######OpenITI# #META# المؤلف: عبد الرحمن عبد الخالق #META# bkid: 35828 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ¶ المؤلف: عبد الرحمن عبد الخالق ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الواحدي :: عبد الرحمن بن عبد الخالق #META# Lng: عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف #META# max: 147 #META# bk: لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية #META# authinf: الواحدي (000 - 468 هـ) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف ¶ الدولة : الكويت ¶ الفاكس : 00965532896 ¶ البريد الإلكتروني ¶ supervisor@salafi.net ¶ سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته ¶ الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف ولد بمصر عام 1939 م وحصل على العالية من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ¶ وعمل مدرسا بمدارس الكويت من 1965 م إلى 1990 وعمل في مجال البحث العلمي بجمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ¶ للشيخ نشاط كبير على شبكة الإنترنت من خلال موقعه ¶ الشبكة السلفية ¶ http://www.salafi.net ¶ ________ ¶ المصدر : موقع طريق الإسلام #META# ndata: لمحات منD94B1F81**** *** #META# bkord: 9965 #META# archive: 25 #META# الكتاب: لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية #META# authno: 70 #META# ad: 99999 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: معاصر #META# cat: التراجم والطبقات - مرقم آليا #META# iso: لمحات من حياه شيخ الاسلام ابن تيميه #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO لمحات من حياة # شيخ الإسلام ابن تيمية # عبدالرحمن عبدالخالق # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة # الحمد لله القائل شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد ~~القائل: العلماء ورثة الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه ودعا ~~بدعوته من أئمة الدين وعلماء الإسلام وعلى كل قائم لله بدعوة صحيحة داخل في ~~قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين}. # وبعد # الدوافع إلى تأليف هذا الكتاب: # فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه من النفر القليل الذين كانت ~~حياتهم كلها لله، والذين دعوا إلى الله على بصيرة، شاهدا لله سبحانه وتعالى ~~أنه لا إله إلا هو، قائما بالقسط، فقد كتب وألف عشرات المجلدات بل مئات ~~المجلدات في هذين المعنيين: إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وتحذير الأمة ~~من الشرك الذي تفشى فيها بعد صدر الإسلام، ثم إثبات عدل الله في تشريعاته ~~وقضائه وقدره، ولقد تعرض شيخ الإسلام في سبيل ذلك إلى تفنيد مزاعم قوى الشر ~~كلها التي انتشرت وسادت المسلمين في عصره في القرن السابع الهجري وأوائل ~~الثامن. فتصدى بالرد على الفلاسفة وأذنابهم والرافضة وأكاذيبهم، والباطنية ~~وخبثهم ونفاقهم، والصوفية وعقائدهم الفاسدة وترهاتهم، وللمتكلمين وخلفائهم ~~وتأويلاتهم الباطلة، وللمقلدين وعبادتهم لشيوخهم وتعصبهم لآرائهم المخالفة ~~للكتاب والسنة، والنصارى وضلالهم، واليهود وخبثهم وأفسادهم، وألف في كل ذلك ~~وكتب ودرس وسافر وارتحل وناقش ولم يكتف بهذا أيضا بل جرد سيفه لقتال التتار ~~فجمع الجموع لملاقاتهم، ووحد صفوف المسلمين لحربهم، وخاض المعارك ونصره ~~الله عليهم.. # وهو في كل هذا عازف عن الدنيا، لم يتزوج ولم يكتنز مالا أو يبني دارا ~~ويتخذ عقارا إلا ما أراده من دار الآخرة. PageV01P001 # وعالم هذا شأنه لا شك أن يكثر أعداءه وحساده.. فقد عادى الدنيا كلها في ~~الله وخاصم كل منحرف في ذات الله، ولم يداهن أميرا ولا وزيرا في الحق، بل ~~صدع به ms001 حيث كان، ولذلك كثرت ابتلاءاته ومحنه فلا يخلص من محنة إلا ودخل في ~~أخرى، ولا ينتهي من سجن حتى يزج به في سجن آخر، ولا ينصر في محاكمة حتى ~~تعقد له محاكمة جديدة.. وكل ذلك وهو صابر محتسب، بل فرح مستبشر أن أكرمه ~~الله بكل هذه الكرامات وهيأ له كل هذه الأسباب لينشر علمه وتعظم محبة أهل ~~الخير له، فكان قدوة للعالمين من أهل الخير في زمانه، ونموذجا للعلماء ~~العاملين في وقته، بل كان من تلاميذه جهابذة الأمة في كل فرع من فروع ~~المعرفة الدينية فمن تلاميذه ابن كثير إمام المؤرخين والمفسرين، والذهبي ~~علم المحققين والحافظ المزي، إمام من أئمة النقل والرجال والحديث وابن ~~عبدالهادي علم التحقيق، وابن القيم إمام الأمة وفارسها، وروحاني الإسلام.. ~~وخلق كثيرون.. ثم أصبحت كتبه من بعده هي الهادي والمرشد لعقيدة أهل السنة ~~والجماعة، بعد أن لبس الملبسون من أهل الكلام والزندقة على الناس، ونشروا ~~عقائدهم الباطلة في الأمة فقام هذا المجدد الفرداني والعالم الرباني فكشف ~~بنور القرآن والسنة أضاليل أهل الكلام والبدعة والزندقة والردة. # * أعود فأقول عالم هذا شأنه وكثر حساده وأعداؤه في حياته وبعد مماته ~~ينقبون كتبه ويفتشون لعلهم يظفرون له بخطيئة أو بزلة وليس هو بمعصوم ~~فيضخمون ما ظنوه خطأ. فيجعلون خطأه كفرا، وردة، ثم يفترون عليه ويكذبون، ~~وكل ذلك يسعون جاهدين أن ينفروا الأمة عن طريقه ويصرفوا العالم عن مطالعة ~~كتبه، ولكن هذا منهم كان ينقلب في كل مرة عليهم حيث يقف الناس على كذب ~~شانئيه ومبغضيه فينقلب السحر عليهم، وتبتلع آية الله ما أفكه الظالمون، وما ~~افتراه المفترون. PageV01P002 # وكان من جملة ما افتراه بعض هؤلاء من زعم أمام مجموعة من الطالبات أن ابن ~~تيمية وابن القيم قد خالفا إجماع المسلمين لقولهما بفناء النار.. وزعم أن ~~هذا إجماع قطعي. # وقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه سجن من أجل ذلك ولو لم يمت في السجن ~~لنفذ فيه حد الردة.. وبادرته طالبة من الطالبات قائلة: أنعتبر ابن تيمية ~~كافرا بذلك: فقال: يمكن يكون ms002 رجع عن كلامه.. ولا نعلم له رجوعا، ولكنه زعم ~~في مقام آخر أيضا أنه لو قام من قبره لنفذ فيه حكم الردة.. # الأهداف البعيدة: # أعود فأقول إن السبب في إرادة هدم شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا الرجل ~~وأمثاله معروف. لأن كتب شيخ الإسلام أنوار هاديات لكل زيف وبهتان، وتضليل ~~وهذيان، ولذلك يحاربها كل من أراد أن يبني له مجدا في الظلام، ويطمس بعض ~~البصائر ويتخذ مجموعة من الخفافيش تعيش معه في الجحور.. ولذلك يحاذر كل ~~المحاذرة أن يسمع أحد منهم كلمة حق، أو يقرأ كتابا يفضح باطله وزوره ~~وتخليطه.. # وقد بادر مجموعة من الإخوة فكتبوا بعض المقالات في الصحف ردا على فرية ~~هذا الأستاذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتبت مقالا سريعا في الجريدة ردا ~~على هذه الفرية وكان هذا نصه: # متى يكون مخالف الإجماع كافرا؟ # * يعرف علماء الأصول الإجماع بأنه اتفاق علماء الإسلام في عصر من العصور ~~بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على مسألة من مسائل الدين. ويضربون ~~أمثلة لذلك باتفاق المسلمين على بيعة الصديق، وحروب الردة، وولاية الفاروق، ~~وإعطاء الجدة السدس من الميراث. ونحو ذلك من أمور اشتهرت وعمل بها المسلمون ~~وافتى بها جميع الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. # ويجعلون مخالف هذا الإجماع الظاهر كافرا وخاصة إذا كان الإجماع مستندا ~~إلى نص شرعي صريح كتحريم الخمر، والصلوات الخمس وإيجاب التيمم عند فقد ~~الماء ونحو ذلك ما لم يكن مخالف هذا الإجماع متأولا أو جاهلا. PageV01P003 # وفي دراسة عن الإجماع عمد أحد أساتذة كلية الشريعة بجامعة الكويت أمام ~~طالبات من الكلية إلى ضرب أمثلة لمن خالف إجماع المسلمين فلم يجد مثلا لذلك ~~إلا الإمامين الجليلين: شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم فأعلن ~~الأستاذ للطالبات أنهما خالفا إجماع المسلمين لأنهما قالا بفناء نار الآخرة ~~بعد أحقاب طويلة من عذاب الكفار فيها. # أقول لم يجد الأستاذ إلا هذين الإمامين ليدلل على مخالفة الإجماع، ولم ~~يكتف بذلك بل زعم أن الشيخ ابن تيمية سجن من أجل ms003 فتواه تلك وأنه مات في ~~السجن من أجل ذلك، ولو لم يمت في السجن لنفذ فيه حكم الردة!! # وكلام الأستاذ هذا فيه كثير من الأغاليط بل والأكاذيب عدا عما فيه من ~~عدوان، وإفساد لعقول الشباب والناشئة وتنفير من علماء الإسلام ونحن نبين كل ~~ذلك بحمد الله سبحانه: # أولا: الإمام ابن تيمية لم يدخل السجن قط في هذه المسألة بالرغم من أنه ~~دخل السجن مرارا وتكرارا، ودخوله السجن من فضل الله عليه، وكذلك فإن هذه ~~المسألة لم تكن قط مثارة في عهده ممن أنكر عليه شيئا من أقواله وإنما كان ~~آخر مرة سجن فيها شيخ الإسلام -رضي الله عنه- في مسألة شد الرحال لزيارة ~~القبور التي أنكرها هو عملا بالحديث الصحيح [لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى] ولما أجمعت عليه الأمة، أن ~~السفر لزيارة القبور سفر معصية، ولكن عباد القبور في زمانه ألبوا عليه بعض ~~من لا فقه لهم من الأمراء فسجن لذلك ووافته المنية في سجن قلعة دمشق من أجل ~~ذلك وليس من أجل قوله بفناء النار كما زعم أستاذ كلية الشريعة. PageV01P004 # ثانيا: قضية القول بفناء النار ليست ابتداعا لشيخ الإسلام ابن تيمية (الحق ~~أن ابن تيمية ذكر في هذه المسألة قولين للسلف ولم يرجح واحدا منهما وإنما ~~الذي رجح القول بالفناء هو ابن القيم رحمه الله) وابن القيم وإنما قال بها ~~جمهور كبير من الصحابة والتابعين كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبو سعيد ~~الخدري، وأبو هريرة وعبدالله بن مسعود، وعلى بن أبي طالب، والحسن البصري، ~~وكثير من أئمة التابعين وعلماء التفسير فكيف تكون هذه القضية من قضايا ~~الإجماع وهؤلاء جميعا مخالفون لذلك، بل قال الإمام ابن القيم أنه لو طلب ~~ممن يقول بالإجماع في هذه المسألة: أن ينقل عن عشرة فقط من الصحابة فما ~~دونهم إلى الواحد لم يجد إلى ذلك سبيلا.. فكيف يدعي الإجماع في مثل ذلك؟ # الكلام الذي رمى به الأستاذ شيخ الإسلام ابن تيمية كلام عظيم وبهتان كبير ~~فتكفير ms004 المسلم شيء عظيم فكيف بتكفير إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلامهم ~~لا يوجد لليوم عالم قد نال من ثناء العلماء عليه مثل ما نال هذا الرجل. # وحسبك من ذلك قول تلميذه الحافظ الذهبي: "لو حلفت بين الركن والمقام ~~لحلفت أنني ما رأيت بعيني مثله، ولا رأى هو مثل نفسه في العلم"، وقول ~~تلميذه الحافظ المزي: "ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا ~~أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه"، وقول الإمام ابن دقيق ~~العيد: "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجع كل العلوم بين عينيه يأخذ ما يريد ~~ويدع ما يريده". # ومثل هذا القول أيضا عن أبي حيان شيخ النحاة.. ولم تؤلف تراجم في الإسلام ~~لرجل مثله. وهو الذي اتبع جنازته أهل دمشق كلها، وقد حضر من النساء فقط ~~خمسة عشر ألف امرأة، ومائتي ألف رجل، ولا يعرف جنازة مثلها في الإسلام إلا ~~للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فالإقدام على تكفير رجل مثل هذا في حلقة ~~من حلقات العلم وفي كلية الشريعة شيء عظيم جدا. PageV01P005 # * وقد يقول قائل إن كلام الأستاذ لا يتضمن التكفير وأقول هذا قول خاطئ.. ~~أولا: لأن الأستاذ كان في معرض بيان من خالفوا الإجماع ومعلوم أن مخالف ~~الإجماع كافر، وثانيا: أنه زعم أن علماء عصره حكموا بكفره.. وكان هذا إقرار ~~منه بذلك، وثالثا: أنه قال لو لم يمت لنفذ فيه حكم القتل وحكم القتل لا ~~ينفذ في مثل هذه الحالة المزعومة إلا للردة.. ورابعا: أنه زعم أنه لم يعرف ~~له رجوع عن قوله هذا. وخامسا: أن هذا الأستاذ يلقي الكفر على كل من يتوهم ~~أنه يخالفه وهذا دأبه أبدا. # رابعا: كان بودنا ألا يستغل الأستاذ منصبه ومقامه وسط طالبات قد يظن أنهن ~~لن يتمكن من البحث والمعرفة فيبتلعن السموم التي ينفثها لهن.. أقول كان ~~بودنا ألا يستغل الأستاذ ذلك وأن يعمد إلى مخالفي الإجماع الحقيقيين كمن ~~زعموا أن القرآن فقط كاف لنا دون السنة النبوية، ومن زعموا أن ms005 الدين أخلاق ~~وعبادات فقط وليس حكما وتشريعا، ومن غيروا بعد الرسول وجعلوا ظاهر القرآن ~~والسنة في زعمهم كفر، ونفوا عن الله أسماءه وصفاته العلية، ومن قالوا بوحدة ~~الوجود وأن المخلوق هو عين الخالق، ومن أجازوا التوسل بالأموات والطواف ~~بالقبور وشد الرحيل إلى المزارات، والسجود على العتبات ونحو هذا كثير من ~~الذين أرادوا هدم دين الإسلام بالفعل. أما أن يعمد إلى إمام عاش طيلة دهره ~~مجاهدا بسيفه وقلمه محاربا في كل اتجاه فلا يجد الأستاذ كافرا في الأمة ~~مخالفا لإجماعها غيره.. سبحان الله أين الفكر والنظر بل أين الدين والخلق؟ PageV01P006 # خامسا: نحن نقول للأستاذ: إن زمنا كان يمكن فيه التدليس على الناس وطمس ~~الحقائق قد ولى، وأن الطالبات اللاتي ظننت أنهن ليس أهلا للبحث والتحري ~~ومعرفة الحق لسن كذلك وسيصلن حتما بعون الله ومشيئته إلى معرفة الحق إن كان ~~معك أو عليك وأن من يطاول ابن تيمية ويرميه بسهم حتما سيعود سهمه إلى ~~نحره.. وأن أناسا يدافعون عنك الآن، ولا يدافعون عن حرمة الأموات يغشونك ~~ويغشون أنفسهم، وقد قال عز وجل في الحديث القدسي: [ومن عادى لي وليا فقد ~~آذنته بالحرب]، والرسول يقول أنتم شهداء في الأرض.. من شهد له وجبت له ~~الجنة، وقد شهد أهل دمشق كلها في عصر ابن تيمية جنازته وشهدوا له وبكوه أحر ~~ما يكون البكاء، ولم يكن ذلك اصطناعا ولا دعاية وإنما كان شهادة وهداية من ~~الله. فانظر أين وضعت نفسك. وانتظر غدا يوم يعرف الناس الحقائق، وتنجلي ~~الأمور أن العلم ليس باعتجار العمامة، ولا تبديل البشوت، والاختيال في ~~الأردية. وتكفير علماء الإسلام واحتقارهم وتحذير الشباب منهم. # سادسا: وفي الختام نسأل الأستاذ هذه الأسئلة نرجو جوابها.. من أين علمت ~~أن شيخ الإسلام ابن تيمية سجن آخر مرة في قوله بفناء النار؟ وأين إجماع ~~المسلمين الذي زعمته في هذه القضية؟ وهل يكون إجماعا ما خالفه جمهور من ~~الصحابة والتابعين؟ وماذا تقول في هؤلاء الصحابة الذين خالفوا إجماعك ~~المزعوم؟ هل كفروا هم أيضا مع ابن تيمية وابن القيم؟ ms006 ومن الذي حكم في الشيخ ~~بحكم الردة؟ وما هو حكم من كفر إماما من أئمة المسلمين أجمعت الأمة على ~~إمامته وعدله وعلمه وتقواه؟.. نرجو أن نتلقى ردا منكم على أسئلتنا هذه. PageV01P007 # وقد رأيت من واجبي قياما بحق إمام من أجل أئمة الأمة الإسلامية لا يوجد ~~اليوم مسلم يعرف التوحيد حقا إلا وهو مدين له بالعلم والفضل فهو الذي أنار ~~للأمة بعده طريق الله بعد تمالأ الباطنية والقرامطة والغلاة والرافضة، ~~والصوفية، والحلولية، والمتفلسفة على إفساد دين المسلمين وطمس طريق رب ~~العالمين، فقام في هذه الأيام يصاول كل هذا الباطل بقلمه السيال، ونور ~~كلماته الوقاد، وسيفه القاطع فما أبقى لهم شبهه إلا ورفعها، ولا تلبيسا إلا ~~وكشفه، ولا ظلاما إلا وبدده. أقول رأيت من واجبي أن أقتبس جذوة من نور هذا ~~الشيخ الجليل، وأعرض على ناشئتنا الإسلامية لمحة من أضوائه اللامعة ولست في ~~هذا إلا قابسا من جذوته، وناقلا عمن كتب عنه، وإني لأرجو في مستقبل حياتي ~~إن أطال الله في عمري أن أجمع ترجمة مستفيضة له أجعل القارئ يعيش بها مع ~~هذا الرجل حياته ساعة بساعة، ويجلس في حلقات علمه تلميذا حلقة حلقة، ودرسا ~~درسا، ولعل الله أن يمكنني من ذلك وأما الآن فإلى هذه اللمحات من حياة ~~شيخنا وأستاذنا شيخ الإسلام أحمد عبدالحليم بن تيمية رحمه الله. # كتبه: عبدالرحمن عبدالخالق # الكويت الأحد 15صفر 1404ه # الموافق 20/11/1983 # الباب الأول # ابن تيمية: الإعداد الرباني # أول ما يطالعنا في دراسة حياة شيخ الإسلام ابن تيمية هو هذا الإعداد ~~والعناية الربانية التي كلأت هذا الإمام منذ أن كان صغيرا وإلى أن توفاه ~~الله سبحانه وتعالى وهذا ما يكاد يجمع عليه كل الذين ترجموا له. وكتبوا عنه ~~ممن أراهم الله حقيقة هذا الرجل العجيب فكأن كل الظروف والأحداث كانت تتهيأ ~~لاستقبال هذا المجدد.. ولا شك أن القارئ الذي سيستمر معنا مطالعا هذه ~~المقتطفات واللمحات من حياة شيخنا شيخ الإسلام سيخرج بهذه النتيجة. PageV01P008 # فالعالم الذي أظلم ظلاما يكاد أن يكون كاملا قبل أن يبدأ هذا الرجل ms007 دعوته ~~قد كان يتطلع وينتظر قدوم مثل هذا الرجل ليبدد ظلمات الفلسفة والزندقة، ~~والإلحاد، والشرك بكل مظاهره، والباطنية بكل أعلامها والإتحادية، وأيضا ~~ظلام الحكام المتجبرين والعملاء المأجورين، وأكثر من هذا ظلام وعدوان التتر ~~المتسترين بالإسلام، والنصيرية والرافضة المعادين لأهل الإسلام، والموالين ~~لأهل الكفر والطغيان لقد كان العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلى عالم مجدد ~~جرئ شجاع يستطيع أن يقول الحق لكل أولئك وهو لا يخاف في الله لومة لائم، ~~ولا يخشى سجنا ولا تعذيبا، ولا غربة ولا نفيا.. بل ولا قتلا.. فكان ابن ~~تيمية الذي جعله الله أولا وعاء عظيما استوعب علم الكتاب والسنة، ثم وسع كل ~~علوم وترهات وأكاذيب أولئك الضلال وعرف بعد ذلك كيف يكر عليها ويبطلها ~~باطلا باطلا، ولا يستطيع أحد منهم أن يقف أمامه أو يحاربه أو يلبس على ~~الناس عنده.. والآن تعالوا نطالع عناية الله بهذا الرجل منذ أن كان صبيا. # شهادة ابن عبدالهادي: PageV01P009 # قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبدالهادي في (العقود الدرية من مناقب شيخ ~~الإسلام ابن تيمية): انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة ~~حافظته، وسرعة إدراكه. واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، ~~وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد ~~جئت قاصدا، لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتابه، وهو إلى الآن ما جاء. ~~فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهبا إلى الكتاب (مدرسة صغيرة لتحفيظ ~~القرآن). فجلس الشيخ الحلبي قليلا، فمر صبيان، فقال الخياط: هذاك الصبي ~~الذي معه اللوح الكبير: هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ. فجاء إليه. فتناول ~~الشيخ اللوح منه، فنظر فيه ثم قال له: امسح يا ولدي هذا، حتى أملي عليك ~~شيئا تكتبه، ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر ~~حديثا، وقال له: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه. ثم ~~دفعه إليه، وقال: اسمعه علي، فقرأه عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: ~~يا ولدي، ms008 امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ ~~هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. ثم أسمعه إياه كالأول. فقام الشيخ وهو ~~يقول: إن عاش الصبي ليكونن له شأن عظيم. فإن هذا لم ير مثله. # الباب الثاني # ابن تيمية: العالم الذي لم ير العلماء مثله # كان لا بد لابن تيمية الذي سيقابل هذا الواقع الأليم بكل مآسيه وعقباته ~~أن يكون عالما من طراز آخر، وأن يقر له العلماء جميعا بالفضل والسبق عليهم، ~~وأن يشهدوا أن أعينهم لم تر مثل هذا الرجل ، وذلك حتى يستطيع أن يشق طريقه ~~إلى الإصلاح، ولا يستطيع أحد أن يتهمه بجهل أو قصور وتعالوا نشاهد شهادات ~~العلماء له في عصره وبعد عصره بالعلم الذي لا يضارع ولا يماثل.. # 1- شهادة تلميذه الإمام الذهبي: PageV01P010 # قال الذهبي في معجم شيوخه: أحمد بن عبدالحليم -وساق نسبه- الحراني، ثم ~~الدمشقي، الحنبلي أبو العباس، تقي الدين، شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر ~~علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا ~~بالمعروف ونهيا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ~~ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. برع في تفسير القرآن، ~~وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه ~~أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ ما يحفظه من ~~الحديث، معزوا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل. ~~وفاق الناس من معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوي الصحابة والتابعين، ~~بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده. وأتقن العربية ~~أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، ~~ورد عليهم، ونبه على خطئهم، وحذر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. ~~وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله ~~مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به ~~رجالا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد ms009 له ~~غالبا، وعلى طاعته، وأحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت ~~أولي الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، ~~وزلزل المؤمنون، واشرأب النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ~~ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أني ما رأيت ~~بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه (طبقات الحنابلة لابن رجب 389،390). # وقال الذهبي أيضا: PageV01P011 # وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، ~~وبالعالي والنازل، والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه، الذي انفرد به، فلا ~~يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج ~~الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، والمسند، بحيث يصدق ~~عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث (المصدر السابق). # وقال أيضا: # ولما كان معتقلا بالإسكندرية: التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب ~~له في ذلك نحوا من ستمائة سطر، منها سبعة أحاديث بأسانيدها، والكلام على ~~صحتها ومعانيها، وبحث وعمل ما إذا نظر فيه المحدث خضع له من صناعة الحديث. ~~وذكر أسانيده في عدة كتب. ونبه على العوالي. عمل ذلك كله من حفظه، من غير ~~أن يكون عنده ثبت أو من يراجعه. # ولقد كان عجيبا في معرفة علم الحديث. فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون ~~السنن والمسند: فما رأيت من يدانيه في ذلك أصلا. # قال: وأما التفسير فمسلم إليه. وله من استحضار الآيات من القرآن -وقت ~~إقامة الدليل بها على المسألة- قوة عجيبة. وإذا رآه المقرئ تحير فيه. ولفرط ~~إمامته في التفسير، وعظم اطلاعه. يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين. ويوهي ~~أقوالا عديدة. وينصر قولا واحدا، موافقا لما دل عليه القرآن والحديث. ويكتب ~~في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على ~~الفلاسفة والأوائل: نحوا من أربعة كراريس أو أزيد. # قلت: وقد كتب (الحموية) في قعدة واحدة. وهي أزيد من ذلك. وكتب في بعض ~~الأحيان في اليوم ما يبيض منه ms010 مجلد. أ.ه (المصدر السابق). # وقال الذهبي أيضا في بيان حملاته على المنحرفين: # وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفي بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة ~~العذر للخلق، ولا يكفر أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. PageV01P012 # قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات، ~~وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، ~~وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، ~~وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر ~~الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما ~~اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم ~~لحرمات الله. # فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه ~~عن قوس واحدة، فينجيه الله فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، والاستعانة ~~به، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية. وله من ~~الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار ~~والكبراء، وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه وقلمه. # (وله حدة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب. وهو أكبر من أن ينبه ~~مثلى على نعوته. وفيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبا، والله يغفر له. وله ~~إقدام وشهامة، وقد نفس توقعه في أمور صعبة، فيدفع الله عنه) أ.ه (المصدر ~~السابق). # وقال أيضا في وصف شجاعته: # وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتضبه أكابر الأبطال. ولقد ~~أقامه الله تعالى في نوبة قازان (ملك من ملوك التتار قابله ابن تيمية وأنكر ~~عليه وأمره بإطلاق أسرى المسلمين ففعل). والتقى أعباء الأمر بنفسه. وقام ~~وقعد وطلع، ودخل وخرج، واجتمع بالملك -يعني قازان- مرتين، وبقطلوشاه، ~~وبولاي. وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجراءته على المغول). # وأقول: إن هذه والله الترجمة ما نال أحد من العلماء فيما أعلم منها قط ~~ومن يستطيع أن يكتب الناس فيه كلاما صحيحا صادقا كالذي يكتبه هذا الإمام ~~المدقق الصادق رحمه ms011 الله. PageV01P013 # 2- شهادة تلميذه الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالهادي المتوفي سنة 744ه: # "قال الشيخ ابن عبدالهادي: ثم لم يبرح شيخنا في ازدياد من العلوم، ~~وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، حتى ~~انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم ~~والأناة والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، ~~والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له، وشدة التمسك ~~بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم، ~~والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير. # وكان رحمه الله سيفا مسلولا على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء ~~المبتدعين، وإماما قائما ببيان الحق ونصرة الدين. وكان بحرا لا تكدره ~~الدلاء، وحبرا يقتدي به الأخيار الأولياء. طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله ~~الأعصار. # قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج يوسف المزي (ولد سنة 654 بالمزة. وتوفي سنة ~~742): ما رأيت مثله. ولا رأى هو مثل نفسه، ولا رأيت أحدا أعلم بكتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أتبع لهما منه. # وقال الشيخ الحافظ أبو الفتوح محمد بن سيد الناس اليعمري الأندلسي، ثم ~~المصري (ولد سنة 671 وتوفي بالقاهرة سنة 734) -بعد أن ذكر ترجمة الحافظ ~~جمال الدين المزي- وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، تقي ~~الدين، أبي العباس: أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية- فألفيته: كاد ~~يستوعب السنن والآثار حفظا، إن تكلم في التفسير: فهو حامل رايته، أو أفتى ~~في الفقه: فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث: فهو صاحب علمه وروايته، أو ~~حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من رايته. برز في ~~كل فن على أبناء جنسه. ولم تر عين من رآه مثله. PageV01P014 # ولا رأت عينه مثل نفسه. كان يتكلم في التفسير، يحضر مجلسه الجم الغفير، ~~ويرتوون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، ~~إلى أن دب إليه من أهل ms012 بلده داء الحسد. وألب أهل النظر منهم ما ينتقد عليه ~~في حنبليته من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاما، أوسعوه بسببه ملاما، ~~وفوقوا لتبديعه سهاما، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فتنازعهم ~~ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى ~~طريقة، ويزعمون أنهم على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف عن عيوب تلك ~~الطوائف، وذكر لها بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستعانت ~~بذوي الضعن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره ~~فكره، فكتبوا محاضر. وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله ~~إلى حضرة المملكة بالديار المصرية، فنقل وأودع السجن ساعة حضوره، واعتقل، ~~وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوما من عمار الزوايا وسكان المدارس، ~~من كل متحامل في المنازعة، مخاتل بالمخادعة، ومن مجاهر بالتفكير مبارز ~~بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}. وليس ~~المجاهر بكفره أسوأ حالا من المخاتل، وقد دبت إليه عقارب مكره. فرد الله ~~كيد كل في نحره. فنجاه الله على يد من اصطفاه، والله غالب على أمره ثم لم ~~يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، ~~إلى أن فوض أمره إلى بعض القضاة، فقلد ما تقلد من اعتقاله. ولم يزل بمحبسه ~~ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله. وإلى الله ترجع الأمور. ~~وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومه مشهودا، ضاقت ~~بجنازته الطريق. وانتابها المسلمون من كل فج عميق، وكان موته رحمه الله في ~~ليلة العشرين من ذي القعدة سنة 728 سجينا بقلعة دمشق (العقود الدرية في ~~مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية). PageV01P015 # 3- شهادة قاضي الشافعية ومفتيهم ابن الزملكاني: # قال ابن كثير:- # وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخوبي، ~~وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري ~~وابن الزملكاني وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزملكاني (قال ابن كثير في وصف ms013 ابن ~~الزملكاني: شيخ الشافعية بالشام وغيرها، انتهت إليه رياسة المذهب تدريسا ~~وإفتاء ومناظرة، ويقال نسبه السماكي نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة والله ~~أعلم. البداية والنهاية ص140 ج14) أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على ~~وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم ~~والتدوين، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات: # ماذا يقول الواصفون له ومحاسنه جلت عن الحصر # هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر # هو آية في الخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر # وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطؤه ~~بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه أيضا مغفور له كما في صحيح ~~البخاري: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر] ~~فهو مأجور. وقال الإمام مالك بن أنس: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ~~هذا القبر". # 4- شهادة الحافظ جلال الدين السيوطي: # ابن تيمية الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسر ~~البارع شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد ~~المفتي شهاب الدين عبدالحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين ~~عبدالسلام ابن عبدالله بن أبي القاسم الحراني. # أحد الأعلام، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. # وسمع ابن أبي اليسر. وابن عبدالدائم، وعدة. PageV01P016 # وعني بالحديث، وخرج وانتقى، وبرع في الرجال، وعلل الحديث وفقههه وفي علوم ~~الإسلام وعلم الكلام، وغير ذلك. وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء ~~المعدودين، والزهاد، والأفراد، ألف وثلاثمائة مجلدة، وامتحن وأوذي مرارا. # مات في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (طبقات الحفاظ ~~ص516،517). # 5- شهادة أبو الحسن السبكي قاضي القضاة: # ومما وجد في كتاب كتبه العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ ~~أبي عبدالله الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين المذكور: أما قول سيدي في الشيخ ~~فالمملوك يتحقق كبر قدره. وزخارة بحره. وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية. ~~وفرط ذكائه واجتهاده. وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف. ~~والمملوك يقول ms014 ذلك دائما. وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل. مع ما جمعه الله ~~له من الزهادة والورع والديانة. ونصرة الحق. والقيام فيه لا لغرض سواه. ~~وجريه على سنن السلف. وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى. وغرابة مثله في هذا ~~الزمان. بل من أزمان. # 6- شهادة الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي رحمه الله: # قال ابن حجر العسقلاني المولود في القاهرة والمتوفي بها سنة 852ه وصاحب ~~كتاب فتح الباري شرح البخاري وكتاب التهذيب وهو الذي لقب بأمير المؤمنين في ~~الحديث. قال تقريظا لكتاب الرد الوافر للإمام ابن ناصر الدين الدمشقي وهو ~~الذي كتبه مؤلفه ردا على أن من زعم من متعصبي الأحناف أنه لا يجوز تسمية ~~ابن تيمية بشيخ الإسلام وأنه من فعل ذلك فقد كفر!! (انظر) فكتب ابن ناصر ~~الدين الدمشقي كتابا سماه الرد الوافر ذكر فيه أكثر من بضع وثمانين إماما ~~من أئمة المسلمين كلهم سمى ابن تيمية بشيخ الإسلام ونقل نقولهم من كتبهم ~~بذلك، ولما قرأ الحافظ بن حجر رحمه الله هذا الكتاب الرد الوافر كتب عليه ~~تقريظا هذا نصه: # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. PageV01P017 # وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لأجلها ~~جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما ~~عظمه بين العلماء وشرفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، ~~وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غدا ~~كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، أو تجنب الأنصاف، فما ~~أغلط من تعاطي ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور ~~أنفسنا وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله، ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا ~~الرجل إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه: أنه لم ~~يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي ~~الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدا شهدها مئات ألوف، ~~ولكن لو ms015 كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد أو أضعاف ذلك، لما تأخر ~~أحد منهم عن شهود جنازته، وأيضا فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا ~~يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة ذلك الوقت إذا ذاك في ~~غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية فكان أمير البلد حين مات غائبا. ~~وكان أكثر من بالبلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوسا بالقلعة، ~~ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف (عليه) إلا ~~ثلاثة أنفس، تأخروا خشية على أنفسهم من العامة. PageV01P018 # ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته لا ~~بجمع سلطان ولا غيره، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [أنتم ~~شهداء الله في الأرض] (رواه البخاري ومسلم). ولقد قام على الشيخ تقي الدين ~~جماعة من العلماء مرارا بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت ~~له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنه أفتى ~~بزندقته ولا حكم بسفك دمه مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى ~~حبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه وكثرة ورعه ~~وزهده، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصر الإسلام، والدعوة ~~إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر، بل ~~من أطلق على من سماه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسمية بذلك ما يقتضي ذلك ~~فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب، والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولها ~~بالتشهي ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادا، وهذه تصانيفه ~~طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ~~ويصيب، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر يستفاد منه ويترحم عليه بسببه، والذي ~~أخطأ فيه لا يقلد فيه، بل هو معذور لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات ~~الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر ms016 ~~إليه، وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ~~ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره، ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان ~~أعظم الناس قياما على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه ~~في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذ ~~سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفر من لا يكفره، فالواجب على من ~~تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ~~ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من PageV01P019 ~~ذلك ما ينكر فيحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك ~~كدأب غيره من العلماء، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه ~~الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي ~~انتفع بها الموافق والمخالف، لكن غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد ~~شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم، أئمة عصره من ~~الشافعية وغيرهم! فضلا عن الحنابلة، فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر، ~~أو على من سماه شيخ الإسلام، لا يلتفت إليه، ولا يعول في هذا المقام عليه، ~~بل يجب ردعه عن ذلك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # صفة خطه أدام الله بقاءه. # قال وكتبه أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي عفا الله عنه، وذلك في يوم ~~الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول عام خمسة وثلاثين وثمانمائة حامدا لله، ~~ومصليا على رسوله محمد وآله ومسلما. أ.ه (الرد الوافر للإمام ابن ناصر ~~الدين الدمشقي بتحقيق زهير الشاويش ص145-146). # الباب الثالث # ابن تيمية: العابد الورع # إن مجددا يقوم في مثل تلك الظلمات التي كانت في القرن الثامن الهجري لا ~~يمكن أن يفلح في دعوته بمجرد العلم حتى لو كان علما لا يصارع ولا يصاول ولا ~~يطاول.. بل لا بد وأن يكون مع هذا العلم إيمان ms017 وتقوى، واستمداد من الله ~~ورجوع دائم إليه، وقيام بحق العباد، وإخلاص في كل ذلك لله حتى يبارك هذا ~~العلم وتؤتي ثماره، وكذلك كان شيخنا شيخ الإسلام العابد الورع التقي وهذه ~~شهادة تلميذه الحافظ أبي عمر بن علي البزار رحمه الله. قال في بيان عبادته وورعه: PageV01P020 # قال أما تعبده رضي الله عنه فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته ~~وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما يراد له ~~من أهل ولا من مال. وكان في ليلة متفردا عن الناس كلهم، خاليا بربه عز وجل، ~~ضارعا، مواظبا على تلاوة القرآن العظيم. مكررا لأنواع التعبدات الليلية ~~والنهارية. وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنها ~~قبل إتيانه إليهم. وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه ~~بتكبيرة الإحرام. فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة. ~~وكان إذا قرأ يمد قراءته مدا كما صح في قراءة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وكان ركوعه وسجوده وانتصابه عنهما من أكمل ما ورد في صلاة الفرض. ~~وكان يخف جلوسه للتشهد الأول خفة شديدة، ويجهر بالتسمية الأولى حتى يسمع كل ~~من حضر. فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله عز وجل هو من حضر بما ورد من ~~قوله [اللهم أنت السلام.. الحديث]. ثم يقبل على الجماعة، ثم يأتي ~~بالتهليلات الواردات حينئذ. ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ثلاثا وثلاثين، ~~ويختم المائة بالتهليل. كما أورد، وكذا الجماعة، ثم يدعو الله تعالى له ~~ولهم وللمسلمين أجناس ما ورد. # وكان غالب دعائه (اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وأمكر لنا ولا تمكر ~~علينا، وأهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك ~~راغبين، لك مخبتين، إليك راهبين، لك مطاويع. ربنا تقبل توباتنا، وأغسل ~~حوباتنا، وثبت حججنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا) يفتتحه ويختمه ~~بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم يشرع في الذكر. وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ms018 ضرورة بعد صلاة ~~الفجر. فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من الروحانية، مع ~~كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء. هكذا دأبه حتى ترتفع ~~الشمس وتزول، وقت النهي عن الصلاة. PageV01P021 # وكنت مدة إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيرا من الليل. وكان يدنيني منه ~~حتى يجلسني إلى جانبه. وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ. فرأيته يقرأ ~~الفاتحة ويكررها، ويقطع ذلك الوقت كله، أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس في ~~تكرير تلاوتها. ففكرت في ذلك لم قد لزم هذه السورة دون غيرها. فبان لي، ~~والله أعلم، أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ بين ما ورد في الأحاديث ~~وما ذكره العلماء: هل يستحب تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو ~~العكس؟ فرأى رضي الله عنه أن في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعا بين القولين، ~~وتحصيلا للفضيلتين. وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته. ثم إنه كان يركع، فإذا ~~أراد سماع حديث في مكان آخر سارع إليه من فوره، مع من يصحبه. فقل أن يراه ~~أحد ممن له بصيرة إلا وانكب على يديه فيقبلهما، حتى إنه كان إذا رآه أرباب ~~المعايش يتخبطون من حوانيتهم للسلام عليه والتبرك به، وهو مع هذا يعطي كلا ~~منهم نصيبا وافرا من السلام وغيره، وإذا رأى منكرا في طريقه أزاله، أو سمع ~~بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر ~~صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه. ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال ~~تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر من الجماعة، ثم ~~كذلك بقية يومه. وكان مجلسه عاما للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر ~~والعبد، والذكر والأنثى. وقد وسع كل من يرد عليه من الناس. يرى كل منهم في ~~نفسه أن لم يكرم أحدا بقدره. ثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسره الله. ثم ~~أقرأ عليه من مؤلفاته أنا أو غيري، فيفدنا بالطرائف، ويمدنا باللطائف، حتى ~~يصلي العشاء ثم بعدها كما كنا وكان: ms019 من الإقبال على العلوم إلى أن يذهب هوي ~~من الليل طويل. وهو في خلال ذلك كله، في النهار والليل، لا يزال يذكر الله ~~تعالى ويوحده، ويستغفره. PageV01P022 # وكان رضي الله عنه كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء، لا يكاد يفتر عن ذلك، ~~كأنه يرى شيئا يثبته بنظره. فكان هذا دأبه مدة إقامتي بحضرته. فسبحان الله ~~ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت. ما مر على عمري إلى الآن زمان كان ~~أحب إلي من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالا مني حينئذ، وما كان إلا ~~ببركة الشيخ رضي الله عنه. # وكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصا الذي بالمارستان وأخبرني غير واحد ~~ممن لا يشك في عدالته أن جميع زمن الشيخ ينقضي على من رأيته. فأي عبادة ~~واجتهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء. # ورعه رضي الله عنه: # وكان رضي الله عنه في الغاية التي ينتهي إليها في الورع. لأن الله تعالى ~~أجراه مدة عمره كلها عليه. فإنه ما خلط الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة، ~~ولا تجارة، ولا مشاركة، ولا زراعة، ولا عمارة. ولا كان ناظرا مباشرا لما ~~وقف، ولا يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا ~~كان مدخرا دينارا ولا درهما ولا متاعا ولا طعاما ، وإنما كانت بضاعته مدة ~~حياته، وميراثه بعد وفاته، رضي الله عنه، العلم اقتداء بسيد المرسلين وخاتم ~~النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، فإنه قال: [إن ~~العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن ~~أخذ به فقد أخذ بحظ وافر]. PageV01P023 # وكان ينبه العاقل بحسن الملاطفة ورقيق المخاطبة ليختار لنفسه طريقتهم، ~~ويسلك سبيلهم. وإن كان دونها من الطرائق من اتخاذ المباحات جائز، لكان ~~العاقل يدله عقله على طلب الأعلى. فانظر بعين الإنصاف إلى ما وفق الله له ~~هذا الإمام وأجرى، مما أقعد عنه غيره وخذله عن طلبه، ولكن لكل شيء سبب، ~~وعلامة عدم التوفيق سلب للأسباب. ms020 ومن أعظم الأسباب لترك فضول الدنيا التخلي ~~عن غير الضروري منها، فلما وفق الله هذا الإمام لرفض غير الضروري منها ~~انصبت عليه العواطف الإلهية فحصل بها كل فضيلة جليلة، بخلاف غيره من علماء ~~الدنيا، مختاريها وطالبيها والساعين لتحصيلها، فإنهم لما اختاروا ملاذها ~~وزينتها ورياستها انسدت عليهم غالبا طرق الرشاد فوقعوا في شركها يخبطون خبط ~~عشواء، ويحطبونها كحاطب ليل، لا يبالون ما يأكلون ولا ما يلبسون ولا ما ~~يتأولون إلا ما يحصل لهم أغراضهم الدنيئة ومقاصدهم الخبيثة الخسيسة، فهم ~~متعاضدون على طلبها متحاسدون بسببها، أجسامهم ميتة، وقلوبهم من غيرها ~~فارغة، وظواهرهم مزخرفة معمورة، وقلوبهم خربة مأبورة. ولم يكفهم ما هم عليه ~~حتى أصبحوا قالين رافضها، معادين باغضها. ولما رأوا هذا الإمام عالم ~~الآخرة، تاركا هم عليه من تحصيل الحطام من المشتبه الحرام، رافضا الفضل ~~المباح فضلا عن الحرام، تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم وتوضح خفي انفعالهم، ~~وأخذتهم الغيرة النفسانية على صفاتهم الشيطانية، المباينة لصفاته ~~الروحانية. فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوا، وأنسوا أنهم ثعالب وهو أسد. ~~فحماه الله تعالى منهم بحراسته، وصنع له غير مرة ما صنع لخاصته، وحفظه مدة ~~حياته وحماه، ونشر له عند وفاته علما في الأقطار بما والاه. انتهى (الأعلام ~~العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية 37-43). # الباب الرابع # ابن تيمية: العالم المبتلى والإمام الممتحن PageV01P024 ~~وكان لا بد لإمام للناس، وقدوة للعالمين في زمانه أن يمتحن ويبلى.. ألا ~~تنظر إلى قوله تعالى {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك ~~للناس إماما} الآية. # فهل كان إماما للناس بعد أن ابتلاه الله بأن يقول الحق لا يخاف في الله ~~لومة لائم ويحطم الأصنام ويجادل قومه والنمرود في باطلهم، ويطرد من بلده ~~ويهاجر ويؤمر بذبح ابنه.. باختصار لا إمامة إلا بعد بلاء.. # وهذا ما كان من شأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فكان والبلاء صاحبين ~~لا يفترقان، وكيف لا وهو القائم بأمر الله الداعي إلى سبيل الله، المجاهد ~~أهل الشر جميعا على اختلاف طوائفهم في ذات ms021 الله. متفرغا فلا زوجة ولا ولد ~~ولا ضيعة ولا تجارة، بل ولا وطن ولا إقامة بل رحيل دائم في الله، ولذلك كان ~~بلاؤه على قدر منزلته من العلم والعمل وإلا بماذا كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: [أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل ~~على قدر دينه فإن كان في دينه شدة زيد له في البلاء] (متفق عليه). # وتفاصيل البلاء التي تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية شيء طويل جدا. فما ~~كان رضي الله عنه ينتهي من محنة إلا ليدخل في أخرى ولا يخرج من سجن إلا ~~ليوضع في آخر حتى مات مسجونا آخر عمره، ولا ينتهي من قتال مع طائفة باغية ~~إلا ويدخل قتالا آخر.. وقد جمع الإمام ابن رجب الحنبلي خلاصة للفتن التي ~~تعرض لها ابن تيمية فيقول: # الابتلاءات التي ابتلي بها الشيخ رضي الله عنه: # قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله المتوفي سنة 795ه # وأما محن الشيخ: فكثيرة، وشرحها يطول جدا. # وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلا، بسبب قيامه على نصراني سب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقي، ثم ~~أطلقهما مكرمين. PageV01P025 # ولما وصف المسألة (الحموية) في الصفات: شنع بها جماعة، ونودي عليها في ~~الأسواق على قصبة، وأن لا يستفتي من جهة بعض القضاة الحنفية. ثم انتصر ~~للشيخ بعض الولاة، ولم يكن في البلد حينئذ نائب وضرب المنادي وبعض من معه، ~~وسكن الأمر. # ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان؟ فجمع نائبه ~~القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسأله عن ذلك؟ فبعث الشيخ من أحضر من ~~داره (العقيدة الواسطية) فقرأوها في ثلاث مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع ~~الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ~~ومنهم من قاله كرها. # وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين ~~لنا أنه على عقيدة السلف. # ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا ms022 يمكن البحث معه، ~~ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادة، وكان القائمون في ذلك ~~منهم: بيبرس الجاشنكير، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنجي وابن مخلوف قاضي ~~المالكية، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له ثاني يوم وصوله -وهو ~~ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة- مجلس بالقلعة، وادعى عليه عند ابن ~~مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على ~~العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية (قلت هذا الذي اتهموه به هو ~~عين عقيدة السلف التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم وقد أشار الرسول ~~إلى الله وأنه في السماء غير مرة). PageV01P026 # وقال المدعي: أطلب تعزيره على ذلك، التعزير البليغ -يشير إلى القتل على ~~مذهب مالك- فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: ~~أسرع ما جئت لتخطب، فقال أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: ~~أجب، فقد حمدت الله تعالى: فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو ~~الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، ~~كيف تحكم في؟ وغضب، ومراده: إني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم ~~أحد الخصمين على الآخر فيها؟ فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: ~~رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس، ويقال: إن أخاه الشيخ شرف الدين ~~ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم ~~هب لهم نورا يهتدون به إلى الحق. # ثم حبسوا في برج أياما، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب ~~سلطاني إلى الشام بالحط على الشيخ، والزم الناس -خصوصا أهل مذهبه- بالرجوع ~~عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودي بذلك في الجامع والأسواق. ثم قرئ ~~الكتاب بسدة الجامع بعد الجمعة، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس ~~بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع. وكان قاضيهم الحراني قليل العلم. # ثم في سلخ رمضان سنة ست: أحضر سلار -نائب السلطان بمصر- القضاة والفقهاء، ~~وتكلم في إخراج الشيخ، فاتفقوا على أنه ms023 يشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن ~~بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره، وليتكلموا معه في ذلك، فلم يجب إلى ~~الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات، وصمم على عدم الحضور، فطال ~~عليهم المجلس، فانصرفوا من غير شيء. PageV01P027 # ثم في آخر هذه السنة وصل كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق من الشيخ، فأخبر بذلك ~~جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه: وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه. وذكر ~~ما هو عليه في السجن: من التوجه إلى الله تعالى، وأنه لا يقبل شيئا من ~~الكسوة السلطانية، ولا من الأدرار السلطاني، ولا تدنس بشيء من ذلك. # ثم في ربيع الأول من سنة سبع وسبعمائة دخل مهنا بن عيسى أمير العرب إلى ~~مصر، وحضر بنفسه إلى السجن، وأخرج الشيخ منه، بعد أن استأذن في ذلك، وعقد ~~للشيخ مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلت على خير. # وذكر الذهبي والبزالي وغيرهما: أن الشيخ كتب لهم بخطه مجملا من القول ~~وألفاظا فيها بعض ما فيها، لما خاف وهدد بالقتل، ثم أطلق وامتنع من المجيء ~~إلى دمشق. وأقام بالقاهرة يقرئ العلم، ويتكلم في الجوامع والمجالس العامة، ~~ويجتمع عليه خلق. # ثم في شوال من السنة المذكورة: اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية، وشكوا من ~~الشيخ إلى الحاكم الشافعي، وعقد له مجلس لكلامه في ابن عربي وغيره، وادعى ~~عليه ابن عطاء (هو ابن عطاء الله السكندري الصوفي صاحب الحكم). بأشياء، ولم ~~يثبت منها شيئا، لكنه اعترف أنه قال: لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال: ليس في هذا شيء. # ورأى الحاكم ابن جماعة: أن هذا إساءة أدب، وعنفه على ذلك، فحضرت رسالة ~~إلى القاضي: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ~~ما يقال لمثله. PageV01P028 # ثم إن الدولة خيروه بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق، أو بالإسكندرية، بشروط، ~~أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه في السفر إلى دمشق، ملتزما ما ~~شرط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه ms024 في الغد، وحضر عند القاضي ~~بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. فقال ~~القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه ~~بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، ~~فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس، وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال ~~الزواوي المذكور: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا ~~بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي ~~تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ~~ذلك بإشارة نصر المنبجي. # واستمر الشيخ في الحبس يستفتي ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوى ~~المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. # وكان أصحابه يدخلون عليه أولا سرا، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، ~~فأخرجوه في سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، ~~وحبس فيها في برج حسن مضيء متسع، يدخل عليه من شاء، ويمنع هو من شاء، ويخرج ~~إلى الحمام إذا شاء. وكان قد أخرج وحده، وأرجف الأعداد بقتله وتفريقه غير ~~مرة، فضاقت بذلك صدور محبيه بالشام وغيره، وكثر الدعاء له. وبقي في ~~الإسكندرية مدة سلطنة المظفر. PageV01P029 # فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن، وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر ~~المنبجي، واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر، وعزل بعضهم: ~~بادر بإحضار الشيخ إلى القاهرة مكرما في شوال سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه ~~السلطان إكراما زائدا، وقام إليه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين ~~والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يساره ~~ويستشيره سويعة، وأثنى عليه بحضورهم ثناء كثيرا، وأصلح بينه وبينهم. ويقال: ~~إنه شاوره في أمرهم به في حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأن ابن ~~مخلوف كان يقول: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، سعينا في دمه. فلما قدر علينا ~~عفا عنا. # واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن الشيخ بالقاهرة، والناس ~~يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذر إليه ms025 ~~ويتنصل مما وقع. # قال الذهبي: وفي شعبان سنة إحدى عشرة: وصل النبأ: أن الفقيه البكري -أحد ~~المبغضين للشيخ- استفرد بالشيخ بمصر، ووثب عليه، ونتش بأطواقه، وقال: احضر ~~معي إلى الشرع، فلي عليك دعوى، فلما تكاثر الناس انملص، فطلب من جهة ~~الدولة، فهرب واختفى. # وذكره غيره: أنه ثار بسبب ذلك فتنة، وأراد جماعة الانتصار من البكري فلم ~~يمكنهم الشيخ من ذلك. # واتفق بعد مدة: أن البكري هم السلطان بقتله، ثم رسم بقطع لسانه (أي أمر ~~بقطع لسانه فانظر كيف رد الله كيد البكري في نحره)، لكثرة فضوله وجراءته، ~~ثم شفع فيه، فنفى إلى الصعيد، ومنع من الفتوى بالكلام في العلم. وكان الشيخ ~~في هذه المدة يقرئ العلم، ويجلس الناس في مجالس عامة. # قدم إلى الشام هو وإخوانه سنة اثنتي عشرة بنية الجهاد، لما قدم السلطان ~~لكشف التتر عن الشام، فخرج مع الجيش، وفارقهم من عسقلان، وزار البيت ~~المقدس. PageV01P030 # ثم دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، ~~وخرج خلق كثير لتلقيه، وسر الناس بمقدمه، واستمر على ما كان عليه أولا، من ~~اقراء العلم، وتدريسه بمدرسة السكرية، والحنبلية، وإفتاء الناس ونفعهم. # ثم في سنة ثمان عشرة: ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى في مسألة ~~الحلف بالطلاق بالتكفير (أي من حلف بالطلاق لا يلزمه وإنما يكفر كفارة ~~يمين)، وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك، ونودي به في البلد. # ثم في سنة تسع عشرة عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ كتاب السلطان ~~بمنعه من على تأكيد المنع. # ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة. ثم حبس لأجل ~~ذلك مرة أخرى. ومنع بسببه من الفتيا مطلقا، فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: ~~لا يسعني كتم العلم (وقد عاد الناس اليوم بحمد الله إلى فتوى ابن تيمية هذه ~~التي سجن فيها وأوذي مرارا). # وفي آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور ~~الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك التنقص بالأنبياء، وذلك ms026 كفر، وأفتى ~~بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسا، رأسهم القاضي الإخناني ~~المالكي وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرا، وبها ~~مات رحمه الله تعالى. # وقد بين رحمه الله: أن ما حكم عليه به باطل بإجماع المسلمين من وجوه ~~كثيرة جدا، وأفتى جماعة بأنه يخطئ في ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ~~ووافقه جماعة من علماء بغداد، وغيرهم. وكذلك ابنا أبي الوليد شيخ المالكية ~~بدمشق أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلا، وأنه نقل خلاف ~~العلماء في المسألة، ورجح أحد القولين فيها. # وبقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ~~ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة. PageV01P031 # وقال: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن ~~أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر ~~أوقاتي في غير معاني القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ~~ولا وقلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر. # قال شيخنا أبو عبدالله ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس ~~الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة ~~الآخرة. قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، ~~أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة. وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. # وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي ~~شكر هذه النعمة -أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير- ونحو هذا. # وكان يقول في سجوده، وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ~~ما شاء الله. # وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه ولما دخل ~~إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: {فضرب بينهم بسور له باب، ~~باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله ms027 العذاب} (الحديد:13) . # قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ~~الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، ~~وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا ~~الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ~~ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. ~~فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، ~~فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها. ~~أ.ه.(الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص396 إلى 403 نشر دار المعرفة). # ابن تيمية والعفو عند المقدرة: PageV01P032 # وقد يظن ظان أن ابن تيمية وقد ابتلي بهذه الابتلاءات جميعا فكر يوما ما أن ~~ينال من مسلم آذاه أو وشى به حاشا وكلا لقد كان دائما ذا نفس أبية لم ينتقم ~~يوما لنفسه مع قدرته ممن آذاه وألب عليه. # *حدث ابن عبدالهادي عن شيخ الإسلام أن سلطان مصر الناصر ابن قلاوون ~~استقدم الشيخ عنده ورحب به ثم أخرج له من جيبه فتاوي لبعض علماء مصر الذين ~~أفتوا بقتل ابن تيمية، واستفتى السلطان ابن تيمية في أن يقتل بعضهم ممن ~~زوروا على ابن تيمية وافتوا في قتله. قال الشيخ ابن تيمية "ففهمت مقصود ~~السلطان ابن قلاوون وعلمت أن عنده حنقا شديدا عليهم لأنهم كانوا قد خلعوه ~~وبايعوا ركن الدين بيبرس الجاشنكير يقول ابن تيمية فشرعت في مدح هؤلاء ~~العلماء وشكرهم، وأنهم لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، وأما أنا فهم في حل ~~من حقي ومن جهتي". # قال ابن تيمية فكان القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ~~ذلك: ما رأينا أنقى من ابن تيمية لم نبق ممكنا في السعي لقتله إلا وفعلناه، ~~ولما قدر هو علينا عفى عنا. أ.ه. (العقود الدرية لابن عبدالهادي ص281-283). # الباب الخامس # ابن تيمية وشهادات العلماء المعاصرين # كتب علماء معاصرون كثيرون لا أستطيع أن أحصيهم في ms028 هذه الرسالة الموجزة ~~السريعة وكلهم أطبقوا كما ذكرت في أول الرسالة أن العالم في القرن الثامن ~~كان ينتظر خروج هذا الرجل لحاجة الأمة إلى تجديد الدين، وإزالة الركام الذي ~~ألقاه الظالمون والمنتحلون.. وكان هذا الذي ذكره العلماء المحدثون هو أيضا ~~ما أطبق عليه العلماء الذين عاصروا ابن تيمية وعايشوه. ولكن المعاصرين الآن ~~من أهل الدين والفهم وممن له اشتغال بالدعوة والجهاد والعلم يرون أنه ما ~~أشبه اليوم بالبارحة، وأنه ما أحوج العالم اليوم إلى ابن تيمية ليجدد لهذه ~~الأمة شبابها، ويعلي للتوحيد مناره، وللإسلام الحق ركنه وفخاره. PageV01P033 # وأقول الحمد لله نحن اليوم نعيش عصر ابن تيمية فرجال الدعوة المخلصون، ~~وشباب الأمة العاملون ملهمهم وإمامهم وقدوتهم هو ابن تيمية، ومرجعهم هو ~~كتبه ومؤلفاته، وأقواله ونظرياته. # وإن التجديد الحادث اليوم لدين الأمة هو بفضل الله أولا ثم بفضل الذين ~~تتلمذوا على كتب هذا الإمام الجليل، وتضلعوا من علمه الغزير وغاصوا في بحره ~~الواسع وهآنذا أذكر طائفة من شهادات بعض العلماء المعاصرين. # *حاجة الأمة إلى ابن تيمية: # 1- شهادة الشيخ أبي الحسن الندوي: # كتب الشيخ أبو الحسن الندوي كتابا مطولا عن ابن تيمية يقع في نحو ~~ثلاثمائة وخمسين صفحة وكان منه هذه المقدمة الرائعة التي يصف فيها حاجة ~~المسلمين في القرن الثامن إلى ظهور هذا الإمام الذي كان لا بد من ظهوره ~~لإعادة استثارة العالم من جديد بعد أن غطاه الظلام. # كتب حفظه الله يقول: # ظهر علم الكلام لمقاومة الفلسفة ونصرة الدين، وكان ذلك أمرا لازما، غير ~~أنه تأثر بالفلسفة وتسربت إليه روحها حتى تكونت (فلسفة دينية) تنتهج نفس ~~المنهج، وتبحث نفس الموضوع وتتبع نفس الأسلوب للبحث والإستدلال، وتعيد نفس ~~الخطأ في اعتبار ذات الله وصفاته وقضايا ما وراء العقل أمورا عقلية يمكن ~~إثباتها عن طريق العقل، وكذلك تسيطر عليه روح عدم الاقتناع بما جاء ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من شرح وتعبير في هذا الموضوع واستخدم ~~مصطلحات يونانية تقوم على علم محدود ناقص وتثير شبهات، الأمر الذي دعا إلى ~~تعقد القضايا وتوسعها بل أن ms029 تنحل أو تختصر، ووجدت (فلسفة إلهية) وكتب ضخمة ~~في شرح العقائد إزاء أسلوب مقنع مؤثر كان جديرا بشحن النفوس بالإيمان ~~والإذعان، وإقناع العقول في كل زمان، وكان مؤسسا على نصوص الكتاب والسنة. PageV01P034 # وكانت هذه الفلسفة الإلهية الجديدة قد تأثرت بالفكر اليوناني رغم أنها ظهرت ~~ضد الفلسفة اليونانية، فكانت روح الكتاب والسنة تحتج دائما على هذا الموضوع ~~ووجدت طبقة وجيهة للأمة الإسلامية معارضة لهذه التفاصيل الفلسفية والتآويل ~~الكلامية، غير أن الحاجة إلى عالم كبير نافذ البصيرة، واسع العلم، قوي ~~الإيمان كانت أكيدة لشرح الكتاب والسنة والتعبير القوي المؤثر عنهما، ذلك ~~الذي يعتقد أجزم الاعتقاد أن في نصوص الكتاب والسنة حول ذات الله وصفاته ~~وفي تعبيراتها عنها غنى وكفاية تامة، ذلك العالم الذي يتوصل بذكائه ودراسته ~~إلى أعماق الفلسفة ويطلع على خباياها وكوامنها، ويتمكن من تناول أقوال ~~فلاسفة اليونان ومذاهبهم الفكرية بالنقد العلمي، بما عنده من علم بموضع ~~ضعفها الأساسية، ذلك الذي قد تعمق بتفكيره فوصل إلى أغوار علم الكلام واطلع ~~على الخلافات الدقيقة بين الأديان والفرق الإسلامية ولا يخفى عليه شيء من ~~تاريخ علم الكلام ونموه، ذلك الرجل الذي يكون على جانب عظيم من الثقة ~~والاعتزاز بنصوص الكتاب والسنة ومذهب السلف بفضل دراسته وتجاربه، يفيض عزما ~~وحماسا بنصرته وشرحه، ويعيش على حسك السعدان لكي يثبت رجحان مذهب السلف ~~وفضله من الناحية العقلية على غيره من الفلسفات والنظم العقلية، كما يكون ~~متمتعا بجميع تلك الوسائل والمؤهلات التي يتطلبها هذا العمل العظيم ومتميزا ~~في ذكائه وقوة بيانه واستدلاله وسعة نظره وعمق دراسته عن غيره، يكون فوق ~~مستوى عصره وكفوا للقيام بهذه الخدمة بمعنى الكلمة. # في مواجهة المسيحية، ونقدها العلمي: PageV01P035 # هذا وقد كان الإسلام هدفا للهجمات الداخلية والخارجية بجانب آخر، وكان ~~المسيحيون قد تحمسوا لإثبات أن المسيحية هي الدين الحق، وتوجيه الايرادات ~~إلى الإسلام، أن الهجوم الصليبي المتتابع ووجود عدد وجيه من مسيحيي الغرب ~~في الشام وقبرص شجعهم على مواجهة المسلمين في المجال العلمي وعلى تأليف كتب ~~تثبت فضل دينهم وأخرى ترفض نبوة محمد ms030 صلى الله عليه وسلم. # وللرد على كل ذلك كانت الحاجة ملحة إلى عالم كبير ومتكلم، له دراسة عميقة ~~في المسيحية والديانات الأخرى وله اطلاع واسع على الصحف السماوية وما ~~واجهته من تغيير وتحريف ويستطيع أن يحسن المقارنة بين الديانات ويثبت فضل ~~الإسلام وخلوده في أسلوب علمي مؤثر قوي، ويتمكن من دعوة أتباع الديانات ~~الأخرى إلى الإسلام بحكمة وقوة. # فضح المذاهب المنحرفة والحركات الهدامة: PageV01P036 # وقد كان أشد وأكثر خطورة من هذه الهجمات حملة شنها فرقة دخيلة عل الإسلام ~~وهي الفرقة الباطنية التي كانت ديانتها وتعاليمها مجموعة عجيبة للعقائد ~~المجوسية والأفكار الأفلاطونية والأغراض السياسية، وقد كانت هذه الفرقة ~~وفروعها المختلفة من الاسماعيلية والحشاشية والدروزية والنصيرية تتعاون مع ~~القوى العدوانية والمهاجمين الأجانب على الإسلام، وهي التي مهدت الطريق ~~ودبرت المؤامرات للهجوم على الأقطار الإسلامية وساعدت الصليبيين في شن ~~هجومهم على الشام وذلك ما جعل الصليبيين عند استيلائهم على الشام أن قربوا ~~رجال الفرقة الباطنية وجعلوهم موضع ثقتهم ونجواهم وأحسنوا إليهم، اعترافا ~~بمساعداتهم المخلصة، وقد ظل هؤلاء الباطنيون مشتغلين بتبييت المؤامرات ~~وتدبير الثورات في عهدي صلاح الدين ونور الدين فلما قصد وحوش التتر أرض ~~الشام بهجماتهم العنيفة ساعدهم الباطنيون علنا وجهارا، وأصابوا المسلمين ~~بضرر بالغ، وذلك عدا ما كانوا يقومون به بصفة دائمة من نشر اضطراب فكري ~~وتشاؤم بالدين وإلحاد وزيغ وثورة على الدين وكانوا (كالطابور الخامس) في ~~حصن المسلمين الديني. # كل ذلك كان يحتم على المسلمين أن يقتلعوا جذور هذه الفرقة من الناحيتين ~~العلمية والعملية، ويكشفوا القناع عن معتقداتها وأغراضها ليطلع المسلمون ~~على نواياها ويعاقبوها معاقبة شديدة على أعمالها العدائية ومحاربتها ~~للإسلام ولم يكن يقوم بهذه المهمة إلا من له اطلاع تام على حقيقة هذه ~~الفرقة وأسرارها وتاريخها، وله معرفة بجميع فروعها ومعتقداتها وأفكارها مع ~~قدرته البالغة على تناولها بالرد والنقد، مضافا إلى ذلك حماسه الزائد ~~للإسلام ودافعه القوي للجهاد مع أعداء الإسلام. # محاربة العقائد، والأعمال الشركية، والدعوة إلى الدين الخالص: PageV01P037 # هذا وكانت الجماهير المسلمة فريسة العقائد الباطلة وأعمال الشرك بضغط عوامل ~~عديدة ms031 منها اختلاطهم بغير المسلمين، وتأثير العجم، وتهاون العلماء، وقد ~~أصبح الدين الخالص والتوحد النقي وراء حجاب وحجاب، ونشأ الغلو والإفراط في ~~الاعتقاد في الأولياء والصالحين شأن اليهود والنصارى، حتى بدأت عقيدة ~~التوسط والتقرب بالأولياء ترسخ، وينطبق عليهم ما حكاه القرآن من قول مشركي ~~العرب الأولين {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وتنتشر هذه الفكرة ~~الجاهلية في أوساط المسلمين وأصبح كثير من العلماء لا يرون بأسا في ~~الاستغاثة بغير الله والاستعانة به، واتخذت قبور الأنبياء والصالحين مساجد ~~وتحقق الخطر الذي كان قد أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم وشدد النهي عنه، ~~ولم يكن المسلمون يشعرون بأي غضاضة في التخلق بأخلاق الذميين والكافرين ~~واتخاذ شعائرهم وخصائصهم والحضور في أعيادهم الدينية ومهرجاناتهم واصطناع ~~تقاليدهم وعاداتهم. PageV01P038 # فكانت الحاجة ماسة إلى عالم مجاهد يتصدى لمحاربة هذه الجاهلية المشتركة ~~والدعوة إلى التوحيد الخالص بكل قوة وإيضاح ويكون عارفا بالفرق بين التوحيد ~~والشرك معرفة دقيقة، ولا تخفى عليه الجاهلية مهما تقنعت وتنكرت أو ظهرت في ~~مظاهر، ويكون قد حصل على حقيقة التوحيد مباشرة من الكتاب والسنة وحياة ~~الصحابة الكرام رضي الله عنهم لا من كتب المتأخرين وتعامل المسلمين ~~الجهلاء، وتقاليد الزمان وعادات الناس، ولا يبالي في الجهر بالعقيدة ~~الصحيحة بمعارضة الحكومات وعداوة الناس ومخالفة العلماء ولا يخاف في ذلك ~~لومة لائم، ويكون ذا نظر دقيق وعلم واسع بالكتاب والسنة ومصادر الدين ~~الأولى الموثوق بها، وبأحوال القرون الأولى، وذا اطلاع كامل على تاريخ ~~اليهود والنصارى وقصة انحرافهم ومسخهم وتحريفهم، وعلى عقلية الأمم الجاهلية ~~ونفسيتهم، ويعيش في تأمل وقلق لكي يعيد المسلمين إلى تعاليم القرآن وعقيدة ~~الصدر الأول ويراهم منتهجين طريق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ~~وأتباعهم. # محاربة الانحرافات والمغالطات في الطوائف الدينية وتنقية الدين من ~~الشوائب: PageV01P039 # وقد تسرب إلى متصوفين -لأسباب تاريخية وعلمية عديدة- تأثير الفلسفة ~~الاشراقية التي جاءت من يونان والهند، وامتزجت بالعقائد الإسلامية وأفكارها ~~امتزاجا لا يتسنى لكل واحد فصلها عنها، إن اشراقية الأفلاطونية الجديدة أو ~~تنسك الهنود، وعقيدة الحلول والاتحاد، ومذهب وحدة الوجود، وتقسيم ms032 الظاهر ~~والباطن، وفتنة الرموز والأسرار، والعلم الدفين، وسقوط التكاليف الشرعية عن ~~(الكاملين) و(الواصلين) واستثناؤهم عن الأحكام الشرعية كل ذلك كانت معتقدات ~~وأفكارا نالت إعجاب طبقة كبيرة من المتصوفين، وبالرغم من إنكار أصحاب ~~التحقيق والرسوخ في العلم من هذه الطائفة في كل زمان لهذه المعتقدات ~~الفاسدة كانت طبقة من المتصوفين تلح عليها، حتى تسفل بعض فروع التصوف ~~وسلاسله إلى حد الشعوذة والتهويل، ولا سيما بعض فروع السلسلة الرفاعية التي ~~انحرفت في العهد الأخير (للأسف أن بعض المعاصرين من الرفاعية ما زالوا ~~يفتخرون بمثل هذه الأعمال الشيطانية)، عن أصلها وتعاليم مؤسسها الكبير وآثر ~~كثير من رجالها الذين لم ترسخ قدمهم في العلوم الشرعية والعقائد الإسلامية ~~الأعمال البهلوانية، زاعمين أنها تؤثر في عقول المغول والتتار وترغبهم في ~~الإسلام، وكان لذلك ضرر عظيم على سلامة العقيدة ومكانة الشريعة، وقد ~~استفحلت هذه الفتنة في القرنين السابع والثامن، ووقع العامة وكثير من ~~الخاصة فريسة هذه المغالطات. # ولقمع هذا الخطر الناجم أيضا والحفاظ على الشريعة كانت الحاجة شديدة إلى ~~مؤمن قوي، ومصلح جريء يتناول هذه الطوائف المنحرفة بالنقد اللاذع ويكشف ~~القناع عن وجه أخطائها ومغالطاتها بكل حرية وجراءة، معرضا عن صولتها ~~وقوتها، وغير مبال بعدد أتباعها ونفوذهم. # تجديد الفكر الإسلامي: PageV01P040 # وكانت الحلقات العلمية والتدريسية مصابة بجمود شديد، فكل طائفة تعتبر ~~الخروج عن دائرتها الفقهية قيد شعرة جريمة لا تغتفر، وكان مألوفا لدى كل ~~طائفة أن ترى إلى الكتاب والسنة بمنظار مذهبها الفقهي، وتحاول تطبيق الكتاب ~~والسنة في الخلافات الفقهية على آرائها في كل حال فضلا عن تحكيمها فيها، ~~وكان باب الترجيح والاختيارات الفقهية مغلقا عمليا، وكانت مشكلات حديثة ~~وقضايا جديدة قد حدثت مع تغير الزمان والأحوال، الأمر الذي كان يحتاج إلى ~~إرشاد المسلمين فيها والبحث عن حلولها إلى رجل يجمع بين سعة النظر في ذخائر ~~الفقه الإسلامي، والتعمق في الكتاب والسنة والاطلاع على تعامل القرون ~~الأولى، والعلم العميق الدقيق بأصول الفقه، وقد كان يتضايق مجال العلم ~~والنظر والدراسة على مر الزمان وتضمحل القوى الفكرية، ولم يكن عالم ms033 من ~~علماء الإسلام يتجرأ على استنباط الأحكام الجديدة وكان الفقه الإسلامي قد ~~فقد جدارة النمو والتقدم، ويعتبر من المستحيل أن يزداد إلى ثروة الفقه ~~القديمة أي زيادة. PageV01P041 # فكان إصلاح هذا الوضع كذلك يحتاج إلى محدث فقيه وأصولي ضليع يكون قد استعرض ~~ذخائر المكتبة الإسلامية بأسرها ويستحضر الكتاب والسنة بحيث يحير الناس، ~~ويعرف الحديث وأنواعه وطبقاته ومجموعاته معرفة دقيقة تضطر الناس إلى ~~الاعتراف بمكانته في صناعة الحديث، حتى يقولوا: (إن الحديث الذي لا يعرفه ~~هذا الرجل ليس حديثا) (من الأقوال التي قالها كبار علماء العصر في شيخ ~~الإسلام ابن تيمية كما سيأتي، قلت قاله تلميذه الذهبي) ويكون مستحضرا ~~لخلافات الفقهاء ومراجعهم ودلائلهم في كل حين، كما يكون له اطلاع تام على ~~المذاهب الفقهية الأخرى وفروعها أكثر من أصحاب الاختصاص فيها والمنقطعين ~~إليها من أهل المذهب، ولا يتعدى حدود السلف مع قوة استنباطه وتحقيقه، عارفا ~~بمكانة الأئمة المجتهدين وفضلهم وحقهم ومتطفلا على موائد علمهم ودينهم، ~~ويكون ذا قدم راسخة في علوم اللغة وباع طويل فيها حتى تأهل لذلك للنقد ~~والصيرفة في مجالها، يجمع إلى ذلك علو الكعب ودقة النظر في النحو حتى يأخذ ~~على أئمة النحو الكبار أخطاءهم الفنية، ويجدد بقوة عارضته عهد المحدثين ~~الأولين، يعتبر ذكاؤه آية من آيات الله وعلمه دليلا على فضل الله، ويبرهن ~~بشخصيته على خصوبة تربة الأمة الإسلامية وغضارة دوحة الإسلام، ونضارة ~~العلوم الإسلامية ونموها وازدهارها، ويكون تصديقا لما جاء في حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قولته الخالدة. [مثل أمتي مثل المطر، لا يدري أوله ~~خير أم آخره] (رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه). # جامع بين العلم والعمل، والسيف والقلم: PageV01P042 # ويكون مع ذلك من فرسان العمل والكفاح، ويجمع بين القلم والسيف، جريئا على ~~الملوك في الصدع بالحق، لا يحجم عن قيادة الجيش الإسلامي أمام أضرى عدد ~~ومثل الوحوش التتر، ويعرفه كل من حلق الدرس، وزوايا المكتبات، وخلوات ~~المساجد، ومجالس المناظرة، ومعتقلات السجون، وساحات الحرب كفارس عظيم ورجل ~~ذي شكيمة، مبجلا في كل ms034 عين ومعترفا بإمامته في كل طبقة. # كان القرن الثامن بحاجة إلى مثل هذا الرجل الكامل الذي يسع نشاطه كل مجال ~~من مجالات الحياة من غير أن تنزوي جهوده وأعماله في زاوية واحدة أوتتركز ~~على جانب واحد، كان ذلك الرجل هو شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية الذي ملأ ~~العالم الإسلامي بنشاط وحياة تحركات علمية وعملية لا تزال آثارها خالدة ~~باقية على مر القرون والأجيال. # 2-شهادة الشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله: # وكتب الشيخ محمد أبي زهرة ترجمة مستفيضة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وفي ~~مقدمتها يبين الباعث له على هذه الترجمة فيقول: # أ- الفقيه الذي اتصل بالحياة وتعلق قلبه بالكتاب والسنة: # برز إلى الخاطر إمام شغل عصره بفكره ورأيه ومسلكه، فدوى صوته بآرائه في ~~مجتمعه، فتقبلتها عقول واستساغتها، وضاقت عنها أخرى وردتها، وانبرى ~~لمنازلته المخالفون، وشد أزره الموافقون، وهو في الجمعين يصول ويجول، ~~ويجادل ويناضل، والعامة من وراء الفريقين قد سيطر عليهم الإعجاب بشخصه ~~وبيانه، وقوة جنانه وحدة لسانه، واعترتهم الدهشة لما يجيء به من آراء يجدد ~~بها أمر هذه الأمة، ويعيد إليها دينها غضا قشيبا كما ابتدأ. PageV01P043 # ذلكم الإمام الجريء هو تقي الدين بن تيمية صاحب المواقف المشهودة، والرسائل ~~المنضودة، اتجهت لدراسته مستعينا بالله سبحانه، لأن دراسته دراسة لجيل، ~~وتعرف لقبس من النور أضاء في دياجير الظلام، ولأن آراءه في الفقه والعقائد ~~تعتنقها الآن طائفة من الأمة الإسلامية تأخذ بالشريعة في كل أحكامها ~~وقوانينها، ولأننا نحن المصريين في قوانين الزواج والوصية والوقف قد نهلنا ~~من آرائه، فكثير مما اشتمل عليه القانون رقم 25 لسنة 1929 مأخوذ من آرائه، ~~مقتبس من اختياراته، وشروط الواقفين والوصايا اقتبست أحكامها في قانوني ~~الوقف والوصية من أقواله. # ثم إن دراسة ذلك الإمام الجليل تعطينا صورة للفقيه قد اتصل بالحياة، ~~وتعلق قلبه وعقله وفكره بالكتاب والسنة والهدي النبوي، والسلف الصالح رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين، فهو يأتي بفكر سلفي آخذ بأحكام القرآن الكريم، ~~والسنة النبوية، يعالج به مشاكل الحياة الواقعة بالقسطاس المستقيم، بل يلقي ~~في حقل الحياة العاملة ms035 الكادحة المتوثبة بالبذرة الصالحة التي استنبطها من ~~الكتاب والسنة فتنبت الزرع، وتخرج الثمر، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. # وإنا وقد اتجهنا إلى دراسة ذلك العالم الكاتب الخطيب المجاهد الذي حمل ~~السيف والسنان، كما حمل القلم والبيان، سنجتهد في دراسة حياته، ومجاوبتها ~~لروح عصره، وتأثيرها فيه، ثم ندرس آراءه كعالم من علماء الكلام وآراءه ~~كفقيه، واجتهاده والأصول التي تقيد بها، ومقدار الصلة التي تربطه بالفقه ~~الحنبلي. # وإن نستعين بالله، ونسأله التوفيق، فإنه لولا توفيقه ما تيسر لنا أمر، ~~ولا وصلنا إلى غاية، إنه نعم المولى ونعم النصير. أ.ه (ابن تيمية لأبي زهرة ص3،4). # ب- لماذا درس ابن تيمية الفلسفة؟ # ويشيد أبو زهرة بردود ابن تيمية على الفلاسفة، ويبين لماذا درس الفلسفة ~~ويعقد فصلا يقارن فيه بين دراسة ابن تيمية للفلسفة ودراسة الغزالي لها فيقول: PageV01P044 # درس ابن تيمية الفلسفة وعرفها، ولكنه درسها ليهدمها، وهو قد رآها داء قد ~~أصاب فكر المسلمين، فجعل منهم المتكلمين والمتفلسفين، وأنها سرت إلى العقل ~~الإسلامي فسيطرت على مساربه، ويروي أنه قبل أن يخوض في بيان العقيدة ~~الإسلامية وموافقتها لصريح المعقول لا بد من إبعاد العناصر الفلسفية التي ~~هي أخيلة وأوهام، كما يبعد عن الجسم الإنساني الأخلاط الضارة لتتم سلامته، ~~فيقول في ذلك: # "لما كان بيان مراد الرسول في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض ~~العقلي، وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد ~~القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله. وعن فهم مراد الرسول ~~وتصديقه فيما أخبر به، إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ينفع ~~إذا قدر أن المعارض العقلي ناقضه، بل يصير ذلك قدحا في الرسول، وقدحا فيمن ~~استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي تكون به أخلاط فاسدة تمنع ~~انتفاعه بالغذاء، فلا ينفعه مع وجود هذه الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، ~~فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات أو ~~بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء وأمره ونهيه، أو امتناع المعاد ms036 أو غير ذلك ~~لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة، إلا مع بيان فساد ذلك ~~المعارض، وفساد المعارض قد يعلم جملة وتفصيلا" (موافقة صريح المعقول لصحيح ~~المنقول المطبوع على هامش منهاج السنة ص9 ج1). # الفرق بينه وبين الغزالي: # درس إذن ابن تيمية الفلسفة وما عند الفلاسفة، لا ليطلب الحقائق من ~~ورائها، بل ليبين بطلان ما يعارض الدين منها، فهو آمن بما جاء به الرسول ~~أولا، ثم أراد أن ينفي عنه خبث الفلسفة، فدرس ذلك الخبث ليعرف حقيقته ثم ~~ليبين بطلانه بعد معرفته. PageV01P045 # وهو في هذا يفترق عن منهاج الغزالي رضي الله عنه، فهو قد درس الفلسفة ليطلب ~~الحقيقة من ورائها، وخلص نفسه من كل شيء ليصل إلى الحق المستقيم، واعتبر ~~الشك هو الطريق للوصول إلى الحق، ولكن تبين له بطلان ما يقوله الفلاسفة، ~~فعاد إلى الدين، وأشرق في نفسه نور الحقائق في خلوات صوفية عرف فيها نفسه، ~~ثم حمل حملته على الفلاسفة وبين تهافتهم. # ومع ذلك هل تجرد منها؟ إنه بقيت في نفسه أثارة منها، بل إنه لم يتركها ~~إلا وقد تكون عقله تكونا فلسفيا، وأخذ أحد شعب الفلسفة وجعله جزءا من ~~دراساته، وهو المنطق، فهو في مقدمة كتاب المستصفي في عالم الأصول، والذي ~~يعد أحد دعائم علم أصول الفقه الثلاثة (الكتب الثلاثة هي: المعتمد لأبي ~~الحسين البصري، والبرهان لإمام الحرمين، والمستصفي للغزالي) يقرر أن ~~الحقائق لا يمكن أن تعرف في أي علم من العلوم على وجهها إلا إذا كان المنطق ~~ميزانها، ويقول في مقدمة كتاب المستصفي التي شرح بها علم المنطق إجمالا ما نصه: # "نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان، ونذكر ~~شرط الحد الحقيقي، وشرط البرهان الحقيقي، وأقسامها على منهاج أو جزء مما ~~ذكرناه في كتاب محك النظر، وكتاب معيار العلم، وليست هذه المقدمة من جملة ~~علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا ~~يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا" (مقدمة المستصفي ص10 الجزء الأول). # وهذا إيمان بشعبة ms037 من شعب الفلسفة عميق، فإن علم المنطق فرع من فروعها، بل ~~لعله أعظم تراث تركه أرسطو من بعده. PageV01P046 # هذا هو الفرق بين المقصد عند هذين العالمين من دراسة الفلسفة، وقد تأدى ~~بالأول إلى نقضها، وتأدى بالثاني إلى اعتناق بعضها، لذا قال بعض تلاميذ ~~الغزالي: إنه دخل في بطن الفلسفة، ولما أراد الخروج منها لم يستطيع. فكانت ~~منه تلك المناهج الفلسفية التي سلكها في دراسة العقائد، ودراسة أصول الفقه، ~~بل كان منه تلك الحيرة التي بدت في آرائه في الفلسفة والفلاسفة، فبينما ~~تراه يحمل على الفلاسفة، ويبين تهافتهم، تراه يقبض قبضة من علومهم ويجعلها ~~وحدها ميزان العلوم، ولذا قال ابن تيمية فيه: # "كان أبو حامد ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة، وتكفيره لهم، ~~وتعظيم النبوة وغير ذلك، ومع ما يوجد فيه من أشياء صحيحة حسنة، بل عظيمة ~~القدر نافعة يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت توافق أصول ~~الفلاسفة المخالفة للنبوة، بل المخالفة لصريح العقل، حتى تكلم فيه جماعات ~~من علماء خراسان والعراق والمغرب" (شرح العقيدة الأصفهانية ص115). # ويقول فيه أيضا: # "وأبو حامد لا يوافق المتفلسفة على كل ما يقولون، بل يكفرهم ويضللهم في ~~موضع، وإن كان في الكتب المضافة إليه ما قد يوافق بعض أصولهم، بل في الكتب ~~التي يقال إنها مضنونة بها على غير أهلها ما هو في الفلسفة مضنونة مخالفة ~~لدين المسلمين واليهود والنصارى، وإن كان قد عبر عنها بعبارات إسلامية، لكن ~~هذه الكتب في الناس من يقول إنها مكذوبة على أبي حامد، ومنهم من يقول: بل ~~رجع عنها، ولا ريب أنه صرح في بعض المواضع ببعض ما قاله في هذه الكتب، ~~وأخبر في المنقذ من الضلال، وغيره في كتبه بما في هذه من الضلال" (الكتاب ~~المذكور ص49). # ثم بين أن الغزالي كان ينقل كتب الفلسفة، وأقوال الفلاسفة، وينقل عن أبي ~~عبدالله المازري الفقيه المتكلم فيقول: PageV01P047 # "قال (ابن المازري) ووجدت هذا الغزالي يعول على ابن سينا في أكثر ما يشير ~~إليه في علوم الفلسفة، حتى ms038 إنه في بعض الأحايين ينقل نص كلامه من غير ~~تغيير، وأحيانا يغيره، وينقله إلى الشرعيات أكثر مما نقل ابن سينا، لكونه ~~أعلم بأسرار الشرع منه، فعلى ابن سينا ومؤلف رسائل إخوان الصفا عول الغزالي ~~في علم الفلسفة" (الكتاب المذكور ص117). # نقده للفلاسفة: # من هذا يتبين كيف غمر الغزالي نفسه في الفلسفة ولم يستطيع الخروج منها، ~~لأنه طلبها ليعرف الحقيقة من ورائها فكانت نيته في الطلب سببا في أن أحاط ~~به غمارها، وكان يعيش في أقطارها، فالتقى العلم الشرعي بالعقل الفلسفي، ~~ففلسف الشريعة، أو ألبس الفلسفة لبوس الشرع من حيث يشعر أو لا يشعر. # أما ابن تيمية فقد طلبها ليهدمها، فكان يقرؤها ويفهمها، وهو في غير ~~محيطها، ولم ينغمر في غمارها، وشدد النكير على الغزالي في منهاجه، وأخذ ~~يتبع هفواته ويتقصى هناته. # ولقد كان يرى أن علم الشرع من النبوة وحدها، سواء في ذلك أصول العقيدة، ~~وفروع الفقه والأحكام العلمية، لأن النبوة جاءت بكل ذلك، فما جاءت به ~~النبوة مصدر العلم به وطريق معرفته، ولا طريق سواه، ويرى أن أولئك الذين ~~يضعون مقدمات عقلية تسبق الدراسة الشرعية، ويجعلون ما جاء في القرآن يسير ~~على منهاجها، فيؤولون صريحة ليوافقها، إنما يجعلون علم العقل فوق علم ~~النبوة، ويقول في ذلك: # "يقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم، وأن النظر يوجب العلم ~~وأنه واجب، ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط ~~فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل في الدين استدلوا ~~بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وهو دليل مبتدع في الشرع" (معارج الوصول ~~ص4 من مجموعة رسائل لابن تيمية طبعة الخانجي). PageV01P048 # ينقد ابن تيمية هؤلاء، لأنهم يقدمون عند دراستهم لما جاءت به النبوة تلك ~~الدراسة العقلية عليها، ثم يحكمون على الأوصاف التي جاءت في القرآن ~~بقوانينها، ويوجهونها بتوجيهها، فما يوافقها أقروه كما ورد، وما لم يوافقها ~~وجهوه على اتجاهها، وأولوه بتأويلها، ثم هم في هذا السبيل لم يلتفتوا إلى ~~السنة، ولم يعلموا أنها شارحة الكتاب، ms039 مبينة لكل ما جاء فيه، وأنها الطريق ~~الوحيد لتفسيره. # نقد ابن تيمية هذا المسلك، لأنه يجعل الحاكم محكوما، فيجعل النبوة التي ~~هي حاكمة هادية للعقول محكومة بها خاضعة. # 3- شهادة الشيخ أبو بكر الجزائري -رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية-: # الشيخ الداعية: # "تصدى ابن تيمية لمحاربة الفساد المستشري في أمة الإسلام والمتمثل في ~~الحكام والعباد من المتصوفة والمبتدعة والخرافيين، فقاومه بالحجة والبرهان ~~وانبرى لمقاومته الحكام بالوعيد والتهديد، والسجن والحرمان، وتصدى له ~~العلماء، بالإنكار والتشنيع والوشايات لدى الحكام وتصدى له المتصوفة ~~والمبتدعة بالكيد والمكر والدس والخداع والكذب والتضليل. PageV01P049 # ووقف الشيخ وحده في الميدان ليس له من ولي ولا نصير إلا ربه تعالى وكفى ~~بالله وليا ونصيرا، وكان ما أجمع عليه أعداؤه فيه ثلاث مسائل ادعوا أنه ~~خالف فيها الاجماع وهي طلاق الثلاث، والوسيلة، وشد الرحال إلى غير المساجد ~~الثلاثة. هذه أبرز ما اجتمع عليه أعداء الشيخ فحاربوه عليها حربا ضروسا بلا ~~رحمة ولا شفقة، فما تركوا وسيلة للنيل من الشيخ إلا استعملوها، فكذبوا ~~عليه، وزوروا وافتروا، وقالوا ما لم يقله عدو في عدوه والشيخ صابر محتسب ~~يقرع الحجة بالحجة، ويبين زيف الدعاوي، وافتراء المفترين، كل ذلك بأسلوب ~~نزيه، وكلام طيب، وقول حسن فلا يغلظ في قول، ولا يجفو في عبارة، ولا يحاول ~~انتقاص أحد، أو النيل من كرامته إن كان من ذوي الكرامات. الأمر الذي يعد ~~فيه ابن تيمية فريدا وحيدا أشبه رجل بنبي في دنيا الرجال" (مجلة الجامعة ~~الإسلامية ص169). # 4- شهادة الشيخ محمد سليمان العبدة المدرس بالجامعة الإسلامية: # "إن هذا العالم -وبتقديري الخاص- لم يقدر التقدير الكافي أو يفهم الفهم ~~المطلوب حتى الآن، رغم ما بذل من جهود مشكورة في نشر كتبه أو الحديث عنه. # إن علم ابن تيمية من خلال كتبه كان المصدر الرئيسي لأكثر الحركات ~~الإسلامية المعاصرة، وكما يقول مالك بن نبي: "إن تراث ابن تيمية يكون ~~الترسانة الفكرية التي لا زالت تمد الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية ~~إلى اليوم". # وإن ما نعانيه اليوم ليس نقصا في الكتب بل نقصا في الرجال ms040 وابن تيمية هو ~~من الرجال القلائل الذين ظهرت فيهم سيرة السلف بجمعهم بين العلم والجهاد، ~~ومن اليوم الذي انفصل فيه هذا الشعور عند المسلمين تأخروا وأصبح العلماء ~~بعيدين عن الحياة وعن القيادة والريادة" أ.ه (من مجلة الجامعة الإسلامية ص277). # الباب السادس # ابن تيمية: ألوان من جهاده PageV01P050 ~~قدمنا أن ابن تيمية جاهد في كل ميدان تقريبا بالقلم والكلمة والسيف، ولا ~~نستطيع أن نأتي في هذا المختصر على شيء كثير من جهاده وإنما نذكر هنا لونا ~~فريدا من ألوان جهاده وهو جهاده بالرسائل إلى تلاميذه وإلى بعض الأمراء ~~والحكام.. ولا نستطيع أيضا أن نذكر هنا كل مخاطباته ورسائله في هذا الصدد ~~وإنما نذكر ألوانا من ذلك فقط. # جهاده للنصيريين # وفضحه لعقائد الباطنيين # *رسالة الشيخ ابن تيمية إلى السلطان محمد بن قلاوون يبين فيها مشروعية ~~حربه للباطنيين من النصيرية وأضرابهم ممن كانوا بجبال سوريا ولبنان. # خاض الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية حروبا كثيرة بعضها في مقابل التتر ~~المتسترين بالإسلام وبعضها ضد النصيرية والباطنية الكفرة المعادين لأهل ~~الإسلام والموالين لأعدائه من التتر والصليبيين، وبعد واقعة جبل كسروان ~~(بلبنان) سنة 704ه التي هزم فيها هؤلاء المارقون كتب ابن تيمية كتابا إلى ~~السلطان المذكور يذكر فيها ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على الإسلام ~~وأهله. في هذه الغزوة كتب ابن تيمية يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم # من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته ~~الدين، وأعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج ~~المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، ~~وأحيى به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذل به أهل الكفر والفسوق ~~والعصيان. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فانا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، ~~وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. PageV01P051 # أما بعد. فقد صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم ms041 الأحزاب وحده. ~~وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعما لم تعهد في القرون ~~الخالية. وجدد الإسلام في أيامه تجديدا بانت فضيلته على الدول الماضية. ~~وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه ~~عن تجديد الدين في رؤوس المئين والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم ~~العظيمة في الدنيا والدين، ويتمها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين. # وذلك: أن السلطان -أتم الله نعمته- حصل للأمة بيمن ولايته وحسن نيته، ~~وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته، وشجاعته، وثمرة ~~تعظيمه للدين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته، ما هو شبيه بما كان ~~يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين: من ~~جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان: # أهل الفجور والطغيان، وذوو الغي والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، ~~طلبا للعلو في الأرض والفساد، وتركا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم ~~التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسك بالشهادتين، أو ببعض ~~سياسة الإسلام. # والصنف الثاني: أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن ~~السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة. مثل هؤلاء الذين غزوا بأمر ~~السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإن ما من الله به من الفتح ~~والنصر على هؤلاء الطغام، هو من عزائم الأمور التي أنعم الله بها على ~~السلطان وأهل الإسلام. PageV01P052 # وذلك: أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين فإن ~~اعتقادهم: أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر، وبيعة الرضوان وجمهور ~~المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماؤهم أهل ~~المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، ~~وعوام المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود ~~والنصارى. لأنهم مرتدون عندهم والمرتد شر من الكافر الأصلي. ولهذا السبب ~~يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان. # ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد، وفعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصى من ~~الفساد، وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصليب، ~~وحملوا إلى قبرص من خيل ms042 المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصى عدده إلا ~~الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح ~~على أهل قبرص، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل ~~أهل جزين (مدينة معروفة بالبقاع بلبنان). وما حواليها. وجبل عامل ونواحيه. # ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم (أي في ~~النصيرية وأهل الجبل المارقين) من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما ~~نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم السلطان (هو السلطان الناصر بن ~~قلاوون سلطان مصر والشام)، كان بينهم شبيه بالعزاء. # كل هذا، وأعظم منه، عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج ~~جنكسخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى ~~حلب، وفي نهب الصالحية، وفي غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله. PageV01P053 # لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد، ومن استحل الفقاع ~~(شراب يصنع من الشعير وسمي كذلك لما يعلوه من الزبد-لسان العرب) فهو كافر. ~~ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر. ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر. ومن ~~أحب أبا بكر أو عمر، أو عثمان، أو ترضي عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو ~~عندهم كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر. # وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السرداب ~~بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كل شيء. وهو حجة الله على أهل ~~الأرض. فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له، ولم يكن هذا ~~في الوجود قط. # وعندهم من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلم ~~بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر ومن آمن ~~بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الله يقلب ~~قلوب عباده، وأن الله خالق كل شيء، فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن ~~بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر ms043 بها في كتابه وعلى لسان رسوله، فهو ~~عندهم كافر. # هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم. مثل بني العود. فإنهم شيوخ أهل هذا ~~الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين. ويفتونهم بهذه الأمور. # وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره. وفيها هذا ~~وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم لكنهم مع هذا ~~يظهرون التقية والنفاق. ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا ~~كان عادة هؤلاء الجبلية. فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق، ~~ويبذلونه من البرطيل (الرشاوي) لمن يقصدهم. # والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله. ~~ولهذا كثر فسادهم. فقتلوا من النفوس، وأخذوا من الأموال، ما لا يعلمه إلا الله. PageV01P054 # ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يضبط شره، كل ليلة ~~تنزل عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ~~كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل ~~الجنايات، ويرد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح ~~المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين. فإما أن يقتلوه أو يسلبوه. ~~وقليل منهم من يفلت منهم بالحيلة. # فأعان الله ويسر، بحسن نية السلطان وهمته، في إقامة شرائع الإسلام، ~~وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن ~~كشفت أحوالهم، وأزيحت عللهم، وأزيلت شبههم، وبذل لهم من العدل والإنصاف ما ~~لم يكونوا يطمعون به، وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه في قتال الحرورية (الحرورية: هم الخوارج الذين خرجوا ~~على علي بن أبي طالب وسموا كذلك لأن أول خروجهم كان ببلدة تسمى حروراء). # المارقين، الذين تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم ونعت ~~حالهم، من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن ~~أبي طالب، وأبي سعيد الخدري. وسهل بن حنيف، وأبي ذر الغفاري. ورافع بن ~~عمرو، وغيرهم ms044 من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # قال فيهم: [يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع ~~قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. لو يعلم الذين يقاتلونهم ~~ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل. يقتلون أهل ~~الإسلام. ويدعون أهل الأوثان. يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، شر ~~قتلى تحت أديم السماء. خير قتلى من قتلوه]. PageV01P055 # وأول ما خرج هؤلاء، زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وكان لهم من ~~الصلاة، والصيام، والقراءة، والعبادة، والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة. ~~لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة ~~المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه عبدالله بن خباب (هو عبدالله بن ~~خباب بن الأرت -بفتح الخاء وتشديد الباء وفتح الهمز والراء المهملة وتشديد ~~التاء-. له رؤية ولأبيه صحبة. قال في أسد الغابة: كان طائفة من الخوارج ~~أقبلوا من البصرة إلى إخوانهم من أهل الكوفة، فلقوا عبدالله بن خباب ومعه ~~امرأته. فقالوا له: من أنت؟ قال أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فأثنى خيرا عليهم، ~~فذبحوه، فسال دمه في الماء، وقتلوا المرأة وهي حامل ملم منه، فقالت: أنا ~~امرأة، ألا تتقون الله؟ فبقروا بطنها، وذلك سنة سبع وثلاثين، وكان من سادات ~~المسلمين) وأغاروا على دواب للمسلمين. # وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياما. ولم نجد في جبلهم مصحفا ولا فيهم ~~قارئا للقرآن. وانما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة. ~~وأباحوا بها دماء المسلمين. وهم مع هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من ~~الأموال مالا يحصى عدده إلا الله تعالى. # فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، ~~مع أنه قتلهم جميعهم، وأن هؤلاء أحق بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة ~~المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم ms045 الجمل: "أنه لا يقتل مدبرهم ~~ولا يجهز على جريحهم، ولا يغم لهم مالا ولا يسبى لهم ذرية" لأن مثل أولئك ~~لهم تأويل سائغ. وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ. ومثل أولئك إنما يكونون خارجين ~~عن طاعة الإمام. وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنته. وهم شر من التتار من وجوه متعددة. لكن التتر أكثر وأقوى. فلذلك يظهر ~~كثرة شرهم. PageV01P056 # وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان وهولاكو، ~~وغيرهما. فإنهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم. وأرضهم ~~لبيت المال. # وقد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم في الفيء. لأن الله إنما ~~جعل الفيء للمهاجرين والأنصار {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم} فمن لم يكن قلبه سليما لهم، ولسانه مستغفرا لهم، لم يكن من هؤلاء. # وقطعت أشجارهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني النضير قطع ~~أصحابه نخلهم وحرقوه. فقال اليهود: هذا فساد. وأنت يا محمد تنهى عن الفساد. ~~فأنزل الله {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين}. # وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر، عند الحاجة إليه، ~~فليس ذلك بأولى من قتل النفوس وما أمكن غير ذلك. # فإن القوم لم يحضروا كلهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام ~~في الجبل إلا حين قطعت الأشجار. وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم. ~~وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم. لأن التركمان إنما قصدهم الرعي، وقد صار لهم ~~مرعى، وسائر الفلاحين لا يتركوا عمارة أرضهم ويجيئون إليه. # فالحمد لله الذي يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، ~~وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم. PageV01P057 # وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ~~من ديارهم لأول الحشر. ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ms046 أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم ~~الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} (الحشر:2-5). # وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز، ~~واليمن والعراق ما يرفع الله بن درجات السلطان، ويعز به أهل الإيمان. # ثم يستطرد الشيخ ناصحا للسلطان بوجوب إقامة أحكام الإسلام فيقول: # تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد، وإقامة ~~الشريعة في البلاد. فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة ~~من يقتدون، بهم وينتصرون لهم. وفي قلوبهم غل عظيم. وإبطان معاداة شديدة، لا ~~يؤمنون معها على ما يمكنهم. ولو أنه مباطنة العدو. فإذا أمسك رؤوسهم الذين ~~يضلونهم -مثل نبي العود- زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله. # ويتقدم إلى قراهم. وهي قرى متعددة بأعمال دمشق، وصفد، وطرابلس، وحماة، ~~وحمص، وحلب بأن يقام فيهم شرائع الإسلام، والجمعة، والجماعة، وقراءة ~~القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون، كسائر قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث ~~النبوية. وتنشر فيهم المعالم الإسلامية، ويعاقب من عرف منهم بالبدعة ~~والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام. # فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جبال. وهؤلاء كانوا ~~يعلموننا ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين. ومن قتل منكم ~~فهو شهيد. PageV01P058 # وفي هؤلاء كثير لا يقرون بصلاة، ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار. من جنس ~~الاسماعيلية، والنصيرية والحاكمية، والباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود ~~والنصارى بإجماع المسلمين. # فتقدم المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، ~~وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في قرى هؤلاء من ~~أعظم المصالح الإسلامية. وأبلغ الجهاد في سبيل الله. # وذلك سبب ms047 لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، ~~وطاعة أولي الأمر من المسلمين. # وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. # فإن ما فعلوه بالمسلمين في أرض (سيس) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله ~~المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة عظيمة. ونصرة للإسلام جسيمة. # قال ابن عباس "ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو". # ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الإيمان، وللعدو من ~~الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويذل به الكفار والمنافقين. # والله هو المسئول أن يتم نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده ~~المؤمنين عامة. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ص182-194) انتهى. # رسائل للشيخ من داخل السجن # *رسالة من الشيخ إلى تلاميذه وإخوانه يرسلها من داخل سجنه، وقد كتبها ~~بالفحم بعد مصادرة أوراقه وكتبه ومنعه من الكتابة: قال ابن عبدالهادي: # وقد رأيت أوراقا عدة بعثها إلى أصحابه، وبعضها مكتوب بفحم، منها ورقة ~~يقول فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P059 ~~سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحن لله الحمد والشكر في نعم متزايدة، ~~متوافرة، وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام. ~~و{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا} فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله، الذي بعث به رسله، ~~وأنزل كتبه. # ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه، فيحق الحق ~~بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. # والذي سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~وحده، بل مخالفة لدين جميع المرسلين: إبراهيم، وموسى والمسيح، ومحمد خاتم ~~النبيين صلى الله عليهم أجمعين (وذلك في مسألة شد الرحال وتشييد القبور ~~ودعائها من دون الله). # وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب ms048 ولا كتاب، ~~وجزعوا من ظهور الاخنائية، فاستعملهم الله تعالى. حتى أظهروا أضعاف ذلك ~~وأعظم، وألزمهم بتفتيشه ومطالعته، ومقصودهم إظهار عيوبه، وما يحتجون به، ~~فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم، وظهر لهم جهلهم، وكذبهم وعجزهم، وشاع ~~هذا في الأرض، وأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يمكنهم أن يظهروا ~~علينا فيه عيبا في الشرع والدين، بل غاية ما عندهم: أنه خولف مرسوم بعض ~~المخلوقين، والمخلوق كائنا من كان، إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله، لم ~~يجب، بل ولا يجوز طاعته، في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين. PageV01P060 # وقول القائل: إنه يظهر البدع، كلام يظهر فساده لكل مستبصر ويعلم أن الأمر ~~بالعكس، فإن الذي يظهر البدعة، إما أن يكون لعدم علمه بسنة الرسول، أو ~~لكونه له غرض وهوى يخالف ذلك، وهو أولى الجهل بسنة الرسول، واتباع هواهم ~~بغير هدى من الله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}، ممن هو أعلم ~~بسنة الرسول منهم، وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها (ثم جعلناك على شريعة ~~من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من ~~الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين). # وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم. ولتعلمن نبأه بعد حين. # ثم ذكر الشيخ في الورقة كلاما، لا يمكن قراءة جميعه، لانطماسه وقال بعده: # وكانوا يطلبون تمام الاخنائية (رسالة ألفها في الرد على الاخنائي المالكي ~~في مسألة الزيارة)، فعندهم ما يطمهم أضعافها، وأقوى فقها منها، وأشد مخالفة ~~لأغراضهم. فإن الزملكانية قد بين فيها من نحو خمسين وجها: أن ما حكم به ~~ورسم به، مخالف لإجماع المسلمين وما فعلوه -لو كان ممن يعرف ما جاء به ~~الرسول، ويتعمد مخالفته- لكان كفرا وردة عن الإسلام، لكنهم جهال دخلوا في ~~شيء ما كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادهم ~~والأمر أعظم مما ظهر لكم، ونحن ولله الحمد، على عظيم الجهاد في سبيله. # ثم ذكر كلاما وقال: # بل جهادنا في ms049 هذا مثل جهادنا يوم قازان (عندما تصدى لقازان ملك التتر ~~وناقشه ورده عن بلاد المسلمين)، والجبلية (الجبلية هم النصيرية وأشكالهم ~~الذين حاربهم الشيخ)، والجهمية، والإتحادية (اتباع ابن عربي ومن على ~~شاكلته)، وأمثال ذلك.. من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون. # *وكتب من داخل السجن رسالة أخرى يقول فيها: PageV01P061 # نحن ولله الحمد والشكر، في نعم عظيمة، تتزايد كل يوم، ويجدد الله تعالى من ~~نعمه نعما أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النعم فإني كنت حريصا على خروج ~~شيء منها، لتقفوا عليه، وهم كرهوا خروج الاخنائية، فاستعملهم الله تعالى في ~~إخراج الجميع، وإلزام المنازعين بالوقوف عليه. وبهذا يظهر ما أرسل الله به ~~رسوله من الهدى ودين الحق. # فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس. فإذا ظهرت فمن كان قصده الحق ~~هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة الله، واستحق أن يذله الله ~~ويخزيه. # وما كتبت شيئا من هذا ليكتم عن أحد، ولو كان مبغضا، والأوراق التي فيها ~~جواباتكم غسلت وأنا طيب وعيناي طيبتان أطيب ما كانتا، ونحن في نعم عظيمة لا ~~تحصى ولا تعد، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. # ثم ذكر كلاما. وقال: # كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة والحكمة {إن ربي لطيف لما يشاء ~~إنه هو القوي العزيز}، العليم الحكيم، ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه ~~ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك فالعبد عليه أن ~~يشكر الله ويحمده دائما على كل حال، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجب المزيد ~~من النعم، والإستغفار يدفع النقم، ولا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا ~~له [إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له]. أ.ه (العقود ~~الدرية ص364-367). # *رسالة من داخل السجن أيضا من الشيخ إلى بعض أقاربه في دمشق: # تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة، ومنن جسيمة، وآلاء متكاثرة، وأياد ~~متظاهرة. لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال، ولا تدور لهم ms050 في خيال. والحمد لله ~~كثيرا طيبا مباركا فيه. كما يحب ربنا ويرضى. إلى أن قال: # والحق دائما في انتصار وعلو وازدياد، والباطل في انخفاض وسفال ونفاد. وقد ~~أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل، وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ~~ما يطول وصفه. PageV01P062 # ونحن -ولله الحمد- قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام ~~والسنة، وانقماع الباطل والبدعة، وقد دخلوا في ذلك كله، وامتنعنا، حتى يظهر ~~ذلك إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم، حتى يصير ~~المشروط معمولا، والمذكور مفعولا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة ~~والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم. وقد أمد الله من الأسباب ~~التي فيها عز الإسلام والسنة، وقمع الكفر والبدعة، بأمور يطول وصفها في ~~كتاب. وكذلك جرى من الأسباب التي هي عز الإسلام وقمع اليهود والنصارى، بعد ~~أن كانوا قد استطاعوا وحصلت لهم شوكة، وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل ~~كبير من الناس، فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله. وجرى ~~في ذلك مما فيه عز المسلمين، وتأليف قلوبهم، وقيامهم على اليهود والنصارى ~~وذل المشركين وأهل الكتاب، مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين. # ووصف هذا يطول. # وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس، وهي كراريس بخطي، ~~قطع النصف البلدي، فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى. وتستعينون على ذلك ~~بالشيخ جمال الدين المزي فإنه يقلب الكتب ويخرج المطلوب. وترسلون أيضا من ~~تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين، إن أمكن الجميع، وهو ~~أحد عشر مجلدا، وإلا فمن أوله مجلدا، أو مجلدين، أو ثلاثة (الكواكب الدرية ص384). # الباب السابع # ابن تيمية: اختياراته واجتهاداته PageV01P063 ~~لم يكن ابن تيمية معصوما، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بل كان عالما مجتهدا له صوابه وخطؤه، رد على أناس كثيرين ورد عليه أيضا ~~أناس كثيرون، وقد قال الإمام مالك بن أنس (ما منا إلا ورد ورد عليه إلا ms051 ~~صاحب هذا القبر) وهذه جملة الأمور التي تفرد بها مخالفا غيره من أئمة الفقه ~~ومتبعا فيها أيضا من سلف من الصحابة والتابعين فليس له بحمد الله قول لا ~~سلف له فيه هكذا كان دينه وديدنه لا يقول قولا لا سلف له فيه. وقد آتاه ~~الله من العلم ما يستطيع به أن يرجح ما يراه راجحا، ويبطل ما يراه باطلا، ~~ولا أقول إن كل ما رجحه صواب، وكل ما أبطله باطل وهذه هي جملة اختياراته ~~كما نقلها تلميذه ابن عبدالهادي: قال: # ومن اختياراته التي خالفهم فيها، أو خالف المشهور من أقوالهم: القول بقصر ~~الصلاة في كل ما يسمى سفرا، طويلا كان أو قصيرا. كما هو مذهب الظاهرية. ~~وقول بعض الصحابة. # والقول بأن البكر لا تستبرأ، وإن كانت كبيرة. كما هو قول ابن عمر. ~~واختاره البخاري صاحب الصحيح. # والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء. كما يشترط للصلاة. كما هو ~~مذهب ابن عمر. واختيار البخاري أيضا. # والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل. فبان نهارا لا قضاء ~~عليه. كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإليه ذهب بعض ~~التابعين، وبعض الفقهاء بعدهم. # والقول بأن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة. كما هو في حق ~~القارن والمفرد. كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهما. ورواية عن الإمام ~~أحمد بن حنبل. رواها عنه ابنه عبدالله. وكثير من أصحاب الإمام أحمد ~~يعرفونها. # والقول بجواز المسابقة بلا محلل. وإن خرج المتسابقان. # والقول باستبراء المختلعة بحيضه. وكذلك الموطوءه بشبهة. والمطلقة آخر ~~ثلاث تطليقات. PageV01P064 # والقول بإباحة وطء عقد الرداء في الإحرام. ولا فدية في ذلك، وجواز طواف ~~الحائض. ولا شيء عليها، إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرا. # والقول بجواز بيع الأصل بالعصير. كالزيتون بالزيت. والسمسم بالشيرج. ~~والقول بجواز الوضوء بكل ما يسمى ماء، مطلقا كان أو مقيدا. # والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره. كالخاتم ونحوه، بالفضة ~~متفاضلا، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة. # والقول بأن ms052 المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير، قليلا كان أو كثيرا. # والقول بجواز التيمم لمن خاف فوات العيد والجمعة باستعمال الماء. # والقول بجواز التيمم في مواضع معروفة. # والجمع بين الصلاتين في أماكن مشهورة. # وغير ذلك من الأحكام المعروفة من أقواله. # وكان يميل أخيرا لتوريث المسلم من الكافر الذمي، وله في ذلك مصنف وبحث طويل. # ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل: ~~قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق. # وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة. # وأن الطلاق المحرم لا يقع. # وله في ذلك مصنفات ومؤلفات كثيرة منها: # قاعدة كبيرة سماها "تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان" نحو أربعين كراسة. # وقاعدة سماها "الفرق المبين بين الطلاق واليمين" بقدر النصف من ذلك. # وقاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة، مجلد لطيف. # وقاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة. # وقاعدة سماها "التفصيل بين التكفير والتحليل". # وقاعدة سماها "اللمعة" (الكواكب الدرية 222-224). # وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك لا ينحصر ولا ينضبط وله في ذلك جواب ~~اعتراض، ورد عليه من الديار المصرية. وهو جواب طويل في ثلاث مجلدات، بقطع ~~نصف البلدي. # وقال ابن رجب الحنبلي: # ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه PageV01P065 ~~اختار ارتفاع الحدث بالمياه المتعصرة، كماء الورد ونحوه، واختار جواز المسح ~~على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو ~~بالرجل الآخر، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين. # واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ~~ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد ويتوقف مع ~~إمكان النزع وتيسره. # واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. # واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخر الصلاة ~~عمدا حتى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. فأما من ~~استيقظ أو ذكر في آخر وقت الصلاة: فإنه يتطهر بالماء ويصلي، لأن الوقت متسع ~~في حقه. # واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال ms053 في البيت، أو شق عليها النزول ~~إلى الحمام وتكرره: أنها تتيمم وتصلي. # واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضين، ولا ~~لسن الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها. # واختار أن تارك الصلاة عمدا: لا يجب عليه القضاء (الذيل على طبقات ~~الحنابلة لابن رجب 404،405). ولا يشرع له. بل يكثر من النوافل، وأن القصر ~~يجوز في قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة. # الباب الثامن # ابن تيمية: جنازة مشهودة # وشهادة من الخلق له بالكرامة والولاية PageV01P066 ~~سبع وخمسون عاما أمضاها الشيخ وهي عمره في جهاد مرير وسعي متواصل، ودعوة ~~دائمة إلى الله عز وجل حتى أتته المنية مسجونا بقلعة دمشق في سعاية للواشين ~~والحاسدين من عباد القبور أنه يمنع الناس من زيارة الرسول والصالحين ~~والصحيح أنه نهى الناس عن شد الرحال إليها مؤكدا أن زيارتهم سنة مستحبة ~~وهذا قد ذكرناه في مقدمة الكتاب، وفي ردنا على المفتري الكذاب.. أقول كان ~~لا بد بعد ذلك أن يستريح الشيخ ويؤوي -بحمد الله ومشيئته وفضله- إلى جنة ~~الله ورضوانه وكانت جنازة لا يعهد تاريخ الإسلام مثلها إلا لإمام أهل السنة ~~والجماعة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهاك وصفا حيا لجنازته كما رواها ابن ~~كثير في تاريخه. # وفاة شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية PageV01P067 ~~قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي ~~القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد ~~العابد المجاهد القدرة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا ~~الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبدالحليم بن الشيخ الإمام ~~شيخ الإسلام أبي البركات عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم محمد بن الخضر ~~بن محمد بن الخضر بن علي بن عبدالله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة ~~دمشق بالقاعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في ~~الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل ms054 وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته ~~وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن ~~واقتصروا على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة ~~والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضا وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب ~~الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من ~~النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من ~~الناس من شدة الزحام، وصلى عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولا ~~الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد ~~تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى ضاقت الرحاب ~~والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن صلى عليه على الرؤوس ~~والأصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الأصوات بالبكاء ~~والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم ~~وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل عمائم لا ~~يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة ~~يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس. PageV01P068 # وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من ~~الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان ~~معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب ~~الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق ~~وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين ~~عبدالرحمن، فلما قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف ~~الدين عبدالله رحمهما الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من ~~يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق ~~الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم ~~والدعاء له، ولو أنه قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ms055 ~~ألف امرأة، غير اللاتي كن على الأسطح وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه ~~فيما قيل. # وأما الرجال فحزروا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ~~ألف وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل ~~به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة ~~وخمسون درهما وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم. ~~وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير وتضرع وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية ~~وبالبلد وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون عنده ويصحون، ~~ورؤيت له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة. # ثم استطرد ابن كثير قائلا: PageV01P069 # قال: وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على ~~المنارة بها وتكلم به الحراس على الأبرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا ~~بهذا الخطب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول ~~القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل ~~الأسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل ~~النهار على العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة، ~~فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه ~~فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، ~~فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل ~~البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون *على مثل ليلى يقتل المرء نفسه* ~~وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله، وكشفت عن ~~وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه الشيب ~~أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبدالرحمن أنه قرأ هو ~~والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهينا ~~فيها إلى آخر اقتربت الساعة {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق ms056 عند مليك ~~مقتدر} فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبدالله بن المحب وعبدالله ~~الزرعي الضرير -وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما- فابتدأ من أول سورة ~~الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى. PageV01P070 # ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في ~~غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم ~~والإيمان، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة وضج الناس بالبكاء والثناء ~~والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية على العادية ~~الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سويقة باب البريد كانت قد ~~هدمت لتصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه بين يدي ~~الجنازة وخلفها عن يمينها وشمالها مالا يحصى عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ ~~صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع ~~هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من ~~كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد من السجود إلا ~~بكلفة جو الجامع وبرى الأزقة والأسواق، وذلك قبل آذان الظهر بقليل، وجاء ~~الناس من كل مكان، ينوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل ولا ~~لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت ~~الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب ~~لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج ~~الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ~~ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء ~~وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من ~~هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم. PageV01P071 # وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية ~~حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دفن عند ms057 أخيه قريبا من أذان ~~العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة ~~عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من ~~الصغار والمخدرات أ.ه. # يوم الجنائز شهادة لأهل الحق: # قال ابن كثير: # "ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي ~~داود وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الإمام أبو عثمان ~~الصابوني: سمعت أبا عبدالرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس ~~الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل ~~علينا وقال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل ~~يقول سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز، قال ولا شك أن ~~جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، ~~وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ~~توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا ~~لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة ~~التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة ~~محبوسا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء ~~كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلا عن أهل الإسلام. وهذه كانت ~~جنازته" (البداية والنهاية ص137-138 ج14). # الذين تخلفوا عن جنازته: # وقال أيضا: # "وما علمت أحدا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، ~~وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جمله، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا ~~بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث أنهم علموا متى خرجوا ~~قتلوا وأهلكهم الناس" أ.ه. PageV01P072 # ثناء الناس عليه بعد وفاته: # وقال أيضا: # وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام ~~الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي ~~راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله. # وعملت له ms058 ختمات كثيرة ورؤيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة ~~وقصائد مطولة جدا. وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء ~~وغيرهم، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته ~~وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته ~~الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات التي ~~نصرها بالكتاب والسنة وأفتى بها. أ.ه # الباب التاسع # واجبنا نحو شيخ الإسلام ابن تيمية # لم أجد في هذا الصدد خيرا من رسالة كتبها الشيخ الإمام القدوة الزاهد ~~عماد الدين أبوالعباس بن إبراهيم بن عبدالرحمن الواسطي المتوفي سنة 711ه، ~~والتي كتب هذه الرسالة التي يوصي فيها اتباع الشيخ شيخ الإسلام ابن تيمية ~~وتلاميذه أن يقوموا بحق شيخهم وإمامهم وقدوتهم، ويذكر فيها ما من الله ~~سبحانه وتعالى به عليهم من معرفة الدين الحق والهداية إلى الصراط المستقيم ~~على يد شيخهم ابن تيمية في وقت يعيش فيه الناس في الضلال المبين والظلمات ~~العظيمة، ويذكر أنهم هم الفئة الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: # [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ~~حتى يأتي أمر الله وهم كذلك]. PageV01P073 # فالشيخ ابن تيمية وتلاميذه وأحبابه وأنصاره كانت هي هذه الفئة حتما في ~~زمانه فهم الفئة التي حاربت جميع المرتدين والمارقين بالحجة والبيان والسيف ~~والسنان، فلقد حاربوا التتار المعتدين المتلبسين بظاهر الشهادة فقط ~~والمخالفين شرائع الإسلام، وحارب الشيخ كذلك بسيفه طوائف النصيرية، ~~والاسماعيلية والرافضة والباطنية الموالين لأهل الصليب المكفرين لصدر ~~الإسلام، وكذلك لم نبق طائفة من أهل الباطن كأهل الحلول، والتأويل والزندقة ~~وعباد القبور، وأمراء الظلم إلا وقد ناقشهم الشيخ وتلاميذه وأبطلوا حججهم ~~وأظهروا كذبهم وتحريفهم أو جهلهم وانتحالهم.. # لقد رأى الشيخ عماد الدين هذه النعم العظيمة على شيخ الإسلام ابن تيمية ~~وتلاميذه، فأخذته الحمية والشهامة، والعزة على جناب الشيخ العظيم فقام يوصي ~~أتباعه بالشيخ أن يعرفوا له حرمته، ويقدروا له مكانته وينزلوه منزلته.. ~~واترك المجال بعد هذه المقدمة للشيخ عماد الدين ms059 ليقدم وصيته الخالدة حيث يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وسبحان الله وبحمده، تقدس في علوه وجلاله. وتعالى في صفات ~~كماله. وتعاظم في سبحات فرادنيته وجماله، وتكرم في افضاله وجمال نواله، جل ~~أن يمثل بشيء من مخلوقاته، أو يحاط به، بل هو المحيط بمبتدعاته، لا تصوره ~~الأوهام، ولا تقله الأجرام، ولا يعقل كنه ذاته البصائر ولا الأفهام. # الحمد لله مؤيد الحق وناصره، ودافع الباطل وكاسره، ومعز الطائع وجابره، ~~ومذل الباغي ودائره، الذي سعد بخطوة الاقتراب من قدسه من قام بأعباء ~~الاتباع في بنانه وأسه، وفاز بمحبوبيته في ميادين أنسه من بذل ما يهواه في ~~طلبه من قلبه وحسه، وتثبت في مهامه الشكوك منتظرا زوال لبسه، سبحانه وبحمده ~~له المثل الأعلى، والنور الأتم الأجلى، والبرهان الظاهر في الشريعة المثلى. PageV01P074 # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الذي شهدت لوحدانيته الفطر، ~~وأسلم لربوبيته ذو العقل والنظر، وظهرت أحكامه في الآي والسور، وتم اقتداره ~~في تنزل القدر. # وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، الذي شهدت بنبوته ~~الهواتف والأحبار، فكان قبل ظهوره ينتظر، وتلاحقت عند مبعثه معجزاته من ~~حنين الجذع وانقياد الشجر، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الخشية ~~والحذر، والعلم المنور، فهم قدوة التابع للأثر. # وبعد. فهذه رسالة سطرها العبد الضعيف الراجي رحمة ربه وغفرانه، وكرمه ~~وامتنانه. أحمد بن إبراهيم الواسطي. عامله الله بما هو أهله فإنه أهل ~~التقوى وأهل المغفرة. # إلى إخوانه في الله السادة العلماء، والأئمة الأتقياء، ذوي العلم النافع، ~~والقلب الخاشع، والنور الساطع، الذين كساهم كسوة الأتباع، وأرجو من كرمه أن ~~يحققهم بحقائق الانتفاع: # السيد الأجل العالم، الفاضل فخر المحدثين، ومصباح المتعبدين المتوجه إلى ~~رب العالمين، تقي الدين أبي حفص عمر بن عبدالله بن عبدالأحد بن شقير. # والشيخ الأجل، العالم الفاضل السالك الناسك ذي العلم والعمل، المكتسي من ~~الصفات الحميدة أجمل الحلل، الشيخ شمس الدين محمد بن عبدالأحد الآمدي. # والسيد الأخ، العالم الفاضل، السالك الناسك، التقي الصالح، الذي سيماء ~~نور قلبه لائح ms060 على صفحات وجهه، شرف الدين محمد بن المنجى. # والسيد الأخ، الفقيه العالم النبيل، الفاضل فخر المحصلين، زين الدين، ~~عبدالرحمن بن محمود بن عبيدان البعلبكي. # والسيد الأخ العالم الفاضل، السالك الناسك، ذي اللب الراجح والعمل ~~الصالح، والسكينة الوافرة، والفضيلة الغامرة، نور الدين محمد بن محمد بن ~~محمد بن الصائغ. # وأخيه السيد الأخ، العالم التقي الصالح، الخير الدين، العالم الثقة، ~~الأمين الراجح، ذي السمت الحسن، والدين المتين، في اتباع السنن، فخر الدين محمد. PageV01P075 # والأخ العزيز الصالح، الطالب لطريق ربه، والراغب في مرضاته وحبه والعالم ~~الفاضل، الولد شرف الدين محمد بن سعد الدين سعدالله ابن نجيح. # وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم وشيخنا الإمام، الأمة الهمام، محيي ~~السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث، مفتي الفرق، الفائق عن الحقائق، وموصلها ~~بالأصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ~~ظاهرا وقلبه في العلي قاطن، أنموذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، ~~الذين غابت عن القلوب سيرهم، ونسيت الأمة حذوهم وسبلهم، فذكرهم بها الشيخ، ~~فكان في دارس نهجهم سالكا، ولموات حذوهم محييا، ولأعنة قواعدهم مالكا: ~~الشيخ الإمام تقي الدين أبو العباس، أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن ~~تيمية، أعاد الله علينا بركته، ورفع إلى مدارج العلى درجته، وأدام توفيق ~~السادة المبدو بذكرهم وتسديدهم، وأجزل لهم حظهم، ومزيدهم. # السلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته، جعلنا الله وإياكم ممن ~~ثبت على قرع نوائب الحق جأشه، واحتسب لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه، ~~وما احتوشته من ذلك وحاشه، واحتذى حذو السبق الأولين، من المهاجرين ~~والأنصار، والذين لم تأخذهم في الله لومة لائم، فما ضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم، مع قلة عددهم في أول الأمر، فكانوا مع ذلك كل منهم مجاهد بدين الله ~~قائم. ونرجو من كرم الله تعالى أن يوفقنا لأعمالهم، ويرزق قلوبنا قسطا من ~~أحوالهم، وينظمنا في سلكهم، تحت سجفتهم ولوائهم، مع قائدهم وإمامهم سيد ~~المرسلين، وإمام المتقين، محمد صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. # أذكركم رحمكم الله بما أنتم به عالمون عملا بقوله ms061 تعالى: {وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين}. # وأبدأ من ذلك بأن أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، وهي وصية الله تعالى ~~إلينا وإلى الأمم من قبلنا، كما بين سبحانه وتعالى قائلا وموصيا: {ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}. PageV01P076 # وقد علمتم تفاصيل التقوى على الجوارح والقلوب، بحسب الأوقات والأحوال: من ~~الأقوال، والأعمال، والإيرادات، والنيات. # وينبغي لنا جميعا أن لا نقنع من الأعمال بصورها حتى نطالب قلوبنا بين يدي ~~الله تعالى بحقائقها. ومع ذلك فلتكن لنا همة علوية، تترامى إلى أوطان ~~القرب، ونفحات المحبوبية والحب. فالسعيد من حظي من ذلك بنصيب. وكان مولاه ~~منه على سائر الأحوال قريبا بخصوص التقريب. # فيكتسي العبد من ذلك ثمرة الخشية والتعظيم، للعزيز العظيم، فالحب والخشية ~~ثابتان في الكتاب العزيز والسنة المأثورة. قال تعالى: {يحبهم ويحبونه} ~~(المائدة:54) {والذين آمنوا أشد حبا لله} (البقرة:165) وقال تعالى: {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر:28) وفي الحديث [أسألك حبك وحب من أحبك ~~وحب عمل يقربني إلى حبك] (رواه الترمذي عن ابن عباس في دعاء طويل) وفي ~~الحديث [لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى ~~الصعدات تجأرون إلى الله] (رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي عن أنس بدون قوله [ولخرجتم الخ] وهو بهذه الزيادة عند الطبراني في ~~الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء). # ومعلوم أن الناس يتفاوتون في مقامات الحب والخشية، في مقام أعلى من مقام، ~~ونصيب أرفع من نصيب، فلتكن همة أحدنا من مقامات الحب والخشية أعلاه، ولا ~~يقنع إلا بذروته وذراه، فالهمم القصيرة تقنع بأيسر نصيب، والهمم العلية ~~تعلو مع الأنفاس إلى قريب الحبيب لا يشغلنا عن ذلك ما هو دونه من الفضائل، ~~والعاقل لا يقنع بأمر مفضول عن حال فاضل. ولتكن الهمة منقسمة على نيل ~~المراتب الظاهرة، وتحصيل المقامات الباطنة. فليس من الإنصاف الانضباب إلى ~~الظواهر والتشاغل عن المطالب العلوية ذوات الأنوار البواهر. PageV01P077 # وليكن لنا جميعا بين الليل والنهار ساعة، نخلو فيها بربنا جل اسمه وتعالى ~~قدسه، نجمع بين يديه في ms062 تلك الساعة همومنا، ونطرح أشغال الدنيا من قلوبنا، ~~فنزهد فيما سوى الله ساعة من نهار، فبذلك يعرف الإنسان حاله مع ربه، فمن ~~كان له مع ربه حال، تحركت في تلك الساعة عزائمه. وابتهجت بالمحبة والتعظيم ~~سرائره، وطارت إلى العلى زفراته وكوامنه. وتلك الساعة أنموذج لحاله العبد ~~في قبره، حين خلوه عن ماله وحبه. فمن لم يخل قلبه لله ساعة من نهار، لما ~~احتوشه من الهموم الدنيوية وذوات الآصار. فليعلم أنه ليس له ثم رابطة ~~علوية، ولا نصيب من المحبة ولا المحبوبية، فليبك على نفسه، ولا يرضى منها ~~إلا بنصيب من قرب ربه وأنسه. # فإذا حصلت تلك الساعة، أمكن إيقاع الصلوات الخمس على نمطها من الحضور ~~والخشوع، والهيبة للرب العظيم في السجود والركوع فلا ينبغي لنا أن نبخل على ~~أنفسنا في اليوم والليلة من أربع وعشرين ساعة بساعة واحدة لله الواحد ~~القهار، نعبده فيها حق عبادته، ثم نجتهد على إيقاع الفرائض على ذلك النهج ~~في رعايته، وذلك طريق لنا جميعا إن شاء الله تعالى إلى النفوذ، فالفقيه إذا ~~لم ينفذ في علمه حصل له الشطر الظاهر، وفاته الشطر الباطن. لاتصاف قلبه ~~بالجمود. وبعده في العبادة والتلاوة عن لين القلوب والجلود. كما قال تعالى: ~~{تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ~~(الزمر:23) وبذلك يرتقي الفقيه عن فقهاء عصرنا. ويتميز به عنهم، فالنافذ من ~~الفقهاء له البصيرة المنورة، والذوق الصحيح، والفراسة الصادقة، والمعرفة ~~التامة، والشهادة على غيره بصحيح الأعمال وسقيمها. ومن لم ينفذ لم تكن له ~~هذه الخصوصية، وأبصر بعض الأشياء وغاب عنه بعضها. PageV01P078 # فيتعين علينا جميعا طلب النفوذ إلى حضرة قرب المعبود، ولقائه بذوق الإيقان، ~~لنعبده كأننا نراه كما جاء في الحديث (حديث جبريل في سؤاله عن الإسلام ~~والإيمان والإحسان فقال له [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك] رواه البخاري ومسلم عن عمر وعن ابنه رضي الله عنهما). # وبعد ذلك الخطوة في هذه الدار بلقاء رسول الله صلى الله عليه ms063 وسلم، غيبا ~~في غيب، وسرا في سر، بالعكوف على معرفة أيامه وسننه واتباعها. فتبقى ~~البصيرة شاخصة إليه، تراه عيانا في الغيب، كأنها معه صلى الله عليه وسلم، ~~وفي أيامه. فيجاهد على دينه. ويبذل ما استطاع من نفسه في نصرته. # وكذلك من سلك في طريق النفوذ يرجى له أن يلقى ربه بقلبه غيبا في غيب، ~~وسرا في سر، فيرزق القلب قسطا من المحبة والخشية. والتعظيم اليقيني، فيرى ~~الحقائق بقلبه من وراء ستر رقيق. وذلك هو المعبر عنه بالنفوذ. ويصل إلى ~~قلبه من وراء ذلك الستر ما يغمره من أنوار العظمة والجلال والبهاء والكمال، ~~فيتنور العلم الذي اكتسبه العبد. ويبقى له كيفية أخرى زائدة على الكيفية ~~المعهودة من البهجة والأنوار والقوة في الاعلان والأسرار. # فلا ينبغي لنا أن نتشاغل عن نيل هذه الموهبة السنية، بشواغل الدنيا ~~وهمومها، فتنقطع بذلك -ما تقدم- بالشيء المفضول عن الأمر المهم الفاضل. ~~فإذا سلكنا في ذلك برهة من الزمان، ورزقنا الله تعالى نفوذا، وتمكنا في ذلك ~~النفوذ فلا تعود هذه العوارض الجزئيات الكونيات تؤثر فينا إن شاء الله تعالى. # وليكن شأن أحدنا اليوم: التعديل بين المصالح الدنيوية والفضائل العلمية، ~~والتوجهات القلبية، ولا يقنع أحدنا بأحد هذه الثلاثة عن الأخريين. فيفوته ~~المطلوب. ومتى اجتهد في التعديل فإنه إن شاء الله تعالى بقدر ما يحصل للعبد ~~جزء من أحدهم، حصل جزءا من الآخر. ثم بالصبر على ذلك تجتمع الأجزاء ~~المحصلة، فتصير مرتبة عالية عند النهاية - إن شاء الله تعالى. PageV01P079 # هذا وإن كنتم -أيدكم الله تعالى- بذلك عالمين، لكن الذكرى تنفع المؤمنين. # ثم يستطرد الشيخ عماد الدين قائلا في رسالته: # واعلموا -أيدكم الله- أنه يجب عليكم أن تشكروا ربكم تعالى في هذا العصر، ~~حيث جعلكم بين جميع أهل هذا العصر كالشامة البيضاء في الحيوان الأسود. لكن ~~من لم يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرف أحوال الناس، لا يدري قدر ما هو فيه من ~~العافية. فأنتم إن شاء الله تعالى في حق هذه الأمة الأولى كما قال تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس. تأمرون بالمعروف ms064 وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله} (آل عمران:110) وكما قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ~~(الحج:41). # أصبحتم إخواني تحت سنجق (أي تحت لوائه ورايته) رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إن شاء الله تعالى، مع شيخكم وإمامكم، وشيخنا وإمامنا المبدوء بذكره ~~رضي الله عنه. قد تميزتم عن جميع أهل الأرض، فقائها وفقرائها، وصوفيتها، ~~وعوامها: بالدين الصحيح. # وقد عرفتم ما أحدث الناس من الأحداث، في الفقهاء والفقراء والصوفية ~~والعوام. فأنتم اليوم في مقابلة الجهمية من الفقهاء. نصرتم الله ورسوله في ~~حفظ ما أضاعوه من دين الله، تصلحون ما أفسدوه من تعطيل صفات الله. # وأنتم أيضا في مقابلة من لم ينفذ في علمه من الفقهاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجمد على مجرد تقليد الأئمة فإنكم قد نصرتم الله ورسوله في ~~تنفيذ العلم إلى أصوله من الكتاب والسنة، واتحاد أقوال الأئمة، تأسيا بهم ~~لا تقليدا لهم. PageV01P080 # وأتم أيضا في مقابلة ما أحدثته أنواع الفقراء من الأحمدية (أتباع أحمد ~~الرفاعي البطائحي وسموا أيضا بالبطائحية)، والحريرية (فرقة صوفية)، من ~~إظهار شعار المكاء والتصدية (المكاء صوت القطط، والتصديد: التصفيق وكان ~~كفار قلة يطوفون بالبيت ويصفقون ويصفرون في طوافهم، وشبه الشيخ الصوفية ~~بذلك لأن أذكارهم برفع الأصوات لقولهم هوهو. تكون كالمكاء أو النباح ولأنهم ~~يصفقون في أذكارهم ويتمايلون ويصرخون)، ومؤاخاة النساء والصبيان، والأعراض ~~عن دين الله إلى خرافات مكذوبة عن مشايخهم، واستنادهم إلى شيوخهم وتقليدهم ~~في صائب حركاتهم وخطئها، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله من السماء. فأنتم ~~بحمد الله تجاهدون هذا الصنف أيضا كما تجاهدون من سبق. حفظتم من دين الله ~~ما أضاعوه. وعرفتم ما جهلوه تقومون من الدين ما عوجوه، وتصلحون ما أفسدوه. # وأنتم أيضا في مقابلة رسمية الصوفية والفقهاء، وما أحدثوه من الرسوم ~~الوضعية، والآصار الابتداعية، من التصنع باللباس، والاطراق والسجادة لنيل ~~الرزق من المعلوم، ولبس البقيار، والاكمام الواسعة في حضرة الدرس، وتنميق ~~الكلام، والعدو بين يدي المدرس راكعين، ms065 حفظا للمناصب، واستجلابا للرزق ~~والادرار. # فحفظ هؤلاء في عبادة الله غيره، وتألهوا سواه. ففسدت قلوبهم من حيث لا ~~يشعرون. يجتمعون لغير الله بل للمعلوم، ويلبسون للمعلوم وكذلك في أغلب ~~حركاتهم يراعون ولاة المعلوم. فضيعوا كثيرا من دين الله وأماتوه. وحفظتم ~~أنتم ما ضيعوه، وقومتم ما عوجوه. # وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته الزنادقة من الفقراء والصوفية من قولهم ~~بالحلول والاتحاد، وتأله المخلوقات. كاليونسية، والعربية، والصدرية، ~~والسبعينية، والتلمسانية. فكل هؤلاء بدلوا دين الله تعالى وقلبوه. وأعرضوا ~~عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P081 # فاليونسية يتألهون شيخهم، ويجعلونه مظهرا للحق، ويستهينون بالعبادات، ~~ويظهرون بالفرعنة والصولة، والسفاهة والمحالات، لما وقر في بواطنهم من ~~الخيالات الفاسدة، وقبلتهم الشيخ يونس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن المجيد عنهم بمعزل، يؤمنون به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم. # وكذلك الاتحادية، يجعلون الوجود مظهرا للحق، باعتبار أن لا متحرك في ~~الكون سواه، ولا ناطق في الأشخاص غيره. وفيهم من لا يفرق بين الظاهر ~~والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر، فلا يفرق بين عين الموجة وبين عين البحر، ~~حتى إن أحدهم يتوهم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش ~~والمعاصي، لأنه يعتقد ارتفاع الثنوية فمن العابد ومن المعبود؟ صار الكل واحدا. # اجتمعنا بهذا الصنف في الربط والزوايا. # فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضا تنصرون الله ورسوله، وتذبون عن ~~دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا وعلى تقويم ما عوجوا فإن هؤلاء محوا رسم ~~الدين، وقلعوا أثره. فلا يقال أفسدوا ولا عوجوا بل بالغوا في هدم الدين ~~ومحو أثره. ولا قربة أفضل عند الله من القيام بجهاد هؤلاء بمهما أمكن، ~~وتبين مذاهبهم للخاص والعام. وكذلك جهاد كل من الحد في دين الله وزاغ عن ~~حدوده وشرعيته. كائنا في ذلك ما كان من فتنة وقول. كما قيل: # إذا رضي الحبيب فلا أبالي * أقام الحي أم جد الرحيل. # وبالله المستعان. # وكذلك أنتم بحمد الله قائمون بجهاد الأمراء والأجناد، تصلحون ما أفسدوا ~~من المظالم والاجحافات، وسوء السيرة الناشئة ms066 عن الجهل بدين الله، بما أمكن. ~~وذلك لبعد العهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن اليوم له سبعمائة ~~سنة، فأنتم بحمد الله تجددون ما دثر من ذلك واندثر. PageV01P082 # وكذلك أنتم بحمد الله قائمون في وجوه العامة، مما أحدثوا من تعظيم ~~الميلادة. والقلندس، وخميس البيض. والشعانين، وتقبيل القبور والأحجار، ~~والتوسل عندها. ومعلوم أن ذلك كله من شعائر النصارى والجاهلية. وإنما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوحد الله ويعبد وحده، ولا يأله معه شيء من ~~مخلوقاته. بعثه الله تعالى ناسخا لجميع الشرائع والأديان والأعياد. فأنتم ~~بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناس من ذلك. # وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من مارقي الفقهاء، أهل الكيد والضرار ~~لأولياء الله، أهل المقاصد الفاسدة. والقلوب التي هي عن نصر الحق حائدة. # وإنما أعرض هذا الضعيف عن ذكر قيامكم في وجوه التتر والنصارى، واليهود، ~~والرافضة، والمعتزلة، والقدرية، وأصناف أهل البدع والضلالات لأن الناس ~~متفقون على ذمهم. يزعمون أنهم قائمون برد بدعتهم. ولا يقومون بتوفية حق ~~الرد عليهم كما تقومون. بل يعلمون ويجبنون عن اللقاء فلا يجاهدون، وتأخذهم ~~في الله اللائمة. لحفظ مناصبهم، وإبقاء على أعراضهم. # سافرنا البلاد فلم نر من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء -حق القيام- ~~سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء إن شاء الله. بقيامكم بنصرة شيخكم ~~وشيخنا -أيده الله- حق القيام، بخلاف من ادعى من الناس أنهم يقومون بذلك. # فصبرا يا إخواني على ما أقامكم الله فيه، من نصرة دينه وتقويم اعوجاجه، ~~وخذلان أعدائه. واستعينوا بالله، ولا تأخذكم فيه لومة لائم. وإنما هي أيام ~~قلائل. والدين منصور. قد تولى الله اقامته ونصره، ونصرة من قام به من ~~أوليائه، إن شاء الله، ظاهرا وباطنا. # وابذلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من الأنفس والأموال، والأفعال، ~~والأقوال، عسى أن تلحقوا بذلك بسلفكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فلقد عرفتم ما لقوا في ذات الله، كما قال خبيب حين صلب على الجذع: # وذلك في ذات الإله، وإن يشأ يبارك على ms067 أوصال شلو ممزع PageV01P083 ~~وقد عرفتم ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضر والفاقة في شعب بني ~~هاشم، وما لقي السابقون الأولون من التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي ~~المهاجرون والأنصار في أحد، وفي بئر معونة، وفي قتال أهل الردة، وفي جهاد ~~الشام والعراق، وغير ذلك. # وانظروا كيف بذلوا نفوسهم وأموالهم لله، حبا له، وشوقا إليه. فكذلك أنتم، ~~رحمكم الله. كل منكم على قدر إمكانه واستطاعته، بفعله، وبقوله، وبخطه، ~~وبقلبه، وبدعائه. كل ذلك جهاد. أرجو أن لا يخيب من عامل الله بشيء من ذلك. ~~إذ لا عيش إلا في ذلك، ولو لم يكن فيه إلا همكم، مزاحمة لأهل الزيغ، مشوشة ~~لهم، تبغضونهم في الله، وتطلبون استقامتهم في دين الله. وذلك من الجهاد ~~الباطن إن شاء الله تعالى. # ثم يستطرد الشيخ علم الدين أيضا قائلا: # ثم اعرفوا إخواني حق ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك. واعرفوا طريقكم ~~إلى ذلك، واشكروا الله تعالى عليها. وهو أن أقام لكم ولنا في هذا العصر مثل ~~سيدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى ~~الشبهات وحيرة الضلالات، حيث تاه العقل بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى حقيقة ~~دين الرسول صلى الله عليه وسلم. # ومن العجب أن كلا منهم يدعي أنه على دين الرسول، حتى كشف الله لنا ولكم ~~بواسطة هذا الرجل عن حقيقة دينه الذي أنزله من السماء وارتضاه لعباده. # واعلموا أن في آفاق الدنيا أقواما يعيشون أعمارهم بين هذه الفرق، يعتقدون ~~أن تلك البدع حقيقة الإسلام. فلا يعرفون الإسلام إلا هكذا. # فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة من بين لكم أعلام دينكم. # وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته. وبين لكم بهذا النور المحمدي ~~ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من ~~السقيم. وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة. الذين لا يضرهم من خذلهم ~~ولا من خالفهم. وهم بالشام إن شاء الله تعالى. # فصل PageV01P084 ~~ثم إذا علمتم ذلك، فاعرفوا حق ms068 هذا الرجل الذي هو بين أظهركم وقدره، ولا ~~يعرف حقه وقدره إلا من عرف دين الرسول صلى الله عليه وسلم وحقه وقدره. فمن ~~وقع دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قلبه بموقع يستحقه، عرف حق ما ~~قام به هذا الرجل بين أظهر عباد الله، يقوم معوجهم، ويصلح فسادهم، ويلم ~~شعثهم، جهد إمكانه، في الزمان المظلم، الذي انحرف فيه الدين، وجهلت السنن، ~~وعهدت البدع، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والقابض على دينه، ~~كالقابض على الجمر، فإن أجر من قام بإظهار هذا النور في هذه الظلمات لا ~~يوصف، وخطره لا يعرف. # فالله الله في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حرماته في الغيب ~~والشهادة، وحب من أحبه، ومجانبة من أبغضه وتنقصه ورد غيبته، والانتصار له ~~في الحق. # واعلموا رحمكم الله، أن هنا من سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس وأذواقهم ~~وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله، ثم والله ثم والله، لم ير أديم تحت السماء ~~مثل شيخكم: علما، وعملا، وحالا، وخلقا، واتباعا، وكرما وحلما. في حق نفسه، ~~وقياما في حق الله عند انتهاك حرماته. أصدق الناس عقدا، وأصلحهم علما ~~وعزما، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفا، وأكملهم ~~اتباعا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. # ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي النبوة المحمدية وسنتها من أقواله ~~وأفعاله إلا هذا الرجل. بحيث يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الإتباع حقيقة. # وبعد ذلك كله فقول الحق فريضة، فلا ندعي فيه العصمة عن الخطأ، ولا ندعي ~~إكماله لغايات الخصائص المطلوبة. فقد يكون في بعض الناقصين خصوصية مقصودة ~~مطلوبة، لا يتم الكمال إلا بهاتيك الخصوصية وهذا القدر لا يجهله منصف عارف. ~~ولولا أن قول الحق فريضة، والتعصب للإنسان هوى، لأعرضت عن ذكر هذا -لكن يجب ~~قول الحق- إن ساء أو سر. والله المستعان. PageV01P085 # إذا علمتم ذلك -أيدكم الله تعالى- فاحفظوا قلبه، فإن مثل هذا قد يدعي عظيما ~~في ملكوت السماء. واعملوا على رضاه بكل ممكن واستجلبوا وده لكم، وحبه إياكم ~~بمهما قدرتم عليه. فإن مثل ms069 هذا يكون شهيدا، والشهداء في العصر لمثله، فإن ~~حصلت لكم محبته رجوت لكم بذلك خصوصية أكتمها ولا أذكرها، وربما يفطن لها ~~الأذكياء منكم، وربما سمحت نفسي بذكرها، كيلا أكتم عنكم نصحي. # وتلك الخصوصية: هي أن ترزقوا قسطا من نصيبه الخاص المحمدي مع الله تعالى. ~~فإن ذلك إنما يسري بواسطة محبة الشيخ للمريد، واستجلاب المريد محبة الشيخ ~~بتأتيه معه، وحفظ قلبه وخاطره، واستجلاب وده ومحبته، فأرجو بذلك لكم قسطا ~~مما بينه وبين الله تعالى، فضلا عما تكسبونه من ظاهر علمه وفوائده وسياسته، ~~إن شاء الله تعالى. # وأرجو أنكم إذا فتحتم بينكم وبين ربكم تعالى بصحيح المعاملة بحفظ تلك ~~الساعة في الصلوات الخمس والتهجد أن ينفتح لكم معرفة حقيقة هذا الرجل ونبأه ~~إن شاء الله تعالى. # وإنما ذكرت حفظ الساعة -وإن كان في الصلوات الخمس كفاية. إذا قام العبد ~~فيها لحق الله تعالى- وذلك لأن الصلوات قد تهجم على العبد وقلبه مأخوذ في ~~جوانب الظاهر، فلا يعرف نصيب قلبه من ربه فيها، فإذا كان للعبد ساعة بين ~~الليل والنهار عرف فيها نصيب قلبه من ربه، فإذا جاءت الصلوات، عرف فيها ~~حاله وزيادته ونقصانه باعتبار حالته مع ربه في تلك الساعة. وبالله ~~المستعان. PageV01P086 # وإذا عرفتم قدر دين الله تعالى الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وعرفتم قدر حقائق الدين الذي يعبر عنه بالنفوذ إلى الله تعالى، والحظوة ~~بقربه. ثم عرفتم اجتماع الأمرين في شخص معين، ثم عرفتم انحراف الأمة عن ~~الصراط المستقيم، وقيام الرجل المعين الجامع الظاهر والباطن في وجوه ~~المنحرفين، بنصر الله تعالى ودينه، ويقوم معوجهم، ويلم شعثهم، ويصلح ~~فاسدهم. ثم سمعتم بعد ذلك طعن طاعن عليه من أصحابه أو من غيرهم، فإنه لا ~~يخفى عنكم محق هو، أو مبطل؟ إن شاء الله. # وبرهان ذلك: أن المحق طالب الهدى والحق بغرض عند من أنكر عليه ذلك الفعل ~~الذي أنكره، إما بصيغة السؤال أو الاستفهام بالتلطف عن ذلك النقص الذي رآه ~~فيه، أو بلغه عنه، فإن وجد هناك اجتهادا، أو رأيا أو ms070 حجة، قنع بذلك، وأمسك، ~~ولم يفش ذلك إلى غيره، إلا مع إقامة ما بينه من الاجتهاد، أو الرأي، أو ~~الحاجة، ليسد الخلل بذلك. فمثل هذا يكون طالب هدى، محبا، ناصحا، يطلب الحق، ~~ويروم تقويم أستاذه عن انحرافه بتعريفه وتفويضه. كما يروم أستاذه تقويمه. ~~كما قال بعض الخلفاء الراشدين (هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه -كذا في ~~المنقول عنه- أ.ه من هامش الأصل وذلك في أول خطبة قام بها بعد الخلافة ~~ويروى أيضا عن عمر) -ولا يحضرني اسمه- "إذا اعوججت فقوموني". # فهذا حق واجب بين الأستاذ والطالب. فإن الأستاذ يطلب إقامة الحق على نفسه ~~ليقوم به، ويتهم نفسه أحيانا، ويتعرف أحواله من غيره، مما عنده من النصفة ~~وطلب الحق، والحذر من الباطل، كما يطلب المريد ذلك من شيخه من التقويم، ~~وإصلاح الفاسد من الأعمال والأقوال. # ومن براهين المحق: أن يكون عدلا في مدحه، عدلا في ذمه، لا يحمله الهوى ~~-عند وجود المراد- على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى -عند تعذر ~~المقصود- على نسيان الفضائل والمناقب، وتعديد المساوئ والمثالب. PageV01P087 # فالمحق في حالتي غضبه ورضاه ثابت على مدح من مدحه وأثنى عليه، ثابت على ذم ~~من ثلبه وحطط عليه. # وأما من عمل كراسة في عد مثالب هذا الرجل القائم بهذه الصفات الكاملة بين ~~أصناف هذا العالم المنحرف، في هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك شيئا من ~~فضائله، ويعلم أنه ليس المقصود ذكر الفضائل، بل المقصود تلك المثالب. ثم ~~أخذ الكراسة يقرؤها على أصحابه واحدا واحدا في خلوة، يوقف بذلك همهم عن ~~شيخهم، ويريهم قدحا فيه. فإني أستخير الله تعالى وأجتهد رأيي في مثل هذا ~~الرجل، وأقول انتصارا لمن ينصر دين الله، بين أعداء الله في رأس السبعمائة، ~~فإن نصره مثل هذا الرجل واجبة على كل مؤمن كما قال ورقة بن نوفل: "لئن ~~أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا" (رواه البخاري في بدء الوحي) ثم أسأل الله ~~تعالى العصمة فيما أقول عن تعدي الحدود والإخلاد إلى الهوى. # أقول: مثل هذا -ولا أعين الشخص المذكور بعينه- لا يخلو ms071 من أمور: # أحدها: أن يكون ذا سن تغير رأيه لسنه. لا بمعنى أن اضطراب بل بمعنى أن ~~السن إذا كبر يجتهد صاحبه للحق. ثم يضعه في غير مواضعه. مثلا يجتهد أن ~~إنكار المنكر واجب. وهذا منكر. وصاحبه قد راج على الناس. فيجب على تعريف ~~الناس ما راج عليهم، وتغيب عليه المفاسد في ذلك. # فمنها: تخذيل الطلبة، وهم مضطرون إلى محبة شيخهم، ليأخذوا عنه. فمتى ~~تغيرت قلوبهم عليه ورأوا فيه نقصا حرموا فوائده الظاهرة والباطنة. وخيفت ~~عليهم المقت من الله أولا. ثم من الشيخ ثانيا. # المفسدة الثانية: إذا شعر أهل البدع الذين نحن وشيخنا قائمون الليل ~~والنهار بالجهاد والتوجه في وجوههم لنصرة الحق: أن في أصحابنا من ثلب رئيس ~~القوم بمثل هذا. فإنهم يتطرقون بذلك إلى الاشتفاء من أهل الحق ويجعلونه حجة لهم. # المفسدة الثالثة: تعديد المثالب في مقابلة ما يستغرقها ويزيد عليها ~~بأضعاف كثيرة من المناقب، فإن ذلك ظلم وجهل. PageV01P088 # والأمر الثاني، من الأمور الموجبة لذلك: تغير حالة وقلبه. وفساد سلوكه بجسد ~~كان كامنا فيه. وكان يكتمه برهة من الزمان. فظهر ذلك الكمين في قالب، صورته ~~حق ومعناه باطل. # وفي الجملة -أيدكم الله- إذا رأيتم طاعنا على صاحبكم فافتقدوه في عقله ~~أولا، ثم في فهمه، ثم في صدقه، ثم في سنه. فإذا وجدتم الاضطراب في عقله، ~~دلكم على جهله بصاحبكم. وما يقول فيه وعنه. ومثله قلة الفهم. ومثله عدم ~~الصدق، أو قصوره، لأن نقصان الفهم يؤدي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب عقله ~~عنه. ومثله العلو في السن فإنه يشيخ فيه الرأي والعقل كما تشيخ فيه القوى ~~الظاهرة الحسية، فاتهموا مثل هذا الشخص واحذروه، واعرضوا عنه إعراض مداراة ~~بلا جدل ولا خصومة. # وصفة الامتحان بصحة إدراك الشخص وعقله وفهمه: أن تسألوه عن مسألة سلوكية. ~~أو علمية، فإذا أجاب عنها فأوردوا على الجواب إشكالا متوجها بتوجيه صحيح، ~~فإن رأيتم الرجل يروح يمينا وشمالا، ويخرج عن ذلك المعنى إلى معان خارجة، ~~وحكايات ليست في المعنى حتى يتسنى رب المسألة سؤاله، حيث توهه عنه ms072 بكلام لا ~~فائدة فيه، فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه، ولا على مدحه، فإنه ناقص الفطرة، ~~كثير الخيال، لا يثبت على تحري المدارك العلمية، ولا تنكروا مثل إنكار هذا. ~~فإنه اشتهر قيام ذي الخويصرة التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقوله له: "اعدل -فإنك لم تعدل- إن هذه قسمة لم يرد بها وجه الله تعالى" أو ~~نحو ذلك. # فوقوع هذا وأمثاله من بعض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال: ~~[لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة] وإن كان ذلك في اليهود ~~والنصارى، لكن لما كانوا منحرفين عن نهج الصواب، فكذلك يكون في هذه الأمة ~~من يحذو حذو كل منحرف وجد في العالم، متقدما كان أو متأخرا، حذو القذة ~~بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. PageV01P089 # يا سبحان الله العظيم، أين عقلاء هؤلاء؟ أعميت أبصارهم وبصائرهم؟ أفلا يرون ~~ما الناس فيه من العمى والحيرة في الزمان المظلم المدلهم، الذي قد ملكت فيه ~~الكفار معظم الدنيا؟ وقد بقيت هذه الخطة الضيقة، يشم المؤمنون فيها رائحة ~~الإسلام؟ وفي هذه الخطة الضيقة من الظلمات من علماء السوء والدعاة إلى ~~الباطل وإقامته، ودحض الحق وأهله ما لا يحصر في كتاب. ثم إن الله تعالى قد ~~رحم هذه الأمة بإقامة رجل قوي الهمة، ضعيف التركيب، قد فرق نفسه وهمه في ~~مصالح العالم، وإصلاح فسادهم، والقيام بمهماتهم، وحوائجهم، ضمن ما هو قائم ~~بصدد البدع والضلالات، وتحصيل مواد العلم النبوي الذي يصلح به فساد العالم، ~~ويردهم إلى الدين الأول العتيق جهد إمكانه، وإلا فأين حقيقة الدين العتيق؟ # فهو مع هذا كله قائم بجملة ذلك وحده، وهو منفرد بين أهل زمانه، قليل ~~ناصره، كثير خاذله، وحاسده، والشامت فيه!! # فمثل هذا الرجل في هذا الزمان، وقيامه بهذا الأمر العظيم الخطير فيه. ~~أيقال له: لم ترد على الأحمدية؟ لم لا تعدل في القسمة؟ لم تدخل على ~~الأمراء؟ لم تقرب زيدا وعمرا؟ # أفلا يستحي العبد من الله؟ يذكر مثل هذه الجزئيات في مقابلة هذا العبء ~~الثقيل؟ ولو حوقق ms073 الرجل على هذه الجزئيات وجد عنده نصوص صحيحة، ومقاصد ~~صحيحة ونيات صحيحة!! تغيب عن الضعفاء العقول، بل عن الكمل منهم، حتى ~~يسمعوها. # أما رده على الطائفة الفلانية أيها المفرط التائه، الذي لا يدري ما يقول. ~~أفيقوم دين محمد بن عبدالله الذي أنزل من السماء، ألا بالطعن على هؤلاء؟ ~~وكيف يظهر الحق إن لم يخذل الباطل؟ لا يقول مثل هذا إلا تائه، أو مسن أو حاسد. PageV01P090 # وكذلك القسمة للرجل، في ذلك اجتهاد صحيح. ونظر إلى مصالح تترتب على إعطاء ~~قوم دون قوم، كما خص الرسول صلى الله عليه وسلم الطلقاء بمائة من الإبل، ~~وحرم الأنصار! حتى قال منهم إحداثهم شيئا في ذلك. لاذووا أحلامهم، وفيها ~~قام ذو الخويصرة فقال ما قال، وأما دخوله على الأمراء، فلو لم يكن، كيف كان ~~شم الأمراء رائحة الدين العتيق الخاص؟ ولو فتش المفتش، لوجد هذه الكيفية ~~التي عندهم من رائحة الدين، ومعرفة المنافقين، إنما اقتبسوها من صاحبكم. # وخاتمة الخير على عمله، وأن يرده عن انحرافه إلى نهج الصواب، بحيث لا ~~يبقى معشره يعيبه بعلمه، وتصنيفه، من أولي العقول والأحكام ونستغفر الله ~~العظيم، من الخطأ والزلل، في القول والعمل. والحمد لله وحده، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أ.ه (تمت هذه الرسالة التي سماها مؤلفها الشيخ ~~علم الدين رحمه الله التذكرة والإغيار، والانتصار للأبرار وقد نقلناها من ~~كتاب العقود الدرية لابن عبدالهادي من ص291 إلى 321). # الباب العاشر # ابن تيمية: مصنفاته وتآليفه # مصنفات ابن تيمية تربو على ثلاثمائة مجلد وقد وزعت مصنفاته على سني عمره ~~فوجد أنها تبلغ في كل يوم أربعة كراريس، ولا غرر في ذلك فقد كتب الرسالة ~~الحموية وهي تقع في نحو سبعين صفحة من القطع المتوسط في جلسة بين الظهر ~~والعصر كما قال الذهبي. وكتب أربعة مجلدات كاملة في الرد على الاخنائي ~~المالكي في مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور وأربع مجلدات على سؤال واحد ~~سماه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح). وهذه طائفة من تصانيفه كما ذكرها ~~ابن رجب. قال: ms074 # وأما تصانيفه رحمه الله: فهي أشهر من أن تذكر، واعرف من أن تنكر. سارت ~~مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، ~~فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها. PageV01P091 # ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار: كتاب (الإيمان) مجلد، كتاب ~~(الاستقامة) مجلدان (جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوي الحموية)، أربع ~~مجلدات، كتاب (تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) في ست مجلدات كبار، ~~كتاب (المحنة المصرية) مجلدان (المسائل الاسكندرانية) مجلد (الفتاوى ~~المصرية) سبع مجلدات. # وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب (الإيمان) كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين ~~صنفها في السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفة ورق أيضا، كتاب (درء تعارض ~~العقل والنقل) أربع مجلدات كبار. والجواب عما أورده للشيخ كمال الدين بن ~~الشربشي على هذا الكتاب، نحو مجلد كتاب (منهاج السنة النبوية في نقض كلام ~~الشيعة والقدرية) أربع مجلدات (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) مجلدان ~~(شرح أول المحصل للرازي) مجلد (شرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازي) ~~مجلدان (الرد على المنطق) مجلد كبير (الرد على البكري في مسألة الاستغاثة) ~~مجلد (الرد على أهل كسروان الروافض) مجلدان (الصفدية)، جواب من قال: إن ~~معجزات الأنبياء قوى نفسانية مجلد (الهلاونية) مجلد (شرح عقيدة الأصبهاني) ~~مجلد (شرح العمدة) للشيخ موفق الدين. كتب منه نحو أربع مجلدات (تعليقة على ~~المحرر) في الفقه لجده عدة مجلدات (الصارم المساول على شاتم الرسول) مجلد ~~(بيان الدليل على بطلان التحليل) مجلد (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة ~~أصحاب الجحيم) مجلد (التحرير في مسألة حفير) مجلد في مسألة من القسمة، ~~كتبها اعتراضا على الخوى في حادثة حكم فيها (الرد الكبير على من اعترض عليه ~~في مسألة الحلف بالطلاق) ثلاث مجلدات، كتاب (تحقيق الفرقان بين التطليق ~~والأيمان) مجلد كبير (الرد على الأخنائي في مسألة الزيارة) مجلد. وأما ~~القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوي: فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها ~~وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان) مجلد لطيف (الفرقان بين ms075 الحق PageV01P092 ~~والبطلان) مجلد لطيف (الفرقان بين الطلاق والأيمان) مجلد لطيف (السياسة ~~الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) مجلد لطيف (رفع الملام عن الأئمة ~~الأعلام) مجلد لطيف. # *السبب في إكثاره في الأصول: # قال الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار المتوفي سنة 749-تلميذ شيخ ~~الإسلام: # "ولقد أكثر رضي الله عنه التصنيف في الأصول فضلا عن غيره من بقية العلوم ~~فسألته عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ~~ليكون عمدة في الإفتاء. فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد ~~المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه. ~~وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية ~~والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية والنصيرية والجهمية ~~والحلولية والمعطلة، والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسلمية ~~وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها، بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم ~~إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة على كل دين، العلية. وأن ~~جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل أن سمعت أو رأيت ~~معرضا عن الكتاب والسنة، مقبلا على مقولاتهم إلا وقد تزندق أو صار على غير ~~يقين في دينه أو اعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل ~~من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف ~~رذائلهم. وزيف دلائلهم ذبا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية. ولا ~~والله ما رأيت فيهم أحدا ممن صنف في هذا الشأن، وادعى علو المقام، إلا وقد ~~ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك إغضاؤه عن الحق ~~الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، وأتباعه طرق ~~الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات ~~وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا ورأسا. فغلبت PageV01P093 ~~عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها خبط عشواء، ولم يفرق بين ~~الحق والباطل، وإلا فالله أعظم لطفا بعباده من أن ms076 لا يجعل لهم عقلا يقبل ~~الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه. لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من ~~أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به ~~العبد الواردات فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل. ~~ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، ~~فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟ هذا باطل ~~قطعا يشهد له كل عقل سليم، لكن {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} ~~(النور:40). # قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل ~~همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى ~~به من الأجوبة العقلية والنقلية". # الباب الحادي عشر # تحقيق القول في مسألة خلود الجنة والنار # ذكرت في المقدمة أن السبب الذي حداني أن أجمع هذه الرسالة هو اتهام ذلك ~~الأستاذ للامام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه خالف الإجماع لأنه قال بفناء نار ~~الآخرة. # والحقيقة أن الامام ابن تيمية نفسه ليس له قول صريح في هذا بل أقواله في ~~الفتاوي أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان لا تفنيان، وأما الذي قال صراحة ~~بفناء النار فهو الإمام ابن القيم تلميذ الشيخ ابن تيمية وقد كتب في هذا ~~فصلا مطولا جدا في كتابه الفريد (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وقد استدل ~~لقوله الذي رجحه هذا بأنه هو المنقول عن عامة الصحابة وجمهور التابعين، ~~وأنه لا يذكر للصحابة قول مخالف وقد كتب أيضا ابن أبي العز الحنفي رحمه ~~الله في هذه المسألة فصلا في شرح العقيدة الطحاوية بين فيه مذاهب المسلمين ~~في هذه القضية حيث يقول: PageV01P094 # "وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدهما: أن من ~~دخلها لا يخرج منها أبدا الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن ~~أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية يتلذذون بها ~~لموافقتها لطبعهم! وهذا قول ms077 إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!! الثالث: أن ~~أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، ~~وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم ~~الله تعالى، فقال عز من قائل: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، قل ~~أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} (البقرة:80-81). الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها ~~أحد. الخامس: أنها تفني نفسها بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال ~~بقاءه!! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار، كما ~~تقدم. السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول ~~أبي الهذيل العلاف كما تقدم. السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد ~~في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. ~~الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقي فيها ~~الكفار، بقاء لا انقطاع له، كما قال الشيخ رحمه الله. وما عدا هذين القولين ~~الأخيرين ظاهر البطلان. # وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما. PageV01P095 # فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها ~~إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128). وقوله تعالى: {فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:106-107). ولم يأت بعد ~~هذين الاستثنائين ما اتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ~~{عطاء غير مجذوذ} (هود:108). وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} (النبأ:23) ~~وهذا القول، -أعني القول بفناء النار دون الجنة- منقول عن عمر، وابن مسعود، ~~وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، ~~بسنده إلى عمر رضي الله عنه، أنه قال: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل ms078 ~~عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه" (قال ناصر الدين الألباني ضعيف، ~~لأنه من روايته عن الحسن قال: قال عمر. والحسن لم يدرك عمر رضي الله عنه. ~~وقال ابن القيم في (حادي الأرواح) (2/71 طبع الكردي) عقبه: والحسن لم يسمع ~~من عمر. ومع ذلك فقد حاول تقويته بكلام خطابي، لا غناء فيه (راجع المستدرك) ~~وقد روي نحوه عن عبدالله بن عمرو موقوفا بسند ضعيف، وعن ابي امامة مرفوعا ~~بسند فيه تآلف، وقد تكلمت عليه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) ضمن ~~المائة السابعة)، ذكر ذلك في قوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} (النبأ:23). ~~قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~[لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي] ~~(متفق عليه). وفي رواية: [تغلب غضبي]. رواه البخاري في (صحيحه) من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه. قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: {عذاب يوم ~~عظيم} (الأنعام:15). و{أليم} (هود:26). و{عقيم} (الحج:55). ولم يخبر ولا في ~~موضع أحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: {عذابي أصيب به من أشاء، ~~ورحمتي وسعت كل شيء} PageV01P096 ~~(الأعراف:155). وقال تعالى حكاية عن الملائكة: {ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما} (غافر:7)، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب ~~لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في (الصحيح) تقدير يوم القيامة بخمسين ~~ألف سنة (أخرجه مسلم في حديث لأبي هريرة في عقوبة مانع الزكاة يوم القيامة. ~~وفي الباب عن ابن عمرو عند الحاكم (4/572) وصححه ووافقه الذهبي)، والمعذبون ~~فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم ~~الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا ~~لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا، فمن ~~مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد ~~من الخلود فيها، والتأييد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام: كله ms079 ~~حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، ~~وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو ~~حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. # ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: {ولهم عذاب مقيم} ~~(المائدة:40)، {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} (الزخرف:43)، {فلن نزيدكم إلا ~~عذابا} (النبأ:30)، {خالدين فيها أبدا} (البينة:8)، {وما هم منها بمخرجين} ~~(الحجر:48) (هذه الآية في أهل الجنة فلعله اراد آية المائدة (وما هم ~~بخارجين منها)، {وما هم بخارجين من النار} (البقرة:167)، {لا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف:40)، {لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا ~~يخفف عنهم من عذابها} (فاطر:36). PageV01P097 # {إن عذابها كان غراما} (الفرقان:65)، أي مقيما لازما. وقد دلت السنة ~~المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة ~~صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج ~~الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة ~~والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما". أ.ه منه بلفظه. # وهكذا يتبين من هذا النقل أن علماء أهل السنة في هذه المسألة على قولين ~~وأن المنقول عن بعض خيار الصحابة هو القول بفناء النار في نهاية الأمر، دون ~~الجنة. فإنهم مجمعون على بقائها بقاءا سرمديا. # * ولأهمية البحث الذي كتبه ابن القيم رحمه الله حول هذه القضية ننقله ~~بنصوصه من كتابه حادي الأرواح ليتبين لقارئ هذه الرسالة منزلة هذين ~~الإمامين في العلم الشرعي وتحري الحق ومعرفة الدليل والوقوف عند أقوال ~~السلف وأنهما لا يقولان قولا لم يسبقا إليه وأن ابن القيم تلميذ شيخ ~~الإسلام إنما هو قبس من نور شيخ الإسلام وشعلة من ناره ولذلك قال ابن حجر ~~رحمه الله لو لم يكن من فضل لابن تيمية إلا تلميذه ابن القيم لكفى: والآن ~~إلى تحقيق ابن القيم الفريد في مسألة خلود الجنة والنار. # علما أن جامع هذه الرسالة لا يذهب إلى ما ms080 ذهب إليه ابن القيم في المسألة ~~وإنما ننقل ما ذكره ابن القيم هنا لبيان أنه متأول للنصوص القرآنية وناقل ~~عن سلف له، وليس متحكما برأيه وهواه. ولكننا مع ذلك نرى أن الأسلم هو ~~الإيمان بخلود النار أيضا خلودا سرمديا لأن هذا هو الذي يتماشى مع ظاهر ~~النصوص، ولا يجوز لنا التحول عن هذا الظاهر إلا بدليل شرعي ظاهر قوي، ويبدو ~~أن هذا الدليل ليس موجودا هنا. والله تعالى أعلم وعلى كل حال فهذه المسألة ~~لا ينبني عليها عمل ومن الأفضل ترك تفصيل القول فيها.. وهذا هو ما حققه ابن ~~القيم في هذه المسألة: # قال: # الباب السابع والستون # في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد: PageV01P098 # وهذا مما يعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به قال تعالى: ~~{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ} (هود:108، (22-حادي الأرواح))، أي مقطوع. ولا ~~تنافي بين هذا وبين قوله إلا ما شاء ربك. واختلف السلف في هذا الاستثناء. ~~فقال معمر عن الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول ~~سبحانه: إنهم خالدون في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا مدة مكثهم في النار. # قلت: وهذا يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين هم هؤلاء. # والثاني: وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو ~~في الاستثناء وما دل عليه. وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى ~~الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف. وعلى هذا فلا يبقى في الآية ~~تخصيص. وقالت فرقة أخرى: هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما ~~تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه. بل تجزم بضربه. # وقالت فرقة أخرى: العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر ~~منه، كان معنى إلا في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء ~~الله من الزيادة مدة دوام ms081 السموات والأرض. هذا قول الفراء وسيبويه: يجعل ~~إلا بمعنى سوى قالوا: ونظير ذلك أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين الذين ~~قبلها أي سوى الألفين. قال ابن جرير: وهذا هو أحب الوجهين إلي، لأن الله ~~تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله {عطاء غير مجذوذ}. # قالوا: ونظير أن نقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت من ~~الزيادة عليه. PageV01P099 # وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين ~~الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو خلود الأبد فلم ~~يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ. وقالت فرقة أخرى: العزيمة ~~قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك إعلاما لهم ~~بأنهم مع خلودهم في مشيئته هذا كما قال لنبيه {ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك} (الإسراء:86)، وقوله {فإن يشأ الله يختم على قلبك} ~~(الشورى:24)، وقوله {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} (يونس:16)، ونظائره ~~وأخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. # وقالت فرقة أخرى: المراد بمدة دوام السموات والأرض في هذا العالم فأخبر ~~سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله أن ~~يزيدهم عليه. ولعل هذا قول من قال أن إلا بمعنى سوى ولكن اختلف عبارته وهذا ~~اختيار ابن قتيبة. قال: المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن ~~يزيدهم من الخلود على مدة العالم وقالت فرقة أخرى: ما بمعنى من قوله ~~{فانكحا ما طاب لكم من النساء} (النساء:3) والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله ~~النار بذنوبه من السعداء والفرق بين هذا القول وبين أول الأقوال: أن ~~الاستثناء على ذلك القول من المدة وعلى هذا القول من الأعيان. # وقالت فرقة أخرى: المراد بالسموات والأرض سماء الجنة وأرضها، وهما ~~باقيتان أبدا وقوله: {إلا ما شاء ربك} إن كانت ما بمعنى من فهم الذين ~~يدخلون النار ثم يخرجون منها، وإن ms082 كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتسابهم في ~~البرزخ والموقف، قال الجعفي: سألت عبدالله بن وهب عن هذا الاستثناء، فقال ~~سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس. PageV01P100 # وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا وهذه الأقوال ~~متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل وقت ~~إلا وقتا يشاء أن يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ ~~وفي موقف القيامة وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة وعلي كل تقدير فهذه ~~الآية من المتشابه وقوله فيها {عطاء غير مجذوذ} محكم وكذلك قوله {إن هذا ~~لرزقنا ما له من نفاد} وقوله {أكلها دائم وظلها} وقوله {وما هم منها ~~بمخرجين}. # وقد أكد الله سبحانه خلود أهل الجنة بالتأييد في عدة مواضع من القرآن ~~وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى. وهذا الاستثناء منقطع ~~وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله {إلا ما شاء ربك} تبين لك المراد من ~~الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا في الجنة من مدة الخلود كاستثناء ~~الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية. وذلك ~~مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها. وبالله التوفيق. # وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم [من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، ~~ويخلد ولا يموت] وقوله [ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا ~~تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا]. # وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: [يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة ثم يقال: يا أهل ~~الجنة فيطلعون مشفقين ويقال: يا أهل النار فيطلعون فرحين فيقال هل تعرفون ~~هذا فيقولون: نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت]. # فصل # وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال: # أحدهما: أن ms083 الجنة والنار فانيتان غير أبديتين بل كما هما حادثتان فهما ~~فانيتان. # والقول الثاني: أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبدا. PageV01P101 # والقول الثالث: إن الجنة باقية أبدية والنار فانية، ونحن نذكر هذه الأقوال ~~وما قابلها وما احتج به أرباب كل قول، ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله. ~~فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية، وليس ~~له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال ~~به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام ~~وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض، كما ذكره عبدالله ابن الإمام أحمد ~~في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب ~~الله عز وجل، بقول الله سبحانه وتعالى: {أكلها دائم وظلها} (الرعد:35) وهم ~~يقولون لا يدوم، وبقول الله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ} (ص:54) ~~وهم يقولون ينفد، ويقول الله عز وجل {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} ~~(النحل:96). # قال شيخ الإسلام: وهذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا ~~يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام التي استدلوا بها على حدوث الأجسام ~~وحدوث ما لم يحل من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم ~~أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل فداوم الفعل ~~ممتع عنده على الرب تبارك وتعالى في المستقبل، كما هو ممتنع عنده عليه في ~~الماضي. PageV01P102 # وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا ~~يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء. فقال بفناء حركات أهل ~~الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة، وزعمت ~~فرقة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل، ~~لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك، وكأن هؤلاء لم يعلمون ما ~~كان ممتعا في العقل ms084 لا يجيء الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجودها ~~ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين مجالات العقول ومجازاتها، ~~فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا ~~يستقل به ولا يجيء بما يعلم العقل إحالته. # والأكثرون الذين وافقوا جهما وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي ~~والمستقبل، وقالوا: الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنما ~~هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئا بعد شيء. قالوا: وهذا ~~نظير أن يقول القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما آخر فهذا ممكن، ~~والأول نظير أن يقول: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله درهما فهذا محال، ~~وهؤلاء عندهم وجود مالا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب، ~~ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا: بل الأمر في الماضي كهو في المستقبل ولا فرق ~~بينهما، بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلا يصير ماضيا وكل ~~ماض فقد كان مستقبلا فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في ~~الطرف الآخر. PageV01P103 # قالوا: وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل ربا قادرا ~~فعالا فإنه لم يزل عليما قديرا، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه ~~لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته من غير تجديد شيء وليس للازم حد محدود ~~حتى يصير الفعل ممكنا عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول ~~تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه من ~~الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي أما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه ~~الفعل أو لا يصح. # فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكما غير معقول وهو من جنس الهوس، وإن قلتم ~~يصح: قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية، فما من زمن محقق أو مقدار إلا ~~والفعل ممكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد رب تعالى وربوبيته وملكه ~~وهو لم يزل ربا حميدا ملكا قادرا لم تتجدد ms085 له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل ~~حيا مريدا عليما. والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقضي آثارها ومتعلقاتها، ~~فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن ~~يفعل شيئا البتة؟ # وكيف يجعل هذا أصل من أصول الدين ويجعل معيارا على ما أخبر الله به ~~ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها؟ فإذا كان هذا شأن الميزان ~~فكيف يستقيم الموزون به، وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون ~~المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه، فإن الذي يحضره الوجود من الحركات هو ~~المتناهي ثم يعدم فيصير ماضيا، كما معدوما لما كان مستقبلا فوجوده بين ~~عدمين وكلما انتقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى، فالذي صار ماضيا هو بعينه ~~الذي كان مستقبلا فإن الدليل على امتناع مالا يتناهى شيئا قبل شيء فهو ~~بعينه، دل على امتناعه شيئا بعد شيء. PageV01P104 # وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله: ما أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله ~~درهما، فهذا ممكن. والماضي نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله ~~درهما، فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن ~~يقول ما أعطيك درهما إلا وقد تقدم مني إعطاء درهم قبله. فهذا ممكن الدوام ~~في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما ~~البتة، ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل وأتباعهما بين الأمرين فرقا قالوا: ~~بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي. # وقال أهل الحديث بل هما سواء في الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه ~~وتعالى فعالا لما يريد ولم يزل موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال. ~~وليس المتمكن من الفعل كل وقت كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين وليس ~~من يخلق كمن لا يخلق، ومن يحسن كمن لا يحسن، ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر، ~~وأي كمال في أن يكون رب العالمين معطلا عن الفعل في مدة مقدرة أو محققة لا ~~تتناهى يستحيل منه الفعل وحقيقة ذلك ms086 أنه لا يقدر عليه. # وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم إن المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه، ~~فجمعتم بين محالين الحكم بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته وانقلابه من ~~الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب وزعمتم أن هذا هو ~~الأصل الذي تثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامة الأبدان فجنيتم على ~~العقل والشرع، والرب تعالى لم ينزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته ولم ~~يزل فعالا لما يريد ولم يزل ربا محسنا. PageV01P105 # والمقصود: أن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ~~ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين. والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس ~~فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقا وبنوا عليه القول بخلق ~~القرآن ونفي الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل الصريح على أن كلمات الله ~~وأفعاله لا تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول قال تعالى: {قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله ~~مددا} (الكهف:109). # وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} (لقمان:27)، فأخبر عن عدم نفاذ ~~كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك. # وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال: سمعت الربيع بن أنس ~~يقول إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها ~~وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} - الآية. # وقوله {قل لو كان البحر مدادا} - الآية، يقول سبحانه وتعالى قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر ~~وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ~~ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما ms087 ~~يقول، ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره في نعيم الآخرة كحبة من خردل في ~~خلال الأرض كلها. # فصل # وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام: فيها قولان معروفان عن ~~السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف من التابعين، وقلت: ههنا أقوال سبعة: # أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبدا بل من دخلها خلد فيها أبد الآباد ~~بإذن الله، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. PageV01P106 # والثاني: أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم ~~يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم، وهذا قول إمام الإتحادية ابن عربي الطائي. # قال في فصوصه: الثناء بصدق الوعد لا يصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب ~~الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز ~~{فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} (إبراهيم:47)، لم يقل وعيده بل قال ~~{ونتجاوز عن سيئاتهم} (الأحقاف:16)، مع أنه توعد على ذلك، وأثنى على ~~إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق من طلب المرجح: # فلم يبق إلا صادق الوعد وحده وما لوعيد الحق عين تعاين # إن دخلوا دار الشقاء فإنهم على لذة فيها نعيم مباين # نعيم جنان الخلد والأمر واحد وبينهما عند التجلي تباين # يسمى عذابا من عذوبة طعمه وذاك له كالقشر والقشر صاين # وهذا في طرف والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على الله أن يخالف وعيده بل ~~يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من ~~دخلها أصلا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلا. والفريقان مخالفان لما علم ~~بالاضطرار أن الرسول جاء وأخبر به عن الله عز وجل. # الثالث: قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ~~ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فأكذبهم الله تعالى في القرآن فيه: # فقال تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون* بلى ms088 من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:80،81). # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم. ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون* ذلك بأنهم قالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} (آل ~~عمران:23،24). PageV01P107 # فهذا القول إنما هو قول أعداء الله اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به. ~~وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على فساده. # قال تعالى: {وما هم بخارجين من النار}، وقال: {وما هم منها بمخرجين}، ~~وقال: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها}. # وقال تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}، وقال تعالى: {لا ~~يقضى عليهم فيموتوا لا يخفف عنهم من عذابها} (فاطر:36)، وقال تعالى: {ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف:40). # وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة. # الرابع: قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد ~~يعذب. حكاه شيخ الإسلام. والقرآن والسنة أيضا يردان على هذا القول كما تقدم. # الخامس: قول من يقول: بل تفني نفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن: وما ثبت ~~حدوثه استحال بقاؤه وأبديته. وهذا قول جهم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ~~ذلك بين الجنة والنار. # السادس: قول من يقول تفني حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لا يتحركون ولا ~~يحسون بألم. وهذا قول أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة طردا لامتناع حوادث ~~لا نهاية لها. والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم. # السابع: قول من يقول: بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى، فإنه جعل لها ~~أمدا تنتهي إليه تفنى ويزول عذابها. # قال شيخ الإسلام: وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي ~~سعيد وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره ~~المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال: قال ~~عمر: "لو لبث أهل ms089 النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم ~~يخرجون فيه". PageV01P108 # وقال: حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن ~~الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون ~~فيه" ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} (النبأ:23)، فقد ~~رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن ~~حرب وحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت ~~وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن، وحسبك بهذا الإسناد جلالة. # والحسن وإن لم يسمع من عمر، فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ~~ذلك عن عمر لما جزم به. وقال: عمر بن الخطاب، ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر ~~فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على ~~من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع ~~المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة، لكانوا أو منكر له. # قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس ~~أهل النار الذين هم أهلها، فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم ~~أنهم يخرجون منها، وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه. # ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا ~~يحيون، ولا يناقض هذا قوله تعالى: {خالدين فيها} وقوله: {وما هم بمخرجين} ~~(الحجر:48). # بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه، لكن إذا انقضى ~~أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب قال أرباب هذا القول: # وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: {قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم ms090 عليم} قال: لا ينبغي ~~لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا. PageV01P109 # قالوا: وهذا الوعيد في هذه الآية مختصا بأهل القبلة فإنه سبحانه قال: {ويوم ~~يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم.وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون} (الأنعام:128،129). # وأولياء الجن من الإنس يدخل فيها الكفار قطعا فإنهم أحق بموالاتهم من ~~عصاة المسلمين، كما قال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون}. # وقال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل:99،100). # وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} (الأعراف:201). # وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو} (الكهف:50). # وقال تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان}. # وقال تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} ~~(المجادلة:19). # وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون} والاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشياطين النار. # فمن ههنا قال ابن عباس: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله قالوا: وقول من ~~قال إن (ألا) بمعنى سوى أي ما شاء الله أن يزدهم من أنواع العذاب وزمنه لا ~~تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه، وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما ~~بعد (إلا) لما قبلها. # قالوا: وقول من قال إنه لاخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان ~~البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا، لا يساعد على وجه الكلام، فإنه استثناء ~~من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات ~~والأرض إلا ما شاء الله. PageV01P110 # وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا مالا يفهمه المخاطب ألا ترى سبحانه ~~يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون: {ربنا استمتع ms091 بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا ~~الذي أجلت لنا} فيقول لهم حينئذ: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله}. # وفي قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} نوع ~~اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم، فاشتركنا في ~~الشرك ودواعيه وأسبابه، وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك، وانقضت ~~آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك. وإنما كان غاية أمرنا في ~~مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض. # فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ~~ذلك اليوم، وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع ~~بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار ~~مرضاته. # وهذا من نمط قولهم: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقوله: ~~{فاعترفوا بذنبهم} وقوله: {فعلموا أن الحق لله} ونظائره والمقصود أن قوله: ~~{إلا ما شاء الله} عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة ~~الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له. # ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا: الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ ~~والموقف. وقد تبين ضعف هذا القول، ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى ~~نوع آخر من العذاب غير النار. # قالوا: والمعنى أنكم في النار أبدا إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو ~~الزمهرير وقد قال تعالى: {إن جهنم كانت مرصادا. للطاغين مآبا. لابثين فيها ~~أحقابا} (النبأ:21-23). # وقالوا: والأبد لا يقدر بالأحقاب. # وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: ليأتين على جهنم زمان وليس فيها أحد ~~وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا، وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما. ثم ~~قال: ومعناه عند أهل السنة إن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. PageV01P111 # قالوا: قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبدالله بن عمر وقد سأل حرب ~~اسحق بن راهويه عن هذه الآية فقال: سألت إسحق قلت قول الله تعالى: {خالدين ~~فيها ما دامت السموات ms092 والأرض إلا ما شاء ربك} فقال: أتت هذه الآية على كل ~~وعيد في القرآن. # حدثنا عبيدالله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي حدثنا أبو ~~نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه ~~الآية تأتي على القرآن كله: {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} ~~(هود:106). # قال المعتمر: قال أتى على كل وعيد في القرآن، حدثنا عبيدالله بن معاذ ~~حدثنا أبي عن شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبدالله بن عمرو ~~قال ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون ~~فيها أحقابا. # حدثنا عبيدالله حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن ابن زرعة عن أبي ~~هريرة قال: ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، ~~وقرأ قوله: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} الآية ~~(هود:107). # قال عبيدالله: كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين حدثنا أبو معن حدثنا ~~وهب بن جرير حدثنا شعبة عن سليمان التميمي عن أبي نضرة عن جابر بن عبدالله ~~أو بعض أصحابه في قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ~~ربك} (هود:107) قال هذه الآية تأتي على القرآن كله. وقد حكى ابن جرير هذا ~~القول في تفسيره عن جماعة من السلف فقال: وقال آخرون عني بذلك أهل النار ~~وكل من دخلها. ذكر من قال ذلك ثم ذكر الآثار التي نذكرها. # وقال عبدالرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو ~~عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {إلا ما شاء ربك إن ~~ربك فعال لما يريد} قال هذه الآية تأتي على القرآن كله يقول حيث كان في ~~القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال: وسمعت أبا مجلز يقول: جزاؤه فإن شاء ~~الله تجاوز عن عذابه. PageV01P112 # وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبدالرزاق ms093 فذكره قال وحدثت عن ~~المسيب عمن ذكره عن ابن عباس: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} قال استثنى الله قال أمر الله النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن ~~مسعود: ليأتين على جهنم زمان تصفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها ~~أحقابا، حدثنا ابن حميد حدثنا جرير بيان عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين ~~عمرانا، وأسرعهما خرابا. # وحكى ابن جرير في ذلك قولا آخر فقال: وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل ~~بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثناياه بقوله {عطاء غير مجذوذ} وأنها لفي ~~الزيادة على مقدار مدة السموات والأرض قالوا: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل ~~النار، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان. حدثنا ~~يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك} فقرأ حتى بلغ {عطاء غير مجذوذ} فقال أخبرنا ~~بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. PageV01P113 # وقال ابن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا ~~يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن ~~دينار عن جابر قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فأما الذين شقوا ففي ~~النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ~~ربك} (هود:106و107) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [إن شاء الله أن يخرج ~~أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل]. وهذا الحديث يدل على أن ~~الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافا لمن زعم أنه لما قبل ~~الدخول، ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار، وهذا حق بلا ريب وهو لا ~~ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما ~~دامت كذلك وما هم منها بمخرجين، فالحديث دل على أمرين: أحدهما: أن بعض ~~الأشقياء إن شاء الله أن ms094 يخرجهم من النار وهي نار فعل، وأن الاستثناء إنما ~~هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء إلا ما شاء ~~ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء نوعين نوعا يخرجون ~~منها ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين ~~سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين قالوا وقد قال تعالى: {إن جهنم ~~كانت مرصادا، للطاغين مآبا، لابثين فيها أحقابا، لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا، إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا، إنهم كانوا لا يرجون حسابا، وكذبوا ~~بآياتنا كذابا} (النبأ:21-28)، فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته ~~ولا يقدر الأبد بهذه الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم. ولهذا قال ~~عبدالله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه ~~"ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون ~~فيها أحقابا". # فصل # والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق: PageV01P114 # أحدها: اعتقاد الإجماع فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين ~~الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه، وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال أهل البدع. # الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه أخبر أنه ~~عذاب مقيم، وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن يزيدهم إلا عذابا وأنهم خالدين فيها ~~أبدا وما هم بخارجين من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن الله حرم الجنة ~~على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأنهم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراما، أي ~~مقيما لازما. قال وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره. # الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة ~~الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا ~~بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. # الطريق الرابع: أن الرسول ms095 وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير ~~حاجة بنا إلى نقل معين، كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها. # الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار ~~مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع. PageV01P115 # الطريق السادس: أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار، وهذا مبني على قاعدة ~~وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم ~~بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع؟ فيه طريقتان لنظار المسلمين، وكثير منهم ~~يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع، كما دل عليه القرآن في غير موضع، ~~كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوي بين الأبرار والفجار، في المحيا ~~والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا، وأنهم إليه لا يرجعون، وأنه يتركهم ~~سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم، وذلك يقدح في حكمته وكماله، وأنه نسبه إلى ~~مالا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها ~~لازمة لها لا تفارقها وإن ندمت عليها، لما رأت العذاب فلم تندم عليها ~~لقبحها أو كراهة ربها لها، بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال ~~تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} (الأنعام:27،28). # فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها ~~وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل ~~على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء السمع، قال أصحاب الفناء الكلام ~~على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة. # رد دعوى الإجماع في المسألة: # فأما الطريق الأول فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم، وإنما يظن الإجماع ~~في هذه المسألة من لم يعرف النزاع، وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا بل لو ~~كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من ms096 الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه ~~قال: إن النار لا تفني أبدا، لم يجد إلى ذلك سبيلا. PageV01P116 # ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل ~~التابعون حكوا عنهم هذا وهذا، قالوا: والاجماع المعتد به نوعان، متفق ~~عليهما، ونوع ثالث مختلف فيه، ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع ~~الأول ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات ~~الظاهرة. # الثاني: ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه. # الثالث: أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد، فأين معكم ~~واحد من هذه الأنواع، ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج أن ~~الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان أسعد بالإجماع منكم. # قالوا: وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها، ~~فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟ نعم، الذي دل عليه القرآن إن الكفار ~~خالدين في النار أبدا، وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها ~~وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم، وأنه غرام لازم لهم هذا كله ~~مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد ~~النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه ~~الفناء؟ وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى ~~عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ~~ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا ~~أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع. وهذه النصوص وأمثالها تقتضي ~~خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة كما ~~يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على ~~حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. PageV01P117 # قالوا: وأما الطريق الثالث: وهي مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من ~~النار ms097 دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج ~~الموحدين منها وهي دار العذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية ~~والنصوص دلت على هذا وعلى هذا. # قالوا: وأما الطريق الرابع: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفنا ~~على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفر باقون ~~فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا ~~انتهاء لها ولا تفنى كالجنة، فأين في القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك. # قالوا: وأما الطريق الخامس وهو أن عقائد أهل السنة أن الجنة والنار ~~مخلوقتان لا يفنيان أبدا. فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من ~~الجهمية والمعتزلة. وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا ~~أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به من ~~الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به أقوال أهل البدع مع ~~أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين، فقولكم إنه من أقوال ~~أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم. PageV01P118 # قالوا: والقول الذي بعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ~~وإجماع الأمة، أما الصحابة أو من بعدهم، وأما قول يوافق الكتاب والسنة ~~وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوا فالحق ~~يجب قبوله ممن قاله. والباطل يجب رده على من قاله وكان معاذ بن جبل يقول: ~~"الله حكم قسط هلك المرتابون إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها ~~القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك ~~أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع فإن كل بدعة ~~ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم؟ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة ~~الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على ms098 ~~الحق نورا، قالوا: وكيف زيغة الحكيم، قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها ~~وتقولون ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع ~~الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة". # والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع ~~عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا ~~يخفف عنهم من عذابها ولا يفتر عنهم وانهم خالدون فيها، ومن ذكر منهم أن ~~النار لا تفنى أبدا فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها، ولم ~~يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها قالوا: وأما حكم العقل بتخليد أهل النار ~~فيها، فإخبار عن العقل بما ليس عنده، فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم ~~إلا بخبر الصادق. PageV01P119 # وأما أصل الثواب والعقاب: فهل يعلم بالعقل مع السمع أو لا يعلم إلا بالسمع ~~وحده؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتبع الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح ~~أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيله فلا يعلم إلا ~~بالسمع ودوام الثواب والعقاب ما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما علم ~~بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين، وأما عقاب العصاة ~~فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين، وأما دوامه ~~وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع من جانبه فهو أسعد ~~بالصواب. وبالله التوفيق. # الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا: # ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا وذلك يظهر من وجوه: # أحدها: أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا ~~نفاد له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ، وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من ~~خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأنها ~~مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم ~~لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر. # الوجه الثاني: أن النار قد ms099 أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل ~~على عدم أبديتها. الأولى: قوله سبحانه وتعالى: {قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128)، الثانية: قوله: ~~{خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} ~~(هود:107). PageV01P120 # الثالثة: قوله: {لابثين فيها أحقابا} (النبأ:23)، ولولا الأدلة القطعية ~~الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثناءين في الموضعين واحدا ~~كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثناءين فإنه قال في أهل النار: ~~{إن ربك فعال لما يريد} (هود:107)، فعلمنا أنه سبحانه وتعالى يريد أن يفعل ~~فعلا لم يخبرنا به، وقال في أهل الجنة: {عطاء غير مجذوذ} (هود:108)، فعلمنا ~~أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدا. فالعذاب مؤقت معلق والنعيم ليس ~~بمؤقت ولا معلق. # الوجه الثالث: أنه قد ثبت أن الجنة لم يدخلها من لم يعمل خيرا قط من ~~المعذبين الذين يخرجهم الله من النار، وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل ~~سوءا قط ولا يعذب إلا من عصاه. # الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن الله سبحانه وتعالى ينشيء للجنة خلقا آخر ~~يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار، وأما الحديث الذي قد ورد في ~~صحيح البخاري من قوله: [وأما النار فينشيء الله لها خلقا آخرين] فغلط وقع ~~من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب بنفسه: ~~[وأما الجنة فينشيء الله لها خلقا آخرين] ذكره البخاري رحمه الله مبينا أن ~~الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا، والمقصود أنه لا تقاس النار ~~بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق. # الوجه الخامس: أن الجنة من موجب رحمته ورضاه، والنار من غضبه وسخطه، ~~ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده ~~موضوع على العرش أن رحمتي تغلب غضبي]. وإذا كان رضاه قد سبق غضبه ms100 وهو يغلبه ~~كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعا. PageV01P121 # الوجه السادس: أن ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات وما ~~كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب ~~مراد لغيره وما كان للرحمة فغالب سابق مراد لنفسه. # الوجه السابع: وهو أنه سبحانه قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وقال ~~للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وعذابه مفعول منفصل، وهو ناشيء عن غضبه، ~~ورحمته ههنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن ~~فههنا أربعة أمور رحمة هي صفته سبحانه، وثواب منفصل هو ناشيء عن رحمته، ~~وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه إذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب ~~فلأن يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى، فلا تقاوم النار التي ~~نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة. PageV01P122 # الوجه الثامن: أن النار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين والمجرمين، ~~فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم فإن تطهرت ههنا ~~بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج إلى تطهير هناك ~~وقيل لها مع جملة الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وإن لم تتطهر ~~في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدونها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة ~~لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا ~~يغسلها الماء، فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار والله سبحانه خلق ~~عباده حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلو خلوا وفطرهم لما ~~نشؤوا إلا على التوحيد ولكن عرض لأكثر الفطر ما غيرها، ولهذا كان نصيب ~~النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله فأرسل ~~الله رسوله، وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها، فعرف الموفقون ~~الذين سبقت لهم من الله الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ~~بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع الله ودينه الذي ms101 أرسل به رسله وفطرته التي ~~فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة، أن تكتسب نفوسهم خبثا ~~ونجاسة ودرنا يعلق بها ولا يفارقها، بل كلما ألم بهم شيء من ذلك ومسهم طائف ~~من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره، وكمل لهم ~~الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مم يحبون أو يكرهون، تمحص عنهم تلك ~~الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكانا قابلا مستعدا لها ~~ليس فيه شيء يدافعه فقال هنا أمرت وليس لله سبحانه غرض. في تعذيب عباده ~~بغير موجب كما قال تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله ~~شاكرا عليما} (النساء:147)، واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما ~~خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير، فاحتاجوا إلى إزالة ذلك ~~إلى تغيير أخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث PageV01P123 ~~لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه ~~الدار، فأتاح لهم آيات أخر وأقضية، وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ~~ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار، فإذا زال موجب العذاب وسببه ~~زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له، فإن قيل هذا حق ولكن سبب ~~التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين، أما إذا كان ~~لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى ~~هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها: قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه} فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، ~~وأنها غير قابلة للإيمان أصلا. ومنها قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو ~~في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} (الإسراء:72)، فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم ~~عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا ~~كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم. ومنها: ~~قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون} (الأنفال:23)، وهذا يدل على أنه ليس ms102 فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان ~~فيهم خير ما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله: ~~[أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير] ولو كان عند هؤلاء ~~أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين. PageV01P124 # قيل: لعمر الله إن هذا لمن أقوى ما يتمسك به من المسألة، وإن الأمر لكما ~~قلتم، وإن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه، ولا ريب أنهم في الآخرة في عمى ~~وضلال كما كانوا في الدنيا بواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا، والعذاب ~~مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك: ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ~~ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ هذا ~~حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد أخبر ~~سبحانه أنه فطر عباده على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم ~~سبحانه على الكفر والتكذيب، كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم ~~على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده. # فإن كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه وخلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر ~~والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك والباطل بضده من الحق أولى وأحرى، ~~ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ~~ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها ~~تبارك وتعالى إذا أخذت النار مأخذها منهم، وحصلت الحكمة المطلوبة من ~~عذابهم، فإن العذاب لم يكن سدى وإنما كان لحكمة مطلوبة. فإذا حصلت تلك ~~الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس يشتفي ~~بعذاب عباده كما يشتفي المظلوم من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض، ~~وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له، وإن تألم به غاية الألم كما ~~أن عذابه بالحدود الدنيا مصلحة لأربابها. PageV01P125 # وقد سمى الله سبحانه الحد عذابا وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء ms103 ~~دواء يناسبه، ودواء الداء العضال يكون من أشق الأدوية، والطبيب الشفيق يكوي ~~المريض بالنار كيا بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة ~~المستقيمة وإن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه أشد الألم فهذا قضاء ~~الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار ~~العبد، فكيف إذا طرأ على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته؟ # وإذا تأمل اللبيب شرع الرب تعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في ~~الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك بعضه ببعض فإن مصدر ~~الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة وهو سبحانه الملك الحق المبين وملكه ~~ملك رحمة وإحسان وعدل. # الوجه التاسع: إن عقوبته بعد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ~~ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة. بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى ~~عن سائر العيوب والنقائص، ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة ~~فإنه أيضا يتنزه عن ذلك ويتعالى عنه، فإما أن يكون من تمام أوليائه ~~وأحبابه، وإما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أو لهذا ولهذا. # وعلى التقادير الثالث، فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد ~~الغايات والمراد من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها، ونعيم ~~أوليائه، ليس متوقفا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه، وهوامه ~~ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار، وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم. PageV01P126 # الوجه العاشر: إن رضا الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له، فلا ~~منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا ~~نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فإن كانت رحمته غلبت فإن رضا نفسه أعلى ~~وأعظم، فإن رضوانه أكثر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل الجنة ~~أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا، وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه ~~فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال ~~غضبان والناس لهم في صفة ms104 الغضب قولان: # أحدهما: أنه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر أفعاله. # والثاني: أنه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به. وعلى القولين فليس كالحياة ~~والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له والعذاب إنما ينشأ من صفة غضبه وما ~~سعرت النار إلا بغضبه، وقد جاء في أثر مرفوع: [إن الله خلق خلقا من غضبه ~~وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه] فمخلوقاته سبحانه نوعان من نوع مخلوق ~~من الرحمة وبالرحمة. ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب. # فإنه سبحانه له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ~~ومنه أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو. بل ~~هذا موجب ملكه الحق وهو حقيقة الملك المقرون بالحكمة والرحمة والحمد. فإذا ~~زال غضبه سبحانه وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة ~~رحمة بل لم تزل رحمة وإن تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة ~~وإخراجه من النار رحمة، فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في ~~الآخرة، لكن تلك رحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق ~~عليهم كرحمة الطبيب الذي يبضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه ~~المواد الرديئة الفاسدة. PageV01P127 # فإن قيل: هذا اعتبار غير صحيح فإن الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو ~~راض عنه ولم ينشأ فعله به عن غضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة، وأما عذاب ~~هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة. # قيل: هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم، وإن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة ~~الحدود عليهم في الدنيا فإنها عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة، فالحدود طهرة ~~لأهلها وعقوبة، وهم ما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه لما لا يطيق أن يقابل به ~~وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم ~~له ندا له، وآلهة معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته، وهو ولي ~~الإنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم، الحق الذي اشتد مقته لهم وغضبه ~~عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عليه تقدير خلافاتها ms105 ~~ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطل لأحكامها، كما أن ~~نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه. # فالمعطلون نوعان أحدهما: عطل صفاته والثاني عطل أحكامها وموجباتها. وكان ~~هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب ~~فاجتمع فيه الأمران، فإذا زال الغضب بزوال سببه وزالت المادة الفاسدة بتغير ~~الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها، وحصلت الحكمة التي ~~أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض. PageV01P128 # الوجه الحادي عشر: وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام، والرحمة أحب ~~إليه من العقوبة والرضا أحب إليه من الغضب. والفضل أحب إليه من العدل. ~~ولهذا ظهرت آثار المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه ~~وعقابه، وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع ~~الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما، وتلك المواد ~~الرديئة الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه الشفاء التام والأدوية ~~الموافقة لكل داء، وله القدرة التامة والرحمة البالغة والغنى المطلق، ~~وبالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت غاية الضرر والمشقة، وقد ~~عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد، فتضرع إليه ودخل به عليه ~~واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له، وأن ~~الخلق كله وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا ~~يبغض عدله، وأن له غاية الحمد فيما فعل به، وأن حمده هو الذي أمامه، في هذا ~~المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه، بل ذلك محض ~~فضل الله وصدقه عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه بمجرد العفو والتجاوز عن ~~حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص، وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح. # فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ~~ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال. وقالوا ms106 إن كان ما نحن فيه ~~رضاك فرضاك الذي نرى وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب ما لا يرضيك فأما ~~إذا أرضاك، هذا منا فرضاك غاية ما نقصده (وما لجرح إذا أرضاك من ألم) وأنت ~~أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بمصالحنا لك الحمد كله، عاقبت أو عفوت، لانقلبت ~~النار عليهم بردا وسلاما. PageV01P129 # وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: [يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ~~ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما ~~أسمع شيئا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني ~~بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي ~~مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه ~~فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت ~~عليهم بردا وسلاما]. # وفي المسند أيضا: من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله ~~وقال: [فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها] فهؤلاء ~~لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضي ربهم وموافقة أمره ~~ومحبته انقلب في حقهم نعيما. # ومثل هذا، وما رواه عبدالله بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن أنعم ~~عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: [إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما. فقال الرب جل ~~جلاله: أخرجوهما فإذا أخرجا فقال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ~~ذلك لترحمنا، قال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من ~~النار. قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلهما الله سبحانه عليه بردا ~~وسلاما، ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك كما ~~ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها، ms107 ~~فيقول الرب تعالى لك رجاؤك، فيدخلان الجنة جميعا برحمة الله]. PageV01P130 # وذكر الأوزاعي عن بلاد بن سعيد قال: "يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا ~~أخرجا ووقفا قال الله لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما؟ فيقولان: شر ~~مقيل، وأسوء مصير، ثار إليه العباد، فيقول لهما: بما قدمت أيديكما وما أنا ~~بظلام للعبيد، قال: فيؤمر بصرفهما إلى النار فأما أحدهما فيغدو في أغلاله ~~وسلاسله حتى يقتحمها: وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في ~~أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها: ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها؟ فيقول إني ~~خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانيا. ويقول الذي تلكأ: ما ~~حملك على ما صنعت؟؟ فيقول: حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها ~~فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة". PageV01P131 # الوجه الثاني عشر: أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ~~ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه. وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته، لذلك ~~لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من ~~مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: {نبيء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} (الحجر:49-50)، وقال تعالى: {اعلموا ~~أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم} (المائدة:98)، وقال تعالى: {إن ~~ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأعراف:67)، ومثلها في آخر الأنعام، ~~فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا ~~له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب في أسمائه وصفاته، ~~وإن دخل في مفعولاته لحكمه إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير، فإنه سبحانه ~~دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان، فلم يزل ~~ولا يزال محسنا على الدوام. وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقبا ~~على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه ~~في باب أسماء الله وصفاته، يفتح لك بابا من أبواب معرفته ومحبته. # الوجه الثالث عشر: ms108 وهو قول أعلم خلقه به، وأعرفهم بأسمائه وصفاته [والشر ~~ليس إليك] ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك، بل ~~الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا ~~أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات كمال ~~يحمد عليها ويثنى عليه بها، وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل، وحكمة لا شر فيها ~~بوجه ما، وأسماؤه كلها حسنى، فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ~~ومخلوقاته وهو منفصل عنه، إذ فعله غير مفعوله ففعله خير كله، وأما المخلوق ~~المفعول ففيه الخير والشر. PageV01P132 # وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو ~~صلى الله عليه وسلم لم يقل: أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله، وإنما ~~نفي إضافته إليه وصفة وفعلا وأسماء، وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب ~~وموجباتها. # وأما الخير فهو الإيمان والطاعات وموجباتها، والإيمان والطاعات متعلقة به ~~سبحانه، ولأجلها خلق خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه، وهي ثناء على الرب ~~وإجلاله وتعظيمه وعبوديته، وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها ~~بدوام متعلقها. # وأما الشرور فليست مقصودة لذاتها. ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي ~~مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت ~~وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض. # الوجه الرابع عشر: أنه سبحانه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء. فليس شيء من ~~الأشياء إلا وفيه رحمته ولا ينافي هذا أن يرحم العبد بما يشق عليه ويؤلمه ~~وتشتد كراهته له فإن ذلك من رحمته أيضا كما تقدم. PageV01P133 # وقد ذكرنا حديث أبي هريرة آنفا وقوله تعالى لذينك الرجلين: رحمتي لكما أن ~~تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. وقد جاء في بعض الآثار أن العبد ~~إذا دعا لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال: اللهم ارحمه: يقول الرب تبارك وتعالى: ~~كيف أرحمه من شيء به أرحمه. فالابتلاء رحمة منه لعباده (وفي أثر إلهي) يقول ~~الله ms109 تعالى: "أهل ذكري أهل مجالستي. وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل شكري أهل ~~زيادتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم ~~يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب": فالبلاء ~~والعقوبة أدوية قدرت لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر ~~فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة، وإلا فلا بد له من ~~الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من ~~حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الإنعام ~~عليهم وسبق رحمته لهم لم يبادر إلى إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله. # الوجه الخامس عشر: أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة ~~والعدل، فلا يفعل عبثا ولا جورا ولا باطلا بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن ~~سائر العيوب والنقائص. وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك ~~الخبث وتكمل الطهارة فظاهر، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة ~~زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبد الآباد بحيث يكون دائما بدوام ~~الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة فإن كان يرجع إليهم، فليست مصلحتهم في ~~بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في ~~نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا، على ~~بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد. PageV01P134 # فإن قلتم: إن ذلك هو موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل، وإن ~~قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين. # أحدهما: إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين أن تكون أفعاله ~~معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول ~~والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك. # والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لكان إبقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم ~~بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم ~~يخبر بأبدية العذاب ms110 وأنه لا نهاية له. وغاية الأمر على هذا التقدير: أن ~~يكون من الجائزات الممكنات الموقوف حكمها على خبر الصادق. فإن سلكت طريق ~~التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام، وإن سلكت طريق المشيئة ~~المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا. وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه ~~ما يقتضيه. # السادس عشر: أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم في ~~رحمته، ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته ~~وأسباب النقمة والعذاب متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليهم فرحمته سبقت ~~غضبه فيها وخلقهم على خلقه، تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته. ولهذا ~~ترى أطفال الكفار قد ألقى عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم ~~فرحمته سبقت غضبه فيهم، فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في ~~حال معافاتهم وابتلائهم. # وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية وإن عارضهم أثر ~~الغضب والسخط فذلك لسبب منهم، وما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه فما منه ~~يقتضي رحمته. وما منهم يقتضي عقوبتهم والذي منه سابق غالب، وإذا كانت رحمته ~~تغلب غضبه فلأن يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى. PageV01P135 # الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم ~~عظيم، وعذاب يوم أليم، ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد. # وقد ثبت في الصحيح: تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون ~~في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، والله سبحانه جعل العذاب على ما كان ~~من الدنيا وأسبابها، وما أريد به الدنيا ولم يرد به وجه الله فالعذاب على ذلك. # وأما ما كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب عليه، والدنيا قد جعل لها ~~أجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به. ~~وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به مالا يفني ولا يزول، ~~فيدوم بدوام المراد به، فإن الغاية المطلوبة إذا ms111 كانت دائمة لا تزول لم يزل ~~ما تعلق به بخلاف الغاية المضمحلة الفانية، فما أريد به غير الله يضمحل ~~ويزول بزوال مراده ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد ~~فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من ~~الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف ~~النعيم. # الوجه الثامن عشر: أنه ليس في حكمة أحكم الحاكمين أن يخلق خلقا يعذبهم ~~أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا، وقد دلت الأدلة ~~السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا ~~عذب خلقه عذبهم بحكمه كما يوجب التعذيب والعقوبة في الدنيا وقدره، فإن فيه ~~من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الرديئة بتلك ~~الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها ~~وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم ~~والغايات الحميدة مالا يعلمه إلا الله. PageV01P136 # ولا ريب أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط ~~على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في ~~الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. # ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل ~~العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب ~~العالمين، فإذا عذبوا بالنار عذابا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ ~~والدرن، كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته ولا ينافي الحكمة خلق نفوس ~~فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار، كما يزول بها خبث الذهب والفضة ~~والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة. # أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له، فلا يظهر في ~~الحكمة والرحمة، وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتا، هي ~~شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا. # وعلى تقدير دخوله في ms112 الوجود، فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان ~~وإحالتها وإحالة صفاتها. # فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من ~~تعذيبها، فالله سبحانه قادر أن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة، ويرحمها ~~في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة. # الوجه التاسع عشر: وهو أنه قد ثبت أن الله سبحانه ينشيء للجنة خلقا آخر، ~~يسكنهم إياها، ولم يعملوا خيرا تكون الجنة جزاء لهم عليه، فإذا أخذ العذاب ~~من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت ~~واعترفت لربها وفاطرها بالحمد، وأنه عدل فيها كل العدل، وأنها في هذه الحال ~~كانت في تخفيف منه ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك لفعل. PageV01P137 # وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وأنه ~~لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت، ~~وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على الرب تبارك وتعالى، ولم يكن في حكمته أن ~~يستمر بها في العذاب بعد ذلك، إذ قد تبدل شرها بخيرها، وشركها بتوحيدها ~~وكبرها بخضوعها وذلها. # ولا ينتقص هذا بقوله عز وجل {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} فإن هذا قبل ~~مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث، وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول ~~فإنه سبحانه قال {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} (الأنعام:27-28). # فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث، فأما إذا لبثوا ~~في العذاب أحقابا، والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [الحقب خمسون ألف سنة] ~~فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة ~~في العذاب. # الوجه العشرون: أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث ~~الشفاعة [فيقول الله ms113 عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم ~~يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا ~~خيرا قط قد عادوا حما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة ~~فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. # فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل ~~عملوه ولا خير قدموه]. PageV01P138 # فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار، ~~بحيث صاروا حما، وهو الفحم المحترق بالنار. وظاهر السياق أنه لم يكن في ~~قلوبهم مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ~~نذر فيها خيرا، فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع ~~المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها ~~قوما لم يعملوا خيرا قط. # فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، ومع ~~هذا أخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ~~ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه، بهذا قد شك في ~~المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط. # ومع هذا فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك وأنت أعلم، فما تلافاه ~~أن رحمه الله فلله سبحانه في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر. # وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~[يقول الله عز وجل: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام] ~~قالوا: ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوما ~~واحدا ولا خافه ساعة واحدة، ولا ريب أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار من ~~ذكره وقتا أو خافه في مقام ما، فغير بدع أن تفنى النار ولكن هؤلاء خرجوا ~~منها وهي نار. # الوجه الحادي والعشرون: إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن ~~لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل ms114 وجه ونسبة العدل والحمد والرحمة ~~والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه، ويستعطف ربه تبارك وتعالى عليه، ويستدعي ~~رحمته له. # وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه، ولا سيما إذا ~~اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه، وعلم الله أن ~~ذلك داخل قلبه وسويدائه، فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك. PageV01P139 # وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي ~~أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن آخر رجل ~~يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن، كالغلام يضربه أبوه وهو يفر ~~منه، يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول: يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار، ~~فيوحي الله تبارك وتعالى إليه: عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة ~~أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا رب، وعزتك وجلالك إن نجيتني ~~من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر، ويقول العبد فيما بينه ~~وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار، فيوحي الله ~~إليه: عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد: ~~لا وعزتك وجلالك، ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه: ~~عبدي إن لي عليك بينة، فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا، فيقول: يا ~~رب أرني بينتك فيستنطق الله تعالى جلده بالمحقرات، فإذا رأى ذلك العبد ~~فيقول: يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا أعرف بها منك ~~اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة]، ثم ~~ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه يقول: [هذا أدنى أهل ~~الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه؟]. # فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له ~~والعزم على مرضاته، فما دام أهل النار فاقدين لهذه الروح فهم فاقدون لروح ~~الرحمة فإذا أراد عز وجل أن يرحمهم أو من يشاء ms115 منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه ~~الرحمة، وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة على ذلك، وليس فيه ما يناقض ~~موجب أسمائه وصفاته، وقد أخبر أنه فعال لما يريد. PageV01P140 # الوجه الثاني والعشرون: أنه سبحانه قد أوجب الخلود على معاصي من الكبائر ~~وقيده بالتأييد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاءه: فمنها: قوله تعالى: {ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له ~~عذابا عظيما} (النساء:93). # ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: [من قتل نفسه بحديدة فحديدته في ~~يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا فيها أبدا] وهو حديث صحيح. # وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه: [فيقول الله تبارك وتعالى ~~بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة] وأبلغ من هذا قوله تعالى: {ومن يعص ~~الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} (الجن:23)، فهذا وعيد مقيد ~~بالخلود والتأييد، مع انقطاعه قطعا بسبب من العبد وهو التوحيد، فكذلك ~~الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه، بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة ~~وغلبت رحمته غضبه، فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته ~~كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: [خلق الله الرحمة يوم خلقها ~~مائة رحمة، وقال في آخره فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ~~ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من ~~النار]. # الوجه الثالث والعشرون: أنه لو جاء الخبر منه سبحانه صريحا بأن عذاب ~~النار لا انتهاء له، وأنه أبدي لا انقطاع له، لكان ذلك وعيدا منه سبحانه ~~والله تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أن أخلاقه كرم ~~وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به ويثني عليه به فإنه حق له إن شاء ~~تركه، وإن شاء استوفاه، والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين؟! # وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده، ولم يقل في موضع ~~واحد لا يخلف وعيده. ms116 PageV01P141 # وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هديه بن خالد ثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت ~~البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~[من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه ~~بالخيار]. # وقال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمد بن حمزة حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا ~~الأصمعي قال: "جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو ~~يخلف الله ما وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من أوعده الله على عمله عقابا ~~أيخلف الله وعده عليه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا ~~عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلقا أن تعد شرا، ثم ~~لا تفعله ترى ذلك كرما وفضلا، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله، قال: ~~فأوجدني هذا في كلام العرب، قال: نعم، أما سمعت إلى قول الأول:- # ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ولا أختشي من صولة المتهدد # وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ: الوعد والوعيد حق، فالوعد حق العباد ~~على الله ضمن لهم إذا فعلوه كذا أن يعطيهم وكذا، ومن أولى بالوفاء من الله، ~~والوعيد حقه على العباد قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا فإن شاء عفا، ~~وإن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما بربنا تبارك وتعالى، العفو والكرم إنه غفور ~~رحيم، ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول PageV01P142 ~~فإذا كان هذا في وعيد مطلق، فكيف بوعيد مقرون، استثناء معقب بقوله {إن ربك ~~فعال لما يريد} وهذا إخبار منه أن يفعل ما يريد عقيب قوله إلا ما شاء ربك ~~فهو عائد إليه ولا بد، ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده، إما أن ~~يختص بالمستثنى أو يعود إليهما ms117 وغير خاف أن تعلقه بقوله {إلا ما شاء ربك} ~~أو من تعلقه بقوله {خالدين فيها} وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة، ~~فقالوا: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن، ولم يريدوا بذلك الاستثناء ~~وحده، فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا، وإنما أرادوا عقب الاستثناء ~~بقوله {إن ربك فعال لما يريد} وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام {خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128) فأخبر أن عذابهم في ~~جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن ~~مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وإذا يستحيل تجرد مشيئته ~~عن ذلك. PageV01P143 # الوجه الرابع والعشرون: أن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار الباطلة الفانية ~~الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها ~~وجود، كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليهم من دابة} ~~وقال {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} ~~(النحل:61)، فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع هذا فالذي ~~أظهره من الرحمة في هذه الدار، وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من ~~الرحمة، فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر ~~والمؤمن والكافر، مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ~~ربه والسعي في مساخطته، فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها ~~مضاعفة، على ما في هذه الدار تسعا وتسعين ضعفا، وقد أخذا العذاب من الكفار ~~مأخذه، وانكسرت تلك النفوس وأنهكها العذاب، وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن ~~يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا، بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة ~~والغضب بها فيكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة، وقوى جانب الرحمة أضعاف ~~أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار ~~وأكلته. # وسر الأمر أن أسماء الرحمة والإحسان أغلب وأظهر، وأكثر من أسماء ~~الانتقام، وفعل الرحمة أكثر من فعل ms118 الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من ~~ظهور آثار الانتقام، والرحمة أحب إليه من الانتقام، وبالرحمة خلق خلقه ولها ~~خلقهم، وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه، ووسعت كل شيء، وما خلق ~~بها فمطلوب لذاته، وما خلق بالغضب فمراد لغيره، كما تقدم تقرير ذلك ~~والعقوبة تأديب وتطهير. والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة، والرحمة ~~عطاء وبذل. PageV01P144 # الوجه الخامس والعشرون: أنه سبحانه لا بد أن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة ~~صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين المفترين، ويظهر لهم حكمه ~~الذي هو أعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيها حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن ~~أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد لله رب العالمين ولذلك ~~قال تعالى: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} (الزمر:75)، ~~فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وأن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه. قال ~~الحسن لقد دخلوا النار، وأن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلا. ~~وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} ~~(الزمر:72) حتى كان الكون جميعه قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى ~~حكمته وحمده. # وأما أهل الجنة فقال تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين} (الزمر:73) فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه ورحمته ~~وفضله، فإذا أشهد سبحانه ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة. ~~ووضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها ~~بها، وأن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وأن هذه النفوس ~~الخبيثة الظالمة الفاجرة، لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث ~~تعترف هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وأنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها، ~~وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار. # وليس في الحكمة الإلهية أن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع ~~أبدا، فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء، فهذا نهاية أقدام الفريقين في ~~هذه المسألة، ولعلك لا ms119 تظفر به في غير هذا الكتاب. # فإن قيل: فإلى أين أنتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن، التي هي ~~أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ PageV01P145 # قيل: إلى قوله تبارك وتعالى: {إن ربك فعال لما يريد} (هود:107)، إلى هذا ~~انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول ~~أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل ~~الله بعد ذلك ما يشاء. # بل وإلى ههنا انتهت أقدام الخلائق وما ذكرنا في هذه المسألة بل في الكتاب ~~كله من صواب فمن الله سبحانه، وهو المعان به وما كان من خطأ فمني، ومن ~~الشيطان والله ورسوله برئ منه، وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده والله أعلم. # خاتمة # هذا ما استطعت جمعه من فضائل شيخنا وإمامنا وقدوتنا شيخ الإسلام، أحمد بن ~~الحليم ابن تيمية رحمه الله -جمعناها ردا على الذي زعم بجهله أو بحقده- إن ~~هذا الإمام قد كفره العلماء قبل موته، بل تطاول وقال وإنه لو قدر له أن ~~يقوم من قبره لنفذ فيه حكم الردة ليعلم كل من تعصب لهذا الرجل ونصره رغم ~~باطله أنه قد عمل في هدم الدين، وأساء أعظم إساءة إلى إمام عظيم من أئمة ~~المسلمين لا زال فضله بعد الله على أهل الإسلام منذ عصره وإلى يومنا هذا، ~~ولا زال علمه وكتبه مرجع الباحثين، وقبله طلاب العلم الشرعي الحقيقي ~~أجمعين. # ولا شك أن كثرة التعرض لعرض شيخ الإسلام ابن تيمية إنما هو دليل فضله كما ~~قالت السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سمعت أن أناسا يسبون أبا بكر ~~ويتهمونه قالت: أبا الله أن ينقطع عمله.. فمن سب مؤمنا كان له بهذا الأجر ~~عند الله، وأما الظالم الشاتم فله الخزي والعار في الدنيا والآخرة {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ~~(الأحزاب:58) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله محمد وآله ~~وصحبه أجمعين. PageV01P146 # ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا اغفر لنا ms120 ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. # *************** # ******* # *** PageV01P147 ms121