوات ~~أجسادهم ...» أما في الحلقة الثالثة فقد أعد العقاب ~~لمن عف فلم يلحف في السؤال عن حقه لدى أصحاب ~~السلطان، وفي الحلقة الرابعة جماعة كانت تشغل نفسها ~~بالإصلاح فتفسد على غيرهم نعاسهم وأحلامهم، أما ~~الحلقة الخامسة فقد خصصت لمن أخذ زمانه بالدقة، فلا ~~يؤخر موعدا ولا يؤجل عملا إلى غد ... وهكذا نجد في كل ~~حلقة من الجحيم «أفاضل الناس»، حتى الحلقة العاشرة ~~تجد فيها من لم يتشفعوا بشفيع أو يتوسطوا بوسيط ~~وعملوا في صمت. # وفي استطاعتك أن تقول إن خصائص المقالة الأدبية ~~بارزة في كثير جدا من المقالات التي كتبها في كتبه ~~المتقدمة: «جنة العبيط» و«الثورة على الأبواب»، و«شروق ~~من الغرب» حيث تغلب النغمة الأدبية، ولك أن تقرأ فيها ~~«ظلم» و«خيوط العنكبوت»، و«عروس المواد»، و«الكراهية ~~الصامتة»، و«عند السفح» ... إلخ، وفي كتبه المتأخرة ~~«رؤية إسلامية»، «عن الحرية أتحدث» و«تحديث الثقافة ~~العربية» ... مقالات «أستاذ يحلم»، و«ذبابة تعقبتها»، ~~و«نافخ النار» ... وغيرها كثير. # خاتمة # بعد هذه الرحلة الطويلة التي قطعناها في فكر زكي نجيب محمود، ~~علينا أن نقف في هذه الخاتمة لنتأمل مجموعة من الملاحظات، ~~أهمها ما يأتي: ~~(1) # لقد حاول هذا الباحث تأكيد القضية التي أثارها ~~في البداية؛ وهي أننا نخطئ كثيرا عندما نحكم على ~~فكر زكي نجيب محمود من منظور الوضعية المنطقية ~~وحدها، وأن كل من يأخذ بهذا المنظور، فإنه يكشف عن ~~خطأ أساسي أو قصور شديد؛ لأنه لم يتتبع التطور ~~الروحي لهذا المفكر، أو أنه اكتفى بالتوقف عند ~~مرحلة واحدة من مراحل تطوره. ~~(2) # أن زكي نجيب محمود مفكر تنويري يقوم بمواصلة ~~المهمة التنويرية، التي بدأها رفاعة الطهطاوي وسار ~~فيها أعلام نهضتنا الحديثة؛ فهو يستكمل الطريق ~~نفسه الذي سار فيه رواد كبار من أمثال محمد ~~عبده ولطفي السيد وطه حسين والعقاد، وغيرهم من ~~الذين جمعوا بين الثقافة العربية الأصيلة والفكر ~~المعاصر في دمج واحد؛ ومن هنا قدم مفكرنا صيغة ~~ثنائية هي «العقل ms147 والوجدان» والتفرقة بين هذين ~~المجالين حلا لمشكلتنا الثقافية، وقد عرض هذه ~~الصيغة في «الشرق الفنان»، وجسدها هو نفسه ~~بحياته ومؤلفاته. ~~(3) # في هذه الصيغة الثنائية «العقل والوجدان» حرص ~~على خلق طريقة عقلية جديدة، يحلل بها المثقف ~~العربي لنفسه ولمجتمعه، إذا أراد، مفاهيمه وأفكاره ~~بأن يفكها إلى مكوناتها الأصلية، ليلقي عليها ~~الضوء، فلا نستخدم مفاهيم غامضة يمكن أن تكون ~~عقبة أكثر مما تكون دافعا للتطور، ثم قدم لنا ~~نماذج من اهتماماته الأدبية لا سيما «المقال ~~الأدبي»، الذي يهدف إلى إثارة الوجدان عند ~~القارئ. # فأي منهج نطبقه في الحالات التي يتداخل فيها ~~اللامتناهي مع المتناهي ويتصل به؟! # 128 ~~(4) # نستطيع أن نقول أيضا إن «فكرة الثنائية»، لا ~~سيما الأنطولوجية، غير مستقرة عند مفكرنا الكبير؛ ~~فهو أحيانا يرى أنها ثنائية لا تسوي بين ~~الشطرين، بل تجعل للشطر الروحاني الأولوية على ~~الشطر المادي؛ فهو الذي أوجده، وهو الذي يسيره ~~ويحدد له الأهداف. # 129 # وواضح أننا هنا أمام واحدية؟! إذ ~~يمكن أن يرد الشطر المادي إلى الروحاني! ثم ~~يقول في أحيان أخرى: «إنها نظرة تجمع بين ~~الثنائية والكثرة، ثنائية بالنسبة إلى الله الخالق ~~والكون المخلوق والكثرة بالنسبة لأفراد الناس ~~الداخلين في حدود هذا الكون المخلوق ...» # 130 # ثم هو يميل، بصراحة ووضوح، في ~~مقالاته الأخيرة في جريدة الأهرام ، إلى الوحدانية؛ ~~ولك أن تقرأ مجموعة المقالات التي كتبها بعنوان ~~«من إشعاعات التوحيد ...» # 131 ~~(5) # يقترح أستاذنا الكبير صيغة «العقل والوجدان» ~~حلا لمشكلة «الأصالة والمعاصرة»، وإن قلنا إن ~~هذه الصيغة هي المفتاح «السحري» لحل مشكلتنا ~~الثقافية، فسوف نصطدم بكثرة من المشكلات، منها ~~مثلا أن ثنائية «العقل والوجدان» زوجان مختلفان ~~من المقابلات يختلفان أتم الاختلاف عن الأصالة ~~والمعاصرة! فهل نقول إن المعاصرة هي العقل ~~والأصالة هي الوجدان؟! في هذه الحالة نكون قد ~~حكمنا على التراث كله بأنه أشبه بالعمل الفني الذي ~~لا نستطيع التعامل معه إلا بوجداننا؛ مع أننا ~~كثيرا ما نعود إليه بوصفه يشتمل على نماذج كثيرة ~~من ثنائية «العقل والوجدان» معا! # ثم ألا نستطيع أن نقول إن في المعاصرة عقلا ms148 ~~ووجدانا، وفي الأصالة عقلا ووجدانا؟! وفي العقل ~~أصالة ومعاصرة، وفي الوجدان أصالة ومعاصرة؟! ألا ~~يجعلنا ذلك ننتهي إلى أن مشكلة الأصالة والمعاصرة، ~~ربما كانت «شبه مشكلة» أو «شبه زائفة»؛ لأن المثقف ~~العربي الحقيقي هو في الوقت نفسه أصيل ومعاصر ~~معا؟! ~~(6) # لكن أيا ما كانت الانتقادات التي توجه إلى ~~هذه الفلسفة الثنائية، فسوف يبقى لهذا الرجل أنه ~~حمل مشعل التنوير ما يقرب من ستين عاما يضيء به ~~العقول والقلوب معا في مؤلفاته ومحاضراته ~~وأحاديثه ولقاءاته ... وأنه كان مفكرا عربيا ~~مخلصا في عروبته ووطنيته، كما يقول واحد من أشد ~~معارضيه: «كتابات زكي نجيب محمود ترفض الاستعمار ~~والاحتكار والإرهاب بالفكر والسياسة. إنه يريد ~~الآلات المتقدمة والتكنولوجيا الراقية، ولا يريد ~~أن يستجلب معها استعمارا ولا احتكارا، بل لقد ~~شارك الناس زمنا في الاستماع إلى أغنيات ~~الاشتراكية ولم يرفضها، كما دعا إلى حرية ~~اجتماعية وإلى إنصاف العمال والفلاحين، وهو يقدم ~~بشخصه نموذجا نادرا للمفكر الحر ...» # 132 # | مراجع البحث # أولا: مؤلف الدكتور زكي نجيب محمود ~~(1) # زكي نجيب محمود، «في تحديث الثقافة العربية»، دار ~~الشروق، عام 1987م. ~~(2) # زكي نجيب محمود، «رؤية إسلامية»، دار الشروق، عام ~~1987م. ~~(3) # زكي نجيب محمود، «عن الحرية أتحدث»، دار الشروق، عام ~~1986م. ~~(4) # زكي نجيب محمود، «في مفترق الطرق»، دار الشروق، عام ~~1985م. ~~(5) # زكي نجيب محمود، «قيم من التراث»، دار الشروق، عام ~~1984م. ~~(6) # زكي نجيب محمود، «قصة نفس»، دار الشروق، ط2 عام ~~1983م. ~~(7) # زكي نجيب محمود، «قصة عقل»، دار الشروق، عام ~~1983م. ~~(8) # زكي نجيب محمود، «أفكار ومواقف»، دار الشروق عام ~~1983م. ~~(9) # زكي نجيب محمود، «تجديد الفكر العربي»، دار الشروق، ~~عام 1982م. ~~(10) # زكي نجيب محمود، «هذا العصر وثقافته»، دار الشروق، ~~عام 1982م. ~~(11) # زكي نجيب محمود، «من زاوية فلسفية»، دار الشروق، عام ~~1982م. ~~(12) # زكي نجيب محمود، «مجتمع جديد أو الكارثة»، دار ~~الشروق، عام 1983م. ~~(13) # زكي نجيب محمود، «جنة العبيط»، دار الشروق، ط2، عام ~~1982م. ~~(14) # زكي نجيب محمود، «في حياتنا العقلية»، دار الشروق، ~~ط2، عام 1981م. ~~(15) # زكي نجيب محمود، «هموم المثقفين»، دار الشروق، عام ~~1981م. ~~(16) # زكي نجيب ms149 محمود، «المعقول واللامعقول في تراثنا ~~الفكري»، دار الشروق، ط3، عام 1981م. ~~(17) # زكي نجيب محمود، «مع الشعراء»، دار الشروق، عام ~~1978م. ~~(18) # زكي نجيب محمود، «أرض الأحلام»، دار الهلال ~~بالقاهرة، عام 1977م. ~~(19) # زكي نجيب محمود، «ثقافتنا في مواجهة العصر»، دار ~~الشروق، عام 1976م. ~~(20) # زكي نجيب محمود، «الشرق الفنان»، العدد رقم 2 في ~~سلسلة المكتبة الثقافية، دار القلم، القاهرة، عام ~~1960م. ~~(21) # زكي نجيب محمود، «المنطق الوضعي»، ج1، ج2، مكتبة ~~الأنجلو، عام 1957م. ~~(22) # زكي نجيب محمود، «نحو فلسفة علمية»، مكتبة الأنجلو، ~~عام 1958م. ~~(23) # زكي نجيب محمود، «قشور ولباب»، مكتبة الأنجلو (وقد ~~أعاد طبعه في دار الشروق، الطبعة الثانية)، عام ~~1958م. ~~(24) # زكي نجيب محمود، «والثورة على الأبواب»، مكتبة ~~الأنجلو (وقد أعاد طبعه في دار الشروق، بعنوان ~~«الكوميديا الأرضية»)، عام 1954م. ~~(25) # زكي نجيب محمود، «شروق من الغرب»، مكتبة الأنجلو (ثم ~~أعاد طبعه في دار الشروق)، عام 1951م. ~~(26) # زكي نجيب محمود، «خرافة الميتافيزيقا»، النهضة ~~المصرية، عام 1953م. ~~(وقد أعاد نشره في دار الشروق، بعنوان «موقف من ~~الميتافيزيقا»، ط2، عام 1983م). ~~(27) # مجموعة مقالات الأهرام، لعام 1987م بعنوان «بذور ~~وجذور»، وقد صدرت في كتاب عن دار الشروق، عام ~~1984م. ~~(28) # مجموعة مقالات الأهرام، لعام 88 بعنوان «عربي بين ~~ثقافتين»، وقد صدرت في كتاب عن دار الشروق، عام ~~1984م. # ثانيا: مراجع عامة ~~(1) # أحمد أمين، «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، مكتبة ~~النهضة المصرية، عام 1979م. ~~(2) # أحمد أمين، «حياتي»، دار الكتاب العربي بيروت، عام ~~1971م. ~~(3) # د. أحمد ماضي «الوضعية المحدثة والتحليل المنطقي»، ~~ضمن بحوث الفلسفة في الوطن العربي المعاصر، بحوث ~~المؤتمر الأول أصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، ~~بيروت، عام 1985م. ~~(4) # د. حسن فوزي النجار، «رفاعة الطهطاوي»، سلسلة أعلام ~~العرب، عدد 53، القاهرة. ~~(5) # جيروم ستولنيتز، «النقد الفني»، ترجمة د. فؤاد ~~زكريا، الهيئة المصرية، القاهرة، عام 1981م. ~~(6) # الإمام محمد عبده، «الإسلام والنصرانية»، مكتبة ~~صبيح، عام 1954م. ~~(7) # د. محمد البهي، «الفكر الحديث وصلته بالاستعمار ~~الغربي» دار الفكر، بيروت، عام 1970م. ~~(8) # د. محمد عمارة، «رفاعة الطهطاوي، رائد التنوير ~~الحديث»، أعلام، عدد 3، القاهرة، عام 1984م. ~~(9) # محمود أمين العالم، «معارك ms150 فكرية»، دار الهلال، ط2، ~~عام 1970م. ~~(10) # طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، مطبعة دار الكتب ~~المصرية، عام 1926م، وفي طبعته الثانية «في الأدب ~~الجاهلي»، ضمن المجلد الخامس من المؤلفات العامة التي ~~نشرت في دار الكتاب اللبناني، عام 1974م. ~~(11) # د. عاطف أحمد «نقد العقل الوضعي، دراسة في الأزمة ~~المنهجية لفكر زكي نجيب محمود، دار الطليعة، بيروت، ~~عام 1980م. ~~(12) # علي عبد الرزاق، «الإسلام وأصول الحكم»، المؤسسة ~~العربية للدراسات، نشرة د. محمد عمارة مع وثائق ~~المحاكمة. ~~(13) # د. يحيى هويدي، «الفلسفة الوضعية في الميزان»، مكتبة ~~النهضة المصرية، عام 1972م. ~~(14) ~~«أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، بحوث ندوة ~~الكويت في أبريل، عام 1974، مطابع دار السياسة ~~بالكويت. ~~(15) ~~«الدكتور زكي نجيب محمود: فيلسوفا وأديبا ~~ومعلما»، الكتاب التذكاري الذي أصدره قسم الفلسفة ~~بكلية الآداب بجامعة الكويت، عام 1987، مطابع ~~الوطن. # الباب الثالث # | متفرقات # (1) # زكي نجيب محمود كما عرفته. ~~(2) # زكي نجيب محمود مفكرا تنويريا. ~~(3) # سقراط مصر أو مشعل الفكر الذي انطفأ. # الفصل الأول # | الدكتور زكي نجيب محمود كما عرفته معلما ... وإنسانا # تمهيد # لست أريد لهذا المقال أن يكون دراسة لجانب من الجوانب ~~الفكرية عند الدكتور زكي نجيب محمود، فسوف يكون لذلك مجال آخر. # 1 # وإنما أود أن يتخذ شكل الحديث الخاص مع القارئ، ~~أروي له فيه مجموعة من الانطباعات الشخصية، التي خبرتها بنفسي ~~خلال علاقتي الطويلة بهذا المفكر العملاق. وإذا كانت مؤلفات ~~الدكتور زكي نجيب تشتمل، بصفة عامة، على معرفة فلسفة يجدر بنا ~~تحصيلها؛ فإن هناك جوانب أخرى في شخصيته تخفى على كثيرين ممن ~~لم تتح لهم فرصة الاتصال به على نحو مباشر، وهي أيضا ~~تعطينا مجموعة من القيم الأخلاقية، والاجتماعية، والأكاديمية، ~~التي يجمع بنا الإلمام بها، حتى تكتمل لدى القارئ صورة الدكتور ~~زكي نجيب محمود المفكر، والأستاذ، والمعلم، والإنسان، وسوف ~~أقصر حديثي على هذه الجوانب الثلاثة الأخيرة، كما لمستها خلال ~~تجربتي الشخصية، بحيث أتحدث عنها فرادى، رغم أنها في الواقع ~~تعبر عن جوانب متعددة لشخصية واحدة؛ ولهذا فسوف يبدو ~~واضحا ما بين هذه الجوانب الثلاثة من تداخل. # زكي نجيب محمود ms151 ... الأستاذ # عندما صدر كتابي «المنهج الجدلي عند هيجل» عام 1968م كان ~~يحمل على صدره الإهداء التالي: # إلى من كان لتلاميذه أبا قبل أن يكون ~~أستاذا... # إلى الفيلسوف ... والمعلم ... والإنسان ... # إلى الرجل الذي قلبه جميع ... وروحه حر ... # إلى أستاذي الدكتور زكي نجيب محمود ... # وكنت في الواقع أعبر عن شعوري نحو الرجل بلا أدنى مبالغة، ~~وسوف يتضح خلال هذا الحديث كيف كان أثره في تكويني قويا ~~وعارما، بحيث تجاوز حدود العلم والمعرفة إلى مجالات الأخلاق ~~والسلوك، وأذكر أنني ذهبت ذات صباح إلى كاتب من كتابنا ~~أهديه نسخة من الكتاب، وكان يعمل وقتها في دار «أخبار اليوم»، ~~وهو نفسه واحد من خريجي قسم الفلسفة القدامى، وأخذ الرجل ~~يقلب صفحات الكتاب ثم قرأ الإهداء وابتسم وهو يقول ~~مداعبا: «ألست ترى شيئا من التناقض في إهداء كتاب عن هيجل، ~~الميتافيزيقي الأكبر، إلى الدكتور زكي نجيب محمود عدو ~~الميتافيزيقا الأول؟» وكان الكاتب يشير، كما هو واضح، إلى ~~المفارقة التي قد يجدها القارئ عندما يجد اسم الدكتور نجيب ~~محمود، صاحب «خرافة الميتافيزيقا»، يتصدر الصفحة الأولى من ~~كتاب يعالج منطق هيجل الذي هو نفسه ميتافيزيقاه، وأجبته ~~بأنني قصدت ذلك عامدا، فأنا هنا أبرز، بهذا الإهداء، خاصية ~~هامة عند الدكتور زكي نجيب محمود، «الأستاذ»؛ وهي أنه أفادني ~~فائدة كبرى في «منهج البحث» دون أن يلزمني باتباع مذهبه، وهذا ~~هو «الأستاذ على الأصالة»: يوجه، ويرشد، لكنه لا يفرض فكرا، ~~أنه يفيد طلابه في طريقة البحث، في كيفية جمع المادة العلمية، ~~وتقييمها، وعرضها عرضا واضحا ... إلخ؛ أعني أنه يفيد في ~~«المنهج» دون المذهب، وتلك حقيقة خبرتها بنفسي في الدكتور زكي ~~نجيب محمود «الأستاذ» لسنوات طويلة، عملت فيها تحت إشرافه، ~~وبتوجيه منه، وكتبت في النهاية أفكارا «وعبارات» تعد من ~~منظور الوضعية المنطقية كلاما فارغا لا معنى له، ولو أن ~~الدكتور زكي نجيب قد حكم على بحثي «المنهج الجدلي عند هيجل» ~~بمعيار الوضعية المنطقية لنسفه من جذوره، ولتحول البحث إلى ~~مجموعة من العبارات الغامضة التي ترادف قولنا: «إن المزاحلة ~~مرتها خمالة أشكار»، والتي ms152 وصفها بأنها رموز سوداء تملأ ~~الصفحات بلا دلالة ولا مدلول. # 2 # لكن الرجل لم يفعل، واستطاع بمقدرة الأستاذ ~~وبراعته، أن يفصل بين المذهب الذي يعتنقه هو وبين أفكار البحث ~~الذي يكتبه تلميذه، أو قل إنه قدم للتلميذ «المنهج» وأمسك عن ~~تقديم «المذهب». # هذا الموقف الأكاديمي الذي وقفه الدكتور زكي نجيب عندما كان ~~مشرفا على رسالتي للماجستير، إنما يعبر عن خاصية حقيقية ~~وأصيلة للأستاذ الجامعي. وهو يذكرني بموقف مماثل وإن كان أسبق ~~منه زمنيا، عندما كنا طلابا بالجامعة، في منتصف ~~الخمسينيات، وعرفنا الرجل لأول مرة وبهرتنا محاضراته القوية ~~الواضحة التي يستحيل أن تمر عليك دون أن تترك فيك أثرا ~~ملموسا؛ فهو يحمل معولا ضخما ينهال به على أفكار ومفاهيم، ~~كنا نظن أن لها صفة «القداسة»، وأنها لا يمكن أن «تمس» وإذا ~~بها تتحول بين يديه إلى كلمات لا معنى لها «كالسوح» ~~«والمشقرات» «واللاذبية» وغيرها، وبحماس الشباب الذي يقبل على ~~التغيير بقوة، اندفعنا نحو تبني المذهب الذي يعتنقه الأستاذ ~~ويبشر به، وسعينا إليه في منزله نعلن له عن رغبتنا في تكوين ~~«جماعة فينا جديدة»، على أن يكون مقرها هذه المرة مدينة ~~القاهرة تعمل على نشر الوضعية المنطقية في الوطن العربي كله عن ~~طريق ترجمة بعض النصوص الهامة تحت إشراف الأستاذ، والتعريف ~~بأهم فلاسفتها وإقامة الندوات، وترتيب المحاضرات التي يقوم هو ~~فيها، بطبيعة الحال، بالدور الرئيسي في عرض المذهب ... إلخ. # 3 # واستقبلنا الرجل في منزله بترحاب شديد، وكنت لأول مرة ~~أصادف أستاذا كبيرا يعامل تلاميذه الزملاء رغم صغر السن ~~وضآلة الثقافة (ولقد كان أستاذ الجامعة عندنا في ذلك الوقت ~~يقترب في تصورنا من مستوى الآلهة). وعرضنا عليه في فرح ممزوج ~~بالفخر والحماس المشروع الذي ننوي القيام به، وكم كانت ~~المفاجأة كبيرة بالنسبة لنا عندما وجدناه يرفض، بأدب جم، ما ~~عرضناه عليه من أفكار. وما زالت أصداء كلماته الإنجليزية ترن ~~في مسامعي حتى الآن بعد ما يقرب من ثلاثين عاما: «ما زال ~~الوقت مبكراجدا بالنسبة لكم لاعتناق مذهب ما.» ثم قال ~~بحنان الأب وأمانة ms153 الأستاذ: «... هل تعلمون كيف وصلت أنا إلى هذا ~~المذهب؟ لقد كانت رحلة طويلة جدا وشاقة جدا حتى اهتديت ~~إلى المذهب الذي ارتاح له فكري. أما أنتم فلماذا تحصرون أنفسكم ~~في هذه السن المبكرة في إطار مذهب ضيق أيا كان نوعه؟ ... لا ~~... لا ... نصيحتي إليكم أن تواصلوا القراءة والدراسة، اطلعوا ~~على المذاهب جميعا وتمثلوها جيدا، ثم اتركوا عملية اختيار ~~المذهب إلى آخر لحظة ممكنة ...» ولم أكن أعلم يومها حقيقة ~~موقفه، الذي ما زال يغيب عن كثيرين حتى الآن؛ وهو أن الرجل ~~يقوم بمهمة تنويرية في المقام الأول، استكمالا لنفس الطريق ~~الذي سار فيه كثرة من الرواد من قبل، مثل أحمد لطفي السيد، ~~وطه حسين، والعقاد، وهيكل وغيرهم، أنه لا يستهدف نشر مذهب ~~اسمه «الوضعية المنطقية»، وإنما هو يريد أن «ينير» عقول الناس، ~~أن يغير من طريقة التفكير السائدة عندهم. إنه يسعى إلى نشر ~~«منهج» جديد يحلل الناس بواسطته أفكارهم، وأفكار غيرهم، ~~ليقبلوا ما له معنى فحسب، وليزيحوا عن أنفسهم هذا الركام ~~الهائل من الخرافة، الذي ما زال يعشش في صدورهم. إنه باختصار ~~يريد «توظيف» الوضعية المنطقية لصالح الفكر التنويري الذي يدعو ~~إليه، لكنه لا يقبل أن يكون هو نفسه «موظفا» عند هذا ~~المذهب، ولا عند غيره من المذاهب. إنه يستخدم المذهب لدفع ~~الفكر العربي إلى الأمام، لكنه يرفض أن يستخدمه المذهب بحيث ~~يكون كل همه الدعوة إليه، ونشر أفكاره بكل السبل؛ ومن هنا ~~فإن الدور الحقيقي والهام الذي يقوم به الدكتور زكي نجيب محمود ~~في فكرنا العربي، يغيب تماما عن كل من يظن أن هدف الرجل كان ~~«تكوين مدرسة فلسفية (هي الوضعية المنطقية العربية) يثابر على ~~إثرائها وتدعيمها في إخلاص ودأب وأناة.» # 4 # أو أنه أراد «أن ينمي حوله تيارا فكريا ~~مستمدا من أصول هذه الفلسفة، وأن يدعمه بالمقالات والمحاضرات ~~والكتب» ... # 5 # لم أكن أدرك عن «وعي» حقيقة الدور الذي يؤديه عندما ذهبنا ~~إليه نعرض تكوين حلقة «فينا» جديدة، وقل مثل ذلك في الحوار ~~الذي دار ذات يوم بينه وبين السيدة ms154 زوجته، التي كانت ترى أن ~~المجرم أقل «ذكاء» من غيره، ويتجلى ذلك في عدم إدراكه ~~للنتائج البعيدة المدى، التي تترتب على سلوكه الإجرامي، ومدى ~~ما يؤدي إليه مثل هذا السلوك في مستقبل حياته، وكان رأي ~~الأستاذ مختلفا، وكان عليه أن يدافع عنه بقوة، فبعض المجرمين ~~الآن، في أوروبا وأمريكا، (وكان الحوار يدور يومها بمناسبة ~~سرقة قطار في إنجلترا، كان يحمل عدة ملايين من الجنيهات ~~الإسترلينية)، عليهم تتبع التطورات التكنولوجية الحديثة، حتى ~~يمكن وصفهم بأنهم «علماء» في مجالهم، بمعنى أنهم على درجة ~~عالية من المعرفة، تمكنهم من فهم أجهزة الإنذار الحديثة، ~~وكيف تعمل، وكيف يمكن إبطالها. كما أن عليهم أن يعرفوا دقائق ~~الأمور عن خزائن المال، والتعقيدات المتناهية في فتحها؛ إذ قد ~~تحتاج بعض هذه الخزائن إلى مليون عملية حسابية لكي تفتح. ~~وذلك كله دليل على ذكاء حاد وقدرة عقلية فائقة. أما ~~مسألة عدم تقدير المجرم للآثار والنتائج المترتبة على سلوكه ~~الإجرامي، فقد يصدق ذلك على صغار المجرمين، أما كبارهم، وهم ~~موضوع حديثنا الآن، فهم ينظرون إلى المسألة على أنها «مغامرة»، ~~فإن نجحت رفعتهم إلى السماء السابعة، وعاشوا بقية عمرهم في ~~رغد (وبعضهم يغير ملامح وجهه، ويذهب للحياة في مكان ما ~~بعيدا عن وطنه)، وإن فشلت قضت عليهم؛ فالمسألة حياة أو موت. ~~ثم إنه يقول لنفسه أنها لن تفشل، إن الحالات التي فشلت فيها ~~الجريمة من قبل (كحالات فشل بعض الانقلابات العسكرية)، كانت ~~بسبب أخطاء وقع فيها المدبرون، وربما كانوا أقل ذكاء، أما هو ~~فقد درس العملية التي سيقوم بها دراسة جيدة يتعذر معها ~~الفشل. # زكي نجيب محمود ... المعلم # في استطاعتي أن أقول، في اطمئنان وثقة: إن زكي نجيب محمود ~~ليس أستاذا عاديا يلقنك معلومات، أو مجموعة من المعارف ~~وينتهي دوره، وإنما هو معلم من الطراز الأول؛ إنه المعلم ~~الذي يهز تلاميذه هزة عنيفة يستحيل بعدها أن يعودوا كما ~~كانوا؛ من هنا كان الطالب الذي تتلمذ عليه ولم يتأثر بما يقول، ~~ولم ينفعل، سلبا أو إيجابا، بكلماته؛ كالصخر الأجرد الذي ~~يسيل ms155 عليه الماء فينحسر عنه؛ لأنه مغلق أصم ولا رجاء ~~فيه! # زكي نجيب محمود هو «المعلم» الذي يثيرك بكلماته، ويدعوك إلى ~~نزاله ومحاورته، وهو لا يشعر بضيق ولا ملل من كثرة الأسئلة ~~التي يطرحها عليه طلابه بالغة ما بلغت بساطتها - وأحيانا ~~سذاجتها - شريطة أن يتابعوه، وأن يفهموا عنه ما يقول، وأذكر ~~أننا كنا نتعمد الإكثار من الأسئلة في موضوعات نظن أنها ~~«تحرجه»: «هل يمكن أن يترجم الفقر ترجمة حسية مادية؟! وهل ~~ينطبق المعيار الحسي نفسه على مفهوم «الحرية»؟! وماذا يكون ~~مصير الدين وقضاياه الأساسية؟! هل أنت مؤمن؟! وكيف نطبق على ~~الإيمان معايير الوضعية المنطقية؟! وكان «المعلم» يتحمل هذه ~~الأسئلة الساذجة جميعا، ويجيب عنها بهدوء وبغير انفعال. لم ~~يكن ينفعل إلا عندما يشعر أن شرحه قد ضاع أدراج الرياح، وأن ~~سؤال الطالب يكشف عن عدم فهمه لما قيل! وأضرب مثلا على ذلك ~~بهذه الواقعة الطريفة التي يكشف عنها هذا الحوار الذي دار بينه ~~وبين أحد الطلاب في قاعة الدرس: ~~- إن سؤالك ينم عن أنك لم تفهم شيئا مما قلت! ~~- كلا! لقد فهمت كل ما قلت! ~~- أؤكد لك أنك لم تفهم! ~~- أقسم بالله العظيم أنني فهمت! ~~- يمين على يمينك أنك لم تفهم شيئا! # وضجت القاعة بالضحك! # على أن أشد ما أثار عجبنا وإعجابنا في هذا «المعلم» هو ~~وضوحه الفكري، وقدرته الفائقة والمدهشة معا، والتي لا تخطئها ~~العين العابرة، على طحن «جلاميد» الفلسفة من أفكار معقدة أو ~~تصورات مجردة أو مفاهيم عقلية جافة، وتقديمها إلى الطلاب على ~~شكل «مسحوق» لا يرهق الذهن كثيرا، وإن كان يدفعه إلى التأمل ~~والتفكير! # ويرتبط بذلك خاصية أخرى ملفتة للنظر؛ وهو أنه حاضر البديهة ~~للغاية، قادر على أن يذكر لك الأمثلة العينية الحسية لأكثر ~~الأفكار الفلسفية تجريدا، بقدر ما يستطيع الواقع الحسي أن ~~يصور التجريد العقلي، وبسرعة مذهلة! أذكر أننا، في السنوات ~~الأولى من دراستنا الجامعية، كنا نطالع كتابا في الفلسفة عند ~~صديق، واعترضتنا لأول مرة فكرة الفيلسوف الألماني «فشته» عن ~~العلاقة بين «الأنا واللاأنا»، وكان التعبير غامضا علينا، ms156 ~~فقال قائل منهم: «ما رأيكم في الاتصال بالدكتور زكي نجيب ~~هاتفيا نرجوه أن يوضح لنا العلاقة بمثال؟! فقلنا: لكنه، من ~~ناحية، أستاذ للمنطق، ولا يدرس الفلسفة الحديثة، وهذه من ~~ناحية ثانية فلسفة ألمانية «ميتافيزيقية»، لا يطيق أن يسأله ~~عنها أحد، ونحن من ناحية ثالثة قد بلغنا العاشرة مساء ولم ~~نعتد محادثته في مثل هذا الوقت المتأخر ... إلخ، لكن الصديق قام ~~إلى الهاتف وهو يقول: لا أظنه يمانع رغم ذلك كله! وطلب الرجل ~~في منزله وسأله، وكانت إجابة «المعلم» بالبديهة الحاضرة سريعة ~~كالعادة: «أنت الآن حين تتحدث في الهاتف خير مثال لهذه العلاقة ~~التي تسال عنها: فشخصك هو «الأنا» والهاتف هو «اللاأنا»! فشكره ~~الصديق وجلس، وشعرنا جميعا بالحرج الشديد؛ لأن الفكرة لم تكن ~~غامضة ولا معقدة كما تخيلنا، ففيم كل هذا الإزعاج، ولم ندرك ~~أن الوضوح جاء نتيجة لشرح «المعلم»!» # ولقد علمني أنا شخصيا أن أحترم الرأي الآخر، وألا أسخر ~~أبدا من الفكرة المعارضة، وعندما رفض جماعة «فينا الجديدة»، ~~لم أكن أعرف بوضوح أنه هو نفسه يرفض المذهبية، وأنه ظل طوال ~~حياته يحارب التمذهب والجمود والتقوقع في مذهب معين، وأنه ~~يطلق على الذين يحصرون أنفسهم في مذاهب خاصة اسم «عبيد ~~المذاهب». ولم أتبين ذلك بوضوح إلا بعد أن قرأت مؤلفاته في ~~مرحلة متقدمة من حياتي الثقافية، ووقفت طويلا عند ذلك المقال ~~الرائع «عبيد المذاهب». ويا ليت أصحاب «الكليشيهات» الذين ~~يريدون أن يدمغوا الرجل بخاتم معين، وأن يحصروا كل فكره في ~~إطار «الوضعية المنطقية»، أن يقرءوا هذا المقال قبل أن يخوضوا ~~في شرح فكره وتحليله، وقبل أن يتطوعوا بالإفتاء! والحق أنني ~~عندما قرأت هذا المقال شعرت كأنما قد سقطت الفترة الزمنية ~~التي انقضت بين اللحظتين، اللحظة الأولى في مسكنه ونحن نعرض ~~عليه تأليف جماعة الوضعية المنطقية، واللحظة الثانية التي أقرأ ~~فيها هذا المقال، وتخيلته وهو ينصحنا بعدم الانتماء إلى مذهب. ~~وليسمح لي القارئ أن أقتبس فقط افتتاحية المقال التي يقول ~~فيها: «علمتني خبرة السنين، بين ما علمتني، أن من أخطر مزالق ~~الفكر ms157 أن أقيد نفسي في حدود إطار مذهبي، تقييدا يجعلني ~~أرجع في كل أموري إلى مبادئ مذهب معين، فما وجدته متفقا مع ~~تلك المبادئ قبلته، وما لم يتفق معها رفضته؛ وذلك لأن الخبرة ~~علمتني بأن تيار الحياة أغزر جدا من أن يلم به مذهب واحد ~~محدد بعدد قليل من المبادئ والقواعد ... إلخ.» # 6 # بل إنه ليرفض المذهبية، في السياسة؛ # 7 # ولهذا تراه يقول في مقال آخر: «إننا نبالغ في ~~المذهبية حتى لنجاوز بها في كثير من الأحيان حدود السياسة إلى ~~ميادين ما كان ينبغي لها قط أن تتورط في المذهبية كميادين ~~التعليم والأدب والفن ...» # 8 # وهو يردد مع الإمام الغزالي أنه: «لا خلاق لنا ~~إلا في الاستقلال»، وهو يقصد هنا استقلال الرأي، وأن نطالب ~~بمكان مشروع في أي نظام سياسي نختاره لصاحب الرأي المستقل، ~~إذا دل تاريخه الفكري على أنه قادر على الاستقلال.» # 9 # هذا الموقف الفلسفي الرائع، الاستقلال في الرأي، والاستقلال ~~في التفكير، هو الذي كان يحاول زكي نجيب محمود «الأستاذ» أن ~~يغرسه في تلاميذه، ولم يحاول قط أن يكون تلاميذه مجرد «نسخ» ~~منه. # ومعنى ذلك كله أن إحدى الخصال الأساسية في زكي نجيب محمود ~~«الأستاذ» نفوره من المذهبية، وإقباله على الاستقلال في الرأي، ~~وفي استطاعتك أن تضيف إلى ذلك خاصية أخرى هي أنه لا يعرف في ~~الحق لومة لائم، لا يجامل على حساب الجانب العلمي على ~~الإطلاق، ولا يتحاشى المواجهة الصريحة مع أي إنسان كائنا من ~~كان تلميذا أو صديقا، وبالغا ما بلغت درجة حبه له، ولكم ~~شهدت مناقشات حول بعض قضايا لا تروقه في علم النفس، أو أفكار ~~لبعض علماء النفس لا يوافق عليها؛ من ذلك مثلا ما يقوله البعض ~~من أن المجرم يكون، في الأعم الأغلب، ضعيفا من الناحية ~~العقلية، أو كثيرا ما يكون أقل، وأشهد أنه انفعل مرة انفعالا ~~ملفتا لأنني كتبت رأيا يخالف رأيي ثم أردفته بعلامة تعجب ~~(!) وثار «المعلم» ثورة لم أكن أتوقعها قط وهو يقول: علام ~~تتعجب؟! وماذا فعل بك الرجل حتى تتعجب ms158 من كلامه؟ وحتى لو ~~افترضنا جدلا أن فكرتك أصدق من فكرته، وهذا غير صحيح، أيجيز ~~لك ذلك أن تتعجب منه؟ إنني أود أن ألقن كل من يستخدم علامات ~~التعجب في صحفنا وكتبنا درسا لا ينساه؛ أود أن أقول له: يا ~~رجل، إن علامة التعجب انفعال يجوز أن نستخدمه في مجال الأدب ~~أو الفن عموما، أما مجال الفكر والعقل والمنطق واختلاف الرأي، ~~فلا يجوز لك أن تتعجب فيه أبدا من فكر يخالف فكرك أو رأي ~~يعارض رأيك! إنك إذا ما تصفحت كتابا باللغة الأجنبية فإنه ~~يندر جدا أن تجد فيه علامة تعجب واحدة. # علمني الدكتور زكي نجيب «المعلم» الاهتمام باللغة، وكان ~~يقول باستمرار إن الفكرة الخصبة العميقة التي توضع في إطار ~~لغوي رديء لهي أشبه بالفتاة الجميلة التي ترتدي أسمالا ~~بالية، وتترك شعرها أشعث أغبر، فيضيع جمالها وسط هذا الإطار ~~القبيح! أما الفكرة الخصبة العميقة التي توضع في إطار لغوي ~~سليم يعبر عنها بوضوح ناصع؛ فهي أشبه بالفتاة الجميلة التي ~~تبرز ثيابها وزينتها ما عندها من جمال! # ومن القيم التي بثها فينا زكي نجيب «المعلم» قيمة ~~«الإخلاص». ولقد رأيته مؤخرا في حلقة تليفزيونية، وهو يجيب ~~عن سؤال للأستاذ فاروق شوشة: «وما الحل في رأيكم لكل ما ~~نعانيه من مشاكل!» رأيته منفعلا بعنف وهو يقول: «الإخلاص! ~~الإخلاص يا أخي!» وأخذ الرجل يكررها مرارا وهو يعدد ضروب ~~النفاق والجهد العابث «نجلس ونجتمع، ونعقد لجانا وراء لجان، ~~ونكدس أوراقا فوق أوراق، ونحن نعلم أن ذلك كله سوف يضيع في ~~أدراج المكاتب، نحن ندرك مقدما أن ذلك كله لن ينفذ منه شيء! ~~إننا ينبغي أن نخلص الفكر والعمل معا فنكتب المذكرات التي ~~تنفذ، ونضع التقارير والاقتراحات الصالحة للتنفيذ، ثم نسعى ~~جاهدين إلى تحويلها إلى عمل!» # ذكرتني هذه الثورة الانفعالية الشديدة بثورته عندما كان يشعر ~~أن طالبا ينافقه أو يتملقه، عندئذ كان يشعر أنه أهين ~~إهانة بالغة! أذكر أنني كنت في منزله في بداية عملي في رسالة ~~الماجستير تحت إشرافه، عندما حضر أحد الطلاب الذين يعدون ms159 ~~رسالة علمية أيضا تحت إشرافه، وكان الطالب قد اعتمد على ~~كتاب «قصة الفلسفة الحديثة»، وفوجئت بالرجل يثور بعنف ويتهم ~~الطالب بالتملق الرخيص: «أتظن أنك بذلك ترضيني أو تجاملني؟ ~~إذن فاعلم أنني كتبت هذا الكتاب وأنا أصغر منك سنا!» (أين ~~ذلك الموقف من أساتذة اليوم الذين يقيمون الطلاب بمقدار ~~اعتمادهم على كتبهم أو ذكر مؤلفاتهم في قائمة المراجع!) وعندما ~~هممت بالوقوف مستأذنا في الانصراف (وكان الموعد الذي حدد ~~لمناقشتي فيما كتبت قد انتهى)، حتى لا أحرج الزميل الفاضل ~~فوجئت بالدكتور زكي يشير إلي بيده أن أجلس! ثم قال: «أود ~~أن تشهد ما وقع فيه زميلك من أخطاء، وما أسوقه من ملاحظات حتى ~~لا تقع فيها، فكلكم تقريبا تقعون في الأخطاء نفسها مع فوارق ~~قليلة، وأنا لا أريد أن أكرر كلامي مرتين!» وهكذا أردت أن ~~أتجنب إحراج الزميل فأحرجت نفسي! # وإذا كان المعلم يكره النفاق والتزلف من تلاميذه، فإنه هو ~~نفسه يفاخر بأنه لم يكن ذات يوم منافقا أو متزلقا، ويحمد ~~الله الذي أغناه عن هذه العادة القبيحة بأن كانت رغباته قليلة ~~محدودة يقول: «الحمد لله الذي أغناني بهذه القدرة العجيبة على ~~ألا أجعل للرغبة سلطانا يستعبد نفسي، ويسوقها وهي راغمة في ~~طريقة النفاق والزلفى، وإني لأكون شاكرا وذاكرا للفضل، إذا ~~ما ذكرني أحد بخطوة واحدة خطوتها على طول السنين نحو بشر ~~مثلي ألتمس عنده الرضا ...» # 10 # زكي نجيب محمود ... الإنسان # كنا في السنة الرابعة من دراستنا الجامعية، وكان الوقت ~~فترة الاستراحة بين محاضرتين للدكتور زكي، ولم يكن يخرج فيها ~~من قاعة الدرس، عندما رأيته يضحك حتى تنفرج أسارير وجهه، ولست ~~أذكر الآن على وجه الدقة سبب الضحك، لكني أذكر جيدا كيف ~~انقلبت هذه اللحظة السارة إلى شعور بالأسى والمرارة، عندما ~~قال له أحد الطلبة: «هذه هي المرة الأولى في حياتي الجامعية ~~التي أراك تضحك فيها يا دكتور!» والحق أن الألم كان يعتصره ~~عندما يسأله سائل: «ما لي أراك واجما؟» وكان يجيب باستمرار: ~~«لا! ليس ما بي من وجوم، وإنما هي خلقة ms160 طبعها الله على وجهي، ~~فأبدو واجما ولست بواجم!» # 11 # غير أن الجدية التي كانت ترتسم على وجهه، فتجعله يبدو ~~واجما أحيانا، حزينا أحيانا أخرى، كانت في الواقع تخفي ~~وراءها قدرة هائلة على «السخرية والتهكم»، وربما ظهر ذلك ~~واضحا فيما يكتبه من مقالات أدبية. # 12 # كما أنها تحجب قدرا كبيرا من الفكاهة التي يتميز ~~بها الدكتور زكي، وكانت فكرتي السابقة عنه أنه لا يعرف سوى ~~الجاد من الأمور، ولا يهتم إلا بالأفكار الفلسفية الصلبة التي ~~لا تلين! أما زكي نجيب الإنسان المرح الضاحك، الذي يستعذب ~~الملح والفكاهة ويرويها؛ فهو جانب لم أكن أعرفه إلا عندما ~~اقتربت منه واستمتعت بأحاديثه الخاصة! والواقع أنني كنت قريبا ~~من زكي نجيب محمود منذ أن عرفته طوال سنوات الدراسة الجامعية ~~أولا، ثم بعد تخرجي وإلى يومنا هذا، وطوال هذه الفترة وأنا ~~ألمس فيه جوانب إنسانية متعددة، تزداد في ثرائها وعمقها يوما ~~بعد يوم؛ من ذلك مثلا أنني كنت أستشيره في أمور كثيرة من ~~حياتي ومشاكلي الخاصة، وعندما أخبرته، بعد تخرجي مباشرة، بعزمي ~~على الزواج كنت أتوقع أن يسألني: ولم العجلة قبل أن تكون ~~نفسك ماديا؟ لكني وجدته يصمت قليلا ثم يقول: «نعم! تزوجوا! ~~واستمتعوا بحياتكم قبل أن تخيبوا كما خبنا!» وكان يشير بذلك ~~إلى الفترة الطويلة التي قضاها مضربا عن الزواج، وكيف أنه ~~ندم على ذلك فيما بعد. # ومن المواقف الإنسانية التي لا أنساها للدكتور زكي، أنني كنت ~~يوما أروي له بعض المشاكل المالية التي اعترضتني بعد الزواج، ~~فوجدته بعد أن انتهت جلستنا يأتي بمظروف حكومي أصفر، وهو ~~يقول: «إنني أقرضك هذا المظروف!»، وشكرته شكرا جزيلا، وأنا ~~في غاية الحرج، ورفضت أن أتناول المظروف من يده، ولا أدري حتى ~~الآن ماذا كان بداخله على وجه التحديد! وظلت هذه الحادثة ~~مؤثرة في نفسي غاية التأثير، حتى إنني رويتها لصديق وزميل ~~بعد ذلك بعدة أشهر! وكم كانت دهشتي عندما قال: أنت رفضت تناول ~~المظروف لأنك تعمل ولك دخل شهري. أما أنا فقد أخذت ما ~~قدمه لي عندما كنت ms161 طالبا، وذهبت إليه في منزله أشكو ما أنا ~~فيه من ضائقة مالية، فإذا به يفعل معي ما فعله معك: يأتي ~~«بالمظروف الحكومي الأصفر»! وأخذته شاكرا إذ لم يكن في ~~استطاعتي أن أرفض! وعجبت من هذا الأستاذ «الإنسان»، الذي ~~اعتاد أن يقرض تلاميذه المال «على سبيل السلف»! على حد ~~تعبيره، وكنت قد اعتدت من قبل أن أقترض منه ما أحتاج إليه من ~~كتب، أما مسألة المال فقد كان موقفا جديدا بالنسبة ~~لي! # لزكي نجيب محمود الإنسان المجامل المتواضع، الذي يصر على ~~أن يصحبك إن كنت في زيارته حتى باب مسكنه، وهو في هذه السن ~~المتقدمة، الكثير من المواقف الإنسانية التي تدهشك. أذكر، ~~مثلا، أنني ذهبت لزيارته ذات صيف، وكان عائدا من الكويت، ~~حيث كان يعمل أستاذا بجامعتها في ذلك الوقت، فوجدته يومها على ~~شيء غير قليل من الضيق، ولما استفسرت عن سبب هذا الحزن ~~البادي، أجابني بقوله: أنا الذي أود أن أستفسر منك عن شيء، ~~وأرجو أن تطلعني عليه دون أن تخبر أحدا: «هل صحيح أن فلانا ~~قد مات؟» # وكان يقصد واحدا من الزملاء يعمل الآن بحقل النقد الأدبي، ~~وسألته مندهشا: ومن أين جئت بهذا النبأ؟» فقال: «قرأته في ~~جريدة الأهرام وأنا في الكويت منذ أيام.» # قلت لعله مجرد تشابه في الأسماء! ~~- وهل أنت متأكد! ~~- تمام التأكد! لقد التقيت به بالأمس فقط مصادفة في أحد ~~شوارع القاهرة! # هنا فقط تنهد الرجل وهو يقول: «الحمد لله!» ثم سكت برهة ~~وقال في أسى: «هذا العاق! تألمت كثيرا لهذا النبأ السيئ مع ~~أنه لم يزرني منذ سنين!» # كان يتابع تلاميذه ويخاف عليهم كأبنائه تماما، يحزن إذا ~~مسهم سوء، أو سمع عنهم مكروها، ويشعر بالأسى الشديد لغيابهم ~~عنه، وكان وما يزال يحب أن يزوره تلاميذه، وأن يعرف أخبارهم ~~ويسره أن يعرضوا عليه مشاكلهم، فالسمر مع هؤلاء الأحباب هو ~~عزاؤه الوحيد، بعد أن عز عليه خروجه من داره ... # هذا هو زكي نجيب محمود كما عرفته: أستاذا، ومعلما، ~~وإنسانا، صاحب الخلال الرفيعة، التي شهد له بها خصومه ms162 قبل ~~أصدقائه. ولست أجد عبارة أختم بها هذا الحديث أفضل مما قاله ~~الأستاذ إبراهيم فتحي، الذي انتقد أفكاره نقدا شديدا من ~~زاوية ماركسية، لكنه، مع ذلك، يؤمن بأن زكي نجيب محمود: ~~«يقدم بشخصه نموذجا رفيعا نادرا للمفكر الحر: فما استعدى ~~سلطانا على خصم، وما تعلق بأذيال ذوي الجاه، وما حاول أبدا ~~أن يفرض رأيه على تلاميذه، أو يجندهم لمذهبه، وما لجأ في ~~جدال إلا إلى قوة الحجة، ولم تعرف المهاترة والمكابرة أبدا ~~طريقها إلى قلمه الفياض، الذي لم يتخذ غيره سلاحا، ولا شيء ~~أبعد عن الحقيقة من وصفه، بأنه يمثل استعمارا قديما أو ~~جديدا، أو بين المطابقة بين الوظيفة الاجتماعية للوضعية ~~المنطقية في بلاد بعيدة، وبين الدور الذي يقوم به زكي نجيب ~~محمود في مصر والوطن العربي.» # 13 # هذه شهادة واحد من الخصوم، ولست أجد بعدها ما يمكن أن ~~يقال تحية لهذا المفكر العملاق! # الفصل الثاني # | زكي نجيب محمود مفكرا تنويريا # في الخامس من ديسمبر عام 1784م كتب الفيلسوف الألماني العظيم ~~«أمانويل كانط» (1724-1804م) مقالا في «مجلة برلين الشهرية» ~~عنوانه: «ما التنوير؟» (كما كتب مندلسون وغيره في الموضوع ذاته). # 1 # ردا على مقال لأحد القساوسة الألمان يتساءل فيه عن ~~معنى هذه الكلمة، التي شغلت أذهان الناس في ذلك الوقت، وقد يكون من ~~المفيد، ونحن نتحدث عن زكي نجيب محمود المفكر التنويري، أن نبدأ ~~بتلخيص مضمون هذا المقال لنرى في ضوئه ما الذي نعنيه بالفكر ~~التنويري عند مفكرنا الكبير. # الفكرة المحورية في التنوير هي القول بأن الإنسان قد بلغ سن ~~الرشد، وأنه ينبغي أن ترفع عنه «الوصاية»؛ لأنه لم يعد قاصرا ~~بحيث يحتاج إلى غيره ليفكر نيابة عنه، والمقصود بالإنسان هنا ~~«الإنسان المفرد»، أو المواطن العادي الذي بلغ عقله مرحلة النضج، ~~ويستطيع إذا ما استخدم عقله استخداما جيدا، أن يصل إلى الحقيقة. ~~وهذا يعني أن العقل البشري ليس بحاجة إلى سلطة ترشده أو تهديه ~~سواء السبيل؛ ومن هنا كان شعار عصر التنوير «لتكن لديك الشجاعة ~~لتستخدم عقلك» أو تشجع واعرف بنفسك ms163 ولنفسك، وأعمل العقل في كل ~~مناحي الحياة، وفي أي موضوع يطرح عليك، ولا تركن إلى الكسل ~~والجبن الشائعين عند بعض الناس، الذين يعتقدون أن في القصور راحة، ~~وأن التفكير العقلي المستقل أمر خطير جدا، ولا تقل لنفسك: إنني ~~لست بحاجة إلى التفكير إذا كان هناك من يقوم عني بهذه المهمة ~~الثقيلة. # ومضمون هذه الدعوة رفض السلطة التي توشك أن تكون العدو اللدود ~~للعقل، سواء تمثلت هذه السلطة في التقاليد الموروثة، أو في سلطة ~~الحكام أو تراث الأقدمين أو حتى المحدثين، وهذا يعني استحداث ~~أساليب جديدة في التفكير، فلا نهضة حقيقية إذا ما ظلت طرق ~~التفكير القديمة باقية، كما هي معتمدة على الاستنباط من سقف معين ~~(تراث الأقدمين، أو السلطة الدينية، أو سلطان الحكام أو حتى ~~المفكرين) هابطة إلى نتائج ليس فيها جديد، لا نهضة حقيقية إلا ~~بإحداث «ثقوب» داخل هذا السقف للنفاذ منها إلى آفاق جديدة، ~~ولتحقيق هذه الغاية لا بد من استحداث أساليب جديدة في التفكير تضع ~~كل شيء تحت محك النقد، وترفض القبول الأعمى لكل ما يقال بغير فحص ~~أو تمحيص، وتتجه إلى الاستقلال العقلي الذي يجعلنا نبدع ونبتكر. ~~وماذا عساه أن يكون الإبداع إن لم يكن كسرا لما هو قائم، وإضافة ~~جديدة لم تكن مسبوقة من قبل؟! # ويتفرع عن الاستخدام الجيد للعقل بعيدا عن أي سلطة نتيجتان ~~هامتان: # الأولى: # الاهتمام بالعلم الطبيعي، والاعتماد عليه وحده ~~في تفسير ظواهر الطبيعة؛ وبالتالي محاربة الخرافة ~~في شتى صورها، ويمكن أن نقول إن هذه النتيجة ليست ~~جديدة تماما، لا سيما إذا عرفنا أن العلم «عقل» ~~في نهاية المطاف. # أما النتيجة الثانية: # فهي سياسية واجتماعية؛ إذ من البديهي أن تؤدي ~~الدعوة السابقة إلى نتائج سياسية واجتماعية كثيرة، ~~وأن يكون من بين هذه النتائج مناهضة الحكم ~~المستبد، ومحاربة الظلم الاجتماعي في شتى صوره ~~لتحقيق العدالة بين الناس، والدعوة إلى المساواة ~~والديمقراطية، والحرية السياسية لا سيما حرية ~~التفكير والتعبير، فليس هناك شيء اهتم به فلاسفة ~~التنوير قدر اهتمامهم بالحرية، وذلك لارتباطها ~~الواضح بالاستخدام العلني ms164 للعقل في جميع ~~المجالات! # والحق أن المتتبع للجهد الهائل الذي بذله زكي نجيب محمود لأكثر ~~من ستين عاما يجد هذه الأفكار المحورية للفكر التنويري مبثوثة في ~~جميع كتاباته، بل إنه ليزيد عليها كثرة كثيرة من الأفكار التي وصل ~~إليها من تأملاته الخاصة في مشكلات مجتمعه؛ ومن هنا كان التنوير ~~الذي تشيعه كتابات هذا المفكر الكبير ليس شعاعا واحدا، وإنما هو ~~حزمة من أشعة تتجه نحو كتل الظلام الهائلة، التي رانت على نفوسنا ~~أجيالا طويلة، وهو في ذلك كله «لا يعظ» و«لا يدعو» ولا يكتفي بأن ~~يقول للناس استخدموا عقولكم! وإنما يضرب بمبضع التحليل في أعماق ~~المشكلات الاجتماعية ليخرج الخبء منها وليصل إلى جذورها، بل ~~وبذورها أيضا، ملقيا الضوء الكاشف على ما في حياتنا من جوانب ~~«لاعقلية»، وما في تفكيرنا من أساليب منافية للعلم وحضارة العصر، ~~مؤمنا بأن الفكر ليس ترفا يلهو به أصحابه، وإنما لا بد له أن ~~يرتبط بالمشكلات التي يحياها الناس حياة يكتنفها العناء، فيريدون ~~لها حلا حتى تصفو لهم المشارب، وبمقدار ما تكون للفكرة صلة عضوية ~~وثيقة بإحدى المشكلات تكون فكرة بالمعنى الصحيح. # 2 # ولنبدأ من البداية لنراه يحدد بوضوح اللبنة الأولى التي يقوم ~~عليها صرح المجتمع الجديد، الذي يريد لنا بناءه؛ ألا وهي «الفردية ~~العاقلة المسئولة»، التي يتفرع عنها كل شيء آخر؛ فالفرد الذي ~~يستخدم عقله بحرية ويكون مسئولا عما يفعل هو الأساس في كل نهضة، ~~فلا أحد يفرض عليه رأيا، ولا هو بدوره يتهرب من مسئولية عمله؛ ~~ومن هنا نرى مفكرنا الكبير يرسم الخط الذي سار فيه تفكيره بكلمات ~~لا لبس فيها ولا غموض ... «الخط الفكري الذي تنطوي عليه كتاباتي على ~~اختلاف موضوعاتها، وعلى طول الأمد الذي امتدت خلاله هو الإيمان بأن ~~الفرد الإنساني مسئول عما يفعل، وأن هذه المسئولية لا تعني شيئا ~~إذا لم يكن العقل وحده هو مدار الحكم في كل المسائل التي تطلب فيها ~~التفرقة بين الصواب والخطأ. أما الموقف الذي تسوده عاطفة فلا خطأ ~~فيه ولا صواب؛ لأن المرجع فيه إلى ms165 القلب وما ينبض به ...» # 3 # وها هنا نراه يلتقي مع المضمون المحوري للفكر التنويري ~~لكنه يضيف إضافة جديدة، وهي التفرقة الواضحة بين المجال الذي ~~يستخدم فيه العقل، والمجال الذي يستخدم فيه الوجدان والخيال سوف ~~نعود إليها بعد قليل، ومرة أخرى نراه يلخص مضمون التنوير كله في ~~عبارة جامعة «... كل دعوة تدعوني إلى أن أترك غيري يفكر لي نيابة ~~عني، وما علي إلا التنفيذ، هي دعوة تدعوني إلى إهدار آدميتي ~~والتفريط في حق نفسي ...» # 4 ~~«فالعقل وحده كفيل بأن يجد الحكم الصحيح لكل ظرف ~~جديد، وإذا قلت إن الأمر موكول إلى العقل، فكأنما قلت بالتالي إنه ~~ليس من حق أحد أن يقيم النموذج الذي نسوق على غراره أفكارنا ~~وأفعالنا، إلا إذا كان من حق الآخرين كذلك أن يناقشوه، وفي ~~المناقشة قد تتعدد الآراء وتختلف وجهات النظر ...» # 5 # وإذا كانت الدعوة إلى استخدام العقل والاحتكام إليه في شتى جوانب ~~الحياة، قد بدأت مع بداية الحركة التنويرية في فجر نهضتنا الحديثة، ~~فإن زكي نجيب محمود قد واصل هذه الدعوة بقوة من ناحية، ثم استخدم ~~التحليل العقلي في إلقاء الضوء على مشكلاتنا ومفاهيمنا الشائعة من ~~ناحية ثانية، ثم حاول أن يحدد مفهوم «العقل» وطرق استخدامه من ~~ناحية ثالثة، وهي كلها إضافات غير مسبوقة. # 6 # فهو مثلا يحاول تحديد «معنى العقل» الذي كثر الحديث ~~عنه بأن يبدأ باستبعاد المعنى الذي شاع طويلا في حياتنا الثقافية، ~~والذي يتصور أن ثمة في عالم الكائنات كائنا مستقلا قائما بذاته ~~اسمه «عقل»، يمكن أن نشير إليه كما يشير اسم «الهملايا» إلى جبل ~~معلوم. ويرى أن العقل يطلق على فعل من نمط ذي خصائص يمكن ~~تحديدها وتمييزها فهو «فاعلية»، تسير في طريقين لا ثالث لهما يلتزم ~~منهما هذا الطريق أو ذاك بحسب الموضوع الذي يفكر فيه: أما أحدهما ~~فهو الطريق الذي يجعل نقطة ابتدائه كلمات بعينها أو رموزا رياضية ~~يصعب عليها عمله الفكري. أما الآخر فهو الطريق الذي يجعل نقطة ~~ابتدائه معطيات تعطيها حواسنا الظاهرة، وهذا هو طريق العلم؛ فالعقل ms166 ~~إذن فاعلية تبدأ من بداية معينة، تعتصر الرموز إذا كانت البداية ~~فكرة رياضية، لتقول لنا أنها تنتج كذا وكذا، أو تبدأ من وقائع ~~حسية فتربط بينها وبين وقائع أخرى؛ لتستخرج لنا ما نسميه بالقوانين. # 7 # وما فعله مفكرنا الكبير بالنسبة لتحديد معنى «العقل»، قام به ~~أيضا فيما يتعلق بمفهوم «الحرية»، وهي فكرة دعا إليه أيضا كثير ~~من المفكرين التنويريين منذ فجر نهضتنا الحديثة ابتداء من رفاعة ~~الطهطاوي إلى لطفي السيد وقاسم أمين حتى طه حسين والعقاد، لكنهم ~~جميعا تركوا لزكي نجيب محمود مهمة وضع فكرة الحرية تحت مجهر ~~التحليل، لينتهي أن لها جانبين: جانب سلبي، الذي يركز على «التحرر» ~~من القيود التي كبلتنا في هذا الميدان أو ذاك (كالتحرر من ~~الاحتلال، وتحرر المرأة من طغيان الرجل، أو تحرر العامل من تحكم ~~صاحب رأس المال ... إلخ). لكن هناك جانبا إيجابيا يتمثل في قدرة ~~الإنسان على أداء عمل ما، ولا قدرة في أي ميدان إلا لمن يعرف ~~حقيقة هذا الميدان وما يتعلق به؛ إنها «حرية الذين يعلمون». # 8 # وهكذا ربط مفكرنا ربطا وثيقا بين الحرية بمعناها ~~الإيجابي، وقدرة الإنسان على أداء عمل معين «يعرف» كيف يقوم به، ~~فالجانب الإيجابي من الحرية والمعرفة وجهان لعملة واحدة. # 9 ~~••• # وإذا كانت الدعوة إلى الاستخدام العقلي الحر عند مفكري التنوير ~~عموما قد أفرزت نتيجة هامة، كما سبق أن ذكرنا، هي الاهتمام ~~بالعلم الطبيعي، وتفسير الظواهر الطبيعية تفسيرا علميا؛ فإننا ~~نجد نفس الدعوة العقلية عند زكي نجيب محمود، قد ارتبطت بالاهتمام ~~بالعلم (وقد سبق أن رأينا أن العلم عقل في نهاية المطاف)، حتى ~~أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل عند مفكرنا منذ أكثر من أربعين ~~عاما، قد أطلق صيحته «أنا مؤمن بالعلم كافر بهذا اللغو الذي لا ~~يجدي على أصحابه ولا على الناس شيئا ...» # 10 # حتى قوله : «أنا أدعو بكل قوتي إلى أن نزيد من اهتمامنا ~~بالعلم، حتى ولو جاء ذلك على حساب الجانب الوجداني، فأنا أدعو إلى ~~الأخذ بأسس الحضارة العصرية وما يتبعها من ثقافة ...» # 11 # غير ms167 أن الاهتمام بالعلم عند زكي نجيب محمود لا يتوقف عند تفسير ~~ظواهر الطبيعة تفسيرا علميا، وإنما يتعداه إلى إشاعة التفكير ~~العلمي بين الناس، بحيث ينظرون بأساليب فكرية جديدة إلى مشكلاتهم ~~ومشكلات مجتمعهم؛ ومن هنا فإننا نجد مفكرنا الكبير لا يرضى عما ~~أحدثته الثورة المصرية، عام 1952م، من تغييرات هائلة في الهيكل ~~الاجتماعي؛ لأن ذلك في رأيه لم يكن كافيا لإحداث نهضة حقيقية، ~~فما دامت أساليب التفكير البالية قائمة، فلا أمل لنا في إحداث ~~تغيير حقيقي في المجتمع، بالغا ما بلغت ثورتنا على الإقطاع أو ~~أصحاب رءوس الأموال أو الأخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء ... إلخ، ~~ومن هنا كتب يقول: إننا نريدها ثورة فكرية يتغير منها المنوال ~~الفكري، الذي سار في الماضي وهو يقارن بين الثورة في صناعة النسيج ~~ماذا تعني؟ والثورة في المجتمع فيقول ... # 12 ~~«... إذا كانت لدينا أنوال قديمة لنسج القماش، فهل تحدث ~~ثورة في صناعة النسيج إذا نحن أبقينا على الأنوال القديمة كما هي، ~~ثم زدنا كمية القماش المنسوج، وغيرنا من ألوانه وزخارفه، ومن ~~طريقة توزيعه على الناس، فإذا كان القماش الناتج من تلك الأنوال ~~القديمة يوزع على المدن وحدها نشرناه في القرى، أو كان يخص ~~الأغنياء وحدهم جعلنا منه للفقراء نصيبا، وكان للكبار وحدهم ~~فصنعنا شيئا منه للأطفال؟! أيجوز لنا في مثل هذه الحالة أن نقول ~~إن ثورة قد حدثت في صناعة النسيج؟! # كلا! فالثورة الحقيقية هي ثورة فكرية، وهي تعني أن نقوم بتغيير ~~«أنوال» التفكير القديم، التي ظلت باقية معنا على عهدها القديم؛ ~~ولذلك بقيت طبيعة الفكر على حالها ... الذي أزعمه أن منوالنا الفكري ~~لم يتغير، وأن النمط الذي نسوق نشاطنا الفكري في إطاره ما زال كما ~~كان منذ قرون. وهذا المنوال قوامه عناصر كثيرة لعل أهمها جميعا ~~الركون إلى «سلطة» فكرية نستمد منها الأسانيد، ومثل هذه السلطة ~~تتمثل عادة في نصوص بعينها محفوظة في الكتب، كما تتمثل كذلك في ~~أقوال يتبادلها الناس، وهي التي تسمى العرف أو التقاليد. وبناء ~~على هذا الموقف تكون الفكرة صوابا، إذا ms168 استقت مع ما أقرته ~~السلطة الفكرية في الكتب المحفوظة أو في الأقوال المأثورة، كما ~~تكون الفكرة خطأ إذا جاءت مخالفة لما أقرته تلك السلطة؛ ومن هنا ~~اشتد سلطان الماضي على الحاضر، وأصبح البرهان الذي لا يرد هو أن ~~نسوق «الشواهد» من سجل الأقدمين، وانحصرت قوة الإبداع الفكري في ~~القدرة على إيجاد السند من القول المأثور. ولن تكون لنا ثورة فكرية ~~إلا إذا أحللنا نمطا جديدا محل هذا النمط القديم، فيكون معيارنا ~~هو: ما هي النتائج العملية المستقبلية التي تترتب في حياتنا ~~الفعلية، على هذه الفكرة أو تلك مما يقدمه لنا رجال الفكر. # 13 # وهو هنا يريد لنا ثورة حقيقية لا مجرد تعديل لأوضاع اجتماعية ~~معينة؛ فالثورة الحقيقية هي «ثورة فكرية» تأخذ بأساليب جديدة في ~~التفكير، وتستحدث لنفسها منطقا جديدا، أهم معالمه أن تكون الخبرة ~~المباشرة (عقلية كانت أو حسية) هي نقطة الابتداء، ولا تكون نقطة ~~الابتداء أقوالا حملتها موجات الزمن؛ ذلك لأن «عبقرية الإنسان هي ~~في مواجهة للحياة الجديدة بالجديد المبتكر. ولقد أراد الله لهذا ~~الإنسان أن ينظر إلى أمام؛ ومن ثم كانت أبصارنا في جباهنا ولم تكن ~~في مؤخرة رءوسنا.» # 14 # ومعنى ذلك أن الاهتمام بالعلم عنده لا يعني «حفظ» مجموعة من ~~القوانين العلمية تسير بها ظواهر الطبيعة، وإنما يعني «تشرب» ~~الأسلوب العلمي في التفكير، أن يكون لدينا منهج ذلك العلم لنستخدمه ~~أولا في المشاركة الإيجابية في المكتشفات العلمية، وثانيا ليحمل ~~ذلك المنهج العلمي في صدوره ميزانا تزن به الأفكار العامة، كلما ~~نشأت عند الناس فكرة يقبلون بها مشكلة عرضت لهم في حياتهم. # 15 # وهو يشعر بقلق بالغ من موقف الإنسان العربي نحو ~~«العلم» حدوده وقدراته، ونمو «العقل» وعجزه ... إلخ، وهو يرى أن ~~الخطير في الأمر أن العربي كثيرا ما يسخر من منجزات العلم الحديث، ~~وأنه بذلك يهزأ بالعقل الإنساني وقدراته على ظن منه أن مثل هذه ~~الوقفة ترضي ضميره الديني، وأنها وقفة تتضمن أن اعتزاز الإنسان ~~بعقله واعتداده بقدرته العلمية - كما تشهد بها منجزاته الحديثة - ~~فيه جرأة على ms169 رب العالمين الذي هو العليم القدير؛ مع أن أحدا على ~~مدار الكوكب الأرضي لم يدر في خياله أنه خالق عقل نفسه، أو أنه ~~صاحب الفضل في كل ما ينتج من علم ومنشآت ... # 16 # ومن المفارقات الغريبة أن العربي الذي يرفض «المنهج ~~العلمي» هو من أكثر أهل الأرض شراء لتلك المنجزات الحديثة التي ~~يأتي بها العلم! # 17 # ويواصل مفكرنا الكبير عرض الفكرة نفسها لأهميتها في مقال ~~عنوانه «ينقصنا منهج العلم»، فيفرق بين مجموعة الحقائق العلمية ~~التي ننقلها عن الغرب، ونحفظها عن ظهر قلب في مدارسنا وفي ~~جامعاتنا، وبين «المنهج العلمي» الذي استطاع الإنسان بواسطته أن ~~يصل إلى ما قد وصل إليه من حقائق، وها هنا يكمن الداء الذي تولدت ~~لنا منه ضروب من الأورام الخبيثة في حياتنا العقلية، أو قل حياتنا ~~اللاعقلية، فكان لنا ما كان من بطء شديد في حركة التقدم مع حضارة ~~عصرنا في ركضها السريع. # 18 # وهو في موضع آخر يجعل هذه المشكلة «موطن الداء» في ~~حياتنا العقلية، فمن اليسير أن نلقن الدارسين «مقررا» بعينه ~~وضعت مادته في كتاب، ويطلب من الدارس حفظها عن ظهر قلب، ويعيدها ~~في ذلك الهيكل العظمي في ورقة الامتحان، فيخرج الدارس وفي جعبته ~~معلومات و«نقط» مبعثرة، وليس في عقله «نهج» للنظرة العلمية أيا ~~كان الموضوع الذي ينظر إليه ابتغاء تعليله (18). وعندما قال فرنسيس ~~بيكون: «العلم قوة»، فإنه كان يقصد لفت أنظار الناس إلى أنه ليس من ~~العلم في شيء ذلك التحصيل الذي كان رجال العصور الوسطى في أوروبا ~~يجمعونه من الكتب ويحفظونه، ما دام عاجزا عن أن يضيف إلى دارسه ~~«قوة»، يستطيع بها أن يلجم ظواهر الطبيعة ليجعلها طوع أمره؛ ~~فالتحكم في نبات الأرض نوعا ومحصولا يحتاج إلى «علم»، والتحكم ~~فيما يخرجه الإنسان من جوف الأرض «علم»، واختراع وسائل النقل ~~السريعة والمريحة يحتاج إلى «علم»؛ لأنه ضروب من «القوة» التي ~~يقوى بها الإنسان على إخضاع الأشياء لصالحه ... والوسيلة إلى ذلك ~~تبدأ من الطفولة، أن ندرب الطفل منذ الصغر أن تكون حواسه هي ~~أبوابه ms170 ونوافذه. # 19 ~~••• # وإذا كانت النتيجة الثانوية المترتبة على الفكر التنويري ~~واستخدامه العلني للعقل، هي محاربة الظلم الاجتماعي والاستبداد ~~السياسي في شتى صوره، فإننا نجدها بارزة أيضا في كل ما كتب ~~مفكرنا الكبير، فهناك عشرات من المقالات التي تتحدث عن «الظلم» ~~المتفشي في كل مكان، وعن الطغيان ابتداء من «الطاغية الصغير» ~~الذي هو نموذج لطغيان الشرق، وبيانا للأجواء التي تؤدي إلى ظهور ~~الطاغية، إلى «النفوس الفقيرة» التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان. # 20 # والتي يلخص فيها ضروب الطغيان في مجتمعنا «... الحاكم ~~الشرقي طاغية، والرئيس الشرقي طاغية، والوالد الشرقي طاغية، ~~والزوج الشرقي طاغية، والموسر الشرقي طاغية، طغاة هؤلاء جميعا لأن ~~في نفوسهم هزالا يعوضونه بمظاهر الاستبداد بسواهم ...» # 21 # وفي مقالة «عند سفح الجبل» يتحدث عن الهوة الواسعة التي تفصل في ~~بلادنا بين «القادة» وأبناء الشعب، وهو يصور القادة يتربعون ~~فوق قمة جبل شاهق، يحيط به سحاب كثيف يعزل القمة عن السفح، ~~ويشكل هؤلاء القادة مجموعات منوعة من اللجان التي تتحدث عن ~~«الشعب» ومصالحه، ويتجادلون في نوعه الإصلاح الدستوري الذي ~~يستوردونه من فرنسا وبلجيكا، ثم يتساءلون: هل يبدع الفنان فنه ~~لنفسه، أو يصوغه لصالح الشعب. # 22 # وفي سخرية مريرة يصور الشعب عند سفح الجبل متجسدا ~~في امرأة عجوز متداعية، ترتدي كومة من أسمال سوداء بالية، تجلس ~~على جانب الطريق، وأمامها صندوق خشبي صغير تناثرت على ظهره سبع ~~قطع قذرة من الحلوى! وهذا هو النموذج الحي للشعب الذين يبحثون كيف ~~يهيئون له مصيفا، يستمتع فيه بهواء عليل حين تشتد الحرارة في ~~يوليو وأغسطس ... # 23 # وليسمح لي القارئ أن أقدم له مثالا واحدا فقط يوضح لنا كيف ~~يوجه مفكرنا الكبير سهام نقده إلى «السادة الحكام» أولا، ثم كيف ~~يوظف فكرة فلسفية هي فكرة أفلاطون عن الجمال وارتباطه بالخير في ~~نقد الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية عن بلادنا؛ وأعني ~~بهذا المثال مقاله «إلى سادتي الحكام ...» # 24 # كان يقرأ لأفلاطون فكرته عن العلاقة الوثيقة بين الخير والجمال، ~~وسأل نفسه عن معنى هذه العلاقة «... وانتهيت إلى تحليل أرضاني ~~تترتب ms171 عليه نتيجة هامة، هي التي أردت أن أسوقها إلى سادتي الحكام ~~في هذا البلد؛ وهي أن كل ما في هذا البلد المسكين قبيح ذميم بفعل ~~هؤلاء السادة أنفسهم، وعجبت أن يعنى السادة بالجمال في مساكنهم ~~الخاصة، وفي ملابسهم، ومآكلهم، ومشاربهم، وشتى جوانب حياتهم ~~الشخصية، ثم لا تمتد هذه العناية قليلا، لتشمل شئون الشعب الذي ~~ألقى إلى أيديهم بزمامه ...» # 25 # وهو بعد أن يعرض فكرة أفلاطون عن الجمال التي تذهب إلى أن الجمال ~~تناسب بين أجزاء الشيء، فإذا ما تحققت هذه النسب الصحيحة بين ~~الأجزاء كان الشيء جميلا وتحقق معه الخير أيضا؛ ومن ثم كان ~~اضطراب النسب شرا وقبحا في آن معا، أقول إنه بعد أن يعرض هذه ~~الفكرة يعود إلى السادة من أصحاب الحكم والسلطان قائلا: «... أيها ~~السادة، لقد اختل في أيديكم الميزان، فاضطربت النسبة الصحيحة بين ~~الأشياء والأوضاع، فامتلأت البلاد بالقبح الذميم؛ لأنها امتلأت ~~بصنوف الشر، وقد أوضحنا لكم أن الشر هو القبح وأن الخير هو الجمال ~~... إنكم عشاق للجمال في كثير من صوره تعشقونه في جميلات النساء ~~وفي الطعام الجيد ... إلخ، وبقي يا سادة شيء واحد لو عشقتم فيه ~~الجمال لصلح الأمر كله؛ ذلك هو العدل! فالظلم أيها السادة يملأ ~~حولكم أركان البلاد، الظلم بمعناه الذميم وهو اضطراب النسبة بين ~~الأشياء والأحياء؛ وبالتالي يملأ القبح جنبات هذا الوادي المبارك ~~الذي أراد له الله أن يكون جميلا. أنه لا تناسب يا سادتي بين ~~المناصب وشاغليها، فصغير عندكم يملأ منصبا كبيرا، وكبير يشغل ~~منصبا صغيرا، ولا تناسب بين المرتبات والعاملين، فعامل منتج ~~ضئيل الكسب، وخامل لا ينتج عظيم الكسب، يستمتع بما لم يرد له ~~الله، ولا طبائع الأشياء أن يستمتع به من طيبات ... العدل، العدل، يا ~~سادتي الحكام؛ فالعدل خير؛ ولذلك فهو جميل، وأنتم من عشاق الجمال ...» # 26 ~~••• # أردنا في هذا المقال أن نبين أولا خصائص المفكر التنويري، كما ~~حددها كانط وغيره، من فلاسفة الغرب ، وهي خصائص تنطبق على كل مفكر ~~تنويري حقيق بهذا الاسم في الشرق أو الغرب على ms172 السواء، ثم أن ~~نتبين ثانيا أنها تصدق على مفكرنا الكبير، بحيث لا نجاوز الصواب ~~لو قلنا إنه يتربع على قمة المفكرين التنويريين. # لكن ينبغي علينا أن ننتبه جيدا إلى الفارق الهام للدور الذي قام ~~به المفكرون التنويريون في أوروبا، والدور الذي لعبه زكي نجيب ~~محمود في حياتنا الثقافية؛ ففي عصر التنوير الأوروبي اندفع ~~المفكرون إلى الاعتزاز «بالعقل» وإهمال «الوجدان»؛ مما أدى إلى ~~ظهور حركة مضادة عنيفة للتنوير، ترفض الإنسان الذي لا يظهر منه ~~إلا عقله، وتطالب بالطبيعة والخيال والوجدان والشعور، تمثلت ~~أولا في حركة العاصفة والاندفاع، التي مهدت بعد ذلك للحركة ~~الرومانسية، ثم جاء «هيجل» الذي اعتز «بالعقل» لكنه سلك فيه ~~خيطا رومانسيا واضحا، فكان عقلا جدليا مرنا لا عقلا ~~أرسطيا جافا. # لقد استطاع زكي نجيب محمود أن يتجنب ببراعة هذا الخطأ، الذي ~~وقع فيه المفكرون الأوروبيون في عصر التنوير؛ فهو إذا كان ~~عقلانيا متحمسا للعقل على نحو ظاهر؛ فذلك لأن هذا الجانب ~~ناقص في ثقافتنا، لكن ذلك لا يعني أنه أهمل ذلك الجانب الآخر، ~~أعني جانب الخيال والوجدان، يقول: «من يقرأ لي فيراني متلفعا ~~بمنطق العقل رائحا وغاديا، قد لا يعلم أن لي خيالا يشتعل لأتفه ~~المؤثرات اشتعالا، يكتسح أمامه كل ما يعترض طريقه من قوى النفس ~~الأخرى ...» # 27 # ومن هنا هو يجعل شعاره: «... فلنعط ما للعقل للعقل، وما ~~للشعور للشعور ...» # 28 # ويجعل شغله الشاغل بعد ذلك الاهتمام بالتفرقة بين ~~المجال الذي لا بد لنا أن نستخدم فيه العقل والمجال الذي نحتكم فيه ~~إلى الشعور والوجدان؛ «فمن لا يريد أن يتحدث عما يقع في حسه ~~مما يتاح للآخرين أن يراجعوه فيه بحواسهم؛ فهو لا يريد أن يتحدث ~~بلغة العقل. وليس في ذلك رفع ولا خفض للغة المشاعر، بل الأمر أمر ~~تفرقة بين نوعين مختلفين من الكلام، فإذا كان المجال مجال علم، ~~فلا يجوز للشعور أن يتسلل إلى سياق الحديث بألفاظه الدالة على ~~الوجدان، أما إذا كان المجال مجال أدب وفن، فليختر ما يشاء من ~~لفظ ليثير في سامعه المشاعر ms173 التي يقصد إلى إثارتها فيه ...» # 29 # ولهذا فإننا لا نراه يطلق صيحة «فولتير» الشهيرة: «هيا نلتهم ~~بعض اليسوعيين»، قاصدا التهكم بالطبع من رجال الدين، بل نراه ~~على العكس يهتم بالتفرقة بين «الدين»، و«التدين»، و«علوم الدين» ~~ليزيل ما يقع فيه الناس من لبس، حتى أهل التخصص منهم، فتحديد ~~الفواصل بين هذه المعاني المختلفة من أوجب الواجبات التي يقوم بها ~~المفكر التنويري، وهو يضرب كثرة من الأمثلة لإزالة هذا الغموض ~~العالق بأذهان الناس؛ فالشجرة يستظل بها عابر سبيل، ويدرسها عالم ~~النبات، ونحن هنا أمام ثلاثة أطراف متميز بعضها عن بعض، ولكنها ~~موصولة: الدين هو هذه الشجرة، والرجل المتدين كمن يستظل بظلها، ~~وعالم النبات هو أشبه بعلماء الدين. وهكذا نجد أن الدين شيء ~~والتدين شيء آخر وعلوم الدين شيء ثالث! كذلك المصباح الذي يبعث ~~بالضوء للقارئ ويدرسه علم الضوء؛ المصباح هو الدين، والقارئ هو ~~المتدين، وعالم الضوء هو الممثل لعلماء الدين ... وهكذا ~~وهكذا. # واهتمامه بهذا الجانب الوجداني هو الذي جعله يقدم لنا ~~تحليلات دينية بالغة العمق، ولك أن تقرأ له «فلسفة الشهادة»، ~~وماذا تعني شهادة «لا إله إلا الله» التي هي أصل ثابت في حياتنا الثقافية. # 30 # أو أن تقرأ «الضمير الديني». # 31 # أو تفرقته بين «الفكر الإسلامي» من ناحية وفكر ~~المسلمين من ناحية أخرى، أو أن تقرأ تفسيره الرائع للآية الكريمة: # اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق ~~... # 32 # وكيف يذهب إلى أن القراءة، بنص الآية، نوعان: قراءة ~~الكلمات وقراءة المخلوقات؛ أي قراءة كتاب الله وقراءة لكتاب الكون، ~~وهي فكرة رددها كثير من المتحدثين في شئون الدين في أجهزة ~~الإعلام المختلفة دون أن ينسبوها إلى صاحبها، كما فعلوا في فلسفة ~~الشهادة: لماذا تكون للمفرد «أشهد أن لا إله إلا الله»، بينما تكون ~~العبادة للجمع «إياك نعبد وإياك نستعين»، وغير ذلك كثير مما ~~أبدعه هذا المفكر الكبير، واستباح الآخرون استخدامه دون أن يشيروا ~~إليه ولو إشارة عابرة، كما تقضي الأمانة العلمية والدينية معا ~~ظنا منهم أن الناس لا تقرأ، وأن أحدا لن يهتدي إلى صاحب ms174 هذه ~~الأفكار؛ مع أنه لن يصح في نهاية الأمر إلا الصحيح، وسوف يخلد ~~التاريخ زكي نجيب محمود المفكر التنويري العملاق، ويشيح بوجهه عن ~~هؤلاء المتطفلين الذين لن يزيدوا الأرض إلا حفنة من تراب! # الفصل الثالث # | نهاية الرحلة # «سقراط مصر أو مشعل الفكر الذي انطفأ ...!» ~~«أي مشعل للفكر قد انطفأ ...» ~~«أي قلب قد توقف عن الخفقان ...!» # مات زكي نجيب محمود! مات شيخ الفلاسفة بعد حياة حافلة بالعطاء ~~والخلق والإبداع! مات سقراط مصر الذي جعل الفلسفة على كل ~~لسان! # وسقراط مصر - مثل سقراط أثينا - رفض أن تكون الفلسفة في بطون ~~الكتب، وأروقة المعاهد والجامعات، وأطلقها من «خارج الأسوار»، على ~~حد تعبيره، لتؤدي دورها المهم في الحياة اليومية، ملايين ~~القراء على امتداد الوطن العربي، كانت تنتظره صباح كل ثلاثاء على ~~صفحات الأهرام لسنوات طويلة! فقد كان مقاله يطبع في خمس صحف ~~عربية في اليوم نفسه! قالت لي عجوز حظها من الثقافة ضئيل: إنني ~~لا أفهم كثيرا مما يكتب، لكنني أحب أن أقرأ له: أرجوك أن تبلغه ~~عني هذه الحقيقة! وأبلغته فابتسم في صمت المحيط، تواضع ~~العلماء! # المنهج ... لا المذهب ...! # وسقراط مصر - مثل سقراط أثينا - كان يرى أن الفلسفة منهج أو ~~طريقة في التفكير تمارس، قبل أن تكون مذهبا يعتنق! يقول: ~~«علمتني خبرة السنين - بين ما علمتني - أن من أخطر مزالق ~~الفكر، أن أقيد نفسي في حدود إطار مذهبي، تقييدا يجعلني ~~أرجع في كل أموري إلى مبادئ مذهب معين؛ ولذلك كان التطور ~~الطبيعي في حياتي الفكرية أن اتخذ اتجاها هو في حقيقته «منهج ~~للتفكير» لا «مذهب» يورط نفسه في مضمون فكري بذاته. فكنت ~~كمن وضع في يده ميزانا يزن به ما يشاء، دون أن يملأ يديه ~~بمادة معينة، لا بد أن تكون هي وحدها موضع الوزن والتقدير» ~~(مجتمع جديد أو الكارثة، ص246). # أقرأ على شفتيك، عزيزي القارئ، اعتراضا في صيغة سؤال: أين، ~~إذن، زكي نجيب محمود رائد الوضعية المنطقية، وصاحب «المنطق ~~الوضعي» الذي أصدره عام 1951م، وصاحب «خرافة الميتافيزيقا» عام ~~1953م، وصاحب المقالات الطويلة ms175 عن «القطة السوداء» و«هذه ~~الكلمات وسحرها» وغيرها كثيرا؟! وجوابي هو أن أحيلك «بدوري» ~~إلى مقالاته الرائعة بعنوان: «قلم يتوب» (أفكار ومواقف، ص171 ~~وما بعدها)، و«عبيد المذاهب» (مجتمع جديد أو الكارثة، ص246 ~~وغيرها) ... وغيرها ... لتعرف أن الوضعية المنطقية لم تكن سوى ~~مرحلة في تطوره الروحي، استفاد منها منهجا ونبذ المذهب، ولك ~~أن تقرأ عبارة كهذه، «كنت لسنوات طوال مخطئا بين مخطئين؛ ~~لأنني كنت بدوري أتعصب لتيار فلسفي معين، على ظن مني ~~بأن الأخذ به يقتضي رفض التيارات الأخرى، لكني اليوم مع إيماني ~~السابق بأولوية فلسفة التحليل على ما عداها من فلسفات عصرنا، ~~أومن كذلك بأن الأمر بين هذه الاتجاهات الفلسفية، إنما هو أمر ~~تكامل في نهاية الشوط» (هموم المثقفين، ص45-46). # والعبارة ليست بالقطع تبرؤا من المذهب الوضعي المنطقي، أو ~~التجريبية العلمية كما كان يحلو له أن يسميها، أو تنصلا ~~منه، وإنما هي تفسير لتلك اللمحة الذهنية التي توقدت لتضيء ~~له الطريق، على حد تعبيره، عندما وقع في ربيع عام 1946م على ~~المذهب الوضعي أو ذلك المنهج الفلسفي الجديد، الذي فرق له ~~بين مجال الوجدان، ومجال العقل: «لقد أراد لي توفيق الله، منذ ~~بدأت حياتي العقلية المنتجة أن أقع على طريق من طرق التفكير ~~الفلسفي، رأيته كأنما خلقت له وخلق لي، ثم رأيته وكأنه ~~أنسب ما أقدمه في عالم الفكر لأمتي؛ لأنه إذا كان الغموض ~~والخلط بين المعاني، هو أحد الأمراض العقلية التي أصابت أمتي، ~~فتلك الطريقة من طرق التفكير هي أنجح وسائل العلاج» ... (قيم من ~~التراث، ص117-118). # علينا أن ننتبه جيدا إلى أمثال هذه العبارات المهمة التي ~~تدل أولا على أنه أخذ منهج الوضعية المنطقية في التحليل دون ~~المذهب، وعلى أنه أراد ثانيا أن يوظف هذا المنهج لصالح ~~الفكر التنويري، ولو أن الرجل أراد أن يكون مدرسة، كما يزعم ~~نقاده، تنشر مبادئ الوضعية المنطقية، وتترجم نصوصها وتروج ~~أفكارها، لوجد عشرات من تلاميذه على استعداد للقيام بهذا ~~الدور منذ زمن بعيد (راجع ذلك بالتفصيل في مقالنا «زكي نجيب ~~محمود كما عرفته» فيما ms176 سبق)، ولوجد من تلاميذه من يؤلف، ومن ~~يترجم، ومن ينقل الوضعية المنطقية من شتى زواياها وأبعادها ~~إلى الثقافة العربية، لكنه لم يفعل، بل كانت معظم الرسائل ~~الأكاديمية التي أشرف عليها إبان فترة أستاذيته بالجامعة، تدور ~~حول موضوعات فلسفية لا علاقة لها بالوضعية المنطقية. # كانت رسالة كاتب هذه السطور عن «المنهج الجدلي عند هيجل»، ~~ورسالة د. محمود زيدان عن «وليم جيمس»، ورسالة فرحات عمر عن ~~«القانون العلمي»، ورسالة المرحوم عزمي إسلام عن «جون لوك»، ~~ورسالة د. أحمد فؤاد كامل عن «ليبنتز» ... إلخ. # الوضعية المنطقية ... في خدمة التنوير ...! # وسقراط مصر - مثل سقراط أثينا - لم يكن يريد للناس أن تستخدم ~~لفظا واحدا بغير تحديد، وتحليل، وتعريف، فكانت الدعوة إلى ~~الدقة في تحديد الأفكار والمفاهيم وعدم الخلط بين المعاني. ومن ~~أثقل الهموم التي حملها شيخ الفلاسفة طوال ما يزيد على ستين ~~عاما، وهو يتشدد على الشروط المفروضة على المتحكم الجاد، ~~إذا نطق بعبارة أراد بها انتقال فكرة من رأسه إلى رءوس ~~الآخرين («موقف من الميتافيزيقا»، مقدمة الطبعة ~~الأولى). # وها هنا يكون عمل الفلاسفة أن تدنو بنا من تلك المفاهيم ~~لنراها في تفصيلاتها ودقائقها: والعجيب أن يتهمك الناس نتيجة ~~لهذا التحليل أو التحديد، بأنك تعقد البسيط، وتصعب ~~السهل، حين جاءهم الفيلسوف بتحليل يفكك لهم أوصال المفاهيم ~~التي يتداولونها، فثاروا في وجهه، وكأنهم كانوا يجدون النعمة ~~في الفهم المبهم، ويخشون أن يفسد تحليل الفلاسفة عليهم ما ~~كانوا به ينعمون! (هموم المثقفين، ص66)، منهج التحليل الذي ~~أخذه من الوضعية المنطقية، والذي لاءم تفكيره ملاءمة جعلته ~~يقول: «كأنما هو ثوب فصل على طبيعة تفكيري تفصيلا جعل ~~الرداء على قد المرتدي، بل إني شعرت في اللحظة نفسها، بأنه إذا ~~كانت الثقافة العربية بحاجة إلى ضوابط تصلح لها طريق السير، ~~فتلك الضوابط تكمن ها هنا ...» (قصة عقل، ص92)، هذا هو المنهج ~~الذي ارتضاه لنفسه، فكيف استخدم شيخ الفلاسفة هذا ~~المنهج؟! # كانت طريقته في التحليل أن يمسك بعدسة مكبرة تكشف للقارئ ~~عناصر الفكر التي هي مدار الحديث، فذلك وحده كفيل بأن ms177 يزيل ~~ضباب الغموض الذي يكتنف المفاهيم المحورية التي تدور حولها ~~ثقافتنا (قصة عقل، ص133)؛ فالتوضيح معناه تحليل المفهوم الغامض ~~لاستخراج العناصر الداخلة في تكوينه لكي نفهمه، تماما مثل أي ~~عملية كيميائية؛ فلكي تفهم الماء أو الهواء، أو قطعة الفحم، ~~أو ما شئت، فهما علميا، عليك بتحليلها، في المعامل، وكذلك ~~التحليل العقلي للأفكار الغامضة، عليك أن تحللها تحليلا ~~عقليا لكي تكشف عناصرها ومكوناتها التي دخلت في ~~تكوينها. # ولما كان سقراط مصر - مثل سقراط أثينا - صاحب رأي مستقل، ~~فقد راح يبدي وجهة نظره، ويوجه سهام النقد، أثناء عملية ~~التحليل، لكثير من أوضاع مجتمعه، دون أن يلتزم بأفكار حزب ~~معين، أو بموقف أيديولوجي خاص. ولقد أمده هذا الموقف ~~المستقل بحرية الحركة في نقد وتحليل أي مفهوم، يظهر على مسرح ~~حياتنا الثقافية أو السياسية، دون أن يجد في هذا التحليل حرجا ~~ولا غضاضة! فأنت تراه قابعا ممسكا بالقلم، يتلقف كل ما يظهر ~~من أفكار ومفاهيم ليبدأ عمله، لا يهمه بعد ذلك المصدر الذي ~~أطلق الفكرة: رئيس الجمهورية أو جمهور الناس في الشارع. # التطرف والإرهاب # ويضع شيخ الفلاسفة «التطرف الديني» تحت المجهر، لينتهي من ~~تحليله إلى أن هناك أربع خصائص للمتطرف في مجال الدين أو في أي ~~مجال غير الدين، هي: # سمة أولى للمتطرف، وهي سمات تؤخذ عليه، أن ~~يقوم بإرهاب الآخرين، لإرغامهم على قبول ما يدعو ~~إليه هو وزمرته، وفي ذلك الإرهاب يسكن جوهر التطرف ~~... فليست المسألة أن يختار لنفسه وجهة نظر، يرى ~~الأفكار والمواقف من خلالها، وإنما المسألة أنه ~~يريد أن يرغم الآخرين بالقوة على الأخذ بها، فقد ~~كانت وجهة نظر «الخوارج» مثلا خالية مما يؤخذ ~~عليهم، ومع ذلك فقد نفرت منهم الأمة الإسلامية، ~~لماذا؟ كانت العلة في تطرفهم هي اللجوء إلى القسوة ~~العنيفة، إرهابا لكل من وقعت عليه أيديهم، حتى ~~يوافق على وجهة نظرهم، وإذا لم يفعل قتلوه بأفظع ~~صور القتل وأبشعها؛ مع أنهم كانوا لا ينقطعون عن ~~عبادة الله لحظة واحدة! إذا كان اتخاذ الإرهاب ~~وسيلة لإرغام الخصوم هو العلامة الحاسمة ms178 التي ~~تميز المتطرف عمن سواه، كان محالا أن يلجأ ~~إليها إنسان قوي واثق بنفسه وعقيدته، وإنما ~~يلجأ إليه من به ضعف في أي صورة من صوره، لماذا؟ ~~لأن الإنسان إذا أحس في نفسه ضعفا تملكه ~~الخوف من أن يطغى عليه أصحاب المواقف الأخرى، وكأي ~~خائف آخر ترى المتطرف هلعا جزوعا، يسرع إلى ~~أقرب أداة للفتك بخصمه إذا استطاع، قبل أن تسنح ~~الفرصة أمام ذلك الخصم! # لا يتطرف بالمعنى السابق إلا من حمل على كتفيه ~~رأسا فارغا وخاويا، اللهم إلا أضغاثا دفع بها ~~إلى ذلك الرأس عن فهم أو غير فهم. وذلك لسببين؛ ~~الأول: أن تكون الأفكار التي شحن بها رأسه غير ~~علمية؛ لأن الفكرة العلمية مقطوع بصوابها، ~~والثاني: أن ما يمتلئ به رأس المتطرف، ما دام لا ~~يمت إلى العلم بصلة، لا بد أن يكون فيه الخصائص ~~المضادة للعلم، ومنها حرارة الانفعال، وغموض ~~المعنى، واحتمال أن تتعدد فيه وجهات النظر. # السمة الأخيرة، أن التطرف، في الواقع، حالة من ~~حالات التكوين النفسي، ولا نقول إنه وجهة نظر إلا ~~من باب التساهل، وإنما هو في حقيقته الدفينة حالة ~~نفسية، تجعل صاحبها على استعداد لأن يتطرف ~~وكفى! فليس المهم هو الموضوع الذي يتطرف فيه، بل ~~المهم في تكوينه هو أن يتطرف للتطرف في حد ذاته؛ ~~ومن هنا رأينا أمثلة كثيرة لمتطرفين يقفزون بين ~~يوم وليلة، من تطرف في فكرة إلى تطرف في ~~الفكرة التي تناقضها، فتراه اليوم متطرفا في ~~رؤية إسلامية معينة، ثم تراه غدا في رؤية ~~شيوعية، أو العكس؛ مع أن الإسلام والشيوعية ~~ضدان لا يلتقيان! (انظر في ذلك كله مقاله ~~الرائع «متطرف تحت المجهر» في كتابه «رؤية ~~إسلامية»، ص257، ص268.) # تشجع ... وفكر! # وسقراط مصر - مثل سقراط أثينا - كان فليسوفا تنويريا، ~~يدعو إلى رفع «الوصاية» عن الإنسان، المصري أولا والعربي ~~ثانيا؛ لأنه بلغ سن الرشد، ولم يعد قاصرا بحيث يحتاج إلى ~~غيره ليفكر نيابة عنه؛ ولهذا كان شعاره «لتكن لديك الشجاعة ~~لتستخدم عقلك»، تشجع، وفكر ... تشجع واعرف بنفسك ولنفسك، وأعمل ~~العقل في ms179 كل مناحي الحياة، وفي أي موضوع يطرح عليك، ولا تركن ~~إلى الكسل والجبن الشائعين عند بعض الناس الذين يعتقدون أن في ~~القصور راحة، وأن التفكير العقلي المستقل أمر خطير جدا، ~~ولا تقل لنفسك إنني لست بحاجة إلى التفكير، إذا كان هناك من ~~يقوم عني بهذه المهمة الثقيلة! فالتفكير هو الذي يميز ~~الإنسان عن الحيوان، والله العليم بكل شيء، هو الذي وهب ~~الإنسان العقل ليستخدمه استخداما جيدا ليكون خليفة له على ~~الأرض! وشيخ الفلاسفة يجعل هذه الفكرة جوهر دعوته في كل ما ~~كتب: «الخط الفكري الذي تنطوي عليه كتاباتي، على اختلاف ~~موضوعاتها، وعلى طول الأمد الذي امتدت خلاله هو الإيمان بأن ~~الفرد الإنساني مسئول عما يفعل، وأن هذه المسئولية لا تعني ~~شيئا إذا لم يكن العقل وحده هو مدار «الحكم» في كل المسائل ~~التي تطلب فيها التفرقة بين الصواب والخطأ. أما الموقف الذي ~~تسوده عاطفة فلا خطأ فيه ولا صواب؛ لأن المرجع فيه إلى القلب ~~وما ينبض به» ... (مجتمع جديد أو الكارثة، ص5)، وها هنا نراه ~~يلتقي مع المضمون المحوري للفكر التنويري، لكنه يضيف إضافة ~~جديدة وهي التفرقة الواضحة بين المجال الذي يستخدم فيه الوجدان ~~والخيال، «فإذا كان المجال مجال علم فلا يجوز للشعور أن ~~يتسلل إلى سياق الحديث بألفاظه الدالة على الوجدان، أما إذا ~~كان المجال مجال أدب وفن، فليتخذ ما يشاء من لفظ؛ ليثير في ~~مسامعه المشاعر التي يقصد إلى إثارتها فيه ... فلنعط ما للعقل ~~للعقل، وما للشعور للشعور» ... (قصة نفس، ص182). # لقد كان الفيلسوف الألماني هيجل يقول: «إن العبقري هو ما ~~يدرك متطلبات العصر ويلبيها» ... ولقد أدرك فيلسوفنا أن ~~مطلبنا الأساسي هو استخدام العقل، بعد أن غرقنا في «التفسيرات ~~اللاعقلية» حتى الأذنين! ومن هنا كان حرصه على استخدام العقل ~~والاحتكام إليه في جميع مناحي الحياة، باستثناء الأمور ~~الوجدانية، والاستخدام الجيد للعقل يؤدي إلى نتيجتين مهمتين: ~~الأولى الاهتمام بالعلم الطبيعي، والاعتماد عليه وحده في تفسير ~~ظواهر الطبيعة؛ وبالتالي محاربة الخرافة في شتى صورها (لأن ~~الخرافة باختصار شديد هي تفسير ms180 أي ظاهرة من ظواهر الطبيعة ~~خارج نطاق العلم)، غير أن الاهتمام بالعلم لا يعني «حفظ» ~~مجموعة من القوانين العلمية، نفسر بها ظواهر الطبيعة، وإنما ~~يعني «تشرب» الأسلوب العلمي في التفكير، وأن يكون لدينا منهج ~~ذلك العلم لنستخدمه أولا في المشاركة الإيجابية في المكتشفات ~~العلمية، وثانيا ليحمل ذلك المنهج العلمي في صدورنا ميزانا ~~نزن به الأفكار العلمية، كلما نشأت عند الناس فكرة يقابلون ~~بها مشكلة عرضت لهم في حياتهم» (عربي بين ثقافتين، ص107)، وهو ~~يشعر بقلق بالغ من موقف الإنسان العربي نحو «العلم» حدوده ~~وقدراته، ونحو العقل وعجزه ... إلخ، وهو يرى أن الخطير في الأمر ~~أن العربي كثيرا ما يسخر من منجزات العلم الحديث، وأنه بذلك ~~يهزأ بالعقل الإنساني وقدراته، على ظن منه أن مثل هذه الوقفة ~~ترضي ضميره الديني، وأنها وقفة تتضمن أن اعتزاز الإنسان ~~بعقله، واعتداده بقدرته العلمية، كما تشهد بها منجزاته ~~الحديثة، فيه جرأة على رب العالمين، الذي هو العليم القدير؛ ~~مع أن أحدا على مدار الكوكب الأرضي لم يدر في خياله أنه خالق ~~عقل نفسه، أو أنه صاحب الفضل في كل ما ينتج من علم ومنشآت ~~(المرجع نفسه). ومن المفارقات الغريبة أن العربي الذي يرفض ~~«المنهج العلمي» هو من أكثر أهل الأرض شراء لتلك المنجزات ~~الحديثة التي يأتي بها العلم (المرجع السابق). # إن ما ينقصنا هو «منهج العلم» والفرق واسع بين مجموعة ~~الحقائق العلمية التي ننقلها عن الغرب، ونحفظها عن ظهر قلب في ~~مدارسنا وفي جامعاتنا، وبين «المنهج العلمي» الذي استطاع ~~الإنسان بواسطته أن يصل إلى ما قد وصل إليه من حقائق، وها هنا ~~يكمن الداء الذي تولدت لنا منه ضروب من الأورام الخبيثة في ~~حياتنا العقلية، أو قل في حياتنا اللاعقلية، فكان لنا ما كان ~~من بطء شديد في حركة التقدم مع حضارة عصرنا في ركضها السريع ~~(أفكار ومواقف، ص208، 209). وهو في مقال آخر يجعل هذه المشكلة ~~«موطن الداء» في حياتنا العقلية، فمن اليسير أن نلقن الدارسين ~~«مقررا» بعينه وضعت مادته في كتاب، ويطلب من الدارس ms181 حفظها عن ~~ظهر قلب ، ويعيدها في هذا الهيكل العظمي على ورقة الامتحان، ~~فيخرج الدارس وفي جعبته معلومات، و«نقط» مبعثرة، وليس في عقله ~~«منهج» للنظرة العلمية أيا كان الموضوع الذي ينظر إليه ~~ابتغاء تعليله ووضعه في سياق ليفهم (بذور وجذور ص69). # أما النتيجة الثانية المترتبة على استخدام العقل استخداما ~~جيدا فهي نتيجة واجتماعية كثيرة، وأن يكون من بين هذه ~~النتائج مناهضة الحكم المستبد (انظر «كيف يولد طاغية»، أفكار ~~ومواقف، ص164 وما بعدها)، ومحاربة الظلم الاجتماعي في شتى صوره ~~لتحقيق العدالة بين الناس، والدعوة إلى المساواة، ~~والديمقراطية، والحرية السياسية لا سيما حرية التفكير ~~والتعبير. # الثورة الحقيقية # فإذا جمعنا بين هاتين النتيجتين المترتبتين على الاستخدام ~~الجيد للعقل، تحققت لدينا ثورة حقيقية: «لأن الثورة الحقيقية ~~هي ثورة فكرية»، وهي تعني أن نقوم بتغيير «أنوال» التفكير ~~القديم التي ظلت باقية معنا على عهدها القديم؛ ولذلك بقيت ~~طبيعة الفكر على حالها، الذي أزعمه أن منوالنا الفكري لم ~~يتغير، وأن النمط الذي نسوق نشاطنا الفكري في إطاره، ما زال ~~كما كان منذ قرون. وهذا المنوال قوامه عناصر كثيرة لعل أهمها ~~الركون إلى «سلطة» فكرية نستمد منها الأسانيد، ومثل هذه ~~السلطة تتمثل عادة في نصوص بعينها محفوظة في الكتب، كما ~~تتمثل كذلك في أقوال يتبادلها الناس، وهي التي تسمى العرف أو ~~التقاليد، وبناء على هذا الموقف نكون الفكرة صوابا إذا استقت ~~مع ما أقرته السلطة الفكرية في الكتب المحفوظة أو الأقوال ~~المأثورة، كما تكون الفكرة خطأ إذا جاءت مخالفة لما أقرته ~~تلك السلطة؛ ومن هنا اشتد سلطان الماضي على الحاضر، وأصبح ~~البرهان الذي لا يرد هو أن نسوق «الشواهد» من سجل القديم، ~~وانحصرت قوة الإبداع الفكري في القدرة على إيجاد السند من ~~القول المأثور، ولن تكون لنا ثورة فكرية إلا إذا أحللنا نمطا ~~جديدا محل هذا النمط القديم، فيكون معيارنا هو: ما هي النتائج ~~العلمية المستقبلية التي تترتب في حياتنا العلمية على هذه ~~الفكرة، أو تلك مما يقدمه لنا رجال الفكر؟ (مجتمع جديد أو ~~الكارثة، ص15، 17). # الرائد ...! # كان ms182 زكي نجيب محمود رائدا في مجالات كثيرة منها: # أنه أول من طحن «جلاميد» الفلسفة، وما فيها من أفكار عسرة ~~الهضم، وقدمها للقارئ سهلة واضحة في عبارة أدبية مشرقة، ~~فيستحيل أن تجد في كل ما كتب فكرة واحدة يصعب عليك فهمها ~~لغموضها أو لعبارتها الملتوية. وإذا كان بعض المشتغلين ~~بالفلسفة قد دافع عن «الغموض»، بحجة أن هذه هي طبيعة الفلسفة، ~~فإنه فند هذه الحجة، عمليا، ورفضها في كل ما كتب! # وداعا شيخ الفلاسفة: وداعا يا أعز الناس! يا من كنت لي ~~أبا قبل أن تكون أستاذا ...! ms183